######OpenITI# #META# المؤلف: محمد علي كرد #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: أمراء البيان ¶ المؤلف: محمد علي كرد ¶ مستخرج من موقع: (مكتبة العرب) مؤسسة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ¶ http://www.maktabatalarab.com/Pages/default.aspx ¶ ترقيم الكتاب غير موافق للمطبوع ¶ أعده للشاملة: سيد بن محمد السناري ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# max: 489 #META# bkid: 35859 #META# bk: أمراء البيان #META# ndata: أمراء الE010A620ين ورقة. #META# bkord: 9995 #META# archive: 25 #META# الكتاب: أمراء البيان #META# idx: 1 #META# comp: 1 #META# مستخرج من موقع: (مكتبة العرب) مؤسسة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم #META# cat: التراجم والطبقات - مرقم آليا #META# أعده للشاملة: سيد بن محمد السناري #META# iso: امراء البيان #META# digitization_comments: ترقيم الكتاب غير موافق للمطبوع #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# أمراء البيان # المؤلف محمد علي كرد # مستخرج من موقع: (مكتبة العرب) مؤسسة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم # http://www.maktabatalarab.com/Pages/default.aspx # ترقيم الكتاب غير موافق للمطبوع # أعده للشاملة: سيد بن محمد السناري PageV01P001 ### | CHECK [1_2] # البيان العربي # عهد الجاهلية: # تنافس العرب أيام الجاهلية في نظم القصيدة والرجز وفي الخطب المنثورة، ~~ورويت عنهم أمثال وأحاديث؛ وكان ما يفيض من قرائح شعرائها وخطبائها في ~~المفاخرات والنافرات والحمالات والمهادنات من دواعي الإعجاب والاغتباط. # وما كان لكل عربي أن ينفتق لسانه بقوله الجيد من الشعر أو النثر، فقد ~~يأتي الجيل والجيلان، والقبيلة العظيمة لا يظهر فيها شاعر أو خطيب يعلى ~~صوتها وصيتها، ويعدد من عام إلى عام مآثرها، ويرفع بما يبتده الضيم عن ~~أهلها، ويرهب بسلطان بلاغته عدوها؛ وكان الشاعر عندهم يفضل على الخطيب، ~~فلما اتخذ الشعراء شعرهم آلة للتكسب، وابتذلوه في المديح والهجاء، علت ~~منزلة الخطيب على منزلة الشاهر. # ولقد حفظ من الشعر بعضه لطربهم به، وعجبهم بالعالي منه، ولأن دون مفاخرهم ~~وخلد تاريخهم، وباد النثر على وفرته، إلا صفحات قليلة لو أنعمنا النظر في ~~بعضها، لما احجمنا عن القول بأنها واهية الإسناد، ظاهرة التصنيع؛ ومنها ~~أمثله في أمهات كتب الأدب لا تروقك ولا تشوقك؛ والغالب أن ما عزى لعهد ~~الجاهلية من المنثور كان مما أخذ بالمعنى كما نقل معظم الأحاديث النبوية. ~~يقول الرقاشي ما تكلمت به العرب من جيد المنثور أكثر ما تكلمت به من جيد ~~الموزون، فلم يحفظ من المنثور عشره، ولا ضاع من الموزون عشره. وقال أبو ~~عمرو بن العلاء: ما انتهى إليكم مما قالته العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرا ~~لجاءكم علم وشعر كثير. # ضاع تراث الجاهلية في النثر لفقدان التدوين، ولغلبة الأمية على العرب، ~~وما رواه الرواة كان من محفوظ الرجال، والحفظ عرضة للنقص والزيادة. وجاء ~~الإسلام PageV01P001 ### | CHECK [2_2] # وليس في قريش غير سبعة عشرة رجلا وبضع نساء يكتبون ويقرءون، وقريش سادة ~~العرب وأنبه قبيلة فيهم، وأكثرهم حضارة وتمازجا بالشعوب المجاورة. أما سائر ~~بلاد العرب كاليمن فلم يعرف فيها من يكتب. ms001 # شاعت الكتابة في الحيرة أكثر من غيرها من البلاد المتاخمة لجزيرة العرب، ~~ويعلل المرزباني ذلك بأن أهل القرى ألطف نظرا من أهل البداوة، وأنهم كانوا ~~يكتبون لمجاورتهم أهل الكتاب، فأخذت قريش الكتابة عن إياد في الحيرة؛ ولما ~~كان أهل القرى أكثر استعدادا للحضارة ظهر الأنبياء فيهم، وما جاء رسول من ~~أهل الوبر. # كتب عدة كتاب من أهل الحيرة في ديوان الأكاسرة، ومنهم عدي أبن زيد وزيد ~~أبن عدي ولقيط بن يعمر الإيادي؛ وكان أكثم بن صيفي حكيم العرب يكاتب ~~الملوك، ولأبناء جفنة في البلقاء كتاب يكتبون عنهم في خاص أمورهم وعامهم، ~~وكان المرقش كاتب الحرث بن شمر الغساني، وبذلك تبين أن الإياديين سبقوا إلى ~~الكتابة، وما جاء أكيد عن الغسانيين الذين جاوروا الروم في جنوب الشام ~~وتصرفوا لهم. # ما علا شأن قريش في الكتابة إلا في الإسلام، ولا يعلم إذا كانت تراسل ~~الملوك، إذ لم يكن لها نظام دولة ثابت، وكانوا إذا رأوا كتبا كتبها أهل ~~الكتاب استعظموها؛ وعثروا في الإسلام على رسالة بخط عبد المطلب بن هاشم في ~~قطعة أدم وذلك في إثبات حقله على رجل من العرب. # وإذ كانت الخطب والرسائل في ذلك العهد قاصرة الأغراض، وصادر عن أناس على ~~الفطرة، ليس لهم من المدينة مادة تدعوهم إلى الفلسفة والتوسع في الفكر، ~~تجردت كتابهم من كل صنعة وفن، ويقول الجاحظ: إنه لم يجد في خطب السلف ~~الطيب، والأعراب الأقحاح ألفاظا مسخوطة، ولا معاني مدخولة، ولا طبعا رديئا، PageV01P002 ### | CHECK [3_2] # ولا قولا مستكرها؛ وأكثر ما وجد من ذلك في خطب المولدين البلديين ~~المتكلفين، ومن أهل الصنعة المتأدبين، سواء أكان ذلك منهم على جهة الارتجال ~~والاقتضاب، أو كان من نتائج التخير والتفكير. # عهد الإسلام: # والمعقول أن أسلوب الجاهلين في الكلام المنثور لا يختلف عن الأسلوب ~~المتبع في الرسائل والخطب أول الإسلام، لأن الرسول عليه الصلات والسلام ~~خاطب قومه بالطريقة التي يفهمونها، وتقع في نفوسهم الموقع الحسن. وما قدرت ~~العرب بلاغته حق قدرها إلا لأن بلاغتهم ضرب من بلاغته، والبليغ يدرك ms002 من هو ~~أبلغ منه. وقد كتب النبي إلى عماله، وإلى رؤساء القبائل، وإلى الأمراء ~~والملوك؛ ومنها ما أملاه بنفسه أو كتبه له كتابه فأقرهم عليه، مثال من ~~بلاغة الأقدمين من العرب؛ وقد رأيناه صلوات الله عليه ينكر على من يسجعون ~~الكلام، وينهى عن السجع على نحو سجع الكهان، وكانوا يسجعون للإغراب ~~والتأثير والزينة. # كان الرسول يتوخى إذا كتب لغير العرب، أن يوجز القول، ويقل من اللفظ الذي ~~لا يتفهمه كل إنسان، حتى يسهل نقل كلامه إلى ألسن من كتب إليهم من غير ~~العرب، كما كان إذا خاطب قبائل من غير قريش أو كاتبهم يستعمل ألفاظا مألوفة ~~لهم لا يعرفوها القرشيون، ذلك لأن مقصده الإفهام، والبليغ من الكلام ما فهم ~~وأبقى في النفس أثرا. # أوتي الرسول جوامع الكلام وأختصر له الكلام اختصارا، وكلامه جزل رشيق، لا ~~تعمل فيه ولا غموض، وروي عنه أنه قال: أبغضكم إلي الثرثارون المتشدقون يريد ~~أهل الإكثار وأصحاب التقعير في الكلام. والتقعير التكلم بأقصى الفم، ~~والتشدق تكلف البلاغة. نعم كان نزورا يذم المكثار، ويترسل في القول، ويكره ~~الانبعاق في الكلام أي الاندفاع فيه. وقال: نضر الله وجه رجل أوجز في كلامه، PageV01P003 ### | CHECK [4_2] # واقتصر على حاجته. فأصلح الرسول العربي لغة التخاطب والتكاتب، كما جاء ~~لإصلاح المعاد والمعاش. وكذلك يقال في بلاغة الصحابة ومن أخذوا عن الرسول، ~~وكذلك يقال فيمن أخذ عن الصحابة من التابعين وتابعيهم والخلفاء والأمراء، ~~يمتاز أفراد منهم بالبلاغة كما يتمايزوا برجحان العقل. # وكتب الناس إلى أواخر القرن الأول على النمط الذي عرفوه عن الرسول، آخذين ~~بالطبع، بعيدين عن الإطناب. ومن ذلك أمثلة كثيرة في كتب التاريخ والسير، ~~ومن أهمها رسالة عمر أبن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري في القضاء، وقد كتبت ~~على أسلوب عصره، لا تعمل فيها ولا سجع ولا مزاوجة، لفظها على قدر معناها. # ما عدا أسلوب الكتب، أسلوب الرسائل والخطب. بيد أن تدوين الكتب تأخر ~~قليلا، ومن أول ما دون ما كتبه صاحب الرسالة لعمرو بن حزم وغيره في الصدقات ~~والديانات والفرائض ms003 والسنن، وما كان يكتبه عمر من الحديث، وقد أمره الرسول ~~بتقييد العلم، وأشار إليه أن يكتب خطبته في عام الفتح إلى أبي شاه، وكان ~~وأثلة بن الأسقع يملي على الناس الأحاديث وهم يكتبونها بين يديه. وألف زيد ~~بن ثابت كتابا في الفرائض، وألف كتاب في قضاء على في عهد ابن عباس. وأمر ~~معاوية أن يدون ما يتحدث به إليه عبيد بن شرية من أخبار عاد وثمود وجرهم. ~~وكان عبيد من القدماء في الحكمة والخطابة مثل أسقف نجران وأكيدر صاحب دومة ~~الجندل. كل أولئك كان الأساس الأول الذي قام عليه التأليف في القرن الثاني، ~~بالرواية وذكر السنة، ولم يصل إلينا من خطب القوم ومحاوراتهم ورسائلهم إلا ~~مالا بال له. # أسلوب القرآن: # أما أسلوب القرآن فهو فوق كل أسلوب، وأسمى من كل كلام. لم يعهد العرب ~~مثله في نظام القول وترتيبه، وأما أستطاعة، على كثرة فصائحها في دهر نزوله، أن PageV01P004 ### | CHECK [5_2] # تحتذي مثاله في أسلوبه وأداء معانيه، وقد أريد على ذلك وتحدوا عليه. ~~والقرآن حسن ملكة الكتابة والخطابة، كما كان كذلك تأثيره في الشعراء، فجاء ~~الشعر الإسلامي أرق من الشعر الجاهلي. # وقد قال بعض العارفين إن في القرآن المرسل والمسجع والمزدوج. والمرسل ما ~~يطلق فيه الكلام إطلاقا ولا يقطع أجزاء، بل يرسل إرسالا من غير تقليد ~~بقافية ولا غيرها. والمسجع ما أتى قطعا والتزمت في كل قافيتين منه قافية ~~واحدة. والمزدوج أن يشبه الكلام بعضه بعضا في السجع أو الوزن. وقالوا إنه ~~لا يحسن منثور الكلام ولا يحلو حتى يكون مزدوجا، ولا تكاد تجد لبليغ كلاما ~~يخلو من الازدواج. # يقول ابن خلدون إن القرآن وإن كان من المنثور، إلا أنه خارج عن الواصفين، ~~وليس يسمى مرسلا مطلقا ولا مسجعا، بل تفصيل آياته ينتهي إلى مقاطع يشهد ~~الذوق بانتهاء الكلام عندها، ثم يعاد الكلام في الآية الأخرى بعدها، ويثنى ~~من غير التزام حرف لا يكون سجعا ولا قافية، ويسمى آخر الآيات فواصل، إذ ~~ليست أسجاعا، ولا التزام فيها ما يلتزم في السجع ms004 ولا هي قواف. # وذهب المعتزلة إلى نفي السجع من القرآن. وقال الباقلاني: أن السجع من ~~الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع، وليس كذلك ما أتفق مما هو ~~في تقدير السجع من القرآن، لأن اللفظ يقع فيه تابعا للمعنى. وفصل بين أن ~~ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود فيه، وبين أن يكون ~~المعنى منتظما دون اللفظ؛ ومتى أرتبط المعنى بالسجع كانت إفادة السجع ~~كإفادة غيره؛ ومتى أرتبط المعنى بنفسه دون السجع، كان مستجلبا لتجنيس ~~الكلام دون تصحيح المعنى. وقال أيضا: ولو كان القرآن سجعا لكان غير خارج عن ~~أساليب كلامهم، ولو كان داخلا فيها لم يقع بذلك إعجاز، ولو جاز أن يقال هو ~~سجع معجز، لجاز لهم أن PageV01P005 ### | CHECK [6_2] # يقولوا شعر معجز؛ كيف والسجع مما كان يألفه الكهان من العرب، ونفيه من ~~القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفي الشعر، لأن الكهانة تنافي النبوات وليس ~~كذلك الشعر. # وسواء كان القرآن سجعا أو ما يشبه السجع فهو من الكلام المنثور الذي لا ~~تبلغ قرائح البلغاء مداه، ما عرف شبيه له بهذه الروعة وهذه العبقة. يقول ~~الجاحظ: لو أراد أنطق الناس أن يؤلف من هذا الضرب سورة واحدة طويلة أو ~~قصيرة على نظم القرآن وطبعه وتأليفه ومخرجه لما قدر عليه، ولو استعان بجميع ~~قحطان ومعد بن عدنان، وقال أيضا: ولو أن رجلا قرأ على رجل من خطبائهم ~~وبلغائهم سورة واحدة لتبين له في نطامها ومخرجها من لفظها وطابعها أنه عاجز ~~عن مثلها، ولو تحدى به أبلغ العرب لأظهر عجزه عنه لغا ولفظا. # الأسلوب الأول: # احتفظت الكتابة والخطابة في عصر الصحابة ومن بعدهم بالطريقة التي ما ~~حدقوا غيرها، وهي تدور على توفية المعنى واللفظ حقهما، مع البعد عن الإطناب ~~والمبالغة، والقصد إلى الإيجاز والسهولة، يرسلون الكلام إرسالا بلفظ سمح، ~~ومخرج سهل، إملاآتهم كأحاديثهم ابنة السليقة وربيبة الغريزة، خالية من كل ~~ما هو متكلف مصنع. بكلمات مؤلفات، إن فسرت بغيرها عطلت، وإن بدلت بسواها من ~~الكلام استصعبت، فسهولة ألفاظهم ms005 توهمك أنها ممكنة إذا سمعت، وصعوبتها تعلمك ~~أنها مفقودة إذا طلبت، وكانوا يقولون: البلاغة هي التقرب من البعيد، ~~والتباعد من الكلفة، والدلالة بقليل على كثير، وقالوا: البلاغة إيجاز في ~~غير عجز، وإطناب في غير خطل، وإن البلاغة إجاعة اللفظ وإشباع المعنى. وقال ~~علي بن أبي طالب: ما رأيت بليغا قط إلا وله في القول إيجاز، وفي المعاني ~~إطالة، وقيل لعمرو بن العلاء: هل كانت العرب تطيل؟ قال: نعم ليسمع منها. PageV01P006 ### | CHECK [7_2] # قيل: فهل كانت توجز؟ قال: نعم ليحفظ عنها. # لا جرم أن الإيجاز من طبع العرب وطبيعة لغتهم، وتخير الألفاظ من شأن كل ~~بليغ. والعرب كما قال ابن جني تعني بألفاظها وتصلحها وتهذبها وتلاحظ ~~أحكامها. قال فإن المعاني أقوى عندها واكرم عليها، وأفخم قدرا في نفوسها؛ ~~فأول ذلك عنايتها بألفاظها. فإنها لما كانت عنوان معانيها، وطريقا إلى ~~إظهار أغراضها ومراميها. أصلحوها وبالغوا في تجييدها وتحسينها، ليكون ذلك ~~أوقع لها في السمع، وأذهب في الدلالة على القصد. وللمتأخرين آراء كثيرة في ~~هذا الشأن، ومنا ما قاله الجرجاني: لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى ~~يسابق معناه لفظه، ولفظه معناه، ولا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى ~~قلبك، وقولهم يدخل الأذن بلا إذن، فهذا مما لا يشك العاقل في أنه يرجع إلى ~~دلالة المعنى على المعنى، وأنه لا يتصور ان يراد به دلالة اللفظة على معناه ~~الذي وضع له في اللغة. # كانوا يكتبون الرسالة في المقصد الكبير، ويضعون الخطاب في أعظم المعضلات. ~~في إيجاز لا فضول فيه، عار على المقدمات والتزويق، يقيمون لكل لفظ معناه، ~~ولكل معنى لفظه، وجودة اللفظ تبع لجودة المعنى: وعلى منوال الخطابة نسجت ~~الكتابة، وعلى طريق الخطباء مشت الكتاب. ذلك لأن الرسائل والخطب متشاكلتان ~~في أنهما كلام لا يلحقه وزن ولا تقفية، وقد يتشاكلان أيضا من جهة الألفاظ ~~والفواصل. فألفاظ الخطب تشبه ألفاظ الكتاب في السهولة والعذوبة، وكذلك ~~فواصل الخطب مثل فواصل الرسائل، والفرق بينهما أن الخطبة يشافه بها بخلاف ~~الرسالة، والرسالة تجعل خطبة، والخطة ms006 تجعل رسالة، في أيسر كلفة. قال ذلك ~~العسكري، وذكر غيره أن الخطابة نوع من منثور الكلام، تأخذ من النثر تصوير ~~الحقائق وإبلاغها النفوس من دون إتعاب ذهن، ولا تكلف في الأداء، ومن النظم PageV01P007 ### | CHECK [8_2] # سلاسته، وتأثيره في النفس. # تبدل الأسلوب: # عرضت بواعث كثيرة لأولى الأمر من العرب بكثرة الفتوح، وانتشار الإسلام، ~~وتمازج الفاتحين بأجناس من الأمم، فاحتيج إلى التعاهد والتعاقد، والتدريب ~~والترتيب، والمرادات والمشادات، ودعت الحال إلى أن يخطب ويكتب في ضروب من ~~الكلام، وما خرج الكاتبون مع هذا عن معهود طريقتهم، لا يتعدون إذا أطالوا ~~في رسائلهم الأسلوب القديم بحال؛ يتوسعون في المعاني للإقناع والتأثير، ~~واستيفاء الموضوع من عامة أطرافه، ويبقون الألفاظ والتراكيب على النسج الذي ~~عرفوه، لا يكثرون من اللفظ إلا بقدر ما يصورون المعاني، ويجمعون شتيت ~~المقاصد، ولا يستخدمون من الكلمات إلا الشائعة في الاستعمال، ولا من ~~المعاني ما يعلوا عن أذهان عامة الطبقات، ولا من السجع إلا ما وافق الطبع. # وزادت مع الزمن من أعمال الملك والسلطان، وحدثت للناس مشاكل وعضل وخيف ~~ضياع العلم، فدعت الضرورة إلى تدوين أمهات المسائل في الدين واللغة والشعر ~~والأخبار والسير، والكتابة لم تبرح على ما كانت، يتبسطون في الفكر والشعر، ~~ويبعدون عن التزيد والتزين، ويراعون الإيجاز ما أمكن، ويحتفظون أبدا ~~بالطريقة المأثورة عن أهل الصدر الأول؛ فكان التوسع في الأغراض والمطالب ~~فقط، وما خرجوا عن الألفاظ والقوالب المشهورة. وفي كلام التابعين، ومن جاء ~~بعد عصرهم من رواة العلم، جمل قليلة تقرءوها في كتب التفسير والسنة ~~والتاريخ والرجال، فتناديك بأن الطريقة القديمة في أداء الكلام لم يدخلها ~~تغير ولا تبديل. # جاء من الأمويين كتاب بلغاء، وخطباء أنبياء، جروا في ترتيب دولتهم على ~~سنة من تقديمهم في الرسائل والعهود. وفي الموجزات من رسائل عمر بن عبد ~~العزيز مثال من البلاغة، لو لا أن اختلط كلامه بما كتبه له كتابه، وكان ~~يكتب بيده إلى PageV01P008 ### | CHECK [9_2] # عماله في الأمصار ويكتب كتابه في المسائل العادية. كان من بلغاء الكتاب ~~ومصاقع الخطباء، ولما بويع ms007 بالخلافة دعا إليه كاتبا فأملى كتابا واحدا من ~~فيه إلى يد الكاتب بغير نسخة، فأملى أحسن إملاء وابلغه وأوجزه، ثم أمر بذلك ~~الكتاب فنسخ إلى كل بلد. وكتب إلى عامله على المدينة، وقد سأله طراطيس: دقق ~~القلم وأوجز الكتاب فإنه أسرع للفهم. # جرى بعض خلفاء الأمويين على نهج عمر بن عبد العزيز في الإيجاز وبعضهم على ~~التطويل؛ وقيل إن الوليد أول من جود القراطيس، وجلل الخطوط، وفخم ~~المكاتبات، وتبعه من بعده من الخلفاء إلا عمر بن عبد العزيز وزيد بن ~~الوليد، فإنهما جريا في المكتبات على طريقة السلف، ثم جرى الأمر بعدهما على ~~ما سنه الوليد بن عبد الملك، إلى أن صار الأمر إلى مروان بن محمد فعمدوا ~~إلى الإطناب. ولنا أن نقول بعد هذا أن القرن الأول كان قرن الإيجاز ~~والفطرة؛ والقرن الثاني قرن التطويل والإيجاز معا؛ والناس يتخرجون في ~~البيان تخريجا، ويجود من أوتي طبعا سليما، ولكل زمان ما يليق به من البيان ~~كما قالوا. # الأعاجم والعربية: # كان أخوف ما يخافه العرب على اللغة سراية اللحن إليها، وما أهمهم ما دخل ~~من التطويل على الرسائل والخطب، وما سرى من تغير طفيف إلى نسج الكلام، ~~كالإكثار من السجع والازدواج. والغالب أن اللحن أخذ يشيع في الناس منذ عهد ~~الرسول. فقد روي أنه سمع رجلا يلحن في كلامه فقال: أرشدوا أخاكم فإنه ظل، ~~ورووا أيضا أن أحد ولاة عمر كتب إليه كتابا لحن فيه، فكتب إليه عمر أن قنع ~~كاتبك سوطا. وعلة الامتناع من الأخذ عن أهل المدر كما أخذ عن أهل الوبر ما ~~شاع في لغة أهل المدر من اضطراب الألسنة وخبالها، وانتقاض عادة الفصاحة ~~وانتشارها. PageV01P009 ### | CHECK [10_2] # وذكروا أن الوليد بن عبد الملك كان لحانا، وكان عبد الملك فصيحا، وعرف ~~بلحن ابنه، فقال له: إنك يا بني لا تصلح للولاية على العرب وأنت تلحن، ~~وجعله في بيت وجعل معه من يعلمه الإعراب. وإذا لم يكن للخليفة أو الأمير حظ ~~من العربية، وقسط جزيل من البلاغة، فكيف يخطب في ms008 أيام الجمع والاعياد، وفي ~~النوازل الكارثة. # سأل الحجاج، وهو من ابلغ الخطباء، يحيى بن يعمر هل يلحن عنبسة ابن سعيد؟ ~~قال: نعم، كثيرا. قال: فأخبرني عني، هل ألحن؟ قال: لا، أنت أفصح الناس. قال ~~لتخبرني، قال إنك تلحن لحنا خفيفا، تزيد حرفا أو تنقص حرفا وتجعل إن في ~~موضع أن. ويقال إن الحجاج قال له: عزمت عليك لتخبرني عن نفسه، وكانوا ~~يعظمون عزائم الأمراء. فقال يحيى: نعم في كتاب الله، قال: ذاك اشنع، ففي أي ~~شيء في كتاب الله؟ قال: قرأت: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم ~~من الله ورسوله) فترفع أحب وهو منصوب. قال: إذا لا تسمعني ألحن بعدها، ~~ونفاه إلى خراسان، وما احتمل له قوله إنه قد يلحن، وعد ذلك سبة على مثله. # وطبيعي أن يزيد اللحن بدخول الأعاجم في الدين وتمازجهم بالعرب، وأن تضعف ~~ملكة البلاغة في القول والكتابة، بتكاثر الدولة الأموية وعمالهم من أبناء ~~الروم والفرس والقبط والبربر، ولا سبيل إلى أن يكون الدخيل كالأصيل حذو ~~القذة بالقذة، في منازع التصوير والتفكير والتحبير. # وإذا عرفنا أن اختلاط العرب بالفرس بدأ من عهد الأكاسرة عن طريق الحيرة، ~~حتى أن بهرام جور بن يزدجرد وضعه أبوه عند النعمان بن المنذر ملك الحيرة ~~ليتأدب بآداب العرب، ويعرف أيامها وأخبارها، وأن الحضارة باكرت الحيرة كما PageV01P010 ### | CHECK [11_2] # باكرت جنوب الشام، وأن شعراء الجزيرة كانوا يفدون على المناذرة والغساسنة ~~فيلقون صدورا رحبة، ويتقبل أمراء ذينك الإقليمين أماديح شعراء العرب بقبول ~~حسن إذا عرفنا هذا فلا علينا أن نقول إن صلات العرب والفرس استحكمت قبل ~~البعثة بزمن طويل، وكثرت في الفتح وفود الشعراء على بعض أمراء العرب من ~~الفاتحين في فارس، واقتضى نصب كتاب يكتبون لهم في أغراضهم المختلفة. # وقر في صدور الشعراء والكتاب من العرب ما رأوه في أرض فارس من مدنية ~~قديمة، فأخذوا ينقلون ما رأوا أمتهم في حاجة إليه، وأخذت الدولة العربية عن ~~فارس قوانين الملك والمملكة، وترتيب ms009 الخاصة والعامة، وسياسة الرعية، وكانت ~~أكثر العربات مأخوذة من الفارسية. ولما نقلت الدواوين على عهد عبد الملك بن ~~مروان من الفارسية والرومية والقبطية إلى اللغة العربية انتقل جمهور كبير ~~من الكتاب والحساب من الأعاجم إلى حجر العرب يكثرون سوادهم. # ولما كان معظم من دانوا بالإسلام من الفرس لأول المر أكثر من الروم ~~والقبط - والفرس مجوس تقصد كالمشركين هدايتهم أولا ويتسامح مع أهل الكتاب - ~~كثر عديد الكتاب من الفرس بالضرورة، وزاد عدد من ينزلون بلادهم من العرب، ~~لتولي الأحكام وإدارة الملك، وسرت إليهم بعض عادات الفرس من حيث لا يشعرون، ~~وأمسوا يغرقون في التبجيل والتحميد، ويستعملون ذلك في الرسائل والخطب، وظلت ~~كتابة الكتب بمعزل. وبهذا تكون الأسلوب الفارسي. وكان عبد الملك بن مروان ~~كثيرا ما يقول: إن روح بن زنباع، وهو من المشهورين بالخطابة والعلم ~~والسياسة: شامي الطاعة، عراقي الخط، حجازي الفقه، فارسي الكتابة. # وتجلت في القرن الثاني الطريقة الفارسية في العربية، ووضع عبد الحميد بن ~~يحيى أساس هذا الأسلوب المطول، وكان يحسن الفارسية، وهو أول من أطال PageV01P011 ### | CHECK [12_2] # الرسائل، ولم يعهد تطويل مثل تطويله في أهل القرن الأول، اللهم إلا ما ~~كان من رسالة علي بن أبي طالب إلى الأشتر النخعي، وهي في مطالب إدارية ~~عظيمة، هذا إذا صحت نسبتها إلى أمير المؤمنين. فأسلوب القرن الثاني لم يخرج ~~والحالة هذه عن أسلوب أهل القرن الذي تقدمه بألفاظه وتراكيبه، اللهم إلا ما ~~كان من سجع قليل، وشيء من مبالغة وتهويل، ولولا الإطالة لأشبهت كتابه أهل ~~القرن الثاني كتابه أهل القرن الأول. دع ما كان من أفكار جديدة سرت ~~بالترجمة والاختلاط، مما هو طبيعي في اللغات والأمم. # وتعليل هذا الغلو المستفيض في كتابة الفرس، وكتابة تأثروا بآثارهم من ~~كتاب العرب، أن الفرس كانوا قبل حكم العرب يؤلهون ساداتهم وكبراءهم وهؤلاء ~~يسخرونهم كما يسخرون العبيد، وما على العبد إلا إرضاء سيده، والإدهان له. ~~والإسلام لم ينزع كل ما تأصل في الطباع. وصار إيغال الفرس في التبجيل ~~والتعظيم خلقا لهم، وعادة متأصلة على ms010 الأيام، فظهر أثر ذلك في الكتابة - ~~والكتابة صاحبها - على ما لم يعهد مثله للعرب فيما سبق من الآباد. بدا ذلك ~~قليلا في بعض كتاب القرن الثاني وشعرائه، وعم وطم في القرن الرابع. # ومن قارن بين ما كان يصدر من الرسائل عن الصحابة وخلفاء بني أمية وأوائل ~~بني العباس، وما كان يصدر في مثل موضوعها عن كتاب العباسيين في القرن ~~الرابع يقع على فروق، يسوغ لك أن تقول معها إن الكتابة انقلبت رأسا على ~~عقب؛ وإن بعض ما دبجه الكاتبون هذا القرن في السلطانيات خاصة والاخوانيات ~~عامة ليس إلا أسلوبا فارسيا مهذبا: ألفاظ كثيرة، وجناسات واستعارات، تشف في ~~الواقع عن حضارة، وما هي إلا نثر فيه الصنعة وفيه التصنع. والمدينة على ~~جمالها لا تخلو في كل عصر من تعقيد؛ وقد سبقت الكتابة في هذا الباب فتبدل ~~المطبوع بالمصنوع أو كاد. PageV01P012 ### | CHECK [13_2] # جرى بعض الخلفاء الأول من بني العباس في الشرق وبني أمية في الغرب خلال ~~القرن الثاني على طريقة أهل القرن الأول، يطيلون تارة ويجيزون أخرى، وكذلك ~~ساروا في الرسائل والخطب؛ ويزيد التمسك بالقديم إذا كان الخليفة كاتبا ~~مصقعا في ذاته، كالمنصور والرشيد والمأمون، وكانوا يعرفون للبلاغة قدرها، ~~ويحملون متابهم على الإيجاز، مراعاة لروح اللغة واقتداء بسيرة أئمتها، ~~وحرصا على أن لا يصدر عن دواوينهم ما تنبوا عنه الأذواق، ويغني قليله عن كثيره. # الأسلوب المنتشر: # رأى الناس بعد القرن الثاني أن من المصلحة الإسهاب في المكاتبات فأسهبوا، ~~وبدأ إسهابهم ضيئلا ثم عظم بعد. وبعد أبان ابن قتيبة سبب الإسهاب والاقتضاب ~~بقوله: وليس يجوز لمن قام مقاما في تحضيض على حرب، أو حمالة بدم، أو صلح ~~بين العشائر، أن يقلل الكلام ويختصره، ولا لمن كتب إلى عامة كتابا، في فتح ~~أو استصلاح أن يوجز، ولو كتب كاتب إلى أهل بلد في الدعاء إلى الطاعة ~~والتحذير من المعصية كتاب يزيد بن الوليد إلى مروان حين بلغه تلكؤه في ~~بيعته: أما بعد فإني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى، فاعتمد على أيهما شئت ~~والسلام، ms011 لم يعمل هذا الكلام في أنفسها عمله في نفس مروان، ولكن الصواب ان ~~يطيل ويكرر، ويعيد ويبدي ويحذر وينذر. # ومثل هذا رأى صاحب الصناعتين قال: إن المعاني التي تنشأ الكتب فيها من ~~الأمر والنهي سبيلها أن تؤكد غاية التأكيد، بجهة كيفية نظم الكلام لا بجهة ~~كثرة اللفظ؛ ومثل ذلك ما يكتب من السلطان في أمر الأموال وجبايتها ~~واستخراجها، ومنها الإجماد والإذمام، والثناء والتفريظ، والذم والاستصغار، ~~والعذل والتوبيخ، فإن سبيل ذلك أن تشبع الكلام فيه، وكذلك فيما يكتبه ~~العمال إلى الأمراء فمن فوقهم، وكذلك في الكتب الصادرة عن السلاطين في ~~الأمور الجسيمة، والفتوح PageV01P013 ### | CHECK [14_2] # الجليلة، وتفخيم النعم الحادثة، والترغيب في الطاعة، والنهي عن المعصية، ~~سبيلها أن تكون مشبعة فتملأ الصدور، وتأخذ بمجامع القلوب. # وجملة الأمر أن الكتاب في القرن الثاني والثالث جروا على سنة القدماء في ~~الرشاقة والجزالة، وخالفوهم في الأسلوب والوضع، على مالا يعبث بمذاهب ~~الكلام؛ فكان فيهم من يطيل ويسهب، وفيهم من يوجز ويقتضب، وفيهم من يبالغ في ~~المعنى ويغلوا، وفيهم من يقتصد في اللفظ ولا يسرف، فأسلوب ابن المقفع، وسهل ~~بن هرون، وعمرو بن مسعدة، والجاحظ، إيجاز وتطويل بحسب الحال، والجاحظ إلى ~~البسط أقرب في الأحايين، لأنه يقرر أنظارا، ويضع تعاليم، ويفسر علما وأدبا، ~~ويشرح معارف وحقائق، ويحاج ويجادل، فليس له غنى عن التوسع في فنون الكلام، ~~وإذا أفاض فكلامه كلام أهل القرن الثاني والثالث؛ أما بلاغته فبلاغة أهل ~~القرن الأول، لا سجع في كلامه إلا ما جاء عفوا، ولا تحسن الصنعة فيه إلا ~~إذا كان في تجديد المعاني والتراكيب واستعمال الجزل من الألفاظ. # ونحن على حق إذا ادعينا، بعد الذي قدمنا، أن ملكة التطويل استحكمت أواخر ~~القرن الثاني، بتكاثر عدد من نشأ من الفرس كتابا وخطباء ومؤلفين، أدمجوا ~~فيما أنشئوا إسرافهم في التعظيم والتطويل، واشتد تمازج من كانوا من أصل ~~عربي من الكتاب والمؤلفين والرواة بأهل فارس، حتى كادت دولة العباسيين تعد ~~دولة فارسية لولا مكان الخليفة من العرب. وظهر الغلو في القول والإسراف في ~~اللفظ، ms012 وتلوين المعاني وإبرازها في صور كثيرة، وتفنن بعض الكتابين في إرسال ~~الكلام؛ وأوغلوا في الصنعة والتثقيف، حتى أوشك البيان أن يصاب بما يخرجه عن ~~رونقه القديم، فنصح جعفر بن يحيى، وهو أمير من أمراء البيان قائلا: إن ~~استطعتم أن تكون كتبكم توقيعات فافعلوا. # قال هذا في العهد الذي اخذ فيه الأعاجم يسطون على الأسلوب العربي على هذا PageV01P014 ### | CHECK [15_2] # الوجه، وفي تلك الحقبة كان العارفون يحاذرون ضياع الأسلوب القديم جملة، ~~حتى أن المأمون رفع إلى مقام الوزارة كلا من عمرو بن مسعدة وأحمد بن يوسف ~~الكاتب لما أعجب به من توخيهما الإيجاز في الرسائل على الطريقة القدماء ~~وقال يوما: ما أعجب الكلام كإعجابي بكتاب القاسم بن عيسى أبي دلف فإنه يوجز ~~في غير عجز، ويصيب مفاصل الكلام، ولا تدعوه المقدرة إلى الإطناب، ولا تميل ~~به الغزارة إلى الإسهاب، يجلى عن مرادة في كتبه، ويصيب المغزى في ألفاظه. # نعم رفع الملوك من بني العباس بلغاء كتابهم إلى الوزارات، وقلما رفعوا ~~شاعرا لشعره، لأن الشعر خيال وحسن، والكتابة عقل وحقيقة، وحاجة المماليك في ~~تدبيرها إلى العقول، أكثر من احتياجها إلى العواطف، والعلوم على اختلاف ~~ضروبها تكتب نثرا. ولما نظم المتأخرون متون العلوم كالفرائض والقراءات ~~والفقه والنحو وغيرها شعرا أفسدوا الشعر، وما أفادوا العلوم والمتعلمين ~~كبير أمر؛ وكان هذا العبث كالعبث بصنع الكلام يوم استخرجوا من نثر ابن ~~المعتز ذاك الفن الذي سموه البديع، فأفسد نظام الكلام، وأخرج البيان عن ~~أصوله وطرائقه إلى صنعه يقصد به المجانسات في الألفاظ، والاستعارات ~~والتشبيهات في المعاني. # والكتاب كما يقول أبن قتيبة هم ألسنة الملوك، إنما يتراسلون في جباية ~~خراج، أو سد ثغر، أو عمارة بلاد، وإصلاح فساد، أو تحريض على جهاد، أو ~~احتجاج على فئة، أو دعاء إلى ألفة، أو نهى عن فرقة، أو تهنئة بعطية، أو ~~تعزية برزية، أو ما شاكلها من جلائل الخطوب، ومعاظم الشؤون التي يحتاجون ~~فيها إلى أن يكونوا ذوي آداب كثيرة ومعارف مفننة. # قال: والشعراء إنما أغراضهم التي يرمون نحوها، وغايتهم ms013 التي يجرون إليها، ~~وصف الديار والآثار، وذكر الأوطان، والحنين إلى الأهواء، والتشبيب بالنساء، ~~ثم الطلب والاجتداء، والمديح والهجاء. ولذلك قال ابن خلدون: إن صاحب خطة PageV01P015 ### | CHECK [16_2] # الرسائل والكتابة لا بد أن يتخير من أرفع طبقات الناس، وأهل المروءة ~~والحشمة منهم، وزيادة العلم وعارضة البلاغة. وقال ابن سنان، منزلة الشاعر ~~إذا زادت وتسامت لم ينل بها قدرا عاليا ولا ذكرا جميلا؛ والكاتب ينال ~~بالكتابة الوزارة فما دونها من رتب الرياسة. قال: وصناعة تبلغ بها إلى ~~الدرجة الرفيعة أشرف من صناعة لا توصل صاحبها إلى ذلك؛ وأن اكثر النظم إذا ~~كشف لا يعبر عن جد، ولا يترجم عن حق، وإنما الحذق فيه الإفراط في الكذب، ~~والغلو في المبالغة، وأكثر النثر شرح أمور متيقنة وأحوال مشاهدة، وما كثر ~~فيه الجد والتحقيق أفضل مما كثر فيه المحال والتغرير. # هذا غاية ما يقال في كتاب الرسائل أو كتاب الدواوين، أما شرف الكتابة، ~~والحاجة الحافزة إلى إتقانها في التأليف، فهو غني عن البيان بعد أن شاهدنا ~~طبقات من المؤلفين كان من أعظم الدواعي لخلود تأليفهم إجادتهم الكتابة؛ ولا ~~نذكر منهم إلا من وصلنا شيء مما كتبوه، كأبي يوسف صاحب أبي حنيفة، ومسلم ~~صاحب الصحيح، وصالح بن جناح صاحب كتاب الأدب والمروءة، وابن حبان البستي ~~وابن المدبر وابن جني وابن سلام وابن قتيبة والثعالبي والطبري والمسعودي ~~والمقدسي والدينوري والبلاذري والمبرد وابن الداية وأبي بكر الصولي والقاضي ~~والتنوخي وابن عبد ربه والمرزباني وأبن هلال العسكري وقدامة والباقلاني ~~وأبي حسن الأشعري وعلي بن هندو ويحيى بن عدي وعبد القاهر الجرجاني وعلي بن ~~عبد العزيز ومسكويه وابن حزم وأبي فرج الأصبهاني وابن زيدون والبكري وابن ~~طفيل والغزالي والراغب والأصفهاني والماوردي والقالي وأضرابهم. # وما سلم من كتبهم شاهد أبد الدهر على تفوقهم في البيان، وكانوا نبوغهم ~~فيما عانوا من الفنون، مضافا إلى براعتهم في الإنشاء، أعظم نعمة على الآداب ~~العربية؛ وهؤلاء وضرباؤهم هم الذين رسخت بهم ملكة البيان العربي على مرور PageV01P016 ### | CHECK [17_2] # الأزمان؛ وفضلهم على الكتابة يوازي فضلهم في ms014 علوم أرادوا بثها، وقد يربوا ~~على فضل الشعراء على الأدب. # قال الجاحظ عن لفظه إنه طلب علم الشعر عند الأصمعي فوجده لا يحسن إلا ~~غريبه، فرجع إلى الأخفش فوجده لا يتقن إلا إعرابه، فعطف على أبي عبيدة، ~~فوجده لا ينقل إلا ما اتصل بالأخبار وتعلق بالأيام والأنساب، وقال أنه لم ~~يظفر بما أراد إلا عند أدباء الكتاب كالحسن بن وهب ومحمد بن عبد الملك ~~الزيات. والكتاب يقدرون الشعر قدره أكثر مما يقدر الشعر قدر الكتابة؛ ~~واصطلح الكتاب كما قال ابن رشيق على ألفاظ بأعيانها سموها الكتابة فما ~~تجاوزها إلى ما سواها؛ وعرفوا معاني للبلاغة في النثر لم يتوفر للنظم ~~مثلها؛ ولذلك كانت الإجادة في النثر أصعب من الإجادة في الشعر. PageV01P017 ### | CHECK [[ح] الأسلوب المتكلف:] ### | CHECK [18_2] ### | AUTO الأسلوب المتكلف: # هذا وإن في منثور الكتاب من القرن الثاني إلى الخامس بل السادس إحسانا ~~دون كل إحسان، والقليل الذي قرأناه لعمارة بن حمزة وإسماعيل بن صبيح وجعفر ~~بن يحيى ويحيى بن جعفر وخالد بن جعفر وعلي بن عيسى وابن الفرات هو غرة في ~~وجوه الكلام على غابر الأيام. # وكان لعلي بن عيسى مذهب في الترسل، لا يلحقه فيه أحد ولا ابن الفرات، ~~وابن الفرات هو الذي وضع الألقاب في مخاطبة الملوك والأمراء والوزراء ~~والعمال، وكانوا قبله يكتفون بالاسم والتكنية، ولا تلاحظ في الكتابة من ~~الصغير إلى الكبير وبالعكس تعظيما ولا تصغيرا، شأن العرب في مخاطبة بعضهم ~~بعضا، يتخاطبون بأسمائهم وكنانهم، ويقتصرون في المكاتبات على الباب دون ~~القشور. ولم يطل عمر هذه المصطلحات في التقليب، فالمواضعة والاصطلاح في ~~الخطاب يتغير - كما قال ابن سنان - بحسب تغير الأزمنة والدول. قال: إن ~~العدة القديمة قد هجرت ورفضت واستجد الناس عادة بعد عادة، حتى أن الذي كان ~~يستعمل في عصره في الكتب غير ما كان يستعمل في أيام أبي إسحاق الصابي مع ~~قرب زمانه من زمان ابن سنان. # هذا في بلاد الشرق، أما في الأندلس فقد ظلت دولتهم عربية في كل مظاهرها، ~~لا تعرف التقليب الذي ms015 أحدثه من جاوروا الرفس واخذوا مدنيتهم وادخلوا رجالهم ~~في جملتهم. قالوا وكان ابن قصيرة من كتاب الأندلس على طريقة قدماء الكتاب ~~من إتيان جزل الألفاظ وصحيح المعاني من غير التفات إلى الأسجاع التي أخذها ~~متأخرو الكتاب، الله إلا ما جاء في رسائله من ذلك عفوا من غير استدعاء. # وكذلك يقال في ابن بسام فإنه أحسن تصوير من ترجم لهم من شعراء الجزيرة؛ ~~كما أحسن في القرن الثامن لسان الدين بن الخطيب في تصوير رجال غرناطة. وظل ~~كتاب الأندلس على اقتفاء خطى العرب في الكتابة حتى راجت في المشرق PageV01P018 ### | CHECK [19_2] # [أ] # أساليب جديدة فحاكوها؛ وظلوا # مع هذا أكثر ميلا إلى الفطرة اقتصارا على المعاني. وزعم ابن خلدون أن ~~المتأخرين استعملوا أساليب الشعر وموازينه في المنثور؛ وأنهم هجروا المرسل ~~وتناسوه خصوصا أهل المشرق. قال: وهو غير صواب من جهة البلاغة لما يلاحظ في ~~تطبيق الكلام على مقتضى الحال، من أحوال المخاطب والمخاطب؛ هذا ما قاله. ~~والأندلسيون من المتأخرين لم يكونوا في السجع والتطويل دون المشارقة على ما ~~تقرأ ذلك في نفح الطيب وقلائد العقيان ومطمح النفس وغيرها، حاشا المؤلفين ~~فقد داموا إلى آخر أيام الأندلس يكتبون بلا تعمل في الجملة، وحييت الكتابة ~~في دولة بني الأحمر آخر ملوك العرب في تلك الديار، والشعر الذي وصلنا منهم ~~أكثر من النثر. # هجم السجع هجوما مريعا على الكلام المرسل فأضعف من قواه، ونال من قوامه ~~بعد القرن الرابع؛ وكان أول من غالى في التزم الكتابة المسجوعة أبو إسحاق ~~الصابي، وأبو بكر الخوارزمي، وبديع الزمان الهمذاني، والصاحب والعتبي؛ ~~واقتفى أثرهم كتاب الأندلس ومصر، وعدم التكلف على البديع فقد يتخلى عن ~~السجع في رسائله، كما يترك الصابي ذلك في بعض عهوده. وقالوا إن الصابي كان ~~يكتب ما يراد، والصاحب يكتب ما يريد، وكان ابن العميد يعد في جملتهم، لولا ~~أنه التزم طريقة المرسل وطريقة المسجوع معا، ووضع طريقة الشعر المنثور، ~~وقالوا إنه أقل معاصريه احتفالا بالسجع، مع أن الذي قرأناه له ينافي هذا ~~القول، وكأنه أشبه ms016 بحلقة اتصال بين دور الكلام المطبوع ودور الكلام ~~المصنوع. # قالوا بدئت الكتابة بعيد الحميد وانتهت بابن العميد؛ وهو قول يحتاج إلى ~~نظر، والعالم على ما يقول الباقلاني لا يخفي عليه الفضل بين رسائل عبد ~~الحميد وطبقته وبين طبقة من بعده، حتى إنه لا يشتبه عليه ما بين رسائل ابن ~~الحميد وبين رسائل أهل عصره ومن بعده، ممن برع في صنعة الرسائل وتقدم في PageV01P019 ### | CHECK [20_2] # [ح] شأوها، حتى جمع فيها ببن طريقة المتقدمين وطريقة المتأخرين فخلص ~~لنفسه طريقة، وأنشأ لنفسه منهاجا؛ فسلك تارة طريقة الجاحظ، وتارة طريقة السجع. # وضع الهمذاني طريقة المقامات، وقيل إنه اقتبسها من ابن دريد، وعلى منواله ~~نسخ الحريري في القرن التالي على أسلوب مبتكر، لا يصلح للرسائل ولا للكتب، ~~وما هو إلا ضرب جديد من النثر، تقرأ في تضاعيفه الكلفة الظاهرة، وقد قلدهما ~~فيه الزمخشري والوطواط، ومن المتأخرين ابن الوردي والسيوطي، والسيوطي ولع ~~كمعاصره ابن عبد الهادي أن يكتب في كل موضوع؛ ومعظم أبناء هذه العصور عصور ~~السجع هم أهل تكلف وتصنع، وأبو العلاء المعري يندمج فيهم وإن تقدمهم في ~~الميلاد؛ فهو حكيم لغوي غلب الغريب والسجع على ما كتب في رسائله ورسالة ~~الغفران لو خلت من السجع لكانت في موضوعها آية، وابن القارح في رسالته التي ~~رد عليها أبو العلاء، أكتب وأبلغ، وفي منثور المعري نشوفة ويبوسة لا تخفي ~~على من تذوق البلاغة. # ذكر الثعالبي، وهو من أئمة الكتابة الذين جودوا في المرسل والسجع، أن من ~~النثر المسجع ومنه المرسل، قال: والمحمود في هذا الزمان، أي في القرن ~~الخامس المرسل، إذا اشتمل على شيء من السجع يجيء عفوا. وقال صاحب نقد النثر: ~~إن أوصاف البلاغة السجع في موضعه، وعند سماحة القريحة به، وأن يكون في بعض ~~الكلام لا في جميعه؛ فإن السجع في الكلام كمثل القافية في الشعر، وإن كانت ~~القافية غير مستغنى عنها، والسجع مستغنى عنه، فأما أن يلزمه الإنسان في ~~جميع قوله ورسائله، وخطبه ومناقلاته، فذلك جهل من فاعله وعي من قائله وقد ms017 ~~رويت الكراهية فيه عن رسول الله، ولو كان لزوم السجع في القول والإغراب فيه ~~وفي اللفظ هي البلاغة، لكان الله عز وجل أولى باستعماله في كلامه الذي هو ~~أفضل الكلام، ولكان النبي والأئمة المهديون قد استعملوهما ولزموا سبيلهما، PageV01P020 ### | CHECK [21_2] # وسلكوا طريقهما، فأما ولسنا واجدين فيما بين أيدينا من كلامهم استعمال ~~السجع والغريب إلا في المواضع اليسيرة، فهم أولى بأن يقتدي بهم ويتحذى ~~بمنهاجهم. # وبأدنى نظر يلمح الناقد البصير أن علماء البيان، وإن كانوا يجنحون إلى ~~تفضيل المرسل، جمجموا في حكمهم على السجع ولم يبينوا، لأن السجع في عصورهم ~~أصبح زيا من أزياء البلاغة وله أنصار غير عليه: فما جوزوا لأنفسهم أن ~~يثلموه، وراعوا العرف اضطرارا فحادوا بذلك عن الجادة. يقول العسكري: واعلم ~~أن الذي يلزمك في تأليف الرسائل والخطب هو أن تجعلها مزدوجة فقط ولا يلزمك ~~فيها السجع، فإن جعلتها مسجوعة كان أحسن ما لم يكن في سجعك استكراه وتنافر ~~وتعقيد، وكثير ما يقع ذلك في السجع، وقلما يسلم إذا طال من استكراه وتنافر. ~~وقال ابن سنان: وبعض الناس يذهب إلى كراهة السجع وازدواج في الكلام، وبعضهم ~~يستحسنه ويقصده كثيرا، وحجة من يكرهه أنه ربما وقع بتكلف وتعمل واستكراه، ~~فأذهب طلاوة الكلام، وأزال ماءه؛ ووجه من يختاره أنه مناسبة بين الألفاظ ~~يحسنها، ويظهر آثار الصنعة فيها. وأما الفواصل التي في القرآن، فإنهم سموها ~~فواصل ولم يسموها أسجاعا، وفرقوا فقالوا: إن السجع هو الذي يقصد في نفسه، ~~ثم يحمل المعنى عليه؛ والفواصل التي تتبع المعاني ولا تكون مقصورة في ~~أنفسها اه وصرح الرماني برأيه فقال: إن الفواصل بلاغة، والسجع عيب. # واعترف ابن الأثير في المثل السائر، وهو السجاع المنقطع النظير، بأنه لا ~~يجود في فن السجع إلا الأفراد القلائل فقال: واعلم أن الأصل في السجع إنما ~~هو الاعتدال في مقاطع الكلام والاعتدال مطلوب في جميع الأشياء، والنفس تميل ~~إليه بالطبع؛ ومع هذا فليس الوقوف في السجع عند الاعتدال فقط، ولا عند ~~تواطؤ الفواصل على حرف واحد، إذ لو كان ذلك ms018 هو المراد من السجع، لكان كل ~~أديب من الأدباء سجاعا، وما من أحد منهم، ولو شد شيئا يسيرا من الأدب إلا ويمكنه PageV01P021 ### | CHECK [22_2] # أن يؤلف ألفاظا مسجوعة ويأتي بها في كلامه؛ بل ينبغي أن تكون الألفاظ ~~المسجوعة حلوة حادة طنانة رناناة لا غثة ولا باردة وأعني بقولي غثة باردة ~~أن صاحبها يصرف نظره إلى السجع نفسه، من غير نظر إلى مفردات الألفاظ ~~المسجوعة، وما يشترط لها من الحسن، ولا إلى تركيبها، وما يشترط له من ~~الحسن، وهو في الذي يأتي به من الألفاظ المسجوعة كمن ينقش أثوابا من ~~الكرسف، أو ينظم عقدا من الخزف الملون؛ وهذا مقام تزل عنه الأقدام، ولا ~~يستطيعه إلا الواحد من أرباب الفن بعد الواحد، ومن أجل ذلك كان أربابه ~~قليلا، فإذا صفى الكلام المسجوع من الغثاثة والبرودة فإن وراء ذلك مطلوبا ~~آخر، وهو أن يكون اللفظ فيه تابعا للمعنى، لا أن يكون المعنى فيه تابعا ~~للفظ، فإنه يجئ عند ذلك كظاهر مموه على باطن مشوه، ويكون مثله كغمد من ذهب ~~على نصل من خشب أهم ويقول عبد القاهر، وهو أبلغ من كتب في البيان بعد ~~الجاحظ: العلماء يذمون من يحمله السجع والتجنيس على أن يضم لهما المعنى، ~~ويدخل الخلل عليه من أجلهما، وعلى أن يتعسف في الاستعارة بسببهما، ويركب ~~الوعورة، ويسلك المسلوك المجهولة؛ ولا بأس بأن يزاد على قوله إن أكثر من ~~سجعوا أطالوا وأضاعوا المعاني، ولو تهيأ لكل ما كتبوا من يجري عليه قلم ~~الحذف والإثبات لذهب نصف ما سطروه، ولكان الباقي سليما من التزيد، الفضول ~~في تضاعيفه، ولا حشو في حواشيه، اخذ من البلاغة والفصاحة حظا عظيما. # والبلاغة كما قال ابن ليست ألفاظا ولا معاني، بل هي ألفاظ يعبر بها عن ~~معان، ولكن ليس كما انفق ولا كيفما وقع، لأن ذلك لو جرى هذا المجرى لكان ~~اكثر الناس بليغا، إذ كان أكثرهم يؤدي عن المعاني التي يولدها بألفاظ تدل ~~عليها، لكنهم يخرجون من طريق البلاغة، ومنهاج الكتابة من وجهين: أحدهما أن ~~تكون ms019 الألفاظ مستكرهة مستوخمة، غير مرصوفة ولا منتظمة. والثاني أن تكون ~~كثيرة يغني PageV01P022 ### | CHECK [23_2] # عنها بعضها؛ ويمكن أن يعبر عن المعنى الدال عليها بأقل منها. # وبعد أن أوصى بالإيجاز قال: وهذا مذهب العرب وعادتهم في العبارة فإنهم ~~يشيرون إلى المعاني بأوحى إشارة، ويستحبون أن تكون الألفاظ أقل من المعاني ~~في المقدار والكثرة. وذكر ابن أبى الإصبع أن المتقدمين كانوا لا يحفلون ~~بالسجع جملة، ولا يقصدونه بتة إلا ما أتت به الفصاحة في أثناء الكلام، ~~واتفق على غير قصد ولا اكتساب، وإن كانت كلماتهم متوازنة، وألفاظهم ~~متناسبة، ومعانيهم ناصعة، وعباراتهم رائقة، وفصولهم متقابلة؛ وتلك طريقة ~~الإمام علي ومن اقتفى أثره من فرسان الكلام، كابن المقفع، وسهل بن هرون، ~~وأبي عثمان الجاحظ، وغير هؤلاء من الفصحاء والبلغاء. # قلنا إن كتابة المسجعين لو خلت من هذا التكليف السمج لنالت قسطا من ~~البلاغة، وفي يقيننا أن ابن بطلان وابن جبير وعبد اللطيف البغدادي أرقى ~~كعبا في البلاغة، بما وصفوه من البلدان والسكان، ومن القاضي الفاضل والعماد ~~الكاتب وابن الصيرفي، فإن الثلاثة الأولين أدوا المعاني الجليلة في الألفاظ ~~القليلة والآخرين على تمكنهم من نواصي اللغة تكلفوا الأسجاع فأضاعوا من ~~مكانتهم. وكان ابن القفطي وابن أبي أصيبعة وابن خلكان وابن العديم وابن ~~الطقطقي والنويري إذا تخلوا عن السجع كل الإجادة. وكذلك يقال في كتاب أهل ~~القرن الثامن والتاسع أمثال ابن فضل الله العمري والصلاح الصفدي وابن منظور ~~والمقريزي؛ ومن أعظمهم ابن خلدون ولسان الدين بن الخطيب، وما خطته أناملها ~~شاهد على وجه الدهر بأنهما غريبة عصرهما؛ وكتابة ابن تيمية وتلميذه ابن قيم ~~الجوزية من السهل الممتنع، والتلميذ أجزل من أستاذه بيانا. # وقع هذا الضعف في اللغة باستيلاء الأعاجم على بلاد العرب وغيرهما؛ وكانت ~~دواوين الرسائل في العواصم من قبل، مدارس لتخريج الكتاب في البلاغة حتى PageV01P023 ### | CHECK [24_2] # في العهد الذي اشتدت فيه حاجة العرب إلى تعرف لغات الأمم المجاورة لها في ~~الغرب والشرق، وتنافس الناس في تصانيف الترجمانات في اللغة الأعجمية ~~وتفاهموا في غير اللغة العربية ms020 كما قال صاحب اللسان؛ وكان فن الكتابة بمصر ~~في زمن الدولة الفاطمية مثلا غضا طريا؛ وديوان المكاتبات لا يخلو من رأس ~~يرأس مكانا وبيانا، ويقيم لسلطانه بقلمه سلطانا؛ وجاء فيهم مثل ابن الخلال ~~صاحب ديوان الإنشاء على عهد الحافظ العبيدي، وكانت له قوة على الترسل يكتب ~~كما يشاء. يقول ابن خلدون إن رافع راية البلاغة في الأندلس ابن حيان المؤرخ ~~وابن عبد ربه والقسطلي. ولا شك أنه تقدمهم وتأخر عنهم كثير من العظماء في ~~البلاغة، ومنهم ابن بسام والبلوطي والحصري والشاطي وابن سيدة وابن حناط ~~الكفيف وابن خاتمة وعشرات أمثالهم من المؤلفين الكاتبين. ولم يكن البيان في ~~الأندلس مقصورا على الرجال بل شارك فيه النساء نظما ونثرا، كما وقع لمعظم ~~بلاد الإسلام أيام عزها، فأبدعن وأدهشن، وكن من المبرزات في رواية السنة ~~منذ قام الرسول يهدي إلى دينه. # وعفى القلقشندي وابن عربشاه والخفاجي وأضرابهم على محاسنهم، بما أخذوا ~~أنفسهم به في القرن التاسع والعاشر من مذاهب السجع والجناس والتشبيه. ~~وتناسى الكتاب الكلام المرسل منذ القرن العاشر إلى أواسط القرن الثالث عشر ~~فقل المجودون من المترسلين والمؤلفين، وندر الإبداع، وتراجع العلم والأدب، ~~وما فتئ ارباب الأقلام يسترون نقص كلامهم بأسجاعهم وتطويلاتهم؛ ولا نذكر ~~لمؤلف إبداعها في هذه العصور، وأكثرهم أدنى إلى أن يعدوا نقله ومحتذين منهم ~~إلى أن يحسبوا كاتبين ومؤلفين، ودثر كثير مما كتبوا لاستغناء الناس عنه، ~~ولأنه غير صالح للبقاء؛ وما بقي مما روعي فيه الطبع من التآليف والرسائل، ~~فهو أندر من الكبريت الأحمر، وفيما طبع من كتب المتأخرين من اليمانيين ~~والعراقيين والشاميين PageV01P024 ### | CHECK [25_2] # والمصريين والمغاربة من ذاك العهد مثال ترتجف أعصاب البلغاء من سماعه ~~فضلا عن تناقله. # نعم إن في بيان المتأخرين في عصور التدلي شناعة وهجانة، جاء ضعيف المادة، ~~قلق الأسلوب، مبتذل اللفظ، مغموسا في التقليد، محوكا بالتعقيد؛ ولا نذكر ~~كاتبا مترسلا نشأ في القرون الأربعة المنحطة يصح في فحول الكتاب لأنهم كلهم ~~أهل سجع وبديع، وكلهم ألفوا اقتباس طريقة من سبقهم، فتغذى أدبهم من مادة ms021 ~~ضعيفة، تسلسل فيها الوهن والجمود بمرور الأيام. وربما جاء في غضون تلك ~~الأحقاب من لا بأس بأدبه، وكان يمكن أن يتجوز في ضمه إلى سلك البلغاء، لو ~~وقع إلى ديوان ملك يفهم منه ما يكتب له في هذا اللسان. ذلك لأن دولة العرب ~~زالت بخروج الأندلس عن حكم المسلمين، وبقي قليل من الذماء في البيان في ~~دولة الغرب الأقصى مشوبأ بعجمة بربرية، وبسقوط سائر بلاد العرب في حكم ~~الأتراك العثمانيين، واستقلال فارس دولة فارسية، زاد الحال إعضالا. فاعتمدت ~~هاتان الدولتان على لسانيهما وأغفلتا العربية، خلافا للمماليك في مصر فإنهم ~~رفعوا من أقدار المؤلفين والكاتبين في عهدهم، إلى ما يستغرب من أعاجم ~~مثلهم، والفضل لمصر في ذلك، فإنها أدخلتهم في بوتقتها العربية فعربتهم أما ~~دولة الترك فإنها قضت، قصدا أو عن غير قصد، على كل ما هو عربي في بلادها، ~~وتآليف أشهر علمائها في العربية تشهد لهم بالعجمية في كل سطر دونوه. # إحياء الأسلوب القديم: # وما زالت الحال في هبوط حتى قام في مصر الإمام محمد عبده، وفي الشام ~~اللغوي أحمد فارس في أواخر القرن الماضي، وردا اللغة إلى سهولتها الأولى ~~بما كتباه وألفاه، فدبت الحياة في الكتابة في مصر والشام، يتعمد الكاتبون ~~الأساليب الحديثة ممزوجة بديباجة القدماء، وساعد على ذلك انتشار اللغات ~~الأجنبية بين PageV01P025 ### | CHECK [26_2] # بعض المثقفين من أبناء الضاد، وكثر المترجمون فاطلع من كانوا يعانون ~~الأدب على طرق الأمم في تأدية المعاني، بل كان بعض المبرزين في الإنشاء هم ~~ممن حذقوا لغة غربية مع العربية. كل ذلك كان من العوامل في خروج الكتابة ~~والتأليف عن أسلوب العهد المغولي، ومحاولة جميلة لإعادة اللغة إلى عصرها ~~الذهبي. والفضل العظيم أيضا لانتشار الصحف والمجلات بين الخاصة والعامة، ~~ولانتظام المدارس بالنظام الغربي، حتى اضطرت المعاهد الدينية المحافظة ~~كالأزهر والزيتونة أن تسير على الأسلوب الذي جرت عليه المدارس العصرية في ~~التدريس والكتابة والتأليف. وشاع في كل بلد الأسلوب الرشيق الخالي من تلك ~~الحلية البالية التي طالما غالى الكتاب في المباهاة بها، ونعني بها ms022 السجع ~~المتكلف، واللعب بالألفاظ، وإهمال المعاني. # ويقل اليوم في مجالس المتأدبين استعمال البديع والتسجيع ولو على سبيل ~~التسلية. وما زال الإنشاء يقترب من الأسلوب البليغ، ويتفوق المجددون اليوم ~~بعد اليوم في المخطوب والمكتوب، ويختفي السجع في ظلمات الليالي، ولا تكاد ~~تجد له من يجوزه حتى في الخطب الدينية. ولا تمضي خمسون سنة أخرى حتى تعود ~~الكتابة والخطابة إلى الرونق القديم على عهد بلغاء الكتاب. # وآخر من عرفناهم ممن يعطفون على السجع أحيانا، وإن كان لهم في الكلام ~~المرسل إحسان وإبداع، صديقنا أمير البيان الأمير شكيب أرسلان، فإنه محافظ ~~على الطريقة القديمة في مقدمات الكتب وعناوينها، يترسم خطى ابن خلدون في ~~مقدمة مقدمته واسم تاريخه الخالد. ومع أن ابن خلدون سيد من ترسل في ~~المتأخرن وهو من أنصار التجدد، مال مع المحافظين في هذه الناحية، على ما لم ~~يعهد شبيه له في مؤلفي قرون المجد العربي، أهل القدوة والمثال الذي لا ~~يحتذى غيره. PageV01P026 ### | CHECK [27_2] # - - PageV01P027 ### | CHECK [28_2] # عبد الحميد الكاتب # عصره: # كان عصر عبد الحميد عصر الإقبال والإدبار في الدولة الأموية. بلغ ~~الأمويون قمة مجدهم في عهد الوليد بن عبد الملك، وتم نقل الدواوين إلى ~~اللسان العربي في الأقطار، فتجلت الدولة عربية في عامة مظاهرها، واتسعت ~~الفتوح في الشرق والغرب، وكانت الأندلس من جملة ما فتح؛ فأنشأ بنو أمية في ~~الجنوب الغربي من أوربا مملكة عظيمة، وبدءوا بنشر العربية بين البربر وشعوب ~~إسبانيا، وأقام الوليد المصانع العادية في الحجاز والشام وما إليهما، تخلد ~~مجد الدولة العربية، وتخرج المسلمين في بيوت عبادتهم من سذاجة البداوة إلى ~~نيقة الحضارة، وكثرت في كل بلد المرافق العامة، وكان ينفق أكثر ما يفضل من ~~جباية الدولة على استحداث المساجد ودور المرضى والترع والجسور والطرق. # وفي هذا العصر استخلف سليمان بن عبد الملك ابن عمه عمر بن عبد العزيز، ~~فدعى سليمان الخير لرفعه المظالم، ورده المسيرين وإخراجه المسجنين وسار ابن ~~عبد العزيز في الخلافة بسيرة العمرين أبي بكر وعمر، فأغنى الناس في عهده ~~القصير، حتى لم يبق ms023 في أكثر الولايات من يأخذ الصدقة، وأبطل الحروب ~~والغزوات، مجتزئا بما فتحته العرب من البلاد، وحبب بحسن سيرته الإسلام إلى ~~الشعوب، فدخل الناس فيه أفواجا، في بلاد الهند والترك والخزر والبربر ~~والقبط؛ وكانت صلاته بالروم على أحسن ما تكون عليه صلات دولتين متجاورتين. # وجاء هشام بن عبد الملك يحيي سنة أجداده في حسن التدبير والساسة، ويضع ~~للأموال نظاما لا غبن فيه على الراعي ولا على الرعية، واستخذت الروم في ~~أيامه فأسر ملكها، وكان موفقا في أعماله، عد عهده آخر أيام السعادة في بني ~~أمية، فلم يهنئوا بعده بالملك، ولا هنئت بهم الرعية، لانتشار الخلاف على ~~الخلافة PageV01P028 ### | CHECK [29_2] # بين بني مروان، واضطراب المملكة يتقابل أبناء العم، واشتداد المماراة بين ~~أولياء العهد؛ إذ كان من العادة أن يولي الخليفة عهده من بعده اثنين غالبا، ~~وبدت العداوة بين اليمانيين والمضريين، فكان فساد الجيش، وتنازع آل البيت ~~الممالك، مؤذنين بذهاب الملك. # وفي هذا العصر كثرت هجرة العرب إلى البلاد التي أظلتها الراية الأموية، ~~كفارس والعراق والشام ومصر وإفريقية والأندلس، وعاونتهم الدولة بإقطاعهم ~~الأرضين الشاغرة، وجعلت في بعض الأقطار جزية أهل الذمة طعمة للمهاجرين، ~~ترغيبا لمن وراءهم للالتحاق بهم، فبدأ النقص في سكان جزيرة العرب، وذكرت ~~الغوائل بين قيس ويمن بما كان من الطوائل في الجاهلية؛ ورجعت العرب ~~بالعصبيات إلى عادات لهم حظرها الإسلام، فإدى ذلك بالملة والدولة إلى أسوأ مصير. # وفي هذه العقبة جرى تدوين العلوم، ولا سيما الحديث، دون بأمر أمير ~~المؤمنين عمر بن عبد العزيز، وقد حاذر ضياع السنة بانقضاء عصر الصحابة ~~والتابعين، وكثر تدوين اللغة والشعر، وتعلقت همة عالم قريش وحكيم آل عمران ~~خالد بن يزيد الأموي بنقل كتب الطب والكيمياء والنجوم والحرب والآلات إلى ~~العربية، وأعطى التراجمة والفلاسفة، وقرب أهل الحكمة ورؤساء كل صناعة، وهو ~~أول من أنشأ خزانة كتب في الإسلام. ثم ترجم كتاب في الطب وبدأ الأفراد بعد ~~ذلك ينقلون من الفارسية والسريانية شيئا من كتب السياسة والحكمة، يدونها ~~للخلفاء والأمراء من بني أمية. # وفي هذا الدور ms024 قوى أمر القدرية أو المعتزلة، وكانوا ظهروا بظهور الخوارج ~~والشيعة، لما أنكر الخوارج على علي التحكيم في الخلافة يوم صفين، وحكموا ~~بكفر الفاسق، حكمهم بكفر من يسعى في سفك دماء المسلمين لمأرب دنيوي، وأخذ ~~قوم يدعون المتساهل في دينه فاسقا، ويجعلونه من المسلمين، وصرح بعضهم بأن PageV01P029 ### | CHECK [30_2] # الأمور كانت مقدرة عليه؛ وهبت خلال ذلك فرقة هاجرت بأن الإنسان مختار في ~~أعماله، وأن الله لو أجبر الإنسان على عمله لم يواخذه عليه، وجعلوا الناس ~~ثلاثة أقسام: مؤمن وكافر وفاسق، ومنعوا من تسمية الفاسق باسم المؤمن، ~~واعتزلوا مجلس الحسن البصري فسموا المعتزلة، وهم الذين أحدثوا علم الكلام، ~~وتابعهم في التأليف أناس ليسوا على مذهبهم، وهم الذين وسعوا بعد أصول ~~الفقه، وأكثر المسائل المذكورة فيه هي من مبتكراتهم. # وأراد عمر بن عبد العزيز أن يستتيب القدرية، أو يخرجوا من بلاده، واشتد ~~بعض آله في أرهاقهم، لكن بعض الخلفاء من أخلافه ذهبوا بعد حين مذهب القدر، ~~ومنهم مروان بن محمد الذي كتب له عبد الحميد الكاتب وعرف به. # أصله وخلقه: # وهو عبد الحميد بن يحيى مولى العلاء بن وهب العامري من عامر بن لؤي. ولؤي ~~ينتهي إليه شرف قريش، ومن ولده عامر بن لؤي وولده حسل ومعيص. وقد قيل في ~~نسبه إنه عبد الحميد بن يحيى بن سعد بن عبد الله بن جابر بن مالك ابن حجر ~~بن معيص بن عامر بن لؤي بن غالب. ومعظم الروايات ترجح أن والده كان من ~~الموالي. وإذا صح ذلك كان من أصل غير عربي، اللهم إلا إذا ثبتت سلسلة نسبه ~~التي انتهت بابن عامر بن لؤي بن غالب. وفي رواية أن جده من سبي القادسية. ~~وإذا صحت نسبته إلى أصل فارسي فيكون جده انضم إلى عامر بن لؤي؛ وقد ينضم ~~الرجل إلى غير قبيلته بالحلف والموالاة فينتسب إليها. والإصطخري يقول أن ~~عبد الحميد كان ممن يصلح من الفرس للدواوين من الكتاب والعمال والأدباء. ~~وكان له في بني أمية ولاء ينسب أليهم؛ فنسبته إلى عامر نسبة ولاء ms025 إذا. # والموالي عند العرب، دون الحر الصريح، وفوق العبد الرقيق في المرتبة؛ PageV01P030 ### | CHECK [31_2] # والمولي كالقريب ينزل منزلة ابن العم، يجب على صاحبه أن ينصره ويرثه إذا ~~مات ولا وارث له؛ ومنه حديث الزكاة: مولى القوم منهم. والمولى هو الصاحب ~~والقريب والجار والحليف والجمع موالي، يكون المولى مولى عتاقة ومولى تباعة؛ ~~فمولى العتاقة هو الذي يكون عبدا أو أسيرا فيعتقه صاحبه فيصبح المعتق ~~للمعتق مولى؛ ومولى التباعة هو من يصطنع أو يحالف أي يستتبع. ومن الولاء ~~أيضا مولى الرحم وهو من يتزوج في قبيل فينسب إلى قبيلتهم. ودية المولى نصف ~~دية الحر، وكذلك حكمه في العقوبات يناله منها نصف ما ينال الحر؛ وأما في ~~المواريث فمولى العتاقة يورث مولاه ولا يرث منه، ومولى التباعة لا يرث ولا ~~يرث، وحكم مولى الرحم كحكم الأحرار يرث ويورث. # كان الموالي في الجاهلية من أجناس ونحل مختلفة، فلما كان الإسلام أصبح ~~غير المسلمين ذمة؛ وجعلوا في الجاهلية دية المولى، وهو الحليف، خمسا من ~~الإبل، ودية الصريح عشرا. والصريح الخالص النسب، والحليف عند العرب مولى؛ ~~والولاء بفتح الواو القرابة، وبالكسر ميراث يستحقه المرء بسبب عتق شخص في ~~ملكه، أو بسبب عقد الموالاة. إذا عرفت هذا فليس أمامك ما يمنع من جعل عبد ~~الحميد من أصل عربي، وإن كان جده مولى تباعه لا مولى عتاقة، كأن يكون قد ~~تزوج من بني عامر وانضم إليهم بسبب. هذا على شريطة ضعف الرواية القائلة بأن ~~أجداده من سبي القادسية، وهناك تكون الفارسية أعلق ببيته من شعرات قصة. # وكان بنو أمية كثيرا ما يعتمدون على الموالي في كتابتهم ودواوينهم، فلم ~~تمنعهم أصولهم من تولي أهم مناصب الدولة؛ فقد كان من كتاب معاوية مولاه عبد ~~الرحمن بن دراج، وكان على ديوان الرسائل لعبد الملك بن مروان أبو الزعيزعة ~~مولاه، وكتب للوليد على ديوان الخاتم شعيب النعماني مولاه، وعلى ديوان ~~الرسائل جناح مولاه، وعلى المستغلات نفيع بن ذؤيب مولاه؛ وكان يكتب للمسلمة سميع PageV01P031 ### | CHECK [32_2] # مولاه، وعلى ديوان الرسائل الليث بن أبي ms026 رقية مولاه أم الحكم بنت أبي ~~سفيان وعلى ديوان الخاتم المولى نعيم بن سلام؛ وكان يكتب لعمر بن عبد ~~العزيز الليث بن أبي فروة مولى أم الحكم بنت أبي سفيان، وكتب لهم إسماعيل ~~بن أبي حكيم مولى الزبير؛ وكتب للوليد بن يزيد سالم مولى سعيد بن عبد ~~الملك، وكان عمرو بن الحارث مولى بني جمح يتولى ليزيد بن الوليد الناقص ~~ديوان الخاتم؛ وكان من الموالي على ديوان الرسائل لمروان بن محمد، عثمان بن ~~قيس مولى خالد القسري. # ولقد ساد الموالي منذ الصدر الأول فما تولوا الكتابة للخلفاء والأمراء ~~فقط، بل تعدوا ذلك إلى الرواية والعلم، وصار الفقه في معظم البلدان إليهم، ~~حتى أن عبد الملك بن مروان سأل الزهري عمن يسود الناس، فلما ذكر طائفة له ~~من الموالي في البلدان قال: إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا؛ ~~فلما ذكر له النخعي، وكان من العرب. قال عبد الملك: ويلك يا زهري فرجت عني! ~~والله لتسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها. ~~فقال الزهري: يا أمير المؤمنين، إنما هو أمر الله ودينه، من حفظه ساد، ومن ~~ضيعه سقط. # إن ما اتصل بنا من أخبار عبد الحميد لم يصور لنا منه صورة تامة، فما ~~عرفنا مولده، ولا البلد الذي ولد فيه من بلاد الشام، ولا نوع دراسته ~~وأساتذته؛ ولكنا عرفنا أنه شامي عاصر بعض الخلفاء من الأمويين، وقيل إنه من ~~أهل الأنبار وسكن الرقة؛ فإن صحة هذه الرواية كان عراقيا غير شامي. وأطلق ~~عليه أبن عبد ربه اسم عبد الحميد الأكبر، وعده ممن نبل بالكتابة، وكان قبل ~~خاملا؛ وقال إنه كتب لعبد الملك بن مروان وليزيد، ثم لم يزل كاتبا لخلفاء ~~بني أمية حتى انقضت دولتهم؛ وفي هذا القول نظر؛ لأن عبد الملك تولى سنة خمس ~~وستين، وتوفي سنة ست وثمانين، فلا تكون سن عبد الحميد يوم مقتله أقل من ~~سبعين أو خمس PageV01P032 ### | CHECK [33_2] # وسبعين، وهذا يناقض ما سيمر بك من أنه غمز عليه سنة 132 وهو ms027 عند أبن ~~المقفع، ولم يعرف الموكلون بالقبض عليه أيهما عبد الحميد، وابن المقفع إذ ~~ذاك كان في الكهولة، فلا يعقل إلا أن يكون صاحب الشرطة العباسي عارفا على ~~الأقل بأن صاحبه شيخ هرم؛ ونميل إلى أن عبد الحميد كتب أولا لهشام بن عبد ~~الملك الذي ولي سنة 105 ومات سنة 125 ثم لمروان. # والأرجح أن عبد الحميد تخرج في الكتابة بسالم بن عبد الله مولى هشام بن ~~عبد الملك وكاتبه، ويقال مولى المنذر بن عبد الملك، وقيل سالم مولى سعيد بن ~~عبد الملك، وكتب للوليد بن يزيد، ثم كتب له أبنه عبد الله بن سالم. وكان ~~سالم ختن عبد الحميد، أي صهره زوج أخته، وهو أحد الفصحاء البلغاء، وقد نقل ~~رسائل أرسطاليس إلى الإسكندر، ونقل له وأصلح هو، ولسالم رسائل مجموعة في ~~نحو مائة ورقة؛ وبهذا يقال إن عبد الحميد أخذ عن رجل بليغ يعرف الاستخراج ~~من أدب اليونان وسياستهم، ولم يثبت أنه كان يعرف اليونانية كما وهم بعض ~~أساتذة العصر، وربما شدا شيئا من الأرمينية مدة مقامه في أرمينية كاتبا ~~لمروان. ويقول ابن هلال العسكري إن عبد الحميد كان يحسن الفارسية، وبأدب ~~هذه اللغة تأدب، وعلى منوال حكمائها نسج، وألف تطويل الرسائل واختصارها ~~بحسب الحال. فمن الرومية أخذ بالواسطة، ومن الفارسية أخذ مباشرة، والفارسية ~~ما كانت تقل حكمة أهلها عن حكمة اليونان. # ساعد عبد الحميد أدبه الفارسي على نبوغه في البلاغة العربية؛ ويقول عبد ~~القاهر: إن من عرف أوضاع لغة من اللغات عربية كانت أو فارسية وعرف المغزي ~~من كل لفظة، ثم ساعده اللسان على النطق بها، وعلى تأدية أجراسها وحروفها، ~~فهو بين في تلك اللغة، كامل الإدارة، بالغ من البيان المبلغ الذي لا مزيد ~~عليه، منته إلى الغاية التي لا مذهب بعدها. PageV01P033 ### | CHECK [34_2] # كتب عبد الحميد قليلا عن هشام بن عبد الملك كما عرف من رسالة كتبها عن ~~هشام إلى يوسف بن عمر الثقفي وهو باليمن، وقد كان على اليمن منذ سنة 107، ~~أي أن ديوان هشام كان ms028 المدرسة الأولى التي تخرج بأساتذتها عبد الحميد في ~~علوم الإنشاء؛ ويمكن أن يقال إنه كان من أول نشأته على اتصال مع من يعرف ~~الخلفاء، وما يقتضي لخدمة الحكومات من الأدوات؛ وذكروا انه حدث عن سالم بن ~~هشام، ولعله سالم مولى هشام، وحدث عنه خالد بن برمك. وقالوا إن عبد الحميد ~~كان في حداثته معلما في الكوفة، ولعله مرن على حفظ مسائل كثيرة من تأديبه ~~الأطفال زمنا؛ والمؤدبون كانوا طبقة راقية في القرون الأولى للإسلام. وكانت ~~الكوفة لما ألقى بها عصى الترحال لأول أمره محط رحال رجال العلم في الدين ~~واللغة والنحو والتصريف؛ ولا شك أنه ثافن أهل البلاغة فيها وأخذ عنهم، ~~وهناك حدث له غرام بتمثيل كلام علي ابن أبى طالب. فقد سئل ما الذي خرجك في ~~البلاغة؟ فقال: حفظ كلام الأصلع يعني عليا، وكانت الكوفة من البلدان التي ~~أحبها أمير المؤمنين وأحب أهلها وأحبوه. # وفي زمن لم نثبته جيدا اتصل بمروان بن محمد وهو وال على أرمينية يحارب ~~الخارج فيها على الخلافة، فكتب عنه، وحظي عنده، وانقطع إليه؛ ولما عقدت ~~البيعة لمروان في الشام سجد مروان وأصحابه شكرا لله، إلا عبد الحميد، فقال ~~له مروان: لم لا سجدت؟ فقال: ولم أسجد على أن كنت معنا فطرت عنا، يعني ~~بالخلافة؟ فقال: إذا تطير معي، فقال: الآن طاب السجود وسجد. وكتب لمروان ~~طوال خلافته. # ترى هل يكون الاختلاف في نسب عبد الحميد سببا يدعونا إلى أن نرجح أجداده ~~كانوا من سبي القادسية؟ وسواء صحت هذه النسبة أم لم تصح فإنه تأثر لا محالة ~~بعادات الفرس وعرف أساليبهم في الكتاب والخطاب. وعلى كل فإن المجال الذي PageV01P034 ### | CHECK [35_2] # جال فيه عقل عبد الحميد كان فسيحا بالنسبة لعصره وأهل طبقته، وكان من ~~اتصل بهم قبل أن يلي الكتابة عن الخليفة جماعة من المنظور إليهم في الأمة؛ ~~ولهذا ولغيره، أي لمولده في الشام وتنقله في البلاد، دخل كبير في اتساع ~~عقله وتجاربه. # كان مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية عبد الحميد حبا جما، ms029 ويرفع منزلته ~~بين الكتاب والعمال ولا يرى الدنيا إلا به لعلمه بنبوغه وتفرده في صناعته، ~~وذهابه بفضل البلاغة وما ينبغي لها، حتى عرض عليه - لما أيقن أن أمره أدبر، ~~وهزائمه تواترت، وسلطانه صائر إلى الزوال - أن يكون مع أعدائه ليسام حياته، ~~قائلا: إنا نجد في الكتب أن هذا الأمر زائل عنا لا محالة، وسيضطر إليك ~~هؤلاء القوم - يعني ولد العباس - لأدبك، وإن إعجابهم بك يدعوهم إلى حسن ~~الظن بك، فاستأمن إليهم، وأضطر الغدر بي، فلعلك تنفعني في حياتي أو بعد ~~مماتي؛ فقال له: وكيف لي بأن يعلم الناس جميعا أن هذا عن رأيك، وكلهم يقول: ~~إني غدرت بك، وصرت إلى عدوك؟ وأنشد: # وذنبي ظاهر لا شك فيه ... لمبصره وعذري بالمغيب # وأنشد أيضا: # أسر وفاء ثم أظهر غدرة ... فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره # ثم قال: أمير المؤمنين، إن الذي أمرتني به أنفع الأمرين إليك، وأقبحهما ~~بي، ولكني اصبر حتى يفتح الله عليك أو أقتل معك. وهكذا تجلت في عبد الحميد ~~فضيلة الوفاء، فآثر أن يقتل مع صاحبه، على أن يتخلى عنه يوم الكريهة ~~والشدة، وتجلت فيه خلة الشجاعة والاعتقاد بالاقتدار؛ فهو الرجل الذي شارك ~~سيده في سعادته وبلائه. # قيل لما زال أمر مروان أتي المنصور بخواص مروان، وفيهم عبد الحميد PageV01P035 ### | CHECK [36_2] # والبعلبكي المؤذن وسلام الحادي، فهم بقتلهم جميعا فقال سلام: استبقني يا ~~أمير المؤمنين فإني أحسن الحداء، قال: وما بلغ من حدائك؟ قال: تعتمد إلى ~~إبل فتظمئها ثلاثة أيام ثم توردها الماء، فإذا بدأت تشرب رفعت صوتي ~~بالحداء، فترفع رؤوسها وتدع الشرب، ثم لا تشرب حتى أسكت؛ فأمر المنصور بإبل ~~ففعل بها ذلك، فكان الأمر كما قال، فاستبقاه وأجازه وأجرى عليه. وقال له ~~البعلبكي: استبقني يا أمير المؤمنين فإني مؤذن منقطع القرين، قال: وما بلغ ~~من أذانك؟ قال: تأمر جارية فتقدم إليك طستا، وتأخذ بيدها إبريقا، وتصب ~~الماء على يدك، فأبتدئ بالأذان فتدهش ويذهب عقلها إذا سمعت أذاني، حتى تلقي ~~الإبريق من يدها وهي لا تعلم؛ فأمر المنصور جارية ms030 ففعلت ذلك، وأخذ ~~البلعلبكي في الأذان، فكانت حالها كما وصف. وقال عبد الحميد: يا أمير ~~المؤمنين، إني فرد الزمان في الكتابة والبلاغة، فقال: ما أعرفني بك! أنت ~~الذي فعلت بنا الأفاعيل، وعملت لنا الدواهي؛ وأمر به فقطعت يداه ورجلاه ~~وضربت عنقه. ويروي أنه سلمه إلى عبد الجبار فكان يحمي له طستا ويضعه على ~~بطنه حتى قتله. # ويقول اليعقوبي إن عبد الحميد تخلف بمصر واستتر حتى دل عليه صالح ابن ~~علي. وزاد غيره: إنه لما انهزم اختبأ في كنيسة في بوصير من أرض مصر. وقال ~~آخرون إنه استخفى بالجزيرة عند عبد الله بن المقفع فغمز عليه - وكان صديقة ~~- وفاجأهما الطلب وهما في بيت، فقال الذين دخلوا: أيكما عبد الحميد؟ فقال ~~كل واحد منهما: أنا، خوفا على صاحبه، وأوشك الجند أن يقتلوا ابن المقفع، لو ~~لا أن صاح بهم عبد الحميد قائلا: ترفقوا بنا، فإن لكل منا علامات، فوكلوا ~~بنا بعضكم، وليمض البعض الآخر إلى من وجهكم، فيذكر له تلك العلامات، ففعلوا ~~واخذوا عبد الحميد. وفي رواية عبد الحميد لم يختبئ في الجزيرة عند أبن ~~المقفع، بل قبض ساعة قتل مولاه مروان، وأن عامر بن إسماعيل لما قتل مروان ظفر PageV01P036 ### | CHECK [37_2] # بعبد الحميد كاتبه، فعرض عليه رؤوس القتلى لأنه قتل في ستة أو سبعة من ~~خواصه، وكانوا معه، فعرفه رأسه، وحمل عبد الحميد إلى أبي العباس، فسلمه إلى ~~عبد الجبار صاحب شرطته فقتله. وهنا أيضا أضطرب في رأي من ترجموا لعبد ~~الحميد في نهاية أمره، كما وقع الاختلاف في أصله؛ ولم يعقل أنه تخلف عن ~~سيده في الجزيرة، والأرجح أنه قتل في مصر على رواية المسعودي. # بلاغته وأسلوبه: # كان عبد الحميد على ما قال صاحب العقد أول من فتق أكمام البلاغة، وسهل ~~طرقها، وفك رقاب الشعر، وضربت الأمثال ببلاغته؛ وقد أشار البحتري إلى ذلك ~~في قصيدته إلى محمد بن عبد الملك قال: # وتفننت في البلاغة حتى ... عطل الناس فن عبد الحميد # وقال ابن الرومي لأبي الصقر: # لو أن عبد الحميد اليوم ms031 شاهده ... لكان بين يديه مذعنا وسنا # وقال ابن إسفنديار الكاتب: # وهو في الحذق والبلاغة في الت ... طفيل عبد الحميد في الكتاب # وقال أبو إسحاق الصابي: # أنسيتم كتبا شحنت فصولها ... بفصول در عندكم منضود # ورسائلا نفذت إلى أطرافكم ... عبد الحميد بهن غير حميد # وقال إبراهيم بن عباس الصولي وقد ذكر عبد الحميد عنده: كان والله الكلام ~~معانا له، ما تمنيت كلام أحد من الكتاب قط أن يكون لي إلا كلامه. # جاء عبد الحميد بطريقة جديدة في الكتابة العربية، شرعها لكل من يحمل ~~القلم بعده، فنقل الإنشاء من طور إلى طور لم يكد يتغير حتى عهد أبن العميد، ~~وقالوا افتتحت الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد. وبلاغة عبد الحميد ~~لا تجنيس PageV01P037 ### | CHECK [38_2] # فيها، شأن من كانوا من فصحاء العرب قبله ممن كان كلامهم محض البلاغة، ~~اللهم إلا أن يقع ذلك اتفاقا غير مقصود قصده، وهو أول من فك رقاب الشعر ~~وسرح مقيده إلى النثر. # ومعلوم أنه قلما عهد التطويل في الرسائل على عهد الراشدين والأمويين، ~~فابتدع عبد الحميد أسلوبه الخاص به، وكان ذلك عقبي تشعب أغراض الخلافة، ~~وامتداد عمرانها، وانبساط ظل سلطانها، فنهج للكتاب سبل الإنشاء، وأعلى في ~~العالمين ذكرهم، وشرف صناعتهم، وكانت قبله في الغالب لا تعد عملا شريفا من ~~أعمال الدولة، ويتولاه على الأغلب الموالي ومن إليهم؛ فوقر هذا الفن الصعب ~~في النفوس حتى كان الإنشاء ينقل صاحبه من دواوينه إلى أرقى دواوين الملك. # كان عبد الحميد أول من أطال الرسائل، ولا يبتدئ بلولا، ولا، وإن رأيت، ~~واستعمل التحميدات في فصول الكتب، فتابعه الناس على طريقته؛ والتحميد حمدك ~~لله عز وجل مرة بعد مرة، وكثرت حمد الله سبحانه بالمحامد الحسنة، وهو أبلغ ~~من الحمد، وربما سبق عبد الله بن المقفع إلى التحميدات، ولكنها لم تشتهر ~~كما اشتهرت من ديوان عبد الحميد، وهو ديوان الخلافة يتناقل الناس عنه أكثر ~~مما يتناقلون عن غيره. # ولم يكن عبد الحميد يطيل كل مرة في رسائله، بل يطيل مرة ويوجز مرة، لكنه ~~إلى التطويل ms032 أميل، فصاحب هذا الانتقال في الكتابة حافظ على إيجازها ما ~~أمكن، لكن الزمان اقتضاه أحيانا الإسهاب، فأسهب وأجاد في الطريقتين، خصوصا ~~إذا قضيت الحال ذلك؛ مثل كتابه إلى أبي مسلم الخراساني الذي كتبه على لسان ~~محمد بن مروان لما ظهر أبو مسلم بدعوة بني العباس؛ كتب كاتبا يستميله ~~ويظمنه ما لو قرئ لأوقع الاختلاف بين أصحاب أبي مسلم وكان من كبر حجمه يحمل ~~على جمل، ثم قال لمروان: قد كتبت كاتبا متى قرأه بطل تدبيره، فإن يك ذلك وإلا PageV01P038 ### | CHECK [39_2] # فالهلاك؛ فلما ورد الكتب على أبي مسلم لم يقرأه، وأمر بنار فأحرقه، وكتب ~~على جذاذة منه إلى مروان: # محا السيف أسطار البلاغة وانتحى ... عليك ليوث الغاب من كل جانب # فإن يقدموا نعمل سيوفا شحيذة ... يهون عليها العتب من كل عاتب # وقالوا إن من جملة فقرات هذا الكتاب إذا أراد الله إهلاك نملة انبت لها ~~جناحين؛ ومعنى قول الراوين إن كتابه من كبر حجمه حمل على جمل، أنه كان ~~مكتوبا على رق، وفي الرقوق تكتب الأسطر القليلة على الأغلب؛ وربما دعت كثرت ~~الرقوق التي تضمنت هذا الكتاب أن لا ينهض ر جل بحملها بل حملت لثقلها على ~~جمل، وليس في هذا التطويل المأثور عن عبد الحميد من عيب، مع ما عرف من ~~تفننه في بلاغته؛ وهكذا جرى في رسالة أبي مسلم الخراساني، فأطال وحمدت ~~إطالته، كما أطال في نصيحته لعبد الله ولي عهد مروان، فقد كتب كتابه هذا في ~~صفحات كبيرة، فوضع ببيانه الرائع خططا حربية، وطرقا جديدة في النظام ~~والإدارة والسياسة، وقواعد مهمة في التربية ولا سيما في تربية الملوك ~~والعظماء، وأصولا كلية في علم النفس والعادات المستحبة، ومعاملة المرؤوسين ~~وطلاب الحاجات وأرباب الساعيات وأصحاب الأخبار. وبالإيجاز لا يأتي لأحد أن ~~يفيض فيما أفاض فيه من الأغراض العظيمة. # كان عبد الحميد يقول: أكرموا الكتاب، فإن الله عز وجل أجرى أرزاق الخلق ~~على أيديهم؛ وقال: إن كان الوحي ينزل على أحد بعد الأنبياء فعلى بلغاء ~~الكتاب؛ ومن غرر كلامه: القلم ms033 شجرة ثمرها الألفاظ، والفكر بحر لؤلؤه ~~الحكمة، وكان يقول: البيان في السان والبنان، ومن كلامه: خير الكلام ما كان ~~لفظه فحلا ومعناه بكرا؛ ويروي أنه مر بإبراهيم جبلة وهو يكتب خطا رديئا ~~فقال: أتحب أن يجود خطك؟ قال نعم. قال: أطال جلفة قلمك وأسمنها، وحرف قطتك ~~وأيمنها. قال: ففعلت ذلك PageV01P039 ### | CHECK [40_2] # فجاد خطي؛ وذكر صاحب الصناعتين أن عبد الحميد كان إذا استخبر الكاتب في ~~كتابه، فكتب خبرك وحالك وسلامتك، فصل بين هذه الأحرف ويقول قد استكمل كل ~~حرف منها آلته، ووقع الفصل عليه. # وكان كثيرا ما ينشد: # إذا خرج الكتاب كانت دويهم ... قسيا وأقلام الدوى لها نبلا # قال زيد الأعجم حضرت جنازة هاشم فسمعت عبد الحميد ينشد: # وما سالم عما قليل بسالم ... وإن كثرت أحراسه ومواكبه # يريد سالم بن عبد الله، ويقال ابن عبد الرحمن أبو العلاء مولى هاشم ابن ~~عبد الملك وكاتبه، وكان على ديوان الرسائل لهشام وللوليد بن يزيد. # وإن كان ذا باب شديد وحاجب ... فعما قليل يهجر الباب حاجبه # ويصبح بعد الحجب للناس مفردا ... رهينة بيت لم تستر جوانبه # فنفسك أكسبها السعادة جاهدا ... فكل امرئ رهن بما هو كاسبه # ورويت هذا الأبيات للأصمعي بتغيير البيتين الأخيرين إلى قومه: # وما كان إلا الدفن حتى تفرقت ... إلى غيره أفراسه ومواكبه # وأصبح مسرورا به كل كاشح ... وأسلمه أحبابه وحبائه # ومن شعره: # كفى حزنا أني أرى من أحبه ... قريبا ولا غير العيون تترجم # فأقسم لو أبصرتنا حين نلتقي ... ونحن سكوت خلتنا نتكلم. # نموذجات من مختصراته وبطولاته: # وإذا جئنا نتعرف إلى عبد الحميد في مطالبه وحاجاته، وشفقته على نفسه ~~وولده ورحمه، فلدينا مما أبقت الأيام عليه من رسائله نموذجات يتجلى لنا ~~فيها روحه؛ منها ما كتبه إلى مروان في حاجة: إن الله بنعمته علي لما رزقني ~~المنزلة من أمير PageV01P040 ### | CHECK [41_2] # المؤمنين، جعل معها شكرها مقرونا بها؛ فهي تنمى بالزيادة، والشكر مصاحب ~~لها، فليست تدخلني وحشة من أبناء حاجتي، وأنا أعلم أنه لو وصل إلى أمير ~~المؤمنين علم حالي أغناني عن ms034 استزادته، ولكني تكنفتني مؤن استنفضت ما في ~~يدي، وكنت للخلف من الله منتظرا، فإني إنما أتقلب في نعمه، وأتمرغ في ~~فوائده، وأعتصم بسالف معروفه كان عندي. # ومنها ما أنشأ إلى أخ له في مولود ولد له وهو أول مولود كان: أما بعد فإن ~~مما أتعرف من مواهب الله نعمة خصصت بميزتها، واصطفيت بخصيصتها كانت أسر لي ~~من هبة الله لي ولدا أسميته فلانا، وأملت ببقائه بعدي حياة وذكرى، وحسن ~~خلافة في حرمي، وإشراكه إياي في دعائه، شافعا لي إلى ربه، عند خلوته في ~~صلاته وحجه، وكل موطن من موطن طاعته، فإذا نظرت إلى شخصه تحرك به وجدي، ~~وظهر به سروري، وتعطفت عليه مني أنسة الولد وتولت عني به وحشة الوحدة، فأنا ~~به جذل في مغيبي ومشهدي، أحاول مس جسده بيدي في الظلم، وتارة أعانقه ~~وأرشفه، ليس يعدله عندي عظيمات الفوائد ولا منفسات الرغائب؛ سرني به واهبه ~~لي على حين حاجتي، فشد به أزري وحملني من شكره فيه ما قد آدني بثقل حمل ~~النعم السالفة إلي به، المقرونة سراؤها في العجب بما رأت ما يدركني ؟ به من ~~رقة الشفقة عليه، مخافة مجاذبة المنايا إياه، ووجلا من عواصف الأيام عليه. ~~فأسال الله الذي امتن علينا بحسن صنعه في الأرحام، تأديبه بالزكاة وحرسه ~~بالعافية، وأن يرزقنا شكر ما حملنا فيه وفي غيره، وأن يجعل ما يهب لنا من ~~سلامته، والمدة في عمره، موصولا بالزيادة، مقرونا بالعافية، محوطا من ~~المكروه، فإنه المنان بالمواهب، والواهب للمنى، لا شريك له. حملني على ~~الكتاب إليك لعلم ما سررت به عملي بحالك فيه ؟ وشركتك إياي في كل نعمة ~~أسداها إلي ولي النعم، وأهل الشكر أولى بالمزيد من الله جل ذكره والسلام عليك. PageV01P041 ### | CHECK [42_2] # ومنها ما أنفذه إلى أهله وهو منهزم مع مروان من فلسطين، وهو آخر حرب ~~ومواقعة كانت له، وكانوا ينزلون بالقرب من الرقة بموضع يعرف بالحمراء، ~~يعزيهم عن نفسه أما فإن الله تعالى جعل الدنيا محفوفة بالكره والسرور، وجعل ~~فيها أقساما مختلفة بين أهلها، فمن ms035 درت له بحلاوتها، وساعده الحظ فيها، سكن ~~إليها، ورضي بها، وأقام عليها؛ ومن قرصته بأظفارها، وعضته بأنيابها، قلاها ~~نافرا عنها، وذمها ساخطا عليها، وشكاها مستزيدا، وقد كانت إذاقتنا أفاويق ~~استحليناها، ثم جمحت بنا نافرة، ورمحتنا مولية، فملح عذبها، وخشن لينها، ~~فأبعدتنا عن الأوطان، وفرقتنا عن الإخوان، فالدار نازحة، والطير بارحة. وقد ~~كتبت والأيام تزيدنا منكم بعدا، واليكم صبابة ووجدا؛ فإن تتم البلية إلى ~~أقصى مدتها يكن آخر العهد بكم وبنا، وإن يلحقنا ظفر جارح من أظفار من ~~يليكم، نرجع إليكم بذل الإسار، والذل شر جار، نسأل الله الذي يعز من يشاء، ~~ويذل من يشاء، أن يهب لنا ولكم ألفة جامعة، في دار آمنة، تجمع سلامة ~~الأديان والأبدان، فإنه رب العالمين وأرحم الراحمين. # وفي رواية أنه ختم هذه الرسالة هكذا: فدارنا نازحة وطيرنا بارحة، قد أخذت ~~كل ما أعطت، وتباعدت مثل ما تقربت، وأعقبت بالراحة نصبا، وبالجذل هما، ~~وبالأمن خوفا، وبالعز ذلا، وبالجدة حاجة، وبالسراء ضراء، وبالحياة موتا، لا ~~ترحم من استرحمها، سالكة بنا سبيل من لا أوبة له، منفيين عن الأولياء، ~~مقطوعين عن الأحباء. # ومن رسائله المختصرة ما كتبه عن مروان إلى هشام، يعزيه بامرأة من حظاياه: ~~إن الله تعالى أمتع أمير المؤمنين من أنيسته وقرينته، متاعا مده إلى أجل ~~مسمى، فلما تمت له مواهب الله وعاريته، قبض الله العارية، ثم أعطى الله ~~أمير المؤمنين من الشكر عند بقائها، والصبر عند ذهابها، أنفس منها في ~~المنقلب وأرجح في PageV01P042 ### | CHECK [43_2] # الميزان، وأسى في العوض، فالحمد لله وإنا إليه راجعون. # وكتب موصيا بشخص وهي من مختصراته: حق موصل كتابي إليك كحقه علي، إذ جعلك ~~موضعا لأمله، ورآني أهلا لحاجته، وقد أنجزت حاجته فصدق أمله. وكتب عن هشام ~~بن عبد الملك إلى يوسف بن عمر وهو باليمن في السلامة: أما بعد فإن أمير ~~المؤمنين كتب إليك وهو في نعمة الله عليه، وبلائه عنده ولده وأهل لحمته، ~~والخاص من أموره والعام والجنود، والقواصي والثغور، والدهماء من المسلمين، ~~على ما لم يزل ولي النعم ms036 يتولاه من أمير المؤمنين، حافظا له فيه، ومكرما له ~~بالحياطة لما ألهمه الله فيه من أمر رعيته، وعلى أعظم وأكمل ما كان يحوطه ~~فيه، ويذب له عنه؛ والله محمود مشكور إليه مرغوب فيه. وأحب أمير المؤمنين ~~لعلمه بسرورك به، أن يكتب إليك بذلك لتحمد الله عليه وتشكره به، فإن الشكر ~~من الله بأحسن المواضع وأعظم المنازل؛ فزد منه تزدد به، وحافظ عليه تحفظ ~~به، وارغب فيه يهد إليك مزيد الخير، ونفائس المواهب، وبقاء النعم. فاقرأ ~~على من فبلك كتاب أمير المؤمنين اليك، ليسر به جندك ورعيتك، ومن حمله الله ~~النعم بأمير المؤمنين ليحمدوا ربهم على ما رزق الله عباده من سلامة أمير ~~المؤمنين في بدنه، ورأفته بهم، واعتنائه بأمورهم، فإن زيادة الله تعلو شكر ~~الشاكرين والسلام. # وهذه نسخة ما كتب به عبد الحميد إلى بعض من خرج عن الطاعة وهو: أما بعد ~~فقد بلغني كتابك تذكر أنك تحمل المرد على الجرد، فسترد عليك جنود الله ~~المقربون، وأولياء الغالبون، ويرد عليك مع ذلك حزبه المنصور من الكهول، على ~~الفحول، كأنها الوعول، تخوض الوحول، طوال السبال، تختضب بالجريال، رجال هم ~~الرجال، بين رامح وناشب، ليس معهم إلا كلب محارب، ولا ينكلون عن الأصحاب، ~~قد ضروا بضرب الهام، واعتادوا الكر والإقدام، ليسوا بذي هينة PageV01P043 ### | CHECK [44_2] # ولا إحجام، يقضون بالسيوف، ويخالطون الزحوف، في أعنتهم الحتوف، يزأرون ~~زئير الأسد، ويثبون وثوب الفهود، ليس فيهم إلا شاك محتبك، في الحرب محترف، ~~قد شرب على ناجذ الحرب وأكل، ذو شقشقة وكلكل، كأنما أشرب وجهه نقيع الحناء، ~~قدر ثم الحرب ورضعها، وغذته وألفها، فهي أمه وهو ابنها، يسكن إليها ويأنس ~~بقربها، فهو بطلبها أرب، وعلى أهلها حرب، ولا يروعه ما يروع، ولا يزيغه ما ~~يزيغ الغمر الجبان، حين يشتد الوغي، وتخطر القنا، وتقلص الشفاه، وتسفر ~~الكماة فعند ذلك تسلمك المرد، وتكشف عن الجرد، فتأهب لذلك أهبتك، واخطب له ~~خطبتك، من المساكين والحوكة، ثم كيدوني جميعا فلا تنظرون، فما أسرنا إكثارك ~~الجموع وحشدك الخيول، فإنك لا تكثف جمعا، ms037 ولا تسرب خيلا، إلا وثقنا بأن ~~سيمدنا الله من ملائكته، ويزيدنا من نصره، مما قد جرت به سنته، وسلفت به ~~عادته، ونحن نجري من ذلك على نقمات من الله ونكال وسطوات مهلكة. رأيتم ذلك ~~في المنازل، وعرفتموه في المواطن التي يجمعها الحق والباطل؛ فأبشر منا ساءك ~~ضجرا، وعساك تقاد كما يقاد الجمل المخشوش أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين ~~عنك أمر لم يحتمله لك، إلا ما أحب من رب صنيعته قبلك، واستتمام معروفه ~~إليك، وكان أمير المؤمنين أحق من أصلح ما فسد منك، وإنك إن عدت لمثل ~~مقالتك، وما بلغ أمير المؤمنين عنك، رأي في معاجلتك رأيه، فإن النعمة إذا ~~طالت بالعيد ممتدة أبطرته، فأساء حمل الكرامة، واستثقل العافية، ونسب ما هو ~~فيه إلى حيلته، وحسن نبته ورهطه وعشيرته، وإذا نزلت به الغير، وانكشفت ~~عماية العشا عنه، ذل منقادا وندم حسيرا، وتمكن منه عدوه، قادرا عليه وقاهرا ~~له. ولو أراد أمير المؤمنين مكافأتك بلفظك، ومعجلة إفسادك، جمع بينك وبين ~~من فلتات خطئك وعظيم زلتك؛ ولعمري لو حاول أمير المؤمنين مكافأتك بلفظك في ~~مجلسك، وجحودك فضله عليك، لردك إلى ما كنت PageV01P044 ### | CHECK [45_2] # عليه، ولكنت مستحقا. # ومن رسالة كتب بها عن مروان لفرق العرب، حين فاض العجم من خراسان بشعار ~~السواد، قائمين بالدولة العباسية: فلا تمكنوا ناصية الدولة العربية من يد ~~الفئة العجمية، واثبتوا ريثما تنجلي هذه الغمرة، ونصحو من هذه السكرة، ~~فسينضب السيل، وتمحى آية الليل، والله مع الصابرين، والعافية للمتقين. # ومن رسائله المفردات، رسالته في الشطرنج والتنفير من اللعب به، وهي: أما ~~بعد فإن الله شرع دينه بإنهاج سبله، وإيضاح معالمه بإظهار فرائضه، وبعث ~~رسله إلى خلقه، دلالة لهم على ربوبيته، واحتجاجا عليهم برسالاته، ومقدما ~~اليهم بإنذاره ووعيده، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، ثم ختم ~~بنبيه صلى الله عليه وسلم وحيه، وقفى به رسله، وابتعثه لإحياء دينه الدارس ~~مرتضيا له، على حين انطمست له الأعلام مختفية، وتشتتت السبل متفرقة، وعفت ~~آثار الدين دراسة، وسطع ms038 رهج الفتن، واعتلى قتام الظلم، واستنهد الشرك، ~~وأسدف الكفر، وظهر أولياء الشيطان لطموس الأعلام، ونطق زعيم الباطل بسكته ~~الحق، واستطرف الجوز، واستنكح الصدوف عن الحق، واقمطر تلهب الفتنه، واستضرم ~~لقاحها، وطبقت الأرض ظلمه كفر، وغيابه فساد، فصدع بالحق مأمورا، وبلغ ~~الرسالة معصوما ونصح الإسلام وأهله دالا لهم على المراشد، وقائدا إلى ~~الهداية، ونيرا لهم أعلام الحق ضاحية، مرشدا لهم استفتاح باب الرحمة، ~~وإعلان عروة النجاة، موضحا لهم سبل الغواية، زاجرا لهم عن طريق الضلالة، ~~محذرا لهم الهلكة، موعزا إليهم في التقدمة، ضاربا لهم على الحدود، على ما ~~يتقون من الأمور ويخشون، وما إليه يسارعون ويطلبون، صابرا نفسه على الأذى ~~والتكذيب، داعيا لهم بالترغيب والترهيب، حريصا عليهم، متحننا على كافتهم، ~~عزيزا عليه عنتهم رؤوفا رحيما، تقدمه شفقته عليه، وعنايته برشدهم، إلى ~~تجديد الطلب إلى PageV01P045 ### | CHECK [46_2] # ربه فيما فيه بقاء النعمة عليهم، وسلامة أديانهم، وتخفيف أواصر عنهم، حتى ~~قبضه الله إليه صلى الله عليه، ناصحا متنصحا، أمينا مأمونا، قد بلغ ~~الرسالة، وأدى النصيحة، وقام بالحق، والعدل عمود الدين، حتى اعتدل ميله، ~~وذل الشرك وأهله، وأنجز الله له وعده، وأراه صدق أسبابه في إكماله للمسلمين ~~دينه، واستقامة سنته فيهم، وظهور شرائعه عليهم، قد أبان لهم موبقات ~~الأعمال، ومفظعات الذنوب، ومهبطات الأوزار، وظلم الشبهات، وما يدعو إليه ~~نقصان الأديان، وتستويهم به الغوايات وأوضح لهم أعلام الحق، ومنازل ~~المراشد، وطرق الهدى، وأبواب النجاة، ومعالق العصمة، غير مدخر لهم نصحا، ~~ولا مبتغ في إرشادهم غنما. # فكان مما قدم إليهم فيه نهيه، وأعلمهم سوء عاقبته، وحذرهم أمره، وأوعز ~~إليهم ناهيا وواعظا وزاجرا، الاعتكاف على هذه التماثيل من الشطرنج ~~والمواصلة عليها، لما في ذلك من عظيم الإثم، وموبق الوزر، مع مشغلتها عن ~~طلب المعاش، وإضرارها بالعقول، ومنعها من حضور الصلوات في مواقيتها مع جميع ~~المسلمين. # وقد بلغ أمير المؤمنين أن أناسا ممن قبلك من أهل الإسلام، قد ألهجهم ~~الشيطان بها، وجمعهم عليها، وألف بينهم فيها، فهم معتكفون عليها، من لدن ~~مصبحهم إلى مماسهم، ملهية لهم عن الصلوات، ms039 شاغلة لهم عما أمروا به من ~~القيام بسنن دينهم، وما افترض عليهم من شرائع أعمالهم، مع مداعبتهم فيها، ~~وسوء لفظهم عليها، وأن ذلك من فعلهم ظاهر في الأندية والمجالس، غير منكر ~~ولا معيب، ولا مستفظع عند أهل الفقه، وذوي الورع والأديان والأسنان منهم، ~~فأكبر أمير المؤمنين ذلك وأعظمه، وكرهه واستكبره، وعلم أن الشيطان عندما ~~يئس من بلوغ إرادته في معاصي الله عز وجل، بمقر المسلمين ومجمعهم صراحا ~~وجهارا، أقدم PageV01P046 ### | CHECK [47_2] # بهم على شبهة مهلكة وزين لهم ورطة موبقة، وغرهم بمكيدة حيله، إرادة ~~لاستهوائهم بالخدع، واجتيالهم بالشبه والمراشد الخفية المشكلة، وكل مقيم ~~على معصية الله صغرت أو كبرت، مستحلا لها، مشيدا بها، مظهرا لارتكابه ~~إياها، غير حذر من عقاب الله عز وجل عليها، ولا خائف مكروها فيها، ولا رعيب ~~من حلول سطوته عليها، حتى تلحقه المنية فتختلجه وهو مصر عليها، غير تائب ~~إلى الله منها، ولا مستغفر من ارتكابه إياها. فكم قد أقام على موبقات ~~الآثام، وكبائر الذنوب، حتى مد به مخرم أيامه. # وقد أوجب أمير المؤمنين أن يتقدم إليهم فيما بلغه عنهم، وأن ينذرهم ويوعز ~~إليهم، ويعلمهم ما في أعناقهم عليها، وما لهم في قبول ذلك من الحظ، وعليهم ~~في تركه من الوزر. فآذن بذلك فيهم، وأنشده في أسواقهم وجميع أنديتهم، وأوعز ~~إليهم فيه، وتقدم إلى عامل شرطتك في إنهاك العقوبة لمن رفع إليه من أهل ~~الاعتكاف عليها والإظهار للعب بها، وإطالة حبسه في ضيق وضنك، وطرح اسمه من ~~ديوان أمير المؤمنين، وافطمهم عما نهجوا به من ذلك، والتمس بشدتك عليهم ~~فيه، وإنهاكك بالعقوبة عليه ثواب الله وجزاءه، واتباع أمير المؤمنين ورأيه، ~~ولا يجدن أحد عندك هوادة في التقصير في حق الله عز وجل والتعدي لأحكامه، ~~فتحل بنفسك ما تسؤك عاقبته، وتتعرض به لغير الله عز وجل ونكاله، واكتب إلى ~~امير المؤمنين ما يكون منك أن شاء الله والسلام. # وعبد الحميد في رسالته هذه أشبه الوعاظ والفقهاء بلهجته، فقد رأيناه يكسو ~~كلامه حلة من حلل الزهد، ويدخل مدخلا دينا ms040 يورد فيه البراهين على قضيته، ~~لينزع من النفوس حب التلهي بلعب يقطع صاحبه عن العمل، وذكر لهم أن اللاعبين ~~بالشطرنج يذكرون خلال لعبهم ألفاظا لا يليق بالألسن تردادها، ولا بالأسماع ~~أن تنصت إليها، وعرفنا من رسالته بعد هذا أن أناسا من المنظور إليهم من ~~الفقهاء PageV01P047 ### | CHECK [48_2] # وغيرهم من الأئمة كانوا مولعين بهذا اللعب منذ أوائل القرن الثاني. # ومن رسالة: فإن الفتنة تتشوف لأهلها بآنق منظر، وأزين ملبس، تجر لهم ~~أذيالها، وتعدهم تتابع لذاتها، حتى ترمي بهم في حومات أمواجها مسلمة لهم ~~تعدهم الكذب وتمنيهم الخدع، فإذا لزمهم عضاضها، ونفر بهم شماسها تخلت عنهم ~~خاذلة لهم، وتبرأت منهم معرضة، قد سلبوا أجمل لباس دينهم واستنزلوا عن أحصن ~~معاقل دنياهم، من الغناء البهي منظره، الجميل أثره، حتى تطرحهم في فضائح ~~أعمالهم، والإيجاف في التعب، وسوء المقلب، فمن أثر دينه على دنياه، تمسك ~~بطاعة ولاته، تحرز بالدخول في الجماعة، تاركا لا ثقل الأمرين، وأوبل ~~الحالين. # ومن رسالة له في وصف الصيد كتب بها إلى مروان فيما يظهر. # . . . خرجنا إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضواري، وأكرمها أجناسا، ~~وأعظمها أجساما، وأحسنها ألوانا، وأحدها أطرافا، وأطولها أعضاء قد تثقفت ~~بحسن الأدب، وعودت شدة الطلب، وسبرت أعلام المواقف، وخبرت المجاثم، مجبولة ~~على ما عودت، ومقصورة على ما أدبت. ومعنا من نفائس الخيل المخبورة الفراهة، ~~من الشهرية الموصوفة بالنجابة، والجري والصلابة. فلم نزل بأخفض سير وأثقف ~~طلب، وقد أمطرتنا السماء مطرا متداركا فربت الأرض منه، وزهر البقل، وسكن ~~القتام من مثار السنابك، ومتشعبات الأعاصير، مهلة أن سرنا غلوات، ثم برزت ~~الشمس طالعة وانكشفت السحاب مسفرة، فتلألأت الأشجار، وضحك النوار، وانجلت ~~الأبصار، فلم منظرا أحسن حسنا، ولا مرموقا أشبه شكلا، من ابتسام نور الشمس ~~عن اخضرار زهرة الرياض، والخيل تمرح بنا نشاطا، وتجذبنا أعنتها انبساطا، ثم ~~لم نلبث أن علتنا ضبابة تقصر طرف الناظر، وتخفي سبيل السلام، تغشانا تارة، ~~وتنكشف أخرى ونحن بأرض دمثة التراب، أشبه الأطراف، مغدقة الفجاج، مملوءة ~~صيدا من الظباء والثعالب والأرانب، فأدانا PageV01P048 ### | CHECK [49_2] ms041 # المسير إلى غابة دونها مألف الصيد، الوحش، ونهاية الطلب، قد جاوزناها ~~ونحن على سبيل الطلب، وبكل حرة جونة متفرقون، فوجع بنا العود على البدء، ~~وقد الضبابة وامتد النظر، فإذا نحن برعلة من ظباء وخلقة آرام يرتعن آنسات، ~~قد أحالتهن الضبابة عن شخصنا، وأذهلهن أنيق الرياض عن استماع حسنا، فلم نعج ~~إلا والضواري لائحة لهن من بعد الغاية، ومنتهى نظر الشاخص، ثم مدت الجوارح ~~أجنحتها، واجتذبت الضواري مقاودها، فأمرت بإرسالها على الثقة بمحضرها، ~~وسرعة الجوارح في طلبها، فمرت تحف حفيف الريح عند هبوبها، تسف الأرض سفا، ~~كاشفة عن آثارها، طالبة لخيارها، حارشة بأظفارها، قد مزقتها تمزيق الريح ~~الجراد، فمن صائح بها وناعر، وهاتف بها وناعق، يدعو الكلب باسمه، ويفديه ~~بأبيه وأمه، وراكض تحت مفره وخافق يطلبه الرمح، وطامح يمنعه، وسانح قد ~~عارضه بارح، قد حيرتنا الكثرة، وألهجتنا القدرة، حتى امتلأت أيدينا من صنوف ~~الصيد، والله المنعم الوهاب. # ثم ملنا، يا أمير المؤمنين، بهداية دليل قد أحكمته التجارب، وخبر أعلام ~~المذانب إلى غدير أفيح، وروضة خضرة، مستأجمة بتلاوين الشجر، ملتفة بصنوف ~~الخمر مملوءة من أنواع الطير، لم يذعرهن صائد، ولا اقنصهن قانص، فخفق لها ~~بالطبول، وصفر بنفير الحتف، فثار منها ما ملأ الأفق كثرتها، وراعت الجوارح ~~خفقات أجنحتها، ثم انبرت البزاة لها صائدة، والصقور كاسرة، والشواهين ~~ضاربة، يرفعن الطالب لها، ويخفضن الظفر بها، حتى سئمنا من الذبح، وامتلأنا ~~من النضح، كأنا كتيبة ظفرت ببغيتها، وسرية نصرت على عدوها، وألحقت ضعيفها ~~بقويها، وغلبت محسنها بمسيئها، لانملك أنفسنا مرحا، ولا نستفيق من الجذل ~~بها فرحا، بقية يوممنا، والله المنعم الوهاب. # ثم غدونا، يا أمير المؤمنين، إلى أرض وصف لنا صيدها بالكثرة، ورياضها PageV01P049 ### | CHECK [50_2] # بالنزهة، فزل واصفها عن الطريقة، واعتمد بنا على غير الحقيقة فأتيناها ~~فلم نر صيدا ولا عشبا، ولا نزهة ولا حسنا، فجعلك نسلك منها حزونا ووعورا، ~~وجدوبا وقفرا، حتى فصر بنا اليأس عن الطلب، وقطع بنا عن الطمع النصب. فبينا ~~نحن كذلك، إذ بدا لنا جأب قد أوفى بنا على حائل ms042 دل على غابة من ورائها حمير ~~وحش كثيرة، فأممناها فلما تطرفنا مشيا وتقريبا إلى عاناته. توالى نهيقه ~~وكثر شهيقه، فالتفتن إليه، فرمقن بأعينهن منا ما استكثرن شخصه، واستهولن ~~أمره، حتى إذا كنا بمرأى ومسمع انجذبن موليات وهربن مسئات، فأجهدنا الركض ~~في طلبهن، نتبع آثارهن، ونستشف بلاء بين أحفار ودكادك وأخاديد حتى أشفى بنا ~~الطلب لها على واد هائل سائل، بجنبتيه غابة أشبة، قد سبقن إليها، واستخفين ~~فيها، فنظمناها بالخيل نظم الخرز، ثم أوغلت عدة فرسان في نفضها ومعرفة ~~أحوالها، والطبول خافقة والأصوات شاهقة، فكان وكان، والحمد لله على كل حال اه. # وهذه رسالة وقفتنا على مبلغ عنايتهم بالصيد، ووصفت لنا ما لاقاه ~~الصائدون، وصفا رائعا مستوفيا كأننا كنا معهم؛ وصف عدتهم التي أعدوها، ~~والأرض التي وطئوها، والشدة التي لقوها من سماء أمطرتهم وابلا ورذاذا، وكيف ~~استخدموا الجوارح في صيودهم، وما احتالوا من الحيل وحصروا من الوكد حتى تمت ~~لهم أمنيتهم، فصادوا ما شاء الله أن يصيدوا، وعادوا مملوءة عبابهم وجعابهم ~~بأنواع الصيد. # ومن رسالة له في الفتنة: ففي طاعة الأئمة في الإسلام، ومنا صحتهم على ~~أمورهم والتسليم لما أمروا به، فهم كل نعمة فاضلة، وكرامة باقية، وعافية ~~مجللة، وسلامة ظاهرة وباطنة، وقوة بإذن الله مانعة، وفي الخلاف لهم ~~والمعصية عليهم، ذهاب كل نعمة، وتفرق كل مرامة، ومحق كل قنية، وهلاك كل ~~سلامة وألفة، PageV01P050 ### | CHECK [51_2] # وموت كل عز وقوة، والدعاء بكل بلية، ومقارفة كل ضلالة، واتباع كل جهالة، ~~وإحياء كل بدعة، وإماتة كل سنة، وإجلاب كل ضرر على الأمة، وإبار كل منفعة، ~~والعمل بكل جور وباطل، وفناء كل حق، وبمعصية خليفة الله لا يزال رجل من ~~المسلمين يضرب بسيفه الذي بيديه سيف أخيه الذي كان يعتمد عليه، ويوهن عضده، ~~ويهدم حصنه، وفل عدده، ويهلك ثروته، ويعطب من يدعوه، ويفزع إليه، ويكثر ~~بمكانه، ويحرسه من غفلته عن الاعتداء إذا غفل، ويكون عبئا له من خلفه، فلا ~~يزال بالمعصية منهم والاختلاف دم يهراق بغير حقه، وطفل من أبناء المسلمين ~~قد يتم من ms043 أبيه، ومذلة قد دخلت عليه، ونعمة قد زالت عنه، ووحشة قد أحدثت ~~ضغائن في القلوب قد نشبت، وشحناء قد ظهرت، وأوتار قد بقيت، وعداوة في ~~الأنفس قد استقرت، وخوف قد ظهر، وسبل قد قطعت، وامرأة قد أرملت، وصبية قد ~~يتمت، وبلاد عامرة قد خربت، وعدد قد نقص، وبلايا قد عمت وشملت، وعدو قد ~~شمت، ومنافق قد رفع إلى ما كان يؤمل رأسه، وعدو من المشركين قد طمع وقوي ~~بعد ضعف، وعز بعد مذلة، ورعية قد صاحت، وناعية قد ولولت، وحميم قد قتل ~~حميمه، ومودة قد صارت عداوة، واجتماع من الأهواء قد عاد إلى فرقة، وأحام قد تقطعت. # فانظروا يا معشر المسلمين ماذا تفعل الفتنة والمعصية، وكيف يدب الشيطان ~~لها، ويسعى فيها، ويحتال بخديعته ومكره، ولطف مسالكه حتى يلهبها ويشعلها، ~~ويرفعها من قلتها إلى الكثرة، ومن صغرها إلى كبرها، فإنه إنما يبدو الظفر ~~على الولاة ؟ ثم يترامى إلى الشكاة والسخطة والغظب، وزين لهم القتال فبلغ ~~الهلاك الأعظم، والشر الأكبر، بطرق أمر صغير الخطر في الظاهر، عظيم البلية ~~في الباطن، فلا يزال الرجل ينظر منهم إلى قاتل أبيه وأخيه وحميمه وذوي ~~قرابته وأهل مودته والنافع كان، ثم تحمل العداوة في قلبه، والضغينة العظيمة عليه، PageV01P051 ### | CHECK [52_2] # ويستعد للنقمة منه، وطلب الذحل عنده فبثت تلك الضغائن في الأنباء بعد ~~الآباء، فانظروا يا أهل الإسلام من أين دب الشيطان بلطيف مسالكه، وعلى أي ~~شيء ورد، وإلى أي أمر تسامى، حتى عم بالمعصية أهل الإسلام عامة اه. # واستفدنا أيضا من هذه الرسالة أن لبلاد كانت تموج بالفتن أواخر عهد ~~الخليفة مروان بن محمد الأموي، وأن عبد الحميد يريد بتأثير قلمه أن ينزع ~~أهل الأقطار عن التردي في مهالكها؛ ولكم كتب من مثلها منذ نادى أهل خراسان ~~بشعار العباسيين يا ترى؟. وما نظن إلا أن مجموعة رسائله تبلغ أكثر من ألف ~~ورقة لا كما قال بعضهم؛ وقد عرفنا بهذا النموذج الضئيل الذي بقي من ذاك ~~التراث العظيم أن صاحبنا كان بعيد النظر في السياسة، شديد الغيرة ms044 على سلطان ~~بني أمية، عارفا بما سيحل بالدولة، وود لو يتحيل لها بمخرج ينجيها ولو بعض ~~الشيء من المأزق الذي صارت إليه، حتى لقد أراده على أن يعمد إلى الزواج ~~السياسي من بني هاشم بالإصهار إليهم. قال لمروان حين رأى علو أمر بني ~~العباس: أتتهمني يا أمير المؤمنين فيك؟ قال: لا. فقال له: أرأيت إبراهيم بن ~~محمد بن علي أليس ابن عمك؟ # قال: بلى. قال: فإني أرى أموره تنبع عليك فأنكحه وأنكح إليه، فإن ظهر كنت ~~أعلقت بينك وبينه سببا، وإن كفيته بصهره. فقال: ويحك الله لو علمته صاحب ~~الأمر لسبقت إليه، ولكن ليس هو بصاحبه، فقال له: وما يضرك من ذلك، وهو من ~~القوم الذين تعلم أن الأمر منتقل إليهم لا محالة، وأن الصواب أن تعلق بينك ~~وبينهم سببا. قال مروان: والله إني لأعلم أن الرأي فيما تقول، ولكني أكره ~~أن أطلب النصر بأحراح النساء. # لعبد الحميد الأكبر رسالتان كبيرتان: الأولى رسالته في نصيحة ولي العهد، ~~والثانية رسالته إلى الكتاب؛ كتب الأولى على لسان مروان إلى ابنه وولي عهده PageV01P052 ### | CHECK [53_2] # عبد الله، لما وجهه إلى قتال الضحاك بن قيس الشيباني الخارجي، وكان هذا ~~استولى على الموصل وكورها سنة 127؛ وقد انطوت هذه الرسالة المرقصة على ~~أغراض كثيرة يمكن إجمالها في موضوعين مهمين: الأول درس عظيم في تربية أبناء ~~الملوك والعظماء وتلقينهم الأخلاق الفاضلة؛ والثاني وضع خطط حربية يسير ~~عليها ولي العهد في قتال العدو. وقد أثبت عبد الحميد بهذه الرسالة أنه من ~~علماء التربية والنفس، وأنه عارف بالسياسة والإدارة والحرب، يستطيع أن يقود ~~الجيوش بعقله كما يقود المماليك بقلمه. # بدأ رسالته في وصف الخارجي، وأن الخليفة أراد أن يعهد إلى ولي عهده عهدا ~~يحمله فيه أدبه، ويشرع له عظته، وإن كان ولي العهد في الغاية من الدين، ~~والتحلي بما يحسن بالخلافة، ولو لم يكن كذلك ما خصه أبوه بالولاية عند دون ~~بني أبيه؛ وقال له: إن الخليفة بوعظه ابنه أيضا ائتمر بأمر الله، وما تقدمت ~~فيه الحكماء من تقديم ms045 العظة والتذكير، وإن كانوا أهل معرفة وأولى سابقة في ~~الكمال وفضل في العلم. قال: ولو كان المؤدبون أخذوا العلم من عند أنفسهم، ~~ولقنوه إلهاما من تلقائهم، ولم يتعلموا شيئا من عند غيرهم لنحلناهم علم ~~الغيب، ووضعناهم بمنزلة قصرهم بها عنهم خالقهم، المستأثر بعلم الغيب عنهم ~~بوحدانيته في فردانيته في إلهيته. . . قال: وأمير المؤمنين يرجع أن ينزهك ~~الله عن كل قبح يهش له طمع، وأن يعصمك من كل مكروه حاق بأحد، وأن يحصنك من ~~كل آفة استولت على امرئ في دين أو خلق، وأن يبلغه فيك أحسن ما لم يزل يعوده ~~من آثار نعمة الله عليك، سامية بك إلى ذروة الشرف، ومنجحة لك بسطة الكرم، ~~لائحة بك في أزهر مغاني الأدب، مورثة لك أنفس ذخائر العز. # وبعد أن كان الخليفة يخاطب ابنه بصيغة الغائب، انقلب وخاطبه خطاب الحاضر ~~فقال: والله أستخلف عليك، وأسأله حياطتك، وأن يعصمك من زيغ الهوى، PageV01P053 ### | CHECK [54_2] # ويحضرك دواعي التوفيق، معانا على الإرشاد فيه، فإنه لا يعين على الخير ~~ولا يوفق له إلا هو. وهذا الانقلاب في تنويع الخطاب من أجمل ما بدر على ~~قلمه؛ ذلك أن الخليفة بعد أن خاطب ابنه خطابه عاملا من عماله، عاد فذكر ~~البنوة فدعا له دعاء والد لولده، ليوفق في مقاصده ويسلم في بدنه. ثم هون ~~عليه الأمر، وأبان له قدر نفسه، وما تيسر له من أسباب التفوق بأخلاقه فقال: ~~وقد تلقتك أخلاق الحكمة من كل جهة بفضلها، من غير تعب البحث في إدراكها، ~~ولا متطاول المنار لذروتها، بل تأثلت منها أكرم معانيها، واستخلصت منها ~~أعتق جواهرها، ثم شمرت إلى لباب مصاصها، وأحرزت منفس ذخائرها، فاعتقد ما ~~أحرزت، ونافس فيما أصبت. ومما قدمه له من العظة في ذلك أن يشكر الله في كل ~~صباح على نعمة السلامة والعافية، وأن يقرأ فيه من كتاب الله جزءا يردد فيه ~~رأيه في أدبه، ويزين لفظه بقراءته. ويحضر عقله ناظرا في محكمه، ويتفهمه ~~متفكرا في متشابهه؛ يريد بذلك تقوية عقيدته في الدين، وتقوية ملكته في ms046 ~~البلاغة. # وبعد ذلك التفت فقال: ثم تعهدت نفسك بمجاهدة هواك، فانه مغلاق الحسنات، ~~ومفتاح السيئات، واعلم أن كل أهوائك لك عدو يحاول هلكتك، ويعترض غفلتك، ~~لأنها خدع إبليس وحبائل مكره، ومصايد مكيدته، فاحذرها مجانبا لها، وتوقها ~~محترسا منها، واستعذ بالله من شرها، وجاهدها إذا تناصرت عليك بعزم صادق لا ~~ونية فيه، وحزم نافذ لا مثنوية لرأيك بعد إصداره عليك، وصدق غالب لا مطمع ~~في تكذيبه، ومضادة صارمة لا أناه معها، ونية صحيحة لا خلجة شك فيها، فإن ~~ذلك ظهري صدق لك على ردها عنك، وقطعها دون ما تتطلع إليه منك، وهي واقية لك ~~سخطة ربك، داعية لك رضا العامة، ساترة عليك عيب من دونك. . . فحول بلوغ ~~غايتها، محرزا لها بسبق الطلب إلى إصابة الموضع، محصنا أعمالك من العجب، ~~فإنه رأس الهوى، وأول الغواية، ومقاد الهلكة، حارسا أخلاقك من PageV01P054 ### | CHECK [55_2] # الآفات المتصلة بمساوئ العادات. # ومنها أن تملك أمورك بالقصد، وتصون سرك بالكتمان، وتداوي جندك بالإنصاف، ~~وتذلل نفسك بالعدل، وتحصن عيوبك بتقويم أودك، وأناتك فوقها الملال وفوت ~~العمل، ومضاءتك فدرعها روية النظر، واكنفها بأناة الحلم، وخلواتك فاحرسها ~~من الغفلة واعتماد الراحة، وصمتك فانف عنه اللفظ، وخف فيه سوء القالة، ~~واستماعك فارعه حسن التفهم، وقوه بإشهاد الفكر، وعطاءك فانهد له بيوتات ~~الشرف وذوي الحسب، وتحرز فيه من السرف، واستطالة البذخ وامتنان الصنيعة، ~~وحياءك فامنعه من الخجل وبلاده الحصر، وحلمك فزعه عن التهاون، وأحضره قوة ~~الشكيمة، وعقوبتك فقصر بها عن الإفراط، وتعتمد بها أهل الاستحقاق، وعفوك ~~فلا تدخله تعطيل الحقوق، وخذ واجب المفترض وأقم به أود الدين، واستئناسك ~~فامنع منه البذاءة وسوء المثافنة، وتعهدك أمورك فحده أوقاتا، وقدره ساعات، ~~لا يستفرغ قوتك، ويستدعي سآمتك، وعزماتك فانف عنها عجلة الرأي، ولحاجة ~~الإقدام، وفرحاتك فاشكمها عن البطر، وقيدها عن الزهد، وروعاتك فحطها من دهش ~~الرأي، واستسلام الخضوع، وحذراتك فامنعها عن الجبن واعمد بها للحزم، ورجاءك ~~فقيده بخوف الفائت، وامنعه من أمن الطلب. # ثم ذكر له كيف يتخير عشراءه ويعامل مشاوريه، ويتوقى انتشار أخباره في ~~العامة، ms047 إلا على ما لا يسقط من شأنه، فقال: ثم لتكن بطانتك وجلساؤك في ~~خلواتك، ودخلاؤك في سرك، أهل الفقه والورع من خاصة أهل بيتك وعامة قوادك، ~~ممن قد حنكته السن بتصاريف الأمور، وخبطته فصالها بين فراسن البزل منها، ~~وقلبته الأمور في فنونها، وركب أطوارها عارفا بمحاسن الأمور، ومواضع الرأي، ~~مأمور النصيحة، مطوي الضمير على الطاعة، ثم أحضرهم من نفسك وقارا، تستدعي ~~منهم لك الهيبة، واستئناسا يعطف إليك منهم بالمودة، وإنصاتا يفل PageV01P055 ### | CHECK [56_2] # إفاضتهم عندك بما تكره أن ينتشر عنك من سخافة الرأي، وضياع الحزن، ولا ~~يغلبن عليك هواك فيصرفك عن الرأي، ويعطيك دون الفكر. وتعلم أنك وأن خلوت ~~بسر فألقيت دونه سترك، وأغلقت عليه أبوابك، فلذلك لا محالة مكشوف للعامة، ~~ظاهر عنك وإن استترت بربما ولعل، وما أرى إذاعة ذلك، فاعلم بما يرون من ~~حالات من ينقطع به في تلك المواطن، فتقدم في إحكام ذلك من نفسك وسد خلله ~~غنك، فإنه ليس أحد أسرع إليه سوء القالة، ولغط العامة بخير أو شر، ممن كان ~~في مثل حالك ومكانك الذي أصبحت فيه من دين الله والأمل المرجو المنتظر فيك. # ثم حذره من مسائل لها مساس عظيم بمن لهم السلطان على الناس، فكلمه في ~~أمور عامة تنتظم بسيره وبسيرته فقال له: وإياك أن يغمر أحد من حامتك وبطانة ~~خدمك، بضعفة يجد بها مساغا إلى النطق عندك بما لا يعتز لك عيبه، ولا تخلو ~~من الأحدوثة لائمته، ولا تأمن سوءا فيه، ولا يرخص سوء القالة فيه، إن نجم ~~ظاهرا، أو أعلن باديا، ولن يجترئوا على تلك عندك، إلا أن يروا منك إصغاء ~~إليعا، وقبولا لها، وترخيصا لهم في الإفاضة بها، ثم إياك أن يفاض عندك بشيء ~~من الفكاهات والحكايات، والمزاح والمضاحك التي يستخف بها أهل البطالة، ~~ويتسرع نحوها ذوو الجهالة، ويجد فيها أهل الحسد مقالا لعيب يذيعونه، ولطعن ~~في حق يجدونه، مع ما في ذلك من نقص الرأي ودرن العرض، وهدم الشرف وتأثيل ~~الغفلة، وقوة طباع السوء الكامنة في بني آدم. كمون ms048 النار في الحجر الصلد، ~~فإذا قدح لاح شرره، وتلهب وميضه، وقد تضرمه، وليست في أحد أقوى سطوة، وأظهر ~~توقدا وأعلى كمونا، وأسرع إليه بالعيب، وتطرق الشين، منها إلى من كان في ~~سنك من إغفال الرجال، وذوي العنفوان في الحداثة الذين لم يقع عليهم سمات ~~الأمور ناطقا عليهم لائحها، ظاهرا عليهم وسمها، ولم تمحضهم PageV01P056 ### | CHECK [57_2] # شهامتها، مظهرة للعامة فضلهم، مذيعة حسن الذكر عنهم، ولم يبلغ بهم الصيت ~~في الحنكة مستمعا يدفعون به عن أنفسهم نواطق ألسن أهل البغي، ومواد أبصار ~~أهل الحسد. # وعاد بعد أن حذره من الخفة في المواكب، ومداعبة من يساسره بالتضاحك إليه، ~~يريده على أن يستعمل الجد في حركاته، بحيث لا تتقلقل جوارحه، ويحذره من ~~السعاية، ويدله على الطريقة في معاملة النمامين، وعلى الترفع عن الجواسيس ~~وصورة معاملتهم لا يأخذ منهم إلا ما ينفع الدولة فقط؛ ونهج له السبيل السوي ~~في معاملة أصحاب الحاجات، فقال: واعلم أن قوما سيسرعون إليك بالسعاية، ~~ويأتونك من قبيل النصيحة، ويستميلونك بإظهار الشفقة، ويستدعونك بالإغراء ~~والشبهة، ويوطئونك عشوة الحيرة، ليجعلوك ذريعة لهم إلى استئكال العامة، ~~بموضعهم منك في القبول منهم، والتصديق لهم على من قرفوه بتهمة، أو أسرعوا ~~بك في أمره إلى الظنة، فلا يصلن إلى مشافهتك ساع بشبهة، ولا معروف بتهمة، ~~ولا منسوب إلى بدعة، فيعرضك لابتداع في دينك، ويحملك على رعيتك ما لا حقيقة ~~فيه، ويلحمك أعراض قوم لا علم لك بدخلهم، إلا بما أقدم به عليهم ساعيا، ~~وأظهر لك منهم متنصحا. # وليكن صاحب شرطك، ومن أحببت أن يتولى ذلك من قوادك، إليه انتهاء ذلك وهو ~~المنصوب لأولئك، والمستمع لأقاويلهم، والفاحص عن نصائحك، ثم لينه ذلك إليك ~~على ما يرتفع أليه منه، لتأمره بأمرك فيه، وتقفه على رأيك، من غير أن يظهر ~~ذلك للعامة، فإن كان صوابا نالتك حظوته، وإن كان خطأ أقدم به عليك جاهل، أو ~~فرطة سعى بها كاذب، فنالت الساعي منها أو المظلوم عقوبة، أو بدر منك إليه ~~عقوبة ونكال، لم يصعب ذلك الخطأ بك، ولم تنسب ms049 إلى تفريط، وخلوت من موضع ~~الذم فيه، محضرا إليه ذهنك وصواب رأيك، وتقدم إلى من تولى ذلك PageV01P057 ### | CHECK [58_2] # الأمر، وتعتمد عليه فيه، أن لا يقدم على شيء ناظرا فيه، ولا يحاول أخذ أحد ~~طارقا له، ولا يعاقب أحدا منكلا به، ولا يخلى سبيل أحد صافحا عنه لإحصار ~~براءته، وصحة طريقه، حتى يرفع إليك أمره، وينهي إليك قضيته على جهة الصدق، ~~ومنحى الحق، ويقين الخبر، فإن رأيت عليه سبيلا لمحبس، أو مجازا لعقوبة، ~~أمرته بتولي ذلك من غير إدخاله عليك، ولا مشافهة لك منه، فكان المتولي ~~لذلك، ولم يجر على يديك مكروه رأي، ولا غلطة عقوبة، وإن وجدت إلى العفو ~~سبيلا، أو كان مما قرف به خليا، كنت أنت المتولي للإنعام عليه بتخليه سبيله ~~والصفح عنه بإطلاق أسره، فتوليت أجر ذلك واستحققت ذخره، وأنطقت لسانه ~~بشكرك، وطوقت قومه حمدك، وأوجبت عليه حقك، فقرنت بين خصلتين، وأحرزت ~~حظوتين، ثواب الله في الآخرة، ومحمود الذكر في العاجلة. # ثم وإياك أن يصل أحد من جندك، وجلسائك وخاصتك وبطانتك بمسألة يكشفها لك، ~~أو حاجة يبدهك بطلبها، حتى يرفعها قبل ذلك إلى كاتبك الذي أهدفته لذلك ~~ونصبته له، فيعرضها عليك منهيا لها على جهة الصدق عنها، وتكون على معرفة من ~~قدرها، فإن أردت إسعافه بها، ونجاح ما سأل منها، أذنت له في طلبها، باسطا ~~له كنفك، مقبلا عليه بوجهك، مع ظهور سرورك بما سألك، فسحة رأي، وبسطة ذرع، ~~وطيب النفس؛ وإن كرهت قضاء حاجته، وأحببت رده عن طلبته، وثقل عليك إجابته ~~إليها، وإسعافه بها، أمرت كاتبك فصفحه عنها، ومنعه من مواجهتك بها، فخفت ~~عليك في ذلك المؤونة، وحسن لك الذكر، ولم ينشر عنك تجهم الرد، وينلك سوء ~~القالة في المنع، وحمل على كاتبك في ذلك لأئمة أنت منها بريء الساحة. # وكذلك فليكن رأيك وأمرك فيمن طرأ عليك من الوفود، وأتاك من الرسل، فلا ~~يصلن إليك أحد منهم إلا منهم إلا بعد وصول علمه اليك، وعلم ما قدم له عليك، PageV01P058 ### | CHECK [59_2] # وجهة ما هو مكلمك ms050 به، وقدر ما هو سائلك إياه، إذا وصل إليك فأصدرت رأيك ~~في حوائجه، وأنفذت مصدور رويتك في مرجوع مسألته، قبل دخوله عليك، وعلمه ~~بوصول حاله إليك، فرفعت عنك مؤونة البديهة، وأرخيت عن نفسك خناق الروية، ~~وأقدمت على رد جوابه بعد النظر، كاتبك، وطوى عنه حاجته قبلك، دفعته عنك ~~دفعا جميلا، ومنعته جوابك منعا وديعا، ثم أمرت حاجبك بإظهار الجفوة له، ~~والغلطة عليه، ومنعته من الوصول إليك، فإن ضبطك لذلك مما يحكم تلك الأسباب ~~صارفا عنك مؤونتها، ومسهلا عليك مستصعبها. # هذه هي خطة التي اختطها عبد الحميد لولي عهد المسلمين، يريد بها أن يرفع ~~مقامه بين الناس، على اختلاف مطالبهم، وأن يظهر بمظهر الكرامة، بعيدا عن ~~تجبيه قاصديه والتجهم لهم، وهو ضرب من حسن السياسة ما نخال رجال الدولة ~~الراقية اليوم يعملون بغير هذه الطريقة حتى لا يسقطوا من الانتظار، ويتركوا ~~للمراجعين فسحة من الأمل، ولا يقطعوا معهم قطها بتا، وأن يستهدف صغار ~~العمال للنقد وأفظع من النقد، والرئيس بمأمن، على حين هو الكل في الكل، ~~والصغير عن رأيه صدر، ولإرادته نفذ، ولقانونه طبق. وماذا يضير هذا لو حمل ~~الناس عليه بالطعن، وقد يفادي بالمئات من العمال لقيام الدولة وحفظ البيضة، ~~واستبقاء الكرامة والحظوة، في سبيل الرفع من مكانة الرئيس الأول، فإن ~~بسقوطه سقوط الدولة، وسقوط بعض عماله ل شأن له ولا بال. وحقيقة فإن من ~~المسائل ما يوفق لكشفه صاحب الشرطة مثلا أكثر مما يوفق العظيم في الدولة، ~~لأنه متمحض لذلك، ومقام ولاية العهد يصغر في نفوس الأمة إذا عمل صاحبه في ~~جزيئات الأمور عملا قد يجيده العامل الصغير، ويوفق فيه، ويوفر على صاحبه ~~وقته، ويرفع في العيون شخصيته. # جود عبد الحميد الكلام على هذا فأبان عن بعد نظر في سياسة الملك وسياسة PageV01P059 ### | CHECK [60_2] # الرعية، ثم أنشأ ينهج للمكتوب إليه طريقا مهيعا، في سلوكه مع جلسائه ~~وبطانته، وأهل مشورته وأعوانه، وفي أحوال نفسه. وتالله لقد لقنه هنا أدبا ~~وحدد له عادات أشبه بقواعد الحياة العامة في الممالك المتحضرة اليوم. ms051 ~~والعقل البشري على كثرة ارتقائه جيلا فجيلا، لن يبرح في دائرة نرى فيها ما ~~كان يستحسن قبل ألف سنة يستحسن اليوم، وتلك القواعد التي يتمسكون بها هي ~~القواعد التي سنها أجدادنا لأنفسهم منذ ثلاثة عشر قرنا. # قال عبد الحميد: # احذر تضييع رأيك، وإهمالك أدبك، في مسالك الرضا والغضب، واعتوارهما إياك، ~~فلا يزدهينك إفراط عجب تستخفك روائعه، ويستهويك منظره، ولا يبدن منك في ذلك ~~خطأ ونزق خفة لمكروه إن حل بك، او حادث إن طرأ عليك. . . . وامنع أهل ~~بطانتك وخاصة خدمك من استلحام أعرض الناس عندك بالغيبة، والتقريب إليك ~~بالسعاية، والإغراء من بعض ببعض، أو النميمة إليك بشيء من أحوالهم المستترة ~~عنك، أو التحميل لك على أحد منهم بوجه النصيحة ومذهب الشفقة، فإن ذلك أبلغ ~~بك سموا إلى منالة الشرف، وأعون لك على محمود الذكر، وأطلق لعنان الفضل في ~~جزالة الرأي وشرف الهمة وقوة التدبير. # واملك نفسك عن الانبساط في الضحك والانفهاق، وعن القطوب بإظهار الغضب ~~وتنحله، فإن ذلك ضعف عن ملك سورة الجهل، وخروج من انتحال اسم الفضل، وليكن ~~ضحكك تبسما أو كشرا في أحايين ذلك وأوقاته، وعند كل رائع مطرب، وقطوبك ~~إطراقا في مواضع ذلك وأحواله، بلا عجلة إلى السطوة، ولا إسراع إلى الطيرة، ~~دون أن يكنفها روية الحلم، وتملك عليها بادرة الجهل. # إذا كنت في مجلس ملئك، حيث حضور العامة مجلسك، فإياك والرمي بنظرك إلى ~~خاص من قوادك، أو ذي أثره عندك من حشمك وليكن نظرك مقسوما في PageV01P060 ### | CHECK [61_2] # الجميع، وإراعتك سمعك ذا الحديث بدعة هادئة، ووقار حسن، وحضور فهم مجتمع، ~~وقلة تضجر بالمحدث، ثم لا يبرح وجهك إلى بعض حرسك وقوادك متوجها بنظر ركين، ~~وتفقد محض، وإن وجه إليك أحد منهم نظره محدقا، أو رماك ببصره ملحا، فاخفض ~~عنه إطراقا جميلا باتداع وسكون، وإياك والتسرع في الإطراق، والخفة في تصريف ~~النظر، والإلحاح على من قصد إليك في مخاطبته إياك رامقا بنظره. # واعلم أن تصفحك وجوه جلسائك، وتفقدك مجانسة قوادك، من قوة التدبير، ~~وشهامة القلب، وذكاء الفطنة، ms052 وانتباه السنة، فتفقد ذلك عارفا بمن حضرك وغاب ~~عنك، عالما بمواضعهم من مجلسك، ثم اغد بهم عن ذلك سائلا لهم عن أشغالهم ~~التي منعتهم من حضور مجلسك، وعاقتهم بالتخلف عنك. # إن كان أحد من حشمك وأعوانك تثق منه بغيب ضمير، وتعرف منه لين طاعة، ~~وتشرف منه على صحة رأي، وتأمنه على مشورتك، فإياك والإقبال عليه في كل حادث ~~يرد عليك، والتوجه نحوه بنظرك عند طوارق ذلك، أن تريه أو أحدا من أهل مجلسك ~~أن بك حاجة إليه موحشة، أو أن ليس بك عنه غنى في التدبير، أو أنك لا تقضي ~~دونه رأيا إشراكا منك له في رويتك، وإدخالا منك له في مشورتك، واضطرارا منك ~~إلى رأيه في الأمر يعروك، فإن ذلك من دخائل العيوب التي ينتشر بها سوء ~~القالة عن نظرائك، فانفها عن نفسك، خائفا لاعتلاقها ذكرك، واحجبها عن رويتك ~~قاطعا أطماع عن مثلها عندك، أو غلوبهم عليها منك، واعلم أن للمشورة موضع ~~الخلوة وانفراد النظر، ولكل أمر غاية تحيط بحدوده وتجمع معالمه، فابغها ~~محرزا لها، ورمها طالبا لنيلها، وإياك والقصور عن غايتها، أو العجز عن ~~دركها، أو التفريط في طلبها إن شاء الله تعالى. # إياك والإغرام عن حديث ما أعجبك، أو أمر ما ازدهاك بكثرة السؤال، أو القطع PageV01P061 ### | CHECK [62_2] # لحديث من أرادك بحديثه، حتى تنقضه عليه بالخوض في غيره أو المسألة عما ~~ليس منه، فإن ذلك عند العامة منسوب إلى سوء الفهم، وقصر الأدب، عن تناول ~~محاسن الأمور والمعرفة بمساويها، ولكن أنصت لمحدثك وأرعه سمعك، حتى يعلم أن ~~قد فهمت حديثه، وأحطت معرفة بقوله، فإن أردت إجابته فعن معرفة بحاجته، وبعد ~~علم بطلبته، وإلا كنت عند انقضاء كلامه كالمتعجب من حديثه بالتبسم ~~والإغضاء، فأجزى عنك الجواب، وقطع عنك ألسن العتب. # إياك وأن يظهر منك تبرم بطول مجلسك، أو تضجر ممن حضرك وعليك بالتثبت عن ~~سورة الغضب، وحمية الأنف، وملال الصبر في الأمر تستعجل به، والعمل تأمر ~~بإنفاذه، فإن ذلك سخف شائن، وخفت مردية، وجهالة بادية، وعليك بثبوت المنطق، ms053 ~~ووقار المجلس، وسكون الريح، والرفض لحشو الكلام، والترك لفضوله، والإغرام ~~بالزيادات في منطقك، والترديد للفضك من نحو أسمع وأفهم عني ويا هناه، وألا ~~ترى، أو ما يلهج به من هذه الفضول المقصرة بأهل العقل، والشائنة لذوي الحة ~~في المنطق، المنسوبة إليه بالعي، المردية لهم بالذكر، وخصال من معايب ~~الملوك، والسوق عنها غبية النظر، إلا من عرفها من أهل الأدب، وقلما حامل ~~لها، مضطلع بها، صابر على ثقلها، آخذ لنفسه بجوامعها، فأنفها عن نفسك ~~بالتحفظ منها، وأملك عليها اعتيادك إياها معتنيا بها، منها كثرة التنخم ~~والتبصق والتنخع، والثؤباء والتمطي والجشاء، وتحريك القدم، وتنقيض الأصابع، ~~والعبث بالوجه واللحية أو الشارب أو المخصرة أو ذؤابة السيف أو الإيماض ~~بالنظر، أو الإشارة بالطرف إلى بعض خدمك بأمر إن أردته، أو السرار في ~~مجلسك، أو الاستعجال في طعمك أو شربك، وليكن طعمك متدعا وشربك أنفاسا، ~~وجرعك مصا وإياك والتسرع في الأيمان فيما صغر أو كبر من الأمور، والشتيمة ~~بقول يا أبن الهناة، أو الغميزة لأحد من خاصتك، بتسويغهم مقارفة الفسوق بحيث PageV01P062 ### | CHECK [63_2] # محضرك أو دارك وفناؤك، فإن ذلك كله مما يقبح ذكره، ويسوء موقع القول فيه، ~~وتحمل عليك معاييبه، وينالك شينه وينتشر عليك سوء النبإ به، فأعرف ذلك ~~متوقيا له، واحذره مجانبا لسوء عاقبته. # استكثر من فوائد الخير، فإنها تنشر المحمدة وتقيل العثرة، واصبر على كظم ~~الغيظ، فإنه يورث الراحة، ويؤمن الساحة. وتعهد العامة بمعرفة دخلهم وتبطن ~~أحوالهم، واستثارة دفائنهم، حتى تكون منها على رأي عين، ويقين خبرة، فتنعش ~~عديمهم، وتجبر كسيرهم، وتقوم أودهم، وتعلم جاهلهم، وتستصلح حاسدهم،؛ فإن ~~ذلك من فعلك بهم يورثك العزة؛ ويقدمك في الفضل، ويبقي لك لسان الصدق في ~~العاقبة، ويحرز لك ثواب الآخرة؛ ويرد عليك عواطفهم المستنفرة منك، وقلوبهم ~~المتنحية عنك. # قس بين منازل أهل الفضل في الدين والحجا والرأي والعقل والتدبير والصيت ~~في العامة، وبين منازل أهل النقص في طبقات الفضل وأحواله، والخمول عند ~~مباهاة النسب، وانظر بصحبة أيهم تنال من مودته الجميل، وتستجمع لك أقاويل ~~العامة على ms054 التفضيل، وتبلغ درجة الشرف في أحوالك المتصرفة بك، فاعتمد عليهم ~~من خلالهم في أمرك، وآثرهم بمجالستك لهم مستحقا منهم، وإياك وتضييعهم ~~مفرطا، وإهمالهم مضيعا. # هنا انتهى الفصل الأول من هذه الرسالة وقد لمحنا فيها ما يهذب النفس، ~~ويعرفها مصادر الأمور ومواردها، ويقفها على أحوال الناس ومعالجة مسائلهم، ~~وقد ختمه بقوله: هذه جوامع خصها لك أمير المؤمنين مفسرا؛ وجمع لك شواذها ~~مؤلفا، وأهداها إليك مرشدا، فقف عند أوامرها، وتناه عن زواجرها، وتثبت في ~~مجامعها، وخذ بوثائق عراها، تسلم من معطب الردي، وتنل أنفس الحظوظ، ورغيب ~~الشرف، وأعلى درجات الذكر، والله يسأل لك أمير المؤمنين حسن الإرشاد، وتتابع PageV01P063 ### | CHECK [64_2] # المزيد، وبلوغ الأمل، وأن يجعل عاقبة ذلك بك إلى للخير، والمعين على ~~الإرشاد، وبه تمام الصالحات، وهو مؤتي الحسنات، وبيده الملك وهو على كل شيء قدير. # في الجزء الأول من هذا الكتاب صورة من التربية التي يريد عبد الحميد أن ~~يلقنها ولي العهد، وما يحاول أن ينزه عنه خلقه وعاده، ومجالسه وموافقه، ~~ويلقنه من السيرة الحسنة مع رعيته، وذوي الحاجات والظلامات منها، وما يجب ~~أن يكون عليه في إدارته وسياسته مع عماله ونصحائه وأصحاب أخباره، حتى يظهر ~~للملأ تام الأدوات، جميل المآتي والصفات، عظيما يضم في برديه ضروب الوقار ~~وحسن السمت، وجمال العلم والأدب. أما الجزء فهو قانون الحرب يلخصه لقائدها، ~~فيعمل على نفاذه، لتكتب له الغلبة على خصمه الخارج على دولته. وقد بدأ هذا ~~القسم بالوقوف عند حدود الطاعة لله، والعمل بمراشده، واجتناب نواهيه، ووصف ~~الدواعي إلى جهاد العدو الذي خرج على الجماعة، فكان أضر على المسلمين من ~~الترك والمشركين، وأوصاه برعاية من يمر بهم الجيش من أهبل الذمة وأهل ~~الملة، لئلا ينال الرعية ما ينالها على الأغاب، من كل جيش مرابط ومثاغر ~~ومهاجم ومدافع ومتراجع. فقال هذا: # فإذا أفضيت نحو عدوك، واعتزمت على لقائهم، وأخذت أهبة قتالهم، فاجعل ~~دعامتك التي تلجأ إليها، وثقتك التي تأمل النجاة بها، وركنك الذي ترتجي به ~~منازل الظفر، وتكتهف به لمغالق الحذر، تقوي الله عز ms055 وجل، مستشعرا لها ~~بمراقبته، والاعتصام بطاعته، متبعا لأمره، مجتنبا لسخطه، محتذيا سنته، ~~والتوقي لمعاصيه، في تعطيل حدوده وتعدي شرائعه، متوكلا عليه فيما صمدت، له ~~واثقا بنصره فيما توجهت نحوه، متبرئا من الحول والقوة فيما نالك من ظفر، ~~وتلقاك من عز، راغبا فيما أهاب بك أمير المؤمنين إليه من فضل الجهاد، ورمى ~~بك إليه، محمود الصبر فيه عند الله، من قتال عدو المسلمين، أكلبهم عليهم، وأظفره PageV01P064 ### | CHECK [65_2] # عداوة لهم، وأفدحه ثقلا لعامتهم، وآخذه بربقهم وأعلاه عليهم بغيا، وأظهره ~~فيهم فسقا وفجورا، وأشده على فيئهم الذي أصار الله لهم مؤونة وكلا، والله ~~المستعان عليهم، والمستنصر على جماعتهم، عليه يتوكل أمير المؤمنين وإياه ~~يستصرخ عليهم، وإليه يفوض أمره، وكفى بلله وليا وناصرا ومغيثا وهو القوي ~~العزيز. # ثم خذ من معك من أتباعك وجندك، بكف معرتهم، ورد مستعلى جورهم وإحكام ~~خللهم، وضم منتشر قواصيهم، ولم شعث أطرافهم، وتقييدهم عمن مروا به من أهل ~~ذمتك وملتك، بحسن السيرة، وعفاف الطعمة، ودعة الوقار وهدى الدعة، وجمام ~~المستجم، محكما ذلك منهم، متفقدا لهم تفقدك إياه من نفسك. # ثم اصمد لعدوك المتسمي بالإسلام، الخارج عن جماعة أهله، المنتحل ولاية ~~الدين، مستحلا لدماء طاعنا عليهم، راغبا عن سنتهم، مفارقا لشرائعهم، يبغيهم ~~الغوائل، وينصب لهم المكايد، أضرم حقدا عليهم، وأرصد عداوة لهم، من الترك ~~وأمم الشرك، وطواغي الملل؛ يدعو إلى المعصية والفرقة، والمروق من الدين إلى ~~الفتنة، مخترعا بهواه للأديان المنتحلة، والبدع المتفرقة، خسارا وتخسيرا، ~~وضلالا وتضليلا، بغير هدى من الله ولا بيان، ساء ما كسبت يداه، وما الله ~~بظلام للعبيد، وبئسما سولت له نفسه الأمارة بالسوء، والله من ورائه ~~بالمرصاد، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. # وقد رأينا بما نقلنا من جمله أنه عاد فأراده على الاعتصام بالمولى، وأدلى ~~إليه بالوسائل إلى استصلاح عدوه من دون إهراق دم فقال له: اعلم أن الظفر ~~ظفران أحدهما أعم منفعة، وأبلغ في حسن الذكر قالة، وأحوطه سلامة، وأتمه ~~عافية، وأعوده عاقبة، وأحسنه في الأمور موردا، وأصحه في الرواية حزما، ~~وأسلمه عند ms056 العامة مصدرا، ما نيل ببسالة الجنود، وحسن الحليلة، ولطف ~~المكيدة، ويمن النقيبة، واستنزال طاعة ذوي الصدوف، بغير إخطار الجيوش في ~~وقدة جمرة PageV01P065 ### | CHECK [66_2] # الحرب، ومنازلة الفرسان في معترك الموت، وإن ساعدتك طلوق الظفر، ونالك ~~مزيد السعادة في الشرف؛ ففي مخاطرة التلف مكروه المصائب، وعضاض السيوف، ~~وألم الجراح، وقصاص الحروب، وسجالها بمغاورة أبطالها، على أنك لا تدري لأي ~~الفريقين يكون الظفر في البديهة، ومن المغلوب في الدولة؛ ولعلك أن تكون ~~المطلوب بالتمحيص، فحال أبلغهما في سلامة جندك ورعيتك، وأشهرهما صيتا في ~~بدو تدبيرك ورأيك، وأجمعهما لألفة وليك وعدوك، وأعونهما على صلاح رعيتك ~~وأهل ملتك، وأقواهما شكيمة في حزمك وأبعدهما من وصم عزمك، وأعلقهما بزمام ~~النجاة في آخرتك، وأجزلهما ثوابا عند ربك. # وابدأ بالإعذار إلى عدوك، والدعاء لهم إلى مراجعة الطاعة وأمر الجماعة، ~~وعز الألفة، آخذا بالحجة عليهم، متقدما بالإنذار لهم، باسطا أمانك لمن لجأ ~~إليك منهم، داعيا لهم بألين لفظك، وألطف حيلتك، متعطفا برأفتك عليهم، ~~مترفقا بهم في دعائك، مشفقا عليهم من غلبة الغواية لهم، وإحاطة الهلكة بهم، ~~منفذا رسلك إليهم بعد الإنذار، تعدهم كل رغبة يهش إليها طمعهم في موافقة ~~الحق، وبسط كل أمان سألوه لأنفسهم ومن معهم ومن تبعهم، موطنا نفسك فيما ~~تبسط لهم من ذلك على الوفاء بعهدك، والصبر على ما أعطيتهم من وثائق عقدك، ~~قابلا توبة نازعهم عن الضلالة، ومراجعة مسيئهم إلى الطاعة، مرصدا للمنحاز ~~إلى فئة المسلمين وجماعتهم، إجابة إلى ما دعوته إليه، وبصرته إياه من حقك ~~وطاعتك، بفضل المنزلة وإكرام المثوي، وتشريف الجاه؛ وليظهر من أثرك عليه، ~~وإحسانك إليه، ما يرغب في مثله الصادف عنك، المصر على خلافك ومعصيتك، ويدعو ~~إلى اعتلاق حبل النجاة، وما هو أملك به في الاعتصام عاجلا، وأنجى له ممن ~~العقاب آجلا، وأحوطه على دينه ومهجته، بدأ وعاقبة فإن ذلك مما يستدعي به من ~~الله نصره عليهم، ويعتضد به في تقديمه الحجة إليهم معذرا أو منذرا إن شاء الله. PageV01P066 ### | CHECK [67_2] # وهنا وصف له الطريقة التي يجب أن يتخذها لإرسال ms057 عيونه وجواسيسه لمعرفة ~~حال العدو وإدراك نفسيته، وما يرغب فيه مستشيرا لذوي النصيحة الذين قد ~~حنكتهم السن، وخبطتهم التجربة، ونجدتهم الحروب؛ وأن الواجب أن يعظم أمر ~~عدوه لأكثر مما بلغه، أخذا بالحزم لئلا يكون مهين الجند، ولا مفرطا في ~~الرأي، ولا متلهفا على إضاعة تدبير. وحذره جواسيسه أنفسهم بما يأتونه به من ~~أخبار عدوه؛ وأن لا يعاقبهم إذا اتهمهم في خبر حملوه، ملتمسا لهم الاعتذار، ~~ولعلهم أوتوا من تدبير العدو ومكيدته. # وقال: # ألبسهم جميعا على الانتصاح، وأرجح لهم المطامع، فإنك لم تستبعدهم بمثلها، ~~وعدهم جزالة الثواب في غير ما استنامة منك إلى ترقيقهم أمر عدوك. واعلم أن ~~جواسيسك وعيونك ربما صدقوك، وربما غشوك وربما كانوا لك وعليك، فنصحوا لك ~~وغشوا عدوك، وغشوك ونصحوا عدوك، وكثيرا ما يصدقونك ويصدقونه، فلا تبدرن منك ~~فرطة وعقوبة إلى أحد منهم، ولا تعجل بسوء الظن إلى من أتهمته على ذلك، ~~وابسط من آمالهم فيك، من غير أن تري أحدا منهم أنك أخذت من قوله أخذ العامل ~~به والمتبع له؛ أو عملت على رأيه عمل الصادر عنه، أو رددته عليه رد المكذب ~~به، والمتهم له، المستخف بما أتاك منه، فتفسد بذلك نصيحته، وتستدعي غشه، ~~وتجتر عداوته؛ واحذر أن يعرف جواسيسك في عسكرك، أو يشار إليهم بالأصابع، ~~وليكن منزلهم على كاتب رسائلك وأمين سرك، ويكون هو الموجه لهم، والمدخل ~~عليك من أردت مشافهته منهم؛ واعلم أن لعدوك في عسكرك عيونا راصدة، وجواسيس ~~كامنة؛ وأن رأيه في مكيدتك مثل ما تكايده به، ويستحال لك كاحتيالك له، ويعد ~~لك كإعدادك فيما تزاوله منه؛ فاحذر أن يشهر رجل من جواسيسك في عسكرك فبلغ ~~ذلك عدوك، ويعرف موضعه فيعد له PageV01P067 ### | CHECK [68_2] # المراصد، ويحتال له، بالمكايد؛ فإن ظفر به فأظهر عقوبته، كسر ذلك ثقات ~~عيونك، وخذلهم عن تطلب الأخبار من معادنها، واستقصائها من عيونها، واستعذاب ~~اجتنائها من ينابيعها، حتى يصيروا إلى أخذها على عرض من غير الثقة ولا ~~المعاينة، لقطا لها بالأخبار الكاذبة، والأحاديث المرجفة؛ واحذر أن يعرف ~~بعض عيونك بعضا، ms058 فإنك لا تأمن تواطؤهم عليك، وممالأتهم عدوك، واجتماعهم على ~~غشك، وتطابقهم على كذبك، وإصفاقهم على خيانتك؛ وأن يورط بعضهم بعضا عند ~~عدوك؛ فاحكم أمرهم فإنهم رأس مكيدتك، وقوام تدبيك، وعليهم مدار حربك، وهو ~~أول ظفرك. # وذكر له بعد هذا صفة من يوليه شرطته، وأن يكون أوثق قواده عنده، وآمنهم ~~نصيحة، وأقدمهم بصيرة في طاعته، وأصدقهم عفافا؛ وأن يبسط من أمله مظهرا عنه ~~الرضا، حامدا منه الابتلاء. وبين له عمله في الجيش وسلطته على الناس. وقال ~~له أن يولي القضاء في عسكره رجلا من ذوي الخير في القناعة والعفاف والنزاهة ~~والفهم والوقار والعصمة والوروع ممن حنكته السن، وأيدته التجربة؛ ويكون ممن ~~لا يداهن في القضاء وممن يعدل، وأن يجري عليه ما يكفيه ويسعه ويصلحه، ~~ليتفرع لما حمله، ويعان على ما ولي؛ وأشار له أن ينتخب لطلائعه ذوي نجدة ~~وبأس وخبرة ممن صلوا بالحروب، وشربوا مرار كؤوسها؛ وأن ينتقيهم على عينه، ~~ويعرض كراعهم بنفسه، وبين له ما يصلح من الخيل والسلاح، ووصف ذلك أبدع وصف؛ ~~وحذره أن يكل مباشرة عرضهم وانتخابهم إلى أحد من أعوانه وكتابه، لئلا يضيع ~~مواضع الحزم، ويقف دون عزم الروية، لأنهم حصون المسلمين وعيونهم، وهم أول ~~مكيدته، وعروة أمره، وزمام حربه؛ وأن ينتخب للولاية عليهم رجلا بعيد الصوت، ~~مشهور الاسم، ظاهر الفضل، له في العدو وقعات وصولات، وأن يجري عليهم وعليه ~~أرزاقا تسعهم، وتمد من أطماعهم، PageV01P068 ### | CHECK [69_2] # سوى أرزاقهم في العامة. وبعد هذا قال له أن يولي دراجة عسكره، وإخراج ~~أهله إلى مصافهم ومراكزهم، رجلا من أهل بيوتات الشرف، محمود الخبرة، معروفا ~~بالنجدة، ذا سن وتجربة؛ وأن يضم إليه عدة نفر من ثقات جنده، وذوي أستانهم ~~يكونون شرطة معه؛ ثم تتقدم إليه في إخراج المصاف، وإقامة الأحراس، وإذكاء ~~العيون، وذكر له عنك هذا الرجل في الأخذ بالنافع لقيام أمر الجيش، ووقايته ~~من العدو. # وأراده أن يفوض إلى أمراء أجناده وقواد خيله أمور أصحابهم، رياضة منه لهم ~~على السمع والطاعة لأمرائهم؛ وحذره أن يعتل أحد من قواده عليه، ms059 بما يحول ~~بينه وبين تأديب جنده، لأن ذلك مفسدة للجند؛ وحذره استخفاف الجند بقوادهم، ~~لأن ذلك يؤدي إلى استخفافهم بأمره؛ وأن يوعز إلى قواده أن لا يقدموا على ~~عقوبة أحد إلا عقوبة تأديب؛ أما عقوبة القتل أو إقامة حد في قطع أو إفراط ~~في ضرب أو أخذ مال فلا يلي ذلك إلا هو، أو صاحب شرطته بأمره، وعن رأيه وإذنه. # ثم بسط له القول عند لقاء العدو إذا شام طلائعه كيف يكتب خيوله ويعبي ~~جنده، ويسير في مقدمة وميمنة وميسرة وساقة، شاهرين الأسلحة، ناشرين البنود ~~والأعلام، عارفين بمواضعهم في مسيرهم ومعسكرهم، معرفا كل قائد أصحابه ~~مواقفهم من الميمنة والميسرة والقلب والساقة والطليعة، ليكون كأنه عسكر ~~واحد في اجتماعه على العدو؛ فإن ضلت دابة من مواضعها عرف أهل العسكر من أي ~~المراكز هي ومن صاحبها، وفي أي المحل حلوله منها فردت إليه؛ وأراده على أن ~~يجعل على ساقته أوثق أهل عسكره صرامة ونفاذا، ورضى في العامة، وإنصافا من ~~نفسه للرعية، وأن يجعل خلف ساقته رجلا من وجوه قواده جليدا ماضيا عفيفا ~~صارما، شهم الرأي، شديد الحذر، غير مداهن في العقوبة، وأمره أن يعد العقوبة ~~الموجعة، ويستصفي الأموال، ويهدم عقار كل من آوى أحدا من الجند، أو ستر PageV01P069 ### | CHECK [70_2] # موضعه، أو أخفى محله، ثم قال: # ليكن رحلك إبانا واحدا، ووقتا معلوما، لتخف المؤونة بذلك على جندك، ~~ويعلموا أوان رحيلهم فيقدموا فيما يريدون من معالجة أطعمتهم، وأعلاف ~~دوابهم، وتسكن قلوبهم إلى الوقت الذي وقفوا عليه، ويطمئن ذوو الرأي إلى ~~إبان الرحيل؛ ومتى يكون رحيلك مختلفا، تعظم المؤونة عليك وعلى جندك؛ ولا ~~يزال ذوو السفه والنزق يترحلون بالإرجاف وينزلون بالتوهم، حتى لا ينتفع ذو ~~رأي بنوم ولا طمأنينة. # إياك أن تظهر استقلالا، أو تنادي برحيل من منزل تكون فيه، حتى تأمر صاحب ~~تعبيتك بالوقوف بأصحابه على معسكرك، آخذا بجنبي فوهته بأسلحتهم، عدة لأمر ~~إن حضر، أو مفاجأة من طليعة للعدو إن رأت منكم نهزة، أو لمحت عندكم غرة، ثم ~~مر الناس بالرحيل، وخيلك ms060 واقفة، واهبتك معدة، وجنتك واقية، حتى إذا ~~استقللتم من معسكركم وتوجهتم من منزلكم، سرتم على تعبيتكم بسكون ريح، وهدو ~~جملة وحسن دعة؛ فإذا انتهيت إلى منهل أردت نزوله، أو هممت بالمعسكر به، ~~فإياك ونزوله إلا بعد العلم بأهله، والمعرفة بمرافقه، ومر صاحب طليعتك أن ~~يعرف لك أحواله، ويستثير لك علم دفينه، ويستبطن علم أموره، ثم ينهيها إليك ~~على ما صارت إليه، لتعلم كيف احتماله لعسكرك، وكيف ماؤه وأعلافه موضع ~~معسكرك منه؛ وهل لك إن أردت مقاما به، أو مطاولة عدوك، أو مكايدته فيه، قوة ~~تحملك ومدد يأتيه، فإنك إن لم تفعل ذلك لم تأمن تهجم على منزل يعجزك ويزعجك ~~عنه ضيق مكانه، وقلة مياهه، وانقطاع مواده، إن أردت بعدوك مكيدة، أو احتجت ~~من أمورهم إلى مطاولة، فإن ارتجلت منه كنت غرضا لعدوك، ولم تجد إلى ~~المحاربة والأخطار سبيلا، وإن أقمت به على مشقة وحصر، وفي أزل وضيق، فاعرف ~~ذلك وتقدم فيه؛ فإن أردت نزولا أمرت صاحب الخيل التي PageV01P070 ### | CHECK [71_2] # وكلت بالناس، فوفقت خيله متنحية من معسكرك، عدة لأمر إن غالك، ومفزعا ~~لبديهة إن راعتك، فقد أمنت بحمد الله وقوته فجأة عدوك، وعرفت موقعها من ~~حرزك، حتى يأخذ الناس منازلهم، وتوضع الأثقال مواضعها، ويأتيك خبر طلائعك، ~~وتخرج دبابتك من معسكرك دراجة ودبابات محيطين بعسكرك، وعدة إن احتجت إليها؛ ~~ولتكن دبابات جندك أهل جلد وقوة، قائدا أو اثنين أو ثلاثة بأصحابهم، في كل ~~ليلة ويوم نوبا بينهم، فإذا غربت الشمس، ووجب نورها، أخرج إليهم صاحب ~~تعبيتك أبدالهم، عسسا بالليل في أقرب من مواضع دبابي النهار، يتعاور ذلك ~~قوادك جميعا بلا محاباة لأحد فيه ولا إدهان. # وعلى هذا النحو وضع لولي العهد مخطط الحركات الحربية، ثم قال له أن يكون ~~منزله في خندق أو حصن ليأمن فيه بيات عدوه؛ وأن يقطع لكل قائد ذرعا معلوما ~~من الأرض بقدر أصحابه، فيحفروه عليهم خندقا يطيفونه بعد ذلك بخنادق الحسك، ~~أي الأسلاك الشائكة؛ وإذا طرقهم طارق، أو فاجأهم عدو أن لا يتكلم أحدا ~~رافعا صوته ms061 بالتكبير، وليشرعوا رماحهم ناشبين بها في وجوههم، ويرشقونهم ~~بالنبل مكتنين بأترستهم، لازمين لمراكزهم، وأن يكبروا ثلاث تكبيرات ~~متواليات وسائر الجند هادون، ليعرف مواضع عدوه من معسكره، وأن لا يشهروا ~~سيفا يتجالدون به، بل يكون قتالهم بالرماح والنشاب قد ألبدوا بالأترسة. ~~واستجنوا بالبيض، وألقوا عليهم سوابغ الدروع وجباب الحشو؛ وأراده على ألا ~~يخمد نار رواقه ليسكن نافر قلوب عسكره، وأن عدوه إذا نكل عن الإصابة في ~~جنده، فعليه أن يتبعه جريدة خيل، عليها الثقات من فرسانه. وتقدم إليه فوصف ~~الحالة التي يجب على هؤلاء الثقات أن يكونوا عليها، وهم يطاردون أعدائهم، ~~والصفات التي يجب على فرسانه أن يتصفوا بها ليغنوا غناءهم؛ ووصف له صورة ~~خيلهم وعددهم وسلاحهم، وكيف يولي على كل مائة رجل منهم رجلا من أهل خاصته PageV01P071 ### | CHECK [72_2] # وثقاته ونصحائه له صيت في الرياسة، وقدم في السابقة، وأولية في المتابعة؛ ~~ويتعهدهم ودوابهم وسلاحهم ليكونوا كرجل واحد في التشمير وسرعة الإجابة عند ~~الطلب. وقال له أن يوكل بخزائنه ودواوينه رجلا ناصحا أمينا، ويجعل معه خيلا ~~يكون مسيرها ومنزلها ومرحلها مع خزانته وحولها، ويكون عامة الجند والجيش ~~متنحين عنها لئلا تحدث فزعة، فينتهب الجند أنفسهم الخزانة. # وبعد أن نحا هذا المنحي ختم هذه الرسالة العذراء مزينا للقائد أن يعمد ~~إلى الحيل أولا لا إلى القتال، وأن يدس على عدوه، ويكاتب رؤساءهم وقادتهم، ~~ويعدهم ويمنيهم، ويقطع أعناقهم بالمطامع. وقال له: ولا عليك أن تطرح إلى ~~بعضهم كتبا كأنها جواب كتب لهم إليك، وتكتب على ألسنتهم كتبا إليك تدفعها ~~إليهم، وتحمل بها صاحبهم عليهم، وتنزلهم عنده بمنزلة التهمة ومحل الظنة، ~~فلعل مكيدتك في ذلك أن يكون فيها افتراق كلمتهم. وأتم الرسالة بما يجب عليه ~~وعلى جيشه من ذكر الله عند المصاولة، وأن لا يظهر الجند تكبيرا إلا في ~~الكرات والحملات، أما وهم وقوف فإن ذلك من الفشل والجبن، وأن يكون في ~~معسكره المكبرون في الليل والنهار قبل المواقعة يحضون الناس على القتال، ~~ويصفون لهم منازل الشهداء وثوابهم، ويذكرونهم الجنة ودرجاتها، ونعيم أهلها ~~وسكانها. ms062 # وكتب هذا الكتاب سنة تسع وعشرين ومائة قبل زوال ملك بني أمية من الشرق ~~بثلاث سنين. وقد عرفنا به أمورا كثيرة من شؤون تلك الأيام، ونمط حروبها ~~وغاراتها، والأخلاق الغالبة على أهلها، ما لا نتعرف بعضه بالرجوع إلى الكتب ~~المطولة، والأحاديث المنتشرة؛ ودل بها عبد الحميد أنه رجل الدولة الأموية، ~~ممن قد ينبغ مثلهم أواخر الدول، فيكونون لها سراجا وهاجا، وتطفأ شعلتهم ~~بانطفاء شعلتها. # وعرفنا بهذا القليل من الصفحات من كلام إمام المنشئين نفسيته وعقله، بما لا PageV01P072 ### | CHECK [73_2] # تنهض بتعريفه التراجم المطولة التي يكتبها أصحابها، فيمن لم يعرفوهم ولم ~~يعاشروهم، فيترجمون لهم كما يترجمون لغيرهم. وبعض التراجم إذا أزالت منها ~~جملا معينة تليق أن تلبس على جسم أكثر الناس وروحهم، وترجمة المرء من كلامه ~~أفعل أثرا وأصدق قيلا. # والرسالة الثانية لعبد الحميد، هي رسالته إلى الكتاب، وقد تعد من مطولاته ~~قال الجهشياري: وجدت بخط ميمون بن هارون لعبد الحميد كتابا إلى الكتاب أطال ~~فيه، إلا أنه أجاد فلم استجز إسقاط بعضه، وكتبته جميعه على طولها لأن ~~الكاتب لا يستغني عن مثله وهو: # أما بعد حفظكم الله يا أهل هذه الصناعة وحاطكم ووفقكم وأرشدكم، فإن الله ~~جل وعز، جعل الناس من بعد الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، ومن ~~بعد الملوك المكرمين سوقا، وصرفهم في صنوف الصناعات التي سبب منها معاشهم، ~~فجعلكم معشر الكتاب في أشرفها صناعة: أهل الأدب والمروءة والحلم والروية، ~~وذوي الأخطار والهمم، وسعة الذرع في الإفظال والصلة، بكم ينتظم الملك، ~~وتستقيم للملوك أمورهم، ويتدبير وسياستكم يصلح الله سلطانهم، ويجتمع فيئهم، ~~وتعمر بلادهم؛ يحتاج إليكم الملك في عظيم ملكه، والوالي في القدر السني ~~والدني من ولايته، لا يستغني عنكم منهم أحد، ولا يوجد كاف إلا منكم، ~~فموقعكم منهم موقع أسماعهم التي بها يسمعون، وأبصارهم التي بها يبصرون، ~~وألسنتهم التي بها ينطقون، وأيديهم التي بها يبطشون؛ أنتم إذا آلت الأمور ~~إلى موئلها، وصارت إلى محاصلها، ثقاتهم دون أهليهم وأولادهم وقراباتهم ~~ونصائحهم، فأمتعكم الله بما خصكم من فضل صناعتكم، ولا ms063 نزع عنكم سربال ~~النعمة عليكم. # وليس أحد من أهل الصناعات كلها أحوج إلى استخراج خلال الخير المحمودة ~~وخصال الفضل المذكورة المعدودة منكم أيها الكتاب، أن كنتم على نما سبق به PageV01P073 ### | CHECK [74_2] # الكتاب من صفتكم، فإن الكاتب يحتاج من نفسه ويحتاج منه صاحبه الذي يثق به ~~في مهمات أموره، إلى أن يكون حليما في موضع الحلم، فقيها في موضع الحكم، ~~مقداما في موضع الإقدام، ومحجما في موضع الإحجام، لينا في موضع اللين، ~~شديدا في موضع الشدة مؤثرا للعفاف والعدل والإنصاف، كتوما للأسرار، وفيا ~~عند الشدائد، عالما بما يأتي ويذر، ويضع الأمور في مواضعها، قد نظر في كل ~~صنف من صنوف العلم فاحكمه، فإن لم يحكمه شدا منه شدوا يكتفي، يكاد يعرف ~~بغريزة عقله، وحسن أدبه، وفضل تجربته، وما يرد عليه قبل وروده، وعاقبة ما ~~يصدر عنه قبل صدوره، فيعد لكل أمر عدته، ويهيئ لكل أمر أهبته؛ فنافسوا معشر ~~الكتاب في صنوف العلم والأدب، وتفقه في الدين، وابدءوا بعلم كتاب الله عز ~~وجل والفرائض، ثم العربية فإنها ثقاف ألسنتكم، وأجيدوا الخط فإنه حلية ~~كتبكم، وارووا الأشعار واعرفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب والعجم ~~وأحاديثها وسيرها، فإن ذلك معين لكم على ما تسمون إليه بهممكم، ولا يضعفن ~~نظركم في الحساب، فإنه قوام كتاب الخراج منكم، وارغبوا بأنفسكم عن المطامع ~~سنيها ودنيها، ومساوي الأمور ومحاقرها، فإنها مذلة للرقاب، مفسدة للكتاب؛ ~~ونزهوا صناعتكم، واربئوا بأنفسكم عن السعاية والنميمة، وما فيه أهل الدناءة ~~والجهالة، وإياكم والكبر والعظمة، فإنها عداوة مجتلبة بغير إجنة، وتحابوا ~~في الله عز وجل في صناعتكم وتواصلوا عليها، فإنها شيم أهل الفضل والنبل من سلفكم. # وإن نبا الزمان برجل منكم فاعطفوا عليه، وواسوه حتى ترجع إليه حاله، وأن ~~أقعد الكبر أحدكم عن مكسبه ولقاء إخوانه، فزوروه وعظموه وشاوروه، واستظهروا ~~بفضل رأيه وتجربته، وقديم معرفته؛ وليكن الرجل منكم على من أصطنعه واستظهر ~~به ليوم حاجته إليه، أحدب وأحوط منه على أخيه وولده، فإن عرضت في العمل ~~محمدة فليضفها إلى صاحبه، وإن عرضت مذمة فليحملها ms064 من PageV01P074 ### | CHECK [75_2] # دونه، وليحذر السقطة والزلة، والملال عند تغير الحال، فإن العيب إليكم ~~معشر الكتاب أسرع منه إلى المرأة، وهو لكم أشد منه لها، فقد علمتم أن الرجل ~~منكم قد يصف الرجل إذا صحبه في بدء أمره من وفائه وشكره، واحتماله وصبره ~~ونصيحته، وكتمان سره وعفافه وتدبيره، بما هو حري أن يحققه بفعاله، في غير ~~حين الحاجة إلى ذلك منه، فابذلوا وفقكم الله ذلك من أنفسكم في حال الرخاء ~~والشدة، والحرمان والمواساة، والإحسان والإساءة والغضب والرضا، والسراء ~~والضراء، فنعمت السمة هذه لمن وسم بها من أهل هذه الصناعة الشريفة، فإذا ~~ولي الرجل منكم، وصير إليه من أمور خلق الله وعباده أمر، فليراقب الله ~~تعالى ذكره، وليؤثر طاعته فيه، وليكن على الضعيف رفيقا، وللمظلوم منصفا، ~~فإن الخلق عباد الله وأحبهم إليه أرفقهم بعباده، ثم ليكن بالحق حاكما ~~وللأشراف مكرما ومداريا، وللفيء موفرا، وللبلاد عامرا، وللرعية متألفا، ~~وليكن في مجلسه متواضعا حليما لينا، وفي استجلاب خراجه واستقصاء حقوقه رفيقا. # وإذا صحب أحدكم الرجل فليستشف خلائقه، كما يستشف الثوب يشتريه لنفسه، ~~فإذا عرف حسنها وقبيحها، أعانه على ما يوافقه من الحسن، واحتال لصرفه عما ~~يهواه من القبيح، بألطف حيلة، وأحسن مداراة ورفق، فقد عرفتم أن السائس ~~البهيمة إذا كان حاذقا لسياستها ألتمس معرفة أخلاقها، فإن كانت رموحا ~~اتقاها من رجلها، وإن كانت جموحا لم يهجها إذا ركبها، وإذا كانت شموسا ~~توقاها من ناحية يدها، وإن خاف منها عضاضا توقاها من ناحية رأسها، وإن كانت ~~حرونا لم يلاحها، وتتبع هواها في طريقها وإن استمرت عطفها فيسلس لها ~~قيادها. ومن هذا الوصف من سائس البهيمة ورفق سياسته، دليل وأدب لمن ساس ~~الناس وعاملهم، وخدمهم وصحبهم. # والكاتب بفضل رأيه، وشرف صناعته ولطيف حيلته ومعاملته لمن يحاوره PageV01P075 ### | CHECK [76_2] # ويناظره، ويفهم عنه ويخاف سطوته، أولى بالرفق لصاحبه ومداراته وتقويم ~~أوده، من سائس البهيمة التي لا تحير جوابا، ولا تعرف خطأ ولا صوابا، إلا ~~بقدر ما يصيرها إليه سائسها، وصاحبها الراكب لها؛ فأذوقوا، يرحمكم الله، ~~النظر، وأعملوا ms065 فيه الروية والفكر، تأمنوا ممن صحبتموه - بإذن الله - ~~النبوة، والاستثقال والجفوة، ويصير منكم إلى الموافقة، وتصير منه إلى ~~المواساة والشفقة إن شاء الله. # ولا يجوزن الرجل منكم في هيئة مجلسه وملبسه ومركبه، ومطعمه ومشربه، ~~وبنائه وخدمه، وغير ذلك أمره قدر صناعته؛ فإنكم مع ما فضلكم الله به من شرف ~~صناعتكم خدم لا تحتملون في خدمتكم على التقصير، وخزان وحفظة لا يحتمل منكم ~~التضييع والتبذير؛ واستعينوا على عفافكم بالقصد في كل ما عددت عليكم، فنعم ~~العون عونكم على صيانة دينكم، وحفظ أمانتكم، وصلاح معاشكم؛ واحذروا السرف، ~~وسوء عاقبة الترف، فإنهما يعقبان الفقر، ويذلان الرقاب، ويفضحان أهلهما، ~~ولا سيما الكتاب. # وللأمور أشباه، وبعضها دليل على بعض؛ فاستدلوا في مؤتنف أعمالكم، بما ~~سبقت إليه تجربتكم، ثم اسلكوا من مسالك التدبير أوضحها محجة، وأرجحها حجة، ~~وأحمدها عاقبة. واعلموا أن للتدبير آفة وضدا لا يجتمعان في أحد أبدا، وهو ~~الوصف الشاغل لصاحبه على إنفاذ عمله ورويته؛ فليقصد الرجل منكم في مجلس ~~تدبيره، قصد الكافي في منطقه، وليقصد في كلامه، وليوجز في ابتدائه، وليأخذ ~~بمجامع حججه حجته، فإن ذلك مصلحة لعقله، ومجمعة لذهنه، ومدفعة للتشاغل من ~~إكثاره، وإن لم يكن الإكثار عادة، ثم وضع موضعه في ابتداء كتاب أو جواب عند ~~الحاجة فلا بأس، ولا يدعون الرجل منكم صنع الله تعالى ذكره له في أمره، ~~وتأييده إياه بتوفيقه، إلى ذلك العجب المضر بدينه وعقله وأدبه، فإنه إن ظن منكم PageV01P076 ### | CHECK [77_2] # ظان، أو قال قائل، إن ذلك الصنع لفضل حيلته، وأصالة رأيه، وحسن تدبيره، ~~كان متعرضا لأن يكله الله إلى نفسه، فيصير منها إلى غير كاف. ولا يقل أحد ~~منكم أنه آدب وأعقل، وأحمل لعبء التدبير والعمل من أخيه في صناعته، فإن ~~اعقل الرجلين عند ذوي الألباب، القائل أن صاحبه أعقل منه، وأحمقهما الذي ~~يرى أنه اعقل من صاحبه، لعجب هذا بنفسه، ونبذ ذاك العجب وراء ظهره، إذ كان ~~الآلفة العظمى من آفات عقله؛ ولكن قد يلزم الرجل أن يعرف فضل نعمة الله ~~عليه، من غير ms066 عجب برأيه، ولا تزكية لنفسه، ولا تكاثر على أخيه وكفئه، ويشكر ~~الله ويحمده بالتواضع لعظمته. # وأنا أقول في آخر كتابي هذا ما سبق به المثل: من يلزم الصحة يلزمه العمل، ~~وهو جوهر هذا الكتاب وغرة كلامه، بعد الذي فيه من ذكر الله عز وجل، فلذلك ~~جعلته آخره وختمته به؛ تولانا الله وإياكم معشر الكتاب بما يتولى به من سبق ~~علمه في سعادته وإرشاده، فإن ذلك إليه وبيده، والسلام عليكم ورحمة الله. # وبهذا الكتاب أيضا عرفنا منازع عبد الحميد وأدبه؛ وأنه يريد أن يجعل من ~~الكتاب صناعة شريفة تفيد الناس، وتفيد الآخذين أنفسهم بأدبها، وأن الكتابة ~~تحتاج إلى ادوات كثيرة، ذكرها مفصلة؛ ولا بد بعد الاضطلاع بأعضاء ما يلزم ~~لها من العلوم أن يلم الكاتب بكل موضوع ولو إلماما خفيفا؛ ومن أحلى ما في ~~رسالته أن يسترشد الصغار منهم بالكبار الذين سبقوهم في هذه الصناعة، ~~ويتعهدوهم ويعملوا بمشورتهم. فلا عجب بعد هذا أن كانت لعبد الحميد من ~~كتابته مدرسة خاصة، ما زال الناس يأخذون منها في العصور التي تلته؛ وقلما ~~حادوا عنها لأنها مقبولة صدرت عن عقل عظيم نجذته التجارب، وأيده العلم ~~والأدب. # نعم ألبس عبد الحميد في الثلث الأول من القرن الثاني هذا الإنشاء العربي ~~حلة جديدة، فيها المتانة وفيها الرشاقة، وأكثر ما بدا في تضاعيفها الإطالة ~~في غير ما PageV01P077 ### | CHECK [78_2] # إملال من سجع وترصيع، إنشاء يسير مع الطبع، ومع الطباع التي توائم أهل ~~الحضارة، ممن يفصلون ويتوسعون، ويعيدون ويبدون، ومقاصدهم تحوم حول التأثير ~~في أذهان السامعين والقارئين، وبلوغ الغاية من تأليف الدول وانتظام ~~الجماعة؛ ولم تكن هذه الطريقة في الكتابة، فيما بلغنا، مألوفة في عامة دور ~~الأمويين لأن هؤلاء عرب أقحاح، وكتابهم على شاكلتهم، يحاولون بالإيجاز في ~~مكتوباتهم، أن يتركوا للقارئ شيئا من المعاني يفسرها بما يريد، ويمتعوه ~~بشيء من الحرية، ينطلق فيها على ما يرى فيه المصلحة، فيكون لديه المختصرات، ~~والتفاصيل من المطولات تفهم بذاتها. # اقتبس عبد الحميد هذه الطريقة من الأمم المجاورة وخاصة الفرس، ممن لم ms067 تكن ~~حضارتهم حضارة ابتدائية كالعرب، بل فيها المطول المسهب، والمتشعب المتعب. ~~ولقد احتاج العرب بعد توسعهم في الملك، إلى تقرير المسائل على جليتها لا ~~يعتروها لبس ولا إشكال، ومن مواجب الحضارة الإسهاب، ومن دواعي البداوة ~~الاقتضاب؛ فعبد الحميد إذا تشبع بروح الدولة وروح حضارتها التي بلغت في ~~أيامه أعلى قممها، ورسم ببراعته صورة ما أحاط به واقتضاه الحال، ولو حاول - ~~وقد بلغت الأمة ما بلغته من درجات التقدم في كل شأن من شؤون المجتمع - أن ~~يعود بالكتابة إلى إيجازها القديم، لما أفاد جديدا، ولما رجع ذلك الصدى في ~~سلطان دولته، صورة ما أحاط به واقتضاه الحال، ولو حاول وقد بلغت الأمة ما ~~بلغته ولما وصف محيطه حق وصفه. ومن الصعب أن يتعدى المرء حدود البيئة، ولا ~~عليه فيما أتاه ما دامت حال الدولة تتطلب التوسع في الخطى إلى الأمام، وأن ~~تجدد أوضاعها على ما توجبه الحال، وطبيعة الملك والحضارة، على أن لا يهدم ~~في عمله أصلا من الأصول القديمة؛ وفي هذا كان جماع المكانة التي بلغها عبد ~~الحميد بإنشائه، فهو مخترع طريقة، وكاتب وصاف على الحقيقة، استجمع شروط PageV01P078 ### | CHECK [79_2] # البلاغة، فعد أمير المنشئين غير مدافع؛ واستطاب الناس إلى يومنا هذا ~~أسلوبه المعجب المطرب، وأين من يشاكله في، أو تسمو قريحته إلى مستواه في ~~فنون الكتابة، وحسن التصرف على ما يشاء؟ # - - PageV01P079 ### | CHECK [80_2] # عبد الله بن المقفع # عصره: # كان عصر ابن المقفع غريبة العصور، وقعت في أعوام معدودة منه أحداث خطيرة، ~~ندر وقوع مثلها في عصور التاريخ. كانت فيه الخلافة الأموية في أعز أيامها، ~~وليس في الأرض دولة إسلامية غيرها، فتداعت أركانها في شهور قليلة، على رسوخ ~~قواعدها، وانبساط عمرانها، وما استطاع آخر خلفائها مروان بن محمد على بعد ~~غوره، وجلالة قدره، أن يدفع عن دولته ما كانت الليالي تتمخض به. # فتم لبني هاشم ما سعوا إليه منذ سنتين للاستيلاء على بلاد الإسلام، ونجحت ~~جمعياتهم السرية بعد أن أخفقوا في طلب الملك مرات. وقضى بنو هاشم على بني ~~أمية، وقد ms068 أبادوا في الوصول إلى أغراضهم مئات الألوف من الخلق، وأهلكوا حتى ~~أبناء المهاجرين والأنصار، وحتى القراء والعلماء، وأخذوا الناس بالشبهة، ~~وما فرقوا بين المجرم والبريء، ولم يرعوا في الصديق والعدو إلا ولا ذمة. # سفح السفاح أول خلفائهم الدماء، وظهر الانتقام من الأمويين بأخس صوره في ~~شخصه وشخص اخوته وقواده، نزعوا الرحمة من قلوبهم، وما أخذتهم شفقة بإخوانهم ~~في الدين والجنس، ونسوا كل فضل بينهم، وما أهمهم غير أمرهم، حتى اغتبطوا ~~بإقامة دولة فارسية بروحها، عربية بمظاهرها، وقلبوا ظهر المجن لأبناء عنهم ~~من أبناء علي، وكانوا وإياهم يعملون للوصول إلى الخلافة سنين طويلة في ~~العصر الأموي. # وبينا كان العباسيون ينعمون بما تم لهم من الغلبة، كان أملهم يضعف في ~~احتفاظ دولتهم ببلاد الأندلس وما إليها من أقصى المملكة، لأن صقر قريش عبد ~~الرحمن بن هشام الأموي استصفى الأندلس بمن ضوي إليه من آل بيته، وبقايا السيوف PageV01P080 ### | CHECK [81_2] # وخدام دولتهم في الشرق؛ فأقام بهم في المغرب دولة قوية يرهب بأسها ~~وسلطانها. وقطع الخطبة العباسية وأباد جيشا برمته بعث به العباسيون ~~لمناجزته. # أسقط العباسيون قيادات العرب، فنشأت الشعوبية أي التفرقة بين العرب ~~والعجم، فنقض أول حجر من أساس بناء الدولة، ولما ترسخ قواعدها. قضى ~~العباسيون بأيديهم على سلطانهم منذ أقاموا ملكهم بالجور والجبرية، ~~واستسلموا لأبناء خراسان، ونظروا بعين الريبة إلى أبناء قحطان وعدنان. # أمعن عمال العباسين في إرهاق الرعية على ما لم يجوزه دين ساوى بين الصغير ~~والكبير، وعلى ما لم يجر مثله في الدولة السالفة، وأصبحت الأموال تجبي ~~بأنواع من الظلم، وتصرف في ضروب من الإسراف. وفشا الترف حتى تجاوز كثيرا ~~مدى ما بلغته الرفاهية في عهد بني مروان. وكان دولة بني العباس قامت ~~الضعفاء وتغني الأقوياء من السادة والقادة، كفعل الدول الجبارة في قديم ~~الدهر وحديثه. ثم إن الأخلاق تبدلت تبعا لتبدلهما في الطبقات العليا، ولم ~~يبق للدين تلك الروعة التي كانت له في عهد الراشدين والأمويين، فاستحالت ~~بعض معانيه السامية من النفوس، وإن لم تتبدل مظاهره وأوضاعه. # وبدأ في ms069 هذا العصر نقل الكتب العلمية من لغات الفرس واليونان والسريان ~~والهند، وكان تقدم بعض رجال بني أمية فشرعوا بهذه الحركة المباركة، واخذ ~~الخلفاء والأمراء يفضلون على من تصدوا لنقل علوم القدماء. وحاول بعض من ~~دخلوا في الإسلام، يحملون أرواح أديانهم ومقالاتهم القديمة، إلقاء الشبه في ~~الدين؛ فقام رجال كفاة يردون عليهم عن طريق العقل، ويدافعون عن العقيدة في ~~ذات الله وصفاته، ليدفعوا عن الإسلام شبه المانوية والديصانية والنصارى ~~واليهود والملاحدة، وكان الناس منذ عهد التابعين يعالجون موضوعات دينية ما ~~تخيلوا الخوض فيها من قبل، والمسلمون كانوا أولا إلى الاكتفاء بالنقل ~~والتسليم في PageV01P081 ### | CHECK [82_2] # العقائد، فأصبحوا يحتالون للاحتجاج على صحتها بأدلة عقلية، ونظر جديد، ~~ووقع من حاولوا ذلك من العلماء بين نارين: نار شبها عليهم أبناء دينهم ممن ~~لم يرتضوا طريقتهم، وأخرى أوقدها من كان يراد إرجاعهم إلى الصواب، وأبو ~~جعفر المنصور يحيط برعايته علماء الكلام، وكان من المقدمين فيهم. # وأخذت مذاهب الفرق الإسلامية كالشيعة والخوارج تتعين، وأصبح لكل فؤيق ~~مذهب على حياله، وكانت مذاهبهم سياسية، فغدت سياسية ودينية معا، وأخذوا فعل ~~أهل السنة، يسعون إلى تدوين مذاهبهم، وما خالفوا فيه الجماعة، واشتد الأخذ ~~والرد بين أهل الحديث وأهل الرأي اشتداده بين علماء النقل وعلماء العقل، ~~وما كانت المذاهب المعتمدة هي المعول عليها وحدها في القضاء، بل يجتهد كل ~~عالم بما يعلم، ويقضي بالكتاب والسنة والإجماع؛ ومنهم من يضيف إلى ذلك ~~القياس والعرف. وتمت للموالي الذين أسلموا على أيدي رجال من العرب وغيرهم ~~من أبناء الروم وفارس ومصر وإفريقية مشاركة قوية في هذه النهضة الدينية، ~~على ما كان للنساطرة واليعاقبة والصابئة وغيرهم من أياد بيض في نقل علوم ~~الطب والفلك والرياضيات والفلسفة وغيرها، وظهر التصوف بظهور أناس من النساك ~~في خراسان والعراق، على مثال زهاد الهنود وغيرهم. # وسرى الفساد إلى اللغة وعلقت العجمة تذهب ببهجتها، واحتفظت البادية حتى ~~آخر المائة الأولى بجمال لهجتها، فلا تكاد تعرف لها لحنا، وعرض الفساد خاصة ~~لألسن البلديين والمولدين، بمن نزل عليهم من صنوف الحمراء ms070 أو الأعاجم، ~~يدخلون في دين الأمة، ويختلطون بالعرب، فهب العلماء يتلقون اللغة من ألسن ~~أبنائها الأقحاح في جزيرة العرب، فدونوا ما أمكنهم تدوينه من ألفاظها ~~وتراكيبها، ومن شعرها؛ وأصبح الشعر الجاهلي خادما للكتاب والسنة، وتم وضع ~~علم النحو والعروض وكثر التدوين. PageV01P082 ### | CHECK [83_2] # كل هذا التبدل في الأوضاع والمنازع شاهده نابغة العجم في الإسلام عبد ~~الله بن المقفع، ومرت ذكراه على خاطره، ونظر في مرآته بعينه؛ ومن هذه ~~الأحداث ما كان يوم حدوثه حدثا فتيا؛ ومنه ما شاهده في إبانه، وهو رجل تام ~~الرجولية، يعرف المصدر والمورد، ويقيس الماضي بالحاضر، ويسعى لتقوى الحكومة ~~الصالحة في شعب صالح، موحد المقاصد في شرعه ومدنيته، آخذا في طريق سعادته ~~حرا أبيا، ومسلما حنيفا. # أصله ونشأته: # كان المبارك والد عبد الله بن المقفع من مجوس مدينة جور في بلاد فارس، ~~تولى بعض أعمال الخراج للحجاج بن يوسف الثقفي أيام إمارته على العراق وبلاد ~~الشرق، فمد يده فيما قيل إلى أموال السلطان، فضربه الحجاج ضربا مبرحا حتى ~~تقفعت يده أي تشنجت فسمي بالمقفع، وولد عبد الله، وكان اسمه أولا روزبه ~~ويكنى أبا عمرو، في مدينة جور على الأغلب، وهي بلدة نزهة من أجمل المدن ~~وأعمرها، على عشرين فرسخا من شيراز، وإليها ينسب الورد الجوري الأحمر. # وربما كان لأول ما فتحت عينه عليه من مناظر الطبيعة الخلابة، وهو في بيت ~~يسار ونعمة، أعظم التأثير في غرامه بالحسن والإحسان، ولربما تأثر لما رأى ~~في صباه بيت النار العظيم في بلده، يدخله أهله وجيرانه للعبادة، وقد كتب ~~عليه بالفهلوية: إنه أنفق عليه ثلاثون ألف ألف درهم. # لم تعلم سنة مولد ابن المقفع بالتحقيق، ويقول الجهشياري إنه كتب لدواوين ~~عمر بن هبيرة علي كرمان. وعمر بن هبيرة عزله هشام بن عبد الملك عن العراق ~~والشرق سمة خمس ومائة، وقال: إنه كتب أيضا للمسبح بن الحواري في نيسابور في ~~ولاية عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، قبيل زوال الدولة الأموية. ويحتمل ~~بهذا ان يكون عبد الله بن المقفع ولد ms071 في عشر التسعين ظنا، ولا يعقل أن يكتب PageV01P083 ### | CHECK [84_2] # لأحد قبل أن يتم له نحو خمس وعشرين سنة. # وإذا قدرنا أن مقتل ابن المقفع كان سنة اثنتين وأربعين أو ثلاث وأربعين ~~ومئة، فيكون عمره يوم قتل في نحو الستين، خلافا لمن قالوا إنه قتل وهو ابن ~~ست وثلاثين. وهذا التقدير منقوض بالبداهة، إذ لا يعقل أن يخلف ابن المقفع ~~هذه الكنوز العظيمة من كتبه وكتاباته، وهو ميعة الشباب، وأن تجمع النفوس ~~على الاعتراف بتقدمه في صناعته، قبل أن تعلو به السن في الجملة، وأن تتهيأ ~~له هذه التجارب العظيمة في الحياة وهو لم يتعد العقد الرابع. # وكما نحن في شك قليل من سنة مولد ابن المقفع، لا نعلم بالتحقيق أين تلقى ~~تعليمه الأولي، في جور أم في البصرة. والأرجح أنه كان في جور، إذ من الصعب ~~أن يتثقف الثقافة الفارسية التي تثقفها في البصرة، وهي المدينة العربية بكل ~~مناحيها، والأرجح أن والده توطن البصرة بعد أن أصبح ابنه عبد الله يافعا، ~~وأخذ الفصاحة عن أبي الجاموس ثور بن يزيد الأعرابي، وكان يفد البصرة على آل ~~سليمان بن علي. وحرص المبارك على تأديب ولده عبد الله، فكان يجمع له ~~العلماء. ولنا أن نقول إن البصرة كانت موطن درسه، ومدينة جور مسقط رأسه. # نشأ ابن المقفع بين ظهراني علماء أجلاء من المسلمين، وعرف الإسلام منذ ~~عقل، أكثر من معرفته دين المجوس أتباع زرادشت. وغاية ما كان له من صلة بهذا ~~الدين، أنه رأى أهل بيته على دين المجوس، وهو مولود في بيت مجوسي. ودعته ~~البيئة التي عاش فيها إلى أن يلقي نظرة على المجوسية التي انتقلت إليه ~~بالألف والعادة. ونظر في الإسلام الذي لقنه في الحداثة بالتربية والعشرة، ~~ومازج أهله وسمع أعلام علمائه، فمالت نفسه إلى أن يدين به، فجاء إلى عيسى ~~ابن علي وكان كاتبه، وقال له: دخل الإسلام في فلبي وأريد أن أسلم على يدك، ~~فقال له عيسى: ليكن ذلك غدا بمحضر من القواد ووجوه الناس، ثم حضر طعام ms072 عيسى ~~عشية ذلك PageV01P084 ### | CHECK [85_2] # اليوم، فجلس ابن المقفع يأكل ويزمزم، على عادة المجوس. فقال له عيسى: ~~أتزمزم وأنت على عزم الإسلام؟ فقال أكره أن أبيت ليلة على غير دين. # دان ابن المقفع بالإسلام عن عقيدة وعلم، وغدا في الكهولة نابه الذكر، وما ~~زاده إعلانه الإسلام إلا ما أوجب عليه القيام به من التكاليف. وما كان له ~~مطمع دنيوي يتطلبه بإسلامه، وهو الرجل الذي لابسه المسلمون على مجوسيته، ~~وعهد إليه أمراء الإسلام بشؤون دواوينهم. وائتمنوه على أسرارهم، وأعجبوا به ~~مجوسيا، فلما امتل ملة الإسلام زادوا به إعجابا. # أدبه وأسلوبه: # كان تمكن ابن المقفع من الآداب الفارسية على مقدار ضلاعته من العربية جمع ~~بين الأدبين، وفاق الأقران والنظراء بثقافته العربية إلى ما لم يكد يصل ~~إليه أحد من معاصريه. ساعده تمكنه من الفارسية على الرسوخ في العربية، وأتى ~~لغة تربيته الحديثة بأساليب جديدة، وطرق في التفكير قل أن عرفت قبله. # يقول صاحب الصناعتين: إن من عرف ترتيب المعاني، واستعمال الألفاظ على ~~وجوهها، في لغة من اللغات، ثم انتقل إلى لغة أخرى، تهيأ له من صنعة الكلام ~~مثل ما تهيأ له في الأولى. ألا ترى أن عبد الله الكاتب ابن المقفع استخراج ~~أمثلة الكتابة التي رسمها لمن بعده من اللسان الفارسي، فحولها إلى اللسان ~~العربي، فلا يكمل لصناعة الكلام إلا من يكمل لإصابة المعنى، وتصحيح اللفظ، ~~والمعرفة بوجوه الاستعمال. ولا شك أنه حفظ القرآن ودرس إعجازه وعرف محكمه ~~ومتشابهه، وقرأ ما شاء من دواوين شعراء الجاهلية، وأدراك معانيهم وتدبر ~~ألفاظهم. وقيل إنه تخرج في البلاغة بخطب علي بن أبي طالب؛ وما نخال ذلك ~~كافيا في بلوغ الغرض لقلة المأثور من تلك الخطب يومئذ. # كان ابن المقفع من أول من ترجم في الملة الإسلامية من اللغة الفارسية إلى PageV01P085 ### | CHECK [86_2] # العربية، فنقل كتب أرسطو المنطقية الثلاثة، وهي كتاب قاطاغورياس، كتاب ~~بارى أرمنياس، وكتاب أنالوطيقا؛ وترجم المدخل إلى كتاب المنطق المعروف ~~بالإيساغوجي لفرفوريوس الصوري، وكتاب كليلة ودمنة وترجم كتاب خدا ينامه في ~~السير، وكتاب ms073 آيين نامه، وكتاب مزدك، وكتاب التاج في سيرة أنوشروان. ويقول ~~المسعودي: إن كتاب آيين نامه، أو عادات الفرس وأنظمتهم، هو كتاب كبير يبلغ ~~آلافا من الصفحات؛ وأنه ترجم أيضا كتابا اسمه كتاب الكيكيين وهو من الكتب ~~المعظمة عند الفرس، وفيه سير ملوكهم وآبائهم. ترجم كل هذا عن الفهلوية، لغة ~~الفرس القديمة، وكان أصل بعضها نقل إليها من اليونانية والهندية. # ولم يبق من كل هذه الأسفار سوى كليلة ودمنة، مع ما ألفه من الأدب الكبير ~~والأدب الصغير واليتيمة؛ واليتيمة كتابان على ما يقول الباقلاني، أحدهما ~~يتضمن حكما منقولا، والآخر في شيء من الديانات. ويقول طيفور إنها من الرسائل ~~المفردات اللواتي لا نظير لها ولا أشباه، وهي أركان البلاغة، ومنها استقى ~~البلغاء، لأنها نهاية في المختار من الكلام، وحسن التأليف والنظام، فإن ~~الناس جميعا مجمعون أنه لم يعبر أحد عن مثلها، ولا تقدمها من الكلام شيء ~~قبلها. ويقول ابن النديم: إن اليتيمة وكليلة ودمنة من الكتب المجمع على ~~جودتها. # واختلفوا في كون ابن المقفع نقل كليلة ودمنة عن الفارسية، والأرجح أنه ~~كتبه مباشرة، وقد أقر في المقدمة أنه كتب بعض فصوله ونقل الباقي عن غيره؛ ~~أتى ذلك لينجو من تبعة ما ورد فيه، ويسلم من نقمة الملوك إذا عدوا ما فيه ~~تعريضا باستبدادهم. ويقول الجاحظ: ونحن لا نستطيع أن نعلم أن الرسائل التي ~~في أيدي الناس أنها صحيحة غير مصنوعة، وقديمة غير مولدة، إذا كان مثل ابن ~~المقفع وسهل بن هرون وأبي عبيد الله وعبد الحميد وغيلان وفلان وفلان لا ~~يستطيعون أن يولدوا مثل تلك الرسائل ويضعوا مثل تلك السير. فالجاحظ كان إذا في ريب PageV01P086 ### | CHECK [87_2] # من نسبة هذه الكتب التي زعم أصحابها أنهم ترجموها عن الفارسية، لأن مثلهم ~~في افتنانهم في البيان لا يتعذر عليهم وضع أشباهها. # وضرب المثل في البلاغة برسالة اليتيمة في طاعة السلطان، حتى قال أبو تمام ~~في مدح الحسن بن وهب: # ولقد شهدتك والكلام لآلئ توم، فبكر في الكلام وثيب فكأن قسا في عكاظ يخطب ~~وكأن ms074 ليلى الأخيلية تندب وكثير عزة يوم بين ينسب وابن المقفع في اليتيمة ~~يسهب ذكروا أن ابن المقفع كان إذا أراد الشعر صنعه، بيد أنه يشغل به نفسه ~~لانصرافه إلى النثر؛ والواقع أنه ما كان يستطيع من الشعر إلا ما لا يذكر ~~مثله من مثله. وقال عن نفسه: الذي أرضاه لا يجيئني، والذي يجيئني لا أرضاه ~~وقيل له: لم لا تطيل القصائد؟ قال: لو أطلتها عرف صاحبها. # قال صاحب الصناعتين: يريد أن المحدث يتشبه بالقديم في القليل من الكلام ~~فإذا طال اختل، فعرف أنه كلام مولد. وقد روى له أبو تمام في الحماسة ثلاثة ~~أبيات يرثي بها يحيى بن زياد، وقيل ابن أبي العوجاء، وهي: # رزئنا أبا ولا حي مثله ... فلله ريب الحادثات بمن وقع # فإن تك قد فارقتنا وتركتنا ... ذوي خلة ما في انسداد لها طمع # لقد جر نفعا فقدنا لك أننا ... أمنا على كل الرزايا من الجزع # لم يدان ابن المقفع في الكتابة المرسلة مدان، فهو فيها المفرد العلم؛ ~~اللهم إلا بضعة من الرجال، ومنهم سهل بن هارون وعمرو بن مسعدة، أتى الدهر ~~على ما أنشأته أقلامهم إلا قليلا؛ وعلى ذلك أجمع العارفون من القدماء. ولقد ~~سمع أبو العيناء بعض كلام ابن المقفع فقال: كلامه صريح، ولسانه فصيح، وطبعه ~~صحيح، كأن بيانه لؤلؤ منثور، ووشى منشور وروض ممطور. وذكره آخر فقال: ~~ألفاظه معان، ومعانيه حكم. PageV01P087 ### | CHECK [88_2] # وشهد له الجاحظ في البيان والتبيين بالبلاغة، ونقل عنه غير مرة. وقال ~~الأصمعي انه قرأ آداب ابن المقفع فلم ير فيها لحنا إلا في موضع واحد وهو ~~قوله: العلم أكبر من أن يحاط بكله فخذوا البعض. أي أنه أدخل الألف واللام ~~على البعض، وكان المتقدمون من أهل العلم ينكرون إدخالها على كل وبعض. # ولا نطيل بنقل ما قاله أعيان البيان في بلاغة ابن المقفع، فإن كتابته تدل ~~على نفسها، ولم يعرف لمتقدم ولا لمتأخر أن نقل إلى اللسان العربي شيئا في ~~الأدب والعلم، لا تحس فيه أثر اللغة المنقول عنها إلا ابن ms075 المقفع. وكانت ~~الترجمة غالبة عليه في أول حياته، فلما استوت أدواته أنشأ ينشئ رأسا، فبذ ~~البلغاء في الناحيتين: في الترجمة والتأليف. واختار أن يترجم لأول نشأته ما ~~ينقص هذه اللغة التي أحبها، وكان ذلك السبب في خلوده، والإعجاب به في ~~الطورين؛ كان يعتقد أن الحضارة العربية لا تتفوق إلا إذا أدمجت فيها ما ~~عملت فيه عقول الأمم قبلها، ويرى أن الجديد صنو القديم، يتكافآن ويتساندان. # سر تأثير ابن المقفع في مختلف العصور سلاسته، نصح باتباع طريقته فيما ~~قاله لأحد الكتاب: إياك والتتبع لوحشي الكلام، طمعا في نيل البلاغته، فإن ~~ذلك هو العي الأكبر. وقال لآخر: عليك بما سهل من الألفاظ مع التجنب لألفاظ ~~السفلة. وقال: البلاغة إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها. وقال: إذا ~~أعطيت كل مقام حقه، وقمت بالذي يجب من سياسة ذلك المقام، وأرضيت من يعرف ~~حقوق الكلام، فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو، فإنهما لا يرضيهما ~~شيء، وأما الجاهل فلست منه وليس منك، ورضا جميع الناس شيء لا تناله، وقد كان ~~يقال: رضاء الناس شيء لا ينال. وقال: ان خير الأدب ما حصل ثمره، وبان عليك ~~أثره. وسئل ما البلاغة؟ فقال: اسم لمعان تجري في وجوه كثيرة: فمنها ما يكون ~~في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما PageV01P088 ### | CHECK [89_2] # كاد يكون شعرا، ومنها ما يكون سجعا، ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون ~~جوابا، ومنها ما يكون في الحديث، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون ~~خطبا، ومنها ما يكون رسائل. فعامة هذه الأبواب الوحي فيها، والإشارة إلى ~~المعنى والإيجاز هو البلاغة. # وبعد فكأن ألفاظ ابن المقفع منخولة في منخل دقيق نفي الزوان مما يحمل، ~~أما التراكيب فهي موضع العجب في رصف بعضها إلى جانب بعض على غاية الإحكام، ~~ثم هو ليس في ألفاظه بالبخيل ولا بالمسرف، يعطي منها بمقدار ما يلبس معانيه ~~حلة قشيبة، فيجمع بين الجزالة والوضوح والإيجاز. ومعانيه كلها ناصعة، ~~وألفاظه كلها فصيحة، ms076 على أن اللفظ مهما سلس وبعد عن الوحشية والسوقية لا ~~يعذب إلا بضم أجزائه في سلك واحد، لتصح المعاني، وهي سر البلاغة والفصاحة ~~والروعة، وهذا كان ظاهرا في كلام ابن المقفع، هو يمشي من صفاء الطبع على ~~عرق عريق، ويحاول أبدا نقل فكر، إلى من يتلو كلامه، واضحا جليا، فكأنه ~~يتوخى الإفهام أولا، وبلاغته في كثرة إفهامه. وما كان يحفل بالسجع جملة، ~~اللهم إلا ما أتى به بيانه عفوا في بعض ثنايا الكلام، فكأن السجع، وهو نادر ~~جدا في أدبه، متطفل على قلمه عارض عليه، والأصل في إنشائه المرسل الرشيق. # كان ابن المقفع كثيرا ما يقف إذا كتب، فقيل له في ذلك فقال: إن الكلام ~~يزدحم في صدري فأقف لتخيره. فهو يتخير كلامه ويتخير موضوعه أيضا، وما خاض ~~إلا فيما توسع في علمه، وما وقع له في رسائله، وفي كتاب كليلة ودمنة من ~~الحكم والأفكار مما يتأدب به كل إنسان، ويصلح لكل زمان ومكان، وينفع أهل كل ~~نحلة ولسان، وكله شاهد بسعة بصره في كلام العرب، وبطول تبصره في دراسة ~~أحوال المجتمع، كان متبحرا في أدب أمته، وكشف خوالج نفوسها، وكان مؤمنا بما ~~يقول، هاضما ما تعلم، يغترف بيانه من صميم القلب، فجادت لذلك طريقته، PageV01P089 ### | CHECK [90_2] # وأسر القلوب أسلوبه، ومما خرج عن قانون الفطرة في كل ما خطه بنانه، وقذف ~~به جنابه، ليس في كلامه مقال لعائب، ولا في إطنابه واقتضابه مطعن لطاعن، ~~أثر بإبداعه في النفوس بما كتب، لأن الناس في حاجة إلى مثل كلامه، لا ~~يستغنون عن الأخذ به، ولأنه أتاهم بما تدركه عقولهم من أيسر سبيل؛ والأمور ~~تعظم في النفوس بقدر وقعها فيها، وشدة حاجتها إليها. # أثرت الثقافة الفارسية فيما كتب ابن المقفع أي تأثير، وقد أخذ منها ما لا ~~تأباه السليقة العربية وأدمجه فيها؛ وربما كان حظه من التربية البيتية ~~الأهلية أقل من حظه من الثقافة الفرعية، وفرعه على كل حال أعظم من أصله: ~~فرعه اصطنعه بيده ورباه على أيدي عظماء، وأصله أورثته إياه بيئته ms077 وبيته؛ ~~أتى من قديمه بالقدر الذي لا يمكن أن يتخلص منه من كان في مثل شأنه، وحمل ~~إلى جديده أشياء فيها مسحة منقطعة القرين؛ وراعى في إبراز طريفه حالة من ~~يكتب لهم، في زمن كانت البلاغة أقصى ما يتطال إليه الكاتب والمفكر والمصنف. ~~وما كان لنقاد كلامه أن يحسنوه لو لم يجدوا فيه آثار إحسان، وكان من السهل ~~عليهم أن يزيفوه لو بدا لهم فيه مغمز. # والغالب أن الناحية الضعيفة في ابن المقفع كانت فيه تخلفه في علم الكلام، ~~أي التوحيد؛ قال الجاحظ فيه انه كان يتعاطاه ولا يحسن منه قليلا ولا كثيرا. ~~واعترف له مع ذلك بأنه كان ضابطا لحكايات المقالات؛ قال: ولا يعرف من أين ~~غر المغتر، ولا وثق الواثق، وإذا أردت أن تعتبر ذلك إن كنت من خلص ~~المتكلمين ومن النظارين، فاعتبر ذلك بأن تنظر في آخر رسالته الهاشمية، فإنك ~~تجده جيد الحكاية لدعوى القوم، رديء المخل في مواطن الطعن عليهم، وقد يكون ~~الرجل يحسن الصنف والصتفين من العلم، فيظن بنفسه عند ذلك، أنه لا يحمل عقله ~~على شيء إلا بعد به. PageV01P090 ### | CHECK [91_2] # وليس من المستغرب ألا يجيد ابن المقفع علم الكلام، ولكن المستغرب أن يحمل ~~الجاحظ عليه وعلى الخليل بن أحمد صاحب العروض، ويرمي هذا بالجهل بهذا ~~العلم، بعبارة جارحة، وقال فيه كما قال في ابن المقفع: إنه من أجل إحسانه ~~في النحو والعروض وضع كتابا في الإيقاع وتراكيب الأصوات، وهو لم يعالج وترا ~~قط، ولا مس بيده قضيبا قط، ولا كثرت مشاهدته للمغنين؛ وكتب كتابا في ~~الكلام، ولوجه كل بليغ في الأرض أن يتعمد ذلك الخطأ والتعقيد لما وقع له ~~ذلك، ولو أن مرورا استفرغ قوى مرته في الهذيان لما تهيأ له مثل ذلك، ولا ~~يتأتى ذلك لأحد إلا بخذلان من الله تعالى. # ونقل عن أبى بكر الأصم، وهو من المعتزلة أيضا، أنه ذكر ابن المقفع فقال: ~~ما رأيت شيئا إلا وقليله أخف من كثيره إلا العلم، فإنه كلما كثر خف محمله؛ ~~ولقد رأيت ms078 عبد الله بن المقفع هذا في غزارة وعلمه وكثرة روايته كما قال ~~الله عز وجل: (كمثل الحمار يحمل أسفارا)، قد أوهنه علمه، وأذهله حلمه، ~~وأعمته حكمته، وحيرته بصيرته. ورأينا نحن بما قال خصوم ابن المقفع أنهم مع ~~دعواهم عليه الجهل في علم الكلام، يعترفون له بغزارة العلم وكثرة الرواية، ~~وانه يحسن ضبط حكاية المقالات، ويجيد الحكاية لدعوى أهلها؛ وتسفيههم لرأيه ~~لا يقدح فيه كثيرا غلا لأنه عانى علما لا يحسنه. قال محمد بن سلام: سمعت ~~مشايخنا يقولون لم يكن للعرب بعد الصحابة أذكى من الخليل بن أحمد ولا أجمع، ~~ولا كان في العجم أذكى من ابن المقفع ولا اجمع. # وإذا سلمنا مع الجاحظ أن ابن المقفع لم يكن حجة في الكلام، فقد رأيناه ~~يشهد له بالفضل، ويقول إنه كان مقدما في بلاغة اللسان والقلم والترجمة ~~واختراع المعاني وابتداع السير؛ أي أنه كان كاتبا خطيبا مترجما واسع الخيال ~~يخترع ويبتدع. وعده من المعلمين ثم من البلغاء المتأدبين. نظمه في سلك ~~المعلمين لأنه سبق له أن أدب PageV01P091 ### | CHECK [92_2] # أحد أولاد الأمراء من بني إسماعيل بن علي. # ترى، ونحن يعنينا من ابن المقفع بلاغته، هل نقل حكمه عن غيره، أو كان أبا ~~عذرتها، ومفترع طريقتا؟ والأرجح أنه نقل، ولكن بأسلوبه المعجب المطرب، نقل ~~ما ألبسه ثوبا جميلا من حوكه. وقد يقل الإبداع في الأفكار، وهي تأخذ من ~~نفسك بما ألبست من حلة شائقة يتعذر على كل أحد محاكاتها، كالطعام الجيد ~~تتألف مواده من أشياء يعرفها الناس، وقل أن يحسن تحضيرها، إلا طاه رفيق ~~يركب فيها كل شيء على مقادير معلومة، فتأتي طيبة في المذاق. # أعظم ابن المقفع حكمة القدماء، وذهب إلى أنهم سبقوا إلى كل فضل، وأن ~~الواجب الأخذ عنهم، وأن من بعدهم لم يبتعدوا أصولا جديدة. وإليك رأيه ~~الصريح غير مجمجم فيه ولا متعتع، قال: فمنتهى علم عالمنا في هذا الزمان أن ~~يأخذ من علمهم، وغاية إحسان محسننا أن يقتدي بسيرتهم، وأحسن ما يصيب من ~~الحديث محدثنا أن ينظر في كتبهم، ms079 فيكون كأنه إياهم يحاور، ومنهم يستمع؛ غير ~~ان الذي نجد في كتبهم هو المنتخل من آرائهم، والمنتقي من أحاديثهم، ولم ~~نجدهم غادروا شيئا يجد واصف بليغ في صفة له مقالا لم يسبقوه إليه، لا في ~~تعظيم الله عز وجل وترغيب فيما عنده، ولا في تصغير للدنيا وتزهيد فيها، ولا ~~في تحرير صنوف العلم، وتقسيم أقسامها وتجزئة أجزائها، وتوضيح سبلها، وتبيين ~~مآخذها؛ ولا في وجوه الأدب، وضروب الأخلاق؛ فلم يبق في جليل من الأمر لقائل ~~بعدهم مقال، وقد بقيت أشياء من لطائف الأمور فيها مواضع لصغار الفطن، مشتقة ~~من جسام حكم الأولين وقولهم، ومن ذلك بعض ما أنا كاتب في كتابي هذا من ~~أبواب الأدب التي يحتاج إليها الناس. # وقوله إن القدماء لم يغادروا شيئا لا في تعظيم الله عز وجل وترغيب فيما ~~عنده، ولا تصغير للدنيا وتزهيد فيها الخ، قول فيه نظر، ولعله مما قاله قبل ~~إسلامه، ولا PageV01P092 ### | CHECK [93_2] # يعقل أن تحوي كتب زرادشت وغيرها من الكتب أمورا في تعظيم الخالق وتصغير ~~قدر الدنيا أكثر من القرآن، فهو المنسوخ كما قال ابن ربن بالتوحيد ~~والتهاليل والتحاميد والسنن والشرائع والخبر والأثر والوعد والوعيد والرغبة ~~والرهبة والنبوات والبشارات بالأمور الجميلة التي تليق بجلال الله وحكمته ~~وطول، وبسط الأمل في الغفران والرأفة وقبول التوبة والمعاني التي ترتاح ~~إليها النفس وتستريح إليها الآمال. . . . . . ولذلك استحق أن يقال إن هذا ~~الكتاب آية من آيات النبوة إذ لم يكن له نظير مذ خلق الخلق. وخط في الرق. # إن دعوى ابن المقنع أنه أخذ من الماضين حكمتهم، وأنهم لم يتركوا بعدهم ~~مقالا لقائل، لا يمنع إذا تدبرنا كلامه أن نجد له كثيرا من الآراء المبتكرة ~~المبتدعة، استفادها من المجتمع الذي عاش فيه، وثقفها من الحوادث التي مرت ~~به، وأوحاها إليه ما عانا من أبناء دهره، وشهد من صعاليكه وملوكه؛ كان عصره ~~كتابا مفتوحا، اقتبس منه كل ما فيه حكمة تنجح في تقويم معوج الأخلاق، وسن ~~الفضائل؛ وعلمنا منه أنه كان من المحافظين يحتفظ بتراث الأجداد، ولا ms080 يسير ~~إلى التجدد إلا بقدر معلوم. # أما رأي ابن المقفع في العرب، فهو لا يقل عن رأي أعظم المتعصبين لهم من ~~أبنائهم كالجاحظ. روي أبو الهاشمي عن القحذمي عن شبيب بن شيبة قال: كنا ~~وقوفا بالمربد، وكان المربد مآلف الأشراف، إذ أقبل ابن المقفع، فبششنا به ~~وبدأناه بالسلام، فرد علينا السلام، ثم قال: لو ملتم إلى دار نيروز وظلها ~~الظليل، وسورها المديد، ونسميها العجيب، فعودتم أبدانكم تمهيد الأرض، ~~وأرحتم دوابكم من جهد الثقل، فإن الذي تطلبونه لم تفلتوه، ومهما قضى الله ~~لكم من شيء تنالوه، فقبلنا وملنا؛ فلما استقر بنا المكان قال لنا: أي الأمم ~~أعقل؟ فنظر بعضنا لبعض، فقلنا لعله أراد أصله من فارس، فقلنا: فارس! فقال: ~~ليسوا بذاك، إنهم ملكوا كثيرا من PageV01P093 ### | CHECK [94_2] # الأرض، ووجدوا عظيما من الملك، وغلبوا على كثير من الخلق، ولبث قيهم عقد ~~الأمر، فما استنبطوا شيئا بعقولهم، ولا ابتدعوا باقي حكم في نفوسهم. قلنا: ~~فالروم. قال: أصحاب صنعة. قلنا: فالصين. قال: أصحاب طرفة. قلنا: الهند. ~~قال: أصحاب فلسفة. قلنا: السودان. قال: شر خلق الله. قلنا الترك. قال: كلاب ~~مختلسة. قلنا: الخزر. قال: بقر سائمة. قلنا: فقل. قال: العرب. قال فضحكنا ~~فقال: أما أني ما أردت موافقتكم، ولكن إذ فاتني حظي من النسبة فلا يفوتني ~~حظي من المعرفة، أن العرب حكمت على غير مثال مثل لها، وآثار أثرت: أصحاب ~~إبل وغنم، وسكان شعر وأدم، يجود أحدهم بقوته، ويتفضل بمجهوده، ويشارك في ~~ميسوره ومعسوره، ويصف الشيء بعقله فيكون قدوة، ويفعله فيصير حجة، ويحسن ما ~~شاء فيحسن، ويقبح ما شاء فيقبح، أدبتهم أنفسهم، ورفعتهمهممهم، وأعلتهم ~~قلوبهم وألسنتهم؛ فلم يزل حباء الله فيهم، وحباؤهم في أنفسهم، حتى رفع لهم ~~الفخر، وبلغ بهم أشرف الذكر، وختم لهم بملكهم الدنيا على الدهر، وافتتح ~~دينه وخلافته بهم إلى الحشر، على الخير فيهم ولهم. فقال: (إن الأرض لله ~~يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) فمن وضع حقهم خسر، ومن أنكر ~~فضلهم خصم، ودفع الحق بالسان أكبت للجنان اه. # إنا إذا ms081 حكمنا بالقليل الباقي من رسائل ابن المقفع وكتبه، وهي كافية في ~~إنارة وجوه الحكم عليه، نجزم بأنه كان فيما يكتب يتروى لا يتسرع ولا يبتده، ~~وقد يرتجل وينشئ أفكاره وأفكار غيره إنشاء، يصبها نقرة واحدة في قالب واحد، ~~ثم هو في ذاته بعيد تزكية النفس، ولا يفاخر ولا يتجمد، ولا يناقش خصما، ~~يقول ما يعلم، لا يأبه لغير ذلك؛ ولقد تجلى النبل والعظمة في قوله وفعله، ~~وأن الحق طلبته، لا يبالي عذل عاذل، ولا صولة متطاول، ولا يصانع من يصانعه، ~~ولا يماري من ماراه، يتلطف في الأداء، ويربأ بنفسه عن مماحكات المماحكين، PageV01P094 ### | CHECK [95_2] # ومناقشات المجادلين، هو جد عارف بأن للعلم سياسة، كما للناس سياسة، وأن ~~للأدب حدودا لا يصح لمن يكتب فيه تعديها، وهواه محصور في أن يحمل للأمة ما ~~ينفعها، وتجمع على استحسانه، وإن تخالف مشاربها، ولسان حاله هذا ما جهدت ~~فيه فعرفته وصنفته؛ وأنتم أيها الناس خذوا منه أودعوه، فإن له أقواما ~~يفهمونه، ويعونه، أنتم إن المقفع وكتبه مما نقله عن غيره، أو ابتدعه من عند ~~نفسه، فالظاهر أنه ما توخى إلا نقل ما عرفه عن الأمم الأخرى، ولم يحفل بما ~~دونه العرب من أخبارهم وحكمهم، ذلك لأن لهذا رجالا لم يقصروا في هذه ~~السبيل، وإنما أراد، وهو الفارس النابه، أن ينقل للعرب ما عند فارس والهند ~~والروم من العلوم والحكم، فأتي ببضاعة جديدة إلى الأسواق العربية، وافقت ~~هوى أرباب الذوق وعشاق الطرائف؛ فاقتناها من اقتناها، وانتفع بها من انتفع. ~~فطريقته إذا في العربية جديدة زاد بها ثروة الآداب، ووسع دائرة التفكير، في ~~أمة تلقفت بأساليبها ما عند غيرها. فكان له المنة على الآداب من وجهين: ~~الإتيان بجديد رائع، وابتداع هذا الأسلوب الفتان. نقل شيئا قي الفلسفة ~~والعلوم القديمة، وفي الأدب والحكم وسير الملوك وتدبير الممالك، وترجم ما ~~ينفع العرب، وزهد كغيره من التراجمة في نقل آداب الأمم الأخرى، فلم يترجم ~~الإلياذة مثلا لأنها لا تتفق وأذواق العرب، وهم أمة تتناغى ببلاغتها، وتبعد ~~عن الخيال، وتبالغ في ms082 المحسوسات. فكان عمله ملائما لروح الآمة التي أنشأته، ~~وعلى ذلك جرى النقلة بعده. # يتراءى لك وأنت تمعن النظر في تقاليد ابن المقفع أنك مائل أمامه يفيض ~~عليك من حكمته على طريقته. والكلام كما قال العسكري: يحسن بسلاسته وسهولته ~~ونصاعته، وتخير ألفاظه، وإصابة معناه، وجودة مطالعه، ولين مقاطعه، واستواء ~~تقاسيمه، وتعادل أطرافه، وتشبه أعجازه بهواديه، وموافقة مآخره لمباديه، مع قلة PageV01P095 ### | CHECK [96_2] # ضروراته بل عدمها أصلا، حتى لا يكون لها في الألفاظ أثر، فتجد المنظوم ~~مثل المنثور في سلاسة مطلعة، وجودة مقطعه وحسن رصفه وتأليفه؛ وكمال صوغه ~~وتركيبه، فإذا كان الكلام كذلك كان بالقبول حقيقيا، وبالتحفظ خلقيا. # أخلاقه ومصيره: # إن من نشأ في سعة من العيش، وأخذ عن العظماء في العلوم والآداب، وعاش ~~زمنا بين كبار في الإمارة والسياسية، لا بد أن تبقي بيئته الراقية في نفسه ~~من الصفات ما يسمونه به إلى الفضائل والمكارم. وقد قال فيه من ترجموا له: ~~إنه كان سريا سخيا، يطعم الطعام ويتسع على كل من احتاج إليه وقالوا: إنه لم ~~يبق في الإسلام من أهل فارس شريف يذكر إلا أن يكون عبد الله بن المقنع ~~والفضل بن سهل، وفي هذه النعوت جماع من صفات السراوة. # قيل إنه قد أفاد مالا لما كان يكتب لابن هبيرة على كرمان، فأداه ما جبل ~~عليه من حب الخير أن يجري على جماعة من وجوه أهل البصرة والكوفة ما بين ~~خمسمائة درهم إلى ألفين في كل شهر. ولم يقف جوده عند هذا الحد من التوسعة ~~على من يعرف في البصرة والكوفة، بل أثرت له حوادث في السخاء دلت على أنه ~~كان متصفا بالأخلاق الصالحة التي طالما وصفها للناس في رسائله. وهو القائل: ~~أبذل لصديقك دمك ومالك، ولمعرفتك رفدك ومحضرك، وللعامة بشرك وتحننك، ولعدوك ~~عدلك، واضنن بدينك وعرضك عن كل أحد. # كانت بين عمارة بن حمزة وبين ابن المقفع مودة، فأنكر أبو جعفر المنصور ~~على عمارة شيئا ونقله إلى الكوفة. وكان ابن المقفع إذ ذاك بها، فكان يأتيه ~~ويزوره، فبينا هو ms083 ذات يوم عنده ورد على عمارة كتاب وكيله بالبصرة، يعلمه أن ~~ضيعة مجاورة لضيعته تباع، وأن ضيعته لا تصلح إن ملكها غيره، وأن أهلها قد ~~بذلوا له ثلاثين ألف درهم، وأنه إن يبتعها فالوجه أن يبيع ضيعته، فقرأ ~~عمارة الكتاب PageV01P096 ### | CHECK [97_2] # وقال: ما أعجب هذا، وكلينا يشير علينا بالابتياع مع الإضافة والإملاق، ~~ونحن إلى البيع أحوج. وكتب إلى وكيله ببيع ضيعته والانصراف إليه. وسمع ابن ~~المقفع الكلام، وانصرف إلى منزله وأخذ سفتجة إلى الوكيل بثلاثين ألف درهم، ~~وكتب إليه على لسان عمارة إني قد كنت كتبت إليك ببيع ضيعتي ثم حضر لي مال، ~~وقد أنفذت إليك سفتجة فاتبع الضيعة المجاورة لك ولا تبع ضيعتي، وأقم مكانك، ~~وأنفذ الكتاب بالابتياع إلى. ووجه الكتاب إليه مع رسول قاصد. فورد على ~~الوكيل وقد باع الضيعة، ففسخ البيع وابتاع الضيعة المجاورة، وكتب إلى عمارة ~~يذكر الأمر، وأنه قد صارت له ضيعة نفيسة. فلما قرأ عمارة الكتاب أكثر ~~التعجب، ولم يعرف السبب، وسأل عمن حضر عند ورود كتاب الوكيل، فقيل ابن ~~المقفع، فعلم أنه من فعله، فلما صار إليه بعد أيام وتحدثا قال عمارة: بعثت ~~بتلك الثلاثين ألف درهم إلى الوكيل وكنا إليها هاهنا أحوج. قال: فإن عندنا ~~فضلا، وبعث إليه بثلاثين ألفا أخرى. # وبلغ ابن المقفع مرة أن جاره يبيع دارا له لدين ركبه، وكان يجلس في ظل ~~داره، فقال: ما قمت إذا بحرمة ظل داره إن باعها معدما، وبت واجدا. فحمل ~~إليه ثمن الدار وقال: لا تبع. وقال سعيد بن سلم: قصدت الكوفة فرأيت ابن ~~المقفع فرحب بي وقال: ما تصنع ههنا، فقلت: ركبني دين فأحوجت إلى الانزعاج، ~~فقال: هل رأيت أحدا، فقلت: ابن شبرمة، وعرفته حالي، فقال: أنا أكلم الأمين ~~ليضمك إلى أولاده فيكون لك نفع؛ أف لذلك! أيجعلك مؤدبا في آخر عمرك؟ أين ~~منزلك؟ فعرفته. فأتاني في اليوم الثاني وأنا مشغول بقوم يقرءون علي، ومعه ~~منديل فوضعه بين يدي، فإذا فيه أسورة مكسورة ودارهم متفرقة، مقدار أربعة ~~آلاف درهم، وحينئذ ms084 زمان المنصور، وفي الدراهم ضيق، فأخذت ذلك ورجعت به إلى ~~البصرة واستعنت به. PageV01P097 ### | CHECK [98_2] # روى الحكاية الأولى الجهشياري، وروى الثانية ابن قتيبة، وروى الثالثة ~~الراغب الأصفهاني. أليس لنا أن ندعي بعد ذلك أن ابن المقفع كان يعمل بما ~~يقول، ويهون عليه أن يبذل لصديقه دمه وماله، وأنه طبع على مكارم الأخلاق، ~~يحب الإيثار ويبغض الأثرة، يفعل الخير ما استطاع، ويبذل حب البذل، لا عن ~~رغبة ولا عن رهبة؟ # ولع ابن المقفع بالجمال والطرب، فكان يغشى معاهد الصفاء، ويجتمع إلى ~~القينات، ويطرب في غير محرم، ويتعاطى قليلا من الشراب من نبيذ العراق الذي ~~أفتى بحله فقاؤهم. ويقول: # سأشرب ما شربت على طعامي ... ثلاثا ثم أتركه صحيحا # فلست بقارف منه أثاما ... ولست براكب منه قبيحا # فابن المقفع كان إذا يأخذ من الحياتين بنصيب على نحو ما قال: لا عقل لمن ~~أغفله عن آخرته ما يجده من لذة دنياه؛ وليس من العقل أن يحرمه حظه من ~~الدنيا بصره بزوالها، وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على نفسه أن لا يشغله ~~شغل عن أربع ساعات: ساعة يرفع بها حاجته إلى ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، ~~وساعة يفضي فيها إلى إخوانه وثقاته الذين يصدقونه عن عيوبه، وينصحونه في ~~أمره، وساعة يخلى فيها بين نفسه وبين لذتها مما يحل ويجمل فإن هذه الساعات ~~عون على الساعات الأخر، وإن استجمام القلوب وتودعها زيادة قوة لها وفضل ~~بلغة. وعلى العاقل أن لا يكون راغبا إلا في إحدى ثلاث خصال: تزود لمعاد، أو ~~مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم. # واتل بعد هذا حكايتين دونهما الأصفهاني في الأغاني، تنمان أيضا عن كرم ~~وإيثار. قال: إن ابن المقفع حضر يوما مأدبة فيها معن بن زائدة المشهور ~~بكرمه، وفيها جوار يغنين، فغنت واحدة ابن زائدة فأعطاها ألف دينار، وغنت ~~أخرى ابن PageV01P098 ### | CHECK [99_2] # المقفع، فأعطاها مائة ألف درهم، أي عشرة آلاف دينار، فقال معن: لله در ~~الفارسي فقد برز علينا. وروى أيضا أنه اجتمع عند ابن رامين، معن بن زائدة ms085 ~~وروح بن حاتم وابن المقفع؛ فلما تغنت الزرقاء وسعدة بعث معن إليها بدرة ~~فصبت بين يديها، وبعث روح فجيء ببدرة فصبها بين يديها، ولم يكن عند ابن ~~المقفع دراهم، فبعث فجاء بصك ضيعته وقال: هذه عهدة ضيعتي خذيها، فأما ~~الدراهم فما عندي منها شيء. # وإذا صحت هاتان القصتان دلتا، مع ما فيهما من إسراف ومبالغة في مقدار ~~الجائزتين، على عظم نفس ابن المقفع، وطيب عنصره في المكرمات والمروءات، ~~فإنه أبى أن يكون دون معن بكرمه، وحاول أن يربي عليه أن كان له مال. ولما ~~دعته الدواعي في المرة الثانية أن يجاري رفاقه أيضا؛ وقد صفرت كفة من ~~الدراهم، كافأ المغنية بقرية له نزل لها عنها، ولك أن تقول، إذا صدقنا هذا، ~~فإن ابن المقفع يستفزه الطرب، حتى ليكاد يخرج عن قانون الحكمة، وللنفس ~~وثبات، وللطبع نزوات. # كان ابن المقفع ينفر من الحسد نفرته من الحرص فيقول: الحرص والحسد بكر ~~الذنوب، وأصل المهالك؛ أما الحسد فأهلك إبليس، وأما الحرص فأخرج آدم من ~~الجنة. وقال: لا يطمعن ذو الكبر في حسن الثناء، ولا الخب في كثرة الصديق، ~~ولا السيئ الأدب في الشرف، ولا الشحيح في المحمدة، ولا الحريص في الإخوان، ~~ولا الملك المعجب بثبات الملك. وقال: أهل العقل والكرم يبتغون إلى كل معروف ~~وصلة وسبيلا. # قيل لابن المقفع الصديق أحب إليك أم القريب؟ قال: القريب أيا يجب أن يكون ~~صديقا. وقيل له بأي شيء يعرف الأخ؟ قال: أن ترى وجهه منبسطا، ولسانه بمودته ~~ناطقا، وقلبه ببشره طافحا، ولقربه من المجلس مجيبا، وعلى مجاورته في PageV01P099 ### | CHECK [100_2] # الدار حريصا، وله فيما بين ذلك مكرما. وقيل له من أدبك؟ قال: نفسي، إذا ~~رأيت شيئا أذمه من غيري اجتنبته. # وكان يقول أخذت من كل شيء أحسن ما فيه حتى من الخنزير والكلب والهرة؛ ~~أخذت من الخنزير حرصه على ما يصلحه، وبكوره في حوائجه، ومن الكلب نصحه ~~لأهله، وحسن محافظته على أوامر صاحبه؛ ومن الهرة لطف نغمتها، وحسن مسألتها، ~~وانتهازها الفرصة في صيدها. # وروي أن عبد ms086 الحميد لقي لبن المقفع فقال له: بلغني عنك شيء أكرهه؛ فقال: ~~لا أبالي، قال: ولم؟ قال: لأنه إن باطلا لم تقبله، وإن كان حقا عفوت عنه. # وعلى هذا فابن المقفع عملي في حياته، وعملياته أكثر جرما من نظرياته، ~~يحاول الاستمتاع فيبذله لمن يحتاج إليه، ويحرص على الصداقة، ويتجافى عن ~~الحسد والرياء، ويتمتع بمباهج الحياة، ويرسل النفس على فطرتها بين إخوانه. ~~قالوا إن والبة بن الحباب، ومطيع بن إياس، ومنقذ بن عبد الرحمن الهلالي، ~~وحفص بن أبي وردة، وابن المقفع، ويونس بن أبي فروة، وحماد عجرد، وعلي بن ~~الخليل، وحماد بن أبي ليلى الراوية، وابن الزبرقان، وعمارة بن حمزة، ويزيد ~~بن الفيض، وجميل بن محفوظ، وبشار المرعث، وأبان اللاحقي كانوا ندماء ~~يجتمعون على الشراب وقول الشعر، ورلا يكادون يفترقون، ويهجو بعضهم بعضا ~~هزلا وعمدا، وكلهم متهم بدينه. # هذه رواية صاحب الأغاني عن الجاحظ في اتهام أهل ذاك المجمع بدينهم؛ ولعل ~~ذلك كان من ابن المقفع قبل أن ينتحل الإسلام، ونحن نشك كثيرا في روايات ~~صاحب الأغاني، ذلك لأن كان مستهترا ويجب أن يصف بالاستهتار كل عظيم، ولو ~~كان ممن ثبتت عفته وطهارته. # ولقد قرأنا كلام ابن المقفع وتدبرناه، فما رأينا له كلمة واحدة تشعر ~~بزندقته، PageV01P100 ### | CHECK [101_2] # وكيف تثبت الزندقة إذا لم تقم عليها بينات ظاهرة من أقوال وأفعال؟ ولو ~~كان في دينه أدنى عهدة لكان المنصور العباسي قتله على الزندقة جهرة يوم ~~أزمع قتله، ثم إنهم اتهموا ابن المقفع بأنه عارض القرآن وقالوا إنه تاب ~~وأناب، وهذه التهمة أيضا كثيرا ما وجهت إلى بعض العظماء بغية إسقاطهم في ~~نظر الملوك والسوقة. ةتخرص عليه المتخرصون أنه مر ببيت نار للمجوس بعد أن ~~أسلم فقال متمثلا: # يا بيت عاتكة الذي أتعزل ... حذر العدى وبك الفؤاد موكل # إني لأمنحك الصدود وإنني ... قسما إليك مع الصدود لأميل # وقالوا إنه كثيرا ما تمثل بهذين البيتين، ليخلصوا من ذلك إلى أن إسلامه ~~كان صوريا، والدلائل كلها مكذبة لأقوالهم، فإن ابن المقفع لم يخالف الشرع ~~بل خدمه ms087 وأحنى عليه. أليس هو القائل: فأصل الأمر في الدين أن تعتقد الإيمان ~~على الصواب، وتجتنب الكبائر، وتؤدي الفريضة، فالزم ذلك لزوم من لا غناء به ~~عنه طرفة عين، ومن يعلم أنه من حرمه هلك، ثم أن قدرت أن تجاوز ذلك إلى ~~التفقه في الدين والعبادة فهو أفضل وأكمل، وكيف يتهم بدينه من قال في حكمه ~~الفاشية بين الناس: أحق ما صان الرجل أمر دينه - المغبون من طلب الدنيا ~~بعمل الآخرة - المصيبة العظمى الرزية في الدين طوبى لمن ترك دنياه لآخرته. # وإذا جئت تعلل اجتماعه بهؤلاء الأدباء الذين ذكروا، واتهمهم المتهمون ~~بالإلحاد، سجلت خطأ لهم وضعف أحكامهم، وقد كان على الدهر أعظم سلوى للنفس ~~اجتماع المتماثلين. وليس من المحظور في قانون الأرض وقانون السماء أن يسمر ~~الناس ويتنادروا ويتمازحوا، وهذه الطبقة من الرجال كانت من أرق الناس ~~وأفضلهم؛ ذكر أبو عبد الله المرزبان بإسناد له عن بعض الرواة قال: أدركت ~~طبقة بالكوفة يقال لهم حلية الأرض ونقش الزمان، وهم حماد عجرد ووالبة بن ~~الحباب ومطيع بن إياس ويحي بن زياد وشراعة بن الزند بوذ، ومعظم هؤلاء كانوا ~~عشراء ابن PageV01P101 ### | CHECK [102_2] # المقفع. # وللصداقة شروط ذكرها ابن المقفع بقوله: انظر في حال من تريده لإخائك، فإن ~~كان من إخوان الدين فليكن فقيها ليس بمراء ولا حريص، وإن كان من إخوان ~~الدنيا فليكن حرا ليس بجاهل ولا كذاب، ولشرير ولا مشنوع، فإن الجاهل أهل ~~لأن يهرب منه أبواه، والكذاب لايكون أخا صادقا، لأن الكذب الذي يجري على ~~لسانه إنما هو من فضل كذب قلبه، وإنما سمي الصديق من الصدق، وقد يتم صدق ~~القلب، وإن صدق اللسان، فكيف إذا ظهر الكذب على اللسان، وإن الشرير يكسبك ~~العدو، ولا حاجة لك في صداقة تجلب العداوة، وإن المشنوع شانع نفسه. # وما نظن أن من اتهموا ابن المقفع بدينه، إلا من الفقهاء المرائين، الذين ~~اشترط هو أن لا يكون منهم الفقيه الذي يركن إليه المصاحب، وهذه الطبقة من ~~الفقهاء كانت في كل عصر علة توقف العقل، ونشوب ms088 فتن سالت فيها الدماء أنهارا ~~على غابر الأيام، وقد تعوذ الله من شرهم علماء الأمة، وأبانوا مساويهم ~~ومصانعتهم للملوك، يحملون إليهم من سلعهم ما يروجونه عليهم بكل حيلة، ولا ~~يرون الخير إلا فيما هم فيه بسبيل، ينكرون فضل الله على العاملين بتعدد ~~الخصائص والاستعدادات. # ليس ابن المقفع أول من رمي بالإلحاد؛ فتاريخ الفكر الإسلامي يذكر أخبار ~~من وقع اتهامهم بهذه التهمة من نوابغ الأمة، على حين كانوا أعظم أنصار ~~الدين كالجاحظ، وفي القرون التالية اتهم بهذه التهمة عشرات من كبار ~~العلماء، وأن ما كتبوه ليشهد لهم أن أعداءهم ظلموهم في هذه التهم، وظهر بعد ~~أن عذبوا في حياتهم، أنهم كانوا من المخلصين في خدمة الدين، وأن أولئك ~~الثرثارين الذين طوتهم الأرض ولا أثر لهم في دنيا ولا دين، كانوا يحسدون ~~أولئك المؤمنين، فانتقموا لأنفسهم بأن ضربوهم في أقدس الأشياء عندهم. # صحة الإيمان وحب الإسلام صفتان ماثلتان في ابن المقفع، مهما تقول عليه PageV01P102 ### | CHECK [103_2] # المتقولون. وكان إلى هذا رجل نجده وأنفه وكرم أخلاق ومروءة ووفاء وحسن ~~عشرة. وكان رب جد وعمل، لا يستند في أموره على الخيال؛ وجل اعتماده على ~~عقله وتجاربه وتجارب من سلف من حكماء الأمم. كان محافظا على شعائره، لا ~~يحرم على نفسه الطيبات المحللة؛ فليس فيه جمود الفقهاء، ولا استهتار ~~الأدباء، فهم من الدين ما فهمه منه كل عاقل. # وكان ابن المقفع من أرباب التفاؤل لا التشاؤم، لطيف الأخلاط، وادع النفس، ~~ينظر إلى الأشياء من وجهها الحسن، ولا يفتأ يجملها بحسن ظنه، ويغالط نفسه ~~في حقيقة السعادة، فينبعث إلى العمل مرحا؛ يحب من الملوك عدلهم، وأن يعملوا ~~في خشية الله وخشية الناس، ولا يهون عليهم صناعتهم ولا يصعبها، خصوصا إذا ~~اقترنت بقرناء الخير من الوزراء والعلماء. ومن كلامه: ثلاثة لا يستخف بهم: ~~عامل السلطان، والعالم، والصديق؛ فإن من استخف بعامل السلطان ذهبت دنياه، ~~ومن استخف بالعالم ذهبت أخراه، ومن استخف بالصديق ذهبت مروءة. وقال: خدمة ~~السلطان بلا أدب خروج من السلامة إلى العطب، وقال: جانب المتظلم ms089 المسخوط ~~عليه، والظنين عند السلطان؛ ولا يجمعنك وإياه مجلس ولا منزل، ولا تظهرن له ~~عذرا ولا تثنين عليه خيرا، فإذا رأيته قد بلغ من الإعتاب مما سخط عليه فيه ~~ما ترجو بأنه يلين له قلب الملك، ورأيت أن الملك قد استيقن بمباعدتك إياه ~~وشدتك عليه، فاعمل إذا في رضاه عنه برفق ولين. # وكان يعرف أدب الكبراء لأنه داخلهم ومازجهم، وكان على حذر منهم لا يغير ~~بإقبالهم عليه، وهم في حاجة إلى علمه وأدبه. استشاره عبد الله ابن علي فيما ~~كان بينه وبين المنصور، فأجابه: لست أقود جيشا، ولا أتقلد حربا، ولا أشير ~~بسفك دم، وعثرة الحرب لا تقال، وغيري أولي بالمنشورة في هذا المكان. # بقي أن نشرح مصير ابن المقفع، ونصف ما أدى إلى مقاله: كان مقتله سياسيا، PageV01P103 ### | CHECK [104_2] # وما كان الله الحمد في شيء من الغدر ولا الكفر، وفي السياسة يقتل البريء ~~البر، ويثلم الفاضل الحر؛ ولم يسلم ابن المقفع من ظلم الملوك على كثرة ~~احتياطه معهم، وقتل لما قدر له القتل، على كثرة إحسانه، فباء قاتله بسبة ~~الدهر، وكان ابن المقفع أيضا فخرا له لا عارا عليه. # لما خالف عبد الله بن علي على أبي جعفر المنصور وادعى الخلافة لنفسه، ~~أنفذ أبو جعفر أبا مسلم الخراساني لقاتله، فانهزم عبد الله وقصد أخويه ~~سليمان وعيسى في البصرة، فدخلها مستترا، وكاتب سليمان وعيسى أبا جعفر أن ~~يؤمنه، وأنفذ سليمان كاتبه عمر بن أبي حليمة في ذلك، واستقر له الأمر على ~~إعطائه الأمان، فأنفذ أبو جعفر سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب، وأمره ~~بضغطهم والتضييق عليهم، حتى يشخصوا بعبد الله بن علي إلى حضرته. وكان ابن ~~المقفع يكتب لعيسى بن علي، فأمره عيسى بعمل نسخة الأمان، فعملها ووكدها، ~~واحترس من كل تأويل يقع عليه فيها. # وترددت بين أبي جعفر وبينهم في النسخة كتب، إلى أن استقرت على ما أرادوا ~~من الاحتياط، ولم يتيسر لأبي جعفر إيقاع حيلة فيها، لفرط احتياط ابن ~~المقفع؛ وكان الذي شق على أبي جعفر أن ms090 قال في النسخة: يوقع بخطة في أسفل ~~الأمان وإن أنا نلت من عبد الله علي أو أحد ممن أقدمه معه بصغير من المكروه ~~أو كبير، أو أوصلت إلى أحد منهم ضررا له، سرا أو علانية، على الوجوه ~~والأسباب كلها، تصريحا أو كناية، أو بحيلة من الحيل، فأنا نفي من محمد بن ~~علي بن عبد الله ومولود لغير رشده. وقد حل لجميع أمة محمد خلعي وحربي ~~والبراءة مني، ولا بيعة لي في رقاب المسلمين، ولا عهد ولا ذمة. وقد وجب ~~عليهم الخروج من طاعتي، وإعانة من ناوأني من جميع الخلق، ولا موالاة بيني ~~وبين أحد من المسلمين، وهو متبرئ من الحول والقوة، ومدع إن كان أنه كافر ~~بجميع الأديان، PageV01P104 ### | CHECK [105_2] # ولقي ربه على غير دين ولا شريعة، محرم المأكل والمشرب والمناكح والمركب ~~والرق والملك والملبس على الوجوه والأسباب كلها، وكتبت بخطي ولا نية لي ~~سواه، ولا يقبل الله مني إلا إياه والوفاء به. # فأنكر أبو جعفر هذه الصيغة الشديدة في الأمان، وقال: من يكتب له هذا؟ ~~فقيل ابن المقفع كاتب عيسى بن علي. فقال أبو جعفر: فما أحد يكفينيه؛ وكان ~~سفيان بن معاوية يضطغن على ابن المقفع أشياء، منها: أنه كان يبعث به فيما ~~قيل، فتولى قتله. وقيل إن سفيان لما أمر يقتله قال له: والله إنك لتقتلني، ~~فتقتل بقتلي ألف نفس، ولو قتل مائة مثلك ما وفوا بواحد، ثم قال: # إذا ما مات مثلي مات شخص ... يموت بموته خلق كثير # وأنت تموت وحدك ليس يدري ... بموتك لا الصغير ولا الكبير # هذه رواية الجهشياري في الأسباب التي دعت المنصور إلى قتل ابن المقفع وفي ~~كتاب المقالات للنوبختي أن المنصور كتب لعبد الله بن علي عمه، فيما روي، ~~سبعين أمانا كلها يردها عبد الله بن المقفع، ويقول له: هذا ينتقض عليك، ~~ويبطل من مكان كذا وكذا. فلما ضجر المنصور، وطال عليه أمره، كتب إلى بن ~~معاوية المهلبي، وهو عامله على البصرة، بعد ما وقف على أمر ابن المقفع وأنه ~~صاحبه، وكان ms091 متواريا مخافة المنصور، وما بلغه عنه: يقسم بالله وبالأيمان ~~المغلظة لئن لم يطلب عبد الله بن المقفع ولم يقتله ليقتله ومن بقي من أهل ~~بيته من آل الملهب، فطلبه يزيد بن معاوية فظفر به، وأراد حمله إلى المنصور ~~فقتل نفسه. قال بعضهم: أنه شرب سما وقال بعضهم: إنه خنق نفسه. فلما قتل ابن ~~المقفع قبل عبد الله بن علي أول أمان ورد عليه، وظهر فحمل إلى المنصور ~~فحسبه في بيت ثم هدمه عليه فقتله، وقال بعضهم: بل بعث إليه وهو نائم ثم وضع ~~على وجهه شيئا فأخذ بنفسه حتى مات. وقال بعضهم: إنه سمه في طعامه فقتله اه. PageV01P105 ### | CHECK [106_2] # جوز المنصور قتل بريء، كتب ما كتب حرصا على مصلحة من يكتب له، واله يقول ~~ولا يضار كاتب ولا شهيد وما عدم الساسة حجة يتوكئون عليها، أو تأويلا ~~يأتيهم به المنافقون لقتل من استهدفوا لغضبهم، والمنصور على ما فيه من عقل ~~ودهاء، عجز عن إقناع أهله بأن يكتبوا إلا ما أرادوا في أمان أحدهم، فانتقم ~~من رجل لا قوة له غير قلمه، ومن رجل شريف ما تجوز في خيانتة من يتولى عنه، ~~وأبت ذمته أن يكتب لهم عهد أمان ضعيف القيود، يدخل المنصور متى أراد من أحد ~~شقوقه، فينقضه ويهلك من يحاول إهلاكه. # والمنصور يعرف مكانه ابن المقفع من العلم، يعرفه مما ترجمه له من كتب ~~الحكماء، ويعرف شهرته المستفيضة في أرجاء مملكته الواسعة؛ وليس عبد الله ~~بالرجل الذي يجهل موقعه، والمنصور يعرف أن ابن المقفع، والدولة في شبابها، ~~زينة مملكته، وما كان يحسنه من فنون الحكمة والأدب لا يحسنه سواه، ولكن هو ~~الاستبداد يعمي البصر، وحظوظ النفس تعمي البصيرة، والمتبد أبدا محتقب ~~أوزارا، قد تعود عليه بأقبح سمعة وشنعة؛ ومن أجل هذا تحامي كثير من العقلاء ~~التقرب من الملوك المستبدين، لأنهم إذا قالوا فعلوا. # - - # - - # شعبة من كلامه: # يحار من يحاول الاختبار من هذا القليل الذي عفت عنه القرون من كلام ابن ~~المقفع. وبحسبنا أن نقتبس شيئا من حكمه في ms092 الأدب الصغير واليتيمية، ثم ~~نتبعه بجمل نختارها من كليلة ودمنة، ثم بطائفة من رسائله يجدر بطالب ~~البلاغة أن يترواها وبتدبيرها، وكان الأجدى أن لا نتكلف الاختيار من كلام ~~كله در مختار. # 1 - من ذلك قوله في معنى الانتفاع بالكلام النافع: ومن أخذ كلاما حسنا عن PageV01P106 ### | CHECK [107_2] # غيره فتكلم به في موضعه على وجهه، فلا يرين عليه في ذلك ضؤلة، فإن من ~~أعين على حفظ قول المصيبين، وهدي للاقتداء بالصالحين، ووفق للأخذ عن ~~الحكماء، فلا عليه ألا يزداد، فقد بلغ الغاية، وليس بناقصه في رأيه، ولا ~~بغائضه من حقه أن لا يكون هو استحدث ذلك وسبق إليه، وإنما حياة العقل الذي ~~يتم به ويستحكم، خصال ست: الإيثار بالمحبة، والمبالغة في الطلب، والتثبيت ~~في الاختيار، والاعتقاد للخير، وحسن الوعي، والتعهد لما اختير واعتقد، ووضع ~~ذلك موضعه قولا وعملا. # 2 - ومنها في شدة الحاجة إلى التأدب كشدة حاجة الجسم إلى التغذية: ولسنا ~~إلى ما يمسك بأرماقنا من المطعم والمشرب بأحوج منا إلى ما يثبت عقولنا من ~~الأدب الذي به تفاوت العقول. وليس غذاء الطعام بأسرع في نبات الجسد من غذاء ~~الأدب في نبات العقل، ولسنا بالكد في طلب المتاع الذي يلتمس به دفع الضر ~~والعيلة، بأحق منا بالكد في طلب العلم الذي يلتمس به صلاح الدين والدنيا. # 3 - ومن ذلك حاجة المعلم إلى تعليم نفسه أولا من نصب نفسه للناس إماما في ~~الدين، فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه وتقويمها في السيرة والطعمة والرأي ~~واللفظ والأخدان. فيكون يعليمه بسيرته أبلغ من تعليمه بلسانه، فإنه كما أن ~~كلام الحكمة يؤنق الأسماع، فكذلك عمل الحكمة يروق العيوب والقلوب، ومعلم ~~نفسه ومؤدبها أحق بالإحلال والتفضيل من معلم الناس ومؤدبهم. # 4 - ومن ذلك ذكر الواجب على من يتقرب من الملوك العادلين وحاجة المجتمع ~~إلى الالتفاف عليهم: إن للسلطان المسقط حقا لا يصلح لخاصة ولا عامة أمر إلا ~~بإرادته، فذو اللب حقيق أن يخلص لهم النصيحة ويبذل لهم الطاعة، ويكتم سرهم ~~ويزين سيرتهم، ويذب بلسانه ويده عنهم، ويتوخى ms093 مرضاتهم، ويكون من أمره ~~المواتاة لهم، والإيثار لأهوائهم ورأيهم على هواه، ويقدر الأمور على ~~موافقتهم، PageV01P107 ### | CHECK [108_2] # وإن كان ذلك له مخالفا، وأن يكون منه الجد في المخالفة لمن جانبهم وجهل ~~حقهم، ولا يواصل من الناس إلا من لا تباعد مواصلته إياه منهم، ولا تحمله ~~عداوة أحد له، ولا إضرار به على الاضطغان عليهم، ولا مواتاة أحد على ~~الاستخفاف بشيء من أمورهم، والانتقاض لشيء من حقهم، ولا يكتمهم شيئا من ~~نصيحتهم، ولا يتثاقل عن شيء من طاعتهم، ولا يبطر إذا أكرموه، ولا يجترئ ~~عليهم إذا قربوه، ولا يطغى إذا سلطوه، ولا يلحف إذا سألهم، ولا يدخل عليهم ~~المؤونة، ولا يستثقل ما حملوه، ولا يغتر بهم إذا رضوا عنه، ولا يتغير لهم ~~إذا سخطوا عليه، وأن يحمدهم على ما أصاب من خير منهم أو من غيرهم، فإنه لا ~~يقدر أحد على أن يصيبه بخير إلا بدفاع الله عنه بهم. # أخذ هذا المعنى من سيرة الفرس في تقديس ملوكهم وفيه منزع سياسي لطيف، ~~والعرب لا تعرف مثله، والعرب يجبهون ملوكهم، ويضربون بعيوبهم وجوههم، ومما ~~روى له في هذا المعنى: لا تكن صحبتك للسلطان إلا بعد رياضة منك لنفسك، وكن ~~حافظا إذا ولاك، أمينا إذا ائتمنك، راضيا إذا أسخطك، ومع هذا فالحذر من ~~صحبته كل الحذر وقال: لا تغرنك سعة تكون فيها، فإن أعظم الناس خطرا مما ~~يدير ما في يده، والملوك إلى حسن التدبير أحوج من السوقة، فإن السوقة قد ~~تعيش بغير مال، والملوك لابد لهم من المال ولا قوام لهم إلا به وقال: ينبغي ~~للملك أن لا يغضب لأن القدرة من وراء حاجته، ولا أن يكذب لأنه لا يقدر أحد ~~على استكراهه على ما لا يريد، ولا أن يبخل لأن البخل مذموم، ولا أن يكون ~~حقودا لأن خطره يجل عن المجازة. # 5 - ومنها في صورة العالم الحقيقي وما يجب عليه وينبغي له: مما يدل على ~~علم العالم معرفته بما يدرك من الأمور، وإمساكه عما لا يدرك، وتزيينه نفسه ~~بالمكارم، وظهور علمه ms094 للناس من غير أن يظهر منه فخر ولا عجب، ومعرفته PageV01P108 ### | CHECK [109_2] # بزمانه الذي هو فيه، وبصره للناس، وأخذه بالقسط، وإرشاده المسترشد، وحسن ~~مخالفته خلطاءه، وتسويته بين قلبه ولسانه، وتحرية الأمر في كل أمر، ورحب ~~ذرعه فيما نابه، واحتجاجه بالحجيج فيما عمل، وحسن تبصره. من أراد أن يبصر ~~شيئا من علم الآخرة فبالعلم الذي به يعرف ذلك، ومن أراد أن يبصر شيئا من ~~علم الدنيا فبالأشياء التي هي تدل عليه. # 6 - وفي تأصل الكذب في الإنسان قال: رأس الذنوب الكذب هو يؤسسها وهو ~~يتفقدها ويثبتها، ويتلون ثلاثة ألوان: بالأمنية والجحود والجدل، يبدأ صاحبه ~~بالأمنية الكاذبة فيما يزين من السوآت فيشجعه عليها بان ذلك سيخفى، فإذا ~~ظهر عليه قابله بالجحود والمكابرة؛ فإنه أعياه ذلك ختم بالجدل فخاصم عن ~~الباطل، ووضع له الحجيج والتمس به التثبيت، وكابر الحق حتى يكون مسارعا ~~للضلالة، ومكابرا بالفواحش. # 7 - ومن محكم تصريحاته قوله: لا يثبت دين المرء على حالة واحدة أبدا، ~~ولكنه لا يزال إما زائدا وإما ناقصا. السعيد يرغبه الله في الآخرة، حتى ~~يقول لا شيء غيرها، فإذا هضم دنياه وزهد فيها لآخرته، لم يحرمه الله بذلك ~~نصيبه من الدنيا، ولم ينقصه من سروره فيها، والشقي يرغبه الشيطان في ~~الدنيا، حتى يقول لا شيء غيرها، فيعجل الله له التنغيص في الدنيا التي آثر ~~مع الخزي الذي يلقاه بعدها. # 8 - وفي معرفة صلحاء الوقت والحث على الاستشارة قوله: اعرف أهل الدين ~~والمروءة في كل كورة وقرية وقبيلة، فيكونوا هم إخوانك وأعوانك وبطانتك ~~وثقاتك، ولا يقذفن في روعك أنك إذا استشرت الرجال فظهرت للناس منك الحاجة ~~إلى رأي غيرك، فإنك لست تريد الرأي للذكر والسمعة ولكنما تريده للانتفاء ~~به، ولو أنك مع ذلك أردت السمعة والذكر لكان أحسن الذاكرين وأفضلهما PageV01P109 ### | CHECK [110_2] # عند أهل العقل أن يقال لا يتفرد برأيه دون استشارة أهل الرأي وقال اعلم ~~أن المستشار ليس يكفيك، وأن الرأي ليس بمضمون، فإن أشار عليك صاحبك برأي لم ~~تجد عاقبته كما تأمل فلا تجعلن ذلك ms095 ذنبا، ولا تلزم المشير لوما، فإنه عليه ~~الاجتهاد فيما يشير به ويراه، وأن كنت أنت المشير فعمل برأيك فأصحاب، فلا ~~تمنن به ولا تكثر ذكره، وإن لم يعمل به فأخطأ، فلا تلمه على تركه. # 9 - وفي التوقيت لكل شيء ووضع كل شيء موضعه قوله: اعلم أن رأيك لا يتسع لكل ~~شيء، ففرغه للمهم، وأم مالك لا يغني الناس كلهم، فاختص به ذوي الحقوق، وأن ~~كرامتك لا تطيق العامة فتوخ بها أهل الفضائل، وأن ليلك ونهارك لا يستوعبان ~~حاجتك، وإن دأبت فيهما، وأنه ليس لك إلى أدائها سبيل مع حاجة جسدك إلى ~~نصيبه من الدعة، فأحسن قسمتها بين دعتك وعملك. # واعلم أنك ما شغلت من رأيك المهم أزرى بالمهم، وما صرفت من مالك بالباطل ~~فقدته حين تريده للحق، وما عدلت به من كرامتك إلى أهل النقص أضربك في العجز ~~عن أهل الفضل، وما شغلت مت ليلك ونهارك في غير الحاجة أزرى بك في الحاجة. # 10 - ومنها في طبقات الملك: اعلم أن الملك ثلاثة: ملك دين، وملك حزم، ~~وملك هوى، أما ملك الدين فإنه إذا أقيمك لأهله دينهم، وكان دينهم هو الذي ~~يعطيهم مالهم، ويلحق به الذي عليهم أرضاهم، ونزل الساخط منهم منزلة الراضي ~~في الإقرار والتسليم؛ وأما ملك الحزم، فإنه يقون به الأمر، ولا يسلم من ~~الطعن والتسخط، ولن يضر طعن الذليل مع حزم القوي؛ وأما ملك الهوى فلعب ساعة ~~ودمار دهر. # 11 - وفي المبالغة الحرص على الإخوان قوله: اعلم أن إخوان الصدق هم خير ~~مكاسب الدنيا: زينة في الرخاء، وعدة في الشدة، ومعونة في المعاش والمعاد، فلا PageV01P110 ### | CHECK [111_2] # تفرطن في اكتسابهم وابتغاء الوصلات والأسباب إليهم. وقال له الرجل: أنا ~~بالصديق آنس مني بالأخ، فقال: صدقت، الصديق نسيب الروح، والأخ نسيب الجسم ~~وقال من سوء المجالسة أن الرجل تثقل عليه النعمة يراها بصاحبه، فيكون ممن ~~يشتفي به منه تصغير أمره وتكدير النعمة عنده، بذكر الزوال والانتفال كأنه ~~واعظ أو قاص، ولا يخفي ذلك على من يعني به، ولا ينزله منزلة ms096 الوعظ ~~والإبلاغ، بل الحسد والاسترواح إلى غير راحته وقال: لا تلتمس غلبة صاحبك ~~والظفر به عند كل كلمة، ولا تستطيلن عليه بظهور حجتك، فان قوما قد يحملهم ~~حب الغلبة أن يتعقبوا الكلمة بعد ما تنسى، يلتمسون بذلك الغلبة والاستطالة ~~على الأصحاب، وذلك في العقل ضعف، وفي الأخلاق لؤم. # 12 - ومما قال في اجتناب حديث تتبرم فيه النفوس: اعلم أنه تكاد تكون لكل ~~رجل غالبة حديث، أما عن بلاد من البلدان، أو ضرب من ضروب العلم، أو صنف من ~~صنوف الناس، أو وجه من وجوه الرأي، وعندما يغرم به الرجل من ذلك يبدو منه ~~السخف، ويعرف منه الهوى، فاجتنب ذلك في كل موطن، ثم عند أولي الأمر خاصة. # 13 - وقال في الابتعاد عن انتحال أقوال الأصدقاء: إن سمعت صاحبك كلاما أو ~~رأيا يعجبك، فلا تنتحله تزينأ به عند الناس، واكتف من التزين بأن تجتنبي ~~الصواب إذا سمعته وتنسبه إلى صاحبه، واعلم أن انتحالك ذاك سخطة لصاحبك، وأن ~~فيه مع ذلك عارا، فإن بلغ ذلك بك أن تشير برأي الرجل، وتتكلم بكلامه وهو ~~يسمع، جمعت مع الظلم قلة الحياء، وهذا من سوء الأدب الفاشي في الناس، ومن ~~تمام حسن الخلق والأدب أن يسخو نفسك لأخيك بما انتحل من كلامك ورأيك، وتنسب ~~إليه رأيه وكلامه، وتزينه مع ذلك ما استطعت. وقال: إياك أن تبتدئ حديثا ثم ~~تقطعه كأنك رويت فيه، ولكن اجعل ترويتك فيه قبل ابتدائه والتفوه به، PageV01P111 ### | CHECK [112_2] # فإن احتجان الحديث بعد افتتاحه سخف وغم. # 14 - ومما قال: لتعرف العلماء حين تجالسهم أنك على أن تسمع أحرص منك على ~~أن تقول. إن آثرت أن تفاخر أحدا ممن تستأنس إليه في لهو الحديث فاجعل غاية ~~ذلك الجد، ولا تعدون أن تتكلم فيه بما كان هزلا، فإذا بلغ الجد أو قاربه ~~فدعه، ولا تخلطن بالجد هزلا وبالهزل جدا، فإنك أن خلطت بالجد هزلا هجنته، ~~وإن خلطت بالهزل جدا كدرته، غير أني علمت موطنا واحدا إن قدرت أن تستقبل ~~متورد بالسفه والغضب، فتجيبه إجابة ms097 الهازل برحب من الذرع، وطلاقة من الوجه، ~~وثبات من النطق. # 15 - وقال وهو مما يجب على كل عاقل أن يجعله نصب عينه، ويتأدب بأدبه. ~~يحرز من سكر السلطة، وسكر العلم، وسكر المنزلة، وسكر الشباب، فإنه ليس من ~~هذا شيء إلا وهو ريح جنة تسلب العقل، وتذهب الوقار وتصرف القلب والسمع ~~والبصر واللسان عن المنافع. # 16 - وقال فيما ينبغي أن يكون عليه المرء من الأخلاق: ذلل نفسك بالصبر ~~على جار السوء، وعشير السوء، وجليس السوء، فإن ذلك ما لا يكاد يخطئك، فإن ~~الصبر صبران، صبر الرجل على ما يكره وصبره عما يحب، فلصبر على المكروه ~~أكثرهما وأشبههما أن يكون صاحبه مضطرا، واعلم أن اللثام أصبر أجسادا، ~~والكرام أصبر نفوسا، وليس الصبر الممدوح بأن يكون جلد الرجل وقاحا، أو رجله ~~قوية على المشي، أو يده قوية على العمل، فإنما هذا من صفات الحمير، ولكن أن ~~يكون للنفس غلويا، وللأمور محتملا، وفي الضر متجملا، ولنفسه عند الرأي ~~والحفاظ مرتبطا، وللحزم مؤثرا، وللهوى تاركا، وللمشقة التي يرجو عاقبتها ~~مستخفا وعلى وجاهدة الأهواء والشهوات مواظبا، ولصبره بعزمه منفذا. # ومما قال: لا تعتذرون إلا من يجب أن يجد لك عذرا، ولا تستعين إلا بمن يحب PageV01P112 ### | CHECK [113_2] # أن يظفرك بحاجتك، ولا تحدثن إلا من يرى حديثك مغنما ما لم يغلبك ~~الاضطرار. وقال: إن كنت لا بد أن تكافئ بالعداوة، فإياك أن تكافئ عداوة ~~السر بعداوة العلانية، وعداوة الخاصة بعداوة العامة وقال: لا تعجل بالثواب ~~ولا بالعقاب، فان ذلك أدوم لخوف الخائف ورجاء الراجي وقال: اعلم أن من ~~الناس ناسا يبلغ بهم الغضب إذا غضبوا أن يقطب أحدهم في غير وجه من أغضبه، ~~ويسئ اللفظ والعقوبة لمن لا ذنب له، ويبلغ منه الرضى إذا رضي أن يتبرع ~~بالأمر ذي الخطر لمن ليس بمنزلة ذلك عنده، ويعطي من لم يستحق العطاء، ويكرم ~~من لا يستوجب الكرامة، فاحذر هذا الباب فانه غير لائق بذوي الألباب. # 17 - وقال في النساء وفي رغبات الرجال الذواقين: اعلم أن من أوقع الأمور ~~في ms098 الدين، وأنهكها للجسد، وأتلفها للمال، وأضرها بالعقل، وأسرعها في ذهاب ~~الجلالة والوقار الغرام بالنساء. ومن البلاء على المغرم بهن أنه لا ينفك ~~يأجم ما عنده، وتطمح عيناه إلى ما ليس عنده منهن؛ وإنما النساء أشباه، وما ~~يرى في العيون والقلوب من فضل مجهولاتهن على معروفاتهن باطل وخدعة، بل ما ~~يرغب عنه الراغب مما عنده أفضل مما تتوق إليه نفسه، وإنما المترغب عما رحله ~~منهن إلى ما في رحال الناس، كالمترغب عن الطعام بيته إلى ما في بيوت الناس، ~~بل النساء أشبه من الطعام بالطعام، وما في رحال الناس من الأطعمة أشد ~~تفاضلا وتفاوتا مما في رحالهم من النساء. # ومن العجب أن الرجل الذي لا بأس في لبه، يرى المرأة من بعيد متلففة في ~~ثيابها، فيصور لها في قلبه الحسن والجمال، حتى تعلق بها نفسه، من غير رؤية ~~ولا خبر مخبر، ولا يزال مشغوفا بما لم يذق، حتى لو لم يبق في الأرض غير ~~امرأة واحدة لظن أن لها شأنا ما ذاق، وهذا هو الحمق والشقاء. ومن لم يجم ~~نفسه ويظلفها ويحلأها عن الطعام والشراب والنساء في بعض الساعات شهوته ~~وقدرته، PageV01P113 ### | CHECK [114_2] # كان أيسر ما يصيبه من وبال أمره انقطاع تلك الذات عنه، بخمود نار شهوته، ~~وضعف عوامل جسده؛ وقل من تجد إلا مخادعا لنفسه في أمر جسده عند الطعام ~~والشراب والحمية والدواء، وفي أمر مروءته عند الأهواء والشهوات، في أمر ~~دينه عند الريبة والشبهة والطمع. والحكمة الأخيرة من أجل ما يتعلم ويتفهم. # 18 - وقال فيما يجب أن تعامل به المرأة في المجتمع: إياك ومشاورة النساء ~~فإن رأيهن إلى أفن، وعزمهن إلى وهن، واكفف عليهن من أبصارهن بحجابك إياهن، ~~فإن شدة الحجاب خير لك من الارتباب، وليس خروجهن بأشد من دخول من لا تثق به ~~عليهن، فإن استطعت أن لا يعرفن غيرك فافعل، ولا تملكن امرأة من الأمر ما ~~جاوز نفسها، فإن ذلك أنعم لحالها، وأرخى لبالها، وأدوم لجمالها؛ وإنما ~~المرأة ريحانة، وليست بقهرمانة، فلا تعد بكرامتها لنفسها، ولا تعطها ms099 أن ~~تشفع عندك لغيرها، ولا تطل الخلوة مع النساء فيمللنك وتملهن، واستبق من ~~نفسك بقية فإن إمساكك عنهم وهن يردنك باقتدار، خير من أن يهجمن عليك على ~~انكسار. وإياك والتغاير في غير موضع غيرة، فإن ذلك يدعو الصحيحة منهن إلى ~~السقم. وقوله وإنما المرأة ريحانة وليست بقهرمانة من أجمل الحكم والكلام ~~المحقق. # 19 - وقال في العالم والمتعلم: لا يعجبنك العالم ما لم يكن عالما بمواضع ~~ما يعلم. وقال: حبب إلى نفسك العلم حتى تألفه وتلزمه، ويكون هو لهوك ولذتك ~~وسلوتك وبلغتك، واعلم أن العلم علمان، علم للمنافع وعلم لتزكية العقل، ~~وأفشي العلمين وأجداهما أن ينشط له صاحبه من غير أن يحرض عليه علم المنافع، ~~وللعلم الذي هو ذكاء العقول وصقلهما وجلاؤها، فضيلة عند أهل الفضل في ~~الألباب. # 20 - وقال في نظام العمل: إذا تراكمت الأعمال عليك فلا تلتمس الروح في ~~مدافعتها بالروغان منها، فإنه لا راحة لك إلا في إصدارها، وإن الصبر عليها هو PageV01P114 ### | CHECK [115_2] # يخففها، وإن الضجر منها هو يراكمها عليك، فتعهد من ذلك في نفسك خصلة قد ~~رأيتها تعتري بعض أصحاب الأعمال، إن الرجل يكون في أمر من أمر فيرد عليه ~~شغل آخر، ويأتيه شاغل من الناس يكره تأخيره، فيكدر ذلك بنفسه تكديرا يفسد ~~ما كان فيه وما ورد عليه، حتى لا يحكم واحدا منها، فإن ورد عليك مثل ذلك ~~فليكن معك رأيك الذي تختار به الأمور، ثم اختر أولى الأمرين بشغلك فاشتغل ~~به حتى تفرغ منه، ولا يعظمن عليك فوت ما فات وتأخير ما تأخر، إذا أعلمت ~~الرأي معمله، وجعلت شغلك في حقه. # 21 - وقال في معنى التوقي من أكاذين الناس ونقلها: إياك والأخبار الرائعة ~~وتحفظ منها، فإن الإنسان من شأنه الحرص على الإخبار لا سيما ما راع منها، ~~فأكثر الناس من يحدث بما سمع ولا يبالي ممن سمع، وذلك مفسدة للصدق ومرزئة ~~بالرأي، فإن استطعت ألا تخبر بشيء إلا وأنت به مصدق، وألا يكون تصديقك إلا ~~ببرهان فافعل. ولا تقل كما يقول السفهاء أخير بما ms100 سمعت، فإن الكذب أكثر ما ~~أنت سامع، وإن السفهاء أكثر من قائل، وإنك إن صرت للأحاديث واعيا وحاملا، ~~كان ما تعي وتحمل عن العامة أكثر مما يخترع المخترع بأضعاف. # 22 - وقال فيما يتأدب به السلطان: إنك إن تلتمس رضا الناس تلتمس ما لا ~~يدرك، وكيف يتفق لك رضا المتخالفين، أم ما حاجتك إلى رضا من رضاه الجور، ~~وإلى موافقة من موافقته الضلالة والجهالة، فعليك بالتماس رضا الأخبار وذوي ~~العقول، فإنك متى تصب ذلك تضع عنك مؤونة ما سواه. # 23 - احرص أن تكون خبيرا بأمور عمالك، فإن المسيء يفرق من خبرتك قبل أن ~~تصيبه عقوبتك، وإن المحسن يستبشر بعلمك فيه، قبل أن يأتيه معروفك. ليعرف ~~الناس من أخلاقك أنك لا تعاجلك بالثواب ولا بالعقاب، فان ذلك أدوم PageV01P115 ### | CHECK [116_2] # لخوف الخائف ورجاء الراجي. # 24 - وقال من نصائحه للملوك: رأس الحزم للملك معرفته بأصحابه، وإنزالهم ~~منازلهم، واتهام بعضهم على بعض، فإنه إن وجد بعضهم إلى إهلاك بعض سبيلا، أو ~~إلى تهجين بلاء المبلين، وإحسان المحسنين، والتغطية على إساءة المسيئين، ~~سارعوا إلى ذلك، واستحالوا محاسن أمور الملك، وهجنوا مخارج رأيه، ولم يبرح ~~منهم حاسد قد أفسد ناصحا، وكاذبا قد اتهم أمينا، ومحتال قد أعطب بريئا، ~~وليس ينبغي للملك أن يفسد أهل الثقة بغير أمر يعرفه، بل ينبغي في فضل حلمه، ~~وبسطة علمه، الحيطة على رأيه فيهم، والمحاماة على حرمتهم وذمامهم، وألا ~~يسرع إلى إفسادهم، ولا يغتفر مع ذلك في زلة إن زلها أحد منهم؛ ولم يزل جهال ~~الناس يحسدون علماءهم، وجبناؤهم شجعانهم، ولئامهم كرماءهم، وفجارهم ~~أبرارهم، وشرارهم خيارهم. # 25 - وقال: السلطان لا يقرب الرجال على قرب آبائهم، ولا يباعدهم لبعدهم، ~~ولكنه ينزلهم على قدر ما عند كل امرئ منهم فيما ينتفع به، وقد يكون الجرذ ~~في البيت جارا مجاورا، فينفي إذا كان ضارا مؤذيا، ولما كانت في البازي ~~منفعة وهو وحش، اقتني واتخذ. # وقال أيضا فيما يتأدب به السلطان: عود نفسك الصبر على ما خالفك من رأي ~~ذوي النصيحة، والتجرع لمرارة قولهم وعذلهم، ms101 ولا تسهلن سبيل ذلك إلا لأهل ~~الفضل والمروءة والعقل في ستر، لئلا ينتشر من ذلك ما يجترئ به سفيه، أو ~~يستخف به شانئ. # 26 - إن كان سلطانك عند جدة دولة فرأيت أمرا استقام بغير رأي، أو أعوانا ~~أجزوا بغير نيل، وعملا أنجح بغير حزم، فلا يعرنك ذلك، ولا تستنيمن إليه، ~~فإن الأمر الجديد مما يكون له مهابة في أنفس العوام، وحلاوة في قلوب قوم آخرين، PageV01P116 ### | CHECK [117_2] # فبعين قوم على أنفسهم، ويعين قوم بما قبلهم، ويستتب ذلك الأمر غير طويل، ~~ثم تصير الشؤون إلى حقائقها وأصولها، فما كان شيء من الأمر على غير أركان ~~وثيقة، ولا دعائم محكمة، أوشك أن بتداعي ويتصدع. # 27 - وقال: إذا حاججت فلا تغضب، فإن الغضب يدفع عنك الحجة، ويظهر عليك ~~الخصم، ومن ذلك تعلموا ثلاث خصال من خمس: التربية من الكراكي، والبخل ~~وادخار القوت من الفأر والنمل، والبكور من الغراب والديك ومن كلامه: ثلاثة ~~إن أقدموا على ثلاث من غير ثلاث، فرأوا ما كرهوا، فلا يلومن إلا أنفسهم: من ~~خاصم من غير حجة فخصم، أو صارع من غير قوة فصرع، أو حارب بغير عدة فهزم. # 28 - وقال: أربعة، المال إليهم أحب من أنفسهم: راكب البحر للتجارة، ~~والمحارب بالأجرة، والناقب في خزانة الملك للسرقة، والحواء يستزيد الحية ~~طمعا في الهدية وعنه أيضا: أربعة ضائعة: سراج في الشمس، ومطر في سبخة، ~~وحسناء عند عنين، وطعام عند سكران وعنه أيضا: أربعة يعرفون في أربع أحوال: ~~الشجاع، في الحرب، والفرس في الميدان، والحراث في الحراثة، والصديق عند ~~الحاجة إليه وعنه أيضا: العداوة الطبيعية أربع: عداوة الذئب للغنم، والبازي ~~للقبيح، والهر للفأر، والغراب للبوم. # 29 - ومما نقل من كلمة وجملة: إذا جعل الكلام مثلا كان أوضح للمنطق، وآنق ~~للمسمع، وأوسع لشعوب الحديث. ولا تعرضن عقلك على الناس، فإذا اضطرك أمر فكن ~~كصاحب الشطرنج يبني أمره على القائمة، فان وجد ضربة غريبة انتهزها، وإياك ~~أن تبتدئ في مجلس لم تسبر عقول أصحابه، فبين العقول بون بعيد. الإفراط في ~~التواضع يوجب المذلة، ms102 والإفراط في المؤانسة يوجب المهانة. كثرة المنى تخلق ~~العقل وتطرد القناعة وتفسد الحس. خمس نفر المال أحب إليهم PageV01P117 ### | CHECK [118_2] # من أنفسهم: المقاتل بالأجرة، وراكب البحر للتجارة، وحافر البئر والأسراب، ~~والمدل بالسباحة، والمخاطر على السم. وقال: لينفق ذو المال ماله في ثلاثة ~~مواضع: في الصدقة إن أراد الآخرة، وفي مصانعة السلطان إن أراد الذكر، وفي ~~النساء إن أراد العيش. وقال: إن صاحب الدنيا يطلب ثلاثة ولا يدركها إلا ~~بأربعة، فأما الثلاثة التي يطلب، فالسعة في المعيشة، والمنزلة في الناس، ~~والزاد إلى الآخرة؛ وأما الأربعة التي تدرك بها هذه الثلاثة، فاكتساب المال ~~من أحسن وجوهه، وحسن القيام عليه، ثم التثمير له، ثم إنفاقه فيما يصلح ~~المعيشة ويرضي الأهل والأخوان، ويعود في الآخرة نفعه، فإن أضاع شيئا من هذه ~~الأربعة لم يدرك شيئا من هذه الثلاثة: إن لم يكتسب لم يكن له مال يعيش به، ~~وإن كان ذا مال واكتساب ولم يحسن القيام عليه، يوشك أن يفنى ويبقى بلا مال، ~~وإن هو وضعه ولم يثمره لم يمنعه قلة الإنفاق من سرعة النفاد، كالكحل الذي ~~إنما يؤخذ منه على الميل مثل الغبار، ثم هو مع ذلك سريع فناؤه، وإن اكسب ~~وأصلح وثمر، ولم ينفق الأموال في أبوابها، كان بمنزلة الفقير الذي لا مال ~~له، ثم لا يمنع ذلك ماله من أن يفارقه، ويذهب حيث لا منفعة فيه، كحابس ~~الماء في الموضع الذي تنصب فيه المياه، إن لم يخرج منه بقدر ما يدخل فيه ~~تمصل وسال من نواحيه فيذهب الماء ضياعا. # هذه بعض حكم ابن المقفع لقطناها، وكلامه ليس مما يلتقط منه ويطرح منه، بل ~~كله سلسلة واحدة ونمط واحد، وقد ختم كتابه اليتيمة بهذه الجملة المعجبة ~~والواصف الغريب، قال، وهي آية الإبداع: # 30 - إني مخبرك عن صاحب كان أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما أعظمه عندي ~~صغر الدنيا في عينه؛ كان خارجا من سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد، ولا ~~يكثر إذا وجد، وكان خارجا من سلطان فرجه فلا تدعوه إليه ms103 مؤونة، PageV01P118 ### | CHECK [119_2] # ولا يستخف له رأيا ولا بدنا، وكان خارجا من سلطان الجهالة فلا يقدم إلا ~~على ثقة أو منفعة، وكان أكثر دهره صامتا، فإذا قال بذ القائلين، وكان يرى ~~متضعفا مستضعفا، فإذا جد الجد فهو الليث عاديا؛ وكان لا يدخل في دعوى، ولا ~~يشرك في مراء، ولا يدلي بحجة، حتى يجد قاضيا فهما وشهودا عدولا، وكان لا ~~يلوم أحدا على ما قد يكون العذر في مثله، حتى يعلم ما اعتذاره؛ وكان لا ~~يشكو وجعا إلا إلى من يرجو عنده البرء، ولا يصحب إلا من يرجو عنده النصيحة، ~~وكان لا يتبرم ولا يتسخط، ولا يتشهى ولا يتشكى، ولا ينتقم من العدو ولا ~~يغفل عن الولي، ولا يخص نفسه دون إخوانه بشيء من اهتمامه وحيلته وقوته، ~~فعليك بهذه الأخلاق إن أطقت، ولن تطيق، ولكن أخذ القليل خير من ترك الجميع، ~~وبالله التوفيق. # 31 - من كليلة ودمنة: قال بيدبا إني وجدت الأمور التي اختص بها الإنسان ~~من بين سائر الحيوان أربعة أشياء، وهي جماع ما في العالم، وهي الحكمة ~~والعفة والعقل والعدل، والعالم والأدب والروية داخلة في باب الحكمة، والحلم ~~والصبر والوقار داخلة في باب العقل، والحياء والكرم والصيانة والأنفة داخلة ~~في باب العفة، والصدق والإحسان والمراقبة وحسن الخلق داخلة في باب العدل؛ ~~وهذه هي المحاسن، وأضدادها هي المساوىء، فمتى كلمت هذه في واحد لم يخرجه ~~النقص في نعمته إلى سوء الحظ من دنياه، ولا إلى نقص في عقباه، ولم يتأسف ~~على ما لم يعن التوفيق ببقائه، ولم يحزنه ما تجري به المقادير في ملكه، ولم ~~يدهش عند مكروه، فالحكمة كنز لا يفني على الإنفاق، وذخيرة لا يضرب لها ~~بالإملاق، وحله لا تخلق جدتها، ولذة لا تصرم مدتها. # 32 - واعلم أيها الملك أنه من لم يقبل من نصائحه ما يثقل عليه مما ينصحون ~~له لم يحمد رأيه، كالمريض الذي يدع ما يبعث له الطبيب، ويعمد إلى ما ~~يشتهيه، PageV01P119 ### | CHECK [120_2] # وحق على مؤازر السلطان أن يبالغ في التخصيص له على ما ms104 يزيد سلطانه قوة ~~ويزينه، والكف عما يضيره ويشينه، وخير الإخوان والأعوان أقلهم مداهنة في ~~النصيحة، وخير الأعمال أحمدها عاقبة، وخير النساء الموافقة لبعلها، وخير ~~الثناء ما كان على لسان الأخبار، وخير السلطان ما لم يخالطه بطر، وخير ~~الأخلاق أعونها على الورع، وقد قيل لو أن امرأ توسد النار، وافترش الحيات ~~كان أحق ألا يهنئه النوم، والرجل إذا أحسن من صاحبه بعداوة يريده بها لا ~~يطمئن إليه، وأعجز الملوك آخذهم بالهوينى، وأقلهم نظرا في مستقبل الأمور ~~وأشبههم بالفيل الهائج الذي لا يلتفت إلى شيء، فإن حزبه أمر تهاون به، وإن ~~أضاع الأمور حمل ذلك على قرنائه. وقال: إن كان للملوك فضل في مملكتها، فان ~~للحكماء فضلا في حكمتها أعظم، لأن الحكماء أغنياء عن الملوك بالعلم، وليس ~~الملوك بأغنياء عن الحكماء بالمال. # 33 - وقال: ومن ذا الذي غالب القدر، ومن ذا الذي بلغ من الدنيا جسيما من ~~الأمور فلم يبطر، ومن ذا الذي طلب من اللئام فلم يحرم، ومن ذا الذي خالط ~~الأشرار فسلم، ومن ذا الذي صحب السلطان فدام له منه الأمن والإحسان، ولقد ~~صدق الذي قال: مثل السلاطين في قلة وفائهم لمن صحبهم، وسخاء أنفسهم بمن ~~فقدوا من قرنائهم كمثل البغي كلما فقدت واحدا جاء آخر. # 34 - وقال: فقد علمتم نتيجة رأيي وصحة فكري، وإن لم آته جهلا به، لأن كنت ~~اسمع من الحكماء قبلي تقول إن الملوك لها سكرة كسكرة الشراب، فالملوك لا ~~تفيق من السكرة إلا بمواعظ العلماء وآداب الحكماء. والواجب على الملوك أن ~~يتعظوا بمواعظ العلماء، والواجب على العلماء تقويم الملوك بألسنتها، ~~وتأديبها بحكمتها، وإظهار الحجة البينة اللازمة لهم، ليرتدعوا عما هم عليه ~~من الاعوجاج، والخروج عن العدل؛ فوجدت ما قالت العلماء فرضا واجبا على ~~الحكماء لملوكهم، PageV01P120 ### | CHECK [121_2] # ليوقظوهم من سنة سكرتهم، كالطبيب الذي يجب عليه في صناعته حفظ الأجساد ~~على صحتها، أو ردها إلى الصحة، فكرهت أن يموت أو أن أموت وما يبقى على ~~الأرض إلا من يقول: إنه كان بيدبا الفيلسوف في زمان دبشليم ms105 الطاغي فلم يرده ~~عما كان عليه. فإن قال قائل إنه لم يمكنه كلامه خوفا على نفسه، قالوا: كان ~~الهرب منه ومن جواره أولي به، ولانزعاج عن الوطن شديد، فرأيت أن أجود ~~بحياتي فاكون قد أتيت فيما بيني وبين الحكماء بعدي عذرا، فحملتها على ~~التغرير أو الظفر بما أريده؛ وكان من ذلك ما أنتم معاينوه؛ فإنه يقال في ~~بعض الأمثال إنه لم يبلغ أحد مرتبة إلا بإحدى ثلاث: إما بمشقة تناله في ~~نفسه، وإما بوضيعة في ماله، أو وكس في دينه؛ ومن لم يركب الأهوال لم ينل ~~الرغائب. # 35 - وقد يقال إلزام ذا العقل وذا الكرم، واسترسل إليهما، وإياك ~~مفارقتهما، وأصحب الصاحب إذا كان عاقل كريما، أو عاقلا غير كريم، أو كريما ~~غير عاقل، فالعاقل الكريم كامل، والعاقل غير الكريم أصحبه وإن كان غير ~~محمود الخليقة؛ وأحذر من سوء أخلاقه، وانتفع بعقله، والكريم غير العاقل ~~ألزمه ولا تدع مواصلته، وإن كنت لا تحمد عقله، وانتفع بكرمه وأنفعه بعقلك، ~~والفرار كل الفرار من اللئيم الأحمق. # 36 - فقلت في نفسي: ما الإخوان ولا الأعوان ولا الأصدقاء إلا بالمال، ~~ووجدت من لا مال له إذا أراد أمرا قعد به العدم عما يريده، كالماء الذي ~~يبقى في الأدوية من مطر الشتاء، لا يمر إلى نهر، ولا يجري إلى مكان، فتشربه ~~أرضه؛ ووجدت من لا إخوان له لا أهل له، ومن ولد له ذكر له، ومن لا مال له ~~لا عقل له ولا دنيا ولا آخرة، لأن الرجل إذا افتقر قطعه أقاربه وإخوانه؛ ~~فإن الشجرة النابتة في السباخ، المأكولة من كل جانب، كحال الفقير المحتاج ~~إلى ما في أيدي الناس؛ ووجدت الفقر رأس كل بلاء، وجالبا إلى صاحبه كل مقت، ~~ومعدن النميمة؛ PageV01P121 ### | CHECK [122_2] # ووجدت الرجل إذا افتقر اتهمه من كان له مؤتمنا، وأساء به الظن من كان يظن ~~به حسنا، فإن أذنب غيره كان هو للتهمة موضعا، وليس من خلة هي للغني مدح إلا ~~وهي للفقير ذم، فإن كان شجاعا قيل أهوج، وإن كان جوادا ms106 سمي مبذرا، وإن كان ~~حليما سمي ضعيفا، وإن كان وقورا سمي بليدا؛ فالموت أهون من الحاجة التي ~~تحوج صاحبها إلى المسألة، ولا سيما مسألة الأشحاء واللئام، فإن الكريم لو ~~كلف أن يدخل يده في فم الأفعى فيخرج منه سما فيبتلعه، كان ذلك أهون عليه ~~وأحب إليه من مسألة البخيل اللئيم. # 37 - ثم تذكرت فوجدت البلاء في الدنيا إنما يسوقه الحرص والشره، ولا يزال ~~صاحب الدنيا في بلية وتعب ونصب، ووجدت تجشم الأسفار البعيدة في طلب الدنيا ~~أهون علي من بسط اليد إلى السخي بالمال، ولم أر كالرضى شيئا، ووجدت العلماء ~~قد قالوا: لا عقل كالتدبير، ولا ورع ككف الأذى، ولا حسب كحسن الخلق، ولا ~~غنى كالرضى، وأحق ما صبر الإنسان على الشيء نفسه، وأفضل البر الرحمة، ورأس ~~المودة الاسترسال، ورأس العقل معرفة ما يكون مما لا يكون. وقالوا: الخرس ~~خير من اللسان الكذوب، والضر والفقر خير من النعمة والسعة من أموال الناس. # 38 - واعلم أن حسن الكلام لا يتم إلا بحسن العمل، وأن المريض الذي قد علم ~~دواء مرضه إن لم يتداو به لم يغن علمه به شيئا، ولم يجد لدائه راحة ولا ~~خفة؛ فاستعمل رأيك، ولا تحزن لقلة المال، فإن الرجل ذا المروءة، قد يكرم ~~على غير مال، كالأسد الذي يهاب وإن كان رابضا، والغني الذي لا مروءة له ~~يهان وإن كان كثير المال، كالكلب لا يحفل به وإن طوق وخلخل بالذهب؛ فلا ~~تكبرن عليك غربتك، فإن العاقل لا غربة له، كالأسد الذي لا ينقلب إلا معه ~~قوته، فلتحسن تعهدك لنفسك، فإنك إذا فعلت ذلك جاء الخير يطلبك، كما يطلب ~~الماء انحداره. PageV01P122 ### | CHECK [123_2] # وإنما جعل الفضل للحازم البصير، وأما الكسلان المتردد فإن الفضل لا ~~يصحبه، كما أن المرأة الشابة لا تطيب لها صحبة الشيخ الهرم؛ وقد قيل في ~~أشياء ليس لها ثبات ولا بقاء: ظل الغمامة في الصيف، وخلة الأشرار، والبناء ~~على غير أساس، والنبأ الكاذب، والمال الكثير؛ فالعاقل لا يحزن لقلته، ولكن ~~ماله وعقله وما قدم من ms107 صالح عمله، فهو واثق بأنه لا يسلب ما عمل، ولا يؤاخذ ~~بشيء لم يعمله؛ وهو خليق أن لا يغفل عن أمر آخرته، فإن الموت لا يأتي إلا ~~بغتة ليس له وقت معين. # 39 - قلما ظفر أحد بغني ولم يطغ، وقلما حرص الرجل على النساء ولم يفتضح، ~~وقل من وثق بوزراء السوء وسلم من أن يقع في المهالك. # . 4 - ومنه: وقد قيل إن خصالا ثلاثا لن يستطيعها أحد إلا بمعونة من علو ~~همة وعظيم خطر، منها صحبة السلطان، وتجارة البحر، ومناجزة العدو؛ وقد قالت ~~العلماء في الرجل الفاضل الرشيد: إنه لا ينبغي أن يرى إلا في مكانين، ولا ~~يليق به غيرهما: إما مع الملوك مكرما أو مع النساك متعبدا، كالفيل إنما ~~جماله وبهاؤه في مكانين: إما أن تراه وحشيا أو مركبا للملوك. # 41 - ووجدت صرعة اللين والرفق أسرع وأشد استئصالا للعدو من صرعة ~~المكابرة، فإن النار لا تزيد بحدتها وحرها إذا أصابت الشجرة على أن تحرق ما ~~فوق الأرض منها، والماء بلينة وبرده يستأصل ما تحت الأرض منها؛ ويقال أربعة ~~أشياء لا يستقل قليلها: النار والمرض والعدو والدين. قال الغراب: وكل ذلك ~~كان من رأي الملك وأدبه وسعادة جده؛ وأنه كان يقال: إذا طلب اثنان أمرا ظفر ~~به منهما أفضلهما مروءة، فإن اعتدلا في المروءة فأشدهما عزما، فإن استويا ~~في العزم فأسعدهما جدا؛ وكان يقال: من حارب الملك الحازم الأريب المتضرع ~~الذي لا تبطره السراء ولا تدهشه الضراء، كان هو داعي الحتف إلى نفسه، ولا ~~سيما إذا كان ذلك أيها الملك العالم بفروض الأعمال، ومواضع الشدة PageV01P123 ### | CHECK [124_2] # واللين، والغضب والرضى، والمعالجة والأناة، الناظر في أمر يومه وغده ~~وعواقب أعماله. قال الملك للغراب: بل برأيك وعقلك ونصيحتك ويمن طالعك كان ~~ذلك، فإن الرأي الرجل الواحد العاقل الحازم أبلغ في هلاك العدو من الجنود ~~الكثيرة من ذوي البأس والنجدة والعدو والعدة. # 42 - ينبغي للعاقل أن لا يغفل عن التماس ما في نفس أهله وولده وإخوانه ~~وصديقه، عند كل أمر وفي كل لحظة ms108 وكلمة، وعند القيام والقعود وعلى كل حال، ~~فإن ذلك كله يشهد على ما في القلوب. وقد قالت العلماء: إذا دخل قلب الصديق ~~من صديقه ريبة فليأخذ بالحزم في التحفظ منه، وليتفقد ذلك في لحظاته ~~وحالاته، فإن كان ما يظن حقا ظفر بالسلامة، وإن كان باطلا ظفر بالحزم ولم ~~يضره ذلك. # 43 - ومنه: إنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أنك إذا غدرت بصاحبك فأنت لا شك ~~بمن سواه أغدر، وأنه إذا صاحب أحد صاحبا وغدر بمن سواه، فقد علم صاحبه أنه ~~ليس عنده المودة موضع، فلا شيء أضيع من مودة تمنح من لا وفاء له، وحباء ~~يصطنع عند من لا شكر له، وأدب يحمل إلى من لا يتأدب به ولا يسمعه، وسر ~~يستودع عند من لا يحفظه، فإن صحبة الأخيار تورث الخير، وصحبة الأشرار تورث ~~الشر، كالريح إذا مرت بالطيب حملت طيبا، وإذا مرت بالنتن حملت نتنا. # 44 - قال الملك: لا خير في من لا يستطيع الإعراض عما في نفسه حتى ينساه ~~ويهمله، فلا يذكر منه شيئا، ولا يكون له في نفسه موقع؛ قال فنزة: أن الرجل ~~الذي في باطن قدمه أن هو حرص على المشي، فلا بد أن تنكأ قرحته، والرجل ~~الأرمد العين إذا استقبل بها الريح تعرض لأن تزداد رمدا، وكذلك الواتر إذا ~~دنا من الموتور فقد عرض نفسه للهلاك. ولا ينبغي لصاحب الدنيا إلا توفي ~~المهالك والمتالف، وتقدير الأمور وقلة الاتكال على الحول والقوة، وقلة ~~الاغترار بمن لا PageV01P124 ### | CHECK [125_2] # يؤمن، فإنه من اتكل على قوته فحمله ذلك على أن يسلك الطريق المخوف فقد ~~سعى في حتف نفسه، ومن لا يقدر لطاقته طعامه وشرابه، وحمل نفسه مالا تطيق ~~ولا تحمل فقد قتل نفسه، ومن لم يقدر لقمته وعظمها فوق ما يسمع فوه فربما غص ~~بها فمات. ومن اغتر بكلام عدوه وانخدع له وضيع الحزم فهو أعدى لنفسه من ~~عدوه. وليس لأحد النظر في القدر الذي لا يدري ما يأتيه منه ولا يصرف عنه، ~~ولكن عليه العمل بالحزم والأخذ ms109 بالقوة ومحاسبة نفسه في ذلك، والعاقل لا يثق ~~بأحد ما استطاع، ولا يقيم على خوف وهو يجد عنه مذهبا؛ وأنا كثير المذاهب، ~~وأرجو أن لا أذهب وجها إلا أصبت فيه ما يغنيني، فإن خلالا خمسا من تزودهن ~~كفينه في كل وجه، وآنسته في كل غربة، وقربن له البعيد، وأكسبنه المعاش ~~والإخوان: أولهن كف الأذى، والثانية حسن الأدب، والثالثة مجانبة الريب، ~~والرابعة كرم الخلق، والخامسة النبل في العمل. وإذا خاف الإنسان على نفسه ~~شيئا طابت نفسه عن المال والأهل والوالد والوطن، فإنه يرجو الخلق من ذلك ~~كله، ولا يرجو عن النفس خلفا. وشر المال ما لا إنفاق منه، وشر الأزواج التي ~~لا تؤاتي بعلها، وشر الولد العاصي العاق والديه، وشر الإخوان الخاذل لأخيه ~~عند النكبات والشدائد، وشر الملوك الذي يخافه البريء ولا يواظب على حفظ أهل ~~مملكته، وشر البلاد بلاد لا خصب فيها ولا أمن. # 45 - قال الفيلسوف: أيها الملك إن طبائع الخلق مختلفة، وليس مما خلقه ~~الله في الدنيا مما يمشي على أربع أو على رجلين أو يطير بجناحين شيء هو أفضل ~~من الإنسان. ولكن من الناس البر والفاجر، وقد يكون في بعض البهائم والسباع ~~والطير ما هو أوفى منه ذمة، وأشد محاماة على حرمه، وأشكر للمعروف وأقوم به، ~~وحينئذ يجب على ذوي العقول من الملوك وغيرهم أن يضعوا معروفهم مواضعه، ولا ~~يضعوه عند من لا يحتمله ولا يقوم بشكره، ولا يصطنعون أحدا إلا PageV01P125 ### | CHECK [126_2] # بعد الخبرة بطرائقه، والمعرفة بوفائه ومودته وشكره، ولا ينبغي أن يختصوا ~~بذلك قريبا لقرابته، إذا كان غير محتمل للصنيعة، ولا أن يمنعوا معروفهم ~~ورفدهم للبعيد، إذا كان يقيم بنفسه وما يقدر عليه، لأنه يكون حينئذ عارفا ~~بحق ما اصطنع إليه، مؤديا للشكر ما أنعم عليه، محمودا بالنصح، معروفا ~~بالخير، صدوقا عارفا، مؤثرا لحميد الفعال والقول، وكذلك كل من عرف بالخصال ~~المحمودة، ووثق منه بها كان للمعروف موضعا، ولتقريبه واصطناعه أهلا، فإن ~~الطبيب الرفيق العاقل لا يقدر على مداواة المريض إلا بعد النظر إليه، والجس ms110 ~~لعروقه، ومعرفة طبيعته، وسبب علته، فإذا عرف ذلك كله حق معرفته أقدم على ~~مداواته، فكذلك العاقل لا ينبغي له أن يصطفى أحدا ولا يستخلصه ألا بعد ~~الخبرة، فإن من أقدم على مشهور العدالة من غير اختيار كان مخاطرا في ذلك ~~ومشرفا منه على هلاك وفساد. ومع ذلك ربما صنع الإنسان المعروف مع الضعيف ~~الذي لم يجرب شكره، ولم يعرف حاله في طبائعه، فيقوم بشكر ذلك ويكافئ عليه ~~أحسن المكافأة. وربما تحذر العاقل من الناس ولم يأمن على نفسه أحدا منهم. ~~وقد يأخذ أبن عرس فيدخله في كمه، ويخرجه من الآخر، كالذي يحمل الطائر على ~~يده، فإذا صاد شيئا انتفع به وأطعمه منه. وقد قيل لا ينبغي لذي العاقل أن ~~يحتقر صغيرا ولا كبيرا من الناس، ولا من البهائم، ولكنه جدير بإن يبلوهم ~~ويكون ما يصنع إليهم على قدر ما يرى منهم. # 46 - لا يخفي فضل ذي العلم وإن أخفاه، كالمسك يخبي ويستر، ثم لا يمنع ذلك ~~رائحته أن تفوح. الرجل ذو المروءة يكرم على غير مال كالأسد يهاب وإن كان ~~رابضا، والرجل الذي لا مروءة له يهان وإن كان غنيا، كالكلب يهون على الناس ~~وإن عس وطوف. المودة بين الصالحين سريع اتصالها بطئ انقطاعها، كآنية الذهب ~~التي هي بطيئة الانكسار، هينة الإعادة، والمودة بين الأشرار سريع PageV01P126 ### | CHECK [127_2] # انقطاعها بطيء اتصالها، كآنية الفخار يكسرها أدنى شيء ولا وصل لها. لا يرد ~~بأس العدو القوي بمثل التذلل له، كما أن العشب إنما يسلم من الريح العاصف ~~بلينه لها وانثنائه معها. لا يجب للمذنب أن يفحص عن أمره لقبح ما ينكشف عنه ~~كالشيء المنتن كلما أثير ازداد نتنا. من صنع معروفا لعاجل الجزء فهو كملقي ~~الحب للطير لا أسرع إليه الهلاك من كل وجه، كالماء إذا اجتمع في موضع ولم ~~يكن له طريق إلى النفوذ تفجر من جوانبه فضاع. الأدب يذهب عن العاقل السكر، ~~ويزيد الأحمق سكرا، كالنهار يزيد البصير بصيرا، ويزيد الخفاش سوء بصر. ~~الدنيا كدودة القز لا تزداد بالإبريسم على ms111 نفسها لفا، إلا ازدادت من الخروج ~~بعدا. إذا عثر الكريم لم ينتعش إلا بكريم، كالفيل إذا توحل لم يقلعه إلا ~~الفيلة. يبقى الصالح من الرجال صالحا حتى يصاحب فاسدا، فإذا صاحبه فسد، مثل ~~مياه الأنهار تكون عذبة حتى تخالط ماء البحر، فإذا خالطته ملحت. # قصدنا بالتوسيع في النقل من حكم ابن المقفع لتكون من المستفيد على طرف ~~الثمام، ويعاور تلاوتها كلما اتسع له وقته، ويتدبر ما فيها من المعاني ~~والأفكار، ليتخذ منها عونا على تفهم الحياة والمجتمع، ويجعل هذا الكلام ~~المنظم درسا يمعن في تبحره وتدبره، كما قال هو في غرض كتابه كليلة ودمنة ~~وينبغي لمن قرأ هذا الكتاب أن يعرف الوجوه التي وضعت له، وإلى أي غاية جرى ~~مؤلفه فيه عندما نسبه إلى البهائم، وأضافه إلى غير مفصح، وغير ذلك من ~~الأوضاع التي جعلها أمثالا، فإن قارئه متى لم يفعل ذلك لم يدر ما أريد بتلك ~~المعاني، ولا أي ثمرة يجتني منها، ولا أي نتيجة تحصل له من مقدمات ما تضمنه ~~هذا الكتاب. # قصدنا أن نجعل طالب البلاغة من كلام ابن المقفع مثالا صالحا يحتذيه في ~~الإفصاح عن ذات نفسه، وأن يتدبره كيف ينتقي ألفاظه ليصوغ بها تراكيبه ويأتي ~~بهذه المعاني وهي وإن لم تكن جديدة بما فيها فجديدة بوضعها وصنعها. PageV01P127 ### | CHECK [128_2] # بقي علينا أن نختار قطعا من رسائله مطولاتها ومختصراتها، ومن المطولات ~~نأخذ من رسالته في الصحابة، صحابة الخليفة وأقرانه؛ ومن المختصرات نقتبس ~~رسائل مفردة. # فمما قال في الأولى في إصلاح جند الدولة وهو أول ما يسترعي نظر صاحبها ~~فمن الأمور التي يذكر بها أمير المؤمنين، أمتع الله به أمر هذا الجند، من ~~أهل خراسان، فإنهم جند لم يدرك مثلهم في الإسلام، وفيهم منعة بها يتم فضلهم ~~إن شاء الله. أما هم فأهل بصر بالطاعة، وفضل عند الناس، وعفاف نفوس وفروج، ~~وكف عن الفساد، وذل للولاة، فهذه حال لا نعلمها توجد عند أحد غيرهم. أما ما ~~يحتاجون فيه إلى المنعة من ذلك تقويم أيديهم ورأيهم وكلامهم، فإن ms112 في ذلك ~~اليوم اختلاطا من رأس مفرط غال، وتابع متحير شاك، ومن كان إنما يصول على ~~الناس بقوم لا يعرف منهم الموافقة في الرأي والقول والسيرة، فهو كراكب ~~الأسد الذي يوجل من رآه والراكب أشد وجلا. فلو أن أمير المؤمنين كتب لهم ~~أمانا معروفا بليغا وجيزا محيطا بكل شيء يجب أن يقول فيه، ويكفوا عنه، بالغا ~~في الحجة، قاصرا عن الغلو، يحفظه رؤساؤهم، حتى يقود به دماءهم، ويتعهد به ~~منهم من لا يؤبه له من عرض الناس، لكان ذلك إن شاء الله لرأيهم صلاحا، وعلى ~~من سواهم حجة، وعند الله عذرا. # يريد أن يضع الخليفة لجيش خراسان قانونا يعمل به قواده وجنده حتى لا تكون ~~في الأمور فيه فوضى، ويربي تربية عسكرية يكون معها صاحب الأمر على ثقة من ~~بلائه كل حين. ومما قال بعد ذلك: ومما ينظر فيه لصلاح هذا الجند إلا يولي ~~أحدا منهم من الخراج، فإن ولاية الخراج مفسدة للمقاتلة. # وهذا رأي ابن المقفع في هذه الرسالة أيضا في فوضى الأحكام. قال: ومما ~~ينظر أمير المؤمنين فيه من أمر هذين المصرين وغيرهما من الأمصار والنواحي PageV01P128 ### | CHECK [129_2] # اختلاف هذه الأحكام المتناقضة التي قد بلغ اختلافها أمرا عظيما في الدماء ~~والفروج والأموال، فيستحيل الدم والفرج بالحيرة، وهما يحرمان بالكوفة، ~~ويكون مثل ذلك الاختلاف في جوف الكوفة، فيستحيل في ناحية منها ما يحرم في ~~ناحية أخرى، غير أنه على كثرة ألوانه نافذ على المسلمين في دمائهم وحرمهم، ~~يقضي به قضاة جائز أمرهم وحكمهم، مع أنه ليس مما ينظر في ذلك من أهل العراق ~~وأهل الحجاز فريق إلا قد لج بهم العجب بما في أيديهم، والاستخفاف ممن ~~سواهم، فأقحمهم ذلك في الأمور التي يشنع بها من سمعها من ذوي الألباب. أما ~~من يدعي لزوم السنة منهم، فيجعل ما ليس له سنة سنة، حتى يبلغ ذلك به إلى أن ~~يسفك الدم بغير بينة ولا حجة، على الأمر الذي يزعم أنه سنة. وإذا سئل عن ~~ذلك لم يستطيع أن يقول هريق فيه ms113 دم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أو أئمة الهدى من بعده، وإذا قيل له أي دم سفك على هذه السنة التي تزعمون ~~قالوا: فعل ذلك عبد الملك ابن مروان، أو أمير من بعض أولئك الأمراء؛ وأما ~~من يأخذ بالرأي فيبلغ به الاعتزام على رأيه أن يقول في الأمر الجسيم من أمر ~~المسلمين قولا لا يوافقه عليه أحد من المسلمين، ثم لا يستوحش لانفراده بذلك ~~وإمضائه الحكم عليه، وهو مقر أنه رأى لا يحتج بكتاب ولا سنة، فلو رأى أمير ~~المؤمنين أن يأمر بهذه الأقضية والسير المختلفة فترفع إليه في كتاب، وليرفع ~~معها ما يحتج به كل قوم من سنة أو قياس، ثم نظر أمير المؤمنين في ذلك وأمضى ~~في كل قضية رأيه الذي يلهمه الله ويعزم له عليه، وينهي عن القضاء بخلافه، ~~وكتب بذلك كتابا جامعا، لرجونا أن يجعل الله هذه الأحكام المختلطة الصواب ~~بالخطأ حكما واحدا صوابا؛ ورجونا أن يكون اجتماع السير قربة لإجماع الأمر ~~برأي أمير المؤمنين وعلى لسانه، ثم يكون ذلك من إمام آخر، آخر الدهر إن شاء الله. # والرسالة كلها على هذا النحو لم يترك فيها ابن المقفع معنى يستفيد منه ~~الخليفة في PageV01P129 ### | CHECK [130_2] # سلطانه إلا وأشار إليه فيه كافية شافية، ومن هذا الكتاب استبان أن ابن ~~المقفع كما يحسن الاختصار أبدا، يخرج منه إذا كان خروجه منه فائدة، ورأى ~~فائدة أعظم من وضعه دستورا تسير عليه مملكة آل العباس. ومن رسائله المختصرة ~~إلى صديق ولدت له جارية: # بارك الله لكم في الابنة المستفادة، وجعلها لكم زينا، وأجرى لكم بها خيرا ~~فلا تكرهها فإنهن الأمهات والأخوات والعمات والخالات، ومنهن الباقيات ~~الصالحات، ورب غلام ساء أهله بعد مسرتهم، ورب جارية فرحت أهلها بعد ~~مساءتهم. # وله تعزية عن ولد: # أعظم الله على المصيبة أجرك، وأحسن على جليل الرزء ثوابك، وعجل لك الخلف ~~فيه، وذخر لك الثواب عليه. # وله تعزية عن ابنة: # جدد الله لك من هبته ما يكون خلفا لك بما رزئته، وعوضا من ms114 المصيبة به، ~~ورزقك من الثواب عليه أضعاف ما رزأك به منها، فما أقل كثير الدنيا في قليل ~~الآخرة، مع فناء هذه ودوام تلك. # وله تعزية عن ابنة: # لا ينقص الله عددك، ولا ينزع عنك نعمته التي ألبسك، وأحسن العوض لك، وجعل ~~الخلف لك خيرا مما رزأك، وما أعطاك خيرا مما قبض منك. # وله: # أما بعد فإن من قضى الحوائج لإخوانه، واستوجب بذلك الشكر عليهم، فلنفسه ~~عمل لا لهم، والمعروف إذا وضع عند من لا يشكوه فهو زرع لابد لزارعه من ~~حصاده، أو لعقبه من بعده. وكتبت إليك ولحالنا التي نحن بها فيما نذكرك حاجة ~~أول ما فيها معروف تستوجب به الشكر علينا، وتدخر به الأيادي قبلنا. PageV01P130 ### | CHECK [131_2] # وله في السلامة: # أما بعد فإن مما نمق الله به مناقبك الكريمة المحمودة، الغالية عن القول ~~والوصف، أنك موضع المؤنات عن إخوانك، حمال عنهم أثقال الأمور، مما وضعت عنه ~~المؤنة ارتفاعك عن الأمور التي يطأطأ إليها الكلام على ألسنة الناس إذ ~~أباحوه وبهرجوه، وضيعوا القول ونسوا القصد فيه، وأخذوا به في كل فن وصفوا ~~بصفوته غير أهلها فيما لا ينبغي لهم من التشبيه والتوقير والتفضيل. كان من ~~خبري بعدك أني قدمت بلد كذا فتهيأ لي بعض ما شخصت له، والمحمود على ذلك ~~الله عز وجل، وأنا على أن يأتيني خبرك محتاج؛ فأما جملة خبري في فراقك، ~~فقلبي مكة كل ما سواك حرام فيها. # وله جواب في السلامة: # أما بعد فقد أتاني كتاب الأمير رجعة كتابي إليك، فكان فيه تصديق الظن، ~~وتثبيت الرأي، ودرك البغية، والله محمود. فأمتع الله بالأمير وأمتعه بصالح ~~ما آتاه، وزاده من الخيرات مستعمرا له فيه، مستعملا بطاعته التي بها يفوز ~~الفائزون، والذي رزق الله من الأمير فهو عندي عظيم نفيس، وكل الذي قبلي عن ~~مكافأته فمقصر، إلا أنه ليس في النية تقصير، ولا بلوغ لشيء من الأمور إلا ~~بتوفيق الله عز وجل ومعونته والسلام. # وله في السلامة: # أما بعد فقد أتاني كتابك فيما أخبرتنا عنه من صلاحك وصلاح ms115 من قبلك، وفي ~~الذي ذكرت من ذلك نعمة مجللة عظيمة، نحمد عليها وليها المنعم المفضل ~~المحمود، ونسأله أن أكتب إليك بخبرنا، ونحن من عافيته وكفايته ودفاعه على ~~حال لو أطنبت في ذكرها، لم يكن في ذلك إحصاء للنعمة، ولا اعتراف لما بكنه ~~الحق، فترغب إلى الذي تزداد نعمه علينا في كل يوم وليلة تظاهرا ألا يجعل PageV01P131 ### | CHECK [132_2] # شكرنا منقوصا ولا مدخولا، وأن يرزقنا من كل نعمة كفاءها من المعرفة بفضله ~~فيها والعمل في أداء حقها، أنه ولي قدير. # وله في التعزية: # أما بعد فإن أمر الآخرة والدنيا بيد الله، هو يدبرهما ويقضي منهما ما ~~يشاء، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، فإن الله خلق الخلق بقدرته، ثم كتب ~~عليهم الموت بعد الحياة، لئلا يطمع أحد من خلقه في خلد الدنيا، ووقت لكل ~~شيء ميقات أجل، لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون، فليس أحد من خلقه إلا ~~وهو مستيقن بالموت، لا يرجو أن يخلصه من ذلك أحد، نسأل الله خير المنقلب. ~~وبلغني وفاة فلان فكانت وفاته من المصائب العظام التي يحتسب ثوابها من ربنا ~~الذي إليه منقلبنا ومعادنا، وعليه ثوابنا. فعليك بتقوى الله والصبر، وحسن ~~الظن بالله، فإنه جعل لآهل الصبر صلوات من ورحمة، وجعلهم من المهتدين. # أما بعد أصلحنا الله وإياك صلاحا دائما يجمع لنا ولك وبه الفضيلة في ~~العاجلة، والكرامة في الآجلة، فإني لا أعرف أمرا أعظم عند أهل منفعة من أمر ~~ترك ذكره لفضله، ولا أعلم أمرا أحق بأن يستغني أهله بفضله عندهم عن ذكره ~~فيما بينهم من أمر أرسخ الله بيننا وبينك أسبابه، وثبت حقوقه، وعظم حرمته، ~~فأبقى الله لنا ولك ما أحرزه بيننا وبينك في الدنيا حتى نكون إخوانا في ~~الآخرة حين تصير الخلة عداوة بين أهلها إلا صلة المتقين. # - - PageV01P132 ### | CHECK [133_2] # سهل بن هارون # منبته ونسبه: # ولد سهل بن هارون في مدينة ميسان بين واسط والبصرة، وفي رواية في ~~دستميسان كورة بين الأهوار وواسط والبصرة، في أواخر النصف الأول من القرن ~~الثاني تقديرا، ولا ms116 يعرف من نسبه إلا أنه سهل بن هارون ابن راهبون راهيون ~~وكنيته أبو عمرو، فارسي الجنس، أهوازي أو خوزي المولد، عراقي المنشأ، تحول ~~إلى البصرة في سن لم تعرف، وكانت البصرة إذ ذاك مدينة العلم في الدولة ~~الإسلامية، وقبة الإسلام وخزانة العرب، حوت من حصائل العلم الإنساني أصوله ~~وفروعه، ومن القائمين على تنميته مصاقعه وفحوله، فغذى روحه بلبان مجالسها ~~ومجامعها، واستنار عقله بما اقتبسه من نور معارفها، فتخرج بعلمائها، وكانوا ~~طبقة عالية في كل مطلب من مطالب الآداب. # وكانت البصرة بل المملكة الإسلامية أخذت في تلك الحقبة، تتمازج فيها ~~مدينة العرب بمدينة الفرس والروم والهند، وبدأت المذاهب الفلسفية تتسرب إلى ~~المجتمع الإسلامي، وعلماء الأمة يتعاورهم الجزر والمد على شاطئ بحر الحكمة ~~القديمة، شأن مدينة البصرة مع خليجها، يمد ماؤها ويجزر على الدوام، وما ~~زالوا هذا حالهم يغوصون في بحار الأفكار، حتى أخرجت عقوله مررا غريبة، كما ~~يخرج بحرهم الجواهر واللآلئ الثمينة؛ أكانت النفوس حريصة على الدين الذي ~~دون وحرر، راغبة كل الرغبة في الأخذ مما لا عهد لها به من علوم الأمم ~~السالفة؛ وفي هذه البيئة انبعث عقل سهل بن هارون لأول أمره، في أرض صالحة ~~لإنماء العقل وإطلاقه من قيوده. ولم يعرف إذا كان رحل إلى الروم وفارس ~~والشام ومصر، والغالب أنه لم تتعد تنقلاته مدنا عربية أربعا وهي: مدينة ~~الرقة قصبة ديار مضر، والرصافة رصافة هشام في أوائل تخوم الشام، واكتفى ~~بالبصرة PageV01P133 ### | CHECK [134_2] # وبغداد، وكانت بغداد أجمل مدن الأرض في ذاك العصر، وفيها كل شيء جديد، ~~سواء أكان ذلك في خططها ومرافقها، أو في عقول أهلها ونبوغ علمائها، يحمل ~~إليها من الآفاق بدائع ما صنع البشر ونتجت عقولهم، والدول سوق يحمل إليها ~~ما يروج فيها. # لا نعلم على التحقيق منشأ والد سهل، ولا مظهره ومذاهبه، ولا أصل أمه ~~وتربيتها، ومعلميه في بلده، ولا أساتيذه في البصرة، ولا أترابه ولداته في ~~صباه، ولا غير ذلك من العوامل التي لها الشأن الأكبر في تربية الملكات، ~~وتلقين الأخلاق والعادات. ينشأ ms117 عليها الفتى فتطبع حياته بطابع خاص، تتعذر ~~في عقود العمر الآخرة إحالتها واستحالتها؛ ومن المعقول أن يكون قانون ~~الوراثة أورثه جراثيم دم الفرس وحكمتها، ونظامها وأدبها وضم إليها الثقافة ~~العربية، فجاءت منازعه خليطا نافعا، ومداركه متينة رصينة. # أضف إلى هذا أن مملكة بني العباس كانت سيدة المماليك، على ما كانت البصرة ~~سيدة البلاد، وربما كان العصر الذي نشأ فيه سهل بن هارون أجمل عصور ~~التاريخ، والملم موحد من المغرب في شمالي إفريقية إلى حدود الشرق، وليس في ~~الأرض حكومة إسلامية غير الأندلس بيد بني مروان لا غوائل ولا فتن في الداخل ~~والخارج، يشتمل الناس على السلامة، ويغتبطون بما أوتوا في سلطان بني هاشم، ~~وكلما نجم ناجم من العلويين أو غيرهم كانت جيوش العباسيين تقضي عليه، فضعف ~~النازعون إلى منازعة الخلفاء حبل السلطة. وغدت ممالك الشرق والغرب تتنافس ~~في رضا خليفة العرب، والملك من ملوك آسيا وأوربا إذا تيسر لقاصده أو سفيره ~~أن يتشرف بالحضرة حضرة بني العباس يسعد ويعتز في سلطانه، ويعد ذلك نعمة ~~حازها دون أقرانه. # مذهبه وأخلاقه: PageV01P134 ### | CHECK [135_2] # قيل أن سهل بن هارون كان شيعيا، وشيعة العراق في زمنه كانوا على الإطلاق ~~معتزلة، ولم يؤثر عنه أن تنقص أحدا من الصحابة الكرام، وعرف بالاعتدال مع ~~الأموات اعتداله مع الأحياء، وما أثر عنه أنه خاض غمار مباحث الكلام التي ~~كانت على أشد حرارتها إذ ذاك، ولا سيما في البصرة وبغداد دار السلام. ~~واتهموه بأنه كان من الشعوبيين الذين يصغرون شأن العرب، ولا يرون لهم على ~~العجم فضلا، والشعوبي منسوب إلى قوله تعالى: (وجعلناكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم). وذهب الشعوبية نشأ على الأرجح بعيد ~~عصر الخلفاء باشتداد قوة التجاذب والتدافع بين أرباب العصبيات، وكان من أثر ~~ذلك التفاخر بالجنس الذي جاء الإسلام بأبطاله. ولو كان للجنس يفضل المرء في ~~الأمة، ما نزل سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي من الرسول تلك ~~المنزلة العالية. والدين لا يفاضل إلا بالتقوى. # إذا عرفت هذا فادفع عن سهل دعوى ms118 الشعوبية غير خائف ولا متلجلج، فاعتداله ~~يمنعه إلا أن يقدر لكل عنصر خصائصه، وهو لم يعد رجلا مذكورا إلا بالإسلام، ~~والأخذ عن علماء العرب، ورقي في مظاهر الدنيا حتى وصل إلى أعظم خلفاء ~~العباسيين هارون الرشيد وعبد الله المأمون. وصار أحد أئمة البيان والحكمة ~~في الأمة العربية، ودعي لحكمته وعقله بزرجمهر الإسلام وبزرجمهر وزير ~~أنوشروان العادل، من الملوك آل ساسان، اشتهر بالعدل والحكمة. # وصفه الجاحظ فقال: كان سهلا في نفسه، عشيق الوجه، حسن الشارة، بعيدا عن ~~الفدامة، معتدل القامة، مقبول الصورة، يقضي له بالحكمة قبل الخبرة، وبرقة ~~الذهن قبل المخاطبة، وبدقة المذهب قبل الامتحان، وبالنبل قبل التكشف. وكان ~~الجاحظ مازجه وثافنه. وقيل للحراني، ولعله إبراهيم بن ذكوان كاتب الهادي ~~ووزيره: بينك وبين سهل ابن هارون صداقة فانعته لنا كي نعرف، فقال: هو PageV01P135 ### | CHECK [136_2] # كالخير، وازن العلم واسع الحلم، إن حودث لم يكذب، وإن موزح لم يغضب، ~~كالغيث أين وقع نفع، وكالشمس حيث أولت أحيت، وكالأرض ما حملتها حملت، ~~وكالماء طهور لملمسته، ونافع لغلة من أحر إليه، وكالهواء الذي تقطف منه ~~الحياة بالتنسم، وكالنار التي يعيش بها المقرور، وكالسماء التي قد حسنت ~~بأصناف النور اه. # صورتان جميلتان في وصف سهل، صورهما مصوران مبدعان، عاشا بقربه وفتنتهما ~~بخلقه وخلقه. # واتهموا سهل بن هارون بالبخل وأوردوا له قصصا ونوادر، وعده الجاحظ من ~~متعاقلي البخلاء وأشحاء العلماء قال: ما علمت أن أحدا جرد في البخل كتابا ~~إلا سهل بن هارون وأبا عبد الرحمن الثوري. والبخل في الفرس غالب في الجملة، ~~غلبة الكرم على طبائع العرب. فاقتضى ذلك التفريط الذي رآه سهل في تبذير ~~العرب، أن يدلي لقومه بآرائه المفرطة في الاقتصاد والإمساك. وما شوهد قط ~~تفريط، إلا وإلى جانبه إفراط. وربما كان اتهامه بالبخل مبالغا فيه تراد به ~~النكتة والنادرة. ### | AUTO حكى الجاحظ قال لقي رجل سهل بن هارون فقال: هب لي ما لا ضرر به ~~عليك فقال: وما هو يا أخي؟ قال: درهم. قال: لقد هونت الدرهم وهو طائع الله ~~في أرضه ms119 لا يعصي، وهو عشر العشرة، والعشرة عشر المائة، والمائة عشر الألف، ~~والألف دية المسلم، ألا ترى إلى أين انتهى الدرهم الذي هونته. وهل بيوت ~~الأموال إلا درهم على درهم؟ فأنصرف الرجل، ولولا انصرافه لم يسكت. # وحكي دعبل الخزاعي الشاعر قال: أقمنا يوما عند سهل بن هارون، وأطلنا ~~الحديث حتى أضر به الجوع، فدعا بغدائه، فأتى بصفحة فيها مرق تحته ديك هرم، ~~فأخذ كسرة وتفقد ما في الصفحة، فلم يجد رأس الديك، فبقي مطرقا، ثم قال PageV01P136 ### | CHECK [137_2] # للغلام: أين الرأس؟ قال: رميت به، قال: ولم؟ قال: لم أظنك تأكله، قال: ~~ولم ظننت ذلك؟ فوالله إني لأمقت من يرمي برجله فكيف برأسه؟ ولو لم أكره ما ~~صنعت إلا للطيرة والفأل لكرهته، أما علمت أن الأس رئيس يتفاءل به، وفيه ~~الحواس الخمس، ومنه يصيح الديك، ولولا صوته ما أريد، وفيه فرقه الذي يتبرك ~~به، وعينه التي يضرب بصفائها المثل، فيقال: شراب كعين الديك؛ ودماغه عجب ~~لوجع الكلية. ولم أر عظما قط أهش تحت الأسنان منه، وإن كان بلغ من نبلك أنك ~~لا تأكله، فعندنا من يأكله، أو ما علمت أنه خير من طرف الجناح، ومن رأس ~~العنق؟ أنظر أين رميته، فقال: والله ما ادري، قال: أنا والله أدري، إنك ~~رميت به والله في بطنك، فالله حسيبك. # ولما صنف سهل كتابه في البخل أهداه للحسن بن سهل واستماحه، فكتب بفساد ~~معناك صلاح لفظك، وقد جعلنا ثواب مدحك فيه قبول قولك، فما نعطيك شيئا. ~~والحسن بن سهل وزير المأمون كان فارسيا أيضا، ولكنه في الجود آية الآيات. ~~وصح من شعر سهل قوله: # ولكني أبكي بعين سخية ... على جلل تبكي له عين أمثالي # فراق خليل أو شجى يستشفيني ... لخله أمر لا يقوم لها مالي # فيا كبدي حتى متى القلب موجع ... بثكل حبيب أو تعذر أفضال # وما العيش إلا أن تطول بنائل ... وإلا لقاء الأخ بالخلق العالي # ومن يقول هذا الشعر، ويقصد هذا المعنى، لا يكون من البخل على ما وصفوه. ~~قال غولد صهير المجري: إن ms120 تمدح أبن هارون بالبخل، نزعة من نزعات الشعوبية، ~~أراد بمدحه الحط من قدر العرب الذين جعلوا الكرم من مفاخرهم الوطنية. # طريقته في الكتابة وتآليفه: PageV01P137 ### | CHECK [138_2] # إن رجلا يفضله الجاحظ، ويصف براعته وحصافته، ويحكي عنه في كتبه، ويظهر ~~إعجابه به إذا ذكر، ويروي حديثه ومجالسه، وهو ولا شك المثل الأعلى في صنوف ~~العلم والآداب، بلغت الذروة فيما تفرد به، واشتهر بمعرفته، وكان أهل عصره ~~مجمعين على الإقرار بفضله، قلما يداخلهم الحسد له. كان نسيج وحده في فنه، ~~نابغة في العلم الذي يمت به، وناهيك بعالم كبير كالجاحظ، وهو في البلاغة ~~يجري مع سهل كفرسي رهان، وفي العقل المثل المضروب أنه كان يؤلف الكتاب ~~فينسبه إلى نفسه، فلا يرى الأسماع تصغي إليه، ولا الإرادات تيمم نحوه، ثم ~~يولف كما قال عن نفسه ما هو أنقص منه مرتبة، وأقل فائدة، فينحله عبد الله ~~بن المقفع أو سهم بن هارون أو غيرهما من المتقدمين، ومن طارت أسماؤهم في ~~المصنفين، فيقبلون على كتبها، ويسارعون إلى نسخها. # وطريقة سهل في كتابته لا تكلف فيها، ولا يشاهد فيها الناقد أثر التعمل، ~~فهو وأبن المقفع والجاحظ من غرار واحد. وقيل: إن سهلا كاتب سلاطين، والجاحظ ~~مؤلف دواوين. وكأن كلامه نغمة موسيقية، تعرف انتهاء جملته من رنتها بعد أن ~~ملكت عليك مشاعرك، وأدخلت السرور على نفسك، لا يحفل بالأسجاع إلا إذا جاءت ~~عفو الخاطر، ولا يتعمد الجزالة إلا إذا اقتضى الموضوع ذلك، وقلما خلا قوله ~~من نكتة تحمد له وتحمل عنه. وكأنك في إنشاء سهل تقرأ المعنى قبل اللفظ، وما ~~تنفع القوالب إذا لم يكن علم الكتاب يملى، والمظاهر والدساتير مستملية. ففي ~~أسلوبه تقرأ لتتعلم، وفي كثير غيره تقرأ ألفاظا جميلة، وقوالب محكمة. وفي ~~كلمة الطيب تقع على إشباع المعاني، وتقطيع الجمل، والإبلاغ في المزاوجة بين ~~الكلمات ليتأثر السامع، وتفعل البلاغة فعلها في نفسك من طريق الإقناع ~~والبرهان، لا من مجرى التقفية والزخرف، وتوازن الكلمات ورنة الفقرات. # كان سهل يقول الشعر، وأكثر شعره مما أملاه قلبه، في غرض ms121 خاص من PageV01P138 ### | CHECK [139_2] # أغراض المجتمع، وعده الجاحظ من الخطباء والشعراء، الذين جمعوا الشعر ~~والخطب والرسائل الطوال والقصار، والكتب الكبار المجلدة، والسير الحسان ~~المولدة، والأخبار المدونة. ولقبه مرة بالكاتب، ولعل لقب الكاتب في شرفه ~~كان أكبر من عالم أو عدلا له. وذكره ابن النديم في البلغاء، وقال إنه شاعر ~~مقل، وعده في الشعراء الكتاب، وقال إنه كان ممن يعمل الأسمار والخرافات على ~~السنة الناس والطير والبهائم، هو وعبد الله بن المقفع وعلي بن داود كاتب ~~زبيدة. وشعره خمسون ورقة. # أما الدهشة ففي تآليفه؛ فله ديوان رسائله، وكتاب النمر والثعلب وكتاب ~~أسباسيوس أسانوس في اتخاذ اتحاد الإخوان، وكتاب أسد بن أسد، كتاب سحرة ~~العقل، كتاب تدبير الملك والسياسة، كتاب إلى عيسى لبن أبان في القضاء، كتاب ~~الفرس، كتاب الغزالين في رواية الضربين، كتاب ندود وودود لدود، كتاب ~~الرياض، كتاب ثعلة وعفراء وفي رواية ثعلة وعفرة على مثال كتاب كليلة ودمنة، ~~قلده في أبوابه وأمثاله. قال المسعودي ويزيد عليه، أي على كليلة ودمنة، في ~~حسن نظمه، وقد صنفه للمأمون. ومن تآليفه كتاب الهزيلة الهذيلة وفي رواية ~~الهنبلية والمخزومي، كتاب الوامق والعذراء العذار، إلى غير ذلك من ~~المصنفات، ومنها ما عارض به كتب الأوائل. # ولا تعجب إذا رأيت بضعة من تآليف سهل في القصص والأسمار، فإن من الناس من ~~يتعلم بالاحتيال عليه، وصعب عليك أن تثقفه وتخلقه بالأخلاق الفاضلة، إلا في ~~قالب ظاهرة هزل وإحماض، وباطنه تعليم وإرشاد؛ ومن أجل هذا كان هذا اللون من ~~الأدب، مما يلذ المطالع ويفيده، يلقي عليه حكمة بالغة، على نحو ما يفعل ~~معظم القصصيين من أهل المدينة الحديثة. وكان حظ ابن المقفع في هذا الباب ~~أجزل، لأن كتاب كليلة ودمنة اشتهر أكثر من اشتهار ثعلة وعفرة أو غير PageV01P139 ### | CHECK [140_2] # ذلك من الأوراق التي كسرها سهل على القصص. ولا تدل أسماء كتبه على أنه ~~كتب في موضوع أشبه بديني اللهم إلا كتابه في القضاء؛ أما كتابه في تدبير ~~الملك والسياسة فدليل على أنه قرن العلم بالعمل في ms122 هذا الفن السهل الصعب؛ ~~وجميع كتبه مما أبادته الليالي. ### | AUTO حياته السياسية: # لم نهتد إلى زمن انتقال سهل من البصرة إلى بغداد، وسكت التاريخ عن عهد ~~رحيله من مسقط رأسه، وعن سنة ولادته، وغاية ما ذكر في ترجمته أنه كان مختصا ~~بالفضل بن سهل أخي الحسن بن سهل وزيري المأمون، وأن الفضل قدمه للمأمون، ~~ولكن كتب المحاضرات والتاريخ تقول إن سهلا كان من رجال الرشيد، وأنه دخل ~~عليه وهو يضاحك المأمون فقال: اللهم زده من الخيرات، وابسط له من البركات، ~~حتى يكون في كل يوم من أيامه مربيا على أمسه، مقصرا عن غده. فقال الرشيد يا ~~سهل من روى من لا يعجزه القول. فقال سهل: يا أمير المؤمنين ما ظننت أن أحدا ~~تقدمني إلى هذا المعنى. قال: بل أعشى همدان حيث يقول: # رأيتك أمس خير بني لؤي ... وأنت اليوم خير منك أمس # وأنت غدا تزيد الخير ضعفا ... كذاك تزيد سادة عبد شمس # وهذا يدل على أن سهلا اتصل بالرشيد، والمأمون حدث صغير. وأن سهلا كان ~~معروفا برواية الشعر والحديث أيضا. وقد شهد مقتل البرامكة في سنة 187. # وحدث فيما كان عليه يحيى وجعفر من البلاغة فقال: إن سجاعي الخطب ومحبري ~~القريض عيال يحيى بن خالد بن برمك وجعفر بن يحيى، ولو كان كلام يتصور درا، ~~ويحيله المنطق السري جوهرا، لكان كلامهما، والمنتقي من لفظهما. ولقد كانا ~~مع هذا عند كلام الرشيد في بديهته وتوقيعاته في كتبه، فدمين عيين، وجاهلين ~~أميين. ولقد عمرت معهم، وأدركت طبقة المتكلمين في أيامهم، وهم PageV01P140 ### | CHECK [141_2] # يرون أن البلاغة لم تستكمل إلا فيهم، ولم تكن مقصورة إلا عليهم، ولا ~~انقادت إلا لهم، وأنهم محض الأنام، ولباب الكرام، وملح الأيام: عشق منظر، ~~وجودة مخبر، وجزالة منطق، وسهولة لفظ، ونزاهة نفس، واكتمال خصال، حتى لو ~~فاخرت الدنيا بقليل أيامهم، والمأثور من خصالهم، كثير أيام من سوااهم، من ~~لدن آدم أبيهم، إلى النفخ في الصور، وانبعاث أهل القبور، حاشا أنبياء الله ~~المكرمين، وأهل وحيه المرسلين، لما باهت إلا بهم، ms123 ولا عولت في الفخر إلا ~~عليهم، ولقد كانوا مع تهذيب أخلاقهم، وكريم أعراقهم، وسعة آفاقهم، ورفق ~~ميثاقهم، ومعسول مذاقهم، وبهاء إشراقهم، ونقاوة أعراضهم، وتهذيب أغراضهم، ~~واكتمابل خلال الخير فيهم، إلى ملء الأرض مثلهم، في جنب محاسن المأمون، ~~كالنفثة في البحر، والخردلة في المهمه القفر. وهذا الكلام على ما فيه من حق ~~في وصف البرامكة والرشيد والمأمون لا يخلو من مبالغة لم تكد تعرفها العرب ~~على هذا الوجه، ومن الصعب أن يتجرد المرء عن دمه الذي ورثه. # شهد سهل هذه المأساة مأساة مقتل بني برمك وقال: إن الرشيد لما قتل جعفرا ~~بعث إليه، وكان معه في الرقة يحصل أرزاق العامة مع يحيى بن خالد. ولما حمل ~~نبأ مقتل جعفر كان سهل بين يدي يحيى يكتب توقيعات في أسفل كتبه لطلاب ~~الحوائج إليه، قد كلفه إكمال معانيها بإقامة الوزن فيها، فلبس ثياب أحزانه، ~~لأنه كان على صلة دائمة بالبرامكة قال: فلما دخلت على الرشيد ومثلت بين ~~يديه عرف الذعر في تحريض ريقي، والتمايد في طريقي، وشخوصي إلى السيف ~~المشهور ببصري فقال: إيها يا سهل، من غمط نعمتي، واعتدي وصيتي، وجانب ~~موافقتي، أعجلته عقوبتي. # قال: فوالله ما وجدت جوابها حتى قال: ليفخ روعك، وليسكن جأشك وتطب نفسك، ~~وتطمئن حواسك. فإن الحاجة إليك، قربت منك، وأبقيت عليك، بما يبسط PageV01P141 ### | CHECK [142_2] # منقبضك؛ ويطلق معقولك، فاقتصر على الإشارة دون اللسان، فإنه الحاكم ~~الفاصل، والحسام الناصل، وأشار إلى مصرع جعفر وهو يقول: # من لم يؤديه الجمي ... ل ففي عقوبته صلاحه # قال سهل: فو الله ما أعلمني عييت بجواب أحد قط، غير جواب الرشيد يومئذ؛ ~~فما عولت في شكره والثناء عليه إلا على تقبيل يديه وباطن رجليه، ثم قال لي: ~~اذهب فقد أحللتك محل يحي بن خالد، ووهبتك ما ضمنته أبنيته، وحوى سرادقه، ~~فاقبض الدواوين وأحص حباءه وحباء جعفر، لنأمرك بقبضه إن شاء الله. قال سهل: ~~فكنت كمن نشر عن كفن، وأخرج من حبس، فأحصيت حباءهما فوجدت عشرين ألف دينار. # وبذلك تبينت منزلة سهل، وكيف أصبح بعد ms124 يحي البرمكي صاحب دواوين الرشيد، ~~ومع ما كان له من الإجلال في الصدور، خاف يوم النازلة بالبرامكة - ~~والبرامكة من محاسن العالم، ودولتهم من أعظم الدول، وهم كانوا نكتة محاسن ~~الملة وعنوان دولتها - خاف أن تضمه القافية لصحبة لهم، وامتزاجه بهم؛ ~~وناهيك به يومئذ من موقف صعب، ولكن عقل الرشيد لا تعبث به الأهواء، ويضن ~~بعظيم من رجاله لأسباب تافهة، فأبقى على سهل بن هارون، لأنه من مفاخر الملة ~~والدولة. لا جرم أن سهل ابن هارون كان في سياسته من حزب الحكومة أو الحزب ~~المعتدل، تعزب فطرته عن التطرف، ويرى المصلحة في التآليف، ويعد الخروج عن ~~سبيل الجماعة خروجا عن الطاعة. والغالب أن عشرة سهل مع الرشيد دامت حتى مات ~~هذا سنة 139، ولم يجر له ذكر في عهد الأمين مدة أربع سنين وثمانية أشهر ~~وكسر؛ فالتزم على ما ظهر بينه، واعتزل الفتنة، حتى إذا كانت الخلافة ~~للمأمون أصبح سهل بن هارون من خاصته، كما كان من خاصة أبيه الرشيد من قبل. ~~وروى بعض الرواة أن المأمون كان استقبل سهل بن هارون؛ وقد دخل عليه يوما PageV01P142 ### | CHECK [143_2] # والناس على مراتبهم؛ فتكلم المأمون بكلام ذهب فيه كل مذهب. فلما فرغ من ~~كلامه أقبل سهل على الجمع فقال: ما لكم تسمعون ولا تعون، وتشاهدون ولا ~~تفقهون، وتفقهون ولا تتعجبون، وتتعجبون ولا تنصفون؟ والله إنه ليقول ويفعل ~~في اليوم القصير، ما فعل بنو مروان في الدهر الطويل، عربكم كعجمكم، وعجمكم ~~كعبيدكم؛ ولكن كيف يعرف بالدواء، من لا يشعر بالداء. فرجع المأمون فيه عن ~~الرأي الأول؛ وفي ذلك أيضا من حسن المأتي، ولطف المدخل والمخرج، ما يعرفه ~~المبتلى بعشرة الملوك والعظماء، ولا سبيل إلى الدخول على أكثرهم إلا بهذه ~~الطرق من التلطف والتزلف، وإن لم يصدق ذلك من كل وجه على الرشيد والمأمون، ~~وهما ما هما في العقل والعلم والعدل. وأخرى وهي أن سهلا بكلامه هذا، ضرب ~~الحاضرين مجلس المأمون في الصميم، وأنزل من مراتبهم ليستأثر وحده بتلك ~~الرتبة السنية، فنسبهم إلى السكوت في مواطن ms125 القول، وإلى القصور في ميدان ~~الاستحسان؛ ومن قعدت به القريحة عن الانبعاث حين الحاجة، كان حريا أن لا ~~يعاشر تلك الطبقة من الخلفاء، وهذا من دهائه الكسروي. # رجع المأمون عن رأيه في سهل، وعرف أنه الرجل كل الرجل في صورته وعقله، ~~ومفاكهته وغنائه وأدبه، فقربه وأدناه على النحو الذي كان عليه في عهده ~~والده، وكان سهل قد أسن بالطبع، ويعرف المأمون منذ كان طفلا عند الخليفة ~~والده. ولكن المأمون يحترم الكبير وهو جد في جماع أموره. بيد أنه لم يقبل ~~باصطفائه إلا بعد اختياره. وعندما وقع عنده على أمور تفرد بها، وقد لا ~~يجدها فيمن كان اختارهم لعشرته من العلماء، وهم عشرة اختيروا لهم من مائة. ### | AUTO حياته العلمية: # كان المأمون مولعا بكتب القدماء والفلاسفة، وعد ذلك من آكد أعماله في ~~إنهاض مستوى العقل العربي، فأنشأ دارا جمع فيها كل ما طالت يده إليه من كتب العلم PageV01P143 ### | CHECK [144_2] # باللغات المختلفة. وكانت جزيرة قبرس في ذاك العهد تشغب كثيرا على ~~الخلافة، وقد سبى عمال الرشيد أهلها مرة، حتى إذا أقضيت الخلافة إلى ~~المأمون هادن صاحب قبرس، وأرسل إليه يطلب خزائن كتب اليونان، وكانت مجموعة ~~عندهم في بيت لا يظهر أحد أبدا فيما قيل، فجمع صاحب هذه الجزيرة بطانته، ~~وذوي الرأي في بلده، واستشارهم في حمل الخزانة إلى المأمون، فكلهم أشاروا ~~بعدم الموافقة إلا مطرانا واحدا فانه قال: الرأي أن بإنفاذها إليه؛ فما ~~دخلت هذه العلوم العقلية على دولة شرعية إلا أفسدتها وأوقعت بين علمائها؛ ~~فأرسلها إلى المأمون، ثم صالح المأمون صاحب الروم ميخائيل الثالث على أن ~~يدفع إليه ما عنده من كتب القدماء، وأرسل بعوثا من ثقاته من المسلمين ~~والنصارى لنسخ ما لا يتأتى لملك الروم إخراجه من الكتب، فاجتمع للمأمون ~~بذلك خزانة عظيمة، فوق ما حمل إليه من الشرق والغرب؛ وجعل سهل بن هارون ~~خازنا لها، وسماها بيت الحكمة، وجعل معه عالما اسمه سلمة الحراني، كما جعل ~~شريكا له سعيد بن هارون. # ولا شك أن سهلا تهيأت له أسباب ms126 البحث والنظر في بيت الحكمة التي أصبح ~~ناظرها، بما لم يتهيأ لغيره الوصول إليه؛ خصوصا وهمة الخليفة منصرفة إلى ~~ترجمة كتب الفلسفة والعلوم والصناعات؛ لا يهنأ له بال حتى تمسي الخزانة ~~العربية تامة من كل وجه في علوم الدنيا، على ما هي تامة في علوم الدين. # اتسع الأفق عقل سهل، ولم تقف به الهمة عند الأخذ من كتب الفرس، بل تعدتها ~~إلى الأخذ من كل ما طاب له من ضروب المعارف، خصوصا وانتقاله إلى بغداد بعد ~~البصرة جاء متمما له بغيته، وكان اختلاطه برجال الخلافة وهم من كل صنف ~~ونحلة وجنس، معوانا له على الكمال. وقد يستفيد المرء بالعشرة والتلقي، ما ~~لا يستفيد من تصفح دواوين العلم ومصاحف الفضائل. # ذكروا أن سهل بن هارون تولى خزانة المأمون وتولى خزانة الحكمة له. أي أنه PageV01P144 ### | CHECK [145_2] # كان له منصبان: الإشراف على خزانة المأمون أي خزانة كتبه الخاصة، والنظر ~~على دار الكتب التي سميت دار الحكمة أو بيت الحكمة. وكلا العلمين عظيم في ~~بابه ولكنهما من نمط واحد. وفي ذلك ما يشعر بأن المأمون لم يكن يصبر عليه ~~في قصره، ولا يقنعه منه انصرافه إلى المصالح العامة فقط. # نثره وشعره: # إن النزر القليل الذي وصل إلينا من كلام سهل بن هارون لا يكفي في الحكم ~~عليه. ومن كلام له في كتابه ثعلة وعفرة: اجعلوا أداء ما يجب عليكم من ~~الحقوق مقدما، قبل الذي تجودون به من تفضلكم، فان تقديم النافلة مع الإبطاء ~~في أداء الفريضة، شاهد على وهن العقيدة، وتقصير الروية، ومضر بالتدبير، ~~ومخل بالاختيار، وليس في نفع تحمد به عوضا عن فساد المروءة، ولزوم النقيصة ~~قال الحصري: وكتابه هذا مملوء حكما وعلما، وهذا مأخوذ من قوله في يحيى بن جعفر: # عدو تلاد المال فيما ينوبه ... منوع إذا ما منعه كان أحزاما # مذلل نفس قد أبت غير أن ترى ... مكاره ما تأتي من العيش مغنما # وكتب إلى صديق له أبل من ضعف: بلغني خبر الفترة في إلمامها وانحسارها، ~~والشكاة في حلولها وارتحالها؛ ms127 فكاد يشغل القلق بأوله عن السكون لآخره، ~~وتذهل الحيرة في ابتدائه عن المسرة في انتهائه؛ وكان تغيري في الحالتين ~~بقدرهما ارتياعا للأولى وارتياحا للأخرى. # وقال لجارية له رومية أعجمية: إن أقل ما ينطوي عليه ضميري من رسيس حبك، ~~لأجل من كل جليل، وأكثر من كل كثير. # ومن كلامه يعزي: التهنئة بآجل الثواب، أولى من التعزية على عاجل المصيبة. ~~وقال في المعنى: مصيبة في غيرك لك ثوابها، خير من مصيبة فيك لغيرك PageV01P145 ### | CHECK [146_2] # ثوابها. وقال: حق كل ذي مقالة أن يبدأ بحمد الله قبل استفتاحها، كما بدئ ~~بالنعمة قبل استحقاقها. وقال: تعلموا العلم فلأن يذم الزمان لكم، خير من أن ~~يذم بكم. ومن كلامه: العفو الذي يقوم مقام العتق، ما سلم من تعداد السقطات، ~~وخلص من تذكار الزلات. وكتب إلى جعفر بن يحيى: # إذا ما أتى يوم يفرق بيننا ... بموت فكن أنت الذي يتأخر # وقال: الصديق لا يحاسب، والعدو لا يحتسب له، أي لا يعتد به، وقال: من طلب ~~الآخرة طلبته الدنيا حتى توفيه رزقه فيها؛ ومن طلب الدنيا طلبه الموت حتى ~~يخرجه منها. ومن كلامه: كانت زورة فلان أخف من حسوة طائر، ولمعة بارق، ~~وخلسة سارق. وقال: من فضل الجواب على الابتداء، أن الابتداء يوجد في ~~الجواب، ولا يوجد جواب في ابتداء. ومن كلامه: مؤنة المتوقف، أيسر من تكلف ~~المتعسف. وقال: لو عرف الزنجي فضل حاجته إلى ثناياه في إقامة الحروف، ~~وتكميل جميل البيان، لما نزع ثناياه. # قال محمد بن زياد الزيادي البصر: وجدت على سهل بن هارون في بعض الأمر ~~فهجوته فكتب إلي: أما بعد فالسلام على عهدك، وداع ذي ظن بك، في غير مقلية ~~لك، ولا سلوة عنك، بل استسلام للبلوى في أمرك، وإقرار بالمعجزة عن ~~استعطافك، إلى أوان فيأتك، أو يجعل الله لنا دولة من رجعتك والسلام. وكتب ~~في أسفل الكتاب: # إن كنت أخطأت أو أسأت ففي ... عفوك مأوى للفضل والمنن # أتيت ما أستحق من خطأ ... فجد بما تستحق من حسن # وهذا من أعظم مكارم الأخلاق؛ ms128 يهجي وهو يسترضي هاجيه. # ومن محاسن تعريضات سهل أنه خاطب بعض الأمراء فقال له: كذبت، فقال: أيها ~~الأمير إن وجه الكذاب لا يقابلك - يعني الأمير بذلك - لأن وجه الإنسان لا PageV01P146 ### | CHECK [147_2] # يقابله. ورويت هذه النكتة لغيره. # ومن جميل تأويلاته وذكائه قوله: إن عدد حروف العربية ثمانية وعشرون حرفا، ~~على عدد منازل القمر، وغاية ما تبلغ الكلمة منها مع زيادتها سبعة أحرف على ~~عدد النجوم السبعة. قال وحروف الزوائد اثنا عشر حرفا، على عدد البروج ~~الاثني عشر، قال: ومن الحروف ما يدغم مع لام التعريف، وهي أربعة عشر حرفا، ~~مثل منازل القمر المستترة تحت الأرض، وأربعة عشر حرفا ظاهرة لا تدغم مثل ~~بقية المنازل الظاهرة، وجعل الإعراب ثلاث حركات؛ الرفع والنصب والخفض، لأن ~~الحركات الطبيعية ثلاث حركات، حركة من الوسط كحركة النار، وحركة إلى الوسط ~~كحركة الأرض، وحركة على الوسط كحركة الفلك. # وحكى الجاحظ أن أبا الهذيل العلاف المتكلم سأله رقعة يكتب بها إلى الحسن ~~بن سهل يستعينه على ضائقة لحقته؛ فكتب رقعة وختمها ودفعها إليه، فأوصلها ~~إلى الحسن؛ فلما رآها ضحك وأوقف عليها أبا الهذيل وإذا فيها مكتوب: # إن الضمير إذا سألتك حاجة ... لأبي الهذيل خلاف ما أبدى # فامنحه روح اليأس ثم امدد له ... حبل الرجاء بمخلف الوعد # وألن له كنفا ليحسن ظنه ... في غير منفعة ولا رفد ### | AUTO حتى إذا طالت شقاوة جده ... وعنائه؛ فأجبهه بالرد # وإن استطعت له المضرة فاجتهد ... فيما يضر بأبلغ الجهد # وروى الثعالبي قال: حاجة أبي الهذيل يضرب مثلا للحاجة، يسألها الإنسان ~~لغيره ويضمر ضد ما يظهر، ولا قضاءها، إما بخلا بجاهه، وإما لحاجة أخرى في ~~نفسه. قال: وكان أبو الهذيل سار إلى سهل بن هارون الكاتب، وكان خالصا ~~بالحسن بن سهل يسأله الكلام في أمره، ويستعينه على ضائقة دفع إليها، فسار ~~سهل إلى الحسن فكلمه وقال له: قد عرفت أيها الأمير حال أبي الهذيل ومحله PageV01P147 ### | CHECK [148_2] # وقدره في الإسلام، وأنه متكلم قومه، والراد على أهل الإلحاد، وقد فزع ~~إليك لإضافة هو فيها، ms129 فوعده أن ينظر له ما يصلح حاله. وربما كانت أبيات سهل ~~منبعثة من كون لاحظ - بعد أن كلم الحسن بن سهل بشأن أبي الهذيل - شيئا من ~~الفتور، فلما أريد على الشفاعة بأبي الهذيل مرة ثانية كتب تلك الأبيات، ومع ~~هذا ما خلت من نكتة جميلة. وكان أبو الهذيل يأخذ من السلطان في كل سنة ستين ~~ألف درهم ويفرقها على أصحابه. # وأنشد الجاحظ لسهل يهجو رجلا: # من كان يعمر ما شادت أوائله ... فأنت تهدم ما شدوا وما سمكوا # ما كان في الحق أن تأبى فعالهم ... وأنت تحوي من الميراث ما تركوا # وأجمل بهذا الجو الذي اقتصر فيه على الموعظة الحسنة وهو قائل: # إذا أمرؤ ضاق عني لم يضق خلقي ... من أن يراني غنيا عنه باليأس # فلا يراني إذا لم يرع آصرتي ... مستمرا دررا منه بإبساس # لا أطلب المال كي أغني بفضلته ... ما كان مطلبه فقرا إلى الناس # ومن شعره: # أعان طرفي على جسمي وأعضائي ... بنظرة وقفت جسمي على دائي # وكنت غرا بما تجني على يدي ... لا أعلم لي أن بعضي بعض أعدائي # ونسبوا لسهل قوله: # خل إذا جئته يوما لتسأله ... أعطاك ما ملكت كفاه واعتذرا # يخفي صنائعه والله يظهرها ... إن الجيل إذا أخفيته ظهرا # هذا هو الشعر الذي يسميه الإفرنج بالشعر الوجداني وهو كثير في الشعر ~~العرب تتجلى فيه مرآة شعور صاحبه، وما يمليه عليه قلبه، ويزينه له طبعه. # ومن بدائع سهل: القلم لسان الضمير إذا رعف أعلن أسراره، وأبان آثاره. وكان PageV01P148 ### | CHECK [149_2] # يقول: اللسان البليغ والشعر الجيد، لا يكادان يجتمعان في واحد، وأعسر من ~~ذلك أن تجتمع بلاغة الشعر وبلاغة القلم. وكان يقول: سياسة البلاغة أشد من ~~البلاغة؛ كما أن التوقي على الدواء أشد من الدواء. وقال: بلاغة الإنسان ~~رفق، والعي خرق، وكان كثيرا ما ينشد قول شتيم بن خويلد: # ولا يشعبون الصدع بعد تفاقم ... وفي رفق أيديهم لذي الصدع شاعب # وقال: لا يقدم على الخطبة إلا اثنان فائق أو مائق، أما الفائق فثقته ~~بنفسه تنفي عن كل خاطر ms130 يورث الحجل والانقطاع، وأما المائق فإنه لا يبالي ~~أخطأ أم أصاب. وقال: لو أن رجلين خطبا أو تحدثا، أو احتجا أو وصفا، وكان ~~أحدهما جليلا بهيا، ولبيبا نبيلا، وذا حسب شريفا، وكان الآخر قليلا قميئا، ~~وباذ الهيئة دميما، وخامل الذكر مجهولا، ثم كان كلاهما في مقدار واحد من ~~البلاغة، وفي وزن واحد من الصواب، لتصدع عنهما الجمع، وعامتهم تقضي للقليل ~~الدميم، على النبيل الجسيم، وللباذ الهيئة على ذي الهيئة، ولشغلهم التعجب ~~منه على مساواة صاحبه له، ولصار التعجب منه سببا للعجب به، ولكان الإكثار ~~في شأنه، علة للإكثار في مدحه، لأن النفوس كانت له أحقر، ومن بيانه أيأس، ~~ومن حدة أبعد، فإذا هجموا منه على ما لم يكونوا يحتسبونه، وظهر منه خلاف ما ~~قدروه، تضاعف حسن كلامه في صدورهم، وكبر في عيونهم، لأن الشيء من غير معدنه ~~أغرب، وكلما كان أغرب، كان أبعد في الوهم، وكلما كان أبعد في الوهم، كان ~~أظرف، وكلما كان أظرف، كان أعجب، وكلما كان أعجب، كان أبدع؛ وإنما ذلك ~~كنوادر كلام الصبيان وملح المجانين، فإذا ضحك السامعين من ذلك أشد، وتعجبهم ~~منه أكثر. # والناس موكلون بتعظيم الغريب، واستطراف البعيد، وليس لهم في الموجود ~~الراهن، وفيما تحت قدرتهم من الرأي والهوى، مثل الذي معهم في الغريب ~~القليل، PageV01P149 ### | CHECK [150_2] # وفي النادر الشاذ، وكل ما كان في ملك غيرهم. وعلى ذلك زهد الجيران في ~~عالمهم، والأصحاب في الفائدة من صاحبهم، وعلى هذا السبيل يستطرفون القادم ~~عليهم، ويرحلون إلى النازح عنهم، ويتركون من هو أعظم نفعا، وأكثر في وجوه ~~العلم تصرفا، وأخف مؤنة، وأكثر فائدة؛ ولذلك قدم بعض الناس الخارجي على ~~العريق، والطارف على التليد. # إلى أن قال: فإذا كان الحب يعمي عن المساوي، فالبغض أيضا يعمي عن ~~المحاسن، وليس يعرف حقائق مقادير المعاني، ومحصول حدود لطائف الأمور، إلا ~~عالم حكيم، ومعتدل الإخلاص عليم، وإلا قوي المنة، الوثيق العقدة، والذي لا ~~يميل مع ما يستميل الجمهور الأعظم، والسواد الأكثر. # وقال: للسلطان سكرات، فمنهما الرضى عن بعض من يستوجب ms131 السخط؛ ولذلك قيل: ~~قد خاطر من لجج في البحر؛ وأشد منه مخاطرة صاحب السلطان. وقال: العقل رائد ~~الروح، والعلم رائد العقل، والبيان ترجمان العلم. وأولى من هذا بالحجة قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم للعباس وقد سأله فيم الجمال؟ فقال: في اللسان. # وقال: ليس الري عن التشاف، من عاش غير خامل المنزلة، وأفضل على نفسه ~~وأصحابه، فهو وأن قا عمره طويل العمر، ومن كان عيشه في وحدة وضيق، وقل خيره ~~على نفسه وعلى الناس، فهو وأن أطال عمره قصير العمر؛ قد يبلغ الخصم القضم، ~~ويركب الصعب من لا ذلول له - والكلام الأخير من أمثال العرب - المعنى في ~~التشاف أن يشرب الرجل الشفافة كلها، وهي بقية الماء في الإناء. يقول قد ~~يروي الشارب قبل بلوغ تلك، ومعنى المثلين الحض على الرضا بيسير الحاجة إذا ~~أعوزه جليلها. # ومن كلامه: الملك صبي الرضا، كهل الغضب، يأمر بالقتل وهو يضحك، ويستأصل ~~شأفة القوم وهو يمزح، يخلط الجد بالهزل، ويتجاوز في العقوبة قدر PageV01P150 ### | CHECK [151_2] # الذنب، وربما أحفظه الذنب اليسير، وربما أعرض صفحا عن الخطب الكبير، ~~أسباب الموت والحياة متعلقة بطرف لسانه، يخطئ فيصوب، ويصيب فيفرض، مفتون ~~الهوى، فظ الخليقة، أخرق العقوبة، لا يمنعه من ذي الخاصة به ما يعلم من ~~عنايته، وطول صحبته، أن يقتله بخطرة من خطرات موجدته، ثم لا ينفك أن يخطب ~~إليه موضعه، فلا الثاني بالأول يعتبر، ولا الملك عم مثل ما فرط منه يزدجر. # وقال سهل للفضل بن سهل: إن الحاجب أحد وجهي الملك يعتبر عليه برأفته، ~~ويلحقه ما كان في غلظته وفظاظته؛ فاتخذ حاجبك سهل الطبيعة، معروفا بالرأفة، ~~مألوفا منه البر والرحمة، وليكن جميل الهيئة، حسن البسطة، ذا قصد في نيته ~~وصالح أفعاله، ومره فليضع الناس على مراتبهم، وليأذن لهم في تفاضل منازلهم، ~~وليعط كلا بسطة من وجهه، وليستعطف قلوب الجميع إليه، حتى لا يغشى الباب أحد ~~وهو يخاف أن يقصر به عن مرتبه، ولا أن يمنع في المدخل أو مجلس أو موضع إذن ~~شيئا يستحقه، ولا يمنع أحد ms132 من مرتبته، وليضع كلا عند منزلته وتعهده، فإن ~~قصر مقصر قام بحسن خلافته وبتزيين أمره. # وقال سهل يوما وهو عند المأمون: من أصناف العلم ما لا ينبغي للمسلمين أن ~~يرغبوا فيه، وقد يرغب عن بعض العلم، كما يرغب عن بعض الحلال. قال المأمون: ~~قد يسمى بعض الناس الشيء علما وليس بعلم، فإن كنت أردت هذا فوجهه الذي ~~ذكرنا، ولو قلت: أن العلم لا يدرك غورة، ولا يسبر قعره، ولا تبلغ غايته، ~~ولا تستقصي أصنافه، ولا يضبط آخره، فالأمر على ما قلت. فإذا كان الأمر ~~كذلك، فابدءوا بالأهم فالأهم، وابدءوا بالفرض قبل النفل، فإذا فعلتم ذلك ~~كان عدلا وقولا صدقا. # ويقال على الجملة إن من الندرة أن يتم لإنسان من المواهب والبيئة ما تم لسهل، PageV01P151 ### | CHECK [152_2] # فهو من عنصر قوي ذي مدنية قديمة راسخة، ثقفه المحيط العربي في أرقى بيئة ~~عهدت في التاريخ العربي، وجاء في عصر زاهر، ودخل في أمة قوية فتية، فرفعه ~~علمه وفضله إلى أعلى مقامات الفضل والنبل، وهيئا له من أسباب النبوغ ما لم ~~يكتب لغير بضعة من رجال الأدب العربي، وساعده على ذلك طول أجله؛ إذا لو ~~فرضنا أن يوم دخل على الرشيد كان ابن ثلاثين، وقد قبض سهل إلى ربه في سنة ~~أربع وثلاثين ومائتين على الراوية الصلاح الكتبي، وقال ياقوت سنة 215، ~~والرشيد تولى الخلافة سنة إحدى وسبعين ومائة؛ وإذا فرضنا أنه أتصل بالرشيد ~~في منتصف عهده، فلا يكون سهل عمر أقل من تسعين سنة. ومن بورك له بأيام ~~حياته يجيء منه في العلم ما لم يجيء من المعتبط كهلا أو شابا. # أثره الباقي: # من أجمل ما أثر لسهل بن هارون من الكتب، بل كتابه الوحيد الذي ما زال أهل ~~الأدب يتناقلونه خلفا عن سلف، كتابه إلى بني عمه من آل راهبون حين ذموا ~~مذهبه في البخل، وتتبعوا كلامه في الكتب، قال في فاتحته يحاجهم بسم الله ~~الرحمن الرحيم: أصلح الله أمركم، وجمع شملكم، وعلمكم الخير، وجعلكم من ~~أهله. قال الأحنف بن قيس: يا ms133 معشر بني تميم لا تسرعوا إلى الفتنة، فإن أسرع ~~الناس إلى القتال أقلهم حياء من الفرار، وقد كانوا يقولون: إذا أردت أن ترى ~~العيوب جمة فتأمل عيابا، فإنه إنما يعيب بفضل ما فيه من عيب، وأول العيب أن ~~تعيب ما ليس بعيب، وقبيح أن تنهى مرشدا، أو تغزي بمشفق. # وما أردنا بما قلتا إلا هدايتكم وتقويمكم، وصلاح فاسدكم، وإبقاء النعمة ~~عليكم. ولئن أخطأنا سبيل إرشادكم، فما أخطأنا سبيل حسن النية فيما بيننا ~~وبينكم. ثم قد تعلمون أنا ما أوصيناكم إلا بما قد اخترناه لأنفسنا قبلكم، ~~وشهرنا به في الآفاق دونكم؛ ثم نقول في ذلك ما قال العبد الصالح لقومه: ~~(وما أريد أن أخالفكم إلى ما PageV01P152 ### | CHECK [153_2] # أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه ~~توكلت وإليه أنيب). فما كان أحقكم في كريم حرمتنا بكم أن ترعوا حق قصدنا ~~بذلك إليكم، على ما رعيناه من واجب حقكم، فلا العذر المبسوط بلغتم، ولا ~~بواجب الحرمة قمتم، ولو كان ذكر العيوب برا وفضلا، لرأينا في أنفسنا عن ذلك ~~شغلا، وإن من أعظم الشقوة، وأبعد من السعادة، ألا يزال يتذكر زلل المعلمين، ~~ويتناسى سوء استماع المتعلمين، ويستعظم غلظ العاذلين، ولا يحفل بتعمد ~~المعذولين. # بدأ بتقريع أهله والناقمين والناقدين عليه منهم ومن غيرهم، في إيثار ~~كزازة اليدين على بسطهما، وأنه أراد بإرادتهم على الخير تعليمهم، وحفظ فضل ~~أموالهم، وأنهم أخطئوا في سوء فهم مراميه، ولم يرعوا له حرمة ولا ذماما؛ ~~وذكرهم بحكمة جميلة، وهو أن الناس يتذكرون خطيئات المعلمين، ولا يذكرون جهل ~~المتعلمين، وعبر عنه بسوء الاستماع، وهو من أرق التعابير، وذكرهم بالآية ~~الكريمة التي جاءت في العبد الصالح. وبعد أن بلغ من قوله هذا الحد، وبسط ~~المسألة بينه وبين عاذليه على بخله، ودعوة الناس إلى طريقته، وأبان أنه ~~اشتهر بها في العلم، وأنها مما لا يعده ثلمة في الشرف، بل فضيلة من فضائل ~~النفس، وبعد هذا أخذ يخاطبهم ويورد لهم الأمثال التي وقعت له في هذا الشأن ~~والتي ms134 وقعت لغيره فعدها عبرة، قال: # عبتموني بقولي الخادمي: أجيدي عجنه خميرا، كما أجدته فطيرا، ليكون أطيب ~~لطعمه وأزيد في ريعه، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ورحمه لأهله: ~~املكوا العجين فإنه أحد الريعين. وعبتم علي قولي من لم يعرف مواقع السرف في ~~الموجود الرخيص، لم يعرف مواقع الاقتصاد في الممتنع الغالي، فلقد أتيت من ~~ماء الوضوء بكلية يدل حجمها على مبلغ الكفاية، وأشف من الكفاية، فلما صرت ~~إلى تفريق أجزائه على الأعضاء، وإلى التوفير عليها من وظيفة الماء، وجدت في PageV01P153 ### | CHECK [154_2] # الأعضاء فضلا على الماء، فعلمت أن لو كنت مكنت الاقتصاد في أوائله، ورغبت ~~عن التهاون به في ابتدائه، لخرج أوله على كفاية آخره، ولكان نصيب العضو ~~الأول كنصيب الآخر، فعبتموني بذلك وشنعتموه بجهدكم وقبحتموه؛ وقد قال الحسن ~~وذكر السرف: إنه ليكون في الماعونين الماء والكلأ فلم يرض بذكر الماء حتى ~~أردفه بالكلأ. # بسط قاعدته في البخل بسطا بديعا، وبدأها بما وقع له في الماء، ثم ثنى في ~~الجملة التالية بما يأتيه من الاحتياط في حفظ الفاكهة والمأكولات محاولا ~~إقناع مخاطبيه بأن الناس طبقات، وليس من الإنصاف أن يأكل السيد كالمولى، ~~فإن إطعام الموالي والعبيد أطعمة وثمارا لذيذة قد يمكنهم الاستغناء عنها، ~~ولكن ساداتهم لا يصبرون عليها إذا انقطعت عنهم بسبب إسرافهم، وأشار إلى نهم ~~الأولاد، وسوء إدارة النساء، قال: # وعبتموني حين ختمت على سل عظيم، وفيه شيء ثمين من فاكهة نفيسة، ومن رطبة ~~غيبة على عبد نهم، وصبي جشع، وأمه لكعاء، وزوجة خرقاء، وليس من أصل الأدب، ~~ولا في ترتيب الحكم، ولا في عادات القادة، ولا في تدبير السادة، أن يستوي ~~في نفيس المأكول، وغريب المشروب وثمين الملبوس، وخطير المركوب، والناعم من ~~كل فن، واللباب من كل شكل التابع والمتبوع، والسيد المسود، كما لا تستوي ~~مواضعهم في المجلس ومواقع أسمائهم في العنوانات، وما يستقبلون به من ~~التحيات. وكيف وهم لا يفقدون من ذلك ما يفقد القادر، ولا يكترثون له اكتراث ~~العارف ومن شاء أطعم كلبه الدجاج ms135 المسمن، وعلف حماره السمسم المقشر؛ ~~فعبتموني بالختم، وقد ختم بعض الأئمة على مزود سويق، وختم على كيس فارغ، ~~وقال: طينة خير من ظنة، فأمسكتم عمن ختم على لا شيء، وعبتم من ختم على شيء. PageV01P154 ### | CHECK [155_2] # في تدبير المنزل، كالطعام واللباس، مستشهدا على صحة قضيته بهدي الرسول، ~~وإيراد أمثلة ممن يقتدي بهم في هذا الباب من الناس، فقال: # وعبتموني حين قلت للغلام، إذا زدت في المرق فزد في الإنضاج، لتجمع بين ~~التأدم باللحم والمرق، ولتجمع مع الارتفاق بالمرق الطيب. وقد قال صلى الله ~~عليه وسلم: إذا طبختم لحما فزيدوا في الماء، فإن لم يصب أحدكم لحما أصاب مرقا. # وعبتموني بخصف النعل، وبتصدير القميص، وحين زعمت أن المخصوفة أبقى وأوطأ، ~~وأوقى وأنفى للكبر، وأشبه بالنسك، وأن الترقيع من الحزم، والتفريق من ~~التضييع، والاجتماع مع الحفظ. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يخصف ~~نعله، ويرقع ثوبه، ويلطع إصبعه ويقول: لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي ~~إلي كراع أو ذراع لقبلت. ولقد لفقت سعدى بنت عوف إزار طلحة وهو جواد قريش، ~~وهو طلحة الفياض. وكان في ثوب عمر رقاع أدم. وقال: من لم يستح من الحلال ~~خفت مؤنته، وقل كبره. وقالوا: لا جديد لمن لا يلبس الخلق. # وبعث زياد رجلا يرتاد له محدثا، واشترط على الرائد أن يكون عاقلا مسددا، ~~فأتاه به موافقا فقال: أكنت ذا معرفة به؟ قال: لا ولا رأيته قبل ساعة. قال: ~~أفناقلته الكلام، وفاتحته الأمور، قبل أن توصله إلي؟ قال: لا. قال: فلم ~~اخترته على جميع من رأيته؟ قال: يومنا يوم قائض، ولم أزل أتعرف عقول الناس ~~لطعامهم ولباسهم في مثل هذا اليوم، ورأيت ثياب الناس جددا وثيابه لبسا، ~~فظننت به الحزم. وقد علمنا أن الجدد في موضعه دون الخلق. وقد جعل الله عز ~~وجل لكل شيء قدرا وبوأ له موضعا، كما جعل لكل دهر رجالا، ولكل مقام مقالا، ~~وقد أحيا بالسم، وأمات بالغذاء، وأغص بالماء، وقتل بالدواء، فترقيع الثوب ~~يجمع مع الإصلاح التواضع، وخلاف ذلك يجمع مع ms136 الإسراف التكبر، وقد زعموا إن ~~الإصلاح أحد الكسبين، كما زعموا أن قلة العيال أحد اليسارين. وقد جبر الأحنف PageV01P155 ### | CHECK [156_2] # بدعنس، وأمر بذلك النعمان. وقال عمر: من أكل بيضة فقد أكل دجاجة. وقال ~~رجل لبعض السادة: أهدي إليك الدجاجة. قال: إن كان لا بد فاجعلها بياضة. وعد ~~أبو الدرداء العراق جزر البهيمة. # صفحة جميلة من تدبير المعاش والاقتصاد، أراد بها تعليم المنتقصين له درسا ~~نافعا في الترتيب والنظام، وألقى عليهم مثلا حسنا لا يسع حتى المسرف أن ~~ينقضه، وقد شفع كلامه بأمثلة ليس في مقدور أحد إنكارها، ولا تبلغ به الحال ~~مهما بلغ من السرف والترف، أن يقول إن من ذكرهم ليسوا قدوة صالحة. وبعد ذلك ~~التفت التفاتة أخرى، وبين لخصومه فضيلة الإمساك في المال والحرص عليه، لما ~~يجلب الاستهتار من العوز فقال: # وعبتموني في حين قلت: لا يغترن أحد بطول عمره، وتقوس ظهره، ورقة عظمه، ~~ووهن قوته، أن يرى أكرومته، ولا يحرجه ذلك إلى إخراج ماله من يديه، وتحويله ~~إلى ملك غيره، وإلى تحكيم السرف فيه، وتسليط الشهوات عليه، فلعله أن يكون ~~معمرا وهو لا يدري، وممدودا له في السن وهو لا يشعر، ولعله أن يرزق الولد ~~على اليأس، ويحدث عليه بعض مخبآت الدهور مما لا يخطر على البال، ولا تدركه ~~العقول، فيسترده ممن لا يرده، ويظهر الشكوى إلى من لا يرحمه، أضعف ما كان ~~عن الطلب، وأقبح ما يكون به الكسب. فعبتموني بذلك وقد قال عمرو بن العاص: ~~اعمل لدنياك عمل من يعيش أبدا، واعمل لآخرتك عمل من يموت غدا. # وعبتموني حين زعمت أن التبذير إلى مال القمار ومال الميراث، وإلى مال ~~الالتقاط وحباء الملوك أسرع، وأن الحفظ إلى المال المكتسب، والغنى المجتلب ~~والى ما يعرض فيه لذهاب الدين، واهتضام العرض، ونصب البدن، واهتمام القلب ~~أسرع، وأن من لم يحسب ذهاب نفقته لم يحسب دخله، ومن لم يحسب الدخل فقد أضاع ~~الأصل، وأن من لم يعرف للغنى قدره، فقد أذن بالفقر، وطاب نفسا بالذل. PageV01P156 ### | CHECK [157_2] # وعبتموني بأن ms137 زعمت أن كسب الحلال مضمن بالإنفاق في الحلال، وأن الخبيث ~~ينزع إلى الخبيث، وأن الطيب يدعوا إلى الطيب، وأن الإنفاق في الهوى حجاب ~~دون الحقوق، وأن الإنفاق في الحقوق حجاز دون الهوى، فعبتم علي هذا القول ~~وقد قال معاوية: لم أر تبذيرا قط إلا وإلى جانبه حق مضيع. وقد قال الحسن: ~~إذا أردتم أن تعرفوا من أين أصاب الرجل ماله، فانظروا في أي شيء ينفقه، فإن ~~الخبيث إنما ينفق في السرف. # وقلت لكم بالشفقة عليكم، وبحسن النظر مني لكم، وبحفظكم لآبائكم، ولما يجب ~~في جوارحكم، وفي ممالحتكم وملابستكم، وأنتم في دار الآفات، والجوائح غير ~~مأمونات، فإن أحاطت بمال أحدكم جائحة لم يرجع إلى بقية، فأحرزوا النعمة ~~باختلاف الأمكنة، فإن البلية لا تجري في الجميع إلا مع موت الجميع. وقد قال ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه في العبد والأمة، وفي ملك الشاة والبعير، وفي ~~الشيء الحقير اليسير: فرقوا بين المنايا، واجعلوا الرأس رأسين. وقال ابن ~~سيرين لبعض البحريين: كيف تصنعون بأموالكم قال: نفرقها في السفن، فإن عطب ~~بعض سلم بعض؛ ولولا أن السلامة أكثر لما حملنا أموالنا في البحر. قال ابن ~~سيرين: تحسبها خرقاء وهي صنعاء. # وبعد هذا الكلام الممتع، مثل سهل صورة جديدة في الأخلاق العارضة على من ~~استغنى، وحذر من الوقوع فيها لئلا تؤدي إلى الفقر، وهو أبشع ضروب المظاهر، ~~وبين العلة في قوله إن المال مقدم على العلم، لأن بالمال يكتسب العلم، ~~ويعرف قدر العلم فقال: # وقلت لكم عند إشفاقي عليكم أن للغنى سكرة، وأن للمال نزوة، فمن لم يحفظ ~~الغنى من السكرة فقد أضاعه، ومن لم يرتبط المال بخوف الفقر فقد أهمله، ~~فعبتموني بذلك وقد قال زيد بن جبلة ليس أحد أقصر عقلا من غني أمن الفقر، ~~وسكر الغنى PageV01P157 ### | CHECK [158_2] # أشد من سكر الخمر. وقلتم قد لزم الحث على الحقوق، والتزهيد في الفضول، ~~حتى صار يستعمل ذلك في أشعاره بعد رسائله، وفي خطبه بعد سائر كلامه؛ فمن ~~ذلك قوله في يحي ابن خالد: # عدو تلاد ms138 المال فيما ينوبه ... ممنوع إذا ما منعه كان أحزما # ومن ذلك قوله في محمد بن زياد: # وخليقتان تقي وفضل تحرم ... وإهانة في حقه المال # وعبتموني حين زعمت أني أقدم المال على العلم، لأن المال به يغاث العالم، ~~وبه تقوم النفوس قبل أن تعرف فضيلة العلم، وأن الأصل أحق بالتفضيل من ~~الفرع، وأني قلت وإن كنا نستبين الأمور بالنفوس، فإنا بالكفاية نستبين، ~~وبالخلة نعمى؛ وقلتم كيف تقول هذا وقد قيل لرئيس الحكماء، ومقدم الأدباء، ~~العلماء أفضل أم الأغنياء؟ قال بل العلماء. قيل فما بال العلماء يأتون ~~أبواب الأغنياء، أكثر مما يأتي الأغنياء أبواب العلماء؟ قال: لمعرفة ~~العلماء بفضل الغنى، ولجهل الأغنياء بفضل العلم. فقلت: حالها هي القاضية ~~بينهما، وكيف يستوي شيء ترى حاجة الجميع إليه، وشيء يغنى فيه بعضهم عن بعض؟ # وعبتموني حين قلت أن فضل الغنى على القوت، إنما هو كفضل الآلة تكون في ~~الدار، إن احتج إليها استعملت، وإن استغني عنها كانت عدة. وقد قال الحصين ~~بن المنذر: وددت إن لي مثل أحد ذهبا، لا أنتفع منه بشيء، قيل فما ينفعك من ~~ذلك؟ قال: لكثرة من يخدمني عليه. وقال أيضا: عليك بطلب الغني، فلو لم يكن ~~لك فيه إلا أنه عز في قلبك، وشبهة في قلب غيرك، لكان الحظ فيه جسيما، ~~والنفع به عظيما. # وختم كتابه في أنه لن يبدل من خلقه في الشح، وفي الدعوة إلى تزيينه ~~للناس، وأورد جملا لجماعة من المشهورين بالعقل، وذكر جماعته في ختام حديثه بما PageV01P158 ### | CHECK [159_2] # يجب عليهم قبل أن يذكروا ما لهم وذلك بقوله: # ولسنا ندع سيرة الأنبياء، وتعليم الخلفاء، وتأديب الحكماء، لأصحاب ~~الأهواء. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم، ~~والفقراء باتخاذ الدجاج. وقال: درهمك لمعاشك، ودينك لمعادك. فقسموا الأمور ~~كلها على الدين والدنيا، ثم جعلوا أحد قسمي الجميع الدرهم. وقال أبو بكر ~~الصديق رحمه الله: إني لا أبغض أهل البيت ينفقون رزق الأيام في اليوم ~~الواحد، وكانوا يبغضون أهل البيت اللحمين. وكان هشام يقول: ضع ms139 الدرهم على ~~الدرهم يكون مالا. ونهى أبو الأسود الدؤلي، وكان حكيما أديبا، وداهيا ~~أريبا، عن جودكم هذا المولد، وعن كرمكم هذا المستحدث. فقال لأبنه: إذا بسط ~~الله لك في الرزق فابسط، وإذا قبض فاقبض، ولا تجاود الله، فإن الله أجود ~~منك. وقال: درهم من حل يخرج في حق خير من عشرة آلاف قبضا. وتلقط عرندا من ~~بريم فقال: تضيعون مثل هذا وهو قوت امرئ مسلم يوما إلى الليل. وتلقط أبو ~~الدراء حبات حنطة، فنهاه بعض المسرفين فقال: إيه ابن العبسية إن مرفقه ~~المرء رفقه في معيشته. فلستم علي تردون ولا رأيي تفندون؛ فقدموا النظر قبل ~~العزم، وتذكروا ما عليكم قيل أن تذكروا مالكم والسلام اه. # خاتمة: # وبعد فهذه صفات سهل بن هارون، وهذا نثره، بل هذا فكره وعقله؛ تعرفنا على ~~الجملة بالقليل المأثور عنه، طريقته وحقيقته، وعلمنا كيف يبالغ في تنوق ~~كرائم ألفاظه، ويسلكها في سلكه، ويرصعها في عقوده، فتجئ جزالة من دون تعمل، ~~وسلاسة من غير ما تبذل، ونمطا عاليا من السهل الممتنع، يتدفق حكمة، ويسيل بيانا. # سهل بن هارون أحد أفراد قلائل، زانوا بما صاغوا من الكلام أدب العرب، PageV01P159 ### | CHECK [160_2] # واختطوا من بعدهم خطط التفكير والتصوير على النمط الفارسي العربي، وكلامه ~~في بابه لباب البلاغة، ومثال الفصاحة، لا تبلى جدته على وجه الأيام، ولا ~~يحتاج في الحكم عليه إلى محكمة نقض وإبرام. # - - # عمرو بن سعدة # عصره: # أجمل عصور الأمة العربية، عصر المأمون العباسي، كان للسلطان الأكبر فيه ~~للعقل؛ وقل المتوثبون على الخلافة، والعابثون بأهواء الناس، وانصرفت الأمة ~~إلى شؤونها في ظل الإسلام، فزادت سعادتها، وشملتها الرفاهية والهناء؛ نظر ~~المأمون في ماضي الملة وحاضرها، فرأى أن أعظم ما يكدر شرعة سياستها، طموح ~~آل البيت إلى الخلافة منذ أوائل العهد الإموي، يهتبلون الغرة للاستيلاء على ~~زمام الأمر، فيضطرب كل بلد نجم فيه ناجم منهم. # وكان آل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب منذ عهد المنصور ومن بعده يتوجسون ~~خفية من قوة العباسين، فيستخفون ويبتعدون عن الناس، فخفيت بعزلتهم عن ms140 ~~العوام حقيقة أمورهم، وظنوا فيهم ما يظنونه بالأنبياء، وأنشئوا يتفوهون في ~~صفتهم بما يخرجهم عن الشريعة من التغالي، فنظر المأمون في هذا الأمر نظرا ~~بليغا وقال: لو ظهروا للناس ورأوا فسق الفاسق منهم وظلم الظالم، لسقطوا من ~~أعينهم، ولا نقلب شكرهم لهم ذما. ثم قال: إذا أمرناهم بالظهور خافوا ~~واستتروا وظنوا بنا سوءا، وإنما الرأي أن نقدم أحدهم ويظهر لهم إمام، فإذا ~~رأوا هذا أنسوا وظهروا، وأظهروا ما عندهم من حركات الآدميين، فيتحقق للعوام ~~حالهم، وما هم عليه مما خفي بالاختفاء. PageV01P160 ### | CHECK [161_2] # واستشار المأمون خاصته فأشاروا عليه بعلي بن موسى الرضا، فعقد له ولاية ~~العهد من بعده، لما رأى من فضله البارع، وعلمه الناصع، وورعه الظاهر، وزهده ~~الخالص، وتخليه عن الدنيا ولقبه الرضا من آل محمد، وساوى بين آل علي وآل ~~هاشم، غاضا الطرف عن شكاية بني العباس. وكانوا قد بلغ عددهم لعهده ثلاثة ~~وثلاثين ألف إنسان. وبذلك استقرت الحال، وكفيت المملكة شر الغوائل ~~الداخلية. # وتجلى عقل المأمون في هذه الطريقة الجديدة، بيد أن عمله لم يرض عنه ~~الشيعة ولا السنة: الشيعة لا يرضيهم إلا القبض مباشرة على قياد الأمر، ~~وإزالة كل ملك إلا لشيعتهم، والقضاء على كل خليفة وخلافة؛ والسنة لأنه عهد ~~بولاية العهد إلى أمثل رجل علوي في عصره، فحاذروا ان تخرج الخلافة عنهم، ~~وتهامسوا بشيعية المأمون، وهو فوق ما تصوروا وقدروا، اتخذ خصومه من هذا ~~العمل حجة لإفضاء الخلافة إليهم، فأبوا نواجذ الشر ولكنهم لم يفلحوا. # أما صلات المأمون مع الدول المجاورة فكانت حسنة في الجملة، خصوصا مع صاحب ~~الروم، ومملكة هذا ظلت في ذاك العصر على شيء من التماسك والقوة أمام سلطان ~~العرب، بيد أن كلمة المأمون كانت هي العليا في فض كل خلاف يعبث بحقوق ~~الجوار، ويشوه وجه السلام الجميل. كتب توفيل بن ميخائيل صاحب الروم مع ~~وزيره يطلب من المأمون الصلح وعرض الفدية، ومما قال في كتابه: وقد كنت كتبت ~~إليك داعيا إلى المسالمة، راغبا في فضيلة المهادنة، لتضع أوزار الحرب عنا، ~~ونكون ms141 كل واحد لكل واحد وليا وحزبا، مع اتصال المرافق، والفسح في المتاجر، ~~وفك المسأسر، وأمن الطرق والبيضة فكتب إليه المأمون يهدده برجاله: الذين ~~يتقربون إلى الله بدماء الروم، وهم أظمأ إلى ورود المنايا منهم إلى ~~السلامة، جاء في آخره غير أني رأيت أن تقدم إليك بالمواعظ التي يثبت الله بها PageV01P161 ### | CHECK [162_2] # علبك الحجة من الدعاء لك ولمن معك، إلى الوحدانية والشريعة الحنفية، فان ~~أبيت ففدية توجب ذمة. ومن دعوة المأمون ملك الروم إلى الإسلام تفهم عزة ~~الأمة في عصره، ثم حدثت أحداث في بعض بلاد الشرق وديار مضر وربيعة واليمن، ~~فأطفأت ثائرتها ولم تتعد الأرض التي انبعثت شرارتها منها؛ قال الهمداني: ~~وقد كانت للخلفاء فتوح، ولكنه لم يستق لأحد ما اتسق للمأمون وعبد الملك بن ~~مروان والمعتصم بالله، إلا ان فتوح المأمون وعبد الملك كانت لمن قصد إلى ~~ملكها، فبلغا في ذلك ما لم يبلغه أحد في الإسلام من الملوك ومن يختار ~~كالخليفة المأمون لحماية البيضة وقيام الدولة أمثال طاهر بن الحسين، وعبد ~~الله بن طاهر، وهرثمة ابن أعين، والفضل بن سهل، وسهل بن هارون، وعمر بن ~~مسعدة إلى غيرهم من القواد والوزراء والكتاب والعمال، لا يلقى عمله غير ~~النجاح، ولا يعتري سلطانه ضعف ووهن. # أتم المأمون ما بدأ به المنصور وأبوه الرشيد من ترجمة كتب الأوائل، ~~واستجادة مهرة التراجمة لنقل الكتب التي أخذها من الروم، وندب ابن البطريق ~~إلى الروم ليأتيه بكتاب السياسة لأرسطو الذي ألفه للإسكندر، وكان مكتوبا ~~بالذهب المحلول، في رق مصبوغ بالفرفير، منقوطا بالفضة البيضاء المحلولة، ~~فرجع إلى الحضرة ظافرا بالمراد، وسعى، كما قال بعون الله وبسعد أمير ~~المؤمنين وجده، في ترجمته ونقله من اللسان اليوناني إلى اللسان العربي. # وكان الرشيد بدأ بترجمة الكتب الطبية القديمة التي وجدها بأنقرة وعمورية ~~وسائر بلاد الروم حين افتتحها؛ ولما ولى المأمون الخلافة أتم ما كان شرع ~~فيه أبوه، فأخذ يغدق صلاته على المترجمين والفلاسفة، وربى المأمون بني شاكر ~~محمدا وأحمد والحسن حتى صارواعلماء، فحققوا طول محيط الأرض، وكانوا ms142 يرزقون ~~النقلة نحو خمسمائة دينار في الشهر وكان دخل محمد وحده أربعمائة ألف دينار. PageV01P162 ### | CHECK [163_2] # وجمع المأمون بعض حكماء عصره على صنعة الصورة التي نسبت إليه، ودعيت ~~الصورة المأمونية، صوروا فيها العالم بأفلاكه ونجومه وبره وبحره وعامره ~~وغامره، ومساكن الأمم والمدن إلى غير ذلك؛ وقد وضع له علماء رسم الأرض، ~~وكانوا سبعين رجلا، كتابا في الجغرافية أعان عمال الدولة التي تعرف إلى ~~البلاد والأمم التي أظلتها الراية العباسية. # وسأل المأمون ملك الروم صلته بما لديه من كتب الفلاسفة، فبعث إليه منها ~~بما حضره من كتب أفلاطون وأرسطو وأبقراط وجالينوس وإقليدس وبطليموس وغيرهم ~~من الفلاسفة، فترجمت له وحض الناس على قراءتها، في العلوم، لما كانوا يرون ~~من إحظائه لمنتحليها، وكانوا يخلوا بهم ويأنس بمناظرتهم، وكذلك كانت سيرته ~~مع سائر العلماء والفقهاء والمحدثين والمتكلمين وأهل اللغة والأخبار ~~والمعرفة بالشعر والنسب. # وازدان عصر المأمون بكثير من حملة الشريعة والأدب، وكان الشعراء والكتاب ~~طبقة عالية كثيرة العدد والحصى، جيدة المنحى والأسلوب، تأثروا كلهم ~~بالحضارة الجديدة حتى غدا الشعر الإسلامي ظاهر الاختلاف على الشعر الجاهلي، ~~بعيدا عن وصف الأطلال والدمن والركاب، وطلب الثأر والمفاخرات، والجمهور ~~يشارك الأدباء في فهم الشعر، ويقدر الخطب والرسائل قدرها، ولم يكن الشعراء ~~في واد والأمة في آخر، بل كان الشاعر أو الكاتب إذا قرض شعرا أو حبر خطابا ~~تتناقله الأيدي في الحال، وتتعاوره الرواة فيفشو في الأمصار، وهذا ما كان ~~يزيد في طلاوة أدب الأديب، وشعر الشاعر، وخطبة الخطيب. # أعمال الكبير كبيرة، والمأمون العظيم بأعماله وأقواله كان خليفة المسلمين ~~بكل ما في لفظ الخلافة من معنى شريف، يجمع مصالح الدين والدنيا؛ كان رحمه ~~الله يفكر منذ عهد بعيد في خلق القرآن حتى اعتقد أن كل من لم يقل بقوله ضال، PageV01P163 ### | CHECK [164_2] # فوضع هذا المبحث موضع المناقشة بين العلماء، فقال السواد الأعظم بقوله، ~~وأبى بعضهم تورعا أن يوافقوه على أن القرآن مخلوق، فطلبهم للبحث، وكان في ~~مصيفة في الرقة، وكتب إلى عامله في بغداد أن يمتحن القضاة والمحدثين ~~ويكشفهم ms143 عما يعتقدون في خلق الله القرآن وإحداثه، وقال له: وأعلمهم أن أمير ~~المؤمنين غير مستعين في عمله، ولا واثق فيما قلده الله واستحفظه من أمور ~~رعيته، بمن لا يوثق بدينه، وخلوص توحيده ويقينه وأنه لا توحيد لمن يقر بأن ~~القرآن مخلوق وأمر أيضا بأن يكتب إلى الآفاق بذلك؛ وقد أحدث هذا الرأي ضجة ~~في الأمة شأن، كل فكر جديد ينقسم فيه الناس إلى مثبت وناف، ودل بعض ~~الممتنعين عن التصريح بما لا يعتقدونه على الأخذ بالاحتياط في دينهم، فأوذي ~~بعضهم وما أراد المأمون أذاهم، وقبض إلى ربه وبعض الذين توقفوا عن التصريح ~~بما أريدوا على البيان فيه قيد السجن، فاتخذ أعداؤه من ذلك سبيلا إلى النيل ~~منه، وسمعوا ذلك المحنة؛ وفي هذا العصر الزاهر نشأ عمرو بن مسعدة. # - - # أصله وحياته ونشأته: # هو عمر بن مسعدة بن سعد بن صول، وصول كان رجلا تركيا وكان ملك وأخوه ~~فيروز على جرجان، وتمسجا بعد التركية، وتشبها بالفرس، وصول لقب ملوك ~~دهستان، كان يطلق عليهم كما يطلق شاهنشاه وكسرى على ملوك الفرس الساسانية. # ولما وافى يزيد بن المهلب بن أبي صفرة في ولاية سليمان بن عبد الملك ابن ~~مروان جرجان أمن الأخوين، فأسلم صول على يده، وغدا محمد بن صول من الرجال ~~الدولة العباسية ودعتها بعد ذلك. وكان بعض أهليهم أدعوا أنهم عرب، وأن ~~العباس بن الأحنف الشاعر خالهم. وقيل أن أبا الفضل عمرو بن مسعدة هو PageV01P164 ### | CHECK [165_2] # مولى خالد القسري، وقيل بن كام مسعدة والد عمرو مولى خالد بن عبد الله ~~القسري أمير العراق، وكان يكتب له، وكتب لخالد بن برمك، ثم كتب بعده لأبي ~~أيوب وزير المنصور على ديوان الرسائل. # وكان لمسعدة أربعة بنين: مجاشع ومسعود وعمرو ومحمد، ومجاشع هو الذي يقول ~~فيه أبو العتاهية: # علمت يا مجاشع بن مسعدة ... أن الشباب والفراغ والجدة # مفسدة للمرء أي مفسدة # عمل الكاتب ابن الكاتب عمرو بن مسعدة للدولة، فظهرت كفايته وبلاغته، فعد ~~أحد أفراد قلائل في رجال الخليفة. قال أحمد بن يوسف الكاتب: ms144 دخلت يوما على ~~المأمون وبيده كتاب يعاود قراءته تارة بعد أخرى، ويصعد فيه ويصوب، فلما مرت ~~على ذلك مدة من زمانه التفت إلي وقال: يا أحمد أراك مفكرا فيما تراه منى، ~~قلت: نعم، فقال: إن في هذا الكتاب كلاما نظير ما سمعت الرشيد يقول في ~~البلاغة، زعم أن البلاغة إنما هو التباعد عن الإطالة، والتقرب من معنى ~~البغية، والدلالة بالقليل من اللفظ على الكثير من المعنى، وما كنت أتوهم أن ~~أحدا يقدر على ذلك، وقال: هذا كتاب عمرو بن مسعدة إلينا، ففككته فإذا فيه: ~~كتابي إلى أمير المؤمنين، ومن قبلي من قواده، ورؤساء أجناده، في الانقياد ~~والطاعة على أحسن ما تكون طاعة جند تأخرت أرزاقهم، وانقياد كفاة تراخت ~~أعطياتهم، فاختلت لذلك أحوالهم، والتاثت معه أمورهم. # فلما قرأته قال: إن استحساني إياه بعثني أن أمرت للجند قبله بأعطياتهم ~~لسبعة أشهر، وأنل على مجازاة الكاتب بما يستحقه من حل محله في صناعته. وفي ~~رواية أن المأمون أمر لعمرو بن مسعدة برزق ثمانية أشهر، وأنه قال لأحمد بن ~~يوسف: لله در عمرو ما أبلغه، ألا ترى إلى إدماجه المسألة في الإخبار، ~~وإعفائه PageV01P165 ### | CHECK [166_2] # سلطانه عن الإكثار. # وكان عمرو بن مسعدة، وكنيته أبو الفضل، أبيض أحمر الوجه، وكان المأمون ~~يسميه الرومي لبياض وجه، وكان يخضب، وتوفي بأذنه سنة سبعة عشرة ومائتين؛ ~~ولم نعرف منشأه ومولده وأساتيذه، وغاية ما عرفناه أنه كان أحد إخوانه أربعة ~~أحسن أبوهم تربيتهم حتى جاءت من أحدهم هذه البلاغة النادرة، التي كان من ~~أثرها أن أصبح عشير المأمون، ولكي يصل الرجل إلى هذا المقام مع مثل هذا ~~الخليفة العظيم في كل شؤونه يجب أن ينطوي على صفات عالية يعز مثلها في ~~الأقران والأتراب؛ وفي تاريخ بغداد أنه روى الحديث عن جماعة، ووصفوه بأنه ~~الكاتب الرسائلي، وأنه كان يقول الشعر بفضل أدبه. # قال عمرو بن مسعدة: كنت أوقع بين يدي جعفر بن يحيى البرمكي فرفع إليه ~~غلمانه ورقة بستزيدونه في رواتبهم فرمى بها إلى وقال: أجب عنها، فكتبت قليل ~~دائم ms145 خير من كثير منقطع فضرب بيده على ظهري وقال: أي وزير في جلدك. وقد شهد ~~لعمرو بن مسعدة بالبلاغة أعيان البيان في عصره، ومنهم الفضل بن سهل فيه: ~~أنه أبلغ الناس، ومن بلاغته أن كل واحد إذا سمع كلامه ظن أنه يكتب مثله، ~~فإذا رامه بعد عليه. وهذا كما قيل لأحد البلغاء: ما حد البلاغة؟ فقال: التي ~~إذا سمعها الجاهل ظن أنه يقدر على مثلها، فإذا رامها استصعبت عليه. # ولم يؤثر عن عمرو أنه ألف في موضوع خاص، وأفراد مسألة في التأليف، وإن ~~قالوا ان له رسائل وأقوالا. وعده ابن النديم في الشعراء الكتاب، لم يذكر ~~إلا أن له ولأخيه مجاشع خمسين ورقة من الشعر؛ والغالب أن مهام الدولة لم ~~تترك له وقتا يصرفه في درس خاص، أو وضع كتاب أو رسالة، وما تلقطه العلماء ~~والأدباء من كلامه هو مما رواه له المعجبون به، وما أعظم المفقود منه. ~~والمظنون أن لو كانت جمعت له رسائله على إيجازها لكان منها ديوان كبير، ~~لأنه صرف أعواما PageV01P166 ### | CHECK [167_2] # طويلة وهو قابض على يراعته يعالج بها الموضوعات المهمة في ذاك المجتمع ~~العظيم. # وأفادنا ابن عساكر أن عمرو بن مسعدة زار دمشق مع المأمون، وأنه من رجال ~~الحديث فأسند حديثا عن المأمون في سند ذكره عن عمرو بن مسعدة، قال: سمعت ~~المأمون أمير المؤمنين يقول: حدثي أبي عن أبيه عن عمه عبد الصمد بن علي بن ~~عبد الله بن عباس عن أبيه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: علقوا السوط حيث يراه أهل البيت فإنه أدب لهم؛ وفي الأمثال: علق سوطك ~~حيث يراه أهلك، والمعنى اجعل نفسك بحيث يهابك أهلك، ولا تغفل عنهم وعن ~~تخويفهم وردعهم. # ولم نعلم نوع الدراسة التي انصرفت إليها همة عمرو بن مسعدة في صباه حتى ~~بلغت به البلاغة ذاك المقام، بيد أن ظواهر الحال تدل كل الدلالة على أن من ~~كان هذا شأنه من الكتابة في ذاك العصر الزاهي بمن يشار إليهم بالبنان في ms146 ~~البيان، يستحيل أن يبلغ هذا المبلغ إلا بأدوات كثيرة، بل لا يتأتى له ذلك ~~إلا بجميع أدوات البيان والشريعة، يجمعها إلى ما خصت به فطرته من سلامة ~~الطبع وجودة الإبداع، وفوق ذلك لابد له من التخرج بهذه الصناعة أعواما ~~طويلة، وصحف التاريخ لم تعرفنا عمرو بن مسعدة إلا أنه تام الأدوات، كأن ~~بلاغته مما ارتجل ارتجالا، او مما وهبته له الفطرة عرضا؛ وصرف عمرو أيام ~~حياته على ما يظهر بالتصرف، جعل نفسه وقفا على مهام الخلافة، فأقبلت عليه ~~الدنيا إقبار عظيما، فنعم ولذ واغتبط، وقصده القاصدون، وطابت نفسه ~~باصطناعهم والإحسان إليهم، وعطف على العفاة والقصاد فاستكثر من الأنصار، ~~وانبسطت نفسه ويده بالعطاء، فتعشقته نفوس الناس وأهل الدولة؛ والحليفة من ~~وراء ذلك يمده، ويطلق يده في المال والنوال؛ ومن جعل كده في هذه الأعمال ~~يتعذر عليه PageV01P167 ### | CHECK [168_2] # أن ينقطع إلى نفسه أياما يصرفها في عمل يخلد به ذكره، ويعم القاصي ~~والداني والحاضر والمقبل نفعه، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه. # واختلفوا في كون عمرو بن مسعدة ولي الوزارة أو لم يتولها، فقال ياقوت: ~~سماه بعض الشعراء وزيرا لعظم منزلته لا لأنه كان وزيرا. وقال المسعودي: إن ~~المأمون استوزر الفضل بن سهل ثم أخاه الحسن بن سهل، فلما أظهر العجز عن ~~الخدمة لعوارض من العلل ولزمه منزله، عدل المأمون إلى استكتاب كتاب لعلمه ~~بكتابتهم وجزالتهم، وأنه ليس في عصرهم من يوازيهم ولا يدانيهم، فاستوزرهم ~~وأحدا بعد واحد أولهم أحمد بن أبي خالد، ثم أحمد بن يوسف، ثم أبو عباد ثابت ~~بن يحيى، وعمرو بن مسعدة بن صول، وكان يجري مجراهم ولا يعده كثير من الناس ~~في الوزراء، قال: ولم يكن يسمى بيد يدي المأمون أحد من كتابه وزيرا، ولا ~~يكاتب بذلك، فلأجل هذا ترك كثير من الناس أن يعد من ذكرنا في الوزراء. ~~ومهما كان فالرتبة التي بلغها عمرو بن مسعدة وزارة وزيادة، كان إليه ديوان ~~الرسائل وديوان الخاتم والتوقيع والأزمة، وسواء تقلد الوزارة أم لم يتقلدها ~~فإن العظائم ms147 التي كان يندب إليها تدل على درجة الثقة به. # شيء من كلامه: # ومن كلام عمرو بن مسعدة: أعظم الناس أجرا، وأنبههم ذكرا، من لم يرض بموت ~~العدل في دولته، ويتوخى ظهور الحجة في سلطانه، وإيصال المنافع إلى رعيته في ~~حياته. وأسعد الرواة من دامت سعادة الحق في أيامه، وبعد وفاته وانقراضه. ~~قال: الخط صور الكتب ترد إليها أرواحها. وكان يقول: الخط صورة جميلة لها ~~معان جليلة، وربما ضاق عن العيون، وقد ملأ أحظار الفنون. # ونسب إليه: لا تصحب من يكون استمتاعه بمالك وجاهك، أكثر من إمتاعه لك ~~بشكر لسانه وفوائد علمه، ومن كانت غايته الاحتيال على مالك وإطراءك في PageV01P168 ### | CHECK [169_2] # وجهك، فإن هذا لا يكون إلا رديء الغيب، سريعا إلى الذم. # وكتب إلى الحسن بن سهل: أما بعد فإنك ممن إذا غرس سقى، وإذا أسس بنى، ~~ليستتم تشييد أسه، ويجتني ثمار غرسه، وثناؤك عندي قد شارف الدروس، وغرسك ~~مشف على اليبوس، فتدارك بناء ما أسست، وسقي ما غرست؛ إن شاء الله. # وكتب إلى بعض أصحابه في شخص يعز عليه: أما بعد فموصل كتابي إليك سالم ~~والسلام. أراد قول الشاعر: # يديرونني عن سالم وأديرهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم # أي يحل مني هذا المحل. # وكتب إلى المأمون في رجل من بني ضبة يستشفع له بالزيادة من منزلته وجعل ~~كتابه تعريضا: أما بعد فقد استشفع بي فلان يا أمير المؤمنين لتطولك علي، في ~~إلحاقه بنظرائه من الخاصة فيما يرتزقون به، وأعلمته أم أمير المؤمنين لم ~~يجعلني في مراتب المستشفعين، وفي ابتدائه بذلك تعدى طاعته والسلام، فكتب ~~إليه المأمون: قد عرفنا توطئتك له، وتعريضك لنفسك، وأجبناك إليهما، ~~ووافقناك عليهما اه. وقوله: أن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب ~~المستشفعين وفي ابتدائه بذلك تعدى طاعته من الكلام السري الذي يدل على مبلغ ~~أدب عمرو، وبعد غوره في السياسة، ووقوفه على نفسية الخلفاء. # قدم رجل من أنباء دهاقين قريش على المأمون لعدة سلفت منه، فطال على الرجل ~~انتظار خروج أمر المأمون، فقال لعمرو بن ms148 مسعدة: توصل مني رقعة إلى أمير ~~المؤمنين أن يفك أسر عبده من ربقة المطل بقضاء حاجته، أو يأذن له بالانصراف ~~إلى بلده فعل أن شاء الله. فلما قرأ المأمون الرقعة دعا عمرا، فجعل يعجب من ~~حسن لفظها، وإيجاز المراد. فقال عمرو: فما نتيجتها يا أمير المؤمنين. PageV01P169 ### | CHECK [170_2] # قال: الكتاب له في هذا الوقت بما وعدناه، لئلا يتأخر فضل استحساننا ~~كلامه، وبجائزة مائة ألف درهم، صلة عن دناءة المطل، وسماجة الإغفال. # وكتب عمرو بن مسعدة عن المأمون إلى أحد الخوارج عليه، نصر بن شبث: أما ~~بعد فإنك يا نصر بن شبث قد عرفت الطاعة وعزها، وبرد ظلها، وطيب مرتعها، وما ~~في خلافها من الندم والخسارة، وإن طالت مدة الله بك، فإنه إنما يملي لمن ~~يلتمس مظاهرة الحجة عليه لتقع عبره بأهلها على قدر إصرارهم واستحثاثهم، وقد ~~رأيت إذكارك وتبصيرك لما رجوت بما أكتب به إليك موقعا، فإن الصدق صدق، ~~والباطل باطل؛ وإنما القول بمخارجه وبأهله الذين يعنون به، ولم يعلمك من ~~عمال أمير المؤمنين أحد أنفع لك في مالك ودينك ونفسك، ولا أحرص على ~~استنقاذك والانتياش لك من خطائك مني. فبأي أول أو آخر أو واسطة أو إمرة، ~~إقدامك يا نصر على أمير المؤمنين تأخذ أمواله، وتتولى دونه ما ولاه الله، ~~وتريد أن تبيت آمنا أو تكن للطاعة مراجعا، وبها خانعا، لتستوبلن وخم ~~العاقبة، ثم لأبد أن بك قبل كل عمل، فإن قرون الشيطان إذا لم تقطع كانت في ~~الأرض فتنة وفسادا كبيرا، ولأطأن بمن معي من أنصار الدولة كواهل الرعاع ~~أصحابك، ومن تأشب إليك من أداني البلدان وأقاصيها، وطغامها وأوباشها، ومن ~~انضوى إلى حوزتك من خراب الناس، ومن لفظه بلده ونفته عشيرته، لسوء موضعه ~~فيهم، وقد أعذر من أنذر والسلام. # ومن حكم عمرو بن مسعدة: العبودية الإخاء، لا عبودية الرق. الود أعطف من ~~الرحم. إن الكريم ليرعى من المعرفة ما رعى الوصل من القرابة. عليكم ~~بالإخوان فإنهم زينة في الرخاء، وعدة للبلاء. النفس بالصديق آنس منها ~~بالعشيق، وغزل المودة ms149 أرق من غزل الصبابة. من حقوق المودة عفو الإخوان، ~~والإغضاء عن تقصير إن كان. ذكر رجل رجلا فقال: حسبك أنه خلق كما تشتهي ~~إخوانه. المودة PageV01P170 ### | CHECK [171_2] # قرابة مستفادة. ما تواصل اثنان فدام تواصلهما إلا لفضلهما أو فضل أحدها. ~~أسرع الأشياء انقطاعا مودة الأشرار. المحروم من حرم صالحي الإخوان. لقاء ~~الخليل، شفا الغليل. قلة الزيارة، أمان من الملالة. إخوان السوء كشجر في ~~النار يحرق بعضه بعضا. علامة الصديق إذا أراد القطيعة أن يؤخر الجواب ولا ~~يبتدئ بالكتاب. لا يفسدنك الظن على صديق قد أصلحك اليقين له. من لم يقدم ~~الامتحان قبل الثقة، والثقة قبل الأنس أثمرت مودته ندما. إذا قدمت الحومة، ~~تشبهت بالقرابة. العتاب حياة المودة. ظاهر العتاب خير من باطن الحقد. ما ~~أكثر من يعاتب لطلب علة. ويبقى الود ما بقي العتاب. كمون الحقد في الفؤاد، ~~ككمون النار في الزناد. القريب بعيد بعداوته، والبعيد قريب بمودته. لا ~~تأمين عدوك وإن كان مقهورا، واحذره وإن كان مفقودا، فإن حد السيف فيه وإن ~~كان مغمودا. لا تتعرض لعدوك في دولته، فإنها إذا زالت كفتك مؤونته. نصح ~~الصديق تأديب، ونصح العدو تأنيب. # روى البيهقي قال: أخبرنا بعض أصحابنا قال: شهدت المأمون يوما وقد خرج من ~~باب البستان ببغداد، فصاح به رجل بصري: يا أمير المؤمنين إني تزوجت بامرأة ~~من آل زياد، وأن أبا الرازي فرق بيننا، وقال هي امرأة من قريش، قال: فأمر ~~عمرو بن مسعدة، فكتب إلى أبي الرازي: إنه قد بلغ أمير المؤمنين ما كان من ~~الزيادية وخلعك إياها إذ كانت من قريش، يا ابن اللخناء بأن تلصق بها من ليس ~~منها، فخل بين الرجل وامرأته، فلئن كان زياد من قريش إنه لأبن سمية بغي ~~عاهرة، لا يفتخر بقرابتها ولا يتطاول بولادتها، ولئن كان ابن عبيد لقد باء ~~بأمر عظيم، إذ ادعى إلى غير أبيه، لحظ تعجله وملك بهره اه. وأمر المأمون ~~عمرو بن مسعدة أن يكتب لرجل عناية به إلى بعض العمال في قضاء حقه، وأن ~~يختصر كتابه ما ms150 أمكنه حتى يكون ما يكتب به في سطر واحد لا زيادة عليه، فكتب PageV01P171 ### | CHECK [172_2] # عمرو: كتابي كتاب واثق بمن كتب إليه، معنى بمن كتب له، ولن يضيع بين ~~الثقة والعناية حامله. # وكتب إلى الحسن بن سهل: أما بعد، فإن هبة الله لك هبة لأمير المؤمنين، ~~وزيادته إياك في عدده لمحلك عنده ومكانك من دولته؛ وقد بلغ أمير المؤمنين ~~أن الله وهب لك غلاما سريا، فبارك الله لك فيه، وجعله بارا تقيا، مباركا ~~سعيدا زكيا. # ومن كتاب: وصل إلى كتابك، على ظمإ مني إليه، وتطلع شديد، وبعد عهد بعيد، ~~ولوم مني على ما مستني به من جفائك، على كثرة ما تابعت من الكتب، وعدمت من ~~الجواب، فكان أول ما سبق إلي من كتابك السرور بالنظر إليه، أنسا بما تجدد ~~لي من رأيك في المواصلة بالمكاتبة، ثم تضاعف المسرة، بخير السلامة، وعلم ~~الحال في الهيئة، ورأيتك بما تظاهرت من الاحتجاج، في ترك الكتاب، سالكا ~~سبيل التخلص مما أنا مخلصك منه، بالإغضاء عن إلزامك الحجة، في ترك الابتداء ~~والإجابة، وذكرت شغلك بوجوه من الأشغال كثيرة متظاهرة ممكنة، لا أجشمك ~~متابعة الكتب، ولا أحمل عليك المشاكلة بالجواب، ويقنعني منك في كل شهر ~~كتاب، ولن تلزم نفسك في البر قليلا، إلا ألزمت نفسي عنه كثيرا، وإن كنت لا ~~أستكثر شيئا منك، أدام الله مودتك وثبت إخاءك، واستماح لي منك، فرأيك في ~~متابعة الكتب ومحادثتي فيها بخبرك موفقا إن شاء الله. # وقال عن نفسه أنه كتب إلى عامل دستبي كتابا أطاله، فأخذه المأمون بيده ~~وكتبه: قد كثر شاكوك فإما عدلت، وإما اعتزلت؛ فبالإيجاز فاز ابن مسعدة ~~بجائزة البلاغة، والإيجاز في اصطلاح علماء البيان هو اندراج المعاني ~~المتكاثرة تحت اللفظ القليل، فرب لفظ قليل، يدل على معنى كثير، وكم من لفظ ~~كثير، يدل على معنى قليل، ومثال ذلك الجوهرة الواحدة بالنسبة إلى الدراهم ~~الكثيرة، فمن ينظر إلى طول الألفاظ يؤثر الدراهم لكثرتها، ومن ينظر إلى شرف ~~المعاني يؤثر PageV01P172 ### | CHECK [173_2] # الجوهرة الواحدة لنفسها؛ والبلاغة كما قال ms151 أرسطاطاليس أن تجعل في المعنى ~~الكثير كلاما قليلا، وفي القليل كلاما كثيرا، وهذه البلاغة الموجزة يلمسها ~~المرء في كلام هذا الذي فتن نظراءه بفنه. # لا تجد في كلام عمرو شيئا من الوحشي ولا السوقي، فألفاظه تتفهمها عامة ~~طبقات القارئين والسامعين؛ أما تركيبه ونسجه فهو أيسر تركيب يجري مع الطبع، ~~كأنه في إيراده يتكلم كلامه المعتاد معربا ويسطره في الورق، نعم وهناك ~~صعوبة في تحديه في جوامع كلمه، الأحجار الكريمة والمعادن الثمينة قد تنتقل ~~في الأيدي ويعجب بها ناظروها، ويفاخر بها تزيد بهاء ورواء، ويتجلى فيها فكر ~~الآفق المفنن، فالسبك الحسن في كلام عمرو هو الذي تفرد فيه، ولما رأى أنه ~~أبدع فنه زاد في تجويده، لانقطاعه معظم حياته إلى الخدمة، والسياسي من جملة ~~خصائصه أن يوجز ويجمجم أحيانا، ويعرض لئلا يؤخذ بإقراره وتؤول له عبارته، ~~وعمرو نبغ في هذه الطريقة. # ذكر المترجمون له أنه كان له فرس أدهم أغر، لم يكن لأحد مثله فراهة ~~وحسنا، فبلغ المأمون خبره وبلغ عمرو بن مسعدة ذلك، فخاف أن يأمر بقوده إليه ~~فلا يكون له فيه محمدة، فوجه به إليه هدية وكتب معه: # يا إماما لا يدا ... نيه إذا عد إمام # فضل الناس كما يف ... ضل نقصانا تمام # قد بعثنا بجواد ... مثله ليس يرام # فرس يزهى به لل ... حسن سرج ولجام # دونه الخيل كما دو ... نك في الفضل الأنام # وجهه صبح ولكن ... سائر الجسم ظلام # والذي يصلح للمو ... لى على العبد حرام PageV01P173 ### | CHECK [174_2] # يقول الثعالبي إنه لم يكن في الأكاسرة بعد أزدشير الذي له فضيلة السبق ~~أعدل من أنوشروان، ولذلك ضرب المثل به في العدل من بينهم؛ فأما سائر ~~الأكاسرة، فإنهم كانوا ظلمة فجرة يستعبدون الأحرار ويجرون الرعايا مجرى ~~الأجراء والعبيد والإماء، فلا يقيمون لهم وزنا، ويستأثرون عليهم حتى بأطايب ~~الأطعمة والثياب الحسنة والمراكب، والنساء الحسان، والدور السرية، ومحاسن ~~الآداب، فلا يجترئ أحد من الرعايا أن يطبخ سكباجا، ويلبس ديباجا، أو يركب ~~هملاجا، أو ينكح امرأة حسناء، أو يبني دارا قوراء، أو يؤدب ms152 ولده، أو يمد ~~إلى مروءة يده؛ وكانوا يبنون أمورهم على معنى قول عمرو بن مسعدة للمأمون - ~~ملك ما يصلح للمولى على العبد حرام - إلا أنهم كانوا يحبون العمارة أشد ~~الحب، ويرونها قوام الدين والملك، ولا يقارون أحدا على الإخلال بها ~~والتقصير فيها. وعمرو هو القائل: # ومستعذب للهجر والوصل أعذب ... أكاتمه حبي فينأى وأقرب # إذا جدت مني بالرضا جاد بالجفا ... ويزعم أني مذنب وهو أذنب # تعلمت ألوان الرضا خوف هجره ... وعلمه حبي له كيف يغضب # ولي غير وجه قد عرفت طريقة ... ولكن بلا قلب إلى أين أذهب # قالوا وهذان البيتان الأخيران متنازعان؛ على أن محمد بن عمرو بن مسعدة ~~ذكر أن أباه لم يقل من الشعر شيئا إلا بيتا واحدا، فوقع في ظهر رقعة لرجل: # أعزز علي بأمر أنت طالبه ... لم يمكن النجح فيه وانقضى أمده # - - # عظمة أخلاقه: # ذكروا أن شقيقه مجاشع بن مسعدة كان صديقا لأبي العتاهية الشاعر، يقوم ~~بحوائجه كلها، ويخلص مودته، فمات، وعرضت لأبي العتاهية حاجة إلى أخيه عمرو ~~بن مسعدة فتباطأ فيها، فكتب إليه أبو العتاهية: PageV01P174 ### | CHECK [175_2] # غنيت عن العهد القديم غنيتا ... وضيعت ودا بيننا ونسيتا # ومن عجب الأيام أن مات مألفي ... ومن كنت تغشاني به وبقيتا # فقال عمرو: استطال أبو إسحاق أعمارنا وتوعدنا، ما بعد هذا خير، ثم قضى حاجته. # ومر عمرو بن مسعدة مرة بأبي العتاهية وهو جالس على الطريق، فوقف عليه ~~يسأله عن حاله، فما قام ولا رفع غليه رأسه وهو يقول: # أقعدني اليأس منك فما ... أرفع رأسي إليك من كسلي # وهجا شقيقه مجاشع حماد عجرد وهو صبي حينئذ، فشبب حماد بأمه، فبلغ الشعر ~~عمرو بن مسعدة، فبعث إلى حماد بصلة، وسأله الصفح عن أخيه، ونال أخاه بكل ~~مكروه، وقال له: ثكلتك أمك أتتعرض لحماد، وهو يثاقف بشارا ويقاومه، والله ~~لو قاومته لما كان لك في ذلك فخر، ولئن تعرضت له لينهكنك وسائر أهلك، ~~وليفضحنك فضيحة لا يغسلها أبدا عنا. # وبلغ العتابي الشاعر أن عمرو بن مسعدة ذكره عند المأمون بسوء، فقال: # قد ms153 كنت أرجو أن تكون نصيري ... وعلى الذي يبغي علي ظهيري # وطفقت آمل ما يرجى سيبه ... حتى رأيت تعلقي بغرور # فحفرت قبرك ثم قلت دفنته ... ونفضت كفي من ثرى المقبور # ورجعت مفتريا على الأمل الذي ... قد كان يشهد لي عليك بزور # فركب عمرو في موكبه واعتذر إليه. # وكان بين عمرو بن مسعدة وإبراهيم بن العباس الصولي مودة وقرابة، فحصل ~~لإبراهيم ضائقة بسبب البطالة في بعض الأوقات، فبعث له عمرو مالآ، فكتب إليه ~~إبراهيم: # سأشكر عمروا ما تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت PageV01P175 ### | CHECK [176_2] # فتي غير محجوب الغني عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت # رأى خلتي من حيث يخفي مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت # وذكر دعبل الشاعر أن عمرو بن مسعدة كان يقوم بأمر عمرو بن أبي بكر يعني ~~المؤملي قاضي دمشق، وكان محمد بن داود يحمل عليه، فقال: # لشتان بين المدعين وزارة ... وبين الوزير الحق عمرو بن مسعدة # فهمهم في الناس أن يجبهوهم ... وهم أبي الفضل اصطناع ومحمده # فأسكن رب الناس عمرا جنانه ... وأسكنهم دارا من النار موصده # وممن كان عمرو يجري عليهم الحرمازي، وكان في ناحيته، فخرج عمرو إلى ~~الشام، وتخلف الحرمازي ببغداد لنقرص أصابه، فقال: # أقام بأرض الشام فاختل جانبي ... ومطلبه بالشام غير قريب # ولا سيما في مفلس حلف نقرس ... أما نقرس من مفلس بعجيب # يقولون فلان منقرس كناية عن المثري، ويشتق منه تنقرس فلأن إذا أثري قال ~~المبرد وسمعوا أن هذا الداء يكون في أهل النعمة. # ولي عمرو بن مسعدة فارس وكرمان، فقال له بعض أصحابه: أيها الأمير لو كان ~~الحياء يظهر سؤالا، لدعاك حيائي من كرمك ومن جميع أهلك إلى الإقبال علي بما ~~يكثر به حسد عدوي، دون أن أسألك، فقال عمرو لا تبغ ذلك بابتذالك ماء وجهك، ~~ونحن نغنيك عن إراقته في عرض السؤال، فارفع ما تريده في رقعة يصل إليك سرا، ففعل. # ولقد جرى ذكر عمرو بن مسعدة في رسالة الحيدة، وفيها وصف ما جرى من ~~المناظرة بين عبد ms154 العزيز بن يحيي المكي، وبين بشر بن غياث المريسي بحضرة ~~أمير المؤمنين المأمون في مسألة خلق القرآن جاء فيها كلام لعمرو بن مسعدة ~~قاله لبعد العزيز بن يحيي وهو: أيها الرجل قد حملت نفسك على أمر عظيم، وبلغت PageV01P176 ### | CHECK [177_2] # الغاية في مكروهها، وتعرضت لما لا قوام لك به في مخالفة أمير المؤمنين، ~~وادعيت بما لا يثبت لك به حجة على مخالفتك، ولا لأحد غيرك، وليس وراءك بعد ~~الحجة عليك إلا السيف، فانظر لنفسك وبادر أمرك، قبل أن تقع المناظرة وتظهر ~~عليك الحجة، فلا تنفعك الندامة، ولا يقبل منك معذرة، ولا تقال لك عثرة، فقد ~~رحمتك وأشفقت عليك مما هو نازل بك، وأنا أستقبل لك أمير المؤمنين، وأسأله ~~الصفح على جرمك، وعظيم ما كان منك، إذا أظهرت الرجوع عنه الندم على ما كان، ~~وآخذ لك الآمان منه والجائزة، فإن كانت لك ظلامة أزلتها عنك، وإن كانت لك ~~حاجة قضيتها، فإنما جلست رحمه لك مما هو نازل بك بعد ساعة إن أقيمت على ما ~~أنت عليه، ورجوت أن يخلصك الله تعالى على يدي من عظيم ما أوقعت نفسك فيه. # دخل الحسن بن سهل على المأمون فقال له: كيف علمك بالمروءة قال: ما أعلم ~~ما يريد أمير المؤمنين فأجيبه. قال: عليك بعمرو بن مسعدة قال: فوافيت عمرا ~~وفي داره صناع وهو جالس على آجرة ينظر إليهم فقلت: إن أمير المؤمنين يأمرك ~~أن تعلمني المروءة. فدعا بآجرة فأجلسني عليها وتحدثنا مليا، وقد امتلأت ~~غيظا من تقصيره بي ثم قال: يا غلام عندك شيء يؤكل؟ قال: فقدم طبعا لطيفا ~~عليه رغيفان وثلاث سكرجات في إحداهن خل وفي الأخرى مري وفي الأخرى ملح ~~فأكلنا، وجاء الفراش فوضأنا ثم قال: إذا شئت، فنهضت محفظا ولم أودعه، فقال ~~لي: إن رأيت أن تعود إلي في يوم مثله. فلم أذكر للمأمون شيئا مما جرى. فلما ~~كان في اليوم الذي وعدني لقياه، وسرت إليه فاستؤذن لي عليه فتلقاني على باب ~~الدار فعانقني، وقبل بين عيني، وقدمني أمامه، ومشى خلفي، ms155 حتى أقعدني في ~~الدست، وجلس بين يدي، وقد فرشت الدار، وزينت بأنواع الزينة، وأقبل يحدثني ~~ويتنادر معي إلى أن حضر وقت الطعام، فأمر فقدمت أطباق الفاكهة، فأصبنا PageV01P177 ### | CHECK [178_2] # منها؛ ونصبت الموائد فقدم عليها أنواع الأطعمة من حارها وقارها وحلوها ~~وحامضها، ثم قال: أي الشراب أعجب إليك، فاقترحت عليه. وحضر الوصائف للخدمة، ~~فلما أردت الانصراف حمل معي جميع ما أحضر من ذهب وفضة وفرش وكسوة، وقدم إلى ~~البساط فرس بمركب ثقيل فركبته، وأمر من بحضرته من الغلمان الروم والوصائف ~~حتى سعوا بين يدي وقال: عليك بهم فهم لك، ثم قال: إذا زارك أخوك فلا تتكلف ~~له واقتصر على ما يحضرك، وإذا دعوته فاحتفل واحتشد ولا تدعن ممكنا، كفعلنا ~~بك عند زيارتك إيانا، وفعلنا يوم دعوناك. # وما الحسن بن سهل بالذي يعلم المروءة، وهو الوزير العظيم العاقل العلم ~~الذي كان مثال المروءة، زوج ابنته بوران من المأمون فعمل من الولائم ~~والأفراح ما لم يعهد مثله في عصر من الأعصار، وكان ذلك بفم الصلح، وانتهى ~~أمره إلى أن نثر على الهاشميين والقواد والكتاب والوجوه، بنادق مسك فيها ~~رقاع بأسماء ضياع وأسماء جوار وصفات دواب وغير ذلك فكانت البندقة إذا وقعت ~~في يد الرجل فتحها فيقرأ ما في الرقعة، فإذا علم ما فيها مضى إلى الوكيل ~~المرصد لذلك فيدفعها إليه ويتسلم ما فيها، سواء كان ضيعة أو ملكا آخر أو ~~فرسا أو جارية أو مملوكا، ثم نثر بعد ذلك على سائر الناس الدنانير والدراهم ~~ونوافج المسك وبيض الغبر وكان مبلغ النفقة عليهم خمسين ألف ألف درهم. لا ~~جرم أن أمر المأمون عمه بالذهاب إلى عمرو بن مسعدة يتعلم منه المروءة ما ~~يشعر بمنزلة عمرو من الخليفة، وأنه عظيم في أخلاقه، يعرف كيف يربي الناس عليها. # ذكر القاضي التنوخي أن المأمون أمر محمد بن بزوان والوزير أحمد ابن أبي ~~خالد أن يناظرا عمرو بن مسعدة في مال الأهواز، فناظراه فتحصل عليه عشر ألف ~~درهم، فأعلم محمد المأمون بذلك فقال له المأمون: اقبل كل حجة ms156 له وكل ادعاء PageV01P178 ### | CHECK [179_2] # وكل تعلق. قال فعلت، قال: عد لذلك فعاد، فتعلق عمرو بأشياء لا أصل لها، ~~فسقطت من المال عشرة آلف ألف، وبقي ستة آلاف ألف درهم لا حجة له فيها، أخذ ~~خطة بها، فأخذ المأمون الرقعة، ثم أحضر عمرا بعد خروج محمد فقال: هذه ~~رقعتك؟ فقال: نعم، فقال: وهذا المال واجب عليك؟ قال: نعم، قال: فخذ رقعتك ~~فقد وهبناه لك. قال: إذا تفضلت به يا أمير المؤمنين فإنه واجب لو أجزت به ~~أحمد بن عروة عامل الأهواز وهو مقر به، وأشهدك أني قد وهبته له. فاغتاظ ~~المأمون وخرج عمرو وقد عرف غيظ المأمون وخطأه فيما عمله، فلجأ إلى أحمد بن ~~أبي خالد فأخبره بالخير وكان يخصه فقال: لا عليك فدخل إلى المأمون فلما رآه ~~قال: إلا تعجب يا أحمد من عمرو، وهبنا له ستة آلاف درهم بعد أن تجافينا له ~~عن أضعافها، فوهبها بين يدي أحمد بن عروة، كأنه أراد أن يباريني ويصغر ~~معروفي قال: أو فعل هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قال: لو لم يفعل هذا ~~لوجب أن يسقط حاله قال: وكيف؟ قال: لأنه لو استأثر به على أحمد بن عروة ~~وآخذ أحمد بالمال وأداه إليه، كان قد أخرجه من معروفك صفرا ولما كانت نعمتك ~~على عمرو نعمة على أحمد وهما خادمان، وكان الأجمل أن يتضاعف معروفك عندهما، ~~فقصد عمرو ذلك فصار المال تفضلا منك على عمرو وعلى أحمد بن عروة، ومع ذلك ~~فأنت سيد عمرو لا يعرف سيدا غيرك، وعمرو سيد أحمد، فاقتدى في أمر أحمد بما ~~فعلته في أمره. وأراد أيضا أن يسير في ملوك الأمم أن خادما من خدمك اتسع ~~قلبه لهبة هذا المال من فضل إحسانك إليه، فيزيد في جلالة المملكة وجلالة ~~قيمتها، فيكسر ذلك الأعداء الذين يكاثرونك، فسرى عن المأمون وزوال ما بقبله ~~على عمرو. # وروي التنوخي أيضا أن المأمون ذكر عمرو بن مسعدة، واستبطأه في أشياء وكان ~~ذلك بحضرة أحمد بن أبى خالد، فأخبر به عمرا واحمد، فدخل ms157 عمرو إلى المأمون PageV01P179 ### | CHECK [180_2] # فرمى بنفسه وقال: أنا عائذ بالله من سخطك يا أمير المؤمنين، أنا أقل من ~~أن يشكوني أمير المؤمنين إلى أحد، ويسر على ضغنا يظهر منه لمكانه ما ظهر. ~~فقال له المأمون: وما ذاك؟ فأخبره بما بلغه فقال: لم يكن كذلك، وإنما جرى ~~معنى أوجب ذكر ما ذكرت، فقدمته قبل أن أخبرك به، وكان ذلك عزمي، ومالك عندي ~~إلا ما تحب، فليفرخ روعك، وليحسن ظنك، وسكن ما به حتى شكره، وجعل ماء ~~الحياة يدور في وجهه. فلما دخل أحمد بن أبي خالد قال له: أشكو إليك من ~~بحضرتي من أهلي وخدمي، فما للمجلس حرمة حتى تؤدي ما يجري فيه إلى عمرو بن ~~مسعدة، فقد أبلغ لي شيئا قلته فيه فاتهمت بعض بني هاشم ممن كان حاضرا، ذلك ~~أن عمرا دخل علي فأعاد ما كان، واعتذر فجعلت أعتذر إليه بعذر لم يبن الحق ~~نسجه، ولم يتسق القول فيه، وإن لسان الباطل ينبئ عن الظاهر بالباطن. فقال ~~له أحمد: لا يتهم أمير المؤمنين أحدا، أنا أخبرت عمرا، قال: ما دعاك إلى ~~ذلك؟ قال: الشكر لله وإليه لاصطناعك والنصح بك، والمحبة لإتمام نعمتك على ~~أوليائك وخدمك، وقد علمت أن أمير المؤمنين يحب إصلاح الأعداء والبعداء، ~~فكيف بالأولياء والقرباء، لا سيما مثل عمرو في موضعه من الدولة وموقفه من ~~الخدمة، ومكانه من أمير المؤمنين، فأخبرته بما أنكره عليه ليقوم أود يقينه، ~~ويتلافى ما فرط منه، وإنما العيب لو أذعت سرا فيه قدح على السلطان أو نقض ~~تدبير له؛ فقال له المأمون: أحسنت والله يا أحمد، إذ أخبرتني بخاصة الظن، ~~وصدقتني عن نفسك. # قال إبراهيم بن الحسن بن سهل: كنا في مجلس المأمون وعمرو بن مسعدة يقرأ ~~عليه الرقاع فجاءته عطسة، فلوى عنقه فردها، فرآه المأمون، فقال: يا عمرو لا ~~تفعل فإن رد العطسة وتحويل الوجه بها يورثان انقطاعا في العنق، فقال بعض ~~ولد المهدي: ما أحسنها من مولى لعبده، وإمام لرعيته، فقال المأمون: وما في PageV01P180 ### | CHECK [181_2] # ذلك؟ هذا هشام ms158 اضطربت عمامته، فأهوى الأبرش إلى إصلاحها، فقال هشام: إنا ~~لا نتخذ الإخوان خولا! فالذي قال هشام أحسن مما قلته، فقال عمرو: يا أمير ~~المؤمنين إن هشاما يتكلف ما طبعت عليه، فما تعدل به، ليس له قرابتك من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ولا قيامك بحق الله وإنك والملوك كما قال النابغة ~~الذبياني: # ألم تر أن الله أعطاك سورة ... يرى كل ملك دونها يتذبذب # لأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب # ثروته ونعمته: # ظهر أن عمرو بن مسعدة، كان ذا ثروة طائلة، على كثرة ما بذل للعلماء ~~والشعراء وغيرهم، وقد كان له قصور في دار السلام، وله ساباط يعرف به يقال ~~له ساباط عمرو بن مسعدة، وهو فوق الجسر، ومن منازله منزل بحضرة طاق الحراني ~~إبراهيم بن ذكوان. جمع كل هذا من مال دولة خدمها بالإخلاص والعقل، وربما ~~كان فيها ما أخذ من غير حله، إن صح ما روى أن المأمون وقع في قصة متظلم من ~~عمرو بن مسعدة: يا عمرو عمر نعمتك بالعدل فإن الجور يهدمها، ولما مات عمرو ~~رفع إلى المأمون أنه خلف ثمانين ألف درهم. فوقع على الرقعة: هذا قليل لمن ~~اتصل بنا، وطالت خدمته لنا، فبارك الله لولده فيه. أي أن عمرا خلف ثمانية ~~ملايين دينار، وروى المسعودي أنهم عرضوا لمال عمرو ولم يعرض لمال وزير ~~قبله، والرواية الأولى أصح، وهي عن الصولي ابن عم عمرو بن مسعدة # خلف عمرو هذه الثروة بعد هذا البذخ والرفاهية، في زمن كانت الخلافة ~~العباسية سيدة الدول، وفي أيام خليفة يعرف أقدار الرجال، ويرى أنه يقل في ~~اصطناعهم كل بر ومكرمة، وكان يعتمد على عقلهم في تدبير ملكه، وللعقل قيمة ~~عظيمة دونها كنوز الأرض وركازها في نظر المأمون، ولقائل أن يقول ومن أين ~~لفرد أن PageV01P181 ### | CHECK [182_2] # يجمع مثل هذه الثروة العظيمة، وهو مقيد بخدمة الدولة؛ لا يعمل فيما يجهد ~~له الناس في الجمع ليكون عض مال حسن القومة عليه. فالجواب أن الخلفاء كانوا ~~يقطعون رجال دولتهم ms159 الولايات العظيمة، وربما نزلوا لهم عن خراجها السنة أو ~~السنين، ويهبون لهم من ضروب العطايا من ناطق وصامت، وعقار ومتاع ما يتأثلون ~~به والدولة التي قدرت مساحة ممالكها بنحو مساحة قارة أوربا اليوم، وضمت ~~جميع الأقطار العامرة في آسيا وإفريقية، إذا جمعت جميع دخلها الذي لا تحتاج ~~إليه، تقف الحركة الاقتصادية في البلاد لا محالة، فترى من الحكمة أن تنتقل ~~الثروة في الأيدي، وما كانت الدولة في الحقيقة تحتاج يومئذ إلى نفقات كبيرة ~~لإطعام الجيوش وإعداد الأساطيل وتجهيزها بالمدمرات والمهلكات شأن دول عصرنا. # ولقائل ممن تشبع بروحه الديمقراطية في هذا العصر أن يقول: وهل هذا هو ~~المعقول في قيام الملك من الإفراط في الإفضال على أفراد يسوغون جباية قطر ~~أو أقطار صبرة واحدة وهي تجمع بالدانق والدرهم. وهل بمثل هذا نجح الخلفاء ~~الأول أو أرباب الدول الغربية لعهدنا. فالجواب أن طبيعة القرن الثاني ~~والثالث غير طبيعة القرن الأول، وهذان القرنان الأخيران لا يشبهان بحال ~~قرون البشر منذ عشرة قرون، خصوصا إذا وضعنا موضع النظر أيضا اتساع رقعة ~~الملك، وعمران العراق وحده دع غيره من الأقطار، فان كل هذا أعظم حامل على ~~البذل، ولهذا كان للخلفاء في هذا العطاء بعض مبرر لأعمالهم، وإن كان لا ~~مبرر من إسراف، لكن حالة العمران اقتضت ذلك في الدهر السالف؛ وكان الأولى ~~أن يعمدوا إلى القصد في الأخذ والقصد في العطاء، ويقيموا بما يفضل المصانع ~~والمعالم في أرجاء المملكة. والمنصف يقول إن هذا النظام البديع في تنظيم ~~الموازنات هو وليد العصور الجديدة، وهذا التقدير وهذا التقتير حتى في التافه PageV01P182 ### | CHECK [183_2] # والقطمير، هما من خلق دول الغرب. وكان ذلك على حالة ابتدائية في عصر ~~الأمويين والعباسيين، ولم تكن أسباب الحياة تشعبت هذا التشعب، ولا الأوضاع ~~هذه الأوضاع، ولا الإبداع في النظم هذا الإبداع. # عرفنا من سيرة ابن مسعدة ما أطلنا به من نافذة ضيقة على ما خصت به نفسه، ~~وانطوى عليه من الصفات السامية التي كان بها عظمته، وربما لم يخل عصره من ~~بلغاء أمثاله ms160 لو فتح لهم الطريق لأغنوا غناءه، ولكن الطبائع تختلف، وهذه ~~الرقة في السياسة يصعب أن يبرز فيها كل إنسان، فهو كما كتب الحسن ابن سهل ~~إلى محمد بن سماعة القاضي وقد احتاج إلى رجل يوليه بعض الأعمال، فقال انه ~~يريد رجلا جامعا لخصال الخير، ذا عفة ونزاهة طعمة، قد هذبته الآداب، ~~وأحكمته التجارب، ليس بظنين في رأيه، ولا بمطعون في حسبه، إن اؤتمن على ~~الأسرار قام بها، وإن قلد مهما من الأمور أجزأ فيه، له سن مع أدب ولسان، ~~تقعده الرزانة، ويسكنه الحلم، قد فر عن ذكاء وفطنة، وعض على قارحة من ~~الكمال، تكفيه اللحظة، وترشده السكتة، قد أبصر خدمة الملوك وأحكمها، وقام ~~في أمور فحمد فيها، له أناة الوزراء، وصولة الأمراء، وتواضع العلماء، وفهم ~~الفقهاء، وجواب الحكماء، لا يبيع نصيب يومه بحرمان غده، يكاد يسترق قلوب ~~الرجال بحلاوة لسانه، وحسن بيانه، دلائل الفضل عليه لائحة، وأمارات العلم ~~له شاهدة، مضطلعا بما استنهض، مستقلا بما حمل اه. # وهذه الصفات هي صفة عمر بن مسعدة، أنعم به وبسيده، وسيقا لعصر أخرج عظماء ~~يحق لنا التجمد بهم، مهما بعد العهد. # - - # أحمد بن يوسف الكاتب # نشأته وظهوره: PageV01P183 ### | CHECK [184_2] # هو أحمد بن يوسف بن القاسم بن صبيح مولى بني عجل من قرية من قرى الكوفة ~~تعرف بريا، يقال إن أبا صبيح منها، وإنه مولى إسلام. حدث جماعة من الكتاب ~~أن السري بن بشر العجلي اشترى صبيحا فأعتقه، وكان صبيح قبطيا. ويقول الصولي ~~إن هذا هو الصحيح من نسبه، فهو من موالي مصر أسلم جد جده، وكان أحمد وأخوه ~~القاسم شاعرين أديبين، وأولادهما جميعا أهل أدب، يطلبون الشعر والبلاغة. ~~وكان جده القاسم كاتبا أيضا، وهو على ديوان الغرب أيام بني العباس وفي آخر ~~أيام بني أمية، ثم كتب القاسم لعبد الله بن علي عم المنصور، وكتب يوسف انه، ~~ثم كتب يوسف ليعقوب ابن داود وزير المهدي. # فأحمد إذا معرق في الكتابة، كان أبوه وجده كاتبين، ولا شك انهما من ~~المجودين في الإنشاء، لأنهما كتبا ms161 لعظماء في عهد عظمة الأمة، وكان يعقوب ~~ابن داود خاصة كاتبا ممتازا بين الكتاب معدودا في الدرجة الأولى، ومثله لا ~~يرتضي لكتابته إلا من كان في صناعته آية، ومن كان له قديم يمت أليه في ~~أبواب الأدب يهون عليه تعاطيها، إذ يكون انس بها في صباه، ورأى أمامه من ~~يقتدي به ويجري في طريقه. # نشأ أحمد في أرقى بيئة يعيش فيها ناشئ، ولعله عرف وهو صبي عن هذه الصناعة ~~صناعة الكتابة مالا يتيسر لغيره ممن قضوا السنين يمارسونها. عرف ما يصلح في ~~معاناة أمور الملك والسلطان، وعرفنا أن أحمد بن يوسف ورث عن أبيه وجده حب ~~الأدب والشعر، وما عرفنا بمن تخرج لأول أمره ولا سنة مولده. # ولنا أن نقول في أصل أحمد ونشأته إنه عريي النشأة، بغدادي الدار، مصري ~~الأصل والنبعة، نشأ كاتبا شاعرا يستفزه الطرب، ثم هو يقول الشعر فيجيد، وقد ~~يمدح وقد يهجو على طريقة أبناء ذاك الزمان، وعرف بحب المرح، وبتعاطي ~~الشراب، والأنس إلى القينات، والافتتان بالجمال حيث كان. واشتهر باستهتاره في PageV01P184 ### | CHECK [185_2] # شهواته، وأنه مسترق بلذاته. # كان أحمد يبرز في معرفة موقع الاستشهاد بآيات الكتاب العزيز ويقتبس منه ~~للتدليل على قضاياه، وكان متمكنا من الشرع، وخاصة فيما كان له صلة بالأحوال ~~والمعاملات؛ أما درجته في رواياته في الحديث والأدب، فهذا مما أغفله من ~~ترجموا له؛ وطريقته في إنشائه الاعتماد على المرسل من الكلام، في طابع نقي ~~بريء من كل شائبة، خال من التعمل، لا يعمد إلى السجع إلا في بعض التحميدات، ~~وكانت الأسجاع في هذا الضرب من الإنشاء زيا سلطانيا لم يسعه إلا تقليده، ~~يطيل بعض الشيء عن الخلفاء على ما سنعرفه في كتابه الخميس الذي كان يقرؤه ~~أهل خراسان، وهو على لسان المأمون، ولكنه على تطويله لا يأتي بجملة إلا إذا ~~طرحتها اختل مكانها، وهو يسجع وكل سجعة من سجعاته على الأغلب ذات معنى ~~مستقل، فهو من هذا النظر صاحب متفرد فيها. # أما إذا كتب أحمد على لسان غيره، فيلتزم طريقة أخرى، لأن ms162 الكتابة ~~الديوانية أو الرسمية أمست على عهده ذات قواعد ورسوم لا يحمد من كاتب، ولو ~~كان من عيار أحمد بن يوسف، أن يتعداها، فتراه في كتاباته الخاصة مقلا من ~~ألفاظه مكثرا من معانيه، وفي كتابات الدولة يساير العرف والعادة؛ وفرق بين ~~من يكتب لغيره ومن يكتب لنفسه، هو يكتب لغيره ما يروقه ويريده عليه، ويكتب ~~باسمه ما يعبر به عن ذات نفسه وشهوة قلبه. # لم يؤثر عن أحمد بن يوسف أنه أفرد موضوعا بالتأليف، على عادة الكتاب ~~والعلماء، وما خلف غير ديوان رسائله. وقال ابن النديم إن له رسالة الحسن، ~~وعدها في جملة الكتب المجمع على جودتها، وحكمنا اليوم عليه برسائل قليلة ~~أبقت عليها الليالي، وبعضها في شؤون الدولة والخلافة، بل ما علمنا أيضا إن ~~كان دخل دواوين الخلافة لأول أمره أم تخرج في الكتابة في بيته، فاستفاضت شهرته، PageV01P185 ### | CHECK [186_2] # وعرف له الخاصة نبوغه، حتى وصل إلى المأمون. قالوا إن أول ما ارتفع به أن ~~الأمين لما قتل أمر طاهر بن الحسين الكتاب أن يكتبوا إلى المأمون فأطالوا ~~فقال طاهر: أريد أخصر من هذا؛ فوصف له أحمد بن يوسف وموضعه من البلاغة؛ ~~فاحضره لذلك، فكتب: أما بعد فان المخلوع قسيم أمير المؤمنين في النسب ~~واللحمة، قد فرق بينهما حكم الكتاب في الولاية والحرمة بمفارقته عصمة ~~الدين، وخروجه عن إجماع المسلمين، لقول الله عز وجل فيما اقتص من أنباء نوح ~~وابنه (إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح)، ولا طاعة لأحد في معصية الله ~~ولا قطيعة ما كانت في ذات الله، وكتابي إلى أمير المؤمنين وقد أنجز الله له ~~ما كان ينتظر من سابق وعده، والحمد لله الراجع إلى أمير المؤمنين معلوم ~~حقه، الكائد له فيمن خان عهده، ونقض عقده، حتى رد به الألفة بعد فرقتها، ~~وجمع به الأمة بعد شتاتها، وأضاء به أعلام الدين بعد دروسها، وقد وجهت إلى ~~أمير المؤمنين بالدنيا وهو رأس المخلوع، وبالآخرة وهي البردة والقضيب، ~~والحمد لله الآخذ لأمير المؤمنين بحقه، والراجع إليه تراث ms163 آبائه الراشدين. # وبعد هذا الكتاب انتشر صيت أحمد لتجويده في موضوع يصعب على كل كاتب أن ~~يجود فيه لدقته، وقد أبدع في ذكر الغرض، وأتي بكلام فيه صنعه عجيبة لتخيف ~~مصيبة المأمون بأخيه الذي نازعه، فقلل من شأن الخطب بأخصر أسلوب، أما غيره ~~من زملائه الكتاب فقد أطالوا، والإطالة في مثل هذا الموقف غير محمودة، فقدر ~~لأحمد أن يبذهم لمعرفته بصناعته، وبما يجب أن يخاطب به الخليفة المأمون وهو ~~بين حسرة وغبطة؛ وساعده على الظهور أن طاهر بن الحسين الخزاعي أكبر قواد ~~المأمون والذي تولي إطفاء الفتنة وقتل الأمين كان كاتبا من الطراز الأول، ~~يعرف مقدار كد الأفهام وينثر المليح العالي من الكلام، ومثله من يحكم لأحمد ~~بن يوسف أو عليه، فخصه لما رأى من طول باعه PageV01P186 ### | CHECK [187_2] # بالكرامة، واعتمد عليه من دون الكتاب. # وفي رواية ثانية أن ذا الرياستين الفضل بن سهل لما أدخل رأس الأمين على ~~أخيه المأمون أدخله على ترس بيده، فلما رآه سجد ثم أمره المأمون أن ينشئ ~~كتابا عن طاهر بخبره ليقرأه على الناس، فكتبت عدة كتب لم يرضها واستطالها، ~~فكتب أحمد بن يوسف هذا الكتاب، فلما عرض النسخة على ذي الرياستين رجع نظره ~~فيها، ثم قال لأحمد: ما أنصفناك. وأمر له بصلات وكس وكراع وغير ذلك. وقال ~~إذا كان غدا فاقعد في الديون، وليقعد جميع الكتاب بين يديك، واكتب إلى ~~الآفاق. # وسواء صحت الرواية الأولي أو الثانية وسواء كتب أحمد في خراسان أو بغداد ~~عن يد الفضل أو عن يد طاهر، فقد علا بهذا الكتاب نجمة، وعرف من كتاب عصره ~~فضله، وفي الدور عرفه الرؤساء فقط. بقي أن نعرف كيف اتصل بالمأمون، وصاحب ~~الفضل لا يخفى، ورب العلم لا ينكر محله. فقد ذكروا أن أحمد بن أبي خالد ~~الوزير كثير ما كان يصف أحمد للمأمون، ويحمله على منادمته، وكان طاهر بن ~~الحسين يريده ويزين أمره، وإبراهيم بن المهدي يطريه ويقرظه، فأمر المأمون ~~أحمد بن أبي خالد بإحضاره فلما وفق بين يديه قال: الحمد ms164 لله يا أمير ~~المؤمنين الذي استخصك فيما استحفظك من دينه، وقلدك من خلافه، بسوابغ نعمه، ~~وفضائل قسمه، وعرفك من تسير كل عسير جاولك عليه متمرد حتى ذل، ما جعله ~~تكملة لما حباك به من موارد أموره بنجح مصادرها، حدا ناميا زائدا لا ينقطع ~~أولاه، ولا ينقضي أخراه. وأنا أسأل الله يا أمير المؤمنين من إتمام بلائه ~~لديك، ومنه عليك، وكفايته ما ولاك واسترعاك، وتحصين ما حازلك، والتمكين من ~~بلاد عدوك، ما يمنع به بيضة الإسلام، ويعز بك أهله، ويبيح بك حمى الشرك، ~~ويجمع لك متباين الألفة، وينجز بك في أهل العناد والضلالة وعده، PageV01P187 ### | CHECK [188_2] # إنه سميع الدعاء، فعال لما يشاء فقال المأمون: أحسنت وبورك عليك ناطقا ~~وساكتا. ثم قال بعد أن بلاه واختبره: يا عجبا لأحمد بن يوسف كيف استطاع أن ~~يكتم نفسه. # وما ندري كم كان عمر أحمد يومئذ، ولاشك أنه كان على أبواب الكهولة، فنبل ~~بالكتابة، وكان من قبل خاملا، فاستحق اسمها على ما استحقها عبد الحميد ابن ~~يحيى والربيع والفضل بن الربيع ويعقوب بن داود ويحيى ابن أبي خالد وجعفر بن ~~يحيى وعبد الله بن المقفع والفضل بن سهل والحسن ابن سهل ومحمد بن عبد الملك ~~الزيات والحسن بن وهب وإبراهيم بن العباس الصولي ونجاح بن سلمة وأحمد بن ~~محمد المدبر وأضرابهم. جاء أحمد يكتب للمأمون بعد الفضل بن سهل والحسن بن ~~سهل وعمرو ابن مسعدة، وقبل أن يتصل بالمأمون لم يكن معروفا إلا عند خاصة ~~الكتاب وأهل الأدب، حتى إذا أعجب به الخليفة بعدت شهرته في العالمين وحان ~~الوقت الذي ظهر فيه ظهورا لا خفاء بعده. مات كاتب المأمون أحمد بن بن خالد، ~~فسأل المأمون الحسن بن سهل عن رجل كفوء يخلفه، فذكر له أبا جعفر أحمد يوسف، ~~وأبا عباد ثابت بن يحيى الرازي، قائلا إنهما أعلم الناس بأخلاق أمير ~~المؤمنين وخدمته وما يرضيه، فقال له: أختر لي أحدهما، فقال الحسن: إن صبر ~~أحمد على الخدمة، وجفا لذته قليلا فهو أحبهما إلي، لأنه أعرق في ms165 الكتابة ~~وأحسنهما بلاغة، وأكثر علما، فاستكتبه المأمون. # وكان أحمد يعرض الكتب ويوقع ويخافه أبو عباد إذا غاب عن دار المأمون. ~~وكان أحمد بعد دخوله على المأمون يتقلد له ديوان السر، وبريد خراسان وصدقات ~~البصرة، وصير له المأمون نصف الصدقات بالبصرة طعمة له سبع سنين، وكان قبل ~~ولايته البصرة سلفة الأهواز فصرف عنها. وما برح يزداد كل يوم رفعة ويعظم في ~~عينه لصدقه ونصحه. كتب أحمد ابن يوسف بين يدي PageV01P188 ### | CHECK [189_2] # المأمون فاستحسن خطه وقال له: لو كان في الخط حظ ما حرمه رسول الله. # وكان المأمون لعلمه بقدم أحمد في صناعته، إذا حضر أمر يحتاج فيه إلى كتاب ~~يشهر ويذكر، أمره فكتب مثل كتاب الخميس وغيره. وحدث عن نقسه قال: أمرني ~~المأمون أن أكتب إلى جميع العمال في أخذ الناس بالاستكثار من المصابيح في ~~شهر رمضان وتعريفهم ما في ذلك من الفضل، فما دريت ما أكتب ولا ما أقول في ~~ذلك. إذ لم يسبقني إليه أحد فأسلك طريقه ومذهبه فقلن في وقت نصف النهار، ~~فأتاني آت في منامي فقال: قل فإن في ذلك أنسا للسابلة، وإضاءة للمتهجدين، ~~ونفيا لمظان الريب، وتنزيها لبيوت الله عن وحشة الظلم. # أخذت الدنيا تنهال على أحمد في وزارته، ومن يتعلق بخدمة المأمون ولا ~~يسعد. حتى أمس بتليده وطريفه عنوان المجد والعظمة. حدثوا عنه أن عبد الله ~~بن طاهر لما خرج من بغداد إلى خراسان قال لابنه محمد: إن عاشرت أحدا بمدينة ~~السلام فعليك بأحمد بن يوسف الكتاب فإن له مروءة. فما عرج محمد حين انصرف ~~من توديع أبيه على شيء حتى هجم على أحمد في داره فأطال عنده، ففطن له أحمد ~~فقال: يا جارية غدينا. فأحضرت طبقا وأرغفة نقية وقدمت ألوانا يسيرة وحلاوة. ~~وأعقب ذلك بأنواع من الأشربة في زجاج فاخر وآلة حسنة، وقال: ليتناول الأمير ~~أيها شاء ثم قال له: إن رأى الأمير أن يشرف عبده ويجيئه في غد أنعم بذلك. # قالوا فنهض محمد وهو متعجب من وصف أبيه له، وأراد فضيحته فلم ms166 يترك قائدا ~~نبيلا، ولا رجلا مذكورا من أصحابه إلا عرفهم أنه في دعوة أحمد بن يوسف، ~~وأمرهم بالغدو معه. فلما اصبحوا قصدوا دار أحمد ين يوسف وقد أخذ أهبته، ~~وأظهر مروءته، فرأى محمد من النضائد والفرش والستور والغلمان والوصائف ما ~~أدهشه، فلما رفعت الموائد؛ وكانت كما ادعي الراوي ثلاثمائة مائدة، وقد حف ~~بثلاثمائة وصيفة، ونقل إلى كل مائدة ثلاثمائة لون في صحاف الذهب والفضة. PageV01P189 ### | CHECK [190_2] # قال ابن طاهر: هل أكل من بالباب فنظروا فإذا جميع من بالباب قد نصبت لهم ~~الموائد فأكلوا، فقال: شتان بين يوميك يا أبا جعفر. فقال: أيها الأمير، ذاك ~~قوتي، وهذه مروءتي. وإذا استجزنا حذف ما في هذه الحكاية من المبالغة - ~~ومثلها وقع للحسن ابن سهل مع عمرو بن مسعدة على ما قرأته في الكلام على ~~حياة عمرو، والقصتان منقولتان من كتاب ملح الممالحة لابن باقيا الكاتب - ~~إذا حذفنا جانب الإغراق في الوصف على ما قد يجاوز قدرة الخليفة دع وزيره، ~~يبقى من القصة طرف صالح، يصح أن يحكم به على نعمة أحمد في عهد سيده ~~المأمون. قالوا وكان المأمون يقول لأحمد، وقد ولي أخاه القاسم خراج السواد ~~فجباه فضلا مما جباه غيره في سائر أيام المأمون: يا أحمد، القاسم يجمع، ~~ونحن نفرق. عن محمد بن عبد الملك قال: يا أحمد بن يوسف الكتاب على ظهر يد ~~ألفي ألف درهم تفاريق. # ومن أظهر صفات أحمد بن يوسف، وهذه هي التي كان يعجب بها المأمون، شدة ~~عارضته، وقوة بديهته، والبديهة يظهر أثرها في تدبير الملك، وما يعرض ~~للخليفة من شؤون تحتاج إلى أن يبت فيها حالا من جواب على سؤال، وإعطاء رأي ~~في معضلة، في ساعة يكون فيها الكاتب قد عاوده السأم والتعب، واضطراب النفس ~~وموت الخاطر، وقد تطلب إليه معالجة أصعب الموضوعات، في أضيق الأوقات وأتعب ~~الساعات. # ذكروا أن احمد جلس يوما وهو وزير يقرأ الكتب بين يدي المأمون فمرت قصة ~~أصحاب الصدقات، فقال المأمون لأحمد: أنظر في أمرهم قد كثر ضجيجهم، فقال: قد ~~نظرت ms167 في أمرهم وفررته، ولكنهم أهل تعد وظلم، وبالباب منهم جماعة، فقال ~~المأمون: أدخلوا إلي، فدخلوا فناظروه فاتجهت الحجة عليهم فقال أحمد: هؤلاء ~~ظلموا رسول الله كيف يرضون بعده، قال الله عز وجل (ومنهم من يلمزك PageV01P190 ### | CHECK [191_2] # في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون)، فعجب ~~المأمون من حسن انتزاعه، وحضور مراده في وقته وقال: صدقت يا أحمد وأمر ~~بإخراجهم. # وكثر طلاب الصدقات بباب المأمون مرة، فكتب إليه أحمد: داعي نداك يا أمير ~~المؤمنين ومنادي جدواك جمعا الوفود ببابك، يرجعون نوالك المعهود، فمنهم من ~~يمت بحرمة، ومنهم من يدل بخدمة، وقد أجحف بهم المقام، وطالت عليهم الأيام، ~~فإن رأى أمير المؤمنين أن ينعشهم بسيبه، ويحقق حسن ظنهم بطوله فعل إن شاء الله. # فوقع المأمون: الخير متبع، وأبواب الملوك مغان لطالبي الحاجات، ومواطن ~~لهم، ولذلك قال الشاعر: # يسقط الطير حيث يلتقط الحب ... ويغشي منازل الكرماء # فاكتب أسماء من ببابنا منهم، واحك مراتبهم، ليصل إلى كل رجل قدر ~~استحقاقه، ولا تكدر معروفنا عندهم بطول الحجاب، وتأخير الثواب. # فقد قال الشاعر: # فإنك لن ترى طردا لحر ... كإلصاق به طرف الهوان # ومن أخبار أحمد وفيها صورة أخلاقه، أنه خاصم رجلا بين يدي المأمون وكان ~~صغا المأمون إليه على أحمد. ففطن لذلك فقال: يا أمير المؤمنين إنه يستملي ~~من عينيك ما يلقاني به، ويستبين بحركتك كل تجنبه له، وبلوغ إرادتك أحب إلى ~~من بلوغ أملي، ولذة إجابتك أمتع عندي من لذة ظفري، وقد تركت ما نازعني فيه، ~~وسلمت له ما طالبني به. فاستحسن ذلك المأمون # وكان واسع الصدر كأكثر من يلي شيئا من أمر الأمة من العظماء. # قيل إن أبا العتاهية أتى أحمد فحجب عنه فقال: PageV01P191 ### | CHECK [192_2] # متى يظفر الغادي إليك بحاجة ... ونصفك محجوب ونصفك نائم # ولنا أن نستدل على غنى أحمد بن يوسف أنه أهدى إلى المأمون لما استكتبه ~~لوزارته، واستخصه في يوم مهرجان هدية بألف ألف درهم وكتب إليه: # على العبد حق فهو لا شك فاعله ... وإن ms168 عظم المولى وجلت فضائله # ألم ترنا نهدي إلى الله ما له ... وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله # ولو كان يهدي للمليك بقدره ... لقصر عل البحر عنه وناله # ولكننا نهدي إلى نجله ... وإن لك يكن في وسعنا ما يشاكله # كان إعجاب الخليفة بأحمد كثيرا، وبذلك ندفع ما قاله صاحب غرس النعمة في ~~كتاب الهفوات، ونقاه ياقوت عنه من أن المأمون كان سبب موت وزيره، والرواية ~~أن المأمون كان إذا تبخر طرح له العود والعنبر، فإذا تبخر أمر بإخراج ~~الحمرة ووضعها تحت الرجل من جلسائه إكراما له، وحضر أحمد بن يوسف يوما، ~~وتبخر المأمون على عادته، ثم أمر بوضع الجمرة تحت أحمد ابن يوسف فقال: ~~هاتوا ذا المردود، فقال المأمون: ألنا يقال هذا؟ ونحن نصل رجلا واحدا من ~~خدمنا بستة آلاف ألف دينار، إنما قصدنا إكرامك، وأن أكون أنا وأنت قد ~~أقسمنا بخورا واحدا، يحضر عنبر، فأحضر منه شيء في الغاية من الجودة، في كل ~~قطعة ثلاثة مثاقيل، وأمر أن تطرح قطعة في المجمر ويبخر بها أحمد، ويدخل ~~رأسه في زيفه حتى ينفذ بخورها، وفعل به ذلك بقطعة ثانية وثالثة وهو يستغيث ~~ويصيح، وانصرف إلى منزله وقد احترق دماغه واعتل ومات سنة 213 وقيل 214. # وهذه القصة منقوضة بالبداهة، ذلك أن أحمد بن يوسف يعرف مقام الخليفة، ولا ~~يجرؤ أن يقول ما نسب إليه في حضرته ولا غيبه، والمأمون صاحب النفس العظيمة ~~يعرف قدر الرجل، فلا يرى مهما كان ذنبه أن يهلكه بالعنبر في مجلسه، ولكن ~~الرجل مات حتف أنفه. وربما وضع هذه القصة من أراد إسقاط المأمون، PageV01P192 ### | CHECK [193_2] # ونسبة ضعف العقل إلى وزيره. # ولا بد من القول أن أحمد بن يوسف كان يحسن سياسة خليفته ويستميت في حبه ~~ودعوة الناس إليه، وكانت مكانته في الأدب واظرف وفاء مكانته في السياسة: ~~قال بعض القدماء في وصف كلامه: لم أر كلاما أحسن وصلا، ولا أمين فضلا، ولا ~~أمنع إنذارا، ولا أقنع إعذارا، ولا أرأب لصدع، ولا أشعب لجمع، من كلام أحمد ~~بن ms169 يوسف. وقال جعفر بن يحيى: عبد الحميد أصل، وسهل بن هارون فرع، وابن ~~المقفع ثمر، وأحمد بن يوسف زهر. وناهيك بها شهادة من كاتب مثلهم. # شيء من كلامه: # من مطولات أحمد بن يوسف كتاب كتبه في الإضافة بمحامد المأمون، ولعله كتب ~~إلى شيعة خراسان ليستميل قلوبهم، جاء فيه في ولاية المأمون لعلي ابن موسى ~~الرضا: وأحسن جزاء أمير المؤمنين ومثوبته، على صلة الرحم رسول الله التي ~~رحمه وقرابته، واختياره لولاية عهده الأمير الرضا علي بن موسى، حفظه الله، ~~حين أحمد سيرته، ورضي محبته، وعرف استقلاله، بما قلده في هديه ودينه ~~ووفائه، بما أكد الله به عليه، من عهد أمير المؤمنين أيده الله في اعتيامه ~~من آزره وآساه بما شفع رأيه، وأنفذ تدبيره، حين هم لاستصلاح ما استرعاه ~~الله من أمور عباده، لما انتقى القائم بدعوته، ورئيس شريعته الأمير ذا ~~الرياستين رحمه الله، فاتخذه مكاتفا ظهيرا ووزيرا دون من سواه، فاتبع منهاج ~~أمير المؤمنين، أيده الله، وسار بسيرته، شرقا وغربا، وغورا ونجدا، موفيا ~~بعهده قائما بدعوته، مقتفيا لأثره وسنته، فحسم الله به الأدواء، وقمع به ~~الأعداء، من عتاة الأمم وطواغيت الشرك، وأباد على يده أهل الشقاق والنفاق، ~~في كل أفق وطرف، بجد أمير المؤمنين، أعزه الله، وبركة سياسته ودولته، ونجح ~~سعي من قام بنصرة من قام بحقه، وأنار برهانه حتى توفاه الله عز وجل، حين ~~بلغ همته وغايته، وحم أجله، PageV01P193 ### | CHECK [194_2] # وانقطعت مدته، سعيدا حميدا، شهيدا فقيدا، عند إمامه أكرمه الله، وعند ~~الخاصة والعامة. بوصف محاسنه، في مشاهده ومجامعه، وترحمه عليه عنده ذكره، ~~وحفظه في لحمته، وأهل حرمته، وأهل حرمته، وفيمن كان يحمد الله على طاعته ~~ونصيحته، ما أتم به نعمته. عندنا وعندكم معشر الشيعة، فقد أصبح أمره بكم ~~متصلا، وموقعه من جماعتكم متمكنا، بقبضكم ما قبضه، وببسطكم ما بسطه، من ~~لوعة المصيبة وحسن العقبى. . . # وقال: فأية نعمة أجل قدرا، وأسنى أمرا، معشر الشيعة من نعمة أمير ~~المؤمنين، أيده الله، عند الأمير ذي الرياستين، ومراتبه التي رتبه بها، ~~فإنه أعطاه ms170 رياسة الحرب، ورياسة التدبير، وعقد له على رأسهما علما في دعوته ~~وقلده سيفهما، وختمه بخاتم الخلافة وخاتم الدولة، وجعل صلاته بين صاحب حرسه ~~وصاحب شرطته، ومسيره بين أمير المؤمنين وبينهما، أمامه وخلفه، وصير له ~~الجلوس على الكرسي بحضرته، في صدر كل مجلس جلس، إلا أن يؤثر به من أحب من ~~أبناء الخلفاء، وقدمه في دخول دار الأمير راكبا، إلى أقصى مكان ينتهي إليه ~~أحد من بني هاشم، لأنه منهم وأعظمهم غناء عنهم، فسماه صاحب دعوته وسيفه على ~~عدوه، وبابه الذي يدخل إليه منه، وولاه خيوله في أقطار الأرض، ومقدمته ~~بحضرته، وقلده من الثغور ما قد علمت، بما أفراده في عهده، أي ما أنقذه من ~~أمره، في جميع سلطانه وملكه، من مشارق الأرض ومغاربها، وأين يأتي الوصف على ~~ما فضله به، وقدمه وشرفه على الناس كافة ولكنا نخطر بذكره، ثم نكل السامعين ~~إلى ما يرجعون إليه من المعرفة التي لا تبلغها الصفة، ثم لم يكن ما أكرمه ~~به في حياته بأعلى مما أكرمه به في وفاته، تولى غسله وتكفينه، ومباشرته ~~لجهازه، إلى حفرته بيده، وقاسى من الغصص وبرحاء الحزن، وإذراء العبرة، ~~وإراقة الدمعة، ما حال بينه وبين الكلام، رعاية له فيهم، ووفاء بعهده من بعد، PageV01P194 ### | CHECK [195_2] # وأقر خاصته وقواده وكتابه على مراتبهم، وحمد بحمده وذم بذمه وجدد لجنده. . . # وبعد أن عدد مال صنع المأمون من الأعمال الحسنه قال خطابا للمأمون: فيا ~~أيها المنصور المهدي الرشيد حزنت فضائل الآباء، واهتديت بهدي الأنبياء، ~~أنشكرك عن الإسلام، فأنت القائم به الداعي له، والناصر لحقه، أم نشكرك عن ~~الأمصار، فأنت المفتتح لممتنعها عنوة، والمتطول على أهلها بالرحمة، ~~والمتعطف عليهم بحسن الفائدة، بعدما هيجت منك سورة الغضب، فأطفأت نارها، ~~وأخمدت لهبها، وعدت على من سفه وأضاع حظه. أم نشكرك على المساجد، فأنت الذي ~~أسستها على التقوى، وعمرتها بتلاوة القرآن، وطهرت المنابر وركبنها، تعلوها ~~صائما، وتنطق عليها صادقا، وتدعو إلى الرشد عليها ناصحا، وتختم القرآن قبل ~~أن تبدأها محسنا، وتتلو من قوارعه ما تصيخ له الأسماع، ms171 وتلين له القلوب. أم ~~نشكرك على البيت العتيق، والركن والمقام والحجر وزمزم ومشاعر الحج، وأنت ~~ذببت عنها، وأعدت إليها عهدها في مبعث نبيها، فأمنت النازع إليها من كل فج ~~عميق، والحالتين بها من الركع والسجود. أم نشكرك عن رسول الله فيما حفظت ~~فيه من عترته، بعفوك عن مجرمهم، ومضاعفتك ثواب محسنهم، وإحيائك من أمرهم ما ~~كان قد اندرس وانطمس بعد نبي الله، وقد راعيت منه في قرابته وقرابتك، وذوي ~~رحمه ورحمك، ما ضيع الناس، ووصلت منهم ما كان وصله، إذ كان الله عز وجل قد ~~فرض صلة الأرحام، فكان أطوع خلق الله فيما فرض عليه؛ أم نشكرك على العوام، ~~فقد ألبست المسلمين ثوب الأمن، وأذقتهم طعم السعة والرفاهة، وعدلت بينهم ~~بالإنصاف، وتوليت دونهم النصب، وآثرتهم بالراحة. أم نشكرك عن الملوك ~~والقواد والأجناد فأنت الذي رفعت منازلهم، ووفرت عددهم، فلم يكن في دهر أحد ~~من الخلفاء، أسعد ولا أحظى منهم في سلطانك، بما بذلت لهم من المعادن، ~~ووليتهم من الثغور والأمصار، وأدررت عليهم من الأرزاق والخواص. PageV01P195 ### | CHECK [196_2] # أم نشكرك عن الأحكام والسنن فأنت الذي أنهجت سبيلها، فأوجبت فرضها ونافست ~~في أهلها. . . . # وقع إلى عامل آخر حمل المال: قد استبطأك الإغفال، وأبطرك الإهمال، فما ~~تصحب قولك فعلا، ولا تتبع وعدك إنجازا، وقد دافعت بمال نجم لزمك حمله، حتى ~~وجب عليك مثله، فاحمل ثلاثة أنجم، ليكون ما يتعجل منك أداء ما أخر عنك إن ~~شاء الله. # ووقع إلى عامل ظالم: الحق طريق واضح لمن طلبه، تهديه محجته ولا يخاف ~~عثرته، وتؤمن في السر مغبته، فلا تستقلن منه، ولا تعدلن عنه، فقد بالغت في ~~مناصحتك، فلا تحوجني إلى معاودتك، فليس بعد التقدمة إليك، إلا سطوة الإنكار عليك. # ووقع إلى عامل ذكر أنه قد أصلح ما تحت يده: أنا لك حامد فاستدم أحسن ما ~~أنت عليه، يدم لك أحسن ما عندي، واعلم أن كل شيء لا يزاد فيه ينقص، ~~والنقصان وإن قل يمحق الكثير، كما ينمي على الزيادة القليل. # ووقع في كتاب: مستتم الصنيعة ms172 من صابرها، فعدل زيغها، وأقام أودها، صيانة ~~لمعروفه، ونصرة لرأيه، فإن أول المعروف مستخف، وآخره مستثقل؛ تكاد أوائله ~~تكون للهوى؛ وأواخره تكون للرأي ولذلك قيل: رب الصنيعة أشد من ابتدائها. # ووقع إلى بعض العمال في العناية بأحدهم: أنا بفلان تام العناية وله شديد ~~الرعاية، وكنت أحب أن يكون ما أرعيته طرفك من أمره في كتابي، مستودعا سمعك ~~من خطابي، فلا تعدلن بعنايتك إلى غيره. ولا تمنحن سواه، حتى تنيله إرادته، ~~وتتجاوز به أمنيته. إن شاء الله. # ومما نسب إليه في ذم بخيل. # كأن البخل والشؤم صارا معا في سهمه. وكانا قبل ذلك قسمه، فحازهما ~~بالوراثة، PageV01P196 ### | CHECK [197_2] # واستحق ما استملك منهما بالشفقة، وأشهد على حيازتهما أهل الدين والأمانة، ~~حتى خلصا له من كل مانع، وسلما له من تبعة كل منازع، فهو لا يصيب إلا ~~مخطيا، ولا يحسن إلا ناسيا، ولا ينفق إلا كارها، ولا ينصف إلا صاغرا. # وفي مثله: # وصل كتابك فرأيناك قد حليته بزخارف أوصافك، وأخليته من حقائق إنصافك، ~~وأكثرت فيه الدعاوى على خصمك، من غير برهان أتيت به على دعواك وزعمك. . . # وكتب إلى عبد الله بن طاهر عند خروج عبيد الله بن السري إليه يهنئه بذلك ~~الفتح: بلغني، أعز الله الأمير، ما فتح الله عليك، وخروج ابن السري إليك، ~~فالحمد لله الناصر لدينه، المعز لدولة خليفته على عباده، والمذل لمن عند ~~عنه وعن حقه ورغب عن طاعته، ونسأل الله أن يظاهر له النعم، ويفتح له بلدان ~~الشرك، والحمد لله على ما والاك مذ ظعنت لوجهك، فإنا ومن قبلنا نتذاكر ~~سيرتك في حربك وسلمك، ونكثر التعجب لما وفقت له من الشدة والليان في ~~مواضعهما، ولا نعلم سائس جند ولا رعية عدل بينهم عدلك، ولا عفا بعد القدرة ~~عمن آسفه وأضغنه عفوك. ولقل ما رأينا ابن شرف لم يلق بيده متكلا على ما ~~قدمت له أبوته، ومن أوتي حظا وكفاية، وسلطانا وولاية، لم يخلد إلى ما عنا ~~له حتى يخل بمساماة ما أمامه، ثم نعلم سائسا استحق النجح لحسن السيرة ms173 وكف ~~معرة الأتباع استحقاقك، وما يستجير أحد ممن قبلنا أن يقدم عليك أحدا يهوي ~~عند الحاقة، والنازلة المعضلة، فليهنك منة الله ومزيده، ويسوغك الله هذه ~~النعمة التي حواها لك بالمحافظة على ما به تمت لك من التمسك بحبل إمامك ~~ومولاك ومولى جميع المسلمين، وملاك وإيانا العيش ببقائه، وأنت تعلم أنك لم ~~تزل عندنا وعند من قبلنا مكرما مقدما معظما، وقد زادك الله في أعين الخاصة ~~والعامة جلالة وبجالة، PageV01P197 ### | CHECK [198_2] # فأصبحوا يرجونك لأنفسهم، ويعدونك لأحداثهم ونوائبهم، وأرجو أن يوفقك الله ~~لمحابه كما وفق لك صنعه وتوفيقه، فقد أحسنت جوار النعمة فلم تطغك ولم تزدك ~~إلا تذللا تواضعا، فالحمد لله على ما أنالك وأبلاك وأودع فيك والسلام. # وكتب إلى عبد الله بن طاهر أيضا عن المأمون يعزله عن ديار مصر وتسليم ~~العمل إلى إسحاق بن إبراهيم: أما بعد فإن أمير المؤمنين قد أرى تولية إسحاق ~~ابن إبراهيم ما يتولاه من أعمال بديار مصر، وإنما هو عملك نقل منك إليك، ~~فسلمه من يدك إلى يدك والسلام. # لما توفي طاهر بن الحسين بخراسان، وعبد الله بن طاهر في وجه نصر بن شبث، ~~كتب إليه أحمد بن يوسف يعزيه عن نفسه: # أما بعد فإنه قد حدث من أمر الرزء العظيم بوفاة ذي اليمينين ما إلى الله ~~عز وجل فيه المفزع والمرجع، وفيه عليه المستعان، وإنا لله وإنا إليه ~~راجعون، اتباعا لأمر الله، واعتصاما بطاعته، وتسليما لنازل قضائه، ورجاء ~~لما وعد الصابرين من صلواته ورحمته وهداه، وعند الله نحتسب مصيبتنا به. وقد ~~كان سبق إلى القلوب عند بداهة الخبر من اللوعة، واضطلاع الفجيعة، ما كنا ~~نخاف إحباطه من الأجر، لولا ما تدارك الله به من الذكر بما وعد أهل الصبر؛ ~~فنسأل الله أن يرأب هذه الثلمة، ويسد هذه الحلة، بأمير المؤمنين أولا وبك ~~ثانيا، وأن يعظم مثوبتك، ويحسن عقابك، ويخلف بك ذا اليمينين، ويعمر بك ~~مكانه من أمير المؤمنين ومن كافة المسلمين. فأما ما يحتاج إليه من التسلية ~~والتعزية، فإنك في فضل رأيك واتساع لبك، ms174 في حال العزة والنماء، ولم تكن ~~تخلو من عوارض الذكر، وخواطر الفكر، فيما تعرو به الأيام من نوائبها، وتبعت ~~به من حوادثها، وفي هذا لمن وفق له إعداد للنوازل، وتوطين الأنفس على ~~المكاره، فلا يكون معه هلع، ولا إفراط جزع، بإذن الله، مع أن مرد كل جزع ~~إلى سلوة، ولا ثبات عليها، فأولى بالراغب PageV01P198 ### | CHECK [199_2] # في ذات الله أن يهتبل مثوبته في أوانها من بعض الأسى، وفجاءة النكبة، ~~وأولى بذي اللب إذا علم ما هو لا بد صائر إليه، ألا يبعد منه إبعادا يلزمه ~~التفاوت عند التأمل، واختلاف الحالين في بعد الأمد بينهما؛ وقد كنت أحب ألا ~~أقنع في تعزيتك برسول ولا كتاب، دون الشخوص إليك بنفسي، لو أمكنني المسير، ~~إجلالا للمصيبة، وتأنسا بقربك، بعد الذي دخلني من الوحشة، فقد عرفت ما خصني ~~من المرزئة بذي اليمينين، كما كنت أتعرف من جميل رأيه، وعظيم بره حاضرا، ~~وما كان يذكرني به غائبا، ذكره الله في الرفيق الأعلى. . . # وأخصر من هذا ما عزى به ولد رجل من آل الربيع، وكان له مواصلا فقال: عظم ~~الله أجركم، وجبر مصابكم، ووجه الرحمة إلى فقيدكم، وجعل لكم من وراء ~~مصيبتكم حالا تجمع كلمتكم، وتلم شعثكم، ولا تفرق ملاكم. # وسمع قول علي: لا تكونن كمن يعجز عن شكر ما أوتي، ويلتمس الزيادة فيما ~~بقي. فكتب: أحق من أثبت لك العذر في حال شغلك من لم يخل ساعة من برك في وقت فراغك. # ومن كلامه يتعذر إلى بعض الأخلاء: لي ذنوب إن عددتها جلت، وإن ضممتها إلى ~~فضلك حسنت، وقد راجعت إنابتي، وسلكت طريق استقامتي، وعلمت أن توبتي في ~~حجتي، وإقراري أبلغ في معذرتي؛ فهذا مقام التائب من جرمه، المتضمن حسن ~~الفيئة على نفسه، فقد كان عقابك بالحلم عني، أبلغ من أمرك بالانتصاف مني، ~~فإن رأيت أن تهب لي ما استحققته من العقوبة، لما ترجوه من المثوبة، فعلت إن ~~شاء الله. # وكتب في الذم: أما بعد، فلا أعلم للمعروف طريقا أحزن ولا أوعر من طريقه ~~إليك، ms175 ولا مستودعا أقل زكاء، ولا أبعد ثمرة خير من مكانه عندك. لأنه يحصل ~~منك في حسب دني، ولسان بذي، ونسب قصي، وجهل قد ملك طباعك، PageV01P199 ### | CHECK [200_2] # فالمعروف لديك ضائع، والشكر عندك مهجور، وإنما غايتك في المعروف أن ~~تحرزه، وفي وليه أن تكفر به. # ومن كلامه: قد كان كتابي نفذ بما كان غيره أولى بي، وألزم لي في حق ~~الحرية والكرم، اللذين جعلا لك إرثا، والشرف والفضل اللذين قسما لك حظا، ~~ولكنني دفعت من اتصال الزلل، والإخلال بالعمل، إلى ما اضطرني إلى محادثتك، ~~ودعاني إلى مخالفتك، لأجلي عني هبوة الالتهام، وأصرف عنك عارض الملام، وقد ~~جرى لك المقدار بالسؤدد الذي خصك الله بمزيته، وأفردك بفضيلته، فليس يحاول ~~أحد استقصاء عليك إلا عرض دونه حاجز من واجبك، يضطره إلى ذلة التنصل إليك ~~ويحور ذلك عن التعمد. # وكتب إلى صديق له: هذا يوم رقت حواشيه، وبدت تباشير الحبور فيه، والمرء ~~بأخيه كثير، وبمساعدته جدير، وأنت قطب السرور، ونظام الأمور، فلا تتأخر ~~فنقل، ولا تنفرد عنا فنذل. # وكتب إلى اسحق بن إبراهيم الموصلي وقد زاره إبراهيم بن المهدي: عندي من ~~أنا عنده، وحجتنا عليك إعلامنا لك والسلام. # وكتب: عندي فلان وفلان؛ فإن كنا من شأنك فقد آذناك. # وكتب إلى صديق له يستدعيه: يوم التلاقي قصير فأعلن عليه بالبكور. # وكتب إلى صديق له يستدعيه: # إن كنت تنشط للصبوح فيومنا ... يوم أغر محجل الأطراف # وترى السحابة في السماء تعلقت ... وكأنما كسيت جناح غداف # طورا تبلل بالرذاذ وتارة ... تهمي عليك بدلوها الغراف # فانعم صباحا وأتنا متفضلا ... ودع الخلاف فليس يوم خلاف # وكتب إلى إبراهيم بن المهدي في هدية استقلها: PageV01P200 ### | CHECK [201_2] # بلغني استقلالك لما ألطفت، والذي نحن عليه من الأنس سهل علينا الحشد لك ~~في البر، فأهدينا هدية من لا يحتشم إلى من لا يغتنم. # وكان يقول في إبراهيم بن المهدي: القلوب من غنائه على خطر، فكيف الجيوب. # كتب إلى بعض إخوانه يهنئه بمولود: بارك الله في مولودك الذي أتاك، وهناك ~~نعمته بعطيته، وملاك كرامته بفائدتك، ms176 وأدام سرورك بزيادته، وجعله بارا ~~تقيا، ميمونا مباركا زكيا، ممدودا له في البقاء، مبلغا غاية الأمل، مشدودا ~~به عضدك، مكثرا به ولدك، مداما به سرورك، فدفوعا به الآفات عنك، مشفوعا ~~بأكثر العدد من طيب الولد. # وله في مثل ذلك: هناك الله هذه الفائدة التي أفادكها، وبارك الله في ~~الهبة التي رزقكها، وشفعها بإخوة متواترين، يسرونك في حياتك، ويخلفونك في عقبك. # وله: وهنأ الله أمير المؤمنين نعمه، وملاه كرامته، وأولى له فتوحه، وأدام ~~إعزازه، وتولى حياطته وكفايته، فيما دنا منه وما غاب عنه، وأطال الله بقاءه ~~والإمتاع به. # وكتب في تهنئه بمولود: أما بعد فليس من أمر يجعل الله لك فيه سرورا إلا ~~كننت به بهجا، واعتد فيه بالنعمة من الله الذي أوجب علي من حقك، وعرفني من ~~جميل رأيك، فزادك الله خيرا، وأدام إحسانه إليك، وقد بلغني أن الله وهب لك ~~غلاما سريا أجمل صورته، وأتم خلقه، وأحسن فيه البلاء عندك فاشتد سروري ~~بذلك، وأكثرت حمد الله عليه، فبارك الله فيه، وجعله بارا تقيا، يشد عضدك، ~~ويكثر عددك، ويقر عينك. # وله في فتح السند: الحمد لله ولي الحمد، وأهل الثناء والمجد، خالق الخلق، ~~ومدبر الأمر، والمسبغ على عباده، والموجب عليهم حجته، فليسوا يرجون إلا سعة ~~فضله، ولا يحذرون إلا ما اجترحوا من معصيته، لما سبق من جزيل إحسانه، ~~وتظاهر من امتنانه، وتقدم به الإعذار والإنذار اللذان لا يستخف بما عظم منهما، PageV01P201 ### | CHECK [202_2] # إلا من استحوذ عليه الشيطان، واستولى عليه الخذلان، وقاده الحين إلى ~~موارد الهلكة. # وله تحميد إلى الولاة عن الخليفة: أما بعد فالحمد لله ذي المنن الظاهرة. ~~والحجج القاهرة، الذي قطع بينه وبين عباده المعذرة، ورادف عليهم البينة، ~~ومهلة النظرة، وجعل ما آتاهم من حظوظ الدنيا بالقسم المكتوب، وما ذخر لهم ~~من ثواب الآخرة بالنجح المطلوب، فهم في العاجلة شركاء في النعمة، وفي ~~الآجلة شتى في الرحمة، يختص بها أهله، المنتفعين بما ضرب لهم من الأمثال، ~~وتصريف الحال بعد حال. المبادرين بأعمالهم إلى انقضاء مدد آجالهم، قبل حلول ms177 ~~ما يتوقع، وفوت مالا يرتجح. # سمع أحمد لأخيه شعرا قد كتب به إلى هوي له: # أيا باذلا ودا لمن لا يشاكله ... يساعده في حبه ويواصله # عليك بمن يرضى لك الناس وده ... أواخره محمودة وأوائله # فكتب إليه أحمد: وفقك الله يا أخي للسداد، وهداك للرشاد، قرأت لك شعرا ~~أنقذته إلي من تخطب مودته، وتستدعي عشرته، فسرني شغفك بالأدب، وساءني ~~اضطرابك في الشعر، وليس مثلك من أخرج من يده شيئا يعود بعيب عليه، وأعيذك ~~بالله بأن تلج لجة الشعر بلا عوم ينجيك منها، وسباحة تصدرك عنها، فتنسب إلى ~~قبيح أمرا هويت النسبة إلى حسنه، فاعرف الشعر قبل قوله، واستعن على عمله ~~بأهله، ثم قل منه ما أحببت، إذا عرفت ما أوردت وأصدرت، وهذه أبيات على وزن ~~أبياتك نظمتها بمثل ما نثرته لك وهي: # أبا حسن عان الدراية قبل ما ... تريغ من الشعر الذي أنت قائله # ففي الشعر آداب كثير فتونها ... وباطل لهو أن تعناك باطله # وحسبك عجزا بامرئ متغزل ... إذا عي بالأمثال فيمن يواصله PageV01P202 ### | CHECK [203_2] # يهون على معشوقه ما أعزه ... فتنقلب الأحوال فيما يحاوله # فدونك نصحا من خبير مجرب ... قضى آخرا أفظت إليه أوائله # ومستئنفا الأيام منها كسالف ... فبالسالف الماضي فقس ما تزاوله # ولأحمد بن يوسف شعر رقيق كما رأيت، ومنه ما كتب به إلى أبي دلف القاسم بن ~~عيسى، وكانت بينهما مودة، وكانا يتهاديان ويتكاتبان، ثم ولي أبو دلف الجبل ~~كله، وأعرف فيما يظهر عن أحمد فكتب إليه: # ما على ذا كنا افترقنا بشيرا ... زولا هكذا عاقبنا الإخاء # لم اكن احسب الإمارة يزيدا ... دبها ذو الوفاء إلا صفاء # تطعن الناس بالمثقفة السم ... ر على غدرهم وتنسى الوفاء # وقال: # نفسي على حسراتها موقوفة ... فوددت لو خرجت من الحسرات # لو في يدي حساب أيامي إذنا ... ألفيته متطلبا لوفاتي # لم أبك حبا بالحياة وإنما ... أبكي مخافة أن تطول حياتي # وذكر من طريف شعره قوله: # أصبحت مغمورا أحدث عن نفسي ... ومالي من علم بما كان بالأمس # سقاني عبيد من يديه مدامة ... يصرفها لي ثم ms178 يلحى على الجلس # فيا رب يوم قد حمدت مساءه ... يباكرني ذم له مطلع الشمس # فأصبحت قد حدثت نفسي بتوبته ... ويعتادني للهو عند إذا أمسى # وقال أيضا: # عذب الفراق لنا قبيل وداعنا ... ثم اقتبلناه كسم ناقع # وكأنما أثر الدموع بخدها ... طل سقيط فوق ورد يانع # قال أبو بكر الصولي: هو أول من أفصح عن هذا المعنى وتبعه الناس. عتب أحمد PageV01P203 ### | CHECK [204_2] # على جارية له في شيء سألته إلا يفعله ثم فعلت مثله فقال: # وعامل بالفجور يأمر بالب ... ر كهاد يقول في الظلم # أو كطبيب قد شفه سقم ... وهو يداوي من ذلك السقم # يا واعظ الناس غير متعض ... ثوبك طهر أو لا فلا تلم # ومن شعره: # يزين الشعر أفواها إذا نطقت ... بالشعر يوما وقد يزرى بافواه # قد يرزق المرء لا من حسن حيلته ... ويصرف الرزق عن ذا الحيلة الداهي # ما مضي من غني يوما ولا عدم ... إلا وقولي عليه الحمد لله # وقال: # إذا قلت في شيئا، نعم، فائتمه ... فإن نعم دين على الحر واجب # وإلا فقل، لا، فاسترح وأرح بها ... لكيلا يقول الناس إنك كاذب # وقال في إفشاء السر: # إذا المر أفشى سره بلسانه ... ولام عليه غيره فهو أحمق # إذا ذاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي استودعته السر أضيق # وقال: # يا ساخطا من أن طربت لزلزل ... لك حرمة ولزلزل إحسان # اغضب من طربي على إحسانه ... أحسن لأغضب أيه الغضبان # وقال في الهجاء: # كأنه من سوء آدابه ... أسلم في كتاب سوء الأدب # وقال: # نفسي على زفراتها مطوية ... ووردت لو خرجت ما الزفرات # ومن كلامه: مجالسة البغضاء تثير الهموم، وتجلب الغموم، وتؤلم القلب، وتقدح PageV01P204 ### | CHECK [205_2] # في النشاط، وتطوي الانبساط. # وقال: بالأقلام تساس الأقاليم. # وقال: القلم لسان البصر يناجيه بما استتر عن الأسماع، إذا نسج حلله، ~~وأودعها حكمه. # وله من كلام، قد أذهب الله وصب العلة ونصبها، ووفر خراجها وثوابها، وجعل ~~فيها من إرغام العدو بعقباها، أضعاف ما كان عنده من السرور بفتح أولاها. # وقال: عبرات الأقلام في خدود كتبها، أحسن ms179 من عبرات الغواني في صحون ~~خدودها. # ومما كتب به: أحق من أثبت لك العذر في حال شغلك، من لم يخل ساعة من برك ~~في وقت فراغك. # ومن كلامه: إذا لم تقدر أن تعض يد عدوك فقبلها. # كان أحمد عدوا لسعيد بن سالم الباهلي وولده فذكرهم يوما فقال: لولا أن ~~الله عز وجل ختم نبوته بمحمد وكتبه بالقرآن، لبعث فيكم نبي نقمة وأنزل ~~عليكم قرآن عذاب، وما عسيت أن أقول في قوم محاسنهم مساوي السفل، ومساويهم ~~فضائح الأمم. # - - PageV01P205 ### | CHECK [206_2] # إبراهيم بن العباس الصولي ### | AUTO حياته الخاصة والعامة: # في بغداد وفي عهد الرشيد السعيد، ولد إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول، ~~في بيت عرف بالأدب والسياسة، وكان جده من رجال الدولة العباسية ودعاتها؛ ~~وصول جد أبيه يدين بالمجوسية، أسلم في جرجان على يد يزيد بن المهلب، فأصبح ~~له مولى، وأصل صول تركي الجنس، أقام في فارس، فنشأ أبناؤه على التشبه ~~بأهلها. # وتخرج إبراهيم في مدينة المنصور بأخيه عبد الله بن العباس، وكان من وجوه ~~الكتاب، وهو أسن من أخيه بنحو عشرين سنة؛ وجاء إبراهيم آدب من عبد الله، ~~وأحسن شعرا، وأحذق كتابة، وأعرق في البلاغة؛ وكان المطبوع فيه أكثر من ~~المكسوب، علمه الدهر ما لم تعلمه الكتب، وأوحى إليه الزمن المؤدب ما لم ~~يوحه لرجل عاش في بيئة ضيقة، وعيش ضنك وبيت خامل. # كان الصولي مجموعة ثقافات وعناصر، فيه الدم التركي والدم العربي، جاءه ~~الدم العربي من أمه؛ وكان خاله العباس بن الأحنف من أشعر الشعراء في عصره، ~~وربما كان إبراهيم يعرف التركية لغة آبائه، والفارسية لغتهم الثانية، بعد ~~جلائهم إلى خراسان، أما ثقافته العربية، فأوسع ثقافة في لغة العلم والدين ~~ولغة دولته العظيمة. # كان محيط الصولي متسع الرحاب وحياته كلها كذلك، دخل في خدمة الدولة ~~كآبائه، يتولى بعض أعمال الإدارة، ويتعرف إلى رجالها ويختلط بهم، واطلع على ~~عورات الناس ومحامدهم، وكشف سر مجتمعه وعلانيته، قلب الأخلاق والأعراق كل ~~مقلب، وثافن العظماء، وعرف ما يرضيهم وما يغضبهم، وكتب للخلفاء وتأدب ms180 ~~بآدابهم، كتب للمعتصم والواثق والمتوكل؛ وقلما ذهب رجل برضا الملوك PageV01P206 ### | CHECK [207_2] # إلا كانت له مزايا تنفع دولتهم. # وأصاب الصولي ما يصيب قربان الملوك من السعادة ونقيضها، وعانى من الكبراء ~~ما يعانيه أمثاله ممن تطوحوا في الخدمة؛ وكان بعض ما نال مما أوقعته فيه ~~المنافسة، وبعضه مما استحق عليه النكبة: جرى في طريقة جال الدولة المطلقة ~~المستبدة، فمثل صورة صحيحة من مجتمعه، على ما كان كلامه صورة صادقة من قلبه ~~وفكره، ودخل فيما يدخل فيه نظراؤه من أرباب الولايات، وما خرج على مألوفهم، ~~بل ضرب على وترهم، وحطب في حبلهم، تآمر على خصمائه وتآمروا عليه، وضربهم ~~وضربوه، ومدح الناس ومدحوه، وثلبهم وثلبوه، وحسدهم وحسدوه، وكان في كل ما ~~أتى مدفوعا بنابل من تربية عصره ومصره، تجسدت فيه أخلاق عصرييه، فانعكس كل ~~ما رأى على صحيفة شعره ونثره، فردده وردد عنه حتى عاد بعد أمثالا. # لما عزم المأمون على الفتك بالفضل بن سهل عرف الصولي ذلك من صديق له كان ~~من بعض من وضعوا له، فما رأى إلا القيام بحسن الصنيعة مع الفضل؛ وقد عاش هو ~~وأخوه عبد الله في حمايته واصطناعه، ورفع منهما وحنى عليهما، فأخبر الفضل ~~بما يدبر له، وانتهى الخبر إلى المأمون، فعرف أن الصولي قد أبلغ الفضل ما ~~يراد به، فطلبه فاستتر، ثم عفا عنه بما بلغه عنه من جواب لطيف، دل على بعد ~~نظر وذكاء. # بدأت حياة إبراهيم في السياسة زمن المعتصم، وسار سيرة أرباب الإدارة إذ ~~ذاك، يأخذ ويعطي من مال الأمة والدولة، ويقلد كبار العمال في مظاهرهم، ولا ~~يتعفف عن مال ومتاع؛ كان مظهرا من مظاهر العاملين في الدولة، يستمتع ~~بخيراتها أنى وجدها، ويفوقهم بأنه كان على جانب عظيم من المروءة وسعة ~~الفضل؛ ولا عجب إن سار الصولي هذه السيرة، وقد كان في زمن يكتب فيه مثل أبي ~~العيناء النديم PageV01P207 ### | CHECK [208_2] # إلى صديق له ولي ولاية: واعلم أن الخيانة فطنة، والأمانة حرفة، والجمع ~~كيس، والمنع صرامة، وليس كل يوم ولاية، فاذكر أيام العطلة، ms181 ولا تحقرن ~~صغيرا، فإن من الدور إلى الدور، وإيلاء الولاية رقدة، فتنبه قبل أن تنبه، ~~وأخو السلطان أعمى عن قليل سوف يبصر، وما هذه الوصية التي أوصى بها يعقوب ~~بنيه، ولكن رأيت الحزم في أخذ العاجل، وترك الآجل. # وموطن الضعف من أخلاق الصولي أنه كما أراد أبو العيناء يأخذ العاجل ولا ~~يبالي، ويدب إليه الوشاة، فينجو مرات، ويعطب مرات. روى الجهشياري أنه لم ~~يكن للصولي تقدم في الخراج على بلاغة فيه، وكان بينه وبين أحمد بن المدبر ~~تباعد، وكان أحمد مقدما في الكتابة، فقال أحمد بن المدبر للمتوكل: قلدت ~~إبراهيم بن العباس ديوان الضياع، وهو متخلف في هذا الشأن، لا يحسن منه ~~قليلا ولا كثيرا، وطعن عليه طعنا قبيحا، فقال المتوكل: في غد أجمع بينكما. ~~واتصل الخبر بإبراهيم فأيقن بحلول المكروه، وعلم أنه لا يفي بأحمد بن ~~المدبر في صناعته، وغدا إل دار السلطان آيسا من نفسه ونعمته، وحضر أحمد ~~فقال له المتوكل: قد حضر إبراهيم وحضرت ومن أجلكما قعدت، هات اذكر ما كنت ~~فيه أمس، فقال أحمد: أي شيء أذكر عنه فإنه لا يعرف أسماء عماله في النواحي، ~~ولا يعلم ما في دساتيرهم من تقديراتهم وكيولهم، وحمل من حمل منهم ومن لم ~~يحمل، ولا يعرف أسماء النواحي التي تقلدها، وقد اقتطع أصحابه بناحية كذا ~~كذا ألفا، واختلت ناحية كذا في العمارة، وأطال في ذكر هذه الأمور؛ فالتفت ~~المتوكل إلى إبراهيم فقال: ما سكوتك؟ فقال: يا أمير المؤمنين جوابي في بيتي ~~شعر قلتهما فإن أذن أمير المؤمنين أنشدتهما، فقال هات فأنشده: # رد قولي وصدق الأقوالا ... وأطاع الوشاة والعذالا # أتراه يكون شهر صدود ... وعلى وجهه رأيت الهلالا PageV01P208 ### | CHECK [209_2] # وقيل إن إبراهيم لما سمع كلام ابن المدبر ضاقت عليه الحجة، وخاف أن يحقق ~~قوله إن اعترف، ثم لا يرجع منه إلى شيء فيعود عليه الغرم، فعدل عن الحجة ~~إلى الحيلة فأنشد البيتين. وفي رواية أن الخليفة لما سمع ما سمع قال: لا ~~يكون ذلك والله لا يكون ذلك أبدا، والتفت إلى ms182 الواشي وقال له: كيف تقبل في ~~المال قول صاحبه. وفي رواية ثانية أن المتوكل قال لما سمع البيتين: زه زه ~~أحسنت؛ إيتوني بمن يعمل في هذا لحنا، وهاتوا ما نأكل وجيئوا بالنساء، ~~ودعونا من فضول إن المدبر واخلعوا على إبراهيم بن العباس، فخلع عليه وانصرف ~~إلى منزله. # قالوا ومكث إبراهيم بن العباس يومه مغموما، فقيل له هذا يوم سرور وجذل ~~بما جدد الله لك من الانتصار على خصمك، فقال: الحق أولى بمثلي وأشبه، إني ~~لم أدفع حجة أحمد بحجة، ولا كذب في شيء مما ذكر، ولا أنا ممن يعشره في ~~الخراج، كما أنه لا يعشرني في البلاغة، وإنما فلحت برطازة ومخرقة، أفلا ~~ابكي فضلا عن أن أغتم من زمان يدفع هذا كله. # وبهذه الوقعة تمثل لنا أدب الصولي، وضعفه فيما وسد إليه من عمل، اعترف ~~بإهماله في أعماله، حتى ترك المجال لخصمه يسقطه في نظر الخليفة؛ وكأن ابن ~~المدبر رماه وهو موقن بأن هذا الإهمال لا بد أن يكافئه عليه عماله، ويعطوه ~~بعض ما يجنون، فتضيع حقوق الدولة، وتهمل مصالح الرعية. # ما كل مرة تسلم الجرة فقد صار الصولي إلى زمن ما استطاع أن يدفع عن نفسه ~~بغير ما ملكت يده. كان في سنة 223 على الأهواز، وكان صديقه محمد بن عبد ~~الملك الزيات وزيرا، فوجه إليه من أقامه للناس، فصالحه عن نفسه بألف درهم ~~وخمسمائة ألف درهم، وأحد الصولي بعد ما قبض عليه إلى بغداد لأخذ ماله بها، ~~وأخذوا غلامه وكان قهرمانه، في يده أمواله يتجر بها، وأخذوا عدة من أهل بيته، PageV01P209 ### | CHECK [210_2] # وأخذ معهم حمل بغل من الدنانير، ووجدت له بيوت فيها أنواع لتجارة، وكان ~~جميع ما قبض له، مع ما وجد قيمة تسعين ألف دينار، وأمر المتوكل بحبسه، فقال ~~إبراهيم يخاطب الوزير صديقه القديم: # وكنت أخي بأرخى الزما ... ن فلما نبا عدت حربا عوانا # وكنت أذم إليك الزما ... ن فأصبحت فيك أذم الزمانا # وكنت أعدك للنائبا ... ت فها أنا أطلب منك الأمانا # وقال: # أصبحت من رأي ms183 أبي جعفر ... في هيئة تنذر بالصليم # من غير ما ذنب ولكنها ... عداوة الزنديق للمسلم # وذكر من ترجم للصولي أن الذي تولى أمر كشفه تحامل عليه تحاملا شديدا، ~~فكتب إبراهيم إلى الوزير محمد بن عبد الملك: # فلو إذ نبا دهر وأنكر صاحبه ... وسلط أعداء وغاب نصير # تكون عن الأهواز داري بنجوة ... ولكن مقادير جرت وأمور # وإني لأرجو بعد هذا محمدا ... لأفضل ما يرجى أخ ووزير # والسبب في العداوة بين محمد بن عبد الملك الزيات وإبراهيم بن العباس ~~الصولي، أنه لما ولي ابن الزيات وزارة المعتصم نقص إبراهيم عما يستحقه من ~~الدعاء، فلم تحتمل ذلك نفسه ورياسته، وموضعه من الصناعة والدولة، فعاتبه في ~~ذلك فلم يعتبه، فألهب له نار هجاء لا يطفئها الدهر، فزعم إبراهيم أن ابن ~~الزيات ما ظن أن الرياسة تنجذب إليه، ولا أن العز يتحصل له، إلا بحط إخوانه ~~عن منزلتهم، ونقصهم عن نرتبتهم، ثم نظم ذلك في شعر فقال: # من رأى في المنام مثل أخ لي ... كان عوني على الزمان وخلي # رفعته حال فحاول حطي ... وأبي أن يعز إلا بذلي PageV01P210 ### | CHECK [211_2] # وكان هذا الخطاب في أول الأمر، ثم أنحى عليه بالهجاء، وكان محمد ابن عبد ~~الملك، على علمه وأدبه، وكونه واحدا في صناعته، مفردا في براعته، لا يخلو ~~من لؤم أحيانا. # ولما وقف الخليفة على تحامل ابن الزيات رفع يده عن إبراهيم، وأمره أن ~~يقبل منه ما رفعه، ويرده إلى الحضرة مصونا، ثم ولاه ديوان زمام النفقات، ~~وتولى أيضا الضياع، فبسط إبراهيم لسانه في ابن الزيات، وهجاء كثيرا منه: # قدرت فلم تضرر عدوا بقدرة ... وسمت بها إخوانك الذل والرغما # وكنت مليا بالتي قد يعافها ... من الناس من يأبى الدنية والذما # وقال فيه أيضا: # أبا جعفر خف خفضة بعد رفعة ... وقصر قليلا عن مدى غلوائكا # فإن كنت قد أوتيت عزا ورفعة ... فإن رجائي في غد كرجائكما # وقال فيه أيضا: # دعوتك في بلوى ألمت صروفها ... فأوقدت من ضغن علي سعيرها # وإني إذا أدعوك عند ملمة ... كداعية بين القبور نصيرها ms184 # ومما قال فيه: # أخ كنت آوى منه عند ادكاره ... إلى ظل آباء من العز باذخ # سعت نوب الأيام بيني وبينه ... فأقلعن منا عن ظلوم وصارخ # وإني وإعدادي لدهري محمدا ... كملتمس إطفاء نار بنافخ # وقال فيه: # فإن تكن الدنيا أنالتك ثروة ... فأصبحت ذا يسر وقد كنت ذا عسر # فقد كشفت الإثراء منك خلائقا ... من اللؤم كانت تحت ثوب من الفقر # وتغير الزمان ورأى ابن الزيات تغيرا من الواثق فخافه، وفرق مالا عظيما، PageV01P211 ### | CHECK [212_2] # وجوهرا نفيسا، في ثقاته ومعامليه من التجار، والصولي يعاديه ويرصد له ~~بالمكاره لإساءته إليه، فنظم أبياتا وأشاعها حتى بلغت الواثق يغريه به؛ وفي ~~السنة التي قبض فيها ابن الزيات على الصولي، هلك ابن الزيات في حبس ~~المتوكل. # ولما أمر المتوكل إبراهيم بن العباس الصولي أن يكتب فيما كان أمر به من ~~تأخير الخراج حتى يقع في خمس من حزيران ويقع استفتاح الخراج به، كتب في ذلك ~~كتابه المعروف، وأحسن فيه غاية الإحسان، فدخل عبيد الله بن يحيى على ~~المتوكل، فعرفه حضور إبراهيم بن العباس وإحضاره الكتاب معه، فأمر بالإذن ~~له، فدخل وأمره بقراءة الكتاب فقرأه، واستحسنه عبيد الله بن يحيى وكل من ~~حضر؛ قال البلاذري فدخلني حسد له فقلت: فيه خطأ، قال فقال المتوكل: في هذا ~~الكتاب الذي قرأه علي إبراهيم خطأ؟ قال: قلت نعم، قال: يا عبيد وقفت على ~~ذلك؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين، ما وقفت فيه على خطأ، قال: فأقبل ~~إبراهيم بن العباس على الكتاب يتدبره، فلم ير فيه شيئا، فقال: يا أمير ~~المؤمنين، الخطأ لا يعرى منه الناس، وتدبرت الكتاب خوفا من أن أكون قد ~~أغفلت شيئا وقف عليه أحمد بن يحيى فلم أر ما أنكره، فليعرفنا موضع الخطأ، ~~قال فقال المتوكل: قل لنا ما هو هذا الخطأ الذي وقفت عليه في هذا الكتاب، ~~قال: فقلت هو شيء لا يعرفه إلا علي بن يحيى المنجم ومحمد بن موسى وذلك أنه ~~أرخ الشهر الرومي بالليالي، وأيام الروم قبل لياليها، فهي لا تؤرخ ~~بالليالي، ms185 وإنما يؤرخ بالليالي العرب، لأن لياليها قبل أيامها بسبب الأهلة، ~~فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين هذا ما لا علم لي به ولا أدعي فيه ما يدعي، ~~قال: فغير تاريخه. # وقد عرف من سيرة الصولي أنه كان يستمتع بمباهج الحياة ومناعمها، ويتبسط ~~في مجالسه مع عشرائه، ويصرف جانبا من وقته في اللهو، ومداعبة الغواني ~~والقيان. هوي جارية لبعض المغنين بسر من رأى يقال لها شاهر شهر بها، وكان ~~منزله لا PageV01P212 ### | CHECK [213_2] # يخلو منها؛ وله معها وقائع وتجنيات، وقال فيها أشعارا كثيرة وكانت هي ~~شاعرة، وكانت تهواه أيضا، فعاتبها وعاتبته، وغازلها وغازلته، وما زالا كذلك ~~حتى فرق الموت بينهما. # وكأن الصولي كان يرى من حقه أن يحب، ومن حقه أن يطرب ويمجن، وأن يسمع ~~الغناء والموسيقي، ويخلع أثواب الوقار في بعض ساعات يومه، وما كان يرى في ~~ذلك بأسا، بل يعتقد أن هذه الملاهي مما يخفف من تعبه، ويزيد في الإمتاع ~~بأدبه. ولقد قال له بعضهم ذات يوم: قد أخملت نفسك ورضيت أن تكون تابعا ~~أبدا، لاقتصارك على القصف واللعب، فأنشأ يقول: # إنما المرء صورة ... حيث حلت تناهت # أنا مذ كنت في الت ... صرف لي حال ساعتي # وهذا سر تخلفه في عمله الإداري، يلقي الحبل على الغارب، ويلتفت لإرضاء ~~نفسه بما تصبو إليه من راحة ونعيم؛ وربما كان ذلك من دواعي معاداته بعض ~~رجال الدولة، ومنهم من كان يريد أن يستوفي مال السلطان منه، فيما يولاه من ~~الأعمال الجليلة، ومنهم من يحاول أن يشاطره مغانمه، ويريده أن ينزل على ~~إرادته، أو يصادره ويسعى به إلى السلطان. # استلزمت حياة الصولي الخاصة تعرف طرق الأخذ من المال، وإنفاقه فيمن كان ~~يحيط به من الناس، وهو في كرمه على أخلاق عالية، ولعله كان من المتعذر في ~~ذاك العصر أن يعتصم العامل بعصمته من كل وجه، ويعف عن كل منكر؛ ولو فعل ذلك ~~لقضت الحال أن ينعزل في رأس جبل أو يأوي إلى بعض الرباطات يجاهد في سبيل ~~الله قانعا مخبتا. والمجتمع لا يعيش بهذا ms186 المقتر، ولا بذاك المسرف. # أدبه وكتابته: PageV01P213 ### | CHECK [214_2] # كأن ملكة النثر والنظم كانت كالشيء الواحد في نظر الصولي، إن شاء نثر، ~~وإن شاء شعر، والإجادة مكتوبة له في كلتا الوجهتين، وما كان شعره لولا ~~أوزانه وقوافيه إلا نثرا، وبعمل قليل يحال نثره شعرا وشعره نثرا. كان ~~إبراهيم بن العباس إن قال الشعر كأنه يخطب أو يكتب، وإذا كتب الكتاب وخطب ~~الخطاب كان كأنه يشعر، فأكذب من قالوا إنه لا إجادة لشاعر في الكتابة، وبحق ~~دعي كاتب في الشعر. فهو إمام في الصناعتين، فرد في الكتابة، وبحق دعي كاتب ~~العراق، وعد زمرة أعاظم الشعراء؛ وهذا من أندر ما وقع لمن عانوا صناعة ~~القلم منذ القديم وإلى اليوم. # يقول المسعودي إنه لا يعلم فيمن تقدم وتأخر من الكتاب أشعر منه، وكان ~~دعبل يقول: لو تكسب إبراهيم بالشعر لتركنا في غير شيء، وتعجب من قوله: # إن امرأ ضن بمعروفه ... عني لمبذول له عذري # ما أنا بالراغب في خيره ... إن كان لا يرغب في شكري # قال ابن رشيق: والكتاب أرق الناس في الشعر طبعا، وأملحهم تصنيعا، وأحلاهم ~~ألفاظا، وألطفهم معاني، وأقدرهم على تصرف، وأبعدهم من تكلف؛ وقد قيل الكتاب ~~دهاقين الكلام، وما نزيدك على قول إبراهيم بن العباس الصولي بين يدي ~~المتوكل حين أحضر لمناظرته أحمد ابن المدبر. فقال ارتجالا: # صد عني وصدق الأقوالا ... وأطاع الوشاة والعذالا # أتراه يكون شهر صدود ... وعلى وجهه رأيت الهلالا # وكان أحمد بن ثعلب يقول إبراهيم بن العباس أشعر المحدثين، وما روي شعر ~~كاتب غيره، وكان بستجيد قوله: # لنا إبل كوم يضيق بها الفضا ... ويغير منها أرضها وسماؤها # فمن دونها أن تستباح دماؤنا ... ومن دوننا أن تستباح دماؤها PageV01P214 ### | CHECK [215_2] ### | AUTO حمى وقرى فالموت دون مرامها ... وأيسر خطب يوم حق فناؤها # ويقول والله لو أن هذا لبعض الأوائل لا ستجيد له. # وسمع إبراهيم بن العباس يقول لأبي تمام الطائي، وقد أنشده شعرا له في ~~المعتصم: يا أبا تمام أمراء الكلام رعية لإحسانك، فقال له أبو تمام: لأني ~~أستضيء بك، ms187 وأرد شرعتك. # ولما قرأ إبراهيم على المتوكل رسالته إلى أهل حمص: أما بعد فإن أمير ~~المؤمنين يرى من حمد الله عليه بما قوم به من أود، وعدل به من زيغ، ولم به ~~من منتشر، استعمال ثلاث، يقدم بعضهن أمام بعض، أولاهن ما يتقدم به من تنبيه ~~وتوقيف، ثم ما يستظهر به من تحذير وتخويف، ثم التي لا يقع بحسم الداء غيرها. # أناة، فإن لم تغن عقب بعدها ... وعيدا، فإن لم تغن، أغنت عزائمه # عجب المتوكل من حسن ذلك، وأومأ إلى عبيد الله، أما تسمع؟ فقال: يا أمير ~~المؤمنين إن إبراهيم فضيلة خبأها الله لك، واحتبسها على أيامك؛ وهذا أول ~~شعر نفذ في كتاب عن خلفاء بني العباس. # وكتب إلى أمير المؤمنين عن بعض البغاة الخارجين يتهددهم ويتوعدهم، وما ~~زاد أن وضع خمس كلمات في أول البيت السابق، فأصبح كتابا منثورا قال: # أما بعد فإن لأمير المؤمنين أناة، فإن لم تغن عقب بعدها وعيدا، فإن لم ~~تغن أغنت عزائمه والسلام. # واشتهر إبراهيم بإيجازه في رسائله؛ ومن ذلك رسالة له أنشأها في بعض ~~العصاة الذين نصبت جثثهم للاعتبار. قسم الله عدوه أقساما ثلاثة: روحا معجلة ~~إلى دار عذاب الله، وجثة منصوبة لأبصار أولياء الله، ورأسا منقولا إلى ~~خلافة الله. ### | AUTO حدث أبو بكر الصولي عن العباس بن محمد قال: أنشدني إبراهيم بن ~~العباس في مجلسه في ديوان الضياع: PageV01P215 ### | CHECK [216_2] # ربما تجزع النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال ونكت بقلمه ثم قال: # ولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ذرعا وعند الله منها المخرج # ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ... فرجت وكان يظنها لا تفرج # قال: فعجبنا من سرعة طبعه، وجودة قريحته؛ وشاعت الأبيات الثلاثة في ~~المتأخرين حتى أصبحت مما لا يكاد يغفل عن التمثل أحد؛ وكذلك كثير من ~~أبياته، وقل في الناس من يعرف ناظمها. # ومما ذكروا من بدائع بدائعه: أنه خرج ودعبل الخزاعي وأخوه رزين في نظراء ~~من أهل الأدب رجالة إلى بعض البساتين في خلافة المأمون، وذلك في زمن خمول ~~إبراهيم، فلقوا ms188 جماعة من أهل السواد من حمال الشوك، فأعطوهم شيئا وركبوهم ~~حميرهم، فأنشأ إبراهيم يقول: # أعيضت عن حمول الشو ... ك أحمالا من الحرف # نشاوى لا من الصهبا ... ء بل من شدة الضعف # فقال رزين: # فلو كنتم على ذاك ... تميلون إلى قصف # تساوت حالكم فيه ... ولم تبقوا على خسف # فقال دعبل: # وإذا فات الذي فات ... فكونوا من أولى الظرف # ومروا نقصف اليوم ... فإني بائع خفي # ثم باع خفه وأنفق ثمنه عليهم. # ومما أنشد الصولي ثعلبا لنفسه: # كم قد تجرعت من حزن ومن غصص ... إذا تجدد حزن هون الماضي # وكم غضبت فما باليتم غضبي ... حتى رجعت بقلب ساخط راضي PageV01P216 ### | CHECK [217_2] # قال أبو بكر الصولي كأنه أخذه عندي من قول خاله العباس بن الأحنف: # تعلمت ألوان الرضا خوف عتبها ... وعلمها حبي لها كيف تغضب # ولي غير وجه قد عرفت مكانه ... ولكن بلا قلب إلى أين أذهب # ومما يتمثل به من شعره قوله: # ورب أخ ناديته لملمة ... فألفيته منها أجل وأعظما # ومما أثر له: # لا تمدحن ابن سهل إن وجدت له ... فعلا جميلا ولا تعذل إذا أزما # فليس يمنع إبقاء على نشب ... وليس يعطي الذي يعطيه معتزما # لكنها خطرات من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما # ربما كان لإبراهيم دوران اخصب فيهما شعره ونثره، دور افتتانه بتلك القينة ~~الشاعرة في سامرا، ودور اضطهاد محمد بن عبد الملك الزيات له، وهياج النفس ~~بالحب، وهياج النفس بالشدة، مدعاة إلى تفتح القريحة عند بعض الناس؛ فمن ~~كتبه يستعطف ابن الزيات: كتبت إليك وقد بلغت المدية المحز، وعدت الأيام ~~علي، بعد عدوي بك عليها، وكان أسوأ ظني وأكثر خوفي أن تسكن في وقت حركتها، ~~وتكف عند أذاتها، فصرت على أضر منها، وكف الصديق عن نصرتي خوفا منك، وبادر ~~إلي العدو تقربا إليك وكتب تحت ذلك: # أخ بيني وبين الده ... ر صاحب أينا غلبا # صديق ما استقام فإن ... نبا دهر علي نبا # وثبت على الزمان به ... فعاد به وقد وثبا # ولو عاد الزمان لنا ... لعاد به أخا حدبا ms189 # وكتبت إليه: أما والله لو أمنت ودك لقلت، ولكني أخاف منك عتبا لا تنصفني ~~فيه، وأخشى من نفسي لائمة لا تحتملها لي، وما قدر فهو كائن، وعن كل حادثة PageV01P217 ### | CHECK [218_2] # أحدوثة، وما استبدلت بحالة كنت فيها مغتبطا، حالة أنا في مكروهها وألمها ~~أشد علي من أني فزعت إلى ناصري عند ظلم لحقني، فوجدت من ظلمني أخف في ظلمي ~~منه، وأحمد الله كثيرا. # ولما انحرف الوزير عن الصولي تحاماه الناس أن يلقوه، وكان الحارث المغني ~~صديقا له مصافيا، وهجره في من هجره من الإخوان، فكتب إليه: # تغير لي فيمن تغير حارث ... وكم من أخ قد غيرته الحوادث # أحارث إن شوركت فيك فطالما ... غنينا وما بيني وبينك ثالث # دخل أحمد بن المدبر على إبراهيم بعد خلاصه من النكبة مهنئا، وكان استعان ~~به في أمر النكبة فقعد عنه، وهو الذي كان جاهره العداوة في حضرة المتوكل، ~~وأغضى الخليفة عما نسب إلى الصولي، وكان بلغه أن ابن المدبر حرض عليه ابن ~~الزيات، فقال الصولي: # وكنت أخي بالدهر حتى إذا نبا ... نبوت فلما عاد عدت مع الدهر # فلا يوم إقبالي عددتك طائلا ... ولا يوم إدباري عددتك من وتر # وما كنت إلا مثل أحلام نائم ... كلا حالتيك من وفاء ومن غدر # وله فيه أيضا: # لو قيل لي خذ أمانا ... من أعظم الحدثان # لما أخذت أمانا ... إلا من الخلان # وقال: # بلوت الزمان وأهل الزمان ... وكل بلوم وذم حقيق # فأوحشني من صديقي الزمان ... وآنستي بالعدو الصديق # وقوله: # يا أخا لم أر في الدهر خلا ... قبله أسرع هجرا ووصلا PageV01P218 ### | CHECK [219_2] # كنت لي في صدر يومي صديقا ... فعلى عهدك أمسيت أم لا ### | AUTO حكى الجهشياري قال: رأيت دفترا بخط إبراهيم بن العباس الصولي ~~فيه شعر قاله في حبس موسى بن عبد الملك، أخي محمد بن عبد الملك الوزير، يصف ~~غليظ ما فيه من الحبس، وثقل الحديد والقيد، ويذكر موسى في شعره، وكان يكنى ~~بأبي الحسن، فكناه بأبي عمران. فقال في قصيدة طويلة: # كم ترى يبقى على ذا بدني ms190 ... قد بلى من طول همي وفني # أنا في أسر وأسباب ردى ... وحديد فادح يكلمني # وأبو عمران موسى حنق ... حاقد يطلبني بالإحن # ليس يشفيه سوى سفك دمي ... أو يراني مدرجا في كفن # وقد كتب أحمد بن المدبر بخطه في ظهر هذا الدفتر: # أبا إسحاق إن تكن الليالي ... عطفن عليك بالخطب الجسيم # فلم أر صرف هذا اهر يجري ... بمكروه على غير الكريم # وله أبيات في الغزل والنسيب فيها إبداع جميل، ومنها: # وعلمتني كيف الهوى وجهلته ... وعلمكم صبري على ظلمكم ظلمي # وأعلم مالي عندكم فيردني ... هواي إلى جهلي فأرجع عن علمي # وقال وأورده أبو تمام في الحماسة: # ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة ... إلي فهلا نفس ليلى شفيعها # أأكرم من ليلى علي فتبتغي ... به الجاه أم كنت أم لا أطيعها # وقال: # تدانت بقوم عن تناء زيارة ... وشط بليلى عن دنو مزارها # وإن مقيمات بمنزعج اللوى ... لأقرب من ليلى وهاتيك دارها # وقال: PageV01P219 ### | CHECK [220_2] # وليلى كمثل النار ينفع ضوءها ... بعيدا نأى عنها ويحرق جارها # ومما قال في حسن الحديث: # إن الزمان وما ترين بمفرقي ... صرف الغواية فانصرفت كريما # وضجرت إلا من لقاء محدث ... حسن الحديث يزيدني تعليما # ومن قوله: # لا تلمني فإن همك أن تث ... رى وهمي مكارم الأخلاق # كيف يستطيع حفظ ما جمعت كف ... اه من ذاق لذة الإنفاق # ومن إشاراته: # لا يمنعك خفض العيش في دعة ... نزوع نفس إلى أهل وأوطان # تلقى بكل بلاد إن حللت بها ... أهلا بأهل وجيرانا بجيران # وقال: # لا نهنيك بطوس ... بل نهني بك طوسا # أصبحت بعد طلاق ... بك بالفضل عروسا # وقال في أبى الوليد أحمد بن أبي الورد: # عفت مساو تبدت منك فاضحة ... على محاسن أبقاها أبوك لكا # لئن تقدمت أبناء الكرام بها ... لقد تقدم آباء اللئام بكا # وقال: # وأنت هوى النفس من بينهم ... وأنت الحبيب وأنت المطاع # فما بك أن بعدوا وحدة ... ولا معهم إن بعدت اجتماع # ومما نسب إليه: # كن كيف شئت وقل ما تشا ... ء وأبرق يمينا وأرعدا شمالا # نجا بك لؤمك منجي الذبا ... ب حمته ms191 مقاذرة أن ينالا PageV01P220 ### | CHECK [221_2] # ومن تغزله: # أراك فلا أرد الطرف كيلا ... يكون حجاب رؤيتك الجنون # ولو أني نظرت بكل عين ... لما استقصت محاسنك العيون # ومن شعره وهو مما صار في حكم الأمثال شيوعا، وقيل هو لأبي تمام الطائي ~~وهو الأرجح: # أولى البرية طرا أن تؤاسيه ... عند السرور الذي آساك في الحزن # إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المواطن الخشن # وأنشد الأخفش من شعر الصولي الأبيات الثلاثة التالية، وكان يفضلها ~~ويستجيدها: # أميل مع الصديق علي ابن أمي ... وأقضي للصديق على الشقيق # وإما تلقني حرا مطاعا ... فإنك واجدي عبد الصديق # أفرق بين معروفي ومني ... وأجمع بين مالي والحقوق # قال المسعودي: ومما استحسن من شعره الذي لم يسبقه عند جماعة أهل الأدب ~~أحد من زمانه قوله: # لنا إبل كوم يضيق بها الفضا الخ # وهي الأبيات الثلاثة التي تقدمت، وكان ثعلب يستحسنها. ويقول أبو هلال ~~العسكري في ديوان المعاني، ومن المديح الباع قول إبراهيم بن العباس: # أسد ضار إذا هيجته ... وأب بر إذا ما قدرا # يعلم الأبعد إن أثرى ولا ... يعلم الأدنى إذا ما افتقر # قال وقد أحسن إبراهيم في قوله: # إما تريني أمام القوم متبعا ... فقد أرى من وراء الخيل أتبع # يوما أنيخ أبقى على نشب ... وأستبيح فلا أبقى ولا أدع # لا تسألي القوم عن حي صحبتهم ... ماذا صنعت وماذا أهله صنعوا PageV01P221 ### | CHECK [222_2] # ونقل له قوله: # فكن كيف شئت وقل ما تشا ... وأبرق يمينا وأرعد شمالا # إلى آخر ما ورد آنفا. # قال وهذه الأبيات وإن كانت مشهورة، فإن لإيرادها ههنا معنى كبيرا، وذلك ~~أني لست أجد خيرا منها في معناها وأجود. # وقال المرزباني أيضا: وأنشدني أبو أحمد أنشدني أبو مسلم بن بحر لإبراهيم ~~بن العباس، وهي أبيات مشهورة أوردتها لأني لست أجد مثلها في معناها. # ولما رأيتك لا فاسقا ... تهاب ولا أنت بالزاهد # وليس عدوك بالمتقي ... وليس صديقك بالحامد # أتيت السوق سوق الرقيق ... فناديت هل فيك من زائد # على رجل غادر بالصدي ... ق كفور لنعمائه جاحد # فما ms192 جاءني رجل واحد ... يزيد على درهم واحد # سوى رجل حار منه الشقا ... وحلت به دعوة الوالد # فبعتك منه بلا شاهد ... مخافة أدرك بالشاهد # وأبت إلى منزلي سالما ... وحل البلاء على الناقد # قال وقد أحسن التصرف فيها فما قاربه في معانيها أحد. قال: ومن ظريف ~~الشكاية قول إبراهيم: # فدعني راغما أشقى بوجدي #وخذ قلبي إليك بغير حمد # سقام لا يرق عليمنه ... ووجه لا يكافئه بود # وقد أصفيته ودي بجهدي ... فعاض في الجفاء بمثل جهدي # ومما يجب على الرؤساء أن يحفظوا قوله: # تزيده الأيام إن أقبلت ... حزما وعلما بتصاريفها PageV01P222 ### | CHECK [223_2] # كأنها في وقت إسعافها ... تسمعه صوت تخاريفها # ومما أحسن فيه على نظرائه قوله: # سيقا ورعيا لأيام لنا سلفت ... بكيت منها فصرت اليوم أبكيها # كذاك أيامنا لا شك نندبها ... إذا تقضت ونحن اليوم نشكيها # وقال: # قلت لها حين أكثرت عل ... ي ويحك أزرت بنا المروءات # قالت فأين الكرام قلت لها ... لا تسألي عنهم فقد ماتوا # وقال: # خل النفاق لأهله ... وعليك فالتمس الطريقا # وارغب بنفسك أن ترى ... إلا عدوا أو صديقا # وقال: # وعابك أقوام فقالوا شبيهة ... ببدر الدجى حاشاك أن تشبهي # لئن شبهوك البدر ليلة تمه ... لقد قارنوا الشنعاء واقترفوا الوزرا # أيشبه بدر آفل نصف شهره ... ضياء منيرا يطلع الشهر والدهر # ومن قوله في الفضل بن سهل وهو كسائر شعره كأنه نثر: # لفضل بن سهل يد ... تقاصر عنها المثل # فبسطتها للغنى ... وسطوتها للأجل # وباطنها للندى ... وظاهرها للقبل # وقوله: # تمر الصبا صفحا بساكن ذي الغضا ... ويصدح قلبي أن يهب هبوبها # قريبة عهد بالحبيب وإنما ... هوى كل نفس حيث حل حبيبها # وزالت زوال الشمس عن مستقرها ... فمن مخبري في أي أرض مغيبها PageV01P223 ### | CHECK [224_2] # تطلع من نفسي نوازع ... عوارف إن اليأس منك نصيبها # ومما ينسبه إليه: # يمن عليكم بأموالكم ... وتعطوا من مائة واحدا # ونقل المرزباني: # ومؤمل للنائبات إذا ... هب الزمان بأزره هبا # لما رآني نهب حادثة ... جعل الذخائر دونها نهبا # ونقل له ياقوت قوله: # ولكن الجواد أبا هاشم ... وفي العهد مأمون المغيب # بطيء عند ما ms193 استغنيت عنه ... وطلاع عليك مع الخطوب # فقال: إن هذا من نادر الشعر وجيده. وقال أيضا: ومن أحسن ما قيل في قصر ~~الليل قول إبراهيم بن العباس: # وليلة من الليالي الزهر ... قابلت فيها بدرها ببدر # لم تك غير شفق وفجر ... حتى تولت وهي بكر الدهر # ومن شعره والناس يرونه لغيره: # ليلة كاد يلتقي طرفاها ... قصرا وهي ليلة الميلاد # وهكذا تكاد لا ترى للصولي إلا البيتين والثلاثة، ومنها ما يغنى عن قصيدة ~~أو قصائد. ذكروا أن عبد الله بن العباس وهب لأخيه إبراهيم بن العباس ثلث ~~ماله، ووهب لأخته الثلث الآخر، فصار مساويا لهما في المال. فقال إبراهيم: # ولكن عبد الله لما حوى الغنى ... وصار له من بين إخوته مال # رأى خلة منهم تسد بماله ... فساهمهم حتى استوت بهم الحال # وكان لإبراهيم ابن قد يفع وترعرع، وكان معجبا به، فاعتل علة لم تطل حتى ~~مات، فرثاه مراثي كثيرة، وجزع عليه جزعا شديدا، فمن مراثيه: PageV01P224 ### | CHECK [225_2] # أنت السواد لمقلة ... تبكي عليك وناظر # من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر # قال الحسين بن علي الباقطائي: شاور أبا الصقر وزارته في أمر لي، فعرفني ~~الصواب. فقلت له: أنت أيدك الله كما قال إبراهيم بن العباس في هذا المعنى: # أتيتك شتى الرأي لابس حيرة ... فسددتني حتى رأيت العواقبا # على حين ألقى الرأي دوني حجابه ... فجبت الخطوب واعتسفت المذاهبا # فقال: لا تبرح والله حتى أكتب البيتين، فكتبتهما له بين يديه بخطي. # نثره وطريقته: # خلطنا نثر الصولي بشعره، وكان الغرض أن نقتصر على نثره دون شعره، ~~والإنشاء مرمانا في هذه الورقات، ولكن هكذا جاء؛ وفي شعره كما في نثره ما ~~يتعلم منه ويحتذي، وشعره لمن يحاول أن يترجم له أصدق وثيقة تترجم عنه، ثم ~~إن الباقي من شعره كثير، لا يوازيه المأثور من نثره. وللصولي فيما ذكره ابن ~~النديم كتاب ديوان رسائله، وكتاب ديوان شعره، وكتاب الدولة كبير، وكتاب ~~الطبيخ، وكتاب العطر، وكلها في المفقودات. # يقول المسعودي إن الصولي كان يتكسب في حداثته بشعره، ورحل إلى الملوك ms194 ~~والأمراء ومدحهم طلبا لجدواهم. وقال إن له مكاتبات قد دونت، وفصولا حسانا ~~من كلامه قد جمعت. ومما استحسن من فصوله، وكلها في نهاية الجودة: وقديما ~~غذت المعصية أبناءها فحلبت عليهم من درها مرضعة، وبسطت لهم من أمانيها ~~مطمعة، وركبت فيهم مخاطرها موضعة، حتى إذا رتعوا فأمنوا، وركبوا فاطمأنوا، ~~وانقضى رضاع وآن فطام، سقتهم سما ففجرت مجاري ألبانها دما، وأعقبتهم من حلو ~~غذائها مرا، وحطت بهم من معقل إلى عقال، ومن حسرة إلى حسرة، قتلا وأسرا، ~~وإباحة وقسرا، وقل من أوضع في الفتنة مرهجا في لهبها، PageV01P225 ### | CHECK [226_2] # واقتحم لهنها مؤججا، إلا استقحمته آخذة بمخنقة، وموهنة بالحق كيدة، حتى ~~تجعله لعاجلة جزرا، ولآجله حطبا، وللحق موعظة، وللباطل حجة، ذلك لهم جزاء ~~في الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر، وما ربك بظلام للعبيد. # كان الكاتب عبد الله بن عمرو من بني عبدكان المصرييين يستصغر كتاب سر من ~~رأى لما وردها ولا يرضى أحدهم. فلما أدخلوه على إبراهيم ابن العباس، وهو ~~يملي رسالة في قتل إسحاق بن إسماعيل، سمع ما أعجبه فقال: هذا من تلد النساء ~~مثله، فإني سمعته يملي شيئا كأنه فيه نذير مبين. ومن كلامه: ووجد أعداء ~~الله زخرف باطلهم، وتمويه كذبهم، سرابا بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا ~~جاءه لم يجده شيئا، وكوميض برق عرض فأسرع، ولمع فأطمع، حتى انحسرت مشرقة ~~مغاربه، وتشعبت مولية مذاهبه، وأيقن راجيه وطالبه، ألا ملاذ ولا وزر، ولا ~~مورد ولا مصدر، ولا من الحرب محصر، وهناك ظهرت عواقب الحق منجية، وخواتم ~~الباطل مردية، سنة الله فيما أزاله وأداله، ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولا ~~لقضائه تحويلا. # وله في غرض التعزية رسالة منه إلى الخليفة الواثق بالله يعزيه بالمعتصم: ~~إن أحق الناس بالشكر من جاء به عن الله، وأولاهم بالصبر من كان سلفه رسول ~~الله، وأمير المؤمنين أعزه الله، وآباؤه نضرهم الله، أولو الكتاب الناطق عن ~~الله بالشكر، وعترة رسوله المخصوصون بالصبر، وفي كتاب الله أعظم الشفاء، ~~وفي رسوله أحسن العزاء، وقد كان من وفاة أمير المؤمنين المعتصم ms195 بالله، ومن ~~مشيئة الله في ولاية أمير المؤمنين الواثق بالله، ما عفى أوله على آخره، ~~وتلافت بدأته عاقبته، فحق الله في الأولى الصبر، وفرض في الأخرى الشكر، فإن ~~رأى أمير المؤمنين أن يستجيز ثواب الله بصبره، ويستدعي زيادته بشكره، فعل ~~إن شاء الله وحده. PageV01P226 ### | CHECK [227_2] # وله تعزية على لسان الخليفة إلى طاهر بن عبد الله مولى أمير المؤمنين. ~~وقد يجيد الكاتب إذا كتب لنفسه ولا يجيد إذا كتب بلسان غيره. إلا أن ~~إبراهيم في ذلك سواء وغاية قال: # أما بعد، تولى الله توفيقك وحياطتك، وما يرتضيه منك ويرضاه عنك، إن أفضل ~~النعم نعمة تلقيت بحق الله فيها من الشكر، وأوفر حادثة أدي حق الله فيها من ~~الرضاء والتسليم والصبر، ومثلك من قدم ما يجب لله في النعمة فشكرها، وفي ~~مصيبة فأطاعه فيها، وقد قضى الله سبحانه وتعالى في محمد بن اسحق مولى أمير ~~المؤمنين أدام الله عزه، وتقديم ما يقدم مثله الحجا والفهم، ما اعتاضه ~~متعاض، وقدمه موفق، فليكن الله عز وجل وما أطعته به، وقدمت حقه فيه أولى بك ~~في الأمور كلها، فإنك إن تتقرب إليه في المكروه بطاعته يحسن ولايتك في ~~توفيقك لشكر نعمه عليك. # ومن توقيعاته توقيع كتبه في متاب عامل له يعتد بحسن أثر، ويمت بمقام ~~محمود: يا هذا لست أشك أن لك أثرا في التوفير كان من تقدمك مقصرا عنه، وأنك ~~معني محتاط. غير أنك عفيت على ما أحمدت منك بما يتناهى إلي عنك على ألسن ~~المتظلمين وأصحاب الأخبار. وذكر لي فلان ما جرى بينك وبين أخيه ما كثر وصفه ~~له، وقام منه وقعد، وتالله لأكونن الباحث عليك والمطالب لك دونه، لإقدامك ~~على شيخ ابن ستين سنة بما أقدمت به عليه، وأف لدنيا اضطرت إليكم فكنتم خيار ~~من يعمل فيها، وأبرأ إلى الله من أعمالكم التي رجعتم بها إلى أنفسكم ~~ونياتكم. # ومن تحميداته في الفتح: # فالحمد لله المزيل لما يمهد المبلطون، ويمكر به الماكرون، ويكيد به ~~الملحدون، تمكينا لعبده وخليفته، وذبا عن دينه وحقه، ms196 وإظهارا لأوليائه ~~وحزبه، وإمضاء PageV01P227 ### | CHECK [228_2] # لعزائمه وقدرته، منعما قادرا، وممليا ممهلا، عدل إذا استدرج، متفضلا إذا ~~أنعم، حمدا به يستنزل نصره، ويبلغ به رضوانه، ويمتري بمثله فواضل مزيده. # ومن آخر. # والحمد لله بجميع محامده التي حمد بها، على جميع آلائه، وجميل بلائه، ~~فيما ولي به خليفته، ونصر به دينه، وأقام به حقه، وأقر به وليه، وقمع به من ~~ألحد عن سبيله، حمدا يؤدي حق نعمته، ويوجب به أفضل مزيده، بمنه وطوله. # وله في فتح إسحاق بن إسماعيل: # الحمد لله معز الحق ومديله، وقامع الباطل ومزيله، الطالب فلا يفوته من ~~طلب، والغالب فلا يعجزه من غلب، مؤيد خليفته وعبده، وناصر أوليائه وحزبه، ~~الذين أقام بهم دعوته، وأعلى بهم كلمته، وأظهر بهم دينه وأدال بهم حقه، ~~وجاهد بهم أعداءه، وأ، ار بهم سبيله، حمدا يتقلبه ويرضاه، ويوجب أفضل عواقب ~~نصره، وسوابغ نعمائه. # وله تحميد آخر: # أما بعد، فالحمد لله الأول بلا أبد يحصي، والآخر بلا أمد يفنى، الظاهر ~~لخلقه بعزته، العزيز في سلكانه بعظمته، الفرد بوحدانيته بقدرته، المدبر في ~~ملكه بجبروته، الذي نأى عن الأشياء أن يكون فيها محويا، واتصل بها فلم يك ~~من علمها خليا، وهو فيها غير مستكن، ومعها غير مماس، في لجج البحار، ومفاوز ~~القفار، وشوامخ الجبال، وكثبان الرمل، مع كل خلق، في كل أفق، وعلى كل شرف ~~ومكان، وفي كل وقت وأوان، موجود إذا طلب، وقريب حيث ندب، عالم خفيات ~~الغيوب، وخطرات القلوب، وما في السماوات وما في الأرض، ما يكون من نجوى ~~ثلاثة إلا هو رابعهم، ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر ~~إلا هو معهم، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض PageV01P228 ### | CHECK [229_2] # ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين. # ومن توقيعاته ما وقع به لرجل مت إليه بحرمة: # تقدمت بحرمة مألوفة، ووسيلة معروفة، أقوم بواجبها، وأرعاها من جميع ~~جوانبها. وورد إليه بعض الكتاب بذم رجل ومدح آخر فوقع في كتابه: إذا كان ~~للمحسن من ms197 الجزاء ما يقنعه، وللمسيء من النكال ما يقمعه، بذل المحسن الواجب ~~على رغبة، وانقاد المسيء للحق رهبة، فوثب الناس يقبلون يده. وكتب شفاعة ~~لرجل إلى بعض إخوانه: فلان مما يزكو شكره، ويحسن ذكره، ويعنيني أمره، ~~والصنيعة عنده واقعة موقعها، وسالكة طريقها: # وأفضل ما يأتيه ذو الدين والحجا ... إصابة شكر لم يضع معه أجر # وقال: الكريم أوسع ما تكون مغفرته، إذا ضاقت بالمذنب معذرته ومن منثور ~~كلامه: أتاني فلان في وقت استثقل فيه لحظة الفرح. # وقال: كأن ابن أخي خلق من ثلاثة أشياء: من الثلج والمصل والعذرة، بارد ~~حامض منتن. وكان يقول مثل أصحاب السلطان مثل قوم علوا جبلا ثم وقعوا منه، ~~أقربهم إلى التلف أبعدهم من الارتقاء. # وقيل له إن فلانا يجب أن يكون لك وليا فقال: أنا والله أحب أن يكون الناس ~~جميعا إخواني، ولكني لا آخذ منهم إلا من أطيق قضاء حقه، وإلا استحالوا ~~أعداء؛ وما مثلهم إلا كمثل النار قليلها مقنع، وكثيرها محرق. وكان يقول: ~~مثل الأصدقاء كالنار، قليلها متاع، وكثيرها بوار. # وقال: لو وزنت كلمات النبي عليه السلام: إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ~~فسعوهم بأخلاقكم بكلام أهل الأرض لرجحت. # كتب الصولي على لسان المتوكل إلى عماله في الآفاق كتابه بأخذ أهل الذمة ~~كلهم بلبس الطيالسة العسلية والزنانير. قال: بسم الله الرحمن الرحيم. أما ~~بعد: فأن الله PageV01P229 ### | CHECK [230_2] # تبارك وتعالى بعزته التي لا تحاول، وقدرته على ما يريد، اصطفى الإسلام ~~فرضيه لنفسه، وأكرم به ملائكته، وبعث به رسله، وأيد به أولياءه، وكنفه ~~بالبر، وحاطه بالنصر، وحرسه من العاهة، وأظهره على الأديان، مبرا من ~~الشبهات، معصوما من الآفات، محبوا بمناقب الخير، ومن الأحكام بأعدلها ~~وأقنعها، ومن الأعمال بأحسنها وأقصدها، وأكرم أهله بما أحل لهم من حلاله، ~~وحرم عليهم من حرامه، وبين لهم من شرائعه وأحكامه، وحد لهم من حدوده ~~ومناهجه، وأعد لهم من سعة جزائه وثوابه. فقال في كتابه فيما أمر به ونهى ~~عنه، وفيما حض عليه فيه ووعظ، إن الله يأمر بالعدل الإحسان وإيتاء ذي ~~القربى، ms198 وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. وقال فيما ~~حرم على أهله مما عمط فيه من رديء المطعم والمشرب والمنكح لينزههم عنه، ~~وليطهر به دينهم، ليفضلهم عليهم تفضيلا: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة)، إلى آخر الآية. ثم ختم ما حرم ~~عليهم من ذلك في هذه الآية بحراسة دينه ممن عند عنه، وبإتمام نعمته على ~~أهله الذين اصطفاهم، فقال عز وجل: (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا ~~تخشونهم واخشوني)، (اليوم أكملت لكم دينكم) الآية. وقال عز وجل: (حرمت ~~عليكم أمهاتكم وبناتكم) الآية. وقال: (إنما الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام رجس من عمل الشيطان) الآية، فحرم على المسلمين من مأكل أهل ~~الأديان أرجسها وأنجسها، ومن شرابهم ادعاه إلى العداوة والبغضاء، وأصده عن ~~ذكر الله وعن الصلاة، ومن مناكحهم أعظمها عنده وزرا، وفضائل الكرامات، ~~فجعلهم أهل الإيمان والأمانة، والفضل والتراحم، واليقين والصدق، ولم يجعل ~~في دينهم التقاطع والتدابير، ولا الحمية ولا التكبر، ولا الخيانة ولا ~~الغدر، ولا التباغي ولا التظالم، بل أمر بالأولى ونهى عن الأخرى، ووعد ~~وأوعد عليها جنته وناره، وثوابه وعقابه. فالمسلمون بما اختصهم الله من ~~كرامته، PageV01P230 ### | CHECK [231_2] # وجعل لهم من الفضيلة بدينهم الذي اختاره لهم، بائنون على الأديان ~~بشرائعهم الزاكية، وأحكامهم المرضية الطاهرة، قضاء من الله عز وجل في إعزاز ~~دينه حتما، ومشيئة منه في إظهار حفه ماضية، وإرادة منه في إتمام نعمته على ~~أهله نافذة، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، وليجعل الله الفوز ~~والعاقبة للمتقين، والخزي في الدنيا والآخرة على الكافرين. # وقد رأى أمير المؤمنين، وبالله توفيقه وإرشاده، أن يحمل أهل الذمة جميعا ~~بحضرته، وفي نواحي أعماله، أقرابها وأبعادها، وأخصهم وأخسهم، على تصيير ~~طيالستهم التي يلبسونها من لبسها من تجارهم وكتابهم، وكبيرهم وصغيرهم، على ~~ألوان الثياب العسلية، لا يتجاوز ذلك منهم متجاوز إلى غيره، ومن قصر عن هذه ~~الطبقة من أتباعهم وأردالهم، ومن يقعد به حاله عن لبس الطيالسة منهم، أخذ ~~بتركيب خرقتين صبغهما ذلك ms199 الصبغ، يكون استدارة كل واحد منهما شبرا تاما في ~~مثله، على موضع أمام ثوبه الذي يلبسه، تلقاء صدره ومن وراء ظهره، وأن يأخذ ~~الجميع منهم في قلانسهم بتركيب أزرة عليها يخالف ألوانها ألوان القلانس، ~~ترتفع من أماكنها التي تقع بها لئلا تلصق فتستر، ولا يركب منها على حباك ~~فيخفى، وكذلك في سروجهم، باتخاذ ركب الخشب لها ونصب أكر على قرابيسها تكون ~~ناتئة عنها وموفية عليها، لا يرخص لهم في إزالتها عن قرابيسهم وتأخيرها إلى ~~جوانبها، بل تتفقد ذلك منهم، ليقع ما وقع من الذي أمر أمير المؤمنين بحملهم ~~عليه ظاهرا يبينه الناظر من غير تأمل، وتأخذه العين من غير طلب؛ وأن تؤخذ ~~عبيدهم وإماؤهم، ومن يلبس المناطق من تلك الطبقة، بشد الزنانير والكساتيج ~~مكان المناطق التي كانت في أوساطهم، وأن توعز إلى عمالك فيما أمر به أمير ~~المؤمنين في ذلك، إيعازا تحدوهم به إلى استقصاء ما تقدم إليهم فيه، وتحذرهم ~~إدهانا وميلا، وتتقدم إليهم في إنزال العقوبة بمن خالف ذلك من جميع أهل ~~الذمة عن PageV01P231 ### | CHECK [232_2] # سبيل عناد وتهوين إلى غيره، ليقصر الجميع منهم على طبقاتهم وأصنافهم على ~~السبيل التي أمر أمير المؤمنين بحملهم عليها، وأخذهم بها إن شاء الله. # فاعلم ذلك من رأى أمير المؤمنين وأمره، وأنفذ إلى عمالك في نواحي عملك ما ~~ورد عليك من كتاب أمير المؤمنين بما تعمل به إن شاء الله. وأمير المؤمنين ~~يسأل الله ربه ووليه، أن يصلي على محمد عبده ورسوله صلى الله عليه ~~وملائكته، وأن يحفظه فيما استخلفه عليه من أمر دينه، ويتولى ما ولاه مما لا ~~يبلغ حقه فيه إلا بعونه، حفظا يحمل به ما حمله، وولاية يقضي بها حقه منه، ~~ويوجب بها له أكمل ثواب وأفضل مزه، غنه كريم رحيم. # وكتب إبراهيم بن العباس في شوال سنة خمس وثلاثين ومائتين. # هذا ما أمكن التقاطه من كلام الصولي، وعده صاحب العقد في جملة من نبل ~~بالكتابة وكان قبل خاملا فاستحق اسمها، وعده ابن النديم في البلغاء الحدث. ~~وفي كتاب الأوراق: ms200 اجتمع الكتاب عند أحمد بن إسرائيل فذكروا الماضين من ~~الكتاب، فأجمعوا أن أكتب من كان في دولة بني العباس أحمد بن يوسف وإبراهيم ~~بن العباس، وأن أشعر كتاب دولتهم إبراهيم بن العباس ومحمد بن عبد الملك ~~الزيات؛ فإبراهيم أجودهما شعرا، ومحمد أكثرهما شعرا؛ ثم الحسن بن وهب وأحمد ~~بن يوسف؛ وأن أذكى كتاب الدولة وأجمعهم لمحاسن الكتابة من ذكاء وخط وفطنه: ~~جعفر بن يحيى وإسماعيل بن صبيح. وقال صاحب الأغاني: كان محمد بن عبد الملك ~~الزيات شاعرا مجيدا لا يقاس به أحد من الكتاب، وإن كان إبراهيم بن العباس ~~مثله في ذلك؛ وكان إبراهيم مقلا، وصاحب قصار ومقطعات؛ وكان محمد شاعرا يطيل ~~فيجيد، ويأتي بالقصار فيجيد، وكان بليغا حسن اللفظ إذا تكلم وإذا كتب. وقال ~~آخر: كلام إبراهيم ابن العباس نمط واحد قد أسدته القريحة، وألحمته الغزارة، ~~فاتصل أوله بآخره، ووارده بصادره. PageV01P232 ### | CHECK [233_2] # ولعل حب التأنق الذي غلب عليه منذ نشأته الأولى، دعاه إلى أن يخرج من ~~كلامه إلى المجود المنقح، وأن يعمد إلى الإيجاز في منظومه ومنثوره، لايكتب ~~إلا ما رأى بعينه، وتخيله بحسه ونفسه وكان إذا قال شعرا اختاره وأسقط رذله ~~وأثبت نخبته، وإذا كتب أوجز وألبس المعنى قالبا شفافا من نسجه، ليس ~~بالفضفاض المسترسل، ولا بالضيق المخنوق. ذكره أبو زيد البلخي فقال: كان من ~~أبلغ الناس في الكتابة، حتى صار كلامه مثلا. والمثل لا يدور على الألسن إلا ~~لاختصاره، والشعر لا تتناقله الألسن إلا لسهولة حفظه، ولما فيه من إيقاع ~~ووزن وتساوق. ولا يزال المتصفح لكلامه يقع له على المعنى الكثير في الجملة ~~القصيرة، فكان حقا كما قالوا: كاتبا من أشعر الكتاب وأرقهم لسانا، وأسيرهم ~~مثلا، وهو أشعر نظرائه الكتاب. . . وأشعاره قصار، ثلاثة أبيات ونحوها إلى ~~العشرة، وهو أنعت الناس للزمان وأهله غير مدافع، وهذا من أعظم ما امتاز به، ~~لأنه عرف أخلاق الناس في نكبته. # وأبان إبراهيم عن طريقته وسبب نجاحه في تنضيد درره فقال: ما اتكلت في ~~مكاتبتي قط إلا ما يجلبه خاطري، ويجيش ms201 به صدري، إلا قولي: وصار ما يحرزهم ~~يبرزهم، وما كان يعقلهم يعتقلهم. وقولي في رسالة أخرى: فاستزلوه من معقل ~~إلى عقال، وبدلوه آجالا من آمال. فإني ألممت بقولي آجلا من آمال مسلم بن ~~الوليد الأنصاري المعروف بصريع الغواني وهو: # موف على مهج في يوم ذي رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل # وفي العقل والعقال بقول أبي تمام: # فإن باشر الإصحار فالبيض والقنا ... قراه وأحواض المنايا مناهله # وإن يبن حيطانا عليه فإنما ... أولئك عقلاته لا معاقله # وإلا فأعلمه بأنك ساخط ... عليه فإن الخوف لا شك قاتله PageV01P233 ### | CHECK [234_2] # ذكر شعر الكتاب بحضرة إبراهيم بن العباس فقال: أشعرهم عندي الذي مزحه ~~أفصح وأحسن من جد الناس. وكان يقول: ما تمنيت كلام أحد أن يكون لي إلا قول ~~عبد الحميد بن يحيى: الناس أصناف متباينون، وأطوار متفاوتون، منهم علق مضنة ~~لا يباع، ومنهم غل مظنة لا يبتاع. # ولعل أعظم سبب في توفيقه وتفوقه زهده في الغريب من اللفظ، وتشبثه بأهداب ~~المعنى أكثر من كل شيء، واعتداده بعفو القريحة ووحي الساعة. قال أبو الغيث: ~~كنت عند إبراهيم بن العباس وهو يكتب كتابا، فنقطت من القلم نقطة مفسدة، ~~فمسحها بكمه، فعجبت فقال لا تعجب، المال فرع والقلم أصل. ومن هذا السواد ~~جاءت هذه الثياب، والأصل أحوج إلى المراعاة من الفرع، ثم فكر قليلا وقال: # إذا ما الفكر ولد حسن لفظ ... وأسلمه الوجود إلى العيان # ووشاه ونمنمه بيان ... فصيح في المقال بلا لسان # ترى حلل البيان منشرات ... تضحك بينها صور المعاني # وكان يقول: المتصفح للكتاب أبصر بمواقع الخلل فيه من منشئه. # وقال: الكتب موات، ما لم يوقع فيها توقيع الختم وتختم، فإذا فعل ذلك بها ~~عاشت. وقال لغلام كان يكتب بين يديه: ليكن قلمك صلبا بين الدقة والغلظ، ولا ~~تبره عند عقده، ولا تجعلن في أنبوبة، ولا تكتبن بقلم ملتو، ولا بذي شق غير ~~مستو، واختر من الأقلام ما يضرب إلى السمرة، وأحد سكينك ولا تستعملها لغير ~~قلمك، وتعهده بالإصلاح يصلح، وليكن مقطعك صلبا ليمضي الخط ms202 مستويا لا ~~مستطيلا، وابر قلمك بين التحريف والاستواء، وإذا كتبت الدقيق فأمل قلمك إلى ~~إقامة الحروف لإشباع الخط، وإذا جللت فإلى التحريف، واعلم أن تبطين القلم ~~شؤم، وتحريفه حرن، وهما دمار الخط، واعلم أن وزن الخط مثل وزن القراءة، ~~فأجود الخط أبينه كما أن أحمد القراءة أبينها. PageV01P234 ### | CHECK [235_2] # وبعد فإن إبراهيم بن العباس أحد أركان البيان في عصره كان كما قال فيه ~~أبو الشبل لما رآه يكتب: # ينظم اللؤلؤ المنثور منطقه ... وينظم الدر بأقلام في الكتب # توفي إبراهيم بن العباس الصولي في سنة 243ه. # - - # محمد بن عبد الملك الزيات # عصره: # بالقوة التي أورثها الرشيد والمأمون للملك العباسي، عاش العباسيون أيام ~~المعتصم والواثق دون أن يشهدوا ضعفا محسوسا في دولتهم. عاشوا بقوة التسلسل ~~لا بقوة هذين الخليفتين، وكانا يستران نقصهما بمن يعهدان إليهم تدبير الملك ~~من الرجال وإطلاق أيديهم في الحكم. ولم تظهر في الدولة آثار الخطأ الذي ~~ارتكبه المعتصم بتقديم الأتراك، والقضاء على قيادات العرب إلا في أيام ~~المتوكل، ففي عهده بدأ ضعف الدولة، وزاده ضعف المتوكل في التدبير السياسة، ~~حتى قتل فكان أول خليفة قتل جهرة من خلفاء بني العباس، وكثر بعد ذلك القتل ~~في المستحلفين. # نفذ المعتصم ثم الواثق خطط المأمون في تدبير الملك، فاعتمد المعتصم على ~~من اعتمد عليهم أخوه من الرجال، وجرى ابنه الواثق من بعده على خطة المأمون ~~والمعتصم في القول بخلق القرآن، وحمل الأمة على اعتقاد ذلك، فتألم الناس من ~~هذا التحكم، وحنقوا على المعتزلة أصل هذه المحنة، وكان للمعتزلة السلطان ~~الأكبر في خلافة المأمون. # بيد أن المأمون لم يكن بالخليفة المستضعف، والمعتصم، وإن لم يصدر عن رأيه ~~الخاص، فقد كان على جانب من حسن الخلق والكرم، وكذلك ابنه الواثق، وكان PageV01P235 ### | CHECK [236_2] # الواثق يحاسن العلويين ويحسن إليهم وإلى أهل الحرمين، حتى لم يبق منهم من ~~يسأل الصدقة، ويشبه الواثق عمه المأمون في كثير من أخلاقه، وكان المعتصم ~~قليل البضاعة من الأدب، وابنه على جانب عظيم منه. وفي أيام المعتصم كان ~~الروم من ms203 جيوشه في أمر عظيم، على نحو ما كانوا في عهد أبيه الرشيد، وفي ~~أيامه قوي أمر بابك ألخرمي في أذربيجان، يريد أن يقيم ملة المجوس، فأخرب ~~البلاد، وقتل عشرات الألوف من الجند والرعية، حتى قتل بعد أن أتعب الخلافة ~~عشرين سنة. # وفي أيام المعتصم والواثق لم يقتطع شيء من جسم الدولة العباسية، وكان ~~الأمويون في الأندلس يعملون على توطيد أمرهم، وإنشاء حضاراتهم، وفي هذا ~~العهد كان عبد الرحمن الثاني الأموي حامي الآداب والعلوم، ومن أعظم خلفاء ~~بني أمية في المغرب، وكان بنو الأغلب في أفريقية، يرضون الخليفة العباسي ~~ببعض الخراج، ويدعون له على المنابر، ويصدرون في المائل الكبرى عن رأيه في ~~الجملة، ويتولون استصفاء جزيرة صقلية، وكان ما وراء ذلك من بلاد الغرب ~~الأقصى في أيدي الأدارسة العلويين يتخبطون ولا يستطيعون قيام مملكة قوية. # وظل العلم الديني والمدني سائرا في طريقه التي أخذ بها في عهد الرشيد ~~وابنه المأمون، ولكن بمعزل عن تنشيط المعتصم والواثق، وقلما كان هذان ~~الخليفتان يشاركان أهل العلم، أو يعطفان عليهم العطف المطلوب، كفعل من كان ~~قبلهما، وإذا لم يقع من هذين الخليفتين شيء يستحق أن يسمى تنشيطا للآداب، ~~فإنهما لم يعملا ما من شأنه أن يثبط العاملين عن عملهم، فكأن دورهما أول ~~مرحلة إلى برزخ جديد، يقلب الأمة بين القوة والضعف. وبعد عهد المتوكل انتهت ~~أيام العز في بني العباس، وفرح الجمهور لأول أمره بأنه أعاد السنة، وأبطل ~~القول بخلق القرآن، وعندئذ بدأ اضطهاد الناس والحكام سرا لجماعات المعتزلة ~~بعد أن غلبوا PageV01P236 ### | CHECK [237_2] # على ثلاثة خلفاء. # نشأته ووزارته: # هو أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن أبان بن أبي حمزة، عرف بابن الزيات، ~~لأن جده على ما قيل كان يجلب الزيت من مواضعه إلى بغداد، فغلب هذا التلقيب ~~على بيته، وكان جده أبان من أهل قرية الدسكرة مقابل جبل من عمل بغداد. فهو ~~عربي بأصوله، ولد ونشأ في بغداد، ولا يعرف شيء عن أوليته، ولا عمن أخذ ~~العلم في صباه، وغاية ما أثر عنه ms204 أنه أولع بالأدب، وكان أبوه من مياسير ~~تجار الكرخ، يحثه على التجارة وملازمتها، فيمتنع ويأبى إلا الكتابة وطلبها، ~~ويخاطب الكتاب، ويلازم الدواوين، فقال له ذات يوم: والله ما أرى ما أنت ~~ملازمه ينفعك وليضرنك، لأنك تدع عاجل المنفعة، وما أنت فيه مكفي، ولك ~~ولأبيك فيه مال وجاه، وتطلب الآجل الذي لا تدري كيف تكون فيه. فقال: والله ~~لتعلمن أينا ينتفع بما هو فيه، أأنا أم أنت، ثم شخص إلى الفضل بن سهل بفم ~~الصلح، فامتدحه بقصيدة، فأعطاه عشرة آلاف درهم، فعاد بها إلى أبيه فقال له ~~أبوه: لا ألومك بعدها على ما أنت فيه، وكان من جملة أبيات تلك القصيدة: # إني شعرت فلم أمدح سواك ولم ... أعمل إلى غيرك الإدلاج والبكر # ما كان ذلك إلا أنني رجل ... لا أقرب الورد حتى أعرف الصدرا # لم أمتدحك رجال المال أطلبه ... لكن لتلبسني التحجيل والغرر # فابن الزيات إذن من بيت اغتنى في التجارة، وسمت نفس محمد إلى العلا، فعد ~~مفخرة أهله، لما وجد وجهته إلى الآداب، وسار في طريق سعادته بحسب ميله ~~واستعداده، وسما به شوق إلى المجد فدخل حظيرته من أبوابه، واتخذ لنجاحه ~~الأسباب فتعلم، ولابس أرباب الكتابة في أعظم دواوين الدولة في عهد المأمون، ~~فرأى ولا شك كبار الكتاب كعمرو بن مسعدة وأحمد بن يوسف وسهل بن هارون؛ PageV01P237 ### | CHECK [238_2] # هذا إن لم يكن قد أخذ عنهم. فمدرسته الأولى في الواقع هي ذاك الديوان ~~الذي اختلف إليه في صباه، وعرف فيه معاملات الحكومة وأصولها في سياسة ~~الملك، وكتب كتبا، وشاهد الكتاب يكتبون، وأرهف حسه، وهذب نفسه، منذ ألقى في ~~روعه أن يكون ذات يوم صاحب شأن في الدولة. # كان ابن الزيات جهميا، يقول بمذهب جهم بن صفوان، وهو يوافق المعتزلة في ~~مسائل كثيرة، ومنها القول بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة، وكان ~~ممدوحه الأول الفضل بن سهل يتشيع، وهو من أعاظم الفرس أدبا وفضلا، وهو ابن ~~الوزير الحسن بن سهل، والد بوران زوج المأمون. وتصرفت الأقدار تصرفها، وأبى ~~فضل ms205 أبي جعفر إلا أن يظهر ظهورا رائعا خرج به من خمول الذكر إلى نباهة ~~القدر. اتفق أو ورد على المعتصم كتاب من بعض العمال، قرأه عليه وزير أحمد ~~بن عمار، وكان في الكتاب ذكر الكلأ فقال المعتصم: ما الكلأ؟ فقال: لا أعلم، ~~وكان قليل المعرفة بالأدب. فقال المعتصم: خليفة أمي ووزير عامي، وكان ~~المعتصم ضعيف الكتابة، ثم قال: أبصروا من الباب من الكتاب، فوجدوا محمد بن ~~عبد الملك الزيات، فأدخلوه إليه فقال له: ما الكلأ؟ فقال: الكلأ العشب على ~~الإطلاق، فإن كان طريا فهو الخلا، فإذا يبس فهو الحشيش، وشرع في تقسيم ~~أنواع النبات، فعلم المعتصم فضله. وتجلى له في كل موطن أنه قريع دهره في ~~قيام الملك، وأنه حاضر البديهة، واسع المعرفة، جم الأدب. سأل المعتصم مرة ~~جماعة من خواصه عن معنى سبب تسمية طاهر ذا اليمينين فلم يعلموا. فقال محمد ~~بن عبد الملك: ذو الاستحقاقين استحقاق ما لجده من رزق في الدولة، واستحقاق ~~ما له في دولة المأمون. # وكان ابن الزيات يتولى قهرمة الدار، ويشرف على مطبخ الخليفة، ويقف في ~~الدار وعليه دراعة سوداء. يقول الطبري: إن محمد بن عبد الملك الزيات كان ~~يتولى ما PageV01P238 ### | CHECK [239_2] # كان أبوه يتولاه للمأمون من عمل الفساطيط وآلة الجمازات، ويكتب على ذلك ~~مما جرى على يدي محمد بن عبد الملك وكان يلبس إذا حضر الدار دراعة سوداء ~~وسيفا بحمائل، فقال له الفضل بن مروان وزير المعتصم قبل أحمد بن عمار: إنما ~~أنت تاجر فمالك وللسواد والسيف، فترك ذلك محمد. ولما تركه أخذه الفضل برفع ~~حسابه إلى دليل ابن يعقوب النصراني، فرفعه فأحسن دليل في أمره ولم يرزأه ~~شيئا، وكان الفضل بن مروان نصراني الأصل قليل المعرفة بالعلم، حسن المعرفة ~~بخدمة الخلفاء حاول أن يسقط محمد بن عبد الملك، لأنه كان يتفرس فيه الذكاء ~~النادر والعلم، ولا يحب أن يشاهده في دار الخلافة، ولا أن يخالط أهلها ~~ويعرف اسمه ورسمه، فأبت الأقدار إلا رفعه، وصادر المعتصم الفضل ابن مروان ~~على ألفي دينار ms206 وأبقى على حياته، ورفعت إلى الفضل قصص العامة، فرأى في ~~جملتها رقعة مكتوبا فيها: # تفرعنت يا فضل بن مروان فاعتبر ... فقبلك كان الفضل والفضل والفضل # ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم ... أبادهم التقييد والحبس والقتل # وإنك قد أصبحت في الناس ظالما ... ستودي كما أودى الثلاثة من قبل # أراد بالفضول الثلاثة الفضل بن يحيى البرمكي، والفضل بن الربيع، والفضل ~~ابن سهل، وهم ثلاثة وزراء نكبوا وقتلوا على عهد الرشيد وابنيه المأمون ~~والمعتصم. # تولى الوزارة أحمد بن عمار، ولما عرف المعتصم غناء ابن الزيات وعجز ابن ~~عمار وجهله، قال له المعتصم: انظر أنت في الدواوين، وهذا يعرض علي الكتب، ~~ثم استوزر ابن عبد الملك وصرف ابن عمار صرفا جميلا، فأصبح ابن الزيات وزيرا ~~كاتبا، وجرى على يديه عامة ما بنى المعتصم بسامرا، من الجانبين الشرقي ~~والغربي. وأحيا المعتصم بذلك سنة أخيه بتقليده الوزارة إلى كاتب، وكان لا ~~يتولاها في عهد أخيه إلا من جمع أسباب الفضل، وذهب في الأدب كل مذهب. PageV01P239 ### | CHECK [240_2] # لا نعلم سنة مولد أبي جعفر، ولا نستطيع تقدير سنة يوم تولى الوزارة، ~~وربما كان حوالي الأربعين. وقد حكمه المعتصم وبسط يده، فارتقى من ابن تاجر ~~يعد الدوانيق، إلى أرقى رتب الخلافة يصرف الأمور كما يرى. ولما تولى ~~الوزارة أشترط أن لا لبس القباء، وأن يلبس الدراعة، ويتقلد عليها سيفا ~~بحمائل، فأجيب إلى ذلك لبس ما كان يحب أن يلبس وهو ابن تاجر يبيع من القصر ~~بضاعته، ويدل بما ورث عن أبيه من عادات التجار أصحاب التربيح والتكسب ~~والتدنيق. وكان يقول: قد صنع إلى الخليفة صنيعة تفرد بها: نقلي من ذل ~~التجارة إلى عز الوزارة. وأحرز ابن الزيات نعمة كما قال له أحدهم بحقها، ~~واستوجبها بما فيه من أسبابها. # علمه وسياسته: # يقول إبراهيم بن المدبر الوزير: إن محمد بن عبد الملك من ألطف الناس ~~ذهنا، وأرقهم طبعا، وأصدقهم حسا، وأرشقهم قلما، وأملحهم إشارة، إذا قال ~~أصاب، وإذا كتب أبلغ، وإذا شعر أحسن، وإذا اختصر أغنى عن الإطالة. وما زاد ~~اليعقوبي والمسعودي ms207 - وهما المؤرخان القريبان من عهده - على أن وصفاه ~~بالكتابة والبلاغة كما يوصف آحاد الكتاب لا كما يوصف من كان واحدا في ~~صناعته، ومفردا في براعته. وقال فيه من لا غرض له إنه كان شاعرا يطيل ~~فيجيد، ويأتي بالقصار فيجيد، وكان بليغا حسن اللفظ إذا تكلم وإذا كتب، وكان ~~يعد من علماء النحو واللغة، وهو فتى لم تعل به السن حتى أن أبا عثمان ~~المازني، لما كان أصحابه وجلساؤه يخوضون بين يديه في النحو إذا اختلفوا ~~فيما يقع فيه الشك يقول لهم أبو عثمان: ابعثوا إلى هذا الفتى الكاتب، يعني ~~ابن الزيات، فاسألوه، واعرفوا جوابه، فيفعلون ويصدر جوابه بالصواب الذي ~~يرتضيه أبو عثمان. # ولا جرم أن اشتغال ابن الزيات بسياسة الدولة أضاع من مكانته الأدبية، والناس PageV01P240 ### | CHECK [241_2] # في كل زمان يرهبون القريب من السلطان. ويغتابونه في السر، ويستثقلون ظله ~~أو يعادونه لعدة أسباب؛ فابن الزيات كان يدعو الأمة إلى حرمة القوانين، ~~وكثيرا في الناس من يحبون أبدا الخروج عليها، ويمقتون من يدعو إليها ~~ويحنقون عليه، ومنهم الحساد يشق عليهم الإقرار بفضائل أهل الفضل، ومنهم ~~أعداء عزة وأعداء مذهبه. ومثل منصبه الخطير مما تلتهب الصدور إلى الوصول ~~إليه. ومنهم من أبغضوه لمجرد كونه جهميا كالشيعيين اليعقوبي والمسعودي، ولو ~~كان يذهب في الإمامة مذهبهما لسكتا عن كثير من مساوئه، ولجملاه بصفات هو ~~منها أعرى من مغزل. ومن تولي وزارة أعظم خلافة أربع عشرة سنة، لخليفتين ~~بدون انفصال، وتولاها للثالث أيضا، على ما لم يكن يعهد له نظير في دولة من ~~الدول، لا يتوقع من الناس كافة أن يجمعوا على حبه. ولكالما سلبت أهواء ~~السياسة من ذوي الفضل فضلهم، ومن أجلها عراهم أرباب اللؤم من محامدهم. # نسبوا إلى أبن الزيات أنه كان يقول إذا استرحمه أحد ممن يعذبهم: الرحمة ~~خور في الطبيعة وضعف في المنة، فكانوا يطعنون عليه في دينه بهذا القول. ولا ~~دليل على أنه قال هذا القول، ويرد على الخاطر أن أعداءه اخترعوه من عند ~~أنفسهم لينالوا منه عند الخاصة والعامة. ms208 وكم من كتاب ألفه مؤلفه فنسبه إلى ~~غيره ليسقطه، وكم من قصيدة قالها رجل فعزاها إلى آخر للوقيعة به، وكأي من ~~حديث وضعه واضعه على لسان من لم يخطر له بهذا الكلام المزور ببال. # وضعوا حكايات أسندوها إلى أشخاص في جمل مزوقة قد تستغوي القارئ الغر، ~~أوردوها في باب الملح والنودار، يشيرون بها إلى لؤم ابن الزيات وتجبيهه ~~الناس؛ زعموا انه بعيد عن إسداء المعروف، يتجافى عن نفع غيره، وما حملوا ~~عليه ولفقوا من الأحاديث المسقطة له إلا أنه وصل إلى المعالي عن جدارة، وكم ~~سعى غيره ليبلغوا منزلته فخابوا وما أفلحوا، وعظم ما رمي به من تلفيق ~~منافسيه PageV01P241 ### | CHECK [242_2] # وقاصديه؛ ولن يرضى العامة والخاصة إلا إذا عمل لهم رب الأمر والنهي ~~المعقول وغير المعقول، وصاحب الحاجة أرعن لا يروم إلا قضاءها؛ ومن كان على ~~شيء من الأخلاق لا يستقيم له حال مع الغوغاء؛ ومن أراد أن يصدع بالحق مع ~~الكبير والصغير مقته كل من لم يظفر بطلبته، ويعز في الطبقات من تصبر نفسه ~~على مر الحق، وحرارة الإصلاح والتقويم. # ثم إن من كان في مثل هذه الصدارة يستحيل عليه، وهو بشر يخطئ ويصيب، أن ~~تكون أعماله كلها مسددة، والنقص من خلق الآدميين في الجملة. مثال من خطئه ~~في اجتهاده؛ ولعل بعض العارفين يعدونه صوابا: روى الراوون: أن المعتصم كان ~~أمر بأن يعطي الواثق عشرة آلاف ألف درهم يستعين بها على أمره، ويصلح بها ما ~~يحتاج إلى إصلاحه، فدافعه بذلك مدافعة متصلة أحوجته إلى شكايته إلى ~~المعتصم، فأنكر عليه تأخر المال. فقال: يا أمير المؤمنين: العدل أولى بك ~~وأشبه بقولك وفعلك، ولك عدة أولاد، أنت في أمرهم بين خلتين: إما أن تسوي ~~بينهم في العطية فتجحف ببيت المال، وإما أن تخص بعضهم فتحيف على الباقين. ~~فقال: قد رهنت لساني فما تصنع؟ قال: تأمر لباقي ولدك بإقطاعات وصلات، وتطلق ~~لهارون صدرا من المال فأدافعه بباقيه، ويتسع الأمر قليلا، وتدبر الأمر بعد ~~ذلك بما تراه، فقال له: وفقك الله؛ فما زلت ms209 أعرف الصواب في مشورتك. # وتأدى الخبر إلى هارون، فحلف بعتق عبيده ومماليكه، وبحبس عدة خيل ووقف ~~عدة ضياع؛ وصدقة مال جليل، لئن ظفر بمحمد ليقتلنه، وكتب اليمين بخطه، ~~وجعلها في درج وأودعها دايته، ومرت مدة وأقضى الأمر إلى هارون، وكان ذا ~~أناة وعقل، وكره أن يعالجه، فيقول الناس بادر بشفاء غيظه. ثم عزم على ~~الإيقاع به، فتقدم بأن يجمع له من وجوه الكتاب من يصلح لولاية الدواوين ~~والوزارة فجمعوا، ودعا بواحد منهم وقال له: أكتب كذا في أمر رسمه له، ~~فاعتزل وكتب PageV01P242 ### | CHECK [243_2] # وعرض الكتاب عليه فلم يرضه، حتى امتحن الجميع فأمر صاحبه فقال: أدخل من ~~الملك مضطر إليه محمد بن عبد الملك، فجيء به وهو واجم مضطرب. فلما وقف قال ~~له: أكتب إلى صاحب خراسان في كذا وكذا، فأخرج من كمه نصفا، ومن خفه دواة، ~~وابتدأ يكتب بين يديه، حتى فرغ من الكتاب، ثم أخرج خريطة فيها حصا فأترب ~~الكتاب وأصلحه، وتقدم فناوله إياه، فوجده قد أتي على جميع ما في نفسه، ~~فأعجب به جدا وقال: اختمه فأخرج من الخريطة طينا فوضعه عليه وتناوله، فختمه ~~وأنفذه من ساعته. فقال الواثق لخادم له: امض إلى دايتي وقل لها توجه إلي ~~بالدرج الفلاني، فمضى الخادم فجاء به، فأخرج الرقعة فدفعها إليه فقال: يا ~~أمير المؤمنين أنا عبد من عبيدك إن وفيت بيمينك فأنت محكم، وإن كفرت وصفحت ~~كان أشبه بك، قال: لا والله ما يمنعني من الوفاء بيميني إلا النفاسة على أن ~~يخلو الملك من مثلك، وأمر بعتق من حلف بعتقه، ووقف الضياع وحبس الخيل وأنفذ ~~صدقة المال؛ وظل ابن الزيات وزيرا للواثق كما كان في عهد أبيه. وقيل إن ~~موضوع الكتاب الذي اقترحه الواثق عليه كان يتعلق البيعة، فكتبوا فلم يرض ~~بما كتبوه، فكتب ابن الزيات نسخة رضيها، وأمر بتحرير المكاتبات عليها، وأن ~~الواثق قال: عن المال والفدية عن اليمين عوض، وليس عن الملك وابن الزيات عوض. # إن السبب الذي غضب له الواثق أيام ولايته العهد، من تضييق ابن ms210 الزيات ~~عليه ثم عفوه عنه لما أفضت إليه الخلافة، يدل على وفرة عقل الواثق. أما ~~معاملة محمد بن عبد الملك الزيات قبل الخلافة لولي عهدها فما كانت غير محض ~~اجتهاد، لأنه لا يريد استرسال ولي العهد في طلباته من مال الدولة بدون ~~حساب، ويود أن يعرفه قدر المال، وأن يعدل الخليفة بين أولاده، حتى لا تتأثر ~~أنفسهم من معاملة شاذة، لا يرون ولو في باطنهم أنها تمت إلى الإنصاف بسبب. ~~وأدرك الواثق بعقله PageV01P243 ### | CHECK [244_2] # الراجح أن في قتل مثل هذا الرجل العظيم لشفاء غضب، قد يكون سكن بمرور ~~الزمن، خسارة على الدولة لا تعوض، فما كل دهر ينبغ مثل ابن الزيات، وما كل ~~حين يتهيأ للخليفة رجل مجرب مثله، ومن أخلص لسيده الأول كان حريا أن يخلص ~~لسيده الثاني، والدين النصيحة. # وعلل صاحب النشوار غضب الواثق على ابن الزيات بما كان محمد بن عبد الملك ~~يعامله به في أيام أبيه، فمن ذلك أن المعلم شكا إلى المعتصم أن الواثق لا ~~يتعلم، فإذا طالبه بذلك شتمه ووثب عليه، فأمر المعتصم محمدا بأن يضرب ~~الواثق أربع مقارع، فخرج محمد واستدعي الواثق، وضربه ثلاث عشرة مقرعة حتى ~~مرض، فلما عرف أبوه الخبر أنكر ذلك، وحلف للواثق أنه ما أمر محمدا إلا أن ~~يضربه أربع مقارع، فأخفاها في نفسه، فكان يبغضه. وعلم محمد بذلك فكان يقصده ~~في ضياعه وأملاكه لما ترعرع وصار أميرا. فوقع المعتصم يوما أن يقطع الواثق ~~ما ارتفاعه ألف ألف دينار، فمحاها محمد وكتب ما قيمته ألف ألف درهم فلما ~~دخل إليه الخادم وعرفه ما عمله محمد وثب إلى أبيه وعرفه ذلك، وعرض التوقيع ~~عليه، فقال له المعتصم: ما أغير ما وقعت به، وما أرى في التوقيع إصلاحا، ~~وكان محمد قد أجاد محوه، وعلم المعتصم أن رأى محمد في الاقتصاد أصلح، فبطل ~~ما كان يريده الواثق وانصرف، فقال للخادم: قد تم علي من هذا الكلب كل ~~مكروه؛ فإن أفضت الخلافة إلي فقتلي الله إن لم أقتله. ثم قال له: ثم ms211 قال ~~له: أنت خادمي وثقتي، فإن أفض هذا الأمر إلي فاقتله ساعة أخاطب بالخلافة ~~ولا تشاورني، وجئني برأسه. قال: فمضت الأيام وتقلد الواثق فحضر الدار في ~~أول يوم محمد بن عبد الملك مع الكتاب. فتقدم الواثق إلى الكتاب دونه بأن ~~يكتب كل منهم نسخة بخبر وفاة المعتصم وتقلده الخلافة، فكتبوا بأسرهم، ~~وعرضوا ذلك عليه فلم يرضه، فقال لمحمد: أكتب أنت، فكتب في الحال بلا PageV01P244 ### | CHECK [245_2] # نسخة كتابا حسنا، وعرضه فاستحسنه، وأمر بتحرير الكتب عليه. ولم يبرح ~~حضرته حتى أقره على الوزارة. وخرج من بين يديه والناس كلهم خلفه. قال ~~الخادم: فعجبت من ذلك وقلت تراه أنسي ما كان أمرني به؟ لم لا أستأذنه في ~~ذلك وأذكره به؟ فتقدمت إليه محمد بن عبد الملك أحوج من محمد إلى السلطان، دعه. # عن محمد بن القضل بن الأسود الكتاب قال حدثني ابن قريش بن أنس عن أبيه ~~قال: دخلت على الواثق فقال لي: يا أبا قريش أخرج رقعة من تحت المصلي. فمدت ~~يدي فأخرجت الرقعة وقرأتها وقلت: يا أمير المؤمنين رقعة حسنة، أولها تشوق، ~~وأوسطها استعتاب، وآخرها استبطاء. وإذا آخر الرقعة: # أن يكن حبلك من حبلي وهي ... فإلي شوقي يكون المنتهي # لم يذكرنيك خطب حادث ... إنما يذكر من كان سها # وكانت الرقعة من محمد بن عبد الملك، فقال الواثق: ويلومني الناس على حب ~~محمد بن عبد الملك؟ وبعد فإن من أصعب ما أصيب به ابن الزيات عداوة أحمد بن ~~أبي داود شريكه ومنافسه في سلطانه، وكان كصاحبه في العلم والأدب المثل ~~الأعلى، جهمي الرأي مثله، مؤالفا لأهل الأدب من أي بلد كانوا، وكان قد ضم ~~منهم جماعة يعولهم ويمونهم، وكان المأمون أوصى أخاه المعتصم به قائلا: وأبو ~~عبد الله أحمد بن أبي داود لا يفارقك الشركة في المشورة في كل أمرك، فإنه ~~موضع ذلك. # أمر الواثق أن لا يرى أحد من الناس محمد بن عبد الملك الوزير إلا قام له، ~~فكان ابن أبي داود إذا رآه قام واستقبل القبلة يصلي، فقال ابن ms212 الزيات: # صلى الضحى لما استفاد عداوتي ... وأراه ينسك بعدها ويصوم # لا تعدمن عداوة مشؤومة ... تركتك تقعد تارة وتقوم # وقال ابن أبي داود: إني لأمتنع من تكليم الخلفاء بحضرة محمد بن عبد الملك PageV01P245 ### | CHECK [246_2] # الزيات في حاجة كراهة أن أعلمه ذلك، ومخافة أن أعلمه التأني لها. وقد أثر ~~لابن الزيات شعر في هجو أحمد بن أبي داود ومنه: # أبلغ دعي إياد إن مررت به ... قول امرئ ناصح لله والدين # لن تصلح الأرض ما أسكنت ظاهرها ... ولا ترى العدل أو تلحق بأفشين # ما زالت تضمر للخذلان عن دخل ... في القلب منك لهذا الدين مكنون # وكنت في ذاك لما إن قصدت له ... كالعنز إن بحثت عن حد سكين # نحن الذين إذا عد العفاف يرى ... فينا العفاف ومأوى كل مسكين # وفي سنة229 نصب ابن الزيات لأصحاب المظالم العداوة فكشفوا وحبسوا وأقيموا ~~للناس ولقوا كل جهد، ومن جملتهم صديقه إبراهيم ابن العباس الصولي نسي ~~صداقته في مطالبته بما تأخر في ذمته من حق بيت المال، فاستهدف لهجائه؛ ~~وهكذا كان ابن الزيات مع سائر الناس لا يجوز لعامل أن يسرق، ولا للرعية أن ~~تتلكأ في أداء ما عليها، حتى ينتظم سير الأعمال. فهو رجل الدولة، خلق للحكم ~~وكأن معاني الحكم ممزوجة بلحمه ودمه، حتى لقد هجي بذلك، وكان من حقه أن ~~يمدح، فقال علي ابن الجهم في وصف توقيعاته: # على ابن عبد الملك الزيات ... لعائن الله موفرات # يرمي الدواوين بتوقيعات ... مطولات ومقصرات # أشبه شيء برقي الحيات # من عادة ابن الزيات المبالغة بتعظيم مظاهر الخلافة، ليقتدي به الناس، ~~وينتظم الدولة الوقار والمهابة. كان إذا أراد أن يختم الكتاب دعا بدرج فيه ~~الخاتم، فإذا جيء به وهو خاتم الملك، قام قائما فأخذه إجلالا له، ثم جلس ~~فأخرجه، وختم الكتاب به، ورده إلى الدرج وختم عليه. ومع هذا ربما كان يناقش ~~الخليفة في بعض المشاكل إذا خلا به، وربما قام بأعمال يبتدعها، وبعض ~~تراتيبه ما عهد له PageV01P246 ### | CHECK [247_2] # مثيل قبله، كفعله لما عقد لإسحاق بن إبراهيم على ms213 اليمامة والبحرين وطريق ~~مكة مما يلي البصرة في دار الخلافة. قالوا ولم يذكر أن أحدا عقد لأحد قي ~~دار الخلافة إلا الخليفة غير محمد بن عبد الملك الزيات، كما لم يعهد أن ~~أحدا بدأ الكلام مع الخلفاء قبل أن يبدؤوه غير أحمد بن أبي داود. # وابن الزيات سياسي ذاك العصر المنقطع القرين، كان يراعي عواطف العوام، ~~ويحاذر مما يهيجهم، ويقول إرجاف العوم مقدمة الكون نظمه جحظة فقال: # أرى الإرجاف متصلا بحال ... ولابس حليتي كبر وتيه # وإرجاف العوام مقدمات ... لأمر كائن لاشك فيه # ولابن الزيات عطف خاص على العلماء، وقد ترجموا له كتبا مهمة قي الطب ~~وغيره، ومنهم حنين بن إسحق، نقل له بعض الكتب إلى العربية، وكان الجاحظ ~~منقطعا إليه. قال ابن أبي أصيبعة: وكان يقارب عطاؤه للنقلة والنساخ في كل ~~شهر ألفي دينار، ونقل باسمه عدة كتب، وكان أيضا مما نقلت له الكتب ~~اليونانية وترجمت باسمه جماعة من أكابر الأطباء مثل يوحنا بن ماسويه ~~وجبرئيل بن نجتيشوع، ونجتيشوع بن جبرئيل بن نجتيشوع، وداود بن سرابيون ~~وسلمويه بن بنان، واليسع، وإسرائيل بن زكريا بن الطيفوري، وحبيش بن الحسن؛ ~~ومما قال الجاحظ فيه: # بدا حين أثرى بإخوانه ... ففلل منهم شباة العدم # وأبصر كيف انتقال الزما ... ن فبادر بالعرف قبل الندم # وقد مدحه أعاظم شعراء العصر، ومنهم أبو تمام، وصف قلمه بقوله: # لك القلم الأعلى الذي بشباته ... تصاب من الأمر الكلي والمفاصل # لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأرى الجني إشارته أيد عواسل # له ريقة طل ولكت وقعها ... بآثاره في الشرق والغرب وابل PageV01P247 ### | CHECK [248_2] # فصيح إذا استنطقته وهو راكب ... وأعجم إن خاطبته وهو راجل # إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغت ... عليه شعاب الفكر وهي حوافل # أطاعته أطراف القنا وتقوضت ... لنجواه تقويض الخيام الجحافل # إذا استغزر الذهن الذكي وأقبلت ... أعاليه في القرطاس وهي أسافل # وقد رفدته الخنصران ووسدت ... ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل # رأيت جليلا شأنه وهو مرهف ... ضنى، وسمينا خطبه، وهو ناحل # ولهذه القصيدة قصة طريفة. قال ابن عبدوس: وجدت بخط أبي أحمد إسماعيل ms214 ~~حدثني محمد بن علي بن سعيد الطبري وأخوه إبراهيم بن علي وأمهما أخت محمد ~~عبد الملك الزيات قالا: جاءنا حبيب بن أوس الطائي يعني أبا تمام بقصيدته ~~التي يقول فيها: # لك القلم الأعلى الذي بشباته ... تصاب من الأمر الكلي والمفاصل # فسألنا أن نعرضها على محمد، وأن نتوخى بها وقتا تكون نفسه طيبة فيه، ~~فتوخينا ذلك الوقت وأوصلنا القصيدة فقرأها من أولها وتوقف على أكثرها، ثم ~~قال: الطائي جيد الشعر، إلا أنه يهجن شعره بأنه يمتدح السوقة بما يمدح به ~~الملوك، فيعطي السوقي أكثر من حقه، ويبخس الملك حقه إذا جاء فادفعوه إليه، ~~فقرأنا ما كتبه فإذا هو: # رأيتك سمع البيع والعلق إنما ... يغالي به إن ضن بالعلق بايعه # وأحر بمن هانت بضائع ماله ... لدى البيع يوما أن تبور بضائعه # هو الملء إن أجممته طاب ورده ... ويفسده أن تستباح شرائعه # فلما جاء الطائي أعلمناه أنا قد أوصلنا شعره، فلم يشك أن معه جائزة قال ~~فأين الجائزة؟ قلنا: خذها، ودفعنا القرطاس إليه. فلما قرأه قال: الله الله، ~~قد رضيت من جائزته أن تكتما هذا الشعر، فإنه إن انتشر أفسد علي عمود ~~الصناعة وكان لبخلاء PageV01P248 ### | CHECK [249_2] # الملوك مثله أعزه الله حجة. لنا: وتهجوه؟ قال: ما أدير لساني بهجائه، ~~ولكني استفدت مما وصلني به. فحكينا ذلك لمحمد فضحك وبعث إليه بمائتي دينار. # وفي رواية أن محمد بن عبد الملك عاتب أبا تمام واحتج عليه بأنه مدح غيره، ~~وأنه لو اقتصر عليه أغناه، وأن كثرة مدحه للناس زهدته فيه، وكتب إليه ~~الأبيات الثلاثة، فكتب إليه أبو تمام: # أبا جعفر إن كنت أصبحت شاعرا ... أساهل في بيعي له من أبايعه # فقد كنت قبلي شاعرا ذا رواية ... تساهل من هانت عليه بضائعه # وصرت وزيرا، والوزارة مشرب ... يغض به بعد اللذاذة كارعه # وكم من وزير قد رأينا مسلطا ... رأيناه قد سدت عليه مطالعه # ولله قوس لا تطيش سهامها ... ولله سيف لا تفل مقاطعه # ووصف البحتري إنشاء ابن الزيات بقوله: # لتفننت في الكتابة حتى ... عطل الناس فن عبد ms215 الحميد # في نظام من البلاغة ما ش ... ك امرؤ أنه نظام فريد # وبديع كأنه الزهر الضا ... حك في رونق الربيع الجديد # مشرق في جوانب السمع ما يخ ... لقه عوده على المستعيد # ما أعيرت منه بطون القراطي ... س وما حملت ظهور البريد # مستميل سمع الطروب المعنى ... عن أغاني مخارق وعبيد ### | AUTO حجج تخرس الألد بألفا ... ظ فرادى كالجوهر المعدود # ومعان لو فصلتها القوافي ... هجنت شعر جرول ولبيد ### | AUTO حزن مستعمل الكلام اختيارا ... وتجبن ظلمة التعقيد # وركبن اللفظ القريب فأدرك ... ن به غاية المراد البعيد # كالعذارى غدون في الحلل البيض إذا رحن في الخطوط السود PageV01P249 ### | CHECK [250_2] # وهذا أجمل وصف لبلاغة ابن الزيات في الكتابة، ولم يمدحه أبو تمام وأبو ~~عبادة بشعره مع أنه كان أشعر كتاب الدولة، ومدحاه بأظهر خصائصه. ### | AUTO حدث عبد الله بن العباس الربيعي قال: دخل محمد بن عبد الملك ~~الزيات على الواثق وأنا بين يديه أغنية وقد استغناني صوتا فاستحسنه، فقال ~~له محمد ابن عبد الملك: هذا والله يا أمير المؤمنين أولى الناس بإقبالك ~~عليه، واستحسانك له، واصطناعك إياه. فقال: أجل هذا مولاي وابن مولاي وابن ~~موالي لا يعرفون غير ذلك. فقال له: ليس كل مولى يا أمير المؤمنين بولي ~~لمواليه، ولا كل مولى متجمل بولاية تجمع ما جمع عبد الله من ظرف وأدب، وصحة ~~عقل، وجودة شعر. فقال له: صدقت يا محمد. فلما كان من الغد جئت محمد بن عبد ~~الملك شاكرا لمحضره، فقلت له في أضعاف كلامي: وأفرط الوزير أعزه الله في ~~وصفي وتقريظي، ولو كان عندي أيضا شيء بعد ذلك لصغر عن أن يصفه الوزير، ~~ومحله في هذا الباب المحل الرفيع المشهور فقال: والله يا أخي لو عرفت مقدار ~~شعرك وقولك: # يا شادنا رام إذ مر في السعانين قتلي # يقول لي كيف أصبحت كيف يصبح مثلي # لما قلت هذا القول، والله لو لم يكن لك شعر في عمرك كله إلا قولك كيف ~~يصبح مثلي لكنت شاعرا مجيدا. روى هذا الأصفهاني وقال أيضا: أخبرني الصولي ms216 ~~قال: حدثني عون بن محمد الكندي قال: حدثني عبد الله بن العباس ابن الفضل بن ~~الربيع قال: وصفني محمد بن عبد الملك للمعتصم، وقال: ما له نظير في ملاحة ~~الشعر والغناء والعلم بأمور الملوك، فلقيته فشكرته وقلت: جعلت فداءك أتصف ~~شعري وأنت أشعر الناس ألست القائل: # ألم تعجب لمكتئب حزين ... خديم صبابة وحليف صبر PageV01P250 ### | CHECK [251_2] # يقول إذا سألت به بخير ... وكيف يكون مهجور بخير # قال وأين هذا من قولك: # يقول لي كيف أصبحت كيف يصبح مثلي # ماء ولا كصداء ومرعى ولا كالعدان # كتب الحسن بن وهب إلى محمد بن عبد الملك: سروري، أعاذ الله حياتك، إذ ~~رأيتك كوحشي لك إذا لم أرك، وحفظي لك في مغيبك، كمودتي لك في مشهدك، وإني ~~لصافي الأديم، غير نغل ولا متغير، فامنحني من مودتك مزن لذاذة مشربك، وكن ~~لي كأنا، فوالله ما عجبت عن ناحيتك إلا وأنا محني الضلوع إليك والسلام. ~~فكتب إليه محمد: يا أخي ما زلت عن مودتك، ولا حلت عن أخوتك، ولا استبطأت ~~نفسي لك، ولا استزدتها في محبتك، وإن شخصك لمائل نصب طرفي، ولقل ما يخلو من ~~ذكرك قلبي، ولله در الذي يقول: # أما والذي شاء لم يخلق النوى ... لئن غبت عن عيني لما غبت عن قلبي # يذكرنيك الشوق حتى كأنني ... أناجيك من قرب وإن لم تكن قربي # هذا إجمال ما أمكن الوقوف عليه من حياة ابن الزيات وصفاته، بقي أن نقول ~~ما انتهى إليه مصيره بعد أن خدم الدولة العباسية بروحه وقلبه وعينه، فقد ~~ذكر أرباب السير أن المتوكل كان في نفسه شيء منه قبل أن يتولى الخلافة لأن ~~محمدا كان أشار بتولية ولد الواثق بدلا من أخيه المتوكل، وأشار ابن أبي ~~داود بتولية المتوكل. وقيل كان ابن الزيات يتجهم للمتوكل في أيام الواثق، ~~ويغلظ عليه الكلام، فحقد المتوكل عليه، فلما ولي الخلافة قتله مخدوعا ~~بالذين قالوا له إنه كان صاحب أموال كثيرة، فلما قتله بعد أربعين يوما من ~~توليه لم ير جميع ما يملك من الضياع والأملاك ms217 والذخائر إلا ما كانت قيمته ~~مائة ألف دينار فندم على ذلك. وقيل إن المتوكل قال لابن أبي داود: أطعمتني ~~في باطل، وحملتني على شخص لم أجد عنه PageV01P251 ### | CHECK [252_2] # عوضا. ذلك لأن هذه الثروة تافهة لمن تولى الوزارة أربع عشرة سنة، وكان ~~أهله أغنياء موسرين. وقضى ابن الزيات نحبه في التنور الذي قيل إنه كان ~~اتخذه أيام وزارته من حديد وأطراف مساميره المحدودة إلى داخل وهي قائمة مثل ~~رأس المسال، وكان يعذب فيه المصادر، وأرباب الدواوين المطلوبين بالأموال. ~~وكان يقول لنفسه قبل موته بيومين أو ثلاثة: يا محمد بن عبد الملك لم تقنعك ~~النعمة والدواب الفره، والدار النظيفة والكسوة الفاخرة، وأنت في عافية حتى ~~طلبت الوزارة، ذق ما عملت بنفسك فكان يكرر ذلك على نفسه فلما كان قبل موته ~~بيوم ذهب عن عتاب نفيه، فكان لا يزيد على التشهد وذكر الله. وراح أعداؤه ~~يصنعون عن لسانه أقوالا وأشعارا ربما لم يقلها، ويزورون ما يحاولون به ~~إلقاء الغطاء على محاسنة الكثيرة. # نموذج من إنشائه: # لم يؤلف ابن الزيات كتابا في موضوع خاص، صرف جميع ما أوتيه من موهبة ~~البلاغة في رسائل الدولة، وذكروا ان له كتاب رسائل قدره خمسون ورقة ولم ~~يعثر عليه، والمعقول أن يكون خلف مئات من الأوراق، والباقي اليوم من رسائله ~~في دواوين الأدب لا يتجاوز بضع صفحات، وله ديوان شعر رائق؛ ومن كتبه عهد ~~الواثق على مكة كتبه بحضرة المعتصم وهو: أما بعد فإن أمير المؤمنين قد قلدك ~~مكة وزمزم، وتراث أبيك الأقدام، وجدك الأكرام، وركضة جبريل، وسقيا إسماعيل، ~~وحفر عبد المطلب، وسقاية العباس، فعليك بتقوى الله تعالى والتوسعة على أهل ~~بيته، وهذا من الإيجاز المعجب الذي تمليه قريحة اعتادت البديهة واهتادت ~~الروية، وما أحلى قوله: ركضة جبريل وسقيا إسماعيل، وهي من التعابير التي ~~يفترعها أمثاله من الكاتبين. # أمر الواثق ابن الزيات أن يتلطف بعبد الله لابن عمه إسحاق بن إبراهيم، فكتب: PageV01P252 ### | CHECK [253_2] # أما بعد فإن أمير المؤمنين رأى أن يخلع ما في يمينك من أمر ms218 الجزائر ~~والعواصم فيجعله في شمالك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته، وليس في ~~الوصول إلى الغرض مع مراعاة المكتوب إليه، أوجز ولا لما بويع المتوكل أمر ~~بالكتاب إلى الناس باعتمادهم على اللقب الذي لقب به، وكتب ذلك ابن الزيات: ~~بسم الله الرحمن الرحيم. أمر أبقاك الله أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، أن ~~يكون الرسم الذي يجري به ذكره على أعواد منابره، وفي كتبه إلى قضاته وكتابه ~~وعماله وأصحاب دواوينه وغيرهم، من سائر من تجري المكاتبة بيته وبيته من عبد ~~الله جعفر الأمام المتوكل على الله أمير المؤمنين فرأيك في العمل بذلك، ~~وإعلامي بوصول كتابي إليك موفق إن شاء الله. # وكتب إلى الحسن بن وهب: يجب على المرؤوس إذا تجاوز به الرئيس حق مرتبته ~~بعمله، وكان تفضيله إنما وقع له بخفته على القلب، ومحله من الأدب، أن يقابل ~~ذلك بمثله، إن كان محاميا على محله، وإلا فلا يؤمن عليه. # وكتب: إن حق الأولياء على السلطان تنفيذ أمورهم، وتقويم أودهم، ورياضة ~~أخلاقهم، وأن يميز بينهم فيقدم محسنهم، ويؤخر مسيئهم، ليزداد هؤلاء في ~~إحسانهم، ويزدجر هؤلاء عن إساءتهم. # وفصل له: إن من أعظم الحق حق الدين، ولأوجب الحرمة حرمة المسلمين، فحقيق ~~لمن راعي ذلك الحق، وحفظ تلك الحرمة، أن يراعي له حسب ما لراعاه الله، ~~ويحفظ له حسب ما حفظ الله على يديه. # وفصل له: إن الله أوجب لخلفائه على عباده حق الطاعة والنصيحة، ولعبيده ~~على خلفائه بسط العدل والرأفة، وإحياء السنين الصالحة، فإذا أدى كل إلى كل ~~حقه، كان ذلك سببا لتمام المعونة، واتصال الزيادة، واتساق الكلمة، ودوام ~~الألفة. # فصل: ليس من نعمة يجددها الله لأمير المؤمنين في نفسه خاصة، إلا اتصلت PageV01P253 ### | CHECK [254_2] # برعيته عامة، وشملت المسلمين كافة، وعظم بلاء الله عندهم فيها، ووجب ~~عليهم شكره عليها، لأن الله جعل بنعمته تمام نعمتهم، وبتدبيره وذبه عن دينه ~~حفظ حريمهم، وبحياطته حقن دمائهم وأمن سبيلهم، فأطال الله بقاء أمير ~~المؤمنين منطوي القلب على مناصحته، مؤيدا بالنصر، معززا بالتمكين، موصول ~~البقاء بالنعيم المقيم. # وله: ms219 الحمد الذي جعل أمير المؤمنين معقود النية بطاعته، منطوي القلب على ~~مناصحته، مستحوذ السيف على عدوه، ثم وهب له الظفر، ودوخ له البلاد، وشرد به ~~العدو، وخصه بشرف الفتوح، شرقا وغربا، وبرا وبحرا. # وله: أفعال أمير المؤمنين عندنا معسولة كالأماني، متصلة كالأيام، ونحن ~~نواتر الشكر لكريم فعله، ونواصل الدعاء له مواصلة بره، إنه الناهض بكلنا، ~~والحامل لأعبائنا، والقائم بما ناب من حقوقنا. # وله: أما بعد فقد انتهى إلى أمير المؤمنين كذا فأنكره، ولا يخلو من إحدى ~~منزلتين، ليس في واحدة منها عذر يوجب حجة، ولا يزيل لأئمة: إما تقصير عملك ~~للإخلال بالحزم، والتفريط في الواجب، وإما مظاهرة لأهل الفساد، ومداهنة ~~لأهل الريب، وأية هاتين كانت منك محلة النكر بك، وموجبة العقوبة عليك، لولا ~~ما يلقاك به أمير المؤمنين من الأناة والنظرة، والأخذ بالحجة، والتقدم في ~~الأعذار والإنذار، على حسب ما أقلت من عظيم العثرة، وما يجب اجتهادك في ~~تلافي التقصير والإضاعة والسلام. # والمظنون أن الكتاب الذي كتب عن المعتصم إلى ملوك الآفاق من المسمين عند ~~قبض الإخشيد على بابك الخرمي، ونقله القلقشندي صبح الأعشى ص. . 4 ج6، وهو ~~من كتابة محمد بن عبد الملك الزيات، لولا ما يحول دون هذا الظن من أثر ~~التطويل فيه، وعلى كل فهو مما كتب تحت إشرافه لأن بابك قتل سنة 223، وابن PageV01P254 ### | CHECK [255_2] # الزيات تولى الوزارة في سنة. 22، والكتاب بأسلوب ابن الزيات أشبه، لا ~~تكلف في ألفاظه وتراكيبه، ويستبعد أن لا يجول قلم ابن الزيات في هذا ~~الموضوع الخطير، الذي أقام الخلافة وأقعدها؛ ومما جاء فيه بعد التحميد: ولا ~~يعلم أمير المؤمنين - مع كثرة أعداء الإسلام وتكنفهم إياه من أقطاره، ~~والضغائن التي في قلوبهم على أهله، وما يترصدونه من العداوة، وينوطون عليه ~~من المكايدة، إذ كان هو الظاهر عليهم، والآخذ منهم - عدوا كان أعظم بلية، ~~ولا أجل خطبا، ولا أشد كلبا، ولا أبلغ مكايدة، ولا أرمى بمكروه، من هؤلاء ~~الكفرة الذين يغزوهم المسلمون، فيستعلون عليهم، ويضعون أيديهم حيث شاءوا ~~منهم، ولا يقبلون لهم صلحا، ms220 ولا يميلون معهم إلى موادعة، وإن كان لهم على ~~طول الأيام وتصرف الحالات وبعض مالا يزال يكون من فترات ولاة الثغور أدنى ~~دولة من دولات الظفر، وخلسة من خلس الحرب، كان بما لهم من خوف العاقبة في ~~ذلك منغصا لما تعجلوا من سروره، وما يتوقعون من الدوائر بعد مكدرا لما وصل ~~إليهم من فرحة. # فأما اللعين بابك وكفرته، فإنهم كانوا يغزون أكثر مما يغزون، وينالون ~~أكثر مما ينال منهم؛ ومنهم المنحرفون عن الموادعة، المتوحشون عن المراسلة، ~~ومن أديلوا من تتابع الدول، ولم يخافوا عاقبة تدركهم، ولا دائرة تدور ~~عليهم، وكان مما وطأ ذلك ومكنه لهم أنهم قوم ابتدءوا أمرهم علة حال تشاغل ~~السلطان، وتتابع من الفتن، واضطراب من الحبل؛ فاستقبلوا أمرهم بغرة من ~~أنفسهم وضعف، واستثارة ممن باراهم، فأجلوا من حولهم لتخلص البلاد لهم، ثم ~~أخربوا البلاد ليعز مطلبهم، وتشتد المؤنة وتعظم الكلفة، ويقووا في ذات ~~أيديهم، فلم يتواف إليهم قواد السلطان، إلا وقد توافت إليهم القوة من كل ~~جانب، فاستفحل أمرهم وعظمت شوكتهم، واشتدت ضروراتهم، واستجمع لهم كيدهم، ~~وكثر عددهم واعتدادهم، وتمكنت الهيبة PageV01P255 ### | CHECK [256_2] # في صدور الناس منهم، وتحقق في نفوسهم أم كل ما يعدهم الكافر ويمنيهم أخذ ~~باليد، وكان الذي بقي عندهم منه كالذي مضى، وبدون هذا ما يختدع الأريب، ~~ويستنزل العاقل، ويعتقل الفطن، فكيف بمن لا فكرة له، ولا روية عنده. # هذا مع كل ما يقوم في قلوبهم من حسد أهل النعم، ومنافستهم على ما في ~~أيديهم، وتقطعهم حسرات في إثر ما خصوا به، وأنهم إن لا يكونوا يرون أنفسهم ~~أحق بذلك، فإنهم يرون أنهم فيه سواء. # وفيه: فأعد أمير المؤمنين من أمواله أخطرها، ومن قواد جيشه أعلمهم ~~بالحرب، وأنهضهم بالمعضلات، ومن أوليائه وأبناء دعوته ودعوة آبائه - صلوات ~~الله عليهم - أحسنهم طاعة، وأشدهم نكاية، وأكثرهم عدة، ثم اتبع الأموال ~~بالأموال، والرجال بالرجال، من خاصة مواليه وعدد غلمانه، وقبل ذلك ما اتكل ~~عليه من صنع الله عز وجل، ووجه إليه من رعيته؛ فكيف رأى الكافر اللعين ~~وأصحابه ms221 الملاعين؟ ألم يكذب الله ظنونهم، ويشف صدور أوليائه منهم؟ يقتلونهم ~~كيف شاءوا في كل موطن ومعترك، ما دامت عند أنفسهم مقاومة. # وفيه: فلما حصرهم الله وحبسهم عليهم ودانتهم مصارعهم، سلطهم الله عليهم ~~كيد واحدة، يختطفونهم بسيوفهم، وينتظمونهم برماحهم؛ فلا يجدون ملجأ ولا ~~مهربا، ثم أمكنهم من أهاليهم وأولادهم ونسائهم وحرمهم، وصيروا الدار دارهم ~~والمحلة محلتهم، والأموال قسما بينهم، والأهل إماء وعبيا؛ وفوق ذلك كله ما ~~فعل بهؤلاء، وأعطاهم من الرحمة والثواب، وما اعد لأولئك من الخزي والعقاب، ~~وصار الكافر بابك لا فيمن قتل فسلم من ذل الغلبة، ولا فيمن نجا فعاين في ~~الحياة بعض العوض، ولا فيمن أصيب، فيشتغل بنفسه عن المصيبة بما سواه. # وجاء في خاتمته: فالحمد لله الذي أعز دينه، وأظهر حجته، ونصر أولياءه، ~~وأهلك أعداءه، حمدا يقضى به الحق، وتتم به النعمة، وتتصل به الزيادة، والحمد PageV01P256 ### | CHECK [257_2] # لله الذي فتح على أمير المؤمنين وحقق ظنه، وأنجح سعيه، وحاز له أجر هذا ~~الفتح وذخره وشرفه، وجعله خالصا لتمامه وكماله، بأكمل الصنع وأحسن الكفاية. # كان ابن الزيات يقول: احذروا الصديق الجاهل أكثر من حذركم العدو العاقل، ~~فليس من أساء وهو يعلم أنه مسيء كمن أساء وهو يظن أنه يحسن. ومن شعره: # لو كان يمنع حسن الوجه صاحبه ... من أن يكون له ذنب إلى أحد # كانت عليم أبر الناس كلهم ... من أن تكافا بسوء آخر الأبد # ومنه: # مالي إذا غبت لم أذكر بصالحة ... وإن مرضت وطال السقم لم أعد # ما أعجب الشيء ترجوه فتحرمه ... قد كنت أحسب أني قد ملأت يدي # ذكر ابن المدبر في الرسالة العذراء أنهم لم يجيزوا أن يكتبوا بمثل أبقاك ~~الله وأمتع بك إلا إلى الحرمة والأهل والتابع والمنقطع إليك، وأما في كتب ~~الإخوان فغير جائز بمذموم مرغوب عنه، ولذلك كتب عبد الله ابن طاهر إلى محمد ~~بن عبد الملك الزيات: # أحلت عما عهدت من أدبك ... أم ملكا فتهت في كتبك # أم هل ترى أن في التواضع للإخوان ... نقصا عليك في حسبك # أتعبت كفيك في ms222 مكاتبتي ... حسبك مما يزيد في تعبك # إن جفاء كتاب ذي أدب ... يكتب في صدره وأمتع بك # فكتب إليه ابن الزيات: # أنكرت شيئا فلست فاعله ... فلن تراه يخط في كتبك # فاعف، فدتك النفوس، عن رجل ... يعيش حتى الممات في أدبك # كيف أخون الإخاء يا أملي ... وكل شيء أنال من سببك # إن يك جهلا إياك من قبلي ... فعد بفضل علي في أدبك PageV01P257 ### | CHECK [258_2] # تعشق محمد جارية، فبيعت من رجل من أهل خراسان وأخرجها، فذهل علقه خشي ~~عليه، ثم أنشأ يقول: # يا طول ساعات ليل العاشق الدنف ... وطول رعيته للنجم في السدف # ماذا توارى ثيابي من أخي حرق ... كأنما الجسم منه دقة الألف # ما قال يا أسفي يعقوب من كمد ... إلا لطول الذي لاقي من الأسف # من سره أن يرى ميت الهوى دنفا ... فليستدل على الزيات وليقف # وكان محمد بن عبد الملك يحب بعض جواري القيان، ثم تنكر لها، فكتبت على ~~خاتم لفظا تعرض فيه بالعتاب، فبلغه ذلك، فكتب على خاتمه ضد ما كتبت، فبلغها ~~فمحت ما كان على خاتمها، وكتبت ضد ما كتب، فبلغه ذلك، فمحا ما كان على ~~خاتمه، وكتب ضد ذلك في أبيات يقول فيها: # كتبت على قص لخاتمها ... من مل من أحبابه رقدا # فكتبت في فصي ليبلغها ... من نام لم يشعر بمن سهدا # فمحته واكتتبت ليبلغني ... ما نام من يهوى ولا هجدا # فمحوته ثم اكتتبت أنا ... والله أول ميت كمدا # قالت يعارضني بخاتمه ... والله لا كلمته أبدا # وقال: # أترحل والذي تهوى مقيم ... لعمرك إن ذا خطر جسيم # إذا ما كنت للحدثان عونا ... عليك وللزمان فمن تلوم # ومن شعره في العيادة: # ونعود سيدنا وسيد غيرنا ... ليت التشكي كان بالعواد # لو كان يقبل فدية لفديته ... بالمصطفي من طارفي وتلادي # وقال في عباس بن المأمون وقصته أيام عمورية: PageV01P258 ### | CHECK [259_2] ### | AUTO حلفة ما حلفت لا تعبر الل ... كام مبرورة من الأيمان # رب حنث فيه النجاة وبر ... قد أحل الفتي بدار هوان # وقال: # أباح الدمع سرا لم أبحه ... فدمعي آفتي لا تظلميني ms223 # فما ذنبي إذا كانت دموعي ... تعين علي أسباب المنون # إذا ظن الجليس ببعض ما بي ... يبين لعينه وجه اليقين # ونرمي بالظنون إذا التقينا ... فتكشف لمحتي لبس الظنون # وله: # تمكنت من قتلي فأزمعت قتلها ... على غير عمد منك والروح تذهب # كعصفورة في كف طفل يسومها ... ورود حياض الموت والطفل يلعب # وله: # وعائب عانبي بشيبي ... لم يعد ألم وقته # فقلت إذ عابني بشيبي ... يا عائب الشيب لا بلغته # ومن قصائده قصيدته التي أغرى فيها بإبراهيم بن المهدي في أيام المأمون، ~~عند رضى المأمون عنه، وعدد فيها ما كان منه دعائه إلى نفسه، وأولها: # ألم تر أن الشيء للشيء علة ... يكون له كالنار تقدح بالزند # وقال في جارية يهواها اسمها عذر: # يا عذر زين باسمك العذر ... وأسا ولم يحسن بك الدهر # وهي التي قالت وقد جعلت ... تنسل من وجناتها الحمر # أكمد بدائك هل رأيت كذا ... بدر يلوح بخده البدر # ورأته هذه الجارية في ليلة أربع عشرة من الشهر فقال: # بدر بدا في ليلة البدر ... في ليلة الأربع والعشر PageV01P259 ### | CHECK [260_2] # لذلك الشهر له شاهد ... لا ينقضي الدهر له شكري # أطلع بدرين وما عهدنا ... بأن نرى بدرين في شهر # ويلي من بدرين في ليلة ... كلاهما في صورة يسري # ومن هذه المقاطيع عرفنا أيضا أن ابن الزيات كان رجل صبابة ودعابة ورقة ~~طبع وحاشية، وجميل إخاء ووفاء. # - - # عمرو بن بحر الجاحظ # عصره: # كان عصر الجاحظ عصر استقرار وازدهار، ثبتت قواعد الدولة العباسية على عهد ~~الرشيد وابنيه المأمون والمعتصم، واطردت سياستها، وخيف سلطانها، وعظم ~~شأنها، ولم يكدر صفاء تلك الحقبة غير الحرب التي نشبت بين الأمين والمأمون، ~~للنزاع على ولاية العهد، فسالت الدماء في خراسان والعراق، وأنفق الأمين ~~الأموال حتى إذا استقل أخوه المأمون بالخلافة، عادت الأمور إلى مجراها ~~الأول في عهد الرشيد وأبيه المهدي وأخيه الهادي. ثم اختلت الدولة بعد عهد ~~الواثق، فقتل المتوكل والمستعين والمعتز من خلفائهم. # وكانت العلائق السياسية بين ملوك العباسيين وملوك غرب أوربا مثل شارلمان ~~وبيبن على غاية الوئام، يتبادل العباسيون ms224 مع الملوك الإفرنج السفراء ~~والهدايا ويريد بنو العباس من هذا التلطف على الغالب أن يقف الإفرنج ~~بالمرصاد لدولة الأندلس. أما دولة روم القسطنطينية، فكانت في بلاء من جيش ~~بني العباس إلى زمن الواثق، يغزوها في الأحايين فيظفر ويغنم، حتى اضطرت أن ~~تؤدي للعباسيين جزية سنوية. PageV01P260 ### | CHECK [261_2] # وعرف الرشيد أن دولة الأمويين في الأندلس أخذت كدولته تعرج معارج الحضارة ~~وتأخذ من كل وجه بأسباب القوة، فحاذر تقدمنا نحوه بلاده، ورأى أن يقيم ~~أمامها حاجزا في إفريقية من دولة الأغالبة، فمنح هذه شبه استقلال، وقام بعض ~~العلويين وغيرهم على عهد الرشيد، فقاتلهم بجزء من جيشه، فأيقنوا أن لا سبيل ~~إلى تحقيق رغائبهم في قلب أوضاع الدولة، وعادوا بما لاقوا من الجد في ~~استئصالهم يعتصمون بالتقية، وأرجأ بقايا السيوف منهم بث دعوتهم جهرة إلى ~~الوقت المناسب. # وأهم ما تم من الخير للعلم بعد القضاء على الزنادقة على عهد المهدي ~~وتقطيع كتبهم كتقطيع أوصالهم، استمتاع أرباب العقول بحرياتهم، فأنشئوا ~~يفكرون على ما يشاءون في نطاق الإسلام، لا يخرجون عن رخصه وعزائمه، وكثر ~~الباحثون والدارسون، وأخذ الخلفاء والأمراء بأيدي من أتقنوا فنهم وعلمهم، ~~واشتد الغرام بنقل العلوم المادية اشتداده في تدوين العلوم الدينية، وفي ~~هذا الزمن نبغ عظماء في علوم الدين، وعظماء في علوم الدنيا، وعظماء في ~~الآداب والفنون، وعظماء في الحرب والسياسة، وكان كل من تفرد بضرب من ضروب ~~العلم والأدب يلقى من الخلفاء على الأكثر أنواع التجلة والإكرام، ويخلع ~~عليه كل جميل. # وفي هذا الدور نبغ أئمة المذاهب الأربعة التي وقع الاكتفاء بها عند أهل ~~السنة، ودون مذهب مالك وأبي حنيفة وغيرهما، وتم تدوين الحديث وتدوين اللغة ~~والشعر، وكثر عظماء القراء، وزاد عدد النقلة من الفارسية والسريانية ~~واليونانية، وراجت الوراقة رواجا عظيما، لما بدأ الملوك يجمعون خزائن كتب ~~في قصورهم، ويقيمون دور الحكمة في عاصمة الخلافة، وعلق الأمراء وعلية الأمة ~~يتنافسون في اقتفاء آثار خلفائهم في خدمة الآداب، يحظون ويعطون كل من ينقل ~~لهم ضربا جديدا من المعارف. وبعد أن كانت البصرة ms225 والكوفة مستأثرتين بالحركة ~~العلمية، PageV01P261 ### | CHECK [262_2] # شاركتهما بغداد بهذا الشرف، ثم أربت عليهما منذ وافاها أهل الفضل من ~~الأمصار، فما هي إلا أعوام حتى أصبحت بغداد مدينة علم، وكانت من قبل مدينة ~~ملك، بما نقل من صنوف العلم إلى الخلفاء وأتباعهم. # وأيقن أرباب البصائر أن الدنيا لا تأتي من غير طريق الكفاية، وأن كل عز ~~لم يؤكد بعلم فإلى ذل يؤول فانكبوا على التأدب، وحرص أرباب اليسار على ~~تثقيف أبنائهم، وكان إذا تفرس رب البيت في ولده ذكاء جاءه بالمؤدبين ~~يلقنونه ما يشتهي نفسه من الآداب، ولذا أصبح التعليم صناعة، وحسن عيش ~~المؤدبين؛ وغدا التأديب أيضا طريقا إلى المجد والسؤدد، على ما أمست منادمة ~~الملوك والأمراء صناعة برأسها؛ وقد يبلغ سلطان النديم في قصور العظماء ما ~~لا يبلغه سلطان الوزراء والكتاب، وهو ابن الخلوة والجلوة، والمؤتمن على ~~الحرم والأسرار. # عمرت مجالس العلم والأدب، وأمست دور الكبراء مثابة المفنين والإخصائيين، ~~يغشاها أرباب الأفكار، وحملة الآثار والأشعار؛ والعهد بعلماء البصرة ~~يختلفون إلى المسجد والمربد، وكان المسجديون والمربديون جماعا من شعب الأدب ~~والرواية، والعهد بالكوفة يختلف المنورون من بينها إلى الكناسة مجمع ~~الشعراء والأدباء، ومسجدهم مجمع علمائهم، ومغنى قرائهم، والمنافسة بين ~~المصرين، والكوفة والبصرة، في الفقه والحديث واللغة والنحو والتصريف مشهورة ~~مذكورة، وبغداد تنعقد مجالسها، وتغص مساجدها بأرباب العقول وحفدة الشريعة، ~~وقادة الفكر، وشعراء الحضارة، وأمراء البلاغة. # وهناك مجالس اللهو يعرض فيها الموسيقاريون والمغنون فنهم، ويتبارى أرباب ~~النعيم والرفاهية في اقتناء المسمعات والقينات، وغدت الجارية التي تجد من ~~نفسها طبيعة مؤاتية في هذا الفن، تتوفر في هذا على إتقانه، وتلقف ما يستلزم ~~فنها من أدب وشعر؛ فجاء منهن أديبات وشاعرات، وغدا لكل قريحة قيمة، ولكل أدب PageV01P262 ### | CHECK [263_2] # خطاب، والناس يتمززون طعم الحياة، وينعمون بمباهجها، وأصبح المسلمون ولا ~~سيما أهل الدولة ومن والاهم، بعيدين عن حياة التزمت والتخافت بعدهم عن ~~الأمية، وراحوا يحضرون مجالس الغناء على تصون وتعفف غالبا، وخف الإنكار على ~~ما عرفوا بهذا الشأن، وأنشأت معظم الطبقات تألف ذلك من غير ms226 نكير. # وأثارت الرعية الأرض وعمروها، ففاضت الثروة، وامتلأت خزائن الدولة ~~بالأموال، وزاد العمران، وجد كل عامل في ناحيته أن ينفق جانبا من الجباية ~~على ما يزيد في ريع بلده ونمائه، وغدا غرام معظم الخلفاء بتنظيم أمور ~~الرعية، يوازي غرامهم في دفع كل معتد على سلطانهم. # وكانت البصرة ميناء العراق الكبرى من أعظم ما تكون عليه الفرض البحرية في ~~الدول العظمى، تبادل تجارة بلاد العرب مع موانئ المحيط الهندي حتى الصين، ~~ويغشاها أصناف من شعوب الشرق في آسيا وإفريقية، والبصري كالحميري مشهور ~~بأسفاره ومغامراته، وأصبح البحر الرومي بحرا عربيا، وتراجع الروم إلى موانئ ~~بلادهم، وغدا السلطان الأكبر فيه لأساطيل مصر والشام وإفريقية والاندلس، ~~واعتزلت شعوب جنوبي أوروبا قي موانيها لا يبحر لها سفين، ولا تحمل لهم ~~بضاعة؛ والعرب بما عرف من مرانهم على التجارة يتولون كبرها في البر والبحر، ~~والزراعة والصناعة على الأعم الأغلب في أيدي أبناء الذمة من السريان والعجم ~~والقبط والبربر وغيرهم؛ وتعينت حدود الاختصاص بالصناعات اليدوية والعلمية، ~~وقل في الناس المتشائمون وكثر المترفون. # كتب الرواح في هذا العصر لكل صناعة ولكل بضاعة، واستوت شعوب المملكة ~~العباسية أمة الاستمتاع بالأمنه والسلامة، وعلى قدر كفاية الكفء، وإخلاص ~~المخلص للدولة، يخلص الناس إلى المراتب والمناصب، وعلى نسبة عمل العاملين ~~في صنوف الأعمال يغتنون ويسعدون، لا يخاف الناس إلا أنفسهم، ولا يلزمون أن PageV01P263 ### | CHECK [264_2] # يقدموا حسابهم لغير ديانهم وسلطانهم؛ فحضارة هذا العهد حضارة صقلها ~~الإسلام والعربية، واشترك في خدمتها أهل كل نحلة وملة، ووقف كل امرئ عند ~~حده، ليس له أن ينكر على من يناقش إلا بيرهان، وقلما تعدى حجاج المتجادلين ~~أبواب المجامع والجوامع والمجالس الخاصة، وصفحات الأسفار والرسائل، فهذا ~~العصر هو خير عصور بني العباس على الناس، وفيه سعد العلم وسعدت البلاغة ~~بنبوغ الجاحظ. # نشأته ونعمته: # هو عمرو بن بحر بن محبوب الكناني الليثي، من بني كنانة بن خزيمة، والد ~~النضر أبي قريش، وبنو كنانة بطن من مضر يقال لهم كنانة طلحة، والليثي نسبة ~~إلى الليث بن بكر بن عبد ms227 مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركه، وإلى هذه ~~القبيلة ينتسب أبو عثمان الجاحظ، وقيل إنه كان مولي أبي القلمس عمرو بن قلع ~~الكناني ثم الفقيمي. فهو كناني صليبة خالص النسب، وكان جده فزارة أسود ~~اللون، وكان جمالا لعمرو بن قلع، وأطلق على عمرو اسم الجاحظ لنتوء عينيه، ~~ويقال له الحدفي لذلك، وكان مشوه الخلقة، فكأن ما نقص من صورته استوفاه من ~~ذكائه وعقله. # ولد في البصرة حوالي سنة ستين ومائة، وتوفي والده وهو طفل، فلما ترعرع ~~تعلم الخط والقراءة في أحد كتاتيب بلده، وأخذ مذ كان يافعا يتلقى الفصاحة ~~شفاها عن العرب في المربد، وكان المربد اشهر محال البصرة، وبه كانت في ~~الإسلام مفاخرات الشعراء ومجالس الخطباء، على مثال سوق عكاظ بين نخلة ~~والطائف في الجاهلية. واتصل بعظماء في الدين والآداب، مثل الأصمعي، وأبي ~~زيد الأنصاري، وأبي عبيدة معمر بن المثنى، والأخفش، والنظام إبراهيم بن ~~سيار البلخي، وصالح بن جناح اللخمي. أخذ اللغة والأدب عن الثلاثة الأولين، والنحو PageV01P264 ### | CHECK [265_2] # عن الأخفش، والكلام عن النظام، والحكمة عن ابن جناح. وحدث عن ثمامة بن ~~أشرس النميري المتكلم، ويزيد بن هارون، والسري بن عبدويه، والقاضي أبي يوسف ~~يعقوب بن إبراهيم، والحجاج محمد بن حماد بن سلمة وروى عنه أبو بكر عبد الله ~~بن أبي داود السجستاني، ومحمد بن عبد الله بن أبي الدلهاب، ودعامة بن ~~الجهم، وأبو سعيد الحسن ابن علي العوي، وأبو العباس محمد بن يزيد المبرد، ~~ويموت بن المزرع، وأبو العيناء محمد بن القاسم. وقال عن نفسه إنه جلس إلى ~~أبي عبيدة والأصمعي ويحيي بن نجيم وأبي مالك وعمرو بن كركرة مع من جالس من ~~رواة البغداديين. # أولئك الذين عرفوا ممن أخذ الجاحظ عنهم ومنهم نجم، وهؤلاء الذين أخذوا ~~عنه الحديث وغيره، فكان له في كل حلقة من حلاق البصرة متنفس. وإذا نظرنا في ~~اختصاص أساتيذ الجاحظ من غير المحدثين، نرى الأصمعي ممن جمع شتيت اللغة في ~~الشجر والنبات والإبل والشاء والوحوش وغير ذلك، وقالوا إنه كان يحفظ ثلث ms228 ~~اللغة كما كان الخليل يحفظ نصفها وابن كركرة يحفظها كلها. وصنف أبو عبيدة ~~في البارزي والحمام والعقارب والحيات والزرع وكان الغريب أغلب عليه وأخبار ~~العرب وأيامهم وكان يرى رأي الخوارج، ووصفه تلميذه بأنه لم يكن في الأرض ~~خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلوم منه، وألف أبو زيد الأنصاري في القوس ~~والترس والقضيب والإبل والوحوش، وخلق الإنسان والمطر والنبات؛ وكان هؤلاء ~~الثلاثة في عصرهم أئمة الناس في اللغة والشعر وعلوم العرب لم ير قبلهم ولا ~~بعدهم مثلهم، عنهم أخذ جل ما في أيدي الناس من هذا العلم بل كله . كان ~~الأخفش الأوسط من أعلم الناس بالنحو والتصريف، وصالح بن جناح كان ممن أدرك ~~التابعين، وكلامه مستفاد في الحكمة كما قال ابن عساكر، أخذ عنه الجاحظ في ~~نيسابور؛ أما النظام، شيخ المعتزلة وإمام الأئمة فقد كان من جملة ما يحفظ PageV01P265 ### | CHECK [266_2] # القرآن والتوراة والإنجيل والزبور وتفسيرها، مع كثرة حفظه الأشعار ~~والأخبار واختلاف الناس في الفتيا، وقد وصفه الجاحظ بقوله: إن الأوائل ~~يقولون في كل ألف سنة رجل لا نظير له، فإن كان صحيحا فهو أبو اسحق النظام. ~~وقال انه ما رأى أحدا اعلم بالكلام والفقه منه. وقال عن نفسه: إنه وجد عند ~~أدباء الكتاب كابن وهب وابن الزيات ما لم يجده عند مشايخه الذين أخذ عنهم ~~الشعر والأدب، وبهم عرف ماهية الشعر، وقام بحق الأدب والكتابة. # هذه أوجه الدراسة التي وجهت إليها مدارك الجاحظ، وهؤلاء أشهر أساتذته. ~~أحكم فنون الأدب والأخبار واللغة والكلام والحكمة، أي تثقف بالثقافة ~~الراقية لعهده، وزاد على هذه العلوم النظرية أنه أعمل فكره فيما تعلم، وحلل ~~المسميات كما تعلم الأسماء، واتسع عقله للاشتغال بمسائل مهمة من الدين، ~~فكان صاحب مذهب وأتباع، والغالب أنه كان يعرف الفارسية. وكان مولعا بالكتب، ~~يكثر الاختلاف إلى الوراقين في البصرة وبغداد، يقضي في حوانيتهم ساعات حدث ~~أبو هفان قال: لم أر قط ولا سمعت من أحب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ فإنه ~~لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته كائنا ما ms229 كان، حتى إنه كان يكتري ~~دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر وله وراق خاص. # روى الخطيب البغدادي عن محمد بن سليمان الجوهري قال: كنا نصحب الجاحظ على ~~سائر أحواله من جد وهزل، قال: فخرجنا يوما لنزهة، فبينا نحن على باب جامع ~~البصرة ننظر شيئا أردناه، إذ عارضت امرأة معها أوراق مقطعة، فعرضت ذلك ~~علينا فلم نجد فيها طائلا، فتركناها وانصرفنا، وتخلف معها الجاحظ ونحن ~~ننتظره فأطال، ثم رأيناه قد وزن لها شيئا، وأخذ الأوراق وقال: انتظروني، ~~ومضى بها إلى منزله؛ فلما عاد أخذنا نهزأ به ويقول: فزت بقطعة من العلم ~~وافرة، وضحكنا فقال: أنتم حمقى والله، إن فيها ما لا يوجد إلا فيها، ولكنكم جهال PageV01P266 ### | CHECK [267_2] # لا تعرفون النفيس من الخسيس. # نشأ الجاحظ من أبوين فقيرين، قيل أنه رؤي بيسحان أحد أنهار البصرة يبيع ~~الخبر والسمك في صباه، وقيل إن أمه كانت تمونه في حداثته، فجاءته يوما بطبق ~~عليه كراريس، فقال: ما هذا؟ قالت: هذا الذي تجيء به. فخرج مغتما وجلس في ~~الجامع، ويونس بن عمران جالس، فلما رآه مغتما قال له: ما شأنك؟ فحدثه ~~الحديث، فأدخله المنزل، وقرب إليه الطعام، وأعطاه خمسين دينارا، فدخل السوق ~~واشترى الدقيق وغيره، وحمله الحمالون إلى داره، فأنكرت الأم ذلك: قالت: من ~~أين لك هذا؟ قال: من الكراريس التي قدمتها إلي. # وظل رزق الجاحظ غيبيا في شبابه، واتسع في الكهول عقبى تأليفه كتاب ~~العباسية للمأمون، وعلى عهده تصدر في ديوان الرسائل ببغداد ثلاثة أيام، ثم ~~استعفى فأعفي؛ وكان سهل بن هارون يقول: إن ثبت الجاحظ في هذا الديوان أفل ~~نجم الكتاب. واتصل بابن الزيات الوزير على عهد المعتصم فأقطعه أربعمائة ~~جريت؛ وكتب إليه مرة زمن المتوكل إن أمير المؤمنين يجد بك، لحال بينك وبين ~~بعدك عن مجالسه، ولغصبك رأيك وتدبيرك فيما أنت مشغول به ومتوفر عليه ثم حثه ~~على الفراغ من كتاب الرد على النصارى والتعجيل به إليه، وقال: وتنال ~~مشاهرتك، وقد استطلقه لما مضى، واستسلفه لك، لسنة كاملة مستقبلية. # والظاهر أن أداء الرواتب ms230 كان يتأخر في بعض الأيام، حتى قال الجاحظ في أبي ~~الفرج نجاح بن سلمة الكاتب - وكان على الأموال زمن الواثق والمتوكل، وإليه ~~أهدي رسالته في امتحان عقول الأولياء ورسالته في الكرم - هذه القصيدة: # أقام بدار الحفص راض بخفضه ... وذو الحزم يسري حين لا أحد يسري # يظن الرضا شيئا مهونا ... ودون الرضى كأس أمر من الصبر # سواء على الأيام صاحب حنكة ... وآخر كاب لا يريش ولا يبري PageV01P267 ### | CHECK [268_2] # خضعت لبعض القوم أرجو نواله ... وقد كنت لا أعطي الدنية بالقسر # فلما رأيت القوم يبذل بشره ... ويجعل حسن البشر واقية الوفر # ربعت على ظلعي وراجعت منزلي ... فصرت حليفا للدراسة والفكر # وشاورت إخواني فقال حليمهم ... عليك الفتى المري ذا الخلق الغمر # أعيذك بالرحمن من قول شامت ... أبو الفرج المأمول يزهد في عمرو # ولو كان فيه راغبا لرأيته ... كما كان دهرا في الرخاء وفي اليسر # أخاف عليك العين من كل حاسد ... وذو الود منخوب الفؤاد من الذعر # فإن ترع ودي بالقبول فأهله ... ولا يعرف الأقدار غير ذوي القدر # ولما اشتهر أمر الجاحظ أمسى يعيش من الهدايا والعطايا التي تنهال عليه من ~~العظماء وأرباب الدولة، ممن يؤلف بعض كتبه لهم ويحيلها بأسمائهم، حتى لقد ~~سأله أحدهم مرة إذا كان له بالبصرة ضيعة، فتبسم وقال: إنما أنا وجارية، ~~وجارية تخدمها، وخادم وحمار: أهديت كتاب الحيوان إلى محمد بن عبد الملك، ~~فأعطني خمسة آلاف دينار، وأهديت كتاب الزرع والتبيين إلى ابن أبي داود ~~فأعطاني خمسة آلاف دينار، وأهديت كتاب الزرع والنخل إلى إبراهيم بن العباس ~~الصولي فأعطاني خمسة آلاف دينار، فانصرفت إلى البصرة، ومعي ضيعة لا تحتاج ~~إلى تجديد ولا تسميد. كان هذا والجاحظ في شيخوخته، والخلفاء والعظماء ~~يعشقون قربه، ويفاخرون بصداقته؛ ومن أصدقائه الفتح بن خاقان ومحمد بن عبد ~~الملك الزيات، والحسن ابن وهب. ولم ير الجاحظ التقيد بخدمة الخلفاء، واعترض ~~عليه بعضهم في ذلك، وقال فيه بعض من لا يرى للرجال قيمة إلا بما ملكت ~~أيديهم، ومتعوا به من جاه وسطوة: إني لم أر أغبن ms231 من الجاحظ لنفسه، وإن كان ~~أوحد البلاغة في عصره؛ فما باله لم يلتمس شرف المنزلة بشرف الصنعة، وقد رأى ~~ابن الزيات وإبراهيم بن العباس بلغا فيها ما يلغا، وهو يلتمس فوائدهما والجاه PageV01P268 ### | CHECK [269_2] # بهما بيد أن الجاحظ كان يفضل أن يكون أميرا وسط كتبه على الصورة التي ~~لرأى عليها إسحاق بن سليمان، وقد دخل عليه في إمرته، فرأى السماطين والرجال ~~مثولا، كان على رؤوسهم الطير، ورأى فرشته وبزته، ثم دخل عليه وهو معزول، ~~وإذا في بيت كتبه، وحواليه الأسفاط والرقوق والقماطر والدفاتر والمساطر ~~والمحابر. قال الجاحظ: فما رأيته قط أفخم ولا أنبل ولا أهيب ولا أجزل منه ~~في ذلك اليوم، لأنه جمع مع المهابة المحبة، ومع الفخامة الحلاوة، ومع ~~السؤدد الحكمة. # منذ ابتعد الجاحظ عما يستهوي من المظاهر انتهت ايام ضائقته لما اشتهر بين ~~العالمين قدره، وتحامي الخلفاء لما يعرف من بطشهم إذا غضبوا، على ما لا ~~يوازي أفضالهم إذا رضوا. ولما قبض على الوزير محمد بن عبد الملك الزيات في ~~خلافة المتوكل، وكان الجاحظ في أسبابه وناحيته منحرفا عن أحمد بن أبي داود، ~~وهرب الجاحظ فقيل له: لم هربت؟ قال: خفت أن أكون ثاني اثنين إذ هما في ~~التنور. يريد بذلك ما صنعوا بابن الزيات من إدخاله تنورا فيه مسامير محماة. ~~وذكروا انه لما قتل ابن الزيات حمل الجاحظ مقيدا من البصرة، وفي عنقه سلسلة ~~وعليه قميص سمل؛ فلما دخل على ابن أبي داود عاتبة عتابا فاحشا. فقال ~~الجاحظ: خفض عليك أيدك الله، فوالله لأن يكون لك الأمر علي خير من أن يكون ~~لي عليك، ولأن أسيء وتحسن، أحسن في الأحدوثة من أن أحسن وتسيء، ولأن تعفو ~~عني في حال قدرتك، أجمل بك من الانتقام مني، فعفا عنه وصدره في مجلسه. # مذهبه وأخلاقه: # يعد الجاحظ من الطبقة السابعة في المعتزلة، وفي هذا المذهب ربي وعليه ~~نشأ، وعنه ناضل وله ألف؛ وقد خالف أصحابه في مسائل طفيفة، فسميت فرقته PageV01P269 ### | CHECK [270_2] # الجاحظية، وزعموا انه قال إن المعرفة طبائع؛ ونقل ms232 عنه أنه أنكر أصل ~~الإرادة وكونها جنسا من الأعراض، فقال إذا انتهى السهو عن الفاعل، وكان ~~عالما بما يفعله، فهو المريد على التحقيق، وأما الإرادة المعتلة بفعل الغير ~~فهو ميل النفس إليه، وزاد على ذلك إثبات الطبائع للأجسام، كما قال ~~الطبيعيون من الفلاسفة، وأثبت لها أفعالا مخصوصة بها، وقال بعدم استحالة ~~الجواهر، وأن الأعراض تتبدل والجواهر لا يجوز أن تفنى، ومذهبه مذهب ~~الفلاسفة في نفي الصفات، وفي إثبات القدر خيره وشره من العبد مذهب ~~المعتزلة. # هذا مجمل ما يقال في مذهب أبي عثمان، أما أخلاقه ومزاجه، فما كان ~~بالسوداوي ولا بالعصبي، وكان أميل إلى التفاؤل منه إلى التشاؤم، يرى الدنيا ~~بعين المغتبط المحبور، لا بعين المغبظ المحنق، يبدو السرور عليه إذا خطب ~~وإذا كتب، وتغمره الغبطة، وتعتاده الدعابة، وخفة الروح فيه جبلة، يتنادر ~~إلى الطبقات المختلفة، يعبث بهذا، ويولع بذاك، لا تفزعه المظاهر، ولا يتوقف ~~في إيراد النكتة؛ فطر على الوفاء لأصحابه، والثبات على ودهم وعهدهم، ولا ~~يشفع بمن يعرف وبمن لا يعرف، لاعتقاده أن الوصاة شهادة، وصعب عليه أن يشهد الزور. # كان يحافظ على أوقاته ولا يضيع منها ما يمكن شغله بالمفيد، بعيدا عن ~~الفوضى بعض البعد، ويجب النظام في الجملة. إلا أنه كان لا يدخر المال إلى ~~أيام العسرة، وإذا أتاه بنفقه لا يحسب للغد حسابا كبيرا، ولذلك كان يعسر ~~أحيانا وتعوزه النفقة، ويلوب على الناض يرتفق به. وما كان ضنينا على ~~إخوانه، وود لو أخذ من الأغنياء بأفضل على الفقراء. ولئن نشأ من بيت وضيع، ~~لقد كان على جانب عظيم من عزة النفس. # ما كان الجاحظ بالمتزمت ولا بالمتنسك، قام بما فرض الإسلام عليه من ~~الفروض والواجبات، وصرف ساعات عمره فيما يرفع من شأن المسلمين، دعاهم إلى PageV01P270 ### | CHECK [271_2] # الحياة الفاضلة، وجب إليهم دينهم ودنياهم، ليستقيموا أمة عزيزة فاضلة في ~~أخلاقها. وكان يرى سعادة أصحاب السلطان وأصحاب الثروة تزول بزوال أربابها، ~~أو بما يعرض لها من أسباب الفناء، وأن العمل الصالح هو الأثر الذي يظل على ~~الأيام، ms233 لذلك كان يتقن عمله، لا يتوخى منه إلا ما يجدي في الحياة والمعاد. ~~وسع علمه الناس والأمصار، ونظر أكثر من غيره إلى ما وراء حدود النظر، وما ~~كان بالمقلد الحائف، ولا ممن يأخذ كل ما اتصل به قضية مسلمة لا بحث ولا ~~نظر: قصاراه التجديد، والبعد عن مزالق التقليد، والتعرف إلى كل شيء معرفة ثاقبة. # رأى من العبث تكليف الأيام ضد طباعها، فلابس دهره كما شاء في الجملة، لا ~~كما أراد هو بالتفصيل، فضحك لشقاء الحياة الدنيا، وهزأ بما يراه نعمة؛ عرف ~~أن السعادة في الأرض مستحيلة، وأن العالم يحلو ويمر، فرضي بحلوه ومره، وفي ~~الرضا والقناعة عزاء وشفاء. رأى فساد الناس بما كسبت أيديهم من الكذب ~~والزور والحسد والخبث، فاستعمل من دهائه ما أتقى به شرهم، وعلق يطمع في ~~الحيلة لتعليمهم، ومداواة أمراض نفوسهم، وتفنن في دعوته، لا تفنن صاحب ~~خيال، وطالب محال، بل تفنن الرجل الحكيم، يفيض اليوم بعد اليوم من علمه على ~~تلميذه، بقدر ما يشهد فيه من استعداد، ويسمح له من رأس ماله الواسع ما يرجى ~~له أن ينعم به، وهو لا ينفر أهل جيله وقبيله، ولا يقرهم على كل ما هو فيه. # خلق نقادا كما يخلق الشاعر شاعرا، وقوة النقد فيه شديدة، وهو مع هذا يعمد ~~إلى الفراق، وينصف خصمه من نفسه، ويستمع إلى ما يدلي به من حجة. تراه وهو ~~العربي القح في الجميع منازعه، لم تستهوه حكمة اليونان والهند وفارس، وما ~~امتلكت قلبه غير حكمة العرب وهدايتهم وآدابهم، ومع هذا يأخذ ممن سبق ولحق، ~~وعمن وافق وخالف؛ ولا ينوه نظره عن شيء، ولا ترذل نفسه حقيرا. ولم تورثه PageV01P271 ### | CHECK [272_2] # شهرته العلمية زهوا وغرورا، ولا يتكلف التواضع ولا التخاشع، وبغيته ~~الكبرى أن يرفق بالضعاف حتى يقووا، وبالجهلاء حتى يتعلموا؛ يحاسن الكبراء ~~من دون إسفاف، ويجتنب مخاشنتهم تفاديا من شرهم وعتوهم، ويحلم عن الأشرار ~~طبعا وتطبعا، ويبتعد عن الحاسدين والمتوترين؛ ولا يضجر ولا يضطرب؛ متزن إذا ~~أزم، معتدل إذا حاور؛ لا يحسد ذا نعمة ms234 على نعمته، ولا ذا سلطان على نفوذ ~~إرادته. # فلج الجاحظ وأصيب بالنقرس في شيخوخته، فدخل عليه المبرد في آخر أيامه وهو ~~عليل، فسأله عن حاله فقال: كيف يكون من نصفه مفلوج، لو نشر بالمنشار لما ~~أحس به، ونصفه الآخر منقرس، ولو طار الذباب بقربه لآلمه، والأمر على ذلك ~~أني قد جاوزت التسعين وأنشد: # أترجو أن تكون وأنت شيخ ... كما قد كنت أيام الشباب # لقد كذبتك نفسك ليس ثوب ... دريس كالجديد من الثياب # ودخل عليه جماعة يوما بسر من رأى يعودونه وقد فلج، فلما أخذوا مجالسهم ~~أتاه رسول المتوكل فقال: وما يصنع أمير المؤمنين بشق مائل، ولعاب سائل؟ ثم ~~أقبل عليهم فقال: ما تقولون في رجل له شقان أحدهما لو غرز بالمسال ما أحسن، ~~والشق الآخر يمر به الذباب فيغوث وأكثر ما أشكوه الثمانون؟ # ومع هذا ظل الجاحظ يسلي نفسه بالتأليف على النحو الذي جرى عليه أيام ~~الكهولة والشباب. فعوضته الطبيعة في شبابه عن جمال الوجه بجمال العم ~~وجلاله، وأعاضته في شيخوخته عن جودة الصحة صحة العقل. مات الجاحظ في سنة ~~255 قيل إن وقعت عليه مجلدات العلم، فمات في الذي أحبه وبحر فيه طول حياته. ~~قالوا وكان من عادته أن يضعها قائمة، كالحائط محيطة به وهو جالس إليها، ~~فسقطت عليه. مات في البصرة لا في بغداد، بدليل ما رواه أبن المهلبي عن PageV01P272 ### | CHECK [273_2] # أبيه قال: قال لي المعتز بالله: يا زيد ورد الخبر بموت الجاحظ، فقلت: ~~لأمير المؤمنين طول البقاء ودوام العز. قال المعتز: لقد كنت أحب أن أشخصه ~~إلي وأن يقيم عندي، فقلت له: إنه كان قبل موته عطلا بالفالج. # أدبه: # يطالعك الجاحظ من بارع أدبه بالإبداع دونه كل إبداع، ويعلمك في سهولة ~~ويسر لا يشق عليك، يدخل في نفسك مدخل صدق، ويستهويك وأنت لا تدري كيف أخذت. ~~قد تقرأ لغيره كلاما، وتعجب بما فيه من ديباجة حسنة أو معنى دقيق، أو تحقيق ~~وإحاطة، أو فكر طريف، أو رأي نادر، أما أن يظم الكلام شتيت هذه الميزات، ~~ويحمل ms235 كل ما يعن للخاطر من الصفات، فهذا مما لا يقع إلا على الندرة في كلام ~~البلغاء، وهو من الأمور المعتادة في كلام أبي عثمان. أنت تتمثل فيما يلي ~~الكاتبون شيئا تستطيبه وتستحمله، وفي أدبه كل ما يطرب ويعجب. الكتاب في ~~العادة يتطالبون إلى أن يكتبوا موضوعاتهم، والجاحظ يستميله موضوعه فيمليه، ~~ولا يتكلف ولا يتعسف. ويصور لك خلجات الروح، وآهات النفس، وأزمات العقل، ~~يرسم لكم المحسوسات كأنك تحسها، ويصف لك المعلوم والمجهول، ويعرض عليك ~~المعقول والمنقول، ويفيض كل الفيض بما لم يكتب لغير أفراد في علماء هذه ~~الأمة الطويل تاريخها، والكثير نبغاؤها، كأن الجاحظ بوق عصره ومصره، والآلة ~~المحكمة التي أحسنت نقل أصوات أهل جيله. جيل المفاخر والمعاير، وحمل إلى ~~أبناء القرون اللاحقة أفانين من أدبه جملها بروح السحر وسحر الجمال. # يقف القارئ بما ينقل إليه على صور رآها بعينه، فأحب إمتاع غيره برؤيتها، ~~وإشراكه بحالات تأثرت بها نفسه، هو ممن ربط ماضي الأمة بمستقبلها، وديتها ~~بدنياها، وتعمد لفرط أمانته أن يسمعها الحسن والقبيح، فطب بلطف عبقريته PageV01P273 ### | CHECK [274_2] # روحها وجسمها. وإذا كنت ممن لا يتوقع من المصور أكثر من أن يصور لك ما ~~يقع بصره عليه، فأدب الجاحظ يصور لك في حذق وتدقيق ما وقعت عليه عينه وقلبه ~~وحسه. ولما كان من رقة الشعور إلى التي ليس بعدها، جاء كلامه شعورا وعاطفة. # ينبعث البهاء في أدب الجاحظ من كون مادة الجمال فيه سيالة براقة ناصعة ~~تنشر السرور في الروح. قالوا إذا أورثك الكلام ما يعلوا به فكرك، وما ينبه ~~فيك حسا شريفا، فلا تبحثن بعدها عن شيء آخر لتحكم على ما قرأت، وكن على مثل ~~اليقين أنه من الجيد الصالح، وأنه ما صدر إلا عن يد صناع، وقريحة وقادة. ~~والجاحظ، فوق هذا، لم يتقيد كثيرا بذوق عصره، وفي ذلك إبداعه في أدبه. # كان كما قال لانسون في وصف أحد كتاب الإفرنج يعيش كالأديب في العالم، ~~ويكتب كما يكتب الأديب للعالم، ولا يرض عن نفسه إلا لأنه يرضي الناس، وقد ~~قبل ms236 البشر بكل ما فيهم من صفات، ليزحزحهم عما هم فيه. فخاطب الإنسان ~~للتأثير في الإنسان، ونظر إليه لا على أنه روح محضي، ولا على أنه عقل محض، ~~نظر إليه على أن له جسما يضطهد الفكر ويحرفة وينفيه، فرأى من الواجب أن ~~يخاطبه بما فيه، فخاطب فيه العقل والإرادة والذهن والإحساس، فبرزت فصوله ~~تزهى بما خلع عليها من الجمال، والفكر الذي لا يتمثله الكاتب ينفر القارئ ~~منه، لأن له من عزة نفسه ما يحب معه أن يخاطب بما ألف، وبما تتأثر به نفسه. ~~وهذا ما كان مستجمعا في أبي عثمان. # كتب بعد الدرس الطويل والخبرة الواسعة، وما عاني من الأبحاث إلا ما اضطلع ~~به، وما قولك بعظيم يحيط بأكثر ما في صحيفة الوجود من المعارف، ويعرف ما في ~~الأرض من تعاجيب، وما في السماء من غرائب، ووكده مصروف إلى إرضاء من يواصل ~~السير معه، ويرافقه ويعاشره من قرائه. ومن لا يحتقر شيئا PageV01P274 ### | CHECK [275_2] # يدخل في باب الآداب، ولا يستنكف من الأخذ عن صغير الناس وكبيرهم ويكشف كل ~~غامض، ويستقري ويستنبط، خليق أن يفعل أدبه في النفوس، وأن يكون كلامه راحا ~~للأرواح. # قيل إن الكتابة الصحيحة صعبة المراس، وأصعب منها اختراع تركيب جديد، وأن ~~جودة الكتابة تتوقف على استبطان أسرار الأشياء؛ ومنها أن يسلي الكاتب ~~السامع بالمناظر المختلفة، يجمع له منها أصنافا، وينقله في الأحاسيس، ويبعد ~~به عن المهجورات والمكررات، ويهيب به إلى الإشراف على ما تخترع قريحته، ~~ويتكشف عنه بيانه. وهذا القول أيضا يصدق على الجاحظ تأملت تراكيبه، وبصره ~~بالأشياء، حتى لا يترك قولا لغيره إذا بدا له أن يقوله. # فصلان للجاحظ أبدع فيهما الإبداع كله. أحدهما في وصف الكتاب والثاني في ~~وصف الحسد. ولعل إجادة الجاحظ تجلت لنا فيهما لأن موضوعهما مما أهمه كثيرا. ~~ومن أعرف بنفع الكتب من سيد من صنفها، ومن أقدر على وصف الحسد، من العارف ~~بمدب هذا الداء من نفوس الحساد، ومن كان طول حياته غرضا لهم يحاولون أن ~~يصيبوه فيتقيهم. انتقد بعضهم على الجاحظ ms237 حتى وضعه الكتب، فذكر لهم فضلها ~~على الناس، ومما قال: الإنسان لا يعلم حتى يكثر سماعه، ولابد أن تكون كتبه ~~أكثر من سماعه، ولا يعلم ولا يجمع العلم حتى يكون الإنفاق عليه من ماله ألذ ~~عنده من الإنفاق من مال عدوه، ومن لم تكن نفقته التي تخرج في الكتب ألذ ~~عنده من عشق القيان، لم يبلغ في العلم مبلغا رضيا، وليس ينتفع بإنفاقه حتى ~~يؤثر اتخاذ الكتب إيثار الأعرابي فرسه باللبن على عياله، وحتى يؤمل في ~~العلم ما يؤمل الأعرابي في فرسه. # وقال بعد مقدمة: وأنا أحفظ وأقول: الكتاب نعم الذخر والعقدة، والجليس ~~والعمدة، ونعم النشوة ونعم النزهة، ونعم المستغل والحرفة، نعم الأنيس ساعة ~~الوحدة، ونعم PageV01P275 ### | CHECK [276_2] # المعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخيل والزميل، ونعم الوزير ~~والنزيل. والكتاب وعاء مليء علما، وظرف حشي ظرفا، وإناء شحن مزاحا. إن شئت ~~كان أعيى من باقل، وإن شئت كان أبلغ من سحبان وائل، وإن شئت سرتك نوادره، ~~وشجتك مواعظه. ومن لك بواعظ مثله، وبناسك فاتك، وناطق أخرس؛ ومن لك بطبيب ~~أعرابي ورومي وهندي وفارسي ويوناني، ونديم مولد، وحبيب ممتع؛ ومن لك بشيء ~~بجمع لك الأول والآخر، والناقص والوافر، والشاهد والغائب، والرفيع والوضيع، ~~والغث والسمين، والشكل وخلافه، والجنس وضده؟ # وبعد فما رأيت بستانا يحمل في ردن، وروضة تنقل في حجر، ينطق عن الموتى، ~~ويترجم عن الأحياء؛ ومن لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك، ولا ينطق إلا بما ~~تهوى؛ آمن الأرض، وأكتم للسر من صاحب السر، وأحفظ للوديعة من أرباب ~~الوديعة؛ ولا أعلم جارا آمن، ولا خليطا أنصف، ولا رفيقا أطوع، ولا معلما ~~أخضع، ولا صاحبا أظهر كفاية وعناية، ولا أقل إملالا ولا إبراما، ولا أبعد ~~عن مراء، ولا أترك لشغب، ولا أزهد في جدال، ولا أكف عن قتال - من كتاب ولا ~~أعم بيانا، ولا أحسن مؤاتاة، ولا أعجل مكافأة؛ ولا شجرة أطول عمرا، ولا ~~أطيب ثمرا، ولا أقرب مجتني، ولاأسرع إدراكا، ولا أوجد في كل إبان - من ~~كتاب؛ ولا أعلم نتاجا في حداثة ms238 سنه، وقرب ميلاده، ورخص ثمنه، وإمكان وجوده، ~~يجمع من السير العجيبة، والعلوم الغربية، وآثار العقول القديمة، والتجارب ~~الحكيمة، والأخبار عن القرون الماضية، والبلاد النازحة، والأمثال السائرة، ~~والأمم البائدة، ما يجمعه كتاب. # ومن لك بزائر إن شئت كانت زيارته غبا، ووروده خمسا، وإن شئت لزمك لزوم ~~ظلك، وكان منك كبعضك؛ والكتاب هو الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا ~~يقليك، والرفيق الذي لا يملك، والمستمع الذي لا يستزيدك، والجار الذي PageV01P276 ### | CHECK [277_2] # لايساطيك، والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق، ولا يعاملك ~~بالمكر، ولا يخدعك بالنفاق. والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك، وشحذ ~~طباعك، وبسط لسانك، وجود بيانك، وفخم ألفاظك، وبجح نفسك، وعمر صدرك، ومنحك ~~تعظيم العوام، وصداقة الملوك؛ يعطيك بالليل طاعته بالنهار، وفي السفر طاعته ~~في الحضر؛ وهو المعلم الذي إن افتقرت أليه لم يحقرك، وإن قطعت عنه المادة ~~لم يقطع عنك الفائدة، وإن عزلت لم يدع طاعتك، وإن هبت ريح أعدائك لم ينقلب ~~عليك. ومتى كنت متعلقا منه بأدنى حبل، لم تضطرك معه وحشة إلى جليس السوء. # وإن أمثل ما يقطع به الفراغ نهارهم، وأصحاب الكفايات ساعات ليلهم، نظر في ~~كتاب لا يزال لهم فيه ازدياد في تجربة، وعقل ومروءة، وصون عرض، وإصلاح دين، ~~وتثمير مال ورب صنعية، وابتداء إنعام. ولو لم يكن من فضله عليك، وإحسانه ~~إليك، إلا منعه لك من الجلوس على بابك، والنظر إلى المارة بك، مع ما في ذلك ~~من التعرض للحقوق التي تلزم، ومن فضول النظر، وملابسة صغار الناس، ومن حضور ~~ألفاظهم الساقطة، ومعانيهم الفاسدة، وأخلاقهم الردية، وجهالتهم المذمومة، ~~لكان في ذلك السلامة والغنيمة، وإحراز الأصل مع استفادة الفرع. ولو لم يكن ~~في ذلك إلا أنه يشغلك عن سخف المني، واعتياد الراحة، وعن اللعب، وكل ما ~~تشتهيه، لقد كان له في ذلك على صاحبه أسبغ النعم، وأعظم المنة، وجملة ~~الكتاب وإن كثر ورقة فليس مما يمل، لأنه وإن كان كتابا واحدا، فإنه كتب ~~كثيرة في خطابه، والعام بالشريعة والأحكام، والمعرفة بالسياسة ms239 والتدبير. # والكتاب هو الذي يؤدي إلى الناس كتب الدين، وحساب الدواوين، مع خفه نقله، ~~وصغر حجمه، صامت مل أسكنه، وبليغ ما اسنتطقته، ومن لك بمسامر لا يبديك PageV01P277 ### | CHECK [278_2] # في حال شغلك، ويدعوك في أوقات نشاطك، ولا يحوجك إلى التجمل له والتذمم منه. # والكتاب قد يفضل صاحبه، مؤلفه، ويرجح قلمه على لسانه بأمور: منها أن ~~الكتاب يقرأ بكل مكان، ويظهر ما فيه على كل لسان، ويوجد مع كل زمان، على ~~تفاوت ما بين الأعصار، وتباعد ما بين الأمصار، وذلك أمر مستحيل في واضع ~~الكتاب، والمتنازع في المسألة والجواب، ومناقلة اللسان وهدايته، لا تجوازون ~~مجلس صاحبه، ومبلغ صوته، وقد يذهب الحكيم وتبقى كتبه، ويذهب العقل ويبقى ~~أثره، ولولا ما أودعت لنا الأوائل في كتبها، وخلدت من عجيب حكمتها، ودونت ~~من أنواع سيرها، حتى شاهدنا بها ما غاب عنا، وفتحنا بها كل مستغلق كان ~~علينا، فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم، وأدركنا ما لم نكن ندركه إلا بهم، لما ~~حسن حظنا من الحكمة، ومنتهى تجاربنا، لما تدركه حواسنا، وتشاهده نفوسنا، ~~لقلت المعرفة، وسقطت الهمة، وارتفعت العزيمة، وعاد الرأي عقيما، والخاطر ~~فاسدا، ولكل الحد وتبلد. # ولو لا جياد الكتب وحسنها، وبينها ومختصرها، لما تحركت همم هؤلاء لطلب ~~العلم، ونزعت إلى الأدب، وأنفت من حال الجهل، وأن تكون في غمار الحشو، ~~ولدخل على هؤلاء من الخلل، والمضرة من الجهل وسوء الحال، ما عسى أن لا يمكن ~~الإخبار عن مقداره إلا بالكلام الكثير. ولذلك قال عمر رضي الله منه: تفقهوا ~~قبل أن تسودوا. وقد نجد الرجل يطلب الآثار، وتأويل القرآن، يجالس الفقهاء ~~خمسين عاما، وهو ر يعد فقيها، ولا يجعل قاضيا؛ فما هو إلا أن ينظر في كتب ~~أبي حنيفة وأشباه أبي حنيفة، ويحفظ كتب الشروط في مقدار سنة أو ستنين حتى ~~تمر ببابه، فتظن أنه من بعض العمال، وبالحري أن يمر عليه من الأيام إلا ~~اليسير، حتى يصير حاكما على مصر من الأمصار، أو بلد من البلدان. PageV01P278 ### | CHECK [279_2] # ومما يدل على نفع الكتاب أنه لو ms240 لا الكتاب لم يجز أن يعلم أهل الرقة ~~والموصل وبغداد وواسط ما كان بالبصرة، وما يحدث بالكوفة في بياض يوم، حتى ~~تكون الحادثة بالكوفة غدوة، فتعلم بها أهل البصرة قبل المساء. # أملى الجاحظ هذه عن الفقرات في عصر الناس يؤثرون فيه السماع من المشايخ، ~~والأخذ عن الرواة، على مطالعة الأسفار، والمنافسة في دواوين العلم، لا ~~يحفلون بالتقييد والتسجيل كثيرا، ويرون على الدوام الأخذ من الأفواه، فوجه ~~أفكار أمته وجهة أخرى مستديمة مستقرة، أتاها يرغبها في الكتاب ليكون للناظر ~~فيه كل ساعة ما يستقي من معينة، نصح لقومه أن يتناغوا في اقتناء الأسفار، ~~ويتباروا في الاعتماد على ما تدخره من الدرر الغوالي، وبذلك ينشط المؤلفون ~~إلى وضع كتبهم ومصنفاتهم، وتبقى لمن يتلوها أصح مرجع عل الأيام. # وبعد فهل رأيتم دخول الجاحظ على نفوس المتعلمين، أو من يطمع في تثقيفهم ~~من العالمين، عندما قال لهم إن الكتاب يمنح صاحبه تعظيم العوام وصداقة ~~الملوك؛ وأن من حضر دروس الفقهاء لا يحصل من العلم على طائل، إلا إذا درس ~~كتب أبي حنيفة وغيره، فأصبح بما استظهر قاضيا أو حاكما قي أحد الأمصار. ~~وبعد أن أفاض، في ضروب من الأقوال التي تفعل في النفوس، ونقل ما قاله من ~~تقدموه في هذا الباب، باغت القارئ فضربه في الوتر الحساس، وهو طلب المال ~~والجاه بالكتاب، والنفوس تصبو من طبعها إلى بلوغ هذه المراتب؛ وما دامت ~~المسألة لا تحتمل أكثر من النظر في صفحات معدودة، ويفتح الكنز المرصود ~~لطالب السعادة، فجمهرة المقبلين على الأخذ من الأسفار، ستزيد يوما بعد يوم. # وهذا منزع آخر من منازع الجاحظ في الإصلاح والتمدين، يحاول أن يصل منه ~~إلى غاية معينة، وبضربه على نغمة المادية يستهوي قلوب العالم. ما هو ~~بالغافل عن ضعقهم، وأنهم عبيد الدنيا مهما تقلبوا زمانا ومكانا، فخاطبهم ~~بما يقربهم إليه. PageV01P279 ### | CHECK [280_2] # ثم هو ليس ممن يرغب في الخطب التي يزول أثرها بزوال مؤثراتها، ولا يتعدي ~~نفعها حدود أوقاتها، ويتعشق الكتب لأنها موضع تبصر وتدبر، لا يتناولها ما ~~يتناول ms241 الخطب من تأويل وتحريف وزيادة ونقص. وأثبت الجاحظ في هذا المنحي ~~أيضا أنه جانب عظيم من الدهاء، أثبت أنه لو اعتمد في تهذيب الناس على ~~محاضراته ومسامراته في مجالسه ودروسه فقط، لضاع على الناس علم كثير، ~~واستهلك ذلك وقتا ود لو صرفه في التأليف الخالد، ثم لا يجد إليه المشاغبون ~~طريقا يلجونه لمناقشه ومراوغته، فيضطر إلى إجابتهم وصرف الذهن عبثا في ~~حوارهم؛ ومن خلقوا للجدال في الحق والباطل لا يزحزحهم عما هم فيه برهان، ~~وهل يرض العدو من عدوه غير إهلاكه أو زوال نعمته؟ # من أجل هذا تملص الجاحظ من إجابة من تقدم إليه أن يحدثه قائلا له: إنه ~~ليس حشويا، ذلك لأن الجاحظ الحذر اليقظ لا يرضيه أن يستخدم أحد اسمه، مدعيا ~~أنه نقل عنه حديثا قد يحرفه، أو يعبث به على هواه، ولذا قطع على الطالب ~~حديثه وتبرأ من الحشوية، والحشوية هم الذين لا يدرون ما يرون، ولا ما ~~يصححون من أحاديث الرسول. وأخرى أنه كان ينوي بالدعوة إلى الاستكثار من ~~اقتناء الكتب أن يظهر تدجيل الدجالين من الراوين والمؤلفين ليبدوا في أصح ~~مظاهرهم، وتتبين للقاصي والداني أقدارهم، فيسقط المموهون، ويبقى المجودون، ~~ممن تستحق مدوناتهم أن تبقى وتتناقل جيلا فجيلا. # والآن ننتقل إلى الصفحة الجاحظية الأخرى، صفحة الحسد والمحسود؛ فاستمعوا ~~إليها من لسان أعرف الناس بطباع الناس، بل أعظم منشي، وأكبر عالم قام في ~~القرن التاسع للميلاد كما وصفه أحد علماء الإفرنج، وهو جواب من سأله عن ~~الحسد: لم صار في العلماء أكثر منه في الجهلاء، ولم كثر في الأقرباء، وقل ~~في البعداء، وكيف دب في الصالحين، أكثر منه في الفاسقين، وكيف خص به ~~الجيران PageV01P280 ### | CHECK [281_2] # مع جميع الأوطان فقال: الحسد أبقاك الله داء ينهك الجسد، ويفسد الأود، ~~علاجه عسر، وصاحبه ضجر، وهو باب غامض، وأمر متعذر، فما ظهر منه فلا يداوى. ~~وما بطن منه فمداريه في عناد، ولذلك قال النبي ص: دب إليكم داء الأمم من ~~قبلكم الحسد والبغضاء. . . فمنه تتولد العداوة، وهو سبب كل قطيعة، ms242 ومنتج كل ~~وحشة، ومفرق كل جماعة، وقاطع كل رحم بين الأقرباء، ومحدث التفرق بين ~~القرناء، وملقح الشر بين الخلطاء، يكمن في الصدور، كمون النار في الحجر. ~~ولو لم يدخل، رحمك الله، على الحاسد بعد تراكم الهموم على قلبه، واستكمان ~~الحزن في جوفه، وكثرة مضضه، ووسواس ضميره، وتنغيص عمره وكدر نفسه، ونكد ~~لذاذة معاشه، إلا استصغاره لنعمة الله تعالى عنده، وسخطه على سيده، بما ~~أفاده الله عبده، وتمنيه عليه أن يرجع في هبته إياه، وأن لا يرزق أحدا ~~سواه، لكان عند ذوي العقول مرحوما، وكان عندهم في القياس مظلوما. # وبعد أن سار على هذا النحو ينقل الشاهد والمثل والقصة قال: # فمن شأن الحاسد إن كان المحسود غنيا، توبيخه على المال وقوله إنه جمعه ~~حراما، ومنعه أثاما، وألب عليه محاويج أقاربه، وتركهم له خصماء، وأعانهم في ~~الباطن، وحمل المحسود على قطيعتهم في الظاهر، وقال له: كفروا معروفك، ~~وأظهروا في الناس ذمك، فليس أمثالهم يوصلون، فإنهم لا يشكرون. وإن وجد له ~~خصما، وأعانه عليه ظلما، فإن كان ممن يعاشره فاستشاره غشه، أو تفضل عليه ~~بمعروف كفره، أو دعاه إلى نصره خذله، أو حضر مدحه ذمه، وإن سئل عنه همزه، ~~أو كانت عنده شهادة كتمها، وإن كانت منه إليه زلة عظمها، وقال: إنه يجب أن ~~يعاد ولا يعود، ويرى عليه القعود. # إن كان المحسود عالما، قال: مبتدع، ولرأيه متبع، وحاطب ليل، ومتبع نيل، ~~ما يدري ما حمل، قد ترك العمل، وأقبل على الحيل، وقد أقبل بوجوه الناس إليه، PageV01P281 ### | CHECK [282_2] # وما أحمقهم إذ مالوا إليه، فقبحه الله من عالم، ما أعظم بليته، وأقل ~~رعيته، وأسوء طعمته. # ووصفه للعالم المحسود وصفه لنفسه مع بعض حساد زمانه، ممن لم تدرك أنفسهم ~~شأوه في علمه وفنه، ولذلك نراه عرف داءهم وعرف دواءهم، فكان الإعراض عنهم ~~في حياته، ومداراة الشياطين منهم من جملة ما يعد في باب عقل الجاحظ. وقال: ~~لو ملكت عقوبة الحاسد لم أعاقبه بأكثر مما عاقبه الله به، بإلزامه الهموم ~~قبله، وتسليطها عليه، فزاده الله ms243 حسدا، وأقامه عليه أبدا وأبان عما ارتآه ~~لمداواة داء الحاسد بقوله: فإذا أحسست رحمك الله، من صديقك بالحسد فأقلل ما ~~استطعت من مخالطته، فإنه أعون الأشياء لك على مسالمته وحصن سرك منه تسلم من ~~شذى شره، وعوائق ضره، وإياك والرغبة في مشاورته، فتمكن نفسك من سهام ~~مشاررته. # ومتى رأيت حاسدا يصوب لك رأيا، وإن كنت مصيبا، أو يرشدك إلى الصواب، وإن ~~كنت مخطئا، أو نصح لك في غيبيه عنك، وأقصر من عيبه لك؟ هو الكلب الكلب، ~~والنمر الحرب، والسم القشب، والفحل القطم، والسيل العرم. إن ملك قتل وسبى، ~~وإن ملك عصى وبغى؛ حياتك موتك وثبوره، وموتك عرسه وسروره؛ يصدق عليك كل ~~شاهد زور، ويكذب فيك كل عدل مرضي؛ لا يحب من الناس إلا من يبغضك؛ ولا يبغض ~~من الناس إلا من يحبك؛ عدوك بطانته، وصديقك علاوته. . . . أحسن ما تكون ~~عنده حالا، أقل ما يراك مالا، وأكثر ما تكون عيالا، وأعظم ما تكون ضلالا؛ ~~وأفرح ما يكون بك أقرب ما تكون بالمصيبة عهدا، وأبعد ما تكون من الناس ~~حمدا؛ فإذا كان الأمر على هذا فمجاورة الأموات، ومخالطة الزمنى، والاكتنان ~~بالجداران، ومص المصران، وأكل القردان، أهون من معاشرة مثله، والاتصال ~~بحبله. . . وما أرى السلامة إلا في قطع الحاسد، ولا PageV01P282 ### | CHECK [283_2] # السرور إلا في افتقاد وجهه، ولا الراحة إلا في صرم مداراته، ولا الربح ~~إلا في ترك مصافاته. . . # قال: وما لقيت حاسدا قط إلا تبين مكنونه بتغير لونه، وتخوص غينه، وإخفاء ~~سلامة، والإقبال على غيرك، والإعراض عنك، والاستثقال لحديثك، والخلاف ~~لرأيك، من شأن الحاسد تهجين ما يحسد عليه، ومن خلق المحروم تقبيح ما حرم ~~وتصغيره والطعن على أهله، والذي يحسد فعلى ما لا حد له يكون حسده، فحسده ~~متسع بقدر تغير اتساع ما حسد عليه، ما خالط الحسد قلبا إلا لم يمكنه ضبطه، ~~ولا قدر على تشحينه وكتمانه، حتى يتمرد عليه في ظهوره وإعلانه، فيصده ~~ويستعمله، ويستعطفه لقهره عليه، ولهو أغلب على صاحبه من السيد على جنده، ~~ومن السلطان على رعيته، ومن ms244 الرجل على زوجته، ومن الآسر على أسيره. # وقال في مكان آخر: ومتى أحب السيد الجامع، والرئيس الكامل، قومه أشد ~~الحب، وحاطهم على حسب حبه لهم، كان أبغض أعدائهم له على حسب حب قومه له؛ ~~هذا إذا لم يتوثب إليه، ولم يعترض عليه من بني عمه واخوته من قد أطعمته ~~الحال باللحاق به. وحسد الأقارب أشد، وعداواتهم على حسب حب حسدهم. وقد قال ~~الأولون: رضا الناس شيء لا ينال. وقد قيل لبعض العرب: من السيد فيكم؟ قال: ~~الذي إذا أقبل هبناه، وإذا أدبر اغتبناه. وقد قال الأول: بغضاء السوء ~~موصولة بالملوك والسادة، وتجري في الحاشية مجرى الملوك؛ وليس في الأرض عمل ~~أكد لأهله من سياسة العوام. والجملة الأخيرة من حكمه أو من الكلام الذي ~~يختم به فصوله غالبا ليبقى من القارئ على ذكر. وما أحلى قوله في الحاسد: من ~~العدل المحض أن تحط من الحاسد نصف عقابه، لأن ألم حسده لك قد كفاك شر مؤنة ~~غيظه عليك. وما اصدق قوله: ما لقيت حاسدا قط إلا تبين مكنونه بتغير لونه، ~~وتخوص عينه، وإخفاء سلامه، والإقبال على غيرك الخ. PageV01P283 ### | CHECK [284_2] # ولا نرى ختم هذا الفصل قبل أن نشير إلى أن الجاحظ كان صريحا في أدبه، لا ~~يبالي تشدد المتزمتين، يسمي الأشياء بأسمائها، ورغم أنف من رضي وكره، ~~فأدبه، والحالة ما ذكرنا، الأدب الواقع على ما يدعوه المعاصرون، أي نقل ~~الطبيعة كما هي، أو كما يظن أن ترى، مع ما فيها من بشاعة وابتذال؛ ولهذا ~~الأدب في دهرنا من أهل الغرب أدباء مشهورون عانوه في كتبهم، وما عبئوا ~~بمصطلح مجتمعهم. # وكان كثير من المؤلفين العرب، ومن المشهود لهم بالتقوى والفضل، يسيرون ~~على نهج أبي عثمان في ذلك، ومنهم خصمه اللدود جاحظ أهل السنة ابن قتيبة، ~~فقد قال في مقدمة عيون الأخبار: وإذا مر بك حديث فيه إيضاح بذكر عورة أو ~~فرج، أو وصف فاحشة، فلا يحملنك الخشوع أو التخاشع على أن تصعر خدك، وتعرض ~~بوجهك فإن أسماء الأعضاء لا تؤثم، وإنما المأثم في ms245 شتم الأعراض، وقول الزور ~~والكذب، وأكل لحوم الناس بالغيب. قال ولم أترخص لك في إرسال اللسان بالرفث ~~على أن تجعله هجيراك على كل حال، وديدنك في كل مقال، بل الترخص مني فيه ~~حكاية تحكيها، أو رواية ترويها، تنقصها الكناية، ويذهب بحلاوتها التعريض ~~وأحببن أن تجري في القليل من هذا على عادة السلف الصالح، في إرسال النفس ~~على السجية، والرغبة بها عن لبسة الرياء والتصنع. # وأبان الجاحظ عن منزعه في الأدب الواقع بقوله: وبعض الناس إذا انتهى إلى ~~ذكر. . .، ارتدع وأظهر التعزز، واستعمل باب التورع، وأكثر من تجده كذلك، ~~فإنما هو رجل ليس معه من العفاف والكرم والنبل والوقار إلا بقدر هذا الشكل ~~من التصنع، ولم يكشف قط صاحب رياء ونفاق إلا عن لؤم مستفحل، ونذالة متمكنة. ~~وبعد فلو لم يكن لهذه الألفاظ مواضع لما استعملها أهل هذه اللغة، وكان ~~الرأي أن لا يلفظ بها. PageV01P284 ### | CHECK [285_2] # سار الجاحظ على العرف قبله في إيراد أسماء الأعضاء وعملها، لأنها ما وجدت ~~في اللغة إلا لتستعمل، ولطالما أرسل النفس على سجيتها، وأورد النكات ~~والنوادر بالألفاظ التي رويت بها. وليس ذكر الأشياء بأسمائها بدعا في أسلوب ~~الجاحظ، ووصف الأشياء بما فيها من قبح وحسن بالأسلوب الواقعي طريقة للعرب ~~قديمة؛ ومع هذا لم يفرط أبو عثمان في ذلك، يورد ما يورد منها في المناسبات، ~~ولا يعد اللفظ ولا الجملة من ذلك مما يمس الدين، أو يعبث بخلق، أو يأتي على ~~أدب، ولا سيما في حكاياته وما ينقله من أشعار. الجاحظ يملي أدبه من روحه ~~وقلبه وعقله، ويقول ما يقول غير متزيد، فمن الأحجى أن يعرض الطبائع البشرية ~~في صورتها الحقيقية، لا يداجي ولا يحابي، ويجابه الحقيقة مجابهة. # بقي أن نقول إن أدب الجاحظ قطعة من نفسه تتجلى فيه لأول نظرة طريقته، ولو ~~أنك ألقيت قطعة من قلمه بين عشر قطع أدبية لغيره، لما صعب عليك أن تميز ~~كلامه من كلام غيره، إن كنت ممن تأدب بكلامه، لما تحس من أفكار سديدة ما ~~خان اللفظ ولا ms246 ألبسك كاتبها؛ فشخصية الجاحظ تلمسها إذا في غير موضوع جالت ~~فيه يراعته؛ وهذا قلما تعرف مثله كثيرا لغيره من العلماء والأدباء، وأسلوبه ~~خاص به، لا ينازعه فيه منازع، وجماع عوامل الإحسان مستوفاة في كلامه. # بلاغته: # ضرب المثل بأدب الجاحظ وبيانه وسعة عبارته حتى كان يقال من دليل إعجاز ~~القرآن إيمان الجاحظ به ومن الخير لطلاب البلاغة إذا أن يمنعوا النظر بكلام ~~الجاحظ، ليتبينوا بأنفسهم طريقته، ويتواصفوا في الجملة طراز إملائه دروس ~~البلاغة، ويتعرفوا ميزانه الدقيق في فقه اللغة، أي النظر في مواقع الألفاظ ~~وأين استعملتها العرب واجتناب كل صيغة تخرج الذهن عن أصل المعنى أو تشوش عليه. PageV01P285 ### | CHECK [286_2] # قالوا إن مدار البلاغة علة تحسين اللفظ وتجميل الصورة وحظ الجاحظ من هذا ~~كان جزيلا. حسنت بلاغته في كل عين، لتجميلها ببراعته في تخير جيد الألفاظ، ~~وتجافيه عن استخدام الثقيل في ميزانه، وقد ينبذ اللفظ الواحد ويستعمل ~~معناه، ويؤدي المعنى بعده ألفاظ، واللفظة الواحدة تجزئه، وفي ألفاظ الأعيان ~~يضع الشيء موضعه، ويطبق كل اسم على مسماه. قال مرة: ليس للعرب اسم لما لا ~~يبصر بالليل، وهو الذي يقال له سبكور، أكثر من أن يقولوا به هدبد. وقال في ~~وصف كتاب بالقدم كتاب متقادم الميلاد دهري الصنعة، وكأنه كان يضع بعض ألفاظ ~~أو يستعمل مالا عهد باستعماله قبله مثل قوله: القرويون والبلديون، اللغويون ~~والمعنويون أطلق هذا على من يشتغلون بالألفاظ ويشتغلون بالمعاني، فمعرفة ~~أبي عثمان بوقع الكلمة في نفس القارئ وتمييزه الدقيق بين حي الألفاظ ~~وميتها، وسهلها وصعبها، سبب أول في تفوقه في بلاغته. # وملاك الأمر عنده أبدا أن يكون اللفظ سمحا لاكزا، والابتعاد عن المعاني ~~التافهة، والقوالب المستكرهة؛ ولطالما أوصى طلاب البلاغة أن لا يكون اللفظ ~~عاميا ساقطا سوقيا، ولا وحشيا غريبا وقال: الاستعانة بالغريب عجز إلا أن ~~يكون المتكلم بدويا أعرابيا، فإن الوحشي من الكلام يفهمه الوحشي من الناس، ~~كما يفهم السوقي رطانة السوقي؛ والمعول عليه في هذا الباب أن لا يكلم ~~العامة بكلام الخاصة ولا الخاصة بكلام العامة؛ فهو ms247 إذا ممن سعوا في تدميث ~~اللغة، على نحو ما تدمثت طبائع العربية بالحضارة. # وقد أبان عن طريقته الواضحة فقال: قد يستخف الناس ألفاظا ويستعملونها ~~وغيرها أحق بذلك منها، والعامة ربما استخفت أقل اللغتين وأضعفهما، وتستعمل ~~ما هو أقل في أصل اللغة استعمالا، وتدع ما هو أظهر وأكثر، ولذلك صرنا نجد ~~البيت من الشعر قد سار، ولم يسر ما هو أجود منه، وقد يحتاج إلى السخيف في PageV01P286 ### | CHECK [287_2] # بعض المواضع، وربما أمتع بأكثر من إمتاع الجزل الفخم، ومن الألفاظ ~~الشريفة الكريمة المعاني ويقول إن لكل قوم ألفاظا عندهم وكذلك كل بليغ في ~~الأرض، وصاحب كلام منثور، وكل شاعر وصاحب موزون، فلا بد من أن يكون قد لهج، ~~وألف ألفاظا بأعيانها، ليديرها في كلامه، وإن كان واسع العلم، غزير ~~المعاني، كثير اللفظ. # قال وأنا أقول في هذا قولا، وأرجو أن يكون مرضيا، ولم أقل أرجو لأني أعلم ~~فيه خللا، ولكني أخذت بآداب وجوه أهل دعوتي وملتي ولغتي وجزيرتي وجيرتي وهم ~~العرب. وذلك أنه قيل لصحار العبدي: ما يقول الرجل لصاحبه عند تذكره أياديه ~~وإحسانه؟ قال: أما نحن فإنا نرجو أن نكون قد بلغنا من أداء ما يجب علينا ~~مبلغا مرضيا. وهو يعلم أنه قد وفاه حقه الواجب، وتفضل بما لا يجب. قال ~~صحار: كانوا يستحبون أن يدعوا للقول متنفسا، وأن يتركوا فيه فضلا، وأن ~~يتجافوا عن حق إن أرادوا لم يمنعوا منه، فلذلك قلت أرجو، فأنهم، فهمك الله تعالى. # فإن رأيي في هذا الضرب من هذا اللفظ، أم أكون ما دمت في المعاني، التي هي ~~عبارتها والعادة فيها، أن ألفظ بالشيء العتيد الموجود، وأدع التكلف لما عسى ~~ان لا يسلس ولا يسهل، إلا بعد الرياضة الطويلة، وأرى أن ألفظ المتكلمين ما ~~دمت خائضا في صناعة الكلام، مع خاص أهل الكلام، فإن ذلك أفهم عندي وأخف ~~لمؤنهم علي. ولكل صناعة ألفاظ قد حصلت لأهلها بعد امتحان سواها، فلم تلزق ~~بصناعتهم إلا بعد أن كانت شاكلا بينها وبين تلك المعاني. وقبيح بالمتكلم أن ms248 ~~يفتقر إلى ألفاظ المتكلمين في خطبة أو رسالة، أو في مخاطبة العوام والجار، ~~أو في مخاطبة أهله وعبده وأمته، أو في حديثه إذا حدث، أو خبره أخبر، وكذلك ~~من الخطأ أن يجلب ألفاظ الأعراب وألفاظ العوام، وهو في صناعة الكلام داخل ولكل PageV01P287 ### | CHECK [288_2] # مقام مقال، ولكل صناعة شكل. # ذلكم رأي الجاحظ في وضع الألفاظ مواضعها في التأليف. وكلامه فيه غني عن ~~الشرح والتعليق، هو لا يدعوك في وضع القاعدة التي سنها لك، إلا أن تتدبر ما ~~قال، وتعمل به في اختيار اللفظ الموافق، أما المعاني فقد قال إن حكمها خلاف ~~حكم الألفاظ، لأن المعاني مبسوطة إلى غير غاية، وممتدة إلى غير نهاية، ~~وأسماء المعاني مقصورة معدودة، ومحصلة محدودة. وهنا روى عن غيره: قال بعض ~~جهابذة الألفاظ ونقاد المعاني: القائمة في صدور العباد، المتصورة في ~~أذهانهم، والمتخلجة في نفوسهم، والمتصلة بخواطرهم، والحادثة عن فكرهم، ~~مستورة خفية، وبعيدة وحشية، ومحجوبة مكنونة، وموجودة في معنى معدومة، لا ~~يعرف الإنسان ضمير صاحبه، ولا حاجة أخيه وخليطه، ولا معنى شريكه، والمعادن ~~له على أموره، وعلى مالا يبلغه من حاجات نفسه إلا بغيره. وإنما تحيا تلك ~~المعاني في ذكرهم لها، وإخبارهم عنها، واستعمالهم إياها، وهذه الخصال هي ~~التي تقربها من الفهم، وتجليها للعقل، وتجعل الخفي منها ظاهرا، والغائب ~~شاهدا، والبعيد قريبا. وهي التي تلخص الملتبس، وتحل المتعقد، وتجعل المهمل ~~مقيدا، والمقيد مطلقا، والمجهول معروفا، والوحشي مألوفا، والغفل موسوما، ~~والموسوم معلوما. وعلى قدر وضوح الدلالة، وصواب الإشارة، وحسن الاختصار ~~ودقة المدخل، يكون إظهار المعنى، وكلما كانت الدلالة أوضح وأفصح، وكانت ~~الإشارة أبين وأنور، كان أنفع وأنج. والدلالة الظاهرة على المعنى الخفي، هو ~~البيان الذي سمعت الله تبارك وتعالى يمدحه ويدعو إليه ويحث عليه، وبذلك نطق ~~القرآن، وبذلك تفاخرت العرب وتفاضلت، وأصناف العجم. # وقال: من علم حق المعنى أن يكون الاسم له طبقا، وتلك الحال له وفقا، ~~ويكون الاسم له لا فاضلا ولا مفضولا، ولا مقصرا ولا مشتركا ولا مضمنا، ~~ويكون مع PageV01P288 ### | CHECK [289_2] # ذلك ذاكرا لما ms249 عقد عليه أول كلامه، ويكون تصفحه لمصادره في وزن تصفحه ~~لموارده، ويكون لفظه نونقا، ولهول تلك المقامات معاودا، ومدار الأمر على ~~هذا إفهام كل قوم بقدر طاقتكم، والحمل عليهم على أقدر منازلهم. وقال: وأحسن ~~الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره، ومعناه في ظاهر لفظه، وكأن الله عز ~~وجل قد ألبسة من الجلالة، وغشاه من نور الحكمة على حسب نية صاحبه، وتقوى ~~قائله، فإذا كان المعنى شريفا، واللفظ بليغا، وكان صاحبه صحيح الطبع، بعيدا ~~من الاستكراه، منزها عن الاختلال، مصونا عن التكلف، صنع في القلوب صنع ~~الغيث في التربة الكريمة، ومتى كانت الكلمة على هذه الشريطة، ونفذت عن ~~قائلها على هذه الصفة، أصحبها الله من التوفيق، ومنحها من التأييد، ما لم ~~يمتنع معه من تعظيمها صدور الجبابرة، ولا تذهل عن فهمها معه عقول الجهلة. # قال: ومتى شاكل أبقاك الله اللفظ معناه، وكان لذلك الحال وفقا، ولذلك ~~القدر لفقا، وخرج من سماجة الاستكراه، وسلم من فساد التكلف، كان قمنا بحسن ~~الموقع، وحقيقا بانتفاع المستمع، وجديرا أن يمنع جانبه من تأويل الطاعنين. ~~ويحمي عرضه من اعتراض العائبين، ولا تزال القلوب به معمورة، والصدور ~~مأهولة. ومتى كان اللفظ أيضا كريما في نفسه، متخيرا من جنسه، وكان سليما من ~~الفضول، بريئا من التعقيد، حبب إلى النفوس، واتصل بالأذهان، والتحم ~~بالعقول، وهشت له الأسماع، وارتاحت له القلوب، وخف على ألسن الرواة، وشاع ~~في الآفاق ذكره، وعظم في الناس خطره وصار ذلك مادة للعالم الرئيس، ورياضة ~~للمتعلم الريض، ومن أعاره من معرفته نصيبا، وأفرغ عليه من محبته ذنوبا حبب ~~إليه المعاني، وأساس له نظام اللفظ، وكان قد أغنى المستمع عن كد التكلف. ~~وأراح قارئ الكتاب من علاج التفهم. # وقد يقع للجاحظ أن يكرر القضية الواحدة في عدة أماكن من كتبه ورسائله، يريد PageV01P289 ### | CHECK [290_2] # إثباتها في الأذهان، وأمر البلاغة واختيار الألفاظ لإلباس المعاني الصورة ~~اللائقة مما يعنى به، فقد قال في رسالة مدح التجار وذم عمل السلطان ما لم ~~يخرج عن قوله في هذا المعنى في ms250 البيان والتبيين وفي الحيوان وغيرهما. قال: ~~ثم خذه بتعريف حجج الكتاب، وتخلصهم باللفظ السهل القريب المأخذ إلى المعنى ~~الغامض، وأذقه حلاوة الاختصار، وراحة الكفاية، وحذره التكلف، واستكراه ~~العبارة، فإن أكارم ذلك كله ما كان إفهاما للسامع، ولا يحوج إلى التأويل ~~والتعقيب، ويكمن مقصورا على معناه، لا مقصرا عنه، ولا فاضلا عليه، فاختر من ~~المعاني ما لم يكن مستورا باللفظ المتعقد، مغرقا في الإكثار والتكلف، فما ~~أكثر من لا يحفل باستهلاك المعنى مع براعة اللفظ، وغموضه على السامع، بعد ~~أن يتسق له القول، وما زال المعنى محجوبا لم تكشف عنه العبارة، فالمعنى بعد ~~مقيم على استخفائه، وصارت العبارة لغوا وظرفا خاليا، وشر البلغاء من هيأ ~~رسم المعنى قيل أن يهيئ المعنى، عشقا لذلك اللفظ، وشغفا بذلك الاسم، حتى ~~صار يجر إليه المعنى جرا، ويلزقه به إلزاقا، حتى كأن الله تعالى لم يخلق ~~لذلك المعنى اسما غيره، ومنعه الإفصاع عنه إلا به، والآفة الكبرى أن يكون ~~رديء الطبع، بطيء اللفظ، كليل الحد، شديد العجب، ويكون مع ذلك حريصا على أن ~~يعد في البلغاء، شديد الكلف بانتحال اسم الأدباء؛ فإذا كان كذلك خفي عليه ~~فرق ما بين إجابة الألفاظ، واستكراهه لها. # وبالجملة إن لكل معنى شريف أو وضيع، هزل أو جد، أو حرفة أو صناعة، ضربا ~~من اللفظ هو حقه وحظه ونصيبه، الذي لا ينبغي أن يجاوزه، أو يقصر دونه، ومن ~~قرأ كتب البلغاء، وتصفح دواوين الحكماء، ليستفيد المعاني، فهو على سبيل ~~صواب؛ ومن نظر فيها ليستفيد الألفاظ، فهو على سبيل الخطأ، والخسران ها هنا ~~في وزن الربح هناك، لأن من كانت غايته انتزاع الألفاظ حمله الحرص PageV01P290 ### | CHECK [291_2] # عليها، والاستهتار بها، إلى أن يستعملها قبل وقتها، ويضعها فبي غير ~~مكانها؛ ولذلك قال بعض الشعراء لصاحبه: أنا أشعر منك، قال صاحبه: ولم ذاك؟ ~~قال: لأني أقول البيت وأخاه، وأنت تقول البيت وابن عمه، وإنما هي رياضة ~~وسباحة، والرفيق مصلح، والآخر مفسد، ولا بد من هذين، وطبيعة مناسبة؛ وسماع ~~الألفاظ ضار ونافع؛ فالوجه النافع ms251 أن يدور في مسامعه، ويغيب في قلبه، ويختم ~~في صدره، فإذا طال مكثها تناكحت ثم تلاحقت، فكانت نتيجتها أكرم نتيجة، ~~وثمرتها أطيب ثمرة، لأنها حينئذ تخرج غير مسترقة، ولا مختلسة ولا مغتصبة، ~~ولا دالة على فقر، إذ لم يكن القصد إلى شيء بعينه، والاعتماد عليه دون ~~غيره، وبين الشيء إذا عشش في الصدر، ثم باض ثم فرخ ثم نهض، وبين أن يكون ~~الخاطر مختارا، واللفظ اعتسافا واغتصابا، فرق بين. وقال: إن كلام الناس في ~~طبقات كما أن الناس أنفسهم في طبقات، فمن الكلام الجزل والسخيف، والمليح ~~والقبيح، والخفيف والثقيل، وكله عربي، وبكل قد تكلموا، وبكل قد تمادحوا ~~وتعايبوا. # وقد أعجب بما يستخدمه رواة الأخبار من السهولة فقال: ورأيت عامتهم - فقد ~~طالت مشاهدتي لهم - لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيرة، والمعاني المنتخبة، ~~وعلى الألفاظ العذبة، والمخارج السهلة، والديباجة الكريمة، وعلى الطبع ~~المتمكن، وعلى السبك الجيد، وعلى كل كلام له ماء ورونق، وعلى المعاني التي ~~إذا صارت في الصدور عمرتها، وأصلحتها من الفساد القديم، وفتحت للسان باب ~~البلاغة، ودلت الأقلام على مدافن الألفاظ، وإشارات إلى حسان المعاني؛ ورأيت ~~البصر بهذا الجوهر من الكلام في رواة الكتاب أعم، وعلى ألسنة حذاق الشعراء ~~أظهر. يعني أن الجاحظ لا يرى للكاتب أن يستعمل من الألفاظ إلا ما يفهمه ~~العامة؛ والكاتب يكتب ليفهم لا ليعجم، ويتوخى المعاني الجديدة التي تصلح ~~فساد القلوب، وتعمر بها الأفئدة والعقول. PageV01P291 ### | CHECK [292_2] # قال الجرجاني في دلائل الإعجاز: واعلم أن من الكلام ما أنت تعلم إذا ~~تدبرته أن لم يحتج واضعه إلى فكر وروية حتى انتظم، بل ترى سبيله في ضم بعضه ~~إلى بعض سبيل من عمد إلى لآل فخرطها في سلك لا يبغي أكثر من أن يمنعها ~~التفرق، وكمن نضد أشياء بعضها على بعض لا يريد في نضده ذلك أن تجيء له منه ~~هيئة أو صورة، بل ليس إلا أن تكون مجموعة في رأي العين، وذلك إذا كان معناك ~~معنى لا يحتاج أن تصنع فيه شيئا غير أن تعطف لفظا ms252 على مثله كقول الجاحظ: ~~جنبك الله الشبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين المعرفة نسبا، وبين ~~الصدق سببا، وحبب إليك التثبت، وزين في عينك الإنصاف، وأذاقك حلاوة التقوى، ~~وأشعر قلبك عز الحق، وأودع صدرك برد اليقين، وطرد عنك ذل اليأس، وعرفك ما ~~في الباطل من الذلة، وما في الجهل من القلة. # واسمع الآن هذه الجملة يسجع فيها الجاحظ سجع الحمام، قال في كتابه ذم ~~العلوم ومدحها يصف القرآن حجة على الملحد، وتبيان للموحد، قائم بالحلال ~~المنزل، والحرام المفصل، وفاصل بين الحق والباطل، وحاكم يرجع إليه العالم ~~والجاهل، وإمام تقام به القروض والنوافل، وسراج لا يخبو ضياؤه، ومصباح لا ~~يخزن ذكاؤه، وشهاب لا يطفأ نوره، وبحر لا يدرك غوره، ومعدن لا تنقطع كنوزه، ~~ومعقل يمنع من الهلكة والبوار، ومرشد يدل على طريق الجنة والنار، وزاجر يصد ~~عن المحارم، ويجير يوم التحاكم. # وكما يرى الجاحظ أن الواجب تخير اللفظ الكريم للمعنى الكريم، لم ير طرح ~~الألفاظ السخيفة للتعبير عن المعاني السخيفة، كان يرى نقل عبارات العوام ~~ونكات الأعراب بألفاظها، وقد حشى كتابه البخلاء والحيوان بطائفة من ألفاظ ~~عامة الطبقات في عصره، فعد ذلك في جملة إفضاله على اللغة أيضا، قال: ومتى ~~سمعت حفظك الله بنادرة من كلام الأعراب، فإياك وأن تحكيها إلا مع إعرابها PageV01P292 ### | CHECK [293_2] # ومخارج ألفاظها، فإنك إن غيرتها بأن تلحن في إعرابها، وأخرجتها مخرج كلام ~~المولدين والبلدين، خرجت من تلك الحكاية وعليك فضل كبير. وكذلك إذا سمعت ~~بنادرة من نوادر العوام، وملحة من ملح الحشوة والطغام، فإياك أن تستعمل ~~فيها الإعراب، وأن تتخير لها لفظا حسنا، أو تجعل لها من فيك مخرجا سريا، ~~فإن ذلك يفسد الإمتاع بها، ويخرجها من صورتها، ومن الذي أريدت له ويذهب ~~استطابتهم إياها واستملاحهم لها وهو يرى أن النبيل لا ينتبل كما أن الفصيح ~~لا يتفصح، لأن النبيل يكفيه نبله عن التنبل، والفصيح تغنيه فصاحته عن ~~التفصح، ولم يتزيد أحد قط إلا لنقص يجده في نفسه. # ووضع القاعدة الكلية لطالب البلاغة فقال له: وقد ms253 علمنا أن من يقرض الشعر ~~ويتكلف الإسجاع، ويؤلف المزدوج، ويتقدم في تحبير المنثور، وقد تعمل في ~~المعاني، وتكلف إقامة الوزن، والذي تجود به الطبيعة وتعطيه النفس سهوا ~~رهوا، مع قلة لفظه وعدد هجائه - أحمد أمرا، وأحسن موقعا من القلوب، وأنفع ~~للمستمعين من كثير خرج بالكد والعلاج، ولأن التقدم فيه، وجمع النفس له، ~~وحصر الفكر عليه، لا يكون إلا ممن يحب السمعة، ويهوى الفلج والاستطالة. # تخوف الجاحظ من فساد كبير بدأ يعرض لبلاغة هذه اللغة، عندما شرعت العرب ~~بنقل كتب العلوم القديمة إلى العربية، وقد شاهد النقلة ضعافا في البيان، ~~وأقرب إلى الركاكة في الألفاظ وسبكها، حتى أفسدوا المعاني وأبهموها فعميت ~~على الناس، وكان يعتقد أن هذه العلوم لا يفهمها في الحقيقة إلا من عاناها ~~مهما تأنق ناقلوها في نقلها. قال: إن كتاب المنطق لو قرئ على جميع خطباء ~~الأمصار وبلغاء الأعراب، لما فهموا كثره، وكذلك كتاب أقليدس، وهو عربي وقد ~~صفي، لو سمعه بعض الخطباء لما فهمه، ولا يمكن أن يفهمه من يريد تعلمه، لأنه ~~يحتاج إلى أن يكون قد عرف جهة الأمر، وتعود اللفظ المنطقي الذي استخرج من ~~جميع الكلام. PageV01P293 ### | CHECK [294_2] # قال: ويد الإنسان لا تكون إلا خرقاء، ولا تصير صناعا، ما لم تكن المعرفة ~~ثقافا لها، واللسان لا يكون أبدا ذاهبا في طريق البيان، متصرفا في الالفاظ، ~~إلا بعد أن تكون المعرفة متخللة به، منقلة له، واضعة له في مواضع حقوقه، ~~وعلى أماكن حظوظه. # وإليك الآن منزعه في الترجمة والنقل، وما ينبغي لهما من البلاغة، وما ~~السبيل إليها: وقال بعض من ينصر الشعر ويحوطه ويحتج له، إن الترجمان لا ~~يؤدي أبدا ما قال الحكيم على خصائص معانيه، وحقائق مذاهبه، ودقائق ~~اختصاراته، وخفيات حدوده، ولا يقدر أن يوفيها حقوقها، ويؤدي الأمانة فيها، ~~ويقوم بما يلزم الوكيل ويجب على الجري، وكيف يقدر على أدائها وتسليم ~~معانيها، والإخبار عنها، على حقها وصدقها، إلا أن يكون في العلم بمعانيها، ~~واستعمال تصاريف ألفاظها، وتأويلات مخارجها، مثل مؤلف الكتاب وواضعه؛ فمتى ~~كان رحمه ms254 الله تعالى ابن البطريق وابن ناعمة وأبو قرة وابن فهر وابن وهيلي ~~وابن المقفع مثل أرسطاطاليس، ومتى كان خالد مثل أفلاطون. ولا بد للترجمان ~~من أن يكون بيانه في نفس الترجمة، في وزن علمه في نفس المعرفة؛ وينبغي أن ~~يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها، حتى يكون فيها سواء ~~وغاية؛ ومتى وجدناه أيضا قد تكلم بلسانين، علمنا أنه قد أدخل الضيم عليهما، ~~لأن كل واحدة من اللغتين تجذب الأخرى، وتأخذ منها وتعترض عليها؛ وكيف يكون ~~تمكن اللسان منهما مجتمعين فيه، كتمكنه إذا انفرد بالواحدة، وإنما له قوة ~~واحدة، فإن تكلم بلغة واحدة استفرغت تلك القوة عليها، وكذلك إن تكلم بأكثر ~~من لغتين، على حساب ذلك تكون الترجمة لجميع اللغات، وكلما كان الباب من ~~العلم أعسر وأضيق، والعلماء به أقل، كان أشد على المترجم وأجدر أن يخطئ ~~فيه، ولن تجد مترجما يفي بواحد من هؤلاء العلماء. هذا قولنا في كتب الهندسة ~~والتنجيم والحساب واللحون؛ فكيف PageV01P294 ### | CHECK [295_2] # لو كانت هذه الكتب كتب دين وإخبار عن الله عز وجل. # وما عجب أبو عثمان من رجل عرف لغتين، فكان إماما في البلاغة، غير موسى بن ~~سيار الأسواري، قال: إنه كان من أعاجيب الدنيا وكانت فصاحته بالفارسية في ~~وزن فصاحته بالعربية، وكان يجلس في مجلسه المشهور به، فيقعد العرب عن ~~يمينه، والفرس عن يساره، فيقرأ الآية من كتاب الله، ويفسرها للعرب ~~بالعربية، ثم يحول وجهه إلى الفرس فيفسرها لهم بالفارسية، فلا يدري بأي ~~لسان هو أبين، واللغتان إذا التقتا في اللسان الواحد أدخلت كل واحدة منهما ~~الضيم على صاحبتها. # وقال في معنى الترجمة ومسخها بلاغة الشعر المنقول، وكيف يحيل النقل ~~المباني والمعاني: وفضيلة الشعر مقصورة على العرب، وعلى من تكلم بلسان ~~العرب. والشعر لا يستطاع أن يترجم، ولا يجوز عليه النقل، ومتى حول تقطع ~~نظمه، وبطل وزنه. وذهب حسنه، وسقط موضع التعجب منه. وصار كالكلام المنثور، ~~والكلام المنثور المبتدأ على ذلك، أحسن من المنثور المنقول من موزون الشعر. ~~وقد نقلت كتب الهند وترجمت ms255 حكم اليونان، وحولت آداب الفرس، فبعضها ازداد ~~حسنا وبعضها ما انتقص شيئا، ولو حولت حكمة العرب لبطل ذلك المعجز الذي هو ~~الوزن، ثم إنهم لو حولوها لم يجدوا في معانيها شيئا لم تذكره العجم في ~~كتبهم التي وضعت لمعاشهم وفطنهم وحكمهم. وقد نقلت هذه الكتب من أمة إلى ~~أمة، ومن قرن إلى قرن، ومن لسان إلى لسان، حتى انتهت إلينا، وكنا آخر من ~~ورثها ونظر فيها. # إنا إذا تأملنا قول الجاحظ في النقل، وما يجب أن يكون عليه الناقل من ~~المقدرة، لينقل فيجيد من لغة إلى لغة ثانية، نسجل أن رأيه هذا لا يختلف عن ~~أحدث الآراء في عصرنا، وكأنك إذا تدبرت ما قاله في هذا المعنى، تقرأ رأيا ~~لرجل أنفق عمره PageV01P295 ### | CHECK [296_2] # في الترجمة والنقل، ولا يبعد كثيرا عن محجة الصواب إذا حكمت بعد ذلك أن ~~الجاحظ كان يترجم إلى لغته عن لغة أخرى في الأحايين. والأرجح أن هذه اللغة ~~هي الفارسية. وفي ذلك إشارات في البيان والتبيين، وقد رأيناه يعجب من موسى ~~بن سيار ببلاغته في اللغتين عند تفسيره القرآن للعرب والفرس، وصعب أن يحكم ~~هذا الحكم الصريح من لم يحسن اللغتين، ومن لم يكن جهبذا في البلاغة وما ~~يقتضي لأعلى طبقة منها من اللفظ الجزل المأنوس والسبك المتين. # جدله ونقده: # لا يرى الجاحظ، صاحب العقيدة الراسخة والإيمان الصحيح، طريق النجاة ~~للناس، إلا إذا فهموا الإسلام على حقيقته كما فهمه هو، وكان أبدا حربا على ~~من خالفوا الدين، وحربا على الملحدين والكافرين. أنحى على الشيع التي ~~انفصلت من الإسلام، وعبثت بشيء من فروعه، فرد على المشبهة وعلى الجهمية ~~وعلى العثمانية وعلى الرافضة وغيرهم. وجادل اليهود والنصارى من أهل الكتاب ~~بالتي هي أحسن. وأهم ما اهتم به الرد على الزنادقة والمانوية والمرتدين، ~~والطعن على من حاولوا من أرباب النحل القديمة أن يعيدوا في ملتهم من امتلوا ~~ملة الإسلام؛ مثل رده على من ألحد في كتاب الله، ورده الذي عنن له بصيرة ~~غنام المرتد وغير ذلك. # كتب الجاحظ كل ms256 هذا، وبعض المتنطسين من الحشوية، أو المتنطعين في الدين ~~والمتنمسين فيه. يعدونه مقصرا ويطلقون ألسنتهم فيما كتب، وليس لهم ما يؤيد ~~افتراءهم عليه غير دعواهم المجردة. وقاموا في عصره وبعده يكذبون عليه، ~~ومنهم من بلغت به القحة أن يخرجه من الدين، ومنهم من بلغ به السخف أن يخرجه ~~من الانسانية، ومن الغريب أن أولئك الغير على الإسلام لم تحدثهم أنفسهم أن ~~يكتبوا فصلا واحدا في دفع أعدائه؛ وراحوا، ورأس مالهم الباطل، يعترضون PageV01P296 ### | CHECK [297_2] # من دون حياء على من كان في مثل قوة الجاحظ في تصديد لرد شبه المخالفين. ~~أما أرباب العقول المستنيرة، المنزهون عن الأغراض في الحكم على الجاحظ، فقد ~~كانوا يعدون ظهوره في ذاك العصر، عصر تسرب الشبهات والمجاذبات الدينية، ~~نعمة عظيمة على الإسلام والمسلمين. # وأعرب من هذا دعوى بعض أصحاب الجرح والتعديل أن الجاحظ كان إذا روى حجج ~~من يجادلهم من النصارى أوردها برمتها، وقصر عمدا في رد أقوالهم تاركا بعض ~~النواحي الضعيفة في جوابه، وهو يرمي برواتيه مقالات المخالفين ثم نقضها إلى ~~ينصف الخصم فيضع أمام الأنظار حججه، ثم ينقدها بتؤدة لا حدة بها ولا غضب، ~~وقد يسخر ممن ينقده ويتهكم به، وبمن يقوله بقوله تهكم أدب وتهذيب. ورسالته ~~في الرد على النصارى تنادي بأفصح لسان أن خصومه ظلموه وما أنصفوه. وما كان ~~لمؤلف أن يضع تأليفه ليرضى به حتى المتعنتين، ومراض العقول وأصحاب الأهواء. ~~ولولا أن الجاحظ كان الحجة الثبت في هذا الموضوع بين علماء عصره، وما حثه ~~الفتح ابن خاقان الوزير العالم على التعجيل بتأليف رده على النصارى. وهمك ~~من رجل، وناهيك من عالم، وشرعك من صدوق إن جادل أفحم، وإن ألف كان الأعلم ~~والأحكام. # أجاب الجاحظ بعض من شنعوا عليه لنقله كلام المخالفين ثم تفرغه للرد عليهم ~~بقوله: وعبتني بحكاية قول العثمانية والضرارية، كما سمعتني أقول: قالت ~~الرافضة والزيدية، وهلا كنت عندك من الغالية لحكايتي حجج الغالية، كما ~~بالتشيع لحكايتي، وهلا كنت عندك من الغالية لحكاييي حجج الغالية كما كنت ~~عندك من الناصبة ms257 لحكايتي قول الناصبة. وقد حكينا في كتابنا قول الإباضية ~~والصفرية، كما حكينا قول الأزارقة والزيدية. وعلى هذه الأركان الأربعة بنت ~~الخارجية وكل اسم سواها فإنما هو فرع ونتيجة، واشتقاق منها ومحمول عليها، ~~وإلا كنا عندك من PageV01P297 ### | CHECK [298_2] # الخارجية، كما صرنا عندك من الضرارية والناصية، فكيف رضيت بأن تكون أسرع ~~من الشيعة إلى أعراض الناس من الخارجية، اللهم إلا أن تكون وجدت حكايتي عن ~~العثمانية والضرارية أشبع وأجمع، وأتم وأجود وعبتني بكتاب العباسية، فهلا ~~عبتني بحكاية مقالة من أبي وجوب الإمامة، ومن يرى الامتناع من طاعة الأئمة ~~الذين زعموا أن ترك الناس سدي بلا قيم أرد عليهم، وهملا بلا راع أربح لهم، ~~وأجدر أن يجمع لهم ذلك بين سلامة العاجل وغنيمة الآجل. # وفي كتابه حجج النبوة: والعجب من ترك الفقهاء تمييز الآثار، وترك ~~المتكلمين القول في تصحيح الأخبار، وبالأخبار يعرف الناس النبي من المتنبي ~~والصادق من الكاذب، وبها يعرفون الشريعة من السنة، والفريضة من النافلة، ~~والحظر من الإباحة، والاجتماع من الفرقة، والشذوذ من الاستفاضة، والرد من ~~المعارضة، والنار من الجنة، وعامة المفسدة والمصلحة. وقال: إن كل منطيق ~~محجوج، والحجة حجتان: عيان ظاهر وخبر قاهر. فإذا تكلمنا في العيان وما يفرع ~~منه، فلا بد من التعارف في لأصله والتعارف في فرعه، فالعقل هو المستدل، ~~والعيان والخبر هما علة الاستدلال وأصله، ومحال كون الفرع مع عدم الأصل، ~~ويكون الاستدلال مع عدم واحد منهما من صاحب، وليس لإبطال أحدهما وجه مع ~~إيجاب الآخر. والعقل نوع واحد. والدليل نوعان: أحدهما شاهد عيان يدل على ~~غائب، والآخر مجيء خبر يدل على صد. # كان الجاحظ محيطا بما يجول في قلوب أولئك الناقدين الناقمين، يعرف أنهم ~~يبغون له العثرة، ويقفون له كل حين بالمرصاد فيترفع عن مجادلتهم، لوقوفه ~~على نباتهم، ومثل الطبقة كان على الأغلب يهزأ بها ويرحمها. وليس بعد الجهل ~~ذنب، كما قبل ليس بعد الكفر ذنب. وقد وصف من كانوا يعترضون سبيله ويحدونه ~~حسد لؤم وغباوة، بقوله: إني ربما ألفت الكتاب المحكم المتقن في الدين ms258 والفقه PageV01P298 ### | CHECK [299_2] # والرسائل والسيرة والخطب والخراج والأحكام، وسائر فنون الحكمة، وأنسبه ~~إلى نفسي، فيتواطأ على الطعن فيه جماعة من أهل العلم، بالحسد المركب فيهم، ~~وهم يعرفون براعته ونصاحته، وأكثر وما يكون هذا منهم، إذا كان الكتاب مؤلفا ~~لملك معه القدرة على التقديم والتأخير، والحط والرفع، والترهيب والترغيب، ~~فإنهم يهتاجون عند ذلك اهتياج الإبل المغتلمة فإن أمكنتهم الحيلة في إسقاط ~~ذلك الكتاب عند السيد الذي ألف له، فهو الذي قصدوه وأرادوه، وإن كان السيد ~~المؤلف فيه الكتاب تحريرا نقابا ونقريسا بليغا، وحاذقا فطنا، وأعجزتهم ~~الحيلة سرقوا معاني ذلك الكتاب وألفوا من أعراضه وحواشيه كتابا، وأهدوه إلى ~~ملك آخر، ومتوا إليه به، وهم قد ذموه وثلبوه. لما رأوه منسوبا إلي وموسوما ~~بي. وربما ألفت الكتاب الذي هو دونه في معانيه وألفاظه، فأترجمه باسم غيري، ~~وأحيله على من تقدمني عصره، مثل ابن المقفع والخليل وسلم صاحب الحكمة ويحيي ~~بن خالد والعتابي، ومن أشبه هؤلاء من مؤلفي الكتب، فيأتيني أولئك القوم ~~بأعيانهم، الطاعنون على الكتاب الذي كان أحكم من هذا الكتاب، لاستنساخ هذا ~~الكتاب وقراءته علي، ويكتبونه بخطوطهم، ويصيرونه إماما يقتدون به ~~ويتدارسونه بينهم، ويتأدبون به ويستعملون ألفاظه ومعانيه في كتبهم ~~وخطاباتهم. ويروونه عني لغيرهم من طلاب ذلك الجنس، فتثبت لهم به رياسة يأتم ~~بهم قوم فيه، لأنه لم يترجم باسمي، ولم ينسب إلى تأليفي. # هكذا سبر الجاحظ عقول حاسديه بمسبار علمه، وضحك وأضحك من لؤمهم وغبائهم، ~~وأبت نفسه أن يحاورهم، وهو جد عارف بمقدار ما يكتب، وبما يرمي إليه من ~~المقاصد في وضع أسفاره. ولطالما وطن نفسه على استماع سخف السخفاء أحكامهم ~~المتجانفة عن الحق، قال: لأن كل من التقط كتابا جامعا، وبابا من أمهات ~~العلم مجموعا، كان له غنمه، وعلى مؤلفه غرمه، وكان له نفعه، PageV01P299 ### | CHECK [300_2] # وعلى صاحبه كده، مع تعرضه لمطاعن البغاة، ولاعتراض المنافسين، ومع عرضه ~~عقله المكدود على العقول الفارغة، ومعانية على الجهابذة، وتحكيمه فيه ~~المتأولين والحسدة. وبديهي أن المتأولين والحسدة لا يرضيهم منه إلا أن ~~ينقطع عن ms259 التأليف ليساويهم في قصورهم، ولذلك كان من الطبيعي أن لا يناقشهم ~~لأنهم طلقوا المنطق في حواره، وأبهموا وما أبانوا في وجوه اعترضهم على ~~أفكاره، والكلام المجمل يحتاج إلى تفضيل، وهم عاجزون عن الإدلاء بحق، وهو ~~في غنية عن أن يعرض لكلام من قتلهم الحسد. # على أنه عرض في الحيوان لأولئك الذين ينالون منه بالباطل بقوله: ولولا ~~سوء ظني بمن يظهر التماس العلم في هذا الزمان، ويظهر اصطناع الكتب في هذا ~~الدهر، لما احتجت في مداراتهم واستمالتهم، وتوفيق نفوسهم، وتشجيع قلوبهم، ~~مع كثرة فوائد هذا الكتاب، إلى هذه الرياضة الطويلة، وإلى كثرة هذا ~~الاعتذار، حتى كأن الذي أفيدهم إياه أستفيده منهم، وحتى كأن رغبتي في ~~صلاحهم، رغبة من رغب في دنياهم. وقال في غرض كتاب آخر: وقد جمعنا في هذا ~~الكتاب جملا التقطناها من أفواه أصحاب الأخبار، ولعل بعض من لم يتسع في ~~العلم، ولم يعرف مقادير الكلام، يظن أن تكلفنا له من الامتداح والتشريف، ~~ومن التزيد والتجويد، ما ليس عنده، ولا يبلغه قدره. كلا والذي حرم التزيد ~~على العلماء، وقبح التكلف عند الحكماء، وبهرج الكذابين عند الفقهاء، لا يظن ~~هذا إلا من ضل سعيه. وما أحلى هذا القسم وما أجمل مغزاه. # ومما كان المعتزلة يتشددون في الحديث وتأويله وروايته، ويرددون كثيرا مما ~~لم يثبت من طرق موثوق بصحتها، ويسمون المكثرين منه على علاته الحشوية، أبت ~~نفس الجاحظ بالضرورة أن يكون في الحديث حاطب ليل، فما كان من الأحاديث مرضي ~~الإسناد صحيح المخرج قبله، وما كان مسخوط الإسناد فاسد المخرج نبذه. PageV01P300 ### | CHECK [301_2] # وكان الشهاب الزهري يقول عن الحديث وروايته: يخرج الحديث من عندنا شبرا، ~~ويعود في العراق ذراعا. وكان مالك بن أنس يقول: إذا جاوز الحديث الحرتين ~~ضعفت شجاعته؛ وكان يسمي الكوفة دار الضرب لأنها تضع الأحاديث كما تضرب ~~النقود؛ وكان أحمد بن حنبل يشك في التفسير ويقول: ثلاثة ليس لها أصل ~~التفسير والملاحم والمغازي. # هكذا روى أبو عثمان الحديث وأرواه، وفهم تأويل الأحاديث، وأي ضرب يكون ~~مردودا، وأي ضرب ms260 منها يكون متأولا، وأي ضرب منها يقال إن ذلك إنما هو حكاية ~~عن بعض القبائل. وقال: لولا مكان المتكلمين لهلكت العوام واختطفت واسترقت، ~~ولولا المعتزلة لهلك المتكلمون. # غلب الصدق على الجاحظ حتى ليتحاشى الحط على أحد من أهل الملل والنحل، وما ~~جوز التقول على من يخالفه أيا كان وكانت نحلته، ولم يذكر محاسن الخوارج، ~~ولم يخبر عن مآثرهم لأنه يتولاهم، ولا لأنه يميل إليهم، ولكنه خبر أنهم مع ~~مروقهم من الدين وخروجهم عنه وجهاهم به، أحسن اقتصادا من الرافضة، فخبر عن ~~توقيعهم للكذب على من عاداهم، وجرأة الرافضة على الكذب على أعدائهم، وخبر ~~عن شعر الخوارج ونواحهم على ذنوبهم، ووصف أصحابهم بالنسك والفضل، ثم خبر عن ~~شعر عمران ابن حطان وحبيب بن خدرة وأشباههما من شعراء الخوارج. قال الخياط: ~~وهذا شعر السيد فانظروا فيه لتعلموا صدق الجاحظ، وأنه لم يتزيد على الرافضة ~~حرفا واحدا، وقال إن الجاحظ بين في كتاب فضيلة المعتزلة أن الرافضة يقتطعون ~~آل أبي طالب عن العلم والعمل جميعا، ويوهمونهم أن المعاصي لا تضرهم، وأن ~~الواحد منهم يشفع فيمن أراد أن يشفع، وأنه لم يسلم جلة أصحاب رسول الله من ~~المهاجرين والأنصار من شتمهم وعداوتهم، ولم يسلم من تولوه من آل علي من ~~تثبيطهم عن العلم، وتزهيدهم في PageV01P301 ### | CHECK [302_2] # العمل الصالح المقرب لهم إلى الله، فلم ينج منهم ولي ولا عدو. ومن أجل ~~هذا قال المسعودي في كتب الجاحظ: إنها حسنة إن لم تدع إلى نصب، وأهل النصب ~~هم المتدينون ببغضة علي بن أبي طالب فإنهم نصبوا له أي عادوه ومنهم ~~الخوارج. والمعتزلة يختلفون في أمير المؤمنين عثمان بعد الأحداث التي ~~أحدثها، وأكثرهم تولاه وتأول له؛ ومعظمهم على البراءة من معاوية وعمرو بن ~~العاص ومن شايعهما؛ ولا نعرف السر في انحرافهم عن بني أمية، مع أن المعتزلة ~~كانوا معتدلين في الحكم على علي بن أبي طالب يعطونه حقه من دون زيادة، ~~ومعاوية وآله وأنصاره جمعوا شمل الإسلام. ولا نعتقد مع هذا أن رسالة ~~النابتة التي نسبت ms261 إليه وفيها إقذاع بالأمويين هي من تأليفه، كما لا نعتقد ~~أن كتاب التاج وكتاب الأخلاق هما له أيضا. # يقول شيخنا طاهر الجزائري إن الجاحظ قد يسلك طريق التمويه كما سجل عليه ~~ذلك بعض عصرييه من أبناء نحلته كأبي جعفر الإسكافي. وتمويه الجاحظ تمويه ~~عاقل ذي بصيرة، إذا موه يكاد يظهر الحق من خلال تمويهه، وقد يصرح بغير ذلك ~~في موضع آخر؛ فالعاقل ذو البصيرة ينتفع بكلامه كيف كان. ونقل ابن أبي ~~الحديد أن الجاحظ ألف كتاب العثمانية انتصر فيه للخلفاء الراشدين إلا أنه ~~أظهر ما يشعر بالنصب، لما اقتضته طينة البصرة على زعم بعضهم، فتصدى له من ~~أبناء نحلته الإمام أبو جعفر الإسكافي فنقض كتابه، وأطلق لسانه في الجاحظ؛ ~~ومن ذلك قوله: القول ممكن، والدعوى سهلة سيما على مثل الجاحظ. . . . قوله ~~لغو ومطلبه سجع، وكلامه لعب ولهو؛ يقول الشيء وخلافه، ويحسن القول وضده. ~~قال قاضي القضاة عبد الجبار في طبقات المعتزلة: نقض الإسكافي كتاب الجاحظ ~~في العثمانية في حياته، فدخل الجاحظ الوراقين ببغداد فقال: من هذا الغلام ~~السوادي الذي بلغني أنه تعرض لنقد كتابي، وأبو جعفر جالس، فاختفى منه حتى PageV01P302 ### | CHECK [303_2] # لم يره. وكان أبو جعفر علوي الرأي محققا منصفا، قليل العصبية، ألف سبعين ~~كتابا في علم الكلام اه. # وقول أستاذنا إن الجاحظ قد يعمد إلى التمويه، وتمويهه تمويه العاقل، كلام ~~يحتاج إلى شرح قليل. فإن الجاحظ قد ينقل بعض المسائل على علاتها لا يعرض ~~لها بنقد كما وقع له أن نال من أميري المؤمنين عمر بن عبد العزيز ومعاوية ~~بن أبي سفيان. فنسب إلى معاوية في رسالته القيان ما يقدح في عدالته وما كان ~~معاوية بالمستهتر ولا بالمتهتك، ولم يجرأ خصومه أن يتهموه بشيء من ذلك. ~~وغريب من أبي عثمان إطلاقه هذا القول مع حبه للحق حتى في مقارعة أعدائه. ~~ولقد شهدناه يدافع عن الخوارج لما أعجبه نسكهم وامتناعهم عن الكذب على من ~~خالفهم، وإن لم يقل بقولهم في إكفار من رضي بالتحكيم، وحط من الرافضة لما ~~رآهم ms262 يضعون ما لا يحل من الكذب على الرسول وعلى مخالفيهم، وأصلاهم نارا من ~~نقده لما وضعوا آل علي في منزلة لا يرضاها العقلاء من ذريته، فقالوا ~~بعصمتهم وأن المعاصي لا تضرهم. # ومن هذا الضرب إشارته إلى ما وقع بين أحمد بن حنبل والمعتصم في مسألة خلق ~~القرآن قال الجاحظ: وبعد فنحن لم نكفر إلا من أوسعناه حجة، ولم نمتحن ألا ~~أهل التهمة، وليس كشف المتهم من التجسس، ولا امتحان الظنين من هتك الأستار، ~~ولو كان كل كشف هتكا. وكل امتحان تجسسا، لكان القاضي أهتك الناس لستر، وأشد ~~الناس كشفا لعورة، والذين خالفوا في العرش، إنما أرادوا نفي التشبيه ~~فغلطوا، والذين أنكروا أمر الميزان إنما كرهوا أن تكون الأعمال أجساما ~~وأجراما غلاظا، فأن كانوا قد أصابوا فلا سبيل عليهم، وإن كانوا قد أخطئوا ~~فإن خطأهم لا يتجاوز بهم إلى الكفر، وقولهم وخلافهم بعد ظهور الحجة تشبيه ~~للخالق بالمخلوق، فبين المذهبين أبين الفرق. وقد قال صاحبكم للخليفة ~~المعتصم يوم جمع الفقهاء PageV01P303 ### | CHECK [304_2] # والمتكلمين والقضاة والمحصلين إعذارا وإنذارا: امتحنتني وأنت تعرف ما في ~~المحنة وما فيها من الفتنة، ثم امتحنتني من بين جميع هذه الأمة. قال ~~المعتصم: أخطأت بل كذبت. وجدت الخليفة قبلي قد حبسك وقيدك، ولو لم يكن حبسك ~~على تهمة لأمضى الحكم فيك، ولو لم يخفك على الإسلام ما عرض لك، فسؤالي إياك ~~عن نفسك ليس من المحنة ولا من طريق الاعتساف، ولا من طريق كشف العورة، إذ ~~كانت حالك هذه الحال، وسبيلك هذه السبيل. وقيل للمعتصم في ذلك المجلس: ألا ~~تبعث إلى أصحابه حتى يشهدوا إقراره ويعاينوا انقطاعه فينقض ذلك استبصارهم ~~فلا يمكنه جحد ما أقربه عندهم فأبى أن يقبل ذلك وأنكره إلى آخر ما ذكر. # مذهب الجاحظ في الدين كمذهبه في العلم، مذهب العقل وصدق الحس لا يحكم ~~غيرهما، ولا يحكم بسواهما. لا جرم أن اختلاف أهل السنة والجماعة مع ~~المعتزلة اختلاف لا يعتد به كثيرا، والمسائل المختلف فيها لا تعبث بأصل من ~~أصول الدين، فمن قال مثلا ms263 بأن الله يرى في الآخرة له أدلته من الكتاب، ومن ~~قال بان الله لا يرى تأول بعض الآيات لإثبات قضيته، ومن قال إن الفاسق يخلد ~~في النار أو لا يخلد، فلا يتعلق على كلامه كبير أمر في الدين. يقول ابن ~~حزم: إن أقرب فرق المعتزلة إلى أهل السنة أصحاب الحسين بن محمد النجار وبشر ~~بن غياث المريسي ثم أصحاب ضرار ابن عمرو وأبعدهم أصحاب أبي هذيل. # ومن ثبتت له كالجاحظ كل هذه الحسنات في الدفاع عن الدين، لا يضيره إذا ~~رأى رأي غيره في مسائل طفيفة. والناس منذ كانت الدنيا لا يتفقون في كل ~~الأمور. فقد شهدنا الجاحظ نفسه يخالف أحد أساتذته في بعض الآراء فما قدح ~~ذلك فيهم، ولا عد عمله من سوء الأدب. وإذا أدركنا أن معظم ما كتبه في الدين ~~قد فقد نتخيل مبلغ سعة الغاية التي دبرت عليه وعلى كتبه خاصة وعلى المعتزلة عامة. PageV01P304 ### | CHECK [305_2] # يقول ابن أبي الحديد إن المرتضى لما رأى الجاحظ وافق غرضه مرة استجاد ~~قوله فكناه، مع أنه ما كناه أصلا قال: فسبحان الله ما أشد حب الناس ~~لعقائدهم. # رأينا الجاحظ يجادل أهل الكتاب بالحسنى فينفي عن النصارى لما جاء يحاجهم ~~معرفة الفسلسفة، ويقول ليس لهم إلا حكمة الكف من الخرط والنجر والتصوير ~~وحياكة البزيون. وكتب المنطق والكون والفساد، وكتاب العلوي والمجسطي ~~والهندسة والطب ليست للمصاري، بل هي لأرسطاطاليس وبطلميوس وأقليدس وجالينوس ~~وديمقراط وأبقراط وغيرهم. # هؤلاء الناس من أمة قد بادوا وبقيت عقولهم، وهم اليونان، ودينهم غير ~~دينهم، وأدبهم غير أدبهم؛ أولئك علماء وهؤلاء صناع. أخذوا كتبهم لقرب ~~الجوار، وتداني الدار، فمنها ما أضافوه إلى أنفسهم، ومنها ما حولوه إلى ~~ملتهم. وقال: إن أكثر من قتل من الزنادقة - ممن كان ينتحل الإسلام ويظهره - ~~هم الذين آباؤهم وأمهاتهم نصارى، على أنك لو عددت اليوم أهل الظنة، ومواضع ~~التهمة لم تجد أكثرهم إلا كذلك قال: ومما عظم النصارى قي قلوب العوام، ~~وحببهم إلى الظغام، أن منهم كتاب السلاطين وفراش الملوك، وأطباء الأشراف، ~~والعطارين ms264 والصيارفة. ولا تجد اليهودي إلا صباغا أو حجاما، أو قصابا أو شعابا. # وذكر أن المسلمين يبجلون النصارى أكثر من اليهود، لأن النصرانية كانت ~~فاشية في العرب وعليها غالبة، إلا مضر فلم تغلب عليها يهودية ولا مجوسية، ~~ولم تفش فيها النصرانية، إلا ما كان من قوم منهم، نزلوا الحيرة يسمون ~~العباد، فإنهم كانوا نصارى وهم مغورون مع نبذ بسير في بعض القبائل، ولم ~~تعرف مضر إلا دين العرب ثم الإسلام، وغلبت النصرانية على ملوك العرب ~~وقبائلها: على لخم وغسان والحارث ابن كعب بنجرات وقضاعة وطي في قبائل كثيرة ~~وأحياء معروفة، ثم ظهرت في ربيعة فغلبت على ثعلب وعبد القيس وأفناء بكر ثم في آل PageV01P305 ### | CHECK [306_2] # ذي جدن خاصة. وجاء الإسلام وليست اليهودية بغالية على قبيلة، إلا ما كان ~~من ناس من اليمانية، ونبذ يسير من جميع إياد وربيعة، ومعظم اليهودية إنما ~~كان بيرث وحمير وتيماء ووادي القرى في ولد هارون دون العرب، فعطف قلوب ~~دهماء العرب على النصارى، الملك الذي كان فيهم، والقرابة التي كانت لهم، ثم ~~رأت عوامنا أن قيهم ملكا قائما، وأن فيهم عربا كثيرة، وأن بنات الروم ولدن ~~لملوك الإسلام، وأن في النصارى متكلمين وأطباء ومنجمين فصاروا بذلك عندهم ~~عقلاء وفلاسفة حكماء، ولم يروا ذلك في اليهود. # وقال في وصف حال الفلسفة عند اليهود: إنهم يرون أن النظر في الفلسفة كفر، ~~والكلام في الدين بدعة، وأنه مجلبة لكل شبهة، وأنه لا عليهم إلا ما كان في ~~التوراة وكتب الأنبياء، وأن الإيمان بالطيب وتصديق المنجمين من أسباب ~~الزندقة، والخروج إلى الدهرية، والخلاف على الأسلاف وأهل القدوة، حتى أنهم ~~ليبهرجون المشهور بذلك، ويحرمون كلام سالك سبيل أولئك. # وقال في علاقة المسلمين بالنصارى: على أن هذه الأمة لم تبتل باليهود ولا ~~المجوس ولا الصابئين، كما ابتليت بالنصارى، وذلك أنهم يتبعون المتناقض من ~~أحاديثنا، والضعيف الإسناد من روايتنا، والمتشابه من آي كتابنا، ثم يخلون ~~بضعفائنا ويسألون عنها عوامنا، مع ما قد يعلمون من مسائل الملحدين ~~والزنادقة الملاعين، وحتى مع ذلك ربما ms265 تبرءوا إلى علمائنا وأهل الأقدار ~~منا، ويشغبون على القوي، ويلبسون على الضعيف، ومن البلاء أن كل إنسان من ~~المسلمين يرى أنه متكلم، وأنه ليس أحد أحق بمحاجة الملحدين من أحد. # وتفسير هذا أن الجاحظ عني بالرد على من نال من الإسلام، فلم يتخل حتى ~~الكتابين، وأحسن تعليل صلات النصارى بالمسلمين، واعترف بأن من دانوا ~~بالنصرانية يعرفون كيف يدخلون الشبه على عقول العوام من المسلمين، وقال إن PageV01P306 ### | CHECK [307_2] # النصارى ليسوا أهل حكمة، وأن الحكمة خاصة باليونان، وإنما النصارى أهل ~~صناعات وقع إلى بلادهم شيء من علوم اليونانيين، واليونان مخالفون للنصارى ~~في دينهم وتاريخهم وأدبهم واليهود لا يعرفون شيئا غير التوراة، وينبذون ما ~~عداها من العلوم، وصناعاتهم حقيرة، وصناعات النصارى شريفة، وأم عطف قلوب ~~جمهور المسلمين على أبناء النصرانية إلا الصلات الكثيرة التي تأصلت بين ~~النصارى والعرب بالمصاهرة والاختلاط ولأن فيهن ملكا قائما. # كثر الزنادقة في عهد الجاحظ واهتم لذلك الخلفاء، فقال هو بالضرب على ~~أيديهم قائلا: أجمعوا على أن قتل البعض إحياء للجميع، وأن إصلاح الناس في ~~إقامة جزاء الحسنة والسيئة، ولكم في القصاص حياة، والقود حياة؛ وهذا شيء ~~تعمل به الأمم كلها غير الزنادقة، والزنادقة لم تكن قط أمة، ولا كان لها ~~ملك ومملكة، ولم تزل بين مقتول وهارب ومنافق. # وأجاب من قال له إن الزنادقة كانوا حرصى على كتب المقالات بالورق النقي ~~الأبيض، والحبر الأسود واستجادة الخط: إن إنفاق الزنادقة على تحصيل الكتب، ~~كإنفاق النصارى على البيع، ولو كانت كتب الزنادقة كتب حكم، وكتب فلسفة، ~~وكتب مقاييس، وسنن نبيين وتبيين، أو لو كانت كتبهم كتبا تعرف الناس أبواب ~~الصناعات، أو سبل الكسب والتجارات، أو كتب ارتفاقات ورياضات، أو بعض ما ~~يتعاطاه الناس من الفطن والآداب؛ وإن كان ذلك لا يقرب من غنى ولا يبعد من ~~مأتم؛ لكانوا ممن قد يجوز أن يظن بهم تعظيم البيان، والرغبة في التبيين، ~~ولكنهم ذهبوا فيها مذهب الديانة على طريق تعظيم الملة، فإنما إنفاقهم في ~~ذلك كإنفاق الجمس على بيت النا، وكإنفاق النصارى ms266 على صلبان الذهب، وكإنفاق ~~الهند على سدنة البددة. . . والذي يدل على ما قلنا أنه ليس في كتبهم مثل ~~سائر، ولا خبر طريف، ولا صنعة أدب، ولا حكمة غريبة، ولا فلسفة، ولا مسألة ~~كلامية، ولا PageV01P307 ### | CHECK [308_2] # تعريف صناعة، ولا استخراج آلة، ولا تعليم فلاحة، ولا تدبير حرب، ولا ~~منازعة عن دين، ولا مناضلة عن نحلة، وجل ما فيها ذكر النور والظلمة، وتناكح ~~الشياطين، وتسافد العفاريت. . . لا ترى فيها موعظة حسنة، ولا حديثا مونقا، ~~ولا تدبير معاش، ولا سياسة عامة، ولا ترتيب خاصة، فأي كتاب أجهل، وأي تدبير ~~أفسد من كتاب يوجب على الناس الإطاعة والتخرج بالديانة على جهة الاستبصار ~~والمحبة، وليس فيه صلاح معاش، ولا تصحيح دين، والناس لا يحبون إلا دينا أو ~~دنيا. . . وكل دين يكون أظهر فسادا احتاج من الترقيع والتمويه، ومن ~~الاحتشاد له، والتغليظ فيه، إلى أكثر، وقد علمنا أن النصرانية أشد انتشارا ~~من اليهودية تعبدا، فعلى حسب ذلك يكون تزيدهم في توكيده، واحتفالهم في ~~إظهار تعليمه. # وقال فيهم وفيمن يحب مشاكلتهم: وربما سمع أحدهم ممن لا معرفة عنده ولا ~~تحصيل له أن الزنادقة ظرفاء، وأنهم عقلاء وأدباء وأنهم عباد وأصحاب اجتهاد، ~~وان لهم البصائر في دينهم، والبذل لمهجهم، وأن هناك علما وتمييزا، وإنصافا ~~وتحصيلا، فينزو نحوهم نزو المهر الأرن، ويحن إليهم حنين الواله العجول، ~~ويتصبى فيهم صبابة العاشق المتيم، ويرى أنه متى اتهم بهم فقد قضي له بذلك ~~كله، فلا يزال كذلك حتى يسهل في طباعه، ويرجع عنده أن يزعم أنه زنديق. # وقال في نعت الدهريين: فإن الذي ينفي الرب، ويحيل الأمر والنهي، وينكر ~~جواز الرسالة، ويجعل الطينة قديمة، ويجحد الثواب والعقاب، ولا يعرف الحلال ~~والحرام، ولا يقر بأن في جميع العالم برهانا يدل على صانع ومصنوع، وخالق ~~ومخلوق، ويجعل الفلك الذي لا يعرف نفسه من غيره، ولا يفصل بين الحديث ~~والقديم، وبين المحسن والمسيء، ولا يستطيع الزيادة في حركته، ولا النقصان ~~من دورانه، ولا معاقبة للسكون بالحركة، ولا الوقوف طرفة عين، ولا الانحراف عن PageV01P308 ### | CHECK ms267 [309_2] # الجهة هو الذي يكون به جميع الإبرام والنقض، ودقيق الأمور وجليلها، وهذه ~~الحكم العجيبة، والتدابير المتقنة، والتآليف البديعة، والتركيب الحكيم، على ~~حساب معلوم، ونسق معروف على غاية من حقائق الحكمة، وإحكام الصنعة. . لأن ~~الدهري ليس يرى أن في الأرض دينا أو نحلة أو شريعة أو ملة، ولا يرى للحلال ~~حرمة ولا يعرفه، ولا للحرام نهاية ولا يعرفه، ولا يتوقع العقاب على ~~الإساءة، ولا يتوخى الثواب على الإحسان، وإنما الصواب عنده والحق في حكمه، ~~أنه والبهيمة سيان، وأنه والسبع سيان، ليس القبيح عنده إلا ما خالف هواه، ~~وإن مدار الأمر على الإخفاق والدرك، وعلى اللذة والألم، وإنما الصواب فيما ~~نال من المنفعة، وإن قتل ألف إنسان صالح لمنالة الدرهم الرديء. . . . # وقال في المنانية أصحاب ماني: إن أناسا حين جهلوا الأسباب والمعاني، ~~وقصروا في الخلقة عن تأمل الصواب والحكمة فيها خرجوا إلى الجحود والتكذيب ~~حتى أنكروا خلق الأشياء. وزعموا أن كونها بإهمال لا صنعة فيه ولا تقدير، ~~فكانوا بمنزلة عميان دخلوا دارا قد بنيت أتقن بناء، وفرشت أحسن فرش، وأعد ~~فيها من ضروب الأطعمة والأشربة والمآدب، ووضع كل شيء من ذلك في موضعه على ~~صواب وتقدير، فجعلوا يسعون فيها محجوبة أبصارهم فلا يبصرون هيئة الدار وما ~~أعد فيها، وربما عثر والواحد منهم بالشيء قد وضع في موضعه وأعد لشأنه، وهو ~~جاهل بالمعنى فيه فتذمر وتسخط وذم الدار وبانيها. # فهذه حال هذا الصنف في إنكارهم ما أمكروا من الخلقة، وأنهم لما غبيت ~~أذهانهم عن معرفة الأسباب والعلل في الأشياء، صاروا يجولون في هذا العالم ~~كالحيارى لا يفقهون ما هو عليه في إتقان خلقته، وصواب هيئته، وربما وقف ~~الواقف منهم على الشيء يجهل سببه والأرب فيه، فيسرع إلى ذمه وعيبه ووصفه ~~بالخطأ والإحالة، كالذي أقدمت عليه وجاهرت به المنانية الكفرة، وأشباههم من أهل PageV01P309 ### | CHECK [310_2] # الضلال. فحق على من أنعم الله عليه بمعرفته، ووفقه لتأمل هذه الخليقة، ~~والوقوف على ما في خلقها من لطف التدبير، وصواب التقدير، بالدلائل القائمة ~~فيها، أن لا يقصر ms268 في إظهار ما بلغه علمه من ذلك، بل يجهد في نشره وإذاعته ~~وإيراده على المسامع والأذهان، التقوى دواعي الإيمان، وتخيب مكيدة الشيطان. # هذه نموذجات من أساليب الرد على من خالفوا الإسلام، ولا سيما المانوية ~~والزنادقة والملحدون ممن كانوا يعملون على هدم كل معتقد، فيتأذى الإسلام ~~بدعوتهم، وتسري في إذهان العوام. وقال في المجوسية: ولم تر قط ذا دين تحول ~~إلى المجوسية عن دينه ولم يكن ذلك المذهب إلا في ضعفة من أهل فارس والجبال، ~~وخراسان كلها فارسية فإن عجبت من استسقاطي لعقل كسرى ابرويز وآبائه وأحبابه ~~وقرابته وكتابه وأطبائه وحكمائه وأساورته فإني أقول في ذلك قولا لا يعرف به ~~أنني ليس إلى العصية ذهبت. # رأى أبو عثمان إنزال العقوبات في العابثين بالأديان فقال: من لم يعمل ~~بإقامة جزاء السيئة والحسنة، وقتل في موضع القتل، وأحي في موضع الإحياء، ~~وعفا في موضع العفو، وعاقب في موضع العقوبة، ومنها ساعة المنع، وأعطى ساعة ~~الإعطاء، خالف الرب في تدبيره، وظن أن رحمته فوق رحمة ربه؛ وقد قالوا: بعض ~~القتل إحياء للجميع، وبعض العفو إغراء، كما أن بعض المنع إعطاء ولا خير ~~فيمن كان خيره محصنا، وشر منه من كان شره صرفا، ولكن أخلط الوعد بالوعيد، ~~والبشر بالعبوس، والإعطاء بالمنع، والحلم بالإيقاع، فإن الناس لا يهابون ~~ويصلحون إلا على الثواب والعقاب، والإطماع والإخافة، ومن أخاف ولم يقع وعرف ~~بذلك كان كمن أطمع ولم ينجز وعرف بذلك، ومن عرف بذلك دخل عليه بحسب ما عرف ~~منه؛ فخير الخير ما كان ممزوجا، وشر الشر ما كان صرفا. ولو كان الناس ~~يصلحون على الخير وحده، لكان الله عز وجل أولى بذلك الحكم، PageV01P310 ### | CHECK [311_2] # وفي إطباق جميع الملوك وجميع الأئمة في جميع الأقطار، وفي جميع الأعصار، ~~على استعمال المكروه والمحبوب، دليل على أن الصواب فيه دون غيره؛ وإذا كان ~~الناس إنما يصطلحون على الشدة واللين، وعلى العفو والانتقام، وعلى البذل ~~والمنع، وعلى الخير والشر، عاد ذلك الشر خيرا، وذلك المنع إعطاء وذلك ~~المكروه محبوبا. # وراعني سمعك في ms269 تلاوة الجملة الآتية يرد على من لم يحسن من العلماء تعليل ~~أمية رسول الله، وكيف حاجه فأحسن حجابه، ودله على قصور علمه وضعف منطقه، ~~قال: وكان شيخ من البصريين يقول: إن الله إنما جعل نبيه أميا لا يكتب، ولا ~~يحسب ولا ينسب، ولا يقرض الشعر، ولا يتكلف الخطابة، ولا يتعمد البلاغة، ~~لينفرد الله بتعليمه الفقه وأحكام الشريعة، ويقصره على معرفة مصالح الدين، ~~دون ما تتباهى به العرب من قيافة الأثر، وعيافة الطير، ومن العلم بالأنواء ~~وبالخيل، وبالأنساب والأخيار، وتكلف قوم الأشعار، ليكون إذا جاء بالقرآن ~~الحكيم، وتكلم بالكلام العجيب، كان ذلك أدل على أنه من الله، وزعم أن الله ~~لم يمنعه معرفة آدابهم وأخبارهم وأشعارهم، ليكون أنقص حظا من الحاسب ~~والكاتب، ومن الخطيب الناسب، ولكن ليجعله نبيا، وليتولى أمر تعليمه بما هو ~~أزكى وأنمى؛ فإنما نقصه ليزيده، ومنعه ليعطيه، وحجبه عن القليل، ليجلي له ~~الكثير. # قال الجاحظ وقد أخطأ هذا الشيخ ولم يرد إلا الخير، وقال بمبلغ علمه ~~ومنتهى رأيه، ولو زعم أن أداة الحساب والكتابة، وأداة قرض الشعر وجميع ~~النسب، قد كانت فيه تامة وافرة مجتمعة كاملة، ولكنه صلى الله عليه وسلم صرف ~~تلك القوى وتلك الاستطاعة إلى ما هو أزكى بالنبوة وأشبه بمرتبة الرسالة، ~~وكان إذا احتاج إلى البلاغة كان أبلغ البلغاء، وإذا احتاج إلى الخطابة كان ~~أخطب الخطباء، وأنسب من كل نسب، وأقوف من كل قائف، ولو كان في ظاهره، ~~والمعروف من PageV01P311 ### | CHECK [312_2] # شأنه أنه كاتب حاسب وشاعر ناسب، ومفترس قائف، ثم أعطاه الله برهانات ~~الرسالة وعلامات النبوة، لما كان ذلك مانعا من وجوب تصديقه، ولزوم طاعته، ~~والانقياد لأمره، على سخطهم ورضاهم، ومكروههم ومحبوبهم، ولكنه أراد أن لا ~~يكون للشاعر متعلق عما دعا إليه، حتى لا يكون دون المعرفة بحقه حجاب وإن ~~رق، وليكون ذلك أخف في المؤنة، وأسهل في المحنة، فلذلك صرف نفسه عن الأمور ~~التي كانوا يتكلفونها ويتنافسون فيها، فلما طال هجرانه لقرض الشعر وروايته، ~~صار لسانه لا ينطق به، والعادة تؤأم الطبيعة، فأما ms270 في غير ذلك، فإنه إذا ~~شاء كان أنطق من كل منطيق، وأنسب من كل ناسب، وأقوف من كل قائف، وكانت آلته ~~أوفر، وأداته أكمل، إلا أنها كانت مصروفة إلى ما هو أبعد، وبين أن يضيف ~~إليه العادة الحسنة وامتناع الشيء عليه من طول الهجران له رفق. # قال: ومن العجب أن صاحب هذه المقالة لم يره عليه السلام في حال معجزة قط، ~~بل لم يره إلا وهو وإن طال الكلام قصر عنه كل مطيل، وإن قصر القول أتى على ~~غاية كل خطيب، وما عدم منه إلا الخط وإقامة الشعر، فكيف ذهب ذلك المذهب، ~~والظاهر من أمره عليه السلام غير ما توهم. # ويخيل إلى من يتدبر هذا الكلام أنه لم يفهم من أمية الرسول عالم من ~~المحدثين والقدماء ما أدركه الجاحظ من هذه الصفة الشريفة في النبي خاصة، ~~وإذا فهمه فيستحيل عليه أن يكتب فكره بهذا البيان. # انظر إليه ينتقد على السلف في تقصيرهم في سيرة الرسول، يقول: إن السلف ~~الذين جمعوا القرآن في المصاحف بعد أن كان متفرقا في الصدور، والذين جمعوا ~~الناس على قراءة زيد بعد أن كان غيرها مطلقا غير محظور، والذين حصنوه ~~ومنعوه الزيادة والنقصان لو كانوا جمعوا علامات النبي صلى الله عليه وسلم ~~وبرهانه ودلائله وآياته، وصنوف بدائعه، وأنواع عجائبه، في مقامه وظعنه، وعند PageV01P312 ### | CHECK [313_2] # دعائه واحتجاجه في الجمع العظيم وبحضرة العدد الكثير الذين لا يستطيع ~~الشك في خبرهم إلا الغبي الجاهل والعدو المائل لما استطاع اليوم أن يدفع ~~كونها وصحة مجيئها لا زنديق جاحد، ولا دهري معاند، ولا متظرف ماجن، ولا في ~~ضعيف مخدوع، ولا حدث مغرور، ولكان مشهورا في عوامنا كشهرته في خواصنا، ~~ولكان استبصار جميع أعيننا في حقهم كاستبصارهم في باطل نصاراهم ومجوسهم، ~~ولما وجد الملحد موضع طمع في غبي يستميله وفي حدث يموه له، ولو لا كثرة ~~ضعفائنا مع كثرة الدخلاء فينا الذين نطقوا بألسنتنا واستعانوا بعقولنا على ~~أغبيائنا وأغمارنا لما تكلفنا كشف الظاهر وإظهار البارز والاحتجاج الواضح اه. # كان الجاحظ على ms271 سعة صدره، وطول أناته، لا يغتفر التخليط لأي كان ممن ~~عاصرهم أو تقدموا زمنه، يناقشهم ويحاسبهم خصوصا إذا قصروا في الكلام وادعوا ~~ما ليس فيهم وخاضوا فيما لا يحسنون الخوض فيه. فقد رأيناه آنفا ينحى إنحاء ~~شديدا على الخليل بت أحمد وعلى عبد الله ابن المقفع، لأنهما كتبا في الكلام ~~أمورا عدها جرأة على العلم. ومن رأيه أن الرجل أتقن الصنف والصنفين من ~~العلوم يجب أن لا يدعى غيرهما، ويحجم عن مقامات العلوم الأخرى، فلا يتطاول ~~إلى ما لا يعلم، فالخليل بن أحمد صاحب العروض والنحو كان يجب أن يبقى في ~~فنه لا يتعداه، وكذلك عبد الله بن المقفع كان المفروض فيه، وهو ما هو في ~~البلاغة والحكمة واختراع المعاني، أن لا يتعدى ذلك إلى البحث في الكلام ~~ولذلك أوجع الجاحظ هذين المؤلفين العظيمين لأنهما تعديا اختصاصهما في ~~العلم، ونقدهما بشدة لم يشفع فيهما ذكائهما النادر، وجهة إخصائهما في ~~الفنون الأخرى. قال في كتابه طبقات المغنيين بعد أن ذكر أن الخليل ابن أحمد ~~واضع علم العروض: فلما أحكمه وبلغ منه ما بلغ أخذ في تفسير اللحون فاستدرك ~~منه شيئا ورسم له رسما PageV01P313 ### | CHECK [314_2] # احتذى عليه من خلفه، واستعمله من عنى به، وكان إسحاق بن إبراهيم الموصلي ~~أول من حذا حذوه وامتثل هديه. واجتمعت له في ذلك آلات لم يجتمع للخليل بن ~~أحمد قبله. وقال في الموصلي إنه ألف في الغناء كتبا معجبه وسهل له فيها ما ~~كان مستصعبا على غيره، فصنع الغناء بعلم فاضل، وحذق راجح، ووزن صحيح. # مقاتل المرء تبدو متى عالج عملا ليس منه بسبيل؛ فقد كتب المسعودي في سنان ~~بن ثابت الحراني لما وضع كتابا في الأخلاق يقول: إنه انتحل ما ليس منه ~~صناعته، واستنتج ما ليس من طريقته، وهو وإن أحسن فيه، ولم يخرجه عن معانيه، ~~فإنه عيب لأنه خرج عمن صناعته، وتكلف ما ليس من مهنته، ولو أقبل على علمه ~~الذي انفرد به من أنواع الفلسفة، لكان قد سلم مما تكلفه، وأتى بما هو ms272 أليق ~~بصنعته، ولكن العارف بقدره معوز، والعالم بمواضع الخلة مفقود. # كل هذا يعالجه الجاحظ في نطاق الإنصاف والأدب بأسلوب لا يخلو من لذع ~~وتهكم. ومن أقواله: وإن أمرا اجتمعت عليه المعتزلة والشيعة والخوارج ~~والمرجئة لظاهر الصواب واضح البرهان، على اختلاف أهوائهم وبغيتهم لكل ما ~~ورد عليهم؛ فإن قال قائل: هذه الروافض بأسرهم تأبى ذلك وتنكره، وتطعن فيه ~~وترى تغييره، قلنا: إن الروافض ليست منا بسبيل، لأن من كان آذانه غير ~~آذاننا، وصلاته غير صلاتنا، وطلاقه غير طلاقنا، وعتقه غير عتقنا، وحجه غير ~~حجنا، وفقهاؤه غير فقهائنا، وإمامه غير إمامنا، وقراءته غير قراءتنا، ~~وحلاله غير حلالنا، وحرامه غير حرامنا، فلا نحن منه ولا هو منا. # فنه: # سئل الجاحظ مرة ما تأويل هذه الآية (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ~~ظالمة، إن أخذه أليم شديد) فقال: تأويلها تلاوتها. ونحن إذا سئلنا ما هي ~~الصنعة أو PageV01P314 ### | CHECK [315_2] # التثقيف أو الفن في كلام الجاحظ نقول: تدبروا كلامه تدركوا مبلغه من ~~الصنعة. وإذا كان لابد من تحليل صنعته نقول: كان اتساع أبي عثمان في اللغة ~~لا يشبه اتساع اللغويين، استبطن من أسرارها ما يقل استبطان مثله على غيره، ~~وعرف طوائف من الألفاظ تصليح في الأدب، وطوائف تصلح في الزراعة، وأخرى ~~للصناعات وأعمال الحياة، وغيرها للدينيات ومطالب العقبي، عدا ما خص بمعرفته ~~من الألفاظ الصالحة لكل شأن. كان جد عارف بما يختار ويطرح، يقدر اللفظة ~~بجرسها ورنتها، وما ينوقع من تأثير توقيعها وتلحينها إذا قرنت إلى أختها، ~~ويميز الثقيلة والخفيفة، والمأنوسة من الوحشية، فيختار ما يؤدي جملته حق ~~الأداء، فإبداعه في فنه يرجع أولا إلى ما يختار من الألفاظ. # كان نحاتا وبناء في آن واحد: يجود نحت أحجاره، ويحسن رصفها في البناء، ~~والمهارة كل المهارة في إبراز المتماثل من المواد إلى جانب ما يوائمها، وقد ~~يستجيد الباني أجمل الأحجار لبنائه، فإذا لم يحسن الهندسة فقد البناء روعته ~~المشعرة بأن الباني عليم بالجمال. يقول العسكري: إن المعاني مشتركة بين ~~العقلاء، فربما وقع المعنى الجيد للسوقي ms273 والنبطي والزنجي، وإنما تتفاضل ~~الناس في الألفاظ ورصفها وتأليفها ونظمها. # أعظم ما تدور حوله صنعة الجاحظ إذا لباقة في تصيده من بحر اللغة ~~المتلاطمة أمواجه في صدره. هو لم يستعمل إلا ما عذب في المذاق، وحلا في ~~السمع، وما تحذلق قط فأكره خشن الألفاظ على أداء ضعيف المعاني، وما عمد إلى ~~سهل اللفظ للإفصاح عن سهل المعنى، وهواه أبدا أن يتخير ألفاظا لمعانيه، لا ~~معاني لألفاظه. يسير مع الطبع، ولا يتكلف السجع، ويكتفي منه بما جاء عفوا ~~في الأحايين، متجافيا عن خشونة التعمل، ورعوثة التعقيد، وآية صنعته ولوعه ~~بتصوير المعاني، وتقريبها من الأذهان ليخرج التالي بشيء يبقى في نفسه. إذا ~~عرفنا كل PageV01P315 ### | CHECK [316_2] # هذا كشف لنا بعض الغطاء عن تناهيه في إبداعه وفنه. # وقد أفصح عن صنعته بقوله: ومتى اتكل صاحب البلاغة على الهوينا والوكال، ~~وعلى السرقة والاحتيال، لم ينل طائلا، وشق عليه النزوع، واستولى عليه ~~الهوان، واستهلكه سوء العادة. والوجه الضار أن يحفظ ألفاظا بعينها من كتاب ~~بعينه، أو من لفظ رجل، ثم يود أن يعد لتلك الألفاظ قسمها من المعاني، فهذا ~~لا يكون إلا بخيلا فقيرا، وخائفا سروقا، ولا يكون إلا مستكرها لألفاظه، ~~متكلفا لمعانيه، مضطرب التأليف، متقطع النظام، فإذا مر كلامه بنقاد الألفاظ ~~وجهابذة المعاني استخفوا عقله، وبهرجوا علمه. ثم اعلم أن الاستكراه في كل ~~شيء سمج، وحيث ما وقع فهو مذموم، وهو في الظرف أسمج، وفي البلاغة أقبح، وما ~~أحسن حاله ما دامت الألفاظ مسموعة من فمه، مسرودة في نفسه، ولم تكن مخلدة ~~في كتبه، وخير الكتب ما إذا أعدت النظر فيه زادك في حسنه. ومعنى قوله هذا ~~أن خير الكتاب، من لم يستظهر ألفاظا بعينها، ليكرهها على الاندماج في ~~تراكيبه، ومن لا يستعمل من الألفاظ إلا السهل، حتى يحوز رضا النقاد، وأن ~~يجعل تصفحه لدواوين المعاني لا للدواوين الألفاظ وشر البلغاء من هيأ رسم ~~المعنى قبل أن يهيئ المعنى عشقا للفظ الذي يريد إقحامه. ولعل السبب في إنه ~~لم يأت من اللغويين كتاب عظماء ms274 كونهم حصروا أذهانهم في الألفاظ، وما عبئوا ~~بمواطن الاستعمال، ملئوا حافظتهم بالجيد والرديء، وعدوه كله من الجيد، لأنه ~~كان من محفوظهم، فإذا جاءوا ينشئون استعملوا كل ما وجدوا أمامهم أو ذكروه، ~~فقصروا في البيان، وانقطعوا عن اللحاق بالبلغاء. وفي نظره ليس الكتاب إلى ~~شيء أحوج منه إلى إفهام معانيه، حتى لا يحتاج السامع لما فيه إلى الروية، ~~ويحتاج من اللفظ إلى مقدار يرتفع به عن ألفاظ السفلة والحشوة، ويحطه من ~~غريب الأعراب ووحشي الكلام، وليس له أن يهذبه جدا، ويتقحه ويصفيه ويروقه، ~~حتى لا ينطق إلا بلب PageV01P316 ### | CHECK [317_2] # اللب، وباللفظ الذي قد حذف فضوله، وتعرفه وأسقط زوائده، حتى عاد خالصا لا ~~شوب فيه، فإنه إن فعل ذلك لم يفهم عنه، إلا بأن يجد لهم إفهاما، مرارا ~~وتكرارا، لأن الناس كلهم قد تعودوا المبسوط من الكلام، وصارت أفهامهم لا ~~تزيد عن عاداتهم، إلا أن يعكس عليها ويؤخذ بها. # فالطريقة عنده إذا ألا يكثر المنشئ من التصفية والترويق في الألفاظ، ولا ~~يرسل كلامه في الناس، مفتونا بما جادت به قريحته بادئ الرأي. هو يريد ~~التنقيح، ولكنه لا يوصي بالإكثار منه، لأن في التعمق الزلل. ولما كان على ~~علم بأن فتنة الرجل بشعره، وفتنته بكلامه وكتبه، فوق فتنته بجميع نعمته ~~أوصى من يكتب كتابا أن لا يكتبه إلا على أن الناس كلهم له أعداء، وكلهم ~~عالم بالأمور، وكلهم متفرغ له قال أبو زيد البلخي ما أحسن ما قال الجاحظ: ~~عقل المنشئ مشغول، وعقل المتصفح فارغ قال أبو عثمان: ثم لا يرضى بذلك حتى ~~يدع كتابه غفلا ولا يرضى بالرأي الفطير، فإن لابتداء الكتب فتنة وعجبا، ~~فإذا سكنت الطبيعة، وهدأت الحركة، وتراجعت الأخلاط، وعادت النفس وافرة، ~~أعاد النظر فيه، فتوقف عند فصوله، توقف من يكون وزن طبعه في السلامة، أنقص ~~من وزن خوفه من العيب. دل الكتاتب بهذا على الوقت المناسب لإعادة النظر ~~فيما كتب. أما هو فكان يحس اختيار الزمن ليبرز كلامه في قوالبه المعهودة ~~إحسانه اختيار موضوعه. وقد حكى تلميذه المبلاد ms275 عنه قال: رأيت الجاحظ يكتب ~~شيئا فتبسم، فقلت: ما يضحكك؟ قال: إذا لم يكن القرطاس صافيا، والمداد ~~ناميا، والعلم مواتيا، والقلب خاليا، فلا عليك أن تكون غائبا. وهذا الكلام ~~لا يصدر عن غير متفنن، ومن عيار الجاحظ، ولذلك جاءت كتبه كثيرة الحيوية ~~والنائية، تبسم وتغازل وترقص وتغني. # قال الجاحظ: وليس في الأرض إنسان إلا وهو يطرب من صوت نفسه، ويعتريه ~~الغلط في شعره وفي ولده، إلا أن الناس في ذلك على طبقات من الغلط: فمنهم PageV01P317 ### | CHECK [318_2] # المغرق المغمور، ومنهم من قد نال من الصواب ونال من الخطأ، ومنهم من يكون ~~خطؤه مستورا لكثرة صوابه، فما أحسن حاله ما لم يمتحن بالكشف، ولذلك احتاج ~~العاقل في استحسان كتبه وشعره من التحفظ والتوقي، ومن إعادة النظر والتهمة، ~~إلى أضعاف ما يحتاج إليه في سائر ذلك. # وانظر إليه بعد هذا يصور لك كاتبا خلا بعلمه عند فقد خصومه، وأهل المنزلة ~~من صناعته ويقول: صاحب القلم يعتريه ما يعتري المؤدب عند ضربه وعقابه، فما ~~أكثر من يعزم على خمسة أسواط فيضرب مائة، لأنه ابتدأ الضرب وهو ساكن ~~الطباع، فأراه السكون أن الصواب في الإقلال، فلما ضرب تحرك دمه فأشاع فيه ~~الحرارة، فزاد في غضبه، فأراه الغضب أن الرأي هو الإكثار، وكذلك صاحب ~~القلم، فما أكثر من يبتدئ، وهو يريد مقدار سطرين ويكتب عشرة. # بهذا تمت مزية الجاحظ من الصنعة مقرونة إلى موهبة الفطرة المفطور عليها: ~~لا يطيل كلامه ولا يختزله، ولا يرسله حالا، يسيل سيلا، بل ينظر فيه إذا خلا ~~بنفسه، فيحذف فضوله، وإذا أضاف إلى ذلك تخير العذب السائغ من الألفاظ ~~للإفصاح عن المعاني الصريحة، كان في ذلك البلاغة وجماع الصنعة المعجزة. ~~انظره مثلا في كلامه على الخصاء في الإنسان كيف يعبر في جملة قصيرة عن معان ~~كثيرة دقيقة، ويقول في سهولة وتهكم: وكل خصاء في الدنيا فإنما أصله من قبل ~~الروم، ومن العجيب أنهم نصارى، وهم يدعون من الرأفة والرحمة ورقة القلب ~~والكبد، ما لا يدعيه أحد من جميع الأصناف فبهذا ms276 الإيجاز واللفظ المنتقى، ~~صور المعنى الذي يريد لنقض دعوى النصارى التفرد بالرحمة والشفقة، وقال إنهم ~~المنفردون بين الأمم في ارتكاب هذه الكبيرة. # وشرح هذه العادة في الرد على الروم بقوله: ومما يدل على قلة رحمتهم وفساد ~~قلوبهم، أنهم أصحاب الخصاء من بين جميع الأمم، والخصاء أشد المثلة، وأعظم PageV01P318 ### | CHECK [319_2] # ما ركبه الإنسان، ثم يفعلون ذلك بأطفال لا ذنب لهم ولا دفع عندهم، ولا ~~نعرف قوما يعرفون بخصاء الناس حيث ما كانوا إلا ببلاد الروم والحبشة، وهم ~~في غيرهما قليل وأقل قليل، على أنهم لم يتعلموا إلا منهم، ولا كان سبب في ~~ذلك غيرهم. . . # لا جرم أن فن الجاحظ بحسن تصويره، لا يترك مجالا لأن يدعي عليه القارئ ~~أقل قصور، يصور لك كالمصور المبدع بالعبارة، وقد يبسطها أو يقبضها، ويصور ~~بالإشارة، وبالشاهد والواقع، حتى لا تخرج من كلامه إلا وقد عبت أمورا تخيل ~~إليك أنك سحرت، لما عمر به صدرك وقلبك بما أملى عليك. ومن أهم ما في الجاحظ ~~من صنعة أن كلامه قليل الاستعارات والكنايات والمجازات والتشبيهات، لا يأخذ ~~منها إلا بقدر معلوم عند الحاجة، لأن صفاء ديباجته، ونصاعة معانيه، لا ~~يحوجانه إلى الاستعانة بما يبرقش به جمله. والقوي في امتلاك ناصية الكلام ~~في غنية عن هذه التهاويل والزخرف. والطلاء ينصل، وإن حسن في العين للنظرة ~~الأولى، والعبرة بما تحته من التاقطيع والقسامة. وليس معنى هذا أنه أسقط ~~الكتابة والاستعارة والمجاز والتمثيل جملة، فإنها الأقطاب التي تدور ~~البلاغة عليها كما قال عبد القاهر، وهي التي نوه بذكرها البلغاء، ورفع من ~~أقدارها العلماء، وصنفوا فيها الكتب حتى صار الكلام فيها نوعا من العلم ~~مفردا خصوصا الاستعارة والمجاز. وخصلة أخرى وهي أن الجاحظ ليس من أرباب ~~الخيال الواسع ولا الضيق، هو خليق أن يعد في جماعة المحسوسات أرباب الفلسفة ~~الحسية، ولذلك كان تبريزه في النثر. أما شعره فلا يتعدى حد الحكاية، وتصوير ~~حال وحدث، ولطالما تناشده وتذوقه. # للجاحظ فصول كثيرة تحله المحل الأرفع من الإبداع في تصويره، ومقامه في ~~وصفه لا ms277 يقل عن مقامه في الحكاية والرواية. انظر إلى حكاياته ورواياته في PageV01P319 ### | CHECK [320_2] # كتاب البخلاء، وأمعن النظر فقط في أقوال الكندي، وحيل من يستأجرون الدور ~~وأخلاقهم وتلاعبهم، تدرك قوة الجاحظ على الإبانة في شؤون الحياة. وانظره في ~~رسالته مدح النبيذ وصفة أصحابه، يدلي إليك بحججه في المدح، وحججه في الذم، ~~ثم يحكي لك ولا يبالي أن حذاق الملوك وأصحاب العنايات التامة، احتاجوا أن ~~يداووا نفوسهم بالسماع الحسن، وإذا حرك الدم حرك طباع السرور، ثم لا يزال ~~وائدا في مكيال الدم، زائدا في الحركة المولدة للسرور قال: هذه صفة الملوك ~~وعليه بنوا أمرهم، جهل ذلك من جهله وعلمه من علمه. تأمل قوله جهل ذلك من ~~جهله وعلمه من علمه، فإن فيه صنعة وينطوي على معان كثيرة. كتب رسالة النبيذ ~~إلى صديقه الحسن بن وهب، ومما قال في مدح النبيذ أنه إذا تمشى في عظامك، ~~والتبس بأجزائك، ودب في جنانك، منحك صدق الحس، وفراغ النفس، وجعلك رخي ~~البال، خلي الذرع، قليل الشواغل، قرير العين، واسع الصدر، فسيح الهم، حسن ~~الظن، ثم سد الحراسة، وألم الشفقة، وخوف الحدثان، وذل الطمع، وكد الطلب، ~~وكل ما اعترض السرور وأفسد اللذة، وقاسم الشهوة، وأخل بالنعمة، وهو الذي ~~يرد الشيوخ في طبائع الشبان، ويرد الشبان في نشاط الصبيان، وليس يخاف شاربه ~~إلا مجاوزة السرور إلى الأشر، ومجاوزة الأشر إلى البطر، ولو لم يكن من ~~أياديه ومننه، ومن جميل آلائه ونعمه. إلا أنك مادمت تمزجه بروحك، وتزاوج ~~بينه وبين دمك، فقد أعفاك من الجد ونصبه، وحبب إليك المزاح والفكاهة، وبغض ~~إليك الاستقصاء والمحاولة، وأزال عنك تعقد الحشمة، وكد المروءة، وصار يومه ~~جماما لأيام الفكرة، وتسهيلا لمعاودة الروية، لكان في ذلك ما يوجب الشكر ~~ويطنب الذكر، وبالفن الذي حواه هذا الملام حبب تعاطي النبيذ حتى لمن لا ~~يتعاطاه. # وأنت إذا نظرت إلى رسالته في القيان تراه إذا وصف لك الوجه الحسن تكاد PageV01P320 ### | CHECK [321_2] # تبصره بعينك، وإذا عرض للقبيح ينفرك منه أي نفور. ألا تعجب منه إذا تلوث ~~فيه ms278 أسطرا قليلة في وصف حال المغنية في عصره إذ يقول: وكيف تسلم القينة من ~~الفتنة. أو يمكنها أن تكون عفيفة، وإنما تكتسب الأهواء، وتتعلم الألسن ~~والأخلاق بالمنشأ، وهي إنما تنشأ من لدن مولدها إلى أوان وفاتها، بما يصد ~~عن ذكر الله من لهو الحديث، وصنوف اللعب والأخابيث، وبين الخلعاء والمجان، ~~ومن لا يسمع منه كلمة جد، ولا يرجع إلى فقه ولا دين، ولا صيانة مروءة، ~~وتروي الحاذقة منهن أربعة آلاف صوت فصاعدا، يكون الصوت فيما بين البيتين ~~إلى أربعة أبيات، عدد ما يدخل في ذلك من الشعر، إذا ضرب بعضه ببعض عشرة ~~آلاف بيت، ليس فيها ذكر الله إلا عن غفلة، ولا ترهيب عن عقاب ولا ترغيب في ~~ثواب، وإنما بنيت كلها على ذكر الزنا والقيادة، والعشق والصبوة، والشوق ~~والغلمة، ثم لا تنفك من الدراسة لصناعتها، منكبة عليها، تأخذ من المطارحين ~~الذين طرحهم كله تجميش، وإنشادهم مراودة، وهي مضطرة إلى ذلك في صناعتها، ~~لأنها إن جفتها تفلتت، وإن أهملتها نقصت، وإن لم تستفد منها وقفت، وكل واقف ~~فإلى نقصان أقرب، وإنما فرق ما بين أصحاب الصناعات، وبين من لا يحسنها ~~التزيد فيها، والمواظبة عليها، فهي لو أرادت الهدى لم تعرفه، ولو بلغت ~~العفة لم تقدر عليها. وإن ثبتت حجة أبي الهذيل فيما يجب على المتفكر زال ~~عنها خاصة، لأن فكرها وقلبها ولسانها وبدنها مشاغيل بما هي فيه، وعلى حسب ~~ما اجتمع عليها من ذلك في نفسها لمن بلي بمجالستها عليه وعليها. # ألست تتلمس في مفردات هذا الكلام ومركباته فن الجاحظ، تأمل قوله: إن ~~جفتها تفلتت وإن أهملتها نقصت وقوله: تأخذ عن المطارحين الذين طرحهم كله ~~تجميش وإنشادهم مراودة وقوله: وكل واقف فإلى نقصان أقرب، ونحن إذا أكثرنا ~~من إيراد الشواهد من أقوال أبي عثمان، فلذلك لنخرج منها بدليل حسي نسقط به حجة PageV01P321 ### | CHECK [322_2] # خصومه في دعواهم أنه كان يقول الشيء ونقيضه، على أن هذا أيضا ضرب من ~~البلاغة، وأسلوب من أساليب الصنعة، ولا يتيسر مثله لغير أفراد في البلغاء، ms279 ~~فقد يوفي الكاتب موضوعه عند نفسه، ويلونه للوصول إلى تعريفه ألوانا مغرية، ~~ولكنه قد لا يرضي غيره ولا يبلغ حاجته لأمور تنقصه. # استمع للجاحظ قطعة أخرى ينفض إليك فيها جملة حال النساك ويصنف لك ~~طبقاتهم، ويصف لك الدواعي التي أهابت بهم إلى التنسك المصنع، فتركوا الكدح ~~في الحياة، ورضوا أن يكونوا حملة طفيلية تمتص رزق غيرها قال: وجدنا لجميع ~~أهل النقص، ولأهل كل صنف منهم نسكا يعتمدون عليه في الأعمال، ويحتسبون به ~~في الطاعة وطلب المثوبة، ويفزعون إليه على قدر فساد الطباع، وضعف الأصل، ~~واضطراب الفرع، مع خبث المنشأ، وقلة التثبت والتوقف، ومع كثرة التقلب ~~والإقدام مع أول خاطر، فنسك المريب المرتاب من المتكلمين أن يتحلى برمي ~~الناس بالريبة، ويتزين بإضافة ما يجد في نفسه إلى خصمه، خوفا من أن يكون قد ~~فطن له، فهو يستر ذلك الداء برمي الناس به، ونسك الخارجي الذي يتحلى به ~~ويتزيا بجماله، إظهار استعظام المعاصي، ثم لا يلتفت إلى مجاوزة المقدار، ~~وإلى ظلم العباد، ولا يقف على أن الله تعالى لا يحب أن يظلم أظلم الظالمين، ~~وأن في الحق ما وسع الجميع، ونسك الخراساني أن يحج وينام على قفاه، ويفقد ~~الرياسة ويتهيأ للشهادة ويبسط لسانه بالحسبة. وقد قالوا إذا نسك الشريف ~~تواضع، وإذا نسك الوضيع تكبر، وتفسيره قريب واضح. ونسك الكوفي والجندي طرح ~~الديوان وزيادة السلطان، ونسك دهاقين السواد ترك شرب المطبوخ، ونسك الخصي ~~لزوم طرسوس، وإظهار مجاهدة الروم، ونسك الرافضي ترك النبيذ، ونسك البستاني ~~ترك سرقة الثمر، ونسك المغنى الصلاة في الجماعة، وكثرة التسبيح والصلاة على ~~النبي، ونسك اليهودي التشدد في السبت وإقامته، PageV01P322 ### | CHECK [323_2] # والصوفي إظهار النسك بين المسلمين إذا كان فسلا ببعض العمل تظرف واظهر ~~تحريم المكاسب وعاد سائلا، وجعل مسألته وسيلة إلى تعظيم الناس له. وإذا كان ~~النصراني فسلا نذلا مبغضا للعمل ترهب ولبس الصوف، لأنه واثق انه متى لبس ~~وتزيا بذلك الزي وتحلى بذلك اللباس، وأظهر تلك السيماء أنه قد وجب على أهل ~~اليسر والثروة منهم أن يعولوه ويكفوه، ms280 ثم لا يرضى بأن ربح الكفاية باطلا ~~حتى استطال بالمرتبة. فإذا رمى المتكلم المريب أهل البراءة ظن أنه قد حول ~~ريبته إلى خصمه، وحول براءة خصمه إليه؛ وإذا صار كل واحد من هذه الأصناف ~~إلى ما ذكرنا فقد بلغ الأمنية ووقف على النهاية، فاحذر أن تكون منهم. # وزاد في مكان آخر ذاكرا الدواعي التي دعت الخصيان إلى التنسك، فقال: إن ~~نسك الخصي غزو الروم لما أن كانوا هم الذين خصوه، وقال إن نسك المتكلم ~~التسرع إلى إكفار أهل المعاصي، وإن يرمي الناس بالجبر أو بالتعطيل أو ~~الزندقة، يريد أن يوهم أمورا منها ذلك ليس إلا من تعظيمه للدين والإغراق ~~فيه، ومنها أن يقال لو كان نطفا أو مرتابا أو مجتنحا على بلية، لما رمى ~~الناس ولرضي منهم بالسلامة، وما كان ليرميهم إلا للعز الذي في قلبه، ولو ~~كان هناك من له الريبة شيء لقطعه ذلك عن التعرض لهم، أو التنبيه على ما عسى ~~أن حركهم له أن يتحركوا، ولم نجد في المتكلمين أنطف ولا أكثر عيوبا ممن ~~يرمي خصومه بالكفر. # أرأيتم أبا عثمان يختم جملته الجميلة بقوله فاحذر أن تكون منهم يأتي بها ~~بعد أن وصف النساك ووصف سخفهم ومضرتهم، وبعد أن ثلبهم وأسقطهم حذر منهم. ~~أسمعتموه يقول: ولم نجد في المتكلمين أطف ولا أكثر عيوبا ممن يرمي خصومه ~~بالكفر والمتكلمون هنا رجال الدين: ولم لا يكره النساك ويدعو الناس إلى ~~كراهتهم وهو الذي لا يقول بغير العمل في المجتمع البشري؟ ومن مذهبه أن ~~الباري تعالى PageV01P323 ### | CHECK [324_2] # منح عبده عقلا وعرفه طرق الخير والشر وهو مسؤول عن عمله؛ ولعلك أدركت ~~أيضا أن خطاب الجاحظ في النسك كان موجها لكل من يقرأ كلامه عربيا كان أو ~~أعجميا، مسلما كان أم كتابيا، موافقا كان أم مخالفا. لأن الكاتب كاره ~~للنساك على هذا الوجه مهما كانت صورتهم ونحلتهم، يعتقد المضار التي ~~يجلبونها على المجتمع الإنساني عامة؛ وكلام الجاحظ فيهم يبقي في نفسك أثرا ~~إذا تدبرته، وهذا من صنعته وفنه، ويد صنا كيده ms281 لا تجري في غير إبداع، فقد ~~عقد فصلا في الشعر يكثر ويقل في القبيل الواحد لدواع وبواعث، لا لمكان ~~الخصب من أرضهم، ولا لأنهم أهل مدر وأكالو تمر، وقد يكون غذاء بعضهم رديئا ~~يأتي فيهم الشاعر وإنما ذلك على قدر ما قسم الله لهم من الحظوظ والغرائز، ~~والبلاد والأعراق مكانها، وقد ختم كلامه بقوله: وما أعلم في الأرض نعمة بعد ~~ولاية الله أعظم من أن يكون الرجل ممدوحا. # وكذلك تأمل صنعته في أبانته عن رأيه في عدم تغليظ حجاب النساء: ثم لم يزل ~~للملوك والأشراف إماء يختلفن في الحوائج ويدخلن في الدواوين، ونساء يجلسن ~~للناس. . . ثم كن يبرزن للناس أحسن ما كن وأشد ما يتزين به، فما أمكر ذلك ~~منكر ولا عابه عائب. . . والدليل على أن النظر إلى النساء كلهن ليس بحرام ~~أن المرأة المغنية تبرز للرجال فلا تحتشم من ذلك، فلو كان حراما وهي شابة ~~لم يحل إذا غنت، ولكنه أمر أفرط فيه المعتدون حد الغيرة، إلى سوء الخلق ~~وضيق العطن، فصار عندهم كالحق واجب تدبر قوله ولكنه أفرط فيه الخ، فإن فيه ~~صنعة؛ وكذلك قوله في كتاب النساء: ولسنا نقول، ولا يقول أحد ممن يعقل، أن ~~النساء فوق الرجال، أو دونهم بطبقة أو طبقتين أو بأكثر، ولكننا رأينا أناسا ~~يزورن عليهن أشد الزراية، ويحتقرونهن أشد الاحتقار، ويبخسونهن أكثر حقوقهن، ~~وإن من العجز أن يكون الرجل لا يستطيع توفير حقوق الآباء والاعتصام، إلا بأن PageV01P324 ### | CHECK [325_2] # ينكر حقوق الأمهات والأخوال، فلذلك ذكرنا جملة ما للنساء من المحاسن، ~~ولولا أن أناسا يفخرون بالجلد وقوة المنة، وانصراف النفس عن حب النساء حتى ~~جعلوا شدة حب الرجل لامته وزوجته وولده دليلا على الضعف، وبابا من الخور، ~~لما تكلفنا كثيرا مما شرطناه في هذا الكتاب. قال: ونحن وإن رأينا فضل الرجل ~~على المرأة في جملة القول في الرجال والنساء أكثر وأظهر، فليس ينبغي لمن ~~عظم حقوق الآباء أن يصغر حقوق المهات، وكذلك الأخوة والأخوات والبنون ~~والبنات، وأنا وإن كنت أرى أن حق هذا ms282 أعظم فإن هذه أرحم. انظر أيضا هذه ~~الجملة بل مجموع العبارة ألا ترى فيه جنسا من الكلام لا يحسنه كل إنسان. # دع هذا واستمع إلى أبي عثمان يكتب في رسالته التبصر بالتجارة: كل ثواب من ~~اللباس والفراش، وإذا كان ألين وانعم وأسنى كان أرفع، وكل علق من الجواهر ~~والأحجار، إذا كان أصفى وأضوأ فهو أنفس، وكل حيوان من الوحشية والأهلية، ~~إذا كان أجسم وأطوع فهو آثر وأفخر، وكل إنسان من الشريف والوضيع، إذا كان ~~اعقل وأسهل فهو أجمل، وكل امرأة حرة أو أمة، إذا كانت أكثر سكونا، واجمل ~~حالا، وأنزر طعما، وأشكر للناس فهي أصون، وكل طير من السهيلة والجبلية، إذا ~~كان آلف كان آثر، وكل طارف وتالد، إذا كان أزكى وأجل فهو أهنا، وكل عدو ~~صغير أو كبير، إذا كان حميما فهو أعدى واشد حسدا، ومن لم يعرف مأواه فمحذور ~~قربه تأمل هذه القوانين التي لا تتخلف، وأنعم النظر في قوله: من لم يعرف ~~مأواه فمحذور قربه. وأما هو من شريف القول الذي يستسيغه كل أحد ويذهب في ~~تأويله مذاهب؟ ثم تراه في هذا الفصل يعود فيقول: والدول تنتقل، والأرزاق ~~مقسومة، فأجملوا في الطلب، وارحموا المسكين، واعطفوا على الضعيف، تجازوا به ~~وتثابوا، والقضاء جالب يجلب الأمور، وخير النوم ما يذهب الإعياء والكسل. ~~ومعرفة الأشياء بالحواس الخمس، وجودة الشيء بالنظر أن يكون PageV01P325 ### | CHECK [326_2] ### | AUTO حسنا رائقا، وبالخيشوم إذا كان طيبا أرجا، وبالمذاق إذا كان ~~حلوا عذبا، وبالسمع أن يكون صافي الوقع والصوت، وباللمس أن يكون لينا ~~ناعما. وكانت العجم تقول: القلب والبصر شريكان، والطعم والحس متفقان، ~~والفطنة والحفظ رفيقان، والسمع والمنطق مجتمعان. . . وزعم سابور الملك أنه ~~ليس ينبغي للعامل أن يعتد بقول سبعة من الناس: بقول السكران والدلال ~~والمضحك والعليل والعراف والنمام والنساء. # الجاحظ متعة النفس في صنعته، كيف قلب يراعته فكتب، وريحانة الأنس إذا جد ~~وهزل، تتجلى صنعته في وصفه وروايته وحكايته، وفي جداله وتقريره، وفي تحقيقه ~~ونقله، وتطل الأنفس على روحه من كل باب، وحيث تقلبت في ms283 رياض كلامه تشرف على ~~ألوان الإحسان، ويأسر عقلك إذا طالت عشرتك له فتستلم إليه مؤمنا، وإن كنت ~~من ضعاف الإيمان فيما يحاول سوقك إليه، واستتباعك فيه. # ونختم هذا بفضل صغير رسم فيه الجاحظ صورة أخرى من صور صنعته، في موضوع جد ~~ألبسه صورة الهزل وهو في وصف الذباب ينال من قاضي البصرة، ووصفه في الحق ~~نهاية الفصاحة والاتساع. قال: كان لنا بالبصرة قاض يقال له عبد الله بن ~~سوار. لم ير الناس حاكما زميتا ركينا ولا وقورا حليما، ضبط من نفسه، وملك ~~من حركته مثل الذي ضبط وملك. كان يصلي الغداة في منزله، وهو قريب الدار من ~~مسجده، فيأتي مجلسه فيجتبي ولا يتكئ، فلا يزال منتصبا لا يتحرك له عضو، ولا ~~يلتفت ولا يحل حبوته، ولا يحل رجلا على أخرى، ولا يعتمد على أحد شقيه، حتى ~~كأنه بناء مبني، أو صخرة منصوبة. فلا يزال كذلك حتى يقوم إلى صلاة الظهر، ~~ثم يعود إلى مجلسه، فلا يزال كذلك حتى يقوم إلى صلاة العصر ثم يرجع لمجلسه، ~~فلا يزال كذلك حتى يقوم لصلاة المغرب، ثم ربما عاد إلى مجلسه، بل كثيرا ما ~~كان يكون ذلك، إذا بقي عليه شيء من قراءة PageV01P326 ### | CHECK [327_2] # العهود والشروط والوثائق، ثم يصلي العشاء الآخرة وينصرف. فالحق يقال لم ~~يقم في طول تلك المدة والولاية مرة واحدة إلى الوضوء، ولا احتاج إليه، ولا ~~شرب ماء ولا غيره من الشراب، كذلك كان شأنه في طوال الأيام وفي قصارها، وفي ~~صيفها وفي شتائها. وكان مع ذلك لا يحرك يدا ولا عضوا، ولا يشير برأسه، وليس ~~إلا أن يتكلم ثم يوجز، ويبلغ باليسير من الكلام إلى المعاني الكثيرة. # فبينا هو كذلك ذات يوم في مجلسه وأصحابه حواليه، وفي السماطين بين سقط ~~على أنفه ذباب فأطال المكث، ثم تحول إلى موت عينه، فرام الصبر في سقوطه على ~~الموق، وصبر على عضته، ونفاذ خرطومه، كما رام الصبر على سقوطه على أنفه، من ~~غير أن يحرك أرنبته، أو يغضن وجهه، أو يذب بإصبعه، ms284 فلما طال ذلك عليه من ~~الذباب، وشغله وأوجعه وأحرقه، وقصد إلى مكان لا يحتمل التغافل، أطبق جفنه ~~الأعلى على جفنه الأسفل فلم ينهض، فدعاه ذلك إلى أن يوالي بين الإطباق ~~والفتح، فتنحا ريثما سكن جفنه، ثم عاد إلى موقه أشد من مرته الأولى، فغمس ~~خرطومه في مكان، كان قد آذاه فيه قبل ذلك، فكان احتماله أقل، وعجزه عن ~~الصبر عليه في الثانية أقوى، فحرك أجفانه، وزاد في شدة الحركة، وألح في فتح ~~العين، وفي تتابع الفتح والإطباق، فتنحى عنه بقدر ما سكنت حركته، ثم عاد ~~إلى موضعه، فما زال يلح حتى استفرغ صبره وبلغ مجهوده، فلم يجد بدا من أن ~~يذب عن عينه بيده ففعل، وعيون القوم ترمقه، وكأنهم لا يرونه، فتنحى عنه ~~بقدر ما رد يده، وسكنت حركته، ثم عاد إلى موضعه، ثم ألجأه أن ذب إلى وجهه ~~بطرف كمه، ثم ألجأه إلى أن تابع ذلك، وعلم أن فعله كله بعين من حضره من ~~أمنائه وجلسائه، فلما نظروا إليه قال: أشهد أن الذباب ألج من الخنفساء، ~~وأزهى من الغراب، فال: واستغفر الله، فما أكثر من أعجبته نفسه، فأراد الله ~~عز وجل أن يعرفه من ضعفه ما كان عنه مستورا، وقد علمتم أني، عند PageV01P327 ### | CHECK [328_2] # نفسي وعند الناس، من أرزن الناس، فقد غلبني وفضحني أضعف خلقه، ثم تلاقوه ~~تعالى: (وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب)، ~~وكان بين اللسان، قليل فضول الكلام، وكان مهيبا في أصحابه، وكان أحد من لم ~~يطعن عليه في نفسه، ولا في تعريض أصحابه للمنالة. # ولا ينقص هذه الصورة البديعة إلا أن يمسك الجاحظ بريشة المصور، ويعمد إلى ~~أصباغه وليقته، ليصور القاضي بقده وتقاطيع وجهه ورأسه وعينيه ووجنتيه ~~وسبلاته ويديه ورجليه وعمامته وقلنسوته أوذنيته وجبته وقفطانه وسراويله ~~وحزامه وحذائه، ليضيف إلى صورته صورة أخرى. صور القاضي البصرة لا يصل إليها ~~المصور المبدع، صور له معنوياته ساعة سطا عليه الذباب، وصور ما بدر منه، ~~وما انطوى عليه من وقار في جميع حالاته، ثم ms285 أثنى على حسن سيرته وقلة فضوله، ~~في جد كان الهزل في معانيه وإشاراته لا في ألفاظه ورصفها. # تقرينا جمال فن الجاحظ واستجليناه يتناول كل موضوع عامة أطرافه، لا يبقى ~~حاجة في نفس سامع وتال، شهدناه مهما تعنت متعنت من جهابذة النقد يستحيل له ~~أن يقول إنه قال كذا، وكان الأولى أن يقول كذا، وهذا من بعد مرماه في ~~الصنعة. # علمه وبحثه: # تقدم أن الجاحظ لم تقف معارفه عند حد المنقول، وأنه تعداها إلى الأخذ من ~~كل معقول، وأن العلوم التي اتجهت إليها همته، أحذقته فأخرجت منه عالما فوق ~~العلماء، ولم يكن صحفيا يأخذ من الكتب ما اتفق، بل كان ناظرا محققا يدرس ~~الأشياء، ويقتلها بحثا وتنقيبا. كان مناهجه في العلم مطولا واسعا، وهو في ~~كل ما خاض عبابه إخصائي وأعظم من كل إخصائي. يتناول كل ما يقع عليه الحس، ~~وتنظره العين، وتتشوف إليه النفس. وليس نظره في كل ما عانى النظر المجرد، PageV01P328 ### | CHECK [329_2] # بل نظر الفلسفة والغرائب التي صحتها التجربة، وأبرزها الامتحان، وكشف ~~قناعها البرهان. # لا تراه وهو يفكر فيجيد التفكير، ويبحث فيكشف عن الحقائق، إلا داعيا إلى ~~استعمال العقل، وتجويد التفكير، لأن مع عدم الفكرة يكون عدم الحكمة وفي ~~التفكير مشحذة للأذهان، ومنبهة لذوي الغفلة، وتحليل لعقدة البلادة، وسبب ~~لاعتياد الروية، وانفساح في الصدور، وعزاء في النفوس، وحلاوة تقتاتها ~~الروح، وثمرة تغذو العقل. قال: إن كثرة السماع للأخبار العجيبه، والمعاني ~~الغريبة، مشحذة للأذهان، ومادة للقلوب، وسبب للتفكير، وعلة للتنقير عن ~~الأمور، وأكثر الناس سماعا أكثرهم خواطر، وأكثرهم خواطر أكثرهم تفكيرا، ~~وأكثرهم تفكرا أكثرهم علما، وأكثرهم علما أرجحهم عملا، كما أن أكثر البصراء ~~رؤية للأعاجيب أكثرهم تجارب ولذلك صار البصير السميع أكثر خواطر من البصير الأصم. # قال: والذي صير الإنسان إلى استحقاق قول الله عز وجل: (وسخر لكم ما في ~~السماوات وما في الأرض جميعا) ليس هو صورة، وأنه خلقه من نطفة، وأن أباه ~~خلق من تراب، وأنه يمشي على رجليه، ويتناول حوائجه بيديه، لأن هذه الخصال ~~كلها مجموعة ms286 في البله والمجانين، والأطفال والمنقوصين والفراق الذي هو ~~الفرق، إنما هو الاستطاعة، والتمكن من وجوه الاستطالة، وجودة العقل ~~والمعرفة، أفتظن أن الله عز وجل يخص بهذه الخصال بعض خلقه دون خلق، ثم لا ~~يطالبهم إلا كما يطالب بعض من أعدمه ذلك وأعراه منه؟ فلم أعطاه العقل إلا ~~لاعتبار والتفكير؟ ولم أعطاه المعرفة إلا ليؤثر الحق على هواه؟ ولم أعطاه ~~الاستطالة إلا لإلزام الحجة؟ . # وحذر المرء من الاغترار بما ألف يعرض لقلبه بادئ الرأي. ورأى أن الناس ~~يحتاجون إلى طبيعة، ثم إلى معرفة، ثم إلى إنصاف، وأول ما يبتدئ به صاحب PageV01P329 ### | CHECK [330_2] # الإنصاف أمره، أن لا يعطي نفسه فوق حقها، وأن لا يضعها دون مكانها، وأن ~~يحتفظ من شيئين، فإن نجاته لا تتم إلا بالتحفظ منهما، أحدهما تهمة الألف، ~~والآخر تهمة السابق إلى القلب. وقال: فلا تذهب إلى ما لا تريك العين، وأذهب ~~إلى ما لا يريك العقل، والأمور حكمان: حكم ظاهر للحواس، وحكم باطن للعقول، ~~والعقل هو الحجة. ولعمري إن العيون لتخطئ، وإن الحواس لتكذب، وما الحكم ~~القاطع إلا للذهن، وما الاستبانة الصحيحة إلا للعقل، إذا كان زماما على ~~الأعضاء، وعيارا على الحواس. # دعا إلى التفكر ودعا إلى الملاحظة، قائلا لا تشفيني إلا الملاحظة ودعا ~~إلى الشك؛ ومن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقى في ~~العمى والحيرة كما قال الغزالي. أما هو فيقول: اعرف مواضع الشك وحالاتها ~~الموجبة لها، تعرف بها مواضع اليقين وحالات الموجبة لها، وتعلم الشك في ~~المشكوك فيه تعلما، فلم لم يكن ذلك إلا تعرف التوقف ثم التثبيت، لقد كان ~~ذلك ما يحتاج إليه. ثم أعلم أن الشك في طبقات عند جميعهم، ولم يجمعوا على ~~أن اليقين طبقات في القوة والضعف. وقبله قال شيخه النظام: الشاك أقرب إليك ~~من الجاحد، ولم يكن يقين قط حتى صار فيه شك، ولم ينتقل أحد من اعتقاده إلى ~~اعتقاد غيره حتى يكون بينهما حال شك. # ومعا اعتقاده بما يكشفه العقل من حقائق الكون ms287 لم يتجاوز إلى اكثر مما كتب ~~له إدراكه، قال: ولو توقفت على جناح بعوضة وقفة معتبر، وتأملته تأمل متفكر، ~~بعد أن تكون ثاقب النظر، سليم الآلة، غواصا على المعاني، لا يعتريك من ~~الخواطر إلا على حسب صحة عقلك. # وقال: والإنسان وإن أضيف إلى الكمال، وعرف بالبلاغة، وفاتش العلماء، فإنه ~~لا يكمل أن يحيط علمه بكل ما في جناح بعوضة أيام الدنيا، ولو استمد بكل نظار PageV01P330 ### | CHECK [331_2] # عظيم، واستعان بكل بحاث واع، وكل نقاب في البلاد ودراسة للكتب، وما أشك ~~أن عند الوزراء في ذلك ما ليس عند الرعية من العلماء. وعند الخلفاء. وعند ~~الخلفاء ما ليس عند الوزراء، وعند الأنبياء ما ليس عند الخلفاء، وعند ~~الملائكة ما ليس عند الأنبياء، وما عند الله عز وجل أكثر، والخلق قي بلوغه ~~أعجز. قال لو كان الأمر على ما يشتهيه الغرير، والجاهل بعواقب الأمور، لبطل ~~النظر وما يشحذ عليه وما يدعو إليه، ولتعطلت الأرواح من معانيها، والعقول ~~من ثمارها، ولعدمت الأشياء حظوظها وحقوقها. # أهاب بالنفوس أن لا تغتر بما ألفت وسمعت، وأن لا تهوى الغرائب إلا ~~بامتحانها والنظر فيها، وحبب التكشيف والتنقيب، ودعا إلى العقل في النطاق ~~الذي يتأتى الخوض فيه قائلا: وباب من هذا الشكل فيكم أعظم حاجة إلى أن ~~تعرفوه، وتقفوا عنده، وهو ما يضع الخبر السابق إلى السمع، ولاسيما إذا صادف ~~من السامع قلة تجربة، مستقرة دخولا سهلا، وصادف موضعا وطيئا، وطبيعة قابلة، ~~ونفسا ساكنة، ومتى صادف القلب كذلك رسخ رسوخا لا حيلة في إزالته. وقال: إن ~~الناس قد استغنوا عن التدبر، وكفوا مؤونة البحث والتنقير، لقلة اعتبارهم، ~~ومن قل اعتباره قل علمه، ومن قل علمه قل فضله، ومن قل فضله كثر نقصه، ومن ~~قل علمه وفضله وكثر نقصه لم يحمد على خير أتاه، ولم بذم على شر جناه ولم ~~يجد طعم العز، ولا سرور الظفر، ولا روح الرجاء، ولا برد اليقين، ولا راحة الأمن. # كان إذا رأى أن ليس إلى رد الخبر سبيل لمواترته ومرادفته، ولأن العيان قد ms288 ~~حققه، والتجربة قد ضمت إليه زاد اعتقادا فيما كان لا يعتقده ولا يعتقده ~~كثير غيره. ويريد الناس أبدا أن يجربوا بأنفسهم فقد ذكر عند كلامه على ~~أقوال العلماء أن عرق الخال أنرع من عرق العم، وأن نصيب الأمهات في الأولاد ~~أكثر، وأنها PageV01P331 ### | CHECK [332_2] # على الشبه أغلب - أن أكثر ما تلد الأمهات الأناث، وكذلك الناس وجميع ~~الحيوانات قال: فإذا أردت أن تعرف حق ذلك من باطله فأحص سكان عشر دور من ~~يمينك وعشر شمالك، وعشر من خلفك وعشر من أمامك، فانظر أيها أكثر رجالهم أو ~~نساؤهم. # ونبه أرباب العقول إلى من يعبث بها، فقال: وقد ابتلتنا بضربين من الناس، ~~ودعواهما كبيرة، أحدهما أن يبلغ من يبلغ من حبه للغريب أن يجعل سمعه هدفا ~~لتوليد الكذابين، وقلبه قرارا لغرائب الزور، ولكلفه بالغريب وشغفه بالطرف، ~~لا يقف على التصحيح والتمييز، فهو يدخل الغث في السمين، والممكن في ~~الممتنع، ويتعلق بأدنى سبب، ثم يدفع عنه كل الدفع، والصنف الآخر هو أ، ~~بعضهم يرى أن ذلك لايكون منه عند من يسمعه يتكلم، إ من خاف التقذر من ~~الكذب. وقال في التحذير من صنف من هذه الأصناف المضرة: وهؤلاء وما أشبههم ~~يفسدون العلم، ويتهمون الكتب، وتضرهم كثرة أتباعهم، ممن تجده مستهترا بسماع ~~الغريب، ومغرما بالطرئف والبدائع، ولو أعطوا بدلا من هذا الاستهتار نصيبا ~~من التثبت، وحظا من التوقي، لسلمت الكتب من كثير من الفساد. # ويحذرك جهرة من تخريف المخرفين من العوام، والمضللين ممن بسبيلهم من ~~الخواص، لأن في الخواص دجالين أيضا، وإن كانوا مؤلفين ومشهورين، قال إنهم ~~لا يدينون بالحقيقة، ولا يحمدون إلا ظاهر الحيلة، ومن الدليل على نذالة ~~طبعهم، والعلم بسفالة رأيهم، تقديمهم بالفضل لمن لا يفهمونه، وقضاؤهم ~~بالعلم لمن لا يعرفونه. وهو يرى بعض الخواص أضر على سير العقل من العوام، ~~ولطالما حزت بلاهة الخواص في قلبه، وهو لا يبرح يهزأ بهم، ويبين مناشئ ~~المضعوف من رواياتهم ويعلم أن الناس موكلون بحكاية كل غريب، وميسرون ~~للأخبار عن كل عظيم، وليسوا للحسن أحكى نهم ms289 للقبيح، ولا لما ينفح أحكى منهم ~~لما يضر، PageV01P332 ### | CHECK [333_2] # وعلى قدر كبر الشيء تكون حكايتهم له واستماعهم إليه، وقد ترك هذا الجمهور ~~الأكبر والسواد الأعظم التوقف عند الشبهة، والتثبت عند الحكومة جانبا، ~~وأعرضوا عنه صفحا، فليس إلا لا أو نعم. إلا أن قولهم لا، موصول منهم ~~بالغضب، وقولهم نعم، موصول منهم بالرضا، وقد عزل الحق جانبا، ومات ذكر ~~الحلال والحرام، ورفض ذكر القبيح والحسن. # وعلل التخريف في الناس، وفشو الجهل فيهم بقوله: الناس لم يؤتوا في ~~اعتقادهم الخطأ المكشوف من جهة النظر، ولكن للناس تأس وعادات، وتقليد ~~للآباء والكبراء، ويعملون على الهوى، حتى يصيروا في حال إلى القلوب، ~~ويستثقلون التحصيل، ويهملون النظر، حتى يصيروا في حال متى عاودوه وأرادوه، ~~نظروا بأبصار كليلة، وأذهان مدخولة، مع سوء عادة، والنفس لا تجيب إذا كانت ~~مستكرهة، وكان يقال الطبع إذا كره عمى، ومتى عمى الطبع جسا وغلظ وأهمل، حتى ~~يألف الجهل، ولم يكن يفهم ما عليه وله. فهو من هذا النظر يربأ بمن يحاول ~~تعليمه عن تقليد من يرى تقليدهم، ويريده أبدا على أن ينظر بعقله، ويستثبت ~~الأخبار، ولا يستمع لنقلة الغرائب منها، وأن يستند أبدا على التجربة ~~والملاحظة، وأن يرى الأمور مع عللها وبرهاناتها، يريده على أن يلاحظ ويتدبر ~~ويحس، ويكون في حسه صادقا حازما، لا يمتهن شيئا في عالم الكون والفساد، ~~يهتم للذرة كما يهتم للدرة ويقول: أوصيك أيها القارئ المتفهم، وأيها ~~المستمع المنصت المتصفح، أن لا تحقر شيئا أبدا لصغر جثته، ولا تستصغر قدره ~~لقلة ثمنه، ثم اعلم أن الجبل ليس بأدل على الله من الحصاة، ولا الفلك ~~المشتمل على عالمنا هذا بأدل على الله من بدن الإنسان، وأن صغير ذلك ودقيقه ~~كعظيمه وجليله. # فكأن الفيلسوف ديكارت في القرن السابع عشر - وكان يقول بعدم التسليم بشيء ~~إلا بعد فحصه بنور العقل وتحقق وجوده، وبرفض كل ما قام على الظن PageV01P333 ### | CHECK [334_2] # والتخمين، وما ألفته العادة وأتى من العرف - كأنه قرأ الجاحظ وعرف فلسفته ~~في هذا الشأن، ونغمتهما في هذا ms290 المعنى متشابهة، كأن الواحدة متممة للأخرى، ~~أو الأخرى أخذت عن الأولى. # وكأن الجاحظ وهو يدعوك إلى الاستنباط لا إلى الحفظ والاستظهار يقول برأي ~~أحدث علماء التربية من أهل الحضارة اليوم، وعبارته: وكرهت الحكماء الرؤساء ~~أصحاب الاستنباط والتفكير جودة الحفظ لمكان الاتكال عليه، وإغفال العقل من ~~التمييز، حتى قالوا الحفظ عذق الذهن لأن مستعمل الحفظ لا يمون إلا مقلدا، ~~والاستنباط هو الذي يفضي بصاحبه إلى برد اليقين، وعز الثقة، والقضية ~~الصحيحة، والحكم المحمود، أنه متى أدام الحفظ أضر ذلك الاستنباط، ومتى أدام ~~الاستنباط ذلك بالحفظ. # الجاحظ يردم المنافذ التي تتسرب منها الجهالات، وينحى على من يظلل الناس، ~~ويبيع منهم سلعا فاسدة. وقد بلغ من حريته في البحث، وغيرته على العلم، وبعد ~~نظره في المسائل، وجودة قياسه على العارض، والخاطر السابق الذي لا يوثق ~~بمثله، وأنه كان يظن الظن ثم يقيس عليه، وينسى أن بدء أمره كان ظنا، فإذا ~~أتقن ذلك وأيقن جزم عليه، وحكاه عن صاحبه حكاية المستبصر في صحة معناه. ~~وقال مرة في شيخه الآخر أبي عبيدة: ولو لا أن أكون عيابا ثم للعلماء خاصة، ~~لصورت لك بعض ما سمعت من أبي عبيدة ومن هو أبعد في وهمك من أبي عبيدة. ~~ويلوم من ينقلون الأخبار بدون نقد، وممن لامهم على ذلك، أبو زيد الأنصاري، ~~وثقه من جهة وأنكر عليه من أخرى تساهله في التعليق على الروايات المدخولة. ~~فهو يرى العلم وصحة النظر فوق كل اعتبار، ولا كبير عنده أمام النقد، وفي ~~ميدان الجدال وإحقاق الحق، قال في رجل نظر بعض النظر تصويب العلماء لبعض ~~الشكاك حتى زعم أن الأمور كلها يعرف حقها وباطلها بالأغلب إنه مات PageV01P334 ### | CHECK [335_2] # ولم يخلف عقبا، ولا واحدا يدين بدينه، فلو ذكرت اسمه مع هذه الحال لم أكن ~~أسأت، ولكني على حال أكره التنويه بذكر من تحرم بحرمة الكلام، وشارك ~~المتكلمين في أسماء الصناعة، ولا سيما إن كان ممن ينتحل تقديم الاستطاعة. # وقال مرة: ورأينا أقواما يدعون في كتبهم الغرائب الكثيرة والأمور ~~البديعة، ويخاطرون من ms291 أجل ذلك بمروءتهم، ويعرضون بأقدارهم، ويسلطون السفهاء ~~على أعراضهم، ويجرون سوء الظن إلى أخبارهم، ويحكمون حساد النعم في كتبهم، ~~ويمكنون لهم من تقاليدهم، وبعضهم ينظر على حسن الظن بهم، أو على التسليم ~~لهم والتقليد لدعواهم، وأحسنهم حالا من يحب أن يتفضل عليه ببسط العذر له، ~~ويتكلف الاحتجاج عنه، ولا ينافي أن يمن بذلك على عقبه، أو من دان بدينه، أو ~~اقتبس ذلك العلم من قبل كتبه. # وناقش غير مرة أرسطو في كتاب الحيوان ورد عليه في بعض استقراءاته وقال ~~فيه: وزعم صاحب المنطق في كتاب الحيوان فيما سلف من الدهر أن ثورا سفد ~~وألقح من ساعته بعد أن خصي قال: فإذا أفرط المادح في المدح، وخرج من ~~المقدار، وإفراط المتعجب في التعجب، وخرج من المقدار، احتاج صاحبه إلى أن ~~يثبته بالعيان، أو بالخبر الذي لم يكذب مثله، وإلا فقد تعرض للتكذيب، ولو ~~جعلوا بدل حركتهم خبرا وحكاية، وتبرءوا عن عينه ما ضرهم ذلك، ولكان أصون ~~لأقدارهم وأتم لمروآت كتبهم. ورد عليه دعواه في أن إناث العصافير أطول ~~أعمارا، وأن ذكورها لا تعيش إلا سنة. ورد عليه زعمه أن في بلدة طبقون حية ~~صغيرة شديدة اللذع، إلا أن تعالج بحجر يخرج من بعض قبور قدماء الملوك، فقال ~~لم أفهم هذا ولم كان؟ ورد عليه زعمه أن الطير الكبير الذي يسمى باليونانية ~~اعيتوليس يجلب الدار صيني من موضعه فيفرش به عشه فقال: لست أدفع خبر صاحب ~~المنطق عن خبر الدار صيني، وأن كنت لا اعرف الوجه في أن طائرا PageV01P335 ### | CHECK [336_2] # ينهض من وكره في الجبال أو بفارس أو باليمن فيؤم ويعمد نحو بلاد الدار ~~صيني وهو لم يجاوز موضعه ولا قرب منه، وليس يخلو هذا الطائر أن يكون من ~~الأوابد، وأن كان من القواطع، فكيف يقطع الصحيحان الأملس وبطون الأودية ~~وهضاب الجبال، وبالتدويم في الجواء والمضي على السمت، لطلب ما لم يزه ولم ~~يشمه ولم يذقه، وأخرى فإنه لا يجلب منه بمنقاره ورجليه ما يصير فراشا له ~~ومهادا إلا باختلاف الطويل، ms292 وليس بالوطئ الوثير، ولا هو له بطعام. فإنا وأن ~~كنت لا أعرف العلة، فلست أنكر الأمور من هذه الجهة فأنكر هذا. والجاحظ ينظر ~~إلى الحيوان في تولده ونشأته وموطنه وخصائصه وتربية صغاره وزقها وإطعامها ~~من لبن أو لعاب أو نبات أو غير ذلك، ويعرف تأثره بالحر والبرد وبالشمس ~~والظل، وحذره من الآدميين إلى غير ذلك، فكيف يجوز له عقله أن يقطع ذاك ~~الطير ألوفا من الأميال ليبني عشه بمادة ليست له طعاما ولا هي مما يستلينه، ~~ما دام عقله رائده الذي لا يكذب، وخليله بحثه ونظره. # قال في رأي أرسطو وزعمه أن ولد الفيل يخرج من بطن أمه نابت الأسنان لطول ~~مكثه في بطنها: وهذا جائز في ولد الفيل غير منكر، لأن جماعة نساء معروفات ~~الآباء والأبناء قد ولدن أولادهن، ولهم أسنان نابتة كالذي رووا في شأن مالك ~~بن أنس ومحمد بن عجلان وغيرهما، وقد عزم ناس من أهل البصرة أن خاقان بن عبد ~~الله الأهتم استوفى في بطن أمه ثلاثة عشر شهرا، وقد مدح بذلك وهجي، وليس ~~ذلك بالمستنكر، وأن كنت لم أر قط قابلة تقر بشيء من هذا الباب، وكذلك ~~الأطباء، وقد رووه كما علمت، ولا أقر أن الولد يخرج رأسه من بطن أمه حتى ~~يأكل شبعة ثم يدخل رأسه، ولست أراه محالا ولا ممتنعا في القدرة ولا في ~~الطبيعة، وأرى جوازه موهوبا غير مستحيل، إلا أن قلبي ليست يقلبه. وليس في ~~كونه ظلم ولا عيب ولا خطأ، ولا يقصر في شيء من الصفات المحمودة، ولم نجد PageV01P336 ### | CHECK [337_2] # القرآن ينكره والإجماع يدفعه، والله هو القادر دون خلقه، لست أبت ~~بإنكاره، وإن كان قلبي شديد الميل إلى رده، وهذا مما لا يعلمه الناس ~~بالقياس، ولا يعرف إلا بالعيان الباهر، والخبر المتظاهر أي أنه في هذه ~~المسألة سأل القابلات والأطباء فما صححوا له هذا الخبر، ولذلك رده قلبه مع ~~أن القدرة لا تدفعه، والطبيعة لا تنكره، والشريعة لا ترده، وأن كان من ~~الأمور التي لا تعرف بالقياس بل العيان. ms293 # مثال آخر من نقده العلمي: هزأ ببعض المفسرين في دعواهم أن السنور خلق من ~~عطسة الأسد، وأن الخنزير خلق من عطسة الفيل عندما زعموا أن أهل سفينة نوح ~~لما تأذوا من كثرة الفار وشكوا، سأل ربه الفرج، فأمره أن يأمر الأسد فيعطس، ~~فلما عطس خرج من منخريه زوج سنانير من ذكر وأنثى، خرج الذكر من المنخر ~~الأيمن، والأنثى من المنخر الأيسر، فكفاهم مؤونة الجرذان، ولما تأذوا ~~برائحة نجوهم شكوا ذلك إلى نوح، فشكى إلى الله تبارك وتعالى، فأمره أن يأمر ~~الفيل فيسلح خنازير، فكفوهم مؤونة رائحة ذلك النجو قال: وهذا الحديث نافق ~~عند العوام، وعند بعض القصاص. # مثال غيره: وقد قال الناس في قوله تعالى (إنها شجرة تخرج من أصل الجحيم، ~~طلعها كأنه رؤوس الشياطين)، فزعم ناس أن رؤوس الشياطين ثمر شجرة تكون ببلاد ~~اليمن، لها منظر كريه، والمتكلمون لا يعرفون هذا التفسير، وقالوا ما عنى ~~إلا شياطين معروفين بهذا الاسم من فسقة الجن ومردتهم، فقال الطعن والخلاف ~~كيف يجوز أن يضرب المثل لشيء لم نره فنتوهمه؟ ولا وصف لنا صورته في كتاب ~~ناطق أو خبر صادق، ومخرج الكلام يدل على التخويف بتلك الصورة والتفريع ~~منها، وعلى أنه لو كان شيء أبلغ في الزجر من ذلك لذكره، فكيف يكون إنسان ~~كذلك، والناس لا يفزعون إلا من شيء هائل شنيع قد عاينوه، أو صوره لهم واصف، ~~صادق اللسان، بليغ في الوصف، ونحن لم نعاينها ولا صورها لنا PageV01P337 ### | CHECK [338_2] # صادق. . . وكل قول يكذبه العيان، فهو أفحش خطأ، وأسخف مذهبا، وأدل على ~~معاندة شديدة، أو غفلة مفرطة. # وبعد فأنك ترى الجاحظ وهو يطلق العنان لقمه في كتاب الحيوان، يزيف ~~الخرافات والترهات، في عصره وقبل عصره، ويورد عليك نقداته ومباحثاته، فيقع ~~في نفسك أنه لو جاء كثير مثله في عقلاء العلماء لخلت كتب الأقدمين من ~~الإسرائيليات والسخافات، مما تخيله من دخلوا في الإسلام حقائق أو رقائق، ~~وأنه لا يضر الدين إذا جعل على هامشه، فوسعوا بما وضعوا دائرة الخيالات، ~~وبهرجوا دينا ساذجا، وما ms294 كان ما أدخلوه فيه من أصله ولا من متنه. # ثم تأمل قوله: رووا عن واثلة إياس بن معاوية، أنه زعم أن من الدليل على ~~أن الشبوط كالبغل، أن الناس لم يجدوا في طول ما أكلوا الشبابيط في جوفها ~~بيضا قط. فإن كان هذا الخبر عن هذا الرجل المذكور بشدة العقل، المنعوت ~~بثقوب الفراسة، ودقة الفطنة صحيحا، فلما عظم المصيبة علينا فيه، وما أخلق ~~الخبر يكون صحيحا. . . . ، ومثله قوله في رد قول العوام في الكركدن وضربهم ~~المثل به في الشدة والقوة. قال: تزعم أنه ربما نطح الفيل فرفعه بقرنه ~~الواحد الذي وسط جبهته، فلا يشعر بمكانه ولا يحس حتى ينقطع على الأيام، ~~وهذا القول بالخرافة أشبه، وأعجب من القول في ولد الكركدن، ما يجبرنا به ~~ناس من أهل النظر والأدب وقراءة الكتب، وذلك أنهم يزعمون أن النمرة لا تضع ~~ولدها أبدا إلا وهو متطوق بأفعى، وأنها تعيش وتنهش، إلا أنها لا تقتل، قال: ~~ولو كنت أجسر في كتبي على تكذيب العلماء، ودراس الكتب لبدأت بصاحب هذا الخبر. # ومما قال: وفي السمندل لآية غريبة، وصفة عجيبة، وداعية إلى التفكر وسبب ~~التعجب، وذلك أنه يدخل أتون النار فلا تحترق له ريشه. وقال في مكان آخر: ~~خبرت عن فأرة البيش واغتذائها السموم، وعن الطائر الذي يدعى السمندل PageV01P338 ### | CHECK [339_2] # وطيرانه في جاحم الأتون، فلا السم المجهز يضر بتلك الفأرة، ولا النار ~~المضطرمة تحرق من ذلك الطائر زغبه. وقال: هذا الطائر في طباعه وفي طباع ~~ريشه مزاج من طلاء النفاطين، وأظن هذا الطلاء من طفل وخطمى ومغرة. وقد كنت ~~رأيت عودا يؤتي به من ناحية كرمان لا يحترق، وكان عمدنا نصراني في عنقه ~~صليب منه، وكان يقول لضعفاء الناس هذا العود من الخشبة التي كان المسيح صلب ~~عليها، والنار لا تعمل فيه، فكان يكتسب بذلك، حتى فطن له وعورض بهذا العود. ~~وزعم ثمامة أن الإنسان إن أخذ من هذا الطحلب الذي يكون على وجه الماء في ~~مناقع المياه فجففه في الظل وأحرقه فإنه لا يحترق. ms295 # ومما قال: ومما لا أكتبه لك من الأجناس العجيبة التي لا يجسر عليها إلا ~~كل وقاح أخبار بعض العلماء، وبعض من يؤلف الكتب ليقرأها الناس، ويدارس أهل ~~البصرة ويحفظها، وزعموا أن الضبع يكون عاما ذكرا وعاما أنثى، وسمعت هذا من ~~جماعة منهم من لا أستجيز تسميته. . . . # من جملة علوم الجاحظ الطب والكيمياء والظواهر الجوية والطبيعية والأخرق ~~وعلم النفس، ألف في المعادن والأصباغ كما ألف في التجارة، ونقل عن حنين بن ~~إسحاق ويختيشوع وسلمويه وغيرهم من علماء عصره. وكان يعرف النقص في كتب ~~الأطباء والعلوم حتى قال: وما كان أحوجنا وأحوج جميع المرضى أن يكون جميع ~~الأطباء متكلمين، وإلى أن يكون المتكلمين علماء. فإن الطب لو كان من نتائج ~~حذاق المتكلمين ومن تلقيحك له لم نجد في الأصول التي يبنون عليها من الخلل ~~مت نجد. وكان يتوفر على تربية بعض الأشجار والنبات توفره على تربية بعض ~~الدواجن وغيرها من الحيوانات، ليصدر إذا كتب عن خبرة. وقد ألف في الأشجار ~~كتابا قالوا إنه بإمتاعه ككتاب الحيوان. وكان شعاره: إذا سمعت الرجل يقول ~~ما ترك الأول للآخر شيئا فاعلم أنه ما يريد أن يفلح، وقال: وكلام كثير قد PageV01P339 ### | CHECK [340_2] # جرى على ألسنة الناس، وله مضرة شديدة، وثمرة مرة، فمن أضر ذلك قولهم: لم ~~يدع الأول للآخر شيئا، قال: فلو أن كل عصر مذ جرت هذه الكلمة في أسماعهم، ~~تركوا الاستنباط لما لم ينته إليهم عمن قبلهم لرأيت العلم مختلا. # من أجل هذا توسع الجاحظ في بحثه، وكان على علمه الفياض يسأل جميع طبقات ~~الناس عما يهمه ويريد أن يتفهمه، فيصف الماديات والمحسوسات، ويسترشد حتى ~~بآراء الحراس، ويتحدث حتى إلى الحواة والجزارين وأرباب الصناعات، ويسأل ~~الحشوة وأرباب البطالة، وقد يأخذ بآراء البحريين إذا رووا له غرائب فبلها ~~عقله، أو يردها ولا يقرها إذا كانت حديث خرافة. ويتحدث إلى كل من عنده ~~ظرائف من الكلام، وعجائب من الأقسام وقد روى أشياء كثيرة عن الأعراب في ~~البادية وعن العامة في المدن، فالحكمة ضالته يلتقطها حيث ms296 يجدها. # قال في رسالة الحنين إلى الأوطان؛ رأيت عبدا أسود حبشيا لبني أسد قدم من ~~شق اليمامة فصار ناطورا، وكان وحشا مجنونا لطول الغربة مع الإبل، وكان لا ~~يلقى إلا أكره فلا يفهم عنهم ولا يستطيع إفهامهم، فلما رآني سكن إلى وسمعته ~~يقول: لعن الله أرضا ليس بها عرب، قاتل الله الشاعر حيث يقول: ### | AUTO حر الثرى مستعرب التراب # أبا عثمان إن هذا العريب في جميع الناس كمقدار القرهة في جلد الفرس، ~~فلولا أن الله رق عليهم فجعلهم في حشاة لطمست هذه العجم آثارهم اه. فالجاحظ ~~لم يحتقر هذا الحديث الذي بدر عن لسان عبد مستوحش وأورده مثالا على موضوعة ~~في الوحشة التي تعتري النازح عن وطنه. ونحن بهذا الحديث القصير أيضا أدركنا ~~أن العراق لم يكن تعرب كله في طرفي المائة الثانية والثالثة، وأن أكرته ~~وفلاحيه ظلوا على سريانيتهم، وأن العرب كانوا إلى قلة على كل حال. # ولم نر أنب عثمان على كثرة ما خاض غماره من الأبحاث مس الموضوعات PageV01P340 ### | CHECK [341_2] # التاريخية بالمعنى الذي بدأ المؤرخون في عصره يخوضون فيه، على طريقة ~~الرواية وتصحيح السند، وربما لم يهمه ذكر الحروب ووصف الملوك في عدلهم ~~وجورهم ومولدهم وتوليهم وموتهم، ولا حديث أعداءهم وفتن بلادهم ومشاغبهم ~~ومتاعبهم ومؤامراتهم ودسائسهم، ولا طبقات الرجال في موالدهم ووفياتهم، وما ~~صرفوا فيه عقولهم وأعمارهم وخلفوه من مآثرهم. بل كان التاريخ الذي شغل قلمه ~~وقلبه وصف الناس وذكر أخبار من عاصرهم مما فيه تعليم وتثقيف. فهو المؤرخ ~~الاجتماعي في عصره، يورد لك من مشاهداته ومروياته ما يوسع أفق نظرك، ويدلك ~~على مواطن الحسنات والسيئات في عامة من تألف منهم مجتمعه. # رأى التاريخ السياسي وتاريخ الرجال ضيق المضطرب، وقد تسربت إليه أخطاء لا ~~يقرها، فأرخ للأمة، والكلام فيها واسع المجال، وكما كان في التاريخ هو في ~~الفلسفة. قرأ ما كتب وترجم في عصره، فما نقل آراء أرسطو مستحسنا لها كلها، ~~ولا شغف بأفلاطون ولا بغيره من فلاسفة اليونان، بل طبق العلوم المادية ~~وعلوم الحياة والأحياء وعلم ms297 الاجتماع على النظر الفلسفي. فأهمه من الفلسفة ~~روحها، وابتعد عما قد يكون فيها من خيال ومحال، وبعبارة ثانية أنه كان من ~~أصحاب النظر العملي، وما تعدى في الإلهيات حيز المنطق الصحيح، والمصادر ~~السلمية التي تدعمها الحجة ولا ينكرها إلا مكابر. # يقول لك حينا: إن غرائب الدنيا كثيرة عند كل من كان كلفا بتعرافها وكان ~~له في العلم أصل، وكان بينه وبين التبيين نصيب، وأكثر الناس لا تجدهم إلا ~~في حالتين: إعراض عن التبيين، وإهمال النفس، وإما في حالة تكذيب وإنكار، ~~وتسرع إلى أصحاب الاعتبار، وتتبع الغرائب، والرغبة في الفوائد. ثم يرى ~~بعضهم أن له بذلك التكذيب فوائد، وأن ذلك من باب التوقي، وجنس من استعظام ~~الكذب، وأنه لم يكن كذلك إلا من حاز الرغبة في الصدق، أو تبين الشيء معاندة ~~للإقرار وقهرا PageV01P341 ### | CHECK [342_2] # بالحق. # ومن استقرائه العلمي في الذباب قوله: وعندنا بالبصرة في الذباب أعجوبة، ~~لو كانت بالشامات أو بمصر لأدخلوها في باب الطلسم. وذلك أن التمر يكون ~~مصبوبا في بيادر التمر في شق البساتين، فلا ترى على شيء منها ذبابة، لا في ~~الليل ولا في النهار، ولا في البرد ولا في أنصاف النهار. نعم وقد تكون ~~المعاصر، ولأصحاب المعاصر ظلال، ومن شأن الذباب الفرار من الشمس إلى الظل، ~~وإنما تلك المعاصر بين تمرة رطبة ودبس، ثم لا تكاد ترى في تلك الظلال ~~والمعاصر في انتصاف النهار، وفي وقت طلب الذبان الكن، إلا دون ما تراه في ~~المنزل الموصوف بقلة الذبان. وهذا شيء يكون موجودا في جميع الشق الذي فيه ~~البساتين. فإن تحول شيء من تلك البادية إلى جميع ما يقابلها في نواحي ~~البصرة غشية من الذبان ما غشى أن لا يكون بأرض الهند أكثر منه. وليس بين ~~جزيرة دبيس وبين موضع الذبان إلا فيض البصرة، ولا بين ما يكون من ذلك بنهر ~~أذرب وبين موضع الذبان مما يقاربه إلا فرسخان، وهو ذلك التمر وتلك المعصرة، ~~ولا تكون تلك المسافة إلا مائة ذراع أو أزيد شيئا أو أنقص شيئا. ms298 # وأعجوبة أخرى، وهي عندي أعجب من كل شيء صدرنا به جملة القول في الذباب. ~~فمن العجب أن يكون بعض الحيوان لا ينام كالعصافير والتنوط، فإنهما إذا كان ~~الليل فإن أحدهما يتدلى من غصن الشجرة ويضم عليه رجليه وينكس رأسه، ثم لا ~~يزال يصيح حتى يبرق النور، والآخر لا يزال ينتقل في زوايا بيته، ولا يأخذه ~~القرار خوفا على نفسه، فلا يزال كذلك، وقد نتف قبل ذلك مما على ظهور ~~الأشجار ما يشبه بالليف، فنفشه ثم فتل منه حبلا، ثم عمل منه كهيئة القفة، ~~ثم جعله مدلى بذلك الحبل، وعقده بطرف غصن من تلك الأغصان، إلا أن ذلك ~~بترصيع ونسج ومداخلة عجيبة، ثم يتخذ عشه فيه، ويأوي إليه مخافة على نفسه. PageV01P342 ### | CHECK [343_2] # كأن الجاحظ كان كالطائر يتنقل من شجرة إلى شجرة، ومن حديقة إلى حديقة، ~~يلتقط الزهرة والحبة، ومن كان يظن أن الرجل الذي يؤلف في علوم الدين والجدل ~~والرد على المخالفين، وهو في أصله إمام ديني وصاحب مذهب وعلم من أعلام ~~الشريعة - من كان يظن أنه يؤلف في الحيوان وفي الزرع وفي الشجر والنخل، وفي ~~كل ما يعرض له من الموضوعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية ~~والأدبية - من كان يظن أن للجاحظ كتابا في الأمصار وعجائب البلدان أشبه ~~بكتاب البلدان لابن الفقيه، رآه المسعودي ووصفه بأنه في نهاية الحسن، قال: ~~وإن كان الرجل لم يسلك البحار، ولا أكثر الأسفار ولا تقرا المالك والأمصار. ~~نعم ما رحل الجاحظ رحلات المسعودي، واقتصر على الرحلة في أرض العراق والشام ~~والجزيرة وفارس والروم وبلاد العرب فقط، وليس من الميسور لكل إنسان في دهره ~~أن يطوف الأرض، فغن هذا ما كان يتيسر إلا للفرد بعد الفرد، وفي العصر بعد العصر. # وصف الجاحظ الأهواز وهواءها وتأثيرها في الطباع والأجسام، ووصف تأثير ~~الهواء في الإنسان والحيوان في حرة بني سليم، فقال بتأثير البيئة في ~~الكائنات الحية. فإن كان وصفه الأمصار في جغرافيته كوصفه أهل الأهواز، وهو ~~ما نعتقده، فإنه من أحسن ما كتب في الجغرافية الإنسانية والطبيعية ms299 ~~والوصفية. قال في الأهواز: إنها قلبت كل من نزلها من بني هاشم إلى كثير من ~~طبائعهم وشمائلهم، ولا بد للهاشمي قبيح الوجه كان أو حسنا، أو دميما كان أو ~~بارعا رائعا، من أن يكون لوجهه وشمائله طبائع يبين بها من جميع قريش وجميع ~~العرب. فلقد كانت البلدة تنقل ذلك فتبدله. ولقد تحيفه وتدخل الضنى عليه، ~~وتبين أثرها فيه، فما ظنك بصنيعها في سائر الأجناس، ولفساد عقولهم، ولؤم ~~طبع بلادهم، لا تراهم مع تلك الأموال الكثيرة، والضياع الفاشية، يحبون من البنين PageV01P343 ### | CHECK [344_2] # والبنات ما يحبه أوساط أهل الأمصار، على الثروة واليسار، والمال منبهة ~~كما تعلمون؛ وقد يكتب الرجل من غيرهم المويل اليسير فلا يرضى لولده حتى ~~يفرض له المؤدبين، ولا يرضى للسانه بمثل الذي كان يرضاه قبل ذلك. وليس في ~~الأرض صناعة مذكورة، ولا أدب شريف، ولا مذهب محمود لهم في شيء منه نصيب وأن ~~حسن. ولم أر بها وجنة حمراء لصبي ولا صبية، ولا دما ظاهرا ولا قريبا من ~~ذلك، وهي قتالة للغرباء، على أن حماها خاصة ليست للغريب بأسرع منها إلى ~~القريب، ووباها وحماها في وقت انكشاف الوباء ونزوع الحمى عن جميع البلدان، ~~وكل محموم في الأرض فإن حماه ى تنزع عنه ولا تفارقه، وفي بدنه منها بقية. ~~فإذا نزعت عنه فقد أخذ منها عند نفسه البراءة إلى أن يعود إلى الخلط، وأن ~~يجمع في جوفه الفساد، وليست كذلك الأهواز لأنها تعاود من نزعت عنه من غير ~~حدث، كما تعاود أصحاب الحدث لأنهم ليسوا يؤتون من قبل النهم، ومن قبل الخلط ~~والإكثار، وإنما يؤتون من عين البلدة. وقال أيضا: رب بلد يستحيل فيه العطر ~~وتذهب رائحته كقصبة الأهواز. # وقال في حرة بني سليم في عالية نجد: إنهم ليتخذون المماليك للرعي والسقي ~~والمهنة والخدمة من الروميين والصقالبة مع نسائهم، فما يتوالدون ثلاثة أبطن ~~حتى تقلبهم الحرة إلى ألوان بني سليم. ولقد بلغ من أمر هذه الحرة أن ظباءها ~~ونعامها وذئابها وثعالبها وحميرها وخيلها وإبلها كلها سود، قال والسواد ~~والبياض ms300 هما من قبل خلقة البلدة، وما طبع الله عليه الماء والتربة. ومن قبل ~~قرب الشمس وبعدها، وشدة حرها ولينها، وليس ذلك من قبل مسخ ولا عقوبة، ولا ~~تشويه ولا تقبيح، على أن حرة بني سليم تجري مجرى بلاد الترك، فإنك إذا رأيت ~~الترك، ورأيت أبلهم ودوابهم، وكل شيء لهم حسبته شيئا واحدا، وكل شيء لهم ~~تركي المنظر. PageV01P344 ### | CHECK [345_2] # وبهذا رأيناه يقول بتطور الأحياء بحسب البيئة وتعاقب الأيام، ويعلل ذلك ~~تعليلا مقبولا كما يعلل أشياء أخر مثل عذوبة المطر والثلج، وملوحة مياه ~~البحر. وكل ما وصفه من أنواع الحيوان وصفه وصفا دقيقا، كأنه رآه المرة بعد ~~المرة وأجرى تجاربه عليه ودقق فيه، ونظر ما قاله فيه من قبله، فما وافق ~~الحس والعقل من أقوالهم فبله، وما لم يوافق عليه رده مع إيراد الأسباب ~~الداعية له إلى رده. # ومما قال: بالبصرة ثلاث أعجوبات ليس في غيرها من البلدان، ومنها أن عدد ~~المد والجزر في جميع الدهر شيء واحد، فيقبل عنده حاجتهم إليه، ويرتد عند ~~استغنائهم عنه. ثم لا يبطئ عنها إلا بقدر هضمها واستمرائها وجمامها ~~واستراحتها، لا يقتلها عطشا ولا غرقا، ولا يغبها ظمأ ولا عطشا، يجيء على ~~حساب معلوم، وتدبير منظوم، وحدود ثابتة، وعادة قديمة، يزيدها القمر في ~~امتلائه، كما يزيدها في نقصانه، فلا يخفى على أهل الغلات متى يتخلفون، ومتى ~~يذهبون ويرجعون، بعد أن يعرفوا موضع القمر، وكم مضى من الشهر، فهي آية ~~وأعجوبة، ومفخرة وأحدوثة، لا يخافون المحل، ولا يخشون الحطمة. # وقال أيضا: من شأن الملوك أن يطمسوا على آثار من قبلهم، وأن يميتوا ذكر ~~أعدائهم، فقد هدموا بذلك السبب المدن وأكثر الحصون، كذلك كانوا أيام العجم ~~وأيام الجاهلية، وعلى ذلك هم في أيام الإسلام، كما هدم عثمان صومعة غمدان، ~~وكما هدم الآطام التي كانت بالمدينة، وكما هدم زياد كل قصر ومصنع كان لابن ~~عامر، وكما هدم أصحابنا العباسيون بناء مدن الشامات لبني مروان. # يكلمك الجاحظ تارة في رغبات الناس في العلوم، ويذكرك بأنه لم تظهر له ~~العلة ms301 فيها، إلا أنه يعجب من الوسط في صناعته، ومن كانت فطرته غير مؤاتية، ~~فيقول: صار طلب الحساب أخف على بعضهم، وطلب الطب أحب إلى بعضهم، وكذلك ~~النزاع إلى المندسة، وشغف أهل النجوم بالنجوم، فتجد واحدا يلهج بطلب PageV01P345 ### | CHECK [346_2] # الغناء واللحون، وآخرون يلهج بشهوة القتال، حتى يكتتب مع الجند، وآخر ~~يختار وراقا، وآخر يختار طلب الملك، وتجد حرصهم على قدر العلل الباطنة ~~المحركة لهم، ثم لا يدري كيف عرض لهذا هذا السبب دون الآخر، إلا بجملة من ~~القول، ولا تجد المختار لبعض هذه الصناعات على بعض، يعلم لما اختار ذلك في ~~جملة ولا تفصيل، إذ كان لم يجر منه على عرق، ولا اختاره على إرث، وليس ~~العجيب من رجل في طباعه سبب يصل بينه وبين بعض الأمور، ويحركه في بعض ~~الجهات، ولكن العجب ممن يموت مغنيا، وهو لا طبع له في معرفة الوزن، وليس له ~~جرم حسن، فيكون إن فاته أن يكون معلما ومغني خاصة، أن يكون مطربا ومغني ~~عامة. . . . # واحتج للإماء: قال بعض من احتج للعلة التي من أجلها صار أكثر الإماء أحظى ~~عند الرجال من أكثر الهيرات، أن الرجل قبل أن يملك الأمة قد تأمل كل شيء ~~منها وعرفه، ما خلا حظوة الخلوة، فأقدم على ابتياعها بعد وقوعها بالموافقة، ~~والحرة إنما يستشار في جمالها النساء، والنساء لا يبصرن من جمال النساء ~~وحاجات الرجال وموافقتهم قليلا ولا كثيرا؛ والرجال بالنساء أبصر، وإنما ~~تعرف المرأة من المرأة ظاهر الصفة، وأما الخصائص التي تقع بموافقة الرجال ~~فإنها لا تعرف ذلك؛ وقد تحسن المرأة يقول كأن أنفها السيف، وكأن عينها عين ~~غزال، وكأن عنقها إبريق فضة، وكأن ساقها جمارة، وكأن شعرها العناقيد، وكأن ~~أطرافها المداري، وما أشبه ذلك، وهناك أخر بها يكون الحب والبغض. # وقال في رسالته في النساء: ورأيت أكثر الناس من البصراء بجواهر النساء ~~الذين هم جهابذة هذا الأمر يقدمون المجدولة، والمجدولة من النساء تكون في ~~منزلة بين السمينة والممشوقة، ولا بد من جودة القد، وحسن الخرط، واعتدال ~~المنكبين، واستواء ms302 الظهر، ولا بد من أن تكون كاسبة العظام، بين الممتلئة ~~والقصيفة، وإنما PageV01P346 ### | CHECK [347_2] # يريدون بقولهم مجدولة، جودة العصب وقلة الاسترخاء، وأن تكون سليمة من ~~الزوائد والفضول، ولذلك قالوا خمصانة وشفانة، وكأنها جان، وكأنها جدل عنان، ~~وكأنها قضيب خيزران، والتثني في مشيها أحسن ما فيها، ولا يمكن ذلك للضخمة ~~والسمينة، وذات الفضول والزوائد، على أن النحافة في المجدولة أعم، وهي بهذا ~~تحبب على السمان الضخام، وعلى الممشوقات والقضاف، كما يحبب هذه أعلاها ~~قضيب، وأسفلها كثيب. ونحن بعد كلامه هذا يحق لنا أن ندعي أن الجاحظ كان ~~يعرف كل شيء. # ومما قاله: قل معنى سمعناه في باب معرفة الحيوان من الفلاسفة، وقرأناه في ~~كتب الأطباء والمتكلمين، إلا ونحن قد وجدنا قريبا منه في أشعار العرب، وفي ~~معرفة أهل لغتنا وملتنا. # ولذلك رأيناه يقرب الفلسفة من الأذهان ويمزجها بالأدب وأشعار العرب ~~ليخرجها عن جفائها؛ ورأيناه مع وقوفه على العلوم اليونانية ينقد بعض ما لم ~~يدخل في دائرة الحس والعقل، ولا يأخذه قضايا مسلمة كفعله في إنكار أحاديث ~~الجن وما روي من الشعر في رؤيتهم، فقال إن للناس في هذا ضروربا من الدعاوى، ~~وعلماء السوء يظهرون تجويزها وتحقيقها؛ ومن استقراءاته قوله: إنهم أحصوا ~~أصناف نخل البصرة، دون نخل المدينة، ودون مصر والتمامة والبحرين وعمان ~~وفارس وكرمان، ودون الكوفة وسوادها وخيبر وذواتها، والأهواز وما بها، أيام ~~المعتصم، وإذا ثلاثمائة وستون ضربا من مغل معروف، وخارجي موصوف، وبديع ~~غريب، مع طيب عجيب. # وقال في كتابه الأمصار: أكثر الدور غلة ثلاث: دار للبطيخ بسر من رأى ودار ~~الزبير بالبصرة، ودار القطن ببغداد. ومما قاله في وصف البصرة إنه لا يعرف ~~مصرا جاهلي ولا إسلامي أفضل من البصرة وإنها قلب الدنيا وواسطة الأرض PageV01P347 ### | CHECK [348_2] # وفرضة البحر. # ومن ملاحظاته: واعلم أن الله تعالى إنما خالف بين طبائع الناس ليوفق ~~بيهم، ولم يحب أن يوفق بينهم فيما يخالف مصلحتهم، لأن الناس لو لم يكونوا ~~مسخرين بالأسباب المختلفة، وكانوا مجبرين في الأمور المتفقة والمختلفة، ~~لجاز أن يختاروا بأجمعهم الملك ms303 والسياسة، وفي هذا ذهاب العيش وبطلان ~~المصلحة، والبوار والتواء، ولو لم يكونوا مسخرين بالأسباب مرتهنين بالعلل ~~لرغبوا عن الحجامة أجمعين وعن البيطرة والقصابة والدباغة، ولكن لكل صنف من ~~الناس مزين عندهم ما هم فيه، ومسهل ذلك عليهم، فالحائك إذا رأى تقصيرا من ~~صاحبه، أو سوء حذق أو خرقا قال له يا حجام، والحجام إذا رأى تقصيرا من ~~صاحبه قال له ياحائك، ولذلك لم لا أن الله تعالى أراد أن يجعل الاختلاف ~~سببا للاتفاق والائتلف، لما جعل واحدا قصيرا وآخر طويلا، وواحد حسنا وآخر ~~قبيحا، وواحدا غنيا وآخر فقيرا، وواحدا عاقلا وآخر مجنونا، ووحدا ذكيا وآخر ~~غبيا، ولكن خالف بيهم ليختبرهم، وبالاختبار يطيعون، وبالطاعة يسعدون، ففرق ~~بينهم ليجمعهم، وأحب أن يجمعهم على الطاعة ليجمعهم على المثوبة، فسبحانه ~~وتعالى ما أحسن ما أبلى وأولى، وأحكم ما صنع وأتقن ما دبر، لن الناس لو ~~رغبوا كلهم عن عار الحياكة لبقينا عراة، ولو رغبوا بأجمعهم عن كد البناء ~~لبقينا بالعراء، ولو رغبوا عن الفلاحة لذهبت الأقوات، ولبطأ أصل المعاش، ~~فسخرهم على غير إكراه، ورغبهم من غير دعاء، ولولا اختلاف طبائع الناس ~~وعللهم لما اختار من الأشياء إلا أحسنها، ومن البلاد إلا أعدلها، ومن ~~الأمصار إلا أوسطها، ولو كان كذلك لتناجزوا على طلب الواسط، وتشاجروا على ~~البلاد العليا، ولما وسعهم بلد، ولما تم بينهم صلح فقد صار بهم التسخير إلى ~~غابة، وكيف لا يكون كذلك، وأنت لو حولت ساكني الآجام إلى الفيافي، وساكني ~~السهول إلى الجبال، وساكني الجبال إلى PageV01P348 ### | CHECK [349_2] # البحار، وساكني الوبر إلى المدر، لأذاب قلوبهم الهم، ولأتي عليهم فرط ~~النزاع. # ومما استقراه قوله لما تولى خالد بن الوليد كسر الأصنام التي كانت قريش ~~تعبدها، ورمى عزى بالشرر حتى أحرقت عامة فخذه: وما أشك في أنه قد كانت ~~للسدنة حيل وكمين؛ ولو سمعت أو رأيت بعض ما أعد الهند من هذه المخاريق في ~~بيوت عباداتهم لعلمت أن الله تعالى قد من على جملة المسلمين بالمتكلمين ~~الذين نشئوا فيهم، قال: وما زالت السدنة تحتال ms304 للناس من جهة النيران ~~بأنواعه الحيل، كاحتيال رهبان كنيسة الرها لمصابيحها، حتى أن زيت قناديلها ~~ليستوقد لهم من غير نار في بعض ليالي أعيادهم، وبمثل ذلك احتال السادن ~~لخالد بن الوليد حين رماه بالشرر ليوهمه أن ذلك من الأوثان عقوبة على الترك ~~عبادتها وإنكارها والتعرض لها حين قال: يا عزى كفرانك لا سبحانك، إني رأيت ~~الله قد أهانك، قال: وجعلت قريش وقد أهوى خالد بسيفه العزى: يا عزى خبليه، ~~يا عزى عزريه، وليس يثني من تهاويلهم، وعلاها بالسيف حتى كسرها. # وقال في الرد على من زعم أن خالد بن سنان لم يكن من ولد إسماعيل نبي ~~قبله: المتكلمون لا يؤمنون بهذا، ويزعمون أن خالدا كان أعرابيا وبريا، ولم ~~يبعث الله قط نبيا من الأعراب ولا من أهل الوبر، وإنما بعثهم من أهل القرى ~~وسكان الجزر، والله أعلم حيث يجعل رسالته. # وذكر الشياطين في بعض كتبه ومما قال: إنا وأن كنا لم نر شيطانا قط، ولا ~~صوره لنا صادق، ففي إجماع العرب والمسلمين وكل من لقيناه متفق على ضرب ~~المثل بقبح الشيطان، وهو دليل على أنه في الحقيقة أقبح من كل قبيح، والكتاب ~~إنما نزل على الذين ثبت هذا في طباعهم غاية الثبات، وقال: ليس من الناس من ~~رأى شيطانا قط على صورته، لكن لما كان الله جعل في طبائع جميع الأمم ~~استقباح صورة الشيطان واستسماجه وكراهته، وأجرى هذا على ألسنة جميعهم PageV01P349 ### | CHECK [350_2] # ضرب المثل به في ذلك، رجع بالإيحاش والتنفير بالإضافة والتفريع إلى ما ~~جعله في طبائع الأولين والآخرين والشيوخ والصبيان والرجال والنساء. . . # وأنكر انشقاق القمر كما هو رأي كثير من أهل الذكر، فقال إنه لم يتواتر ~~الخبر به، وإنه لو انشق حتى صار بعضه في جبل أبي قبيس لوجب أن تختلف ~~التقويمات بالزيجات لأنه قد علم سيره في كل يوم وليلة، فلو انشق القمر لكان ~~وقت انشقاقه لا يسير، فإما قوله تعالى: اقتربت الساعة وانشق القمر، فإن ~~معناه سينشق. # ومن ملاحظاته: لا تليق ثلاثة أسماء بأعيانها إلا في ms305 الملوك والسادة، ألا ~~ترى أن بهرام بن بهرام في ملوك العجم، والحارث بن الحارث بن الحارث في ملوك ~~غسان، والحسن بن الحسن بن الحسن في سادة الإسلام. وقال: ثلاثة بنو أعمام في ~~زمان واحد، يسمى كل واحد منهم عليا، وكل واحد منهم فقيه عالم عابد يصلح ~~للإمامة: علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، وعلي بن الحين بن علي بن ~~أبي طالب بن عبد المطلب وعلي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ثم بنوهم ~~ثلاثة بنو أعمام ويسمى كل واحد منهم محمدا، وكل منهم فقيه عالم عابد يصلح ~~للإمامة: محمد بن عبد الله بن عباس ابن عبد المطلب، ومحمد بن علي بن الحسين ~~بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، ومحمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن ~~أبي طالب، وهو من أغرب ما يتهيأ في العالم، ويتفق في الأزمنة، وهذه فضيلة ~~لا يشركهم فيها أحد. نقول وهذا من معرفته بالأنساب أيضا فاهتدى من الغرائب ~~فيها إلى ما لم يهتد إليه غيره ولا وقع في خاطره. # ومن استدلالانه أيضا: قد علمنا أن استفاضة النجدة في جميع أصناف الخوارج ~~وتقدمهم فيها إنما هو بسبب الديانة، لأنا نجد عبيدهم ومواليهم ونساءهم ~~يقاتلون مثل قتالهم، ونجد السجستاني وهو عجمي، واليمامي والنجراني والجزري وهم PageV01P350 ### | CHECK [351_2] # عرب، ونجد تاهرت وهي بلاد عجم، كلهم في القتال والنجدة سواء، وفي ثباب ~~العزيمة والقوة والشدة متكافئين، فاستوت حالاتهم في النجدة مع اختلاف ~~أنسابهم وبلدانهم، أفما في هذا دليل على أن الذي سوى بينهم هو التدين ~~بالقتال؟ وهذا ضرب من كشف روح المتمذهبين بالمذاهب لا نعرفه لأحد ممن كتب ~~في عصره في فلسفة الديانيين والأديان. # وقال في نار المجوس: ما زال الناس كافة، والأمم قاطبة، حتى جاء الله ~~بالحق، مولعين بتعظيم النار، حتى ظن كثير من الناس لإفراطهم أنهم يعبدونها. ~~ويزعم أهل الكتاب أن الرب أوصاهم بها فقال: لا تطفئوا النار من بيوتي، ~~ولذلك لا تجد الكنائس والبيع وبيوت العبادات تخلو من ms306 نار أبدا ليلا ونهارا. ~~فأما المجوس فأنها لم ترض بمصابيح أهل الكتاب حتى اتخذت البيوت للنيران، ~~وأقامت عليها السدنة، ووقفت عليها الغلات الكثيرة، وسجدت لها على جهة ~~التعبد والمحبة، وإيجاب الشكار على النعمة، وقد ضرب المثل بنار المجوس من ~~قوما فلم يرعوا حق صحبته بهم وخدمته إياهم فقال: # عمري لقد جربتكم ... فوجدتكم نار المجوس # وذلك أنها لا تفرق بين من يعبدها ويسجدلها، وبين من يبرق فيها ويبول ~~عليها، بل تعم الجميع بالإحراق إذا أمكنها. # وقال: لأمم كلها تضرب مثلا بالعنقاء في الشيء الذي يسمع به ولا يرى كما ~~قال أبو نواس: # وما خبزه إلا كعنقاء مغرب ... يصور في بسط الملوك لها مثل # يحدث عنها الناس من غير رؤية ... سوى صورة ما إن تمر ولا تحلو # وما أكثر من ينكر أن يكون في الدنيا حيوان يسمى كركند وعنقاء مغرب، وإن ~~كانوا يرون في صورة العنقاء مصورة في بسط الملوك وحيطان قصورهم، PageV01P351 ### | CHECK [352_2] # واسمها عندهم مسموع ومن غريب تحقيقه في النمل قوله: والنمل ربما أجلي أمة ~~من الأمم عن بلادهم ومن تحقيقاته: ويزعم أهل الشرع أنهم لم يجدوا في ضروب ~~الحيوان أشبه بالإنسان تركيبا وأعضاء وجوارح، ولم يروا أقرب منه خلقه وصورة ~~وأدني إليه شبها ومشاكله من القرد، وأن من تقدم جالينوس من الأطباء لم ~~يفصلوا قط إنسيا، ولم يشرحوا آدميا، وإنما عرفوا تلك الأمور الغامضة ~~والسرائر الكامنة بما فصلوا من أجسام القرود، وبعض من وجد من القتلى على ~~ندرة في بعض معارك الملوك، وقال في عجائب البحر: وليس ذلك بأعجب من شيء ~~عاينه جميع من يركب البحر وذلك أن الطائر من طيره يطير في الهواء، فيعبث به ~~طائر صغير، فإذا أحرجه ذلك ذرق، فتلقاه الطائر فابتلعه، فلا هو يخطئ بذلك ~~الذرق حلق الطائر الصغير، ولا الطائر الصغير يجهل مكان ذرقه، وما يعيشه من ~~ذلك الطائر الكبير، والدخس من دواب البحر ومما يعايش السمك وليس بسمك، وهو ~~يعرف الغريق ويدنو منه حتى يضع الغريق يده على ظهره فيسبح به، والغريق يذهب ms307 ~~معه، ويستعين بالاعتماد عليه والتعلق به، حتى ينجيه، وهذا عند البحريين ~~مشهور لا يتدافعونه. # وقال في علة فشو الفاحشة في بعض الناس: ولو كانت هذه الشهوة شائعة في ~~الأعراب لتعشقوا الغلمان، ولو تعشقوهم لنسبوا بهم، ولجاءهم فيه باب من ~~النسيب، ولتهاجوا به وتفاخروا، ولتنافسوا في الغلمان، ولجوى في ذلك ما لا ~~يخفى، ولحدثت فيه أشعار وأخبار، والذي يدل على سلامتهم من ذلك عدم هذه ~~المعاني، وإن كان هناك شيء من هذا فليس هو إلا في بعض من ينزل قارعة الطريق ~~أو يقرب الأسواق، وهؤلاء ليس فيهم من خصال الأعرابية إلا الجوهرية، فأما ~~الأخلاق والفصاحة والأنفة والفروسية فهم على خلاف ذلك كله. . . # كان يقال أربعة لم يلحوا ولم يسبقوا: أبو حنيفة في فقهه، والخليل في أدبه، PageV01P352 ### | CHECK [353_2] # والجاحظ في تأليفه، وأبو تمام في شعره؛ وحقيق على من تصفح تآليف الجاحظ ~~واتساعه فيها، ورأى ما حوت من آثار حفظه وتدوينه واستقرائه واستنتاجه أن ~~يعذر الناس في كل عصر لإعجابهم بما كتب، ولا يستنكرون من الاستنباط بأن ~~العالم كانوا يرقبون صدور كتبه كما يتوقع الممدنون اليوم صدور صحف الأخبار، ~~وورود الإذاعات في الأيام العصيبة؛ وكان هو يعرف لنفسه هذه الشجرة الطائرة ~~ويعرفها له الناس. قال بعضهم للجاحظ: مثلك في علمك ومقدارك من الأدب ينشد قوله: # منطق صائب وتلحن أحيا ... نا وخير الحديث ما كان لحنا # ويفسره على أنه أراد اللحن في الإعراب، وإنما وصفها بالظرف والفطنة، ~~وأنها توري في لفظها عن أشياء قال: قد فطنت لذلك بعد، ولما أشار عليه ناقده ~~أن يغير تفسيره قال: كيف لي بما سارت به الركبان؟ # ومن البراهين على اتساع شهرته في حياته ما قيل لأبي هفان وقد طال ذكر ~~الجاحظ: لم لا تهجو الجاحظ وقد ثلبك وأخذ بمخنقك، فقال: أمثلي يخدع عن ~~عقله؟ والله لو وضع رسالة في أرنبة أنفي لما أمست إلا بالصين شهرة، ولو قلت ~~فيه ألف بيت لما طن منها بيت في ألف سنة. # كتبه ورسائله: # ليس في وسع الباحث تعيين حد لعلم ms308 الجاحظ، ينتهي نمنه إلى معرفة ما غلب ~~عليه؛ وما أشبه تآليفه بمعلمة من معلمات العلم في عصره تبحث في جميع ~~المطالب بحثا ممتعا، فلا ترى في مقالاتها خللا، ولا في وضعها وتصنيفها ~~غثاثة؛ ولقد رأينا معلمات زماننا بلغات العلم الحديث يؤازر فيها عشرات ~~وربما مئات من العلماء والباحثين، حتى تكتب لها الإجادة، وتقع في نفوس ~~أرباب المدارك موقع الاستحسان، ومعلمة الجاحظ كتبها بنفسه، لم يشاركه مشارك ~~في إعداد موادها، PageV01P353 ### | CHECK [354_2] # ولا في وضع أبوابها، وابتكار فصولها، وكلها ابنة درسه وبحثه، يصدرها في ~~اتساق متقن، وتحقيق بالغ؛ وربما كان من أبحاثها ما اقترح عليه الخوض فيه، ~~فكتب ما أراد وما أريد منه؛ وكأه المفتي الحجة يستفتي في علوم الدنيا ~~والآخرة، فلا يلحق غباره أحد، وهو أبدا الفارس المجلي في كل حلبة، لم يلحقه ~~أحد في طريقته، وحاول تقليده غير واحد في العصور التالية. # الإكثار من التأليف مع الإجادة فيه هو وجه الغرابة في الجاحظ، ألف خمسين ~~وثلاثمائة مؤلف، بين رسالة في بضع صفحات وكتاب في بضعة مجلدات، رآها كلها ~~سبط ابن الجوزي في أول القرن السابع في مشهد أبي حنيفة ببغداد. ألف هذا ~~وجوده، وطريقته كما قال عن نفسه أن لا يصل الصدق بالكذب، ولا يدخل الباطل ~~في تضاعيف الحق، ولا يتكثر بقول الزور، ولا يلتمس تقوية ضعفه باللفظ الحسن، ~~وستر قبح كلامه بالتأليف المونق، ولا يستعين على إيضاح الحق إلا بالحق، ~~وعلى إيضاح الحجة إلا بالحجة، ولا يستميل إلى دراسة تآليفه واقتنائها، ~~ويستدعي إلى تفضيلها والإشادة بذكرها، بالأشعار المولدة، والأحاديث ~~الموضوعة، والأسانيد المدخولة، وربما لا شاهد عليه إلا دعوى قائله، ولا ~~مصدق له إلا من لا يوثق بمعرفته. وقد نصح لمن يتكلفون قراءة الكتب ومدارسة ~~العلم، أن لا يقفوا على الكلمة الضعيفة، واللفظة السخيفة، وعلى مواضع من ~~تآليفه قد عرض له شيء من استكراه، ويقول لمن هذا حاله: لو جعل بدل شغله ~~بقليل ما يرمي من المذموم، تنقله بكثير ما يرى من المحمود، كان ذلك أشبه ~~بالأدب المرضي، والخيم ms309 الصالح، وأشد مشاكلة للحكمة، وأبعد من سلطان الطيش، ~~وأقرب إلى عادة السلف وسيرة الأولين، وأجدر أن يهب الله تعالى له السلامة ~~في كتبه، والدفاع عن حجته، يوم مناضلة خصومه، ومقارعة أعدائه. # تعوذ بالله في كل موطن من فتنة القول وخلطه، ومن الإسهاب وتقحم خطته وأكد PageV01P354 ### | CHECK [355_2] # أن فتنة اللسان والقلم، أشد من فتنة النساء، والحرص على المال، واستعاذ ~~من التكلف لما لا يحسن، كما استعاذ بالله من العجب بما يحسن، والعجب بما ~~يكون منه والثقة بما عنده، ورجا أن يكون من المحسنين، وتعوذ من رسالة ~~ظاهرها زهد وباطنها رغبة وقال: إن أسقط الكلام وأوغده، وأبعده من السعادة ~~وأنكده، ما أظهر النزاهة واضمر الحرص، وتجلى للعيون بعين القناعة واستشنع ~~ذلة الافتقار، وأقبح منه وأفحش أن يظن صاحبه أن معناه خفي وهو ظاهر، ~~وتأويله بعيد الغور، وهو قريب القعر. # أخرج الجاحظ التأليف من طور الرواية، إلى طور جمع فيه إلى الرواية ~~الدراية، ودعا إلى جميل الصدق، وبرد اليقين، مستمدا من العقل، داعيا إلى ~~التفكير الصحيح، قائلا: إن من شكر النعمة في معرفة مغاوي الناس ومراشدهم، ~~ومضارهم ومنافعهم، ألا يحتمل ثقل مؤنتهم في تقويمهم، وأن يتوخى إرشادهم، ~~وإن جهلوا فضل ما يسدى إليهم، فلن يصان العلم بمثل بذله، ولن تستبقى النعمة ~~فيه بمثل نشره؛ ويعرف أن الحق مر والجد صعب، ولا يصبر على مطالعة الكتب ~~الطويلة إلا من تجرد للعلم وفهم معناه، وذاق من ثمرته، واستشعر قلبه من ~~عزه، ونال سروره على حسب ما يورث الطول من الكد والكثرة من السآمة، وما ~~أكثر من يقاد إلى حظه بالسواجير، وبالسوق العنيف، وبالإخافة الشديدة. # وترى أبا عثمان في كتبه ينقل عن أرقى الطبقات وأدناها، ومن العلماء من ~~نقل عنهم فستر أسماءهم، وأشار إلى أنهم كانوا عظماء فقط ليعرف قارئه مبلغ ~~الرواية المنقولة من الضعف والقوة، قال مرة: حدثني بعض أهل العلم ممن طال ~~ثواؤة في أرض الجزيرة، وكان صاحب أخبار وتجربة، وكان كلفا بحب التبيين، ~~معترضا للأمور يحب أن يفضي إلى حقائقها، وتثبيت أعيانها ms310 بعللها، وتمييز ~~أجناسها، وتعرف مقادير قواها، وتصرف أعمالها، وتنقل حالاتها، كان يعرف ~~للعلم قدره، PageV01P355 ### | CHECK [356_2] # وللبيان فضله، وروى عن إبراهيم بن السندي كثيرا، ونوه به، وقال فيه: إنه ~~كان مولى أمير المؤمنين، وكان عالما بالدولة، شديد الحب لأبناء الدعوة، ~~وكان يحوط مواليه، ويحفظ أيامهم، ويدعو الناس إلى طاعتهم، ويدرسهم مناقبهم، ~~وكان فخم المعاني، فخم الألفاظ، لو قلت إن لسانه كان أرد على هذا الملك من ~~عشرة آلاف سيف شهير وسنان طرير لكان ذلك قولا ومذهبا، ووصفه ناسبا، وكان ~~فقيها، وكان عروضيا وحافظ للحديث، رواية للشعر شاعرا، وكان فخم الألفاظ، ~~شريف المعاني، وكان كاتب القلم، كاتب العمل، وكان يتكلم بكلام رؤبة، ويعمل ~~في الخراج بعمل زاذان فروخ الأعور، وكان منجما طبيبا، وكان من رؤساء ~~المتكلمين، وعالما بالدولة وبرجال الدعوة، وكان أحفظ الناس لما سمع، وأقلهم ~~نوما، وأصبرهم على السهر. انظر إليه كيف يكرر فعل كان مرات في بضعة أسطر! ~~ياما أحيلاه في مكرراته وفي موجزاته. . وروى عن ثمامة بن أشرس أحد شيوخه في ~~الحديث فقال: إن الصفات التي وصف بها ثمامة بن أشرس جعفر بن يحيى كأن ثمامة ~~قد انتظمها لنفسه، واستولى عليها دون جميع أهل عصره؛ وما علمت أنه كان في ~~زمانه قروي ولا بلدي كان بلغ من حسن الإفهام مع قلة عدد الحروف، ولا من ~~سهولة المخرج مع السلامة من التكلف ما كان بلغه. # والظاهرة المتجلية في كتب أبي عثمان أنه بينا ينقل إليك كلام العقلاء ~~ومذاهب العلماء والحكماء، يروي لك: نوادر من كلام الصبيان والمجرمين من ~~الأعراب، ونوادر كثيرة من كلام المجانين وأهل المرة من الموسوسين، ومن كلام ~~أهل الغفلة من النوكى، وأصحاب التكلف من الحمقى يجعل بعضها في باب الهزل ~~والفكاهة ويقول: ولكل جنس من هذا موضع يصلح له، ولا بد لمن استكده الجد من ~~الاستراحة إلى بعض الهزل وإن المزاح جد إذا اجتلب ليكون علة للجد، وإن ~~البطالة وقار ورزانة، وإذا تكلفت لتلك العاقبة. فهو يكره النغمة الواحدة ~~يرددها، PageV01P356 ### | CHECK [357_2] # فيختار من الأصوات ما ms311 يفعل في النفوس، فيسليها ويطربها وهو يعلمها، ويلعب ~~بالألباب، في كل رسالة له وكتاب. تتجلى في أقواله ورواياته واستنباطاته ~~وفرة المادة، ووفرة البحث، وكثرة ما تعلم، وهضم ما تعلم، فكتبه أعيان ~~متحركة غير جامدة جمود حروفها، تأخذ من كل وجوه الإجادة بأوفر نصيب، وتدور ~~على حسن الإفهام مع قلة عدد الحروف. # ما كتب الجاحظ وألف إلا عن باعث، وكان في الأكثر يتقدم فيعرض ما حمله على ~~التأليف؛ قال في وصف كتاب الحيوان: وهذا كتاب تستوي فيه رغبة الأمم، ~~وتتشابه فيه العرب والعجم، لأنه وإن كان عربيا أعرابيا وإسلاميا جماعيا، ~~فقد أخذ من طرف الفلسفة، وجمع معرفة السماع وعلم التجربة، وأشرك بين علم ~~الكتاب والسنة، وبين وجدان الحاسة، وإحساس الغريزة. ويشتهيه الفتيان، كما ~~يشتهيه الشيوخ، ويشتهيه الفاتك كما يشتهيه الناسك، ويشتهيه اللاعب ذو ~~اللهو، ما يشتهيه المجد ذو الحزم، ويشتهيه الغفل، كما يشتهيه الأريب، ~~ويشتهيه الغبي، كما يشتهيه الفطن؛ ثم ذكر مزاعم الناس في تزييف الكتب، ~~والسبب الذي يدعوهم إلى إسقاطها، فقال: وليس هذا الكتاب يرحمك الله في ~~إيجاب الوعد والوعيد، فيتعرض عليه المرجيء، ولا في تفضيل علي فينتصب له ~~العثماني، ولا هو في تصويب الحكمين فيتسخطه الخارجي، ولا هو في تقديم ~~الاستطاعة فيعرضه من يخالف التقديم، ولا هو في تثبيت الأعراض فيخالفه صاحب ~~الأجسام، ولا هو في تفضيل العجم على العرب، وعدنان على قحطان، وعمروا على ~~واصل، فيرد بذلك الهذلي على النظامي، ولا هو في تفضيل مالك على أبي حنيفة، ~~ولا هو في تفضيل امرئ القيس على النابغة، وعامر بن الطفيل على عمرو ابن ~~معدي كرب، وعباد بن الحصين على عبيد الله بن الحرة، ولا في تفضيل ابن سريج ~~على الغريض، ولا في تفضيل سيبويه على الكسائي، ولا في تفضيل الجعفري على PageV01P357 ### | CHECK [358_2] # العقيلي، ولا في تفضيل حلم الأحنف على حلم معاوية، وتفضيل قتادة على ~~الزهري، فإن لكل صنف من هذه الأصناف شيعة، ولكل رجل من هؤلاء جندا وعددا من ~~مخاصميهم وسفائهم، والمتسرعون منهم كثير، وعلماؤهم قليل، وإنصاف علمائهم ms312 أقل. # قال: وقد صادف هذا الكتاب مني حالات تمنع من بلوغ الإرادة فيه، أول ذلك ~~العلة الشديدة، الثانية قلة الأعوان، الثالثة طول الكتاب، والرابعة أني لو ~~تكلفت كتابا في طوله وعدد ألفاظه ومعانيه، ثم كان من كتاب العرض والجوهر، ~~والصفرة والتوليد، والمداخلة والغرائز والنحاس، لكان أسهل وأقصر أياما، ~~وأسرع فراغا، لأني كنت لا أفزع فيه إلى تلقط الأشعار، وتتبع الأمثال، ~~واستخراج الآي من القرآن، والحجج من الرواية مع تفرق هذه الأمور في الكتب، ~~وتباعد ما بين الأشكال. فإن وجدت فيه خللا من اضطراب لفظ، ومن سوء تأليف، ~~ومن تقطيع نظام، ومن وقوع الشيء في غير موضعه، فلا تنكر بعد أن صورت عندك ~~حالي التي ابتدأت عليها كتابي. ولولا ما أرجو من عون الله على إتمامه، إذ ~~كنت لم ألتمس به إلا إفهامك مواقع الحجج لله، وتصاريف تدبيره، والذي أودع ~~أصناف خلقه من أصناف حكمته، لما تعرضت لهذا المكروه؛ فإن نظرت في هذا ~~الكتاب، فانظر فيه نظر من يلتمس لصاحبه المخارج، ولا يذهب مذهب المتعنت، ~~ومذهب من إذا رأى خيرا كتمه، وإذا رأى شرا أذاعه. # ومما قال فيه: وما عندي لك من الحيلة إلا أن أصوره لك في أحسن صورة، ~~وأقبلك منه في الفنون المختلفة؛ فإن وجدت الكتاب الذي كتبته لك يخالف ما ~~وصفت، فانقصني من نشاطك له على قدر ما نقصتك مما ينشطك إليه لقراءته؛ وإن ~~وجدتني، إذا صح عقلك وإنصافك، قد وفيتك ما ضمنت لك، فوجدت نشاطك بعد ذلك ~~مدخولا، وحدك مفلولا، فاعلم أنا لم نؤت إلا من فسولتك وفساد طبعك، PageV01P358 ### | CHECK [359_2] # ومن إيثارك لما أضر بك. # وقال في مقصده الذي يرمي إليه بطريقته في تأليفه هذا: فرأيت أن جملة ~~الكتاب وإن كثر عدد ورقه أن ذلك ليس مما يمل، ويعتد علي فيه بالإطالة، لأنه ~~وإن كان كتابا واحدا فإنه كتب كثيرة، وكل مصحف منها فهو أم على حدة، فإن ~~أراد أحد قراءة الجميع لم يطل عليه الباب الأول حتى يهجم على الثاني، ولا ~~الثاني حتى يهجم على ms313 الثالث، فهو أبدا مستفيد ومستطرف، وبعضه يكون جماما ~~لبعض؛ ولا يزال نشاطه زائدا ومتى خرج من آي القرآن صار إلى الأثر، ومتى خرج ~~من أثر صار إلى خبر، ثم يخرج من الخبر إلى شعر، ومن الشعر إلى نوادر، ومن ~~النوادر إلى حكم عقلية، ومقاييس شداد، ثم لا يترك هذا الباب، ولعله أن يكون ~~أثقل، والملال إليه أسرع، حتى يفضي به إلى مزح وفكاهة، وإلى سخف وخرافة، ~~ولست أراه سخفا، إذ كنت إنما استعملت سيرة الحكماء، وآداب العلماء، ورأينا ~~الله تبارك وتعالى إذا خاطب العرب والأعراب، أخرج الكلام عنهم جعله مبسوطا، ~~وزاد في الكلام، فأصوب العمل اتباع آثار العلماء، والاحتذاء على مثال ~~القدماء، والأخذ بما عليه الجماعة. وقوله هذا في نسق تأليف القرآن من أبدع ~~ما اهتدت إليه قوة مفكرة. # قال أبو علي الحسن بن داود: فخر البصرة بأربعة كتب: كتاب البيان والتبيين ~~للجاحظ، وكتاب الحيوان له، وكتاب سيبويه، وكتاب العين للخليل. وزعم بعض ~~علماء الإفرنج أن كتاب الحيوان أقرب إلى أن يوسم بكتاب أدب منه إلى أن يعد ~~كتابا قي طبائع الحيوان، قبل غيره لمن ادعي هذه الدعوى أن ما حققه الجاحظ ~~قي صنوف الحيوان قيل غيره من العرب والعجم كاف بأن يعد السابق المبرز في ~~هذا الفن، والشعر الكثير الذي نقله لا يزري بما كتب، وهو يملي على الناس ~~روح عصره. كتب الجاحظ كتابه أوائل القرن الثالث من الهجرة، والعلم كما قال ريشه PageV01P359 ### | CHECK [360_2] # والرابعة أني لو تكلفت كتابا في طوله وعدد ألفاظه ومعانيه، ثم كان من ~~كتاب العرض والجوهر، والصفرة والتوليد، والمداخلة والغرائز والنحاس، لكان ~~أسهل وأقصر أياما، وأسرع فراغا، لأني كنت لا أفزع فيه إلى تلقط الأشعار، ~~وتتبع، الأمثال، واستخراج الآي من القرآن، والحجج من الرواية، مع تفرق هذه ~~الأمور في الكتب، وتباعد ما بين الأشكال. فإن وجدت فيه خللا من اضطراب لفظ، ~~ومن سوء تأليف، ومن تقطيع نظام، ومن وقوع الشيء في غير موضعه، فلا تنكر بعد ~~أن صورت عندك حالي التي ابتدأت عليها كتابي. ms314 ولولا ما أرجو من عون الله على ~~إتمامه، إذ كنت لم ألتمس به إلا إفهامك مواقع الحجج لله، وتصاريف تدبيره، ~~والذي أودع أصناف خلقه من أصناف حكمته، لما تعرضت لهذا المكروه؛ فإن نظرت ~~في هذا الكتاب، فانظر فيه نظر من يلتمس لصاحبه المخارج، ولا يذهب مذهب ~~المتعنت، ومذهب من إذا رأى خيرا كتمه، وإذا شرا أذاعه. # ومما قال فيه: وما عندي لك من الحيلة إلا أن أصوره لك في أحسن صورة، ~~وأقبلك منه في الفنون المختلفة؛ فإن وجدت الكتاب الذي كتبته لك يخالف ما ~~وصفت، فأنقصني من نشاطك له على قدر ما نقصتك مما ينشطك إليه لقراءته؛ وإن ~~وجدتني، إذا صح عقلك وإنصافك، قد وفيتك ما ضمنت لك، فوجدت نشاطك بعد ذلك ~~مدخولا، وحدك مفلولا فاعلم أنا لم نؤت إلا من فسولنك وفساد طبعك، ومن ~~إيثارك لما أضر بك. # وقال في مقصده الذي يرمي إليه بطريقته في تألفيه هذا: فرأيت أن جملة ~~الكتاب وإن كثر عدد ورقة أن ذلك ليس مما يمل، ويعتد علي فيه بالإطالة، لأنه ~~وإن كان كتابا واحدا فإنه كتب كثيرة، وكل مصحف منها فهو أم على حدة، فإن ~~أراد أحد قراءة الجميع لم يطل عليه الباب الأول حتى يهجم على الثاني، ولا ~~الثاني حتى يهجم على الثالث، فهو أبدا مستفيد ومستطرف، وبعضه يكون جماما ~~لبعض؛ ولا PageV01P360 ### | CHECK [361_2] # يزال نشاطه زائدا، ومنى خرج من آي القرآن صار إلى الأثر، ومتى خرج من أثر ~~صار إلى خبر، ثم يخرج من الخبر إلى شعر، ومن الشعر إلى نوادر، ومن النوادر ~~إلى حكم عقلية، ومقاييس شداد، ثم لا يترك هذا الباب، ولعله أن يكون أثقل، ~~والملال إليه أسرع، حتى يفضي به إلى مزح وفكاهة، وإلى سخف وخرافة، ولست ~~أراه سخفا، إذ كنت إنما استعملت سيرة الحكماء، وآداب العلماء، ورأينا الله ~~تبارك وتعالى إذا خاطب العرب والأعراب، أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي ~~والحذف، وإذا خاطب بني إسرائيل أو حكى عنهم جعله مبسوطا، وزاد في الكلام، ~~فأصوب العمل اتباع آثار العلماء، ms315 والاحتذاء على مثال القدماء، والأخذ بما ~~عليه الجماعة. وقوله هذا في نسق تأليف القرآن من أبدع ما اهتدت إليه قوة مفكرة. # قال أبو علي الحسن بن داود: فخر البصرة بأربعة كتب: كتاب البيان والتبيين ~~للجاحظ، وكتاب الحيوان له، وكتاب سيبويه، وكتاب العين للخليل. وزعم بعض ~~علماء الإفرنج أن يعد كتابا في طبائع الحيوان، وجوابنا لمن ادعي هذه الدعوى ~~أن ما حققه الجاحظ في صنوف الحيوان قبل غيره من العرب والعجم كاف بأن يعد ~~السابق المبرز في هذا الفن، والشعر الكثير الذي نقله لا يزري بما كتب، وهو ~~يملي على الناس روح عصره. كتب الجاحظ كتابه أوائل القرن الثالث من الهجرة، ~~والعلم كما قال ريشه لم يتجاور عمره من فرنكلين إلى أنشتين أكثر من مائة ~~وخمسين سنة. وفي كتابه خلاصة من الشعر الجيد، وأجمل الحكايات والنوادر، ~~ومنها ما كان من نوع الآداب الواقع، وهناك أمتع الفوائد الأدبية والمسائل ~~الدينية، وأجمع من هذا كلامه على أجناس الحيوان. وما كتب ما كتب فيه إلا عن ~~تجربة وعيان، وفيه كلام على الناس وبلادهم وهوائهم وأمزجتهم وعاداتهم إلى ~~غير ذلك مما لا يظفر به باحث في كتاب واحد. فإتيان الغرائب والطرائف ومعها ~~شاهد من كتاب منزل، أو حديث مأثور، أو خبر مستفيض، أو شعر معروف، أو مثل PageV01P361 ### | CHECK [362_2] # مضروب، أو يكون ذلك مما يستشهد عليه الطبيب، أو من أكثر من قراءة الكتب، ~~أو بعض من قد مارس الأسفار ولركب البحار، وسكن الصحارى، واستذرى الهضاب، ~~ودخل قي الغياض، ومشى في بطون الأودية - الإتيان بالغرائب باعث على عموم ~~فائدته. # وأما كتابه البيان والتبيين فقد دخل فيه على موضوعه رأسا وبدأه بقوله ~~اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول، كما نعوذ بك من فتنة العمل، ونعوذ بك من ~~التكلف لما لا نحسن، كما نعوذ بك من العجب بما نحسن. ونعود بك من السلاطة ~~والهذر، كما نعوذ بك من العي والحصر، وقديما تعوذوا بالله من شرهما، ~~وتضرعوا إلى الله في السلامة منهما. يقول صاحب الصناعتين إن البيان ~~والتبيين ms316 كثير الفوائد جم المنافع، لما اشتمل عليه من الفصول الشريفة ~~والفقر اللطيفة، والخطب الرائعة والأخبار البارعة، والخطابة وغير ذلك من ~~فنونه المختارة، ونعوته المستحسنة، إلا أن الإبانة عن حدود البلاغة، وأقسام ~~البيان والفصاحة مبثوثة في تضاعيفه، ومنتشرة في أثنائه، فهي ضالة بين ~~الأمثلة لا يوجد إلا بالتأمل الطويل، والتصفح الكثير. . . # الجاحظ في البيان والتبيين يكثر من الشواهد، ويقلل من القواعد، ويضمنه ~~هزلا وجدا، وكأنه كان يشعر بأن كتابه غير منسق، وكان الأمثل به أن يضع كل ~~شيء في مكانه فاعتذر مرة بقوله: وكان في الحق أن يكون هذا الباب في أول ~~الكتاب، ولكنا أخرناه لبعض التدبير. ومما قال في مناسبة أخرى: وهذا الباب ~~يقع في كتاب الإنسان من كتاب الحيوان، وقي فضل ما بين الذكر والأنثى تاما، ~~وليس هذا الباب مما يدخل في باب البيان والتبيين، ولكن قد يجري السبب فيجرى ~~معه بقدر ما يكون تنشيطا لقارئ الكتاب، لأن خروجه من الباب إذا طال لبعض ~~العلم، كان ذلك أروح على قلبه، وأزيد في نشاطه. PageV01P362 ### | CHECK [363_2] # أراد الجاحظ في البيان والتبيين أن يعلم طالب البلاغة بالعمل كما تعلم هو ~~البلاغة، وكان البيان في عهده يعلم على هذه الصورة، وبعده قام العلماء بوضع ~~قواعد قلما أفادت الكتاب والشاعر، اللهم إلا الوقوف على ما عللوا له، ~~الإجادة في كل زمن في فني المنثور والمنظوم ممن لا يعبئون كثيرا بما قاله ~~علماء البيان. يعلم بالذوق والعمل، لا بالقواعد والقوانين. والجاحظ كان في ~~كتابه هذا عمليا شأنه في كل ما كتب. وكذلك هو في النحو فقد قال في فصل ~~رياضة الصبي: وأما النحو فلا تشغل قلبه منه إلا بقدر ما يؤديه إلى السلامة ~~من فاحش اللحن، ومن مقدار جهل العوام في كتاب كتبه، وشعر إن أنشده، وشيء إن ~~وضعه، وما زاد على ذلك فهو مشغلة عما هو أولى به، ومذهل عما هو أرد عليه ~~منه، من رواية المثل والشاهد، والخبر الصادق، والتعبير البارع. والغالب أن ~~البيان والنبيين على كثرة إمتاعه لم ينظر فيه الجاحظ ms317 نظرة أخيرة، فقد ~~رأيناه ذكر قصيدة يلمة بن حرشب في فتال عبس وذبيان مرتين، ونسبها في المرة ~~الثانية لسلمة بن الحارث الإيادي. وهي القصيدة الني أنشدها الجاحظ لسهل بن ~~هارون فقال: والله لكأنه سمع رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري في ~~سياسة القضاء وتدبير الحكم. PageV01P363 # وقال في السبب الذي دعاه إلى تأليف كتابه الدلائل والاعتبار وفيه مباحث من ~~شواهد آثار الصانع في صنعته، وتنبيه على أسرار قد أودعها ما يشاهده المرء ~~من فطرته، تضطلره إلى معرفته وتشهد بوحدانيته، وتخبر عن جلال عظمته وكمال ~~قدرته، قال: إنه ألف مثل كتابه هذا جماعة من الحكماء المتقدمين فما وضحوا ~~معانيه، ولا بينوا المشكل منه، فمنهم جبرائيل بن نوح الأنباري، وقبله ألف ~~في معناه تودرقوس أسقف طرسوس وسمى كتابه التدبر، ونقله من أخذه عنه من ~~السريانية إلى العربية، فأفسده بتأويل الألسنة وسوء العبارة، ومنها كتاب ~~نظمه ثاوريطوس أسقف قورس كتبه باليونانية، ونقل بعده إلى السريانية ثم إلى ~~العربية، فجرى PageV01P364 ### | CHECK [364_2] # مجرى الأول المفسود بتداول النقل والعبارات، ومنها كتاب بالفارسية فأكسبه ~~استغلاقا لهم وجمع الجاحظ محاسن ما وجده في هذه الكتب وزاده بمقدار الطاقة، ~~وشرح ما نقل من غيره، وبين القول فيما زاده، ورتبه ترتيبا يونق السمع، وبسر ~~القلب، ويبسط السامع، ويوجب الحجة على المخالف. # وقال في مقدمة كتابه حجج النبوة: والذي دعانا إلى تأليف حجج الرسول ~~ونظمها، وجمع وجوهها وتدوينها، أنها متى كانت مجموعة منظومة نشط لحفظها ~~ونفهمها من كان عسى أن لا ينشط لجمعها، ولا يقدر على نظمها وجمع متفرقها ~~وعلى اللفظ المؤثر عنها ومن كان عسى أن لا يعرف وجه مطلبها والوقوع عليها، ~~ولعل بعض الناس يعرف بعضها ويجهل بعضها؛ ولعل بعضهم، وإن كان قد عرفها ~~بحقها وصدقها، فلم يعرفها من أسهل طرقها، وأقرب وجوهها، ولعل بعضهم أن يكون ~~قد كان عرف فنسي، أو تهاون بها فعمي، بل لا نشك أنها إذا كانت مجموعة ~~متخيرة مستقصاة مفصلة أنها ستزيد في بصيرة العالم، ويجمع الكل كمن كان لا ~~يعرف إلا ms318 البعض، ويذكر الناسي ويكون عدة على الطاعن. # ولعل بعض من ألحد في دينه، وعمي عن رشده، وأخطأ موضع حظه، أن يدعوه العجب ~~بنفسه، والثقة بما عنده إلى أن يلتمس قرأتها، ليتقدم في نقضها وإفسادها، ~~فإذا قرأها فهنها، وإذا فهمها انتبه من رقدته، وأفاق عن سكرته، لعز الحق ~~وذل الباطل، لإشراف الحجة على الشبهة، ولأن من تفرد بكتاب فقرأه ليس كمن ~~نازع صاحبه وجافاه، لأن الإنسان لا يباهي نفسه، والحق بعد قاهر له، ومع ~~التلاقي يحدث التباهي، وفي المحافل يقل الخضوع ويشتد النزوع اه. # وقال في مقدمة رسالته التبصر بالتجارة: سألت، أكرمك الله، عن أوصاف ما ~~يستظرف في البلدان من الأمتعة الرفيعة والأعلاق النفيسة والجواهر الثمينة ~~المرتفعة القيمة، ليكون ذلك مادة لمن حنكته التجارب، وعونا لمن مارسته وجوه PageV01P365 ### | CHECK [365_2] # المكاسب والمطالب. وقال في مقدمة رسالة الحنين إلى الأوطان: إن لكل شيء من ~~العلم، ونوع من الحكمة، وصنف من الأدب، سببا يدعو إلى تأليف ما كان فيه ~~مشتتا، ومعنى يحدو على جمع ما كان متفرقا، ومتى أغفل حملة الأدب وأهل ~~المعرفة تمييز الأخبار، واستنباط الآثار، وضم كل جوهر نفيس إلى شكله، ~~وتأليف كل نادر من الحكمة إلى مثله، بطلت الحكمة وضاع العلم، وأميت الأدب، ~~ودرس مشهور كل نادرة، ولولا تقييد العلماء خواطرهم على الدهر، ونقرهم آثار ~~الأوائل في الصخر، لبطل أول العلم وضاع آخره. ولذلك قيل: لا يزال الناس ~~بخير ما بقي الأول يتعلم من الآخر. # وهكذا تراه يتفنن في مقدمات كتبه ورسائله تفننه في تأليفها ووضعها، فقد ~~قال في مقدمة كتابه البخلاء: ذكرت حفظك الله أنك قرأت كتابي في تصنيف حيل ~~لصوص النهار، وفي تفصيل حيل سراق الليل، وأنك سددت به كل خلل، وحصنت به كل ~~عورة، وتقدمت بما أفادك من لطائف الخدع، ونبهك عليه من غرائب الحيل، فيما ~~عسى أن لا يبلغه كيد، ولا يحوزه مكر، وذلك أن موقع نفعه عظيم، وأن التقدم ~~في درسه واجب، وقلت اذكر لي نوادر البخلاء، واحتجاج الأشحاء، وما يجوز من ~~ذلك في باب ms319 الهزل، وما يجوز منه في باب الجد، لا جعل الهزل مستراحا، ~~والراحة جماما، فإن للجد كدا يمنع من معاودته، ولابد لمن التمس نفعه من ~~مراجعته. # وبدا كتابه المحاسن والأضداد بقوله: كانت العجم تقيد مآثرها بالبنيان ~~والمدن والحصون، مثل بناء أردشير وبناء إصطخر، وبناء المدائن والسدير، ثم ~~إن العرب شاركت العجم في البنيان، وتفردت بالكتب والأخبار والشعر والآثار، ~~فلها من البنيان غمدان، وكعبة نجران، وقصر مأرب وقصر مارد، وقصر شعوب ~~والأبلق الفرد وغير ذلك من البنيان. وتصنيف الكتب أشد تقييدا للمآثر على ممر PageV01P366 ### | CHECK [366_2] # الأيام والدهور من البنيان، لأن البناء لا محالة يدرس، وتعفى رسومه، ~~والكتاب باق يقع من قرن إلى قرن ومن أمة إلى أمة. فهو أبدا جديد، والناظر ~~فيه مستفيد وهو أبلغ في تحصيل المآثر من البنيان والتصاوير. # وكانت العجم تجعل الكتاب في الصخور، ونقشا في الحجارة، وخلقة مركبة في ~~البنيان، فربما كان الكتاب هو الناتئ، وربما كان هو المحفور، إذا كان ذلك ~~تاريخا لأمر جسيم، أو عهدا لأمر عظيم، أو موعظة يرتجي نفعها، أو إحياء شرف ~~يريدون تخليد ذكره، كما كتبوا على قبة غمدان، وعلى باب القيروان، وعلى باب ~~سمرقند، وعلى عمود مأرب، وعلى ركن المشقر، وعلى الأبلق الفرد، وعلى باب ~~الرها. يعمدون إلى المواضع المشهورة، والأماكن المذكورة، فيضعون الخط في ~~أبعد الموضع من الدثور، وأمنعها من الدروس، وأجدر أن يراه من مر به، ولا ~~ينس على وجه الدهر. ولولا الحكم المحفوظة، والكتب المدونة، لبطل أكثر ~~العلم، ولغلب سلطان النسيان سلطان الذكر، ولما كان للناس مفزع إلى موضع ~~استذكار. ولو لم يتم ذلك لحرمنا أكثر النفع. ولولا ما رسمت لنا الأوائل في ~~كتبها، وخلدت من عجيب حكمتها، ودونت من أنواع سيرها، حتى شاهدنا بها ما غاب ~~عنا، وفتحنا بها كل مستغلق، فجمعنا إلى قليانا كثيرهم، وأدركنا ما لم ندركه ~~إلا بهم، لقد بخس حظنا منه. وأهل العلم والنظر، وأصحاب الفكر والعبر، ~~والعلماء بمخارج الملل وأرباب النحل، وورثة الأنبياء، وأعوان الخلفاء، ~~يكتبون كتب الظرفاء والصلحاء، وكتب الملاهي، وكتب ms320 أعوان الصلحاء، وكتب ~~أصحاب المراء والخصومات، وكتب السخفاء وحمية الجاهلية. ومنهم من يفرط في ~~العلم أيام خموله، وترك ذكره وحداثة سنه. انظر إلى في هذا المجال. وهذه ~~المقدمة تشعر بأن هذا الكتاب أو معظمه هو من قلم الجاحظ أو جمعه بعضهم من ~~كلامه وكلام غيره. PageV01P367 ### | CHECK [367_2] # أما بعد فليس أبدع من هذه المقالة يدلي بها إلف تفكير وتنقير، ودراسة ~~كتب، وحلف تبيين لإقناع من يزعم أن مثل هذه الموضوعات ليست مما يخلق ~~بالتدوين، ويرد بها على من شهدهم أملياء بالخرافات، أقوياء على رد الصحيح، ~~وتصحيح السقيم. قال في سبب تأليفه مناقب الترك وعامة جند الخلافة. إن ~~ذهبنا، حفظك الله، بعقب هذه الاحتجاجات، وعند منقطع هذه الاستدلالات نستعمل ~~المفاوضة بمناقب الأتراك، والموازنة بين خصالهم، وخصال كل صنف من هذه ~~الأصناف، سلكنا في هذا الكتاب سبيل أصحاب الخصوصيات في كتبهم، وطريق أصحاب ~~الأهواء في الاختلاف الذي بينهم، وكتابنا هذا إنما تكلفناه لنوقف بين ~~قلوبهم، إن كانت مختلفة، ولنزيد في الألفة أن كانت مؤتلفة، ولنخبر عن اتفاق ~~أسبابهم لتجتمع كلمتهم، ولتسلم صدورهم وليعرف من كان لا يعرف منهم موضع ~~التفاوت في النسب، وكم مقدار الخلاف في الحسب، فلا يغير بعضهم مغير، ولا ~~يفسده عدو بأباطيل مموهة، وشبعات مزورة، فإن المنافق العليم، والعدو ذا ~~الكيد العظيم، قد يصور لمن دونه الباطل في صورة الحق، ويلبس الإضاعة ثياب ~~الحزم؛ وأنا أقول أن كان لا يمكن ذكر مناقب الأتراك، إلا بذكر مثالب سائر ~~الأجناد، فترك ذكر الجميع أصوب، والإضراب على هذا الكتاب أحزم، وذكر الكثير ~~من هذه الأوصاف بالجميل، لا يقوم بالقليل من ذكر بعضهم بالقبيح، لأن ذكر ~~الأكثر بالجميل نافلة، وباب من التطوع، وذكر الأقل بالقبيح معصية، وباب من ~~ترك الواجب، وقليل الفريضة أجدى علينا من كثير التطوع، ولكل الناس نصيب من ~~النقص ومقدار من الذنوب، وإنما تتفاضل بكثرة المحاسن وقلة المساوي. فإما ~~الاشتمال على جميع المحاسن، والسلامة من جميع المساوي دقيقها وجليلها، ~~وظاهرها وخفيها، فهذا لا يعرف. # وعلى هذا المعنى يقدم بين يدي ms321 نجواه، الدواعي والبواعث إلى التأليف، خصوصا PageV01P368 ### | CHECK [368_2] # وبعض ما يفرده بالتصنيف قد يكون مما تستغرب الكتابة فيه، مثل رسالته في ~~فخر السودان على البيضان، وقوله في المقدمة إنه كتب في ذلك ما حضره من ~~مفاخر السودان. ومثل رسالته في أخلاق الكتاب، جوابا على من مدح أخلاقهم ~~ووصف فضائلهم وأعيانهم، فذكر رداءة مذاهبهم وأفعالهم ولؤم طباعهم وأخلاقهم ~~مشفوعة بالحجة إذ كان في ذلك من التبيان ما يبهرهم، ومن القول ما يسكتهم؛ ~~وقال في غرض تأليف رسالته في القيان: فوضعنا في كتابنا هذا حججا على من ~~عابنا بملك القيان، وسبنا الإخوان، ونقم علينا إظهار النعم والحديث بها، ~~ورجونا النصر إذا قد بدينا، والبادي أظلم، وكاتب الحق فصيح ويروي: ولسان ~~الحق فصيح، ونفس المجروح لا يقام لها، وصولة الحليم المتأني لإبقاء بعدها. ~~فبينا الحجة في اطراح الغيرة في غير محرم ولا ريبة. # وذكر في رسالته تفضيل النطق على الصمت أنه وجد كلام كم زعم أن الصمت أفضل ~~من الكلام كلام امرئ قد أعجب برأيه، وارتطم في هواه، وظن أنه قد نسج فيها ~~كلاما، وألف ألفاظا، ونسج له معاني على نحو مأخذه ومقصده، أنه كان مثله في ~~ذلك مثل من تخلص إلى الحاكم وحده ففلج بحجته، وإني سأوضح لك ببرهان قاطع، ~~وبيان ساطع، وأشرح فيه من الحجج ما يظهر، ومن الحق ما يقهر، بقدر ما أتت ~~عليه معرفتي، وبلغته قوتي، وملكنه طاقتي، بما لا يستطيع أحد رده، ولا يمكنه ~~إنكاره وجحده. وفي رسالته في مدح التجار وذم عمل السلطان: وهذا الكلام لا ~~يزال ينجم من حشوة أتباع السلطان، فأما عليتهم ومصاصهم وذوو البصائر ~~والتمييز منهم. . . فيعلمون أنهمأي التجار أروح الناس أبدانا وأهنؤهم عيشا، ~~وآمنهم سربا، لأنهم في أفنيتهم، كالملوك على أسرتهم، يرغب إليهم أهل ~~الحاجات، وينزع إليهم ملتمسو البياعات، وليس هكذا من لابس السلطان بنفسه، ~~وقاربه بخدمته؛ فإن أولئك لباسهم الذلة، وشعارهم الملق، وقلوبهم ممن هم لهم خول PageV01P369 ### | CHECK [369_2] # مملوءة، قد لبسها الرعب، وألفها الذل، وصحبها ترقب الاحتياج، فهم مع هذا ~~في ms322 تكدير وتنغيص، خوفا من سطوة الرئيس، وتنكيل الصاحب، وتغير الدول، ~~وافتراض حلول المحن، فإن هي حلت بهم، وكثيرا ما تحل، فناهيك بهم مرحومين ~~يرق لهم الأعداد فضلا عن الأولياء. # ومما قال في رسالته في الوكلاء: وأخلق بمن كان في صفتك، وأخرى بمن جرى عن ~~دربتك، أن لا يكون سبب تسرعه، وعلة تشحنه، إلا من ضيق الصدر، وجميع الخير ~~راجع إلى سعة الصدر، فقد صح الآن أن سعة الصدر أصل، وما سوى ذلك من أصناف ~~الخير فرع. وقد رأيتك حفظك الله تعالى خونت جميع الوكلاء وفجرتهم، وشنعت ~~على جميع الوراقين وظلمتهن، وجمعت جميع المعلمين وهجوتهم، وحفظت مساويهم ~~ونسيت محاسنهم، واقتصرت على ذكر مثالب الأعلام والجلة. # وكانت رسالته في الرد على النصارى جواب كتاب جاءه من أحدهم، يذكر فيه من ~~مسائل النصارى قبله، وما دخل على قلوب أحداثهم وضعفائهم من اللبس، وما خاف ~~على جواباتهم من العجز، وسأله إقرارهم بالمسائل، وحسن معونتهم بالجواب قال: ~~وسنقول في جميع ما ورد علينا من مسائلكم، وفيما لا يقع إليكم من مسائلهم، ~~بالشواهد الظاهرة، والحجج القوية، والأدلة الاضطرارية؛ وقال قي الإبانة عن ~~رسالته في البخلاء: ولك في هذا الكتاب ثلاثة أشياء: تبيين حجة طريفة، أو ~~تعرف حيلة لطيفة، أو استفادة نادرة عجيبة، وأنت في ضحك منه إذا شئت، وفي ~~لهو إذا مللت الجد. # وكتب في كتابه طبقات المغنين ما دعاه إلى تأليفه فقال: إنه خص زمانه ~~بفتية أشراف انتظم لهم من الآت الفتوة وأسباب المروءة ما كان محجوبا عن ~~غيرهم، معدوما من سواهم، فحملني الكلف بهم، والمودة لهم، والسرور بتخليد فخرهم، PageV01P370 ### | CHECK [370_2] # وتشييد ذكرهم، والحرص على تقويم أود ذوي الأود منهم، حتى يلحق بأهل ~~الكمال في صناعته، والفضل في معرفته، وعلى تمييز طبقة منهم، وتسمية أهل كل ~~طبقة بأوصافهم وآلاتهم وأدواتهم والمذاهب التي نسبوا إليها أنفسهم، ~~واحتملهم إخوانهم عليها، وخلطنا جدا بهزل، ومزجنا تعريفا بتعريض، ولم نرد ~~بأحد ممن سمينا سواءا، ولا تعمدنا نقدا، ولا تجاوزنا حدا، ولو استعملنا غير ~~الصدق لفضلنا قوما، وحابينا آخرين، ms323 ولم نفعل ذلك تحببا للحيف، بل قصدا ~~للإنصاف. . . . ولم نقصد في وصف من وصفنا من الطبقات التي صنفنا منهم إلا ~~لمن أدركنا من أهل زماننا ممن حصل بمدينة السلام. . . وذلك في سنة خمس عشرة ~~ومائتين. . . . وقد تركنا في كل باب من الأبواب التي صنفناها في كتابنا ~~فرجا لزيادة إن زادت، أو لاحقة إن لحقت، أو نابتة إن نبتت، ومن عسى أن ~~ينتقل به الحذق من مرتبته إلى ما هو أعلى منها، أو يعجز به القصور عما عليه ~~منها إلى ما هو دونها إلى مكانه الذي إليه ارتفاع درجته أو انحطاطها، ومن ~~لعلنا نصير إلى ذكره ممن عزب عنا ذكره، وأنسينا اسمه، ولم يحط علمنا به، ~~فنصيره في موضعه ونلحقه بأصحابه، وليس لأحد أن يثبت من هذه الأصناف إلا ~~بعلتها، ولا يستبد بأمر فيه دوننا. ويورد ذلك علينا فيمتحنه، ويعرفه بما ~~عنده ويصير إلى ترتيبه في المرتبة التي يستحقها، والطبقة التي يحتملها، ~~فلما استتب لنا الفراغ مما أردنا من ذلك، خطر ببالنا كثرة العيابين من ~~الجهال برب العالمين، فلم نأمن أن يسرعوا بسيفه رأيهم، وخفة أحلامهم إلى ~~مقض كتابنا وتبديله، وتحريفه عن مواضعه، وإزالته عن إماكنه، التي عليها ~~رسمنا، وأن نقول كل امرئ منهم في ذلك على حاله، وبقدر هواه ورأيه، وموافقته ~~ومخالفته، والميل في ذلك إلى بعض، والذم لطبقة والحمد لأخرى، فيهجنوا ~~كتابنا، ويلحقوا بنا ما ليس من شأننا. PageV01P371 # وأحببنا أن نأخذ في ذلك بالحزم، وأن نحتاط فيه لأنفسنا ومن ضمه كتابنا، ~~ونبادر إلى تفريق نسخة PageV01P372 ### | CHECK [371_2] # منها وتصييرها في أيدي الثقات والمستبصرين الذين كانوا في هذا الشأن، ثم ~~ختموا ذلك بالعزلة والتوبة منه كصالح بن أبي صالح وكأحمد بن سلام وصالح ~~مولى رشيد، ففعلنا ذلك وصيرناه أمانة في أعناقهم، ونسخة باقية في أيديهم، ~~ووثقنا بهم أمناء ومستودعين، وحفظة غير مضيعين ولا متهمين، وعلمنا أنهم لا ~~يدعون صيانة ما استودعوا، وحفظ ما عليه ائتمنوا، إذا شيب به يخالفه، وأضيف ~~إليه ما لا يلائمه اه. # وبدأ كتابه صناعة القواد بقوله: ms324 أرشدك الله للصواب، وعرفك فضل أولي ~~الألباب، ووهب لك جميل الاداب، وجعلك ممن يعرف عز الأدب، كما يعرف زوائد ~~الغنى، قال أبو عثمان: دخلت على أمير المؤمنين المعتصم بالله، فقلت يا أمير ~~المؤمنين، في اللسان عشر خصال: أداة يظهر بها البيان، وشاهد يخبر عن ~~الضمير، وحاكم يفضل بين الخطاب، وناطق يرد به الجواب، وشافع تدرك به ~~الحاجة، وواصف تعرف به الأشياء، وواعظ يعرف به القبيح، ومغرد ترد به ~~الأخوان، وخاصة تزهى بالصنيعة، ومهلى يونق الأسماع. # وقال في مقدمة كتابه الحجاب: أطال الله بقاك، وجعلني من كل سوء فداك، ~~وأسعدك بطاعته، وتولاك بكرامته، ووالى إليك مزيده؛ اعلم أنه يقال أكرمك ~~الله أن السعيد من وعظ بغيره، وأن الحكيم من أحكمته تجاربه؛ وقد قيل كفاك ~~أدبا لنفسك ما كرهت من غيرك، وقيل كفاك من سوء الفعل سماعه، وقيل إن من ~~يقظه الفهم للوعظ ما يدعو النفس إلى الحذر من الخطا، والعقل تصفيته من ~~القذى، وكانت الملوك إذا أتت ما يجل عن المعاتبة عليه ضربت لها الأمثال ~~وعرض لها بالحديث. # وبهذا الوصف عرفنا بعض طريقته في التأليف. # ومما كتب في صدر رسالة النساء رادا على من حاول الطعن على كتابه، وسخف PageV01P373 ### | CHECK [372_2] # الرأي الذي دعا إلى تأليفه، والإشادة بذكره: إذا كانت الدنيا لا تنفك من ~~حاسد باغ، ومن قائل متكلف، ومن سامع طاعن، ومن منافس مقصر، كما أنها لا ~~تنفك من ذي السلامة مستسلم، ومن عالم متعلم، ومن عظيم الخطر، حسن المحضر، ~~شديد المحاماة على حقوق الأدباء، قليل التسرع إلى أعراض العلماء. # والحاصل أن أبا عثمان أبدع في رسائله وكتبه وفي مقدماتها، وقد طلب إليه ~~أحد أصدقائه أن يكتب له صفات الشارب والمشروب، وما فيهما من المدح والعيوب، ~~وأن يميز له بين الأنبذة والخمر، وأن يقفه على حد السكر وأن يعرفه السبب ~~الذي يرغب في شرب الأنبذة وما فيها من اجتلاب المنفعة وما يكره من نبيذ ~~الأوعية طلب منه هذا فكتبه، فكأنه عاش حياته بين البواطي والجرار والقدور ~~والخمارين والسكيرين والمخمورين؛ وهذا ms325 آية إبداعه وعنوان تناهيه في أدبه ~~يحس كل شيء ويحسن وصف كل شيء. # وقال في صدر كتابه في المعلمين: أعانك الله على سورة الغضب، وعصمك من ~~ثورة الهوى، وصرف ما أعارك من القوة إلى حب الإنصاف، ورجح في قلبك إيثار ~~الأناة، فقد استعملت في المعلمين السفهاء، وخطل الجهلاء، ومفاحشة الأدنياء، ~~ومجانبة سبل الحكماء، وتهكم المقتدرين، وأمن المفترين، ومن تعرض للعداوة ~~وجدها حاضرة، ولا حاجة بك إلى تكلف ما كفيت. # كتب أبو عثمان بعض كتبه عن طلب من أصدقائه، ومنهم من ذكرت فيها أسماؤهم ~~ومنهم من لم نعرف كما وقع له في كتاب حجج النبوة أن قال: قد أعجبني حفظك ~~الله استهداؤك العلم وفهمك له، وشغفك بالإنصاف وميلك إليه، وتعظيمك الحق ~~وموالاتك فيه، ورغبتك عن التقليد، وزرايتك عليه، ومواترة كتبك على بعد ~~دارك، وتقطع أسبابك، وصبرك إلى أوان الإمكان، واتساعك عند تضايق العذر، ~~وفهمت حفظك الله كتابك الأول وما حثثت عليه من تبادل العلم والتعاون PageV01P374 ### | CHECK [373_2] # على البحث والتحاب في الدين والنصيحة لجميع المسلمين، وقلت اكتب إلي ~~كتابا تقصد فيه إلى حاجات النفوس، وإلى إصلاح القلوب، وإلى معتلجات الشكوك، ~~وخواطر الشبهات، دون الذي عليه أكثر المتكلمين من التطويل ومن التعمق ~~والتعقيد، ومن تكلف ما لا يجب، وإضاعة ما يجب، وقلت كن كالمعلم الرفيق، ~~والمعالج الشفيق، الذي يعرف الداء سببه، والدواء ومواقعه، ويصبر على طول ~~العلاج ولا يسأم كثرة الترداد الخ. # أظننا الآن جلينا بعض ما خاض الجاحظ غماره، وجلى في مضاميره من الأبحاث، ~~وما أشبهه بصحيفة عصره السيارة ينطق فيها بلسان حزب الوطن، وحزب الدولة، ~~وحزب الدين، ويدل الناس على مراشدهم، ويكشف عن عورات الفاسدين، ويعلمهم ~~الفضائل، ويلقنهم كل ما تستنير به عقولهم لاستصلاح جماعتهم، يعرفهم ~~بالإسلام من طريقي العقل والنقل، يأتيهم بما يقنعهم، ويزيد أيمانهم وثوقا، ~~ككتبه في إثبات النبوة ونظم القرآن وفصل ما بين النبي والمتنبي. # قال ابن الخياط: ومن قرأ كتاب عمرو والجاحظ في الرد على المشبهة، وكتابه ~~في الإخبار وإثبات النبوة، وكتابه في نظم القرآن علم ms326 أن له في الإسلام غناء ~~عظيما، لم يكن الله عز وجل ليضيعه له. ولا يعرف كتاب في الاحتجاج لنظم ~~القرآن وعجيب تأليفه، وأنه حجة لمحمد على نبوته غير كتاب الجاحظ؛ وهذه كتبه ~~في إثبات الرسالة وكتبه في تصحيح مجيء الأخبار مشهورة اه. # الجاحظ المعلم الأول يعلم الناس أن لا يؤمنوا بشيء إلا صح في نظام العقل، ~~ويريدهم على أن تدق ملاحظتهم، ويرهف حسهم، يعلم حرية النظر والبحث ولسان ~~حاله: إن الدين لا يصح بغير الدنيا، وأن الشريعة جاءت لإصلاح الأولى ~~والأخرى، فتراه يكتب دفاتر مشبعة في ذم الزنى وفي الشارب والمشروب وإثم ~~المسكر، وفي شرائع المروءة، وفي العشق والنساء وفضل ما بين الرجال PageV01P375 ### | CHECK [374_2] # والنساء، وفي الجواري والمعلمين والطفيليين والمغنين وفي العرجان ~~والبصران والقرعان، وفي الأسماء والكنى والألقاب والأنباز، وفي الأصنام، ~~وفي الأنس والسلوة، وفي حيل اللصوص وغش الصناعات وأخلاق الشطار، ويكتب في ~~المعادن والتجارة وفي الزرع والنخل والزيتون والأعناب، وقلما ترى له تخليطا ~~يذكر إلى جانب تخليط غيره من المؤلفين. # ذكر الجاحظ بني مروان وبني أمية في رسالة ما لهم وما عليهم، مع أنه لا ~~يتولاهم؛ يقول المسعودي وقوله يؤخذ أبدا بتحفظ: إن الجاحظ ألف كتابا بإمامة ~~ولد العباس يحتج فيه لهذا المذهب وأنه لم يصنف هذا الكتاب، ولا استقصى فيه ~~الحجج للراوندية، وهم شيعة ولد العباس، لأنه لم يكن مذهبه ولا كان يعتقده، ~~لكن فعل ذلك تماجنا وتطربا؛ وقد صنف كتابا استقصى فيه الحجج ترجمة بكتاب ~~العثمانية، يحيل فيه عند نفسه فضائل علي ومناقبه، ويحتج فيه لغيره، ثم لم ~~يرض بهذا الكتاب المترجم بالعثمانية حتى أعقبه بتصنيف كتاب آخر في إمامة ~~المروانية وأقوال شيعتهم. قال رأيته مترجما بكتاب إمارة أمير المؤمنين ~~معاوية ابن أبي سفيان في الانتصار له من علي بن أبي طالب وشيعته الرافضة ~~يذكر فيه رجال المروانية ويؤيد فيه إمامة بني أمية وغيرهم، ثم صنف كتابا ~~آخر ترجمه بكتاب مسائل العثمانية يذكر فيه ما فاته ذكره ونقضه عند نفسه من ~~فضائل أمير المؤمنين علي ومن ms327 تبعه اه. وهذه الكتب لم تصلنا في جملة عشرات ~~من كتبه فقدت، فما استوثقنا بما ادعاه عليه المسعودي. # وإليك ما قاله فيما عيب عليه من كتبه، وكأنه جواب لمخالفيه، والمسعودي ~~داخل في زمرتهم: وعبتني بكتاب الصرحاء والهجناء ومفاخر السودان والحمران، ~~وموازنة ما بين حق الخؤولة والعمومة. وعبتني بكتاب الزرع والنخل والزيتون ~~والأعناب، وأقسام فضول الصناعات ومراتب التجارات، وبكتاب فضل ما بين PageV01P376 ### | CHECK [375_2] # الرجال والنساء، وفرق ما بين الذكور والإناث، وفي أي موضع يغلبن ويفضلن، ~~وفي أي موضع يكن المغلوبات والمفضولات، ونصيب أيهما في الولد أوفر، وفي أي ~~موضع يكون حقهن أوجب، وأي عمل هو بهن أليق، وأي صناعة هن فيها أبلغ. وعبتني ~~بكتاب القحطانية والعدنانية، وفي الرد على القحطانية، وزعمت أني جاوزت فيه ~~حد الحمية إلى حد العصبية، وأني لم اصل إلى تفضيل العدنانية إلا بتنقص ~~القحطانية. وعبتني بكتاب العرب والموالي، وزعمت أني بخست الموالي حقوقهم، ~~كما أني أعطيت العرب ما ليس لهم. وعبتني بكتاب العرب والعجم، وزعمت أن ~~القول في فرق ما بين العرب والعجم، هو القول في الفرق ما بين الموالي ~~والعرب. ونسبتني إلى التكرار والترداد وإلى التكثر والجهل بما في المعاد من ~~الخطل، وحمل الناس المؤن. وعبتني بكتاب الأصنام وبذكر اعتلالات الهند لها، ~~وسبب عبادة العرب إياها، وكيف اختلفا في جهة العلة، مع اتفاقهما على جملة ~~الديانة، وكيف صار عباد البددة، والمتمسكون بعبادة الأوثان المنحوتة ~~والأصنام المنجورة، أشد الديانيين إلفا لما دانوا به وشغفا لما تعبدوا له، ~~وأظهرهم جدا، وأشدهم على من خالفهم ضغنا. # وقال: وعبتني بكتاب المعادن والقول في جواهر الأرض وفي اختلاف أجناس ~~الفلز والإخبار عن ذائبها وجامدها ومخلوقها ومصنوعها، وكيف يسرع الانقلاب ~~إلى بعضها ويبطئ عن بعضها، وكيف صار بعض الألوان يصبغ ولا ينصبغ، وبعضها ~~ينصبغ ولا يصبغ، وبعضها يصبغ وينصبغ، وما القول في الإكسير والتلطيف. ~~وعبتني بكتاب فرق ما بين هاشم وعبد شمس، وكتاب فرق ما بين الجن والإنس، ~~وفرق ما بين الملائكة والجن، وكيف القول في استيلاء العفريت على سليمان وفي ms328 ~~الهدهد، وفي الذي كان عنده علم من الكتاب، وما الذي هو ذلك العلم، وما ~~تأويل قولهم كان. PageV01P377 ### | CHECK [376_2] # وعبتني بكتاب الأوفاق والرياضات، وما القول في الأرزاق والإنفاقات، وكيف ~~تجرد التجار الحرفاء، وكيف الاحتيال للودائع؛ وبكل ما كتبت إلى إخواني ~~وخلطائي من مزج وجد، ومن إفصاح وتعريض، ومن تغافل وتوقيف، ومن هجاء لا يزال ~~ميسمه باقيا، ومديح لا يزال أثره ناميا، ومن ملح تضحك ومواعظ تبكي. وعبتني ~~برسائلي الهاشميات واحتجاجي فيها، واستقصائي معانيها وتصويري لها في أحسن ~~صورة، وإظهاري لها في أتم حيلة. وزعمت أني قد خرجت بذلك من حد المعتزلة إلى ~~حد الزيدية، ومن حد الاعتدال في التشيع والاقتصاد فيه، إلى حد السرف ~~والإفراط فيه؛ وزعمت أن مقالة الزيدية خطيئة مقالة الرافضة، وأن مقالة ~~الرافضة خطيئة مقالة الغالية. وزعمت أن في أصل القضية والذي جرت عليه ~~العادة أن كل كبير فأوله صغير، وأن كل كثير فإنما هو قليل جمع إلى قليل. . . . # وأنت ترى أن ذاك العائب لأبي عثمان لم يبق له كتابا لم يعبه بتأليفه، وأن ~~كان بلغ من إحكامه شوطا بعيدا، ثم عاد فقال: وعبت كتابي في خلق القرآن، كما ~~عبت كتابي في الرد على المشتبهة، وعبت القول في أصول الفتيا والأحكام، كما ~~عبت كتابي في الاحتجاج لنظم القرآن، وغريب تأليفه وبديع تركيبه، وعبت ~~معارضتي للزيدية، وتفضيل الاعتزال على كل نحلة، كما عبت كتابي في الوعد ~~والوعيد، وكتابي على النصراني واليهودي، ثم عبت جملة كتبي في المعرفة، ~~والتمست تهجينها بكل حيلة، وصغرت من شأنها، وحططت من قدرها، واعترضت على ~~ناسخيها والمنتفعين بها، فعبت كتاب الجوانات، وكتاب المسائل، وكتاب أصحاب ~~الإلهام، وكتاب الحجة في تثبيت النبوة، وكتاب الأخبار، ثم عبت إنكاري بصيرة ~~غنام المرتد، وبصيرة كل جاحد وملحد، وتفريقي بين اعتراض الغمر، وبين ~~استبصار الملحد، وعبت كتاب الرد على الجهمية في الإدارك، وفي PageV01P378 ### | CHECK [377_2] # قولهم في الجهات، وكتاب فرق ما بين النبي والمتنبي، والفرق ما بين الحيل ~~والمخارق، وبين الحقائق الظاهرة والأعلام الباصرة، ثم قصدت إلى كتابي هذا ms329 ~~بالتصغير. . . . # لقي الجاحظ الألاقي من خصومه المشاغبين والمعارضين، ولكن ذهبت أقوالهم في ~~الريح، وذهب هو بالإحسان، ثبتت مصنفاته وانتشرت وبقي الأنسب، وانقراض ~~الثرثارون وما ثرثروا به، وأي عصر، وأي مذهب، وأي جنس خلا من أمثالهم؟ # سياسته ودهاؤه: # الجاحظ رجل سياسة أيضا كما هو معن مفن، عرف سياسة الوقت معرفته سياسة ~~العلم. ومع اعتياده عادة العلماء كما قال ابن خلدون النظر الفكري والغوص ~~على المعاني وانتزاعها من المحسوسات، وتجريدها في الذهن أمورا كلية عامة ~~ليحكم بأمر العموم، لا بخصوص مادة ولا شخص، ولا جيل ولا أمة، ولا صنف من ~~الناس مع اعتياده هذا اشترك في الدفاع عن كيان الدولة، وقصر وكده على ~~الأمور الكبرى، وما دخل في تفاصيل السياسة العباسية. ولو شارك فيها لكثر ~~غلطه عند إرادته إفراغ السياسة في قالب أنظاره، ونوع استدلالاته، من تعميم ~~الأحكام وقياس الأمور بعضها على بعض. # وأقل نظرة في كتبه تنبئك بأنه آزر في خدمة دولته، وأسفاره في الفرق ما ~~بين هاشم وعبد شمس والرسائل الهاشميات والعباسية والعرب والعجم ووجوب ~~الإمامة والدلالة على أن الإمامة فرض ومناقب الترك كلها شاهدة أنه ساهم ~~السياسيين إلى الحد الذي استجاره لنفسه. وإنا إذا نظرنا إلى اتصاله بوزراء ~~الدولة، وإلى حرص كل واحد منهم على أن يختص به دون غيره، ندرك أن من شغفوا ~~بصحبته للانتفاع بفضله وعلمه والاستمتاع بحديثه، لا بد أن يحاولوا حمله على ~~معاونتهم فيما هم بسبيله من مشاكلهم، علما منهم بتأثير كلامه في الأفكار؛ ~~ومنهم من كل PageV01P379 ### | CHECK [378_2] # يعمل لدولته في حاضرها، ويهتم لمستقبلنا، أمثال ابن خاقان وابن أبي داود ~~وابن الزيات. # ومن يؤلف كتاب الفرق ما بين هاشم وبني عبد شمس، لا يعقل إلا أن يسير إلى ~~جنب بني هاشم، وهم أصحاب الدولة القائمة، والجاحظ خصوصا بحكم مذهبه لا ~~يتولى بني أمية. ومن يؤلف الهاشميات وكتاب العباسية لا يتوخى غير خدمة ~~العباسيين، ولا يكتب إلا ما ينفع الهاشميين. وشيء أخر وهو أن أبا عثمان لو ~~لم يتخذ هذه الخطة السياسية، يراعي الخلفاء، وأبناء ms330 الدعوة ووزراءهم، ~~لاستضعفه أعداؤه، وكان له أعداء في علمه وفكره، وحساد غلاط شداد من طبقة ~~العلماء، وطواغيت أغبياء، يكرهون برداءة فطرهم كل من ينبغ ويشتهر. هذا وفي ~~أرض المملكة ألوف من المعجبين به، وأكثرهم من الخواص، والعوام متسلطون ~~عليهم في أغلب الأزمان والبلدان؛ فلولا السياسة التي اتبعها الجلحظ، ولولا ~~ما أدرك المخالف والموالف، أن له يدا عند السلطان، وأنه يرعاه ويبسط عليه ~~جناح رحمته، لناله شيء من أذى العامة والخاصة، بإيعاز أنصار السوء؛ فأبو ~~عثمان اتخذ بالطريقة التي سلكها في بعض تآليفه يدا عند الخلفاء ورجال ~~الدولة فغدوا له قوة وسندا. # انظر إلى قوله في جملة طبقات الناس: وضرب آخر من الناس همج هامج ورعاع ~~منتشر، لا نظام لهم ولا اختيار عندهم، أعرب أجلاف، وأشباه الأعراب، لا تدفع ~~صولتهم إذا هاجوا، ولا تؤمن هيجانهم إذا سكنوا، إن أخصبوا طغوا في البلاد، ~~وإن أجدبوا آثروا العناد، ثم موكلون ببغض القادة، وأهل الثراء والنعمة، ~~يتمنون النكبة، ويشتمون بالعثرة، ويسرون بالحلولة، ويترقبون الدائرة، وهم ~~كما وصفوا الطغام والسفلة. # وقال من رسالة في وصف العوام: قد عرفت ما كان الناس فيه من القول بالعامة PageV01P380 ### | CHECK [379_2] # وما لهم من الجماعات الكثيرة والقوة الظاهرة، وليست للخاصة طاقة بالعامة، ~~ولا للعلية قوة على السفلة. وقد قالت الأوائل فيهم، وفي الاستعاذة بالله ~~تعالى منهم، فقال علي رضي الله عنه: نعوذ بالله من قوم إذا اجتمعوا لم ~~يملكوا وإذا تفرقوا لم يعرفوا. وقال واصل ابن عطاء: ما اجتمعوا إلا ضروا ~~ولا تفرقوا إلا نفعوا. قيل له قد عرفنا مضرة الاجتماع، فما منفعة الافتراق؟ ~~قال: يرجع الطيان إلى تطيينه، والحائك إلى حياكته، والفلاح إلى فلاحتهن وكل ~~إنسان إلى صناعته، وكل ذلك رفق للمسلمين ومعونة للمحتاجين. وكان عمر بن عبد ~~العزيز إذا نظر إلى الطغام والحشوة قال: قبح الله هذه الوجوه التي لا تعرف ~~إلا عند الشر. . . # ذلك رأيه في العامة، وإذا تدبرها كلاما له مثلا، يعتذر فيه عن السلطان ~~ويعلل سبب نقمة بعضهم، عليه، لا نتخرج من أن نذهب ms331 إلى أن هذا الفصل ما كتبه ~~غلا ليقلل من شأن الناقمين على السياسة يومئذ، وجوابه المقدر أصح جواب ~~يقوله سياسي، وهذا هو: # السلطان لا يخلو من متأول ناقم، ومن محكوم عليه ساخط، ومن معدول عن الحكم ~~زار، ومن متعطل متصفح، ومن معجب برأيه، ذي خطل ببيانه، مولع بتهجين الصواب، ~~والاعتراض على التدبير، حتى كأنه رائد لجميع الأمة، ووكيل لسكان المملكة، ~~يضع نفسه في موضع الرقباء، وفي موضع التصفح على الخلفاء والوزراء، لا يعذر ~~وإن كان مجاز العذر واضحا، ولا يقف فيما يكون للشك محتملا، ولا يصدق بأن ~~الشاهد يرى ما لا يرى الغالب، وأنه لا يعرف مصادر الرأي من لم يشهد موارده، ~~ولا مستدبره من لم يعرف مستقبله، ومن محروم قد اضطغنه الحرمان، ومن لئيم قد ~~أفسده الإحسان، ومن مستبطئ قد أخذ أضعاف حقه، وهو لجهله بقدره، ولضيق ذرعه، ~~وقلة شكره يظن أن الذي بقي له أكثر، وأن حقه أوجب؛ ومن مستزيد لو ارتجع ~~السلطان سالف أياديه البيض عنده، PageV01P381 ### | CHECK [380_2] # ونعمه السالفة عليه، لكان لذلك أهلا وله مستحقا، وقد غره الإملاء، وأبطره ~~دوام الكفاية، وأفسده طول الفراغ؛ وصاحب فتنة خامل في الجماعة، رئيس في ~~الفرقة، نعاق في الهرج، قد أقصاه عز السلطان، وأقام صغوه ثقاف الأدب وأذله ~~الحكم بالحق، فهو مغيظ لا يجد غير التشنيع، ولا يتشفى بغير الإرجاف، ولا ~~يستريح إلا إلى الأماني، ولا يأنس إلا بكل مرجف كذاب، ومفتون مرتاب، وحارص ~~لا خير فيه، وخالف لا غناء عنده يريد أن يسوى بالكفاة، ويرفع فوق الحماة، ~~لأمر سلف له، ولإحسان كان من غيره، وليس ممن يرب قديما بحديث، ولا يحفل ~~بدروس شرف، ولا يفصل بين ثواب المحتسبين، وبين الحفظ لأبناء المحسنين، وكيف ~~يعرف فرق ما بين حق الذمام، وثواب الكفاية، من لا يعرف طبقات الحق في ~~مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله. # كتب إلى هذا الفتح بن خاقان وزير التوكل في المشكلة التي كان يراها رجال ~~الدولة من أهم ما يعالج يومئذ، وهي مسألة اللغط في ms332 الجيش من تسرب الأتراك ~~إليه. ومن يقرأ رسالته في مدح الأتراك لا يصعب عليه أن يدرك أن الجاحظ على ~~بلاغته ولطيف حيلته، كان هنا يجمجم ولا يصرح، هو بحكم دمه وتربيته ومنشئه ~~يحب العرب، وبعد سائر الأمم دونهم في المنزلة والجنس، ويرى أن نساء العرب ~~في الجملة أعقل من رجال العجم، ويقول: فما ظنك بالمرأة منهم إذا كانت مقدمة ~~فيهم، ويقول: لم يكن لعبد المطلب في قريش نظير، كما أنه ليس في العرب لقريش ~~نظير، وكما أنه ليس في العرب للناس نظير. وأكثر أبناء دعوته من الترك في ~~الجيش؛ وصات للأتراك في الدولة الكلمة المسموعة، فصبا إلى أن يوفق بين ~~المصليين، مصلحة الدولة في القضاء على تحاسد العناصر في جيشها، والخوف من ~~هؤلاء الأتراك، وقد بدت طلائع سلطانهم، وتجلى بطشهم وفتكهم، وكادت تعرف ~~مراميهم وعلى هذا كان الجاحظ على بعض صواب في كتابه هذا، وإلى PageV01P382 ### | CHECK [381_2] # معذرة فيما موه فيه، فقد نفسه بأن أرضى الأتراك، ونفع دولته بأن أهذأ ~~الأفكار الثائرة، وبضع صفحات من كلام الجاحظ أفعل في الناس من عشرات من ~~رسائل غيره وخطبهم، وهذا سر تمسك رجال الدولة به والضن بصداقته. # عالج بما رأى مسألة تكاثر الأتراك في الجيش، وربما أحنق لثنائه على الترك ~~نفوس بعض العرب عليه، وهكذا اقتضت سياسة دولته وأمته. وعالج أيضا مسألة ~~سياسية أخرى، عنينا مسألة الشعوبية من العجم أعداء العرب، وقد رأى التناحر ~~بين الفرقين يؤدي إلى انقسام المملكة على نفسها، إذا فسد تركيب الجيش، وإذا ~~فسد تركيب الأمة، فهب بما أوتيه من حكمة يقاتل الشعوبيين، ويصغر من شأنهم، ~~ويرفع نمن قدر العرب، وما غايته من ذلك إلا خدمة الدعوة العباسية، ويقول في ~~الطعن عليهم: واعلم أنك لم تر قوما أشفى من هؤلاء الشعوبية، ولا أعدى على ~~دينه، ولا أشد استهلاكا لعرضه، ولا أطول نصبا، ولا أقل غنما من أهل هذه ~~النحلة. وقد شفى الصدور منهم طول جثوم الحسد على أكبادهم، وتوقد نار الشنآن ~~في قلوبهم، وغليان تلك المراجل الفائرة، وتسعر تلك ms333 النيران المضطرمة. ### | AUTO حاربهم في البيان والتبيين، وحاربهم في كتاب الموالي والعرب، ~~وحاربهم في رسالة النابتة، وربما في مواضع أخرى لم تنته إلينا من أقواله، ~~وحارب الموالي لكراهته العصبية التي هلك بها عالم بعد عالم، والحمية التي ~~لا تبقي دينا إلا أفسدته، ولا دنيا إلا أهلكتها، وهو ما صارت إليه العجم من ~~مذهب الشعوبية، وما قد صار إليه الموالي من الفخر على العجم والعرب قال: ~~وليس أدعى إلى الفساد، ولا أجلب للشر من المفاخرة. . . وأي شيء أغيظ من أن ~~يكون عبدك يزعم أنه أشرف منك، وهو مقر أنه صار شريفا بعتقك إياه. # فالجاحظ لم يتلكأ عن خدمة الدولة في مداواة هذين الجرحين النغارين في جسم ~~المملكة، ناقش من يتنازعون في صميم الجيش، ويتنازعون في صميم الأمة، PageV01P383 ### | CHECK [382_2] # وكال بالكيل الوافي لكل من يدعى هذه الدعوى من الخاصة والعامة، خلافا ~~لابن قتيبة الذي ادعى أن الشعوبية الذين عادوا العرب كانوا من السفلة ~~والحشوة وأوباش النبط وأبناء أكرة القرى؛ فأما أشراف العجم وذوو الأخطار ~~منهم، وأهل الديانة، فيعرفون ما لهم وما عليهم، ويرون الشرف نسبا ثابتا. # أي أن هذه العداوة كان العامة يبطنونها ويظهرونها للعرب، والخاصة من ~~الفرس براء منها. أما الجاحظ فأعقل من أن يغتر بالظواهر، ويدرك أن معظم ~~النار من نستصغر الشرر. ويقول إن الفرس أصحاب تنفج وتزيد، ولا سيما في كل ~~شيء مما في باب العصبية. # يفترض الجاحظ كل فرصة ليخدم الدعوة الهاشمية وينوه برجالها، فقد ذكر ~~الكبر والمتكبرين في العرب، وانتهى به الكلام إلى مدح هاشم في هذا ألشن، ~~على أسلوب تعتقد صحة كل ما روى، تأمل كلامه في هذا المعنى، ولعلك تشاطرنا ~~الرأي في أن الجاحظ بالغ بالحط من خصوم العباسيين، ليخرج من ذلك إلى مدح من ~~يريد تجميل صورتهم قال: # والمذكورون من الناس بالكبر ثم من قريش بنو مخزوم وبنو أمية، ومن العرب ~~بنو جعفر بن كلاب وبنو زرارة بن عدس خاصة، فأما الأكاسرة من الفرس فكانوا ~~لا يعدون الناس إلا عبيدا، وأنفسهم إلا أربابا، ms334 ولسنا نخبر إلا عن دهماء ~~الناس وجمهورهم، وكيف كانوا من ملوك وسوقة، والكبر في الأجناس الذليلة من ~~الناس ارسخ وأعم، ولكن الذل والقل مانعتان من ظهور كبره، فصار لا يعرف ذلك ~~إلا أهل المعرفة كعبيدنا من السند وذمتنا من اليهود؛ والجاة أن كل قدر من ~~السفلة والوضعاء والمحقرين أدنى قدرة، ظهر من كبره على من تحت قدرته، على ~~مراتب القدرة ما لا خفاء به، فإن كان ذميا وأحس بما له في صدور الناس تزيد ~~في ذلك؛ واستظهرت به طبيعته، بما يظن أن فيه رقع ذلك الخرق، وحياص PageV01P384 ### | CHECK [383_2] # ذلك الفتق وسد تلك الثلمة، فتفقد ما أقول لك فإنك ستجده فاشيا. وعلى هذا ~~الحساب من هذه الجهة صار المملوك أسوأ ملكا من الحر وشيء قتلته علما، وهو ~~أنا لم أر ذا كبر قط على من دونه إلا وهو يذل لم فوقه بمقدار ذلك ووزنه، ~~فإما بنو مخزوم وبنو أمية وجعفر بن كلاب وبنو زرارة بن عدس فأبطرهم ما ~~وجدوا لأنفسهم من الفضيلة، ولو كان في قوى عقولهم وديانتهم فضل على قوى ~~دواعي الحمية فيهم، لكانوا بني هاشم في تواضعهم وفي إنصافهم لمن دونهم. ~~وذكر في مكان أخر أن بني مخزوم ضرب بهم المثل، ووصفوا في كل غاية، فقيل ~~أتيه من مخزومي، قال وكانت بنو مخزوم تسمى ريحانه قريش لحظوة نساءها عند ~~الرجال، وكانت الجارية تولد لأحد أل الحرث بن هاشم المخزومي فتتباشر النساء ~~بها، ويرى أهلها أنهم أغنياء لرغبة الخطاب فيها. ولذلك قال بن هرمة من قصيدة: # ومن لم يرد مدحي فإن قصائدي ... توافق عند الأكرمين سواني # وتنفق عند المشتري الحمد بالندى ... نفاق بنات الحارث بن هشام # ونقل الثعالبي أن الجاحظ لم يترك مزيدا في وصف قريش ومدحه إياهم وتخصيصه ~~بني هاشم، فإنه رحمه الله ألقى جمة فصاحته وأستنزف بحر بلاغته في فصل له ~~وهو قوله: العرب كالبدن، وقريش روحها، وهاشم سرها ولبها، وموضع غاية الدين ~~والدنيا منها وهاشم ملح الأرض، وزينة الدنيا، وحلي العالم، والسنام الأضخم، ~~والكاهل الأعظم، ولباب ms335 كل جوهر كريم، وسر كل عنصر شريف، والطينة البيضاء، ~~والمغرس المبارك، والنصاب الوثيق، ومعدن الفهم، وينبوع العلم، ومناهل ~~الظامئ إلى الحلم، والسيف الحسام في العزم، مع الأناة والحزم، والصفح عن ~~الجرم، والإغضاء عن العثرة، والعفو عند المقدرة، وهم الألف المقدم، والسنام ~~الأكوم، والعز المشخمر، والصيابة والسر، والكلماء الذي لا PageV01P385 ### | CHECK [384_2] # ينجسه شيء، وكالشمس لا تخفى بكل مكان وكالنجم للحيران، والماء البارد ~~للظمآن، ومنهم العمران، والطيبان، والسبطان، والشهيدان، وأسد الله، وذو ~~الجناحين، وسيد الوادي، وساقي الحجيج، وحليم البطحاء، والبحر والحبر، ~~والأنصار أنصارهم، والمهاجر من هاجر إليهم أو معهم، والصديق من صدقهم، ~~والفاروق من فرق بين الحق والباطل منهم، والحواري حواريهم، وذو الشهادتين ~~لأن شهد لهم، ولا خير إلا لهم أو فيهم أو معهم أو أنضاف إليهم، وكيف لا ~~يكونون كذلك ومنهم رسول رب العالمين، وأمام الأولين والآخرين، وسيد ~~المرسلين وخاتم النبيين. . . # مثال آخر يثبت أنه كان يغلو في مدح بني هاشم وهو قوله كانت الطواعين تقع ~~كثيرا فتصير تواريخ كطاعون عمواس، وطاعون العذاري؛ وطاعون الأشراف وغيرها؛ ~~ولما ملك بنو العباس رفع الله ببركتهم الطواعين والموكان الجارف عن بني ~~آدم، فإنها كانت تحصد فيهم حصدا. وفي ذلك يقول العماني للرشيد: # قد أذهب الله رماح الجن ... وأذهب التعليق والتجني # يريد ما كان بنو مروان يفعلونه من مطالبة الناس بالأموال، وتعذيب عمال ~~الخراج بالتعليق والتجريد قد ذهب. وكلامه هذا منقوض بوثائق التاريخ، فإن ~~الأمويين كانوا ارحم في باب الجباية من العباسيين، وفي رسالة الخراج التي ~~كتبها أبو يوسف للرشيد وصف كثير أما كان يعذب به الناس في الخراج في دهر ~~العباسيين، على ما لم يعهد بعضه في زمن الأمويين. # وبعد فإنك لا ترى في كل ما سلم من كتابات الجاحظ إلا تناسيا منه لما ~~يرتكب من المأثم في المجتمع، والسلطان في العادة والعرف هو مسؤول عنه في ~~الدرجة الأولى. فوجهة نظره في سياسته استصلاح أهل المجتمع ليصلح القائمون ~~عليه بالضرورة، ومن لطيف مأتاه أن لا ينبه الأذهان إلى عيوب الدولة لأنه ~~يحاذر عليها ms336 أعداها، ومصلحته تقتضيه الدفاع عنها ولعل الجاحظ كان يعرف من عيوب PageV01P386 ### | CHECK [385_2] # الخلفاء من بني هاشم من عيوب رجالهم وعمالهم مالا يعرفه كثير من خبراء ~~الدولة في عصر، وقصاراه الإغضاء اضطرارا لا اختيارا، فهو يوجه نقده إلى ~~الكثرة الغامرة من الأمة، عسى أن يكون بصلاحها صلاح الدولة. ولا يؤخذ من ~~هذا أن الجاحظ صانع رجال الدولة، ولو كان يحاول ذلك، ولا يحسن مقدار قبح ~~هذه الصفة لاعتذار عنهم في اكثر ما تم على أيديهم، وأيدي أتباعهم من الشرور ~~والمظالم، ولأقام لهم الأعذار، وهو يعدم حجة، ولا يقصر في بلاغة، بيد أنه ~~رأى الإغضاء وإسدال الستر على ما هنالك، وانطلق يضرب فيمن ينالون من ~~السلطان بما اختار لقيام أمره من أجناس غير عربية أغضبت العرب، وبمن يكيدون ~~من الشعوبيين أعداء العرب، وهواه أبدا مع بني هاشم، زينهم في عينه كونهم ~~أصحاب السلطان. وهو القائل: وقضية واجبة أن الناس لا يصلحهم إلا رئيس واحد، ~~يجمع شملهم ويكفيهم ويحميهم من عدوهم ويمنع قويهم عن ضعيفهم، وقليل له نظام ~~أقوى من كثير لا نظام لهم ولا رئيس عليهم. ثم إن قصوره قليل يوم يصح عزمه ~~على ذكر خصومه لأنه يعد الكذب كبيرة، ويكره التزيد في كل شيء. فإذا موه موه ~~بعقل، وإذا أحب قد يترك مجالا لحفظ خط الرجعة كما يقول المعاصرون، لا يعمى ~~عما ظهر من السيئات، وإن اضطرته الدواعي إلى إغماض الطرف عن تردادها. # تهكمه وتنادره: # قل في العارفين من الناس من تذوق الحياة بالمعنى الذي تذوقه الجاحظ. جد ~~جدا لم يبلغه غير أفراد في الآباد، وهزل هزلا قوي به على معاودة الجد، فروج ~~عن نفسه وعمن حف به وعاشره وقرأ كتبه. أدراك أن مرارة الحياة لا تحلو بعض ~~الحلاوة بغير الدعابة والإحماض، ووقف على أسرار نفس الإنسان فحاول أن يلطف ~~من شره الدنيا وشقائها. تعمد، وهو العليم بأن الضحك والإضحاك خلقا مع PageV01P387 ### | CHECK [386_2] # البشر كالبكاء والإبكاء، أن يهذب الناس في هذه الناحية. والمرء يتعلم ~~بالضحك أكثر مما يتعلم بالعبوس. ms337 وهو يريد أن لا يكون المرء جامدا ولا سائلا ~~بل في حالة بين بين. قال في تعليل استعمال الهزل وفي منافعه ومضاره وفي ~~حكمته وغايته: # أن الكلام قد يكون في لفظ الجد ومعناه معنى الهزل، كما يكون في لفظ الهزل ~~ومعناه معنى الجد، ولو استعمل الناس الدعابة في كل حال، والجد في كل مقال، ~~وتركوا التسميح والتسهيل، وعقدوا في كل دقيق وجليل، لكان السفه صراحا خيرا ~~لهم، والباطل محضا أرد عليهم، ولكن لكل شيء قدر، ولكل حال شكل، فالضحك في ~~موضعه، كالبكاء في موضعه، والتبسم في موضعه كالقطوب في موضعه، وكذلك المنع ~~والبذل، والعقاب والعفو، وجميع القبض والبسط، فإن ذممنا المزاح، ففيه لعمري ~~ما يذم، وإن حمدناه، ففيه ما يحمد، وفصل ما بينه وبين الجد أن الخطأ إلى ~~المزاح أسرع، وحاله بحال السخف أشبه، فأما أن يذم حتى يكون كالظلم، وينعى ~~حتى يكون كالغدر فلا. لأن المزاح مما يكون مرة قبيحا ومرة حسنا، والظالم لا ~~يكون مرة قبيحا ومرة حسنا. # والمزاح باب ليس المخوف فيه التقصير، ولا يكون الخطأ فيه من جهة النقصان. ~~وهو باب متى فتحه فاتح، وطرق له مطرق، لم يملك من سده مثل الذي يملك من ~~فتحه. ولا يخرج منه بقدر ما كان قدم من نفسه، لأنه باب أصل بنائه على ~~الخطأ، ولا يخالطه من الأخلاق إلا ما سخف، ومن شأنه التزيد، وأن يكون صاحبه ~~قليل التحفظ، ولم نر شيئا أبعد من شر، ولا أطول له صحبة ولا أشد خلافا، ولا ~~أكثر خلطا، من الجد والمزاح، والمناظرة والمراء. # هذا قوله في رسالته التربيع والتدوير، وهي الرسالة التي عبث فيها بأحمد ~~بن عبد الوهاب الكاتب، وقد أبدع فيها ما شاء إبداعه، وعاد بعد حين فقال: ~~وقد ذهب PageV01P388 ### | CHECK [387_2] # الناس في المزاح إلى معان متضادة، وسلكوا منه في طرق مختلفة، فزعم بعضهم ~~أن جميع المزاح خير من جميع الجد، وزعم آخرون أن الخير والشر عليهما ~~مقسومان، وأن الحمد والذم بينهما نصفان. # فأما المحامي على الهزل والمفضل للمزح، فإنه ms338 قال: أول ما أذكر من خصال ~~الهزل ومن فضائل المزح أنه دليل على حسن الحال وفراغ البال، وأن الجد لا ~~يكون إلا من فضل حاجة، والمزح لا يكون إلا من فضل غني، وأن الجد غضب، ~~والمزح جمام، والجد مبغضة، والمزح محبة. وصاحب الجد في بلاء ما كان فيه، ~~وصاحب المزح في رخاء إلى أن يخرج منه، والجد مؤلم، وربما عرضك لأشد منه، ~~والمزح ملذ، وربما عرضك لألذ منه. فقد شاركه في التعريض للخير والشر، ~~وباينه بتعجيل الخير دون الشر، وإنا تشاغل الناس ليفرغوا، وجدوا ليهزلوا، ~~كما تذلوا ليعزوا، وكدوا ليستريحوا، وإن كان المزح إنما صار معيبا، والهزل ~~إنما صار مذموما، لآن صاحبه لا يكون إلا معرضا لمجاوزة القدر، ومخاطرا ~~بمودة الصديق، فالجد داعية إلى الإفراط، كما أن المزح داعية إلى مجاوزة ~~القدر، وتجاوز الحد قاطع بين القرينين في جميع النوعين، فقد ساواه المزاح ~~فيما هوله وباينه فيما ليس له، وإنه كان المزح قبيحا لأن يورث الجد، فأقبح ~~من المزح ما صير المزح قبيحا وإذا صار المزح قبيحا، لأن الذي يكون بعده ~~المزح، كان الجد في هذا الوزن أقبح من الوزن، وكان المزح على هذا التقدير ~~أحسن من الجد، لأن ما جعل الشيء أقبح من الشيء حسنا أحسن من الشيء. # وأما الذي عدل بينهما، فإنه زعم أن المزح في موضعه كالجد في موضعه، كما ~~أن المنع في حقه كالبذل في حقه. قال: ولكل شيء موضع، وليس شيء يصلح في كل ~~موضع. وقد قسم الله الخيرة على المعدلة، وأجرى جميع الأمور إلى غاية PageV01P389 ### | CHECK [388_2] # المصلحة، وقسط أجزاء المثوبة على العزيمة والرخصة، وعلى الإعلان والتقية، ~~فأمر بالمداراة، كما أمر بالمبادأة، وجوز المعاريض، كما أمر بالإفصاح، وسوغ ~~في المباح، كما شدد في المفروض، وجعل المباح جماما للقلوب، وراحة للأبدان، ~~وعونا على معاونة الأعمال، فصار الإطلاق كالحضر والصبر كالشكر، وليس ~~للإنسان من الخيرة في الذكر شيء إلا وله في النسيان مثله، ولا في الفطنة ~~شيء إلا وله في الغفلة مثله، ولا في السراء شيء ms339 إلا وله في الضراء مثله، ~~ولو لم يرزق الله العباد إلا بالصواب محصا، وبالصدق صرفا، وبمر الحق صفحا، ~~لهلك العوام، وانتقض أمر الخواص، ولو ذكر الإنسان كل ما أنسيه لشقي، ولو جد ~~في كل شيء لانتكث، وقد يكون الذكر إلى الهلكة سلما، كما يكون النسيان ~~للسلامة سببا. وسبيل المزاح والجد كسبيل المنع والبذل، وعلى ذلك مجرى جميع ~~القبض والبسط. فهذا وما قبله جمل أقاويل القوم. # أبان أبو عثمان بهذه الصفحة عن رأيه في الهزل والجد، وفي مواطن ~~استعمالهما وذكر آراء غيره في ذلك، وما ندري إن كانت حقيقة آراءهم أم هو ~~تصور أنها آراؤهم فأوردها بهذه الصيغة، ونسجها هذا النسج. اعتاد الإنسان ~~المزاح والتنادر والمرح، ولكن إدخال ذلك في هذا القالب العلمي وتدوينه ~~بالتأليف مما لم يعرفه قبل الجاحظ غير أفراد، إن لم تكن هذه الطريقة من ~~مبتكراته مباشرة فهو منظم شؤونها، ومطرز نصوصها ومتونها. # قال أن أهل العلم والنظر، وأصحاب الفكر والعبر، وأرباب النحل، والعلماء ~~وأهل البصر بمخارج الملل، وورثة الأنبياء، وأعوان الخلفاء، يكتبون كتب ~~الظرفاء والملحاء، وكتب الفراغ والخلعاء، وكتب الملاهي والفكاهات، وكتب ~~أصحاب الخصومات، وكتب أصحاب المراء، وكتب أصحاب العصبية وحمية الجاهلية، ~~لأنهم لا يحاسبون أنفسهم، ولا يوازنون بين ما عليهم ولهم، ولا يخالفون تصفح PageV01P390 ### | CHECK [389_2] # العلماء، ولأئمة الأدباء. # فهو إذا يتعمد رفع الملل عن قارئه وعدم إضجاره بالدوام على الجد، لأن ~~الأذن مجاجة وللنفس حمضة كما روى ابن قتيبة وزاد هذا بأن المزاج إذا كان ~~حقا أو مقاربا، ولأحايينه وأوقاته وأسباب أوجبته مشاكلا، ليس من القبيح ولا ~~المنكر، ولا من الكبائر ولا من الصغائر، ورغبات الناس متفاوتة وإنما الكتاب ~~مثل المائدة تختلف فيها مذاقات الطعوم لاختلاف شهوات الآكلين. ومعنى الأذن ~~مجاجة وللنفس حمضة، أن الأذن لا تعي كل ما تسمعه، وهي مع ذلك ذات شهوة لما ~~تستطرفه من غرائب الحديث ونوادر الكلام. وهكذا شرحها الجاحظ وقال إنها كلمة ~~للقدماء. # وقال في كتابه النساء: وليس ينبغي لكتب الآداب والرياضيات أن يحمل ~~أصحابها على الجد الصرف، وعلى ms340 العقل المحض، وعلى الحق المر، وعلى المعاني ~~الصعبة التي تستكد النفوس، وتستفرغ المجهود، وللصبر غاية، وللاحتمال نهاية، ~~ولا بأس بأن يكون الكتاب موشحا ببعض الهزل، على أن الكتاب إذا كثر هزله ~~سخف، كما أنه إذا كثر جده ثقل، ولا بد للكتاب من أن يكون فيه بعض ما ينشط ~~القارئ، وينفي النعاس عن المستمع. # أدرك الجاحظ بحكمته نفسية البشر، وما ينفعهم وما يضربهم، وما يخملهم وما ~~يحمسهم فقال: وخير الناس السهل الطلق الوجه المتواضع، وفراسة الرجل السوء ~~أن يكون منقبضا غير منشرح، وأن يرى لونه إلى الصفرة والكمود من غير مرض، ~~وأن يكون طائش القلب، وأن يكون للدعاية والمزاح كارها وله عائبا، وأن تراه ~~غليظ اللفظ عند المحاورة. ومن فراسة الرجل الصالح أن تراه سهلا طلقا، ذا ~~منظر بهي، وكلام شهي، سبط الجبين غير منقبض، ولا نزق غلق قلق، وغير كاره ~~للدعابة والمزاح، يذكر من يذكر بخير، لين المحاورة متواضعا. ورجال الجد PageV01P391 ### | CHECK [390_2] # غير رجال الهزل، وقد يحسن الشيء بالشباب ويقبح مثله من الشيوخ، ولولا ~~التحصيل والموازنة، والإبقاء على الأدب والديانة، لشدة المحاسبة، لما قالوا ~~لكل مقام مقال، ولكل زمان رجال. # ربما لم ننس أن الجاحظ كان دميم الوجه، قبيح التقاطيع، مختل القسمات وكان ~~الأخفش أحد مشايخه - والأخفش الصغير العينين مع سوء بصرهما - أجلع أيضا - ~~والأجلع الذي لا تنضم شففتاه على أسنانه - ولا شك أن الشيخ وتلميذه كانا ~~إذا اجتمعا، والجاحظ ناتئ العينين، تألفت منهما صورتان غريبان. ولعل أبا ~~عثمان لم يرض كما قالوا أن يفارق شيخه بعد أن أخذ ما عندهن وآثر أن يبقيا ~~صديقين لبعض المشاكلة في الصورة والخلق، ولعل الجاحظ ما تعفف كثيرا عن ~~العبث بأستاذه، وهو ابن النكتة الحارة لا الباردة، وعنده أن النادرة ~~الباردة جدا قد تكون أطيب من النادرة الحارة جدا، وإنما الكرب الذي يخيم ~~على القلوب، ويأخذ بالأنفاس، النادرة الفاترة التي لا هي حارة ولا هي ~~باردة، وكذلك الشعر الوسط والغناء الوسط، وإنما الشأن في الحارة جدا أو ~~الباردة جدا. ولذا تراه كان ms341 يحكي نوادر العوم بألفاظ العوام، حتى لا تفقد ~~النكتة حليتها الأولي ومؤثراتها الخاصة. قال عن نفسه إنه وصف للخليفة ~~المتوكل لتأديب أحد أولاده، فلما رأى صورته استبشعها فصرفه. وقال عن نفسه ~~إنه اشترى له جارية تركية جميلة رجاء أن يرزق منها ولدا يكون بحسنها ~~وذكائه، فولدت له ولدا جاء بقبحه وجهلها. # ومن نكاته قوله: ومن البخلاء المذكورين أبو الهذيل، أهدى مرة إلى يونس بن ~~عمران دجاجة، وكانت دون ما يتخذ ليوسف، إلا أنه لكرمه وحسن خلقه، أظهر ~~التعجب من سمنها وطيب لحمها، فقال له: كيف رأيت يا أبو عمران تلك الدجاجة ~~قال: كانت عجبا من العجاب، قال: أو تدري ما حسنها، وتدري ما سمنها،؟ فإن ~~الدجاجة إنما تطيب بالسمن والحسن، وتدري بأي شيء كنا نسمنها، وفي أي مكان PageV01P392 ### | CHECK [391_2] # كنا نعلفها؟ ولا يزال في هذا، ويونس يضحك ضحكا نعرفه نحن، ولا يعرفه أبو ~~الهذيل؛ وصار بعد ذلك إن ذكروا دجاجة قال: أبن كانت يا أبا عمران من تلك ~~الدجاجة، وإن ذكروا بطة أو عناقا أو جزورا أو بقرة قال: فأين كانت هذه ~~الجزور في الجزر من تلك الدجاجة في الدجاجة، وإن استسمنوا شيئا من الطير أو ~~البهائم أو الدجاجة قال: لا والله، ولا تلك الدجاجة؛ وان ذكروا عذوبة الشحم ~~قال: عذوبة الشحم تصاب في البقر والبط وبطون السمك والدجاج، ولا سيما ذلك ~~الجنس من الدجاج، وإن ذكروا ميلاد شيء أو قدوم إنسان قال: كان ذلك قبل أن ~~أهدي إليك تلك الدجاجة بشهر، وكان بعد أن أهديتها لك بسنة، وما كان بين ~~فلان وبين البعث بتلك الدجاجة إلا يوم، وكانت مثلا في كل شيء، وتاريخا لكل ~~شيء. ويونس ابن عمران من أرباب البيوتات في البصرة كان، وهو الذي رضخ ~~للجاحظ بدنانير اتباع بها ما يقيله به، وأخرج أبا عثمان من تهكم أمة به ~~وبدفاتره، لأول أمره، على ما مر في الفصل الذي عقدناه لوصف نشأته ونعمته. ~~وعلينا أن نتأمل في هذه القصة قوله: ويونس يضحك ضحكا نعرفه نحن ولا يعرفه ms342 ~~أبو الهذيل. # فالجاحظ كما رأيت يسلي نفسه بهذه المداعبات، ويبسم ابتسام العظمة، وإذا ~~تبرم بأبناء الزمان عدد مساوئ الدهر فقال جادا: يصف استحالة الزمان، وفساد ~~الأيام، ودولة الأنذال: # وقدما كان من قدم الحياء على نفسه، وحكم اصدق في قوله، وآثر الحق في ~~أموره، ونبذ المشتبهات عليه من شؤونه، تمت له السلامة، وفاز بوفور حظ ~~العافية، وحمد مغبة مكروه العاقبة، فنظرنا إذ حال عندنا حكمه، وتحولت ~~دولته، فوجدنا الحياء متصلا بالحرمان، والصدق آفة على المال، والقصد في ~~الطلب بترك استعمال القحة، وإخلاص العرض من طريق التوكل، دليلا على سخافة ~~الرأي وبعد أن قال فيمن وجد فيه الفسولة الواضحة، والمثالب الفاضحة، إنه إن PageV01P393 ### | CHECK [392_2] # زل قيل حكم، وإن أخطأ قيل أصاب، وإن هذى في كلامه وهو يقظان، قيل رؤيا ~~صادقة من نسمة مباركة. قال: فهذا دليل أن الطلاح أجدى من الصلاح، وأن الفضل ~~قد مض زمانه، وعفت آثاره، وصارت الدائرة عليه، كما كانت الدائرة على ضده ~~ووجدنا العقل يشقى به قرينه، كما أن الجهل والحمق يحظى به خديته، ووجدنا ~~الشعر ناطقا على الزمان ومعربا عن الأيام حيث يقول: # تحامق مع الحمق إذا ما لقيتهم ... ولاقهم بالجهل فعل أخي الجهل # وخلط إذا لاقيت يوما مخلطا ... يخلط في قول صحيح وفي هزل # فإني رأيت المرء يشقى بعلقله ... كما كان قبل اليوم يسعد بالعقل # قال: فوالله ما عذبت أمة برجفة ولا ريح ولا سخطة، عذاب عيني برؤية ~~المغايظة المدمنة، والأخبار المهلكة، كأن الزمان يوكل بعذابي، فما عيش من ~~لا يسر بأخ شفيق، ولا يصطبح في أول نهاره إلا برؤية من يكرهه ويغمه. # وهذه هي الناحية العابسة في نفس الجاحظ المرحة، رأيته هنا يذكر ما يحيط ~~به من المكدرات والمضنيات حتى ليسيء ظنه بالصلاح، ويفضل عليه الطلاح، شأن ~~المتشائمين والسوداويين. ونفس عمرت كثيرا، واختلفت عليها الأحوال قبضا ~~وبسطا، وخفضا ورفعا، من مثل نفس الجاحظ لا تكون على حالة واحدة من ~~الاسترسال والانقباض طول العمر: رأى من الخلفاء أشكالا، ومن الأمراء ~~والوزراء والعلماء طبقات بعد طبقات، ms343 ومن أبناء المجتمع من لا يحصيهم غير ~~خالقهم، ومن ضروب الأخلاق ما لا تتسع لذكره الأوراق، وليس من شأن الدهر أن ~~يثبت على حالة واحدة حتى يفسح للجاحظ أن يعيش قرنا على وتيرة واحدة؛ وهو ~~القائل لما مسخ الإنسان قردا أنزل فيه مشابه من الإنسان، ولما مسخ زماننا ~~لم ينزل فيه مشابه من الأزمان. وأنشد: # وكان لنا أصدقاء مضوا ... تفانوا جميعا وما خلدوا PageV01P394 ### | CHECK [393_2] # تساقوا جميعا كؤوس المنو ... ن فمات الصديق ومات العدو # ولقد غلبت الدعابة على الجاحظ وتجلت خفة روحه وتهكمه حتى في بعض ما يكتب ~~من أمور الجد، وقد يفهم تهكمه من أسلوب الأداء في عبارته. أليس في قول ~~الجاحظ لما تكلم على الخنزبر فقال: لو أن الكفر والإفلاس والغدر والكذب ~~تجسدت ثم تصورت لما زادت على قبح الخنزير، وكان ذلك بعض الأسباب التي مسخ ~~بها الإنسان خنزيرا، فإن القرد قبيح الوجه قبيح في كل شيء، وكفاك به جري ~~المثل المضروب به، ولكنه من وجه آخر مليح، فملحه يعرض على قبحه فيمازجه ~~ويصلح منه، والخنزير أقبح منه إلا أن قبحه مصمت بهيم فصار أسمج منه كثيرا. ~~أليس في قوله هذا شيء من التهكم وأسلوب من أساليب الهزل في الجد؟ # وقال في وصف الإنسان وما أخذه من طبائع الحيوان: أو ما علمت أن الإنسان ~~الذي خلق له ما في السماوات والأرض وما بينهما كما قال تعالى: (وسخر لكم ما ~~في السماوات وما في الأرض جميعا) إنما سموه العالم الصغير سليل العالم ~~الكبير حين وجدوا فيه من جميع أشكال ما في العالم الكبير ووجدوا له الحواس ~~الخمس، ووجدوا يأكل اللحم والحب، ويجمع بين ما يقتاته السبع والبهيمة، ~~ووجدوا له صولة الجمل، ووثوب الأسد، وغدر الذئب، وروغان الثعلب، وجبن ~~الصفرد. وجمع الذرة، وصنعة الزرافة، وجود الديك، وإلف الكلب، واهتداء ~~الحمام، وربما وجدوا فيه من كل نوع من البهائم والسباع خلتين أو ثلاثا. ولا ~~يبلغ أن يكون جملا بأن يكون فيه اهتداؤه وغيرته وصوله وحقده، وصبره على حمل ~~الثقل. ولا يلزم ms344 شبه الذئب بقدر ما يتهيأ فيه من مثل مكره وغدره واسترواحه، ~~وتوحشه وشدة قلبه، كما أن الرجل يصيب الرأي الغامض، المرة والمرتين ~~والثلاث، ولا يبلغ بذلك المقدار أن يقال له داهية وذو مكر وصاحب خدعة كما ~~يخطئ الرجل PageV01P395 ### | CHECK [394_2] # فيفحش خطؤه في المرة والمرتين والثلاث، ولا يبلغ الأمر به أن يقال له غبي ~~وأبله ومنقوص وعلى ما في هذا الكلام من بحث نفسي لا نخليه من معاني التهكم ~~والهزل، وعنده أن الكلام قد يكون في لفظ الجد ومعناه معنى الهزل، كما يكون ~~في لفظ الهزل ومعناه معنى الجد. # ومن نوادره أنه سمع يقول: رأيت جارية في سوق النخاسين ببغداد ينادي ~~عليها، فدنوت منها وجعلت أقلبها، فقلت لها ما أسمك؟: قالت: مكة. قلت: الله ~~أكبر قد قرب الحج، أتأذنين أن أقبل الحجر الأسود قالت: إليك عني، ألم تسمع ~~الله يقول: (لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس)؟ # ومنها: سمع أبو بكر محمد بن إسحاق يقول: قال لي إبراهيم بن محمود ونحن ~~ببغداد: ألا ندخل على عمرو بن بحر الجاحظ؟ فقلت: مالي وله. قال: إذا انصرفت ~~إلى خراسان سألوك عنه، فلو دخلت عليه وسمعت كلامه. ثم لم يزل بي حتى دخلت ~~عليه يوما، فقدم إلينا طبقا عليه رطب، فتناولت منه ثلاث رطبات وأمسكت، ومر ~~فيه إبراهيم، فأشرت إليه أن يمسك، فرمقني الجاحظ، فقال لي: دعه يا فتى، فقد ~~كان عندي في هذه الأيام بعض إخواني، فقدمت إليه الرطب فامتنع، فحلفت عليه ~~فأبى إلا أن يبر قسمي بثلاثمائة رطبة. # وحدث الجاحظ قال: وقفت أنا وأبو حرب على قاص، فأردت الولع به. فقلت لمن ~~حوله: إنه رجل صالح، لا يحب الشهرة فتفرقوا عنه، فتفرقوا، فقال لي: حسيبك ~~الله! إذا لم ير الصياد طيرا كيف يمد شبكته؟ # وروى أن رجلا من أهل السواد يتشيع، وكان ظريفا، فقال ابن عم له: بلغني ~~أنك تبغض عليا، والله لئن فعلت لتردن عليه الحوض يوم القيامة ولا يسقيك. ~~فقال: والحوض في يده يوم القيامة؟ فقال: نعم. فقال: وما لهذا ms345 الرجل الفاضل ~~يقتل الناس في الدنيا بالسيف، وفي الآخرة بالعطس؟ PageV01P396 ### | CHECK [395_2] # فقيل له: أتقول هذا مع تشيعك ودينك؟ فقال: والله لا تركت النادرة ولو ~~قتلتني في الدنيا، وأدخلتني النار في الآخرة. # ومنها: حكى بعض أبناء البرامكة قال: تقلدت السند وحصل لي ما شاء الله ثم ~~صرفت عنها، وكنت قد اكتسبت بها ثلاثين ألف دينار فصغتها عشرة آلاف إهليجة ~~وجاء الصارف فركبت البحر وانحدرت إلى البصرة. فخبرت أن الجاحظ بها، وأنه ~~عليل بالفالج، وأحببت أن أراه قبل وفاته فصرت إليه وقرعت الباب، فخرجت إلي ~~خادمة صغرى فقلت: رجل غريب أحب أن أنظر إلى الشيخ. فبلغته، فسمعته يقول: ~~قولي له ما تصنع بشق مائل ولعاب سائل، ولون حائل. فقلت للجارية: لا بد من ~~النظر إليه. فقال: هذا رجل ورد البصرة، وسمع بي ويريد أن يقول رأيت الجاحظ ~~فأذن لي فدخلت وسلمت، فرد ردا جميلا وقال: من تكون أعزك الله؟ فانتسبت له، ~~فقال: رحم الله أسلافك وآباءك السمحاء، فلقد كانت أيامهم رياض الأزمنة، ~~ولقد رأى بهم الخلق خيرا كثيرا، فسقيا لهم ورعيا. فدعوت له وقلت له: أنشدني ~~شيئا، فقال: # لئن قدمت قبلي رجال فطالما ... مشيت على رسلي فكنت المقدما # ولكن هذا الدهر تأتي صروفه ... فتبرم منقوضا وتنقض مبرما # ثم نهضت، فلما قربت من الباب قال: يا فتى، أرأيت مفلوجا ينفعه الإهليج؟ ~~قلت لا. قال: الإهليج الذي معك ينفعني، فابعث إلى منه. فقلت نعم، وعجبت من ~~وقوعه على خبري مع كتمي له، وبعثت له منه شيئا. # قال الحصري بعد إيراد هذه القصة: وهذا يدل على كثرة بحثه وتنقيره، إذ كان ~~وهو في هذه السن العالية، والفالج الشديد، تنشر عنده الأخبار، ولا تطوى عنه ~~الأسرار، فكيف كان قبل هذا؟ ومن إحدى عجائبه أنه ألف كتاب الحيوان وهو على ~~تلك الحال. PageV01P397 ### | CHECK [396_2] # قال أبو عثمان ما أخجلني أحد مثل امرأتين رأيت أحدهما في المعسكر، وكانت ~~طويلة القامة، اصعد أنت حتى ترى الدنيا. وأما الأخرى فإنها أتتني وأنا على ~~باب داري فقالت: لي إليك حاجة ms346 وأريد أن تمشي معي، فقمت معها إلى أن أتت بي ~~إلى صائغ يهودي فقالت له: مثل هذا، وانصرفت. فسألت الصائغ عن قولها فقال: ~~إنها أتت إلي بفص وأمرتني أن أنقش لها عليه صورة شيطان، فقلت: يا ستي ما ~~رأيت الشيطان، فأتت بك وقالت ما سمعت. # لما جيء به مقيدا من البصرة عقبى صديقه محمد بن عبد الملك الزيات، أمر ~~أحمد بن أبي دواد أن يفك قيده، فجيء بالحداد، فقال الجاحظ: لتفكوا عني أو ~~لتزيدوني؟ فقيل له: بل ليفك عنك، فغمر بعض أهل المجلس الحداد أن يعنف بساق ~~الجاحظ، ويطيل أمره قليلا، ففعل، فلطمه الجاحظ وقال له: اعمل عمل سنة في ~~يوم، وعمل يوم في ساعة، وعمل ساعة في لحظة، فإن الضرر على ساقي، وليس بجذع ~~ولا ساجة. فضحك ابن أبي دواد وأهل المجلس منه. # صنف كتابا من كتبه وبوبه وبثه في الناس، فأخذه بعض أهل عصره فحذف منه ~~أشياء وجعله أشلاء، فأحضره وقال له: يا هذا إن المصنف كالمصور، وإني قد ~~صورت في تصنيفي صورة كانت لها عينان فعورتهما، أعمى الله عينيك، وكان لها ~~أذنان فصلمتهما، صلم الله أذنيك، وكان لها يدان فقطعتهما، قطع الله يديك. ~~حتى عد أعضاء الصورة. # وسأله شخص كتابا إلى بعض أصحابه بالوصية فكتب له رقعة وختمها، فلما خرج ~~الرجل من عنده فضها فإذا فيها: كتابي إليك مع من لا أعرف ولا أوجب حقه، فإن ~~قضيت حقه لم أحمدكن وإن رددته لم أذمك. فرجع إليه الرجل، فقال الجاحظ: كأنك ~~فضضت الورقة؟ قال: نعم. قال: لا يضرك ما فيها فإنه علامة لي إذا أرادت ~~العناية بشخص، فقال الرجل: قطع الله يديك ورجليك ولعنك. فقال: ما PageV01P398 ### | CHECK [397_2] # هذا؟ علامة لي إذا أردت أن أشكر شخصا. # وحكى أبا طاهر قال: صرت إلى الجاحظ ومعي جماعة، وقد أسن واعتل في آخر ~~عمره وهو في منظرة له وعنده ابن حاقان جاره. فقرعنا الباب فلم يفتح لنا، ~~وأشرف من المنظرة فقال: ألا إني قد حوقلت وحملت رميح أني سعد وسقت الغم، ms347 ~~فما تصنعون بي؟ سلموا سلام الوداع. فسلمنا وانصرفنا. # دخل أحدهم على الجاحظ فسأله عن حاله، فقال له الجاحظ: سألتني عن الجملة ~~فاسمعها مني وأحدا: حالي أن الوزير يتكلم برأيي، وينفذ أمرين ويواتر ~~الخليفة الصلات إلي، وآكل من لحم الطير أسمنها، وألبس من الثياب ألينها، ~~وأجلس على اللين الطري، وأتكئ على هذا الريش، ثم أصبر على هذا حتى يأتي ~~الله بالفرج. فقال له الرجل: الفرج ما أنت فيه، قال: بل أحب أن تكون ~~الخلافة لي، ويعمل محمد بن عبد الملك بأمري، ويختلف إلى، فهذا هو الفرج. # وقال: إن تهيأ لك في الشاعر أن تبره وترضيه وإلا فاقتله. ### | AUTO حكى الجاحظ أنه ألف كتابا في نوادر المعلمين وما هم عليه من ~~التغلغل، ثم رجع عن ذلك وعزم على تقطيع ذلك الكتاب، قال: دخلت يوما مدينة ~~فوجدت فيها معلما في هيئة حسنة، فسلمت عليه فرد علي أحن رد، ورحب بي فجلست ~~عنده، وباحثه في القرآن فإذا هو ماهر فيه، ثم فاتحته في الفقه والنحو وعلم ~~المعقول وأشعار العرب، فإذا هو كامل الآداب، فقلت: هذا والله مما يقوي عزمي ~~على تقطيع الكتاب. قال فكنت اختلفت إليه وأزوره، فجئت يوما لزيارته، فإذا ~~بالكتاب مغلق، ولم أجده، فسألت عنه فقيل مات له ميت، فحزن عليه وجلس في ~~بيته للعزاء، فذهبت إلى بيته وطرقت الباب، فخرجت إلي جارية وقالت: ما تريد؟ ~~قلت: سيدك، فدخلت وخرجت وقالت: باسم الله، فدخلت إليه وإذا به جالس فقلت: ~~عظم الله أجرك لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، كل نفس ذائقة الموت، PageV01P399 ### | CHECK [398_2] # فعليك بالصبر، ثم قلت له: هذا الذي توفي ولدك؟ قال: لا، قلت فوالدك؟ قال: ~~لا. قلت: فأخوك؟ قال: لا. قلت: فزوجتك؟ # قال: لا. فقلت وما هو منك؟ قال: حبيبتي. فقلت في نفسي هذه أول المناحس. ~~فقلت: سبحان الله النساء كثير وستجد غيرها. فقال أتظن أني رأيتها؟ قلت: ~~وهذه منحسة ثانية. ثم قلت: وكيف عشقت من لم تر؟ فقال: إعلم أني كنت جالسا ~~في هذا المكان وأنا ms348 أنظر من الطاق إذ رأيت رجلا عليه برد وهو يقول: # يا أم عمرو جزاك الله مكرمة ... ردي علي فوادي أينما كانا # لا تأخذين فؤادي تلعبين به ... فكيف يلعب بالإنسان إنسانا # فقلت في نفسي: لولا أن أم عمرو هذه ما في الدنيا أحسن منها ما قيل هذا ~~الشعر فعشقتها، فلما كان منذ يومين مر ذلك الرجل بعينه وهو يقول: # إذا ذهب الحمار بأم عمرو ... فلا رجعت ولا رجع الحمار # فعلمت أنها ماتت فحزنت عليها، وأغلقت المكتب وجلست في الدار. # فقلت: يا هذا إني كنت ألفت كتابا في نوادركم معشر المعلمين، وكنت حين ~~صاحبتك عزمت على تقطيعه والآن قد قويت عزمي على إبقائه، وأول ما أبدأ إن ~~شاء الله تعالى. # وكان الجماز البصري شاعرا ماجنا خبيث اللسان، وكان له مع الجاحظ ملاحاة ~~ومهاجاة قد يكون فيها إقذاع وإفحاش. وكان الجاحظ يعبث أيضا بأبي هفان ~~الشاعر وغيرهما من الشعراء والكتاب والمؤلفين والقصاصين وكل ذلك من غير ~~تبذل وإسفاف. # ومعاني الجاحظ في هذا الباب مذكورة في كلام له، ولم تر العيون، ولا سمعت ~~الآذان، ولا توهمت العقول عملا اجتباه ذو عقل أو اختاره ذو علم، بأوبأ ولا ~~أفسد لعرض، ولا أوجب لسخط الله، ولا أدعى إلى مقت الناس، ولا أبعد من ~~الفلاح، PageV01P400 ### | CHECK [399_2] # ولا أظهر نفورا عن التوبة، ولا أقل إدراكا عند الحقيقة، ولا أنقض ~~للطبيعة، ولا أمنع من العلم ولا أشد خلافا على الحلم، من التكبر في غير ~~موضعه، والتنبل في غير كنهه. وما ظنك بشيء العجب شقيقه، والبذخ صديقه، ~~والتنفج أليفه، والصلف قعيده. والبذاخ متزيد، والنفاج كذاب، والمتكبر ظالم، ~~والمعجب صغير النفس، وإذا اجتمعت هذا الخلال، وانتظمت هذه الخصال في قلب ~~طال خرابه، واستغلق بابه، وشر العيون ما كان مضمنا بعيوب، وشر الذنوب ما ~~كان علة الذنوب. # نماذج من رقاعه وكلماته: # 1 - كتب إلى ابن أبي داود يستعطفه: ليس عندي، أعزك الله، سبب، ولا أقدر ~~على شفيع، إلا ما طبعك الله عليه من الكرم والرحمة والتأمل الذي لا يكون ~~إلا من ms349 نتاج حسن الظن، وإثبات الفضل بحال المأمول، وأرجو أن أكول من ~~العتقاء الشاكرين فتكون خير معتب، وأكون أفضل شاكر، ولعل الله أن يجعل هذا ~~الأمر سببا لهذا الإنعام، وهذا الإنعام سبيلا للانقطاع إليكم، والكون تحت ~~أجنحتكم، فيكون لا أعظم بركة، ولا أنمى بقية، من ذنب أصبحت فيه، وبمثلك، ~~جعلت فداك، عاد الذنب وسيلة، والسيئة حسنة، ومثلك من انقلب به الشر خيرا ~~والغرم غنما، ومن عاقب أخذ حظه، وإنما الأجر في الآخرة، وطيب الذكر في ~~الدنيا، على قدر الاحتمال، وتجرع المرائر، وأرجو ألا أضيع وأهلك فيما بين ~~عقلك وكرمك؛ وما أكثر من يعفو عمن صغر ذنبه، وعظم حقه، وإنما الفضل والثناء ~~العفو عن عظيم الجرم، ضعيف الحرمة، وإن كان العفو العظيم مستطرفا من غيركم، ~~فهو تلاد فيكم، حتى ربما دعا ذلك كثيرا من الناس مخالفة أمركم، فلا أنتم عن ~~ذلك تنكلون، ولا على سالف إحسانكم تندمون، وما مثلكم إلا كمثل عيسى بن ~~مريم، حين كان لا يمر بملأ من بني إسرائيل إلا أسمعوه شرا وأسمعهم خيرا، ~~فقال له شمعون الصفا: ما رأيت كاليوم كلما أسمعوك شرا أسمعتهم خيرا، فقال: ~~كل امرئ PageV01P401 ### | CHECK [400_2] # ينفق مما عنده، وليس عندكم إلا الخير، ولا في أوعيتكم إلا الرحمة، وكل ~~أناء بالذي فيه ينضح. # 2 - وكتب إلى محمد بن عبد الملك: أعاذك الله من سوء الغضب، وعصمك من سرف ~~الهوى، وصرف ما أعارك من القوة إلى حب الأنصاف، ورجح في قلبك أيثار الأناة، ~~فقد خفت، أيدك الله، أن أكون عندك من المنسوبين إلى نزق السفهاء، ومجانبة ~~سبل الحكماء، وبعد فقد قال عبد الرحمن بن ثابت: # وأن امرأ أمسى واصبح سالما ... من الناس إلا ما جنى لسعيد # وقال الآخر: # ومن دعا الناس إلى ذمه ... ذموه بالحق وبالباطل # فإن كنت اجترأت عليك، أصلحك الله، فلم أجترئ إلا لأن دوام تغافلك عني ~~شبيه بالإهمال الذي يورث الأغفال، والعفو المتتابع يؤمن من المكافئة، ولذلك ~~قال عيينة بن حصن بن حذيفة لعثمان رحمه الله: عمر كان خيرا لي منك، رهبني ms350 ~~فاتقاني، وأعطاني فأغناني. فإن كنت لا تهب عقابي، أيدك الله، لخدمة فهبه ~~لأياديك عندي، فإن النعمة تشفع في النقمة، وإلا تفعل ذلك لذلك فعد إلى حسن ~~العادة، وإلا فافعل ذلك لحسن الأحدوثة، وإلا فأتي ما أنت أهله من العفو دون ~~ما أنا أهله من استحقاق العقوبة، فسبحان من جعلك تعفو عن المتعمد، وتتجافى ~~عن عقاب المصر، حتى إذا صرت إلى من هفوته ذكر، وذنبه نسيان، ومن لا يعرف ~~الشكر إلا لك، والأنعام إلا منك، هجمت عليه بالعقوبة. وأعلم أيك الله، أن ~~شين غضبك علي كزين صفحك عني، وأن موت ذكري مع انقطاعي سببي منك، كحياة ذكرك ~~مع اتصال سببي بك، واعلم أن لك فطنة عليم، وغفلة كريم والسلام. # 3 - وكتب إلى أبي حاتم السجستاني وبلغه عنه أنه نال منه: أما بعد فلو ~~كففت عنا من غربك، لكنا أهلا لذلك منك؛ فلم يعد أبو حاتم إلى ذكره بقبيح. PageV01P402 ### | CHECK [401_2] # 4 - وله فصل في استنجاز وعد: أما بعد فقد رسفنا في قيود مواعيدك، وطال ~~مقامنا في سجون مطلك، فأطلقنا، أبقاك الله، من ضيقها، وشديد غمها، بنعم منك ~~مثمرة أو مريحة، أما بعد فإن شجر مواعيدك قد أورقت، فليكن ثمرها سالما من ~~جوائح المطل، أما بعد، فإن سحاب وعدك قد برقت، فليكن وبلها سالما من صواعق ~~المطل والاعتلال. # 5 - وله فصل في عتاب: أما بعد فإن المكافئة بالإحسان فريضة، والتفضل على ~~ذوي الإحسان نافلة، أما بعد فلها ؟ السكوت على لسانك، أن كانت العافية من ~~شأنك، أما بعد فلا تزهد فيما رغب إليك، فتكون لحضك معاندا، وللنعمة جاحدا، ~~أما بعد فأن العقل والهوى ضدان، فقرين العقل التوفيق، وقرين الهوى الخذلان، ~~والنفس طالبة فبأيهما ضفرت كنت في حزبه، أما بعد فإن الأشخاص كالأشجار، ~~والحركات كالأغصان، والألفاظ كالثمار، أما بعد فأن القلوب أوعية، والعقول ~~معادن، فما في الوعاء ينفذ، إذا لم يمده المعدن، أما بعد فكفى بالتجارب ~~تأديبا، وبتقلب الأيام عظة، وبأخلاق من عاشرت معرفة، وبذكرك الموت زاجرا، ~~أما بعد فأن احتمل الصبر على لذع ms351 الغضب، أهون من إطفائه بالشتم والقذع، أما ~~بعد فأن أهل النظر في العواقب، أولو الاستعداد للنوائب، وما عظمت نعمة امرئ ~~إلا استغرقت الدنيا همته، ومن فرغ لطلب الآخرة شغله جعل الأيام مطايا عمله، ~~والآخرة مقيل مرتحله، أما بعد فإن الاهتمام بالدنيا غير زائد في الرزق ~~والأجل، والاستغناء غير ناقص للمقادير، أما بعد فإنه ليس كل من علم أمسك، ~~وقد يستجهل الحليم حين يستحق الهجران، أما بعد فإن أحببت أن تتم لك المقة ~~في قلوب إخوانك فاستقل كثيرا مما توليهم، أما بعد فإن أنظر الناس في ~~العاقبة من لطف حين كف حرب عدوه بالصفح والتجاوز، واستل حقده بالرفق ~~والتحبب. # 6 - وكتب إلى ابن الزيات: نحن أعزك الله، نسخر بالبيان، وموه بالقول، والناس PageV01P403 ### | CHECK [402_2] # ينظرون إلى الحال، ويقضون بالعيان، فأثر في أمرنا أثرا ينطق إذا سكتنا، ~~فإن المدعي بغير بينة متعرض للتكذيب. # 7 - وله في وصاة: أما بعد فإن أحق من أسعفته في حاجته، وأجبته إلى طلبته، ~~من توسل إليك بالأمان ونزرع نحوك بالرجاء، أما بعد فما أقبح الأحدوثة، من ~~مستمنح حرمته، وطالب حاجة رددته، ومثابر حجبته، ومنبسط إليك قبضته، ومقبل ~~إليك بعنانه لويت عنه، فتثبت في ذلك ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم، ~~أما بعد فإن فلانا أسبابه متصلة بنا يلزمنا ذمامهن وبلوغ موافقته من أياديك ~~عندنا، وأنت لنا موضع الثقة من مكافأته، فأولنا فيه ما نعرف موقعنا من حسن ~~رأيك، وتكون مكافأة لحقه علينا، أما بعد أتانا كتاب في فلان، وله لدينا من ~~الذمام ما يلزمنا مكافأته، ورعاية حقه، ونحن من المعتبة بأمره، على ما كان ~~في حرمته، ويؤدي شكره. # 8 - وله في الاعتذار: أما بعد فنعم البديل من الزلة الاعتذار، وبئس العرض ~~من التوبة الإصرار، أما بعد فإن أحق ما عطفت عليه بحلمك، من لم يتشفع إليك ~~بغيرك؛ أما بعد فإنه لا عوض من إخائك، ولا خلف من حسن رأيك، وقد انتقمت مني ~~في زلتي بجفائك، فأطلق أسير تشوقي إلى لقائك؛ أما بعد فإنني بمعرفتي ببلوغ ms352 ~~حلمك، وغاية عفوك، ضمنت لنفسي العفو من زلتها عندك؛ أما بعد فإن من جحد ~~إحسانك مقالته فيك، مكذب نفسه بما يبدو للناس منه؛ أما بعد فقد مسي من ~~الألم ما لم يشفه غير مواصلتك، مع حبسك الاعتذار من هفوتكن ولكن ذنبك ~~تغتفره مودتك، فامنن علينا بصلتك، تكن بدلا من مساءتك، وعوضا من هفوتك؛ أما ~~بعد فلا خير فيمن استغرقت موجدته عليك قدرك عنده، ولم يتسع لهنات الإخوان؛ ~~أما بعد فإن أولى الناس عندي بالصفح من أسلمه إلى ملكك التماس رضاك، من غير ~~قدرة منك عليه؛ أما بعد فإن كنت ذممتني على الإساءة فلم PageV01P404 ### | CHECK [403_2] # رضيت لنفسك المكافأة اه. # وتكرار أما بعد والعادة ذكرها مرة في أول الخطبة، ومعناها بعد دعائي لك ~~من أجمل مكرراته؛ وكأن الجاحظ بخروجه على مألوف الكتاب في مثل هذا التكرار ~~يبتدع أسلوبا أو أن ذلك من جملة مبتدعاته في الكتابة. # 9 - وله التعازي: أما بعد فإن الماضي قلبك الباقي لك، والباقي بعدك ~~المأجور فيك، وإنما يوفى الصابرين أجرهم بغير حساب. أما بعد فإن في الله ~~العزاء عن كل هالك. والخلف من كل مصاب، وأنه من لم يتعز بعزاء الله تنقطع ~~نفسه عن الدنيا حسره. أما بعد فإن الصبر يعقبه الأجر، والجزع يعقبه الهلع، ~~فتمسك بحظك من الصبر، تنل به الذي تطلب، وتدرك به الذي تأمل، أما بعد فقد ~~كفى بكتاب الله واعظا، ولذوي اللباب زاجرا فعليك بالتلاوة تنح مما أوعد ~~الله أهل المعصية. # 10 - ومن كلامه: زينك الله بالتقوى، وكفاك ما أهمك من الآخرة والأولى. من ~~عاقب أبقاك الله على الصغيرة عقوبة الكبيرة، وعلى الهفوة عقوبة الإصرار، ~~فقد تناهي في الظلم. ومن لم يفرق بين الأسافل والأعالي، والأداني والأقاصي، ~~فقد قصر والله. لقد كنت أكره سرف الرضا، مخافة أن يؤدي إلى سرف الهوى، فما ~~ظنك بسرف الغيظ، وغلبة الغضب، من طياش عجول فحاش، ومعه من الخرق بقدر قسطه ~~من التهاب المرة الحمراء، وأنت روح كما أنت جسم، وكذلك جنسك ونوعك، إلا أن ~~التأثر في الرقاق ms353 أسرع، وضده في الغلاظ الجفاة أكمل. ولذلك اشتد جزعي عليك ~~من سلطان الغيظ وغلبته، فإذا أردت أن تعرف مقدار الذنب إليك، من مقدار ~~عقابك عليه، فانظر في علته، وفي سبب إخراجه إلى معدنه الذي منه نجم، وعشه ~~الذي منه درج، وغلى جهة صاحبه في التسرع والثبات، وإلى حمله عند التعريض، ~~وفطنته عند التوبة، فكل ذلك ذنب كان سببه ضيق صدر من جهة الفيض في ~~المقادير، أو من طريق الأنفة، وغلبة طباع الحمية من جهة PageV01P405 ### | CHECK [404_2] # الجفوة، أو من جهة استحقاقه فيما زين له عمله أنه مقصر به في حقه، مؤخر ~~عن رتبته، أو كان مبلغا عنه مكذوبا عليه، أو كان ذلك جائزا فيه غير ممتنع ~~منه، فإذا كانت ذنوبه من هذا الشكل، فليس يقف عليها كريم، ولا ينظر فيها ~~حليم، ولست أسميه بكثرة معروفة كريما، حتى يكون عقله غامرا لعلمه، وعلمه ~~غالبا على طباعة، كما لا اسميه بكف العقاب حكيما، حتى يكون عارفا بمقدار ما ~~أخذ وترك، ومتى وجدت الذنب بعد ذلك لا سبب له إلا البعض المحض، والنفار ~~الغالب، فلو لم ترض لصاحبه بعقاب دون قعر جهنم لعذرك كثير من العقلاء، وصوب ~~رأيك عالم الأشراف. والأناة أقرب من الحمد، وأبعد من الذم، وأنأى من خوف ~~العجلة، وقد قال الأول: عليك بالأناة، فإنك على إيقاع ما تتوقعه أقدر منك ~~على رد ما قد أوقعته. وليس يصارع الغضب أيام شبابه شيء إلا صرعه، ولا ~~ينازعه قبل انتهائه إلا قهرهن وإنما يحتال له قبل هيجه، فمتى تمكن واستفحل، ~~وأذكى ناره وأشعل، ثم لاقى من صاحبه قدره، ومن أعوانه سمعا وطاعة، فلو ~~استبطنته بالتوراة، وأوجرته بالإنجيل، ولددته بالزبور، وأفرغت على رأسه ~~القرآن إفراغا، وأتيته بآدم شفيعا، لما قصر دون أقصى قوته. ولن يسكن غضب ~~العبد، إلا ذكره غضب الرب. فلا تقف، حفظك الله بعد مضيك في عتابي التماسا ~~للعفو عني، ولا تقصر عن إفراطك من طريق الرحمة بي، ولكن قف وقفة من يتهم ~~الغضب على عقله، والشيطان على دينه، ويعلم أن للكرم ms354 أعداء، ويمسك إمساك من ~~لا يبرئ نفسه من الهوى، ولا يبرئ الهوى من الخطأ، ولا تفكر أن تزل، ولعقلك ~~أن يهفو. فقد زل آدم ص وقد خلقه بيده. ولست أسألك إلا ريثما تسكن نفسك، ~~ويرتد إليك ذهنك، وترى الحلم وما يجلب من السلامة وطيب الأحدوثة. والله ~~يعلم وكفى به عليما. لقد أردت أن أفديك بنفسي في مكتباتي، وكنت عند نفسي في ~~عداد الموتى وفي حيز الهلكى، فرأيت من الخيانة لك، ومن اللؤم في PageV01P406 ### | CHECK [405_2] # معاملتك، أن أفديك بنفس ميتة، وأن أريك أني قد جعلت لك أنفس ذخر والذخر ~~معدوم. وأنا أقول كما قال أخو ثقيف: مودة الأخ التالد وإن أخلق خير من مودة ~~الأخ الطارف، وإن ظهرت مساعيه وراقت جدته. سلمك الله وسلم عليك، وكان لك ومعك. # 11 - ومما كتب إلى ابن الزيات من كتاب: لا والله ما عالج الناس داء قط ~~أدوى من الغيظ، ولا رأيت شيئا هو أنفذ من شماتة الأعداء، ولا أعلم بابا ~~أجمع لخصال المكروه من الذل، ولكن المظلوم ما دام يجد من يرجوه، والمبتلى ~~ما دام يجد من يرثي له، فهو على سبب درك، وإن تطاولت به الأيام. فكم من ~~كربة فادحة، وضيقة مصمتة قد فتحت أقفالها، وفككت أغلالها، ومهما قصرت فيه ~~فلم أقصر في المعرفة بفضلك، وفي حسن النية بيني وبينك، لا مشتت الهوى، ولا ~~مقسم الأمل على تقصير قد احتمله، وتفريط قد اغتفرته، ولعل ذلك أن يكون من ~~ديون الإدلال وجرائم الإغفال، ومهما كان من ذلك فلن أجمع بين الإساءة ~~والإنكار، وإن كنت كما تصف من التقصير، وكما تعرف من التفريط، فإني من ~~شاكري أهل هذا الزمان، وحسن الحال متوسط المذهب، وأنا أحمد الله على أن ~~كانت مرتبتك من المنعمين، فوق مرتبتي في الشاكرين. وقد كانت علي بك نعمة ~~أذاقتني طعم العز، وعودتني روح الكفاية. # ومن كلماته ما قاله في كتاب الأدب: اعلم أن تثمير المال آلة المكارم، ~~وعون على الدين، وتأليف للإخوان، وأن من فقد المال قلت الرغبة إليه والرهبة ~~منه، ms355 ومن لم يكن بموضع رغبة أو رهبة استهان الناس به، فاجهد جهدك كله في أن ~~تكون القلوب معلقة منك برغبة أو رهبة في الدين أو الدنيا. # ومما قال للسدري مرة: إذا كانت المرأة عاقلة ظريفة كاملة كانت قحبة. فقال ~~السدري وكيف؟ قال: لأنها تأخذ الدراهم وتمتع بالناس والطيب، وتختار على PageV01P407 ### | CHECK [406_2] # عينها من تريد، والتوبة معروضة لها متى شاءت. فقال له السدري فكيف عقل ~~العجوز؟ قال: هي أحمق الناس وأقلهم عقلا. # ومن كلماته: يجب للرجل أن يكون سخيا لا يبلغ التبذير، شجاعا لا يبلغ ~~الهوج، محترسا لا يبلغ الجبن، ماضيا لا يبلغ القحة، قوالا لا يبلغ الهذر، ~~صموتا لا يبلغ العي، حليما لا يبلغ الذل، منتصرا لا يبلغ الظلم، وقورا لا ~~يبلغ البلادة، نافذا لا يبلغ الطيش. # ومن كلماته في الطيب: فإما الطيب فإني لم أشمم رائحة قط أحيا للنفس، ولا ~~أعصم للروح، ولا أفتق ولا أغنج، ولا أطيب خمرة من ريح عروس، إذا أحكمت تلك ~~الأخلاط، وكان عرف رأسها وبدنها سليما، وإن كانت بمدينة الرسول، فإنك ستجد ~~تعلم أنه ليس فوقها إلا ريح الجنة. # وقال في نفسية الأغنياء: وبعد فلا يخلو صاحب الثروة، والصامت الكثير، ~~الخامل الذكر، من أن يكون ممن يرغب في المركب الفاره، والثوب اللين، ~~والجارية الحسنة، والدار الجيدة، والطعم الطيب، أو يكون ممن لا يرغب في شيء ~~من ذلك، فإن كان لا يرغب في هذا النوع كله، ولا يعمل في ماله للدار الآخرة، ~~ولا يعجب بالأحدوثة الحسنة، ويكون ممن لا تعدو لذته أن يكون كثير الصامت، ~~فإن هذا الحمار، وأفسد طبعا من الحمار، وأجهل من الحمار، وقد رضي أن يكون ~~في حالة أسوأ حالا من الوكيل. . . # وقال: أن الذي تشتمل عليه دواوين أصحاب الحمام أكثر من كنب النسب التي ~~تضاف إلى كتب الكلبي وابن أبي اليقظان وأبي عبيدة النحوي، بل أن دغفل بن ~~حنظلة وابن لسان الحمرة، بل إلى صحار العبدي وإلى أبي النطاح اللخمي، بل ~~إلى المختار العدوي وصبح الطائي، بل إلى مثجور بن ms356 غيلان الضبي وإلى سطيح ~~الديلي، بل إلى ابن شرية الجرهمي وإلى زيد بن الكيس النمري، وإلى كل نسابة PageV01P408 ### | CHECK [407_2] # رواية وكل متفنن وعلامة. ووصف الهذيل المازني مثنى بن زهير وحفظه لأنساب ~~الحمام فقال: والله لو أنسب من سعيد بن المسيب وقتادة بن دعامة للناس، بل ~~هو أنسب من أبي بكر الصديق رضى الله عنه. . . # وقال في نفسية المجتمع النصراني في عهده: ووقع بين فتى من النصارى وبين ~~أبن فهريز كلام، فقال له الفتى: ما ينبغي أن يكون في الأرض رجل واحد أجهل ~~منك. وكان أبن فهريز في نفسه أكثر الناس علما وأدبا، وكان حريصا على ~~الجثلقة، فقال للفتى: وكيف حالك عندك هذا المحل؟ قال: لأنك تعلم أنا لا ~~نتخذ الجاثقين إلا مديد القامة، وأنت قصير القامة، ولا نتخذه إلا جهير ~~الصوت جيد الخلق، وأنت دقيق الصوت رديء الخلق، ولا نتخذه إلا وافر اللحية ~~عظيمها، وأنت خفيف اللحية صغيرها، وأنت تعلم أن لا نختار للجثلقة إلا رجلا، ~~زاهدا في الرياسة، وأنت أشد الناس عليها كلبا، وأظهر هو لها طلبا، فكيف لا ~~تكون أجهل الناس، وخصالك هذه كلها تمنع من الجثلقة، وأنت قد شغلت في طلبها ~~بالك وأسهرت فيها ليلك. # وقال: رأيت أربعة أشياء لم أر مثلهن: رأيت سائلا يسأل في الحمام، ويأخذ ~~مواعيد من فيه إلى أن يخرجوا، ورأيت معلما يعلم الصبيان القرآن والصبايا ~~الغناء، ورأيت حجاما يحجم بنسيئة إلى الرجعية، ورأيت حمالين يحملون جنازة، ~~فكلما أعيوا وضعوا عن رؤوسهم إلى أن بلغوا شفير القبر. # وقال: تسعة موجودة في تسعة: الخفة في الصثم، والهوج في الطوال، والعجب في ~~القصار، والنبل في الربعة، والملاحة في الحول، والذكاء في الخرس، والحفظ في ~~العميان، والثقل في العور، والنشاط في العرج. # ومن كلامه أجمع الناس على أربعة: أنه ليس في الدنيا أثقل من اعمى، ولا ~~أبغض من أعور، ولا أخف روحا من أحول، ولا أقود من أجود. PageV01P409 ### | CHECK [408_2] # خلوده ومجده: # ويسأل القارئ بعد أن رأى صورة الجاحظ في كثير من مظاهره، ولمست يداه ms357 موضع ~~العجب من نبوغه وافتنانه في عمله وأدبه، وهل كان له من بد حظ من الخلود؟ ~~وإلى أي مدى بلغت تأثيراته في ديار الإسلام؟ ولا بد قبل بحث خلوده أن نتعرف ~~معنى الخلود، ثم ننظر إذا استحق الجاحظ هذه الصفة. # ويقول أمير سون الفيلسوف الأمريكي: إن الكتاب الصالح كالمجتمع الصالح، ~~وإنك إذا أدخلت رجلا منحطا في حلقة جماعة راقين لا ترفعه لأن ليس منهم، ولن ~~يصبح مساويا لهم؛ هكذا حال مجتمع يحمي نفسه، وأهله واثقون أن هذا الدخيل ~~فيهم، والواغل عليهم، وإن كاثرهم بجسمه، فلن يشركهم بمكانتهم. # يقاس تأثير الكلام في الجماعات بما انطوى عليه من دقة في الفكر. وإن ~~كتابا ينبه ذهنك ويرهف حسك، ويسمو بك بصوت فصاحته العالي، ليكتب له في ~~أفكار الناس أعظم الأثر، وليس تأثيره بالسريع، إلا أنه مستديم ثابت. وأنت ~~إذا لم تستفيد شيئا من صفحات هذا الكتاب، ثق أنه سيفني كما يفني الذباب من ~~ساعته. الكاتب هو الذي لا يتقيد بذوق العصر فقط، وإنما يملي ما يملي ورائده ~~الإخلاص. والحجة التي لا تفعل في نفسي فعلا عمليا قد لا تفعل فيك أيضا. # يقول سدني: أنظر في قلبك واكتب - ومن يكتب لنفسه يكتب لجمهور يبقى. فعليك ~~إن أنشأت شيئا أن ترضي هواك أولا، وليعلم الكاتب الذي اهتدى إلى موضوعه ~~بعينيه وأذنيه، لا بقلبه ونفسه، ولو ما استفاد ولا أفاد. ثم إن الكاتب لا ~~يحكم عليه بما يقدر له من الرواج، ولو أجمع نصف الناس على استحسانه، فهو ~~ينفي إذا خلا من الحرارة، والحرارة وحدها تهب الحياة. ونحن إذا انتفخنا حتى ~~تمزقنا، لا نتسامى إلى أكثر مما حصلناه من قدر. # لا دخل للحظ في الشهرة الأدبية، ولا يتوقف صدور الحكم النهائي على كتاب بما PageV01P410 ### | CHECK [409_2] # يقوله فيه أصحاب الأهواء من القراء، المكثرين من الضجة حول أول نشره، ~~وتحكم على مبلغه من الإجادة محكمة، لك أن تقول إنها مؤلفة من ملائكة، أو من ~~جمهرة لا تحابيك برشوة، ولا تخافك لبأسك وسلطانك، وهي تقضي وتمنح جلاء ~~المجد ms358 وعلاقيته لمن هو خليق بهما. وأمثال هذه الأسفار فقط يحق لها أن تحيا. ~~أما المذهبة المعلمة المعمولة بالرقوق المزينة بالنقوش، وإن وزعها صانعها ~~على الوراقين بأسرهم، فإنها تبيد، ولا تصيب من الرواج أكثر مما لها الحق فيه. # ليس في الأرض أزيد من أثني عشر شخصا، في آن واحد، يقرؤون كتاب أفلاطون ~~ويفهمونه. ويتعذر عليك أن تجمع من مجموع قرائه من النقود ما يصح الاعتماد ~~عليه لإعادة طبع كتابه. ومع هذا ترى مصنفه يصل إلى كل جيل لينتفع به هؤلاء ~~الأشخاص القلائل، كأن الله أرسله إليهم مباشرة. # يقول بنتلي: ما من كتاب سقط وباد إلا بما حوته دفتاه - ولا يحدد بقاء ~~الكتاب بما نال من حب أو بغض، ولا يخلد إلا بما فيه من قيمة ذاتية، وبما ~~يحمل من حاجات العقل على الدهر. # لا يعرف الرجل العظيم أنه على شيء من العظمة، والعظمة لا يحرزها إلا إذا ~~أتى عليه قرن أو قرنان، لتكشف للملأ حقيقته. هذا وهو يعمل لأن من واجبه أن ~~يعمل، والدواعي والبواعث حاكمة عليه، ويومئذ يعظم في العيون، وكل ما انبعث ~~منه يغدو رمزا عاما، ومثالا يقتدي به، حتى ما كان من حركة إصبعه الصغرى، ~~وما تناوله من طعام وإدام، فيسمي بذلك صاحب السلطان الأكبر على العقول، ~~والدهماء تعجب بطريقته. # قالوا إن الصورة لا تكذب، والمرء إذا نطق بالحق، بفكر حق، كانت عينه أصفى ~~من السماء، ومتى خالف ذلك وأورد الزور والبهتان، اختلجت عينه وربما أصيبت ~~بالحول. PageV01P411 ### | CHECK [410_2] # وأنى لك بمحام لم يقتنع ببراءة موكله أن يقنع المحكمة لتقضي له بالبراءة ~~هذا القانون يسري على أفكارنا، فنحكم على كل أثر بالفكر الذي عرض للمؤلف، ~~يوم أنشأ من بنات أفكاره. وهيهات أن نقول قولا صحيحا أبدا في الحكم على كل ~~شيء، ولو استظهرناه وتدارسناه، ولن يتطاول المرء إلى مكانة لا يستحقها، ~~وباطل أن نحاول معرفة ما يقول الناس فينا، وباطل كل الباطل تخوفنا من أن لا ~~نعرف. ومتى أيقن المرء أنه يحسن شيئا، وأنه يبذ فيه غيره في ms359 باب الإحسان، ~~فليثق أن جميله معترف به، وإحسانه مقدور قدره، في كل زمان ومكان. العالم ~~مليء بالأحكام، وإلى أي مجلس اختلف المرء، وفي كل عمل حاوله، لا يكال إلا ~~بقدره، ولا يعلم إلا بميسمه. # قد تقوم للدعوى قائمة، وهي تعجز عن الوفاء بعمل عظيم، وما كانت الدعوى ~~يوما خليقة بإتمام أمر يلابس عظمة حقيقية. فالدعوى لم تكتب الإلياذة، ~~وبالدعوى لم يكسر كسرى، وبالدعوى لم يستجب الناس لرسالة المسيح، وبالدعوى ~~لم يلغ الرقيق. الفضائل تقدر بأثرها، وعلى قدر الصلاح تكون الحرمة، والناس ~~سواء في احترام الفضيلة. وأساتذة الإنسانية هم أصحاب طبقة الكرماء ~~المخلصين، وأرباب الأفكار العالية، يفرضون عليها ما يريدون بثه، ويحاولون ~~الدعوة إليه. وما ضاعت كلمة طيبة قط، وما سقط مجد ولا كرم، من دون أن ~~يلتقطهما قلب ما كان له أن يتوقعهما، فيبارك عليهما ويقدسهما. وقيمة المرء ~~ما يحسن، وما يحسنه منقوش على سيماه وينم عليه ظاهره، وما رزق من سعادة، ~~ولن يفيده التواري، كما لا ينفعه التبجح والتنفج. # هل انطبقت هذه الصفحة في شروط الخلود على الجاحظ؟ وهل له بعد هذا أن يعد ~~في الخالدين بما ألف وصف؟ نعم انطبقت عليه لاشتهاره يوم بدا للأبصار نبوغه، ~~وكلمت له العظمة قبل أن يأتي عليه قرن أو قرنان وهذا مستغرب في عصر ليس PageV01P412 ### | CHECK [411_2] # فيه مطابع ولا جرائد ولا مجلات، ولا قطارات ولا بواخر ولا طيارات، ولا ~~برق ولا هاتف ولا مذياع. # خاض الجاحظ عباب أبحاثه بقلبه ونفسه، لا بعينيه وأذنيه فقط. فاستفاض صيته ~~ووصل صوته إلى ابعد مدى، لأنه قام أحسن قيام بما يجب عليه لأمته، ووجب عليه ~~معاناته في دهره، وتداول قومه مصنفاته وهو في الكهولة، وعرفت القاصية ~~والدانية تفوقه على غيره من المؤلفين، وأدرك ذووا البصائر أن كتبه تحمل ~~علما كثيرا. ذلك لأن أرضى نفسه ما كتب، فأرضى أمته واخذ بمجامع قلبها، ~~والسلطان يومئذ سلطان العلم والأدب، لا سلطان الثرثرة والدعوى. # تضمنت كتب الجاحظ حاجات العقل على وجه الدهر، لأنها ابنة العقل الناضج، ~~وربيبة الروية والتفكير ms360 الصحيح، قصد بها التعليم والأرشاد، لا الفساد ~~والافساد، وقدر له بها الإعجاب، ما لم يكتب لملي ولا لذمي من العلماء مثله، ~~ففي المليين مئات، وفي الذميين عشرات، كانت لهم الحظوة عند العامة والخاصة، ~~تحفهم رعاية الأمراء والخلفاء، فتقدمهم الجاحظ في السبق، وهو الزاهد حق ~~الزهد فيما تواطأ الناس على إعظامه من المظاهر الخلابة. كان، والحق يقال، ~~إنسانا كلاما أخذ من المادة بقدر ما ضمن له عيشه، وما أسف إلى يسف له أكثر ~~طبقته من العلماء؛ ولو كان للدنيا هوى كبير من نفسه لمتع في قصور الخلفاء ~~بكل ما تطمع فيه، ولكن هدفه كان أسمى من كل هذا؛ كان صاحب فكر، همه نشره ~~لنفع العالمين؛ في دور كان حملة الرأي والرواية من عصرييه بين عالم دين، ~~يصم أذنه عن علوم الدنيا، أو عالم مادة لا يحسن شيئا كثيرا من علم الدين، ~~فجمع الجاحظ بين المطلبين، حتى كثر المعجبون به من كل صنف، وما استطاع حساد ~~فضله أن يطفئوا نوره، ولا أن يعموا على الناس أمره، لما أدرك المنصفون أنه ~~على صفات قل أن يدانيه فيها أحد، وعلى ما كان عليه أرباب المذاهب في أشد PageV01P413 ### | CHECK [412_2] # أعصار حماستهم، وتصلبهم في آرائهم، جادلهم فأحسن جدالهم بأدب لا غرور ~~فيه، وتفتق ما شاءت له الإجادة، في ضروب من القول، وما كان يضيره سخف ~~السخفاء ممن تعذرت عليهم مداناته؛ فوضع صفحته للحق، وحاورهم قائما بالواجب ~~عليه نحو دعوته وملته، فتم له ما أراد لما قوله إلى أعماق القلوب والعقول، ~~بما خص به من نفس طويل، وإبداع جزيل؛ نعم نفذ الجاحظ بما كتب إلى القلوب ~~والعقول، لأنه لم يكتب كأفلاطون ألغارا ومعميات يتعذر حلها، فبقي كلام ~~الحكيم اليوناني - على ما قال أميرسون - مقصور الفهم على أثني عشر شخصا في ~~كل جيل، وكتب الحكيم العربي السهل الممتنع الذي يفهمه كل من يقرؤوه، فأسرع ~~ذلك في خلوده. # الجاحظ موهوب، رزق القبول من القلوب، وشاع ما كتب في كل صقع وكل قرن، ~~وكلما كرر كلامه حلا، وهل أعظم ms361 في باب الخلود من بنات أفكار تتناقل خلفا عن ~~سلف أحد عشر قرنا، ثم لا نرى الجميع إلا معجبين مستفيدين، بما أثر عن علم ~~الأعلام وأفضل المخلدين. # وإنا إذا استقرينا ما قاله أولياء الجاحظ وخصماؤه فيه، لا يتعذر علينا أن ~~نضعه في الدرجة التي بلغها. قيل لأبي العيناء الرواية الأخبارية: ليت شعري ~~أي شيء كان الجاحظ يحسن؟ فقال: ليت شعري أي شيء كان الجاحظ لا يحسن؟ ويقول ~~المسعودي: لا يعلم أحد من الرواة وأهل العلم أكثر كتبا من الجاحظ، وقد كان ~~أبو الحسن المدائني كثير الكتب، إلا أن أبا الحسن المدائني، كان يؤدي ما ~~سمع، وكتب الجاحظ تجلو صدا الأذهان، وتكشف واضح البرهان، لأنه نظمها أحسن ~~نظم، ورصفها أحسن رصف، وكساها من كلامه أجزل لفظ. وكان إذا تخوف ملل القارئ ~~وسآمة السامع، خرج من جد إلى هزل، ومن حكمة بليغة، إلى نادرة طريفة، ولا ~~يعلم ممن سلف وخلف من المعتزلة أفصح منه. PageV01P414 ### | CHECK [413_2] # وقال ثابت بن قرة الصابي وهو من المعاصرين للجاحظ ومن أكبر فلاسفة ~~العباسيين وأكثرهم إجادة في تأليفاتهم: ما أحسد هذه الأمة العربية إلا على ~~ثلاثة أنفس: أولهم عمر بن الخطاب، والثاني الحسن البصري، والثالث الجاحظ، ~~وقال فيه: إنه خطيب المسلمين، وشيخ المتكلمين، ومدره المتقدمين والمتأخرين، ~~أن تكلم حكى سبحان وائل، وأن ناظر ضارع النظام في الجدال، وأن جد خرج من ~~مسك عامر بن عبد قيس، وإن هزل زاد على مزيد: حبيب القلوب، ومراح الأرواح، ~~وشيخ الأدب ولسان العرب، كتبه رياض زاهرة، ورسائله أفنان مثمرة، ما نازعه ~~منازع إلا رشاه آلفا، ولا تعرض له منقوص إلا قدم له التواضع استبقاء، ~~الخلفاء تعرفه، والأمراء تصفه وتنادمه، والعلماء تأخذ عنه، والخاصة تسلم ~~له، والعامة تحبه، جمع بين اللسان والقلم، وبين الفطنة والعلم، وبين الرأي ~~والأدب، وبين النثر والنظم، وبين الذكاء والفهم، طال عمره، وفشت حكمته، ~~وظهرت خلته، ووطئ الرجال عقبه، وتهادوا أدبه، وافتخروا بالانتساب إليه، ~~ونجحوا بالاقتداء به، لقد أوتي الحكمة وفصل الخطاب. # هذه ثلاث شهادات في الجاحظ، الأولى ms362 لرجل عاصره وعرفه عن أمم، والثانية ~~لعالم جاء بعده وشهد فيه هذه الشهادة، شهادة شيعي في معتزلي، والثالثة ~~لصابي النحلة وشهادته شهادة بريء من الغرض؛ وإذا حدثت نفسك بأن هذه ~~الشهادات قليلة نورد لك غيرها، الأولى للمرزباني من أثمه الأدب جاء فيها: ~~أن الجاحظ كان واسع العلم بالكلام، كثير التبحر فيه، شديد الضبط لحدوده، ~~ومن أعلم الناس به وبغيره من علوم الدين والدنيا، وإن له كتبا كثيرة مشهورة ~~جليلة في نصرة الدين، وفي حكاية مذهب المخالفين، والآداب والأخلاق، وفي ~~ضروب من الجد والهزل، وقد تداولها الناس وقرؤوها، وعرفوا فضلها. قال: وإذا ~~تدبر العاقل المميز أمر كتبه علم أنه ليس في تلقيح العقول، وشحذ الأذهان، ~~ومعرفة أصول الكلام PageV01P415 ### | CHECK [414_2] # وجواهره، وإيصال خلاف الإسلام، ومذاهب الاعتزال إلى القلوب كتب تشبهها؛ ~~والجاحظ عظيم القدر في المعتزلة وغير المعتزلة من العلماء الذين يعرفون ~~الرجال ويميزون الأمور. والشهادة الثانية لأبي حيان التوحيدي، وقد ألف فيه ~~كتابا سماه تقريظ الجاحظ ومما قاله فيه: أتفق أهل الصناعة الكلام أن ~~متكلمين العالم ثلاثة الجاحظ، وعلي بن عبيده وأبو زيد البلخي، فمنهم من ~~يزيد لفظه على معناه وهو الجاحظ ومنهم من يزيد على معناه على لفظه، وهو علي ~~بن عبيده، ومنهم من توافق لفظه ومعناه وهو أبو زيد؛ قال: قلت لأبي محمد ~~الأندلسي، وكان من عدد أصحاب السيرافي، قد أخحلف أصحابنا في مجلس أبي سعيد ~~السيرافي في بلاغة الجاحظ، وأبي حنيفة صاحب النبات، ووقع الرضى بحكمك فما ~~قولك؟ فقال: أنا أحقر نفسي عن الحكم لهما أو عليهما، فقال: لا بد من قول، ~~قال: أبو حنيفة أكثر ندارة، وأبو عثمان أكثر حلاوة، ومعاني أبي عثمان لائطة ~~بالنفس، سهلة على السمع، ولفظ أبي حنيفة أعذب وأعرب، وأدخل في أساليب ~~العرب. قال أبو حيان والذي أقوله وأعتقده، وأخذ به واستهم عليه، أني لم أجد ~~في جميع من تقدم وتأخر ثلاثة لو أجتمع الثقلان على تقريظهم ومدحهم ونشر ~~فضائلهم في أخلاقهم وعلمهم ومصنفاتهم ورسائلهم، مدى الدنيا إلى أن يأذن ~~الله بزوالها، لما ms363 بلغوا آخر ما يستحقه كل واحد منهم. أحدهم هذا الشيخ الذي ~~أنشأنا له هذه الرسالة، وبسببه جشمنا هذه الكلفة. أعني أبى عثمان عمرو بن ~~بحر والثاني أبو حنيفة الدينوري والثالث أبو زيد أحمد بن سهل البلخي. # والشهادة الثالثة شهادة أمير المؤمنين المأمون، قالوا لما نظر المأمون في ~~كتاب الجاحظ في العباسية، وكان اليزيدي أدخله عليه، دعا بالجاحظ فقال: يا ~~عمرو قد كان من يرتضي عقله، ويصدق خبره، ألقى إليه صفة هذا الكتاب، فكنت ~~أرى الصفة عيانا، فلما حضر العيان أربى على الصفة، ولما فلي أربى الفلى على PageV01P416 ### | CHECK [415_2] # العيان، كإرباء العيان على الصفة. وهو كتاب ينوب عن حضور الصاحب، ويجل عن ~~الحاجة إلى المحتجين، جامع لاستقصاء المعاني واستيفاء الحقوق، بلفظ جزل، ~~ومخرج سهل سوقي ملوكي، خاصي عامي. قال الجاحظ: فوالله لما أفدته من تعلم ~~صفة هذا الكتاب آثر عندي من الكتاب. # وعلى الجملة فالشهادات كثيرة على نبوغ الجاحظ وأنه كان نسيج وحده في جميع ~~العلوم قال الصفدي: من وقف على كتاب الحيوان وغالب تصانيفة، ورأى فيها ~~الاستطرادات التي استطردها والانتقالات التي ينتقل إليها، والجهات التي ~~يعرض بها في غضون كلامه بأدنى ملابسة، علم ما يلزم الأديب وما يتعين عليه ~~من مشاركة المعارف. # ولما ذكر الذهبي في النبلاء تجويد الجاحظ في كتب النبوات ترحم عليه، ~~وقال: فكذلك فليكن المسلم، مع إنه من خصومه في المذهب. وقال ابن سنان ~~الخفاجي: فكأنه في كل علم يخوض فيه لا يعرف سواه ولا يحسن غيره. ### | AUTO حدث أبو القاسم السيرافي قال: حضرنا مجلس الأستاذ الرئيس أبي ~~الفضل ابن العميد فقصر رجل بالجاحظ وأزرى عليه، وحلم الأستاذ عنه. فلما خرج ~~قلت له: سكت أيها الأستاذ عن هذا الجاهل في قوله، مع عادتك بالرد على ~~أمثاله، فقال: لم أجد في مقابلته أبلغ من تركه على جهله، ولو واققته وبينت ~~له، لنظر في كتبه وصار إنسانا؛ يا أبا القاسم كتب الجاحظ تعلم العقل أولا ~~والأدب ثانيا. وكان ابن العميد يقول ثلاثة علوم الناس كلهم عيال فيها على ms364 ~~ثلاثة أنفس: أما الفقه فعلى أبي حنيفة لأنه دون وخلد ما جعل من يتكلم فيه ~~بعده مشيرا إليه ومخبرا عنه، وإما الكلام فعلى أبي الهذيل، وأما البلاغة ~~والفصاحة واللسن والعارضة فعلى أبي عثمان الجاحظ اه. وهذا في نظرنا داعية خلوده. # - - PageV01P417 ### | CHECK [417_2] # أبو حيان التوحيدي # عصره: # القرن الذي أولد التوحيدي، وشب فيه واكتمل وشاب، هو العصر العباسي ~~الثالث، فسدت فيه عصيبة بني العباس، فلم تبق لهم كلمة مسموعة، ولا رأي ~~جميع، ولا قوة نافذة، ولا كيان يرتجي معه البقاء. تغلغلت الأعاجم في جسم ~~الدولة، وتسلطت على الأمور، وما دخل القرن الرابع حتى رأيت الأمور تلتوي، ~~ودولة الخلافة تضؤل وتتراجع، وقد شمل الضعف معظم أوضاعها، وعاث سوس الفساد ~~في ذاك الجسم العظيم، وتناثر عقد البلاد افسلامية، وانتقصت من أطرافها، ~~والأهواء مشتة، والنفوس شعاع. # لم يكد ينسلخ الرابع الأول من هذا القرن حتى استولى ابن رائق على البصرة ~~وواسط، واستأثر البريدي بالأهواز وأعمالها، وذهب أبناء بويه الديلم بفارس ~~والري وأصفهان وطبرستان وجرجان وكرمان والجبل، وغدت خراسان وما وراء النهر ~~بيد السامانية، والموصل وديار بكر ومضر وربيعة في أيدي بني حمدان، وانتقلت ~~مصر والشام إلى الإخشيدية، والبحرين واليمامة إلى القرمطي، والمغرب ~~وإفريقية إلى القائم العلوي، والأندلس للناصر عبد الرحمن الأموي. # ولم يبق للخليفة العباسي غير بغداد وأعمالها، والحكم فيها لابن رائق، ~~وليس للخليفة وزير، وإنما كان له كاتب يدبر إقطاعاته وإخراجاته القليلة. ~~وكلما امتدت كلمة ملك أو أمير سطا على من يجاوره واستصفى مملكة صاحبه، فابن ~~رائق بعد البصرة استولى على دمشق، والبريدي بعد خوزستان استولى على بغداد، ~~وبنو بويه بعد بلاد الشرق استولوا على بغداد 367 وخطب لهم فيها مع الخليفة، ~~وهكذا كانت مملكة بني العباس نهب أيدي الأتراك والديلم - والأتراك جيل من ~~التتر معروف، والديلم سكان الجبال في فارس - وكلهم كانوا شاركوا العرب في PageV01P418 ### | CHECK [418_2] # سلطانهم؛ بل حالوا نزع تراث العباسيين من أيديهم. # وكثر قتل الخلفاء وخلعهم، فقتل المقتدر، وبويع للقاهر ثم خلع، وخلفه ~~الراضي، واستخلف المتقي، ثم بويع للمستكفي ms365 وهو كأكثر من سلفه مغلوب على ~~أمره. وهناك دول تقوم في الشام كدولة بني حمدان بعد الإخشيديين، ودولة ~~الفاطميين تستولي على مصر، ويخلف للفاطميين في مكة والمدينة بدل الخليفة ~~العباسين وتقتطع من تلك الدولة العظمى دول وممالك. وأصبح خليفة بني العباس ~~أشبه بصاحب منصب ديني له القول ولغيره العمل، يملك الاسم، والجسم يستغله ~~المستغلون من المتغلبين والمتوثبين، والبلاد تخرب والنفوس تهلك، حتى لقد ~~خربت بغداد عند استيلاء البويهيين عليها وأخذوا بتجديدها ورمها لأول أمرهم، ~~وكانت في القرنين الثاني والثالث أعمر مدينة في الأرض، وكان القرامطة خلاف ~~ذلك القرن يعيثون في العراق ثم تعدوا إلى الشام، بعد أن عبثوا بمقدسات ~~الأمة في الحجاز، وكذلك كان شأن غيرهم من الخوارج والنزع إلى الفتنة. أما ~~الروم فكانوا يغادرون الشام القتال ويراوحونها، ودولة بني حمدان كفت البلاد ~~عاديتهم، وغزاهم منصور بن نوح الساماني عام النفير في ألوف من أهل خراسان ~~وما وراء النهر. وفي خلال هذا القرن انقرضت دول، ولا سيما السامانية ~~والإخشيدية، وقام محمود بن سبكتكين رجل ذاك القرن فاستولى على خراسان، ~~وامتدت فتوحه حتى فتح جزءا مهما من بلاد الهند والشرق. # وفي هذه المملكة، بل المماليك التي كانت تتخبط في أقدارها، وتختلط أمورها ~~بأيدي أخيارها وأشرارها، نشأت زمرة صالحة من العلماء والأدباء، بقوة ~~التسلسل المنبعثة من عمل القرن الثالث. وقد تضعف السياسة في أمة، وتبقى ~~قوتها المفكرة سائرة سيرها، وعلومها آخذة بالنظام الذي كان لها، كما قيل ~~يفنى القميص وفيه ريح المندل، ولقد ساعد على هذه النهضة بعض أصحاب السلطان ~~من هؤلاء PageV01P419 ### | CHECK [419_2] # الملوك، ممن أرادوا أن يكون في جملتهم الأجلاء والفضلاء، يستأثرون بهم ~~دون جيرانهم، ويزينون بهم ملكهم، أو يستخدمونهم ليعينوهم على قيام أمرهم، ~~أو يختارون طبقة من الأدباء والشعراء، ينادمونهم ويمدحونهم، ويخلدون ~~مآثرهم، ويعظمون مفاخرهم، فيعتزون بهم عند القريب والغريب، والبغيض ~~والحبيب. فكانت في هذه السبيل تجاري بغداد كل من أصفهان وشيراز ونيسابور ~~وهمذان والري وسمرقند وبلخ وحلب والقاهرة وقرطبة. # وتنوعت المذاهب التي غلبت على البلاد، فكان أهل البصرة ms366 قدرية وشيعة ~~وحنابلة، وبغداد تؤوي جميع النحل وفيها غالبة يحبون معاوية، ومشبهة وهم ~~أصناف كثيرة، ويهود إقليم الجبال أكثر من نصاراها، ومجوسها كثير، والمجوس ~~أصحاب زارادشت، المعظمون للنار وسائر الأنوار، بقيت منهم بقية مهمة إلى هذا ~~القرن في العراق والأهواز وفارس وأصبهان وخراسان وغيرها من مملكة الفرس قبل ~~الإسلام. ولكل بلد من بلاد العجم طرز يخالف الطرز الآخر، فمنها ما تجد فيه ~~الغلبة للحنفيين، ومنها ما كانت حنابلته كثيرة، ومنها ما كانت شيعته غالبة، ~~ومنها ما تغلب فيه أصحاب الحديث، وأكثر إقليم خوزستان معتزلة، وفي الأقاليم ~~الأخرى شيعة وحنابلة وشوافع. والفتن كثيرا ما تقع بين الحنابلة والشافعية ~~في بغداد، أو بين السنة والشيعة في دار السلام، وبعض أصقاع فارس والجبال ~~وما إليها، فيفني بعضهم بعضا. # ولهذا اعتصم بعض العلماء والحكماء بأهداب التقية خشية العامة وجهلة ~~السلاطين، فكان ما كان من تأليف المجالس السرية من الفلاسفة وأرباب العقول ~~الكبيرة، وكان التوحيدي أحد أساطين تلك الحلبة حقبة من الزمن، والحركة ~~الدائمة في الإفادة والاستفادة، والعقل الكبير والعامل الجبار، ملئت أيام ~~حياته بغرائب، فكان عجبا في نفسه ودرسه. PageV01P420 ### | CHECK [420_2] # نشأته وأعماله: # هو علي بن محمد بن العباس التوحيدي بفتح التاء وسكون الواو وكسر الحاء ~~المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها نسبة فيما قيل للتوحيد، وهو نوع من ~~التمر كان يبيعه أبوه بالعراق، وعليه حمل بعض شراح ديوان المتنبي قوله: # يترشفن من فمي رشفات ... هن فيه أحلى من التوحيد # وقيل إن التوحيدي نسبة للمعتزلة، لأنهم يسمون أنفسهم أهل العدل والتوحيد، ~~وهو الأرجح. ذكروا في أصله أنه شيرازي وقيل نيسابوري وقيل واسطي، وهو عربي، ~~وما كان يعرف الفارسية، ولو ولد في فارس لكان يتكلم بها، وكنيته أبو حيان، ~~ولد على الغالب في أواخر العقد الثاني من القرن الرابع أو في أوائل العقد ~~الثالث، ونشأ في بغداد وعمر لأنه مات على رأس الخمسمائة أو بعدها بقليل، ~~وقيل مات بشيراز سنة 414. # نزل التوحيدي بغداد صغيرا على ما يظهر، وتخرج في النحو بأبي سعيد ~~السيرافي وعلي بن ms367 عيسى الرماني، وبالفقه الشافعي بأبي حامد المرورذي وأبي ~~بكر الشافعي، وحضر في أوقات مختلفة بين سنتي 361 - 391ه دروس يحيى بن عدى ~~وأبي سليمان المنطقي وغيرهما من الفلاسفة مثل أبي الحسن العامري، وقد اجتمع ~~به أبو حيان وقال إنه تكلم في الفقه بألفاظ الفلاسفة، ومثل أبي النفيس ~~الرياضي الفيلسوف، فجاء مفننا في العلوم من النحو واللغة والشعر والأدب ~~والفقه والكلام على رأي المعتزلة، وبأخذه الفلسفة عن ورثة علوم الأقدمين في ~~عصره عد حكيما عظيما، وصفا ذهنه، وزاد تسامحه، وأصبح يحكم عقله فيما يرى ~~ويسمع، لا يأخذ الأشياء على ظواهرها، بل يواصل الدرس والنظر، غير متحيز ~~لفئة، ولا متعصب لرأي جماعة. # وصفه ياقوت بأنه كان جاحظيا، يسلك في تصانيفه مسلك الجاحظ، ويشتهي أن PageV01P421 ### | CHECK [421_2] # ينتظم في سلكه، فهو شيخ في الصوفية، وفيلسوف الأدباء، وأديب الفلاسفة، ~~ومحقق أهل الكلام، ومتكلم المحققين، وإمام البلغاء فرد الدنيا الذي لا نظير ~~له ذكاء وفطنة، وفصاحة ومكنة، كثير التحصيل للعلوم في كل فن، حفظة واسع ~~الرواية والدراية. قال: ولم أر واحدا من أهل العلم ذكره في كتاب، ولا أدمجه ~~في ضمن خطاب، وهذا من العجب العجاب. وقال فيه إنه صوفي السمت والهيئة، وإنه ~~كان فقيرا صابرا، وعده السبكي في فقهاء الشافعية، وقال إنه من المؤرخين ~~وروى الحديث وأرواه، وآخر ما أخذ عنه بشيراز سنة أربعمائة. وقال النوري في ~~تهذيب الأسماء إنه من أصحابه المصنفين، وأن من غرائبه أنه قال في بعض ~~رسائله لا ربا في الزعفران، ووافقه على قوله القاضي أبو حامد المروروذي. # ولأبي حيان تصانيف كثيرة منها كتاب الصديق والصداقة، وكتاب المقابسات أو ~~المقابسة، وكتاب الإشارات الإلهية، والرد على ابن جني في شعر المتنبي، ~~وكتاب الإمتاع والمؤانسة، وكتاب الزلفة، وكتاب رياض العارفين، وكتاب تقريظ ~~الجاحظ، وكتاب مثالب الوزيرين، وكتاب الحج العقلي إذا ضاق القضاء عن الحج ~~الشرعي، ورسالة في صلات الفقهاء في المناظرة: الرسالة البغدادية، الرسالة ~~في إخبار الصوفية، الرسالة الصوفية أيضا، الرسالة في الحنين إلى الأوطان، ~~كتاب المحاضرات والمناظرات، كتاب البصائر والذخائر في ms368 عشرة مجلدات كل مجلد ~~له فاتحة وخاتمة. وقد ساق الصفدي في الوافي بالوفيات ثبتا طويلا في ~~مصنفاته، ومنها كثير من كتب فتوح البلدان يستدل بها على تضلعه من التاريخ ~~أيضا. وأثبت في أكثر من أربع صفحات كلها أسماء كتبه. وكتب أبي حيان أسئلة ~~وأجوبة وروايات ومساجلات ومحاضرات ومحاضر جلسات، وتقريع وتقريظ، ونقد ولمز، ~~ووعظ وإرشاد، وكل صفحة منها تدل على علو كعبه في العلوم، وبلوغه درجة عالية ~~في الفهم، أنزلته منازل أعاظم المنشئين والمؤلفين، صور فيها العلم PageV01P422 ### | CHECK [422_2] # والأدب في أيامه أحسن صورة. وتنكرت النفوس لمشربه وأنكره كثيرون حسدا ~~ولؤما، وما مثله بالذي يكون نكرة. ذلك لأنه قال الحق ولم يزل قائله من ~~المقوتين كما قال المعري. # كان التوحيدي على ما يظهر من كلامه، من أهل الباطن أي الصوفية، ومن أهل ~~الظاهر أي الدينيين الحكماء، جمع بين مذهب الصوفية أمثال المحاسبي والتستري ~~والجنيد والسري السقطي وإبراهيم بن أدهم وغيرهم من النساك أو الصوفية، وبين ~~مذهب السجستاني والزنجاني والمهرجاني والصميري والمقدسي والمجتبى وابن زرعة ~~وابن سوار وابن رفاعة في الحكمة. وقد شهدت له كتبه بأنه متصوف، وشهدت له ~~بأنه فيلسوف، وأنه جمع بين العلوم المادية والعلوم المعادية، ووفى في كل ~~علم قسطه من النظر. وليست له طريقة خاصة في التصوف، ولا مذهب معروف في ~~الفلسفة، بل إنه أحاط بجميع الطرق، وحنى عليها، وطابت نفسه بعشرة أهل ثقتها ~~والأخذ عنهم. وقد تجلت شخصيته العلمية بما نقله من المباحثات والمناقشات ~~المدونة بعامل الجرأة على كسر القيود التي قيدت أهل كل مذهب من مذاهب العلم ~~الديني أو الفلسفي، وبد كل ذلك في مظهر غريب بأسلوب إنشائه، وما غفلة ~~المؤرخين أو تغافلهم عن الترجمة للتوحيدي، مع هذه البسطة في العلم الواسع، ~~والبيان الرائع، إلا بسبب أخلاقه على ما يظهر، فغمطوه بذلك حقه، لكن الفضل ~~لا يستر بحجاب، والعقل لا يخفى على ذوي الألباب. # وظهر أن أبا حيان كان مقترا عليه في الرزق، وأنه ربما كان يعيش بالوراقة ~~أو النسخ في بغداد مدة طويلة - وكانت ms369 الوراقة في القديم خير معون لإخراج ~~العلماء والأدباء - ولم يل التوحيدي أمرا من أمور الدولة، ويستحيل على من ~~كان في مثل علمه واستغراقه في دفاتره، أن يتقلد الأعمال، فإذا لم تكن له ~~إدرارات من السلطان أو الخليفة يعيش بها يبرح به العوز والإملاق. وهكذا كان ~~شأن بعض PageV01P423 ### | CHECK [423_2] # عصرييه مثل أبي بكر القومسي الفيلسوف الذي وصفة أبو حيان بأنه كان بحرا ~~عجابا، وسراجا وهاجا، وكان قربن التوحيدي في الضر والفاقة ومقاساة الشدة، ~~ومن الإضافة بمنزلة عظيمة، وهو الذي قال للتوحيد ذات يوم: ما ظننت أن ~~الدنيا ونكدها تبلغ من إنسان ما بلغ مني: إن قصدت دجلة لاغتسل منها نضب ~~ماؤها، وإن خرجت إلى القفار لأتيمم بالصعيد عاد صلدا أملس. # التوحيدي لم توظف وظيفة ولا أجري عليه رزق، فمن أين كان يرتزق؟ لما ترامى ~~إلى بغداد نبأ مكارم ابن العميد والصاحب بن عباد من وزراء آل بويه في ~~الشرق، وكانا يفضلان على أعلام العلم في مدينة دار السلام ويبرانهم ~~بهباتهما الحين بعد الآخر، ووصلت عطاياهما إلى شيخي التوحيدي أبي سليمان ~~المنطقي وأبي سعيد السيرافي - سمت نفس أبي حيان إلى أن يقصد ذينك الوزيرين ~~وانقطع إليهما، وقدم بين يدي نجواه مدحهما أولا، إلا إنه لم ينل منهما ~~رغيبته، وانقلب بعد مقام ثلاث سنين في دار الصاحب لم ينله منه درهم، ولا ~~أعطاه راحلة ولا زادا. أخفق في قصر الصاحبين مع أنهما كانا مع الوزير ~~المهلبي من أكبر حماة الآداب، كما كان سيف الدولة بن حمدان في حلب، وربما ~~كان التوحيدي استطال عليهما، وفيهما عزة السلطان وأبهة الفرس، فازدرياه فشق ~~عليه الأمر، وهجاهما في كتاب أسماه مثالب الوزيرين أورد فيه حكايات في ~~ثلبهما؛ ومنها ما عزاه إلى بعض من روى عنهم، وذكر وقائعه معهما، قال إنه ~~فارق باب الصاحب سنة 370 وقد نال منه هذا الحرمان الذي قصده به، وأحفظه ~~عليه، وجعله من جميع غاشيته فردا. ومن جملة ما نفره من الصاحب أن هذا قدم ~~إليه رسالة في ثلاثين مجلدة على أن ms370 ينسخها له فقال: نسخ مثله على العمر ~~والبصر، والوراقة كانت موجودة ببغداد! فأخذ الصاحب في نفسه عليه. # وقد عرفنا شيئا من أخلاق التوحيدي في هذا الكتاب، وربما أثار ما قاله فيه ثائرة PageV01P424 ### | CHECK [424_2] # التعصب للوزيرين، وأحبابهما كثار في الأمصار، فأعرض الناس عنه وأوقعوا ~~فيه، واسقطوا من دواوينهم. وعجيب أن يغضب الناس لهضم حق المهجوين، ولا ~~يغتاظون لحق الهاجين، وقلما يحفلون بالسبب الذي يلجئ هؤلاء إلى الهجاء ~~أحيانا. وقيل إن الصاحب بن عباداتهم التوحيدي بالزندقة ففر منه، وطلبه ~~الوزير المهلبي ليقتله ففر إلى ديار بكر، وفي رواية أنه مات في الاستتار؛ ~~ولكن التوحيدي إذا فاتته أفضال الوزيرين الصاحبين، فقد لقي إكراما من ~~الوزير صمصام الدولة بن سعدان وعبد الله بن عارض الشيرازي، ولابن سعدان ألف ~~كتاب الصديق والصداقة، وكتاب افمتاع والمؤانسة، وللدلجي بشيراز ألف كتاب ~~المحاضرات. ولم نعلم السبب الذي عاق التوحيدي عن إهداء كتبه كلها إلى بعض ~~عظماء عصره، وكانت طريقة إهداء المؤلفين مصنفاتهم لأمر أو عظيم من الشائع ~~المعروف، وكثير من المؤلفين كان من أهم موارد عيشهم التصنيف بأسماء عظماء ~~عصرهم، والارتزاق بعطاياهم وهداياهم. # قضت الفاقة على التوحيدي أن يتكفف بعض الأمراء، وكتابه إلى ابن العميد ~~نموذج من هذا التنزل، ولكن العجز غالب لأنه مبذور في الطينة كما قال عن ~~نفسه. وقال إنه تصفح الناس فوجدهم أحد رجلين: رجل إن نطق نطق عن غيظ ودمنه ~~وإن سكت سكت عن ضعن وإحنة، ورجل إن بذل كدر بامتنانه بذله، وإن منع حسن ~~بإقباله بخله. ولقد دعا، وقد ترقرقت عيناه بالدموع لما أخفق عند بعض من ~~قصدهم، وبان له نبو الدهر بهن وضياع سعيه، وخيبه أمله، في كل ما ارتجاه ~~لملم أو مهم، أو حادثة أو نائبة، دعا بما دعا به بعض النساك فقال: اللهم صن ~~وجوهنا باليسار، ولا تذلها بالإقتار، فنسترزق أهل رزقك، ونسأل شر خلقك، ~~ونبتلى بحمد من أعطى، وذم من منع، وأنت من دونهم ولي الإعطاء، وبيدك خزائن ~~الأرض والسماء. PageV01P425 ### | CHECK [425_2] # وإذا أنصفنا أبا حيان فلمناه على ms371 ما بدر منه في حق عظيمين غمط حسناتهما ~~وجسم سيئاتهما، مما ساقه إليه خيبة في أمله، أو مساس في عاطفته، أو اعتداد ~~برأيه، فلا نذهب مع القائلين بالحكم عليه بالزندقة، اللهم إذا وقفنا في ~~الحكم عليه عند حدود أقواله، وفيها شاهد على توحيدهن وبعده عن الإلحاد الذي ~~قرف به. على أن معظم من ذروه ومنهم صاحب تاريخ بغداد ومؤلف معجم الأدباء، ~~قالوا إنه كان يتأله أي يتنسك ويتعبد، والناس على ثقة من دينه وصحة عقيدته. ~~ودعوى ابن الجوزي أن زنادقة الإسلام ثلاثة: ابن الراوندي وأبو حيان وأبو ~~العلاء المعري، وأنه كان أشدهما،، صرحا وهو جمجم، من الكلام الذي يلقي على ~~عواهنه، أخذه على ما يظهر بدون روية، وتابعه عليه بعض الناقلين من دون ~~تمحيص، وكذلك ما قيل من أن الصاحب بن عباد وقف على قدح التوحيدي في الشريعة ~~وقوله في التعطيل وما كان يخيفه من ذلك، فطلبه ليقتله ففر، كلام فيه نظر ~~أيضا، على أن كثيرين من المتصوفة شطحوا من شطحات ابن الراوندي والتوحيدي ~~والمعري، فلم يتهموا بشيء ولا قدح الناس في دينهم، وذهبوا من هذا العالم ~~بسلام، لم يمسسهم أحد بسوء، ولا طعن طاعن في عقيدتهم. ولطالما وجهت تهمة ~~الزندقة إلى كثير ممن توسعوا في علم الكلام أو العلم الإلهي، أو علوم ~~الأوائل من الفلسفة والطبيعي والرياضي، وكان نمط تفكيرهم جديدا يخالف من ~~بعض نواحيه نمط التفكير الذي أصطنعه رجل مات أو رجال ماتوا، فوقروا في ~~الصدور، وعلت منزلتهم بين الناس. والميت أفضل عندهم من الحي وقد يكون ~~بينهما بون بعيد، وفروق ظاهرة. والأرجح أنه كان للحسد والجهل مدخل كبير في ~~الطعن على التوحيد والطاعنون إما حسدا ساقهم لؤم الغريزة إلى النيل من عظيم ~~بذهم وأربا عليهم، فما استطاعوا مشاركته ومنافسته، أو أنهم جهلوا حقيقته ~~وتأولوا كلامه، باب التأويل متسع لمن يحاول أن يسقط مؤلفا مثله، خاض أصعب ~~المسائل PageV01P426 ### | CHECK [426_2] # الإلهية والاجتماعية. # وقال فيه بعض واصفيه أنه قليل الرضى عند الإساءة إليه والإحسان الذم ~~شأنه، والثلب، دكانه، يشتكي ms372 صرف زمانه، ويبكي في تضاعيفه على حرمانه. وقد ~~لامه أستاذه السيرافي يوما وهو ينقل ذم أعرابي بقوله: تأبى إلا الاشتغال ~~بالقدح والذم وثلب الناس فأجاب: أدام الله الأستاذ، شغل كل إنسان بما هو ~~مبتلى به مدفوع إليه وهذا الخلق في النيل من الناس لا سبيل إلى تبرية أبي ~~حيان منه، لأنه مما أجمعت الآراء على أنه كان فيه متأصلا باديا، وهو مزاج ~~خاص من جملة أمزجة بني آدم. ويوشك صاحب هذا المشرب أن يعادي أكثر أهل ~~زمانه، هذا وهو دونه في صوب العقل وذوب الفضل. # إن الرجل الذي يخوض غمار المباحث التي خاض التوحيدي بحرها، وخرج منها ~~ناصع الجبين والحجة، ناجح المسعى والمرمى، وهو من أفراد الدنيا بذكائه ~~ونبوغه؛ يستحيل أن يتقيد بقيود أفكار غيره: يصدر إذا صدروا، ويرد إذا ~~وردوا، يقلدهم في كل ما قروا أو قررهم، ويتابعهم عموا وضلوا، أم أبصروا ~~واهتدوا. وفي البشر عدد ليس بقليل كان نصيبهم نصيب أبي حيان من الناس ~~والمجتمع، قضوا أيامهم في ضيق من معاشهم، وضيق من عقول أهل جيلهم، وضيق من ~~عبث المناظرين والمتعالمين، وسيطرة المستبدين والجائرين. # تشاؤمه وتفننه: # ترى هل كان التوحيدي يسمع الموسيقى والغناء، ويجلس إلى أرباب الدعابة ~~والهزل، ويخلع ثوب الجد والوقار، ساعة من ليل أو نهار؟ وبغداد في أيامه ~~علقت الطرب، ورفعت أقدار المسمعين والمسمعات إلى أسمى الرتب، وخرج الأدب ~~فيها عن حد الخيال، وأصبح أطرب الشعر ما صدر عن قلب ملتهب، وفؤاده مضطرب، ~~ووصف واقعة حال. وأكبر الظن أن التوحيدي لم يكن على شيء من PageV01P427 ### | CHECK [427_2] # هذا، اللهم إلا إذا كان في صباه، وقد عرف بنسكه وزهده، أجمع على ذلك ~~العارفون به، لو لم تناقضه القطعة الوحيدة التي انتهت إلينا من شعره وهي في ~~غزل رقيق، صدر عمن ابتسم للحياة والأيام، فأخذ ينظر إليها نظر المتفائل، ~~على حين كانت أكثر نظرات التوحيدي متشائمة، هذا إذا لم يؤول له مؤول بأن ~~هذا اللسان كان على لسان أهل الباطن، كما يفسر بعض المتصوفة كثيرا من ~~الغزل، فيدعون ms373 أنه في العزة الإلهية أو في المقامات المطهرة. أما أبيات ~~التوحيدي فهذه: # يا صاحبي دعا الملامة واقصرا ... ترك الهوى ياصاحبي خساره # كم لمت قلبي كي يفيق فقال لي ... لحت يمين مالها كفاره # أنا لا أفيق ولا أفيق لحظة ... إن أنت لم تعشق فأنت حجاره # الحب أول ما يكون بنظرة ... وكذا الحريق بداؤه بشراره # يا من أحب ولا أسمي باسمها ... إياك أعني فاسمعي يا جاره # وقد أحرق أبو حيان كتبه في آخر عمره لقلة جدواها، وضنا بها بزعمه على من ~~لا يعرف قدرها بعد موته. وكتب إليه القاضي أبو سهل علي بن محمد يعذله على ~~صنيعه، فكتب إليه أبو حيان يعتذر من ذلك. ومما قال له في الاعتذار: إن كان، ~~أيدك الله، قد أنقب خفك ما سمعت، فقد أدمى أظلي ما فعلت، فليهن عليك ذلك، ~~فما انبريت له، ولا اجترأت عليه، حتى استخرت الله عز وجل فيه أياما وليالي، ~~وحتى أوحى إلي في المنام بما بعث راقد العزم، وأجد فاتر النية، وأحيا ميت ~~الرأي، وحث على تنفيذ ما وقع في الروع، وتربع في الخاطر، وأنا أجود عليك ~~الآن بالحجة في ذلك إن طالبت، أو العذر إن استوضحت، لتثق بي فيما كان مني، ~~وتعرف صنع الله تعالى في ثنيه لي. إن العلم، حاطك الله، يراد للعمل، كما أن ~~العمل يراد للنجاة، فإذا كان العمل قاصرا على العلم، كان العلم كلا على ~~العالم، وأنا أعوذ بالله من علم عاد كلا، وأورث ذلا، وصار في رقبة صاحبه غلا. PageV01P428 ### | CHECK [428_2] # ثم اعلم، علمك الله الخير، أن هذه الكتب حوت من أصناف العلم سره ~~وعلانيته، فأما ما كان سرا فلم أجد له من يتحلى بحقيقته راغبا، وأما ما كان ~~علانية فلم أصب من يحرص عليه طالبا، على أني جمعت أكثرها للناس، ولطلب ~~المثالة منهم، ولعقد الرياسة بينهم، ولمد الجاه عندهم فحرمت ذلك كله، ولا ~~شك في حسن ما اختاره الله لي، وناطه بناصيتي، وربطه بأمري، وكرهت مع هذا ~~وغيره، أن تكون حجة علي لا لي. ms374 # ومما شحذ العزم على ذلك، ورفع الحجاب عنه، أني فقدت ولدا نجيبا، وصديقا ~~حبيبا، وصاحبا قريبا، وتابعا أديبا، ورئيسا منيبا، فشق على أن أدعها لقوم ~~يتلاعبون بها، ويدنسون عرضي إذا نظروا فيها، ويشتمون بسهوي وغلطي إذا ~~تصفحوها، ويتراءون نقصي وعيبي من أجلها، فإن قلت ولم تسمهم بسوء الظن، ~~وتقرع جماعتهم بهذا العيب، فجوابي لك أن عياني منهم في الحياة، وهو الذي ~~حقق ظني بهم بعد الممات، وكيف أتركها لأناس جاورتهم عشرين سنة فما صح لي من ~~أحدهم وداد، ولا ظهر لي من إنسان منهم حفاظ؛ ولقد اضطررت بينهم بعد الشهرة ~~والمعرفة في أوقات كثيرة إلى أكل الخضر في الصحراء، وإلى التكفف الفاضح عند ~~الخاصة والعامة، وإلى بيع الدين والمروءة، وإلى تعاطي الرياء بالسمعة ~~والنفاق، وإلى ما لا يحسن بالحر أن يرسمه بالقلم، ويطرح في قلب صاحبه ~~الألم، وأحوال الزمان بادية لعينك، بارزة بين مسائك وصباحك، وليس ما قلته ~~بخاف عليك، مع معرفتك وفطنتك، وشدة تتبعك وتفرغك، وما كان يجب أن ترتاب في ~~صوب ما فعلته وأتيته، بما قدمته ووصفته، وبما أمسكت عنه وطويته، إما هربا ~~من التطويل، وإما خوفا من القال والقيل. # وبعد فقد أصبحت هامة اليوم أو غد، فإني في عشر التسعين وهل لي بعد الكبرة ~~والعجز أمل في حياة لذيذة، أو رجاء لحال جديدة، ألست من زمرة من قال القائل PageV01P429 ### | CHECK [429_2] # فيهم: # نروح ونغدو كل يوم وليلة ... وعما قليل لا نروح ولا نغدو # وكما قال الآخر: # تفوقت درات الصبا في ظلاله ... إلى أن أتاني بالفطام مشيب # وهذا البيت للورد الجعدي وتمامه يضيق عنه هذا المكان # والله يا سيدي لو لم أتعظ إلا بمن فقدته من الإخوان والأخدان، في هذا ~~الصقع من الغرباء والأدباء والأحباء لكفى، فكيف بما كانت العين تقر بهم، ~~والنفس تستنير بقربهم، فقدتهم بالعراق والحجاز والجبل والري وما وإلى هذه ~~المواضع، وتواتر إلي نعيهم، واشتدت الواعية بهم، فهل أنا إلا من عنصرهم، ~~وهل لي محيد عن مصيرهم، أسأل الله تعالى رب العالمين أن يجعل اعترافي ms375 بما ~~أعرفه، موصولا بنزوعي عما أقترفه، إنه قريب مجيب. # وبعد فلي في إحراق هذه الكتب أسوة بأئمة يقتدي بهم، ويؤخذ بهديهم، ويعشى ~~إلى نارهم، منهم أبو عمرو بن العلاء، وكان من كبار العلماء مع زهد ظاهر، ~~وورع معروف، دفن كتبه في بطن الأرض فلم يوجد لهما أثر؛ وهذا داود الطائي ~~وكان من خيار عباد الله، زهدا وفقها وعبادة، ويقال له تاج الأمة، طرح كتبه ~~في البحر وقال يناجيها: نعم الدليل كنت، والوقوف مع الدليل بعد الوصول، ~~عناء وذهول، وبلاء وخمول؛ وهذا يوسف بن أسباط حمل كتبه إلى غار في جبل، ~~وطرحها فيه وسد بابه، فلما عوتب على ذلك قال: دلنا العلم في الأول، ثم كاد ~~يضلنا في الثاني، فهجرناه لوحه من وصلناه، وكرهناه من أجل من أردناه؛ وهذا ~~أبو سليمان الداراني جمع كتبه في تنور وسجرها بالنار ثم قال: والله ما ~~أحرقتك حتى كدت أحترق بك؛ وهذا سفيان الثوري مزق ألف جزء وطرحها في الريح ~~وقال: ليت يدي قطعت من هاهنا بل من هاهنا ولم أكتب حرفا؛ وهذا شيخنا أبو سعيد PageV01P430 ### | CHECK [430_2] # السيرافي سيد العلماء قال لولده محمد: قد تركت لك هذه الكتب تكتسب بها ~~خير الآجل، فإذا رأيتها تخونك فاجعلها طعمة للنار. # وماذا أقول، وسامعي يصدق، إن زمانا أحرج مثلي إلى ما بلغك، لزمان تدمع له ~~العين حزنا وأسى، ويتقطع عليه القلب غيظا وجوى، وضنى وشجى، وما يصنع بما ~~كان، وحدث وبان، إن احتجت إلى العلم في خاصة نفسي فقليل، والله شاف كاف، ~~وإن احتجت إليه للناس، ففي الصدر منه ما يملأ القرطاس بعد القرطاس، إلى أن ~~تفني الأنفاس بعد الأنفاس، وذلك من فضل الله علينا، ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون، فلم تعني عيني، أيدك الله، بعد هذا بالحبر والورق والجلد، والقراءة ~~والمقابلة والتصحيح، وبالسواد والبياض، وهل أدرك السلف في الدين الدرجات ~~العلى إلا بالعمل الصالح، وإخلاص المعتقد والزاهد الغالب، في كل ما راق من ~~الدنيا وخدع بالزبرج، وهوى بصاحبه إلى الهبوط، وهل وصل الحكماء والقدماء ~~إلى السعادة ms376 العظمى إلا بالاقتصاد في السعي، وإلا الرضى بالميسور، وإلا ~~ببذل ما فضل عن الحاجة للسائل والمحروم، فأين يذهب بنا؟ وعلى أي باب نحط ~~رحالنا؟ وهل جامع الكتب إلا كجامع الفضة والذهب، وهل المنهوم بها إلا ~~كالمريض الجشع عليها، وهل المغرم بحبها إلا كمكاثرها؟ هيهات، الرحيل واللذة ~~قريب، والثواء قليل، والمضجع مقض، والمقام ممض، والطريق مخوف، والمعين ~~ضعيف، والاغترار غالب، واللذة من وراء هذا كله طالب. نسأل الله تعالى رحمة ~~يظلنا جناحها، ويسهل علينا في هذه العاجلة غدوها ورواحها، فالويل لمن بعد ~~عن رحمته، بعد أن حصل تحت قدرته. # وختم كتابه بقوله: على أني علمت في أب حال غلب على ما فعلته، وعند أي ~~مرض، وعلى أية عسرة وفاقة، لعرفت من عذري أضعاف ما أبديته، واحتججت لي ~~بأكثر ما نشرته وطويته، وإذا أنعمت النظر تيقنت أن لله جل وعز في خلقه PageV01P431 ### | CHECK [431_2] # إحكاما، لا يغار عليها ولا يغالب فيها، لأنه لا يبلغ كنهها، ولا ينال ~~غيهبها ولا يعرف قلبها، ولا يقرع بابها، وهو تعالى أملك لنواصينا، واطلع ~~على أدانينا وأقاصينا، له الخلق والمر، وبيده الكسر والجبر، وعلينا الصمت ~~والصبر، إلى أن يوارينا اللحد والقبر والسلام. # كتب هذا الكتاب في شهر رمضان سنة أربعمائة، وكشف به الغطاء عن محيا حقائق ~~عصره، وألم فيه أي إلمام بما حداه على تعفيه اثره، لما لقي من الإنكار، ~~وناله من أهل جيله، فهجن بما هجن، وأزعج بما أزعجن ولولا أن السويداء غلبت ~~عليه بإقراره، واليأس من الحياة وبينها سد عليه مسالكه، وزين له إتيان ما ~~أتى - وبنات الأفكار، أغلى من كل عقار ونضار - لما أقيمت له معذرة، ولا ~~أسبل على ذنبه ستر المغفرة، وبالسويداء قد يهلك المرء أعز حبيب على قلبه، ~~إذا ثاب إليه عقله ندم على فعلته، وبالمرة الصفراء قد يقتل نفسه، والنفس ~~الأعلاق على الإطلاق. والتوحيدي مع هذا لم يأت بدعا فريا، ولعمله أشباه ~~ونظائر، بيد أن الزمن الذي قلبه كل مقلب، وغيره في أعطاف النعم يتقلب، ~~وإخراجه من جلده، ونبا به عن ms377 طوره، بما رآه من خبث وخبث، وعنت وعبث، لم يرض ~~أن يستلب جميع جواهره وعقوده، ليتمتع بذرو من درره أهل الأجيال المقبلة، ~~على نحو ما استمتع بها أبناء الأعصر الغابرة، فقضي له من قبل المأتم الذي ~~عقده لإحراق كتبه، أن يتناقل الوراقون والطالبون أسفاره، ويتنافسوا في ~~نسخها واقتنائها، فبقيت بصنيعهم هذه البقية الصالحة من أفكاره التي حفظت ~~ذكراه على كرور الأعصار، وطارت كل مطار في الأقطار والأمصار. # وإن أعظم ما ينتقد عليه في هذه الرسالة قوله إنه جمع أكثر كتبه للناس ~~ولطلب الفضل منهم، وعقد الرياسة بينهم ونشدان الجاه عندهم. وقوله هذا ينافي ~~هدي العلماء، فإن العلم يراد لذاته، وتأليف الكتب يقصد به نفع الناس، ونشر ~~فكر وبث PageV01P432 ### | CHECK [432_2] ### | AUTO حقيقة، وقد يتوقع منها مأرب آخر، هذا إذا كان يريد بعبارته ما ~~فهمناه منها، فإن هذا التصريح مما يعاب عليه، وما نرى هذه الأفكار تلتئم مع ~~الفلسفة والتصوف. على أننا أبا حيان في بعض أحواله ومواقفه يقول غير هذا، ~~رأيناه يقول وقد رأى في جامع الرصافة المعافا بن زكريا ينام مستدبر الشمس ~~في يوم شات، وبه من أثر الفقر والبؤس والضر أمر عظيم، مع غزارة علمه، ~~واتساع أدبه، وفضله المشهور، ومعرفته بصنوف العلم، سيما علم الأثر والأخبار ~~وسير العرب وأيامها فقال له: مهلا أيها الشيخ وصبرا، فإنك بعين الله ومرأى ~~منه ومسمع، وما جمع الله لأحد شرف العلم وعز المال فقال: مالا بدء منه من ~~الدنيا فليس منه بد، ثم قال: # يا محنة الدهر كفي ... إن لم تكفي فخفي # قد آن أن ترحمينا ... من طول هذا التشفي # طلبت جدا لنفسي ... فقيل لي قد توفي # فلا علومي تجدي ... ولا صناعة كفي # ثور ينال الثريا ... وعالم متخفي # نموذجات من كتبه: # نقلت كتب أبي حيان أفكارا منوعة، وفلسفة أناس كانت تنسى أخبارهم، لو لم ~~يتصد لتدوينها، وفي اقتباس صفحات قليلة منها تتجلى ألوان أدبه وسهولة ~~بيانه. قال في كتاب المحاضرات: # ذكرت للوزير مناظرة جرت في مجلس الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر ms378 بن ~~الفرات، بين أبي سعيد السيرافي وأبي بشر متى واختصرتها فقال لي: أكتب هذه ~~المناظرة على التمام، فإن شيئا يجري في ذلك المجلس النبيه، وبين هذين ~~الشيخين بحضرة أولئك الأعلام، ينبغي أن يغتنم سماعه، وتوعى فوائده، ولا ~~يتهاون بشيء PageV01P433 ### | CHECK [433_2] # منه. وكان في جملة من حضر ذاك المجلس الذي انعقد سنة عشرين وثلاثمائة: ~~الخالدين وابن الأخشيد والكندي وأبن أبي بشر وابن رباح وابن كعب وقدامة بن ~~جعفر والزهراوي وعلي بن عيسى بن الجراح وأبو فراس وابن رشيد وابن عبد ~~العزيز الهاشمي وابن يحيى العلوي ورسول ابن طغج من مصر والمرزباني صاحب بني ~~سامان. قال التوحيدي فقال لي الوزير: ابن أبو سعيد من أبى علي، واين علي بن ~~عيسى منهما، وأين ابن المراغي أيضا من الجماعة، وكذلك المرزباني وابن شاذان ~~وابن الوراق وابن حيويه؟ فكان مني الجواب: أبو سعيد أجمع لشمل العلم، وأنضم ~~لمذاهب العرب، وأدخل في كل باب، وأخرج عن كل طريق، وألزم للجادة الوسطى في ~~الدين والخلق، وأروى للحديث، وأقضى في الأحكام، وأفقه في الفتوى، وأحضر ~~بركة على المختلفين، وأظهر أثرا في المقتبسة. # ومما جاء في هذه المناظرة في اللغات والترجمة: إن لغة من اللغات لا تطابق ~~لغة أخرى من جميع جهاتها بحدود صفاتها في أسمائها وأفعالها وحروفها ~~وتأليفها وتقديمها واستعارتها وتحقيقها وتشديدها وتخفيفها وسعتها وضيقها ~~ونظمها ونثرها وسجعها ووزنها وميلها وغير ذلك. . . فمن أين يجب أن نثق بشيء ~~ترجم لك على هذا الوصف؟ بل أنت إلى أن تعرف اللغة العربية أحوج منك أن تعرف ~~المعاني اليونانية، على أن المعاني لا تكون يونانية ولا هندية، كما أن ~~اللغات لا تكون فارسية ولا عربية ولا تركية. . . ومن فقرها قال أبو سعيد: ~~فأنت أي متى إذا لست تدعونا إلى علم المنطق بل إلى تعلم اللغة اليونانية، ~~وأنت لا تعرف لغة يونان، فكيف صرت تدعونا إلى لغة لا تفي بها وقد عفت منذ ~~زمان طويل، وباد اهلها، وأنقرض القوم الذين كانوا يتفاوضون بها، ويتفاهمون ~~أغراضهم بتصرفها؟ على أنك تنقل من السريانية، ms379 فما تقول في معان متحولة ~~بالنقل من لغة يونان إلى PageV01P434 ### | CHECK [434_2] # لغة أخرى سريانية، ثم من هذه إلى لغة أخرى عربية قال متى: يونان وأن بادت ~~مع لغتها فإن الترجمة قد حفظت الأغراض، وأدت المعاني، وأخلصت الحقائق. قال ~~أبو سعيد: إذا سلمنا لك أن الترجمة شدقت وما كذبت، وقومت وما حرقت، ووزنت ~~وما جزفت، وأنها ما التأثت، ولا حافت، ولا نقصت ولا زادت، ولا قدمت ولا ~~أخرت، ولا أخلت بمعنى الخاص والعام، ولا بأخص الخاص، ولا بأعم العام، وإن ~~كان هذا لا يكون، وليس في طبائع اللغات، ولا في مقادير المعاني؛ فكأنك تقول ~~بعد هذا لا حجة إلا عقول يونان، ولا برهان إلا ما وضعوه، ولا حقيقة إلا ما ~~أبرزوه. # قال متى: لا ولكنهم من بين الأمم أصحاب عناية بالحكمة والبحث عن ظاهر هذا ~~العالم وباطنه، وعن كل ما يتصل به ويتفصل عنه؛ وبفضل عنايتهم ظهر ما ظهر، ~~وانتشر ما انتشر، ونشأ ما نشأ، من أنواع العلم، وأصناف الصناعة، ولم نجد ~~هذا لغيرهم. قال أبو سعيد: أخطأت وتعصبت، وملت مع الهوى، فإن العم مثبوت في ~~العالم. ولهذا قال القائل: # العلم في العالم مبثوث ... ونحوه العاقل محثوث # وكذلك الصناعات مفضوضة على جميع من على جديد الأرض، ولهذا غلب علم في ~~مكان دون مكان، وكثرت صناعة في بقعة دون صناعة، وهذا واضح والزيادة عليه ~~مشغلة. ومع هذا فإنما كان يصح قولك وتسلم دعواك، لو كانت يونان معروفة بين ~~جميع الأمم بالعصمية الغالبة، والفطرة الظاهرة، والبنية المخالفة، وأنهم لو ~~أرادوا أن يخطئوا ما قدروا، ولو قصدوا أن يكذبوا ما استطاعوا، وأن السكينة ~~نزلت عليهم، والحق تكفل بهم، والخطأ تبرما منهم، والفضائل لصقت بأصولهم ~~وفروعهم، والرذائل بعدت عن جواهرهم وعروقهم، وهذا جهل ممن يظنه بهم، وعناد ~~ممن يدعيه عليهم، بل كانوا كغيرهم من الأمم PageV01P435 ### | CHECK [435_2] # يصيبون في أشياء، ويخطئون في أشياء، ويصدقون في أمور، ويكذبون في أمور، ~~ويحسنون في أحوال، ويسيئون في أحوال. . . # قال أبو حيان: هذا آخر ما كتبت عن علي ms380 بن عيسى الشيخ الصالح بإملائه، ~~وكان أبو سعيد روى لمعا من هذه القصة، وكان يقول لم أحفظ على نفسي كل ما ~~قلت، ولكن كتب ذلك القوم الذين حضروا في ألواح كانت معهم ومحابر أيضا، وقد ~~اختل كثير منه. قال علي بن عيسى: وتقوض المجلس وأهله يتعجبون من جأش أبي ~~سعيد، ولسانه المتصرف، ووجهه المتهلل، وفوائده المتتابعة. وقال له الوزير ~~ابن الفرات: عين الله عليك أيها الشيخ فقد نديت أكبادا، وأقررت عيونا، ~~وبيضت وجوها، وحكت طرازا لا تبليه الأيام، ولا يتطرقه الحدثان، قال قلت ~~لعلي بن عيسى: وكم كانت سن أبي سعيد يومئذ، قال مولده سنة ثمانين ومائتين، ~~وكان له يوم المناظرة أربعون سنة وقد عبث الشيب بلهازمه. # نقل القفطي أن السبب في تأليف التوحيدي كتاب الإمتاع والمؤانسة أن أبا ~~سليمان المنطقي أستاذ التوحيدي في الفلسفة - وكان منزله في دار السلام مقيل ~~أصحاب العلوم القديمة - كان لانقطاعه عن الناس، ولزومه مجلسه، من الأجلاء، ~~ينقل إليه بعض أخبارها، وكان أبو حيان من بعض المعتصمين به، وكان يغشى ~~مجالس الرؤساء ويطلع على الأخبار، ومهما علمه من ذلك نقله إليه وحاضره به، ~~ولأجله صنف كتاب الإمتاع والمؤانسة، نقل له فيه ما كان يدور في مجلس أبي ~~الفضل عبد الله بن العارض الشيرازي عندما تولى الوزارة. قال: وهو كتاب ممتع ~~على التحقيق، لمن له مشاركة في فنون العلم، فإنه خاض كل بحر، وغاص كل لجة. ~~قال القفطي: وما أحسن ما رأيته على ظهر نسخة من كتاب الإمتاع بخط بعض أهل ~~جزيرة صقلية وهو: ابتدأ أبو حيان كتابه صوفيا، وتوسطه محدثا، وختمه سائلا ~~ملحفا ا ه: وفي الكلام الأخير صورة صغيرة مما كان يعاب على أخلاق PageV01P436 ### | CHECK [436_2] # أبي حيان، وقد لا يجد المدافع معذرة يعتذر بها عنه. ومنزع التوحيدي واحد ~~وهو ما قاله في آخر كتاب أخلاق الوزيرين ولكن النقص ممن يدعي التمام أشنع، ~~والحرمان من السعيد المأمون فاقرة، والجهل من العالم منكر، والكبيرة ممن ~~يدعى العصمة جائحة، والبخل ممن يتبرأ منه بدعواه عجيب. ومن ms381 الإنصاف أن نقول ~~إن التوحيدي أجاد كل الإجادة في التعريف بالرجال، ووقفنا على نفسياتهم ~~ونزائعهم، وليس هذا بالأمر السهل. # ومن كتاب الإمتاع: سأل الوزير صمصام الدولة أبا حيان التوحيدي في حدود ~~سنة 372 عن إخوان الصفاء بقوله: إني لا أزال أسمع من زيد ابن رفاعة قولا ~~يريبني، ومذهبا لا عهد لي به، وكناية عما لا أحققه، وإشارة إلى ما لا يتوضح ~~شيء منه، يذكر الحروف ويذكر النقط، ويزعم أن الباء لم تنقط من تحت واحدة إلا ~~لسبب، والتاء لم تنقط من فوق اثنتين إلا لعلة، والألف لم تعجم إلا لغرض ~~وأشباه هذا؛ وأشهد منه في غرض ذلك دعوى يتعاظم بها، وينتفخ بذكرها، فما ~~حديثه وما شأنه وما دخلته؟ فقد بلغني يا أبا حيان انك تغشاه وتجلس غليه، ~~وتكثر عنده، ولك معه نوادر معجبة؛ ومن طالت عشرته لإنسان صدقت خبرتهن وأمكن ~~اطلاعه على مستكن رأيه، وخافي مذهبه. فقلت: أيها الوزير، أنت الذي تعرفه ~~قبلي قديما وحديثا بالاختيار والاستخدام، وله منك الإمرة القديمة، والنسبة ~~المعروفة. فقال: دع هذا وصفه لي. فقلت: هناك ذكاء غالب، وذهن وقاد، ومتسع ~~في قول النظم والنثر، مع الكتابة البارعة في الحساب والبلاغة، وحفظ أيام ~~الناس، وسماع المقالات، وتبصر في الآراء والديانات، وتصرف في كل فن، إما ~~بالشدو الموهم، وإما بالتوسط المفهم، وإما بالتناهي المفحم. قال: فعلى هذا ~~ما مذهبه؟ قلت: لا ينسب إلى شيء، ولا يعرف برهط، لجيشانه بكل شيء، وغليانه ~~بكل باب، ولاختلاف ما يبدو من بسطته ببيانه، وسطوته بلسانه، وقد أقام ~~بالبصرة زمنا PageV01P437 ### | CHECK [437_2] # طويلا، وصادف بها جماعة لأصناف العلم وأنواع الصناعة، منهم أبو سليمان ~~محمد بن معشر البسني، ويعرف بالمقدسي وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني ~~وأبو أحمد المهرجاني والعوفي وغيرهم فصحبهم وخدمهم. # وكانت هذه العصابة قد تألفت بالعشرة، وتصافت بالصداقة، واجتمعت على القدس ~~والطهارة والنصيحة، فوضعوا بينهم مذهبا زعموا أنهم قربوا به الطريق إلى ~~الفوز برضوان الله، وذلك أنهم قالوا: إن الشريعة قد دنست بالجهالات، ~~واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها ms382 إلا بالفلسفة، لأنها حاوية ~~للحكمة الاعتقادية، والمصلحة الاجتهادية، وزعموا أنه متى انتظمت الفلسفة ~~اليونانية والتشريعة العربية؛ فقد حصل الكمال، وصنفوا خمسين رسالة في جميع ~~أجزاء الفلسفة علميها وعمليها، وأفردوا لها فهرسا وسموها: رسائل إخوان ~~الصفاء وكتموا فيها اسماءهم، وبثوها في الوراقين، ووهبوها للناس، وحشوا هذه ~~الرسائل بالكلمات الدينية، والأمثال الشرعية، والحروف المحتملة، والطرق ~~المموهة. # قال الوزير: فهل رأيت هذه الرسائل؟ قلت: قد رأيت جملة منها وهي مبثوثة من ~~كل فن بلا إشباع ولا كفاية، وفيها خرافات وكنايات وتلفيقات وتلزيقات، وحملت ~~عدة منها إلى شيخنا أبي سليمان المنطقي السجستاني محمد بن بهرام وعرضتها ~~عليه فنظر فيها أياما، وتبحرها طويلا، ثم ردها علي وقال: تعبوا وما أغنوا، ~~ونصبوا وما أجدوا، وحاموا وما وردوا، وغنوا وما أطربوا، ونسجوا فهلهلوا، ~~ومشطوا ففلفلوا، طنوا ما لا يكون ولا يمكن ولا يستطاع، ظنوا أنه يمكنهم أن ~~يدرسوا الفلسفة التي هي علم النجوم والأفلاك والمقادير والمجسطي وآثار ~~الطبيعة، والموسيقي الذي هو معرفة النغم والإيقاعات والنقرات والأوزان، ~~والمنطق الذي هو اعتبار القوال بالإضافات والكميات والكيفيات في الشريعة، ~~وأن يربطوا الشريعة في الفلسفة، وهذا مرام دونه حدد. وقد تورد على هذا قبل ~~قوم كانوا أحد PageV01P438 ### | CHECK [438_2] # أنيابا، وأحضر أسبابا، وأعظم أقدارا، وأرفع أخطارا، وأوسع قوى، وأوثق ~~عرى، فلم يتم لهم ما أرادوه، ولا بلغوا منه ما أملوه، وحصلوا على لوثات ~~قبيحة، ولطخات واضحة موشحة، وعواقب مخزية، فقال له البخاري ابن العباس: ولم ~~ذلك أيها الشيخ؟ فقال: إن الشريعة مأخوذة عن الله عز وجل، بواسطة السفير ~~بينه وبين الخلق، من طريق الوحي وباب المناجاة، وشهادة الآيات، وظهور ~~المعجزات، وفي أثنائها ما لا سبيل إلى البحث عنه والغوص فيه، ولا بد من ~~التسليم المدعو إليه، والمنبه عليه، وهناك يسقط لم ويبطل كيف ويزول هلا ~~ويذهب لو وليت في الريح الخ عن تراجم الحكماء. هذه حقيقة جمعية إخوان ~~الصفاء، وصفها التوحيدي أجمل وصف. وما أحلى قوله في ابن رفاعة إنه تصرف في ~~كل فن إما بالشدو الموهم، وإما بالتوسط المفهم، وإما ms383 بالتناهي المفحم. # من كتاب تقريظ الجاحظ: هذا المتاب ينقل عنه ياقوت أحيانا ونقل عنه ~~الجرجاني في كنايات الأدباء كما نقل أيضا عن كتاب الذخائر والبصائر قال: ~~قرأت بخط أبي حيان التوحيدي في كتابه الذي ألفه في تقريظ الجاحظ، وقد ذكر ~~العلماء الذين كانوا يفضلون الجاحظ فقال ومنهم علي بن عيسى الرماني فإنه لم ~~ير مثله قط بلا تقية ولا تحاش، ولا اشمئزاز ولا استيحاش، علما بالنحو، ~~وغزارة في الكلام، وبصرا بالمقالات، واستخراجا للعويص، وإيضاحا للمشكل مع ~~تأله وتنزه، ودين ويقين، وفصاحة وفقاهة، وعفافة ونظافة. # ونقل ياقوت أيضا جملة من هذا الكتاب فقال: ومنهم أي من الذين قدمهم ~~التوحيدي على الجاحظ وفضلهم أبو سعيد السيرافي شيخ الشيوخ وإمام الأئمة ~~معرفة بالنحو، والفقه، واللغة، والشعر، والعروض، والقواف، والقرآن، ~~والفرائض، والحديث، والكلام، والحساب، والهندسة. أفتى في جامع الرصافة ~~خمسين سنة على مذهب أبي حنيفة فما وجد له خطأ، ولا عثر منه على زلة، وقضى ~~ببغداد، وشرح كتاب PageV01P439 ### | CHECK [439_2] # سيبويه في ثلاثة آلاف ورقة بخطه في السليماني، فما جاراه فيه أحد، ولا ~~سبقه إلى إتمامه إنسان. هذا مع الثقة والديانة والأمانة والرواية، صام ~~أربعين سنة وأكثر الدهر كله. وهذا الكتاب من عجائب التوحيدي أيضا فإنه على ~~ما ظهر من هذين النموذجين فيما نرى في وصف السيرافي والروماني أنه فضلهما ~~على الجاحظ في هذا الاختصاص وهذا موضع نظر أيضا. # مثال من كتابه الصداقة والصديق قال في مقدمته: اللهم خذ بأيدينا فقد ~~عثرنا، واستر علينا فقد أعورنا، وأرزقنا الألفة التي بها تصلح القلوب، ~~وتنقى الجيوب، حتى نعيش في هذه الدار مصطلحين على خير، مؤثرين للتقوى، ~~عاملين بشرائط الدين؛ آخذين بأطراف المروءة، آنفين من ملابسة ما يقدح في ~~ذات البين، متزودين للعاقبة التي لا بد من الشخوص إليها، ولا محيد عن ~~الاطلاع عليها، إنك تؤتي من تشاء ما تشاء. # سمع مني في وقت بمدينة السلام، كلام في الصداقة والعشرة، والمؤاخاة ~~والألفة، وما يلحق بها من الرعاية والحفاظ، والوفاء والمساعدة، والنصيحة ~~والبذل، والمؤاساة والجود والتكرم، مما قد ms384 ارتفع رسمه بين الناس، وعفي أثره ~~عند العام والخاص، وسئلت إثباته ففعلت، ووصلت ذلك بجملة مما قال أهل الفضل ~~والحكمة، وأصحاب الديانة والمروءة، ليكون ذلك كله رسالة تامة يمكن أن ~~يستفاد منها، وينتفع بها في المعاش والمعاد. وسمعت الخوارزمي أبا بكر محمد ~~بن العباس الشاعر البليغ يقول: اللهم نفق سوق الوفاء فقد كسدت، واصلح قلوب ~~الناس فقد فسدت، ولا تمتني حتى يبور الجهل، كما بار العقل، ويموت النقص، ~~كما مات الفهم. وأقول: اللهم اسمع واستجب، فقد برج الخفاء، وغلب الجفاء، ~~وطال الانتظار، ووقع اليأس، ومرض الأمل، وأشفى الرجاء، والفرج معدوم، وأظن ~~أن الداء في هذا الباب قديم، والبلوى فيه مشهورة، والعجيج منه معتاد. PageV01P440 ### | CHECK [440_2] # فأول ذلك أني قلت لأبي سليمان محمد بن طاهر السجستاني إني أرى بينك وبين ~~ابن سيار القاضي ممازجة نفسية، وصداقة عقلية، ومساعدة طبيعية، ومؤاتاة ~~خلقية. فمن أين هذا وكيف هو؟ فقال: يا بني اختلطت ثقتي به بثقته بي، ~~فاستفدنا طمأنينة وسكونا لا يرثان على الدهر، ولا يحولان بالقهر، ومع ذلك ~~فبيننا بالطالع، ومواقع الكواكب، مشاكلة عجيبة، ومظاهرة غريبة حتى إنا ~~نلتقي كثيرا في الإرادات والاختيارات، والشهوات والطلبات، وربما تزاورنا ~~فيحدثني بأشياء جرت له بعد افتراقنا من قبل، فأجدنا شبيهة بأمور حدثت لي في ~~ذلك الأوان، حتى كأنها قسائم بيني وبينه، أو كأني هو فيها أو هو أنا، وربما ~~حدثته برؤيا فيحدثني بأختها، فنراها في ذلك الوقت أو قبله بقليل أو بعده ~~بقليل؛ قال: ورأيته قد ملكة التعجب من هذا وشبهه، فحدثته بما نتقاسمه من ~~قوى الفلك، وان سهامنا واحدة، وأنصابنا منها متساوية، أو قريبة من التساوي، ~~فعجب وازداد بصيرة في إخلاص الصداقة، وتوكيد العلاقة. فقلت لأبي سليمان كيف ~~يصح هذا، وأنت مطالبك في الفلسفة، وصورة مأخوذة من الحكمة، وقتيبتك مجموعة ~~من الحقائق، وخوضك في الغوامض والدقائق، وذاك رجل في عداد القضاة، وجله ~~الحكام، وأصحاب القلانس، ومخاضه الظاهر الذي عليه الجمهور، ومأخذه مما عليه ~~السواد الأعظم؟ فقال: هذا هو الذي انفردنا عنه، بعد أن ازدواجنا عليه. ms385 ~~والأصل أبدا مخالف للفرع، لا خلاف الضد للضد، ولكن خلاف الشكل للشكل، وكان ~~مشتريه خاليا من قوة زحل، فبرز في حلبة القضاة، وكان المشتري لي مقتبسا من ~~زحل فظهرت بما ترى، فجمعتنا المشاكلة على العلم، وفرقنا الاختلاف بالفن. # قلت: هذا والله طريف، ومما يزيد في طرافته أنك من سبحستان وهو من ~~الصيمرة، فقال: الأمكنة في الفلك أشد تضاما من الخاتم في إصبعك، وليس لها ~~هناك هذا البعد الذي تجده بالمسافة الأرضية، من يلد إلى بلد، بفراسخ تقطع، PageV01P441 ### | CHECK [441_2] # وجبال تعلى، وبحار تحرق، فقلت: هل تجد عليه في شيء أو يجد عليك في شيء؟ ~~فقال: وجدي به في الأول، قد حجبني عن موجدتي عليه في الثاني، على أنه يكتفي ~~مني فيما خالف هواي باللمحة الضئيلة، وأكتفي أنا أيضا منه مثل بالإشارة ~~القليلة، وربما تعاتبنا على حال تعرض على طريق الكناية عن غيرنا، كأننا، ~~نتحدث عن قوم آخرين، ويكون لنا في ذاك مقنع، وإليه مفزغ؛ وقلما تجتمع إلا ~~ويحدثني عني بأسرار ما سافرت عن ضميري إلى شفتي، ولا ندت عن صدري إلى لفظي، ~~وذاك للصفاء الذي نتساهمه، والوفاء الذي نتقاسمه، والباطن الذي نتفق عليه، ~~والظاهر الذي نرجع إليه والأصل الذي رسوخنا فيه، والفرع الذي تشبثنا به، ~~والله ما يسرني بصداقته حمر النعم ولا أجد بها حياتي ما أجد بحياتي لي، ~~وإذا كنت أعشق الحياة لأني بها أحيا، كذلك أعشق كل ما وصل الحياة يالحياة، ~~وجنى لي ثمرتها، وجلب لي روحها، وخلط بي طيبها وحلاوتها. # وكان أبو سليمان يحدثني عن ابن سيار بعجائب، وأما فما عرفته إلا قاضيا ~~جليلا صاحب جد وتفخيم، وتوقير وتعظيم، وكان مع ذلك بسيط اللسان شريف اللفظ، ~~واسع التصرف، لطيف المعاني، بعيد المرامي، يذهب مذهب أبي حنيفة. # ثم قال أبو سليمان: الصداقة التي بين الرغبة والرهبة، شديدة الاستحالة، ~~وصاحبها من صاحبه في غرور، والزلة فيها غير مأمونة، وكسرها غير مجبور، قال: ~~فإما الملوك فقد جلوا عن الصداقة، ولذلك لا تصح لهم أحكامها، ولا توفي ~~بوعودها، وأنما أمورهم جارية ms386 على القدرة والقهر والهوى والشاهق والاستحلاء ~~والاستخفاف، وأما خدمه وأولياؤهم فعلى غاية الشبه به، ونهاية المشاكل لهم ~~لانتشابهم بهم، وانتسابهم أليهم، وولوع طورهم بما يصدر عنهم، ويرد عليهم. ~~وأما الثناء وأصحاب الضياع فليسوا من هذا الحديث في عير ولا نفير. وأما ~~التجار فكسب الدوانيق سد بينها وبين كل مروءة، وحاجز لهم عن كل ما يتعلق ~~بالفتوة، PageV01P442 ### | CHECK [442_2] # وأما أصحاب الدين والورع، فعلى قلتهم، ربما خلصت لهم الصداقة لبنائهم ~~إياها على التقوى، وتأسيسها على أحكام الحرج، وطلب سلامة العقب. وأما ~~الكتاب وأهل العلم فإنها إذا خلوا من التنافس والتحاسد، والتماري والتماحك، ~~فربما صحت لهم الصداقة، وظهر منهم الوفاء، وذلك قليل، وهذا القليل من الأصل ~~القليل. وأما أصحاب المذاب والتطفيف فإنها رجرجة بين الناس. ولا محاسن لهم ~~فتذكر، ولا مساعي فتنشر، ولذلك قيل لهم همج ورعاع، وأوباش وأوتاش ولغيف ~~وزعانف وداصة وسقاط وأنذال وغوغاء، لأنهم من دقة الهمم، وخساسة النفوس، ~~ولؤم الطباع، على حال لا يجوز أن يكونوا في حومة المذكورين، وعصابة ~~المشهورين فلهذه الأمور الحائلة عن مقارها، الزائغة إلى غير جهاتها، علل ~~وأسباب، لو نفس الزمان قليلا لكنا ننشط لشرحها، وذكر ما قد أتى النسيان ~~عليه، وعفى أثره الإهمال، وشغل عنه طلب القوت، ومن أين يظفر بالغذاء، من ~~كان عاجزا عن الحاجة، وبالعشاء من كان قاصرا عن الكفاية، وكيف يحتال في ~~حصول طمرين للستر لا للتجمل، وكيف يهرب من الشر المقبل، وكيف يهرول وراء ~~الخير المدبر، وكيف يستعان بمن لا يعين، ويشتكى إلى غير رحيم، ولكن حال ~~الجريض دون القريض. # ومن العجب والبديع أنا كتبنا هذه الحروف على ما في النفس من الحرق والأسف ~~والحسرة والغيظ، والكمد والومد، وكأني بغيرك إذا قرأها تقبضت نفسه عنها، ~~وأمر نقده عليها، وأنكر علي التطويل والتهويل بها. وإنما أشرت بهذا إلى ~~غيرك، لأنك تبسط من العذر ما لا يجود به سواك، وذاك لعلمك بحالي، واطلاعك ~~على دخلتي، واستمراري على هذا الإنفاض والعوز اللذين قد نقضا قوتي، ونكثا ~~مرتي، وأفسدا حياتي، وقرناني بالأسى، وحجباني عن ms387 الأسى، لأني فقدت كل مؤنس ~~وصاحب، ومرافق مشفق، والله لربما صليت في الجامع فلا أرى إلى جبني من PageV01P443 ### | CHECK [443_2] # يصلي معي، فإن اتفق فبقال أو عصار، أو نداف أو قصاب، ومن إذا وقف إلى ~~جانبي أسدرني بصنانه، وأسكرني بنتنه. فقد أمسيت غريب الحال، غريب اللفظ، ~~غريب النحلة، غريب الخلق، مستأنسا بالوحشة، قانعا بالوحدة، معتادا للصمت، ~~ملازما للحيرة، محتملا للأذى، يائسا من جميع من ترى، متوقعا لما لا بد من ~~حلوله، فشمس العمر على شفا، وماء الحياة إلى نضوب، ونجم العيش إلى أفول، ~~وظل التلبث إلى قلوص. # قال التوحيدي بعد ذكر هذه المقدمة إن سبب إنشائه هذه الرسالة في الصداقة ~~والصديق أنه ذكر شيئا منها لزيد بن رفاعة أبي الخير فنماه إلى ابن سعدان ~~الوزير أبي عبد الله سنة إحدى وسبعين وثلثمائة، قبل تحمله أعباء الدولة ~~وتدبيره أمر الوزارة، حين كانت الاشتعال خفيفة، والأحوال على إذلالها ~~جارية، فأشار عليه ابن سعدان أن يدونه، فجمع هذه الرسالة، وأبطأ عن ~~تحريرها، فلما مر على ذلك بعض سنين عثر على المسودة وبيضها. # وقال في مكان آخر: قد أتت هذه الرسالة على حديث الصداقة والصديق، وما ~~يتصل بالوفاق والخلاف، والهجر والصلة، والعتب والرضا، والمذاق والإخلاص، ~~والرياء والنفاق، والحيلة والخداع، والاستقامة والالتواء، والاستكانة ~~والاحتجاج والاعتذار. ولو أمكن لكان تأليف ذلك كله أثم مما هو عليه، وأجرى ~~إلى الغاية في ضم الشيء إلى شكله، وحسبه في قالبه، فكان رونقه أبين، ورفقه ~~أحسن، ولكن العذر قد تقدم. ولو أردنا أيضا أن نجمع ما قاله كل ناظم في ~~شعره، وكل ناثر من لفظه، لكان ذلك عسرا بل متعذرا، فان أنفاس الناس في هذا ~~الباب طويلة، وما من أحد إلا وله في هذا الفن حصة، لأنه لا يخلو أحد من جار ~~أو معامل أو حميم أو صاحب، أو رفيق أو سكن أو حبيب أو صديق أو أليف، أو ~~قريب أو بعيد أو ولي أو خليط، كما لا يخلو أيضا من عدو أو كاشح أو مداج أو ~~مكاشف، أو حاسد ms388 أو PageV01P444 ### | CHECK [444_2] # شامت، أو منافق أو مؤذ، أو منابد أو معاند، أو مزل أو مضل أو مغل. وقد ~~قال الأوائل الإنسان مدني بالطبع، وبيان هذا أنه لا بد له من الإعانة ~~والاستعانة، لأنه لا يكمل وحده لجميع مصالحة، ولا يستقل بجميع حوائجه، وهذا ~~ظاهر، وإذا كان مدنيا بالطبع كما قيل، فالواجب ما يعرض في أضعاف ذلك من ~~الأخذ والعطاء، والمجاورة والمحاورة، والمخالطة والمعاشرة، ما يكون سببا ~~لنظام الحال، أو يكون سببا لانتشار الأمر، ولا محالة أن هذه وأشباهها مفضية ~~بالناس إلى جملة ما نعته هؤلاء الذين روينا نظمهم ونثرهم، وكتبنا جورهم ~~وإنصافهم، وذلك أعلى فنون ما قالوه، وعيون ما ذكروه ونشروه، ونروي في هذا ~~الموضع بقية أبيات وإن عن شيء حكيناه، ونغلق الرسالة فإنها إذا طالت أبغضت، ~~وإذا أبغضت هجرت اه. # وهذا النموذج الذي أوردناه من الصداقة والصديق كاف في الحكم على أسلوبه ~~والروح الذي ينزع في تأليفه. وملاحظة التوحيدي على ائتلاف المتضادين في ~~العلم، والتمثيل بصداقة أستاذه أبي سليمان المنطقي وصديقه ابن سيار القاضي، ~~ووصف أبي سليمان وصفا دقيقا للصلات التي عقدت بين قلبهما، ثم إبداعه في وصف ~~طبقات الأصدقاء، كل ذلك من جميل الوصف، وإلى اليوم ما اختل هذا التقسيم، ~~وإن رأيت الوفاء والصداقة ففي النادر الشاذ. ومن أبدع الصفحات وصف غربته في ~~أمته، غربة الفكر والاجتماع والنحلة والخلق والعادة. ولا بدع فهو من جيد ~~الوصف في نفسية أهل عصره، ومنزلة العالم بين جمهور الغاغة. ومن أجمل ~~الأعذار اعتذاره عن طول هذه الرسالة علما منه أن مكانه الكتاب بمادته لا ~~بسعته، ولكن إذا قضت الحال بالتطويل، اضطر المؤلف إلى إطلاق عنان بيانه. # وفي كتاب الصداقة والصديق مثال من مجالسهم وهو قوله: رأيت ابن سعدان ينشد ~~يوما وقد أنكر شيئا من بعض الندماء: # عد راح في ثوب الصديق ... شربك في الصبوح وفي الغبوق PageV01P445 ### | CHECK [445_2] # له وجهان ظاهره ابن عم ... وباطنه ابن زانية عتيق # يسرك ظاهرا ويسوء سرا ... كذاك تكون أبناء الطريق # وأنا أسمي لك ندماءه، وأروي كلاما ms389 له وصفهم به. منهم أبو علي عيسى بن ~~زرعة النصراني المتفلسف، وابن عبيد الكاتب، وابن الحجاج الشاعر، وأبو ~~الوفاء المهندس وابن بكر، ومسكويه، وأبو القاسم الأهوازي، وأبو سعد بهرام ~~بن أزدشير. وكان أوزنهم عنده، وألصقهم بقلبه ابن شاهويه. هؤلاء أهل المجلس ~~سوى الطارئين من أهل الدولة لا فائدة في ذكرهم. قال زيد بن رفاعة وكان ~~قريبا له من جهة الخوف له ؟ : رأيت الوزير اليوم يصف ندماءه بكلام يصلح أن ~~يكتب على الأحداق، ويعرض على أهل الافاق، ليستفيده الصغير والكبير. قال: ~~أصحابي طرائق قدد، كما قال عبد الحميد الكاتب: الناس أخياف مختلفون، وأصناف ~~متباينون، فمنهم علق مضنة لا يباع، ومنهم غل مظنة لا يبتاع. وكما قال الآخر: # الناس أخياف وشتى في الشيم ... وكلهم يجمعهم بيت الأدم # فإما ابن زرعة فكبره بالحكمة، وخيلاؤه بالثروة، قد قدحا في حاق عقله، وهو ~~لا يحس بذلك القدح، فليس لنا منه إذا جالسنا إلا النفخ والتعظيم، والتهويل ~~بأرسطاطاليس وأفلاطون وسقراط وبقراط وفلان وفلان، ومجالس الشراب تتجافى عن ~~هؤلاء، وهؤلاء يجلون عن مجالس الشراب. يا نائم يا غافل يا ساهي، وأين أنت ~~من هؤلاء الحكماء القدماء، أسيرتك سيرتهم، أحالك حالهم؟ إنما تدعي عقائدهم ~~باللسان، وتنتحل أسماءهم باللفظ، فإذا جاءت الحقيقة كنت على الشط تلعب ~~بالرمل، ولولا أنه يكدر هزل جدنا بجد هزله، لكان محمولا، ولكنه يأبى إلا ما ~~ألفه، وأفاد المران عليه. # وأما ابن عبيد فكلفه بالخطابة والبلاغة والرسائل والفصاحة قد طرحه في عمق ~~لج لا مطمع في انتفاذه منه، ولا طريق إلى صرفه عنه، هذا مع حركات غير PageV01P446 ### | CHECK [446_2] # متناسبة، وشمائل غير دمثة، ومناظر مخلوطة بذلة أهل الذمة، والدالة أصحاب ~~الحجة. وأما ابن الحجاج فقد جمع بين حد القاضي أبي عمر في جلسته وحديثه ~~وقيامه وتخطئته، مع حياء كأنه مستعار من الغانية الشريفة، وبين سخف شعره ~~الذي لا يجوز أن يكون لراويه مروءة فكيف لقائله، فنحن إذا نظرنا إليه ~~تخلينا صورة سخف شوهاء، في صورة عقل حسناء، ولا تخلص هذه من هذه، ولا جرم ~~اجتماعنا ms390 به، قاصر من مرادنا منه، ودنوه منا ناب عن مراده له. أما الوفاء ~~فهو والله ما يقعد به عن المؤانسة الطيبة، والمساعدة المطربة، والمفاكهة ~~اللذيذة، والمواتاة الشهية، إلا عند لفظه خراساني، وإشارته ناقصة، هذا مع ~~استفادة بمقامه الطويل ببغداد، والبغدادي إذا تخرسن كان أحلى وأظرف من ~~الخراساني إذا تبغدد. وإن شئت فضع الاعتبار على من أردت فإنك تجد هذا قول ~~حقا، وهذه الدعوة مسموعة. # وأما مسكويه فإنه يسترد بدمامة ما يتكلفه من تهذيب خلقه، وأكره له ~~المشاغبة في كل ما يجري، لا يجد في نفسه من المكانة والقرار ما يعلم معه أن ~~مضاءه في فن هو فيه طويل الذيل، مديد السيل، لا يأذن له في تعاطي فن آخر هو ~~فيه قصير الباع، بليد الطباع، وصاحب هذا الرأي ممكور به، مصاب بجيد رأيه ~~وقد أفسده: قال المهلبي، قال أبو العميد، وفعل ابن العميد، وما ذكره لهذين ~~إلا استطالة على الحاضرين، والتشيع بذكر الرجال، واضع من قدر الرجال. # وأما ابن بكر فهو تميمة المجلس، ولا بد للدار وإن كانت قوراء من مخرج، ~~وهو بجهله، مع خفة روحه وقبح وجهه، أدخل في العين، وألصق بالقلب من غيره، ~~مع علمه وثقل روحه، وحسن ظاهره. # وأما الأهوازي أبو القاسم فلا حلاوة ولا مرارة، ولا حموضة ولا ملوحة، ~~وإنما هو كالبصل في القدر، وكالإصبع الزائد في اليد، على أن نرعى فيه حقا قديما، PageV01P447 ### | CHECK [447_2] # ونرحمه الآن رحمة حديثة. # وأما سيدي أبو سعد فوالله إني لأجد به وجدا أنهم فيه نفسي، وما وجدت ألم ~~سهر معه قط، وإني أرى حديثه آنق من المنى إذا أدركت، ومن الدنيا إذا ألم ~~ملكت. وإن تمازجنا بالعقل والروح، والرأي والتدبير، والنظر والإرادة، ~~والاختيار والعادة، ليزيد على حال توأمين تراكضا في رحم، وتراضعا من ثدي، ~~ونوغيا في مهد، وما أخوفي أن يؤتي من جهتي، أو أتي من جهته، وإن عاقبته ~~موصولة بعاقبتي لأني مأمنه وهو مأمني، وما أكثر ما يؤتي الإنسان من مأمنه، ~~والله المستعان. # وأما ابن شاهويه فشيخ ليس لنا ms391 فيه فائدة إلا ما يلقي إلينا من تجاربه ~~ومشاهداته، ولولا زيادته التي تصنع بها من نفسه، وبعض من خطراته، لان هدك ~~من رجل، ولكن من لك بالمهذب، ألم يقل الأول: أي الرجال المهذب. # قال زيد بن رفاعة: قلت أيها الوزير إن طلوعك في خبايا ضمائرهم، وعلمك ~~بخفايا سرائرهم، يطالبانك بالإفراج عنهم، وقلة الاكتراث بهم، قال: لانفعل ~~والله ما لهذه الجماعة بالعراق شكل ولا نظير، وإنهم لأعيان أهل الفضل، ~~وسادة ذوي العقل، وإذا خلا العراق منهم فرقن على الحكمة المروية، والأدب ~~المتهادي، أتظن أن جميع ندماء المهلبي يفون بواحد من هؤلاء، أو لا تقدر أن ~~جميع أصحاب ابن العميد يشتهون أقل من فيهم؟ قال: قلت هذا عباد بالري وهو من ~~يعرف ويسمع. قال: ويحك! وهل عند عباد إلا أصحاب الجدل الذين يشاغبون ~~ويحمقون ويتصايحون، وهو فيما بينهم يصيح ويقول قال شيخانا أبو علي وأبو ~~هاشم، دعنا من حديثه وغثاثته وشعبذته، فما أحب أن أزيد في وصفه على ما أشرت ~~إليه، والله لو تصدى إنسان متوسط في العلم والأدب والحنكة والإنصاف لذكر ~~شأنه وسيرته، ووصف حاله وطريقته، لحكى كل غريبة، وأتى بكل أعجوبة: الرجل PageV01P448 ### | CHECK [448_2] # مجدود، وفي زمرة أهل الفضل معدود. # قال: رويت هذا الخبر على ما اتفق وكنت أطلب له مكانا منذ زمان فلم أجد ~~إلا هذه الرسالة الآتية على حديث الصداقة والصديق اه. # عرفنا بهذا الضرب من التدوين طبقة راقية من العلماء في عصر التوحيد وما ~~يغمزهم به الغامزون، وأني يغتابهم المغتابون، ولو كتب لنا الاطلاع على جميع ~~ما كتبه أبو حيان في كتبه لجاءت السلسلة تامة من كل وجه في الحكم على أهل ~~القرن الرابع في بغداد، ولتبدل الحكم عليهم وناقضت أحكامه أحكام بعض من ~~نقلوا تراجمهم، كأنها حكم مسمط لا ينقض. # في مقدمة كتابه ثمرات العلوم: أطال الله بقاءكم، وأدام كرامتكم، وحرس ~~نعمه عليكم، وحفظ مواهبه لديكم، ولا أخلاكم من عوائده الجسمية، وفوائده ~~الكريمة، وجعل حظ الغريب السلامة بينكم، إذا فاتته الغنيمة منكم، وقد كان ~~يقال من ms392 لم يغضب لنفسه ناصرا، لم يغضب لبني جنسه منتصرا، ومن لم يقف عند ~~العظيمة منتصفا، لم يرج عند النوائب مسعفا، ومن لم يأنف من القذع في عرضه ~~آبيا، لم يبت على الخسف إلا راضيا، والغضب وإن مذموما عند بعض الخلال، فإنه ~~محمود في بعض الأحوال، وكما أن استمرار الغضب في جميع الأحوال، نوع من فساد ~~الأخلاق، كذلك أيضا الرضا في جميع الأمور، ضرب من ضروب النفاق، ولا بد من ~~التقلب بين الرضا والغضب، كما أنه لا بد من التردد بين الراحة والتعب. # وقد كنت أحب لصديقي وجليسي، ومن يأنس بمكاني، أن لا يجعل اللجاج مطيته، ~~والمحل والمكر طويته، فإن ذلك أحسن له عند الله، وأزين له عند الناس، ومن ~~بعد ذلك فإني لم أرد بلادكم من العراق مباهيا لكم، ولا حضرت مجالسكم طاعنا ~~فيكم، ولا تأخرت عنكم متطاولا عليكم، ولا تتبعت مساويكم شامتا بكم، بل وردت PageV01P449 ### | CHECK [449_2] # مستفيدا ومفيدا، ومباحثا ومستزيدا، فما هذا الذي بلغني عن بعضكم، على حسن ~~توفيري على صغيركم وكبيركم، أما إنه لو أنصف لعلم أني إلى تسمحه، أحوج مني ~~إلى تصفحه، وهو بمجاملته أسعد مني بمجادلته، وأنا إحسانه، أشكر مني ~~لامتحانه، وهذا باب باطنه ظاهر، وشاهده حاضر، وخفيه جلي، ولكن ما أصنع ~~والشاعر يقول: إنما للعبد ما رزقا. # ولعمري ما زال الناس يتعادون التقاذف والتقارف، ولكن كانوا يرون التساعف ~~والتناصف، ولا يتناسون بينهم التعارف والتوازر، والترادف والتناصر، والذي ~~هاجني لهذه الشكوى، وأحوجني إلى هذه العدوى، قول قائل منكم، ليس للمنطق ~~مدخل في الفقه، ولا للفلسفة اتصال بالدين، ولا للحكمة تأثير في الحكام، ~~وهذا كلام من لو أنعم النظر، واستقصى الحال، لوقف على ما عليه فيه، وعرف ~~ماله منه. فكان يستبدل بالخلاف وفاقا، وبالمنازعة خلاقا عاب هذا الرجل ~~المنطق وهجن طريقة الأوائل، وزرى على الحكمة، وفيل رأى الناظر فيها، وقبح ~~اختيار الباحث عنها، وهذا كله إن لم يكن قله سوء تحصيل، فإنه يوشك أن يكون ~~ضيق عطن، وحرج صدر، ومجازفة في القول، وانحرافا عن الصواب، وأمنا ms393 من العقاب ~~الخ، وربما نيل من عرض صاحبا، وأنحى باللائمة عليه من أجلها، وهو قلم لا ~~يقصد إلا الخير، ولا أراد إلا الرشاد، وقد يؤتي الإنسان من حيث لا يعلم، ~~ويرمى من حيث لا يتقي، كما يؤتى من حيث لا يحتسب، وينجو وقد اشفى، ويدرك ~~وقد غلب الناس. # وعاد في آخر الرسالة يعتذر عن طولها: قد تكرر اعتذاري من طول هذه ~~الرسالة، وكان ظني في أولها أنها تكون لطيفة خفيفة، يسهل انتساخها ~~وقراءتها، فماجت بشجوع الحديث، وروادف من الطيب والخبيث، فاقبل، حاطك الله، ~~هذا العذر الذي قد بدأته وأعدته، ونشرته وطويته، على أنك لو علمت، في أي وقت PageV01P450 ### | CHECK [450_2] # ارتفعت هذه الرسالة، وعلى أي حال تمت لتعجبت، وما كان يقل في عينك منها ~~يكثر في نفسك، وما يصغر منها بنقدك يكبر بعقلك اه. . . # وفي الحق أن رسالته في الصداقة والصديق قد حملت من آراء الناس إلى عصره ~~كل ما رق وراق من المنظوم والمنثور في موضوعه، ولم يقتصر في الرواية على ~~حكماء الإسلاميين؛ بل تعدى إلى أيراد أقوال فلاسفة يونان. وفي الرسالة من ~~رسائل الكتاب في هذا الباب، ما هو مفيد على غابر الأحقاب، وقد ذكر أبا ~~سليمان المنطقي وأبا سعيد السيرافي غير مرة وروى عنهما ما دل على إعظامه ~~لهما شأنه في مقابساته. ولا مراء في أن رسالة الصداقة والصديق، مرآة صادقة ~~تمثلت فيها أفكار أربعة قرون في هذا النوع الصغير من الآداب، ولغة حوت مثل ~~هذه الأفكار وهذه المعاني هي ولا شك أغنى اللغات بأدبها ووفرة مادتها ~~وأداتها. وهذه الرسالة على ما رأيناها كتبها بباعث لقوم لم يفهموا مقصده من ~~العلم، وتأولوا كلامه فجبههم بما كتب وأجاد. وجميع كتبه على ما ظهر مما دعا ~~إلى وضعه دواع حافزة، وأمور جاش بها صدره، فهي معمولة بالمناسبات لا ~~متعملة، ولذلك جاءت عليها هذه الطلاوة التي نحسها ونلمسها. # من جملة كتب أبي حيان كتاب المقابسات، واسمه صيغة تفاعل من قبسته أو ~~أقبسته علما وخبرا أي أن كلا أقبس صاحبه علما، ms394 وصاحبه اقتبسه من علمه. ذكر ~~فيه أبو حيان، وأكثره من محفوظه، بعض ما وقع إليه من مفاوضات علماء ~~مشهورين، كانوا في بغداد يختلفون إلى مجلس صديقه وأستاذه أبي سليمان ~~المنطقي محمد بن طاهر بن بهرام السجستاني، وعنه أكثر مروياته، فيتذاكرون في ~~موضوعات شتى في الفلسفة أو ما وراء الطبيعة والآداب وأكثرها على طريقة ~~السؤال والجواب، لرجال جمعت بينهم كلمة العلم والحكمة، وهذبت نفوسهم الآداب ~~العالية، يتناجون بالأفكار الصحيحة والشاذة، ولم يفرق بينهم اختلاف نحلهم PageV01P451 ### | CHECK [451_2] # ومذاهبهم. وكان فيهم المجوسي والصابي واليعقوبي والنسطوري والملحد ~~والمعتزلي والشافعي والشيعي أمثال أبي زكريا يحيى بن عدي وأبي الفتح ~~البوشجاني وأبي محمد المقدسي العروضي وأبي بكر القومسي وعيسى بن ثقيف ~~الرومي وابن مقداد وأبي القاسم الأنطاكي، وكان يعرف بالمجتبي، وأبي محمد ~~الندلسي النحوي وأبي إسحاق الصابي والخوارزمي الكاتب ووهب بن يعيش الرقي ~~وابن سوار وماني المجوسي وأبي الحسن محمد بن يوسف العامري وعبيد الكاتب ~~والبديهي وأبي إسحاق النصيبي وأبي علي عيسى بن زرعة المنطقي ومظهر الكاتب ~~وأبي الخطاب الكاتب وغيرهم من كل من هو واحد في شأنه وفرد في صناعته، وكان ~~مذهبهم في الفلسفة على الأرجح مذهب أرسطاطاليس شأن معظم فلاسفة الإسلام، ~~أمثال ثابت بن قرة وحنين بن إسحاق ويعقوب بن إسحاق وأحمد ابن سهل البلخي ~~ومسكويه والقلمي والسرخسي والنيسابوري. يطلقون في جلساتهم الخاصة عنان ~~أفكارهم، ويخرجون عن القيود الكسبية قاصدين إلى هدف واحد، وهو معرفة حقائق ~~الأشياء مجردة لا تشوبها المؤثرات شان علماء العصور الأخيرة. وإذا أحببت ~~تعريف كتاب المقابسات بمصطلح أهل هذا العصر فقل هو محضر جلسات المجمع ~~العلمي البغدادي في القرن الرابع، وكان لا يحضرها إلا من يدعى إليها، ~~ويوافق من أكثر الوجوه على ما يلقى فيها. # وهذه المجامع مثال ناطق بأفصح بيان بأن النصرانية لم تكن مضطهدة في العهد ~~العباسي كما زعم بعضهم، بل إن الإسلام كان دين الدولة، والبلاد لأهلها، ~~فكانت بحكم الطبيعة كلمة المسلمين هي العليا، وقد ساووا عامة أهل المذاهب ~~بأنفسهم، مساواة لم تصل إليها أكثر دول ms395 الحضارة الحديثة اليوم. وعلى ذكر ~~هذه المجالس لا بأس بأن نقول إن علماء العرب ما برحوا منذ الأعصر المتطاولة ~~يتألفون ويتعاشرون في أندية لهم خاصة، تجمعهم جامعة الأعمال العقلية، ~~فيتقاربون وإن PageV01P452 ### | CHECK [452_2] # اختلفوا في مظاهرهم، وقد لا يخليهم الزمن من موسع عليه من بينهم، يفتح ~~صدر مجالسه لهم، يستطلع طلع أفكارهم، ويأنس بهم ويأنسون به، ويعطف عليهم ~~ويعطفون عليه. وقد تكون مجالسهم ذات صبغة لها من أهل الدولة من يحميها، أو ~~تكون للسمر واللعب واللهو وتعاطي اللذائذ. ومعظم ما تناهى إلينا من أخبارها مفيد. # سئل أبو سليمان المنطقي لم لم يصف التوحيد في الشريعة من شوائب الظنون ~~وأمثلة الألفاظ، كما صفا ذلك في الفلسفة فقال: إنا لا نظن أن كل من كان في ~~زمان الفلاسفة بلغ غاية أفضالهم. وعرف حقيقة أقوال متقدميهم، بل كان في ~~القوم من رأى رأي العامة، وحط إلى ما حطت إليه، ولم يبن منهم كثير شيء مع ~~قدم الزمان، ولقاء المحققين الفاضلين، وهذا إذا حل لا يكون قادحا فيما ~~نصصناه من القول في حقائق التوحيد الذي ظفر به خلصان الحكمة، وفرسان ~~الصناعة. على أن الترجمة من لغة يونان إلى العبرانية، ومن العبرانية إلى ~~السريانية، ومن السريانية إلى العربية قد أخلت بخواص المعاني في أبدان ~~الحقائق إخلالا لا يخفى على أحد. ولو كانت معاني يونان تهجس في أنفس العرب، ~~مع بيانها الرائع، وتصرفها الواسع، وافتنانها المعجز، وسعتها المشهورة، ~~لكانت الحكمة تصل إلينا صافية بلا شوب، وكاملة بلا نقص، ولو كنا نفقه عن ~~الأوائل أغراضهم بلغتهم، كان ذلك أيضا ناقعا للغليل، وناهجا للسبيل، ومبلغا ~~إلى الحد المطلوب، ولكن لا بد في علم وعمل من بقايا لا يقدر الإنسان عليها، ~~وخفايا لا يهتدي أحد من البشر إليها، وذلك للعجز الموروث عن الهيولى، ~~والضعف الثابت في الطينة الأولى، وهذا لكي يكون الله تعالى ملاذا للخلق، ~~ومعاذا للعالم. # قال أبو حيان لأبي سليمان: ما الفرق بين طريقة المتكلمين وبين طريقة ~~الفلاسفة؟ فقال: ما هو ظاهر لكل ذي تمييز وعقل وفهم، ms396 وطريقتهم مؤسسة على مكايلة PageV01P453 ### | CHECK [453_2] # اللفظ باللفظ، وموازنة الشيء بالشيء، إما بشهادة من العقل مدخولة، وإما ~~بغير شهادة منه البتة، والاعتماد على الجدل، وعلى ما يسبق إلى الحس، أو ~~يحكم به العيان، أو على ما يسنح به الخاطر المركب من الحس والوهم والتخيل ~~مع الإلف والعادة والمنشأ، وسائر الأعراض التي يطول إحصاؤها، ويشق الإتيان ~~عليها، وكل ذلك يتعلق بالمغالطة والتدافع، وإسكات الخصم بما اتفق، وإتمام ~~القول الذي لا محصول فيه، ولا مرجوع له، مع بوادر لا تليق بالعلم، ومع سوء ~~أدب كثير، نعم ومع قلة تأله، وسوء ديانة، وفساد دخله، ورفض الورع بتحمله. ~~والفلسفة أدام الله توفيقك محدود بحدود ستة، كلها تدلك على أنها بحث عن ~~جميعها في العالم: من ظاهر للعين، وباطن للعقل، مركب بينهما، ومائل إلى حد ~~طرفيهما، على ما هو عليه، واستفادة اعتبار الحق من جملته وتفصيله، ومسموعه ~~ومرئيه، وموجوده ومعدومه، من غير هوى يمال به على العقل، ولا إلف تغتفر معه ~~جناية التقليد، مع إحكام العقل الاختياري، وترتيب العقل الطبيعي، وتحصيل ما ~~ند وانقلب، من غير أن يكون أوائل ذلك موجودة حسا وعيانا، وكانت محققة عقلا ~~وبيانا، ومع أخلاق الهيئة واختيارات علوية، وسياسات عقلية، ومع أشياء كثيرة ~~يطول ذكرها وتعدادها، ولا تبلغ أقصى مالها من حقها في شرفها. # ثم قال: وكان شيخنا يحيى بن عدي يقول: إني لأعجب كثيرا من قول أصحابنا ~~إذا ضمنا وإياهم مجلس نحن المتكلمون ونحن أرباب الكلام، والكلام لنا بنا ~~كثر وانتشر، وصح وظهر، كأن سائر الناس لا يتكلمون، أو ليسوا أهل كلام، ~~لعلهم عند المتكلمين خرس وسكوت. أما يتكلم يا قوم الفقيه والنحوي والطبيب ~~والمهندس والمنطقي والمنجم والطبيعي والإلهي والحديثي والصوفي قال: وكان ~~يلهج بهذا وكان يعلم أن القوم قد أحدثوا لأنفسهم أصولا وجعلوا ما يدعونه ~~مجهولا عليها ومسؤولا عن عرفها، وإن كانت المغالطات تجري عليهم، ومن جهتهم، بقصدهم PageV01P454 ### | CHECK [454_2] # مرة، وبغير قصدهم أخرى. # قال أبو حيان: رويت لأبي سليمان كلاما لبعض المتصوفة فلم يفكه ولم يهش ~~عنده وقال: ms397 لو قلت أنا في هذه الطريقة شيئا لقلت: الحواس مهالك، والأوهام ~~مسالك، والعقول مماليك، فمن خلص نفسه من المهالك، قوي على المسالك، ومن قوي ~~على المسالك، أشرف على المهالك، شرفا يوصله إلى الممالك. قال أبو الخطاب ~~الكاتب: أيها الشيخ هذا والله أحسن من كل ما سمع منهم، فلو زدتنا منه، فقال ~~الحواس مضلة، والأوهام مزلة، والعقل مذلة. فمن اهتدى في الأول وثبت في ~~الثاني أدرك في الثالث، ومن أدرك في الثالث فقد أفلح، ومن ضل في الأول وزل ~~في الثاني خاف، ومن خاف في الثالث فهو من الهمج. واستزاده مظهر الكتب ~~البغدادي فاستعفى قال: هذا حديث قوم أباعد منا على بعض المشاكسة. . . إلى ~~أن قال: فسبحان من له القدرة وهذه الخليفة، وهذه الأسرار في هذه الطريقة اه. # على هذا النحو كانوا يمضون في أحاديثهم، فقد صرح أحدهم بما يراه في ~~التصوف فلم يحط منه ولا من المنصرفين إليه، وتناول آخر المتكلمين في غير ما ~~تدليس ونأدب معهم، والمتكلم غير مسلم، لكن العلم مشاع لأهل كل مذهب، ولم ~~يحمل كلامه على غير محمله. وقال آخر في الفلسفة، وامتدح من معاني اليونان، ~~وقال: لو كتبت بالبيان العربي لكانت غيرها، وهذه هي الحرية المطلقة، ~~ولولاها ما عاش علم صالح، ولا انبعث عقل راجح، ولا كانت حضارة هذه الأمة ~~مما ترتفع به الرؤوس، ويقال فيها على الهر لا عطر بعد عروس. # قال في مقدمة كتابه الإشارات الإلهية مخاطبا النفس: اللهم إنا نسألك ما ~~يسأل، لا عن ثقة ببياض وجوهنا عندك، وأفعالنا معك، وسوالف إحساننا قبلك، ~~ولكن عن ثقة بكرمك الفائض، وطعما في رحمتك الواسعة، نعم وعن توحيد لا يشوبه ~~إشراك، ومعرفة لا يخالطها إنكار، وإن كانت أعمار قاصرة عن غايات حقائق PageV01P455 ### | CHECK [455_2] # التوحيد والمعرفة؛ نسألك أن لا ترد علينا هذه الثقة بك، فتشمت بنا من لم ~~يكن له هذه الوسيلة إليك، يا حافظ الأسرار، ويا مسبل الأستار، ويا واهب ~~الأعمار، ويا منشئ الأخبار، ويا مولج الليل في النهار، ويا مصافي الأخيار، ~~ويا مداري ms398 الأشرار، ويا منقذ الأبرار، من النار والعار، عد علينا بصفحك عن ~~زلاتنا؛ وأنعشنا عند تتابع صرعاتنا، وحطة حالنا معك في اختلاف سكراتنا ~~وصحواتنا، وكن لنا وإن لم نكن لأنفسنا، لأنك أولى بنا، وإذا خفنا منك فأبرح ~~خوفنا منك برجائنا فيك، وإذا غلب علينا بأسنا منك فتلقه بالأمل فيك. . . # ومن فصوله فيه: أيها المحاور، والصديق المجاور، كيف أتكلم، والفؤاد هائم ~~في كل واد، والخاطر خال من كل جاد وهاد، أم كيف أشكو والسر ظاهر باد، أم ~~بأي شيء أتعلل وكل ما أجده مردد ومعاد، أم على من أعتمد، وكل أحد أراه فهو ~~لي ضد ومعاد؛ أنفاسي محترقة بالحسرات، ودموعي مترقرقة يبن النغمات ~~والزفرات، وكبدي مشتعلة على المناظر والهيئات، ويقظي جارية على الرسوم ~~والعادات، وأحلامي عارية من كل ما له حاصل وثبات، ونفسي رهينة بالسيئات، ~~مفتونة بالحسنات، بالسوانح والخطرات، مغبونة عن الحسنات والصالحات، والجهات ~~دوني منسدة، والوجوه أمامي مسودة؛ إن قلت قيل هذا زور وبهتان، وإن أشرت قيل ~~هذا غرور وعدوان، وإن سكت قيل هذا سهو ونسيان، فليت من ابتلاني بما لا طاقة ~~لي به، رحمني مما لا غنى لي عنه، أوليت من طردني عن بابه، أهلني لعتابه، ~~وأوليت من جرعني مر فراقه، أخطر على بالي حلاوة لقائه، أوليت من غمسني في ~~بحر البلوى، طرحني إلى ساحل المنى، أو ليت من حطني عن درجة المخدومين، ~~رقاني إلى مقامات الخدم. . . # وقال من رسالة أيضا: حرام على قلب استنار بنو الله، أن يفكر في غير عظمة ~~الله، حرام على لسان تعود ذكر الله، أن يذكر غير الله، حرام على نفس طهرت PageV01P456 ### | CHECK [456_2] # من أدناس الدنيا لله، أن تدنس بشيء من مخالفة الله، حرام على عين نظرت ~~إلى مملكة الله، أن تحدق إلى غير الله، حرام على كبد ابتلت بالثقة بالله، ~~أن تطمئن إلى غير الله، أن يجدد طمعا في غير الله، حرام على من شرف بخدمة ~~الله، أن يتضع بخدمة غير الله، حرام على من شرف بخدمة الله، أن يتضح بخدمة ~~غير الله، ms399 حرام على من ألف فناء الله، أن يعرج إلى غير الله، حرام على من ~~تلذذ بمناجاة الله، أن يناجي غير الله، حرام على من رتع في فقه الله، أن ~~يعبد غير الله. . . # وعجيب أن يرمى من يقول هذا القول في العزة الإلهية بالزندقة، ويتهم ~~بالمروق. كأن كل هذا الإحسان لا يكفر سيئة لإنسان، وكل هذا التقديس ~~والتوحيد، لا ينجي صاحبه عن الوعد والوعيد! قال شمس الدين إنه كان سيئ ~~الاعتقاد نفاه الوزير المهلبي، وقال غيره مات في الاستتار؛ وساق ابن أبى ~~الحديد فصولا من كلام أبي حيان وعنن لها بقوله: ومن الدعوات الفصيحة ~~المستحسنة وهي برهان آخر على توحيده، وأن نفسه كانت تتجرد من الكثافة. وهذا ~~هو وجه الغرابة في حياة التوحيدي جمع كل صفات العلماء ولم يفته شيء من ~~فضائل النفس والدروس. قال: اللهم إني أبرأ من الثقة غلا بك، ومن الأمل إلا ~~فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن التوكل إلا عليك، ومن ~~الطلب إلا منك، ومن الرضا إلا عنك، ومن الذل إلا في طاعتك، ومن الصبر إلا ~~على بلائك، وأسألك أن تجعل الإخلاص قرين عقيدتي، والشكر على نعمك شعاري ~~ودثاري، والنظر في ملكوتك دأبي وديدني، والانقياد لك شأني وشغلي، والخوف ~~منك أمني وإيماني، بذكرك بهجتي وسروري؛ اللهم تتابع برك، واتصل خيرك، وعظم ~~رفدك، وتناهي إحسانك، وصدق وعدك، وبر قسمك، وعمت فواضلك، وتمت نوافلك، ولم ~~تبق حاجة إلا وقد قضيتها أو تكلفت بقضائها، فاختم ذلك بالرضا والمغفرة، إنك أهل PageV01P457 ### | CHECK [457_2] # ذلك، والقادر عليه، والملي به. # ومنها: اللهم أني أسألك جدا مقرونا بالتوفيق، وعلما بريئا من الجهل وعملا ~~عربيا من الرياء، وقولا موشحا بالصواب، وحالا دائرة مع الحق، وفطنة عقل ~~مضروبة في سلامة صدر، وراحة جسم راجعة إلى روح بال، وسكون نفس موصولا بثبات ~~يقين، وصحة حجة بعيدة عن مرض شبهة حتى تكون غايتي في هذه الدنيا موصولة ~~بالأمثل فالأمثل، وعاقبتي عندك محمودة بالأفضل فالأفضل، من حياة طيبة أنت ~~الواعد بها، ونعيم دائم أنت المبلغ ms400 إليه، اللهم لا تخيب رجاء هو منوط بك، ~~ولا تصفر كفا هي ممدودة إليك، ولا تعذب عينا فتحتها بنعمتك، ولا تذل نفسا ~~هي عزيزة بمعرفتك، ولا تسلب عقلا هو مستضيئ بنور هدايتك، ولا تخرس لسانا ~~عودته الثناء عليك، فكلما كانت أولا بالتفضل، فكن آخرا بالإحسان، الناصية ~~بيدك، والوجه عان لك، والخير متوقع منك، والمصير على كل حال إليك، ألبسني ~~في هذه الحياة البائدة ثوب العصمة، وحلني في تلك الدار الباقية بزينة ~~الأمن، وأفطم نفسي على طلب العاجلة الزائلة، وأجرني على العادة الفاضلة، ~~ولا تجعلني ممن سها عن باطن مالك عليه، بظاهر مالك عنده، فالشقي من لم ~~تأخذه بيده، ولم تؤمنه من غده، والسعيد من آويته إلى كنف نعمتك، ونقلبه ~~حميدا إلى منازل رحمتك، غير مناقش في الحساب، ولا سائق له إلى العذاب، فإنك ~~على ذلك قدير # وهذه النبذة من مقدمة كتاب البصائر والذخائر: قال إنه أودع كتابه جميع ما ~~في ديوان السماع ورتب ما أحاطت الرواية به، واشتملت الروية عليه، منذ عام ~~خمسين وثلاثمائة إلى سنة خمس وستين وثلاثمائة مع توخي قصار ذلك دون طواله، ~~وسمينه دون غثه، ونادره دون فاشيه، وبديعه دون معتاده، ورفيعه دون سفسافه ~~قال: إن القارئ سيشرف منه على رياض الأدب وقرائح العقول، من لفظ مصون، ~~وكلام شريف، ونثر مقبول، ونظم لطيف، ومثل سائر، وبلاغة مختارة، PageV01P458 ### | CHECK [458_2] # وخطب محبرة الخ، وجمعه من كتب أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ وابن ~~الأعرابي والمبرد والصولي وابن عبدوس وقدامة وغيرهم # من أهم ما حواه كتاب الصائر، مناظرة أبي بكر الصديق مع علي ومبايعته ~~إياه، وقد اقتبس العلماء هذه الرسالة، ومنهم من غمز التوحيدي واتهمه بأنه ~~هو واضعها، مثل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، ومنهم من اكتفى ~~بروايتها مثل محي الدين بن عربي في المسامرات وبعيد عن العقل أن يضع ~~التوحيدي هذه الرسالة وهي بعيدة عن أسلوب كلامه، وإن أحب ابن أبي الحديد أن ~~يشبهها أما التوحيدي فرواها عن رجل معروف كان يحفظها فقال: سمرنا ليلة عند ms401 ~~القاضي أبي حامد بن بشر المروروذي ببغداد بدار أبي حبشان في شارع المازيان، ~~فتصرف الحديث بنا كل منصرف، وكان أبو حامد معنا مفنا مخلطا مزيلا غزير ~~الرواية، لطيف الدراية، له في كل جو متنفس، وفي كل نار مقتبس، فجرى حديث ~~السقيفة وشأن الخلافة، فركب كل منا مركبا، وقال قولا، وعرض بشيء، ونزع إلى ~~فن، فقال أو حامد: هل فيكم من يحفظ رسالة أبي بكر الصديق إلى علي وجواب علي ~~له ومبايعته إياه عقيب تلك المناظرة، فقالت الجماعة التي بين يديه: لا ~~والله، فقال: هي من درر الحقاق المصونة، ومخبآت الصناديق في الخزائن ~~المحوظة، ومنذ حفظتها ما رويتها إلا للمهلبي أبي محمد في وزارته، وكتبها ~~عني في خلوة بيده وقال: لا أعرف على وجه الأرض رسالة أعقل منها ولا أبين، ~~وإنها لتدل على علم وحكم، وفصاحة وفقاهة، ودهاء ودين، وبعد غور، وشدة غوص ~~فقال له أبو بكر العباداني: أيها القاضي فلو أتممت المنة علينا بروايتها، ~~وسمعناها ورويناها عنك، فنحن أوعى لها من المهلبي، وأجب ذماما عليك الخ0 # وبعد أن أورد التوحيدي هذه الرسالة العجيبة قال: روى لنا هذا كله أبو ~~حامد، ثم أخرج لنا أصله فقابلنا، فما كان غادر منه إلا ما لا بال له، فأما ~~ما رواه لنا أبو PageV01P459 ### | CHECK [459_2] # الكاتب فإنه خالف في أحرف في حواشي الكتاب، كل حرف بإزاء نظيره الذي هو ~~مبدل منه، وقد كان أبو منصور بلغة العرب أبصر، وفي غرائبها أنقد، وإنما ~~قدمت رواية أبي حامد لأنه بشأن الشريعة أعلم، ولأعاجيبها أحفظ، وفيما أشكل ~~منها أفقه قلنا وبالجملة فالدلائل كلها بأن الرسالة ليست مع صنع أبي حيان، ~~وأنها كانت معروفة قبله، وإذا أبى بعضهم إلا أن يقول إنها موضوعة كلها أو ~~بعضها فيكون ذلك قبل عصر التوحيدي بكثير، وهو على كل حال لا تخلو من أصل ~~ربما زيد عليه بأيدي من أحبوا أن يقابلوا القوة بمثلها من أهل السنة، ~~فأرادوا نكاية الشيعة في كثير مما صنعوه، فزادوا أمورا في هذه الرسالة وقعت ~~بين الصحابة ms402 أو تمثلوا وقوعها0 # والرسالة من جملة ما يجب على الأديب أن يستظهره ويعيه، لأنها حوت من ~~أساليب البلاغة كل جميل، وفيها من الأمثال والحكم وضروب الدهاء والخلافة ما ~~يعجب منه، ولا تزال عليها مسحة من الحلاوة والطلاوة مهما طال بها العهد0 # وهاك جملة قليلة من الرسالة قال أبو بكر لأبي عبيدة: امض إلى علي وأحفظ ~~له جناحيك، واغضض عنده صوتك، واع أنه سلالة أبي طالب، ومكانه ممن فقدنا ~~بالأمس مكانه، وقل له: البحر مغرقة، والبر مفرقة، والجو أكلف، والليل أغدف، ~~والسماء جلواء، والأرض صلعاء، والصعود متعذر، والهبوط متعسر، والحق عطوف ~~رؤوف، والباطل نسوف عصوف، والعجب مقدحة الشر، والضغن رائد البوار، والتعريض ~~شجار الفتنة، والقحة ثقوب العداوة، وهذا الشيطان متكئ على شماله، متحيل ~~بيمينه، نافج حضنيه لأهله، ينتظر الشتات والفرقة، ويدب بين الأمة بالشحناء ~~والعداوة، عنادا لله ولرسوله ولدينه، يوسوس بالفجور، ويدلي بالغرور، ويمني ~~أهل الشرور، ويوحي إلى أوليائه زخرف القول بالباطل، دأبا له منذ كان على ~~عهد أبينا آدم، وعادة له منذ أهانه الله عز وجل في سالف الدهر00 PageV01P460 ### | CHECK [460_2] # وقد أرشدك من أفاء ضالتك، وصافاك من أحيا مودته بعتابك، وأراد لك الخير ~~من آثر البقاء معك، ما هذا الذي تسول لك نفسك، ويدوي قلبك، ويلتوي عليه ~~رأيك، ويتخاوص دونه طرفة، ويستشري به ضغنك، ويتراد معه نفسك، وتكثر معه ~~صعداؤك، ولا يفيض به لسانك، أعجمة بعد إفصاح، أتلبيس بعد إيضاح، أدين غير ~~دين الله، أخلق غير خلق القرآن، أهدي غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ~~أمثلي يمشي له الضراء ويدب له الخمر، أم مثلك يغص عليه الفضاء، أو يكسف في ~~عينه القمر، ما هذه القعقعة بالشنان، وما هذه الوعوعة باللسان. . . # والآن قد بلغ الله بك وأرهص الخير لك، وجعل مرادك بين يديك، وعن علم أقول ~~ما تسمع، فارتقب زمانك، وقلص أردانك، ودع التجسس والتعسس، لمن لا يظلع إذا ~~خطا، ولا يتزحزح عنك إذا عطا، فالأمر غض والنفوس فيها مض، وإنك أديم هذه ~~الأمة فلا تحلم لجاجا، وسيفها العضب ms403 فلا تنب اعوجاجا، وماؤها العذب فلا تحل ~~أجاجا، والله لقد سألت رسول الله عن هذا الأمر فقال لي: يا أبا بكر هو لمن ~~يرغب عنه، لا لمن يرغب فيه ويجاحش عليه، ولمن يتضاءل عنه، لا لمن يشمخ ~~إليه، ولمن يقال هو لك لا لمن يقول هو لي، والله لقد شاورني رسول الله في ~~الصهر فذكر فتيانا من قريش، فقلت له: أين أنت من علي، فقال: إني لأكره ~~لفاطمة ميعة شبابه، وحدة سنة. فقلت: متى كنفته يدك ورعته عينك، حفت لبركة، ~~وأسبغت عليهما النعمة، مع كلام كثير خاطبته به رغبة فيك، وما كنت عرفت منك ~~في ذلك حوجاء ولا لوجاء، فقلت ما قلت، وأنا أرى مكان غيرك، وأجد رائحة ~~سواك، وكنت لك إذ ذاك خيرا منك الآن لي، مكان غيرك، وأجد رائحة سواك، وكنت ~~لك إذ ذاك خيرا منك الآن لي، ولئن كان عرض بك رسول الله فقد كنى عن غيرك، ~~وإن كان قال فيك فما سكت عن سواك، وإن يختلج في نفسك شيء فهلم فالحكم مرضي ~~والصواب مسموع، والحق مطاع. . . PageV01P461 ### | CHECK [461_2] # فذلكة في حياة التوحيدي: # أظننا بلغنا حاجة النفس في نقل صورة التوحيدي نقلا إن لم يكن طابق الأصل ~~فهو قريب منه، بعد اقتباسنا دررا من كتبه ورسائله، استنتجنا منها ما انطوت ~~عليه نفسه من الخوالج، وقلبه من النزوات؛ وما تقلب فيه من البأساء والضراء، ~~وكيف لم تقعد به الهمة عن الاختلاف إلى العظماء، والأخذ عن العلماء، وعرف ~~مكنونات الصدور. وتمثلنا في كلامه سلامة الفكر والإبداع فيه، وسلاسة ~~الإنشاء وتجويده. أرأيتم هذا الإيجاد الذي تقف عنده العقول حائرة، يكتب ~~صاحبه في العلوم المختلفة فلا تخونه لفظة، وتتناسق الجمل في تركيبها تناسق ~~العقد النفيس، ويوائم بين ألفاظه ومعانيه أي مواءمة، ويؤثر في قلب السامع ~~فيستميله بما يميله من مقوله على مسمعه؟ أرأيتم كيف آضت اللغة في يد ~~التوحيدي كالعجين يرسمه الرسم الذي يشاء، أو كالقرطاس في يد المصور الحاذق، ~~وعنده جماع الأصباغ يصوره بما تهفو إليه نفسه من صور الأرض ms404 والسماء؟ # اللغة في نظر التوحيدي واسطة تعبير وتصوير، لا أداة لطافة وظرافة، كانت ~~على أسلة قلمه، غزيرة المائية نضيرة الديباجة، وكان بيانه الصافي البراق، ~~يسيل مطواعا لبنانه، يتصرف به تصرفا غريبا، ويصرفه في ضروب الموضوعات ~~العالية، وكأن اللغة في عصره، وقد أصبحت لغة حضارة باهرة، أخذت الزبدة ~~النافعة من الأمم القديمة وزادت عليها تجارب قرنين، فمرنت ألفاظها على ~~التعبير عن كل معنى، وصفا رصفها ونسجها، فكانت من أجمل صيغ الإفهام ~~والانسجام، ولطفت مادتها فخرج منها الحواشي بقاعدة بقاء الأنسب، ودرجت بعد ~~ذلك نقية لا شوب فيها ولا تعقيد، كأنها خلقت منذ عرفت، لغة فلسفة وطبيعة ~~وإلهيات، كما كانت لغة شعر وخطب، منذ أقدم عصور الجاهلية. # عمد التوحيدي إلى استخدام طوائف من الألفاظ تبهرك في رصفها إلى جانب PageV01P462 ### | CHECK [462_2] # أخواتها، ويتعذر عليك أن تخلي المكان من لفظة لتضع غيرها محلها، وقد قال ~~العتابي: الألفاظ أجساد والمعاني أرواح، وإنما تراها بعيون القلوب، فإذا ~~قدمت منها مؤخرا، أو أخرت منها مقدما، أفسدت الصورة وغيرت المعنى كما لو ~~حول رأس إلى موضع يد، أو يد إلى موضع رجل لتحولت الخلقة وتغيرت الحلية، ~~وهذا ما تراه متجليا في كلام أبي حيان: والكلام إذا خرج في غير تكلف وكد ~~وشدة تفكر وتعمل كان سلسا سهلا، وكان له ماء ورواء ورقراق، وعليه فرند لا ~~يكون على غيره مما عسر بروزه واستكره خروجه. # ذاكر التوحيدي في العلوم المختلفة طبقة عالية من أذكياء العلماء، وكانوا ~~في العلم جميعا، وفي مذاهبهم شتى، فلم يجمد على نقل كلام أهل فن واحد، ولا ~~صمت أذنه عن سماع من خالفوه في معتقده، فكان شأنه شأن عالم في عصرنا فتح ~~بحثا في مجلة أو كتاب يؤلفه، وأنشأ يجمع في كناشه وجزازاته أفكار المتضادين ~~ومراميهم في العلم والتفكير، وهذا ما كان على حصة موفورة في كتب التوحيدي ~~على ما رأينا، لخص لمعاصريه آراء المتقدمين، وخلف لمن بعده مصورا صحيحا من ~~آراء من عاشرهم وعاصرهم وتقدمهم في الميلاد، فأدركنا بما أسمعناه بعض حقيقة ~~عصره في ms405 أساليب التفكير ومبلغه من الحكمة. # ويحمد قصد التوحيدي في نقل كل مجلس كما وقع، وإن كان بعضهم لم يرقه ~~التعرض لتدوين ما يخالف معتقدهم، أما هو فما كان له أن ينقل كل كلام يرتضيه ~~كل إنسان، لأنه لا يحيط بأهواء جميع الناس، وتعدد الأهواء كتعدد الأناسي، ~~وهو في طريقته طريقة كثير من المؤلفين، فكيف ينطق بلسان من لا يعتقده على ~~صواب فيما يذهب إليه، وإذا رأى بعض المتحذلقين في كلامه بعض العهدة، ~~فيجابون أي كلام خلا مما يتعلق عليه بشيء. إن التوحيدي لقي شيوخ العلم ~~والحكمة فحمل عنهم، وجود وصفهم وأجمل طرازهم، وكلما نقل شيئا لا يوافق PageV01P463 ### | CHECK [463_2] # نحلة ومذهبا، قال خصوم فكره إنه يصطنع نقله، ويزور على رواته فيزورون له. ~~كان التوحيدي رواية المجالس العالية، والرواية كما قيل العلم المستطيل، ~~ومخالفوه يسوؤهم هذا وينؤهم، حتى سرت أحكامهم الجائرة عليه إلى من عرفوا ~~باعتدالهم من المؤرخين فأقروها، وتابعوا على العمياء قائليها. خالف ~~التوحيدي في طريقته العلمية مألوف كثير من العلماء، فبينه وبينهم باعد، ~~وليس من الإنصاف أن نأخذ عليه خروجه عن مألوفهم. # الحق أبلحج لا يخيل سبيله ... والحق يعرفه ذووا الأحلام # لا جرم أن التوحيدي حار في أمره مع من وسموا بالعلم في زمنه، وهم محافظون ~~متشددون في تقاليدهم ومصطلحاتهم، لا يبالون أن يرموا كل من أبدع طريقة، ~~وكشف عن حقيقة، بالتفسيق والتبديع والتفكير، ومن أسهل الأعمال عليهم أن ~~يتقربوا من ذوي السلطان بضرب عنق من لا يدركون مغازية ومعانيه ممن بذهم ~~وأربى عليهم. ويا لبؤس عالم لم يتخذ له بدا عند صاحب صولة في مثل ذاك ~~المجتمع، فإن مجرد اتهام بعض المعتقدين له بانحلال العقيدة، كاف في بتر حبل ~~حياته، ولا من يرحمه أو يتشفع به. أراد المأمون رضي الله عنه وأرضاه أول ~~المائة الثالثة أن يخرج الأمة من ربقة التقليد الأعمى إلى ساحة العقل ~~السليم، فرأى أن يسيطر على الدين واللغة والآداب والعلوم، بتسامح وتعقل، ~~ولكن معظم ما بناه تهدم بأفول نجمه ويا للآسف، فلم ينشأ بعد ms406 للأمة خليفة في ~~وزنه وعياره، يحمي العقل ودعاته، ويفسح للباحثين مجال النقد والنظر. # ومن أعظم المصائب أن أقدار البلاد معلقة أبدا على الرأس الذي يدبر أمرها ~~خليفة كان أو سلطانا أو أميرا، متى زال تزول معه أوضاعه وتراتيبه أو ~~أكثرها، وقل أن بنى الخلف على أساس السلف، أو سار المتأخر على قدم المتقدم، ~~خصوصا في المسائل الذهبية، والمطالب الاجتماعية والمدنية، ولذلك كانت ~~حضارتنا في كل PageV01P464 ### | CHECK [464_2] # عصر وقطر كالأرض البقعة نباتها متقطع، أو كالواحات المتفرقة في المهمة ~~القفر، يختلف شكلها باختلاف البقعة التي نشأت فيها، وتلبس ثوبا فصل على عقل ~~صاحب السلطان الأكبر، وكثرة بلائه وغنائه. وقلما عهد أن سار الابن بسير ~~أبيه وجده إلا على عهد أوائل العباسيين، وفي بعض دور الأمويين في الشرق، ~~والأمويين في الأندلس وما عدا ذلك فأفراد من أصحاب السلطان زانوا عصورهم ~~بهممهم فأحالوا القفار جنانا، وجعلوا من العلم لسلطانهم سلطانا، حتى إذا ~~مضوا لسبيلهم عادت الأمة سيرتها الأولى، تثبت أن الأمية أعلق بشغاف قلبها، ~~لا سيما وأكثر الزعماء يعتقدون أن الراحة في ترك العقول جامدة خامدة، حتى ~~لا يرتفع عقل عن عقل، ولا يمتاز فاضل بعموم الفضل. # فالرجل الذي لم يأبه لما اعترضه من العقبات، ومزق حجب الوهم وحكم سلطان ~~العقل، واستعرض ما جادت به قرائح أعاظم الملة في القرون الثلاثة قبله، وكتب ~~العلوم الحكمية بهذا البيان الرائق، تسيغه وتستطيبه على كدورة في شرعته ~~أحيانا - الرجل الذي كان كذلك حاله يعد النابغة المجتهد حقا وصدقا، ويعد ~~جديدا مجدا في فكره وبيانه. # كتب التوحيدي فأكثر الكتابة، ومع هذا فإنشاؤها طبقة واحدة لم يتعمل فيما ~~يكتب، ولا عني بالتنميق والتحبير، والصقل والتطرية. وكان هدفه إبلاغ ~~العقول، ما يجول في الخواطر، من أقصر الطرق، وأسهل المسالك تارة، ومن ~~أطولها تارة أخرى. اختص بوصف لآراء المفكرين والنظار، على وجه لم يؤثر عن ~~غيره، حاشا الجاحظ واضع هذه الطريقة، فكأنه تلقى باليمين ذاك الأسلوب الذي ~~يموت بموت الجاحظ، وأتمه بما حدث بعد أبي عثمان من فنون القول، وضروب ms407 ~~المعارف. ولو كان روح التوحيدي غير معذب بالإخفاق والإملاق، كروح الجاحظ ~~الشفاف البراق، وسلم مما يكدر صفوه وصفاءه، واطمأن بما تطمئن به روح من PageV01P465 ### | CHECK [465_2] # تهنأ العيش، لجاء التوحيدي كالجاحظ إلا قليلا. # بيد أن اضطراب عصره، كان منه اضطراب فكره، وغفلة العظماء عن تعهده ~~وحمايته، أدت إلى اشتغال قلبه برزقه وجرايته، فكان في ذل الفقر، وخوف ~~القهر، طول العمر. وإذا قيل إن الجاحظ كان على دهاء لا ينكر محله، فاتقى ~~بجربزته لذعات حساده، ومؤلمات مناظريه، وأن التوحيدي لم يعرف سياسة العلم، ~~ولم يستكمل تعاطي الأسباب إلى الرزق، وإجراز خصل السبق، فلا تنس أن الجاحظ ~~كان الخلفاء يرعونه ويحبونه، والوزراء يهادنونه ويحبونه، والناس يعجبون به ~~ويمجدونه. والتوحيدي، للجهل الطارئ على الخلفاء والأمراء في عهده، يضطرب في ~~حياته اضطراب الأرشية في الطوى البعيد، كما التفت يمنة جاءت الصدمة يسرة، ~~وكلما قال يسرا، قالت الأيام عسرا، عاش في شظف من العيش، وعجف من المال، ~~وكلب من الزمان؛ فكان الموتور المفلوك، الموجع القلب، المعذب الفؤاد. ~~والمرء مهما أوتي من عقل سليم وأخلاق فاضلة، لا يخرج عن كونه محصول مسكنه ~~وهوائه ومدرسته وأساتيذه وأقرانه، وعنوان ما تأثر به روحه منذ وعى على ~~نفسه، وهو زبدة ما أخذه بالفطرة من دم أبويه، واكتنهه من اتصاله بأجداد ~~قدماء قد لا يعرف أخبارهم، على حين أورثوه من حيث لا يشعر أخلاقهم ~~وأطوارهم. # - - PageV01P466 ### | CHECK [466_2] # ابن العميد # عصره: # يعد القرن الرابع عصر الكمال العلمي والأدبي في الإسلام: استقرت فيه ~~القواعد، وتعينت المعالم والمناهج، ودون ما تيسر تدوينه في اللغة والأدب ~~والشريعة، ونقل ما اهتمت له العرب من علوم الأوائل، وخف الصراع بين حملة ~~الدين، ورجال الحكمة والعقل، ونشأت الفرق الباطنية وكلها تريد إقامة ملك، ~~واتخذ دعاتها من آل البيت تكأة وصبغوا نحلهم بصبغة دينية. # وكان الأدب في مقدمة الفنون التي بلغت في هذا العصر إناها، بنبوغ أعظم ~~شعراء الحضارة العربية، تقدمهم رعيل جميل في القرنين السابقين. أدخلوا على ~~الشعر معاني جديدة، وما غيروا موازينه وأوضاعه. وأنشأ الكتاب يتفننون ms408 في ~~الإنشاء المصنع، فضيقوا المنافذ في أداء المعاني، وغلوا في التطويل ~~والتهويل، فأصبح النثر بالإكثار من السجع بمعنى وبلا معنى أشبه بشعر لا ~~أوزان له. # وسكن ثائر الشعوبيين أعداء العرب، وكان أدبهم إلقاء بذور التفرقة بين ~~الشعوب التي وحد الإسلام بينها، وألغى من بينها نظام الإقطاعات، وساوى بين ~~الكبير والصغير في الحقوق والواجبات. واغتبط الشعوبيون من الفرس بقيام ~~دولتين شيعتين في العالم: دولة بني بويه الديلم في الشرق، استولت على فارس ~~العراق، وجعلت الخليفة العباسي شبحا بلا روح؛ ودولة بني عبيد الفاطميين في ~~إفريقية. وعمل القرامطة أفاعيلهم في العراق والشام والحجاز وما انتظمت لهم ~~دولة، وقرض محمود بن سبكتكين الدولة السامانية الشيعية من خراسان وما وراء ~~النهر، وفتح القسم الشمالي من بلاد الهند وأضافه إلى مملكته، وخدم الآداب ~~والعلوم، وضرب المعتزلة ضربة قاضية في بلاده. # كان الفرس أهم العناصر الإسلامية التي عنيت بنشر العربية منذ رفرف علم PageV01P467 ### | CHECK [467_2] # الإسلام على بلادهم، وقد أحرزوا في العلم والسياسة أفضل منزلة، لما خصوا ~~به من الاستعداد لقبول الحضارة، أعانهم على ذلك إلفهم الحكم والنظام، ~~وتفانيهم في طاعة العظماء والملوك. وكانوا في القرون الأولى من خير الشعوب ~~التي قامت بحق الإسلام. # وبينا كان خاصة فارس يتوفرون على خدمة الإسلام والعربية، لا يتخذون عن ~~لغة الدين والدولة والعلم بديلا، كان أناس من عشاق القومية الفارسية يسرون ~~حسوا في ارتغاء، ويلوبون على من يقيم لهم دولة، ذات وزن وصولة. وقد آلمهم ~~تراجع لغتهم أمام العربية، ومنازعة العربية الفارسية في عقر دارها، حتى ~~أصبحت لسان المدن؛ ووجدت الفارسية معتصما لها في الأرياف والجبال بين ~~الأكارين والسوقة. والفارسية هذه كان يتكلم بها جميع أهل فارس، وكانت ~~الفهلوية لسان قدماء الفرس، كتبوا بها تاريخهم وآثارهم. وبالعربية تكتب ~~مكاتبات السلطان والدواوين وعامة الناس. ولما اجتاز أبو الطيب المتنبي بشعب ~~بوان وأرجان والنوبندجان انقبض صدره لقلة من يتفاهم وإياهم فوصف الحال بقوله: # مغاني الشعب طيبا في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمان # ولكن الفتى العربي فيها ... غريب الوجه واليد واللسان # ملاعب ms409 جنة لو سار فيها ... سليمان لسار بترجمان # كان يرمض دعاة القومية الفارسية، أو من يريدون تحريك عرقها الحساس، أن ~~يشهدوا العربية تعرب كل يوم جماعة من أبناء فارس، فلم يروا لوضع حد أمام ~~ذاك التيار الجارف إلا إثارة النعرة الدينية، تدعمها دعوى الغيرة على ضياع ~~حقوق العترة العلوية، ليخرجوا من ذلك بتأسيس دولة، وينزعوا الحكم من العرب ~~آخر الدهر. # كان يرمضهم أن يروا نيسابور وشيراز والري ومرو وأصفهان وهمدان تتنافس PageV01P468 ### | CHECK [468_2] # في بث العلوم والآداب، وأن يؤلف المؤلفون، ويعط الواعظون، ويدرس المدرسون ~~من أبناء فارس باللغة العربية، وأن يمسي أدب آبائهم عبارة عن شعر ما رزق من ~~يصفق له، وان تغتني العربية بالعلوم الكثيرة. فحاولوا إشراب نفوس قومهم حب ~~آدابها القديمة، ولم يكن الشعر الفارسي بهذه اللهجة المعروفة مما يعهد قبل ~~القرن الثالث؛ وقد نشأ مع شاعرهم الروذكي السمرقندي 329 الذي كان مقدما في ~~الشعر بالفارسية في زمانه على أقرانه. # وعلى قدر رسوخ الحضارة العربية ببلاد الأعاجم في ذاك العصر، وعلى مقدار ~~تراجع السياسة العباسية، كان العلم العربي يزيد انتشارا ورسوخا، وتتعدد ~~مواطنه، وتقوم أسواقه، وما كانت مراكز الآداب في القرن الرابع في قرطبة ~~والقيروان والفسطاط وحلب وغزنة والري وسمرقند تقل كثيرا عن مكانة بغداد، ~~ومن قبل البصرة والكوفة في هذا المعنى. كان الناس يحملون إلى بغداد علمهم ~~وأدبهم أيام عظماء خلفائها، فخلف من بعدهم خلف من الضعفاء غدت بهم بغداد ~~تنقل أدبها إلى العواصم المستحدثة. ولما قامت دولة بني بويه واتخذت من الري ~~قصبة بلاد الجبال عاصمة لها، أصبحت بعد حين دار علم، ومثابة أدب، على مثل ~~ما كانت عاصمة الأمويين في الأندلس، وعاصمة بني الأغلب في إفريقية، وعاصمة ~~الطولونيين في مصر، وعاصمة الغزنويين في خراسان. # وكانت الري وما إليها من أرض فارس في هذا العصر مجموعة من المذاهب ~~الإسلامية فيها الشيعة الإمامية والغالية، والأحناف والشوافع والمعتزلة ~~والخوارج وغيرهم. وظل أهل الري على مذهب أهل السنة والجماعة حتى تغلب عليهم ~~متغلب من الشيعة، وأظهر التشيع وأكرم أهله، فتقرب ms410 الناس إليه بتصنيف الكتب، ~~فأصبحت جمهرة أهل الري شيعة غالية، وكان ذلك في أواخر الربع الثالث من ~~القرن الثالث. ومن أهل هذا المذهب كان بنو بويه أصحاب الدولة. وكان أهل قم PageV01P469 ### | CHECK [469_2] # بلد ابن العميد شيعة إمامية غالية، ومعظم العلماء في أرض فارس من أهل ~~السنة، والملوك يخطبون ود أرباب المعرفة من جميع الطبقات والمذاهب. # أوليته وسيرته: # في هذه البيئة نشأ أبو الفضل محمد بن الحسين الملقب بابن العميد، من بيت ~~فضل وصدارة. وكان أبوه أبو عبد الله الحسين بن محمد المعروف بكلة كاتبا ~~مذكورا في خراسان، وله باع في السياسة تقلد ديوان الرسائل للملك نوح بن ~~نصر، ولقب الشيخ كالعادة فيمن يلي ذلك الديوان، والعميد لقب والده ولقب ~~بذلك، على عادة أهل خراسان في إجرائه مجرى التعظيم. # والغالب أن ابن العميد ولد في آخر سنة من القرن الثالث، لأنه عمر ستين ~~سنة، ومات سنة ستين بعد الثلاثمائة، وكان يعتاده القولنج تارة، والنقرس ~~أخرى، تسلمه هذه إلى هذه، وقيل إنه أخذ العلم في بغداد ورحل إليها مرة أو ~~مرتين وهو وزير، ولذلك كان يحبها ويعجب برجالها وحضارتها، ولم يزل أبو ~~الفضل في حياة أبيه وبعد وفاته بالري وكور الجبل وفارس يتدرج إلى المعالي، ~~ويزداد على الأيام فضلا وبراعة، حتى بلغ ما بلغ، واستقر في الذروة العليا ~~من وزارة ركن الدولة ورياسة الجبل، وذلك سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. ولما ~~تقلدها، وكان دون للثلاثين، أتته السعادة في صباه، وتمت أدوات علمه وأدبه، ~~وهو يتولى أعمال الدولة، وطالت أيام وزارته حتى أربت سنوها على زمن صباه ~~ودراسته، ودعي ابن العميد بالأستاذ الرئيس لجمعه بين الإمارة والأدب، وذهب ~~له هذا اللقب عن جدارة، ولقب أيضا بلسان المشرق. # أجمع من ترجموا لابن العميد أنه فارسي من أهل قم، ولا يفهم من كونه ~~فارسيا أنه من صميم الفرس، فقد يسكن العربي قم وقزوين وشيراز ونيسابور ~~والري وهو عربي بأصوله فينسب إلى البلد الذي نزله أو ولد فيه. PageV01P470 ### | CHECK [470_2] # وما هو فارسي بالمعنى الذي نفهم ms411 به اليوم معنى هذه النسبة، ولا يبعد أن ~~يكون ابن العميد أو أجداده عربا إقحاما، نشئوا في تلك الأرض فنسبوا إليها، ~~وقد حدثنا التاريخ بأن مئات من علماء المسلمين وأبناء الأنصار والمهاجرين ~~هاجروا إلى البلاد التي فتحت على أيدي العرب في الشرق والغرب فنسبوا إلى ~~أوطانهم لا إلى آبائهم كما كانوا من قبل فضاعت بذلك أصولهم. وليس من ~~المستحيل أن يكون غرام ابن العميد بالعرب والعربية موروثا وتأصل فيه ~~بالدرس، وكم من غريب عن هذا اللسان خدمه خدمة أبنائه الأصليين. وقد قال أبو ~~الريحان البيروني، وهو من خوارزم ومن أعظم علماء الإسلام: الهجو بالعربية ~~أحب إلي من المدح بالفارسية، وسيعرف مصداق قولي من تأمل كتاب علم نقل إلى ~~الفارسي كيف ذهب رونقه، وكسف باله، واسود وجهه، وزال الانتفاع به، إذ لا ~~تصلح هذه اللغة إلا للأخبار الكسروية والأسمار الليلية. # لم نعرف من أساتذة ابن العميد غير محمد بن علي بن سعيد المعروف بسمكة أو ~~بابن سمكة القمي، وكان يعلم علم الأوائل وهو صاحب الأدب والحكمة والنجوم ~~والترسل والإملاء، ولعله كان يذهب مذهب الاعتزال فلقن تلميذه مذهبه فأصبح ~~مثله على مذهب أهل العدل والتوحيد، في إقليم يغلب التشيع على السواد الأعظم ~~من أهله، وما منع ذلك ابن العميد أن يخدم ركن الدولة بن بويه، وكان شيعيا ~~غالبا، ولا أن يتخرج به عضد الدولة بن بويه في إدارة الملك والدولة. # غلبت الحكمة على ابن العميد، وخللت شغاف قلبه، وكان أدبه غير أدب عصرييه، ~~كان أدبا ممزوجا بعلوم عقلية، فيه شفوف نادر، وطبيعة مؤاتية، ونفس حساسة، ~~تزن كل شيء بميزان النقد، حتى الألفاظ والقوافي والأوزان والأسجاع وحتى ~~الكلام العادي. ونشأ ابن العميد نشأة أدبية وسياسية، عرف البلاد وأمزجة ~~أهلها، وعرف ما يصلحهم ويرضيهم ويرعاهم. ذكر مسكويه أنه سمعه في كثير من خلواته PageV01P471 ### | CHECK [471_2] # يشرح لابنه أبي الفتح صورة الديلم في الحسد والجشع، وأنه ما ملكهم أحد قط ~~إلا بترك الزينة، وبذل ما لا يبطرهم ولا يخرجهم إلى التحاسد ولا يتكبر ~~عليهم، ولا ms412 يكون إلا في مرتبة أوسطهم حالا، وأن من قد دعاهم واحتشد لهم، ~~وحمل على حالة فوق طاقته، لم يمنعهم ذلك من حسده على نعمته، والسعي على ~~إزالتها، وترقب أوقات الغرة، في آمن ما يكون الإنسان على نفسه منهم، ~~فيفتكون به ذلك الوقت. # قال: وكان لوفور عقله يداري أمره مع صاحبه ومع عسكره، ثم يسوس رعيته ~~والممالك التي يراعيها، ويدبر الجميع تدبيرا ملائما لوقته، موافقا لزمانه، ~~فلا يظهر من الزينة وأبهة الوزارة، إلا بمقدار ما يقيم به مرتبته، ولا ~~يجاوز ذلك إلى ما يحسد عليه وينافس، ثم يتواضع تواضعا لا يخرج به إلى غضاضة ~~تلحقه في جاهه، أو تحطه عن المنزلة العالية التي يرقي إليها، وكانت سلامته ~~طول مدته على أصناف الناس وطبقاتهم وقيام هيبته وتمام سياسته متصلة تزيد ~~على الأيام ثناء وثباتا. # ومن سياسة ابن العميد وهو الصدر المقدم في الآداب والسياسة أنه كان يصون ~~مجلسه عن الخوض في مسائل الخلاف في الدين، وقد يقاطع من يحاول المناقشة ~~فيه، وهو جد عارف بأهل الأثر وأهل الري من فقهاء الأمصار، بصير بالمحكم ~~والمتشابه من آي القرآن، إلى معارف جمة في النحو والتصريف والغة وأشعار ~~العرب، يدرك ما يجر الخلاف من تبعات على دولة اختلفت مذاهب سكانها ~~وأجناسهم، وتباينت أهواؤهم ودرجات ثقافتهم، خصوصا ومذهبه غير مذهب سلطانه، ~~وهو فوق ذلك متشبع بالحكمة حتى ليتهمه بعضهم في دينه، شأن الناس منذ العهد ~~القديم مع من يشتغل بهذا العلم البغيض إلى الفقهاء وأتباعهم. والناس في كل ~~زمن أسرع إلى تكفير أهل التفكير من الماء إلى المنحدرات. PageV01P472 ### | CHECK [472_2] # كان خلطاء ابن العميد ومنادموه من مذاهب مختلفة. فيهم مسكوية قيم خزانته ~~وهو فيلسوف مؤرخ، وفيهم أستاذه ابن سمكة وأبو محمد هندو وكلاهما فيلسوف ~~إلهين وفيهم أبو الحسين بن فارس أديب، وابن خلاد القاضي أديب وفقيه، وأبو ~~الحسن العلوي، وأبو العلاء السروي شاعر وكاتب. وكان يحاضرهم ويجالسهم ~~ويهاديهم ويكاتبهم إذا غابوا ويجاوبهم نظما ونثرا؛ حتى قيل إن أحسن ما كتب ~~ابن العميد رسائله في الإخوانيات. وكان ms413 لا ينظر في التراسل مع إخوانه إلى ~~ما بينه وبينهم من التفاوت في المصطلح عليه من درجات المجتمع، أي أنه وزير ~~وهم رعية، يسحب ذيله على ما يكون منهم؛ وما عدت عليه هفوة مع صديق، وما كان ~~ممن يخرج على الصداقة، وفي نظره أن لا اعتبار في الصداقات لاختلاف الدرجات، ~~والمشاركة في الفكر والعواطف أثمن صداقة. قالوا وكان يفتخر بالحسن بن أسحق ~~بن محارب القمي ويقول: لو لم يخرج من بلدنا سواه لكان كافيا. # وكانت معاني الحب متأصلة في ابن العميد، وروحه تحب، وإذا أحبت تخلص في ~~حبها، وربما برح به، ثم إن نفسه عظيمة لا نكره ولا تبغض، والكراهة والبغض ~~على الأكثر أثر من آثار الضعة، ولؤم الطباع، والتواء المقاصد، وكل أولئك ~~كان الأستاذ الرئيس غنيا عنه، لأنه يعطي ولا يتوقع من غيره العطاء، ويمنع ~~ولا يخشى الناس أن يمنعوه، وليس له بعد هذا إلا أن يتحبب إلى الناس، ولا ~~سيما أهل الذكر والفكر. # ألف ابن العميد، على ما بلغه من رتب المجد في دنياه، المذاكرة في فنون ~~العلم على سنة علماء السلف وأدبائهم، واعتاد أن يفضل على خاصته وقاصديه، ~~خصوصا إذا لم يدلوا عليه بأدبهم في مجلسه. كان يكره من يريد أن ينفق عليه ~~بأوه ودعواه، وكثيرا ما يستهدف لغضب أهل هذه الطبقة، فيقدمون على هجوه، ~~وينصرفون عنه لاعنين طاعنين، كما وقع لابن نباتة السعدي ولأبي حيان PageV01P473 ### | CHECK [473_2] # التوحيدي، فإنهما تجمهما له، أنهما لم ينالا ما كانا يؤملان منه، فجسرا ~~إلى هجوه، وألف التوحيدي كتابا سماه مثالب الوزيرين، أي ابن العميد وصديقه ~~الصاحب بن عباد. # جعل ابن العميد لكل شيء نظاما في وزارته، يعمل للمصلحة العامة ما استلزمت ~~من الأوقات، فإذا فرغ انصرف إلى العلم والأدب، فهو على هذا يحمل شخصيتين؛ ~~شخصية سياسية إدارية، وأخرى أدبية فلسفية، وكثيرا ما تكون مجالسه مجالس ~~العالم لا مجالس السياسي، يقرأ عليه من يقصده من العلماء والأدباء ما يحبون ~~التوسع فيه من صنوف الآداب، على نحو ما جرى له مع أبي ms414 الحسن العامري ~~الفيلسوف النيسابوري، قيل إنه شرح له كتب أرسطو وبرك بين يديه، واستأنف ~~القراءة عليه، وكان يعد نفسه في منزلة من يصلح أن يتعلم منه، فقرأ عليه عدة ~~كتب مستغلقة ففتحها عليه ودرسه إياها. وهو بالطبع يستفيد من القراءة ~~والإقراء. وضبط أعماله ونظم أموره، ورتب أسباب خدمته، حتى كان أكثر نهاره ~~مشغولا بالعلم وأهله مما كان سببا أعظم في عظمته وشهرته. ورب وزير كان قبل ~~الوزارة شيئا مذكورا في العلم فأصبح لا شيء بعدها، لاستغرق أوقاته كلها ~~بمصالح الناس، ورد عادية الأحزاب والأعداء عنه وعن سلطانه. أما ابن العميد ~~فكان قبل وزارته معروفا بالفضل، وفي الوزارة أخذ بحظ وافر من حسن السمعة. # واعتذر مسكويه عن قصور صاحبه في عمار الملك، وبسط العدل في ربوعه - وكان ~~مسكويه على ما يظهر مأخوذا بحبه عاش في نعمته أيام صباه سبع سنين - قال: ~~فأما اضطلاعه بتدبير الممالك، وعمارة البلاد، واستغزار الأموال، فقد دلت ~~عليه رسائله، ولا سيما رسالته إلى أبي محمد بن هندو التي يخبر فيها باضطراب ~~أمر فارس، وسوء سياسة من تقدمه لها، وما يجب أن يتلافى به، حتى تعود إلى PageV01P474 ### | CHECK [474_2] # أحسن أحوالها، فإن هذه الرسالة يتعلم منها صناعة الوزراء، وكيف تتلافى ~~الممالك بعد تناهي فسادها. وما منعه من بسط العدل في ممالكه، وعمارة ما ~~يدبره منها إلا أن صاحبه ركن الدولة، مع فضله على أقرانه من الديلم، كان ~~على طريقة الجند المتغلبين، يتغنم ما يتعجل له، ولا يرى النظر في عواقب ~~أمره، وعواقب أمور رعيته، وكان يفسح لجنده وعسكره على طريق مداراتهم ما لا ~~يمكن أحدا تلافيه وردهم عنه. # أتى مسكويه بوصف مخدومه في معرض المدح، والمعقول أن من يقتدر على إزالة ~~الأذى ويسكت عن رفعه مؤاخذ في الشرائع. رأى ابن العميد السير على طريقة ~~لينة، فيها التغاضي والتعامي، حتى لا يغضب الجند ولا يغضب سيده الملك، ولا ~~يناله مكروه بسببهم، ولو أحسن بتخريبهم البلاد وظلمهم أهلها، فترك العائثين ~~وشأنهم، يمني نفسه أن يأتيه الوقت الملائم فيحكم فيهم حكمه، ms415 وينقذ بلاده من ~~أوصابها وأوبئتها الاجتماعية والإدارية، وسياسته هذه لا تنجو من اللوم في ~~نظر أرباب الحزم من مدبري الممالك. # أدبه وعلمه: # عرفنا بما تقدم نوع الدراسة التي تعلقت بها همة ابن العميد، ووقفنا على ~~صورة من نفسيته، والآن نعمد إلى تحليل هذا الضرب من الأدب الذي عرفه الناس ~~به، وبه خلد ذكره في العالمين؛ قالوا إنه واضع طريقة الشعر المنثور، وإنه ~~كان يلتزم السجع تارة ويطرحه أخرى، وهذا رأي ابن سنان فيه. قال إنه كان ~~يترك السجع ويتجنبه، وطريقته استعماله مرة ورفضه أخرى، بحسب ما يوجد من ~~السهولة والتيسير، أو الإكراه والتكلف. أما نحن فإن ما وصلنا من كتاباته ~~يضطرنا إلى أن نحكم عليه حكما يخالف حكم ابن سنان ذلك لأنا رأيناه كان إلى ~~التسجيع والمزاوجة أقرب. وما ندري أيضا إن كان وصفه بخاتمة الكتاب ينطبق على PageV01P475 ### | CHECK [475_2] # الواقع، أم فيه شيء من المصانعة لابن العميد في قولهم: بدئت الكتابة بعبد ~~الحميد وانتهت بابن العميد أم هي السجعة التي أصدرت هذا الحكم، كما كانت ~~سجعة الصاحب بن عباد في قاضي قم هي التي نحته عن منصبه، يوم كتب إليه: أيها ~~القاضي بقم، قد عزلناك فقم. فقال القاضي: والله ما عزلتني إلا السجعة. # عاصر ابن العميد عشرات من الكتاب، جاء بعده كثيرون كانوا أطول منه باعا ~~في هذا الفن، وفي مقدمتهم الهمداني وأبو حيان التوحيدي فنسي الناس أو ~~تناسوا من لم يحظهم الحظ حتى يشتهروا من كل وجه، ولهج الناس بنثر ابن ~~العميد وشعر ابن العميد فتأفقت شهرته. # وحكمنا هذا على ابن العميد مستند إلى رسائله الباقية في كتب الأدب ~~والأخبار، وفيها شهدناه يكثر كأهل قرنه من السجع، ولم نر شحن كتابنا بما ~~أثر عنه منه، فاقتصرنا على كلامه المرسل، وحكمنا عليه بالأسلوبين. # عصر ابن العميد عصر نشوء الكلام المسجوع، وفيه ظهر أعظم السجاعين، فما ~~وسعه أن ينحل من قيوده؛ بل أخذ بمجاراة الناس طوعا أو كرها، فهو ابن عصره ~~تأثر به، إلا أنه كان أقل من غيره على ms416 ما يظهر تأثرا بالأفكار الفارسية، ~~وهذا داعية العجب، كان أقرب إلى العروبة في أكثر مناحيه، وفارسيته مقصورة ~~على مصطحاته وعاداته. كان تأثره بكلام الأقدمين - وهو الحافظ المكثر من شعر ~~العرب الجاهليين والإسلاميين - أوفى من تأثره ببيئته، هو عربي الأفكار، في ~~ثوب فارسي رقيق، أخذ من المدنيتين ما راقه، ومزجهما مزجا جميلا، فكان آية ~~بهرت أو كما قال أبو الطيب المتنبي في مدحه: # عربي لسانه فلسفي ... رأيه فارسية أعياده # خلق الله أفصح الناس طرا ... في بلاد أعرابه أكراده # لم يتناول ثقافة ابن العميد الشعر والنثر، أي الأدب فقط؛ بل كانت ثقافة العالم PageV01P476 ### | CHECK [476_2] # الحكيم، يعرف تأويل القرآن والفقه والحديث والفلسفة وعلم الحيل وجر ~~الأثقال والتصوير والهندسة والطبيعة، إلى معرفته الواسعة بالسياسة والحرب. ~~وكان على الكاتب المثقف في ذاك العصر إتقان الفلك والطبيعيات والرياضيات ~~فضلا عما يحتاج إليه من لغة ونحو وتصريف وتاريخ وشريعة. وكانت العجم تقول: ~~من لم يكن عالما بإجراء المياه، وبحفر فرض الماء والمسارب، وردم المهاويب ~~ومجاري الأنهار في الزيادة والنقصان، واستهلال القمر وأفعاله، ووزن ~~الموازين وذرع المثلث والمربع الزوايا، ونصب القناطر والجسور والدوالي ~~والنواعير على المياه، وحال أدوات الصناع، ودقائق الحساب كان ناقصا في حال ~~كتابته. # وما روي من مجالس ابن العميد وتنوقل من آرائه يؤذن بأنه لم يكن نتفة في ~~هذه العلوم، بل كان مشاركا أعظم مشاركة. قالوا كان إذا طرأ عليه أحد من ~~منتحلي العلم، فأراد امتحان عقله سأله عن بغداد، فإن فطن لخواصها، وتنبه ~~على محاسنها، وأثنى خيرا عليها، جعل ذلك مقدمة فضله، وعنوان عقله، ثم يسأله ~~عن الجاحظ فإن وجد عنده أثرا لمطالعة كتبه، والاقتباس من ألفاظه، وبعض ~~القيام بمسائله، قضى له بأنه غرة شادخة في أهل العلم، وإن وجده ذاما ~~لبغداد، غفلا عما يجب أن يكون موسوما به من الانتساب إلى المعارف التي يختص ~~بها الجاحظ، لم ينفعه بعد ذلك شيء من المحاسن. # هذا تصوير لبعض مناحي الأستاذ الرئيس، ولم نجار من توسعوا في تصوير سيرته ~~وبالغوا في أدبه واكثروا ومنهم الثعالبي ms417 في يتيمة الدهر ومسكويه في تجارب ~~الأمم. لا جرم أن ابن العميد عظيم بأدبه، ولكن ألا يذهب الفكرإلى أنه كان ~~له بحكم منصبه السامي - ومفاتيح خزائن الدولة في يده يفضل على العلماء ~~والشعراء من قاصديه غير قاصديه - ما زاد في شهرته، وعظم في النفوس أدبه؟ ~~وربما كان من حب بعضهم له أن جملوا صورته على غير قصد. PageV01P477 ### | CHECK [477_2] # وبعد الذي رأينا من مبالغات الشعراء في كل عصر، ملنا إلى التوقف في الحكم ~~على الرجال بالمدح أو بالقدح الذي قيل فيهم. شهدنا شعراء مدحوا رجالا ~~وهجوهم في آن واحد، فأي أقوالهم نصدق؟ هذا سيف الدولة بن حمدان قد خلع عليه ~~المتنبي من الأماديح ثيابا فضفاضة، فخلد ذكره في العالمين. ولو بحثنا في ~~سيرة سيف الدولة ما زدنا في تعريفه على ما نصف به ملكا جائرا مستبدا، ~~يستحيل أكل أموال الناس بالباطل، ويخرب البلاد لينفق ما يسلب في أبهته، ~~ويفرط في الإفضال على ما دحيه وبذخه. وإنا إذا تأملنا هجوه كافور الأخشيدي، ~~بعد أن مدحه ورفعه، نسجل أنه ظلمه كثيرا، فإن سيرته كانت أزكى من سيرة سيف ~~الدولة، والملك به يصلح أكثر مما يصلح بابن حمدان وأمثال ابن حمدان من ظلمة ~~الملوك والأمراء. # وهكذا يقال في أكثر ما نسجه الشعراء من أماديح العظماء والأمراء، فلما ~~قصروا في العطاء تراجع الشعر وذهبت بهجته. # ولو هممنا بأخذ صورة للملوك والعظماء مما مدحهم به الشعراء لبعدنا عن ~~حقيقتهم وسيرتهم بعدا كثيرا. وكذلك لو صدقنا كل ما هجا به الهاجون، لما ~~رسمنا لمهجو صورة صحيحة. لأن الشعر قام في الأكثر على المديح والهجاء، وعلى ~~المبالغة في كل منهما، وهناك الأهواء السياسية المذهبية والطوائل الجنسية. ~~وكم من عالم وصمه خصومه بالكفر، وهو أقرب إلى جوهر الشرع من أكثر حاسديه ~~ومخالفيه. وكم من إنسان عظيم ألبسه أهل مجتمعه ثوبا باليا من حكمه عليه، ~~وما كان أولاهم أن يكسوه الخز والديباج. والغرض مرض وقل أن خلت منه نفس ~~بشرية. هذا والشعر العربي على الغلو في نسيبه وتشبيبه وغزله ms418 ومديحه وهجائه ~~يؤخذ على علاته، وقلما يسقط فيه على حقيقة إلا في الحكم والعبر، ومتى ~~جعلناه عمدتنا في الترجمة للرجال نضل ضلالا بعيدا. PageV01P478 ### | CHECK [478_2] # وبعد فإن من سعادة أبن العميد أن يطول عهده في الوزارة، ومن سعادته أن ~~يكون على أخلاق فاضلة وسياسة ناجحة يستميل بها قلوب الدهماء والأدباء، ومن ~~سعادته أن يرزق عقلا ناقدا، وبصيرة نافذة، وثقافة كاملة، ومن سعادته أن يظل ~~وهو رأس الدولة على تنمية معارفه ومواهبة إلى الزمن الذي استأثر الله به في ~~همدان، وهو في طريق القضاء على الناشزين على الملك. # كان أولئك زاد في وزنه. وهو في حقيقته أديب عظيم مجدود، لم تبطره النعمة، ~~ولا أسكره تيه الإمارة وإقبال الدنيا، وكان له من تليد مجده وطريفه ما وقره ~~في الصدور، ومن الفضائل ومكارم الأخلاق ما أمتعه بالصيت البعيد، فتمتع بما ~~يتمتع به الملوك في سلطانهم، وشارك الأدباء في مجدهم الأدبي. ولو رحمت ~~الأيام ثروة أدبية خلفها عظيم طالما رحم الناس؛ لكان الحكم عليه أفضح من هذا. # نموذجات من كتابته: # كتب ابن العبيد إلى أبي عبد الله الطبري لما استحضره عضد الدولة للمنادمة ~~وفيه راموز من بعد نظره في سياسة الملوك قال: وقفت على ما وصفته من بر ~~الأمير بك، وتوفره عليك، وليس العجب أن يتناهى مثله في الكرم إلى بعد ~~غايته، وإنما العجب أن يقصر في شيء من مساعيه عن النيل المجد كله، وحيازة ~~الفضل بأجمعه، وقد رجوت أن يكون ما يغرسه أجدر غرس بالزكاء، وأضمنه للريع ~~والنماء، فارع ذلك واركب في الخدمة طريقة تبعدك عن الملال، وتوسطك في ~~الحضور بين الإكثار والإقلال، ولا تسترسل إلى حسن القبول كل الاسترسال. ~~فلأن تدعى من بعيد مرات، خير من ان تقصى من قريب مرة. وليكن كلامك جوابا ~~تتحرز فيه من الخطل ومن الإسهاب، ولا تعجبك تأتي كلمة محمودة فيلج بك ~~الإطناب توقعا لمثلها، فربما هدمت ما بنته الأولى. وبضاعتك في الشرب مزجاة ~~بالعقل يزم اللسان ويلزم السداد. فلا يستفزنك طرب الكلام على ما يفسد PageV01P479 ### | CHECK ms419 [479_2] # تمييزك، والشفاعة لا تعرض لها فإنها مخلقة للجاه، فإن اضطررت إليها فلا ~~تهجم عليها حتى تعرف موقعها وتطالع موضعها، فإن وجدت النفس بالإجابة سمحة، ~~وإلى الإسعاف هشة، فأظهر ما في نفسك غير محقق، ولا توهم أن في الرد عليك ما ~~يوحشك، ولا في المنع ما يغيظك، وليكن انطلاق وجهك إذا دفعت عن سامعه منك. ~~أقول ما أقول غير واعظ ولا مرشد، فقد كمل الله خصالك وفضلك في ذلك كله، لكن ~~أنبه تنبيه المشارك، وأعلم أن للذكرى موقعا منك لطيفا. # وكتب إليه أيضا: # كتابي وأنا بحال لو لم ينغص منها الشوق إليك، ولم يرنق صفوفها النزاع ~~نحوك، لعددتها من الأحوال الجميلة، وأعددت حظي منها في النعم الجليلة، فقد ~~جمعت فيها بين سلامة عامة، ونعمة تامة، وحظيت منها في جسمي بصلاح، وفي سعيي ~~بنجاح، لكن ما بقي أن يصفو لي عيش مع بعدي عنك، ويخلو ذرعي مع خلوي منك، ~~ويسوغ لي مطعم ومشرب مع انفرادي دونك، وكيف أطمع في ذلك وأننت جزء من نفسي، ~~وناظم لشمل أنسي، وقد حرمت رؤيتك، وعدمت مشاهدتك، وهل تسكن نفس ذات انقسام، ~~وينفع أنس بيت بلا نظام، وقد قرأت كتابك - جعلني فداءك - فامتلأت سرورا ~~بملاحظة خطك، وتأمل تصرفك في لفظك، وما أقرضهما، فكل خصالك مقرظ عندي، وما ~~أمدحهما، فكل أمرك ممدوح في ضميري وعقدي، وأرجو أن تكون حقيقة أمرك موافقة ~~لتقديري فيك، فإن كان كذلك وإلا فقد غطى هواك وما ألقي علي قصي اه. قلنا ~~وهذا من مسجوعاته وفيه من المبالغات الفارسية ما كاد يذهب ببهجته وجميل ~~عاطفته. ولو صدر هذا الكتاب عن كاتب ممن سبقه كعمرو بن مسعدة، وسهل بن ~~هارون، وأحمد بن يوسف الكاتب، وابن الزيات، والصولي، لجاء موضوعه في سطرين ~~سهلين على السمع والطبع، مقبولين في العرف والعادة، لا غلو فيهما ولا إغراق. PageV01P480 ### | CHECK [480_2] # كتب إليه فصلا أوله سجع كله لم تفلت منه جملة بدونه إلى أم قال وقد ذكر ~~دعواه في العلم: وهبك أفراطون نفسه فأين ما سننته من السياسة؟ فقد ms420 قرأنا ~~فلم نجد فيه إرشادا إلى قطيعة صديق، فأحسبك أرسطاليس بعينه، أين ما رسمته ~~من الأخلاق؟ فقد رأينا فلم نرى فيه هداية إلى شيء من العقوق، وأما الهندسة ~~فإنها باحثة عن المقادير، ولن يعرفها من يجهل مقدار نفسه، وقدر الحق عليه ~~أوله، بل لك في رؤساء العربية منا ريح ومضطرب، ولسنا نشاحك، لكن أتحب أن ~~تحقق بالغريب من القول دون الغريب من الفعل، وقد اقتربت في الذهاب بنفسك ~~إلى حيث لا تهتدي للرجوع عنه؟ وأما أمنح فلم تدفع عن حذق في وبصرا به، وقد ~~اختصرته أوجز أختصار، وسهلت سبيل تعليمه على من يجعلك قدوة، ويرضى بك أسوة؛ ~~فقلت الغدر والباطل وما جرى مجراهما مرفوع، والصدق والوفاء وما صاحبهما ~~مخفوض، وقد نصب الصديق عندك، ولكن غرضا يرشق بسهام الغيبة، وعلما يقصد ~~بالوقيعة، ولست بالعروض ذي اللهجة فاعرف قدر حذقك في إلا أني لا أراك تتعرض ~~لكامل ولا وأفر، وليتك سبحت في بحر المجتث حتى تخرج منه إلى شط المتقارب. # وكتب إلى بعض إخوانه: أنا أشكو أليك، جعلني الله فداك، دهرا خئونا غدورا، ~~وزمنا خدوعا غرورة، لا يمنح ما يمنح إلا ريثما ينتزع، ولا يبقى فيما يهب ~~إلا ريثما يرتجع، يبدو خيره لمعا ثم ينقطع، ويحلو مائه جرعا ثم يمتنع، ~~وكانت منه شيمة مألوفة، وسجية معروفة، أن يشفع ما يبرمه بقرب انتقاض، ويهدي ~~لما يبسطه وشك انقباض. وكنا نلبسه على ما شرط، وأن خاف منه وقسط، ونرضى على ~~الرغم بحكمه، ونستنيم لقصده وظلمه، ونعتد من أسباب المسرة أن لا يجئ محذوره ~~مصمتا بلا انفراج، ولا يأتي مكروهه صرفا بلا مزاج، ونتعلل بما نختلسه من ~~غفلاته، ونسترقه من ساعاته، وقد استحدث غير ما عرفناه، سنة PageV01P481 ### | CHECK [481_2] # مبتدعة، وشريعة متبعة، وأعد لكل صالحة من الفساد حالا، وقرن لكل خلة من ~~المكروه خلالا، وبيان ذلك، جعلني الله فداك، أنه كان يقنع من معارضته ~~الإلفين، بتفرق ذات البين، فقد انثنى ممنونا فيك بجميع ما أوغره، وما أطويه ~~من البلوى منك أكثر مما أنشره، وأحسبني قد ms421 ظلمت الدهر بسوء الثناء عليه، ~~وألزمته جرما لم يكن قدره بما يحيط به وقدرته ترتقي أليه، ولو أنك أعنته ~~وظاهرته، وقصدت صرفه وآزرته، وبعتني بيع الخلق، وليس فيمن زاد، ولكن فيمن ~~نقص، ثم أعرضت عني إراض غير مراجع، واطرحتني اطراح غير مجامل، فهلا وجدت ~~نفسك أهلا للجميل حين لم تجدني هناك، وأتعذب من جل ما عقدت من غير جريمة، ~~ونكثت ما عهدت من غير جريرة، فأجبني عن واحدة منهما، ما هذا التغالي بنفسك، ~~والتعالي على صديقك، ولم نبذتني نبذ النواة، وطرحتني طرح القذاة، ولم ~~تلفظني من فيك، وتجني من حلقك؟ وأنا الحلال الحلو البارد العذب، وكيف لا ~~تخطرني ببالك خطرة، وتصيرني من أشغالك مرة، فترسل سلاما غ لم تتجشم مكاتبة، ~~وتذكرني فيمن تذكر إن لم تكن مخاطبة، وأحسب كتابي سيرد عليك فتنكره حتى ~~تثبت، ولا تجمع بين اسم كاتبه وتصور شخصه حتى تتذكر، فقد صرت عندك ممن محا ~~النسيان صورته من صدرك، واسمه من صحيفة حفظك، ولعلك أيضا تتعجب من طمعي فيك ~~وقد وليت، واستمالتي لك وقد أبيت، ولا عجب فقد ينفجر الصخر بالماء الزلال، ~~ويلين من هو أقسى منك قلبا فيعود إلى الوصال، وآخر ما أقوله أن ودي وقف ~~عليك، وحبس في سبيلك، ومتى عدت إليه وجدته غضا طريا، فجربه في المعاودة ~~فإنه في العود أحمد. # وهذه الرسالة كما ترى من رسائله المسجوعة والمرسلة معا، وبأدنى تأمل يدرك ~~المتمعن فيها أن ابن العميد لما اطرح في آخرها السجع جود وأبدع، وكان في ~~أولها لا يعدو أسلوب الصاحب بن عباد وأبي بكر الخوارزمي والصابي من أهل PageV01P482 ### | CHECK [482_2] # جيله عشاق السجع، وكان الهمداني أقلهم به تشبثا في رسائله لا في مقاماته. # وفي اليتيمة: ويقال إن أحسن رسائله الإخوانيات، ما كاتب به أبا العلاء ~~السروي لصدوره عن صدر مائل إليه، محب له، مناسب بالأدب إياه؛ فصل من رسالة ~~له إليه في شهر رمضان وهو مما لم يسبق إليه: كتابي جعلني الله فداك وأنا في ~~كد وتعب، منذ فارقت شعبان، وفي جهد ms422 ونصب، من شهر رمضان، وفي العذاب الأدنى ~~دون العذاب الأكبر من ألم الجوع ووقع الصوم، ومرتهن بتضاعف حرور، لو أن ~~اللحم يصلي ببعضها غريضا أتى أصحابه وهو منضج، وممتحن بهواجر يكاد أوارها ~~يذيب دماغ الضب، ويصرف وجه الحرباء عن التحديق، ويزويه عن التبصر، يقبض يده ~~عن إمساك ساق وإرسال ساق. . وأحمد الله على كل حال وأسأله أن يعرفني فضل ~~بركته، ويلقيني الخير في باقي أيامه وخاتمته، وأرغب إليه في أن يقرب على ~~القمر دوره، ويقصر سيره، ويخفف حركته، ويعجل نهضته، وينقص مسافة فلكه ~~ودائرته، ويزيل بركة الطول من ساعاته، ويرد علي غرة شوال فهي أسر الغرر ~~عندي وأقرها لعيني، ويسمعني النعرة في قفا شهر رمضان، ويعرض علي هلاله أخفى ~~من السر، وأظلم من الكفر، وأنحف من مجنون بني عامر، وأضنى من قيس بن ذريح، ~~وأبلى من أسير الهجر؛ ويسلط عليه الحور بعد الكور، ويرسل على رقاقته التي ~~يغشى العيون ضوءها، ويحط من الأجسام نوؤها، كلفا يغمرها، وكسوفا يسترها، ~~ويرينيه مغمور النور، مقمور الظهور، قد جمعه والشمس برج واحد، ودرجة ~~مشتركة، وينقص من أطرافه كما تنقص النيران من طرف الزند، ويبعث عليه ~~الأرضة، ويهدي إليه السوس، ويغري به الدود، ويبليه بالفار، ويخترمه ~~بالجراد، ويبيده بالنمل، ويجتحفه بالذر، ويجعله من نجوم الرجم، ويرمي به ~~مسترق السمع، ويخلصنا من معاودته، ويريحنا من دوره، ويعذبه كما عذب عباده ~~وخلقه، ويفعل به فعله بالكتاب، PageV01P483 ### | CHECK [483_2] # ويصنع به صنعه بالألوان، ويقابله بما تقتضيه دعوة السارق إذا افتضح بضوئه ~~وتهتك بطوعه، ويرحم الله عبدا قال أمينا. وأستغفر الله جل وجهه مما قلته إن ~~كرهه، وأستعفيه من توفيقي لما يذمه، وأسأله صفحا يفيضه، وعفوا يسيغه، وحالي ~~بعدما شكوته صالحة، وعلى ما تحب وتهوى جارية؛ والله الحمد تقدست أسماؤه ~~والشكر اه. # وهذه الرسالة أيضا لو خلت من السجع والتطويل لكانت فريدة في بابها قال ~~الثعالبي: وقد أجمع أهل البصيرة في الترسل على أن رسالته التي كتبها إلى ~~ابن بلكا ونداد خورشيد عند استعصائه على ركن الدولة غرة كلامه ms423 وواسطة عقده؛ ~~وما ظنك بأجود كلام لأبلغ إمام؟ قال فصل من أولها: كتابي وأنا مترجح بين ~~طمع فيك، ويأس منك، وإقبال عليك، وإعراض عنك؛ فإنك تدل بسابق حرمه، وتمت ~~بسالف خدمة، أيسرهما يوجب رعاية، ويقتضي محافظة وعناية، ثم تشفعهما بحادث ~~غلول وخيانة، وتتبعهما بأنف خلاف ومعصية، وأدنى ذلك يحبط أعمالك، ويمحق كل ~~ما يراك؛ لا جرم أني وقفت بين ميل إليك، وميل عليك، أقدم رجلا لصدك، وأوخر ~~أخرى عن قصدك، وأبسط يدا لاصطلامك واجتياحك، وأثني ثانية لاستبقائك ~~واستصلاحك، وأتوقف عن امتثال بعض المأمور فيك ضنا بالنعمة عندك، ومنافسة في ~~الصنيعة لديك، وتأميلا لفئتك وانصرافك، ورجاء لمراجعتك وانعطافك، فقد يغرب ~~العقل ثم يؤوب، ويعزب اللب ثم يثوب، ويذهب الحزن ثم يعود، ويفسد العزم ثم ~~يصلح، ويضاع الرأي ثم يستدرك، ويسكر المرء ثم يصحو، ويكدر الماء ثم يصفو، ~~وكل ضيقة إلى رخاء، وكل غمرة فإلى انجلاء، وكما أنك أتيت من إساءتك بما لم ~~تحتسبه أولياؤك، فلا بدع أن تأتي من إحسانك بما لا ترتقبه أعداؤك، وكما ~~استمرت بك الغفلة حتى ركبت ما ركبت، واخترت ما اخترت، فلا عجب أن تنتبه ~~انتباه تبصر فيها قبح ما صنعت وسوء ما PageV01P484 ### | CHECK [484_2] # آثرت، وسأقيم على رسمي في الإبقاء والمماطلة ما صلحت، وعلى الاستبقاء ~~والمطاولة ما أمكن طمعا في إنابتك، وتحكيما لحصن الظن بك. فلست أعدم فيما ~~أظاهره من إعذار، وأرادفه من إنذار، احتجاجا عليك، واستدراجا لك، فإن يشأ ~~الله يرشدك، ويأخذ بك إلى حظك ويسددك. # ثم نقل الثعالبي فصلا أخر من الكتاب وختمه بقطعة منها جاء فيها: تأمل ~~حالك وقد بلغت هذا الفصل من كتابي فستنكرها، وألمس جسدك، وانظر هل يحس، ~~وأجسس أرقك هل ينبض، وفتش ما حنى عليك هل تجد في عرضها قلبك، وهل حلى بصدرك ~~أن تظفر بفوت سريح، أو موت مريح. ثم قس غائب أمرك بشاهده، وآخر شأنك بأوله ~~قال الثعالبي: بلغني عن ابن بلكي، وكان أدب أمثاله، أنه كان يقول: والله ما ~~كنت لي عند قراءة هذا الفصل إلا كما ms424 أشار إليه الأستاذ الرئيس، ولقد ناب ~~كتابه عند الكتاب في عرك أديمي، واستصلاحي وردي إلى طاعة صاحبه. # وقال الثعالبي في المضاف والمنسوب: وقرأت في رسالة لابن العميد إلى ابن ~~سمكة: جرب، جعلت فداءك، ما قلته، واختبرني فيما ادعيته، فإن لم افعل فدمي ~~حلال لك، فاقتلني بسيف الفرزدق، وكلني بخل وخردل. # وسيف الفرزدق يضرب مثلا للسيف الكليل بيد الجبان. # وقال صاحب اليتيمة أيضا: وأقراني أبو الحسين محمد بن الحسين الفارسي ~~النحوي، وقد اجتمعنا بإسفرايين عند زعيمهما أبي العباس الفضل بن علي، فصلا ~~من كتاب لابن العميد إلى عضد الدولة كنت مررت عليه وأنا عنه غافل، فنبهني ~~على شرفه في جنسه، وحرك مني ساكنا معجبا بحسنه، متعجبا من نفاسة معناه ~~وبراعة لفظه، وهو: وقد يعد أهل التحصيل في أسباب انقراض العلوم وانقباض ~~مددها، وانتقاض مررها، والأحوال الداعية إلى ارتفاع جل الموجود منها، وعدم PageV01P485 ### | CHECK [485_2] # الزيادة فيها الطوفان بالنار والماء، والموتان العارض من عموم الوباء، ~~وتسلط المخالفين في المذاهب والآراء، فإن كل ذلك يخترم العلوم اختراما، ~~وينتهكها انتهاكا، ويجتث أصولها اجتثاثا، وليس - عندي - الخطب في جميع ذلك ~~يقارب ما يولده تسلط ملك جاهل تطول مدته، وتتسع قدرته، فإن إبلاء لا يعدله ~~بلاء، وبحس عظم المحنة بمن هذه صفته، والبلوى بمن هذه صورته، تعظم النعمة ~~في تملك سلطان عالم عادل، كالأمير الجليل الذي أحله الله من الفضائل بملتقى ~~طرقها، ومجتمع فرقها، وهي نواز نوافر ممن لقت حتى تصير إليه، وشرد نوازع ~~حيث حلت حتى تقع عليه، تتلفت إليه تلفت الوامق، وتتشوف نحوه الصب العاشق، ~~قد ملكتها وحشة المضاع، وحيرة المرتاع. # فإن تغش قوما بعده أو تزورهم ... فكالوحش يدنيها من الآنس المحل # ولابن العميد حكم وأمثال استخرجها العارفون من رسائله، ومنها: الرتب لا ~~تبلغ إلا بتدرج وتدرب، ولا تدرك إلا بتجشم كلفة ونصي. رأس المال خير من ~~الربح، والأصل أولى بالعناية من الفرع. المرء اشبه شيء بزمانه، وصفة كل ~~زمان منتسخة من سجايا سلطانه. قد يبذل المرء ماله في إصلاح أعدائه، فكيف ~~يذهل العاقل ms425 عن حفظ أوليائه. هل السيد إلا من تهابه إذا حضر، وتغتابه إذا ~~أدبر. الإبقاء على خدم السلطان عدل الإبقاء على ماله، والإشفاق على حاشيته ~~وحشمه، مثل الإشفاق على ديناره ودرهمه. والمزح والهزل بابان إذا فتحا لم ~~يغلقا إلا بعد العسر، وفحلان إذا ألقحا لم ينتجا غير الشر. من أسر داءه، ~~وكتم ظمأه، بعد عليه أن يبل من علله، ويبل من غله. خير القول ما أغناك جده، ~~وألهاك هزله. # وقال ينبغي للملك أن يستظهر على أعدائه بسبعة أجناس من الناس، فتأخذ ~~الأحرار عدد ملكه، والأعراب أمناء جيشه، والديلم أركان جنده، والختل جمرات ~~عسكره، والأتراك خواص أصحابه، والهند حراس قلاعه، والأكراد غلفا لسيوف ~~أعدائه. PageV01P486 ### | CHECK [486_2] # ومن كلامه: قد تتسمح الأيام بما تمنع، وتتساهل ثم تقطع، وتصل الغبطة ~~بالرزية، والمحنة بالمنحة، ولها ثمرات تبتدر، وغفلات تنتهز. القلوب أوعية ~~يشرحها الرفق، ويبسطها اللطف، ويفسحها التمرين، وإذا تجوز بها هذه الخلال ~~إلى الاستكراه والإملال، خرجت عن احتواء علم، وضاقت عن ضبط فهم، وفاضت بما ~~تستودع. قدم من خيرك، ما لا يتنفعك تأخيره، واحصد الشر قبل استفحاله، وقدم ~~الميل ما دام الغصن يقبل التقويم، ورطبا يطيع التثقيف، ولا تنتظر به العسو ~~والامتناع، وداو فتقا تنهره الأيام خرقا إن تركته، وارأب شعبا يزيده الدهر ~~وهيأ إن أغفلته. # ولابن العميد شعر فيه كثير من شعوره، ودليل على علو كعبه فيه الأدب، وقد ~~ذكر الثعالبي في كتابه خاص الخاص أن من أظرف شعره قوله في غلام قام على ~~رأسه يظلله من الشمس: # قامت تظللني من الشمس ... نفس أعز لي من نفسي # قامت تظللني ومن عجب ... شمس تظللني من الشمس # وقوله في مداد أهداه له صديق: # يا سيدي وعمادي ... أمددتني بمداد # كمسكنيك جميعا ... من ناظري وفؤادي # أو كالليالي اللواتي ... رميننا بالبعاد # ومن قوله: # متى علقت نفسي حبيبا تعلقت ... به غير الأيام تسلبنيه # وقال: # وسألتك العتبى فلم ترني لها ... أهلا وجئت بعذرة شوهاء # وردت مموهة فلم يرفع لها ... طرف ولم ترزق من الإصغاء PageV01P487 ### | CHECK [487_2] # فأعار منطقها النديم شكية ... فتراجعت ms426 تمشي على استحياء # لم تشف من كمد ولم تبرد على ... كبد ولم تمسح جوانب داء # داوت جوى بجوي وليس بحازم ... من يستكف النار بالحلفاء # وقال: # فلو أن ما أبقيت من جسمي قذى ... في العين لم يمنع من الإغفاء # وقوله في الأقارب: # آخ الرجال من الأبا ... عد والأقارب لا تقارب # إن الأقارب كالعقا ... رب بل أضر من العقارب # ولأبي الفضل على رواية ابن النديم من الكتب كتاب ديوان رسائله، وكتاب ~~المذهب في البلاغات؛ وذكره ابن حاجب النعمان في الشعراء الكتاب وقال أن له ~~خمسين ورقة. PageV01P488 ms427