######OpenITI# #META# URI: 1372KurdCali.RasailBulagha.Hindawi50926304 #META# Tags: literature #META# ID: 50926304 #META# Title: رسائل البلغاء #META# AuthorID: 59604649 #META# Author: محمد كرد علي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # عبد الله بن المقفع وعبد الحميد بن يحيى‏ # القسم الأول: عبد الله بن المقفع‏ # الأدب الصغير لابن المقفع‏ # الدرة اليتيمة لابن المقفع‏ # يتيمة ثانية لابن المقفع‏ # حكم لابن المقفع‏ # رسالة ابن المقفع في الصحابة‏ # تحميد لابن المقفع‏ # القسم الثاني: عبد الحميد بن يحيى الكاتب‏ # رسالة عبد الحميد الكاتب في نصيحة ولي العهد‏ # ومن الرسائل المفردات في الشطرنج‏ # رسالة عبد الحميد إلى الكتاب‏ # القسم الثالث: الرسالة العذراء‏ # الرسالة العذراء‏ # القسم الرابع: رسالة ابن القارح إلى أبي العلاء المعري‏ # رسالة ابن القارح إلى أبي العلاء المعري‏ # القسم الخامس: ملقى السبيل‏ # ملقى السبيل‏ # القسم السادس: رسائل الانتقاد‏ # ترجمة المؤلف ابن شرف القيرواني‏ # رب أعن برحمتك‏ # القسم السابع: كتاب العرب‏ # كتاب العرب‏ # القسم الثامن: رسالة رشيد الدين الوطواط‏ # رسالة رشيد الدين الوطواط‏ # القسم التاسع: منتخب في عهد أزدشير بن بابك الملك في السياسة‏ # منتخب في عهد أزدشير بن بابك الملك في السياسة‏ # القسم العاشر: كتاب الأدب والمروءة‏ # كتاب الأدب والمروءة‏ # عبد الله بن المقفع وعبد الحميد بن يحيى‏ # القسم الأول: عبد الله بن المقفع‏ # الأدب الصغير لابن المقفع‏ # الدرة اليتيمة لابن المقفع‏ # يتيمة ثانية لابن المقفع‏ # حكم لابن المقفع‏ # رسالة ابن المقفع في الصحابة‏ # تحميد لابن المقفع‏ # القسم الثاني: عبد الحميد بن يحيى الكاتب‏ # رسالة عبد الحميد الكاتب في نصيحة ولي العهد‏ # ومن الرسائل المفردات في الشطرنج‏ # رسالة عبد الحميد إلى الكتاب‏ # القسم الثالث: الرسالة العذراء‏ # الرسالة العذراء‏ # القسم الرابع: رسالة ابن القارح إلى أبي العلاء المعري‏ # رسالة ابن القارح إلى أبي العلاء المعري‏ # القسم الخامس: ملقى السبيل‏ # ملقى السبيل‏ # القسم السادس: رسائل الانتقاد‏ # ترجمة المؤلف ابن شرف القيرواني‏ # رب أعن برحمتك‏ # القسم السابع: كتاب العرب‏ # كتاب العرب‏ # القسم الثامن: رسالة رشيد الدين الوطواط‏ # رسالة رشيد الدين الوطواط‏ # القسم التاسع: منتخب في عهد أزدشير بن بابك الملك في السياسة‏ # منتخب في عهد أزدشير بن بابك الملك في السياسة‏ # القسم العاشر: كتاب الأدب والمروءة‏ # كتاب الأدب والمروءة‏ # | رسائل البلغاء # | رسائل البلغاء # تأليف # محمد كرد علي ms001 # | عبد الله بن المقفع وعبد الحميد بن يحيى # نشأ للعربية في أوائل القرن الثاني للهجرة كاتبان بليغان، يصح أن يدعيا واضعي أساس ~~الإنشاء العربي، وناهجي طريقة الكتابة المرسلة، فكانا منارا يهتدى به إلى يوم الناس هذا، ~~ونعني بهما: عبد الله بن المقفع، وعبد الحميد بن يحيى الكاتب. ظهر هذان الإمامان واللغة في ~~نضرتها الأولى، فكان لهما من فطرتهما السليمة أعظم مساعد لهما على النبوغ، وزادت شهرتهما ~~لاتصالهما بالخلفاء والأمراء، ومرانهما على الكتابة في الأغراض الكثيرة التي كانت تطلب ~~إليهما؛ فيخوضان عبابها مجليين مبرزين. # نشأ ابن المقفع في العراق على ما ينشأ عليه أبناء اليسار. وكان والده ينتحل نحلة مجوس ~~الفرس، ولي خراج الفرس للحجاج بن يوسف الثقفي في الدولة الأموية. ولقب بالمقفع؛ لأن ~~الحجاج ضربه فتقفعت يده؛ أي تشنجت، لمدها لأخذ الأموال، على ما يقال. وربي ابنه عبد ~~الله تربية إسلامية، وأولع بالعلم وهو مكفي المؤنة، فجاء منه في سن العشرين ما يندر أن ~~يكون مثله لأبناء الأربعين والخمسين، واتصل بعيسى بن علي عم السفاح والمنصور الخليفتين ~~الأولين من بني العباس، وكتب له واختص به، وأراد أن يدين بالإسلام؛ فجاء إلى عيسى بن علي ~~وقال له: قد دخل الإسلام في قلبي، وأريد أن أسلم على يدك. فقال له عيسى: ليكن ذلك ~~بمحضر من القواد ووجوه الناس، فإذا كان الغد فاحضر، ثم حضر طعام عيسى عشية ذلك اليوم، فجلس ~~ابن المقفع يأكل ويزمزم على عادة المجوس. فقال له عيسى: أتزمزم وأنت على عزم الإسلام. فقال: ~~أكره أن أبيت على غير دين، فلما أصبح أسلم على يده فسمي بعبد الله، وكني بأبي ~~محمد. # أهم كتب ابن المقفع التي طار ذكرها كتاب «كليلة ودمنة» الذي نقله عن الفارسية، ورسالته ~~المعروفة باليتيمة في طاعة السلطان. قال القفطي: وهو أول من اعتنى في الملة الإسلامية ~~بترجمة الكتب المنطقية لأبي جعفر المنصور، وترجم كتب أرسطوطاليس المنطقية الثلاثة، وهي: ~~كتاب قاطيغورياس، وكتاب باري أرمينياس - أو بارميناس - وكتاب أنالوطيقا، وذكر أنه ترجم ~~إيساغوجي تأليف فرفوريوس الصوري. والأرجح أنه ms002 نقل هذه الكتب عن الفارسية أو نقلها له ~~ناقل عن اليونانية، وصاغها هو في قالب عربي فنسبت له، إذ لم يثبت أنه كان يعرف غير ~~الفارسية من اللغات، وعبارة ابن أبي أصيبعة في تاريخ الأطباء تشبه قول القفطي في تراجم ~~الحكماء، والغالب أنهما نقلا عن مصدر واحد مع تغيير طفيف في عبارتيهما. # قال ابن النديم: واسمه بالفارسية روزبه، وهو عبد الله بن المقفع، ويكنى قبل إسلامه ~~أبا عمرو، فلما أسلم اكتنى بأبي محمد. والمقفع بن المبارك، إنما تقفع لأن الحجاج بن يوسف ~~ضربه بالبصرة في مال احتجنه من مال السلطان ضربا مبرحا فتقفعت يده، وأصله من خوز؛ مدينة ~~من كورفاس. وكان يكتب أولا لداود بن عمر بن هبيرة، ثم كتب لعيسى بن علي على كرمان. وكان ~~في نهاية الفصاحة والبلاغة، كاتبا شاعرا فصيحا، وهو الذي عمل شرط عبد الله بن علي على ~~المنصور، وتصعب في احتياطه فيه، فأحفظ ذلك أبا جعفر، فلما قتله سفيان بن معاوية حرقا ~~بالنار، وقع ذلك من المنصور بالموقع الحسن فلم يطلب بثأره وطل دمه. # وكان أحد النقلة من اللسان الفارسي إلى العربي، مضطلعا باللغتين، فصيحا بهما، وقد نقل ~~عدة كتب من كتب الفرس منها كتاب خداينامه في السير، كتاب آيين نامه في الإصر، كتاب كليلة ~~ودمنة، كتاب مزدك، كتاب التاج في سيرة أنوشروان، كتاب الآداب الكبير، ويعرف بماقراحسيس، ~~كتاب الأدب الصغير، كتاب اليتيمة في الرسائل. # وقال: إن أبا الجاموس ثور بن يزيد أعرابي كان يفد البصرة على آل سليمان بن علي، ~~وعنه أخذ ابن المقفع الفصاحة ولا مصنف له. وقال: بلغاء الناس عشرة: عبد الله بن المقفع، ~~عمارة بن حمزة، حجر بن محمد، أنس بن أبي شيخ، وعليه اعتمد أحمد بن يوسف الكاتب، سالم، مسعدة ~~الهرير، عبد الجار بن عدي، أحمد بن يوسف، وذكره في الشعراء والكتاب فقال: إنه مقل، ~~وقال: قد كانت الفرس نقلت في القديم شيئا من كتب المنطق والطب إلى اللغة الفارسية؛ فنقل ~~ذلك إلى العربية عبد الله بن المقفع وغيره. وقال ms003 في الكتب المصنفة في الأسماء والخرافات ~~أن عبد الله بن المقفع من جملة من كان يعمل الأسمار والخرافات على ألسنة الناس والطير ~~والبهائم. # والراجح أن الحسد غلت مراجله في صدور بعض معاصريه، والمعاصرة - كما قيل - حرمان؛ ~~فنسبوا إليه ما نسبوا إلى الزندقة؛ لقصورهم عن بلوغ شأوه، أو لغرض في أنفسهم، قال ابن ~~خلكان نقلا عن الجاحظ: إن ابن المقفع ومطيع بن إياس، ويحيى بن زياد كانوا يتهمون في ~~دينهم. قال بعضهم: كيف نسي الجاحظ نفسه؟ قلنا: وعبارة الجاحظ في بعض رسائله بشأن ابن المقفع ~~تشير إلى قصوره في علم الكلام فقط؛ لأنه قال: فصل، ومن المعلمين ثم من البلغاء ~~المتأدبين عبد الله بن المقفع، ويكنى: أبا عمرو. وكان يتولى لآل الأهتم. وكان مقدما في ~~بلاغة اللسان والقلم والترجمة واختراع المعاني وابتداع السير. وكان جوادا فارسا جميلا، ~~وكان إذا شاء أن يقول الشعر قاله. وكان يتعاطى الكلام ولا يحسن منه لا قليلا ولا كثيرا، ~~وكان ضابطا لحكايات المقالات ولا يعرف من أين غر المغتر ووثق الواثق، وإذا أردت أن تعتبر ~~ذلك إن كنت من خلص المتكلمين ومن النظارين؛ فاعتبر ذلك بأن تنظر في آخر رسالته ~~الهاشمية؛ فإنك تجده جيد الحكاية لدعوى القوم، رديء المدخل في مواضع الطعن عليهم، وقد يكون ~~الرجل يحسن الصنف والصنفين من العلم يظن بنفسه عند ذلك أنه لا يحمل عقله على شيء إلا ~~بعد به. ا.ه. # لا جرم أن إطلاق ابن المقفع لسانه في المعتزلة دعا أحد أئمتها إلى أن يصدر عليه هذا ~~الحكم الغريب، ولكن الجاحظ أيضا على ثبوت تدينه لم يسلم من هذا الطعن كما رأيت. وإن ~~مسألة التهمة في الدين من الأمور التي شاعت في كل عصر ومصر، ويكون المتهمون بها في معظم ~~الأحوال أبرياء، وإلا فكيف تسجل الزندقة على ابن المقفع إذا جرينا مع الدليل. وليست ~~الزندقة بحثا عما يضمره الإنسان في نفسه؛ لأن مثل هذا لا يطلع عليه إلا الله ~~تعالى، ويكفي أن يقال: هلا شققت عن قلبه، بل الزندقة التي تذكر ms004 في الكتب وتترتب عليها ~~الأحكام. وسوغ أن يقال عن فلان إنه زنديق أمور تقوم عليها بينات ظاهرة من أقوال ~~وأفعال، وكلام ابن المقفع في الدين يدل على شدة تمسكه وفرط ميله على ما يتجلى لك من ~~رسائله. ولو كان ثم سبيل لما ينسب إليه، لا سيما مع غضب المنصور عليه؛ لكان الأقرب أن ~~يتقرب مثل المنصور بمثل ذلك، وفيه ما فيه من إرضاء العامة وشفاء الغليل من العدو، بحيث ~~ينتقم منه مع إسقاطه ولا يعدم المنصور حينئذ حيلة في قتله جهارا بهذه التهمة. أما اتهام ~~ابن المقفع بمعارضة القرآن فيتصرف على القاعدة في اتهامه بالزندقة. وما نظن القاضي عياضا ~~والباقلاني إلا ناقلين عن أناس من أهل السذاجة، ومع ذلك فإنهما قالا: إنه أناب. # التهمة بالزندقة أمر نشأت منه مضار كثيرة؛ حتى لم يخل منها مثل الإمام الغزالي الذي ~~كان أعظم أنصار الدين، فانظر إلى كتاب: فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، الذي ألفه ~~في الرد على أولئك الذين نسبوا إليه ما نسبوا؛ فإن فيه الغناء. وأغرب من ذلك المقال على ~~أبي حاتم بن حبان البستي، إمام المحدثين في عصره، وصاحب الصحيح المشهور به، والكتب الممتعة ~~الكثيرة واستحصال الأمر بقتله لو لم ينج من ذلك بعوارض لا تخطر في البال. # ومعارضة القرآن أكثر ما تنسب للزنادقة المشهورين بالأدب، وأفضل من يشيع ذلك أناس يقصدون ~~إهلاك عدوهم بأي وسيلة كانت، أو أناس هم أقرب إلى الزندقة ممن ينسبون إليها؛ حتى إن أبا ~~العلاء المعري، على اضطراب الأقوال في نهاية أمره مع ما علم به من أحواله، قد عزي إليه ~~كتاب كان معروفا في بلاد المغرب يسمى بالفصول والغايات، ولا يتوقف من كان قريب العهد من ~~عصره في أنه عمله في معارضة السور والآيات. وكان كثير ممن يميلون إلى أبي العلاء ~~المعري من أهل المغرب يعجبون مما وقع فيه من سخافة القول الذي ينحط عن جميع كلامه ~~المعروف، مع أنه ليس له يد في الكتابة، كما علم من كتاب سر الفصاحة، وكلامه في رسالة ms005 ~~الغفران ينادي بخلاف ذلك. # وعلى الجملة؛ فإن نسبة الزندقة إلى ابن المقفع لا تثبت بوجه من الوجوه التي تعقل في ~~إثباتها. وإذا نظرنا إلى ما يتعلق بالغيب؛ فالحكم الشرعي أنه هو والناسبون إليه جميعا ~~في معرفة ما ينطوون عليه سواء؛ لأنه لم يذهب أحد إلى أن الإيمان أو لوازمه لرجل ~~بعينه. # وتهمة الزندقة الشنعاء كثيرا ما يتهم بها المشتغلون بالفلسفة أمثال ابن رشد والفارابي، ~~وابن الصائغ، وابن سينا، ونسب لهذا أنه عارض القرآن، وقد كتب رسالة في رد افتراء من ~~افترى عليه ذلك. ومن هنا تظهر لك حسن سياسة المأمون؛ لأن فتح باب البحث عن الزنادقة قد ~~أوجب من المضار ما لا يحصى، كما يعلم من التواريخ، وربما كان عصر المأمون أقرب إلى ~~قلة الزندقة، في الحقيقة، من العصور التي كثر اتهام معظم المفكرين بها، وغيرهم ممن يراد ~~الانتقام منه. # عرفت بهذا أن كلام القائلين بزندقة ابن المقفع، مع ما عرف من كلامه، هو من ذلك الباب. ~~قال المرتضى في أماليه: روى ابن شبة، قال: حدثني من سمع ابن المقفع، وقد مر ببيت نار للمجوس ~~بعد أن أسلم فلمحه، وتمثل: # يا بيت عاتكة الذي أتعزل # حذر العدى وبك الفؤاد موكل # إني لأمنحك الصدود وإنني # قسما إليك مع الصدود لأميل # وقال صاحب الأغاني نقلا عن الجاحظ: كان والبة بن الحباب، ومطيع بن إياس، ومنقذ بن عبد ~~الرحمن الهلالي، وحفص بن أبي وردة، وابن المقفع، ويونس بن أبي فروة، وحماد عجرد، وعلي بن ~~الخليل، وحماد بن أبي ليلى الراوية، وابن الزبرقان، وعمارة بن حمزة، ويزيد بن الفيض، وجميل ~~بن محفوظ، وبشار المرعث، وأبان اللاحقي؛ ندماء يجتمعون على الشراب وقول الشعر، ولا يكادون ~~يفترقون، ويهجو بعضهم بعضا هزلا وعمدا، وكلهم متهم في دينه. # قلنا: واجتماع المتشاكلين قديم في الناس، والغالب أنهم يتحرجون من إدخال من ليس على ~~شاكلتهم في زمرتهم؛ فيتهمون بما هم منه براء، كما اتهم جماعة أبي حيان التوحيدي الذي ~~نقل بعض مجالسهم الفلسفية في مقابساته. وكانوا من أهل النحل المختلفة ms006 تجمع بينهم جامعة ~~العلم والفلسفة، كما جمعت بين ابن المقفع وأصحابه جامعة الأدب. فقالوا: إنهم كانوا ~~يجتمعون على شراب واتهموا بالمروق. وفي كتاب البيان والتبيين للجاحظ ذكر أناس كانوا شديدي ~~التصافي والالتحام مع شدة التباين في المذاهب. # أما كيفية مقتل ابن المقفع: فقد أجمع مترجموه على أنه كان بسبب كتابته أمانا لعبد الله ~~بن علي، قال فيه: ومتى غدر أمير المؤمنين بعمه عبد الله فنساؤه طوالق ودوابه حبس، ~~وعبيده أحرار، والمسلمون في حل من بيعته. فاشتد ذلك على المنصور جدا وخاصة أمر البيعة، ~~وكتب إلى سفيان بن معاوية المهلبي، وهو أمير البصرة من قبله؛ فقتله. وكان سفيان هذا شديد ~~الحنق عليه؛ لأن ابن المقفع، على ما يقال، كان ينال منه ويستخف به، حتى عزم على أن يغتاله ~~فجاءه كتاب المنصور بقتله فقتله سرا في داره. ويقال: إنه عاش ستا وثلاثين سنة. وسأل ~~سليمان وعيسى عنه فقيل: إنه دخل دار سفيان سليما ولم يخرج منها فخاصماه إلى المنصور ~~وأحضراه إليه مقيدا وحضر الشهود الذين شاهدوه وقد دخل داره ولم يخرج، فأقاموا الشهادة عند ~~المنصور. فقال لهم المنصور: أنا أنظر في هذا الأمر. ثم قال لهم: أرأيتم إن قتلت سفيان به؟ ~~ثم خرج ابن المقفع من هذا البيت وأشار إلى باب خلفه وخاطبهم: ما تروني صانعا بكم، أأقتلكم ~~بسفيان؟ فرجعوا كلهم عن الشهادة وأضرب عيسى وسليمان عن ذكره، وعلموا أن قتله كان برضا ~~المنصور. # ولابن المقفع شعر قليل، ولكنه جيد نقل له صاحب الحماسة ثلاثة أبيات، يقال: إنه رثى بها ~~يحيى بن زياد. وقال الأخفش: والصحيح أنه رثى بها ابن أبي العوجاء، وهي: # رزئنا أبا عمرو ولا حي مثله # فلله ريب الحادثات بمن وقع # فإن تك قد فارقتنا وتركتنا # ذوي خلة ما في انسداد لها طمع # لقد جر نفعا فقدنا لك أننا # أمنا على كل الرزايا من الجزع # قال ثعلب: البيت الأخير يدل على مذهبهم في أن الخير ممزوج بالشر والشر ممزوج بالخير، ~~فتأمل. # ومما يذكر عن ابن المقفع ما رواه صاحب ms007 الأغاني وغيره قال: حدثني اليزيدي، قال: ~~حدثني عمي عبيد الله، قال: حدثني أحمد، قال: سمعت جدي أبا محمد يقول: كنت ألقى الخليل بن ~~أحمد، فيقول لي: أحب أن يجمع بيني وبين عبد الله بن المقفع. فجمعت بينهما، فمر لنا أحسن ~~مجلس وأكثره علما، ثم افترقنا فلقيت الخليل، فقلت له: يا أبا عبد الرحمن، كيف رأيت صاحبك؟ ~~قال: ما شئت من علم وأدب إلا أني رأيت علمه أكثر من عقله، ثم لقيت ابن المقفع فقلت له: كيف ~~رأيت صاحبك؟ قال: ما شئت من علم وأدب إلا أن عقله أكثر من علمه. وقال المرتضى: إن من جمعهما ~~كان عباد بن عباد المهلبي، فتحادثا ثلاثة أيام وليالهن. # قال الأصمعي: قيل لابن المقفع: من أدبك؟ فقال: نفسي؛ إذا رأيت من غيري حسنا أتيته، ~~وإن رأيت قبيحا أبيته، ودعاه عيسى بن علي للغداء فقال: أعز الله الأمير، لست يومي للكرام ~~أكيلا. قال: ولم؟ قال: لأني مزكوم، والزكمة قبيحة الجوار، مانعة من عشرة الأحرار. ومن ~~كلامه: شربت من الخطب ريا ولم أضبط لها رويا؛ ففاضت ثم فاضت، فلا هي نظاما وليس غيرها ~~كلاما. # ومما يؤثر عنه وهو ما يدل على رأيه في الإنشاء أنه قال لبعض الكتاب: إياك ~~والتتبع لوحشي الكلام طمعا في نيل البلاغة؛ فإن ذلك هو العي الأكبر. وقال لآخر: ~~عليك بما سهل من الألفاظ مع التجنب لألفاظ السفلة، وقيل له: ما البلاغة؟ فقال: التي إذا ~~سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها. # وفي البيان والتبيين عن إسحاق بن حسان بن فوهة، أنه قال: لم يفسر البلاغة تفسير ابن ~~المقفع أحد قط؛ سئل ما البلاغة؟ قال: البلاغة اسم جامع لمعان تجري في وجوه كثيرة، ~~منها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما ~~يكون في الحديث، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون جوابا، ومنها ما يكون ابتداء، ~~ومنها ما يكون شعرا، ومنها ما يكون سجعا وخطبا، ومنها ما يكون رسائل، فعامة ما يكون ~~من هذه ms008 الأبواب الوحي فيها والإشارة إلى المعنى، والإيجاز هو البلاغة. # فأما الخطب بين السماطين وفي إصلاح ذات البين؛ فالإكثار في غير خطل والإطالة في غير ~~إملال. قال: وليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك، كما أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا ~~سمعت صدره عرفت قافيته، كأنه يقول: فرق بين صدر خطبة النكاح وبين صدر خطبة العيد ~~وخطبة الصلح وخطبة المواكب؛ حتى يكون لكل فن من ذلك صدر يدل على عجزه؛ فإنه لا خير في ~~كلام لا يدل على معناك، ولا يشير إلى مغزاك، وإلى العمود الذي إليه قصدت والغرض الذي إليه ~~نزعت. # قال: فقيل له: فإن مل المستمع الإطالة التي ذكرت أنها حق ذلك الموقف؟ قال: إذا أعطيت ~~كل مقام حقه وقمت بالذي يجب من سياسة ذلك المقام، وأرضيت من يعرف حقوق الكلام؛ فلا تهتم ~~لما فاتك من رضا الحاسد والعدو؛ فإنهما لا يرضيهما شيء، وأما الجاهل فلست منه وليس منك، ~~ورضا جميع الناس شيء لا تناله، وقد كان يقال: «رضاء الناس شيء لا ينال.» # وقال عبد العظيم ابن أبي الأصبع في تحرير التحبير، في البديع، في باب التهذيب والتأديب: ~~قد كان المتقدمون لا يحفلون بالسجع جملة، ولا يقصدونه بتة، إلا ما أتت به الفصاحة في أثناء ~~الكلام واتفق من غير قصد ولا اكتساب، وإن كانت كلماتهم متوازنة، وألفاظهم متناسبة، ومعانيهم ~~ناصعة، وعباراتهم رائقة، وفصولهم متقابلة، وتلك طريقة الإمام علي - عليه السلام - ومن ~~اقتفى أثره من فرسان الكلام؛ كابن المقفع، وسهل بن هارون، وأبي عثمان الجاحظ، وغير هؤلاء من ~~الفصحاء والبلغاء. # وقال الأمين المحبي فيما يعول عليه في المضاف والمضاف إليه: يتيمة ابن المقفع يضرب بها ~~المثل لبلاغتها وبراعة منشئها، وهي رسالة في نهاية الحسن، تشتمل على محاسن من الأدب، وقد ~~ذكرها أبو تمام وأجراها مثلا في قوله للحسن بن وهب: # ولقد شهدتك والكلام لآلئ # تؤم فبكر في الكلام وثيب # فكأن قسا في عكاظ يخطب # وكأن ليلى الأخيلية تندب # وكثير عزة يوم بين ينسب # وابن المقفع في اليتيمة يسهب # وقال ms009 جلال الدين في المزهر نقلا عن أبي الطيب عبد الواحد اللغوي في مراتب النحويين: قال ~~محمد بن سلام: سمعت مشايخنا يقولون: لم يكن للعرب بعد الصحابة أذكى من الخليل بن أحمد ولا ~~أجمع، ولا كان في المعجم أذكى من ابن المقفع ولا أجمع. # وقال المعري في عبث الوليد: كان المتقدمون من أهل العلم ينكرون إدخال الألف واللام على كل ~~وبعض. وروى الأصمعي أنه قال كلاما معناه: قرأت آداب ابن المقفع، فلم أر فيها لحنا إلا في ~~موضع واحد، وهو قوله: العلم أكبر من أن يحاط بكله فخذوا البعض. # وروي أن بعضهم ذكر ابن المقفع فقال: ألفاظه معان، ومعانيه حكم، فصل خطابه شفاء، ~~وخصل بيانه كفاء، وسمع أبو العيناء بعض كلام ابن المقفع فقال: كلامه صريح، ولسانه ~~فصيح، وطبعه صحيح، كأن بيانه لؤلؤ منثور وروض ممطور. وقال جعفر بن يحيى: عبد الحميد أصل ~~وسهل بن هارون فرع، وابن المقفع ثمر، وأحمد بن يوسف زهر. # وعبد الحميد هذا هو الذي يضرب به المثل في البلاغة حتى قيل: فتحت الرسائل بعبد الحميد ~~وختمت بابن العميد. وكان أحمد بن يوسف يقول في رسائل عبد الحميد: ألفاظ محككة وتجارب محنكة. ~~قال صاحب الوفيات: وكان في الكتابة، وفي كل فن من العلم والأدب، إماما، وهو من أهل الشام، ~~وكان أولا معلم صبية يتنقل في البلدان وعنه أخذ المترسلون، ولطريقته لزموا ولآثاره ~~اقتفوا، وهو الذي سهل سبيل البلاغة في الترسل ومجموع رسائله مقدار ألف ورقة. # وقال ابن نباتة: إنه البالغ إلى أعلى المراتب في الكتابة البليغة، يقال: إنه كان في أول ~~عمره معلم صبيان بالكوفة، ثم اتصل بمروان الجعدي قبل أن يصل إلى الخلافة، وصحبه وانقطع ~~إليه، فلما جاء الأمر بالخلافة سجد مروان وسجد أصحابه إلا عبد الحميد. فقال له مروان: ~~لم لا سجدت؟ فقال: ولم أسجد على أن كنت معنا فطرت عنا؛ يعني بالخلافة. فقال: إذن تطير ~~معي. قال: الآن طاب السجود. وسجد. وكان كاتب مروان طول خلافته. # وهو أول من أخذ التحميدات من فصول الكتب، ms010 واستعمل في بعض كتبه الإيجاز البليغ، وفي ~~بعضها الإسهاب المفرط على ما اقتضاه الحال، فمن الإيجاز بعض عمال مروان أهدي إليه عبد ~~أسود فأمره بالإجابة ذاما مختصرا، فكتب: «لو وجدت لونا شرا من السواد وعددا أقل من الواحد ~~لأهديته.» وأما الإسهاب؛ فإنه لما ظهر أبو مسلم الخراساني بدعوة بني العباس كتب إليه ~~عن مروان كتابا يستميله ويضمنه ما لو قرئ لأوقع الاختلاف بين أصحاب أبي مسلم. وكان من ~~كبر حجمه يحمل على جمل، ثم قال لمروان: قد كتبت كتابا متى قرأه بطل تدبيره؛ فإن يك ~~ذلك وإلا فالهلاك. فلما ورد الكتاب على أبي مسلم لم يقرأه وأمر بنار فأحرقه، وكتب على ~~جزازة منه إلى مروان: # محا السيف أسطار البلاغة وانتحى # عليك ليوث الغاب من كل جانب # ولما اشتد الطلب على مروان وتتابعت هزائمه المشهورة قال لعبد الحميد: القوم ~~محتاجون إليك لأدبك، وإن إعجابهم بك يدعوهم إلى حسن الظن بك؛ فاستأمن إليهم وأظهر الغدر ~~بي؛ فلعلك تنفعني في حياتي أو بعد مماتي. فقال عبد الحميد: # أسر وفاء ثم أظهر غدرة # فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره # ثم قال: يا أمير المؤمنين، إن الذي أمرتني به أنفع الأمرين إليك وأقبحهما بي، ولكني ~~أصبر حتى يفتح الله عليك، أو أقتل معك؛ فلما قتل مروان استخفى عبد الحميد فغمز عليه ~~بالجزيرة عند ابن المقفع وكان صديقه، وفاجأهما الطلب وهما في بيت فقال الذين دخلوا: أيكما ~~عبد الحميد؟ فقال كل واحد منهما: أنا؛ خوفا على صاحبه. إلى أن عرف عبد الحميد؛ فأخذ وسلمه ~~السفاح إلى عبد الجبار صاحب شرطته فكان يحمي له طشتا ويضعه على رأسه، إلى أن مات سنة اثنتين ~~وثلاثين ومائة، وقيل: إنه قتل مع مروان في مصر. # قال المسعودي إنه رأى له عقبا بفسطاط مصر، يعرفون ببني مهاجر، وقد كان منهم عدة يكتبون ~~لآل طولون. وكان أبو جعفر المنصور يقول: غلبنا بنو أمية بثلاثة أشياء: بالحجاج وعبد الحميد ~~والمؤذن البعلبكي. وقيل لعبد الحميد: ما الذي مكنك من البلاغة؟ قال: حفظ كلام الأصلع، ms011 يعني: ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه. وقيل له: أيما أحب إليك: أخوك أم ~~صديقك؟ قال: إنما أحب أخي إذا كان صديقي. وقال: أكرموا الكتاب فإن الله تعالى أجرى ~~الأرزاق على أيديهم. وقال: القلم شجرة ثمرتها الألفاظ، والفكر بحر لؤلؤه الحكمة. ومن ~~كلامه: خير الكلام ما كان لفظه فحلا، ومعناه بكرا. # قال صاحب وفيات الأعيان: وكان كثيرا ما ينشد: # إذا خرج الكتاب كانت دويهم # قسيا وأقلام الدوي لها نبلا # ومما نقله عنه أنه ساير يوما مروان بن محمد على دابة قد طالت مدتها في ملكه. فقال له ~~مروان: قد طالت صحبة هذه الدابة لك. فقال: يا أمير المؤمنين، إن من بركة الدابة طول ~~صحبتها وقلة علفها. فقال له: فكيف سيرها؟ فقال: همها أمامها وسوطها عنانها، وما ضربت قط إلا ~~ظلما. # ولعبد الحميد كصديقه وضريعه عبد الله بن المقفع شعر نادر، فمنه: # كفى حزنا أني أرى من أحبه # قريبا ولا غير العيون تترجم # فأقسم لو أبصرتنا حين نلتقي # ونحن سكوت خلتنا نتكلم # هذا ما وصلنا من أخبار هذين الإمامين، ونحن نعلم أن ترجمتهما، على ما أثبتناها هنا؛ ليست ~~مستوفاة من عامة وجوهها، ولكن تلاوة كلامهما أحسن مترجم عنهما؛ إذ كلام المرء قطعة من ~~عقله. # القسم الأول # | عبد الله بن المقفع # | توطئة للناشر # من أعظم ما تدعو الحاجة إليه علم تهذيب الأخلاق؛ لتوقف نجاح الأمم عليه، وهو فن ~~ذو أفنان تحتاج إليه الأفراد على اختلاف طبقاتها، ومع قلة ما انتشر من كتبه ففي ~~جلها من عدم التنقيح وانسجام العبارات، ما يصد كثيرا من الطالبين عن الإقبال ~~عليها؛ ومن ثم كثر بحثنا عن كتب تفي بهذا المطلب مع رشاقة مبانيها؛ لتكون ~~الفائدة مزدوجة، وهو أقصى آمال الذين يسعون في إحياء اللغة العربية وإعادتها إلى ما ~~كانت عليه في عهدها الأول. # ولما ذهبت إلى مدينة بعلبك (سنة 1223ه)، رأيت عند بعض الأفاضل الواردين عليها ~~مجموعا استعاره من بعض أعيانها؛ فرأيت فيه الضالة المنشودة، وهي رسالة الأدب الصغير ~~لعبد الله بن المقفع ms012 ، الكاتب الذي يضرب ببلاغته المثل، فكتبتها بخطي في نحو يوم، ~~وأرجو أن ييسر لنشرها من عرف بحسن الطبع ليعم بها النفع، والله الموفق. ~~••• # وهذا بيان الرسائل التي في المجموع المذكور: ~~(1) # كتاب: عجائب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وهو في نحو ~~ثلاث كراسات، يشتمل على ما نقل عنه من بدائع الأحكام. ~~(2) # ذكر الخلائف وعنوان المعارف، تأليف الصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد. ~~أوله: «الحمد لله الواحد العدل، وصلى الله على النبي وخيرة الأهل، قد ~~أسعفتك بالمجموع الذي التمسته في نسب النبي - عليه السلام - وبنيه وبناته ~~وأعمامه وعماته، وجمل من غزواته وسائر ما يتصل بذلك.» وهو اثنتا عشرة ~~ورقة وفي آخره، وكتب في رجب سنة عشرين وأربعمائة. ~~(3) # رسالة إلى أحمد بن أبي دؤاد، في فضل العلم، وهي «3» أوراق وفي آخرها: ~~«وكتب في شهر ربيع الأول سنة عشرين وأربعمائة.» ~~(4) # ويتلوها كتاب: الأدب الصغير الذي نقلناه، وهو في الصفحة اليسرى من آخر ~~ورقة من الرسالة السابقة بخط كاتب واحد، فتكون كتابتها في التاريخ المذكور، ~~ولم يذكر في آخرها تاريخ. ~~(5) # ويتلوه كتاب: ذخائر الحكمة، تأليف أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، ~~وهو في نحو ثلاث وعشرين ورقة. ~~(6) # مختصر من كتاب: جاويدان خرد في حكم الفرس والهند والروم والعرب، تأليف ~~أحمد بن مسكويه، وهو في أكثر من كراس. # | الأدب الصغير لابن المقفع # بسم الله الرحمن الرحيم # أما بعد: فإن لكل مخلوق حاجة، ولكل حاجة غاية، ولكل غاية سبيلا، والله وقت ~~للأمور أقدارها، وهيأ إلى الغايات سبلها، وسبب الحاجات ببلاغها، فغاية ~~الناس وحاجاتهم صلاح المعاش والمعاد. # والسبيل إلى دركها العقل الصحيح، وأمارة صحة العقل اختيار الأمور بالبصر، ~~وتنفيذ البصر بالعزم، وللعقول سجيات وغرائز بها تقبل الأدب، وبالأدب تنمي العقول ~~وتزكو، فكما أن الحبة المدفونة في الأرض لا تقدر على أن تخلع يبسها وتظهر قوتها وتطلع ~~فوق الأرض بزهرتها ونضرتها وريعها ونمائها إلا بمعونة الماء الذي يغور إليها في ~~مستودعها؛ فيذهب عنها أذى اليبس والموت ويحدث لها - بإذن الله - القوة والحياة؛ فكذلك ms013 ~~سليقة العقل مكنونة في مغرزها من القلب، لا قوة لها، ولا حياة بها، ولا منفعة عندها؛ ~~حتى يعتملها الأدب الذي هو نماؤها وحياتها ولقاحها. وجل الأدب بالمنطق، وكل ~~المنطق بالتعلم، ليس حرف من حروف معجمه ولا اسم من أنواع أسمائه إلا وهو مروي ~~متعلم مأخوذ عن إمام سابق من كلام أو كتاب، وذلك دليل على أن الناس لم يبتدعوا ~~أصولها، ولم يأتهم علمها إلا من قبل العليم الحكيم. # فإذ خرج الناس من أن يكون لهم عمل أصيل، وأن يقولوا قولا بديعا، فليعلم ~~الواصفون المخبرون أن أحدهم، وإن أحسن وأبلغ؛ ليس زائدا على أن يكون كصاحب فصوص وجد ~~ياقوتا وزبرجدا ومرجانا، فنظمه قلائد وسموطا وأكاليل، ووضع كل فص موضعه، ~~وجمع إلى كل لون شبهه؛ مما يزيده بذلك حسنا، فسمي بذلك صائغا رفيقا، وكصاغة ~~الذهب والفضة صنعوا منها ما يعجب الناس من الحلي والآنية، وكالنحل وجدت ثمرات ~~أخرجها الله طيبة وسلكت سبلا جعلها الله ذللا، فصار ذلك شفاء وطعاما وشرابا ~~منسوبا إليها مذكورا به أمرها وصنعتها. فمن جرى على لسانه كلام يستحسنه أو يستحسن ~~منه فلا يعجبن به إعجاب المخترع المبتدع؛ فإنه إنما اجتباه - كما وصفنا. # ومن أخذ كلاما حسنا عن غيره، فتكلم به في موضعه على وجهه فلا يرين عليه في ~~ذلك ضئولة؛ فإنه من أعين على حفظ قول المصيبين وهدي للاقتداء بالصالحين ووفق ~~للأخذ عن الحكماء، فلا عليه ألا يزداد؛ فقد بلغ الغاية. وليس بناقصه في رأيه ولا ~~بغائضه من حقه، ألا يكون هو استحدث ذلك وسبق إليه، وإنما حياة العقل الذي يتم ~~به ويستحكم خصال ست: الإيثار بالمحبة، والمبالغة في الطلب، والتثبت في الاختيار، ~~والاعتقاد للخير، وحسن الوعي، والتعهد لما اختير واعتقد، ووضع ذلك موضعه، قولا ~~وعملا. # أما المحبة؛ فإنما يبلغ المرء مبلغ الفضل في كل شيء من أمر الدنيا والآخرة حين يؤثر ~~بمحبته؛ فلا يكون شيء أمرأ ولا أحلى عنده منه، وأما الطلب فإن الناس لا يغنيهم ~~حبهم ما يحبون، وهواهم ما يهوون عن طلبه وابتغائه ولا يدرك ms014 لهم بغيتهم ~~نفاستها في أنفسهم دون الجد والعمل، وأما التثبت والتخير فإن الطلب لا ينفع إلا ~~معه وبه، فكم من طالب رشد وجده والغي معا! فاصطفى منهما الذي منه هرب وألغى ~~الذي إليه سعى، فإذا كان الطالب يحوي غير ما يريد وهو لا يشك بالظفر فما أحقه بشدة ~~التبين وحسن الابتغاء. # وأما اعتقاد الشيء بعد استبانته؛ فهو ما يطلب من إحراز الفضل بعد معرفته. # وأما الحفظ والتعهد فهو تمام الدرك؛ لأن الإنسان موكل به النسيان ~~والغفلة فلا بد له إذا اجتبى صواب قول أو فعل من أن يحفظه عليه ذهنه لأوان حاجته، ~~وأما البصر بالموضع؛ فإنما تصير المنافع كلها إلى وضع الأشياء مواضعها، وبنا إلى هذا ~~كله حاجة شديدة؛ فإننا لم نوضع في الدنيا موضع غناء وخفض، ولكن موضع فاقة وكد، ولسنا ~~إلى ما يمسك بأرماقنا من المطعم والمشرب بأحوج منا إلى ما يثبت عقولنا من الأدب الذي ~~به تفاوت العقول. وليس غذاء الطعام بأسرع في نبات الجسد من غذاء الأدب في نبات ~~العقل، ولسنا بالكد في طلب المتاع الذي يلتمس به دفع الضر والعيلة بأحق منا بالكد في ~~طلب العلم الذي يلتمس به صلاح الدين والدنيا. # وقد وضعت في هذا الكتاب من كلام الناس المحفوظ حروفا، فيها عون على عمارة القلوب ~~وصقالها، وتجلية أبصارها وإحياء للتفكير وإقامة للتدبير، ودليل على محامد الأمور ~~ومكارم الأخلاق - إن شاء الله. # الواصفون أكثر من العارفين، والعارفون أكثر من الفاعلين، فلينظر امرؤ أين يضع نفسه، ~~فإن لكل امرئ لم تدخل عليه آفة نصيبا من اللب يعيش به، لا يحب أن له به من ~~الدنيا ثمنا. وليس كل ذي نصيب من اللب بمستوجب أن يسمى في ذوي الألباب، ولا أن يوصف ~~بصفاتهم، فمن رام أن يجعل نفسه لذلك الاسم والوصف أهلا فليأخذ له عتاده، ~~وليعد له طول أيامه، وليؤثره على أهوائه؛ فإنه قد رام أمرا جسيما لا يصلح على ~~الغفلة، ولا يدرك بالمعجزة، ولا يصير على الأثرة. وليس كسائر أمور الدنيا وسلطانها ~~ومالها وزينتها التي ms015 قد يدرك منها المتواني ما يفوت المثابر، ويصيب منها العاجز ما ~~يخطئ الحازم. # وليعلم أن على العامل أمورا إذا ضيعها حكم عليه عقله بمقارنة الجهال، فعلى ~~العامل أن يعلم أن الناس مشتركون مستوون في الحب لما يوافق، والبغض لما يؤذي، ~~وأن هذه منزلة اتفق عليها الحمقى والأكياس، ثم اختلفوا بعدها في ثلاث خصال هن جماع ~~الصواب وجماع الخطأ، وعندهن تفرقت العلماء والجهال والحزمة والعجزة. # الباب الأول من ذلك: # أن العاقل ينظر فيما يؤذيه وفيما يسره، فيعلم أن أحق ذلك بالطلب - إن كان ~~مما يحب - وأحقه بالاتقاء - إن كان مما يكره - أطوله وأدومه وأبقاه، فإذا هو قد أبصر ~~فضل الآخرة على الدنيا، وفضل سرور المروءة على لذة الهوى، وفضل الرأي الجامع العام الذي ~~تصلح به الأنفس والأعقاب على حاضر الرأي الذي يستمتع به قليلا ثم يضمحل، وفضل الأكلات ~~على الأكلة والساعات على الساعة. # والباب الثاني: # أن ينظر فيما يؤثر من ذلك فيضع الرجاء والخوف فيه موضعه، فلا ~~يجعل اتقاءه لغير المخوف، ولا رجاءه في غير المدرك، فيترك عاجل اللذات طلبا ~~لآجلها، ويحتمل قريب الأذى توقيا لبعيده، فإذا صار إلى العاقبة بدا له أن فراره كان ~~تورطا، وأن طلبه كان تنكبا. # والباب الثالث من ذلك: # هو تنفيذ البصر بالعزم بعد المعرفة بفضل الذي هو أدوم، ~~وبعد التثبت في مواضع الرجاء والخوف؛ فإن طالب الفضل بغير بصر تائه حيران، ومبصر ~~الفضل بغير عزم ذو زمانة محروم، وعلى العاقل مخاصمة نفسه ومحاسبتها والقضاء عليها، ~~والإبانة لها، والتنكيل بها. # أما المحاسبة؛ فيحاسبها بما لها؛ فإنه لا مال لها إلا أيامها المعدودة ~~التي ما ذهب منها لم يستخلف كما تستخلف النفقة، وما جعل منها في الباطل لم ~~يرجع إلى الحق؛ فيتنبه لهذه المحاسبة عند الحول إذا حال، والشهر إذا انقضى، واليوم ~~إذا ولى، فينظر فيما أفنى من ذلك، وما كسب لنفسه فيه وما اكتسب عليها في أمر الدين ~~وأمر الدنيا، فيجمع ذلك في كتاب فيه إحصاء وجد وتذكير، وتبكيت للنفس، وتذليل لها؛ حتى ~~تعترف وتذعن. # وأما ms016 الخصومة؛ فإن من طباع النفس الأمارة بالسوء أن تدعي المعاذير فيما مضى ~~والأماني فيما بقي؛ فيرد عليها معاذيرها وعللها وشبهاتها. # وأما القضاء؛ فإنه يحكم فيما أرادت من ذلك على السيئة بأنها فاضحة مردية موبقة، ~~وللحسنة بأنها زائنة منجية مربحة، وأما الإبانة والتنكيل؛ فإنه يسر نفسه ~~بتذكر تلك الحسنات ويرجو عواقبها وتأميل فضلها، ويعاقب نفسه بالتذكر للسيئات ~~والبشع بها، والاقشعرار منها والحزن لها. # فأفضل ذوي الألباب أشدهم لنفسه بهذا أخذا وأقلهم عنها فترة. وعلى العاقل أن ~~يذكر الموت في كل يوم وليلة مرارا، ذكرا يباشر القلوب ويقذع الطماح؛ فإن في كثرة ~~ذكر الموت عصمة من الأشر، وأمانا - بإذن الله - من الهلع. # وعلى العاقل أن يحصي على نفسه مساويها في الدين وفي الرأي وفي الأخلاق وفي ~~الآداب، فيجمع ذلك كله في صدر أو في كتاب، ثم يكثر عرضه على نفسه، ويكلفها إصلاحه ~~ويوظف ذلك عليها توظيفا من إصلاح الخلة، أو الخلتين والخلال في اليوم أو الجمعة أو ~~الشهر، فكلما أصلح شيئا محاه، وكلما نظر إلى ثابت اكتأب. # وعلى العاقل أن يتفقد محاسن الناس، ويحفظها، ويحصيها، ويصنع في توظيفها على ~~نفسه وتعهدها بذلك مثل الذي وصفنا في إصلاح المساوي. # وعلى العاقل ألا يخادن، ولا يصاحب ولا يجاور من الناس ما استطاع إلا ذا فضل في ~~الدين والعلم والأخلاق فيأخذ عنه، أو موافقا له على صلاح ذلك فيؤيد ما عنده، وإن لم ~~يكن له عليه فضل؛ فإن الخصال الصالحة من البر لا تحيا ولا تنمي إلا بالموافقين ~~والمهذبين والمؤيدين. وليس لذي الفضل قريب ولا حميم هو أقرب إليه وأحب ممن وافقه على ~~صالح الخصال فزاده وثبته؛ ولذلك زعم بعض الأولين: أن صحبة بليد نشأ مع ~~العلماء أحب إليهم من صحبة لبيب نشأ مع الجهال. # وعلى العاقل ألا يحزن على شيء فاته من الدنيا أو تولى، وأن ينزل ما أصاب من ~~ذلك، ثم انقطع عنه منزلة ما لم يصب، وينزل ما طلب من ذلك ثم لم يدركه منزلة ما لم ~~يطلب؛ ولا يدع حظه من ms017 السرور بما أقبل منها، ولا يبلغن سكرا ولا طغيانا؛ فإن مع ~~السكر النسيان، ومع الطغيان التهاون، ومن نسى وتهاون خسر. # وعلى العاقل أن يؤنس ذوي الألباب بنفسه ويجرئهم عليها، حتى يصيروا حرسا على سمعه ~~وبصره ورأيه، فيستنيم إلى ذلك، ويريح له قلبه ويعلم أنهم لا يغفلون عنه إذا هو ~~غفل عن نفسه. # وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على نفسه ألا يشغله شغل عن أربع ساعات: ساعة ~~يرفع فيها حاجته إلى ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفضي فيها إلى إخوانه وثقاته ~~الذين يصدقونه عن عيوبه وينصحونه في أمره، وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذتها ~~مما يحل ويجمل؛ فإن هذه الساعات عون على الساعات الأخر، وإن استجمام القلوب ~~وتوديعها زيادة قوة لها وفضل بلغة. # وعلى العاقل ألا يكون راغبا إلا في إحدى ثلاث خصال: تزود لمعاد، أو مرمة ~~لمعاش، أو لذة في غير محرم. # وعلى العاقل أن يجعل الناس طبقتين متباينتين، ويلبس لهم لباسين مختلفين: فطبقة من ~~العامة، يلبس لهم لباس انقباض وانحجاز وتحرز وتحفظ في كل كلمة وخطوة، وطبقة من ~~الخاصة يخلع عندهم لباس التشدد ويلبس لباس الأنسة واللطف والبذلة والمفاوضة، ولا يدخل ~~في هذه الطبقة إلا واحد من ألف، كلهم ذو فضل في الرأي، وثقة في المودة، وأمانة ~~في السر، ووفاء بالإخاء. # وعلى العاقل ألا يستصغر شيئا من الخطأ في الرأي والزلل في العلم والإغفال في ~~الأمور؛ فإن من استصغر الصغير أوشك أن يجمع إليه صغيرا وصغيرا، فإذا الصغير كبير، ~~وإنما هي ثلم يثلمها العجز والتضييع، فإذا لم تسد أوشكت أن تنفجر بما لا يطاق، ولم نر ~~شيئا قط قد أتي إلا من قبل الصغير المتهاون به. # قد رأينا الملك يؤتى من قبل العدو المحتقر، ورأينا الصحة تؤتى من الداء الذي ~~لا يحفل به، ورأينا الأنهار تنبثق من الجدول الذي يستخف به، وأقل الأمور احتمالا ~~للضياع الملك؛ لأن ليس منه شيء يضيع وإن كان صغيرا إلا اتصل بآخر يكون ~~عظيما. # وعلى العاقل أن يجبن عن الرأي الذي ms018 لا يجد عليه موافقا، وإن ظن أنه على ~~اليقين. # وعلى العاقل أن يعرف أن الرأي والهوى متعاديان، وأن من شأن الناس ~~تسويف الرأي وإسعاف الهوى، فيخالف ذلك ويلتمس ألا يزال هواه مسوفا، ورأيه ~~مسعفا. # وعلى العاقل إذا اشتبه عليه أمران فلم يدر في أيهما الصواب أن ينظر أهواهما ~~عنده فيحذره، من نصب نفسه للناس إماما في الدين، فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه ~~وتقويمها في السيرة والطعمة، والرأي واللفظ والأخدان؛ فيكون تعليمه بسيرته أبلغ من ~~تعليمه بلسانه؛ فإنه كما أن كلام الحكمة يؤنق الأسماع، فكذلك عمل الحكمة يروق ~~العيون والقلوب، ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال والتفضيل من معلم الناس ~~ومؤدبهم. # ولاية الناس بلاء عظيم. # وعلى الوالي أربع خصال هي أعمدة السلطان وأركانه التي بها يقوم وعليها ~~يثبت: الاجتهاد في التخير، والمبالغة في التقدم، والتعهد الشديد، والجزاء ~~العتيد. # أما التخير للعمال والوزراء؛ فإنه نظام الأمر ووضع مؤنة البعيد ~~المنتشر؛ فإنه عسى أن يكون بتخيره رجلا واحدا قد اختار ألفا؛ لأنه من كان من العمال ~~خيارا فسيختار كما اختير. ولعل عمل العامل وعمل عماله يبلغون عددا كثيرا، فمن ~~تبين التخير؛ فقد أخذ بسبب وثيق، ومن أسس أمره على غير ذلك لم تجد لبنيانه قواما، ~~وأما التقديم والتوكيل؛ فإنه ليس كل ذي لب أو ذي أمانة يعرف وجوه الأمور ~~والأعمال، ولو كان بذلك عارفا لم يكن صاحبه حقيقا أن يكل ذلك إلى علمه دون توقيفه ~~عليه وتبيينه له والاحتجاج به عليه، وأما التعهد فإن الوالي إذا فعل ذلك كان ~~سميعا بصيرا، وإن العامل إذا فعل ذلك به كان متحصنا حريزا، وأما الجزاء فإنه ~~تثبيت المحسن، والراحة من المسيء. # لا يستطاع السلطان إلا بالوزراء والأعوان، ولا تنفع الوزراء إلا بالمودة والنصيحة، ~~ولا المودة إلا مع الرأي والعفاف. وأعمال السلطان كثيرة، وقلما تستجمع الخصال ~~المحمودة عند أحد، وإنما الوجه في ذلك والسبيل إليه الذي يستقيم به العمل، أن يكون ~~صاحب السلطان عالما بأمور من يريد الاستعانة به، وما عند كل رجل من الرأي ~~والغناء، وما فيه ms019 من العيوب؛ فإذا استقر ذلك عنده عن علمه، وعلم من يأتمن وجه لكل ~~عمل من قد عرف أن عنده من الرأي والنجدة والأمانة ما يحتاج إليه فيه، وأن ما فيه ~~من العيوب لا يضر بذلك ويتحفظ من أن يوجه أحدا وجها لا يحتاج فيه إلى مروءة إن كانت ~~عنده، ولا يأمن عيوبه وما يكره منه. # ثم على الملوك، بعد ذلك، تعهد عمالهم، وتفقد أمورهم؛ حتى لا يخفى عليهم إحسان ~~محسن ولا إساءة مسيء. # ثم عليهم بعد ذلك ألا يتركوا محسنا بغير جزاء، ولا يقروا مسيئا ولا عاجزا ~~على الإساءة والعجز؛ فإنهم إن تركوا ذلك تهاون المحسن، واجترأ المسيء وفسد الأمر ~~وضاع العمل. # اقتصاد السعي أبقى للجمام، وفي بعد الهمة يكون النصب، ومن سأل فوق قدره ~~استحق الحرمان. # سوء حمل الغنى أن يكون عند الفرح مرحا، وسوء حمل الفاقة أن يكون عند الطلب ~~شرها، وعار الفقر أهون من عار الغنى، والحاجة مع المحبة خير من الغنى مع البغضة. ~~والدنيا دول؛ فما كان منها لك أتاك على ضعفك، وما كان عليك لم تدفعه ~~بقوتك. # إذا جعل الكلام مثلا كان أوضح للمنطق، وأبين في المعنى، وآنق للسمع، ~~وأوسع لشعوب الحديث. # أشد الفاقة عدم العقل، وأشد الوحدة وحدة اللجوج، ولا مال أفضل من ~~العقل، ولا أنس آنس من الاستشارة. # مما يعتبر به صلاح الصالح وحسن نظره للناس؛ أن يكون إذا استعتب المذنب ~~ستورا لا يشيع، وإذا استشير سمحا بالنصيحة مجتهدا للرأي، وإذا استشار ~~مطرحا للحياء، ومعترفا للحق. # القسم الذي يقسم للناس ويمتعون به نحوان: فمنه حارس، ومنه محروس، فالحارس ~~العقل، والمحروس المال. # والعقل - بإذن الله - هو الذي يحرز الحظ ويؤنس الغربة، وينفي الفاقة ويعرف ~~النكرة، ويثمر المكسبة ويطيب الثمرة ويوجه السوقة عند السلطان، ويستنزل للسلطان ~~نصحة السوقة، ويكسب الصديق، وينفي العدو. # كلام اللبيب وإن كان نزرا أدب عظيم، ومقارفة المأثم وإن كان محتقرا مصيبة ~~جليلة، ولقاء الإخوان وإن كان يسيرا غنم حسن. # قد يسعى إلى أبواب السلطان أجناس من الناس كثيرا، أما الصالح فمدعو ms020 ، وأما ~~الطالح فمقتحم، وأما ذو الأدب فطالب، وأما من لا أدب له فمحتبس، وأما القوي ~~فمدافع، وأما الضعيف فمدفوع، وأما المحسن فمستثيب، وأما المسيء فمستجير؛ فهو مجمع البر والفاجر، والعالم والجاهل، والشريف ~~والوضيع. # الناس إلا قليلا ممن عصم الله مدخولون في أمورهم: فقائلهم باغ، وسامعهم ~~عياب، وسائلهم متعنت، ومجيبهم متكلف، وواعظهم غير محقق لقوله بالفعل، وموعوظهم ~~غير سليم من الاستخفاف، والأمين منهم غير متحفظ من إتيان الخيانة، وذو الصدق غير ~~محترس من حديث الكذبة، وذو الدين غير متورع عن تفريط الفجرة، والحازم منهم غير تارك ~~لتوقع الدوائر، يتناقضون البنى، ويترقبون الدول. # ويتعاطون القبيح، ويتعاينون بالغمز، ويرعون في الرخاء بالتحاسد، وفي الشدة ~~بالتجاذب. # ثم قد انتزعت الدنيا ممن قد استمكن منها، واعتكفت له فأصبحت الأعمال ~~أعمالهم والدنيا دنيا غيرهم، وأخذ متاعهم من لم يحمدهم، وخرجوا إلى من لا يعذرهم، ~~فأصبحنا خلفا من بعدهم نتوقع مثل الذي نزل بهم، فنحن إذا تدبرنا أمورهم أحقاء ~~أن ننتظر ما نغبطهم به فنتبعه، وما نخاف عليهم منه فنجتنبه. # كان يقال: إن الله تعالى قد يأمر بالشيء ويبتلي بثقله، وينهى عن الشيء ويبتلي ~~بشهوته، فإذا كنت لا تعمل من الخير إلا ما اشتهيت، ولا تترك من الشر إلا ما كرهت؛ فقد ~~أطلعت الشيطان على عورتك وأمكنته من أزمتك، فأوشك أن يقتحم عليك فيما تحب من الخير ~~فيكرهه إليك، وفيما تكرهه من الشر فيحببه إليك. # ولكن ينبغي لك في حب ما تحب من الخير التحامل على ما يستثقل منه، وينبغي لك في ~~كراهة ما تكره من الشر التجنب لما تحب منه. # للدنيا زخرف يغلب الجوارح ما لم تغلبه الألباب، والحكيم من لم يغض عليه ~~طرفه، ولم يشغل به قلبه اطلع من أدناه فيما وراءه، وذكر في بدئه لواحق شره، فأكل ~~مره وشرب كدره ليحلو لي وله ويصفو في طول من إقامة العيش الذي يبقى ويدوم، غير ~~عائف للرشد إن لم يلقه برضاه، ولم يأته من طريق هواه. # لا تألف المستوخم، ولا تقم على غير الثقة، قد بلغ ms021 فضل الله على الناس من ~~السعة، وبلغت نعمته عليهم من السبوغ ما لو أن أخسهم حظا وأقلهم منه نصيبا، ~~وأضعفهم علما، وأعجزهم عملا وأعياهم لسانا بلغ من الشكر له، والثناء عليه بما خلص ~~إليه من فضله، ووصل إليه من نعمته ما بلغ له منه أعظمهم حظا، وأوفرهم نصيبا وأفضلهم ~~علما، وأقواهم عملا، وأبسطهم لسانا؛ لكان عما استوجب الله عليه مقصرا، وعن بلوغ ~~غاية الشكر بعيدا، ومن أخذ بحظه من شكر الله وحمده ومعرفة نعمه والثناء عليه ~~والتحميد له؛ فقد استوجب بذلك من أدائه إلى الله والقربة عنده والوسيلة إليه، والمزيد ~~فيما شكره عليه؛ خير الدنيا وحسن ثواب الآخرة. # أفضل ما يعلم به علم ذي العلم، وصلاح ذي الصلاح أن يستصلح، بما أوتي من ~~ذلك، من استطاع من الناس، ويرغبهم فيما رغب فيه لنفسه من حب الله، وحب حكمته ~~والعمل بطاعته والرجاء لحسن ثوابه في المعاد إليه، وأن يبين الذي لهم من الأخذ بذلك، ~~والذي عليهم في تركه، وأن يورث ذلك أهله ومعارفه، ليلحقه أجره من بعد الموت. # الدين أفضل المواهب التي وصلت من الله تعالى إلى خلقه، وأعظمها منفعة، وأحمدها في ~~كل حكمة؛ فقد بلغ فضل الدين والحكمة أن مدحا على ألسنة الجهال على جهالتهم بهما، ~~وعماهم عنهما. # أحق الناس بالسلطان أهل الرأفة، وأحقهم بالتدبير العلماء، وأحقهم بالعلم ~~أحسنهم تأديبا. # وأحقهم بالغنى أهل الجود، وأقربهم من الله أنفذهم في الحق علما وأكملهم به ~~عملا، وأحكمهم أبعدهم من الشك في الله تعالى، وأصوبهم رجاء أوثقهم بالله، ~~وأشدهم انتفاعا بعلمه أبعدهم من الأذى، وأرضاهم في الناس أفشاهم معروفا، ~~وأقواهم أحسنهم معونة، وأشجعهم أشدهم على الشيطان، وأفلجهم بالحجة أغلبهم ~~للشهوة والحرص، وآخذهم بالرأي أتركهم للهوى، وأحقهم بالمودة أشدهم لنفسه حياء، ~~وأجودهم أصوبهم بالعطية موضعا، وأطولهم راحة أحسنهم للأمور احتمالا، وأقلهم ~~دهشا أرحبهم ذرعا، وأوسعهم غنى أقنعهم بما أوتي، وأخفضهم عيشا أبعدهم من الإفراط، ~~وأظهرهم جمالا أظهرهم حصافة، وآمنهم في الناس أكلهم نابا ومخلبا، وأثبتهم ~~شهادة عليهم أنطقهم عنهم، وأعدلهم فيهم أدومهم مسالمة لهم ms022 ، وأحقهم بالنعم أشكرهم ~~لما أوتي منها. # أفضل ما يورث الآباء الأبناء الثناء الحسن، والأدب النافع، والإخوان ~~الصالحين. # فصل: فضل ما بين الدين والرأي: أن الدين يسلم بالإيمان، وأن الرأي يثبت ~~بالخصومة، فمن جعل الدين خصومة، فقد جعل الدين رأيا، ومن جعل الدين رأيا، فقد صار ~~شارعا، ومن كان هو يشرع لنفسه الدين فلا دين له. # قد يشتبه الدين والرأي في أماكن، لولا تشابههما لم يحتاجا إلى ~~الفصل. # العجب آفة العقل، واللجاجة قعود الهوى، والبخل لقاح الحرص، والمراء ~~فساد اللسان، والحمية سبب الجهل، والأنف توأم السفه، والمنافسة أخت العداوة. # إذا هممت بالخير فبادر هواك لا يغلبك، وإذا هممت بشر فسوف ~~هواك لعلك تظفر؛ فإن ما مضى من الأيام والساعات على ذلك، هو الغنم. # لا يمنعنك صغر شأن امرئ من اجتباء ما رأيت من رأيه صوابا، واصطفاء ما رأيت من ~~أخلاقه كريما؛ فإن اللؤلؤة الفائقة لا تهان لهوان غائصها الذي استخرجها. # من أبواب الترفق والتوفيق في التعليم أن يكون وجه الرجل الذي ~~يتوجه فيه من العلم والأدب فيما يوافق طاعة، ويكون له عنده محمل وقبول، فلا يذهب عناؤه ~~في غير غناء ولا تفنى أيامه في غير درك، ولا يستفرغ نصيبه فيما لا ينجع فيه، ولا ~~يكون كرجل أراد أن يعمر أرضا تهمة، فغرسها جوزا ولوزا، وأرضا جلسا ~~فغرسها نخلا وموزا. # العلم زين لصاحبه في الرخاء، ومنجاة له في الشدة. # بالأدب تعمر القلوب، وبالعلم تستحكم الأحلام، فالعقل الزاكي غير ~~الصنيع، كالأرض الطيبة الخراب. # مما يدل على معرفة الله «وهو» سبب الإيمان: أن وكل بالغيب لكل ~~ظاهر من الدنيا صغير أو كبير عينا، فهو يصرفه ويحركه، فمن كان ~~معتبرا بالجليل من ذلك فلينظر إلى السماء، فيعلم أن لها ربا يجري فلكها، ويدبر ~~أمرها، ومن اعتبر بالصغير فلينظر إلى حبة الخردل؛ فيعرف أن لها مدبرا ينبتها ~~ويزكيها ويقدر لها أقواتها من الأرض والماء يوقت لها زمان نباتها وزمان ~~تهشمها، وأمر النبوة والأحلام وما يحدث في أنفس الناس من حيث لا يعلمون، ثم يظهر ~~منهم بالقول ms023 والفعل، ثم اجتماع العلماء والجهال والمهتدين والضلال على ذكر الله ~~تعالى وتعظيمه، واجتماع من شك في الله تعالى وكذب به على الإقرار بأنهم أنشئوا ~~حديثا ومعرفتهم أنهم لم يحدثوا أنفسهم؛ فكل ذلك يهدي إلى الله، ويدل على الذي كانت منه ~~هذه الأمور مع ما يزيد ذلك يقينا عند المؤمنين، بأن الله حق كبير، ولا يقدر ~~أحد أنه باطل. # إن للسلطان المقسط حقا لا يصلح - لخاصة ولا عامة - أمر إلا ~~بإرادته؛ فذو اللب حقيق أن يخلص لهم النصيحة، ويبذل لهم الطاعة، ويكتم سرهم، ويزين ~~سيرتهم، ويذب بلسانه ويده عنهم ويتوخى مرضاتهم، ويكون من أمره المواتاة لهم، ~~والإيثار لأهوائهم ورأيهم على هواه، ويقدر الأمور على موافقتهم، وإن كان ذلك له ~~مخالفا، وأن يكون منه الجد في المخالفة لمن جانبهم وجهل حقهم، ولا ~~يواصل من الناس إلا من لا تباعد مواصلته إياه منهم، ولا تحمله عداوة أحد له، ولا ~~إضرار به على الاضطغان عليهم، ولا مواتاة أحد على الاستخفاف بشيء من أمورهم، ~~والانتقاص لشيء من حقهم، ولا يكتمهم شيئا من نصيحتهم، ولا يتثاقل عن شيء من ~~طاعتهم، ولا يبطر إذا أكرموه ولا يجترئ عليهم إذا قربوه، ولا يطغى إذا سلطوه، ~~ولا يلحف إذا سألهم، ولا يدخل عليهم المؤنة، ولا يستثقل ما حملوه، ولا يغتر ~~بهم إذا رضوا عنه، ولا يتغير لهم إذا سخطوا عليه، وأن يحمدهم على ما أصاب من ~~خير منهم أو من غيرهم؛ فإنه لا يقدر أحد على أن يصيبه بخير إلا بدفاع الله ~~عنه بهم. # مما يدل على علم العالم معرفته بما يدرك من الأمور، وإمساكه عما لا يدرك، ~~وتزيينه نفسه بالمكارم، وظهور علمه للناس من غير أن يظهر منه فخر، ولا عجب ومعرفته ~~بزمانه الذي هو فيه، وبصره بالناس وأخذه بالقسط وإرشاده المسترشد، وحسن ~~مخالفته خلطاءه، وتسويته بين قلبه ولسانه، وتحريه العدل في كل أمر، ورحب ~~ذرعه فيما نابه، واحتجاجه بالحجج فيما عمل، وحسن تبصيره. # من أراد أن يبصر شيئا من علم الآخرة، فبالعلم الذي به يعرف ذلك، ومن ms024 أراد أن ~~يبصر شيئا من علم الدنيا، فبالأشياء التي هي تدل عليه. # ليكن المرء سئولا، وليكن فصولا بين الحق والباطل، وليكن صدوقا ليؤمن على ما ~~قال، وليكن ذا عهد ليوفى له بعهده، وليكن شكورا ليستوجب الزيادة، وليكن جوادا ~~ليكون للخير أهلا، وليكن رحيما بالمضرورين لئلا يبتلى بالضر، وليكن ودودا لئلا ~~يكون معدنا لأخلاق الشيطان. # وليكن حافظا للسانه مقبلا على شانه، لئلا يؤخذ بما لم يجترم، وليكن متواضعا ~~ليفرح له بالخير ولا يحسد عليه، وليكن قنعا لتقر عينه بما أوتي، وليسر للناس ~~بالخير لئلا يؤذيه الحسد. # وليكن حذرا لئلا تطول مخافته، ولا يكن حقودا لئلا يضر بنفسه إضرارا ~~باقيا. # وليكن ذا حياء لئلا يستذم للعلماء؛ فإن مخافة العالم مذمة العلماء أشد من ~~مخافته عقوبة السلطان. # حياة الشيطان ترك العلم، وروحه وجسده الجهل، ومعدنه في أهل الحقد والقساوة، ~~ومثواه في أهل الغضب، وعيشه في المصارمة، ورجاؤه في الإصرار على الذنوب. # وقال: لا ينبغي للمرء أن يعتد بعلمه ورأيه ما لم يذاكره ذوي الألباب ~~ولم يجامعوه عليه؛ فإنه لا يستكمل علم الأشياء بالعقل الفرد. # أعدل السير أن تقيس الناس بنفسك، فلا تأتي إليهم إلا ما ترضى أن يؤتى ~~إليك. # وأنفع العقل أن تحسن المعيشة فيما أوتيت من خير، وألا تكترث من الشر بما لم يصبك، ~~ومن العلم أن تعلم أنك لا تعلم ما لا تعلم. # ومن أحسن ذوي العقول عقلا من أحسن تقدير أمر معاشه ومعاده تقديرا لا يفسد عليه ~~واحد منهما الآخر؛ فإن أعياه ذلك رفض الأدنى، وآثر عليه الأعظم. # وقال: المؤمن بشيء من الأشياء، وإن كان سحرا خير ممن لا يؤمن ~~بشيء، ولا يرجو معادا. # لا تؤدي التوبة أحدا إلى النار، ولا الإصرار على الذنوب أحدا إلى الجنة. # من أفضل أعمال البر ثلاث خصال: الصدق في الغضب، والجود في العسرة، والعفو عند ~~القدرة. # رأس الذنوب الكذب هو يؤسسها وهو يتفقدها ويثبتها، ويتلون ثلاثة ~~ألوان بالأمنية والجحود والجدل: يبدأ صاحبه بالأمنية الكاذبة فيما يزين له من ~~السوآت، فيشجعه عليها بأن ذلك سيخفى ms025 ، فإذا ظهر عليه قابله بالجحود والمكابرة؛ فإن ~~أعياه ذلك ختم بالجدل، فخاصم عن الباطل، ووضع له الحجج، والتمس به التثبت، وكابر ~~الحق حتى يكون مسارعا للضلالة، ومكابرا بالفواحش. # لا يثبت دين المرء على حالة واحدة أبدا، ولكنه لا يزال إما زائدا، وإما ~~ناقصا. # من علامات اللئيم المخادع: أن يكون حسن القول، سيئ الفعل، بعيد الغضب، قريب ~~الحسد، حمولا للفحش، مجازيا بالحقد، متكلفا للجود صغير الخطر، متوسعا فيما ليس ~~له، ضيقا فيما يملك. # وكان يقال: إذا تخالجتك الأمور فاستقل أعظمها خطرا؛ فإن لم يستبن ذلك ~~فأرجاها دركا؛ فإن اشتبه ذلك فأجدرها ألا يكون له مرجوع، حين تولي فرصته. # وكان يقال: الرجال أربعة؛ اثنان تختبر ما عندهما بالتجربة، واثنان قد كفيت ~~تجربتهما، فأما اللذان تحتاج إلى تجربتهما؛ فإن أحدهما بر كان مع أبرار، ~~والآخر فاجر كان مع فجار؛ فإنك لا تدري لعل البر منهما إذا خالط الفجار ~~أن يتبدل فيصير فاجرا، ولعل الفاجر منهما إذا خالط الأبرار أن يتبدل، فيصير برا، ~~فيتبدل البر فاجرا، والفاجر برا. # وأما اللذان قد كفيت تجربتهما، وتبين لك ضوء أمرهما؛ فإن أحدهما فاجر كان في أبرار، ~~والآخر بر كان في فجار. # حق على العاقل أن يتخذ مرآتين، فينظر من إحداهما في مساوئ نفسه، فتتصاغر بها ~~ويصلح ما استطاع منها، وينظر من الأخرى في محاسن الناس فيحليهم بها، ويأخذ ما ~~استطاع منها. # احذر خصومة الأهل والولد والصديق والضعيف، واحتجج عليهم بالحجج. # لا يوقعنك بلاء تخلصت منه في آخر، لعلك ألا تخلص منه. # الورع لا يخدع، والأريب لا يخدع. # ومن ورع الرجل ألا يقول ما لا يعلم، ومن الأرب أن يتثبت فيما ~~يعلم. # وكان يقال: عمل الرجل فيما يعلم أنه خطأ هوى، والهوى آفة العفاف، وتركه ~~العمل بما يعلم أنه صواب تهاون، والتهاون آفة الدين. # وإقدامه على ما لا يدري أصواب هو أم خطأ جماح، والجماح آفة ~~العقل. # وكان يقال: وقر من فوقك، ولن لمن دونك، وأحسن مواتاة أكفائك، وليكن آثر ~~ذلك عندك مواتاة الأكفاء؛ فإن ذلك هو الذي ms026 يشهد لك أن إجلالك من فوقك ليس بخضوع ~~منك لهم، وأن لينك لمن دونك ليس لالتماس خدمتهم. # خمسة مفرطون في خمسة أشياء مندمون عليها: الواهن المفرط إذا فاته ~~العمل، والمنقطع من إخوانه وصديقه إذا نابته النوائب، والمستمكن منه عدوه لسوء رأيه ~~إذا تذكر عجزه، والمفارق الزوجة الصالحة إذا ابتلي بالطالحة، والجريء على الذنوب إذا ~~حضره الموت. # أمور لا تصلح إلا بقرائنها: لا ينفع العقل بغير ورع، ولا الحفظ بغير عقل، ولا شدة ~~البطش بغير شدة القلب، ولا الجمال بغير حلاوة، ولا الحسب بغير أدب، ولا السرور بغير ~~أمن، ولا الغنى بغير جود، ولا المروءة بغير تواضع، ولا الخفض بغير كفاية، ولا ~~الاجتهاد بغير توفيق. # أمور هن تبع لأمور: فالمروات كلها تبع للعقل، والرأي تبع للتجربة، والغبطة تبع ~~لحسن الثناء، والسرور تبع للأمن، والقرابة تبع للمودة، والعمل تبع للقدر، والجدة ~~تبع للإنفاق. # أصل العقل التثبت وثمرته السلامة، وأصل الورع القناعة وثمرته الظفر، ~~وأصل التوفيق العمل وثمرته النجح. # لا يذكر الفاجر في العقلاء، ولا الكذوب في الأعفاء، ولا الخذول في الكرماء، ولا ~~الكفور بشيء من الخير. # لا تؤاخين خبا، ولا تستنصرن عاجزا، ولا تستعينن كسلا. # إن من أعظم ما يروح به المرء نفسه ألا يجري لما يهوى. وليس كائنا إلا ~~لما لا يهوى، وهو لا محالة كائن. # اغتنم من الخير ما تعجلت، ومن الأهواء ما سوفت، ومن النصب ما عاد عليك، ولا تفرح ~~بالبطالة ولا تجبن عن العمل. # من استعظم من الدنيا شيئا فبطر، واستصغر من البر شيئا فتهاون، واحتقر من الإثم ~~شيئا فاجترأ عليه، واغتر بعدو وإن قل فلم يحذره؛ فذلك من ضياع العقل. # لا يستخف ذو العقل بأحد، وأحق من لم يستخف به ثلاثة: الأتقياء، والولاة، ~~والإخوان؛ فإنه من استخف بالأتقياء أهلك دينه، ومن استخف بالولاة أهلك دنياه، ومن ~~استخف بالإخوان أفسد مروءته. # من حاول الأمور احتاج فيها إلى ست: الرأي، والتوفيق، والفرصة، والأعوان، ~~والأدب، والاجتهاد، وهن أزواج؛ فالرأي والأدب زوج، لا يكمل الأدب إلا بالرأي، ~~ولا يكمل الرأي بغير ms027 الأدب. # والأعوان والفرصة زوج؛ لا تنفع الأعوان إلا عند الفرصة، ولا تنفع الفرصة إلا بحضور ~~الأعوان، والتوفيق والاجتهاد زوج، فالاجتهاد سبب التوفيق؛ وبالتوفيق ينجح ~~الاجتهاد. # يسلم العاقل من عظام الذنوب والعيوب بالقناعة ومحاسبة النفس. # لا تجد العاقل يحدث من يخاف تكذيبه، ولا يسأل من يخاف منعه، ولا يعد ما لا ~~يجد إنجازه، ولا يرجو ما يعنف برجائه، ولا يقدم على ما يخاف العجز عنه. # وهو يسخي نفسه عما يغبط به القوالون خروجا من عيب التكذيب، ويسخي ~~نفسه عما ينال به السائلون سلامته من مذلة المسألة، ويسخي نفسه عن فرح الرجاء خوف ~~الإكداء، ويسخي نفسه عن محمدة المواعد براءة من مذمة الخلف، ويسخي نفسه عن ~~مراتب المقدمين ما يرى من فضائح المقصرين. # لا عقل لمن أغفله عن آخرته ما يجده من لذة دنياه. وليس من العقل أن ~~يحرمه حظه من الدنيا بصره بزوالها. # حاز الخير رجلان سعيد ومرجو: فالسعيد الفالج، والمرجو من لم يخصم، والفالج ~~الصالح ما دام في قيد الحياة، وتعرض الفتن في مخاصمة الخصماء من الأهواء ~~والأعداء. # السعيد يرغبه الله في الآخرة؛ حتى يقول لا شيء غيرها، فإذا هضم دنياه وزهد ~~فيها لآخرته، لم يحرمه الله بذلك نصيبه من الدنيا، ولم ينقصه من سروره فيها، ~~والشقي يرغبه الشيطان في الدنيا حتى يقول: لا شيء غيرها، فيعجل الله له التنغيص في ~~الدنيا التي آثر، مع الخزي الذي يلقى بعدها. # الرجال أربعة: جواد، وبخيل، ومسرف، ومقتصد؛ فالجواد الذي يوجه نصيب آخرته ونصيب ~~دنياه جميعا في أمر آخرته. # والبخيل الذي لا يعطي واحدة منهما نصيبها، والمسرف الذي يجمعهما لدنياه، والمقتصد ~~الذي يلحق بكل واحدة منهما نصيبها. # أغنى الناس أكثرهم إحسانا. # قال رجل لحكيم: ما خير ما يؤتى المرء؟ قال: غريزة عقل. # قال: فإن لم تكن، قال: فتعلم علم، قال: فإن حرمه، قال: صدق اللسان، ~~قال: فإن حرمه، قال: سكت طويل، قال: فإن حرمه، قال: ميتة عاجلة. # من أشد عيوب الإنسان خفاء عيوبه عليه؛ فإنه من خفي عليه عيبه خفيت عليه محاسن ~~غيره ms028 ، ومن خفي عليه عيب نفسه، ومحاسن غيره لم يقلع عن عيبه الذي لا يعرف، ولن ~~ينال محاسن غيره التي لا يبصرها أبدا. ~~«خمول الذكر أجمل من الذكر الذميم لا يوجد الفخور محمودا، ولا الغضوب مسرورا ~~ولا الحر حريصا ولا الكريم حسودا، ولا الشره غنيا ولا الملول ذا ~~إخوان». # خصال يسر بها الجاهل كلها كائن عليه وبالا، منها: أن يفخر من العلم ~~والمروءة بما ليس عنده، ومنها: أن يرى بالأخيار من الاستهانة والجفوة ما يشمته ~~بهم. # ومنها: أن يناقل عالما وديعا منصفا له في القول، فيشتد صوت ذلك الجاهل عليه، ثم ~~يفلجه نظراؤه من الجهال حوله بشدة الصوت وكثرة الضحك. # ومنها: أن تفرط منه الكلمة، أو الفعلة المعجبة للقوم فيذكر بها، ومنها: أن يكون ~~مجلسه في المحفل، أو عند السلطان فوق مجالس أهل الفضل عليه. # من الدليل على سخافة المتكلم أن يكون ما يرى من ضحكه ليس على حسب ما عنده من ~~القول، أو يجاذب الرجل الكلام، وهو يكلم صاحبه ليكون هو المتكلم، أو يتمنى أن يكون ~~صاحبه قد فرغ وأنصت له، فإذا أنصت له لم يحسن الكلام. # فضل العلم في غير الدين مهلكة، وكثرة الأدب في غير رضوان الله ومنفعة الأخيار قائد ~~إلى النار. # والحفظ الذكي الواعي بغير العلم النافع مضر بالعمل الصالح، والعقل غير الوازع عن ~~الذنوب خازن للشيطان. # لا يؤمننك شر الجاهل قرابة، ولا جوار ولا إلف؛ فإن أخوف ما ~~يكون الإنسان لحريق النار أقرب ما يكون منها، وكذلك الجاهل إن جاورك أنصبك ~~وإن ناسبك جنى عليك، وإن ألفك حمل عليك ما لا تطيق، وإن عاشرك آذاك وأخافك مع ~~أنه عند الجوع سبع ضار، وعند الشبع ملك فظ، وعند الموافقة في الدين قائد ~~إلى جهنم، فأنت بالهرب منه أحق منك بالهرب من سم الأساود والحريق المخوف، ~~والدين الفادح والداء العياء. # كان يقال: قارب عدوك بعض المقاربة تنل حاجتك، ولا تقاربه كل المقاربة فيجترئ ~~عليك عدوك، وتذل نفسك ويرغب عنك ناصرك، ومثل ذلك مثل العود المنصوب في الشمس إن ms029 ~~أملته قليلا زاد ظله، وإن جاوزت الحد في إمالته نقص الظل. # الحازم لا يأمن عدوه على كل حال، إن كان بعيدا لم يأمن من معاودته، وإن كان قريبا ~~لم يأمن مواثبته؛ فإن رآه متكشفا لم يأمن استطراده وكمينه، وإن رآه وحيدا لم يأمن ~~مكره. # الملك الحازم يزداد برأي الوزراء الحزمة، كما يزداد البحر بمواده من ~~الأنهار. # الظفر بالحزم، والحزم بإجالة الرأي، والرأي بتكرار النظر وبتحصين الأسرار. # إن المستشير وإن كان أفضل من المستشار رأيا، فهو يزداد برأيه رأيا، كما تزداد ~~النار بالودك ضوءا، وعلى المستشار موافقة المستشير على صواب ما يرى، والرفق به في ~~تبصير خطأ إن أتى به وتقليب الرأي، فيما شكا فيه حتى تستقيم لهما مشاورتهما. # لا يطمعن ذو الكبر في حسن الثناء، ولا الخب في كثرة الصديق، ولا السيئ الأدب ~~في الشرف، ولا الشحيح في المحمدة، ولا الحريص في الإخوان، ولا الملك المعجب بثبات ~~الملك. # صرعة اللين أشد استئصالا من صرعة المكابرة. # أربعة أشياء لا يستقل منها قليل: النار والمرض والعدو ~~والدين. # أحق الناس بالتوقير الملك الحليم العالم بالأمور وفرص الأعمال، ومواضع الشدة ~~واللين، والغضب والرضا، والمعاجلة والأناة، الناظر في الأمر يومه وغده، وعواقب ~~أعماله. # السبب الذي يدرك به العاجز حاجته، هو الذي يحول بين الحازم وبين طلبته. # إن أهل العقل والكرم يبتغون إلى كل معروف وصلة وسبيلا، والمودة بين الأخيار سريع ~~اتصالها بطيء انقطاعها، ومثل ذلك مثل كوب الذهب الذي هو بطيء الانكسار هين ~~الإصلاح، والمودة بين الأشرار سريع انقطاعها بطيء اتصالها، كالكوز من الفخار يكسره ~~أدنى عبث، ثم لا يوصل له أبدا. # والكريم يمنح الرجل مودته عن لقاءة واحدة أو معرفة يوم، واللئيم لا يصل أحدا إلا ~~عن رغبة أو رهبة، وإن أهل الدنيا يتعاطون فيما بينهم أمرين ويتواصلون عليهما، ذات ~~النفس وذات اليد، فأما المتبادلون ذات اليد فهم المتعاونون المستمتعون الذين يلتمس ~~بعضهم الانتفاع ببعض متاجرة، ومكايلة. # ما التبع والأعوان والصديق والحشم إلا للمال، ولا يظهر المروءة إلا المال، ولا الرأي ~~والقوة إلا بالمال ms030 ، ومن لا إخوان له فلا أهل له، ومن لا أولاد له فلا ذكر له، ومن ~~لا عقل له فلا دنيا له ولا آخرة، ومن لا مال له فلا شيء له، والفقر داعية إلى ~~صاحبه مقت الناس، وهو مسلبة للعقل والمروءة، ومذهبة للعلم والأدب، ومعدن للتهمة، ~~ومجمعة للبلايا، ومن نزل به الفقر والفاقة لم يجد بدا من ترك الحياء، ومن ذهب ~~حياؤه ذهب سروره، ومن ذهب سروره مقت، ومن مقت أوذي، ومن أوذي حزن، ومن حزن ذهب ~~عقله واستنكر حفظه وفهمه، ومن أصيب في عقله وفهمه وحفظه كان أكثر قوله وعمله ~~فيما يكون عليه لا له، فإذا افتقر الرجل اتهمه من كان له مؤتمنا، وأساء به الظن، من ~~كان يظن به حسنا؛ فإن أذنب غيره أظنوه، وإن كان للتهمة وسوء الظن موضعا. وليس ~~خلة هي للغني مدح، إلا هي للفقير عيب. # فإن كان شجاعا سمي أهوج، وإن كان جوادا سمي مفسدا، وإن كان حليما سمي ~~ضعيفا، وإن كان وقورا سمي بليدا، وإن كان لسنا سمي مهذارا، وإن كان صموتا سمي ~~عييا. # وكان يقال: من ابتلي بمرض في جسده لا يفارقه أو بفراق الأحبة والإخوان أو بالغربة، ~~حيث لا يعرف مبيتا ولا ميلا ولا يرجو إيابا، أو بفاقة تضطره إلى المسألة، فالحياة ~~له موت، والموت له راحة. # وجدنا البلايا في الدنيا إنما يسوقها إلى أهلها الحرص والشره، فلا يزال صاحب ~~الدنيا يتقلب في بلية وتعب؛ لأنه لا يزال بخلة الحرص والشره. # وسمعت العلماء قالوا: لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق، ولا ~~غنى كالرضا، وأحق ما صبر عليه ما لا سبيل إلى تغييره. # وأفضل البر الرحمة، ورأس المودة الاسترسال، ورأس العقل المعرفة بما يكون وما لا ~~يكون، وطيب النفس حسن الانصراف عما لا سبيل إليه. وليس في الدنيا سرور يعدل صحبة ~~الإخوان، ولا فيها غم يعدل غم فقدهم. # لا يتم حسن الكلام إلا بحسن العمل؛ كالمريض الذي قد علم دواء نفسه، فإذا هو لم ~~يتداو به لم يغنه علمه ms031 ، والرجل ذو المروءة قد يكرم على غير مال، كالأسد الذي ~~يهاب وإن كان عقيرا، والرجل الذي لا مروءة له يهان، وإن كثر ماله، كالكلب الذي ~~يهون على الناس، وإن طوق وخلخل. # ليحسن تعاهدك نفسك بما تكون به للخير أهلا؛ فإنك إذا فعلت ذلك أتاك الخير يطلبك، ~~كما يطلب الماء السيل إلى الحدور. ~~«وقيل في أشياء ليس لها ثبات ولا بقاء: ظل الغمام، وخلة الأشرار وعشق النساء، والنبأ ~~الكاذب والمال الكثير. # وليس يفرح العاقل بالمال الكثير ولا يحزنه قلته، ولكن ماله عقله، وما قدم من صالح ~~عمله.» # إن أولى الناس بفضل السرور وكرم العيش، وحسن الثناء من لا يبرح رحله من ~~إخوانه وأصدقائه من الصالحين موطوءا، ولا يزال عنده منهم زحام يسرهم ويسرونه، ويكون ~~من وراء حاجاتهم وأمورهم؛ فإن الكريم إذا عثر لم يستقلل إلا بالكرام، كالفيل إذا وحل ~~لم تستخرجه إلا الفيلة. # لا يرى العاقل معروفا صنعه، وإن كثر كثيرا. ولو خاطر بنفسه وعرضها في وجوه ~~المعروف لم ير ذلك عيبا، بل يعلم أنه إنما أخطر الفاني بالباقي، واشترى العظيم ~~بالصغير. # وأغبط الناس عند ذوي العقول، أكثرهم سائلا منجحا، ومستجيرا آمنا. # لا تعد غنيا من لم يشارك في ماله، ولا تعد نعيما ما كان فيه تنغيص وسوء ~~ثناء. # ولا تعد الغنم غنما إذا ساق غرما، ولا الغرم غرما إذا ساق غنما، ولا ~~تعتد من الحياة ما كان في فراق الأحبة. # ومن المعونة على تسلية الهموم وسكون النفس لقاء الأخ أخاه، وإفضاء كل واحد منهما ~~إلى صاحبه ببثه، وإذا فرق بين الأليف وإلفه، فقد سلب قراره وحرم سروره. # وقال: ما نرانا نخلف عقبة من البلاء إلا صرنا في أخرى، لقد صدق القائل ~~الذي يقول: لا يزال الرجل مستمرا حتى يعثر، فإذا عثر مرة واحدة في أرض الخبار ~~لج به العثار وإن مشى في جدد؛ لأن هذا الإنسان موكل به البلاء، فلا يزال في تصرف ~~وتقلب لا يدوم له شيء ولا يثبت معه، كما لا يدوم لطالع النجوم طلوعه، ولا لآفلها ~~أفوله ms032 ، ولكنها في تقلب وتعاقب، فلا يزال الطالع يكون آفلا والآفل طالعا انتهي. # | الدرة اليتيمة لابن المقفع # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، وصلواته على نبينا محمد وآله الطاهرين، قال عبد ~~الله بن المقفع: وجدنا الناس قبلنا كانوا أعظم أجسادا وأوفر مع أجسادهم أحلاما، وأشد ~~قوة وأحسن بقوتهم للأمور إتقانا وأطول أعمارا، وأفضل بأعمارهم للأشياء ~~اختبارا، فكان صاحب الدين منهم أبلغ في أمر الدين علما وعملا من صاحب الدين منا، ~~وكان صاحب الدنيا على مثل ذلك من البلاغة والفضل. # ووجدناهم لم يرضوا بما فازوا به من الفضل لأنفسهم، حتى أشركونا معهم فيما أدركوا من ~~علم الأولى والآخرة، فكتبوا به الكتب الباقية، وكفونا به مؤنة التجارب، والفطن، ~~وبلغ من اهتمامهم بذلك أن الرجل منهم كان يفتح له الباب من العلم، والكلمة من ~~الصواب، وهو بالبلد غير المأهول فيكتبه على الصخور مبادرة منه للأجل وكراهية لأن ~~يسقط ذلك على من بعده، فكان صنيعهم في ذلك صنيع الوالد الشفيق على ولده، الرحيم بهم، ~~الذي يجمع لهم الأموال والعقد إرادة ألا تكون عليهم مؤنة في الطلب ~~وخشية عجزهم إن هم طلبوا، فمنتهى علم عالمنا في هذا الزمان أن يأخذ من علمهم، ~~وغاية إحسان محسننا أن يقتدي بسيرتهم. # وأحسن ما يصيب من الحديث محدثنا أن ينظر في كتبهم، فيكون كأنه إياهم ~~يحاور، ومنهم يستمع، غير أن الذي نجد في كتبهم هو المنتخل في آرائهم، والمنتقى ~~من أحاديثهم ولم نجدهم غادروا شيئا يجد واصف بليغ في صفة له ~~مقالا لم يسبقوه إليه، لا في تعظيم لله - عز وجل - وترغيب فيما عنده، ولا في تصغير ~~للدنيا وتزهيد فيها، ولا في تحرير صنوف العلم وتقسيم أقسامها، وتجزئة أجزائها وتوضيح ~~سبلها وتبيين مآخذها، ولا في وجوه الأدب وضروب الأخلاق، فلم يبق في جليل من الأمر ~~لقائل بعدهم مقال، وقد بقيت أشياء من لطائف الأمور فيها مواضع لصغار الفطن، ~~مشتقة من جسام حكم الأولين وقولهم، ومن ذلك بعض ما أنا كاتب في كتابي هذا من ~~أبواب الأدب التي يحتاج ms033 إليها الناس. # يا طالب الأدب اعرف الأصول والفصول؛ فإن كثيرا من الناس يطلبون الفصول مع ~~إضاعة الأصول، فلا يكون دركهم دركا، ومن أحرز الأصول اكتفى بها عن الفصول، ~~وإن أصاب الفصل بعد إحراز الأصل، فهو أفضل. # فأصل الأمر في الدين أن تعتقد الإيمان على الصواب، وتجتنب الكبائر وتؤدي ~~الفريضة، فالزم ذلك لزوم من لا غناء به عنه طرفة عين، ومن يعلم أنه إن حرمه هلك، ~~ثم إن قدرت أن تجاوز ذلك إلى التفقه في الدين والعبادة فهو أفضل وأكمل. # وأصل الأمر في إصلاح الجسد ألا تحمل عليه من المآكل والمشارب والباه إلا خفافا، ~~وإن قدرت على أن تعلم جميع منافع الجسد ومضاره والانتفاع بذلك، فهو أفضل. # وأصل الأمر في البأس ألا تحدث نفسك بالإدبار، وأصحابك مقبلون على عدوهم، ثم إن ~~قدرت أن تكون أول حامل، وآخر منصرف من غير تضييع للحذر، فهو أفضل. # وأصل الأمر في الجود ألا تضن بالحقوق عن أهلها، ثم إن قدرت أن تزيد ذا الحق على ~~حقه، وتطول على من لا حق له؛ فافعل فهو أفضل. # وأصل الأمر في الكلام أن تسلم من السقط بالتحفظ، ثم إن قدرت على بارع ~~الصواب، فهو أفضل. # وأصل الأمر في المعيشة ألا تني عن طلب الحلال، وأن تحسن التقدير لما ~~تفيد وما تنفق، ولا يغرنك من ذلك سعة تكون فيها؛ فإن أعظم الناس في الدنيا خطرا ~~أحوجهم إلى التقدير، والملوك أحوج إلى التقدير من السوقة؛ لأن السوقة قد يعيش بغير ~~مال، والملوك لا قوام لهم إلا بالمال، ثم إن قدرت على الرفق واللطف في الطلب ~~والعلم بالمطالب؛ فهو أفضل. # وأنا واعظك في أشياء من الأخلاق اللطيفة، والأمور الغامضة التي لو حنكتك سن ~~كنت خليقا أن تعلمها، وإن لم تخبر عنها، ولكن أحببت أن أقدم إليك فيها قولا ~~لتروض نفسك على محاسنها قبل أن تجري على عادة مساويها؛ فإن الإنسان قد تبتدر إليه في ~~شبيبته المساوي، وقد يغلب عليه ما يبدر إليه منها. # إن ابتليت بالإمارة فتعوذ بالعلماء، واعلم أن من ms034 العجب أن يبتلى ~~الرجل بها فيريد أن ينتقص من ساعات نصبه وعمله، فيزيدها في ساعات دعته وشهوته، وإنما ~~الرأي له والحق عليه أن يأخذ لعمله من جميع شغله، فيأخذ من طعامه وشرابه ونومه وحديثه ~~ولهوه ونسائه، فإذا تقلدت شيئا من الأعمال فكن فيه أحد رجلين، إما رجلا مغتبطا ~~به فحافظ عليه مخافة أن يزول عنه، وإما رجلا كارها فالكاره عامل في سخرة، ~~إما للملوك أن كانوا هم سلطوه، وإما لله أن كان ليس فوقه غيره. # إياك إذا كنت واليا أن يكون من شأنك حب المدح والتزكية، وأن يعرف الناس ~~ذلك منك، فتكون ثلمة من الثلم يتقحمون عليك منها، وبابا يفتتحونك منه وغيبة ~~يغتابونك بها ويضحكون منها. # اعلم أن قابل المدح كمادح نفسه، والمرء جدير أن يكون حبه المدح هو الذي ~~يحمله على رده؛ فإن الراد له محمود والقابل له معيب. # لتكن حاجتك في الولاية إلى ثلاث خصال: رضا ربك، ورضا سلطان، أن كان فوقك، ورضا صالح ~~من تلي عليه، وما عليك أن تلهى عن المال والذكر، فسيأتيك منهما ما يكفي ويطيب، واجعل ~~الخصال الثلاث بمكان ما لا بد لك منه، والمال والذكر بمكان ما أنت واجد منه ~~بدا. # اعرف أهل الدين والمروءة في كل كورة وقرية وقبيلة؛ فيكونوا هم إخوانك ~~وأعوانك وبطانتك وثقاتك، ولا يقذفن في روعك، أنك إن استشرت الرجال ظهر ~~للناس منك الحاجة إلى رأي غيرك؛ فإنك لست تريد الرأي للافتخار به، ولكن تريده ~~للانتفاع به. ولو أنك مع ذلك أردت الذكر كان أحسن الذكرين، وأفضلها عند أهل ~~الفضل أن يقال لا يتفرد برأيه دون استشارة ذوي الرأي. # إنك إن تلتمس رضا جميع الناس تلتمس ما لا يدرك، وكيف يتفق لك رأي ~~المختلفين؟! وما حاجتك إلى رضا من رضاه الجور، وإلى موافقة من موافقته الضلالة والجهالة ~~فعليك بالتماس رضا الأخيار منهم وذوي العقل؛ فإنك متى تصب ذلك تضع عنك مؤنة ما ~~سواه. # لا تمكن أهل البلاء من التذلل، ولا تمكن من سواهم من الاجتراء عليهم، ~~والعيب لهم. # لتعرف ms035 رعيتك أبوابك التي لا ينال ما عندك من الخير إلا بها، والأبواب التي لا ~~يخافك خائف إلا من قبلها. # احرص الحرص كله على أن تكون خبيرا بأمور عمالك؛ فإن المسيء يفرق من خبرتك ~~قبل أن تصيبه عقوبتك، وإن المحسن يستبشر بعلمك قبل أن يأتيه معروفك. # ليعرف الناس فيما يعرفون من أخلاقك، أنك لا تعاجل بالثواب ولا بالعقاب؛ ~~فإن ذلك أدوم لخوف الخائف ورجاء الراجي. # عود نفسك الصبر على من خالفك من ذوي النصيحة، والتجرع لمرارة قولهم ~~وعذلهم، ولا تسهلن سبيل ذلك إلا لأهل العقل والسن والمروءة؛ لئلا ينتشر من ذلك ~~ما يجترئ به سفيه، أو يستخف له شأن. # لا تتركن مباشرة جميع أمرك؛ فيعود شأنك صغيرا، ولا تلزم نفسك مباشرة ~~الصغير؛ فيصير الكبير ضائعا. # اعلم أن رأيك لا يتسع لكل شيء ففرغه للمهم، وأن مالك لا يغني الناس كلهم فاختص به ~~ذوي الحقوق، وأن كرامتك لا تطيق العامة فتوخ بها أهل الفضائل، وأن ليلك ونهارك لا ~~يستوعبان حاجاتك، وإن دأبت فيهما، وأنه ليس لك إلى أدائها سبيل مع حاجة جسدك إلى ~~نصيبه من الدعة، فأحسن قسمتهما بين دعتك وعملك. # واعلم أنك ما شغلت من رأيك بغير المهم أزرى للمهم، وما صرفت من ~~مالك بالباطل فقدته، حين تريده للحق، وما عدلت به من كرامتك إلى أهل النقص أضر بك ~~في العجز عن أهل الفضل، وما شغلت من ليلك ونهارك في غير الحاجة أزرى بك في ~~الحاجة. # اعلم أن من الناس ناسا كثيرا يبلغ من أحدهم الغضب إذا غضب، أن يحمله ذلك ~~على الكلوح والتقطيب في وجه غير من أغضبه، وسوء اللفظ لمن لا ذنب له، والعقوبة لمن ~~لم يكن يهم بعقوبته، وسوء المعاقبة باليد واللسان لمن لم يكن يريد به إلا دون ذلك، ~~ثم يبلغ به الرضا إذا رضي أن يتبرع بالأمر ذي الخطر لمن ليس بمنزلة ذلك عنده، ويعطي ~~من لم يكن أعطاه، ويكرم من لا حق له ولا مودة، فاحذر هذا الباب كله؛ فإنه ليس ~~أحد أسوأ حالا من ms036 أهل القدرة الذين يفرطون باقتدارهم في غضبهم وسرعة رضاهم؛ فإنه لو ~~وصف بصفة من يتلبس بعقله، أو يتخبطه المس من يعاقب في غضبه غير من أغضبه، ويحبو عند ~~رضاه غير من أرضاه؛ لكان جائزا في صفته. # اعلم أن الملك ثلاثة: ملك دين، وملك حزم، وملك هوى، فأما ملك الدين؛ ~~فإنه إذا أقيم لأهله دينهم. وكان دينهم هو الذي يعطيهم ما لهم، ويلحق بهم الذي ~~عليهم؛ أرضاهم ذلك، ونزل الساخط منهم منزلة الراضي في الإقرار والتسليم، وأما ملك ~~الحزم؛ فإنه يقوم به الأمر ولا يسلم من الطعن والتسخط. # ولن يضر طعن الذليل مع حزم القوي، وأما ملك الهوى فلعب ساعة ودمار ~~دهر. # إذا كان سلطانك عند جدة دولة فرأيت أمرا استقام بغير رأي، وأعوانا جزوا ~~بغير نيل، وعملا أنجح بغير حزم، فلا يغرنك ذلك فلا تستنم إليه؛ فإن الأمر الجديد ~~مما تكون له مهابة في أنفس أقوام وحلاوة في أنفس آخرين، فيعين قوم بأنفسهم ويعين ~~قوم بما قبلهم، ويستتب بذلك الأمر غير طويل، ثم تصير الشئون إلى حقائقها وأصولها، فما ~~كان من الأمر بني على غير أركان وثيقة، ولا عماد محكم أوشك أن يتداعى ويتصدع. # لا تكونن نزر الكلام والسلام، ولا تفرطن بالهشاشة والبشاشة؛ فإن إحداهما من الكبر، ~~والأخرى من السخف. # إذا كنت لا تضبط أمرك، ولا تصول على عدوك إلا بقوم لست منهم على ثقة من رأي ولا ~~حفاظ من نية، فلا تنفعك نافعة حتى تحولهم إن استطعت إلى الرأي والأدب الذي بمثله تكون ~~الثقة، أو تستبدل بهم إن لم تستطع نقلهم إلى ما تريد ولا تغرنك قوتك بهم، وإنما ~~أنت في ذلك كراكب الأسد الذي يهابه من نظر إليه، وهو لمركبه أهيب. # ليس للملك أن يغضب؛ لأن القدرة من وراء حاجته. وليس له أن يكذب؛ ~~لأنه لا يقدر أحد على استكراهه على غير ما يريد. وليس له أن يبخل؛ لأنه أقل ~~الناس عذرا في تخوف الفقر. وليس له أن يكون حقودا؛ لأن خطره قد عظم عن مجازاة كل ~~الناس ms037 ، وليتق أن يكون حلافا، فأحق الناس باتقاء الأيمان الملوك؛ فإنما يحمل الرجل ~~على الحلف إحدى هذه الخلال: إما مهانة يجدها في نفسه، وضرع وحاجة إلى تصديق الناس ~~إياه، وإما عي بالكلام حتى يجعل الأيمان له حشوا ووصلا، وإما تهمة قد عرفها من ~~الناس لحديثه فهو ينزل نفسه منزلة من لا يقبل منه قوله إلا بعد جهد اليمين، وإما ~~عبث في القول أو إرسال اللسان على غير روية ولا تقدير. # لا عيب على الملك في تعيشه وتنعمه، إذا تعهد الجسيم من أمره، وفوض ما ~~دون ذلك إلى الكفاة. # كل الناس حقيق حين ينظر في أمر الناس أن يتهم نظره بعين الريبة، وقلبه بعين المقت؛ ~~فإنهما يريان الجور ويحملان على الباطل ويقبحان الحسن ويحسنان القبيح، وأحق الناس ~~باتهام عين الريبة، وعين المقت، الملك الذي ما وقع في قلبه ربا مع ما يقيض له من ~~تزيين القرناء والوزراء، وأحق الناس بإجبار نفسه على العدل في النظر والقول والفعل، ~~الوالي الذي ما قال أو فعل كان أمرا نافذا غير مردود. # ليعلم الوالي أن الناس يصفون الولاة بسوء العهد، ونسيان الود، فليكابد نقض قولهم، ~~وليبطل عن نفسه وعن الولاة صفات السوء التي يوصفون بها. # ليتفقد الوالي فيما يتفقد من أمور الرعية فاقة الأحرار منهم، فليعمل في سدها، ~~وطغيان السفلة منهم فليقمعه. وليستوحش من الكريم الجائع، واللئيم الشبعان؛ فإنما ~~يصول الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع. # لا يحسدن الوالي من دونه؛ فإنه في ذلك أقل عذرا من السوقة التي إنما تحسد ~~من فوقها، وكل لا عذر له. # لا يلومن الوالي على الزلة من ليس بمتهم على الحرص على رضاه إلا لوم أدب وتقويم، ~~ولا يعدلن بالمجتهد في رضاه البصير بما يأتي أحدا فإنهما إذا اجتمعا في الوزير أو ~~الصاحب نام الوالي واستراح، وجلبت إليه حاجاته وإن هدأ عنها، وعمل فيما يهمه ~~وإن غفل. # لا يولعن الوالي بسوء الظن لقول الناس، وليجعل لحسن الظن من نفسه نصيبا ~~موفورا، يروح به عن قلبه، ويصدر به أعماله. # لا يضيعن ms038 الوالي التثبت عندما يقول، وعندما يعطي وعندما يفعل؛ فإن الرجوع ~~عن الصمت أحسن من الرجوع عن الكلام، وإن العطية بعد المنع أجمل من المنع بعد ~~الإعطاء، وإن الإقدام على العمل بعد التأني فيه أحسن من الإمساك عنه بعد الإقدام ~~عليه، وكل الناس محتاج إلى التثبت، وأحوجهم إليه ملوكهم الذين ليس لقولهم وفعلهم ~~دافع. وليس عليهم مستحث. # ليعلم الوالي أن الناس على رأيه إلا من لا بال له منهم، فليكن للبر والمروءة عنده ~~نفاق، فيكسد بذلك الجور والدناءة في آفاق الأرض. # جماع ما يحتاج إليه الوالي رأيان: رأي يقوي سلطانه، ورأي يزينه في الناس، ~~ورأي القوة أحقهما بالبداءة وأولاهما بالأثرة، ورأي التزيين أحضرهما حلاوة وأكثرهما ~~أعوانا، مع أن القوة من الزينة والزينة من القوة، لكن الأمر ينسب إلى ~~أعظمه. # إن شغلت بصحبة الملوك، فعليك بطول الرابطة في غير معاتبة، ولا يحدثن ~~لك الاستئناس غفلة، ولا تهاونا. # إذا رأيت أحدهم يجعلك أخا فاجعله أبا، ثم إن زادك فزده. # إذا نزلت من ذي منزلة أو سلطان، فلا ترين أن سلطانه زادك له توقيرا وإجلالا من غير ~~أن يزيدك ودا ولا نصحا، وأنك ترى حقا له التوقير والإجلال، وكن في مداراته والرفق ~~به كالمؤتنف ما قبله، ولا تقدر الأمر بينك وبينه على ما كنت تعرف من أخلاقه؛ فإن ~~الأخلاق مستحيلة مع الملك، وربما رأينا الرجل المدل على ذي السلطان بقدمه، قد أضر به ~~قدمه. # لا تعتذرن إلا من يحب أن يجد لك عذرا، لا تستعينن إلا بمن يحب أن يظفر لك ~~بحاجتك. # لا تحدثن إلا من يرى حديثك مغنما ما لم يغلبك الاضطرار. # إذا غرست من المعروف غرسا، وأنفقت عليه نفقة، فلا تضنن بالنفقة في تربية ما غرست ~~فتذهب النفقة الأولى ضياعا. # إذا اعتذر إليك معتذر فتلقه بوجه مشرق وبشر طليق، إلا أن يكون ممن قطيعته ~~غنيمة. # اعلم أن إخوان الصدق هم خير مكاسب الدنيا: زينة في الرخاء، وعدة في الشدة، ~~ومعونة في المعاش والمعاد، فلا تفرطن في اكتسابهم وابتغاء الوصلات والأسباب ~~إليهم. # اعلم ms039 أنك واجد رغبتك من الإخاء عند أقوام، قد حالت بينك وبينهم بعض ~~الأبهة التي قد تعتري أهل المروات، فتحجز منهم كثيرا ممن يرغب في أمثالهم، فإذا ~~رأيت أحدا من أولئك قد عثر به الزمان فأقله. # إذا عرفت نفسك من الوالي بمنزلة الثقة، فاعزل عنه كلام الملق، ولا تكثرن من الدعاء ~~له في كل كلمة؛ فإن ذلك شبيه بالوحشة والغربة إلا أن تكلمه على رءوس الناس، فلا تأل ~~عما عظمه ووقره. # إن استطعت ألا تصحب من صحبت من الولاة إلا على شعبة من قرابة أو مودة فافعل؛ فإن ~~أخطأك ذلك فاعلم أنك تعمل على عمل السخرة، وإن استطعت أن تجعل صحبتك لمن قد عرفك ~~منهم بصالح مروءتك قبل ولايته فافعل. # إن الوالي لا علم له بالناس إلا ما قد علم قبل ولايته، فأما إذا ولي فكل ~~الناس يلقاه بالتزين والتصنع، وكلهم يحتال لأن يثني عليه عنده بما ليس فيه، غير أن ~~الأرذال والأنذال هم أشد لذلك تصنعا، وعليه مكابرة وفيه تمحلا، فلا يمتنع ~~الوالي وإن كان بليغ الرأي والنظر من أن ينزل عنده كثير من الأشرار بمنزلة ~~الأخيار، وكثير من الخانة بمنزلة الأمناء، وكثير من الغدرة بمنزلة الأوفياء، ويغطى ~~عليه أمر كثير من أهل الفضل الذين يصونون أنفسهم عن التمحل والتصنع. # لا يعرفنك الولاة بالهوى في بلدة من البلدان، ولا قبيلة من القبائل فيوشك أن تحتاج ~~فيها إلى حكاية أو مشاهدة فتتهم في ذلك، وإذا أردت أن يقبل قولك فصحح رأيك ولا تشوبنه ~~بشيء من الهوى؛ فإن الرأي يقبله منك العدو، والهوى يرده عليك الولي، وأحق من احترست ~~من أن يظن بك خلط الرأي بالهوى الولاة؛ فإنها خديعة وخيانة وكفر. # إن ابتليت بصحبة وال لا يريد صلاح رعية، فاعلم أنك قد خيرت بين خلتين ليس بينهما ~~خيار، إما ميلك مع الوالي على الرعية، وهذا هلاك الدين، وإما الميل مع الرعية على ~~الوالي، وهذا هلاك الدنيا، ولا حيلة لك إلا بالموت أو الهرب، واعلم أنه لا ينبغي لك ~~وإن كان الوالي غير ms040 مرضي السيرة إذا علقت حبالك بحبله إلا المحافظة عليه، إلا أن تجد ~~إلى الفراق الجميل سبيلا. # تبصر ما في الوالي من الأخلاق التي تحب والتي تكره، وما هو عليه من الرأي الذي ~~يرضى له والذي لا يرضى، ثم لا تكابره بالتحويل له عما يحب ويكره إلى ما تحب وتكره؛ فإن ~~هذه رياضة صعبة تحمل على التنائي والقلى. # اعلم أنك قلما تقدر على رد رجل عن طريقته التي هو عليها بالمكابرة ~~والمناقضة، وإن لم يجمح عن السلطة، ولكنك تقدر أن تعينه على أحسن رأيه، وتسبب له منه ~~وتقويه فيه، فإذا قويت منه المحاسن كانت هي التي تكنه عن المساوي، وإذا استحكمت ~~منه ناحية من الصواب، كان ذلك هو الذي يبصره الخطأ بألطف من تبصيرك، وأعدل من ~~حكمك في نفسه؛ فإن الصواب يريد بعضه بعضا ويدعو بعضه إلى بعض، فإذا كانت له مكانة ~~اقتلع الخطأ فاحفظ هذا الباب وأحكمه، ولا يكونن طلبك ما عند الوالي بالمسألة، ولا ~~تستبطئه وإن أبطأ، ولكن اطلب ما قبله بالاستحقاق له واستأن وإن طالت الأناة؛ فإنك ~~إذا استحققته أتاك من غير طلب، وإن لم تستبطئه كان أعجل له. # لا تخبرن الوالي أن لك عليه حقا، وأنك تعتد عليه ببلاء، وإن استطعت أن ينسى حقك ~~وبلاءك فافعل، وليكن ما تذكره من ذلك تجديدك له النصيحة والاجتهاد، وألا يزال ينظر ~~منك إلى آخر يذكره أول بلائك. # واعلم أن ولي الأمر إذا انقطع عنه الآخر نسي الأول، وأن الكثير من أولئك ~~أرحامهم مقطوعة وحبالهم مصرومة. # إلا عمن رضوا عنه وأغنى عنهم في يومهم وساعتهم. # إياك أن يقع في قلبك تعتب على الوالي أو استزادة له؛ فإنه إن آنست أن يقع في ~~قلبك بدا في وجهك إن كنت حليما، وبدا على لسانك إن كنت سفيها، وإن لم يزد ذلك على أن ~~يظهر في وجهك لآمن الناس عندك، فلا تأمنن أن يظهر ذلك للوالي؛ فإن الناس إليه بعورات ~~الإخوان سراع، فإذا ظهر ذلك للوالي كان قلبه هو أسرع إلى التعتب والتعزز من ms041 قلبك؛ ~~فمحق ذلك حسناتك الماضية، وأشرف بك على الهلاك وصرت تعرف أمرك مستدبرا، وتلتمس ~~مرضاته مستصعبا. # اعلم أن أكثر الناس عدوا مجاهرا حاضرا جريئا واشيا وزير السلطان ذو المكانة ~~عنده؛ لأنه منفوس عليه بما ينفس على صاحب السلطان، ومحسود كما يحسد غيره، غير أنه ~~يجترأ عليه، ولا يجترئ على ذلك؛ لأن من محاسديه أحباء السلطان الذين يشاركونه في ~~المداخل والمنازل، وهم وغيرهم من عدوه الذين هم حضاره، ليسوا كعدو من فوقه النائي ~~عنه المتكتم منه، وهم لا ينقطع طمعهم من الظفر به، فلا يغفلون عن نصب الحبائل، فاعرف ~~هذه الحال، والبس لهؤلاء القوم الذين هم أعداؤك سلاح الصحة والاستقامة ولزوم الحجة، ~~فيما تسر وتعلن، ثم روح من قلبك كأنه لا عدو لك ولا حاسد، وإن ذكرك ذاكر ~~عند ولي الأمر بسوء في وجهك أو في غيبك، فلا يرين منك الولي ولا غيره اختلاطا لذلك ~~ولا اغتياظا، ولا يقعن ذلك موقع ما يكرثك؛ فإنه إن وقع منك ذلك الموقع أدخل عليك ~~أمورا مشتبهة بالريب، مذكرة لما قال فيك العائب، وإن اضطرك الأمر في ذلك إلى ~~الجواب، فإياك وجواب الغضب والانتقام، وعليك بجواب الحجة في حلم ووقار، ولا تشكن في ~~أن القوة والغلبة للحلم أبدا. # لا تحضرن عند الوالي كلاما لا يعني، ولا يؤمر بحضوره إلا لعناية به، أو يكون ~~جوابا بالشيء سئلت عنه، ولا تعدن شتم الوالي شتما ولا إغلاظه إغلاظا؛ فإن ريح ~~العز قد تبسط اللسان بألفاظ في غير سخط ولا بأس. # جانب المسخوط عليه والظنين به عند الولاة، ولا يجمعنك وإياه مجلس، ولا تظهرن له ~~عذرا ولا تثنين عليه خيرا عند أحد من الناس، فإذا رأيته قد بلغ من الإعتاب مما ~~سخط عليه فيه ما ترجو أن يلين له الوالي، واستيقنت أن الوالي قد استيقن بمباعدتك ~~إياه وشدتك عليه؛ فضع عذره عند الوالي، واعمل في إرضائه عنه في رفق ولطف. # ليعلم الوالي أنك لا تستنكف عن خدمته، ولا تدع مع ذلك أن تقدم إليه ~~القول عند بعض حالات رضاه ms042 وطيب نفسه في الاستعفاء من الأعمال التي يكرهها ذو ~~الدين وذو العرض وذو المروءة من ولاية القتل والعذاب، وأشباه ذلك. # إذا أصبت الجاه والخاصة عند الملك، فلا يحدثن لك ذلك تغيرا على أحد من ~~أهله وأعوانه، ولا استغناء عنهم؛ فإنك لا تدري متى ترى أدنى جفوة فتذل ~~لهم فيها، وفي تلون الحال عند ذلك من العار ما فيه. # ليكن مما تحكم من أمرك ألا تسار أحدا من الناس، ولا تهمس إليه بشيء ~~تخفيه عن السلطان؛ فإن السرار مما يخيل إلى كل من رآه أنه المراد به، فيكون ذلك ~~في نفسه حسيكة ووغرا وثقلا. # لا تتهاونن بإرسال الكذبة عند الوالي أو غيره في الهزل؛ فإنها تسرع في رد ~~الحق وإبطال الصدق، مما تأتي به. # تنكب فيما بينك وبين الوالي خلقا، قد عرفناه في بعض الأعوان والأصحاب في ~~ادعاء الرجل عندما يظهر من صاحبه من حسن أثر أو صواب رأي، أنه هو عمل في ذلك، أو ~~أشار به وإقراره بذلك إذا مدحه مادح، بل وإن استطعت أن يعرف صاحبك أنك تنحله صواب ~~رأيك فضلا عن أنك تدعي صوابه، وتسند ذلك إليه وتزينه فافعل؛ فإن الذي أنت آخذ ~~بذلك أكثر مما أنت معط بأضعاف. # إذا سأل الوالي غيرك، فلا تكونن أنت المجيب عنه؛ فإن استلابك الكلام خفة بك ~~واستخفاف منك بالمسئول والسائل، وما أنت قائل إذا قال لك السائل: ما إياك سألت ~~أو قال لك المسئول عند المسألة يعاد له بها دونك فأجب؟! وإذا لم ينصب السائل في ~~المسألة لرجل واحد وعم بها جماعة من عنده، فلا تبادر بالجواب ولا تسابق الجلساء ~~ولا تواثب الكلام مواثبة؛ فإن في ذلك مع شين التكلف والخفة، أنك إذا سبقت القوم ~~إلى الكلام صاروا لكلامك خصماء فيتعقبونه بالعيب والطعن، وإذا أنت لم تعجل بالجواب ~~وخليته للقوم اعترضت أقاويلهم على عينك ثم تدبرتها وفكرت فيما عندك، ثم هيأت من ~~تفكيرك ومحاسن ما سمعت جوابا رضيا، واستدبرت به أقاويلهم حتى تصيخ إليك الأسماع ~~ويهدأ عنك الخصوم، وإن لم يبلغك ms043 الكلام حتى يكتفى بغيرك، أو ينقطع الحديث قبل ذلك، فلا ~~يكون من العيب عندك، ولا من الغبن في نفسك فوت ما فاتك من الجواب؛ فإن صيانة القول ~~خير من سوء وضعه، وإن كلمة واحدة من الصواب تصيب موضعها خير من مائة كلمة أمثالها في ~~غير فرصها ومواضعها، مع أن كلام العجلة والبدار موكل به الزلل وسوء التقدير، وإن ~~ظن صاحبه أن قد أتقن وأحكم. # واعلم أن هذه الأمور لا تنال إلا برحب الذرع، عند ما قيل وما لم يقل، ~~وقلة الإعظام لما ظهر من المروءة أو لم يظهر، وسخاوة النفس عن كثير من الصواب مخافة ~~الخلاف والعجلة والحسد والمراء. # إذا كلمك الوالي فأصغ إلى كلامه، ولا تشغل طرفك عنه بنظر ولا أطرافك بعمل، ولا ~~قلبك بحديث نفسك، واحذر هذا من نفسك، وتعهد ما فيه. # ارفق بنظرائك من وزراء السلطان ودخلائه، واتخذهم إخوانا ولا تتخذهم أعداء ولا ~~تنافسهم في الكلمة يتقربون بها، والعمل يؤمرون به؛ فإنما أنت في ذلك أحد رجلين، ~~إما أن يكون عندك فضل على ما عند غيرك فسوف يبدو ذلك، ويحتاج إليه ويلتمس منك وأنت ~~مجمل، وإما أن يكون ذلك عندك فما أنت مصيب من حاجتك عندهم بمقاربتك وملاينتك، ~~وما أنت واجد في موافقتك إياهم، ولينك لهم من موافقتهم إياك ولينهم لك، أفضل مما أنت ~~مدركه بالمنافسة والمناظرة. # لا تجترئن على خلاف أصحابك عند الوالي ثقة باعترافهم لك ومعرفتهم بفضل رأيك؛ ~~فإنا قد رأينا الناس يعرفون فضل الرجل وينقادون له ويتعلمون منه وهم أخلياء، فإذا ~~حضروا ذا السلطان لم يرض أحد منهم أن يقر له، وأن يكون له عليه في الرأي والعلم فضل ~~فاجترءوا عليه بالخلاف والنقض؛ فإن ناقضهم كان كأحدهم. وليس بواجد في كل حين سامعا ~~فهما وقاضيا عدلا، وإن ترك مناقضتهم صار مغلوب الرأي مردود القول. # إذا أصبت عند الوالي لطف منزلة لغناء يجده عندك، أو هوى يكون له فيك، فلا تطمحن كل ~~الطماح، ولا تزينن لك نفسك المزايلة له عن أليفه، وموضع ثقته وسره قبلك ms044 بأن ~~تقتلعه وتدخل دونه؛ فإن هذه خلة من خلال السفه، قد يبتلى بها الحلماء عند الدنو من ~~ذي السلطان، حتى يحدث الرجل منهم نفسه أن يكون دون الأهل والولد لفضل يظنه في نفسه ~~أو نقص يظنه بغيره، ولكل رجل من الملوك، أو ذي هيئة من السوقة أليف وأنيس، قد ~~عرف روحه واطلع على قلبه، فليست عليه مؤنة في تبذل يتبذل له عنده، أو رأي يستنزله منه ~~أو سر يفشيه إليه، غير أن تلك الأنسة وذلك التبذل، يستخرج من كل واحد منهما ما ~~لم يكن ليظهر منه عند الانقباض والتشدد. ولو التمس ملتمس مثل ذلك عند من يستأنف ~~ملاطفته ومؤانسته، إن كان ذا فضل من الرأي والعلم، لم يجد عنده مثل ما هو منتفع به ممن ~~هو دون ذلك في الرأي ممن قد كفي مؤانسته، ووقع على طباعه؛ لأن الأنسة روح ~~القلب والوحشة روع عليه، ولا يلتاط القلوب إلا ما لان عليها، ومن استقبل تأسيس الوحشة ~~استقبل أمرا ذا مؤنة، فإذا كلفتك نفسك السمو إلى منزلة من وصفت فاقدعها عن ذلك ~~بمعرفة فضل الأليف والأنيس، وإذا حدثتك نفسك أو غيرك، ممن لعله يكون له فضل في ~~المروءة: أنك أولى بالمنزلة عند الكبير من بعض دخلائه وثقاته؛ فاذكر الذي عليه ~~من حق أليفه وثقته وأنيسه في التكرمة، والذي يعينه على ذلك من الرأي أنه يجد عنده من ~~الإلف والأنس ما ليس واجدا عند غيره، فليكن هذا مما تتحفظ فيه على نفسك، وتعرف فيه ~~عذر الرجل ورأيه، والرأي فيه لنفسك في مثل ذلك، إن أرادك مريد على الدخول دون أنيسك ~~وأليفك وموضع ثقتك وجدك وهزلك. # اعلم أنه تكاد تكون لكل رجل غالبة حديث: إما عن بلد من البلدان، أو ضرب من ~~ضروب العلم، أو صنف من صنوف الناس، أو وجه من وجوه الرأي وعندما يغرم به الرجل من ذلك ~~يبدو منه السخف، ويعرف منه الهوى، فاجتنب ذلك في كل موطن، ثم عند أولي الأمر ~~خاصة. # لا تشكون إلى وزراء السلطان ودخلائه ما اطلعت ms045 عليه من رأي تكرهه له؛ فإنك لا ~~تزيد على أن تفطنهم لميله وتغريهم بتزيين ذلك له، والميل عليك معه. # اعلم أن الرجل ذا الجاه عند الوالي والخاصة، لا محالة أنه يرى من الوالي ما ~~يخالفه من الرأي في الناس والأمور، فإذا آثر أن يكره كل ما يخالفه، أو يمتعض من ~~الجفوة يراها في المجلس، أو النبوة في الحاجة، أو الرد للرأي، أو الإدناء لمن لا يهوى ~~إدناءه، والإقصاء لمن يكره إقصاءه، فإذا وقعت في قلبه الكراهية تغير لذلك وجهه ~~ورأيه وكلامه، حتى يبدو ذلك للوالي وغيره. وكان ذلك لفساد منزلته سببا، فذلل نفسك ~~باحتمال ما خالفك من رأي الولاة وقررها بأنهم إنما كانوا أولياءك، لتتبعهم في آرائهم ~~وأهوائهم، ولا تكلفهم اتباعك وتغضب من خلافهم إياك. # اعلم أن الملوك يقبلون من وزرائهم التبخيل، ويعدونه منهم شفقة ونظرا، ~~ويحمدونهم عليه وإن كانوا أجوادا؛ فإن كنت مبخلا غششت صاحبك بفساد مروءته، وإن كنت ~~مسخيا لم تأمن إضرار ذلك بمنزلتك عنده، فالرأي لك تصحيح النصيحة على وجهها، ~~والتماس المخرج فيما تترك من تبخيل صاحبك، بأن لا يعرف منك فيما تدعوه إليه ميلا إلى ~~شيء من هواك، ولا طلبا لغير ما ترجو أن يزينه وينفعه. # لا تكونن صحبتك للملوك إلا بعد رياضة منك لنفسك على طاعتهم في المكروه عندك، ~~وموافقتهم فيما خالفك، وتقدير الأمور على ميلهم دون ميلك، وعلى ألا تكتمهم سرك، ~~ولا تستطلع ما كتموه وتخفي ما أطلعوك عليه من الناس كلهم، حتى تحمي نفسك الحديث به، ~~وعلى الاجتهاد في رضاهم، والتلطف لحاجاتهم، والتثبيت لحجتهم، والتصديق لمقالتهم، ~~والتزيين لرأيهم، وعلى قلة الاستقباح لما فعلوا إذا أساءوا وترك الاستحسان لما فعلوا ~~إذا أحسنوا، وكثرة النشر لمحاسنهم، وحسن الستر لمساويهم، والمقاربة لمن قاربوا ~~وإن كان بعيدا، والمباعدة لمن باعدوا وإن كانوا أقرباء، والاهتمام بأمرهم وإن لم ~~يهتموا به، والحفظ له وإن ضيعوه، والذكر له وإن نسوه، والتخفيف عنهم لمؤنتك، ~~والاحتمال لهم كل مؤنة، والرضا عنهم بالعفو، وقلة الرضا من نفسك لهم بالمجهود؛ فإن وجدت ~~عنهم وعن ms046 صحبتهم غنى، فأغن عن ذلك نفسك واعتزله جهدك؛ فإن من يأخذ عملهم يحول ~~بينه وبين لذة الدنيا وعمل الآخرة، ومن لا يأخذ بحقه يحتمل الفضيحة في الدنيا والوزر في ~~الآخرة. # إنك لا تأمن أنفهم إن أعلمتهم، ولا عقوبتهم إن كتمتهم، ولا تأمن غضبهم إن صدقتهم، ولا ~~تأمن سلوتهم إن حدثتهم إن لزمتهم لم تأمن تبرمهم بك، وإن زايلتهم لم تأمن ~~عقابهم. # إنك إن تستأمرهم حملت المؤنة عليهم، وإن قطعت الأمر دونهم لم تأمن فيه مخالفتهم، إنهم ~~إن سخطوا عليك أهلكوك، وإن رضوا عنك تكلفت من رضاهم ما لا تطيق؛ فإن كنت حافظا إن ~~بلوك، جلدا إن قربوك، أمينا إن ائتمنوك، تشكرهم ولا تكلفهم الشكر، بصيرا بأهوائهم، ~~مؤثرا لمنافعهم، ذليلا إن ظلموك، راضيا إن أسخطوك، وإلا فالبعد منهم كل البعد، ~~والحذر كل الحذر. # باب الصديق # ابذل لصديقك دمك ومالك، ولمعرفتك رفدك ومحضرك، وللعامة بشرك وتحننك، ~~ولعدوك عدلك، واضنن بدينك وعرضك عن كل أحد. # إن سمعت من صاحبك كلاما أو رأيا يعجبك، فلا تنتحله تزينا به عند الناس ~~واكتف من التزين بأن تجتني الصواب إذا سمعته وتنسبه إلى صاحبه. # واعلم أن انتحالك ذاك سخطة لصاحبك، وأن فيه مع ذلك عارا؛ فإن بلغ ~~ذلك بك أن تشير برأي الرجل وتتكلم بكلامه وهو يسمع، جمعت مع الظلم قلة الحياء، ~~وهذا من سوء الأدب الفاشي في الناس، ومن تمام حسن الخلق والأدب أن تسخو نفسك ~~لأخيك، بما انتحل من كلامك ورأيك، وتنسب إليه رأيه وكلامه وتزينه مع ذلك ما ~~استطعت. # لا يكونن من خلقك أن تبتدئ حديثا ثم تقطعه، وتقول: سوف، كأنك روأت فيه بعد ~~ابتدائه، وليكن ترويك فيه قبل التفوه؛ فإن احتجان الحديث بعد افتتاحه سخف. # اخزن عقلك وكلامك إلا عند إصابة الموضع؛ فإنه ليس في كل حين يحسن كل الصواب، ~~وإنما تمام إصابة الرأي والقول بإصابة الموضع؛ فإن أخطأك ذلك أدخلت المحنة على ~~علمك، حتى تأتي به إن أتيت به في غير موضعه، وهو لا بهاء ولا طلاوة له. # لتعرف العلماء حين تجالسهم ms047 أنك على أن تسمع أحرص منك على أن ~~تقول. # إن آثرت أن تفاخر أحدا ممن تستأنس إليه في لهو الحديث، فاجعل غاية ذلك الجد ولا ~~تعدون أن تتكلم فيه بما كان هزلا، فإذا بلغ الجد أو قاربه فدعه ولا تخلطن بالجد ~~هزلا، ولا بالهزل جدا؛ فإنك إن خلطت بالجد هزلا هجنته، وإن خلطت بالهزل جدا ~~كدرته، غير أني قد علمت موطنا واحدا إن قدرت أن تستقبل فيه الجد بالهزل ~~أصبت الرأي، وظهرت على الأقران، وذلك أن يتوردك متورد بالسفه والغضب، ~~فتجيبه إجابة الهازل المداعب، برحب من الذرع، وطلاقة من الوجه، وثبات من ~~المنطق. # إن رأيت صاحبك مع عدوك فلا يغضبنك ذلك؛ فإنما هو أحد رجلين إن كان رجلا من ~~إخوان الثقة فأنفع مواطنه لك أقربها من عدوك؛ لشر يكفه عنك، وعورة يسترها منك، ~~وغائبة يطلع عليها لك، فأما صديقك فما أغناك أن يحضره ذو ثقتك، وإن كان رجلا من ~~غير خاصة إخوانك، فبأي حق تقطعه عن الناس وتكلفه ألا يصاحب ولا يجالس إلا من ~~تهوى؟! # تحفظ في مجلسك وكلامك من التطاول على الأصحاب، وطب نفسا عن كثير مما ~~يعرض لك فيه صواب القول والرأي مدارة؛ لئلا يظن أصحابك أن ما بك التطاول ~~عليهم. # إذا أقبل إليك مقبل بوده فسرك ألا يدبر عنك، فلا تنعم الإقبال عليه ~~والتفتح له؛ فإن الإنسان طبع على ضرائب لؤم، فمن شأنه أن يرحل عمن لصق به، ويلصق ~~بمن رحل عنه. # لا تكثرن ادعاء العلم في كل ما يعرض؛ فإنك من ذلك بين فضيحتين: # إما أن ينازعوك فيما ادعيت فيهجم منك على الجهالة والضلف. # وإما ألا ينازعوك، ويخلوا الأمور في يديك فينكشف منك التصنع ~~والمعجزة. # استحي الحياء كله من أن تخبر صاحبك أنك عالم، وأنه جاهل مصرحا أو معرضا، ~~وإن استطلت على الأكفاء، فلا تثقن منهم بالصفاء. # إن آنست من نفسك فضلا فتحرج أن تذكره أو تبديه، فاعلم أن ظهوره منك ~~بذلك الوجه يقرر لك في قلوب الناس من العيب أكثر مما يقرر لك من الفضل ms048 ، واعلم أنك ~~إن صبرت ولم تعجل، ظهر ذلك منك بالوجه الجميل المعروف، ولا يخفين عليك أن حرص ~~الرجل على إظهار ما عنده وقلة وقاره في ذلك باب من البخل واللؤم، وأن من خير ~~الأعوان على ذلك السخاء والتكرم. # إن أحببت أن تلبس ثوب الوقار والجمال، وتتحلى بحلية المودة عند ~~العامة وتسلك الجدد الذي لا خبار فيه ولا عثار، فكن عالما كجاهل وناطقا كعيي، ~~فأما العلم فيرشدك، وأما قلة ادعائه فينفي عنك الحسد، وأما المنطق إذا احتجت ~~إليه فسيبلغ حاجتك، وأما الصمت فيكسبك المحبة والوقار. # وإذا رأيت رجلا يحدث حديثا قد علمته، أو يخبر خبرا قد سمعته، فلا تشاركه ~~فيه ولا تتعقبه عليه، حرصا على أن يعلم الناس أنك قد علمته؛ فإن في ذلك ~~خفة وشحا، وسوء أدب وسخفا. # ليعرف إخوانك والعامة: أنك إن استطعت أن تكون إلى أن تفعل ما لا تقول ~~أقرب منك إلى أن تقول ما لا تفعل فعلت؛ فإن فضل القول على الفعل عار وهجنة، وفضل ~~الفعل على القول زينة، وأنت حقيق فيما وعدت من نفسك، أو أخبرت صاحبك عنه أن تحتجن ~~بعض ما في نفسك إعدادا لفضل الفعل على القول، وتحرزا بذلك عن تقصير فعل إن ~~قصر، وقلما يكون إلا مقصرا. # احفظ قول الحكيم الذي قال: لتكن غايتك فيما بينك وبين عدوك العدل، وفيما بينك ~~وبين صديقك الرضا؛ وذلك أن العدو خصم تضربه بالحجة وتغلبه بالحكام، وأن ~~الصديق ليس بينك وبينه قاض؛ فإنما حكمه رضاه. # اجعل عامة تشبثك في مؤاخاة من تؤاخي ومواصلة من تواصل، ووطن ~~نفسك على أنه لا سبيل لك إلى قطيعة أخيك، وإن ظهر لك منه ما تكره؛ فإنه ليس ~~كالمرأة التي تطلقها إذا شئت، ولكنه عرضك ومروءتك؛ فإنما مروءة الرجل إخوانه ~~وأخدانه؛ فإن عثر الناس على أنك قطعت رجلا من إخوانك، وإن كنت معذرا نزل ذلك ~~عند أكثرهم بمنزلة الخيانة للإخاء والملال، وإن أنت صبرت مع ذلك على مقارته ~~على غير الرضا، عاد ذلك إلى العيب والنقيصة، فالاتئاد الاتئاد والتثبت ~~التثبت. # إذا ms049 نظرت في حال من ترتئيه لإخائك؛ فإن كان من إخوان الدين، فليكن فقيها ليس ~~بمراء ولا حريص، وإن كان من إخوان الدنيا، فليكن حرا ليس بجاهل ولا كذاب ولا ~~شرير ولا مشنوع؛ فإن الجاهل أهل لأن يهرب منه أبواه، وإن الكذاب لا يكون أخا ~~صادقا؛ لأن الكذب الذي يجري على لسانه إنما هو من فضول كذب قلبه، وإنما سمي ~~الصديق من الصدق، وقد يتهم صدق القلب وإن صدق اللسان، فكيف إذا ظهر الكذب على ~~اللسان؟! وإن الشرير يكسبك العدو، ولا حاجة لك في صداقة تجلب العداوة، وإن المشنوع ~~شانع صاحبه. # تحرز من سكر السلطة، وسكر العلم، وسكر المنزلة، وسكر الشباب؛ فإنه ليس من هذا ~~شيء إلا وهو ريح جنة، تسلب العقل وتذهب الوقار وتصرف القلب والسمع والبصر ~~واللسان عن المنافع. # اعلم أن انقباضك عن الناس يكسبك العداوة، وأن تفرشك لهم يكسبك ~~صديق السوء، وفسولة الأصدقاء أضر من بغض الأعداء؛ فإنك إن واصلت صديق السوء أعيتك ~~جرائره، وإن قطعته شانك اسم القطيعة، وألزمك ذلك من يرفع عيبك، ولا ينشر عذرك، ~~فإن المعايب تنمي، والمعاذير لا تنمي. # البس للناس لباسين ليس للعاقل بد منهما، ولا عيش ولا مروءة إلا بهما: لباس ~~انقباض واحتجاز تلبسه للعامة، فلا تلفين إلا متحفظا متشددا متحرزا ~~مستعدا، ولباس انبساط واستئناس تلبسه للخاصة من الثقات، فتتلقاهم ببنات صدرك، ~~وتفضي إليهم بموضوع حديثك، وتضع عنك مؤنة الحذر والتحفظ فيما بينك وبينهم، وأهل ~~هذه الطبقة الذين هم أهلها قليل؛ لأن ذا الرأي لا يدخل أحدا من نفسه هذا ~~المدخل، إلا بعد الاختبار والسبر والثقة بصدق النصيحة ووفاء العقل. # اعلم أن لسانك أداة مغلبة، يتغالب عليه عقلك وغضبك وهواك وجهلك، فكل غالب ~~عليه مستمتع به وصارفه في محبته، فإذا غلب عليه عقلك فهو لك، وإذا غلب عليه شيء ~~من أشباه ما سميت لك فهو لعدوك؛ فإن استطعت أن تحتفظ به، فلا يكون إلا لك ولا ~~يستولي عليه أو يشاركك عدوك فيه، فافعل. # إذا نابت أخاك إحدى النوائب من زوال نعمة أو ms050 نزول بلية، فاعلم ~~أنك قد ابتليت معه، إما بالمؤاساة فتشاركه في البلية، وإما بالخذلان فتحتمل ~~العار، فالتمس المخرج عند اشتباه ذلك وآثر مروتك على ما سواها؛ فإن نزلت الجائحة ~~التي تأبى نفسك مشاركة أخيك فيها فأجمل، فلعل الإجمال يسعك لقلته في ~~الناس. # إذا أصاب أخاك فضل؛ فإنه ليس في دنوك منه، وابتغائك مودته وتواضعك ~~له مذلة، فاغتنم ذلك واعمل فيه. # إذا كانت لك عند أحد صنيعة، أو كان لك عليه طول، فالتمس إحياء ذلك بإماتته ~~وتعظيمه بالتصغير له، ولا تقتصرن في قلة المن على أن تقول لا أذكره، ولا أصغي ~~بسمعي إلى من يذكره؛ فإن هذا قد يستحيي منه بعض من لا يوصف بعقل ولا كرم، ولكن ~~احذر أن يكون في مجالستك إياه وما تكلمه به، أو تستعينه عليه أو تجاريه فيه شيء ~~من الاستطالة؛ فإن الاستطالة تهدم الصنيعة، وتكدر المعروف. # احترس من سورة الغضب وسورة الحمية، وسورة الحقد وسورة الجهل، وأعدد لكل شيء من ~~ذلك عدة تجاهده بها من الحلم والتفكر والروية، وذكر العاقبة وطلب ~~الفضيلة. # واعلم أنك لا تصيب الغلبة، إلا بالجهاد، وأن قلة الإعداد لموافقة الطبائع ~~المتطلعة هو الاستسلام، وأنه ليس أحد إلا فيه من كل طبيعة سوء غريزة، وإنما ~~التفاضل بين الناس في مغالبة طبائع السوء. # فأما أن يسلم أحد من أن تكون فيه تلك الغرائز، فليس في ذلك مطمع إلا أن ~~الرجل القوي إذا كابرها بالقمع لها كلها كلما تطلعت؛ لم يلبث أن يميتها حتى كأنها ~~ليست فيه، وهي في ذلك كامنة كمون النار في العود، فإذا وجدت قادحا من غير علة أو ~~غفلة استورت، كما تستوري عند القدح، ثم لا يبدأ ضرها إلا بصاحبها، كما لا تبدأ ~~النار إلا بعودها التي كانت فيه. # ذلل نفسك بالصبر على جار السوء، وعشير السوء، وجليس السوء؛ فإن ذلك ما ~~لا يكاد يخطئك؛ فإن الصبر صبران: صبر الرجل على ما يكره، وصبره عما يحب، فالصبر ~~على المكروه أكثرهما، وأشبههما أن يكون صاحبه مضطرا. # واعلم أن اللئام أصبر أجسادا ms051 ، والكرام أصبر نفوسا. وليس الصبر الممدوح ~~بأن يكون جلد الرجل وقاحا، أو رجله قوية على المشي، أو يده قوية على ~~العمل؛ فإنما هذا من صفات الحمير، ولكن أن يكون للنفس غلوبا، وللأمور ~~محتملا، وفي الضر متجملا، ولنفسه عند الرأي والحفاظ مرتبطا، وللحزم مؤثرا، ~~وللهوى تاركا، وللمشقة التي يرجو عاقبتها مستخفا، وعلى مجاهدة الأهواء والشهوات ~~مواظبا، ولبصره بعزمه منفذا. # حبب إلى نفسك العلم حتى تألفه وتلزمه، ويكون هو لهوك ولذتك وسلوتك ~~وبلغتك، واعلم أن العلم علمان: علم للمنافع، وعلم لتزكية العقل، وأفشى العلمين ~~وأجداهما أن ينشط له صاحبه من غير أن يحرض عليه علم المنافع، وللعلم الذي هو ذكاء ~~العقول وصقالها وجلاؤها فضيلة منزلة عند أهل الفضل في الألباب. # عود نفسك السخاء، واعلم أنهما سخاءان؛ سخاوة نفس الرجل بما في يديه، ~~وسخاوته عما في أيدي الناس، وسخاوة نفس الرجل بما في يديه أكثرهما وأقربهما من ~~أن تدخل فيه المفاخرة، وتركه ما في أيدي الناس أمحض في التكرم وأنزه من الدنس، ~~فإن هو جمعهما فبذل وعف، فقد استكمل الجود والكرم. # ليكن مما تصرف به الأذى والعذاب عن نفسك ألا تكون حسودا؛ فإن الحسد خلق ~~لئيم، ومن لؤمه أنه يوكل بالأدنى فالأدنى من الأقارب والأكفاء والخلطاء، فليكن ما ~~تقابل به الحسد أن تعلم أن خير ما تكون، حين تكون مع من هو خير منك، وأن غنما لك ~~أن يكون عشيرك وخليطك أفضل منك في العلم، فتقتبس من علمه وأفضل منك في القوة، ~~فيدفع عنك بقوته، وأفضل منك في المال، فتفيد من ماله، وأفضل منك في الجاه فتصيب ~~حاجتك بجاهه، وأفضل منك في الدين، فتزداد صلاحا بصلاحه. # ليكن مما تنظر فيه من أمر عدوك وحاسدك: أن تعلم أنه لا ينفعك أن تخبر ~~عدوك أنك له عدو، فتنذره نفسك وتؤذنه بحربك قبل الإعداد والفرصة، فتحمله ~~على التسلح لك، وتوقد ناره عليك. # اعلم أن أعظم خطرك أن تري عدوك أنك لا تتخذه عدوا؛ فإن ذلك غرة ~~له وسبيل لك إلى القدرة عليه؛ فإن أنت قدرت فاستطعت ms052 اغتفارا لعداوته عن أن تكافئ ~~بها، فهنالك استكملت عظيم الخطر، وإن كنت مكافئا بالعداوة والضرر، فإياك أن ~~تكافئ عداوة السر بعداوة العلانية، وعداوة الخاصة بعداوة العامة؛ فإن ذلك هو ~~الظلم والعار. # واعلم، مع ذلك، أنه ليس كل العداوة والضرر يكافأ بمثله، كالخيانة ~~لا تكافأ بالخيانة، والسرقة لا تكافأ بالسرقة، ومن الحيلة في أمرك مع عدوك أن تصادق ~~أصدقاءه وتؤاخي إخوانه فتدخل بينه وبينهم في سبيل الشقاق والتجافي؛ فإنه ليس رجل ~~ذو طرق يمتنع من مؤاخاتك إذا التمست ذلك منه، وإن كان إخوان عدوك غير ~~ذوي طرق، فلا عدو لك. # لا تدع مع السكوت عن شتم عدوك إحصاء معايبه ومثالبه واتباع عوراته، حتى لا ~~يشذ عنك من ذلك صغير ولا كبير من غير أن تشيع عليه فيتقيك به، ويستعد له أو ~~تذكره في غير موضعه، فتكون كمستعرض الهواء بنبله قبل إمكان الرمي. # لا تتخذ اللعن والشتم على عدوك سلاحا؛ فإنه لا يجرح في نفس ولا في مال، ولا ~~دين ولا منزلة. # إن أردت أن تكون داهيا، فلا تحبن أن تسمى داهيا؛ فإنه من عرف ~~بالدهاء خاتل علانية، وحذره الناس حتى يمتنع منه الضعيف، وإن من إرب الأريب دفن ~~إربه ما استطاع، حتى يعرف بالمسامحة في الخليقة، والاستقامة في الطريقة ومن إربه ~~ألا يؤارب العاقل المستقيم الطريقة الذي يطلع على غامض إربه، فيمقته عليه. # إن أردت السلامة فأشعر قلبك الهيبة للأمور من غير أن تظهر منك الهيبة، ~~فيفطن الناس لهيبتك ويجرئهم عليك، ويدعو ذلك إليك منهم، كلما تهاب فاشعب ~~لمداراة ذلك، من كتمان المهابة وإظهار الجراءة والتهاون، طائفة من رأيك، وإن ~~ابتليت بمجازاة عدو محالف، فالزم هذه الطريقة التي وصفت لك؛ من استشعار الهيبة ~~وإظهار الجراءة والتهاون، وعليك بالحذر في أمرك، والجراءة في قلبك حتى تملأ قلبك ~~جراءة، ويستفرغ عملك الحذر. # إن من عدوك من تعمل في هلاكه، ومنهم من تعمل في البعد عنه، فاعرفهم على ~~منازلهم، ومن أقوى القوة لك على عدوك، وأعز أنصارك في الغلبة، أن تحصي على نفسك ~~العيوب ms053 والعورات، كلما أحصيتها على عدوك، وتنظر عند كل عيب تراه، أو تسمعه ~~لأحد من الناس، هل قارفت مثله أو مشاكله؟ فإن كنت قارفت منه شيئا، فأحصه فيما ~~تحصي على نفسك، حتى إذا أحصيت ذلك كله، فكابر عدوك بإصلاح عيوبك، وتحصين عوراتك ~~وإحراز مقاتلك، وخذ نفسك بذلك ممسيا مصبحا، فإذا آنست منها دفعا لذلك، أو ~~تهاونا به، فاعدد نفسك عاجزا ضائعا جانيا معورا لعدوك ممكنا له من ~~رميك، وإن حصل من عيوبك بعض ما لا تقدر على إصلاحه من أمر قد مضى يعيبك عند ~~الناس، ولا تراه أنت عيبا فاحفظ ذلك، وما عسى أن يقول فيه قائل من حسبك أو مثالب ~~آبائك أو عيب إخوانك، ثم اجعل ذلك كله نصب عينيك، واعلم أن عدوك مريدك بذلك، فلا ~~تغفل عن التهيؤ له، والإعداد لقوتك وحجتك وحيلتك فيه سرا وعلانية، فأما الباطل ~~فلا تروعن به قلبك، ولا تستعدن له ولا تشتغلن به؛ فإنه لا يهولك ما لم يقع، ~~وإذا وقع اضمحل. # اعلم أنه قلما بده أحد بشيء يعرفه من نفسه، وقد كان يطمع في إخفائه عن ~~الناس فيعيره به معير عند السلطان أو غيره، إلا كاد يشهد به عليه وجهه وعيناه ~~ولسانه، للذي يبدو منه عند ذلك، والذي يكون من انكساره وفتوره عند تلك البداهة، ~~فاحذر هذه وتصنع لها وخد أهبتك لبغتاتها. # اعلم أن من أوقع الأمور في الدين وأنهكها للجسد، وأتلفها للمال وأضرها بالعقل ~~وأسرعها في ذهاب الجلالة والوقار؛ الغرام بالنساء، ومن البلاء على المغرم بهن أنه ~~لا ينفك يأجم ما عنده وتطمح عيناه إلى ما ليس عنده منهن. # وإنما النساء أشباه وما يرى في العيون والقلوب من فضل مجهولاتهن على ~~معروفاتهن باطل وخدعة، بل كثير مما يرغب عنه الراغب مما عنده، أفضل ~~مما تتوق إليه نفسه، وإنما المترغب عما في رحله منهن إلى ما في رحال الناس، ~~كالمترغب عن طعام بيته إلى ما في بيوت الناس، بل النساء بالنساء أشبه من الطعام ~~بالطعام، وما في رحال الناس من الأطعمة أشد تفاضلا ms054 وتفاوتا، مما في رحالهم من ~~النساء. # ومن العجب أن الرجل الذي لا بأس في لبه، يرى المرأة من بعيد متلففة في ثيابها، ~~فيصور لها في قلبه الحسن والجمال، حتى تعلق بها نفسه من غير رؤية ولا خبر مخبر، ثم ~~لعله يهجم منها على أقبح القبح وأدم الدمامة، فلا يعظه ذلك عن أمثالها، ولا ~~يزال مشغوفا بما لم يذق، حتى لو لم يبق في الأرض غير امرأة واحدة، لظن أن لها ~~شأنا غير شأن ما ذاق، وهذا هو الحمق والشقاء. # ومن لم يحم نفسه ويظلفها ويجلها عن الطعام والشراب والنساء في بعض ساعات ~~شهوته وقدرته؛ كان أيسر ما يصيبه من وبال أمره انقطاع تلك اللذات عنه، بخمود نار ~~شهوته، وضعف عوامل جسده، وقل من تجد إلا مخادعا لنفسه في أمر جسده عند الطعام ~~والشراب والحمية والدواء، وفي أمر مروءته عند الأهواء والشهوات، وفي أمر دينه عند ~~الريبة، والشبهة والطمع. # إن استطعت أن تنزل نفسك دون غايتك في كل مجلس ومقام ومقال ورأي وفعل ~~فافعل؛ فإن رفع الناس إياك فوق المنزلة التي تحط إليها نفسك، وتقريبهم إياك في ~~المجلس الذي تباعدت عنه، وتعظيمهم من أمرك ما لم تعظم وتزيينهم من كلامك ورأيك ما ~~لم تزين، هو الجمال. # لا يعجبنك العالم ما لم يكن عالما بمواضع ما يعلم، إن غلبت على ~~الكلام وقتا، فلا تغلبن على السكوت؛ فإنه لعله يكون المراء، واعرفه، ولا ~~يمنعنك حذر المراء من حسن المناظرة والمجادلة، واعلم أن المماري هو الذي لا يحب ~~أن يتعلم ولا يتعلم منه؛ فإن زعم زاعم أنه إنما يجادل في الباطل عن الحق؛ فإن ~~المجادل - وإن كان ثابت الحجة ظاهر البينة - فإنه يخاصم إلى غير قاض وإنما قاضيه ~~الذي لا يعدو بالخصومة إلا إليه عدل صاحبه وعقله؛ فإن آنس أو رجا من صاحبه عدلا ~~يقضي به على نفسه فقد أصاب وجه أمره، وإن تكلم على غير ذلك كان مماريا. # إن استطعت ألا تخبر أخاك عن ذات نفسك بشيء إلا وأنت محتجن عنه بعض ذلك ms055 ~~التماسا لفضل الفعل على القول، واستعدادا لتقصير فعل إن قصر فافعل، واعلم أن ~~فضل الفعل على القول زينة، وفضل القول على الفعل هجنة، وأن إحكام هذه الخلة من ~~غرائب الخلال. # إذا تراكمت الأعمال عليك، فلا تلتمس الروح في مدافعتها بالروغان منها؛ فإنه ~~لا راحة لك إلا في إصدارها، وإن الصبر عليها هو يخففها، وإن الضجر منها هو ~~يراكمها عليك، فتعهد من ذلك في نفسك خصلة قد رأيتها تعتري بعض أصحاب ~~الأعمال: أن الرجل يكون في أمر من أمره فيرد عليه شغل آخر، ويأتيه شاغل من ~~الناس بكره تأخيره، فيكدر ذلك بنفسه تكديرا يفسد ما كان فيه، وما ورد عليه حتى ~~لا يحكم واحدا منهما؛ فإن ورد عليك مثل ذلك، فليكن معك رأيك الذي تختار به ~~الأمور، ثم اختر أولى الأمرين بشغلك فاشتغل به حتى تفرغ منه، ولا يعظمن عليك فوت ~~ما فات، وتأخير ما تأخر، إذا أعملت الرأي معمله، وجعلت شغلك في حقه. # اجعل لنفسك في كل شيء غاية ترجو القوة والتمام عليها، واعلم أنك إن ~~جاوزت الغاية في العبادة صرت إلى التقصير، وإن جاوزتها في حمل العلم صرت من ~~الجهال، وإن جاوزتها في تكلف رضا الناس والخفة معهم في حاجاتهم كنت المصنع ~~المحشود. # اعلم أن بعض العطية لؤم، وبعض البيان عي، وبعض العلم جهل؛ فإن استطعت ألا ~~يكون عطاؤك خورا، ولا بيانك هذرا، ولا علمك جهلا، فافعل. # اعلم أنه ستمر عليك أحاديث تعجبك، إما مليحة وإما رائعة، فإذا أعجبتك كنت ~~خليقا بأن تحفظها؛ فإن الحفظ موكل بما راع، وستحرص على أن تعجب منها الأقوام، ~~فإن الحرص على ذلك التعجب من شأن الناس. وليس كل معجب لك معجبا لغيرك، وإذا ~~نشرت ذلك مرة أو مرتين، فلم تره وقع من السامعين موقعه منك فازدجر عن العود، ~~فإن العجب من غير عجيب سخف شديد، وقد رأينا من الناس من يعلق الشيء، ولا ~~يقلع عن الحديث به، ولا يمنعه قلة قبول أصحابه له من أن يعود، ثم يعود. # إياك والأخبار الرائعة وتحفظ منها ms056 ؛ فإن الإنسان من شأنه الحرص على ~~الأخبار لا سيما ما راع منها، فأكثر الناس من يحدث بما سمع، ولا يبالي ممن سمع، ~~وذلك مفسدة للصدق ومزراة بالرأي؛ فإن استطعت ألا تخبر بشيء، إلا وأنت به مصدق ~~وألا يكون تصديقك إلا ببرهان، فافعل. # ولا تقل كما يقول السفهاء أخبر بما سمعت؛ فإن الكذب أكثر ما أنت سامع، وإن ~~السفهاء أكثر من هو قائل، وإنك إن صرت للأحاديث واعيا وحاملا كان ما تعي ~~وتحمل عن العامة أكثر مما يخترع المخترع بأضعاف. # انظر من صاحبت من الناس من ذي فضل عليك بسلطان ومنزلة، ومن دون ذلك من ~~الخلصاء، والأكفاء والإخوان فوطن نفسك في صحبته على أن تقبل منه العفو، وتسخو ~~نفسك عما اعتاص، مما قبله غير معاتب ولا مستبطئ ولا مستزيد؛ فإن المعاتبة مقطعة ~~للود وإن الاستزادة من الجشع، وإن الرضا بالعفو والمسامحة في الخلق، مقرب لك ~~كل ما تتوق إليه نفسك، مع بقاء العرض والمودة والمروءة. # اعلم أنك ستبتلى من أقوام بسفه، وأن سفه السفيه سيطلع لك منه؛ فإن عارضته أو ~~كافأته بالسفه، فكأنك قد رضيت ما أتى به فاجتنب أن تحتذي مثاله؛ فإن كان ذلك عندك ~~مذموما، فحقق ذمك إياه بترك معارضته، فأما أن تذمه وتمتثله، فليس ذلك ~~لك. # لا تصاحبن أحدا وإن استأنست به أخا قرابة أو أخا مودة ولا والدا ولا ~~ولدا إلا بمروة؛ فإن كثيرا من أهل المروة قد يحملهم الاسترسال، أو ~~التبذل على أن يصحبوا كثيرا من الخلصاء بالإدلال والتهاون، ومن فقد من صاحبه ~~صخبة المروة ووقارها أحدث له في قلبه رقة شأن وخفة منزلة. # لا تلتمس غلبة صاحبك والظفر عليه بكل كلمة ورأي، ولا تجترئن على تقريعه ~~وتبكيته بظفرك إذا استبان، وحجتك إذا وضحت؛ فإن أقواما يحملهم حب الغلبة، ~~وسفه الرأي في ذلك على أن يتعقبوا الكلمة بعد ما تنسى، فيلتمسوا فيها الحجة ~~ثم يستطيلوا بها على الأصحاب، وذلك ضعف في العقل، ولؤم في الأخلاق. # لا يعجبنك إكرام من يكرمك لمنزلة أو سلطان؛ فإن السلطة أوشك ms057 أمور الدنيا ~~زوالا، ولا يعجبنك إكرامهم إياك للنسب؛ فإن الأنساب أقل مناقب الخير غناء عن أهلها ~~في الدين والدنيا، ولكن إذا أكرمت على دين أو مروءة فذلك فليعجبك؛ فإن المروءة ~~لا تزايلك في الدنيا، والدين لا يزايلك في الآخرة. # اعلم أن الجبن مقتلة، وأن الحرص محرمة، فانظر فيما رأيت أو سمعت أمن قتل ~~في القتال مقبلا أكثر أم من قتل مدبرا؟ # وانظر أمن يطلب إليك بالإجمال والتكرم أحق أن تسخو إليك نفسك بطلبته، أم من ~~يطلب إليك بالشره؟ # اعلم أنه ليس كل من كان لك فيه هوى، فذكره ذاكر بسوء وذكرته أنت بخير ينفعه ~~ذلك أو يضره، فلا يستخفنك ذكر أحد من صديق أو عدو إلا في موطن دفع أو ~~محاماة؛ فإن صديقك إذا وثق بك في مواطن المحاماة لم يحفل بما تركت مما سوى ذلك، ~~ولم يكن له عليك سبيل لائمة، وإن الأحزم في أمر عدوك ألا تذكره، إلا حيث يضره وألا ~~تعد يسير الضر ضرا. # اعلم أن الرجل قد يكون حليما، فيحمله الحرص على أن يقال جليد، ~~والمخافة أن يقال مهين على أن يتكلف الجهل، وقد يكون الرجل زميتا، فيحمله الحرص ~~على أن يقال لسن، والمخافة من أن يقال عيي، على أن يقول في غير موضعه فيكون ~~هذرا، فاعرف هذا وأشباهه، واحترس منه كله. # إذا بدهك أمران لا تدري أيهما أصوب، فانظر أيهما أقرب إلى هواك ~~فخالفه؛ فإن أكثر الصواب في خلاف الهوى. # ليجتمع في قلبك الافتقار إلى الناس والاستغناء عنهم، فيكون افتقارك إليهم في ~~لين كلمتك وحسن بشرك، ويكون استغناؤك عنهم في نزاهة عرضك وبقاء عزك. # لا تجالس امرأ بغير طريقته؛ فإنك إن أردت لقاء الجاهل بالعلم، والجافي بالفقه، ~~والعي بالبيان؛ لم تزد على أن تضيع عقلك، وتؤذي جليسك بحملك عليه ثقل ما لا ~~يعرف، وغمك إياه بمثل ما يغتم به الرجل الفصيح من مخاطبة الأعجمي الذي لا ~~يفقه، واعلم أنه ليس من علم تذكره عند غير أهله إلا عادوه ونصبوا له، ونقضوه ~~عليك، وحرصوا على أن ms058 يجعلوه جهلا، حتى إن كثيرا من اللهو واللعب الذي هو أخف ~~الأشياء على الناس، ليحضره من لا يعرفه فيثقل عليه ويغتم به. # ليعلم صاحبك أنك حدب على صاحبه، وإياك إن عاشرك امرؤ ورافقك ألا يرى ~~منك بأحد من أصحابه وأخدانه رأفة؛ فإن ذلك يأخذ من القلوب مأخذا. # وإن لطفك بصاحب صاحبك أحسن عنده موقعا من لطفك به بنفسه. # اتق الفرح عند المحزون، واعلم أنه يحقد على المنطلق، ويشكر للمكتئب. # اعلم أنك ستسمع من جلسائك الرأي والحديث تنكره وتستجفيه من محدث عن ~~نفسه أو عن غيره، فلا يكونن منك التكذيب ولا التسخيف لشيء مما يأتي به جليسك، ~~ولا يجرئنك على ذلك أن تقول إنما حدث عن غيره؛ فإن كل مردود عليه سيمتعض من ~~الرد، وإن كان في القوم من تكره أن يستقر في قلبه ذلك القول لخطأ تخاف أن ~~يعقد عليه، أو مضرة تخشاها على أحد؛ فإنك قادر على أن تنقض ذلك في سر، ~~فيكون أيسر للنقض وأبعد للبغضة. # واعلم أن البغضة خوف، والمودة أمن، فاستكثر من المودة صامتا؛ فإن ~~الصمت يدعوها إليك، وناطقا بالحسنى؛ فإن المنطق الحسن يزيد في ود الصديق، ويسل ~~سخيمة الوغر. # واعلم أن خفض الصوت، وسكون الريح، ومشي القصد من دواعي المودة، إذا لم يخالط ~~ذلك بأو ولا عجب، أما العجب فهو من دواعي المقت والشنآن. # تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام، ومن حسن الاستماع: إمهال المتكلم حتى ~~يقضي حديثه، وقلة التلفت إلى الجواب، والإقبال بالوجه، والنظر إلى المتكلم، ~~والوعي لما يقول. # واعلم أن المستشار ليس بكفيل، والرأي ليس بمضمون، بل الرأي كله غرر؛ ~~لأن أمور الدنيا ليس شيء منها بثقة؛ ولأنه ليس شيء من أمرها يدركه الحازم ~~إلا وقد يدركه العاجز، بل ربما أعيا الحزمة ما أمكن العجزة، فإذا أشار عليك ~~صاحبك برأي، فلم تجد عاقبته على ما كنت تأمل، فلا تجعل ذلك عليه لوما وعذلا ~~تقول: أنت فعلت هذا بي، وأنت أمرتني ولولا أنت ولا جرم لا أطيعك؛ فإن هذا ~~كله ضجر ولؤم وخفة ms059 ، وإن كنت أنت المشير، فعمل برأيك أو ترك فبدا صوابك، فلا ~~تمنن ولا تكثرن ذكره، إن كان في نجاح، ولا تلم عليه إن كان استبان في تركه ~~ضررا تقول: ألم أقل لك؟ ألم أفعل؟ فإن هذا مجانب لأدب الحكماء. # اعلم فيما تكلم به صاحبك أن مما يهجن صواب ما تأتي به، ويذهب بهجته ويزري ~~بقبوله عجلتك في ذلك أن يفضي إليك بذات نفسه، ومن الأخلاق السيئة على كل حال مغالبة ~~الرجل على كلامه والاعتراض فيه والقطع فيه، ومن الأخلاق التي أنت جدير بتركها: ~~إذا حدث الرجل حديثا تعرفه ألا تسابقه إليه، وتفتحه عليه وتشاركه فيه، ~~حتى كأنك تظهر للناس بأنك تريد أن يعلموا أنك تعلم من مثل الذي ~~يعلم، وما عليك أن تهنئه بذلك وتفرده به؟! وهذا الباب من أبواب البخل وأبوابه ~~الغامضة كثيرة. # وإذا كنت في قوم ليسوا بلغاء ولا فصحاء، فدع التطاول عليهم في البلاغة أو ~~الفصاحة. # اعلم أن بعض شدة الحذر عون عليك فيما تحذر، وأن شدة الاتقاء تدعو ~~إليك ما تتقي. # إن رأيت نفسك تصاغرت إليها الدنيا، ودعتك إلى الزهادة فيها على حال تعذر ~~منها عليك، فلا يغرنك ذلك من نفسك على تلك الحال؛ فإنها ليست بزهادة، ولكنها ضجر ~~واستحذاء، وتغير نفس عندما أعجزك من الدنيا، وغضب منك عليها مما التوى عليك منها، ~~ولو تممت على رفضها، وأمسكت عن طلبها أوشكت أن ترى من نفسك من الضجر والجزع، أشد ~~من ضجرك الأول بأضعاف، ولكن إذا دعتك نفسك إلى رفض الدنيا، وهي مقبلة عليك ~~فأسرع إجابتها. # اعرف عورتك وإياك أن تعرض بأحد فيما شاركها، وإذا ذكرت من أحد خليقته، فلا ~~تناضل عنه مناضلة المدافع عن نفسه فتتهم بمثلها، ولا تلح كل الإلحاح، وليكن ما ~~كان منك من غير اختلاط؛ فإن الاختلاط من محققات الريب، وإذا كنت في جماعة قوم ~~أبدا، فلا تعمن جيلا من الناس أو أمة بشتم ولا ذم؛ فإنك لا تدري لعلك ~~تتناول بعض أعراض جلسائك ولا تعلم، ولا تذمن مع ذلك اسما من أسماء ms060 الرجال أو ~~النساء بأن تقول: إن هذا لقبيح من الأسماء؛ فإنك لا تدري لعل ذلك موافق ~~لبعض جلسائك في بعض أسماء الأهلين والحرم، ولا تستصغرن من هذا شيئا فكله يجرح في ~~القلب، وجرح اللسان أشد من جرح اليد. # اعلم أن الناس يخدعون أنفسهم بالتعريض والتوقيع بالرجال، في ~~التماس مثالبهم ومساويهم، وكل ذلك أبين عند سامعيه من وضح الصبح، فلا تكونن من ذلك ~~في غرور، ولا تجعلن نفسك من أهله. # إني مخبرك عن صاحب كان أعظم الناس في عيني. وكان رأس ما أعظمه ~~عندي صغر الدنيا في عينه، كان خارجا من سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد، ~~ولا يكثر إذا وجد. وكان خارجا من سلطان فرجه، فلا يدعو إليه مؤنة، ولا يستخف ~~له رأيا ولا بدنا. وكان خارجا من سلطان الجهالة، فلا يقدم إلا على ثقة أو ~~منفعة. وكان أكثر دهره صامتا، فإذا قال بذ القائلين كان يرى مستضعفا، فإذا ~~جاء الجد فهو الليث عاديا. وكان لا يدخل في دعوى ولا يشرك في مراء، ولا يدلي ~~بحجة حتى يجد قاضيا عدلا وشهودا عدولا. وكان لا يلوم أحدا على ما قد يكون ~~العذر في مثله، حتى يعلم ما اعتذاره. وكان لا يشكو وجعا إلا إلى من يرجو عنده ~~البرء ولا يصحب إلا من يرجو عنده النصيحة لهما جميعا. وكان لا يتبرم، ولا يتسخط، ~~ولا يتشهى، ولا يتشكى، ولا ينتقم من الوالي، ولا يغفل عن العدو، ولا يخص نفسه ~~دون إخوانه بشيء من اهتمامه بحيلته وقوته، فعليك بهذه الأخلاق إن أطقت ولن تطيق، ~~ولكن أخذ القليل خير من ترك الجميع، وبالله التوفيق. # | يتيمة ثانية لابن المقفع # توطئة للناشر # وقعت شبهة لبعض أهل العلم، فيما إذا كانت هذه الرسالة المنشورة قبل ~~هي اليتيمة بعينها أم هي يتيمة ثانية لابن المقفع، ويزول هذا التناقض إذا لوحظ ~~ما قاله إمام المتكلمين أبو بكر الباقلاني البصري المتوفى سنة ثلاث وأربعمائة، ~~فإنه ذكر في كتابه إعجاز القرآن: أن الدرة اليتيمة كتابان، أحدهما: يتضمن ~~حكما منقولة، والآخر: في ms061 شيء من الديانات، غير أنه يبقى هناك إشكال في ~~أنه ليس في إحدى الرسالتين ما يتعلق بالديانات كما قال الباقلاني، وإذا رضينا ~~بالظن فنقول: إن هذا الاسم وضعه أناس لبعض رسائل ابن المقفع. ومن هنا نشأ ~~الاشتباه فعددها الناظرون، ويبعد أن يقال: إن ابن المقفع سمى الرسالتين ~~معا باسم واحد لمخالفته في الظاهر لمقتضى الحكمة. ولو قلنا: إنه سمى إحدى ~~الرسائل فيبعد - مع قرب عصر الناقلين عنه - وقوع الاشتباه في المسمى مع شدة ~~عنايتهم بجميع ما قال. # أما الرسالة الثانية فمنقولة عن كتاب المنثور والمنظوم والمحفوظ في دار الكتب ~~المصرية، لمؤلفه أبي الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور من أبناء خراسان، ولد - كما ~~جاء في فهرسها - سنة 204ه، وتوفي سنة 280ه، وهاك ما أورده ولم نحذف منه ~~إلا بعض جمل أشرنا إليها بحرف «ف»؛ لأنها محرفة جدا لم نهتد إلى وجه الصواب ~~فيها، قال أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر: ومن الرسائل المفردات اللواتي لا نظير لها ~~ولا أشباه وهي أركان البلاغة، ومنها استقى البلغاء؛ لأنها نهاية في المختار من ~~الكلام وحسن التأليف والنظام؛ الرسالة التي لابن المقفع، وهي اليتيمة؛ فإن ~~الناس جميعا مجمعون أنه لم يعبر أحد عن مثلها، ولا تقدمها من الكلام شيء ~~قبلها، ومن فصولها قوله في صدورها ولم نكتبها على تمامها لشهرتها وكثرتها في ~~أيدي الرواة، فمن فصولها قوله في صدرها: # وقد أصبح الناس إلا قليلا ممن عصم الله مدخولين منقوصين: ~~فقائلهم باغ، وسامعهم عياب، وسائلهم متعنت، ومجيبهم متكلف، وواعظهم ~~غير محقق لقوله بالفعل، وموعوظهم غير سليم من الهزء والاستخفاف، ~~ومستشيرهم غير موطن نفسه على إنفاذ ما يشار به عليه ومصطبر للحق مما ~~يسمع، ومستشارهم غير مأمون على الغش والحسد، وأن يكون مهتاكا للستر، ~~مشيعا للفاحشة، مؤثرا للهوى، والأمين منهم غير متحفظ من ائتمان ~~الخونة، والصدوق غير محترس من حديث الكذبة، وذو الدين غير متورع ~~عن تفريط الفجرة، يتقارضون الثناء، ويترقبون الدول ويعيبون بالهمز، ~~يكاد أحزمهم رأيا يلفته عن رأيه أدنى الرضا وأدنى السخط، ويكاد ~~يكون ms062 أمتنهم عودا أن تسحره الكلمة وتنكره اللحظة. # وقد ابتليت أن أكون قائلا، وابتليتم أن تكونوا سامعين، ولا خير في ~~القول إلا ما انتفع به، ولا ينتفع إلا بالصدق، ولا صدق إلا مع الرأي، ~~ولا رأي إلا في موضعه وعند الحاجة إليه؛ فإن خير القائلين من لم يكن ~~الباطل غايته ثم لزم القصد والصواب، وخير السامعين من لم يكن ذلك منه ~~سمعة ولا رياء، ولم يتخذ ما يسمع عونا على دفع الهوى، ولا بلغة إلى ~~حاجة دنيا؛ فإن اجتمع للقائل والسامع أن يرزق القائل من الناس مقة ~~وقبولا على ما يقوله، ويرزق السامع اتعاظا بما يسمع في أمر دنياه، ~~وقد صلحت نياتهما في غير ذلك، فعسى ذلك أن يكون من الخير الذي يبلغه ~~الله عباده، ويعجل لهم من حسنة الدنيا ما لا يحرمهم من حسنة الآخرة، ~~كما أن المريد بكلامه أن يعجب الناس قد يجتمع عليه حرمان ما طلب مع سوء ~~النية وحمل الوزر، وقد وافقتم من مسارعة فيما سألتموني؛ فإن طمعا في أن ~~ينفع الله بذلك من يشاء فإنه ما يشاء يقع. # أما سؤالكم عن الزمان فإن الزمان الناس، والناس رجلان وال ومولى ~~عليه، والأزمنة أربعة على اختلاف حالات الناس: # الزمان الأول: # فخيار الأزمنة ما اجتمع فيه صلاح الراعي والرعية، ~~فكان الإمام مؤديا إلى الرعية حقهم في الرد عنهم، ~~والغيظ على عدوهم، والجهاد من وراء بيضتهم، والاختيار ~~لحكامهم، وتولية صلحائهم، والتوسعة عليهم في معايشهم، ~~وإفاضة الأمن فيهم، والمتابعة في الخلق لهم، والعدل في ~~القسمة بينهم، والتقويم لأودهم، والأخذ لهم بحقوق الله عز ~~وجل عليهم. وكانت الرعية مؤدية إلى الإمام حقه في المودة ~~والمناصحة والمخالطة، وترك المنازعة في أمره، والصبر ~~عند مكروه طاعته، والمعونة على أنفسهم، والشدة على من ~~أخل بحقه وخالف أمره، غير مؤثرين في ذلك آباءهم ~~ولا أبناءهم ولا لابسين عليه أحدا، فإذا اجتمع ذلك في ~~الإمام والرعية تم صلاح الزمان، وبنعمة الله تتم ~~الصالحات. # الزمان الثاني: # ثم إن الزمان الذي يليه أن يصلح الإمام نفسه ~~ويفسد الناس، ولا ms063 قوة بالإمام مع خذلان الرعية، ~~ومخالفتهم وزهدهم في صلاح أنفسهم، على أن يبلغ ذات نفسه ~~في صلاحهم، وذلك أعظم ما تكون نعمة الله على الوالي وحجة ~~الله على الرعية بواليهم، فبالحري أن يؤخذوا بأعمالهم، ~~وما أخلقهم أن تصيبهم فتنة وعذاب أليم. # والزمان الثالث: # صلاح الناس وفساد الوالي، وهذا دون الذي قبله؛ فإن ~~لولاة الناس يدا في الخير والشر ومكانا ليس لأحد، وقد ~~عرفناه فيما يعتبر به: أن ألف رجل كلهم مفسد وأميرهم ~~مصلح، أقل فسادا من ألف رجل كلهم مصلح وأميرهم مفسد، ~~والوالي إلى أن يصلح أدبه الرعية أقرب من الرعية ~~إلى أن يصلح الله بهم الوالي؛ وذلك لأنهم لا يستطيعون ~~معاتبته وتقويمه مع استطالته بالسلطان والحمية التي ~~تعلوه، وشر الزمان ما اجتمع فيه فساد الوالي والرعية ~~«ف» فقولي في هذا الزمان أنه إلا يكن خير الأزمان، فليس ~~على واليكم ذنب وألا يكن شر الأزمان فليس لكم حمد، ذلك ~~غير أنا - بحمد الله - قد أصبحنا نرجو لأنفسنا الصلاح ~~بصلاح إمامنا، ولا نخاف عليه الفساد بفسادنا، قد رأينا ~~حظه من الله - عز وجل - في التثبت والعصمة، فلم يبرح ~~الله يزيده خيرا ويزيد به رعيته مذ ولاه، فعندنا من ~~هذا وثائق من عبر وبينات ونحتسب من الله، عز وجل، ألا ~~يزال إمامنا يسارع في مرضاة ربه بالاستصلاح لرعيته، ~~والصبر على ما يستنكر منهم، وقلة المؤاخذة لهم بذنوبهم، ~~حتى يقلب الله له بصلاحه قلوبهم، ويفتح له أسماعهم ~~وأبصارهم، فيجمع ألفتهم، ويقوم أودهم، ويلزمهم ~~مراشد أمورهم، وتتم نعمة الله على أمير المؤمنين بأن ~~يصلح له وعلى يديه فيكونوا رعية خير راع ويكون راعي ~~خير رعية - إن شاء الله - وبه الثقة. # والذي يحمد من أمير المؤمنين أنا ذاكرنا ما تيسر منه ~~«ف»، وقلما نلقى من أهل العقل والمعاينة منكرا لنعمة ~~الله بأمير المؤمنين على المسلمين «ف»، ومن أشد جهلا ~~وأقطع عذرا ممن لم يعرف النعمة، ولم يقبل ~~العافية - نعوذ بالله أن نكون من الذين لا يعقلون - ~~فتفهموا ما أنا ذاكر لكم وتدبروه بالحق والعدل؛ ~~فإن ms064 المرء ناظر بإحدى عيون ثلاث، وهما الغاشتان ~~والصادقة، وهي التي لا تكاد توجد، عين مودة تريه القبيح ~~حسنا، وعين شنآن تريه الحسن قبيحا، وعين عدل تريه حسنها ~~حسنا وقبيحها قبيحا، فتفكروا فيما جمع الله لأمير ~~المؤمنين في معدنه وفي سيرته، وفيما ظاهر عليكم من ~~النعمة والحق والحجة بذلك، فيما عسى القائل أن ~~يبتغي فيه المغمز والمقال، فلعمري إن الشيطان من ~~أهواء الناس وألسنتهم في الأمر لمصيب، وإن له ~~لمستراحا حين يستوفي أمنيته ويصدق عليهم ظنه، ~~ويوحي إليهم بمكايده، فيجعل الله كيده ضعيفا وحزبه ~~مغلوبا، وجعله وإياهم نصيبا لجهنم من أجزائه المقسومة ~~لأبوابها وحطبها ووقودها وحصبها ليعدلها. # فمن كان سائلا عن حق أمير المؤمنين في معدنه؛ فإن ~~أعظم حقوق الناس منزلة وأكرمها نسبة، وأولاها بالفضل حق ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # نبي الرحمة، وإمام الهدى ووارث ~~الكتاب والنبوة والمهيمن عليهما، وخاتم النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين بعثه الله بشيرا ~~ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، ثم هو ~~باعثه يوم القيامة مقاما محمودا، شرع الله به دينه، وأتم ~~به نوره على عهده، ومحق به رءوس الضلالة، وجبابرة الكفر ~~وخوله الشفاعة، وجعله في الرفيق الأعلى # صلى الله عليه وسلم ~~. # | حكم لابن المقفع # إليك رسالة أخرى من كلام ابن المقفع، محفوظة في دار الكتب المصرية بالقاهرة، ~~كتبها علي بن أبي أحمد الحلبي (سنة 448ه). وقال في أولها: إنها كتاب الأدب، وذكر أنها ~~كتبت برسم خزانة المقر الأشرف الكريم العالي الجمالي ناظر الخواص الشريفة بالممالك ~~الإسلامية - عظم الله شأنه وصانه عما شانه. # قال عبد الله بن المقفع - رحمه الله تعالى: # عمل البر خير صاحب، أحق ما صان الرجل أمر دينه، الآلف ~~للدنيا مغتر، من ألزم نفسه ذكر الآخرة اشتغل بالعمل، المغبون من طلب ثواب ~~الآخرة في الدنيا، القلب أسرع تقلبا من الطرف. أحسن العفو ما كان عن ~~عظيم الجرم، الاعتراف يؤدي إلى التوبة، الإصرار وعاء للذنوب، الجواد من بذل ما ~~يضن به، المتكلف لما لا يعنيه متعرض لما يكره، الفكر مفتاح القلب، الاستماع ~~أسلم ms065 من القول، كمون الحقود، ككمون النار في العود، أكرم الأخلاق التواضع، ~~التواضع يورث المحبة، الكبر مقرون به سوء الظن، من عذب لسانه كثر ~~إخوانه، من استبعد الآخرة ركن إلى الدنيا، سرور الدنيا كأحلام النائم، ~~المغبون من طلب الدنيا بعمل الآخرة، المصيبة العظمى الرزية في الدين، سرور ~~الدنيا مخوف المغبة، من أهلك نفسه في مرضاة غيره عظمت جنايته، أنفع الكنوز ~~العمل الصالح، أحق الناس بالبر أعلمهم بالعاقبة، من أبصر العاقبة فآثرها أمن ~~الندامة، الوالي من وزرائه بمنزلة الرأس في أعضائه، من عرف ثمار الأعمال ~~كان حقيقا ألا يغرس مرا، أهن دنيا بائدة تستكمل كرامة، أبقى ~~الجروح مضضا جرح الآثام، ائت إلى الناس ما تحب أن يؤتى إليك، ~~استصغر المشقة إذا أدت إلى منفعة، رأس البر الورع، اطلب الرحمة ~~بالرحمة، خير الأعمال ما دبر بالتقوى، بالحزم يتم الظفر، من أحب التزكية تعرض ~~للضحكة، الدنيا نوم نائم، والدولة حلم حالم، من سالم الناس ربح السلامة، ومن ~~تعدى عليهم كسب الندامة، بادر لعمل الخير إذا أمكنك، من حصن سره أمن ضرر ذلك، ~~الدنيا قد تدرك بالجهل كما تدرك بالعقل، أحسن العمل الصالح ما كان بصدق ~~النية، خسر من أنفق حياته في غير حقها، طوبى لمن ترك دنياه لآخرته، من الحق على ~~السلطان رفع ذي الفضيلة وأن يسد فاقته، لا تحمد نفسك على ما تركت من الذنوب ~~عجزا، بالرسول يعرف قدر المرسل، رفق الرسول يلين القلب الصعب، لا ~~رأي لمن انفرد برأيه، من ترك رأي ذي النصيحة اتباعا لما يهوى استوخم ~~العاقبة، المشاورة أوثق ظهير، المستشار مؤتمن، اعتبر عقل الوالي بإصابته موضع ~~أصحابه، من صحب السلطان لم يزل مروعا، كثرة أعوان السوء مضرة بالعمل ~~«بالحزم يتم الظفر»، بإجالة الرأي تظفر بالحزم، استوجب الطاعة من ذوي الرأي ~~بالمودة، الصنيعة عند الكفور لا تثمر إلا مرا، الملك الحازم من استمسك برأي ~~الحزمة من ذوي الرأي، لا صلاح لرعية واليها فاسد، خير مستفاد الهدى، أكثر ~~محادثة من يصدقك عن عيوبك، حلية الملوك وزراؤهم، أكمل النصحاء من لم يكتم ms066 ~~صاحبه نصيحة وإن استقلها، فساد الوالي أضر بالرعية من جدب الزمان، استعن ~~بالصمت على إطفاء الغضب، لا تجنين على نفسك عداوة وبغضة اتكالا على ما ~~عندك من العمل والقوة والمنعة، كن في الحرص على معرفة عيبك بمنزلة عدوك في ~~معرفة ذلك، البصير من عرف ضره من نفعه «التواضع يورث المحبة، أكرم الأخلاق ~~التواضع، الكبر مقرون به سوء الظن»، ربما تحولت البغضاء مودة ~~والمودة بغضاء، قرب الصالحين داع للصلاح «أحسن العفو ما كان عن عظيم ~~الجرم» المال عون قوي على المروءة، وإنفاقه مهلكة المروءة، من عدم ماله أنكره ~~أهله. # خير الملوك من يرى أنه لا يضبط ملكه إلا بالعدل بين رعيته، وأضيعهم ~~الفظ المتهاون، لا يغتر الأقوياء بفضل قوتهم على الضعفاء، الضعيف المحترس من ~~العداوة أقرب إلى السلامة من القوي المغتر، أخوف الأحقاد أحقاد الملوك، أبصر ~~الوزراء من بصر صاحبا عيبه بالأمثال، من قل كلامه حمد عقله، من ~~عرف قدره قل إفراطه، أحسن والدولة لك يحسن إليك والدولة عليك ~~«كمون الحقود ككمون النار في العود» من حرم العقل رزئ دنياه وآخرته، آفة ~~العقل العجب، الهم مرض العقل، احذر صولة اللئيم إذا أشبع، أحسن المدح ~~أصدقه، الإحسان يقطع اللسان. # | رسالة ابن المقفع في الصحابة # أما بعد ... أصلح الله أمير المؤمنين وأتم عليه النعمة وألبسه المعافاة والرحمة، ~~فإن أمير المؤمنين - حفظه الله - يجمع مع علمه المسألة والاستماع، كما كان ولاة ~~الشر يجمعون مع جهلهم العجب والاستغناء، ويستوثق لنفسه بالحجة ويتخذها على ~~رعيته، فيما يلطف له من الفحص عن أمورهم، كما كان أولئك يكتفون بالدعة، ويرضون ~~بدحوض الحجة وانقطاع العذر في الامتناع أن يجترئ عليهم أحد برأي أو خبر مع ~~تسليط الديان، وقد عصم الله أمير المؤمنين - حين أهلك عدوه وشفى غليله، ومكن ~~له في الأرض وآتاه ملكه وخزائنها - من أن يشغل نفسه بالتمتع والتفتيش والتأثل ~~والإخلاد، وأن يرضى ممن آوى بالمتاع به وقضاء حاجة النفس منه، وأكرم الله أمير ~~المؤمنين باستهانة ذلك واستصغاره إياه، وذلك من أبين علامات السعادة، وأنجح الأعوان على ~~الخير، ms067 وقد قص الله - عز وجل - علينا من نبأ يوسف بن يعقوب أنه لما تمت نعمة الله ~~عليه، وآتاه الملك وعلمه من تأويل الأحاديث، وجمع له شمله، وأقر عينه بأبويه وإخوته ~~أثنى على الله - عز وجل - بنعمته ثم سلا عما كان فيه، وعرف أن الموت وما بعده هو أولى ~~فقال: # توفني مسلما وألحقني بالصالحين ~~(يوسف: 101). # وفي الذي قد عرفنا من طريقة أمير المؤمنين ما يشجع ذا الرأي على تناوله ~~بالخبرة، فيما ظن أنه لم يبلغه إياه غيره، وبالتذكير بما قد انتهى إليه، ولا يزيد ~~صاحب الرأي على أن يكون مخبرا أو مذكرا، وكل عند أمير المؤمنين مقبول إن ~~شاء الله مع أن مما يزيد ذوي الألباب نشاطا إعمال ذوي الرأي فيما يصلح الله به ~~الأمة في يومها، أو غابر دهرها الذي أصبحوا قد طمعوا فيه، ولعل ذلك أن يكون ~~على يدي أمير المؤمنين؛ فإن مع الطمع الجد ومع اليأس القنوط، وقلما ضعف الرجاء ~~إلا ذهب الرخاء، وطلب المؤيس عجز، وطلب الطامع حزم، ولم ندرك الناس نحن ~~وآباؤنا، إلا وهم يرون فيها خلا لا يقطع الرأي ويمسك بالأفواه، من حال وال ~~لم يهمه الإصلاح أو أهمه ذلك، ولم يثق فيه بفضل رأي، أو كان ذا رأي ليس مع رأيه صول ~~بصرامة أو حزم، أو كان ذلك استئثارا منه على الناس بنشب، أو قلة تقدم لما ~~يجمع أو يقسم، أو حال أعوان ينيل بهم، الولاة ليسوا على الخير بأعوان. وليس له إلى ~~اقتلاعهم سبيل لمكانهم من الأمر، ومخافة الدول والفساد إن واجههم، أو انتقص ما في ~~أيديهم، أو حال رعية متزرة ليس لها من أمرها النصف في نفسها؛ فإن أخذت بالشدة ~~حميت، وإن أخذت باللين طغت، وكل هذه الخلائق قد طهر الله منها أمير المؤمنين، فآتاه ~~الله ما آتاه في نيته ومقدرته وعزمه ثم لم يزل يرى ذلك منه الناس، حتى عرفه منه ~~جهالهم فضلا عن علمائهم. # وصنع الله لأمير المؤمنين ألطف الصنع في اقتلاع من كان يشركه في أمره على غير ~~طريقته ms068 ورأيه، حتى أراحه الله وأمنه منهم، بما جعلوا من الحجة والسبيل على أنفسهم، ~~وما قوى الله عليه أمير المؤمنين في رأيه واتباعه مرضاته، وأذل الله لأمير ~~المؤمنين رعيته بما جمع له من اللين والعفو؛ فإن لان لأحد منهم، ففي الإثخان ~~له، شهيد على أن ذلك ليس بضعف ولا مصانعة، وإن اشتد على أحد منهم، ففي العفو شهيد ~~على أن ذلك ليس بعنف ولا خرق، مع أمور سوى ذلك يكف عن ذكرها كراهة أن يكون ~~كأنا نصبنا المدح، فما أخلق هذه الأشياء أن تكون عتادا لكل جسيم من الخير في ~~الدنيا والآخرة واليوم والغد والخاصة والعامة، وما أرجانا لأن يكون أمير المؤمنين ~~بما أصلح الله الأمة من بعده أشد اهتماما من بعض الولاة بما لا يصلح رعيته في ~~سلطانه، وما أشد ما قد استبان لنا أن أمير المؤمنين أطول بأمر الأمة عناية، ~~ولها نظرا وتقديرا من الرجل منا بخاصة أهله، ففي دون هذا ما يثبت الأمل وينشط ~~للعمل - ولا قوة إلا بالله، ولله الحمد وعلى الله التمام. # فمن الأمور التي يذكر بها أمير المؤمنين - أمتع الله به - أمر هذا الجند من أهل ~~خراسان؛ فإنهم جند لم يدرك مثلهم في الإسلام، وفيهم منعة بها يتم فضلهم، إن ~~شاء الله، أما هم: فأهل بصر بالطاعة وفضل عند الناس، وعفاف نفوس وفروج، وكف ~~عن الفساد وذل للولاة فهذه حال لا نعلمها توجد عند أحد غيرهم، وأما ما يحتاجون ~~فيه إلى المنعة من ذلك فتقويم أيديهم ورأيهم وكلامهم؛ فإن في ذلك اليوم ~~اختلاطا من رأس مفرط غال، وتابع متحير شاك، ومن كان إنما يصول ~~على الناس بقوم لا يعرف منهم الموافقة في الرأي والقول والسيرة فهو كراكب الأسد ~~الذي يوجل من رآه والراكب أشد وجلا، فلو أن أمير المؤمنين كتب لهم أمانا معروفا ~~بليغا وجيزا محيطا بكل شيء يجب أن يقول فيه، ويكفوا عنه بالغا في الحجة قاصرا ~~عن الغلو يحفظه رؤساؤهم حتى يقود به دهماءهم، ويتعهد به منهم من لا يؤبه له من عرض ms069 ~~الناس لكان ذلك - إن شاء الله - لرأيهم صلاحا، وعلى من سواهم حجة وعند الله عذرا، ~~فإن كثيرا من المتكلمين من قواد أمير المؤمنين اليوم، إنما عامة كلامهم فيما يؤمر ~~الأمر ويرغم الرغم أن أمير المؤمنين لو أمر الجبال أن تسير سارت. ولو أمر أن تستدبر ~~القبلة بالصلاة فعل ذلك، وهذا كلام قلما «يرتضيه» من كان مخالفا، وقلما يرد في سمع ~~السامع إلا أحدث في قلبه ريبة وشكا، والذي يقول أهل القصد من المسلمين هو أقوى ~~للأمر، وأعز للسلطان وأقمع للمخالف وأرضى للموافق، وأثبت للعذر عند الله ~~- عز وجل. # فإنا قد سمعنا فريقا من الناس يقولون لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق، بنوا قولهم ~~هذا بناء معوجا. فقالوا: إن أمرنا الإمام بمعصية الله، فهو أهل أن يعصى، وإن ~~أمرنا الإمام بطاعة الله فهو أهل أن يطاع، فإذا كان الإمام يعصى في المعصية. وكان غير ~~الإمام يطاع في الطاعة فالإمام ومن سواه على حق الطاعة سواء، وهذا قول معلوم يجده ~~السلطان ذريعة إلى الطاعة والذي فيه أمنيته لئلا يكون للناس نظائر، ولا ~~يقوم بأمرهم إمام، ولا يكون على عدوهم منهم ثقل. # سمعنا آخرين يقولون: بل نطيع الأئمة في كل أمورنا، ولا نفتش عن طاعة الله ~~ولا معصيته، ولا يكون أحد منا عليهم حسيبا، هم ولاة الأمر وأهل العلم، ونحن ~~الأتباع وعلينا الطاعة والتسليم. وليس هذا القول بأقل ضررا في توهين السلطان، ~~وتهجين الطاعة من القول الذي قبله؛ لأنه ينتهي إلى الفظيع المتفاحش من ~~الأمر في استحلال معصية الله جهارا صراحا. وقال أهل الفضل والصواب: قد أصاب الذين ~~قالوا: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولم يصيبوا في تعطيلهم طاعة الأئمة وتسخيفهم ~~إياها، وأصاب الذين أقروا بطاعة الأئمة لما حققوا منها، ولم يصيبوا ما أبهموا من ذلك في ~~الأمور كلها، فأما إقرارنا بأنه لا يطاع الإمام في معصية الله؛ فإنما ذلك في عزائم ~~الفرائض، والحدود التي لم يجعل الله لأحد عليها سلطانا. ولو أن الإمام نهى عن الصلاة ~~والصيام والحج، أو منع الحدود ms070 وأباح ما حرم الله لم يكن له في ذلك ~~أمر. # فأما إثباتنا للإمام الطاعة فيما لا يطاع فيه غيره؛ فإن ذلك في الرأي ~~والتدبير، والأمر الذي جعل الله أزمته وعراه بأيدي الأئمة ليس لأحد فيه أمر، ولا ~~طاعة من الغزو والقفول والجمع والقسم والاستعمال والترك والحكم بالرأي، فيما لم يكن فيه ~~أثر وإمضاء الحدود والأحكام على الكتاب والسنة، ومحاربة العدو ومخادعته والأخذ ~~للمسلمين والإعطاء عليهم، وهذه الأمور وأشباهها من طاعة الله - عز وجل - الواجبة ~~وليس لأحد من الناس فيها حق إلا الإمام، ومن عصى الإمام فيها أو خذله فقد ~~أوتغ نفسه. وليس يفترق هذان الأمران إلا ببرهان من الله - عز وجل - عظيم، وذلك أن الله ~~جعل قوام الناس، وصلاح معاشهم ومعادهم في خلتين: الدين والعقل، ولم تكن عقولهم وإن ~~كانت نعمة الله - عز وجل - عظمت عليهم فيها بالغة معرفة الهدى ولا مبلغة أهلها ~~رضوان الله، إلا ما أكمل لهم من النعمة بالدين الذي شرع لهم، وشرح به صدر من ~~أراد هداه منهم، ثم لو أن الدين جاء من الله لم يغادر حرفا من الأحكام ~~والرأي والأمر وجميع ما هو وارد على الناس، وجاز فيهم مذ بعث الله ~~رسوله # صلى الله عليه وسلم # إلى يوم يلقونه إلا جاء فيه بعزيمة، لكانوا قد كلفوا غير ~~وسعهم، فضيق عليهم في دينهم وآتاهم ما لم تسع أسماعهم لاستماعه ولا قلوبهم ~~لفهمه، ولحارت عقولهم وألبابهم التي امتن الله بها عليهم ولكانت لغوا لا ~~يحتاجون إليها في شيء، ولا يعملونها إلا في أمر قد أتاهم به تنزيل، ولكن الله ~~من عليهم بدينهم الذي لم يكن يسعه رأيهم، كما قال عباد الله المتقون: ما كنا ~~لنهتدي لولا أن هدانا الله. # ثم جعل ما سوى ذلك من الأمر والتدبير إلى الرأي، وجعل الرأي إلى ولاة الأمر ~~ليس للناس في ذلك الأمر شيء إلا الإشارة عند المشورة، والإجابة عند الدعوة ~~والنصيحة بظهر الغيب، ولا يستحق الوالي هذه الطاعة إلا بإقامة العزائم والسنن مما ~~هو في معنى ذلك، ثم ليس ms071 من وجوه القول وحده يلتمس فيه ملتمس إثبات فضل أهل بيت ~~أمير المؤمنين على أهل بيت «من سواه» وغير ذلك مما يحتاج الناس إلى ذكره، إلا وهو ~~موجود فيه من الكلام الفاضل المعروف، مما هو أبلغ مما يغلو فيه الغالون؛ فإن الحجة ~~ثابتة، والأمر واضح - بحمد الله ونعمته. # ومما ينظر فيه لصلاح هذا الجند ألا يولي أحدا منهم شيئا من الخراج؛ فإن ولاية ~~الخراج مفسدة للمقاتلة، ولم يزل الناس يتحامون ذلك منهم وينحونه عنهم؛ لأنهم أهل ذاك ~~ودعوى بلاء، وإذا خلا بالدراهم والدنانير اجترأ عليهما، وإذا وقع في الخيانة ~~صار كل أمر مدخولا نصيحته وطاعته؛ فإن حيل بينه وبين رفعته أمر ضنته ~~الحمية، مع أن ولاية الخراج داعية إلى ذلة وعقوبة وهوان، وإنما منزلة المقاتل منزلة ~~الكرامة واللطف، ومما ينظر فيه من أمرهم أن منهم من المجهولين من هو أفضل من بعض ~~قادتهم، فلو التمسوا وصنعوا كانوا عدة وقوة وكان ذلك صلاحا لمن فوقهم من ~~القادة ومن دونهم من العامة. # ومن ذلك تعهد أدبهم في تعليم الكتاب والتفقه في السنة والأمانة ~~والعصمة والمباينة لأهل الهوى، وأن يظهر فيهم من القصد والتواضع، واجتناب زي ~~المترفين وشكلهم مثل الذي يأخذ به أمير المؤمنين في أمر نفسه، ولا يزال يطلع من ~~أمير المؤمنين ويخرج منه القول، ما يعرف مقته للإتراف والإسراف وأهلهما ومحبته ~~القصد والتواضع، ومن أخذ بهما حتى يعلموا أن معروف أمير المؤمنين محظور ~~عمن يكنزه بخلا أن ينفقه سرفا في العطر واللباس والمغالاة بالنساء ~~والمراتب؛ فإن أمير المؤمنين يؤثر بالمعروف من وجهته المعروف والمؤاساة، ~~ومن ذلك أمر أرزاقهم أن يوقت لهم أمير المؤمنين فيها وقتا يعرفونه في كل ~~ثلاثة أشهر أو أربعة أو ما بدا له. # وأن يعلم عامتهم العذر الذي في ذلك من إقامة ديوانهم وتحمل ~~أسمائهم، ويعلموا الوقت الذي يأخذون فيه فينقطع الاستبطاء والشكوى؛ فإن الكلمة ~~الواحدة تخرج من أحدهم في ذلك أهل أن تستعظم؛ فإن باب ذلك جدير أن ~~يحسم، مع أن أمير المؤمنين قد علم كثرة أرزاقهم، ms072 وكثرة المال الذي يخرج لهم، وأن ~~هذا الخراج إن يكن رائجا لغلاء السعر؛ فإنه لا بد من الكساد ~~والكسر، وأن لكل شيء درة وغزارة، وإنما درر خراج العراق بارتفاع الأسعار، وإنما ~~يحتاج الجند اليوم إلى ما يحتاجون إليه من كثرة الرزق لغلاء السعر. # فمن حسن التقدير - إن شاء الله - ألا يدخل على الأرض ضرر، ولا بيت ~~المال نقصان من قبل الرحمن إلا دخل ذلك عليهم في أرزاقهم، مع أنه ليس عليهم في ~~ذلك نقصان؛ لأنهم يشترون بالقليل مثل ما كانوا يشترون بالكثير، فأقول: لو أن أمير ~~المؤمنين ما خلا شيئا من الرزق، فيجعل بعضه طعاما ويجعل بعضه علفا فأعطوه ~~بأعيانهم فإن قومت لهم قيمة، فخرج ما خرج على حسابه قيمة الطعام والعلف، لم ~~يكن في أرزاقهم لذلك نقصان عاجل يستنكرونه. وكان ذلك نزالهم لحمل العدو وإنصاف بيت ~~المال من أنفسهم فيما يستبطئون، مع أنه إن زاد السعر أخذوا بحصتهم من فضل ذلك. # ومن جماع الأمر وقوامه - بإذن الله - ألا يخفى على أمير المؤمنين شيء من ~~أخبارهم وحالاتهم وباطن أمرهم بخراسان والعسكر والأطراف، وأن يحتقر في ذلك النفقة ~~ولا يستعين فيه إلا بالثقات النصاح؛ فإن ترك ذلك وأشباهه أحزم بتاركه من ~~الاستعانة فيه بغير الثقة فتصير جنة للجهالة والكذب. # ومما يذكر به أمير المؤمنين - أمتع الله به - أمر هذين المصرين؛ فإنهم بعد أهل ~~خراسان أقرب الناس إلى أن يكونوا شيعته ومعينيه مع اختلاطهم بأهل خراسان، وإنهم ~~منهم وهامتهم، وإنما ينظر أمير المؤمنين منهم، صدق رابطتهم، أو ما أراد من أمورهم ~~معرفته استثقال أهل خراسان ذلك لهم من أمرهم، مع الذي في ذلك من جمال الأمر، ~~واختلاط الناس بالناس العرب بالعجم، وأهل خراسان بالمصرين. # إن في أهل العراق يا أمير المؤمنين من الفقه والعفاف والألباب والألسنة، شيء لا يكاد ~~يشك أنه ليس في جميع من سواهم من أهل القبلة مثله، ولا مثل ~~نصفه فلو أراد أمير المؤمنين أن يكتفي بهم في جميع ما يلتمس له أهل الطبقة من ~~الناس؛ رجونا أن يكون ms073 ذلك فيهم موجودا ، وقد أزرى بأهل العراق في تلك الطبقة أن ولاة ~~العراق، فيما مضى كانوا أشرار الولاة وإن أعوانهم من أهل أمصارهم «كذلك»، فحمل جميع ~~أهل العراق على ما ظهر من أولئك الفسول، وتعلق بذلك أعداؤهم من أهل الشام فنعوه ~~عليهم، ثم كانت هذه الدولة فلم يتعلق من دونكم من الوزراء والعمال إلا ~~بالأقرب فالأقرب مما دنا منهم، أو وجدوه بسبيل شيء من الأمر، فوقع رجال مواقع ~~شائنة لجميع أهل العراق، حيثما وقعوا من صحابة خليفة أو ولاية عمل أو موضع أمانة أو ~~موطن جهاد. وكان من رأي أهل الفضل أن يقصدوا حتى يلتمسوا، فأبطأ ذلك بهم أن ~~يعرفوا وينتفع بهم، وإن كان صاحب السلطان لم يعرف الناس قبل أن يليهم ثم لم يزل ~~يسأل عنهم من يعرفهم، ولم يستثبت في استقصائهم، فزالت الأمور عن مراكزها ونزلت ~~الرجال عن منازلها؛ لأن الناس لا يلقونه إلا متصنعين بأحسن ما يقدرون عليه من الصمت ~~والكلام، غير أن أهل النقص هم أشد تصنعا، وأحلى ألسنة وأرفق ~~تلطفا للوزراء أو تمحلا لأن يثنى عليهم من وراء وراء، فإذا آثر الوالي أن ~~يستخلص رجلا واحدا ممن ليس لذلك أهلا دعا إلى نفسه جميع ذلك الشرح، ~~وطمعوا فيه واجترئوا عليه وتوردوه وزحموا على ما عنده، وإذا رأى ذلك أهل الفضل كفوا ~~عنه، وباعدوا منه وكرهوا أن يروا في غير موضعهم، أو يزاحموا غير نظرائهم. # ومما ينظر أمير المؤمنين فيه من أمر هذين المصرين وغيرهما من الأمصار ~~والنواحي، اختلاف هذه الأحكام المتناقضة التي قد بلغ اختلافها أمرا عظيما في ~~الدماء والفروج والأموال، فيستحل الدم والفرج بالحيرة، وهما يحرمان بالكوفة، ويكون مثل ~~ذلك الاختلاف في جوف الكوفة، فيستحل في ناحية منها ما يحرم في ناحية أخرى، غير أنه ~~على كثرة ألوانه نافذ على المسلمين في دمائهم وحرمهم يقضي به قضاة ~~جائز أمرهم وحكمهم، مع أنه ليس مما ينظر في ذلك من أهل العراق وأهل الحجاز فريق ~~إلا قد لج بهم العجب، بما في أيديهم، والاستخفاف ممن سواهم، ms074 فأقحمهم ذلك ~~في الأمور التي يشفع بها من سمعها من ذوي الألباب. # أما من يدعي لزوم السنة منهم؛ فيجعل ما ليس له سنة سنة، حتى يبلغ ~~ذلك به إلى أن يسفك الدم بغير بينة ولا حجة على الأمر الذي يزعم أنه سنة، وإذا سئل ~~عن ذلك لم يستطع أن يقول: هريق فيه دم على عهد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أو أئمة ~~الهدى من بعده، وإذا قيل له: أي دم سفك على هذه السنة التي تزعمون؟ قالوا: ~~فعل ذلك عبد الملك بن مروان، أو أمير من بعض أولئك الأمراء، وإنما من يأخذ بالرأي ~~فيبلغ به الاعتزام عن رأيه أن يقول في الأمر الجسيم من أمر المسلمين قولا لا ~~يوافقه عليه أحد من المسلمين، ثم لا يستوحش لانفراده بذلك، وإمضائه الحكم عليه، وهو ~~مقر أنه رأي منه لا يحتج بكتاب ولا سنة، فلو رأى أمير المؤمنين أن يأمر بهذه ~~الأقضية والسير المختلفة فترفع إليه في كتاب، ويرفع معها ما يحتج به كل قوم من سنة أو ~~قياس ثم نظر أمير المؤمنين في ذلك، وأمضى في كل قضية رأيه الذي يلهمه الله ويعزم له ~~عليه وينهى عن القضاء بخلافه، وكتب بذلك كتابا جامعا عزما لرجونا أن يجعل الله ~~هذه الأحكام المختلطة الصواب بالخطأ حكما واحدا صوابا، ورجونا أن يكون اجتماع ~~السير قربة لإجماع الأمر برأي أمير المؤمنين وعلى لسانه، ثم يكون ذلك من ~~إمام آخر آخر الدهر - إن شاء الله. # فأما اختلاف الأحكام، إما شيء مأثور عن السلف غير مجمع عليه يدبره قوم على ~~وجه، ويدبره آخرون على وجه آخر، فينظر فيه إلى أحق الفريقين بالتصديق، وأشبه ~~الأمرين بالعدل، وإما رأي أجراه أهله على القياس، فاختلف وانتشر ما يغلط في ~~أصل المقايسة، وابتدأ أمر على غير مثاله، وإما لطول ملازمته القياس؛ فإن من أراد ~~أن يلزم القياس ولا يفارقه أبدا في أمر الدين والحكم، وقع في الورطات ومضى على ~~الشبهات، وغمض على القبيح الذي يعرفه ويبصره، فأبى أن يتركه كراهة ~~ترك ms075 القياس، وإنما القياس دليل يستدل به على المحاسن، فإذا كان ما يقود ~~إليه حسنا معروفا أخذ به، وإذا قاد إلى القبيح المستنكر ترك لأن المبتغي ليس ~~غير القياس يبغي، ولكن محاسن الأمور ومعروفها وما ألحق الحق بأهله. ولو أن شيئا ~~مستقيما على الناس ومنقادا حيث قيد، لكان الصدق هو الذي أولى أن يعتبر ~~بالمقاييس؛ فإنه لو أراد أن يقوده الصدق لم ينقد له، وذلك أن رجلا لو قال: أتأمرني ~~أن أصدق، فلا أكذب كذبة أبدا لكان جوابه أن يقول: نعم، ثم لو التمس منه قود ذلك ~~فقال: أتصدق في كذا وكذا، حتى يبلغ به أن يقول الصدق في رجل هارب استدلني عليه طالب ~~ليظلمه فيقتله لكسر عليه قياده. وكان الرأي له أن يترك ذلك، وينصرف إلى المجمع عليه ~~المعروف المستحسن. # ومما يذكر به أمير المؤمنين أهل الشام؛ فإنهم أشد الناس مؤنة وأخوفهم ~~عداوة وبائقة. وليس يؤاخذهم أمير المؤمنين بالعداوة، ولا يطمع منهم في ~~الاستجماع على المودة، فمن الرأي في أمرهم أن يختص أمير المؤمنين منهم خاصة ممن يرجو ~~عنده صلاحا، أو يعرف منه نصيحة أو وفاء؛ فإن أولئك لا يلبثون أن ينفصلوا عن أصحابهم ~~في الرأي والهوى، ويدخلوا فيما حملوا عليه من أمرهم، فقد رأينا أشباه أولئك من ~~أهل العراق الذين استدخلهم أهل الشام. وليس أحد في أمر أهل السلم على القصاص ~~حرموا، كما كانوا يحرمون الناس وجعل فيئهم إلى غيرهم، كما كان فيء غيرهم إليهم، ~~ونحوا عن المنابر والمجالس والأعمال، كما كانوا ينحون عن ذلك من لا يجهلون فضله ~~في السابقة والمواضع، ومنعت منهم المرافق كما كانوا يمنعون الناس أن ينالوا معهم أكلة ~~من الطعام الذي يصنعه أمراؤهم للعامة؛ فإن رغب أمير المؤمنين لنفسه عن هذه السيرة ~~وما أشبهها، فلم يعارض ما عاب ولم يمثل ما سخط، كان العدل أن يقتصر بهم ~~على فيئهم، فيجعل ما خرج من كور الشام، فضلا عن النفقات، وما خرج من مصر ~~فضلا عن حقوق أهل المدينة ومكة بأن يجعل أمير المؤمنين ديوان مقاتلهم ms076 ديوانهم أو يزيد ~~أو ينقص، غير أنه يأخذ أهل القوة والغناء وخفة المؤنة والعفة في الطاعة، ولا ~~يفضل أحدا منهم على أحد إلا على خاصة معلومة، ويكون الديوان كالغرض ~~المستأنف، ويأمر لكل جند من أجناد أهل الشام بعدة من العيال يقترعون عليها، ~~ويسوي بينهم فيما لم يكونوا أسوة فيه فيمن مات من عيالاتهم، ولا يصنع بأحد من ~~المسلمين. # وأما ما يتخوف المتخوفون من نزواتهم، فلعمري لئن أخذوا بالحق، ولم ~~يأخذوا به إنهم لخلقاء أن يكون لهم نزوات ونزقات، ولكنا على مثل اليقين - بحمد الله - ~~من أنهم لم يشركوا بذلك إلا أنفسهم، وإن الدائرة لأمير المؤمنين عليهم آخر الدهر - ~~إن شاء الله - فإنه لم يخرج الملك من قوم إلا بقيت فيهم بقية يتوثبون بهائم، كان ~~ذلك التوثب هو سبب استئصالهم وتدويخهم. # ومما يذكر به أمير المؤمنين أمر أصحابه؛ فإن من أولى أمر الوالي منه ~~بالتثبت والتحيز أمر أصحابه الذين هم بهاء فنائه، وزينة مجلسه، وألسنة رعيته، ~~والأعوان على رأيه، ومواضع كرامته والخاصة من عامته؛ فإن أمر هذه الصحابة ~~قد عمل فيه من كان وليه من الوزارة والكتاب قبل خلافة أمير المؤمنين عملا قبيحا ~~مفرط القبح مفسدا للحسب والأدب والسياسة، داعيا للأشرار طاردا للأخيار، ~~فصارت صحبة الخليط أمرا سخيفا، فطمع فيه الأوغاد وتزهد فيه من كان يرغب فيما ~~دونه، حتى إذا التقينا أبا العباس - رحمة الله عليه - وكنت في ناس من صلحاء أهل ~~البصرة ووجوههم، فكنت في عصابة منهم أبوا أن يأتوه، فمنهم من تغيب فلم يقدم، ~~ومنهم من هرب بعد قدومه اختيارا للمعصية على سوء الموضع، لا يعتذرون ~~في ذلك إلا بضياع المكتب والدعوة والمدخل، يقولون هذه منزلة كان من هو أشرف من ~~أبنائنا يرغبون فيما هو دونها عند من هو أصغر أمراء ولاتنا اليوم، ولكنها قد كانت مكرمة ~~وحسبا إذ الناس ينظرون ويسأل عنهم، فأما اليوم ونحن نرى فلانا وفلانا ينفر ~~بأسمائهم على غير قديم سلف، ولا بلاء حدث، فمن يرغب فيما ههنا، يا أمير ~~المؤمنين أكرمك الله، إما يصير ms077 العدل كله إلى تقوى الله - عز وجل - وإنزال الأمور ~~منازلها فإن الأول قال: # لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم # ولا سراة إذا جهالهم سادوا # وقال: # هم سودوا نصرا وكل قبيلة # يبين عن أحلامها من يسودها # وإن أمر هذه الصحابة قد كان فيه أعاجيب دخلت فيه مظالم، أما العجب فقد ~~سمعنا من الناس من يقول: ما رأينا أعجوبة قط أعجب من هذه الصحابة، ممن لا ينتهي ~~إلى أدب ذي نباهة ولا حسب معروف، ثم هو مسخوط الرأي مشهور بالفجور في أهل مصر ~~قد غبر عامة دهره صانعا يعمل بيده ولا يعتد مع ذلك ببلاء ولا غناء، إلا أنه مكنه من ~~الأمر صاغ فاحتوى حيث أحب، فصار يؤذن له على الخليفة قبل كثير من أبناء ~~المهاجرين والأنصار، وقبل قرابة أمير المؤمنين وأهل بيوتات العرب، ويجري ~~عليه من الرزق الضعف مما يجري على كثير من بني هاشم وغيره من سروات قريش ~~ويخرج له من المعونة على نحو ذلك، لم يضعه بهذا الموضع رعاية رحم ولا فقه في دين ولا ~~بلاء في مجاهدة عدو معروفة ماضية متتابعة قديمة، ولا غناء حديث ولا حاجة إليه في شيء من ~~الأشياء ولا عدة يستعد بها. وليس بفارس ولا خطيب ولا علامة إلا أنه خدم كاتبا أو ~~حاجبا، فأخبر أن الدين لا يقوم إلا به حتى كتب كيف شاء، ودخل حيث ~~شاء. # وأما المظلمة التي دخلت في ذلك فعظيمة، قد خصت قريشا وعمت كثيرا من الناس ~~وأدخلت على الأحساب والمروءات محنة شديدة وضياعا كثيرا؛ فإن في إذن الخليفة ~~والمدخل عليه والمجلس عنده وما يجري على صحابته من الرزق والمعونة، وتفضيل بعضهم على ~~بعض في ذلك حكما عظيما على أن الناس في أنسابهم وأخطارهم وبلاء أهل البلاء منهم، ~~وليس ذلك كخواص المعروف ولطيف المنازل، أو الأعمال التي يختص بها المولى من ~~أحب، ولكنه باب من القضاء جسيم عام يقضى فيه للماضين من أهل السوابق والمآثر من ~~أهل الباقين وأهل البلاء والغناء بالعدل، أو بما يحال فيه عليهم؛ فإن ms078 أحق المظالم ~~بتعجيل الرفع والتغيير ما كان ضره عائبا. وكان للسلطان شائنا، ثم لم يكن في ~~رفعه مؤنة ولا شغب ولا توغير بصدور عامة ولا للقوة ولا إضرار سبب. # ولصحابة أمير المؤمنين - أكرمه الله - مزية وفضل، وهي مكرمة ~~سنية حرية أن تكون شرفا لأهلها وحسبا لأعقابهم حقيقة أن تصان وتحظر، ولا يكون فيها ~~إلا رجل بدر بخصلة من الخصال، ومن رجل له عند أمير المؤمنين خاصة بقرابة، أو رجل ~~يكون شرفه ورأيه وعمله أهلا بمجلس أمير المؤمنين وحديثه ومشورته، أو صاحب نجدة ~~يعرف بها ويستعد لها يجمع مع نجدته حسبا وعفافا، فيرفع من الجند إلى الصحابة، ~~ورجل فقيه مصلح يوضع بين أظهر الناس لينتفعوا بصلاحه وفقهه، أو ~~رجل شريف لا يفسد نفسه أو غيرها، فأما من يتوسل بالشفاعات فإنه يكتفي أو يكتفى له ~~بالمعروف والبر فيما لا يهجن رأيا، ولا يزيل أمرا عن مرتبته، ثم تكون تلك ~~الصحبة المخلصة على منازلها ومداخلها، لا يكون للكاتب فيها أمر في رفع رزق ولا ~~وضعه ولا للحاجب في تقديم إذن ولا تأخيره. # ومما يذكر به أمير المؤمنين أمر فتيان أهل بيته، وبني أبيه وبني علي وبني ~~العباس؛ فإن فيهم رجالا لو متعوا بجسام الأمور والأعمال سدوا وجوها. وكانوا عدة ~~لأخرى. # ومما يذكر به أمير المؤمنين أمر الأرض والخراج؛ فإن أجسم ذلك وأعظمه خطرا وأشده ~~مؤنة وأقربه من الضياع ما بين سهله وجبله ليس لها تفسير على الرساتيق والقرى، ~~فليس للعمال أمر ينتهون إليه ولا يحاسبون عليه، ويحول بينهم وبين الحكم على ~~أهل الأرض بعدما يتأنقون لها في العمارة ويرجون لها فضل ما تعمل أيديهم، فسيرة ~~العمال فيهم إحدى ثنتين: إما رجل أخذ بالخرق والعنف من حيث وجد وتتبع ~~الرجال والرساتيق بالمغالاة ممن وجد، وإما رجل صاحب سماحة يستخرج ممن زرع، ~~ويترك من لم يزرع فيعمر من عمر ويسلم من أخرب، مع أن أصول الوظائف على الكور ~~لم يكن لها ثبت ولا علم. وليس من كورة إلا وقد غيرت وظيفتها مرارا فخفيت وظائف بعضها ms079 ~~وبقيت وظائف بعض ، فلو أن أمير المؤمنين أعمل رأيه في التوظيف على الرساتيق والقرى ~~والأرضين وظائف معلومة وتدوين الدواوين بذلك، وإثبات الأصول حتى لا يؤخذ رجل ~~إلا بوظيفة قد عرفها وضمنها، ولا يجتهد في عمارة إلا كان له فضلها ونفعها؛ لرجونا أن ~~يكون في ذلك صلاح للرعية وعمارة للأرض، وحسم لأبواب الخيانة وغشم العمال، وهذا ~~رأي مؤنته شديدة ورجاله قليل ونفعه متأخر. وليس بعد هذا في أمر الخراج إلا ~~رأي قد رأينا ... المؤمنين أخذ به، ولم نره من أحد قبله من تخير العمال وتفقدهم، ~~والاستعتاب لهم والاستبدال بهم. # ومما نذكر به أمير المؤمنين جزيرة العرب من الحجاز واليمن واليمامة، وما سوى ذلك، أن ~~يكون من رأي أمير المؤمنين إذا سخت نفسه عن أموالها من الصدقات، وغيرها أن يختار ~~لولايتها الخيار من أهل بيته وغيرهم؛ لأن ذلك من تمام السيرة العادلة والكلمة الحسنة ~~التي قد رزق الله أمير المؤمنين وأكرمه بها من الرأي الذي هو - بإذن الله - حمى ~~ونظام لهذه الأمور كلها، في الأمصار والأجناد والثغور والكور. # إن بالناس من الاستخراج والفساد ما قد علم أمير المؤمنين، وبهم من الحاجة إلى تقويم ~~آدابهم وطرائقهم، ما هو أشد من حاجتهم إلى أقواتهم التي يعيشون بها، وأهل كل مصر ~~وجند أو ثغر فقراء إلى أن يكون لهم من أهل الفقه والسنة والسير والنصيحة مؤدبون ~~مقومون يذكرون ويبصرون المخطئ، ويعظون عن الجهل ويمنعون عن البدع، ويحذرون الفتن ~~ويتفقدون أمور عامة من هو بين أظهرهم، حتى لا يخفى عليهم منها مهم ثم يستصلحون ~~ذلك، ويعالجون على ما استنكروا منه بالرأي والرفق والنصح، ويرفعون ما أعياهم إلى ما ~~يرجون قوته عليهم مأمونين على سير ذلك وتحصينه، بصراء بالرأي حين يبدو، وأطباء ~~باستئصاله قبل أن يتمكن. # وفي كل قوم خواص رجال عندهم على هذا معونة إذا صنعوا لذلك وتلطف لهم، ~~وأعينوا على رأيهم وقووا على معاشهم ببعض ما يفرغهم لذلك ويبسطهم له، وخطر هذا ~~جسيم في أمرين: أحدهما برجوع أهل الفساد إلى الصلاح، وأهل الفرقة إلى الألفة، ms080 ~~والأمر الآخر ألا يتحرك متحرك في أمر من أمور العامة، إلا وعين ناصحة ترمقه، ~~ولا يهمس هامس إلا وأذن شفيقة تصيخ نحوه، وإذا كان ذلك لم يقدر أهل الفساد على تربيص ~~الأمور وتلقيحها، وإذا لم تلقح كان نتاجها - بإذن الله - مأمونا. # وقد علمنا علما لا يخالطه شك، أن عامة قط لم تصلح من قبل ~~أنفسها ولم يأتها الصلاح إلا من قبل خاصتها، وأن خاصة قط لم تصلح من قبل أنفسها، ~~وأنها لم يأتها الصلاح إلا من قبل إمامها؛ وذلك لأن عدد الناس في ضعفتهم ~~وجهالهم الذين لا يستغنون برأي أنفسهم، ولا يحملون العلم ولا يتقدمون في الأمور، ~~فإذا جعل الله فيهم خواص من أهل الدين والعقول ينظرون إليهم ويسمعون منهم؛ اهتمت ~~خواصهم بأمور عوامهم، وأقبلوا عليه بجد ونصح ومثابرة وقوة جعل الله ذلك صلاحا ~~لجماعتهم، وسببا لأهل الصلاح من خواصهم وزيادة، فيما أنعم الله به عليهم ~~وبلاغا إلى الخير كله. # وحاجة الخواص إلى الإمام الذي يصلحهم الله به كحاجة العامة إلى خواصهم وأعظم ~~من ذلك، فبالإمام يجمع الله أمرهم ويكبت أهل الطعن عليهم ويجمع رأيهم وكلمتهم، ~~ويبين لهم عند العامة منزلتهم، ويجعل لهم الحجة والأيد والمقال على من نكب عن ~~سبيل حقهم، فلما رأينا هذه الأمور ينتظم بعضها ببعض، وعرفنا من أمر أمير المؤمنين ما ~~بمثله جمع الله خواص المسلمين على الرغبة في حسن المعاونة والمؤازرة، والسعي في صلاح ~~عامتهم، طمعنا لهم في ذلك يا أمير المؤمنين، وطمعنا فيه لعامتهم ورجونا ألا يعمل ~~بهذا الأمر أحد إلا رزقه الله المتابعة فيه والقوة عليه؛ فإن الآمر إذا أعان على ~~نفسه جعل للقائل مقالا وهيأ للساعي نجاحا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهو رب الخلق ~~وولي الأمر يقضي في أمورهم، يدبر أمره بقدرة عزيزة وعلم سابق، فنسأله أن يعزم لأمير ~~المؤمنين على المراشد ويحصنه بالحفظ والثبات والسلام، ولله الحمد والشكر. # | تحميد لابن المقفع # الحمد لله ذي العظمة القاهرة والآلاء الظاهرة، الذي لا يعجزه شيء، ولا ~~يمتنع منه ولا يدفع قضاؤه ولا ms081 أمره، وإنما قوله إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، ~~والحمد لله الذي خلق الخلق بعلمه، ودبر الأمور بحكمه، وأنفذ فيما اختار واصطفى منها ~~عزمه بقدرة منه عليها، وملكة منه لها، لا معقب لحكمه، ولا شريك له في شيء من الأمور، ~~يخلق ما يشاء ويختار ما كان للناس الخيرة في شيء من أمورهم سبحان الله وتعالى عما ~~يشركون. # والحمد لله الذي جعل صفو ما اختار من الأمور دينه الذي ارتضى لنفسه، ولمن ~~أراد كرامته من عباده، فقام به ملائكته المقربون يعظمون جلاله ويقدسون أسماءه، ~~ويذكرون آلاءه لا يستحسرون عن عبادته ولا يستكبرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ~~وقام به من اختار من أنبيائه وخلفائه وأوليائه في أرضه، يطيعون أمره ويذبون عن ~~محارمه، ويصدقون بوعده، ويوفون بعهده، ويأخذون بحقه، ويجاهدون عدوه. وكان لهم ~~عندما وعدهم من تصديقه قولهم وإفلاجه حجتهم، وإعزازه دينهم، وإظهاره حقهم، وتمكينه لهم، ~~وكان لعدوه وعدوهم عندما أوعدهم من خزيه وإخلاله بأسهم، وانتقامه منهم، وغضبه ~~عليهم، مضى على ذلك أمره، ونفذ فيه قضاؤه فيما مضى، وهو ممضيه ومنفذه على ذلك فيما بقي ~~ليتم نوره. ولو كره الكافرون ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون. # والحمد لله الذي لا يقضي في الأمور، ولا يدبرها غيره ابتدأها بعلمه وأمضاها بقدرته، ~~وهو وليها ومنتهاها وولي الخيرة فيها، والإمضاء لما أحب أن يمضي منها، يخلق ما ~~يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة، سبحان الله وتعالى عما يشركون، والحمد لله الفتاح ~~العليم العزيز الحكيم ذي المن والطول والقدرة والحول، الذي لا ممسك لما فتح لأوليائه ~~من رحمته، ولا دافع لما أنزل بأعدائه من نقمته، ولا راد لأمره في ذلك وقضائه، ~~يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، والحمد لله المثيب بحمده ومنه ابتداؤه والمنعم بشكره، ~~وعليه جزاؤه، والمثني بالإيمان، وهو عطاؤه. # كتب ابن المقفع إلى صديق ولدت له جارية: # بارك الله لكم في الابنة المستفادة، وجعلها لكم زينا، وأجرى لكم بها خيرا ~~فلا تكرهها؛ فإنهن الأمهات والأخوات والعمات والخالات، ومنهن الباقيات ~~الصالحات، ورب ms082 غلام ساء أهله بعد مسرتهم، ورب جارية فرحت أهلها بعد ~~مساءتهم. # تعزية لابن المقفع عن ولد: # أعظم الله على المصيبة أجرك، وأحسن على جليل الرزء ثوابك، وعجل لك ~~الخلف فيه، وذخر لك الثواب عليه. # وله: # إنما يستوجب على الله وعده من صبر لله بحقه، فلا تجمعن إلى ما فجعت ~~به من ولدك الفجيعة بالأجر عليه والعوض منه؛ فإنها أعظم المصيبتين عليك، وأنكى ~~المرزيتين لك، أخلف الله عليك بخير، وذخر لك جزيل الثواب. # وتعزية له عن بنت: # لا ينقص الله عددك، ولا ينزع عنك نعمته التي ألبسك، وأحسن العوض ~~لك، وجعل الخلف لك خيرا مما رزأك به، وما أعطاك خيرا مما قبض منك. # وله تعزية عن ابنة: # جدد الله لك من هبته ما يكون خلفا لك بما رزئته، وعوضا من المصيبة ~~به ورزقك من الثواب عليه أضعاف ما رزأك به منها، فما أقل كثير الدنيا في ~~قليل الآخرة مع فناء هذه، ودوام تلك. # وتعزية له أيضا: # أعظم الله أجرك في كل مصيبة، وأوزعك الشكر على كل نعمة، اعرف لله حقه، ~~واعتصم بما أمر به من الصبر؛ تظفر بما وعد من عظيم الأجر. # وتعزية لابن المقفع: # أما بعد: فإن أمر الآخرة والدنيا بيد الله هو يدبرهما، ويقضي ~~فيهما ما يشاء لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه؛ فإن الله خلق الخلق ~~بقدرته، ثم كتب عليهم الموت بعد الحياة، لئلا يطمع أحد من خلقه في خلد ~~الدنيا، ووقت لكل شيء ميقات أجل لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون، فليس ~~أحد من خلقه إلا وهو مستيقن بالموت، لا يرجو بأن يخلصه من ذلك أحد، نسأل ~~الله خير المنقلب، وبلغني وفاة فلان فكانت وفاته من المصائب العظام التي ~~يحتسب ثوابها من ربنا، الذي إليه منقلبنا ومعادنا وعليه ثوابنا، فعليك بتقوى ~~الله والصبر وحسن الظن بالله؛ فإنه جعل لأهل الصبر صلوات منه ورحمة، ~~وجعلهم من المهتدين. # ولابن المقفع في السلامة: # أما بعد: فقد أتاني كتابك فيما أخبرتنا عنه من صلاحك وصلاح ما قبلك، وفي ~~الذي ذكرت من ms083 ذلك نعمة مجللة عظيمة، نحمد عليها وليها المنعم المتفضل ~~المحمود، ونسأله أن يلهمنا وإياك من شكره وذكر ما به مزيدها ~~وتأدية حقها، وسألت أن أكتب إليك بخبرنا ونحن على حال لو أطنبت ~~في ذكرها، لم يكن في ذلك إحصاء للنعمة، ولا اعتراف لكنه الحق، فنرغب إلى ~~الذي تزداد نعمه علينا في كل يوم وليلة تظاهرا، ألا يجعل شكرنا ~~منقوصا ولا مدخولا، وأن يرزقنا مع كل نعمة كفاءها من المعرفة بفضله فيها، ~~والعمل في الأداء إليه حقها، إنه ولي قدير. # وله كتاب للثقفي في السلامة: # أما بعد: فإن مما نمق الله به مناقبك الكريمة المحمودة الغانية عن ~~القول والوصف، أنك موضع المؤنات عن إخوانك حمال عنهم أثقال الأمور، ~~مما وضعت عنه المؤنة ارتفاعك عن الأمور التي يطأطأ إليها الكلام على ~~ألسنة الناس، إذا باحوه وبهرجوه، وضيعوا القول ونسوا القصد فيه، وأخذوا به في ~~كل فن، وأصفوا بصفوته غير أهلها، فيما لا ينبغي لهم من التشبيه والتوقير ~~والتفضيل، كان من خبري بعدك أني قدمت بلد كذا، فتهيأ لي بعض ما شخصت له، ~~والمحمود على ذلك الله - عز وجل - وأنا على أن يأتيني خبرك محتاج، فأما جملة ~~خبري في فراقك، فقلبي مكة كل ما سواك حرام فيها. # وله جواب في السلامة: # أما بعد: فقد أتاني كتاب الأمير رجعة كتابي إليه، فكان فيه تصديق ~~الظن، وتثبيت الرأي، ودرك البغية والله محمود، فأمتع الله بالأمير وأمتعه ~~بصالح ما آتاه، وزاده من الخيرات مستعمرا له فيه، مستعملا بطاعته التي بها ~~يفوز الفائزون، والذي رزق الله من الأمير فهو عندي عظيم نفيس، وكل الذي قبلي عن ~~مكافأته فمقصر، إلا أنه ليس في النية تقصير، ولا بلوغ لشيء من الأمور إلا ~~بتوفيق الله - عز وجل - ومعونته، والسلام. # وله في السلامة جواب أيضا: # أما بعد: فلقد أتاني كتابك فيما أخبرتني عنه من صلاحك وصلاح ما قبلك، ~~وفي الذي ذكرت نعمة مجللة عظيمة، نحمد عليها الله المنعم بها المحمود، ~~ونسأله أن يلهمنا وإياك من شكره وذكره ما به مزيدها وتأدية ms084 حقها، نحن من ~~عافية الله وكفايته ودفاعه على حال، لو أطنبت في ذكرها لم يكن في ذلك إحصاء ~~للنعمة ولا اعتراف، لكنه الحق فنرغب إلى الذي يزيد في نعمه علينا تظاهرا ألا ~~يجعل شكرنا منقوصا ولا مدخولا، وأن يرزقنا مع كل نعمة كفاء من المعرفة بفضله ~~فيها، والعمل في أداء حقها. # وفي السلامة أيضا «ولم يقل إنها له»: # كتبت إليك وأمير المؤمنين وما يأتيه من لين الطاعة، واتساق ~~الكلمة، عمت في الداني والقاصي من بلدانه، وحواشي سلطانه على ما يحمد ~~الله عليه؛ فإن نعمة الله على أمير المؤمنين تجري على إذلالها، وتنقاد في ~~أسهل سبيلها. # قال المؤلف: ومن مختار ما كتب به من باب الشكر، ولم أعرف إن كانت له أو لغيره؛ ~~لأنه أورد «كتب» بضم أولها، ومع هذا فهذه هي الرسالة: # أما بعد: فما أعجز تعدادي عما أتعرف منك وأتعرفه بك ~~دانيا ونائيا، وما أدري ما ابتدأتني به من معروفك أرهن لشكري، أم ~~ما ثنيت به من برك لبدئك بعنايتك على نأيك، أم ما ألبستني جماله ~~على لسانك بإطرائك وثنائك، أم ما عقدته لي عند غيرك بتلطفك وتأنيك، ~~غير أني أعلم أنك لم تقصر في استحقاق شكر علي، وأرجو ألا أكون مقصرا في ~~معرفة ذلك منك، ومن لم يقصر علمه، ولم يؤت في شكره إلا من عظم ~~المعروف عنده مع جهده، فقد دخل بالعلم والجهد في الشاكرين، ~~غير أن الذي آنستني به من رفدك وتوطيدك، قد زادني وحشة إليك، وإن ~~حفظ من حفظني فيك، وإن لم يك مقصرا، وقد جدد لي المعرفة بوثارة ~~مكاني عندك، ولقد بلغت أن أصلحت لي الأمور والرجال، وأصلحتني إلى صلاحي ~~لنفسي، فليس كتابي هذا باستبطاء لأحد حتى يستبطئه، ولا شكري حتى يكون البدء ~~منك، ولكن روحت عن نفسي بذكرك وزينتها بشكرك، وزكيتها بالإقرار بفضلك. # ولابن المقفع: # إن الناس لم يعدموا أن يطلبوا الحوائج إلى الخواص من الإخوان، وأن ~~يتواصلوا بالحقوق ويرغبوا إلى أهل المقامات ويتوسلوا إلى الأكفاء، وأنت - ~~بحمد الله ونعمته من أهل الخير، ms085 وممن أعان عليه وبذل لأهل ثقته المصافين، ~~وإن بذل النفوس فيه وإعطاء الرغيب ليس منك ببكر ولا طريف، بل هو تليد أتلده ~~أولكم لآخركم، وأورثه أكابركم أصاغركم، ومن حاجتي كذا وأنت أحق من طلبت ~~إليه واستعنته على حوادث الدهر، وأنزلت به أمري لقرب نسبك، وكريم حسبك، ونباهتك ~~وعلو منزلتك، وجسيم طبائعك، وعوام أياديك إلى عشيرتك وغيرها، فليكن من رأيك ما ~~حملتك من حاجتي على قدر قسم الله لك من فضله، وما عودك من مننه، ووسع ~~غيري من نعمائك وإحسانك. # ولابن المقفع أيضا: # أما بعد: فإن من قضى الحوائج لإخوانه، واستوجب بذلك ~~الشكر عليهم فلنفسه عمل لا لهم، والمعروف إذا وضع عند من لا يشكره، فهو ~~زرع لا بد لزارعه من حصاده أو لعقبه من بعده، وكتبت إليك ولحالنا ~~التي نحن بها فيما نذكرك حاجة، أول ما فيها معروف تستوجب به الشكر علينا، ~~وتدخر به الأيادي قبلنا. # ولعبد الله بن المقفع إلى يحيى بن زياد «الحارثي» ابتداء في المؤاخاة: # أما بعد: فإن أهل الفضل في اللب، والوفاء في الود، والكرم في ~~الخلق، لهم من الثناء الحسن في الناس لسان صدق يشيد بفضلهم، ويخبر عن ~~صحة ودهم، وثقة مؤاخاتهم، فيتخير إليهم رغبة الإخوان، ويصطفي لهم سلامة ~~صدورهم، ويجتبي لهم ثمرة قلوبهم، فلا مثني أفضل تقريظا، ولا مخبر أصدق ~~أحدوثة منه، وقد لزمت من الوفاء والكرم فيما بينك وبين الناس طريقة محمودة ~~نسبت إلى مزيتها في الفضل، وجمل بها ثناؤك في الذكر، وشهد لك بها لسان الصدق، ~~فعرفت بمناقبها ووسمت بمحاسنها، فأسرع إليك الإخوان برغبتهم مستبقين ~~يبتدرون ودك، ويصلون حبلك ابتدار أهل التنافس في حظ رغيب، نصبت لهم غاية ~~يجري إليها الطالبون، ويفوز بها السابقون، فمن أثبت الله عندك بموضع الحرز ~~والثقة، وملأ بك يده من أخي وفاء ووصلة، واستنام منك إلى شعب مأمون وعهد ~~محفوظ، وصار مغمورا بفضلك عليه في الود يتعاطى من مكافأتك ما لا ~~يستطيع، ويطلب من أثرك في ذلك غاية بلوغها شديد، فلو كنت لا ~~تؤاخي من الإخوان إلا ms086 من كافأ بودك ، وبلغ من الغايات حدك؛ ما آخيت أحدا ~~ولصرت من الإخوان صفرا، ولكن إخوانك يقرون لك بالفضل، وتقبل أنت ميسورهم من ~~الود، ولا تجشمهم كلف مكافأتك، ولا بلوغ فضلك فيما بينك وبينهم؛ فإنما مثلك ~~في ذلك ومثلهم، كما قال الأول: # ومن ينازع سعيد الخير في حسب # ينزع طليحا ويقصر قيده الصعد # ولم أرد بهذا الثناء عليك تزكيتك، ليكون ذلك قربة عندك وآخية لي ~~لديك، ولكن تحريت فيما وصفت من ذلك الحق والصدق وتنكبت الإثم والباطل؛ فإن ~~القليل من الصدق البريء من الكذب، أفضل من كثير الصدق المشوب ~~بالباطل، ولقد وصفت من مناقبك ومحاسن أمورك، وإني لأخاف الفتنة عليك، حين ~~تسمع بتزكية نفسك وذكري ما ذكرت من فضلك؛ لأن المدح مفسدة ~~للقلب مبعثة للعجب، ثم رجوت لك المنعة والعصمة؛ لأني لم أذكر إلا حقا، ~~والحق ينفي من اللبيب العجب وخيلاء الكبر، ويحمله على الاقتصاد ~~والتواضع، وقد رأيت إذ كنت في الفضل والوفاء على ما وصفت منك أن آخذ ~~بنصيبي من ودك، وأصل وثيقة حبلي بحبلك فيجري بيننا من الإخاء ~~أواصر الأسباب التي بها يستحكم الود ويدوم العهد، وعلمت أن تركي ذلك غبن ~~وإضاعتي إياه جهل؛ لأن التارك للحظ داخل في الغبن، والعائد عن ~~الرشد مرجف إلى الغي، فارغب من ودي فيما رغبت فيه من ودك؛ فإني لم أدع شيئا ~~أستتلي به منك الرغبة، وأجتر به منك المودة إلا وقد اقتدت إليك ذريعته، ~~وأعملت نحوك مطيته لترى حرصي على مودتك، ورغبتي في مؤاخاتك، والسلام. # جواب من يحيى بن زياد في صفة الإخاء: # أما بعد: فإنا لما رأينا موضع الإخاء، ممن يحتمله في ~~تأنيسه من الوحشة وتقريبه لذي البعدة، ومشاركته بين ذوي الأرحام في ~~القربة؛ لم نرض بمعرفة عينه دون معرفة نسبته، فنسبنا الإخاء ~~فوجدناه في نسبته لا يستحق اسم الإخاء إلا بالوفاء، فلما ~~انتقلنا عنه إلى الوفاء فنسبناه انتسب لنا إلى الصبر، فوجدناه محتويا على ~~الكرم والنجدة والصدق والحياء والنجابة والزكانة، وسائر ما لا يأتي عليه ~~العدد من المحامد، ثم ms087 انحدرنا فيما أصعدنا فيه من هذا النسب، فعدنا إلى ~~الإخاء فوجدناه لا يقوم به إلا من هذه الخصال كلها أخلاقه. # ولما استوجب الإخاء مسالك المحمدة كلها، رأينا أن نتخير له المواضع في ~~صواب التوزير وإحكام التقدير، وعلمنا أن الاحتباس به ~~أحسن من الندم بعد بذله، واستوجب إذ كان جماع المحامد أن ~~نتخير له محامله التي كان يحمل عليها، فكان الناس فيما احتبسنا به ~~عنهم من الإخاء على صنفين: فصنف عذرونا بالتحبس للتخير، إذ كان التخير من ~~شأنهم، وصنف هم ذوو سرعة إلى الإخاء وسرعة في الانتهاء، فقدموا ~~اللائمة واستعجلوا بالمودة وتركوا باب التروية، واستحلوا عاجل المحبة ~~ولهوا عن آجل الثقة، فكانوا بذلك أهل لائمة، ولم يجد المعذرون إلا الصبر ~~على تلك، والاستعمال للرأي والاستعداد بالعذر عند المحاجة. # وقد فهمت كتابك إلي بالمودة واستحثاثك إياي في الأخوة وما دنوت به من حرمة ~~المحبة، فنازعت إليك نفسي بمثل الذي نازعت به إلي نفسك، فواثبتني عادة ~~الاستعمال للتروية في الخبرة، والتخير للمغبة فجلت عن كتابك ~~جولة غير نافرة، ثم راجعت مقاربتك، فقلت ألقي إلي أسباب المودة ~~قبل كشف الغطاء بالخبرة، فخشيت أن تعذر نفسك بالتقدم، وتحدث الزهادة للتعسف ~~بالجهالة عند الخبرة، فجلت عن هذا جولة كالجولة الأولى، ثم عاودت إسعافك وطاعة ~~التشوق ومعصية التخير، ثم قلت: ما حال من جعل الظن دون اليقين ~~والتقدم قبل الوثيقة، فلما كان الرأي لي خصما تنكبت الوقوع في خلافه، ~~فلم أجد إلا الإدبار عن إقبالك سبيلا، ولا مع ذلك في طاعة التشوق حجة، ~~فتغيبت السبيل بين ذلك إلى إعطائك طرف حبل الإخاء في غير الخروج من سبيل ~~التخير. # وكرهت أن تستعبدني بالإخاء، قبل أن أعرفك بحسن الملكة، وأن ~~تستظهر بي على الأعداء قبل أن أعرفك بعدل السيرة، وأن تستضيء بي في ظلم ~~الجهل قبل أن أعرفك بعقد اللب، وأن تستمكن بي في المطالب قبل أن أعرفك ~~بقصد الهمة، فقدمت إليك الترحيب والعدة وأحسنت عنك المفاوضة والثقة، وتنظرت أن ~~تثمر لي فأذوق جناك، فأعرفك بالمذاقة في الطعم، إما ms088 لافظا وإما مستبلغا ، ~~فإن كان اللفظ لم أكن من الرأي في قلبه، وإن كان الاستبلاغ ذوقتك ما ~~تشوقت إليه، مما ادعيت مني به الخبرة، وأول ما أنا معتبر به منك ~~المواظبة على استنجاح ما سألت أو السآمة له؛ فإن كانت المواظبة فأحد الشهود ~~المعدلين، وإن كانت السآمة فأنت عن حمل ما تعطي أضعف منك عن جميل ما تطلب، ~~طالعني بكتبك فإنك قد حللت قبلي عقدا من التحفظ، وعقدت عقدا من التقرب، ~~والسلام. # القسم الثاني # | عبد الحميد بن يحيى الكاتب # | رسالة عبد الحميد الكاتب في نصيحة ولي العهد # قال أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر في كتابه «المنثور والمنظوم»، ومن الرسائل ~~المفردات رسالة عبد الحميد بن يحيى إلى عبد الله بن مروان، حين وجه لمحاربة ~~الضحاك الخارجي في تعبية الحروب؛ فإنه يقال: إنها لا مثل لها في معناها: # أما بعد: فإن أمير المؤمنين عندما اعتزم عليه من توجيهك إلى عدو الله الجلف ~~الجافي الأعرابي المتسكع في حيرة الجهالة، وظلم الفتنة، ومهاوي الهلكة، ورعاعه الذين ~~عاثوا في الأرض فسادا، وانتهكوا حرمه استخفافا، وبدلوا نعم الله كفرا، ~~واستحلوا دماء أهل سلمه جهلا - أحب أن يعهد إليك في لطائف أمورك ~~وعوام شئونك ودخائل أحوالك، ومضطر تنقلك عهدا يحملك فيه أدبه ويشرع لك عظته - ~~وإن كنت - والحمد لله - من دين الله وخلافته، بحيث اصطنعك الله لولاية العهد، ~~مخصصا لك بذلك دون لحمتك وبني أبيك. # ولولا ما أمر الله به دالا عليه بتقدمه المعرفة، لمن كانوا أولى سابقة في ~~«الدين»، وخصيصى في العلم، لاعتمد أمير المؤمنين منك على اصطناع الله إياك، بما ~~يراك أهله في محلك من أمير المؤمنين، وسبقك إلى رغائب أخلاقه، وانتزاعك محمود شيمه ~~واستيلائك على تشابه تدبيره. # ولو كان المؤدبون أخذوا العلم من عند أنفسهم، ولقنوه إلهاما من تلقائهم، ولم ~~يتعلموا شيئا من عند غيرهم؛ لنحلناهم علم الغيب، ووضعناهم بمنزلة خالقهم المستأثر ~~بعلم الغيب عنهم بوحدانيته وفردانيته في إلاهيته واحتجاجا منهم لتعقب في حكمه، وتثبت ~~في سلطانه وتنفيذ إرادته على سابق مشيئته، ولكن ms089 العالم الموفق للخير المخصوص بالفضل ~~المحبو بمزية العلم، أدركه معادا عليه بلطيف بحثه وإذلال كنفه، وصحة فهمه وهجر ~~سآمته. # وقد تقدم أمير المؤمنين إليك أخذا بالحجة عليك، مؤديا حق الله الواجب عليه في ~~إرشادك وقضاء حقك، وما ينظر الوالد المعنى الشفيق لولده، وأمير المؤمنين يرجو أن ينزهك ~~الله عن كل شيء قبيح يهش له طمع، وأن يعصمك من كل مكروه حاق بأحد، وأن يحصنك من ~~كل آفة استولت على امرئ في دين أو خلق، وأن يبلغه فيك أحسن ما لم يزل ~~يعوده ويريه من آثار نعمة سامية بك إلى ذروة الشرف، ومنجحة لك ~~ببسطة الكرم لائحة بك في أزهر معالي الأدب، والله أستخلف عليك وأسأله حياطتك، ~~وأن يعصمك من زيغ الهوى ويحضرك دواعي التوفيق معانا على الإرشاد فيه؛ فإنه لا يعين ~~على الخير ولا يوفق له إلا هو. # اعلم أن للحكمة مسالك تفضي مضايق أوائلها بمن أمها سالكا، وركب ~~أخبارها قاصدا إلى سعة عاقبتها وأمن سرحها وشرف عزها، وأنها لا تعاف بسخف ~~الخفة، ولا تنسى بتفريط الغفلة، ولا يتعدى فيها بأمن أحد، وقد تلقتك أخلاق الحكمة ~~من كل جهة بفضلها من غير تعب البحث في إدراكها، ولا متطاول المنال لذروتها، بل ~~تأثلت منها أكرم معانيها، واستخلصت منها أعتق جواهرها، ثم شمرت إلى لباب مصاصها ~~وأحرزت منفس ذخائرها، فاقتعد ما أحرزت ونافس فيما أصبت. # واعلم أن احتواءك على ذلك، وسبقك إليه بإخلاص تقوى الله في جميع أمورك، مؤثرا لها ~~واصطبارك على طاعته، وإعظام ما أنعم به عليك، شاكرا لها مرتبطا للمزيد بحسن الحياطة ~~له، والذب عنه، أن تدخلك منه سآمة ملال، أو غفلة أو ضياع، أو سنة تهاون أو ~~جهالة معرفة؛ فإن ذلك أحق ما بدئ به ونظر فيه، معتمدا عليه من القولة، والآلة ~~والانفراد من الأصحاب والحامة، فتمسك به لاجئا إليه، واعتمد عليه مؤثرا ~~له، والتجئ إلى كنهه متحرزا به أنه أبلغ ما طلب به رضا الله وأنجحه مسألة، ~~وأجزله ثوابا وأعوده سعيا وأعمه صلاحا، وأرشدك الله لحظك وفهمك سداده، ms090 ~~وأخذ بقلبك إلى محموده. # ثم اجعل لله - في كل صباح ينعم عليك ببلوغه، ويظهر منك السلامة في ~~إشراقه - من نفسك نصيبا، تجعله لله شكرا على إبلاغه إياك يومك ذلك بصحة ~~وعافية بدن، وسبوغ نعم وظهور كرامة، وأن تقرأ من كتاب الله - عز وجل - ~~جزءا تردد رأيك في أدبه وتزين لفظك بقراءته، ويحضره عقلك ناظرا في محكمه ~~وتفهمه متفكرا في متشابهه؛ فإن فيه شفاء القلوب من أمراضها، وجلاء وساوس الشيطان ~~وسفاسفه، وضياء معالم النور تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون، ثم تعهد نفسك ~~بمجاهدة هواك؛ فإنه مغلاق الحسنات ومفتاح السيئات. # واعلم أن كل أعدائك لك عدو يحاول هلكتك ويعترض غفلتك؛ لأنها خدع إبليس ~~وحبائل مكره ومصائد مكيدته، فاحذرها مجانبا وتوقها محترسا منها، ~~واستعذ بالله من شرها، وجاهدها إذا تناصرت عليك بعزم صادق لا ونية فيه، ~~وحزم نافذ لا مثنوية لرأيك بعد إصداره عليك، وصدق غالب لا مطمع ~~في تكذيبه، ومضاءة صارمة لا أناة معها، ونية صحيحة لا خلجة شك فيها؛ فإن ذلك ظهري ~~صدق لك على ردها عنك، وقطعها دون ما تتطلع إليه منك، وهي واقية لك سخطة ~~ربك، داعية لك رضا العامة، ساترة عليك عيب من دونك، فازدن به ملتحفا، وأصب ~~بأخلاقك مواضعها الحميدة منها، وتوق عليها التي تقطعك عن بلوغها، وتقصر بك عن ~~ساميها، فحاول بلوغ غايته محرزا لها بسبق الطلب إلى إصابة الموضع، محصنا لأعمالك من ~~العجب؛ فإنه رأس الهوى وأول الغواية ومقاد الهلكة، حارسا أخلاقك من ~~الآفات المتصلة بمساوي العادات وذميم إيثارها من حيث أتت الغفلة، وانتشر ~~الضياع، ودخل الوهن، فتوق الآفات على عقلك؛ فإن شواهد الحق ستظهر بأماراتها ~~تصديق رأيك عند ذوي النهى وحال الرأي وفحص النظر، فاجتلب لنفسك محمود الذكر، وباقي ~~لسان الصدق بالحذر لما تقدم إليك فيه أمير المؤمنين، متحرزا من دخول الآفات عليك من ~~حيث أمنك، وقلة ثقتك بمحكمها. # ومنها أن تملك أمورك بالقصد وتصون سرك بالكتمان، وتداري جندك ~~بالإنصاف، وتذلل نفسك للعدل، وتحصن عيوبك بتقويم أودك، وأناتك فوقها الملال وفوت العمل، ms091 ~~ومصابك فدرعها؟ روية النظر، واكتنفها بأناة الحلم، وخلواتك فاحرسها من الغفلة ~~واعتماد الراحة، وصمتك فانف عنه عي اللفظ، وخف فيه سوء القالة، واستماعك ~~فارعه حسن التفهم وقوه بإشهاد الفكر، وعطاءك فانهد له بيوتات ~~الشرف وذوي الحسب، وتحرز فيه من السرف، وحياءك فامنعه من الخجل، وحلمك فزعه عن ~~التهاون وأحضره قوة الشكيمة، وعقوبتك فقصر بها عن الإفراط، وتعمد بها أهل ~~الاستحقاق، وعفوك فلا تدخله تعطيل الحقوق وخذ به واجب المفترض، وأقم به أود ~~الدين، واستئناسك فامنع منه البذاءة وسوء المثافنة، وتعهدك أمورك فخذه أوقاتا ~~وقدره ساعات، لا يستفرغ قوتك ويستدعي سآمتك، وعزمتك فانف عنها عجلة الرأي ولجاجة ~~الإقدام، وفرحاتك فاشكمها عن البطر وقيدها عن الزهو، وروعاتك فحطها من دهش الرأي ~~واستلام الخضوع، وحذارتك «فاصرفها» عن الجبن واعمد بها للحزم، ورجاءك فقيده بخوف ~~الفائت، وامنعه من أمن الطلب. # هذه جوامع دخائل النقض منها واصل إلى العقل بلطائف الله وتصاريف حوله، ~~فأحكمها عارفا، وتقدم في الحفظ لها معتزما على الأخذ بمراشدها، والانتهاء منها ~~إلى حيث بلغت بك عظة أمير المؤمنين وأدبه - إن شاء الله. # ثم ليكن بطانتك وجلساؤك في خلواتك، ودخلاؤك في سرك أهل الفقه والورع من أهل بيتك ~~وعامة قوادك، ممن قد حنكته السن بتصاريف الأمور وخبطته فصالها بين قرائن البزل ~~وقلبته الأمور في فنونها وركب أطوارها، عارفا بمحاسن الأمور ومواضع ~~الرأي، مأمون النصيحة مطوي الضمير على الطاعة. # ثم أحضرهم من نفسك وقارا تستدعي منهم بك الهيبة، واستئناسا يعطف إليك ~~منهم بالمودة، وإنصافا يغل أقاصيهم منك عما تكره أن ينتشر عنك من سخافة الرأي ~~ويقطعك دون الفكر. # وتعلم إن خلوت بسر فألقيت دونه ستورك وأغلقت عليه أبوابك، فذلك لا محالة مكشوف ~~للعامة ظاهر عنك، وإن استترت بما ولعل وما أرى إذاعة ذلك، فاعلم بما يرون من حالات من ~~ينقطع به في هذه المواطن، فتقدم في إحكام ذلك من نفسك وسد خلله عنك؛ فإنه ليس أحد ~~أسرع إليه سوء القالة ولغط العامة بخير أو شر ممن كان في مثل حالك ومكانك الذي أصبحت ms092 ~~به من دين الله، والأمل المرجو المنتظر، وإياك أن يغمز فيك أحد من عامتك وبطانة ~~خدمك بضعفة يجد بها مساغا إلى النطق عندك، بما لا يعتزلك عيبه، ولا تخلو من لائمته، ~~ولا تأمن سوء القالة فيه، إن نجم ظاهرا، وعلن باديا، ولن يجترئوا على ذلك إلا أن ~~يروا منك إصغاء إليها، وقبولا لها، وترخيصا بها. # ثم إياك أن يفاض عندك بشيء من الفكاهات والحكايات والمزاح، والمضاحك التي ~~يستخف بها أهل البطالة، ويتسرع نحوها ذوو الجهالة، ويجد فيها أهل الحسد ~~مقالا لعيب يرفعونه، ولطعن في حق يجحدونه، مع ما في ذلك من نقص الرأي، ودرن العرض، ~~وهدم الشرف، وتأثيل الغفلة، وقوة طباع السوء الكامنة في بني آدم كمون ~~النار في الحجر الصلد، فإذا قدح لاح شرره، ولهب في وميضه، ووقد تضرمه، ~~وليست في أحد أقوى سطوة وأظهر توقدا وأعلى كمونا، وأسرع إليه بالعيب منها إلى ~~من كان في سنك من إغفال الرجال وذوي العنفوان في الحداثة، الذين لم ~~يقع عليهم سمات الأمور، ناطقا عليهم لائحها، ظاهرا عليهم وسمها، ولم تمحضهم ~~شهامتها، مظهرة للعامة فضلهم مذيعة حسن الذكر عنهم، ولم يبلغ بهم ~~الصمت في الحركة مستمعات يدفعون به عن أنفسهم نواطق ألسن أهل البغي، ومواد أبصار ~~أهل الحسد. # ثم تعهد من نفسك لطيف عيب لازم لكثير من أهل السلطان والقدرة من أقطار ~~الذرع ونخوة التيه؛ فإنها تسرع بهم إلى فساد رأيهم وتهجين عقولهم في مواطن ~~جمة، منها: قلة اقتدارهم على ضبط أنفسهم في مواكبهم ومسايرتهم العامة، ~~فمن مقلقل شخصه يكثر الالتفات تزدهيه الخفة ويبطره إجلاب الرجال حوله، ومن ~~مقبل في موكبه على مداعبة مسايره بالمصاحبة له، والتضاحك إليه والإيجاف في ~~السير مهمرجا وتحريك الجوارح مستسرعا يخال له أن ذلك أسرع له وأخف لمطيته، ~~فلتحسن في ذلك هيئتك ولتجمل فيه رعيتك، وليقل على مسائلك إقبالك إلا وأنت ~~مطرق النظر غير ملتفت إلى محدث، ولا مقبل عليه بوجهك في موكبك لمحادثته، ولا مخف ~~في السير تقلقل جوارحك بالتحريك؛ فإن حسن مسايرة الوالي، وابتداعه في ms093 أمن حاله ~~دليل على كثير من غيوب أمره، ومستتر أحواله. # واعلم أن أقواما سيسرعون إليك بالسعاية، ويأتونك من قبل النصيحة ~~ويستميلونك بإظهار الشفقة، ويستدعونك بالإغراء والشبهة ويوطئونك عشوة الحيرة؛ ~~ليجعلوك لهم ذريعة إلى استئكال العامة بموضعهم منك في القبول منهم، والتصديق لهم ~~على من قرفوه بتهمة، أو أسرعوا بك في أمره إلى الظنة، فلا يصلن إلى مشافهتك ساع ~~بشبهة، ولا معروف بتهمة، ولا منسوب إلى بدعة؛ فيعرضك لابتداع في دينك، ويحملك ~~على رعيتك ما لا حقيقة فيه، ويحملك على أعراض قوم لا علم لك بدخلهم إلا بما أقدم ~~به عليهم ساعيا، وأظهر لك منهم متنصحا. # وليكن صاحب شرطتك ومن أحببت أن يتولى ذلك من قوادك إليه انتهاء ذلك، وهو ~~المنصوب لأولئك والمستمع لأقاويلهم والفاحص عن نصائحهم، ثم لينه ذلك إليك على ~~ما يرتفع إليه منه؛ لتأمره بأمرك فيه، وتقفه على رأيك، من غير أن يظهر ذلك ~~للعامة؛ فإن كان صوابا نالتك حظوته، وإن كان خطأ أقدم به جاهل، أو فرطة يسعى ~~بها كاذب، فنالت الباغي منها أو المظلوم عقوبة، وبدر من واليك إليه نكال لم يعصب ~~ذلك الخطأ بك، ولم تنسب إلى تفريطه، وخلوت من موضع الذم فيه. # فافهم ذلك وتقدم إلى من تولي، فلا يقدم على شيء ناظرا فيه، ولا يحاول أخذ أحد ~~طارقا له، ولا يعاقب أحدا منكلا به، ولا يخل سبيل أحد صافحا عنه لإظهار ~~براءته، وصحة طريقته حتى يرفع إليك أمره، وينهى إليك قضيته على جهة الصدق، ومنحى ~~الحق. # فإن رأيت عليه سبيلا لمحبس أو مجاز العقوبة أمرته، فتولى ذلك من غير إدخال له ~~عليك، ولا مشافهة منك له، فكان المتولي لذلك ولم يجر على يدك مكروه ولا غلظ عقوبة، ~~وإن وجدت إلى العفو عنه سبيلا. وكان مما قرف به خليا، كنت أنت المتولي للإنعام ~~عليه بتخلية سبيله والصفح عنه بإطلاق أسره، فتوليت أجر ذلك وذخره ونطق ~~لسانه بشكرك، فقرنت خصلتين ثواب الله في الآخرة، ومحمود الذكر في ~~العاجلة. # ثم إياك وأن يصل إليك أحد من ms094 جندك وجلسائك وخاصتك وبطانتك بمسألة يكشفها لك، أو ~~حاجة يبدهك بطلبها، حتى يرفعها قبل إلى كاتبك الذي أهدفته لذلك ~~ونصبته له، فيعرضها عليك منهيا لها على جهة صدقها، ويكون على معرفة من قدرها، ~~فإن أردت إسعافه ونجاح ما سئل منها، أذنت له في طلبها باسطا له كنفك، ~~مقبلا عليه بوجهك مع ظهور سرور منك بما سألك بفسحة رأي وبسطة ذرع وطيب نفس، وإن ~~كرهت قضاء حاجته وأحببت رده عن طلبته، وثقل عليك إسعافه بها، أمرت كاتبك ~~فصفحه عنها ومنعه من مواجهتك بها، فخفت عليك في ذلك المؤنة، وحسن لك الذكر وحمل ~~على كاتبك لائمة أنت منها بريء الساحة. # وكذلك فليكن رأيك وأمرك، فيمن طرأ عليك من الوفود وأتاك من الرسل، فلا يصلن ~~إليك أحد منهم إلا بعد وصول علمه إليك، وعلم ما قدم له عليك، وجهة ما هو ~~مكلمك، وقدر ما هو سائلك إياه إذا هو وصل إليك، فأصدرت رأيك في جوابه، وأجلت ~~فكرك في أمره، وأنفذت مصدر رويتك في مرجوع مسألته قبل ما دخوله عليك، ~~وعلمه بوصول حاله إليك، فرفعت عنه مؤنة البديهة، وأرخيت عن نفسك خناق ~~الروية فأقدمت على رد جوابه بعد النظر والفكرة؛ فإن دخل عليك ~~أحد منهم فكلمك بخلاف ما أنهى إلى كاتبك، وطوى عنه حاجته قبلك، دفعته عنك ~~دفعا جميلا، ومنعته جوابك منعا ودفعا، ثم أمرت حاجبك بإظهار الجفوة له والغلظة، ~~ومنعه من الوصول إليك؛ فإن ضبطك ذلك مما يحكم لك تلك الأشياء صارفا عنك مؤنتها - إن ~~شاء الله. # احذر تضييع رأيك وإهمال أدبك في مسالك الرضا والغضب واعتوارهما إياك، فلا ~~يزدهينك إفراط عجب تستخفك روائعه ويستهويك منظره، ولا ~~يبدرن منك ذلك خطأ ونزق خفة لمكروه وإن حل بك، أو حادث وإن طرأ عليك، ~~وليكن لك من نفسك ظهري ملجأ تتحرز به من آفات الردى، وتستعهده في مهم نازل، ~~وتتعقب به أمورك في التدبير؛ فإن احتجت إلى مادة من عقلك، وروية من فكرك، أو ~~انبساط من منطقك، كان انحيازك إلى ظهريك مزدادا مما أحببت الامتياز ms095 ~~منه، وإن استدبرت من أمورك بوارد لمهل أو مضي زلل أو معاندة حق أو خطأ تدبير؛ ~~كان ما احتجنت من رأيك عذرا لك عند نفسك، وظهري قوة على رد ما كرهت، ~~وتخفيفا لمؤنة الباغين عليك في القالة، وانتشار الذكر وحصنا من غلوب الآفات ~~على أخلاقك - إن شاء الله. # وامنع أهل بطانتك وخاص خدمك وعامة رعيتك من استلحام أعراض الناس عندك ~~بالغيبة، والتقرب إليك بالسعاية، والإغراء من بعض ببعض، والنميمة إليك بشيء من ~~أحوالهم المستترة عنك، أو تحميل لك على أحد منهم بوجه النصيحة ومذهب الشفقة؛ فإنه ~~أبلغ سموا إلى منال الشرف، وأعون لك على محمود الذكر، وأطلق لعنان الفضل في ~~جزالة الرأي، وشرف الهمة وقوة التدبير. # واملك نفسك عن الانبساط في الضحك والانفهاق، وعن القطوب بإظهار الغضب ~~وتنحله؛ فإن ذلك ضعف من سورة الجهل، وخروج من انتحال اسم ~~الفضل. # وليكن ضحكك تبسما أو كبرا في أحايين ذلك وأوقاته، وعند كل مرأى ملهى ~~ومستخف مطرب وقطوبك إطراقا في موضع ذلك، وأحواله بلا عجلة إلى ~~السطوة ولا إسراع إلى الطيرة دون أن يكنفها روية الحلم، وتملك عليها بادرة ~~الجهل. # إذا كنت في مجلس ملئك وحضور العامة مجلسك، فإياك والرمي ببصرك إلى خاص ~~من قوادك أو ذي أثرة من حشمك، وليكن نظرك مقسوما في الجميع وإعارتك سمعك ذا الحديث ~~بدعة هادئة، ووقار حسن، وحضور فهم مستجمع، وقلة تضجر بالمحدث، ثم لا يبرح ~~وجهك إلى بعض قوادك وحرسك متوجها بنظر ركين وتفقد محض؛ فإن وجه أحد منهم ~~نظره محدثا، أو رماك ببصره ملحا؛ فاخفض عنه إطراقا جميلا بإبداع وسكون، ~~وإياك والتسرع في الإطراق، والخفة في تصاريف النظر، والإلحاح على من قصد إليك في ~~مخاطبته إياك رامقا بنظره. # واعلم أن تصفحك وجوه قوادك من قوة التدبير وشهامة القلب، فتفقد ذلك عارفا ~~بمن حضرك وغاب عنك، عالما بمواضعهم من مجلسك، ثم أعد بهم عن ذلك سائلا عن أشغالهم ~~التي منعتهم من حضورك، وعاقتهم بالتخلف عنك - إن شاء الله. # إن كان أحد من أعوانك وحشمك تثق منه ms096 بغيب ضميره، وتعرف منه لين طاعة، ~~وتشرف منه على صحة رأي، وتأمنه على مشورتك، فإياك والإقبال عليه في حادث يرد أو ~~التوجه نحوه بنظرك عند طوارق ذلك، أو أن تريه أو أحدا من أهل مجلسك أن بك إليه حاجة ~~موحشة، وأن ليس بك عنه غنى في التدبير، أو أنك لا تقضي دونه رأيا إشراكا له في ~~رؤيتك، وإدخالا له في مشورتك واضطرارا إلى رأيه؛ فإن ذلك من دخائل العيوب ~~المنتشر بها سوء القالة عند نظرائك، وانفها عن نفسك خائفا لإغفالها ذكرك، ~~واحجبها عن رؤيتك قاطعا إطماع أولئك عن مثلها عندك، أو غلبتهم ~~عليك منك. # واعلم أن للمشورة موضع الخلا وانفراد النظر، فابغها محرزا لها ورمها ~~طالبا لبيانها، وإياك والقصور عن غايتها والإفراط في طلبها. # احذر الاعتزام بكثرة السؤال عن حديث ما أعجبك، أو أمر ما ~~ازدهاك، والقطع لحديث من أرادك بحديثه، حتى تنقضه عليه بالأخذ في غيره، أو ~~المسألة عما ليس منه؛ فإن ذلك عند العامة منسوب إلى سوء الفهم، وقصر الأدب عن تناول ~~محاسن الأمور والمعرفة لمساوئها، وأنصت لمحدثك وارعه سمعك، حتى يعلم أنك قد فهمت عنه ~~وأحطت معرفة بقوله؛ فإن أردت إجابته فعن معرفة حاله وبعد علم ~~بطلبته، وإلا كنت عند انقضاء كلامه كالمتعلل من حديثه بالتبسم والإغضاء، ~~فأجرى عنك الجواب وقطع عنك ألسن العتب. # إياك وأن يظهر منك تبرم بمجلسك وتضجر بمن حضرك، وعليك ~~بالتثبت عند سورة الغضب وحمية الأنف وملال الصبر، في الأمر تستعجل به، ~~والعمل تأمر بإنفاذه؛ فإن ذلك سخف سائر وخفة مردية وجهالة بادية، وعليك بثبوت ~~المنطق ووقار المجلس وسكون الريح والرفض لحشو الكلام وترديد فضوله والاعتزام ~~بالزيادات في منطقك، والترديد للفظك من نحو اسمع أو اعجل أو ألا ترى، أو ما يلهج به ~~من هذه الفضول المقصرة بأهل العقل، المنسوبة إليهم بالعي، المردية لهم في الذكر، وخصال ~~من معايب الملوك والسوقة عيبها عند النظر إلا من عرفها من أهل الأدب، وقلما حامل لها ~~مضطلع بثقلها آخذ لنفسه بجوامعها، فانفها عن نفسك بالتحفظ منها، ms097 واملك عنها ~~اعتقادك معنيا بها كثرة التنخم والتبزق والتنحنح والتثاؤب والجشاء والتمطي وتنقيض ~~الأصابع وتحريكها، والعبث باللحية والشارب والمخصرة وذؤابة السيف والإيماض بالنظر، ~~والإشارة بالطرف إلى أحد من خدمك بأمر إن أردته والسرار في مجلسك، والاستعجال ~~في طعمك وشربك. # ليكن مطعمك مبتدعا، وشربك أنفاسا وجرعك مصا، وإياك والتسرع ~~في الأيمان فيما صغر أو كبر من الأمور أو الشتيمة بابن الهيبة أو العمرية لأحد من ~~خدمك وخاصتك بتسويغهم مقارفة الفسوق بمحضرك، أو في دارك وبنائك؛ فإن ذلك مما يقبح ~~ذكره ويسوء موقع القول فيه ويحمل عليك معايبه، وينالك شينه وينشر عنك سوء نبأه، فاعرف ~~ذلك متوقيا له، واحذره مجانبا لسوء عاقبته. # استكثر من فوائد الخير؛ فإنها تنشر المحمدة وتقيل العثرة، واصطبر على الغيظ ~~فإنه يورث العز ويؤمن الساحة، وتعهد العامة بمعرفة دخلهم، وبنظر ~~أحوالهم واستثارة دفائهم حتى يكون على مرأى العين ويقين الخبرة، فتنعش عديمهم وتجبر ~~كسيرهم، وتقيم أودهم، وتعلم جاهلهم، وتستصلح فاسدهم؛ فإن ذلك من فعلك يورثك ~~العزة ويقدمك في الفضل ويبقي لك لسان صدق في العامة، ويحرز لك ثواب الآخرة، ~~ويرد عليك عواطفهم المستنفرة وقلوبهم المستجنة عليك «وميز» بين منازل أهل الفضل ~~في الدين والحجى والرأي والعقل والتدبير والصيت في العامة، وبين منازل أهل النقص في ~~طبقات الفضل وأحواله والجمود عنه تناه بأهل الحسب والنظر نصيحة لهم تنل مودة ~~الجميع، وتستجمع لك أقاويل العامة على التفضيل، وتبلغ درج الشرف في الأحوال ~~المتصرفة بك، فاعتمد عليهم مستدخلا لهم وآثرهم بمجالستك مستمعا منهم، وإياك ~~وتضييعهم مفرطا لهم وإهمالهم مضيعا. # هذه جوامع من خصال، قد لخصها لك أمير المؤمنين وجمع شواهدها مؤلفا، وأهداها ~~لك مرشدا تقف عند أوامرها وتنتهي عند زواجرها، وتثبت في مجامعها، وخذ بوثائق ~~عراها تسلم من معاطب الردى، وتنل أنفس الحظوظ ومزية الشرف، وأعلى درج ~~الذكر، والله يسأل لك أمير المؤمنين حسن الإرشاد، وتتابع المزيد وبلوغ الأمل، وأن يجعل ~~عاقبة ذلك بك إلى غبطة يسوغك إياها، وعافية يحلك أكنافها، ونعمة يلهمك ~~شكرها؛ فإنه الموفق للخير والمعين على الإرشاد وبه ms098 تمام الصالحات، وهو مؤتي الحسنات، ~~عنده مفاتيح الخير وبيده الملك، وهو على كل شيء قدير. # فإذا أفضيت نحو عدوك واعتزمت على لقائهم، وأخذت أهبة قتالهم، فاجعل دعامتك التي تلجأ ~~إليها، وثقتك التي تأمل النجاة بها، وركنك الذي ترتجي به منال الظفر وتكتهف به ~~لمغالق الحذر؛ تقوى الله - عز وجل - مستشعرا له بمراقبته، والاعتصام ~~بطاعته متبعا لأمره، والاجتناب لمساخطه، محتذيا سنته، والتوقي لمعاصيه في تعطيل ~~حدوده، وتعدي شرائعه متوكلا عليه فيما صمدت له، واثقا بنصره فيما وجهت ~~نحوه، متبرئا من الحول والقوة، فيما نالك من ظفر وتلقاك من عز، ~~راغبا فيما أهاب بك أمير المؤمنين إليه من فضل الجهاد، ورمى بك إليه محمود الصبر ~~عند الله - عز وجل - من قتال عدو الله للمسلمين أكلبهم عليهم وأظهرهم عداوة لهم، ~~وأفدحهم ثقلا لعامتهم وأخذة بربقهم، وأعلاه عليهم بغيا وأظهره فيهم ~~فسقا وجورا، وأشده على فيئهم الذي أصاره الله لهم مؤنة. # ثم خذ من معك من تبعك وجندك بكف معرتهم ورد مستعلي جورهم، ~~وإحكام خللهم وضم منتشر قواصيهم، ولم شعث أطرافهم وخذهم بمن مروا به من أهل ذمتك ~~وملتك بحسن السيرة «وعفة» الطعمة ودعة الوقار، وهدى الدعة وجمام، «النفس» ~~محكما ذلك منهم متفقدا لهم فيه، تفقدك إياه من نفسك. # ثم اصمد بعدوك المتسمي بالإسلام خارجا من جماعة أهله المنتحل ولاية ~~الدين، مستحلا لدماء أوليائه طاعنا عليهم راغبا عن سنتهم مفارقا لشرائعهم ~~يبغيهم الغوائل، وينصب لهم المكايد أضرم حقدا عليهم، وأرصد عداوة لهم من ~~الترك، وأمم الشرك وطواغي الملل، يدعو إلى المعصية والفرقة والمروق من الدين ~~إلى الفتنة مخترعا بهواه إلى الأديان المنتحلة، والبدع المتفرقة خسارا وتخسيرا ~~وضلالا وإضلالا بغير هدى من الله، ولا بيان ساء ما كسبت يداه، وما الله ~~بظلام للعبيد، وبئسما سولت له نفسه الأمارة بالسوء، والله من ورائه بالمرصاد # وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ~~ينقلبون ~~(الشعراء: 227). # حض جندك واشكم نفسك في مجاهدة أعداء الله، وارج نصره وتنجز موعده، متقدما في ~~طلب ثوابه على جهادهم، معتزما في ابتغاء الوسيلة إليه على لقائهم؛ ms099 فإن طاعتك ~~إياه فيهم ومراقبتك له، ورجاءك لنصره مسهل لك وعوده، وعاصمك من كل سيئة، ~~ومنجيك من كل هوة، وناعشك من كل صرعة، ومقيلك من كل كبوة، ودارئ عنك كل شبهة، ~~ومذهب عنك لطخة كل شك، ومقويك بكل أيد ومكيدة، ومؤيدك في كل مجمع ~~لقاء، وحافظك من كل شبهة مردية، والله وليك وولي أمير المؤمنين فيك. # اعلم أن الظفر ظفران: أحدهما أعم منفعة، وأبلغ في حسن الذكر قالة، وأحوط سلامة، ~~وأتمه، عافية، وأعوده عاقبة، وأحسن في الأمور موردا، وأصحه في الرواية ~~حزما، وأسهله عند العامة مصدرا، ما نيل بسلامة الجنود، وحسن الحيلة ~~ولطف المكيدة ويمن النقيبة، بغير إخطار الجيوش في وقدة جمرة الحرب، ومنازلة الفرسان ~~في معترك الموت، وإن ساعدك الحظ ونالك مزية السعادة في الشرف، ففي مخاطرة التلف، ~~ومكروه المصائب، وعضاض السيوف، وألم الجراح، وقصاص الحروب، وسجالها بمعاورة ~~أبطالها، على أنك لا تدري لأي الفريقين الظفر في البديهة من المغلوب في الدولة، ~~ولعلك أن تكون المطلوب بالتمحيص، فحاول أبلغهما في سلامة جندك ورعيتك وأشهرهما ~~«...» في بادئ رأيك، وأجمعهما لألفة وليك وعدوك، وأعونهما على صلاح رعيتك وأهل ~~ملتك، وأقواهما في حربك وأبعدهما من وصم عزمك وأجزلهما ثوابا عندك، وابدأ ~~بالإعذار والدعاء لهم إلى مراجعة الطاعة وأمر الجماعة وعرى الألفة، آخذا بالحجة عليهم، ~~متقدما بالإنذار لهم، باسطا أمانك لمن لجأ إليه منهم، داعيا لهم إليه بألين ~~لطفك، وألطف حيلتك متعطفا عليهم برأفتك، مترفقا بهم في دعائك، مشفقا عليهم من غلبة ~~الغواية لهم، وإحاطة الهلكة بهم، منفذا رسلك إليهم بعد الإنذار تعدهم كل رغبة يهش ~~إليها طمعهم في موافقة الحق، وبسط كل أمان سألوه لأنفسهم ومن معهم من تبعهم، موطنا ~~نفسك فيما تبسط لهم من ذلك على الوفاء بوعدك، والصبر على ما أعطيتهم من وثائق عهدك ~~قابلا توبة نازعهم عن الضلالة، ومراجعة مسيئهم إلى الطاعة، مرصدا للمنحاز إلى ~~فئة المسلمين وجماعتهم، إجابة إلى ما دعوتهم إليه وبصرت من حقك وطاعتك بفضل المنزلة، ~~وإكرام المثوى وتشريف الحال؛ ليظهر من أثرك عليه، وإحسانك إليه ms100 ما يرغب في مثله ~~الصارف عنك المصر على خلافك ومعصيتك، ويدعو إلى الاعتلاق بحبل النجاة، وما هو ~~أملك به في الاعتصام به عاجلا، وأنجى له من العقاب آجلا وأحوط على دينه ومهجته ~~بدءا وعاقبة؛ فإن ذلك مما يستدعي نصر الله - عز وجل - به عليهم، وتعتصم به في ~~تقدمة الحجة إليهم معذرا ومنذرا، إن شاء الله. # ثم أذك عيونك على عدوك متطلعا لعلم أحوالهم التي ينتقلون فيها، ومنازلهم التي هم ~~بها، ومطامعهم التي مدوا بها أعناقهم نحوها، وأي الأمور أدعى لهم إلى الصلح وأقودها ~~لرضاهم إلى العافية، ومن أي الوجوه ما أتاهم من قبل الشدة والمنافرة والمكيدة ~~والمباعدة والإرهاب والإبعاد والترغيب والإطماع مستنا في أمرك متخيرا في رويتك، ~~متمكنا من رأيك مستشيرا لذوي النصيحة الذين قد حنكتهم التجربة ونجذتهم ~~الحروب، متسربا في حربك، آخذا بالحزم في سوء الظن معدا للحذر محترسا من الغرة، ~~كأنك منزل كله ومنازلك جمع مواقف لعدوك رأي عين تنظر حملاتهم، وتخوف ~~غاراتهم، معدا أقوى مكيدتك، وأجد تشميرك، وأرهب عتادك، معظما لأمر عدوك ~~لأكثرهما ... بفرط تبعة له من الاحتراس عظيما من المكيدة، قويا من غير أن يفثأك عن ~~إحكام أمورك، وتدبير رأيك، وإصدار رؤيتك، والتأهب لحربك مصغ له بعد استشعار الحذر ~~واطمئنان الحزم وإعمال الروية وإعداد الأهبة؛ فإن لقيت عدوك كليل الحد ونم النجوم نضيض ~~الوفر لم يضررك ما أعددت له من قوة، وأخذت به من حزم، ولم يزدك ذلك إلا جرأة ~~عليه، وتسرعا إلى لقائه، وإن ألفيته متوقد الجمر، مستكثف التبع، قوي الجمع، مستعلي ~~سورة الجهل، معه من أعوان الفتنة، وتبع إبليس من يوقد لهب الفتنة مسعرا، ويتقدم ~~إلى لقاء أبطالها متسرعا كنت لأخذك بالحزم، واستعدادك بالقوة غير مهين الجند، ولا مفرط ~~في الرأي، ولا متلهف على إضاعة تدبير، ولا محتاج إلى الإعداد وعجلة التأهب ~~مبادرة تدهشك، وخوفا يقلقك، ومتى تعزم على ترقيق التوقير، وتأخذ بالهويني في أمر ~~عدوك لتصغر المصغرين؛ ينتشر عليك رأيك ويكن فيه انتقاض أمرك ووهن تدبيرك، وإهمال ~~الحزم في جندك، وتضييع له وهو ms101 ممكن الإصحار رحب المطلب قوي العصمة فسيح المضطرب مع ما ~~يدخل رعيتك من الاغترار، والغفلة عن إحكام أسرارهم وضبط مراكزهم، لما يرون من ~~استنامتك إلى الغرة، وركونك إلى الأمن وتهاونك بالتدبير، فيعود ذلك عليك في ~~انتشار الأطراف، وضياع الإحكام ودخول الوهن بما لا يستقال محذوره ولا يدفع ~~مخوفه. # احفظ من عيونك وجواسيسك ما يأتونك به من أخبار عدوك، وإياك ومعاقبة أحد منهم ~~على خبر إن أتاك به اتهمته فيه، أو سؤت ظنا عليه وأتاك غيره ~~بخلافه، وإن تكذبه فيه وترده عليه، ولعله أن يكون من محضك النصيحة، ~~وصدقك الخبر وكذبك الأول، أو خرج جاسوسك الأول متقدما قبل وصول هذا من عند عدوك، ~~ولقد أبرموا أمرا وحاولوا لك مكيدة وازدادوا منك غرة، وإن دفعوا إليك في الأمر، ~~ثم انتقص بهم رأيهم واختلف عنه جماعتهم فأوردوا رأيا وأحدثوا مكيدة، ~~وأظهروا قوة وضربوا موعدا وأموا مسلكا لعدد أتاهم أو قوة حدثت لهم، أو ~~بصيرة في ضلالة شغلتهم، فالأحوال منتقلة بهم في الساعات وطوارق الحادثات، ولكن ~~ألبسهم جميعا على الانتصاح وأرجح لهم المطامع؛ فإنك لم تستعبدهم بمثله، وعدهم جزالة ~~المثاوب في غير ما استنامة منك إلى أمر عدوك، والاغترار بما لم يأتوك به، دون أن تعمل ~~رؤيتك في الأخذ بالحزم والاستكثار من العدة، واجعلهم أوثق من يقدر ~~عليه إن استطعت ذلك، وآمن من تسكن إلى ناحيته ليكون ما يبرم عدوك في كل يوم ~~وليلة عندك إن استطعت، فتنقض عليهم بتدبيرك ورأيك ما لم يرموا، وتأتيهم من ~~حيث أقدموا وتستعد لهم بمثل ما حذروا. # واعلم أن جواسيسك وعيونك ربما صدقوك وربما غشوك، وربما كانوا لك وعليك، ~~فنصحوا لك، وغشوا عدوك، وغشوك ونصحوا عدوك، وكثير مما يصدقونك ويصدقونه فلا ~~يبدرن منك فرطة في عقوبة إلى أحد منهم، ولا تعجل بسوء الظن إلى من ~~اتهمته على ذلك، وابسط من آمالهم فيك من غير أن تري أحدا منهم، أنك أخذت من ~~قوله أخذ العامل به والمتبع له، أو عملت على رأيه عمل الصادر عنه، أو رددته عليه ~~رد ms102 المكذب له والمتهم المستخف بما أتاك منه، فتفسد بذلك نصيحته، وتستدعي غشه، ~~وتجتر عداوته. # احذر أن يعرف جواسيسك في عسكرك أو يشار إليهم بالأصابع، وليكن منزلهم ~~على كاتب رسائلك وأمين سرك، ويكون هو الموجه لهم والمدخل عليك من أردت مشافهته ~~منهم، واعلم أن لعدوك في عسكرك عيونا راصدة وجواسيس كامنة، وأن رأيه في ~~مكيدتك مثل ما تكايده به، وسيحتال لك كاحتيالك له، ويعد لك كاعتدادك له، فاحذر ~~أن يشعر رجل من جواسيسك في عسكرك، فيبلغ ذلك عدوك ويعرف موضعه، فيعد له ~~المراصد ويحتال له بالمكايد؛ فإن ظفر به وأظهر عقوبته كسر ذلك ثقات عيونك، ~~وحوله عن تطلب الأخبار من معادنها واستقصائها من عيونها، حتى يصيروا إلى أخذها ~~عن عرض من غير الثقة، ولا معاينة لغطائها بالأخبار الكاذبة، والأحاديث ~~المرجفة. # واحذر أن يعرف بعض عيونك بعضا؛ فإنك لا تأمن تواطؤهم عليك، وممالأتهم عدوك ~~واجتماعهم على غشك وكذبك، وأن يورط بعضهم بعضا عند عدوك، وأحكم أمرهم؛ فإنهم رأس ~~مكيدتك وقوام تدبيرك وعليهم مدار حربك، وهو أول ظفرك، فاعمل على حسب ذلك وجنب ~~رجاءك به نيل أملك من عدوك وقوتك على قتالهم، وانتهاز فرصته إن شاء الله، ~~فإذا أحكمت ذلك وتقدمت فيه، واستظهرت بالله وعونه، فول شرطتك وأمر عسكرك أوثق قوادك ~~عندك، وآمنهم نصيحة وأقدمهم بصيرة في طاعتك، وأقواهم شكيمة في أمرك، وأمضاهم صريمة ~~وأصدقهم عفافا وأجرأهم جنانا، وأكفاهم أمانة وأصحهم ضميرا وأرضاهم صبرا، وأحمدهم ~~خلقا وأعطفهم على جماعتهم رأفة، وأحسنهم لهم نظرا وأشدهم في دين الله وحقه ~~صلابة. # ثم فوض إليه مقويا له، وابسط من أمله مظهرا عنه الرضا حامدا منه الابتلاء، ~~وليكن عالما بمراكز الجنود بصيرا بتقديم المنازل، مجربا ذا رأي وتجربة وخزم في ~~المكيدة، له نباهة في الذكر وصيت في الولاية، معروف البيت مشهور الحسب. # وتقدم إليه في ضبط معسكرك وإذكاء أحراسه في آناء ليله ونهاره، ثم حذره أن ~~يكون له إذن لجنوده في الانتشار والاضطراب والتقدم للطائفة، فيصاب منهم غرة يجترئ ~~بها عدوك ويسرع إقداما عليك ويكسر من أفئدة ms103 جنودك ويوهن من قوتهم؛ فإن ~~إصابة عدوك الرجل الواحد من جندك وعبيدك مطمع لهم منك مقو لهم على ~~شحذ أتباعهم عليك وتصغيرهم أمرك وتوهينهم تدبيرك، فحذره ذلك وتقدم إليه ~~فيه. # ولا يكونن منه إفراط في التضييق عليهم والحصر لهم، فيعمهم إذاؤه ويشملهم ~~ضنكه ويسوء عليه حالهم، وتشتد به المؤنة عليهم وتخبث له ظنونهم، وليكن موضع ~~إنزاله إياهم مستديرا ضاما جامعا، ولا يكون منتشرا ممتدا فيشق ذلك على أصحاب ~~الأحراس، ويكون فيه النهزة للعدو والبعد من المادة إن طرق طارق في فجآت ~~الليل وبغتاته وأوعز إليه في أحراسه، ومره فليول عليهم رجلا ركينا ~~مجربا جريء الإقدام ذكي الصرامة جلد الجوارح بصيرا بموضع أحراسه، غير مصانع ~~ولا مشفع للناس في التنحي إلى الرفاهة والسعة وتقدم العسكر أو التأخر ~~عنه؛ فإن ذلك مما يضعف الوالي ويوهنه لاستنامته إلى من ولاه ذلك، وأمنه به على ~~جيشه. # واعلم أن موضع الأحراس من موضعك ومكانها من جندك، بحيث الغناء عنهم ~~والرد عليهم، والحفظ لهم والكلاءة لمن بغتهم طارقا وأرادهم مخاتلا، ~~ومراصدها المنسل منها الآبق من أرقائهم وأعبدهم وحفظ العيون والجواسيس من ~~عدوهم، واحذر أن تضرب على يديه أو تشكمه على الصرامة لمواصرتك في كل ~~أمر حادث وطارق إلا في الملم النازل والحدث العام؛ فإنك إذا فعلت ذلك به دعوته إلى ~~نصحك، واستوليت على محض ضميره في طاعتك، وأجهد نفسه في ترتيبك وإغاثتك. وكان ~~ثقتك وزينك وقوتك ودعامتك، وتفرغت لمكايدة عدوك مريحا نفسك من هم ذلك، والعناية ~~به ملق عنك مؤنة باهظة وسلفة فادحة، إن شاء الله. # ثم اعلم أن القضاء من الله بمكان ليس به شيء من الأحكام، ولا يمثله أحد من ~~الولاة لما يجري على يديه من مغالظ الأحكام ومجاري الحدود، فليكن من ~~توليه القضاء بين أهل العسكر من ذوي الخير في القناعة والعفاف والنزاهة ~~والفهم، والوقار والعصمة والورع والبصر بوجوه القضايا ومواقعها قد حنكته ~~السن، وأيدته التجربة وأحكمته الأمور، ممن لا يتصنع للولاية ويستعد للنهزة ويجترئ ~~على المحاباة في الحكم والمداهنة في القضاء، عدل ms104 الأمانة عفيف الطعمة حسن ~~الإنصات، فهم القلب ورع الضمير متخشع السمت هادي الوقار محتسبا للخير، ~~ثم أجر عليه ما يكفيه ويسعه ويصلحه وفرغه لما حملته وأعنه على ما وليته؛ ~~فإنك قد عرضته لهلكة الدنيا وثواب الآخرة، أو شرف العاجلة وحظوة الآجلة إن حسنت ~~نيته، وصدقت رويته وصحت سريرته، وسلط حكم الله على رعيته، منفذا قضاءه ~~في خلقه عاملا بسنته في شرائعه آخذا بحدوده وفرائضه. # واعلم أنه من جندك ومعسكرك بحيث ولايتك، وفي الموضع الجارية أحكامه عليهم ~~النافذة أقضيته بينهم، فاعرف من توليه ذلك وتسنده إليه، إن شاء الله. # ثم تقدم في طلائعك؛ فإنه أول مكيدتك ورأس حربك ودعامة أمرك، فانتخب لها من ~~كل قادة وصحابة رجالا ذوي نجدة، وبأس وصرامة وخبرة وحماة كفاة قد صلوا بالحرب ~~وتذاوقوا سجالها، وشربوا من مرارة كئوسها وتجرعوا غصص درتها وزبنتهم ~~بتكرارها، وحملتهم على أصعب مراكبها، ثم اتبعهم على عينك واعرض كراعهم ~~بنفسك، وتوخ في انتقائهم ظهور الجلد وسجاحة الخلق وجمال الآلة، وإياك أن تقبل من ~~دوابهم إلا إناث الخيول مهلوبة؛ فإنها أسرع طلبا وأنجى مهربا وأبعد في اللحوق غاية، ~~وأصبر في معترك الأبطال إقداما، ونجذهم من السلاح بأبدان الدروع ماذية الحديد ~~شاكة السنخ، متقاربة الحلق، متلاحمة المسامير وأسوق الحديد، مموهة الركب محكمة ~~الطبع خفيفة الصوغ، وسواعد طبعها هندي وصوغها فارسي رقاق المعطف، بأكف وافية ~~وعمل محكم، وبلق البيض مذهبة ومجردة فارسية الصوغ خالصة الجوهر سابغة ~~الملبس وافية اللين، مستديرة الطبع، مبهمة السرد، وافية الوزن كتريك النعام في ~~الصنعة، معلمة بأصناف الحرير وألوان الصبغ؛ فإنها أهيب لعدوهم وأفت ~~لأعضاد من لقيهم، والمعلم مخشي محذور، له بديهة وادعة معهم السيوف الهندية ~~وذكور البيض اليمانية رقاق الشفرات، مسنونة الشحذ غير كليلة المشحذ مشطبة الضرائب، ~~معتدلة الجواهر صافية الصفائح، لم يدخلها وهن الطبع، ولا عابها أمت الصوغ، ولا شانها ~~خفة الوزن، ولا فدح حاملها بهور الثقل، قد أشرعوا لدن القنا طوال ~~الهوادي زرق الأسنة مستوية الثعالب، وميضها متوقد، وشحذها متلهب، ~~معاقص عقدها منحوتة ووصم أودها مقوم، أجناسها مختلفة، ms105 وكعوبها جعدة، وعقدها ~~حنكة، شطبة الأسنان، محكمة الجلاء مموهة الأطراف، مستحدة الجنبات، دقاق الأطراف، ~~ليس فيها التواء أود، ولا أمت وصم، ولا لها سقط عيب، ولا عنها وقوع أمنية ~~مستحقب كنائن النبل، وقسي الشوحط والنبع، أعرابية التعقيب، رومية النصول؛ فإنها ~~أبلغ في الغاية وأنفذ في الدروع وأشك في الحديد، سامطين حقائبهم على متون ~~خيولهم، مستخفين من الآلة والأمتعة، إلا ما غناء لا بهم عنه. # واحذر أن تكل مباشرة عرضهم إلى أحد من أعوانك أو كتابك؛ فإنك إن وكلته إليهم ~~أضعت موضع الحزم، وفرطت حيث الرأي، ووقفت دون الحزم، ودخل عملك ضياع ~~الوهن وخلص إليك عيب المحاباة، وناله فساد المداهنة، وغلب عليه من لا ~~يصلح أن يكون طليعة للمسلمين، ولا عدة ولا حصنا يدرءون به ويكتنفون ~~بموضعه. # واعلم أن الطلائع عيون وحصون للمسلمين: فهم أول مكيدتك، وعروة أمرك، وزمام ~~حربك، فليكن اعتناؤك بهم، بحيث هم من مهم عملك ومكيدة حربك، ثم انتخب لهم ~~رجلا للولاية عليهم، بعيد الصوت مشهور الفضل نبيه الذكر له في العدو وقعات ~~معروفات وأيام طوال وصولات متقدمات، قد عرفت نكايته وحذرت شوكته وهيب صوته، ~~وتنكب لقاؤه، أمين السريرة ناصح الغيب، قد بلوت منه ما يسكنك إلى ناحيته من ~~لين طباعه، وخالص المودة، ونكاية الصرامة وغلوب الشهامة، واستجماع القوة وحصافة ~~التدبير، ثم تقدم إليه في حسن سياستهم واستنزال طاعتهم واجتلاب موداتهم واستعداد ~~ضمائرهم وأجر عليهم أرزاقا تسعهم، وتمد من أطماعهم سوى أرزاقهم في العامة، وفي ~~ذلك من القوة لك عليهم والاستنامة إلى ما قبلهم. # واعلم أنهم في أهم الأماكن لك، وأعظمها غناء عنك وعمن معك وأقمعها مكمنا، ~~وأشجى لعدوك، ومتى يكن في البأس والثقة والجلد والطاعة والقوة والنصيحة، حيث ~~وصفت لك وأمرتك به تضع عنك مؤنة الهم، وترخي عن خناقك دروع الخوف، وتلتجئ إلى أمر ~~متين، وظهر قوي وأمر حازم تأمن به فجآت عدوك، ويصير إليك علم أحوالهم ومتقدمات خيولهم، ~~فانتخبهم رأي عين، وقوهم بما يصلحهم من المنالات والأطماع والأرزاق، واجعلهم منك ~~بالمنزل الذي هم به من محارز ms106 علامتك، وحصانة كهوفك ، وقوة سيارة عسكرك، ~~وإياك أن تدخل فيهم أحدا بشفاعة أو تحتمله على هوادة، أو تقدمه منهم لأثرة، وأن ~~يكون مع أحد منهم بغل نقل أو فضل من الظهر أو ثقل فادح، فيشتد عليهم مؤنة أنفسهم، ~~ويدخلهم كلال السآمة فيما يعالجون من أثقالهم، ويشتغلون به عن عدوهم إن دهمهم ~~منه رائع، أو فاجأهم لهم طليعة، فتفقد ذلك محكما له، وتقدم فيه آخذا بالحزم في ~~إمضائه - أرشدك الله لإصابة الحظ، ووفقك ليمن التدبير. # ولدراجة عسكرك وإخراج أهله إلى مصافهم، ومراكزهم رجلا من أهل بيوتات ~~الشرف محمود الخبرة معروف النجدة، ذا سن وتجربة، لين الطاعة قديم النصيحة ~~مأمون السريرة، له بصيرة في الحق تقدمه، ونية صادقة عن الادهان تحجزه واضمم ~~إليه عدة من ثقات جندك وذوي أسنانهم يكونون شرطة معه، ثم تقدم إليه في إخراج المصاف ~~وإقامة الأحراس، وإذكاء العيون، وحفظ الأطراف وشدة الحذر. # ومره فليضع القواد بأنفسهم مع أصحابهم في مصافهم، كل قائد بإزاء ~~موضعه، وحيث منزله قد شد ما بينه وبين صاحبه بالرماح شارعة والتراس ~~موضونة، والرجال راصدة ذاكية الأحراس وجلة الروع، خائفة طوارق العدو ~~وبياته، ثم مره أن يخرج كل ليلة قائدا من أصحابه أو عدة منهم إن كانوا كثيرا على ~~غلوة أو غلوتين من عسكرك، محيطا بمنزلك ذاكية أحراسه؛ قلقه التردد مفرطة الحذر، ~~معدة للروع متأهبة للقتال آخذة على أطراف العسكر ونواحيه، متفرقين في ~~أخلافهم كردوسا كردوسا يستقبل بعضهم بعضا في الاختلاف ويكسع متقدما في ~~التردد، فاجعل ذلك بين قوادك وأهل عسكرك نوبا معروفة وحصصا مفروضة، لا يعد منه ~~مزدلفا بمودة، ولا يتحامل على أحد فيه بموجدة، إن شاء الله. # فوض إلى أمراء جندك وقوادهم أمور أصحابهم، والأخذ على أيديهم رياضة منك لهم على ~~السمع والطاعة لأمرائهم والاتباع لأمرهم، والوقوف عند نهيهم، وتقدم إلى أمراء ~~الأجناد في النوائب التي ألزمتهم إياها، والأعمال التي استنجدتهم لها، والأسلحة ~~والكراع التي كتبتها عليهم، واحذر اعتلال أحد من قوادك عليك، بما يحول بينك وبين ~~جندك وتقويمهم لطاعتك وقمعهم عن الإخلال ms107 بمراكزهم لشيء مما وكلوا به من أعمالهم؛ ~~فإن ذلك مفسدة للجند معي للقواد عن الجد والمناصحة، والتقدم في ~~الأحكام. # واعلم أن استخفافهم بقوادهم وتضييعهم أمرهم، دخول الضياع على أعمالهم واستخفاف ~~بأمرك الذي يأتمرون به، ورأيك الذي ترتئي، وأوعز إلى القواد ألا يتقدم أحد منهم على ~~عقوبة أحد من أصحابه، إلا عقوبة تأديب وتقويم ميل وتثقيف أود، فأما عقوبة تبلغ ~~تلف المهجة وإقامة الحد في قطع، أو إفراط في ضرب، أو أخذ مال أو عقوبة في سفر، فلا ~~يلين ذلك من جندك أحد غيرك، أو صاحب شرطتك بأمرك، وعن رأيك وإذنك، ومتى لم ~~تذلل الجند لقوادهم وتضرعهم لأمرائهم، يوجب عليك لهم الحجة بتضييع، وإن كان منهم لأمرك ~~خلل إن تهاونوا به من عملك، أو عجز إن فرط منهم في شيء وكلتهم إليه، أو ~~أسندته إليهم، ولم تجد إلى الإقدام عليهم باللوم، وعض العقوبة مجازا تصل به ~~إلى تعنيفهم بتفريطك في تذليل أصحابهم لهم، وإفسادك إياهم عليهم، فانظر في ذلك نظرا ~~محكما، وتقدم فيه تقدما بليغا، وإياك أن يدخل حزمك وهن أو عزمك أمارات من رأيك ~~ضياع، والله أستودع دينا في نفسك. # إذا كنت من عدوك على مسافة دانية، وسنن لقاء مختصر. وكان من عسكرك ~~مقتربا قد شامت طلائعك مقدمات ضلالته وحماة فتنته، فتأهب أهبة المناجزة وأعد ~~عدد الحذر وكتب خيولك وعب جنودك، وإياك والمسير إلا مقدمة وميمنة ~~وميسرة وساقة قد شهروا بالأسلحة ونشروا البنود والأعلام، وعرف جندك مراكزهم سائرين تحت ~~ألويتهم قد أخذوا أهبة القتال، واستعدوا للقاء ملحين إلى مواقفهم، عارفين ~~بمواضعهم من مسيرهم ومعسكرهم، وليكن ترجلهم وتنزلهم على راياتهم ~~وأعلامهم ومراكزهم. # وعرف كل قائد وأصحابه موقعهم من الميمنة والميسرة والقلب والساقة والطليعة لازمين ~~لها، غير مخلين بما استنجدتهم له، ولا متهاونين بما أهبت بهم إليه، حتى تكون عساكرهم ~~في كل منهل تصل إليه ومسافة تختارها، كأنه عسكر واحد في اجتماعها على ~~العدة، وأخذها بالحزم ومسيرها على راياتها، ونزولها على مراكزها ومعرفتها ~~بمواضعها، إن أضلت دابة موضعها، عرف أهل العسكر من ms108 أي المراكز هي ومن صاحبها، وفي أي ~~المحل حلوله منها؛ فردت إليه هداية ومعرفة ونسبة قيادة صاحبها؛ فإن تقدمك في ذلك ~~وإحكامك له، اطراح عن جندك مؤنة الطلب وعناية المعرفة وابتغاء الضالة. # ثم اجعل على ساقتك أوثق أهل عسكرك في نفسك صرامة ونفاذا، ورضا في العامة ~~وإنصافا من نفسه للرعية، وأخذا بالحق في المعدلة، مستشعرا تقوى الله وطاعته، ~~آخذا بهديك وأدبك واقفا عند أمرك ونهيك معتزما على مناصحتك وتزيينك نظيرا لك في ~~الحال، وشبيها بك في الشرف وعديلا في المواضع ومقاربا في الصيت، ثم اكشف معه ~~الجمع وأيده بالقوة وقوه بالظهر، وأعنه بالأموال واغمره بالسلاح، ومره ~~بالعطف على ذوي الضعف من جندك ومن رخفت به دابته، وأصابته نكبة من مرض أو رجلة أو ~~آفة، من غير أن تأذن لأحد منهم في التنحي عن عسكره، أو التخلف بعد ترجله إلا المجهود ~~أو المطروق بآفة، ثم تقدم إليه محذرا ومره زاجرا، وانهه مغلظا بالشدة على من مر ~~به منصرفا عن معسكرك من جندك بغير جوارك شادا لهم أسرا، وموقرهم حديدا ومعاقبهم ~~موجعا، أو موجههم إليك فتنهكهم عقوبة، وتجعلهم لغيرهم من جندك عظة. # واعلم أنه إن لم يكن بذلك الموضع من تسكن إليه واثقا بنصيحته، عارفا ببصيرته قد ~~بلوت منه أمانة تسكنك إليه، وصرامة تؤمنك مهانته، ونفاذا في أمرك ~~يرخي عنك خناق الخوف في إضاعته، لم آمن تسلل الجند عنك لواصا، ورفضهم مراكزهم ~~وإخلالهم بمواضعهم، وتخلفهم عن أعمالهم آمنين تغيير ذلك عليهم، والشدة على من اخترمه ~~منهم ما ... ذلك في وهنك، وأخذ من قوتك وقل من كثرتك. # اجعل خلف ساقتك رجلا من وجوه قوادك جليدا ماضيا، عفيفا صارما شهم الرأي شديد ~~الحذر شكيم القوة غير مداهن في عقوبة ولا مهين في قوة، في خمسين فارسا من خيلك تحشر ~~إليك جندك، ويلحق بك من يتخلف عنك بعد الإبلاغ في عقوبتهم، والنهك لهم ~~والتنكيل بهم، وليكن لعقوبتك في المنزل الذي ترتحل عنه، والمنهل الذي تتقوض منه، ~~مفرطا في النقض والتبع لمن تخلف عنك مشيدا في ms109 أهل المنهل، وساكنه بالتقدم ~~موعزا إليهم في إزعاج الجند عن منازلهم، وإخراجهم من مكانهم وإبعاد العقوبة الموجعة، ~~والنكال المنيل في الإشعار وإصفاء الأموال، وهدم العقار لمن آوى منهم أحدا، أو ~~ستر موضعه وأخفى محله، وحذره عقوبتك إياه في الترخيص لأحد، والمحاباة لذي قرابة، ~~والاختصاص بذلك لذي أثرة أو هوادة، وليكن فرسانه منتخبين في القوة، ~~معروفين بالنجدة، عليهم سوابغ الدروع دونها شعار الحشو وحب الاستحثاث، ~~متقلدين سيوفهم سامطين كنائنهم مستعدين لهيج إن بدهم، أو كمين إن يظهر لهم، ~~وإياك أن تقبل في دوابهم إلا فرسا قويا أو برذونا وثيجا؛ فإن ذلك من أقوى القوة ~~لهم، وأعون الظهير على عدوهم - إن شاء الله. # ليكن رحيلك إبانا واحدا ووقتا معلوما، لتخف المؤنة بذلك على جندك ويعلموا ~~أوان رحيلهم، فيقدموا فيما يريدون من معالجة أطعمتهم وأعلاف دوابهم، وتسكن ~~أفئدتهم إلى الوقت الذي وقفوا عليه، ويطمئن ذوو الحاجات إبان الرحيل، ومتى يكن رحيلك ~~مختلفا تعظم المؤنة عليك وعلى جندك ويخلوا بمراكزهم، ولا يزال ذوو السفه والنزق ~~يترحلون بالإرجاف وينزلون بالتوهم، حتى لا ينتفع ذو رأي بنوم ولا طمأنينة. # إياك أن تنادي برحيل من منزل تكون فيه، حتى يأمر صاحب تعبيتك بالوقوف على ~~معسكرك، أخذا بفوهة جنبتيه بأسلحتهم عدة لأمر إن حضر، ومفاجأة من طليعة للعدو ~~إن أراد نهزة، أو لمحت عندكم غرة، ثم مر الناس بالرحيل وخيلك واقفة وأهبتك ~~معدة وجنتك واقية، حتى إذا استقللتم من معسكركم وتوجهتم من منزلكم، سرتم على ~~تعبيتكم بسكون ريح وهدوء حملة وحسن دعة. # فإذا انتهيتم إلى منهل أردت نزوله، أو هممت بالمعسكر به، فإياك ونزوله إلا ~~بعد العلم بأن تعرف لك أحواله، أو يسبر علم دفينه ويستبطن علم أموره، ثم ~~ينهيها إليك وما صارت إليه لتعلم كيف احتمال عسكرك، وكيف مأواه وأعلامه وكيف ~~موضع عسكرك منه، وهل لك إذا أردت مقاما به أو مطاولة عدوك ومكايدته، فيه قوة تحملك ~~ومدد يأتيك؛ فإنك إن لم تفعل ذلك لم تأمن أن يهجم على منزل يزعجك منه ضيق مكانه، وقلة ~~مياهه وانقطاع ms110 مواده إن أردت بعدوك مكيدة، واحتجت من أمرهم إلى مطاولة؛ فإن ارتحلت منه ~~كنت غرضا لعدوك، ولم تجد إلى المحاربة والأخطار سبيلا، وإن أقمت به أقمت على مشقة حصر ~~وفي أزل وضيق، فاعرف ذلك وتقدم فيه. # فإذا أردت نزولا أمرت صاحب الخيل التي رحلت الناس، فوقفت متنحية من ~~معسكرك عدة لأمر إن راعك، ومفزعا لبديهة إن راعتك قد أمنت - بإذن الله وحوله - ~~فجأة عدوك، وعرفت موقعها من حربك، حتى يأخذ الناس منازلهم وتوضع الأثقال مواضعها، ~~ويأتيك خبر طلائعك وتخرج دباباتك من عسكرك دبابا محيطين بعسكرك، وعدة لك إن احتجت ~~إليهم، وليكن دباب جندك بعسكرك أهل جلد وقوة قائد أو اثنين أو ثلاثة بأصحابهم في ~~كل ليلة ويوم نوبا بينهم، فإذا غربت الشمس ووجب نورها، أخرج إليهم صاحب تعبيتك ~~أبدالهم عسسا بالليل في أقرب من مواضع دباب النهار، يتعاور ذلك قوادك جميعا بلا ~~محاباة لأحد منهم فيه، ولا ادهان، إن شاء الله. # إياك أن يكون منزلك إلا في خندق أو حصن تأمن به بيات عدوك وتستنيم فيه إلى الحزم من ~~مكيدته، إذا وضعت الأثقال وخططت أبنية أهل العسكر، لم يمد خباء ولم ينتصب ~~بناء حتى يقطع لكل قائد ذرع معلوم من الأرض بقدر أصحابه فيحتفروه عليهم ويبنوا بعد ~~ذلك خنادق الحسك طارحين لها دون أشجار الرماح، ونصب الترسة لها ~~بابان، قد وكلت بعد بحفظ كل باب منهما رجلا من قوادك في مائة رجل من أصحابه، فإذا ~~فرغ من الخندق كان ذلك القائد أهلا لذلك المركز وكان المكان وموضع تلك الخيل. وكانوا ~~هم البوابين والأحراس لذينك الموضعين ند إلى الرفاهة والسعة، وتقدم العسكر أو ~~التأخر عنه؛ فإن ذلك مما يضعف الوالي ويوهنه لاستنامته إلى من ولاه ذلك، وأمنه ~~به على جيشه. # واعلم أنك إذا أمنت - بإذن الله - طوارق عدوك وبغتاتهم، فإذا راموا ذلك منك كنت قد ~~أحكمت ذلك، وأخذت بالجد فيه، وتقدمت في الإعداد له، ورتقت مخوف الفتق منه، ~~إن شاء الله. # إذا ابتليت ببيات عدوك أو طرقك رائعا في ... حذرا معدا ms111 مشمرا عن ~~ساقك مسربا لحربك قد قدمت دراجتك إلى مواضعها على ما وصفت لك ... التي قدرت لك ~~وطلائعك حيث أمرتك، وجندك حيث عبأت قد خطرت عليهم بنفسك، وتقدم إلى جندك ~~إن طرق طارق أو فاجأهم عدو ألا يتكلم أحد منهم إلا رافعا صوته ~~بالتكبير، مستغفرا في إجلاب معلنا للإرهاب إلا أهل الناحية التي يقع بها العدو ~~طارقا، وليشرعوا رماحهم مادين لها في وجوههم، ويرشقهم بالنبل ملبدين ~~ترستهم لازمين لمراكزهم ... قدم عن موضعها، ولا منحازين إلى غير مركزهم ~~وليكبروا ثلاث تكبيرات متواليات، وسائر الجند هادون ... عدوك من معسكرهم، ~~فتمد أهل تلك الناحية بالرجال من أعوانك وشرطك، ومن انتخبت قبل ذلك عدة للشدائد، ~~وتدس لهم النشاب والرماح، وإياك أن يشهروا سيفا يتجالدون به وتقدم ~~إليهم فلا يكون قتالهم بالليل في تلك المواضع من طرقهم إلا بالرماح مسندين لها ~~إلى صدورهم، والنشاب راشقين به وجوههم، قد ألبدوا بالترسة واستجنوا ~~بالبيض، وألقوا عليهم سوابغ الدروع وحباب الحشو؛ فإن صد العدو عنهم حاملين ~~على ناحية أخرى كبر أهل تلك الناحية الأولى وبقية العسكر سكون، والناحية التي صدر ~~عنها العدو لازمة لمراكزها، فعلت في تقويتهم وإمدادهم بمثل صنيعك بإخوانهم، وإياك وأن ~~تخمد نار رواقك، وإذا وقع العدو في معسكرك فأججها ساعرا لها، وأوقدها حطبا جزلا يعرف ~~بها أهل العسكر مكانك وموضع رواقك، ويسكن نافر قلوبهم ويقوي واهن قوتهم، ويشتد ~~منخذل ظهورهم، ولا يرجفون فيك بالظنون ويجيلون لك آراء السوء، وذلك من فعلك ~~رد عدوك بغيظه، ولم يستقل منك بظفر ولم يبلغ من نكايتك سرورا - إن شاء ~~الله. # فإن انصرف عنك عدوك، ونكل عن الإصابة من جندك. وكان بخيلك قوة على طلبه، ~~أو كانت لك خيل معدة، وكتيبة منتخبة قدرت أن تركب بهم أكتافهم، وتحملهم على سننهم ~~فأتبعهم جريدة خيل عليها الثقات من فرسانك، وأولو النجدة من حماتك؛ فإنك ترهق ~~عدوك، وقد أمن بياتك وشغل بكلاله عن التحرز منك، والأخذ بأبواب ~~معسكره، والضبط لمحارسه، موهنة حماتهم، لغبة أبطالهم لما ألفوكم عليه من ~~التشمير والجد، قد عقر الله ms112 فيهم، وأصاب منهم وجرح من مقاتلتهم، وكسر من ~~أماني ضلالتهم، ورد من مستعلي جماحهم، وتقدم إلى من توجه طلبهم وتتبعه أن يكونوا، ~~وهم في سكون الريح وقلة الرفث وكثرة التسبيح والتهليل، واستنصار الله - عز وجل - ~~بقلوبهم وألسنتهم، سرا وجهرا بلا لجب ضجة ولا ارتفاع ضوضاء دون أن يردوا على مطلبهم، ~~وينتهزوا فرصهم ثم يشهروا السلاح وينضوا السيوف؛ فإن لها هيبة رائعة وبديهة ~~مخوفة، لا يقوم لها في بهمة الليل إلا البطل المحارب وذو البصيرة المحامي المستميت ~~المقاتل، وقليل ما هم عند تلك المواضع، إن شاء الله. # ليكن أول ما تقدم به في التهيؤ لعدوك، والاستعداد للقائه انتخابك من فرسان عسكرك ~~وحماة جندك ذوي البأس والحنكة والجد والصرامة، ممن قد اعتاد طراد الكماة، ~~وكشر عن ناجذه في الحرب، وقام على ساق في منازلة الأقران، ثقف الفراسة مستجمع ~~القوة مستحصد المريرة صبورا على أهوال الليل، عارفا بمناهز الفرص، لم تمهنه الحنكة ~~ضعفا، ولا أبلغت به السن ملالا ولا أسكرته غرة الحداثة جهلا، ولا أبطرته نجدة ~~الأغمار صلفا، جريئا على مخاطرة التلف متقدما على أدراع الموت، مكابرا لمرهوب ~~الهول، متقحما مخشي الحتوف، خائضا غمرات المهالك برأي يؤيده الحزم، ~~ونية لا يخلجها الشك وأهواء مجتمعة، وقلوب موقنة عارفين بفضل الطاعة ~~وعزها وشرفها، وحيث محل أهلها من التأييد والظفر والتمكين ثم اعرضهم رأي عين على ~~كراعهم وأسلحتهم، ولتكن دوابهم إناث عتاق الخيول وأسلحتهم سوابغ الدروع، وكمال آلة ~~المحارب متقلدين سيوفهم المستخلصة من جيد الجواهر وصافي الحديد، والمتخيرة من ~~معادن الأجناس هندية الحديد، أو بدنية يمانية الطبع، رقاق المضارب مستوية الشحذ ~~مشطبة الضريبة، ملبدين بالترسة الفارسية صينية التعقيب، معلمة المقابض ~~بحلق الحديد أنحاؤها مربعة، ومحارزها بالتجليد مضاعفة، ومحملها مستخف، وكنائن النبل ~~وجعاب القسي قد استحقبوها، وقسي الشريان والنبع أعرابية الصنعة، مختلفة الأجناس محكمة ~~العمل ونصول النبل مسمومة، وتركيبها عراقي وترييشها بدوي مختلفة الصوغ في الطبع ~~شتى الأعمال في التشطيب والاستزادة، ولتكن الفارسية مقلوبة المقابض، منبسطة الأسنة، ~~سهلة الانعطاف، مقربة الانحناء ممكنة المرمى، واسعة الأسهم فرضها سهلة ms113 الورود، ~~معاطفها غير معنون المواتاة. # ثم ول على كل مائة رجل منهم رجلا من أهل خاصتك وثقاتك ونصحائك، وتقدم إليهم في ~~ضبطهم وكف بطشهم ... واستنزل نصائحهم واستعداد طاعتهم، واستخلاص ضمائرهم، وتعهد ~~كراعهم وأسلحتهم، معفيا لهم من النوائب التي تلزم أهل العسكر وعامة جندك، ثم اجعلهم ~~عدة لأمر إن فاجأك أو طارق بيتك، ومرهم أن يكونوا على أهبة معدة ~~وحذرهم؛ فإنك لا تدري أي الساعات من ليلك ونهارك تكون إليهم حاجتك، ~~فليكونوا كرجل واحد في التشمير والتردف وسرعة الإجابة؛ فإنك إن عسيت ألا ~~تجد عند جماعة جندك مثل تلك الروعة والمباغتة، إن احتجت إلى ذلك منهم معونة كافية ولا ~~أهبة معدة، بل ذلك كذلك فاذكرها وول الذي يبعث عدتك وقوتك تقويا، قد ~~قطعتها على القواد الذين وليتهم أمورهم فسميت أولا وثانيا وثالثا ورابعا وخامسا ~~إلى عشرة؛ فإن اكتفيت فيما يبدهك ويطرقك لبعث واحد كان معدا لم تحتج فيه إلى ~~امتحانهم في ساعتهم تلك، وقطع البعث عليهم عندما يرهقك، وإن احتجت إلى ~~اثنين وثلاث، وجهت منهم إرادتك، إن شاء الله. # وكل بخزائنك ودواوينك رجلا أمينا صالحا ذا ورع حاجز ودين فاضل، واجعل معه خيلا ~~يكون مسيرها ومنزلها وترحلها مع خزائنك، وتقدم إليه في حفظها والتوفر عليها، واتهام ~~من يستولي على شيء منها على إضاعته والتهاون به، والشدة على من دنا منها في مسير أو ~~ضامها في منزل، وليكن عامة الجند والجيش إلا من استصلحت للمسير معها متنحين عنها ~~مجانبين لها؛ فإنه ربما كانت الجولة وحدثت الفزعة؛ فإن لم يكن للخزائن ممن يوكل بها ~~أهل، وحفظ لها وذب عنها أسرع الجند إليها وتداعوا نحوها، حتى يكاد ~~يترامى ذلك بهم إلى انتهاب العسكر واضطراب الفتنة؛ فإن أهل الفتن وسوء السيرة كثير، ~~وإنما همتهم الشر، فإياك وأن يكون لأحد في خزائنك ودواوينك وبيوت أموالك ~~مطمع، أو يجدوا إلى اغتيالها ومررتها، إن شاء الله. # اعلم أن أحسن مكيدتك أثرا في العامة، وأبعدها صوتا في حسن ~~القالة ما نلت الظفر فيه بحسن الروية وحزم التدبير ولطف الحيلة، ms114 فلتكن رويتك في ~~ذلك، وحرصك على إصابته لا بالقتال وأخطار التلف، وادسس إلى عدوك وكاتب رءوسهم وقادتهم، ~~وعدهم المنالات، ومنهم الولايات، وسوغهم التراب، وضع عنهم الإحن، واقطع عنهم ~~أعناقهم بالمطامع، واملأ قلوبهم بالترهيب، وإن أمكنتك منهم الدوائر، وأصار بهم إليك ~~الرواجع، وادعهم إلى الوثوب بصاحبهم، أو اعتزاله إن لم يكن لهم بالوثوب عليه ~~طاقة، ولا عليك أن تطرح إلى بعضهم كتبا كأنها جوابات كتب لهم إليك، وتكتب على ~~ألسنتهم كتبا إليك تدفعها إليهم، ويحمل بها صاحبهم عليهم، وتنزلهم عنده منزلة ~~التهمة، فلعل مكيدتك في ذلك أن يكون فيها افتراق كلمتهم، وتشتيت جماعتهم واحش ~~قلوبهم سوء الظن من واليهم، فيوحشهم منه خوفهم إياه على أنفسهم إذا أيقنوا بأنها ~~مناياهم؛ فإن بسط يده بقتلهم وأولغ في دمائهم سيفه، وأسرع في الوثوب بهم ~~أشعرهم جميعا الخوف، وشملهم الرعب ودعاهم إليك الهرب، وتهافتوا نحوك بالنصيحة، ~~وإن كان متأنيا محتملا رجوت أن تستميل إليك بعضهم، وتستدعي بالطمع ذوي الشره منهم، ~~وتنال بذلك ما تحب من أخبارهم، إن شاء الله. # إذا تدانى الصفان وتواقف الجمعان واحتضرت الحرب، فعبأت أصحابك لقتال عدوهم فأكثر من: ~~لا حول ولا قوة إلا بالله، والتوكل على الله، والتفويض إليه ومسألته توفيقك وإرشادك، ~~وأن يعزم لك على الرشد، والعصمة الكالئة والحيطة الشاملة. # ومر جندك بالصمت وقلة التلفت إلى المشار له، وكثرة التكبير في أنفسهم والتسبيح ~~بضمائرهم وألا يظهروا تكبيرا، إلا في الكرات والحملات، وعند كل زلفة يزدلفونها، ~~فأما وهم وقوف فإن ذلك من الفشل والجبن، وليكثروا من: لا حول ولا قوة إلا بالله، ~~حسبنا الله ونعم الوكيل، اللهم انصرنا على عدوك وعدونا الباغي، واكفنا شوكته المستحدة ~~وأيدنا بملائكتك الغالبين، واعصمنا بعونك من الفشل والعجز، إنك أرحم الراحمين. # وليكن في عسكرك مكبرون بالليل والنهار، قبل المواقع، يطوفون عليهم ~~يحضونهم على القتال ويحرضونهم على عدوهم، ويصفون لهم منازل الشهداء وثوابهم، ~~ويذكرونهم الجنة ورخاء أهلها وسكانها، ويقولون: اذكروا الله يذكركم واستنصروه ~~ينصركم، وإن استطعت أن تكون أنت المباشر لتعبية جندك، ووضعهم من رايات ومعك رجال ms115 من ~~ثقات فرسانك ذوو سن وتجربة ونجدة على التعبية، وأمير المؤمنين واصفها لك في آخر كتابه ~~هذا - إن شاء الله - أيدك الله بالنصر وغلب لك على القوة، وأعانك على الرشد وعصمك من ~~الزيغ، وأوجب لمن استشهد معك ثواب الشهداء ومنازل الأصفياء، والسلام عليكم ورحمة ~~الله وبركاته. # | ومن الرسائل المفردات في الشطرنج # أما بعد: فإن الله شرع دينه بإنهاج سبله، وإيضاح معالمه بإظهار فرائضه، ~~وبعث رسله إلى خلقه دلالة لهم على ربوبيته، واحتجاجا عليهم برسالاته، ~~ومقدما إليهم بإنذاره ووعيده ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، ثم ~~ختم بنبيه # صلى الله عليه وسلم # وحيه، وقفى به رسله وابتعثه لإحياء دينه الدارس، مرتضيا ~~له على حين انطمست له الأعلام مختفية، وتشتت السبل متفرقة، وعفت آثار الدين دراسة وسطع ~~رهج الفتن، واعتلى قتام الظلم واستنهد الشرك وأسدف الكفر. # وظهر أولياء الشيطان لطموس ~~الأعلام، ونطق زعيم الباطل بسكتة الحق، واستطرق الجور واستنكح الصدوف عن الحق، ~~واقمطر سلهب الفتنة واستضرم لقاحها وطبقت الأرض ظلمة كفر وغيابة فساد - فصدع ~~بالحق مأمورا وبلغ الرسالة معصوما، ونصح الإسلام وأهله دالا لهم على المراشد، ~~وقائدا لهم إلى الهداية ومنيرا لهم أعلام الحق ضاحية، مرشدا لهم إلى استفتاح باب ~~الرحمة، وإعلان عروة النجاة، موضحا لهم سبل الغواية، زاجرا لهم عن طريق الضلالة، ~~محذرا لهم الهلكة موعزا إليهم في التقدمة ضاربا لهم الحدود على ما يتقون من الأمور ~~ويخشون، وما إليه يسارعون ويطلبون، صابرا نفسه على الأذى والتكذيب، داعيا لهم ~~بالترغيب والترهيب، حريصا عليهم متحننا على كافتهم، عزيزا عليه عنتهم رءوفا ~~بهم رحيما تقدمه شفقته عليهم، وعنايته برشدهم إلى تجريد الطلب إلى ربه فيما فيه بقاء ~~النعمة عليهم وسلامة أديانهم، وتخفيف أواصر الأوزار عنهم، حتى قبضه الله إليه # صلى الله عليه وسلم # ناصحا متنصحا أمينا مأمونا، قد بلغ الرسالة وأدى النصيحة، وقام ~~بالحق وعدل عمود الدين، حتى اعتدل ميله وأذل الشرك وأهله، وأنجز الله له وعده، وأراه ~~صدق أسبابه في إكماله للمسلمين دينه، واستقامة سنته فيهم وظهور شرائعه ms116 عليهم، قد أبان ~~لهم موبقات الأعمال، ومفظعات الذنوب ومهبطات الأوزار وظلم الشبهات، وما يدعو إليه ~~نقصان الأديان وتستهويهم به الغوايات، وأوضح لهم أعلام الحق، ومنازل المراشد، وطرق ~~الهدى وأبواب النجاة، ومعالق العصمة غير مدخر لهم نصحا، ولا مبتغ في إرشادهم ~~غنما. # فكان مما قدم إليهم في نهيه، وأعلمهم سوء عاقبته وحذرهم إصره، ~~وأوعز إليهم ناهيا وواعظا وزاجرا الاعتكاف على هذه التماثيل من الشطرنج، والمواصلة ~~عليها؛ لما في ذلك من عظيم الإثم وموبق الوزر مع مشغلتها عن طلب المعاش، وإضرارها ~~بالعقول ومنعها من حضور الصلوات في مواقيتها مع جميع المسلمين، وقد بلغ أمير المؤمنين ~~أن ناسا ممن قبلك من أهل الإسلام قد ألهجهم الشيطان بها، وجمعهم عليها وألف بينهم ~~فيها، فهم معتكفون عليها من لدن صبحهم إلى ممساهم، ملهية لهم عن الصلوات شاغلة لهم ~~عما أمروا به من القيام بسنن دينهم، وافترض عليهم من شرائع أعمالهم مع مداعبتهم ~~فيها، وسوء لفظهم عليها، وأن ذلك من فعلهم ظاهر في الأندية والمجالس، غير منكر ولا ~~معيب ولا مستفظع عند أهل الفقه وذوي الورع والأديان والأسنان منهم، فأكبر أمير ~~المؤمنين ذلك وأعظمه، وكرهه واستكبره وعلم أن الشيطان عندما يئس منه من بلوغ إرادته في ~~معاصي الله - عز وجل - بمصر المسلمين ومجمعهم صراحا وجهارا أقدم بهم على شبهة مهلكة، ~~وزين لهم ورطة موبقة، وغرهم بمكيدة حيله إرادة لاستهوائهم بالخدع واجتيالهم ~~بالشبه، والمراصد الخفية المشكلة، وكل مقيم على معصية الله صغرت، أو كبرت ~~مستحلا لها مشيدا بها مظهرا لارتكابه إياها، غير حذر من عقاب الله - عز وجل - ~~عليها، ولا خائف مكروها فيها، ولا رعب من حلول سطوته عليها حتى تلحقه المنية فتختلجه، ~~وهو مصر عليها غير تائب إلى الله منها، ولا مستغفر من ارتكابه إياها، فكم قد أقام ~~على موبقات الآثام، وكبائر الذنوب حتى مد به مخرم أيامه! # وقد أحب أمير المؤمنين أن يتقدم إليهم فيما بلغه عنهم، وأن ينذرهم ويوعز إليهم ~~ويعلمهم ما في أعناقهم عليها، وما لهم في قبول ذلك من الحظ، وعليهم في ms117 تركه من الوزر ~~فأذن بذلك فيهم وأشده في أسواقهم، وجميع أنديتهم وأوعز إليهم فيه، وتقدم إلى عامل شرطتك ~~في إنهاك العقوبة لمن رفع إليه من أهل الاعتكاف عليها، والإظهار للعب بها وإطالة حبسه ~~في ضيق وضنك، وطرح اسمه من ديوان أمير المؤمنين وأفطمهم، عما نهجوا به من ذلك والتمس ~~بشدتك عليهم فيها وإنهاكك بالعقوبة عليه ثواب الله وجزاءه، واتباع أمير المؤمنين ورأيه، ~~ولا يجدن أحد عندك هوادة في التقصير في حق الله - عز وجل - والتعدي لأحكامه فتحل ~~بنفسك ما يسوءك عاقبة مغبته، وتتعرض به لغضب الله - عز وجل - ونكاله، واكتب إلى أمير ~~المؤمنين ما يكون منك - إن شاء الله - والسلام. # وله تحميد في أبي العلاء الحروري: # الحمد لله الناصر لدينه وأوليائه وخلفائه، المظهر للحق، وأهله، والمذل ~~لأعدائه وأهل البدعة والضلالة، الذي لم يجمع بين حق وباطل، وأهل طاعة ومعصية ~~إلا جعل النصرة والفلج والعاقبة لأهل حقه وطاعته، وجعل الخزي والذلة والصغار ~~على أهل الباطل والخلاف والمعصية - حمدا يتقبله ويرضاه ويوجب به لأمير ~~المؤمنين، وأهل طاعته الزيادة التي وعد من شكره، والحمد لله على ما يتولى من ~~إعزاز أمير المؤمنين ونصره وإفلاجه، وإظهار حقه على ما وقع بأعدائه ~~وأهل معصيته والخلاف عليه من سطواته ونقماته وبأسه، فيما ولي أمير المؤمنين من ~~موالاة من والاه وعداوة من بغى عليه وعاداه، لا يكله في شيء من الأمور ~~إلى نفسه ولا إلى حوله وقوته ومكيدته؛ فإنه لا حول ولا قوة لأمير المؤمنين إلا ~~به. # تحميد لعبد الحميد في فتح: # الحمد لله العلي مكانه، المنير برهانه، العزيز سلطانه، الثابتة كلماته، ~~الشافية آياته، النافذ قضاؤه، الصادق وعده، الذي قدر على خلقه بملكه، وعز في ~~سماواته بعظمته، ودبر الأمور بعلمه، وقدرها بحكمه على ما يشاء من عزمه، ~~مبتدعا لها بإنشائه إياها، وقدرته عليها واستصغاره عظيمها، نافذا إرادته ~~فيها لا تجري إلا على تقديره، ولا تنتهي إلا إلى تأجيله، ولا تقع إلا على سبق ~~من حتمه، كل ذلك بلطفه وقدرته وتصريف وحيه، لا معدل لها عنه، ولا سبيل ms118 لها ~~غيره، ولا علم أحد بخفاياها ومعادها إلا هو؛ فإنه يقول في كتابه الصادق: # وعنده مفاتح الغيب ~~(الأنعام: ~~59). # ولعبد الحميد في فتح يعظم فيه أمر الإسلام: # أما بعد: فالحمد لله الذي اصطفى الإسلام دينا، رضي شرائعه، وبين ~~أحكامه، ونور هداه، ثم كنفه بالعز المؤيد، وأيده بالظفر القاهر، وآزره ~~بالسعادة المنتجبة، وجعل من قام به داعيا إليه من جنده الغالبين ~~وأنصاره المسلطين، كلما قهر بهم مناوئا أورثهم رباعهم المأهولة، وأموالهم ~~المثرية ودارهم الفسيحة، ودولتهم المطولة أمرا حتما على نفسه، ثم جعل من ~~عاندهم وابتغى غير سبيلهم مسالما، قد استهوته ذلة الكفر بظلمها، وحيرة ~~الجهالة بحوارها وتيه الشقاء بمغاويه، وكلما ازدادوا لدعوة الحق إباء ~~ازداد الحق إليهم ازدلاقا، وعليهم عكوفا وفيهم إقامة إلى أن يحل بهم عز ~~الغلبة ونجاة المتجاوز، داعين فيما شوقهم إليه، محافظين على ما ندبهم له، قد ~~بذلوا في طاعة الله دماءهم، وقبلوا المعروض عليهم في مبايعة ربهم لهم بأنفسهم ~~الجنة، محمود صبرهم، مسهل بهم عزمهم إلى خير الدنيا والآخرة. # والحمد لله الذي أكرم محمدا # صلى الله عليه وسلم # بما حفظ له من أمور أمته، أن اختار ~~لمواريث نبوته ما أصار إلى أمير المؤمنين من تطويقه، ما حمل بحسن نهوض به ~~وشج عليه، ومنافسة فيه أن فعل وفعل. # والحمد لله الذي تمم وعده لرسوله وخليفته في أمة نبيه، مسددا فيما اعتزم ~~عليه، والحمد لله المعز لدينه المتولي نصر أمة نبيه، المتخلي عمن عاداهم ~~وناوأهم حمدا يزيد به من رضي شكره، وحمدا يعلو حمد الحامدين من أوليائه، ~~الذين تكاملت عليهم نعمه فلا توصف، وجلت أياديه فلا تحصى، الذي ~~حملنا ما لا قوة بنا على شكره إلا بعونه، وبالله يستعين أمير المؤمنين على ~~ذلك، وإليه يرغب إنه على كل شيء قدير. # ولعبد الحميد أيضا: أما بعد: فالحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه، وارتضاه ~~دينا لملائكته وأهل طاعته من عباده، وجعله رحمة وكرامة ونجاة ~~وسعادة لمن هدي به من خلقه وأكرمهم وفضلهم، وجعلهم بما أنعم عليهم منه أولياءه ~~المقربين، وحزبه الغالبين وجنده ms119 المنصورين، وتوكل لهم بالظهور والفلج، وقضى لهم ~~بالعلو والتمكين، وجعل من خالفه وعزب عنه وابتغى سبيل غيره، أعداءه ~~الأقلين، وأولياء الشيطان الأخسرين، وأهل الضلالة الأسفلين، مع ما عليهم في ~~دنياهم من الذل والصغار، فأعجل لهم فيها من الخذلان والانتقام، إلى ما أعد ~~لهم في آخرتهم من الخزي والهوان المقيم، والعذاب الأليم، إنه عزيز ذو ~~انتقام. # وكتب عبد الحميد إلى أخ له، في مولود ولد له، وهو أول مولود كان: # أما بعد: فإن مما أتعرف من مواهب الله نعمة خصصت بمزيتها، وأصفيت ~~بخصيصتها كانت أسرا لي من هبة الله لي ولدا سميته فلانا، وأملت ~~ببقائه بعدي حياة وذكرى، وحسن خلافة في حرمتي، وإشراكه إياي في دعائه شافعا ~~لي إلى ربه، عند خلواته في صلاته وحجه وكل موطن من مواطن طاعته، فإذا نظرت ~~إلى شخصه تحرك به وجدي وظهر به سروري وتعطفت عليه مني آنسة الولد، وولت عني به ~~وحشة الوحدة، فأنا به جذل في مغيبي ومشهدي، أحاول مس جسده بيدي في الظلم، وتارة ~~أعانقه وأرشفه ليس يعدله عندي عظيمات الفوائد ولا منفسات الرغائب، سرني به ~~واهبه لي على حين حاجتي، فشد به أزري، وحملني من شكره فيه ما قد آدنى ~~بثقل حمل النعم السالفة إلي به، المقرونة سراؤها في العجب بما رأت ما ~~يدركني به من رقة الشفقة عليه مخافة مجاذبة المنايا إياه، ووجلا من عواصف ~~الأيام عليه. # فأسأل الله الذي امتن علينا بحسن صنعه في الأرحام، تأديبه ~~بالزكاء، وحرسه بالعافية أن يرزقنا شكر ما حملناه فيه وفي غيره، وأن ~~يجعل ما يهب لنا من سلامته، والمدة في عمره موصولا بالزيادة، مقرونا ~~بالعافية، محوطا من المكروه؛ فإنه المنان بالمواهب والواهب للمنى لا ~~شريك له، حملني على الكتاب إليك لعلم ما سررت به علمي بحالك فيه، وشركتك ~~إياي في كل نعمة أسداها إلي ولي النعم وأهل الشكر، أولى بالمزيد من الله - ~~جل ذكره - والسلام عليك. # وكتب عبد الحميد عن هشام بن عبد الملك إلى يوسف بن عمر، وهو باليمن في السلامة: # فإن ms120 أمير المؤمنين كتب إليك، وهو في نعمة الله عليه وبلائه عنده في ولده، ~~وأهل لحمته والخاص من أموره والعلم، والجنود والقواصي والثغور ~~والدهماء من المسلمين، على ما لم يزل ولي النعم يتولاه من أمير المؤمنين، ~~حافظا له فيه ومكرما له بالحياطة، لما ألهمه الله فيه من أمر رعيته، وعلى ~~أعظم وأحسن وأكمل ما كان يحوطه فيه ويذب له عنه، والله محمود مشكور ~~إليه فيه مرغوب، أحب أمير المؤمنين؛ لعلمه بسرورك به أن يكتب إليك بذلك، ~~لتحمد الله عليه وتشكره به؛ فإن الشكر من الله بأحسن المواضع وأعظم المنازل، ~~فازدد منه تزدد به، وحافظ عليه وتحفظ به وارغب فيه؛ يهد إليك مزيد الخير ~~ونفائس المواهب وبقاء النعم، فاقرأ على من قبلك كتاب أمير المؤمنين إليك ~~ليسر به جندك ورعيتك، ومن حمله الله المنعم بأمير المؤمنين، ليحمدوا ~~ربهم على ما رزق الله عباده من سلامة أمير المؤمنين في بدنه، ورأفته بهم ~~واعتنائه بأمورهم؛ فإن زيادة الله تعلو شكر الشاكرين، والسلام. # ولعبد الحميد إلى مروان في حاجة: # إن الله بنعمته علي لما رزقني المنزلة من أمير المؤمنين جعل معها شكرها ~~مقرونا بها، فهي تتنمى بالزيادة، والشكر مصاحب لها، فليست تدخلني وحشة من ~~أبناء حاجتي، وأنا أعلم أنه لو وصل إلى أمير المؤمنين علم حالي أغناني عن ~~استزادته، ولكني تكنفتني مؤن استنفضت ما في يدي، وكنت للخلف من الله ~~منتظرا؛ فإني إنما أتقلب في نعمه، وأتمرغ في فوائده وأعتصم بسالف معروفه كان ~~عندي. # ولعبد الحميد في وصف الإخاء: # فإن أولى ما اعتزم عليه ذوو الإخاء، وتوصل إليه أهل المودات ما دعا ~~أسبابه صدق التقوى، وبنيت دعائمه على أساس البر، ثم أنهد ~~إلينا حزين التواصل، وشيده مستعذب العشرة فادعم قويا وصفى مرنقا، ~~وبخاصة الحقة منعطفة وسكنت به القلوب أنيسة، وسمت من مواصلته الهمم ~~مستعلية عن كل زائغ معتاف، ومخوف عارض يحترم مسكة الإخاء، ~~ويختار مربوب المقة ضنا بما استعذبوا من محمود وثائقه، وازديادا فيما ~~تمطقوا به من حلاوة جناه، فإذا استحكم لهم مدخور الصفاء بثبات ms121 أواخيه، وظهور ~~أعلامه ومحصول مخبره وثقة مواده، كان سرورهم باعتلاقه، وابتهاجهم ~~بوجدانه وإنما هم صلته، وبذلهم رعايته، وحياطتهم محمودة، بحيث نالوا من معرفته ~~حظوته، واستولوا عليه من مزية كرمه، وتعرفوا من ذخيرة عائدته ~~ومأمون حفاظه، وكشف لهم عن نفسه مظهرا أعلامه مبديا دفينته، طارحا ~~قناع سره، معلنا مكنون ضميره في نأي الدار وجدان المجتمع، بإظهار ما ~~استتر من المحاسن، وبث في الحقب من المكارم، قياما لهم بالنصرة، وحياطا ~~للمودة، وترغيبا في العشرة، فكان أكهف ملجأ، وأحرز حصن، وأحصف جنة، وأعون ~~ظهير، وأبقى ذخيرة، وأعظم فائدة، وأشرف كنز، وأفخر صنيعة، وآنق منظر، وأينع ~~زهرة أكثر الأشياء ريعا، وأنماها وصلا، وأمدها سببا، وأقواها أيدا، وأحلاها ~~ذوقا، وأدعمها ثباتا، وأرساها ركنا، لا يدخل مستحقها سآمة ~~ملال، ولا كلال مهنة، ولا تثبيط ونية، ولا ضعف خور لنزول بائقة، أو ~~طروق طارقة من عوارض الأقدار وحوادث الزمان، بل مواسيا في أزمتها، ~~متورطا غمرات قحمها متدرعا هائل بوائقها، مستلحما نواظر مقاطعها، حتى تصير ~~به الأقدار إلى تناهيها، ويبلغ به القضاء مقداره غير منان النصرة، ~~ولا برم التعب، يرى تعبه غنما ونصبه دعة، وكلفه فائدة، وعمله ~~مقصرا، وسعيه مفرطا، واجتهاده مضيعا، عدل الولد في بره، والوالد في ~~شفقته، والأخ في نصرته، والجار في حفظه، والذخر في ملكه، فأين المعدل عن ~~مثله، أو كيف الإصابة لشبهه، أو أنى عوض من فقده - جمعنا الله وإياك على ~~طاعته وألفنا بمحابه، وجعل أخوتنا في ذاته. # قد حددت لك أواخي الإخاء متشعبا، ووصفته لك مخلصا، وانتهيت بك إلى ~~غاية أهل العقل منه، وما تواصل أهل الرأي عليه، ودعا إليه الإخاء من ~~نفسه، منتطقا به ضامنا له، ما فرط في ذلك تقصير من أهله، وداخله تضييع ~~من حملته، أو حاطه إحكام وكنفه حفاظ من رعاته. # وافاني كتابك بما سألت من ذلك وعقلي محصور، ورأيي منقسم وذهني فيما يتأهب ~~به الأمير ... والله من خرز الترك، واختلاف رسله إلى جبال اللان والطبران وما ~~والاهما، بنوافذ أمره ومخارج رأيه، فأنا مصيخ السمع للفظه، عقل العقل عن ms122 ~~سوى أمره، محتضر الذهن في تدبيرهم، ذهل القلب عن تقنين القول، وتشعيب الكلام ~~في تصنيف طبقات الرجال ومن أين دخل عليهم نقص الإخاء؟! وكيف خانهم ~~مونق الصفاء؟! وقد صرحت لك عن رأي ذوي الصفاء، وكشفت لك خباء الإخاء، ~~وجمعت لك إلف مودة أهل الحجى، فتلقى ما وصفت لك بقلب فهم عقول ذي ميزة ~~يقظان، وذهن جامع حافظ ذي ثقافة راع - أحضرك الله عصمة التوفيق وسددك ~~الله لإصابة الرشد، ومكن لك صدق العزيمة، والسلام. # ومن رسائل عبد الحميد ما كتب عن مروان إلى هشام يعزيه بامرأة من حظاياه: # إن الله تعالى أمتع أمير المؤمنين من أنيسته وقرينته متاعا مده إلى أجل ~~مسمى، فلما تمت له مواهب الله وعاريته قبض إليه العارية، ثم أعطى أمير ~~المؤمنين من الشكر عند بقائها والصبر عند ذهابها أنفس منها في المنقلب، ~~وأرجح في الميزان وأسنى في العوض - فالحمد لله، وإنا إليه راجعون. # وكتب موصيا بشخص يقول: # حق موصل كتابي إليك كحقه علي إذ جعلك موضعا لأمله، ورآني أهلا ~~لحاجته، وقد أنجزت حاجته فصدق أمله. # وكتب في فتنة بعض العمال من رسالة: # حتى اعتراني حنادس جهالة ومهاوي سبل ضلالة، ذللا لسباقه وسلما في ~~قياده إلى نزل من حميم وتصلية جحيم، سوى ما أنتجت الحفيظة في نفسه من ~~عوائد الحسك، وقدحت الفتنة في قلبه من نار الغضب مضادة لله تعالى ~~بالمناصبة، ومبارزة لأمير المؤمنين بالمحاربة، ومجاهرة للمسلمين بالمخالفة إلى ~~أن أصبح بفلاة قفر، ونية صفر بعيدة المناط، يقطع دونها النياط، ~~وكذلك الله يفعل بالظالمين، ويستدرجهم من حيث لا يعلمون. # وكتب من رسالة أخرى إلى أهله وهو منهزم مع مروان: # أما بعد: فإن الله تعالى جعل الدنيا محفوفة بالكره والسرور، فمن ساعده ~~الحظ فيها سكن إليها، ومن عضته بنابها ذمها ساخطا عليها وشكاها ~~مستزيدا لها، وقد كانت أذاقتنا أفاويق استحليناها، ثم جمحت بنا نافرة ~~ورمحتنا مولية؛ فملح عذبها وخشن لينها، فأبعدتنا عن الأوطان وفرقتنا عن ~~الإخوان، فالدار نازحة والطير بارحة. # وقد كتبت والأيام تزيدنا منكم بعدا وإليكم وجدا؛ فإن ms123 تتم البلية إلى ~~أقصى مدتها يكن آخر العهد بكم وبنا، وإن يلحقنا ظفر جارح من أظفار من ~~يليكم، نرجع إليكم بذل الإسار، والذل شر جار، نسأل الله الذي يعز من ~~يشاء ويذل من يشاء: أن يهب لنا، ولكم ألفة جامعة في دار آمنة تجمع سلامة ~~الأبدان والأديان؛ فإنه رب العالمين وأرحم الراحمين. # هذه الرسائل الأربع منقولة عن شرح رسالة ابن زيدون. # وله من رسالة كتب بها عن آخر خلفاء بني أمية، وهو مروان الجعدي لفرق العرب حين ~~فاض العجم من خراسان بشعار السواد، قائمين بالدولة العباسية. # فلا تمكنوا ناصية الدولة العربية من يد الفئة العجمية، واثبتوا ريثما تنجلي هذه ~~الغمرة ونصحو من هذه السكرة، فسينضب السيل وتمحى آية الليل - والله مع الصابرين ~~والعاقبة للمتقين. # | رسالة عبد الحميد إلى الكتاب # أما بعد: حفظكم الله يا أهل صناعة الكتابة، وحاطكم ووفقكم وأرشدكم، ~~فإن الله - عز وجل - جعل الناس بعد الأنبياء والمرسلين - صلوات الله وسلامه عليهم ~~أجمعين - ومن بعد الملائكة المكرمين؛ أصنافا، وإن كانوا في الحقيقة سواء، وصرفهم ~~في صنوف الصناعات، وضروب المحاولات إلى أسباب معاشهم، وأبواب أرزاقهم فجعلكم - ~~معشر الكتاب - في أشرف الجهات أهل الأدب والمروءات والعلم والرزانة، بكم تنتظم ~~للخلافة محاسنها وتستقيم أمورها، وبنصائحكم يصلح الله للخلق سلطانهم ويعمر بلدانهم، ~~لا يستغني الملك عنكم، ولا يوجد كاف إلا منكم، فموقعكم من الملوك موقع أسماعهم ~~التي بها يسمعون، وأبصارهم التي بها يبصرون، وألسنتهم التي بها ينطقون، وأيديهم ~~التي بها يبطشون، فأمتعكم الله بما خصكم من فضل صناعتكم، ولا نزع عنكم ما أضفاه من ~~النعمة عليكم. # وليس أحد من أهل الصناعات كلها أحوج إلى اجتماع خلال الخير المحمودة، وخصال ~~الفضل المذكورة المعدودة منكم - أيها الكتاب - إذا كنتم على ما يأتي في هذا الكتاب ~~من صفتكم؛ فإن الكاتب يحتاج من نفسه، ويحتاج منه صاحبه الذي يثق به في مهمات ~~أموره، أن يكون حليما في موضع الحلم، فهيما في موضع الحكم، مقداما في موضع ~~الإقدام، محجاما في موضع الإحجام مؤثرا للعفاف والعدل والإنصاف، كتوما للأسرار، ms124 ~~وفيا عند الشدائد ، عالما بما يأتي من النوازل، يضع الأمور مواضعها، والطوارق في ~~أماكنها، قد نظر في كل فن من فنون العلم فأحكمه، وإن لم يحكمه أخذ منه بمقدار من ~~الحسن، واحتال على صرفه عما يهواه من القبح بألطف حيلة وأجمل وسيلة. # وقد علمتم أن سائس البهيمة، إذا كان بصيرا بسياستها التمس معرفة أخلاقها؛ فإن كانت ~~جموحا لم يهجها إذا ركبها، وإن كانت شبوبا اتقاها من بين أيديها، وإن خاف منها شرودا ~~توقاها من ناحية رأسها، وإن كانت حرونا قمع برفق هواها في طرقها؛ فإن استمرت ~~عطفها يسيرا فيسلس له قيادها، وفي هذا الوصف من السياسة دلائل لمن ساس الناس ~~وعاملهم وجربهم وداخلهم، والكاتب، بفضل أدبه وشريف صنعته ولطيف حيلته، ومعاملته لمن ~~يحاوره من الناس ويناظره ويفهم عنه أو يخاف سطوته؛ أولى بالرفق لصاحبه ومداراته، ~~وتقويم أوده من سائس البهيمة التي لا تحير جوابا، ولا تعرف صوابا ولا تفهم خطابا، ~~إلا بقدر ما يصيرها إليه صاحبها الراكب عليها. # ألا فارفقوا - رحمكم الله - في النظر، واعملوا فيه ما أمكنكم من الروية والفكر، ~~تأمنوا - بإذن الله - ممن صحبتموه النبوة والاستثقال والجفوة، ويصير منكم إلى ~~الموافقة وتصيرون منه إلى المؤاخاة والشفقة - إن شاء الله تعالى. # ولا يجاوزن الرجل منكم في هيئة مجلسه وملبسه، ومركبه ومطعمه، ومشربه وبنائه وخدمه، ~~وغير ذلك من فنون أمره قدر حقه؛ فإنكم مع ما فضلكم الله به من شرف صنعتكم خدمة، لا ~~تحملون في خدمتكم على التقصير، وحفظة لا تحتمل منكم أفعال التضييع والتبذير، ~~واستعينوا على عفافكم بالقصد في كل ما ذكرته لكم وقصصته عليكم، واحذروا متالف السرف ~~وسوء عاقبة الترف؛ فإنهما يعقبان الفقر ويذلان الرقاب، ويفضحان أهلهما ولا سيما ~~الكتاب وأرباب الآداب، وللأمور أشباه وبعضها دليل على بعض، فاستدلوا على مؤتنف ~~أعمالكم بما سبقت إليه تجربتكم، ثم اسلكوا من مسالك التدبير أوضحها محجة، وأصدقها ~~حجة وأحمدها عاقبة، واعلموا أن للتدبير آفة متلفة، وهو الوصف الشاغل لصاحبه ~~عن إنفاذ علمه ورويته، فليقصد الرجل منكم في مجلسه قصد الكافي من ms125 منطقه، ~~وليوجز في ابتدائه وجوابه، وليأخذ بمجامع حججه؛ فإن ذلك مصلحة لفعله، ومدفعة ~~للشاغل عن إكثاره، وليضرع إلى الله في صلة توفيقه، وإمداده بتسديده مخافة ~~وقوعه في الغلط المضر ببدنه وعقله وأدبه؛ فإنه إن ظن منكم ظان، أو قال قائل: إن ~~الذي برز من جميل صنعته وقوة حركته، إنما هو بفضل حيلته وحسن تدبيره؛ فقد تعرض بظنه أو ~~مقالته إلى أن يكله الله - عز وجل - إلى نفسه فيصير منها إلى غير كاف، وذلك على من ~~تأمله غير خاف، ولا يقول أحد منكم: إنه أبصر بالأمور وأحمل لعبء ما يكتفي به يعرف ~~بغريزة عقله، وحسن أدبه وفضل تجربته ما يرد عليه قبل وروده، وعاقبة ما يصدر عنه قبل ~~صدوره، فيعد لكل أمر عدته وعتاده، ويهيئ لكل وجه هيئته وعادته، فتنافسوا يا معشر ~~الكتاب في صنوف الآداب، وتفقهوا في الدين وابدءوا بعلم كتاب الله - عز وجل - ~~والفرائض ثم العربية؛ فإنها ثقاف ألسنتكم ثم أجيدوا الخط؛ فإنه حلية كتبكم، وارووا ~~الأشعار واعرفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب والعجم وأحاديثها وسيرها؛ فإن ~~ذلك معين لكم على ما تسمو إليه هممكم، ولا تضيعوا النظر في الحساب؛ فإنه قوام ~~كتاب الخراج. # وارغبوا بأنفسكم عن المطامع سنيها، ودنيها وسفساف الأمور ومحاقرها؛ فإنها ~~مذلة للرقاب مفسدة للكتاب، ونزهوا صناعتكم عن الدناءة، واربئوا بأنفسكم عن ~~السعاية والنميمة وما فيه أصل الجهالات، وإياكم والكبر والسخف والعظمة؛ فإنها ~~عداوة مجتلبة من غير إحنة وتحابوا في الله - عز وجل - في صناعتكم، وتواصلوا ~~عليها بالذي هو أليق لأهل الفضل والعدل والنبل من سلفكم. # وإن نبا الزمان برجل منكم فاعطفوا عليه، وواسوه حتى يرجع إليه حاله، ويثوب ~~إليه أمره وإن أقعد أحدا منكم الكبر عن مكسبه ولقاء إخوانه فزوروه وعظموه ~~وشاوروه، واستظهروا بفضل تجربته وقديم معرفته، وليكن الرجل منكم على ~~من اصطنعه، واستظهر به ليوم حاجته إليه أحوط منه على ولده وأخيه؛ فإن عرضت في الشغل ~~محمدة، فلا يصرفها إلا إلى صاحبه، وإن عرضت مذمة فليحملها هو من دونه، وليحذر ~~السقطة والزلة والملل عند تغير ms126 الحال؛ فإن العيب إليكم معشر الكتاب أسرع منه ~~إلى القراء وهو لكم أفسد منه لها، فقد علمتم أن الرجل منكم إذا صحبه من يبذل له من ~~نفسه ما يجب له عليه من حقه، فواجب عليه أن يعتقد له من وفائه وشكره واحتماله وخيره ~~ونصيحته وكتمان سره وتدبير أمره ما هو جزاء لحقه ويصدق، ذلك تبعا له عند ~~الحاجة إليه والاضطرار إلى ما لديه، فاستشعروا ذلك - وفقكم الله - من أنفسكم في حالة ~~الرخاء والشدة والحرمان والمؤاساة والإحسان، والسراء والضراء فنعمت التسمية هذه من وسم ~~بها من أهل هذه الصناعة الشريفة، وإذا ولي الرجل منكم أو صير إليه من أمر خلق الله، ~~وعياله أمر فليراقب الله - عز وجل - وليؤثر طاعته، وليكن على الضعيف رفيقا وللمظلوم ~~منصفا؛ فإن الخلق عيال الله، وأحبهم إليه أرفقهم بعياله. # ثم ليكن بالعدل حاكما، وللأشراف مكرما، وللفيء موفرا وللبلاد عامرا وللرعية ~~متألفا، وعن أذاهم متخلفا، وليكن في مجلسه متواضعا حليما، وفي سجلات ~~خراجه واستقصاء حقوقه رفيقا، وإذا صاحب أحدكم رجلا فليختبر خلائقه، فإذا عرف ~~حسنها وقبيحها أعانه على ما يوافقه التدبير من مرافقة في صناعته ومصاحبة في خدمته، ~~فإن أعقل الرجلين عند ذوي الألباب من رمى بالعجب وراء ظهره، ورأى أن صاحبه أعقل منه ~~وأجمل في طريقته، وعلى كل واحد من الفريقين أن يعرف فضل نعم الله - جل ثناؤه - من غير ~~اغترار برأيه ولا تزكية لنفسه ولا يكاثر على أخيه، أو نظيره وصاحبه وعشيره. # وحمدا لله واجب على الجميع، وذلك بالتواضع لعظمته، والتذلل لعزته، والتحدث ~~بنعمته، وأنا أقول في كتابي هذا ما سبق به المثل: من تلزمه النصيحة يلزمه العمل، وهو ~~جوهر هذا الكتاب، وغرة كلامه بعد الذي فيه من ذكر الله - عز وجل - فلذلك جعلته ~~آخره وتممته به، تولانا الله وإياكم يا معشر الطلبة والكتبة، بما يتولى به من ~~سبق علمه بإسعاده وإرشاده؛ فإن ذلك إليه وبيده، والسلام عليكم ورحمة الله ~~وبركاته. # القسم الثالث # | الرسالة العذراء # في موازين البلاغة وأدوات الكتابة لأبي اليسر إبراهيم بن محمد المدبر ms127 # | الرسالة العذراء # بسم الله الرحمن الرحيم # فتق الله بالحكمة ذهنك، وشرح بها صدرك، وأنطق بالحق لسانك، ~~وشرف به بيانك، وصل إلي كتابك العجيب الذي استفهمتني فيه بجوامع كلمك ~~جوامع أسباب البلاغة، واستكشفتني عن غوامض آداب أدوات الكتابة، سألتني أن أقف بك على ~~وزن عذوبة اللفظ وحلاوته، وحدود فخامة المعنى وجزالته، ورشاقة نظم الكتاب ومشاكلة ~~سرده، وحسن افتتاحه وختمه، وانتهاء فصوله، واعتدال وصوله، وسلامتهما من الزلل، ~~وبعدهما من الخطل. ومتى يكون الكاتب مستحقا اسم الكتابة، والبليغ مسلما له معاني ~~البلاغة، في إشارته واستعارته، وإلى أي أدواته هو أحوج، وبأي آلاته هو أعمل، إذا حصحص ~~الحق، ودعي إلى السبق، وفهمته وأنا راسم لك - أيدك الله - من ذلك ما يجمع أكثر ~~شرائطك، ويعبر عن جملة سؤالك، وإن طولت في الكتاب وعرضت وأطنبت في الوصف وأسهبت، ~~ومستقص على نفسي في الجواب على قدر استقصائك في السؤال، وإن أخل به التياث الحال، وسكون ~~الحركة، وفتور النشاط، وانتشار الروية، وتقسم الفكر، واشتراك القلب، والله ~~المستعان. # اعلم - أيدك الله: أن أدوات ديوان جميع المحاسن، وآلات المكارم طاعة منقادة ~~لهذه الصناعة التي خطبتها وتالية تابعة لها، وغير خارجة إلى جحد أحكامها، ولا دافعة ~~لما يلزمها الإقرار به لها، إضرارا منها إليها وعجزا عنها؛ فإن تقاضتك نفسك علمها ~~ونازعتك همتك إلى طلبها؛ فاتخذ البرهان دليلا شاهدا والحق إماما قائدا، يقرب ~~مسافة ارتيادك، ويسهل عليك سبل مطالبها، واستوهب الله توفيقا تستنجح به مطالبك، ~~واستمنحه رشدا يقبل إليك بوجه مذاهبك، فاقصد في ارتيادك، وتأمل الصواب في قولك ~~وفعلك، ولا تسكن إلى جحود قصد السابق باللجاج، ولا تخرج إلى إهمال حق المصيب ~~بالمعاندة والإنكار، ولا تستخف بالحكمة ولا تصغرها، حيث وجدتها فترحل نافرة عن ~~مواطنها من قلبك، وتظعن شاردة عن مكانها من بالك، وتتعفى بعد العمارة من قلبك آثارها، ~~وتنطمس بعد الوضوح أعلامها. # واعلم أن الاكتساب بالتعلم والتكلف، وطول الاختلاف إلى العلماء ومدارسة ~~كتب الحكماء؛ فإن أردت خوض بحار البلاغة وطلبت أدوات الفصاحة، فتصفح من رسائل ~~المتقدمين ما تعتمد عليه، ومن رسائل ms128 المتأخرين ما ترجع إليه في تلقيح ذهنك، واستنجاح ~~بلاغتك، ومن نوادر كلام الناس ما تستعين به، ومن الأشعار والأخبار والسير والأسماء ما ~~يتسع به منطقك، ويعذب به لسانك ويطول به قلمك. # وانظر في كتب المقامات والخطب ومحاورات العرب، ومعاني العجم وحدود المنطق وأمثال ~~الفرس ورسائلهم وعهودهم، وتوقيعاتهم وسيرهم ومكايدهم في حروبهم، بعد أن تتوسط ~~في علم النحو والتصريف واللغة والوثائق والشروط؛ ككتب السجلات والأمانات؛ فإنه أول ~~ما يحتاج إليه الكاتب وتمهر في نزع آي القرآن في مواضعها، واجتلاب الأمثال ~~في أماكنها واختراع الألفاظ الجزلة، وقرض الشعر الجيد وعلم العروض؛ فإن تضمين المثل ~~السائر والبيت الغابر مما يزين كتابتك، ما لم تخاطب خليفة أو ملكا جليل القدر، ~~فإن اجتلاب الشعر في كتب الخلفاء والجلة الرؤساء عيب واستهجان للكتب، إلا أن ~~يكون الكاتب هو القارض للشعر والصانع له؛ فإن ذلك مما يزيد في أبهته، ويدل على ~~براعته، وإن شدوت من هذه العلوم ما لا يشغلك محله، وتنقبت من هذه الفنون ما تستعين به ~~على إطالة قلمك، وتقويم أود بيانك. # بعد أن يكون الكاتب صحيح القريحة، حلو الشمائل، عذب الألفاظ، دقيق الفهم، حسن ~~القامة، بعيدا من الفدامة، خفيف الروح، حاذق الحسن، محنكا بالتجربة، عالما بحلال ~~الكتاب والسنة وحرامهما، وبالملوك وسيرها وأيامها، وبالدهور في تقلبها وتداولها مع ~~براعة الأدب، وتأليف الأوصاف، ومشاكلة الاستعارة، وحسن الإشارة، وشرح المعنى بمثله من ~~القول حتى تنصب صورا منطقية تعرب عن أنفسها، وتدل على أعيانها؛ لأن الحكماء ~~قد شرطوا في صفات الكتاب طول القامة، وصغر الهامة، وخفة اللهاذم، وكثافة اللحية، ~~وصدق الحس، ولطف المذهب وحلاوة الشمائل وملاحة الزي، حتى قال بعض المهالبة لولده: تزيوا ~~بزي الكتاب؛ فإن فيهم أدب الملوك وتواضع السوقة. # وخاطب كلا على قدر أبهته، وجلالته، وعلوه وارتفاعه، وتفطنه وانتباهه، ~~واجعل طبقات الكلام على ثمانية أقسام: فأربعة منها للطبقة العلوية وأربعة دونها، ~~ولكل طبقة منها درجة، ولكل قسمة حظ لا يتسع للكاتب البليغ أن يقصر بأهلها عنها، ~~ويقلب معناها إلى غيرها: فالطبقة العليا الخلافة التي أعلى الله ms129 شأنها عن مساواتها بأحد ~~من أبناء الدنيا في التعظيم والتوقير والمخاطبة والترسل. والطبقة الثانية الوزراء ~~والكتاب الذين يخاطبون الخلفاء بعقولهم وألسنتهم، ويرتقون الفتوق بآرائهم ويتجملون ~~بآدابهم. الطبقة الثالثة أمراء ثغورهم، وقواد جيوشهم، يخاطب كل امرئ على قدره وبما ~~حمل من أعباء أمورهم وجلائل أعمالهم. الطبقة الرابعة القضاة؛ فإنهم وإن كان لهم ~~تواضع العلماء وحلية الفضلاء، فمعهم أبهة السلطنة وهيبة الأمراء. # أما الطبقات الأربع الأخرى: فالملوك الذين أوجبت نعمهم تعظيمهم في الكتب ~~وأفضالهم تفضيلهم فيها. والثانية: وزراؤهم وكتابهم وأتباعهم الذين بهم تقرع أبوابهم ~~وبعنايتهم تستماح أموالهم. والثالثة: هم العلماء الذين يجب توقيرهم في الكتب ~~لشرف العلم وعلو درجة أهله. الرابعة: لأهل القدر والجلالة والظرف والحلاوة ~~والعلم والأدب؛ فإنهم يضطرونك بحدة أذهانهم وشدة تمييزهم، وانتقادهم إلى الاستقصاء على ~~نفسك في مكاتبتهم. # واستغنينا عن الترتيب للتجار والسوقة والعوام رتبة لاستغنائهم بتجارتهم عن هذه ~~الآلات، واشتغالهم بمهماتهم عن هذه الأدوات، ولكل طبقة من هذه الطبقات معان ~~ومذاهب يجب عليك أن تراعيها في مراسلتك إليهم في كتبك، وتزن كلامك في مخاطبتهم ~~بميزانه وتعطيه قسمه وتوفيه نصيبه؛ فإنك متى أضعت ذلك لم آمن بك أن تعدل بهم غير ~~طريقهم، وتجري شعاع بلاغتك في غير مجراه، وتنظم جوهر كلامك في غير سلكه، فلا يفيد ~~المعنى الجزل ما لم تلبسه لفظا جزلا لائقا بمن كاتبته، ومشابها لمن ~~راسلته. # وإن إلباسك المعنى وإن شرف وصلح لفظا مختلفا عن قدر المكتوب إليه، لم ~~تجر به عادتهم؛ تهجين للمعنى وإخلال بقدره، وظلم لحق المكتوب إليه ونقص مما يجب ~~له، كما أن في امتناع تعارفهم وما انتشرت به عاداتهم، وجرت به سننهم؛ وضعا ~~لقدرهم، وخروجا من حقوقهم، وبلوغا إلى غير غاية مرادهم وإسقاطا لحجة أدبهم، ضمن ~~الألفاظ المرغوب عنها، والصدور المستوحش منها في كتب السادات والأمراء والملوك على ~~اتفاق المعاني، مثل أبقاك الله طويلا وعمرك مليا، وإن كنا نعلم أنه لا ~~فرقان بين قولهم: أطال الله بقاءك، وبين قولهم: أبقاك الله طويلا، ولكنهم جعلوا هذا ~~أرجح وزنا وأنبه قدرا في مخاطبة الملوك، ms130 كما أنهم جعلوا أكرمك الله وأبقاك ~~أحسن منزلة في كتب الظرفاء والأدباء من جعلت فداك على اشتراك معناه، واحتماله أن ~~يكون فداء من الخير، كما يكون فداء له من الشر. ولولا أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال لسعد ~~بن أبي وقاص: «فداك أبي وأمي» لكرهت أن يكتب بها أحد، على أن كتاب العسكر وعوامهم ~~قد أولعوا بهذه اللفظة، حتى استعملوها في جميع محاوراتهم وجعلوها هجيراهم في ~~مخاطبة الشريف والوضيع والصغير والكبير؛ ولذلك قال محمود الوراق: # كل من حل سر من را من النا # س وممن يصاحب الأملاكا # لو رأى الكلب ماثلا في طريق # قال للكلب يا جعلت فداكا # وكذلك لم يجيزوا أن يكتبوا بمثل أبقاك الله، وأمتع بك إلا إلى الحرمة ~~والأهل والتابع والمنقطع إليك، وأما في كتب الإخوان فغير جائز، بل ~~مذموم مرغوب عنه؛ ولذلك كتب عبد الله بن طاهر إلى محمد بن عبد الملك ~~الزيات: # أحلت عما عهدت من أدبك # أم نلت ملكا فتهت في كتبك # أم هل ترى أن في التواضع للإخ # وان نقصا عليك في حسبك # أتعبت كفيك في مكاتبتي # حسبك مما يزيد في تعبك # إن جفاء كتاب ذي أدب # لا يكتب في صدره وأمتع بك # فكتب إليه محمد بن عبد الملك: # أنكرت شيئا فلست فاعله # فلن تراه يخط في كتبك # فاعف فدتك النفوس عن رجل # يعيش حتى الممات في أدبك # كيف أخون الإخاء يا أملي # وكل شيء أنال من سببك # إن يك جهلا أتاك من قبلي # فعد بفضل علي في أدبك # وأما صدور السلف؛ فإنما كانت من فلان بن فلان إلى فلان، كذلك جرت كتب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إلى العلاء بن الحضرمي وإلى أفيال اليمن وإلى كسرى وقيصر، وكتب أصحابه ~~والتابعين كذلك حتى استخلص الكتاب هذه المحادثات من بدائع الصدور، واستنبطوا لطيف ~~الكلام ورتبوا لكل رتبة وجروا على تلك السنة الماضية إلى عصرنا هذا في كتب ~~الخلفاء والأمراء، وثبتوا على ذلك المنهاج في كتب الفتوحات والأمانات والسجلات، ولكل ~~مكتوب إليه ms131 قدر، ووزن ينبغي للكاتب ألا يتجاوز به عنه ولا يقصر به دونه، وقد ~~رأيتهم عابوا الأحوص حين خاطب الملوك بمخاطبة العوام في قوله: # وأراك تفعل ما تقول وبعضهم # مذق الحديث يقول ما لا يفعل # فهذا معنى صحيح في المدح، ولكنهم أجلوا أقدار الملوك أن يمدحوا بما يمدح به ~~العوام؛ لأن صدق الحديث وإنجاز الوعد، وإن كان مدحا فهو واجب على كل، والملوك لا ~~يمدحون بالفروض الواجبة، وإنما يحسن مدحهم بالنوافل؛ لأن المادح لو قال لبعض الملوك: ~~إنك لا تزني بحليلة جارك، وإنك لا تخون ما استودعت، وأنك تصدق في وعدك وتفي بعهدك؛ ~~كان قد أثنى بما يجب، ولكنه لم يصل بثنائه إلى مقصده. وقال: ما لا يستحسن مثله في ~~الملوك. # ونحن نعلم أن كل أمير تولى من أمور المؤمنين شيئا، فهو أمير المؤمنين ~~غير أنهم لم يطلقوا هذه اللفظة إلا للخلفاء خاصة، ونعلم أن الكيس هو العقل ~~إذا عنوا به ضد الحمق، ولكنك لو وصفت رجلا فقلت: إن فلانا لعاقل كنت قد مدحته ~~عند الناس. ولو قلت: إنه كيس كنت قد قصرت في وصفه وقصرت به عن قدره إلا عند أهل العلم ~~باللغة؛ لأن العامة لا تلتفت إلى معنى الكلمة إلا إلى حيث جرت منها العادة في ~~استعمالها في الظاهر مع الحداثة والعزة وخساسة القدر وصغر السن، فقد روينا عن علي - رضي ~~الله عنه - أنه تبجح بالكيس حين بنى الكوفة. وقال: # أما تراني كيسا مكيسا # بنيت بعد نافع مخيسا # حصنا حصينا وأميرا كيسا # وقال آخر: ما يصنع الأحمق المرزوق بالكيس، ونعلم أن الصلاة: رحمة ~~غير أنهم قد حرموها إلا على الأنبياء، كذلك روي عن ابن عباس - رضي ~~الله عنهما - وسمع سعد بن أبي وقاص أخا له يلبي ويقول: يا ذا المعارج، ~~فقال: نحن نعلم أنه ذو المعارج، ولكن ليس كذلك كنا نلبي على عهد رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # إنما كنا نقول: لبيك اللهم لبيك. وكان أبو إبراهيم المزني قال في ~~بعض ما طالب به داود بن علي خلف ms132 الأصبهاني فقال: وإن قال كذا فقد خرج من ~~الملة، والحمد لله، فانتقد عليه ذلك داود وقال: تحمد الله على أن يخرج مسلم من ~~الإسلام؟! هذا موضع استرجاع، وللحمد مكان يليق به، ونحن نقول على المصيبة: # إنا لله وإنا إليه راجعون ~~(البقرة: ~~156). # فامتثل هذه الرسوم والمذاهب واجر على آدابهم، فلكل رسوم امتثلوها، وتحفظ في ~~صدور كتبك وفصولها وافتتاحها وخاتمتها، وضع كل معنى في موضع يليق به، وتخير ~~لكل لفظة معنى يشاكلها، وليكن ما تختم به فصولك في موضع ذكر الشكوى بمثل: ~~والله المستعان، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وفي موضع ذكر البلوى، نسأل الله دفع ~~المحذور، ونسأل الله صرف السوء، وفي موضع المصيبة بمثل: # إنا لله وإنا إليه راجعون ~~، وفي موضع ذكر النعم بمثل: والحمد ~~لله خالصا والشكر لله واجبا؛ فإنها مواضع ينبغي للكاتب تفقدها؛ فإنما يكون ~~كاتبا إذا وضع كل معنى في موضعه، وعلق كل لفظة على طبقتها من المعنى، ~~فلا يجعل أول ما ينبغي له أن يكتب آخر كتابه في أوله، ولا أوله في آخره؛ فإني سمعت ~~جعفر بن محمد الكاتب يقول: لا ينبغي للكاتب أن يكون كاتبا، حتى لا يستطيع أحد أن ~~يؤخر أول كتابه ولا يقدم آخره. # واعلم أنه لا يجوز في الرسائل ما أتى في آي القرآن من الإيصال، والحذف ~~ومخاطبة الخاص بالعام، والعام بالخاص؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - إنما خاطب ~~بالقرآن أقواما فصحاء فهموا عنه - جل ثناؤه - أمره ونهيه ومراده، ~~والرسائل إنما يخاطب بها قوم دخلاء على اللغة لا علم لهم بلسان العرب، وكذلك ~~ينبغي للكاتب أن يتجنب اللفظ المشترك والمعنى الملتبس؛ فإنه إن ذهب على مثل قوله تعالى: # واسأل القرية ~~(يوسف: 82)، واسأل العير، ~~و # بل مكر الليل والنهار ~~(سبأ: 33)، احتاج ~~أن يبين بل مكركم بالليل والنهار، ومثله في القرآن كثير. # ولا يجوز في الرسائل ما يجوز في الشعر؛ لأن الشعر موضع اضطرار، ~~فاغتفروا فيه الإغراب وسوء النظم والتقديم والتأخير، والإضمار في موضع الإظهار، فمن ~~الحذف قول الحطيئة: من صنع سلام؛ يريد سليمان بن داود. # وكقول ms133 الآخر: والشيخ عثمان أبو عفان. # وكقول الآخر: # وسائلة بثعلبة بن سير # وقد علقت بثعلبة العلوق # أراد ابن سيار، وكقول النابغة: ونسج سليم كل قضاء زائل. يريد سليمان، ~~وكذلك ينبغي في الرسائل ألا يصغر الاسم موضع التعظيم، وإن كان ذلك جائزا على مثل ~~قولهم: دويهية وجذيل وعذيق، ومما لا يجوز في الرسائل: كلمت إياك وأعني إياك. # وإساءة النظم في التأليف في الشعر كثير، وتكون الكلمة بشعة ~~حتى إذا وضعت موضعها وقرنت مع أخواتها حسن حالها وراقت، كقول الحسن بن هاني: # ذو حضر أفلت من كد القبل # والكد كلمة قلقة؛ لا سيما في الرقيق والغزل والتشبيب، غير أنها لما وقعت في ~~موضعها حسنت، كما أن اللفظة العذبة إذا لم توضع موضعها نفرت، قال: # رأت عارضا جونا فقامت غريرة # بمسحانها قبل الظلام تبادره # فأوقع الجلف الجافي هذه اللفظة غير موقعها وظلمها؛ إذ جعلها في غير ~~مكانها؛ لأن المساحي لا تكون ولا تصلح للغرائر، وأين كان عن قول الشاعر: # غرائر ما حدثن يهدين آنسه # فما فوقه منهن غير غرائر # حديث لو ان العصم تدعى به أتت # ودون يد الفحشاء حد البواتر # فتخير من الألفاظ أرجحها وزنا، وأجزلها معنى، وأليقها في مكانها، ~~وليكن في صدر كتابك دليل واضح على مرادك، وافتتاح كلامك برهان شاهد ~~على مقصدك، حيثما جريت فيه من فنون العلم ونزعت نحوه من مذاهب الخطب ~~والبلاغات؛ فإن ذلك أجزل لمعناك وأحسن لاتساق كلامك، ولا تطيلن صدر كلامك ~~إطالة تخرجه من حده، ولا تقصر به عن حقه. ولو صور اللفظ وكان له حد لوقفتك ~~عليه، غير أنهم في الجملة كرهوا أن يزيدوا سطور كتب الملوك على سطرين، وهذه ~~إشارة لا تعبر إلا عن الجملة من المقصود إليه؛ لأن الأسطر غير محدودة. # واعلم أن أول ما ينبغي لك أن تصلح آلتك التي لا بد لك منها، ~~وأدواتك التي لا تتم صناعتك إلا بها وهي: دواتك، فابدأ بعمارتها وإصلاحها وتخير ~~لها ليقة نقية من الشعر والودج؛ لئلا يخرج على حرف قلمك ما يفسد كتابك، ~~ويشغلك بتنقيته، ms134 وخذ من المداد الفارسي خمسة دراهم، ومن الصمغ العربي درهما، ~~وعفصا مسحوقا نصف درهم، ورماد القرطاس المحرق درهمين، ثم تسحقها وتغربلها ~~وتجمعها ببياض البيض، ثم بندقها واجعلها في الظل، فإذا احتجت إليها أخذت منها مقدار ~~حاجتك، فكسرته وحشوت به دواتك، وإذا نقعته في ماء السلق حتى ينحل ويذوب ويختمر، ثم ~~أمددت من مائه دواتك كان أجود وأنقى، ثم اختر بعد ذلك من أنابيب القلم ~~الذي يصلح لكتابة القراطيس: أقله عقدة، وأكثفه لحما، وأجلبه قشرا، وأعدله ~~استواء، وتجنب الأقلام الفارسية ما استطعت؛ فإنها ما تصلح إلا للكواغد ~~والرقوق. # واجعل لقلمك براية حادة؛ فإن تعثر يد الكاتب وقت قطع القرطاس ناقص مروءته ومخل ~~بظرفه، وإن قدرت ألا تقطع القرطاس، إذا فرغت من كتابك إلا بخرطوم قلمك فافعل؛ فإن ~~ذلك أكمل لمروءتك وأبدع لظرفك وقطعك. # واستعمل لبري القلم سكينا طواويسيا مذلق الحد وميض الطرف، فيكون ذلك ~~عونا لك على بري أقلامك؛ فإن محل القلم من الكاتب محل الرمح من ~~الفارس، ولإن قيل: كأنه الرمح الرديني، فقد قال الكاتب: كأنه القلم البحري. وتفقد ~~الأنبوبة قبل بريكها؛ لئلا تجعلها منكوسة، وأبرها من ناحية نبات القصبة، وأرهف ما ~~قدرت جانبي قلمك؛ ليرد ما انتشر من المداد ولا تطل شقه؛ فإن القلم لا يمج المداد من ~~شقه إلا مقدار ما احتملت شبتاه، فارفع شبتيه ليجمعا لك حواشي تحضيره، وأما ~~قط القلم فعلى قدر القلم الذي يتعاطاه الكاتب من الخط، غير أن المسلسل ~~لا يكاد يتسلسل إلا بالقلم المربع القط، كما أن كتب الملوك والسجلات لا ~~تحسن إلا بالقلم المحرف الكوفي، وأما قلم اللازورد فهو المعتمد عليه، والمقصود إليه ~~في النوائب والمهمات. # ورأيت كثيرا من الكتاب يختارون قلم النرجس لتجعده وتجانسه، ومن ~~اللازورد أبسط منه وأقوم حروفا، وأما الموشع والمولع والمدبج والمنمنم والمسهم، ~~فعلى قدر رشاقة خط الكاتب وحلاوة قلمه، وأما حسن الخط فلا حد له، قال ~~علي بن زيز النصراني الكاتب: أعلمك الخط في كلمة واحدة لا تكتبن حرفا، حتى تستفرغ ~~مجهودك في كتابة الحرف المبدوء به، ms135 وتجعل في نفسك أنك لا تكتب غيره، حتى لا تعجل عنه ~~إلى غيره، وإياك والنقط والشكل في كتابك، إلا أن تمر بالحرف المعضل الذي تعلم أن ~~المكتوب إليه يعجز عن استخراجه، فلأن يشكل علي الحرف أحب إلي من أن يعاب بالنقط ~~والإعجام. وقال المأمون لكتابه: إياي والشونيز في كتبكم، يعني: النقط؛ ولذلك قال ابن ~~هاني: # لم ترض بالإعجام حين كتبته # حتى كتبت السب بالإعراب # ولا تغفل الصلاة على النبي - عليه الصلاة والسلام - فقد قال أبو العيناء: إن بني ~~أمية هم الذين كانوا أمروا كتابهم، فطرحوا ذلك من كتبهم فجرت عادة الكتاب إلى ~~يومنا هذا على ما سنوه، وقد قال - عليه الصلاة والسلام: «لا تجعلوني كقدح الراكب، ولكني ~~اجعلوني في أول الدعاء وأوسطه، وآخره» صلى الله عليه وعلى آله وسلم أولا وأوسط ~~وآخرا. # وأحب أن تجعل بدل الإشارة التراب، فإن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: «أتربوا كتبكم ~~فإنه أنجح للحاجة.» ولا تدع التاريخ؛ فإنه يدل على تحقيق الأخبار وقربها ~~وبعدها، وانظر إلى ما مضى من الشهر وما بقي منه؛ فإن كان الماضي أقل من نصف الشهر ~~قلت لكذا ليلة مضت من شهر كذا، وإن كان الباقي أقل من النصف قلت لكذا أيضا بقيت، وقد ~~قال بعض الكتاب: إن الماضي من الشهر تحصيه والباقي لا تحصيه؛ لأنك لا تدري أيتم ~~الشهر أو ينقص. وليس هذا بشيء؛ لأن تأريخ الكتاب ليس من الأحكام في شيء، وما على الكاتب ~~أن يكتب إلا بما ظهر، وتبين لا بما يظن. # ولا تجعل سحاة كتبك غليظة إلا في العهود والسجلات، التي تحتاج إلى خواتمها وطوابعها؛ ~~فإن محمد بن عيسى الكاتب كاتب آل طاهر، أخبر عنهم: أن عبد الله بن طاهر كتب إلى ~~العراق في أشخاص كاتب كان كتب إليه، فكتب وغلظ سحاة كتابه فرد الكتاب ~~إليه؛ فقدم عليه راجيا لبره وجائزته. فقال عبد الله بن طاهر: إن كان معك مسحاة ~~فاقطع خزم كتابك وانصرف وراءك، وكذلك لا تعظم الطينة؛ ففي المثل من عظم الطينة، ~~فإنه مظلوم، ms136 ولا تطبعها إلا بعد عنواناتها؛ فإن ذلك مراد بهم وقد يجب عليك علم ~~إلصاق القراطيس ومحوها، ولم أر شيئا في إلصاقها ألطف من أن ينقع الصمغ العربي في ~~الماء ساعة حتى يذوب، ثم يلصق به، وكذلك ماء الكثير أو النشاستج، ثم تطويه طيا ~~رقيقا وتجعله في منديل نظيف ويرفع تحت وسادة حتى يجف، وأما محوها فعلى قدر ~~لطف الكاتب وتأنيه، غير أنه ينبغي له ألا يلقط السواد من القرطاس إلا ~~بمثل الشمع المسخن واللبان الممضوغ وما أشبههما، ثم يكون لقطه رويدا رويدا ~~كلما لقط جانبا حوله إلى الجانب الآخر. # وأما قراءة الكتب المختومة والتلطف لنقض خواتيمها فمما لا نذكره خوفا من ~~سفيه. # وأما تضمين الأسرار حتى لا يقرأها غير المكتوب إليه ففيه أدب، وقد تعلقت العامة ~~بالقمي والأصبهاني، فيجب أن يبدل الحروف تبديلا يخفى، وألطف من ذلك أن تأخذ لبنا ~~طيبا فتكتب به في قرطاس، فيذر المكتوب إليه عليه رمادا حارا من رماد القراطيس فإنه ~~يظهر، وإن كتب بماء الزاج وذر عليه العفص المدقوق بجاز أو بماء العفص وذر عليه ~~شيء من الزاج، أو تنقع شيئا من وشق، ثم تكتب به ثم نثرت عليه الرماد؛ فإنه يظهر ~~وإن أحببته لا يقرأ بالنهار ويقرأ بالليل، فاكتبه بمرارة السلحفاة، وإن حاولت صنعة ~~رسالة أو إنشاء كتاب فزن اللفظة قبل أن تخرجها بميزان التصريف إذا عرضت، والكلمة ~~بعياره إذا سنحت، فربما مر بك موضع يكون مخرج الكلام إذا حسب، أنا فاعل أحسن من أنا ~~أفعل، واستفعلت أحلى من فعلت. # وأدر الألفاظ في أماكنها واعرضها على معانيها، وقلبها على جميع وجوهها، حتى تقع ~~موقعها، ولا تجعلها قلقة نافرة؛ فمتى صارت كذلك هجنت الموضع الذي أردت ~~تحسينه، واعلم أن الألفاظ في أماكنها كترقيع الثوب الذي إذا لم تتشابه رقاعه تغير ~~حسنه، قال الشاعر: # إن الجديد إذا ما زيد في خلق # تبين الناس أن الثوب مرقوع # وارتصد لكتابك فراغ قلبك وساعة نشاطك، فتجد ما يمتنع عليك بالكد والتكلف؛ ~~لأن سماحة النفس بمكنونها، وجود الأذهان بمخزونها؛ إنما ms137 هو مع الشهوة ~~المفرطة في الشر والمحبة الغالبة فيه أو الغضب الباعث منه ذلك، قيل ~~لبعضهم: لم لا تقول الشعر، قال: كيف أقوله وأنا لا أغضب ولا أطرب، ~~وهذا كله إن جريت من البلاغة على عرق، وظهرت منها على حظ، فأما إن كانت غير مناسبة ~~لطبعك، ولا واقعة شهوتك عليها، فلا تنض مطيتك في التماسها، ولا ~~تتعب بدنك في ابتغائها، واصرف عنانك عنها، ولا تطمع فيها باستعاراتك ألفاظ ~~الناس وكلامهم؛ فإن ذلك غير مثمر لك ولا مجد عليك، ومن كان مرجعه فيها إلى ~~اغتصاب ألفاظ من تقدم والاستضاءة بكوكب من سبقه، وسحب ذيل حلة غيره، ولم يكن معه ~~أداة تولد له من بنات قلبه ونتائج ذهنه الكلام الحر والمعنى الجزل، فلم يكن من ~~الصناعة في عير ولا نفير. # على أن كلام العظماء المطبوعين ودرس رسائل المتقدمين على كل حال، مما ~~يفتق اللسان ويوسع المنطق ويشحذ الطبع ويستثير كوامنه إن كانت فيه سجية. # قال العتابي: ما رأينا فيما تصرفنا فيه من فنون العلم، وجرينا فيه من ~~صنوف الآداب شيئا أصعب مراما ولا أوعر مسلكا، ولا أدل على نقص الرجال ~~ورجاحتهم، وأصالة الرأي وحسن التمييز منه، واختياره من الصناعة التي خطبتها، ~~والمعنى الذي طلبته وليس شيء أصعب من اختيار الألفاظ وقصدك بها إلى موضعها؛ ~~لأن اللفظة تكون أخت اللفظة وقسيمتها في الفصاحة والحسن ولا يحسن في مكان غيرها، ~~وبتمييز هذه المعاني ومناسبة طبائع جهابذتها ومشاكلة أرواحهم، جعلوا ~~الكتابة نسبا وقرابة، وأوجبوا على أهلها حفظها. # سهل بن وهب: الكتابة نفس واحدة تجزأت في أبدان مفترقة، ومن لم ~~يعرف فضلها وجهل أهلها وتعدى بهم رتبتهم، التي وصفهم الله بها، ~~فإنه ليس من الإنسانية في شيء. # قالت البرامكة: رسائل المرء في كتبه دليل على عقله وشاهد على غيبه، قال ~~الشاعر: # وتنكر ود المرء في لحظ عينه # وتعرف عقل المرء حين تكاتبه # آخر: # وشعر الفتى يبدي غريزة طبعه # وبالكتب يبدو عقله وبلاغته # الشعبي: يعرف عقل الرجل إذا كتب وأجاب. # العتبي: عقول الناس مدونة في كتبهم. ابن ms138 المقفع: كلام الرجل ~~وافد عقله. # وشبهت الحكماء المعاني بالغواني والألفاظ بالمعارض، فإذا كسا ~~الكاتب البليغ المعنى الجزل لفظا رائقا، وأعاره مخرجا سهلا؛ كان للقلب ~~أحلى وللصدر أملى، ولكنه بقي عليه أن ينظمه في سلكه مع شقائقه كاللؤلؤ المنثور الذي ~~يتولى نظمه الحاذق، والجوهري العالم يظهر بإحكام الصنعة له حسنا هو فيه، ومنحه ~~بهجة هي له، كما أن الجاهل إذا وضع بين الجوهرتين خرزة هجن نظمه وأطفأ ~~نوره، كان حبيب بن أوس ربما وقع على جوهرة، فجعلها بين بعرتين. قال ~~الشاعر: # ولو قرنت بدر فاخر خرزا # من الزجاج لقلنا بئسما نظما # والياقوت حسن، وهو في جيد الحسناء أحسن، وكذلك الشعر الجيد مونق، ولكنه من أفواه ~~العظماء آنق، والتاج الشريف بهي المنظر، وهو على الملك أبهى، كما قال ابن الرقيات: ~~«يعتدل التاج فوق مفرقه.» # قال أبو العتاهية لابن مناذر بلغني أنك تقول الشعر في الدهر والقصيدة في الشهر. فقال: ~~نعم لو رضيت لنفسي أن أؤلف تأليفك وأقول: يا عتب يا درة الغواص؛ لقلت ~~في اليوم والليلة ألف قصيدة. # وقال عمر بن لجأ لشاعر: أنا أشعر منك، قال: ولم؟ قال: لأنك تقول البيت وابن ~~عمه وأنا أقول البيت وأخاه. # فإن منيت بحب الكتابة وصناعتها والبلاغة وتأليفها، وجاش صدرك ~~بشعر معقود أو دعتك نفسك إلى تأليف الكلام المنثور، وتهيأ لك نظم هو ~~عندك معتدل وكلام لديك متسق، فلا تدعونك الثقة بنفسك والعجب ~~بتأليفك، أن تهجم به على أهل الصناعة؛ فإنك تنظر إلى تأليفك بعين الوالد ~~لولده، والعاشق إلى عشيقه كما قال حبيب: # ويسيء بالإحسان ظنا لا كمن # هو بابنه وبشعره مفتون # ولكن أعرضه على البلغاء والشعراء والخطباء ممزوجا بغيره؛ فإن أصغوا إليه وأذنوا ~~له وشخصوا بالأبصار واستعادوه وطلبوه منك وامتزج، فاكشف من تلك الرسالة والخطبة ~~والشعر اسمه وانسبه إلى نفسك، وإن رأيت عنه العيون منصرفة والقلوب ~~عنه واهية؛ فاستدل به على تخلفك عن الصناعة وتقاصرك عنها، واسترب رأيك عند ~~رأي غيرك من أهل الأدب والبلاغة: فقد بلغني أن بعض الملوك دعا إنسانا إلى ~~مؤانسته ms139 حتى ارتفعت الحشمة بينهما، فأخرج له كتابا قد غشاه بالجلود، وجمع ~~أطرافه بالإبريسم وسوى ورقه وزخرف كتابته، وجعل يقرأ عليه كلاما قد ~~حبره فيه ونمقه عند نفسه، وجعل يستحسن ما لا يحسن، ويقف على ما لا يستثقل ~~قراءته، حتى أتى على الكتاب. فقال له: كيف رأيت ما قرأت عليك؟! فقال: أرى عقل ~~صانع هذا الكلام أكثر من كلامه، ففطن له ولم يعاوده، إلى أن وقف به على ~~تنور مسجور، ثم قذف بالكتاب في النار، وهذا رجل في عقله فضل، وفيه تمييز. # وإنما البلية فيمن إذا بينت له سوء نظمه واختياره، ووقفته على سخافة لفظه؛ هجرك ~~وعاداك، فاجعل هذا الأصل ميزانا تزن به مذهبك في رسائلك وبلاغتك، ولا ~~تخاطبن خاصا بكلام عام ولا عاما بكلام خاص، فمتى خاطبت أحدا بغير ~~ما يشاكله، فقد أجريت الكلام غير مجراه وكشفته، وقصدك بالكلام الشريف للرجل ~~الشريف، تنبيه لقدر كلامك ورفع لدرجته قال: # فلم أمدحك تفخيما لشعري # ولكني مدحت بك المديحا # فلا تخرجن كلمة حتى تزنها بميزانها، فتعرف تمامها ونظامها ومواردها ومصادرها، وتجنب ~~- ما قدرت - الألفاظ الوحشية، وارتفع عن الألفاظ السخيفة، واقتضب كلاما بين ~~الكلامين. # الجاحظ: ما رأيت قوما أمثل طريقة في البلاغة من هؤلاء الكتاب؛ فإنهم ~~التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعرا وحشيا ولا ساقطا سوقيا. # وقال خالد بن صفوان: أبلغ الكلام ما لا يحتاج إلى كلام، وأحسنه ما لم يكن ~~بالبدوي المغرب، ولا القروي المخدج، الذي صحت مبانيه، وحسنت معانيه، ودار على ~~ألسن القائلين، وخف على آذان السامعين، ويزداد حسنا على ممر السنين بتجلية ~~الرواة، وتنقية السراة، والكاتب المستحق اسم الكتابة والبليغ المحكوم له بالبلاغة؛ ~~من إذا حاول صنعة كتاب سالت على قلمه عيون الكلام من ينابيعها، وظهرت ~~من معادنها، وتدرب من مواطنها عن غير استكراه ولا اغتصاب. # حدثنا صديق للعتابي قال له: اعمل لي رسالة واستمده مرة بعد أخرى. فقال له: ~~ما أرى بلاغتك إلا شاردة! فقال له العتابي: لما تناولت القلم تداعت علي ~~المعاني من كل جهة فأحببت أن أترك ms140 كل معنى يرجع إلى موضعه ثم أجتبي لك أحسنها. # أملى يزيد بن عبد الله أخو دينار على كاتب له، وأعجل عليه الإملاك، فتعثر قلم ~~الكاتب عن تقييد إملاله، فقال متحرشا: اكتب يا حمار. فقال الكاتب: ~~أصلح الله الأمير إنه لما هطلت شآبيب الكلام، وتدافقت سيوله على حرف القلم كل ~~القلم عن إدراك ما وجب عليه تقييده، فليتذكر الأمير عذري، فكان جوابه أبلغ ~~من بلاغة يزيد، وكلما احلولى الكلام وعذب ورق وسهلت مخارجه، كان أسهل ~~ولوجا في الأسماع، وأشد اتصالا بالقلوب وأخف على الأفواه، ولا سيما إذا كان ~~المعنى البديع مترجما للفظ مونق شريف، ومعبرا بكلام مؤلف رشيق لم يشنه التكلف بميسمه، ~~ولم يفسده التعقد باستهلاكه، كقول ابن أبي كريمة: # قفاه وجه حسن والذي # قفاه وجه يشبه الشمسا # فهجن المعنى بتوعر مخارج الحروف، وأخذه الحسن بن هاني فسهله، ~~وقال: # بذ حسن الوجوه حسن قفاكا # وكلاهما من حسان حيث يقول: # قفاؤك أحسن من وجهه # وأمك خير من المنذر # وانظر إلى سلاسة الحسن بن سهل، حيث قال: # شرست بل لنت، بل قابلت ذاك بذا # فأنت لا شك فيك السهل والجبل # وكتب عيسى بن لهيعة كتابا إلى بعضهم، فعقد كلامه وجاز المقدار في التنطع، ~~فوقع له: # أنى يكون بليغا # من اسمه كان عيا # وثالث الحرف منه # إذا كتبت مسيا # ودخل كاتب على مريض فوجده يئن، فخرج من عنده فوجد طائرا يقال له الشفانين بباب ~~الطاق فاشتراه وبعث به إليه، وكتب كتابا يتنطع فيه ويذكر أنه يقال له الشفانين شفاء من ~~الأنين. فأجابه: لو عطست ضبا لم تكن عندي إلا نبطيا، فاقصر عن بغضك وسهل ~~كلامك، ومثله بمخلد الموصلي يهجو حبيب بن أوس الطائي: # أنت عندي عرني # عرني والسلام # شعر ساقيك وفخ # ذيك خزامى وتمام # وقفا تحلف ما إن # أعرقت فيه الكرام # أنا ما ذنبي أن الذ # نبي فيك الأنام # وسألني بعض أهل العلم أن أكتب له قصة إلى جعفر بن عبد الواحد القاضي، ~~وقال: اكتب له قصة سهلة بليغة الألفاظ، فقلت له: دعني أكتب ms141 لك ما يصلح للقضاة، فغضب ~~وقال: ما أسأل أن تعطيني شيئا إنما أسألك هذا المعنى الرخيص. فاحتملت عتبه لذمام، ~~فكتبت له قصة لا تصلح أن تدفع إلا لرؤبة بن العجاج يقرأها، أو الطرماح، فلما حصلت بيد ~~القاضي أراد قراءتها، فإذا هي مغلقة عليه. فقال له: أنت كتبت هذه القصة، قال: نعم، قال: ~~إذن فاقرأها، فذهب ليقرأها، فإذا هي بالسودانية استعجاما عليه. فقال له: أصلح الله ~~القاضي إنما أقرأها في بيتي. فقال له: فاطلب حاجتك إذن في بيتك، فرجع إلي غضبان أسفا ~~يشتم ويؤذي وسألني أن أكتب له قصة على ما أرى، فكتبت له كتابا يشبه أن يكون من مثله ~~إلى القضاة، فقرأها وقضى حاجته، وعلم أنه لم يكتب واحدة منهما. والكتاب إذا لم يكن ~~شبيها بحاجة صاحبه كان أحد الأسباب المانعة، والمعاني كلها ممتثلة والكلام مشبعا، ~~ولكن سياسته صعبة وتأليفه شديد إلا على جهابذته، وفرسانه أمراء الكلام ~~يصرفونه كيف شاءوا، ولا يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه، ولفظه معناه، ويكون ~~اللفظ الأسبق إلى الأسماع من معناه إلى القلوب. # الجاحظ كان لفظه في وزن إشارته، وطبعه في معناه في مطابقة معناه. # ذكر الحسن بن وهب أحمد بن يوسف. فقال: ما كنت أدري ألفظه آنق أم ~~معناه، أو معناه أجزل أم لفظه؟ والمعاني وإن كانت كامنة في الصدور؛ فإنها مصورة فيها ~~ومتصلة بها، وهي كاللآلئ المنظومة في أصدافها، والنار المخبوءة في أحجارها؛ فإن ~~أظهرته من أكنانه وأصدافه تبين حسنه، وإن قدحت النار من مكانها ~~وأحجارها انتفعت بها، وإلا بقيت محجوبة مستورة، وربما يستثار الكامن منها ~~ويستخرج المستتر من جواهرها بقدر حذق المستنبط وصواب حركات المستخرج، وقصد ~~إشارته ولطف مذاهبه، وكذلك ليس كل ناطق ولا كاتب يوضح عن المعنى ~~ولا يصيب إشارته، وكلما كان الكلام أفصح والبيان أوضح، كان أدل على حسن وجه المعنى ~~الخفي بالروح الخفي، واللفظ الظاهر بالجثمان الظاهر، وإذا لم ينهض بالمعنى الشريف ~~لفظ شريف جزل، لم تكن العبارة واضحة ولا النظم متسقا، والدال على المعنى أربعة ~~أصناف: لفظ ms142 وإشارة وعقد وخط ، وذكر أرسطاطاليس خامسا، وهي التي تسمى النصبة، ~~وهي الحالة الدالة التي تقوم مقام تلك الأصناف الأربعة الناطقة بغير ~~لفظ، والمشيرة إليه بغير يد، وذلك ظاهر في خلق السماوات والأرض، وفي كل صامت ~~وناطق، وهي داخلة في جملة هذه المعاني الأربعة وخارجة منها بالحلية، ولكل واحد ~~من هذه الدلائل صورة مخالفة لصورة صاحبتها، وحلية غير مشاكلة لحلية أختها، غير ~~أنها - في الجملة - كاشفة عن أعيان المعاني، وأوضح هذه الدلائل صنفان منها: وهما ~~اللسان والقلم، وكلاهما يترجمان ويدلان على القلب، ويستمليان منه ويؤديان عنه ~~ما لا تؤدي هذه الأصناف الباقية. # وأما اللسان فهو الآلة التي يخرج الإنسان بها من حد الاستبهام إلى حد ~~الإنسانية؛ ولذلك قال صاحب المنطق: حد الإنسان الحي الناطق، وإنما يبين عن الإنسان ~~اللسان وعن المودة العينان، والله - سبحانه - رفع درجة اللسان فأنطقه من ~~بين الجوارح بتوحيده، وما جعل الله من عبر عن شيء، مثل من لم يعبر عنه. # الأعور التيمي: # لسان الفتى نصف ونصف فؤاده # فلم يبق إلا صورة اللحم والدم # وقال آخر: # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما # جعل اللسان على الفؤاد دليلا # الطائي: # ومما كانت الحكماء قالت # لسان المرء من خدم الفؤاد # للخط صورة معروفة، وحلية موصوفة وفضيلة بارعة، ليست لهذه الأوصاف؛ ~~لأنه ينوب عنها في الإيضاح عند المشهد ويفضلها في المغيب، وكفى بفضيلة العلم ~~والخط قول الله - عز وجل: # الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم ~~(العلق: 4، 5)، ~~وأقسم به كما أقسم بغيره ثم أقسم بما يكتبه القلم إفصاحا عن حاله، وإعظاما لشأنه ~~وتنبيها لذكره. فقال: # وما يسطرون ~~(القلم: ~~1). # ومن فضيلة الخط: أنه لسان اليد، ورسول الضمير، ودليل الإرادة، والناطق عن ~~الخواطر، وسفير العقول ووحي الفكر، وسلاح المعرفة، ومحادثة الأخلاء على التنائي، ~~وأنس الإخوان عند الفرقة، ومستودع الأسرار، وديوان الأمور، وترجمان القلوب، والمعبر ~~عن النفوس، والمخبر عن الخواطر، ومورث الآخر مكارم الأول والناقل إليه ~~مآثر الماضي والمخلد له حكمته وعلمه، والمسامر للعين بسر القلب، والمخاطب عن الناصت، ~~والمجادل عن الساكت، والمفصح عن الأبكم، ms143 والمتكلم عن الأخرس الذي تشهد له آثاره ~~بفضائله، وأخباره بمناقبه، وقد وقعت البلاغة من العلم علو القدر، وباذخ العز: كأبي ~~مسلم صاحب الدولة فرقت شمله، وبددت جمعه ونقضت برمه، وأفسدت صلاحه، وضعضعت ~~بنيانه مع ذكائه وتفطنه، ومكايده ودهائه وأصالة رأيه وشدة شكيمته، ~~وامتناعه على أبي جعفر ونفاره عنه، كيف استفزه ابن المقفع وصالح بن عبد القدوس وجبل ~~بن يزيد واستمالوه بسحر ألفاظهم وبلاغة أقلامهم، حتى نزل من باذخ عزه وجاء مبادرا، ~~حتى وقع في الشرك المنصوب له فتفرق جمعه، وانطفأ نوره وصار خبرا سائرا ورسما ~~وأثرا. # ورفع القلم خاشع الطرف، صغير الخطر، لئيم الجنس، درج من عش ~~التجار، ونشأ بين المكيال والميزان، كيف أشالت البلاغة بضبعيه، ورفعت من ناظريه، حتى ~~شافهت به عنان السماء، ورفعت بناءه فوق البناء، حتى طلبه الراكب، وقصده الطالب، ~~وخشعت له الرجال، ولحظته العيون بالوقار، وتمكن من الصنائع، ومدت نحوه ~~الأصابع، فشكرت منه اللفظة، ورجيت منه اللحظة، كمحمد بن عبد اللمك بن الزيات، ~~وفيه يقول علي بن الجهم: # أحسن من عشرين بيتا سدا # جمعك معناهم في بيت # ما أحوج الملك إلى مطرة # تغسل عنه وضر الزيت # فأجابه محمد بن عبد الملك: # رقيت في القول إلى خطة # قدرك فيها قد تعديت # قيرتم الملك فلم ننقه # حتى غسلنا القار بالزيت # ومدحه حبيب بن أوس يمدحه، ويصف قلمه: # لك القلم الأعلى الذي بثباته # تصاب من الأمر الكلى والمفاصل # وكان محمد من ألطف الناس ذهنا، وأرقهم طبعا، وأصدقهم حسا، وأرشقهم ~~قلما، وأملحهم إشارة، إذا قال أصاب، وإذا كتب أبلغ، وإذا أشعر أحسن، وإذا اختصر ~~أغنى عن الإطالة، أمره الواثق أن يتلطف بعبد الله بن طاهر، ويعلمه أنه صرفه ~~عن أمر الجزائر والعواصم، وفوض ذلك لابن عمه إسحاق بن إبراهيم، فكتب أما بعد: فإن ~~أمير المؤمنين رأى أن يخلع ما في يمينك من أمر الجزائر والعواصم فيجعله في شمالك، ~~والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. # سهل بن بركة يهجو أبا نوح النصراني الكاتب. فقال: # بأبي وأمي ضاعت الأحلام # أم ضاعت الأذهان والأفهام ms144 # من صد عن دين النبي محمد # أله بأمر المسلمين قيام # إلا تكن أسيافهم مشهورة # فينا فتلك سيوفهم أقلام # قال عبد الرحمن بن كيسان: استعمال الكلام أجدر بإحضار الذهن عند تصحيح الكتاب من ~~استعمال اللسان على تصحيح الكلام، ولم يختلف في شرف القلم، وإنما اختلف في كيفية ~~البلاغة وماهيتها، وقد مدحها كل قوم بأوضح عبارتهم، وأحسن بيانهم. فقال ~~صاحب اليونانيين: البلاغة تصحيح الأقسام واختيار الكلام. # الرومي: # البلاغة وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الإشارة. # الفارسي: # هي معرفة الفصل من الوصل. # الهندي: # هي البصر بالحجة، والمعرفة بمواضع الفرصة، ثم أن يدع ~~الإفصاح بها إلى الكناية عنها، إذا كان الإفصاح أوعر طريقا، ~~وربما كان الإطراق عنها أبلغ في الدرك وأحق ~~بالظفر. # غيره: # جماع البلاغة التماس حسن الموقع والمعرفة بساعات القول، وقلة الحذق ~~بما التبس من المعاني وغمض، وبما شرد عليك من اللفظ وتعذر، ثم قال: ~~وزين ذلك كله وبهاؤه وحلاوته أن تكون الشمائل معتدلة، والألفاظ ~~موزونة واللهجة نقية؛ فإن جامع ذلك السن والسمت والجمال وطول ~~الصمت، فقد تم كل التمام. # وقيل لهندي: ما البلاغة؟ فأخرج صحيفة مكتوبة عندهم فيها أول البلاغة احتمال آلة ~~البلاغة، وذلك أن يكون البليغ رابط الجأش ساكن الجوارح، قليل اللحظ متخير اللفظ، لا ~~يكلم سيد الأمة بكلام الأمة، ولا الملوك بكلام السوقة، ويكون في قواه فضل ~~للتصرف في كل طبقة، ولا يدقق المعاني كل التدقيق، ولا ينقح الألفاظ كل التنقيح، ~~ويصعبها كل التصعبة، ويهذبها غاية التهذيب، ولا يكون كذلك حتى يصادف فيلسوفا حكيما ~~عليما، ومن قد تعود حذف فضل الكلام، وأسقط مشترك اللفظ. # أنوشروان لبزرجمهر: متي يكون العيي بليغا؟ فقال: إذا وصف ~~بليغا. # أرسطاطاليس: البلاغة حسن الاستعارة. # بشر بن خالد: البلاغة التقرب من المعنى البعيد، والتباعد عن خسيس الكلام، والدلالة ~~بالقليل على الكثير. # خالد بن صفوان: ليس البلاغة بخفة اللسان، ولا بكثرة الهذيان، ولكنها إصابة ~~المعنى، والقرع بالحجة. # عمر بن عبد العزيز: البليغ من إذا وجد كثيرا ملأه، وإذا وجد قليلا كفاه، ~~ابن عتبة: البلاغة دنو المآخذ وقرع الحجة والاستغناء ms145 بالقليل عن الكثير . بعضهم: إني ~~لأكره للإنسان أن يكون مقدار لسانه فاضلا عن مقدار عقله، كما أكره أن يكون مقدار ~~عقله فاضلا عن مقدار لسانه وعلمه، يكفي من حظ البلاغة ألا يؤتى السامع من سوء إفهام ~~الناطق، ولا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع. # عمرو بن عبيد ما البلاغة؟ فقال: ما بلغك الجنة وعدل بك عن النار، وما بصرك ~~بمواقع رشدك وعواقب غيك. فقال السائل: ليس هذا أريد. فقال: من لم يحسن أن يسكت ~~لم يحسن أن يسمع، ومن لم يحسن الاستماع لم يحسن القول، قال: ليس هذا أريد. قال النبي - ~~عليه الصلاة والسلام: إنا معاشر الأنبياء بكاؤون. وكانوا يكرهون أن يزيد منطق ~~الرجل على عقله. فقال له السائل: ليس هذا أريد، قال: كانوا يخافون من فتنة السكوت ~~وسقطات الصمت. فقال: ليس هذا أريد. فقال: فكأنك إنما تريد تخير اللفظ في حسن ~~إفهام؟! إنك أردت تقرير حجة الله في عقول المكلفين، وتخفيف المؤنة عن المستمعين، وتزيين ~~تلك المعاني في قلوب المريدين بالألفاظ المستحسنة في الآذان المقبولة عند الأذهان، رغبة ~~في سرعة استجابتهم، ونفي الشواغل عن قلوبهم بالموعظة الحسنة على الكتاب والسنة، كنت ~~قد أوتيت فصل الخطاب، واستوجبت من الله - سبحانه - جزيل الثواب. # الخليل بن أحمد: كل ما أدى إلى قضاء الحاجة فهو بلاغة، فإن ~~استطعت أن يكون لفظك لمعناك طبقا، ولتلك الحال وفقا، وآخر كلامك لأوله ~~مشابها وموارده لمصادره موازنا فافعل، واحرص أن تكون لكلامك متهما وإن ظرف، ~~ولنظامك مستريبا وإن لطف بمواتاة آلتك لك، وتصرف إرادتك معك، فافعل، إن شاء ~~الله. # وهذه الرسالة عذراء؛ لأنها بكر معان لم تفترعها بلاغة الناطقين، ولا لمستها أكف ~~المفوهين، ولا غاصت عليها فطن المتكلمين، ولا سبق إلى ألفاظها أذهان الناطقين، فاجعلها ~~مثالا بين عينيك ومصورة بين يديك، ومسامرة لك في ليلك ونهارك تهطل عليك شآبيب ~~منافعها، ويظلك منها بركاتها وتوردك مناهل بلاغاتها، وتدل على مهيع رشدها ~~وتصدرك، وقد نقع ظمؤك بينابيع بحر إحسانها إن شاء الله - عز وجل - والحمد لله ~~وحده، وصلى الله ms146 على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # القسم الرابع # | رسالة ابن القارح إلى أبي العلاء المعري # | توطئة للناشر # ظفرنا بهذه الرسالة في خزانة كتب أستاذنا الشيخ طاهر الجزائري، كتبه أبو حسن علي ~~بن منصور الحلبي المعروف بابن القارح إلى أبي العلاء المعري، فأجاب عنها هذا في ~~رسالة خاصة سماها رسالة الغفران طبعت بمصر (سنة 1321ه/1903م) في مطبعة ~~هندية، أما ابن القارح وكان يلقب بدوخلة، فكان شيخا من أهل الأدب راوية للأخبار ~~حافظا لقطعة كبيرة من اللغة والأشعار قئوما بالنحو. وكان ممن خدم أبا علي الفارسي ~~في داره وهو صبي، ثم لازمه وقرأ عليه وكانت معيشته التعليم بالشام ومصر. # قال ابن عبد الرحيم: وشعره يجري مجرى شعر المعلمين قليل الحلاوة خال من الطلاوة، ~~وكان آخر عهدي به بتكريت في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة؛ فإنا كنا مقيمين بها واجتاز بنا ~~وأقام عندنا مدة، ثم توجه إلى الموصل فبلغتني وفاته من بعد. وكان يذكر أن ~~مولده بحلب سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة. قال ياقوت: وعلي بن منصور هذا يعرف بابن ~~القارح، وهو الذي كتب إلى أبي العلاء المعري الرسالة المعروفة برسالة ابن القارح، ~~فأجابه أبو العلاء برسالة الغفران، وذكر اسمه فيها. # | رسالة ابن القارح إلى أبي العلاء المعري # بسم الله الرحمن الرحيم # استفتاحا باسمه، واستنجاحا ببركته، والحمد لله المبتدي بالنعم المنفرد بالقدم، ~~الذي جل عن شبه المخلوفين، وصفات المحدثين، ولي الحسنات، المبرأ من السيئات، ~~العادل في أفعاله، الصادق في أقواله، خالق الخلق ومبديه، ومبقيه ما شاء ~~ومفنيه، وصلواته على محمد وأبرار عترته وأهليه صلاة ترضيه، وتقربه وتدنيه ~~وتزلفه وتحظيه. # كتابي - أطال الله بقاء مولاي الشيخ الجليل ومد مدته، وأدام كفايته ~~وسعادته وجعلني فداءه وقدمني قبله - على الصحة والحقيقة، وبعد القصد والعقيدة ~~وليس على مجاز اللفظ ومجرى الكتابة، ولا على تنقص وخلابة وتحبب ومسامحة، ولا ~~كما قال بعضهم - وقد عاد صديقا له: كيف تجدك، جعلني الله فداك، وهو يقصد تحببا ~~ويريد تملقا ويظن أنه قد أسدى جميلا يشكره صاحبه إن نهض واستقل، ~~ويكافئه عليه إن ms147 أفاق وأبل عن سلامة تمامها بحضور حضرته وعافية نظامها بالتشرف ~~بشريف عزته، وميمون نقيبته وطلعته، ويعلم الله الكريم - تقدست أسماؤه - أني لو حننت ~~إليه، أدام الله تأييده حنين الواله إلى بكرها، وذات الفرخ إلى وكرها، أو الحمامة إلى ~~إلفها، أو الغزالة إلى خشفها؛ لكان ذلك مما تغيره الليالي والأيام، والعصور والأعوام، ~~لكنه حنين الظمآن إلى الماء، والخائف إلى الأمن والسليم إلى السلامة، والغريق إلى ~~النجاة، والقلق إلى السكون، بل حنين نفسه النفيسة إلى الحمد والمجد؛ فإني رأيت ~~نزاعها إليهما نزاع الأسطقسات إلى عناصرها، والأركان إلى جواهرها؛ فإن وهب ~~الله لي مليا من العمر يؤنسني برؤيته، ويعلقني بحبل مودته، مرت كساري الليل ~~ألقى عصاه، وأحمد مسراه، وقر عينا، ونعم بالا. وكان كمن لم يمسه سوء ولم ~~يتخوفه عدو، ولا نهكه رواح ولا غدو، وعسى الله أن يمن بذلك بيومه، أو بثانيه وبه ~~الثقة. # وأنا أسأل الله على التداني والنوى والبعاد إمتاعه بالفضل الذي استعلى على عاتقه ~~وغاربه، واستولى على مشارقه ومغاربه، فمن مر على بحره الهياج، ونظر في لآلئ ~~بدره الوهاج؛ خليق بأن يكبو قلمه بأنامله وينبو طبعه عن رسائله إلا أن يلقي ~~إليه بالمقاليد، أو يستوهبه إقليدا من الأقاليد، فيكون منسوبا إليه، ومحسوبا عليه، ~~ونازلا في شعبه، وأحد أصحابه وحزبه، وشرارة ناره، وقراضة ديناره، وسمك بحره، وثمد ~~غمره، وهيهات ضاق فتر عن مسير. # ليس التكحل في العينين كالكحل، خلقوا أسخياء لا متساخين وليس السخي من يتساخى، ~~لا سيما وأخلاق النفس تلزمها لزوم الألوان للأبدان، لا يقدر الأبيض على السواد، ~~ولا الأسود على البياض، ولا الشجاع على الجبن، ولا الجبان على الشجاعة، قال أبو بكر ~~العرزمي: # يفر جبان القوم عن أم رأسه # ويحمي شجاع القوم من لا يناسبه # ويرزق معروف الجواد عدوه # ويحرم معروف البخيل أقاربه # ومن لا يكف الجهل عمن يوده # فسوف يكف الجهل عمن يواثبه # ومن أين للضباب صوب السحاب، وللغراب هوى العقاب؟! وكيف وقد أصبح ذكره في ~~مواسم الذكر آذانا، وعلى معالم الشكر لسانا، فمن دافع العيان، وكابر ms148 الإنس ~~والجان، واستبد بالإفك والبهتان؛ كان كمن صالب بوقاحته الحجر، وحاسن بقباحته ~~القمر، وهذى وهذر، وتعاطى فعقر. وكان كمحموم بلسم فعفر، ونادى على نفسه بالنقص في ~~البدو والحضر. وكان كما قال من يعنيه، ولا يشك فيه: # كناطح صخرة يوما ليفلقها # فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل # وروي أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وزاده شرفا لديه قال: «لعن الله ذا الوجهين، لعن الله ~~ذا اللسانين، لعن الله كل شقار، لعن الله كل قتات.» # وردت حلب ظاهرها - حماها الله تعالى وحرسها - بعد أن منيت بربضها ~~بالدرخمين وأم حبوكرى والفتكرين، بل رميت بآبدة الآباد والداهية ~~الناد، فلما دخلتها بعد ولم تستقر بي الدار، وقد نكرتها لفقدان معرفة ~~وجار وأنشدتها باكيا: # إذا زرت أرضا بعد طول اجتنابها # فقدت حبيبا والبلاد كما هيا # كان أبو القطران المرار بن سعيد الفقعسي يهوى ابنة عمه بنجد، واسمها ~~وحشية فاهتداها رجل شامي إلى بلده، فغمه بعدها وساءه فراقها. فقال من قصيدة: # إذا تركت وحشية النجد لم يكن # لعينيك مما تبكيان طبيب # رأى نظرة منها فلم يملك البكا # معاوز يربو تحتهن كثيب # وكانت رياح الشام تكره مرة # فقد جعلت تلك الرياح تطيب # فحصلت من الرباح على الرياح، كما حصل لأبي القطران من وحشية ثم وثم وثم وثم أجرى ~~ذكره أدام الله تأييده من غير سبب جره، وغير مقتض اقتضاه. فقال الشيخ بالنحو أعلم ~~من سيبويه وباللغة والعروض من الخليل، فقلت - والمجلس يأزر بلغني أنه - أدام الله ~~تأييده - يصغر كبيره ويتزر صغيره، فيصير تصغيره تكبيرا وتحقيره تكثيرا، وهكذا شاهدت ~~من شاهدت من العلماء - رحمهم الله أجمعين وجعله وارث أطول أعمارهم وأمدها وأنضرها ~~وأرغدها - وما ثم له حاجة دعت إلى هذا قد تفتح النور، وتوضح النور وأضاء الصبح لذي ~~عينين. # كان أبو الفرج الزهرجي كاتب حضرة نصر الدولة - أدام الله حراسته - كتب رسالة ~~إلي أعطانيها ورسالة إليه - أدام الله تأييده - استودعنيها وسألني إيصالها إلى جليل ~~حضرته، وأكون نافثها لا باعثها ومعجلها لا مؤجلها، فسرق عديلي رحلا لي ~~الرسالة فيه، فكتبت ms149 هذه الرسالة أشكو أموري وأبث شقوري وأطلعه طلع عجري وبجري، ~~وما لقيت في سفري من أقوام يدعون العلم والأدب، والأدب أدب النفس لا أدب الدرس، وهم ~~أصفار منهما جميعا، ولهم تصحيفات كنت إذا رددتها عليهم نسبوا التصحيف إلي، وصاروا ~~إلبا علي، لقيت أبا الفرج الزهرجي بآمد ومعه خزانة كتبه فعرضها علي، فقلت: كتبك ~~هذه يهودية قد برئت من الشريعة الحنيفية، فأظهر من ذلك إعظاما وإنكارا، فقلت له: ~~أنت على المجرب ومثلي لا يهرف بما لا يعرف، وأبلغ تيقن فقرأ هو وولده. وقال: ~~صغر الخبر الخبر وكتب إلي رسالة يقرظني فيها بطبع له كريم وخلق غير ذميم، ~~قال المتنبي: # أذم إلى هذا الزمان أهيله # صغرهم تصغير تحقير غير تكبير، وتقليل غير تكثير، فنفث مصدورا وأظهر ضمير ~~مستورا وهو سائغ في مجال الشعر، وقائله غير ممنوع من النظم والنثر، ولكنه وضعه غير ~~موضعه وخاطب به غير مستحقه وما يستحق زمان ساعده بلقاء سيف الدولة أن يطلق على أهله ~~الذم، وكيف وهو القائل يخاطبه: # أسير إلى إقطاعه في ثيابه # على طرفه من داره بجسامه # وقد كان من حقه أن يجعلهم في خفارته؛ إذ كانوا منسوبين إليه ومحسوبين عليه، ولا ~~يجب أن يشكو عاقلا ناطقا إلى غير عاقل ولا ناطق؛ إذ الزمان حركات الفلك إلا أن يكون ~~ممن يعتقد أن الأفلاك تعقل وتعلم وتفهم وتدري بمواقع أفعالها بقصود وإرادات، ويحمله ~~هذا الاعتقاد على أن يقرب لها القرابين ويدخن الدخن فيكون مناقضا ~~لقوله: # فتبا لدين عبيد النجوم # ومن يدعي أنها تعقل # أو يكون كما قال تعالى في كتابه الكريم: # مذبذبين بين ~~ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ~~(النساء: 143) ويوشك أن ~~تكون هذه صفته. # حكى القطربلي وابن أبي الأزهر في تأريخ اجتمعا على تصنيفه، وأهل بغداد وأهل ~~مصر يزعمون أنه لم يصنف في معناه مثله، لصغر حجمه وكبر علمه يحكيان فيه أن ~~المتنبي أخرج ببغداد من الحبس إلى مجلس أبي الحسن علي بن عيس الوزير - رحمه الله - فقال ~~له: أنت أحمد المتنبي. فقال: أنا أحمد ms150 النبي وكشف عن بطنه فأراه سلعة فيه. وقال: هذا ~~طابع نبوتي وعلامة رسالتي، فأمر بقلع جمشكه وصفعه به خمسين، وأعاده إلى محبسه، ~~ويقول لسيف الدولة: # وتغضبون على من نال رفدكم # حتى يعاقبه التنغيص والمنن # كذب والله؛ لقد كان يتحرش بالمكارم ويتحكك بها، ويحسد عليها أن تكون إلا منه وبه، ~~وهذا غير قادح في طلاوة شعره ورونق ديباجته، ولكني أغتاظ على الزنادقة والملحدين الذين ~~يتلاعبون بالدين ويرومون إدخال الشبه والشكوك على المسلمين، ويستعذبون القدح في نبوة ~~النبيين - صلوات الله عليهم أجمعين - ويتطرفون ويبتذئون إعجابا بذلك ~~المذهب: # تيه مغن وظرف زنديق # وقتل المهدي بشارا على الزندقة ولما شهر بها وخاف دافع عن نفسه بقوله: # يا ابن نهيا رأسي علي ثقيل # واحتمال الرأسين عبء ثقيل # فادع غيري إلى عبادة ربي # ن فإني بواحد مشغول # وأحضر صالح بن عبد القدوس وأحضر النطع والسياف. فقال: علام تقتلني؟ قال: على ~~قولك: # رب سر كتمته فكأني # أخرس أو ثنى لساني عقل # ولو اني أظهرت للناس ديني # لم يكن لي في غير حبسي أكل # يا عدو الله وعدو نفسه: # الستر دون الفاحشات ولا # يلقاك دون الخير من ستر # فقال: قد كنت زنديقا، وقد تبت عن الزندقة، قال: كيف وأنت القائل: # والشيخ لا يترك عاداته # حتى يوارى في ثرى رمسه # إذا ارعوى عاد إلى غيه # كذي الضنى عاد إلى نكسه # وأخذ غفلته السياف، فإذا رأسه يتدهدأ على النطع، وظهر في أيامه في بلد خلف بخارى ~~وراء النهر رجل قصار أعور، عمل له وجها من ذهب، وخوطب برب العزة وعمل لهم قمرا فوق ~~جبل ارتفاعه فراسخ فأنفذ المهدي إليه، فأحيط به وبقلعته فحرق كل شيء فيها وجمع ~~كل من في البلد وسقاهم شرابا مسموما، فماتوا بأجمعهم، وشرب فلحق بهم وعجل الله بروحه ~~إلى النار. # والصناديقي في اليمن فكانت جيوشه بالمديخرة وسفهنه، وخوطب بالربوبية وكوتب بها، ~~فكانت له دار إفاضة يجمع إليها نساء البلدة كلها ويدخل الرجال عليهن ليلا، قال من يوثق ~~بخبره دخلت إليها لأنظر، فسمعت امرأة تقول: يا بني. ms151 فقال: يا أمه نريد أن نمضي أمر ولي ~~الله فينا. وكان يقول: إذا فعلتم هذا لم يتميز مال من مال، ولا ولد من ولد، فتكونون ~~كنفس واحدة! فغزاه الحسني من صنعاء فهزمه وتحصن منه في حصن هناك، فأنفذ إليه الحسني ~~طبيبا بمبضع مسموم ففصده به فقتله، والوليد بن يزيد أقام في الملك سنة وشهرين ~~وأياما، وهو القائل: # إذا مت يا أم الحنيكل فانكحي # ولا تأملي بعد الفراق تلاقيا # فإن الذي حدثته من لقائنا # أحاديث طسم تترك العقل واهيا # ورمى المصحف بالنشاب وخرقه. وقال: # إذا ما جئت ربك يوم حشر # فقل يا رب خرقني الوليد # وأنفذ إلى مكة بناء مجوسيا ليبني له على الكعبة مشربة، فمات قبل تمام ذلك، فكان ~~الحجاج يقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك يا قاتل الوليد بن يزيد لبيك. وأحضر بنابجة من ~~ذهب، وفيها جوهرة جليلة القدر، صورة رجل، فسجد له وقبله. وقال: اسجد يا علج: قلت: ~~ومن هذا؟ قال: هذا ماني شأنه كان عظيما اضمحل أمره لطول المدة، فقلت: لا يجوز ~~السجود إلا لله. فقال: قم عنا وكان يشرب على سطح وبين يديه باطية كبيرة بلور وفيها ~~أقداح. فقال لندمائه: أين القمر الليلة؟ فقال بعضهم: في الباطية. فقال: صدقت أتيت على ~~ما في نفسي، والله لأشربن الهفتجة يعني: شرب سبعة أسابيع متتابعة. وكان ~~بموضع حول دمشق، يقال له البحرا: فقال: # تلعب بالنبوة هاشمي # بلا وحي أتاه ولا كتاب # فقتل بها، ورأيت رأسه في الباطية التي أراد أن يهفتج بها. # وأبو عيسى بن الرشيد القائل: # دهاني شهر الصوم لا كان من شهر # ولا صمت شهرا بعده آخر الدهر # ولو كان يعديني الإمام بقدره # على الشهر لاستعديت دهري على الشهر # عرض له في وقته صرع فمات، ولم يدرك شهرا غيره - والحمد لله. # والجنابي قتل بمكة ألوفا وأخذ ستة وعشرين ألف حمل خفا، وضرب آلاتهم وأثقالهم ~~بالنار، واستملك من النساء والغلمان والصبيان من ضاق بهم الفضاء كثرة ووفورا، وأخذ ~~حجر الملتزم وظن أنها مغناطيس القلوب، وأخذ الميزاب قال: وسمعت قائلا ms152 يقول لغلام ~~دحسمان طوال يرفل في برديه وهو فوق الكعبة: يا رخمة اقلعه وأسرع، يعني ميزاب ~~الكعبة فعلمت أن أصحاب الحديث صحفوه. فقالوا: يقلعه غلام اسمه رحمة، كما صحفوا ~~على علي - رضي الله عنه - قوله: «تهلك البصرة بالريح.» فهلكت بالزنج؛ لأنه قتل علوي ~~البصرة في موضع بها يقال له: العقيق أربعة وعشرين ألفا عدوهم بالقصب وحرق جامعها، ~~وقال في خطبته يخاطب الزنج: إنكم قد أعنتم بقبح منظر، فاشفعوه بقبح مخبرا، اجعلوا كل ~~عامر قفرا وكل بيت قبرا. # قال لي بدمشق أبو الحسين اليزيدي الوزير بن علي نسب جدي دخل وإياه ~~أدعي، قال أبو عبد الله محمد بن علي بن رزام الطائي الكوفي: كنت بمكة وسيف الجنابي ~~قد أخذ الحاج، ورأيت رجلا منهم قد قتل جماعة، وهو يقول: يا كلاب أليس قال لكم محمد ~~المكي، ومن دخله كان آمنا، أي أمن هنا؟ فقلت له: يا فتى العرب تؤمنني سيفك أفسر لك ~~هذا؟ قال: نعم، قلت: فيها خمسة أجوبة: الأول: ومن دخله كان آمنا من عذاب يوم القيامة، ~~والثاني: من الفرض الذي فرضت عليه، والثالث: خرج مخرج الخبر وهو يريد الأمر كقوله: # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ~~(البقرة: 228)، والرابع: لا يقام عليه الحد فيه إذا جنى في الحل، والخامس من الله ~~عليهم بقوله: # أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم ~~(العنكبوت: 67). فقال: صدقت هذه اللحية، ~~ألي توبة؟ فقلت: نعم، فخلاني وذهب. # والحسين بن منصور الحلاج من نيسابور، وقيل: من مرو، يدعي كل علم وكان متهورا ~~جسورا يروم إقلاب الدول، ويدعي فيه أصحابه الإلهية، ويقول بالحلول ويظهر مذاهب ~~الشيعة للملوك ومذاهب الصوفية للعامة، وفي تضاعيف ذلك يدعي أن الإلهية قد حلت فيه، ~~وناظره علي بن عيسى الوزير فوجده صفرا من العلوم. وقال: تعلمك لطهورك وفرضك ~~أجدى عليك من رسائل أنت لا تدري ما تقول فيها، كم تكتب إلى الناس تبارك ذو النور ~~الشعشعاني الذي يلمع بعد شعشعته، ما أحوجك إلى أدب. حدثني أبو علي الفارسي، قال: «رأيت ~~الحلاج واقفا على حلقة أبي بكر الشبلي ms153 ... أنت بالله ستفسد خشبة ، فنفص كمه في وجهه ~~وأنشد: # يا سر سر يدق حتى # يجل عن وصف كل حي # وظاهرا باطنا تبدى # من كل شيء لكل شي # يا جملة الكل لست غيري # فما اعتذاري إذن إلي # وهو يعتقد أن العارف من الله بمنزلة شعاع الشمس منها بدأ وإليها يعود، ومنها يستمد ~~ضوءه أنشدني الظاهر لنفسه: # أرى جيل التصوف شر جيل # فقل لهم وأهون بالحلول # أقال الله حين عشقتموه # كلوا أكل البهائم وارقصوا لي # وحرك يوما يده فانتثر على قول مسك وحرك مرة أخرى فانتثر دراهم. فقال له بعض من ~~حضر ممن يفهم: أرني دراهم معروفة، أؤمن بك وخلق معي؛ إن أعطيتني درهما عليه اسمك واسم ~~أبيك. فقال: وكيف هذا وهذا لا يصنع؟ قال: من أحضر ما ليس بحاضر صنع ما ليس بمصنوع. وكان ~~في كتبه: إني مغرق قوم نوح ومهلك عاد وثمود، فلما شاع أمره وعرف السلطان ~~خبره على صحة وقع بضربه ألف سوط وقطع يديه، ثم أحرقه بالنار في آخر سنة تسع ~~وثلاثمائة. وقال لحامد بن العباس: أنا أهلكك. فقال حامد: الآن صح أنك تدعي ما قرفت ~~به.» # وابن أبي العذافر أبو جعفر محمد بن علي الشلمغاني أهله من قرية من قرى واسط ~~تعرف بشلمغان، وصورته صورة الحلاج، ويدعي عنه قوم: أنه إله، وأن الله حل في آدم، ~~ثم في شيث، ثم في واحد واحد من الأنبياء والأوصياء والأئمة، حتى حل في الحسن بن علي ~~العسكري، وأنه حل فيه وكان قد استغوى جماعة منهم ابن أبي عون صاحب كتاب التشبيه ومعه ~~ضربت عنقه. وكانوا يبيحونه حرمهم وأولادهم يتحكم فيهم. وكان يتعاطى الكيمياء وله ~~كتب معروفة. # وكان أحمد بن يحيى الراوندي من أهل مرو الروذ حسن الستر جميل المذهب، ثم انسلخ من ~~ذلك كله بأسباب عرضت له، ولأن علمه كان أكثر من عقله وكان مثله، كما قال الشاعر: # ومن يطيق مردا عند صبوته # ومن يقوم لمستور إذا خلعا # صنف كتاب «التاج» يحتج فيه لقدم العالم، فنقضه أبو الحسن ~~الخياط. # الزمرد: ms154 # يحتج فيه لإبطال الرسالة ، نقضه الخياط. # نعت الحكمة: # سفه الله تعالى في تكليف خلقه أمره، نقضه الخياط. # الدامغ: # يطعن فيه على نظم القرآن. # القضيب: # يثبت أن علم الله محدث، وأنه كان غير عالم حتى خلق لنفسه ~~علما، نقضه الخياط. # الفريد: # في الطعن على النبي - عليه الصلاة والسلام. # المرجان: # في اختلاف أهل الإسلام. # علي بن العباس بن جريج الرومي، قال أبو عثمان الناجم: دخلت عليه في علته التي مات ~~فيها، وعند رأسه جام فيه ماء مثلوج وخنجر مجرد، لو ضرب به صدر خرج من ظهر فقلت: ~~ما هذا؟ قال: الماء أبل به حلقي، فقلما يموت إنسان إلا وهو عطشان، والخنجر إن زاد علي ~~الألم نحرت نفسي، ثم قال: أقص عليك قصتي تستدل بها على حقيقة تلفي، أردت ~~الانتقال من الكرخ إلى باب البصرة، فشاورت صديقنا أبا الفضل، وهو مشتق من الإفضال، ~~فقال: إذا جئت القنطرة فخذ على يمينك وهو مشتق من اليمن واذهب إلى سكة ~~النعيمة، وهو مشتق من النعيم فاسكن دار ابن المعافى، وهو مشتق من العافية فخالفته ~~لتعسي ونحسي، فشاورت صديقنا جعفرا، وهو مشتق من الجوع والفرار. فقال: إذا جئت القنطرة ~~فخذ على شمالك، وهو مشتق من الشؤم، واسكن دار ابن قلابة وهي هذه، لا جرم قد انقلبت بي ~~الدنيا، وأضر ما علي العصافير في هذه السدرة تصيح سيق سيق، فها أنا في ~~السياق، ثم أنشدني: # أبا عثمان أنت قريع قومك # وجودك للعشيرة دون لومك # تمتع من أخيك فما أراه # يراك ولا تراه بعد يومك # وألح به البول، فقلت له: البول ملح بك. فقال: # غدا ينقطع البول # ويأتي الويل والعول # ألا إن لقاء الله # هول دونه الهول # ومات من الغد، فأرجو أن يكون هذا القول توبة له، مما كان اعتقده من ذبحه نفسه، ~~والرسول - عليه الصلاة والسلام - يقول: «من وجأ نفسه بحديدة حشر يوم القيامة ~~وحديدته بيده يجأ بها نفسه خالدا مخلدا في النار، من تردى من شاهق ~~حشر يوم القيامة يتردى على منخريه في النار خالدا مخلدا، من ms155 تحسى سما ~~حشر يوم القيامة، وسمه بيده يتحساه خالدا مخلدا في النار.» # قال الحسن بن رجاء الكاتب: جاءني أبو تمام إلى خراسان، فبلغني أنه لا يصلي، فوكلت به ~~من لازمه أيامه، فلم يره صلى يوما واحدا فعاتبته. فقال: يا مولاي قطعت إلى حضرتك من ~~بغداد فاحتملت المشقة وبعد الشقة ولم أره يثقل علي، فلو كنت أعلم أن الصلاة تنفعني ~~وتركها يضرني ما تركتها، فأردت قتله فخشيت أن يحمل على غير هذا. # وفي تآريخ كثيرة أنه أحضر المازيار إلى المعتصم، وقبل قدومه بيوم سخط على الأفشين؛ ~~لأن القاضي ابن أبي داود قال للمعتصم: أغرل ويطأ امرأة عربية، وهو ~~كاتب المازيار وزين له العصيان، فأحضر كاتبه وتهدده المعتصم، فأقر ~~أنه كتب إلى المازيار لم يكن في الأرض، ولا في العصر بلية إلا أنا وأنت وبابك، وقد ~~كنت حريصا على حقن دمه، حتى كان من أمره ما كان ولم يبق غيري وغيرك، وقد ~~توجه إليك عسكر من عساكر القوم؛ فإن هزمته وثبت أنا بملكهم في قرار داره، ~~فظهر الدين الأبيض فأجابه المازيار بجواب هو عنده سفط أحمر، فجمع بين الأفشين ~~والمازيار، فاعترف المازيار بما حكى عنه، وقيل للمعتصم: إن وراء المازيار مالا ~~جليلا، فأنشد: # إن الأسود أسود الغاب همتها # يوم الكريهة في المسلوب لا السلب # ذكروا أن اثنين قتلوا ثلاثة آلاف ألف وخمسمائة ذبحا بالثياب الحمر، والخناجر ~~الطوال وأنهم وجدوا أسماءهم في وقعة وقعة وفي بلد بلد. وكانوا يأخذون من كل واحد علامة ~~خاتمه، أو ثوبه أو منديله أو تكته أتى الوادي فطم على القرى. # قد لقيت من يجادلني أن عليا - رضي الله عنه - وكذلك الحاكم، وقد ظهر بالبصرة من ~~يدعي أنه جعفر بن محمد - عليهما السلام - وأنه متصل به، وروحه فيه ومتصلة به. ولو ~~استقصيت القول في هذا الفن لطال جدا، ولكن: # لا بد للمصدور أن ينفثا # وللذي في الصدر أن يبعثا # بل لو قلت كل ما أعلمه أكلت زادي في محبسي، بل كنت أنشد: # أحمل رأسا قد ملك حمله # ألا فتى ms156 يحمل عني ثقله وأستريح # إلى أن أنشد: # ليس يشفي كلوم غيري كلومي # ما به ما به وما بي ما بي # إن شكوت العصر وأحكامه، وذممت صروفه وأيامه شكوت من لا ~~يشكى أبدا، وذممت من لا يرضي أحدا، شيمته اصطفاء اللئام، والتحامل على الكرام، وهمته ~~رفع الخامل الوضيع، ووضع الفاضل الرفيع، إذا سمح بالحياء، فأبشر بوشك الاقتضاء، ~~وإذا أعار، فأحسبه قد أغار، فما بين أن يقبل عليك مستبشرا، ~~ويولي عنك متجهما مستشرا إلا كلمح البصر واستطارة الشرر، لم يخترق ذكر ~~الوفاء مسامعه، ولم يمسس ماء الحياء مدامعه، ظاهره يسر ويؤنس، وباطنه ~~يسوء ويؤيس، يخيب ظن راجيه، ويكذب أمل عافيه، لا يسمع الشكوى، ويشمت ~~بالبلوى، قد ذممت سيئا، ووقعت فيه أنا كالغريق يطلب معلقا، والأسير يندب ~~مطلقا، واستحسن قول علي بن العباس بن جريج الرومي: # ألا ليس شيبك بالمنتزع # فهل أنت عن غيه مرتدع؟ # وهل أنت تارك شكوى الزما # ن إذا شئت تشكو إلى مستمع؟ # فشيب أخي الشيب أمنية # إذا ما تناهر إليها هلع # كنت في حال الحداثة أقرب الناس إلي وأعزهم علي، وأقربهم عندي ~~وأجلهم في نفسي مرتبة، من قال لي نسأ الله في أجلك، جعل الله لك أمد ~~الأعمار وأطولها، فلما بلغت عشر الثمانين جاء الجزع والهلع، فمم أرتاع وألتاع وأخلد ~~إلى الأطماع؛ وهو الذي كنت أتمنى، ويتمنى لي أهلي؟ أمن صدوف الغواني عني، فأنا - ~~والله - عنهن أصدف وبهن وأدوائهن أعرف؛ إذ لست ممن ينشد تحسرا ~~عليهن: # للسود في السود آثار تركن بها # لمعا من البيض تثني أعين البيض # وقول الآخر: # ولما رأيت النسر عز ابن داية # وعشش في وكريه جاشت له نفسي # ولا أنشد لأبي عبادة البحتري: # أن أيامه من البيض بيض # ما رأين المفارق السود سودا # وإذا المحل ثار ثاروا غيوثا # وإذا النقع ثار ثاروا أسودا # يحسن الذكر عنهم والأحادي # ث إذا حدث الحديد الحديدا # بلدة تنبت المعالي فما يث # غر الطفل فيهم أو يسودا # وهذه صفة معرة النعمان - به أدام الله تأييده - لا خلت منه، ومن ~~النعمة ms157 عليه وعنده، فقد وجدت أهلها معترفين بعوارفه، خلا أبي العباس أحمد بن ~~خلف الممتع أدام الله عزه؛ فإني وجدت آثار تفضله عليه ظاهرة، ولسانه رطبا بشكره ~~وذكره، وقد ملأ السماء دعاء والأرض ثناء. # قالت قريش للنبي - عليه الصلاة والسلام: أتباعك من؟! هؤلاء الموالي: كبلال، وعمار، ~~وصهيب، خير من قصي بن كلاب، وعبد مناف، وهاشم، وعبد شمس؟! فقال: نعم والله لئن كانوا ~~قليلا ليكثرن، ولئن كانوا وضعاء ليشرفن حتى يصيروا نجوما يهتدى بهم ~~ويقتدى، فيقال: هذا قول فلان، وذكر فلان، فلا تفاخروني بآبائكم الذين موتوا في ~~الجاهلية، فلما يدهده الجعل بمنخره خير من آبائكم الذين ماتوا فيها فاتبعوني ~~أجعلكم أنسابا، والذي نفسي بيده لتقتسمن كنوز كسرى وقيصر. فقال له عمه أبو طالب: ~~أبق علي وعلى نفسك، فظن - عليه الصلاة والسلام - أنه خاذله ومسلمه. فقال: يا ~~عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى ~~يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته، ثم استعبر باكيا، ثم قام فلما ولى ~~ناداه: أقبل يا بن أخي فأقبل. فقال: اذهب وقل ما شئت فوالله لا أسلمتك لسوء أبدا، ~~فكان - عليه الصلاة والسلام - يذكر يوما ما لقي من قومه من الجهد والشدة، قال: لقد ~~مكثت أياما وصاحبي هذا - يشير إلى أبي بكر - بضع عشرة ليلة ما لنا طعام إلا البرير ~~في شعب الجبال. # وكان عتبة بن غزوان يقول: إذا ذكر البلاء والشدة التي كانوا عليها بمكة: لقد مكثنا ~~زمانا ما لنا طعام إلا ورق البشام أكلناه، حتى تقرحت أشداقنا، ولقد ~~وجدت يوما تمرة فجعلتها بيني وبين سعد وما منا اليوم أحد إلا وهو أمير على ~~كورة. وكانوا يقولون فيمن وجد تمرة فقسمها بينه وبين صاحبه: إن أسعد الرجلين من ~~حصلت النواة في قسمه يلوكها يومه وليلته من عدم القوت، وكذا قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «لقد رعيت غنيمات أهل مكة لهم بالقراريط.» # وابتدأ أمره أنه وقف على الصفا ونادى: يا صباحاه، فجاءوا ~~يهرعون. فقالوا: ما دهمك ما ms158 طرقك؟ قال: بم تعرفونني ؟ قالوا: محمد الأمين، ~~قال: أرأيتم إن قلت لكم: إن خيلا قد طرقتكم في الوادي، وإن عسكرا قد غشيكم من ~~الفج أكنتم تصدقونني؟ قالوا: اللهم نعم؛ ما جربنا عليك كذبا قط، قال: فإن ~~الذي أنتم عليه ليس لله ولا من الله ولا يرضاه الله قولوا لا إله إلا الله، ~~واشهدوا أني رسوله، واتبعوني تطعكم العرب وتملكوا العجم، وإن الله قال لي ~~استخرجهم كما استخرجوك وابعث جيشا أبعث خمسة أمثاله، وضمن لي أنه ينصرني بقوم منكم، ~~وقال لي: قاتل بمن أطاعك من عصاك، وضمن لي أنه يغلب سلطاني سلطان كسرى ~~وقيصر. # ثم إنه - عليه الصلاة والسلام - غزا تبوك في ثلاثين ألفا، وهذا من قبل الله ~~الذي يجعل من لا شيء كل شيء، ويجعل كل شيء لا شيء يجمد المائعات، ويميع ~~الجامدات؛ يجمد البحر، ثم يفجر الصخر وما مثله في ذلك إلا كمثل من قال: هذه الزجاجة ~~الرقيقة السخيفة أحك بها هذه الجبال الصلدة الصلبة المنيفة فترضها وتفضها، وهذه النملة ~~الضعيفة اللطيفة تهزم العساكر الكثيرة المعدة، وكذا حقيقة أمره - عليه الصلاة والسلام - ~~حتى لقد قال عروة بن مسعود الثقفي لقريش. وكان رسولهم إليه # صلى الله عليه وسلم # بالحديبية: لقد ~~وردت على النجاشي وكسرى وقيصر ورأيت جندهم وأتباعهم، فما رأيت أطوع ولا أوقر ~~ولا أهيب من أصحاب محمد لمحمد هم حوله، وكأن الطير على رءوسهم؛ فإن أشار ~~بأمر بادروا إليه، وإن توضأ اقتسموا وضوءه، وإن تنخم دلكوا بالنخامة وجوههم ولحاهم ~~وجلودهم. وكانوا له بعد موته أطوع منهم في حياته، حتى لقد قال لبعض أصحابه: لا ~~تسبوا أصحاب محمد؛ فإنهم أسلموا من خوف الله، وأسلم الناس من خوف أسيافهم. # فتأمل كيف استفتح دعوته وهو ضعيف وحده بأن هذا سيكون، فرآه العدو والولي ~~وما كان مثله في ذلك إلا مثل من قال هذه الهباءة تعظم وتصير جبلا يغطي الأرض كلها، ثم ~~أنذر الناس بها في حال ضعفها، وجاء # صلى الله عليه وسلم # يوما ليدخل الكعبة، فدفعه عثمان بن طلحة ~~العبدري. فقال: لا ms159 تفعل يا عثمان فكأنك بمفتاحها بيدي أضعه حيث شئت. فقال: لقد ذلت ~~يومئذ قريش وقلت. قال: بل كثرت وعزت. # وأنا أستعين بعصمة الله وتوفيقه، وأجعلهما معينتي على دفع شهواتي، وأشكو إليه عكوفي ~~على الأماني، وأسأله فهما لمواعظ عبر الدنيا، فقد عميت عن كلوم غيرها، بما جشم على ~~خواطري من الشعف، ولست أجد مني منصفا لي منها، ولا حاجز لرغبتي فيها عنها، وأين ~~ودائع العقول وخزائن الأفهام يا أولي الأبصار؟ صفحنا عن مساوي الدنيا إغماضا لعاجل ~~موفق التنغيص، وترمي إليه يد الزوال وتكمن له الآفات، قال كثير: # كأني أنادي صخرة حين أعرضت # من الصم لو تمشي بها العصم زلت # وأقول على مذهب كثير: يا دنيا في كل لحظة لطرفي منك عبرة، وفي كل ~~فكرة لي منك حسرة، يا مرنقة الصفا ويا ناقصة عهد الوفا، ما وفق لحظة من عرج نحوك، ولا ~~سعد من آثر المقام على حسن الظن بك، هيهات يا معشر أبناء الدنيا لكم في الظاهر اسم ~~الغنى وفي الباطن أهل التقلل، لهم نفس هذا المعنى، كم من يوم لي أغر كثيرا لأهله! ~~قد أصحت سماؤه، وامتد على ظله تمدني ساعاته بالمنى، ويضحك لي بها عن كل ما أهوى، ~~حتى إذا اتصل بكل أسبابي وامتزج سروره بفرحي وروحي وأترابي، نفست علي به ~~الدنيا، فسعت بالتشتيت إلى ألفته والنقص إلى مدته، فكسفت بهجته كسوفا وأرهقت ~~نضرته وحشة الفراق، وقطعتنا فرقا في الآفاق، بعد أن كنا كالأعضاء المؤتلفة، والأغصان ~~اللدنة المتعطفة، واحسرتى في يوم يجمع شرتي كفن ولحد! # ضيعت ما لا بد منه # بالذي لي منه بد # وأنشد قول ابن الرومي: # ألا ليس شيبك بالمنتزع # فهل أنت عن غيه مرتدع # فأقلق وأبكى بكاء غير نافع ولا ناجع، ويجب أن أبكي على بكائي، ~~وأنشد: # لساني يقول ولا أفعل # وقلبي يريد ولا أعمل # وأعرف رشدي ولا أهتدي # وأعلم لكنني أجهل # عرض علي بعض الناس كأس خمر، فامتنعت منها وقلت خلوني، والمطبوخ على مذهب الشيخ ~~الأوزاعي، وقلت لهم: عرض إبراهيم بن المهدي على محمد بن ms160 خازم الخمرة، فامتنع ~~وأنشد : # أبعد شيبي أصبو # والشيب للجهل حرب # سن وشيب وجهل # أمر لعمرك صعب # يا ابن إمام فألا # أيام عودي رطب # وإذا مشيبي قليل # ومنهل الحب عذب # وإذ شفاء الغواني # مني حديث وقرب # فالآن لما رأى بي ال # عذال ما قد أحبوا # وآنس الرشد مني # قوم أعاب وأصبو # آليت أشرب خمرا # ما حج لله ركب # وأقبلت على نفسي مخاطبا ولها معاتبا، والخطاب لغيرها والمعنى لها: لقد ~~أمهلكم حتى كأنه أهملكم، أما تستحيون من طول ما لا تستحيون؟ فكن كالوليد تقلبه يد ~~اللطف به على فراش العطف، عليه تصرف إليه المنافع بغير طلب منه لصغره، وتصرف عنه ~~المضار بغير حذر منه لعجزه، أما سمعت الرسول - عليه الصلاة والسلام - إذ يقول في ~~دعائه: «اللهم اكلأني كلأة الوليد الذي لا يدري ما يراد به، ولا ما يريد» ألا ~~متعلق، والإذلال ذيال دليله، ألا معد مطية ورحلا ليوم رحيله؟! يا ~~هلاه الدلجة الدلجة، إنه من لم يسبق إلى الماء يظمأ، إنما منعتك ما تشتهي ضنا ~~بك وغيرة عليك، قال الرسول - عليه الصلاة والسلام: «إذا أحب الله عبدا حماه الدنيا.» ~~وأنت تشكوني إذا حميتك وتكره صيانتي إذا صنتك، ألا لائذ بفنائنا ليعز؟ ألا فار ~~إلينا لا فار منا؟ يا من له بد من كل شيء ارحم من لا بد له منك على كل حال، ~~الله يغني بشيء عن شيء. وليس يغني عنه بشيء؛ فلهذا قال جبريل للخليل: ألك حاجة؟ قال: ~~«أما إليك فلا.» الله يستحق أن يسأل وإن أغنى؛ لأنه لا يغنى بشيء عنه ~~أطعه لتطيعه ولا تطعه ليطيعك فتفر وتمل، من ترك تدبيره لتدبيرنا ~~أرحناه، جل من لوالب القلوب والهمم بيده وعزائم الأحكام والأقسام ~~عنده: # أنسيت ذكر أحبة # ينسون ذنبك عند ذكرك # وجفوتهم ولطالما # كانوا خلافك طوع أمرك # وصبرت عند فراقهم # ما كان عذرك عند صبرك # عشقت فأصبحت في العاشقين أشهر من فرس أبلق، تترك من إذا جفوته ونسيت ~~ذكره وتعديت حده، وتركت نهيه وضيعت أمره، وتبت إليه وعولت في تفضله عليك ms161 عليه، ~~وقلت يا رب ؛ قال لك لبيك: # وإذا سألك عبادي عني ~~فإني قريب ~~(البقرة: 186)، إن كان الذباب بوجهك فأتهمك، وإن قطعت ~~أنا أعضاءك، لا تتهمني أنت الذي إذا أعطيتك ما أملت تركتني وانصرفت: # وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى ~~بجانبه ~~(الإسراء: 82، وفصلت: 51)، يا واقفا بالتهم كم كم، أليس ~~يقول لك ما غرك بي؟ تقول: حلمك، وإلا لو أرسلت على بقة لجمعتني عليك، إذا ~~أرادت أن تجمعني: # أمن بعد شربك كأس النهى # وشمك ريحان أهل التقى # عشقت فأصبحت في العاشقي # ن أشهر من فرس أبلقا # أدنياي من غمر بحر الهوى # خذي بيدي قبل أن أغرقا # أنا لك عبد فكوني كمن # إذا سره عبده أعتقا # كان ببغداد رجل كبير الرأس، فيلي الأذنين، اسمه «فاذوه»، رأسه في ~~الأزمنة الأربعة مكشوف، لا يتورع عن ركوب مخزية، يقال له يا فاذوه، ويلك تب ~~إلى الله، فيقول: يا قوم لم تدخلون بيني وبين مولاي، وهو الذي يقبل التوبة عن عباده، ~~فكان في بعض الشوارع يوما ذاهبا، والشارع قد اتسع أسفله وضاق أعلاه والتقت جناحان ~~فيه، فناولت جارة جارتها مهراسا انسل من يدها على رأس «فاذوه»، فهرس رأسه ~~وخلط كخلط الهريسة، وأعجله عن التوبة. وكان لنا واعظ صالح يقول لنا: احذروا ميتة ~~«فاذوه». # قال جبريل في حديثه: خشيت أن يتم فرعون الشهادة والتوبة، فأخذت قطعة من حال ~~البحر فضربت بها وجهه، يعني: طينة، والحال ينقسم ثمانية أقسام منها الطين، فكيف ~~يصنع من عنده أن التوبة لا تصح من ذنب، مع الإقامة على آخر؟! فلا حول ولا قوة إلا ~~بالله. # بلغني عن مولاي الشيخ - أدام الله تأييده - أنه قال: وقد ذكرت له ~~أعرفه خبرا هو الذي هجا أبا القاسم علي بن الحسين المغربي، فذلك منه - أدام ~~الله عزه - رائع لي، خوفا أن يستشر طبعي، وأن يتصورني بصورة من يضع الكفر ~~موضع الشكر، وهو بتعريف التنكير أنفع لي عنده لجلالة قدره ودينه ونسكه، وأنا أطلعه ~~طلعة ليعرف خفضه ورفعه وفراداه وجمعه. # كنت أدرس على أبي عبد الله بن خالويه ms162 - رحمه الله - وأختلف إلى دار أبي الحسين ~~المغربي، ولما مات ابن خالويه سافرت إلى بغداد، ونزلت على أبي علي الفارسي، وكنت ~~أختلف إلى علماء بغداد إلى: أبي سعيد السيرافي، وعلي بن عيسى الرماني، وأبي ~~عبيد الله المرزباني، وأبي حفص الكتاني صاحب أبي بكر بن مجاهد وكتبت حديث رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وبلغت نفسي أغراضها جهدي والجهد عاذر، ثم سافرت منها إلى مصر ولقيت ~~أبا الحسن المغربي، فألزمني إن لزمته لزوم الظل، وكنت منه مكان المثل في كثرة ~~الإنصاف والحنو والتجافي، فقال لي سرا: «أنا أخاف همة أبي القاسم أن ~~تنزو به إلى أن يوردنا وردا إلا صدر عنه، وإن كانت الأنفاس مما ~~تحفظ وتكتب فاكتبها واحفظها وطالعني بها.» فقال لي يوما: ما نرضى ~~بالخمول الذي نحن فيه، قلت: وأي خمول هنا تأخذون من مولانا - خلد الله ~~ملكه؟ في كل سنة ستة آلاف دينار، وأبوك من شيوخ الدولة وهو معظم ~~مكرم. فقال: أريد أن تصار إلى أبوابنا الكتائب والمواكب ~~والمقانب، ولا أرضى بأن يجري علينا، كالولدان والنسوان فأعدت ذلك على ~~أبيه فقال: ما أخوفني أن يخضب أبو القاسم هذه من هذه، وقبض على لحيته ~~وهامته، وعلم أبو القاسم بذلك، فصارت بيني وبينه وقفة. # وأنفذ إلي القائد أبو عبد الله الحسين بن جوهر، فشرفني بشريف ~~خدمته، فرأيت الحاكم كلما قتل رئيسا أنفذ رأسه إليه، وقال: هذا عدوي ~~وعدوك يا حسين، فقلت: من ير يوما ير به، والدهر لا يغتر به، وعلمت ~~أنه كذا يفعل به، فاستأذنته في الحج فأذن، فخرجت في سنة سبع وتسعين، ~~وحججت خمسة أعوام وعدت إلى مصر وقد قتله، فجاءني أولاده سرا ~~يرومون الرجوع إليهم، فقلت لهم: خير ما لي ولكم الهرب، ولأبيكم ببغداد ~~ودائع خمسمائة ألف دينار، فاهربوا وأهرب ففعلوا وفعلت، وبلغني قتلهم ~~بدمشق وأنا بطرابلس فدخلت إلى أنطاكية وخرجت منها إلى ~~ملطية، وبها المايسطرية خولة بنت سعد الدولة فأقمت عندها إلى ~~أن ورد علي كتاب أبي القسم، فسرت إلى ميافارقين فكان يسر ~~حسوا في ارتغاء ms163 قال لي يوما من الأيام: ما رأيتك، قلت: أعرضت حاجة؟ قال: ~~لا أردت أن ألعنك، قلت: فالعني غائبا، قال: لا في وجهك أشفى، قلت: ~~ولم؟ قال: لمخالفتك إياي فيما تعلم، وقلت له ونحن على أنس بيني وبينه لي ~~حرمات ثلاث: البلدية، وتربية أبيه لي، وتربيتي لإخوته، قال: هذه حرم ~~مهتكة البلدية نسب بين الجدران، وتربية أبي لك منة لنا عليك، وتربيتك ~~لإخوتي بالخلع، والدنانير أردت أن أقول له: استرحت من حيث تعب الكرام، فخشيت ~~جنون جنونه؛ لأنه كان جنونه مجنونا وأصح منه مجنون وأجن منه، لا ~~يكون. وقد أنشد: # جنونك مجنون ولست بواجد # إذن طبيبا يداوي من جنون جنون # بل جن جنانه، ورقص شيطانه. # به جنة مجنونة غير أنها # إذا حصلت منه ألب وأعقل # وقال لي ليلة: أريد أن أجمع أوصاف الشمعة السبعة في بيت واحد. وليس يسنح ~~لي ما أرضاه، فقلت: أنا أفعل من هذه الساعة، قال: أنت جذيلها المحكك ~~وعذيقها المرجب، فأخذت القلم من دواته وكتبت بحضرته: # لقد أشبهتني شمعة في صبابتي # وفي هول ما ألقى وما أتوقع # نحول وحرق في فناء ووحدة # وتسهيد عين واصفرار وأدمع # فقال: كنت عملت هذا قبل هذا الوقت، فقلت: تمنعني سرعة الخاطر ~~وتعطيني علم الغيب، وقلت: أنت ذاكر قول أبيك لي ولك، وللبتي ~~الشاعر، ولمحسن الدمشقي، ونحن في الطارمة: اعملوا قطعة قطعة، فمن جود جعلت ~~جائزته كتبها فيها، فقلت: # بلغ السماء سمو بي # ت شيد في أعلى مكان # بيت علا حتى توا # رى في ذراه الفرقدان # فانعم به لا زلت من # ريب الحوادث في أمان # فاستجاد سرعتها وكتبها في الطارمة وخلع علي. وكان أبو القسم ~~ملولا، والملول ربما مل الملال. وكان لا يمل أن يمل ويحقد حقد من لا تلين ~~كبده، ولا تنحل عقده. وقال لي بعض الرؤساء معاتبا: أنت حقود ولم يكن حقودا، ~~فقلت له: أنت لا تعرفه، والله ما كان يحنى عوده ولا يرجى عوده، وله رأي ~~يزين له العقوق، ويمقت إليه رعاية الحقوق، بعيد من الطبع الذي هو للصد ms164 ~~صدود، وللتآلف ألوف ودود ، كأنه من كبره قد ركب الفلك واستوى على ذات ~~الحبك، ولست ممن يرغب في راغب عن وصلته، أو ينزع إلى نازع عن خلته، فلما رأيته ~~سادرا جاريا في قلة إنصافي على غلوائه، محوت ذكره عن صفحة فؤادي، واعتددت وده ~~فيما سال به الوادي. # ففي الناس إن رثت حبالك واصل # وفي الأرض عن دار القلى متحول # وأنشدت الرجل أبياتا، أعتذر بها في قطعي له: # فلو كان منه الخير إذ كان شره # عتيدا لقلنا إن خيرا مع الشر # ولو كان إذ لا خير لا شر عنده # صبرنا وقلنا لا يريش ولا يبري # ولكنه شر ولا خير عنده # وليس على شر إذا دام من صبر # وبغضي له - شهد الله - حيا وميتا، أوجبه أخذه محاريب الكعبة ~~الذهب والفضة، وضربها دنانير ودراهم، وسماها الكعبية وأنهب العرب الرملة، وخرب ~~بغداد وكم دم سفك وحريم انتهك، وحرة أرمل وصبي أيتم، وأنا معتذر إلى الشيخ ~~الجليل من تقريظه مع تقريظي فيه؛ لأنه قد شاع فضله في جميع البشر، وصار غرة على ~~جبهة الشمس والقمر، خلد ذلك في بدائع الأخبار، وكتب بسواد الليل على بياض ~~النهار، وأنا في مكاتبة حضرته بمنظوم ومنثور، كمن أمد النار بالشرر، ~~وأهدى الضوء إلى القمر، وصب في البحر جرعة، وأعار سير الفلك سرعة، إذ كان ~~لا يحل النقص بواديه، ولا يطور السهو بناديه. # ولقد سمعت من رسائله عقائل لفظ إن نعتها فقد عبتها، وإن وصفتها فما ~~أنصفتها، وأطربتني - يشهد الله - إطراب السماع، وبالله لو صدرت عن صدر من خزانته ~~وكتبه حوله يقلب طرفه في هذا ويرجع إلى هذا؛ فإن القلم لسان اليد، وهو أحد ~~البلاغتين؛ لكان ذلك عجيبا صعبا شديدا، ووالله لقد رأيت علماء منهم ابن خالويه، إذا ~~قرئت عليهم الكتب، ولا سيما الكبار رجعوا إلى أصولهم، كالمقابلين يتحفظون من ~~سهو وتصحيف وغلط، والعجب العجيب والنادر الغريب حفظه - أدام الله تأييده - ~~لأسماء الرجال والمنثور، كحفظ غيره من الأذكياء المبرزين المنظوم، وهذا سهل ~~بالقول صعب بالفعل، من سمعه طمع فيه، ومن ms165 رامه امتنعت عليه معانيه ~~ومبانيه. # حدثني أبو علي الصقلي بدمشق قال: كنت في مجلس ابن خالويه، إذ ~~وردت عليه من سيف الدولة مسائل تتعلق باللغة؛ فاضطرب لها ودخل خزانته وأخرج ~~كتب اللغة وفرقها على أصحابه يفتشونها ليجيب عنها وتركته، وذهبت إلى أبي ~~الطيب اللغوي وهو جالس، وقد وردت عليه تلك المسائل بعينها وبيده قلم الحمرة، ~~فأجاب به ولم يغيره قدرة على الجواب. # وقال أبو الطيب: قرأت على أبي عمر الفصيح إصلاح المنطق حفظا. وقال لي أبو عمر: ~~كنت أعلق اللغة عن ثعلب على خزف، وأجلس على دجلة أحفظها وأرمي بها وأنا ~~تعبت، وحفظت نصف عمري ونسيت نصفه؛ وذاك أني درست ببغداد وخرجت عنها، وأنا طري ~~الحفظ ومضيت إلى مصر، فأمرجت نفسي في الأغراض البهيمية والأعراض ~~المؤثمية، وأردت - بزعمي وخديعة الطبع المليم - أن أذيقها حلاوة العيش، ~~كما صبرت في طلب العلم والأدب، ونسيت أن العلم غذاء النفس الشريفة وصيقل ~~الأفهام اللطيفة، وكنت أكتب خمسين ورقة في اليوم وأدرس مائتين، فصرت الآن أكتب ~~ورقة واحدة، وتحكني عيناي حكا مؤلما، وأدرس خمس أوراق وتكل، ثم ~~دفعت إلى أوقات ليس فيها من يرغب في علم ولا أدب، بل في فضة وذهب، فلو كنت ~~إياسا صرت باقلا وأضع كتابا عن يميني وأطلبه عن شمالي، وأريد - مع ضعفي - ~~أرتاد لنفسي معاشا بظهر غير ظهير بل كسير عقير، وصلب غير صليب إن جلست، فهو ~~كالدمل، وإن مشيت فجملتي دماميل، ومعي بقية نزرة يسيرة من جملة كثيرة، لو وجدت ~~ثقة أعطيته إياها ليعود علي بما أرفه به جسمي من الحركة، وقلبي من الشغل ~~وأنا أجد من أدفعها إليه، وبقي أن يردها إلي. # دفع رجل إلى صديق له جارية أودعها عنده، وذهب في سفره. فقال - بعد أيام ~~- لمن يأنس به وتسكن نفسه إليه: يا أخي ذهبت أمانات الناس، أودعني صديق ~~لي جارية، في حسابه أنها بكر جربتها فإذا هي ثيب. # من ظريف الأخبار أن بنت أختي سرقت لي ثلاثة وثمانين دينارا، فلما هددها السلطان ~~- أطال الله بقاءه ومد مدته، ms166 وأدام سموه ورفعته - وأخرجت إليه بعضها، ~~قالت: والله لو علمت أن الأمر يجري كذا كنت قتلته، فأعجبوا من هريستي وزبوني، ~~والله لولا ضعفي وعجزي عن السفر لخرجت إليه متشرفا بمجالسته ومحاضرته، ~~فأما مذاكرته فقد يئست منها؛ لما قد استولى علي النسيان واحتوى علي قلبي من ~~الهموم والأحزان، وإلى الله الشكوى لا منه. وليس يحسن أن أشكو من يرحمني إلى من ~~لا يرحمني. وليس بحكيم من شكا رحيما إلى غير رحيم. وكان أبو بكر الشبلي يقول: ~~ليس غير الله غير، ولا عند غير الله خير. وقال يوما: يا جواد ثم أمسك مفكرا ~~ورفع رأسه، ثم قال: ما أوقحني، أقول لك: يا جواد، وقد قيل في بعض ~~عبيدك: # ولو لم يكن في كفه غير نفسه # لجاد بها فليتق الله سائله # وقد قيل في آخر: # تراه إذا جئته متهللا # كأنك معطيه الذي أنت سائله # ثم قال: بلى، أقول: يا جواد فاق كل جواد، وبجوده جاد من جاد. # ودخل ابن السماك على الرشيد. فقال له: عظني وفي يد الرشيد كوز ماء، ~~فقال: مهلا يا أمير المؤمنين، أرأيت إن أقدر الله عليك مقدرا؟ فقال: لن ~~أمكنك من شربه إلا بنصف ملكك، أكنت فاعلا ذلك؟ قال: نعم، قال: اشرب - هنأك ~~الله. فلما شرب قال: أرأيت يا أمير المؤمنين، أن لو أسفت نفس هذا المقدر عليك، ~~فقال: لن أمكنك من إخراج هذا الكوز، إلا بأن أستبد بملكك دونك أكنت فاعلا ذلك؟ ~~قال: نعم. قال: فاتق الله في ملك لا يساوي إلا بولة. وكيف أشكو ما قاتني وعالني ~~نيفا وسبعين سنة، كان قميصي ذراعين فوكل بي والدين حدبين مشفقين يتناهيان في دقته ~~ورقته وطيبه، فلما صار اثني عشر ذراعا تولاه هو وطعامي، فما أجاعني قط ولا ~~أعراني # والذي هو يطعمني ويسقين ~~(الشعراء: 79)، خاطب ربه بالأدب. فقال: # وإذا مرضت فهو ~~يشفين ~~(الشعراء: 80)، نسب المرض إلى نفسه؛ لأنها تنفر ~~من الأعراض والأمراض، وكل شيء يطرأ على الإنسان لا يقدر على دفعه، مثل النوم ~~واليقظة والضحك والبكاء، والغم والسرور والخصب والجدب ms167 والغنى والفقر؛ فهو منه - ~~تقدست أسماؤه - ألا ترى أنه لا يتوعد على فعله، ولا يعاقب عليه ~~وما يقدر على دفعه، فهو منه مثل أن يريد الكتابة، فلا يقع منه البناء، ويريد ~~البناء فلا تقع منه الكتابة، ومن به الرعشة لا يقدر على إمساك يد، ومن ليست به يقدر ~~على إمساكها. # كنت بتنيس وبين يدي إنسان يقرأ ويحزن: # يوفون ~~بالنذر ويخافون ~~(الإنسان: 7)، ويبكي فخطر لي خاطر، فقلت: أنا ~~بضد هؤلاء القوم - صلوات الله عليهم - أنا لا أنذر ولا أفي ولا أخاف شقاء ~~ولا عناء. ولو كنت أخاف ما أصبحت ... محموما وكنته. # وحدثني من أثق به ولا أتهمه عن أبيه وكان زاهدا قال: كنت مع أبي بكر ~~الشبلي ببغداد في الجانب الشرقي بباب الطاق، فرأينا شاويا قد أخرج حملا من ~~التنور، كأنه بسرة نضجا، وإلى جانبه قد عمل حلاوى فالوذجا، فوقف ينظر ~~إليهما وهو ساه مفكر، فقلت يا مولاي: دعني آخذ من هذا وهذا، ~~ورقاقا وخبزا ومنزلي قريب تشرفني بأن نجعل راحتك اليوم عندي. فقال: يا ~~هذا، أظننت أني قد اشتهيتهما، وإنما فكري في أن الحيوان كله لا يدخل ~~النار، إلا بعد الموت ونحن ندخلها أحياء. # يا رب عفوك عن ذي شيبة وجل # كأنه من حذار النار مجنون # قد كان ذمم أفعالا مذممة # أيام ليس له عقل ولا دين # تمت الرسالة، والحمد لله ذي الأفضال، وصلواته على محمد وخيرة الآل، ما فرغت من هذه ~~السوداء، حتى ثارت بي السوداء وأنا أعتذر من خطل فيها أو زلل؛ فإن الخطأ مع ~~الاعتذار والاجتهاد والتحري موضوع عن المخطئ، ومن ذا الذي يؤتى الكمال فيكمل. # قال عمر بن الخطاب: رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي، وأسأله - أدام الله عزه - ~~تشريفي بالجواب عنها؛ فإن هذه الرسالة على ما بها قد استحسنت، وكتبت عني وسمعت مني ~~وشرفتها باسمه وطرزتها بذكره. # والرسالة التي كتبها الزهرجي إلي كانت أكبر الأسباب في دخولي إلى حلب، وإذا جاء ~~جواب هذه سيرتها بحلب وغيرها - إن شاء الله - وبه الثقة، وصلى الله على سيدنا ms168 ~~محمد وعلى آله وسلم . # القسم الخامس # | ملقى السبيل # | سانحة للناشر والمعري وشبنهاور # من عهد بعيد بحث كتاب الشرق والغرب عن حياة الشاعر الحكيم أبي العلاء المعري، ~~وتأليفه، وعرفوه بما يستحقه من الإجلال والتعظيم، فلا حاجة لإيراد ترجمته هنا، إلا أنا ~~لم نر أحدا أشار إلى المشابهة الغريبة الموجودة بين فلسفة المعري، ومذهب شبنهاور ~~الحكيم الجرماني. # ولد أرثور شبنهاور بمدينة دنتسيغ بألمانيا (سنة 1788م)، فاعتنت أمه ~~بتثقيفه. وكانت من مشاهير قصاصي ذلك القرن فأحسنت تربيته، وبعد أن تلقى ~~العلوم بجامعة برلين وحصل على أعلى شهاداتها، أخذ يدون آراءه الفلسفية، ~~فألف عدة كتب أهمها: «الإرادة في الطبيعة» و«أساس الحكمة»، وأشهرها: ~~«فصول في الحكمة في الحياة»، وفيه جمع شبنهاور حكمه في أقوال موجزة وفصول قصار، ~~وصف فيها أتعاب الحياة وآلام البشر على صورة تؤلم القارئ لانطباقها - في الغالب ~~- على الواقع، ومذهب شبنهاور أن جميع مشاق الإنسان، وأتعابه الدنياوية الأصل فيها ما ~~يسميه: «إرادة البشر»، يعني: شهوات طبيعتنا وحبنا التمتع والتلذذ بالحياة، أوليس ~~هذا رأي المعري عندما يقول: «إنك إلى الدنيا مصغ، وحبها للبشر مطغ، لو أنك لشأنها ~~ملغ، أبغاك ما تأمله مبغ.» ولولا خوف الإطالة لأوردنا شيئا كثيرا من ~~تشابه أقوال الحكيمين. توفي أرثور شبنهاور بفرنكفورت (عام 1860م). # ومن اطلع على طريقة هذا الفيلسوف الألماني تيقن أن معتقده، ويأسه من الحياة ~~وتشاؤمه المستمر يطابق كثيرا مذهب المعري، خصوصا في فحصه عن أتعاب البشر وآلامهم ~~وجسه أسقام الإنسان كالباحث الماهر، والطبيب العارف من غير حنان ولا شفقة على هذا ~~النوع الإنساني، وبدون أن يبين وصف الأدوية التي ينبغي اتخاذها ~~واستعمالها للاتقاء وتسلية تلك المواجع، وهناك علاقة وتشابه آخر بين أبي العلاء ~~وشبنهاور، وهو كونهما لم يتزوجا، وعاشا في عزوبة مستمرة وعزلة وانقطاع، مما أثر ~~في طبعيهما وجعلهما يتشاءمان وينتقدان الهيئة الاجتماعية، ويتناولان أهل الدين وأرباب ~~الشعائر والنساء والاعتقاد، ويسيئان الظن بالدنيا وساكنيها. # والفرق بين العالمين هو كون شبنهاور استقل في علم الفلسفة ودراستها والتدوين فيها، ~~بخلاف المعري الذي لم يشتغل بالفلسفة من حيث هي ms169 علم، وإنما كان يبحث عن أسباب الأشياء ~~وتعليل وجودها، فتخطر له خطرات حكمية تستحوذ على مخيلته وذهنه الحاد، ~~فتسكبها قريحته الشعرية في تلك القوالب العجيبة، التي تظهر من قصائده. # بقي علينا أن نتكلم على رسالة «ملقى السبيل»، التي نقدمها اليوم إلى ~~محبي الآثار العربية والمولعين بنثر شاعر الفلاسفة، وفيلسوف الشعراء ونظمه، ~~فالظاهر من هيئة هاته الرسالة وإنشائها أن المعري ألفها في الدور الأخير من ~~حياته، زمن عزلته وانقطاعه (حوالي سنة 334ه)، وقد زهد في الدنيا لكبره واقتراب ~~أجله، فكأنه أراد الرجوع للمبادئ الدينية وسلك طريقة الوعظ والنسك ~~وتمسك بالاعتقاد، وأين قوله زمن صغره لما كان في غزارة قواه وعنفوان ~~شبابه: # ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة # وحق لسكان البسيطة أن يبكوا # تحطمنا الأيام حتى كأننا # زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك # من اعترافه بالبعث والمعاد في هاته الرسالة كقوله: «وفي الآخرة يكون المجمع.» ~~وقوله: «وعند الباري تكون الزلف.» وهلم جرا. # أما أسلوب هذه الرسالة - في مجمله - فهو يشابه كثيرا لهجة ~~الخطب البليغة ذات الفصول القصار التي كان يلقيها خطباء العرب: كسحبان وائل ~~الباهلي، وقس بن ساعدة، وعامر بن الطفيل، وأمثالهم بأسواق الجاهلية، وإليك ~~نموذجا من كلام قس بن ساعدة خطيب بني إياد الذي قال فيه النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «رأيته بسوق ~~عكاظ على جمل أحمر يقول: أيها الناس، اجتمعوا فاسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن ~~مات فات، وكل ما هو آت آت، في هذه آيات محكمات: مطر ونبات، وآباء وأمهات، ~~وذاهب وآت، ونجوم تمور، وبحور لا تغور، وسقف مرفوع، ومهاد موضوع، وليل داج، ~~وسماء ذات أبراج، ما لي أرى الناس يموتون ولا يرجعون، أرضوا فأقاموا، أم حبسوا ~~فناموا؟! يا معشر إياد، أين ثمود وعاد؟ وأين الآباء والأجداد؟ أين المعروف الذي يشكر، ~~والظلم الذي لم ينكر؟» # في الذاهبين الأولين # من القرون لنا بصائر # لما رأيت مواردا # للموت ليس لها مصادر # ورأيت قومي نحوها # تمضي الأكابر والأصاغر # لا يرجع الماضي ولا # يبقى من الباقين غابر # أيقنت أني لا محا # لة حيث صار ms170 القوم صائر # وسوف يرى القارئ ما بين الكلام المتقدم، وحل المعري وعقده في «ملقى ~~السبيل» من مطابقة المعنى، ومشابهة اللهجة. # أما النسخة التي اعتمدنا عليها في النقل، فهي محفوظة بمكتبة الأسكوريال من ~~بلاد الأندلس تحت نمرة (764)، وهي بخط الراوي لها، القاضي الإمام الشريف أبي محمد ~~عبد الله بن القاضي أبي الفضل عبد الرحمن بن يحيى الديباجي العثماني رسمها بالإسكندرية ~~أوائل القرن السادس، وقد اعتنى برسمها وضبط جملها بطريقة ثابتة مدققة، ~~وهي فيما أعتقده أقدم نسخة لملقى السبيل، ولا يبعد أن تكون هي ~~التي عول عليها أدباء الأندلس في معارضاتهم لها؛ فقد جاء في نفح ~~الطيب أن الحافظ أبا الربيع الكلاعي الأندلسي المتوفى بالجهاد ~~(سنة 634ه)، عارض هذه الرسالة بتأليف سماه: «مفاوضة القلب العليل ~~ومنابذة الأمل الطويل بطريقة المعري في ملقى السبيل». # كما تحتوي مكتبة الأسكوريال نفسها على كتاب نمرة (519)، من وضع الكاتب الشهير ~~أبي عبد الله محمد بن أبي الخصال، وزير يوسف بن تاشفين سلطان المرابطين عارض به ~~«ملقى السبيل» أيضا، ومن جهة أخرى يوجد بمقدمة النسخة التي ~~لدينا، وهي - كما قدمنا - صورة فوتوغرافية من الأصل الأندلسي كثير من ~~الإجازات تنبئ بقراءة هذه الرسالة على أساتذة متضلعين تلتحق ~~رواياتهم بالراسم الأول، نعني عبد الله الديباجي، وأقدم توقيع من هذا ~~النمط مؤرخ (سنة 562ه)، وهو مما يستدل به أيضا على اهتمام الأندلسيين بتأليف ~~المعري. # وعسى أن ننشر فيما بعد رسائل أخرى من وضع هذا الفيلسوف الشاعر - والله ~~ولي التوفيق. # تونس، 10 ربيع الأول سنة 1329ه، ح. ح. عبد الوهاب # | ملقى السبيل # بسم الله الرحمن الرحيم # أخبرني بملقى السبيل هذه الشيخ أبو المظفر سعد بن أحمد بن حماد المعري ~~- رحمه الله - عن أبيه، عن أبي العلاء ناظمها، وكتب عبد الله بن عبد الرحمن ~~العثماني. # قال الشيخ الإمام أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري، رهين ~~المحبسين: # الهمزة # كم يجني الرجل ويخطئ، ويعلم أن حتفه لا يبطئ! # نظمه «مخلع البسيط» # إن الأنام ليخطئون # ويغفر الله الخطيئه # كم يبطئون عن الجمي # ل ms171 وما مناياهم بطيئه # الألف # ابن آدم في سير وسرى، يهجر بحرصه الكرى، وطالما كذب وافترى، ليصل إلى ~~خسيس القرى، وإنما يحصل على الثرى، كأنه لا يسمع ولا يرى. # نظمه «سريع» # أما يفيق المرء من سكره # مجتهدا في سيره والسرى # نمت عن الأخرى فلم تنتبه # وفي سوى الدين هجرت الكرى # كم قائل راح إلى معشر # أبطل فيما قاله وافترى # على القرا يحمل أثقاله # وإنما يأمل نزر القرى # يفتقر الحي ويثري وما # يصير إلا جثوة في الثرى # اسمع فهذا قائل صادق # أراك عقباك فهلا ترى # الباء # يفتقر إلى الله الأرباب، وبالكافر يحل التباب، وتنقطع بالموت الأسباب، وفي ~~الخالق تحار الألباب. # نظمه «رجز» # دانت لرب الفلك الأرباب # وبالكفور يلحق التباب # كم قطعت لميتة أسباب # وافترقت برغمها الأحباب # التاء # النفس تصرفت وانصرفت، والأعضاء تألفت ثم تلفت، والأقضية بحق ~~هتفت، ما أعفيت المحلة لكن عفت، كم شفيت المدنفة فما اشتفت. # نظمه «مجزوء الرجز» # نفس الفتى في دهره # تصرفت وانصرفت # تألفت أعضاؤه # وافترقت إذ تلفت # أقضية الله دعت # فأسمعت إذ هتفت # ما أعفيت ديارهم # من الرزايا بل عفت # كم شفيت مريضة # من مرض فما اشتفت # الثاء # من أعظم الحدث، سكنى الجدث. # نظمه «متقارب» # يدوم القديم إله السماء # ويفنى بأقداره ما حدث # وما أرغب المرء في عيشه! # ولكن قصاراه سكنى الجدث # الجيم # العجب بجاهل مداج، يأسف لبين الأحداج، ويعصي الملك والليل داج، وما ~~هو من الحتف بناج. # نظمه «مخلع البسيط» # يا أيها العاقل المداجي # وليله بالسفاه داجي # كأنما عينه إذا ما # تحمل الحي في زجاج # كم أعمل الناجيات حرصا # وليس من حتفه بناج! # رجا أمورا فلم تقدر # وكل من في الحياة راجي # الحاء # إن ابن آدم لشحيح، سوف يمرض من القوم صحيح، تعصف بعقله ريح، فإذا هو لقي ~~طريح، ثم يحفر له ضريح، إن ذلك لهو التبريح. # نظمه «مخلع البسيط» # يا أيها الممسك الشحيح # سيمرض السالم الصحيح # ما لك لم تنتفع بعقل # هل عصفت بالعقول ريح؟ # إن شيد القصر في سرور # فبعده يحفر الضريح # يطرح الهم بالمنايا ms172 # من جسمه في الثرى طريح # الخاء # بكى على الميت مواخ ، كان أجله في تراخ، فلتنه الصارخة عن ~~الصراخ. # نظمه «مخلع البسيط» # في الله آخى فتى لبيب # وأسلم الهالك المواخي # بكى عليه فهل تراه # في أجل دائم التراخي # اعتقد الحق واعتمده # لا تزرع الحب في السباخ # الدال # أما بصرك فحديد، وأما ثوبك فجديد، وظلك بقضاء الله مديد، وحولك العدد ~~والعديد، ولكنك سواك السديد، طرقك وعد ووعيد، فهل تبدئ وهل تعيد، أم غريك، ~~هو السعيد. # نظمه «وافر» # أرى ملكا تحف به موال # له نظر إلى الدنيا حديد # ضفا برد الشباب عليه حتى # مضت حقب وملبسه جديد # يزول القيظ في صيف ومشتى # ويستر شخصه ظل مديد # وفت عدد لديه فمن دروع # وأسياف ينوء بها عديد # وكان السعد صاحبه زمانا # ولكن طالما شقي السعيد # بدا شخص المنون لناظريه # وقيل له أتبدي أم تعيد # تصعد في المراتب غير وان # وأحرزه على الرغم الصعيد # تفرقت الجيود فما حمته # وأبطلت المواعد والوعيد # الذال # أما العيش الناعم فيلذ، ولكن سببه يجذ. # نظمه «متقارب» # يلذ الفتى غفلات الحياة # وليس بمتصل ما يلذ # يمد له الظن آماله # ولكنها عن قليل تجذ # العاجلة سبيل منفوذة، وهي عند أهل الرشد منبوذة، والأنفس بحق مأخوذة، لا ~~الدرع تنفع ولا الخوذة. # نظمه «سريع» # انفذ من الدنيا ولا تلتفت # فإنها بالعنف منفوذه # حازتك فانبذها إلى أهلها # فهي لدى الأخيار منبوذه # ولا تمسك بحبل لها # تصبح من كفيك مجذوذه # مأخوذة مانعة في الورى # نفس بحكم الله مأخوذه # لا سقية أغنت ولا رقية # ولا تميمات ولا عوذه # الراء # لقد هجرت الخدور، وغدر بها الزمان الغدور، فإذا الخدر عوضه ~~قبر، هل ينفعك جزع أو صبر، من بارئك يجري المقدور، وتفنى الشهب ~~والبدور. # نظمه «مخلع البسيط» # تظهر أسرارها الخدور # بما قضى الواحد القدير # كم دار في خاطر ضمير # من فلك دائب يدور! # وضاق صدر بمشكلات # تضيق عن مثلها الصدور # يثبت فرد بلا قرين # وتهلك الشهب والبدور # الزاي # لا تبرزي يا غانية؛ فإنها الدنيا الفانية، سترك بكلة والداك، ~~فلتمسك بالنسك ms173 يداك، الورع ذهب إبريز، والجدث حرز حريز، قد تهلك فتاة ~~رود، وتلبث مسنة ترود. # نظمه «مخلع البسيط» # يموت قوم وراء قوم # ويثبت الأول العزيز # كم هلكت غادة كعاب # وعمرت أمها العجوز # أحرزها الوالدان خوفا # والقبر حرز لها حريز # يجوز أن تبطئ المنايا # والخلد في الدهر لا يجوز # السين # يا ابن آدم كم تحرس وتحترس، والموت أسد يفترس، إن كنت بجبل ~~أو واد، فإن الأودية مثل الأطواد، يسمعها من الله داع، جل رب العظمة ~~والابتداع. # نظمه «متقارب» # أيحترس المرء من حتفه # وما حاد عن يومه المحترس # هل الناس إلا نظير السوا # م وآجالهم أسد تفترس # يحل الربا ويحل الوهود # ولا بد للربع أن يندرس # الشين # لا تك ذا طيش، واعجب لما وهب من العيش، ما فعل آدم وبنوه، كم أدرك النمر ~~مجتنوه، يبدي التوفر أخو المعيشة، والجبل مثل الريشة، المنزل ~~لأمر معروش، وبالقدر تثل العروش. # نظمه «مخلع البسيط» # أين مضى آدم وشيث # وأين من بعده أنوش # مر أبي تابعا أباه # ومد وقت فكم أعيش # لا ملك إلا لرب عرش # تثل عن أمره العروش # خف من الخوف كل طود # حتى كأن الجبال ريش # تطيش نبل الرماة منا # وأسهم الحتف لا تطيش # ولم يزل للمنون جيش # تفل من ذكره الجيوش # يحث بالنعش حاملوه # وشد ما سارت النعوش # لا حبذا الأنس والخطايا # وحبذا النسك والوحوش # الصاد # المرء عما وجب ناكص، والشخص للحدث شاخص، إن ظل ~~الفانية لقالص، فهل خلص إلى الله خالص؟ إن دينك لوديعة في المحار، إنما يدرك ~~بغوص البحار، وعدم دين في الأنام. وكان كالحلم في المنام. # نظمه «سريع» # من ادعى النسك على غرة # فقل له ما صدق الخارص # والنسك مثل النجم في بعده # والخلق أن يبلغه ناكص # كالدرة العذراء ما نالها # إلا امرؤ في بحرها غائص # في لجة قامصة سفنها # ويصرع المستمسك القامص # تلعب بالألواح أمواجها # كأنما مركبها راقص # نحن كنبت عامه مجدب # وماؤه مستنكر ناقص # الضاد # دينك عناه المرض، ضاعت النافلة والمفترض، وخدعك هذا العرض، وجسمك ضعيف ~~حرض، لقد بعد ms174 منك الغرض، وسوف يطلب المقترض. # نظمه «منسرح» # دينك مضنى أصابه سقم # والخسر في أن يميته المرض # وهل ترجى لديك نافلة # من بعد ما ضاع منك مفترض # غرضت من هذه الحياة فهل # غرك فيما ترومه غرض؟ # تميل من جوهر إلى عرض # والروح في جوهر عرض # حرضك الشيب أن تتوب فما # تبت فهلا تذكر الحرض # أقرضت عمرا فما صنعت به # سوف يرد الأنام ما اقترضوا # الطاء # فودك علاه الشمط، والمرء ينقص ويغمط، كالطفل كهلك ~~فهلا يقمط، لقد عرف هذا النمط، والنفس تطعن ولا تضبط، وأجر ~~من كفر يحبط، أين موفق لا يغلط، والموت في العالم مسلط، وعائد الملك ~~لا يقنط. # نظمه «هزج» # إلام الحرص والرغب # ة في أشيب كالأشمط # وكالطفل غدا الكهل # فما للكهل لا يقمط # ولا يغضب أخو الريب # ة أن ينقص أو يغمط # فما الخاسر إلا كا # فر أعماله تحبط # بني آدم إن تعصوا # فما أخسر من يقنط # غبطتم صاحب الثرو # ة والزاهد لا يغبط # أما تغلط في الدهر # بأن توجد لا تغلط # الظاء # أما دينك فمتشظ، وأنت على الفانية متلظ، متقرب بالمين ~~متحظ. # نظمه «مخلع البسيط» # أصبحت في غمرة ولهو # تجيء بالمين كي تحظى # احذر على الدين من تشظ # فالدر ملقى إذا تشظى # لو هاب حر اللظى مسيء # ما اهتاج حرصا ولا تلظى # فابد للسائلين لينا # ولا تكن في الجواب فظا # العين # المرء خدعه الطمع، مرأى في الزمن أو مسمع، يدأب الرجل ~~ويجمع، خلب وميض يلمع، والعين للحذر تدمع، والسحب بالأقضية ~~همع، وفي الآخرة يكون المجمع. # نظمه «سريع» # غرك ما يخدع من زخرف الدنيا # فزاد الحرص والطمع # علمت أن الدهر في صرفه # مفرق عنك الذي تجمع # سمعت بالخطب وعاينت # هل كفك ما تبصر أو تسمع؟ # تدمع جفناك على زائل # والعين للرهبة لا تدمع # كم أومض البارق في عارض! # فألفى الكاذب إذ يلمع # سحب تجلى خاليا دجنها # عنكم وسحب بعدها همع # الغين # إنك إلى الدنيا مصغ، وحبها للبشر مطغ، لو أنك لشأنها ملغ، ~~أبغاك ما تأمله مبغ. # نظمه «خفيف» # صاغك ms175 الله لجمال بقلب # معرض عن نصيحة ليس يصغي # تكثر اللغو في المقال ولو # وفقت ما كنت للديانة ملغي # لم تزل تزجر الطغاة فلا تطغ # فحب الدنيا لمثلك مطغي # لو بغيت الذي أراد بك الله # لأعطاك فوق ما أنت تبغي # الفاء # طال الكلف والكلف فأين الخلف والسلف؟! إن العافية هي التلف، ~~وعند البارئ تكون الزلف، إلام تكذب وتحلف، وللإثم لو ظهر أكلف. # نظمه «متقارب» # كلفت بدنياك شر الكلف # فجاءتك مما صنعت الكلف # تبعت الغواة وما أسلفوا # فهلا أخذت بقول السلف # وصدقت نفسك في ظنها # وكم قائل مان لما حلف # تخلف مالك للوارثين # وكانوا بعلمك بئس الخلف # ترجي الحياة وأسبابها # وتطلب عند المليك الزلف # ولو ظهر الإثم للناظرين # لراعك في الوجه منه كلف # نصحتك فأذن إلى من يقول # تلاف أمورك قبل التلف # القاف # قلبك معنى يخفق، يخاف من عاجلتك ويشفق، وبارئك هو الموفق، ~~أصبحت من عمرك تنفق، ترقع العذر وتلفق، وأنت في مطلبك مخفق، يطول ~~تعبك فهلا ترفق. # نظمه «سريع» # إن خفق البارق في عارض # فالقلب من روعه يخفق # تأسف إن أنفقت مالا ولا # تأسف من عمرك إذ تنفق # تظل من فقد الغنا مشفقا # ومن قبيح الإثم لا تشفق # مرتفقا في وطن حافظا # تسأل ما هان فلا ترفق # يعود عن غيمك من شامه # وهو شديد ظمؤه مخفق # الكاف # سبح إلهنا الفلك، وقدس البشر والملك، والجسم في العفر ~~يستهلك، والمرء بالعارفة يملك، والنهج للآخرة يسلك. # نظمه «مجزوء الرجز» # سبح مع الشهب كما # سبح من قبلك الفلك # قدس إنسان على # الأرض وفي الجو ملك # لا تبك للميت فكم # مات كريم وهلك # ما خبر الغابر عن # دفينه أين سلك # ما لك شيء وإذا # أطعت فالرحمة لك # اللام # غرك تفصيل وجمل، والحي خدعه الأمل، سعيك فسد والعمل، ما ~~نفعك حج ولا رمل، كأنك بين الجهل همل. # نظمه «سريع» # ما زلت مشغولا بلا خشية # يغرك التفصيل بعد الجمل # تحملك الأرض على ظهرها # وأنت سار فوق ظهر الأمل # ما لي أرى عينيك لم تهملا # كأنما أنت مخلى همل؟! ms176 # ما يشفع الحسن لأصحابه # إن حسن الوجه وساء العمل # رملت في مكة تبغي الهدى # فهل نهاك السعي بعد الرمل؟! # الميم # أفي مسمعك حل الصمم؟ أم لبك أصاب اللمم؟ وتحسن للأنيس ~~الهمم، وفي التراب تطوى الرمم، وفي الباطن تخان الذمم، على ذلك تمر ~~الأمم. # نظمه «سريع» # ما لك لم تصغ إلى عاذل # أحل في المسمع منك الصمم؟! # أجاهل أنت فتلحى على ال # عصيان أم مس حجاك اللمم؟! # همتك العليا هوت في الثرى # وشيمة الزاكي علو الهمم # لم تف بالذمة للحر وال # حر مراع وافيات الذمم # والذكر يبقى للفتى برهة # وإن توارت في التراب الرمم # تيمم الخير ولا ترهب ال # موت فللموت تصير الأمم # النون # لله الكرم والمنن، وعن بارئك تزول الظنن، لا يسترك من الموت ~~الجنن، وبالعاصف يراع الفنن، لا تعصمك تلك القنن. # نظمه «سريع» # ويحك لا تمنن على منعم # عليه فالخالق رب المنن # فظن خيرا بالأخلاء وإلا # فالخير يخفو الظنن # يجنك القبر فلا تلف كال # مجنون يبغي واقيات الجنن # وافتن في خوفك رب العلا # وأنت في سرحك مثل الفنن # إنك قن لمليك حوى ال # ملك فلا تعصم منه القنن # لتقرع السن غدا نادما # إن كنت ضيعت جميل السنن # الهاء # المرء نهي فما انتهى، ما زال في العاجلة يزدهي، إن قيل ما أحسن وما ~~أبهى، فأين صاحبك لما وهى، وطال ما نعم ولها، ونال في العمر ما اشتهى، ما ~~بين غزلان ومهى، دهاه الزمن فيمن دها، وألهى عمرا باللهى، مصور ~~القمر والسها. # نظمه «سريع» # المرء معتوب على فعله # كم سمع النهي فألا انتهى؟! # زايله اللهو وزار البلا # وطالما عاينته مزدهى # باهى زمانا بالذي ناله # ثم أتى الموت فأين البهى # وهت عقود كان في عصره # أحكمها لا عاقد ما وهى # ما شهوات الحي إلا أذى # إن نال من مدته ما اشتهى # كان يرى في غزل دائما # ما بين غزلان له أو مهى # دهاه بالمقدور لم يدفع ال # خطب عن مهجته إذ دهى # سها عن الواجب فاغتاله # مصور البدر ورب السها # الواو # أما ms177 صحبك فقد غووا، عبوا في المورد فما ارتووا، أبادتهم ~~الأقضية حتى تووا، خلوا للوارث ما احتووا، طواهم القدر فانطووا، ولاقتهم ~~الآخرة بما نووا. # نظمه «سريع» # لا تغو في دنياك مستهترا # فإن أصحابك فيها غووا # عزلهم في سربهم مورد # لو كان يروي مثله لارتووا # نادتهم الأقدار يا ساكني ال # أرض ألا تنوون حتى تووا # خلوا أحاديثهم واحتوى # آخذ ميراث على ما حووا # انتشروا في عيشهم أعصرا # ثم طواهم قدر فانطووا # فلتحسن النية من بعدهم # فالناس يجزون على ما نووا # اللام والألف # كل غد يخدم أملا، يسيء في ما بطن عملا، يصبح بسيفه مشتملا، ~~لا يطلب رزقه محتفلا، والرزق لا يترك متوكلا، لم يرد في العالم حيلا. # نظمه «بسيط» # ما في البسيطة من عبد ولا ملك # إلا حليف عناء يخدم الأملا # يحث نفسا عن الإحسان عاجزة # وقد أساء بعلم الواحد العملا # فهل ترى الدهر أنثى أو ترى ذكرا # يشابه امرأة في الخلق أو رجلا # يروم بالسيف رزقا جاء في عنف # ما كان يخطوه في خفض لو اتكلا # يبغي المعالي في أوفى مجاهدة # فإن تخلف عنها لطف الحيلا # يا ساكني الترب ما عندي لكم خبر # فليت شعري عن المقبور ما فعلا # لم تأتنا منكم رسل مخبرة # ولا كتاب إلينا منكم وصلا # الياء # الحي بعد العيشة ردي، وجاءه القدر فما فدي، وشخصه بالقاضية ~~ردي، لم يرزق النهل إن صدي، لكنه عن ذلك عدي، أظلته ~~العاجلة فما هدي، وجادته الاسمية فما ندي، وقتلته الحادثات ~~فما ودي. # نظمه «سريع» # المرء في أردية لونت # ماش ولكن بعد هذا ردي # فدى الأسارى زمنا ذاهبا # وجاءه الموت فلا فدي # فيا ردي العقل إن الفتى # لم يدفع المقدور حتى ردي # ظل صداه في الثرى ساكنا # ولم يصادف منهلا إذ صدي # رنت له الأعداء أن عاينت # صاحبها عن كل خير عدي # كان الهدى يهدي إلى قلبه # من سمعه لو انه يهتدي # جادت له أسمية برهة # وعاد يبسا غصنه ما ندي # لا يطلب الثار لميت ولا # يودى لعمر الله فيمن ودي # نجزت، ms178 والحمد لله. # القسم السادس # | رسائل الانتقاد # | كلمة للناشر # بينا كنت في خلال العام الفارط، أرسل رائد الطرف في بعض المخطوطات العربية ~~القديمة عثرت على كتاب صغير الحجم جميل الخط عتيقه، فتأملته فوجدته لمؤلف ~~تونسي معدود من البلغاء، وإذ كان لي ولوع شديد بالاطلاع على مآثر ~~الأدباء من بني وطني تعلقت رغبتي بتعريف هذا التصنيف، بيد أني لما أخذت ~~أتلو رشيق معانيه، وأحلل دقائق مبانيه، وجدت نقصا فادحا بين أوراقه ~~أفسد عقد جمله، فحل بي من ذلك قلق عظيم، ثم بعد مدة وقعت في فهرست ~~القسم العربي من مكتبة الأسكوريال بجزيرة الأندلس على اسم مقامة تحت عدد (536)، ~~منسوبة إلى أبي عبد الله محمد بن شرف القيرواني، فانجلى خاطري، وبادرت في الحال ~~لطلب نسخة منها من بعض زملائي المستشرقين، فلما وافتني صورتها وطابقتها، ~~بما لدي عاودني سروري الأول وقوي عزمي؛ إذ كانت القطعة الأندلسية ~~مطابقة للقسم الأول من النسخة التونسية بزيادة ما نقص، فأسرعت حينئذ إلى النسخ، ~~وأتممت هاته بتلك حتى كمل، والحمد لله ما كنا نرغبه، وهو ما نقدمه اليوم لطلاب ~~الآداب العربية. # ومن المناسب أن نذكر شيئا عن الأصلين اللذين أخذنا عنهما، فالأول وهي ~~النسخة التونسية تشتمل على ستين صفحة شرقية، يلوح من شكل خطها أنها من ~~القرن السابع، لكنها صعبة القراءة؛ لانطماس الأحرف، ودثور كتابتها دع ما لحق الورق من ~~العث الذي أهلك جانبا وافرا منها. # أما القطعة الأندلسية التي أكملنا بها ما ضاع من التأليف، فهي تحتوي على ~~ثماني عشرة صفحة صغيرة الحجم أندلسية الخط قديمة النسخ، كما ~~يتبين ذلك من التاريخ الذي وضعه بعض المطالعين في الصفحة الآخرة، حيث قال: ~~«طالعته في موفى سنة خمس وخمسمائة.» وبهذا يستدل على أن هاته ~~القطعة كتبت زمن المؤلف مدة إقامته بالأندلس حوالي (سنة 455) أو ~~قريبا من عهده، ومهما كان الحال فهي أقدم من أختها التونسية، إلا أنها أخصر ولا ~~تشتمل إلا على المقامة الأولى. # ويلوح لي أن مؤلفنا قصد بتدوين هذه الرسائل معارضة «كتاب ~~العمدة»، الذي وضعه زميله ومعاصره الحسن ms179 بن رشيق القيرواني، كما سنبينه في ~~ترجمته، إلا أن الرسائل المعارض بها كانت أطول وأكثر مما وجدناه ~~وأردناه هنا، يؤيد ذلك ما جاء في سياق كلام ابن شرف في مقدمته للمجلس الأول، ~~حيث قال: «فأقمت من هذا النحو عشرين حديثا.» فالمظنون أنه يقصد ~~بالحديث مجالسه مع الأستاذ الموهوم، الذي سماه «أبا الريان» كما اختلق الحريري في ~~مقاماته شخص الحارث بن همام، واخترع الهمذاني عيسى بن هشام، فعسى أن يساعدني ~~الحظ بالعثور على بقية هذا التأليف النفيس، إن كان في عالم ~~الموجودات. # وقد احترمت في الاستنساخ الطريقة التي أتى عليها الأصل في الرسم وضبطه، إلا ما ~~نبهت عليه أسفل المتن مع التعاليق، ولما كان الاعتراف بالمعروف فريضة، وجب ~~علي أن أرفع شكري الخالص للكاتب البليغ، والباحث المدقق محمد بدر الدين ~~أفندي النعساني الذي أعانني بعلومه النيرة، لإزالة بعض مشكلات النسخة التونسية، كما ~~أقدم عبارات ودادي إلى العالم المستعرب المتمكن، صديقي الأستاذ كارلو نالينو الذي ~~أسعفني بالحصول على صور القطعة الأندلسية، وهو لا يزال يفيدني بإشاراته العلمية وفكره ~~الصائب فجزيا عني خير جزاء - والله ولي توفيقي به أهتدي وإليه أنيب. # تونس، حسن حسني عبد الوهاب. # | ترجمة المؤلف ابن شرف القيرواني # نبغ أبو عبد الله محمد بن أبي سعيد بن أحمد بن شرف الجذامي ~~القيرواني نحو (سنة 390ه)، من إحدى البيوتات الشريفة القادمة مع الجيش العربي ~~الفاتح، والقيروان إذ ذاك زاهية زاهرة بالعلوم رافلة بالمعارف والفنون، ~~فروى المعقول والمنقول عن أفاضل ذلك العصر كأبي الحسن القابسي، وأخذ الفنون ~~الأدبية من أساتذتها: كأبي إسحاق إبراهيم الحصري القيرواني، ومحمد بن جعفر القزاز، ~~وغيرهما، حتى برع فيها وأجاد؛ فألحقه حينئذ المعز بن باديس الصنهاجي أمير ~~إفريقية بديوان حاشيته؛ لما رأى فيه من الذكاء والنجابة، وهناك التقى ابن شرف ~~بجماعة من الكتاب البلغاء، والشعراء الظرفاء الذين كان يجمعهم ديوان الملك، ~~مثل علي بن أبي الرجال الكاتب، رئيس قلم الإنشاء، وأبي علي الحسن بن رشيق صاحب العمدة، ~~ومحمد بن حبيب القلانسي، وغيرهم. # وطبيعي أن وجود ابن شرف في ms180 مثل هذا الوسط، دعاه إلى تتبع ~~الوجهة التي شب عليها وقوي نشاطه؛ إذ كان أولئك الأدباء الأجلاء يتسابقون ~~في التقرب بنظمهم ونثرهم إلى الأمير؛ رغبة في العطايا الهائلة والهبات ~~الطائلة، وحصل عن هذا التنافس والتزاحم حركة فكرية أدبية لم تر ~~إفريقية مثلها في عصر من عصور السلطنة الإسلامية، وصارت القيروان كعبة العلم ~~التي يحج إليها العلماء من جميع أصقاع المغرب حتى من الأندلس، وقد خصص المعز لصحبته ~~من بين هؤلاء الزعماء المتقدمين ابن شرف هذا، وابن رشيق، فكان يلتفت تارة إلى ~~الأول وأخرى إلى الثاني، وجرى بسبب ذلك بين هذين الأديبين مناقضات ومهاجاة رسمها كل ~~منهما في رسائل مستقلة، ومقامات متنوعة لم يصل إلينا منها شيء - فيما ~~نعلم. # حكى ابن شرف المترجم له في كتابه «أبكار الأفكار»، قال: استدعاني المعز بن باديس ~~يوما، واستدعى أبا علي الحسن بن رشيق الأزدي، وكنا شاعري حضرته وملازمي ديوانه. فقال: ~~أحب أن تصنعا بين يدي قطعتين في صفة الموز على قافية الغين، فصنعنا حالا من غير ~~أن يقف أحدنا على ما صنعه الآخر، فكان الذي صنعته: # يا حبذا الموز وإسعاده # من قبل أن يمضغ الماضغ # قد لان حتى لا مجلس له # فالفم ملآن به فارغ # سيان قلنا مأكل طيب # فيه وإلا مشرب سائغ # والذي صنعه ابن رشيق: # موز سريع أكله # من قبل مضغ الماضغ # فمأكل لآكل # ومشرب لسائغ # فالفم من لين به # ملآن مثل فارغ # يخال وهو بالع # للحلق غير بالغ # فأمرنا للوقت أن نصنع فيه على حرف الذال، فعملنا ولم ير أحدنا صاحبه ما عمل، فكان ما ~~عملته: # هل لك في موز إذا # ذقناه قلنا حبذا # فيه شراب وغذا # يريك كالماء القذى # لو مات من تلذذ # به لقيل ذا بذا # وما عمله ابن رشيق: # لله موز لذيذ # يعيذه المستعيذ # فواكه وشراب # به يداوى الوقيذ # ترى القذى العين فيه # كما يريها النبيذ # قال ابن شرف: فأنت ترى هذا الاتفاق، لما كانت القافية واحدة والقصد ~~واحدا، ولقد قال من حضر ذلك اليوم: ما ندري مم ms181 نعجب أمن سرعة البديهة، أم من غرابة ~~القافية، أم من حسن الاتفاق. # وحكى المؤلف المترجم له أيضا في كتابه المذكور قال: «استخلانا المعز يوما. وقال: ~~أريد أن تصنعا شعرا؛ تمدحان به الشعر الرقيق الخفيف، الذي يكون على سوق بعض ~~النساء فإني أستحسنه، وقد عاب بعض الضرائر بعضا به، وكلهن قارئات كاتبات ~~فأحب أن أريهن هذا، وأدعى أنه قديم لأحتج به على من عابه، وآسى به من ~~عيب عليه، فانفرد كل منا وصنع في الوقت، فكان الذي قلت: # وبلقيسية زينت بشعر # يسير مثل ما يهب الشحيح # رقيق في خدلجة رداح # خفيف مثل جسم فيه روح # حكى زغب الخدود وكل خد # به زغب فمعشوق مليح # فإن يك صرح بلقيس زجاجا # فمن حدق العيون لها صروح # وكان الذي قال ابن رشيق: # يعيبون بلقيسية أن رأوا لها # كما قد رأى من تلك من نصب الصرحا # وقد زادها الترغيب ملحا كمثل ما # يزيد خدود الغيد ترغيبها ملحا # فانتقد المعز على ابن رشيق قوله يعيبون. وقال: «أوجدت لخصمها حجة بأن بعض ~~الناس عابه».» فانظر ما ألطف هذه المناضلات، وما أحلى هذه الحكايات. ولولا خوف الإطالة ~~لزدنا من هذه طرفا تروق الخاطر. # واستمر ابن شرف على خدمة المعز إلى أن زحف عرب الصعيد من هلاليين ورياح ~~وغيرهم، واستولوا على غالب القطر التونسي بعد ما خربوه ودمروه، واضطر الأمير المعز ~~إلى ترك القيروان أمام تلك القبائل المتوحشة (سنة 449ه)، وفر إلى المهدية واتخذها دار ~~ملكه، وقد تبعه إليها شعراؤه وحاشيته، وفي خلاء القيروان يقول ابن شرف من قصيدة ~~رنانة: # بعد خطوب خطبت مهجتي # وكان وشك البين أمهارها # ذا كبد أفلاذها حولها # وقسمت الغربة أعشارها # أطفالها ما سمعت بالفلا # قط فعادت في الفلا دارها # ولا رأت أبصارها شاطئا # ثم جلت باللج أبصارها # وكانت الأستار آفاقها # فعادت الآفاق أستارها # ولم تكن تعلو سريرا علا # إلا إذا وافق مقدارها # ثم علت فوق عشور الخطا # ترمي به في الأرض أحجارها # ولم تكن تلحظها مقلة # لو كحلت بالشمس أشفارها # فأصبحت لا تتقي لحظة ms182 # إلا بأن تجمع أطمارها # وأقام ابن شرف مدة بالمهدية مع زمرة شعراء الملك يخدم الأمير المعز، ~~وابنه تميما إلى أن رحل عنها قاصدا جزيرة صقلية، لما سمع عن كرم أميرها، ~~وإليها لحقه رصيفه ابن رشيق، وقد قدمنا أنه كان وقع بينهما بالقيروان، ما وقع ~~بين جرير والفرزدق، أو بين الخوارزمي وبديع الزمان، فلما اجتمعا بصقلية تسامحا، ~~وأقاما بها زمنا ثم استنهض يوما ابن شرف رفيقه على جواز الأندلس، فأنشد حينئذ ابن ~~رشيق البيتين المشهورين بين الخاص والعام: # مما يزهد في أرض أندلس # سماع مقتدر فيها ومعتضد # ألقاب سلطنة من غير مملكة # كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد # فأجابه ابن شرف بديهة: # إن ترمك الغربة في معشر # قد جبل الطبع على بعضهم # فدارهم ما دمت في دارهم # وأرضهم ما دمت في أرضهم # واجتاز ابن شرف وحده الأندلس، وسكن ألمرية وغيرها، وتردد على ملوك طوائفها كآل عباد ~~بإشبيلية وغيرهم، وبهذه المدينة الأخيرة كانت وفاته (سنة 460ه/1067م)، وخلف ابنا يدعى ~~أبا الفضل جعفرا كان أديبا مجيدا أيضا، أورد له العماد في خريدته والفتح في ~~قلائده قصائد وفصولا، تشهد له بطول الباع. # أما تآليف محمد بن شرف فكثيرة، على ما نقله إلينا المؤرخون، فمنها كتاب «أبكار ~~الأفكار» جمع فيه ما اختاره من نظمه ونثره، وهو أنفس مصنفاته «مفقود وقد ~~يوجد منه شيء في بعض كتب الأدب»، ومنها كتاب «أعلام الكلام» به نخب وملح «مفقود أيضا»، ~~ثم «رسائل الانتقاد»، والمظنون أنه ألفها بعد هجرته القطر التونسي، كما يستفاد من سياق ~~كلامه في مقدمتها، وغيرها من هذه المصنفات الأدبية النفيسة. # وها نحن نأتي هنا على منتخبات نثر وشعر من كلام محمد بن شرف؛ ليرى القارئ براعة هذا ~~المؤلف الجليل، ومكانته من الأدب. # فمن نظمه في الشوق إلى بلاده القيروان مدة إقامته بالأندلس: # يا قيروان وددت أني طائر # فأراك رؤية باحث متأمل # يا لو شهدتك إذ رأيتك في الكرى # كيف ارتجاع صباي بعد تكهل # وإذا تجدد لي أخ ومنادم # جددت ذكر أخ خليل أول # لا كثرة الإحسان تنسي ms183 حرستي # هيهات تذهب علتي بتعلل # لو كنت أعلم أن آخر عهدهم # يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل # وله في شكوى الزمان: # إني وإن عزني نيل المنى لأرى # حرص الفتى خلة زيدت على العدم # تقلدتني الليالي وهي مدبرة # كأنني صارم في كف منهزم # وأنشد في المعنى: # عتابا عسى أن الزمان له عتبى # وشكوى فكم شكوى ألانت له القلبا # إذا لم يكن إلا إلى الدمع راحة # فلا زال دمع العين منهملا سكبا # وقال أيضا: # وما بلوغ الأماني في مواعدها # إلا كأشعب يرجو وعد عرقوب # وقد تخالف مكتوب القضاء به # فكيف لي بقضاء غير مكتوب # ومن شعره في الحكم قوله: # احذر محاسن أوجه فقدت محا # سن أنفس ولو انها أقمار # سرج تلوح إذا نظرت فإنها # نور يضيء وإن مسست فنار # وقوله: # لا تسأل الناس والأيام عن خبر # هما يبثانك الأخبار تطفيلا # ولا تعاتب على نقص الطباع أخا # فإن بدر السما لم يعط تكميلا # لا يؤيسنك من أمر تصعبه # فالله قد يعقب التصعيب تسهيلا # بع من جفاك ولا تبخل بسلعته # واطلب به بدلا إن رام تبديلا # وصير الأرض دارا والورى رجلا # حتى ترى مقيلا في الناس مقبولا # وله: # إذا صحب الفتى سعد وجد # تحامته المكاره والخطوب # ووافاه الحبيب بغير وعد # طفيليا ونادله الرقيب # وله أيضا: # يا ثاويا في معشر # قد اصطلى بنارهم # إن تبك من شرارهم # على يدي شرارهم # أو ترم من أحجارهم # وأنت في أحجارهم # فما بقيت جارهم # ففي هواهم جارهم # وأرضهم في أرضهم # ودارهم في دارهم # ومن كلامه في التغزل، قوله في ليلة أنس: # ولقد نعمت بليلة جمد الحيا # بالأرض فيها والسماء تذوب # جمع العشاءين المصلي وانزوى # فيها الرقيب كأنه مرقوب # والكأس كاسية القميص كأنها # لونا وقدرا معصم مخضوب # هي وردة في خده وبكأسها # تحت القناني عسجد مصبوب # مني إليه ومن يديه إلى يدي # فالشمس تطلع بيننا وتغيب # وقوله أيضا: # قامت تجر ذيول العصب والحبر # ضعيفة الخطو والميثاق والنظر # تخطو فتولي الحصا من حليها نبذا # وتخلط العنبر الوردي بالعفر # تلفتت عن طلا ms184 وسنان وابتسمت # عن واضح مثل نور الروضة العطر # ما لذ للعين نوم بعد ما ذكرت # ليلا سمرناه بين الطل والسمر # تساقط الطل من فوق النحور به # تساقط الدر في اللبات والثغر # وله من خمرية سمية: # خليل النفس لا تخلي الزجاجا # إذا بحر الدجى في الجو ماجا # وجاهر في المدامة من يرائي # فما فوق البسيطة من يداجى # أمط عنك الكرى والليل ساج # ودعنا نلبس الظلماء ساجا # وهات على اهتمام الروح راحا # فبعدهم النفوس لها افتراجا # إذا مريخها اتقدا احمرارا # صببنا المشتري فيها مزاجا # وله: # بكيت دما والقاصرات سوافر # فلاحت خدود كلهن مورد # وقد وقف الواشون في كل وجنة # على محضر فيه المدامع تشهد # وله: # يقول لي العاذل في لومه # وقوله زور وبهتان # ما وجه من أحببته قبلة # قلت ولا قولك قرآن # وقال: # قل للعذول لو اطلعت على الذي # عاينته أعناك ما يعنيني # أتصدني أم للغرام تردني # وتلومني في الحب أم تغريني # دعني فلست معاقبا بجنايتي # إذ ليس دينك لي ولا لك ديني # وقال فيمن اسمه عمر: # يا أعدل الناس أسماكم تجور على # فؤاد مضناك بالهجران والبين # أظنهم سرقوك القاف من قمر # فأبدلوها بعين خيفة العين # وله أيضا: # غيري جنى وأنا المعاقب فيكم # فكأنني سبابة المتندم # وقال يمدح أستاذه الكاتب أبا الحسن علي بن أبي الرجال: # جاور عليا ولا تحفل بحادثة # إذا ادرعت فلا تسأل عن الأسل # اسم حكاه المسمى في الفعال فقد # حاز العليين من قول ومن عمل # فالماجد السيد الحر الكريم له # كالنعت والعطف والتوكيد والبدل # زان العلا وسواه شانها وكذا # تميز الشمس في الميزان والحمل # وربما عابه ما يفخرون به # يشنا من الخصر ما يهوى من الكفل # سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد # ملء المسامع والأفواه والمقل # ومن نظمه في أنواع شتى: قال في العود: # سقى الله أرضا أنبتت عودك الذي # زكت منه أغصان وطابت مغارس # تغنى عليها الطير والعود أخضر # وغنت عليه الغيد والعود يابس # وقال في الدرهم والدينار: # ألا رب شيء فيه من أحرف اسمه # نواه ms185 لنا عنه وزجر وإنذار # فتنا بدينار وهمنا بدرهم # وآخر ذا هم وآخر ذا نار # وقال من قصيدة في وصف سيف: # إن قلت نارا أتندي النار ملهبة # أو قلت ماء أيرمى الماء بالشرر # وله من أخرى: # وقد وخطت أرماحهم مفرق الدجى # فبان بأطراف الأسنة شائبا # ومن نثره ما كتبه مستعطفا على محبوس في دين: # قد حكمت بسجن الأشباح، وهي سجون الأرواح، فامنن على ما شئت منهما ~~بالسراح، فالحبس نزاع الأرواح، والعقلة أخت القتلة، وكلاهما فقد، ومهر ~~للخطوب ونقد، وإنما بينهما نفس متصاعد، وأجل متباعد، فألحق ~~منهما ما أجلت بما عجلت، وقد أخرنا الدين، إلى يوم الدين. # ومن منثور كلامه في «أبكار الأفكار»: # لما فني عمر الأمس، وطفئ سراج الشمس، لاحت بروق الثغور ~~اللوامع، وجلجلت رعود الأوتار في المسامع، وبعث مخارق وابن جامع، ~~فلم يزل ذلك دأبنا، ما أقلع سحابنا، حتى مسأنا هجعة، وكلنا نقول ~~بالرجعة. # وله في القرابة: الوجيه بين أقاربه، كالوادي بين مذانبه، تجذبن ماءه وتطلبن ~~ظماءه. # وفي العداوة: كم قاطعك من راضعك، وقابحك من مالحك، ونافقك من وافقك، ~~وناصبك من صاحبك، وحادك من وادك. # في أنواع شتى: الجود أنصر من الجنود، من بخل بماله، سمح بعرض آله، الباذل ~~كثير العاذل، الكريم كثير الغريم، احذر الكريم إذا افتقر، واللئيم إذا اقتدر، ~~احذر التقي إذا أنكر، والذكي إذا فكر، المطل أحد المنعين ~~واليأس أحد الصنعين، العشق أحد الرقين، والسلو أحد ~~العتقين، رفث الكلام أحد السفاحين، وموالاة القبل أحد النكاحين، جميل ~~الرد أحد الجودين، وبقاء الذكر أحد الخلودين، طول الجمود أحد القبرين، وبقاء ~~الثناء أحد العمرين، بئس النصير التقصير، المتحاسر خاسر، من ~~كثر فجره، وجب هجره، من كرمت خصاله، وجب وصاله، سحابة ~~صيف، وزيارة ضيف، الوسيلة جناح النجاح، رب عين إذا رأت زنت، لا كرم بمن ~~حرم، المستلم أحزم من المتسلم. # هذا ما قصدنا إيراده هنا على أن ما جمعناه من كلام هذا الأديب البارع، ~~هو أطول من ذلك، وقد لاقينا صعوبات جمة في نظم ما تشتت؛ إذ لا يوجد ~~تأليف يحوي ms186 تراجم فضلاء القطر التونسي - والله المسئول الإعانة (ح.ح.ع). # | رب أعن برحمتك # قال أبو عبد الله محمد بن شرف القيرواني هذه أحاديث صنعتها ~~مختلفة الأنواع، مؤتلفة في الأسماع، عربيات المواشم، غريبات التراجم، ~~واختلقت فيها أخبارا فصيحات الكلام، بديعات النظام، لها مقاصد ظراف، ~~وأسانيد طراف، يروق الصغير معناها، والكبير مغزاها، وعزوتها إلى ~~أبي الريان الصلت بن السكن من سلامان. وكان شيخا هما في اللسان، وبدرا ~~تما في البيان، قد بقي أحقابا، ولقي أعقابا، ثم ألقته إلينا ~~من باديته الأزمات، وأوردته علينا العزمات، فامتحنا من علمه ~~بحرا جاريا، وقدحنا من فهمه زندا واريا، وأدرنا من بره طرفا، ~~واجتنينا من ثمره طرفا، ونحن إذ ذاك والشباب مقتبل، وغفلة الزمان ~~تهتبل، واحتذيت فيما ذهبت إليه، ووقع تعريضي عليه من بث هذه الأحاديث، ما رأيت ~~الأوائل قد وضعته في كتاب كليلة ودمنة، فأضافوا حكمه إلى الطير الحوائم، ونطقوا ~~به على ألسنة الوحش والبهائم، لتتعلق به شهوات الأحداث، وتستعذب بسمره ألفاظ ~~الحداث. # وقد تحابذ النحو سهل بن هارون الكاتب في تأليفه كتاب النمر ~~والثعلب، وهو مشهور الحكايات، بديع المراسلات، مليح المكاتبات، وزور أيضا ~~بديع الزمان الحافظ الهمذاني، وهو الأستاذ أبو الفضل أحمد بن الحسين؛ مقامات كان ~~ينشئها بديها في أواخر مجالسه، وينسبها إلى راوية رواها له يسميه ~~عيسى بن هشام، وزعم أنه حدثه بها عن بليغ يسميه أبا الفتح الإسكندري، وعددها - ~~فيما يزعم رواتها - عشرون مقامة إلا أنها لم تصل هذه العدة إلينا، وهي ~~متضمنة معاني مختلفة، ومبنية على معان شتى غير مؤتلفة، لينتفع بها من الكتاب ~~والمحاضرين من صرفها من هزل إلى جد، ومن ند إلى ضد، فاقت من هذا النحو عشرين ~~حديثا، أرجو أن يتبين فضلها، ولا تقصر عما قبلها. # ولعمري ما أشكر من نفسي، ولا أثني على شيء من حسي إلا ظفري بالأقل مما ~~حاولته على ما أضرمته نيران الغربة من قلبي، وثلمته صعقات الفتنة من لبي؛ ~~وقطعت أهوال البر والبحر من خواطري، وأضعفت الوحشة والوحدة من ~~غرائزي وبصائري، لكن نية القاصد وسعة المقصود ms187 أعانا ذا الود على إتحاف ~~المودود. # والله أسأل توفيقا، ينهج لنا الرشد طريقا. # فمنها: قال محمد: وجاريت أبا الريان في الشعر والشعراء ومنازلهم في جاهليتهم ~~وإسلامهم واستكشفته عن مذهبه فيهم، ومذاهب طبقته في قديمهم وحديثهم فقال: الشعراء ~~أكثر من الإحصاء، وأشعارهم أبعد من شقة الاستقصاء. # فقلت: لا أعتبك بأكثر من المشهورين، ولا أذاكرك إلا في المذكورين مثل: الضليل ~~والقتيل، ولبيد وعبيد، والنوابغ والعشوء والأسود بن يعفر، وصخر ~~الغي وابن الصمة دريد، والراعي عبيد، وزيد الخيل، وعامر بن الطفيل، ~~والفرزدق وجرير، وجميل بن معمر وكثير وابن جندل، وابن مقبل، وجرول، والأخطل، ~~وحسان في هجائه ومدحه، وغيلان في ميته وصيدحه، والهذلي أبي ذؤيب، ~~وسحيم ونصيب، وابن حلزة الوائلي، وابن الرقاع العاملي، وعنترة العبسي، ~~وزهير المري، وشعراء فزارة، ومفلقي بني زرارة، وشعراء تغلب ويثرب. # وأمثال هذا النمط الأوسط: الرماح، والطرماح، والطثري ~~والدميني، والكميت الأسدي، وحميد الهلالي، وبشار العقيلي، وابن أبي حفصة ~~الأموي، ووالبة الأسدي، وابن جبلة الحلمي، وأبو نواس الحكمي، وصريع ~~الأنصاري، ودعبل الخزاعي، وابن الجهم القرشي، وحبيب الطائي، والوليد ~~البحتري، وابن المعتز العباسي، وعلي بن العباس الرومي، وابن رغبان الحمصي. # ومن الطبقة المتأخرة في الزمان المتقدمة في الإحسان: أبو فراس بن ~~حمدان، والمتنبي بن عبدان، وابن جدار المصري، وابن الأحنف الحنفي، ~~وكشاجم الفارسي، والصنوبري الحلي، ونصر الخبررزي وابن عبد ربه القرطبي، وابن ~~هانئ الأندلسي، وعلي بن العباس الإيادي التونسي، والقسطلي، قال أبو الريان: لقد ~~سميت مشاهير، وأبقيت الكثير، قلت: بلى ولكن ما عندك فيمن ذكرت؟ قال: أما الضليل ~~مؤسس الأساس، وبنيانه عليه الناس، كانوا يقولون: أسيلة الخد حتى قال أسيلة مجرى ~~الدمع. وكانوا يقولون: تامة القامة وطويلة القامة وجيداء وتامة العنق وأشباه ~~هذا حتى قال: بعيدة مهوى القرط. # وكانوا يقولون: في الفرس السابق يلحق الغزال والظليم وشبهه حتى ~~قال: قيد الأوابد ومثل هذا له كثير، ولم يكن قبله من فطن لهذه الإشارات والاستعارات ~~غيره فامتثلوه بعده. وكانت الأشعار قبل سواذج، فبقيت هذه جددا وتلك نواهج، ~~وكل شعر بعدما خلاها فغير رائق النسج، ms188 وإن كان النهج. # وأما طرفة: # فلو طال عمره، لطال شعره، وعلا ذكره، ولقد خص ~~بأوفر نصيب من الشعر، على أيسر نصيب من العمر، فلقد جاء ~~ذلك النصيب بصنوف من الحكمة، وأوصاف من علو الهمة، والطبع، ~~معلم حاذق، وجواد سابق. # وأما الشيخ أبو عقيل: # فشعره ينطق بلسان الجزالة، عن جنان الأصالة، ~~فلا تسمع له إلا كلاما فصيحا، ومعنى مبينا صريحا، وإن كان ~~شيخ الوقار، والشرف والفخار لبادئات في شعره وهي دلائله، ~~قبل أن يعلم قائله. # وأما العبسي: # فمجيد في أشعاره، ولا كمعلقته ~~انفرد بها انفراد سهيل، وغبر في وجوه الخيل، وجمع فيها بين ~~الحلاوة والجزالة، ورقة الغزل وغلظة البسالة، وأطال ~~واستطال، وأمن السآمة والكلال. # وأما زهير: # فأي زهير! بين لهوات زهير حكم فارس، ومقامات ~~الفوارس، ومواعظ الزهاد، ومعتبرات العباد، ومدح يكسب ~~الفخار، ويبقى بقاء الأعصار، ومعاتبات مرة تحسن، ~~ومرة تخشن، وتارة تكون هجوا، وطورا تكاد تعود شكرا. # وأما ابن حلزة: # فسهل الحزون، قام خطيبا بالموزون، والعادة يسهل شرح ~~الشعر بالنثر، وهذا أسهل السهل بالوعر، وذلك مثل قوله: # أبرموا أمرهم عشاء فلما # أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء # من مناد ومن مجيب ومن تص # هال خيل خلال ذاك رغاء # فلو اجتمع كل خطيب ناثر من أول وآخر، يصفون سفرا نهضوا ~~بالأسحار، وعسكرا تنادي بالنهوض إلى طلب الثأر، ما زادوا ~~على هذا إن لم ينقصوا منه ولم يقصروا عنه، وسائر قصيدته في هذا السلك ~~شكاية وطلاب نصفة، وعتاب في عزة وأنفة، وهو من ~~شعراء وائل وأحد أسنة هاتيك القبائل. # وأما ابن كلثوم: # فصاحب واحدة بلا زيادة أنطقه بها عز الظفر، وهزه ~~فيها جن الأشر فقعقعت رعوده في أرجائها، وجعجعت رحاه في أثنائها، ~~وجعلتها تغلب قبلتها التي تصلي إليها، وملتها التي تعتمد عليها ~~فلم يتركوا إعادتها، ولا خلعوا عبادتها إلا بعد قول القائل: # ألهى بني تغلب عن كل ~~مكرمة # قصيدة قالها عمرو بن كلثوم # على أنها من القصائد المحققات وإحدى المعلقات. # وأما النابغة زياد: # فأشعاره الجياد لم تخرج عن نار جوانحه حتى تناهى ~~نضجها، ولا قطعت ms189 من منوال خواطره حتى تكاثف نسجها، لم تهلهلها ~~ميعة الشباب، ولا وهاء الأسباب، ولا لوم الاكتساب؛ فشعره ~~وسائط سلوك، وتيجان ملوك. # وأما النابغة الجعدي: # فنقي الكلام شاعر الجاهلية والإسلام، واستحسن شعره ~~أفصح الناطقين ودعا له أصدق الصادقين. وكان شاعرا في الافتخار ~~والثناء، قصير الباع لشرفه عن تناول الهجاء. وكان مغلوبا فيه في ~~الجاهلية وطريد ليلى الأخيلية. # وأما العشي بأجمعهم: # فكلهم شاعر، ولا كميمون بن قيس شاعر المدح ~~والهجاء واليأس والرجاء، والتصرف في الفنون، والسعي في السهول ~~والحزون، نفق مدحه بنات المحلق. وكان في فقر ابن المذلق، وأبكى ~~هجوه علقمة كما تبكي الأمة. # وأما الأسود بن يعفر: # فأشعر الناس، إذا ندب دولة زالت، أو بكى حالة ~~حالت، أو وصف ربعا خلا بعد عمران، أو دارا درست بعد ~~سكان، فإذا سلك هذا السبيل فهو من حشو هذا القبيل: كعمرو، وزيد، ~~وسعد، وسعيد. # وأما حسان: # فقد اجتث بواكر غسان، ثم جاء الإسلام وانكشف الإظلام، فجاحش ~~عن الدين، وناضل عن خاتم النبيين، فشعر وزاد وحسن وأجاد، إلا ~~أن الفضل في ذلك لرب العالمين وتسديد الروح الأمين. # وأما دريد بن الصمة: # فصمة صمم وشاعر جشم وغزل هرم، وأول من تغزل ~~في رثاء، وهزل في حزن وبكاء. فقال في معبد أخيه قصيدته المشهورة ~~يرثيه: # أرث جديد الحبل من أم معبد # وهي من شاجيات النوائح وباقيات المدائح. # وأما الراعي عبيد: # فجبل على وصف الإبل، فصار بالراعي يعرف، ونسي ما له ~~من الشرف. # وأما زيد الخيل: # فخطيب سجاعة وفارس شجاعة، مشغول بذلك عما سواه ~~من المسالك. # وأما عامر بن الطفيل: # فشاعرهم في الفخار وفي حماية الجار، وأوصفهم لكريمة، وأبعثهم ~~لحميد شيمة. # وأما ابن مقبل: # قديم شعره، وصليب نجره، ومغلي مدحه، ومعلي قدحه. # وأما جرول: # فخبيث هجاؤه، شريف ثناؤه، صحيح بناؤه، رفع شعره من ~~الثرى، وحط من الثريا، وأعاد بلطافة فكره، ومتانة ~~شعره، قبيح الألقاب فخرا يبقى على الأحقاب، ويتوارث في ~~الأعقاب. # وأما أبو ذؤيب: # فشديد أمير الشعر حكيم، شغله فيه التجريب حديثه وقديمه، وله ~~المرثية النقية السبك، المتينة ms190 الحبك، بكى فيها بنيه السبعة، ووصف ~~الحمار فطول، وهي التي أولها : # أمن المنون وريبه تتوجع # وأما الأخطل: # فسعد من سعود بني مروان، صفت لهم مرآة فكره، ~~وظفروا بالبديع من شعره. وكان باقعة من حاجاه، ~~وصاعقة من هجاه. # وأما الدارمي همام: # فجوهر كلامه، وأغراض سهامه، إذا افتخر بملك بني حنظلة، ~~وبدارم في شرف المنزلة، وأطول ما يكون مدى إذا تطاول اختيار ~~جرير عليه بقليله على كثيره، وبصغيره على كبيره؛ فإنه يصادمه ~~حينئذ ببحر ماد، ويقاومه بسيف حاد. # وأما ابن الخطفي: # فزهد في غزل، وحجر في جدل، يسبح أولا في ماء عذب، ~~ويطمح آخرا في صخر صلب، كلب منابحة، وكبش مناطحة، لا تفل ~~غرب لسانه مطاولة الكفاح، ولا تدمي هامته مداومة ~~النطاح، جارى السوابق بمطية، وفاخر غالب بعطية، وبلغته ~~بلاغته إلى المساواة، وحملته جرأته على المجاراة، والناس فيهما ~~فريقان، وبينهما عند قوم فرقان. # وأما القيسان وطبقتهما: # فطبقة عشقة، توقة، استحوذت الصبابة على أفكارهم، واستفرغت ~~دواعي الحب معاني أشعارهم، فكلهم مشغول بهواه لا يتعداه إلى ~~سواه. # وأما كثير: # فحسن النسيب فصيحه، لطيف العتاب مليحه، شجي ~~الاغتراب قريحه، جامع إلى ذلك رقائق الظرفاء، وجزالة مدح ~~الخلفاء. # وأما الكميت والرماح ونصيب والطرماح: # فشعراء معاصرة ومناقضات ومفاخرة، فنصيب أمدح القوم، ~~والطرماح أهجاهم، والرماح أنسبهم نسيبا، والكميت ~~أشبهم تشبيبا. # وأما بشار بن برد: # فأول المحدثين، وآخر المخضرمين، وممن لحق الدولتين، عاشق سمع ~~وشاعر جمع، شعره ينفق عند ربات الحجال، وعند فحول ~~الرجال، فهو يلين حتى يستعطف، ويقوى حتى يستنكف، وقد طال عمره، ~~وكثر شعره، وطما بحره، ونقب في البلاد ذكره. # وأما ابن أبي حفصة: # فمن شعراء الدولتين، وممن حظي بالنعمتين، ووصل إلى الغنى بالصلتين، ~~وكان درب المعول، ذرب المقول، والد شعراء، ومنجب ~~فصحاء. # وأما أبو نواس: # فأول الناس في خرم القياس وذلك أنه ترك السيرة الأولى، ~~ونكب عن الطريقة المثلى، وجعل الجد هزلا والصعب سهلا، ~~فهلهل المسرد، وبلبل المنضد، وخلخل المنجد، وترك ~~الدعائم، وبنى على الطامي والعائم، وصادف الأفهام قد نكلت، وأسباب ~~العربية قد تخلخلت وانحلت، والفصاحات ms191 الصحيحة قد سئمت وملت، ~~فمال الناس إلى ما عرفوه، وعلقت نفوسهم بما ألفوه، فتهادوا ~~شعره، وأغلوا سعره، وشغفوا بأسخفه، وكلفوا بأضعفه، وكان ~~ساعده أقوى وسراجه أضوأ، لكنه عرض الأنفق وأهدى الأوفق، ~~وخالف فشهر، وعرف وأغرب، فذكر واستظرف، والعوام ~~تختار هذه الأعلاق، وأسواقهم أوسع الأسواق، فشعر أبي نواس نافق ~~عند هذه الأجناس، كاسد عند أنقد الناس، وقد فطن إلى استضعافه ~~وخاف من استخفافه، فاستدرك بفصيح طرده طرفا حد اللسان وحدوده وهو ~~محدود في كثرة التظاهر على من غض منه بالحق الظاهر، ليس إلا ~~لخفة روح المجون، وسهولة الكلام الضعيف الملحون على جمهور ~~العوام، لا على خواص الأنام. # وأما صريع: # فكلامه مرصع، ونظامه مصنع، وجملة شعره صحيحة الأصول، ~~مصنعة الفصول، قليلة الفضول. # وأما العباس بن الأحنف: # فمعتزل بهواه وبمعزل عما سواه، دفع نفسه عن المدح ~~والهجاء، ووضعها بين يدي هواه من النساء قد رقق الشغف كلامه، ~~وثقفت قوة الطبع نظامه، فله رقة العشاق وجودة ~~الحذاق. # وأما دعبل: # فمديد مقبل، اليوم مدح وغدا قدح، يجيد في الطريقتين ويسيء في ~~الخليقتين، وله أشعار في العصبية. وكان شاعر علماء، وعالم ~~شعراء. # وأما علي بن الجهم: # فرشيق الفهم، راشق السهم، استوصل شعره الشرفاء، ~~ونادم الخلفاء، وله في الغزل «الرصافية» وفي العتاب «الدالية»، ~~ولو لم يكن له سواهما لكان أشعر الناس بهما. # وأما الطائي حبيب: # فمتكلف إلا أنه يصيب، ومتعتب لكن له من الراحة ~~نصيب، وشغله المطابقة والتجنيس، حبذا ذلك أو بيس جزل المعاني، ~~مرصوص المغاني، ومدحه ورثاؤه، لا غزله وهجاؤه، طرفا نقيض، وخطب سماء ~~وحضيض، وفي شعره علم جم من النسب، وجملة وافرة من أيام العرب، وطارت ~~له أمثال وحفظت له أقوال، وديوانه مقرو وشعره متلو. قال ابن ~~بسام: أما صفته هذه لأبي تمام فنصفة، لم يثن عطفها ~~حمية، ولا تعلقت بذيلها عصبية، حتى لو سمعها حبيب ~~لاتخذها قبلة واعتمدها ملة، فما لام من أدب وإن أوجع، ولا سب من ~~صدق وإن أقذع. # وأما البحتري: # فلفظه ماء ثجاج ودر رحراج ومعناه سراج وهاج على أهدأ ~~منهاج، ms192 يسبقه شعره إلى ما يجيش به صدره، يسر مراد، ولين ~~قياد إن شربته أرواك، وإن قدحته أوراك، طبع لا تكلف يعييه، ~~ولا العناد يثنيه، لا يمل كثيره، ولا يستكلف غزيره، لم يهف ~~أيام الحلم، ولم يصف زمن الهرم. # وأما ابن المعتز: # فملك النظام كما هو ملك الأنام، له التشبيهات ~~المثلية، والاستعارات الشكلية، والإشارات السحرية، والعبارات ~~المجرية، والتصاريف الصنوفية، والطرائق الفنونية، والافتخارات ~~الملوكية، والهمات العلوية، والغزل الرائق، والعتاب ~~الشائق، ووصف الحسن الفائق: # وخير الشعر أكرمه رجالا # وشر الشعر ما قال العبيد # وأما ابن الرومي: # فشجرة الاختراع، وثمرة الابتداع، وله في الهجاء ما ليس له في ~~الإطراء فتح فيه أبوابا، ووصل منه أسبابا، وخلع منه أثوابا، ~~وطوق فيه رقابا يبقين أعمارا وأحقابا يطول عليها حسابه، ~~ويمحق بها ثوابه، ولقد كان واسع العطن لطيف الفطن، إلا ~~أن الغالب عليه ضعف المريرة وقوة المرة. # وأما كشاجم: فحكيم شاعر، وكاتب ماهر له في التشبيهات ~~غرائب، وفي التأليفات عجائب، يجيد الوصف ويحققه، ويسبك المعنى ~~فيرققه ويروقه. # وأما الصنوبري: # ففصيح الكلام غريبه، مليح التشبيه عجيبه، ~~مستعمل لشواذ القوافي يغسل كدرتها بمياه فهمه الصوافي، ~~فتجلو وتدق وتعذب وترق، وهو وحيد جنسه في صفة الأزهار وأنواع ~~الأنوار. وكان في بعض أشعاره يتخالع وفي بعضها يتشاجع، وقد مدح ~~وهجا ونثر وشجا، وأعجب شعره وأطرب، وشرق وغرب، ومدح ~~من أهل إفريقية أمير الزاب جعفر بن علي، منفق سوق ~~الآداب، فوصله بألف دينار بعثها إليه مع ثقات التجار. # وأما الخبزرزي: # فخليع الشعر ماجنه، رائق اللفظ بائنه، كثيرة ~~محاسنه، صحيحة أصوله ومعادنه، رائقة البزة مائلة إلى ~~العزة، تسليه عن الحب الخيانة، ويروقه الوفاء ~~والصيانة، وله على خشونة خلقه وصعوبة خلقه، اختراعات ~~لطيفة، وابتداعات ظريفة في ألفاظ كثيفة، وفصول قليلة الفضول نظيفة، ~~حتى إن بعض كبراء الشعراء اهتدم أشياء من مبانيه واهتضم طرفا من ~~معانيه، وهو من معاصريه فقل من فطن لمراميه. # وأما أبو فراس بن حمدان: # ففارس هذا الميدان إن شئت ضربا وطعنا أو لفظا ومعنى ملك ~~زمانا وملك أوانا، وكان أشعر الناس ms193 في المملكة وأشعرهم ~~في ذل الملكة، وله الفخريات التي لا تعارض والإسريات التي لا ~~تناقض. # وأما المتنبي: # فقد شغلت به الألسن، وسهرت في أشعاره العيون ~~الأعين، وكثر الناسخ لشعره، والآخذ لذكره، والغائص في ~~بحره، والمفتش في قعره عن جمانه ودره، وقد طال فيه الخلف، وكثر ~~عنه الكشف وله شيعة تغلو في مدحه، وعليه خوارج تتعايا في ~~جرحه، والذي أقول: إن له حسنات وسيئات، وحسناته أكثر عددا ~~وأقوى مددا، وغرائبه طائرة، وأمثاله ثائرة، وعلمه فسيح، ~~وميزه صحيح يروم فيقدر، ويدري ما يورد ويصدر. # قال أبو الريان: هذا ما عندي في شعراء المشرق، وقد سميت لي من ~~متأخري شعراء المغرب من لعمري لا يبعد عن معاصرهم، ~~ولا يقصر عن سابقهم. # فأما ابن عبد ربه القرطبي: # وإن بعدت عنك دياره، فقد ~~صاقبتنا أشعاره، ووقفنا على أشعار صبوته الأنيقة، وتكفيرات ~~توبته الصدوقة، ومدائحه المروانية، ومطاعنه في العباسية، وهو في ~~كل ذلك فارس ممارس، وطاعن مداعس، واطلعنا في شعره على ~~علم واسع، ومادة فهم مضيء ناصع، ومن تلك الجواهر نظم ~~عقده، وتركه لم يتجمل به بعده. # وأما ابن هانئ محمد الأندلسي ولادة القيرواني وفادة وإفادة: # فرعدي الكلام سردي النظام متين المباني، غير مكين المعاني، ~~يجفو بعطنها عن الأوهام؛ حتى تكون كنقطة النظام إلا أنه إذا ~~ظهرت معانيه في جزالة مبانيه، رمى عن منجنيق يؤثر في النيق، وله ~~غزل قفري لا عذري، لا يقنع فيه بالطيف ولا يشفع فيه بغير ~~السيف، وقد نوه به ملك الزاب وعظم شأنه بأجزل الثواب. وكان سيف ~~دولته في إعلاء منزلته من رجل يستعين على صلاح دنياه بفساد ~~أخراه، لرداءة عقله ورقة دينه، وضعف يقينه. ولو عقل لم ~~تضق عليه معاني الشعر حتى يستعين عليها بالكفر. # وأما القسطلي: # فشاعر ماهر عالم بما يقول، تشهد له العقول بأنه ~~المؤخر بالعصر المقدم في الشعر، حاذق بوضع الكلام في مواضعه، ~~لا سيما إذا ذكر ما أصابه في الفتنة، وشكا ما دهاه في أيام ~~المحنة، وبالجملة فهو أشعر أهل مغربه في أبعد الزمان وأقربه. # وأما ms194 علي التونسي: # فشعره المورد العذب ولفظه اللؤلؤ ~~الرطب، وهو بحتري الغرب يصف الحمام فيروق الأنام، ويشبب ~~فيعشق ويحبب، ويمدح فيمنح أكثر ما يمنح. # هذا ما عندي في المتقدمين والمتأخرين، على احتقار المعاصر واستصغار المجاور؛ فحاش ~~لله من الأوصاف بقلة الإنصاف للبعيد والقريب، والعدو والحبيب، قلت: يا أبا الريان: ~~أكثر الله مثلك في الإخوان، ووقاك محذور الزمان ومرور الحدثان، فلقد سبكت ~~فهما وحشيت علما. # قال محمد: قلت لأبي الريان في مجلس عقيب هذا المجلس: يا أبا الريان، لقد رأيت لك ~~نقدا مصيبا ومرمى عجيبا، ولقد أرغب في أن أنال منه نصيبا قال: النقد ~~هبة الموالد، وفيه زيادة طارف إلى تالد، ولقد رأيت علماء بالشعر ورواة له ~~ليس لهم نفاذ في نقده، ولا جودة فهم في رديه وجيده، وكثير ممن لا علم له يفطن ~~إلى غوامضه وإلى مستقيمه ومتناقضه، قلت: أنا شديد الرغبة إلى فضلك في أن تسهمني ~~من ميزك وعقلك ما أستهدي بسراجه على مستقيم منهاجه، فأقف من سرائره على بعض ~~ما وقفت، وأعرف من مفاخره ومعانيه جزءا مما عرفت، قال: نعم، أول ما عليه تعتمد، ~~وإياه تعتقد، ألا تستعجل باستحسان، ولا باستقباح ولا باستبراد ولا باستملاح حتى ~~تنعم النظر وتستخدم الفكر، واعلم أن العجلة في كل شيء موطئ زلوق، ومركب ~~زهوق؛ فإن من الشعر ما يملأ لفظه المسامع، ويرد على السامع منه قعاقع ~~فلا يرعك شماخة مبناه، وانظر إلى ما في سكناه من معناه فإن كان في البيت ساكن ~~فتلك المحاسن، وإن كان خاليا فاعدده جسما باليا، وكذلك إذا سمعت ألفاظا مستعملة ~~وكلمات مبتذلة فلا تعجل باستضعافها حتى ترى ما في أضعافها، فكم من معنى عجيب في لفظ ~~غير غريب! والمعاني هي الأرواح والألفاظ هي الأشباح؛ فإن حسنا فذلك الحظ الممدوح، ~~وإن قبح أحدهما فلا يكن الروح. # قال: وتحفظ عن شيئين أحدهما: أن يحملك إجلال القديم المذكور على العجلة ~~باستحسان ما تستمع له، والثاني: أن يحملك إصغار المعاصر المشهود على التهاون بما ~~أنشدت له؛ فإن ذلك جور في الأحكام وظلم ms195 من الحكام، حتى تمحص قولهما؛ فحينئذ تحكم ~~لهما أو عليهما، وهذا باب في اغتلاقه استصعاب، وفي صرف العامة وبعض الخاصة عنه ~~إتعاب، وقد وصف تعالى في كتابه الصادق تشبث القلوب بسيرة القديم ~~ونفارها من المحدث الجديد. فقال حاكيا لقولهم: # قالوا إنا ~~وجدنا آباءنا على أمة ~~(الزخرف: 22). وقال: # قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ~~(المائدة: 104)، وقد قلت أنت: # أغري الناس بامتداح القديم # وبذم الجديد غير ذميم # ليس إلا لأنهم حسدوا الح # ي ورقوا على العظام الرميم # وقلت في هذا المعنى: # قل لمن لا يرى المعاصر شيئا # ويرى للأوائل التقديما # إن ذاك القديم كان جديدا # وسيغدو هذا الجديد قديما # فلا يرعك أن تجري على منهاج الحق في جميع الخلق؛ فبه قامت السماوات ~~والأرض، وبه أحكم الإبرام والنقض، وسأمثل لك في ذلك مثالا، وأملأ أسماعك مقالا، ~~وفهمك عدلا واعتدالا. # هذا امرؤ القيس أقدم الشعراء عصرا، ومقدمهم شعرا وذكرا، وقد اتسعت ~~الأقوال في فضله اتساعا لم يفز غيره بمثله، حتى إن العامة تظن - بل توقن - أن ~~جواد شعره لا يكبو، وحسام نظمه لا ينبو، وهيهات من البشر الكمال، ومن الآدميين ~~الاستواء والاستدلال، يقول في قصيدته المقدمة، ومعلقته المفخمة. # ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة # فقالت لك الويلات إنك مرجلي # فما كان أغناه عن الإقرار بهذا! وما أشك غفلته عما أدركه من الوصمة ~~به؛ وذلك أن فيه أعدادا كثيرة النقض والبخس منها: دخوله متطفلا على من كره ~~دخوله عليه، ومنها: قول عنيزة له: لك الويلات! وهي قولة لا تقال إلا لخسيس، ولا يقابل ~~بها رئيس؛ فإن احتج محتج بأنها كانت أرأس منه، قيل له: لم يكن ذلك لأن ~~الرئيسة لا تركب بعيرا يدرج أو يموت إذا ازداد عليه ركوب راكب بل هو بعير فقير ~~حقير؛ فإن احتج له بأنه صبر على القول من أجل أنها معشوقة، قيل له: وكيف يكون عاشقا ~~لها من يقول لها: # فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعا # فألهيتها عن ذي تمائم محول # وإنما المعروف للعاشق الانفراد بمعشوقته وإطراح سواها، كالقيسين في ليلى ولبنى، ms196 ~~وغيلان بمية، وجميل ببثينة، وسواهم كثير، فلم يكن لها عاشقا بل كان فاسقا، ثم ~~أهجن هجنة عليه، وأسخن سخنة لعينيه، إقراره بإتيان الحبلى والمرضع! فأما الحبلى ~~فقد جبل الله النفوس على الزهد في إتيانها، والإعراض عن شأنها، منها أن ~~الحبل علة وأشبه العلل بالاستسقاء، ومع الحبل كمود اللون، وسوء الغذا، وفساد ~~النكهة، وسوء الخلق وغير ذلك، ولا يميل إلى هذا من له نفس سوقي، دع نفس ملوكي، ~~وأعجب من هذا أن البهائم كلها لا تنظر إلى ذوات الحمل من أجناسها، ولا تقرب منها ~~حتى تضع أحمالها، أو تفارق فصلانها، ثم لم يكفه أن يذكر الحبلى حتى افتخر ~~بالمرضع، وفيها من التلويث بأوضار رضيعها، ومن اهتزالها واشتغالها عن إحكام اغتسالها، ~~وقد أخبر أن ذا التمائم المحول متعلق بها بقوله: # فألهيتها عن ذي تمائم محول # وأخبر أنها ظئر ولدها لا ظئر له ولا مرضع سواها، فدل بذلك على أنها حقيرة وفقيرة، ~~ومثل هذه لا يصبو إليها من له همة. وهذه الصفات كلها تستقذرها نفس الصعلوك ~~والمملوك، وقد قال أيضا في موضع آخر من هذا الباب من قصيدة أخرى: # سموت إليها بعد ما نام أهلها # سمو حباب الماء حالا على حال # فقالت لحاك الله إنك فاضحي # ألست ترى السمار والناس أحوالي # حلفت لها بالله حلفة فاجر # لناموا فما آن من حديث ولا صالي # فأخبر ههنا أنه هين القدر عند النساء وعند نفسه برضاه قولها: لحاك الله، فحصل على ~~لحاك الله من هذه، ولك الويلات من تلك، فشهد على نفسه أنه مكروه مطرود غير مرغوب ~~في مواصلته، ولا محروص على معاشرته، ولا مرضي بمشاكلته، ثم أخبر عن نفسه أنه ~~رضي بالحنث والفجور، وهذه أخلاق لا خلاق لها، ثم أقر في مكان آخر من شعره بما ~~يكتمه الأحرار، ولا ينم بفتحه إلا الأوضاع الأشرار فقال: # ولما دنوت تسديتها # فثوبا نسيت وثوبا أجر # وأي فخر في الإقرار بالفضيحة على نفسه وعلى حبه؟! وأين هذا من قول يعقوب ~~الخزيمي: # ولا أسأل الولدان عن وجه جارتي # بعيدا ولا ms197 أرعاه وهو قريب # وإنما سهل عليه كل هذا، حرصه على ما كان ممنوعا منه، وذلك أنه كان ~~مبغضا إلى النساء جدا، مفروكا ممن ملك عصبتها لأسباب كثيرة ذكرت، وكل ~~من حرص على نيل شيء فمنع منه فعلا، ادعاه قولا، وله أشباه فيما أتاه، ~~يدعون ما ادعاه إفكا وزورا وكذبا وفجورا، منهم الفرزدق، وهو القائل: # هما دلياني من ثمانين قامة # كما انقض باز أقتم الريش كاسره # فهذا أول كذبة. ولو قال من ثلاثين قامة لكان كاذبا لتقاصر الأرشية عن ذلك، وقد ~~قرعه جرير هذا في قوله: # تدليت تزني من ثمانين قامة # وقصرت عن باع العلا والمكارم # وكان مغرما بالزنى مدعيا فيه، وقد بلي بموانع تصدفه عنه، منها ما شهر به من ~~النميمة بمن ساعده، والادعاء على من باعده، منها دمامته، ومنها اشتهاره، ~~والمشهور يصل إلى شهوة يتبعها ريبة. # فكان يكثر في شعره من ادعاء الزنى، واستدعاء النساء وهن أغلظ عليه من كبد ~~بعير، وأبغض فيه وأهجى له من جرير. # وخذ أطرف هؤلاء الأجناس، وهو سحيم عبد بني الحسحاس، أسيود في شملة ~~دنسة قملة؛ لا يؤاكله الغرثان، ولا يصاليه الصرد العريان، وهو مع ذلك ~~يقول: # وأقبلن من أقصى البيوت يعدنني # نواهد لا يعرفن خلقا سوائيا # يعدن مريضا هن هيجن ما به # ألا إنما بعض العوائد دائيا # توسدني كفا وتحنو بمعصم # علي وترمي رجلها من ورائيا # فأنت تسمع هذا الأسود الشن وادعاءه، وتعلم أن الله لو أخلى الأرض، فلم يبق رجلا ~~في الطول ولا في العرض، لم يكن هذا الزنمة الزلمة عند إدراك السودان إلا كبعرة بعير في ~~معر عير، والممنوع من الشيء حريص عليه مدع فيه، والمعد بما يهواه كاتم له مستغن ~~ببلوغ مناه، ودليل على ذلك أن المرقش الأكبر كان من أجمل الرجال. وكانت للنساء ~~فيه رغبة وشدة محبة. وكان كثير الاجتماع بهن، والوصول إليهن وله في ذلك ~~أخبار مروية ولم يكن في أشعاره صفة شيء من ذلك. فحسبك بذلك صحة على ما قلناه. فإن ~~قال قائل: إنما وصفت عن امرئ ms198 القيس عيوبا من خلقه لا في شعره قلنا: هل أراد بما ~~وصف في شعره إلا الفخر؟! فإن قال: لم يرد ذلك، وإنما أراد إظهار عيبه. قلنا: فأحمق ~~الناس إذن هو، ولم يكن كذلك، وإن قال: نعم الفخر. قلنا: فقد نطق شعره بقدر ما أراد ~~وتزجم وترجم عنه قريضه بأقبح الأوصاف فأي خلل من خلال الشعر ~~أشد من الانعكاس والتناقض، وكل ما يخزي من الشعر فهو من أشد عيوبه قال: ومن ~~كلام امرئ القيس المخلخل الأركان، الضعيف الاستمكان، المتزلزل البنيان، قوله: # أمرخ خيامهم أم عشر # أم القلب في إثرهم منحدر # وشاقك بين الخليط الشطر # وممن أقام من الحي هر # وهر تصيد قلوب الرجال # وأفلت منها ابن عمرو حجر # فأنت تسمع هذا الكلام الذي لا يتناسب، ولا يتواصل ولا يتقارب، ولا يحصل منه ~~معنى ولا فائدة سوى أن السامع يدري أنه يذكر فرقة من أحباب، لكن ذلك عن ترجمة ~~معجمة مضطربة منقلبة، سأل عن الخيام أمرخ هي أم عشر؟ وليست الخيام مرخا ولا ~~عشرا وإنما هما عودان؛ فإن أراد في مكان هذين الخيام؛ فقد نقض عمدة الكلام؛ ~~لأن مرخه وعشره أتى بهما نكرتين فأشكل بذلك، وإنما يجوز لو جعلهما معرفة ~~بالألف واللام والوزن لا يساعده على ذلك، ثم قال: # أم القلب في إثرهم منحدر # وليس هذا السؤال من السؤال الأول في شيء إلا من بعد بعيد، واحتيال شديد. وقال بعد ~~هذا: # وشاقك بين الخليط والشطر # وممن أقام من الحي هر # فأتى بكثير كلام لا يفيد إلا قليل معنى، وذلك القليل لا غريب ولا عجيب، وهو ~~كله ذكر فراق، ثم رجع إلى أن هر فقيمة تصيد قلبه وقلب غيره، فأبطل بإقامتها ~~كل ما قال من أخبار الفراق ونقضه، وجعل بكاءه المتقدم لغير شيء، ثم قال: # وأفلت منها ابن عمرو حجر # فحسن عنده أن يخبر أن الناس قد صادت هر قلوب جميعهم إلا قلب حجر أبيه، ~~وهذا من الأحاديث الركيكة والأخبار التي ما بأحد حاجة إليها، ومع هذا فقد أورد أصحاب ~~الأخبار أن هر ms199 هذه كانت زوجة أبيه حجر، فانظر ما في جملة هذه الأبيات من الركاكات وقلة ~~الإفادات؛ فإنها لا تفيد قلامة، ولا تهز ثمامة، ولسنا ننكر بهذه العيوب ونزارتها، ما ~~أقررنا له به من الفضائل وندارتها، وستجد من لا يصدق معاصرا، ولا يصدق على ~~متقادم متأخرا، يبني على ضعف أسه، ويفديه من الجهل والعيب بنفسه، فإذا ~~اعترضك من هذا النمط معترض فأعرض عنه ودعه على أخلاقه مستمتعا بخلاقه، واتبع ~~المسلك الذي أوضحته لك. # قال أبو الريان: وفضلاء الشعراء كثير جدا ولكل سقطات، وسأقفك على ~~بعضها لعظيم المؤنة في الإحاطة بها، ليس إلا لأوضح بذكرها منهجا من مناهج النقد، ~~لا حرصا على بغض الفصحاء، ولا قصدا إلى تهجين الصرحاء، وأية رغبة لنا في ~~ذلك وهم جرثومة فروعنا، وبهم افتخار جميعنا. # قال زهير بن أبي سلمى على ما وصفناه به ووصفه غيرنا من العلو ~~والرفعة في هذه الصنعة، من مذهبته الحكمية، ومعلقته العلمية: # رأيت المنايا خبط عشواء من تصب # تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم # وقد غلط في وصفها بخبط العشواء على أننا لا نطالبه بحكم ديننا؛ لأنه ~~لم يكن على شرعنا، بل نطلبه بحكم العقل، فنقول: إنما يصح قوله لو كان ~~بعض الناس يموت وبعضهم ينجو، وقد علم هو وعلم العالم حتى البهائم؛ أن سهام المنايا ~~لا تخطئ شيئا من الحيوان حتى يعمها رشقها، فكيف يوصف بخبط العشواء رام لا يقصد ~~غرضا من الحيوان إلا أقصده حتى يستكمل رمياته في جميع رمياته، وإنما أدخل الوهم على ~~زهير موت قوم غبطة وموت قوم هرما، وظنوا طول العمر إنما سببه أخطاء المنية ~~وسبب قصره إصابتها! وهيهات الصواب من ظنه لم يؤخر الهرم إلا أنها قصدته ~~فحين قصدته أصابته. ولو أن الرماة تهتدي كاهتدائها، لملأت أيديها بأقصى ~~رجائها. # وقال زهير أيضا في مذهبته: # ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه # يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم # وقد تجاوز هذا الحق الباطل، وبنى قولا ينقضه جريان العادة وشهادة ~~المشاهدة، وذلك أن الظلم وعرة مراكبه، مذمومة عواقبه في جاهليته ~~وإسلامنا، ms200 فحرض في شعره عليه، وإن كان إنما أشار في شعره إلى أن الظالم يرهب فلا ~~يظلم، فهذا قياس ينفسد وأصل ليس يطرد، لكن يرهبه من هو أضعف منه، ~~وربما انتقم منه بالحيلة والمكيدة، وقد يظلم الظالم من يغلبه، فيكون ذلك سبب ~~هلاكه مع قباحة السمة بالظلم، والمثل إنما يضرب بما لا ينخرم، وقد كانت له ~~مندوحة واتساع في أن يقول «يهدم» «ومن لا يظلم الناس يظلم.» فهذا أصح ~~وأسلم لمن لا يظلم ويظلم. # قال أبو الريان: وقال زهير أيضا وهو من أطيب شعره وأملحه عند ~~العامة وكثير من الخاصة، فههنا تحفظ وتأمل، ولا يهلك ذلك منهم، الحق أبلج ~~قال: # تراه إذا ما جئته متهللا # كأنك تعطيه الذي أنت سائله # مدح بها شريفا أي شريف! فجعل سروره بقاصده كسروره بمن يدفع شيئا من ~~عرض الدنيا إليه. وليس من صفات النفوس العارفة السامية والهمم الشريفة ~~العالية إظهار السرور إلى أن تهلل وجوههم وتسر نفوسهم بهبة الواهب ولا شدة ~~الابتهاج بعطية المعطي، بل ذلك عندهم سقوط همة وصغر نفس، وكثير من ذوي النفوس ~~النفيسة والأخلاق الرئيسة لا يظهر السرور متى رزق مالا عفوا بلا منة ~~منيل، ولا يد معط مستطيل لأنه عند نفسه أكبر منه؛ ولأن قدر المال ~~يقصر عنه، فكيف يمدح ملك كبير كثير القدر عظيم الفخر بأنه يتهلل وجهه ويمتلئ ~~سرورا قلبه إذا أعطى سائله مالا؟! هذا نقض البناء ومحض الهجاء، والفضلاء يفخرون بضد ~~هذا؛ قال بعضهم: # ولست بمفراح إذا الدهر سرني # ولا جزع من صرفه المتقلب # وإنما غر زهيرا وغر المستحسن بيته هذا ما جبلوا عليه من حب العطاء، وما جرت ~~به عاداتهم من الرغبة في الهبات والاستجداء، وليس كل الهمم تستحسن ذلك، ~~ولا كل الطباع تسلك هذه المسالك. # قال أبو الريان. وقال زهير أيضا يمدح سادة من الناس فذمهم بأنواع الذم، ~~وأكثر الناس على استحسان ما قال، بل أظن كلهم على ذلك، وهو قوله: # على مكثريهم حق من يعتريهم # وعند المقلين السماحة والبذل # فأول ما ذمهم به إخباره أن ms201 فيهم مكثرين ومقلين، فلو كان مكثروهم ~~كرماء لبذلوا لمقليهم الأموال، حتى يستووا في الحال، ويشبهوا في الكرم والحال ~~الذين قال فيهم حسان: # الملحقين فقيرهم بغنيهم # والمشفقين على اليتيم المرمل # المرمل القليل المال وأرمل الرجل إذا قل زاده، وكما قال غيره: # الخالطين فقيرهم بغنيهم # حتى يعود فقيرهم كالكافي # وكما قالت الخرنق: # الخالطين لجبينهم بنضارهم # وذوي الغنى منهم بذي الفقر # فهذا كله - وأبيك - غاية المدح النقي من القدح، ثم استمع ما في هذا البيت سوى هذا ~~من الخلل والزلل، قال: # على مكثريهم حق من يعتريهم # وعند المقلين السماحة والبذل # ففي هذا القسم الأول عيوب على المكثرين منهم أنهم ضيعوا القريب - كما قدمنا - ورعوا ~~حق الغريب، وصلة الرحم أولى ما بدئ به، ومن مكارم العرب حميتها لذوي أنسابها ~~وذبها عن أحسابها والأقرب فالأقرب، وما فضل عن ذلك فللأبعد، ثم أخبر أن ~~المكثرين لا يسمحون بأكثر من الاستحقاق، في قوله: # على مكثريهم حق من يعتريهم # ومن أعطى الحق فإنما أنصف ولم يتفضل بما وراء الإنصاف، والزيادة على ~~الإنصاف أمدح، ثم أخبر في البيت أن المقلين على قدر قصور أيديهم أكرم ~~طباعا من مكثريهم على قدرهم، في قوله: # وعند المقلين السماحة والبذل # والبذل مع الإقلال مدح عظيم وإيثار، والسماحة إعطاء غير اللازم، فمدح ~~بشعره هذا من لا يحظى منه بطائل، وذم الذين يرجو منهم جزيل النائل، وهذا غاية ~~الغلط في الاختيار وفي ترتيب الأشعار. ولزهير غير هذا من السقطات لولا كلفة الاستقصاء ~~هذا على اشتهاره بأنه أمدح الشعراء وأجزل الوافدين على الأشراف والأمراء، وسيتعامى ~~المتعصب له عن وضوح هذا البيان، وسينكر جميع هذا البرهان، ويجعل التفتيش عن غوامض ~~الخطأ والصواب استقصاء وظلما ومطالبة وهضما، وزعم أن جميع الشعر لو طلب هذه ~~المطالبة لبطل صحيحه، وانعجم فصيحه، والباطل الذي زعم، والمحال الذي به تكلم، ~~فالسليم سليم، والكليم كليم، وإنما سمع المسكين أن أملح الشعر ما قلت ~~عباراته، وفهمت إشاراته، ولمحت لمحه، وملحت ملحه، ورققت ~~حقائقه، وحققت رقائقه، واستغني فيه بلمحه الدالة عن الدلائل المتطاولة، ~~وأمثال هذا ms202 الكلام في استعمال النظام، فتوهم أن خلل الشعر ووزنه، وضعف أركانه ، ~~وتناقض بنيانه، وانقلاب لفظه لغوا، وانعكاس مدحه هجوا؛ داخل فيما قدمنا من ~~الأوصاف المستحسنة: من لمح إشاراته، وملح عباراته؛ فعامل هذا الصنف بعطفك عنهم للعطف، ~~ورفعك عليهم الأنف، وأعرض عنهم بالفكر والذكر كبرا، وإن لم تكن من أهل الكبر، ~~وفيما أطلعتك من شعر هذين الفحلين، والمتقدمين القديمين ما يغني عن التفتيش على ~~سقطات سواهما فقس على ما لم تره بما ترى، واعلم أن كل الصيد في جنب ~~الفرا. # قال أبو الريان: ومن عيوب الشعر اللحن الذي لا تسعه فسحة العربية كقول ~~الفرزدق: # وعض زمانا يا ابن مروان لم يدع # من المال إلا مسحتا أو مجلف # فرفع مجلفا وحقه النصب، وقد تحيل له بعض النحويين بكلام كالضريع لا يسمن ولا ~~يغني من جوع. وكقول جرير الخطفي: # ولو ولدت قفيرة جرو كلب # لسب بذلك الجرو الكلابا # فنصب الكلاب بغير ناصب، وقد تحيل أيضا بعض النحويين على وجه الإقفاء أحسن منه، ~~فاحذر هذا ومثله، وإياك وما يعتذر منه بفسيح من العذر فكيف بضيق ضنك، قال: ~~ومما يعاب به الشعر ويستهجنه لنقد خشونة حروف الكلمة كقول جرير: # وتقول بوزع قد دببت على العصا # هلا هزئت بغيرنا يا بوزع # وهذا البيت في قصيدة من أحلى قصائد جرير وأملحها وأجزلها ~~وأفصحها، فثقلت القصيدة كلها بهذه اللفظة، وللفرزدق أيضا لفظات خشنة ~~الحروف كهذه تجدها في شعره، قال: ويكره النقاد تعقيد الكلام في ~~الشعر، وتقديم آخره، وتأخير أوله، كقول الفرزدق: # وما مثله في الناس إلا مملكا # أبو أمه حي أبوه يناسبه # يمدح به إبراهيم بن هشام المخزومي وهو خال هشام بن عبد الملك ~~فمعنى هذا الكلام أن إبراهيم بن هشام ما مثله في الناس حي إلا مملك يعني هشاما ~~أبو أمه، أي جد هشام لأمه أبو إبراهيم هذا الممدوح، فهو خاله أخو أمه، فهو ~~يشبهه في الناس لا غير، وهذا غاية التعقيد والتنكيد وليس تحته شيء سوى أنه شريف ~~كابن أخته شريف. # قال أبو الريان: ومن شر ms203 عيوب الشعر كلها الكسر؛ لأنه يخرجه عن نعته ~~شعرا. وليس مما يقع لمن نعت بشاعر، فأما الإقواء، والإيطاء، والسناد، ~~والإكفاء، والزخاف، وصرف ما لا ينصرف؛ فكل ذلك يستعمل، إلا أن السالم من جميع ذلك أجمل ~~وأفضل، قال: ومن عيوبه المذمومة مجاورة الكلمة ما لا يناسبها ولا ~~يقاربها، مثل قول الكميت: # حتى تكامل فيها الدل والشنب # وكما قال بعض المتأخرين في رثاء: # فإنك غيبت في حفرة # تراكم فيها نعيم وحور # وإن كان النعيم والحور من مواهب أهل الجنة، فليس بينهما في النفوس تقارب، ولا ~~لفظة تراكم مما يجمع بين الحور والنعيم، ومثله قول بعضهم: # والله لولا أن يقال تغيرا # وصبا وإن كان التصابي أجدرا # لأعاد تفاح الخدود بنفسجا # لثمي وكافور الترائب عنبرا # فالتفاح ليس من جنس البنفسج؛ لأن التفاح ثمرة والبنفسج زهرة، وقد أجاد في جمعه بين ~~الكافور والعنبر؛ لأنهما من قبيل واحد. ولو قال: # لأعاد ورد الوجنتين بنفسجا # لثمي وكافور الترائب عنبرا # لأجاد الوصف، وأحسن الرصف؛ لكون الورد من قبيل البنفسج؛ فهذا النوع ~~فافتقد، وهذا الشرع فاعتمد. # قال أبو الريان: ولفضلاء المولدين سقطات مختلفات في أشعارهم، أذاكرك منها في ~~أشياء؛ لتستدل بها على أغراضك لا لطلب الزلات، ولا لاقتفاء العثرات، كان بشار ~~تتباين طبقات شعره فيصعد كبيرها، ويهبط قليلها كثيرها، وكذلك كان حبيب بن ~~أوس الطائي، فإذا سمعت جيدهما كذبت أن رديهما لهما، وإذا صح عندك أن ذلك ~~الردى لهما أقسمت أن جيدهما لغيرهما، قال: ومما يعاب من الشعر ~~الافتتاحات الثقيلة مثل قول حبيب أول قصيدة: # هن عوادي يوسف وصواحبه # فعزما فقدما أدرك الشأو طالبه # ومثل قول ديك الجن أول قصيدة: # كأنها يا كأنه خلل الخ # لة وقف الهلوك إذ بغما # فابتدأ هو وحبيب بمضمرات على غير مظهرات قبلها، وهو ردي قال: ~~ويعاب أيضا الافتتاحات المتطير بها، والكلام المضاد للغرض، كابتداء قصيدة أبي نواس ~~التي أنشدها الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي يهنيه ببنيانه الدار الجديدة، فدخل إليه ~~عند كمالها، وقد جلس للهناء والدعاء وعنده وجوه الناس فأنشده: # أربع البلى ms204 إن الخشوع لبادي # عليك وإني لم أخنك ودادي # فتطير الفضل من ذلك ونكس رأسه وتناظر الناس بعضهم إلى بعض ثم ~~تمادى فختم الشعر بقوله: # سلام على الدنيا إذا ما فقدتم # بني برمك من رائحين وغادي # فكمل جهله، وتم خطؤه، وزاد القلوب المتوقعة للخطوب سرعة توقع، وأضاف للنفوس المتوجعة ~~بذكر الموت شدة توجع، وأراد أن يمدح فهجا، ودخل ليسر فشجا. قال: وقريب من هذا ما ~~وقع للمتنبي في أول شعر أنشده كافورا: # كفى بك داء أن ترى الموت شافيا # وحسب المنايا أن يكن أمانيا # فهذا خطاب بالكاف بفتح ولا سيما في أول لقية، وفي ابتداء واستعطاف ورقية، ~~وفي هذا البيت غير هذا من العيوب سنذكره بعد. # ووقع مثل هذا من قبح الاستفتاح في عصرنا؛ وذلك أن بعض الشعراء ~~أنشد بعض الأمراء في يوم المهرجان. فقال: # لا تقل بشرى ولكن بشريان # وجه من أهوى ووجه المهرجان # فأمر بإخراجه، واستطار بافتتاحه وحرمه إحسانه، قال أبو الريان: ولو كان هذا ~~الشاعر حاذقا لكان إصلاح هذا الفساد أيسر الأشياء عليه، وذلك بأن يعكس البيت ~~فيقول: # وجه من أهوى ووجه المهرجان # أي بشرى هي لا بل بشريان # قال: ويقبح جدا الإتيان بكلمة القافية معجمة لا ترتبط بما قبلها من ~~الكلام، وإنما هي مفردة لحشو القافية، كقول بعضهم: # فبلغت المنى برغم أعاديك # وأبقاك سالما رب هود # فأنت ترى غثاثة هذه القافية، والله تعالى رب جميع الخلق وكل شيء، فخص هودا عليه ~~السلام وحده لضعف نقده، وعجزه عن الإتيان بقافية تليق وتحسن. # قال: ويقبح أيضا الجفاء في النسيب على الحبيب والتضجر ببعده، وغلظة العتاب على ~~صده؛ كقول أبي نواس: # أجارة بيتينا أبوك غيور # وميسور ما يرجى لديك عسير # فإن كنت لا خلا ولا أنت زوجة # فلا برحت منا عليك ستور # وجاورت قوما لا تزاور بينهم # ولا قرب إلا أن يكون نشور # فلم أسمع بأوحش من هذا النسيب، ولا أخشن من هذا التشبيب، وذلك قوله: إن لم ~~تكوني لي زوجة ولا صديقة فلا برحت منا ستور للتراب عليك، ولا ms205 كان جارك ما عشنا نحن ~~إلا الموتى الذين لا يتزاورون ولا يتواصلون إلى يوم النشور، على أن كلامه يشهد عليه ~~بأنه شاك، وإنما المعروف في أهل الرقة والظرف، والمعهود من أهل الوفاء والعطف، أن ~~يفدوا أحبابهم بالنفوس، من كل مكروه وبؤس، فأين ذهبت ولادته البصرية وآدابه ~~البغدادية، حتى اختار الغدر على الوفاء، وبلغت طباعه إلى إجفاء الجفاء، فاعلم هذا ~~وإياك أن تعمل به. # قال: ومن عيوب الشعر السرق، وهو كثير الأجناس، في شعر الناس؛ ~~فمنها سرقة ألفاظ، ومنها سرقة معان، وسرقة المعاني أكثر؛ لأنها أخفى من ~~الألفاظ، ومنها سرقة المعنى كله، ومنها سرقة البعض، ومنها مسروق باختصار في اللفظ ~~وزيادة في المعنى وهو أحسن المسروقات، ومنها مسروق بزيادة ألفاظ وقصور عن المعنى ~~وهو أقبحها، ومنها سرقة محضة بلا زيادة ولا نقص والفضل في ذلك للمسروق ~~منه ولا شيء للسارق؛ كسرقة أبي نواس في هذه القصيدة التي ذكرنا معنى أبي الشيص ~~بكماله، قال أبو الشيص: # وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي # متأخر عنه ولا متقدم # فسرقه الحسن بكماله. فقال: # فما جازه جود ولا حل دونه # ولكن يصير الجود حيث يصير # فهذا هذا على أن بيت أبي الشيص أحلى وأطبع ومع حلاوته جزالة، ~~وقد ذكر عن الحسن أنه قال: ما زلت أحسد أبا الشيص على هذا البيت حتى ~~أخذته منه، وسرقة المعاصر سقوط همة، وبهذه القصيدة يناضل أصحاب الحسن عنه ~~ويخاصمون خصماء مقرين بأن ليس له أفضل منها، ولا لهم إلى سوى هذه القصيدة ~~معدل عنها، فقس بفهمك وأعمل فكرك على ما وصفناه من أبواب السرق ما وجدته في ~~أشعار لم أذكرها يظهر لك جميع ما وصفناه، ويبدو لك جميع ما رسمناه قال: ~~ومما يقع في عيوب الشعر ويغفل الشاعر عنه، ويجوزه الأمر فيه لصغر جرم العيب ~~وسلامة اللفظ الذي احتبى فيه، ثم يكون ذلك سبب غفلة النقاد أيضا عنه مثل ~~قول المتنبي: # كفى بك داء أن ترى الموت شافيا # فضع هذا الكلام على أنه إنما شكا داءه ووصفه بالعظم فعاد ms206 شاكيا ~~نفسه، وجعلها أعظم الداء؛ لأنه أراد كفى بدائك داء فغلط . وقال: كفى بك داء، فصار ~~كفى بالسلامة داء، فالسلامة هي الداء يريد طول البقاء سبب للفناء. وقال الله تعالى: # وكفى بنا حاسبين ~~(الأنبياء: 47)، فالله هو ~~أعظم شهيد، فجعل المتنبي نفسه أعظم الداء ولم يرد إلا استعظام دائه وإصلاح هذا ~~الفساد، وبلوغه إلى المراد أن يقول: # كفى بالمنايا أن تكن أمانيا # وحسبك داء أن ترى الموت شافيا # فيعود الداء المستعظم كما أراد، وتزول خشونة ابتدائه، وشدة جفائه، ~~إذا خاطب الممدوح بالكاف فجعله داء عظيما في أول كلمة سمعها منه، وقد تأدب خواص ~~الناس وكثير من عوامهم في مثال هذا المكان؛ فهم يقولون عند مخاطبات بعضهم بعضا ~~بما يخشن ذكره قلت للأبعد ويا كذا الأبعد. # ومن عيوب هذا القسم أيضا أن قائله قصد إلى سلطان جديد، وإلى مكان ~~يحتاج فيه إلى التعظيم والتفخيم، وقد صدر عن ملك نوه به، أعني: سيف ~~الدولة، وأغناه بعد فقره، وشرفه ورفعه، وأدنى موضعه، فورد على كافور هذا في ~~مرتبة شريفة، وخطة منيفة، فجعل بجهله يصفه في أول بيت لقيه به أنه في ~~حالة لا يرى منها المنية، أو يرى المنية أعظم أمنية، وعلى كافور بذكائه ووصول أخبار ~~الناس إليه أنه في حالة خلاف ما قال وأنه كفر النعمة من المنعم عليه، وأراه ~~أن جميع ما عامله به من الجاه الواسع، والغنى القاطع حقير لديه، صغير في عينيه، ~~فعلم كافور في هذا الوقت أنه ممن لا تزكو لديه الصنيعة وإن عظمت، ولا تكبر في ~~عينيه المواهب وإن جسمت، ولم يكن في خلق كافور من الصبر على اتساع البذل، ولا من ~~الرغبة في أهل الآداب والفضل ما عند سيف الدولة من ذلك فزهد فيه بعد رغبة ~~وعلله بالقليل، وشاوقه بالجزيل، ورأى المتنبي أن الأسود ليس له في قلبه من ~~الحب والقرب ما له عند سيف الدولة، فلم يدل عليه ولا كثر من التعتب والعتاب ما ~~يعطفه عليه فأضاع وضاع. وكان يتوقع الإيقاع، ولكفران النعم نقم، ثم نجاه ms207 ركوب ظهر ~~الهرب، وأقبل يعترف لسيف الدولة بالذنوب. وكان لحنه وشعره شريفين، وعقله ودينه ضعيفين، ~~ومع ذلك فسقطاته كثيرة إلا أن محاسنه أكثر وأوفر، والمرء يعجز لا محالة، ~~وكان يميل إلى تعقيد الكلام، ويعتمد على علمه بقبحه فيقول من ذلك ما يصف به ~~ناقته: # فتبيت تسئد مسئدا في نيها # إسآدها في المهمه الإنضاء # ويقول في المدح: # أنى يكون أبا البرية آدم # وأبوك والثقلان أنت محمد # ويقول في بيت آخر من قصيدة أخرى يمدح بها، والبيت لا يتعلق بشيء مما قبله - فيما ~~يظهر - ولا فيما بعده بشيء: # كأنك ما جاودت من بان جوده # عليك ولا قاومت من لم تقاوم # ومثل هذا كثير، وهذه الأجناس من أبيات، وإن ظهرت معانيها بعد استقصاء، ~~وأطاعت غوامضها بعد استعصاء، فهي مذمومة السلك وإن اطلعت منها على أجزل ~~الإفادة، فكيف إذا حصلت منها على السلامة بلا زيادة؟! وكان أيضا يغفل عن إصلاح ~~أشياء من كلامه على قرب ذلك الإصلاح من الفهم، مثل قوله يرثي أخت سيف الدولة: # يا أخت خير أخ يا بنت خير أب # كناية بهما عن أشرف النسب # فجعل يا أخت خير، وبنت خير كناية عن أشرف النسب، والكناية لا تكون إلا لعلل تتسع ~~فيها التهم؛ لأن الكناية ستر وتعمية، فما بال شرف النسب يورى عنه تورية ~~المعايب، ويكنى عنه والتصريح به من المفاخر والمناقب، وقد غفل عن إصلاح هذا بلفظ ~~فصيح ومعنى صحيح، قد كاد يبرز زمن الجنان، إلى طرف اللسان، وهو لو فطن ~~إليه: # يا أخت خير أخ يا بنت خير أب # غنى بهذا وذا عن أشرف النسب # قال أبو الريان: هذه الجملة التي أثبت لك فيها ما دخل على الشعراء ~~المجيدين من التقصير والغفلة والغلط، وغير ذلك؛ كافية ومغنية عن إيراد سوى ذلك، ~~وإن لقيتها بجودة بحث وصحة قياس، لم تحتج إلى كشف عيوب أشعار الناس، ولعل قائلا ~~يقول: مال على هؤلاء وترك سواهم لميله على من بكت، ولتفضيله من عنه سكت، فقل ~~لمن قال ذلك، الأمر على خلاف ما ظننت ms208 لم أذكر إلا الأفضل فالأفضل، والأشهر فالأشهر، ~~إذا كانت أشعارهم هي المروية، فالحجة بهم وعليهم هي القوية، فقد نقلته على من ~~ميلي عليهم، إلى ميلي بالحق إليهم. # قال أبو الريان: فأما نقد المستحسن فتمثيله لك يعظم ويتسع ~~لكثرته، فلا يسعنا إيراده، ولكن ما سلم من جميع ما أوردناه فهو في حيز ~~السالم، ثم تتسع طبقات الجودة فيه، وأحسن منه ما اعتدل مبناه، وأغرب معناه، ~~وزاد في محمودات الشعر على سواه، ثم يمدح الأدون فالأدون بمقدار انحطاطه إلى ~~حيز السلامة، ثم لا مدح ولا كرامة. # قال محمد فقلت: لله درك يا أبا الريان فما ألين جانبك! وما أقرب غائبك! ~~وما ألحح طالبك! وما أسعد صاحبك! فقال: أنجح الله مطالبك، وقضى ~~مآربك، وصفى من القذى مشاربك، وبث في الحواضر والبوادي مناقبك. # تمت المقامة المعروفة بمسائل الانتقاد # بلطف الفهم والاقتصاد # والحمد لله أولا وآخرا، وصلاته على نبيه سيدنا محمد وآله وسلامه. # القسم السابع # | كتاب العرب # أو الرد على الشعوبية، محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، من أهل القرن الخامس الهجري # | كتاب العرب # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما، قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة: ~~جعلنا الله وإياك على النعم شاكرين، وعند المحن والبلوى صابرين، وبالقسم ~~من عطائه راضين، وأعاذنا من فتنة العصبية وحمية الجاهلية وتحامل ~~الشعوبية؛ فإنه بفرط الحسد وبغل الصدر تدفع العرب عن كل فضيلة، وتلحق ~~بها كل رذيلة، وتغلو في القول، وتسرف في الذم، وتبهت بالكذب وتكابر العيان، ~~وتكاد تكفر ثم يمنعها خوف السيف وتغص من النبي # صلى الله عليه وسلم # إذا ذكر بالشجا، وتطرف ~~منه على القذى، وتبعد من الله بقدر بعدها ممن قرب واصطفى. # وفي الإفراط الهلكة، وفي الغلو البوار، والحسد هو الداء العياء، أول ذنب عصي الله ~~به في الأرض والسماء، ومن تبين أمر الحسد بعدل النظر أوجب سخطه على واهب النعمة ~~وعداوته لمؤتي الفضيلة؛ لأن الله تعالى يقول: # نحن قسمنا ~~بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق ms209 ~~بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ~~(الزخرف: 32) ~~فهو - تبارك وتعالى - باسط الرزق وقاسم الحظوظ والمبتدي بالعطا، والمحسود آخذ ما أعطي ~~وجار إلى غاية ما أجري. # وقال ابن مسعود: لا تعادوا نعم الله! قيل: ومن يعادي نعم الله؟ قال: ~~حاسد الناس وفي بعض الكتب يقول الله: الحاسد عدو لنعمتي متسخط ~~لقضائي، غير راض بقسمي. # قال ابن المقفع: الحاسد لا يبرح زاريا على نعمة الله لا يجد لها ~~مزالا، ويكدر على نفسه ما به، فلا يجد لها طعما، ولا يزال ~~ساخطا على من لا يتراضاه، ومتسخطا لما لا ينال فوقه، فهو ~~مكظوم هلع جزوع، ظالم أشبه شيء بمظلوم، محروم الطلبة منغص المعيشة دائم ~~السخطة، لا بما قسم له يقنع، ولا على ما لم يقسم له يغلب، والمحسود يتقلب ~~في فضل الله مباشر للسرور، ممهلا فيه إلى مدة لا يقدر الناس لها على قطع وانتقاض، ~~ولو صبر الحسود على ما به وضمر لجرنه كان خيرا له؛ لأنه كلما هر ~~خسأه الله، وكلما نبح قذف بحجره، وكلما أراد أن يطفئ نور الله أعلاه ~~الله # ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره ~~الكافرون ~~(التوبة: 32)، ولله در القائل: # وإذا أراد الله نشر فضيلة # يوما أتاح لها لسان حسود # لولا اشتعال النار فيما جاورت # ما كان يعرف طيب عرف العود # ولم أر في هذه الشعوبية أرسخ عداوة ولا أشد نصبا للعرب من السفلة ~~والحشوة وأوباش النبط وأبناء أكرة القرى، فأما أشراف العجم وذوو ~~الأخطار منهم وأهل الديانة فيعرفون ما لهم وما عليهم، ويرون الشرف نسبا ~~ثابتا. # وقال رجل منهم لرجل من العرب: إن الشرف نسيب، والشريف من كل قوم نسب ~~الشريف من كل قوم، وإنما لهجت السفلة منهم بذم العرب؛ لأن منهم قوما تحلوا ~~بحلية الأدب فجالسوا الأشراف، وقوما اتسموا بميسم الكتابة، فقربوا من السلطان، ~~فدخلتهم الأنفة لآدابهم والغضاضة لأقدارهم من لؤم مغارسهم، وخبث عناصرهم، ~~فمنهم من ألحق نفسه بأشراف العجم، واعتزى إلى ملوكهم وأساورتهم ~~ودخل في باب فسيح لا حجاب عليه، ونسب واسع لا مدافع ms210 عنه، ومنهم من أقام على خساسة ~~ينافح عن لؤمه ويدعي الشرف للعجم كلها؛ ليكون من ذوي الشرف، ويظهر بغض العرب، ~~ينتقصها ويستفرغ مجهوده في مشاتمها، وإظهار مثالبها، وتحريف الكلم في مناقبها، ~~وبلسانها نطق وبهممها أنف وبآدابها تسلح عليها؛ فإن هو عرف خيرا ستره، وإن ظهر ~~حقره، وإن احتمل التأويلات صرفه إلى أقبحها، وإن سمع سوءا نشره، وإن لم ~~يسمعه نفر عنه، وإن لم يجده تخرصه، فهو كما قال القائل: # إن يعلموا الخير يخفوه وإن علموا # شرا أذيع وإن لم يعلموا بهتوا # ومن ذا - رحمك الله - صفا فلم يكن له عيب، وخلص فلم يكن فيه شوب. # وقيل لبعض الحكماء: هل من أحد ليس فيه عيب؟! فقال: لا لأن الذي ليس فيه عيب هو ~~الذي لا يموت، وعائب الناس يعيبهم بفضل عيبه، وينتقصهم بحسب نقصه، ويذيع عوراتهم ~~ليكونوا شركاءه في عورته، ولا شيء أحب للفاسق من زلة العالم، ولا إلى ~~الخامل من عثرة الشريف، قال الشاعر: # ويأخذ عيب الناس من عيب نفسه # مراد لعمري إن أردت قريب # وقال آخر: # وأجرأ من رأيت بظهر غيب # على عيب الرجال ذوو العيوب # وقد كان زياد بن أبي سفيان حين كثر طعن الناس عليه وعلى معاوية في ~~استلحاقه عمل كتابا في المثالب لولده وقال: من غيركم فقرعوه بمنقصته، ~~ومن ندد عليكم فابدهوه بمثلبته؛ فإن الشر بالشر يتقى، والحديد ~~بالحديد يفلح. # وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى أغرى الناس بمشاتم الناس، وألهجهم ~~بمثالب العرب، وحاله في نسبه وأبيه الأقرب إليه حال نكره أن نذكرها فنكون ~~كمن أمر ولم يأتمر، وزجر عن القبيح ولم يزدجر، وهي مشهورة ولكن ~~كرهنا أن تدون في الكتب وتخلد على الدهر، ولا سيما وهو رجل يحمل عنه العلم ~~ويحتج بقوله في القرآن، ومن أتعب قلبا وأنصب فكرا ممن أراد أن يجعل ~~الحسنة سيئة، والمنقبة مثلبة، ويحتاج لإخراج الباطل في صورة الحق؛ فيقصد من المناقب ~~لمثل قوس حاجب يضحك منها ويزري بها، ويذهب في ذلك إلى خساسة العود وقلة ثمنه، وهذا لو ~~كان على ms211 مذاهب التجار والسوق في الرهون والمعاملات لرجع بالعيب على الآخذ ~~لا على الدافع؛ لأن الدافع لا يألو أن يدفع أحقر ما يجد في أكثر ما ~~يأخذ، والمغبون من غر بالصغير عن الكبير، وإنما رهن عن العرب بما ضمنه ~~عنها، من كف الأذى عن مملكته حتى يحيوا وتنكشف عنهم ألسنة. ولو كان مكان ~~القوس مائة ألف رأس من الغنم عن هذا السبب ما كان القوس إلا أحسن بالدافع والقابل؛ ~~لأن سلاح الرجل هي عزه وشرفه، وإسلام المال أحسن من إسلام العز ~~والشرف، وقد يدفع الرجل خاتمه وبرده أو رداءه عن الأمر العظيم فلا يسلمه ~~خوفا من السبة وأنفة من العار. # قال أبو عبيدة: لما قتل وكيع بن أبي سود التميمي قتيبة بن مسلم ~~الباهلي بخراسان، بلغ ذلك سليمان وهو بمكة وهو حاج، خطب الناس بمسجد ~~عرفات، وذكر غدر بني تميم، وإسراعهم في الفتن، وتوثبهم على ~~السلطان، وخلافهم له، فقام الفرزدق ففتح رداءه وقال: يا أمير المؤمنين، هذا ~~رداي هنا بوفاء تميم ومقامها على طاعتك، فلما جاءت بيعة وكيع قال ~~الفرزدق: # فدى لسيوف من تميم وفى بها # رداي وحلت عن وجوه الأهاتم # يريد الأهتم بن سمي التميمي ورهطه. # وهذا سيار بن عمرو بن جابر الفزاري ضمن لبعض الملوك ألف بعير دية ~~أبيه، ورهنه قوسه فقبلها منه على ذلك، وساقها إليه، وفيه يقول القائل: # ونحن رهنا القوس ثم تخلصت # بألف على ظهر الفزاري أقرعا # وسيار هذا هو جد هرم الذي تنافر إليه عامر وعلقمة. ومن هذا الباب قول جران، ~~وذكر اجتماعه مع نساء كان يألفهن: # ذهبن بمسواكي وقد قلت إنه # سيوجد هذا عندكن فيعرف # يظن من لا يعرف هذا الخبر أنهن سلبنه المسواك فاعتد عليهن، ~~وأخبرهن أنه سيوجد عندهن ويعرف لقدر المسواك عندهن وعنده؛ ولأن الأعراب أنظر قوم ~~في التافه الحقير الذي لا خطر له، وكيف يظن به وبهن هذا وبلد نجد مستحلس ~~بضروب من شجر المساويك لا تحصى؟! فكيف يبخل على نساء يهواهن ~~بعود هو يصطلي به ويختبز ويطبخ بشجره؟! ومتى احتاج ms212 إلى مسواك منه لم ~~يتكلفه بثمن ولم يبعد في طلبه، والمعنى أن نجد اختلاف منابته فمنه: ما ينبت ~~الأسحل، ومنه ما ينبت الأراك، ومنه ما ينبت البشام، فأهل كل ناحية ~~منهم يستاكون بشجر بلدهم. وكان جران العود معروفا بهؤلاء النساء يزورهن على حذر من ~~مزار بعيد، وهو يستن من الشجر ما ينبت في بلده ولا ينبت في بلدهن، فلما أخذن سواكه ~~ليتذكرنه ويسترحن إليه كما يفعل المتحابون قال: إن هذا سيوجد عندكن، وإذا وجد علم ~~أنه مما ينبته البلد الذي أسكنه فاستدل به على زيارتي إياكن ويقصد لقول ~~القائل: # أيا ابنة عبد الله وابنة مالك # ويا ابنة ذي البردين والفرس الوردا # فيتضاحك بالشعر ويستهزئ بالبردين والفرس الورد، ويعارض ذلك بملوك فارس ~~وأسرتها وتيجانها، وبأن أبرويز ارتبط تسعمائة وخمسين فيلا على مرابطه، وبلغت ~~مخدته التي كان يشرف بها على الداخل عليه ألف إناء من الذهب، وخدمته ألف ~~جارية، وقد جهل هذا معنى الشعر وأخطأ في المعارضة، وفخر بما ليس له فيه حظ ولا ~~نصيب. # أما معنى الشعر: فإن أبا عبيدة ذكر أن وفود العرب اجتمعت عند ~~النعمان بن المنذر فأخرج بردي محرق وهو عمرو بن هند. وقال: ليقم أعز ~~العرب قبيلة فيأخذهما؛ فقام عامر بن أحيمر بن بهدلة فأخذهما فاتزر بواحد وارتدى ~~بآخر. فقال له: بم أنت أعز العرب؟ فقال: العز والعدد من العرب في معد، ~~ثم نزار، ثم في مضر في خندف، ثم في تميم، ثم في سعد، ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في ~~بهدلة. فمن أنكر هذا من العرب فلينافرني فسكت الناس. فقال النعمان: هذه عشيرتك ~~كما تزعم، فكيف أنت في أهل بيتك وفي بدنك؟ فقال: أنا أبو عشرة وعم عشرة وخال عشرة ~~يغنيني الأكابر عن الأصاغر والأصاغر عن الأكابر، فأما أنا في بدني فهذا شاهدي، ثم ~~وضع قدمه على الأرض. وقال: من أزالها من مكانها فله مائة من الإبل. فلم يقم إليه أحد ~~من الناس، فذهب بالبردين فسمي ذا البردين، قال الفرزدق: # فما تم في سعد ms213 ولا آل مالك # غلام إذا ما قيل لم يتبهدل # لهم وهب النعمان ثوبي محرق # بمجد معد والعديد المحصل # وأما الفرس الورد؛ فإن الخيل حصون العرب، ومنبت العز، وسلم المجد، وثمال ~~العيال، وبها تدرك الثأر، وعليها تصيد الوحش. وكانوا يؤثرونها على الأولاد ~~باللبن ويشدونها بالأفنية للطلب والهرب، وقد كنى الله عنها في كتابه بالخير لما فيها من ~~الخير. فقال حكاية عن نبيه سليمان - عليه السلام: # إني ~~أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت ~~بالحجاب ~~(سورة ص: 32)، يعني: الخيل، وبها كان شغل سليمان عن الصلاة ~~حتى غربت الشمس. # وقال طفيل: # وللخيل أيام فمن يصطبر لها # ويعرف لها أيامها الخير تعقب # وقال آخر: # ولقد علمت على توقي الردى # أن الحصون الخيل لا مدر القرى # إني وجدت الخيل عزا ظاهرا # تنجي من الغمى ويكشفن الدجى # ويبتن بالثغر المخوف طلائعا # ويثبن للصعلوك جمة ذي الغنا # باتوا بصائرهم على أكتافهم # وبصيرتي يعدو بها عتد وأى # والبصيرة: الدم، يريد أنهم لم يدركوا الثأر؛ فثقل الدماء على أكتافهم، ~~وأنه قد أدرك ثأره على فرسه. # وحدثني محمد بن عبيد قال: حدثني سفيان بن عيينة عن شبيب بن غرقدة عن عروة البارقي ~~قال: سمعت النبي # صلى الله عليه وسلم # يقول: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم ~~القيامة.» # قال أبو محمد: وليس لأحد مثل عتاق العرب، ولا عند أحد من الناس من العلم بها ما ~~عندهم، وسأذكر من ذلك شيئا فيما بعد - إن شاء الله - وإذا كان للرجل منها جواد ~~مبر كريم شهر به وعرف، فقيل العسجدي ولاحق وذا حسن والورد. وليس أعجب من ~~سرير كسرى وفخر العجم به وتصويرهم إياه في الصخور الصم وفي رعان الجبال، وإذا رأيت ~~العرب تنسب إلى شيء خسيس في نفسه، فليس ذلك إلا لمعنى شريف فيه، كقولهم لهنيدة ~~بنت صعصعة عمة الفرزدق ذات الخمار فمن لم يعرف سبب الخمار ها هنا يظن أنها كانت ~~تختمر دون نساء قومها فنسبت إلى الخمار لذلك، قال أبو عبيدة: كانت هنيدة بنت ~~صعصعة تقول: من جاء من ms214 نساء العرب بأربعة مثل أربعتي يحل لها أن تضع عندهم ~~خمارها فصرمتي لها أبي صعصعة، وأخي غالب، وخالي الأقرع بن حابس، وزوجي ~~الزبرقان بن بدر فسميت ذات الخمار لذلك # وقال: كان هند بن أبي هالة ربيب النبي # صلى الله عليه وسلم # يقول: أنا أكرم الناس أربعة، ~~أبي رسول الله وأمي خديجة وأختي فاطمة وأخي القاسم، فهؤلاء الأربعة لا أربعتها. ~~وأما خطؤه في المعارضة؛ فإن صاحب البردين لم يكن ملك العرب فيعارضنا عنه ~~بملك العجم، ولم يدع أحد أنه كان للعرب في دولة العجم مثل ملكها وأموالها ~~وعددها وسلاحها وحريرها وديباجها فيحتاج أن يذكر فيلة أبرويز وجواريه وفرشه، ~~وقد كان هذا لأولئك كما ذكر، ثم جعله الله لهؤلاء فابتزوه واستلبوه والتحوهم كما ~~يلتحى القضيب، والناسخ أفضل من المنسوخ. وأما فخره بما ليس له فيه حظ ولا ~~نصيب؛ فإنما يفخر بملك فارس أبناء ملوكها وأبناء عمالهم وكتابهم وحجابهم ~~وأساورتهم، فأما رجل من عرض العجم وعوامهم لا يعرف له نسب ولا ~~يشهر له أب فما حظه في سرير كسرى وتاجه وحريره وديباجه؟! وليس هو من ذلك في مراح ~~ولا مغدى ولا مظل ولا مأوى؛ فإن قال: لأني من العجم وكسرى فمرحبا بالمثل ~~المبتذل ابن جار النجار. ولو قال أيضا: لأني من الناس وكسرى من الناس. وكان وهذا سواء ~~وما هو بأولى بهذا السبب من العرب؛ لأن العرب أيضا من الناس. # قال أبو عبيدة: أجريت الخيل فطلع منها فرس سابق، فجعل رجل من النظارة يكبر ~~ويثب من الفرح. فقال له رجل إلى جانبه: يا فتى، أهذا السابق فرسك؟ فقال: لا، ولكن ~~اللجام لي. # وقال المسعودي: قدم علينا أعراب وكانوا يأتون ببضائعهم فأبيعها وأقوم ~~بحوائجهم. وكانوا يقولون: رحم الله أباك دينارا فكنت لا آلوهم عناية، ~~فقلت لهم: أخبروني عن السبب بينكم وبين أبي قالوا: كان يساومنا مرة بأتان، فقلت ~~لهم: هل كان اشتراها منكم؟ قالا: لا، قلت: الله أكبر، قالوا: وما ذاك؟ قلت: لو ~~اشتراها صارت رحما ونسبا. # وقد كانت العجم - رحمك الله - في ذلك ms215 الزمان طبق الأرض شرقا وغربا وبرا ~~وبحرا إلا محال معد واليمن ، أفكل هؤلاء أشراف؟ فأين الوضعاء والأدنياء ~~والكساحون والحجامون والدباغون والخمارون والرعاع والمهان؟ وهل كان ذوو ~~الشرف في جملة الناس إلا كاللمعة في جلد البعير؟ وأين ذراريهم وأعقابهم أدرجوا ~~جميعا فلم يبق منهم أحد، وبقي أبناء الملوك والأشراف؟ # وأعجب من هذا ادعاؤهم إلى إسحاق بن إبراهيم - صلى الله عليهما وسلم - وفخرهم على ~~العرب بأنه لسارة الحرة وأن إسماعيل أبا العرب لهاجر، وهي أمة، قال شاعرهم: # في بلدة لم تصل عكل بها طنبا # ولا خباء ولا عك وهمدان # ولا لجرم ولا بهراء من وطن # لكنها لبني الأحرار أوطان # أرض تبنى بها كسرى مناسكه # فما بها من بني اللخناء إنسان # فبنو الأحرار عندهم العجم من ولد إسحاق وإسحاق لسارة وهي حرة، وبنو ~~اللخناء عندهم العرب؛ لأنهم من ولد إسماعيل، وإسماعيل لهاجر وهي أمة قالوا: ~~واللخناء عند العرب الأمة؛ فالويل الطويل لهؤلاء والبعد والثبور من هذه العداوة لأولياء ~~الله، والأنباز القبيحة لصفوة الله، وقد غلطوا في التأويل على اللغة. وليس كل أمة ~~عند العرب لخناء؛ إنما اللخناء من الإماء الممتهنة في رعي الإبل وسقيها، ~~وجمع الحطب وحمله واستقاء الماء والحلب وأشباه ذلك من الخدمة، كما يقال ~~الأمة الوكعاء. وليس كل أمة وكعاء، وإنما قيل لخناء لنتن ريحها، ويقال لخن ~~السقاء يلخن لخنا إذا تغير ريحه وأنتن. # وأما مثل «هاجر» التي طهرها الله من كل دنس وطيبها من كل دفر، وارتضاها ~~للخليل فراشا وللطيبين إسماعيل ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - أما، وجعلهما ~~سلالة، فهل يجوز لملحد - فضلا عن مسلم - أن يطلق عليها اللخن. ولو لم يكن ~~إلا أن ملك القبط متع بها سارة وكانت أنفس إمائه عنده وأحظاهن لديه، ~~لقد كان في ذلك دليل على أنها لم تكن من الإماء اللخن. ولو جاز أن يطلق على كل ~~أمة لخناء لجاز أن يقال لكل شريف ولدته أمة هذا ابن اللخناء، كما يقال هذا ابن ~~الأمة، وقد ولدت الإماء الخلفاء والخيار والأبرار مثل: علي بن الحسين بن ms216 علي بن أبي ~~طالب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. # حدثني سهل بن محمد، قال: حدثنا الأصمعي، قال: كان أهل المدينة يكرهون ~~اتخاذ أمهات الأولاد حتى نشأ فيهم هؤلاء الثلاثة؛ ففاقوا أهل المدينة فقها وورعا، ~~فرغب الناس في السراري. والنساب لا يعرفون لأهل فارس ولا للنبط في إسحاق ~~بن إبراهيم حظا؛ لأن إسحاق تزوج رفقا بنت ناحور بن تارح، وتارح هو آزر ورفقا بنت ~~عمه؛ فولدت له عيصو ويعقوب توأمين في بطن واحد؛ فيعقوب هو إسرائيل الذي ولد ~~الأسباط كلهم وكانوا اثني عشر رجلا، وأولادهم جميعا يدعون بني إسرائيل، وهم أهل ~~الكتاب ليس لهؤلاء فيهم سبب ولا نسب، وعيصو هو أبو الروم. وكان الروم رجلا أصفر شديد ~~الصفرة في بياض، ومن أجل ذلك سميت الروم بني الأصفر. قالوا: وكانت أم الروم بنت ~~إسماعيل بن إبراهيم وولد من الروم خمسة نفر، فكل من بأرض الروم من نسل هؤلاء ~~الرهط، قالوا: ولما سبقه يعقوب إلى دعوة إسحاق؛ فصارت النبوة في ولده دعا لعيصو ~~بالنماء والكثرة؛ فالروم كلها من ولده، وبعض الناس يزعم أيضا أن الأشبان من ولده، ~~وقالوا: النبط بن ساروح بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالح بن أرفخشد ~~بن سام بن نوح، ويقال: إنه ابن ماش بن سام بن نوح. # قالوا: وأهل فارس من ولد لاود بن إرم بن سام بن نوح. وكان كثير الولد فنزل ~~أرض فارس فأجناس الفرس كلهم من ولده، فليس بين هؤلاء وبين إسحاق بن إبراهيم - على ما ~~ذكر النسابون - نسب يجمعهم إلا سام بن نوح. # والناس يجتمعون في ولادة شيث بن آدم، ثم في ولادة نوح، ثم يتشعبون؛ فولد نوح ~~أربعة نفر: سام، وحام، ويافث، ويام، فأما يام فهلك بالطوفان فلا عقب له، وهو الذي قال ~~له أبوه: # يا بني اركب معنا ولا تكن مع ~~الكافرين ~~(هود: 42)، وأما حام؛ فإن أباه لعنه ودعا عليه بأن يكون ~~عبدا لأخويه، فخملت ذريته وسقطت فيه، فهم: النوبة، وفزان، ms217 والزغاوة، وأجناس ~~السودان، والسند، والقبط. وأما يافث: فإن أباه دعا له بالنماء والكثرة، فولد ~~الصقالب والترك ويأجوج ومأجوج، وأمما عدد الرمل والحصا في مشارق الأرض، فأما ~~سام: فبارك عليه فأشراف الناس من ولده منهم: العماليق، ومنهم الجبابرة، وفراعنة مصر، ~~وملوك فارس، ومن ولد سام الأنبياء جميعا بعد نوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم ومن ~~بعده إلى نبينا محمد - عليه الصلاة والسلام - فالعرب وفارس يتساوون في هذه الجملة، ~~وتفضلها العرب بأنها من ولد إسماعيل بن إبراهيم، فهي أدنى من خليل الله دناوة ~~وأمس به رحما. # ثم تتساوى العرب وفارس في أن الفريقين ملكوا، وتفضلها العرب بأن قواعد ملكها ~~نبوة وقواعد ملك فارس استلاب وغلبة، وتفضلها العرب بأن ملكها ناسخ ~~وملك فارس منسوخ، وتفضلها بأن ملكها متصل بالساعة، وملك فارس محدود، وتفضلها العرب بأن ~~ملكها واغل في أقاصي البلاد، داخل في آفاق الأرض، وملك فارس شظية منه ليس فيه الشام ~~ولا الجزيرة ولا خراسان في أكثر مددهم ولا اليمن إلا في أيام وهزر وسيف بن ذي ~~يزن. # ومن عجب أمرهم أيضا فخرهم على العرب بآدم بقول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «لا تفضلوني ~~عليه؛ فإنما أنا حسنة من حسناته.» ثم بالأنبياء وهم من العجم إلا أربعة نفر: هود وصالح ~~وشعيب ومحمد # صلى الله عليه وسلم ~~؛ وفي هذا القول وضع الفخر على غير أساس، ومن أسس بنيانه ~~على الباطل والغرور أوشك أن يتداعى وأن يخر وظلم للعرب فاحش، ومنه ادعاؤهم ~~آدم كأن العرب ليسوا من ولده، ومنه انتحالهم موسى وعيسى وزكريا، ويحيى وأشباههم من ~~بني إسرائيل. وليس بين فارس وبين بني إسرائيل نسب على ما بينت لك، ومنه دفعهم ~~العرب عن قربهم بهؤلاء الأنبياء وهم بنو عمومهم وعصبتهم؛ لأن العرب بنو ~~إسماعيل بن إبراهيم بإجماع الناس، فهم بنو أخي إسحاق بن إبراهيم وأولى به وأحق ~~بشرفه وأولى بموسى وعيسى وداود وسليمان وجميع الأنبياء من ولده. وقال الله تعالى: # إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم ~~وآل عمران على العالمين ~~(آل عمران: 33)، قال إبراهيم: هم ms218 ولد ~~إسحاق وولد إسماعيل، ثم قال: # ذرية بعضها من ~~بعض ~~(آل عمران: 34). # فأعلمنا أن العرب وبني إسرائيل شيء واحد في النسب، وفيما أوحى الله إلى موسى: ~~إني سأقيم لبني إسرائيل من إخوتهم مثلك، أجعل كلامي على فيه، يريد: أنه يقيم ~~لهم من العرب نبيا مثل موسى يعني: نبينا محمدا # صلى الله عليه وسلم # وهذا علم من ~~أعلامه وحجة من حججنا على أهل الكتاب من كتبهم؛ فإن قالوا في ذلك إنه ~~يقيم لهم من بني إسرائيل نبيا مثل موسى. وقالوا: إن بني إسرائيل بعضهم إخوة ~~بعض، أكذبهم النظر؛ لأنه لو أراد ذلك لقال لهم: من أنفسهم ومنهم كما أن ~~رجلا لو أراد أن يبعث رسولا من خندف لم يقل سأبعث رسولا من إخوة خندف، ~~فإن كان دفعهم ولد إسماعيل عن تشابك نسبهم بولد إسحاق لنزول إسماعيل الحرم ونكاحه في ~~جرهم؛ فإن الديار قد تتناءى والمحال قد تتباين، والرجل قد ينكح في البعيد وقد يولد ~~له من الإماء ولا تنقطع الأرحام والأنساب. # وإن كان إسماعيل نطق بالعربية فليس اختلاف الناس في الألسنة يخرجهم عن نسب ~~آبائهم وإخوانهم وعشائرهم؛ فهؤلاء أهل السريانية قد خالفوا في اللسان أهل ~~العبرانية وهذه الروم كفرت بالله ولا شيء أقطع للعصمة من الكفر وتكلمت بالرومية، ~~ورغبت عن لسان آبائها وليس ذلك بمخرجها عن ولادة إسحاق بن إبراهيم، على أن ~~إسماعيل لم يكن أول من نطق بالعربية، وإنما تعلمها وإنما أصل العربية ~~لليمن؛ لأنهم من ولد يعرب بن قحطان. وكان يعرب أول من تكلم ~~بالعربية حين تبلبلت الألسن ببابل، وسار حتى نزل اليمن في ولده ومن تبعه من أهل ~~بيته، ثم نطق بعده ثمود بلسانه وشخص حتى نزل الحجر. # حدثني أبو حاتم قال: حدثني الأصمعي، قال: أخبرنا أبو عمرو بن ~~العلاء قال: تسع قبائل قديمة: طسم، وجديس، وعهينة، وضجم - بالجيم ~~وبالحاء - وجعم، والعماليق، وقحطان، وجرهم، وثمود. # وحدثني أبو حاتم قال: حدثنا الأصمعي قال: حدثنا ابن أبي الزناد عن ~~رجل من جرهم قال: نحن بدء من الخلق لا يشاركنا أحد ms219 في أنسابنا، ~~يقول من قدمنا فهؤلاء قدماء العرب الذين فتق الله ألسنتهم بهذا اللسان. وكانت ~~أنبياؤهم عربا: هود، وصالح، وشعيب. # حدثني عبد الرحمن عن عبد المنعم، عن أبيه، عن وهب بن منبه أنه سئل عن هود، ~~أكان أبا اليمن الذي ولدهم قال: لا ولكنه أخو اليمن في التوراة، فلما وقعت ~~العصبية بين العرب، وفخرت مضر بأبيها إسماعيل ادعت اليمن هودا ليكون ~~لهم والد من الأنبياء. «قال»: وأما شعيب من ولد رهط من المؤمنين تبعوا إبراهيم ~~لما هاجر إلى الشام، ولم يكن يثبت لهم نسب في بني إسرائيل، ولم تكن ~~مدين قبيلة، ولكنها أمة بعث إليها فلما بوأ الله إسماعيل الحرم وهو طفل، ~~وأنبط له زمزم، مرت به من جرهم رفقة؛ فرأوا ما لم يكونوا يعهدونه وأخبرتهم ~~هاجر بنسب الصبي وحاله، وما أمر الله أباه فيه وفيها، فتبركوا بالمكان ~~ونزلوه وضموا إليهم إسماعيل فنشأ معهم ومع ولدانهم ثم أنكحوه فتكلم بلسانهم فقيل نطق ~~بالعربية إلا أن الياء زيدت في الاسم فحذفت في النسب، كما تحذف أشياء من الزوائد ~~وغير كما تغير أشياء عن أصولها، والدليل على أن أصل اللسان ~~لليمن أنهم يقال لهم «العرب العاربة» ويقال لغيرهم «العرب المتعربة» يراد ~~الداخلة في العرب المتعلمة منهم، وكذلك معنى التفعل في اللغة يقال: تنزر ~~الرجل إذا دخل في نزار، وتمضر إذا دخل في مضر، وتقيس إذا دخل في قيس، ~~وقال الشاعر: # وقيس عيلان ومن تقيسا # ولو كان كل من تعلم لسانا غير لسان قومه ونطق به خارجا من ~~نسبهم لوجب أن يكون كل من نطق بالعربية من العجم عربيا «وسأقول في الشرف ~~بأعدل القول وأبين أسبابه، ولا أبخس أحدا حقه، ولا أتجاوز به حده.» ~~فلا يمنعني نسبي في العجم أن أدفعها عما تدعيه لها جهلتها، وأثني أعنتها عما ~~تقدم إليها سفلتها، وأختصر القول وأقتصر على العيون والنكت ولا أعرض ~~للأحاديث الطوال في خطب العرب وتعداد أيامها وفدات أشرافها على ~~ملوك العجم ومقاماتها؛ فإن هذا وما أشبهه قد كثر في كتب الناس حتى أخلق ms220 ~~ودرس حتى مل، لا سيما وأكثر هذه الأخبار لا طريق لها ولا نقلت من ~~الثقاة المعروفين أيضا تخبر عن التكلف، وتدل على الصنعة، وأرجو ألا يطلع ~~ذوو العقول وأهل النظر مني على إيثار هوى، ولا تعمد لتمويه، وما أتبرأ ~~بعده من العثرة والزلة إلا أن يوفقني الله، وما التوفيق إلا به. # وعدل القول في الشرف أن الناس لأب وأم خلقوا من تراب وأعيدوا إلى التراب، ~~وجروا في مجرى البول وطووا على الأقذار، فهذا نسبهم الأعلى يردع أهل العقول ~~عن التعظيم والكبرياء، ثم إلى الله مرجعهم فتنقطع الأنساب، وتبطل الأحساب إلا من ~~كان حسبه تقوى الله. وكانت ماتته طاعة الله. # وأما النسب الأدنى الذي يقع فيه التفاضل بين الناس في حكم الدنيا؛ ~~فإن الله خلق آدم من قبضة جميع الأرض، وفي الأرض السهل والحزن والأحمر والأسود ~~والخبيث والطيب، يقول الله - عز وجل: # والبلد الطيب ~~يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا ~~نكدا ~~(الأعراف: 58)، فجرت طبائع الأرض في ولده؛ فكان ذلك ~~سببا لاختلاف غرائزهم، فمنهم: الشجاع، والجبان، والبخيل، ~~والجواد، والحيي، والوقاح، والحليم، والعجول، والدمث، والعبوس، والشكور، ~~والكفور، وسببا لاختلاف ألوانهم وهيآتهم فمنهم: الأبيض، والأسود، والأسمر، ~~والأحمر، والأشقر، والوسيم، والخفيف على القلوب، والثقيل، والمحبب إلى الناس من ~~غير إحسان، والمبغض إليهم من غير ذنوب. وسببا لاختلاف الشهوات والإرادات فمنهم: من ~~يميل به الطبع إلى العلم، ومن يميل به إلى المال، ومن يميل به إلى اللهو، ومن ~~يميل به إلى النساء، ومن يميل به إلى الفروسية. # ثم يختلفون أيضا في ذلك، فمنهم: من يسرع إلى فهمه الفقه ويبطئ عنه الحساب، ~~ومنهم من يعلق بفهمه الطب وينبو عنه النجوم، ومنهم من يتيسر له الدقيق الخفي ~~ويعتاص عليه الواضح الجلي، ومنهم من يتعلم فنا من العلم فيرسخ في قلبه ~~رسوخ النقر في الحجر، ويتعلم ما هو أخف منه فيدرس دروس الرقم على الماء، ومن ~~طلبة المال من يطلبه بالتجارة، ومن يطلبه بالجراية، ومن يطلبه بالسلطان، ومن ~~يطلبه بالكيمياء، فيتلف بالطمع الكاذب والتماس المحال أثلة ms221 المال، ومن طلبة النساء من ~~يريد المهفهفة، ومن يريد الضناك، ومن يريد الغرة الصغيرة، ومن يريد ~~النصف الوثيرة، وأعجب من هذا من ربما حبب إليه العجوز؛ قال الشاعر: # عجوز عليها كبرة وملاحة # أقاتلتي يا للرجال عجوز # عجوز لو ان الماء ملك يمينها # لما تركتنا بالمياه نجوز # ومن لؤم الغرائز أن من الناس من يحب الذم كما يحب غيره المدح، ويرتاح للهجاء كما ~~يرتاح غيره للثناء، ومنهم من يغرى بذم قومه وسب نفسه وآبائه وشتم ~~عشيرته، منهم عميرة بن جعيل التغلبي، وهو القائل: # كسا الله حي تغلب ابنة وائل # من اللؤم أصفارا بطيئا نصولها # ومنهم الحرمازي، وهو القائل: # إن بني الحرماز قوم فيهم # عجز وتسليط على أخيهم # فابعث عليه شاعرا يخزيهم # يعلم منهم مثل علمي فيهم # ومنهم القحيف، وهو القائل في أمه: # يا ليتما أمنا شالت نعامتها # أيما إلى جنة أيما إلى نار # ليست بشبعى ولو أسكنتها هجرا # ولا بريا ولو حلت بذي قار # تلهم الوسق مشدود أشظته # كأنما وجهها قد طلي بالقار # خرقاء في الخير لا تهدى لوجهته # وهي صناع الأذى في الأهل والجار # ومنهم الحطيئة هجا أباه وأمه ونفسه. فقال في أمه: # تنحي فاقعدي مني بعيدا # أراح الله منك العالمينا # ألم أوضح لك البغضاء مني # ولكن لا أخالك تعقلينا # أغربالا إذا استودعت سرا # وكانوا بأعلى المتحدثينا # وقال لأبيه: # لحاك الله ثم لحاك حقا # أبا ولحاك من عم وخال # فبئس الشيخ أنت على المخازي # وبئس الشيخ أنت لدى المعالي # جمعت اللؤم لا حياك ربي # وأبواب السفاهة والضلال # وقال لنفسه: # أبت شفتاي اليوم إلا تكلما # بشر فما أدري لمن أنا قائله # أرى لي وجها شوه الله خلقه # فقبح من وجه وقبح حامله # وأتى عيينة بن النهاس العجلي مادحا. فقال عيينة لوكيله: اذهب معه إلى ~~السوق، فلا يشيرن إلى شيء، ولا يسومن به إلا اشتريته له، فلما انصرف عنه قال: # سئلت فلم تبخل ولم تعط طائلا # فسيان لا ذم عليك ولا حمد # ومن لؤم الغرائز أيضا في الناس، أن منهم: من يؤثر ms222 ريح الكرابيس على ريح ~~اليلنجوج، وريح الحشوش على نفحات الورد، ويهتاج من النساء لذات القبح والدفر، ~~ويكسل عن الحسناء ذات العطر، ومنها أن الرجل يكون في رخاء، بعد بؤس وسعة بعد ضيق فيسأم ~~ما هو فيه، ويرغب عنه إلى ما كان عليه. وقال أعرابي قدم المصر فحسنت حاله: # أقول بالمصر لما ساءني شبعي # ألا سبيل إلى أرض بها جوع # ألا سبيل إلى أرض بها غرث # جوع يصدع منه الرأس برقوع # وهذا وأشباهه من لئيم الغرائز؛ كثير في الأمم، وهذه الطبائع هي أسباب الشرف ~~وأسباب الخمول، فذو الهمة تسمو به نفسه إلى معالي الأمور، وترغب به عن الشائنات ~~فيخاطر في طلب العظيم بعظيمته، ويستخف في ابتغاء المكارم بكريمته، ويركب الهول ~~ويدرع الليل، ويحط إلى الحضيض، وتأبى نفسه إلا علوا حتى يسعد بهمته، ويظفر ~~ببغيته، ويحوز الشرف لنفسه وذريته، ومن لا همة له جثامة لبد ~~يغتنم الأكلة، ويرضى بالدون ويستطيب الدعة وإن أعدم لم يأنف من ذل ~~السؤال. # والجبان يفر عن أمه وأبيه وصاحبته وبنيه، والشجاع يحمي من لا يناسبه ~~بسيفه، ويقي الجار والرفيق بمحبته، والبخيل يبخل على نفسه بالقليل، والجواد يجود ~~لمن لا يعرفه بالجزيل. وقال الله - عز وجل: # قد أفلح من ~~زكاها * وقد خاب من دساها ~~(الشمس: 9، 10) ~~يريد قد أفلح من أنمى نفسه بالمعروف وأعلاها، وقد خاب من أسقطها بلئيم ~~الأخلاق وأخفاها. وقد يكون الرجل مخالفا لأبيه في الأخلاق، وفي الشمائل أو في ~~الهمم أو في جميع ذلك لعرق نزعه من قبل أجداده لأبيه وأمه. وقال ~~الشاعر: # وأشبهت جدك شر الجدود # والعرق يسري إلى النائم # ومن الناس الشريف الحسيب، وذلك الذي جمع إلى محاسن آبائه محاسن نفسه، ومنهم الشريف ~~ولا حسب له، وذلك إذا كان لئيم النفس، ومنهم من لا شرف له ولا حسب، وذلك إذا كان ~~لئيم النفس لئيم السلف. # وقال قس بن ساعدة: لأقضين بين العرب قضية ما قضى بها أحد قبلي، ~~ولا دبرها أحد بعدي «أيما رجل رمى رجلا بملامة دونها كرم، فلا لؤم ~~عليه وأيما رجل ms223 ادعى كرما دونه لؤم فلا كرم له.» يعني: أن أولى الأمور بالمرء ~~خصاله في نفسه؛ فإن كان شريفا في نفسه وآباؤه لئام لم يضره ذلك. وكان الشرف ~~أولى به، وإن كان لئيما في نفسه وآباؤه كرام لم ينفعه ذلك. # ومثله قول عائشة: كل شرف دونه لؤم فاللؤم أولى به، وكل لؤم دونه ~~شرف فالشرف أولى به. وقال الشاعر في مثله: # ومن يك ذا لؤم ومجد يعده # فأولى به من ذاك ما كان أقربا # فلا لؤم عودا بعد مجد يهده # ولا مجد معدود إذا اللؤم عقبا # والحسب مأخوذ من قولك حسبت الشيء أحسبه حسبا، إذا عددته، ~~وكان الرجل الشريف يحسب مآثر آبائه ويعدهم رجلا رجلا، فيقال: لفلان حسب أي ~~آباء يعدون وفضائل تحسب، فالمصدر مسكن والاسم مفتوح، كما تقول: هدمت الحائط هدما ~~فتسكن المصدر، وتقول لما سقط إلى الأرض: هدم فتفتح الدال من الاسم، وكذلك الأمم ~~فيها أمة كرم بلبانها كالعرب؛ فإنها لم تزل في الجاهلية تتواصى بالحلم ~~والحياء والتذمم وتتعاير بالبخل والغدر والسفه، وتتنزه من الدناءة والمذمة ~~وتتدرب بالنجدة والصبر والبسالة، وتوجب للجار من حفظ الجوار، ورعاية الحق فوق ما ~~توجبه للحميم والشفيق، فربما بذل أحدهم نفسه دون جاره ووقى ماله بماله ~~وقتل حميمه، منهم كعب بن مامة. وكان إذا جاوره جار، فمات بعض لحمته وداه، وإذا مات ~~له بعير أو شاة أعطاه مكان ذلك مثله، ومنهم عمير بن سلمى الحنفي أحد أوفياء ~~العرب. وكان له جار فخالفه أخوه قرين إلى امرأته، فاشتد الرجل في حفظ ~~امرأته فقتله. وكان عمير غائبا فلما قدم وخبر بذلك دفع قرينا إلى ولي المقتول، ~~فقتله واعتذر إلى أمه وعظم جرمه. فقالت: # تعد معاذرا لا عذر فيها # ومن يقتل أخاه فقد ألاما # ومن أعجب أمر في الجوار قصة أبي حنبل، حارثة بن مر. وكان الجراد سقط بقرب ~~بيته فقصد الحي لصيده، فلما رآهم قال: أين تريدون، قالوا: نريد جارك هذا. فقال: ~~أي جيراني، قالوا: الجراد. فقال: أما إذ جعلتموه لي جارا، فوالله لا تصلون إليه، ms224 ثم ~~منع منه حتى انصرفوا، ففخر بعضهم. فقال: # لنا هضبة ولنا معقل # صعدنا إليه بصم الصعاد # ملكناه في أوليات الزمان # من بعد نوح ومن بعد عاد # ومنا ابن مر أبو حنبل # أجار من الناس رجل الجراد # وزيد لنا ولنا حاتم # غياث الورى في السنين الشداد # وقال قيس بن عاصم، يذكر قومه: # لا يفطنون لعيب جارهم # وهم لحفظ جواره فطن # وقال مسكين الدارمي: # ناري ونار الجار واحدة # وإليه قبلي تنزل القدر # ما ضر جارا لي يجاورني # أن لا يكون لبابه ستر # وقال الحطيئة يعد محاسن قومه: # أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا # وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا # وإن كانت النعماء فيهم جروا بها # وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا # يسوسون أحلاما بعيدا أناتها # وإن غضبوا جاء الحفيظة والجد # أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم # من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا # ولهم الضيافة عامة شاملة في جميع البادين منهم، والإيثار على النفس والجود ~~بالموجود، وأفضل العطاء جهد المقل. # وقال عثمان بن أبي العاص: لدرهم يخرجه أحدكم من جهد، فيضعه في حق خير من ~~عشرة آلاف درهم يخرجها أحدنا غيضا من فيض. ولولا ما تواصوا به من الضيافة، ~~وتحاضوا عليه من الإيثار لمات الخير وأبدع به دون غايته. وقال أرطاة بن ~~سهية: # وما دون ضيفي من تلاد تحوزه # إلى النفس إلا أن تصان الحلائل # وقال ابن أبي الزناد: قال عبد الملك بن مروان: ما يسرني أن أحدا من ~~العرب ولدني إلا عروة بن الورد؛ لقوله: # وإني امرؤ عافي إنائي شركة # وأنت امرؤ عافي إناؤك واحد # أتهزأ مني أن سمنت وأن ترى # بجسمي مس الحق والحق جاهد # أقسم جسمي في جسوم كثيرة # وأحسو قراح الماء والماء بارد # يريد أنه يقسم قوته على أضيافه، فكأنه قسم جسمه؛ لأن ~~اللحم الذي ينبت ذلك الطعام يصير لغيره، ويحسو قراح الماء في الشتاء، ووقت ~~الجدب والضيق؛ لأنه يوثر باللبن، فتوقف على هذا الشعر، وعلى ما فيه من شريف ~~المعاني. وقال آخر: # إذا ما عملت الزاد فالتمس له ms225 # أكيلا فإني غير آكله وحدي # بعيدا قصيا أو قريبا فإنني # أخاف مذمات الأحاديث من بعدي # فكيف يسيغ المرء زادا وجاره # خفيف المعى بادي الخصاصة والجهد # ولعل الطاعن أن يقول في هذا الموضوع: فأين هو من ذكر مزرد ~~وحميد الأرقط وهجائهما للأضياف؟! وأين هو من مطاعمهما الخبيثة من الحيات والضباب ~~واليرابيع والعلهز وشربهم الفظ والمجدوح وأكل مياسرهم لحوم الإبل، حنيذا غير ~~نضيج ونيئا والعروق والعلابي وسقط المائدة لا يعافون شيئا، ولا يقتذرون أكل ~~السباع ونهش الكلاب ويفخر عليهم بأطعمة العجم وحلوائها وآدابها على الطعام، ~~وكلها باليارحين والسكين؟! فأما هذان الشاعران اللذان يهجوان الأضياف، ~~ويصفانهم بكثرة الأكل وجود اللقم؛ فإن أحدهما كان فقيرا ضعيف الحال، فإذا ~~نزل به الضيف لم يجد بدا من إيثاره بقليل ما عنده أو مشاركته فيه، فيبيت طاويا ~~ويصبح جائعا، ويجيش صدره بما حل به، والشاعر بمنزلة المصدور، لا بد له من أن ~~ينفث فيستريح إلى ذكر لقم الضيف، ووصف أكله وحديثه، قال هو أو غيره يذكر ~~الضيف: # تجهز كفاه ويحدر حلقه # إلى الزور ما ضمت إليه الأنامل # يقول وقد ألقى المراسي للقرى # أبن لي ما الحجاج بالناس فاعل # فقلت له ما إن لهذا طرقتنا # فكل ودع الأخبار ما أنت آكل # أتانا ولم يعدله سحبان وائل # بيانا وعلما بالذي هو قائل # وقال أيضا يذكر الأضياف: # باتوا وجلتنا الشهرين بينهم # كأن أظفارهم فيها السكاكين # فأصبحوا والنوى عالي معرسهم # وليس كل النوى يلقى المساكين # أراد من الأضياف من يأكل التمر بالنوى، وهذا يدل على شدة فقره، ~~وأما مزرد فكان شرها منهوما والشره رفيق البخل، وهو القائل: # لبكت بصاعي صاع عجوة # إلى صاع سمن فوقه يتريع # فقلت لبطني أبشري اليوم أنه # حوى أمنا مما تحوز وترفع # فإن يك مصبورا فهذه ادواؤه # وإن يك غرثا نافذا يوم يشبع # وقال الحطيئة: # أعددت للضيفان كلبا ضاريا # عندي وفضل هراوة من أرزن # ومعاذرا كذبا ووجها باسرا # وتشكيا عض الزمان الألزن # وهذا شر القوم وليس من الناس صنف، إلا وفيه الخير والشر، على ذلك ~~أسست الدنيا ms226 وعليه درج الناس. ولولا أحدهما ما عرف الآخر، وإنما يقضى بأغلب ~~الأمور ويحكم بأشهر الأخلاق. وليس في ثلاثة من الشعراء أو أربعة ما هدر ~~مكارم أخلاق آلاف من الناس وبدد صنعاءهم؛ فهذا كعب بن مامة آثر بنصيبه ~~من الماء رفيقه النمري حتى مات عطشا، وهذا حاتم الطائي قسم ما له ~~بضع عشرة مرة، ومر في سفره على عنزة وفيهم أسير فاستغاث به، ولم يحضره شيء فاشتراه ~~من العنزيين فخلاه، وأقام مكانه في القيد حتى أدى فداءه، وكل فخر في طي فهو ~~راجع إلى نزار، ولهم الجبلان وهما بنجد وأخذهم بآدابهم وتخلقهم ~~بأخلاقهم. # وهذا عدي شاطر ابن دارة الشاعر ماله، وهذا معن في الإسلام كان يقال ~~فيه حدث عن البحر ولا حرج وعن معن ولا حرج، وأتاه رجل يستحمله. فقال: يا غلام، ~~أعطه فرسا وبرذونا وبغلا وعيرا وبعيرا وجارية. ولو عرفت مركوبا غير هذا ~~لأعطيتكه، وهذا نهيك بن مالك بن معاوية باع إبله وانطلق بأثمانها ~~إلى منى فأنهبها، والناس يقولون مجنون. فقال: # لست بمجنون ولكني سمح # أنهبكم مالي إذا عز القمح # وهذا شيء يكثر جدا ويتسع القول فيه، ويخرج الكتاب من فنه باستقصائه، ~~وكان غرضنا في هذا الكتاب أن ننبه بالقليل من كل شيء في عيون الأخبار، ~~وأما تعييرهم إياهم بخبيث المطعم كالعلهز والحيات وخبيث المشرب كالفظ ~~والمجدوح؛ فإن هذا وأشباهه طعام المجاوع والضرورات وطعام نازلة الفقر ~~والفلوات. وقال الشاعر: # إذا السنة الشهباء حل حرامها # يريد أنهم يأكلون فيها الميتة. وقال الراعي: # إلى ضوء نار يشتوي القد أهلها # وقد يكرم الأضياف والقد يشتوى # وإنما كان يكون هذا عيبا، لو كانت العرب مختارة له في حالة ~~اليسر، كما تختار بعض العجم الذباب، وبهم عنه غنى، والسراطين والدجاج لهم ~~معرضة، فأما حال الضرورة، فالناس كلهم يعسرون فمن لم يجد اللحم أكل اليربوع ~~والضب، ومن لم يجد الماء شرب المجدوح والفظ. # قال الأصمعي: أغير على إبل حريثة، فذهب فركب بحيرة، فقيل: أتركب الحرام، ~~فقال: يركب الحرام من لا حلال له. وقال الشاعر: # يا ليت ms227 لي نعلين من جلد الضبع # كل الحذاء يحتذي الحافي الوقع # ومما يدلك على أن أهل الثروة منهم على خلاف ما عليه الصعاليك، والغثر قول ~~الشاعر: # فما لحم الغراب لنا بزاد # ولا سرطان أنهار البريض # فانتفى من أكل لحوم الغربان، وعير بها قوما. # وقال آخر لامرأته: # أكلت دما إن لم أرعك بضرة # بعيدة مهوى القرط طيبة النشر # فلو كان شرب المجدوح عنده محمودا لم يجعل يمينه شرب الدم، كما ~~يقول القائل شركت بالله إن لم أفعل كذا وكذا. # وقال آخر: # نعاف وإن كانت خماصا بطوننا # لباب النقي والعجاب المجردا # يريد أنه يرغب، وإن كان جائعا عن أكل الخبز بالتمر، إلى أكله بالشحم، ~~ونزل رجل من العرب فقدم إليه جراد فعافها، وأنشأ يقول: # لحى الله بيتا ضمني بعد هجعة # إليه دجوجي من الليل مظلم # فأبصرت شيخا قاعدا بفنائه # هو العير إلا أنه يتكلم # أتاني بيرقان الدبا في إنائه # ولم يك في مرق الدبا لي مطعم # فقلت له غيب إناءك واعتزل # فهل ذاق هذا لا أبا لك مسلم # وأما أكلهم العلابي والعروق واللحم النيء، وتركهم طيبة الأطعمة ~~والأطبخة وحسن الأدب عند الأكل؛ فهذا لعمري هو الأغلب على من غلب عليه ~~الفقر، فأما ذوو النعمة واليسار والأقدار، فقد كانوا يعرفون أطايب الطعام ~~ويأكلونها، ويأخذون بأحسن الأدب عليها. # فالمضيرة لهم، واسمها يدلك على ذلك، تطبخ باللبن الماضر وهو الحامض، ~~فاشتق اسمها منه. # والهريسة لهم سميت بذلك؛ لأنها تهرس؛ أي تدق، ويقال للمدق: المهراس. # والوشيقة لهم والعامة تسميها العشيقة، سميت بذلك؛ لأنها توشق، أي: تقطع ~~صغارا. # والعصيدة لهم سميت بذلك؛ لأنها تعصد إذا عملت، أي: تلوى وكل شيء ~~ألويته فقد عصدته، ومنه قيل للمائل عنقه عاصد. وقال مزرد: # لبكت بصاعي حنطة صاع عجوة # إلى صاع سمن فوقه يتريع # وهذا هو العصيدة. وقال أمية بن أبي الصلت في عبد الله بن جدعان: # له داع بمكة مشعل # وآخر فوق دارته ينادي # إلى ردح من الشيزى ملاء # لباب البر يلبك بالشهاد # وهذا هو الفالوذ، وهم أوصف الناس للطعام، وألطفهم ms228 في ذكره. # حدثني أبو حاتم قال: حدثني الأصمعي، قال: حدثنا أبو طفيلة، قال: حدثنا شيخ من أهل ~~البادية، قال: ضفنا فلانا بحنطة كأنها مناقير النغران، وتمر كأنها أعناق الورلان ~~يوحل فيها الضرس. # وحدثنا الأصمعي أيضا عن أعرابي أنه قال: تمرنا خرس فطس يغيب فيه ~~الضرس، كأن نواهن ألسن الطير تضع التمرة في فيك، فتجد حلاوتها في ~~كعبك. # وحدثني عبد الرحمن عن عمه قال: قال شيخ من أهل المدينة: فأتاني بمرقة كان فيها ~~مشقا، فلم أر إلا كبدا طافية فغمست يدي، فوجدت مضغة فمددتها فامتدت حتى كأني أزمر ~~في ناي، ولهم أطبخة كثيرة ومن أطبختهم الغسانية، وهي لا تعرفها عامتنا كالحيسة ~~والربيكة والخزيرة واللفيتة، تركت ذكرها واقتصرت على ما تعرف. وكانوا ~~يقولون: أطيب اللحم عوذه: يريدون أطيبه ما ولي العظم كأنه عاذبه. وكانوا ~~يقولون إذا أكلتم فسموا وادنوا يريدون ب «ادنوا»: كلوا مما بين أيديكم. وكانوا ~~يكرهون أكل الدماغ ويرون استخراجه رغبا وحرصا. وقال قائلهم: # ولا يتقي المخ الذي في الجماجم # ومن قبائل العرب من يعاف إلية الشاة، ويقولون هي طبق الاست. وقال ~~قائلهم: # وللموت خير من زيادة باخل # يلاحظ أطراف الأكيل على عمد # وكانوا يمدحون بقلة الأكل. وقال أعشى باهلة: # تكفيه حزة فلذان ألم بها # من الشواء ويروي شربة الغمر # ويعيبون بالشره والنهم والكسل، ويقولون للبخيل الأكول أبرما ~~قرونا، يريد أنه لا يخرج مع أصحابه ماشيا ويأكل تمرتين، وأهل البرم الذي لا يسير مع ~~القوم. وقال بعض الرجاز: # تسألنا عن بعلها أي فتى # خب جبان وإذا جاع بكى # لا حطب القوم ولا القوم سقى # ولا ركاب القوم إن ضلت بغى # ويأكل التمر ولا يلقي النوى # ولا يواري فرجه إذا اصطلى # كأنه غرارة ملاي حثا # وقال الأحنف: جنبوا مجلسنا ذكر النساء والطعام؛ فإني أبغض أن يكون ~~الرجل وصافا لبطنه وفرجه. # وإن من المروءة أن يترك الرجل الطعام وهو يشتهيه. وقال قائلهم: أقلل طعاما، ~~تحمد مناما. وقال أيضا: غلبت بطنتي فطنتي. # وقال عمرو بن العاص لمعاوية يوم حكم الحكمان: أكثروا الطعام، فوالله ms229 ما ~~بطن قوم إلا فقدوا بعض عقولهم، وما مضت عزمة رجل بات بطينا. # ومثل هذا كثير لمن تتبعه، فكيف تكون المعرفة بالطعام والأدب عليه إلا كما ~~وصفنا. # فأما تركهم إنضاج اللحم، فلا أعلمه إلا في موضع واحد، وهو إذا سافروا أو ~~غزوا فإنهم يتمدحون بترك الإنضاج لعجلة الزماع. وقال الشماخ: # وأشعث قد قد السفار قميصه # يجز الشواء بالعصا غير منضج # وقال الكميت: # ومرضوفة لم تون في الطبخ طاهيا # عجلت إلى محورها حين غرغرا # ولم يزل الشرب إذا اجتمعوا الأحداث من أولاد الملوك، وغيرهم يبادرون بالنشيل ~~قبل النضج. # قال أعرابي نحر بعيره وشرب: # عللاني إنما الدنيا علل # ودعاني من ملام وعذل # وانشلا ما اغبر من قدريكما # واسقياني أبعد الله الحجل # وأما أكلهم سقط المائدة؛ فإنه إكرام للطعام وإعظام للنعمة، ~~وجنس من الشكر لواهبها، ونبذه في المزابل استخفاف به، وتصغير له وبخس ~~بمؤتيه حق عطيته، ومن وهب لك شيئا صنته وعظمته؛ سمحت لك نفسه ~~بالزيادة منه، وإن احتقرته وازدريته كان حريا أن يقطعه، والطعام أعظم ~~نعم الله على خلقه بعد معرفته؛ لأنه مثبت الروح وممسك الرمق، فمن صانه فقد ~~عظم نعمة الله، واستوجب زيادة الله ومن امتهنه في غير ما خلق له، فقد ~~صغرها واستوجب سخط الله. # حدثنا يزيد بن عمرو قال: حدثنا أيوب بن سليمان عن محمد بن زياد، عن ميمون بن ~~مهران عن ابن عباس قال: ولا أعلمه إلا عن النبي # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: «أكرموا الخبز؛ فإن ~~الله سخر له السموات والأرض.» وقد أمرنا # صلى الله عليه وسلم # بأكل سقط المائدة، ورغبنا ~~فيه. # والعجب عندي من قوم نحلتهم الإسلام، ونبيهم محمد # صلى الله عليه وسلم # تتابعت الأخبار عنه ~~بشيء أمر به أو نهى عنه، فيعارضون ذلك بالعيب والطعن من غير أن يعرفوا العلة، ولا أن ~~يكون لهم في الإنكار له نفع، أو عليهم في الإقرار به ضرر. # وأما أكلهم باليارحين والسكين فمفسد للطعام ناقص للذته، ~~والناس يعلمون - إلا من عاند منهم. وقال بخلاف ما تعرفه نفسه - أن ms230 أطيب ~~المأكول، ما باشرته كف آكله؛ ولذلك خلقت الكف للبطش، والتناول . والتقذر من اليد ~~المطهرة ضعف وعجب. وأولى بالتقذر من اليد الريق والبلغم والنخام الذي لا يسوغ ~~الطعام إلا به، وكف الطباخ والخباز تباشره، والإنسان ربما كان منه أقل تقذرا ~~وأشد أنسا. # وأما الشجاعة؛ فإن العرب في الجاهلية أعز الأمم أنفسا، وأعزها حريما ~~وأحماها أنوفا وأخشنها جانبا. وكانت تغير في جنبات فارس، وتطرقها حتى تحتاج ~~الملوك إلى مداراتها وأخذ الرهن منها، والعجم تفخر بأساورة فارس ~~ومرازبتها، وقد كان لعمري لهم البأس والنجدة، غير أن بين العرب ~~وبينها في ذلك فرقا منه: أن العجم كانت أكثر أموالا وأجود سلاحا وأحصن ~~بيتا وأشد اجتماعا. وكانت تحارب برياسة ملك وسياسة سلطان، وهذه أمور تقوي ~~المنة، وتشد الأركان وتؤيد القلوب، وتثبت الأقدام، والعرب يومئذ ~~منقطعة ليس لها نظام، ومتفرقة ليس لها التئام، وأكثرها يحارب راجلا بالسيف الكليل ~~والرمح الذليل، والفارس منها يحارب على الفرس العربي الذي لا سرج له، وعلى السرج الرث ~~الذي لا ركاب له، والأغلب على قتال العجم الرمي، والأغلب على قتال العرب السيف ~~والرمح، وهما أدخل في الجد وأبعد من الفرار، وأدل على الصبر. # وشجعاؤهم في الجاهلية، مثل: عتيبة بن الحارث بن شهاب صياد الفوارس، ~~وبسطام بن قيس، وبجير وعفاف ابني أبي مليل، وعامر بن الطفيل، وعمرو بن ود ~~وأشباههم، وفي الإسلام مثل: الزبير وعلي وطلحة ورجال من الأنصار، وعبد الله بن حازم ~~السلمي، وعباد بن الحصين. وقال: ما ظننت أن أحدا يعدل بألف فارس، حتى رأيت ~~عبادا ليلة كابل وقطري بن الفجاءة وشبيبا الحروري، وأمثال هؤلاء عدد الرمل ~~والحصى ليس منهم أحد، إذا أنت توقفت على أخباره وحاله في شجاعته، إلا ~~وجدته فوق كل أسوار والرجليون للعرب خاصة. # قال أبو عبيدة: رجليو العرب المشهورون: المنتشر بن وهب الباهلي، وسليك بن ~~عمير السعدي، وأوفى بن مطر المازني. وكان الرجل منهم يلحق بالظبي، حتى ~~يأخذ بقرنيه، وإذا كان زمان الربيع جعلوا الماء في بيض نعام مثقوب ثم دفنوه، فإذا كان ~~الصيف وانقطع ms231 الغزو غزوا، وهم أهدى من القطا، فيأتون على ذلك البيض، ~~ويستثيرونه ويشربونه. # وحدثني أبو حاتم قال: حدثني الأصمعي أن السليك كان يعدو فتقع سهامه ~~من كنانته بالأرض فترتز. وكان يقول في دعائه: «اللهم إني أعوذ بك من الخيبة، ~~وأما الهيبة فلا هيبة.» # وقرأت في كتب العجم أن «بهرام جور» كان في حجر ملك العرب بالبادية، فلما ~~بلغه هلاك أبيه، وأن الفرس عزموا على أن يملكوا غيره سار بالعرب، حتى ~~نزل السواد وطالبهم بالملك وجادلهم عنه، حتى اعترفوا له بالحق ~~وملكوه. # وقد كان كسرى أغزى بني شيبان جيشا، فاقتتلوا بذي قار، فهزمت بنو شيبان ~~أساورة كسرى، فهو يوم ذي قار، ثم كان من أمر العرب وأمر فارس، حين جمعهم الله ~~لقتالهم بالإمام، وساسهم بالتدبير ما لا حاجة بنا إلى الإطالة بذكره لشهرته. # ومما يدلك على تعزز القوم في جاهليتهم وأنفتهم وشدة حميتهم، أن ~~أبرويز ملك فارس وأشدها سطوة وإثخانا في البلاد خطب إلى النعمان بن المنذر، إحدى بناته ~~فرده رغبة بها عنه، ولم يزل هاربا منه، حتى ظفر به فقتله. # وكان لقريش بيت الله الحرام العتيق من الجبابرة المنصور بالطير الأبابيل، لم يزالوا ~~ولاته وسدنته والقائمين لأموره والمعظمين لشعاره. وكان يقال لهم أهل الله وجيران ~~الله؛ لنزولهم الحرم وجوارهم البيت. وكان فيهم بقايا من الحنيفية يتوارثونها عن ~~إسماعيل # صلى الله عليه وسلم # منها حج البيت الحرام وزيارته والختان والغسل، والطلاق والعتق وتحريم ~~ذوات المحارم بالقرابة والرضاع والصهر. # وقد كان حاجب بن زرارة وفد على كسرى، فرأى العجم ينكحون الأخوات والبنات فسولت له ~~نفسه التأسي بهم، والدخول في ملتهم فنكح ابنته، ثم ندم على ذلك فقال: # لحا الله دينك من أغلف # يحل الأخوات لنا والبنات # أجشت على أسرتي سوءة # وطوقت جيدي بالمخزيات # وأبقيت في عنقي سبة # مشاتم يحيين بعد الممات # فتاة تجللها شيخها # فبئس الشيخ ونعم الفتاة # ومما كان بقي فيهم من الحنيفية إيمانهم بالملكين الكاتبين، حدثني بعض أصحابنا عن ~~عبد الرحمن بن خالد الناقد، قال: كان الحسن بن جهور مولى المنصور ms232 خرج إلى ~~بعض ولد سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب كتابا، كان لعبد ~~المطلب بن هاشم كتبه بخطه، فإذا هو مثل خط النساء، وإذا هو: باسمك اللهم، ذكر حق عبد ~~المطلب بن هاشم من أهل مكة على فلان بن فلان الحميري من أهل أول صنعاء ~~عليه ألف درهم فضة طيبة كيلا بالحديدة، ومتى دعاه بها أجابه شهد الله بذلك ~~والملكان: وقال الأعشى: # ولا تحسبني كافرا لك نعمة # على شاهدي يا شاهد الله فاشهد # قوله على شاهدي؛ أي على لساني شاهد الله، يعني: الملك. # ومن ذلك أحكام كانت في الجاهلية أقرها الله في الإسلام، لا يبعد أن ~~تكون من بقايا دين إسماعيل - عليه السلام - منها دية النفس مائة من الإبل، ~~ومنها اتباع حكم المبال في الخنثى، ومنها البينونة بطلاق الثلاثة، وللزوج على ~~المرأة في الواحدة والاثنين، فهذه حالها في الجاهلية مع أحوال كثيرة في العلم ~~والمعرفة، سنذكرها بتمامها بعد - إن شاء الله - ثم أتى الله بالإسلام، فابتعث منها ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # سيد الأنبياء، وخاتم الرسل وناسخ كل شرعة وحائز كل فضيلة، ~~ونشر عددها وجمع كلمتها وأمدها بملائكته، وأيدها بقوته ومكن لها في ~~البلاد وأوطأها رقاب الأمم، وجعل فيها خلافة النبوة، ثم الإمامة خالدة ~~تالدة حتى يأتي المسيح - عليه السلام - فيصلي خلف الإمام منها فاردة لا يستطيع أحد ~~أن يأتي بمثلها. # وخاطبها وهي يومئذ لا عجم فيها. فقال: # كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس ~~، فلها فضل هذا الخطاب ~~والأمم طرا داخلة عليها فيه، وأما قوله لبني إسرائيل: # فضلتكم على العالمين ~~(البقرة: 122)؛ فإنه من باب العام ~~الذي أريد به الخاص، كقوله حكاية عن إبراهيم: # وأنا أول ~~المسلمين ~~(الأنعام: 163)، وحكاية عن موسى: # وأنا أول المؤمنين ~~(الأعراف: 143)، وقد كانت الأنبياء ~~قبلهما مؤمنين ومسلمين؛ فإنما أراد موسى زمانه، وكذلك قوله: # فضلتكم على العالمين # يريد على زمانهم، وقوله لقريش: # أهم خير أم قوم تبع والذين من ~~قبلهم ~~(الدخان: 37)، ليس فيه دليل على أن أهل اليمن خير من ~~قريش في الحسب، ولا ms233 أنهم مثلهم وهم من ولد إبراهيم - عليه السلام - ومن الذرية التي ~~اصطفى الله على العالمين. وليس لليمن والد من الأنبياء دون نوح، وإنما خاطب الله بها ~~مشركي قريش، ووعظهم بمن قبلهم من الأمم الهالكة لمعصيته، وحذرهم أن ينزل ~~بهم مثل ما أصابهم. فقال: # أهم خير # من أولئك الذين ~~كانت فيهم التبابعة والملوك ذوو الجنود، والعدد فأهلكناهم بالذنوب، والخير قد ~~يقع في أسباب كثيرة، يقال هذا خير الفارسين يريد أجلدهما، وهذا خير العودين ~~يريد أصلبهما. وكانت قريش - كما قال الله - قليلا فكثرهم، ~~ومستضعفين فأيدهم بنصره، وخائفين أن تتخطفهم الملوك فآمنهم بحرمه، بما ~~رهصه لهم وأراد من تمكينهم وإعلاء كلمتهم وإظهار نوره لهم، وتغيير ممالك الأمم ~~لهم، ومن ذا من المسلمين يصح إسلامه ويصح عقده يقدم على قريش أو يعادل ~~بها. # وقد قضى الله لها بالفضل على جميع الخليقة؛ إذ جعل الأئمة منها والإمامة فيها مقصورة ~~عليها، ألا تكون لغيرها، والإمامة هي التقدم، وهذا نص ليس فيه حيلة لمتأول، قال ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «الأئمة من قريش.» وروى وكيع عن الأعمش عن جابر قال: قال رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «الناس تبع لقريش في الخير والشر.» وروى وكيع عن سفيان ~~عن ابن خثيم، عن إسماعيل، عن عبد الله، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «إن قريشا أهل صبر وأمانة، فمن بغاهم الغوائل كبه الله لوجهه يوم ~~القيامة.» وروي عن عبد الأعلى عن معمر، عن الزهري عن سهل بن أبي حثمة ~~أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: «تعلموا من قريش ولا تعلموها.» وقدموا قريشا ولا ~~تؤخروها، وروى يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب، عن الزهري عن طلحة بن عبد الله بن عوف عن ~~عبد الرحمن عن جبير بن مطعم أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: «إن للقرشي قوة ~~رجلين من غير قريش.» قيل للزهري: ما عنى بذلك؟ قال: فضل الرأي، قال: وكان يقال: قريش ~~الكتبة الحسبة ملح هذه الأمة، ms234 علم عالمها طباق الأرض. # وحدثني يزيد بن عمرو عن محمد بن يوسف، عن أبيه عن إبراهيم عن مكحول ~~أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: «لا يقومن أحد إلا لهاشمي.» # وحدثني يزيد بن عمرو، قال: حدثنا نصر بن خلف الضبي، قال: حدثنا علي بن عبد الله بن ~~وثاب المدني عن مطرف بن خويلد الهذلي، قال: سمع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # رجلا ~~وهو يقول: # إني امرؤ حميري حين تنسبني # لا من ربيعة آبائي ولا مضر # فقال: ذاك أصرع لخدك، وأبعد لك من الله ورسوله. # وحدثنا محمد بن عبيد، قال: حدثنا أبو زيد شجاع بن الوليد، قال: حدثنا أبو قابوس بن ~~أبي ظبيان، عن أبيه، عن سلمان قال: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «يا سلمان، لا تبغضني ~~فتفارق دينك.» قال: قلت يا رسول الله، كيف أبغضك وبك هداني الله؟! قال: «لا تبغض ~~العرب فتبغضني.» # وروى محمد بن بشر العبدي قال: حدثنا أبو عبد الرحمن عن حصن بن ~~عمير، عن مخارق بن عبد الله بن جابر، عن طارق بن شهاب، عن عثمان بن عفان، قال: قال ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «من غش العرب لم يدخل في شفاعتي، ولم تنله مودتي.» # وروى حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن المؤمل، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «إذا اختلف الناس فالحق في مضر.» # وروى أبو نعيم، عن الثوري، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن ~~المطلب بن أبي وداعة والمطلب بن ربيعة أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: «إن الله خلق ~~الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فرقا فجعلني في خيرهم فرقة، وخلق قبائل ~~فجعلني في خيرهم قبيلة، وجعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا.» # ثم يتلو العرب في شرف الطرفين أهل خراسان أهل الدعوة وأنصار الدولة؛ فإنهم لم ~~يزالوا في أكثر ملك العجم لقاحا لا يؤدون إلى أحد إتاوة ولا خراجا. وكانت ~~ملوك العجم ms235 قبل ملوك الطوائف تنزل بلخ، ثم نزلوا بابل ثم نزل «أزدشير ~~بابك» فارس، فصارت دار ملكهم وصار بخراسان ملوك الهياطلة، وهم الذين ~~قتلوا فيروز بن يزدجرد بن بهرام ملك فارس. وكان غزاهم فكادوه ~~في طريقه بمكيدة، حتى سلك سبيلا معطشة مهلكة، ثم خرجوا إليه فأسروه وأكثر ~~أصحابه، فسألهم أن يمنوا عليه وعلى من أسر معه وأعطاهم موثقا من الله ألا ~~يغزوهم، ولا يجوز حدودهم ونصب حجرا بينه وبين بلدهم جعله الحد الذي حلف عليه ~~وأطلقوه. فلما عاد إلى مملكته أخذته الأنفة والحمية بما أصابه، فعاد لغزوهم ناكثا ~~لأيمانه غادرا بذمته، وحمل الحجر الذي كان نصب أمامه في مسيره بتأول أنه ما ~~تقدم الحجر فإنه لم يجزه، فلما سار إليهم ناشدوه الله وأذكروه ما جعل على ~~نفسه من عهده وذمته، فأبى إلا لجاجا ونكثا فواقعوه فقتلوه وقتلوا حماته وكماته، ~~واستباحوا عسكره، وأسروا ضعفته ولبثوا في أيديهم أسرى، ثم أعتقوهم وأطلقوهم وغبروا بعد ~~ذلك زمانا طويلا، وقتلوا كسرى بن فيروز وهذا شيء يخبر به عن فارس، فيما دونوا في ~~سير ملوكهم من أخبارهم، ومن أقر بهذا على نفسه لعدوه وأباحه لخصمه، فما ظنك ~~بما ستر ورين من أمره. # وكان فيما حكوا من الكلام الدائر بين ملك الهياطلة، وبين فيروز؛ كلام أحببت ~~أن أذكره في هذا الموضع، لأدل به على حكمة القوم وحزمهم في الأمور، وعلمهم بمكايد ~~الحروب، قالوا: لما التقى الفريقان، ثم تصافوا للقتال أرسل أخشنوار ~~ملك الهياطلة إلى فيروز أن يسأله أن يبرز فيما بين الصفين ليكلمه فخرج إليه. فقال ~~أخشنوار: قد ظننت أنه لم يدعك إلى مقامك هذا إلا الأنف، مما أصابك. # ولعمري لئن كنا احتلنا لك بما رأيت لقد كنت التمست منا أعظم منه، وما ~~ابتدأناك ببغي ولا ظلم، ولا أردنا إلا دفعك عن أنفسنا وحريمنا، ولقد كنت ~~جديرا أن تكون من سوء مكافأتنا عليك، وعلى من معك. ونقض العهد والميثاق الذي ~~أكدت على نفسك؛ أعظم أنفا وأشد امتعاضا مما نالك منا؛ فإنا أطلقناكم وأنتم ~~أسارى، ومننا عليكم وأنتم ms236 مشرفون على الهلكة وحقنا دماءكم وبنا على سفكها ~~قدرة، وإنا لم نجبرك على ما شرطت لنا، بل كنت الراغب إلينا فيه والمريد لنا ~~عليه. # ففكر في ذلك ومثل بين هذين الأمرين، فانظر أيهما أشد عارا وأقبح ~~سماعا، أن طلب رجل أمرا فلم يتح له، وسلك سبيلا فلم يظفر فيها ببغية، واستمكن منه ~~عدوه على حال جهد منه وضيقه ممن معه، فمن عليهم وأطلقهم على شرط شرطوه ~~وأمر اصطلحوا عليه، فاصطبر لمكروه القضاء، واستحيا من الغدر والنكث، أم أن يقال: ~~نقض العهد وختر بالميثاق؟ # مع أني قد ظننت أنه يزيدك لجاجة ما تثق به من كثرة جنودك وما تراه من حسن ~~عدتهم، وما أجدني أشك في أنهم أو أكثرهم كارهون لما كان من شخوصك بهم، عارفون ~~بأنك قد حملتهم على غير الحق، ودعوتهم إلى ما يسخط الله، فهم في حربنا ~~غير مستبصرين ونياتهم اليوم في مناصحتك مدخولة، فانظر ما غناء من يقاتل على هذه ~~الحالة، وما عسى أن تبلغ نكايته في عدوه، إذا كان عارفا أنه إن أظفر فمع ~~عار، وإن قتل فإلى النار. # فأنا أذكرك الله الذي جعلته على نفسك كفيلا، ونعمتي عليك وعلى من معك بعد يأسكم ~~من الحياة وإشرافكم على الممات، وأدعو إلى ما فيه حظك، ورشدك من الوفاء ~~بالعهد والاقتداء بآبائك الذين مضوا على ذلك في كل ما أحبوا أو كرهوا، فاحمدوا ~~عواقبه وحسن عليهم أثره. # ومع ذلك إنك لست على ثقة من الظفر بنا، والبلوغ لبغيتك فينا، وإنما تلتمس منا ~~أمرا نلتمس منك مثله، وتبادئ عدوا لعله يمنح النصر عليك، فدونك هذه ~~النصيحة فبالله ما كان أحد من أصحابك ببالغ لك أكثر منها، ولا زائد لك عليها، ولا ~~يحرمنك منفعتها مخرجها مني؛ فإنه لا يزري بالمنافع عند ذوي الرأي أن تكون من ~~الأعداء، كما لا يحبب المضار إليهم أن تكون على أيدي الأولياء، ونحن نستظهر ~~بالله الذي اعتذرنا إليه، ووثقنا بما جعلت لنا من عهده، إذا استظهرت بكثرة جنودك ~~وازدهتك عدة أصحابك، واعلم أنه ليس يدعوني ms237 إلى ما تسمع من مقالتي ضعف ~~أحسه من نفسي ولا قلة من جنود، ولكني أحببت أن أزداد بك حجة واستظهارا ~~وأزداد به للنصر. ا.ه. # القسم الثامن # | رسالة رشيد الدين الوطواط # فيما جرى بينه وبين الإمام الزمخشري من المحاورات عني بنشرها أحمد بك ~~تيمور # | رسالة رشيد الدين الوطواط # بسم الله الرحمن الرحيم # كتب العلامة رشيد الدين محمد بن محمد بن عبد الجليل العمري، الشهير بالوطواط، إلى ~~الإمام سديد الدين بن نصر الحاتمي: # طلبت مني زينك الله تعالى بأنوار المزايا، وحماك من كل ~~حادثة ملمة، وكل طارقة مهمة، ولا أخلاك من فخر تجتلبه، ~~وجميل ذكر تكتسبه، وجزيل أجر تحتسبه، وأثر جهل تجتنبه؛ أن أهدي ~~إليك، وأملي عليك، ما قال جار الله - سقى الله ثراه - في كتاب الكشاف في وجه ~~انتصاب شهر رمضان، وما قلته من الاعتراض على كلامه واستبعاد مدعاه عن ~~مرامه، مما جرى بيني وبين أعز أصحابه أفضل القضاة يعقوب الجندي من السؤال ~~والجواب، وها أنا مطبق فيما أقوله مفصل السداد والصواب، وقد ذهب من ~~عندي إلى جار الله وأخبره بما قلت، فأنصف وأنصت وأبدى خضوعا لاستماع الصدق ~~واتباع الحق. # وقال له: # ذكرني هذا الأمر بعض أيام فراغي، حتى أصلح من كتابي هذا الفصل، ~~وأغير هذا القول؛ فإنه غلط شنيع وخطأ فظيع، إلا أنه مرض في ~~تلك المدة ونزلت به المنية، وما حصلت تلك المنية. # وقد علم كل من شاهد أحوالي مع جار الله أني كنت عنده معظم القدر ومفخم ~~الأمر، مقبول الكلمات متبوع الإشارات، لم ير مني كلمة في أي علم إلا ~~قيدها ببنانه، وضبطها في جنانه، وأثبتها في دفاتره، وأحكمها في ~~خواطره، وعدها غنيمة من غنائم عمره، وتميمة من تمائم نحره: وقد جرى بيني ~~وبينه في حياته، وأوقات راحاته، مما يتعلق بفنون الأدب، وأقسام علوم ~~العرب مسائل أكثر من أن يحصى عددها أو يستقصى أمدها رجع ~~فيها إلى كلامي، ونزل على قضيتي وأحكامي، فالسعيد من إذا سمع الحق سكتت ~~شقاشق لجاجه، وسكنت صواعق حجاجه. # فمنها مسألة «الظبي التي هي ms238 جمع ظبة»؛ فإنه كتب بخطه ~~أنها من ذوات الياء وأصلها ظبية، فقلت أنا: إنها من ذوات الواو، ~~وأصلها ظبوة، فلما امتدت المناظرة واشتدت المذاكرة، بعثت ~~إليه كتاب الصحاح يصدق قولي، فهجن الكتاب. وقال: إنه محشو ~~بالتحريفات مشحون بالتصحيفات، فبعثت إليه سر الصناعة لابن ~~جني. فقال: هو رجل وأنا رجل فبعثت إليه كتاب العين فوضع للحق ~~عنقه، وسلك مناهج الإنصاف وطرقه، واسترد خطه ~~ومزقه تمزيقا، وخرقه تخريقا، بمرأى ومسمع من ~~صدر الأئمة ضياء الدين - أدام الله إجلاله، وزاد إقباله. # ومنها مسألة «كلا الرجلين» إذ كتب في حالة الجر، والإضافة ~~للمظهر بالألف، فقلت: الصواب أن يكتب بالياء، وأيدت قولي بنص ~~ابن درستويه في كتابه الموسوم ب «كتاب الكتاب»، وجرى هذا ~~بحضرة الإمام الأجل زين المشايخ البقالي - أدام الله ~~سعادته، وحرس سيادته. # ومنها مسألة «نسر وفرقد» في تثنيتهما بغير ألف ولام في ~~شعري فأنكره. وقال: لا يجوز هذا في الشعر ولا في غيره، ~~فأريته ذلك في شعر المعري وأبي تمام. فقال: أخطآ حتى أراه ~~سلمان بيته، وصدى صوته، الإمام فخر الإسلام المؤذني ~~ذلك في شعر الأعشى، فعند ذلك لانت خشونته، وسهلت ~~حزونته. # ومنها مسألة «الجمع بين الضرب المحذوف والضرب الصحيح» في ~~شعر واحد من الطويل، وقع له في ديوانه في قوله: # جوار فريد العصر خير ~~جوار # ودار فريد الدهر أكرم ~~دار # ثم قال: # فلله من جار حمدنا ~~جواره # ولله من فرد ولله من دار # فضرب الأول محذوف، وضرب الثاني صحيح، ولا يجوز اجتماعهما في ~~هذا البحر باتفاق العروضيين، فلما نبهته لهذا على لسان تلميذه ~~المحسن الطالقاني طلب ديوانه وغيره هكذا «ولله من نار وموقد ~~نار» فاستقام وزنه. # ومنها مسألة «الحادي عشرة، والثانية عشرة». # ومنها مسألة «التحية»، ومنها مسألة «تجريد الإمالة»، ~~ومنها مسألة «إدخال الوليد بن الوليد في جملة الكفرة من أولاد ~~الوليد بن المغيرة»، وسيأتي ذكره في رسالته إلى ~~الحاتمي. # ولو نقلت ما في كنانتي من المكنونات، ونثرت ما ادخرته في خزائن ~~المخزونات؛ طال الكلام، وكلت الأقلام، وإنما ذكرت هذا القدر اليسير، ~~ليعلم ms239 فتيان هذه الخطة أن هذا الإمام كان صبورا على مرارة الحق، ~~وحرارة الصدق، مع أنه رب هذه البضائع، وصاحب هذه الوقائع. # فصل: قوله قرأ أبي «شهر رمضان» بالنصب على تقدير: صوموا، أو على ~~الإبدال من أياما معدودات أو على أنه مفعول أن تصوموا، وأقول: ~~قولاه الأولان صحيحان لا مطعن فيهما، وأما الثالث فموضع بحث؛ إذ لا يجوز ~~مثله البتة؛ لأنه لو كان كما زعم كان شهر رمضان تتمة لأن تصوموا ولكن ~~مجموعها في حكم مبتدأ واحد، وصار تقديره صوم رمضان خير لكم ~~وليس بجائز أن تجعل المبتدأ نصفين، وتفصل بينهما وتدخل الخبر في ~~وسطهما، أم أن يكون خبرا لمبتدأ متأخرا عن المبتدأ، وهو الأصل أو مقدما ~~عليه بشرط التعريف وغيره من الشروط، وهذا هو الفرع، وأما أن يكون واقعا بين ~~شرط من المبتدأ، فليس من كلام العرب كقول القائل لمن ينفعه اللحم: أن تأكل ~~اللحم خير لك، صحيح، وقوله: خير لك أن تأكل اللحم صحيح، فأما قوله ~~أن تأكل خير لك اللحم فغير صحيح، وهذا قولي الذي استحسنه جار الله - والله ~~أعلم بكتابه، وأعرف بأسرار خطابه. # وقد كتبت هذه الرسالة فعليك بحفظها عن هؤلاء الذين لا يفهمون ~~الدقائق، ولا يعلمون الحقائق؛ فإني حررتها لأمثالك من ذوي الفهم ~~والهداية، وأشكالك من ذوي العلم والدراية، لا لهؤلاء الذين عميت ~~أبصارهم وبصائرهم، وصدئت أفكارهم وخواطرهم؛ فإن رياض العلم ~~لا تفتق للمجانين، وحياض الرحمة لا تدفق للشياطين، والسلام. # القسم التاسع # | منتخب في عهد أزدشير بن بابك الملك في السياسة # عني بنشره أحمد بك تيمور عن نسخة كتبت سنة 710ه # | منتخب في عهد أزدشير بن بابك الملك في السياسة # بسم الله الرحمن الرحيم # من ملك الملوك أزد شير بن بابك ... إلى من يخلف من الملوك. # السلام عليكم، إن من أخلاق الملوك الأنفة والجراءة والبطر ~~والعث، وكلما دامت سلامة الملك في ملكه قويت هذه الأخلاق عليه، حتى يغلب ~~عليه سكر الملك الذي هو أشد من سكر الخمر، فيظن أنه قد أمن من النكبات ~~والعثرات، فيبسط يده ms240 ولسانه بالقبيح؛ فيفسد باعتماده جميع ما أصلحه الملوك ~~قبله، فتعود المملكة خرابا. # وأفضل الملوك الذي يتذكر في عزه الذل، وفي أمنه الخوف، وفي قدرته العجز، ~~فيجمع بين بهجة الملك وحذر الرعية، ولا خير إلا في جمعهما؛ فإن رشاد الملك ~~خير من خصب الزمان. # الدين أساس الملك، والملك حارس الدين، فلا يقوم أحدهما إلا ~~بالآخر. # إياكم أن تتهاونوا بمن يطلب الرئاسة بإظهار الزهد والغضب للدين، ~~فما اجتمع الناس على رئيس في الدين، إلا انتزاع ما في يد الملك من ملكه؛ فإن ~~الناس إلى رئيس الدين أميل، فتعهدوا طبقات الناس وتفقدوا جماعاتهم، ~~فإن فيهم من قد حقرتم وجفوتم. # وإذا أذن الملك للعقلاء من مناصحي دولته في إنهاء ما يتجدد عندهم من ~~النصائح التي لا يعلمها خواصه، أو يعلمونها ويكتمونها انفتحت له أبواب من ~~الأخبار المحجوبة عنه؛ فيحذر وزراءه وخواصه من الاتفاق على ما يسترونه ~~عنه، ولا يقدمون على أمر يكرهه خوفا من أن يطالع به، فيأمن ~~مكايدهم وتسلم الرعية من ظلمهم. # ومن غلبت عليه خواصه، حتى منعوا عنه الناس، فلا يصل إليه إلا من يحبون؛ ~~أطبقت ظلم الجهالة عليه. # ولا ينبغي للملك أن يعتقد أن تعظيم الناس له هو بترك كلامه، ولا أن ~~إجلالهم له هو بالتباعد عنه، ولا أن محبتهم هي بموافقته على جميع ما ~~يحبه، وإنما تعظيمهم له بتعظيم عقله وصواب سياسته، وإجلالهم له إجلال ~~منزلته من الله، بما يجريه على يده ولسانه من العدل، ومحبتهم له بما يتألفهم ~~بكريم خلقه، وصادق المحبة هو الذي يعينه على العدل، وحسن التدبير بمحض ~~النصيحة. # إن في الرعية وحملة السلاح من الأهواء الغالة والفجور، ما لا بد للملك ~~معه من أن يقرن بباب الرأفة باب الغلظة، وباب الإنعام بباب ~~الانتقام؛ فإن القصاص من المفسدين حياة لبقية الأمة، ومن لم ~~يقم حدود الله تعالى فيمن له فيه هوى لم تثبت هيبته في قلوب الخاصة ~~والعامة، ولن يستطيع الملك أن يقوم العامة حتى يقوم ~~الخاصة. # وإن من كان من الملوك قبلنا قد رتبوا الناس أربع ms241 طبقات، فالأمراء ~~والجند صنف والعباد والفقهاء صنف، والكتاب والحكماء صنف، والتجار ~~والفلاحون صنف، فلم يمكنوا صنفا منها أن يدخل في الصنف الآخر، لتتفرغ كل ~~طبقة للقيام بما يلزمها. # وليس أضر على الملك من رأس صار ذنبا، أو يد مشغولة وجدت فراغا من ~~شغلها. # وخير الملوك من بعث العيون على نفسه؛ ليعلم عيوبها، فيكون أعلم بعيوب نفسه من ~~غيره، ثم يجتهد في مداواة عيب بعد عيب، حتى لا يجد أحد فيه مطعنا، فهذا ~~الذي تمت سيادته. # وإن ابتهاج الملك المسدد الرأي القاهر لهواه بوفور عقله، وشرف ~~نفسه بارتفاعها من النقائص أعظم من سروره بملكه. # ومن الرعية من يقارب الملك في مأكله وملبسه وشهوته. وليس فيهم من ~~يقدر كقدرته على اجتناء المحامد وإصلاح الرعية بالعدل عليها، وتأمين ~~السبل وصيانة الحريم وكف أيدي الظالمين، فاجتهدوا معشر الملوك في بسط العدل ~~الذي لا تقدر عليه الرعية، وتنافسوا في اقتناء الذكر الجميل. # وليس للملك أن يبخل؛ فإنه لا يخاف الفقر، وإذا عرف بالبخل انقطع الرجاء من ~~خيره، فانسلت الأيدي من طاعته ولا يجتهد أحد في خدمته، وانحلت النيات عن ~~مناصحته. # ولا ينبغي له أن يغضب؛ لأن الغضب مع القدرة يوجب السرف في العقوبة، ثم ~~يعقب الندامة مع ما فيه من الطيش والخفة وقبح السمعة. # ولا ينبغي له أن يلعب؛ لأن اللعب والعبث من أعمال الفراغ، والفراغ من عمل ~~السوقة، وفي ذلك من ذهاب الوقار وإسقاط الهيبة ما ينافي جلال ~~السيادة. # وليس له أن يحسد ملوك الأمم إلا على حسن التدبير، وإصابة السياسة ~~ومكارم الأخلاق، ولا ينبغي له أن يجبن عند وجوب الإقدام؛ فإن الشجاعة عز ~~وهي من أهم شروط الملك. # زين الملك أن يحفظ نظام أوقاته المقدرة لأشغاله وركوبه ~~وراحة بدنه، فتكون معينة لا تختلف؛ فإن في اختلافها خفة. وليس للملك أن يخف. # وينبغي أن يكون حذره لمن بعد عنه أكثر من حذره لمن قرب منه، وأن يتقي ~~بطانة السوء أشد من اتقائه لعامة السوء. # ومن الناس صنف أظهروا الزهد في الجاه، ولم يتقربوا بالخدمة ms242 وادعوا ~~التواضع، وهم قد أسروا التكبر واستدعوا إلى أنفسهم الجاه بوعظ الملوك، وقد ~~ينفعهم ذلك عند المغفلين، فيقربون منهم من حسن ظاهره وتلطف، حتى ~~اعتقد خواصهم تعظيمه، وإن كان ناقصا في عقله عبدا لشهواته ~~متهافتا على الرئاسة؛ فإن أسكته الملك قيل قد استقل الموعظة، وإن أطلق لسانه ~~قال بوعظه بين الملأ ما أفسد حال الدولة، فالرأي ألا يهمل الملك أمر هذه ~~الطائفة؛ فإنهم أعداء الدول وآفات قوية على الملوك. # اعلموا أنه لا بد لكم من سخطة على بعض أنصاركم، ونصاحكم وأعوانكم، ولا بد من ~~رضى يحدث لكم عن بعض أعدائكم المعروفين بالغش لكم، فإذا فعلتم ذلك فلا ~~تنقبضوا عن المعروف بالنصيحة، ولا تسترسلوا إلى المعروف بالغش، وقد خلفت عليكم ~~رأيي إذا لم أقدر على تخليف بدني، فاقضوا حقي بالتمسك بعهدي، والسلام على أهل ~~الموافقة، ممن يأتي عليه هذا العهد من الأمم. # القسم العاشر # | كتاب الأدب والمروءة # | كتاب الأدب والمروءة # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين ... قال صالح بن جناح: اعلم أن العرب قد تجعل للشيء الواحد ~~أسماء، وتسمي بالشيء الواحد أشياء، فإذا سنح لك ذكر شيء فاذكره بأحسن ~~أسمائه؛ فإن ذلك من المرءوة، وإنما المرء بمروءته، فالمروءة اجتناب الرجل ما ~~يشينه، واجتناؤه ما يزينه، وأنه لا مروءة لمن لا أدب له، ولا أدب ~~لمن لا عقل له، ولا عقل لمن ظن أن في عقله ما يغنيه ويكفيه عن غيره، ~~وشتان ما بين عقل وافر معه خمسون عقلا، كلها وافر مثله وأوفر منه، ومن عقل ~~وافر لا قادة معه، وفي ذلك أقول شعرا: # وما أدب الإنسان شيء كعقله # ولا زينه إلا بحسن التأدب # وقال: إن الأفئدة مزارع الألسن، فمنها ما ينبت ما زرع فيه من حسن، ~~ولا ينبت ما سمج، ومنها ما ينبت ما سمج ولا ينبت ما حسن، ومنها ما ينبت جميع ~~ذلك، ومنها ما لا ينبت شيئا، وإن من المنطق لما هو أشد من الحجر، وأنفذ من ~~الإبر وأمر من الصبر، وأحر من الأسنة وأنكد من زحل، ولربما ~~احتقرت ms243 كثيرا منه على حرارته ومرارته ونكده، مخافة ما هو أحر منه ، وأمر ~~وأفظع وأنكد، وفي ذلك أقول شعرا: # لقد أسمع القول الذي كاد كلما # يذكرنيه الدهر قلبي يصدع # فأبدي لمن أبداه مني بشاشة # كأني مسرور بما منه أسمع # وما ذاك من عجب به غير أنني # أرى أن ترك الشر للشر أقطع # وقال في ذي الوجهين: من أظهر ما تحب أو تكره؛ فإنما يقاس ما أضمر بما أظهر؛ لأنك ~~لا تقدر أن تعرف ما أسر. وقال: # ليس المسيء إذا تغيب سوءه # عندي بمنزلة المسيء المعلن # من كان يظهر ما أحب فإنه # عندي بمنزلة الأمير المحسن # والله أعلم بالقلوب وإنما # لك ما بدا لك منهم بالألسن # ولقد يقال خلاف ذلك إنما # لك ما بدا لك منهم بالأعين # وقال في الصدود: أما بعد: فقد أحضرتني من صدك ما آيسني من ودك، ولم يزل يجري في لحظك ~~ما يخلني في رفضك، ويدلني على غل صدرك، وفي ذلك أقول شعرا: # تظل في قلبه البغضاء كامنة # فالقلب يكتمها والعين تبديها # والعين تعرف في عيني محدثها # من كان من حزبها أو من يعاديها # عيناك قد دلتا عيني منك على # أشياء لولاهما ما كنت أدريها # إن الأمور التي تخشى عواقبها # إن السلامة منها ترك ما فيها # وقال في كثرة المال وقلته: لا تستكثر مال أحد ولا تستقله، حتى تعلم ما عياله؛ فإن من كثر ماله ~~وعياله فهو مقل، ومن قل ماله وعياله فهو مكثر. # وقال في ذكر الأحمق ودخوله فيما لا يعنيه: وأكثرهم دخولا بما لا يدخل فيه، وأرضاهم ~~بما لا يكفيه، عدوه أعلم بسره من صديقه، وصديقه قد غص منه ~~بريقه، ولا يثق بمن نصحه، ولا يتهم من خدعه، ولا يأمن إلا من يخونه، ~~ولا يتحفظ إلا ممن يحفظه، ولا يكرم إلا من يهينه، أشبه شيء خلقا ~~باللئيم، إن أحسنت إليه لم يشكر، وإن أسأت إليه لم يشعر، لا ينفعك من ~~وجه إلا ضرك من وجوه: إن أقبل عليك لم يسرك، وإن أدبر عنك لم ~~يضرك، إن ms244 أفسد شيئا لم يحسن أن يصلحه، وإن أصلح شيئا أفسده، إن أحببته ~~فرأى منك حسنا لم يحسن أن ينشره، وهو مع ذلك بخطئه أشد إعجابا من العاقل ~~بصوابه، إن جلس إلى العلماء لم يزدد إلا جهلا، وإن جلس إلى الحكماء ~~لم يزدد إلا طيشا، وإنما جعل نفسه المحدث لهم يكلفهم أن يكونوا ~~المنصتين له! # أعيا الناس إذا تكلم، وأجهلهم إذا تعلم، وأصحبهم لمن يشينه، ~~وأرفضهم لمن يزينه، وأشدهم في موضع اللين، وألينهم في موضع ~~الشدة، وأجبنهم في موضع الشجاعة، إن افتقر عجب من الناس كيف يستغنون، ~~وإن استغنى عجب من الناس كيف يفتقرون، لا يفهم إن حدثته ولا يفقه إن ~~أفهمته، ولا يقبل إن وعظته، ولا يذكر إن ذكرته، وفي ذلك أقول ~~شعرا: # المرء يصرع ثم يشفى داؤه # والحمق داء ليس منه شفاء # والحمق طبع لا يحول مركب # ما إن لأحمق فاعلمن دواء # وقال في ذكر الهوى: إن من الناس من إذا هوى عمي، ومنهم إذا ~~هوى أبصر مرة وعمي أخرى، ومنهم إذا هوى لم يكد يخفى عليه شيء، ~~وهو اللبيب العاقل الحليم الكامل، الذي إن أعجبه أمر نظر إلى هواه ~~وعقله؛ فإن اتفقا اتبعهما، وإن اختلفا اتبع عقله وترك هواه، ~~وكان أمره معتدلا يشبه بعضه بعضا، وقليل ما هم، وفي ذلك أقول ~~شعرا: # أملك هواك إذا دعاك فربما # قاد الحليم إلى الهلاك هواه # الله يسعد من يشاء بفضله # وإذا أراد شقاءه أشقاه # وقال أيضا، في أناس تحسن وجوههم عند حاجاتهم، وتغبر وجوههم ~~عند غناهم؛ شعرا: # أرى قوما وجوههم حسان # إذا كانت حوائجهم إلينا # وإن كانت حوائجنا إليهم # تغير حسن أوجههم علينا # ومنهم من سيمنع ما لديه # ويغضب حين يمنع ما لدينا # فإن يك فعلهم شحا وفعلي # قبيحا مثله فقد استوينا # وقال فيمن فعل أمرا لا يحسن أن يحتال له: اعلم أن من قاتل بغير عدة، أو خاصم بغير حجة أو صارع بغير ~~قوة؛ فهو الذي صرع نفسه وخصم نفسه وقتل نفسه؛ فإن ابتليت بقتال ~~أحد أو مخاصمته أو مصارعته، ms245 فأحسن الإعداد له، واعرف مع ذلك ~~عدته وأبصر حجته، واخبر قوته كما يخبر قوتك وحجتك وعدتك؛ فإن رأيت ~~تقدما وإلا كان التأخر قبل التقدم خيرا من التندم بعد التقدم، وفي ذلك ~~أقول شعرا: # إذا ما أردت الأمر فاعرفه كله # وقسه قياس الثوب قبل التقدم # لعلك تنجو سالما من ندامة # فلا خير في أمر أتى بالتندم # وإن من الناس من يرزق حجة أو عدة أو قوة، فتكون عدته هي ~~التي تقتله، وقوته التي تصرعه، وحجته التي تخاصمه، وذلك أنه ربما أدل فقاتل قبل أن ~~يعلم أهو أعد أم الذي يقاتله، وكذلك في الذي يخاصمه ويصارعه، فإذا هو قد قتل ~~أو صرع أو خصم، فلم ينفعه جودة عدته ولا قوة حجته، حين أتى الأمر ~~من غير جهته، وفي ذلك أقول: # إذا ما أتيت الأمر من غير وجهه # تصعب حتى لا ترى منه مرتقى # فإن الذي يصطاد بالفخ إن عتا # على الفخ كان الفخ أعتى وأضيقا # وقال في الذي يعاتب الناس بغير مودتهم، ويوجب حق نفسه ~~عليهم: لا تدع الناس إلى برك وإجلال أمرك وتعظيم قدرك بالمعاتبة، ولكن ~~ادعهم إلى ذلك بما ما تستوجب التكرمة به؛ فإنما دعوتهم إلى إهانتك إما ~~بكلام يجرحك وإما بفعال تفدحك وإن دعاهم إلى ذلك فضلك أجابوا، إما ~~بثناء يرفعك أو بجزاء ينفعك. # وقال في معرفة الإخوان: إنك لن تعرف أخاك حق المعرفة، ولن تخبره حق المخبرة، ولن تجربه حق التجربة، وإن ~~كنتما في دار واحدة حتى تسافر معه، أو تعامله بالدينار والدرهم، أو ~~تقع في شدة أو تحتاج إليه في مهمة، فإذا بلوته في هذه الأشياء فرضيته فانظر؛ فإن ~~كان أكبر منك فاتخذه أبا، وإن كان أصغر منك فاتخذه ابنا، وإن كان مثلك فاتخذه ~~أخا، وكن به أوثق منك بنفسك في بعض المواطن. # وقال: كن من الكريم على حذر إن أهنته، ومن اللئيم إن أكرمته، ومن العاقل إن ~~أحرجته، ومن الأحمق إن مازحته، ومن الفاجر إن عاشرته، ولا تدل من لا يحتمل ~~إدلالك، ولا تقبل على من ms246 لا يحب إقبالك، وكن حذرا كأنك غر، وكن ذاكرا ~~كأنك ناس ، والزم الصمت إلى أن يلزمك التكلم؛ فما أكثر من يندم إذا نطق وأقل من ~~يندم إذا لم ينطق. وإذا ابتليت فعند ذلك تعرف جودة منطقك، وقلة زللك، ~~وسعة عفوك، وقلة حيلتك، ومنفعة قوتك، وحسن تخلصك. # واعلم أن بعض القول أغمض من بعض، وبعضه أبين من بعض، وبعضه أخشن من ~~بعض، وبعضه ألين من بعض، وإن كان واحدا فإن الكلمة اللينة لتلين من القلوب ~~ما هو أخشن من الحديد، وإن الكلمة الخشنة لتخشن من القلوب ما هو ألين من ~~الحرير، وإن أعظم الناس بلاء وأدومهم عناء وأطولهم شقاء من ابتلي بلسان ~~مطلق، وفؤاد مطبق؛ فهو لا يحسن أن ينطق، ولا يقدر أن يسكت. # واعلم أن ليس يحسن أن تجيب من لا يسألك، ولا تسأل من لا يجيبك، وفي ذلك أقول ~~شعرا: # لا خير في حلم إذا لم يكن له # بوادر تحمي صفوه أن يكدرا # ولا خير في جهل إذا لم يكن له # حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا # وقال في الرفق بالدواب: إن رفق الرجل بدوابه وحسن تعاهده وقيامه عليها؛ عمل من أعمال البر، وسبب من ~~أسباب الغنى، ووجه من وجوه المروءة. وقال: التدبير مع المال القليل خير من ~~المال الكثير مع سوء تدبير، وإنما المنفقون ثلاثة: جواد مبذر، وكريم مقدر، ولئيم ~~مقتر، وفي ذلك أقول شعرا: # رب مال سينعم الناس فيه # وهو عن ربه قليل الغناء # كان يشقى به وينصب حينا # ثم أمسى لمعشر غرباء # ما له عندهم جزاء اذا ما # أنعموا فيه غير سوء الثناء # رب مال يكون غما وذما # وغني يعد في الفقراء # وقال في تصنيف الطعام: إذا كنت ممن يؤكل طعامه، وتحضر مائدته، ويؤكل معه، فليكن الذي يتولى صنعة ~~طعامك من ألب الناس في عمله، وأنظفهم في يديه، ولا تدع إعلامه إن أحسن، ولا ~~إنذاره إن أساء؛ فإن تعتبك عليه خير من تعتب الناس عليك. واعلم أن لكل شيء ~~غاية، وأن غاية الاستنقاء التنظيف في الاستنجاء، ms247 والإكثار من الماء حتى يستوي اليدان ~~والريح والمنظر؛ فإنه لا طيب أطيب من الماء ولو أنه المسك وما أشبهه من ~~الأشياء، وإنما يستدل على نظافة الرجل بنقاء أثوابه، وإنما يكون القذر في ~~الحمقى من الرجال والنساء، وبه يستدل على بلادتهم، وفي ذلك أقول ~~شعرا: # ولا خير قبل الماء في الطيب كله # وما الطيب إلا الماء قبل التطيب # وما أنظف الأحرار في كل مطعم # وما أنظف الأحرار في كل مشرب # وقال في صفة العدو والصديق: احرص ألا يراك صديقك إلا أنظف ما تكون، ولا يراك عدوك إلا أحصن ما تكون؛ ~~فأما الصديق؛ فإن كان الذي أعجبه منك خلقك أو خلقك، ولهما كان يحبك فكلما ~~ازددت حسنا كان حبه لك أكثر، ورغبته فيك أوفر وأكثرك عنده وأكبر لك في صدره، ~~وأدوم على عهدك، وأما العدو فليس شيء أعجب إليه من دمامتك وخساستك، فاحترس منه ~~وأظهر الجميل فليس شيء أعجب إليه من التمكن منك، فانظر ألا يكون شيء أعجب إليك ~~من التحصن منه. # وقال في العقل والأدب: اعلم أن العقل أمير، وأن الأدب وزير؛ فإن لم يكن ~~وزير ضعف الأمير، وإن لم يكن أمير بطل الوزير، وإنما مثل العقل والأدب كمثل ~~الصيقل والسيف؛ فإن الصيقل إذا أعطي السيف أخذه فصقله فعاد جمالا ~~ومالا وعضدا يعتمد عليه ويلتجأ إليه، فالصيقل الأدب والسيف العقل، فإذا ~~وجد الأدب عقلا نفقه ووفقه وقواه وسدده كما يصنع الصيقل بالسيف، وإذا ~~لم يجد عقلا لم يعمل شيئا؛ لأنه لا يصلح إلا ما وجد. # وإن من السيوف لما يصقل ويسقى ويخدم ثم يباع بأدنى الثمن، ومنها ما يباع ~~بزنته درا وزبرجدا، وذلك على نحو الحديد وجودته أو رداءته، وكذلك ~~الرجلان يتأدبان بأدب واحد ثم يكون أحدهما أنفذ من الآخر أضعافا مضاعفة، وإنما ~~ذلك على قدر العقل وقوته في الأصل، وفي ذلك قلت شعرا: # وقد يصلح التأديب من كان عاقلا # وإن لم يكن عقل فلا ينفع الأدب # وقال في المراء: إذا اجتمع أهل نوع فتذاكروا على نوعهم ذلك، فلم يكن أصل ms248 كل واحد منهم أن ينفع ~~بما أسمع وينتفع بما سمع؛ فاعلم أن تذاكرهم ذلك من أول المراء يصدع العلم، ويوهن ~~الود، ويورث الجمود، وينشئ الشحناء، وينغل القلب، وفي ذلك أقول شعرا: # تجنب صديق السوء واصرم حباله # فإن لم تجد عنه محيطا فداره # وأحبب صديق الخير واحذر مراءه # تنل منه صفو الود ما لم تماره # وقال في الحكمة: أما ما يسمع من كثير من الحكمة؛ فإن أوله شيء يخطر على الأفئدة إذا خطر، ~~وهو أصغر من الخردلة، وأدق من الشعرة، وأوهن من البعوضة، ثم تحركه ~~الألسنة، وتنبذه الأفئدة كما يحاك البرد، وكما يمد النهر فيعود أكثر ~~من الكثير، وأوثق من الحديد، وأثمن من الجوهر، وأحسن من الذهب، وأنفع من كليهما؛ لأنه ~~يزيد في المنطق، ويذكي الذهن، ويعين على الإبلاغ، ويتجمل به القائل، ~~ويتقلب فيه كيف يشاء، ويختار منه ما يشاء فينتفع به اللطيف، وينبل به السخيف، ~~ويتزيد به الكثيف، ويتأبد به الضعيف، ويزداد به الأيد قوة في منطقه وبلاغة ~~في كتبه؛ فيكون في حفظه منفعة للخطباء في خطبهم، وللبلغاء في بلاغتهم وكتبهم، وللكرماء ~~في بشاشتهم، وللشعراء في قصائدهم، فإذا كنت ممن يؤلف حكمة، أو يضع رسالة، أو يذكر ~~في مهمة فلا تكمه قلبك، ولا تكره ذهنك؛ فإنه إذا أكره كل ~~ووقف ولكن إن كنت في شيء من ذلك فاستعن بالتفرغ منه على التفرغ له، ~~والتأخر عنه على التقدم فيه؛ فإن الذهن يجم كما يجم البئر ويصفو كما يصفو ~~الماء. # وقال في الكلام وإخراجه: اعلم أن مثل الكلام كمثل الحجارة فمنها ما هو أعز من الذهب والفضة، ومنها ما ~~لا يعطى في الصخرة العظيمة منه درهم، وفي ذلك أقول شعرا: # وما الحجر الكبير أعز فيما # ظفرت به من الحجر الصغير # وكم أبصرت من حجر خفيف # صغير بيع بالثمن الكثير # وقال في طلاقة الوجه وحسن الخلق: كن أسهل ما تكون وجها، وأظهر ما تكون بشرا، وأقصر ما تكون أمدا، ~~وأحسن ما تكون خلقا، وألين ما تكون كنفا، وأوسع ما تكون أخلاقا ~~فإن الأيام ms249 والأشياء عقب ودول؛ فإن أنكرت منها شيئا يوما ما، كان ~~ما أنكرت منها شيئا خفيفا على أهل الشماتة، وعلى أهل الصفاء، واحذر أن تحزن من ~~يحبك، وتفرح من يحسدك فلم أر في مصاب الدهر مصيبة أوحش من ~~تغيير النعمة، وإن أنت لم تنكر منها شيئا ودامت لك بما تريد فما من الدنيا شيء ~~تناله بدعة ورفق إلا وهو أهنا مما نيل بتعب ونصب، فأما من كفي وعوفي ~~فما يصنع بالغضب والتضايق وإنهما هم العمر ونكد الدهر، وفي ذلك أقول ~~شعرا: # ما تم شيء من الدنيا علمت به # إلا استحق عليه النقض والغير # ولا تغير من قوم نعيمهم # إلا تكدر منه الورد والصدر # فعاد غما ولن تلقى أمرأ أبدا # أغم من ملك أيام يفتقر # وقال في الكذب: # كذبت ومن يكذب فإن جزاءه # إذا ما أتى بالصدق أن لا يصدق # وقال فيه أيضا: # إذا ما رأيت المرء حلو لسانه # كذوبا فأيقن أنه لا حيا له # ولا خير في الإنسان إن لم يكن له # حياء ولا في كل من لا وفا له # وقال في الإخوان: # ليس من كان في الرخاء صديقا # وعدو الصديق بعد الرخاء # عدة في إخائه لصديق # إنما ذاك عدة الأعداء # لو ظفرنا بذي إخاء أمين # لاشترينا إخاءه بالغلاء # لو وجدنا أخا متينا امينا # لاتخذنا إخاءه للشفاء # أما الرفقاء في السفر، والجلساء في الحضر، والخلطاء في النعم، والشركاء في العدم؛ ~~فاحفظ مصاحبتهم وواظب على إخائهم وفي ذلك أقول شعرا: # وكنت إذا صحبت رجال قوم # صحبتهم وشيمتي الوفاء # فأحسن حين يحسن محسنوهم # وأجتنب الإساءة إن أساءوا # وأبصر ما يعيبهم بعين # عليها من عيوبهم غطاء # أريد رضاهم أبدا وآتي # مشيئتهم وأترك ما أشاء # لا تبتدأن أحدا بصغير مما يكره ولا بكبيره ولا بقليل مما ~~يسخط ولا بكثيره؛ فإن ابتدأك أحد بشيء من ذلك فقدرت على الانتصار منه فعفوت أو ~~انتصرت، فما أحسن جميع ذلك إلا أن العفو أكرم والانتصار أعز، وكلاهما حظ، وفي ~~ذلك أقول شعرا: # فما ذات باب بحمده # فيما علمت عليه ms250 من طرق الصواب # وأي الناس ألأم من سفيه # يقول ولا يخاف من الجواب # وقال في الجهل: إياك والجهل؛ فإنما تجهل على ثلاثة: رجل أنت أعز منه فلؤم، وأما جهلك على من هو ~~أعز منك فحيف، وأما جهلك على من هو مثلك فهراش مثل هراش الكلبين ولن يفترقا إلا ~~مفضوحين أو مجروحين. وليس هذا من فعال الحكماء والعلماء، الحليم أرزن والجهول ~~أنقص، وفي ذلك أقول شعرا: # ما تم علم ولا حلم بلا أدب # ولا تجاهل في قوم حليمان # ولا التجاهل إلا ثوب ذي دنس # وليس يلبسه إلا سفيهان # وقال في رؤية الرجل وخبره: إن من الناس من يعجبك حين تراه وتزداد عند الخبرة إعجابا به، ومنهم من ~~تبغضه حين تراه وعند الخبر تكون له أكثر بغضا، ومنهم من يعجبك مخبره ولا يعجبك ~~منظره، ومنهم من يعجبك منظره ولا يعجبك مخبره، وفي ذلك أقول شعرا: # ترى بين الرجال العين فضلا # وفيما أضمروا الغبن الغبين # ولون الماء مشتبه وليست # تخبر عن مذاقته العيون # فلا تعجل بنطق قبل خبر # فعند الخبر تنصرم الظنون # وقال أيضا في ذلك: # وما صور الرجال بها امتحان # وما فيها لمعتبر بيان # ولكن فعلهم ينبيك عنهم # به تجب الكرامة والهوان # وما الإنسان لولا أصغروه # سوى صور يصورها البنان # وقال أيضا: # لم أزل أبغض كل امرئ # وجهه أحسن من خبره # فهو كالغصن يرى ناضرا # ناعما يعجب من زهره # ثم يبدو بعده ثمر # فيكون السم في ثمره # وقال في النهي عن القبيح: وإذا رأيت من أحد أمرا فنهيته عنه فلم يحمدك، ولم يذمم نفسه على مكانه، ~~أو يحدث حدثا تعلم أنه قد انفتح بمقالتك؛ فإن ذلك عيب آخر قد بدا لك ~~منه لعله أقبح من الذي نهيته عنه، وفي ذلك أقول شعرا: # ولا نهيت غويا من غوايته # إلا استزاد كأني كنت أغريه # ولا نصحت له إلا تبين لي # منه الجفاء كأني كنت أغويه # وقال في المؤاخاة: لا تؤاخ أحدا إلا على اختيار منك له وارتضاء منك به واتفاق منه لك، فإذا اتفق ms251 ~~أمر كما كذلك فاعلم أن كلاكما يحسن ويسيء ويصيب ويخطئ ويحفظ ~~ويضيع، فوطن نفسك على الشكر إذا حفظ، وعلى الصبر إذا أضاع، وعلى المكافأة إذا ~~أحسن، وعلى الاحتمال والمعاتبة إذا أساء؛ فإن معاتبة الصديق إذا أساء ~~أحب إلى الحليم من القطيعة في معاشرة من تؤاخيه، وفي ذلك أقول شعرا: # وإذا عتبت على امرئ أحببته # فتوق ضائر عتبه وسبابه # وألن جناحك ما استلان لوده # وأجب أخاك إذا دعا لجوابه # واحرص أن تعرف موقعك من كل أحد حتى من أبيك وأمك؛ فإن من السخافة أن ~~تكون لأخيك فيما يحب ويكون لك فيما تكره، وما أقبح أن تكون له فيما يكره ويكون لك ~~فيما تحب، واعلم أن من تنفعك صداقته ولا تضرك عداوته، الكريم الذي إن ~~أحسنت إليه كافأك، وإن أسأت إليه عاتبك، وأما من تضرك عداوته ولا تنفعك صحبته، ~~فهو الجاهل السفيه اللئيم، وفي ذلك أقول شعرا: # من الناس من إن يرض لا تنتفع به # ولكن متى يسخط فما شئت من ضرر # ضعيف على الأعداء لكن قلبه # أشد إذا لاقى الصديق من الحجر # وقال في تقلب الدنيا شعرا: # إنما الدنيا سراج # ضوءه ضوء معار # بينما غصنك غصن # ناعم فيه اخضرار # إذ رماه الدهر يوما # فإذا فيه اصفرار # وكذاك الليل يأتي # ثم يمحوه النهار # وقال في المداراة: إذا هبطت بلدا أهلها على غير ما تعرف، وأنت على غير ما يعرفون، ~~فالزم كثيرا من المداراة فما أكثر من دارى ولم يسلم، فكيف من لم يكن منه ~~مداراة، وفي ذلك أقول شعرا: # يا ذا الذي أصبح لا والدا # له على الأرض ولا والده # قد مات من قبلهما آدم # فأي نفس بعده خالده # إن جئت أرضا أهلها كلهم # عور فغمض عينك الواحده # ولا تقاتلن أحدا تجد من قتاله بدا؛ فإنما الحق لمن غلب ولا غالب إلا الله، ~~وإن آخر الدواء الكي فلا تجعله أولا، وفي ذلك أقول شعرا: # وكم رأينا من أخي غبطة # أصبح مسرورا وأمسى حزينا # وكم فتى يركب طاحونة # للحرب قد أصبح فيها طحينا ms252 # وقال في الإعسار والإيسار: # كم من صديق لنا أيام دولتنا # وكان يمدحنا قد صار يهجونا # إني لأعجب ممن كان يصحبنا # ما كان أكثرهم إلا يراءونا # لم ندر حتى انقضت عنا إمارتنا # من كان ينصحنا أو كان يغوينا # من كان ينصفنا ما كان يصحبنا # إلا ليخدعنا عما بأيدينا # وقال في الصفة والتفضل: لا يكن من وصلك أحق بصلتك منك بصلته، ولا من تفضل أولى ~~بالتفضل منك عليه؛ فإنما أنت وهو كرجلين ابتدرا أكرومة فقصر أحدهما وبلغ ~~الآخر؛ فإنما القاصر قصر على حظ نفسه، وأما البالغ فبلغ بجميل أمره وعظيم ~~قدره. # وقال في القدر: إذا كان الرجل لبيبا فاعلم أنه كامل، ولكن لن يقدمه ذلك إلى ما كان يطلب، ولن ~~يؤخره عما كان يحاذر إلا بقدر يلحق به ما طلب ويسبق به ما يحذر، وإن من ~~الناس من يؤتى منطقا وعقلا ولا يؤتى مالا، ومنهم من يؤتى مالا ولا يؤتى غيره، ~~فيحتاج مع ماله إلى عقل ذي العقل ومنطقه، ويحتاج ذو العقل إلى مال ذي المال ورفده ~~وينهض هذا بهذا وهذا بهذا، فليس لأحدهما إذن غنى عن الآخر، فأحوج الملك إلى ~~السوقة وأحوجت السوقة إلى الملك. # وقال في التفاضل: لا تقل فلان أغنى مني، وأنا أعز منه؛ فإنه لو جمع العقل والشدة ~~والشجاعة والمال وأشباه ذلك لقوم وبقي قوم لا شيء لهم لهلكوا، ولكن الله - عز وجل - ~~قال: # أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا ~~بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق ~~بعض درجات ~~(الزخرف: 32) فأوتي بعضهم عقلا وبعضهم قوة، وبعضهم مالا ~~مع أشياء مما يكون فيه صلاحهم وبه معايشهم، ثم أحوج بعضهم إلى بعض فعاشوا، ~~وإنما مثل الرجل ورزقه ومثل عقله وأدبه ومروءته وحكمه، كمثل ~~الرامي ورميته، فلا بد للرامي من سهم، ولا بد لسهمه من قوس، ولا بد لقوسه من وتر، ~~ولا بد لجميع ذلك من قدر يبلغ به ما رشق ويصيب به ما يبلغ ويحوز به ما أصاب، وإلا فلا ~~شيء فالرامي الرجل والرمية الرزق، ولا يجمع بينهما عقل ms253 ولا عز ولا شيء من ذلك إلا بقدر، ~~وفي ذلك أقول شعرا: # ما القوس إلا عصا في كف صاحبها # يرعى بها الضأن أو يرعى بها البقر # أو عود بان وإن كانت معقفة # حتى يضم إليها السهم والوتر # وإن جمعت لها هذين فهي عصا # حتى يساعد من يرمي بها القدر # وقال: إن حسن السمت وطول الصمت ومشي القصد من أخلاق ~~الأتقياء، وإن سوء السمت وترك الصمت ومشي الخيلاء من أخلاق الأشقياء، فإذا مشيت فوق ~~الأرض فاذكر من تحتها، وكيف كانوا فوقها وكيف حلوا بطنها، وكيف كانوا أمما؟! ~~واعلم أن ابن آدم أعز من الأسد وأشد من العمد ما لم تصبه أدنى شوكة ~~وأدنى مرض وأدنى مصيبة؛ فإذا أصابه شيء من ذلك وجدته أهون من الذرة وأمهن ~~من البعوضة؛ فلا يغررك تجبره وتكبره وتفرعنه واستطالته، وفي ذلك أقول ~~شعرا: # ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا # فكم تحتها قوم هم منك أرفع # فإن كنت في عز وحرز ومنعة # فكم طاح من قوم هم منك أمنع # وقال في الغني والقنوع: إن الغنى في القلب فمن غنيت نفسه وقلبه غنيت يداه ومن افتقر قلبه لم ينفعه ~~غناه، وفي ذلك أقول شعرا: # إذا المرء لم يقنع بشيء فإنه # وإن كان ذا مال من الفقر موقر # إذا كان فضل الله يغنيك عنهم # فأنت بفضل الله أغنى وأيسر # وقال في الرأي والمشاورة: إذا استشير نفر أنت أحدهم فكن آخر من يشير فإنه أسلم لك من الصلف وأبعد لك من ~~الخطأ، وأمكن لك من الفكر وأقرب لك من الحزم، وفي ذلك أقول شعرا: # ومن الرجال إذا زكت أحلامهم # من يستشار إذا استشير فيطرق # حتى يجول بكل واد قلبه # فيرى ويعرف ما يقول فينطق # فبذاك يطلق كل أمر موثق # وبذاك يوثق كل أمر يطلق # إن الحليم إذا تفكر لم يكد # يخفى عليه من الأمور الأوفق # وقال في النهي عن مجالسة أهل الأهواء والبدع ومحادثتهم: أما هذه الأهواء فإني لم أر أحدا ازداد فيها بصيرة إلا ازداد فيها عمى؛ لأن ~~أمر ms254 الله أعز من أن تلحقه العقول، ولم أر اثنين تكلما فيها إلا رأيت ~~لكل واحد منهما حجة لا يقدر صاحبه على دفعها إلا بالشبه والمغالطة، ~~وأما بالنصيحة فلا، ومن غالط في هذا أو مثله فإنما يغالط نفسه، وعليها يخلط ~~وإياها يخدع، أو أراد أن يخادع ربه والله أعز من أن يخدع. # لقد نبئت أن الله - تبارك وتعالى - أوحى إلى نبيه موسى - عليه السلام: لا تجادل أهل ~~الأهواء فيوقعوا في قلبك شيئا يوردك به إلى النار، فهذا أمر نهى عنه موسى - عليه ~~السلام - وقد أعطي التوراة فيها هدى الله، وقد كلم الله موسى تكليما فكيف بغيره من ~~أهل الأهواء؟ ولم يزل الصالحون يتناهون عن الهوى والمراء فيه والجدل به، ولم أر ~~قياسا قط تم ولا كلاما صح إلا وفيه كلام بعد كثير، فالسنة ألا يتكلم في شيء من ~~الأهواء بالهوى وبغير الاتباع للكتب المنزلة، والسنن للرسل الصادقة، وفي ذلك أقول ~~شعرا: # إذا أعطي الإنسان شيئا من الجدل # فلم يعطه إلا لكي يمنع العمل # وما هذه الأهواء إلا مصائب # يخص بها أهل التعمق والعلل # وقال في النميمة: إياك والنميمة؛ فإنها لا تترك مودة إلا أفسدتها، ولا عداوة إلا جددتها، ~~ولا جماعة إلا بددتها، ولا ضغينة إلا أوقدتها، ثم لا بد من عرف بها أو نسب إليها أن ~~يتحفظ من مجالسته ولا يؤتى بناحيته، وأن يزهد في مناقشته، وأن يرغب عن مواصلته، وفي ~~ذلك أقول شعرا: # تمشيت فينا بالنميمة وانما # يفرق بين الأصفياء النمائم # فلا زلت منسوبا إلى كل آفة # ولا زال منسوبا إليك اللوائم # وفي مثله أقول: # كالسيل في الليل لا يدري به أحد # من أين جاء ولا من أين يأتيه # فالويل للعبد منه كيف ينقصه # والويل للود منه كيف يبليه # وقال: إذا قيل لك أي شيء أطول؟ فقل: الكلام، وإذا قيل لك أي شيء أقصر، ~~فقل: الكلام؛ لأن الكلمة الواحدة قد تكون جوابا بالألف كلمة، وقد يكون جوابها ~~ألف كلمة وأكثر، ولن تدرك الكلام حتى تذره، ولن تذره حتى تحذره، وفي ms255 القول خطأ كثير ~~وبعضه صواب، وإن الصمت منه لأصوب، فاترك منه ما لا تنتفع بأخذه، وخذ منه ما ~~لا تقدر على تركه، واسجن لسانك كما تسجن عدوك واحذره كما تحذر ~~غائلته. # وقال في تأديب النفس: إذا أبصرت بعض ما تكره من غيرك فأسرع الرجعة ~~منه قبل أن يبصره منك من يستريبه، واحمد الله الذي أحسن إليك وبصرك عيوب نفسك، ~~ونبهك للرجوع من غيك، وإذا أخبرك بعيبك صديق قبل أن يخبرك به عدو فأحسن ~~شكره واعرف حقه؛ فإن خبر العدو تعييب وخبر الصديق تأديب، وفي ذلك أقول ~~شعرا: # ولن يهلك الإنسان إلا إذا أتى # من الأمر ما لم يرضه نصحاؤه # وقال في الحاسدين: اعلم أنك لن تلقى من الخير درجة، ولن تبلغ منه مرتبة ولن تنزل ~~منه منزلا؛ إلا وجدت فيه من يحسدك، وإنما الحاسد خصم فلا تجعله حكما؛ فإنه إن حكم ~~لم يحكم إلا عليك، وإن قصد لم يقصد إلا إليك، وإن دفع لم يدفع إلا حقك، وفي ~~ذلك أقول شعرا: # ولو كنت مثل القدح ألفيت قائلا # ألا ما لهذا القدح ليس بقائم # ولو كنت مثل النصل ألفيت قائلا # ألا ما لهذا النصل ليس بصارم # ثم أدب صالح بن جناح، بفضل منشئ الروح ومجري الرياح الملك الوهاب ~~الفتاح، وذلك في سلخ شهر ذي القعدة سنة 1086ه - والحمد لله أولا وآخرا وباطنا ~~وظاهرا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. ms256