######OpenITI# #META# URI: 1372MuhammadLutfiJumca.FiWadiHumum.Hindawi63724059 #META# Tags: novels #META# ID: 63724059 #META# Title: في وادي الهموم #META# AuthorID: 72703631 #META# Author: محمد لطفي جمعة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء الكتاب‏ # مقدمة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # خاتمة‏ # إهداء الكتاب‏ # مقدمة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # خاتمة‏ # | في وادي الهموم # | في وادي الهموم # تأليف # محمد لطفي جمعة # عفوا تعف نساؤكم. ~~(حديث) # لا تلم المرأة الساقطة في مهاوي عارها، إنك لا تدري تحت أي حمل سقطت من أحمال ~~الدنيا وأثقالها. ~~(فيكتور هوجو) # | إهداء الكتاب # إلى تلك النفوس التي أساءت إليها الإنسانية وأجسامها تئن تحت التراب، وهي تائهة بين ~~الأرض والسماء، تجذبها أخواتها إلى العلى، وتهبط بها ذنوبها إلى أسفل سافلين. # | مقدمة # منذ أربعة شهور، جلست في غرفتي أمام منضدة الكتابة، وأردت أن أكتب قصة، فقلت: ماذا أكتب؟ ~~إني لا أرغب أن أقص قصة غرام طاهر وحب نقي وقلوب طيبة ووعود وزواج، هذه الأشياء ليست موجودة ~~إلا في خيال المؤلفين، وبقيت أمل القلم، وكلما هممت بالكتابة أحس بيد قوية تعوقني حتى يجف ~~القلم ويطير المداد في الهواء. # إن دماغي مملوءة بالآراء والقصص، ولكن كل ما يحيرني هو الانتقاء؛ أي قصة أنتقي؟ وأي فكر ~~أختار؟ كثيرا ما قرأت وكتبت قصصا أبطالها: رجال ذوو همة وشجاعة وكرم وصداقة، وفتياتها ~~جميلات ذوات عفة وطهر ونقاء، ولكن أي رجل الآن شجاع كريم صادق الوعد، وأي امرأة عفيفة نقية ~~حافظة للعهد؟ اقلب كلامك، وضع يدك على من شئت، آن الآوان لأن نترك الخيال جانبا، ونقف على ~~الحقيقة، إذن فلنكتب قصة عن الناس ms01 الذين حولنا الذين نعيش بينهم ويعيشون بيننا. # نعم، إنني أعلم أني بذلك أحرك الماء الراكد الآسن، وأفضح معايب الهيئة الاجتماعية، ولكن ~~أرى أن تصوير البشر كما هم أفضل بكثير من تصويرهم كما يجب أن يكونوا، إن جمهور القراء ~~يطلب قصة عن أميرة فتاة جملية غنية تقع في ورطة؛ فينجيها من الموت شاب جميل فقير شجاع ~~فيتزوجها، ولكن أنا لا أطلب ذلك، أنا أطلب أن أنزل بالقراء إلى ميدان الحياة الواسع، أرغب ~~أن أنزل بهم إلى ملعب الحياة الذي يمثلون فيه أدوارهم وهم لا يحسون. # أرغب أن أصور لهم صورة يرون فيها معايبهم؛ فيصلحونها، ولا أرغب أن أغشهم بتصوير الناس ~~صورة جملية، ولكنها مخالفة للحقيقة. # وليعلم القارئ الكريم، أن فن الروايات منقسم إلى قسمين؛ القسم الأول يسمونه «رومانتيك»؛ ~~أي روايات خيالية، والقسم الثاني يسمونه «ريالستيك»؛ أي روايات حقيقية، فالأولى هي التي ~~تصور البشر كما يجب أن يكونوا، لا كما هم في الحقيقة، والثانية تمثل البشر كما هم بنقائصهم ~~ومعايبهم ومخازيهم، وأشهر كتاب الخيال السير ولترسكوت القصصي الإنجليزي وإسكندر ديماس وماكس ~~بمبرتون وغيرهم، وطريقة كتاب القصص الخيالية هي أن يجلس الكاتب في غرفته، ويتخيل الحقول ~~الخضراء، والحدائق الغناء، وغدران الماء، والطيور المغردة، والليالي المقمرة، والأبطال ~~الشجعان، والنساء الجميلات، والغزل والغرام، والشكوى والجفاء واللقاء، ثم يكتب قصته. وأما ~~طريقة كتابة الروايات الحقيقية هي أن يلبس الكاتب ملابسه أو يتزيى بغير زيه، ويتجول في ~~الطرق والأزقة، ويدخل المجتمعات والمحطات، ويرقب حركات الناس في ملاعب القمار والحانات ~~والحدائق العمومية، ويبقى طول ليلته هائما في الطرق؛ يدرس الأخلاق والطبائع والعادات، وهو ~~فيما بين تلك الأشياء يقيد ما يراه ويسمعه ويدرسه، ثم يجلس ويكتب قصته ويسبك فيها كل ما رآه ~~وسمعه. # وكل الكتاب في أوائل القرن التاسع عشر وما قبله، كانوا يميلون للطريقة الخيالية؛ ~~لسهولتها ورواج رواياتها، وينفرون من الطريقة الثانية؛ لصعوبتها ونفور القراء منها. ومثل ~~نفور القراء من الروايات الحقيقية؛ كمثل القبيح يقف أمام المرآة ويرى قبح وجهه فيكذب المرآة ~~ويطلب غيرها تريه نفسه جميلا. # وكان ms02 أول من هدم أساس الخيال وشاد صروح الروايات الحقيقية الكاتب القصصي الفرنسوي الشهير ~~«هو نوردي بلزاك»، الذي ولد في أواخر القرن الثامن عشر، ومات في أوائل القرن التاسع عشر، ~~وهو أول من بدأ بكتابة قصصه على الطريقة الحقيقية، وأول من بدأ بتحليل أخلاق البشر وقلوبهم ~~تحليلا فلسفيا، وكل ما كان يأخذه عليه أعداؤه هو تصريحه تصريحا يخدش وجه الحياء، ولكن ~~بلزاك لم يعبأ بهم، ولم يرغب أن يجر الذيل على المخازي، بل أراد أن يكشف أمرها ليراها الناس ~~بأعينهم، لعلهم يرجعون عن غيهم، وقد كتب عددا عظيما من القصص، وجمعها تحت عنوان ~~«الكوميدية الإنسانية»؛ أي رواية الإنسانية المضحكة. # وقد سار على خطوات «بلزاك» تلميذه «إميل زولا» الكاتب الفرنسوي الشهير الذي انتقد «لويس ~~أولباك» كتابه المسمى «تريزا راكن» بقوله: «إنه كتاب نتن؛ لأن مؤلفه صرح فيه بما يجب ~~كتمانه.» ~~••• # وبعد أن جالت في رأسي تلك الآراء والأفكار، قمت فسرت في طرق القاهرة، ولم أترك بابا حتى ~~طرقته، وكنت في تلك الأثناء أقيد ما أراه في دفتر صغير، وأكتب ملحوظات عن كل كبيرة وصغيرة، ~~وبقيت على هذه الحال ثلاثة شهور، ثم جلست أكتب قصة عن «الرجل والمرأة»، ولست أقصد بالرجل ~~ذلك الإنسان الذي يعمل ويكد ليربح خبز يومه، إنما أقصد الرجل الساقط الذي أساءت إليه الهيئة ~~الاجتماعية، وجنى عليه أبوه، فأتى يضرب في ديجور هذه الحياة، وما زالت تتهيأ له الأسباب ~~حتى سقط في حضيض الفساد، ولا أقصد بالمرأة تلك المخلوقة التي تهز سرير طفلها وتطبخ لزوجها، ~~إنما أقصد المرأة المسكينة المحتقرة المهانة الظالمة المظلومة التي أجبرها الفقر وألزمتها ~~الفاقة، فباعت عرضها لتأكل بثمنه رغيف خبز يابس! # وقد قصدت الكتابة عن المرأة والرجل؛ لأنه لم يهلني شيء في القاهرة مثل حال الرجل والمرأة ~~وسقوطهما، ومن الغريب أن أفكار الأمة كلها كانت مهيأة لسماع ما يقال في هذا الموضوع، فإنه ~~منذ قليل من الزمان قام «حافظ أفندي عوض» وأخذ يشرح على صفحات المؤيد حال الشاب المصري ~~شرحا وافيا يدل على أننا في حاجة ms03 عظيمة إلى الإصلاح، وهاك نبذة مما كتب في المؤيد بهذا ~~الشأن: # إن مثل هذا الموضوع «يعني سقوط الشبيبة واندفاعها مع تيار الفساد الأدبي» لا يصح ~~أن يقال فيه إلا الحقيقة، لا يصح أن نسلك فيه سبيل عشاق الخيال ومحبي الأوهام، بل ~~يجب أن ننهج فيه نهج التصريح بتصوير الحقائق على ما هي، وإن كان تصويرها كذلك غير ~~مألوف على بعض الأذواق، وبذا يمكن أن يقال إننا أبرزنا صورة حالنا الحقيقية، حتى ~~إذا ما ألقى الناظر إليها نظرة، صاح وإن كان جامدا في إحساسه: «هلموا إلى الإصلاح! ~~هلموا إلى الإصلاح!» # انتهى كلام المؤيد، فما أصدق هذا القول وما أجمله! # وبعد ذلك بقليل قرأنا مقالة في الجوائب المصرية في عددها الصادر يوم الأربعاء 17 مايو ~~1905 تحت عنوان: # حبائل الشيطان # يمر رجل الأدب والتهذيب في شوارع الأزبكية، فيخيفه ما يرى أمامه من صنوف الخلاعة ~~وأنواع الفجور، ومن تلك الأشراك المنصوبة عند كل خطوة لاصطياد المال وسلب الصحة ~~والآداب، فيخطر في باله، وهو الأديب، أن يبحث عن أسباب هذا الداء المنتشر في القطر ~~انتشارا يقصر عنه انتشار الطاعون في بومباي منذ بضع سنين مضت، يمشي المرء من جهة ~~قهوة الشيشة الوحيدة ليلا إلى وجه البركة، فلا يصل لإلدورادو إلا ويعثر بمائة سبب ~~من أسباب الفجور، فيصل إلى الإجبسيان فيرى جميع الأسباب مجتمعة معا إن لم يكن فيها ~~ففي جوارها، ثم يتقدم قليلا في ذلك الشارع لجهة قهوة اللوفر، فيرى ما لا يجوز أن ~~يخطه قلم، ثم ينظر إلى أكثر المباني فخامة وأشد المحال ازدحاما وأجمل الحوانيت ~~أثاثا وأتمها زينة وأكثرها أجورا، فيرى أن محال البغاء نائلة القدح المعلى ~~ورافلة بلباس الزينة الأسنى؛ ذلك لأننا شباننا الكرام العواطف ينفقون الذهب الوضاح ~~على مناضد مثل هذه المحال بلا عدد ولا حساب، مع أنهم يحاسبون مساح الحذاء على ~~المليم، والعامل في حقولهم أو الخادم في بيوتهم على البارة أو على ما هو أقل ~~منها. # كثر الويل فصار عاما، فسقط شباننا حتى في عدم تمييز الكلام المهذب ms04 من غيره ، ~~وصار بعضهم يقص أخبار زيارة البغايا كعمل شريف يفتخر به في أندية الخمر!» # انتهى كلام الجوائب. # وصوت الجوائب أيضا صوت صارخ يستغيث صاحبه من حال الشبيبة الساقطة. # ثم جاء تقرير جناب اللورد «كرومر»، وفيه نبذة طويلة عن «الرقيق الأبيض»، وقد قرأنا مقالة ~~بقلم «قارئ ناقد» في صحيفة الإكسبريس التي تنشر في الإسكندرية في عددها الصادر يوم 14 مايو ~~سنة 1905، وهي تشرح كلام اللورد «كرومر» عن الرقيق الأبيض، قال الكاتب: # الرقيق الأبيض # جاء في تقرير اللورد «كرومر» عن مصر والسودان في سنة 1904 ما يأتي: كتب إلي ~~الماجور «هوبكنسون»، رئيس الشرطة في ثغر الإسكندرية عن الرقيق الأبيض، يقول: # إن جمعية الاتجار بالنساء لها أعضاء ومعضدون في كل مكان، فإن الفتيات ~~يبعث بهن من مدينة إلى مدينة، ومن أرض إلى أخرى، ومن يد شرير إلى يد فاسق، ~~والناس عنهن لاهون. وأكثر ما تكون تلك التجارة الخاسرة في بلاد الشرق، فمن ~~شنجاهاي إلى بومباي وغيرها، وليس لهم إلى تلك البلاد من مخرج سوى بورت ~~سعيد. # انتهى. كلام الماجور «هوبكنسون». # قال اللورد «كرومر»: # ولا أشك أن تلك التجارة قد راجت رواجا شديدا في مصر، لا سيما في ثغر ~~الإسكندرية، وقد نفي كثيرون ممن كانوا يتناولون تلك البضاعة، وقد أثر ~~نفيهم تأثيرا نافعا، واعتبر بهم غيرهم من أهل الشر والفساد، وقد قام ~~الكونت «منسي» وبعض أفاضل الإفرنج بتأسيس ملجأ للفتيات المسكينات اللاتي ~~يقذف بهن الدهر إلى الإسكندرية. انتهى. # قال «القارئ الناقدي»: ولم يكن يجول بخاطرنا يوما أن ذلك السياسي ~~العظيم يصل إليه صوت هؤلاء النسوة المسكينات اللاتي أوقعهن القضاء ورمى بهن القدر ~~في مخالب ذئاب الهيأة الاجتماعية، ولو كانت أمم الأرض طرا تفتخر بأنها محت آثار ~~الذل والاستعباد وهدمت أسواق الرقيق فإن ذنوب الفتيات اللاتي يؤتى بهن من بلاد ~~بعيدة لتعرض أعراضهن في سوق الفساد لا تزال واقعة على رءوس تلك الأمم. # ولو قام الكونت منسي وإخوانه بتأسيس ملجأ يلجأ إليه هؤلاء النسوة المسكينات فأحرى ~~بأغنياء المسلمين في ثغر الإسكندرية وغيره أن يؤسسوا ms05 جمعية تشبه جمعيتهم لمحاربة ~~الذين يجرون النساء المصريات الجاهلات إلى الفحش والعار. # انتهى ما جاء في صحيفة الإكسبريس. # ونحن نضم صوتنا إلى صوت الإكسبريس، ونقول إن تأسيس ملجأ للنساء البائسات خير ألف مرة من ~~تأسيس مستشفى للمجاذيب؛ لأنه إذا صلحت المرأة صلحت العائلة ولو صلحت العائلة صلح كل ~~شيء. # المرأة! المرأة! تلك المخلوقة الضعيفة يجب إصلاحها؛ لأنها وا أسفى عليها لا تستطيع أن ~~تدفع عن نفسها أذى ذئاب المدنية، وإن قدرت فهي لا تريد، ولا أدري على رأس من يقع ذنبها؟ فإن ~~المسكينة تسقط بسرعة، ولو سقطت فليس لها من يرفعها؛ فيدوس عليها الرجال وهي تستغيث بهم وهم ~~لا ينجدونها، حتى تكتم في نفسها أنفاس الطهر وتبقى كالحيوان يأكل ويشرب وينام، وتموت من ~~قلبها عواطف الحب والشرف. ومن العجيب أن الناس يحتقرون المرأة الساقطة وهي جديرة بالشفقة ~~والحنان، وينظرون إليها بعين الإهانة وهي جديرة بالإكرام. وما أجمل كلمة فكتور هوجو التي ~~قالها: # لا تلم المرأة الساقطة في مهاوي عارها؛ إنك لا تدري تحت أي حمل سقطت من أحمال ~~الدنيا وأثقالها. # وقد اختلفت آراء الناس في ذنب المرأة الساقطة، أيقع عليها أم على الهيئة الاجتماعية؟ ~~وعندي لتلك المسألة ثلاثة أجوبة: الجواب الأول بقلم كاتب فاضل يكتب في مجلة «السيدات ~~والبنات»، والجواب الثاني بقلم شيخ الفلاسفة الكونت تولستوي الروسي، والجواب الثالث من ~~عندي. وهاك الجواب الأول: # منذ بضع سنوات كان في أحد المخازن بشارع شريف باشا فتاة أوروبية تدير شئون ~~المخزن، ولا تسلني عن نوع البضائع والسلع التي كانت في المخزن؛ لأنني إذا ذكرتها ~~وكنت إسكندريا خشيت أن تعرفه. وكنت أتردد على هذا المخزن لشراء شيء منه، فكلما ~~دخلت وجدت الفتاة كسيدة حقيقية جالسة إلى مائدة جميلة تكتب وتأمر وتنهى والمستخدمون ~~طوع أمرها، وكان الواحد منهم إذا خاطبها يخاطبها بكل احترام، ولا يكون خطابه إلا ~~قوله باللغة الفرنساوية: «تحت أمرك يا مدموازل.» «نعم يا مدموازل.» «حاضر يا ~~مدموازل.» أي إنها كانت سائدة في ذلك المخزن سيادتين: سيادة رئيس العمل وسيادة ~~الجمال؛ ذلك ms06 لأنها كانت رائعة الجمال ، وكان لها ابتسام ملائكي وجبين نقشت عليه ~~الطهارة وثغر كزر الورد عند تفتحه، فكنت إذا دخلت لأبتاع شيئا بفرنكين خرجت وقد ~~ابتعت بأربعة؛ إذ أخجل من إضاعة وقتها بشيء قليل، وكنت في مخاطبتها أحترمها وأجلها ~~كما أحترم أكبر سيدة؛ لما رأيته من أدبها ورقتها وقوتها. # وفي ذات يوم دخلت المخزن على حسب العادة لأسأل عن شيء، فلم أجدها فيه، وقد مر على ~~ذلك اليوم نحو ثلاث سنوات دون أن أراها، إلا أنني منذ أسبوعين شاهدتها في مركبة في ~~شارع شريف باشا، والمركبة تسير بها مسرعة، فأول ما وقع نظري عليها علمت سر المسألة، ~~علمت من مجرد نظري إليها أنها نزلت وا أسفاه في هاوية جهنم، فإنني فتشت في وجهها ~~على آثار الطهارة الملائكية والجمال العذري وظواهر عدم الاكتراث الصبيانية التي ~~كانت مرسومة على جبينها فلم أجد منها شيئا فيه، ولما وقع نظرها علي صدفة ~~واتفاقا صرفت عينيها عني وزاد انقباضها، فلا ريب عندي في أنها ذكرت حينئذ الرجل ~~الذي كان يعاملها باحترام عظيم في تردده على مخزنها، وأن تذكرها هذا الاحترام قد ~~آلم نفسها حينئذ، ولعل كلمة «أخجلها» في هذا المقام أصح من كلمة «آلمها» ... # فالراجح أن أحد الشبان اللئام أغوى هذه الفتاة وزين لها ترك عملها واتباعه ليعيشا ~~سعيدين، وربما قال لها ليؤثر عليها: «مالك أيتها العزيزة وهذا العمل الشاق المضجر ~~طول النهار لتكسبي مائة فرنك في الشهر، اتبعيني فأعطيك بلا تعب ولا ضجر ثلاثمائة ~~وأربعمائة، ونعيش معا بهناء وسعة.» فصدقت الفتاة الساذجة وعود الغشاش وتركت العمل ~~لتتبعه، ومن هنا بدأت آلامها ومصائبها وأهوالها، وبعد أن كانت موضع الاحترام ~~والإكرام؛ لرزانتها ونشاطها وعملها، أصبحت موضع الشفقة ممن يعرفها والاحتقار ممن لا ~~يعرفها. # فأي ذنب هنا للهيئة الاجتماعية، أليس الذنب كل الذنب للفتاة التي انخدعت وحادت عن ~~الصراط المستقيم اغترارا بأقوال شاب لئيم؟ # نعم أيتها الفتاة المسكينة إن الذنب ذنبك لا ذنب الذي غشك، فإنه متى أصاب ~~الثعلب دجاجة وأكلها يكون اللوم بالأكثر على الدجاجة التي ms07 لم تقو على الفرار من ~~الثعلب، وما كان أسهل فرارك من الثعلب، الوحش المفترس، لو بقيت متمسكة تمسك الغريق ~~بخشبة في البحر، بذلك المبدأ الشريف، مبدأ العمل المقدس المشرف، المسلي الطارد ~~الأفكار الرديئة، المقوي على احتمال الحياة والمعيشة فيها بشرف وعزة ~~واستقلال. # هذه هي قصة الابنة التي أشرت إليها فيما تقدم، إلا أنني لما وصلت إلى هذا الموضع ~~شعرت بأن الفتاة المذكورة آنفا يمكنها أن تعترض على ما أعترض به عليها اعتراضا ~~خطيرا قد يصعب الجواب عليه، وإنما يصعب هذا الجواب أولا لارتباطه بأساس (المسألة ~~الاجتماعية)، وثانيا لأنني أكتب هنا في مجلة نسائية؛ ولذلك ألقيت القلم من يدي، ~~وأنا آسف لأنني لم أكمل هذا الموضوع، على أن أسفي لعدم إكماله خير من إكماله؛ إذ ما ~~الفائدة من انزعاج أدمغة الحسان اللطيفات الظريفات بالافتراضات والفلسفات وغيرها من ~~الترهات؟ # انتهى كلام الكاتب. # ونحن نشتم من هذا الكلام أسلوب «فرح أفندي أنطون» صاحب الجامعة ونفسه، وأنت ترى أنه وصل ~~إلى غرضه، وإن كان تظاهر بعدم إكمال الموضوع، وزيادة على ذلك أنه رمى طيرين بحجر، فأوقع ذنب ~~الفتاة الساقطة على رأسها، ثم عاد باللوم على الهيئة الاجتماعية، وقال: «إن الجواب يصعب ~~لارتباطه بالمسألة الاجتماعية.» والمسألة الاجتماعية التي أشار إليها فرح أفندي أنطون هي ~~التي ذكرت في مقدمة البؤساء، وكان لها شأن عظيم لقلة ألفاظها وكثرة معانيها، وهي: # ما دامت في العالم جهنم يشعل نارها النظام والعادة، وما دامت الفاقة تجبر الرجل ~~على ذل السؤال، وما دام الجوع يلزم المرأة لبيع عرضها؛ لتأكل بثمنه، بل ما دام ~~الجهل والفقر في هذه الحياة، فكتاب مثل كتاب البؤساء لا يستغنى عنه. # أما شيخنا «تولستوي»، فقد أجاب بما يأتي، وهو الفصل الثاني من كتاب البعث الشهير، قال يصف ~~حياة الفتاة السجينة «مسلوفا كاتوشا»: # وقصة تلك السجينة كانت مثل قصص كل البغيات، فإن أمها كانت امرأة غير متزوجة تخدم ~~في إحدى الضياع، وكانت تلك المرأة تأتي في كل عام بطفل سفاحا، ولما كانت فقيرة في ~~حاجة إلى كسرة خبز ms08 وشربة ماء، كانت تهمل أمر أطفالها ثمرات الزنا، فيموتون من الجوع ~~والبرد والمرض، أما الطفلة السادسة فقد كان أبوها من أبناء السبيل، وحدث أن إحدى ~~صاحبتي الضيعة التي كانت فيها المرأة أتت إلى معمل اللبن، فرأت المرأة نائمة في ~~إصطبل الأبقار مع مولودة جديدة عليها علائم الصحة والجمال، فأخذتها عليها شفقة ~~ورحمة وشاءت أن تتبناها، فأعطت لأمها قليلا من المال لتتغذى وتقوى على إرضاع ~~الطفلة. # وحدث أنه لما بلغت البنت المتبناة الثالثة من عمرها، ماتت أمها وتركتها حملا ~~ثقيلا على امرأة عجوز كانت تمت لها بحبل القرابة، فلما علمت صاحبتا الضيعة بذلك ~~قربتا الطفلة إليهما وأدخلتاها دارهما، فعاشت بينهما ونمت وشبت وأصبحت صبية جميلة ~~سوداء العينين خفيفة الروح، وكان اسمها «كاتوشا». # وصغرى الأختين صاحبتي الضيعة، واسمها «صوفيا» التي تبنت هذه البنت «كاتوشا»، كانت ~~طيبة القلب كثيرة الشفقة والحنان، أما «ماري» وهي الأخت الكبيرة، فكانت قاسية القلب ~~غليظة الطباع، فكانت «صوفيا» تنفق على ملابس «كاتوشا» وتعلمها القراءة والكتابة؛ ~~وذلك لتكون في مستقبل الأيام سيدة حقيقية، أما «ماري» فكانت ترغب أن تكون «كاتوشا» ~~في المستقبل خادمة أمينة، وكانت تعاقبها إذا هفت، وتضربها أحيانا إذا عملت ذنبا ~~يستحق الضرب، وبهذه الحال أصبحت «كاتوشا» تحت تأثيرين مختلفين، فلذلك جاءت نصفها ~~سيدة ونصفها خادمة أمينة، وكان شغلها الخياطة والاعتناء بتنظيف الغرف والقاعات ~~وجلاء الأيقونات النحاسية، وما شابه ذلك من الأشغال البسيطة، وكانت بعض الأحيان ~~تجلس وتقرأ للسيدتين، وقد عرض عليها الزواج مرتين فلم تقبل؛ لأن الرجلين اللذين ~~خطباها كانا من العملة، وعاشت «كاتوشا» هكذا حتى بلغت ستة عشرة عاما، فأتى إلى ~~الدار ابن أخي السيدتين، وهو صبي جميل غني وطالب علم في إحدى المدارس الجامعة؛ ~~ليقضي بعض أيام مع عمتيه، فأحبته «كاتوشا» رغما عن نفسها، وبعد أربع سنين، عاد هذا ~~الأمير ليقضي مع عمتيه أربعة أيام قبل أن يلحق بالجيش المحارب الذي عين فيه ~~ضابطا، وفي اللية الأخيرة قبل سفره تمكن من «كاتوشا»، وأزال بكارتها وأعطاها ثمن ~~عرضها مائة روبل، وبعد ذلك سافر، ولما مضى ms09 على هذه الحادثة المؤلمة خمسة أشهر علمت ~~«كاتوشا» أنها حامل، فضاقت الدنيا في وجهها وكرهت كل شيء، وانحصرت أفكارها في البحث ~~عن طريقة تتخلص بها من العار والفضيحة، وانكسر قلبها، وصارت تهمل في أشغالها، ومرة ~~أهانت السيدتين بكلامها، ثم تابت واستغفرتهما وسألتهما أن تأذنا لها في الخروج ~~فطردتاها، فانطلقت «كاتوشا» طريدة دهر جائر الأحكام، وخرجت تطلب رزقا بعرق جبينها، ~~فدخلت في خدمة ضابط من ضباط البوليس، ولكنها لم تبق عنده أكثر من ثلاثة شهور؛ وذلك ~~أنه كان يبلغ الخمسين من عمره، وكان كثيرا ما يغازلها، ومرة خرج عن حده في مزحه ~~معها، فغضبت غضبا شديدا وشتمته قائلة: «أيها العفريت العجوز المجنون.» ثم لكمته ~~في صدره فوقع على الأرض، فأخرجها للحال من بيته لسوء سلوكها. # وبعد أن غادرته لم تبحث عن محل آخر للخدمة؛ لأن زمن وضعها قد حل، فقصدت منزل إحدى ~~القوابل، وكان الوضع سهلا، ولكن القابلة كانت مصابة بالحمى فنقلت العدوى منها إلى ~~«كاتوشا»، فلزمت الفراش وبعثت بالمولود الصغير إلى ملجأ اللقطاء؛ حيث مات بعد وصوله ~~بقليل، وقبل أن تذهب «كاتوشا» إلى دار القابلة كان معها مائة وسبعة وعشرون روبل، ~~مائة دفعها لها الذي أزال بكارتها وسبعة وعشرون حصلت عليها من دار الضابط، فلما ~~خرجت من دار القابلة كان كل ما معها ستة روبلات؛ لأنها المسكينة لم تكن تعرف فن ~~الاقتصاد السياسي، فكانت تنفق على نفسها كما تشتهي وتعطي كل من يسألها، فأخذت منها ~~القابلة أربعين روبل جزاء الولادة والنفاس، وأخذت المرأة التي نقلت المولود من دار ~~القابلة إلى ملجأ اللقطاء خمسة وعشرين روبلا، واقترضت المولدة أربعين روبلا ~~لتشتري بها بقرة، وأنفقت «كاتوشا» عشرين روبلا في شراء بعض الملابس واللوازم، ولما ~~فقدت «كاتوشا» كل شيء عمدت إلى الخدمة ثانية، ودخلت دار رجل غني فأحبها لأول وهلة، ~~وبدأ يداعبها ويغازلها، وما زال بها حتى تمكن منها، فعلمت بذلك زوجته وكبسته هو ~~و«كاتوشا» في سرير واحد، فضربت «كاتوشا» ضربا مبرحا، فدافعت «كاتوشا» عن نفسها ثم ~~طردت بدون أن تأخذ أجرتها، ولما ms10 ضاقت الدنيا في وجهها مرة ثانية، ذهبت لتعيش مع ~~خالة لها؛ لأنها كانت تعرف أن زوج خالتها قادر على وقته، ولكن للأسف كان هذا الزوج ~~قد اعتاد شرب الخمر فافتقر؛ ففتحت زوجته مغسلا تغسل فيه ملابس الناس لتعيش هي ~~وأولادها وزوجها البائس، فلما نزلت «كاتوشا» بخالتها شاءت الخالة أن تعطيها وظيفة ~~«غسالة»، ولكن «كاتوشا» خافت من التعب وبدأت تبحث عن مكان تخدم فيه، فوجدت مكانا ~~خاليا في دار سيدة لها ابنان، وكان أكبرهما بالغا، فلما رأى «كاتوشا» ترك كل ~~دروسه وانتبه لها، وكان يطاردها من مكان إلى مكان ولا يتركها تستريح لحظة، فعادت ~~أمه باللوم على «كاتوشا» وطردتها. # فعادت «كاتوشا» ثانية إلى «حانوت المخدم»، فرأت هناك امرأة سمينة مكشوفة الذراعين ~~وفي يديها أساور من ذهب وفي أصابعها خواتم كثيرة، فلما علمت هذه المرأة أن «كاتوشا» ~~في احتياج إلى الخدمة أعطتها عنوانها ودعتها إلى منزلها، فذهبت «كاتوشا»، فرحبت بها ~~المرأة وقدمت لها فطيرا ونبيذا، ثم كتبت خطابا وأعطته للخادم ليبلغه لأحد الناس، ~~وفي المساء أتى إلى الدار رجل طويل أبيض الشعر له لحية طويلة، ودخل غرفة الجلوس، ~~وجلس بجانب «كاتوشا»، وأخذ ينظر إليها برقة وانعطاف، وبدأ يمزح معها ويداعبها، ~~فدعته صاحبة البيت إلى غرفة مجاورة، وسمعتها «كاتوشا» تقول له: «بنت جديدة من ~~الأرياف.» ثم دعت «كاتوشا»، وقالت لها: «إن هذا الرجل مؤلف، وهو غني، ولو أحبك لا ~~يبخل عليك بشيء؛ فاجتهدي في إرضائه.» # وقد أحب المؤلف «كاتوشا» وأعطاها خمسة وعشرين روبلا، ووعدها بأن يقابلها كلما ~~سنحت له الفرص، فدفعت «كاتوشا» بعض هذه النقود إلى خالتها أجرة سكنها، واشترت ~~بالبعض الآخر قبعة. # وبعد ذلك بأيام قلائل بعث إليها المؤلف، فذهبت له؛ فأعطاها خمسة عشرين روبلا ~~أخرى، وأسكنها في منزل خاص بها، وكان بجوار المنزل الذي استأجره المؤلف ل «كاتوشا» ~~حانوت تاجر، وكان هذا التاجر جميلا، فوقعت «كاتوشا» في حبائل غرامه، وباحت للمؤلف ~~بسرها فأطلقها، واستأجرت لنفسها منزلا منفردا، كان التاجر يتردد عليها ~~فيه. # وبعد أن قضى التاجر من «كاتوشا» حاجته وعدها بالزواج، ms11 ثم سافر بدون أن يخبرها، ~~وتركها وحيدة، فأرادت أن تبقى في المنزل، فأنذرها البوليس وأعلمها بأنه يجب عليها ~~أن تسحب «رخصة»، وأن تكون مستعدة للكشف الطبي في أيام معلومة، فعادت إلى خالتها، ~~فلما رأتها خالتها ورأت ملابسها وقبعتها خافت أن تعرض عليها صناعة الغسل، وكذلك ~~«كاتوشا» لم يخطر ببالها أن تصير غسالة؛ لأنها كانت تنظر بحزن شديد إلى الغسالات ~~المسكينات اللاتي أصابهن مرض السل من صناعتهن الشاقة التي تعرضهن للبرد والحر ~~والتعب. # وفي تلك الأثناء لم يبعث الله ببطل كأبطال الروايات الخيالية؛ لينجد «كاتوشا» من ~~فقرها وعارها، ووقعت المسكينة في يد امرأة لها بيت عمومي، وكانت «كاتوشا» قد اعتادت ~~التدخين وشرب الخمر، ولم تكن تحب الخمرة لطعمها، إنما كانت تنسيها همومها وأحزانها، ~~لأنها في حال الصحو كانت تحس بالعار والحزن. # وقد خيرتها صاحبة البيت العمومي بين أمرين، وهما: إما أن تبقى فقيرة تخدم في بيوت ~~الناس، وتطرد من بيت إلى آخر، أو تعيش في بيت عمومي مصرح بفتحه من الحكومة، فيصير ~~لها مركز ثابت وتكسب كثيرا بدون تعب، فاختارت «كاتوشا» البيت العمومي بما فيه من ~~الراحة والنعيم، وخطر ببالها أنها بوجودها فيه يمكنها الانتقام من الذي أزال ~~بكارتها، ومن التاجر الذي أحبته وأخلف وعده معها، ومما زاد في رغبتها في المعيشة في ~~البيت العمومي هو أن صاحبته قالت لها إنه يمكنها أن تلبس الحرير والمخمل، ويمكنها ~~أن تأمر الخياطة بتجهيز كل الملابس كيفما شاءت، فمن الثوب ذي الذيل الطويل إلى ~~الثوب الذي يظهر الأكتاف والصدر، فقالت «كاتوشا» في عقلها: ما أجملني إذا لبست ~~ثوبا من الحرير الأصفر المحلى بالقطيفة السوداء! ثم سلمت نفسها إلى صاحبة البيت ~~العمومي. وفي هذا اليوم نفسه دخلت ذلك البيت الذي صاحبته «كارولين البرتوفنا ~~كتيافا»، ومن ساعة لمست قدم «كاتوشا» عتبة هذا البيت، ابتدأت تعيش عيشة فظيعة ضد ~~الشرائع والآداب الإنسانية، تلك حياة البغيات التي يعيشها مئات الألوف من النساء، ~~وتصرح بها الحكومات، حياة أقل ما فيها أنها تقصف غصن شباب المسكينات اللاتي يقعن في ~~حبائلها، ms12 وتنتهي بالعلل والأمراض والموت المعيب، فإن إحدى هؤلاء المسكينات تتيقظ من ~~نومها في الساعة الرابعة بعد الظهر، فتهب من فراش قذر فيأتي إليها بالقهوة، وهي ~~تائهة فاقدة الرشد، ولا تزال في ملابس نومها، فتمشي من مكان إلى مكان في غرفتها أو ~~تطل من النافذة بكسل شديد حتى يخيم الظلام، فتبتدئ المشاجرات بينها وبين شريكاتها ~~في الشقاء، ثم تغسل وجهها، وتعطر جسمها، وتصلح شعرها، وتقيس الملابس الجديدة، وتنظر ~~إلى نفسها في المرآة، ثم تنقش وجهها بالصبغات البيضاء والحمراء، ثم تأكل ثم تلبس ~~الحرير والمخمل، وتنزل إلى غرفة الاستقبال الكبيرة، فيأتي الضيوف وتبتدئ الموسيقى ~~والرقص والسكر والتدخين، ويبتدئ الصراخ والضحك والمشاجرات والتدخين والسكر ~~والموسيقى والصراخ والضحك، ثم الاختلاط برجال مختلفين حتى الصباح، فتنام الواحدة ~~نوما ثقيلا، فتتيقظ الساعة الرابعة بعد الظهر، وهكذا في كل يوم حتى ينتهي ~~الأسبوع، فيذهب كل النسوة إلى مركز البوليس؛ حيث يكشف عليهن أطباء معينون من ~~الحكومة ويصرحون لهن بالمداومة على هذه الحال باسم الحكومة وإذنها، وهكذا في كل ~~أسبوع وكل شهر وكل صيف وشتاء وخريف وربيع وكل سنة. # وهكذا عاشت «مسلوفا كاتوشا» سبع سنين، وقد انتقلت من البيت الأول إلى بيوت غيره، ~~وحجزت في المستشفى مرة. # وفي السنة السابعة من تلك الحياة السوداء؛ أي لما بلغت «كاتوشا» ثمانية وعشرين ~~سنة، حدثت في البيت الذي كانت فيه جريمة هائلة، فاتهمت مع المتهمين وسجنت ثلاثة ~~شهور مع اللصوص والقتلة والمجرمين قبل المحاكمة التي تنتهي بنفيها إلى ~~سيبريا. # انتهى الفصل الثاني من كتاب البعث، تأليف تولستوي. # ويرى القارئ أن تولستوي أيضا قسم الذنب إلى قسمين: قسم يسقط على رأس «كاتوشا»؛ لأنها ~~رفضت العمل كغسالة وخافت من الخدمة، ولأنها اختارت حياة الراحة والنعيم على حياة التعب ~~الشريف، والقسم الثاني - وهو أكبر القسمين - على الهيئة الاجتماعية التي أساءت إليها؛ لأنه ~~لو لم يزل الأمير بكارتها ما تركت السيدتين، ولو لم يداعبها الضابط ما تركت داره، ولو لم ~~يطاردها التلميذ الكبير الذي خدمت في بيت أمه ما خرجت مجروحة الفؤاد، إذن الذنب واقع ms13 على ~~الناس أكثر من وقوعه على «كاتوشا» المسكينة الحزينة السجينة. # أما الجواب الذي من عندي، فهو بسيط صغير، وهو أن الذنب كله واقع على رأس الرجل أولا وعلى ~~الهيئة الاجتماعية ثانيا؛ لأن الرجل هو الذي يهجر زوجته، وهو الذي يغري الفتاة فتصير ~~امرأة، وهو الذي يغازل الحرة ويطارحها الغرام، وهو الذي يترك زوجته حاملا وابنه في أحشائها ~~ولا يسأل عنها، فيجبرها الفقر على بيع العرض، وهو الذي يعلمها التدخين وشرب الخمر، وهو الذي ~~وضع القوانين وسن الشرائع، فلم ينصف المرأة وظلمها ... الرجل هو الذي يقع على رأسه ذنب ~~المرأة، ولا تكفير لسيئاته نحو تلك المخلوقة الضعيفة إلا تهذيبها وتعليمها ومنع نفسه عنها ~~منعا باتا إلا بطريقة شرعية، أليس لنا بالحيوان الأعجم أسوة، وكل ذكر منه مكتف ~~بأنثاه؟ # إني أعتقد بأن المرأة تصلح لأن تكون ملكا طاهرا أو ملكة عادلة أو أما شفيقة أو زوجة ~~فاضلة ومدبرة عاقلة، أو بغيا ساقطة أو مجرمة قاتلة، وكل ذلك في يد الرجل، فليجعلها كما ~~يشاء، والذنب ساقط على الهيئة الاجتماعية ثانيا؛ لأنها ترى كل تلك الأمور ولا تمد يدها ~~للمرأة، وتساويها بالرجل في كل شيء، فإنه عار على عصر العلم والمدنية والحرية والفلسفة أن ~~تبقى فيه المرأة تزني لتأكل. # ولو بعث المسيح الآن حيا، وسئل عن رأيه في سقوط المرأة لأعاد الكلمة التي قالها منذ ~~تسعة عشر قرنا، وهي: «من كان منكم طاهر الذيل فليرمها بحجر.» وقد يقول بعض الجاهلين بأن ~~الكتابة في هذا الموضوع في مصر لم يأن أوانها، أو هي من قبيل وضع الشيء في غير محله، وقد ~~فرضنا هذا القول من قبل وهزأنا به؛ لأنا نكتب للعقلاء، فإن لم يرض العقلاء بما نكتب فإنما ~~نحن نكتب لنطرح عن قلبنا حملا ثقيلا ولنؤدي للإنسانية خدمة صغيرة، ونحن نتمثل بكلمة «جول ~~سيمون» التي قالها في أول كتابه «المرأة في القرن العشرين»: «ولا أطمع بأن أبدي رأيا ~~جديدا، ولكن إذا لم يكن لكلامي تأثير إلا في تعزيز بعض المبادئ التي أهملت، فإنني أعتبر ~~عملي ms14 جديرا بالتعب.» ونحن إذا لم نبد رأيا جديدا، إنما نؤيد آراء أكابر الكتاب الذين ~~كتبوا في «ذلك الموضوع»؛ مثل فيكتور هوجو وألفرد موسيه وروبرت هيتشنز وشيخنا تولستوي، ول ~~«طانيوس عبده» رأي في ذلك الموضوع نجعل به ختام المقدمة مسكا: # المومس والشمس # غادة لو تجملت بجمال الن # نفس كانت آلهة الجلاس # طلعت مطلع الغزالة تختا # ل ازدهاء بقدها المياس # بين قوم دروا «قياس ابن سينا» # فاستجازوا عريض ذاك القياس # طلعت بينهم وقالت الأشا # عر فيكم مطيب الأنفاس # عربيا يشبه الوجه بالش # شمس وتلك القدود بالأغراس # فانبرى بينهم فتى عرفوه # قبلها أنه من الأكياس # تصدى لها وقال وقد تا # ه من السكر بين ورد وآس # أنت كالشمس غير أنك مثل الش # شمس في كونها لكل الناس # حديقة الحلمية 14يونيو سنة 1905 # | الفصل الأول # كنت بالأمس على وعد من صديق لي، فلما بلغت داره دخلت، فوجدته جالسا والحزن باد على ~~وجهه، ولما حييته وجلسنا نتحادث، سألته عن سبب حزنه، فقال: جلست اليوم أنظر في صور أصحابي ~~الذين عرفتهم، فبصرت بتلك الصورة، فحركت أشجاني، قلت: وأي صورة تقصد؟ قال: هذه التي تراها ~~بين يدي، فنظرت إلى ما بين يديه، فرأيت صورة، فتناولتها، فقال: بالله عليك لا تمكني من ~~النظر إليها، فإني لا أستطيع ذلك، فنظرت في الصورة، فوجدتها صورة شاب يبلغ العشرين من عمره، ~~قلت: عجيب لك أن تحرك في نفسك تلك الصورة الحزن والأسى، قال: أتعرف صورة من هي؟ قلت: لا، ~~قال: هي صورة مختار، قلت: ومن هو مختار؟ قال: بالله عليك لا تدع الحديث يجرنا إلى ذكره، ~~فإني ليحزنني أن أعيد سيرته بعد أن صعدت نفسه إلى السماء وثوى جسمه بين الجسوم في ~~الأجداث. # قلت: لعل إعادة الحديث تخفف ما بك من الهم، وتذهب بما أصابك من الحزن، فتنهد، ثم أخذ ~~الصورة من يدي، ونظر إليها نظرة الآسف الحزين، وقال يخاطبها: «أستميحك عفوا أيتها النفس ~~إن كنت في جنات النعيم، أو في نار الجحيم، وأنت أيها الجسم الذي تغلبت على تلك النفس، ms15 فهويت ~~بها إلى وادي الهموم تبا لك وتعسا!» ثم صمت صديقي قليلا، فقلت له: إني لم أفهم كلامك، ~~فهل لك أن تقص علي قصة صاحب هذه الصورة، فقال: لك ذلك، فاسمع: كنت مدعوا منذ سنتين في ~~المهرجان الفخيم الذي أقامه موسى باشا لزواج ابنته، وكنا في فصل الشتاء، وقد اجتمع في ذلك ~~المهرجان كل أغنياء القاهرة وسراتها وأكابرها، ولم يدخر موسى باشا وسعا في إكرام المدعوين، ~~وأنفق في هذا المهرجان نفقة هائلة، وقد بلغني أن نفقات «البوفيه» بما فيه من المآكل الشهية ~~والخمور المعتقة زادت على ألف جنيه. # وفي نحو الساعة الثانية بعد نصف الليل، جلست مع بعض أصحابي في قاعة الشراب، وكان المغني ~~يغني بألحان شجية، وكان بين الجالسين معي شاب يناهز العشرين من عمره، أسمر اللون، نحيف ~~القوام، اسمه مختار، ولما شربنا وصعد بخار الخمر إلى رءوسنا، بدأنا نتكلم عن النساء ~~والقمار، وحكى كل منا ما عنده من قصص الغرام وأخبار المقامرين ونوادر السكارى حتى جاء ~~الدور في الكلام على مختار، فحدثنا قائلا: إن أمري في القمار عجيب، فقد دخلت مرة قاعة لعب ~~«البكارات» ومعي خمسة جنيهات، فلعبت وربحت، وبقيت ألعب وأكسب حتى حصلت على ثلاثمائة جنيه في ~~أقل من ساعتين، وكنت في ذلك الحين أحب فتاة حبا كاد يصل بي إلى الجنون، فكنت أنفق على ~~ملذاتها وملذاتي أكثر من عشرين جنيها في كل يوم ما بين تره وولائم وخمر وملابس وحلي و... ~~فتحرك أحد الجالسين، وقال: وأي فتاة تلك التي حملتك كل هذه النفقات، أو كانت تحبك كما كنت ~~تحبها؟ فقال مختار: أنا لا يهمني إن كانت تحبني أو لا تحبني، إنما أنا أحبها، وماذا علي ~~إذا أحببت والمحبوب يكره؟ # فتحرك شاب آخر، وقال: «أنت مخطئ يا مختار؛ لأن كره النساء لمن ينفق عليهن وحبهن لسوائه قد ~~أمسى أمرا محققا، ولقد أحببت أنا امرأة حبا جما، وكنت أنفق عليها كل ما أكسبه، وكانت ~~تظهر لي حبا أعظم من حبي، وتحلف لي بأوثق الأيمان أني مليك فؤادها ومالك ms16 قيادها، وحدث في ~~إحدى الليالي أننا شربنا حتى سكرت المرأة، وباتت لا تدري ماذا تقول وتصنع، فلما نمت إلى ~~جانبها، وبدأت أداعبها وأشكو لها غرامي، رأيت دمعتين كاللؤلؤ الرطب قد انحدرتا على خدها ~~الناعم، فظننتها تبكي من نار حبها لي، فطفر قلبي سرورا ولم يلبث خفقان قلبي من الفرح ~~طويلا حتى بدأ يخفق من الغيظ والغيرة؛ لأنني رأيت حبيبتي بعدت عني، فتناومت لأرى ما تصنعه، ~~فإذا بها قامت وانسابت انسياب الأفعى، وفتحت الباب بكل سكون واحتراس، وخرجت تمشي على أطراف ~~أصابعها، فعلمت أن في الأمر سرا، وعقدت نيتي على اقتفاء أثرها، ولكنني صبرت قليلا، ثم ~~قمت وخرجت أبحث عنها، ولما صرت في «الصالون»، سمعت همسا، فأشعلت عودا من الكبريت فجأة، ~~وإذا بي أرى المرأة التي تحبني مع الخادم، ويدها حول عنقه وهي تقبله وتضمه وتبكي ...» # وعند ذلك ضحكنا كلنا ضحكا عاليا. # وما زلنا كذلك في شراب وضحك وكلام حتى أشرقت الشمس، فسكت المغني وانفرط عقد المجلس وانصرف ~~كل إلى غرضه. # | الفصل الثاني # ثم تنهد صديقي وأتبع الحديث بالحديث، قال: ولقد أحببت مختارا بعد أن تعرفت به، ووقعت ~~بيننا الألفة وصرت صديقه الحميم، فلما كان مساء يوم من الأيام لقيت صاحبا له وسألته عنه، ~~فقال إنه في معلب القمار، وكنا نحو الساعة الأولى بعد نصف الليل، فلم تكن لحظة حتى صعدت إلى ~~ملعب القمار، وهو تلك القاعة الرحيبة التي ببابها النحس والسعود، وقبل أن أدخلها وقفت ~~بالطرقة هنيهة، وكانت مملوءة بدخان الطباق، وبعد قليل دخلت، وكان اللاعبون كلهم منكبون ~~انكباب الجائع على طعام لذيذ، ومن نال منهم كرسيا كان وراءه ثلاثة أو أربعة من الرجال، ~~وكأنهم قد عقدوا آمالهم بآماله يربحون إذا ربح ويخسرون إذا خسر، والكل حول منضدة كبيرة ~~مفروشة بقماش أخضر، وفي صدر المنضدة رجل ضخم الجسم، كبير الرأس، أحمر الوجه، شعره أسود، وهو ~~مرتكن بيديه على المنضدة كمن عقد النية على الحرب والقتال، ونوى أن لا يعود إلا رابحا ~~ربحا طائلا أو خاسرا خسرانا ليس بعده خسران، وأمامه ms17 أوراق اللعب والمال الذي ~~كسبه . # فحشرت نفسي بين الجمع، ورقبت الرجل الكبير، ثم نظرت، فإذا بالجالسين والواقفين قد وضع كل ~~منهم أمامه ما عرضه من مال للخطر، وصمت الكل، فتناول الرجل الكبير ورقة وأعطاها لرجل عن ~~يمينه، وأخرى وأعطاها لمن على يساره، ثم اتخذ ورقة لنفسه، ثم نظر في ورقته، فإذا بها رابحة، ~~فحشد المال الذي كان موضوعا أمام اللاعبين، فلم تكن لحظة حتى ضاعت آمال المؤملين، ورب رجل ~~جمع بين اللاعبين كان قد لعب بكل ما يملكه، وأمسى بعد تلك المرة لا يملك ما يسد رمقه أو رمق ~~عيلته، ورب فتى نهب مال أمه الأرملة وأخواته اليتامى ولعب به، وهو سيعود إليهن ملوما ~~محسورا. # وكنت أرقب وجوه اللاعبين، فكنت أرى بعضهم لا يتغير ولا يتأثر، ورأيت رجلا يونانيا وضع ~~أمامه ورقة مالية بمائة جنيه، فدارت عليها الدائرة، وخسرها، وأخرج غيرها وهو يبتسم؛ كأنه ~~لم يفقد زينة الحياة الدنيا، ولحظت اللاعب الكبير - ويسمونه «البنكير» - يخسر مرة، فإذا ~~بأنفه الكبير قد تغير وانقلب من الاحمرار إلى الاصفرار، وهذا كل ما كنت ألمحه من التغيير في ~~وجهه. # وإنا لكذلك، وإذا برجل قد وضع يده على كتفي، فالتفت فرأيته يناهز الأربعين من عمره، مقطب ~~الجبين، مملوء الوجه بالغضون، وشعره أشيب وثيابه رثة وهو كئيب حزين، فنظرت إليه نظر السائل ~~عن أمره، فمد يده إلي وفيها أربعة قروش، وقال ألا تعمل معي معروفا وتقرض الله قرضا حسنا ~~وتعطيني ربع ريال؟ ... فلم أستطع أن أرده ولم أستطع أن أنصحه، وأعطيته ما طلب، ولم آخذ ~~الأربعة قروش من يده، فشكرني ثم انصرف عني، ولمحته وهو يلعب، ورأيته خسر تلك القطعة، ولكنه ~~لم يستطع أن ينظر إلي، وخرج من بين الجماعة، فاقتفيت أثره بنظري حتى غاب عن عيني، فتنهدت ~~لحاله. # أما هواء الغرفة، فقد فسد كثيرا؛ لأنه مضى على المجتمعين فيها نحو الأربع ساعات، وهم لا ~~يتحركون منها، وفيهم العليل والمريض، وكان الفصل شتاء، فلم يستطع أحد أن يفتح نافذة، وكان ~~الطباق يخرج دخانه المسموم، فيعقد فوق ms18 رءوس الكل هالات من الغيوم القتالة، وما كنت ترى ~~إلا خاسرا يأوي إلى قاعة الاستراحة حتى يهدأ روعه أو رابحا يبدل الماركات، أو خادما يأتي ~~بالقهوة وغيرها من المرطبات للاعبين، ومن الغريب أنه في مثل هذا المكان يسود السكوت ~~التام، ولا ينبس أحد ببنت شفة خشية أن يقلق راحة الباقين، ومن يعرف من اللاعبين أنه خسر ~~يتحمل خسارته بشجاعة وصبر، ويتقهقر بانتظام، ومن هؤلاء اللاعبين رجال يربحون المائة ~~والمائتين من الذهب، وهم لا يلبسون قميصا نظيفا أو سترة ثقيلة يتقون بها شر البرد، فما ~~الفائدة في جمع كل هذا المال؟! وقد خطر ببالي وأنا أرى ذلك أن أغلبهم يلعبون لمجرد اللذة ~~ويجمعون المال كما يجمع تاجر الفراخ الدجاجات لا ليأكلها بل ليأكلها غيره، وكذلك المقامر لا ~~يلبث أن يفرح بربحه حتى يلحقه الطمع فيخسر الدينار! # الدينار! هذا هو المعبود الذي تخر له الناس سجدا، أليس هو ذلك المعدن الأصفر الحقير الذي ~~نال قوته بندرته؟! # وفي هذا الحين بصرت بمختار وأمامه قليل من الذهب، وكثير من قطع العظم المستديرة ~~«الماركات»، وهي تختلف في القيمة كما تختلف النقود، فحولت نظري نحوه، وعولت على أن لا يشعر ~~بوجودي لأراه وهو يلعب بماله والحظ يلعب به، فرأيته وضع جنيها فربح مثله، ثم غلبه الطمع، ~~فوضع ثلاثة جنيهات، فربح مثلها، ثم وضع جنيها فخسره، وقطعتين من العظم فخسرهما، وكان وقت ~~انقضاء اللعب قد حان، فقام الكل وفيهم من كسب ومن خسر، فدنوت من مختار وحييته، ومن العجيب ~~أنه لم ينتبه لكلامي وكأنه في بحر من التفكير، فلما تنبه لي قام وغادرنا الملعب، فقال: إلى ~~أين؟ قلت: إلى حيث تريد، قال: إلى حبيبتي منيرة، فإني على ميعاد منها الليلة، وقد أسعدني ~~حظها، فربحت أربعة جنيهات، قلت: أما تبت يا مختار عنها؟ قال: دعني من هذا، فإني لا أدري ~~لماذا أحبها، شيء في عينيها وفي وجهها يجذبني إليها، كما يجذب المغنطيس الحديد، صوتها ~~الرقيق وحركاتها الرشيقة وتيهها ودلالها، كل ذلك يحببها إلي، ألست تعلم أن عاطفة الحب ms19 إذا ~~حلت قلبا قتلت كل ما حولها من العواطف حتى عاطفة الحياء والشرف؟! أنا أعلم أنني مخطئ في كل ~~ما أصنع، ولكن أحبها! أحبها! إن قلبي مجنون بغرامها، ولست أحس بهذا الحب إلا إذا أقبل ~~الليل، فإنه يحرك شجوني ولا يهدأ لي بال إلا إذا كانت الفتاة إلى جانبي، ولا بأس إذا أتيت ~~لتراها الليلة. # | الفصل الثالث # قال محدثي: فسحرني كلام مختار وسرت معه، وكانت الساعة الثانية بعد نصف الليل، فمررنا ~~بالأزبكية وأمكنتها التي كانت منذ ساعات مملوءة بالرجال والنساء، وصارت الآن خالية خاوية، ~~وكنا في أوائل الشتاء، ولما أحس الناس بالبرد انصرفوا إلا قليلا ممن لا مأوى لهم، فمن ولد ~~صغير لا يزال يتحكك بالحوائط، كأنه يسألها أن تأويه، وفي يده ورق «اليانصيب» يصرخ به ~~قائلا: «حلوان والمدرسة مائة ألف فرنك يانصيب.» فيردد الليل صدى صوته، ومن مقعد يزحف على ~~الأرض بيديه ورجليه، وهو ينتظر من أبناء السبيل درهما يأكل به أو يستر به جسمه، ومن امرأة ~~طريدة دهر جائر الأحكام، ومن رجل فقير سكير حتى نسي نفسه وأهله، ثم أحس بالبرد القارس فأخذ ~~يسعى إلى داره. # فلما رأيت ذلك احتقرت نفسي واستصغرت رفيقي، وقلت: يا مختار ماذا يأتي بنا إلى هنا في مثل ~~هذه الساعة، ووراءنا أهل ينتظرون عودتنا؟ قال: أما أنا فذاهب إلى حبيبتي، قلت: أما أنا فإن ~~نفسي في ألم شديد، قال: لماذا؟ قلت: لأنني في حاجة إلى فتاة طاهرة تقف إلى جانبي، فترشدني ~~بجمالها ونفسها الطاهرة في ديجور هذه الحياة، قال: أتريد إذن أن تتزوج؟ قلت: نعم، فإن عائلة ~~الرجل وزوجته وأولاده موئل لقلبه من هموم هذا العالم وأحزانه؛ لأن الرجل يرى في امرأته شريك ~~حياته وصديقه في مشتكى حزنه وأنيسه في منتهى جذله، ويرى فيها الصاحب الصادق الذي لا يمل ولا ~~يغضب ولا يضجر ولا يتعب ولا يلوم ولا يعتب. # قال مختار: ولكن لا أظن أن المرأة تحفظ ود الرجل حفظا يأمن معه صيانة شرفه، وقد يحملها ~~غيها على أن تبذل عرضها لأجل أن ms20 تطفي نار شهوتها. قلت: إن الرجل إذا عاش مع زوجته عيشة ~~راضية وأظهر لها الحب والوداد ورفع من بينه وبينها أسباب الشقاق، وساسها كما يسوس الفارس ~~الفرس، وكان صاحب النفوذ على نفسها، المالك لأمرها، ليس مع الشدة التي تمل، أو اللين الذي ~~يسهل التغلب على صاحبه، فإنه لا يجد له أسعد من بيته أو أحب إليه من زوجته، ذلك إذا كان ~~الزوج قادرا على العمل يجد رزقا أنى ذهب، أما إذا كان لا يزال شابا لا يدري ماذا يصنع ~~به المستقبل، ولا يعلم لنفسه غرضا تسعى إليه، ولا يأمن الدهر وما يجلبه عليه من المصائب ~~والحاجة، فلا يليق به أن يظلم نفسه ويجني على زوجته وعلى أطفال ربما رزق بهم، بل يجب عليه ~~أن يعيش فردا يقدر على ضيم الزمان إذا أساء إليه. قال مختار: ما لنا ولهذه الفلسفة الآن، ~~وها نحن قد قربنا من الدار؟! # وكل خبير بجحيم الأزبكية يعرف الزقاق الضيق المنحدر الذي يصعد إليه الناس كأنه جبل ~~الذنوب، وهذا الزقاق مأوى البائسات اللاتي اضطرتهن الفاقة والجوع والجهل والظلم إلى بيع ~~العرض، فبعنه بثمن بخس، وقد يمر نصف الليل ونصف نصفه الثاني، وهن جالسات على الأبواب ينتظرن ~~رزقا، ويغنين كما يغني العمال في المعامل لتسهيل شقة العمل على أجسامهم، وكأني بهؤلاء ~~المسكينات قد أحسسن بثقل عملهن على نفوسهن، فأخذن يسهلنه بالغناء. # على أن هذا الزقاق هو عالم في ذاته؛ لأن فيه من دروس الحياة وهمومها وأحزانها ما ليس في ~~مدينة كبيرة، ومن الغريب أن الزقاق جمع كل أصناف الإنسانية، ففيه المصريات والتركيات ~~والروميات والنمساويات، فهو معرض شقاء، بل هو الخشبة الموضوعة في عين القاهرة والقاهرة لا ~~تراها، اجتمع هؤلاء النسوة من أطراف المعمورة وقصدن باب الفجور ودار المعاصي، فاستقبلتهن ~~تلك المدينة الفاسقة بصدر رحيب، فانزوين في أركانها كما تنزوي الأفاعي والحيات في أركان ~~الجدار القديم وتلدغ من يأوى إليه، كم من الأسرار يحفظها ذلك الزقاق! وكم جريمة تقترف فيه! ~~وكم مصيبة نزلت منه على الشبيبة الناشئة! وكم نفس ms21 تئن بين جدرانه فتكتم أنفاسها حوائطه! وكم ~~نفس ضائعة تائهة ضالة أوت إلى ذلك الزقاق، فآواها وزادها ضلالا على ضلال؟! إن هذا الزقاق ~~شائبة من شوائب الحرية. # مسكينات هؤلاء النسوة، فما أحوجهن إلى الإشفاق والرحمة، مسكينات هؤلاء النسوة والمجتمع ~~الإنساني في غفلة عنهن ولا يحسبهن من البشر، وكل ما جنينه أنهن ضاقت بهن الحال من زوج يسيء ~~ولا يحسن، ودهر خان فأودى بما كان لدى الواحدة من المال، فلم تجد من يعولها، وطرقت أبواب ~~الارتزاق فسدت في وجهها فعمدت إلى صناعة فيها راحة وثروة، وهي جاهلة لا تدري للشرف معنى، ~~ولا تعلم بأنها تفرط في أثمن شيء لديها. # ومررنا في طريقنا على إحدى هؤلاء النساء، ورأيت جسمها قد أكله المرض، وبلغ منها الهم ~~مبلغا شديدا، وهي لابسة رداء من الحرير كأنه الكفن للأموات وعيناها تنظران إلى الأرض ~~نظرة من خسرت تجارته وهما غائرتان، وأنفها بارز ولونها أصفر رغم كل تلك الصبغات البيضاء ~~والحمراء والسوداء التي صبغت بها وجهها، ورأيت رجلا من السوقة قد مر بجانبها، فشدته إليها ~~وجذبته بملابسه، فنفر منها، فسألته أن يعطيها سيجارة، فأبى عليها وردها فتركته آسفة، أما هو ~~فلما رأى من هي أقرب منها إلى الجمال وقف بجانبها وبقي يداعبها وتداعبه على مرأى ومسمع من ~~تلك المسكينة. # وعند ذلك بلغ بي الهياج درجة شديدة، فقلت لمختار: أسمعت برجل صناعته الأكل والشرب، فهو لا ~~يتناول عملا غيرها؟ قال: كلا ما هذه الأسئلة الغريبة؟! قلت: لماذا إذن أنت تسمع بامرأة ~~صناعتها الزنا ليل نهار لا ترفض من يقصدها في عرضها حسنا كان أو قبيحا، صبيا كان أم ~~كهلا، قذرا كان أم نظيفا، عليلا كان أم صحيحا، ما دام يملك من المال ما تسد به رمقها ~~وتستر به عورتها، امرأة تزني لتأكل ولا تأكل إلا إذا زنت؟ ألا يحق للمدنية أن تخجل ويصبغ ~~الحياء وجهها ألف مرة كلما صبغت تلك البائسة وجهها مرة لتحلو في عين من يراها من ~~الرجال؟! # كم من أم تقود ابنتها بيمينها إلى جحيم الفجور ms22 لتسد رمقها! وكم من أب تقتل ابنته شرفه على ~~مرأى منه ولا يمنعها؛ لأن الفقر يقتله! كم من زوج يسلم زوجته بيده لأجل أن يشبع بطنه ويستر ~~جسمه ...؟! # أشفقي أيتها الإنسانية الناعمة البال على تلك الإنسانية المعذبة، أشفقي أيتها الإنسانية ~~على ذلك البدن النحيل وتلك النفس الضائعة وذلك القلب الضعيف من نار الخمر وآلام الأمراض ~~وأتعاب السهر وسم الزنا! # أمطري أيتها السماء نارا على من ينام هادئا وفي المدينة التي يعيش بها امرأة لا تجد ~~كسرة من الخبز أو ثوبا من القماش حتى يجد منها الرجل الدنيء لذة! # | الفصل الرابع # قال محدثي: وأنا أفكر في تلك الأمور، وإذا بمختار يقول: ها هو البيت، فرأيت بابا صغيرا ~~فدخلناه، ووجدت نفسي في طرقة ضيقة فيها مصباح يتنفس، وكان مختار خبيرا بالسلم، فصعد وتبعته ~~حتى بلغنا بابا في الدور الأعلى، فنقره نقرة، ففتحت الباب صبية في نحو العشرين، سمراء ~~سوداء العينين والشعر، منبسطة الجبين، وهي كالسكارى في مشيتها ونظرتها، ولما رأت مختارا ~~قالت له: «أهلا يا ابن الكلب.» وطوقته بذراعيها، ثم أدخلتنا إلى بهو كبير قذر، فيه بعض ~~المقاعد التي يفضل الإنسان أن يقف ساعات ولا يجلس عليها، ولكني لما رأيت مختارا جلس على ~~أحدها جلست بجانبه، وكان على أحد المقاعد طفل صغير - وأظنه غلاما - مستلق على ظهره، وهو ~~نائم نوما لطيفا هادئا ولا أدري بماذا كان يحلم في هذه الساعة وهو في تلك الجحيم، أما هو ~~فكان كثير الشبه بالفتاة، وقد عرفت فيما بعد أنه أخوها، ولما جلسنا هنيهة بدأت الفتاة ~~تضحك وتمزح، وكذلك أخذ مختار في الكلام والقهقهة، ففتح الغلام عينيه، وقام مذعورا وقد ~~أدهشته رؤية الوجوه الغريبة، وكان على مقربة منه امرأة عجوز أظنها أم الفتاة والولد، وهي ما ~~بين الخمسين والستين وفوقها شال من الصوف، وبين أصابعها لفيفة من طباق، فلما رأت الغلام ~~تيقظ ضمته إلى صدرها، لعله ينام وينسى ما رآه. # وبعد أن جلسنا في ذلك البهو قليلا، أدخلتنا الفتاة إلى قاعة نومها، وهي غرفة صغيرة فيها ~~شرفة ms23 تطل على الطريق، وفيها مقعد ومنضدة من المرمر عليها مرآة كبيرة، وصندوقات صغيرة، وإلى ~~جانب من الغرفة قد وضع سرير مرتفع عن الأرض، ذلك السرير الذي أباحته شرائع الحرية، وقالت: ~~«لينم عليك أيها السرير كل من ترغب فيه صاحبتك.» ولم تخط قدماي عتبة هذه الغرفة حتى خرجت ~~منها رائحة كريهة قد سببها عدم تصريف الهواء وكثرة اتقاد المصباح فيها. # وبعد أن جلسنا لمحت في وجه مختار اصفرارا وفي يده ارتجافا، وبعد قليل طلب مختار خمرا ~~فأتى بها، وبقيت الفتاة تملأ ويشرب، وهي تحادثه بكلام كله بذاءة ووقاحة، وتخلط كلامها في كل ~~حين بقولها: «أحبك يا ابن الكلب، أحبك ...» # وإنا لكذلك، وإذا بأصوات مزعجة وصرخات متوالية، قد بلغتنا من الشرفة المطلة على الطريق، ~~فنهضت قائما لأرى سبب هذه الأصوات، ونظرت وإذا أمامي امرأة مطلة من نافذة في البيت المقابل ~~للبيت الذي نحن فيه، وهي تصرخ بأعلى صوتها وتستغيث بالناس، وملابسها مشتعلة بالنار وشعرها ~~كذلك، وعيناها في أم رأسها، وهي صفراء كالأموات، وتحاول أن تمزق ملابسها المشتعلة فلا ~~تستطيع، ولما رأتنا أمامها استغاثت بنا، وصرخت قائلة: «يا منيرة يا أختي خذيني.» وهذا اسم ~~محبوبة مختار، وكانت منيرة في هذا الحين تقول: «مسكينة يا فاطمة ليس في استطاعتي ذلك، ~~وليتني يمكنني أن أطفئ تلك النار.» ولما يئست تلك المسكينة من النجاة، ألقت بنفسها إلى ~~الأرض، فسقطت بلا حراك وبدون أن تصرخ، وكان الناس قد اجتمعوا تحت النافذة رجالا ونساء، ~~فلما رأوها سقطت فروا هاربين خوفا وجزعا إلا قليلا من أخواتها في الشقاء، فإن إحداهن ~~أخذتها على تلك المسكينة الشفقة والحنان، فأتت بماء وأخذت تصبه على جسمها حتى كادت تموت ~~حرقا وغرقا؛ لأن النار كانت قد أحرقت ثديها وجزءا من وجهها، ولما أحست بالماء البارد ~~صارت تئن والدم يخرج من حلقها، وفي ذلك الحين كان رجال الشرطة قد أقبلوا فحملوها وأدخلوها ~~دارها. # وكل ذلك حدث في زمن قصير جدا، إنما كان تأثيره في نفسي شديدا، وكذلك رأيت علائم الحزن ~~بادية على وجه منيرة، أما ms24 مختار فقد أسف لهذه الحادثة ؛ لأنها أقلقت راحته وأقلقت راحة ~~محبوبته، وبعد أن جلسنا رويدا دخل علينا خادم منيرة، فسألته مولاته عن الخبر، فقال: «إن ~~هذه الفتاة فاطمة كان لها رفيق تحبه، وهو يأتي إليها كلما سنحت له الفرص، وهذا الرفيق ~~يوناني لص، وحدث أنه أتى إليها الليلة فوجد عندها رجلا غريبا وكان سكران، فحقد عليها، ~~ولكنه أظهر لها الود حتى خلا بها، فطلب منها مالا كعادته فلم تعطه، فازداد غيظا وضربها، ~~فصرخت، فقذفها بالسراج، وكان الباب مقفلا من الداخل، فلم تستطع أن تخرج واشتعلت ملابسها ~~وشعرها بالنار، ثم جرى ما رأينا.» # وبعد ذلك بقليل استأذنت مختارا في أن أذهب، فأذن لي باشا، فخرجت حزينا ~~كئيبا. # | الفصل الخامس # قال محدثي: وقد حكى لي مختار بعد ذلك يصف ليلته مع حبيبته، قال مختار: ولما خلوت بها ~~بدأت أشرب خمرا، وهي تشرب كذلك، وكنت في كل لحظة أميل إليها ميلا شديدا، وأنسى أهلي ~~وعائلتي وشرفي، وأظن أنه ليس في الحياة إلا هذه المرأة، وحياتي بدونها تكون هباء منثورا، ~~أما هي فقد غابت عيناها في أعلى جفنيها من السهر والخمر واسترخت مفاصلها، وكنت كلما يخطر ~~ببالي أمر أهلي أو أمر المستقبل أو أمر تلك المسكينة التي أحرقت وأغرقت، كنت أجتهد في طرد ~~تلك الأفكار السوداء عني حتى لا تكدر صفوي، ثم قامت منيرة وخلعت ملابسها ولبست للنوم ثوبا ~~من الحرير الأحمر ولم تلبس سواه، وقامت إلى السرير ونامت، فقمت وخلعت ملابسي ولبست ثوبا من ~~ثيابها، وذهبت إليها وقبلتها قبلة حارة، فأحسست أن نفسي تكاد تطير إليها شعاعا ... وفي ذلك ~~الحين أحسست بسعادة غريبة، فإن القاعة المقفلة علينا والليل الهادئ الساكن وضوء المصباح ~~وقنينة الخمر ومنيرة في السرير، كل تلك هيجت عواطفي هياجا شديدا. # قال محدثي: وأظن أن مختارا في مثل هذه الساعة قد غابت نفسه عن جسمه، فانتصر الحيوان الذي ~~فيه وصرخ طالبا شهوته الدنيئة، ومن الغريب أن كل رجل في مثل هذه الحال ينسى كل شيء ولا ~~يخشى عواقب ما سوف يعمله، ms25 ولا يحسب للمرض حسابا، ولا يذكر ربه ولا دينه ولا شرفه، ولا يذكر ~~شيئا مطلقا، ولو بلغه أن أباه مات أو أن الدنيا ومن عليها قد تغيرت وتغيروا أو أن القيامة ~~قامت لا يعبأ بخبر من تلك الأخبار ولا يهمه شيء مطلقا، وأمثال هذه الساعات هي التي تتغلب ~~على فكر الشاب وتصغر في عينيه الفقر والفاقة والمرض وضياع الثروة والشرف، والدليل على ذلك ~~ما حكاه مختار، فإنه قال: فكنت أملأ الكأس من الخمر وأدنو من منيرة، فأشرب وأقبلها قبلة، ثم ~~أسقيها من الكأس، فتشرب وهي نائمة، وأقول في عقلي: يا إلهي، هل في كل النساء اللاتي خلقتهن ~~من حواء إلى الآن امرأة أجمل من منيرة؟ كلا، كل شيء فيها جميل، في نومها وفي يقظتها، في ~~سكرها وفي صحوها، إن نفسي طارت إليها شعاعا ... # وبعد رويد لم أعد أستطيع صبرا عن وصالها، فصعدت إلى السرير وضممتها إلى صدري ضمة كانت ~~فيها لذة شديدة لا يمكن أن أتصورها، ففتحت عينيها وابتسمت، فبدأت أبث لها لواعج شوقي وهي ~~تتيه وتدل وتأبى وتنفر، وكان كل ذلك يزيدني بها تعلقا وإليها شوقا و... بعد أن ملكت قلبي ~~ولبي ونفسي وجسمي، وما زلنا كذلك حتى الصباح، ولم أنم، وهي كذلك لم تنم حتى أشرقت الشمس، ~~فغلبني التعب والسهد والغرام والخمر ورائحة القاعة فنمت، ولا أدري متى تيقظت، ولكني لما ~~تيقظت كان السراج لا يزال مشتعلا، ووصلت إلى أذني أصوات الناس وغاغة العجلات، فهببت ونظرت ~~في وجه منيرة الجميل فإذا به قبيح، فتغلبت شهوتي على نظري ودنوت منها أقبلها، فشممت من فمها ~~رائحة كريهة، وكأنها أيضا قد شمت من فمي رائحة كريهة، فحولت وجهها عني، ثم قمنا ~~كلانا. # وفي هذه اللحظة فقط قد شعرت بأنني أتيت مع هذه المخلوقة القبيحة الوجه القذرة الرائحة ~~ذنبا عظيما لا يغتفر، فلم أكلمها، وهي كذلك لم تكلمني، بل نظرت في وجهها، فلم أجد فيه ~~تلك المعاني التي كنت أجدها فيه في الليل، أين رقتها؟ أين عيناها البراقتان؟ أين صوتها ~~النسائي الجميل؟ ms26 كل ذلك ذهب، فرأيتها صفراء كئيبة حزينة، وقامت وأطفأت المصباح، وجلسنا بوسخ ~~وجهنا وأيدينا وأجسامنا ونفوسنا ... حتى استرحنا من النوم ... # ثم قمت إلى بيت الخلاء، وكانت معدتي قد أثر بها السهر، فأصابها إمساك شديد، فعدت وقد زاد ~~ضغط الطعام الغير المهضوم على مخي، فكنت في غيبوبة شديدة حتى كنت أكاد لا أتذكر ما صنعته ~~وما رأيته في الليلة الماضية. # ونظرت إلى وجهي في المرآة، فإذا به أصفر وعليه نظرة حيوانية، وكنت لا أزال بثوبها فخلعته، ~~وغسلت وجهي بماء لا أدري إن كان نظيفا أم قذرا، ونشفت وجهي بمنشفة قذرة قديمة. # ثم دخل علينا الخادم، وكان صبيا في ربيع شبابه، فلما نظرت إليه رأيته أحمر الوجه، معتدل ~~القامة، مبتسما؛ لأنه نام نوما هادئا في هواء نقي، وليس على نفسه أثر الذنوب، فحسدته على ~~نعمة الصحة والعافية، وأقول الحق إنني تمنيت لو أكون أنا ذلك الخادم الصغير على ما فيه من ~~العيوب وما له من الصحة والطهر، وأن يكون هو أنا بعللي وأمراضي وقذارتي وذنوبي. # وبعد أن حيانا الخادم، سألنا عن طعام الإفطار، فتناولت قطعة من النقود، وسألته أن يأتي ~~لنا بأي شيء؛ لأنني لم أكن في حالة تطلب معها نفسي الأكل، وكانت شهيتي ميتة لا لشبع أو ~~قناعة، إنما لانحطاط قواي وضعف معدتي عن هضم ما فيها. # وفي هذه اللحظة، تذكرت أيام حياتي الأولى أيام كنت فتى صغيرا أتيقظ بنشاط في كل صباح ~~آكل بشهية وأذهب إلى المدرسة، ولو لم أستح لبكيت أمام تلك المرأة وهذا الخادم على أيام ~~الماضي الجميل، يا إلهي، هل أصبحت أسير شهواتي فلا أستطيع أن أهرب منها؟ هل ذهب الماضي ~~بشبابه وصحته وهنائه، وأصبحت في حالة تبكيني؟! # | الفصل السادس # قال محدثي: قال مختار: ولما انصرف الخادم، قمت فلبست ملابسي وودعت منيرة، ووعدتها بأن ~~أزورها الليلة في قهوة الرقص، فقبلتني قبلة عربونا على الليلة القادمة، ونزلت، ولما بلغنا ~~الطريق كنت كمن كان يمثل دورا في رواية محزنة، ثم نزلت عليه الستار وخرج. # وكانت قواي وأنا سائر منتهكة ms27 حتى كادت رجلاي لا تقويان على حملي، فسرت منحنيا، مطأطأ ~~الرأس، بطيئا كمن بلغ من الكبر عتيا. # ولكن رغم كل هذه الهموم والأحزان، كانت عواطفي لا تزال في يد هذه المرأة، كنت أسيرها؛ ~~جسما وروحا، وقد سئمت الحياة إلا بجوارها، وكرهت الناس إلا هي، فلا أكرهها ولن أكرهها إلى ~~الأبد، أحبها على نفورها وإبائها، أحبها على ما تجلبه علي من الهم والحزن! أحبها وهي تخرب ~~حياتي! أحبها وهي بغضتني في الناس وبغضت الناس في! أحبها مع كل تلك الأمور. # يقولون إن الحب الطاهر هو الحب القوي الشديد الذي يملك العواطف ويأسر النفوس، أما الحب ~~النجس فهو حب تشتعل به النفس أمدا ثم تطفئ شعلته الفضيلة، فلماذا أنا أحبها أكثر من كل ~~إنسان وأكثر من كل شيء؟ ولماذا أعبدها وأسجد لها؟! لقد سبب لي حبها لعب القمار، والاندفاع ~~في الخمر، وجفاء عائلتي، والبعد عن أهلي. هل حبها ذنب حتى جرني إلى كل هذه الذنوب والآثام؟ ~~نعم، نعم، أنا أحبها فلا بد من رضاها ولو نسفت الجبال نسفا وجفت البحار جفافا، أحبها ولو ~~أمسيت فقيرا مدقعا، أحبها ولو سألت الناس كسرة خبز، إنني مدفوع بعامل أقوى من الفقر ~~والسؤال والعقل والصبر والفضيلة، وأقوى من كل شيء، فيا أسفي ويا حسرتي! # وبعد السير قليلا، وجدت أنني تعبت ولا بد لي من الجلوس والراحة، فدنوت من إحدى القهوات ~~التي يجلس أمامها الناس يتحادثون ويلعبون، فجلست وحيدا منفردا عن الناس، وبدأت أنظر لعلي ~~أجد صاحبا يسليني أو صديقا ألهو بحديثه، ولكن رأيت كل واحد منهم مشتغلا بشئونه، وربما ~~بينهم من هو مثلي أسير شهواته. # ومن الأسف أنني اعتدت عادة قبيحة مذمومة، وهي أن أبلع حبات مصنوعة من العنبر، فأخرجت من ~~جيبي حقا صغيرا، وأخذت منه عشر حبات صغيرة، وبلعتها، ثم شربت بعدها القهوة؛ ليذوب ~~العنبر ويسري في جسمي سريان الدم في العروق، ولم يكن هذا أول يوم بلعت فيه حبوب العنبر، ~~ولكنني اليوم فطنت لأمرها، وعلمت أنني آكل سما بطيئا، فلما خطر ببالي هذا الخاطر ms28 صرفته ~~عني؛ لئلا يكدر صفوي ، وقلت إن الحياة القصيرة اللذيذة خير من الحياة الطويلة المنغصة ~~المملة، وماذا يهمني لو مت شابا أو شيخا، ثم قمت فسرت قليلا، وخطر ببالي أن أذهب إلى ~~دار أمي وأختي؛ لأنني لم أكن قد رأيتهما منذ يوم وليلة. # | الفصل السابع # تاريخ عائلة # قال محدثي: ويليق بي أن أذكر لك شيئا عن تاريخ عائلة مختار؛ لتقف على أخبار حياته ~~الأولى، كان أبوه موسى بك ... من سلالة عائلة كبيرة عريقة في المجد، وهو تركي الأصل، أتى جده ~~إلى مصر مع من أتوا منذ مائة عام، وكان جده مقربا من أمير كبير، فوهب له الضياع وأجرى عليه ~~الأرزاق، وأكرمه بعد أن أغناه. # وكان موسى بك أبو مختار قد نشأ في النعيم ودرج في حجر السعادة وذهبت عنه خشونة الترك، وفي ~~كلمة واحدة نشأ كما ينشأ أهل الطبقات العالية في كل الأمم، قوي الجسم، ضعيف النفس، محبا ~~للشهوات، لا غرض له إلا السرور، مدفوعا إليه بطبيعته، وأدخله أبوه المدرسة تقليدا لغيره ~~من أبناء الأكابر لا حبا في العلم، فلم يربح الولد شيئا، وخرج من المدرسة أجهل منه لما ~~دخلها. # وقد أكسبه وجود عائلته في مصر زمنا طويلا رقة في الطباع، ولينا في العريكة، وخمولا ~~وكسلا، وكان أبوه يأمر بالصلاة والصوم، فكان يظهر أمام أبيه بالتقوى والورع؛ لأنه رأى أن ~~أباه في آخر أيامه، واستحسن أن لا يكدر عليه ما بقي من حياته بمخالفة أوامره؛ لأنه لم يكن ~~له إخوة، وكان أحب الناس إلى أبيه. # وأخيرا مات أبوه، ذلك العجوز القديم المحب للقديم، التقي الورع، الآمر بالمعروف، الناهي ~~عن المنكر، فأحس موسى بأن حملا كبيرا كان على ظهره رفعه الموت، ولكنه كان يحتشم إكراما ~~لأمه ويظهر أمامها بالخضوع، ولكن أمه كانت مريضة، وقد بلغت من الكبر عتيا، فلم تبق بعد ~~أبيه طويلا حتى لحقت به، فخلا الجو لموسى بعد موت أبيه وأمه، لا سيما ولم يكن له إخوة ولا ~~أخوات ولا أقارب ينازعونه الإرث الهائل الذي وصل إليه بموتهما، فجال ms29 وصال في ميدان اللهو ~~واللعب ، وأسرف في ماله، وفتح داره للغادات والغواني وغيرهن، وأولم الولائم، وفرط عقد ~~الاحتشام، وعقد لواء الأنس، ولم يدخر وسعا في الجري وراء الملاذ، ولم تفر منه فرصة السرور، ~~ولو كلفه ذلك ما كلفه، وكان أبوه المسكين قبل موته بأيام قلائل يفكر في زواجه بمن تصلح له ~~من الفتيات الكريمات، ولكن مات الرجل ومات أمله ودفن معه في قبره. # وكانت لموسى بك أبي مختار ضياع وعمارات وديار وحوانيت في القاهرة، فأتى على أغلبها بيعا ~~ورهنا. # ويلوح لي أن ظواهر المدنية التي دخلت مصر منذ ثلاثين عاما، بهرت عيون أهلها؛ لأنهم ~~هبوا من نومهم فوجدوا القاهرة في عهد إسماعيل كباريس في عهد لويس السادس عشر، وجدوها ~~زاهية، زاهرة، فيها الملاعب والملاهي، الحرية ضاربة أطنابها، الطرق الفسيحة المضاءة ~~بالأنوار، الحدائق الغناء والقصور الباذخة فيها ما فيها، النيل يرقص ويصفق، وأبو الهول ~~يضحك، لا خوف ... لا وجل ... أمان أمان ... حرية ... حرية ... حرية، رقص، لعب، لهو. اضحكوا يا مصريون، ~~العبوا يا قاهريون، هذا عصر المدنية، فاعبثوا فيه كما تشاءون ...! # فلم يكن موسى بك هو الشاب الوحيد الذي جن بتلك الزخارف، بل كان المسكين سفينة ضالة في بحر ~~السرور، تقذف بها الأمواج وتزفها الرياح كما تشاء، فتكسر قلوعها وتقطع حبالها، وكذلك ضاعت ~~ضياع موسى ودياره وحوانيته وعماراته إلا قليلا، وهو لم يبلغ الثلاثين من عمره، كل ذلك وهو ~~لم يتنبه من غفلته ولم يحسب للفقر والفاقة حسابا، ولكنه سئم تلك الحياة المضيعة، وتاقت ~~نفسه إلى شيء من السكون والراحة بعد الجري وراء الملاذ، فعقد نيته على الزواج، فطرق أبواب ~~الأغنياء يلتمس منهم فتاة تتزوجه معتمدا على شرف عائلته واسم أبيه وجده بعد أن أضاع أغلب ~~ما كان له، فردوه وطردوه بعد أن علم كل الناس أنه سيئ السلوك لا يصلح للحياة العائلية، فلم ~~يشاءوا أن يضحوا ببناتهم لأجله، فعاد المسكين بصفقة المغبون، وليس في يده صنعة يتسلى بها، ~~وليس في داره إلا الخدم، وليس له قريب يحنو عليه، فعدل عن الزواج، ms30 ولكنه بعد قليل استأجر ~~امرأة تخدمه، وكأني به قد انتقاها جميلة لتقوم بأغراضه، وأغلب هؤلاء الخادمات نساء فاسدات، ~~وقد خان إحداهن في عفتها شرير، ثم رمى بها في ديجور الحياة، فخرجت ضالة لعل غيره يعثر ~~بها. # وقد قرب موسى تلك الخادمة من فراشه، وما زال يداعبها ويجود عليها بالمال ويعدها بالخير، ~~ويحبب نفسه إليها حتى قضى منها وطرا ... وحملت منه، فلما ظهرت عليها علائم الحمل، حادثته في ~~الأمر، وأشارت عليه بأن يأتي إليها بدواء يهلك الجنين في بطنها، فلم يقبل بذلك، وقال لها: ~~«إني كفيل بتربيته.» وبعد تسعة أشهر وضعت تلك الخادمة طفلا ضعيفا هزيل البدن مملوءا ~~بالأمراض والسقام التي جناها عليه أبوه، وهو يرتع في جحيم الزنا، ويجرع من سم ~~الخمور. # هذا الوليد هو مختار المسكين الذي جنى عليه أبوه وما جنى هو على أحد، ولما جاء ذلك الغلام ~~أحبه أبوه كثيرا وزاد في إكرام أمه، وبعد ذلك بعام حملت المرأة ثانية ووضعت بنتا، ويظهر ~~أن الرجل بامتناعه عن الزنا والخمر وما يتبعهما مدة عامين وباعتكافه في داره بعد أن هذبته ~~الأيام والليالي، قد حسنت صحته واعتدل في حياته، فجاءت البنت أصح وأجمل من الولد الأول الذي ~~كان دائما حليف الأمراض والسقام حتى يئس أبوه من حياته. # وبعد أن وضعت المرأة تلك البنت، عقد الرجل نيته على زواجه بها، وكان ذلك، وأصبحت حليلته ~~بعد أن كانت خادمته وخليلته، ونمت البنت ودرجت، وأما الولد فكان في كل يوم في حاجة إلى ~~الطبيب والعقاقير، وأخيرا وضع يده في يد أخته وانتصب قائما على قدميه، وسار أول خطوة من ~~خطواته، ففرح به أبوه فرحا شديدا وسرت به أمه؛ لأن مختارا كان ذكرا، وهو أكبر ~~الطفلين وحياته ضرورية لبقاء نسل العائلة الكريمة ... ولو علم الرجل وزوجته بماذا كان يخبئ ~~الدهر لذلك الطفل المسكين وأخته لبكيا بكاء مرا بدل أن يفرحا. # وما زال الطفلان ينموان تحت ظل أبيهما، وهو الرجل الساقط الذي لم يرجع عن الذنوب إلا ~~تعبا منها، وأمهما وهي تلك المرأة الساقطة ms31 الجاهلة، حتى بلغ الولد العاشرة من عمره، والبنت ~~التاسعة من عمرها، وكان من يرى الطفل لا يظنه إلا ابن خمسة أعوام لنحافته ورقته وخموله، ~~وعند ذلك بعث به أبوه إلى مدرسة الذكور وبأخته إلى مدرسة البنات. # وكان مختار في المدرسة تلميذا متوسطا قادرا على عمله، ولكنه لم يكن قادرا على الجري ~~والقفز والطفر والمسابقة وباقي الألعاب الجسمانية؛ لأن جسمه كان ضعيفا جدا، وكان لا يتمم ~~عمل سنة في سنة، بل كان يحتاج إلى سنتين. # ولما بلغ الثامنة عشرة من عمره نال شهادة، فسعى أبوه إلى إلحاقه بوظيفة كتابية صغيرة في ~~إحدى دوائر الحكومة، ثم رد البنت إلى خدرها. # وفي ذلك الحين كان الرجل بلغ الخمسين من عمره، وقضى الدهر غرضه ولم يبق عليه إلا أن يسلمه ~~إلى الموت، وفي ليلة من الليالي، شكا الرجل من ألم في كبده ونام ولم يقم، مات موسى بك أبو ~~مختار وترك أرملة وشابا وفتاة لم يكن لهم في الدنيا سواه، وهكذا طويت صحيفة مملوءة ~~بالذنوب، ومثل ذلك التعس دوره في ملعب الحياة، وسدلت عليه الأبدية ستارها، ولا ندري ماذا ~~يكون من أمره، وقد ترك موسى لعائلته الدار التي كانوا يسكنونها وبيتين آخرين وعشرين فدانا، ~~وكانت المرأة قد هذبتها الأيام، فأمست حكيمة مدبرة، فوضعت يدها على تلك الثروة القليلة ~~وسهرت على عفاف بنتها، ولم تسكت يوما عن نصح ابنها، وكان أبوه قبل موته قد عرض عليه الزواج ~~فلم يقبل، ووعده بأنه سيتزوج بعد عامين، فلما مرت السنتان عادت أمه فألحت عليه بالزواج، ~~فأبى واستكبر، وليت أباه قص عليه قصته في شبابه وأراه ما ينتهي إليه أمر الشباب الذي يندفع ~~في تيار الشهوات والملاذ، وأظنه خشي أن ينبه الولد إلى الذنوب وحسبه صالح القلب نقيا ~~طاهرا، فوقع الولد في الحفرة التي وقع فيها أبوه من قبل، على أن أمه نبهته إلى شر الزنا ~~والخمر، وضربت له الأمثال وقصت عليه القصص، فلامها على سوء ظنها به، وقال إنه معتدل السير، ~~ليس يحتاج نصحا. # ولكن كيف يستقيم الظل ms32 والعود أعوج؟ وكيف يعيش مختار عيشة هادئة صالحة، وأبوه كان من قبله ~~منغمسا في جحيم الذنوب، ولقح ابنه وهو في بطن أمه بجراثيم الشر، فسرى مرض الانحطاط الأدبي ~~في عروق الجنين. # وليس من الصعب أن يسقط الشاب المستخدم في بلادنا إلى أسفل دركات الانحطاط، فإن مختارا ~~كان مستخدما، ورأى أن له عشرين فدانا وثلاثة بيوت، ولم يعلم شيئا من ماضي أبيه، فظن نفسه ~~غنيا كبيرا، واستسهل كل شيء، وخالف أمه فيما كانت تلقيه عليه من النصائح؛ لأنه لم يكن في ~~رأسه من العلم ما يردعه عن غيه، وقلما تجدي النصائح والنفس ضائعة تائهة، فرفض مختار أمر ~~الزواج لما عرضته عليه أمه؛ لأنه خشي أن تقيده زوجته بالبنين والبنات، وهو لا يزال شابا، ~~والتف حول مختار قليل من الأصحاب المفسدين، وما زالوا به حتى زنا ولعب القمار، وحتى كره ~~داره وأبغض أمه وأخته، وكان يخرج فيغيب عنهما يوما أو يومين، فلا كانت أمه تستطيع أن تسأل ~~عليه في مركز عمله ولا كانت تطيق فراقه، فكانت تجلس وتبكي وتقضي ليلتها ساهرة، حالما يكون ~~مختار ينتفض كالعصفور بين أيدي حبيبته، أو يشرب السم في حانة الخمار، أو يخسر المال في ~~ملعب القمار. # | الفصل الثامن # قال محدثي: ولما خطر ببال مختار في هذه الليلة أن يزور أمه ذهب توا إلى الدار، فلما ~~رأته أمه عانقته وبكت بكاء مرا، وطفقت تقبله بين عينيه، وأخذت أخته تلومه على غيابه ~~ونسيان أهله وداره، ولكن أين القلب الذي كانت تذيبه تلك القبلات؛ قبلات الأم والأخت؟! وأين ~~الوجه الذي كان يحمر خجلا لعتابهما؟! أين ذلك القلب الذي كان يقطر دما إذا رأى مختار ~~أمه تبكي؟! فسد ذلك القلب ومات، وإن لم يكن قد مات فقد خنق الحب كل العواطف الشريفة التي ~~كانت فيه، وداس الحب النجس - حب المرأة الساقطة على هامة الحب الطاهر - حب الأم والأخت، ~~وبذلك انتصرت الرذيلة على الفضيلة تحت لواء الحرية. # وسألت مختارا أمه قائلة: أين كنت يا ولدي؟ فإن قلبي كاد يذوب لفراقك ولم أنم ms33 الليلة ~~الماضية بطولها، ألا يليق بك أن تخبرنا قبل غيبتك حتى نطمئن عليك وتهدأ نفوسنا؟ # ومن الغريب أن هذه الكلمات المملوءة بالود والحب الجديرة صاحبتها بالإكرام لم تجد من قلب ~~مختار مكانا، ولم تلق من أذنه مسمعا، فنفر من أمه، وقال لها: وماذا يهمني إذا أخبرتكما أم ~~لم أخبركما؟ فقالت أمه: أنت لا تعلم مقدار حبنا لك، ألست أنا التي ربيتك حتى صرت رجلا، ~~والآن تضن علي بمبيتك ليلة بيني وبين أختك، ثم همت أخته وقالت وقد دفعها نزق الشباب: ~~أين كنت الليلة الماضية؟ لماذا لا تتزوج فتصون مالك وصحتك؟! ... # قال محدثي: وقد حكى لي مختار أنه لما سمع ذلك الكلام غلى دمه في عروقه من الغيظ، وعده ~~إهانة، وغضب غضبا شديدا، وقابل أخته بالشتم والسب لأول مرة في حياته، وقال لي إنه كان ~~ينوي ضربها، ولكنه تغلب على نفسه، ووبخ ضميره على إهانة أمه وأخته، وقضى ليلته في بيته، ~~ولكن كيف قضاها؟ إنه كان مشتت الفكر، مروع القلب، قلق البال، يفكر طول ليله في منيرة، ويخشى ~~أن تحب غيره في غيبته، أو أن يحبب غيره نفسه إليها بالمال، وكان كلما مرت عليه ساعة يحدث ~~نفسه بالقيام والذهاب إليها في مرقصها أو في دارها أو في أي مكان كانت. # وقد اعتاد مختار على السهر، فلم يستطع أن يدخل فراشه قبل الساعة الثانية بعد نصف الليل، ~~وقبل هذه الساعة بقليل لاحت منه التفاتة، فرأى منضدة كان يجلس أمامها أيام كان في المدرسة، ~~ولا ندري ماذا حركت تلك الذكرى في قلبه من الأفكار، إنما قال لي إنه أخرج منديلا ومسح ~~دموعه التي سالت من عينيه، عندما ذكر أيام المدرسة، أيام الطهارة والعفاف والسعادة ~~المنزلية. # وهنا يخطر لنا سؤال في غاية الأهمية، وهو لماذا لا يعود مختار عن الشر وهو في مثل هذه ~~الحال بعد أن حن إلى الحياة الأولى؟ لماذا لا يكره المرأة، ويتوب عن الخمر والقمار، ويعود ~~إلى حضن أمه وجانب أخته، ويتمتع بالسعادة التي فقدها، ويرد لجسمه صحته ولكيسه ماله ms34 ولاسمه ~~شرفه؟ # والجواب على ذلك هو أن مختارا كان مساقا رغم أنفه، كان محذوفا في تيار الشر بدون ~~إرادته، وأمسى المسكين أسير شهواته لا يملك لنفسه قيادا، هل يصلحه العلم؟ كلا. هل تصلحه ~~الإرشادات والمواعظ؟ كلا. هل يصلحه أبوه إذا قام من القبر؟ كلا. أظن أن الذي يصلحه امرأة ~~فاضلة صالحة كاملة يتزوج بها، فتأخذ حمله عن كتفه وتطلقه من قيد الشر، وتأتي له بطفل ترشده ~~يداه الصغيرتان إلى طريق السعادة. قام مختار بملابس النوم التي كان جالسا بها في قاعة ~~الاستقبال، وتمشى في الدار، فمر بقاعة النوم التي كانت بها أمه وأخته، فسمع شهيقهما ~~وزفيرهما، وهما تغطان في المنام، وكان في قاعة النوم صورة لأبيه كبيرة، فحدثته نفسه ~~بالدخول، فدخل، وكان نور المصباح الذي في غرفة النوم قويا، ونظر إلى الصورة ورأى جسم أبيه ~~النحيل ووجهه الضئيل وعينيه الضعيفتين وجبينه الضيق وأذنيه الرقيقتين. # ولم يلبث مختار وهو يتأمل في صورة أبيه طويلا حتى عاد إلى الوراء فزعا مرعوبا؛ لأنه ~~خيل له أن أباه يفتح عينيه ويقفلهما، فصرخ مختار صرخة عالية ووقع على الأرض. # وتصل تلك الصرخة إلى أذن أمه وأخته، فتهبان من منامهما، الأولى فزعة مضطربة وقلبها خافق ~~ودموعها سائلة خوفا على ابنها؛ لأنها ظنته مات أو جن، والثانية مروعة فاقدة الرشد، أما ~~أمه فلما رأت مختارا ملقيا على الأرض دنت منه وحركته، فتحرك ونظر إليها قائلا: أبي! إن ~~أبي يتكلم! وكانت تلك المرأة الجاهلة المسكينة مريضة بداء القلب، وقد حدث في هذه الأيام ما ~~حرك عليها داءها، فإن غياب مختار أمدا طويلا أقلقها وعكر صفوها، ثم غضبه الليلة عليها ~~قد زاد قلبها تعبا، وأخيرا صرخة مختار وكلماته التي ظنت منها أنه جن قد أتت على آخرها، ~~فسقطت على الأرض وأصابتها نوبة قلبية شديدة، فبقيت تتنفس بألم شديد، واصفر وجهها، وشخصت ~~عيناها إلى السماء، فأتت إليها ابنتها وأجلستها على مقعد على مقربة من النافذة وفتحت ~~النافذة لدخول الهواء، وكانت المسكينة تتطلب النفس من الهواء النقي - على كثرته - فلا تجده، ms35 ~~وتشنجت أعصابها وتصبب جبينها عرقا ، وعند ذلك أيقظت أخت مختار خادما صغيرا كان في الدار، ~~وبعثت به إلى دار طبيب كان على مقربة، وبعد هنيهة أتى الطبيب وكان مختار حينئذ قد أفاق ~~من غشيته، ونظر الطبيب إلى المريضة فلم يجد لها مخرجا من تلك النوبة القلبية بغير الحقن ~~بالمورفين فحقنها، وقد حسنت حالها عقب تلك العملية، ولكنها بقيت طول ليلها تتنفس بشدة، ~~وسهرت ابنتها بجانبها تصلح لها الطنافس والوسائد، وقد كانت هذه الليلة من أسود الليالي التي ~~رآها مختار في حياته. # | الفصل التاسع # قال محدثي: ولما كان الصباح حسنت صحة الأم المسكينة قليلا، وعادها الطبيب مرة ثانية، ~~وأمر مختارا بأن لا يفارقها لحظة؛ لأنه قال: إن وجوده بجانبها يساعد كثيرا في ~~شفائها. # وفي الليلة الثانية لم يستطع مختار أن يبقى في الدار كما أمره الطبيب؛ ولذلك خرج في عصر ~~النهار، ووعد بأنه سيعود في نصف الليل. # وفي ذلك الحين ذهب إلى حبيبته في المرقص، فقابلته بالترحيب وسألته عن سبب غيابه عنها ~~وعنفته على هجرها وهددته بالغضب والنفور، فحكى لها قصته فتهكمت عليه، وقالت إنه يكذب عليها ~~وإنه أحب غيرها وإنه ... وإنه ... وقالت أخيرا إنه إن لم يبق معها طول الليلة لكان ذلك أكبر ~~دليل على جفائه وهجره. # وعند ذلك وقع مختار في حيص بيص، هل يترك أمه المريضة التي أمره الطبيب بملازمتها، فربما ~~ماتت وهو بعيد عنها؟ أم يترك حبيبته ونور حياته التي تظن أنه كرهها وهجرها، وهذان أمران ~~أحلاهما مر، ولكن يظهر أن قلبه حدثه بأن شيئا هائلا سيحدث الليلة، فاعتذر إلى منيرة ~~وأعطاها دينارا وسلم عليها وانصرف عند نصف الليل، وقد حكى لي مختار بعد ذلك ما رآه في ~~داره، قال: ولما بلغت الدار لقيت عليها علائم السكون والوحشة، وهذا ما لم أكن أره من قبل، ~~ولما فتح الخادم الصغير الباب، رأيته يبكي، فسألته عن سبب بكائه، فقال إن سيدتي الكبيرة في ~~ألم شديد، فنهبت السلم نهبا ودنوت من قاعة النوم، فرأيت ويا هول ما رأيت! رأيت أمي ms36 راقدة ~~على سريرها وحولها أختي وبعض النسوة من جيراننا، ورأيت بجانب السرير المنضدة التي كنت أجلس ~~عليها وأنا في المدرسة وعليها زجاجات الدواء، فلما رأتني أختي صرخت وبكت بكاء مرا ~~وشاركها النساء في البكاء، وإني لو عشت ألف سنة لا أنسى تأثير هذا الموقف المحزن، فسألت ~~أختي عن حال أمي، فقالت إنها في الغروب، اشتد عليها المرض، وقطع الطبيب منها الأمل، وعند ~~ذلك سمعت الحشرجة في صدر أمي، فدنوت منها فإذا بوجهها أصفر وعيناها متجهتان نحو السماء ولم ~~أر فيهما نورا، فخفق قلبي خفوقا شديدا، وصرخت قائلا: آه يا أمي، فبكت أختي وبكى كل من ~~في المكان، ثم وضعت يدي على يد أمي وكلمتها، فلم تجب، ولم أسمع سوى الحشرجة التي كانت تزداد ~~في كل لحظة والعرق كان يتصبب بشدة على جبينها البارد، ولكنني لما لمستها رأيت إنسان عينها ~~اليمنى يتحرك نحوي، وعند ذلك تقدمت امرأة عجوز وتناولت قدحا من الماء وبقيت تقطر منه في فم ~~أمي وتضع منه على جبينها البارد، فدنوت من ذلك الجبين وقبلته ... # وبعد هنيهة وصل الطبيب الذي كان يعالجها، ثم حقنها بالمورفين ثلاث مرات، ثم نظر إلى ~~الحاضرين، وقال بعد أن جس نبضها: بقي نصف ساعة، ثم تركنا ونزل ونحن بين باك ومفكر وحزين ~~... # ثم سكتت الحشرجة، وانتهى ذلك العراك العنيف بين النفس والجسد، وصعدت نفس أمي إلى ربها ~~وتركت جسمها خامدا لا حراك به. # فهاج الناس وماجوا، وانقلبت قاعة الموت من السكون والتأمل إلى الصراخ والعويل والبكاء، ~~وفي الحقيقة لم يكن في القاعة باك بقلب كسير غير أختي التي أحست بالسهم الذي أصابها به ~~الزمن بموت أمها، فإنها جلست في ركن ووضعت رأسها بين يديها، وبقيت تبكي وهي شاخصة إلى جثة ~~أمها تارة وطورا إلى صورة أبيها، كأنها تقول: هذان جنيا علينا وما جنينا على أحد، وبعد ~~قليل خرجت أضرب في ظلام الليل الحالك لأجهز لزوم المشهد. ~~••• # ولم يكن يظن مختار بأن أمه غالية، وأنه يوم دفنها دفن معها في التراب كل راحة وهناء، ms37 فلما ~~ماتت وعاد إلى داره ولم يجد فيها غير أخته والخادم الصغير علم حقيقة أنه فقد بموت أمه نعمة ~~عظيمة كانت عنده ولم يكن يقدرها حق قدرها، أما حال أخته فكانت محزنة للغاية؛ لأن أمها كانت ~~رفيقتها الوحيدة، وهي التي كانت تؤنسها في وحشتها، فلما ماتت تركتها بلا مؤنس ولا رفيق ~~فريسة للهموم والأحزان. # وأما مختار فقد أثرت حال أخته فيه قليلا وتحركت في قلبه عواطف الشفقة والحنان، فكان ~~يلتمس أوقات أنسه مع حبيبته في النهار، فكان يخرج من محل عمله إلى دار معشوقته فيجدها في ~~سبات عميق فيوقظها ويتغدى معها، ثم يصرفان بقية النهار في السرور والأنس، ويبقى معها حتى ~~تذهب إلى مرقصها فيصحبها ويلازمها هناك حتى نصف الليل ثم يعود إلى أخته. # ولم يكن لمختار وأخته أقارب أو أصحاب تذهب إليهم أو يأتون إليها في غيبته، فكانت طول ~~يومها حليفة الهم والأسى وطول ليلتها حليفة الأرق والسهاد. # | الفصل العاشر # حدث صديقي قال: أتى إلى مصر من بلاد الجزائر رجل تاجر، اسمه الحاج حسن الجزائري، ~~واستوطن مدينة الإسكندرية، وكان نبيها ذكيا ومعه قليل من المال، فاتجر في ماله القليل، ~~ورزقه الله بنتين وولدا، وجاءت البنتان جميلتين رشيقتين، لأن أهل الجزائر مشهورون بالجمال، ~~وأرض مصر تكسب الرقة والرشاقة، وكانت كبيرة البنتين اسمها عزيزة والصغيرة اسمها ~~زبيدة. # وحدث أن عزيزة لما بلغت مبلغ النساء تزوجت بمغربي غني عجوز أرغمها أبوها على الزواج به ~~لشهرته وماله، وبعد زواجها بقليل مات زوجها وعادت عزيزة إلى دار أبيها غنية وجميلة وصبية، ~~أما الرجل أبوها فكان مدمنا على شرب الخمر، وقد قيل: إنه فر من بلاد الجزائر لجريمة ~~اقترفها، وكان يدور على بعض الألسنة أنه كان للحاج حسن أب غني مريض، وكان يقتر على ابنه، ~~فدس الحاج حسن السم لأبيه، فمات وورث الولد كل مال أبيه ثم خشي أن يفتضح الأمر ففر إلى مصر، ~~وكأن ذكرى تلك الجريمة كانت تؤلم ضميره، فكان يفر منها ويلجأ إلى شرب الخمر، وهي التي كانت ~~تسكن أشجانه وتقتل همومه، ms38 وقد أضعف ذلك أعصابه، وكان الرجل نحيلا نحيفا، فأصابه شلل في ~~نصف جسمه الأيسر، وبقي طريح الفراش، وكان ذلك بعد زواج بنته عزيزة بقليل، فلم تدخر زوجته ~~وسعا في سبيل شفائه، ولكن كل أتعابها ذهبت هباء منثورا، وبقي الرجل مقعدا، ولزم غرفته ~~ثلاث سنين، وكنت تدخل تلك الغرفة فترى فيها سريرا صغيرا عليه رجل نحيل أصفر جالس وفي يده ~~كتاب، فلما يحس بك يرفع إليك ببصره ببطء شديد، ثم يحدق بك، ثم يعود إلى حاله التي كان ~~عليها من الذهول والسكينة، ويظهر أن عقله أضعفته الخمر والمرض، أما لحيته فكانت سوداء، وكان ~~وجهه جميلا. # وكان في أول المرض تجلس زوجته وابنته الصغيرة وابنه الذي لم يكن يتجاوز ست سنين، كلهم ~~حوله يداعبونه ويؤنسونه ويحادثونه ويملئون قلبه بالآمال، أما بعد أن طال عليه المرض وقطع ~~الرجاء من شفائه، هجرته زوجته وبنته إلا قليلا، وأوكلتا أمره إلى خادمة فقيرة كانت ~~تتعهده، وتخدمه، وتغسل له وجهه، وتأتي له بطعامه، وقد سبب مرض الرجل نقص دخله؛ لأنه كان ~~مجبورا على ترك العمل، وأوكل أمر تجارته إلى رجل غريب؛ لأن ابنه كان لا يتجاوز السنة ~~السادسة، وأي غريب في هذه الدنيا توكل إليه أمرك ويصدق في خدمتك؟ وأي صاحب تأتمنه ولا ~~يخون؟! # ولما عادت عزيزة إلى دار أبيها علمت أنه لا يملك لها خيرا ولا شرا، وأنها حرة تفعل ما ~~تريد، وكانت تلك الحرية مصحوبة بالمال الذي ورثته عن زوجها، فخلا لها الجو، وأفسدها الشباب ~~والفراغ، والجمال والمال، وعاشت كغيرها من السيدات الغنيات؛ أي إنها عاشت لشهوتها، وكانت ~~تظن أيام زوجها أن كل الرجال مثله لهم لحى وشوارب، وأن كلهم عجوز مريض مثله، وما كان أعظم ~~سرورها لما كانت تخرج وترى الشبيبة الناشئة، وفيها كل شاب أجرد أمرد لا نبات بعارضيه، حلو ~~الفكاهة، رقيق الغزل، جميل الوجه، حسن الهندام. # نعم! نعم! هذا كان في نظر عزيزة منتهى السعادة، فأحست بعقلها وقلبها الفاسد أن مدينة ~~الإسكندرية هي جنة على الأرض، وأن طرقها مسارح الغزلان، فكانت تخرج ms39 تلك الخبيثة تنصب ~~حبائلها للشبان ، وكانت لها عجلة تكريها في كل يوم وتمر بها من الطرق، فإن رأت من استحسنته ~~كانت تومئ إليه أو تبتسم له فيتبع عجلتها في عجلة، ثم يلتقيان. # وفي بلادنا فريق من الشبان، جمال الوجوه، قباح النفوس، لا عمل لهم إلا الأكل والنوم ~~والجلوس، وهؤلاء هم الذين كانت تصيدهم عزيزة. # وحدث أنها رأت يوما أحدهم، فراق في عينها، فأومأت إليه فتبعها في عجلة حتى خرجا من الطرق ~~المزدحمة، ثم ترك عجلته ودخل عجلتها، فلانت له، وأطلق الشاب للسانه وليده العنان، فرضيت به ~~رفيقا تعده تلقاه كلما شاء وشاءت. # وكانت أم عزيزة تكتم سرها، فباحت عزيزة لها بالأمر، فرأت الأم دارها أستر لأمرها من ~~غيرها، وقد ساعدها على ذلك مرض الرجل الكبير وكونه مقعدا لا يستطيع أن يقوم، ولا يمكنه أن ~~يعلم ما يجري في داره، ورأت ابنها الصغير لا يدرك الأمر، وبعد ذلك بقليل دخل الشاب محبوب ~~عزيزة - وكان اسمه إبراهيم - دارها، ويا ليته ما دخل! # أما إبراهيم فكان شابا يبلغ العشرين من عمره، وكان أبوه مستخدما فقيرا، وكان صحيح ~~الجسم قويا، أبيض الوجه أحمره، وهو في مشيته أقرب إلى النساء منه إلى الرجال، وكان يلبس ~~ملابس ضيقة تظهر كل جمال في جسمه، وهو من الذين لا يعرفون في الحياة شيئا غير الأكل ~~والشرب وما وراءهما، وهم في كل هيئة اجتماعية سبب شقائها وبلائها، فإن كانوا أغنياء فتحت في ~~وجوههم ثروتهم أبواب الشر، فلم يتركوا ذنبا إلا وطرقوا بابه، ولم يغادروا جريمة أدبية إلا ~~واقترفوها، ولا ندري من غرس في أفكار تلك الفئة الضالة مبادئ الماديين العقيمة، فإن أحدهم ~~لا يبالي بشيء ما دام ماله في كفه وبطنه مملوءة بالطعام ومجالس أنسه عامرة والفقراء الجهلاء ~~يخدمونه ويسجدون لذهبه، وهو لا يحس بأن للحياة أغراضا إلا الأكل واللذة والذهب. وإن كانوا ~~فقراء التمسوا رزقهم بجمال وجوههم ورشاقتهم، وليس اللص الذي يقتل الناس ويسرق المتاع ليأكل ~~ويسد عوزه بأكبر جرما من الذي يسرق العفة والطهارة من قلوب بنات ms40 الأمة، ويظن أن كل ما ~~يأتيه حلال؛ لأنه شاب والشباب شعرة من الجنون. # وكانت عزيزة كل ذلك الوقت تنفق من جيبها على الشاب إبراهيم، ولا تمنعه شيئا، ولما رأى ~~ثروتها وعلم بحبها له، قال إنه من عائلة شريفة، وإن الناس علموا بأمره وأمر عزيزة، وإنه ~~يخشى الفضيحة، ففاتحت عزيزة أمها في الأمر، وشكت لها حبها لإبراهيم، وقالت: إنها إن لم تحظ ~~به دائما تموت شهيدة حبه وغرامه، فوجدت أمها بدهائها ومكرها مخرجا لبنتها ومعشوقها من تلك ~~الورطة، وذلك بالزواج، فامتنع الشاب عن الزواج بعزيزة بحجة أن أهله يغضبون عليه؛ لأنهم لا ~~يرغبون في زواجه إلا من بنت بكر، ولكن لم تفرغ جعبة أم عزيزة من الحيل، فإنها قالت: إنه لا ~~يعلم أهله بالزواج، وتبقى عزيزة في دارها، ويزورها إبراهيم كلما شاء، فقبل الشاب بعد إلحاح ~~شديد، وبعد أن أتحفته عزيزة بمائة جنيه. # ومن الغريب أن الزواج أطفأ نار الغرام التي كان يشعلها الزنا، فقبحت عزيزة في عين ~~إبراهيم، وأمسى قربها وبعدها لديه سيان، وبدأ إبراهيم يحس بثقل عزيزة على كاهله. # وكان كلما زاد تيها ودلالا تزداد عزيزة إليه شوقا وميلا، وكلما طلب مالا وهبته ما ~~شاء، وأصبح المتصرف في كل شيء، وليت إبراهيم كان يأخذ مال عزيزة ويسد به حاجة عائلته، فإن ~~ذلك يكون أفضل من حبسه، بل كان يأخذ مال تلك المسكينة فيلبس الملابس الجميلة، وينفق طول ~~ليله على الخمر والنساء. # | الفصل الحادي عشر # قال محدثي: وقد راقت زبيدة - أخت عزيزة الصغرى - في عين إبراهيم من كثرة تردده على ~~الدار. # وكانت زبيدة أصغر من عزيزة وأجمل، وكانت في ذلك العهد لا تزيد عن سبعة عشر عاما، وهي ~~مملوءة شبابا وصحة، نادية الخد، معتدلة القد، رخيمة الصوت، بارزة النهد، ولما قابلت عين ~~إبراهيم عينها، احمر وجهها، وأغضت بنظرها إلى الأرض، فداعبها وتودد إليها، والتقيا يوما ~~على انفراد، وقال لها: «قبلة.» وما زال يسأل وتمنع حتى أبرز لها قطعة من الذهب، وأين ~~لزبيدة مثل هذه القطعة، وهي فتاة لم تتزوج ولا ms41 تحتاج إلى المال، فلما رأت الدينار رأت فيه ~~حذاء جديدا ومنديلا جديدا وعطرا، ورأت كل ما يشترى بالدينار، فقالت له: ما أكرمك لو ~~أعطيتنيه! فقال: ما أحلمك لو صبرت حتى أقطف وردة من بستان جمالك، وأطفئ نار قلبي بقبلة من ~~خدك! فقالت له: يا للعار! أنا بكر، فقال لها: يا للأسف! وأنا عاشق، قالت: قف متأدبا وضع ~~يديك على صدرك، ولا تفاجئني حتى أقرب إليك خدي. # ودنت منه، فخفق قلبه، ورأى الاصفرار يعلو خدها النادي، وكأن حرج الموقف كاد يخرج قلبها من ~~صدرها، فأدنت خدها من فمه فلمسه بشفتيه ولم يقبله، فأجفلت وقالت: هات فقد أعطيتك، قال: لا، ~~إني لم أقبلك، وقلبك أعدل الشاهدين، فقالت: يا ربي، يا لله! ما أبخلك! فقال: يا قلبي، يا ~~فؤادي، يا لله! ما أجملك! فضحكت زبيدة، وأدنت خدها ثانية؛ فوضع عليه نار شفتيه، وقد لذ ~~ذلك للفتاة، وتحركت في نفسها الطبيعة الكامنة في النساء، فدنت منه كثيرا ودنا منها أكثر، ~~وأطلق يديه، وقبض على رأسها، ووضع على شفتيها القبلة الأولى ... # ولقد جرت تلك القبلة هموم تلك العائلة وهموم غيرها من العائلات، هذه القبلة خلقت عواطف ~~حب جديدة بين الشاب والفتاة البكر، ومن ذلك اليوم أصبحت زبيدة ملكا لإبراهيم. # وكانت أم زبيدة تحبها أكثر من عزيزة؛ لأن زبيدة صغرى الاثنتين، وتظن تلك الأم الشريرة أن ~~من الحب ستر العيوب، فأسرت زبيدة أمرها لأمها، وشكت لها حبها لإبراهيم، وخوفها من ~~الفضيحة، فهدأت أمها خاطرها بطيب الكلام، وكانت بعد ذلك تنتهز فرصة غياب عزيزة عن الدار، ~~وتبعث إلى إبراهيم، فيأتي ويجلس مع زبيدة ويحادثها ويداعبها ويقبلها ويضمها ... # | الفصل الثاني عشر # قال محدثي: وفي يوم من أيام الصيف، أتى إبراهيم إلى الدار، وكان الهواء حارا جدا، ~~فطلب ماء باردا غسل به جسمه، ولم يكن في الدار غير زبيدة وأبيها العجوز المريض، وفي ~~الفرصة التي كان إبراهيم يغسل فيها بدنه كانت زبيدة متقدة جدا، وكان في ضميرها عراك شديد ~~بين العفة والرذيلة، أتدخل عليه الحمام وتضم جسمه العاري إلى ms42 جسمها، أم تسأله قبلة كما ~~سألها هو منذ أيام، أم تصبر على ضيم طبيعتها البشرية الهائجة؟! وأخيرا خرج إبراهيم من ~~الحمام، ولبس ملابسه، فأخذته زبيدة إلى قاعتها، وأجلسته على السرير، ثم قالت له: إنني متعبة ~~جدا، وأرغب أن أنام، فأين أضع رأسي؟ فقال: ضعي رأسك فوق كتفي، فإن ذلك يجعلني أسعد رجل في ~~الدنيا. # فأخذت زبيدة يده في يدها، وضغطت عليها ضغطا شديدا، وتغير وجهها، وذهبت عنه نظرة ~~الإنسانية، وصار حيوانيا محضا - ويظهر من ذلك أنها لم تعد قادرة على كبح جماح شهوتها ~~التي تغلبت عليها تغلبا شديدا - فدنت من إبراهيم وقبلته، فما كان منه إلا أنه قبلها؛ ~~لأنه ظن أن قبلتها الأولى تحية، فردها بأحسن منها، ثم ضمها إلى صدره ضما عنيفا، فقالت ~~له بخجل وحياء: إنك أتلفت ملابسي وهي جديدة، فدعني أفك أزرارها ... وبعد أن فكت أزرارها، وبان ~~نهداها وصدرها، ضمها إبراهيم ثانية إلى صدره، وعند ذلك صرخت وقالت: إنك حللت شعري، فقال ~~لها: دعيه ينسدل على كتفيك، وعند ذلك تركت زبيدة شعرها القسطني الجميل، فانسدل على صدرها ~~وظهرها، فقال لها إبراهيم: إن شعرك أجمل شعر في الدنيا، ثم أخذ منه خصلة وقبلها، وكانت ~~زبيدة في ذلك الحين متكئة على ذراعها، فخانتها قواها ووقعت، فانحنى إبراهيم ليقيمها، ~~فانتهزت هذه الفرصة وأخذت بوجهه بين يديها، ونظرت إليه نظرة مملوءة بالحب، ثم أغمضت عينيها، ~~وعند ذلك قبلها إبراهيم، وتغلبت عليه شهوته؛ فأخذ الفتاة بين يديه ... ~~••• # وفي هذه اللحظة كان الرجل العجوز أبو عزيزة قد لحقه ضيق شديد في صدره، وكانت خادمته خرجت ~~لتزور قريبة لها، فكان المسكين يتأوه ويصرخ بصوته الضعيف، وينادي زوجته فلا تجيب، ثم ينادي ~~عزيزة فلا تجيب، ثم ينادي زبيدة فلا تجيب، ثم نادى المسكين ابنه الصغير، ولكن الولد كان مع ~~أمه خارج الدار، وأخيرا تنهد العجوز المريض من قلبه، وقال: آه، وأظن تلك الآهة قد وصلت ~~إلى أذن زبيدة فتجاهلتها، وظنت أنها لم تسمع تنهد أبيها، وكيف تبيع لذة الحياة الدنيا في ~~مثل هذه الساعة، وتقوم ms43 لخدمة رجل عجوز ليس بينه وبين القبر إلا ساعات معدودة؟! # ويا ليت زبيدة قامت لتساعد أباها المريض؛ لأن عزيزة وصلت إلى الدار، وفتحت الباب بلا ~~غاغة، ولا أدري ماذا حملها على ذلك، وربما حدثتها نفسها بالأمر، ودخلت عزيزة القاعة، فرأت ~~زبيدة وثيابها ملوثة بدم عرضها، وهي صفراء ترتجف، وعيناها تنظران إلى الأرض، ورأت إبراهيم ~~واقفا كالسائل المحروم بعد أن كان شامخ الأنف ... # وما أحرج ذلك الموقف! ... وقد تغلبت غيرة عزيزة على حبها لأختها، وخافت على حبيبها أكثر ~~من خوفها على عرض زبيدة، وبقيت صامتة أمدا طويلا، ثم تناولت كرسيا كان في القاعة قريبا ~~منها وضربت به إبراهيم، وقد هشم الكرسي وجه الشاب، واختلط دم جراحه بدم عرض الفتاة الذي ~~أراقه، ونظن أن دم العرض أنقى وأشرف من دم وجه ذلك الخسيس الدنيء، وأمثال إبراهيم أقرب إلى ~~النسوة منهم إلى الرجال، فإنه لما رأى تلك الإهانة من عزيزة هانت في عينيه فضيحة الفتاة، ~~ولم يستح من عمله، وأخذ يسب عزيزة ويشتمها بأعلى صوته، وهم بها يضربها، وقد بعثت الصدفة ~~أم عزيزة ومعها الولد الصغير، أما الولد لما رأى أخته زبيدة ودم عرضها يجري، خاف عليها ~~وظنها مريضة، وأنها ستموت، فأخذ يبكي عليها وهو يقبلها ويكلمها وهي لا ترد عليه، مسكين ~~هذا الطفل الصغير الذي يدافع عن أخته بصوته الطاهر، فإن كل دموعه ونحيبه لا ترد ما حدث، ولا ~~تنجي زبيدة من موتها الأدبي الذي ماتته بعد أن فرطت في عرضها، وأما الأم - وهي تلك المرأة ~~الخبيثة - فقد فهمت كل شيء ... وبدأت تهدئ روع إبراهيم، وتلوم عزيزة على تهورها ~~واندفاعها. # وقد سببت تلك الحادثة الكراهية والبغضاء بين عزيزة وأختها وأمها، وبقيت العائلة في شقاق ~~أمدا طويلا، ثم انفصلت عزيزة عن العائلة بمالها وثروتها. # وكان الحاج حسن أبو عزيزة قد ضيع أكثر أمواله، ولم يكن يملك غير الدار التي يسكن فيها ~~هو وعائلته، فلما حدث ما حدث لم يخبره أحد بالأمر، ولم يبلغه خبر انفصال ابنته الكبرى ~~وكونها تركته فقيرا هو وابنه الصغير، ms44 وهما المظلومان بين الجماعة. # أما زبيدة وأمها والولد الصغير فبقوا في الدار وليس لديهم ما ينفقونه، فأخلوا جزءا ~~كبيرا من الدار وعرضوه للسكنى، فسكنه بعض الإفرنج بعائلتهم، وكانوا يدفعون لهم في كل شهر ~~شيئا زهيدا من المال يتعيشون به هم والرجل المريض المقعد، كل هذا وذلك المسكين لا يدري ~~ماذا حل به وبعائلته. # وكان إبراهيم بعد هذه الحادثة يتخلف إلى دار زبيدة كل أسبوع مرة أو مرتين، ويجلس معها ~~ساعة أو يبيت معها ليلة، وكان يعللها بالزواج، ويقول: إنه طلق أختها، وإنه استشار أباه ~~فرضي بزواجه بزبيدة، وكانت المسكينة تحبه وتصدق كلامه، وتظنه غنيا كما كان يزعم، فتطلب ~~منه مالا فيراوغها ويعدها ويخلف وعدها، وأخيرا لما رأى فقرها وفقر أمها، وعلم أنه لا ~~يستطيع أن يسلب أكثر من عفتها، نفر منها، وغضب عليها، ثم اختفى مرة واحدة. # ولا ندري ماذا حل بعزيزة بعد أن تركت أهلها، ونظن أن إبراهيم عاد إليها وهي العاشقة ~~المتمولة التي تعطيه المال، فاسترضاها وتاب إليها، فاشتغلت به واشتغل بها. # ولما وجدت زبيدة نفسها في ضيق شديد، وعلمت أن أباها هو العقبة الوحيدة في طريقها جالت ~~برأسها فكرة شيطانية، ولكن الله أرحم من أن ينتقم من الرجل بأكثر من هذا، ولم يمكن الموت ~~زبيدة من دس السم لأبيها، فإنها استشارت أمها وقبلت الملعونة، ولكن انتهى عذاب المسكين ~~بلا سم، ومات وحوله زوجته وابنته وابنه، فنحن ندعو بالرحمة لنفس هذا المسكين المعذب الذي ~~عاش مريضا محزونا متعبا، ومات ملوما محسورا معذبا. ~~••• # ومن الغريب أن عزيزة لم تحضر دفن أبيها، ونظنها لم تسمع بموته، ولما مات الرجل، ونظرت ~~زبيدة حولها فلم تجد من يحكمها ولا من يصونها ولا من يعوقها، استشارت أمها في الخروج من ~~حياة الذل والاستكانة إلى حياة فيها نعيم وغنى؛ فشجعتها أمها، فباعتا البيت، وأخذتا الولد ~~الصغير، وكان لا يتجاوز السادسة من عمره - وليته مات - ورحلتا في «طلب العلا» إلى المدينة ~~الفاسقة، بابل الفجور، مدينة القاهرة، الأم لتنظر في شأن الولد، والبنت لتتجر في ~~عرضها. ms45 # وكان لقدوم زبيدة إلى مصر طنة ورنة عند أهل «الحياة السافلة»، فتسابق إليها أصحاب ~~المراقص، ثم استأجرها أحدهم بعشرين جنيها في كل شهر، وعلمها كيف ترقص ببطنها، وتغني ~~وتشرب وتطرب. # هذه هي الفتاة منيرة التي يحبها مختار، فإنها لما وفدت إلى القاهرة غيرت اسمها من زبيدة ~~إلى منيرة؛ لتختفي وراء هذا الاسم الجديد. # ولما اشتهر أمر منيرة بين الشبان الساقطين، ذهب مختار مرة ليراها، فراقت في عينيه، وراق ~~في عينها، واصطحبا، ومن الغريب أن منيرة كانت قد ماتت من قلبها كل العواطف، وعلمت أن كل ~~الناس يطلبونها ويحبونها، فلم تعد تحب الناس حبا طاهرا، إنما كانت تحبهم حبا صناعيا ~~تستطيع به أن تملك قلوبهم وجيوبهم، وكذلك كان حبها لمختار، فإنها أظهرت له الميل الشديد لما ~~رأته غنيا قادرا ينفق في كل يوم عشرة جنيهات ... ولا يبعد أن يكون شباب مختار وجماله قد ~~أثرا في فكر تلك الفتاة، ووجدا من قلبها مكانا لم يصل إليه الفساد، فأحبته ~~قليلا. # | الفصل الثالث عشر # عود على بدء # قال محدثي: وقد حكى لي مختار عن حاله بعد موت أمه، قال: ولما ماتت أمي وبقيت أختي وحيدة ~~تدبر شئون المنزل، رأيتها عاجزة تمام العجز عن ذلك؛ لأنها كانت صغيرة، وكانت أمي حكيمة ~~مدبرة، أما أختي فكانت دائما تسألني عن النقود ... # وكنت أذهب إليها فلا أجد في الدار طعاما آكله، ولا أجد ملابس نظيفة ألبسها، وبالجملة فقد ~~ساءت حال داري، وأهمل أمري، وأهمل تدبير شئوني المنزلية. # قال محدثي: هذا كل ما كان يحكيه لي مختار عن نفسه، وقد حدث أن الزمان أصابه بكل المصائب ~~في آن واحد، فإنه بعد أن ماتت أمه مات حظه، فكان إذا لعب القمار ليكسب مالا ليعيش، يخونه ~~القضاء ويخسر كل شيء، وكان ما يتقاضاه من الحكومة قليلا لا يزيد عن أربعة جنيهات، فكيف ~~يدبر نفسه بهذه النقود القليلة؟ يأكل ويلبس، وتأكل أخته وتلبس، وليت المصائب وقفت عند هذا ~~الحد، فإن الدهر أصاب مختارا بسهم أشد من تلك السهام، وتفصيل الخبر أنه أصيب ms46 بمرض ~~النساء. # | الفصل الرابع عشر # قال محدثي: ولم تكن منيرة قانعة بمختار، إنما كان لها غيره من الشبان والشيوخ عدد كثير، ~~وحدث أنها أوقعتها الظروف في شاب مريض بداء النساء، ومرض النساء هو المرض الذي نسبه الناس ~~إلى الزهرة «إلهة الجمال عند الأقدمين»؛ لأنه يتسبب من الانقياد للجمال واتباع هوى ~~النفس. # ومن الغريب أن منيرة كانت تخبر مختارا بأنها مريضة وتهدده بالعدوى إشفاقا عليه وخوفا ~~على صحته، ولكنها لم تكن تنصحه بكلام بين واضح، وتقول له: «لا تقربني، فإنني مريضة، وإذا ~~دنوت مني ربما أصابك مرض.» إنما كانت تتيه عليه وتمتنع عنه، فيظنها المسكين تداعبه، ويحسب ~~امتناعها دلالا، فيزداد إليها شوقا، ويكاد قلبه يقطر دما إذا أصرت على إبائها ومنعته ~~لذة وصالها. # وكان مختار يرى على منضدة قاعة النوم زجاجات وآلات طبية، وكان يرى جسم منيرة نحيلا ~~ووجهها أصفر، على أنه لم يفكر ولم يحسب للمرض حسابا؛ لأنه أعماه الغرام عن كل شيء، ومثله ~~كمثل الفراش يعلم أن النار تحرقه ولا ينفك عنها، ومن يدرينا أنه كان يعلم بمرضها، وهو يغش ~~نفسه ويقنع ضميره بأنها صحيحة؛ ليقضي لذة لا تدوم طرفة عين، ومن يدرينا بأن تلك اللذة ~~القصيرة كانت هي نعيم مختار، ومن أجلها كان يعيش، ولا يستطيع الحياة بدونها، فكان يضحي في ~~سبيلها كل شيء، وقد رأيناه يضحي ماله وشرفه وأمه، فكيف لا يضحي صحته؟! # ولما كان مختار يخبرني بذلك، وكنت ألومه على اندفاعه في تيار الملاذ، كان يقول: إن الحياة ~~هي الغرام، ولا أدري ماذا كان يعني بالغرام، وأظنه كان يعني بالغرام القرب من منيرة ~~ووصالها، على أن جسم مختار لم يكن يتحمل مضار الخمر والسهر، ويفر من جراثيم المرض، فأصيب ~~المسكين بداء إلهة الجمال. # ولما اكتشف ذلك، أتاني كالمجنون، وأخبرني بذلك آسفا باكيا، فهدأت روعه ورأيت أن اللوم ~~والتعنيف لا يجديان نفعا بعد أن سبق السيف العذل، فقلت له: وبماذا تحس الآن يا مختار؟ قال: ~~أحس بآلام شديدة إذا أكلت شيئا في لساني وحلقي، وفكري مضطرب، وشهية ms47 الأكل مفقودة مني ~~بالمرة، وقد رأيت صباح اليوم جرحا صغيرا في ... وعظامي توشك أن تتفتت، ومعدتي مرتبكة، وأحس ~~بألم شديد في رأسي، ونومي قليل. قلت: هذا ما تحس به من المرض، فماذا تحس نحو منيرة، وأنت ~~تعلم أنها سبب هذا المرض؟ قال: ما لنا ولهذا السؤال الآن؟ أنا في مرضي وقلبي في غرامه. قلت: ~~إن شفاءك يترتب على جوابك لي. قال: إذا كان الأمر كذلك فاعلم أنني لا أزال أحبها، ولن أزال ~~أحبها إلى الأبد مهما سببت لي من الأمراض والعاهات والعلل والفقر والحاجة! قلت: ألا تبغضها ~~بعد ذلك؟ قال: ليته كان في وسعي أن أبغضها لحظة! قلت: وهل علمت منيرة بما أصابك، قال: نعم، ~~قلت: وماذا قالت لك؟ # قال: إنها اصفر لونها، وقالت: إن كل الرجال يصابون بهذا المرض مرارا ... ثم لامتني على ~~عدم قبول نصائحها، ووصفت لي بيت أحد الأطباء. قلت: ومن هو هذا الطبيب؟ # قال: هو الدكتور «س»، وعيادته في شارع ... نمرة 10، ولذلك أتيت إليك الساعة لتصحبني ~~إليه. # وقد حزنت جدا لحال مختار، وعز علي أن أتركه يذهب إلى الطبيب منفردا، كما ذهب إلى ~~منيرة منفردا ... ~~••• # ولما طرقنا باب الطبيب، فتح لنا شاب رومي، ثم دخلنا ورأينا خادما يحمل بين يديه دلوا ~~فيه ماء قذر، وسمعنا أصوات أبواب تفتح وأبواب تقفل، ودخلنا قاعة صغيرة فيها مقعد وأربعة ~~كراسي، فجلسنا، وكان في القاعة شاب أصفر شاحب الوجه، عيناه بارزتان، وهو يتناول إحدى ~~الجرائد مرة فلا تلبث في يده دقيقة حتى يلقي بها، وهو في كل لحظة يتململ في مكانه كمن يحس ~~بألم شديد، أما قاعة الاستقبال أو الانتظار التي جلسنا فيها فكانت متوسطة في الحجم، وكان في ~~وسطها منضدة عليها جرائد ومجلات مصورة، وعليها «علبة كبريت»، وكم يد قلبت هذه الجرائد ~~والمجلات! وكم مريض أمسى الآن تحت الثرى جلس في هذه القاعة! # ومن عادتي أنني إذا جلست في غرفة الاستقبال في دار الطبيب أن صدري يضيق ضيقا شديدا، ~~فبقيت أقلب أجفاني في هذه الغرفة، لعلي أجد ما أتسلى ms48 به، فرأيت صورا كثيرة معلقة على ~~الحائط، فقمت أنظر فيها، وقد استلفتتني كثيرا صورة بسيطة، وهي صورة رجل وامرأة جالسين على ~~مائدة الطعام وبجانبيهما طفلان صغيران، فهي إذن صورة السعادة المنزلية، ولو كنت رأيت هذه ~~الصورة ألف مرة في غير هذا المكان، لما كنت دهشت لرؤيتها، ولكن كأن الدكتور «س» أراد أن ~~يعلم مرضاه درسا صغيرا بوضع هذه الصورة، وكأنه يقول لهم: لو تزوجتم وأتيتم بأطفال ~~يدلونكم على السعادة لما احتجتم إلى المجيء إلي، فتنبهوا وأصلحوا من شئونكم، وإذا ~~شفيتم اليوم فلا تعودوا إلي مرة ثانية. # فلما أطلت النظر إلى الصورة سألني مختار أن أجلس بجانبه ليحادثني، فجلست، ولكنني لم أشأ ~~أن أكدره بكلامي عن الصورة؛ لأنني رأيته مهموما، ثم دخل علينا رجلان مصريان، أحدهما بعمامة ~~وعليه علائم الوقار، والآخر بطربوش، أما صاحب العمامة فكان صوته خشنا، ويظهر أن في حلقه ~~عاهة تمنع خروج كلامه بالصوت الطبيعي، ويظهر أنه بقي كذلك أمدا طويلا؛ لأنه كان يتكلم ~~بسهولة تامة كأنه تعود على ذلك الصوت وتعود ذلك الصوت عليه، ويظهر أن الشاب الذي كان ~~معه كان فريسة جديدة وأتى به ليرشده إلى دار الطبيب؛ لأن الشاب كان خائفا وجلا، ثم دخل ~~علينا شاب صغير لا يزيد عن ثمانية عشر عاما، وتحت إبطه محفظة الكتب، فعلمت لأول وهلة أنه ~~تلميذ في مدرسة، فقلت لنفسي: وماذا يعمل التلميذ في دار الطبيب الذي كتب على بابه: # عيادة الدكتور «س» ... # اختصاصي بأمراض المثانة وأمراض النساء. # متخرج من كلية باريس وعضو الجمعية الملكية الطبية. # ولقد كادت تحملني الجرأة على سؤاله عن أمره، فخشيت أن يردني ملوما وعيادة هذا الطبيب ~~بالدور، ومعنى ذلك أن من أتى أولا يراه الطبيب أولا، فلما انتهى دور الشاب الأصفر الذي ~~كان جالسا عند دخولنا أتى إلينا مساعد الطبيب ودعانا إلى غرفته، فقمنا ودخلنا قاعة رحبة ~~فيها في ناحية منضدة كبيرة عليها قنينات وأدوات طبية، وفي سقفها زجاجتان كبيرتان فيهما ماء ~~ودواء لونه أزرق، وفي وسط الغرفة شيء شبيه بالسرير، وفي ناحية من ms49 الغرفة منضدة عليها ~~ميكروسكوب، ومنظار كبير، وزجاجات صغيرة، ورأينا الطبيب واقفا وهو لابس ثوبا من القماش ~~الأبيض ليقي ملابسه من قذارة العقاقير، فلما رآنا أدخلنا إلى قاعته الخصوصية، وفيها خزانة ~~كبيرة فيها كتب، وخزانة أخرى فيها عدد الجراحة، وخزانة ثالثة فيها هيكل إنسان من العظم، ~~وحول الحائط صور مصنوعة من الجبس تمثل أعضاء التناسل المصابة بأمراض النساء، وأقول الحق: ~~إنه بمجرد رؤيتي لهذه الصور أحسست بخفقان شديد في قلبي، وغاب رشدي. # ولما جلسنا سألنا الدكتور عن حاجتنا، فحكى له مختار كل شيء، فقام إليه الطبيب، ووضع ~~نظارته على عينيه، وفحصه، وجس نبضه، ووضع سماعة على قلبه، وفتح عينيه، وجس حلقه، ثم أخذه في ~~غرفة مستترة ليرى ما خفي من جسمه، ثم عاد وهز رأسه، وجلس صامتا، وكان مختار أصفر يرتجف من ~~الخوف، فسألت الطبيب بالفرنسوية عن المرض، وكان مختار لا يعرفها، فابتسم ابتسامة برد لها ~~الدم في عروقي، وقال: إن الإصابة بسيطة، ولكن هل أنت قريبه؟ قلت: لا، قال: إنه يشفى سريعا، ~~ولكن مرضه ينتهي بالجنون، فوجمت من هذه الكلمة، وقلت: راجع نفسك أيها الطبيب، قال: أنا ~~متحقق مما أقول، وأول قاعدة عندنا في فن الطب هي أن لا نضر المريض وأن لا نكذب عليه، قلت: ~~ومن أين عرفت أن مرضه ينتهي بالجنون؟ قال: لأنه ورث الداء من أبيه ثم أصيب وهو صغير السن، ~~وهو مفرط في صحته، ويشرب الخمر كثيرا، ويتناول الحشيش وما يتبعه. # وعند ذلك رأيت مختارا مهتما بحديثنا، فقلت له قبل أن يسألني: إن الطبيب يقول إن ~~الإصابة بسيطة، ويجب عليك أن تمتنع منعا باتا عن الخمر والدخان والعنبر والنساء والقمار؛ ~~لأن الأولى تضعف الكبد، والثاني يضعف الرئتين، والثالث يضعف العقل، والرابع يضعف الجسم كله، ~~والخامس يؤثر على الجهاز العصبي. # وعند ذلك تناول الطبيب قلما، وبقي يكتب طويلا في دفتره الخاص، ثم أخذ ورقة، وبقي يكتب ~~تذكرة الدواء، ثم أعطانا إياها، ووصف لمختار طريقة استعمال الحبات وطريقة شرب ما في ~~الزجاجة، ثم قال له: عد إلي بعد ms50 خمسة عشر يوما، ثم ودعنا وخرجنا من غرفته الخصوصية، ~~فمررنا بغرفة العمليات، فرأينا منظرا استوقفني طويلا، وهو منظر ذلك الشاب الذي ظننته ~~تلميذا وهو نائم على السرير الموجود في وسط القاعة، وهو مكشوف الجزء الأسفل من الجسم، ~~ومساعد الطبيب يعالجه بالدواء الموضوع في أعلى الغرفة، فلما رآنا الشاب خجل خجلا شديدا، ~~واحمر وجهه، وأغمض عينيه، فقلت في نفسي: ما كان أغناه عن تلك اللذة التي سببت هذه الرقدة ~~...! # ولما خرجت من عتبة دار الطبيب وشممت الهواء النقي أحسست بأني خرجت من الجحيم إلى النعيم، ~~ولكن نظرت فإذا بمختار بجانبي، فقلت: لا تزال معي قطعة من النار يحملها ذلك المسكين، وذكرت ~~كلام الطبيب فبكى قلبي وبكت عيناي على ذلك الغصن الرطيب الذي تقصفه المنون قبل ~~الأوان. # ولما بلغنا ملتقى الطرق، افترقنا ونحن صامتان، فذهب هو إلى داره، وذهبت حاملا تلك الذكرى ~~المؤلمة. # | الفصل الخامس عشر # ولا يمكن لأي إنسان له عواطف ويحس بآلام الناس ويتصور حال مختار في مرضه، حتى يذرف الدمع ~~السخين، فلقد أمسى هذا المسكين يستر فقره بقليل المال الذي يحصل عليه بعد أن كان يلعب ~~بالذهب لعبا في أيام إقبال الدهر، وأمسى يعالج داء أعيا الأطباء طرا، لا يدخل جسما حتى ~~يخرج منه بالحياة، وفقد مختار أمه فأي هم أكثر من همه، لا سيما وكان قبل ذلك بشهر واحد ~~ناعم البال سعيدا، يحظى بوصل حبيبته، ويصرف المال بدون حساب، فهل كان يخطر بباله أنه بعد ~~ذلك الشهر سيكون فقيرا مدقعا، ليس له في كل يوم إلا مبلغ زهيد لا يكاد يكفي ولدا من ~~أولاد الأغنياء ثمن ألاعيب، هل كان يخطر ببال مختار أن أمه تموت وتتركه هو وأخته في بحر هذه ~~الحياة، فتتقاذفهما أمواج الفقر، وتعبث بهما رياح الحاجة والشقاء؟! # نعم، كان لمختار وأخته بيت، وكان لهما خادم يخدمهما، وكان مختار يلبس ملابسه التي كان ~~يلبسهما في ثروته، ولكن قلب مختار وقلب أخته كسرا وخيم الحزن على نفسيهما، فلم يكن مختار ~~يبتسم، ولم تكن أخته تضحك ضحكة، على ms51 أنها منذ شهر أو شهرين كانت تملأ البيت بصوت ~~ضحكها. # ماذا يصنع مختار إذن وهو في مرضه وفقره؟ أيلجأ إلى حبيبته منيرة وهو لا يدري كيف تقابله، ~~أم يلجأ إلى أخته وهي أقرب إليه؟! إنه المسكين لجأ إلى أخته وبدأ يطلب السعادة المنزلية، ~~ولكن الصيف ضيعت اللبن، وذهبت السعادة ولم تنتظر مختارا، فليته أتى منذ عام أو عامين ~~... # مسكين أيها الشاب الذي أضاعك الحظ وأصابك الدهر بكل أنواع المصائب، وكم شاب مثلك نراهم ~~في الطريق، فنمر بهم ولا نعيرهم نظرة واحدة، وهم ينظرون إلى وجوه الناس الأغنياء، كأنهم ~~يلتمسون الرحمة منهم، فيلقي الغني عليهم نظرة احتقار واستهزاء وكراهية! # ولو كانت الرحمة في شكل إنسان لهبطت على مختار المسكين - وهو سائر من ديوانه إلى منزله، ~~أصفر الوجه، مقطب الجبين، أعمى البصيرة، وجراثيم المرض تقرض حبل حياته - ورفرفت عليه ~~بأجنحتها، وضمته إلى صدرها، وقبلته، ثم رفعته إلى السماء العلى؛ ليحظى بالجنة والنعيم، فقد ~~كفاه ما هو فيه من الهم والأسى، ألا يكفي ذلك عقابا له على ذنوب الشباب، والشباب شعرة من ~~الجنون؟! # وبعد قليل من زيارة مختار للطبيب، اشتد عليه المرض، وأظنه لم يكن قادرا على دفع ما يطلبه ~~الطبيب في كل مرة، فذهب إلى حلاق فقير يدعي البراعة في الطب، وأسر إليه أمره بعد خجل ~~شديد، فعالجه الحلاق علاجا أكثر شرا من الداء، وكان يعالجه بتدخين «الزرنيخ»، وهذه ~~الطريقة مشهورة عند العامة لمداواة داء الزهرة، وهم لا يعلمون الغرض الحقيقي منها، وواضعها ~~يقصد قتل الجراثيم بدخول السم في الجسم، وقد استبدلها الأطباء بعلاج الزئبق، وكم كان مختار ~~يتألم من تدخين ذلك السم الزعاف، وكم مرة نزلت دموعه كاللؤلؤ الرطب على خده وهو يدخن ~~«الزرنيخ» في حانوت الحلاق! هذا الذي جناه من وصل منيرة وحبها. هل ما كسبه مختار في غرفة ~~نوم منيرة من مثل النوم على السرير، وتقبيل محبوبته، وضمها إلى صدره، ورشف لماها، والتغزل ~~في جمالها الفتان، يخسره في حانوت الحلاق، وهو يدخن الزرنيخ؟ # هل ذهبت كل الابتسامات الذهبية التي ms52 ابتسمها وهو يشرب الخمر بعد أن يخلطه بريق منيرة، ~~وعادت إليه دموعه سخينة يذرفها في حانوت الحلاق؟ # هل هذه هي العدالة التي يسير بمقتضاها هذا العالم، يوم أبيض من الثلج ويوم أسود من القار؟ ~~نعم هي العدالة يا مختار! نعم هي العدالة، وإن كنت أبكي عليك، وآسف على شبابك، وأتنهد من ~~أجلك، ولكن يا عزيزي مختار هذه هي العدالة، أنت مظلوم لا شك: نفس بريئة جنى عليها أبوها ~~وأمها والمجتمع الإنساني، ولكن هذه هي ما يسمونها بالعدالة، قبلتها أم لم تقبلها، فاصبر ~~فإنك ستحظى بعد الموت بالحور العين، وبالحدائق والبساتين، وبالقصور العالية، وبالأنهار ~~الجارية في جنة خلقت لمن يعذبون في العالم الأرضي ويلجئون إلى عالم السماء، اصبر يا مختار ~~وتأس وتفكر في روح الله، اصبر وليخطر ببالك أمر كل مسكين عاش في عذاب ومات في عذاب ~~وذهب إلى ...! # ولكن إلى أين يا مختار؟ ... أنا لا أدري إن كانوا ذهبوا إلى النعيم أو إلى العذاب أو إلى ~~النوم الطويل الذي ليس بعده قيام ... # | الفصل السادس عشر # وبعد أن بقي مختار هكذا أكثر من شهرين، ذاق فيهما مر الحياة، خطر بباله يوما أن يقصد ~~منيرة في مرقصها، لعلها تسعده بنظراتها وتذهب همه بصوتها الرقيق، وكان في جيبه قليل جدا ~~من النقود، فدخل المرقص فلم يقم له صاحبه، وكان دائما يرحب به ويسلم عليه، ولم ينظر إليه ~~أحد، فسأل مختار نفسه قائلا: هل علموا بأمري وأنني فقير مريض؟! # فأجابه صوت الفاقة قائلا: كلا، إنما للفاقة خاتم وضعته على وجهك ومكتوب على هذا الخاتم: # فقير مكروه من الله والناس، ليس له أمل، ~~ففروا منه كما تفرون من المجذوم ... # ومن الغريب أن هذا الخاتم يقرؤه كل الناس، لا فرق في قراءته بين الأمي والقارئ، فلما قرأه ~~صاحب المرقص غض طرفه عن مختار، ثم جلس مختار في أحد الأركان، ومر به الخدم يحملون قنينات ~~الخمر ويصرخون بطلب غيرها، فنظروا إليه وقرءوا الخاتم الذي على وجهه، فلم يعيروه لفتة، فنظر ~~مختار فرأى كل شيء كما تركه منذ ms53 شهرين من الزمان، أيام كان سعيدا غنيا؛ رأى المغنين ~~يغنون، ورأى الناس يسمعون ويطربون، ورأى الوارثين جالسين وبجانبهم بعض النسوة يلعبن ~~بعقولهم، وصاحب المرقص يلعب بهن والدهر يلعب بالجميع. # رأى مختار كل شيء لم يتغير، إنما هو تغير كثيرا، شتان بين الأمس واليوم، فقال: لعل منيرة ~~لا تستطيع قراءة خاتم الفاقة، ولم يكن يخطر بباله هذا الخاطر حتى سكتت المغنية، وخرجت منيرة ~~من حجرة وراء التخت بنصف جسمها مكشوفا وعليه الحلي من الذهب والماس، وبدأت ترقص؛ فدق قلب ~~مختار كثيرا، وكادت تخونه قواه ويسقط على الأرض، نظر إلى وجه منيرة فإذا به أحمر كما تركها ~~منذ شهرين، وهي لا تزال سمينة بصحة تامة وتتبسم للناس وتضحك، وتظهر الغنج والدلال، وتشرب ~~الخمر ... عجيب! لم يتغير شيء في الدنيا إلا أنت يا مختار ...! # ولما هدأ روع مختار أراد أن يصوب نظره إلى منيرة، لعله بذلك يستلفت أنظارها فتحول ~~نظرها إليه، فصوب وصوب، ولكن لم تلتفت إليه منيرة. كان بالأمس يتمنى لو يطول رقص ~~حبيبته سنة، ولكنه الليلة كان قلقا ينتظر انتهاء رقصها بفروغ صبر ليحادثها، وأخيرا انتهت ~~منيرة من الرقص، ونزلت تجمع ما يجود به عليها المتفرجون، ثم قربت من مختار، فلما رأته أتت ~~إليه وحيته ببرود، وقالت له: «أين كنت؟ كيف حالك؟ ماذا قال لك الطبيب يا مختار؟ لقد صرت ~~نحيلا نحيفا، ائذن لي في القيام، فإن لي رفيقة تنتظرني.» ولم تنتظر كلمة ثانية، وانصرفت ~~عنه وهو صامت كأنه ضرب عليه السكوت فلم يستطع أن ينبس ببنت شفة. أين كل الكلام الذي جهزه ~~ليشكو به حاله لمنيرة؟ أين حبها القديم؟ أين دلالها عليه؟ أين اعترافها بحبه وغرامه؟ كل ذلك ~~ذهب ... هل قرأت منيرة خاتم الفاقة الذي على جبهته؟ ... # نعم! نعم! فيا أسفى على مختار المسكين! ... وقام مختار من المرقص ملوما محسورا، ولا يعلم ~~مقدار همه وحزنه إلا الله. # | الفصل السابع عشر # قال محدثي: وكان في الديوان الذي يشتغل فيه مختار رجل عجوز بخيل، وكان مشهورا بين من ~~يعرفونه بالغنى؛ لأن مرتبه ms54 كان كبيرا ولأنه قليل النفقة ، ومن غريب أمر هذا الرجل أنه كان ~~لا يتزوج امرأة حتى تموت بعد أن تعيش معه زمنا قصيرا، وكانت كل امرأة تأتي له بغلام أو ~~ابنة ثم تموت، وقد تزوج هذا المسكين بأكثر من عشر زوجات، ودفنهن الواحدة بعد الأخرى، وبقي ~~يربي في أولاده وبناته، وكان أكبرهم لا يزيد عن عشر سنين، وأصغرهم لا يقل عن سنة، وترك ~~الرجل أمر هؤلاء المساكين لأخت له كانت فقيرة، فكان يعطيها في كل شهر قليلا من مرتبه لتنظر ~~في شأن أولاده. # أما الرجل فكان بين الطويل والقصير، صغير الرأس، طويل الرقبة، أقنى الأنف، لونه يضرب إلى ~~السمرة المختلطة بالاصفرار، وكان يمشي منحنيا قليلا، وكانت رائحة فمه قبيحة جدا، ~~وملابسه في غاية القذارة، ويظهر أنه نال المرتب الكبير الذي كان له بحق الأقدمية؛ لأنه بقي ~~في خدمته أكثر من أربعين سنة، وقد اشتهر أمره بين الناس، فبعد أن ماتت زوجته العاشرة لم ~~ترض امرأة بزواجه، وكان الناس يتساءلون عن سبب موت النساء وعدم موته، وكان هذا الرجل ~~مشهورا بنكاته؛ لأنه كثير الهزل والمزاح، ومن الغريب أنه كان من أصحاب أبي مختار في صباه، ~~وكان يكثر في التردد على داره؛ ولذلك كان دائما مهتما بأمر مختار، يسأل عنه وعن صحته، ~~فلما رآه في هذه الأيام الأخيرة، أصفر اللون، منقبض النفس، بقي يسأل ويستقصي حتى علم السر ~~في ذلك، فكان يجود على مختار بقليل مال، فيأخذ مختار ما يعطيه العجوز شاكرا؛ لأن مختارا ~~لم يكن كريم النفس أبيا، ولم يكن يعرف لذة الصبر مع الفقر والقناعة بالقليل، ولم يكن يعرف ~~أن مقابلة الدهر بمصائبه فضيلة عظيمة، إنما كل ما كان يعرفه هو المال واللذة. # وفي يوم من الأيام دعا الرجل المستخدم العجوز مختارا لتعاطي طعام الغداء معه في مطعم؛ ~~لأن بيت الرجل ليس مستعدا لمقابلة الأضياف وإكرامهم، وبعد أن أكلا «هنيئا» وشربا ~~«مريئا» ابتدأ العجوز قائلا: كيف حال الست إحسان أختك؟ فبغت مختار قليلا، ولكنه لم ~~يستغرب السؤال؛ لأنه تذكر أن ms55 الرجل كان يتردد على دارهم ، ورأى أخته وهي صغيرة، ثم نظر فرأى ~~للرجل عليه يدا كريمة، فقال له: إن أختي بخير، قال العجوز: ألم تتزوج؟ قال مختار: لا، إنها ~~ليست راغبة في الزواج، قال العجوز: ليست راغبة في الزواج؟ لماذا؟ قال مختار: لأنها ترى من ~~أحوال شبان اليوم ما يغضبها ويحزنها؛ ولذلك لا ترغب أن تكون زوجة لأحدهم. قال العجوز: نعم. ~~نعم. لها حق في ذلك، ولكن ما قولها لو تزوجت برجل ليس صبيا، وإنما يكرمها ويحبها كابنته، ~~أظنها لا ترفض الزواج بمثله، قال مختار: لا أظنها تقبل الزواج بعجوز، ولكن لماذا هذا ~~السؤال؟ قال العجوز: لأنه بلغني أن رجلا متقدما في السن يرغب الزواج بها وينوي أن يدفع ~~لها مهرا كبيرا، قال مختار: ولكن من هو ذلك العجوز؟ قال العجوز: إني لا أصرح باسمه الآن، ~~إنما هو كثير الشبه بي، وسنه يقرب من سني، ففطن مختار إلى قصد الرجل، وعلم أنه يرغب أن ~~يتزوج بأخته، فابتسم قليلا ... # إذن كان ذلك الشرير يقصد الزواج بتلك الزهرة الجميلة، ولم يكن يجود على مختار في بعض ~~الأحيان إلا ليحصل على زوجة (نمرة 11) ليدفنها بجانب أخواتها. # ولكن مختارا منع نفسه عن الضحك بعد أن تذكر همومه ومصائبه، ووجد أنه في حاجة شديدة إلى ~~المال، فحول مجرى الحديث إلى المسألة المالية، وقال: وكم يدفع هذا العجوز مهرا لأختي؟ ~~قال العجوز: يدفع خمسين جنيها، فتنهد مختار وقال: أهذا هو المهر الكبير الذي تقول عنه؟ ~~فاستند العجوز إلى كرسيه وانتفخ قليلا، وقال: إنه مستخدم مثلي، وهذا المهر يكفي لأن يكون ~~ثمنا لأي امرأة، فلم يفهم مختار قول الشيطان العجوز: «ثمنا لأي امرأة.» إنما قال: لا. لا. ~~إن مهر أختي لا يقل عن مائتين من الجنيهات، فإن رغب هذا العجوز في أختي فهو لا يمد لها يدا ~~قبل أن يدفع مائتي جنيه، فقال العجوز: أنا لا أظنه يدفع هذا المبلغ أبدا، ومع ذلك فأنا ~~سأقابله وأرى رأيه في ذلك. # ثم تغير مجرى الحديث، ودار على مسائل أخرى، ms56 وبعد قليل قاما وافترقا بعد أن هدم مختار ما ~~بناه العجوز من قصور الهواء للحصول على فتاة صبية تعيد له شبابه ويقصف غصن شبابها. وقد فتح ~~في وجه مختار باب جديد، وهو الحصول على المال ثمنا لأخته، ولم يخطر بباله المسكين أنه إذا ~~تزوجت أخته إحسان يصير وحيدا في العالم، ويهدم بيته، ويبقى كريشة في مهب الريح، وكأن المال ~~القليل الذي أمل الحصول عليه ثمنا لتلك المسكينة قد أعمى بصره وبصيرته، وهكذا أصحاب تلك ~~النفوس المضيعة، لا يطلبون في الحياة غير اللذة والسرور، ولو كلفهم السعي وراءهما ضمائرهم ~~ونفوسهم وأعراضهم ومالهم، وكل شيء عزيز عندهم. # | الفصل الثامن عشر # قال محدثي: ولما عاد مختار إلى أخته ليلا جلس يتحادث معها بخلاف عادته. قال: هل تتزوجين ~~يا إحسان؟ فاحمر وجه الفتاة؛ لأنه بذلك السؤال قد أحيى نفسها؛ لأنها - المسكينة - كانت قد ~~سئمت حياة الفقر بعد الغنى والذل بعد العز، وظنت أنها تتزوج شابا جميلا غنيا؛ فيزول ~~همها وغمها، وتتمتع بشيء مما يتمتع به النساء، ولكن تلك الفريسة الإنسانية لم تكن تعلم ماذا ~~تخبئه لها الأيام، فقالت لأخيها: إنني لا أحب أن أفارقك؛ لأن أمك أوصتني بك، ثم انحدرت ~~دموعها، وأخذت تنتحب انتحاب الأطفال، وتهتز كما يهتز الغصن إذا هب عليه الهواء، ولكن ~~مختارا لم يتأثر؛ لأنه ماتت كل عواطفه، ولم يكن يطلب إلا المال، ولكنه طيب خاطرها وضمها ~~إلى صدره، وقال لها إنه يرغب في سعادتها، وإنها إن تزوجت ربما يتزوج هو أيضا، فأبرقت ~~أسرة إحسان، وعلمت إن أخاها تزوج وهي تزوجت تصبح عائلتهم عائلتين، ويمكنهما أن يعيشا ~~بسعادة وهناء، وينسيا همومهما القديمة، وقالت له: إن كان الأمر كذلك فأنا طوع ~~إشارتك. # قال مختار: ولكن يا أختي العزيزة، أنت تعلمين أن شبان هذه الأيام ليس فيهم خير، وكلهم ~~فاسد؛ ولذلك لا أحب أن تتزوجي شابا صغيرا يلعب بك ولا يحبك؛ فاصفر وجه إحسان؛ لأنها ~~خافت أن يرغمها أخوها على الزواج برجل عجوز، وقالت له: وماذا تعني يا أخي بذلك؟ قال مختار: ~~أعني ms57 أنني أريد زواجك برجل يعرف قدرك ويحبك ويكرمك كما يحب الرجل ابنته ويكرمها. قالت ~~إحسان: إذن تزوجني من رجل عجوز كأبي؟ فابتسم مختار وقال: لا، إني لا أقصد ذلك، إنما لا يكون ~~زوجك شابا صغيرا، قالت إحسان: وكم يبلغ عمره؟ قال مختار: هو لا يزيد عن أربعين سنة، قالت ~~إحسان: أربعون سنة؟! إنه عجوز جدا، قال مختار: ولكنه غني جدا، قالت إحسان: وماذا ~~يهمني ماله؟ إنني لست أتزوج الذهب إنما أتزوج الرجل، ولو لم يستح مختار لقال إنه بقدر ما ~~يهمك شباب زوجك وجماله تهمني ثروته وماله، وأنا أفرح بزواجك كلما كان خطيبك غنيا، ولكنه ~~أراد أن يصل إلى غرضه بطريق غير طريق العنف والشدة، ثم أراد أن يقطع الحديث إلى الغد، فقال ~~لها: إننا نتحدث في هذا الموضوع في غير هذه الليلة. ~~••• # ولكن إحسانا لم تنم ليلتها؛ لأنه حدث لها رد فعل، فبعد أن أملت الزواج بشاب جميل، تحققت ~~أن زوجها سيكون عجوزا، وربما كان قبيح الصورة، وقد حركت تلك الأفكار شجونها فلم تذق ~~أجفانها طعم الكرى، وبقيت طول ليلتها تعالج همومها وأحزانها بالبكاء والسهر. # وكذلك مختار لم ينم؛ لأنه بقي يبني صروحا لآماله وأمانيه، وهو يحدث نفسه بالحصول على 200 ~~جنيه من وراء زواج أخته، فيمكنه بهذا المال أن يصلح شأنه، ويمكنه أن يغيظ منيرة التي غاظته ~~واحتقرته في فقره. # | الفصل التاسع عشر # قال محدثي: وفي الغد تقابل العجوز مع مختار ثانية وفاجأه قائلا: لقد قابلت زوج أختك ~~بالأمس ... فقاطعه مختار قائلا: ليس لأختي زوج، قال العجوز: أقصد الرجل الذي سيصير زوجها في ~~المستقبل، قال مختار: ولكن بعد أن يدفع مائتي جنيه. فقطب العجوز جبينه وقال: إنه قال إنه ~~يدفع مائة جنيه، ولا يطلب منك فرشا ولا أثاثا ولا ثيابا فاخرة، ولا يطلب غير العروس، ~~فقال مختار في نفسه: هذه صفقة رابحة، ولكن لا بد من الحصول على مائتي جنيه، ثم التفت إلى ~~الرجل وقال: قل لصاحبك إن هذا مستحيل؛ لأن المطلوب 200 جنيه لا أقل ولا أكثر، ms58 قال العجوز: ~~إنني أتأسف كثيرا لأنني أعلم عن ثقة أن صاحبي لا يدفع أكثر من مائة جنيه مهرا لامرأة، قال ~~مختار: ولكنها ليست ككل النساء، ألست تعرف بنت من هي؟ ألست تعرف جمالها؟ ألست تعرف رقتها ~~وتهذيبها؟ # آه لقد أتى هذا الزمان الأسود الذي يعرض الأخ أخته في السوق لتتزوج وليحصل على مهرها، فيا ~~سماء أمطري نارا على تلك الهيئة الاجتماعية الشريرة الفاسدة! # ومن الغريب أن وقاحة الزوج العجوز زادت بعد أن شجعه مختار، فقال: لا تعدد محاسن أختك، ~~فأنا أعلم بها منك، وأعرف أن قيمتها لا تزيد عن مائة جنيه؛ فهز مختار كتفه وقال: لا يمكن، ~~لا يمكن! # وعند الظهر دعا العجوز مختارا إلى المطعم، فأكلا وشربا، ثم دار الحديث على الزواج، وقبل ~~مختار بعد اللتيا والتي أن يبيع أخته بمبلغ 150 جنيها إنجليزيا. # وبعد ذلك سأل العجوز قائلا: إذن من هو العريس الذي يدفع لي المال؟ قال العجوز: هو أنا، ~~أتقبلني؟ وكان مختار يهم بقوله: إنني أقبل 150 جنيها إنجليزيا ولا أقبلك، ولكنه عاد فحجز ~~نفسه، واعتبر هذه الفكرة فكرة سوداء؛ لأنها ربما تمنعه من الحصول على أمنيته الذهبية ~~... # وأصبح هم مختار أن يقنع أخته بالزواج بعجوز قبيح، فماذا يصنع إذن؟ دخل عليها في هذه ~~الليلة وقال لها: أهنئك يا أختي العزيزة بالزواج، فقد عقد عقدك على رجل فاضل يحبك ويكرمك، ~~قالت: وكيف لم أره؟ قال: ليس هذا من الضروري؛ لأنك سترينه عن قريب وتدخلين داره، قالت: ولكن ~~لابد لي من رؤيته قبل العقد، قال: أنا وكيلك وليس لك أب، فلي حق في عقد العقد بدون حضورك، ~~قالت: ولكن لست أنت الذي ستتزوج الرجل فأكتفي برؤيتك إياه. قال مختار: ما هذا الكلام يا ~~إحسان؟ قالت: أترغب أن تبيعني ولا أدافع عن نفسي؟ قال: أبيعك؟! ماذا تقصدين بتلك الوقاحة ~~الظاهرة؟ قالت: هل تسمي الدفاع عن الشرف والعرض وقاحة يا أخي؟ قال: اقطعي الحديث في هذا ~~الموضوع الآن، ثم قام فجأة إلى غرفة نومه وترك إحسانا وحيدة تعيد ما قاله ms59 لها من الكلام ~~المؤلم، وتسأل نفسها إن كان أخوها صادقا في كلامه أم كاذبا، ومن الغريب أن مختارا لم ~~يحادث أخته في أمر الزواج بعد هذه الليلة. # وفي يوم من الأيام أتى إلى الدار ومعه تاجر من تجار الأثاث القديم، ونقل كثيرا من الأثاث ~~من مثل الكراسي والمقاعد والخزانات والمرايا الكبيرة، والمنضدات، فظنت إحسان أن أخاها ينوي ~~شراء أثاث جديد فاخر، وبعد ذلك بثلاثة أيام جلس مختار مع أخته وقال لها: إن هذا البيت حظه ~~أسود، وقد رأينا فيه كل أنواع المصائب، والهواء الذي يأتي إليه فاسد؛ ولذلك عرضته للبيع، ~~وعزمت على شراء بيت جديد في بقعة جميلة، فصدقت إحسان قوله وصرحت له بالبيع، وباعه بثمن بخس ~~جدا؛ لأنه كان مضطرا، وكان الشاري يعلم حاجته إلى المال. # ولم يمض على خبر بيع الدار أسبوع حتى أتى مختار إلى الدار ومعه امرأة عجوز في مركبة ومعه ~~مركبة نقل، وبعد أن جلست العجوز رويدا عرف مختار أخته بها قائلا: إن هذه السيدة هي أخت ~~زوجك، وقد أتت لتأخذك إلى دار زوجك ونقل ما ترغبين نقله من الأثاث، فاحمر وجه إحسان وبكت، ~~ولكنها لم تتكلم؛ لأنها عرفت كل شيء، وعرفت أن الكلام لا يجدي، عرفت المسكينة أن أخاها ~~اللئيم باع الأثاث وباع البيت ثم باعها، فسلمت أمرها لله وقامت. وربما يخطر ببال القارئ ~~سؤال، فيقول: لماذا لا تخالف إحسان أخاها وتتركه وتخرج أو تطالبه بحقوقها؟ والجواب على هذا ~~السؤال هو أن إحسانا كانت جاهلة، وكانت شديدة الحياء، ولم تكن تعرف أحدا، ولم يكن لها ~~قريب ولا صاحب يأخذ بيدها، وكانت المسكينة قد لحقها مرض شديد إثر حزنها من جهة أمر الزواج، ~~فقامت إلى المركبة صامتة حزينة مطرقة الرأس. # وهكذا خرجت من دارها التي تربت فيها، نحلية، كسيرة القلب، حزينة الفؤاد، إلى دار رجل غريب ~~لا تعرفه ولا يعرفها، وبجانبها في المركبة امرأة عجوز لا تعرفها، ووراءها مركبة نقل عليها ~~بعض الأثاث القديم ... # إلى أين يا إحسان يا بنت النعيم والدلال؟ إلى بيت زوجك ms60 العجوز القبيح البخيل ... # لا، لا، إلى القبر ... إلى القبر الذي حفره لك أبوك وأمك وأخوك أيتها المسكينة ~~الشقية! ... # نعم؛ لأن إحسانا لما دخلت دار العجوز زوجها ورأت سحنته القبيحة ورأت أولاده وبناته ~~العشرة يلعبون ويصرخون، علمت أنها أتي بها لتخدم هؤلاء الأطفال، ولتكون جارية لهذا الرجل ~~الذي لا تعرفه ولا تحبه، وعلمت أن أخاها باعها ليحظى بالمال، وباع الدار ليتخلص منها، فنزلت ~~بها علة عصبية فجائية، فبقيت تبكي وتتنهد وتبكي وتتنهد، وهي لا تأكل ولا تشرب ولا تقوم ~~من مكانها، وما زالت كذلك ثلاثة أيام، ثم أتي لها بالطبيب، وقبل أن يصل الطبيب وصلت نفسها ~~إلى السماء ... ~~••• # فحزن العجوز كثيرا لخسارته العظيمة؛ ولأن إحسانا ماتت بكرا ولم يتمتع بها، ومن المحزن ~~أن الرجل العجوز امتنع عن تكفين الفتاة، وأرسل إلى أخيها يعلمه بذلك، فلما وصل الخبر إلى ~~مختار بكى قليلا وجهز أخته كما جهز أمه من قبل، ودفنت إلى جانب أمها وأبيها ... # | الفصل العشرون # قال محدثي: وبعد أن مسح مختار يديه من بيع أخته وأخذ المائة وخمسين جنيها، وباع الدار ~~بمثلها، صار له ثلاثمائة جنيه، فاستأجر غرفة في فندق في الأزبكية، واشترى ملابس جديدة، ووضع ~~النقود في أحد المصارف ليأخذ منها ما يريد وقتما يريد. # وفي ليلة من الليالي ملأ جيوبه ذهبا، وقصد المرقص ليرى منيرة، وكان في يده حينئذ عصى ~~يدها من ذهب، وكان حذاؤه جديدا وثيابه كلها جديدة، إلا قلبه فإنه كان قديما فاسدا، وكان ~~وجهه نظيفا ويداه نظيفتين، وكل جسمه نظيفا إلا ضميره، فقد كان وسخا؛ لأنه باع أخته ليحصل ~~على المرأة التي تكرهه، ولما رآه صاحب المرقص قام له إجلالا وإكراما، وشخص إليه الناس، ~~ورحب به الخدم، فسأل نفسه عن كل ذلك الإكرام، فأجابه الذهب: لقد مسحت من جبينك ما كتبته ~~الفاقة، وكتبت ما يأتي: # غني جاهل أحمق معه ذهب، فاضحكوا عليه وخذوا ماله قبل أن يأخذه غيركم ... # ولما جلس مختار التف حوله الخدم يحيونه ويسألونه عن سبب هجر منيرة، وهي تسأل عنه كل ~~ليلة، وتأبى ms61 الجلوس مع أحد من الرجال الذين يطلبونها؛ لأنها تخاف أن يأتي مختار بك ويجدها ~~مع غيره فيغضب عليها. # ومن الغريب أن كل تلك الترهات الفارغة، وتلك الأكاذيب الباردة كانت تدخل على أفكار هؤلاء ~~الناس أمثال مختار، ويعتقدونها، ويظنونها حقائق ثابتة! # ثم لم يلبث مختار طويلا حتى أتت منيرة وجلست بجانبه وحيته، وضحكت له، وبقيت تداعبه، ثم ~~طلبت قنينات الخمر «دستة» بعد «دستة»، وما زالت تطلب ولا تشرب ومختار يدفع ولا يرجع عن غيه ~~حتى نصف الليل، فقامت منيرة مع مختار إلى دارها ... ~~••• # واستمر مختار مع محبوبته على ذلك أكثر من ثلاثة شهور، وصرف أكثر من مائتين من الجنيهات، ~~ولم يبق معه أكثر من عشرين جنيها، وعند ذلك ذهبت سكرة المال، وجاءت فكرة الفقر، وتصور ~~مختار كل الأهوال التي هو قادم عليها من جوع وعري ومرض، فندم ندما شديدا على بيع داره ~~وزواج أخته التي سبب موتها، وكان المسكين يقوم من دار منيرة إلى الديوان، ولكنه في تلك ~~الأيام الأخيرة التي قل فيها المال عاد إلى الفندق، وكان يزور منيرة في كل أسبوع مرة ... # | الفصل الحادي والعشرون # الليلة الأخيرة # قال محدثي: وبعد أن ذهبت عشرة جنيهات من العشرين، جلس مختار مرة يسكر وحيدا منفردا، وما ~~زال يشرب ونفسه تغرق وعقله يطير حتى نصف الليل، وعند ذلك تصور منيرة في قميصها الأحمر وهي ~~نائمة في السرير، فقام توا إلى المرقص، وقضى مع حبيبته هناك ساعتين، أنفق فيهما كل ما كان ~~معه، وذهب في آخر الليل مع محبوبته. ~~••• # وكانت عادة منيرة أنها لا تخرج من غرفتها هي ومختار قبل الظهر، فلما جاء الظهر لم تخرج، ~~فدق الخادم الباب فلم يجبه أحد، فأخبر أم منيرة بذلك، فدقت الباب دقا عنيفا فلم تسمع ~~صوتا ولم يجبها أحد، فخافت أن يكون حدث ما لا تحمد عاقبته، وأخبرت الجيران بذلك، فاجتمعوا ~~رجالا ونساء وكسروا الباب ... ورأوا منظرا محزنا هائلا ... # رأوا مختارا في وسط الغرفة ورقبته مربوطة بشريط طويل إلى عمود السرير، وعيناه مفتوحتان، ~~ووجهه أزرق، ولسانه خارج، ms62 ثم نظروا فإذا بمنيرة في السرير وهي لابسة قميصا أحمر، وفي ~~رقبتها أثر الأصابع وعيناها مغمضتان وجبينها بارد. # وهكذا خنق مختار منيرة، ثم خنق نفسه، فانتهى مرضه بالجنون كما قال الطبيب. ~~••• # ثم تنهد محدثي واغرورقت عيناه بالدموع، فمسحها وسكت، وكان الليل قد شاب وغطى المشيب ~~بالزعفران، فقمت من عنده وأنا حزين مغموم، ولما وصلت داري كانت الشمس قد أشرقت، فبدأت ~~أكتب هذه القصة، ولم ألق القلم حتى أتيت على آخرها ... # ونحن الآن نختم هاتين الحياتين المحزنتين؛ حياة المرأة المظلومة الظالمة التي أساءت إليها ~~القوة القادرة التي تحكم هذه العالم، وأساء إليها كل من عرفها، وحياة الشاب الساقط المسكين ~~الذي وقع معها في هوة الانحطاط، ولا ندري أين هذه المرأة وأين هذا الرجل، أهما في جنة ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، على الأرائك متكئين، تطوف عليهما غلمان كاللؤلؤ ~~المنثور، بأكواب من فضة ختامها من مسك، أم هما في جحيم وقودها الناس والحجارة واقفين على ~~حجرين من نار يغسلان ذنوبهما بماء من نار، وتبدل جلودهما كلما فنيت، أم نفساهما في الهواء ~~الرحب لا تستقران، على حال من القلق تطيران من كوكب إلى كوكب ومن عالم إلى عالم حتى تهلكا ~~... # سلام! سلام! على تلك النفوس التي أساءت إليها الإنسانية وأجسامها تئن تحت التراب، وهي ~~تائهة بين الأرض والسماء، تجذبها أخواتها إلى العلى، وتهبط بها ذنوبها إلى أسفل سافلين ~~... # | خاتمة # إن القلم الذي كتب هذه القصة لم يكتبها طمعا في المال أو الشهرة؛ لأنه لا يحبهما، ولم ~~يكتبها لتكون نصيحة وعظة للقارئين، فإن الأمل في قبول النصيحة ضعيف، ولم يكتبها لينزعج ~~الشبان الغارقين في بحر السرور، فإن إقلاقهم حرام وهم في ربيع الحياة ... ولم يكتبها لتكون ~~فكاهة لفئة المشغوفين بمطالعة الروايات، ولم يكتبها ليقرأ تقريظ الصحف ومدح الأصحاب، فإن كل ~~هذه البواعث التي تبعث إلى كتابة الكتب فقاقيع فارغة. # إنما هذا القلم كتب تلك القصة ليخدم نفسه، فإذا كسر بعد كتابتها بيوم، فهو ينام هادئا ~~مستريحا، ويقول كما قال «تشارلس ديكنس» في آخر ms63 إحدى قصصه: «الآن تممت واجبي.» ونحن نقول: ~~الآن أتممنا واجبنا، ورفعنا الحمل الثقيل الذي أنقض ظهرنا، تلك الآلام التي كانت تجول في ~~صدرنا قد ذهبت! # النار التي كانت مشتعلة في نفسنا صارت نورا! إن القلم الذي كتب هذه القصة كتبها بعد أن ~~هزأ بالحياة وسخر منها، بعد أن احتقر الإنسانية، بعد أن زهد في كل شيء. # إن القوة الهائلة التي تضيء هذا الكون بعثت بشعاع من نور ليرشد ذلك القلم، والآن فنحن ~~نلقي ذلك القلم بعد أن بعثناه رسولا بين النفس والطرس، فأدى أمانته وبلغ رسالته. ms64