######OpenITI# #META# URI: 1372MuhammadLutfiJumca.HikmaMashriqiyya.Hindawi36094974 #META# Tags: literature #META# ID: 36094974 #META# Title: الحكمة المشرقية #META# AuthorID: 72703631 #META# Author: محمد لطفي جمعة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الكتاب الأول: حكم فتاحوتب‏ # المقدمة الأولى‏ # المقدمة الثانية‏ # المقدمة الثالثة‏ # الكتاب الثاني: جولستان أو روضة الورد‏ # تمهيد: آداب الفرس‏ # جولستان أو روضة الورد‏ # أخلاق الملوك‏ # صفات الزاهدين‏ # الكتاب الثالث: كتاب أونادايجاكو أو التعليم الراقي للمرأة في اليابان‏ # مقدمة‏ # مقدمة ثانية‏ # كتاب التعليم الراقي للمرأة‏ # الكتاب الأول: حكم فتاحوتب‏ # المقدمة الأولى‏ # المقدمة الثانية‏ # المقدمة الثالثة‏ # الكتاب الثاني: جولستان أو روضة الورد‏ # تمهيد: آداب الفرس‏ # جولستان أو روضة الورد‏ # أخلاق الملوك‏ # صفات الزاهدين‏ # الكتاب الثالث: كتاب أونادايجاكو أو التعليم الراقي للمرأة في اليابان‏ # مقدمة‏ # مقدمة ثانية‏ # كتاب التعليم الراقي للمرأة‏ # | الحكمة المشرقية # | الحكمة المشرقية # تأليف # محمد لطفي جمعة # الكتاب الأول # | حكم فتاحوتب # | المقدمة الأولى # كانت حكم فتاحوتب لدى قدماء المصريين من الكتب المعتبرة حتى إنهم كانوا ~~يعلمونها أولادهم في المكاتب والمدارس، ويقرءونها في المنازل والمجالس؛ لهذا ~~عثر البحاثون في الآثار المصرية على نسخ عدة من هذا الكتاب النفيس، ولا يخفى ~~أن كثيرا من الكتب النافعة الممتعة وجدت حيث كانت معاهد العلم، ولولا تعدد ~~نسخها ما عثرنا ببعضها بعد مرور ستين قرنا من تاريخ تأليفها ~~وانتشارها. # وقد علمنا من ورق البابيروس «البردي» أن طلاب دار العلوم المصرية القديمة ~~كانوا يكتبون في اليوم ثلاث صفحات من حكم فتاحوتب؛ «ليحسنوا خطوطهم، ~~ويهذبوا نفوسهم، وليتخرجوا في فنون البلاغة والإنشاء؛ لسلاسة أسلوب الحكم ~~والنصائح المذكورة.» # 1 # وتلك الكراسات التي كتبها شبان المصريين القدماء هي التي يصرف ~~محبو الآثار في هذا العهد أيامهم ويوقفون أعمارهم على البحث عنها، ~~والتنقيب عليها، ونقلها من اللغة القديمة إلى اللغات الحديثة؛ لينعم أبناء ~~هذا العصر نظرهم في حكمة أبناء القرون الغابرة. # أما النسخة الأصلية التي فسرها العلامة باتسكو مجن - العالم الأثري ~~الإنجليزي، وهي معتمدنا في هذا التفسير العربي - فقد عثر بها العلامة المؤرخ ~~الفرنسي «بريس دافن» ومعها غيرها من الآثار الأدبية في شتاء عام 1847. وذكر هذا ~~المؤرخ أنه شراها من فلاح مصري كان يعمل في الحفر والتنقيب على مقربة من ~~مقابر طيبة. ويذهب البعض إلى القول بأن تلك الآثار الأدبية الثمينة وجدت ms01 في ~~أجداث ملوك حنتف، وهم أفراد الأسرة الحادية عشرة التي أقام أمنمحعت الأول ~~على أنقاضها دعائم دولته، وانتزع الملك من آخر ملوكها وحصره في أسرته الثانية ~~عشرة. # وقد أهدى العلامة بريس دافن هذه النسخة إلى دار الكتب الملكية بباريس؛ حيث ~~لا تزال معروضة لأنظار الزائرين، وطول القرطاس التي كتبت فيها حكم فتاحوتب ~~بالذراع البلدي ثمانية ونصف، وعرضها ذراع. وهذا قياس البابيروس المعروف؛ لهذا ~~رجح المؤرخون رأي القائلين بالعثور بتلك الأوراق في قبور الملوك. أما ~~ورقة البابيروس المذكورة فمؤلفة من ثماني عشرة صفحة، مكتوب بعضها بالمداد ~~الأسود وبعضها بالأحمر، ويحسب رائيها لأول وهلة أنها حديثة؛ لأن طول القدم ~~لم يصبها بآفات التبديد والتشتيت، حتى إذا تبينها وقلب صفحاتها ظهر له ~~أنها لم تنج من آفات القدم التي اغتالت بعض الأوراق وتركت البعض الآخر أثرا ~~بعد عين. # ومما أبقاه لنا الدهر من أوراق ذلك العهد كتاب كامل، وهو «حكم فتاحوتب»، ~~وآخر ناقص، وهو «نصائح كاجمني». أما نسبة الكتاب الثاني إلى كاجمني فمن ~~باب الحدس والتخمين؛ لأن العث لم يبق على شيء يستدل منه على اسم واضع ~~الكتاب؛ ولأن المفسرين لم يعثروا فيه من أوله إلى آخره إلا على علم ~~واحد، وهو «كاجمني»؛ فظنوه اسم واضع السفر. وأهمية هذا الكتاب هي أنه أقدم ما ~~كتبه البشر حسبما نص علماء الآثار. # أما تاريخ الكتاب الكامل الشامل لحكم فتاحوتب فمعروف ولا خلاف في أمره؛ ~~لأن مؤلفه ذكر عن نفسه أنه وضعه في عهد الملك إيسوسي، وهو آخر ملوك الأسرة ~~الخامسة، فكأن فتاحوتب وضع كتابه في القرن السادس والثلاثين قبل المسيح؛ أي ~~منذ خمسة آلاف وخمسمائة سنة. # والعجيب في أمر هذا الكتاب وغيره مما كتبه المصريون الأقدمون أنها لا تزال ~~جديرة باعتبار القراء في كل زمان ومكان. وقيمة حكم فتاحوتب عظيمة؛ ~~لأنها تشمل الشريعة الأدبية في قالب نصائح تهذيبية يلقيها على ولده وخليفته ~~وزير خبير بشئون حياة مصر الاجتماعية، فلعل أبناء اليوم يستفيدون من نصح ~~ذلك الحكيم وإرشاده كما استفاد أجدادنا الأوائل، وقد نكون إلى هذا ms02 النصح ~~منهم أحوج، وهو بنا أجدر وأخلق. # | المقدمة الثانية # في كتاب «حكم فتاحوتب» # أقل ما يقال في وصف هذا الكتاب المستطاب: إن واضعه لم يترك بحثا ~~اجتماعيا إلا وطرق بابه، ولم يدع موضوعا أخلاقيا إلا وخاض ~~عبابه؛ فبينا تراه يذكر آداب الجدل والبحث، ويصف كل مجادل، ويشرح ما ~~ينبغي في حقه؛ كالإذعان لذي الحجة، أو الرد عليه بالتي هي أحسن، أو ~~الإعراض عنه بلطف حسبما يقتضيه خلقه، وتدعو إليه حاله، إذ هو ينصح لابنه أن ~~يغضي لأيدي الأمراء والحكام، وأن يسترشد العلماء والمرشدين ليهتدي بهديهم، ~~ويتعظ بخبرتهم وتجاربهم. ولم يكن نصح فتاحوتب قاصرا على تلك المسائل ~~التهذيبية، بل تناول أهم المسائل الاجتماعية؛ فشرح ما يليق بالرجل نحو المرأة، ~~وما يجب في حق الوالد على الولد، وأفاض في وصف معاملة الخدم، وأمر بالإحسان ~~إليهم، والعطف عليهم، وذكر حقوق الأجراء والعمال على أرباب المال ~~والأعمال. # وإذا حاولنا أن نلخص حكم فتاحوتب في كلمة واحدة تكون شعارا لمبدئه في ~~الأخلاق، فلا نختار لذلك أفضل من قوله: «كن محبا للخير والناس تكن ~~سعيدا في الدنيا والآخرة.» ولكنا نأخذ على الحكيم المصري أنه لم يكن يرمي ~~إلى نشر المبدأ الذائع لدى علماء الأخلاق وقادة الأفكار من أهل المدينة ~~الحديثة، وهو حب الخير لذاته؛ وإنما كان يذكر على الدوام أن الطاعة والخضوع ~~وفعل الخير، والتأدب في الحديث، والاعتدال في العيش، والإحسان إلى الفقراء ~~تؤدي جميعها بالمرء إلى السعادة. # وبعبارة أخرى يقول فتاحوتب للإنسان: «إنك إذا أطعت آباءك في صغرك، وولي أمرك ~~في كبرك، وأحسنت السياسة في رئاستك، وغمرت بكرمك خدمك وحشمك ومن يلوذ بك، ~~واعترفت بذنوبك وتبت عنها إلى الله؛ فإنك تنال رضى الملوك، وتبلغ أسمى ~~الدرجات، وتكون لدى الله من المقربين.» ويرى القارئ أن الرادع الذي استعان به ~~فتاحوتب لصد البشر عن فعل الشر هو رادع مادي محض، أو هو من قبيل «اعمل ~~تؤجر». وهذا الرادع المادي من وضع حكماء الشرق الأقدمين. وكان هؤلاء الحكماء ~~يفضلونه على الرادع الأدبي، وهو محاسبة النفس وتأنيب الضمير؛ لا ms03 لأنه أفضل منه، ~~بل لأن قيادة العامة بواسطته أسهل؛ فهو من هذه الوجهة وحدها أولى وأنفع، وعلى ~~هذا المبدأ جاءت الديانات كلها؛ فلا سبيل للاعتراض عليه إلا بالاعتراض ~~عليها. # وقد يأخذ بعض النقاد على الحكيم فتاحوتب إغفاله ذكر أمور شتى؛ كالرفق ~~بالحيوان، فإنه لم يذكر في قانونه كلمة في هذا الشأن، مع أن التاريخ لا يحفظ ~~ذكر أمة كانت أرفق بالحيوان من الأمة المصرية، التي وصل بها حبها للأنعام ~~وإشفاقها عليها أنها حرمت ذبحها أو قتلها، وجعلت منها آلهة اتخذتها للعبادة، ~~وانتحلت لذلك أسبابا وأعذارا شتى. وقد عثر النقابون في قبر فتاحوتب - ~~واضع هذا الكتاب - على سطور منقوشة مؤداها: أنه كان يستدعي في كل صباح قردا ~~وثلاثة كلاب يطعمها بيده ويمسحها؛ إشفاقا منه عليها، # 1 # ويؤخذ هذا الخبر وغيره من الأخبار دليلا داحضا على أن الحكيم لم ~~يغفل ذكر بعض الأخلاق الفاضلة والعادات المستحبة إلا لأنها كانت مشاعة ~~لدى أمته. # ومن المسائل الجديرة بالنظر ذكر المؤلف لإله واحد غير متعدد «مع العلم بتعدد ~~آلهة المصريين»، ووصفه ذلك الإله الفرد بأنه «يعاقب المذنب، ويثيب ~~المحسن، ويعطي السائل، وينظم الكون، ويحب مخلوقاته، ويراقب أعمالهم ~~حسنها وسيئها، ويكلؤهم بعين لا تأخذها سنة ولا نوم»، # 2 # ويرى القارئ أن هذه الصفات أسمى ما يوصف به الخالق - سبحانه ~~وتعالى - ولو كان الواصف من أساتذة اللاهوت في النصرانية أو علماء الكلام في ~~الإسلام، فهل كان فتاحوتب موحدا كآبائه الكهنة، # 3 # وكان يريد بتوحيد الله في كتابه الإقرار والاعتراف بالوحدانية من ~~طرف خفي؟ ولسنا نخوض عباب هذا البحث لأنه يدخل في باب الحكم على الغائب ~~بالغيب، وهذا الحكم لا يصدق إلا مصادفة، وليس للمصادفات مجال في ميدان ~~الحقائق؛ إنما نجيب على هذا السؤال بما يظهر لنا، ويجوز موافقته للحقيقة مع ~~خروجه عن حد الفرض المستحيل؛ فنقول: ربما رغب الحكيم أن يكون لحكمه تأثير ~~نافع في انتشار كتابه في سائر المدن والأقاليم، فرمز لله بأنه الفرد القادر على ~~كل شيء؛ ذلك لأن أهل كل مدينة مصرية قديمة كان ms04 لها إله خاص بهم ؛ كآمون ~~بطيبة، وفتاح بمنف، وغيرها من الأرباب، فلو أنه ذكر واحدا من تلك الآلهة ~~المتعددة لكان نصيب كتابه من التأثير قاصرا على أهل بلد دون غيره؛ لذا ذكر ~~المؤلف لفظ الجلالة مطلقا غير مقيد بزمان أو مكان أو اسم معروف، فكان ~~أبناء كل بلد يقرءون الحكم، ويقفون على ذكر الله المطلق فيحسبون أن ~~المقصود هو ربهم. وقد انطلت تلك الحيلة الدقيقة على قدماء المصريين؛ # 4 # فكانوا إذا رأوا ذكر الله الغفور المحسن المعطي توجه كل ~~بقلبه ولبه إلى معبوده وربه. وها نحن أولاء نكتفي الأثري المصري الوحيد أحمد ~~كمال بك، في محاضرة ألقاها بنادي المدارس العليا في خريف 1907، عن التوحيد ~~عند قدماء المصريين، قال: # قال تعالى: # قل هو الله أحد * الله ~~الصمد * لم يلد ولم يولد * ~~ولم يكن له كفوا أحد ~~. هذه هي صيغة التوحيد عند ~~المسلمين، وهي موافقة تقريبا للصيغة التي كان يدين بها المصريون قبل عصر ~~الملوك، ويدلنا على ذلك رسوم هيروغليفية وجدت في أوراق البردي القديمة. وهنا ~~ترجم الخطيب صورة لهذه الصيغة رسمها على لوحة الطباشير بما يأتي: # الله وحده لا ثاني له، يودع الأرواح في الأشباح، أنت الخالق، ~~تخلق ولا تخلق، خالق السماوات والأرض. # وأخذ الخطيب يبين للحاضرين دلالة الرسوم الهيروغليفية على معانيها، فذكر أن ~~الله كان يرمز له بصورة رجل مهيب جالس على كرسي، وأن «لا» النافية يرمز لها ~~بذراعين ممدودين على خط مستقيم، وأن الأرواح يرمز لها بثلاثة من الطير - وبهذه ~~المناسبة ذكر الحديث المشهور: «أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر.» وتكلم على ~~ما يعتقده عامة اليوم من «تقمص أرواح الموتى للذباب الأخضر» - وأن العابد ~~يرمز له برجل رافع يديه تعبدا، والأرض بقوس تحته حصى، وقال: إن الإفرنج ~~كانوا يعتقدون إلى ما قبل عشر سنين أن قدماء المصريين وثنيون، ولكن زال هذا ~~الاعتقاد باكتشاف هذه الصيغة التي يعززها عدم وجود أصنام في مقابر ذلك العهد ~~القديم. # من أين أتى التوحيد لقدماء المصريين على هذه الصورة؟ # أتاهم التوحيد من نوح عليه ms05 السلام؛ فقد كان موحدا بدليل قوله تعالى: # شرع لكم من الدين ما وصى به ~~نوحا ~~، والخطاب للمسلمين الذين قدمنا عقيدتهم في التوحيد. وهنا ~~يتجه اعتراض مؤداه: أن الشرك كان شائعا عند قدماء المصريين بدليل قوله ~~تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: # أأرباب ~~متفرقون خير أم الله الواحد القهار ~~، ~~ومعلوم أن يوسف كان سجينا عند فرعون مصر. ونجيب على هذا بأن عقيدة الشرك لم ~~تدخل مصر إلا مع العرب الذين دخلوا مصر في العهد القديم؛ أي قبل عصر الأسرات؛ ~~ولذلك كان المصريون يطلقون على بلاد العرب اسم بلاد الوثنية. # ثم ذكر الخطيب أن الوثنية سليلة بلاد العرب، بدليل أن محمدا # صلى الله عليه وسلم # وجد ~~بالكعبة 365 صنما فهشمها، ثم أكد الخطيب أنه جمع أسماءها العربية فوجد أسماء ~~تشابهها في اللغة الهيروغليفية؛ مما يدل على نقلها من العربية، وضرب مثلا ~~بصنم اسمه «بوانة» الذي حرفه الفرنج فجعلوه «فينكس»؛ لأن الباء تنطق في ~~الهيروغليفية كالفاء، وقد ذكر العرب هذا الصنم باسم «فقنس»، وقال أصحاب ~~الأساطير: إنه طائر يأتي من جزيرة العرب ويقف على معبد عين شمس، ثم يرفرف ~~بجناحيه فيتقد نارا تلتهمه، ثم يخلق منها ثانية. وما نقله العرب هذا حديث ~~خرافة كالخرافات اليونانية. ومن هذه الأصنام العربية اللات والعزى ~~ومناة، وإن لها ذكرا في اللغة الهيروغليفية مع بعض التحريف، ثم سئل الخطيب: ~~كيف تغلب الشرك على التوحيد؟ فقال: إن ذلك راجع إلى قوة المتغلب. # وسئل عن صيغة التوحيد التي أوردها آنفا، فقال: إنها موجودة في أوراق البردي ~~القديمة، ثم استطرد إلى تعريف البردي فقال: إنه نبات يزرع في الوجه القبلي، ~~وتخرج منه غلة تشبه القمح كان المصريون يقتاتون منها، وذكر أنهم كانوا ~~يأخذون أوراقه ويلصقونها بعضها ببعض بالصمغ، وقد وجد الخطيب منها قطعا يبلغ ~~طول بعضها ثلاثة أمتار. أما اللوتس «البشنين» فإنه يزرع في الوجه البحري، ~~وهو ينتج ثمرة مثل الشعير كانوا يقتاتون بها أيضا، ويختلف عن البردي في أن ~~أوراقه مسننة لا مستديرة، وقد سطر المصريون على هذه الأوراق علومهم ms06 من طب ~~وهندسة وحساب ورؤى فيها تمرينات على هذه العلوم ومسائل وأشكال هندسية. # ثم قال حضرة الخطيب: إن هذين النبتين يرمز بهما لمن حكم الوجهين البحري ~~والقبلي، فإذا رأينا كرسيا مرسوما عليه صورة البردي واللوتس عرفنا أن الملك ~~الجالس عليه كان يحكم الوجهين البحري والقبلي؛ لأن من يملك الغذاء يملك ~~الرقاب. # | المقدمة الثالثة # تاريخ الأسرة الخامسة المصرية التي دونت في عهدها حكم ~~فتاحوتب # كانت منفيس وما والاها من المدن مقر ملك الأسرة الخامسة المصرية التي بدأت ~~دولتها في وادي النيل سنة 2750ق.م؛ أي منذ ستة وأربعين قرنا، وكان ملوك تلك ~~الأسرة إذا ورث أحدهم الملك وتربع في دست سلفه أضاف إلى اسمه لقب «ري». ~~وقد حقق المؤرخون أن الكهنة هم الذين نصحوا لملوك تلك الأسرة بإسناد هذا اللقب ~~إلى أسمائهم؛ لأن فيه رمزا دينيا يجعل دار الملك مرتبطة أبدا بالسلالة ~~المقدسة، ومعنى ذلك تسليم الملوك أمورهم جلها أو كلها لرجال الدين، وإشراكهم ~~في النفوذ والسلطان، ودليل المؤرخين على ذلك أن الكهنة حاولوا إقناع أفراد ~~الأسرة الرابعة - وكلهم من الجبابرة العتاة بناة الأهرام الكبرى ومؤسسي الآثار ~~الخالدة - أن يشفعوا هذا اللقب الديني «ري» بأسمائهم، فلم يرض ملوك تلك ~~الأسرة، ولم يفلح الكهنة في سعيهم. # ومما يؤكد ويؤيد حجة المؤرخين في قولهم بخضوع الأسرة الخامسة لرجال الدين ~~واستسلامهم لهم، أن الكهنة فرضوا على كل ملك من ملوكها أن يبني على مقربة من ~~قصره معبدا فخيما يسميه هيكل الشمس المقدس، وكانت هذه الهياكل تمتاز عن غيرها ~~بأنها مربعة الشكل، وفي كل واحد منها غرف رحيبة، وفي مؤخر المعبد مرتفع من ~~البناء عليه مسلة منقوشة باذخة يرمز بها إلى إله الشمس رافعا رأسه إلى ~~السماء. وكانت غرف المعبد المذكورة آنفا مزدانة بالصور والنقوش التي تمثل ~~منابع النيل وما حولها من البحيرات والجبال، وفي بعضها صور تمثل الصحراء ~~الواسعة الأكناف، والبحر «المحيط» المترامي الأطراف، وبعضها يمثل أهل مصر في ~~مزارعهم ومتاجرهم ومصانعهم. # وكان في كل معبد مكان خاص بالملك يصور فيه حوادث عهده الحربية والسلمية، ms07 ويظهر ~~أن الكهنة الذين أشاروا على ملوك الأسرة الخامسة بتشييد تلك المعابد أمروهم ~~بالعناية بها، ووقف ريع الضياع والحقول عليها، وتعهدها من حين إلى حين ~~بالهدايا والتحف. وكانت تلك الهياكل في الواقع كأديرة النصارى وتكايا المسلمين، ~~يقتسم خيراتها من الكهنة من تقدم في السن، أو لحقته الأدواء والعاهات العائقة ~~عن القيام بشعائر الدين. # وقد انضم بعض شبان الكهنة إلى مشايخهم؛ حيث كانوا يعملون على ترقية الأخلاق ~~بنشر الفضائل، وحث الناس عليها. ويذكر المؤرخون أن ذلك العهد كان بدء نهضة ~~علمية أدبية؛ ففي أيام الملك «إيسوسي»، آخر ملوك الأسرة الخامسة، نشأ حكماء ~~فضلاء وكتاب مجيدون أشهرهم واضع هذا السفر الجليل الوزير فتاحوتب «الفتاح ~~العليم»، وهو «وزير مصر، ومحافظ المدينة، وقاضي القضاة، ووارث كهنة ~~فتاح». # وكانت تلك النهضة الأدبية معززة بنهضة سياسية أخرى؛ لأن ملوك تلك الأسرة ~~تنازلوا عما كان عليه أسلافهم من البطش والتفرد بالسلطة المطلقة، وأذنوا ~~لأكابر وزرائهم باقتسام نفوذهم، والاشتراك معهم في تدبير شئون الملك. وقد وصل ~~الأمر بالوزراء إلى أنهم انتحلوا لأنفسهم لقبا ثابتا، هو لقب «فتاحوتب»، فكان ~~فرعون في الإمارة وفتاحوتب في الوزارة، ثم إن الوزير الأكبر كان يترك منصبه ~~لابنه يرثه بعده، كما كان الملوك يورثون الملك بعضهم بعضا؛ فكأن البلاد كانت ~~في الواقع محكومة بأسرتين متضامنتين متكافلتين. # ومنشأ هاتين الأسرتين من الكهنة ورجال الدين الذين تغلبوا على أذناب الأسرة ~~الرابعة، فغلبوهم على أمرهم وانتزعوا الملك من أيديهم، ثم اقتسموه بينهم، فكان ~~الملك نصيب كهنة مدينة الشمس «هليوبوليس»، والوزارة نصيب كهنة فتاح، وهم - لا ~~ريب - أضعف من كهنة مدينة الشمس نفوذا، وأقل شأنا وشأوا. # وهذه الحقيقة التاريخية تعلل تساهل ملوك الأسرة الخامسة مع رجال الدين، ~~واستسلامهم لهم تعليلا حسنا؛ لأنه لولا ذلك اللين وتلك المحاسنة ما استطاع ~~فريق من رجال الدين أن يستقل بالملك، ما دام الكل يطمع فيه، والشعب المصري ~~المسكين يمرح في نعيم الجهل، بعد أن حجب هؤلاء الخونة المستبدون من رجال الدين ~~وغيرهم عنه نور العلم وضياء المعرفة، وخلوه يرسف في قيود الذل، ms08 ويعمه في ~~ليل من الغفلة، ولولا ذكر بعض حسنات الكهنة في كتب بعض المؤرخين، وثقتنا بهم، ~~وسعة اطلاعهم، لارتبنا في وصفهم كهنة الأسرة الخامسة بالصلاح، وقولهم ~~عنهم: إنهم كانوا في معابدهم يعملون على ترقية الأخلاق بنشر الفضائل، وحث ~~الناس عليها. # بيد أن القوة المهولة الساهرة على حياة الشعوب التي لا تأخذها سنة، ولا ~~تغفل عما يفعل الظالمون، انتقمت للضعفاء من الأقوياء، وانتصرت من الباطل ~~للحق؛ فحدث ما كان في الواقع نتيجة منطقية لتلك المقدمات، وهو أن عمال الحكومة ~~كبارهم وصغارهم رأوا كيف انتزع الكهنة الملك من أيدي أصحابه، وتعلموا على ~~أيديهم طرق الاغتيال؛ فسنوا لأنفسهم سنة جديدة، وهي أن يورثوا أولادهم ~~مناصبهم من بعدهم، فكان كل عامل يخلفه ولده؛ ليكون خير خلف لخير سلف، وبعبارة ~~أخرى كانت الحكومة المصرية في ذلك العهد وراثية «بيروقراطية»، وفي هذا النظام ~~من منازعة الحكام والعمال للملوك نفوذهم ما لا يخفى؛ لأن كل حاكم أو عامل في ~~الحكومة يرى لنفسه حقا وراثيا فيها؛ فلا يستطيع الملك أن ينال من السلطة ما ~~لا يود عماله. # ولما كان أغلب صغار الحكام من طبقات الأمة المتوسطة، سرت روح الحرية شيئا ~~فشيئا حتى بلغت الفئات النازلة، ثم إن الملوك أنفسهم كانوا يقرون بفضل فئة من ~~أشراف المصريين عضدتهم، وشدت أزرهم، ورفعتهم إلى عرش الملك؛ فكانوا يملقون ~~هؤلاء النبلاء، ويسبغون عليهم ذيول العز، ويغمرونهم في كل آن بوافر النعم وجزيل ~~الإحسان، حتى إن أول ملك من ملوك الأسرة الخامسة استعمل على مصر السفلى حاكما ~~كان قبل نبيلا، وقد أوشك هذا العامل أن يستقل بولايته لولا ضعف حزبه ~~وأنصاره. # على أن كل الذنوب السياسية تغتفر في سبيل ما أرغم ملوك الأسرة الخامسة على ~~نشره من العدل في ربوع مصر؛ فشعر الشعب الذليل بنعمة الحرية، بعد أن ذاق صنوف ~~المذلة والهوان على أيدي جبابرة الأسرة الرابعة؛ أمثال: خوفو، وخفرع، ومنقرع، ~~القساة القلوب، الغلاظ الأكباد، العتاة الظالمين الذين سجلوا على نفوسهم ~~ذنوبا لا يمحوها كر الدهور، ولا ينسخها مر العصور، بل ما دامت ms09 الأهرام ~~الكبرى تناطح السماء، وتقاوم طوارئ الحدثان، وتهزأ بتعاقب القرون على القرون ~~والأزمان على الأزمان، وتشهد بأن كل صخر من صخورها هو دمع متحجر من دموع الشعب ~~الذليل المهان، الذي سيق رغم إرادته والشمس المحرقة ترشقه بسهامها، والصحراء ~~الحامية تدمي أديم أقدامه بجمر أديمها، والسوط المثلث مصوب إلى ظهره، ~~والسيف المرهف مكان الغلالة من نحره. # سيق هذا الشعب المظلوم على تلك الصورة المفزعة تنفيذا لرغائب عتل زنيم ~~ومعتد أثيم، أصابه مس من الجن، فظن أن نفسه الخبيثة لا يليق بها إلا ذلك ~~الهرم الجسيم، أو أراد أن يخلد ذكره على صحيفة مصر فسفك دماء أبنائها؛ ليكتب ~~بها سطرا في الصحراء لا بد أن يمحوه الزمان، وما زوال ذكر الظالمين وآثارهم ~~على الظالمين بعزيز! # لست أدري لماذا ألوم ذلك الظالم الجهول خوفو أو كيوبس، الذي تعددت أسماؤه تعدد ~~أسماء إبليس اللعين، واللوم خليق بالمؤرخين الذين ذكروه وذكروا أمثاله من ~~الظالمين أشباه نابوليون الصغير ونيرون، أكثر مما ذكروا سولون وسقراط وأرسطو ~~وأفلاطون، وكان الجدير بهم أن يمحوا أسماءهم من كتبهم؛ لئلا ينالوا بهذا ~~الذكر ما كانوا يرجونه من الصيت العتيد، والشأو البعيد. # نقول: ومدح الأسرة الخامسة في عرض الكلام على عتاة الأسرة الرابعة عدل؛ انظر ~~إلى ما حاول ملوك تلك الأسرة تشييده من الأهرام مجاراة للسلف الطالح في الجيزة ~~وأبي صير وصقارة؛ فقد جاءت كلها ككهوف القرون الأولى، فلا جلال لها، ولا سيماء ~~للوقار عليها، وقد تهدم معظمها، وعن قريب لا يبقى منها إلا ذكرها في كتب ~~الأخبار. # وهذا الضعف في البناء لا يؤخذ دليلا على تقهقر فن العمارة في مصر في عهد تلك ~~الأسرة، إنما يؤخذ دليلا على انتشار روح الحرية الشخصية لحد محدود، ~~وبرهانا على ضعف نفوذ الملك؛ بحيث صار عاجزا عن سوق الشعب لتشييد جبال ~~الظلم والاستبداد كما تساق الأنعام للذبح. وقد ذكر المؤرخ الكبير العلامة ~~جمس هنري بريستد، الذي نعتمد على مؤلفاته في معظم ما نكتب، أن مصر «تقدمت في ~~عهد الأسرة الخامسة تقدما ماديا وأدبيا، وأن الصنائع ms10 والفنون ارتقت ~~ارتقاء باهرا، كما أن الآداب نهضت نهضة شماء، فألفت الكتب، وصنفت ~~الرسائل، ودونت المقالات الطويلة والأبحاث العلمية الشائقة.» وذكر هذا ~~المؤلف، في صحيفة 107 من كتاب تاريخ مصر القديم «طبع نيويورك»، «أن النهضة ~~الأدبية، وإن كانت في عهد الدولة الخامسة في إبان نشأتها، فقد أنجبت كتابا ~~وحكماء هيهات أن يسمح الزمان بمثلهم في بدء أية نهضة في أية أمة، ومن هؤلاء ~~الحكماء الوزير فتاحوتب، ورفيقه كاجمني وغيرهما. # وقد اشتغل هؤلاء الحكماء بوضع الحكمة في قالب الأمثال والمواعظ، ولم ينقطع ~~أحدهم للتحرير والتحبير إلا بعد أن حنكته الليالي والأيام، ودربته الحوادث ~~والتجارب، وقد شاعت مؤلفاتهم وتداولتها الناس كافة، وأقبلوا على حكم فتاحوتب ~~خاصة، ولا بدع إذا نالت تلك الحكم في الزمن الحاضر ما نالته في الغابر؛ فهي ~~من أقدم ما كتب الكاتبون، وأفضل ما حبره الحكماء الخبيرون.» ا.ه. ما قاله ~~العلامة بريستد. # وقد ذكر بعد ذلك أن أسلوب التصنيف كان في ذلك العهد واحدا، وأن الألفاظ التي ~~استعملت في الكتب قليلة محصورة، واستدل بذلك على ضعف اللغة الهيروغليفية في ~~عهد الأسرة الخامسة، ولكن غيره يرون غير رأيه، ويقولون: إن حال الشعب من العلم ~~ومكانته من المعرفة كانتا تستلزمان البساطة في التعبير، والسهولة في الإنشاء، ~~والعناية بانتقاء الألفاظ التي تقرب من ذهن عامة الناس، وهذا خير من التقعر ~~وذكر ما لم يصل إليه علم المتوسطين. # حكم فتاحوتب # هذه حكم الوزير فتاحوتب، وزير مصر وحاكم المدينة وقاضي القضاة في عهد ~~الملك إيسوسي، ملك الملوك وأمير الأمراء وصاحب مصر السفلى. # قال الوزير فتاحوتب، وزير مصر وحاكم المدينة، وقاضي القضاة للملك إيسوسي: ~~«اعلم يا مولاي، أن سراج حياتي أوشك أن ينطفئ؛ فأخذ الفناء يدب في جسدي ~~دبيب الشيب في الرأس، وتمكن الضعف من بدني تمكن القنوط من النفس، ~~فعادت نضرتي ذبولا، وغضاضتي محولا، وجسامتي نحولا، وقل الخير ~~والنفع، وذهب البصر والسمع، وعقد اللسان بعد أن ختم على الجنان؛ فلا ~~قول نافع، ولا برهان قاطع، ولا ذهن يعي، ولا بيان شافع يعيد ما مضى ms11 من ~~عهد الفتى الألمعي. # فاسمح يا مولاي، لخادمك وعبد رحمتك وصنيع نعمتك أن يخلي منصبه لولده من ~~بعده، ومرني أن أعلمه ما علمتنيه حنكة الشيوخ؛ فقد قيل: إنهم مهبط ~~الوحي ومسقط الحكمة. عفا الله عنك، وأرشد بك شعبك، وهداه بهديك.» # فأجاب الأمير النبيل والملك الجليل إيسوسي، صاحب مصر السفلى: «أذنت لك أن ~~تعلم ابنك الحكمة؛ فلعله يجيء فذا بين الأولاد، موفقا إلى ~~سبل الرشاد، فيكون قدوة لأمثاله، يسيرون على نهجه، ويختطون خطته، ~~ويختارون حكمته، فيهتدون في تقويم اعوجاجهم بهداه، ويسترشدون في إصلاح ~~ما فسد من شئونهم بصلاحه وتقاه.» # فكتب فتاحوتب، وزير مصر وحاكم المدينة وقاضي القضاة، لولده يعلمه الحكمة ~~وأدب النفس: # إذا أوتيت العلم فكن متواضعا، وجادل الجاهل بالتي هي أحسن كما تجادل ~~قرنك، واعلم أن الإنسان جاهل مهما اتسع نطاق علمه؛ لأنه ليس للذكاء ~~حد، وليس للفضل والفطنة نهاية، وما ملك أحد ناصية الحكمة، واعلم أن ~~كلمة الحق لدى الحر أثمن من يتيمة الدر. # إذا جادلك حكيم عاقل، وكان أرجح منك فضلا وعلما، وأقوى حجة، وأرسخ ~~قدما، فاخفض له جناح الذل، ولا تعرض عنه إذا خالف رأيه رأيك، ~~واحذر أن تفوه بما يحفظه، وإياك أن تصدمه في حديثه؛ فإذا استكبر ~~وتواضعت رفعت نفسك في نظره، واستللت بلينك من قلبه سخائم الكبر، وربما ~~سكن إليك وأحاطك بما لم تحط به خبرا، وإذا تجادل قرينك وألفيته لا ~~يخرج في القول عن حده، ولا يميل عن الحق إلى ضده؛ فلا تغض عنه؛ فإن ~~الإغضاء يورث الأحقاد، ويغرس بذور العداوات. # وإذا جادلت من هو أقل منك قدرا فلا تسخر منه ولا تحتقر شأنه؛ لفقر فيه ~~أو لضعف طرأ عليه، ولا تلحف عليه بالسؤال فيما لا يعنيك حبا في استطلاع ~~أمره، وإذا أغضبك فلا تصب على رأسه جام سخطك؛ فما ظلم الناس شر ~~ممن هزأ بهم، وما آلمهم شر ممن استكبر نفسه واستصغر نفوسهم، وإن ~~خدعتك نفسك وأغرتك بالشر فاعصها واغلبها على أمرها؛ فإن هذه صفات ~~الأبرار الصالحين. # وإن كنت، يا أيها الولد، زعيما ms12 ترشد قوما، أو قائدا تقود شعبا ؛ فكن ~~كريم الأخلاق، حسن الشيم لا تشوب أدبك شائبة، واعلم أن الصدق أعظم النعم، ~~وله حول وطول، ولن يخذل صاحبه، وما كان الباطل ليغلبه؛ إن للباطل جولة لا ~~تبقى أكثر من ساعة، وإن للحق دولة تدوم إلى يوم الساعة، واعلم أن الإذعان ~~للحق فضيلة لا تنكر، وأن الاعتداء عليه ذنب لا يغفر، ولا يعتدي على ~~الحق إلا ذو مطمع دنيء، والطمع في الدنايا مضر بصاحبه في شرفه ~~وماله؛ فهو يقوده إلى الشر، والشر مطية الدمار. # أما من يذعن للحق، ولا يتطلع إلا إلى ما يستطيع نيله بالحق؛ فثوابه ~~عند الله عظيم، واغتباطه بنفسه أعظم؛ لأن الحق ميزان الحياة وأساس العدل، ~~والعدل فضيلة كبرى كامنة في النفوس الخيرة يحث عليها الآباء ~~الصالحون، ويوصي بها الحكماء والنبيون. # لا تكن يا ولدي سببا في إرهاب النفوس بغير حق، وحذار أن تكون نذير ~~السوء؛ فما تحكمت نفس في أخرى بغير حق إلا ولقيت من الله شديد ~~العقاب، واعلم أن الرجال ثلاثة: رجل يدفع بنفسه في تيار الآمال ويترك ~~الحقيقة طوعا، ويتعلق بأهداب الخيال؛ فيكون نصيبه الخزي وعقابه ~~الحرمان، ورجل يدعي لنفسه البطش والقوة، ويحاول أن ينال بهما ما يريد؛ ~~فيسحقه الله بيد من حديد، ورجل يعطي السائل، ويغيث الملهوف، ويولي ~~المعروف، ويواسي الحزين والضعيف؛ فيمده الله بروح من عنده. فكن يا ~~ولدي كذلك الأخير، رقيق القلب رحيما بالمعوزين؛ تكن محبوبا لدى الناس، ~~وعند الله من المقربين. # إذا دعاك عظيم فأجب دعوته، وإذا أكرمك كريم فتقبل كرامته، وإذا جلست ~~إلى مضيفك فلا تطل النظر إلى وجهه، ولا تبدأ بحديث قبل أن يفاتحك؛ ~~لأنك لا تدري أي الأشياء لديه أحب، وأيها يستدعي لديه الغيظ والغضب، ~~وإذا دارت رحى الحديث بينكما فلا يكن كلامك إلا جوابا عن سؤال؛ فإن في ~~ذلك حفظا لكرامتك، وإرضاء لمحدثك. # إذا كنت ضيفا في دار فلا تحزن إذا كان نصيبك من خيرها قليلا؛ لأن رب ~~الدار يكرم أضيافه حسبما توحي إليه نفسه، وكل امرئ في بيته ms13 سيد مالك؛ ~~فليس لك أن تجبهه أو تعترض عليه، واعلم أن رزقك في يد الله، ولن يهملك ~~الذي خلقك. # إذا أوفدك عظيم إلى عظيم مثله فاقتد بمرسلك في خلقه، فإياك أن ~~تعكر الصفاء بينهما بالخطأ في تبليغ الرسالة؛ فقد يؤدي تحريف الكلم ~~إلى العداء، وكم من كلمة بدلت فدمرت بلدا، ولفظ غير فكان مجلبة ~~الشقاء! وإذا فتح لك أمير أو حقير خزائن قلبه، وباح لك بما يصونه عن ~~غيرك؛ فلا تفش حرفا مما اؤتمنت عليه؛ لأن إفشاء الأسرار منقصة ~~تلحق بصاحبها المذلة. # إذا زرعت زرعا فقم عليه، وكن حريصا حتى ينبت وينمو ويثمر فيبارك ~~الله لك فيه، وإذا حرمت النسل فلا تحسد من رزقه، بل اغتبط به إذا ~~رأيت مسرته، وإذا لم تلد لك زوجك فلا تشاكسها؛ فإنك لا تعلم هموم الآباء ~~إذا لم تكن والدا؛ فقد يكون أحدهم سعيدا بماله شقيا بنسله، وليس نصيب ~~المرأة من النسل بأقل شقوة من أنصبة الآباء؛ فإن الأمهات أكثر النساء ~~هما وغما، وأدناهن من القبور؛ لشدة ما ينال إحداهن من الحزن وما ~~تلقاه من الآلام في العناية بولدها في نومه ويقظته، في مرضه وصحته، في ~~حزنه ومسرته. # إذا كنت صغير القدر غير ذي شأن؛ فالجأ إلى حكيم حازم والتصق به، واجعل ~~نفسك وقفا عليه؛ فيرفعك بحكمته من حضيضك إلى أوجه، ويقوم من عوجك ~~بمثل ما قوم من عوج ذاته. # إذا رأيت رجلا أصابه حظ حسن، فنال منصبا ساميا لا يستحقه، وكنت واقفا ~~على سره، خبيرا بحقيقة حاله، فلا تهزأ به لما تعلم من أمره، بل كن ~~كغيرك في إكرامه والحفاوة به، وكفاه ما حاز من الفخر مبررا لعيوبه؛ ~~فقد تحسن حاله بعلو مكانته. واعلم أن الشرف والثراء لا يكونان لك ~~عفوا صفوا، وإنما للمرء من الخير قدر ما سعى، واعلم أن الله لم ~~يشرع طرقا أكثر من طرق الحلال لكسب المال. # لا تطع في الحياة إلا قلبك، واعص نفسك في هواها، ولا تجبها إلى ~~سؤالها فيما لا يعلي قدرك، ولا تقض عمرك كله ms14 في تحصيل المال وكنزه؛ ~~فإن كنز المال وصره متعبة، ولا خير فيما يتعب المرء في تحصيله ~~ليزداد بوفرته نصبا. # إذا رزقك الله ولدا فلا تهمل تهذيبه، بل اسهر على تربيته وإرشاده إلى ~~سواء السبيل؛ فإن أثمر عملك فقد نلت ثوابين؛ الأول: ثواب من عمر في ~~الأرض وعمم الخير، والثاني: ثواب من زرع زرعا وبارك الله له فيه، ~~وإن كان لك بنت فلا تفرط في شأنها، وارعها بقلبك كما ترعاها بعينك، ~~وإلا كان عقابك كمن ولي ملكا ولم يحسن سياسته، وإن عصاك ولدك ~~وأطاع هواه، وكان فظا غليظا متشددا في الشر غير حسن الأخلاق، فاضربه ~~حتى تهذبه؛ فإن العصا تقوم باعتدالها ما اعوج من أمره، وحذره من ~~عشرة قرناء السوء ممن لا يعنون بالفضائل؛ فإنهم يقودونه إلى حيث لا ~~تريد، واعلم أن من يلقى مرشدا لن يضل. # إذا جلست في مجلس الدولة فاسترشد بمن كان أقدم منك عهدا؛ فهو أعرف منك ~~بقواعد الحكم، ولا تستهن بالمواظبة؛ فإن الانقطاع عن مقر منصبك والتراخي ~~في عملك يضعفان ثقة الرئيس بك، وربما أدى ذلك إلى ضياع نصيبك من ~~السلطة، كن على الدوام مستعدا للقول إذا كان المجال ذا سعة، ولا تهمل ~~الجواب عن سؤال يوجه إليك، وإذا شئت أن تبقى في المجلس ذا سلطة عالية ~~وقول نافذ فاجعل لنفسك فيه شأنا؛ بحيث لا يستغنى عنك، واعرف مكانتك من ~~أهله يعرفها غيرك، واجلس حيث يؤخذ بيدك وتبر، واعلم أن مجلس الدولة ~~يسير على نظام معروف، وكل ما يحدث به يدور على محور الدقة، وأن علو ~~الكعب فيه نعمة يحرص عليها العاقل، ويسعى إليها الطامع في العلا. # إذا كنت في عشرة قوم فحبب نفسك ما استطعت إليهم، وليكن قلبك وقفا على ~~مودتهم ما دمت ترى إخلاصهم لك وعطفهم عليك؛ فيرتفع ذكرك بين الملأ ~~وتتدفق عليك نعم الله، وتلقى في كل مكان صديقا، وتنال ما تتمنى من ~~دنياك. واعلم أن أسمى الفضائل أن تقدر على كبح جماح شهواتك في السر ~~والجهر، وأن أدنى الرذائل أن يطيع الرجل ms15 بطنه وفرجه، وقد رأيت قوما ~~أطاعوا بطونهم وفروجهم؛ فكبرت أجسامهم وصغرت أحلامهم، وأصابتهم في ~~ألسنتهم بذاءة يؤذون بها الأخيار؛ فكان لهم من بطونهم وفروجهم أعداء لا ~~يستطيعون مناهضتها، ولا يقدرون على دفع شرها. # كن يا ولدي صادقا في قولك، أمينا في عملك، وإذا جلست بين يدي الملك في ~~مجلس الدولة فلا تخف عليه شيئا من أمرك، واعلم أنه لا حرج عليك إذا ~~أنبأته بأمر كان يعلمه؛ لأن في ذلك أداء للواجب، وهو من أسمى الخلال ~~وأكرمها، ولا يضعفن عزمك أن يخطئك الملك مرة؛ فإنه لا يخطئك ~~أخرى، وربما رجع إلى قولك إن كان حقا. # إذا كنت زعيما فاختط لنفسك خطة مثلى، واسع جهدك في إنجازها، وكن ~~ممن ينظرون في العواقب، ويتخذون من الحاضر عدة للمستقبل؛ حتى إذا جاء ~~اليوم العصيب الذي لا يستطيع المرء فيه حلا ولا عقدا رأيت محجتك ~~واضحة، وسبيلك جليا ظاهرا؛ فلا تدركك أزمة الضيق، ولا يصيبك من حرج ~~الموقف ما يصيب البله والبسطاء؛ وبذا تستطيع أن تربأ بنفسك عن مواطن ~~الفشل، ولا تكن محسوبا على أحد؛ فإن ذلك يورث المذلة، ويدعو إلى ~~التراخي، ولا تكل أمرك إلى غيرك فتصاب بداء الكسل. # إذا كنت رئيسا فعامل من هم أقل منك مرتبة برفق، واعلم أن مرءوسك هو عضدك ~~وساعدك، وأن التشدد في معاملته يعقل لسانه، ويختم على قلبه، فيخفي عنك ~~ما قد يفيدك العلم به. أما إذا استعبدته بالحسنى؛ فلعله يبوح لك بما ~~يضمر، ويفتح لك خزائن قلبه. وعوده الحرية في القول يصدقك فيما ~~ينفعك، ولا يخدعك فيما يضرك، وإذا أتاك في أمر له فلا تجبهه، بل كن ~~شفيقا صبورا، وإذا استطعت إجابة سؤاله فلا تبطئ؛ فخير البر عاجله، ~~وإياك والشدة في معاملة من يطيعون أمرك؛ فقد تكون داعية إلى سوء الظن ~~بك، واعلم أن الإصغاء للضعيف والمكروب فضيلة يمتاز بها الأخيار على ~~الأشرار. # إذا شئت أن تستبقي حب أخيك وإخلاص صديقك فاحذر مشورة النساء؛ لأنها ~~مجلبة الشر في كل زمان ومكان، واعلم أن حب المرأة مجلبة الهلاك، ms16 وما طاب ~~عيش امرئ يقضي على سعادته ويستهين بحياته في سبيل لذة لا تدوم أكثر من ~~طرفة عين، وتورث آلاما تبقى مدى الحياة. # اجتنب جلساء السوء؛ فإن في بعدهم غنما، وفي قربهم غرما. إذا شئت ~~أن تكون صادقا في قولك أمينا في عملك؛ فطهر نفسك من أدران العناد ~~والطمع، واحذر الشراهة والجشع، وإن كنت خلوا من تلك النقائص فحذار أن ~~تقع في هوتها؛ فإنها أدواء لا تستقيم حال المرء ما دامت جراثيمها عالقة ~~به، واعلم أن تلك المعائب تفرق بين الوالد والولد، وتشتت شمل الجماعات، ~~وتبدد أوصال الصداقات، وتقطع ما بين الرجل والمرأة من صلات الود ~~والمحبة، وتغرس بذور النفور والبغض. # كن عادلا؛ فإن العدل يضمن لك الفوز في مضمار الحياة؛ لأن له صولة ~~تدوم وتبقى في الأرض. لا تحاول أن تنال بالبطش والظلم ما ليس لك، ولا ~~تحسد جارك على نعمة أصابها؛ إنما الحسد سم لا ترياق له، وقد رأيت الحسود ~~والشره يقضيان عمرهما في فاقة ولو كانا غنيين. أما القنوع الذي يرضى ~~بالقليل إذا لم يستطع الكثير، ويغبط غيره إذا ناله الخير؛ فإنه لا محالة ~~غني ولو بات على الطوى وتقلب في الثرى. # إذا كنت ذا أهل فأعدد لهم عدتهم، وأوفهم حاجتهم، ولا تحرمهم خيرك ~~وبرك، وأخلص لزوجتك التي تفرش لك وتنيمك، وأطعمها إذا جاعت، واكسها ~~إذا عريت، وداوها إذا مرضت، وأسعدها إذا شقيت؛ فهي أغلى ما تملك، وأعز ~~نعم الله عليك، وحذار أن تقسو في عشرتها، وكن بها رحيما؛ فإن الرحمة ~~تحببك إليها، وتقربك من قلبها، والقسوة تنفرها منك، وتقصي ودها عنك، ~~والمرأة أسيرة من يكرمها، وهي كثيرة الولع بزهو الدنيا وزخرفها؛ فإن لم ~~تنلها ما تحب من المتاع هجرتك. # أحسن إلى خدمك وحشمك، وأعطهم مما أعطاك الله؛ فما منحك المال الكثير ~~والخير الوفير إلا لتمنح ذوي القليل. علمت أن إرضاء الأجير محال؛ فهو ~~كثير الطمع قليل الإخلاص، ولكنك إذا غمرته بإحسانك وأسرته بكرمك أنطقت ~~لسانه بشكرك. واعلم أن الله ينقم على بلد أجراؤه أرقاء، وعماله ~~أذلاء؛ ms17 فارعهم بعين الإحسان يرعك الله بعين الرحمة. # إياك أن تفوه بفحش القول، وإن سمعت القول فمر كريما وصن أذنيك عنه، ~~وأعرض عن قائله، وإياك أن تعتب على قائله أو تؤنبه؛ فإن في سكوتك وعفوك ~~عنه درسا نافعا وعظة بالغة؛ فإن الخير يصلح الشرير بخيره، ويرده عن ~~غيه وشره. # إذا أمرك من هو أقدر منك بمعصية فاعصه؛ لأن العصيان في النقيصة طاعة ~~للفضيلة. لا تستعن على قضاء حاجتك بالكتمان؛ فلعل فيه أذى ومضرة، وربما ~~منع الكتمان عن الانتفاع بعملك. # إذا تطلبت الحكمة وشئت أن ترتفع إلى مجالس الكبراء، وأن تعاشر ~~الحكام والعظماء؛ فهذب نفسك، واقض زمنك في تكوين عقلك بالعلم، ~~وتكميل قلبك بالفضائل؛ لأن العلم والفضيلة يوليانك البطش والقوة. واعلم ~~أن الاقتصاد في القول خير من الإسراف فيه؛ فلا تنبس بكلمة حتى تزنها، ~~وإذا كنت في مجلس الدولة تجادل وتناضل فلا تنطق إلا بمقدار؛ فلست ~~تدري مكان من يناضلك من البيان وقوة الحجة. إياك والادعاء فإنه فتنة، ~~وإن حذقت في فن فلا تزه بحذقك على أقرانك؛ فقد يكبو اللبيب ويخبو ~~الأريب، ويصيب الغبي، ويخطئ الذكي. # إذا كنت في مجلس فلا تلزم الصمت البتة، وحذار أن تقطع حديث محدثك ~~أو تجيب على ما لم يسألك عنه، إياك والحدة في القول فقد يعقبها ~~الندم، اعتد كبح جماح نفسك، والزم صون لسانك عما يجول في صدرك. لا تجعل ~~كنز المال معقد آمالك، ولا غاية أعمالك، ولا تكن كالذين يقضون أعمارهم ~~ويبذلون نفوسهم ويريقون أمواه وجوههم في جمع الثروة؛ فإن هؤلاء ~~كالخنازير لا يرفعون خياشيمهم من الوحل. # إذا لهوت فلا تتماد في لهوك؛ فإن التمادي في اللهو والإفراط في السرور ~~يذهبان بالخير من الحياة. # إذا أردت أن تصيب غرضا؛ فكن كأحذق الرماة تصويبا، أنعم النظر في هدفك ~~قبل توتير قوسك، فإذا وطدت نفسك ووترت قوسك أطلق سهمك، واعلم أن ربان ~~السفينة لا يبلغ المرفأ الأمين إلا إذا ساير الريح. # إذا اصطفاك الملك واصطحبك واستعان بك؛ فلا تغتر بما لك عليه من ~~الدالة؛ فتلهيه عما يهمه ms18 بأن تسمعه ما لا يحب، أو تنبئه بما ~~يكره؛ فإنه إن وسعك حلمه مرة لا يسعك أخرى، وهيهات أن يؤمن شر من ~~إذا قال فعل. اعلم أن رفعتك لا تكون بعلو نفسك، ولا تعلو إلا النفس ~~التي اختارها الله، والله لا يختار إلا نفسا تحب أعداءها كما تحب ~~أصدقاءها، وتبغض الشر لذاته، وتعمل الخير حبا فيه لا جلبا لنفع ~~تريده. # إذا وكل إليك تهذيب صبي من أبناء الأشراف والأمراء؛ فلا تخش بأس ~~أهله في تقويم خلقه وإصلاح حاله؛ فإنك إن قمت بعملك كما توحي إليك نفسك ~~وذموك في الحال أثنوا عليك في المآل، وكان نصحك كالدواء يسوء ~~استعماله ويحسن مآله. أوصيك بتهذيب الصغير بحيث يستطيع مجالسة ~~الكبراء؛ فإن في هذا من الفضائل ما لا يحصى، وإذا وفقت إلى القيام ~~بعملك، وقدر أهل الصبي حسن فعلك؛ أغدقوا عليك نعمهم، ورفعوك إلى ~~مراتبهم، وقد تعلوهم وتفوقهم بعد أن تصير مربيهم وأستاذهم. # إذا كنت من رجال الدين ووكل إليك أمر الفصل في مشكلة عويصة بين الملك ~~والرعية؛ فاحكم بالقسطاس وكن عدلا، ولا تظلم الشعب لتصانع ~~الملك؛ لئلا توصم بوصمة الأشراف، وهي أنهم ينصرون القريب والصديق ولو ~~كان على ضلال مبين، ويخذلون العدو الغريب ولو كان على حق وهدى، بل كن يا ~~ولدي مع الحق والعدل أينما كانا؛ يكن الله والخير معك. إن أساءك من أحسنت ~~إليه؛ فاعف عنه، واجتنب عشرته؛ فإن كان حرا فالعفو قتل له، وإن ~~كان وغدا ففي هجرك إياه منجاة لك من شره. # إذا عظم قدرك بعد حقارة شأنك، واستغنيت بعد فقرك؛ فلا تقصر خيرك على ~~نفسك؛ إنما أنت خليفة الله في أرضه، وحارس نعمته، وولي خلقه، رزقك ~~لتعطيهم، وهداك لتهديهم، وأحسن إليك لتحسن إليهم؛ فلا تخن الله في ~~أمانته، ولا تكفر بنعمته، فما كفر بها إلا كل معتد أثيم. أطع ولي ~~أمرك واخضع له بالحق؛ فإن عيشك رهن الطاعة، وإن عصيته ولم يكن قد اعتدى ~~عليك فقد أسأت إلى نفسك. # إذا وليت أمر قوم فلا تتحكم في أعناقهم بظلم، ms19 ولا تسع في سلب ~~نعمتهم؛ فإن الخير يذهب عنك بقدر ما تذهبه عنهم، ولا تغدر أخاك فيما له ~~من مال؛ لأن الغدر منبت الأحقاد. # إذا شئت أن تسبر غور رجل تريده صاحبا؛ فإياك وسؤال الناس عنه؛ فما ~~ذكروا لواحد حسنة إلا وأردفوها بمساوئ لا تعد، بل اكتف بعشرته أمدا ~~محسنا إليه ما استطعت؛ فينبسط الرجل ويفضي لك بما في نفسه، فإن راقك ~~بعد التجارب فأقبل عليه وفاتحه فيما تود، وإلا فاتركه بالمعروف ~~والحسنى، وإن صحبته فلا تحتجر عليه في الحديث، وإن استصغرت شأنه فلا ~~تشعره بما تراه فيه فينفر عنك وده، ولا تحرم أخا لك نفعا ~~تملكه. # اعلم أن كل سعادة يتبعها شقاء، وكل غنى يتلوه فقر، وكل صفاء له كدر، ~~وأن للأيام دورات؛ فكم من رفيع خفضت ووضيع رفعت! وكم من صعلوك أسكنت ~~قصرا! وكم كريم إذاقت بؤسا وفقرا. # إذا اتجرت فأوصيك باكتساب ثقة الناس؛ فإنهم خير نصير إذا كبا بك ~~الزمان، وعاكستك صروف الحدثان. اعلم أن الذكر الرفيع أعظم قدرا في نظر ~~العاقل من المال الكثير؛ لأن المال يجيء ليذهب، ولكن الشرف إذا حل ألقى ~~رحله ولم يتحول. # إذا سألت فاسأل بالحسنى، وإذا سئلت فتلطف في الجواب. # إذا أسأت إلى امرأة في عرضها، ودعوتها إلى بذل ماء حيائها، وجلبت عليها ~~عارا يخلق أديم وجهها؛ فكن بها رحيما، وأفض من نعمائك عليها بقدر ما ~~أسأت إليها؛ فإن في ذلك إحسانا وعدلا وتكفيرا عن الذنوب. # اعلم يا ولدي أنك إذا أطعتني وعملت بما نصحت إليك فقد نهجت سبل الخير، ~~ومن ينهجها لا يضم. # إذا أردت أن تقوم من اعوجاج أهلك ومن حولك؛ فلا تضن على الأحداث ~~والجهلاء منهما بعلم، واضرب لهم الأمثال، وعلمهم الحكمة ليرجعوا في ~~أمور معاشهم إليها، ولعلك مؤد تلك الأمانة إلى أهلها، وتارك وراءك ~~أثرا يبقى في بلاد النيل إلى ما شاء الله؛ فيكون نبراسا يستنير به ~~الشعب والملك؛ لأن في كلمي ما يستفيد به المسترشد فينال من الخير ما ~~ينفعه، وقد نصحت بالرفق والكرم والقناعة؛ لعلمي ms20 بأن الحكمة أفرغت في هذه ~~الفضائل الثلاث. # إن من يقرأ قولي سيرضى به وتروقه حكمتي؛ فتستنير بصيرته، وتحل عقدة ~~لسانه، ويصفو ذهنه، ويقوى جنانه، فيهذب أولاده، ويورثهم الحكمة من ~~بعده، وهم يورثونها أبناءهم. # اعلم أن لا شيء أحسن لدى الوالد من طاعة الولد البار الذي يعنى بقوله ~~ونصحه، وإذا تكلم أحسن الكلام، وإن ألقي إليه القول أحسن الإصغاء؛ فإن ~~الصغير إذا شب على الطاعة استطاع أن يأمر وينهى في شيبه كما كان يؤتمر ~~وينتهي. إن الطاعة زارع يغرس المودة، وإكسير يجلي صدأ القلوب، ودواء ناجع ~~يشفي داء البغض، وآلة تنال بها حكمة الشيوخ وحنكتهم، وهيهات أن يخلص ~~لك النصح حكيم لا تطيعه. # إن الله يحب الطاعة ويأمر بها في الخير، ويبغضها وينهى عنها في الشر، ~~ولا ريب في أن القلب هو الذي يأمر صاحبه بالطاعة أو ينهاه عنها؛ لأن حياة ~~الرجل بحياة قلبه، فإذا كان طاهرا تقيا كانت حياته طيبة شريفة، وإذا ~~كان القلب خبيثا دنيئا كانت حياة صاحبه كذلك. # إذا كنت في فتوتك مطيعا ووليت الرئاسة في رجولتك كنت رئيسا عادلا، ~~وإن للعدل قوة تؤثر في النفوس الجامحة، وتستل منها سخائم ~~العناد. # رأيت الأمراء يحبون المطيع؛ لأنهم يعلمون أن الطاعة فضيلة مكملة ~~للأخلاق، فعليك بتعليم الطاعة ولدك ليكون مقربا من الأمراء ~~والكبراء. # رأيت الجهال يعصون فيهلكون؛ لأنهم لا يفرقون بين الخير والشر، ولا ~~بين الربح والخسران، فيقترفون الذنوب فيذوقون أنواع الهوان. إن الجاهل قد ~~يغلب العاقل بالثرثرة والهذر، ولكنه يقصر عن مدى الأطفال في مجال العلم ~~والحكمة فيجتنبه الناس، ويبقى طول حياته مهجورا محسورا. # إذا رزقت ولدا فلا تضن عليه بالحكمة التي جدت بها عليك؛ فيناله من ~~الخير بنصحك ما نالك بنصحي، وأوصه أن يبلغ رسالتك إلى ابنه من ~~بعده؛ فتبقى الحكمة في بيتنا. وهذه نعمة كبرى. # توخ الصدق فيما تقول للأطفال؛ لأن نفس الحدث كالعجينة اللينة يسهل ~~تشكيلها على أية صورة تريد، واعلم أن الصدق إذا كان أول ما يقابل النفس ~~اعتادته، وبذا يمكن استئصال الرذائل منها، وغرس ms21 الفضائل مكانها. # اعلم أنك إذا فعلت ما أوصيتك به كنت قدوة عشيرتك وأهلك؛ فتتولى أنت ~~وأولادك قيادة الشعب وزعامته، وتلك الدرجة أسمى ما تتطلع إليه النفوس ~~الكريمة. عليك بالعدل في قولك وفعلك، واحرص على ما تفوه به حرص البخيل ~~على درهمه، والجبان على دمه. كن خاضعا في حضرة الملك، وعيوفا في نظر ~~أقرانك، وإذا نطقت فليكن حديثك مدعاة للإعجاب بك، والتحدث بفضلك. ~~اقدر قولي قدره، واعلم أن نصيحة الوالد أثمن ما يقتنيه الولد. # إذا بلغت منصبي فاجتهد يا ولدي في إرضاء الملك بإتقان ما تمارس من ~~الأعمال. احفظ شبابك تحفظ مشيبك. إذا مرضت فبادر إلى علاج جسمك فيطول ~~بذلك عمرك، وتنتفع بحياتك أنت وغيرك، وتعيش كما عشت مائة وعشر سنين، خدمت ~~أثناءها بلادي بالحق والعدل؛ فغمرني الملوك بالإحسان، وأغدقوا علي ~~النعم، فكنت أسعد حالا من آبائي وأجدادي. # انتهت حكم فتاحوتب الحكيم المصري. # الكتاب الثاني # | جولستان أو روضة الورد # للشاعر الفارسي مصلح الدين سعدي الشيرازي # | تمهيد: آداب الفرس # فنون الأدب في الأمم تتبع في نموها وتنوعها تاريخهم وأخلاقهم، ومريد ~~الإلمام بتاريخ آداب الفرس مضطر لدرس نشأة هذه الأمة العريقة، والوقوف على ما ~~طرأ عليها من الحوادث. ولو أردنا أن ندون نبذة في هذا البحث زادت صحائفها عن ~~كتاب السعدي مهما حاولنا الإيجاز، على أن الواصفين لآداب الفرس من أهل الشرق ~~قليلون، وأقل منهم العارفون منها شيئا، وأقل من الفريقين الذين تفرغوا لدرس ~~مبحث من مباحثها. أما أهل الغرب فإن الذين وقفوا أعمارهم للوقوف على آداب ~~الفرس فكثيرون جدا، وإنني آت على ذكر بعضهم، وإن في ذكرهم لعبرة لنا ~~وموعظة حسنة. # وهاك بيان فئة قليلة من مشهوريهم، ممن نرجع - نحن الشرقيين إخوة الفرس - ~~لنفهم آدابهم إليهم، وهم من حضرتنا أسماؤهم لساعتنا، ومن غاب عنا ذكرهم ~~أكثر عددا: # سيلفستر دي ساسي: # مذكرات في عاديات الفرس، باريس. # تاريخ الساسانية «ترجمة ميرخود». # إيوجين بورنوف: # درس على اللغة وشرح على نص الزند. # دي موهل: # الشاهنامة باريس - كتاب الملوك للفردوسي. # شودزكو: # تاريخ فن تأليف الروايات التمثيلية في ms22 الفرس. # باربييه دي مينار: # بستان السعدي . # جارسين دي تاسي: # الأشعار الدينية والفارسية في آداب الفرس. # جوبينو: # تاريخ الفرس. # جوبينو: # الأديان والمبادئ الفلسفية لشعوب - آسيا ~~الوسطى. # يواقيم مينان: # مخطوطات الفرس - الألسن المنسية في الفرس وبلاد ~~أنتور. # جيمس دار مستتر: # أصول الشعر الفارسي. # ديولافوا: # الفنون الجميلة في بلاد الفرس. # نييكولا: # الآلهة والخمر في دواوين الشعر الفارسية. # وعدا هؤلاء فإن في أوروبا وأمريكا عددا كبيرا من أهل الأدب والعلم أخصائيين ~~بمؤلفات بعض فلاسفة الفرس أو شعرائهم، ومن هؤلاء أخصائيو عمر الخيام؛ وهم: ~~إدورد ألن، وإدورد برون، وهونيفلد، وجارنر، وميكارثي، ولوران، وأشهرهم بالإجماع ~~هو فتزجرلد الذي نقل رباعيات الخيام إلى اللغة الإنكليزية، وممن اشتغلوا ~~بدرس كلمة مصلح الدين سعدي الشيرازي، مؤلف حديقة الورد: نيف، الذي وضع ~~كتابا عنوانه «السعدي الشاعر»، طبع لوفان عام 1881، وخصه بيزي بفصل مهم في ~~تاريخ آداب الفرس. # أخرج الفرس في كل الأزمان أدبا جما؛ لأنهم أمة ذات حيوية قوية، ورغائب ~~نفسية، وخلال تدفع إلى التغني والمرح والمحاربة. والناظر في صحيفة آدابهم ~~يقسم ما أخرجوه للناس إلى ثلاثة أقسام، شغل كل قسم منها بنوع من الشعر ~~والنثر، وكان لكل عهد من تلك الثلاثة فحول ومجيدون. # كان العهد الأول: عهد الشعر الديني، والثاني: عهد الشعر الأيبيقي «القصصي»، ~~والثالث: الليريقي أو الغنائي. # امتاز العهد الأول الذي يرجع إلى ما قبل المسيح بأربعة قرون بالأفستا، والثاني ~~يمتاز بالشاهنامة التي حاك بردها الفردوسي، أسد الشعراء القصصيين وبطل ~~الأيبوبية، ولكن تاريخ هذا العهد لا يمكن تعيينه بالدقة. # أما الشعر الغنائي «ليريقي» فقد ظهر فجأة بعد قرنين من تاريخ فتوح العرب، وسبب ~~هذا أن الفرس بعد أن استردوا شيئا من حريتهم ظهرت مواهبهم العليا، وتجلت ~~عبقريتهم، ومن ذاك الحين نما عدد الشعراء بكثرة وافرة حتى أصبح حصرهم مستحيلا؛ ~~لأن الشعر الغنائي لا يظهر إلا إذا أصبح كل مخلوق مفكرا شاعرا قادرا ~~على التغني بعواطفه، وإظهار أحوال نفسه. # أما العهد الثاني الذي كانت العواطف الدينية فيه هي الدافع للشعراء ~~والكتاب، فقد امتاز - كما ذكرنا - بالأفستا، وهي مجموعة كتب ms23 أمة ~~البارصية، أو عباد زوروسترا، وهي مقسمة إلى خمسة أناشيد؛ النشيد الأول: ~~صلاة لأرباب الأرض والسماء والهواء، كان يتغنى بها المتعبدون خلال ~~التضحية، واسمه الياسنا. # والثاني: واسمه الفسبرية، وهو تكملة الياسنا. # والثالث: الفنديداد، وهو قانون ديني للفرس العتيقة، وفيه بيان لأصول عقيدة ~~الماثنية. # الرابع: إلياشتس، وهو دعوات للأرباب المتحكمة في أيام السنة، لكل منها ~~دعوة. # والخامس: الخوردا أفستا، وهو صلوات للشمس والقمر والماء والنار خاصة. # والأدب القصصي بدأ تقريبا من القرن العاشر للمسيح، وفي عهده ذاع فضل الشعراء ~~وبان فضلهم، وقربهم الملوك. وأشهر شعراء هذا العهد الفردوسي أبو القاسم ~~الجليل مؤلف الشاهنامة أو ديوان الملوك، وقد خلد فيه صورة الروح الشرقي ~~الذي تتنازعه عواطف الحب والخيال، وتلا الفردوسي خسرو، من شعراء القرن الرابع ~~عشر للمسيح، والجامي بعده بجيل ومستوف وعبد الله الحليفي والكمالي وأبو طالب من ~~شعراء السابع عشر، وأشرات في الثامن عشر، وجابة المتوفى عام 1822، وهو آخر ~~شعراء هذا العهد الجليل. # والشعراء الغنائيون يبدأ عهدهم في القرن الحادي عشر، وقد عاش معظمهم في بلاط ~~السلطان محمود الذي ورد ذكره في قصائدهم وتآليفهم، ومن هؤلاء سوى الفردوسي: ~~منبو تشهر، والأسدي، والأصوري، وكروماريا، والأنوري، وأفضلهم بعد الفردوسي منبو ~~تشهر الذي تمثلت فيه روح الفرس الشعرية. وقد كان للصوفية نصيب من التأثير في ~~الشعر الفارسي. وهذا رأي الكثيرين من الثقات في الأدب الفارسي، ونحن نخالفهم في ~~هذا الرأي لا سيما فيما يتعلق بالخيام وحافظ، وقد يصح عن السعدي. وقد ~~ذكروا بين الشعراء الغنائيين الصوفيين: الخيام صاحب الرباعيات، وفريد الدين ~~العطار صاحب منطق الطير، وجلال الدين الرومي صاحب المثنوي، فالسعدي صاحب ~~البستان والجولستان، فحافظ الشيرازي. # هذا قليل من أدب الفرس جئنا به مقدمة لحديقة الورد لسعدي؛ ليعرف القارئ العربي ~~مكان السعدي من فضلاء وطنه. # سعدي الشيرازي # هو الشيخ مصلح الدين سعدي الشيرازي، شاعر إيراني ولد في شيراز سنة ~~1175 للميلاد، الموافقة سنة 571 هجرية، وقيل: بل سنة 1189، قيل: لقب ~~بالسعدي نسبة إلى أتابك سعد بن زنكي، وكان في أيامه. # درس في بغداد، فأخذ ms24 العلوم الظاهرة عن الشيخ شهاب الدين، وأخذ العلوم ~~الباطنة عن الشيخ عبد القادر الكيلاني، فامتاز بين أقرانه بالذكاء ~~والاجتهاد، فنبغ في التفسير والحديث وسائر العلوم، وكان ورعا تقيا، ~~دخل في سلك الدراويش القندريين، وكانوا يكثرون الحج إلى مكة المكرمة ~~ويسيرون مع القوافل، ويرددون التسابيح أمام رفاقهم ويحرضونهم على ~~الصلاة والتقوى، فحج السعدي على تلك الصفة 14 مرة، وكان لم يكتب بعد ~~شيئا، بل كان منعكفا على الصلاة والتأملات. # ثم تجند في محاربة الصليبيين في سوريا، فلم يصب نجاحا، بل أسر ~~لأول موقعة واقتيد إلى طرابلس الشام، فأدخلوه بين العملة في بناء ~~الحصون، فدام أسره عدة سنوات إلى أن اتصل به تاجر حلبي فأذهله علمه وورعه ~~في الدين، فافتداه من الأسر بعشرة دنانير ذهبا، وأعطاه مائة دينار ~~وزوجه ابنته، فلم ير حظا في زيجته؛ لأن زوجته سببت له من الأكدار ~~أعظمها، حتى إنه طعن فيها فيما بعد في أحد مؤلفاته، واضطر بشراسة ~~أخلاقها وسوء تصرفاتها أن يطلقها، فاعتزل الأمور الحربية، وانصرف إلى ~~نظم الشعر والقيام بالفروض الدينية، ونظم عدة قصائد وقدود ونشائد ~~وسماها ملمعات، ومنظومة سماها البستان. # وكتب مؤلفا سماه الجولستان؛ أي روضة الورد، وهو مشهور في الشرق ~~والغرب، بعضه منثور، وبعضه منظوم، ويحتوي على حكايات حربية، وقصص ملوك، ~~وغزل ديني، وأمثال أدبية وسياسية. وهو في ثمانية فصول، في أولها كلام عن ~~الملوك، والثاني في الدراويش، والثالث عن الزهد والقناعة، والرابع عن ~~فوائد الصمت، والخامس عن الشبوبية، والسادس عن الشيخوخة، والسابع عن ~~التعليم والتهذيب، وفي الثامن جمل متفرقة حاوية ملخص التأليف كله، ومع ~~أن الكتاب المذكور أقل تآليف السعدي أهمية، فقد انتشر أكثر منها؛ فترجمه ~~إدلياريوس إلى الألمانية، وطبع في شلسويك سنة 1654، وترجمه غراف إليها ~~أيضا، وطبع في ليبسيك سنة 1846، وترجمه غودن إلى الفرنسية وطبع في ~~باريس سنة 1791، وترجمه سميلي وطبع سنة 1828، وشارل دي فريميري وطبع ~~سنة 1858، وترجمه جنتيوس إلى اللاتينية وطبع مع ترجمته إلى الإنكليزية ~~بقلم جمس دومولين في كلكتا سنة 1807، وطبعه السيتول في هرتفرد سنة 1850 ~~مع معجم لكلماته، ms25 وترجمه إلى الإنكليزية نظما ونثرا سنة 1852، وقد ~~ترجم إلى التركية وطبع في الأستانة مع الأصل الفارسي، وترجم إلى العربية # 1 # وطبع في مصر، وله ترجمة أخرى غير مطبوعة. # وأغرب ما في هذا الكتاب بلاغة إنشائه، وقد ذهب أكثرها في الترجمات ~~المذكورة، وطالعه فلوريان وسان لمبر في الترجمة اللاتينية، ونقلوا عنه ~~عدة استعارات أدخلوها في بعض القصص التي كتبوها. # وله أيضا مؤلف اسمه بندنامة؛ أي كتاب الأمثال، وكل كتاباته كانت ~~بالفارسية والعربية، وطبعها هرنغتون في كلكتا سنة 1791 في مجلدين، ~~والأسقف غودن في أواخر القرن الثامن عشر نشر تقليدا للجولستان، إلا ~~أنه لم يشابهه في شيء من الطلاوة، وترجم البستان إلى الألمانية، وطبع ~~في همبرغ سنة 1696، وإلى الفرنسية ولم يطبع بعد، وترجمت البندنامة إلى ~~الإنكليزية وطبعت سنة 1788، وترجمت إلى الفرنسية سنة 1822. # واختلف في تاريخ وفاته؛ فقال بعضهم: إنه بعد ظهور آخر مؤلفاته سنة 656 ~~هجرية عاش 30 سنة في الزهد والتنسك، فيكون قد توقف عن التأليف لما ~~بلغ سن 85 سنة، وتوفي عن 115 سنة، وقال اللامعي - أحد المؤلفين ~~الإيرانيين: إن السعدي كتب آخر مؤلفاته وله من العمر 70 سنة، وتوفي ~~سنة660 هجرية عن 89 سنة، وذهب بعض المؤرخين إلى أنه توفي عن مائة وسنتين ~~سنة 1291 للميلاد. # وقد شهد له علماء الشرق والغرب بطلاوة كتاباته ومنظوماته، وبداعة معانيها ~~ورقتها، وقد جمع في كتاباته بين التصوف والتورع ففاق فيه لوكان ~~الفيلسوف القديم الزينوي المذهب، وبين الطلاقة ورقة المعاني ففاق فيها ~~هوراس الفيلسوف اليوناني القديم. وكانت معارفه متسعة، وله إلمام بأهم ~~اللغات الشرقية واللاتينية، وقد نال شهرة كلية في كل أقطار العالم، وله ~~مقام سام بين أصحاب الذوق والتآليف الشعرية والنثرية، وكتبه كثيرة ~~الانتشار والتداول في بلاد العجم والعراق حتى لا يكاد يخلو منها ~~أحد. # وقد كان على غزارة معارفه وسعة اطلاعه وانعكافه على الصلاة لطيف ~~المعشر، رقيق الجانب، سريع الجواب؛ حكي أنه دخل الحمام يوما، وكان فيه ~~الخوجة همام التبريزي، فسأله: من أين الرجل؟ فقال: شيرازي، فقال: كل ~~العجب من ذلك؛ ms26 فإن الشيرازيين عندنا أكثر من الكلاب، فأجابه على الفور: ~~والأمر عندنا بالخلاف؛ فالتبريزيون أقل من الكلاب. ا.ه. # 2 # | جولستان أو روضة الورد # في الزهد والحكمة ~~«لم نعلمك حق العلم» # باب الإلهيات # أياعجبا كيف يعصى الإل # ه أم كيف يجحده الجاحد؟! # وفي كل شيء له آية # تدل على أنه واحد ~~«سألوني عن ذاته المقدسة وقالوا: صفها؛ فأنت بها خبير، فعجزت عن الوصف ~~والتعبير وقلت: جل عن أن يكون له مثيل أو نظير؛ فهو الواحد الأحد، ~~والفرد الصمد، أحيانا فعشنا به، ويميتنا فنموت في حبه.» # حديقة الورد # غاص ولي من أولياء الله في بحر التأمل والتفكير، فلما هب من نومه ~~وصحا من نشوه، قال له إخوان الوفاء: «ماذا جلبت لنا من تحف الحديقة ~~الغناء؟» # فقال الولي: فكرت فيكم وأنا أتنقل بين الخزامى والياسمين، وأمتع النفس ~~بشم الأزهار والرياحين، فصحت عزيمتي على أن أهديكم بعض التحف، وأنفحكم ~~بما أستطيع من الطرف، فلما بلغت بستان الورد اجتنيت منه ما اجتنيت ~~وملأت حجري، فأصابني من الأريج والعطر ما غيب عني الرشد والفكر، ~~فانفلتت أهدابي من يدي، وانتشر الورد في الروضة البهية، فعدت إليكم بلا ~~هدية. # الأسرار الإلهية # اضرب للعاشقين مثل الفراش والنار؛ فهو الذي يسعى بجناحه إلى الهلاك ~~والدمار، وهذا جزاء من يحاول الوقوف على الأسرار قبل الأوان، فلا هو ~~مصيب غرضا، ولا مطفئ ما به من أوار، فيا أيها الباحث، أقصر فسوف يكون ~~نصيبك الفشل، واعلم أنه ما اهتدى إلى الحق إلا من غادر عالم الفناء، ~~وهيهات هيهات أن تبوح النفوس بسر الوجود قبل أن تعبر من عالم الزوال إلى ~~عالم الخلود. # تمجيد واجب الوجود # جل جلالك يا من تعالى عما يقول القائلون، يا من لا تحيط به ~~الشكوك، ولا تلحقه الظنون، يا من يعجز عن معرفة كنهه الحكماء ~~والعارفون، أنت القديم منذ القدم، وأنت المعطي الكريم، بل أصل الكرم، ~~بل أنت البقاء والوجود، وكل ما عداك فناء وعدم. # إصلاح النفوس الشريرة بعشرة النفوس الخيرة # أعطاني محبوبي قبضة من طين ذات ريح زكية، فقلبتها ms27 بين يدي قائلا: يا ~~لها من هدية! وسألتها قائلا: يا أيتها الطينة العطرية، أأنت من العنبر ~~الإلهي أم من المسك المقدس؛ فإن أريجك يطهر الفؤاد ويجلي مرآة ~~النفس؟ # فقالت: اعلم أنني حسوت عطر الورد فانتعش جسمي، وأضاءه شعاع من الروح ~~العلية، وسرى فيه الطيب فتضوعت منه تلك الريح العبقرية. # قوة الجنان وفصاحة اللسان # إذا منحك الله قوة الجنان وفصاحة اللسان فلا تكتمن ما يجول بصدرك، ~~وعبر ما استطعت عما تشعر به في جهرك وسرك، وأفرغ المعاني الدقيقة ~~في قوالب الألفاظ الرقيقة، وكن كالصائغ الحاذق الماهر الذي يرصع الذهب ~~بالدراري والجواهر، وليكن لك في المحافل منطق يشفي الجوى، ويسوغ في أذن ~~السامعين سلافه: # فكأن لفظك لؤلؤ متنخل # وكأنما آذانهم أصدافه # واعلم أن الموت سوف يطفئ شعلة الفؤاد، فيطول أمد الرقاد، ويعجز اللسان ~~عن البيان، وتدفن جواهرك معك في القبر، وليس هذا هو المقصود في الحياة ~~ولا تلك غاية العمر. # فما اكتمل البدر إلا ليضيء وينير، وما فاض النهر إلا ليغدق على ~~الوادي الخير الغزير. # حديقة السعدي # ولما نزلنا منزلا طله الندى # أنيقا وبستانا من النور حاليا # أجد لنا طيب المكان وحسنه # منى فتمنينا فكنت الأمانيا # عرفت جنة ذات أنهار حذاء نهر جرار، وحوض ثرثار، ذات أشجار باسقة، وغصون ~~متقاربة متلاصقة، قد كساها الجمال ثوبا قشيبا باهرا، وحباها الحسن ~~نصيبا وافرا؛ فخضرتها تسر الناظرين، ومنظرها يبهج الرائين، سيما ~~وقد ازدانت مروجها بالأزهار كما تزدان بالعقود النحور، فقصدتها في يوم ~~النيروز وإذا بالبلابل تغرد على الأغصان، والطيور تسبح باسم ~~المهيمن الديان، فكأن تلك الجنة جامع فسيح، وتلك الطيور خطباء تصيح ~~بالوعظ الصحيح، وكأن قطر الندى على الشجر دموع انهملت من عين عابد في ~~السحر، أو بكاء عاشق بان عنه معشوقه وبان له القمر. # قضيت مع صديق لي في تلك الجنة ليلة لا تحسب من العمر، بين الغصون ~~والرياحين والزهر، وكنا إذا سرنا خيل لنا أن حصاها من البلور، وأن ~~قطوفها جوهر، وأن ماء أنهارها من زبرجد، وأزهارها من عسجد، ومن رأى زهر ~~الخزامى ms28 وهو يميل نحو الورد للتقبيل، أو لحظ النرجس وهو ينظر إلى السماء ~~بمقلته النجلاء، ورأى الماء أزرق كعين السنور، صافيا كقضيب البلور، بل ~~كلسان الشمعة في صفاء الدمعة، قال: لا ريب في أن هذه روضة من رياض ~~الجنان، وهبها الرحمن لبني الإنسان؛ ليتحدثوا بنعمته، وليسبحوا ~~بحمده. # فلما هزمت جيوش الصباح جنود الظلام، وولى الليل مدبرا، وجاء الفجر ~~مقبلا بسلام، وعزمنا على الانصراف عن تلك الحديقة الأنيقة، عز علينا ~~فراق ذلك الجمال، ووددنا لو أننا نبقى فيها سبع ليال نمتع أثناءها ~~الطرف والشم، ونفرج في خلالها الكرب والهم، ولكن هيهات أن يتم لنا ~~ما نرجو في تلك الدنيا الفانية، أو ننال في الأولى ما نمتع به في ~~الثانية، فنهضنا والأسف ملء القلوب، واستسلمنا للقضاء استسلام ~~أيوب. # وإني لكذلك أتحفز للمسير، وإذا بصاحبي يشد ثيابه ليملأ أهدابه بالأزهار ~~الزكية، كالورد الذي أسكرنا عطره، والنرجس الذي ملأ المكان عبيره ونشره، ~~فقلت له: ماذا أنت صانع، يا أخي، بتلك الأزهار البهية؟ قال: أحملها ~~لإخواننا ممن لم يسعدهم الله بمثل ما أسعدنا، فأجبته لساعتي: ألست ~~تعلم أن الأزهار النضرة سوف يئول أمرها إلى الذبول؟! وأن عطرها لا يدوم ~~أكثر مما يدوم أثر الشمول؟! فلا نفع والحال كما ذكرت بتعزيز ما كان ~~مصيره للفناء، فقال صاحبي: بماذا نعود إذن إلى أصحابنا بعد أن غبنا عنهم، ~~وكان نصيبنا من الخير أوفر من نصيبهم؟ # فوعدته بأن أكتب كتابا يكون كتلك الحديقة، غير أنه سهل المنال، وتبقى ~~أزهارها على الدوام نضرة، لا يؤثر فيها تقلب الأيام والليالي، فإذا ~~أنجزت ذلك الكتاب استغنى الناس عن البساتين؛ لأن وردها يبقى غضا يوما ~~وليلة، أما ورد روضتي فسيبقى غضا على كر القرون والسنين. # | أخلاق الملوك # غرور الحياة الدنيا # عجبا لي ومن رضاي بدنيا # أنا فيها على شفا تغرير # إذا أدبرت كانت على المرء حسرة # وإن أقبلت كانت كثيرا همومها # هذا ما أمر الملك فيردون بنقشه في إيوان قصره: حذار أيها الإنسان من خداع ~~الدنيا وغرورها، فما دامت لحبيب، ولا أبقت على صاحب؛ ms29 فهي اليوم تخدعك ~~وتقبل عليك، وغدا تخلعك وتذهب عنك، فإن كنت غنيا فسوف تبدد شمل ~~مالك، وإن كنت ذا منى فهي القاضية على مناك وآمالك. يا أيها المفتتن ~~بغرورها، متى غرتك؟ أبمصارع آبائك من البلى، أم بمضاجع أمهاتك تحت ~~الثرى؟! واعلم يا صاحبي، أنك لا محالة ذاهب عنها؛ فأجدر بك أن لا تأبه ~~لها إذا رفعتك إلى عرش الملك والسلطان، أو وضعتك إلى أسفل دركات الذل ~~والهوان؛ فإن الموت داعيك، والفناء مناديك في أية حال كنت، فلا ينفعك ~~بكاؤك، ولا يغني عنك أحباؤك، ولا عرشك بمطيل عمرك، ولا فقرك بمدنيك ~~من أجلك. # السلطان محمود # لعمرك لا يرد الموت حصن # ولا هذي العساكر والجنود # زعموا أن سلطانا من سلاطين خراسان رأى فيما يرى النائم السلطان محمودا ~~بعد موته بمائة عام، فإذا الجسم قد اعتدى عليه التلف فصار ترابا، سوى ~~أنه رأى عيني السلطان تحملق به وتجولان في محاجرهما؛ فهب من نومه ~~فزعا، واستدعى الحكماء والعلماء، وطلب منهم أن يفتوه في رؤياه، فعجز ~~المفسرون عن التفسير، وقصر مدى الحكماء عن البيان والتعبير، سوى درويش ~~من الصالحين، وكان الملك خاشعا خاضعا، فقال له: إنني يا مولاي أوتيت ~~علم الرؤى، فقال الملك: فسر ما ذكرت إن كنت من الصادقين، قال المفسر: ~~إن السلطان محمودا لا يزال ينظر إلى هذه الدنيا بعين الحنق والغيظ، وهو ~~محملق بك في المنام كأنه يسألك: كيف استبحت لنفسك ملكا كان يدعيه ~~لنفسه؟! ويسائل العرش كيف يرضى بغيره بعد أن طواه الردى في ~~رمسه؟! # عظة الأحياء بالأموات # هي القناعة فالزمها تعش ملكا # لو لم يكن فيها إلا راحة البدن # وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها # هل راح منها بغير القطن والكفن؟! # كم من ملك تحت التراب! وكم عاهل طواه الثرى طي السجل للكتاب! وكلهم ~~ذهب ولم يترك وراءه أثرا، ولم يخلف بعده ذكرا ولا خبرا، إلا جسدا ~~باليا، وعظاما نخرة، أين كسرى وأين ملكه وسلطانه؟ أين قصره وإيوانه؟ ~~أين حشمه وحوره وغلمانه؟ أين مجده وثراؤه؟ أين عماله ووزراؤه؟ ألم ~~يلحقهم الموت ms30 والخراب؟ ألم يصبهم ما أصاب أهل القرون الأولى من الدمار ~~والتباب؟! فيا أصحاب الجدود المفروزة، والأردية المطروزة، والدور ~~المنجدة، والقصور المشيدة، إنكم لن تأمنوا حادثا، ولن تعدموا ~~وارثا، فبادروا بالخير ما أمكن، وأحسنوا الدهر ما أحسن. # نفوس الرجال # رأيت صاحبا لي طويل الصمت، كثير الأناة، لا ينبس ببنت شفة، فقلت: لئن لم ~~تكن نفس هذا الرجل من فضليات النفوس المتشبعة بالخير؛ فهي بلا ريب ~~روح خبيث تمكن من الفساد واحتواه الشر، ومثل تلك النفس كمثل الأحراج ~~المجهولة، يراها الناظر فتلحقه من رؤيتها رهبة وجزع، وقد تكون خالية من ~~كل ما هب ودب، وقد تكون مأوى النمر والدب. # اختيار الأصدقاء # إذا شئت أن تتخذ صديقا، فلا يكن ذلك الذي يقبل عليك والدنيا في إقبال، ~~ويدنو منك ما حامت حولك الآمال، إنما الصديق هو الذي يذكرك في الضيق، أو ~~ينقذك من عدو. # اعلم أن المصائب محك الأصدقاء المخلصين، وبها يعرف الصاحب الصادق من ~~العدو المنافق: # جزى الله الشدائد كل خير # عرفت بها عدوي من صديقي # العزلة والوحدة # حكي أن وزيرا عزل فانخرط في سلك الدراويش، فلما عاش فيهم وامتزجت ~~نفسه بنفوسهم استل خيرهم ما كمن في نفسه من الشرور التي تلصق برجال ~~الدولة، فعادت إليه القناعة بعد أن هجرته، ووصلته الفضيلة بعد أن عقها ~~فعقته، وحدث أن السلطان عاد فرضي عنه واستدعاه إلى منصبه، فأبى الوزير ~~القنوع أن يعود إلى متاعب الوزارة، وفضل الاعتزال على السفر والمال، ~~واختار الوحدة في التقشف على الاجتماع بالناس وما يقتضيه ذلك من ~~التزين والتصرف، وحسنت لديه حياة الزاهدين المتصوفين بقدر ما قبحت ~~في عينه عيشة الوزراء والسلاطين، فلما ألح السلطان في طلبه أجابه ~~الوزير: # اعلم يا مولاي، أنني تركت وراء ظهري حدائق أعنابا، وكواعب أترابا، ~~وخيلا مسومة، وقناطير مقنطرة، وعدة وعديدا، ومراكب وعبيدا، وخرجت ~~خروج الحية من جحره، وبرزت بروز الطائر من وكره، مؤثرا ديني على دنياي، ~~جامعا يمناي إلى يسراي؛ لأنني آثرت الفقر مع الحرية على الغنى في ~~المذلة، ومن كان مثلي فقد عتق رقبته، ms31 واستل من قلبه سخائم الضغن ~~والحقد، وأخرج منها سموم الغيظ والحسد، ودان بدين التساهل والتسامح، وبذا ~~نجوت من لوم اللائمين ، وقطعت ألسنة القادحين. # فأجابه الملك: لا ريب في أن الدولة محتاجة إلى حكيم مثلك، طاهر النفس، ~~قويم الخلق، حسن السلوك؛ ليدبر شئونها ويصلح ما فسد من أمورها، ~~فقال الوزير: إنه من الحكمة التي تصفني بها أن أبتعد بطهري وعفتي عن ~~شئون الملك؛ لئلا يعتريها الرجس، ويشوهها الكدر. # خدمة السلطان # لا تخضعن لمخلوق على طمع # فإن ذلك وهن منك في الدين # واسترزق الله مما في خزائنه # فإن ذلك بين الكاف والنون # كان في مصر شقيقان، أحدهما يخدم السلطان، والآخر يعيش بجده وكده، وكان ~~الأول غنيا لقربه من صاحب الملك، والآخر فقيرا لاكتفائه بالقليل، ~~وجد في الابتعاد عن القال والقيل، فأشفق الغني على أخيه، وأراد أن ~~يقربه منه ويواسيه، فقال له: لماذا يا أخي لا تخدم السلطان، وتريح ~~نفسك من عناء العمل فيما لا يعود عليك بالمال الكثير، والشرف الخطير؟! ~~فقال له أخوه وهو يحاوره: ولماذا أنت يا أخي لا تعمل كما أعمل لتنقذ ~~نفسك من ربق الخدمة وذلها؟! ألا تذكر قول من قال: العيش في ظلال الفقر ~~خير ممن عاش ذلا في ظلال الغنى؟ ألا تعلم يا أخي أن حمل الأثقال ~~ورقع النعال خير لدى الحر من احتمال كبرياء الأنذال؛ طمعا فيما ينال ~~المرء من نوال؟ # وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد # ذخرا يكون كصالح الأعمال # اعلم يا أخي، أن الغر يقضي أيام عمره في اللهو والطرب، ولا يهتم إلا ~~بالمأكل والمشرب، والعاقل يقنع بكسرة من الخبز اليابس إذا عاش حرا؛ فهي ~~لديه أفضل من موائد الأغنياء، وحبذا كسرة مقرونة براحة الضمير وحرية ~~النفس، ولا حبذا طعام الملوك مقرونا بالمذلة: # وأفنية الملوك محجبات # وباب الله مبذول الفناء # فما أرجو سواه لكشف ضري # ولا أفزع إلى غير الدعاء # كسرى أنوشروان # سبيل الموت غاية كل حي # فداعيه لأهل الأرض داعي # أراد منافق أن يملق أنوشروان، فدخل عليه يوما وهو فرح باش وقال له: ms32 ~~بشراك يا ملك الملوك، فقد مات عدوك، فتقطب جبين كسرى ونظر إلى ~~مبشره شزرا وقال له: ومن ذا الذي أنبأك بأنني لست أتبعه إلى الرمس ~~قبل أن تغيب الشمس؟! اعلم أيها الغر الأحمق، أن لا شماتة في الموت، ~~وأنه كارثة لا يسر لها العدو العاقل، إنما هي آجال بعضها قبل بعض، ~~ولكنها آتية. # محاسن الكلام # احتفل مجلس كسرى بوزرائه يوما، وكان بزرجمهر بينهم جالسا لا يحرك ~~لسانه، فلما سئل في ذلك قال: اعلموا أيها الوزراء، أن حكماء النفوس ~~كأطباء الأبدان لا يصفون الدواء إلا لمن به داء، وحيث إنني أراكم ~~تصيبون الغرض، فلست أرى في نفوسكم من مرض؛ لذا ترونني ساكتا صامتا، ~~وهذه خلة أهل العلم والفضل؛ فإذا رأى أحدهم أن حال الناس مستقيمة ~~بدونه تركها وشأنها، ولا حرج عليه إذا صان نفسه عن الكلام، أما إذا رأى ~~أعمى يريد أن يقع في بئر وسكت؛ فقد عرض نفسه للتأنيب والملام. # الدنيا متاع الجهلاء # الذنب للأيام لا لي # فاعتب على صرف الليالي # بالحمق أدركت المنى # ورفلت في حلل الجمال # حكي أن هارون الرشيد لما بلغه خبر فتح مصر على يديه، وإذعان جبارها ~~الذي تأله فيها قال: لأكلمن في تلك البلاد أحقر خدمي؛ نكاية في ~~ذلك الطاغية - وكان للخليفة خصي اسمه خصيب، نذل من الأنذال، حقير لدى ~~أحقر الرجال - فسلمه زمام مصر، فلما تولى أمرها كان مقدمه على ~~البلاد شؤما ونحسا؛ فشكا أهل مصر إليه أمرهم وقالوا: لقد زرعنا قطنا ~~فأصابه وابل من السماء أتلف الزرع وأهلك الحرث؛ فأصبحنا في حال يرثى ~~لها، وليس أمامنا سواك نقصده لتدبرنا في أمرنا، وتنقذنا مما حل ~~بها. # فصعر العبد خده وقال: لقد أخطأتم فيما صنعتم، وحق عقاب السماء ~~عليكم، وكان الأجدر بكم أن تزرعوا صوفا بدلا من القطن؛ فلا يؤذيه ~~المطر، ولا يتلفه المزن. # وكان في حضرة الخصي عالم زاهد، فلما سمع الجواب نهض يقصد الباب وهو ~~ينشد: # كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه! # وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا! # هذا الذي ترك الأوهام حائرة # وصير العالم النحرير ms33 زنديقا # فسمع الزاهد هاتفا يقول: أقصر؛ فهذه سنة الحياة الدنيا تؤتي الجاهل ~~رزقه بسهولة، وأولو الفضيلة رزقهم محبوس: # يسعى الذكي فلا ينال بسعيه # حظا ويحظى عاجز ومهين # آداب الزاهدين # الغيبة وغرور المرء بنفسه # كنت فيما مضى من أيام الشباب ورعا تقيا، طاهر النفس نقيا، أصوم ~~النهار وأقوم الليل، وأقضي زمني في التسبيح بحمد الواحد القهار، وإني ~~لأجلس ليلة إلى والدي والكتاب الكريم بين يدي، وقد أخذ النوم بمعاقد ~~أجفان من كانوا بقربنا، وإذا بي أشعر بالعجب قد داخلني لقيامي ونوم من ~~حولي، فقلت لأبي: أليس في هؤلاء رجل رشيد يحيي الليل بالركوع والسجود؟! ~~هل أصابتهم غشاوة، أم خدعتهم تلك الحياة حتى فضلوا النوم والهجوع على ~~القيام والصلاة؟! # فنظر إلي والدي نظرة الحكيم، وأجابني إجابة الخبير العليم: يا حبذا ~~لو كنت مثلهم ونمت نومهم؛ فإن الله يحب منك القعود عن عبادته، ويبغض فيك ~~القيام لتأكل لحم عبيده. واعلم يا ولدي أن الصلف والإعجاب والغرور أدوات ~~الدمار، وأن عجبك بنفسك يؤدي بك إلى استصغار شأن غيرك، ولو أنك ترى شخصك ~~كما يراك الواحد القدير لرأيته أقل من ذرة، وأدنأ من تمرة. # نحن أقرب إليه من حبل الوريد # قمت يوما في المسجد الأقصى بدمشق أعظ الناس في حلقة رجال مزدحمين ~~ملتحمين، وإذا هم حاضرو الأجسام، منصرفو الأذهان والأحلام؛ فعلمت أنهم ~~لم يتركوا بعد سبل الظلمة والضلالة، ولم يسلكوا طرق النور والهداية، ~~ورأيت أن وعظي لو لقي الشعر لحلقه، أو الصخر لفلقه، وأن قلبا لم ~~ينضجه ما قلت لنيئ، ولكن كيف تشعل النار العود الأخضر؟! وكيف يطهر ~~الوعظ نفسا لا تطهر؟! وإني لكذلك ألوم نفسي على تعليم تلك الأنعام، ~~وأؤنب ضميري على صرف زمني وعلمي في تفهيم صغار الأحلام إذ خطر ببالي ~~أن أفسر قوله تعالى: # نحن أقرب إليه ~~من حبل الوريد ~~. # فهاج نفس ما تضمنته تلك الآية الكريمة من المعنى الجميل، والرمز الجليل، ~~فاندفعت كالسيل الجارف أشرح للقوم قرب الله وبعده، وعطف الحبيب ~~وصده، حتى ثملت من الطرب، وأوشك السرور أن ينال مني ms34 أكثر مما ~~أود؛ وإذا برجل من أهل الرشاد قد فقه المبنى، ووقف على المعنى، ~~وهو في آخر صف من صفوف الملأ؛ فقام يصيح سرورا، ويرقص فرحا وحبورا، ~~فقلت للقوم: الحمد لله الذي جعل فيكم واحدا يعقل، وسبحانه فتح قلب ~~البعيد، وأضاء بصيرته، وجعل على فؤاد القريب غشاوة؛ فهو لا يرى الحق ~~مهما ظهر. # مخافة الله # رأيت وليا من أولياء الله راقدا على شاطئ البحر وهو يتضور ألما، ~~ويشكو جراحا أصابته منذ أنشب وحش ضار فيه أظفاره فمزق أطماره، ونهش ~~لحمه، ودق عظمه، فقلت: كيف أنت؟ فقال: أحمد الله الذي لا يحمد على ~~مكروه سواه؛ لأنه أصابني في جسدي ولم يصبني في نفسي؛ فلست أخشى غير ~~وقوعي في حبائل الشيطان، واندفاعي في طريق البغي والعصيان. # ملك في النعيم وتقي في الجحيم # ويلي لمن لم يرحم الله # ومن تكون النار مثواه # رأى أحد الصالحين فيما يرى النائم ملكا من الملوك ينعم في الجنة، ~~وورعا يعذب في نار الجحيم، فقال: عجبت لهذا الورع التقي يعذب ~~بالنار وهو من الأخيار الأبرار، ويمرح أحد السلاطين في النعيم وهو من ~~المترفين الذين أرادهم سبحانه وتعالى بقوله: # وإذا ~~أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ~~ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها ~~تدميرا ~~، فسمع الزاهد هاتفا يقول: لقد متع الله ~~السلطان بنعيم الجنان، وأصاب الورع بالحرمان لأن الأول كان يحب الحق، ~~ويشد أزره، ويناصر أهله، أما الثاني - وإن كان بالزهد مجاهرا - ~~فليس ورعه إلا ادعاء وتظاهرا، واعلم أن الله لا تنطلي عليه حيلة، ~~وهو القائل في كتابه الكريم: # ومكروا ومكر ~~الله والله خير الماكرين ~~. # فيا أيها الزهاد، لا خير في المسبحة والثوب المرقع إذا لم تصونوا ~~نفوسكم عن الذنوب، وتحتفظوا بقلوبكم من الرجس، واعلموا علم اليقين أن ~~الظهور بمظهر الزاهدين وأنتم أخبث من الأبالسة والشياطين سوف يسوقكم إلى ~~العذاب قهرا؛ فتجزون بما جزيتم شقاء وشرا، واعلموا أن الواحد منكم لو ~~كان له من المال ما لا يسعه الخزن، ومن الصامت ما لا يحصره العد والوزن، ~~وهو حسن النية طيب ms35 الطوية، كان نصيبه لدى الله أوفر ممن يرتضع من الدهر ~~ثدي عقيم، ويركب من الفقر ظهر بهيم، مع خبث في سريرته، وخسة في ~~غريزته: # بالصبر تبلغ ما ترجوه من أمل # فاصبر فلا ضيق إلا بعده فرج # صبر الصالحين # لقيت طغمة من الأراذل عبدا من عباد الله الصالحين، فأحرجت صدره سبا ~~وشتما، وأوسعته لطما ولكما، فذهب بفارغ الصبر وشكا أمره إلى ولي ~~الأمر، فلما سمع شكايته هدأ روعه وطيب خاطره، وقال له: اعلم يا ~~ولدي، أن ثوب الزاهد هو ثوب الاستسلام، ومن يتشح به ولا يقوى على ~~احتمال الكوارث والنوازل، أو لا يحلم لدى حماقة الثقلاء والأراذل فهو ~~طالح في ثوب صالح، ودعي في زي تقي، وقد حرمت الجنة على ~~الأدعياء كما حرمت على الأشرار والجهلاء؛ فأية الحالتين تختار: العفو ~~والجنة أم الانتقام والنار؟ # إني رأيت وفي الأيام تجربة # للصبر عاقبة محمودة الأثر # فقال الزاهد: لقد علمتني يا أستاذي ما لم أكن أعلم، فأنا أختار الصبر ~~والحلم؛ لأن عاقبتهما أفضل وأسلم، فقال له: الحمد لله، يا ولدي، على أنك ~~اهتديت وما غويت. واعلم أن الحكيم الصابر كالبحر الزاخر لا يسبر غوره، ~~ولا يبلغ قعره، أما من كان الغضب أقرب إليه من حبل الوريد، فكالغدير ~~الصغير يبلغ قراره في طرفة عين، وينزح ماؤه باليدين. واعلم يا ولدي، ~~أن العفو شيمة الكرام، وهو حلية القلوب الطاهرة، وجلاء يجلي النفوس، ~~وخير للمرء أن يعتاد الذل قبل أن يرغم عليه؛ فهو من التراب، وهو لا ~~ريب عائد إليه: # عجبت للإنسان في فخره # وهو غدا في قبره يقبر # ما بال من أوله نطفة # وجيفة آخره يفخر # من تواضع لله رفعه # تواضع إذا ما نلت في الناس رفعة # فإن رفيع القوم من يتواضع # زعموا أن علما من أعلام جيش الرشيد تنافس مع ستار من ستور القصر، فقال ~~العلم: كيف تنكر أنك أقل مني قدرا، وأنني أعظم جاها وأرفع ذكرا؟ ألست ~~العلم المحمول فوق الرءوس إذا التحمت الجيوش، وحصر الموت النفوس؟ ألم ~~أقض عمري في خدمة السلطان، فلا ms36 الليل يخيفني بوعيده، ولا البعد يلويني ~~ببيده؟ # أخو سفر جواب أرض تقاذفت # به فلوات فهو أشعث أغبر # أخبط ورق النهار بعصا التسيار، وأخوض بطن الليل بحوافر الخيل: # وقد كشرت عن سنا نابها # عروس المنية بين الشعل # وجاءت تهادى وأبناؤها # كأن عليهم شروق الطفل # فكم شاهدت حربا، ورأيت طعنا وضربا! وكم حصارا فككت! وخميسا كالجبل ~~دككت! وكم جبت الفيافي والشمس لها في الجو تدويم! وقطعت القفار والشهب ~~تحسد همتي وتضيء محجتي! وكم هبت رياح الموت نكباء فلم ينسخ لهيبها ~~آياتي، ولم يطفئ هبوبها سراج حياتي! هذا وأنت، أيها الستار، باق في ~~الدار، تطويك أيدي الحور الحسان، من كل قينة كغصن البان، ما يزهد حسنها ~~الحكيم في حكمته، وتفتن سقراط ولقمان، وينشرك ظبي رومي الأصل عراقي ~~النشء: إذا حسر عن رأسه، وشمر عن ساقه، وافتر عن ثغره رأيت العسجد ~~والبلور واللؤلؤ في المرجان. # أما أنا فيحملني جندي شديد، ويحتفظ بي بطل صنديد، لا ترهبه الحروب، ~~ولا تحرجه الكروب، فإذا مسني لا يشفق على بدني الضئيل، ولا يرفق بعودي ~~النحيل، فأي ذنب جنيت حتى كتب علي أن أذوق من العذاب الألوان ~~والصنوف، وأقضي أيامي بين أنياب المنايا والحتوف؟ وأنت بماذا امتزت حتى ~~نلت الحظوة الكبرى، وتفردت بالإكرام؟ # فقال الستار، بعد أن علا وجهه اصفرار: على رسلك يا فتى، ولا تضن علي ~~ببعض حلمك، ولك فيما أقول حكمك: اعلم أنني أفضلك بالتواضع، ومن تواضع ~~لله رفعه؛ فكان نصيبي من العز ما ذكرت، أما أنت فشمخت بأنفك وعلوت ~~الصفوف، وغرك السير في طليعة الألوف، على أنك إذا نشرت اليوم على ~~الرءوس وخفقت فوق الهام، فستداس غدا بالأقدام إذا حمي وطيس الحرب واشتد ~~الصدام: # ورافع نفسه بالكبر يخفضها # تدنو ويحسبها تعلو به درجا # أما أنا فرضيت منذ نعومة أظفاري بالقيام على باب السلطان، وسوف أبقى ~~معززا ما دام النيران، فلا تغتر بلمسك السحاب؛ فإنك لا تأمن أن ~~يمسك التراب: # ومن جهلت نفسه قدره # رأى غيره منه ما لا يرى # يا من ترفع بالدنيا وزينتها # ليس الترفع ms37 رفع الطين بالطين # إذا أردت شريف القوم كلهم # فانظر إلى ملك في زي مسكين # ذاك الذي عظمت في الناس همته # وذاك يصلح للدنيا وللدين # | صفات الزاهدين # من صفات الزاهدين الصالحين عرفان الجميل، وحمد الله على المحبوب والمكروه، ~~والطاعة في الحسنات، والقناعة بالقليل، والإحسان إلى المعوزين، والأمانة في ~~التقى، والإخلاص في العبادة، والصبر على الشدائد؛ فمن كانت هذه صفاته فهو ~~المقبول، ولو كان ممن يلبسون الديباج، ويركبون الهملاج، ويفترشون الحشايا ~~بالعشايا. # أما من كان التراخي في العبادة والحماقة من نقائصه، والشره والغدر من غرائزه، ~~يحفظه القول الخفيف، ولا تشبعه كسرة من رغيف، ولا يقنعه إلا اللحم الغريض ~~والخل الثقيف، ولا يطفئ ظمأه سوى الماء المثلج في الإناء الظريف، لا يصلي ~~إلا وهو يروم كيدا بصلاته، فيخدع الناس بتعبده وصومه وزكاته، ويلبس ثياب ~~الزاهدين تغريرا بالناظرين ممن لم يسبروا غوره، ولم يقفوا على كنه أمره، ~~فتارك الصلاة عمدا أقرب منه إلى الله، ومرتكب الموبقات جهرا أحسن عاقبة، ~~وأفضل مغبة. # الجواب المسكت # حكي أن رجلا من صغار العقول الألى قضوا أعمارهم في الخمر والزمر، ~~وأفنوا أيامهم في النرد والقمر، مر بحقل من الحقول، فرأى باقة من ~~الأزهار والورد بينها كالياقوت في النحور، وقد وضعت الباقة في حشيش ~~أخضر، فقال الرجل: عجبا لهذا النبت! كيف يدنو من ذلك الورد الأزهر ولا ~~هو في قيمته وقدره، ولا في لونه وطيب عبيره ونشره؟! فانتفض الحشيش وقال ~~بلسان من الله عليه بالفصاحة والبيان: عجبا لك أيها الإنسان العاجز، ~~كيف جاز لك أن تعترض وتناجز! ألست تعلم أنني وإن كنت خلوا من لون ~~الزهر، ورائحة الورد والعطر، فإن هذا لا يقلل من قيمتي، ولا يستدعي ~~استصغار شأني ومذلتي؛ لأنني بأمر الله نموت كما نما الورد ~~بإذنه، وهو جل وعلا الذي أرسل على الأزهار الزاهية قطره ونداه كما ~~جاد علي بغيثه ومزنه. # في الزهد والقناعة # الحكمة ومتاع الدنيا # روي أن ملكا من ملوك مصر خلف ولدين، فاختار أحدهما العلم حليفا، ~~والكتاب أليفا، وانقطع يطلب الحكمة، فكان يلتقط دررها أنى ms38 وجدها، ~~ويصل للوصول إليها ليله بنهاره، وأصائله بأسحاره، حتى برز في أقرانه، ~~وفاز على إخوانه، فعقدت له الحكمة لواءها، وقلدته تاجها وصولجانها، ~~وفتحت له العلوم كنوز أسرارها، فما زال يسرح في رياضها، ويمرح في غياضها، ~~حتى صار فريد عصره، ووحيد دهره. # أما الثاني فحسنت لديه الدنيا، فانطلق يجمع المال ويشيد القصور، ~~ويؤسس دعائم العزة والسلطان، ويحشد الجنود والأعوان، حتى تمكن من ~~دنياه، ونال منها مناه، فبنى الحصون والدساكر، وجمع الأعلاق والعساكر، ~~فأذعنت مصر لبأسه وقوته، واستسلمت لبطشه وسلطته، فتفرد بالملك دون ~~غيره، وخلا له الجو فباض وصفر، وطغى على أخيه واستكبر، فقال له يوما وهو ~~يحاوره، وحوله وزراؤه وعساكره: لقد بلغت الذرى ونلت المنى، وأصبحت ~~صاحب الحول والطول، فأعطتني مصر زمامها، وصيرتني أميرها وإمامها. ~~أما أنت، فماذا صنعت بحكمتك وعلمك وفطنتك؟ ألا تزال أيها الغر حقيرا ~~فقيرا؟ أعين أمثالك من الفقراء بفاضل ذيلي، وأعطيهم من نيلي، وهم في ~~حاجتهم يقبلون الذرة، ولا يردون التمرة. # فاستخف الحكيم بقول ذلك الغشوم وقال له: الحمد لله الغفور الكريم؛ فقد ~~قسم لي أن أرث الأنبياء المرسلين والحكماء الأخيار، واختار لك أن ترث ~~الفراعنة العتاة الأشرار، واعلم يا أخي، أن مثلنا كمثل الأفعى والنحلة، ~~فقد ركب السم في غريزتك، وأصبح الشر من طبيعتك، فأنت كالحشرة العمياء ~~تلدغ من تشاء ومن لا تشاء، وكفاك شرا أنك كالعقرب تمس بأذاها ما تبغض ~~وما تحب. أما أنا فكالنحلة الضعيفة الضئيلة، فليس لي حول ولا حيلة، ~~ولئن قدحك الناس واستغاثوا من أذاك مرة مدحوني وحمدوا الله على خيري ألف ~~مرة: # دع الحرص على الدنيا # وفي العيش فلا تطمع # ولا تجمع لك المال # فما تدري لمن تجمع # حكي أن وليا من أولياء الله لحقته الفاقة والحاجة، فأخلقت ثيابه، ~~وتمزقت أهدابه، فجلس إلى جدار يرقع هدومه، ويرتق فتوقه، ويسد ~~ثلومه، ويقول في نفسه: لئن بلغ مني السغب مبلغه، وعزت علي المضغة، ~~وبدد الفقر شمل اللباس، فذلك أسهل لدي من بسط اليدين، وأخف علي ~~من وطأة الدين. فمر به أبناء السبيل، ورآه ms39 أحدهم يخفي حاله ~~بالانزواء في أركان الجدران، فقال له: أيها الفقير، كيف تبقى كذلك وفي ~~هذا البلد الطيب محسن كريم الأخلاق، طاهر الأعراق، وله على المعوزين ~~أمثالك يد بيضاء تقودها إلى فعل الخير شيم سمحاء؟! # فهو يسبغ على أهل الفاقة نعمته، ويطعمهم من جوع، ويؤمنهم من خوف، ~~وينقذهم من الهوات، ويشد أزرهم إذا أصابهم الضيم والحيف، وإنه لو عرف ~~حالك قتل فقرك، وفرج أزمتك، وستر عورتك، وخفف عنك ويلتك؛ فما عرفنا ~~عنه أنه يخذل فاضلا قعد به الزمان، أو عالما لعبت به طوارئ الحدثان، ~~فقال الزاهد: اعلم يا أخي، أن الزاهد يفضل أن يأوي إلى جحر اليربوع، وأن ~~يموت من العري والجوع على أن يستجدي. وقد جاء في الحكم أن ترقيع الثياب ~~خير من سؤال الأصحاب، وإحراق المرء بنار الوعيد سيدا أولى له من أن ~~يدخل الجنة عبدا. # البرة العاجلة خير من الدرة الآجلة # سرت يوما في سوق بغداد، حيث يجتمع السائحون من رائح وغاد، فلقيت طائفة ~~من تجار الجواهر قد التفت حول تاجر غريب، وهو يقص عليها من أخبار ~~الأسفار كل مطرب وعجيب، فسمعته يقول: ضللت يوما سبيلي في صحراء ~~متباعدة الأطراف، مترامية الأكناف، تضل في مفاوزها العواصف، وتتعثر ~~في مهامهها الرياح القواصف، فلما أن استحكمت علي حلقات الضيق بعد أن ~~ضللت الطريق، بقيت أخبط في الصحراء خبط عشواء، وأسير ذات الشمال وذات ~~اليمين؛ علي أهتدي بعد حين. # وما زلت كذلك حتى نال مني الأين والسغب منالهما، وحتى حل القنوط ~~بالقلب، واستولى اليأس على النفس، فارتميت في مكان لست أدري ماذا ساقني ~~إليه، وتناولت صخرا أشده إلى بطني؛ لتعتمد الأمعاء عليه، وإني لأشد ذلك ~~الصخر إذ بصرت بين الصخور والرمال بجراب من جلد الغزال، فظننت فيه رطبا ~~جنيا، وأن ما فيه سوف ينقذني من العدم، ويريحني من العناء والألم، ~~وكنت والله من الجوع بحيث لو رأيت صخرة لقضمتها، أو حية تسعى ~~لالتهمتها، فما بالك بالرطب بعد الشقة والتعب؟! فأهويت بيدي إليه أريده، ~~فما قاسيت والله في حياتي ألما أشد ms40 من ألمي لما فككت عقدته، وفضضت ~~ختامه، ورأيت أن حشوه لآلئ غالية، وجواهر ثمينة، ومنذ ذلك اليوم علمت أن ~~رغيفا من الخبز في المهمه القفر خير من الجوهر الغالي ~~والدر: # لعمرك لا ينيل المجد مال # ولا خيل ولا إبل ترود # ولا ثوب على طرفيه وشي # ولا قصر على تل مشيد # فإن المجد في أدب غزير # وإن المجد في علم يفيد # خنازير البشر # بصرت بغني بادن مكسو ثيابا مطروزة، معتم بالدمقس، وممتط مهرة ~~عربية وهو يسير في الطريق مختالا، مصعرا خده، معجبا بنفسه، فقال ~~لي رفيق: ماذا ترى في هذا الخنزير يلبس الديباج، ويركب الهملاج؟ فقلت: ~~مثله كمثل فحش القول منقوشا بماء الذهب، ولولا العمامة والقنطار ~~والفرس لكان الإصطبل أجدر بهذا الفحل؛ لأنه لا قيمة له إلا بها، ولا ~~قدر له إلا قدرها، واعلم أن العاقل مهما نالت منه الحاجة فهو غني ~~بنفسه، والجاهل وإن صاغ بابه من ذهب، ورصف بيته بالزبرجد، واكتسى ثوبا ~~منسوجا بخيوط العسجد، فلا هذا يعلي من قدره، ولا ذاك يرفع من ~~ذكره. # الطبيب والملك # كل قليلا تعش طويلا وتسلم # من عوادي الأسقام والأدواء # إنما يغتذي الكريم ليبقى # وبقاء السفيه للاغتذاء # ورد في الآثار عن أزدشير بانجان أنه سأل طبيبا عربيا خبيرا بالعقاقير ~~وتركيبها، والأمراض وأعراضها، عن قدر ما يكفيه من الطعام، فقال الطبيب: ~~إن مائة درهم تسد الرمق، وتجدد القوى، وتعيد إلى البدن نشاطه، فقال ~~الملك: وأي رمق تسد تلك الدراهم المعدودة وهي لا تشبع من سغب ولا ~~تسمن من جوع؟ فقال الطبيب: إن هذا القدر يكفي القنوع، ويحفظ كيان ~~الجسد، وأما ما زاد عنه فمجلبة العناء، ومدعاة العلل والأدواء. واعلم ~~أيها الملك، أن المرء إذا وقف عمره على الموائد الممتعة والمآكل السائغة ~~هلك. # حاتم طيء # تكلفني إذلال نفسي لعزها # وهان عليها أن أهان لتكرما # تقول: سل المعروف يحيى بن أكثم # فقلت: سليه رب يحيى بن أكثما # سئل حاتم الطائي عن أي الناس أعظم منه كرما، وأفضل نفسا، وأحسن ~~شيما، فقال: ذبحت يوما أربعين حلوبة للأضياف، ms41 ثم سرت في البيداء أريد ~~أمرا، فبلغت أجمة فيها رجل يحتطب، فقلت له: أما سمعت بكرم حاتم طيء ~~وسماحته؟ قال : بلى، قلت: هلا استضافك؟ قال: ثكلتني أمي لو أنه استضافني ~~وقبلت ضيافته، ودعاني فأجبت دعوته؛ فإنني ما دمت أستطيع الكسب بعرق ~~جبيني، وتعب يميني، فمن العار أن يكون لكريم علي يد أغضي لها حين ~~يغضب: # ولا خير في مال عليه ألية # ولا في يمين عوقدت بالمآثم # فقلت للمحتطب: أنا حاتم طيء، وأنت ورب الكعبة أعلى كعبا مني في ~~الكرم، وأقرب إلى المروءة، وأسبق إلى محاسن الشيم. # فضيلة الصمت # سألني صديق عن طول صمتي وملازمتي للسكوت، فقلت له: إنني اخترتهما لأن ~~الحديث يستلزم امتزاج طيب الكلام بخبيثه، وأذن العدو لا تسمع إلا ~~المساوئ، فقال لي صاحبي: إن في ترقب العدو لما تقول وتفعل نعمة كبرى؛ ~~فهو يغض الطرف عن الحسنات ويأخذنا بالسيئات، فيدعونا هذا إلى التنصل ~~عنها والخلاص منها، قلت: لئن اتقى أحدنا الغرق كان اغتباطه به أعظم ~~من اغتباطه بالنجاة منه. # كان سحبان وائل أخطب العرب، وأقواهم جنانا، وأفصحهم لسانا، وأبلغهم ~~بيانا، يخطب في قومه عاما فلا يعيد لفظا مرتين، وإذا عرض له معنى ~~كان ذكره احتال على البلاغة حتى تدله على قالب جديد يفرغ فيه المعنى ~~القديم، وهذه صفة لازمة لمن يعاشرون الأمراء، ويخطبون في الناس، ويبتغون ~~الكمال في فن الكلام. # سمعت كليما يقول: ما رأيت رجلا يعرض على الناس جهله، ويعرفهم بمقدار ~~نقصه كمن يقطع الحديث على رجل، أو يسرع في القول ولما يفرغ مخاطبه، ~~وقد قالت الحكماء: إن الأريب من كانت ألفاظه منظمة متناسقة متناسبة ~~كالوشي في الثوب المطروز، والبليد من خلط الإصابة بالغلط، فإذا قال ~~قولا عجز عن تبيين قصده، فلا يصيب ذهن محدثه سوى الاضطراب والتشويش؛ ~~فهو كمن يملأ حفرة لا يدري أي الحجارة يقذف أولا. # الخطيب المزعج # كان لخطيب من الخطباء صوت يزعج النفوس، ويؤلم الأسماع إذا استأذن ~~عليها، وكان إذا خطب أن الناس ألما، وتميزوا غيظا، فكان يظن أنينهم ~~إعجابا بصوته، وأنهم يطربون ms42 لوقعه، فكأنه لم يتل قوله تعالى: # إن أنكر الأصوات لصوت ~~الحمير ~~، ولما كان هذا الخطيب ذا مكانة في نفوس قومه ، ~~كانوا يحتملون الضيم في سماعه، ويفضلون أن يؤلموا أنفسهم على أن ~~يؤلموه في نفسه. # فحدث أن خطيبا نزل بالبقعة التي كان فيها صاحب الصوت الفظيع، وكان ~~بينهما حقد، فقال له يوما: رأيتك فيما يرى النائم تخطب في الناس بصوت ~~لطيف يبهج السامعين، فكانوا مقبلين على صوتك إقبالهم على قولك، فدعوت ~~الله أن يحقق ذلك الحلم، ويا حبذا لو صحت الأحلام، فقال الخطيب ذو ~~الصوت المزعج: لعل الله يجيب دعاءك، ويحقق رؤياك؛ فقد نبهتني إلى ~~عيب في نفسي كنت عنه غافلا، فجعلتني أفطن منذ اليوم إلى قبح صوتي، وسوف ~~أبدأ بتخفيف وطأته على الأسماع، فيكون في ذلك تحقيق لحلمك وراحة ~~للناس. # قرناء السوء # سئل حكيم عن قرناء السوء، فقال: هم الذين إذا جالسوك ذبحوك بمدحهم، ~~وأغمضوا عيونهم لعيوبك، وغضوا أبصارهم عن ذنوبك، وبدلوا سيئاتك ~~حسنات، ورذائلك خلالا فاضلات، وقالوا عن باطلك إنه حق، وعن سمك إنه ~~ترياق، ولا خير في هؤلاء وإن كانوا من الأصدقاء، وإن عدوا جسورا لا ~~يملقك ولا يداجيك أفضل من صديق يخدعك ويغشك، فلا يكون الرجل كاملا ~~إلا إذا عرف عيوب نفسه، فأخذ في إصلاحها. أما من لا يود أن يسمع عن ~~نفسه إلا الثناء فهو فريسة الغرور، وهيهات أن ينتبه من غفلته، أو يصحو ~~من نشوته قبل أن يفوت الأوان، وتصير الأغصان أخشابا؛ فيعجز عن تقويم ~~اعوجاجها. # خطيب المسجد # يحكى أنه كان في مسجد من مساجد سنجار مؤذن تجزع النفوس من قبح صوته ~~إذا دعا الناس إلى الصلاة، وكان صاحب المسجد أميرا فاضلا؛ فلم يشأ أن ~~يسيء الرجل في نفسه فقال له: إن في هذا المسجد غيرك من المؤذنين ثلاثة ~~شهد لهم بالحذق والبراعة وحسن الصوت، ولا يزالون في عنفوان الشباب. ~~أما أنت فقد بلغت سنا ينبغي أن تلزم فيه دارك، فإذا أردت ذلك أعطيتك ~~ضعف ما تناله الآن، فقبل المؤذن الثقيل تلك العطية، وأراح المصلين ms43 ~~من أذى صوته. # وقد لقيه صاحب المسجد بعد حين فسأله عن حاله، فقال: قصدت مسجدا غير ~~مسجدك وشرعت أؤذن، فلما أن قضيت يومي قال لي صاحب المسجد: إنه في ~~غنى عني، ففطنت إلى أنك لم تجعل لي جعلا إلا لقبح صوتي، وذكرت ~~ذلك لصاحب المسجد فمنحني عشرين دينارا، على أن أولي عنه، فقال صاحب ~~المسجد الأول: تشدد يا بني في الطلب؛ فإن مولاك الجديد لا يألو جهدا ~~في صرفك عن مسجده، ولا يدخر وسعا في الخلاص منك ولو كلفه ذلك خمسين ~~دينارا مشاهرة. # الشيخوخة # يا عجبا للناس لو فكروا # وحاسبوا أنفسهم أبصروا # وعبروا الدنيا إلى غيرها # فإنما الدنيا لهم معبر # كنت أجادل بعض أهل العلم في المسجد الأقصى بدمشق، وإنا لكذلك نقرع ~~الحجة بالحجة، ونصدم البرهان بالبرهان، وإذا بصبي يشق صفوفنا حتى وقف بين ~~أيدينا، وسألنا عن رجل يعرف الفارسية، فحول الجمع أبصارهم إلي، ~~ودلوا الفتى علي، فاستدعيته وقربته وسألته عن حاله، فقال: إن شيخا ~~يعالج سكرات الموت، وهو يتكلم الفارسية وليس بين أهله من يفقه قوله، ~~ولعل الشيخ يوصي فتذهب وصاياه هباء جزاء جهل أهله بلسانه. فوقع كلام ~~الفتى من قلبي، وصح عزمي على اصطحابه إلى حيث يكون ذلك الشيخ. # فلما بلغناه وجلست إليه سمعته يقول بالفارسية: «ما أوشكت أن أطمئن ~~وأشعر بلذة الحياة حتى سئمت نفسي البقاء، فكنت كالضيف الجائع إذا جلس إلى ~~المائدة لا يكاد يستقر به المكان حتى يصرفه رب الدار.» فلما فسرت ~~هذا القول لأصحابي من العلماء عجبوا لتعلق الرجل بأهداب الحياة، وهالهم ~~أن يخشى الموت من كان شيخا مثله بعد أن نال من العيش مناه. ولما فرغ ~~الشيخ من قوله سألته عن حاله، أنشد: # ما راح يوم على حي ولا ابتكرا # إلا رأى عبرة فيه إن اعتبرا # ولا أتت ساعة في الدهر فانصرفت # حتى تؤثر في قوم لها أثرا # ثم قال: «كيف تسألني؟ ألست تعلم لشدة ما تعانيه إذا انتزع الطبيب من فيك ~~ضرسا؟» قلت: نعم، قال: «إني أقاسي أضعاف هذا الألم لدى نزع ms44 النفس من ~~البدن، والله إنني أريد سفرا بعيدا بغير زاد، وقادم على ملك عادل بغير ~~حجة، وسأسكن قبرا موحشا بغير أنيس، مثل الجواد والإبل.» # سرت يوما وأنا بعذرة الشباب في واد حتى بلغ مني الأين، ونال التعب ~~مني منالا، وفرى المسير جلد قدمي، وكنت بلغت سفح الجبل فاستلقيت ~~منتهكا لا أقدر أن أحرك ساكنا، وإني لكذلك وإذا بشيخ كان مسافرا ~~قد بلغ مكاني، فلما رآني قال: كيف تلقي رحلك بسفح الجبل؟ # فقلت: عجزت يا عماه عن السير، ولست أستطيعه؛ لذا تراني رقدت حيث أمكنني ~~الرقود، فقال: ألا تعلم أنه خير لك أن تسير الهوينى وأن تستريح ~~قليلا من أن تسرع في المشي فينهكك التعب، ويلجئك الكلل إلى ما لا ~~تحمد عاقبته؟ واعلم يا ولدي، أن الجواد الكريم الذي إذا سابقته الريح ~~ولت عليلة، وألقى في يد الريح التراب، لا يسير أكثر من ميل، أما ~~البعير المتثاقل، فيستطيع أن يصل في سيره الليل بالنهار، والأصائل ~~بالأسحار؛ لأن الأول ينهك نفسه، والثانية تسير بالأناة والتؤدة. # الشيب # ما تنقضي حسرة مني ولا جزع # إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع # ما كنت أوفي كنه عزته # متى انقضى فإذا الدنيا له تبع # رأيت في مجمع حافل بالفضلاء والعلماء فتى غض الشباب، لدن الإهاب، حسن ~~الهيئة والثياب، حلو الفكاهة والحديث، وما رأيته مرة عابسا، إنما كان ~~دائما باشا هاشا؛ لأن الحزن لم يطرق باب قلبه، ولم تخترق سهام أسى ~~صميم فؤاده، وضرب الدهر بيننا فافترقنا، ولقيته بعد ذلك فإذا هو ذو زوجة ~~وأطفال، فلما جلست إليه لمحت أن ورد خدوده قد اعتراه الذبول، وأن فراغ ~~البال وسعادة القلب وصفاء النفس قد تبدلت، فصارت أحزانا مقيمة وهموما ~~مستديمة، فسألته عن حاله، وكيف غير الزمان ما به؟ # فقال: كنت قبل العيلة خلي البال فتيا، حتى رزقت أولادا فبلغت من ~~الكبر عتيا، وقبيح بالشيخ أن يعود صبيا، وقد دلتني الخبرة على ~~أن الشباب جنون لا يزول إلا بالشيخوخة، وأن فراغ البال داء يعالج ~~بالمحنة؛ لذا تراني اليوم أعقل مني بالأمس ms45 وأشغل خاطرا: # تولى الجهل وانقطع العتاب # ولاح الشيب وافتضح الخضاب # لقد أبغضت نفسي في مشيبي # فكيف تحبني الخود الكعاب؟! # الشعر والظهر # رأيت امراة لحقتها الشيخوخة، فذهبت نضرتها، وتجعدت أسرتها، وابيض ~~شعرها، وانثنى ظهرها، فصبغت شعرها خلاصا من عارها، فقلت لها: لئن استعدت ~~بالصبغ سواد الشعر، فكيف تستعيدين اعتدال الظهر؟! ورأيت رجلا أدبر صباه ~~وتولى عنه الشباب، وأقبل عليه الشيب، فحاول إخفاءه بالخضاب، فقلت ~~له: # يا خاضب الشيب بالحناء تستره # سل الإله له سترا من النار # من يرحل الشيب عن دار يلم بها # حتى يرحل عنها صاحب الدار # ولا تنهرهما # كنت في جنون شبابي أنهر أمي، فجلست أمامي يوما وأسندت رأسها بيدها ~~وبكت حتى أبكتني، وقالت لي: هل نسيت أيام طفولتك حتى تسيء إلي، وأنا ~~التي أحسنت إليك، وسهرت عليك، أم زينت لك نفسك أن تقابل الكرامة ~~بالإهانة، وأن تكافئني على الخير بالشر - وكلا الأمرين مر؟! وما زلنا ~~نبكي وأستعطفها وتلومني حتى ثبت إلى الله، وثبت إلى الحق، فعفت عني، ~~وما زلت أكرمها وتحبني حتى فرق الموت بينها وبيني، فخرق الحزن قلبي، ~~وقرح البكاء عيني. # التهذيب # كان حكيم يهذب أحداثا فقال لهم: يا أكباد آبائكم، تعلموا حرفة ولا ~~تعتمدوا على ما لديكم من ثروة أو متاع؛ لأن من اعتمد عليهما وقصر في ~~تعليم نفسه هلك، واعلموا أن الذهب واللجين منبع المتاعب ومصدر ~~المصائب، فإن لم يسلبها سالب أسرف فيها صاحبها وبذرها، أما الحرفة ~~فكالبئر البكر لا ينضب معينها، أو الأرض الخصبة لا يهلك زرعها، ولو أن ~~صاحب فن فقد مالا فلا يحزنه ذلك؛ لأن في فنه ماله وغناه، ولا يعزب عن ~~أذهانكم أن الإكرام والتبجيل لا يكونان إلا لذي صنعة، أما من لا صنعة ~~له فنصيبه المذلة والهوان والفقر. ~~••• # حدثت في دمشق الفيحاء ثورة، فهاج البلد وماج، فلما أصاب المدينة من ~~الاضطراب ما أصابها اختلط الحابل بالنابل، وضربت الفوضى أطنابها، فتخلى ~~الوزراء عن مناصبهم، وترك الكبراء مراتبهم؛ ففاز المهذبون من أبناء ~~الفقراء بتلك المناصب، وكان نصيب الأغنياء الجهال الفقر وذل ~~السؤال: ms46 # العلم يرفع بيتا لا عماد له # والجهل يخفض بيت المجد والشرف # مرض تاجر غني وشعر من نفسه بدنو أجله، وانقضاء عمره؛ فاستدعى ولدا له ~~وأوصاه فقال: يا ولدي، إن ورثتني وفزت بثروتي فلا تهمل تهذيب نفسك ~~وتدريبها على عمل من الأعمال؛ فقد يذهب الذهب، وتدول دولة الغنى، ولا ~~ترى لك نصيرا تلجأ إليه في الفاقة، وتستغيث به لدى الحاجة، فلا يبقى لك ~~سوى ما اكتسبت من المعرفة، وما علمته بالممارسة. # سمعت أستاذا يقول لتلميذه: لقد شغلت الدنيا قلوب الناس، ولو أنهم شغلوا ~~أنفسهم بخالقهم عشر شغلهم بها لكان مكانهم في الجنة أعلى من أماكن ~~الملائكة، ولو فطن الإنسان إلى أن الله لم يتركه سدى وهو نطفة مذرة، ~~بل وهبه نفسا زكية، وفؤادا عاقلا، وحلاه بحلية النطق، وجعله في أحسن ~~تقويم لم يخش قط أن يهمله أو يعوق عنه رزقه. # صبر الحكماء # احتسب عالم في ولد له، فلما ووري التراب سألوه عن أي آي القرآن ~~الكريم يكتبون على قبر ولده، فقال: إن آيات الكتاب الكريم أرفع من أن ~~تكتب على القبور؛ فقد يعدو الزمان عليها فيطؤها الناس بأقدامهم إذا ~~طال العهد على الجدث وتهدم، وإذا كان لا بد من النقش على اللحد ~~فانقشوا: «كان ولدي كزهرة الربيع، فتعهدتها حتى نمت وأزهرت، ولما أن ~~جاء الخريف ذوت وذبلت، فمصابي بها مصاب الزارع حرث وغرس، فلما أن نضج ~~الزرع أرسل الله عليه وابلا من السماء؛ فهو جل وعلا منع ما أعطى، ~~واسترد ما منح، فله الحمد من قبل ومن بعد.» # حكم ومواعظ شتى # المال متاع الحياة الدنيا، وما كانت أعمار الرجال لتقضى في حشد ~~أموال. # سئل حكيم عن أسعد الناس وأشقاهم، فقال: «أسعدهم من زرع وحصد، وأشقاهم من ~~خلف التراث للوارث، وترك المال للولد.» ~~••• # مثل العالم الذي لا يعمل كمثل حامل الشعلة يضيء لغيره ولا ينتفع ~~بالنور. # إن مثل من لا يسعى إلى غرض في حياته كمثل من ينثر ذهبا في الطريق وهو ~~إليه في حاجة شديدة. لا بد لثلاث من ثلاث: الثروة ms47 تحتاج إلى حرفة، ~~والعلم يحتاج إلى الجدل، والشعب إلى حكومة. ~~••• # لا تكشف لكل سرك؛ فإنك لا تدري ماذا تكتمه لك الأيام؛ فقد يصبح ~~الصديق عدوا؛ فيكون أعلم بمضرتك. إذا سهل لديك الانتقام من عدو لك ~~فلا تفرغ جهدك في أذاه؛ فلربما احتجت إليه في المستقبل. إذا تمكنت من ~~عدو لك فلا تشفق عليه في ضعفه؛ فلربما لا يرحمك في قوته. # لا تكن رسول سوء؛ فإذا علمت خبرا يسيء فلا تكن بإفشائه بادئا، واترك ~~ذلك لغيرك، واعلم أن بلابل السحر تنقل كل خبر سار، والغربان والبوم ~~تنبئ بأخبار الهلاك والدمار. # رضى الجسم مع سخط القلب كجمال القشور وقبح اللب. # لا يخدعنك جمال الوجه؛ فقد يكون الجسم مليحا والروح قبيحا، واعلم أن ~~الفضيلة كامنة في نفوس الرجال لا في أبدانهم. لا يستهان بالدرة ~~أينما كانت، ولا يؤبه للغبار ولو حمله الهواء إلى عنان السماء. المسك ~~يعرف بعبيره. # الحكيم كوعاء الدواء؛ فهو صامت ولكنه مملوء بالفوائد، أما الجاهل ~~فكالطبل كثير الجعجعة قليل المنفعة. # أمران مخالفان للحكمة: أن يتمتع المرء بأكثر مما في وسعه، وأن يعمل ~~على قتل نفسه قبل انقضاء أجله. # اعلم أن آهة المحزون لا تبدل حرفا مما كتب على الجبين، ومثل ~~القضاء كمثل مصرف الرياح يطلقها في الوديان والبطاح، فتصلح زرعا ~~وتهلك نبتا، وتميت فردا لتحيي جمعا. # الساعي يطلب رزقا ليس له كالفارس في قفر أو كالزارع في صخر. # يقول مؤلف هذا الكتاب: # انتهى كتاب روضة الورد بعون الله وفضله، وقد اعتاد المؤلفون ~~أن يزينوا كتبهم بما يقتبسونه من شعر القدماء وحكمهم، ~~أما أنا فقد استعنت بالله واكتفيت ببضاعتي المزجاة، وصدفة ~~لك خير من درة تستفيدها ممن كان مثلك. # الكتاب الثالث # | كتاب أونادايجاكو أو التعليم الراقي للمرأة في اليابان # نقله من اليابانية إلى الإنكليزية # العلامة شتجور وتاكاياشي # ومن الإنكليزية إلى العربية # محمد لطفي جمعة # | مقدمة # الثورة اليابانية # كل مؤرخ يبحث في تايخ اليابان الحديث ويدون أسباب نهضتها يذكر أن تاريخ تلك ~~النهضة، وحوادث ذلك العصر الذهبي تبتدئ منذ زار القومندور بيري ms48 الأمريكي شواطئ ~~اليابان على ظهر مدرعته الحربية، التي كان اليابانيون يسمونها «المركب ~~السوداء»؛ لهول منظرها وعدم اعتيادهم إياه، ويقول اليابانيون أنفسهم: إن طلقة ~~المدفع الأولى التي أطلقتها المدرعة في الفضاء كانت إيذانا بتغيير حياة ~~اليابان، ونهوضهم من سباتهم العميق، وتنبههم بعد غفلتهم، وصحوهم بعد سكرتهم، ~~بل رفعت تلك الطلقة الأولى غشاوة كانت تحجب نور المدنية الغربية عن اليابان، ~~فسعوا إلى الاختلاط بأصحاب تلك المدنية بعد طول الوحدة، ولحقوا بالأمم الكبرى ~~في سنين معدودة. # وكانت زيارة القومندور بيري التي زار فيها اليابان لتوطيد عرى المودة بينها ~~وبين جمهورية الولايات المتحدة في سنة 1853، وقد احتفل اليابانيون في طوكيو منذ ~~سنين قلائل بمرور خمسين عاما على تلك الزيارة احتفالا شائقا، اعترفت فيه ~~الأمة اليابانية بأسرها بفضل القومندور بيري، وفضل بلاده عليها. # ويحسن بنا في هذا المقام أن نصف الحال التي كانت عليها اليابان في ذلك العهد؛ ~~فقد كانت الحكومة تسير بمقتضى نظام معروف باسم «توكوجاوا شيجون»، وهو النظام ~~الذي كانت تسير عليه أمم أوروبا في القرون الوسطى، وقد جاهد واضع هذا النظام - ~~وهو مؤسس أسرة توكوجاوا - جهده في إحكامه حتى بقيت أسرته متمتعة بالحكم قرنين ~~ونصف قرن، وهذا أطول أمد دام فيه الحكم لأسرة التزامية. وكان الشيجون في مبدأ ~~الأمر وكيل الإمبراطور - المعروف في أوروبا باسم الميكادو - ولكن العلاقة بين ~~الميكادو ووكيله لم تكن مكتوبة في شرائع البلاد وقوانينها، إنما كانت عرفية؛ ~~لأن السلطة التي كان يتمتع بها الوكلاء انتزعت من الإمبراطور على ممر الزمان ~~بطرق سلمية، فأصبحت على كر القرون ومر السنين كأنها حقوق شرعية ثابتة لا ~~نزاع فيها. # ولم تكن سلطة الوكيل محدودة؛ فكان يؤذن الناس بأنه المفوض الوحيد الذي له حق ~~المراقبة على كل شيء، وأن الإمبراطور يرضى ما يرضاه ويأبى ما يأباه، ولا يعترض ~~على شيء قبله الوكيل، وبالجملة فقد تخلى الميكادو عن كل ما له من النفوذ ~~والسلطة، وتنازل عن سائر حقوق الملك سوى الجلوس على العرش وهز ~~الصولجان. # وكان من حقوق الوكيل الإمبراطوري أن يعلن الحرب على ms49 أمة أجنبية، وأن ~~يسالمها ويعقد معها اتفاقية الصلح بدون علم الإمبراطور وبدون استشارته، وكان ~~الوكيل يسكن يدو «طوكيو الآن» هو وسائر رجال حكومته، كما أن الإمبراطور كان ~~يقطن كيوتو. وغني عن البيان أن الشأن الأول كان لطوكيو التي أصبحت عاصمة البلاد ~~لثروتها، ووفرة سكانها، واتساع تجارتها، وما فيها من أسباب الرفاهية ~~والترف. # وكان تحت سلطة الشيجون أو الملتزم الأعظم ثلاثمائة ملتزم يسمى الواحد منهم ~~دايمبو، ولكل دايمبو من هؤلاء الثلاثمائة أرض وجند ورعية خاصة به. وقد وضع مؤسس ~~أسرة توكوجاوا قانونا خاصا ببلاد اليابان جعل شعاره عدم اختلاط أمته بأية ~~أمة من أمم الأرض قاطبة. # وكانت هذه الوسيلة أفضل الوسائل لحفظ الأمن والنظام في البلاد، وإذعان الشعب ~~الياباني للشيجون وطاعته طاعة عمياء في كل ما يأمر به وينهى عنه، وقد بلغ جهل ~~الأمة بما وراء بلادها أنها لم تكن تعرف غير بلاد الشمس المشرقة وبلاد الصين، ~~ولم يكن يعلم بوجود أمريكا وإنكلترا سوى نفر قليل؛ فلا تستغرب - والأمر كما ~~ذكرنا - دهشة اليابانيين لما علموا بوجود أسطول أمريكي على مقربة من خليج ~~يدو. # وقد جزعوا وهلعت قلوبهم وتولاهم الوجل والفرق لما علموا بوجود مركب أجنبية؛ ~~لأنهم حسبوا أنهم سيذهبون هباء إذا دخلوا مع الأجانب في حرب؛ لأنهم لم يعرفوا ~~معنى العلاقات الودية بين الأمم والشعوب، إنما كانوا يعرفون من سياسة الأمم ~~أمرا واحدا، هو أنه لا بد من هلاك الأمة الضعيفة إذا احتكت بأمة قوية، ~~وأن توثيق عرى الصداقة بين شعبين مختلفين يعد من المستحيل؛ لأن الضعيف ~~مهما أخلص للقوي لا بد من أن تدور عليه الدائرة. # ولنعد الآن إلى حديث المركب السوداء التي أثار مجيئها كامن الداء؛ فتنبهت ~~اليابان إلى أمرها من فرط دهشها، وعلمت أن وراء بلادها أمما كبرى، ومتاجر ~~واسعة، ومصانع عظيمة، ومن عجائب تلك الأمم هذه السفائن المهولة المخيفة، وكذلك ~~كان بلوغ مدرعة القومندور بيري نذيرا مبينا بسقوط دولة توكوجاوا. وتفصيل ~~الخبر أن حكومة يدو التي يرأسها وكيل الإمبراطور استعظمت الخطب، ورأت أن الفصل ~~فيه أصعب من ms50 أن تستطيعه؛ فاستدعت سائر الملتزمين. # وعقدت مؤتمرا للبحث فيما يجب القيام به نحو الأعداء المهاجمين، ثم رفعت إلى ~~الحكومة الإمبراطورية التي كان مقرها كيوتو - على ما ذكرنا - تقريرا فيه تفصيل ~~خبر بلوغ الأسطول الأمريكي شواطئ اليابان، وكانت هذه أول مرة استشارت فيها ~~حكومة الوكيل سائر الملتزمين، ورفعت تقريرا رسميا إلى الميكادو، فكأنها في ~~الواقع أقرت بعجزها، واعترفت بضعفها، وتنازلت تنازلا حقيقيا عن سائر ~~حقوقها الاستبدادية التي تفردت بها في الحكم. هذا ما كان من أمر ~~الحكومة. # أما ما كان من أمر الشعب، فقد أبى أغلب أهل البلاد أن يفتحوا بلادهم للأجانب؛ ~~محتجين بأن الوحدة أمر يقضي به الدين عليهم، وأنهم إذا كفروا نعمة العزلة ~~التي نشئوا هم وآباؤهم عليها كان ذلك مجلبة الدمار على الديار، ولكن البلاد ~~كانت في الواقع منقسمة إلى ثلاثة أحزاب: الحزب الأول حزب الأحرار، وهو الذي ~~أشار بفتح أبواب اليابان في وجه الأجانب ومعاملتهم، والاختلاط بهم، وكان أنصار ~~هذا الحزب يرون ما يراه أنصار حزب التجارة الحرة في البلاد المتمدنة الآن، ~~ولكن قلة عدد هذا الحزب كانت سببا في عدم العناية بآرائه. # أما الحزب الثاني فكان من المحافظين الذين يرون ضرورة العزلة في كل وقت، ما ~~عدا الوقت الحاضر، وهؤلاء كانوا يلحون على الحكومة في التصريح للأجانب ~~بالدخول ريثما تتخذ اليابان أهبتها، وتعد عدتها لمكافحة الأعداء المهاجمين في ~~مستقبل الأيام. وكان هذا الرأي منتشرا بين فئة كبيرة جدا من المنورين ~~والمهذبين، وقد انتحلته حكومة يدو - حكومة وكيل الميكادو - نفسها. وقد استغرقت ~~هذه المسألة السياسية عاما بالبحث فيها، وكان القومندور بيري لما طلب الدخول ~~في 1853 وعاقته الحكومة أمهلها، بعد أن وعدته بالفصل في المسألة، عاما آخر، ~~ثم عاد إليها في 1854، وطلب منها الوفاء بوعدها؛ بأن تجيبه جوابا صريحا، وبعد ~~التي واللتيا قر قرار حكومة يدو «طوكيو» على افتتاح أبعد المواني الصغيرة ~~التي لا شأن لها منذ عام 1858 للتجارة الأجنبية. # فأحفظ # 1 # هذا القرار سائر الطبقات العالية اليابانية، وظنوا تصريح الوكيل ~~للأجانب بدخول بلادهم انتهاكا لحرمتها، ms51 واحتقارا لشأنها، ومعولا لهدم ~~عزلتها. وفي أثناء تلك الثورة الفكرية قام بعض العلماء والمفكرين ونشروا بين ~~الشبيبة اليابانية مذهبا سياسيا جديدا، وهو الالتفاف حول عرش الميكادو ~~وتعزيز شأنه، وكانت هذه الفكرة قد أذيعت منذ نصف قرن وكمنت، ولم تظهر وتزهر ~~وتثمر إلا في تلك الظروف. # فنهضت الأمة اليابانية عن بكرة أبيها، وألفت حزبا واحدا لا غرض له ~~إلا مقاومة حكومة الملتزمين، واتقاء ما يصيب الوطن والأمة على أيدي تلك ~~الحكومة التي صرحت للأجانب بأن يطئوا أرض الشمس المشرقة، واتخذت الأمة ~~بأسرها شعارا تنادي به على رءوس الأشهاد، وهو «سو-نو-جوي»، ومعناه «أكرموا ~~الإمبراطور واطردوا الأجانب»، وكان هذا النداء مبدأ الثورة اليابانية. # والمشاهد في مثل هذه الأحوال أن المسائل الصغيرة تكون منشأ للمسائل الكبيرة؛ ~~فقد حدث أن اليابانيين حولوا أنظارهم عن مسألة إدخال الأجانب، وانتبهوا إلى ~~مسألة عظمى، وهي انتخاب حكومة قوية الجانب تتناول أعمال الأمة بحزم ~~وهمة، وتحفظ كرامة البلاد كما كان يحفظها الآباء والأجداد. ولا ريب في أن ~~منشأ هذه الفكرة كان ضعف حكومة «التوكوجاوا شيجون» الذي أظهرته بإذعانها لوعيد ~~قائد الأسطول الأمريكي القومندور بيري. # وقد أسست في ذلك الحين جمعية سياسية سرية كانت غايتها إنقاذ البلاد من أنصار ~~الاستبداد، واسمها «ليتوكلان ساموراي»، وبدأت برئيس الوزارة في حكومة الوكيل ~~الإمبراطوري، وهو تايرو لي، فقتلته أبشع قتلة؛ لأنه كان ينتقم من أعدائه في ~~السياسة بالقتل والذبح والسجن الأليم. # وقد خسرت حكومة الشيجون بموت هذا الوزير خسارة كبرى؛ لأن الوكيل أصبح عاجزا عن ~~تدبير شئون الشعب الياباني، فسارت الفوضى في البلاد، وضاعت حقوق العباد، ~~وانتهكت الحرمات وساد الفساد. وبعد قليل من الزمن اقترح بعض عقلاء الأمة ~~نظاما يوحد الحكومتين، ويوفق بين الطرفين، فيشترك الوكيل مع الإمبراطور ~~في الملك، ويشترك الإمبراطور مع الوكيل في الحكم. وهذا ما يسمى الآن ~~بالسلطتين الاسمية والفعلية. # ويظهر لنا أن أغلب الملتزمين عضدوا ذلك الاقتراح المعقول ووافقوا عليه؛ لأن ~~حبهم للإمبراطور كان يعادل طاعتهم لوكيله، وهو رئيسهم الأكبر، ومقسم ~~أرزاقهم، وواهبهم أملاكهم، ولكن أنصار هذا الاقتراح لم يخطر ms52 ببالهم أنه ~~سيؤدي إلى زوال دولة الوكيل وسقوطها سقوطا لا نهوض لها بعده. # وكان في اليابان في ذلك العهد فئة من الأشراف تسمى فئة الكوج، وهم أشراف ~~البلاط الإمبراطوري، وكانت هذه الفئة بالطبع متفانية في حب الميكادو؛ لأنه لم ~~يكن يحجب نفسه عن فرد من أفرادها، كما أنها لم تكن متعصبة للشيجون لاستغنائها ~~عنه وعدم ارتباطها به. وكان هؤلاء الأشراف من سلالة النبلاء الذين كانوا ~~يلتفون حول العرش الإمبراطوري قبل أن يتغلب الوكيل على الميكادو، ويسلبه ~~سائر حقوقه الشرعية، ويحرمه من التمتع بالعرش الذي ورثه عن آبائه ~~وأجداده. # فلما دالت دولة الميكادو، وأصبح الحل والعقد بيد الوكيل، قل نفوذ هؤلاء ~~النبلاء، وأصبحوا كواو عمرو لا نفع لهم ولا نفوذ، واقتصروا على حضور بعض ~~الاحتفالات الرسمية في البلاط الإمبراطوري، بعد أن كان لهم في عهد السلطة ~~الإمبراطورية من القوة والشأن ما لم يكن لغيرهم، فكأن العداوة بين الوكيل ~~والأشراف كانت طبيعية؛ لأن في قوته ضعفهم، وفي فوزه فشلهم، وفي غناه فقرهم، ~~وفي مجده خزيهم وعارهم. # فلما سنحت لهم تلك الفرصة نهضوا نهضة كبرى، وعضدوا الحزب الإمبراطوري بكل ~~ما في وسعهم، وكان بينهم جماعة من كبار السياسيين، فدبروا من المكائد ما ~~دبروا، ولم يألوا جهدا في خذل حكومة طوكيو، ولم يدخروا وسعا في نصرة ~~الميكادو، وقام بعضهم يقول بأن الحكومة المزدوجة لا تنفع ولا تفيد، ولا يمكن ~~للأمة اليابانية أن ترضى إلا برد حقوق الإمبراطور إليه، والاعتماد في ~~سائر شئون الدولة عليه، وكان حزب من الشبان المنورين الفقراء يسعون في التقرب ~~من بلاط الإمبراطور؛ فلم تفر تلك الفرصة من أيدي الأشراف، بل انتهزوها ~~وانتفعوا بها؛ بأن عضدوا هؤلاء الشبان، فأشار الشبان على رؤسائهم وأولياء ~~نعمتهم من الملتزمين بتعضيد الإمبراطور. # ثم طلبوا ذلك التعضيد منهم ملحين ملحفين، وبعد قليل انضمت عشيرة جديدة ~~اسمها عشيرة شيوسكي إلى العشيرة الأولى، فقوي حزب الإمبراطور في زمن قصير. ~~فلما اشتد ساعد الأشراف اشتغلوا بالدسائس السياسية، ودبروا دسيسة لخلع ~~وكيل الإمبراطور، ونزع السلطة من حكومته مرة واحدة، ولكن ms53 الوكيل اكتشف الدسيسة ~~وسعى في الانتقام من المدبرين، ولما علم الإمبراطور كومي، سلف الإمبراطور ~~الحالي متسوهينو، بافتضاح أمر الأشراف غضب عليهم ، وأبعد من اشتغلوا بالدسائس، ~~وقال: إنه يقنع بالسلطة المزدوجة؛ أي باشتراكه مع الوكيل في حكومة البلاد. وكان ~~هذا الرأي هو الغالب لدى فئة من الأشراف المعتدلين، ولكن القدر لا يعوقه شيء، ~~والدول إذا دالت لا ينفعها الحذر، والحين إذا حان لا يؤجله إنسان، وكذلك ~~كانت الحال في بلاد اليابان؛ فقد آن لها أن تخلص من ربق الشيجون مهما قنع ~~الإمبراطور بالقليل، ومهما افتضح سر المتآمرين. # فقد شعر الوكيل أن مركزه أصبح حرجا للغاية، وأن القوة التي كان آباؤه وأجداده ~~متمتعين بها من قبله قد أصبحت قوة وهمية، وقد استبان أن أسلافه هم الذين أخطئوا ~~وأوقعوا نسلهم في تلك البلية؛ لأنهم لم يحتفظوا بالشرائع الوطنية، ولم ~~يراعوا مصلحة الأمة اليابانية، بل عاثوا في الأرض فسادا، وحصروا في أنفسهم ~~السلطة الاستبدادية، وتفردوا بالحكم؛ فجنوا عليه تلك الجناية. # ومنذ ذلك اليوم بقيت حكومة طوكيو على ما هي عليه، ولكنها صارت جسما بلا روح، ~~وأصبحت هدفا لسخط العشائر والقبائل؛ فقامت عشيرة نوسا، وهي لا تقل في الأهمية ~~والنفوذ عن العشائر التي عضدت الإمبراطور، وعرضت على حكومة الوكيل التسليم ~~للقضاء والقدر، والتنازل عن الحكم، ورد حقوق الإمبراطور الشرعية إليه. # ولو لم يكن نفوذ الوكيل قد ولى وأدبر لما أصغى لذلك الطلب، ولكنه انتهز تلك ~~الفرصة وأظهر حبه وطاعته للإمبراطور، ورأى أن الحكمة تقضي عليه بالتنازل عن ~~سلطته بمحض إرادته؛ لئلا يرغم على ذلك قسرا وجبرا، فيكون سببا في محو اسم ~~أسرته من تاريخ اليابان بعناده، وفي هذا من العار ما لا يمحوه كر الأيام ~~ومر الأعوام، وفي سنة 1867؛ أي بعد زيارة الأسطول الأمريكي لمياه اليابان ~~بأربع عشرة سنة، تقدم الشيجون توكوجاوا، واسمه كيكي، إلى الإمبراطور الحالي ~~تستوهيتو، والتمس من جلالته أن يقبل منه تنازله عن سلطته الإدارية ليتفرد بها ~~الإمبراطور. # وقد استدعى عمل الوكيل إعجاب أهل وطنه بشممه وشجاعته وصبره وقناعته، كما ~~امتدحوه لبعد ms54 نظره وحكمته؛ فقد استغنى مع تنازله عن السلطة الفعلية عن بلاطه ~~في طوكيو، وكان شاملا لسائر الملاذ التي يتمتع بها الملوك والسلاطين، وعاش ~~عيشة الملاك والملتزمين، ولكن الأشراف وحزب الأحرار المتطرفين أبوا عليه أن ~~يبقى له شيء من هذا، وطلبوا أن يتنازل عما يملك من الأراضي، ويتخلى عن ~~أتباعه وعشيرته. # ويظهر أن التوفيق بين حزب الأشراف وبين حزب الوكيل كان أصعب من التوفيق بين ~~النار والماء؛ لأن جماعة النبلاء كانوا يريدون تأسيس حكومة قوية تكون سلطتها ~~محصورة في يد الإمبراطور مباشرة، وأن لا يكون للوكيل أدنى علاقة بها؛ فهاج هذا ~~التطرف والتشدد غضب أنصار الوكيل، فأشاروا عليه بإعلان الحرب الوطنية على الحزب ~~الإمبراطوري، ولكن جيشه لم يوشك أن يحشد حتى هزمته إحدى القبائل المحازبة ~~للإمبراطور على مقربة من بيرو «طوكيو»، فلجأ إليها، فقر قرار الحزب ~~الإمبراطوري على تجريد جيش عرمرم لأخذ طوكيو، ولما علم الوكيل كيكي بذلك ~~تنازل مرة ثانية عن سلطته بمحض إرادته. # هذا مع العلم بأن أغلب الملتزمين برجالهم كانوا طوع أمره؛ لو أنه أراد الحرب ~~لجرد جيشا أعظم وأقوى عددا وعددا من جيش الإمبراطور. وقد حدث أن العشائر ~~المحازبة للوكيل حشدت جيشا لمحاربة الإمبراطور دفاعا عن حقوقها ومنافعها، ~~التي أصبحت مهددة بعد تنازل الشيجون كيكي، وقد أظهروا في الحرب من الشجاعة ~~والشهامة والإخلاص ما يمدحون عليه، ولما أن هزموا في جنوب اليابان ساروا ~~إلى شمالها، وأسسوا في هوكايدو جمهورية يابانية، ولكنهم هزموا مرة ثانية ~~وردوا إلى حظيرة الطاعة بعد العصيان. # ومن بين الذين قادوا جيوش ذلك الحزب الجمهوري الفيكونت هباشي، سفير اليابان في ~~بلاط سان جيمس بإنكلترا، وكان من زعماء حزب الشيجون، وقد حارب إلى أن لم يبق في ~~القوس منزع، فسلم بعد حصار طويل إلى جنود الإمبراطور، وبعد ذلك سادت السكينة ~~على البلاد، وحقن البعض دماء البعض بعد طول عهد العداوة والشحناء. # هذا هو ملخص الثورة اليابانية، ولا بد من ختام ذلك الملخص بوصف تأثير تلك ~~الثورة على سياسة البلاد؛ فالقارئ يذكر أن منشأ تلك الحركة ms55 الفكرية كان بعض ~~الأجانب والسعي في وقاية البلاد من شرهم، فكانت الحكومة اليابانية الجديدة ~~قائمة على كراهية الأجنبي، والتفاني في حماية البلاد مما يصيبها منه، ومع ذلك ~~فإن الأحوال تغيرت في الحال، وانقلب بغض الأجانب حيال عداوتهم صداقة، وأسرعت ~~الحكومة الجديدة في إدخال المدنية الغربية إلى بلاد الشمس المشرقة بأسرع ما ~~يمكنها؛ فاطمأن الشعب الياباني كله إلى تلك السياسة، وعضدوا الحكومة في سائر ~~أعمالها، واستبدلوا حب الجديد بحب القديم، وأقبلوا اليوم على ما كانوا منه ~~بالأمس نافرين. # ولذلك التغير سببان؛ الأول: أن الأمة لم تثر ضد الأجانب، إنما ثارت ضد حكومة ~~الشيجون التي اتخذت التعصب ضد الغرباء آلة لمحاربة الوكلاء؛ ليكون ذلك لأعمالها ~~مبررا، ولسياستها مزكيا، والثاني: أن اليابانيين استبانوا عظمة المدنية ~~الغربية، ووقفوا على أخلاق أهل أوروبا وأمريكا، وفطنوا إلى أن الوكلاء لم ~~يمنعوهم عن الاختلاط إلا رغبة في تأييد سلطتهم، والاستبداد بالأمر في بلاد ~~اليابان. وما زال التقدم سائرا على قدم وساق حتى كانت سنة 23 بالتاريخ الميجي ~~الياباني، فتنازل الإمبراطور منسوهيتو عن السلطة المطلقة، ومنح أمته دستورا ~~يشبه الدستور الإنكليزي، ووضع في رأس الوزارة المركيز إيتو الذي كان من عشيرة ~~شيوسكي، وهي من أنصار أبيه. # وقد شهد العالم منذ سنتين ما أظهرته اليابان من الشجاعة والثبات في ميادين ~~الحرب والطعان، فهزمت دولة ضخمة لم يسمع بمثل ضخامتها في تاريخ بني الإنسان، ~~وبعد أن عقد الصلح بين الدولتين، واستتب الأمر في الشرق الأقصى لأمة الشمس ~~المشرقة، خطبت إنكلترا سلطانة البحار ودها، وعقدت معها معاهدتها المشهورة، ثم ~~تنازل الإمبراطور منسوهيتو في هذا العام لنجله الأكبر؛ فقد قام هذا الميكادو ~~الجليل بعملين عظيمين؛ الأول: أنه تنازل عن سلطته الاستبدادية، وهذا عمل كان ~~يجدر بقيصر الإمبراطورية الروسية، والثاني: أنه تنازل عن الملك لابنه مع أنه ~~لا يزال قادرا على التمتع به. # | مقدمة ثانية # إن رأس الآداب النفسية لدى اليابانيين فضيلة الإيثار، وهي أن يقدم الإنسان نفع ~~غيره على نفسه؛ فلا يستطيع أحدهم أن يدعي لنفسه الأخلاق الفاضلة والخلال ~~السامية إلا إذا ms56 كان منكرا لذاته؛ لأن الأثرة مجلبة الرذائل، ومزرعة ~~النقائص، كما أن الإيثار هو تاج الفضائل، ومنبت الكمالات؛ لأنه يستلزم التواضع ~~وبغض الشهرة لذاتها، ويستدعي الخضوع للشرائع وللقوانين الوضعية. وهذا لا يكون ~~إلا لمن كانت العفة والقناعة من صفاته. # والناظر في أخلاق أهل الشرق بأسرهم يوشك أن يستقصي تلك الحسنات فيها، إنما ~~طمستها أحوال عرضت على الشعوب الشرقية فأصابتها بجمود عرضي، لو دام طويلا ~~ولم يجد من يقتلع جذوره بالحكمة والتعقل يصير جوهريا، وحينئذ يصعب تحويل ~~هاتيك الأمم عما يكون قد لصق بها من المعايب المذمومة. # وبين يدي القارئ كتاب نقلناه من اليابانية اسمه بلغته «أونادايجاكو» أو ~~«التعليم الراقي للإناث»، ألفه منذ قرنين الأخلاقي الياباني «كايبارايكن»، ~~وقصد به أن يكون ما تضمنه من الحكم والآداب والإرشاد خاصا بالنسوة. وقد ~~كان المؤلف أونادايجاكو متمكنا من آداب اللغة الصينية تمكنه من لغته ~~الأصلية، وهذا الذي دعاه ودعا غيره إلى النسيج على منوال كتاب الصين، والسير ~~على دربهم. وهذه كانت عادة اليابانيين في عهد أونادايجاكو؛ أي منذ مائتي ~~سنة. # ولكن هذا المؤلف الأديب برز في أقرانه، وتفوق عليهم بسهولة أسلوبه ورقته، ~~وقد بلغ من امتلاك ناصية الحكمة والأدب بفضل الحكومة الالتزامية التي استتب ~~لها الأمر في اليابان، فنشرت أعلام السلام، وعضدت الفنون والصنائع، وبينها صنعة ~~القلم، فأينعت دولة الأدب وأزهرت وأثمرت، وقد انقطع في عهد تلك الدولة كبار ~~العلماء والأدباء للتبحر في العلوم وفنون الأدب والحكمة اليابانية والصينية، ~~وعنوا بوضع مؤلفاتهم باللغة الصينية، أو بأرقى أساليب اللغة اليابانية؛ صونا ~~لها، واحتفاظا بها من الضياع على كر الدهور ومر الأعوام إذا هم أودعوها لغتهم ~~المحكية. # أما «كايبارايكن» - واضع هذا الكتاب - فقد انقطع لوضع كتب الحكمة والفلسفة، ~~وإفراغها في قالب سهل ممتنع، يقرب من فهم السوقة، ولا ينكره الخاصة والمتأدبون؛ ~~فلم يذهب عمل كايبارا هباء، إنما أقبل القراء عليه إقبالا عظيما، وتناولوا ~~مؤلفاته بشغف شديد، فكان التاجر يقرؤها في حانوته، والطالب في مكتبه، والفتاة ~~في خدرها. وقد نال كتابه «التعليم الراقي للإناث» أعظم إقبال، وورثه الأبناء ms57 عن ~~الآباء، والبنات عن الأمهات، حتى اعتادت الأمة عليه، وحتى أصبح من لا يراه في ~~خزانة كتب صديقه ينكر عليه ذلك، وهو اليوم؛ أي بعد مرور مائتي عام، لا يزال ~~واسطة عقد المؤلفات اليابانية ودرة تاجها. # ولا يمتاز كتاب كايبارا بمذهب جديد أو سنة حديثة؛ فقد سبقه إلى بعض ما جاء ~~به فيه غيره من كتاب الرسائل والمصنفين، ولكن الذي فرق بين «التعليم ~~الراقي للإناث» وبين غيره كون صاحبه وصف فيه ما كان يطلب من المرأة أن تكون ~~عليه في عهده، وكونه جمع في صفحاته ما قاله الأقدمون، ووفق بين التعاليم ~~الدينية والآداب الدنيوية؛ فتمكن بذلك من إرشاد العامة الذين لا مقدرة لهم ~~على فهم روح الفضيلة إلى طريق قويمة، إذا سار عليها فتياتهم ونساؤهم قربن ~~من الغاية المقصودة. # واستطاع بحذقه وبراعته أن يقنع القراء بصحة مبدئه واستقامة رأيه، وقد ساعده ~~على ذلك حاجة عامة القراء في عهده - لا سيما الإناث منهم - إلى كتب ذات ~~قيمة نافعة، وقد يصعب على الغربيين أن يعرفوا مقدار تأثير هذا الكتاب في الرأي ~~العام الياباني؛ لأنهم لم يعتادوا من أغلب الكتب الأخلاقية نفعا كبيرا في ~~بلادهم، أما في بلاد اليابان فقد كان تأثير «التعليم الراقي للإناث» كتأثير ~~الكتب المنزلة؛ لأنه أحدث ثورة فكرية، وصار بعد قليل من الزمان كعبة آمال ~~المهذبين والمهذبات، ومرجع الآباء والأبناء والأمهات. # إن الناظر في عادات الشعوب الشرقية والغربية يدهش لما بين الشرق والغرب من ~~التباين في معاملة المرأة؛ فللمرأة الغربية قوة مهولة ونفوذ سائد على الرجل ~~الغربي؛ فهي سيدة وهو عبدها، وهي معلمة وهو تلميذها، وهي آمرة وهو منفذ ~~رغائبها. أما في الشرق، فللرجل على المرأة ما للمرأة على الرجل في الغرب؛ فهو ~~القوي القادر وهي الضعيفة العاجزة، وهو الأستاذ المرشد وهي الطفلة ~~المسترشدة. # ويغلب على الظن أن منشأ ذلك الخلاف في العادات نبه حكماء الشرق الأقدمين إلى ~~خطورة شأن المرأة وقوتها، وخوفهم من عاقبة تحريرها وإعطائها سائر ما تود من ~~الحقوق؛ فأذاعوا ما أذاعوا من التعاليم التي تقضي ms58 بخنوع الأنثى للذكر، وخضوعها ~~لأوامره واستسلامها له. ومنشأ هذا الرأي عريق في القدم؛ فقد وضع الحكيم ~~كونفوشيوس قاعدة الحجاب منذ أربعة وعشرين قرنا؛ إذ قال: «لا ينبغي للمرأة أن ~~تجالس الرجل بعد دخولهما سن السابعة.» وكانت هذه السنة جرثومة ما نراه ~~الآن في الشرق من ترك المرأة مهملة بلا تعليم ولا ترقية؛ لأن الشرقيين ~~يعتقدون أنها كلما ارتقت وتقدمت زاد شرها، وضعف الرجل حيالها. # وقد جاء في الديانة البوذية أن المرأة تظهر جمال الملائكة، وتبطن خبث ~~الشياطين، وأنها مملوءة شرا، وليس في المخلوقات ما يخشى ضره ولا يرجى ~~خيره مثلها، ولم يكن الشرقيون وحدهم المتشبعين بتلك الآراء، بل كان فلاسفة ~~الغرب أنفسهم لا يقلون عنهم في سوء الظن ببنات حواء؛ فقد قال سقراط في ~~تعاليمه: إن المرأة منبع الشر، وإن عداوة الرجال وبغضهم آمن عاقبة من ~~صداقتها وحبها، وإن مثل الشاب يطلب زوجة كمثل باحث عن حتفه بظلفه، أو كمثل ~~من يلقي بنفسه في حبائل الصياد. # فكأن الشرق والغرب اتحدا في زمن واحد ضد المرأة، فرماها الواحد بالخبث والشر، ~~ونفر الآخر منها الرجل وأمره بأن لا يجالسها ولا يخالطها؛ لما في ذلك من ~~عقوق الشرائع الدينية، فسرت تلك الأحكام إلى اليابان سريان الكهرباء في ~~الأجسام؛ فأهمل تهذيب المرأة، فضاق نطاق عقلها، وأصبحت محكومة تعيش عيشة ~~الأنعام، وبقيت معارفها مقصورة على ما حولها من لوازم تدبير المنزل، وطهي ~~الطعام، حتى أصبحت صغيرة الشأن، صغيرة القدر في عين الرجل، مع أن هذه كانت ~~جناية عليها في بداية الأمر، وقد جرت الإساءة وراءها ألف إساءة. # وقد انحط مركز المرأة في الهيئة الاجتماعية اليابانية انحطاطا فظيعا، لا ~~سيما في العهد الذي كانت فيه البلاد كلها ميدانا للحرب التي اشتعلت نيرانها ~~بين أنصار الالتزام وبين أتباع المذهب الجديد، مذهب الحرية الفكرية والسياسية، ~~وكانت نار تلك الحروب تزداد كلما كرت السنون ومرت الأعوام، وكأن أهل ~~اليابان راق في أعينهم منظر الدماء المسفوكة، والأعراض المهتوكة، فأبوا أن ~~يحقنوا هذه أو يصونوا تلك. واستمرت الحال على ذلك المنوال ms59 بضع مئات من ~~السنين. هذا ما أصاب اليابان مع أنها تلك الأمة التي كانت منذ سبعة عشر قرنا ~~تفاخر بكواتبها وشواعرها مفاخرتها بأبطالها وعساكرها. # وكان ذلك في إبان حكم الملوك الأول، فلما تحولت السلطة من أيدي الملوك ~~وظفر بها الشيجون - وهم جماعة الوزراء والوكلاء الذين استولوا على النفوذ ~~الفعلي في بلاد اليابان منذ قرون طويلة، وما زالوا كذلك حتى عزلتهم الأمة ~~وردت الملك لصاحبه - انحطت المرأة؛ لأنها لم تلق من يناصرها، ولم تجد ~~مجالا لإظهار قواها الأدبية وفضائلها النفسية في العهد الذي ساد فيه الظلم ~~والفساد. # وقد أهمل اليابان في ذلك العهد كل شيء، واكتفوا بإعداد آلات الحرب، فاقتنوا ~~الدروع والزرد والسيوف والأقواس والسهام، وأعرضوا عن الكتب والأوراق والمحابر ~~والأقلام، وكان الياباني إذا ولدت له زوجته بنتا ضيق عليها، وعاد باللائمة ~~على سواد حظها؛ لأنه كان يرجو في الآلهة أن ترزقه غلاما زكيا يكون في مستقبل ~~الأيام بطلا منازلا، وشهما مناجزا. # وما زالت هذه الأفكار تنشر حتى أهملت المرأة تمام الإهمال، وأمست مخلوقا لا ~~قيمة له ولا قدر، يعيش كسائر الحيوانات بلا عقل ولا إرادة ولا فكر، ولم تكن ~~للمرأة في ذلك الحين وظيفة سوى تدبير المنزل وحمل الجنين، وكان من نكد الدنيا ~~على الياباني أن يعلم عنه أنه استشار زوجته، أو سألها رأيها في أمر من ~~الأمور، وكان من يعشق زوجته أو يحب ابنته يرمى بالجبن والضعف. وحجة ~~اللائمين في ذلك أن من كان يخدم الإمبراطور فلا حاجة له بحب النساء، أو ~~الاهتمام لشأن أسرته، فكان حب النساء في ذلك العهد رأس كل خطيئة، ومصدر كل ~~سيئة. # وكان أحدهم إذا رأى امرأة ضعيفة وأوعزت له نفسه أن يعضدها أو يفرج كربها ~~راعى في ذلك الشدة والقسوة؛ لئلا يرمى بلين العريكة وسهولة القياد. ولا ريب ~~في أن حب المرأة إذا ذهب من قلب الرجل أصبحت تلك المخلوقة ضعيفة الحول ~~والطول لا تملك لنفسها خيرا ولا شرا. # قال الكاتب: فلما أشرق علينا نور العلم والمدنية، وعادت المياه إلى مجاريها، ~~وأصلحنا ما ms60 فسد من شئوننا، وسرنا في طريق التقدم؛ لحظنا أننا نسير سيرا ~~حثيثا؛ فبحثنا عن سبب ذلك فلم نجده؛ لأننا كنا حاصلين على سائر الصفات الطيبة ~~التي امتازت بها أوروبا عن غيرها، وقد أوشك أن يتسرب الشك إلى قلوبنا، فرمينا ~~أمتنا كلها بالخمول والقصور عن الوصول إلى ما وصلت إليه أوروبا في عدة قرون، ~~وقام بيننا من كانوا يريدون تثبيط هممنا، وادعوا أننا أمة شرقية، وهيهات ~~أن يصل الشرق إلى ما وصل إليه الغرب. # وكدنا نصدق هذه الادعاءات الباطلة، ونؤمن بتلك الأقاويل الضئيلة، وإذا ~~بالأستاذ شمبرلين نبهنا إلى علة العلل، ومسألة المسائل؛ قام الأستاذ ~~شمبرلين وبين لنا بكل جلاء ووضوح أن سبب سيرنا الهوينى ليس راجعا إلى ضعف في ~~أخلاقنا، أو تقصير في عملنا، أو نقص في شمائلنا، إنما هذا التأخر راجع في ~~الحقيقة إلى جهل المرأة اليابانية؛ فأدهشنا ذلك الرأي، ونهضنا في الحال للعمل ~~بما أشار به علينا ذلك الحكيم العظيم. إن تاريخ نهضتنا لتعليم نشأتنا يحتاج إلى ~~مجلد ضخم، ولكن علي أن أوجز في القول على قدر الاستطاعة. # أول ما هممنا به أننا اكتتبنا بمالغ طائلة، ولا أبالغ إذا قلت إنها زادت في ~~ظرف سنتين عن ثلاثة ملايين من الجنيهات، وبهذه المبالغ الطائلة أنشأنا في وقت ~~واحد في سائر جهات اليابان مدارس الإناث، واستجلبنا لها معلمات أخصائيات لتهذيب ~~الإناث من أوروبا وأمريكا. # وكان التعليم في تلك المدارس في أول الأمر مجانيا، ثم جعلنا أجوره بالتدريج ~~ملائمة لحال الأهالي، ولم يكن اهتمامنا مقصورا على إنشاء المدارس في المدن ~~الكبرى، بل أنشأناها في أصغر القرى؛ فكنا نؤسس المدرسة بجانب المعبد؛ ليدرب ~~العقل في المكان الذي تهذب فيه النفس. وقد اضطررنا في العهد الأخير إلى جعل ~~تعليم الإناث كتعليم الذكور إجباريا، فلا تبلغ الطفلة السادسة من عمرها حتى ~~يرغم أهلها على إرسالها إلى المدرسة؛ حيث تبقى أربع سنين في أثنائها تتعلم ~~القراءة والكتابة والحساب، وآداب النفس والشعر، وبعض الأعمال اليدوية. وكان عدد ~~البنات بباريس اللواتي تعلمن في المدارس في سنة 1898 نحو ms61 2081209، مع أن ~~عدد أطفال اليابان كلهم في تلك السنة كان 7125966؛ أي بمعدل 34,9 في المائة، ~~وقد ازدادت الرغبة في التعليم منذ 1898 إلى الآن؛ أي منذ تسع سنين، فأصبح معدل ~~الذكور الملتحقين بالمدارس 82,42، ومعدل البنات الملتحقات بها 53,73. # قال الكاتب: وليس هذا كل ما قمنا به نحو نسائنا؛ فإننا فوق ذلك جعلنا للفائزات ~~منهن في كل عام جوائز سنية، وتحفا ثمينة، فلا يأتي آخر السنة الدراسية حتى ~~تكتتب جلالة الإمبراطورة وصواحبها وسائر الأسر الشريفة بالمال والهدايا؛ ~~لتقدم للفتيات المجدات المجتهدات، وقد أرسلن كثيرا من نسائنا منذ عشر ~~سنين لتلقي فنون التعليم والتهذيب في مدارس إنكلترا وأمريكا وألمانيا، حضرن ~~إلينا وقمن بتهذيب بناتنا خير قيام. # ثم إن الأمة نفسها تناصر الحكومة على هذا العمل؛ فإن الياباني المتعلم - ~~وعدد المتعلمين عندنا كما رأيت لا يقل عن 84 في المائة - يأنف أن يتزوج فتاة ~~غير متعلمة، وانتشار هذا الرأي وحده جعل البنات تقبلن على التعليم أكثر من ~~إقبال الصبيان؛ لرغبة كل منهن في الزواج. ا.ه. كلام العلامة شنجورو تاكايشي ~~الياباني. # أقول: ولا ريب في أن المنازل اليابانية أصبحت تفوق في تربيتها ونظافتها أغلب ~~المنازل الأوروبية، بعد أن عرف قدرة المرأة وعني بتربيتها. # وهي ولا شك تقدر هذا العمل النافع قدره، وتهتم بشأن أولادها، فتنبتهم ~~نباتا حسنا، وتمنح وطنها رجالا أشداء أقوياء يفاخرون بأمهاتهم كما يفاخرون ~~بآبائهم. # وكم من حادثة في الحرب الأخيرة دلت على سمو آداب المرأة اليابانية، وعلو ~~نفسها، وتفانيها في خدمة وطنها، وقد نقلت لنا صحف الأخبار في أثناء تلك الحرب ~~عن المرأة اليابانية قصصا وحوادث لا تقل عما يتناقله مؤرخو العرب عن ~~نسائهم في أيام المواقع الشهيرة، أو نساء إسبرطة لدى هجوم الفرس على ~~مضائقهم. # فقد خرج العذارى والمخدرات إلى ميدان الوغى لتطبيب المرضى، وتضميد جراح الجرحى، ~~وتعزية القتلى قبل موتهم بابتسامة تشبه ابتسامات الملائكة، أو كلمة حلوة تخفف ~~آلام الموت، وقد حق للغادة اليابانية أن توصف بقول حافظ، الشاعر ~~المصري: # أنا يابانية لا أنثني # عن مرادي أو أذوق ms62 العطبا # أنا إن لم أحسن الرمي ولم # تستطع كفاي تقليب الظبا # أخدم الجرحى وأقضي حقهم # وأواسي في الوغى من نكبا # | كتاب التعليم الراقي للمرأة # لما كان حظ الفتاة يقضي عليها عند بلوغ طور المرأة أن تدخل دارا جديدة، وتعيش ~~مع أسرة جديدة، تكون فيها مرغمة على طاعة حميها؛ فالواجب عليها أن تقدر ~~نصائح والديها حق قدرها، وتعمل بما يأمرانها به من الطاعة والأخلاق الفاضلة؛ ~~لأنها في الواقع أحوج إلى تعليم الوالدين والانتفاع بحكمتهما أكثر من الفتى، ~~ولو أن والديها أهلا تربيتها لوقتها وغضاضتها، وصرفا همهما إلى إرضائها؛ ~~نشأت الفتاة أسيرة هواها، لا تخشى في نيل مآربها وتقلبها لومة لائم؛ فإن كان ~~حموها رجلا قويم الأخلاق شديد المراس عجزت عن أن تطيق حكمه، فتبغضه لما تراه ~~فيه من الاستقامة التي تحسبها شدة وقسوة، ولا تزال معه ومع أفراد أسرته في ~~شقاق، وينتهي الأمر بخروجها من دار زوجها ملومة محسورة، عدا ما يصيبها من ~~العار والفضيحة؛ فيكون والداها قد نسيا أنهما أساءا تربيتها، فيعودان باللائمة ~~على حميها وينسبون إليه كل نقيصة، ولكنهما لا ريب مخطئان؛ لأن اللوم في الواقع ~~واقع عليهما وعلى التربية الناقصة التي أنشأا عليها ابنتهما، ومن شب على عيب ~~شاب عليه. # إن القلب الطاهر في النساء أفضل من الوجوه السمحاء؛ لأن ذات القلب الشرير تلقى ~~على الدوام ثائرة؛ فهي تحملق بعينيها في وجوه الناس، وتصب عليهم صاب غضبها، ~~وإذا نطقت نطقت بفحش القول، وإذا حادثت أحدا ذمته في وجهه وعنفته لغير ~~سبب ظاهر، سوى قلة حيائها. أما إذا تكلمت عن نفسها فلا تقول إلا المدح ~~والثناء، فتضع نفسها فوق سائر الناس. ومن عاداتها الذميمة انتفاخ أوداجها عجبا ~~بنفسها، وسخريتها من غيرها، وبالجملة فهي تعمل كل ما ينبغي للمرأة الفاضلة أن ~~تتخلى عنه؛ لأن صفات المرأة هي الطاعة والعفة والشفقة وغير ذلك مما يدل على ~~أدب النفس. ~~(1) الحجاب # ينبغي للفتاة أن تعتاد منذ نعومة أظفارها التمييز بين أخلاق المرأة ~~وأخلاق الرجل؛ لئلا تتصف بما لا يليق بها، فلا يسمح لها ms63 بقول أو فعل ~~مخالف لأخلاق المرأة، كذلك يجب على الحر الدين أن يبعدها عن مواطن ~~الفساد؛ حتى لا ترى بعينها شيئا يؤثر على طباعها. وقد كانت العادات ~~القديمة تقضي على الرجل والمرأة بأن لا يجتمعا في غرفة واحدة، وأن لا ~~يتركا ثيابهما في مكان واحد، وأن لا يغتسلا في مكان واحد، وأن لا تتناول ~~المرأة شيئا من الرجل يدا بيد، وأن المرأة إذا خرجت من دارها ليلا ~~تحمل مصباحا تستضيء به، وأن تراعي حدودا خاصة في معاملة زوجها وأقاربها ~~وإخوتها، دع عنك ما كان يقضى عليها به في معاملة الأجانب. # أما في وقتنا هذا فقد أعرض نساء الطبقات النازلة عن تلك الآداب، وسلكن ~~مسلكا سيئا؛ فأتلفن صيتهن، وجلبن اللوم على آبائهن وأمهاتهن ~~وإخوتهن، وعلى وطنهن، وتعودن صرف الزمان فيما يضر ولا ينفع. إن ديننا ~~وآدابنا القومية تقضي على المرأة بأن لا تصاحب رجلا إلا إذا أمرها ~~بذلك أحد والديها، أو وسيط يريد تزويجها، وأن تكون ثابتة القلب، وأن تضحي ~~بكل شيء في سبيل حفظ كرامتها، وصيانة شرفها وعرضها من الأذى، ولو كان ذلك ~~يؤدي إلى هلاكها. ~~(2) سبعة أسباب للطلاق # أهل الصين يسمون الزواج «العود»؛ لأنه يجب على المرأة أن تعد بيت ~~زوجها بيتها، وأنها لدى الزواج تعود إليه، أما بيت أبيها فلم يكن إلا ~~مقرا عرضيا تقيم فيه ريثما تلقى بعلها؛ فإذا وفقت وصارت أهلا ~~لبعل ما، فلا يليق بها أن تعيبه مهما كان فقيرا أو وضيعا؛ لأنها أصبحت ~~شريكته في الغرام وانشراحه، وعلى الشريك العادل أن يستر عيوب شريكه، وأن ~~يحتمل الضيم الذي يحتمله صاحبه، فإذا كان الدهر قاسيا عليهما استعانا ~~عليه بالاتحاد؛ لأن الضعيفين يغلبان قويا. # وكان الحكماء الأقدمون يوصون المرأة بأن لا تغادر منزلها بعد الزواج؛ ~~فلو أنها سلكت طريقا غير قويمة، وأعرضت عن الأخلاق المستقيمة، حتى ~~استدعى سلوكها طلاقها؛ فقد عرضت نفسها لعار أبدي لا يزول عنها ما دامت ~~في قيد الحياة. وقد ذكروا في تلك المسألة سبعة دواع سموها أسباب ~~الطلاق السبعة؛ # 1 # وهي: # أولا: ms64 # تطلق المرأة إذا خالفت حماها أو ~~حماتها. # ثانيا: # إذا كانت المرأة لا تحمل. وسبب سن تلك ~~القاعدة أن أهم أسباب الزواج حفظ نسل الرجل واستبقاء ~~ذريته. وقد يجوز إبقاء العاقر إذا كانت صالحة طيبة ~~القلب، فاضلة الأخلاق، خالية من نقائص الحسد والغيرة ~~والحقد، ويمكن في مثل تلك الحال تبني ولد من ~~أقاربها أو أقارب زوجها، ولا يجوز للزوج أن يطلق ~~زوجته العاقر إذا كان له ولد من إحدى سراريه. # ثالثا: # المرأة الفاجرة تكون طالقا. # رابعا: # البرص والجذام وغيرهما من الأدواء المعدية ~~الشديدة الوطأة، إذا أصيبت المرأة بواحد منها وجب ~~تطليقها. # خامسا: # إذا كانت المرأة شديدة الغيرة فهذا يستدعي ~~طلاقها؛ لأن الغيرة دليل على غيرها من ~~النقائص. # سادسا: # المرأة الثرثارة التي تلحف في الطلب وتقلق ~~راحة الزوج، وتغرس بذور الشقاق بين أفراد الأسرة، ~~وتجلب عليها الشر؛ يجوز لزوجها أن يطلقها. # سابعا: # إذا كانت المرأة مولعة بالسرقة يجوز لزوجها ~~تطليقها. # وقد قال الحكماء: إن المرأة إذا طلقت لسبب من تلك الأسباب السبعة، ثم ~~تزوجت من رجل غني رفيع القدر؛ فإن ذلك الزواج الجديد يمحو عارها ما دامت ~~على قيد الحياة، ولو بعد أمد مديد. ~~(3) واجبات المرأة # ليس للمرأة سيد سوى زوجها؛ فينبغي لها أن تحترمه وتحبه، وأن لا تحتقر ~~شأنه. # من واجبات الفتاة نحو والديها ما دامت في بيتها أن تظهر لهما كل حب ~~وتبجيل؛ ليكونا عنها راضيين؛ لأن رضاهما دليل على رضى الآلهة، حتى إذا ~~تزوجت فليكن واجبها حب حميها وحماتها وتبجيلهما أكثر مما كانت تحب ~~والديها وتبجلهما. # ومن دلائل الحب الطاعة # شأنه. إن واجبات المرأة محصورة في الطاعة؛ فإذا حادثت زوجها فلا بد أن ~~تكون علامات اللطف والدعة بادية على وجهها، وأن يكون حديثها لطيفا ~~منظما بعيدا عن أسباب الشقاق، لا شديدا غليظا؛ لأن الشدة في القول ~~تدل على ميل صاحبها للشر، وعلى غطرسته وكبريائه. إن الطاعة رأس الواجبات؛ ~~فإذا ارتابت الزوجة في أمر فعليها باستشارة بعلها، وإذا غضب الزوج مرة ~~فالواجب على زوجته أن تظهر له ضعفها، وأن تبدي ms65 أعذارها، وأن تلين ~~عريكتها على قدر استطاعتها، لا أن تجعل العناد دينها، والمكابرة عادتها؛ ~~فيحمى وطيس الجدال، ويشتد الشقاق بينهما. وبالجملة فعلى المرأة أن تعتبر ~~زوجها إلها فلا تمل من مطالبه، ولا تكل من طاعته، ولا تألو جهدا في ~~إرضائه؛ لأن في رضى الزوج منجاة من عقاب السماء. ~~••• # يجب على الزوجة أن تحب إخوة زوجها وأخواته وتبجلهم قاطبة؛ لأنها لو هزأت ~~بأحدهم أو أظهرت نحوه بغضا استلزم ذلك سخط حميها وحماتها، ونفر عنها ~~قلوب أسرة زوجها. أما إذا أحبت الجميع واحترمتهم أحبوها واحترموها، ~~وكان في ذلك سعادة الأسرة بأسرها، وكذلك يجب عليها أن تحب زوجة أخي ~~زوجها «سلفتها»، وأن تعاملها معاملة الشقيقة. # أفضل صفات المرأة العاقلة أن لا تخطر الغيرة على بالها، فإذا كان زوجها ~~خليعا فاجرا فالأولى بها أن تنصحه بلطف وتنهاه عن خلقه، وهذا أنفع ~~من الحقد عليه؛ لأن الحقد يسبب الغيرة، والغيرة تشوه الوجه، وتفسد ~~الأخلاق، وتنفر الناس ممن يوصم بها، وتنتهي بنفور الزوج من الزوجة. ~~ولو أساء الزوج معاملة زوجته بلا سبب ينبغي لها أن تظهر الهدوء ~~والسكينة، وأن تلومه على ذلك بلطف، فإذا كان في ساعة من ساعات غضبه ~~فلتتركه حتى يعاوده السرور والرضى فتنصحه؛ ففي مثل هذه الحال يجدي النصح ~~لا محالة. وإياك أيتها الزوجة العاقلة أن تصعري خدك، أو تعنفي ~~زوجك، أو تحادثيه بصوت خشن يزعجه. ~~••• # يليق بالمرأة أن تكون شديدة الحذر في كلامها، وأن تقتصد في الحديث على ~~قدر طاقتها، وأن لا تغتاب أحدا، وأن لا تنطق بغير الصدق، وإذا سمعت ~~إنسانا يأكل لحم غيره فلا تنم بما سمعت، بل تسر الغيبة في نفسها؛ ~~لأنه جاء في الأمثال: من بلغك مسبتك فهو شاتمك. ولم يشتت شمل ~~الأسرات ويفرق بين الزوج وزوجته، والولد ووالده، والصاحب وصاحبه شيء ~~كالغيبة والنميمة. ~~••• # يجب على المرأة أن تكون على الدوام متيقظة متنبهة، وأن تراقب أخلاق نفسها ~~مراقبة شديدة، وأن تنهض في الصباح مبكرة، وأن لا تنام إلا بعد أن ينام ~~أولادها وزوجها، وخير لها من القيلولة أن ms66 تقوم بأعمال المنزل، وأن لا ~~تضجر من تدبير دارها. # ولا ينبغي لها أن تكثر من شرب الخمر أو الشاي، وأن لا تملأ عينيها ~~وأذنيها بمنظر الملاهي وأغاني العشق والغرام، وإذا قصدت المعابد والهياكل ~~حيث يجتمع الناس من كل فج؛ فليكن ذلك نادرا حتى تبلغ الأربعين، فيجوز ~~لها بعد بلوغ هذا السن أن تكثر من الذهاب إلى الهياكل للتعبد. # لا ينبغي للمرأة أن تطيع هوى الراهبات ليقربنها من الآلهة لأي سبب ~~من الأسباب، ولا يجوز لها أن تقضي وقتها في الصلاة؛ فإنها لو قامت ~~بواجباتها التي يطلبها منها زوجها وأولادها وأقاربها وتركت الصلاة ~~جانبا؛ لكان ذلك كافيا لرضى الآلهة عنها، وإذا كان زوج المرأة فقيرا ~~أو غنيا فلا يليق بها أن تبذر ماله، بل ينبغي لها أن تعتدل في ~~النفقة، وأن تقتصد على قدر الإمكان، وإذا كان الزوج خفيف الحال فلا بد ~~من عدم الخروج عن الحد في المآكل والملابس حبا في تقليد الأغنياء ~~والمترفين. # ينبغي للمرأة في شبابها أن تبتعد عن توثيق عرى المودة بينها وبين أقارب ~~زوجها وأصحابه وحاشيته، وأن تتبع القواعد التي تأمر بها الآداب ~~الاجتماعية؛ كعدم الاختلاط بالرجال إلا إذا اقتضت الحال، ولا يجوز ~~للمرأة في شبابها أن تراسل رجلا غير زوجها مهما كانت الأسباب التي ~~تستدعي المراسلة. # وإذا اخترت أيتها الزوجة ثيابا وحليا؛ فلتكن مما لا يلفت إليك ~~الأنظار، ويبهر من يراك؛ لأن غاية اللباس والزينة أن يكون بدنك وثوبك ~~نظيفين، وما عدا ذلك يدعو إلى ذمك، ونفور زوجك، واحتقار الناس ~~لشأنك. # لا تفكري في أهلك قبل أن تفكري في عشيرة زوجك؛ لأن ذلك يدل على أثرتك، ~~فإذا حل يوم رأس السنة أو غيره من الأعياد والمواسم؛ فقومي بواجب ~~الإكرام والمعايدة نحو أهل زوجك أولا، ثم أدي ذلك الواجب نحو أهلك ~~ثانيا، ولا تذهبي إلا حيث يريد زوجك، ولا تقصدي مكانا إلا بإرادته ~~ورضاه، ولا تأخذي على عهدك أشياء تخشين مسئوليته؛ فلا تقدمي لأحد هدية لا ~~يريد زوجك تقديمها، ولا تجودي بما أنت وبيتك في حاجة ms67 إليه. # لما كانت المرأة تخلف نسلا ينتسب إلى حميها وحماتها؛ فواجب إكرامهما ~~وحبهما أعظم - في الواقع عقلا وشرعا - من واجب إكرامها لوالديها. يجب ~~على المرأة بعد الزواج أن تقلل من زيارة أبيها وأمها، وأن لا تشغل نفسها ~~بزيارة الناس، بل يكفي أن تبعث إلى أصحابها وصواحبها وأترابها من يسأل ~~عن حالهم، وإذا كانت دار أبيها أفخم من دار زوجها؛ فلا يليق بآدابها أن ~~تجعل الافتخار بذلك شغلها الشاغل وحديثها ليل نهار؛ لأن هذا يدل على ~~غرورها، والغرور مطية الدمار. ~~(4) معاملة الخدم # مهما كان عدد خدم الزوجة فلا بد لها من الوقوف على كل ما يحدث في ~~دارها، ومراقبة سائر شئونه، ويجب عليها أن تخيط ثياب حميها وحماتها، وأن ~~تعد لهم طعامهم، وأن تكون كلها آذانا تصغي إلى مطالبهم، وأن تنجز ~~ما يريدان إنجازه، وأن تنظر في شأن زوجها؛ فتغسل ثيابه، وتنظم فراشه، ~~وأن تعنى كل العناية بأولادها؛ فلا تهمل أمرهم، وتسعى جهدها في أن ~~يكونوا في غاية النظافة. وكل هذا لا يسهل عليها إلا إذا لازمت بيتها ~~ولم تخرج منه إلا نادرا، عندما تقضي عليها الضرورة بذلك. # ويجب على الزوجة العاقلة أن تحترس في معاملة الخدم؛ فإن الخادمات يكن ~~دائما من الطبقات النازلة ممن لم يتعلمن ولم يهذبن في صباهن، ~~ومن صفاتهن العناد والبلادة والغلظة في الكلام، ومن طباعهن افتراء ~~الأكاذيب، واختلاق القال والقيل على من لا يرضيهن أو يخالف رغبتهن ~~في أمر من الأمور؛ فإذا أصغت الزوجة لترهاتهن نغصت عيشها، وسببت ~~سخط زوجها وغضب أسرته كافة، فإذا استسلمت المرأة نفسها لتكون ألعوبة ~~في أيدي هؤلاء الفتيات؛ فليكن قلبها من صخر لا يحس ولا يشعر، وإلا فقد ~~عرضت نفسها للبلاء والعناء. # ولتعلم الزوجة أن من كان غريبا عنها منذ نعومة أظفارها كحميها وحماتها ~~لا يبقي على حبها إذا قصرت في واجباتها، أو سارت على غير الدرب الذي ~~كانت تسير عليه من الطاعة واللطف. ومن العار على المرأة العاقلة أن ~~تسبب مثل ذلك الشقاق بينها وبين أهل زوجها استنادا على اختلاق ms68 خادمة ~~حقيرة، وإذا رأت الزوجة أن في البيت خادمة كثيرة الكلام قليلة الحياء؛ ~~فلا بد من صرفها بأسرع ما يمكن؛ لأن إبقاء خادمة هذه صفاتها قد يؤدي ~~إلى انفصام عروة المودة بين الزوجة وزوجها، وبين الرجل وأهله، ولو فرضنا ~~أن الزوجة سلمت من حبائل هؤلاء البنات؛ فإنها إذا تدفقت معهن في ~~الحديث ورفعت الكلفة من بينها وبينهن رأت في سلوكهن وأقوالهن ما لا ~~ترضاه. # وهي - كذلك - إذا بقيت طول يومها تعنفهن وتسبهن وتلومهن جعلت ~~بيتها عرضة للاضطراب والارتباك؛ فخير وسيلة لمعاملة الخدم والانتفاع ~~بهم مع اتقاء شرهم أن تظهر ربة المنزل للخادم أو الخادمة خطأها ~~إذا لحظت عليها ذلك، وترشدها إلى طريق الصواب، فإذا عادت الخادم إلى ~~الخطأ وجب على السيدة توبيخها بلطف، أما إذا لحظت السيدة خطأ لا يستحق ~~الذكر؛ فالواجب في مثل هذه الحال إغفاله وغض الطرف عنه. # ويجب على المرأة العاقلة أن تكون شفوقة القلب على خدمها؛ لضعفهم وفقرهم، ~~وأن تظهر أمامهم بمظهر الحاكم الشديد الذي لا يرحم إذا رأى اعوجاجا، ولا ~~يظلم إذا رأى استقامة، ولا مانع من تعضيد الخادم بالمال في وقت الحاجة، ~~ولكن لا بد أن يكون ممن يستحقون المساعدة والإحسان. ~~(5) عيوب المرأة # عيوب المرأة خمسة: العصيان، والشره، والغيبة، والغيرة، ~~والرعونة، ولا ريب في أن هذه الصفات أو بعضها لاصقة بأغلب النساء، ~~وهذه النقائص هي التي سببت نقص الإناث عن الرجال، وجعلت الرجال ~~قوامين على النساء؛ فمن تربت تربية حسنة ورأت في نفسها كل تلك ~~العيوب أو بعضها؛ فعليها أن تسعى جهدها في علاج نفسها بأن تحاسبها على ما ~~تقترف من الذنوب. # ولا ريب في أن رأس تلك المعايب: النقيصة الخامسة، وهي الرعونة؛ لأنها إذا ~~كانت متمكنة من امرأة حجبت عنها النور والضياء، وأعمتها عن واجباتها؛ ~~فتصبح ولا فرق عندها بين ما يستحق الشكر وما يستدعي اللوم والتأنيب، وقد ~~تنال الرعونة من بعض النساء أكثر من ذلك، فيصبحن عاجزات غافلات عما ~~يجلبنه بأعمالهن لأزواجهن من الهموم والمصائب. # ومن نكد الرعونة على المرأة أنها إذا ms69 سبت الأبرياء، وحقدت على ~~الأصدقاء، وأثنت على شخصها واغتابت غيرها لا تدري أنها عدوة نفسها، ~~وأنها وحدها جديرة باللوم والتعنيف، وقد تسبب هذه الرعونة تساهل ~~المرأة في تربية أولادها؛ فيشبون على عيوب تضرهم في حياتهم، فإذا ~~كبروا ونموا وعاشروا الناس وخالطوهم وامتزجوا بهم فطنوا إلى أن أمهاتهم ~~هن اللواتي جنين عليهم، وسببن بؤسهم وشقاءهم. ~~••• # قرأنا في أساطير الأولين أن عادات الأقدمين ترك المولود إذا كان أنثى ~~ثلاثة أيام على الأرض؛ رمزا إلى أنها أقل من الرجل، وأنها جديرة بأن ~~تكون خادمة وأن يكون سيدها. # فيجب على المرأة أن تجتنب الكبرياء ما أمكن، ولو كان في صفاتها ما ~~يستلزم الإعجاب، وإذا اقترفت ذنبا؛ فعليها أن تجتهد بما في وسعها في ~~التكفير عنه، وأن تحترس من الوقوع فيه وتعريض نفسها للوم والمذمة، ~~فإذا قامت المرأة بكل تلك الواجبات؛ فإنها بلا ريب تعيش في دارها مع ~~زوجها وأولادها عيشة راضية. ~~••• # أيها الآباء والأمهات، علموا هذه النصائح بناتكم منذ نعومة أظفارهن، ~~واقرءوها لهن وهن في المهد بدلا من الأغاني والأناشيد، وإذا شببن ~~فكلفوهن بنقشها على صفحات القلوب؛ فإنكم إذا زودتم بناتكم بتلك ~~الجواهر لدى أزواجهن كان ذلك أثمن وأفضل وأنفع من سائر الحلي والحلل ~~التي تفتخرون بها؛ لأن الثياب والجواهر تفنى وتذهب، ولكن تلك الجواهر ~~الحقيقة تبقى على الدوام سببا للراحة والسعادة المنزلية. ولله من قال: ~~«إن الرجل ينفق ألف ألف من الذهب في تجهيز ابنته للزواج ولا يدري كيف ~~يصرف مائة ألف في تعليمها وتهذيبها!» فليفقه الآباء والأمهات معنى تلك ~~الكلمات. ms70