######OpenITI# #META# URI: 1372MuhammadLutfiJumca.TarikhFalasifatIslam.Hindawi40948193 #META# Tags: philosophy :: history #META# ID: 40948193 #META# Title: تاريخ فلاسفة الإسلام: دراسة شاملة عن حياتهم وأعمالهم ونقد تحليلي عن آرائهم الفلسفية #META# AuthorID: 72703631 #META# Author: محمد لطفي جمعة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة وتمهيد‏ # 1 - الكندي‏ # 2 - الفارابي‏ # 3 - ابن سينا‏ # 4 - الغزالي‏ # 5 - ابن باجه‏ # 6 - ابن طفيل‏ # 7 - ابن رشد‏ # 8 - ابن خلدون‏ # 9 - إخوان الصفاء‏ # 10 - ابن الهيثم‏ # 11 - محيي الدين ابن العربي‏ # 12 - ابن مسكويه‏ # مقدمة وتمهيد‏ # 1 - الكندي‏ # 2 - الفارابي‏ # 3 - ابن سينا‏ # 4 - الغزالي‏ # 5 - ابن باجه‏ # 6 - ابن طفيل‏ # 7 - ابن رشد‏ # 8 - ابن خلدون‏ # 9 - إخوان الصفاء‏ # 10 - ابن الهيثم‏ # 11 - محيي الدين ابن العربي‏ # 12 - ابن مسكويه‏ # | تاريخ فلاسفة الإسلام # | تاريخ فلاسفة الإسلام # | دراسة شاملة عن حياتهم وأعمالهم ونقد تحليلي عن آرائهم الفلسفية # تأليف # محمد لطفي جمعة # | مقدمة وتمهيد # بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله وبعد ... # ترجع فكرة تأليف هذا الكتاب إلى نحو عشرين عاما مضت، منذ كنت أتلقى العلم في مدرسة ~~ليون الجامعة، وفي تلك المدينة الجميلة المطمئنة، دونت أوائل تلك الفصول، وقد صحبتني ~~الأماني و«الكراسات» في سائر أسفاري بين ليون وجنيف ولندن وفيرنزة (فلورنسا)، ومرت علينا ~~معا فترة الحرب العصيبة وأنا في صحبة هؤلاء الفلاسفة الاثنى عشر، ننهض تارة ونرجو رؤية ~~النور والضياء، وطورا نرقد في مثار النقع نسمع صدى صوت المدافع في الفضاء، إلى أن شاءت ~~الأقدار أن يلبس هؤلاء الحكماء المتقدمون ثياب الظهور في عالم الوجود المادي، فلم أشأ أن ~~أطيل حبسهم، فأسلمت بيدي تلك الأوراق، التي أصبحت في نظري «معتقة صفراء» دقيقة الجسم، ~~ضخمة البخار، وهكذا برز إلى عالم البعث والنشور اثنا عشر فيلسوفا من المشارقة والمغاربة، ~~وقد تدثر كل بالقباء أو المرقعة أو المسوح أو الدراعة أو الجبة التي تليق به لدى مثوله ~~بين أيدي قراء هذا الزمان. # فإلى الأمام أيها السادة الحكماء! ولا تعتبوا على هذا الضعيف، الذي ألجأكم إلى الخروج من ~~كهف الماضي السحيق، ودعاكم إلى الظهور بعد الخفاء في عالم الهدوء والسكون إلى عالم الجلبة ~~والضوضاء، فإن معظم أهل هذا الزمان لم يشرفوا بمعرفتكم، وسوف تقع أسماؤكم وألقابكم ~~وكناكم من أسماعهم وقع الشيء الجديد الغريب، وسوف يجادلون في حقيقة ms001 وجودكم، وفي قيمة ~~أفكاركم، وينكرون عليكم آراءكم التي بيضتم سواد ليالي أعماركم في تصورها وتحويرها، وتهذيبها ~~وتحريرها، وسوف يمر البعض بكم متعجبا من هؤلاء الفلاسفة المتقدمين الذين عاشوا وتأملوا ~~وفسروا الكون، وعللوا الحوادث قبل كانت، ونيتشه، وشوبنهور، وسبنسر، وستوارت ميل، ~~وأوجست كونت، ورينان، ولن يخطر ببال هؤلاء القراء المتعجبين أنه لولاكم، أيها الفلاسفة ~~الأعزة! من الكندي إلى ابن رشد، لم يكن لفيلسوف أوروبي حديث أن يظهر في عالم الوجود، وإنكم ~~أنتم الذين حفظتم تلك الشعلة المقدسة التي خلفها سقراط وأفلاطون وأرسطو، في مغاور الماضي ~~السحيق، وزدتموها نارا حتى أسلمتموها مضيئة وهاجة إلى فلاسفة أوروبا المحدثين، وكنتم ~~لتلك الشعلة الإلهية كراما حافظين. # على أن أقداركم لم تخف على علماء أوروبا وكتابها ومؤرخيها؛ فقد عني مئات من مؤلفي تلك ~~القارة السعيدة بالبحث عن آثاركم، وتدوين أخباركم، ونشر أفكاركم التي هي من أغلى وأثمن ~~الحلقات في سلسلة التفكير الإنساني، فحرصوا على مخطوطاتكم وبالغوا في رفع قيمتها، وفي السعي ~~لاقتنائها، ولم يضنوا بالمال والعمر والعلم في سبيل إحياء ذكركم، فاستفادوا من وراء بحثهم ~~وتنقيبهم وربحت تجارتهم! ولكن الذي أنكركم أو، على القليل، شك في وجودكم العقلي، وحط من ~~أقداركم هم أحفادكم وأخلافكم، وورثة حكمتكم وأخلق الناس بالمحافظة على ذكراكم وتمجيد ~~أعمالكم، وهم الذين يقرءون ويكتبون ويفكرون بتلك اللغة العربية التي دونتم بها كتبكم ~~الخالدة في بغداد ودمشق ومصر والمغرب، والأندلس، ويسأل هؤلاء الورثة الذين لا يستحقون تلك ~~التركة الثمينة: # هل لنا حقا أجداد في الفكر والعقل؟ # وهل لهؤلاء الأجداد قيمة في ميدان العلم الحديث؟ وأين كتبهم؟ # وما مكانتهم بين ظهراني الفلاسفة الذين نقرأ تراجمهم ونرى صورهم، ونعثر بشذور من أقوالهم ~~في الكتب والمجلات والصحف؟ # ولأجل الإجابة على هذه الأسئلة الثلاثة ألفت هذا الكتاب؛ للتدليل على فضل هؤلاء ~~المتقدمين، ولتعيين مكانتهم على حقيقتها بين فلاسفة العالم، ليعلم المرتاب والمتردد ~~والمقلد أن تلك المدنية العظيمة التي ظهرت في الوجود منذ أربعة عشر قرنا، لم تكن مدنية ~~حرب وطعن ومادة، بل كانت مدنية عقل وعلم وفكر عميق، ms002 وأن تلك المدنية التي نشأت في قلب ~~الصحراء ونشرت أجنحتها إلى أقاصي الصين شرقا وأقاصي أوروبا وأفريقيا غربا، لم تكن مدنية ~~السيف والمدفع بل كانت مدنية القلم والقرطاس والكتاب، وأن عقيدة هؤلاء الفلاسفة لم تمنعهم ~~من الدرس والبحث والتنقيب عن الحقيقة. # بل إن تلك العقيدة نفسها هي التي استحثتهم على السير في جميع دروب الفكر البشري، فكانت ~~الحقيقة ضالة كل منهم ينفق العمر والمال والفكر في اقتفاء أثرها، ويلتقطها أنى وجدها، وإن ~~هؤلاء الأقوياء من أصحاب التيجان والعروش بذلوا أنفس وأعز ما كان لديهم من المال والجاه ~~والنفوذ في إيجاد الفلسفة في بلاد الشرق العربي والغرب الإسلامي، وإن من حث على العلم هو ~~تلك العقيدة التي ظهرت في الصحراء على لسان (محمد) وأول من شجع على نشر الحكمة هم هؤلاء ~~الخلفاء والملوك من الغزاة، والمجاهدين من ذوي قرباه وخلفائه وصحابته والتابعين. # وأجدر الناس بتفهم هذا القول هم الفريق الذي ظهر في الزمن الأخير بمظهر تحقير الفكر ~~الشرقي الإسلامي، والحط من أقدار رجاله المتميزين، والطعن على علومهم وآدابهم وحكمتهم، ~~والانتقاص من آثارهم التي كانوا بها يهتدون؛ فهذا الفريق من الخلق يعمل على هدم آثار السلف ~~الصالح في العقل والفكر بمعول التعصب الذميم والمنفعة المادية، وإلا فكيف يستبيح أديب أو ~~أريب أو عالم أن يقلل من قيمة أسلافه في الثقافة الإنسانية؟ وهل استباح كاتب أوروبي، من ~~الذين يدعي هؤلاء الناس تقليدهم، لنفسه الحط من قدر أسلافه في العلم والفلسفة لمجرد ~~قدمهم ومضي الأجيال الطويلة على اختفائهم من عالم الوجود المادي؟ # بل الأمر على النقيض؛ إذ نرى النوابغ من الكتاب والمؤلفين يعملون أبدا على إحياء سير ~~الأقدمين والإشادة بذكرهم، ونشر كتبهم وتزيينها وشرحها وتفسيرها، ومحاولة رد معظم الفضل في ~~الحياة العقلية الحديثة إليهم، ولا يوجد فيلسوف أوروبي لم يكن له «مثل أعلى» من هؤلاء ~~الحكماء الأقدمين يحذو حذوه وينسج على منواله، ويستضيء بنوره، وهم دائما دائبون على إحياء ~~أعياد موالدهم، وتخليد ذكر أيامهم الكبرى بظهور مؤلفاتهم وعرفان جميلهم وفضلهم على ~~الإنسانية. # ومن هؤلاء ms003 القوم فريق يدعي أنهم مجددون ويذمون كل قديم لمجرد قدمه، ويتهوسون بعبادة ~~كل جديد لمجرد جدته، على أنهم لو عقلوا لعلموا أن من لا قديم له لا جديد له، وأن الشرف ~~والنبل يرجعان إلى عراقة الأصل، وأن أفخم البنيان يشاد حتما على أمتن أساس، فكيف يكون لهم ~~عماد دون أن يتصلوا بآثار الأجداد والأمة التي لا ماضي لها ليس لها حاضر ولا مستقبل؟ # على أننا لا نعتبر «الإسلام» في تسمية هذا الكتاب الضئيل دينا أو عقيدة حسب، بل نعتبره ~~مدنية كاملة شاملة، حافلة بكل معاني الحياة العقلية والثقافة الأدبية، وعلى هذا القياس ~~الصحيح يكون الفلاسفة الإسرائيليون والمسيحيون بل أحرار الفكر ممن نشئوا وترعرعوا في كنف ~~المدنية الإسلامية حكماء إسلاميين بحكم الفكر الوسط والثروة العقلية المشتركة، وعلى هذه ~~الخطة الحكيمة سار الخلفاء العباسيون والأمويون والفاطميون في المشرق والمغرب، فقربوا ~~الكتاب والمفكرين والأدباء من غير المسلمين ودونوا لهم الدواوين، وقلدوهم أسمى مناصب ~~الدولة، وهؤلاء الخلفاء العظماء شرحوا صدورهم وفتحوا قصورهم للفلاسفة من أهل سائر الأديان، ~~بينما كان أباطرة وملوك وأمراء غيرهم في ممالك أخرى يصلبون ويعذبون ويشنقون ويحرقون رجالا ~~ثبتت لهم العبقرية في الفكر والزعامة في العلم فيما تلا من الأيام. # وسوف يجد القارئ بين دفتي هذا الكتاب فصلا مسهبا في الصوفية بمناسبة ترجمة الشيخ «محيي ~~الدين ابن العربي» الذي قد يتردد بعض المؤلفين في وضعه في صف الفلاسفة، على أنهم لا يترددون ~~في عد الغزالي فيلسوفا لمجرد كتابته في الفلسفة، بغض الطرف عن الغاية التي كان يقصد ~~إليها، على أن ابن العربي أحق بوصف الفيلسوف من الغزالي؛ لأن التصوف نوع من الفلسفة إذ هو ~~يرسم خطة للحياة الإنسانية، وصاحبه يبحث عن الحقيقة ويسعى في حل لغز الحياة وتفهم أسمى ~~أسرار الكون، ولا تخرج الفلسفة في أكمل معانيها عن حدود هذه الغايات، فضلا عن أن ابن ~~العربي تفرغ لمباحثه وأخلص فيها ودقق وحقق، وأمعن وتعمق، ووقف حياته ووجوده على غرض واحد ~~لم يتعده، وقد بلغ فيه درجة من أسمى الدرجات، بل إن ms004 الكتاب الوحيد الذي اشتهر به سيدنا حجة ~~الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي - وهو «إحياء العلوم» - يعد في نظر الكثيرين من الأخصائيين ~~في الدرجة الثانية بالنسبة لكتاب «الفتوحات المكية» تأليف ابن العربي، وقد كانت لمحيي الدين ~~شخصية مدركة متميزة، سادت تاريخ التصوف الإسلامي الحديث؛ لأنه المحيي غير مدافع، والشيخ ~~الأكبر دون منازع عند أهل السنة من العرب والترك، وعند أهل الإمامة من الفرس. # ولما كان العرب واليهود فرعين لدوحة واحدة هي الدوحة السامية، والشعبان متفقين أصلا ~~ومدنية وتاريخا، ويكاد اللسانان العربي والعبراني يتحدان، ولولا ما امتازت به اللغة ~~العربية من ظهور لهجة قريش وقدرتها على الحياة كانت مناحي الفكر لديهما متحدة. # بيد أن الفرق بين الشريعتين الموسوية والمحمدية، قد ظهر ظهورا جليا في قابلية كل ~~منهما في البحث الفلسفي، وقد ظهر في كل عهد من العهود نوابغ إسرائيليون يعدون في مقدمة ~~الشعوب التي ينتمون إليها وطنا لا عقيدة، وفي عصرنا هذا عبقريون، منهم أحياء ومنهم من قضى ~~نحبه، أمثال: «كارل ماركس» و«أينشتين» و«برجسون» وعشرات لهم في عالم الفكر البشري ذكر ~~باق. # وقد حصر حكماء بني إسرائيل همهم في العصور الأولى لظهور ملتهم في التهديد والوعيد وتعليم ~~الحكمة الربانية، وقالوا بوحدانية الله ووحدة خلقه ووحدة سائر الكائنات، فكان بحثهم قاصرا ~~على الذات، ولم يتعد إلى الصفات التي يعتبرها فلاسفة الإسلام مظاهر للذات، ولم يتجه نظر أحد ~~من هؤلاء الحكماء إلى البحث في علم النفس البشرية وحقيقتها، فكأن فلسفتهم كانت عبارة عن ~~الاعتقاد المطلق بالله بدون بحث علمي أو طريقة فلسفية، مع أن مصادر العلوم الربانية ~~والنفسانية كانت متوافرة لديهم في كتب الهنود والإغريق. # لم يعرف فلاسفة اليهود علم المنطق، ولم يسلكوا سبيل البراهين والأدلة والحجج، أو أنهم ~~عرفوه ولم يلجئوا إليه واكتفوا في تأييد آرائهم بالإسناد إلى الوحي. # أما عن نظرية الخير والشر في الحكمة الإسرائيلية، فقد قال فلاسفة اليهود: «إن الله سبحانه ~~هو خير محض، ولا يصدر عنه إلا الخير.» وأثبتوا ذلك أو حاولوا إثباته بما ورد في الكتاب ~~المقدس. أما ms005 الشر فقالوا: «إنه من صنع البشر، وإنه ثمرة لتغلب المادة على العقل أو انتصار ~~مبدأ المادة على مبدأ العقل.» وقد نسبوا الشر للإنسان خشية أن يؤدي بهم الكلام فيه إلى ~~الخروج، وقد أدت بهم نسبة صدور الشر إلى الإنسان إلى القول بأنه حر في إرادته وتصرفاته، ~~ويجب عليه أن يجعل أعماله منطبقة على مبدأ الخير الأسمى؛ لئلا يقهره المبدأ المادي فيصير ~~أسيرا للشر، وهذا هو مبدأ حرية الإرادة المعروف لعهدنا هذا باسم # Libre ~~Arbitre # أو مبدأ الخيار في الحياة، باعتبار الإنسان مخيرا لا مسيرا ~~أن مبدأ الخيار في الحياة لم يظهر في الفلسفة الحديثة إلا بعد تطاحن أجيال في العقائد ~~والأفكار، ولكن اليهود لم يكلفوا أنفسهم مشقة البحث، بل استندوا إلى نصوص من الكتاب المقدس ~~(التوراة)، حيث جاء بقول صريح على لسان الله في مخاطبة الإنسان: # انظر! قد جعلت اليوم قدامك الحياة والخير، والموت والشر. # ومعظم هذه الحال راجع إلى مزاج النفس «السامية»، التي صدق (رينان) كثيرا في وصفها في عرض ~~كلامه في كتابه الممتع في «تاريخ اللغات السامية». # والمشاهد عند حكماء اليهود، الذين لا يمكن أن نطلق عليهم اسم الفلاسفة، أنهم كانوا إذا ~~اقتربوا من النظريات الفلسفية المحضة يرجعونها إلى دائرة الدين، ويجعلون الحكم فيها وعليها ~~فوق مدارك العقل البشري. # ونجد هذه الحال ممثلة أجلى تمثيل في سفر أيوب، من أسفار «العهد القديم»؛ إذ اجتمع ~~الحكماء، وأخذوا يبحثون في مسألة العناية الإلهية والقضاء والقدر، فظهر الله في عاصفة لأيوب ~~وأظهر له قصر المدارك البشرية عن الوقوف على أسرار الطبيعة، ورفع الستار عن وجه الحقيقة، ~~واكتناه حكمة القضاء، ووجوب خضوع الإنسان بعد إقراره بعجزه لله والتسليم بإرادته؛ مما يؤدي ~~بتوجيه القضايا الفلسفية نحو جهات الاعتقاد. # بيد أن امتزاج اليهود بأهل بابل والفرس والكلدان ساعد على تأثر الحكمة الإسرائيلية بأفكار ~~وعقائد هؤلاء الغزاة الذين هم من جنس (آري). # فإن الفرس يقولون بوحدانية الله، ويبغضون الوثنية كما ورد في كتابهم (الزندافستا). على أن ~~الفرس، وإن كانوا من جنس آري، فإن آسيويتهم (نسبتهم ms006 إلى آسيا) تغلبت على آريتهم، فلم يبلغوا ~~من الفلسفة شأوا يستفيض منه نور على عقول حكماء بني إسرائيل، فبقيت كتب هؤلاء بعد تقربهم ~~وامتزاجهم بالفرس خالية من المباحث النظرية وما وراء الطبيعة خلوها من ذلك من قبل. # وما زال اليهود على ذلك الجمود الفلسفي والاكتفاء بالبقاء في دائرة الدين إلى أن تغلب ~~اليونان على سوريا، وانتشرت فيها فلسفتهم وآدابهم، فأدركت اليهود الغيرة من علو كعب فاتحي ~~بلادهم في المباحث التي لم يطرقوها، على أنهم لم يجرءوا على البحث الحر الصريح القوي، بل ~~عادوا إلى الكتب المقدسة يشرحونها، معتمدين في ذلك على بعض مبادئ الأفلاطونية المستحدثة ~~التي كانت مزهرة في الإسكندرية، فلم يتعدوا أفكار فيثاغورس وأفلاطون. # وقد أدخل بعض حكمائهم في روعهم أن لعقائد بني إسرائيل أثرا في تكوين آراء أكابر الفلاسفة ~~اليونان أمثال فيثاغورس وأفلاطون وأرسطوطاليس؛ لأنهم في زعمهم مروا في أسفارهم على بلاد بني ~~إسرائيل وأخذوا العلم والحكمة عن حكمائهم. # وكان بين طوائف اليهود طائفة تشبه الصوفية عند المسلمين، وهم الذين نبغوا من الفريسيين، ~~وكان مذهبهم القول بالمبادئ والآداب والفعل بها، كالزهد والعفة والتقشف والتقوى، ونبغت ~~طائفة أخرى، وهي الصدوقية، لكنها شطت وجمحت، فأنكر ذووها خلود النفس، وتدخل العناية الإلهية ~~في أعمال البشر، معتمدين في هذا الإنكار على أنه ينافي نظرية الاختيار الإنساني. # ونشأت من فرقة الصدوقية فئة اسمها الأسينية (من المواساة والطب)، وقد جعلوا فلسفتهم نوعا ~~من الاشتراكية، وعاشوا بمقتضى مبادئهم، كتبادل الحب بين الأفراد، وبغض الملاذ، والتغلب على ~~هوى النفس، واحتقار الغنى، ولا يزال في أرض فلسطين إلى الآن وقبل ظهور «الصهيونية» بمظهرها ~~الأخير في ظلال نظرية «الوطن القومي»؛ مستعمرات إسرائيلية تسير على مبدأ تلك الفرقة، بعد أن ~~عفت آثارها، وانقطعت أخبارها إلا من الكتب. # وقد قاسى اليهود من الظلم والاضطهاد في عهد الرومان والقرون الأول من العصر الديني ~~الأوروبي؛ ما أضعفهم وأطفأ شعلة ذكائهم، فانصرفوا إلى المجادلات الدينية والمجاهدة في سبيل ~~البقاء في أقطار العالم، بعد أن ذهبت دولتهم وتشتت شملهم وفقدوا عاصمة ملكهم؛ لذا تجد ms007 ~~(المشنة) و(التلمود) خاليين من الأبحاث الفلسفية أو الكلام فيما وراء الطبيعة. # وما زال اليهود كذلك من الجهة العقلية حتى نزحوا إلى بلاد العرب قبل الإسلام، فطابت لهم ~~الإقامة في الجزيرة العربية في عهد الجاهلية، وتوافرت بينهم وبين تلك القبائل أسباب الألفة ~~لما بين اليهود والعرب من روابط الجنس السامي، واللغتين العربية والعبرانية اللتين هما من ~~فصيلة واحدة. ~~••• # ولما ظهر الإسلام لم تكن وطأته ثقيلة على اليهود فانتعشوا، وانصرف فريق منهم إلى الاشتغال ~~بالعلم والأدب، ثم علا نجمهم في صدر الإسلام؛ إذ أصبح كثير من نابغيهم موضع ثقة الخلفاء ~~وعنايتهم، أمثال سعيد بن يعقوب الفيومي وصموئيل بن حفني. # وكان سعيد بن يعقوب الفيومي المذكور، ويعرفه اليهود باسم سعدية بن يوسف المصري، رئيس ~~مدرسة (سورا) القريبة من بغداد، وهو أول من ألف من اليهود كتابا باللغة العربية ونشره في ~~موضوع العقائد والعقليات، ومحور هذا الكتاب - الذي يعد فتحا جديدا لليهود، كما يعد ~~دستورا لفرقة الربابنة وأصحاب التلمود - وجوب اتباع أحكام العقل في العقائد وجواز فحص ~~القضايا الدينية؛ لأن العقل الصحيح خليق بأن يرشد صاحبه إلى الحقائق التي ينقلها الوحي إلى ~~أصحاب النبوة، وأن تعليل الوحي هو الرغبة في وصول الإنسان بسرعة إلى إدراك الحقائق العليا، ~~التي لو ترك البحث فيها للعقل وحده لاحتاج في الوصول إليها وإدراكها عناء عظيما وزمنا ~~طويلا. # ونحن نعد سعيد بن يعقوب هذا من فلاسفة الدنيا بحق، ولكنه لم يعش حتى يدرك ازدهار الفلسفة ~~العربية في بلاد الأندلس، التي كان من أثرها في يهود إسبانيا أنفسهم، أنهم ثاروا على مدرسة ~~(سورا) وأرادوا أن يستبدلوا بها مدرسة جديدة يجعلونها في قرطبة؛ وطن ابن رشد، ويلقنون فيها، ~~على أيدي رجال من خيار علمائهم، العلوم والفلسفة وفنون الأدب، التي أهملها يهود ~~الشرق. # فقامت تلك المدرسة في قرطبة فعلا، وأمها الطلاب من كل فج عميق، ونبغ منها بعض ~~الأساتذة الذين ألفوا في فلسفة المشائين اليونانية، ولا تزال بعض كتبهم في مكاتب أوروبا، ~~ولخليفة عبد الرحمن الثالث معظم الفضل في نفع هذه المدرسة ms008 وتعظيم شأنها. # ومن فطاحل من نبغ في هذه المدرسة، وقد ورد اسمه مرارا في هذا الكتاب، وفي كتاب الأستاذ ~~الإسرائيلي «منك» الحكيم موسى بن ميمون المعروف عند كتاب الإفرنج بميمونيد، وهو من أهل ~~القرن الحادي عشر للمسيح، ويرجع الفضل في تثقيفه وتهذيبه إلى حكماء العرب، بل إنه نسج على ~~منوالهم في رغبته في الجمع بين فلسفة أرسطوطاليس والشريعة الموسوية مع إخضاع النظر لأحكام ~~العقل والمنطق، وقد اضطهد المسيحيون الإسبان هذا الحكيم الإسرائيلي فيمن اضطهدوا من اليهود ~~بعد زوال دولة العرب، فلجأ إلى مصر في عهد السلطان المجاهد فخر الإسلام صلاح الدين ~~الأيوبي، فعرف قدره وقربه وجعله طبيبه الخاص، ولا غرابة فإن هذا الحكيم كان يسمى موسى ~~الثاني أو أفلاطون اليهود. # لقد اعتبر كثير من علماء المشرقيات دين الإسلام مدنية ذات يقظة ونهضة ووثوب، بدأت بظهور ~~الإسلام ونمت في ظل فتوحه واستكملت قوتها بعد أن شملت كثيرا من شعوب الشرق والغرب؛ هذا لأن ~~الكتاب المنزل على أفصح العرب لم يكن كتاب دين حسب، بل إنه كان مصدرا ومرجعا لنحو ~~ثلاثمائة علم في الشرع، واللغة، والتاريخ والأدب، والطبيعة، والفلك، والفلسفة، وغيرها. ~~ومعظم تلك العلوم نشأ من القرآن نفسه واستنبطه العلماء من نصوصه، وكثير منها تولد خدمة ~~للقرآن ويسمي هذا النوع من العلوم «وسائط» أو «وسائل». # وقد كان لذلك الكتاب أثر شديد في أصحابه، وقد شمل شريعة، وقانونا، وأنظمة سياسية ~~واجتماعية ومدنية، وشيء من هذا لم يوجد في كتاب سواه، بل إن غيره من الكتب ينطوي على تعاليم ~~لمصلحة الحياة الآخرة. # وكثير جدا من نصوص الكتاب المنزل على أفصح العرب يحث أصحابه على طلب العلم والنظر ~~والتأمل والتفكير في خلق السماوات والأرض، وأنظمة الكواكب والأجرام العلوية، واختلاف الليل ~~والنهار، وتغير الرياح، وعجائب البحار، ومعجزة خلق الإنسان وتطوره وتميزه بالعقل والإدراك، ~~وتفضيله على سائر الكائنات، وتسخير الجماد والنبات والحيوان لخدمته فيما ينفعه ويرقي شئونه ~~في سائر ناحيات الحياة المادية والأدبية، عدا عما ورد في هذا الكتاب من حوادث التاريخ ~~وأخبار الأمم البائدة والباقية، فكان ms009 من المحتم أن تتفتح أذهان تلك الأمم التي انتحلت هذه ~~العقيدة، واهتدت بهدي كتابها. # وفي معترك تلك الحياة الغنية بالفكر والعلم والتأمل وتنازع البقاء بين القديم والجديد؛ ~~ولدت الفلسفة الإسلامية، فكان الفرق بين اليونان والعرب أن اليونان تفلسفوا في وثنيتهم، ~~فلما دانوا بدين منزل - هو المسيحية السمحاء - زالت فلسفتهم وانقرض حكماؤهم؛ لشدة ~~المعارضة بين عقيدتهم الجديدة والفلسفة، أما العرب فقد كانوا في جاهليتهم ووثنيتهم أبعد ~~الناس من الفلسفة مع معاصريهم لليونان من أقدم الأزمنة، فلما جاءهم الكتاب المنزل على أفصح ~~العرب أخرجهم من ظلمات الجاهلية والوثنية ومن دياجير الجمود الفكري أيضا، وحثهم على الدرس ~~والبحث والنظر، ومهد لهم سبيل الفلسفة. # وانقضى القرن الأول وثلث القرن الثاني من صدر الإسلام في الاستعداد والتجهيز إلى أن جاء ~~العصر العباسي الأول، الذي يعد العصر الذهبي للإسلام، وقد دام مائة عام من 132ه إلى 232ه، ~~وفي هذا العصر الذهبي بلغت دولة الإسلام قمة مجدها في المدنية والغنى والسيادة، وفي تلك ~~المائة نشأ معظم العلوم الإسلامية، ونقلت العلوم الأجنبية إلى اللغة العربية، وكانت بغداد ~~في ذلك العهد أشبه بباريس في عهد لويس الرابع عشر، فكانت قصور الخلفاء آهلة بالعلماء ~~والأطباء والأدباء والشعراء، وكانت سيادة العباسيين على العالم الإسلامي شاملة سائر ~~الأقطار، وكانت أوروبا في ذلك الوقت - وهو النصف الأخير من القرن السابع والنصف الأول من ~~القرن الثامن - في غيابة الجهل والوحشية؛ حتى أن مؤرخي أوروبا أنفسهم يسمون هذا العصر وما ~~سبقه وما لحقه بالقرون المظلمة # The Dark Ages ~~. # على أن نهضة الإسلام لم تكن قاصرة على الأمم التي اعتنقت هذا الدين، بل كانت النهضة شاملة ~~للشرق كله، كأن المبعث هز أركان ذلك الجزء من الكرة الأرضية، فهب من سباته الذي مضت عليه ~~الأجيال المتراكمة، وأخذ ينفض عن نفسه غبار خمول الأجيال السابقة، فنهض الفرس والترك ~~والتتار والهنود، حتى أهل الصين واليابان فإنهم هبوا للإصلاح الأدبي في أثناء ذلك العصر ~~العباسي أو بعده بقليل، فكانت حركة الإسلام كهزات الزلازل تسير في مناطق معينة وتنتقل في ~~دوائر ms010 محدودة، ولا يزال مؤرخو الآداب الصينية يذكرون نهضة فحول شعرائهم في القرنين التاسع ~~والعاشر للمسيح، في عهد إمبراطورهم ابن السماء «تنغ»، واشتغل اليابانيون في ذلك العصر أيضا ~~بتهذيب اللغة اليابانية وتنظيم الآداب الاجتماعية، وظهرت فيهم عبقرية الفنون، فكان منهم ~~الشعراء والأدباء والمصورون والمثالون. # وهكذا ما فتئ المشرقان الأقصى والأدنى يتأثران بحركة النهضة التي تظهر في أحدهما فيكون ~~لها صدى في الآخر، وما صدق على القرن التاسع المسيحي، صدق أيضا على نهضة القرن التاسع عشر ~~في الشرقين الأقصى والأدنى. # ومن مميزات هذا العصر العباسي اشتغال الخلفاء والأمراء بالعلم والأدب، وأخبار المنصور ~~والرشيد والمأمون وأقاربهم ووزرائهم وشعرائهم تملأ كتب الأدب والتاريخ العربي، فكان من ~~حياتهم أعظم دافع لاشتغال الرعية بطلب العلم والنبوغ فيه. # ومن مفاخر هذا العهد إطلاق الفكر من قيود التقليد، حتى تعددت البدع وتفرقت الفرق وكثرت ~~النحل، وكان أكثر الخلفاء تسامحا في الدين، المأمون الذي بلغ به تسامحه أنه انتصر للمعتزلة ~~في القول بخلق القرآن. وكانت الأفكار، من حيث الدين، مطلقة الحرية لا يكره الرجل على معتقد ~~أو مذهب، وقد اجتمع ستة إخوة «لأبي جعد»: اثنان منهما يتشيعان، واثنان مرجئان، واثنان ~~خارجيان، وكلهم تحت سقف واحد. # أما الخلفاء الذين اهتموا بنقل العلوم الأجنبية أو الدخيلة من اليونانية والفارسية ~~والسريانية والهندية فهم: المنصور وكان اهتمامه بالفلك والطب، والرشيد ونقل في أيامه كتاب ~~«المجسطي» في الرياضيات، ثم المأمون وهو الذي اهتم بنقل الفلسفة والمنطق بصفة خاصة وسائر ~~العلوم بصفة عامة، وقد بلغت الكتب التي نقلت في ذلك العصر مئات، أكثرها من اليونانية منها: # 8 في الفلسفة والأدب لأفلاطون. # 19 في الفلسفة والمنطق لأرسطو. # 10 في الطب لأبقراط. # 48 في الطب لجالينوس. # 20 (وأكثرها في الرياضيات والفلك) لإقليدس وأرخميدس وبطليموس وغيرهم. # 20 من الفارسية في التاريخ والأدب. # 30 من اللغة السنسكريتية في الرياضيات والطب والفلك والأدب. # 20 عن السريانية والنبطية، في الفلاحة والزراعة والسحر والطلاسم. # 20 عن اللاتينية والعبرانية في مختلف العلوم والآداب والفنون. # أما الذين نقلوا تلك العلوم من اللغات الأجنبية إلى ms011 العربية فهم: ~~(1) # آل بختيشوع من أولاد جرجيوس بن بختيشوع السرياني النيسطوري، طبيب الخليفة ~~المنصور. ~~(2) # آل حنين، سلالة حنين بن إسحاق العبادي شيخ المترجمين، وهو من نصارى ~~الحيرة. ~~(3) # حبيش الأعسم الدمشقي ابن أخت حنين. ~~(4) # قسطا بن لوقا البعلبكي من نصارى الشام. ~~(5) # آل ماسرجويه اليهودي السرياني. ~~(6) # آل ثابت الحراني من الصائبة. ~~(7) # أبو بشر متى بن يونس. ~~(8) # يحيى بن عدي. ~~(9) # اسطفان بن باسيلي. ~~(10) # موسى بن خالد. # وهؤلاء نقلوا العلوم من اليونانية والسريانية إلى العربية. # أما نقلة العلم من الفارسية إلى العربية فهم: ~~(1) # ابن المقفع. ~~(2) # آل نوبخت، وكبيرهم نوبخت وابنه الفضل. ~~(3) # موسى ويوسف ولدا خالد. ~~(4) # علي بن زياد التميمي. ~~(5) # الحسن بن سهل. ~~(6) # البلاذري أحمد بن يحيى. ~~(7) # إسحاق بن يزيد. # ومن الذين نقلوا عن اللغة السنسكريتية: ~~(1) # منكه الهندي. ~~(2) # ابن دهن الهندي. # ومن الذين نقلوا من اللغة النبطية: ~~(1) # ابن وحشية، نقل كتبا كثيرة أهمها كتاب «الفلاحة النبطية». # وظاهر مما تقدم أن المسلمين في عصرهم الذهبي نقلوا إلى لسانهم معظم ما كان شائعا من ~~العلم والفلسفة والطب والفلك والرياضيات والآداب، واتخذوا عن كل أمة أحسن ما لديها، ولكنهم ~~اختاروا من اليونان فلسفتهم، وتركوا آدابهم وفنونهم، لأسباب يطول شرحها، ووفيناها حقها من ~~البحث في كتابنا «الشهاب الراصد» ص160 وما بعدها، عند الكلام على المقارنة بين العرب ~~واليونان والرومان. # وقد كانت تلك المؤلفات التي نقلت إلى اللغة العربية هي النواة التي نبتت ونمت، ثم أزهرت ~~وأثمرت وأتت بأطيب الفوائد للمسلمين وغيرهم ممن اندمجوا في مدنيتهم خلال الأربعة عشر قرنا ~~منذ ظهر الإسلام إلى الآن. # كان العصر العباسي الأول عصر الغرس وبذر البزور، فجاء العصر الثاني للحصاد وجني الثمار، ~~ويجدر بنا أن نرد الفضل إلى ذويه ونعترف بسرور وعن طيب خاطر بأن الذين اشتغلوا بنقل العلم ~~والفلسفة في العصر العباسي الأول كان معظمهم من أدباء أهل الكتاب من غير المسلمين، فلما تم ~~النقل تقدم المسلمون إلى العمل، فكان أسبقهم يعقوب بن إسحق الكندي، الذي بدأنا بترجمته في ~~مفتتح هذا السفر الضئيل، وهو من أبناء القرن الثالث الهجري. # ومن عجيب الاتفاق ms012 أن هذا العصر العباسي الثاني كان زمنه مائة سنة كسابقه، تبدأ بآخر الثلث ~~الأول من القرن الثالث الهجري، وتنتهي بانتهاء الثلث الأول من القرن الرابع الهجري. ثم بدأ ~~العصر العباسي الثالث (334-474ه) وهو عصر ابن سينا وإخوان الصفا والغزالي. # وفي العصر العباسي الرابع انتقلت تلك العلوم الدخيلة إلى بلاد الأندلس، وذلك بعد ظهور ~~رسائل إخوان الصفا بمائة عام، وكان الفضل في ذلك لأبي الحكم عمرو بن عبد الرحمن الكرماني ~~القرطبي، الذي رحل من الأندلس إلى المشرق في طلب العلم وعاد إلى بلاده حاملا نسخة من تلك ~~الرسائل، فتعلق الأندلسيون بالفلسفة وأحبوها، واستغرقوا في درسها وقاسى بعضهم الشدائد في ~~سبيلها، كما هو مفصل في كلامنا على ابن رشد، وفي تلك البلاد ظهر ابن باجه، وابن طفيل، وابن ~~رشد، وابن خلدون، وغيرهم من الفلاسفة والحكماء والأطباء والرياضيين والفلكيين والكيميائيين ~~ممن ملأت شهرتهم الخافقين. # وبانقضاء دولة الإسلام في الأندلس قضي على الفلسفة أيضا، ولم تقم لها بعد في ممالك ~~الإسلام قائمة، إلى أن ظهر محمد جمال الدين الحسيني الأفغاني المتوفى في آخر القرن ~~الماضي. # ومما هو جدير بالذكر أن ظهور الفلسفة ونموها كان تابعا لقوة الدين الإسلامي وشدة بأسه ~~وسعة انتشاره، فلما ضعفت العقائد الدنية ضعفت المباحث العقلية التي كانت تستدعيها تلك ~~العقائد، فكأن دين الإسلام بضد غيره من الأديان، كان يغذي الفلسفة ويقويها ويشد أزرها، وقد ~~لاحظ الأستاذ «رينان» في بعض مؤلفاته هذه الظاهرة العجيبة، وهي هبوط الفلسفة في أوروبا كلما ~~قويت شوكة الدين، وانتعاش الفلسفة بعد ذلك عقيب تدهور العقائد الدينية في أوروبا. # فإن الفلسفة الأوروبية الحديثة لم تر نور الشمس إلا في القرن السابع عشر، ومن بعد أن ~~تحللت قيود المسيحية السمحاء، واندثرت معالم المظالم التي كانت تتحفز للقضاء على كل مفكر ~~حر، وما حدث في إسبانيا عن يد محاكم التفتيش، وفي إيطاليا ضد «جاليله» وأمثاله، بل في ~~سويسرا البروتستانتية؛ حيث أمر «كالفن» الشهير بإحراق وإعدام العالم «ميشيل سرفيه» بعد طول ~~التعذيب والسجن، وكانت جريمته في نظر «كالفن» أنه سبق ms013 «هارفي» الإنجليزي إلى اكتشاف الدورة ~~الدموية في جسم الإنسان. # فظن «كالفن» أن في ذلك ما يخالف الدين، فنكل به ما شاء فسامحه (!؟) ولم يجد أبناء الأجيال ~~الحاضرة وسيلة للتكفير عن ذنب إمامهم الورع «كالفن» سوى نصب تمثال من المرمر في قرية ~~(أنماس) على أبواب جنيف، يمثل ذلك العالم الطبيعي «مشيل سرفيه» مقيدا بسلاسل السجن ~~ومتدثرا بثياب بالية وقد دب في كيانه البدني دبيب النحول والهزال، بعد أن أصبح فريسة لليأس ~~والألم ولذعات القمل! # لقد كانت الفلسفة من قديم الزمان مقيدة بالنظم التي وضعها المعلم الأول «أرسطو» وهي: ~~المنطق، والأخلاق، والإلهيات. وما زالت كذلك إلى أن ظهر «ديكارت»، فشاد بناء الفلسفة ~~الحديثة على قاعدة البحث بطريق افتراض الشك للوصول إلى اليقين، ثم توسع في تطبيق تلك ~~القاعدة «هيوم» الإنجليزي و«كانت» الألماني و«سبينوزا» الهولندي. # ومنذ القرن التاسع عشر ظهرت تيارات جديدة للفلسفة في ألمانيا، بدأها «شوبنهور» متأثرا ~~بأفكار أستاذه وصديق أسرته «جوته»، وانتهت «بفردريك نيتشه» الذي خرج بالفلسفة عن الدروب ~~المطروقة وتغلغل بها في سبل حديثة الاكتشاف للفكر البشري، وتلاه في فرنسا «برجسون» صاحب ~~المذهب الافتطاري # Intuition ~~، ولا تزال الفلسفة الأوروبية ~~الحديثة واقفة عند هذا الحد إلى أن يأتي لها من يأخذ بيدها ويفسح لها مجالا جديدا، بعد أن ~~ينتشلها من وهدة السقوط الذي أدركها في العشرين سنة الأخيرة؛ إذ عدت عليها عوادي المذاهب ~~المادية، واستغرقت شهوات البشر، من طموح إلى السيادة وطمع في السعادة، جميع قوى الإنسان ~~وسدت عليه مسالك الفكر الصحيح، وأنشبت أظفارها بمواهب العقل السليم. # فلا عجب إذا ألحت بنا الحاجة ونحن في القرن الرابع عشر الهجري، وهو شبيه بقرن نهضة إحياء ~~العلوم والآداب بأوروبا بعد انقشاع ظلمات القرون الوسطى، إلى نشر «تاريخ فلاسفة الإسلام» ~~وشرح مبادئهم، لعل في هذا التحريك إيقاظا وإنعاشا بعد الرقاد الطويل الذي استولى على ~~المفكرين في الإسلام من عهد ابن رشد إلى وقتنا هذا. # محمد لطفي جمعة # الفصل الأول # | الكندي # أبو يوسف يعقوب بن إسحق الكندي، فيلسوف العرب، وأحد أبناء ملوكها، فرع الدوحة الكندية، ms014 ~~وسليل أمراء الجزيرة العربية، كان أبوه إسحق بن الصباح أميرا على الكوفة لعهد ثلاثة من ~~خلفاء العباسيين: المهدي والهادي والرشيد، وتنتهي سلسلة أجداده لدى يعرب بن قحطان، وبينهم ~~الأشعث بن قيس من أصحاب النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وكان قبل ذلك ملكا على كندة كما كان أبوه. ومن ~~أجداد الكندي معدي كرب وكان ملكا في حضرموت كأبيه. ومعظم أجداد الكندي ملوك بالمشعر ~~واليمامة والبحرين. # لم يذكر مؤرخو العرب تاريخ ميلاد الكندي ووفاته بالدقة، ولم يذهبوا إلى أكثر من أنه من ~~أهل القرن الثالث للهجرة، ولكن عالمين غربيين حققا ذلك، فذكر فلوجل أن الكندي عاش في النصف ~~الأول من القرن العاشر للميلاد، ومات بعد عام 861م. وذكر العلامة ناجي الإيطالي - أحد ~~أساتذة الفلسفة بروما، المتوفى في أواخر القرن التاسع عشر وكان ممن عنوا بتاريخ الفلسفة ~~العربية، ونشر كتبا للكندي باللاتينية - أن وفاته كانت عام 258 هجرية؛ أي 873 مسيحية، ~~وثبت أنه كان حيا يرزق عام 198 هجرية فكأنه عمر نحو سبعين عاما. # قال سليمان بن حسان (وهو ابن جلجل الأندلسي) إن الكندي كان بصريا، وكانت له بالبصرة ~~ضيعة نزل بها، ثم انتقل إلى بغداد، وتخرج في مدارسها بعد مدارس البصرة، وكان عالما بالطب ~~والفلسفة وعلم الحساب والمنطق وتأليف اللحون والهندسة وطبائع الأعداد وعلم النجوم، وقيل إنه ~~كان يملك جانبا من علوم الإغريق والفرس، ويعرف حكمة الهنود، وكان كذلك ملما بإحدى ~~اللغتين الأجنبيتين الذائعتين لذاك العهد، وهما اليونانية والسريانية، لأجل هذا ندبه ~~المأمون فيمن ندب من الحكماء إلى ترجمة مؤلفات أرسطو وغيره من فلاسفة اليونان. # وقال سليمان بن حسان إنه لم يكن في الإسلام فيلسوف غيره! ولعله يقصد بذلك إلى أنه أول ~~فلاسفة الإسلام. ثم إن الكندي احتذى في تآليفه حذو أرسطو، وفسر من كتب الفلسفة الكثير، ~~وأوضح منها المشكل، ولخص المستصعب وبسط العويص، وهذا لعلو كعبه في الترجمة؛ فقد ذكر شاذان ~~في المذكرات عن أبي معشر، المشهور عند المصريين بكتاب في التنجيم: «إن حذاق التراجمة في ~~الإسلام أربعة، بينهم يعقوب بن ms015 إسحق الكندي.» # بيد أن بعض معاصريه نقموا عليه إما حسدا وإما غير ذلك، ومنهم القاضي أبوالقاسم صاعد بن ~~أحمد القرطبي، قال في «كتاب طبقات الأمم» عند الكلام على كتب الكندي في المنطق إنها «نفقت ~~عند الناس نفاقا عاما، وقلما ينتفع بها في العلوم؛ لأنها خالية من صناعة التحليل التي ~~لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل في كل مطلوب إلا بها. وأما صناعة التركيب، وهي التي قصد ~~يعقوب في كتبه هذه إليها، فلا ينتفع بها إلا من كانت عنده مقدمات عتيدة فحينئذ يمكن ~~التركيب، ومقدمات كل مطلوب لا توجد إلا بصناعة التحليل، ولا أدري ما حمل يعقوب على ~~الإضراب عن هذه الصناعة الجليلة، هل جهل مقدارها أو ضن على الناس بكشفها؟ وأي هذين كان ~~فهو نقص فيه، وله بعد هذا رسائل كثيرة في علوم جمة، فيها آثار فاسدة ومذاهب بعيدة عن ~~الحقيقة». ا.ه. # وتحامل القاضي القرطبي ظاهر على أن هذا لم يكن رأي علماء الإفرنج في الكندي، فقد عده ~~غليوم كردانو الإيطالي المتوفى سنة 1576، بين الاثني عشر عبقريا الذين ذكر أنهم أهل ~~الطراز الأول في الذكاء والعلم، لم يخرج للناس سواهم منذ بداية العالم إلى نهاية القرن ~~السادس عشر للمسيح. وقال روجر باكون، وهو قس إنجليزي من أهل القرن الثالث عشر للمسيح، ومن ~~مشاهير القرون الوسطى: «إن الكندي والحسن بن الهيثم في الصف الأول مع بطليموس لاشتهاره بما ~~دونه في علم المرئيات، وقد نقل بعض رسائله في هذا الباب جيرار دي كريمونا.» # على أن مؤلفات الكندي الفلسفية، وشروحه لحكمة أرسطو، وهي أول ما دونه العرب في هذا، ~~نادرة الذكر في كتبهم التي وقعت لنا. ونذكر بين مؤلفاته كتابا في قصد أرسطوطاليس في ~~المعقولات، وآخر في ترتيب مصنفات أرسطو. وذكر له ابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء رسالة ~~«في كمية كتب أرسطو، وما يحتاج إليه في تحصيل علم الفلسفة، مما لا غنى في ذلك عنه، وفي ~~ترتيبها وأغراضه فيها»، وكتاب في قصد أرسطوطاليس في المقولات، والموضوعة لها رسالته ~~الكبرى في مقياسه ms016 العلمي. ومن كتب أرسطو كتاب أتلوجيا، وهو «قول على الربوبية»، تفسير ~~فارفوريوس الصوري، ونقله إلى العربية عبد المسيح بن عبد الله ناعمة الحمصي، وأصلحه لأحمد بن ~~المعتصم بالله أبو يوسف يعقوب بن إسحق الكندي، وطبع ببرلين عام 1882. # أسفلنا أن الكندي في طليعة من شرحوا أرسطو، ولكن ابن سينا خلفه وتفوق عليه. وذكر ابن ~~جلجل أنه لم يكن بين فلاسفة الإسلام (كتب هذا بعد وفاة الفارابي) من اقتفى آثار أرسطو بأدق ~~مما اقتفاه الكندي. # أما تآليف الكندي فتكاد تشمل سائر العلوم، فقد دون كتبا في الفلسفة وعلم السياسة ~~والأخلاق، والأرثماطيقي وعلم الكريات والموسيقى، والفلك والجغرافيا والهندسة ونظام الكون ~~والتنجيم، والطب والنفسانيات والأبعاديات والمساكن ألف فيه رسالته الكبرى، ورسالة في الربع ~~المسكون وعلم المعادن، وفيه رسالة في أنواع الجواهر والأشباه، ورسالة في نعت الحجارة ~~والجواهر ومعادنها وجيدها ورديئها وأثمانها، ورسالة في تلويح الزجاج، وأخرى في أنواع الحديد ~~والسيوف وجيدها ومواضع انتسابها. وألف في الكيميا رسالة في العطر وأنواعه، ورسالة في كيمياء ~~العطر. وأخرى في التنبيه على خدع الكيمائيين، ورسالة في الطبيعة، ورسالة في الأجرام الغائصة ~~في الماء، ورسالة في الأجرام الهابطة، ورسالة في عمل المرايا المحرقة. وله كتب خطية في ~~مكاتب أوروبا ذكرها بروكلمان في فهرسته. # بيد أن الناظر في مؤلفات الكندي يرى أنها لم تخرج عن حد العقليات. وأخبرنا العلامة ~~سنتلانا، أستاذ تاريخ الفلسفة بالجامعة المصرية في عام 1911: «إن البينوناجي الذي سلف ذكره ~~نشر في عام 1897 خمس رسائل فلسفية للكندي، أولاها في ماهية العقل، ونشرت ترجمتها ~~باللاتينية.» # وليس بين مؤلفات الكندي شيء في الدين، بل إنه اشتهر برأي خاص في «واجب الوجود»، خالفه ~~فيه المتشددون من أهل عصره، وأخذوا عليه رأيه المذكور الذي أودعه رسالة التوحيد. وقد روى ~~عبد اللطيف البغدادي، أحد أطباء العرب، ومؤلف «كتاب أخبار مصر»، وهو من أهل القرن الثاني ~~عشر ومن الفقهاء المتعصبين؛ أنه كتب رسالة ضمنها بحثا في حقيقة واجب الوجود وما ينبغي نحو ~~ذاته العلية، وأن غايته من تدوينها نقض ما دونه الكندي من ms017 قبل في «رسالة التوحيد». وروى ~~كاتب «مقالة الكندي» في دائرة المعارف البريطانية «أنه كان أول الثائرين على الإسلام»؛ يقصد ~~المبتدعين. ولكن في هذا مغالاة، فقد سبقه كثير من المعتزلة، كواصل بن عطاء في أوائل القرن ~~الثانين وعمرو بن عبيد، والنظام تلميذ ابن الهيثم، والجاحظ تلميذه، وكلهم سابقوه. على أن ~~خصوم الكندي لم يأخذوا عليه إلا قوله «بوحدة واجب الوجود وبساطة ذاته العلية»، وإن هذا ~~القول أرسطي محض، ومعناه أن القائلين به لا يعترفون لواجب الوجود بصفة مطلقة، والصفات ~~المطلقة هي المميزة عن الذات، وكان أرسطو حقيقة ينكر الصفات ويقول بأنها والذات شيء واحد، ~~وهذا القصد من قولهم ببساطة واجب الوجود. # على أن المعتزلة والسنيين متفقون في جوهر هذه المسألة. فإن المعتزلة تقول: «إن الله عليم ~~بذاته خبير بذاته قادر بذاته»؛ أي يعلم ويقدر دون الاحتياج إلى صفة. أما الصفاتية، وهم ~~جمهور المسلمين، فيقولون بأن الله عليم بالعلم؛ أي بصفة العالم، وقادر بالقدرة؛ أي بصفة ~~اسمه القادر. وإن هذه الصفات ليست منفصلة عن الذات؛ لأنها لو انفصلت لعادوا إلى رأي ~~المعتزلة، وقد يشركون. وحجة المعتزلة فيما سبق بيانه أن القول بالصفات يثبت ثلاثة عشر ~~قديما (الصفات المشهورة ثلاث عشرة: خمس سلبية وواحدة نفسية وسبع معان). على أن المعتزلة ~~إذا سئلوا قالوا إن الله قادر، فهم متفقون وجمهور المسلمين في الجوهر كما أسفلنا. # أول أعداء الكندي من معاصريه أبو معشر. روى ابن النديم البغدادي الكاتب المعروف بابن أبي ~~يعقوب في كتاب الفهرست «أن أبا معشر، وهو جعفر بن محمد البلخي، من أصحاب الحديث أولا، وكان ~~منزله في الجانب الغربي بباب خراسان ببغداد، وكان يضاغن الكندي ويغري به العامة، ويشنع عليه ~~لأخذه بعلوم الفلاسفة، فلما رأى الكندي منه ذلك أراد أن يقطع عن نفسه شره بما ينفع أبا ~~معشر ولا يضره، فدس عليه من حسن له النظر في علم الحساب والهندسة فاشتغل بهما، ولكنه ~~لم يوفق فيهما فعدل عنهما إلى علم أحكام النجوم، فانقطع شره عن الكندي بنظره في هذا العلم، ~~وقد تعلم ms018 علم أحكام النجوم بعد سبع وأربعين سنة من عمره»، وأمسى من تلاميذ الفيلسوف بعد أن ~~كان ألد أعدائه! # روى أبو جعفر ابن يوسف في كتابه «حسن العقبى»، عن أبي كامل شجاع بن الحاسب «أنه كان لعهد ~~المتوكل أخوان شريران: محمد وأحمد ابنا موسى بن شاكر، وكان هذان الشقيان يكيدان لكل من ذكر ~~بالتقدم في علم أو معرفة، فلما ذاع فضل الكندي غاظهما ذلك، وأرادوا الوقيعة به لدى المتوكل، ~~وكان للكندي نصير في بلاط الخليفة، وهو سند بن علي، فباعداه عن المتوكل وأشخصاه إلى مدينة ~~السلام، فلما خلا لهما الجو دبرا على الكندي مكيدة، فضربه المتوكل، ووجها إلى داره فأخذا ~~كتبه بأسرها وأفرداها في خزانة سميت «الكندية».» # وقد ردت له هذه الكتب بخبر غريب، وهو أن الشقيقين الشقيين كانا يعملان للانفراد بالمتوكل ~~وإبعاد أهل الفضل عنه، والحصول على ما يستطيعان من المال، فكشف أمرهما في حفر النهر ~~المعروف بالجعفري؛ فإنهما أسندا حفره إلى مهندس معرفته أوفى من توفيقه، فغلط في فوهة النهر، ~~وأتلفا جملة من مال المتوكل، فأقسم أن يصلبهما على شاطئه إن كان ما بلغه عن الغلط حقا، ~~فتوسلا إلى سند بن علي الذي ما تركا شيئا من سوء القول إلا ذكراه عند المتوكل به، فقال ~~لهما سند بشمم أهل الفضل: «إنكما لتعلمان ما بيني وبين الكندي من العداوة والمباعدة، ولكن ~~الحق أولى ما أتبعه، والله لا ذكرتكما عند المتوكل بصالحة حتى تردا عليه كتبه!» فتقدم ~~محمد بن موسى في حمل الكتب إليه وأخذ خطة باستيفائها، فوردت رقعة الكندي بتسلمها عن آخرها، ~~وقال سند للمتوكل إنهما ما غلطا لينقذهما من العقاب. ومات المتوكل بعد ذلك بشهرين قبل أن ~~يظهر غلط الحفر في النهر. # اعتاد مترجمو الحكماء رواية بعض أقوالهم في الحكمة العامة للاستدلال على آرائهم، ويغلب أن ~~يكون المنقول من الحكم الذائعة على ألسنة الأدباء ذكرت للإسهاب، أو دست على الرواة؛ فقد ~~قرأت حكما نسبت لسقراط، وقرأتها بعينها منسوبة لكونفوشيوس ولقمان وغيرهما، ومثل هذا كثير، ~~ولا أظن أنه يؤخذ به ms019 في تقدير المنسوب إليه أو في الحكم عليه. # والأقوال المروية عن الكندي تنقسم، من حيث شكلها، قسمين: نثرا وشعرا. والنثر في ثلاثة ~~أمور: الأول نصيحة للطبيب، والثاني في الحث على التواضع، والثالث في التحذير من الأقارب، ~~ورويت عن سبعة أبيات من الشعر، رواها العسكري في كتاب الحكم والأمثال وهي: # أناف الذنابي على الأرؤس # فغمض جفونك أو نكس # وضائل سوادك واقبض يديك # وفي عقر بيتك فاستجلس # وعند مليكك فابغ العلو # وبالوحدة اليوم فاستأنس # فإن الغنى في قلوب الرجال # وإن التعزز بالأنفس # وكائن ترى من أخي عسرة # غني وذي ثروة مفلس # ومن قائم شخصه ميت # على أنه بعد لم يرمس # فإن تطعم النفس ما تشتهي # تقيك جميع الذي تحتسي # وعندي أن هذه الأبيات تدل على حالة نفسية حزينة، تدني هذا الفيلسوف العربي القديم من ~~شوبنهور. ولا غرابة إذا كان الحزن ميزة الحكماء؛ فهو كما قال زيلر في كتابه عن تاريخ فلاسفة ~~اليونان «علامة الأمم المفكرة». # قال في وصيته: «ليتق الله تعالى المتطبب ولا يخاطر فليس عن الأنفس عوض!» وقال: «كما يحب ~~أن يقال إنه كان سبب عافية العليل وبرئه، كذلك فليحذر أن يقال إنه كان سبب تلفه وموته.» ~~وكان رحمه الله طبيبا ونصحه صالح لكل زمان! ~~«العاقل يظن أن فوق علمه علما فهو أبدا يتواضع لتلك الزيادة، والجاهل يظن أنه قد تناهي ~~فتمقته النفوس لذلك» نقلا عن كتاب المقدمات لابن بختويه. # قال الكندي يوصي ولده: «يا بني، الأب رب والأخ فخ والعم غم والخال وبال والولد كمد ~~والأقارب عقارب.» # وهذا من وصيته لابنه أيضا «قول «لا» يصرف البلا، وقول «نعم» يزيل النعم، وسماع الغناء ~~برسام حاد؛ لأن الإنسان يسمع فيطرب وينفق فيسرف فيفتقر فيغم فيعتل فيموت.» ~~«الدينار محموم فإن صرفته مات! والدرهم محبوس فإن أخرجته فر! والناس سخرة فخذ شيئهم ~~واحفظ شيئك! ولا تقبل من قال اليمين الفاجرة فإنها تدع الديار بلاقع!» ~~(1) إيضاح عن الكندي # 1 # لا يوجد أدب لغة أغزر مادة من الأدب العربي، ولا أبعد عنه مدى ولا أعمق غورا ms020 ولا ~~أشهى ثمرا وأكثر نفعا، ولكنه لسوء حظ عشاقه وهواته والمشتغلين به محدود الفائدة ~~لطلابه، وقد يتعجب القارئ لهذا التناقض ولكن تلك الدهشة تزول إذا علم أن المؤلف أو ~~الباحث قد يصرف أياما في التنقيب عن مبحث يريده وقد يقرأ مائة صفحة قبل أن يعثر ~~بسطرين لهما مساس بمبحثه، فقد منح الله كتاب العرب وأدباءهم من سعة الاطلاع وحب ~~الاستطراد والتعلق بأسباب الإسهاب والتطويل، ما يجعل بعضهم ينتهي من مؤلفه قبل أن ~~يصل إلى بداية الموضوع الذي ندب نفسه لدرسه، أو الكتابة فيه، ولم يسلم من فضلاء ~~الأدباء إلا العدد القليل ممن صحت عقولهم وعزائمهم وتمكنوا من كبح جماح نفوسهم لدى ~~استهواء الاستطراد مثل الجاحظ على أن أمثال الجاحظ قليلون. أما سواهم فيجعلون كتب ~~التاريخ موسوعات لفنون الأدب وعلم النبات والحيوان والطب والتنجيم، ويندر أن لا ~~يفردوا في كل فصل من فصولها بابا للنحو والصرف والبيان! # ومما يعجب له أن الكتاب الذين قطعوا أنفسهم لتدوين تراجم العظماء والفلاسفة ~~والشعراء، لم يعنوا قط بوصف معايشهم وأخلاقهم وأطوارهم وأحوالهم النفسية كما فعل ~~اليونان وكما يفعل الأوروبيون في هذا الزمان. وقد يكتفي بعضهم بذكر مؤلفاتهم، وسنتي ~~ميلادهم ووفاتهم وقد لا يذكر ذلك على التحقيق إلا في بعض الأحوال دون غيرها. ومن ~~غرائب هذا الباب أن لا يذكر مؤرخو حياة المتنبي إلا أنه مدح سيف الدولة وهجا ~~كافورا وقتل بمكان قفر، ولا يوجد في سيرته خاصة إلا رسالة ضئيلة طبعت على هامش شرح ~~العكبري لديوان هذا الفحل، وهو شرح مطول في جزأين ضخمين يبدأ في تفسير كل بيت من ~~أبياته بالإعراب والتحليل والصرف والنحو والغريب من الألفاظ. # ومما ذكره المؤرخون عن ابن تيمية، وهو أعظم أئمة المجتهدين المصلحين أمثال مارتين ~~لوثيروس وكالفين في الغرب، «أنه مات من قطعة هريسة ازدردها» ... # وغنى عن البيان بعد ما تقدم أن من يريد أن يكتب صفحة صحيحة عن عظيم عربي يعرض ~~نفسه لأنواع المشاق والمتاعب. ويحسن بي ذكر ما قاله لي العلامة سانتيلانا أستاذ ~~تاريخ المذاهب الفلسفية في ms021 الجامعة المصرية عامة 1911، عند الكلام على تراجم فلاسفة ~~الإسلام، من أنه قد يقرأ الكتاب ذا الصفحات العديدة دون أن يتمكن من تدوين سطر ~~واحد. وروى لي الأستاذ إدوار لامبير أستاذ الحقوق بمدرسة ليون الجامعة، أن جولد ~~زيهر أحد علماء المشرقيات النمسويين قضى أكثر من عشر سنين في تأليف كتابه «في السنة ~~المحمدية»؛ وذلك لتشتت المواد وصعوبة الوصول إلى ما كان يريد جمعه من الأخبار ~~والروايات والأسانيد. # 2 # لا يمكن تصوير الكندي تصويرا معنويا أو خلقيا ينطبق على الحقيقة انطباقا ~~تاما؛ لأنه لم يترك كتابا ولا رسالة في ترجمة حاله، ولأن المؤرخين لم يذكروا عنه ~~إلا أمورا مبتذلة، ولكن بعض مؤلفاته وبعض أقواله وحال العصر الذي عاش فيه قد تساعد ~~في مجموعها الباحث المدقق، في الوصول إلى الوقوف على ما يقرب من الحقيقة من ~~شئونه. # فمما يذكر عنه وله شأن في هذا المعنى أن الكندي عمر طويلا، ويصح القول بأنه ساير ~~القرن التاسع المسيحي، وهو من أهل المائة الثالثة الهجرية. والفضل في تحقيق ذلك ~~راجع إلى عالمين غربيين هما فلوجل وناجي. أما مؤرخو العرب، وفي مقدمتهم المسعودي، ~~فلم يذكروا عن ميلاده ووفاته شيئا بالتحقيق أو ما يشابهه؛ لأن الكندي توفي بعيدا ~~عن بلاط المتوكل، وقد ردته هذه العزلة إلى الخمول الذي يشمل سائر الأحياء في ~~الأرستقراطيات الشرقية التي لا يظهر فيها إلا كل من له علاقة مباشرة أو غير مباشرة ~~بولي الأمر في زمنه. # ويستنتج من أقوال هذين العالمين الغربيين فيما سبق أن الكندي عاش نحو سبعين ~~عاما، وهذا يدل على اعتداله في عيشته واستقامته في أمور حياته الدنيوية، وعلى قوة ~~بنيته الأصلية. # ويؤخذ من أخباره أنه نشأ وترعرع في كنف الخلفاء العباسيين، فقد كان أبوه أميرا ~~على الكوفة لعهد ثلاثة من خلفاء العباسيين، فلما نبت يعقوب لجأ إلى قصور الخلفاء، ~~وقد عاش الكندي كأبيه في ظل ثلاثة من الخلفاء العباسيين، وهم المأمون والمعتصم ~~والمتوكل، وأولهم أعظمهم، وقد مرح الكندي في كنفه ونال من حظوته ما ناله أمثاله ~~العلماء، وكان المأمون ms022 أوسع الخلفاء العباسيين صدرا للحكماء وأرحبهم جانبا وأقلهم ~~تشددا وتعصبا. # وقد ندب فيمن ندبوا لنقل العلوم من اليونانية والسريانية إلى العربية، وكان كذلك ~~ينتاب الخلفاء في التطبيب ويخدمهم في التوقيعات الفلكية دون التنجيم، فإنه كان ~~يبغضه وينفر الناس منه، وله مع ابن معشر الشهير حديث طويل أتينا عليه قبلا، وقد عاش أبو ~~يوسف معظم أيامه عيشة هنية في ظلال دواوين الحكومة العباسية لعهد المأمون والمعتصم ~~فتفرغ لدرس فلسفة أرسطو، وأخذ في شرحها والتعليق عليها. فصححت تلك الفلسفة ~~الإغريقية نظره في الأشياء وشحذت من ذهنه ووسعت دائرة معارفه وفكره، وكانت المائة ~~الثالثة الهجرية حافلة بفضلاء المعتزلة وأكابر علماء الكلام والمجتهدين وأحرار ~~الفكر، وقد رماهم بعض المغالين بالإلحاد أمثال النظام والجاحظ وواصل بن عطاء وغيرهم ~~ممن حفل بذكرهم كتابا «الملل والنحل» و«الفرق بين الفرق» للشهرستاني والبغدادي ~~وغيرهما، ولم يكن للكندي بد من الاحتكاك بهم والأخذ عنهم والاستنارة بأفكارهم، ~~فأدخل في كتبه ما شاء العقل الراجح والبصيرة المنورة، مما أخذه عليه الجهال ~~والنوكى فوشوا به عند المتوكل، وكان المتوكل متسرعا فنقم على الكندي ولم يرع ~~خدمته له ولأسلافه من قبل ونكبه في حقوقه وكتبه. # 3 # بيد أن الكندي على عظم علمهن واتساع نطاق معارفه، وغزارة مادته، وتعدد تواليفه ~~وتصانيفه، وسبقه سواه من العرب إلى درس أرسطو وترجمة كتبه؛ لم يكن عبقريا بالمعنى ~~الصحيح على الرغم مما ذكره غليوم كردانو؛ لأنه لم يكن له مبدأ فلسفي خاص به، بل كان ~~مصنفا يعمم العلم وينشره بشرح أمهات الكتب والتعليق عليها وإدخال مذهب أتباع ~~فيثاغورس وأرسطو في كتبه. فكان إذن عالما ذا مواهب جمة لم تبلغ به سمت الذكاء ~~الإنساني، ولم تنزل به إلى مستوى العلماء المتوسطين، وكانت له في الطب والرياضيات ~~عصمة عن الخرافات والتدجيل. # فمن فضائله أنه نهى عن الاشتغال بالكيمياء للحصول على الذهب، وذم ذلك وبين ~~أنه عبث وتضييع للعمر والعقل والمال، وقد سبق ابن سينا في هذا السبيل، وكان أشرف ~~مبدأ وأسمى غرضا لأن ابن سينا ختم كتبه بالكيمياء فاغتر بها غيره، ms023 ومنهم عبد ~~اللطيف البغدادي الذي لم يبق لابن سينا كرامة؛ لأنه غرر به واستهواه بكتبه للاشتغال ~~«بالصنعة». وعبد اللطيف أحد أطباء العرب ومؤرخيهم، ساح في أواخر المائة السادسة ~~للهجرة، وألف رسالة في الرد على الكندي في بعض مسائل التوحيد، مع أن الكندي كان ~~أصدق إيمانا وأكبر فضلة وأكثر قناعة وتعففا من ذاك «التيس الملتحي»، الذي وصم ~~الإسلام والمسلمين بإحراق مكتبة الإسكندرية. (راجع كتابه مختصر تاريخ مصر طبع ~~أكسفورد عام 1800 صفحة 114). وقد ثبت كذبه ونفى علماء الإفرنج هذه الوصمة عن العرب ~~والإسلام. # ومما يذكر عن الكندي أنه كان بخيلا إلى درجة الشح، وله في ذلك أقوال مأثورة ~~رواها عنه ابن أبي أصيبعة، وهو مؤرخ مشهور برواية حكم ونبذ مسجوعة عن كل حكيم ~~ترجمه، أما البخل أو التشدد في نفقة المال فسجية معظم الأدباء والعلماء في الشرق ~~والغرب، ولهم في ذلك أخبار ونوادر. وقد ذكر ذلك نزبيت الإنجليزي مؤلف كتاب ~~«العبقرية والجنون»، وقال إن بخل العلماء من الأمراض النفسية اللاصقة بالنبوغ. أما ~~عن انقطاع الكندي عن الناس وانزوائه وزهده فقد تكون من عواقب نكبته التي أصابه بها ~~المتوكل ومما قاساه من الاضطهاد في محنته. ~~(2) بيان مؤلفات الكندي الموجودة إلى الآن في عالم الآداب مخطوطة أو مطبوعة # ذكر صاحب الفهرست كتب الكندي فإذا هي كما يأتي: # فلسفة # 22 كتابا # حساب # 11 كتابا # نجوم # 19 كتابا # هندسة # 23 كتابا # فلك # 16 كتابا # طب # 22 كتابا # جدل # 17 كتابا # سياسة # 12 كتابا # أحداث # 14 كتابا # طبيعيات # 33 كتابا # الكريات # 8 كتب # منطق # 9 كتب # موسيقى # 7 كتب # أحكام # 10 كتب # نفس # 5 كتب # أبعاد # 8 كتب # تقدمة المعرفة # 5 كتب # المجموع # 231 كتابا # أما الباقي من كتب الكندي إلى الآن فثمانية وهي: ~~(1) # كتاب في إلهيات أرسطو أو كلام في الربوبية، مترجم عن فيلسوف اليونان ومنه ~~نسخة خطية ببرلين. ~~(2) # رسالة في الموسيقى. ~~(3) # رسالة في معرفة قوى الأدوية المركبة بمكتبة منشن، وترجمتها اللاتينية ~~مطبوعة. ~~(4) # رسالة في المد والجزر(بمكتبة أكسفورد). ~~(5) # علة اللون اللازوردي الذي يرى في الجو(بمكتبة ms024 أكسفورد). ~~(6) # ذات الشعبتين وهي آلة فلكية في ليدن. ~~(7) # اختيارات الأيام. ~~(8) # مقالة تحاويل السنين، في الاسكوريال وغيرها. # الفصل الثاني # | الفارابي # هو أبو النصر محمد بن محمد بن أوزلغ بن طرخان ويكتبه القاضي صاعد «أوزلق». وأبوه محمد بن ~~أوزلغ بن طرخان كان قائد جيش، وهو فارسي الأصل، وبلده وسيج بمقاطعة فاراب وهو بلد تركي في ~~خراسان. هذا أجمع عليه المؤرخون، وذكر منك أن بلده اطرار فيما وراء النهر. # والفارابي ككثير غيره من العصاميين لا يعرف تاريخ ولادته. توفي في الثمانين من عمره في ~~رجب سنة 339/ديسمبر 950، فهو من مواليد 260 هجرية، قررنا هذا التاريخ فرضا، ولا نظنه ~~بعيدا عن الحقيقة. ~~(1) تاريخ حياته # ذكر ليون أفريقي ونقل عنه بروكر في تاريخ الفلاسفة في الجزء الثالث ص71-73 أمورا ~~كثيرة عن الفارابي، ولكن معظمها مشكوك فيه، وبعضها من الأساطير الملفقة. وروى ابن أبي ~~أصيبعة في عيون الأنباء في ج2 ص134 «أن الفارابي كان ناطورا في بستان في دمشق، وكان ~~دائم الاشتغال بالفلسفة، وكان فقيرا ويستضيء في الليل بالقنديل الذي للحارس، ثم أنه ~~عظم شأنه». وهذه الرواية لا تقلل من قدر الحكيم؛ فقد كان كليانت الفيلسوف الرواقي سقاء ~~يوزع الماء لري البساتين في ضواحي أثينا، وكان سبينوزا يعيش من صنعة الساعات في هولندا، ~~وهكذا الحكماء في كل جيل! ~~(2) الخبر اليقين # والذي يعلم بيقين عن حياة الفارابي، أنه رحل في صباه من مسقط رأسه إلى بغداد، وهي ~~مركز الحضارة والعلم في عهد العباسيين، فتعلم بها. ثم التحق بحاشية الأمير سيف الدولة ~~أمير حلب، وهو بعينه الذي أكرم المتنبي فمدحه في معظم شعره، والمتنبي أحد معاصري ~~الفارابي وهو كثير الحكمة في قصائده. وصحبه إلى دمشق وأقام ببلاطه مدة ثم اعتزل وعاش ~~عيشة الحكماء إلى أن توفي. وليس لدينا علم بشأن آخر من الشئون الشخصية التي عني ~~المؤرخون بتدوينها عن فلاسفة اليونان وفلاسفة أوروبا، وليست العبرة في تاريخ الحكماء ~~بأمورهم الخاصة. # وقد انتقل من بغداد إلى حلب لفتنة حدثت، ووافته المنية في سياحة من حلب إلى دمشق. ~~ولما توفي ms025 تزيا سيف الدولة بزي صوفي (وهو الذي اتخذه الفارابي في آخر أيامه) ورثاه ~~على قبره، ويؤيده هذه الرواية ما نقله ابن أبي أصيبعة من «أن سيف الدولة صلى عليه صلاة ~~الجنازة في خمسة عشر رجلا من خاصته»، وروى بعض مؤرخي العرب أنه سافر إلى مصر قبل وفاته ~~بسنة، ولكن هذا لم يثبت. ~~(3) أخلاقه # كان ذكي النفس متجنبا عن الدنيا مقتنعا منها بما يقوم بأوده ، يسير سيرة الحكماء ~~المتقدمين، وكان هادئ الطبع عاكفا على الفلسفة كثير التأمل، ومن قناعته أنه لم يكن ~~يتناول من سيف الدولة من جملة ما ينعم به عليه سوى أربعة دراهم فضة في اليوم يخرجها ~~فيما يحتاجه من ضروري عيشه، ولم يكن معتنيا بهيأته «ولا منزل ولا مكسب له وكان يتغذى ~~بماء قلوب الحملان مع الخمر الريحاني، وكان يخرج إلى الحراس بالليل يستضيء بمصابيحهم ~~فيما يقرؤه» (جمال الدين القفطي ص188). وقد عاش الفارابي في دولة العقل ملكا وفي ~~العالم المادي مفلوكا. ~~(4) تعليمه # أجمع المؤرخون على أن الفارابي تعلم على أستاذ مسيحي اسمه يوحنا بن حيلان، وهذا ~~الأستاذ تلقى العلم مع إبراهيم المروزي عن رجل من أهل مرو، لم يحفظ لنا التاريخ اسمه، ~~وكما تخرج الفارابي على يوحنا، تخرج أبو البشر متى على إبراهيم المروزي. # وكان أبو البشر من الذين اشتغلوا بترجمة كتب أرسطو وشرحها ومعاصرا للفارابي، وكان ~~أسن منه. # وروى السجستاني (تلميذ يحيى بن عدي) في تعاليقه أن يحيى بن عدي، وهو تلميذ الفارابي، ~~أخبره «أن متى أبا البشر قرأ إيساغوجي على أستاذ مسيحي، وقرأ قاطيغورياس (المقولات) ~~وبارمينياس (العبارة) على أستاذ يسمى روبيل، وقرأ كتاب القياس على ابن يحيى المروزي». ~~وهذه الكتب كلها لأرسطو، ويفهم من هذه العبارة أن هؤلاء الأساتذة كانوا يقرءون هذه ~~الكتب ويدرسونها، ولما كان أبو البشر متى معاصرا للفارابي فلا ريب في أنه تلقى العلم ~~عليهم؛ لأن الفارابي لم يكن من الطلاب الذين يقنعون بأستاذ واحد، فقد روي «أنه كان ~~يجتمع بأبي بكر بن السراج فيقرأ عليه صناعة النحو، وابن السراج يقرأ عليه ms026 صناعة ~~المنطق». وقالوا إنه أتقن العلوم الحكمية وبرع في العلوم الرياضية، وكانت له قوة في ~~صناعة الطب وعلم بالأمور الكلية منها، ولكنه لم يباشر أعمالها ولا حاول جزئياتها «عن ~~القاضي صاعد»، ونسبوا إليه علم جميع لغات الدنيا وهي سبعون لغة، ولكن المؤكد أنه عرف ~~العربية والفارسية والتركية، والمرجح أنه عرف اليونانية والسريانية، وهذه خمس لغات كانت ~~فيها الكفاية لعهده. ~~(5) مكانته في الفلسفة # انشق حكماء العرب في أواخر القرن الثالث للهجرة فرقتين: # الأولى فرقة المتكلمين، وكان للكندي الفضل الأكبر في تمهيد سبيلها، تخصصت بالإلهيات ~~وما وراء الطبيعة، وكان ظهورها في مرو، وكانت قبل ذلك الانفصال تتبع فيثاغورس، ثم تنحت ~~عنه وعن أتباعه وتعلقت بأرسطو بعد أن ألبست تعاليمه ثوب مبادئ أفلاطون المستحدثة ~~(نيوبلاتونيزم)، وكانت هذه الفرقة تبحث الأشياء في مبادئها وتتحرى المعنى والفكرة ~~والروح. ولا تصف الله بالحكمة في الخلق أو بالعلة الأولى، ولكن بأنه واجب الوجود، وكانت ~~تقدر الأشياء بوجودها، فتسعى في إثبات ذلك أولا. # وكان الفارابي رئيس هذه الفرقة وزعيمها والمقدم فيها وإليه المرجع وعليه الاعتماد. ~~(راجع نيكولسن «تاريخ أدب العرب».) # أما الفرقة الثانية فهي فلاسفة الطبيعة، وكان ظهورها بحران والبصرة، وقصرت بحثها على ~~ظواهر الطبيعة المادية المحسوسة، مثل تخطيط البلدان وأحوال الشعوب، ثم ترقت في البحث، ~~ولكنها لم تتعد النظر في الأثر الذي تحدثه الأشياء في عالم الحس، ثم تجاوزت البحث في ~~ذلك إلى النفس والروح فالقوة الإلهية فعرفتها «بالعلة الأولى» أو «الخالق الحكيم ~~الظاهرة حكمته في مخلوقاته». # وكان أبو بكر محمد بن زكريا الرازي زعيمها، وقد وردت ترجمته في ابن أبي أصيبعة ص309 ~~ج1، وكان طبيبا حاذقا وفيلسوفا طبيعيا. فالفرق ظاهر بين الفرقتين، فالفرقة الثانية ~~التي زعيمها الرازي كانت تبحث فيما هو ظاهر للعيان وملموس بالحس وتقنع بصفاته وقوة أثره ~~في غيره من الموجودات. # أما الفرقة الأولى فرقة المتكلمين، التي كان رئيسها الفارابي فكانت تقدر الأشياء ~~بوجودها فتسعى في إثبات ذلك الوجود أولا، فالفارابي كان إذن زعيم أكبر فرقة فلسفية في ~~عصره. ~~(6) فضله على فلسفة أرسطو # سئل ms027 أبو النصر: «من أعلم أنت أو أرسطو؟» فقال: «لو أدركته لكنت أكبر تلاميذه.» وقال: ~~«قرأت السماع لأرسطو أربعين مرة وأرى أني محتاج إلى معاودته.» (القفطي) ويرجع للفارابي ~~الفضل في ضبط وتعيين كتب أرسطو، وتخليصها من غيرها قبل ترجمتها وشرحها. وله الفضل في أن ~~تلاميذه ورفاقه في الدرس وأحبابه هم الذين تصدوا إلى نقل أرسطو إلى اللغة العربية. وقد ~~سار من جاءوا بعده على سننه واتبعوا خططه، وقد بلغتنا كتب أرسطو منقولة إلى اللغات ~~الأوروبية القديمة والحديثة على النسق الذي اختاره الفارابي، وهاك الترتيب الذي وضعه: ~~(1) # كتب المنطق الثمانية وهي: قاطيغورياس (المقولات)، هرمنطقي (فن التفسير)، ~~التحليل الأول (القياس)، التحليل الثاني (البرهان)، طوبيقا (الجدل)، ~~السفسطة، البلاغة، الشعر. هذه هي الكتب التي وضع لها فارفوريوس (وهو أحد ~~حكماء الإسكندرية وتلميذ بونتين) مقدمة إيساغو. ~~(2) # ثم كتب الطبيعيات الثمانية وهي: الطبيعيات، كتاب السماء والعالم، التوليد ~~والفساد، علم الجو، علم النفس، الحس والمحسوس، كتاب النبات، الحيوان، ثم ~~الكتب الثلاثة وهي ما وراء الطبيعة، فالأخلاق، فالسياسة. وكتاب الأخلاق هو ~~الذي نقله إلى العربية عن الفرنسية الأستاذ أحمد لطفي السيد مدير الجامعة ~~المصرية. # هذا هو الوضع الذي عينه الفارابي، بعد طول الإمعان والدرس، وهو الذي سارت عليه ~~الحكماء من عهده إلى وقتنا هذا ففضل الفارابي من هذه الوجهة لا ينكر، ولا عجب إذا سمي ~~«المعلم الثاني» ونحن نسميه أرسطوطاليس العرب. ~~(7) علو كعبه في المنطق # قال القاضي صاعد في التعريف بطبقات الأمم، إن الفارابي «بذ جميع الفلاسفة في صنعة ~~المنطق، وأربى عليهم في التحقيق بها؛ فشرح غامضها، وكشف سرها، وقرب تناولها، وجمع ما ~~يحتاج إليه منها في كتب صحيحة العبارة لطيفة الإشارة منبهة على ما أغفله الكندي وغيره ~~من صناعة التحليل وأنحاء التعاليم، وأوضح القول فيها عن مواد المنطق الخمس، وأفاد وجوه ~~الانتفاع بها، وعرف طرق استعمالها وكيف تعرف صورة القياس في كل مادة، فجاءت كتبه في ذلك ~~الغاية الكافية والنهاية الفاضلة». ا.ه. كلام صاعد. # والفضل في نبوغ الفارابي في المنطق يرجع إلى طريقة بحثه، فإنه لم يقتصر على ms028 تحليل ~~طريقة الفكر بل بين علاقة ذلك بالنحو وبحث في نظرية المعرفة. وقال إن النحو قاصر على ~~ضبط لسان العرب، وإن المنطق «نحو» يضبط سائر الألسن ويصونها عن الزلل. # وهذا الذي حداه إلى البحث في المنطق بالتدريج: اللفظة، فالجملة المركبة فالخطاب ~~المسهب. وهذه طريقة ابتدعها وإليك بيانها بإيجاز: # قسم الفارابي المنطق إلى قسمين: وهما التصور والتصديق، وأدخل في التصور طائفة الأفكار ~~والتعريفات، وفي التصديق الاستدلال والرأي ، والتصور لا يتحتم فيه الصدق أو الكذب. وفي ~~دائرة الأفكار أبسط الأشكال النفسانية وكذلك الصور التي طبعت في ذهن الطفل مثل الضروري ~~والواقع والممكن. وهذه أمور يمكن لفت عقل الإنسان إليها، ولكن لا يمكن شرحها له لما هي ~~عليه من الظهور بالبداهة. وبالتوفيق بين الصور والأفكار تنتج الآراء، والآراء تحتمل ~~الصدق والكذب، ولأجل الوقوف على أصل الرأي لا بد من الاستدلال والتصديق والفروض ~~المدركة، وهي واضحة بذاتها مباشرة وغير محتاجة إلى تأكيد أو إثبات كالبديهيات في ~~الرياضة. وبعض الأوليات فيما وراء الطبيعة والآداب. ونظرية التصديق تتلخص في الانتقال ~~من المعلوم الثابت إلى معرفة المجهولات المشكوك فيها. ~~(8) كتبه الموجودة باللغة العربية ~~(1) # التوفيق بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطو، (مطبوع في مصر مع غيره). ~~(2) # فيما ينبغي الاطلاع عليه قبل قراءة أرسطو. مطبوع أيضا. ~~(3) # فصوص المسائل. مطبوع. ~~(4) # رسالة في المنطق، القول في شرائط اليقين. خطية بأوروبا. ~~(5) # رسالة في القياس، فصول يحتاج إليها في صناعة المنطق وهي خمسة فصول، ~~خطية. ~~(6) # رسالة في ماهية الروح. خطية. # وهذه الرسالة ورد ذكرها في ابن أبي أصيبعة، وأثبت فيها الفارابي وجود الروح وأنها ~~جوهر بسيط، وأنها صورة قادرة على الفهم بدون حاجة إلى الاستعانة بالمادة، وأنها ذات ~~مظاهر ووظائف شتى. # ومن مؤلفاته الباقية إلى الآن غير هذه الستة، نحو اثنى عشر كتابا في المنطق متفرقة ~~في مكاتب أوروبا، بعضها منقول إلى اللاتينية أو العبرانية، وأكثرها في الاسكوريال، وبعض ~~الترجمات اللاتينية مطبوع في البندقية وغيرها. وثمانية مؤلفات في السياسة والأدب ~~منها: ~~(1) # مبادئ آراء أهل المدينة الفاضلة. (طبع ليدن سنة 1895). ~~(2) # إحصاء العلوم. خطية في الاسكوريال ms029 ولها ترجمة لاتينية وأخرى عبرية. ~~(3) # السياسة المدنية. (بيروت 1902). ~~(4) # تسعة كتب في الرياضيات والكيمياء والموسيقى متفرقة في مكاتب أوروبا والأستانة ~~مع ترجماتها العبرانية أو اللاتينية. ~~(5) # تسعة أخرى، في مواضيع مختلفة. ~~(9) ترتيب مؤلفاته بنوعها # لا يمكن ترتيب مؤلفات الفارابي بحسب تاريخ وضعها، ولكن يمكن ترتيبها من حيث نوعها؛ ~~فمؤلفاته في علم الكلام أو مبادئ الفلسفة الطبيعية قد تكون من وضعه في صباه. أو يكون ~~ألفها حبا منه في انتشار الحكمة بين الجمهور، ولكن مؤلفاته القيمة هي ما كانت خاصة ~~بفلسفة أرسطو شرحا وتفسيرا وتحديا، وقد سمي المعلم الثاني إشارة إلى أنه أفضل ~~الحكماء بعد أرسطو الذي كان يسمى المعلم الأول، ويقول الذين عرفوها وخبروها إن الفارابي ~~لم يحور شيئا من نظريات أرسطو، وإن الذي وصل منها إلينا نادر، وقد ورد ذكر جميع ~~مؤلفاته في القفطي ص182 وفي طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة ج2 ص138، وأحصيناها سبعة عشر ~~شرحا وستين كتابا وخمسا وعشرين رسالة، وذكر الحاج خليفة في كشف الظنون أن ندرة كتبه ~~راجعة إلى كثرة ورود ذكرها في كتب ابن سينا. # ومن الكتب المنسوب إليه «إحصاء العلوم»، وهو كتاب يعده كتاب العرب عظيم الفائدة لا ~~غنى لطلاب العلم عنه، قال عنه ابن صاعد إنه كتاب شريف في إحصاء العلوم والتعريف ~~بأغراضها لم يسبق إليه ولا ذهب أحد مذهبه فيه، ولا يستغني طلاب العلوم كلها عن الاهتداء ~~به وتقديم النظر فيه. # وتوجد منه نسخة في مكتبة الاسكوريال بمدريد بإسبانيا وصفه «كما يرى» بموسوعات العلوم، ~~ولكن هذا الوصف مبالغ فيه لأن ما جاء في الكتاب لا ينطبق على ما يقصد في وقتنا هذا من ~~دائرة المعارف، أو «المعلمة» كوضع أحمد تيمور باشا. # ويظن العلامة «منك» أن الرسالة التي نقلت إلى اللاتينية منسوبة إلى الفارابي باسم ~~«تلخيص سائر العلوم» هي ترجمة موجزة لإحصاء العلوم ومنها نسخة في مكتبة «دي روس» في ~~يارم بإيطاليا، ونسخة كاملة بين المخطوطات اللاتينية في المكتبة الوطنية بباريس تحت عدد ~~49 مجموعة 143ب ملحق لاتيني. # وهذه الرسالة مقسمة إلى خمسة أبواب: ms030 الأول في علوم اللغة، والثاني في علم المنطق، ~~والثالث في الرياضيات، والرابع في الطبيعيات، والخامس في الفنون المدنية. # وقد ذكر الفارابي أنواع العلوم المحتوية عليها تلك الأبواب مع تعريفات جلية ببيان ~~موجز في كل فن. # ومن كتبه أغراض: فلسفة أفلاطون، وفلسفة أرسطو، وتحليل بعض ما كتبه هذان الحكيمان. ولم ~~يصل إلينا شيء من هذا الكتاب أو شيء عنه سوى ما ذكره المؤرخان ابن أبي أصيبعة والقفطي، ~~ويظهر مما دوناه أنه كان مقسما إلى ثلاثة أقسام: الأول مقدمة وهي عبارة عن بيان فروع ~~العلوم الفلسفية وعلاقتها الطبيعية ببعضها البعض، وترتيبها الضروري لتفهمها حق الفهم؛ ~~والقسم الثاني عبارة عن بيان لفلسفة أفلاطون وإيضاح لكتبه؛ والقسم الثالث يشمل تحليلا ~~مسهبا لفلسفة أرسطو مع تلخيص موجز لكل كتاب من كتبه وتبيين القصد من وضعه. وقال علماء ~~العرب إنه لا يمكن الطالب أن يفقه معنى كتب أرسطو في القياس إلا منه. قال ابن أبي ~~أصيبعة عن هذا الكتاب ما نصه: # وله كتاب في أغراض فلسفة أفلاطون وأرسطو يشهد له بالبراعة في صناعة الفلسفة، ~~والتحقق بفنون الحكمة، وهو أكبر عون على تعلم طريق النظر وتعرف وجه الطلب، أطلع ~~فيه على أسرار العلوم وثمارها علما علما، وبين كيف التدرج من بعضها إلى بعض ~~شيئا فشيئا، ثم بدأ بفلسفة أفلاطون فعرف بغرضه منها وسمى تآليفه فيها، ثم ~~أتبع ذلك بفلسفة أرسطوطاليس فقدم له مقدمة جليلة عرف فيها بتدرجه إلى فلسفته، ~~ثم بدأ بوصف أغراضه في تآليفه المنطقية والطبيعية كتابا، حتى انتهى به القول ~~في النسخة الواصلة إلينا إلى أول العلم الإلهي والاستدلال بالعلم الطبيعي عليه، ~~ولا أعلم كتابا أجدى على طالب الفلسفة منه فإنه يعرف بالمعاني المشتركة لجميع ~~العلوم والمعاني المختصة بعلم علم منها، ولا سبيل إلى فهم معاني قاطيغورياس ~~وكيف الأوائل الموضوعة لجميع العلوم إلا منه. ا.ه. كلام ابن أبي ~~أصيبعة. # ومن كتبه كتاب في الآداب اسمه «السيرة الفاضلة». وكتاب في السياسة اسمه «السياسة ~~المدينية». قال مؤرخو العرب عنهما إن الفارابي ألم فيهما بمعظم الآراء النافعة فيما ms031 ~~وراء الطبيعة حسبما علمها أرسطو، وذكر «الستة أركان المجردة» واصفا ما تستنبطه المادة ~~الكثيفة من تلك الأركان من الترتيب وطريقة الوصول إلى العلم. وهاك نص كلام القفطي: # ثم له بعد هذا في العلم الإلهي وفي العلم المدني كتابان لا نظير لهما، أحدهما ~~المعروف «بالسياسة المدينية»، والآخر المعروف «بالسيرة الفاضلة». عرف فيهما ~~بجمل عظيمة من العلم الإلهي على مذهب أرسطوطاليس في مبادئ الستة الروحانية، ~~وكيف يؤخذ عنها الجواهر الجسمانية على ما هي عليه من النظام واتصال الحكمة، ~~وعرف فيها بمراتب الإنسان، وقواه النفسانية وفرق بين الوحي والفلسفة، ووصف ~~أصناف المدن الفاضلة وغير الفاضلة واحتياج المدنية إلى السيرة الملكية ~~والنواميس النبوية. # ثم إنه أتى على العناصر المختلفة المكونة للطبيعة البشرية وخواص النفس وبين ~~الفرق بين الوحي والحكمة ووصف الهيئات المنظمة والجماعات غير المنظمة، وأظهر ~~حاجة المدنية إلى حكومة سياسية وإلى شريعة دينية. # هذا ملخص ما ورد في عيون الأنباء وأخبار الحكماء لابن أبي أصيبعة والقفطي، ولا شك ~~عندنا الآن في أنهما يقصدان بكتاب السياسة المدينية كتاب «المدينة الفاضلة»، وقد يكون ~~الفارابي وضع له اسمين كعادته في بعض مؤلفاته. فإن كتاب السياسة يسمى أيضا كتاب ~~الموجودات. # أما مبادئ الموجودات الستة أو «الستة أركان المجردة» أو «مبادئ الستة الروحانية» فهي: ~~(1) # المبدأ الإلهي أو السبب الأول وهو فرد أي واحد لا يتعدد. ~~(2) # الأسباب الثانوية أو عقول الأجرام السماوية. ~~(3) # العقل الفعال. ~~(4) # النفس. ~~(5) # الصورة. ~~(6) # المادة المعنوية. # والمبدأ الأول هو بمفرده الأحدية المطلقة وما عداه متعدد، والثلاثة المبادئ الأولى ~~ليست أجراما وليس لأحدها علاقة مباشرة بالأجرام، والثلاثة الأخيرة ليست بذاتها أجراما ~~ولكنها متعلقة بها. والأجرام على ستة أنواع: أجرام الدوائر الفلكية، والحيوان العاقل، ~~والحيوان غير العاقل، والنبات، والمعادن، وتلحق بها العناصر الأربعة، ومجموع هذه ~~الأنواع يكون الوجود، وبعد أن أبان الفارابي ما ذكرنا تكلم على ما يستنبط من تلك ~~المبادئ الستة، إلى أن وصل إلى الإنسان، ففحص نظام الجماعات البشرية ونسبتها إلى غاية ~~الوجود الإنساني من حيث القرب والبعد من الكمال الذي هو نهاية كل موجود. وقال إنه ms032 لا ~~يصل إلى درجة الكمال القصوى إلا ذوو الذكاء التام والقادرون على التأثر من العقل ~~الفعال. ~~(10) الدرجة القصوى في الكمال # ويشترط أن يكون العقل الفعال قد منح الإنسان الدراية الأولية التي يتفاوت الناس ~~(بتفاوت خواصهم الطبيعية والبدنية) في الاستعداد للوقوف عليها والهداية بها. وإن هؤلاء ~~الذين خطوا الخطوة الأولى وملكوا القدر الضروري من العلم يستطيعون بجدهم وبتأثير العقل ~~الفعال، أن يصلوا إلى أرقى درجات الكمال. وينبغي لهم أن يفقهوا معنى درجة الكمال ~~القصوى، وأن يجعلوها غايتهم ومقصدهم، وأن يقفوا عليها كدهم وذكاءهم وسائر أعمالهم، فإذا ~~تيسر لهم ما تقدم وصلوا إلى حالة «العقل بالملكة»، وهي الدرجة السابقة لدرجة العقل ~~المستفاد، فإذا بلغوا تلك الدرجة اتصلوا بالعقل الفعال وأصبحوا على أتم ما يكون من ~~الاستعداد للتلقي والإلهام. وإذا وصل الإنسان إلى تلك الدرجة يحق أن يقال عنه إنه بلغ ~~درجة الوحي الإلهي وإنه عادل الأنبياء. ولا يبلغ الإنسان هذه الدرجة العليا إلا إذا ~~ارتفع كل حجاب بين العقل الفعال وبينه، وهذه هي الحالة الوحيدة التي يعترف فيها ~~الفارابي بالوحي، وقد خالف بها آراء المتكلمين كما هو ظاهر. ~~(11) خلود النفس بالجملة أو وحدة النفوس # يقول الفارابي بعد ذلك من الجلي أن السعادة التي يتمتع بها أهل المدينة تختلف قدرا ~~ونوعا تبعا لدرجة الكمال التي بلغوها في الحياة الاجتماعية التي تتعلق بها درجة ~~السعادة التي ينبغي الوصول إليها. فإذا فازوا بالانفصال عن المادة وروابط الأجسام فقد ~~نجوا من الطوارئ المعرضة لها الأجسام بطبيعتها، بحيث لا يصح أن يطلق عليهم لا وصف ~~الحركة ولا صفة السكون، بل يقال عنهم ما يقال عما لم يخرج من عالم الغيب. وما توصف به ~~الأجسام لا يجب في حق تلك النفوس المفارقة التي لا يمكن تعيينها بقول فاصل. وذلك لصعوبة ~~إحاطة الفكر بالموجودات التي لا هي أجسام ولا علاقة للأجسام بها. وإذا حولت أجسامهم إلى ~~العدم وخلصت نفوسهم وسعدت، يخلفهم رجال غيرهم في المدينة فيسلكون سبيلهم ويقتدون ~~بسيرتهم إلى أن تخلص نفوسهم وتحول أجسامهم إلى العدم كما كان ms033 من أمر أسلافهم، ثم ترتقي ~~تلك النفوس المتشابهة وتمتزج بعضها بالبعض. وكلما زاد عدد النفوس الخالصة من أجسادها ~~واندمجت كلها تمت سعادتها بحيث يزداد تمتع النفوس السابقة كلما لحقتها سواها من نوعها؛ ~~لأن كل نفس إذا فكرت في ذاتها وجوهرها ألمت بذوات وجواهر مماثلة لها، وهذه الذوات ~~والجواهر تزداد بكرور الأيام كلما التصقت نفوس حديثة العهد بتلك الوحدة النفسية بالنفوس ~~القديمة. وبذا تزداد سعادة تلك النفوس المتحدة إلى اللانهاية. وهذه السعادة هي بعينها ~~التي تكتسبها الأجيال الواحد بعد الآخر، وهذا هو النعيم الأبدي والذي يقصد إليه العقل ~~الفعال ... هذا ملخص آراء «المدينة الفاضلة»، ويرى اللبيب في تلك النبذة التي قد يغمض ~~فهمها على البعض أن الفارابي لا يقول بخلود النفس إلا شريطة أن تكون قد وصلت في ~~الحياة الدنيوية إلى درجة العقل المستفاد، وقد يفسر قوله بما يوافق رأي القائلين بوحدة ~~النفوس، وهو مبدأ ابن باجه وابن رشد. # وكتاب «المدينة الفاضلة» طبعه في مصر (في مطبعة النيل التي بادت) الشيخ مصطفى القباني ~~الدمشقي الخطاط المتوفى في القضارف بالسودان عام 1914. ~~(12) رأي ابن طفيل في وحدة النفوس # أما ابن طفيل أحد فلاسفة العرب الأشراقيين فلا يأبه لمؤلفات الفارابي فيما وراء ~~الطبيعة. قال: إن معظم ما دونه أبو نصر كان في المنطق، وأما ما اتصل بنا من كتبه في ~~الحكمة الصحيحة مملوء بالريب والتناقض. ثم أشار ابن طفيل إلى شكوك أبي نصر الفارابي في ~~خلود النفس، فقال إن الفارابي ذكر في كتابه «كتاب الملة الفاضلة» أن النفوس الخبيثة ~~تبقى بعد الموت في عذاب أبدي، ثم ذكر في سياسته أن تلك النفوس الخبيثة تتحول إلى العدم ~~ولا تخلد إلا النفوس الكاملة. # ويظهر أن كتاب «الملة الفاضلة» هو بعينه كتاب السيرة الفاضلة، وقد قال الفارابي فيه ~~إن نفوس الدهريين والمنافقين والأشرار التي تفقه معنى الخير الأعلى ولا تحاول بلوغ شأوه ~~تبقى بعد الموت محيطة بما ينقصها لترتقي لدرجة الكمال، ثم لا تستطيع أن تكمل ولا أن ~~تهلك بل تبقى معلقة بين بين وهي تقاسي في ms034 ذلك الأمرين، أما النفوس الجاهلة التي لم ~~يصل علمها في الحياة الدنيا إلى معرفة الخير الأسمى فإنها تعود إلى العدم المطلق (نقله ~~إسحق بن لطيف وابن فلكيرة). # يقول ابن طفيل: ثم إن أبا نصر الفارابي ذكر في شرحه لكتاب الأخلاق لأرسطو أن أرقى ما ~~يصل إليه الإنسان هو في هذه الدنيا، وأن الخير الأسمى هو أيضا في هذه الدنيا، وأن كل ~~ما يقال بوجوده بعد هذه الحياة ليس إلا ترهات أشبه بخرافات العجائز. # وقد أشار ابن رشد إلى تلك الفقرة الأخيرة في آخر كتابه في علاقة العقل المادي بالعقل ~~الفعال، إذ ذكر أيضا أن الإنسان لا يتأتى له كمال أرقى من الكمال الذي يستطيع بلوغه ~~بالنظر في العلوم العقلية. وهذا بيان قول ابن رشد فيما يتعلق بهذه القضية، فإنه بعد أن ~~ذكر ما تعترض به طائفة من الفلاسفة على إمكان اتحاد عقولنا بالعقول المفارقة قال: وهذه ~~الاعتراضات التي دعت أبا نصر في شرحه لأخلاق أرسطو إلى القول بأن الإنسان لا يستطيع ~~الوصول إلى درجة أرقى من التي يصل إليها بالنظر في العلوم العقلية، ثم أضاف إلى ذكر تلك ~~الاستحالة قوله بأن وصول الإنسان إلى حالة الجوهر الفرد المجرد عن المادة ليس إلا من ~~ترهات العجائز. لأن ما يولد ثم يموت ليس من صفاته الخلود. هذا آخر قول ابن رشد (ابن ~~رشد لرينان) وقد ألحقت هذه النبذة بالفارابي أعظم ضرر، وأدت إلى تكفيره في نظر بعض ~~المتشددين من أهل عصره ومن جاء بعده، واتهموه بالقول بالتناسخ وهي تهمة مفتعلة مبتدعة ~~سببها سوء فهم قوله في المدينة الفاضلة ص95 طبع مصر «وإذا مضت طائفة فبطلت أبدانها ~~وخلصت أنفسها وسعدت، فخلفهم ناس آخرون في مرتبتهم بعدهم قاموا مقامهم وفعلوا أفعالهم» ~~هذا؛ لأن الفارابي في مجموع الحكم أنكر التناسخ إنكارا باتا، وما كان ليقول به لأنه ~~لا ينطبق على سلسلة أفكاره ولا يتفق مع آراء أستاذه أرسطو، إنما هو بدعة أفلاطونية ~~استفادها الحكيم اليوناني من المصريين القدماء وكررها في كتبه. ~~(13) الفارابي والخلود # ولا ريب ms035 عندنا في أن الفارابي ينكر بتاتا خلود النفس المفردة كما تقول به الأديان، ~~ويقول إن النفس البشرية لا تتلقى ولا تعي من العقل الفعال إلا صور الموجودات وهي الصور ~~التي تخلق وتعدم؛ لأن النفس لا تستطيع أن تتلقى المعقولات المجردة النقية لئلا ينسب ~~إليها التناقض لجمعها بين النقيضين. وهذا رأي ابن رشد في بيان ما تسرب إلى أبي نصر من ~~الشكوك، وحق لنا أن نذكر أن هذه الشكوك بعينها هي التي تسربت إلى ابن رشد ونسبت إليه ~~وعرف بها وكفروه وسبوه وعذبوه في قرطبة بسببها. # بين يدينا غير كتاب «المدينة الفاضلة» كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون الإلهي ~~وأرسطوطاليس، قال الفارابي في مقدمته: # لما رأيت أكثر أهل زماننا قد تحاضوا وتنازعوا في حدوث العالم وقدمه، وادعوا ~~أن بين الحكيمين المقدمين المبرزين اختلافا في إثبات المبدع الأول، وفي وجود ~~الأسباب منه، وفي أمر النفس والتعقل وفي المجازات على الأفعال خيرها وشرها، وفي ~~كثير من الأمور المدنية والخلقية والمنطقية؛ أردت في مقالتي هذه أن أشرع في ~~الجمع بين رأييهما ~~(يقصد أفلاطون وأرسطو) ثم أخذ الفارابي على طريقة أفلاطون المستحدثة (نيوبلاتونيزم) ~~يوفق بين الحكيمين. وليس في استطاعته نقض إلهيات أرسطو ولا التحول عن عقيدته الإسلامية. ~~على أن الممعن في هذه الرسالة يرى أن مقصد الفارابي كان دينيا محضا ولم يكن يقصد إلى ~~فحص رأيي الحكيمين ونقدهما على الطريقة المنطقية، ولكنه يقصد إلى تفسير العالم تفسيرا ~~فلسفيا لا يناقض الدين الإسلامي. فأغفل الفروق الفلسفية بين الحكيمين وهي لم تكن ~~لتخفى عليه، وادعى أن الخلاف بينهما ظاهر من حيث الألفاظ وطريقة النظر. أما تعليمهما ~~الفلسفي فواحدو التوفيق بينهما والانتفاع بآرائهما أفضل من التفاوت، ولكن هذه الرسالة ~~لم تصل به للغاية التي كان يرمي إليها، ونصيبها في نظرنا نصيب رسالة «تهافت الفلاسفة» ~~التي كتبها الغزالي لمثل هذا الغرض، ثم نقضها في كتابه النادر المسمى «المضنون به على ~~غير أهله». # وقد نشر هذا الكتاب باللاتينية في باريس عام 1638، وفيه تقسيم العقول حسب ما ذكره ~~أرسطو ووحدة العقل ms036 والعقل والمعقول ووحدة العقول الفعالة ومنها العقل الإلهي الفعال ~~دائما. وقد ذكر أبو نصر في هذا الكتاب أن للفظ العقل ست معان: # الأول: # المعنى المبتذل في قول الجمهور في إنسان أنه عاقل. # الثاني: # المعنى الذي يقصده المتكلمون في قولهم هذا مما يوجبه العقل أو ~~ينفيه. # الثالث: # المعنى الذي يصفه أرسطو بالتمييز بين الصحيح وضده ويذكره في كتاب ~~البرهان. # الرابع: # وهو الذي ذكره أرسطو في الكتاب السادس من الأخلاق، وهو العقل الذي ~~يفرق بين الخير والشر وهو يتزايد مع الإنسان طول عمره. # الخامس: # وهو الذي ذكره أرسطو في كتاب النفس، وقسمه إلى عقل بالقوة وعقل ~~بالفعل وعقل مستفاد وعقل فعال. # السادس: # هو العقل الذي ذكره أرسطو في المقالة السادسة من كتاب النفس وهو ~~العقل الفعال. ~~(14) الفارابي والإلهيات # كل موجود في نظر الفارابي إما ضروري وإما ممكن، وليس هناك ثالث لهذين الاثنين. # وحيث إن كل ممكن يستدعي فرض سبب لوجوده، وإن سلسلة الأسباب لا يمكن أن تكون بغير ~~نهاية، فلا بد من الاعتقاد بوجود كائن موجود بطبيعته بغير سبب، ومالك لأعلى درجات ~~الكمال، وممتلئ بالحقيقة الأزلية، ومكتف بذاته بلا تغيير ولا تبديل، وهو بصفته عقلا ~~مطلقا وخيرا خالصا وفكرا تاما يحب الخير والجمال (القول في واجب الوجود ص6 وما ~~بعدها «المدينة الفاضلة»). ولا يمكن إقامة الدليل على وجود هذا الكائن لأنه هو التصديق ~~والبرهان، ولأنه العلة الأولى لكل الأشياء، وفيه تجتمع الحقيقة والصدق ويلتقيان، ولأنه ~~أكمل الكائنات واحد فرد لا يتعدد وهذا الوجود الأول المتفرد، الحقيقي الوجود هو «الله»، ~~ومن هذا الكائن الأول ينبعث مثاله أو صورته «الكل الثاني» أو الروح المخلوق الأول الذي ~~يحرك الجرم السماوي الخارجي. وبعد هذا الروح تنبعث عن بعضها البعض الأرواح الثمانية ~~الجرمية التي كلها وحيدة في تعدد أنواعها وكاملة وهذه هي خالقة الأجرام السماوية. وهذه ~~التسعة أجرام السماوية تسمى الأفلاك العلوية وتكون الدرجة الثانية للوجود. وفي الدرجة ~~الثالثة يوجد العقل الفعال في الإنسانية المسمى بالروح القدس، وهو الذي يصل السماء ~~بالأرض. وفي الدرجة الرابعة توجد النفس ms037 الإنسانية. وهذان الاثنان العقل والنفس لا ~~يبقيان بنفسيهما في وحدتهما الأصلية الدقيقة، ولكنهما يتعددان تعدد بني آدم ثم يكون من ~~ذلك الشكل والمادة، وهما الدرجتان الخامسة والسادسة وبهما يقفل باب الدرجة ~~الروحية. # ومن هذه الدرجات الست، الثلاث الأولى منها أرواح بذاتها، ولكن الثلاث التالية النفس ~~والشكل والمادة وإن كانت غير جرمية إلا أن لها صلة بالجسم الإنساني. # وللجرم الذي أصله في صورة الروح ست درجات، الأجسام السماوية، وبدن الإنسان، وأبدان ~~الحيوانات النازلة ، وأبدان النباتات، والمعادن، والأبدان الأولية. # وإلاهيات الفارابي مستمدة من أرسطو ومكتوبة على طريقته المنطقية كقوله: «الموجود ~~الأول هو السبب الأول لوجود سائر الموجودات كلها، وهو بريء من جميع أنحاء النقص، فوجوده ~~أفضل الوجود وأقدم الوجود، ولذلك لا يمكن أن يشوب وجوده وجوهره عدم أصلا، والعدم والضد ~~لا يكونان إلا فيما دون فلك القمر.» وإلاهيات أرسطو نقلها الكندي إلى العربية. ~~(15) تقسيم قوى النفس # قوى النفس في نظر الفارابي متدرجة، فالقوة السفلى هي مادة للقوة العليا والعليا صورة ~~للسفلى، وأرقى هذه القوى جميعا الفكر وهو غير مادي وهو صورة لجميع الصور السالفة، ~~والنفس ترتفع عن الموجودات المحسوسة إلى الفكر بقوة التصور والتمثيل، وفي كل قوة من قوى ~~النفس يكمن المجهود أو الإرادة. # ولكل نظرية وجه يناقضها في العمل. # ولا يمكن فصل الميل والنفور عن الإدراكات التي تعطيها الحواس، والنفس تقبل أو ترفض ~~بحسب ما يمثل لها بواسطة الحواس. # ثم إن الفكر يحكم على الخير والشر ويعطي للإرادة الأسباب التي تعول عليها ويهيئ ~~الفنون والعلوم، وكل إدراك أو تمثيل أو فكر لا بد له من مجهود ليصل إلى النتيجة ~~الضرورية كما تنبعث الحرارة من النار. والنفس تكمل وجود الجسم، والذي يكمل النفس هو ~~العقل، والعقل هو الإنسان. # العقل موجود في روح الطفل ويصير عقلا فعالا أثناء إدراكه الأشكال الجرمية بالخبرة ~~بطريق الحواس وقوة التمثيل والتصوير. # فتحقيق التجارب والخبرة ليس من فعل الإنسان ولكنه نتيجة عمل الروح الذي فوق الإنسان، ~~فعلم الإنسان صادر من العلي وليس علما متحصلا عليه بمجهود عقلي؛ أي ms038 إنه معطي من الله ~~وليس كسبيا بفعله (مذهب الافتطار). ~~(16) فلسفته الأخلاقية # الأخلاقية في نظره أساس السلوك. وهو يوافق أفلاطون حينا وحينا أرسطو، وقد يسبقهما ~~بفضل نقاء النفس الذي اكتسبه من التصوف، ويخالف أهل الدين في قولهم إن الأخلاق تصدر عن ~~العلوم الشرعية، ويثبت في مواطن شتى أن العقل وحده قادر على التمييز بين الخير والشر، ~~وأن العقل الموهوب للإنسان جدير بأن يبين لنا خطة السلوك المثلي، لا سيما وأن العلم هو ~~أعظم الفضائل، وفي هذا القول الأخير تطبيق لمذهب أفلاطون الذي يعتبر المعرفة رأس ~~الفضيلة. # ومن أمثاله أن الواقف على مبادئ أرسطو وتآليفه ثم لا يسلك سلوكا منطبقا على ما جاء ~~بها أفضل ممن كان جاهلا بها وسلك سلوكا منطبقا عليها؛ ذلك لأن المعرفة أفضل من الفعل ~~الفاضل، وإلا ما استطاعت المعرفة أن تميز بين الفعل الفاضل وضده، فقوة التمييز ~~القائمة بها دليل على فضلها. ويقول بأن النفس بطبيعتها ذات شهوات شتى، وأن إرادتها على ~~قدر إدراكها وتصورها، ومثل الإنسان في ذلك مثل الحيوانات الدنيا. ولكن تمييز الإنسان ~~بالعقل جعل له حرية الخيار؛ فهو يفعل ما يمليه عليه عقله ويسأل عن أفعاله بفضل هذا ~~التمييز. ~~(17) الفارابي والموسيقى # أضاف الفارابي إلى حب الحكمة شغفا زائدا بالموسيقى، ويروى من أخباره أن سيف الدولة ~~كان من المعجبين بتفننه في الأنغام، وقد أفاد العرب صنع آلات الطرب ووضع قواعد التوقيع. ~~وروى ابن أبي أصيبعة أنه صنع آلة إذا وقع عليها أحدثت انفعالا في النفس فيضحك السامع ~~ويبكيه ويستخفه ويستفزه، وقال بعضهم إنها شبيهة بالقانون المعروف لعهدنا هذا أو هي ~~القانون بذاته، ومن مؤلفاته كتابان في الموسيقى: الأول يشمل بيانا كافيا لنظريات علم ~~الأنغام، وقد فحصه العلامة كورسجارتن المستشرق وحلله. # قال أبو نصر في مقدمة كتابه «إنه استنبط طريقة خصيصة به ولم يقلد أحدا»، ثم أخذ يبين ~~طبيعة الأصوات وتوافقها وطبقات الوقف وأنواع الأنغام والأوزان والهزج، وذكر أنه وضع ~~كتابا آخر خصصه بوصف طرائق الأقدمين، وجاء بالنسخة المحفوظة بالاسكوريال أن الفارابي ~~شرح آراء الأقدمين وبين ms039 ما أحدثه كل عالم من علماء الموسيقى، وصحح أغلاطهم وملأ الفراغ ~~الذي تركوه في تلك الصناعة. # ولما كان قد اهتدى بالعلوم الطبيعية إلى ما لم يهتد إليه فيثاغورس وتلاميذه، فقد أخذ ~~يبين خطأهم فيما تخيلوه من أصوات الكواكب وألفة الأنغام السماوية، ثم شرح تأثير تموج ~~الهواء في رنات الأوتار معتمدا على التجارب، وأرشد إلى وسائل صنعها بحيث يمكن إخراج ~~الأصوات المرغوبة. وبالجملة «كان في علم صناعة الموسيقى وعملها قد وصل إلى غايتها ~~وأتقنها إتقانا لا مزيد عليه» (القاضي صاعد). ~~(18) أسلوبه الكتابي # كان أسلوبه بالعربية دقيقا رشيقا مع أنه كان فارسي الأصل، ويؤخذ عليه حبه ~~للمترادفات مما يؤدي في بعض الأحيان إلى التوسع في المعاني الفلسفية التي تحتاج إلى ~~التحديد والتعيين وتقيد كل معنى بلفظه وكل لفظ بمعناه. # وها نحن ننقل نبذا وجيزة من إنشائه تدل على أسلوبه. # قال في اسم الفلسفة: # اسم الفلسفة يوناني، وهو دخيل في العربية، وهو على مذهب لسانهم فيلسوفيا، ~~ومعناه إيثار الحكمة، والفيلسوف مشتق من الفلسفة، وهو على مذهب لسانهم ~~فيلسوفوس، فإن هذا التغيير هو تغيير كثير من الاشتقاقات عندهم ومعناه المؤثر ~~للحكمة، والمؤثر للحكمة عندهم هو الذي يجعل الوكد من حياته وغرضه من عمره ~~الحكمة. # وقال في تاريخ ظهور الفلسفة ما هذا نصه: «إن أمر الفلسفة اشتهر في أيام ملوك ~~اليونانيين وبعد وفاة أرسطوطاليس بالإسكندرية إلى آخر أيام المرأة، وإنه لما توفي بقي ~~التعليم بحاله فيها إلى أن ملك ثلاثة عشر ملكا، توالى في مدة ملكهم من معلمي الفلسفة ~~اثنا عشر معلما، أحدهم المعروف بأندرونيقوس، وكان آخر هؤلاء الملوك المرأة فغلبها ~~أوغسطوس الملك من أهل رومية وقتلها واستحوذ على الملك، فلما استقر له نظر في خزائن ~~الكتب وصنعها، فوجد فيها نسخا لكتب أرسطوطاليس قد نسخت في أيامه وأيام تاوفرسطس، ووجد ~~المعلمين والفلاسفة قد عملوا كتبا في المعاني التي عمل فيها أرسطو، فأمر أن تنسخ تلك ~~الكتب التي كانت نسخت في أيام أرسطو وتلاميذه، وأن يكون التعليم منها، وأن ينصرف عن ~~الباقي وحكم أندرونيقوس في تدبير ms040 ذلك، وأمره أن ينسخ نسخا يحملها معه إلى رومية ~~ونسخا يبقيها في موضع التعليم بالإسكندرية. وأمره أن يستخلف معلما يقوم مقامه ~~بالإسكندرية ويسير معه إلى رومية، فصار التعليم في موضعين وجرى الأمر على ذلك إلى أن ~~جاءت النصرانية، فبطل التعليم من رومية وبقي بالإسكندرية إلى أن نظر ملك النصرانية في ~~ذلك، واجتمعت الأساقفة وتشاوروا فيما يترك من هذا التعليم وما يبطل، فرأوا أن يعلم من ~~كتب المنطق إلى آخر الأشكال الوجودية ولا يعلم ما بعده؛ لأنهم رأوا أن في ذلك ضررا وأن ~~فيما أطلقوا تعليمه ما يستعان به فبقي الظاهر من التعليم هذا المقدار ما ينظر فيه، وصار ~~الباقي مستورا إلى أن كان الإسلام بعده بمدة طويلة، فانتقل التعليم من الإسكندرية إلى ~~أنطاقية، وبقي بها زمنا طويلا إلى أن بقي معلم واحد فتعلم منه رجلان وخرجا ومعهما ~~الكتب، فكان أحدهما من أهل حران والآخر من أهل مرو. فأما الذي من أهل مرو فتعلم منه ~~رجلان أحدهما إبراهيم المروزي والآخر يوحنا بن حيلان. وتعلم من الحراني إسرائيل الأسقف ~~وقويرى وسار إلى بغداد، فتشاغل إبراهيم بالدين وأخذ قويرى في التعليم، وأما يوحنا ابن ~~حيلان فإنه تشاغل أيضا بدينه، وانحدر إبراهيم المروزي إلى بغداد فأقام بها وتعلم من ~~المروزي متى بن يونان، وكان الذي يتعلم في ذلك الوقت إلى آخر الأشكال الوجودية» ~~ا.ه. ~~(19) إيضاح لفلسفة الفارابي (ملخص لها ونصوص منها) ~~(19-1) حياته وأخلاقه # كان الفارابي رجلا هادئا عاكفا على حياة الفلسفة والتأمل، محميا بالأقوياء ~~من الأمراء الذين لجأ إليهم، وقد انتهى بأن صار في أخريات أيامه متصوفا. # كان أبوه قائدا فارسيا، وقد ولد بوسيج إحدى قلاع فاراب، في بلاد التركستان. ~~وقد تلقى العلم في بغداد على عالم مسيحي اسمه يوحنا بن جيلان، واشتمل تعليمه على ~~الأدب والرياضيات، واللغات التي عرفها العربية والتركية والفارسية. وهذا ظاهر من ~~مؤلفاته، وقد نسب إليه أهل عصره أنه كان خبيرا بلغات الأرض جميعا، وهي نحو سبعين ~~لغة، ولكن لم يقم على هذا دليل. # وقد عاش طويلا واشتغل بالعلم ms041 في بغداد ثم ذهب إلى حلب بسبب اضطرابات سياسية، حيث ~~أقام في ظلال بلاط الأمير سيف الدولة، ولكنه في الأيام الأخيرة من حياته اعتزل خدمة ~~الأمراء وعاش معتكفا. وتوفي في دمشق في أثناء رحلة له، وكان ذلك في شهر ديسمبر من ~~عام 950م. ويقال إن أميره تزيا بزي صوفي وابنه على قبره تشريفا لقدره، ويقال إنه ~~كان عند وفاته في الثمانين من عمره. وقد توفي رفيقه في الدرس أبو بشر متى قبله بعشر ~~سنين. أما تلميذه أبو زكريا يحيى بن عدي فقد توفي عام 971م. في الأولى والثمانين من ~~عمره. # وأهم مؤلفاته ما كان خاصا بفلسفة أرسطو وشرحها والتأليف على نسقها. ومن مؤلفاته ~~كتاب التوفيق بين الحكيمين أفلاطون وأرسطو، وقد حاول في هذه الرسالة التوفيق بين ~~آراء الحكيمين وبين عقائد الإسلام ومبادئه. وهو يقول إن الخلاف الظاهر بين الحكيمين ~~راجع حتما إلى طريقة النظر والتأليف وإلى مسائل الحياة العملية، أما تعاليمهما ~~الخاصة بالحكمة فهي متفقة وهما إماما الفلسفة. وكان الفارابي يفضل صفاء النفس على ~~كل صفة، ويقول إنه ثمرة الفلسفة، وكان يقول بحب الحق ولو كان الرأي المقول به ~~مخالفا لآراء أرسطو. والأمور التي اشتغل بالتأليف فيها هي المنطق، وما وراء ~~الطبيعة والطبيعيات ثم الأخلاق والسياسيات. ~~(19-2) الكلام على منطق الفارابي # يقسم الفارابي المنطق إلى قسمين: وهما التصور والتصديق؛ وقد أدخل في التصور طائفة ~~الأفكار والتعريفات، وفي التصديق الاستدلال والرأي. والتصور لا يتحتم فيه الصدق أو ~~الكذب. ويعتبر الفارابي من الأمور الداخلة في دائرة الأفكار أبسط الأشكال ~~النفسانية، وكذلك الأفكار التي طبعت في ذهن الإنسان منذ البداية، مثل: الضروري ~~والواقع والممكن، وهذه أمور يمكن توجيه عقل الإنسان إليها، ولكن لا يمكن شرحها له؛ ~~لما هي عليه من الظهور والجلاء، وبالتوفيق بين التصور والأفكار تنتج الآراء. ~~والآراء كذلك قد تكون صادقة أو كاذبة، ولأجل الحصول على أساس للآراء لا بد من ~~الرجوع إلى عملية الاستدلال والتصديق، ولبعض الفروض المعقولة للإدراك وهي واضحة ~~بذاتها مباشرة وغير محتاجة إلى تأكيد أو إثبات، كالبديهيات ms042 في الرياضة وبعض ~~الأوليات فيما وراء الطبيعة والآداب. # ونظرية التصديق الذي بواسطته ننتقل من المعلوم والثابت إلى معرفة ما كان مجهولا، ~~هي المنطق بعينه في رأي الفارابي. ~~(19-3) الإلهيات (ما وراء الطبيعية) # كل موجود في نظر الفارابي إما ضروري أو ممكن، وليس هناك ثالث لهذين الاثنين، وحيث ~~إن كل ممكن يستدعي فرض سبب لوجوده، وحيث إن سلسلة الأسباب لا يمكن أن تكون بغير ~~نهاية، فلا بد لنا من الاعتقاد بوجود كائن موجود بطبيعته بغير سبب، ومالك لأعلى ~~درجات الكمال، وممتلئ بالحقيقة الأزلية، ومكتف بذاته بلا تغيير ولا تبديل، وهو ~~بصفته عقلا مطلقا وخيرا خالصا وفكرا تاما يحب الخير والجمال. ولا يمكن إقامة ~~الدليل على وجود هذا الكائن؛ لأنه هو التصديق والبرهان ولأنه العلة الأولى لكل ~~الأشياء وفيه تجتمع الحقيقة والصدق ويلتقيان. # ولأنه أكمل الكائنات، فهو أحد فرد لا يتعدد، وهذا الوجود الأول المنفرد الحقيقي ~~الوجود ندعوه الله. # ومن هذا الكائن الأول ينبعث مثاله أو صورته «الكل الثاني» أو الروح المخلوق الأول ~~الذي يحرك الجرم السمائي الخارجي. وبعد هذا الروح تنبعث عن بعضها البعض الأرواح ~~الثمانية الجرمية التي كلها وحيدة في تعدد أنواعها وكاملة. وهذه هي خالقة الأجرام ~~السماوية وتسمى الأفلاك العلوية، وتكون الدرجة الثانية للوجود، وفي الدرجة الثالثة ~~يوجد العقل الفعال في الإنسانية المسمى بالروح القدس، وهو الذي يصل السماء بالأرض، ~~وفي الدرجة الرابعة توجد النفس الإنسانية، وهذان الاثنان العقل والنفس لا يبقيان ~~بنفسهما في وحدتهما الأصلية الدقيقة، ولكنهما يتعددان بتعدد بني آدم، ثم يكون بعد ~~ذلك الشكل والمادة وهما الدرجتان الخامسة والسادسة، وبهما يقفل باب الدرجات ~~الروحية. # ومن هذه الدرجات الست، الثلاثة الأولى منها هي أرواح بذاتها، ولكن الثلاثة ~~التالية النفس والشكل والمادة وإن كانت غير جرمية إلا أن لها صلة بالجسم الإنساني. ~~وللجرمي الذي أصله في خيال الروح ست درجات: الأجسام السماوية، وبدن الإنسان، وأبدان ~~الحيوانات النازلة، وأبدان النباتات، والمعادن، والأبدان الأولية. ~~(19-4) تقسيم قوى النفس أو بسيكولوجيا # قوى النفس في نظر الفارابي متدرجة؛ فالقوة السفلى هي مادة ms043 للقوة العليا، والعليا ~~شكل للسفلى، وأرقى هذه القوى جميعا الفكر، وهو غير مادي وهو شكل لكل الأشكال ~~السابقة. # وحياة النفس ترتفع من الإحساس بالأشياء إلى الفكر بقوة التصور والتمثيل، وفي كل ~~القوى يوجد المجهود أو الإرادة، ولكل نظرية وجه يناقضها في العمل ولا يمكن فصل ~~الميل والنفور عن الإدراكات التي تعطيها الحواس والنفس تقبل أو ترفض بحسب ما يمثل ~~لها بواسطة الحواس. # ثم إن الفكر يحكم على الخير والشر ويعطي للإرادة الأسباب التي تعول عليها ويكون ~~الفنون والعلوم. # وكل إدراك أو تمثيل أو فكر لا بد له من مجهود ليصل إلى النتيجة الضرورية كما ~~تنبعث الحرارة من النار. والنفس تكمل وجود الجسم، والذي يكمل النفس هو العقل، ~~والعقل هو الإنسان. # العقل موجود في روح الطفل ويصير عقلا فعالا أثناء إدراكه الأشكال الجرمية ~~بالخبرة بطريق الحواس وقوة التمثيل والتصوير. # فتحقيق التجارب والخبرة ليس من فعل الإنسان ولكنه نتيجة عمل الروح الذي فوق ~~الإنسان. فعلم الإنسان ناشئ من فوق وليس علما متحصلا عليه بمجهود عقلي؛ أي إنه ~~معطى من الله وليس كسبيا بفعل بني آدم. ~~(19-5) رأيه في الأخلاق # الأخلاق تبحث في أساس السلوك، ويتفق الفارابي بعض الأحيان مع أفلاطون وبعض ~~الأحيان مع أرسطو، وقد يسبقها في بعض الأحيان. # وهو يخالف علماء الدين القائلين بأن الأخلاق الدينية تنبعث عن العلوم الدينية، ~~ويقول بقوة في عدة مواضع من مؤلفاته إن العقل وحده يفصل بين الخير والشر، ويميز ~~بينهما، فلماذا لا يحدد لنا هذا العقل، الذي أعطي لنا من العلي، السلوك الذي يجب ~~علينا اتباعه، لا سيما وأن العلم (المعرفة) هو أعظم الفضائل! # ويقول بصراحة إنه لو وجد رجلان: أحدهما واقف على مبادئ وتآليف أرسطو ولكنه لا ~~يسلك سلوكا منطبقا على ما جاء في هذه المؤلفات، والآخر يسلك سلوكا منطبقا على ~~مبادئ هذا الفيلسوف ولكنه جاهل بمؤلفاته، فإن الفارابي يفضل الأول على الثاني؛ لأن ~~المعرفة أفضل من الفعل الفاضل، وإلا ما استطاعت المعرفة أن تميز بين الفعل الفاضل ~~وغيره. # إن النفس بطبيعتها تشتهي ولها ms044 إرادة على قدر إدراكها وتصورها، وهي في ذلك ~~كالحيوانات النازلة، ولكن الإنسان وحده له حرية الخيار. ~~(19-6) سياسيات الفارابي # المثل الأعلى للحكومة في نظر الفارابي هو الذي يكون الحاكم فيه فيلسوفا. وإن ~~الناس اجتمعوا بضرورة الاجتماع ويضعون أنفسهم تحت إرادة فرد يمثل الحكومة. # وأفضل الحكومات ما كانت متصلة بهيئة دينية؛ أي أن تكون الحكومة مسيطرة على أمور ~~الأمة الدينية والدنيوية. (راجع آراء المدينة الفاضلة). # وكانت فلسفة الفارابي روحانية محضة، فعاش ملكا في عالم العقل، متسولا في عالم ~~الحياة المادية . وكانت فلسفته لا تعطي شيئا مما تتطلبه الحواس. ~~(19-7) تلاميذه # تلاميذه هم زكريا يحيى بن عدي مسيحي يعقوبي اشتهر بترجمة مؤلفات أرسطو، وقد تلقى ~~عليه العلم أبو سليمان محمد بن طاهر السجستاني الذي التف حوله علماء عصره، وهو ~~النصف الأخير من القرن العاشر، ببغداد. وقد وصلت فلسفة الفارابي مع تلاميذه إلى علم ~~الكلام وانتهت الحال بهم كما انتهت بإخوان الصفاء إلى فلسفة صوفية. ~~(19-8) القول في أجزاء النفس الإنسانية وقواها # إذا حدث الإنسان فأول ما يحدث فيه القوة التي بها يتغذى، وهي القوة الغاذية، ثم ~~من بعد ذلك القوة التي بها يحس الملموس، مثل الحرارة والبرودة وسائرها، التي بها ~~يحس الطعومة والتي بها يحس الروائح، والتي بها يحس الأصوات، والتي بها يحس الألوان، ~~والمبصرات، وكلها مثل الشعاعات؛ ويحدث مع الحواس بها نزاع إلى ما يحسه، فيشتاقه أو ~~يكرهه، ثم يحدث فيه بعد ذلك قوة أخرى يحفظ بها ما رسم في نفسه من المحسوسات بعد ~~غيبتها عن مشاهدة الحواس لها. وهذه هي القوة المتخيلة، فهذه تركب المحسوسات بعضها ~~إلى بعض، وتفصل بعضها عن بعض؛ تركيبات وتفصيلات مختلفة، بعضها كاذبة وبعضها صادقة، ~~ويقترن بها نزوع نحو ما يتخيله، ثم من بعد ذلك يحدث فيه القوة الناطقة التي بها ~~يمكن أن يعقل المعقولات، وبها يميز بين الجميل والقبيح، وبها يحوز الصناعات ~~والعلوم، وبها أيضا نزوع نحو ما يعقله، فالقوة الغاذية منها قوة واحدة رئيسة، ~~ومنها قوى هي رواضخ لها وخدم: فالقوة الغاذية الرئيسة هي ms045 من أعضاء البدن في الفم، والرواضخ والخدم متفرقة في ~~سائر الأعضاء، وكل قوة من الرواضخ والخدم فهي في عضو ما من سائر أعضاء البدن، ~~والرئيسة منها هي بالطبع مدبرة لسائر القوى، وسائر القوى يتشبه بها ويحتذي بأفعالها ~~حذوا هو بالطبع غرض رئيسها الذي في القلب. وذلك مثل المعدة والكبد والطحال. # والأعضاء الخادمة هذه والأعضاء التي تخدم هذه الخادمة والتي تخدم هذه أيضا؛ فإن ~~الكبد عضو يرأس ويرأس، فإنه يرأس بالقلب ويرأس المرارة والكلية، وأشباههما من ~~الأعضاء، والمثانة تخدم الكلية، والكلية تخدم الدم والكبد، والكبد يخدم الكلية، ~~وعلى هذا توجد سائر القوى. # والقوة الحاسة فيها رئيس، وفيها رواضخ، ورواضخها هي هذه الحواس الخمس المشهورة ~~عند الجميع، المتفرقة في العينين والأذنين وسائرها، وكل واحدة من هذه الخمس تدرك ~~حسا ما يخصها، والرئيسة منها هي التي اجتمع فيها جميع ما تدركه الخمس بأسرها، ~~وكأن هذه الخمس هي منذرات تلك، وكأن هؤلاء أصحاب أخبار كل واحد منهم موكل بجنس من ~~الأخبار وبأخبار ناحية ما من نواحي المملكة. # والرئيسة كأنها هي الملك الذي يجتمع عنده أخبار نواحي مملكته من أصحاب أخباره. ~~والرئيسة من هذه أيضا هي في القلب. # والقوة المتخيلة ليس لها رواضخ متفرقة في أعضاء أخر، بل هي واحدة وهي أيضا في ~~القلب، وهي تحفظ المحسوسات ومتحكمة عليها، وذلك أنها تفرد بعضها عن بعض، وتركب ~~بعضها إلى بعض تركيبات مختلفة يتفق في بعضها أن تكون موافقة لما حس، وفي بعضها أن ~~تكون مخالفة للمحسوس. # وأما القوة الناطقة فلا رواضخ ولا خدم لها من نوعها في سائر الأعضاء؛ بل إنما ~~رئاستها على سائر القوى المتخيلة. والرئيسة من كل جنس فيه رئيس ومرءوس، فهي رئيسة ~~القوى المتخيلة ورئيسة القوى الحاسة والرئيسة منها. ورئيسة القوى الغاذية الرئيسة ~~منها، والقوى النزوعية وهي التي تشتاق إلى الشيء وتكرهه فهي رئيسة ولها خدم. وهذه ~~القوة هي التي بها تكون الإرادة. فالإرادة هي نزوع إلى ما أدرك وعما أدرك: إما ~~بالحس، وإما بالتخييل، وإما بالقوة الناطقة، وحكم فيها أنه ينبغي أن ms046 يؤخذ أو ~~يترك. # والنزوع قد يكون إلى علم شيء ما، وقد يكون إلى عمل شيء ما، إما بالبدن بأسره وإما ~~بعضو ما منه. والنزوع إنما يكون بالقوة النزوعية الرئيسة، والأعمال بالبدن تكون ~~بالقوة تخدم بالقوة النزوعية؛ وتلك القوة متفرقة في أعضاء أعدت لأن يكون بها تلك ~~الأفعال، منها أعصاب ومنها عضل سارية في الأعضاء التي تكون لها الأفعال التي يكون ~~نزوع الحيوان والإنسان إليها، وتلك الأعضاء مثل اليدين والرجلين وسائر الأعضاء التي ~~يمكن أن تتحرك بالإرادة. # فهذه القوى التي في أمثال هذه الأعضاء هي كلها آلات جسمانية وخادمة للقوى ~~النزوعية الرئيسة التي في القلب، وعلم الشيء قد يكون بالقوة الناطقة، وقد يكون ~~بالمتخيلة، وقد يكون بالإحساس، فإذا كان النزوع إلى علم شيء شأنه أن يدرك بالقوة ~~الناطقة، فإن الفعل الذي ينال به ما تشوق من ذلك يكون قوة ما أخرى في الناطقة، وهي ~~القوة الفكرية، وهي التي بها الفكرة والروية والتأمل والاستنباط. # وإذا كان النزوع إلى علم شيء ما يدرك بإحساس، كان الذي ينال به فعل مركب من فعل ~~بدني ومن فعل نفساني في مثل الشيء الذي نتشوق رؤيته، فإنه يكون برفع الأجفان، وبأن ~~نحاذي أبصارنا نحو الشيء الذي نتشوق رؤيته. فإن كان الشيء بعيدا مشينا إليه. ~~وإن كان دونه حاجز أزلنا بأيدينا ذلك الحاجز، فهذه كلها أفعال بدنية. والإحساس ~~بنفسه فعل نفساني وذلك في سائر الحواس، وإذا تشوق تخييل شيء ما نيل ذلك من وجوه: ~~أحدها يفعل بالقوة المتخيلة مثل تخييل الشيء الذي يرجى ويتوقع، أو تخييل شيء مضى، ~~أو تمني شيء ما تركته القوة المتخيلة. # والثاني ما يروج على القوة المتخيلة من إحساس شيء ما، فيتخيل إليه من ذلك أمر ما ~~أنه مخوف أو مأمول أو ما يرد عليه من فعل القوة الناطقة فهذه هي القوى ~~النفسانية. ~~(19-9) القول في القوة الناطقة كيف تعقل وما سبب ذلك # ويبقى بعد ذلك أن نرسم في الناطقة رسوم أصناف المعقولات، والمعقولات التي شأنها ~~أن ترسم في القوة الناطقة، منها المعقولات التي ms047 هي في جواهرها عقول بالفعل، ~~ومعقولات بالفعل وهي الأشياء البريئة من المادة. ومنها المعقولات التي ليست ~~بجواهرها معقولة بالفعل مثل الحجارة والنبات. # وبالجملة كل ما هو جسم أو في جسم ذي مادة، والمادة نفسها وكل شيء قوامه بها؛ فإن ~~هذه ليست عقولا بالفعل ولا معقولات بالفعل، وأما العقل الإنساني الذي يحصل له ~~الطبع في أول أمره؛ فإن ما في هيئته مادة معدة لأن تقبل رسوم المعقولات فهي بالقوة ~~عقل وعقل هيولاني. وهي أيضا بالقوة معقولة، وسائر الأشياء التي في مادة. أو هي ~~مادة أو ذوات مادة، فليست هي عقولا لا بالفعل ولا بالقوة، ولكنها معقولات بالقوة، ~~ويمكن أن تصير معقولات بالفعل وليس في جواهرها كفاية في أن تصير من تلقاء أنفسها ~~معقولات بالفعل ولا أيضا في القوة الناطقة ولا فيما أعطى الطبع كفاية في أن تصير ~~من تلقاء نفسها عقلا بالفعل، بل تحتاج أن تصير عقلا بالفعل إلى شيء آخر ينقلها من ~~القوة إلى الفعل، وإنما تصير عقلا بالفعل إذا حصلت فيها المعقولات وتصير المعقولات ~~التي بالقوة معقولات بالفعل إذا حصلت معقولة للعقل بالفعل، وهي تحتاج إلى شيء آخر ~~ينقلها من قوة إلى أن يصيرها بالفعل، والفاعل الذي ينقلها من القوة إلى الفعل هو ~~ذات ما جوهره عقل ما بالفعل، ومفارق المادة، فإن ذلك العقل يعطي العقل الهيولاني ~~الذي هو بالقوة عقل، شيئا ما بمنزلة الضوء الذي تعطيه الشمس البصر، لأن منزلته من ~~العقل الهيولاني منزلة الشمس من البصر، فإن البصر هو قوة وهيئة ما في مادة وهو من ~~قبل أن يبصر فيه بصر بالقوة والألوان من قبل أن تبصر مبصرة مرئية بالقوة. # وليس في جوهر القوة الباصرة التي في العين كفاية في أن تصير بصرا بالفعل، ولا في ~~جواهر الألوان كفاية في أن تصير مرئية مبصرة بالفعل. # فإن الشمس تعطي البصر ضوءا يضاء به وتعطي الألوان ضوءا تضاء بها، فيصير البصر ~~بالضوء الذي استفاده من الشمس مبصرا بالفعل وبصيرا بالفعل، وتصير الألوان بذلك ~~الضوء مبصرة مرئية بالفعل بعد أن ms048 كانت مبصرة مرئية بالقوة. كذلك هذا العقل الذي ~~بالفعل يفيد العقل الهيولاني شيئا ما يرسمه فيه، فمنزلة ذلك الشيء من العقل ~~الهيولاني منزلة الضوء من البصر، وكما أن البصر بالضوء نفسه يبصر الضوء الذي هو سبب ~~إبصاره، ويبصر الشمس التي هي سبب الضوء فيه بعينه ويبصر الأشياء التي هي بالقوة ~~مبصرة فتصير مبصرة بالفعل، كذلك العقل الهيولاني كذلك، فإنه بذلك الشيء الذي منزلته ~~منه منزلة الضوء من البصر، يعقل ذلك الشيء نفسه وبه يعقل العقل الهيولاني العقل ~~بالفعل الذي هو سبب ارتسام ذلك الشيء في العقل الهيولاني وبه تصير الأشياء التي ~~كانت معقولة بالقوة معقولة بالفعل، ويصير هو أيضا عقلا بالفعل بعد أن كان عقلا ~~بالقوة. # وفعل هذا العقل المفارق في العقل الهيولاني يشبه فعل الشمس في البصر؛ فلذلك سمي ~~العقل الفعال، ومرتبته في الأشياء المفارقة التي ذكرت من دون السبب الأول المرتبة ~~العاشرة، ويسمى العقل الهيولاني العقل المنفعل. # وإذا حصل في القوة الناطقة عن العقل الفعال ذلك الشيء الذي منزلته منها بمنزلة ~~الضوء من البصر حصلت المحسوسات حينئذ عن التي هي محفوظة في القوة المتخيلة معقولة ~~في القوة الناطقة وتلك هي المعقولات الأولى التي هي مشتركة لجميع الناس: مثل أن ~~الكل أعظم من الجزء، وأن المقادير المساوية للشيء الواحد متساوية، والمعقولات ~~الأولى المشتركة ثلاثة أصناف: صنف أوائل للهندسة العلمية، وصنف أوائل يوقف بها على ~~الجميل والقبيح مما شأنه أن يعمله الإنسان، وصنف أوائل يستعمل في أن يعلم بها أحوال ~~الموجودات التي ليس شأنها أن يعقلها الإنسان ومباديها ومراتبها مثل السماوات والسبب ~~الأول وسائر المبادئ الأخر وما شأنه أن يحدث عن تلك المبادي. ~~(19-10) القول في الفرق بين الإرادة والاختيار وفي السعادة # فعندما تحصل هذه المعقولات للإنسان، يحدث له بالطبع تأمل وروية وذكر وتشوق إلى ~~الاستنباط، ونزوع إلى بعض ما عقله وتشوق إليه، وإلى بعض ما يستنبطه أو كراهته، ~~والنزوع إلى ما أدركه بالجملة هو الإرادة. فإن كان ذلك عن إحساس أو تخيل سمي بالاسم ~~العام وهو الإرادة، وإن كان ms049 ذلك عن روية أو عن نطق في الجملة سمي الاختيار، وهذا ~~يوجد في الإنسان خاصة. وأما النزوع عن إحساس أو تخيل، فهو أيضا في سائر الحيوان، ~~وحصول المعقولات الأولى للإنسان هو استكماله الأول وهذه المعقولات إنما جعلت له ~~ليستعملها في أن يصير إلى استكماله الأخير. # وذلك هو السعادة، وهي أن تصير نفس الإنسان من الكمال في الوجود إلى حيث لا تحتاج ~~في قوامها إلى مادة، وذلك أن تصير في جملة الأشياء البريئة عن الأجسام، وفي جملة ~~الجواهر المفارقة للمواد، وأن تبقى على تلك الحال دائما أبدا، إلا أن رتبتها تكون ~~دون رتبة العقل الفعال. # وإنما تبلغ ذلك بأفعال ما إرادية: بعضها أفعال فكرية، وبعضها أفعال بدنية، وليست ~~بأي أفعال اتفقت، بل بأفعال ما محدودة مقدرة تحصل عن هيئات ما، وملكات ما مقدرة ~~محدودة. # وذلك أن من الأفعال الإرادية ما يعوق عن السعادة، والسعادة هي الخير المطلوب ~~لذاته، وليست تطلب أصلا ولا في وقت من الأوقات لينال بها شيء آخر، وليس وراءها شيء ~~آخر يمكن أن يناله الإنسان أعظم منها. # والأفعال الإرادية التي تنفع في بلوغ السعادة هي الأفعال الجميلة، والهيئات ~~والملكات التي تصدر عنها هذه الأفعال هي الفضائل. وهذه هي خيرات لا لأجل ذواتها بل ~~إنما هي خيرات لأجل السعادة. # والأفعال التي تعوق عن السعادة هي الشرور، وهي الأفعال القبيحة، والهيئات ~~والملكات التي عنها تكون هذه الأفعال هي النقائص والرذائل والخسائس. # فالقوة الغاذية التي في الإنسان إنما جعلت لتخدم البدن، وجعلت الحاسة والمتخيلة ~~لتخدما البدن ولتخدما القوة الناطقة، وخدمة هذه الثلاثة للبدن راجعة إلى خدمة القوة ~~الناطقة، إذ كان قوام الناطقة أولا بالبدن، والناطقة منها عملية ومنها نظرية: ~~والعملية جعلت لتخدم النظرية والنظرية لا تخدم شيئا آخر بل ليتوصل بها إلى ~~السعادة؛ وهذه كلها مقرونة بالقوة النزوعية، والنزوعية تخدم الحاسة وتخدم المتخيلة ~~وتخدم الناطقة، والقوى الخادمة المدركة ليس يمكنها أن توفي الخدمة والعمل إلا ~~بالقوة النزوعية. # فإن الإحساس والتخيل والروية ليست كافية في أن تفعل دون أن يقترن إلى ذلك ms050 تشوق ~~إلى ما أحس أو تخيل أو تروى فيه وعلم؛ لأن الإرادة هي أن تنزع بالقوة النزوعية إلى ~~ما أدركت، فإذا علمت بالقوة النظرية، السعادة، ونصبت غايتها وتشوقت بالنزوعية ~~واستنبطت بالقوة المروية ما ينبغي أن تعمل حتى تقبل بمعاونة المتخيلة، والحواس على ~~ذلك، ثم فعلت بآلات القوة النزوعية تلك الأفعال؛ كانت أفعال الإنسان كلها خيرات ~~وجميلة، فإذا لم تعلم السعادة أو علمت ولم تنصب غايتها بتشوق، بل نصبت الغاية شيئا ~~آخر سواها وتشوقت بالنزوعية واستنبطت بالقوة المروية ما ينبغي أن تعمل حتى تنال ~~بمعاونة الحواس والمتخيلة، ثم فعلت تلك الأفعال بآلات القوة النزوعية كانت أفعال ~~ذلك الإنسان كلها غير جميلة. ~~(19-11) القول في الوحي ورؤية الملك # وذلك أن القوة المتخيلة إذا كانت في إنسان ما قوية كاملة، وكانت المحسوسات ~~الواردة عليها من خارج لا تستولي عليها استيلاء يستغرقها بأسرها، ولا أخدمتها للقوة ~~الناطقة، بل كان فيها مع اشتغالها بهذين فضل كثير تفعل به أيضا أفعالها التي ~~تخصها، وكانت حالها عند اشتغالها بهذين في وقت اليقظة مثل حالها عند تحللها منها في ~~وقت النوم. # وكثير من هذه التي يعطيها العقل الفعال، فتتخيلها القوة المتخيلة بما تحاكيها من ~~المحسوسات المرئية، فإن تلك المتخيلة تعود فترتسم في القوة الحاسة، فإذا حصلت ~~رسومها في الحاسة المشتركة، انفعلت عن تلك الرسوم القوة الباصرة، فارتسمت فيها تلك، ~~فيحصل عما في القوة الباصرة منها رسوم تلك في الهواء المضيء المواصل للبصر المنحاز ~~بشعاع البصر، فإذا حصلت تلك الرسوم في الهواء عاد ما في الهواء فيرتسم من رأس في ~~القوة الباصرة التي في العين، وينعكس ذلك إلى الحاس المشترك وإلى القوة المتخيلة، ~~ولأن هذه كلها متصلة بعضها ببعض فيصير ما أعطاه العقل الفعال من ذلك مرئيا لهذا ~~الإنسان، فإذا اتفقت المحاكيات التي حاكت بها القوة المتخيلة تلك الأشياء مع ~~محسوسات في نهاية الجمال والكمال قال الذي يرى ذلك إن لله عظمة جليلة عجيبة، ورأى ~~أشياء عجيبة لا يمكن وجود شيء منها في سائر الموجودات أصلا، ولا يمتنع أن ms051 يكون ~~الإنسان إذا بلغت قوته المتخيلة نهاية الكمال، فيقبل في يقظته عن العقل الفعال ~~الجزئيات الحاضرة والمستقبلة، أو محاكياتها من المحسوسات ويقبل محاكيات المعقولات ~~المفارقة وسائر الموجودات الشريفة ويراها. فيكون له بما قبله من المعقولات نبوة ~~بالأشياء الإلهية، فهذا هو أكمل المراتب التي تنتهي إليها القوة المتخيلة، وأكمل ~~المراتب التي يبلغها الإنسان بقوته المتخيلة. # ودون هذا من يرى جميع هذه، بعضها في يقظته وبعضها في نومه، ومن يتخيل في نفسه هذه ~~الأشياء كلها ولكن لا يراها ببصره. ودون هذا من يرى جميع هذه في نومه فقط، وهؤلاء ~~تكون أقاويلهم التي يعبرون بها أقاويل محاكيه، ورموزا وألغازا، وإبدالات ~~وتشبيهات، ثم يتفاوت هؤلاء تفاوتا كثيرا: فمنهم من يقبل الجزئيات ويراها في ~~اليقظة فقط ولا يقبل المعقولات؛ ومنهم من يقبل المعقولات ويراها في اليقظة فقط ولا ~~يقبل الجزئيات؛ ومنهم من يقبل بعضها ويراها دون بعض؛ ومنهم من يرى شيئا في يقظته ~~ولا يقبل بعض هذه في نومه؛ ومنهم من لا يقبل شيئا في يقظته، بل إنما يقبل ما يقبل ~~في نومه فقط، فيقبل في نومه الجزئيات ولا يقبل المعقولات؛ ومنهم من يقبل شيئا من ~~هذه وشيئا من هذه؛ ومنهم من يقبل شيئا من الجزئيات فقط، وعلى هذا يوجد الأكثر، ~~والناس أيضا يتفاضلون في هذا، وكل هذه معاونة للقوة الناطقة. # وقد تعرض عوارض يتغير بها مزاج الإنسان فيصير بذلك معدا لأن يقبل عن العقل ~~الفعال بعض هذه في وقت اليقظة أحيانا وفي النوم أحيانا؛ فبعضهم يبقى ذلك فيهم ~~زمنا، وبعضهم إلى وقت ما ثم يزول. # وقد تعرض أيضا للإنسان عوارض فيفسد بها مزاجه وتفسد تخاييله، فيرى أشياء مما ~~تركبه القوة المتخيلة على تلك الوجوه مما ليس لها وجود ولا هي محاكايات لوجود ~~وهؤلاء الممرورون والمجانين وأشباههم. ~~(19-12) القول في احتياج الإنسان إلى الاجتماع والتعاون # وكل واحد من الناس مفطور على أنه محتاج في قوامه، وفي أن يبلغ أفضل كمالاته إلى ~~أشياء كثيرة لا يمكنه أن يقوم بها كلها وحده، بل يحتاج إلى قوم يقوم ms052 له كل واحد ~~منهم بشيء مما يحتاج إليه، وكل واحد من كل واحد بهذه الحال، فلذلك لا يمكن الإنسان ~~أن ينال الكمال الذي لأجله جعلت الفطرة الطبيعية، إلا باجتماعات جماعة كثيرين ~~متعاونين يقوم كل واحد لكل واحد ببعض ما يحتاج إليه في قوامه، وفي أن يبلغ الكمال. ~~ولهذا كثرت أشخاص الإنسان فحصلوا في المعمورة من الأرض، فحدث منها الاجتماعات ~~الإنسانية، فمنها الكاملة ومنها غير الكاملة، والكاملة ثلاث: عظمى، ووسطى، ~~وصغرى. # فالعظمى اجتماعات الجماعة كلها في المعمورة، والوسطى اجتماع أمة في جزء من ~~المعمورة، والصغرى اجتماع أهل مدينة في جزء من مسكن أمة. وغير الكاملة: أهل القرية، ~~واجتماع أهل المحلة، ثم اجتماع في سكة، ثم اجتماع في منزل، وأصغرها المنزلة والمحلة ~~والقرية ثم هي جميعا لأهل المدينة، إلا أن القرية للمدينة على أنها خادمة للمدينة، ~~والمحلة للمدينة على أنها جزؤها، والسكة جزء المحلة، والمنزل جزء السكة، والمدينة ~~جزء مسكن أمة، والأمة جزء جملة أهل المعمورة. # فالخير الأفضل والكمال الأقصى، إنما ينالان أولا بالمدينة لا بالاجتماع الذي هو ~~أنقص، ولما كان شأن الخير في الحقيقة أن يكون ينال بالاختيار، أمكن أن تجعل المدينة ~~للتعاون على بلوغ بعض الحاجات التي هي شرور؛ فلذلك كل مدينة يمكن أن ينال بها ~~السعادة. # فالمدينة التي يقصد بالاجتماع فيها التعاون على الأشياء التي تنال بها السعادة في ~~الحقيقة هي المدينة الفاضلة، والاجتماع الذي به يتعاون على نيل السعادة هو الاجتماع ~~الفاضل، والأمة التي تتعاون مدنها كلها على ما تنال به السعادة هي الأمة الفاضلة، ~~وكذلك المعمورة الفاضلة إنما تكون إذا كانت الأمة التي فيها يتعاونون على بلوغ ~~السعادة، والمدينة الفاضلة تشبه البدن التام الصحيح الذي تتعاون أعضاؤه كلها على ~~تتميم حياة الحيوان، وعلى حفظها عليه. # وكما أن البدن أعضاؤه مختلفة متفاضلة الفطرة والقوى، وفيها عضو واحد رئيس وهو ~~القلب، وأعضاء تقرب مراتبها من ذلك الرئيس، وكل واحد منها جعلت فيه بالطبع قوة يفعل ~~بها فعله ابتغاء لما هو بالطبع غرض ذلك العضو الرئيس، وأعضاء أخر فيها قوى ms053 تفعل ~~أفعالها على حسب أغراض هذه التي ليس بينها وبين الرئيس واسطة، فهذه في الرتبة ~~الثانية؛ وأعضاء أخر تفعل الأفعال على حسب غرض هؤلاء الذين في هذه المرتبة الثانية، ~~ثم هكذا إلى أن تنتهي إلى أعضاء تخدم ولا ترأس أصلا؛ وكذلك المدينة أجزاؤها مختلفة ~~الفطرات متفاضلة الهيئات، وفيها إنسان هو رئيس، وأخر يقرب مراتبها من الرئيس وفي ~~كل واحد منها هيئة وملكة يفعل بها فعلا يقتضي به ما هو مقصود ذلك الرئيس، وهؤلاء ~~هم أولو المراتب الأول، ودون هؤلاء قوم يفعلون الأفعال على حسب أغراض هؤلاء، وهؤلاء ~~هم في الرتبة الثانية، ودون هؤلاء أيضا من يفعل الأفعال على حسب أغراض هؤلاء، ثم ~~هكذا تترتب أجزاء المدينة إلى أن تنتهي إلى أخر يفعلون أفعالهم على حسب أغراضهم، ~~فيكون هؤلاء هم الذين يخدمون ولا يخدمون، ويكونون في أدنى المراتب، ويكونون هم ~~الأسفلون، غير أن أعضاء البدن طبيعية، وأجزاء المدينة - وإن كانوا طبيعيين - فإن ~~الهيئات والملكات التي يفعلون بها أفعالهم للمدينة ليست طبيعية بل إرادية، على أن ~~أجزاء المدينة مفطورون بالطبع بفطر متفاضلة يصلح بها إنسان لإنسان لشيء دون شيء، ~~غير أنهم ليسوا أجزاء المدينة بالفطر التي لهم وحدها، بل بالملكات الإرادية التي ~~تحصل لها وهي الصناعات وما شاكلها والقوى التي هي أعضاء البدن بالطبع، فإن نظائرها ~~في أجزاء المدينة ملكات وهيئات إرادية. ~~(19-13) القول في العضو الرئيس # وكما أن العضو الرئيس في البدن هو بالطبع أكمل أعضائه، وأتمها في نفسه وفيما يخصه ~~وله من كل ما يشارك فيه عضو آخر أفضلها، ودونه أيضا أعضاء أخرى رئيسة لما دونها، ~~ورياستها دون رياسة الأول، وهي تحت رياسة الأول ترؤس وترأس؛ ذلك رئيس المدينة هو ~~أكمل أجزاء المدينة فيما يخصه، وله كل ما شارك فيه غيره أفضله، ودون قوم مرءوسون ~~منه ويرأسون آخرين. وكما أن القلب يتكون أولا ثم يكون هو السبب في أن يكون سائر ~~أعضاء البدن، والسبب في أن يحصل لها قواها وأن تترتب مراتبها، فإذا اختل منها عضو ~~كان هو المرفد منه ms054 بما يزيل عنه ذلك الاختلال. كذلك رئيس هذه المدينة ينبغي أن يكون ~~هو أولا، ثم يكون هو السبب في أن تحصل المدينة وأجزاؤها والسبب في أن يحصل الملكات ~~الإرادية التي لأجزائها في أن تترتب مراتبها وأن اختل منها جزء كان هو المرفد له ~~بما يزيل عنه اختلاله، وكما أن الأعضاء التي تقرب من العضو الرئيس تقوم في الأفعال ~~الطبيعية التي هي على حسب غرض الرئيس الأول بالطبع بما هو شرف، وما هو دونها من ~~الأعضاء يقوم في الأفعال؛ بما هو دون ذلك في الشرف إلى أن ينتهي إلى الأعضاء التي ~~تقوم بها من الأفعال أخس، كذلك التي تقرب في الرياسة من رئيس المدينة تقوم من ~~الأفعال الإرادية بما هو أشرف، ومن دونهم بما هو دون ذلك في الشرف إلى أن ينتهي إلى ~~الأجزاء التي تقوم من الأفعال بأخسها. # وخسة الأفعال ربما كانت بخسة موضوعاتها، فإن كانت الأفعال عظيمة الغناء مثل فعل ~~المثانة وفعل الأمعاء السفلى في البدن، وربما كانت لقلة غنائها، وربما كانت لأجل ~~أنها كانت سهلة جدا، كذلك في المدينة، وكذلك كل جملة كانت أجزاؤها مؤتلفة منتظمة ~~مرتبطة بالطبع، فإن لها رئيسا حاله من سائر الأجزاء هذه الحال، وتلك أيضا حال ~~الموجودات؛ فإن السبب الأول نسبته إلى سائر الموجودات كنسبة ملك المدينة الفاضلة ~~إلى سائر أجزائها، فإن البرئة من المادة تقرب من الأول ودونها الأجسام السماوية، ~~ودون السماوية الأجسام الهيولانية، وكل هذه تحتذي حذو السبب الأول وتأمه وتقتفيه، ~~ويفعل ذلك كل موجود بحسب قوته، إلا أنها إنما تقتفي الغرض بمراتب؛ وذلك إن الأخس ~~يقتفي غرض ما هو فوقه قليلا، وذلك يقتفي غرض ما هو فوقه، وأيضا كذلك للثالث غرض ~~ما هو فوقا، إلى أن تنتهي إلى التي ليس بينها وبين الأول واسطة أصلا. # فعلى هذا الترتيب تكون الموجودات كلها تقتفي غرض السبب الأول، فالتي أعطيت كل ما ~~به وجودها من أول الأمر فقد احتذى بها من أول أمرها حذو الأول ومقصده، فعادت وصارت ~~فيه في المراتب العالية؛ وأما التي ms055 لم تعط من أول الأمر كل ما به وجودها فقد أعطيت ~~قوة تتحرك بها نحو ذلك الذي يتوقع على نيله ويقتفي في ذلك ما هو غرض الأول، وكذلك ~~ينبغي أن تكون المدينة الفاضلة، فإن أجزاءها كل ما ينبغي أن تحتذي بأفعالها حذو ~~مقصد رئيسها الأول على الترتيب، ورئيس المدينة الفاضلة ليس يمكن أن يكون أي إنسان ~~اتفق، لأن الرئاسة إنما تكون بشيئين: أحدهما إنما يكون بالفطرة والطبع معدا لها، ~~والثاني بالهيئة والملكة الإرادية. # والرئاسة التي تحصل لمن فطر بالطبع معدا لها، فليس كل صناعة يمكن أن يرأس بها، ~~بل أكثر الصنائع صنائع يخدم بها في المدينة، وأكثر الفطر هي فطر الخدمة، وفي ~~الصنائع صنائع يرأس بها ويخدم صنائع أخر، وفيها صنائع يخدم بها فقط ولا يرأس بها ~~أصلا؛ فكذلك ليس يمكن أن تكون الصناعة رآسة المدينة الفاضلة أي صناعة ما اتفقت ~~ولا يمكن أي مملكة ما اتفقت. # وكما أن الرئيس الأول في جنس لا يمكن أن يرأسه شيء من ذلك الجنس، مثل رئيس ~~الأعضاء، فإنه هو الذي لا يمكن أن يكون عضوا آخر رئيسا عليه، وكذلك في كل رئيس في ~~الجملة، كذلك رئيس الأول للمدينة الفاضلة ينبغي أن يكون صناعته صناعة نحو غرضها تام ~~الصناعات كلها وإياهم يقصد بجميع أفعال المدينة الفاضلة، ويكون ذلك الإنسان إنسانا ~~لا يكون يرأسه إنسان أصلا، وإنما يكون ذلك الإنسان إنسانا قد استكمل، فصار ~~عقلا ومعقولا بالعقل قد استكملت قوته المتخيلة بالطبع غاية الكمال على ذلك الوجه ~~الذي قلنا، وتكون هذه القوة منه معدة بالطبع لتقبل إما في وقت اليقظة، أو في وقت ~~النوم عن العقل الفعال الجزئيات إما بنفسها، وإما بما يحاكيها، ثم المعقولات بما ~~يحاكيها، وأن يكون عقله المنفعل قد استكمل بالمعقولات كلها، حتى لا يكون تبقى منها ~~شيء وصار عقلا بالفعل. # فأي إنسان استكمل عقله المنفعل بالمعقولات كلها صار عقلا بالفعل، ومعقولا ~~بالفعل، وصار المعقول منه هو الذي يعقل حصل له حينئذ عقل ما بالفعل رتبته فوق العقل ~~المنفعل أتم، وأشد مفارقة ms056 للمادة ومقاربة من العقل الفعال ويسمى العقل المستفاد، ~~ويصير متوسطا بين العقل المنفعل وبين العقل الفعال، ولا يكون بينه وبين العقل ~~الفعال شيء آخر، فيكون العقل المنفعل كالمادة، والموضوع للعقل المستفاد والعقل ~~المستفادة كالمادة، والموضوع للعقل الفعال والقوة الناطقة التي هي هيئة طبيعية تكون ~~مادة موضوعة للعقل المنفعل الذي هو بالفعل عقل. # وأول رتبة التي بها الإنسان إنسان هي أن تحصل الهيئة الطبيعية القابلة المعدة لأن ~~يصير عقلا بالفعل، وهذه هي المشتركة للجميع، فبينها وبين العقل الفعال رتبتان: أن ~~يحصل العقل المنفعل بالفعل، وأن يحصل العقل المستفاد، وبين هذا الإنسان الذي بلغ ~~هذا المبلغ من أول رتبة الإنسانية وبين العقل الفعال رتبتان، وإذا جعل العقل ~~المنفعل الكامل والهيئة الطبيعية كشيء واحد على مثال ما يكون المؤتلف من المادة ~~والصورة شيئا واحدا. # وإذا أخذ هذا الإنسان صورة إنسانية هو العقل المنفعل الحاصل بالفعل، كان بينه ~~وبين العقل الفعال رتبة واحدة فقط، وإذا جعلت الهيئة الطبيعية مادة العقل المنفعل ~~الذي صار عقلا بالفعل، والمنفعل مادة المستفاد، والمستفاد مادة العقل الفعال، ~~وأخذت جملة ذلك كشيء واحد. كان هذا الإنسان هو الإنسان الذي حل فيه العقل الفعال، ~~وإذا حصل ذلك في كلا جزئي قوته الناطقة - وهما النظرية والعملية - ثم في قوته ~~المتخيلة، كان هذا الإنسان هو الذي يوحى إليه؛ فيكون الله عز وجل يوحي إليه بتوسط ~~العقل الفعال، فيكون ما يفيض من الله تبارك وتعالى إلى العقل الفعال يفيضه العقل ~~الفعال إلى عقله المنفعل لتوسط العقل المستفاد ثم إلى قوته المتخيلة، فيكون بما ~~يفيض منه إلى عقله المنفعل حكيما فيلسوفا، ومقبلا على التمام، وبما يفيض منه إلى ~~قوته المتخيلة نبيا منذرا بما سيكون، ومخبرا بما هو الآن من الجزئيات بوجود ~~يعقل فيه الإلهيات. # وهذا الإنسان في أكمل مراتب الإنسانية، وفي أعلى درجات السعادة، وتكون نفسه كاملة ~~متحدة بالعقل الفعال على الوجه الذي قلناه. # وهذا الإنسان هو الذي يقف على كل فعل يمكن أن يبلغ به السعادة، فهذا أول شرائط ~~الرئيس ثم أن يكون له ms057 مع ذلك قوة بلسانه على جودة التخيل بالقول لكل ما يعلمه، ~~وقدرة على جودة الإرشاد إلى السعادة، وإلى الأعمال التي بها يبلغ السعادة، وأن يكون ~~له مع ذلك جودة ثبات ببدنه لمباشرة أعمال الجزئيات. ~~(19-14) القول كيف تصير هذه القوى والأجزاء نفسا واحدة # فالغاذية الرئيسة شبه المادة للقوة الحاسة الرئيسة. والحاسة صورة في الغاذية، ~~والحاسة الرئيسة شبه مادة للناطقة الرئيسة، والناطقة صورة في المتخيلة، وليست مادة ~~لقوى أخرى، فهي صورة لكل صورة تقدمتها. وأما النزوعية فإنها تابعة للحاسة الرئيسة، ~~والمتخيلة، والناطقة، على جهة ما توجد الحرارة في النار تابعة لما تتجوهر به النار. ~~فالقلب هو العضو الرئيس الذي لا يرأسه من البدن عضو آخر، ويليه الدماغ فإنه أيضا ~~عضو ما رئيس، ورئاسته ليست رئاسة أولية لكن رئاسة ثانية: وذلك لأنه يرأس سائر ~~الأعضاء، فإنه يخدم القلب في نفسه، وتخدمه سائر الأعضاء بحسب ما هو مقصود القلب ~~بالطبع، وذلك مثل صاحب دار الإنسان؛ فإنه يخدم الإنسان في نفسه وتخدمه سائر أهل ~~داره بحسب ما هو مقصود الإنسان في الأمرين، كأنه يخلفه ويقوم مقامه وينوب عنه، ~~ويبدل فيما ليس يمكن أن يبدله الرئيس، وهو المستولي على خدمة القلب في الشريف من ~~أفعاله. # من ذلك أن القلب ينبوع الحرارة الغريزية، فمنه تنبث في سائر الأعضاء، ومنه تسترفد ~~وذلك بما ينبث فيها عنه من الروح الحيواني الغريزي في العروق الضوارب، ومما يرفدها ~~القلب من الحرارة إنما تبقى الحرارة الغريزية محفوظة على الأعضاء والدماغ هو الذي ~~يعدل الحرارة التي شأنها أن تنفذ إليه من القلب، حتى يكون ما يصل إلى كل عضو من ~~الحرارة معتدلا ملائما له، وهذا أول أفعال الدماغ، وأول شيء يخدم به وأعمها ~~للأعضاء، ومن ذلك أن في الأعصاب صنفين: أحدهما آلات لرواضخ القوة الحاسة الرئيسة ~~التي في القلب في أن يحس كل واحد منها الحس الخاص به، والآخر آلات الأعضاء التي ~~تخدم القوة النزوعية التي في القلب بها يتأتى لها أن تتحرك الحركة الإرادية. # والدماغ يخدم القلب في أن يرفد أعصاب ms058 الحس ما يبقي به قواها التي بها يتأتى ~~للرواضخ أن تحس. والدماغ أيضا يخدم القلب في أن يرفد أعصاب الحركة الإرادية ما ~~يبقي بها قواها التي بها يتأتى للأعضاء الآلية الحركة الإرادية التي بها القوة ~~النزوعية التي في القلب، فإن كثيرا من هذه الأعصاب مراكزها التي منها يسترفد ما ~~يحفظ به قواها في الدماغ نفسه؛ وكثيرا منها مفارزها في النخاع النافذ، والنخاع من ~~أعلاه متصل بالدماغ، فإن الدماغ يرفدها بمشاركة النخاع لها في الأرفاد. ومن ذلك أن ~~تخيل القوة المتخيلة إنما يكون متى كانت حرارة القلب على مقدار محدود. وكذلك فكر ~~القوة الناطقة إنما يكون متى كانت حرارته على ضرب ما من التقدير، وكذلك حفظها ~~وتذكرها للشيء. # فالدماغ أيضا يخدم القلب بأن يجعل حرارته على الاعتدال الذي يجود به تخيله وعلى ~~الاعتدال الذي يجود به فكره ورويته، وعلى الاعتدال الذي يجود به حفظه وتذكره، فبجزء ~~منه يعدل به ما يصلح به التخيل، وبجزء آخر منه يعدل به ما يصلح به الفكر، وبجزء ~~ثالث يعدل به ما يصلح الحفظ والذكر. وذلك أن القلب لما كان ينبوع الحرارة الغريزية ~~لم يمكن أن يجعل الحرارة التي فيه إلا قوية مفرطة ليفضل منه ما يفيض إلى سائر ~~الأعضاء، ولئلا يقصر أو يجود فلم تكن كذلك في نفسها إلا لغاية تغلبه. فلما كان كذلك ~~وجب أن يعدل حرارته التي تنفذ إلى الأعضاء، ولا تكون حرارته في نفسها على الاعتدال ~~الذي يجود به أفعاله التي تخصه. فجعل الدماغ لأجل ذلك بالطبع باردا رطبا حتى في ~~الملمس بالإضافة إلى سائر الأعضاء، وجعلت فيه قوة نفسانية تصير بها حرارة القلب على ~~اعتدال محدود محصل، والأعصاب التي للحس والتي للحركة، لما كانت أرضية بالطبع سريعة ~~القبول للجفاف، كانت تحتاج إلى أن تبقى رطبة إلى لدان مؤاتية للتمدد والتقاصر. ~~وكانت أعصاب الحس محتاجة مع ذلك إلى الروح الغريزي الذي ليست فيه دخانية أصلا. ~~وكان الروح الغريزي السالك في أجزاء الدماغ هذه حاله، ولما كان القلب مفرط الحرارة ~~ناريها لم يجعل ms059 مفارزها التي بها يسترفد ما يحفظ قواها في القلب؛ لئلا يسرع الجفاف ~~إليها فتتحلل وتبطل قواها. وأفعالها جعلت مفارزها في الدماغ وفي النخاع لأنهما ~~رطبان جدا لتنفذ من كل واحد منهما في الأعصاب رطوبة تبقيها على اللدونة، ويستبقي ~~بها قواها النفسانية، فبعض الأعصاب يحتاج فيها إلى أن تكون الرطوبة النافذة فيها ~~مائية لطيفة غير لزجة أصلا، وبعضها محتاج فيها إلى لزوجة ما. فما كان منها محتاجا ~~إلى مائية لطيفة غير لزجة جعلت مفارزها في الدماغ، وما كان منها محتاجا فيها مع ~~ذلك إلى أن تكون رطوبتها فيها لزوجة جعلت مفارزها في النخاع، وما كان منها محتاجا ~~فيها إلى أن تكون رطوبتها قليلة جعلت مفارزها أسفل الفقار والعصعص. ثم بعد الدماغ ~~الكبد، وبعده الطحال، وبعد ذلك أعضاء التوليد، وكل قوة في عضو كان شأنها أن تفعل ~~فعلا جسمانيا ينفصل به من ذلك العضو جسم ما ويصير إلى آخره، فإنه يلزم ضرورة، ~~إما أن يكون ذلك الآخر متصلا بالأول مثل اتصال كثير من الأعصاب بالدماغ، وكثير ~~منها بالنخاع، أو أن يكون له طريق ومسيل متصل لذلك العضو يجري فيه ذلك الجسم، وكانت ~~تلك القوة خادمة له، أو رئيسة مثل الفم والرئة والكلية والكبد والطحال، وغير ذلك. ~~وكلما احتاجت أو كان شأنها أن تفعل فعلا نفسانيا في غيره، ثم يلزم ضرورة أن يكون ~~بينهما مسيل جسماني مثل فعل الدماغ في القلب، فأول ما يتكون من الأعضاء القلب ثم ~~الدماغ ثم الكبد ثم الطحال ثم تتبعها سائر الأعضاء. # وأعضاء التوليد متأخرة الفعل من جميعها، ورياستها في البدن يسيرة مثل ما يتبين من ~~فعل الأنثيين وحفظهما الحرارة الذكرية والروح الذكري السابقين من القلب في الحيوان ~~الذكر الذي له أنثيان، والقوة التي يكون بها التوليد أنثيان إحداهما تعد المادة ~~التي يتكون عنها الحيوان الذي له تلك القوة، والأخرى تعطي صورة ذلك النوع من ~~الحيوان وتحرك المادة إلى أن تحصل لها تلك الصورة التي لذلك النوع. والقوة التي تعد ~~المادة هي قوة الأنثى والتي تعطي الصورة هي ms060 قوة الذكر الذي هو ذكر بالقوة التي تعطى ~~تلك المادة صورة ذلك النوع الذي له تلك القوة، والعضو الذي يخدم القلب في أن يعطي ~~مادة الحيوان هو الرحم، والذي يخدمه في أن يعطي الصورة إما في الإنسان وإما في غيره ~~من الحيوان هو العضو الذي يكون المني، فإن المني إذا ورد على رحم الأنثى فصادف هناك ~~دما قد أعده الرحم لقبول صورة الإنسان، أعطى المني ذلك الدم قوة تتحرك بها إلى أن ~~يحصل من ذلك الدم أعضاء الإنسان، وصورة كل عضو وبالجملة صورة الإنسان. فالدم المعد ~~في الرحم هو مادة الإنسان. والمني هو المحرك لتلك المادة إلى أن تحصل فيها ~~الصورة. # ومنزلة المني من الدم المعد في الرحم منزلة الأنفحة التي ينعقد عنها اللبن. وكما ~~أن الأنفحة هي الفاعلة للانعقاد في اللبن وليست هي جزءا من المنعقد ولا مادة. كذلك ~~المني ليس هو جزءا من المنعقد في الرحم ولا مادة، والجنين يتكون عن المني كما ~~يتكون الرائب من الأنفحة. ويتكون عن دم الرحم كما يتكون الرائب عن اللبن الحليب ~~والإبريق عن النحاس، والذي يكون المني في الإنسان هي الأوعية التي يوجد فيها المني. ~~وهي العروق التي تحت جلد العانة. يرفدها في ذلك بعض الإرفاد الأنثيان. وهذه العروق ~~نافذة إلى المجرى الذي في القضيب ليسيل من تلك العروق إلى مجرى القضيب، ويجري في ~~ذلك المجرى إلى أن ينصب في الرحم ويعطي الدم الذي فيه مبدأ قوة يتغير بها إلى أن ~~تحصل به الأعضاء. # وصورة كل عضو، وصورة جملة البدن، والمني آلة الذكر، والآلات منها مواصلة ومنها ~~مفارقة من ذلك؛ مثل الطبيب فإن اليد آلة للطبيب يعالج بها، والمبضع آلة له يعالج ~~بها، والدواء آلة له يعالج بها، فالدواء آلة مفارقة وإنما يواصله الطبيب حينما ~~يفعله ويصنعه ويعطيه قوة يحرك بها بدن العليل إلى الصحة، فإذا حصلت فيه تلك القوة ~~ألقاها في جوف بدن العليل مثلا فتحرك بدنه نحو الصحة. والطبيب الذي ألقاها غائب أو ~~ميت مثلا. # وكذلك منزلة المني والمبضع لا ms061 تفعل فعلها إلا بمواصلة الطبيب المستعمل له. واليد ~~أشد مواصلة له من المبضع. وأما الدواء فإنه يفعل بالقوة التي فيه من غير أن يكون ~~الطبيب مواصلا له. # كذلك المني فإنه آلة للقوة المولدة الذكرية وتفعل مفارقة وأوعية المني والأنثيان ~~آلة للتوليد مواصلة للبدن. # فمنزلة العروق التي تكون آلات المني من القوة الرئيسية التي في القلب منزلة يد ~~الطبيب التي يعمل بها الدواء ويعطيه قوة محركة ويحرك بها بدن العليل إلى الصحة فإن ~~تلك العروق التي يستعملها القلب بالطبع، هي آلات في أن يعطي المني القوة التي يحرك ~~بها الدم المعد في الرحم إلى صورة ذلك النوع من الحيوان. فإذا أخذ الدم عن المني ~~القوة التي يتحرك بها إلى الصورة، فأول ما يتكون القلب وينتظر بتكوينه تكوين سائر ~~الأعضاء وما يتفق أن يحصل في القلب من القوى، فإن حصلت فيه مع القوة الغاذية القوة ~~التي بها تعد المادة تكون سائر الأعضاء على أنها أعضاء أنثى. فإن حصلت فيه القوة ~~التي تعطي الصورة تكون سائر الأعضاء على أنها أعضاء ذكر، فتحصل من تلك الأعضاء ~~المولدة التي للذكر، ثم سائر القوى النفسانية الباقية تحدث في الأنثى على مثال ما ~~هي في الذكر. # وهاتان القوتان - أعني الذكرية والأنثوية - هما في الإنسان مفترقتان في شخصين، ~~وأما في كثير من النبات فإنهما مقترنتان على التمام في شخص واحد، مثل كثير من ~~النبات الذي يتكون عن البزر؛ فإن النبات يعطي المادة وهي البزر، ويعطي بها مع ذلك ~~قوة يتحرك بها نحو الصورة. فإن البزر في استعداد لقبول الصورة وقوة يتحرك بها نحو ~~الصورة، فالذي أعطاه الاستعداد لقبول الصورة هي القوة الأنثوية، والذي أعطاه مبدأ ~~يتحرك به نحو الصورة هو القوة الذكرية. # وقد يوجد أيضا في الحيوان ما سبيله هذا السبيل، ويوجد أيضا ما القوة الأنثوية ~~فيه نامية وتقترن إليها قوة ما ذكرية ناقصة تفعل فعلها إلى مقدار ما، ثم تجوز ~~فتحتاج إلى معين من خارج مثل الذي يبيض بيض الريح، ومثل كثير من أجناس السمك التي ~~تبيض ms062 ثم تودع بيضها فيتبعها ذكورتها فتلقي رطوبة؛ فأية بيضة أصابها من تلك الرطوبة ~~شيء كان عنها حيوان، وما لم يصبها ذلك فسدت. # وأما الإنسان فليس كذلك، بل هاتان القوتان متميزتان في شخصين، ولكل واحد منهما ~~أعضاء تخصه وهي الأعضاء المعروفة وسائر الأعضاء فيهما مشتركات، وكذلك يشتركان في ~~قوى النفس كلها سوى هاتين، وما يشتركان فيه من أعضاء فإنه في الذكر أسخن، وما كان ~~منها فعله الحركة والتحريك فإنه في الذكر أقوى حركة وتحريكا. والعوارض النفسانية، ~~فما كان منها مائلا إلى القوة مثل الغضب والقسوة، فإنها في الأنثى أضعف وفي الذكر ~~أقوى. # وما كان من العوارض مائلا إلى الضعف مثل الرأفة والرحمة فإنه في الأنثى أقوى، ~~على أنه لا يمتنع أن يكون في ذكورة الإنسان من توجد العوارض فيه شبيهة بما في ~~الإناث. وفي الإناث من توجد فيه هذه شبيهة بما هو في الذكور، فبهذه تفترق الإناث ~~والذكور في الإنسان، وأما في القوة الحاسة وفي المتخيلة وفي الناطقة فليس يختلفان، ~~فيحدث عن الأشياء الخارجة رسوم المحسوسات المختلفة الأجناس المدركة بأنواع الحواس ~~الخمس في القوى الحاسة الرئيسية، ويحدث عن المحسوسات الحاصلة في هذه القوى رسوم ~~المتخيلات في القوى المتخيلة، فتبقى هناك محفوظة بعد غيبتها عن مباشرة الحواس لها، ~~فيتحكم فيها فيعرض بعضها عن بعض أحيانا، ويركب بعضها إلى بعض أصنافا من التركيبات ~~كثيرة بلا نهاية بعضها كاذبة وبعضها صادقة. # الفصل الثالث # | ابن سينا # هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن سيناء، الملقب بالشيخ الرئيس، أشهر أطباء العرب، ومن ~~أعظم فلاسفتهم، فارسي الأصل، نشأ في ولاية ما وراء الأنهر. # كان أبوه من أهل بلخ، طاب له المقام في بخارى لعهد نوح بن منصور، أحد أمراء الأسرة ~~السامانية، عين واليا لخرميتان إحدى عواصم بخارى. تزوج عبد الله والد علي من امرأة من ~~أفشنا، وهو بلد صغير على مقربة من خرميتان، فأنجبت له عليا في شهر صفر عام 370 ~~للهجرة/أغسطس سنة 980، وبعد ميلاده ببضع سنين عاد به أبوه إلى بخارى وعني بتربيته. # ذكر ابن ms063 سينا عن تهذيبه أنه في العاشرة من عمره كان قد استظهر القرآن وألم بجزء صالح من ~~العلوم الدينية، ومبادئ الشريعة الغراء، وعلم النحو. وكان الناس يعجبون بحفظه وبذكائه ~~السابق لأوانه، وكان أبوه يضيف في منزله عالما اسمه عبد الله ناتيلي، فوكل إليه تهذيب ~~ولده، ففاق التلميذ أستاذه وانقطع على للدرس بمفرده، فخاض غمار الرياضيات والطبيعيات ~~والمنطق وما وراء الطبيعة، ثم أكب بعد ذلك على درس فن الطب على أستاذ مسيحي اسمه عيسى بن ~~يحيى. # ولم يبلغ علي السادسة عشرة أو السابعة عشرة من عمره حتى طبقت شهرته الخافقين لحذقه في ~~الطب، وحتى دعاه نوح بن منصور أمير بخارى لعيادته في مرض ألم به، وأعيا حيل الأطباء، فعالجه ~~إلى أن عوفي، فانبسط له وأسبغ عليه ذيل الرضى وأسبل عليه ثوب النعمة، وفتح له خزانة كتبه ~~فوجد بها الطبيب الحكيم خير مجال لرغبة الدرس وأرحب ميدان لطلب العلم، واستقى من تلك ~~الينابيع العذبة ما شاء إقباله عليها. # وقد حدث أن أحرقت الكتب، فاتهم ابن سينا بأنه محرقها، رغبة في أن يتفرد بما وعته من ~~الحكمة، وخشية أن ينتفع بما حوته سواه! # وقد مات الأمير نوح بعد ذلك بقليل في شهر رجب عام 387 هجرية/يوليو سنة 997 وقد هوى بموته ~~نجم أسرته أو كاد. # قضى والد علي وهو في الثانية والعشرين من عمره، وكان يعينه في أعمال الدولة حتى إذا فرغ ~~منها عكف على تأليف بعض الكتب والرسائل، كان يسأله في وضعها لفيف من الأكابر والأعيان، فلما ~~أن نكب في والده ثقلت عليه الإقامة في بخارى فرحل عنها، وسكن جرجان وبعض مدن خوارزم وخراسان ~~وداغستان وهي إحدى البلاد الدانية من بحر قزوين. وقد أصابه في تلك البلاد داء عضال، ثم عاد ~~إلى جرجان فتعرف برجل كبير القدر اسمه أبو محمد الشيرازي، فأهدى إليه دارا فانتفع بها ~~لإلقاء الدروس للطلاب. وإذ ذاك بدأ ابن سينا بوضع كتاب قانون الطب، وهو المؤلف الذي خلد ~~ذكره، وأكسبه صيتا بعيدا في أوروبا، حيث بقي قانون ابن سينا ms064 هو أساس العلوم الطبية وعمدة ~~الطالبين لها خلال قرون متتالية. # وكانت المشاغب السياسية تلجئه إلى تغيير موطنه، وفي هذا من قطع العمل والتشويش على العلم ~~ما فيه، إلى أن استوزره شمس الدولة أمير همذان، بيد أن وزارته لم ترض الجند فأسروه وطلبوا ~~قتله، فأغضب صنعهم شمس الدولة وأنقذ ابن سينا من أيديهم بعد جهد جهيد. وقد اختفى ابن سينا ~~عن الأعين حينا ثم عاد إلى حاشية الأمير يتعهده منذ أصابه داء في الأحشاء وشرع يدون أجزاء ~~شتى من كتاب الشفاء. # وكان في كل عشية يلقي على تلاميذه دروسا في الفلسفة والطب. ويحكى عنه أنه كان يحب الأنس ~~والأطعمة الفاخرة، فكان كل ليلة بعد نهاية الدرس يستقدم العازفين، ويمد الموائد الممتعة، ~~ويقضي كذلك هزيعا من الليل مع تلاميذه وأحبابه. # ولما مات شمس الدولة وتولى الإمارة ابنه بعده لم ترقه حال ابن سينا فأعرض عنه، فحقد عليه ~~الشيخ الرئيس وكاتب في السر عدوه ومناظره علاء الدين أمير أصبهان فكشف أمره، وعوقب على ~~فعلته بالسجن في حصن، وبعد سنين كذلك فاز في الفرار إلى أصبهان فرحب به علاء الدولة، وكان ~~يصحبه في معظم غزواته وأسفاره. # وقد أفنت تلك المتاعب بنيته وزادته ضعفا على الذي لحقه من الإفراط في العمل واللهو، ~~فأصابه داء في الأحشاء فتناول دواء شديدا سريع الأثر، فاشتدت علته وقد بلغت آلامه ~~نهايتها في غزوة اصطحبه فيها علاء الدولة إلى همذان. # ولما أن رأي ابن سينا دنو أجله تاب إلى الله توبة نصوحا وتصدق بأغلى وأثمن ما كان يملك، ~~وانقطع إلى العبادة وأعد للقاء الله عدته وقضى إلى رحمة الله في شهر رمضان المبارك عام 428 ~~للهجرة/يوليو سنة 1037 وهو يبلغ سبعة وخمسين عاما. وقد دون تلميذه الجرجاني ترجمته وهو ~~المعروف عند الإفرنج باسم (جورجوروس)، ونقلت هذه الترجمة إلى اللغة اللاتينية وافتتحت بها ~~عدة من مؤلفات الشيخ الرئيس التي نشرت في أوروبا. # كان ابن سينا من أعجب العبقريين، وأبلغ الكتاب؛ فإنه خلال قيامه بأعباء المناصب وشد ~~الرحال إلى البلاد القصية، في ms065 مثار الحروب وثنايا الفتن الأهلية تمكن من وضع كتب كثيرة ~~ممتعة، يكفي أحدها لتأسيس مجده ووضعه في مصاف كبار حكماء المشرق. وقد دون أكثر من مائة كتاب ~~تتباين في الإتقان ولكنها تشهد بفضله وبإلمامه بسائر علوم عصره، وإكبابه على العمل في أحرج ~~الأحوال. ومعظم مؤلفاته لا تزال محفوظة إلى يومنا هذا، وكثير من كتبه الكبرى كالقانون ~~والشفاء ترجمت إلى اللاتينية وطبعت عدة مرات، وسنقصر الكلام بإسهاب في هذه العجالة على ~~الشفاء والنجدة. # كتاب الشفاء وهو من موسوعات العلوم ودوائر المعارف في ثمانية عشر مجلدا، محفوظة منها ~~نسخة كاملة بمدرسة أكسفورد الجامعة. والنجدة موجز الشفاء، وضعه الرئيس رغبة في إرضاء بعض ~~أصفيائه، وقد طبع الأصل العربي بعد القانون في رومة عام 1593، وهو في ثلاثة أقسام: المنطق ~~والطبيعيات وما وراء الطبيعة، وليس يوجد فيه القسم الخاص بالعلوم الرياضية التي أشار إليها ~~المؤلف في فاتحة الكتاب، وقال بضرورة ذكرها في الوسط بين الطبيعيات وعلم ما وراء الطبيعة، ~~وقد طبع هذان الكتابان كاملين ومتفرقين عدة مرات باللغة اللاتينية، منها مجموعة طبعت في ~~البندقية عام 1495 تشمل: ~~(1) # المنطق. ~~(2) # الطبيعيات (مقتبسة من كتاب الشفاء). ~~(3) # السماء والعالم. ~~(4) # الروح. ~~(5) # حياة الحيوان. ~~(6) # على العقل. ~~(7) # فلسفة الفارابي على العقل. ~~(8) # الفلسفة الأولى. # ونقل «نافيه» منطق ابن سينا إلى الفرنسوية ونشره بباريس عام 1658، كذلك طبع العلامة ~~سمولدرز أرجوزة منطقية لابن سينا في «مجموعة الفلسفة العربية»، أما فلسفة ابن سينا فهي ~~بالضرورة كفلسفة غيره من أتباع أرسطو دع عنك ما تحويه، عدا مبادئ المعلم الإغريقي، من ~~التعاليم الأخرى التي لم تخل منها حكمة سواه من فلاسفة العرب. # ذكر ابن طفيل في كتابه «حي بن يقظان» أن ابن سينا قال في فاتحة الشفاء إن الحقيقة في رأيه ~~ليست في هذا التصنيف، وإن من يريدها فليلتمسها في كتاب الحكمة المشرقية. بيد أن هذا الكتاب ~~لم يصل إلينا، وقد عرفنا ممن وقع لهم أن موضوعه ربما كان في تعليم رأي وحدة الوجود على ~~الطريقة الشرقية. ولذا يجب علينا أن نقنع بما وصل إلينا من كتبه الأخرى، ms066 التي ظهر فيها ~~بمظهر الاستقلال الفكري حينا وحينا بمظهر المقلدين الناقلين. على أنه اعترف بأنه اعتمد في ~~منطقه كثيرا على مؤلفات الفارابي، فإن من يقرأ كتب ابن سينا يرى رابطة متينة في التأليف ~~ويرى رغبة الشيخ ظاهرة في تنسيق العلوم الفلسفية وترتيبها بدقة شديدة وردها إلى سلسلة واحدة ~~لا بد منها. (راجع كتاب الملل والنحل للشهرستاني النسخة العربية ص348 و429). # وقد قسم العلوم في الشفاء إلى ثلاثة أقسام: ~~(1) # العلوم العالية أي التي لا علاقة لها بالمادة، وهي الحكمة الأولى أو ما وراء ~~الطبيعة. ~~(2) # العلوم الدنيا وهي الخاصة بالمادة وهي الطبيعيات وما يتبعها ، وهي العلوم ~~الخاصة بكل ما كان له مادة ظاهرة وما ينشأ عنها. ~~(3) # العلوم الوسطى وهي التي تتعلق تارة بما وراء الطبيعة وطورا بالمادة وهي ~~الرياضيات. # وقد عدها كذلك لأنها بين بين، فإن علم الحساب مثلا خاص بما لا علاقة له بالمادة بطبيعته ~~ولكنه يتصل بها بمقتضى الحال. وعلم الهندسة خاص بالموجودات التي يمكن تخيلها بدون اتصالها ~~بالمادة، ومع أنها لا وجود لها في الحس فإنها لا قوام لها إلا بالأشياء المرئية. # أما الموسيقى وفنون الآلات والعلوم البصرية فإن علاقتها بالمادة قريبة، إلا أن نسبة ~~رفعة بعضها عن البعض راجعة إلى دنوها من الطبيعيات. وقد تكون العلوم في بعض الأحوال مشتبكة ~~لا يمكن فصلها كما هي الحال في علم الفلك، فإنه علم رياضي ولكنه خاص بأرقى طبقة من طبقات ~~العلم الطبيعي. # وإن هذا التقسيم لدليل قاطع على مقدار ما استفاده ابن سينا من كتب أرسطو، ويرى الخبير من ~~الإمعان في مؤلفات ابن سينا أن التلميذ فاق أستاذه في فحص العلوم وتبيينها. # فإن أرسطو قسم الفلسفة النظرية إلى ثلاثة أقسام: الرياضيات، والطبيعيات، وعلم اللاهوت. ~~وبذا جعل الرياضيات نوعا من الفلسفة ونسب إلى الرياضيات فنونا تبحث في غير المادة (فيما ~~ليس متحركا ومنفصلا عن المادة)، ثم ذكر علوما أخرى كالفلك وعلم المرئيات وفن الانسجام ~~ونسبها إلى الطبيعيات، ولكنه لم يحط بتقسيم بلغ من الدقة والجلاء ما بلغه تقسيم ابن سينا ~~للعلوم. ms067 (راجع كتاب ما وراء الطبيعة لأرسطو الكتاب السادس الفصل الأول، والطبيعيات له أيضا ~~الكتاب 2 فصل 2). ولم تكن زيادة البيان التي امتاز بها ابن سينا قاصرة على تقسيم العلوم، بل ~~كان ذلك يشمل النظريات الفلسفية، فإن ابن سينا قال كسابقيه في نظرية الكائن بالممكن ~~والضروري، ثم أضاف إلى ذلك آراء خاصة بها ينبغي الوقوف عليها؛ فإنه قسم الكائن إلى ثلاثة ~~أقسام: ما كان ممكنا فقط، وفي هذا القسم أدخل سائر الكائنات التي تولد وتموت؛ القسم الثاني ~~ما كان ممكنا بذاته وضروريا بسبب خارج عنه، أو بعبارة أخرى كل كائن قابل للتولد والفناء ~~(ما عدا السبب الأول مثل الدوائر والأفلاك) والعقول التي هي بذاتها كائنات ممكنة ولا تصير ~~واجبة إلا باتصالها بالسبب الأول؛ أما القسم الثالث فهو قاصر على ما كان واجبا بذاته وهو ~~الله. يقول ابن سينا وتقرر هذا الكائن الفرد وحده باتحاد الوجود والوحدة والروح. أما في ~~الكائنات التي سبق ذكرها في القسمين الأولين فإن الوحدة والوجود هما حادثان طرآ على روح ~~الأشياء واتصلا بها. # وقد عارض ابن رشد هذا التقسيم في أماكن شتى من مؤلفاته وانتقده وأفرد له رسالة على حدة، ~~لا يوجد منها الآن إلا نسخة عبرية بالمكتبة الوطنية بباريس. يقول ابن رشد إن ما كان ~~واجبا بسبب خارج عنه لا يمكن أن يكون ممكنا بذاته إلا إذا هلك السبب الخارج، وهذا ~~مستحيل فيما فرضه ابن سينا؛ لأن السبب الأول واجب الوجود وليس عرضة للهلاك، ثم إن ابن رشد ~~يرد بشدة على ما زعمه ابن سينا من أن الوجود والوحدة ليسا سوى عارضين يطرآن على حقيقة ~~الأشياء. # ويقول إن ابن سينا خلط الوحدة العددية، التي هي لا شك طارئة بالوحدة المطلقة التي هي وروح ~~الأشياء واحد لا يتعدد، وبذا لا تنفصل عنه (أي عن ذلك الروح)، ثم ذكر ابن رشد أن ابن سينا ~~قد قال في ذلك بآراء المتكلمين الذين يعتبرون الكون الأرضي بما فيه في دائرة الكائنات ~~الممكنة، ويعتقدون أنها قابلة للتغير. إنما تفوق ابن سينا ms068 عليهم في التمييز بين الممكن ~~والواجب لإثبات وجود كائن روحي (هيولاني). # وبعد أن أظهر ابن رشد خطأ ابن سينا في تقسيمه قال: «وقد رأينا في هذا الزمن كثيرين من ~~أتباع ابن سينا يفسرون رأيه ليحوروه، فيقولون إن ابن سينا لم يقل بوجود مادة منفصلة بذاتها، ~~وهذا في زعمهم ناشئ عن كيفية الشرح التي استعملها ابن سينا في عدة مواضع في الكلام على واجب ~~الوجود. وهذا أيضا هو أساس فلسفته التي وضعها في كتاب الحكمة المشرقية، وقد أطلق عليها هذا ~~الاسم لأنه استعارها من المشارقة الذين يوحدون بين الله وبين الدوائر السماوية (الأفلاك) ~~وهذا الرأي منطبق على رأي ابن سينا.» ا.ه. كلام ابن رشد. # إن فكرة وحدة الوجود الشرقية هذه لم تترك أثرا في كتابات ابن سينا التي تربطه بالمشائين ~~وهي غاية بحثنا في هذه الرسالة. # تساهل ابن سينا مع المتكلمين كما رأيت، ولكنه لم يتردد في القول مع الفلاسفة بأزلية ~~العالم التي تختلف عن أزلية الله بأن لها سببا خاصا وقائما بها (وهذا السبب لا يقع في ~~الزمان) أما الله فأزلي الوجود بذاته. # إن ابن سينا يقول وغيره من الفلاسفة إن السبب الأول لكونه الوحدة المطلقة لا يمكن أن يكون ~~له أثر مباشر سوى الوحدة، ويقول في البرهان على ذلك إنه ثبت أن الكائن الواجب الوجود بذاته ~~هو واحد في كل صفاته فلا يمكن أن يصدر عنه إلا كائن واحد؛ لأنه إذا صدر عنه كائنان ~~مختلفان حقيقة فإنهما لا يصدران إلا عن جهتين مختلفتين من روحه. فإذا كانت هاتان الجهتان ~~متصلتين بروحه ينتج عن ذلك أن ذلك الروح قابل للانقسام، وقد أثبتنا استحالة ذلك وخطأه. ~~(راجع ما وراء الطبيعة لابن سينا الكتاب التاسع الفصل الرابع، والشهرستاني ص830، والغزالي ~~مقاصد الفلاسفة). # نقول وإذا صدق قول ابن سينا في أنه لا يصدر عن الواحد إلا ما كانت صفته الأولية الوحدة، ~~فكيف نعلل صدور العالم عن الله وهو مجموع كائنات متعددة؟! للجواب على هذا فرض ابن سينا أن ~~حركة الدوائر لم تصدر عن ms069 الله مباشرة، ومن المعلوم عن رأي المشائين أن أثر علة العلل في ~~الكون الأرضي ظاهر في الحركة التي تشكل المادة. إنما يصدر عن الله العقل الأول، أي عقل ~~الدائرة المحيطة التي تسبب حركة الدائرة الثانية، وهذه الدائرة المحيطة الأولى وإن كانت ~~صادرة عن الكائن الفرد فإنها مركبة لأن بعقلها غايتين: العقل الأول والدائرة ذاتها. يقول ~~ابن رشد: وهذا خطأ في رأي المشائين أنفسهم؛ لأن العاقل والمعقول هما واحد في العقل ~~الإنساني، وهما كذلك بقوة أشد في العقول المنفصلة (عن المادة). ثم يقول ابن رشد إن هذا ~~الرأي ليس لأرسطو، إنما استفاده الفارابي وابن سينا من بعض الحكماء الأقدمين الذين قالوا ~~بأن الخير والشر خاصة والأضداد عامة لا تصدر عن سبب واحد. # وإذا عممنا هذا الفرض وصلنا إلى وضع قاعدة منفردة، وهي أنه لا يصدر مباشرة وبلا وسيط عن ~~السبب البسيط المفرد إلا أثر فرد. وقد أظهر ابن رشد أنهم أخطئوا في نسبة هذا الرأي إلى ~~أرسطو، وقد نشأ ذلك عن سوء فهم المعنى المراد لفكرة الوحدة في قول هذا الحكيم عندما وصف ~~الكون بأنه وحدة أو مجموع حيوي صادر عن سبب أول مفرد. # ولم يتردد ميمونيد، الذي يرجع سائر نظريات ابن سينا إلى آراء المعلم أرسطو، في نسبة هذا ~~الفرض إلى سواه. (راجع كتاب مرشد الحيران تأليف ميمونيد القسم الثاني الباب الثاني ~~والعشرين). وقد انتشرت هذه الهفوة في المدارس المسيحية خلال القرون الوسطى، ومن أثر ذلك أن ~~نسب ألبرت الكبير هذا الفرض إلى أرسطو وسائر تلاميذه، واتباع تعليمه ما عدا حكيما واحدا ~~قال إنه يعتقد بصدور شيئين من وحدة بسيطة، هما المادة العامة والشكل العام. # وكان ابن سينا يقول كغيره من الفلاسفة بامتداد إحاطة علم الله بالموجودات العامة لا ~~بالأشياء الخاصة، والحوادث التي تقع مصادفة، وينسب إلى نفوس الدوائر العلم بالجزئيات، وإنه ~~بواسطة تلك النفوس يتصل علم الله بالموجودات الأرضية، ويفرض ابن سينا أن لنفوس الدوائر خاصة ~~التخيل التي تلم بأشياء لا حد لها، لأنه لا يقدر أن لا ينسب ms070 العلم بالحوادث التي تقع ~~مصادفة، والأشياء المفردة إما إلى عقول الدوائر، وإما إلى العقل الإلهي. إن الأشياء الخاصة ~~المفردة الأرضية لها رد فعل على علتها القريبة وتخترق صورها الدوائر بالتدريج، فتتصل شيئا ~~فشيئا من علة إلى علة إلى أن تصل إلى السبب الأول، وقد أثبت لنا ابن رشد أن هذا الفرض خاص ~~بابن سينا، وقد رد ابن رشد عليه. # يقول ابن رشد إن الخيال متصل بالحواس ومعتمد عليها، وحيث إن الحواس لا يمكن نسبتها إلى ~~الأجرام السماوية حينئذ لا تمكن نسبة الخيال إليها، وهو يبيح أن ينسب الإدراك للأجرام ~~السماوية، وطبيعة هذا الإدراك كطبيعة إدراك المتفنن الذي يبدع تأليفا أو صورة أو عمارة أو ~~تمثالا قبل إبرازها من حيز الفكر إلى حيز الوجود. # ولكن هذا الإدراك أو الخيال يلم بالأمر المقصود إنجازه إلماما عاما أو نوعيا لا ~~إلماما تفصيليا، لذا لو فرضنا أن للأجرام السماوية خيالا، فلا يمكن أن يكون لهذا الخيال ~~علاقة بالموجودات الخاصة الأرضية، ويظهر مما سبق في الأمثال والإيضاح، أن ابن سينا أراد ~~بفرضه أن يقرب بين السبب الأول وبين الموجودات الأرضية، وقد حاول هذا التقريب بإيجاد حلقات ~~متتابعة يمكن بواسطتها اتصال القوة المجردة بسائر الموجودات المادية، ولا يخفى أن ابن سينا ~~حاول في مواطن شتى أن يحيد عن اتباع آراء أرسطو، ولكن ابن رشد كان على العكس لا يريد إلا ~~تثبيت سلطة أرسطو الفلسفية ومناصرة آرائه ومبادئه وتحقيق فكره؛ لذا لم يعلق أهمية كبرى على ~~ما كان خاصا بابن سينا من النظريات، وكثيرا ما اشتهر امتهانه لها. (راجع مرشد الحيران ~~الجزء 1 ص231 ملحوظة 10 تأليف ميمويند). أما نظرية النفس فقد عالجها ابن سينا بعناية فائقة، ~~وقد نقل بالدقة تقسيم أرسطو للمواهب النفسية ونظرية العقل المؤثر والعقل المتأثر، وأضاف إلى ~~آراء أرسطو ونظرياته شروحا وملحوظات ذات قيمة، فقد تبعه حكماء العرب في التقسيم القياسي ~~لمواهب النفس البشرية الذي وضعه وسار على سننهم فلاسفة القرون الوسطى المدرسيون وبعض ~~الحكماء المحدثين وهذا هو التقسيم القياسي الذي وضعه ابن ms071 سينا. ~~(1) # الخواص الظاهرة أو الحواس الخمس. ~~(2) # الخواص الباطنة. ~~(3) # الخواص المحركة. ~~(4) # الخواص العاقلة. # وقد قسم كل خاصة منها إلى أقسام أدق، فذكر القوة الوهمية في الفصل الثالث من القسم ~~الثاني، وبها يكون الحيوان حكمه كما يفعل الإنسان بقوة الفكر أو التأمل، فإنه بالوهم ~~تعلم الشاة أن صغارها في حاجة إلى حنانها وأنهن في خطر من الذئب. # وكان الفلاسفة السابقون على ابن سينا يخلطون بين تلك القوة وبين القوة المخيلة، ومن خواص ~~ابن سينا أنه جعل مقر خواص النفس في تجاويف المخ الثلاثة. # أما فيما يتعلق بصلة العقل المؤثر بالنفس البشرية فلم يحاول ابن سينا أن يقر رأيا وهو ~~كسائر حكماء العرب يرى في تلك الصلة أسمى ما تتطلع إليه النفس البشرية؛ لذا ينصح للنفوس ~~بالمساعي ولكنه يفضل قهر المادة وتطهير النفس من أدرانها حتى تصير وعاء نقيا جديرا بتلقي ~~الإلهام الإلهي. (راجع كتاب ما وراء الطبيعة الكتاب التاسع الفصل السابع). # يقول ابن سينا: «أما النفس العاقلة فكمالها الحقيقي خفي ومصيرها أن تكون عالما عقليا ~~تنبسط فيه صور الموجودات وترتيبها والخير العام الذي يخترق الأشياء عامة وهو قاعدة الكون ~~الأولى، ثم المواد الروحية العالية، ثم النفوس المتصلة بالأجساد، ثم الأجرام السامية، وما ~~لها من الخواص والحركات، وهكذا إلى أن تصير النفس عالما عاقلا مماثلا للعالم العقلي ~~بأجمعه عارفة بأتم الأشياء: كالجمال التام، والخير التام، والمجد التام، فتتصل به وتصير كما ~~ذكرت مادة. ولكنا ما دمنا في هذا العالم الأرضي وفي هذه الأجساد فلا نستطيع أن نشعر بتلك ~~السعادة لما يحيط بنا من الشهوات، فنحن لا نبحث عن تلك السعادة الكاملة ولا نشعر بأننا ~~قادرون أن نحصل عليها إلا إذا تخلصنا مما يعلقنا بالشهوات وأنواع الفتنة والهوى. حينئذ ~~نستطيع أن نتخيل شيئا من تلك السعادة في نفوسنا، شريطة أن تتبدد الشكوك وأن تستنير بصائرنا ~~ويظهر أن الإنسان لا يقدر على الخلاص من هذا العالم وما يحيط به إلا إذا تعلق بأهداب العالم ~~العقلي الذي ذكرت، فتجذبه رغبته إليه وتصونه عن النظر إلى ما ms072 وراءه، وهذه السعادة لا تنال ~~إلا بممارسة الفضائل والكمالات.» ويقول في مكان آخر: «يوجد رجال ذوو طبيعة طاهرة، اكتسبت ~~نفوسهم قوة بالطهر وبتعلقها بقوانين العالم العقلي؛ لذا هم ينالون الإلهام ويوحي إليهم ~~العقل المؤثر في سائر الشئون، ويوجد غيرهم لا حاجة بهم إلى الدرس للاتصال بالعقل المؤثر؛ ~~لأنهم يعلمون كل شيء بدون واسطة. هؤلاء هم أصحاب العقل المقدس، وإن هذا العقل لمن السمو ~~بحيث لا يمكن لكل البشر أن ينالهم منه نصيب.» (راجع الشهرستاني ص428 نسخة ألمانية جزء 2 ~~ص331-332 في آخر تحليل طبيعيات ابن سينا). # ويرى القارئ مما تقدم من قول الرئيس أنه يقصد بأصحاب العقل المقدس الأنبياء الذين يحظون ~~بالوحي الرباني، وهو قائل به البتة ما دام يعترف بأن بين النفس البشرية والعقل الأول علاقة ~~طبيعية، وما دام الإنسان ليس أبدا في حاجة إلى الحصول على العقل المكتسب بالدرس. # يتبين لك مما سبق أن الشرائع السماوية والقوانين الأدبية تشغل مكانا فسيحا في مبادئ ابن ~~سينا، وأنه بعيد بمراحل في لغته الطاهرة عن المبادئ الحرة المخالفة للدين التي شرحها وقال ~~بها ابن رشد. وسيرى القارئ فيما يلي مقدار انقياد ابن رشد إلى رأيه في العقل. ويقول ابن ~~سينا ببقاء وجدة النفس البشرية التي لها مادة منفصلة عن الجسد، وأن هذه المادة محافظة على ~~ذاتها، ولكنها غير متعلقة بالمكان، أو الزمان. (راجع مرشد الحيران جزء 1 ص433 ملحوظة ~~2). # إن في كل فرع من فروع العلوم الفلسفية آراء جديدة أضافها ابن سينا إلى فلسفة أرسطو، ولكن ~~هذه الفلسفة لم تتغير في مجموعها بما أضافه الرئيس تغيرا كبيرا. # وبالجملة فإن ابن سينا أخرج سائر أجزاء فلسفة أرسطو بنظام تام، وتسلسل محكم، ووسع نطاقها ~~بمذهب الأفلاطونية الحديثة (نيوبلاتونيزم). # وهو لا ريب معدود أكبر أساتذة فلسفة أرسطو في القرون الوسطى، ومع أنه تساهل كثيرا ~~إكراما لمبادئ الإسلام، فإنه لم يحدث تغييرا كبيرا في مجموع فلسفة أرسطو التي لا يمكن ~~اتفاقها مع الدين الحنيف. ولا ريب في أن الغزالي قصد إليه بكتابه «تهافت الفلاسفة». ~~(1) إيضاح ms073 عن ابن سينا # إن ما ذكرناه بالإيجاز عن حياة الشيخ الرئيس، من الشئون العادية يدل دلالة سطحية على ~~حياته، ويحار المؤرخ إذا حاول الوصول إلى علم يقيني عن نفسية ابن سينا وأخلاقه، ويظهر ~~للواقف على أخباره أن أبا عبيد الجرجاني، وهو صاحبه الذي نقل عنه، لم يدون ما يلقي ~~شعاعا من النور على تلك الناحية من حياة الرئيس، ولكن المدقق قد يصل بعد طول الإمعان ~~إلى بصيص من الضياء. وقد جاءت النبذ الدالة على خلقه وعقله عرضا لا قصدا، من ذلك أنه ~~نشأ منذ نعومة أظفاره مستقلا برأيه، وترعرع ونما وهو يحافظ على ذلك الاستقلال بالرأي ~~الذي هو الجوهر في أخلاق الرجال. # فقد حكى أن أباه وأخاه كانا من الإسماعيلية، وأنه سمع منهما كلاما في النفس والعقل ~~على طريقة يرضاها أبوه وأخوه ولا يقبلها عقله ولا ترتاح إليها نفسه، فلم يقبل عليها ~~ونبا عنها. وهذا الاستقلال في الرأي والاعتداد بالنفس دليل قوة الفكر والإرادة. حقا ~~أن الاعتداد بالنفس من أدلة الإعجاب بها، وفي الإعجاب بالنفس عيوب ومحاسن، ويظهر لنا أن ~~ابن سينا استفاد بإعجابه بنفسه سموا في خلقه وعلوا في مقاصده واقترابا من المثل ~~الأعلى، ولم يخف علينا ذلك؛ فقد وصف نفسه بالتقدم في العلم والبراعة فيه بكلام ملؤه ~~الإعجاب بالذات. # ويظهر من أخباره أنه كان عبقريا ممتازا قادرا على الإلمام بالعلوم والمعارف ~~واستنباط الأفكار القوية ببساطة وبدون تكليف ظاهر أو خفي، فكان عقله مخلوقا للفلسفة. ~~فقد سبقه في كل الأمم فلاسفة وصلوا إلى الحقيقة بعد الجهد والتعب وبعد التألم والمعاناة ~~في سبيل البحث عنها، ولكن ابن سينا كان فذا في عبقريته حقا، وكان ذكاؤه من النوع ~~الذي يظهر قبل أوان ظهوره عند أشباهه في السن والمواهب، فقد أتم ابن سينا تعليمه ~~ودراسته في أواخر العقد الثاني من عمره الحافل بالعجائب، وكان على قمة الفتوة مالكا ~~زمام العلوم المعروفة لعهده، يعيها ويحفظها ويحللها، ثم اندمجت تلك العلوم في نفسه ~~فنضجت النفس وتجلت معرفتها أجمل تجل، وليس لدينا دليل على أنه ms074 راد على علمه شيئا ~~بكر السنين ومرها، ولكنه أحسن استعمال الأدوات التي حباه الله إياها، فلما فرغ من ~~تحصيل العلوم بأسرها في مقتبل الشباب لم يزد عليها شيئا ولم يتجدد له علم، ولكن فطرته ~~السليمة وبصيرته المنورة وعقله الجبار وإرادته القوية تضافرت كلها وتآزرت على المحافظة ~~فيما بقي من عمره على الأسس العلمية التي ركزت في نفسه عنفوان الفتوة، والتي صرف جهده ~~في صقلها وتهذيبها. # ومما يؤيد قولنا بأن عقل ابن سينا كان مخلوقا للفلسفة، وأن ممارسة العقليات كانت ~~لديه أسهل منها لدى غيره؛ أنه بعد تفوقه في سرعة إحراز العلوم، وامتلاك ناصيتها بقليل ~~عناء، صار التأليف والتصنيف من أبسط الأمور وأسهلها وأسرعها لديه، فلم يكن من الحكماء ~~الذين يطيلون النظر فيما يكتبون، ثم إذا هم دونوا شيئا يصرفون وقتا في تحويره وتبديله ~~بعد نقده وتمحيصه، بل كان ابن سينا فياضا بحكمته وفلسفته يثبتها، ولا يمحو ما أثبت، ~~ولا يتردد في تنقيح أو تصحيح، ولا يشك في صحة ما كتب. ودليلنا على ذلك كثرة الكتب التي ~~ألفها ابن سينا، وكلها قيمة ممتعة، وقد ألف بعضها وهو في نضارة العمر يترقرق في وجهه ~~ماء الشباب، على أنه لم يبلغ أكثر من ثلاث وخمسين سنة على الأقل أو ثمان وخمسين سنة على ~~الأكثر. # ينتج مما تقدم أن الشيخ كان من أظهر صفاته كثرة العمل وسهولته وسرعة إتمامه، وكان ~~يشبه جوته الفيلسوف الألماني من بعض وجوه، فإن جوته ألف رواية «فوست» في جزأين، بين ~~الأول والثاني منهما نحو ستين عاما، كذلك ابن سينا ألف الجزء الأول من الشفاء مذ كان ~~في معية الأمير شمس الدولة، وما زال يوالي التأليف فيه في فترات متباعدة حتى أتمه وهو ~~في معية الأمير علاء الدولة. وهذا دليل على أنه رضي عما ألفه في شبابه بعد أن بلغ أشده، ~~وثبتت في الحكمة قدمه. كذلك كانت حال «جوته» وكتابه الخالد «فوست»، وكذلك كان كتاب ~~الشفاء للرئيس أوسع وأمتع ما وضعه في الحكمة. # أما عن عقيدة ابن سينا فقد وردت ms075 نصوص تدعو للتقول والظن، ولكن الأخبار الصادقة ~~الصحيحة المروية عن الجرجاني الثقة وغيره، مجمعة على أن الشيخ الرئيس كان إذا أشكلت ~~عليه معضلة، توضأ وقصد المسجد الجامع وصلى ودعا الله أن يسهلها عليه، ويفتح مغلقها بين ~~يديه، وهذا دليل على العاطفة الدينية القوية في نفس ابن سينا. ويصح لنا أن نقول إن ~~إيمانه كان جزءا من عبقريته، وإن اعتقاده بواجب الوجود كان من أقوى أسباب ظهور ~~عبقريته. # أما ما رواه الجرجاني من أن الرئيس كان شديد القوى كلها، وأن قوة الحب كانت لديه أقوى ~~وأغلب، وأن مظاهر تلك القوة المعنوية والمادية جذبت الشيخ إليها، واستدعت منه جهودا ~~أثرت في مزاجه، وكانت من أسباب علته واشتداد وطأتها عليه، فقد كان هذا صحيحا، وكانت ~~هذه الصفات موضع العجب لدى الباحثين، ولكن منذ ظهر العلامة «فرويد» واستوفى النظر فيما ~~بين قوة الحب الجنسي والمواهب العقلية، فقد أصبحت دراسة تلك العاطفة القوية لدي ~~العبقريين، من أهم الوسائل للوقوف على كثير من خفايا نفوسهم وأسرار حياتهم العقلية ~~والقلبية، وهذه الأشياء التي ذكرت تلميحا في تاريخ الفلاسفة، أصبحت ذات شأن كبير في ~~نظر علماء النفس وتحليل قواها ومواهبها. وصار هذا البحث نفسه علما قائما بذاته اسمه Psychoanalyse ~~. # الفصل الرابع # | الغزالي # أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، كان يدعوه العامة بالغزال، أكبر علماء الكلام لعهده وأحد ~~أئمة المذهب الشافعي. ولد في طوس إحدى مدن خراسان عام 450 للهجرة/1058 للمسيح ودرس العلوم ~~في بلده، ثم رحل في طلب العلم إلى نيسابور، وظهرت عليه منذ صباه علامات الذكاء الخارق ~~والنجابة النادرة، وكان علمه الواسع بعلوم الكلام، ووقوفه على فنون الفلسفة، سببا في إقبال ~~نظام الملك وزير السلطان ملك شاه السلجوقي عليه، فوكل إليه إدارة المدرسة النظامية التي ~~أسسها ببغداد. # وكان الغزالي حينئذ في الثالثة والثلاثين وله بين العلماء مرتبة رفيعة. وبعد سنين قليلة ~~ترك المدرسة النظامية، وقصد إلى أداء فريضة الحج في مكة، ولما أتم هذا الفرض المقدس، ألقى ~~دروسا في جوامع دمشق وبيت المقدس والإسكندرية، وإذ كان بالإسكندرية ms076 أوشك أن يرحل إلى ~~المغرب ليقدم على يوسف بن تاشفين أمير مراكش أحد أمراء المرابطين فأتاها نعي يوسف، فعاد إلى ~~طوس وانقطع إلى حياة الفكر، وعاش عيش المتصوفة وانكب على تأليف الكتب، وكانت غايته من وضعها ~~تقرير امتياز دين الإسلام على غيره من الأديان وعلى الفلسفة؛ ولذا سمي حجة الإسلام وزين ~~الدين. # وأشهر كتبه إحياء علوم الدين، وهو كتاب في علم الكلام والآداب مقسم إلى أربعة أقسام: ~~الأول في الشعائر والاحتفالات الدينية، والثاني في القوانين الخاصة بأحوال الحياة الدنيوية، ~~والثالث فيما يهلك، والرابع فيما ينقذ، أي في الرذائل والفضائل. # ثم هجر التأليف وعاد إلى نيسابور، ليدير المدرسة النظامية، ثم عاد إلى طوس وأسس ملجأ ~~للصوفيين (تكية) وقضى بقية أيامه في العبادة والتأمل، وقضى إلى رحمة الله عام 505 ~~للهجرة/1111 للمسيح. # أما المعلومات الكاملة عن حياته، فقد أعطاها الموسيو دي هامير في مقدمة كتاب «أيها الولد» ~~في الترجمة العربية الألمانية، وهو كتاب في الأخلاق من كتب الغزالي. # إنما الذي يهمنا في هذا الباب هو تاريخ حياة الغزالي الفكرية، وسير دراسته والدرجة التي ~~تنبغي له بين فلاسفة الإسلام، وتأثيره في فلسفة عصره، وقد هدانا إلى حل تلك المسائل الغزالي ~~ذاته في كتاب اسمه «المنقذ من الضلال»، وقد شرح فيه حقائق الموجودات وحلل هذا الكتاب ~~تحليلا كاملا المسيو باليا والمسيو شمولدرز في مقالة على «مبادئ الفلسفة عند العرب»، وقد ~~نشر شمولدرز نص رسالة الغزالي العربي وترجمة فرنسية فيها بعض أغلاط ولكنها لا شك ~~كافية. # وهذه رسالة هي في شكل جوابات على أسئلة وجهها إليه صديق، فتكلم أولا في الصعوبة التي ~~لقيها في التمييز بين المبادئ والتعاليم الفلسفية المختلفة، وفي معرفة الخطأ من الصواب، ~~وتكلم عن المساعي التي لم ينته من بذلها منذ سن العشرين في سبيل الوقوف على الحق. قال وبعد ~~أن درس مبادئ الفلاسفة الدينية والحكمية وتعمق فيها أخذ يشك في كل شيء، وسقط في هوة الجحود ~~المطلق، وارتاب فيما يهديه إليه الحس، الذي طالما يرشدنا إلى أحكام يناقضها العقل، كذلك لم ms077 ~~يكن العقل كافيا لإقناع الغزالي، لأنه لا شيء يثبت صحة مبادئه، وأن الذي نعتقده صوابا في ~~اليقظة بواسطة الحس أو العقل ليس كذلك إلا لعلاقته بالحال التي نحن عليها، ولكن هل نحن ~~متحققون من أن حالا أخرى لا تتلو تلك وتكون بالنسبة لليقظة كنسبة اليقظة للنوم، بحيث نعرف ~~في تلك الحال الحادثة أن كل ما حسبناه صحيحا بواسطة العقل، لم يكن إلا حلما لا حقيقة ~~له. وفي الواقع رجع الغزالي عن جحوده، ولكن هذا لم يكن بقوة العقل إنما في أثناء بحثه عن ~~الحقيقة، انقطع للتعمق في مبادئ المتكلمين والباطنية والفلاسفة والمتصوفين، ولم تجد نفسه ~~هداها إلا في التصوف والتأمل والانجذاب الذي يعرفه الصوفيون . بيد أنه ليس للغزالي أثر ~~ظاهر في مبادئ الصوفيين، ولكن أثره الأعظم هو في تاريخ الفلسفة العربية، فإن جحوده الذي لم ~~يظهره في كتبه بشكل مبدأ، خدمه ليطعن المبادئ الفلسفية طعنة مشئومة. # بين مؤلفات الغزالي التي عددها الموسيو هامر في رسالته كتابان جديران بالنظر: الكتاب ~~الأول «مقاصد الفلاسفة» والثاني «تهافت الفلاسفة»، أما كتاب المقاصد فهو تلخيص للعلوم ~~الفلسفية، شرح فيه المؤلف علم المنطق، وما وراء الطبيعة، والطبيعيات. ولم يبتعد في شرحه عن ~~مبادئ أرسطو، التي شرحها الفارابي وابن سينا، وقد نقل هذا الكتاب إلى اللغة اللاتينية في ~~أواخر القرن الثاني عشر بواسطة «دومينيك جندسالفي» وطبع في البندقية عام 1506م. بواسطة ~~«برتوس ليشتنشتين دي كولوني» تحت اسم «منطق العرب وحكمتهم للغزالي». # وقد يدهش من يرى الغزالي في المقاصد يشرح مبادئ الفلاسفة التي يهدمها في كتاب التهافت، ~~وقد ظن الموسيو ريتر في كتابه # Geschichte der Philosophie ~~(تاريخ الفلاسفة ج8 ص59) أن الغزالي كتب المقاصد لما كان لا يزال قائلا بمبادئ أرسطو، ولكن ~~الحقيقة هي أن الغزالي لم يرد بالمقاصد إلا الاستعداد لهدم المبادئ التي شرحها شرحا ~~وافيا، كما بين ذلك في المقدمة التي لم تنشر في كل النسخ الخطية اللاتينية وفي طبعة فنيس ~~(البندقية)، ولكنها موجودة في نسختين خطيتين باللغة العبرية وفي نسخة لاتينية في مكتبة ~~السربون. وهذا ms078 ما قاله الغزالي في المقدمة ردا على من سأله رد حجة الفلاسفة: «تسألني يا ~~أخي تأليف كتاب كامل واضح للرد على الفلاسفة وتبيين خطأ مبادئهم لتتقي بذلك الوقوع في ~~الخطأ، ولكن هذا عبث قبل أن تعرف مبادئهم وتعاليمهم تمام المعرفة؛ لأن الرغبة في الوقوف على ~~خطأ بعض الآراء قبل الوقوف عليها تمام الوقوف تعد خطأ ينتهي بالعمى والخلط. فظهر لي من ~~الضروري قبل الشروع في نقض آراء الفلاسفة أن أضع كتابا أشرح فيه ميول علومهم المنطقية ~~والطبيعية والإلهية دون التمييز بين الخطأ والصواب في مبادئهم، لأن غايتي هي شرح نتائج ~~أقوالهم دون الإسهاب في أمور زائدة عن الحاجة ولا علاقة لها بالبحث، فسأكتفي بشرح مبادئهم ~~مضيفا إليها الأدلة التي يثبتون بها أقوالهم، فغاية هذا الكتاب هي شرح مقاصد الفلاسفة، ~~ولهذا اخترت له ذلك الاسم.» ثم ذكر الغزالي أنه سيترك العلوم الإلهية جانبا لاتفاق العامة ~~على صحة مبادئها، وأن ليس بها ما يحتاج إلى النقض، وكذلك مبادئ المنطق هي على العموم صحيحة ~~والخطأ فيها نادر، أما الطبيعيات فالحق فيها ممتزج بالباطل. # وهذا ختام الكتاب في الأصل العربي والنسختين العبريتين: «فهذا ما أردنا أن نحكيه من ~~علومهم المنطقية والإلهية والطبيعية من غير اشتغال بتمييز الغث من السمين والحق من الباطل، ~~ولنفتتح بعد هذا الكتاب تهافت الفلاسفة حتى يتضح برهان ما هو باطل من هذه الجملة.» # وبعد هذا البيان الشافي، ليس مكان للعجب من شرح مبادئ الفلاسفة في كتاب المقاصد. أما كتاب ~~التهافت فغاية الغزالي منه هي نقض تعاليم الفلاسفة، بنقد عام يظهر ما فيها من التناقض، ~~ويوضح مخالفتها للعقل، وهذا نص ختام كتاب التهافت: «وإذا اعترض علينا بأن انتقادنا لا يخلو ~~من الريب، نقول إن بالنقد يتضح برهان ما هو صحيح وما هو باطل، فإذا عرضت صعوبة أمكن حلها ~~بفحص النقد والاعتراض. إنما الذي نرمي إليه في هذا الكتاب هو أن نشرح مبادئهم وأن نقابلها ~~بما ينقضها من الأدلة، ولا نريد أن نكون على مبدأ منها، وليس مقصدنا أن نذكر أدلة على ms079 حدوث ~~العالم، إنما هدم ما ذكروه من الأدلة تأييدا للقول بقدم المادة. وبعد الفراغ من هذه ~~الرسالة سنشرع في تأليف غيرها لإثبات الرأي الصحيح الذي غايته تشييد الحق، كما أن غايتنا من ~~هذا الكتاب هي هدم الباطل.» # وبدأ الغزالي مقدمة الكتاب بنقد آراء القائلين بآراء الفلاسفة، المعرضين عن حكمة الدين؛ ~~ليثبت أن كل ما يقولون به مما يخالف قواعد الدين ليس له أساس. # ثم أسهب في القواعد الأربع، التي اهتدى بها في تأليف هذا الكتاب، وبعد المقدمة شرع ~~الغزالي في نقض حجج الفلاسفة في عشرين نقطة، ست عشرة منها في الإلهيات وأربع في ~~الطبيعيات. # وأهم ما في هذه النقط هو الفصل المتعلق بالمسببات، وملخص قوله في هذا الباب يرجع إلى ~~مسألتين: الأولى: أنه إذا اجتمع أمران معا فليس فيه دليل قاطع على أن الأول علة الثاني، ~~الثانية: إذا فرضنا صحة فعل بعض الظروف (تعلق أمر بأمر) بناء على قانون طبيعي، فليس ينتج من ~~ذلك أن الأثر يكون بذاته في ظروف متماثلة حتى ولو كانت الأشياء متماثلة. # فإن القطن يمكن بإرادة الله أن يتخذ شكلا يقيه الحريق، وبعبارة أخرى أن ما يسميه ~~الفلاسفة بقوانين الطبيعة أو قاعدة العلل، هو أمر يقع تبعا لإرادة الله، ونحن نقبله كأمر ~~واقع محقق، لأن الله سبحانه وتعالى في سابق علمه علم مصير الأمور فعلمنا إياه، فليس هناك، ~~والأمر كذلك، قانون طبيعي ثابت يقيد إرادة الخالق جل وعلا. # نقول إن بعض الفلاسفة، مثل ابن رشد كانوا يعتقدون أن الغزالي لم يكن مخلصا في قوله، وإن ~~الخلاف بينه وبين الفلاسفة، كان على نقط محدودة، إنما أراد الطعن عليهم في سائر النقط ~~لتزداد به ثقة أهل السنة. وذكر موسى بن ناربون، بعد أن ذكر رأي ابن رشد السابق في بداية ~~شرحه على المقاصد، أن الغزالي كتب بعد الفراغ من تأليف التهافت، رسالة صغيرة لم يعلم بها ~~إلا بعض المقربين، وفيها ردود على ما وجهه من النقد إلى مبادئ الفلاسفة، وإن هذا الكتيب ~~يسمى «رسالة وضعها أبو حامد بعد ms080 التهافت ليكشف عن فكره للحكماء وفيها مقاصد المقاصد ~~واللبيب تكفيه الإشارة». # وفي هذا الكتاب أبحاث إلهية ذات أهمية كبرى، ولكن لغتها عويصة الفهم على العامة، وقد بدأ ~~هذه الرسالة بالكلام في الدوائر العليا وحركاتها ونفوسها، ثم تكلم في المحرك الأول وفي ~~صفاته، ثم تكلم في النفس، وليس في هذه الرسالة أثر لاحتقار الفلسفة كما في التهافت، إنما ~~يقيم الأدلة كأنه بعض الحكماء لا كالمتكلمين، ويثبت بالحجة العقلية أمورا في الإلهيات، ~~حاول نقضها في التهافت. فإنه يقول في هذه الرسالة مع الفلاسفة بأزلية الزمان وحركة الدوائر ~~السماوية، وفي ختام هذه الرسالة حرم الغزالي الاطلاع عليها إلا على أهل النفوس القويمة، ~~والعقول السليمة، عملا بقول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~«خاطبوا الناس على قدر عقولهم.» # كتب ابن طفيل رغم احترامه للغزالي، يوضح اضطرابه وتردده في مبادئه (نقلا عن كتاب حي بن ~~يقظان صفحة 19-21) نبذة، أولها «أما عن كتابات الإمام الغزالي ... الخ.» ثم ذكر ابن طفيل نبذة ~~من كتب الغزالي، مؤداها أنه ألف كتبا باطنية، لا يطلع عليها إلا فريق من الخاصة ~~المقربين، وأن هذه الكتب ليست فيما وجد في مكاتب الأندلس، وأهمها كتاب المضنون به وهو موجود ~~بصحبة أربع رسائل للغزالي في المكتبة الوطنية بباريس (المكتبة الإمبراطورية سابقا) تحت عدد ~~884 نسخ خطية، وذكره العلامة شمولدرز في مقالته ص213 مذكرة أ بالهامش، وفي هذا الكتاب ~~«المضنون به» أظهر الغزالي اتفاقه مع الفلاسفة على قدم العالم، ويقول كقولهم بأن الذات ~~العلية تعلم الأمور إجمالا لا تفصيلا أي تحيط بالكليات لا بالجزئيات، وأنها مجردة عن ~~الصفات، ولكن بعض المؤلفين نفى نسبة مثل هذا الكتاب للغزالي، لبعده عما كان يقول به حجة ~~الإسلام في أمهات كتبه. (يراجع فهرست الحاج خليفة طبعة الموسيو فلوجل ج5 ص590). # وجملة القول أن الغزالي إذا كان له مبدأ خاص به فإنه لم يهتد إليه إلا بالتأمل ~~وبالانجذاب الذي حل به منذ تصوف، ولا تكون نتيجة الانجذاب في الواقع مبدأ فلسفيا. ثم أن ~~الغزالي يعلق أهمية كبرى على العمل وهو ms081 يمثله في كتابه «أيها الولد» بالثمرة والعلم ~~بالشجرة. ومن أهم كتبه في الأخلاق والحث على الفضيلة كتاب «ميزان الأعمال» طبع له تفسير ~~عبري في ليبزيج عام 1839 وناقله عن العربية المعلم إبراهيم بن حسد أي الإسرائيلي ~~الأندلسي. # وأهمية الغزالي عند الإفرنج هي في جحوده العلوم الفلسفية، ويقول علماؤهم إنه طعن الفلسفة ~~في الشرق العربي طعنة قاضية، وكاد يكون نصيبها في الغرب كذلك لو لم تلق في ابن رشد حاميا ~~لها أحياها قرنا من الزمان. # إيضاح عن الغزالي # 1 # لا شك في أن هذا الفيلسوف الحكيم، يعد من أعظم أعلام الفكر العربي الإسلامي، ومن أئمة ~~أهل البحث والنظر في علوم الدنيا والدين، وقد عده كثيرون من مؤرخي الفلسفة والأدب من ~~نوادر الدهر نبوغا ونورا، وقد كان من الفطاحل الذين زانوا القرن الخامس الهجري بعد ~~نهاية الصدر الأول، وقد شاء أن كون من تأليفه ذلك الكتاب الذي فيه إحياء وانتعاش لأثمن ~~آثار السلف الصالح، فلقبوه بحجة الإسلام بحق دون مغالاة أو مجاملة. # أما عن اسمه فقد اختلفوا في هل كان الغزالي بتخفيف الزاي أو تشديدها، وقد بحثت هذه ~~المسألة في «شذرات الذهب» والعبر لشمس الدين الذهبي و«طبقات الشافعية» لعبد الرحيم ~~الإسنوي، فقرروا أن اسمه كان بتشديد الزاي، فقالوا الغزالي كالعطاري والخبازي ~~بتشديد الزاي والطاء والباء، وهذه لهجة أهل خراسان في غزال وعطار وخباز بتشديد ~~الحروف الوسطى. وجاء في «طبقات الشافعية» أن أباه كان يغزل الصوف فلقبه مستفاد من صناعة ~~أبيه، ولكن السمعاني قال: «إن لقبه مستفاد من نسبته إلى غزالة وهي إحدى ضواحي طوس.» ~~ونحن نميل إلى تعليل السمعاني وإطلاق اللقب بتخفيف الزاي. # وسواء أكان الوالد يغزل الصوف ويبيعه في حانوته أم لم يكن، فقد توفي تاركا ولديه ~~محمدا (وهو أبو حامد) وأحمد في غضاضة الطفولة، وكان بلا ريب رقيق الحال، فأوصى بهما ~~صديقا متصوفا قام على تهذيبهما حتى استنفد تركة أبيهما، وقد شاءت الأقدار للغزالي أن ~~يسافر ويرحل في طلب العلم ككل الفلاسفة والحكماء والأنبياء والمصلحين، الذين لا تتكون ~~نفوسهم إلا ms082 بالآلام في أوطانهم وفي اغترابهم. وقد صار الغزالي أنظر أهل زمانه، واستطاع ~~أن يؤلف ويدرس ويفيد الناس في حياء أستاذه، وهو في مقتبل عمره، وهو شبيه في ذلك بابن ~~سينا. # 2 # وما شاهدناه في اتصال الفلسفة السابقين، وهم الكندي والفارابي وابن سينا بالخلفاء ~~والوزراء، وما اتخذوه من ذلك وسيلة لنشر أفكارهم وترويج مبادئهم، نشاهده أيضا في حياة ~~الغزالي، فقد اتصل بنظام الملك وفخر الملك وعاش في ظلال آل سلجوق، فكأن الفلسفة ~~المسكينة كانت أبدا في حاجة للاحتماء بقوة الدولة منذ بداية التاريخ، وهذا أرسطوطاليس ~~اليوناني والمعلم الأول كان يعيش في ظل فيليبس المقدوني وابنه الإسكندر، وكان فولتير في ~~الأزمان الحديثة يعيش في بلاط فردريك الأكبر، وكان جوته الألماني العظيم في بلاط أمير ~~فيمار، ولم تتحرر الفلسفة وأصحابها إلا في حالتين: حالة الفيلسوف القانع الذي يعيش من ~~عمله الضئيل ليغذي الحكمة، مثل سبينوزا الذي قضى حياته في صناعة الساعات والتأليف؛ ~~والحالة الثانية حالة الفيلسوف الممول، إما بميراث مثل أرثور شوبنهور، وإما بثمرات ~~مؤلفاته مثل جون ستيوارت ميل، وهذا أندر ما يكون بين الحكماء، فمعظم هؤلاء القوم فقراء ~~يعيشون من ثمرة أفكارهم بالتدريس والكتابة، مثل فردريك نيتشه وبرجسون وغيرهما. # 3 # بين كتب أبي حامد التي ذكرناها في ترجمته كتاب «المضنون به على غير أهله»، وقد وصفه ~~بعض كتاب الإفرنج بأنه اعتراف الغزالي تشبيها له باعتراف جان جاك روسو، على أن هناك ~~فرقا جوهريا بين الكتابين، فجان جاك روسو دون اعترافه شاملا لجميع شئون حياته ~~المادية والمعنوية والعقلية، ولكن الشيخ الغزالي جعل هذا الاعتراف قاصرا على حياته ~~العقلية والقلبية، وهو رسالة إلى صديق له وصفه بأنه أخوه وجعل هذا الكتاب جوابا على ~~سؤال توجه إليه من هذا الأخ، فقال في استهلاله: «فقد سألتني أيها الأخ أن أبث إليك غاية ~~العلوم وأسرارها، وأحكي لك ما قاسيته في استخلاص الحق من بين اضطراب الفرق مع تباين ~~المسالك والطرق، وما استجرأت عليه من الارتفاع عن حضيض التقليد إلى يفاع الاستبصار، وما ~~احتويته ثانيا من طرق أهل ms083 التعليم القاصرين لدرك الحق على تقليد الإمام، وما ازدريته ~~ثالثا من طرق التفلسف، وما ارتضيته آخرا من طريق التصوف، وما انحل إلي في تضاعيف ~~تفتيشي عن أقاويل الخلق من لباب الحق، وما صرفني عن نشر العلم ببغداد مع كثرة الطلبة، ~~وما دعاني إلى معاودتي بنيسابور بعد طول المدة.» # والظاهر من هذه النبذة الافتتاحية أن الغزالي قاسى كثيرا في استخلاص الحق، وأنه ~~ازدرى الفلسفة وارتضى التصوف وهذا هو مفتاح حياته العقلية، وظاهر من اعتراف الغزالي أنه ~~كان في عنفوان شبابه منذ راهق البلوغ قبل بلوغ العشرين، إلى أن أناف على الخمسين أي ~~قبيل موته بخمس سنين، لأنه توفي في نصف العقد السادس، يحاول أن يستكشف أسرار كل طائفة ~~بحرية مطلقة لا فرق في ذلك بين محق ومبطل، ومتسنن ومبتدع ، فجمع في بحثه بين درس ~~الفيلسوف ليقف على كنه فلسفته، والمتكلم ليجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته، ~~والصوفي ليحرص على العثور على سر صفوته، وأيضا الزنديق المعطل والملحد الجاحد ليتجسس ~~وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته. # 4 # وهذه حرية في البحث واستقصاء في الدرس يدلان على سعة صدره وسمو فكره، إذ لا يمكن ~~للمحقق أن يستوعب سبل الحقيقة بغير الجمع بين سائر مظاهرها مما يقال للشيء وعليه، كما ~~كان شأن «قانت» في كتابه الجليل «نقد العقل الصحيح أو العقل الصراح». # وقد كان هذا الشيخ الجليل الغزالي في تعطش إلى درك حقائق الأمور من أول أمره وريعان ~~عمره، وكان البحث وراء الحقيقة غريزة وفطرة وضعتا في جبلته. ومما يجدر بالنظر في نفسية ~~هذا الفيلسوف أنه ما زال هذا دأبه وديدنه حتى انحلت عنه رابطة التقليد وانكسرت على ~~العقائد الموروثة، لأن مطلوبه كان العلم بحقائق الأمور، ومن أمثاله التي ضربها في رفعة ~~قدر العلم في نظره أنه إذا علم أن العشرة أكثر من الثلاثة، فلو قال له قائل: لا بل ~~الثلاثة أكثر بدليل أني أقلب هذه العصا ثعبانا. وقلبها وشاهد ذلك منه، لن يشك بسبب هذه ~~المعجزة أو الكرامة أو الحيلة السحرية ms084 في معرفته أن العشرة أكثر من الثلاثة، ولم يحصل ~~له منه إلا التعجب من قدرة هذا الذي قلب العصا ثعبانا، فأما الشك فيما علم فلا، ثم ثبت ~~له أن كل ما لا يعلمه على هذا الوجه ولا يتأكده على هذا النوع اليقيني فهو علم لا ثقة ~~له به ولا أمان معه، وكل علم لا أمان معه فليس بعلم يقيني. # 5 # والغريب في أمر هذا الفيلسوف أنه سلك سبيل الفلسفة الحسية قبل (دافيد هيوم) الإنجليزي ~~بستة أو سبعة قرون، وإذا علمنا أن دافيد هيوم كان له أعظم فضل في تنمية فكر «عمانوائيل ~~قانت» الألماني الذي أقر في كتابه بأن هيوم هو الذي أيقظه من غفلته، لعلمنا مقدار عقل ~~الفيلسوف الغزالي بالنسبة لهؤلاء المحدثين الأمجاد من أهل أوروبا، فإن الغزالي فتش عن ~~العلوم فوجد نفسه عاطلا من علم موصوف بهذه الصفة إلا في الحسيات والضروريات، فقال الآن ~~بعد حصول اليأس لا مطمع في اقتباس المشكلات إلا من الجليات وهي الحسيات والضروريات، فلا ~~بد من إحكامها أولا ليتبين أن ثقته بالمحسوسات وأمانه من الغلط في الضروريات من جنس ~~أمانه الذي كان من قبل في التقليديات. # 6 # ولما وصل إلى الفلسفة، قال إن الدهريين أول الفلاسفة الأقدمين، وإنهم جحدوا الصانع ~~المدبر العالم القادر، وزعموا أن العالم لم يزل موجودا كذلك بنفسه لا بصانع ولم يزل ~~الحيوان من النطفة والنطفة من الحيوان كذلك كان وكذلك يكون أبدا. # والصنف الثاني الطبيعيون وهم قوم أكثروا بحثهم عن عالم الطبيعة وعن عجائب الحيوان ~~والنبات وأكثروا الخوض في علم تشريح أعضاء الحيوانات، فزعموا أن النفس تموت ولا تعود، ~~وجحدوا الآخرة، وأنكروا الجنة والنار، والقيامة والحساب، فانحل عنهم اللجام وانهمكوا في ~~الشهوات انهماك الانعدام، والصنف الثالث وقد وصفهم الغزالي بأنهم الإلهيون وهم ~~المتأخرون، منهم سقراط وهو أستاذ أفلاطون، وأفلاطون أستاذ أرسطوطاليس، وأرسطوطاليس هو ~~الذي رتب لهم المنطق وهذب العلوم وخمر لهم ما لم يكن مخمرا من قبل، وأنضج لهم ما كان ~~فجا من علومهم، وهؤلاء الإلهيون ردوا على الصنفين السابقين ms085 وهم الدهريون والطبيعيون، ~~وأوردوا في الكشف عن فضائحهم ما أغنوا به غيرهم، ثم رد أرسطوطاليس على أفلاطون وسقراط ~~ومن كان قبله من الإلهيين ردا لم يقصر فيه حتى تبرأ عنهم جميعا. # ومن العجيب أن الإمام الغزالي مع اعترافه بفضل فلاسفة الإغريق لا سيما أرسطو، فإنه ~~عاب على الفلاسفة الإسلاميين اتباعهم إياه، وذكر أن ابن سينا والفارابي لم يقم بنقل ~~أرسطو من فلاسفة الإسلام أحد كقيام هذين الرجلين. وكان هذا بالطبع قبل ظهور ابن رشد ولو ~~أدركه الغزالي لفضله عليهما وإن كان لهما فضل السبق والتقدم. # 7 # ولما فرغ الغزالي من النظر في العلوم الفلسفية، وقبل منها ما قبل، وزيف ما زيف شعر ~~بأن علومهم غير وافية بكمال الغرض، فاتجه نظره إلى البحث في مذهب التعليم وغائلته، ~~ولكنه قبل الشروع في درس هذا المذهب وصل إلى ما وصل إليه «عمانوائيل قانت» من أن العقل ~~ليس مستقلا بالإحاطة بجميع المطالب، ولا كاشفا للغطاء عن جميع المعضلات وبهذه ~~العقيدة الجديدة التي تعد المرحلة الثانية في تكوين عقل الغزالي، فإن المرحلة الأولى ~~كانت التقليد، والثانية كانت البحث في أقوال المتكلمين والفلاسفة، أخذ يدرس مبادئ ~~الطائفة التعليمية فابتدأ بطلب كتبهم كما فعل في كتب الفلسفة، وترتيب كلامهم ورتبه ~~ترتيبا محكما مقارنا للتحقيق، واستوفى الجواب عنه حتى أنكر بعض أهل زمانه من العلماء ~~عليه مبالغته في تقرير حجتهم، وقالوا إن هذا سعي لهم أي لطائفة التعليمية، وإنهم كانوا ~~يعجزون عن نصرة طائفتهم لولا تحقيق الغزالي وترتيبه. # 8 # وليس هذا الاعتراض بين علماء الإسلام حديثا، فقد أنكر أحمد بن حنبل على الحارس ~~المحاسبي كتابه في الرد على المعتزلة، فأجابه الحارث بأن الرد على البدعة فرض، فقال ابن ~~حنبل: «نعم ولكنك حكيت شبهتهم أولا، ثم أجبت عنها فلم تأمن أن يطالع الشبهة من تعلق ~~ذلك بفهمه، ولا يلتفت إلى الجواب أو ينظر إليه ولا يفهم كنهه.» # وما ذكره ابن حنبل حق ولكن في شبهة لم تنتشر ولم تشتهر، أما إذا انتشرت فالجواب عنها ~~واجب ولا يمكن الجواب إلا ms086 بعد حكاية الشبهات على حقيقتها كما فعلنا في كتاب «الشهاب ~~الراصد» الذي جعلناه ردا على موضوع الشعر الجاهلي. # ويظهر لنا أن الغزالي لم يكن مدفوعا إلى الرد على مذهب التعليم من تلقاء نفسه فقط، ~~بل كان هناك دافع سياسي، لأنه بانتشار مذهب التعليمية شاع بين الناس تحدي هذه الطائفة ~~بمعرفة معني الأمور من جهة الإمام المعصوم القائم بالحق، ويظهر أن الخليفة فطن إلى ما ~~يتهدد مركز الخلافة من شيوع هذا المذهب فكلف الغزالي بالرد عليهم، فقال الغزالي في ~~حكاية هذا التكليف ما نصه: «ثم اتفق أن ورد علي أمر حازم من حضرة الخلافة بتصنيف كتاب ~~يكشف عن حقيقة مذهبهم فلم يسعني مدافعته، وصار ذلك مستحثا من خارج ضميمة للباعث الأصلي ~~من الباطن.» وهذا ألطف ما يقال في حسن التعليل؛ إذ الظاهر من مذهب التعليمية أنه مزيج ~~من السياسة والشريعة، والسياسة فيه أظهر، وقليل من الفلسفة اتخذه أربابه ترويجا ~~لمذهبهم ليصبغوه بصبغة الحكمة فاقتدوا ببعض أقوال فيثاغورس. # فلم يكن هذا البحث يخلو من رائحة الفلسفة؛ لأن التعليميين لما عرضت لهم إشكالات لم ~~يفهموها ولم يحلوها، وأحالوها على الإمام الغائب، قالوا إنه لا بد من السفر إليه وضيعوا ~~عمرهم في طلب المعلم وفي التنجع بالظفر به. # 9 # وعلى كل حال فإن هذا البحث الأخير وجه الغزالي إلى ما كان مخلوقا له حقا، وهو طريق ~~الصوفية، فأقبل عليه بهمته، وكان حاصل علمهم قطع عقبات النفس والتنزه عن أخلاقها ~~المذمومة وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب عن غير الله، وكان العلم أيسر ~~من العمل فقرأ كتبهم وطالع رسائلهم وأهمها: كتب أبي طالب المكي، والحارث المحاسبي ~~والمأثور عن الجنيد والشبلي والبسطامي. وحصل الغزالي كل ما يمكن تحصيله من طريقتهم ~~بالتعلم والسماع، إلى أن ظهر له أن أخص خواصهم ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم بل ~~بالذوق والحال وتبدل الصفات، فكم من الفرق بين أن يعلم الإنسان حد الصحة وحد الشبع وحد ~~السكر وأسبابها وشروطها، وبين أن يكون صحيحا وشبعان وسكران. # وكل باحث في ms087 حقيقة المتصوفين يعلم يقينا أنهم أرباب أحوال لا أصحاب أقوال. # 10 # على أن الغزالي الذي رأيناه يعجب بمعجزة قلب العصا ثعبانا ولا يجعلها دليلا أو ~~وسيلة لإنكار ما ثبت في نفسه من طريق العلم اليقيني، نراه عند ولوجه باب التصوف يقول ~~إنه قد حصل له من العلوم التي مارسها والمسالك التي سلكها في التفتيش عن العلوم العقلية ~~والشرعية إيمان يقيني بالله تعالى وبالنبوة وباليوم الآخر، وإن هذه الأصول الثلاثة من ~~الإيمان كانت رسخت في نفسه لا بدليل معين مجرد أي كما رسخ في نفسه أن العشرة أكثر من ~~الثلاثة، بل بأسباب وقرائن وتجاريب لا تدخل تفاصيلها تحت الحصر، وكان بحكم السن وانقضاء ~~العمر في مكارم الأخلاق وفضائل المجاهدات ظهر عنده أن لا مطمع له في سعادة الآخرة إلا ~~بالتقوى وكف النفس عن الهوى، وأن رأس ذلك كله قطع علاقة القلب عن الدنيا بالتجافي عن ~~دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى، وأن ذلك لا ~~يتم إلا بالإعراض عن الجاه والمال والهرب عن الشواغل. # 11 # وقد عرضت تلك المشكلة للغزالي وهو في قمة مجده منغمس في العلائق، وقد أحدقت به من ~~الجوانب، وأهم أعماله إذ ذاك التدريس والتعليم، والباعث عليهما طلب الجاه وانتشار ~~الصيت، فلم يزل يفكر في العزم على الخروج من بغداد لمفارقة تلك الأحوال ستة أشهر؛ من ~~رجب سنة 488 هجرية إلى آخر تلك السنة، حتى مرض ويئس الأطباء من شفائه، فخرج مرغما ~~مضطرا وهو يظهر أنه مسافر إلى الشام حذرا من أن يطلع الخليفة وأصحابه على عزمه؛ وهو ~~أن لا يعود إلى بغداد أبدا، ثم دخل الشام وأقام بها سنتين في العزلة والخلوة والرياضة، ~~ثم دخل إلى بيت المقدس واختلى في الصخرة، ثم سار إلى الحجاز، ثم جذبته دعوات الأطفال ~~إلى الوطن، ودام على ذلك مقدار عشر سنين، وانكشفت له في أثنائها أمور لا يمكن إحصاؤها ~~واستقصاؤها، وخلاصتها التي يجوز الانتفاع بها هي أنه علم يقينا أن الصوفية هم السالكون ~~لطريق الله تعالى ms088 خاصة، وأن سيرهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى ~~الأخلاق. # 12 # وظاهر من هذا أن الغزالي لم يكن فيلسوفا عقليا، إنما كان حكيما دينيا بالفطرة، ~~وأنه اتخذ العلم والعقل والشرع ذاته وسيلة للوصول إلى الحال التي هيأته لها الطبيعة، ~~على أن هذا لا يمنعنا من القول بأن عقله النادر المثال لدى مروره بالفلسفة اليونانية ~~والعربية أفادها واستفاد منها، وهذا ظاهر من مؤلفاته التي ذكرناها، لا سيما «مقاصد ~~الفلاسفة» و«إحياء علوم الدين» و«تهافت الفلاسفة» الذي سيرد الكلام عليه بالتفصيل في ~~عرض الكلام على ابن رشد، وهو الفيلسوف الإسلامي الوحيد الذي رد عليه بكتاب مثله. # الفصل الخامس # | ابن باجه # هو أبو بكر محمد بن يحيى الملقب بابن الصائغ أو ابن باجه، ويعرفه علماء الغرب في القرون ~~الوسطى باسم افمباس. من أشهر علماء العرب في الأندلس، وكان مشهورا بالطب والرياضيات ~~والفلك، ويشبه الفارابي في تفوقه في الموسيقى، لا سيما التوقيع على العود. وقد ولد بسرقصة ~~في أواخر القرن الحادي عشر للمسيح. ولما شب تحول إلى أشبيلية عام 1118 للمسيح، حيث أقام ~~وانقطع لتأليف كتب في المنطق وأحد تلك الكتب موجود بمكتبة الاسكوريال تحت عدد 609. وقد فرغ ~~الحكيم من وضعه يوم 4 شوال عام 512. # أما سبب تحوله إلى أشبيلية فغير معلوم بالدقة، وقد يكون اضطر إلى الهجرة إلى أشبيلية بعد ~~أن فتح ألفونس الأول مدينة سرقصة عام 512 للهجرة، فهجرها ابن باجه فيمن هجرها من العرب، ~~وكان اشتغل بها أمدا ثم سافر إلى غرناطة وأقام بها حينا ثم رحل إلى المغرب، فكان موضع ~~الإجلال والإكبار لدى أمراء المرابطين. وقد ورد في تاريخ الحكماء، وفي حياة ابن الخطيب ~~(للمكاري) أن ابن باجه كان وزير يحيى بن أبي بكر حفيد يوسف بن تاشفين، ولكن هذه الرواية ~~مرتاب في صحتها؛ لأن يحيى الذي كان أمير فاس لعهد جده يوسف فر من فاس عام 1107 بعد وفاة ~~جده؛ لأنه ثار على عمه علي بن يوسف صاحب الإمارة بعد يوسف. # وقد قضى ابن باجه ولم يبلغ مبلغ الكهول ms089 عام 533 للهجرة/1138ميلادية. وروى بعض مؤرخي العرب أنه ~~مات مسموما، قضت عليه غيرة قرنائه في الطب. وقد أطنب ابن أبي أصيبعة في حياة الحكيم ابن ~~باجه في كتابه عيون الأنباء، وذكر أن أبا الحسن علي الغرناطي كان تلميذ ابن الصائغ وصديقه. ~~وقد جمع نصيبا من مؤلفاته وكتب لهذه المجموعة مقدمة ذكر فيها أن ابن الصائغ أول من انتفع ~~بحكمة المشارقة من العرب (فلاسفة الشرق هكذا يسمى ابن سينا والفارابي والغزالي لتمييزهم عن ~~فلاسفة الغرب من العرب كابن طفيل وابن باجه وابن رشد) وهذه الرواية لا ريب فيها؛ لأن مؤلفات ~~هؤلاء الحكماء انتشرت في الأندلس منذ ولاية الحكم الثاني 961-971 فيكون ابن باجه أول من ~~أشاع العلوم الفلسفية في الأندلس بغير نزاع. وقد اعترف بفضله ابن طفيل الذي لم يعرفه ~~بالذات، إنما خلفه بعد بضع سنين. وذكر ابن طفيل ما كان عليه ابن باجه من توقد الذكاء وسعة ~~الفكر، وأنه فاق أهل عصره وأسف عليه لأن مشاغل الحياة الدنيا ووفاته قبل الأوان عاقتاه عن ~~فتح كنوز علمه؛ لأن أهم ما خلفه من الكتب غير تام ولم ينجز سوى أبحاث صغيرة مكتوبة على عجل، ~~بيد أن ثناء أفاضل أهل عصره لم يصن ابن الصائغ من ذم البعض ممن أعماهم الحسد والجهل؛ فقد ~~كتب الفتح بن خاقان في قلائد العقيان: # إن الأديب أبا بكر بن الصائغ هو قذى في عين الدين وعذاب لأهل الهدى. وقد اشتهر ~~بين أهل عصره بهوسه وجحوده واشتغاله بسفاسف الأمور، ولم يشتغل بغير الرياضيات وعلم ~~النجوم، واحتقر كتاب الله الحكيم وأعرض عنه. وكان يقول بأن الدهر في تغير مستمر، ~~وأن لا شيء يدوم على حال، وأن الإنسان كبعض النبات أو الحيوان، وأن الموت نهاية كل ~~شيء ... الخ. # وقد ذكر ابن الخطيب في كتابه «الإحاطة في أخبار غرناطة» سبب العداء الذي استحكم بين ابن ~~الصائغ وابن خاقان، فقال إن الفتح افتخر يوما بمجلس بما ناله من رضى أمراء الأندلس فكذبه ~~ابن الصائغ واحتقره. # أما مؤلفات ابن باجه فقد ذكرها ابن ms090 أبي أصيبعة. فمنها كتب في الطب والرياضيات والحكمة ~~وشروح لبعض كتب أرسطو في الطبيعيات وحوادث الجو وكتب في البداية والنهاية، وكتاب في ~~الحيوان، أما الكتب التي لم ينجزها وذكرها ابن طفيل فكثيرة منها ما هو في المنطق ومحفوظة في ~~مكتبة الاسكوريال وكتاب في النفس ورسالته في تدبير المتوحد، ورسالة الاتصال، ورسالة الوداع. ~~وقد تكلم في هذه الرسالة على العوامل التي تؤثر في الإنسان وتدفع العقل على التفكير، وشرح ~~غاية الوجود الإنساني وغاية العلم وهما التقرب من الله والاتصال بالعقل الفعال الصادر عنه ~~جل وعلا. ثم أضاف المؤلف جملا مبهمة في خلود النفس وغرس بذور المذهب الذي توسع فيه ابن رشد ~~وهو مبدأ وحدة النفوس، وكان له من الشأن لدى علماء النصرانية ما كان حتى حاول تفنيده القديس ~~توما وألبرت الكبير. # ويظهر أنه كتب رسالة الوداع قبيل رحلة طويلة، وبعث بها إلى أحد تلاميذه وأصدقائه ليكون ~~على بينة من آراء الحكيم فيما يتعلق بأهم المسائل إذا لم يلتقيا بعد، وأول ما يظهر لقارئ ~~رسالة الوداع رغبة المؤلف في إحياء معالم العلم والفلسفة؛ لأنهما في رأيه جديران بإرشاد ~~الإنسان إلى الإحاطة بالطبيعة، وبهدايته بعون الله إلى معرفة ذاته، وبالاتصال بينه وبين ~~العقل الفعال. وقد لام الغزالي الذي أضل نفسه وأضل سواه بزعمه في «المنقذ» أن الخلوة تفتح ~~للذهن عالم المعقولات وتظهر للمتأمل أمورا إلهية ليس وراء رؤيتها لذة، وأنها هي الغاية ~~التي يسعى إليها المتأملون. # أما الرسالة التي دعاها ابن باجه «تدبير المتوحد» فهي أهم وأنفع كتبه، وقد ذكرها ابن رشد ~~في آخر كتابه على العقل الهيولاني بما يأتي: «أراد أبو بكر بن الصائغ أن يختط خطة لتدبير ~~المتوحد في هذه الأمة، ولكنه لم ينجزها، وكثير منها غامض، وسنحاول في غير هذا المكان شرح ~~غاية المؤلف من هذه الرسالة؛ لأنه أول من سار في هذا المضمار، ولم يسبقه فيه أحد.» # بيد أن رسالة ابن الصائغ لا أثر لها، وليس في مؤلفات ابن رشد إنجاز لما وعد من الكلام ~~عليها، والفضل فيما تعلمه ms091 منها راجع إلى أحد فلاسفة اليهود في القرن الرابع عشر وهو موسى ~~الزبوني شارح رسالة حي بن يقظان. # ويظهر أن غاية ابن باجه من رسالة تدبير المتوحد أن يثبت قدرة الإنسان المتوحد المنتفع ~~بحسنات الحياة البعيد عن مفاسدها على الاتصال بالعقل الفعال بمجرد نمو قواه الفكرية، ولكن ~~ابن باجه لا يوصي بالخلوة أو الوحدة المطلقة، إنما يرشد الإنسان المشتغل بشئون الحياة إلى ~~سبل الوصول إلى الكمال وهو يشير إلى إمكان ذلك لرجل بمفرده أو لعدة رجال في درجة واحدة من ~~الفكر وهم ذوو مقصد واحد، وقد يستطيع ذلك أهل بلد بأسره لو كانت حياتهم تابعة لشروط الكمال. ~~ولم تخف على ابن باجه صعوبة هذا الأمر فأوصى المتوحد بالعيش في أغزر المدن علما، أي في ~~أقرب المدن إلى الكمال وأجمعها لأهل الفضل والحكمة، وهو يسميها أفضل الدول ورسالة التدبير ~~مقسمة إلى ثمانية فصول . ~~(1) ملخص رسالة تدبير المتوحد # الفصل الأول # غاية الرسالة شرح تدبير المتوحد بين أهل المدينة، فشرع المؤلف في الكلام على لفظ ~~«تدبير» قال: إن هذا اللفظ يدل في أكبر معانيه على مجموعة من الأعمال ترمي إلى مقصد ~~معلوم، فلا يمكن أن يستدل بها على عمل مفرد، إنما على جملة أعمال تنجز على وتيرة ~~واحدة بناء على خطة مرسومة للوصول إلى غرض معلوم كالتدبير السياسي والتدبير الحربي، ~~ويقال في هذا المعنى إن الله يدبر الكون لأن تدبيره جل وعلا - على زعم العامة - ~~يشبه تدبير الحكومات، وإن كان هذا التدبير في رأي الحكماء، ليس مشابها إلا في ~~اللفظ دون المعنى؛ لأن تنظيم جملة من الأعمال على خطة معلومة والتفكير فيها قبل ~~إنجازها هو من خواص البشر. # ينبغي أن يكون تدبير المتوحد على مثال تدبير الحكومة الكاملة، لذا شرع المؤلف ~~يتكلم في التدبير السياسي، قال: ومن علامات الحكومة الكاملة أن لا يكون بها أطباء ~~أو قضاة، فإن أهل المدينة الكاملة ليسوا في حاجة إلى المداواة؛ لأنهم لا يتناولون ~~من الغذاء إلا ما يوافقهم، وبذا تختفي الأمراض الصادرة عن الغذاء. أما الأدواء ~~الخارجة ms092 عن الإنسان، أي التي تصيبه بدون تفريط أو إفراط منه، فإنها تزول بذاتها. ~~أما الاستغناء عن القضاة فلأن العلاقات بين أبناء البلد يكون أساسها المحبة فلا يقع ~~الخلاف بين الأصدقاء. ثم إن الحكومة الكاملة كفيلة بأن يبلغ الفرد فيها أرقى ما ~~يمكن بلوغ الفرد إليه من مراتب الكمال؛ لأن الكل يفكرون بأعدل وسائل التفكير، ~~وينظرون إلى الأمور أدق نظر، ويطيع كل فرد ما تأمر به القوانين؛ لأن الفرد يكون ~~عالما بما يجوز وما لا يجوز. كذلك تخلص الأعمال من الخطأ والهذر والختل، فتصفو ~~الطباع وتكرم الأخلاق، بحيث لا تكون بالناس حاجة إلى طب النفوس، وهو ما لا غنى ~~للجمهوريات الناقصة عنه مثل الأرستقراطية والأوليجارقية والديمقراطية ~~والمونارقية. # فالمتوحدون في حكومة غير كاملة ينبغي لهم أن يعيشوا كأنهم أفراد في حكومة كاملة، ~~فهم كالنبات الذي ينمو بذاته وبالطبيعة بين ظهراني أمثالهم، الذين هم كالنبات الذي ~~ينمو نموا صناعيا. # يقول ابن باجه: وغايتنا من هذا الكتاب أن نشرح تدبير تلك النباتات التي ينبغي لها ~~أن تسترشد بقواعد الجمهورية الكاملة، بحيث لا تحتاج إلى أنواع الطب الثلاثة (طب ~~النفس وطب الخلق وطب البدن) لأن الله وحده هو شافيها، والمتوحد قد يكون فردا أو ~~جماعة ما لم تتبع الأمة بأسرها خطتهم وطريقهم؛ لأنهم يكونون متميزين عن البقية ~~بالسعي إلى الكمال، وهؤلاء هم الذين يطلق عليهم المتصوفون اسم الغرباء؛ لأنهم بما ~~فطروا عليه من الفضائل وما اكتسبوه من الحكمة غرباء في أوطانهم يشذ عنهم الأهل ~~وينأى عنهم الأصدقاء، ثم إنهم ينتقلون بفكرهم من الوسط الذي هم فيه إلى الجمهورية ~~الكاملة التي هي لهم بمثابة الوطن والمستقر. # ملحوظة: راجع ما كتبناه عن الفارابي؛ فإنه في السيرة الفاضلة ذكر مثل هذا القول ~~في كلامه على خلاصة المنورين من الخاصة # Les ames bien ~~nées ~~. # الفصل الثاني # شرع ابن باجه في الكلام على أعمال الإنسان، ففصل أنواعها للتمييز بين الأعمال ~~التي تنتهي به إلى غرض، وبين الأعمال الإنسانية المحضة فقال: إن بين الإنسان ~~والحيوان رابطة كالتي بين الحيوان والنبات والتي ms093 بين النبات والمعادن الجامدة. أما ~~الأعمال البشرية المحضة والخاصة بالإنسان دون سواه فهي الناشئة عن الإرادة المطلقة ~~أي عن إرادة صادرة عن التفكير لا عن غريزة ثابتة في البشر ثبوتها في الحيوان، فلو ~~أن رجلا كسر حجرا لأنه جرح به فإنه يعمل عملا حيوانيا، أما من يكسر حجرا لئلا ~~يجرح به سواه فعمله هذا يعد عملا إنسانيا، ومن يأكل خيار شنبر لينقي بدنه بحيث ~~لا يكون الطعم اللذيذ الذي يستوعبه إلا عارضا إنما يأتي عملا إنسانية بغايته، ~~حيوانيا عرضا. # وزبدة القول هي أن العمل الحيواني تدفعنا إليه الغريزة الثابتة في الروح ~~الحيواني. أما العمل الإنساني فيدفعنا إليه الرأي أو الاعتقاد، بقطع النظر عما إذا ~~كان الفكر مسبوقا أو غير مسبوق في الوقت ذاته بمؤثر غريزي. وأغلب أعمال البشر ~~الدخلة في نطاق الأنواع الأربعة التي سبق الكلام عليها مركبة من عناصر حيوانية ~~وأخرى إنسانية، ويندر أن تكون أعمال الإنسان حيوانية على الإطلاق، إنما يغلب أن ~~تكون إنسانية وهذا ما ينبغي للمتوحد. ومن لا يعمل إلا متأثرا بالفكر والعدل بدون ~~اكتراث للروح الحيواني فعمله جدير بأن يسمى عملا إلهيا لا إنسانيا، وهو موضع ~~عنايتنا في هذه الرسالة، وينبغي لمن يرمي إلى هذا المقصد أن يسمو بفضائله، بحيث إذا ~~عزمت النفس العاقلة على إنجاز شيء انقاد إليها الروح الحيواني دون أن يخالفها، ما ~~دام الفكر يريد ذلك، وبذلك يصل الروح الحيواني ذاته إلى فضائل الخلق؛ لأن تلك ~~الفضائل إنما هي «إبراز الوجود للروح الحيواني». # لهذا ينبغي للمتوحد أن يتميز بالفضائل. هذه هي القاعدة الأولى لتدبير المتوحد؛ ~~لأنه إن لم يتميز في تلك الصفات وكانت النفس الحيوانية تضع له عقبات في وقت العمل ~~تكون هذه ناقصة وبدون غاية، وإن لم تكن كذلك يضجر المتوحد بسرعة ويجد صعوبة. وفي ~~الواقع إنه من طبيعة النفس الحيوانية أن تطيع النفس العاقلة، ما عدا حال الرجل ~~الذي ليس في حاله الطبيعية، كما هي حال الرجل ذي الطباع المتقلبة غير الثابتة، أو ~~الرجل الذي ينقاد للغضب. # وهذا الرجل الذي ms094 تفوز لديه النفس الحيوانية على النفس العاقلة بحيث ينقاد إلى ~~شهواته، والذي يحارب فكره ويخالفه، هذا وإن كان إنسانا فهو يتبع الطبيعة الحيوانية ~~ولا يعرف طريق الهدى من الضلال، أقول إن الحيوان أفضل منه لأن الحيوان يطيع طبيعته ~~الذاتية، وفي الواقع يمكننا أن ندعو حيوانا بالمعنى المطلق ذاك الذي يملك الفكر ~~الإنساني الذي يمكنه من أن يحسن الفعل وهو مع ذلك لا يحسن؛ لأنه حينئذ لا يكون ~~إنسانا، والحيوان أرقى منه، بل هو حيوان على الإطلاق؛ لأنه مع وقوفه بذكائه على ~~المعلومات وتمييز الخير من الشر تراه يتبع طبيعة الحيوان. # في مثل هذه الأحوال يكون العقل البشري وسيلة لزيادة الشر، أي عندما يزعم علمه ~~بالخير تتغلب الطبيعة الحيوانية على الذكاء، ومثل الذكاء كمثل الغذاء الطيب الفاخر ~~يعطي لبدن معتل، ويقول بقراط: «إن هذا الغذاء يزيد الداء.» إن سقوط الجماد يتم ~~بالطبيعة والصعود يتم بمجهود، ولا شك في أن هذه الأعمال تتم للضرورة، ولا يوجد ~~للجماد حرية القصد. ولا يمكننا أن نمتنع عنها لأن الحركة في مثل هذا العمل لا تأتي ~~منا. كذلك العمل الحيواني في النفس الغذائي والمعيد القوي والمزيد يتم بدون قصد؛ أي ~~إنه يتم بالطبيعة، وحيث إنه يصدر عنا ففي قوتنا أن نقف ذاتنا وأن نمتنع عنه. أما ~~العمل الإنساني فهو يصدر على الدوام عن قوتنا وبقصد منها، ولذا في قوتنا أن نمتنع ~~عندما نريد. وينتج من هذا أن النهايات أو العلل النهائية لا تعين ولا تحدد إلا ~~بالأعمال الإنسانية. # الفصل الثالث # ثم دخل الفيلسوف في الكلام على الأعراض العقلية وأنواعها ليوضح آخر غايات ~~المتوحد. فبدأ ببيان أعمال الرجل الإنسانية، وأنها تصدر عن القوة العاقلة، وأن هذه ~~القوة موجودة لقصد أو لغاية، وهذه الغاية هي النوع الثاني من الأعراض ~~العقلية. # إن كلمة «العقل» يستعملها العامة استعمال كلمة النفس، ويستعملها الفلاسفة ~~كمترادف، وبعض الأحيان يقصدون بذلك الحرارة الطبيعية التي هي أول عناصر النفس، لأجل ~~هذا يقول الأطباء إن الأرواح على ثلاثة أنواع: الروح الطبيعية والروح العاقلة ~~والروح المحركة. ويقصدون ms095 بذلك النفس، لا من حيث هي نفس على الإطلاق، إنما من حيث هي ~~قوة محركة، وفي هذا المعنى تكون كلمة عقل ونفس مترادفتان. وكلمة روح تطلق خاصة على ~~الروح ذات الدرجة الثانية أي الروح العاقلة أو الحيوية، وبعض الأحيان هم يقصدون ~~بكلمة روح المواد الجامدة المنفصلة التي تحرك مواد أخرى، والتي ليست أجساما إنما ~~هي أعراض للأجسام. ومع ذلك فإن الفلاسفة لا يطلقون على هذه المواد كلمة روح كما هي ~~عادة لغويي العرب، إنما يقولون غالبا «روحاني» كلمة مركبة ومشتقة من روح كما تشتق ~~كلمة جسماني من جسم، ونفساني من نفس. وكلما بعدت مادة عن الجسمانية كلما وجب أن ~~تطلق عليها كلمة روحاني، لذا كان العقل الفعال أحق المواد بهذه التسمية وكذلك ~~المواد التي تحرك الأجرام والدوائر الفلكية. # إن الأعراض الروحانية أربعة أنواع مختلفة: الأول الأجسام الفلكية أو النجوم، ~~الثاني العقل العام والعقل الصادر، والثالث العقل الهيولاني أو المادي أي الأعراض ~~المعقولة أو الأفكار العقلية القائمة بالأشياء، والرابع الأفكار التي توجد في قوى ~~النفس أو في الذوق العادي أي في الخيال وفي الذاكرة. # أما النوع الأول فلا علاقة له على الإطلاق بالمادة. والثاني ليس في ذاته ~~هيولانيا إنما له علاقة بالمادة؛ لأنه يكمل الأشكال الهيولانية كالعقل الصادر ~~الذي يعمل الأشكال كالعقل الفعال. أما النوع الثالث فهو في علاقة مباشرة مع المادة، ~~ويسمونه هيولانيا؛ لأنه يشمل الأشياء المادية المعقولة أي التي ليست روحانية ~~بروحها، لها وجودها في المادة وخارج عن الجسمانية. وهي بعض الأشكال التي تبقى في ~~قوة النفس العاقلة عندما تنتهي العلاقة الخاصة التي بين القوة العاقلة والشيء ~~المفرد؛ لأنه ما دامت هذه العلاقة تبقى القوة العاقلة متأثرة بأثر جسماني تجعل ~~العلاقة جسمانية، فلما تنتهي الجسمانية وتنتهي العلاقة وتصير القوة العقلية ~~روحانية، لا تحفظ إلا العلاقة العامة أي العلاقة التي تربطها بسائر الأفراد. ~~والنوع الرابع متوسط بين المعقولات الهيولانية وبين الأعراض المادية المحضة. # الفصل الرابع # توجد أعمال ليس لها غاية سوى الشكل البدني كالشرب والأكل واللبس والسكن، وهذه ~~الأعمال لا ms096 غاية لها إلا التمتع المادي وغايتها إتمام الشكل الجسماني ولا ينبغي ~~إهمالها. # ثم أعمال غايتها الأشكال الروحانية الخاصة، وهي تختلف باختلاف طبيعة الأشياء التي ~~تقصد إليها نبلا وخسة. (أ) مثل ذلك غرور بعض الناس بلبس الملابس الجميلة في الظاهر ~~وهم يهملون الملابس الباطنية، إن اللذة التي تعود عليهم ليست شهوانية، إنما راجعة ~~إلى حاسة باطنية فيها شيء روحاني. (ب) الأعمال الموجهة نحو العرض الروحاني الكامن ~~في الخيال، كأن يتسلح الإنسان في غير وقت الحرب. (ج) الأعمال التي غايتها التسلية ~~والسرور، كاجتماع الأحباب والألعاب وعلاقات الرجل بالمرأة لغير التناسل والترفه في ~~السكن واقتناء الأثاث والبلاغة والشعر. (د) الأعمال التي غايتها التكمل في العقل ~~والفكر، كأن يدرس رجل علما لذاته ليكمل عقله لا ليعود عليه بنفع مادي، أو كأن يعمل ~~عمل كرم أو شرف بدون انتظار نتيجة مقصودة أو منفعة، كل هذه الأعمال ينبغي أن تتم ~~لذاتها، وأن لا تكون لها غاية أخرى سوى تكميل الشكل الروحاني للإنسان. ومع ذلك يوجد ~~أشخاص يقصدون بهذه الأعمال الشهرة والمجد، ويظنون أن أعظم سعادة للرجل أن يبقى اسمه ~~على مر الدهور، والعرب يعلقون على الذكر أهمية كبرى ويقول شاعرهم: الذكر للإنسان ~~عمر ثان. # الأعمال التي يقصد بها الأشكال الروحانية العامة، وهي أكمل أعمال الرجل، والأعراض ~~المقصودة هنا هي متوسطة بين الأعمال السابقة التي هي ممتزجة بالجسمانية والروحانية ~~المطلقة، وهي الغاية النهائية لمن يبحث عن السعادة أو غاية المتوحد الكبرى. # الفصل الخامس # بعد أن قسم الأعمال الإنسانية تبعا للأعراض المقصودة بها، أخذ الحكيم يعين غايات ~~هذه الأعمال لكل شكل خاصة، فقال إن الأغراض على ثلاثة أقسام: أغراض متعلقة إما ~~بالأعراض الجسمانية. وإما بالأعراض الروحانية الخاصة. وإما بالأعراض الروحانية ~~العامة. # أما الأعمال الجسمانية المحضة التي يشترك فيها الإنسان والحيوان فلا محل لها ~~هنا. # أما الروحانية العامة فهي تحرك الإنسان إلى الصفات الخلقية والعقلية، وإن بعض ~~أخلاق الإنسان توجد أيضا في الحيوان كالشجاعة في الأسد والعجب في الطاووس والتيقظ ~~في الكلب. ولكن هذه الصفات ليست خاصة ببعض الأفراد ms097 من النوع، إنما هي صفات غريزية ~~راكزة في كل الجنس، ولا توجد فردية إلا في الإنسان، فكل الكلاب يقظة ولكن اليقظين ~~من الرجال قليل، ولذا فهي تسمى في الرجال فضائل إذا استعملها الرجل بمقدار معتدل ~~وعلى الدوام كلما اقتضتها الحال. # أما الصفات العقلية فتكون في الأعراض الروحانية الإنسانية قسما خاصا ليس له ~~بالصفات الأخرى علاقة. فإن الأعمال العقلية والعلوم في حقيقتها كلها كمالات مطلقة ~~تعطي للإنسان الوجود الحقيقي التام، أما العرض الروحاني الفردي فيعطي وجودا محدود ~~الزمن، مثل العرض الروحاني الذي ينتج عن الشهرة، فإنه ليس بينه وبين ذاك الذي يحصل ~~عليه بواسطة الصفات العقلية مقارنة. # إن من يقتصر على الأعراض الجسمانية يضع نفسه في صفوف الحيوان، كذلك يكون إهمال ~~الوجود الجسماني ضد الطبيعة، وهذا لا يباح إلا في بعض الظروف المستثناة، حيث يكون ~~احتقار الحياة فرضا على الإنسان مثل وجوب موت الإنسان في سبيل الدفاع عن الوطن أو ~~الدين، ولا يمكن لأي رجل مادي أن يصل إلى السعادة، إنما لا يصل الرجل إلى السعادة ~~إلا إذا كان روحانيا محضا وإلهيا حقيقة. إن الرجل الروحاني ينبغي له أن يعمل ~~أعمالا جسمانية للضرورة لا لذاتها، أما الأعمال الروحانية فيعملها لذاتها، كذلك ~~ينبغي للفيلسوف أن يعمل أعمالا روحانية كثيرة بدون أن يكون فعلها لذاتها. أما ~~المعقولة فهو يعملها لذاتها. فلا يتناول من الأعمال الجسمانية إلا ما كان أداة في ~~مد أجله، ولن يقدم الشيء الجسماني مطلقا على الروحاني، ولا يأخذ من أرفع درجات ~~الروحاني إلا ما كان ضروريا للمعقول، ثم يتعلق في النهاية بالمعقول المطلق؛ ~~لأنه بواسطة الجسماني يكون مخلوقا إنسانيا، وبالروحاني يكون مخلوقا أرفع، ~~وبالمعقول يصير مخلوقا ساميا إلهيا. # فالفيلسوف هو بطبيعة الحال إنسان سام إلهيا، على شرط أن يختار في كل نوع من ~~الأعمال ما كان أرفعها، وأن يختلط بأهل كل طبقة من الناس لأجل أسمى ما في كل واحد ~~منهم من الصفات، وأن يمتاز عنهم جميعا بأرفع الأعمال وأكثرها مجدا. فإذا وصل إلى ~~الغرض النهائي أي عندما يفقه العقول ms098 البسيطة في كل معانيها والمواد المنفصلة، يصير ~~واحدا منها ويمكن أن يسمي موجودا إلهيا. فتبعد عنه صفات الجسمانية الغير ~~الكاملة كذلك الصفات الروحانية السامية، ويجدر أن يكون له صفة الإلهي بدون أن يكون ~~به شيء جسماني أو روحاني. كل هذه هي صفات المتوحد ابن الجمهورية الكاملة. # الفصل السادس # الأعراض الروحانية الفردية على أربعة أنواع: النوع الأول: هو العامي ومقره الحواس ~~أو الإحساس. والنوع الثاني: في الطبيعة أو الشهوة، لأن من به ظمأ يجد في ذاته عرضا ~~روحانيا يدفعه للبحث عن الماء، ومن به جوع يجده لأجل البحث عن الغذاء، وعلى ~~العموم كل من يشتهي مدفوع للبحث عما يشتهي بعرض روحاني، وهذا العرض الصادر عن ~~الطبيعة لا ينصب على جسم خاص، لأن من به ظمأ لا يتطلب نوعا خاصا من الماء إنما ~~يطلب ماء ما من الجنس الذي يشتهيه. النوع الثالث: هو العرض الروحاني الذي ينشأ عن ~~الفكر أو العرض الذي يصدر عن التأمل أو الدليل والإيضاح. # والنوع الرابع: يشمل الأعراض التي تولد بواسطة تأثير العقل الفعال بدون تعضيد ~~الفكر أو الدليل، وفي هذا النوع يدخل الوحي النبوي، والأحلام الصادقة التي هي صادقة ~~بالضرورة، وليست صادقة بالمصادفة. والنوعان الأولان مشتركان بين الإنسان والحيوان، ~~والأعراض الضرورية للحيوان لكماله الطبيعي تعطيها الطبيعة لكل الحيوانات، ولكن توجد ~~أعراض تعطيها الطبيعة تكرما ولا توجد إلا في بعض الحيوانات. وهذه الحال قاصرة على ~~الحيوانات التي ليس لها دم كالنحل والنمل. والنوعان الأخيران من الأعراض الروحانية ~~خاصان بالإنسان، وهما وسط بين الأعراض الروحانية الفردية والأعراض المعقولة؛ لأنهما ~~ليسا أعراضا فردية لأجل الأجسام، ولا أعراضا روحانية فردية كالأعراض الحساسة، ~~وليسا خالصين عن المادة بالمرة حتى يصح وصفهما بالعموم كالأعراض المعقولة، ومن ~~الممكن للمراقب أن يعرف من حدة النظر درجة الروحانية والذكاء التي وصل إليها ~~الإنسان. # الفصل السابع # لا ينبغي للمتوحد أن يعمل لأجل الأعراض الروحانية لذاتها؛ لأنها ليست نهايته وإن ~~كانت وسيلة للوصول إلى الغاية القصوى، وينبغي له أن لا يخالط الذين لا يملكون إلا ~~تلك الأعراض الروحانية؛ ms099 لأنهم قد يتركون في نفسه آثارا تعوقه عن الوصول إلى ~~السعادة الأبدية. # ولنفترض الآن أن رجلا فاضلا بالمرة كالمهدي وآخر فاجرا كأبي دلامة، كل واحد ~~منهما يملك العرض الخاص بالآخر، وكل عرض روحاني محرك للجسم الذي يوجد العرض به. ~~فعرض أبي دلامة يحمل المهدي على السرور والهذر تبعا لإدراك الأول للرذائل، وعرض ~~المهدي يحمل أبا دلامة على التواضع والحياء؛ لأن أبا دلامة يذل بإدراك الطبيعة ~~السامية التي هي طبيعة المهدي وبعرضها الشريف، ومن المحقق أن التواضع والحياء هما ~~من الصفات التي هي أرقى من الخفة والباطل، فحينئذ بعرض الرجل الراقي أي بإدراك هذا ~~العرض يمكن للرجل المنحط أن يشرف ويرتقي، وكذلك بعرض الرجل المنحط يمكن سقوط الرجل ~~الراقي. فينبغي علينا والأمر كذلك أن نتوحد وبهذه الوسيلة ينقي أخس الناس نفسه ~~ويعلن عن مجد الرجل السامي والسامي يخلص من التأثير الذي يمكن أن يتلقاه من الخسيس ~~ولا يفكر إلا في الوحدة، وكذلك يجد كل واحد من كان قريبا منه إلى جانبه. وهكذا ~~المتوحد سيبقى نقيا من الاختلاط بالناس؛ لأن من واجبه أن لا يرتبط بالرجل المادي ~~ولا بالرجل الذي ليس له غاية إلا الروحاني المطلق. وواجبه أن يرتبط بأهل العلم، ~~وحيث إن أهل العلم لا يوجدون في كل مكان فينبغي للمتوحد أن يبتعد عن الناس على قدر ~~الإمكان، وأن لا يمتزج بهم إلا لأجل الضروريات. ينبغي له أن يبتعد عنهم لأنهم ~~ليسوا من جنسه، فلا يختلط بهم ولا يسمع لغطهم؛ لأجل أن لا يحتاج لتكذيب أكاذيبهم، ~~وأن لا يقضي وقته في بغضهم وفي الحكم عليهم وهم أعداء الله. والأفضل للمتوحد أن لا ~~يقضي وقته في الحكم على الناس الذين يعيش بينهم، إنما يعطي نفسه لتعليمه الإلهي، ~~وأن يلقي بعيدا عنه ذلك العبء الثقيل، وأن يكمل نفسه، وأن يضيء لمن حوله كالنور، ~~وفي السر يعطي نفسه لتعلم علم الخالق كما لو كان ذلك أمرا معيبا، وبذلك يكمل نفسه ~~في العلم وفي الدين الذي يرتضيه له، أو يذهب إلى الأماكن التي يوجد فيها ms100 العلماء، ~~فيرتبط بهم وبالمتقدمين في السن الممتازين بذكائهم وعلمهم وصدق حكمهم وبفضائلهم ~~العقلية، وأن يجتنب الشبان القليلي الخبرة، وإن ما نقوله هنا لا يناقض العلوم ~~السياسية التي تقول بأن مجانبة الناس خطأ، ولا العلوم الطبيعية التي تقول بأن ~~الإنسان مدني بالطبع؛ لأن هذين المبدأين صحيحان نظريا حال تملك الرجال كمالاتهم ~~الطبيعية، ولكن قد يحدث أن يكون الخير في الابتعاد عن المجتمع، فإن اللحوم والنبيذ ~~أغذية نافعة للإنسان، كما أن الأفيون والحنظل قاتلان، ومع ذلك فإنه يحدث أن هذين ~~الأخيرين يكونان في بعض الأحيان نافعين والغذاء العادي الطبيعي قد يحدث أن يكون ~~قاتلا. ولكن هذا نادر ولا يحدث إلا مصادفة، وهذا أيضا ينطبق على تدبير ~~النفوس. # الفصل الثامن # إن غاية المتوحد النهائية هي في الأعراض المعقولة والأعمال التي تؤدي إليها كلها ~~في حيز العقل، ولا يصل المتوحد إلى تلك الأعراض إلا بالتأمل والدرس، وهذه الأعراض ~~لها في ذاتها تأكيد لوجودها، وهي بعبارة أخرى أفكار الأفكار وأرقاها العقل المكتسب ~~الصادر عن العقل الفعال، الذي بواسطته يتوصل الإنسان لأن يفهم ذاته كموجود ~~عقلي. # ثم أسهب ابن باجه في الكلام على العقل المكتسب وطريقة الوصول إلى فهم ذاته، ثم ~~قال: «إن العقل الفعال لا ينقسم أي لا يتجزأ، وحيث إن الأعراض الخاصة به جميعا ~~ليست فيه إلا واحدة أو على الأقل كل أرواحها هي أشياء لا تتجزأ؛ أي إن كل عرض خاص ~~يوجد فيه؛ أي في العقل الفعال كوحدة، فعلم هذا العقل المنفصل كذلك واحد، وإن كانت ~~أغراضه متعددة كتعدد الأنواع. وإذا كانت الأعراض التي تصدر عنه متعددة، فما ذلك ~~إلا لأنها تظهر في مواد مختلفة. وفي الواقع إن الأعراض الموجودة في بعض المواد هي ~~في العقل الفعال عرض واحد، وليس المقصود من ذلك أنها كانت بالمعنى بعد أن كانت في ~~المواد كما يحدث هذا لأجل العقل في الفعل. وليس هناك ما يعوق العقل في الفعل عن عمل ~~مجهود لتقريب هذه الأعراض المنفصلة منه إلى أن يصل إلى الإدراك المعقول أو العقل ~~المكتسب، لأجل ms101 هذا كان الإنسان بروحه أقرب الموجودات للعقل الفعال، وليس هناك ما ~~يعوق العقل المكتسب عن أن يعطي ما تعطيه العقول الأخرى؛ أي الحركة لأجل أن يتأمل في ~~ذاته. وعند ذلك يصل إلى الإدراك المعقول الحقيقي؛ أي إحساس المخلوق الذي بطبيعته هو ~~عقل يعمل بدون أن يحتاج حالا أو سابقا إلى شيء يخرجه من حالة القوة. هذا هو إدراك ~~العقل المنفصل أي العقل الفعال كما يدرك ذاته، وهذا هو آخر الحركات.» # ويرى القارئ مما تقدم أن ابن باجه لا يوضح بجلاء الطريق التي تتم بها تلك الحركة ~~العظمى، وكيف يتم الاتصال بين العقل الإنساني والعقل الفعال العام، وقد رأينا في ~~رسالة الوداع أنه مضطر إلى إدخال قوة فوق الطبيعة لإتمام هذا الاتصال، ثم لنذكر أن ~~الكتاب الذي فرغنا من تلخيصه قد وجده ابن رشد غامضا، وقد وضعه ابن طفيل بين الكتب ~~التي لم يتمها ابن باجه ووصفها بأنها مجزومة من أواخرها. ولكن الذي تهمنا معرفته هو ~~أن ابن باجه أعطى للفلسفة العربية في الأندلس حركة ضد الميول التصوفية التي ابتدعها ~~الغزالي وقال ابن باجه: إن العلم النظري وحده قادر على الوصول بالإنسان إلى فهم ~~ذاته وفهم العقل الفعال، كما أوضح ذلك في رسالة الوداع وكما علمنا ابن طفيل، وبذا ~~اختط السبيل الذي سار عليه ابن رشد. ~~(2) إيضاح لفلسفة ابن باجه ~~(2-1) تحريف اسمه واضطهاده # يطلق عليه بعض الإفرنج اسم # Avenpace # وبعضهم # Avimpace # وهي محرفة عن ابن باجه، كما حرفوا # Avicenna # عن ابن سينا ~~و # Averroes # عن ابن رشد، وقد ولد في أواخر ~~القرن الخامس للهجرة وتوفي في أوائل السادس (533ه) ومات هذا الفيلسوف شابا في ~~مقتبل العمر، ولا نعلم الشأو الذي كان يبلغه لو مد في أجله حتى كمال مواهبه ~~الفطرية. # على أن حياته مع قصرها كانت مثالا لحياة الفيلسوف، فقد بلي بمحن كثيرة وشناعات ~~من العوام وقصدوا هلاكه مرات، ولكنه نجا من بطشهم. وكان هذا الاضطهاد بسبب فكره وما ~~نسبوه إليه من الخروج عن حدود العقائد الدينية، فكان سابقا لابن ms102 رشد في تلك المحن ~~التي سببتها جهالة السوقة والمتنطعين. ~~(2-2) تلاميذه ومكان قبره # كان من جملة تلاميذ أبي بكر محمد بن يحيى بن الصائغ القاضي؛ أبو الوليد محمد بن ~~رشد، ومن جملتهم أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن الإمام الغرناطي، وكان كاتبا ~~فاضلا متميزا في العلوم والآداب، وقد صحب أستاذه ابن باجه مدة ودرس معه واشتغل ~~عليه وحضر وفاة ابن باجه ودفنه في فاس سنة 533ه. وعندنا شهادة القاضي أبي مروان ~~الأشبيلي بأنه رأى قبر ابن باجه بمدينة فاس بجوار قبر أبي بكر ابن العربي الفقيه. ~~أما أبو الحسن علي تلميذ ابن باجه فقد نزح عن المغرب وتوفي بقوص بصعيد مصر في النصف ~~الثاني من القرن السادس للهجرة. ~~(2-3) أحد تلاميذه يصف علمه وذكاءه # نقل أبو الحسن بن علي ابن الإمام الغرناطي تلميذ ابن باجه مجموعا من أقوال ابن ~~باجه وهو ما يطلق عليه الفرنسيون لفظ # Cours # وكتب ~~في صدره مقدمة جاء فيها: # هذا مجموع ما قيد من أقوال أبي بكر بن الصائغ رحمه الله في العلوم ~~الفلسفية. وكان في ثقابة الذهن ولطف الغوص على تلك المعاني الجليلة الشريفة ~~الدقيقة أعجوبة دهره ونادرة الفلك في زمانه، فإن هذه الكتب الفلسفية كانت ~~متداولة بالأندلس من عهد «الحكم»، وهو الخليفة الذي استجلبها وهو مستجلب ~~غرائب ما صنف بالمشرق. ونقل من كتب الأوائل وغيرها (نضر الله وجهه)، وتردد ~~النظر في تلك الكتب فما انتهج فيها الناظر قبل ابن باجه سبيلا. وما تقيد ~~عن الناظرين في تلك الكتب قبل ابن باجه إلا ضلالات وتبديل كما تبدد عن ابن ~~حزم الأشبيلي. وكان من أجل نظار زمانه وأكثرهم لمن تقدم على إثبات شيء من ~~خواطره، وكان أحسن منه نظرا واثقب لنفسه تمييزا. # وإنما انتهجت سبل النظر في هذه العلوم بهذا الحبر وبمالك بن وهيب ~~الأشبيلي، فإنهما كانا متعاصرين، غير أن مالكا لم يقيد عنه إلا قليل نزر ~~في أول الصناعة الذهنية (المعقولات)، ثم أضرب الرجل عن النظر ظاهرا في هذه ~~العلوم وعن التكلم فيها لما ms103 لحقه من المطالبات في دمه لسببها، ولقصده ~~الغلبة في جميع محاوراته في فوز المعارف. # وظاهر من هذه النبذة أن المطالبات في دم ابن وهيب الأشبيلي (الاضطهادات) لم تكن ~~بسبب اشتغاله بهذه العلوم العقلية والفلسفية فقط، بل كانت بسبب خلقه؛ فقد كان يقصد ~~الغلبة في جميع محاوراته في فوز المعارف، وربما كان هذا السبب الثاني أدعى إلى ~~الاضطهاد وإلى غيظ العوام منه وحملتهم عليه. على أن ابن وهيب لم يكن فيلسوفا بحق؛ ~~وذلك لأنه لم تكن تلوح على أقواله ضياء هذه المعارف الفلسفية ولا قيد فيها باطنا ~~شيئا عثر عليه بعد موته. ثم إن ابن وهيب أعرض عن الفلسفة وأقبل على العلوم الشرعية ~~فظهر فيها. # أما ابن باجه فقد نهضت به فطرته الفائقة، ولم يهجر النظر والاستنتاج والتقييد لكل ~~ما ارتسمت حقيقته في نفسه على أطوار أحواله وكيفما تصرف به زمنه. ~~(2-4) العلوم التي أتقنها ابن باجه # لقد أثبت ابن باجه في الصناعة الذهنية (المعقولات) وفي أجزاء العلم الطبيعي ما ~~يدل على حصول هاتين الصناعتين في نفسه، صورة ينطق عنها ويفصل ويركب فيها فعل ~~المستولي على أمرها والمتمكن منها غاية التمكن. # وله تعاليق في الهندسة وعلم الهيئة تدل على براعته في هذا الفن. # وأما العلم الإلهي فلم يوجد في تعاليقه شيء مخصوص به اختصاصا تاما، إلا نزعات ~~تستقرأ وتستنتج من قوله في رسالة الوداع التي سبق ذكرها واتصال الإنسان بالعقل ~~الفعال وإشارات مبعثرة في أثناء أقاويله، لكنها في غاية القوة والدلالة على نزوعه ~~في ذلك العلم الشريف الذي هو غاية العلوم ومنتهاها، وكل ما قبله من المعارف فهو من ~~أجله وتوطئة له، ومن المستحيل أن ينزع في التوطئات وتنفصل له أنواع الوجود على ~~كمالها، ويكون مقصرا في العلم الذي هو الغاية وإليه كان التشوق بالطبع لكل ذي فطرة ~~بارعة، وذي موهبة إلهية ترقيه عن أهل عصره وتخرجه من الظلمات إلى النور كما كان ابن ~~باجه رحمه الله. ~~(2-5) المقارنة بينه وبين أكابر فلاسفة المشرق # وقد وردت في صدر المجموع الذي نقله ms104 أبو الحسن علي بن عبد العزيز أقوال لابن باجه ~~في الغاية الإنسانية على نهاية من الإيجاز، ولكنها تعرب عما سبقت الإشارة إليه من ~~سعة إدراك ابن باجه في العلم الإلهي وفيما قبله من العلوم الموطئة، ويظن المؤرخون ~~أن ابن باجه قد دون وعلق في العلم الإلهي ما لم يعثروا عليه. ويشبه أنه لم يكن ~~بعد أبي نصر الفارابي مثله في الفنون التي تكلم عليها من تلك العلوم؛ فإنه إذا قرنت ~~أقاويله فيها وعورضت بأقاويل ابن سينا والغزالي - وهما اللذان فتح عليهما بعد أبي ~~نصر بالمشرق في فهم تلك العلوم ودونا فيها - بان لك الرجحان في أقاويل ابن باجه وفي ~~حسن فهمه لأقاويل أرسطو والثلاثة أئمة دون ريب، وقد أتوا بما جاء به من قبلهم من ~~بارع الحكمة عن يقين تمتاز به أقاويلهم ويتواردون فيها مع السلف الكريم. ~~(2-6) بيان المؤلفات ابن باجه ~~(1) # شرح كتاب السماع الطبيعي لأرسطوطاليس. ~~(2) # قول على بعض كتاب الآثار العلوية لأرسطوطاليس. ~~(3) # قول على بعض كتاب الكون والفساد لأرسطوطاليس. ~~(4) # قول على بعض المقالات الأخيرة من كتاب الحيوان لأرسطوطاليس. ~~(5) # كلام على بعض كتاب النبات لأرسطوطاليس. ~~(6) # قول ذكر فيه التشوق الطبيعي وماهيته. ~~(7) # رسالة الوداع وقول يتلوها. ~~(8) # كتاب اتصال العقل بالإنسان. ~~(9) # كتاب تدبير المتوحد. ~~(10) # تعاليق على كتاب أبي نصر في الصناعة الذهنية. ~~(11) # فصول قليلة # fratgments # في السياسة ~~المدنية وكيفية المدن وحال المتوحد فيها. ~~(12) # كلام في الأمور التي بها يمكن الوقوف على العقل الفعال. ~~(13) # نبذ يسيرة على الهندسة والهيئة. ~~(14) # رسالة كتب بها إلى صديقه أبي جعفر يوسف بن أحمد بن حسداي (بعد قدومه إلى ~~مصر). ~~(15) # تعاليق حكمية وجدت متفرقة. ~~(16) # جوابه لما سئل عن هندسة ابن سيد المهندس وطرقه. ~~(17) # كلام على شيء من كتاب الأدوية المفردة لجالنيوس. ~~(18) # كتاب التجربتين على أدوية ابن وافد وقد اشترك معه في تأليفه أبو الحسن ~~سفيان. ~~(19) # كتاب اختصار الحاوي للرازي. ~~(20) # كلام في الغاية الإنسانية. ~~(21) # كلام في الأمور التي بها يمكن الوقوف على العقل الفعال. ~~(22) # كلام في الاسم والمسمى. ~~(23) # كلام في البرهان. ~~(24) # كلام في الاسطقسات. ~~(25) # كلام في الفحص عن ms105 النفس النزوعية وكيف هي ولم تنزع وبماذا تنزع. ~~(26) # كلام في المزاج بما هو طبي. # ولم يصلنا من هذه الكتب جميعها سوى كتابين: ~~(1) # مجموعة في الفلسفة والطب والطبيعيات ومنها نسخة في برلين وأخرى في ~~أكسفورد. ~~(2) # رسالة الوداع مفسرة بالعبرانية. # الفصل السادس # | ابن طفيل # أبو بكر محمد بن عبد الملك بن طفيل القيسي، أحد أكابر حكماء العرب بالأندلس، ولد في أوائل ~~القرن الثاني عشر للمسيح (القرن السادس للهجرة) بوادي آش إحدى مدن ولاية غرناطة، واشتهر ~~بالطب والرياضيات والحكمة والشعر. شغل منصب كاتم أسرار حاكم غرناطة زمنا يسيرا، ثم صار ~~وزيرا وطبيبا للأمير يوسف أبي يعقوب ابن عبد المؤمن، ثاني أمراء أسرة المهدي المتوفى سنة ~~580ه. # ذكر ابن الخطيب أن ابن طفيل علم الطب في غرناطة وألف فيه كتابين. وروى عبد الواحد ~~المراكشي، وهو ممن اتصلوا بأولاد ابن طفيل، أن المودة كانت بين الحكيم والأمير عظيمة جدا، ~~وأنه رأى بنفسه كتبا في الفلسفة وفي علم النفس وكثيرا من شعره بخط الفيلسوف، وقد انتهز ~~ابن طفيل فرصة تقربه من الأمير فجلب إلى القصر مشاهير حكماء عصره، وهو الذي قدم إلى الأمير، ~~حكيم الأندلس ابن رشد، وكان الأمير طلب منه يوما أن يرشده إلى عالم خبير بمؤلفات أرسطو ~~ليطلب إليه تفسيرها وتحليلها تحليلا جليا، فطلب ابن طفيل إلى ابن رشد أن يقوم بهذا ~~العمل، واعتذر للأمير عن إنجازه بكبر سنه، فلبى ابن رشد هذا الطلب وقام بتحليل كتب ~~أرسطو. # وقد توفي ابن طفيل في مراكش عام 1185 وسار المنصور في جنازته. # ولم يبق لنا من مؤلفات ابن طفيل إلا كتاب واحد هو كتاب «حي بن يقظان»، وذكر كازيري ~~كتابا اسمه «أسرار الحكمة المشرقية» وهو كتاب «حي بن يقظان» نفسه، وذكر ابن أبي أصيبعة في ~~ترجمة ابن رشد، أن ابن رشد ذكر لابن طفيل كتابا «في البقع المسكونة والغير المسكونة». وقال ~~ابن رشد أيضا في الإلهيات (الكتاب الثاني عشر) إنه كانت لابن طفيل آراء ثمينة في الأجرام ~~الداخلة والخارجة. # وهذا يدل على أنه كان لابن طفيل ms106 علم واسع بالفلك، وذكر أبو إسحق البتروجي الفلكي الشهير ~~في مقدمة كتابه في الفلك، وهو الذي أراد أن يستبدل نظريات بطليموس به: «تعلم يا أخي أن ~~أستاذنا القاضي أبا بكر ابن طفيل قال إنه وفقا لنظام فلكي لتلك الحركات، كان يتبعه غير ~~النظام الذي ابتعه بطليموس، وأنه في غنى عن الدوائر الداخلة والخارجة، وأن نظامه يحقق حركات ~~الأجرام بدون وقوع في الخطأ، ووعدنا بالتأليف في هذا الباب، ولا عجب فإن علمه غني عن ~~الأطناب.» # أما الكتاب الوحيد الذي يثبت فضل ابن طفيل فهو الذي يتضمن فلسفة وقته في شكل قصة ~~خيالية. # ويظهر من هذا الكتاب أن ابن طفيل كان من الإشراقيين، وقد حاول بطريق التأمل أن يحل معضلة ~~كبرى شغلت حكماء وقته، وهي علاقة النفس البشرية بالعقل لأول، فإنه لم يقنع برأي الغزالي ~~الذي اكتفى في الاتصال بالتصوف، إنما اتبع رأي ابن باجه وأظهر نمو الفكر الإنساني درجة ~~فدرجة في شخص إنسان منقطع بعيد عن مشاغل الحياة سليم من آثارها وأدرانها، واختار ابن طفيل ~~مخلوقا لم يعلم من الحياة شيئا، وقد نما عقله في الانفراد المطلق بذاته، وتنبه فكره بقوته ~~وبدافع من العقل الفعال، فأحاط بفهم أسرار الطبيعة وحل أعضل المسائل الإلهية: هذا ما ~~أراده ابن طفيل من كتابه «حي بن يقظان» وسيأتي الكلام عليه عند تحليل فلسفته. # فكان ابن طفيل فلكيا، رياضيا وطبيبا وشاعرا، ناثرا رشيق الأسلوب رقيق العبارة، ~~والفضل في إظهار مواهبه والاحتفاظ بها إلى الأمير يوسف بن عبد المؤمن، فقد كان عبد المؤمن ~~عهد في حياته إلى أكبر أولاده وهو محمد بالإمارة وبايعه الناس وكتب ببيعته إلى البلاد، فلما ~~مات عبد المؤمن لم يتم لابنه محمد الأمر وخلع. وكان الذي سعى في خلعه أخواه يوسف وعمر ابنا ~~عبد المؤمن. ولما تم خلعه دار الأمر بين الأخوين المذكورين، وهما من نجباء أولاد عبد المؤمن ~~ومن ذوي الرأي، فتأخر منهما أبو حفص عمر وأسلم الأمر إلى أخيه يوسف، وهو أبو يعقوب يوسف بن ~~أبي محمد عبد المؤمن بن علي ms107 القيسي الكومي صاحب المغرب، فبايعه الناس واتفقت عليه ~~الكلمة. # كان الأمير يوسف المذكور أعرف الناس كيف تكلمت العرب، وأحفظهم لأيامها في الجاهلية ~~والإسلام، وقد صرف عنايته إلى ذلك ولقي فضلاء أشبيلية أيام ولايته، ويقال إنه كان يحفظ ~~صحيح البخاري وكان يحفظ القرآن الكريم مع جملة من الفقه، ثم طمح إلى علم الحكمة وبدأ من ذلك ~~بعلم الطب، وجمع من كتب الحكمة شيئا كثيرا. # وكان ممن صحبه من العلماء بهذا الشأن أبو بكر محمد بن طفيل، وكان متحققا بجميع أجزاء ~~الحكمة، قرأ على جماعة من أهلها، ويحسب ابن خلكان في ج2 ص374 أن أبا بكر بن الصائغ، وهو ~~المعروف بابن باجه السابقة ترجمته في هذا الكتاب، كان من أساتذة ابن طفيل وهذا غير صحيح، ~~بنص صريح من قول ابن طفيل نفسه في كتبه سيأتي ذكره في هذا الفصل وكان ابن طفيل حريصا على الجمع بين ~~علم الشريعة والحكمة وكان مفننا، ولم يزل بجمع إليه العلماء في كل فن من جميع الأقطار، ومن ~~جملتهم أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد، كما سيأتي ذكره بالتفصيل في ترجمة ابن ~~رشد. # جعل ابن طفيل فلسفته في شكل جواب على سؤال توجه إليه من أحد إخوانه، وهذا بالطبع تقليد ~~لابن سينا والغزالي قال: # سألت أيها الكريم الأخ الصفي الحميم، منحك الله البقاء الأبدي، وأسعدك السعد ~~السرمدي، أن أبث إليك ما أمكنني بثه من أسرار الحكمة المشرقية، التي ذكرها ~~الشيخ الإمام الرئيس أبو علي ابن سينا. فاعلم أن من أراد الحق الذي لا جمجمة فيه ~~فعليه بطلبها والجد في اقتنائها. ~~(1) وصف الحال التي شعر بها ابن طفيل # ولقد حرك مني سؤالك خاطرا شريفا، أفضى بي والحمد لله إلى مشاهدة حال لم أشهدها قبل، ~~وانتهى بي إلى مبلغ هو من الغرابة بحيث لا يصفه لسان، ولا يقوم به بيان؛ لأنه من طور ~~غير طورها وعالم غير عالمها. غير أن تلك الحال لما لها من البهجة والسرور، واللذة ~~والحبور، لا يستطيع من وصل إليها وانتهى إلى ms108 حد من حدودها، أن يكتم أمرها أو يخفي سرها، ~~بل يعتريه من الطرب والنشاط، والمرح والانبساط ما يحمله على البوح بها مجملة دون تفصيل، ~~وإن كان ممن لم تحذقه العلوم، قال فيها بغير تحصيل، حتى أن بعضهم قال في هذا الحال: س. ~~ب. ح. ا. ن. ي. م. ا. أ. ع. ظ. م. ش. ا. ن. ي! وقال غيره: أ. ن. ا. ا. ل. ح. ق! وقال ~~غيره ليس في الثوب إلا. ا. ل. ل. ه! # وأما الشيخ أبو حامد الغزالي رحمه الله فقال متمثلا عند وصوله إلى هذه الحال. # فكان ما كان مما لست أذكره # فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر ~~(2) فلسفة ابن باجه في رأي ابن طفيل # وانظر إلى قول أبي بكر بن الصائغ المتصل بكلامه في صفة الاتصال، فإنه يقول: «إذا فهم ~~المعنى المقصود من كتابة ذلك، ظهر عند ذلك أنه لا يمكن أن يكون معلوم من العلوم ~~المتعاطاة في رتبة، وحصل متصوره بفهم ذلك المعنى في رتبة يرى نفسه فيها مباينا لجميع ~~ما تقدم مع اعتقادات أخر ليست هيولانية، وهي أجل من أن تنسب إلى الحياة الطبيعية، بل هي ~~أحوال من أحوال السعداء، منزهة عن تركيب الحياة الطبيعية، بل هي أحوال من أحوال السعداء ~~خليقة أن يقال لها أحوال إلهية يهبها الله سبحانه وتعالى لمن يشاء من عباده.» وهذه ~~الرتبة التي أشار إليها أبو بكر ينتهي إليها بطريق العلم النظري والبحث الفكري، ولا شك ~~أنه بلغها ولم يتخطها ... ~~(3) الذي يعنيه ابن طفيل بإدراك أهل النظر والطعن في ابن باجه # الذي نعنيه بإدراك أهل النظر هو ما يدركونه مما بعد الطبيعة، مثل ما أدركه أبو بكر، ~~ويشترط في إدراكهم هذا أن يكون حقا صحيحا، وحينئذ يقع النظر بينه وبين إدراك أهل ~~الولاية الذين يعتنون بتلك الأشياء بعينها مع زيادة وضوح وعظيم التذاذ. وقد عاب أبو بكر ~~ذكر هذا الالتذاذ على القوم، وذكر أنه للقوة الخيالية، ووعد بأن يصف ما ينبغي أن يكون ~~حال السعداء عند ذلك بقول ms109 مفسر مبين. وينبغي أن يقال له: «لا تستحل طعم شيء لم تذق، ولا ~~تتخط رقاب الصديقين!» ولم يفعل الرجل شيئا من ذلك ولا وفى بهذه العدة (الوعد)، وقد ~~يشبه أن منعه عن ذلك ما ذكره من ضيق الوقت واشتغاله بالنزول إلى وهران، أو راعى أنه إن ~~وصف تلك الحال اضطره القول إلى أشياء فيها قدح عليه في سيرته وتكذيب لما أثبته من الحث ~~على الاستكثار من المال والجمع له وصرف وجوه الحيل في اكتسابه (كذا). # ولم يكن في المتأخرين أثقب ذهنا ولا أصح نظرا ولا أصدق رؤية من أبي بكر ابن الصائغ، ~~غير أنه شغلته الدنيا حتى اخترمته المنية قبل ظهور خزائن علمه وبث خفايا حكمته. وأكثر ~~ما يوجد له من التآليف إنما هي غير كاملة ومجزومة من أواخرها، ككتابه في النفس وتدبير ~~المتوحد وما كتبه في المنطق وعلم الطبيعة. وأما كتبه الكاملة فهي كتب وجيزة ورسائل ~~مختلفة، وقد صرح هو نفسه بذلك وذكر أن المعنى المقصود برهانه في «رسالة الاتصال» ليس ~~يعطيه ذلك القول عطاء بينا إلا بعد عسر واستكراه شديد، وأن ترتيب عبارته في بعض ~~المواضع على غير الطريق الأكمل، ولو اتسع له الوقت مال لتبديلها. فهذا حال ما وصل إلينا ~~من علم هذا الرجل ونحن لم نلق شخصه، وأما من كان معاصرا له ممن لم يوصف بأنه في مثل ~~درجته فلم نر له تأليفا. ~~(4) نقد فلسفة الفارابي وغيره من المتقدمين بقلم ابن طفيل # وأما من جاء بعدهم من المعاصرين لنا، فهم بعد في حد التزايد أو الوقوف على غير كمال، ~~أو ممن لم تصل إلينا حقيقة أمره. # وأما ما وصل إلينا من كتب أبي نصر فأكثرها في المنطق، وما ورد منها في الفلسفة فهي ~~كثيرة الشكوك، فقد أثبت في كتاب «الملة الفاضلة» بقاء النفوس الشريرة بعد الموت في آلام ~~لا نهاية لها بقاء لا نهاية له، ثم صرح في السياسة المدنية بأنها منحلة وصائرة إلى ~~العدم، وأنه لا بقاء إلا للنفوس الكاملة. ثم وصف في كتاب الأخلاق ms110 شيئا من أمر ~~السعادة الإنسانية، وأنها إنما تكون في هذه الحياة التي في هذه الدار. ثم قال عقب ذلك ~~كلاما هذا معناه: «وكل ما يذكر غير هذا فهو هذيان وخرافات عجائز.» فهذا قد أيأس الخلق ~~جميعا من رحمة الله تعالى، وصير الفاضل والشرير في رتبة واحدة؛ إذ جعل مصير الكل إلى ~~العدم، وهذه زلة لا تقال وعثرة ليس بعدها جبر! هذا ما صرح به من سوء معتقده في النبوة، ~~وأنها بزعمه للقوة الخيالية خاصة، وتفضيله الفلسفة عليها إلى أشياء ليس بنا حاجة إلى ~~إيرادها. (راجع ما أوردناه عن هذه المسألة الدقيقة في [فصل الفارابي]). ~~(5) نقد فلسفة ابن سينا # وأما كتب أرسطوطاليس فقد تكفل الشيخ أبو علي! بالتعبير عما فيها، وجرى على مذهبه وسلك ~~طريق فلسفته في كتاب الشفاء، وصرح في أول الكتاب بأن الحق عنده غير ذلك، وأنه إنما ألف ~~ذلك الكتاب على مذهب المشائين، وأن من أراد الحق الذي لا جمجمة فيه فعليه بكتابه في ~~الفلسفة المشرقية، ومن عني بقراءة كتاب الشفاء وبقراءة كتب أرسطوطاليس ظهر له في أكثر ~~الأمور أنها تتفق، وإن كان في كتاب الشفاء أشياء لم تبلغ إلينا عن أرسطو، وإذا أخذ جميع ~~ما تعطيه كتب أرسطو وكتاب الشفاء على ظاهره دون أن يتفطن لسره وباطنه، لم يصل به إلى ~~الكمال حسبما نبه عليه الشيخ أبو علي في كتاب الشفاء. ~~(6) نقد فلسفة الغزالي # وأما كتب الشيخ أبي حامد الغزالي فهو بحسب مخاطبته للجمهور يربط في موضع ويحل في موضع ~~آخر، ويكفر بأشياء ثم يتحللها، ثم إن من جملة ما كفر به الفلاسفة في كتاب التهافت ~~إنكارهم لحشر الأجساد وإثباتهم الثواب والعقاب للنفوس خاصة، ثم قال في أول كتاب ~~«الميزان» إن هذا الاعتقاد هو اعتقاد شيوخ الصوفية على القطع. ثم قال في كتاب «المنقذ ~~من الضلال والمفصح بالأحوال» إن اعتقاده هو كاعتقاد الصوفية، وإن أمره إنما وقف على ذلك ~~بعد طول البحث. وفي كتبه من هذا النوع كثير يراه من تصفحها وأمعن النظر فيها، وقد اعتذر ~~عن ms111 هذا الفعل في آخر كتاب «ميزان العمل»، حيث وصف أن الآراء ثلاثة أقسام: رأي يشارك فيه ~~الجمهور فيما هم عليه، ورأي يكون بحسب ما يخاطب به كل سائل ومسترشد، ورأي يكون بين ~~الإنسان ونفسه لا يطلع عليه إلا من هو شريكه في اعتقاده. ثم قال بعد ذلك: «ولو لم يكن ~~في هذه الألفاظ إلا ما يشكك في اعتقادك الموروث لكفى بذلك نفعا، فإن من لم يشك لم ~~ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمى والحيرة.» ثم تمثل بهذا ~~البيت: # خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به # في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل # فهذه صفة تعليمه وأكثره إنما هو رمز وإشارة لا ينتفع به إلا من وقف عليها ببصيرة ~~نفسه أولا ثم سمعها منه ثانيا، أو من كان معدا لفهمها فائق الفطرة يكتفي بأيسر ~~إشارة. وقد ذكر في كتاب «الجواهر» أن له كتبا مضنونا بها على غير أهلها، وأنه ضمنها ~~صريح الحق، ولم يصل إلى الأندلس في علمنا منها شيء، بل وصلت كتب يزعم بعض الناس أنها هي ~~تلك المضنون بها، وليس الأمر كذلك، وتلك الكتب هي «كتاب المعارف العقلية» وكتاب «النفخ ~~والتسوية» و«مسائل مجموعة» وسواها، وهذه الكتب وإن كانت فيها إشارات فإنها لا تتضمن ~~عظيم زيادة في الكشف على ما هو مثبوت في كتبه المشهورة، وقد يوجد في كتاب «المقصد ~~الأسنى» ما هو أغمض مما في تلك، وقد صرح هو بأن كتاب «المقصد الأسنى» ليس مضنونا به، ~~فيلزم من ذلك أن هذه الكتب الواصلة ليست هي الكتب المضنون بها، وقد توهم بعض المتأخرين ~~من كلامه الواقع في آخر كتاب المشكاة أمرا عظيما أوقعه في مهواة لا مخلص له منها، وهو ~~قوله بعد ذكر أصناف المحجوبين بالأنوار ثم انتقاله إلى ذكر الواصلين: «إنهم وقفوا على ~~أن هذا الموجود العظيم متصف بصفة تنافي الوحدانية المحضة.» فأراد أن يلزمه من ذلك أنه ~~يعتقد أن الحق سبحانه في ذاته كثرة ما، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا! ms112 ~~ولا شك عندنا في أن الشيخ أبا حامد ممن سعد السعادة القصوى ووصل تلك المواصل الشريفة ~~المقدسة، لكن كتبه المضنون بها المشتملة على علم المكاشفة لم تصل إلينا. ~~(7) تمهيد لفلسفة ابن طفيل التي أفرغها في قالب رسالته «أسرار الحكمة المشرقية» # ولم يتخلص لنا نحن الحق الذي انتهينا إليه، وكان مبلغنا من العلم بتتبع كلام الغزالي ~~وكلام الشيخ أبي علي، وصرف بعضهما إلى بعض، وإضافة ذلك إلى الآراء التي نبغت في زماننا ~~هذا، ولهج بها قوم من منتحلي الفلسفة حتى استقام لنا الحق أولا بطريق البحث والنظر، ثم ~~وجدنا منه الآن هذا الذوق اليسير بالمشاهدة، وحينئذ رأينا أنفسنا أهلا لوضع كلام يؤثر ~~عنا، وتعين علينا أن تكون أيها السائل أول من أتحفناه بما عندنا، وأطلعناه على ما لدينا ~~لصحيح ولائك وزكاء صفائك، غير أنا إن ألقينا إليك بغايات ما انتهينا إليه من ذلك من قبل ~~أن تحكم مباديها معك، لم يفدك ذلك شيئا أكثر من أمر تقليدي مجمل، هذا إن أنت حسنت ظنك ~~بنا بحسب المودة والمؤالفة، لا بمعنى أنا نستحق أن يقبل قولنا، ونحن لا نقنع لك بهذه ~~الرتبة ولا نرضى لك إلا ما هو أعلى منها، إذ هي غير كفيلة بالنجاة فضلا عن الفوز ~~بأعلى الدرجات، وإنما نريد أن نحملك على المسالك التي تقدم عليها سلوكنا، ونسبح بك في ~~البحر الذي قد عبرناه أولا حتى يفضي بك إلى ما أفضى بنا إليه، فتشاهد من ذلك ما ~~شاهدناه، وتتحقق ببصيرة نفسك كل ما تحققناه، وتستغني عن ربط معرفتك بما عرفناه. وهذا ~~يحتاج إلى مقدار معلوم من الزمان غير يسير، وفراغ من الشواغل وإقبال بالهمة كلها على ~~هذا الفن، فإن صدق منك هذا العزم وصحت نيتك للتشمير في هذا المطلب فستحمد عند الصباح ~~مسراك وتنال بركة مسعاك، وتكون قد أرضيت ربك وأرضاك، وأنالك حيث تريده من أملك وتطمح ~~إليه بهمتك وكليتك، وأرجو أن أصل من السلوك بك على أقصد الطريق وآمنها من الغوائل ~~والآفات، وإن عرضت الآن إلى لمحة يسيرة على ms113 التشويق والحث على دخول الطريق فأنا واصف لك ~~قصة «حي بن يقظان وأبسال وسلامان»، ففي قصصهم عبرة لأولي الألباب وذكرى لمن كان له قلب ~~أو ألقى السمع وهو شهيد. ~~(8) إيضاح لفلسفة ابن طفيل # 1 # فلسفة ابن طفيل الباقية لنا موجودة في كتابه الوحيد الذي سماه «أسرار الحكمة ~~المشرقية»، وهو بنفسه رسالة «حي بن يقظان»، ويظن الذين اطلعوا عليها أن ابن طفيل ~~استخلصها من فلسفة ابن سينا، وهذا خطأ لأنها فلسفة قائمة بذاتها، وقد فرغنا فيما ~~ترجمنا له من عرض آرائه في فلسفة الأئمة السابقين كالفارابي والغزالي وابن سينا ~~وابن باجه، ورأينا هذا الفيلسوف الأندلسي يختط لنفسه خطة قائمة بذاتها مستقلة عن ~~أفكار الجميع، وقد مهد لها بتمهيد بليغ، أقر فيه بأنه وقف على آراء الجميع واستخلص ~~لنفسه مذهبا، وهو أول فيلسوف إسلامي صب فلسفته في قالب قصصي وجعل بطل قصته شخصا ~~متوحدا، يكون نفسه وأفكاره بالاحتكاك بالطبيعة وبالكائنات التي هي أقل منه درجات ~~من جماد ونبات وحيوان إلى أن يصل إلى نقطة الإدراك والاتصال ، فهذه القصة الخيالية ~~تعد بحق نوعا من الطوبى العقلية التي قلدها ونسج على منوالها كثيرون من كتاب ~~الإفرنج ومفكريهم. # 2 # وقد ذكر هذا الفيلسوف أنه علم عن السلف الصالح أن جزيرة من جزائر الهند التي تحت ~~خط الاستواء، وهي الجزيرة التي يتولد بها الإنسان من غير أم ولا أب، وبها شجر يثمر ~~نساء. ولا يخفى ما في هذا القول من مفارقة بينه وبين تاريخ نشوء الإنسان من آدم ~~وحواء، فإن جميع الأديان اتفقت على أن أصل الإنسان من رجل وامرأة خلقهما الله، ولم ~~يقل أحد من علماء الدين أن الإنسان يخلق من الأرض لاعتدال جوها وخصب تربتها، فهذا ~~القول من ابن طفيل يعد غريبا بوصف كونه حكيما مسلما نشأ في القرن السادس للهجرة، ~~يقول ابن طفيل بعد أن تكلم على تكون الحرارة بسبب الحركة وملاقاة الأجسام الحارة ~~والإضاءة، وأن بقاع الأرض التي على خط الاستواء لا تسامت الشمس رءوس أهلها سوى ~~مرتين في العام: عند حلولها ms114 برأس الحمل، وعند حلولها برأس الميزان. وهي في سائر ~~العام ستة أشهر جنوبا وستة أشهر شمالا منهم، فليس عندهم حر مفرط ولا برد مفرط، ~~وأحوالها بسبب ذلك متشابهة. وهذا القول يحتاج إلى بيان أكثر من هذا لا يليق بما نحن ~~بسبيله، وإنما نبهناك عليه لأنه من الأمور التي تشهد بصحة ما ذكر من تجويز تولد ~~الإنسان بتلك البقعة من غير أم ولا أب، فمنهم (أي من علماء السلف الصالح) من بت ~~الحكم وجزم القضية بأن حي بن يقظان من جملة من تكون في تلك البقعة من غير أم ولا ~~أب، ومنهم من أنكر ذلك وروى من أمره خبرا نقصه عليك: # ثم اندفع ابن طفيل يروي قصة خيالية عن زواج سري بين يقظان وأخت ملك تلك الجزيرة، ~~وأن هذا الزواج السري أثمر طفلا وضعته أمه في تابوت وألقته في البحر، كما حدث ~~لموسى عليه السلام. # وأن الذي كفل الطفل، الذي خاله ملك تلك الجزيرة وأبوه يقظان، ظبية حنت عليه ~~ورئمت به وألقمته حلمة ثديها وأروته لبنا سائغا، وما زالت تتعهده وتربيه وتدفع ~~عنه الأذى. # على أن ابن طفيل لم ترضه تلك القصة فعاد إلى رواية التكوين الطبيعي بغير أم ولا ~~أب فقال: وأما الذين زعموا أنه تولد من الأرض فإنهم قالوا إن بطنا من أرض تلك ~~الجزيرة تخمرت فيه طينة على مر السنين والأعوام، حتى امتزج فيها الحار بالبارد ~~والرطب باليابس امتزاج تكافؤ وتعادل في القوى، وكانت هذه الطينة المتخمرة كبيرة ~~جدا، وكان بعضها يفضل بعضا في اعتدال المزاج والتهيؤ لتكون الأمشاج. وكان الوسط ~~منها أعدل ما فيها وأتمه مشابهة بمزاج الإنسان، فتمخضت تلك الطينة وحدث فيها شبه ~~نفاخات الغليان لشدة لزوجتها وحدث للوسط منها لزوجة ونفاخة صغيرة جدا منقسمة ~~بقسمين بينهما: حجاب رقيق ممتلئ بجسم لطيف هوائي في غاية من الاعتدال اللائق به ~~فتعلق به عند ذلك الروح الذي هو من أمر الله تعالى وتشبث به تشبثا يعسر انفصاله ~~عنه عند الحس وعند العقل! # 3 # ويستمر ابن طفيل في سرد ms115 قصة هذا الطفل، الذي هو أشبه الناس بروبنصون كروزو إسلامي ~~أندلسي يتميز عن ذاك الملاح المتوحد بأنه نشأ فريدا لم يعرف بشرا، ولم يألف ~~إنسا، ولم يقف على شيء من شئون الحياة المادية والمعنوية. ولم يفت ابن طفيل بعد أن ~~مس مذهب النشوء والارتقاء عن بعد، أن يلم بمبدأ تنازع البقاء بين الإنسان والحيوان ~~فقال: # واتخذ من أغصان الشجر عصيا سوى أطرافها وعدل متنها، وكان يهش بها على ~~الوحوش المنازعة له، فيحمل على الضعيف منها ويقاوم القوى منها، فنبل بذلك ~~قدره عند نفسه بعض نبالة، وعلم أن ليده فضلا كثيرا على أيديها إذ أمكن ~~له بها من ستر عورته، واتخاذ العصي التي يدافع بها عن حوزته ما استغنى به ~~عما أراده من الذنب والسلاح الطبيعي! # 4 # ولما كان ابن طفيل طبيبا وعالما بالطبيعة والفلك والرياضيات، فقد جعل بطل قصته ~~الفلسفية على صورته وصورة من سبقه من الفلاسفة. ~~«فبعد أن ماتت الظبية التي كانت تغذيه بلبنها، تتبع ذلك كله بتشريح الحيوانات ~~الأحياء والأموات، ولم يزل ينعم النظر فيها ويجيد الفكرة حتى بلغ في ذلك كله مبلغ ~~كبار الطبيعيين فتبين له أن كل شخص من أشخاص الحيوان، وإن كان كثيرا بأعضائه وتفنن ~~حواسه وحركاته، فإنه واحد بذلك الروح الذي مبدؤه من قرار واحد». # وكان حي بن يقظان ينازع الحيوان البقاء في سن سبع سنين. فلما بلغ واحدا وعشرين ~~عاما كان قطع مرحلتين في الحياة الأولى: إتقانه التشريح ووقوفه على سر الحياة ~~المادية، والثانية استعماله بعض الجماد والنبات أدوات للمحاربة والتغلب، واتخاذه ~~بعض الحيوان بالحيلة أو بالقوة لإخضاع البعض الآخر مما هو في حاجة إلى ~~استخدامه. # هذا ما أردنا إيراده من تلخيص تلك الفلسفة وسنذكر الآن بعض نصوص من قلم ابن طفيل ~~نفسه في وصف الترقي الروحاني، ووصف الطريق التي سلكها حي بن يقظان إلى أن وصل إلى ~~الغاية التي يرمي إليها ابن طفيل، وقد قسمنا موضوع الاقتباس إلى ستة أقسام: # القسم الأول: # في كيفية علم حي بن يقظان أن كل حادث لا ms116 بد له من محدث. # القسم الثاني: # في نظر حي بن يقظان في الشمس والقمر والكواكب وبقية الأجرام ~~السماوية. # القسم الثالث: # في أن كان الذات ولذتها إنما هو بمشاهدة واجب الوجود. # القسم الرابع: # في أنه نوع كسائر أنواع الحيوان وأنه إنما خلق لغاية ~~أخرى. # القسم الخامس: # في أن السعادة والفوز من الشقاء إنما هي في دوام المشاهدة لهذا ~~الموجود والواجب الوجود. # القسم السادس: # في الفناء والوصول. ~~(8-1) القسم الأول # في كيفية علم حي بن يقظان أن كل حادث لا بد له من محدث: # فعلم بالضرورة أن كل حادث لا بد له من محدث فارتسم في نفسه بهذا الاعتبار ~~فاعل للصورة ارتساما على العموم دون تفصيل، ثم إنه تبع الصور التي كان قد ~~علمها قبل ذلك صورة صورة، فرأى أنها كلها حادثة، وأنها لا بد لها من فاعل، ثم ~~إنه نظر إلى ذوات الصور فلم ير أنها شيء أكثر من استعداد الجسم لأن يصدر عنه ~~ذلك الفعل، مثل الماء؛ فإنه إذا أفرط عليه التسخين استعد للحركة إلى فوق، وصلح ~~لها فذلك الاستعداد هو صورته، إذ ليس ههنا إلا جسم وأشياء تحس عنه، بعد أن لم ~~تكن مثل الكيفيات والحركات وفاعل يحدثها بعد أن لم تكن، فصلوح الجسم لبعض ~~الحركات دون بعض هو استعداده بصورته، ولاح له مثل ذلك في جميع الصورة، فتبين له ~~أن الأفعال الصادرة عنها ليست في الحقيقة لها، وإنما هي لفاعل يفعل بها الأفعال ~~المنسوبة إليها، وهذا المعنى الذي لاح له هو قول رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «كنت سمعه ~~الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به.» وفي محكم التنزيل # فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى # فلما لاح له من أمر هذا الفاعل ما ~~لاح على الإجمال دون تفصيل، حدث له شوق حثيث إلى معرفته على التفصيل، وهو بعد ~~لم يكن فارق عالم الحس، فجعل يطلب هذا الفاعل المختار من جهة المحسوسات. ~~(8-2) القسم الثاني # في نظر حي بن يقظان في الشمس ms117 والقمر والكواكب وبقية الإجرام السماوية: # فنظر أولا إلى الشمس والقمر وسائر الكواكب فرآها كلها تطلع من جهة ~~المشرق وتغرب من جهة المغرب، فما كان منها يمر على سمت رأسه رآه يقطع دائرة ~~عظمى، وما مال عن سمت رأسه إلى الشمال أو إلى الجنوب رآه يقطع دائرة أصغر ~~من تلك، وما كان أبعد عن سمت الرأس إلى أحد الجانبين كانت دائرته أصغر من ~~دائرة ما هو أقرب، حتى كانت أصغر الدوائر التي تتحرك عليها الكواكب دائرتين ~~اثنتين، إحداهما حول القطب الجنوبي، وهي مدار سهيل، والأخرى حول القطب ~~الشمالي وهي مدار الفرقدين، ولما كان مسكنه على خط الاستواء الذي وصفناه ~~أولا، كانت هذه الدوائر كلها قائمة على سطح أفقه ومتشابهة الأحوال في ~~الجنوب والشمال، وكان القطبان معا ظاهرين له، وكان يترقب إذا طلع كوكب من ~~الكواكب على دائرة كبيرة، وطلع كوكب آخر على دائرة صغيرة، وكان طلوعهما ~~معا فكان يرى غروبهما معا، وأطرد له ذلك في جميع الكواكب وفي جميع ~~الأوقات فتبين له بذلك أن الفلك على شكل الكرة، وقوى ذلك في اعتقاده ما رآه ~~من رجوع الشمس والقمر وسائر الكواكب إلى المشرق بعد مغيبها بالمغرب، وما ~~رآه أيضا من أنها تظهر لبصره على قدر واحد من العظم في حال طلوعها وتوسطها ~~وغروبها، وأنها لو كانت حركتها على غير شكل الكرة لكانت لا محالة في بعض ~~الأوقات أقرب إلى بصره منها في وقت آخر. ~~(8-3) القسم الثالث # في أن كمال الذات ولذتها إنما هو بمشاهدة واجب الوجود: # فلما تبين له أن كمال ذاته ولذتها إنما هو بمشاهدة ذلك الموجود الواجب الوجود ~~على الدوام مشاهدة بالفعل أبدا، حتى لا يعرض عنه طرفة عين، لكي توافيه منيته ~~وهو في حال المشاهدة بالفعل، فتتصل لذته دون أن يتخللها ألم، وإليه أشار الجنيد ~~شيخ الصوفية وإمامهم عند موته بقوه لأصحابه: «هذا وقت يؤخذ منه الله أكبر وأحرم ~~الصلاة.» ثم جعل يتفكر كيف يتأتى له دوام هذه المشاهدة بالفعل حتى لا يقع منه ~~أعراض، فكان يلازم الفكرة ms118 في ذلك الموجود كل ساعة كما هو، إلا أن يسنح لبصره ~~محسوس ما من المحسوسات، أو يخرق سمعه صوت بعض الحيوان، أو يعترضه خيال من ~~الخيالات، أو يناله ألم في بعض أعضائه، أو يصيبه الجوع أو العطش، أو البرد أو ~~الحر، أو يحتاج إلى القيام لدفع فضوله، فتختل فكرته ويزول عما كان فيه، ويتعذر ~~عليه الرجوع إلى ما كان عليه من حال المشاهدة إلا بعد جهد، وكان يخاف أن تفجأه ~~منيته وهو في حال الإعراض فيفضي إلى الشقاء الدائم وألم الحجاب، فساءه حاله ذلك ~~وأعياه الدواء. ~~(8-4) القسم الرابع # في أنه نوع كسائر أنواع الحيوان وأنه إنما خلق لغاية أخرى: # قطع بذلك على أنه هو الحيوان المعتدل الروح الشبيه بالأجسام السماوية كلها، ~~وتبين له أنه نوع كسائر أنواع الحيوان، وأنه إنما خلق لغاية أخرى وأعد لأمر ~~عظيم لم يعد له شيء من أنواع الحيوان، وكفى به شرفا أن يكون أخس جزأيه، وهو ~~الجسماني، أشبه الأشياء بالجواهر السماوية الخارجة عن عالم الكون والفساد ~~المنزهة عن حوادث النقص والاستحالة والتغير، وأما أشرف جزأيه فهو الشيء الذي به ~~عرف الموجود الواجب الوجود، وهذا الشيء العارف أمر رباني إلهي لا يستحيل ولا ~~يلحقه الفساد، ولا يوصف بشيء مما توصف به الأجسام، ولا يدرك بشيء من الحواس ولا ~~يتخيل ولا يتوصل إلى معرفته بالة سواه، بل وصل إليه به فهو العارف والمعروف ~~والمعرفة، وهو العالم والمعلم والمعلوم لا تباين في شيء من ذلك، إذ التباين ~~والانفصال من صفات الأجسام ولواحقها، ولا جسم هناك ولا صفة جسم ولا لاحق ~~بجسم. ~~(8-5) القسم الخامس # في أن السعادة والفوز من الشقاء إنما هي في دوام المشاهدة لهذا الموجود ~~الواجب الوجود: # وقد وقف على أن سعادته وفوزه من الشقاء إنما هي في دوام المشاهدة لهذا ~~الموجود الواجب الوجود، حتى يكون بحيث لا يعرض عنه طرفة، عين ثم إنه نظر في ~~الوجه الذي يتأتي له به هذا الدوام، فأخرج له النظر أنه يجب عليه الاعتماد في ~~هذه الأقسام الثلاثة من ms119 التشبيهات: أما التشبه الأول فلا يحصل له به شيء من هذه ~~المشاهدة، بل هو صارف عنها وعائق دونها، إذ هو تصرف في الأمور المحسوسة والأمور ~~المحسوسة كلها حجب معترضة دون تلك المشاهدة، وإنما احتيج إلى هذا التشبه ~~لاستدامة هذا الروح الحيواني الذي يحصل به التشبه الثاني بالأجسام السماوية، ~~فالضرورة تدعو إليه من هذا الطريق، ولو كان لا يخلو من تلك المضرة. وأما التشبه ~~الثاني فيحصل له به حظ عظيم من المشاهدة على الدوام، فهو مع تلك المشاهدة يعقل ~~ذاته ويلتفت إليها حسبما يتبين بعد هذا. وأما التشبه الثالث فتحصل به المشاهدة ~~الصرفة والاستغراق المحض الذي لا التفات فيه بوجه من الوجوه إلا إلى الموجود ~~الواجب الوجود، والذي يشاهد هذه المشاهدة قد غابت عنه ذات نفسه وفنيت وتلاشت، ~~وكذلك سائر الذوات كثيرة كانت أو قليلة، إلا ذات الواحد الحق الواجب الوجود جل ~~وتعالى وعز! ~~(8-6) القسم السادس # في الفناء والوصول: # فأصغ الآن بسمع قلبك، وأحدق ببصر عقلك إلى ما أشير إليه، لعلك تجد منه هديا ~~يلقيك على جادة الطريق! وشرطي عليك أن لا تطلب مني في هذا الوقت مزيد بيان ~~بالمشافهة على ما أودعه هذا الأوراق، فإن المجال ضيق والتحكم بالألفاظ على أمر ~~ليس من شأنه أن يلفظ به خطر. فأقول إنه لما فني عن ذاته وعن جميع الذوات، ولم ~~ير في الوجود إلا الواحد الحي القيوم، وشاهد ما شاهد ثم عاد إلى ملاحظة الأغيار ~~عندما أفاق من حاله تلك، التي هي شبيهة بالسكر، خطر بباله أنه لا ذات له يغاير ~~بها ذات الحق تعالى وإن حقيقة ذاته هي ذات الحق، وإن الشيء الذي كان يظن أولا ~~أنه ذاته المغايرة لذات الحق ليس شيئا في الحقيقة، بل ليس ثم شيء إلا ذات ~~الحق، وإن ذلك بمنزلة نور الشمس الذي يقع على الأجسام الكثيفة فتراه يظهر فيها، ~~فإنه وإن نسب إلى الجسم الذي ظهر فيه فليس هو في الحقيقة شيئا سوى نور الشمس، ~~وإن زال ذلك الجسم زال نوره وبقي نور الشمس ms120 بحاله لم ينقص عند حضور ذلك الجسم ~~ولم يزد عند مغيبه، ومتى حدث جسم يصلح لقبول ذلك النور قبله فإذا عدم الجسم عدم ~~ذلك القبول ولم يكن له معنى. # وتقوى عنده هذا الظن بما كان بأن له من أن ذات الحق عز وجل لا تتكثر بوجه من ~~الوجوه، وأن علمه بذاته هو ذاته بعينها، فلزم عنده من هذا أن من حصل عنده العلم ~~بذاته فقد حصل عنده ذاته، فقد كان حصل عنده العلم فحصل عنده الذات، وهذه الذات ~~لا تحصل إلا عند ذاتها ونفس حصولها هو الذات، فإذن هو الذات بعينها، وكذلك جميع ~~الذوات المفارقة للمادة العارفة بتلك الذات الحقة التي كان يراها أولا كثيرة، ~~وصارت عنده بهذا الظن شيئا واحدا، وكادت هذه الشبهة ترسخ في نفسه لولا أن ~~تداركه الله برحمته وتلافاه بهدايته، فعلم أن هذه الشبهة إنما ثارت عنده من ~~بقايا ظلمة الأجسام وكدورة المحسوسات، فإن الكثير والقليل والواحد والوحدة ~~والجمع والاجتماع والافتراق؛ هي كلها من صفات الأجسام. # الفصل السابع # | ابن رشد # (1) كلمة افتتاح # يعجب بعض الناس للمشتغلين بدرس آراء الأقدمين . وبحث مناهج المتقدمين، والوقوف على ~~أخبارهم، والأخذ بالصحيح من تراجمهم، وسبب هذا العجب ظنهم أن كل قديم قد عفت آثاره، ~~وانقطعت علاقته بهذا الزمن وأهله، فلا فائدة في تضييع العمر في التحري عن العتيق ما ~~دامت الحاجة بالجديد ماسة والنفع به مؤكدا، وجوابنا على هذا هو: أن البحث في القديم ~~ضروري لمعرفة الجديد وتفهمه. وأن حياة الفكر الإنساني منذ فجر الإدراك إلى آخر الدهر ~~(إن كان لهذا الدهر آخر) سلسلة واحدة متصل أولها بوسطها ووسطها بآخرها. وقد يكون آخرها ~~كأولها! # لأجل هذا اتجه نظرنا إلى درس فلاسفة العرب؛ لأنهم عنوا أشد عناية بفلسفة اليونان، ~~وتفرغوا لها، ونقلوها إلى لغتهم، وشرحوها وفسروها، وعلقوا عليها ووضحوا غامضها وأبانوا ~~مبهمها. # وقد وصلنا لدرس حياة ابن رشد وفلسفته وهو من أكبر وجوه التاريخ. وله ثلاث ميزات ليست ~~لغيره من فلاسفة الإسلام: الأولى أن أكبر فلاسفة العرب وأشهر فلاسفة الإسلام. والثانية ~~أنه ms121 من أعظم حكماء القرون الوسطى عامة، وهو مؤسس مذهب الفكر الحر، فكان له قدر عظيم في ~~نظر أهل أوروبا، فجعلوه في مصاف فلاسفتهم المعادين للعقائد الدينية، ولم يبخل عليه ~~ميخائيل أنجلو بمكان في جحيمه الخيالي الذي صوره في سقف معبد سيكتين بالفاتيكان، لا ~~باعتباره مسلما بل بوصف كونه فيلسوفا معطلا، كذلك ذكره دانتي في قصيدته في النشد ~~الثالث، كما أنه لا يخلو كتاب فلسفي من ذكره وشرح مبدئه. # الميزة الثالثة أنه أندلسي. وللأندلس بذاتها وآفاقها وتاريخها وآثارها مكانة خاصة في ~~تاريخ العالم، دع عنك ما تستنتجه من قوة تأثير الوسط في عقل شرقي النزعة والعقيدة غربي ~~النشوء والمنبت. # كان الفلاسفة في الأزمنة السالفة لا يستطيعون الحياة والظهور إلا إذا عاشوا في ظلال ~~الأمراء والملوك؛ لأن الفلسفة لا تطعم خادمها ولا تكسوه ولا تجري عليه رزقا، وإن كان ~~هو ينفق في خدمتها عمره وماله ويفقد في سبيلها حياته وولده وحريته، فلم يكن لمحب الحكمة ~~بد من أن يلتمس العيش في أكناف أحد الملوك يؤلف الكتب ويهديها إليه ويحليها ~~باسمه. # ثم إن الفلاسفة كانوا ولا يزالون موضع ارتياب العامة، وحسد الخاصة، فالعامة ينظرون ~~إليهم بعين الشدة ويسيئون بهم الظنون، ويتقولون عليهم، وينسبون إليهم أمورا إن صدق ~~بعضها فمعظمها مختلق أو مبالغ فيه، أما الخاصة ممن لم يبلغوا شأوهم، فإما يغارون منهم ~~وإما يحسدونهم على نعمة الحكمة التي هي نقمة على الفلاسفة أنفسهم، لأجل هذا كانت حاجة ~~الفيلسوف إلى أمير يلجأ إليه كحاجة الغرباء في بلاد الشرق إلى الاحتماء بسفراء الدول ~~الأجنبية. # ولا عجب فإن الفيلسوف غريب في وطنه أجنبي بين قربائه وأهله، على أن الالتجاء إلى ~~الأمراء والاحتماء بهم لم يكن منقذا في كال حال، فقديما كانت علاقة الفلاسفة بالأمراء ~~سبب نكبتهم ومصدر بلواهم وشقوتهم، وما هذا إلا لتقلب الأمراء في الود وسهولة انقيادهم ~~للقوي من الزعماء أو اضطرارهم لمجاراة تيار الفكر الشائع، وطاعتهم صوت الخلق وقول ~~الجماعة، حتى ولو كان هذا وذاك على خلاف ما يرغبون وعكس ما يضمرون، وهذا الذي ms122 وقع لابن ~~رشد في محنته الأليمة. # أما أحوال هذا الزمن فقد تغيرت وتبدلت وأصبح الفيلسوف في الغرب قادرا على العيش في ~~كنف الحكمة دون الالتجاء إلى نفوذ الملوك وظلال الأمراء، بل أصبح الفيلسوف بقوة عبقريته ~~أميرا على العقول، يخضع له الناس في مشارق الأرض ومغاربها بفضل ما وصلت إليه الإنسانية ~~من الحرية المحدودة، وأصبح صوت الفيلسوف إذا أرسله يهز عروض القياصرة ويزعزع من ~~قوائمها، وليس العهد بعيدا بآثار ليو تولستوي في نهضة شعب روسيا، فطالما كتب أسطرا في ~~صحيفة سيارة هلعت لها قلوب الذين استعبدوا الأمم واستباحوا ظلمها، واستندوا في استبقاء ~~سلطتهم إلى الجهال والمشعوذين وأرباب المطامع النازلة والمقاصد الوضيعة، وهاهم قد ~~دالت دولتهم ومحي من الوجود ذكرهم ودولة العقل والفكر باقية. # كذلك من يذكر اسم أوجست كومت وهربرت سبنسر وشوبنهور، يذكر أعلاما مضيئة استنارت بها ~~الإنسانية، والتفت حولها الأمم مستنجدة بها في دياجي الحيرة. # حقا إن اضطهاد الفيلسوف وتعذيبه في سبيل فكره والتنكيل به لشذوذه واعتزاله، تلك ~~أمور لا تزال مشاهدة في بعض الأوساط والأماكن لعهدنا هذا. # ولكن أين الشرارة الصغيرة من النار العظيمة المتأججة وأين اللوم والتقريع في جريدة أو ~~مجلة من الحكم بالإعدام شنقا أو إحراقا فضلا عن النفي والتعذيب، كذلك لا ننسى أن ~~الإنسانية لا تزال في أدوارها الأولى على الرغم من التبجح ببلوغها سن الرشد. ~~(2) تاريخ ابن رشد وفلسفته # اسمه وكنيته: # محمد بن أحمد بن محمد بن رشد، ويكنى أبا الوليد، وهي كنية انتحلها أجداده ~~من قبله فلزمته. # مولده: # ولد عام 520ه/1126م. وقيل ولد قبل وفاة جده بأشهر. # وفاته: # عام 595ه في مساء الخميس 9 صفر الموافق 10 دجنبر 1198. # حياته: # عمر اثنتين وسبعين سنة شمسية أو خمسا وسبعين سنة هلالية تمتد طوال ~~القرن الثاني عشر المسيحي، والقرن السادس الإسلامي. # مكان ولادته: # قرطبة بالأندلس. # مكانه وفاته: # مراكش. # أسرته: # نشأ في بيت فقهاء وقضاة، وكانت أسرته من أكبر الأسر وأشهرها في الأندلس، ~~وأباؤه من أئمة المذهب المالكي، وكان هو وأبوه وجده قضاة قرطبة، وانفرد ~~حينا بقضاء أشبيلية. ms123 # كان جده محمد بن رشد من أهل العلم والفقه، وكانت له مباحث فلسفية وشرعية ~~وله مجموعة فتاوى رتبها ونقحها أحد مريديه وأتباعه، ابن الوران، إمام ~~مسجد قرطبة لعهده (وهي بمكتبة باريس الوطنية تحت عدد 398 ملحقات ~~عربية). # ولا ريب في أن أبا الوليد ورث كثيرا من مواهب جده واستعداده ~~الفكري. # أما والده فلا يمتاز إلا بمنصب القضاء، وليس له بين أيدينا أثر معروف، ~~ولكن رجلا كأحمد بن محمد بن رشد يكفيه فخرا أن كان ابنا لأبيه ووالدا ~~لولده، فله نصيب عظيم في تربية ابنه وتهذيبه وتوجيه مواهبه. # هذا فيما يتعلق بالنسب من جهة الوالد، أما من جهة الأم فليس لدينا ~~معلومات يركن إليها، وهذه حال معظم مشاهير الإسلام؛ لأن النساء بحكم ~~الآداب الدينية والعرفية لا يذكرن ولا يكون لأشخاصهن شأن يعرف في تربية ~~أولادهن، ولعل هذا الحال هي التي حدت ابن رشد إلى مناصرة النساء والمطالبة ~~بتحريرهن، وقد رأى بعينه الفرق بين حياة الإسبانية المسيحية والأندلسية ~~المسلمة. ~~(3) علاقته باليهود # ذكر المؤرخون عند الكلام على نكبته أنه عوقب بالنفي في «اليسانة»، وهي بلد صغير كان ~~آهلا باليهود. وأنه نفي إليه وحده، أما بقية أصحابه وتلاميذه فأمروا أن يكونوا في موضع ~~آخر، وربما كان نفيه إليه نوعا من النكاية وزيادة في التنكيل؛ لأن الخليفة المنصور ~~الذي نفاه كان يبغض اليهود ويضطهدهم، ولكن بعض أعداء ابن رشد انتهزوا فرصة غضب الأمير ~~عليه ونفيه إلى ذلك البلد، وأشاعوا أن المنصور قد رد الفيلسوف إلى أصله ونفاه في بلد ~~قومه لأنه ينسب في بني إسرائيل ولا تعرف له نسبة في قبائل الأندلس! # ويجدر بالذكر أن ابن رشد كان ذا شأن عظيم في نظر اليهود، وأن كثيرين من فلاسفتهم ~~أمثال ميمونيد وغيره نقلوا مؤلفاته إلى اللغة العبرية، ومنها نقلت إلى اللاتينية ~~والعربية، والفضل يرجع إليهم في الاحتفاظ بتلك المؤلفات إلى أن بلغت أبناء الأجيال ~~الحديثة. فهل جاءت تلك الحوادث عفوا ومصادفة أم كان لها سبب خفي قوي وهو صحة انتساب ~~ابن رشد إلى بني إسرائيل وتسلسل ms124 جده من أهل تلك الملة؟ أما نحن فنحسبها مصادفة. ~~(4) نشأته وتربيته # درس ابن الرشد الشريعة الإسلامية على طريقة الأشعرية، وتخرج في الفقه على مذهب الإمام ~~مالك، ولهذا يوجد شبه بين آرائه الشرعية والفقهية وبين ميوله الفلسفية، أما الطريقة ~~الأشعرية فقد اختارها أهله وأولياؤه، والمذهب الشرعي يلزم باتباعه على ما كان أبوه، أما ~~المبدأ الفلسفي الذي خدمه فهو الذي اختطه لنفسه بإرادة حرة، وقد يكون للطريقة التي درس ~~بها الفقه والمذهب الذي تبعه أثر في أفكاره الفلسفية لا يمكن تحديده. # وسيرى القارئ فيما يلي أنه تصدي في كثير من كتبه للطعن على الأشعرية وانتقاد طرقهم ~~ومبادئهم انتقادا مرا، وذلك بعد أن اتسع نطاق فكره وامتدت أشعة بصيرته إلى أبعد مدى، ~~فانتصر المنطق الصحيح والرأي الراجح على الفروض الوهمية والتخمين الخيالي. ~~(5) تاريخ حياته # لما بلغ ابن رشد الثامنة والعشرين من عمره سافر إلى مراكش، وقصد إلى بلاط الخليفة عبد ~~المؤمن ثاني أمراء الموحدين، ولما توفي عبد المؤمن وخلفه ولده يوسف تفضل ابن طفيل ~~الفيلسوف الشهير فقدم ابن رشد لعظمته، وكان يوسف يحب العلم والعلماء ويعظم الحكمة ويكرم ~~الحكماء، وكانت لابن طفيل عنده حظوة كبرى، وروى عبد الواحد المراكشي عن ابن رشد نفسه ~~وصف المقابلة الأولى بين الحكيم والأمير، وفيها أن ابن طفيل أسر إلى ابن رشد رغبة ~~الخليفة يوسف في نقل حكمة أرسطو. ولعله كان يرمي بذلك لأن يكون في الغرب كما كان ~~المأمون في الشرق. # ويظهر أن ابن طفيل كان من أكرم الناس خلقا وأوسعهم صدرا وأخلصهم حبا للحكمة، فإنه ~~شمل ابن رشد بعطفه، فذكره في رسالة «حي بن يقظان» تلميحا عند ذكر ابن باجه وأتباعه ومن ~~خلفهم من الفلاسفة، فضلا عن أنه قدمه ليوسف وأوصاه به، فلما توفي ابن طفيل عينه الأمير ~~طبيبا لنفسه. ولما خلا منصب القضاء في قرطبة عينه مكان أبيه، ولما توفي يوسف وخلفه ~~ولده يعقوب المنصور بالله كانت حظوة ابن رشد عنده عظيمة، فقربه ورفع الكلفة بينهما إلى ~~درجة أن ابن رشد كان يخاطبه أثناء الحديث ms125 قائلا: اسمع يا أخي! # ولما كانت صداقة الملوك أسرع تقلبا من الجو، وأقصر عمرا من لذيذ الرؤى، وأقرب إلى ~~الفناء من أزهار الربيع؛ فقد انقلب يعقوب على ابن رشد في حديثه طويل. أما سبب النكبة ~~فمختلف فيه، وقد عللها المؤرخون بعلل شتى، ولكن السبب الحقيقي واحد، وهو أن كل حكيم ذي ~~مكانة يكثر أعداؤه وحساده الذين يغارون من شهرته وينقمون عليه علو كعبه وترفعه، وهؤلاء ~~الحساد والمقاومون يظهرون تارة باسم الدين، وطورا باسم الأخلاق والفضيلة، وتارة باسم ~~السياسة. والحقيقة أنهم أعداء شخصيون للرجل العظيم. # وكل ما حدث في نكبة ابن رشد أن أعداءه لبسوا ثياب الدين، ودسوا عليه دسيسة في بلاط ~~الخليفة ونجحوا فيها، فتمكنوا بها من التغلب على حزب الفلاسفة الذي كان سائدا مسموع ~~الكلمة لدى الخليفة بفضل ابن رشد، ومما يؤيد هذا الرأي أن ابن رشد لم يكن وحيدا في ~~الإهانة والأذى والنفي والاعتقال، بل كان معه كثير من أتباعه وأمثاله العلماء، وكان ~~ذنبهم في نظر الخليفة وحزبه انقطاعهم للفلسفة ودرس كتب الأقدمين. # والمحنة في ذاتها تقع في كل زمان ومكان، وتاريخ العالم حافل بفظائع الاضطهاد ~~والتنكيل، وتاريخ أوروبا مملوء بوقائع التعصب والاضطهاد، وإلحاق الأذى بالعلماء ~~والمصلحين الدينيين والمخترعين والمكتشفين. # على أن الخليفة بعد أن أطاع مشير السوء عاد فندم على ما فرط منه في حق الحكمة ~~والحكماء، فرجع إلى مراكش ونسخ المنشور الذي أذاعه في حق ابن رشد وصحبه، ومحا أثره ~~واشتغل بالفلسفة واسترضى ابن رشد ورفاقه، ودعاهم إلى حضرته وقربهم من حظيرته، وقدمهم ~~واستمع لهم وأطاع رأيهم، ونبذ حزب التعصب والجهل الذي كان سببا في نكبتهم. # غير أن حياة ابن رشد لم تطل بعد محنته عاما، فلما توفي نقل رفاته إلى قرطبة ودفن في ~~مدفن أجداده بمقبرة ابن عباس. ويروى أن جثته نقلت على بعير، وأصدق الأخبار عن وفاته أنه ~~توفي بمراكش يوم الخميس التاسع من صفر سنة خمس وتسعين وخمسمائة، قبل وفاة المنصور الذي ~~نكبه بشهر أو نحوه ودفن بخارجها، ثم سيق إلى قرطبة فدفن ms126 بها مع سلفه. وذكر ابن فرقد أنه ~~توفي بعد النكبة الحادثة عليه المشتهرة الذكر ودفن بجبانة باب تاغزوت خارج مراكش ثلاثة ~~أشهر، وذلك في أول دولة الناصر. ~~(6) أساتذته # روى عن أبيه أبي القاسم واستظهر عليه الموطأ حفظا، وأخذ يسيرا عن أبي القاسم ابن ~~بشكوال وعن أبي مروان بن مسرة، وعن أبي بكر بن سمحون وعن أبي جعفر ابن عبد العزيز، ~~وأجاز له أبو جعفر هذا وأبو عبد الله المازري الطب عن أبي مروان ابن جربول البلنسي، ~~واشتغل على الفقيه الحافظ أبي محمد بن رزق، واشتغل بالتعاليم وبالطب على أبي جعفر هرون، ~~ولازمه مدة وأخذ عنه كثيرا من العلوم الحكمية. ~~(7) الرجال الذين تعلم عليهم والعلوم التي درسها # الفقه: تلقاه على أئمة عهده. الطب: على أبي جعفر هرون. الفلسفة: قيل إنه تلقى علوم ~~الحكمة على ابن باجه، ولكن هذا قول ضعيف؛ لأن وفاة ابن باجه توافق بلوغ ابن رشد الثانية ~~عشرة من عمره، فقد ولد ابن رشد في سنة 1126 وتوفي ابن باجه في سنة 1138، وهذه سن لا ~~تسمح بتلقي علوم الفلسفة، قد يكون ابن رشد من النوابغ الذين تظهر نجابتهم في العقد ~~الأول من أعمارهم، وقد يكون حظي بالتلقي عن ابن باجه، ولكن هذا في مجال الافتراض ~~والظنون، والمؤكد أن ابن باجه كان يختلف حتما إلى بيت ابن رشد زائرا، فلا يبعد أن ~~يكون قد حادث الصبي وناقشه أو استمع له نبذة محفوظة أو قصيدة مروية، فصارت هذه الحادثة ~~وما يكون تكرر من نوعها سببا لانتساب ابن رشد إليه. # ولعل الذي دعا بعض المؤرخين كابن أبي أصيبعة إلى هذا القول تسلسل مذهب ابن رشد من ~~مذهب ابن باجه، على أن هذا التسلسل طبيعي لأسباب كثيرة، أهمها اتجاه الفكر في الأندلس ~~وفي العالم في القرن الثاني عشر وتأثير الوسط والمبادئ، وكانت تربطه بابن طفيل أواصر ~~المودة، وهو الذي فتح له سبل التقدم في بلاط الخليفة، وكانت بينه وبين آل زهر الذين ~~اشتهروا بالعلم والفضل والأدب في الأندلس في القرن السادس للهجرة؛ مودة ms127 عظيمة، ومنهم ~~أبو بكر بن زهر طبيب الخليفة وأبو مروان بن زهر مؤلف كتاب «التيسير»، وكانا من أوفى ~~أصدقائه، ومنهم أبو بكر ابن العربي الفقيه صاحب التصانيف. وبالجملة كان ابن رشد مختلطا ~~بأشهر وأعلم وأفضل أهل عصره. # ومن غرائب المصادفات أن ابن بيطار وعبد الملك بن زهر ماتا وابن رشد في سنة واحدة، ~~وكان قد سبقهم إلى دار الفناء ابن طفيل وأبو مروان بن زهر، وقد توفيت الحكمة في أرض ~~أندلس بوفاة هؤلاء العظماء الذين كانوا كالنقش الجميل، إطاره تلك البقعة المباركة، ~~أشرقت شموسهم في بداية القرن السادس الهجري وغابت بنهايته وهكذا عمر الحكمة كعمر زهر ~~البنفسج يتنفس من الربيع ثم لا يلبث أن يذبل، ولكنه محبوب لعطره ومعزز لأنه رمز الأمل ~~الذي لا يموت! فمن آثار هؤلاء الحكماء نستفيد، ومن بحر فضلهم نغترف، ومن إرثهم المقدس ~~الذي تركوه لنا نبني حكمة جديدة، أساسها الحب العام وغايتها التسامح الشامل. ~~(8) أصدقاؤه # أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الفقيه وقاضي بجاية، وأبو جعفر الذهبي والفقيه أبو ~~الرابع الكفيف وأبو العباس الحافظ الشاعر القراي. # وقد نكبوا معه لشدة اتصالهم به، وامتزاج فكره بأفكارهم. ومن أصدقائه أبو محمد عبد ~~الكبير، وكان مقربا لدى ابن رشد فاستكتبه واستقضاه أيام قضائه بقرطبة، وأبو جعفر ابن ~~هارون الترجالي، وهو شيخ أبي الوليد ابن رشد في التعاليم والطب، وأصله من ترجالة من ~~ثغور الأندلس. ~~(9) تلاميذه # أبو عبد الله الندرومي، ولد ونشأ بقرطبة ثم انتقل إلى أشبيلية، وكان قد لحق القاضي ~~أبا الوليد ابن رشد واشتغل عليه بصناعة الطب. # وأبو جعفر أحمد بن سابق أصله من قرطبة، وكان من طلبة القاضي أبي الوليد ابن رشد، ومن ~~جملة المشتغلين عليه بصناعة الطب. وأبو القاسم الطيلسان وقد روى عن ابن رشد أنه كان ~~يعرف شعر حبيب والمتنبي، ومنهم أبو محمد بن حوط الله وأبو الحسن سهل ابن مالك وأبو ~~الربيع ابن سالم وأبو بكر بن جهور وغيرهم. ~~(10) نسله # وقد خلف ابن رشد ولدا هو أبو محمد بن عبد الله ابن أبي ms128 الوليد محمد بن أحمد بن محمد ~~بن رشد، وكان فاضلا في صناعة الطب عالما بها مشكورا في أفعالها، وكان يقصد الخليفة ~~الناصر ويعالجه. وخلف ابن رشد غير هذا أولادا اشتغلوا بالفقه واستخدموا في قضاء ~~الكور. ~~(11) المنطق والقرآن # كان متهوسا بمنطق أرسطو، وقال عنه إنه مصدر السعادة للناس، وإن سعادة الإنسان تقاس ~~بعلمه بالمنطق، وهو يرى عدم نفع «إيساغوجي» لفورفوريوس، وكان يهتم بالنحو بصفة كونه ~~قانونا لجميع اللغات، وأرسطو أوجد قانونا لها في كتابي هرمنطيقي والبلاغة. # والمنطق أداة تسهل الطريق الشاقة في الوصول إلى الحقيقة التي لا يصل إليها العامة، بل ~~بعض الخاصة بفضل المنطق. وقد اتفق أنه وصل إلى الحقيقة واكتشف الحق المطلق وذلك بدرس ~~أرسطو، ويعتقد أن للدين حقيقة قائمة به ولكنه يبغض علم الكلام؛ لأنه يسعى لإثبات ما لا ~~يمكن إثباته بالعقل؛ لأن الغرض الذي من أجله نزل القرآن ليس تعليم الناس ولكن تحسين ~~أحوالهم، فليس المطلوب العلم إنما المطلوب الطاعة والاستقامة واتباع الطريق السوي، وهذه ~~هي غاية الشارع الذي يعلم أن سعادة الإنسان لا تتم إلا بالمعيشة الاجتماعية. ~~(12) سيرته في القضاء # ولي قضاء قرطبة بعد أبي محمد بن مغيث، فحمدت سيرته وتأثلت له عند الملوك وجاهة عظيمة ~~لم يصرفها في ترفيع حال ولا جمع مال، إنما قصرها على مصالح أهل بلده خاصة ومنافع أهل ~~الأندلس عامة. # وكان قد قضى في أشبيلية قبل قرطبة وكانت الدراية أغلب عليه من الرواية، ولم ينشأ ~~بالأندلس مثله كمالا وعلما وفضلا. # وكان على شرفه أشد الناس تواضعا وأخفضهم جناحا، وعني بالعلم من صغره إلى كبره، حتى ~~حكي عنه أنه لم يدع النظر ولا القراءة منذ عقل إلا ليلة وفاة أبيه وليلة بنائه على ~~أهله! وروي أنه سود فيما صنف وقيد وألف وهذب واختصر نحوا من عشرة آلاف ورقة، ومال إلى ~~علوم الأوائل فكانت له فيها الإمامة دون أهل عصره، وكان يفزع إلى فتواه في الطب كما ~~يفزع إلى فتواه في الفقه مع الحظ الوافر من الإعراب والآداب، وكان يحفظ شعر حبيب وشعر ms129 ~~المتنبي، ويكثر التمثيل بهما في محله ويورد ذلك أحسن إيراد. وكان مشهورا بالفضل ~~معتنيا بتحصيل العلوم، وكان أوحد دهره في علم الفقه والخلاف، وكان متميزا في عالم ~~الطب وجيد التصنيف، حسن المعاني. # حدث القاضي أبو مروان الباجي قال: «كان القاضي أبو الوليد ابن رشد حسن الرأي ذكيا ~~رث البزة قوي النفس، وأقبل على علم الكلام والفلسفة وعلوم الأوائل حتى صار يضرب به ~~المثل فيها.» ومن كلامه المأثور: «إن من اشتغل بعلم التشريح ازداد إيمانا بالله ~~تعالى.» ~~(13) عن الأمير الذي نكب ابن رشد في عهده # ويظهر أن يعقوب انتخب لإمارة المؤمنين انتخابا، فقد روى ابن الأثير وابن خلكان أن ~~يوسف مات من غير وصية بالملك لأحد من أولاده، فاتفق رأي قواد الموحدين وأولاد عبد ~~المؤمن على تمليك ولده يعقوب، فملكوه في الوقت الذي مات فيه أبوه. فهذا التقديم في ذاته ~~دليل على اعتراف شيوخ الأمة بفضله، وقام بالأمر أحسن قيام. وهو الذي أظهر أبهة ملكهم، ~~ورفع راية الجهاد، ونصب ميزان العدل، وبسط أحكام الناس على حقيقة الشرع، ونظر في أمور ~~الدين والورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأقام الحدود حتى في أهله وعشيرته ~~الأقربين كما أقامها في سائر الناس أجمعين، فاستقامت الأحوال في أيامه وعظمت ~~الفتوحات. ~~(14) استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية # ومن نوادر عدله أن الأمير الشيخ أبا محمد عبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص عمر ولد ~~الأمير أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد صاحب إفريقية؛ كان قد تزوج أخت الأمير يعقوب ~~وأقامت عنده، ثم جرت بينهما منافرة فجاءت إلى بيت أخيها يعقوب، فسير زوجها في طلبها ~~فامتنعت عليه، فشكا إلى قاضي الجماعة بمراكش وهو أبو عبد الله محمد بن علي بن مروان، ~~فاجتمع القاضي المذكور بالأمير وقال له إن الشيخ أبا محمد عبد الواحد يطلب أهله. فسكت ~~يعقوب وتكرر اللقاء والطلب والسكوت ثلاث مرات، وفي الثالثة قال القاضي للأمير: «فإما أن ~~تسير إليه أهله وإلا فاعزلني عن القضاء.» فسكت يعقوب ثم استدعى خادما وقال له في ~~السر: «تحمل أهل الشيخ ms130 عبد الواحد إليه.» فحملت في ذلك النهار، ولم يتغير على القاضي ~~ولا قال له شيئا يكرهه. وهذه حسنة تعد له وللقاضي. # وقتل في بعض الأحيان على شرب الخمر وقتل العمال الذين تشكو الرعايا منهم. # أرسل إليه صلاح الدين رسولا من بني منقذ، وهو شمس الدولة عبد الرحمن بن مرشد، في سنة ~~587 ليستنجده على الفرنج الواصلين من بلاد المغرب إلى الديار المصرية وساحل الشام، ولم ~~يخاطبه بأمير المؤمنين بل خاطبه بأمير المسلمين، فعز ذلك عليه ولم يجبه إلى ما طلبه ~~منه. ~~(15) علاقة ابن رشد بالخليفة يوسف بن عبد المؤمن وهو والد الخليفة يعقوب المنصور وكيف ~~اتصل ابن رشد بالخلفاء بفضل ابن طفيل وفيه دليل على حب الخليفة يوسف العلم ~~والعلماء # لما تولى أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن بن علي طمح به علو همته إلى تعلم الفلسفة، ~~فجمع كثيرا من كتبها وبدأ بالطب، فاستظهر بعض كتبه مما يتعلق بالعلم دون العمل، ثم ~~تخطى إلى الفلسفة وأمر بجمع كتبها فاجتمع له كثير منها، ولم يزل يبحث عن العلماء ~~ويقربهم، وكان بلغ به حبه العلم والكتب حتى استباح مصادرتها في بيوت أربابها وحملها ~~إليه اغتصابا مع مكافأة أهلها بعد ذلك، كما حدث ليوسف أبي الحجاج المراني، فإنه بعد أن ~~صادر كتبه ولاه ولاية حسنة، وكان ممن صحب هذا الخليفة من العلماء أبو بكر محمد بن طفيل ~~أحد فلاسفة المسلمين بالأندلس، وكان يجلب إلى الخليفة العلماء من جميع الأقطار ويحضه ~~على إكرامهم، وهو الذي نبهه على أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد، فمن حينئذ ~~عرفوه ونبه قدره عندهم. (راجع الفصل السادس من هذا الكتاب). ~~(16) أول مجلس بين الخليفة يوسف وابن رشد وكيف استدرجه للتكلم في الفلسفة # روى محيي الدين في كتابه «المعجب» عن الفقيه الأستاذ أبي بكر بندود بن يحيى القرطبي ~~تلميذ ابن رشد قال: «سمعت الحكيم أبا الوليد يقول أكثر من مرة لما دخلت على أمير ~~المؤمنين أبي يعقوب وجدته هو وأبا بكر بن طفيل، فأخذ أبو بكر يثني ms131 علي ويذكر بيتي ~~وسلفي ويضم بفضله إلى ذلك أشياء لا يبلغها قدري، فكان أول ما فاتحني به أمير المؤمنين، ~~بعد أن سألني عن اسمي واسم أبي ونسبي، أن قال لي: «ما رأيهم في السماء؟ (يعني الفلاسفة) ~~أقديمة هي أم حادثة؟» فأدركني الحياء والخوف، فأخذت أتعلل وأنكر اشتغالي بالفلسفة، ولم ~~أكن أدري ما قرر معه ابن طفيل، ففهم أمير المؤمنين مني الروع والحياء، فالتفت إلى ابن ~~طفيل وجعل يتكلم على المسألة التي سألني عنها ويذكر ما قاله أرسطو وأفلاطون وجميع ~~الفلاسفة، ويورد مع ذلك احتجاج أهل الإسلام عليهم، فرأيت منه غزارة حفظ لم أظنها في أحد ~~من المشتغلين في هذا الشأن المتفرعين له، ولم يزل يبسطني حتى تكلمت، فعرف ما عندي من ~~ذلك، فلما انصرفت أمر لي بمال وخلعة سنية ومركب.» ~~(17) اقتراح الخليفة يوسف على ابن رشد ترجمة أرسطو وتوسيط ابن طفيل في ذلك # ثم استدعاني أبو بكر بن طفيل يوما، فقال لي: سمعت اليوم أمير المؤمنين يتشكي من قلق ~~عبارة أرسطوطاليس أو عبارة المترجمين عنه. ويذكر غموض أغراضه ويقول: «لو وقع لهذه الكتب ~~من يلخصها ويقرب أغراضها بعد أن يفهمها فهما جيدا لقرب مأخذها على الناس»، فإن كان ~~فيك فضل قوة لذلك فافعل، وإني لأرجو أن تفي به لما أعلمه من جودة ذهنك وصفاء قريحتك ~~وقوة نزوعك إلى الصناعة، وما يمنعني من ذلك إلا ما تعلمه من كبر سني واشتغالي بالخدمة ~~وصرف عنايتي إلى ما هو أهم عندي منه. # قال أبو الوليد: «فكان هذا الذي حملني على تلخيص ما لخصته من كتب الحكيم أرسطوطاليس.» ~~قال محيي الدين من عنده: «وقد رأيت أنا لأبي الوليد هذا تلخيص كتب الحكيم في جزء واحد ~~في نحو مائة وخمسين ورقة ترجمه بكتاب الجوامع، لخص فيه كتاب الحكيم المعروف بسمع الكيان ~~وكتاب السماء والعالم ورسالة الكون والفساد وكتاب الآثار العلوية وكتاب الحس والمحسوس. ~~ثم لخصها بعد ذلك وشرح أغراضها في كتاب مبسوط في أربعة أجزاء، وبالجملة لم يكن في بني ~~عبد المؤمن فيمن تقدم منهم ms132 وتأخر ملك بالحقيقة غير أبي يعقوب هذا!» # هذا مجمل أخبار اتصال ابن رشد بالخليفة يوسف بن عبد المؤمن، والد الخليفة يعقوب ~~المنصور الذي نكب الفيلسوف، قد أوردناه لكمال البحث والاستقصاء. ~~(18) الأمير يعقوب المنصور وابن رشد # وقد اتجه نظرنا منذ قرأنا كتب ابن رشد وعزمنا على ترجمته وتلخيص فلسفته؛ إلى المحنة ~~التي أصابته وأسبابها ونتائجها وأثرها في التاريخ الإسلامي وفي تاريخ الفلسفة، وعزمنا ~~على تحقيقها وتحليلها والتدقيق في معرفة أصولها، لنصل إلى حقيقة يحسن الوقوف لديها ~~والسكوت عليها. # ولما كان الذي أوقع المحنة بابن رشد هو المنصور بالله يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ~~الرابع من خلفاء الموحدين، أخذنا نبحث في تاريخه لنعلم هل كانت النكبة فعلا فرديا ~~أملاه على الأمير ظلمه وحمقه وجهله، أم كانت فعلا قوميا يدل على حالة الأمة في ~~أخلاقها وميولها، وهل كان الأمير سليم العقل والإرادة مسئولا عن أفعاله مسئولية تامة ~~أمام التاريخ والأجيال اللاحقة، أم كان معتلا مختلا لا يسأل عما يفعل، ذهبت بعقله ~~سلطة الفرد ونزق الاستبداد وسوء الوراثة وملاهي القصور التي ينغمس فيها أمثاله. # فإن الظاهر دل على أن نكبة ابن رشد كانت عملا عاما، دعت إليه ضرورة سياسية أو ~~دينية أو اجتماعية، فأقيمت عليه الدعوى الجنائية وحوكم محاكمة استبدادية، وصدرت في حقه ~~عقوبة النفي والتنكيل، ولم يكن لدينا مصدر لفحص هذه المسألة إلا كتب التاريخ؛ لأن عرب ~~الأندلس لم يتركوا متاحف ولا سجلات ولا ملحقات ولا قيودا يلجأ إليها السلف كما هي ~~الحال في بعض الممالك الأوروبية على أننا لا نلومهم على ذلك، فلو تركوا شيئا مما ذكر ~~لما أبقى عليه ملوك إسبانيا الذين خلفوهم؛ فقد أحرقوا كل ما وصلت إليه أيديهم من آثار ~~العرب الأدبية، وبددوا - تحت تأثير التعصب الوطني والديني - ثروة كانت تستفيد منها ~~الإنسانية أعظم فائدة. لأجل هذا كانت مصادرنا في هذا المبحث محصورة في كتب التاريخ ~~العربية والإفرنجية. ~~(19) تاريخ الأمير الذي نكب ابن رشد # هو يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي الخليفة الرابع من دولة الموحدين، ms133 التي أسسها ~~بسوس محمد بن تومرت المتسمي بالمهدي في صدر القرن السادس سنة 515 هجرية. # خلف يعقوب أباه يوسف في سنة 580، وكانت سنه يوم صار إليه الأمر اثنتين وثلاثين سنة، ~~وكانت مدة ولايته ست عشرة سنة وثمانية أشهر، وتوفي في سنة 595 وله من العمر ثمان ~~وأربعون سنة، وقد وخطه الشيب وكانت أمه رومية اسمها ساحر (كارمن) فيرى من ذلك أنه من ~~نسل مختلط وأنه الحفيد الرابع لرجل عصامي من مؤسسي الدولة الشرقية في الغرب، ويتبع هذا ~~التسلسل تطور في الغرائز والأخلاق يشاهد في الأحفاد. # وكان عهده حافلا بالحروب والغزوات والفتن؛ ففي سنة 580، وهي أولى أيام ولايته، خرج ~~الميرقيون بنو ابن غانية يقودهم علي بن غانية من جزيرة ميرقة قاصدين مدينة بجاية ~~فملوكها وأخرجوا من بها من الموحدين، فخرج إليهم يعقوب وهزمهم في حسامة دقيوس. وفي ~~عودته انتقضت عليه مدينة قفصة فحاصرها ودخلها عنوة وقتل أهلها قتلا ذريعا. # وفي سنة 585 هجم بطرس بن رودريج (بطرو بن الريق) على مدينة شلب من الأندلس فملكها، ~~فتجهز يعقوب في جيوش ونزل على شلب وأخرج منها بطرس وأخذ من حصون الإفرنج حصنا، وفي سنة ~~590 انتقض ما بينه وبين ألفونس فخرجت خيل ألفونس تدوس الحدود، والتقى الجيشان في سنة ~~591 في «فحص الجديد»، وهو مكان بين أشبيلية وطليطلة، فهزم ألفونس وجنوده. وفي السنة ~~التالية هجم على طليطلة وتوغل في أرض الإسبان، فطلب ألفونس منه هدنة فهادنه عشر ~~سنين. ~~(19-1) نيته في غزو مصر # وكان ينوي غزو مصر ويذكرها وما فيها من المناكر والبدع ويقول: «نحن إن شاء الله ~~مطهروها.» ولم يزل هذا عزمه إلى أن مات وكانت بينه وبين ألفونس تلك الهدنة. ~~(19-2) قتل أخيه وعمه # وكان له من إخوته وعمومته منافسون لا يرونه أهلا للإمارة، فلقي منهم شدة. ولما ~~استوثق أمره عبر البحر بعساكره وسار حتى نزل مدينة سلا وبها تمت بيعته، واستجاب له من ~~كان تلكأ عليه من أعمامه ومن ولد عبد المؤمن بعدما ملأ أيديهم أموالا وأقطعهم الأقطاع ~~الواسعة، ثم ms134 تركهما فطمع في الأمر أخوه أبو حفص عمر وعمه سليمان بن عبد المؤمن، فأمر ~~بالقبض عليهما وتقييدهما وحملهما بعد التقييد إلى مدينة سلا، ووكل بهما من يقوم عليهما ~~وأثقلهما بالحديد. وسار حتى بلغ مراكش، فكتب إلى القيم عليهما بقتلهما وتكفينهما ~~والصلاة عليهما ودفنهما، فقتلهما صبرا ودفنهما، وكتب يعلمه بذلك وقال له: «بنيت ~~قبريهما بالكدان والرخام.» وجعل يذكر حسنهما، فكتب إليه: «ما لنا ولدفن الجبابرة! إنما ~~هما رجلان من المسلمين، فادفنهما كيف يدفن عامة المسلمين.» وقد استدعت تلك الحروب ~~والفتن تغيبه عن مقر ملكه أمدا وأصيب أثناءه بمرض شديد، ففي غيبته ومرضه طمح أخ له ~~ثان، اسمه أبو يحيى، في الخلافة فقبض عليه وحاكمه وقتله بمحضر من الناس، وأمر بإخراج ~~بقية الأمر حفاة عراة الرءوس. ~~(19-3) أخلاقه # كان شديد الذكاء وكثير الإصابة بالظن، لا يكاد يظن شيئا إلا وقع كما ظن، مجربا ~~للأمور عارفا بأصول الشر والخير وفروعهما، ولي الوزارة أيام أبيه فبحث عن الأمور بحثا ~~شافيا، وطالع أحوال العمال والولاة والقضاة وسائر من ترجع إليه الأمور مطالعة أفادته ~~معرفة جزئيات الأمور، فدبرها بحسب ذلك فجرت أموره على قريب من الاستقامة والسداد حسب ما ~~يقتضيه الزمان والإقليم. ~~(19-4) سوء شبابه # روى المؤرخون أن أقاربه كانوا متهاونين بأمره محتقرين له لأشياء كانت تظهر منه في ~~صباه توجب ذلك، فبعد أن قتل أخاه وعمه ونكل ببقية الأمراء هابوه وأشربت قلوبهم ~~خوفه. ~~(19-5) حبه العدل بين الناس # وكان في جميع أيامه وسيره مؤثرا للعدل، متحريا له بحسب طاقته وما يقتضيه إقليمه ~~والأمة التي هو فيها، وأراد في أول أمره الجري على سنن الخلفاء الأول. وكان يقعد للناس ~~عامة ولا يحجب عن أحد من صغير ولا كبير، حتى اختصم إليه رجلان في نصف درهم، فقضى بينهما ~~وأمر الوزير أبا يحيى صاحب الشرطة أن يضربهما ضربا خفيفا؛ تأديبا لهما، وقال لهما: ~~أما كان في البلد حكام قد نصبوا لمثل هذا؟! ثم صار يقعد في أيام مخصوصة لمسائل مخصوصة ~~لا ينفذها غيره كأنه محكمة عليا. # ولما ولى ms135 أبا القاسم بن بقي القضاء، كان فيما اشترط عليه أن يكون قعوده بحيث يسمع ~~حكمه في جميع القضايا. فكان يقعد في موضع بينه وبين أمير المؤمنين ستر من ألواح. وكان ~~قد أمر أن يدخل عليه أمناء الأسواق وأشياخ الحضر في كل شهر مرتين يسألهم عن أسواقهم ~~وأسعارهم وحكامهم. وكان إذا وفد عليه أهل بلد فأول ما يسألهم عن عمالهم وقضاتهم ~~وولاتهم، فإذا أثنوا خيرا قال اعلموا أنكم مسئولون عن هذه الشهادة يوم القيامة، فلا ~~يقولن أحد منكم إلا حقا! ~~(19-6) حبه الخير # وبنى بمدينة مراكش مستشفى يظن المؤرخون أن ليس في الدنيا مثله، وتخير له ساحة فسيحة ~~بأعدل موضع في البلد، وأجرى له ثلاثين دينارا في كل يوم برسم الطعام وما ينفق عليه ~~خاصة خارجا عما جلب إليه من الأدوية، وأقام فيه الصيادلة لتجهيز أنواع الدواء، وأعد ~~للمرضى ثياب ليل ونهار للنوم من جهاز الصيف والشتاء، فإذا نقه المريض الفقير أمر له عند ~~خروجه بمال يعيش به ريثما يشتغل، ولم يقصره على الفقراء دون الأغنياء، ولم يقصره على ~~أهل البلد، بل كل من مرض من الغرباء يحمل إليه ويعالج إلى أن يشفى أو يموت. وكان يزوره ~~في كل جمعة ويعود المرضى ويسألهم بقول «كيف حالكم؟ وكيف القومة عليكم؟» وبمناسبة ~~الغرباء نذكر أن جمهورية جنيف في وقتنا هذا تتقاضي من الغرباء ضريبة باسم المستشفى ~~الخيري. ولكنها جعلت العلاج فيه قاصرا على أهل البلاد دون الغرباء! ~~(19-7) حبه الصدقة المنظمة # وكان كثير الصدقة تصدق مرة بأربعين ألف دينار، خرج منها للعامة نحو من نصفها والباقي ~~في القرابة. وقد قسموا مدينة مراكش أرباعا وجعلوا في كل ربع أمناء معهم أموال يتحررون ~~بها المساتير وأرباب البيوتات. وكان كلما دخلت السنة يأمر أن يكتب له الأيتام المنقطعون ~~فيجمعون إلى موضع قريب من قصره، فيختنون ويأمر لكل صبي منهم بمثقال وثوب ورغيف ~~ورمانة. ~~(19-8) عدم تصديقه الخرافات # سمع النساء يوما يمجدن ذكر سلفه ابن تومرت المتسمى بالمهدي ويقلن ما معناه بلسانهن: ~~«صدق مولانا المهدي نشهد أنه ms136 الإمام حقا!» فابتسم استخفافا بقولهن لأنه لا يرى شيئا ~~من هذا كله. وكان لا يرى رأيهم في ابن تومرت. وروى أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن مطرف ~~المربي أنه قال له: «يا أبا العباس اشهد لي بين يد الله عز وجل أني لا أقول بالعصمة ~~(يعني عصمة ابن تومرت).» وقال له يوما وقد استأذنه في فعل شيء يفتقر إلى وجود الإمام: ~~«يا أبا العباس أين الإمام؟!» ~~(19-9) بغضه التمليق # روى أبو بكر بن هاني قال: «لما رجع أمير المؤمنين من غزوة الأرك، وهي التي أوقع فيها ~~بألفونس وأصحابه، خرجنا نتلقاه، فقدمني أهل البلد لتكليمه، فرفعت إليه فسألني عن أحوال ~~البلد وأحوال قضاته وولاته وعماله على ما جرت عادته، فلما فرغت من جوابه سألني كيف حالي ~~في نفسي، فتشكرت له ودعوت بطول بقائه، ثم قال لي: ما قرأت من العلم؟ قلت قرأت تواليف ~~الإمام - أعني ابن تومرت - فنظر إلي نظرة المغضب وقال: «ما هكذا يقول الطالب! إنما ~~حكمك أن تقول قرأت كتاب الله وقرأت شيئا من السنة، ثم بعد هذا اتل ما شئت».» ~~(19-10) حبه العمارة # شرع في بنيان مدينة عظمى على ساحل البحر والنهر من العدوة التي تلي مراكش، وقد أتم ~~سورها وبني فيها مسجدا عظيما كبير المساحة، وعمل له مئذنة في نهاية العلو على هيئة ~~منار الإسكندرية، وقد تمت المدينة في حياته وكملت أسوارها وأبوابها وعمر كثيرا منها، ~~وهي تجيء في طولها نحوا من فرسخ، وهي قليلة العرض، ولم يزل العمل فيها وفي مجدها طول ~~مدة ولايته إلى سنة 594. ~~(19-11) حبه الطلبة # نال عنده طلبة العلم ما لم ينالوا في أيام أبيه وجده، وانتهى أمره معهم إلى أن قال ~~يوما بحضرة كافة الموحدين بسمعهم، وقد بلغه حسدهم للطلبة على موضعهم منه وتقريبه إياهم ~~وخلوته بهم دونهم: «يا معشر الموحدين، أنتم قبائل، فمن نابه منكم أمر فزع إلى قبيله، ~~وهؤلاء الطلبة لا قبيل لهم إلا أنا، فمهما نابهم أمر فأنا ملجؤهم وإلي فزعهم وإلي ~~ينتسبون.» فعظم من ذلك اليوم أمرهم، ms137 وبالغ الموحدون في برهم وإكرامهم. ~~(19-12) اضطهاد اليهود بعد إسلامهم # وفي آخر أيام أبي يوسف أمر أن يتميز من أسلم من اليهود الذين بالمغرب بلباس يختصون به ~~دون غيرهم، ولم يزالوا كذلك بقية أيامه ومقدارا من أيام ابنه عبد الله. وإنما حمل أبا ~~يوسف على ذلك شكه في إسلامهم، وكان يقول: «لو صح عندي إسلامهم لتركتهم يختلطون بالخلق ~~في أنكحتهم وسائر أمورهم، ولو صح عندي كفرهم لقتلت رجالهم وسبيت ذراريهم وجعلت أموالهم ~~نسيئا للمسلمين، ولكني متردد في أمرهم، ولم تنعقد عندنا ذمة ليهودي ولا نصراني منذ قام ~~أمر المصادمة، ولا في جميع بلاد المسلمين بالمغرب بيعة ولا كنيسة، إنما اليهود عندنا ~~يظهرون الإسلام ويصلون في المساجد ويقرئون أولادهم القرآن، جارين على ملتنا وسنتنا، ~~والله أعلم بما تكنه صدورهم وتحويه بيوتهم.» ~~(19-13) ميله إلى التصوف # وبعد قتل أخيه وعمه في السنة السادسة بعد الثلاثين من عمره أظهر زهدا وتقشفا وخشونة ~~ملبس ومأكل، وانتشر في أيامه للصالحين والمتبتلين صيت، وقامت لهم سوق وعظمت مكانتهم، ~~ولم يزل يستدعي الصالحين من البلاد يكتب إليهم يسألهم الدعاء، ويصل من يقبل صلته ~~بالصلات الجزيلة. ولما خرج إلى الغزوة الثانية (592) كتب قبل خروجه إلى جميع البلاد ~~للبحث عن الصالحين والمنتمين إلى الخير وحملهم إليه، فاجتمعت له منهم جماعة كبيرة، كان ~~يجعلهم كلما سار بين يديه، فإذا نظر إليهم قال لمن عنده «هؤلاء الجند لا هؤلاء!» ويشير ~~إلى العسكر، ولما رجع أمر لهؤلاء القوم بأموال عظيمة. ~~(19-14) محاربته مذهب مالك # أمر بإحراق كتب مذهب مالك، وشهد بعض المؤرخين بمدينة فاس أنه كان يؤتى من كتب المذهب ~~بالأحمال فتوضع ويطلق فيها النار. وكان قصد الأمير في الجملة محو مذهب مالك وإزالته من ~~المغرب مرة واحدة، وهذا المقصد بعينه كان مقصد أبيه وجده إلا أنهما لم يظهراه وأظهره ~~يعقوب، وتقدم إلى الناس في ترك الاشتغال بعلم الرأي والخوض في شيء منه، وتوعد على ذلك ~~بالعقوبة الشديدة. ~~(20) مدينة قرطبة التي نشأ فيها ابن رشد # قرطبة عاصمة مقاطعة تعرف باسمها بمملكة الأندلس ms138 بإسبانيا، واقعة في جنوب سطح جبل ~~سيارامورينا وعلى الضفة اليمنى لنهر الوادي الكبير، وتبعد 75 ميلا عن أشبيلية، أسسها ~~الرومان وجملها العرب بأسوار وقلاع وقصور، وشادوا بها المساجد والمعاقل والجسور، ~~وأكبرها من الجنوب جسر عظيم جمع بين جلال البناء الروماني وإتقان الهندسة العربية وجمال ~~الدقة الأندلسية، جعلوه على ستة عشر عقدا، وهو الذي يطلق عليه اسم «قنطرة الوادي»، ~~وكان بها لأمراء الأندلس قصر فخم يقصر البيان عن وصفه، لا يقل في الحسن عن الحمراء، ~~وأسس عبد الرحمن الأول جامعها الأعظم في مكان هيكل روماني. والمسجد لا يدل ظاهره على ~~جماله الداخلي الذي ينطق بالمثل الأعلى لفن العمارة العربي في أوروبا. # كانت قرطبة منذ نشأتها عزيزة الجانب، فقد استوطنها أشراف الرومان وأطلقوا عليها اسم ~~«قرطبة الشريفة» لكثرة من أظلت من العظماء. ويظن المؤرخون أنها قرطاجنية الاسم ~~والتكوين، وجاء عليها حين كانت أعظم مدن إسبانيا شأنا وأوفرها سكانا وأوسعها رزقا ~~وأقواها حصونا وأعرضها جاها. وروي أن قيصر حاصرها وقاسى في سبيل إخضاعها أهوالا، ~~فلما وقعت له بعد موقعة «أوندا» أعمل السيف في رقاب 20000 من رجالها. # ولما دخل العرب أرض أندلس ألحقوها بخلافة دمشق، ثم لم تلبث أن صارت عاصمة ملكهم. ~~ويقول المؤرخون إنها في أيام مجدها كان بها 200000 منزل، و600 مسجد، و900 حمام، ومكاتب ~~عامة كثيرة، ويتبعها ثماني مدن و300 بلد و12000 ضاحية. # وقد أنجبت قرطبة في كل أجيالها رجالا عظماء، ففي عهد الرومان ولد فيها لوكان وسنيكا، ~~وفي عهد العرب ابن رشد وأساتذته وتلاميذه وابن حزم عدا عددا من القواد والمصورين ~~والكتاب والصالحين. ومما يدعو إلى أسف أهل الفنون والمؤرخين أن الإسبان بعد زوال دولة ~~العرب جعلوا قصر الخليفة سجنا وقلبوا المسجد كنيسة. # وقد عاب شارل الخامس رجال الدين وأنبهم في رسالة مشهورة منها: «لقد بنيتم في مكان ~~المسجد ما كنتم تستطيعون تعميره في أية بقعة أخرى، ولكنكم أتلفتم شيئا فذا لم يكن له ~~في العالم مثيل.» إن الكاتدرائية جميلة حقا، ولكن أين المسجد يسند ساحاته العظمى ~~12000 عمود، ms139 بل أين التسعة عشر بابا المصنوعة من البرنز، بأيدي صناع حذقوا تشكيل ~~المعادن والتصوير فيها، وهم من أهل دمشق نزحوا إلى الأندلس فيمن نزح إليها من مهرة ~~المشارقة! # وأين الخمسة آلاف مصباح تضاء بزيوت عطرية فتملأ الفضاء نورا وعبقا، أما المحراب ~~المسبع فقد كان مسقفا بدائرة من المرمر الأبيض، مزينة بالذهب والزجاج الملون ومرصعة ~~بالحجارة الكريمة، ومنمقة بقيشاني بيزنطة، فكانت تلك الدائرة المرمرية لصفائها وحسن ~~زينتها أشبه بقبة من اللؤلؤ. # ويظهر أن قرطبة لم تشهد عهدا أسعد من عهد عبد الرحمن الثالث (الناصر لدين الله)، ~~فقد كانت عاصمة ملكه في أعلى درجات النجاح المادي والتقدم المعنوي، وكان للمال والزراعة ~~والتجارة من الشأن ما كان للفنون والعلوم والفلسفة، وعدد سكان قرطبة لعهده كعدد سكان ~~القاهرة لعهدنا هذا، وبها إذ ذاك 3000 مسجد و113000 بيت، و300 حمام و28 ضاحية. فلم يكن ~~في العالم الإسلامي مدينة تضارعها أو تفوق عليها غير عاصمة الرشيد والمأمون، فكانت ~~بغداد في الشرق وقرطبة في الغرب مثل باريس ولندن في عصرنا هذا. # أما قوة الخليفة فكانت تعادل قوة الملوك العظام لعهدنا، فكان له أسطول عظيم ضمن له ~~السيادة في بحر الروم، فجعله بحيرة أندلسية وسهل له الاستيلاء على سبوتا، وهي إذ ذاك ~~تعادل جبل طارق أو بورت سعيد. وكان له جيش عرمرم منظم عده المؤرخون أفخر جيوش العالم ~~وأجملها ، وهو الذي سوده على أهل الشمال من الإسبان. وكان أعظم ملوك الأرض يخطبون مودته ~~ويرجون معاهدته، فورد على بلاطه سفراء الدول من إمبراطور القسطنطينية وملوك ألمانيا ~~وإيطاليا وفرنسا. # ومما يذكر للخليفة بالفضل أن مجلسه كان مؤلفا من أئمة المسلمين ورؤساء الأديان ~~الأخرى بغير تمييز. وكانت بقرطبة مدرسة جامعة من أشهر جامعات الدنيا، مقرها بالمسجد ~~الأعظم الذي سبق ذكره، حيث كان فطاحل العالم الإسلامي شرقا وغربا يلقون الدروس على ~~الطلاب الواردين إلى حلقاتهم من كل فج، فكان أبو بكر بن معاوية القرشي يحدث وأبو علي ~~القالي البغدادي يملي أماليه الشهيرة، وهي كنز شعر وتاريخ وأمثال وفقه لغة وأدب، وكان ~~ابن ms140 القطيعة أشهر نحاة الأندلس يلقن الطلاب قواعد النحو والصرف. وهكذا كان لكل علم وفن ~~أستاذ من الأئمة الممتازين فيه، لا يقلون قدرا عمن ذكرنا على سبيل التمثيل ~~والتدليل. # وعد طلاب العلم بالجامع الأعظم بقرطبة بالألوف وأساتذتهم بالمئات، ومعظمهم يقصدون ~~تحصيل الفقه وبعضهم يدرسون الحكمة؛ فالمسجد الأعظم كان منذ ألف سنة مثل الجامع الأزهر ~~شهرة ومكانة، ويفضله في أمرين: الأول جماله الذي أبرزه أهل الفنون، والثاني تخريج ~~الفلاسفة أمثال ابن رشد. والأزهر لم يخرج لنا منذ تأسيسه إلى الآن أحدا يداني هذا ~~الحكيم أو يقرب منه في الفضل وسعة العلم وجليل المنفعة للدين والدنيا معا. ~~(21) نكبة ابن رشد ~~(21-1) كلمة عامة # كان ابن رشد ممتازا بالحكمة والعلم وشرف المنبت، وازداد مجدا بتقربه من الخليفة ~~يوسف أبي يعقوب الذي عرف قدره وفضله على غيره من قرنائه وفضلاء عصره وعلى ولده ~~المنصور يعقوب. # وكل رجل ممتاز لا يأمن حسد معاصريه ومعاشريه ولا ينجو من غيظهم وانتقامهم مهما ~~كان نافعا، وطيب القلب حسن النية بعيدا عن الأذى، وربما كانت خصاله الطيبة سببا ~~في اشتداد البغضاء ومرارة الحقد. وأظن هذه الحال في الشرق أظهر منها في الغرب، وقد ~~تكون في المسلمين أقوى منها في غيرهم. # ويظهر أن أعداء ابن رشد حاولوا النكاية به المرة بعد المرة، ففشلوا في أول الأمر ~~لأن الخليفة المنصور كان في بداية عهده محبا للفلسفة مجاهرا بذلك. فكمدت سوق ~~السعايات ولكن الأعداء (لا كانوا) لا يسأمون من الانتظار ويرقبون أوقات المضرة، ~~فلما تحولت نفس المنصور عن الحكمة والحكماء بسبب ما لحقه من التطور العقلي الذي حبب ~~إليه التصوف والالتجاء إلى الأولياء والزهاد، كان ابن رشد قد علا نجمه في أفق المجد ~~بما ظهر من فضله في التأليف في الفلسفة وسعة علمه ودقة عمله في الطب وعلو كعبه في ~~الشريعة والقضاء، وتلك مواهب ثلاث لم تجتمع لرجل واحد في وقت من الأوقات. # وكان ابن رشد إذ ذاك في السبعين من عمره، فتحركت أحقاد أعدائه وقد رأوا الفرصة ~~سانحة بانصراف المنصور إلى مشايخ ms141 الطرق الصوفية، فتسلح هؤلاء الأعداء وأنصارهم من ~~حاشية الأمير (كعادتهم وعادة من مضى قبلهم ومن أتى وسيأتي بعدهم من أعداء حرية ~~العقل الإنساني) بسلاح المدافعة عن شريعة الإسلام، وكان المنصور مقيما بمدينة ~~قرطبة، وقد امتد بها أمد الإقامة وانبسط الناس لمجالس المذاكرة، فتجددت للأعداء ~~آمالهم وقوي تألبهم واسترسالهم، فأدلوا بحفيظتهم وأوضحوا للأمير ما شاءوا من ~~«سيئات» أبي الوليد ابن رشد في مؤلفاته، فقرئت في مجلس الأمير وتدوولت أغراضها ~~ومعانيها وقواعدها، وتمكن الأعداء والحساد من تخريجها بما دلت عليه أسوأ مخرج، وقد ~~ذيلوها بمكرهم وسوء طويتهم حتى هاجوا غضب الأمير وأيقظوا قوة الشر الكامنة في نفسه، ~~بحجة المدافعة عن شريعة الإسلام، ويظهر أن وقيعتهم بابن رشد كانت علانية في مجلس ~~الأمير، فإن أحد المؤرخين يقول: «فلم يمكن عند اجتماع الملأ إلا المدافعة عن شريعة ~~الإسلام.» # ويظهر أيضا أن أعداء ابن رشد طلبوا إلى الخليفة إهراق دمه لتنجو شريعة الإسلام ~~من شر ابن رشد، وتعلو بخير هؤلاء المدافعين عن كيانها الحائذين عن حياضها! ولكن ~~الخليفة استعمل الرأفة «وآثر فضيلة الإبقاء وأغمد السيف التماس جميل ~~الجزاء». ~~(21-2) أعداء ابن رشد # ومن أعداء ابن رشد الذين جاهدوه بالمنافرة والمجاهرة القاضي أبو عامر يحيى ابن ~~أبي الحسين بن ربيع، وقد نافره لغير علة ظاهرة. وعلى ذلك النفور كان أبناه القاضي ~~أبو القاسم وأبو الحسين والقاضي أبو عبد الله والخطيب أبو علي ابن حجاج وغيرهم، ~~فلما أخذ أعداء ابن رشد للحملة عليه عدتهم آثروا أن يحشروا معه فريقا من أصدقائه ~~ومريديه وتلاميذه، لتكون محنة الحكمة شاملة ونكبة الحكماء عامة. وأشاروا على ~~المنصور أن يصبغ غضبه بصبغة الدفاع عن الملة لتكون النكاية بالحكماء أشد واللوم على ~~الوقيعة بهم أخف. فأمر المنصور طلبة مجلسه وفقهاء دولته بالحضور بجامع المسلمين ~~وتعريف الملأ بأن ابن رشد ومن معه مرقوا من الدين وأنهم استوجبوا اللعنة ~~جهارا. ~~(21-3) شركاء ابن رشد # أما أصدقاء ابن رشد الذين أضيفوا إليه فهم: الفقيه أبو عبد الله بن إبراهيم ~~الأصولي، فقد لف معه في حريق الملام، ms142 لأشياء نقمت عليه في مجالس المذاكرة وفي ~~أثناء كلامه مع توالي السنين والأيام؛ وأبو جعفر الذهبي الفقيه؛ وأبو الرابع ~~الكفيف؛ وأبو العباس الحافظ الشاعر القراي. ~~(21-4) أسباب النكبة # تضارب المؤرخون في ذكر النكبة التي أصابت الحكمة في شخص ابن رشد ومدرسته، ومعظم ~~المؤرخين يرغبون في ردها إلى أسباب مادية محسوسة أغضبت الخليفة، ولكن واحدا أو ~~اثنين منهم يحومان حول السبب الحقيقي ويلمحان إليه فقال أحدهما: «وكان لها سببان: ~~جلي، وخفي. فأما سببها الخفي وهو أكبر السببين، فأن الحكيم أبا الوليد رحمه الله ~~أخذ في شرح كتاب الحيوان لأرسطاطاليس صاحب كتاب المنطق، فهذبه وبسط أغراضه وزاد فيه ~~ما رآه لائقا به، فقال في هذا الكتاب عند ذكره الزرافة وكيف تتولد، وبأي أرض تنشأ ~~«وقد رأيتها عند ملك البربر»، جاريا في ذلك على طريق العلماء في الأخبار عن ملوك ~~الأمم وأسماء الأقاليم، غير ملتفت إلى ما يتعاطاه خدمة الملوك ومتحيلوا الكتاب من ~~الإطراء والتقريظ وما جانس هذه الطرق، فكان هذا مما أحنقهم عليه غير أنهم لم يظهروا ~~ذلك، وفي الجملة فإنها كانت من أبي الوليد غفلة.» # وقال مؤرخ آخر: «إن قوما من مناوئيه من أهل قرطبة، ويدعون معه الكفاءة في البيت ~~وشرف السلف، سعوا به عند أبي يوسف، ووجدوا إلى ذلك طريقا بأن أخذوا بعض التلاخيص ~~التي كان يكتبها، فوجدوا فيها بخطه حاكيا عن بعض قدماء الفلاسفة بعد كلام تقدم ~~«فقد ظهر أن الزهرة أحد الآلهة»، فأوقفوا أبا يوسف على هذه الكلمة، فاستدعاه بعد أن ~~جمع له الرؤساء والأعيان من كل طبقة وهم بمدينة قرطبة، فلما حضر أبو الوليد رحمه ~~الله قال له بعد أن نبذ إليه بالأوراق: أخطك هذا؟ فأنكر. فقال: أمير المؤمنين: «لعن ~~الله كاتب هذا الخط.» وأمر الحاضرين بلعنه، ثم أمر بإخراجه على حال سيئة وإبعاده ~~وإبعاد من يتكلم في شيء من هذه العلوم، وكتبت عنه الكتب إلى البلاد بالتقدم إلى ~~الناس في ترك هذه العلوم جملة واحدة، وبإحراق كتب الفلسفة كلها إلا ما كان من الطب ~~والحساب وما ms143 يتوصل به من علم النجوم إلى معرفة أوقات الليل والنهار وأخذ سمت ~~القبلة، فانتشرت هذه الكتب في سائر البلاد وعمل بمقتضاها.» # ثم لما رجع الأمير إلى مراكش نزع عن ذلك كله وجنح إلى تعلم الفلسفة، وأرسل يستدعي ~~أبا الوليد من الأندلس إلى مراكش للإحسان إليه والعفو عنه. فحضر ابن رشد إلى مراكش ~~فمرض بها مرضه الذي مات منه في آخر سنة 594 وقد ناهز السبعين، ثم توفي أمير ~~المؤمنين في غرة صفر الكائن في سنة 595. # وقال آخر: «ومن أسباب نكبته اختصاصه بأبي يحيى المنصور والي قرطبة. وحدث الشيخ ~~أبو المحسن الرعيني عن شيخه أبي محمد عبد الكبير أن هذا الأخير اتصل بابن رشد ~~المتفلسف أيام قضائه بقرطبة وحظي عنده، فاستكتبه ابن رشد واستقضاه، فقال إن هذا ~~الذي ينسب إليه ما كان يظهر عليه، ولقد كنت أراه يخرج إلى الصلاة وأثر ماء الوضوء ~~على قدميه، وما كدت آخذ عليه فلتة إلا واحدة، وهي عظمى الفلتات، وذلك حين شاع في ~~المشرق والأندلس على ألسنة المنجمة أن ريحا عاتية تهب في يوم كذا وكذا في تلك ~~السنة تهلك الناس، واستفاض ذلك حتى اشتد جزع الناس منه واتخذوا الأنفاق تحت الأرض ~~توقيا لهذه الريح. # ولما انتشر الحديث بها وطبق البلاد استدعى والي قرطبة - إذ ذاك - طلبتها ~~وفاوضهم في ذلك، وفيهم ابن رشد وهو القاضي بقرطبة يومئذ، وابن بندود، فلما انصرفوا ~~من عند الوالي تكلم ابن رشد وابن بندود في شأن هذه الريح من جهة الطبيعة وتأثيرات ~~الكواكب، قال أبو محمد عبد الكبير، وكنت حاضرا فقلت في أثناء المفاوضة إن صح أمر ~~هذه الريح فهي ثانية الريح التي أهلك الله تعالى بها قوم عاد؛ إذ لم تعلم ريح ~~بعدها يعم إهلاكها. قال فانبرى إلي ابن رشد ولم يتمالك أن قال: والله وجود قوم ~~عاد ما كان حقا! فكيف سبب هلاكهم؟ فسقط في أيدي الحاضرين وأكبروا هذه الزلة التي ~~لا تصدر إلا عن صريح الكفر والتكذيب لما جاءت به آيات القرآن الذي لا يأتيه الباطل ~~من ms144 بين يديه ولا من خلفه.» ~~(21-5) العقاب والعفو (مجلس المحاكمة) # أحضر ابن رشد وأصحابه إلى المسجد الجامع الأعظم بقرطبة، وقد عقد الخليفة مجلسه ~~ونهض القاضي أبو عبد الله ابن مروان وألقى خطبة هي أشبه الكلام بمرافعة المدعي ~~العام، وقد يكون الغرض من ندب هذا القاضي في تلك الفرصة رفع الدعوى على ابن ~~رشد. ~~(21-6) مرافعة القاضي أبي عبد الله # قال: إن الأشياء لا بد في كثير منها أن تكون لها جهة نافعة وجهة ضارة، كالنار ~~وغيرها، فمتى غلب النافع على الضار عمل بحبسه، ومتى كان الأمر بالضد فبالضد. ~~(21-7) التهمة # ثم قال الخطيب أبو علي ابن حجاج، وعرف الناس بما أمر به من أنهم (أي ابن رشد ~~وصحبه) قد مرقوا من الدين وخالفوا عقائد المؤمنين باشتغالهم بالفلسفة وعلوم ~~الأوائل، فنالهم ما شاء الله من الجفاء، وتفرقوا على حكم من يعلم السر ~~وأخفى. ~~(21-8) الحكم # أمر أبو الوليد بسكنى اليسانة بقول من قال إنه ينسب في بني إسرائيل وإنه لا يعرف ~~له نسب في قبائل الأندلس. ~~(21-9) في أن ابن رشد لم يدافع # ولم يذكر المؤرخون أن ابن رشد أو أحد أصحابه طلب أن يتكلم عن نفسه أو طلب إليه ~~الخليفة ذلك، وفي هذا شناعة لأنه حرم حق الدفاع. وإذ ذكرنا دفاع فيلسوف عن حرية ~~فكره يخطر ببالنا دفاع سقراط لدى قضاته بأثينا قبل محاكمة ابن رشد بستة عشر قرنا، ~~فتتملكنا عاطفتان : الأولى عاطفة حنق على أعداء العقل الذين لم ينفكوا يحاربون حرية ~~الفكر من أبعد العصور وأقدم الأجيال. والثانية عاطفة إعجاب بهؤلاء العرب المتحضرين، ~~الذين كانوا أعدل وأرحم من اليونان في القرن الرابع قبل المسيح، على ما بين الأمتين ~~من الفروق في المدنية والتنور. فإن قضاة ابن رشد اكتفوا بإبعاده مؤقتا. أما قضاة ~~سقراط العظيم فلم يشفقوا على شيخوخته ولم يخشعوا أمام جلال حكمته وجمال خلقه ~~وأسلموه للجلاد، فسقاه كأس الردى على مرأى ومسمع من أهله وأحبابه ومريديه وتلاميذه، ~~بل كان عرب الأندلس أشفق وأعدل من معذبي «جاليليه» في القرن ms145 السابع عشر بعد السيد ~~المسيح، وأرحم بكثير من أهل جنيف وعلى رأسهم «كالفن»، إذ أحرقوا في مدينتهم في نصف ~~السادس عشر «ميشل سرفيه» لاكتشافه الدورة الدموية. # ولكن هذا لا يقلل من غضبنا على الذين حاكموا ابن رشد، فإن الاضطهاد مرذول في كل ~~زمان ومكان، وأنصاره محتقرون وملعونون بكل لسان ما داموا يتسلحون بالدفاع عن الدين ~~في محاربة العقل، فإن ذلك حق يراد به باطل؛ لأن الدين لم يأمر بالتعذيب والقتل ~~والنفي في سبيل نصرته. ولكن الجهال وأهل الضلال والفتن هم الذين يشفون غليلهم ~~ويثلجون صدورهم المتقدة بنار الغيظ والحسد باسم الدين والملة والشريعة، وهي منهم ~~بريئة. ~~(21-10) تسخير الشعر في محاربة الفلسفة # عوقب ابن رشد وأصحابه بالنفي بعد التعذير والتعنيف، ثم كتبوا في حقهم منشورا ~~شديدا للولايات وراء البحر، ثم سخروا الشعر في محاربة الفلسفة، فقام الحاج أبو ~~حسين ابن جبير وقد حفظ لنا التاريخ اسمه ونظمه في تلك القضية، وللتاريخ عجائب ~~وخوارق وهذه من غرائبه، فإنه لم يحفظ أسماء كثيرين من أهل الفضل والفن في مواضع ~~كانوا بها أحق وأجدر بخلود الذكر. # قال الحاج: # الآن قد أيقن ابن رشد # أن تواليفه توالف # يا ظالما نفسه تأمل # هل تجد اليوم من توالف ~~••• # لم تلزم الرشد يا ابن رشد # لما علا في الزمان جدك # وكنت في الدين ذا رياء # ما هكذا كان فيه جدك ~~••• # كان ابن رشد في مدى غيه # قد وضع الدين بأوضاعه # فالحمد لله على أخذه # وأخذ من كان من أتباعه ~~••• # نفذ القضاء بأخذ كل مضلل # متفلسف في دينه متزندق # بالمنطق اشتغلوا فقيل حقيقة # إن البلاء موكل بالمنطق # وقال يمدح المنصور ويذكر أدوار القضية: # بلغت أمير المؤمنين مدى المنا # لأنك قد بلغتنا ما نؤمل # قصدت إلى الإسلام تعلي مناره # ومقصدك الأسنى لدى الله يقبل # تداركت دين الله في أخذ فرقه # بمنطقهم كان البلاء الموكل # أقمتهمو للناس يبرأ منهم # ووجه الهوى من خزيهم يتهلل # وأوعزت في الأقطار بالبحث عنهم # وعن كتبهم والسعي في ذاك أجمل # وقد كان للسيف اشتياق إليهم ms146 # ولكن مقام الخزي للنفس أقتل # وآثرت درء الحد عنهم بشبهة # لظاهر إسلام وحكمك أعدل # وهذا ما أردنا الاستشهاد به من شعر ابن جبير في الموضوع وله غير ذلك ضربنا عنه ~~صفحا. ~~(22) كلمة عن ابن جبير # أبو الحسن محمد بن محمد بن جبير الأندلسي البلنسي، كان من أهل المنزلة العالية في ~~الغرب بالعلم والأدب والشعر، رحل في أواخر القرن السادس للهجرة ثلاث رحلات، وزار مصر ~~والشام والحجاز والعراق وصقلية، وأقام في الإسكندرية يحدث إلى أن توفي في أواخر القرن ~~السادس، وطبعت رحلته في ليدن مرتين، وترجمت إلى الفرنسية والإيطالية، وأخباره في ~~الإحاطة بأخبار غرناطة ص168 ج2. # وكان من أبلغ شعراء الأندلس وأنصعهم ديباجة، وأصدق شعراء العرب قصدا وأسلمهم قلبا، ~~وأقواهم إيمانا وأصحهم عقيدة، ويشهد الشعراء الأقدمون والمحدثون بفضله، وأصدق دليل على ~~حجة شهادتهم قصيدته التي يصف بها الأماكن المقدسة التي قصدها لأداء فريضة الحج. وكان ~~ابن جبير من معاصري ابن رشد، ولا نظن أن الذي دعاه إلى هجاء ابن رشد رغبة في تمليق أمير ~~كبير ومجرد الافتخار بمظهر المدافعة عن الدين، وإنما الذي دعاه إلى الوقوع في هذا الخطأ ~~شدة إيمانه وصحة عقيدته، ولا يستطيع مؤرخ معتدل أن يلوم ابن جبير على أنه لم يفهم فلسفة ~~ابن رشد؛ لأن طريق الشعر والدين غير طريق العلم والحكمة، ولا نملك إلا الأسف على تلك ~~الهفوة من أديب جليل يعد من أئمة الشعر العربي وكبار المؤلفين والسائحين. ~~(23) أقسى ما أصاب ابن رشد في أثناء نكبته # يظهر أن أقسى ما أصيب به ابن رشد في إبان محنته تألب العامة عليه وعلى ولده وتصديهم ~~إلى سبهما والاعتداء عليهما. والعامة في كل زمان ومكان خصم ثالث يدخل بين الملوك ورجال ~~الدين والفلاسفة الذين يتنازعون القوة فيما بينهم، والعامة أنفسهم هم الذين يسعى ~~المتنازعون للسيادة عليهم فالملوك ورجال الدين يتطلبون القوة الدنيوية التي لا تقوم ~~إلا على الجمهور، والحكماء يتطلبون القوة العقلية التي تقوم على تنويرهم. # أخبر أبو الحسن بن قطرال عن ابن رشد أنه قال: «أعظم ما ms147 طرأ علي في النكبة أني دخلت ~~أنا وولدي عبد الله مسجدا بقرطبة، وقد حانت صلاة العصر فثار لنا بعض سفلة العامة ~~فأخرجونا منه.» ~~(24) المنشور # لم يكتف المنصور أو محرضوه بما لحق ابن رشد وأصحابه من اللوم والتأنيب في مجلس ~~المحاكمة، وما تلاهما من عقوبة النفي التي وقعت بغير دفاع، فشاءت الأحقاد أن يذاع أمر ~~التشهير بابن رشد في سائر البقاع، فأمر المنصور كاتبه أبا عبد الله ابن عياش أن يكتب ~~منشورا إلى مراكش وغيرها بما حدث لابن رشد في هذه القضية، وكاتب المنشور هو كاتم سر ~~الخليفة وكاتب يده واسمه أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عياش، من أهل برشانة ~~(لعلها برسلونه) من أعمال المرية في بلاد الأندلس، ولم يزل هذا الرجل كاتبا للمنصور ~~ولابنه محمد ولابن ابنه يوسف، وقد عمر طويلا وتوفي في شهور سنة 619، وانفرد أبو عبد ~~الله المذكور بالمهارة وحسن السبك، ولم يكتب لخلفاء بني تومرت منذ قام أمرهم من عرف ~~طريقتهم وصب في قالبهم وجرى على مهيعهم وأصاب ما في أنفسهم كأبي عبد الله المذكور؛ لأنه ~~كانت لهم طريقة تخالف طريقة الكتاب. ويظهر أنه كان يلبس لكل حال لبوسها ويجاري كل أمير ~~في ميوله ومقاصده، وإلا ما تمكن من الانفراد بثقتهم وخدمة ثلاثة أو أربعة من خلفائهم، ~~فكان عبد الله هذا كبعض رجال الحاشية في بعض بلاد الشرق يصلحون لكل عهد ويخدمون كل جالس ~~على العرش ويثبتون في مراكزهم، مهما تغلبت الحوادث وتحولت الأحوال وتغيرت المبادئ ~~والأطوار، فهم هم الخدم المخلصون والصحابة المقربون والله أعلم بما يظهرون وبما ~~يبطنون. # نص المنشور # قد كان في سالف الدهر قوم خاضوا في بحور الأوهام، وأقر لهم عوامهم بشفوف علمهم في ~~الأفهام، حيث لا داعي يدعو إلى الحي القيوم، ولا حاكم يفصل بين المشكوك فيه ~~والمعلوم، فخلدوا في العالم صحفا مالها من خلاق، مسودة المعاني والأوراق، بعدها من ~~الشريعة بعد المشرقين، وتباينها تباين الثقلين، يوهمون أن العقل ميزانها والحق ~~برهانها، وهم يتشعبون في القضية الواحدة فرقا، ويسيرون فيها ms148 شواكل وطرقا، ذلك بأن ~~الله خلقهم للنار، وبعمل أهل النار يعملون، ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون! ونشأ منهم في هذه الحجة البيضاء ~~شياطين إنس يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون، يوحي ~~بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون، فكانوا ~~عليها أضر من أهل الكتاب، وأبعد عن الرجعة إلى الله والمآب؛ لأن الكتابي (؟!) يجتهد ~~في ضلال ويجد في كلال، وهؤلاء جهدهم التعطيل وقصاراهم التمويه والتخييل، دبت ~~عقاربهم في الآفاق برهة من الزمان، إلى أن أطلعنا الله سبحانه منهم على رجال كان ~~الدهر قدمنا لهم على شدة حروبهم، وأعفى عنهم سنين على كثرة ذنوبهم، وما أملي لهم ~~إلا ليزدادوا إثما، وما أمهلوا إلا ليأخذهم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء ~~علما. # وما زلنا - وصل الله كرامتكم - نذكرهم على مقدار ظننا فيهم، وندعوهم على بصيرة ~~إلى ما يقربهم إلى الله سبحانه ويدنيهم، فلما أراد الله فضيحة عمايتهم وكشف ~~غوايتهم، وقف لبعضهم على كتب مسطورة في الضلال، موجبة أخذ كتاب صاحبها بالشمال، ~~ظاهرها موشح بكتاب الله وباطنها مصرح بالإعراض عن الله، لبس منها الإيمان بالظلم، ~~وجيء منها بالحرب الزبون في صورة السلم، مزلة للأقدام، وهم يدب في باطن الإسلام ~~أسياف أهل الصليب دونها مغلولة، وأيديهم عما يناله هؤلاء مفلولة، فإنهم يوافقون ~~الأمة في ظاهرهم وزيهم ولسانهم، ويخالفونهم بباطنهم وغيهم وبهتانهم، فلما وقفنا ~~منهم على ما هو قذى في جفن الدين، ونكتة سوداء في صفحة النور المبين، نبذناهم في ~~الله نبذ النواة، وأقصيناهم حيث يقصى السفهاء من الغواة، وأنقضناهم في الله كما أنا ~~نحب المؤمنين في الله، وقلنا: اللهم إن دينك هو الحق اليقين، وعبادك هم الموصوفون ~~بالمتقين، وهؤلاء قد صرفوا عن آياتك، وعميت أبصارهم وبصائرهم عن بيناتك، فباعد ~~أسفارهم وألحق بهم أشياعهم حيث كانوا وأنصارهم. ولم يكن بينهم إلا قليل وبين ~~الإلمام بالسيف في مجال ألسنتهم والإيقاظ بحده من غفلتهم ms149 وسنتهم، ولكنهم وقفوا ~~بموقف الخزي والهون، ثم طردوا عن رحمة الله ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون. # فاحذروا - وفقكم الله - هذه الشرذمة على الإيمان حذركم من السموم السارية في ~~الأبدان، ومن عثر له على كتاب من كتبهم فجزاؤه النار التي بها يعذب أربابه، وإليها ~~يكون مآل مؤلفه وقارئه ومآبه، ومتى عثر منهم على مجد في غلوائه عم عن سبيل ~~استقامته واهتدائه، فليعاجل فيه بالتثقيف والتعريف ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ~~فتمسكم النار! وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون. أولئك الذين حبطت ~~أعمالهم أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما ~~كانوا يعملون، والله تعالى يطهر من دنس الملحدين أصقاعكم، ويكتب في صحائف الأبرار ~~تضافركم على الحق واجتماعكم إنه منعم كريم. ا.ه. المنشور. ~~(25) بعد المحاكمة # بعد المحاكمة، وتحرير المنشور، وإرساله إلى أطراف الدولة، ونظم القصائد في ذم ابن ~~رشد، والطعن في عقيدته، قيل إن ابن رشد نفي إلى اليسانة # Lucena # ولكن مدة العقوبة لا تعلم بالدقة. # ومعظم المؤرخين على رأي أن المحنة وعقوبتها والعفو عنها لم تطل أكثر من سنة، فقد ذكر ~~شيخ الشيوخ تاج الدين: «لما دخلت إلى البلاد (يعني الأندلس) سألت عن ابن رشد، فقيل إنه ~~مهجور في داره من جهة الخليفة يعقوب، ولا يدخل عليه أحد ولا يخرج هو إلى أحد.» وهذا نوع ~~من الاعتقال السياسي؛ لأن ابن رشد على هذه الرواية لزم بيته واستقر في كسر داره، فسأل ~~تاج الدين عن السبب، قالوا رفعت عنه أقوال رديئة، ونسبت إليه كثرة الاشتغال بالعلوم ~~المهجورة من علوم الأوائل. وروى تاج الدين أن ابن رشد مات وهو محبوس بداره بمراكش في ~~أواخر سنة 594. # ولكن الراجح عندنا أن جماعة من الأعيان بأشبيلية شهدوا لابن رشد أنه على غير ما نسب ~~إليه. فرضي المنصور عنه وعن سائر الجماعة من أصحابه ومريديه وتلاميذه الذين عوقبوا معه، ~~وشفعوا لهم وطلبوا العفو عنهم، وكان ذلك في سنة 595، فرضي المنصور عنهم وشملهم بعفوه ~~وقرب ms150 ابن رشد. # وجعل أبا جعفر الذهبي مزوار الطلبة ومزوار الأطباء؛ أي نقيبا للطائفتين جميعا، وكان ~~يقول عن أبي جعفر الذهبي استرضاء له إنه كالذهب الإبريز الذي لم يزدد في السبك إلا ~~جودة. يشير بذلك إلى أن النكبة أنضجت الذهبي، كأن الحكماء في حاجة إلى الحبس والنفي ~~ليستحقوا ثناء الملوك وإعجابهم! ~~(26) خلاصة عامة # كان الخليفة المنصور في أول أمره أميرا عاقلا عادلا محبا للحكمة والحكماء، وكانت ~~حاشيته منهم كما كان أبوه من قبل، فنشأ على إكرامهم وتبجيلهم، وفي أواخر أيامه تغير ~~وتعفف وقرب الأولياء والزهاد، وأعرض بعض الأعراض عن الفلسفة فانتهز أعداء ابن رشد هذه ~~الفرصة ووشوا به وتلاميذه ومريديه، وأقنعوا المنصور بأن إطلاق الحرية للفلاسفة يقولون ~~ويكتبون ما يشاءون مضر بالدولة والدين، ورسموا له طريق الإضرار بهم فأطاعهم وتبع خطتهم ~~منقادا لا مختارا، وتلطف في العقاب فاكتفى بالنفي المؤقت ثم ندم فعفا وأصلح واسترضى، ~~فهذه النكبة كلها لم تكن إلا مظهرا من مظاهر الانتقام والحسد، وقد وجد الحاسدون ~~والحاقدون مجال الدسائس واسعا فنفثوا سمومهم وشفوا غليلهم، ثم استبان الخليفة الحق ~~فتاب. ~~(27) مؤلفات ابن رشد # لم يثبت البحث التاريخي أن ابن رشد ألف كتابا من كتبه قبل السنة السادسة والثلاثين ~~من عمره، وليس في هذا غرابة؛ لأن الاستعداد في الطب والفقه والحكمة يقتضي أعواما ~~طويلة، ولم يكن ابن رشد من المبتدعين الذين وضعوا كتبا في أمور لم يسبقوا إليها مثل ~~الشعراء أو كتاب القصص، ولكنه كان عالما والعالم يحتاج قبل التدوين إلى التمحيص ~~والتحقيق، ويجدر بالذكر أنه منذ بدأ بالتأليف لم يقف به عقله القوي وإرادته الغلابة عن ~~الاستمرار في طريق الفكر، فقضى ما بقي من عمره الحافل بجليل الأعمال في الدرس والبحث ~~والتدوين، وقد ذكر رينان عن فهرست عربي في خزانة اسكوريال ثماني وسبعين رسالة أو كتابا ~~في الفلسفة والطب والفقه وعلوم الكلام، وذكر ابن أبي أصيبعة منه خمسين كتابا ولم يذكر ~~ابن الأبار إلا أربعة كتب ولعله اكتفى بأشهرها. ~~(27-1) الكتب المطبوعة بالعربية ~~(1) # تهافت التهافت. ~~(2) # فصل المقال. ~~(3) # الكشف عن ms151 مناهج الأدلة. ~~(4) # القسم الرابع من وراء الطبيعة. ~~(5) # بداية المجتهد ونهاية المقتصد. # وله بعض كتب عربية مخطوطة سيأتي ذكرها، وما عدا ذلك من الكتب فموجود، إما ~~باللاتينية أو العبرية، ومطبوع بإحداهما، وتوجد مجموعة مخطوطة لبعض كتبه الفلسفية ~~بالعربية في دار كتب أوفيتشي بفلورانس بإيطاليا رأيناها صيف عام 1910. ~~(27-2) تاريخ وضع مؤلفاته # للسن التي يكتب فيها المؤلف كتبه تأثير عظيم، وقد عنينا بالبحث في ترتيب مؤلفات ~~ابن رشد على حسب السنين التي وضعت فيها، فوصلنا إلى النتيجة الآتية، وسيلاحظ القارئ ~~من هذا الجدول أنه قضى ستا وثلاثين سنة، وهو النصف الثاني من عمره، في التأليف لأنه ~~مات في الثانية بعد السبعين، ويلاحظ أيضا أن ابن رشد لم يمتنع عن التأليف حتى في ~~أثناء نكبته التي عوقب فيها بالإهانة والنفي بعيدا عن أهله ووطنه وهو في أقصى ~~درجات الشيخوخة، وذكرنا موضع التأليف لبعضها. # حوالي السنة 36 من عمره وضع الكليات في الطب. # حوالي السنة 43 من عمره وضع الشرح الصغير للجزئيات والحيوان ~~(بأشبيلية). # حوالي السنة 44 من عمره وضع الشرح الوسط للطبيعة والتحليلات الأخيرة ~~(بأشبيلية). # حوالي السنة 45 من عمره وضع شرح السماء والعالم (بأشبيلية). # حوالي السنة 49 من عمره وضع الشرح الصغير للفصاحة والشعر والوسط لما ~~بعد الطبيعة (بقرطبة). # حوالي السنة 51 من عمره وضع الشرح الوسط للأخلاق. # حوالي السنة 53 من عمره وضع بعض أجزاء من مادة الأجرام ~~(مراكش). # حوالي السنة 54 من عمره وضع الكشف عن مناهج الأدلة. # حوالي السنة 61 من عمره وضع الشرح الكبير للطبيعة. # حوالي السنة 68 من عمره وضع شرح غالينوس. # حوالي السنة 70 من عمره وضع المنطق (أثناء نكبته). # ويبقى بعد هذا الجدول مما لم يمكن ضبط تاريخ وضعه من مؤلفات ابن رشد ما يأتي: ~~(1) # شروحه على التحليلات الثاني. ~~(2) # الطبيعة والسماء. ~~(3) # النفس. ~~(4) # ما بعد الطبيعة. # وما عداها من كتب أرسطو لا يوجد له إلا الشرحان الوسط والصغير، ومن كتب أرسطو مما ~~لا يوجد له شرح: (1) الحيوان. و(2) السياسة. ومجموعها عشرة كتب، وشرح الحيوان مفقود ~~وذكره ms152 عبد الواحد وابن أبي أصيبعة وواضع فهرست اسكوريال، ولم يشرح ابن رشد سياسة ~~أرسطو، وقال في مقدمة الشرح الوسط للأخلاق إنه لم ير ترجمة عربية لسياسة أرسطو في ~~بلاد المغرب، ولما أخذ في شرح جمهورية أفلاطون قال إنه لم يشرع فيها إلا لأن كتب ~~أرسطو في السياسة لم تصل إليه، ولو وصلت لاستغنى بها عن الجمهورية، وهذا يدل على ~~عدم إلمامه بآداب اليونان؛ لأنه لو ألم بها لعرف أن ما دونه أرسطو في السياسة كان ~~نذرا، وإنه كان مقلدا لأفلاطون، فلم يكتب شيئا يداني الجمهورية جمالا وحكمة، ~~ولأجل تقريب موضوع المؤلفات لذهن القارئ أردنا وضعها على الصورة الآتية ... # مؤلفات فلسفية ~~(1) # تهافت التهافت، وموضوعه رد على تهافت الفلاسفة للغزالي. والمقصود ~~بكلمة التهافت سقوط التعاليم على بعضها وانتقاضها، وغاية الكتاب إسقاط ~~كتاب الغزالي ومنه نسخة عربية مطبوعة وله تراجم لاتينية وعبرية. ~~(2) # رسالة في تركيب الأجرام، وهو جملة مقالات دونت في أوقات مختلفة، ~~والكتاب منتشر باللاتيني والعبراني. ~~(3) # كتابان في الاتصال يوجدان باللاتينية والعبرية. ~~(4) # أربعة كتب في مسألة هل العقل المادي يمكنه إدراك الصور المنفصلة ~~(لاتيني). ~~(5) # شرح كلام ابن باجه في اتصال العقل المنفصل بالإنسان ~~(اسكوريال). ~~(6) # كتاب الكون. ~~(7) # في المقولات الشرطية. ~~(8) # الضروري في المنطق. ~~(9) # مختصر المنطق. ~~(10) # مقدمة الفلسفة في اثني عشر رسالة (عربي اسكوريال عدد 629). ~~(11) # شرح جمهورية أفلاطون عبري ولاتيني. ~~(12) # شرح الفارابي وأرسطو في المنطق. ~~(13) # شروح على الفارابي في مختلف المسائل. ~~(14) # نقد الفارابي في التحليلات الثاني لأرسطو. ~~(15) # رد على ابن سينا في تقسيم المخلوقات وقوله إنها ممكنة مطلقا وممكنة ~~بذاتها ولازمة بما هو خارج عنها ولازمة بذاتها. ~~(16) # شرح وسط لما بعد الطبيعة عن ترجمة نيقولا الدمشقي. ~~(17) # في علم الله بالجزئيات. ~~(18) # في الوجودين الأزلي والوقتي. ~~(19) # البحث فيما ورد في كتاب الشفاء عما وراء الطبيعة. ~~(20) # في وجود المادة الأولى. ~~(21) # في الزمان. ~~(22) # مسائل في الفلسفة. ~~(23) # في العقل والمعقول (عربي اسكوريال عدد 879). ~~(24) # شرح الفردوسي في العقل. ~~(25) # أسئلة وأجوبة في النفس. ~~(26) # أسئلة وأجوبة في علم النفس. ~~(27) # السماء والدنيا. # وقد وضع هذا الجدول على سبيل الحصر، وليس لابن رشد غير ms153 هذه الكتب في الفلسفة، ~~ولا يجوز الزيادة عليها أو إنقاصها، ولا يعول على قول أحد في المؤلفات إذا خالف ~~هذا الجدول الدقيق. # في الإلهيات ~~(1) # فصل المقال (مطبوع). ~~(2) # ملخص لفصل المقال. ~~(3) # التقريب بين المشائين والمتكلمين. ~~(4) # كشف مناهج الأدلة. ~~(5) # شرح كتاب الإيمان للإمام المهدي أبي عبد الله محمد بن تومرت شيخ ~~الموحدين. # كتبه في الفقه ~~(1) # بداية المجتهد ونهاية المقتصد. ~~(2) # مختصر المستصفي في أصول الفقه. ~~(3) # كتاب في التنبيه إلى أغلاط المتون. ~~(4) # الدعاوى: 3 مجلدات. ~~(5) # دروس في الفقه (عربي اسكوريال). ~~(6) # كتابان في الذبيحة. ~~(7) # كتاب الخراج. ~~(8) # الكسب الحرام. # وله غير هذا أربعة كتب في الفلك، وكتابان في النحو، وعشرون كتابا في ~~الطب. ~~(28) تعليم ابن رشد # لم تزد معرفة ابن رشد عن العلوم الشائعة في عصره، فكانت معرفته بالطب محدودة بعلم ~~جالينوس، وفلسفته مستمدة من أرسطو، وفلكه مأخوذا عن المجسطي، وفقهه فقه معاصريه ~~وأسلافه من أئمة المالكية، فلم يكن الحكيم ابن رشد مبتكرا ولا مبتدعا؛ أي إنه لم يؤسس ~~علما جديدا، ولكنه امتاز عن معاصريه بمقدرة في الانتقاد نادرة في زمنه وغير زمنه، وهي ~~ظاهرة في نقده فلك بطليموس، وفيه مبادئ وتقدم فكري لا تصدر إلا عن عقل من أقوى العقول. ~~(راجع النبذة 13 من القسم الأول من تلخيص مقالات أرسطو فيما بعد الطبيعة). # كان ابن رشد طبيبا وفيلسوفا، ولكن فلسفته أعظم من طبه، فإن مؤلفاته الطبية التي ~~اعتمد فيها على جالينوس لم تبلغ شأو قانون ابن سينا، وكان فقيها وفلكيا. على أننا لم ~~نقف على آثاره في خدمة الشريعة ولم يحفظ لنا التاريخ أحكامه وفتاواه. # ويظهر أن جده كان أكثر منه توفيقا في القضاء والتشريع، فله مجموعة فتاوى في مكتبة ~~باريس، عني أحد تلاميذه بجمعها وتنظيمها، ولكن الذي ميز ابن رشد حقا هو شرحه الكبير ~~لأرسطو، ذلك الشرح الذي جعله في مصاف كبار الفلاسفة المتقدمين، وصدق إرنست رينان حيث ~~قال: «ألقى أرسطو على كتاب الكون نظرة صائبة، ففسره وشرح غامضه، ثم جاء ابن رشد فألقى ~~على فلسفة أرسطو نظرة خارقة ففسرها وشرح غامضها.» # ألف ابن ms154 رشد في كل فن شريف مثل الطب والفلسفة والفلك والفقه، وكان يحفظ موطأ مالك عن ~~ظهر قلب. # وكان في جنب اشتغاله بتلك العلوم محبا لفنون الأدب، فقرأ شعر العرب في الجاهلية ~~والإسلام، وحفظ كثيرا من قصائد عنترة وامرئ القيس والأعشي وأبي تمام والنابغة ~~والمتنبي. وأثر محفوظاته ظاهر في أسلوبه ومقتبساته لدى شرح كتاب الشعر لأرسطو، ونستنتج ~~من هذا عرضا أن العقول الكبيرة القوية تفوق غيرها باتساع دائرتها واقتدارها على ~~الإلمام بأنواع العلوم والآداب ولا ترى في ذلك تناقضا. ~~(29) جهله باليونانية # يلفت نظر الباحث في حياة ابن رشد وكتبه عدم إلمامه بلغة غير العربية. أهو اعتداد ~~بالنفس واكتفاء بما حوته اللغة العربية من العلم والأدب، أم ازدراء بما في غيرها من ~~اللغات والكتب، أم يأس من التحصيل لتعذر التعليم؟ لم يعرف ابن رشد اليونانية التي وضعت ~~بها مؤلفات أستاذه ورئيسه أرسطو، ولم يعرف غيرها من اللغات الأخرى الشائعة لعهده، مثل ~~السريانية والفارسية، حتى ولا الإسبانية وهي لغة القوم الذين شب وشاب في بلادهم. # على أن ابن رشد لم يكن وحيدا في عدم الأخذ باللغات؛ لأن معظم أسلافه من حكماء العرب ~~لم يأخذوا بها، وقد ضاعت عليهم لهذا السبب جميع كنوز آدابها الغنية فلم يقفوا على شعر ~~هوميروس ولا بندار ولا سوفوكليس، فضلا عن إيشيل وإريستوفان وديموستين. بل إنهم أهملوا ~~أفلاطون نفسه وقصروا كل همهم على درس فلسفة أرسطو، لأن تراجمة الشرق عنوا بكتبه دون ~~غيرها. # ولا شك في أن مؤلفات أرسطو التي شرحها ابن رشد وصلت إليه باللغة العربية التي نقلت ~~إليها في القرن الثالث الهجري قبل ظهور ابن رشد بثلاثة قرون، ويرجع فضل تلك التراجم إلى ~~عصبة من أدباء الشام أمثال حنين بن إسحق وإسحق بن حنين ويحيى بن عدي وأبو بشر ~~متى. # كان ابن رشد حريصا على الجوهر، فإن فاتته اللغة الأصلية (وهذا يدعو إلى الأسف) فلم ~~تفته فكرة المقارنة بين جميع التراجم المعروفة لعهده، فقد جمعها وفحصها وناقشها بحذق ~~فائق، حتى يكاد من لا يعرف الواقع يحسب أنه ms155 كان يعرف اللغة الأصيلة، وقد عزيت إلى جهله ~~باليونانية أغلاط وقع فيها وأخذها عليه ألد أعدائه لويس فيفيس، ولا شك أن التعصب الديني ~~وعمى البصيرة دفعا لويس إلى المعاندة والمعاكسة، ولكن هذا لا ينفي صدق انتقاده في ~~أمور. # فقد خلط ابن رشد بين بروتاغوراس وفيثاغورس، وبين فراطل وديموقريط، وحسب هيراقليط ~~جماعة من أتباع هرقل أولهم سقراط، وزعم أن أناكساغور رئيس المذهب الإيطالي ... على أن ~~لويس فيفيس الذي أعماه التعصب أخذ هذه الأغلاط على علاتها وحاسب ابن رشد عليها، ولم ~~يدرك عذره لنقلها عن التراجمة الذين كان جهلهم بآداب اليونان وتاريخهم عظيما. # ونظن إحجام العرب عن الشعر القصصي والتأليف التمثيلي راجع إلى جهلهم بآداب اليونان ~~واكتفائهم بدرس فلسفة أرسطو، على أن أرسطو نفسه لم يبدأ بتدوين الفلسفة إلا بعد أن أتقن ~~آداب قومه. وفي مؤلفاته من الأمثال والشواهد والاقتباس ما يدل على ذلك، ويجوز أن إعراض ~~العرب عن القصص والتمثيل نشأ عن الظن بأنهما خاليان من الجد والجلال القائمين بالفلسفة، ~~وحسبوا أن الإسلام دين جد وخشونة، فنشئوا عليهما وبعدوا عن عوامل الاستهواء ~~والتخدير، وخطأ هذا الرأي ظاهر. ~~(30) أسلوب ابن رشد # أسلوب ابن رشد يشوبه الجفاف، وله العذر؛ فإن الفيلسوف لا يملك أن يصوغ تعاليمه في ~~أسلوب رقيق جميل إلا إذا توافرت له شروط كثيرة لم تتوافر لابن رشد، منها سهولة اللغة ~~وغناها وتهذيبها بأقلام العشرات بل المئات من الشعراء والكتاب، بحيث تصبح في يد ~~الفيلسوف أداة سهلة تمكنه من التعبير عن أدق المعاني والأفكار وأبعد العواطف غورا، ~~ومنها أن يكون الفيلسوف نفسه كاتبا بارعا في فنون الأدب، ولا نذكر أن هذين الشرطين ~~اجتمعا لأحد اجتماعهما لنيتشه في ألمانيا، وبرجسون في فرنسا. وكثيرون من الفلاسفة ~~الإفرنج يشبهون ابن رشد في أسلوبه، ونخص منهم بالذكر أوجست كومت، على أن الواقع يدعو ~~إلى التسامح؛ لأن مؤلفات ابن رشد التي تمكن القارئ من الحكم على أسلوبه لصدورها عن قلمه ~~مباشرة نادرة جدا، وهي في العربية لا تتجاوز ثلاثة أو أربعة سيأتي الكلام عليها ~~تفصيلا. # وذلك ms156 لأن معظم كتبه التي كانت موضع الثقة من الطلاب في أوروبا هي باللاتينية ومنقولة ~~عن العبرية. # وسلسلة تأليفه من حيث تعدد الأساليب كثيرة الحلقات؛ فإن أرسطو كتب باليونانية ونقلت ~~كتبه منها إلى السريانية، وترجمها العرب إلى العربية، فقرأها ابن رشد وشرحها، ونقلت ~~شروحها، ونقلت شروحه إلى العبرية فاللاتينية. # ويستخلص من أسلوب ابن رشد في كتبه شغفه بذكر الرجال وتمحيص آرائهم، فأولهم أرسطو ثم ~~شراح فلسفته من اليونان أمثال إسكندر فردوسي فنمستيوس فنيقولا الدمشقي، ومن العرب ابن ~~سينا والغزالي، وقد يشتد في مجادلتهما لأغراض مختلفة، فهو يحارب الغزالي حربا خارجية ~~لأنه يدافع فيها عن الفلسفة والفلاسفة. أما حربه مع ابن سينا فحرب داخلية أهلية سببها ~~النزاع في تأييد المذاهب ونقضها، وجداله مع إسكندر ونمستيوس قوامه انتقاد شرحيهما ~~وتخطئة فهمهما، وقد ظهر عليهما وبان الحق في جانبه، وإذا ذكر ابن باجه فإنما للثناء ~~عليه وتزكيته، ويسميه والد الفلسفة بالأندلس. # وهو في معظم كتبه حاد المناقشة قاسي اللهجة شديد المراس على خصومه، وقد يسمو به القلم ~~إلى أعلى درجات الكمال الفكري. # ويمتاز أسلوبه بوضوح شخصيته سواء أكان موجزا أم مسهبا، فإن أسهب واستطرد كان لطيف ~~العبارة لين القول مقبول الإشارة، ولا تفوته الغاية بالتطويل ولا تغيب عن نظره نتيجة ~~البحث، وله على نفسه سلطان يقفه في الوقت الملائم عند حده. # وقيمة كتبه في وقتنا هذا تاريخية محضة، ومن يتناول البحث في كتب ابن رشد وأفكاره ~~فإنما يفعل ذلك بوصف كونها حلقة شريفة من سلسلة الفكر البشري لا مصدرا موثوقا به ~~لتعاليم أرسطو ، فإن فلسفة أرسطو ظهرت باكتشاف كتبه بأصولها ونصوصها اليونانية في وسط ~~القرن الخامس عشر، ونقلت إلى اللاتينية وسائر لغات أوروبا الحية، ولكنها لم تنقل ~~بجملتها إلى الآن بالعربية. أما تمجيد ابن رشد لأرسطو فلا حد له فيكاد يؤلهه، وقد وضع ~~له أوصافا تجعله فوق درجات الكمال الإنساني عقلا وفضلا، ولو كان ابن رشد يقول بتعدد ~~الآلهة لجعل أرسطو رب الأرباب، والذي يملؤنا إعجابا وفخارا بابن رشد أنه بالرغم من ~~تقديس أستاذه ms157 بما يفوق العبادة، فهو لا يتنحى عن الجهر برأيه وإن اختلفا. وله في ذلك ~~طريقة ظريفة فلا يعارض المعلم الأول ولا يعترض عليه، بل يلفت نظر القارئ إلى رأي نفسه ~~ويتخلى عن نتائج رأي أستاذه، لا سيما إذا كان يشتم من هذا الرأي مخالفة للدين ~~والعقائد المنزلة، مثل ذلك ما جاء في الشرح الوسط للطبيعيات قال إنه يقصد إلى شرح ~~المشائين دون ذكر رأيه بذاته، وإنه في ذلك يقتدي بالإمام الغزالي في شرح آراء الفلاسفة ~~في كتابه «مقاصد الفلاسفة» ليتمكن من الرد عليها بحقيقتها. # كذلك عند كلامه على اتصال العقل المفارق بالإنسان فقد تنحى عن نتائج الاسترسال فيه، ~~ولم يكن ابن رشد مبتكر هذه الطريقة، فقد سبقه إليها ابن سينا والغزالي وابن طفيل، وسبب ~~هذا الحذر العجيب خوفهم من تهمة الإلحاد، على أن هذا التأدب الشديد في حق الدين لم يق ~~ابن رشد شر تهمة التعطيل؛ لأن الفلاسفة إذا انقلبوا أئمة أو كرادلة فلا يجديهم ذلك ~~نفعا في نظر أعداء الفلسفة. # شرح ابن رشد مؤلفات أرسطو بثلاث طرق: شرح صغير وشرح وسط وشرح كبير، ففي الكبير اقتباس ~~لكل نبذة من أرسطو مع تحديدها بقوله: «قال أرسطو.» ثم يبدأ الشرح بالإسهاب والتعمق ~~والاستطراد، وهذا الشرح الكبير أشبه شيء بتفسير القرآن من حيث التمييز المطلق بين المتن ~~والشرح، وقد امتاز ابن رشد بهذه الطريقة على الفارابي وابن سينا، فقد كانا يمزجان نصوص ~~أرسطو بشروحهما، أما الشرح الوسط فيقتبس الكلمات الأولى من متن أرسطو، ثم يسير على ~~طريقة الفارابي، والشرح الصغير عبارة عن تحليل وجيز وهو من قبيل نثر المنظوم، فالمتكلم ~~فيه ابن رشد ذاته، ويسير فيه على الطريقة التي ترضيه في الاقتباس والاستشهاد، والناظر ~~في هذا الشرح يعتقد أنه تفسير قائم بذاته. والثابت أن ابن رشد وضع الشرح الكبير بعد ~~الصغير والوسط، ودليلنا على ذلك أنه في آخر الشرح الكبير للطبيعيات الذي أتمه في الستين ~~من عمره أشار إلى شرح أوجز منه، صنفه في مقتبل العمر، وكذلك في الشرح الوسط أعطى على ms158 ~~نفسه عهدا بوضع الشرح الكبير. ~~(31) في أسباب عدم اشتهاره عند المسلمين وسرعة انحلال الفلسفة بعده # السبب في عدم اشتهاره عند المسلمين كما يجب وسرعة انحلال الفلسفة واندثار معالم ~~الحكمة بعده؛ يرجعان إلى عدم انتشار كتبه في الأقطار؛ لأنها لم تخرج من الأندلس التي لم ~~يطل عهد الدول الإسلامية فيها، وقد أمر بعده المتعصب الجهول زيمنينز بإحراق المخطوطات ~~العربية، وذلك بعد الفتح المسيحي وزوال دولة الموحدين، فأحرقت في ساحة غرناطة ثمانون ~~ألف نسخة من الكتب العربية، ولا شك في أن جميع مؤلفات ابن رشد قد التهمتها نيران التعصب ~~الأوروبي في تلك الحريقة العظمى. # وكل ما بقي للعالم من مؤلفات ابن رشد مكتوب بخط مغربي، مما يدل على أنه منقول من ~~الكتب الأصيلة في الأندلس ونقل إلى أفريقيا ومراكش قبل تلك النكبة. أما الكتب العربية ~~الموجودة في مكتبة اسكوريال فليست من أثار عرب الأندلس، إنما من أسلاب السفن التي كان ~~يأسرها قرصان الإسبان من المغاربة، ومع ذلك فلم تنج تلك الكتب المغتصبة من اللهب، فقد ~~أحرقت مرتين في مفتتح القرن السابع عشر وقبيل ختامه (1611 و1671م.) فتلف أكثر من ~~نصفها. # وعدا الكتب القليلة الموجودة باسكوريال فله كتب عربية بمكتبة أوفيتشي بفلورنسا، وهي ~~شرح وسط لكتاب الكون، وصغير للبلاغة والشعر، وشرح كامل لكتب المنطق وبعض كتبه الطبية في ~~مكتبة باريس الوطنية وليدن واسكوريال. وكتبه العربية نادرة جدا، ولكنها كثيرة ~~الانتشار بالعبرية واللاتينية، ولم ينشر بالعربية لابن رشد كتاب قبل أواسط القرن التاسع ~~عشر (1859)؛ أي بعد موته بستة قرون ونصف، والفضل في ذلك للعالم الألماني مولر الذي تقدم ~~غيره في نشر فصل المقال. والفضل في نشر كتبه باللاتينية في القرن الخامس عشر لمدن ~~البندقية وبادوا ثم بولونيا وروما ونابولي بإيطاليا، ثم ليون بفرنسا، وقد كثر الإقبال ~~عليها في السادس عشر، ثم نامت في السابع عشر، ثم نسيت بتاتا، وكان هذا آخر عهد ابن رشد ~~بالشهرة في الغرب. ~~(32) مذهب ابن رشد # إن تعاليم ابن رشد تشبه بصفة عامة تعاليم أسلافه ومعاصريه من فلاسفة العرب. وهذه ms159 ~~التعاليم ذاتها لا تخرج عن فلسفة أرسطو، مضافا إليها نظريات من الأفلاطونية المستحدثة، ~~وقد امتاز فلاسفة العرب بأن أضافوا إلى تعاليم أرسطو نظرية عقول الدوائر أو الكريات ~~الكائنة بين المتحرك الأول وبين العالم، وانتحلوا فكرة «الانبثاق العام»، والمقصود بها ~~أن الكائنات جمعيها انبثقت وصدرت عن الله؛ أي إنه تعالى هو مصدر خلق الكائنات والمقصود ~~من القول بهذه النظرية اتصال الحركة من المحرك الأول بما هو قريب منه من الكريات ومنها ~~إلى ما هو أدنى من سائر أجزاء الكون، وهكذا إلى العالم الأرضي. # وإنما التجأ فلاسفة العرب إلى هذا المذهب «الانبثاقي» ليطهروا تعليم أرسطو من مذهب ~~الثنوية؛ أي اشتراك القوة والمادة في خلق العالم، وليملئوا الفراغ الفاصل بين القوة ~~القائمة بذاتها أو القوة المحض وبين المادة الأولى. ولا يخفى أن الثنوية الأرسطية ~~غايتها تعليل العالم بفرض وجود عنصرين مطلقين في ذاتهما مستقلين عن بعضهما منفصلين تمام ~~الانفصال؛ وهما الروح أو القوة والمادة. ولما كان التوحيد أولى فرائض الإسلام، وكان ~~أرسطو هو الفيلسوف الوحيد الذي انتحل المسلمون تعليمه، وكان تحوير تعليمه أهون عليهم ~~وأسهل لديهم من الانحراف عن العقيدة الدينية، انتحلوا مذهب «الانبثاق العام» وأحلوه محل ~~الثنوية الأرسطية، على ما فيه من مخالفة جوهرية لبقية تعاليم أرسطو. # وقد سار ابن رشد على هذا الدرب الذي سار عليه من قبل الفارابي وابن سينا؛ لأجل ما ~~تقدم صار مذهب ابن رشد علما على مذاهب فلاسفة العرب الذين اهتدوا بأرسطو وتبعوا ~~مدرسته، ويجوز أن يطلق عليهم تجاوزا اسم «المشائين في العرب»، فمذهب ابن رشد يجمع ~~مذاهبهم ويوفق بين أرائهم ويلم شعث تعليمهم. وقد صار اسمه اسما للفلسفة العربية؛ لأنه ~~لم يشتغل واحد من فلاسفة العرب بغير تعاليم أرسطو، ومن حسن حظه أنه جاء متأخرا وقد ألم ~~بمؤلفات المتقدمين منهم وذكرهم وروى عنهم وقرظ بعضهم وانتقد البعض الآخر؛ فنتج عن ذلك ~~أن امتزجت أفكارهم بأفكاره، واختلطت آثارهم بآثاره، فنسب إليه المؤرخون في الشرق والغرب ~~آراء الذين سبقوه مثل ابن سينا والفارابي. # على أن العدل يقضي بالقول ms160 بأن فضل ابن رشد لا يربو على فضلهم إلا في أنه أسهب في شرح ~~أقوالهم، على أن ابن رشد لم يكن ناقلا وشارحا ومقلدا فقط كما يذهب إليه بعض ~~المؤرخين، بل كان أيضا واضعا ومبتدعا ومجددا، ومثله في الابتداع والتجديد في أثناء ~~الشرح والتفسير مثل غيره من فلاسفة العرب، فإنهم لم يقنعوا بشرح أرسطو بغير نقص أو ~~ازدياد، إنما اتخذوا شرح مذهبه وسيلة لبيان مذاهبهم. # ومن ينعم النظر في كتب العرب التي جعلوها شرحا لفلسفة اليونان، يستطع استخلاص فلسفة ~~عربية إسلامية قائمة بذاتها، ممتازة بعناصر فكرية خاصة بها، ومغايرة في مجموعها للفلسفة ~~المعروفة لعهدهم والمعمول بها بين أهل الرأي. وهذه الفلسفة العربية الإسلامية الخاصة ~~ظاهرة آثارها بجلاء في مذاهب الفرق المعتزلة والقدرية والجبرية والصفاتية والباطنية ~~والأشعرية وفي علوم الكلام. ويظهر هذا من مراجعة أمثال كتاب الملل والنحل والفرق بين ~~الفرق، ولكن العرب لم يطلقوا على مباحث هذه الفرق اسم الفلسفة لأسباب يطول شرحها، وليس ~~هنا مقام الكلام فيها، إنما قصروا اسم الفلسفة في عرفهم على فلسفة الأقدمين، وأطلقوا ~~اسم الفيلسوف على من ينقطع لدرسها وفحصها وشرحها. إذا تقرر ذلك وضح لنا أن ما يعرف ~~بالفلسفة العربية هو في الحقيقة جزء محدود جدا من الحركة الفكرية في الإسلام. # وقد اختلف الناس في أي الوصفين أفضل الفلسفة العربية أو الفلسفة الإسلامية، ولكل من ~~منتحلي أحد الوصفين حجج وقرائن، أما نحن فنفضل وصف الفلسفة الإسلامية؛ لأن أبحاثنا في ~~الكندي والفارابي دلت على أن الفضل في انتحال الفلسفة اليونانية راجع للعباسيين، وهم من ~~سلالة فارسية ؛ أي من شعب آري من هنود أوروبا. وإن كانت الفلسفة بعيدة عن العرب وغريبة ~~عنهم بوصف كونهم شعبا ساميا، فما هي بالغريبة عن الإسلام بوصف كونه مجموعة عقائد ~~وجدانية وقواعد عقلية وأنظمة اجتماعية ومبادئ مدنية. # على أن هذا التمييز لا يضير العرب في شيء ولا يقلل من قدرهم، فإن العباسيين لولا ~~الإسلام ما اتجه نظرهم نحو الفلسفة اليونانية، وأول فلاسفة الإسلام عربي صميم وهو ~~الكندي، والإسلام ذاته مصدره نبي ms161 عربي نشأ وترعرع ودعا لدينه في البلاد العربية، فمثل ~~الفلسفة الإسلامية كمثل كتاب ذي جزأين: الأول مصدره الشرق، وقد دونه الكندي والفارابي ~~وابن سينا؛ والثاني مصدره الغرب، ومؤلفوه ابن باجه وابن طفيل وابن رشد. والناظر في ~~فلسفة ابن رشد يرى أنها لا تختلف في جوهرها عن فلسفة ابن باجه وابن طفيل. وهذان ~~الحكيمان قد أكملا وأتما في الغرب ما بدأ به الثلاثة الأول في الشرق. # في الفلسفة الإسلامية ثلاثة أسماء تعلو على ما عداها علو قمم حملايا والجبل الأبيض ~~على قلل الجبال الصغرى، هذه الأسماء هي ابن سينا والغزالي وابن رشد: أما ابن سينا فهو ~~أعلى فلاسفة الشرق الإسلامي كعبا وأوسعهم رأيا وأطولهم نفسا وأرحبهم فكرا. والغزالي ~~باقعتهم وداهيتهم ومقدمهم؛ لأنه أقدرهم بحثا وأبعدهم نظرا وأعمقهم فكرا وأطولهم ~~باعا وأبلغهم يراعا، وقد كان من حظه أنه أدرك قبل سواه استحالة الوصول إلى الحقيقة ~~بطريقة العقل، وقد جاءت فلسفة كانط الألماني بعده بعدة قرون تؤيد رأيه. فلما وقر في نفس ~~الغزالي عجز العقل البشري عن الوصول إلى الحقيقة بطريق البحث الفكري، تصوف ظنا منه أن ~~طريق الصوفية أقرب الطرق للوصول، وكان من نتائج هذا التحول الطبيعي في عقل جبار كعقله ~~أنه بدأ يهدم آراء الفلاسفة، فألف كتاب تهافت الفلاسفة ضد آراء ابن سينا، وحاول هدم ~~«مبدأ العلة»، فالغزالي سبق كانط في القول باستحالة وصول العقل إلى الحقيقة، وأقول إنه ~~سبق أيضا هيوم الأيقوسي الذي كان جاحدا ومعطلا، وكان لآرائه بعض الأثر في ذهن كانط، ~~والفرق بينهما أن هيوم وضع مبدأ اليأس على أساس الفوضى، ولكن كانط وضعه على أساس المنطق ~~والنظام. # الغزالي أنكر قدر العلم وحط من قيمته، ونهى عنه لقلة نفعه. وأنكر قوة العقل وأثبت ~~عجزه فسبق في ذلك حكيمين من أكبر حكماء أوروبا الحديثة، وهما هيوم وكانط، ثم أخذ يبحث ~~عن طريق للوصول إلى الحقيقة، فاهتدى إلى مذهب الافتطار، وهو المذهب الذي يقول به الآن ~~في فرنسا الفيلسوف برجسون، هذان هما العالمان اللذان ظهرا في الشرق: ابن سينا والغزالي، ms162 ~~وثالثهما ابن رشد، وقد ظهر فضله في أمور كثيرة، منها أن الفلسفة كانت منذ القدم تشمل ~~نظريتين عظيمتين في تعليل الكون وتفسيره وحقيقة السبب الأول وتحديده. النظرية الأولى: ~~تقول بحرية علة العلل، وبأن لها مميزات تحددها وتعينها، وأن للعناية ما لها من القدرة ~~في تدبير العالم، وتشرح سبب خلق الكون وغايته ونهايته، وتقول بأن النفس الإنسانية كان ~~مادي خالد. والنظرية الثانية: تقول بأن المادة أزلية، وأن أصل الحياة جرثومة تتطور بفعل ~~قوتها الكامنة، وأن علة العلل غير محدودة، وأن للطبيعة قوانين لا بد من نفوذها، وأن ~~الضرورة من قوانين الكون، وأن للعقل وجودا غير مستقل. وقد كان من نصيب فلاسفة الإسلام ~~أن انتحلوا النظرية الثانية. # وكان الفضل في إظهارها وتفسيرها ودعمها لابن رشد أكثر من غيره، وهو كما أسلفنا ثالث ~~العلمين ابن سينا والغزالي، وإذا أمعنا النظر في المذهبين السالفين نرى أن أولهما مذهب ~~الخلق، وثانيهما مذهب التطور والارتقاء. وكان من حسن الحظ أن ابن رشد دحض نظرية الخلق ~~ونقضها وأيد نظرية التطور وقال بها، ومن مستلزماتها القول بأزلية المادة وضرورتها، ~~وأنها أصل الكائنات، وأنها «لا بد منها ولا غنى عنها». # أما عن تدبير الكون بالنسبة لعلة العلل فقد قال ابن رشد: «إن حكم الكون يشبه حكم ~~المدينة، فالحاكم هو المصدر الأعلى لكل ما ينفذ، ولكن جزئيات حوادثها وتفاصيلها لا تصدر ~~عنه مباشرة ولا يتحتم علمه بها.» # ويعتبر ابن رشد السماء كائنا حيا مكونا من عدة أجرام لها أنظمة خاصة بها في ~~حياتها ودوراتها وتأثيرها في بعضها البعض وفي الإنسان، وهذا كله مستفاد من الكتاب ~~الثاني عشر من بعد الطبيعة لأرسطو، ونظرية ابن رشد في العقل الإنساني هي خلاصة الكتاب ~~الثالث من كتاب الروح، مضافا إليها مزيج من التصوف والتوفيق والتقريب التي يمتاز بها ~~حكماء الإسلام. ~~(33) مذهبه في العقل # غير أن ابن رشد امتاز بمذهبه في العقل، وقد قال فيه قولا اهتز له علماء اللاهوت في ~~القرن الثالث عشر المسيحي، فإنه لما أخذ يشرح رأي أرسطو في العقل الفعال أو ms163 المؤثر ~~والعقل المتأثر أو المتلقي، بدأ بالرد على آراء الشراح السالفين وفندها وزيفها، وقرر ~~أنه استخرج رأي أرسطو على حقيقته دونهم، وأنهم لم يدركوه ولم يبلغوا شأوه، وهاك رأيه ~~ملخصا بإيجاز عن مقالته «في النفس» المحفوظة بدار الكتب الوطنية بباريس: إن القوة التي ~~تتلقى المعقولات لا تتأثر بها ولا تنفعل بتأثير، سوى تأثير الإدراك، وهذه القوة تعادل ~~قوة الشيء المدرك ويمكن تصورها بطريق القياس. وقوة المعقولات كالحس للمحسوسات مع ~~فارق وهو أن القوة التي تتأثر بالمحسوسات تخالطها نوعا. # أما قوة المعقولات فخالصة مطلقا شريفة بذاتها منزهة عن الاختلاط بالصورة، ومما لا بد ~~من بيانه أن هذه القوة وهي العقل الهيولي، لما كانت تدرك كافة المعقولات وتلم بجميع ~~الصور، فلا يجوز أن تمازج الصور والأشكال؛ لئلا تمنعها إحدى الصور التي تخالطها عن ~~إدراك غيرها من الصور، أو يؤدي التمازج إلى تغير الصور المدركة، فإذا تغيرت تلك الصور ~~اضطرب التعقل، وفقد العقل الهيولي قوته التي أصلها إدراك الصور على حقيقتها، وتحولت ~~طبيعته وهي الإلمام بالأشكال بغير تغير طبيعتها. # لهذا تقضي الضرورة ببقاء العقل قوة قائمة خالصة من شوائب الاختلاط طاهرة من أدران ~~الامتزاج بالأشكال. فإذا تقرر ذلك، ثبت أن طبيعة العقل لا تكون إلا سجية بسيطة غير ~~مركبة، وما العقل بعنصر محتاج إلى الترتيب، إنما هو الترتيب بذاته والنظام بعينه. ~~والعقل في القوة يقابله العقل الهيولي، والهيولي إما مكون من مادة مصورة وإما بسيط فهو ~~المادة الأولى. # هذا هو معنى العقل المتأثر الذي وضعه أرسطو وشرحه إسكندر فردوسي، ثم أخذ ابن رشد يشرح ~~تفسير تمستيس ومرجعه أن العقل أو الهيولي لا يخالط قوى النفس الأخرى، وهو عبارة عن ~~استعداد ذي مادة منفصلة عما عداها من القوى، ويقول ابن رشد إن العقل سجية أو استعداد ~~بغير صور هيولية، وهو كذلك مادة منفصلة محلاة بهذا الاستعداد؛ لأن الاستعداد القائم ~~بالإنسان يجوز اتصاله بالمادة المنفصلة لأنها لاصقة بالإنسان، أما الاستعداد فليس ~~ملازما لطبيعة المادة المنفصلة كما ظن الشراح، وليست استعدادا صافيا كما ظن إسكندر ~~بمفرده. ms164 # ومما يدل على أن الاستعداد ليس خالصا بذاته كون العقل الهيولي يدرك هذا الاستعداد ~~بدون صور مع إدراك الصور، فيتحتم حينئذ أن يدرك اللاوجود، حيث يمكنه إدراك ذاته بغير ~~صور، وينتج عن هذا أن القوة التي تدرك هذا الاستعداد والصور التي تطرأ عليه تكون حتما ~~خارجة عنه، ويظهر من هذا جليا أن العقل الهيولي هو شيء مركب ومكون من الاستعداد ~~القائم بالإنسان، ومن عقل يضيف ذاته إلى هذا الاستعداد ويبقى مستعدا بالقوة لا بالفعل، ~~وهذا العقل هو العقل الفعال بذاته، وما دام فعالا بالقوة فهو عاجز عن إدراك ذاته، ~~وقادر على إدراك ما عداه؛ أي الموجودات الهيولية، وإذا ما انفصل عن الاستعداد صار عقلا ~~بالفعل مدركا ذاته دون ما كان خارجا عنه من الهيوليات، ولما كان في النفس وظيفتان: ~~الأولى صنع الصور المعقولة، والثانية تلقيها، فما دام العقل يصنع صورا معقولة فهو ~~عقل فعال، وما دام يتلقاها فهو متأثر، وما هاتان الوظيفتان المتعددتان في الظاهر إلا ~~وظيفة واحدة في الحقيقة. # ويظهر مما تقدم أن إسكندر استقل دون من عداه من الشراح برأي يخالفهم، ولكن رأي أرسطو ~~جامع بين الاثنين، وغني عن البيان أن ابن رشد يشارك حكماء العرب في شرح هذه المسألة ~~العويصة، ولكنه امتاز بمبحث عظيم الشأن، وهو ما إذا كان العقل الإنساني أو الهيولي أو ~~المتأثر يستطيع الاندماج في الحياة الدنيوية بالعقل الفعال العام. # فقسم ابن رشد قوى النفس وبين علاقتها ببعضها، ثم أوجب الارتباط بين العقل المنفصل ~~الفعال وبين العقل الهيولي كارتباط المادة بالصور، وقال إن العقل بالملكة يدرك العقل ~~الفعال العام، وإن العكس مستحيل؛ لأن العقل الفعال العام لو أدرك العقل بالملكة أي ~~العقل الإنساني لطرأ عليه حادث، وحيث إن العقل الفعال العام مادة أبدية وليست عرضة ~~للطوارئ، فالعقل الإنساني هو الذي يدرك العقل العام؛ أي إنه يرفع ذاته إلى العقل العام ~~ويتحد به مع كونه قابلا للفناء ومع بقائه كذلك، فيتولد منه استعداد جديد يمكنه من ~~إدراك العقل العام، ومثل العقل العام كالنار والعقل الإنساني ms165 هشيم يشتعل ويتحول لهبا ~~بقربه من النار، وهذا هو الاتصال المباشر. # وقد يكون الاتصال بالعقل المستفاد أو المنبثق، وتكلم في إمكان الاتصال بالعقل العام ~~وهو أقصى درجات الكمال، فقال إنه يختلف باختلاف الأفراد، ومرجعه ثلاث قوى: الأولى قوة ~~العقل الهيولي الأصيل وأساسها قوة الخيال، الثانية كمال العقل بالملكة، ويقتضي بذل جهود ~~في التفكير، الثالثة الإلهام وهو معونة ربانية تصدر من فضل الله، جعلها ابن باجه شرطا ~~أساسيا للاتصال، فإذا ما توافرت للفرد تلك المواهب الثلاث وهيأته العناية للوصول، ~~خفيت ذاتية المتصل والعقل الفعال ذاته ينمحي لدى اتصاله بالله الموجود الحق الفرد الذي ~~له الوحدانية المطلقة، وكذلك تنمحي سائر صفات النفس كما تلتهم النار مستصغر ~~اللهب. # ومجمل القول إن الكمال الأعلى يبلغ بالدرس والتفكير والترفع عن الدنايا والشهوات بعد ~~تكميل العقل المفكر، ولا يكفي ما زعمه الصوفيون للاتصال من التأمل العقيم بدون درس، ~~وهذه السعادة العليا لا ينالها الإنسان في هذه الحياة إلا بالدرس والاجتهاد والمثابرة، ~~ومن لا ينالها في هذه الحياة يهلك بالموت ويلحقه العذاب الأليم، ولما كان ابن رشد لم ~~يقل بأن العقل الهيولي مادة فردة، إنما جعله استعدادا بسيطا يوجد ويعدم مع الإنسان ~~الذي يولد ويموت، فلا يرى شيئا خالدا سوى العقل الفعال العام، والإنسان لا يكسب ~~بالاتصال شيئا ينقله من الوجود الدنيوي، أما خلود النفس فخرافة. # والمعلومات العامة التي تصدر عن العقل الفعال العام لا تفنى بأجمعها، وإن كانت العقول ~~التي تتلقاها تفنى. وقد سبق ابن رشد في نظرية العقل المؤثر والعقل المتأثر فيلسوفا جاء ~~بعده بعدة قرون وهو ليبنتز؛ فقد قال ابن رشد بوحدة العقول البشرية، ويمكن للباحث ~~المقارنة بين قول ابن رشد وبين نظرية ليبنتز المعروفة باسم # Monopsychisme # ولابن رشد في هذا فضل على أرسطو لا ~~ينكر، فإن أرسطو قد وصل إليه بأبحاثه ولكنه لم يقل به صراحة. # ومن يقرأ الكتاب الثالث في «الروح» لا يسعه إلا استنتاج مذهب وحدة النفوس نتيجة ~~مباشرة لمذهب أرسطو، ولكن أرسطو لم يقل بها، وأما ابن رشد فقال بها. ms166 وما أشبه قول ~~مالبرانش بقول أرسطو في العقل الغير المعين الذي يرشد الخلق جميعا، وبدونه لا يدرك ~~شيء. وقد اتفق مع ابن رشد في الوصول إلى هذه النظرية واستنتاجها من كتب أرسطو جميع ~~الشراح الإغريق الذين تصدوا لشرح أرسطو، أمثال إسكندر فردوسي وتمستيوس دي فليبون وسائر ~~فلاسفة الإسلام، ولما كان لهذه النظرية شأن عظيم فلا بأس من الإلمام بها بإيجاز. # يظهر أن السبب الذي منع أرسطو عن التصريح بها مخالفتها لروح فلسفة المشائين بل ~~غرابتها بتاتا، وهو نفسه في الكتاب الثامن من الطبيعيات يقول بأنها من آراء أناكساغور، ~~ويمكن تلخيص نظرية أرسطو بأن العقل يحتاج في فعله إلى أمرين: الأول أثر خارجي يتلقاه ~~الكائن المفكر بطريق الحس، الثاني رد فعل يصدر عن الداخل بمناسبة حدوث الأثر: فالحس ~~يقدم للفكر مادة التفكير والعقل الصرف يقدم شكل التفكير؛ أي إن الحس والعقل يتضافران في ~~إحداث المعقول، الأول يعطي الموضوع والثاني يعطي الشكل، وهذه النظرية لا تختلف في شيء ~~جوهري عن النظريات الحديثة في المعرفة التي وصل إليها الفلاسفة في القرن التاسع عشر قبل ~~ظهور برجسون في فرنسا. # جاء شراح أرسطو وبسطوا نظرية العقل حسبما تقتضيه آراء المشائين، فأبرزوا لنا خمسة ~~مباحث: # الأول: # تمييز بين العقل الفعال والعقل المتأثر. # الثاني: # عدم هلاك العقل الفعال أو المؤثر وقابلية الثاني للهلاك. # الثالث: # عقل فعال خارج عن الإنسان مثله كمثل شمس العقول. # الرابع: # وحدة العقل الفعال. # الخامس: # وحدة العقل الفعال مع آخر العقول الدنيوية. # وإذا رجعنا إلى نصوص أرسطو ألفينا كلامه جليا واضحا في المبحثين الأول والثاني، ~~ومترددا في الثالث. والفضل في إبراز المبحثين الرابع والخامس يرجع إلى ابن رشد وبقية ~~الشراح، وقد قال بهما بعد ذلك ليبنتزو مالبرانش، وكلاهما من أتباع ديكارت وخلفائه ~~المباشرين في فلسفته، وهو يعد واضع الفلسفة الحديثة. وقد تفوق ابن رشد على غيره من ~~الشراح حتى الإغريق منهم، وهم الذين قرءوا أرسطو في الأصل؛ لأن ابن رشد وإن كان قد ~~اعتمد على التراجم إلا أنه وصل بعقله القوي في وسط ظلام ms167 النقل والتحريف إلى ما لم يصل ~~إليه أحد من قراء الأصول. # تقدم ابن رشد لأنه بحق أفضل من شراح اليونان أمثال إسكندر فردوسي، فإنه ينسب إلى ~~أرسطو القول بأن العقل حالة استعدادية للتلقي، والحقيقة هي التي قال بها ابن رشد، وهي ~~أن أرسطو قال بأن العقل كائن مستعد للتلقي. ويقيم ابن رشد الحجة على إسكندر ويجادله ~~جدلا عنيفا في كتبه، وينسب إليه التقصير والقصور عن إدراك حقيقة آراء أرسطو، ويخطئه ~~بجرأة المفكر الواثق من نفسه، والحقيقة هي التي قال بها ابن رشد وأيده فيها بقية ~~الفلاسفة. ~~(34) في النفس # أما رأي ابن رشد في النفس فهو يقول بأنها متصلة بالجسم اتصال الصورة بالمادة، وهو ~~يخالف ابن سينا في قوله بنظرية النفوس المتعددة في الخلود؛ أي خلود النفوس جملة؛ لأن ~~النفس لا وجود لها إلا مكملة للجسم المتصل بها. ومجمل آراء ابن رشد في علم النفس تتفق ~~مع آراء أرسطو وتخالف جالينوس، ولا يخالف أرسطو إلا في نظرية واحدة وهي نظرية أرسطو في ~~«نوس»، فإن ابن رشد يخالفه مخالفة على غير أساس مستمدا آراءه من الأفلاطونية ~~المستحدثة، على ما فيها من التناقض لمذهب أرسطو في جملته. # أما قوله في العقل فغايته أن العقل المتأثر هو عقل الأفراد، وهو قابل للزوال، والعقل ~~الأزلي هو عقل الإنسان بوصف كونه جنسا، ووظيفة العقل الفعال تقديم الصور النفسية ~~بهيئة مقبولة للعقل المنفعل فيتقبلها ويدركها. # ظن كثيرون من فلاسفة القرون الوسطى أن ابن رشد قال بوحدة النفوس، وحاولوا الطعن فيه ~~والرد عليه، فقد خيل إليهم أن رأي ابن رشد يؤدي إلى القول بأن النفس العامة تكون عاملة ~~وغير عاملة، وطروبا وحزينة على التوالي، وفي هذا من التناقض ما فيه. إنما عقيدة ابن ~~رشد في وحدة النفوس كانت ترمي إلى غرض أسمى في نظام الكون، فقد كان يعتقد أن أجزاء ~~الكون متشابهة وذات حياة ووجود لا شك فيهما، وأن الفكر الإنساني في مجموعه نتيجة القوى ~~العليا ومظهر عام للكون بأسره. # ومعنى هذا أن ابن رشد كان يقصد بوحدة ms168 النفوس القول بأن الإنسانية تعيش عيشة دائمة، ~~وأن خلود العقل الفعال هو إحياء دائم للإنسانية واستمرار دائم للمدنية. وهنا نلفت نظر ~~الباحثين إلى الاتفاق التام بين هذا القول وبين نظرية أوجست كومت في خلود الإنسانية ~~وبقائها، تلك النظرية التي أدت به إلى وضع دين الإنسانية، فأقيمت له معابد في بعض ممالك ~~الغرب. # يقول ابن رشد مستمرا في نظرية وحدة النفوس إن العقل كائن مطلق مستقل عن الأفراد كأنه ~~جزء من الكون. وإن الإنسانية وهي أحد أفعال هذا العقل عبارة عن كائن لازم الوجود أزلي، ~~وإنه بناء على هذا، لا بد من ظهور الفلسفة، وإن وجودها ضروري ليتمكن الفيلسوف من ~~الإشراف على العقل المطلق، وينتج من هذا أن الإنسان والفيلسوف لازمان لنظام ~~الكون. ~~(35) مذهب الاتصال # هو أساس علوم النفس في الشرق، وهو المذهب الذي شغل فلاسفة الأندلس أمثال ابن باجه ~~وابن طفيل كما أسلفنا، بل هو مذهب التصوف، وبه كان للصوفية سبع منازل أو درجات، وقد عبر ~~عنه بعض فلاسفة الإفرنج مثل إرنست رينان أنه مذهب «نحن وأنت»، أو مذهب القائلين أنا ~~أنت، وأنت أنا، وأنا هو. # إذا تبدى حبيبي # بأي عين أراه # بعينه أم بعيني # فما يراه سواه # ومن حسن حظ الفلسفة أن ابن رشد بقي بعيدا عن هذا المذهب، لأنه كان أقل الفلاسفة ~~تصوفا، وأكثرهم اتباعا للعقل واقتفاء لأثر الحقائق، وكان يقول بأن الاتصال ممكن ~~بالعلم دون سواه، وأعظم نقط الوصول بلوغ العقل الإنساني أعلى درجات السمو الفكري ~~والعلمي، وأن اتصال الإنسان بواجب الوجود ممكن إذا تمكن الإنسان من رفع النقاب عن وجه ~~الحقيقة ونظر إليها مباشرة وبغير حجاب. # ولابن رشد رأي شديد في الصوفية، فهو يطعن في زهدهم، ويقول بأن غاية الإنسان انتصار ~~أرقى أجزاء نفسه على حواسه، فمن بلغ هذه الدرجة فقد بلغ الجنة، مهما كانت عقيدته، وأن ~~هذه أرقى درجات السعادة، وأن السبيل إليها وعر والوصول نادر؛ لأنها مقصورة على خاصة ~~العظماء لا يصلون إليها إلا في الشيخوخة بعد طول البحث والتعمق في العقليات والإعراض عن ms169 ~~الأعراض الزائلة، والقناعة بما يكفي الحياة المادية. # وإن كثيرين من الحكماء قد بلغوا هذه الدرجة وذاقوا حلاوتها لدى الموت؛ لأن هذا الكمال ~~النفساني ينمو على عكس الكمال البدني، فكلما ضعف الجسم، دنت النفس من تلك الرتبة ~~العليا. # وقال ابن رشد إن الفارابي سعى إلى هذه الدرجة طول عمره وانتظرها إلى آخر نسمة من ~~حياته، فلما لم ينلها قال إنها وهم باطل، ولكن حرمان الفارابي من الوصول ليس دليلا على ~~عدمه، ولكنه دليل على أنه لم يوفق، ولم يكن بين الذين اختارتهم العناية للتمتع بهذه ~~النعمة الكبرى. # نقول إن الذي يمعن النظر في هذا القول يرى أن ابن رشد لم يستطع التخلص من آراء ~~معاصريه، فما هذا القول إلا نوع من التصوف العقلي قد جعله ابن رشد بديلا من التصوف ~~الروحاني الذي قال به الغزالي ولكنه «تصوف». ~~(36) النظام الطبيعي في فلسفته # فلسفة ابن رشد نظام طبيعي متماسك الأجزاء، مجموع الشمل، محبوك الأطراف، وهذا ظاهر في ~~رأيه في الخلود، فقد قال بأن العقل الفعال وحده خالد، وأنه هو العقل العام للإنسانية، ~~فالإنسانية وحدها خالدة كما قال بعده أوجست كومت. وأن العناية الإلهية منحت الكائن ~~الهالك قوة التناسل، تعزية وسلوى؛ لأن في التناسل بفضل الوراثة نوعا من الخلود. # وقد ذهب البعض إلى أن ابن رشد نفى وجود الحواس والذاكرة والعواطف في الحياة الأخرى، ~~وأن البدن بعد انحلاله لا يبقى من آثاره شيء، وأن الذي يبقى هو العقل، وهو من المواهب ~~العليا كما أن الحواس والعواطف من الصفات السفلى. # ولكن ابن رشد لم يقل بهذا في كتبه صراحة، لأن في التصريح إنكارا صريحا للبعث ~~والخلود، ولكن يمكن القول بأن روح مذهب ابن رشد تؤدي إلى هذا الاستنتاج، ولكنه قال بغير ~~شك إن الإنسان لا يثاب ولا يعاقب إلا في الحياة الدنيا. وكان هذا القول أمضى سلاح شهره ~~الغزالي في وجه الفلاسفة، ونحن لا نعيب ذلك على ابن رشد، بل نشكره على أنه نقض الخرافات ~~التي يقول بها العوام عن الحياة الأخرى، كالقول بأن الفضيلة ms170 الدنيوية وسيلة السعادة ~~الأخروية. وقد أحسن ابن رشد بطعنه في آراء أفلاطون التي سبكها في خرافة لفقها عن الحياة ~~الأخرى باسم «هير الأرمني»، وقال إن هذه الخرافات تضلل عقول الأمم ولا نفع فيها. # قال ابن رشد في «التهافت» إن حكماء العرب المتقدمين يحسبون البعث خرافة، وأن أول من ~~قال به أنبياء بني إسرائيل بعد نبيهم موسى، ثم ورد ذكره في الإنجيل وكتب الصابئين، ~~ودينهم في قول ابن حزم أقدم الأديان، وأن الذي دعا واضعي الأديان إلى القول بالبعث ~~اعتقادهم بقوته في إصلاح البشر وحثهم على الفضيلة حبا في المنفعة الذاتية. # ويرد ابن رشد على الغزالي قوله بأن الروح عارض؛ أي إنها تعود إلى جسمها الذي هلك، ~~وخليق بالغزالي أن يقول بأن الروح خالد؛ أي إنه سيحل بدنا مشابها لبدنه الأول؛ لأن ~~البدن الذي هلك واعتراه الفساد لا يعود ثانية إلى الوجود، وهذان الجسمان أي الهالك ~~والجديد وإن تعددا؛ فواحد بالنظر إلى الجنس والنوع، وهذا القول لا يختلف عن قول أرسطو ~~في كتاب «الكون والفساد» من أن الكائن القابل للهلاك لا يعود مماثلا لذاته بعد هلاكه، ~~ولكن يجوز أن يعود بالنوع الذي كان من جنسه. ~~(37) مذهبه في الأخلاق # لم يكن لابن رشد مذهب في الأخلاق قائم بذاته، ولم يشأ أن يتخذ آداب أرسطو لأنها لا ~~توافق العرب، ولكن أبحاثه العقلية أدت به إلى مناقشة المتكلمين في أساس الأخلاق وهو ~~الخير والشر. قال: يقول علماء الكلام إن الخير بما يريده الله وإنه تعالى لا يريد الخير ~~لسبب قائم بذاته، سابق لإرادته، بل لمجرد إرادته . وإنه تعالى قادر على الجمع بين ~~المتناقضات، وإنه يدبر الكون بغير قيد ولا شرط بل بحرية مطلقة. # ولا يخفى ما في هذا الرأي من الخطأ لأنه يقلب نظام الكون وينقض مذهب العدل الإلهي. ثم ~~انتقل ابن رشد إلى نظرية الحرية فقال: إن الإنسان ليس حرا على الإطلاق ولا مطلقا ~~بغير قيد؛ أي إنه ليس مخيرا وليس مسيرا، وإن الحرية تكمل في نفس الإنسان ولكنها تبقى ~~محدودة بقضاء الأحوال ms171 الخارجة. فالعلة المؤثرة في أعمالنا كائنة فينا أما العلة العرضية ~~فخارجة عنا؛ لأن ما يجذبنا مستقل عنا وناشئ عن قوانين طبيعية؛ أي عن العناية ~~الإلهية. # لأجل هذا وردت في القرآن آيات تصف الإنسان تارة بالحرية وطورا بالجبرية وتارة ~~بالتحكم في أعماله، وهي حال وسط بين الأولى والثانية، وقد أوضح ابن رشد هذا المذهب ~~الوسط بين الجبرية والقدرية في كتابه «مناهج الملة». يقول ابن رشد إن المادة الأولى ~~قابلة للتشكل بالمتناقضات كذلك للنفس قوة تقرير مصيرها حيال مختلف الشئون، فهي بذلك ~~حرة. ولكن ليست حريتها تابعة لهواها ولا حادثة عرضا؛ لأن القوى الفعالة في الكون ~~مسئولة عن نظامه، وليست خلتها عدم المبالاة بسير الأمور. والمصادفات لا وجود لها في ~~عالم المؤثرات. ~~(38) فلسفته السياسية والاجتماعية # لم يدرك ابن رشد أن جمهورية أفلاطون كتاب خيالي وضعه فيلسوف واسع التصور في قالب ~~شعري، أو أدرك تلك الحقيقة، ولكنه استصوب تطبيق مبادئ الجمهورية على الأنظمة ~~الاجتماعية، لأجل هذا كانت فلسفته السياسية مستمدة من هذا الكتاب الجميل، فأشار بوضع ~~السلطة في أيدي الشيوخ، وبتعليم الأمة الفضيلة بقوة الفصاحة والشعر والعبارة، ثم قال إن ~~الشعر في ذاته مضر لا سيما شعر العرب، وقال إن الحكومة الكاملة لا تحتاج إلى قاض ولا ~~طبيب، ولا بد من الجيش لحماية الرعية. # ولما كان مجال الكلام في الجمهورية، على العدل والظلم واسعا، فقد تناول ابن رشد ذلك ~~وتكلم عن الظلم فقال: إن الظالم هو الذي يحكم الرعية لمصلحته لا لمصلحتها. وأفظع أنواع ~~الظلم ظلم القساوسة، ثم قال إن حكومة العرب القديمة في صدر الإسلام كانت على نظام ~~جمهورية أفلاطون، ولكن معاوية هدم نظامها وأتلف جمالها بأن خلع سلفه ثم أسس دولة ~~استبدادية، وكان من نتيجة ذلك، تقوض أركان دولة الإسلام وحدوث الفوضى في سائر بلاده ~~ومنها بلاد أندلس. وتكلم عن المرأة فقال إنها تقل عن الرجل في الدرجة لا في الطبيعة: أي ~~كمية لا نوعا، فهي قادرة على ممارسة أعمال الرجال مثل الحرب والفلسفة. ولكن بدرجة أقل ~~من الرجل، وقد تفوقه ms172 في بعض الفنون مثل الموسيقى، ويحسن وضع الأنغام بواسطة الرجال ~~وتوقيعها بواسطة النساء، وقال لا بأس إذا حكمن الجمهورية؛ فهن صالحات للحرب وضرب ~~أمثالا بنساء أفريقيا وقال: «إن إناث الكلاب تحرس القطيع مثل ذكورها.» # ثم قال ابن رشد قولا - كأن نفسه أوحت به إلى قاسم أمين بعد موته بنحو تسعمائة سنة - ~~قال: إن حالتنا الاجتماعية لا تؤهلنا للإحاطة بكل ما يعود علينا من منافع المرأة، فهي ~~في الظاهر صالحة للحمل والحضانة فقط، وما ذلك إلا لأن حال العبودية التي أنشأنا عليها ~~نساءنا أتلفت مواهبها العظمى، وقضت على اقتدارها العقلي، فلذا لا نرى بين ظهرانينا ~~امرأة ذات فضائل أو على خلق عظيم. وحياتهن تنقضي كما تنقضي حياة النبات. فهن عالة على ~~أزواجهن، وقد كان ذلك سببا في شقاء المدن وهلاكها بؤسا لأن عدد النساء يربو على عدد ~~الرجال ضعفين، فهن ثلثا مجموع السكان، ولكنهن يعشن كالحيوان طفيلي على جسم الثلث الباقي ~~بعجزهن عن تحصيل قوتهن الضروري. # وقد دام الجدال بين علماء اللاهوت وبين أنصار ابن رشد من القرن الثالث عشر إلى القرن ~~السادس عشر، إلى أن اضطر الباباليون العاشر إلى تكفيرهم بمنشور بابوي إذا هم أصروا على ~~القول برأي ابن رشد، على أن ابن رشد الذي كفر البابا أتباعه لم يكن كافرا بل كان ~~مؤمنا فقد نصح الناس بطاعة الدين في الصبا واحترامه في الشيخوخة. # وقد حاول ما حاوله الفارابي من قبل وهو الجمع بين الدين والفلسفة، فألف في ذلك كتابي ~~فصل المقال ومناهج الأدلة، وقد بلغ ابن رشد بالفلسفة العربية أقصى ما يمكن الوصول إليه، ~~وفسر أرسطو بما لا غاية وراءه. وكان آخر فلاسفة العرب وقد تركت تعاليمه أثرا عظيما ~~لدى اليهود والنصارى، وربما كان هذا الأثر أعظم من أثرها في قومه! ~~(39) واجب الوجود # ويظهر للباحث في تعاليم ابن رشد أنه يمتاز عن الفلاسفة الذين تقدموه لا سيما ابن سينا ~~بإدراكه كون العالم خلقا دائم الحدوث أزلي النشوء؛ أي إنه هيئة متحدة ضرورية واجبة ~~الوجود بحالتها، ويرجع شأن هذا الرأي ms173 إلى أنه يلتئم مع افتراض وجود كائن منفصل عن ~~العالم يحركه وينظمه وهو خالقه وروحه ومحركه الأول، وأن هذا الخالق هو المبدأ الأول ~~والصورة الأولى، وبه غاية الأشياء وإليه نهايتها لأنه منظمها ونظامها، والموفق بين ~~المتناقضات بل هو الكل الكامل في أسمى معاني الوجود. وبديهي أنه يترتب على هذا الرأي ~~نقض القول بعناية إلهية بالمعنى المألوف، وقد انتهى مذهبه في العقل والكون بتحتيم وجود ~~الفيلسوف في العالم؛ لأن عقل الفيلسوف بوتقة يصهر فيها الكائن فيصير فكرا، ويمرق ابن ~~رشد عن العقائد الدينية في ثلاثة أشياء. # الأول: # قوله بأزلية العالم المادي وأزلية الأرواح التي تحركه. # الثاني: # ضرورة السبب لحدوث النتائج، فلا مكان للعناية الإلهية ولا المعجزات ~~النبوية ولا كرامات الأولياء؛ لأن ظهورها جميعا يؤدي إلى نقض نظرية ~~الأسباب والنتائج. # الثالث: # هلاك الأفراد هلاكا لا مجال بعده لخلودهم أفرادا. # وكان ابن رشد مفكرا شجاعا ثابت المبدأ ولم يكن مبتكرا، وقد اكتفى بالبحث في ~~الفلسفة النظرية. # ويخالف ابن طفيل وابن باجه في قولهما بالانفراد الفكري والوحدة، ويؤيد المذهب ~~الاجتماعي، ويقول بضرورة تعاون الناس لاستثمار العالم والانتفاع بالحياة، وقد قاده هذا ~~الرأي إلى القول بتحرير المرأة لإشراكها في أعمال المجتمع كما تقدم. ~~(40) مبادئ ابن رشد «مستفادة من كتبه» ~~(40-1) كلمة في مؤلفات الغزالي وفحصها ونقدها بإيجاز عن ابن رشد # يعيب ابن رشد على الغزالي تصريحه بالحكمة للجمهور في أماكن كثيرة من كتبه «التهافت» ~~و«الكشف عن مناهج الأدلة». قال في عرض الكلام على الفساد العارض لسبب التأويل في الكتاب ~~الأخير: «أول من غير هذا الدواء الأعظم (أي الأخذ بظاهر الشرع) هم الخوارج ثم المعتزلة ~~بعدهم ثم الأشعرية ثم الصوفية، ثم جاء أبو حامد فطم الوادي على القرى، وذلك أنه صرح ~~بالحكمة كلها للجمهور وبآراء الحكماء على ما أداه إليه فهمه (كذا)، وذلك في كتابه الذي ~~سماه بالمقاصد، فزعم أنه إنما ألف هذا الكتاب للرد عليهم، ثم وضع كتابه المعروف بتهافت ~~الفلاسفة فكفرهم فيه في مسائل وأتى بحجج مشككة وشبه محيرة أضلت كثيرا من الناس عن ms174 ~~الحكمة وعن الشريعة. ~~«ثم قال في كتابه «جوهر القرآن»: «إن الذي أثبته في كتاب التهافت هي أقاويل جدلية، ~~وإن الحق إنما أثبته في المضنون على غير أهله.» ثم جاء في كتابه المعروف بمشكاة الأنوار ~~فذكر فيه مراتب العارفين بالله فقال: «إن سائرهم محجوبون إلا الذين اعتقدوا أن الله ~~سبحانه غير محرك السماء الأولى، وهو الذي صدر عنه هذا المحرك، وهذا تصريح منه باعتقاد ~~مذاهب الحكماء في العلوم الإلهية.» ~~«وقال في غيرما موضع أن علومهم الإلهية هي تخمينات بخلاف الأمر في سائر علومهم، وأما ~~في كتابه الذي سماه «المنقذ من الضلال» فأنحى فيه على الحكماء، وأشار إلى أن العلم إنما ~~يحصل بالخلوة والفكرة، وأن هذه المرتبة هي من جنس مراتب الأنبياء في العلم، وكذلك صرح ~~بذلك القول بعينه في كتابه الذي سماه بكيمياء السعادة، فصار الناس لسبب هذا التشويش ~~والتخليط فرقتين: فرقة انتدبت لذم الحكماء والحكمة، وفرقة انتدبت لتأويل الشرع وروم ~~صرفه إلى الحكمة، وهذا كله خطأ، بل ينبغي أن يفسر الشرع على ظاهره ولا يصرح للجمهور ~~بالجمع بينه وبين الحكمة؛ لأن التصريح بذلك هو تصريح بنتائج الحكمة لهم دون أن يكون ~~عندهم برهان عليها. وفي كتابه الذي سماه «التفرقة بين الإسلام والزندقة» عدد أصناف ~~التأويلات وقطع فيه على أن المئول ليس بكافر، وإن خرق الإجماع في التأويل. وهذا ~~الذي فعله هذا الرجل ضار بالذات للحكمة والشريعة، وإن كان نافعا لهما بالعرض، وذلك أن ~~الإفصاح بالحكمة لمن ليس بأهلها يلزم عن ذلك بالذات إما إبطال الحكمة وإما إبطال ~~الشريعة، وقد يلزم عنه بالعرض الجمع بينهما (؟) والصواب كان أن لا يصرح بالحكمة ~~للجمهور.» ~~(40-2) الحكم على الغزالي وتخطيئه # قال ابن رشد في عرض الكلام على الهيولى ورده على الغزالي فيما نسبه إلى الفلاسفة ~~في حدوث النفس: «فتعرض أبي حامد إلى مثل هذه الأشياء على هذا النحو من التعرض لا ~~يليق بمثله، فإنه لا يخلو من أحد أمرين: إما أنه فهم هذه الأشياء على حقائقها ~~فساقها ها هنا على غير حقائقها، وذلك من ms175 فعل الأشرار، وإما أنه لم يفهمها على ~~حقيقتها فتعرض إلى القول فيما لم يحط به علما وذلك من فعل الجهال، والرجل يجل ~~عندنا عن هذين الوضعين، ولكن لا بد للجواد من كبوة، فكبوة أبي حامد هي وضعه هذا ~~الكتاب، ولعله طرأ إلى ذلك من أجل زمانه ومكانه.» ~~(40-3) بذور مناهج الأدلة # كتب ابن رشد كتاب «الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة وتعريف ما وقع فيها بحسب ~~التأويل من الشبه المزيفة والعقائد المضلة» حوالي السنة الرابعة من العقد السادس ~~من عمره. # وكانت فكرة هذا الكتاب تجول في خاطره عند وضع «تهافت التهافت»، ولعل الذي أوحى ~~بها إليه وقوفه على كتب الغزالي. وقصد ابن رشد من هذا الكتاب كما بينا ليس التوفيق ~~بين الشريعة والحكمة بل قصده جعل الحكمة مقصورة على فريق من الناس يمتازون ~~بالاستعداد الفطري والاقتدار على الدرس بالمثابرة وهم الخواص. # أما كتابه «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال» فليس المقصود منه ~~المعنى الظاهر من عنوانه، إنما المقصود به الاتصال بين ظاهر الشرع والحكمة الإلهية. ~~ولم يفقد ابن رشد يوما قدرة التمييز والإدراك حتى يحاول الجمع بين الدين والفلسفة، ~~وهذا القصد ظاهر ظهورا تاما من كتاب مناهج الأدلة. وكان ابن رشد يرمي إليه في ~~التهافت، وهذه نبذة تدل على فكرته الأولى التي صدر عنها كتاب المناهج (ص88 تهافت). # إن الكلام في علم الباري تعالي بذاته وبغيره مما يحرم على طريق الجدل في ~~حال المناظرة، فضلا عن أن يثبت في كتاب؛ فإنه لا تنتهي أفهام الجمهور إلى ~~مثل هذه الدقائق. وإذا خيض معهم في هذا بطل معنى الإلهية عندهم، فلذلك كان ~~الخوض في هذا العلم محرما عليهم؛ إذ كان المكافئ في سعادتهم أن يفهموا من ~~ذلك ما طاقته إفهامهم، ولذلك لم يقتصر الشرع الذي قصده الأول تعليم ~~الجمهور في تفهيم هذه الأشياء في الباري تعالى لوجودها في الإنسان كما قال ~~الله: # لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ~~ولا يغني عنك شيئا ~~. # بل واضطر إلى تفهيم معان في ms176 الباري تعالى بتمثيلها بالجوارح الإنسانية ~~مثل قوله «خلقت بيدي» فهذه المسألة هي خاصة بالعلماء الراسخين الذين أطلعهم ~~الله على الحقائق، ولذلك لا يجب أن يثبت في كتاب إلا في الموضوعة على ~~الطريق البرهاني، وهي التي شأنها أن تقرأ على ترتيب وبعد تحصيل آخر يضيق ~~على أكثر الناس النظر فيها على النحو البرهاني، إذا كان ذا فطرة فائقة مع ~~قلة وجود هذه الفطرة في الناس، فالكلام في هذه الأشياء مع الجمهور هو ~~بمنزلة من يسقي السموم أبدان كثير من الحيوانات التي تلك الأشياء سموم لها، ~~فإن السموم إنما هي أمور مضافة، فإنه قد يكون سما في حق حيوان شيء هو ~~غذاء في حق حيوان آخر. وهكذا الأمر في الآراء مع الإنسان، أعني قد يكون ~~رأي هو سم في حق نوع من الناس وغذاء في حق نوع آخر، فمن جعل الآراء كلها ~~ملائمة لكل نوع من أنواع الناس بمنزلة من جعل الأشياء كلها أغذية لجميع ~~الناس ... فإذا تعدى الشرير الجاهل (هل يقصد حجة الإسلام؟) فسقي السم من هو ~~في حقه سم على أنه غذاء، فقد ينبغي على الطبيب أن يجتهد بصناعته في شفائه، ~~ولذلك استخرنا نحن التكلم في مثل هذا الكتاب، وإلا فما كنا نرى أن ذلك يجوز ~~لنا، بل هو من أكبر المعاصي أو من أكبر الفساد في الأرض، وعقاب المفسدين ~~معلوم بالشريعة! # هذه الحملة في التهافت كانت مقدمة للحملة في مناهج الأدلة. ~~(40-4) الشريعة والفلسفة # لو تخيلت آمرا له مأمورون كثيرون، وأولئك المأمورون لهم مأمورون آخرون، ولا وجود ~~للمأمورين إلا في قبول الأمر وطاعة الآمر، ولا وجود لمن دون المأمورين إلا ~~بالمأمورين؛ لوجب أن يكون الآمر الأول هو الذي أعطى جميع الموجودات المعنى الذي به ~~صارت موجودة، فإنه أعطى كل شيء وجوده في أنه مأمور، ولا وجود له إلا من قبل الآمر ~~الأول، وهذا المعني هو الذي يرى الفلاسفة أنه عبرت عنه الشرائع بالخلق والاختراع ~~والتكليف، فهذا هو أقرب تعليم يمكن أن يفهم به مذهب هؤلاء القوم من غير أن ms177 يلحق ذلك ~~الشنعة التي تلحق من سمع مذاهب القوم على التفضيل الذي ذكره الغزالي. # وليس يفهم من مذهب أرسطو غير هذا ولا من مذهب أفلاطون، وهو منتهى ما وقفت عليه ~~العقول الإنسانية. والفلسفة تفحص عن كل ما جاء في الشرع، فإن أدركته استوي ~~الإدراكان وكان ذلك أتم في المعرفة، وإن لم تدركه أعلمت بقصور العقل الإنساني ~~عنه. # كذلك كان تمثيل المعاد للجمهور بالأمور الجسمانية أفضل من تمثيله بالأمور ~~الروحانية كما قال الله تعالى: # مثل الجنة التي ~~وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار # فدل على أن ~~ذلك الوجود نشأة أخرى أعلى من هذا الوجود، وطور آخر أفضل من هذا الطور، والذين شكوا ~~في هذه الأشياء وتعرضوا لذلك وأفصحوا به إنما هي الذين يقصدون إبطال الشرائع وإبطال ~~الفضائل، وهم الزنادقة الذين يرون أن لا غاية للإنسان إلا التمتع باللذات، وما قاله ~~هذا الرجل (الغزالي) في معاندتهم هو جيد. # وهذا الرجل كفر الفلاسفة بثلاث مسائل إحداها هذه، وقد قلنا كيف رأى الفلاسفة في ~~هذه المسألة، وإنها عندهم من المسائل النظرية. # والمسألة الثانية قولهم إنه لا يعلم الجزئيات، وقد قلنا أيضا إن هذا القول ليس ~~من قولهم. والثالثة قولهم بقدم العالم، وقد قلنا أيضا إن الذي يعنون بهذا الاسم، ~~ليس هو المعنى الذي كفرهم به المتكلمون، وليس بكفر من قال بالمعاد الروحاني، ولم ~~يقل بالمحسوس إجماعا، وجوز القول بالمعاد الروحاني. ~~(41) فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال و«الكشف عن مناهج الأدلة، في عقائد ~~الملة» «وتعريف ما وقع فيها بحسب التأويل من الشبه المزيفة والعقائد المضلة» # يقال إن الكتاب يعرف من عنوانه، وعنوان كل من هذين الكتابين يدل على ما فيه دلالة ~~صريحة. فقد حاول ابن رشد فيهما، أمرين من أصعب الأمور. # الأول التوفيق بين الفلسفة والدين، ومثله في ذلك مثل الفارابي، إذ حاول في رسالة ~~مشهورة التوفيق بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطو، ومثل الغزالي نفسه الذي انتهت مبادئه ~~الفلسفية (التي استنبطها في بعض كتبه بعقله القوي وفكره الخارق ونفسه المشتعلة) عند ~~التصوف، فلم ms178 ينل إحدى السعادتين، لا سعادة العقل ولا سعادة القلب، ولكن ابن رشد يمتاز ~~بقوة لم تمنح الطبيعة مثلها سواه من فلاسفة العرب، ألا وهي رباطة الجأش عند البحث ~~الفلسفي ووزن الأشياء بميزان الاعتدال الدقيق. # فما رأيناه في أحد كتبه يندفع وراء فكرة اندفاعا يفقده قيمة الحكم الصحيح، ولا شممنا ~~من يراعه ريح الخيال الذي طار في أفقه كثيرون من الفلاسفة. ونظن ذلك راجعا إلى سببين: ~~الأول إيمانه الشديد بأرسطو، وأرسطو إله المنطق ورب الاعتدال؛ والثاني تشبعه بالمبادئ ~~القانونية التي من دأبها تحليل الأشياء ووزنها قبل إصدار حكم عليها. # وإلى القارئ دليلا على قولنا هذا من كتابيه المذكورين آنفا، فقد تناول في أولهما ~~مسائل في أعلى درجة من الأهمية العقلية والشرعية، تناول تلك المسائل باحثا ومحللا ~~ومجادلا، ولكن بدقة الجراح الحاذق الذي يشرح أصغر الشرايين والأوردة ولا يهرق نقطة ~~واحدة من الدم بدون فائدة. # بحث في الكتاب الأول في هل النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع أو محظور؟ ~~واستدل على الإباحة بل الوجوب مستندا إلى آيات قرآنية وأحاديث نبوية، ثم تدرج من ذلك ~~إلى أن النظر في تلك العلوم لا يجوز أن يكون إلا بأتم أنواع القياس وهو البرهان. وأثبت ~~وجوب الاعتقاد في النظر في القياس العقلي، وأنه يجب علينا أن نستعين على ما نحن بسبيله؛ ~~أي النظر في الفلسفة بالمنطق بما قاله من تقدمنا في ذلك، سواء أكان ذلك الغير مشاركا ~~لنا أم غير مشارك في الملة (أي فلاسفة اليونان وغيرهم من غير المسلمين). # ثم أثبت وجوب استعانة الحكيم بمن سبقه معتبرا ثمرات العقل البشري منذ بداية تيقظه ~~إرثا حلالا لمن يخلفون الحكماء. وأن يستعين في ذلك، المتأخر بالمتقدم، فإنه لو فرضنا ~~صناعة الهندسة في وقتنا هذا معدومة، وكذلك علم الهيئة، ورام إنسان واحد من تلقاء نفسه ~~أن يدرك مقادير الأجرام السماوية وأشكالها وإبعاد بعضها عن بعض، لما أمكنه ولو كان أذكى ~~الناس طبعا. # ثم ضرب مثلا بديعا يصح أن يكون مستنبطا من صحف شوبنهور أو إرنست هيكل لولا ms179 صبغته ~~الشرقية قال: «فهذه صناعة الفقه والفقه نفسه لم يكمل النظر فيها إلا في زمن طويل، ولو ~~رام إنسان اليوم من تلقاء نفسه أن يقف على جميع الحجج التي استنبطها النظار من أهل ~~المذاهب في مسائل الخلاف التي وضعت المناظرة فيها بينهم في معظم بلاد الإسلام ما عدا ~~المغرب، لكان أهلا أن يضحك منه لكون ذلك ممتنعا مع وجود ذلك مفروغا منه.» # على أن هذا الحكيم الذي اشتهر بإعجابه بأرسطو إلى درجة التقديس، لم يغب عن ذهنه وجوب ~~الاحتراس لدى الدرس ووجوب «الانتقاد» قبل قبول الرأي، حتى ولو كان رأي أرسطو نفسه قال: ~~«ننظر في الذي قالوه وأثبتوه في كتبهم، فما كان منها موافقا للحق قبلناه منهم وسررنا ~~به وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم.» ثم ~~اعترضته فكرة الخوف من قول الفقهاء بأن من ينظر في كتب القدماء يضل ويكفر، فرد على ذلك ~~بأبلغ رد قال: «وليس يلزم من أنه غوى غاو بالنظر في تلك الكتب، وزل زال إما من قبل ~~سوء ترتيب نظره فيها، أو من قبل غلبة شهواته عليه، أو أنه لم يجد معلما يرشده إلى فهم ~~ما فيها، أو من قبل اجتماع هذه الأسباب فيه أو أكثر من واحد منها؛ أن نمنعها عن الذي هو ~~أهل للنظر فيها، فإن هذا النوع من الضرر الداخل من قبلها هو شيء لحقها بالعرض لا ~~بالذات، وليس يجب فيما كان نافعا بطباعه وذاته أن يترك لمكان مضرة موجودة فيه بالعرض، ~~فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له .» # وما زال كذلك إلى أن فضل العقل على الشرع الظاهر فقال: «فإن الفقيه إنما عنده قياس ~~ظني والعارف عنده قياس يقيني، ونحن نقطع قطعا أن كل ما أدى إليه البرهان وخالفه ظاهر ~~الشرع أن ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي.» وزاد على ذلك أن استشهد ~~ببعض خصومه في الحكمة قال: «قلنا أما لو ثبت الإجماع بطريق يقيني لم يصح، وإن كان ~~الإجماع فيها ms180 ظنيا فقد يصح؛ ولذلك قال أبو حامد وأبو المعالي وغيرهما من أئمة النظر ~~إنه لا يقطع بكفر من خرق الإجماع في التأويل.» # وبعد أن استدل بقول الغزالي على عدم تكفير من يخرق الإجماع بالتأويل سأل القارئ ~~سؤالا جامعا قال: «فما تقول في الفلاسفة من أهل الإسلام كأبي نصر (الفارابي) وابن ~~سينا، فإن أبا حامد (الغزالي) قد قطع بتكفيرهما في كتابه المعروف بالتهافت في ثلاث ~~مسائل: (1) في القول بقدم العالم، و(2) بأنه تعالى لا يعلم الجزئيات - تعالى عن ذلك! ~~و(3) في تأويل ما جاء في حس الأجساد وأحوال المعاد.» قلنا الظاهر من قوله (الغزالي) في ~~ذلك أنه ليس تكفيره إياهما في ذلك قطعا، إذ قد صرح في كتاب التفرقة أن التكفير بخرق ~~الإجماع فيه احتمال. # ثم أخذ ابن رشد يبين خطأ الغزالي من حيث الإدراك في النقطة الثانية قال: «فقد نرى ~~أن أبا حامد قد غلط على الحكماء المشائين (أتباع أرسطو أمثال ابن رشد نفسه) فيما نسب ~~إليهم من أنهم يقولون إنه - تقدس وتعالى - لا يعلم الجزئيات أصلا، بل يرون أنه تعالى ~~يعلمها بعلم غير مجانس لعلمنا، وذلك أن علمنا معلوم للمعلوم به، فهو محدث بحدوثه ومتغير ~~بتغيره، وعلم الله سبحانه بالوجود على مقابل هذا (أي ضده) فإنه علة للمعلوم الذي هو ~~الموجود، فمن شبه العلمين أحدهما بالآخر فقد جعل ذوات المتقابلات وخواصها واحدة وذلك ~~غاية الجهل.» # انظر إلى تلك الحملة المدبرة من أولها إلى نهايتها، فقد نظمها عقل جبار ونفذها منطق ~~سليم وصاغها قلم بليغ، لا يقصد ابن رشد الدفاع عن الفارابي وابن سينا، إنما يقصد الدفاع ~~عن نفسه؛ لأنه هو الذي تناول تلك النقط الثلاث بالبحث فأثبتها وقال بها واشتهرت برأيه، ~~فدفاعه ضد الغزالي الذي انتهى برميه «بغاية الجهل» إنما هو دفاع عن مبادئه ألبسه لباس ~~الذود عن حكيمين سالفين من أنصار أرسطو؛ وهما الفارابي وابن سينا. # وقد تناول المسألة الثانية أولا لأهميتها، ثم عطف على الأولى وهي القول بقدم العالم ~~فأفقدها شأنها قال: «وأما مسألة قدم العالم أو ms181 حدوثه، فإن الاختلاف فيها عندي بين ~~المتكلمين من الأشعرية وبين الحكماء المتقدمين يكاد يكون راجعا للاختلاف في التسمية، ~~وبخاصة عند بعض القدماء.» أفقدها شأنها لأنه ردها إلى خلاف لفظي وهو ما يسميه الفرنسيون ~~(سوء تفاهم)؛ أي إن الطرفين متفقان في الجوهر ومختلفان في العرض، فما على راغب التوفيق ~~إلا أن يرد العرض إلى الجوهر، وهي مسألة لفظية فيزول الخلاف، وقد أخذ فعلا يبين تقسيم ~~الموجودات من حيث القدم والحدوث إلى ثلاثة أقسام، ثم طرق من حيث يدري باب البحث في ~~الزمان على طريقة الأقدمين وأظهر الفرق بين أفلاطون القائل بأن الماضي متناه، وهذا الذي ~~انتحله المتكلمون، أما أرسطو وشيعته فيرون أن الماضي غير متناه كالحال في المستقبل (غير ~~المتناهي)، واستنتج من ذلك أنه لا يوجد محدث حقيقي ولا قديم حقيقي؛ لأن المحدث الحقيقي ~~فاسد ضرورة والقديم الحقيقي ليس له علة. ثم ضرب الضربة الأخيرة وهي ضربة معلم خبير بما ~~يقول: «فالمذاهب في العالم ليست تتباعد كل التباعد حتى يكفر بعضها ولا يكفر، فإن الآراء ~~التي شأنها هذا يجب أن تكون في الغاية من التباعد، أعني أن تكون متقابلة (متناقضة) ~~ويشبه أن يكون المختلفون في هذه المسائل العويصة إما مصيبين مأجورين وإما مخطئين ~~معذورين، ولذلك قال عليه السلام: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله ~~أحجر.» وأي حاكم أعظم من الذي يحكم على الوجود وهم العلماء.» # ثم انتقل إلى الكلام على الدلائل الثلاثة: (1) الخطابية. و(2) الجدلية. و(3) ~~البرهانية. وقال إن الإيمان جائز بأي طريق يتفق للمؤمن من طرق الإيمان الثلاث. فمثلا ~~يجوز تكفير «من يعتقد أنه لا سعادة أخروية ههنا ولا شقاء، وإنه إنما قصد بهذا القول أن ~~يسلم الناس بعضهم من بعض في أبدانهم وحواسهم، وإنها حيلة، وإنه لا غاية للإنسان إلا ~~وجوده المحسوس فقط». # ثم عاد إلى الغزالي فلامه على أنه استعمل في كتبه الطرق الشعرية والخطابية والجدلية ~~وقال إنه أضر بالشرع والحكمة معا من حيث لا يدري؛ لأنه كان يقصد خيرا وذلك أنه رام أن ~~يكثر ms182 أهل العلم، فكثر بذلك الفساد بدون كثرة أهل العلم، وتطرق بذلك قوم إلى ثلب الحكمة ~~وقوم إلى ثلب الشريعة وقوم إلى الجمع بينهما، ويشبه أن يكون هذا أحد مقاصده بكتبه، ~~والدليل على أنه رام بذلك تنبيه الفطر أنه لم يلزم مذهبا من المذاهب في كتبه، بل هو مع ~~الأشاعرة أشعري ومع الصوفية صوفي ومع الفلاسفة فيلسوف، وحتى إنه كما قيل: # يوما يمان إذا لقيت ذا يمن # وإن لقيت معديا فعدنان # ثم انتقل الحكيم الأندلسي إلى قصد الشرع، فقال إن مقصوده إنما هو تعلم العلم الحق ~~والعمل الحق. فالعلم الحق هو معرفة الله وسائر الموجودات على ما هي عليه، والعمل الحق ~~هو امتثال الأفعال التي تفيد السعادة وتجنب الأفعال التي تفيد الشقاء، وقد قسم ابن رشد ~~الناس إلى ثلاثة أقسام من حيث العلم بالشريعة والإيمان بما ورد فيها. ~~(1) # صنف ليس من أهل التأويل أصلا، وهم الخطابيون الذين هم الجمهور الغالب. ~~(2) # صنف من أهل التأويل الجدلي، وهم الجدليون بالطبع أو بالطبع والعادة. ~~(3) # أهل التأويل اليقيني، وهم البرهانيون بالطبع والصناعة (الحكمة). # قال ابن رشد: «وما يعلم تأويله إلا الله» بمثل هذا يأتي الجواب في السؤال عن الأمور ~~الغامضة التي لا سبيل للجمهور إلى فهمها مثل قوله: # ويسألونك ~~عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم ~~إلا قليلا ~~... فلا يجب أن تثبت التأويلات الصحيحة في كتب الجمهور فضلا ~~عن الفاسدة. والتأويل الصحيح هي الأمانة التي حملها الإنسان فأبى أن يحملها وأشفق منها ~~جميع الموجودات المذكورة في الآية # إنا عرضنا الأمانة ~~على السماوات والأرض والجبال # ومن قبل التأويلات والظن ~~بأنها يجب أن يصرح بها في الشرع، نشأت فرق الإسلام حتى كفر بعضهم بعضا وبدع بعضهم ~~بعضا؛ فأوقعوا الناس في تباغض وحروب ومزقوا الشرع وفرقوا الناس. # ويرد ابن رشد هذه الخيبة التي لحقت المسلمين إلى جهل الأشعرية والمعتزلة بشرائط ~~البرهان؛ أي بالمنطق، وإن كثيرا من الأصول التي بنت عليها الأشعرية معارفها هي ~~سفسطائية، وقد بلغ بهم التعدي إلى أن فرقة منهم (الأشعرية) كفرت ms183 من ليس يعرف وجود الله ~~بالطرق التي وضعوها في كتبهم لمعرفته! # ثم التفت ابن رشد إلى القرآن المحترم لفتة حكيم فقال: «إن الكتاب العزيز إذا تؤمل ~~وجدت فيه الطرق الثلاث الموجودة لجميع الناس (الخطابية) والطرق المشتركة لتعلمي أكثر ~~الناس (الجدلية) والخاصة (البرهانية)، وقال إن أعقل أهل الإسلام هم الصدر الأول؛ فإنهم ~~صاروا إلى الفضيلة الكاملة والتقوى باستعمال هذه الأقاويل دون تأويلات فيها، ومن كان ~~منهم وقف على تأويل لم ير أن يصرح به.» # وختم ابن رشد هذا الكتاب العجيب بأبولوجيا ظريفة للتوفيق بين الفلسفة والدين أشبه ~~بصلاة الإكليل بين عروسين متنافرين، جمعت بينهما الضرورة وفرقتهما الطباع والأمزجة ~~والميول، فمثله كمثل قسيس حاذق يهمه قبل كل شيء الخروج من مأزق قال: «إن الحكمة هي ~~صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة، فالأذية ممن ينسب إليها أشد الأذية مع ما يقع بينهما من ~~العداوة والبغضاء والمشاجرة، وهما المصطحبتان بالطبع المتحابتان بالجوهر ~~والغريزة!» # أما كتاب «الكشف عن مناهج الملة» فهو مكمل لكتاب «فصل المقال» وتوسع في بعض أجزائه ~~وإلمام بنقط أغفلها المؤلف، إما قصدا لضيق المجال وإما سهوا لتشعب البحث، وعادة ~~الاستطراد في بعض الأحوال. وقد نبه إلى ذلك في المقدمة، ولكنه جعل غايته الأصلية فحص ~~مسألة التأويل التي مر بها في «فصل المقال» مرورا دون أن يتعمق في أصولها ~~وفروعها. # ثم بدأ بالكلام على الفرق الأربع المشتهرة لوقته وهي: ~~(1) # الأشعرية. ~~(2) # المعتزلة. ~~(3) # الباطنية. ~~(4) # الحشوية. # وقال بضلال هذه الفرق الأربع، وشرع في بيان ذلك بالكلام على ما قصد الشرع أن يعتقده ~~الجمهور في الله تبارك وتعالى. قال: إن الفرقة الرابعة تقول إن طريق معرفة وجود الله هو ~~السمع لا العقل. وقال إن هذه الفرقة بلغت بها فدامة العقل وبلادة القريحة إلى أن لا ~~تفهم شيئا من الأدلة الشرعية التي نصبها النبي # صلى الله عليه وسلم # للجمهور، فآمنت بالله من جهة ~~السماع. # أما الفرقة الأولى فتصدق بوجود الله بالعقل، ولكنهم سلكوا غير طرق الشرع، وطريقتهم ~~مبنية على نظرية حدوث العالم، وانبنى على حدوث العالم تركيب الأجسام من أجزاء ms184 لا تتجزأ، ~~وإن الجزء الذي لا يتجزأ محدث وهو الجوهر الفرد، وطريقتهم غير برهانية وغير مفضية بيقين ~~إلى وجود الله. # وقال إن للأشعرية طريقين أحدهما وأشهرهما ينبني على ثلاث مقدمات: ~~(1) إن الجواهر لا تنفك من الأعراض؛ أي لا تخلو منها، (2) أن الأعراض حادثة، (3) أن ~~ما لا ينفك عن الحوادث حادث؛ أعني ما لا يخلو من الحوادث هو حادث. # وقد فند ابن رشد هذه المقدمات كلها بالبرهان المنطقي (ص34 و35 وما بعدهما من كشف ~~الأدلة) وأثبت أنها محفوفة بشكوك ليس في قوة صناعة الجدل حلها، فإذن يجب أن لا يجعل هذا ~~مبدأ لمعرفة الله. وهذا سر قوله في أول الكتاب أن طريقة الأشعرية «غير مفضية بيقين إلى ~~وجود الله». # هذا هو الطريق الأول الذي سلكه معظم الأشعرية وعامتهم. وهو أشهر الطريقين كما قلنا ~~وقد ظهر فساده. أما الطريق الثاني فهو الذي استنبطه أبو المعالي في رسالته المعروفة ~~بالنظامية ومبني هذا الطريق على مقدمتين: ~~(1) # أن العالم بجميع ما فيه جائز أن يكون على مقابل ما هو عليه. كأن تكون ~~حركة كل متحرك فيه إلى جهة ضد الجهة التي يتحرك إليها (لاحظ ما تشمله هذه ~~النظرية من إمكان انقلاب سائر القوانين الطبيعية كقانون الجاذبية وما ~~يماثله). ~~(2) # أن الجائز محدث وله محدث؛ أي فاعل، صيره بإحدى الجائزين أولى - أي ~~وجهه - نحو الحال الحاضرة بقوانينها وأنظمتها، وهي التي عليها العالم. # وقد أظهر ابن رشد أن المقدمة الأولى خطابية قد تصلح لإقناع الجميع، ولكنها كاذبة ~~ومبطلة لحكمة الصانع الذي صنع الموجودات على وجه معين لحكمة معينة، فأية حكمة في ~~الإنسان إذا أبصر بأذنه ، وشم بعينه؟ # ويبدو لنا أن ابن سينا أذعن لهذه المقدمة بوجه ما، فلم يتردد ابن رشد في الرد عليه. ~~وقال عن رأيه: «إنه قول في غاية السقوط.» وقال عنه بازدراء: «وليس هذا موضع الكلام مع ~~هذا الرجل، ولكن للحرص على الكلام معه في الأشياء التي اخترعها هذا الرجل استجرنا القول ~~إلى ذكره.» # إلى هنا فرغ ابن رشد من تفنيد مقدمة أبي المعالي الأولى، ms185 ثم انتقل إلى الثانية فقال ~~إنها غير بينة بنفسها وإنها من أعوص المطالب، ولا يتبينها إلا أهل صناعة البرهان ~~والعلماء الذين خصهم الله بعلمه وقرن شهادتهم بشهادته وملائكته. ويقول بين السطور: ~~«وأنت يا أبا المعالي لست منهم، وكفى على ذلك دليلا أن أفلاطون وأرسطو اختلفا على تلك ~~المقدمة.» # وأخذ ابن رشد نفسه يقدم مقدمات في الإرادة ضرورية لتفهم القضية الثانية التي نحن ~~بصددها، وأعقبها برأي قاطع وهو «أن الظاهر من الشرع أنه لم يتعمق هذا التعمق مع ~~الجمهور، ولذلك لم يصرح لا بإرادة قديمة ولا حادثة، بل صرح بأن الإرادة موجدة موجودات ~~حادثة، وذلك في قوله تعالى # إنما قولنا لشيء إذا ~~أردناه أن نقول له كن فيكون ~~. فيتبين من هذا أن الطريقين ~~المشهورين للأشعرية في السلوك إلى معرفة الله ليست طرقا نظرية يقينية ولا شرعية ~~يقينية». # ثم انتقل فيلسوف قرطبة إلى نقد وسائل الصوفية فقال: «إن طرقهم في النظر ليست نظرية ~~(ويقصد بالطرق النظرية المركبة من مقدمات وأقيسة)، إنما طريقتهم إشراقية؛ فهم يزعمون أن ~~معرفة الله وغيره من الموجودات شيء يلقى في النفس عند تجريدها من العوارض الشهوانية ~~وإقبالها بالفكر على المطلوب، ولهم في الاحتجاج لتصحيح هذا ظواهر من الشرع كثيرة، مثل ~~قول الله: # واتقوا الله ويعلمكم ~~الله ~~.» # وابن رشد يسلم بوجود هذه الطريقة، ولكنها ليست عامة للناس، لأنها لو كانت عامة ~~ومقصودة لبطلت طريقة النظر وكان وجودها بين الناس عبثا، على أن القرآن كله دعوة إلى ~~النظر والاعتبار وتنبيه على طرق النظر والتأمل والتفكير. # ثم انتقل إلى الكلام على المعتزلة فاعتذر عن الخوض في مذاهبهم بأنه لم يصل إليه في ~~«جزيرة الأندلس» من كتبهم شيء، ولكنه يحسب أن طرقهم يشبه أن تكون من جنس طرق الأشعرية. ~~ونحن نظن أن ابن رشد كتب هذه الجملة بحذر وكياسة؛ رغبة منه في تحاشي الكلام على طرق ~~المعتزلة، لأنه لا يعقل أن تنقطع العلاقة العقلية بينه وبينهم بدعوى عدم وصول كتبهم إلى ~~أرض الأندلس. فإن الذي نقل كتب المتقدمين والمتأخرين إلى مدارس أندلس ms186 وجوامعها وبيوتها ~~لا يضن بنقل كتب المعتزلة، وإلا فإن كتب خصومهم من السنيين مشحونة بأخبارهم وآرائهم ~~وشرح طرقهم للرد عليها. # على أننا نترك الأسباب التي دعت ابن رشد لأن يغفل ذكر المعتزلة، وننتقل إلى كلامه على ~~الطريق الشرعية التي اعتبرها الطريق المثلى، فقد قال إن الطريق التي نبه الكتاب العزيز ~~عليها ودعا الكل من بابها، وجدت أنها تنحصر في جنسين. ~~(1) # طريق الوقوف على العناية بالإنسان، وخلق جميع الموجودات من أجلها، ويسميها ~~ابن رشد «دليل العناية». ~~(2) # الطريق الثانية ما يظهر من اختراع جواهر الأشياء والموجودات مثل اختراع ~~الحياة والجماد والإدراكات الحسية والعقل، ويسميها ابن رشد «دليل الاختراع». # وقال إن الأدلة على وجود الصانع منحصرة في هذين الجنسين، دلالة العناية ودلالة ~~الاختراع، وهما بعينهما طريقة الخواص أي العلماء وطريقة الجمهور، وإنما الاختلاف بين ~~المعرفتين في التفصيل، فالجمهور يقتصرون على المعرفة الأولى، والعلماء يزيدون على ما ~~يدرك بالحس، ما يدرك بالبرهان. # وقال ابن رشد إن الدهريين مثلهم كمثل من أحس بالمصنوعات فلم يعترف أنها مصنوعات، بل ~~ينسب ما رأى فيها من الصنعة إلى الاتفاق والأمر الذي يحدث من ذاته. # وبعد أن فرغ ابن رشد من إثبات وجود الله بالطريقة المتقدمة تكلم على وحدانية الله، ~~فأثبت ذلك على الطريقة الشرعية أولا بآيات قرآنية مثل: # لو كان ~~فيهما آلهة إلا الله لفسدتا # وذكر أيضا الآية # سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا ... وإن ~~من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ~~ إنه كان حليما غفورا # وقد تناول ابن رشد هذه الآية وأخرج منها ~~ردا مفحما على الأشعرية، فإنهم يستنبطون منها دليل الممانعة ، وهو دليل لا يقدر ~~الجمهور على فهمه، فضلا عن أن يقنع بصحة مدلوله؛ لأن دليل الممانعة المذكور يعرف عند ~~أهل المنطق بالقياس الشرطي المنفصل، ويسميه الأشعرية «دليل السبر والتقسيم» والدليل ~~الذي في الآية هو الذي يعرف في المنطق بالشرطي المتصل، فالفرق بين الدليلين ~~ظاهر. # وختم ابن رشد قوله في هذه النقطة بهذه النتيجة العامة: من نظر في كلمة «لا إله إلا ~~الله»، وصدق ms187 بالمعنيين الواردين فيها؛ وهما الإقرار بوجود الباري ونفي الإلهية عمن ~~سواه، وكان تصديقه بالطريقة المذكورة آنفا؛ فهو المسلم الحقيقي وعقيدته إسلامية. ومن ~~لم تكن عقيدته مبنية على هذه الأدلة، وإن صدق بهذه الكلمة، فهو مسلم مع المسلم الحقيقي ~~باشتراك الاسم. # ثم تكلم عن الصفات الإلهية فقال هي أوصاف الكمال الموجودة للإنسان؛ وهي العلم والحياة ~~والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، وقال يسأل بعض الفرق هل الصفات نفسية أو ~~معنوية، فالأشعرية تقول إنها معنوية وزائدة على الذات، فالله عالم بعلم زائد على ذاته، ~~وهكذا يقول ابن رشد: «وهذا قول النصارى الذين اعتقدوا أن الأقانيم ثلاثة: الوجود ~~والحياة والعلم، وأن واحدا منها قائم بذاته، والآخر قائم بالقائم بذاته، والعرض هو ~~القائم بغيره والمؤلف من جوهر وعرض جسم ضرورة «ومكان الخلاف بين ابن رشد وبين العقيدة ~~المسيحية أن النصارى اعتقدوا كثرة الصفات، واعتقدوا أنها جواهر غير قائمة بغيرها، بل ~~قائمة بنفسها كالذات، واعتقدوا أن الصفات التي بهذه الصفة هما صفتان: العلم والحياة، ~~قالوا فالإله واحد من جهة، ثلاثة من جهة، يريدون أنه ثلاثة من جهة أنه موجود وحي وعالم، ~~وهو واحد من جهة أن مجوعها شيء واحد».» # ثم تكلم ابن رشد في معرفة تنزيه الخالق عن النقائض، فأورد الأدلة الشرعية والعقلية ~~على التنزيه، ثم قال: إن كل فرقة تأولت في الشريعة تأويلا خاصا بها وزعمت أنه الذي ~~قصده الشرع حتى تمزق كل ممزق وبعد جدا عن موضعه الأول، وقد قال صاحب الشرع: «ستفترق ~~أمتي على اثنتين وسبعين فرقة كلها في ... إلا واحدة.» يعني التي سلكت ظاهر الشرع ولم ~~تؤوله تأويلا صرحت به للناس. # وأول من غير هذا الدواء الأعظم (أي سلوك ظاهر الشرع) هم الخوارج ثم المعتزلة ثم ~~الأشعرية ثم الصوفية، ثم جاء أبو حامد (يعني الغزالي خصمه اللدود) فطم الوادي على ~~القرى، وذلك أنه صرح بالحكمة كلها للجمهور وبآراء الحكماء على ما أداه إليه فهمه، وذلك ~~في كتابه الذي سماه بالمقاصد، فزعم أنه ألفه للرد عليهم ثم وضع التهافت فكفرهم في مسائل ~~ثلاث ms188 (وهي التي سبق ذكرها). ثم قال في كتابه «جواهر القرآن»: إن الذي أثبته في التهافت ~~هي أقاويل جدلية، وإن الحق إنما أثبته في «المضنون على غير أهله»، وهذا كله خطأ بل ~~ينبغي أن يقر الشرع على ظاهره ولا يصرح للجمهور بالجمع بينه وبين الحكمة. # ثم انتقل ابن رشد للمبحث الخامس في معرفة الأفعال، وهي إثبات خلق العالم وبعث الرسول ~~والقضاء والقدر والتحوير والتعديل والمعاد. ويظهر للقارئ أن هذا المبحث هو أكبر المباحث ~~شأنا؛ لأن به محاولة حل مسائل الحياة والكون، بعد أن مهد لها ابن رشد بأبحاثه وفنونه ~~تمهيدا يدل على خطة مرسومة وغاية مقصودة وطريقة مختارة. فقال عن خلق العالم إن الذي ~~قصده الشرع من معرفة العالم هو أنه مصنوع لله ومخترع له، وأنه لم يوجد عن الاتفاق ومن ~~نفسه، وقد سلك الشرع بالناس في تقرير هذا الأصل الطريق البسيطة القليلة المقدمات، التي ~~نتائجها قريبة من المقدمات المعروفة بنفسها أو بالبداهة. وينهي ابن رشد عن سلوك غير هذا ~~النوع من الطرق بالجمهور، ويرمي من يحيد عن الطريق البسيطة في تفهيم الجمهور ومخاطبتهم ~~بالجهل والزيغان. فقد لجأ الشرع إلى دليل قطعي بسيط مبناه على أصلين معترف بهما عند ~~الجميع. # الأول أن العالم بجميع أجزائه موافق لوجود الإنسان ولوجود جميع الموجودات التي ~~ههنا. # والأصل الثاني أن كل ما يوجد موافقا في جميع أجزائه لفعل واحد ومسددا نحو غاية ~~واحدة فهو مصنوع وأن له صانعا. وهذا النوع من الاستدلال هو النوع الموجود في القرآن ~~واستشهد ابن رشد ببعض آيات منها: # ألم نجعل الأرض ~~مهادا * والجبال أوتادا ~~، ثم قال تعليقا على هذه ~~الآية عبارة تدل على عدم علمه بدوران الأرض وهاك نصها: «إن الأرض خلقت بصفة يتأتى لنا ~~المقام عليها، وإنها لو كانت متحركة أو بشكل آخر غير الموضع الذي هي فيه أو بقدر غير ~~هذا القدر، لما أمكن أن نوجد فيها ولا أن نخلق عليها.» فقول ابن رشد «وإنها لو كانت ~~متحركة» دليل قاطع على عدم علمه بأن الأرض متحركة في الواقع، ms189 فكيف يكون تعليل ابن رشد ~~لهذا الدليل لو كان عالما بحركتها ودورانها؟ وهل يصلح هذا الدليل لإقناع الجمهور في كل ~~العصور، حتى عصرنا هذا الذي أصبح برنامج التعليم المدرسي فيه أوسع من سائر علوم القرون ~~الوسطى؟ # واستمر ابن رشد في الاستدلال بسكون الأرض على حكمة الخلق فقال: «وأما قوله تعالى ~~«والجبال أوتادا» فإنه نبه بذلك على المنفعة الموجودة في سكون الأرض من قبل الجبال، ~~فإنه لو قدرت الأرض أصغر مما هي، كأن كانت دون الجبال، لتزعزعت من حركات باقي ~~الاسطقسات؛ أعني الماء والهواء ولتزلزلت وخرجت من موضعها.» على أن ذكر هذه النصوص لا ~~ينقص قدر ابن رشد؛ لأنه لم يكن عالما طبيعيا ولا فلكيا ولا رياضيا، بل كان ~~فيلسوفا ولا لوم عليه إذا لم تصل إليه في عصره وفي وطنه وبلغته تلك الحقائق العلمية ~~التي اكتشفت بعده بأجيال، ولكننا أوردنا هذه الملاحظة لتقدير قيمة الدليل الذي قدمه ابن ~~رشد بحسن نية وجعله ميزانا لإقناع الجمهور بخلق العالم. ولعل مبالغة ابن رشد في التبسط ~~في التدليل للعامة، وشدة رغبته في إقناع الجمهور بأمور سبق ثبوتها في أذهانهم؛ هو الذي ~~دعاه إلى الطعن في طرق الأشعرية الذين حاولوا التدليل ببراهين مركبة تنطبق على عقلية ~~أرقى نوعا من عقلية الجمهور، لأن ابن رشد يعتقد اعتقادا جازما بأن «ليس يمكن للجمهور ~~أن يتصوروا معنى ليس له مثال في الشاهد». # من أجل هذا يقول ابن رشد إن الآيات # وكان عرشه على ~~الماء # و # خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام # و # ثم استوى إلى السماء ~~وهي دخان # يجب أن لا يتأول شيء من هذا للجمهور ولا يتعرض لتنزيله على ~~غير هذا التمثيل، ومن غير ذلك فقد أبطل الحكمة الشرعية؛ لأن العلماء فضلا عن الجمهور ~~لا يتصورون عقيدة الشرع في العالم، وهي أنه محدث وأنه خلق من غير شيء وفي غير ~~زمان. # فينبغي الاكتفاء بهذا التمثيل، وهو الموجود في القرآن والتوراة وسائر الكتب المنزلة، ~~وأنه لم يثر الشبه في الإسلام إلا أهل الكلام بتصريحهم في الشرع بما ms190 لم يأذن به الله، ~~فلا هم اتبعوا ظواهر الشرع فكانوا ممن سعادته ونجاته باتباع الظاهر، ولا هم أيضا لحقوا ~~بمرتبة أهل اليقين فكانوا ممن سعادته في علوم اليقين. # ثم انتقل إلى الكلام على بعث الرسل، وفيه موضعان: الأول إثبات الرسل، والثاني أن الذي ~~يدعي الرسالة واحد منهم وليس بكاذب في دعواه. وأثبت ابن رشد بالمنطق تارة وبآيات القرآن ~~طورا أن الرسل موجودون، وأن الأفعال الخارقة لا توجد إلا منهم، وأن تلك الأفعال ~~الخارقة أو المعجز دليل على تصديق النبي؛ ويقصد ابن رشد بالمعجز شيئين: «المعجز ~~البراني» الذي لا يناسب الصفة التي بها سمي النبي نبيا، ويشبه أن يكون التصديق الواقع ~~من قبل المعجز البراني هو طريق الجمهور فقط، والتصديق من قبل المعجز المناسب طريق مشترك ~~للجمهور والعلماء، فإن الشكوك والاعتراضات التي وجهها ابن رشد على المعجز البراني ليس ~~يشعر بها الجمهور، لكن الشرع إذا تؤمل وجد أنه إنما اعتمد المعجز الأهلي والمناسب لا ~~المعجز البراني. # وانتقل ابن رشد إلى المسألة الثالثة وهي القضاء والقدر. وقد سلم من أول وهلة أنها ~~أعوص مسائل الشرع؛ لأن دلائل السمع والعقل فيها متعارضة. ففي القرآن آيات تدل بعمومها ~~على أن كل شيء بقدر، وأن الإنسان مجبر على أفعاله، وفيه آيات تدل على أن للإنسان ~~اكتسابا بفعله وأنه ليس مجبرا على أفعاله وقد أوردها، وكذلك تلقى الأحاديث في هذا ~~أيضا متعارضة. # وقد افترق المسلمون في هذا إلى فرقتين: الأولى: تعتقد أن اكتساب الإنسان هو سبب ~~المعصية والحسنة، ولمكان هذا ترتب عليه العقاب والثواب، وهي المعتزلة. والثانية: تعتقد ~~أن الإنسان مجبور على أفعاله ومقهور، وهي الجبرية. وقد رامت الأشعرية أن تأتي بقول وسط ~~بين القولين، فقالوا إن للإنسان كسبا، وإن المكتسب به والكسب مخلوقان لله ~~تعالى. # وابن رشد ينتقد آراء الفرق الثلاث ويقول بأن الظاهر من مقصد الشرع ليس تفريق المسموع ~~والمعقول، وإنما قصده الجمع بينهما على التوسط الذي هو الحق في هذه المسألة، وذلك أنه ~~يظهر (كذا) أن الله خلق لنا قوى نقدر بها أن ms191 نكتسب أشياء هي أضداد، لكن لما كان ~~الاكتساب لتلك الأشياء لا يتم لنا إلا بمواتاة الأسباب التي سخرها الله لنا من خارج ~~وزوال العوائق عنها، كانت الأفعال المنسوبة إلينا تتم بالأمرين جميعا، فالأفعال ~~المنسوبة إلينا يتم فعلها أيضا بإرادتنا وموافقة الأفعال التي من خارج لها، وهي المعبر ~~عنها بقدر الله. # أما (الأفعال التي من خارج) فهي متممة للأفعال التي نروم فعلها أو عائقة عنها على ~~مقتضى الحال، وهي أيضا السبب الذي يدفعنا لأن نريد أحد المتقابلين أي أحد شيئين ~~مختلفين، وبيان ذلك (وهنا دخل ابن رشد في علم النفس على طريقة قديمة) أن الإرادة إنما ~~هي شوق يحدث لنا عن تخيل ما أو تصديق بشيء، وهذا التصديق ليس هو لاختيارنا بل هو شيء ~~يعرض لنا عن الأمور التي من خارج، مثال ذلك أنه إذا ورد علينا أمر مشتهى من خارج ~~اشتهيناه بالضرورة من غير اختيار فتحركنا إليه، وكذلك إذا طرأ علينا أمر مهروب عنه من ~~خارج كرهناه باضطرار فهربنا منه، وإذا كان هكذا فإرادتنا محفوظة بالأمور التي من خارج ~~ومربوطة بها (وهنا يقرر ابن رشد مذهب الديترمنزم وتأثيره في أفعال الإنسان) ويقول: ~~«ولما كانت الأسباب التي تجري من خارج تجري على نظام محدود وترتيب منضود، فواجب أن تكون ~~أفعالنا تجري على نظام محدود، وليس يوجد هذا الارتباط بين أفعالنا والأسباب التي من ~~خارج فقط، بل وبينها وبين الأسباب الموجودة في داخل أبداننا والنظام المحدود الذي في ~~الأسباب الداخلة والخارجة؛ أعني التي لا تحل هو القضاء والقدر الذي كتبه الله على ~~عباده، وهو اللوح المحفوظ وعلم الله بالأسباب هو العلة في وجودها، وعلمه بها هو علمه ~~بالغيب الذي انفرد به وحده.» # وانتقل ابن رشد إلى الكلام على الجور والعدل، وهي المسألة الرابعة، فتحفز كعادته في ~~مستهل كل بحث للرد على الأشعرية في رأيهم في العدل والجور، ووصفه بأنه في غاية من ~~الشناعة لأنهم ميزوا بين الله والإنسان. فقال إن أفعال الإنسان توصف بأنها عدل أو جور ~~لكونه مكلفا بالشرع، وأما من ms192 ليس مكلفا ولا داخلا تحت حجر الشرع فليس يوجد في حقه ~~فعل هو جور أو عدل، بل كل أفعاله عدل. وهذا القول في ذاته صحيح لأن الأفعال بوصف كونها ~~أفعالا مجردة من قيود الأوصاف الشرعية لا يجوز أن تنسب إلى شيء دون آخر، فضلا عن أن ~~الأفعال يجب تقديرها من وجهة النظريات نسبيا بحسب مقتضيات حدوثها زمانا ومكانا ~~ودافعا وسببا وعلة وأثرا. # ولكن ابن رشد يقيم القيامة على الأشعرية لقولهم بهذا الرأي، على أن ابن رشد نفسه لم ~~يتمكن من الإقدام على هذا البحث بدون الالتجاء إلى التأويل الذي نهى عنه وعابه على ~~أرباب المذاهب الأخرى، وذلك في عرض الاستشهاد بالآيات القرآنية التي يظهر فيها التناقض ~~فقال: «فإن قيل: فما الحكمة في ورود هذه الآيات المتعارضة في هذا المعنى حتى يضطر الأمر ~~فيها إلى التأويل وأنت تنفي التأويل في كل مكان؟» وكان جوابه أن تفهيم الأمر على ما هو ~~عليه الجمهور في هذه المسألة اضطره إلى هذا وفي هذا القدر كفاية. # المسألة الخامسة وهي مسألة المعاد، قال إنه مما اتفقت على وجوده الشرائع واختلفت في ~~الشاهدات التي مثلت بها للجمهور تلك الحال الغائبة، وذلك أن من الشرائع من جعله ~~روحانيا، أعني للنفوس، ومنها من جعله للأجسام والنفوس معا. # وإن الشريعة الإسلامية رأت أن التمثيل بالمحسوسات هو أشد تفهيما للجمهور، والجمهور ~~إليها وعنها أشد تحركا، فأخبرت أن الله تعالى يعيد النفوس السعيدة إلى أجساد تنعم فيها ~~الدهر كله بأشد المحسوسات تنعيما وهو مثلا الجنة، وأنه تعالى يعيد النفوس الشقية إلى ~~أجزاء تتأذى فيها الدهر كله بأشد المحسوسات أذى وهو مثلا النار. # والشرائع كلها متفقة على أن للنفوس من بعد الموت أحوالا، وذكر ابن رشد انقسام ~~المسلمين في تلك المسألة إلى ثلاث فرق، وإن بعض هذه الثلاث قد انقسم إلى طائفتين ثم ~~قال: «والحق في هذه المسألة أن فرض كل إنسان فيها هو ما أدى إليه نظره فيها، بعد أن لا ~~يكون نظرا يفضي إلى إبطال الأصل جملة، وهو إنكار الوجود جملة، ms193 فإن هذا النحو من ~~الاعتقاد يوجب تكفير صاحبه، فهذا كله ينبني على بقاء النفس أو تنبيه على ذلك.» # وهذا ختام بحث ابن رشد، وقد نبهنا إلى أهم ما جاء فيه وبينا على قدر ما استطعنا وجهة ~~نظر هذا الحكيم العميق الفكر البعيد النظر. ~~(42) تهافت الفلاسفة وتهافت التهافت # لهذين الكتابين شأن عظيم جدا في تاريخ الفلسفة العربية، فأولهما تهافت الفلاسفة ~~ألفه أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، وبفضل هذا الكتاب وكتاب «إحياء علوم الدين» وصفه ~~أنصاره ومريدوه بأنه الإمام، وحجة الإسلام، لأنه نصب نفسه مدافعا عن العقيدة، ومحاميا ~~عن الشريعة ضد الفلسفة والفلاسفة في جميع الأجيال وعلى مر القرون من أول حكماء اليونان، ~~الذين يسميهم القدماء إلى ابن سينا وهو أحدث الفلاسفة عهدا في عصر الغزالي. # وليس هنا مجال الكلام على هذا الكتاب تقريظا أو نقدا، إنما محل الكلام عليه عند فحص ~~مؤلفات الغزالي وترجمته وتلخيص تعاليمه. أما تهافت التهافت فهو الرد الذي دبجه يراع ابن ~~رشد بعد ظهور الكتاب في عالم الوجود بنحو مائة عام. وقد وضع ابن رشد نفسه بالنسبة ~~للفلسفة والفلاسفة في موضع يعادل مكانة الغزالي بالنسبة للشريعة؛ أي إنه نصب نفسه ~~محاميا ومدافعا ومحاربا ومقارعا ونصيرا وظهيرا للحكماء من أول عهد الحكمة ~~اليونانية إلى وقته؛ أي بعد وفاة الغزالي بنحو قرن من الزمان. # فإن الغزالي توفي في مستهل القرن السادس للهجرة، وابن رشد توفي في ختامه، فحق لابن ~~رشد أن يكون حجة الحكمة والحكماء كما كان الغزالي حجة الإسلام، فإن كتاب التهافت بقي ~~مائة سنة قائما يشن الغارة على الفلسفة والفكر الحر ويسفه أحلام الحكماء ويكفرهم ~~ويلعنهم ويتوعدهم بعذاب النار ويستنزل عليهم سخط الخلق وغضب الخالق، ولم يتقدم أحد من ~~فلاسفة الشرق أو الغرب للرد على هذا الكتاب أو تفنيد بعض ما جاء فيه، مما يلحق العار ~~والخزي بالفلاسفة أجمعين. # فلما تصدى ابن رشد لهذا الكتاب بالنقد والتفنيد محا عن أسلافه وأساتذته وتلاميذه ~~وإخوانه من أهل الحكمة وصمة لم يقدر غيره على محوها عنهم، وأعاد الحياة إلى ms194 الفلسفة، ~~فاستردت تاجها وبهجتها، بعد أن أدمى الغزالي فؤادها وأصمى مهجتها، ولنبدأ الآن بالكلام ~~على تهافت التهافت، بعد مقدمة وجيزة من تهافت الفلاسفة، تبين اسمه والغرض من ~~وضعه. ~~(42-1) اسم الكتاب وغايته # قال الغزالي: «ابتدأت بتحرير هذا الكتاب، ردا على الفلاسفة القدماء، مبينا ~~تهافت عقيدتهم وتناقض كلمتهم فيما يتعلق بالإلهيات، وكاشفا عن غوائل مذهبهم ~~وعوراته التي هي على التحقيق مضاحك العقلاء، وعبرة عند الأذكياء، أعني ما اختصوا به ~~عن الجماهير والدهماء، من فنون العقائد والآراء.» ~~(42-2) الفلاسفة الأقدمون وقصد الغزالي من تأليف الكتاب # وطريقة الغزالي هي حكاية مذهب الفلاسفة على وجهه (أي على حقيقته) ليتبين ~~للملحدين، تقليدا، اتفاق كل مرموق من الأوائل والأواخر (أي كل شهير منهم) على ~~الإيمان بالله واليوم الآخر. وعندئذ يتحقق كل من يظن أن التجمل بالكفر تقليدا يدل ~~على حسن آرائه، أو يشعر بفطنته أن هؤلاء الذين تشبه بهم من زعماء الفلاسفة ورؤسائهم ~~براء عما قذفوا به من جحد الشرائع، وأنهم مؤمنون بالله ومصدقون لرسله، ولكنهم ~~اختبطوا في تفاصيل بعد هذه الأصول قد زلوا فيها فضلوا وأضلوا عن سواء ~~السبيل. ~~(42-3) سبب وضع الكتاب # يقول الغزالي إنه رأى طائفة يعتقدون في أنفسهم التميز عن الأتراب بالفطنة، قد ~~رفضوا طوائف الإسلام والعبادات واستحقروا شعائر الدين وخلعوا ربقته، ولا مستند ~~لكفرهم غير سماع الغي وسماعهم أسماء هائلة كسقراط وبقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس ~~وأمثالهم، وأطناب متبعيهم في وصف عقولهم ودقة علومهم (الهندسة والمنطق والطبيعة ~~والإلهيات)، واستبدادهم بفرط الذكاء والقول عنهم إنهم مع رزانة عقولهم وغزارة فضلهم ~~منكرون للشرائع والنحل، وجاحدون لتفاصيل الأديان، يعتقدون أنها نواميس مؤلفة، وحيل ~~مزخرفة. فلما قرع ذلك سمعهم (أي سمع هذه الطائفة التي تعتقد في نفسها التميز عن ~~الأتراب في الذكاء) ووافق ما حكي لهم من عقائد الفلاسفة طبعهم، تجملوا باعتقاد ~~الكفر تحيزا إلى غمار الفضلاء بزعمهم وانخراطا في سلكهم، وترفعا عن مساعدة ~~الجماهير والدهماء واستنكافا من القناعة بأديان الآباء. ~~(42-4) الاقتصار على أرسطو # وقد قال الغزالي في أول الأمر، إنه سيقتصر على إظهار التناقض في ms195 رأي مقدمهم الذي ~~هو الفيلسوف المطلق والمعلم الأول، فإنه رتب علومهم وهذبها بزعمهم (كذا)، وحذف ~~الحشو من آرائهم، وانتقى ما هو الأقرب إلى أصول أهوائهم (أي الفلاسفة) وهو ~~أرسطاطاليس، وقد رد على كل من قبله حتى على أستاذه الملقب عندهم بأفلاطون الإلهي، ~~ولكن الحقيقة هي أن الغزالي لم يقتصر على أرسطو كما ادعى بل خلط آراء جميع ~~الفلاسفة. ~~(42-5) علوم الفلاسفة # يقول الغزالي إنه سيقصر بحثه على المسائل الإلهية، لأن العلوم الحسابية والهندسية ~~والمنطقية لا مجال فيها للنقد، وإن الفلاسفة يستدلون على صدق علومهم الإلهية بظهور ~~العلوم الحسابية والمنطقية، ويستدرجون بها ضعفاء العقول، ولو كانت علومهم الإلهية ~~متقنة البراهين نقية عن التخمين كعلومهم الحسابية والمنطقية، لما اختلفوا فيها كما ~~لم يختلفوا في الحسابية. وطبعا لم يكن الغزالي يستطيع الرد عليها؛ لأنه معترف بصحة ~~العلوم الحسابية والمنطقية. ~~(42-6) فلاسفة الإسلام # ثم المترجمون لكلام أرسطو، لم ينفك كلامهم عن تحريف وتبديل، محوج إلى تفسير ~~وتأويل، حتى أثار ذلك أيضا نزاعا بينهم، وأقومهم بالنقل والتحقيق من المتفلسفة ~~الإسلامية الفارابي أبو نصر وابن سينا، فلنقتصر على إبطال ما اختاراه ورأياه الصحيح ~~من مذاهب رؤسائهما في الضلال (كذا) فليعلم أنا مقتصرون على رد مذاهبهم بحسب نقل ~~هذين الرجلين. ~~(42-7) بيان المسائل العشرين التي أظهر فيها الغزالي تناقض الفلاسفة في كتابه ~~(1) # مذهب الفلاسفة في أزلية العالم. ~~(2) # مذهبهم في أبدية العالم. ~~(3) # قولهم إن الله صانع العالم وإن العالم صنعه. ~~(4) # عجزهم عن إثبات الصانع. ~~(5) # تعجيزهم عن إقامة الدليل على استحالة إلهين. ~~(6) # مذهبهم في نفي صفات الله. ~~(7) # قولهم إن ذات الأول (الله) لا ينقسم بالجنس والفصل. ~~(8) # قولهم إن الأول موجود بسيط بلا ماهية . ~~(9) # تعجيزهم عن بيان الأول ليس بجسم. ~~(10) # القول بالدهر ونفي الصانع لازم للفلاسفة. ~~(11) # تعجيزهم عن القول بأن الأول يعلم غيره. ~~(12) # تعجيزهم عن القول بأن الأول يعلم ذاته. ~~(13) # قولهم إن الأول لا يعلم الجزئيات. ~~(14) # قولهم إن السماء حيوان متحرك بالإرادة. ~~(15) # ما ذكروه من الغرض المحرك للسماء. ~~(16) # قولهم إن نفوس السماوات تعلم بالجزئيات الحادثة في هذا العالم. ~~(17) # قولهم باستحالة ms196 خرق العادات. ~~(18) # تعجيزهم عن البرهان العقلي على أن نفس الإنسان جوهر قائم بنفسه ليس بجسم ~~ولا عرض. ~~(19) # قولهم باستحالة الفناء على النفوس البشرية. ~~(20) # إنكارهم البعث وحشر الأجساد مع التلذذ والتألم في الجنة والنار باللذات ~~والآلام الجسمانية. # ويرى القارئ الملم بهذه المباحث أن هذه المسائل العشرين تناولت جميع مشاكل العلوم ~~الإلهية والطبيعية قديما وحديثا عند فرق المسلمين وغيرهم من أصحاب العقائد، ما ~~عدا ما كان سبب القول به جهل المفكرين كالمسائل 14 و15 و16. # أما الرياضيات فلا معنى لإنكارها، ولا للمخالفة فيها، والمنطقيات فهي نظر في آلة ~~الفكر في المعقولات، ولا يتفق فيه خلاف به مبالاة (أي ذو شأن)، وبعد أن أسهب ~~الغزالي بسط تلك المسائل وتفنيدها على طريقته، وزعمه بأدلة ومسائل وبيانات ومسالك ~~وطرق وأصول وفروع ومقامات واعتراضات لا عدد لها؛ ختم كتابه العجيب بقوله: # فإن قال قائل قد فصلتم مذاهب هؤلاء أفتقطعون بكفرهم ووجوب القتل (!) لمن ~~يعتقد اعتقادهم، قلنا (أي الغزالي) تكفيرهم لا بد منه في ثلاث مسائل: ~~(1) # مسألة قدم العالم وقولهم إن الجواهر كلها قديمة. ~~(2) # قولهم إن الله تعالى لا يحيط علما بالجزئيات الحادثة من ~~الأشخاص. ~~(3) # في إنكار بعث الأجساد وحشرها. # فهذه المسائل الثلاث لا تلائم الإسلام بوجه. ومعتقدها معتقد كذب ~~الأنبياء، وأنهم ما ذكروه إلا على سبيل المصلحة تمثيلا لجماهير الخلق ~~وتفهيما. وهذا هو الصريح الذي لم يعتقده أحد من فرق المسلمين. # فأما ما عدا هذه المسائل الثلاث من تصرفهم في الصفات الإلهية واعتقاد ~~التوحيد فيها، فمذهبهم قريب من مذاهب المعتزلة ومذهبهم في تلازم الأسباب ~~الطبيعية هو الذي صرح المعتزلة به في التولد، وكذلك جميع ما نقلناه عنهم قد ~~نطق به فريق من فرق الإسلام إلا هذه الأصول الثلاثة. # فمن ير تكفير أهل البدع من فرق الإسلام يكفرهم أيضا به، ومن يتوقف على ~~التكفير يقتصر على تكفيرهم بهذه المسائل، وأما نحن فلسنا نؤثر الآن الخوض ~~في تكفير أهل البدع، وما يصح منه وما لا يصح، كي لا يخرج الكلام عن مقصود ~~هذا الكتاب. # وبديهي أن هذه النتيجة ms197 الختامية الوديعة المتواضعة، لا تلتئم في شيء مع الطبل ~~والزمر الذي بدأ به الغزالي كتابه، فقد يخيل لقارئه في أوله أنه سيخرق الأرض وسيبلغ ~~الجبال، وأنه سيهدم قبة الفلسفة على رءوس الحكماء، ولن يبقى في بناء الأكروبول ~~حجرا على حجر! وهو ذلك الهيكل الفخم الذي شاده القدماء لعبادة منرفا إلهة ~~الحكمة. # ويظهر أن الغزالي كان يعرف طريقة «التمهيد بالمدافع»، فإنه حشد في مقدمة كتابه ~~ألفاظا وجملا طنانة تدخل الرعب إلى قلوب خصومه، ثم أخذ يناقش الفلاسفة بطريقة شبه ~~منطقية، ويعزز قوله في كل حين بعبارات دينية يعد من لا يؤمن بها كافرا، وهو بين ~~جملة وجملة يلعن الفلاسفة ويسبهم ويحقرهم ويستعيذ بالله منهم ومن كفرهم. # كل ذلك على أشكال تهيج غيظ الحليم، وتبعث المتعجل على سوء الظن به، لا سيما وأن ~~الغزالي يناقش الفلاسفة بأصول علومهم كأنه واحد منهم قد أتقن معرفتهم ووقف على ~~أسرارهم، ثم شهر عليهم هذه الحرب الشعواء في كتبه، وهذا الذي ينفر القارئ الخالي ~~الغرض من الغزالي مع أنه ذو شخصية مقبولة، وكان من أئمة الفكر البشري في ~~الشرق. # وأغرب مما تقدم هبوط الغزالي من أفق التهويل بتلك الخاتمة البسيطة التي سحب بها ~~معظم أبحاثه، فقد سبق فكفر الفلاسفة في عشرين مسألة، وتصدى للرد عليهم من أرسطو إلى ~~ابن سينا ناقدا ومفندا ومظهرا أوجه الخلاف والتناقض. # ثم اختصر العشرين مسألة واقتصر على ثلاث منها، ولو كانت غايته الحقيقة تكفير ~~الفلاسفة في تلك المسائل الثلاث لاقتصر عليها دون سواها، ولكن الغزالي كالمصارع ~~الشهير تقدم إلى الميدان ليعجز خصمه في حركة بدنية تقتضي منتهى المهارة والحذق، ~~فلما أتى بتلك الحركة استعذب الاستحسان، فاستمر في إبداء الخفة حتى أتى على عشرين ~~حركة يقدر مصارعه على إتيان سبع عشرة منها، ولما أراد الانسحاب من ساحة المصارعة ~~قال بصوت خافت للجمهور الذي استولت عليه الدهشة: # سادتي إنني أظهرت لكم مهارتي، والحقيقة أنني وخصمي متفقان إلا في ثلاث ~~حركات، ولعلنا نتفق فيها أيضا إذا طالت فرصة الامتحان. # وبعد هذه المقدمة التي لم ms198 يكن عنها بد، سنترك المجال لابن رشد، وهو خصم الغزالي ~~ونده ومصارعه وصارعه في ميدان الفكر الفلسفي. ~~••• # لابن رشد في كتبه التي وقعت لنا ترتيب وتقسيم وتبويب وطرق تنطبق على أصول العلم ~~الحديث في التأليف. # أما كتاب التهافت الذي نحن بصدده، فقد اتبع فيه طريقة الغزالي في «تهافت ~~الفلاسفة»، فصار يقتبس المتن جملة جملة ويردفها بالرد عليها، وأخذ في ذلك إلى قدر ~~كبير، ثم أدرك أن هذه الطريقة تقتضي تدوين كتابين في كتاب، وفي ذلك من الملل ~~والتطويل ما فيه، فصار يكتفي باقتباس أوائل جمل الغزالي ويختمها بقوله «إلى قوله ~~كذا أو إلى آخر ما قال أبو حامد»، وهذه الطريقة تقتضي وجود الكتابين أمام القارئ ~~ليقرأ كلام الغزالي ورد ابن رشد عليه. # ولكن دون هذه الغاية مصاعب شتى، منها أن ابن رشد لا يشير إلى الصفحات أو النبذ ~~لأنها لم تكن في زمنه معينة بأعداد، ولم تكن النسخ متحدة في الكتابة والشكل حتى ~~ينطبق ما في نسخته على ما في عداها مما يوجد بين أيدي الجمهور، ومنها أن الشخص ~~الشرقي الذي طبع هذين الكتابين جمعهما في مجلد واحد، ولا بد من فصلهما قبل البدء في ~~التمتع بقراءتهما، هذا فضلا عن أن الطمع وعدم الذوق أديا بالناشر إلى «تزيين» ~~هوامش الكتابين بكتاب ثالث تأليف من يدعى «خوجه زاده أو أحد علماء الروم»، وهو لا ~~شك من علماء زمن الانحطاط في الشرق الإسلامي وليس لكتابه قصد أو قيمة. # ولا عجب، فإن هذا العالم الرومي تصدى للتحكيم بين الغزالي وابن رشد فيما اختلفا ~~فيه، وهذه العبارة وحدها كافية للدلالة على قلة فهمه؛ لأن التحكيم والتوفيق بينهما ~~مستحيلان؛ إذ كل منهما في اتجاه من الفكر، والعقيدة، والرأي، والطريقة، يناقض ~~ويخالف اتجاه الآخر. # وبهذا وبذاك أصبح كتاب التهافت، في حاله الحاضرة، عبارة عن مجموعة ملازم مطبوعة ~~على ورق نباتي بحروف سقيمة في صحف متلاصقة مزدحمة، تصد بمنظرها وقطعها أشجع القراء ~~وأشدهم تعلقا بالحكمة. ولا شك في أن المقارنة بين كتب الفلسفة العربية، وبين ما ~~يماثلها ms199 من الكتب الإفرنجية كافية للدلالة على مكانة الحكمة من عقولنا وقلوبنا، بل ~~كافية للدلالة على مركزنا العقلي في العالم. ~~••• # على أن لكتاب تهافت التهافت، قيمة خاصة لأنه عبارة عن دفاع فيلسوف عن الفلسفة، ~~وفي نظرنا أنه أعظم دفاع لأعظم فيلسوف عربي مسلم، ضد أعظم مفكر شرعي مسلم. # يظهر ابن رشد في هذا الكتاب بمظهر الواقف على الفلسفة في جميع أدوارها، العالم ~~بما جاء في كتب القدماء والمحدثين من اليونان والعرب، كذلك يظهر بمظهر المدافع ~~الرزين الثابت الجأش، الذي لا يخرجه افتراء الخصم عن حلمه، ولا يحرجه سوء النية ~~فيقول ما لا يليق بالعاقل، ولا تستهويه رغبة الانتصار على خصمه إلى الاستهانة ~~بقدره، ولا يدفعه حب الانتصار لأسلافه من الفلاسفة إلى مظاهرتهم بغير حق. # ويظهر لنا أنه لا يحترم أحدا بعد اليونان، ولا يحترم في اليونان أحدا قبل أرسطو ~~أو بعده. وهو لا يغمط حق ابن سينا والفارابي، ولكنه يتناول مبادئهما بالنقد الصحيح. ~~كذلك لا يندفع في الطعن على الغزالي، بل كثيرا ما يذكره بالعلم والفطنة. # ويقول في مواضع كثيرة «قال أبو حامد رضي الله عنه أو رحمه الله»، ولكنه لا يقبل ~~عثرته في أماكن معينة، فيحمل على طريقته فيقول مثلا عنه: «وهذه المعاندة كما قلنا ~~خبيثة، وهي من مواضع الإبدال المغلظة إن كنت تعلم (للقارئ) كتاب السفسطة.» # وعندي أن بقاء كتاب التهافت راجع إلى أن المسلمين تمسكوا بكتاب الغزالي لما ظنوه ~~من مناصرته للشريعة ضد الحكمة، ثم إن النساخ جمعوا بين الكتابين لضرورة وجودهما ~~معا للارتباط الذي ذكرته. # ويظهر أن خوجه زاده المتوفى في أواخر القرن التاسع للهجرة خدم العلم بأمر واحد، ~~ليس هو تطوعه للتحكيم بينهما ، إنما تأليفه دعا إلى عناية بعض الترك بالكتابين ~~ونشرهما ليكون لخوجه زاده، شرف الخلود على الهوامش. فقد دلنا الاختبار على أن ~~المؤلفات الرشدية التي لا مساس لها إلا بالفلسفة قد فنيت وبادت وأحرقت. ~~••• # بدأ ابن رشد كتابه ببساطة جميلة تعلمها بدون شك من أساتذة اليونان، فجعل مقدمته ~~سطرين لا بأس من نقلهما، قال ms200 بعد الحمد والصلاة: «الغرض في هذا القول أن نبين مراتب ~~الأقاويل المثبتة في كتاب التهافت في التصديق والإقناع وقصور أكثرها عن رتبة اليقين ~~والبرهان.» # فأين هذه المقدمة البسيطة الهادئة من مدافع الغزالي وقنابله، ودباباته وطبله، ~~وهجماته على الفلاسفة وأهل الذكاء والملحدين؟ # لا ريب عندنا في أن الحقيقة لا تحتاج إلى زفة، لأنها غنية بقوتها وجمالها عن كل ~~المظاهر. ~~(42-8) كلام ابن رشد على الكتاب # قال لا يمتنع عند الفلاسفة أن يعدم العالم بأن ينقل إلى صورة أخرى؛ لأن العدم يكون ~~ههنا تابعا وبالعرض، وإنما الذي يمتنع عندهم أن ينعدم الشيء إلى لا موجود أصلا؛ لأنه ~~لو كان ذلك كذلك لكان الفاعل يتعلق فعله بالعدم أولا وبالذات، فهذا القول كله أخذ فيه ~~الغزالي بالعرض على أنه بالذات، وألزم الفلاسفة منه ما قالوا بامتناعه! # وأكثر الأقاويل التي ضمن هذا الكتاب هي من هذا القبيل، ولذلك كان أحق الأسماء بهذا ~~الكتاب كتاب التهافت المطلق أو تهافت أبي حامد لا تهافت الفلاسفة. وكان أحق الأسماء ~~بهذا الكتاب (أي تهافت التهافت تأليفه) كتاب التفرقة بين الحق والتهافت من الأقاويل ~~(ص41 طبع مصر). # وقال: إذا كان الغرض إنما هو أن نبين أن ما يحتوي عليه هذا الكتاب من الأقاويل هي ~~أقاويل غير برهانية وأكثرها سفسطائية، وأعلى مراتبها أن تكون جدلية، فإن الأقاويل ~~البرهانية قليلة جدا، وهي من الأقاويل بمنزلة الذهب الإبريز من سائر المعادن والدر ~~الخالص من سائر الجواهر (ص84). # وقال في عرض الكلام على علم الله بالكون والموجودات: «وهذا كاف في تهافت هذا القول ~~كله وسخفه، فلنسم هذا الكتاب التهافت بإطلاق لا تهافت الفلاسفة.» (ص91). # وقال: هذا الفصل (يقصد مسألة نفي الصفات وهي السادسة في كلام الغزالي) كله مغالطة ~~سفسطائية؛ فهذا الرجل (أبو حامد) في أمثال هذه المواضع في هذا الكتاب لا يخلو من ~~الشرارة أو الجهل، وهو أقرب إلى الشرارة منه إلى الجهل (ص99). # وقال: وجميع ما في هذا الكتاب لأبي حامد على الفلاسفة، وللفلاسفة عليه أو على ابن ~~سينا كلها أقاويل جدلية من ms201 قبل اشتراك الاسم الذي فيها (ص100). # وتكلم في مواطن كثيرة عن الغزالي نفسه بما اقتضاه سياق الموضوع، فقال في كلام أبي ~~حامد ضد رأي الفلاسفة في أزلية العالم. (المسألة الأولى من المسائل العشرين). # هذا القول هو في أعلى مراتب الجدل وليس هو موصلا موصل البراهين، لأن مقدمته عامة ~~والعامة قريبة من المشتركة، ومقدمات البراهين من الأمور الجوهرية المتناسبة. وهذا كما ~~لا يخفي على القارئ رد منطقي، لأن الغزالي عالج جميع المسائل على طريقة المنطق التي ~~أتقنها لتكميل نفسه أو لمحاربتهم. # وحاول الغزالي في هذه المسألة الأولى بعينها أن يضرب أمثالا من الشرع، فرد عليه ابن ~~رشد: هذا المثال الوصفي الوهمي من الطلاق أوهم أنه يؤكد به حجة الفلاسفة، وهو يوهنها ~~لأن الأشعرية لها أن تقول إنه كما تأخر وقوع الطلاق في اللفظ إلى وقت حصول الشرط من ~~دخول الدار أو غير ذلك، كذلك تأخر وقوع العالم عن إيجاد الباري إياه إلى وقت حصول الشرط ~~الذي تعلق به وهو الوقت الذي قصد فيه وجوده. لكن ليس الأمر في الوصفيات كالأمر في ~~العقليات. # وقال عن أدلة الغزالي في المسألة ذاتها: فقد تبين لك أنه ليس في الأدلة التي حكاها عن ~~المتكلمين في حدوث العالم كفاية في أن تبلغ مرتبة اليقين، وإنها ليست تلحق بمراتب ~~البرهان ولا الأدلة التي أدخلها وحكاها عن الفلاسفة في هذا الكتاب لاحقة بمراتب ~~البرهان، وهو الذي قصدنا بيانه في هذا الكتاب. # وقال في الرد على قول الغزالي بإلزام الفلاسفة أن وصفوا الإمكان بحدوث النفس غير ~~منطبع في المادة أن يكون الإمكان الذي في القابل كالإمكان الذي في الفاعل؛ لأن يصدر عنه ~~الفعل فيستوي الإمكانان. # ويقصد الغزالي من هذا أن تكون النفس مفارقة أي بعيدة عن الجسم وتدبره من خارج كما ~~يدبر الصانع المصنوع، فلا تكون النفس في البدن، كما لا يكون الصانع هيئة في المصنوع ~~أخرى. وهذا الغرض ينطبق على توفق العلماء إلى ابتداع سفينة حربية أو طيارة أو سيارة ~~تتحرك بقوة كهربائية بعيدة عنها ومستقلة دونها. # وقد ms202 فرض ابن رشد إمكان ذلك قائلا إنه لا يمتنع أن يوجد من الكمالات التي تجري مجرى ~~الهيئات ما يفارق محله، ولو صح هذا أيضا فهو لا يرى منفعة في تساوي الإمكانين، الإمكان ~~الذي في القابل والإمكان الذي في الفاعل، ولا فائدة في تشبيههما. ولما شعر أبو حامد أن ~~هذه الأقاويل كلها إنما تفيد شكوكا وحيرة عند من لا يقدر على حلها، وهو من فعل الشرار ~~السفسطائيين؛ أقر بأنه إنما يحارب الفلاسفة بمعارضته الإشكالات التي تنتج من أقوالهم ~~بإشكالات من نوعها، ويقصد بالإشكالات شكوكا تعرض عند ضرب أقاويل الفلاسفة بعضها ببعض، ~~ومثل الغزالي في ذلك كمثل المتقاضي الذي يتقن فهم قانون الإجراءات، ليستفيد منه وسائل ~~لإرباك خصمه بالدفوع الفرعية. وقد كان ابن رشد قاضيا ابن قاض ابن قاض، كما كان ~~فيلسوفا منطقيا، ولذا تمكن من تلخيص أقوال الغزالي ومعرفة الجيد منها من الرديء، ~~وعاب عليه أنه يلجأ إلى معاندة غير تامة؛ لأن المعاندة التامة إنما هي التي تقتضي إبطال ~~مذهب الخصم بحسب الأمر في نفسه لا بحسب قول القائل. فقال: وقد كان واجبا على أبي حامد ~~أن يبتدئ بتقرير الحق قبل أن يبتدئ بما يوجب حيرة الناظرين وتشكيكهم؛ لئلا يموت الناظر ~~قبل أن يقف على ذلك الكتاب أو يموت هو (الغزالي) قبل وضعه. ويشير ابن رشد بذلك إلى وعد ~~الغزالي بتأليف كتاب يظهر به الحق دون أن ينصر مذهبا مخصوصا غير «مشكاة الأنوار»، ~~ونظن أنه «مقاصد الفلاسفة»، ولكن هذا الكتاب لم يكن وصل إلى المغرب. لأن ابن رشد يقول: ~~«والظاهر من الكتب المنسوبة إليه أنه راجع في العلوم الإلهية إلى مذهب الفلاسفة، ومن ~~أثبتها في ذلك وأصحها ثبوتا له كتابه المسمى بمشكاة الأنوار.» # ولا يتردد ابن رشد في الاعتراف بصحة أقاويل الغزالي كقوله في ص78: «قد أجاد في أكثر ~~ما ذكره من وصف مذاهب الفلاسفة في كون الباري تعالى واحدا مع وصفه بأوصاف كثيرة، ~~ومثاله أيضا لدى قوله: «إن العالم ليس موجودا في باب الإضافة، وإنما هو موجود في باب ~~الجوهر ms203 والإضافة عارضة له».» # وقد رد الغزالي على الفلاسفة في شخص ابن سينا فجاء ابن رشد ونصر الغزالي على ابن سينا ~~وقصر الصحة في رأي ابن سينا على صور الأجرام السماوية وما يدرك من الصور المفارقة ~~للمواد (ص45). ومعنى هذا أن ابن رشد كتب كتابه لنصرة الفلاسفة، ولكنه لم يتحيز لرأي من ~~آرائهم، وأقر الغزالي في بعض المسائل المنسوبة إليهم وحاول تفسيرها وتبين أسباب خطأ ~~الحكماء فيها، وهذا أعظم دليل على حسن النية حيال خصم عنيد نسب ابن رشد إليه سوء النية ~~في أكثر من مكان من كتابه. # وهاك نموذجا من كلام هذا الحكيم الجليل عند الكلام على القول «بأن الواحد بالعدد ~~البسيط لا يصدر عنه إلا واحد بسيط بالعدد لا واحد بالعدد من جهة وكثرة من جهة، وأن ~~الوحدانية منه هي علة وجود الكثرة». فقد تناول الغزالي أصل هذا القول المنسوب إلى ابن ~~سينا ظنا منه أنه يفحم الفلاسفة في النيل من أحدهم، فقال ابن رشد: «هذه الأقاويل التي ~~هي أقاويل ابن سينا ومن قال بمثل قوله وهي غير صحيحة وليست جارية على أصول الفلاسفة، ~~ولكن ليست تبلغ من عدم الإقناع المبلغ الذي ذكره هذا الرجل (الغزالي)، وليس هذا القول ~~من الشناعة في الصورة التي أراد أن يصورها هذا الرجل حتى ينفر بذلك النفوس عن أقوال ~~الفلاسفة ويبخسهم في أعين النظار، فإن كان الرجل قصد قول الحق في هذه الأشياء فغلط فهو ~~معذور، وإن كان علم التمويه فيها فقصده فإنه لم يكن هنالك ضرورة داعية له فهو غير ~~معذور، وإن كان إنما قصد بهذا ليعرف أنه ليس عنده قول برهاني يعتمد عليه في هذه ~~المسألة، أعني المسألة التي هي «من أين جاءت الكثرة؟» فهو صادق في ذلك إذ لم يبلغ الرجل ~~المرتبة من العلم المحيط بهذه المسألة، وهذا هو الظاهر من حاله فيما بعد، وسبب ذلك أنه ~~لم ينظر الرجل إلا في كتب ابن سينا فلحقه القصور في الحكمة من هذه الجهة.» # وقد خرج الغزالي بأقوال ابن سينا في مسألة ms204 علم الباري بذاته وبسائر الموجودات، فإن ~~ابن سينا إنما رام أن يجمع بين القول بأنه لا يعلم إلا ذاته ويعلم سائر الموجودات ~~بعلم أشرف مما يعلمها به الإنسان؛ إذ كان ذلك العلم هو ذاته. وهذا قول جميع الفلاسفة ~~واللازم عن قولهم، وقد أحرجت مكابرة الغزالي صدر ابن رشد في هذه المسألة فقال: «إذا ~~تقرر هذا لك فقد بان لك قبح ما جاء به هذا الرجل من الحمل على الحكماء مع ما يظهر من ~~موافقة الرجل لهم في أكثر آرائهم.» وهذا مصداق لما هو مشهور عن الغزالي من أنه يوافق ~~الفلاسفة في معظم أقوالهم، ولكنه أراد الظهور بمخالفتهم ليحظى بشرف الانتصار للشريعة، ~~أو أنه كان مع الحكماء بعقله ومع الشرع بقلبه، فغلب القلب على العقل في مواطن كثيرة، ~~ولكن اقتناع العقل كان ظاهرا في كل حال. # ثم حمل ابن رشد على الغزالي حملته الكبرى، وهي من أقوى وأبلغ ما كتبه حكيم غضبان ~~للحكمة والحق، ومن سياق الحديث يفهم سبب تلك الحملة: # وأما قوله إن قصده ههنا ليس هو معرفة الحق، وإنما قصده إبطال أقاويلهم وإظهار ~~دعاواهم الباطلة فقصد لا يليق به بل بالذين في غاية الشر، وكيف لا يكون ذلك ~~كذلك ومعظم ما استفاد هذا الرجل من النباهة، وفاق الناس فيما وضع من الكتب التي ~~وضعها، إنما استفادها من كتب الفلاسفة ومن تعاليمهم؟! وهبك إذا أخطئوا في شيء ~~فليس من الواجب أن ينكر فضلهم في النظر وما راضوا به عقولنا، ولو لم يكن لهم ~~إلا صناعة المنطق لكان واجبا عليه وعلى جميع من عرف مقدارها شكرهم عليها، وهو ~~معترف بهذا المعنى وداع إليه وقد وضع فيها التآليف ويقول إنه لا سبيل إلى أن ~~يعلم أحد الحق إلا من هذه الصناعة، وقد بلغ الغلو فيها إلى أن استخرجها من كتاب ~~الله تعالى، أفيجوز لمن استفاد من كتبهم وتعاليمهم مقدار ما استفاد هو منها حتى ~~فاق أهل زمانه وعظم في ملة الإسلام صيته وذكره؛ أن يقول فيهم هذا القول ويصرح ~~بذمهم على الإطلاق ms205 وذم علومهم؟ # وإن وضعنا أنهم يخطئون في أشياء من العلوم الإلهية، فإنا إنما نحتج على خطئهم ~~من القوانين التي علمونا إياها في علومهم المنطقية، ونقطع أنهم لا يلزموننا على ~~التوقيف على خطأ إن كان في آرائهم، فإن قصدهم إنما هو معرفة الحق، ولو لم يكن ~~إلا هذا القصد لكان ذلك كافيا في مدحهم، مع أنه لم يقل أحد من الناس في العلوم ~~الإلهية قولا يعتد به، وليس يعصم أحد من الخطأ إلا بأمر خارج عن طبيعة ~~الإنسان، فلا أدري ما حمل هذا الرجل على مثل هذه الأقاويل، أسأل الله العصمة ~~والمغفرة من الزلل! # على أن ابن رشد كان في كتابه حائرا بين أمرين: الأول ضرورة الرد على الغزالي بما ~~يقنع ويفحم ويعجز الخصم، والثاني بغضه التصريح بالحكمة للجمهور خوفا عليهم من الضلال ~~بالقليل الذي لا يشفي الغليل، فهو يقول: «ولذلك كان هذا الكتاب أحق باسم التهافت من ~~الفرقتين جميعا، وهذا كله عندي تعد على الشريعة وفحص عما لم تأمر به شريعة لكون قوى ~~البشر مقصرة عن هذا، وذلك أن ليس كل ما سكت عنه الشرع من العلوم يجب أن يفحص عنه ويصرح ~~به للجمهور، وربما أدى إليه النظر أنه من عقائد الشرع، فإنه يتولد عن ذلك مثل هذا ~~التخليط العقيم فينبغي أن يمسك من هذه المعاني كل ما سكت عنه الشرع، ويعرف الجمهور أن ~~عقول الناس مقصرة عن الخوض في هذه الأشياء، ولا يتعدى التعليم الشرعي المصرح به في ~~الشرع؛ إذ هو التعليم المشترك للجميع الكافي في بلوغ ذلك.» # هذا ابن رشد، أشهر فلاسفة الإسلام، وقد رماه معاصروه بالإلحاد ونسبوا إليه التعطيل، ~~وحاكمه الأمير في مجلس حافل وعاقبه بالنفي، ولو أن ابن رشد عاصر الغزالي لكان أشد ~~خصومة، ولقامت بينهما حرب عقلية أشد من التي أثار الغزالي غبارها بكتابه وحركها الوليد ~~بعد موت خصمه بمائة عام، نقول إن ابن رشد يظهر في كل صفحة من صفحاته أنه أصدق دفاعا عن ~~الشريعة، وأشد مناصرة لأحكامها من ذلك الرجل الذي لقبوه بحجة ms206 الإسلام. # فإن ابن رشد في مواضع كثيرة من كتبه ينهى عن بذل الحكمة وعن تأويل ظاهر الشرع، ~~ويتناول تلك المسائل كارها الخوض فيها وناقما على من هتك ستر الحكمة ورفع النقاب عن ~~وجهها وأباح لسائر الأنظار أن تطأها يقول: «فلنرجع إلى ما كنا بسبيله مما دعت إليه ~~الضرورة، وإلا فالله العالم والشاهد والمطلع إنا ما كنا نستجيز أن نتكلم في هذه ~~الأشياء، هذا النحو من التكلم.» # وقد كتب ابن رشد كتاب التهافت إنقاذا للعقول من الضلال؛ أي إنه تدارك الخطر الذي ~~يحدثه الغزالي، فعمله مفهوم لأنه لغاية معلومة، أما الغزالي فقد انتدب نفسه لغير سبب ~~وقصد إلى تشويش الأفكار باعترافه. فأيهما أقرب إلى الصواب؟ وأيهما أكثر ارتباطا بالحق؟ ~~وأيهما أحسن نية وأسلم طوية وأشرف قصدا من صاحبه؟ # لقد أجاب ابن رشد على هذا السؤال في عرض الكلام على «الغرض المحرك للسماء، إذ قال ~~الفلاسفة إن السماء حيوان مطيع لله تعالى»، وهي المسألة الخامسة عشرة من مسائل الغزالي، ~~قال ابن رشد ردا عليه: «قد يظن أن هذا الكلام لسخفه يصدر عن أحد رجلين إما رجل جاهل ~~وإما رجل شرير، وأبو حامد مبرأ عن هاتين الصفتين، ولكن قد يصدر من غير الجاهل قول ~~جاهلي، ومن غير الشرير قول شريري على جهة الندور، ولكن يدل هذا على قصور البشر فيما ~~يعرض لهم من التقلبات.» # فما أصدق هذا القول على من تصدى للحق ظنا منه أنه يقلل من نوره! ~~(42-9) رد ابن رشد على طريقة الغزالي # يتهم ابن رشد خصمه الغزالي بأنه سفسطائي، وأنه تناول مسائل كثيرة عظيمة تحتاج كل ~~واحدة منها إلى أن تفرد بالفحص عنها وعما قاله القدماء فيها، وأخذ المسألة الواحدة بدل ~~المسائل الكثيرة هو موضع مشهور من مواضع السفسطائيين السبعة، والغلط في واحد من هذه ~~المبادئ هو سبب لغلط عظيم في إجراء الفحص عن الموجودات. # ويتهمه أيضا بأنه سريع الأخذ بأبسط الخطأ المنسوب إلى الحكماء شديد الفرح به، فإنه ~~لما ظفر في مسألة «جواز وجود كثرة في المعلول الأول عن ms207 غير علة» بوضع فاسد منسوب إلى ~~الفلاسفة، ولم يجد مجيبا يجيبه بجواب صحيح، سر بذلك وكثرت المحالات اللازمة لهم، وكل ~~ما جر باطلا يسره. # أما ما عدده من أجناس العلم الطبيعي الثمانية فصحيح على مذهب أرسطوطاليس، وأما العلوم ~~التي عددها على أنها فروع له فليست كما عددها، أما الطب فليس هو من العلم الطبيعي، وهو ~~صناعة تؤخذ مباديها من العلم الطبيعي؛ لأن العلم الطبيعي نظري والطب عملي، أما الكلام ~~في المعجزات فليس فيه للقدماء من الفلاسفة قول؛ لأن هذه كانت عندهم من الأشياء التي لا ~~يجب أن يتعرض للفحص عنها وتجعل مسائل، فإنها مبادئ الشرائع، والفاحص عنها والمسلك فيها ~~يحتاج إلى عقوبة عندهم مثل من يفحص عن سائر مبادئ الشرائع العامة مثل هل الله تعالى ~~موجود؟ وهل السعادة موجودة؟ وهل الفضائل موجودة؟ وإنه لا يشك في وجودها، وإن كيفية ~~وجودها هو أمر إلهي معجز عن إدراك العقول الإنسانية. # إن ما حكاه الغزالي في الرؤيا عن الفلاسفة فلا أعلم أحدا قال به من القدماء، والذي ~~يقول القدماء في أمر الوحي والرؤيا إنما هو عن الله تعالى بتوسط موجود روحاني ليس بجسم، ~~وهو واهب العقل الإنساني عندهم، وهو الذي يسميه الحذاق منهم العقل الفعال، ويسمى في ~~الشريعة ملكا. # ولا حاجة بنا إلى القول بأن الإقدام على تأليف تهافت التهافت كاف بذاته للتدليل على ~~رسوخ قدم ابن رشد في الفلسفة بأصولها وفروعها، والإلمام بتاريخ مذاهب الفلاسفة القدماء ~~منهم والحديثين، لما يقتضيه وضع مثل هذا الكتاب من الاستشهاد بأقوالهم ومقارنتها ببعضها ~~وبغيرها، ونقدها وتوضيح ما أشكل فهمه منها على أذهان خصومها. ~~(42-10) عن فلاسفة اليونان # قال في كلام الفلاسفة إن العالم مؤلف من خمسة أجسام: ~~(1) # جسم لا ثقيل ولا خفيف وهو الجسم السماوي الكري المتحرك. ~~(2) # جسم ثقيل بالإطلاق وهو الأرض. ~~(3) # جسم خفيف بالإطلاق وهو النار. ~~(4) # جسم ثقيل بالإضافة إلى الأرض وهو الماء. ~~(5) # جسم خفيف بالإضافة إلى النار وهو الهواء. # ثم قال للقارئ: «لا تطمع هنا في تبين هذا ببرهان، وإن كنت من أهل البرهان ms208 فأنظره ~~في مواضعه.» وتكلم عن حركة الأكر السماوية وقال إنها تتحرك من جهات محدودة. # أما ما يرى أرسطو أن للسماء يمينا وشمالا وأماما وخلفا وفوقا وأسفل، فاختلاف ~~الأجرام السماوية في جهات الحركات هي لاختلافها في النوع، وهو شيء يخصها؛ أعني أنها ~~تختلف أنواعها باختلاف جهات حركاتها، وكون الجرم السماوي الأول حيوانا واحدا ~~بعينه اقتضى له طبعه، أما من جهة الضرورة أو من جهة الأفضل أن يتحرك بجميع أجزائه ~~حركة واحدة من المشرق إلى المغرب، وسائر الأفلاك اقتضت لها طبيعتها أن تتحرك بخلاف ~~هذه الحركة، وأن الجهة التي اقتضتها طبيعة جرم الكل حينئذ أفضل الجهات لكون هذا ~~الجرم هو أفضل والأفضل، في المتحركات واجب أن يكون له الجهة الأفضل. ~~(42-11) مسألة علم الله بالموجودات وهي من جزئيات الثالثة عشرة من مسائل الغزالي # قال ابن رشد: إن العلم يتكثر بتكثر المفعولات للعالم؛ لأنه إنما يعقلها على النحو ~~الذي هي عليه موجودة وهي علة علمه، وليس يمكن أن تكون المعلولات الكثيرة تعلم بعلم ~~واحد، ولا يكون العالم الواحد علة لصدور معلولات كثيرة عنه في الشاهد، مثال ذلك أن علم ~~الصانع الصادر عنه مثلا «الخزانة» غير العلم الصادر عنه «الكرسي»، لكن العلم القديم ~~مخالف في هذا العلم المحدث والفاعل القديم للفاعل المحدث، فإن قيل فما تقول أنت في هذه ~~المسألة، وقد أبطلت مذهب ابن سينا في علة الكثرة، فما تقول أنت في ذلك؟ # فإنه قد قيل إن فرق الفلاسفة كانوا يجيبون في ذلك بواحد من ثلاثة أجوبة: ~~(1) # الكثرة جاءت من قبل الهيولى. ~~(2) # الكثرة جاءت من قبل الآلات. ~~(3) # الكثرة جاءت من قبل الوسائط. # أما فرقة أرسطو فقد صححوا الجواب الثالث، وهذا لا يمكن الجواب فيه في هذا الكتاب ~~بجواب برهاني، ولكن لا نجد لأرسطو أو لمن اشتهر من قدماء المشائين هذا القول الذي نسب ~~إليهم إلا (لفرفوريوس الصوري) صاحب مدخل علم المنطق، والرجل لم يكن من حذاقهم، ~~والذي يجري عندي على أصولهم أن سبب الكثرة هي مجموع الثلاثة الأسباب؛ أعني المتوسطات ~~والاستعدادات والآلات. # وقال عند ms209 الكلام على تعجيز أبي حامد الفلاسفة عن إثبات الصانع: إن وجود المتقدمات عند ~~الفلاسفة ليس شرطا في وجود المتأخرات، بل ربما كان الشرط فساد بعضها، وأمثال هذه العلل ~~(وجود المطر عن الغيم والغيم عن البخار) هي عندهم مرتقية لعلة أولى أزلية تنتهي الحركة ~~إليها في علة من هذه العلل في وقت حدوث المعلول الأخير، مثال ذلك أن سقراط إذا ولد ~~أفلاطون فإن المحرك الأقصى للتحريك عندهم في حين توليده إياه هو الفلك أو النفس أو ~~العقل أو جميعها أو الباري، ولذلك يقول أرسطو إن الإنسان يولده إنسان وكذا الأفلاك ~~بعضها عن بعض إلى أن ترتقي إلى محركها، ومحركها إلى المبدأ الأول، فإذن ليس الإنسان ~~الماضي شرطا في وجود الإنسان الآتي. ~~(42-12) في علم الباري بالجزئيات # وكذلك الأمر في الكليات والجزئيات يصدق عليها سبحانه أن يعلمها ولا يعلمها، هذا ~~هو الذي يقتضيه أصول الفلاسفة القدماء منهم، وأما من فصل فقال إنه يعلم الكليات ~~ولا يعلم الجزئيات فغير محيط بمذهبهم ولا لازم لأصولهم، فإن العلوم الإنسانية كلها ~~انفعالات وتأثيرات عن الموجودات، والموجودات هي المؤثرة فيه، وعلم الباري سبحانه هو ~~المؤثر في الموجودات، والموجودات هي المنفعلة عنه، وإذا تقرر هذا فقد وقعت الراحة ~~من جميع المشاجرة بين أبي حامد وبين الفلاسفة في هذا الباب وغيره. ~~(42-13) نقد الفلاسفة # قلنا إن ابن رشد لم يتحيز لفريق دون آخر، بل كان في كتابه حكما بين الجميع، قال ~~في مسألة القول بأن الله ليس هو فاعلا وإنما هو سبب من الأسباب التي لا يتم الشيء ~~إلا به وقدم العالم وحدوثه «هذا القول هو من جواب ابن سينا في هذه المسألة عن ~~الفلاسفة وهو قول سفسطائي. والحال في وجود الحركة أنها دائما تحتاج إلى المحرك، ~~والمحققون من الفلاسفة يعتقدون أن هذه هي حال العالم الأعلى مع الباري، فضلا عما ~~دون العالم العلوي، وبهذا تفارق المخلوقات المصنوعات، فإن المصنوعات إذا وجدت يقترن ~~بها عدم، يحتاج من أجله إلى فاعل به يستمر وجودها». # لما أراد أرسطو أن يبين كون ms210 الأرض مستديرة بطبائعها أنزلها محدثة ليتصعد العقل ~~منها العلة ثم ينقلها إلى الأزلية، وذلك في المقالة الثانية من السماء والعالم، ~~وذلك لأن الفلاسفة تقول إن من قال إن كل جسم محدث، وفهم من الحدوث الاختراع من لا ~~موجود؛ أي من العدم، فقد وضع معنى من الحدوث لم يشاهده قط، وجملة الأمر أن الجسم ~~عندهم سواء كان محدثا أو قديما ليس مستقلا في الوجود بنفسه، وهي عندهم في الجسم ~~القديم واجبة على نحو ما هي عليه في الجسم المحدث، إلا أن الخيال لا يساعد كيفية ~~وجودها في القديم كما يساعد في الجسم المحدث. # وأما الدهرية فالحس هو الذي اعتمدت عليه، وذلك أنه لما انقطعت الحركات عندها ~~بالجرم السماوي وانقطع به التسلسل ظنت أنه قد انقطع بالعقول وانقطع بالحس. وأما ~~الفلاسفة فإنهم اعتبروا الأسباب حتى انتهت إلى الجرم السماوي، ثم اعتدوا الأسباب ~~المعقولة فأفضى بهم الأمر إلى موجود ليس بمحسوس، هو علة ومبدأ للموجود ~~المحسوس. # وأما الأشعرية (وهم أهل السنة الذين تلقى ابن رشد أصول الفقه في صباه على طريقتهم ~~كما تقدم في ترجمته) فإنهم جحدوا الأسباب المحسوسة؛ أي لم يقولوا بكون بعضها ~~أسبابا لبعض وجعلوا علة الموجود المحسوس، موجودا غير محسوس بنوع من الكون غير ~~مشاهد ولا محسوس، وأنكروا الأسباب والمسببات وهو نظر خارج عن الإنسان بما هو ~~إنسان. # مسألة كون الجسم ليس واجب الوجود بذاته، إذا وضع واجب الوجود موجودا مركبا من ~~أجزاء قديمة من شأنها أن يتصل بعضها ببعض، كالحال في العالم وأجزائه؛ صدق على ~~العالم وأجزائه أنه واجب الوجود، هذا كله إذا سلمنا أن ههنا موجودا هو واجب ~~الوجود، ويظهر ضعف هذه الطريقة عند من يفرض جسما بسيطا غير مركب من مادة وصورة ~~وهو مذهب المشائين. # ولذلك يقول الإسكندر إنه لا بد أن يكون ههنا قوة روحانية سارية في أجزاء العالم ~~كما يوجد في أجزاء الحيوان الواحدة قوة تربط أجزاء بعضها ببعض، والفرق ههنا أن ~~الرباط الذي في العالم قديم، من قبل أن الرابط قديم، فتدارك الخالق هذا ms211 النقص الذي ~~لحقه بهذا النوع من التمام الذي لا يمكن فيه غيره كما يقوله أرسطو في كتاب ~~الحيوان. # وقد رأينا في هذا الوقت كثيرا من أصحاب ابن سينا لموضع هذا الشك قد تأولوا على ~~ابن سينا هذا الرأي، وإنما سمى فلسفته المشرقية لأنها مذهب أهل المشرق، فإنهم ~~يرون أن الآلهة عندهم هي الأجرام السماوية على ما كان يذهب إليه، وهم مع هذا يضعفون ~~طريق أرسطو في إثبات المبدأ الأول من طريق الحركة. ~~(42-14) الكلام عن واجب الوجود # مذهب ابن رشد في الذات والصفات أن الصفات لاصقة بالذات وقائمة بها ومتحدة معها ~~وليست زائدة عنها. وأن الجسم السماوي عند الفلاسفة ليس مركبا من مادة وصورة، وإنما ~~هو عندهم بسيط وقد يظن أنه يصدق عليه أنه واجب الوجود بجوهره. ~~(42-15) مذهب النصارى في الأقانيم الثلاث # إنهم ليسوا يرون أنها صفات زائدة على الذات، وإنما هي عندهم متكثرة بالحد، وهي ~~كثيرة بالقوة لا بالفعل؛ ولذلك يقولون ثلاثة لا واحد أي واحد بالفعل ثلاثة بالقوة. ~~الفلاسفة تقول إن الباري تعالى واحد مع وصفه بأوصاف كثيرة. # إن تسمية الباري عقلا هو الاسم الأخص بذاته عند الفلاسفة المشائين، بخلاف ما ~~يراه أفلاطون من أن العقل غير المبدأ الأول وأنه لا يوصف بأنه عقل. # للموجود وجودان، وجود أشرف ووجود أخس، والوجود الأشرف هو علة الأخس، وهذا هو معنى ~~قول القدماء إن العلوي تعالى هو الموجودات كلها، وهو المنعم بها والفاعل لها، ولذلك ~~قال رؤساء الصوفية: «لا هو إلا هو.» ولكن هذا كله هو من علم الراسخين في العلم، ولا ~~يجب أن يكتب هذا ولا أن يكلف الناس اعتقاد هذا، ولذلك ليس هو من التعليم الشرعي، ~~ومن أثبته في غير موضعه فقد ظلم، كما أن من كتمه عن أهله فقد ظلم. ~~(42-16) نظام الكون في نظر ابن رشد والفلاسفة # مذهب القوم القديم (يقصد قدماء الفلاسفة وهو يتبعهم) هو أن ههنا مبادئ للأجرام ~~السماوية، والأجرام السماوية تتحرك إليها على جهة الطاعة لها والمحبة فيها ~~والامتثال لأمرها إياها بالحركة والفهم ms212 عنها، وإن الأجرام إنما خلقت من أجل الحركة، ~~وهي حية ناطقة تعقل ذواتها وتعقل مباديها المحركة لها، وهذه المبادئ ليست مادة فوجب ~~أن يكون جوهرها علما أو عقلا أو كيف شئت أن تسميها. # وهذه المبادئ المفارقة وجودها (يقصد بذلك مفارقة للمواد أي مختلفة عنها) مرتبطة ~~بمبدأ أول فيها، ولولا ذلك لم يكن ههنا نظام موجود. وقد صح عند الفلاسفة أن الآمر ~~بهذه الحركة هو المبدأ الأول، وهو أن سبحانه وتعالى قد أمر سائر المبادئ أن تأمر ~~سائر الأفلاك بسائر الحركات، وأن بهذا الأمر قامت السماوات والأرض، كما أن بأمر ~~الملك في المدينة قامت جميع الأوامر الصادرة ممن جعل له الملك ولاية أمر من أمور ~~المدينة إلى جميع من فيها من صنوف الناس، وهذا التكليف والطاعة اللذان وجبا على ~~الإنسان، لكونه حيوانا ناطقا. ~~(42-17) انطباع غريزة القدماء من حكماء اليونان في ابن رشد # في كثير من مواضع هذا الكتاب يظهر ابن رشد اشمئزازه من البحث في المسائل الإلهية ~~والفلسفية التي يعدها أمهات المسائل ويستغفر لنفسه من الخوض فيها، وما ذلك إلا ~~تقليدا للقدماء كما ورد على لسانه في صفحة 121 من تهافت التهافت، قال في موضع: # فالله يأخذ الحق ممن تكلم في هذه الأشياء الكلام العام ويجادل في الله ~~بغير علم. # وقال في آخر الكتاب: # وقد رأيت أن أقطع ههنا القول في هذه الأشياء والاستغفار من التكلم فيها، ~~ولولا ضرورة طلب الحق مع أهله ما تكلمت في «ذلك علم الله بحرف». ~~(42-18) اتساع علمه في الفلسفة (الكلام على طبيعة الموجود بالفعل وهي التي يسمونها ~~بالهيولى) # فقد نسب أبو حامد فيها إلى الفلاسفة قولا لم يقله واحد، لا سيما فيما يتعلق ~~بحدوث النفس فأجابه ابن رشد قال: # لا أعلم أحدا من الحكماء قال إن النفس حادثة حدوثا حقيقيا ثم قال ~~إنها باقية إلا ما حكاه عن ابن سينا، وإنما الجميع على أن حدوثها هو إضافي ~~وهو اتصالها بالإمكانات الجسمية القابلة لذلك الاتصال، كالإمكانات التي في ~~المرايا لاتصال شعاع الشمس بها، وهذا الإمكان ms213 عندهم ليس هو من طبيعة إمكان ~~الصور الحادثة الفاسدة، بل هو إمكان على نحو ما يزعمون أن البرهان أدى ~~إليه، وأن الحامل لهذا الإمكان طبيعة غير طبيعة الهيولى. ولا يقف على ~~مذاهبهم في هذه الأشياء إلا من نظر في كتبهم على الشروط التي وضعوها مع ~~فطرة فائقة، ومعلم. ~~(42-19) مسألة الزمان # وهي من أهم المسائل عند الفلاسفة القدماء والمحدثين، وقد تكلم فيها ابن رشد ~~توضيحا ونقدا لما كتبه الغزالي، فتناول أزلية العالم وحدوثه وأدلة الفلاسفة وأهل ~~الشرع في الأمرين، فإن الفلاسفة يقولون بالأزلية والشرعيين يقولون بالحدوث، فمثلا ~~أبو الهذيل العلاف موافق للفلاسفة في أن كل محدث فاسد وأشد التزاما لأصل القول ~~بالحدوث. ومخالف لهم في كون العالم أزليا من الطرفين، وابن رشد يرد عليه بقوله ~~إنه إذا سلم أن العالم لم يزل إمكانه، وإن إمكانه يلحقه حالة ممتدة معه يقدر بها ~~ذلك الإمكان كما يلحق الموجود الممكن إذا خرج إلى الفعل على تلك الحال وكان يظهر من ~~هذا الامتداد أنه ليس له أول صح لهم أن الزمان ليس له أول، إذ ليس هذا الامتداد ~~شيئا إلا الزمان وتسمية من سماه دهرا لا معنى لها. # وإذا كان الزمان مفارقا للإمكان والإمكان مفارقا للوجود المتحرك، فالوجود ~~المتحرك لا أول له لأن الفلاسفة لا يضعون للحركة الدورية ابتداء، فليس يلزمهم أن ~~يكون لها انقضاء لأنهم لا يضعون وجودها في الماضي وجود الكائن الفاسد، وإن ما دخل ~~في الماضي بالحقيقة فقد دخل في الزمان، وما دخل في الزمان فالزمان يفضل عليه بطرفيه ~~وله كل وهو متناه ضرورة، وكل مبدأ حادث هو حاضر وكل حاضر قبله ماض، وما يوجد مساوق ~~للزمان والزمان مساوق له، فقد يلزم أن يكون غير متناه. # وقد تخلص ابن رشد من هذا البحث النظري الجليل إلى الكلام على أزلية العالم، فقال ~~إن أهل الشرع جعلوا امتناع الفعل أزليا ووجوده أزليا، وذلك غاية الخطأ، لكن ~~إطلاق اسم الحدوث على العالم كما أطلقه الشرع أخص به من إطلاق الأشعرية، لأن الفعل ~~بما هو ms214 فعل فهو محدث، وإنما يتصور القدم فيه لأن هذا الإحداث والفعل المحدث ليس له ~~أول ولا آخر، ولذلك عسر على أهل الإسلام أن يسمي العالم قديما والله قديم وهم لا ~~يفهمون من القديم إلا ما لا علة له. # ولا يخفى أن مسألة قدم العالم هي أول مسألة تناولها البحث بين الغزالي وابن رشد ~~وهي أولى المسائل التي يكفرون بها الفلاسفة. ~~(42-20) دفاع ابن رشد عن الفلسفة # قال ابن رشد، وهذا يعد من أبلغ وأجمل ما كتبه فيلسوف عربي، في شرح مذاهب ~~الفلاسفة، بعد أن رد على بعض مسائل الغزالي، وقصده أن يكون قوله مما يحرك من أحب ~~الوقوف على الحق، ويحرضه على النظر في علوم الفريقين، أهل الشرع وأهل الحكمة، ويعمل ~~في هذا كله على ما وفقه الله إليه وقيمة هذا القول تاريخية ولا تفيد عقلنا حالا: # أما الفلاسفة فقد طلبوا معرفة الموجودات بعقولهم لا مستندين إلى قول من ~~يدعوهم إلى قبول قوله من غير برهان، بل ربما خالف الأمور المحسوسة، وقد ~~أثبتوا أسبابا أربعة هي الصورة والمادة والفاعل والغاية. # أما السبب الفاعل، وهو الذي يسميه جالينوس القوة المصورة أو الخالق وشك ~~هل هي الإله أو غيره، لأن السبب الفاعل هو معطي النفس ومعطي الصورة ~~والحركة. وفحصوا أيضا عن السماوات بعد ما اتفقوا أنها مبادئ الأجرام ~~المحسوسة، واعتقدوا أن الأجرام السماوية عاقلة وأنها ذوات نفوس، ورأوا أنها ~~أشرف من العقل الإنساني، ولما نظروا إلى الجرم السماوي رأوا في الحقيقة ~~جسما واحدا شبيها بالحيوان الواحد، له حركة واحدة كلية وهي الحركة ~~اليومية، واعتقدوا أن ارتباط هذه الأجسام الكروية بعضها ببعض ورجوعها إلى ~~جسم واحد وتعاونها على فعل واحد وهو العالم بأسره؛ أنها ترجع لمبدأ واحد ~~وأن هذا النظام والترتيب هو السبب في سائر النظامات والترتيبات، وأن العقول ~~تتفاضل في ذلك بحسب حالها منه في القرب والبعد. # والأول عندهم لا يعقل إلا ذاته، وهو يتعقل ذاته بعقل جميع الموجودات، ~~فعلى هذا ينبغي أن يفهم مذهب الفلاسفة في هذه الأشياء والأشياء التي حركتهم ms215 ~~إلى مثل هذا الاعتقاد في العالم، فإذا تؤملت فليست بأقل إقناعا من الأشياء ~~التي حركت المتكلمين من أهل الملة؛ أعني المعتزلة أولا والأشعرية ثانيا، ~~إلى أن اعتقدوا في المبدأ الأول ما اعتقدوا؛ أعني أنهم اعتقدوا أنه ههنا ~~ذات غير جسمانية ولا في جسم، حية عالمة فريدة قادرة متكلمة سميعة ~~بصيرة. # وقد قام عندهم البرهان على أن في الحيوان قوة واحدة، بها صار واحدا وبها ~~صارت جميع القوى التي فيه تؤم فعلا واحدا؛ وهو سلامة الحيوان. وهذه القوى ~~مرتبطة بالقوة الفائضة عن المبدأ الأول، ولولا ذلك لافترقت أجزاؤه ولم تبق ~~طرفة عين. # والعالم أشبه شيء عندهم بالمدينة الواحدة، وذلك أنه كما أن المدينة تتقوم ~~برئيس واحد ورياسات كثيرة تحت الرئيس الأول، كذلك الأمر عندهم في العالم، ~~وذلك أنه كما أن سائر الرياسات التي في المدينة إنما ارتبطت بالرئيس الأول، ~~من جهة أن الرئيس الأول هو الموقف لواحدة واحدة من تلك الرئاسات على ~~الغايات التي من أجلها كانت تلك الرئاسات، وعلى ترتيب الأفعال الموجبة لتلك ~~الغايات، كذلك الأمر في الرئاسة الأولى التي في العالم مع سائر الرئاسات، ~~وتبين لهم أن المبدأ الأول هو مبدأ جميع المبادئ، فإنه فاعل وصورة وغاية، ~~وصارت جميع الموجودات تطلب غايتها بالحركة نحو المبدأ الأول، وتطلب بها ~~غاياتها التي من أجلها خلقت، وجميع الموجودات فتطلبها بالطبع (غريزة)، وأما ~~الإنسان فبالإرادة. ~~(42-21) الكلام على حشر الأجساد # أخذ الغزالي يزعم أن الفلاسفة ينكرون حشر الأجساد، وهذا شيء ما وجد لواحد ممن تقدم ~~فيه قول، والقول بحشر الأجساد أقل ما له منتشرا في الشرائع ألف سنة، والذين تأدت إلينا ~~عنهم الفلسفة دون هذا العدد من السنين، وذلك أن أول من قال بحشر الأجساد هم أنبياء بني ~~إسرائيل الذين أتوا بعد موسى، وذلك بين من الزبور ومن كثير من الصحف المنسوبة لهم. وثبت ~~أيضا ذلك في الإنجيل وتواتر القول به عن عيسى، وهو قول الصابئة. وقد قال عنها أبو محمد ~~ابن حزم إنها أقدم الشرائع، والحكماء بأجمعهم يرون في الشرائع أن يتقلدوا ms216 من الأنبياء ~~والواضعين مبادئ العمل والسنن المشروعة في ملة ملة. # والممدوح عندهم من هذه المبادئ الضرورية هو ما كان منها أحث للجمهور على الأعمال ~~الفاضلة، حتى يكون الناشئون عليها أتم فضيلة من الناشئين على غيرها. فما قيل في الميعاد ~~في الشريعة الإسلامية هو أحث على الأعمال الفاضلة مما قيل في غيرها، ولذلك كان تمثيل ~~الميعاد لهم بالأمور الجسمانية أفضل من تمثيله بالأمور الروحانية. ~~(43) ابن رشد وحرية الفكر # كتب الأستاذ لويجي رينالدي في بحث «المدنية العربية في الغرب» قال: # ومن فضل العرب علينا أنهم هم الذين عرفونا بكثير من فلاسفة اليونان، وكانت ~~لهم الأيدي البيضاء على النهضة الفلسفية عند المسيحيين. وكان الفيلسوف ابن رشد ~~أكبر مترجم وشارح لنظريات أرسطاطاليس، ولذلك كان له مقام جليل عند المسلمين ~~والمسيحيين على السواء، وقد قرأ الفيلسوف النصراني توماس نظريات أرسطاطاليس شرح ~~العلامة ابن رشد. ولا ننس أن ابن رشد هذا هو مبتدع مذهب «الفكر الحر»، وهو الذي ~~كان يتعشق الفلسفة ويهيم بالعلم ويدين بهما، وكان يعلمهما لتلاميذه بشغف وولع ~~شديدين، وهو الذي قال عند موته كلمته المأثورة: «تموت روحي بموت الفلسفة.» # وكتب قبله المفكر الإنجليزي جون روبرتسون في «تاريخ وجيز للفكر الحر» (ج1 ص277) قال ~~ما نصه: # إن ابن رشد أشهر مفكر مسلم؛ لأنه كان أعظم المفكرين المسلمين أثرا وأبعدهم ~~نفوذا في الفكر الأوروبي، فكانت طريقته في شرح أرسطو هي المثلى في القرون ~~الوسطى، وقد ظهر فضله بشرح نص السيانتزم (ألوهية العالم)، الذي يؤيد أزلية ~~الكون المادي، ويقول بأن النفس الفارقة تخلق من النفس العامة وتعود إليها ~~فتتلاشى فيها، فجعل شرح هذا المذهب لابن رشد شأنا كبيرا في عالمي الفكر ~~المسيحي والإسلامي. # وقد انشق على مذهب الزهد والتصوف الذي نشره ابن باجه وابن طفيل، وحارب ~~الغزالي في آرائه الدينية المخالفة للعقل، وأفرد لذلك كتاب «تهافت التهافت » ~~ردا على «تهافت الفلاسفة» أشهر كتب الغزالي وأظهرها غرضا. فأثبت ابن رشد ~~بكتبه أنه أقل فلاسفة الإسلام تصوفا وأكثرهم تأييدا للعقل، وهو يعارض وجهة ~~النظر الدينية في كل رأي ms217 جوهري، فأنكر بعث الأجساد، وعد القول ببعث الجسد ~~خرافة، وشأنه في ذلك شأن من سبقه من المعطلين، وبحث مسألة «الخيار» بحثا يكاد ~~يكون علميا، وعارض في ذلك مذهب المتكلمين المتلف للأخلاق؛ لأنهم قالوا بأن ~~إرادة الله هي مقياس الحق ولا مقياس سواها، وكانوا جبرية. وكذلك عارض ابن رشد ~~مذهب القدرية. # وقد أدرك ابن رشد ما بين مذهبه وبين العقائد الشائعة من العداء، وفطن إلى ~~الأفكار التي تتهدده إذا لم يصانع في بعض الأمور، فحاول استرضاء أهل الشريعة ~~ببعض كتب ألفها وجعل نفسه أوسع صدرا من ابن طفيل، فقال بأن الإسلام أكمل نظام ~~قومي، وأصلح ملة للشعوب. وهو واضع مذهب الحقيقة المزدوجة أي حقيقة العلم أو ~~الفلسفة وحقيقة الدين، وكان لهذا المذهب شأن يذكر في مباحث النصرانية عدة ~~قرون. # وقد تكلم في كتابيه «فصل المقال» و«مناهج الأدلة» بلهجة الرجل المحافظ على ~~العقائد وحامي ذمار الظاهر من أمور الشرع. وقال إن العاقل لا ينطق بكلمة ضد ~~العقيدة السائدة، وإن الملحد الذي يطعن في الدين يستحق الموت؛ لأنه يهدم كيان ~~الفضيلة القومية. وقال إن مذهب خلق العالم مخالف للعقل، ولكن الفضل في بقائه ~~للعادة، وإن المتدين لا يكفيه الإيمان؛ لأن المؤمن بغير علم ينقلب زنديقا إذا ~~بحث واستقصى. # ولكن ابن رشد كان يعيش في عهد انحطاط المعرفة وانتعاش التعصب، فلم ينفعه ~~ظهوره بالتقوى ولم يحفظه من الاضطهاد، فنكل به الخليفة الذي كان يبجله، وجريمته ~~في نظره نشر آراء القدماء وبها ضرر الإسلام. وقد حرم النظر في كتب اليونان ~~وفلسفتهم، وأتلفت جميع الكتب التي كانت تبحث فيها، ومات ابن رشد في مراكش سنة ~~1198، ولم يطل عهد العرب في الأندلس بعده، فلما أفل نجم سعدهم كان الدين قد حل ~~محل الفلسفة، وبذا دللت دولة الأندلس في جو من التقوى! # هذه هي الصورة التي رسمها قلم جون روبرتسون، وهو من مشاهير أحرار الفكر، ويعد زعيمهم ~~في جزر بريطانيا بعد عميدهم برادلو الشهير، وهي صورة فيها شيء كثير من المبالغة، على أن ~~رينان الذي تفرغ لدرس ابن ms218 رشد وزمنه قال إن عداء الشعب الأندلسي للفلاسفة كان قويا ~~جدا، ولكن اللوم فيه راجع إلى عنصر المسيحيين المغلوبين، وهم أهل البلاد أصلا وكانوا ~~من قديم الزمن متشددين في الدين، وكانوا معرضين عن العلوم الصحيحة مثل الفلك والطبيعيات ~~(صفحات 31-36). # ونحن نرى رأي رينان ونزيد عليه أن ما أصاب ابن رشد وأصحابه كان مظهرا من مظاهر أخلاق ~~أهل إسبانيا؛ لأن أمثاله في الشرق لم ينلهم أقل أذى، ولو كان الاضطهاد من لوازم الإسلام ~~ما نجا منه أمثال الكندي والفارابي وابن سينا. ~~(44) اليهود وابن رشد # كان الفضل في نشر فضل العرب وعلومهم في أوروبا لليهود؛ فإن الذين اضطهدوا منهم وطردوا ~~من إسبانيا وطنهم لجئوا إلى جنوب فرنسا، وأقاموا بمقاطعة برونصة وأسسوا المكاتب ~~والمدارس في ناربون وبزييرس ونيم وكاراسكون ومونبليه، وكانت كلية مونبليه تعلم الطب ~~والنبات والرياضة على طريق العرب. وكانت الفلسفة والعلوم العربية تعلم في تلك الأرجاء ~~كما لو كانت ولاية إسلامية، وفي مدارسها درست فلسفة ابن رشد وحكمته وحفظت شروحه، وقد ~~عاشت في كنف فلسفته فلسفة أخرى هي فلسفة ابن ميمون الحكيم الإسرائيلي. # يمتاز مذهب أرسطو برأي جعل فلسفته من دعائم العقل الإنساني، هذا الرأي هو أزلية ~~المادة، وقد انتحله ابن رشد وسائر المعتزلة قبله وبعده. وقد قلنا إن فلسفة ابن ميمون ~~عاشت في كنف ابن رشد؛ لأن ابن ميمون وغيره من حكماء ملته ما عدا ليفي بن جرشوم جحدوا ~~أزلية المادة وفندوها؛ لا حبا بالحقيقة أو تبعا لمبادئ الفكر، ولكن حبا ~~بالتوراة. # ولكن الفضل في نقل فلسفة ابن رشد إلى العبرانية فاللاتينية يرجع إلى ابن ميمون ~~وأصدقائه وتلاميذهم، وقد حاولوا تحويرها وتحريفها لتنطبق على مبادئهم ولتحل في معابدهم ~~المحل الأول بعد كتبهم المقدسة، ولكن هذه المحاولة فشلت لأن البون شاسع بين سفر التكوين ~~وفلسفة ابن رشد! ~~(45) ثمار الفلسفة الرشدية في أوروبا # في أواخر القرن الثاني عشر ظهر في مقاطعة بريتانيا بفرنسا مفكر مصلح اسمه أموري ~~البنياوي، وصاحبه داود الدنيانتي، فخالفا تعاليم الكنيسة واستجلبا سخطها، فحوكم ~~أتباعهما وعوقبوا بالإحراق أحياء، ms219 أما المصلحان فقد فرا طلبا للنجاة، ولكن يد الكنيسة ~~في القرون الوسطى كانت طولى، وكان صبرها أطول، فإنها ترقبت موتهما ونبشت قبرهما وأحرقت ~~رفاتهما ليكونا عبرة للمؤمنين! # وقد ظهر للكنيسة أن سبب هذا البلاء فلسفة أرسطو كما شرحها ابن رشد، فاجتمع في باريس ~~مجمع ديني علمي (سنة 1209) وحظر درس الفلسفة الأرسطية والشروح الرشدية، فحرمت أولا ~~الطبيعيات، ثم كتب ما بعد الطبيعة، وقد استمر هذا المنع ثلاثين عاما. # وفي سنة 1269 حمل أسقف باريس حملة كبرى على الفلسفة في شخص ابن رشد، وخص باللعن ~~والتكفير المبادئ الآتية: (1) أزلية العالم. (2) إنكار آدم. (3) وحدة العقل الإنساني. ~~(4) القول بأن العقل، وهو شكل الإنساني ومهيئ ذاته، يهلك مع البدن. (5) في أن أفعال ~~البشر خارجة عن حكم العناية. (6) أن العناية عاجزة عن تخليد ما مآله للفناء، وصيانة ما ~~مآله للفساد. # ولما كانت كتب ابن رشد الطبية انتشرت من جنوب فرنسا إلى شمال إيطاليا وذاعت في مدارس ~~بدوا، فقد ذاعت أيضا فيها تعاليمه الفلسفية، ومال الأطباء الذين تعلموا عليها إلى حرية ~~الفكر وأخذوا بفلسفته، وأشهر من نذكر من علماء هذا البلد جاتياد السيناوي، الذي بدأ ~~بدرس الشرح الكبير سنة 1436 وأوعز بطبعه فلم يدركه، ولكنه طبع سنة 1476. وقد خلفه في ~~منصب تدريس الفلسفة سينكوفرنياس، ولم يبال هذان الحكيمان بالاعتراض، بل نشرا مذهب «روح ~~العالم» على ما فيه من مخالفة الدين المسيحي في عقيدة الخلود، وقد ازداد النقد وانقلب ~~سخطا إذ نشر تلميذهما نينو كتابه في العقل. # ولابن رشد فضل لا ينكر على روجير بيكون الفيلسوف الشهير، فقد استفاد من كتبه وحيا ~~واستنزل من حكمته إلهاما، وذكره في كتابه اللاتيني «أبوس ماجوس» وأثنى عليه وعلى ~~مواهبه وسعة علمه، وقال: «إنه فيلسوف متين متعمق، صحح كثيرا من أغلاط الفكر الإنساني، ~~وأضاف إلى ثمرات العقول ثروة لا يستغنى عنها بسواها، وأدرك كثيرا مما لم يكن قبله ~~معلوما لأحد، وأزال الغموض من كثير من الكتب التي تناولها ببحثه.» # أما توماس أكويناس الشهير (1225-1274) الذي صار قديسا لأنه كان أعظم لاهوتي في ms220 كنائس ~~الغرب وأكبر فلاسفة القرون الوسطى، فقد علا نجمه بكتابه إجمال اللاهوت «سوماتيولوجيا»، ~~وقد وصف الله فيه بالطبيعة الفعالة. # ذكر القديس توماس أسباب اتصاله بالأفكار الدنيوية، ودل على أن الفضل في وضع كتابه ~~شكلا ومادة يرجع إلى طريقة ابن رشد وفلسفته، وهو في الظاهر يفندها وينتقدها، ولكنه ~~كلما حاول الوصول بالفكر إلى إحدى نتائج الحكمة قرر مبدأ التعدد الذي أساسه أزلية ~~المادة، مستمدا ذلك من ابن رشد وأرسطو. # ولم ينج ابن رشد من ألسنة رجال الكنيسة، فقد ذموه بكل شفة ولسان، وطعنوا عليه أقبح ~~طعن. قال بترارك عنه: «إنه ذلك الكلب، الكلب الذي هاجه غيظ ممقوت، فأخذ ينبح على سيده ~~ومولاه المسيح والديانة الكاثوليكية.» أما دانتي فقد جعله في وقار وهدوء يتبوأ مجلسه في ~~الجحيم جزاء كفره واعتزاله. # وممن تعذب في سبيل ابن رشد هرمان فان ريزويك الكاهن الهولندي الذي أحرق بتهمة الهرطقة ~~في لاهاي في سنة 1512، ومن عجائب القدر أن هذا الحكيم الفاضل كان قبل هدايته بالحكمة ~~قاضيا في محكمة التفتيش، ولم يدافع أحد عن الدين المسيحي مثل دفاعه بلاغة وإخلاصا ~~واعتقادا. ولكنه بعد ذلك غير فكره فقال - بلسانه وهو حائز سائر صفاته الشرعية ومتمتع ~~بجميع قواه العقلية - أمام مجلس التفتيش الذي عقد في سنة 1502 لمحاكمته: «إن العالم ~~أزلي ولم يخلق كما ادعى ذلك المجنون (!) موسى، وإنه لا يوجد جحيم ولا حياة مستقبلة، وإن ~~السيد المسيح لم يكن ابن الله، لقد ولدت مسيحيا ولكنني لست الآن منكم لأنكم مجانين.» ~~فحكم عليه المجلس بالسجن المؤبد. # ثم تقدم للمحاكمة ثانية بعد عشرة أعوام، وقد حسبوه قد تحول أو أن السجن ألان من ~~صلابته وأضعف من شكيمته، أو لطف من مغالاته، أو قلل من تحامله، فوجدوه أصلب وأقوى وأعند ~~مما كان! فحكموا بإحراقه وأحرق فعلا في 14 ديسمبر سنة 1512، وقد قال في ذلك اليوم جملة ~~هي سبب هذا الاستشهاد الطويل وهي: «إن أعلم العلماء أرسطو وشارحه ابن رشد، وهما أقرب ~~إلى الحقيقة. بهما اهتديت وبفضلهما رأيت النور الذي كنت عنه عميا.» ms221 # فأثبت بذلك أنه كان رشدي المبدأ والنزعة، وأنه لولا اعتقاده ومجاهرته ما تعذب في سبيل ~~فكره. # الفصل الثامن # | ابن خلدون # ولد ابن خلدون أعظم فلاسفة التاريخ في الشرق والغرب في تونس سنة 732ه، وتوفي في مصر في ~~سنة 808ه، فهو من عظماء القرن الثامن الهجري، واسمه أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن ~~خلدون ولي الدين التونسي الحضرمي الأشبيلي المالكي، وأصله من أسرة أندلسية توطنت في ~~أشبيلية، ثم نزح أجداده من أشبيلية إلى تونس في أواسط القرن السابع للهجرة، ويعود أجداد ابن ~~خلدون بنسبهم إلى بني وائل من قبائل اليمن، ويردون هجرة جدهم الأعلى من اليمن إلى الأندلس، ~~إلى القرن الثالث الهجري. # نشأ ابن خلدون في تونس وتلقى العلوم المعروفة في عصره، ثم ترك تونس فرارا من الوباء ~~وسافر إلى هوارة، حيث نزل على صاحبها ابن عبدون فأكرم وفادته وأعانه على السفر إلى بلاد ~~المغرب، وتنقل في بلاد كثيرة وهو لا يزال في مقتبل العمر، مثل ابن بطوطة، ثم استقدمه ~~السلطان أبو عنان المريني صاحب تلمسان إلى فاس سنة 755ه وهو في مستهل العقد الثالث من عمره ~~وقربه واستكتبه ورقاه، وقد كان في تقريبه وترقيته ما يدعو إلى حسده، فحسده أقرانه الذين لم ~~يبلغوا شأوه، وسعوا فيه واتهموه بالتآمر على السلطان لاغتياله، فاعتقله وما زال معتقلا على ~~طريقة الحلفاء في مستعمراتهم، حتى مات السلطان أبو عنان المريني صاحب تلمسان سنة 759ه، ~~فأفرج عنه الوزير ابن عمر وخلع عليه وعوضه خيرا واحتفظ به. # واتفق أن السلطان أبا سالم المريني قدم من الأندلس يريد السفر إلى مكة، فاستعان بابن ~~خلدون، لما بين ابن خلدون وبين شيوخ بني مرين من الإخلاص والمحبة، ففاز ودخل فاس وابن خلدون ~~في ركابه سنة 760ه، فعينه كاتب السر، فأجاد ابن خلدون وبرع في أداء تلك الوظيفة التي أسندت ~~إليه. # ولكن الخطيب ابن مرزوق تغلب بمكره ودسه على هوى السلطان، وسعى في ابن خلدون، فانقبض ابن ~~خلدون وغيره من رجال الدولة وحنقوا وتغيروا على السلطان وانتقضوا ms222 عليه فمات، وعاد النفوذ ~~إلى ابن خلدون بفضل الوزير عمر بن عبد الله، ثم أراد ابن خلدون السفر إلى الأندلس فمنعه ~~الوزير ابن عمر، فوسط له من قبل الرجاء فأذن له فسافر إلى الأندلس سنة 764ه، وقصد «غرناطة» ~~وسلطانها إذ ذاك أبو عبد الله من بني الأحمر، فاهتز السلطان لمقدمه وبالغ في إكرام وفادته، ~~وأعد له دارا في أعلا قصوره. # وفي سنة 765ه رحل إلى «كاستيل» (قشتالة) وتقدم إلى حاكمها وتوسط في عقد الصلح بينه وبين ~~ملوك «العدوة» بهدية فاخرة، فطلب منه صاحب «قشتالة» أن يقيم عنده فاعتذر، فأركبه بغلة فرهة ~~بلجام من ذهب، فلما عاد ابن خلدون إلى «غرناطة» أهدى البغلة ولجامها إلى السلطان أبي عبد ~~الله، فأنزله على الرحب والسعة وأقطعه بلدا وصيره بذلك من الأمراء الملتزمين، ولكن الإقطاع ~~والترحيب لم يقعدا بهمة ابن خلدون عن الارتحال، فاشتاق إلى أهله وأصابه داء الحنين إلى ~~الوطن (نوستالجيا)، وهو خلة كل أديب وشاعر ولبيب، فرحل إلى (بجاية) فلقيه سلطانها أبو عبد ~~الله مرحبا، وتهافت عليه أهل البلد يقبلون يديه، فقلده السلطان أعمال دولته وأسند إليه ~~رياسة حكومته، فخدمه بعلمه ونفوذه وقلمه مخلصا في ذلك الإخلاص كله، دأبه في سائر الأعمال ~~التي أسندت إليه. # ولكن أبا العباس أمير (قسطينة) شهر الحرب على أبي عبد الله صاحب (بجاية) وملك بلده، ~~واستبقى ابن خلدون وأكرمه، ثم كثرت السعايات والوشايات في حقه لدى أبي العباس، فاستأذنه في ~~الانصراف واستقال من منصبه، فأذن له وذهب ابن خلدون إلى قبائل العرب. # ثم كتب إليه أبو حمو صاحب (تلمسان) يستقدمه ليتولى الحجابة والعلامة (منصب كبير الأمناء)، ~~فاعتذر إليه بأنه رغب في العلم عن السياسة، وأراد الخروج إلى الأندلس فاستأذن أبا حمو في ~~ذلك فأذن له وحمله رسالة إلى ابن الأحمر، ولكنه عجز عن ركوب البحر، وعلم السلطان عبد العزيز ~~المريني صاحب المغرب الأقصى خبره، وأن معه وديعة إلى سلطان الأندلس ، فاستقدمه وسأله ولم يجد ~~الخبر صحيحا، فأكرمه واستبقاه عنده واستعانه على (بجاية). # ثم استقرت بابن خلدون النوى ms223 في (تلمسان)، فأقام بها مع أهله وولده ونزل بهم في قلعة بني ~~سلامة من بلاد «بني توجين» فأقام بها أربع سنين. # وفي أثناء تلك المدة شرع في تأليف تاريخه فأكمل المقدمة، ودون بعض فصول من التاريخ، وكان ~~ذلك في أواخر العقد الثامن من القرن الثامن للهجرة، وقبل وفاته بثلاثين عاما تقريبا، وقد ~~شارف على الخمسين من عمره. # ثم حن إلى تونس مسقط رأسه فاستأذن، فأذن له فبلغها سنة 780ه، فأكرمه سلطانها واختصه ~~بأسراره وأخذ بناصره واستحثه على إتمام تأليفه، فاطمأن وواصل العمل في التاريخ حتى أحس ~~بالسعايات والوشايات، فصحت عزيمته على النزوح إلى مصر، فاستأذن في السفر إلى الإسكندرية ~~فبلغها سنة 784ه. وانتقل منها إلى القاهرة وجلس للتدريس في الأزهر، فقرأ الفقه على مذهب ~~مالك، واتصل خبره بسلطان مصر إذ ذاك وهو برقوق العظيم فقربه وأكرمه وولاه قضاء المالكية سنة ~~786ه، فقام بعمل القضاء خير قيام، واشتهر أمره عالما، وقاضيا، ومدرسا، ومؤرخا، وأديبا، ~~وكثر المعجبون به وكثر أيضا عدد حساده، فوشوا به وأشاعوا عنه الأراجيف. # وكان ابن خلدون قد بعث يستقدم أهله وولده من تونس ليقيموا معه في القاهرة، فغرقوا جميعا ~~في أثناء الطريق، فعظم الأمر على هذا الفيلسوف وأصابه حزن شديد فاستقال من منصب القضاء، ~~وانقطع للتدريس والتأليف وأقام على تلك الحال ثلاث سنين، فلما كانت سنة 789ه خرج من القاهرة ~~إلى الحجاز لأداء فريضة الحج وعاد في السنة التالية إلى مصر، وأكب على العمل في كتابه حتى ~~أتمه سنة 797ه وهو في الخامسة والستين من عمره، وقد قضى في تأليفه نحو خمسة عشر ~~عاما. # وما زال ابن خلدون مقيما بمصر، وهي ملجأ أهل العلم والأدب من قديم الزمان، حتى توفي بها ~~سنة 808ه ودفن بإحدى مقابرها في قبر غير معلوم لأبناء هذا الزمان. ~~(1) مؤلفات ابن خلدون ~~(1-1) تاريخ ابن خلدون # اشتهر ابن خلدون بين العلماء والمفكرين بكتاب واحد، بل بجزء واحد من ذلك الكتاب، ~~ألا وهو (مقدمة ابن خلدون)، أما التاريخ فاسمه (العبر، وديوان المبتدأ والخبر، في ~~أيام ms224 العرب والعجم والبربر، ومن عاشرهم من ذوي السلطان الأكبر) وهذا الكتاب مقسم ~~إلى ثلاثة كتب في سبعة مجلدات. # الكتاب الأول: في العمران، وما يعرض فيه من العوارض الذاتية من الملك والسلطان ~~والكسب والمعاش، والصناعات والعلوم، وما لذلك من العلل والأسباب، وهذا الكتاب الأول ~~هو المقدمة المشهورة، وتقع في نحو أربعمائة صفحة، وبها وحدها نال ابن خلدون القدح ~~المعلي؛ لأنه أتي فيها بمباحث مستحدثة مما أطلق عليه أهل هذا الزمان اسم العلوم ~~الاجتماعية، والسياسية، والاقتصاد السياسي، والاقتصاد الاجتماعي، وفلسفة التاريخ، ~~والقانون العام، ولا شك عندنا في أن «هيجل» الألماني و«مكيافللي» الإيطالي و«جيبون» ~~الإنجليزي هم من تلاميذ ابن خلدون. # فإن هذا الفيلسوف الإسلامي الذي عاش في القرن الثامن للهجرة (الرابع عشر المسيحي) ~~قد تصدى لتلك المباحث وأجاد فيها حينما كان أهل أوروبا في غفلتهم، ولم يكتب أحد من ~~العرب غيره في هذه المباحث سوى نتف متفرقة لا قيمة لها، فتوسع ابن خلدون في ذلك بما ~~استنبطه من الأسباب والنتائج بمعارضة الحوادث ودرسها، والبحث في عللها، مما وقف ~~عليه بالمطالعة والدرس أو كابده باختباره الشخصي. # ولا ريب في أن اغترابه وتنقله من مملكة إلى مملكة، وارتحاله في طلب المثل الأعلى ~~من دولة إلى سلطنة، ومن إمارة إلى بلاط، واحتكاكه بالأمم المختلفة، وممارسته بعض ~~شئون تلك الدول، أعانه ذلك كله على استيفاء بحثه، ولا ريب أيضا في أن الفكرة كانت ~~كامنة في رأسه فأنضجها الاختبار والتنقل فاختمرت وظهرت في حيز الوجود. ~~(أ) الكلام على مقدمة ابن خلدون # الفصل الأول: # في قسط العمران من الأرض وما ~~فيها من الأقاليم وتأثير الهواء في ألوان البشر وأخلاقهم، واختلاف أحوال ~~العمران من الخصب والجوع، وما ينشأ عن ذلك من الآثار في أبدان البشر ~~وأخلاقهم. # وهذا المبحث كثير الشبه بما أتى به علماء أوروبا في نظرية النشوء والارتقاء ~~بعد ابن خلدون بخمسة قرون. # الفصل الثاني: # في العمران البدوي، والأمم ~~الوحشية والقبائل، وما يعرض في ذلك المباحث في طبيعة البداوة والحضارة، والفرق ~~بينهما من حيث الأنساب والعصبية والرياسة والحسب والملك ms225 والسياسة وغير ~~ذلك. # وهذا المبحث من قبيل القواعد العامة لنظام الاجتماع الذي ظهر في أوروبا في ~~القرن التاسع عشر، وأطلق عليه المعاصرون اسم (سوسيولوجيا). # والفصل الثالث: # في الدول العامة، والملك ~~والخلافة والمراتب السلطانية، علل فيه أسباب السيادة وتشييد الدول، وكيف تحفظ ~~الإمارة، وشروط السلطة والخلافة وطبائع الملك، ومعنى البيعة وولاية العهد ~~ومراتب السلطان ودواوين الدولة وجندها وأساطيلها وشاراتها، وقواعد الجند والحرب ~~وأسباب ثبوت الدولة وسقوطها. # وهذا المبحث من نوع السياسة علما وعملا، وقد كتب «جيبون» المؤرخ الإنجليزي ~~كتابا عن أسباب انحلال الدولة الرومانية وسقوطها، سالكا الخطة التي رسمها ابن ~~خلدون في مقدمته. # والفصل الرابع: # في البلدان والأمصار وسائر ~~العمران، والمدن والهياكل ونسبتها إلى الدول، وما تجب مراعاته في وضعها من حيث ~~البر والبحر، وفي بناء المساجد والبيوت ونسبتها إلى الدول الإسلامية، وهذا ~~المبحث من قبيل الهندسة الحربية. # والفصل الخامس: # في المعاش ووجوهه من الكسب ~~والصناعات وفيه مسائل في الرزق والكسب، وأنه قيمة الأعمال البشرية، وفي المعاش ~~وأصنافه ومذاهبه ونسبة ذلك إلى طبيعة العمران، وفيه مباحث مسهبة في أبواب الرزق ~~من التجارة والصناعة على اختلاف ضروبها وأنواعها، ووصف أمهات الصناعات في ~~أيامه، كالزراعة، والعمارة، والنسيج (الحياكة والخياطة) والتوليد والطب، ~~والوراقة، والغناء وغيره. # وهذا المبحث من قبيل ما يسميه أهل هذا الزمان الاقتصاد السياسي، والاقتصاد ~~الاجتماعي، وكثير من مبادئ هذا الفصل صارت بذورا لما دونه «كارل ماركس» ~~الإسرائيلي الألماني في كتاب (رأس المال) # Das ~~Kapital ~~. # والفصل السادس: # في العلوم وأصنافها ~~والتعليم وطرقه وسائر وجوهه، وفيه مباحث في التعليم ونسبته إلى الحضارة، ~~والكلام في كل علم على حدة وتاريخه وشروطه من علوم القرآن والحديث والفقه، ~~فالعلوم اللسانية والطبيعية والرياضية والطبية، فالأدب فالشعر، والتاريخ، ~~والإلهيات وعلم النفس، وعلم النجوم، والعلوم السحرية. # وهذا المبحث من قبيل علم (البيداجوجيا) التربية، ومن فطاحله في أمريكا «وليم ~~جيمس» وفي أوروبا «سبنسر» و«فرويبل» وغيرهم. # وسيأتي الكلام على أسلوب ابن خلدون في موضعه من هذه الترجمة. # أما هذه المقدمة فقد كان لها أثر عظيم جدا عند المفكرين من الإفرنج، فنقلها ms226 ~~العلامة «كاترمير» إلى اللغة الفرنسية عن نسخة في المكتبة الوطنية بباريس، ~~وطبعت تلك الترجمة الفرنسية في أوائل النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ونقلت ~~منها فصول إلى الإنجليزية والألمانية والإيطالية والتركية، وفي جميع دور الكتب ~~الأوروبية نسخ منها خطية ومطبوعة. ~~(ب) الكلام على تاريخ ابن خلدون # أما التاريخ نفسه فإنه منطو في الكتابين الثاني والثالث، في ستة أجلاد، ~~ويشتمل الكتاب الثاني على أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ الخليقة إلى القرن ~~الثامن للهجرة، وهو الزمن الذي عاش فيه المؤرخ، مع الألماع إلى من عاصرهم من ~~الأمم والدول، كالفرس والهند والنبط والحبشان والسريان واليونان والرومان ~~والمصريين وغيرهم. # والكتاب الثالث يشتمل على أخبار البربر، والأمة الثانية من أهل المغرب وذكر ~~أوليتهم وأخبارهم، وما كان لهم بديار المغرب من الدول. # ويمتاز تاريخ ابن خلدون عما تقدمه من كتب التاريخ بما تضمنه من المقدمات ~~الفلسفية في صدور أكثر الفصول عند الانتقال من دولة إلى دولة، فإنه يصدر ذلك ~~غالبا بالأسباب والعلل، وهو أوسع تاريخ للعرب الجاهلية وللبربر ودولهم. # وقد أخطأ كثيرون من النقاد في الشرق في الحط من قدر هذا الكتاب، ونسبوا إلى ~~ابن خلدون في تأليفه التعقيد والغموض. والحقيقة أن علماء المشرقيات في أوروبا ~~جعلوا له شأنه الذي يستحقه، واهتموا به كما اهتموا بمقدمته، ونقلوا إلى لغاتهم ~~منه ما ينفعهم وينفع ممالكهم وسياستهم، فاشتغل «دي سلان» بنشر القسم الخاص ~~ببلاد المغرب والبربر، وطبعه في الجزائر قبل ظهور الترجمة الفرنسية للمقدمة ~~بأحد عشر عاما في مجلدين كبيرين يبلغ عدد صفحاتهما نحو ألف صفحة، وسماه (كتاب ~~الدول الإسلامية في المغرب)، ثم قضى خمس سنين في نقل هذا القسم إلى اللغة ~~الفرنسية ونشره في الجرائر سنة 1852م. # واقتطف المستشرقون من التاريخ أيضا الجزء الخاص بأخبار بني الأغلب في ~~أفريقية وصقلية إلى حين استيلاء الإفرنج عليها، وطبع هذا الجزء في باريس مع ~~ترجمة فرنسية بقلم الأستاذ «دفرجيه» سنة 1841م، ونقلت إلى الفرنسية قطعة خاصة ~~بتاريخ بني الأحمر. ~~(1-2) مذكرات شخصية لابن خلدون # وقد انفرد ابن خلدون بين مؤلفي ms227 العرب باتخاذه (يوميات) ومذكرات شخصية يدونها ~~يوما فيوما (أجندة)، وأطلق عليها اسم (التعريف بابن خلدون)، وفيها ترجمته ونسبه ~~وتاريخ أسلافه على نسق أوروبي، وشرح في خلالها ما عاناه في حياته، ويتخلل ذلك ~~مراسلات وقصائد نظمها في بعض الأحوال وكثير مما أصابه من دهره، وتنتهي حوادث هذه ~~المذكرات سنة 807ه؛ أي قبل وفاته بعام واحد. # وفي دار الكتب المصرية نسخة خطية من هذه المذكرات في مائة وخمسين صفحة بخط جميل ~~مذهب، ومنها ملخص في ذيل بعض النسخ من تاريخه المطول. ~~(2) فلسفة ابن خلدون الاجتماعية # سبق ابن خلدون كل كتاب أوروبا إلى وضع قواعد علم الاجتماع الذي لم يطرق بابه قبله ~~إلا فلاسفة اليونان، وقد صدق من قال إن التاريخ لم يكن شيئا مذكورا في جانب المقدمة، ~~فإن مقدمة ابن خلدون كتاب لفت نظر أوروبا أكثر مما لفت أنظار أهل الشرق؛ لأنه كتاب ~~بالمعنى الصحيح قلبا وقالبا، فهو منظم ومنسق شكلا، وجليل الفائدة جديد المباحث ~~موضوعا. وقد أجمع العلماء على أن هذا الحكيم العربي المغربي الأفريقي هو من واضعي أساس ~~علم الاجتماع الحديث. # وقد قسم ابن خلدون ظواهر المدنية إلى ظواهر خارجة عن الاجتماع، ويقصد بالظواهر ~~الخارجة عن الاجتماع الظواهر الطبيعية مثل العقائد الدينية والطقس والبيئة، وإلى ~~الظواهر الداخلة في الاجتماع وهي التي تنشأ في حضن الجماعة وتؤثر فيها بقوتها. # وبنى ابن خلدون نظريته على كون الإنسان ميالا للاجتماع بفطرته، وهذه هي نظرية حكماء ~~الإغريق والعرب التي عالجها بعد ذلك أوجست كومت نفسه في الجزء الرابع من فلسفته ~~الوضعية. ويتفق ابن خلدون مع أرسطو حكيم اليونان في أن الجماعة ليست إلا وسيلة لسعادة ~~الفرد، وهذا هو الرأي الذي نشره وقواه هربرت سبنسر في مذهبه الفلسفي. وقد أصاب ابن ~~خلدون كبد الحقيقة في نقط لم يسبقه إليها فلاسفة اليونان، فقد ميز بين الجماعة ~~الإنسانية والجماعات الحيوانية، فقال إن اجتماع الحيوان يكون عادة مدفوعا إليه ~~بالفطرة، أما اجتماع الإنسان فالدافع إليه الفطرة والعقل والتفكير معا. # لقد شبه مكيافيلي بابن خلدون، ويمكننا تشبيهه بمونتسكيو، فإن ms228 كلا منهما حاول ~~استنباط قوانين الاجتماع من حوادث التاريخ ووقائعه، وقد رأى ابن خلدون حوله أمما كثيرة ~~تعيش بغير دين منزل وأن لها ملكا واسعا وسلطانا قاهرا وأنظمة مرعية وقوانين مطاعة ~~وجيوشا فاتحة ومدنا عامرة آهلة. ورأى أن الأمم التي انتشرت فيها الأديان المنزلة تعد ~~أقلية بجانب الأمم الأخرى، فاستنبط من ذلك الرأي القائل بعدم ضرورة النبوة لتأسيس ~~الممالك والدول. # وقد خالف ابن خلدون بهذا الرأي معظم الفلاسفة والمؤرخين في الإسلام، ولكنه عاد فقال ~~إن النبوة وإن لم تكن ضرورية لتأسيس الممالك العادية، إلا أنها ضرورية لتأسيس الممالك ~~الراقية القريبة جدا من الكمال؛ لأن المملكة التي تشاد على أساس النبوة تجمع بين ~~منافع الدنيا ومنافع الدين. # يعتبر ابن خلدون الطقس أول العوامل الخارجة عن الاجتماع، وقد تكلم عن الأقاليم فقسم ~~الأرض إلى سبعة أقاليم، يختلف الطقس فيها من البرودة الشديدة إلى الحرارة القصوى وما ~~بينهما من درجات الاعتدال المتتالية، وقال بما قال به بعده «بوكل» الإنكليزي من أن ~~للبرد والحر تأثيرا في جسم الإنسان وخلقه، وبعبارة أخرى في الأمم والممالك من حيث ~~المدنية والحضارة. # وقال إن قاطني الأقاليم المتطرفة لا نصيب لهم في المدنية. وإن الإقليم الرابع، وهو ~~أشد الأقاليم اعتدالا في البرد والحر، هو أوفق الأقاليم للعمران والمدنية ونمو العلوم ~~وظهور الأديان وانتظار الأحكام والقوانين. وقد عين ابن خلدون لهذا الإقليم بلاد سوريا ~~وبلاد العراق، وأثبت أنها مظهر للحضارة والأديان من قديم الزمن. # وقد اتفق ابن خلدون ومونتسكيو في هذه النظرية اتفاقا كاملا، والثابت أن ابن خلدون ~~ومونتسكيو مسبوقان إلى اكتشاف هذه النظرية ببقراط وأرسطو الحكيمين الإغريقيين وجان ~~بودان الحكيم الفرنساوي. # ثم انتقل الحكيم العربي إلى العنصر الثاني من العناصر الخارجة عن الاجتماع، وهو الوسط ~~الجغرافي أو البيئة، وبحث في تأثير البيئة في الفرد، فقال إن البيئة الخصبة تغني الفرد ~~عن السعي في سبيل العيش وتغريه بالفراغ واتباع الأهواء، وتميت في نفسه صفات الشجاعة ~~والمحاربة. وإن هي جدبت استحثه الفقر على الجد والاجتهاد والمثابرة، وولد فيه روح ~~الكفاح والتنازع ms229 والمقاومة في سبيل الحياة. # ولكن يظهر أن ابن خلدون لم يعلق على البيئة من الشأن ما علق على الطقس؛ لأنه لم يسبق ~~إلى هذا البحث، ولأن مجال الكلام فيه ضيق بطبيعته بالنسبة للكلام في مجال الطقس. # أما العنصر الثالث وهو الدين، فقد قال عنه ابن خلدون إنه ضروري لكل جماعة إنسانية، ~~وأفاض في المقال بما لديه من الآراء الفلسفية والدينية التي تشبع بها من مؤلفات حكيم ~~الأندس ابن رشد. # ويظهر أن ابن خلدون كان يرمي إلى التوفيق بين الحكمة والدين كما كانت غاية حكيم ~~الأندلس، وهذا الذي يقلل من قدر فلسفة ابن خلدون في نظرنا؛ لأن أستاذه وقدوته ابن رشد ~~لم يكن في الحقيقة فيلسوفا، إنما كان مترجما وناقلا نقل فلسفة أرسطو إلى اللغة ~~العربية واعتبرها خاتمة الحكمة، ورأى أنه من المحتم عليه وهو حكيم إسلامي أن يوفق بين ~~هذه الآراء اليونانية وبين الشريعة الإسلامية، ولذلك لم يرض أحدا من الفريقين: لم يرض ~~الفلاسفة لأنه أحل الدين محلا لا يقبله الفلاسفة، ولم يرض الدين لأنه فسره وأوله ~~بما لا ينطبق على منطوقه. وإن هذا الفشل لا يقلل من قدر ابن رشد لأنه كان حسن النية، ~~وكان يريد دينا مبنيا على العقل وفلسفة لا تؤدي إلى الإلحاد والكفر. ولأن كثيرين من ~~المفكرين بعده حتى في عصرنا هذا حاولوا ما حاوله شيخ قرطبة، فكان نصيبهم من الخذلان ~~كنصيبه ما عدا التنكيل بهم؛ لأن زمن التنكيل بالناس لأجل أفكارهم ومعتقداتهم قد مضى ~~وانقضى. # لا يمكننا أن نعد ابن رشد فيلسوفا ولكنه كان مصلحا، فمثله كمثل مارتين لوثير، وقد ~~قضى حياته معذبا لأنه كان يرنو بعين إلى الدين وبأخرى إلى الحكمة، يحبهما ويحاول ~~التوفيق بينهما ولا يستطيع. فلا غرابة إذا جاء بحث ابن خلدون في المسألة الدينية مشوها ~~مضطربا، لأن فضل ابن رشد راجع لأنه حكيم بذاته ومباشرة، ولكن ابن خلدون كان فيلسوفا ~~بالواسطة. # وقد أنتج حب ابن خلدون الاستطراد أنه أخذ يبحث في الروح والتصوف والرؤى الصادقة ~~والوحي الإلهي، وكل هذه مواد خارجة ms230 بطبيعتها عن موضوع بحثه. ويظهر لنا أن ابن خلدون كان ~~يحاول أن يبحث في تأثير الأديان في الأمم ليظهر الفرق بين الأمم المتدينة والأمم ~~الوثنية، وتأثير العقائد في المدنية والعمران، وارتباط أنواع الدول بالتدين وضده، ثم ~~يبحث في ماضي الإنسانية وحاضرها ومستقبلها من هذه الوجهة، مستشهدا بحوادث التاريخ ~~ومستقرئا الوقائع ومقارنا بين اليونان القديمة - وهي أمة وثنية لم يبعث إليها نبي ولم ~~يظهر فيها سوى حكماء أمثال هيراقليط وبقراط وسقراط وأفلاطون وأرسطو - وبين أية أمة أخرى ~~بعث إليها الأنبياء ولم يظهر فيها حكماء دنيويون أمثال من ذكرنا. ويقارن بين تاريخ ~~الأمتين وما كان من أمرهما ومن تأثيرهما في الأمم المعاصرة. # أما عن حاضر الإنسانية في عصر ابن خلدون فلم يكن لديه شيء أسهل من النظر في حال الأمم ~~لعهده وتأثير التدين وضده في كل منها، وإن مواد مبحث كهذا لم تكن تنقصه لأنه نشأ في ~~بلاد متدينة وساح في إسبانيا وهي تدين بغير دينه، وتنقل بين أفريقيا وآسيا وأوروبا، ~~وكان يعلم حتما بوجود أمم وقبائل متوحشة لا دين لها في قلب القارة التي نشأ فيها وألم ~~بأطراف من أخبارها في تاريخه، ثم كان يحسن به أن يمعن النظر في الماضي والحاضر ليحاول ~~الاهتداء إلى ما يكنه المستقبل للأمم المتدينة وسواها. # وإن بحثا كهذا يكون أعظم نفعا وأجل ثمرة للإنسانية والعلم من البحث في التصوف ~~والاستخارة والرؤى الصادقة والتجرد، وما شابهها مما شغل به هذا الحكيم عقله ووقته على ~~غير جدوى. # إلى هنا انتهى ابن خلدون من شرح العوامل الخارجة عن الاجتماع، ثم انتقل إلى البحث في ~~العوامل الاجتماعية التي تنشأ في حضن المجتمع، فقرر أن كل جماعة إنسانية تمر بثلاثة ~~أطوار: الطور الأول البدوي، والثاني الغزوي، والثالث الحضري. إن كل أمة تنشأ قبيلة تعيش ~~في الصحراء أو في الوادي، ثم تنهض فتغزوا أمما أضعف منها متحضرة متمدينة وهذا هو الطور ~~الثاني، ثم تتحضر هي أيضا فتمدن المدن وتمصر الأمصار وتدون الدواوين وتقنن القوانين ~~وتضع العلوم وتنشئ الفنون الجميلة وتميل إلى ms231 الملاذ والمسرات وتنسى الحرب والكفاح؛ ~~فتضعف شيئا فشيئا إلى أن تتغلب عليها قبيلة غازية فتقهرها وتسود عليها. # وهكذا تستمر الحركة الإنسانية: تقوم أمم وتسقط، دولة تنهض ودولة تنحط فتغلب، وأخرى ~~تقوى فتنتصر وتسود. هذه سنة الطبيعة في الأمم، وقد اكتشفها ابن خلدون بمحض فكره وعلمه ~~بتاريخ أمم العرب والبربر، ولم يسبقه إليها أحد لأن من سبقه من العلماء لم يشهدوا تاريخ ~~تلك الأمم، ولأن أممهم لم تصب بما أصيبت به أمم العرب والبربر السالفة الذكر في الشرق ~~والغرب. # يقول ابن خلدون إن الحياة البدوية هي الطور الأول لكل جماعة أو قبيلة، وإنها لا تنافي ~~الطبيعة الإنسانية، ويمتاز البدو بالحركة الدائمة والتنقل وهم يعيشون من القطعان التي ~~يرعونها، فإن كانت إبلا عاشوا في الصحراء لملائمة جوها وأحوالها الظاهرة للإبل، وإن ~~كانت غنما وأبقارا عاشوا في الوديان لكونها أشد ملائمة لهذا النوع من الحيوان من ~~سواها، وإن عيشة البدو واضطرارهم للقناعة بالقوت والثياب وحاجتهم إلى الشجاعة والقوة ~~للدفاع عن أنفسهم وأموالهم تفضلهم على المتحضرين. # يقول ابن خلدون إن العصبية هي التي تدفع بالقبيلة إلى الألفة والمحبة، وتدفعها أيضا ~~إلى الاتحاد والوئام والدفاع عن المصالح المشتركة، وإن شيئين يقويان العصبية وهما ~~احترام العرف والعادة، والحاجة الدائمة للهجوم والدفاع. ثم تكلم عن الأسرة وتكوينها، ~~فقال إن كل أسرة تفقد صفاتها النبيلة في آخر الجيل الرابع، وإن القبائل تبقى قوية ما ~~دامت محافظة على قوتها وعصبيتها، وقال إن صفاء الدم ونقاوة الجنس شرطان أساسيان لا يمكن ~~لقبيلة أن تنال القوة أو تستبقي العصبية بدونهما، وخلاصة القول على القبيلة أن العصبية ~~هي قوامها وقوتها، وأنها بدونها لا تستطيع الحياة أو المقاومة، وأن القبائل ذات العصبية ~~هي وحدها دون سواها القادرة على الفتح والامتلاك. # وقد انتقل ابن خلدون لتحول القبيلة إلى طور الغزو وتأسيس الدولة، ولا شك عندنا في أن ~~سوسيولوجيته هذه مبنية على تاريخ العرب والبربر بصفتها قبائل، وعلى تاريخ الإسلام بصفته ~~دولة. انتقل ابن خلدون إلى الكلام على حياة الحضر، وأن لهذا الحكيم الفضل الأول ms232 في ~~التفريق بين السياسة والأخلاق وبينها وبين العقائد والشرائع، وقد كانت السياسة قبل زمنه ~~ممتزجة بها جميعا، فهو يعد بحق أول مؤلف سياسي في الشرق ومن الأوائل في الغرب. # يقول ابن خلدون إن العصبية والفضيلة تحفظان قوة القبائل، ولكن لا بد لهما من عامل ~~ثالث وهو إما السياسة وإما الدين، وهذا العامل الثالث هو الذي يوجه قوة القبيلة نحو ~~منفعتها الحقيقية ويعين مورد القوة التي تكتسبها القبيلة بالفتح، وبعبارة أخرى يريد ابن ~~خلدون أن يقول إنه مهما كانت القبيلة قوية فإنها في حاجة إلى «مثل أعلى» تقصد إليه ~~وتجعله كعبة آمالها، وقد ضرب مثلا بقبائل العرب قبل الإسلام، ثم انتقل إلى الأمم التي ~~دالت دولتها وغزتها القبيلة القوية المستجدة، وأسهب في شروط الفتح وظروفه وفي الصعوبات ~~التي يلقاها الفاتح، وقرر أن أثر الفاتح في المغلوب يزول بمجرد الفتح ويبدأ الغالب ~~يتأثر بأحوال المغلوب. # وذكر ثلاثة أسباب لسقوط الأمم القوية هي ضعف الأشراف وتشدد الجنود المرتزقة ثم الترف، ~~وقال إن الدولة لا يطول أجلها أكثر من ثلاثة أجيال، وإن لها كالفرد طفولة وشبابا ~~وشيخوخة، ولكن هذا لا يمنع الدولة من السقوط في أول أدوار حياتها. نقول إن هذه النظرية ~~وإن صدقت على الدول الإسلامية فلا تصدق على غيرها، وإن كثيرا من آراء ابن خلدون في ~~السيادة والتغلب والفتح يذكرنا بكتاب الأمير تأليف مكيافيلي الذي نقلناه إلى العربية ~~عام 1912، ولا ريب في أن الفضل في هذه الآراء لابن خلدون؛ لأنه أسبق من حكيم فلورنسا ~~ووزيرها. # وليس هذا المجال مجال نقد فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، ولكننا أردنا تلخيص مبادئه. ~~يرى القارئ أن أهم ما حاوله ابن خلدون في مقدمته الخالدة هو اكتشاف القانون الذي ~~بمقتضاه تكونت المدنية العربية في الغرب. وحاول ابن خلدون باكتشاف هذا القانون أن يضع ~~أساس فلسفة الاجتماع معتقدا - كما اعتقد بعده بستة قرون أوجست كومت - أن حوادث التاريخ ~~هي مصدر الاستنباط والاستنتاج الذي يعتمد عليه العالم الاجتماعي. (راجع تاريخ فلسفة ~~العرب تأليف بوير). # إن حياة ابن خلدون وأخلاقه تجعل ms233 الشبه بينه وبين مكيافيلي مؤلف كتاب الأمير شديدا ~~جدا، ولا فرق بينهما في تاريخ مولدهما إلا قرن واحد. وظروف كل منهما في عصره وفي ~~المناصب التي تقلب فيها والأشخاص الذين احتك بهم تكاد تكون واحدة. وقد استفاد كل منهما ~~خبرة وعلما واسعا بأخلاق الناس وقوانين الأمم وأحوالها. # كان ابن خلدون في عصره فذا وأمثاله في كل عصر نادرون. لقد تشبع بفلسفة ابن رشد، ~~واستطاع أن يتملص من كثير من معتقدات أهل عصره، واستطاع أيضا أن يسبق أوجست كونت في ~~شيئين: # الأول: # القول بأن الفلسفة هي علم الموجودات، وهذا ~~الرأي لم يقل به أرسطو المسمى بالأستاذ الأول والمعلم الأول، ولكن قال به أوجست كومت ~~بعد ابن خلدون بستة قرون فابن خلدون في هذه النقطة أعلى إدراكا من أرسطو وأسبق إلى ~~اكتشاف تلك الحقيقة الكبرى من فلاسفة أوروبا إلى أواسط القرن التاسع عشر. # والثاني: # القول بأن الاجتماع الإنساني خاضع لقوانين ~~وقواعد تدخله في حيز العلوم المنتظمة، وسبق أوجست كومت أيضا في طريقته؛ فإنه بنى علم ~~الحكيم الاجتماعي بالعالم على شيئين: الأول مشاهدة الأمم واختبارها، والثاني تصور ~~القوانين السائدة على الاجتماع واكتشافها بفضل التجارب العقلية والاستنتاج الفكري، ولم ~~يقل أوجست كومت بأكثر من هذا عندما شرح طريقتي «الستاتستيك والديناميك»، فإن الخبرة ~~والعلم يكشفان لنا عن الحقائق، والعقل يكشف لنا عن الأسباب والعلل. # وكذلك كان ابن خلدون أول من اكتشف معنى كون التاريخ علما ما دامت غايته جمع الحقائق ~~وتنظيمها وتنسيقها لاكتشاف أسبابها ونتائجها. وبهذا الاختبار يمكن الوصول إلى القول بأن ~~كل حادثة معينة لدى حدوثها تقتضي فرض وجود شروط أو ظروف معينة، وبعبارة أخرى أنه كلما ~~اجتمعت طائفة من ظروف معينة في مدنية من المدنيات حدثت حوادث معينة، وأي شيء أكثر من ~~هذا قاله مونتسكيو أو أوجست كومت أو من جاء بعدهما من علماء الاجتماع؟ وقد وصل ابن ~~خلدون من هذا إلى القول بأن الحاضر دليل على الماضي، والمستقبل شبيه بالحاضر. ثم إن ابن ~~خلدون قال بأن غاية التاريخ درس العمران أو الحياة ms234 الاجتماعية. # ذكرنا أن للحياة الاجتماعية ثلاثة أشكال متتالية هي: حالة البداوة وحالة الحرب أو ~~الفتح ثم حالة الحضارة. (الفصل الثاني وما بعده ص73 من طبع 1311 بالمطبعة الأزهرية ~~بمصر). وقد تعقب ابن خلدون حياة الجماعة منذ البداوة إلى الحضارة التي تنشأ في حضنها ~~وبطبيعتها أسباب الفساد والفناء، وقد رد هذه الأسباب إلى عدم المساواة من حيث الغنى ~~والفقر، وذهاب فضيلة الشجاعة من قلوب البدو إذا تحضروا، ثم إلى انغماس تلك القبائل ~~الحديثة العهد بالمدنية في أنواع الملاذ وصنوف الترف. # وإن من يقرأ مقدمته الجليلة لا يرتاب لحظة عين في أنه تعقب سير المدنية العربية في ~~غرب أفريقيا وجنوب أوروبا منذ البداية إلى النهاية، ولا يوجد أدل على ذلك من كلامه في ~~العصبية (ص79 من الطبعة المذكورة) وبحثه في أن نهاية الحسب والمجد والعظمة الإنسانية في ~~العقب الواحد أربعة آباد؛ أي إن الجيل الرابع هو نهاية المجد واعتبار الأربعة في رأيه: ~~بان وهو الجيل الأول، ومباشر وهو الجيل الثاني، ومقلد وهو الجيل الثالث، وهادم وهو ~~الجيل الرابع (ص82). # ولا ننسى أن ابن خلدون سبق كل علماء الاجتماع في أوروبا في القرون الوسطى والحديثة ~~ببحثه في أثر الهواء في أخلاق البشر واختلاف أحوالهم في الخصب والجوع (ص52 وما بعدها). ~~وهو كذلك أول من بحث في قسط العمران من الأرض، وتكلم على أثر الأقاليم في الأخلاق ~~والتمدين، وهذه مسائل قد حام حولها بعض فلاسفة اليونان، ولكن ابن خلدون أول من وفاها ~~حقها من البحث والاستقصاء على قدر ما وصل إليه علمه الجغرافي في ذلك الزمان، وأهمية هذه ~~الأبحاث غنية عن البيان لأنها تدلنا على رغبة هذا الحكيم العربي في رد ظواهر الحياة ~~الاجتماعية إلى العوامل الطبيعية المعلومة لنا والواقعة بالفعل تحت مشاهدتنا. # وما أشدنا ألمنا عند قول ابن خلدون إنه لم يف كل بحث حقه، ولم يستوعب كل ما ينبغي ~~استيعابه وتدوينه، إنما ألم بأطراف المسائل وأحاط ببعضها عجزا منه عن الإحاطة بكلها، ~~وإنه يترك ما بقي لمن يجيء بعده من العلماء الأعلام! ms235 يشتد ألمنا لأن هذا النداء لم يجبه ~~أحد في العالم العربي ولا في العالم الإسلامي منذ وفاة ابن خلدون في أواسط القرن الخامس ~~عشر للآن، ولكن يسرنا أن أجابه الكثيرون من علماء أوروبا، ويسرنا أن كثيرين منهم لم ~~ينسوا فضل هذا الحكيم العربي الشرقي. ونحن لا نرتاب في أن أوجست كومت وقف على مؤلف هذا ~~الحكيم، وإن كان لم يذكره بكلمة واحدة في كتابه واكتفى بذكر كوندروسيه ومونتسكيو، ولا ~~يمكن أن يجهل أوجست كومت فضل ابن خلدون، وقد كتب عنه شولز مقالة في المجلة الآسيوية في ~~عام 1825، أي قبل ظهور فلسفة أوجست كومت بسبع سنين، وكان كومت إذ ذاك في السابعة ~~والعشرين من عمره. والمجلة المذكورة تنشر في باريس وطنه. ~~(3) معارضة (مقارنة) بين ابن خلدون وتلميذه نيقولا مكيافيلي # نيقولا مكيافيلي فيلسوف اجتماعي سياسي من أهل فلورنسا، ولد سنة 1469م، وتوفي سنة ~~1527م. تقلب في عدة مناصب سياسية في جمهورية فلورنسا في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل ~~القرن السادس عشر. فتولى سكرتيرية ديوان القضاة العشرة فيها أربعة عشر عاما وبعض ~~العام، قام في أثنائها بثلاث وعشرين مهمة سياسية في الأقطار الخارجية، وإيطاليا يومئذ ~~في أحرج المواقف تتنازع السيادة عليها ألمانيا وفرنسا والبابا، يعتركون في مدنها ~~وإماراتها، ويتخطفونها تخطف اللصوص بالدهاء أو السيف. غير ما انتشب من الخصام بين حكومة ~~البابا والناهضين للإصلاح ومقاومة تعاليم الكنيسة، وكانت أسرة مديتشي تحارب حزب الشعب ~~تحت طي الخفاء. # عاصر مكيافيلي هذه الحوادث فاكتسب الحنكة، واعتبر بما رآه وعلمه بالاختبار فوضع علما ~~أو فلسفة في السياسة العملية عرفت باسمه، وألف في التاريخ والسياسة والتمثيل والأدب ~~ونظم الشعر، وكتب في فنون الحرب، وأشهر مؤلفاته كتاب (الأمير) ألفه للأمير «لورنزودي ~~مديتشي» الكبير. # واختلف العلماء في قيمة ما حواه كتاب الأمير من الحقائق العمرانية والسياسية، وهم بين ~~قائل بأن قواعده السياسية ضارة لأنها مبنية على الاستبداد والغدر والخيانة وغيرها من ~~الوسائل الدنيئة، وبين من يزعم أنها قواعد صحيحة لا بد منها لقيام الدولة. # والكتاب مؤلف من 26 فصلا، أوضح ms236 فيها أنواع السلطة وطرق الحصول عليها، والفرق بين ~~الإمارات الموروثة والمختلطة، وضروب الحكومات وأنواع الإمارات المدنية والدينية، وأنواع ~~المحاربين وما ينبغي على الأمير اتباعه من الأساليب حتى يستتب له الأمر وتثبت قدمه في ~~السيادة. وفصول في واجبات الأمير نحو الجند وما تمدح به الرجال أو تذم من الكرم أو ~~البخل أو القسوة أو اللين. وقارن بين محبة الناس للأمير وخوفهم منه، وكيف يكون وفاء ~~الأمراء، وكيف يشتهر الأمير وكثير من الأبحاث السياسية والعمرانية، ويتخلل ذلك تاريخ ~~الإمارات الغربية في القرون الوسطى، فعمله هذا يشبه ما فعله ابن خلدون قبله بقرنين. ~~ولذلك رأينا أن نقارن بينهما وبين آرائهما في السياسة والعمران، فإن لفيلسوفنا ~~الاجتماعي آراء خاصة في طبائع العمران والسلطة يصح أن تسمى «الفلسفة الخلدونية» # khaldounisme # كما سميت آراء مكيافيلي ~~«الفلسفة المكيافيلية» # Machiavellisme ~~. ~~(3-1) كتاب الأمير ومقدمة ابن خلدون # أثبت ابن خلدون آراءه في فلسفة العمران بمقدمته المشهورة، كما دون مكيافيلي فلسفته في ~~كتاب (الأمير) فيحسن بنا المقابلة بين الكتابين على الإجمال. فكتاب (الأمير) يشتمل على ~~القواعد السياسية والأخلاقية اللازمة لتأييد سلطة الأمراء في فصول تقدم بيانها ولا يزيد ~~حجمه على 150 صفحة، أما مقدمة ابن خلدون فقد أسهبنا في وصفها وتلخيصها فيما سبق من هذه ~~الترجمة، وفيها مباحث لم يتعرض لها مكيافيلي ومباحث أخرى تصدى لها عرضا. ~~(3-2) أوجه المشابهة بينهما # يتفق مكيافيلي وابن خلدون فيما بعثهما على الكتابة في هذا الموضوع وفي الطريق الذي ~~سلكاه، فإن مكيافيلي إنما بعثه على تدوين تلك القواعد السياسية ما شاهده من اختلال ~~الأحوال في أوروبا وما قاساه بنفسه من المشقة والعذاب في تدبير الدولة وملافاة الأخطار ~~المحدقة بها. وهو كاتب سر الدولة يطلع على دخائلها ويرى ما يحدق بذلك من الأخطار ~~والمفاسد والدسائس، فدرس ذلك كله وبني عليه آراءه في كيف يستطيع الأمير تثبيت سيادته. ~~وضرب الأمثلة على ذلك مما شاهده من أحوال معاصريه أو قرأه من تاريخ الدول الماضية، لكنه ~~في كل حال لم يتعد تاريخ أوروبا القديم والحديث ولم يذكر من ms237 الشرقيين غير ~~الأتراك. # أما ابن خلدون فعاش في بلاد المغرب وعانى مناصبها السياسية والقلمية، وعاصر كثيرا من ~~حوادثها وتقلباتها في مراكش وتونس والأندلس ومصر، ودخل في كثير منها بنفسه واطلع على ~~دخائلها وأسرارها وتولى كتابة السر في بعضها، ونال مقاما رفيعا ونفوذا عظيما وتقلبت ~~عليه أحوال شتى، ونكب بموت أهله فزادته المصائب عبرة وصقلت قريحته الفلسفية. وكان واسع ~~الاطلاع في التاريخ الإسلامي وما يتعلق به، فعني بوضع تاريخه المشهور، وخطرت له خواطر ~~فلسفية في أحوال العمران دونها في مقدمة ذلك التاريخ قد تقدم ذكرها. فيشبه مكيافيلي في ~~أنه بعث على هذه الفلسفة من مؤثرات الوسط الذي نشأ فيه والأحوال التي عاصرته. ولكنه أيد ~~آراءه في سياسة الدولة بما عرفه من تاريخ الإسلام وسائر الشرق ولم يتعرض لتاريخ اليونان ~~والرومان إلا عرضا في بعض الأماكن. # وقد تشابه الفيلسوفان في كثير من آرائهما في الوزارة وأحوال الموالي والمصطنعين وتجنب ~~المتملقين، وفي تعليل أسباب سقوط الدولة ونهوضها ووجوب الاعتماد على الجند وغير ذلك مما ~~لا حاجة بنا إلى تفصيله هنا. وإنما نكتفي بذكر أهم ما اختلفا فيه من القواعد السياسية ~~في تأييد السلطة. ~~(3-3) أوجه الاختلاف بينهما # أساس بحث مكيافيلي في السلطة أنه قسمها إلى جمهورية وملكية كما كانت تقسم بأوروبا في ~~عهده ونسبة ذلك إلى الكنيسة والأسر المطالبة بالسيادة في عصره. وأما ابن خلدون فلا تجد ~~للجمهورية ذكرا في كتابه، ولكنه يقسم ضروب السلطة إلى الخلافة والملك والسلطنة ~~والإمارة مما كان شائعا في الدولة الإسلامية، وعلاقة ذلك بالدين والعصبية من أحوال ~~العرب والمسلمين. # يرى ابن خلدون أن الدولة العامة الاستيلاء العظيمة الملك أصلها الدين، إما من نبوة أو ~~دعوة حق. وأن هذه الدعوة الدينية لا تقوم إلا بالعصبية بين أهل الأنساب (البدو) غير ~~أهل الأمصار (الحضر)؛ لأن هؤلاء عدوان بعضهم على بعض لا تجتمع كلمتهم. وأما البدو ~~فيدافع بعضهم عن بعض بالعصبية وتدافع عنهم مشايخهم وكبراؤهم بما قام في نفوس الكافة لهم ~~من الوقار. ولا يصدق دفاعهم إلا إذا كانوا عصبية وأهل ms238 نسب. وأتى بالأدلة على تأييد قوله ~~من تاريخ الإسلام، وهي كثيرة، لأن الدولة الإسلامية قامت بالدين والعصبية. # وأما مكيافيلي فقد عقد فصلا في الإمارات الدينية (صفحة 120) بين فيه أن السيادة ~~الدينية تبقى بفضل العادات والرسوم القديمة، وهي التي تسهل لأمرائها البقاء في السلطة. ~~ولم يبحث في نسبة الدين إلى تأسيس الدول لأن النصرانية لم تنشئ دولة من نفسها. لكنه بحث ~~في كيف وصلت الكنيسة إلى تلك القوة الدنيوية في أيامه حتى أرهبت ملك فرنسا وطردته من ~~إيطاليا وقضت على أهل البندقية. وأسند ذلك إلى حاجة الأمراء إليها في التنازع بينهم ~~وعندها البأس والقوة. وهو يعتقد أن قيام الدولة وثباتها إنما يكون بالجند، وعقد فصلا ~~خاصا في واجبات الأمير نحو الجند المحارب فقال: # لا ينبغي للأمير أن يكون له مقصد وفكر ويعنى بدرس أمر سوى الحرب ونظامها ~~وترتيبها؛ لأنها الصنعة الوحيدة الضرورية للذي يأمر وينهى، وفائدتها في أنها ~~تحفظ ملك من يولد أميرا، وترفع إلى مرتبة الأمراء بعض الناس من الطبقات ~~الأخرى، وقد رأينا أن الأمراء الذين يفكرون في الرفاهية أكثر من التفكير في ~~الحرب يفقدون إمارتهم، والسبب الذي يفقد الأمراء ممالكهم هو احتقارهم الحرب، ~~ووسيلة الحصول عليها هي التبحر في علوم الحرب. # وقد تجد في آراء ابن خلدون ما يرمي إلى مثل هذا الغرض. وإنما يختلف الرجلان في كيف ~~تحفظ سيادة الأمراء على رعاياهم، فيرى مكيافيلي أن الوسيلة الفضلى إيقاع الهيبة والرعب ~~في قلوب الرعية، وقد جعل ذلك في طريق البحث فقال: # ومن هذا ينشأ سؤال مهم وهو: أيهما أنفع للأمير أن يحب أكثر مما يخشى أم ~~يهاب أكثر مما يحب؟ فالجواب أنه ينبغي له أن يكون محبوبا مهيبا، وحيث يصعب ~~الجمع بين الحالتين، فإذا احتاج الأمير لأحدهما فالأفضل أن يهاب؛ إذ يحق القول ~~عن الناس عامة أنهم ينكرون الجميل سريعو التحول مختلفو الطبائع والغرائز ميالون ~~لاتقاء الأخطار ومحبون للكسب. # ويرى أن الأمير يجب أن يقود جيشه وأن يعرف بالقسوة؛ لأنه بدونها لا يستطيع أن يحافظ ~~على اتحاد جيشه وطاعته ms239 (ص149). واستشهد على ذلك بهنيبال وغيره. # وعقد مكيافيلي فصولا في كيف ينبغي أن يتصرف الأمير لحفظ سيادته فقال (ص140): «إذن ~~فينبغي للأمير الذي يريد أن يحفظ عرشه أن يتعلم كيف يقلل من طيبته وكيف يستعمل الخير أو ~~ضده في الأوقات والأحوال المناسبة.» # وقال (ص142): «ويجب عليه أن لا يخشى عار المعايب التي يصعب عليه بدونها الاحتفاظ ~~بالملك؛ لأن الإنسان إذا أمعن النظر رأى أن كثيرا من الأمور التي تظهر له أنها فضائل ~~قد تؤدي به إلى الخراب إذا اتبعها، وكثيرا مما يبدو كأنه من الرذائل قد يؤدي إلى الخير ~~والسلامة.» # وبحث في الكرم والبخل بالنظر إلى الأمراء، فكان حكمه «لا ينبغي للملك أن يهتم باتهامه ~~بالبخل إذا كان يريد أن لا يسرق شعبه، ويدافع عن نفسه وقت الشدة، وأن لا يصير فقيرا ~~محتقرا، وأن لا يصاب بالجشع؛ فإن رذيلة البخل من الرذائل التي تسهل له الاحتفاظ ~~بالسلطة». # وأطلق لقلمه العنان في فصل «كيف يكون وفاء الأمراء»؛ يعني إذا عاهد الأمير أحدا على ~~أمر هل يجب عليه الوفاء به؟ فقال: «لا يخفى على أحد ما يلحق بالأمراء من الثناء إذا ~~اشتهروا بحفظ الوعود ومراعاة العهود، ولكن تجارب زماننا هذا دلت على أن الأمراء الذين ~~لم يراعوا العهود قاموا بأعمال كبيرة، وتمكنوا من تحيير أوهام الناس بمكرهم، وتغلبوا في ~~نهاية الأمر على الأمراء الذين اتخذوا الأمانة عادة والوفاء أساسا لحياتهم.» # ثم فصل الكلام في ذلك وقال إن الأمير ينبغي له أن تكون فيه طبيعتا الأسد والثعلب؛ ~~فيفتك كالأسد ويحتال كالثعلب. إلى أن قال: «لذا ينبغي للأمير أن يكون ثعلبا ليتقي ~~الحفائر والحبائل، وأسدا ليرهب الذئاب، أما من يريد أن يكون أسدا فقد فلا أمل له في ~~النجاة، لأجل هذا لا ينبغي للأمير الحذر أن يحفظ العهود إذا كانت ضد مصلحته، أو ما ~~دامت الأسباب التي دعت للوعد قد انقضى عهدها. إذا كان الناس كلهم أخيارا فإن القاعدة ~~التي ذكرتها تكون لا شك سيئة، ولكنهم أشرار ولن يحفظوا لك عهدا، فلست مضطرا لحفظ ms240 ~~عهودهم.» ~~«ثم إن الأمير لا يفقد حيلة شرعية يركن إليها إذا لم يف بوعده، وإن الأمثال في هذا ~~الباب كثيرة تثبت أن السلم قد تزعزع مرارا، وأن الوعود قد نسيت تكرارا عند أمراء لا ~~وفاء لهم، وأن الأمراء الذين استطاعوا تقليد الثعلب قد فازوا وانتصروا، ولكن من الضروري ~~أن يخفي الرجل هذه الخليقة، وأن يكون ماهرا في فن التظاهر بغير شعوره، ثم إن الناس من ~~البساطة بمكان وهم أصحاب حاجات وصاحبها أرعن مطيع فلا يعدم الخادع فريسته.» # واستشهد على ذلك بإسكندر السادس، لأنه لم يفعل في حياته سوى خداع الرجال. قال ~~مكيافيلي: «فلم يكن مثله رجلا قادرا على تأكيد الأقوال وتثبيتها والوعد بالإنجاز، ولم ~~يكن كذلك أحد مثله أقل وفاء بما وعد به، ومع ذلك فإنه فاز على الدوام في خداعه لأنه عرف ~~طبيعة البشر، فليس من الضروري للأمير أن يتصف حقيقة بكل الفضائل التي سبق الكلام عليها، ~~ولكن من الضروري أن يذاع عنه الاتصاف بها. وإنني أجسر فأقول إن الاتصاف بكل تلك الفضائل ~~خطر، ولكن الظهور بالتحلي بها نافع. من الخير لك أن تظهر بالتقوى والأمانة وحب ~~الإنسانية والدين والإخلاص، وأن تكون في الواقع كذلك، ولكن ينبغي أن تكون متنبها بحيث ~~إذا اضطررت للتحول إلى الصفات الأخرى كان ذلك بدون مشقة.» # هذا أهم ما يراه مكيافيلي وسيلة لتأييد سلطة الأمراء، أما ابن خلدون فيخالفه أو هو ~~يناقضه في أكثر المواضع: # يرى ابن خلدون أن إرهاف الحد مضر بالملك مفسد له، وأنه إنما يملك الأمير الرعية ~~بالرفق واللين، فأشار بحسن الملكة والابتعاد عن العسف، وهذا قوله: «إن حسن الملكة تقوم ~~بالرفق؛ فإن الملك إذا كان قاهرا باطشا بالعقوبات منقبا عن عورات الناس وتعديد ~~ذنوبهم شملهم الخوف والذل ولاذوا منه بالكذب والمكر والخديعة، فتخلقوا بها وفسدت ~~بصائرهم وأخلاقهم، وربما خذلوه في مواطن الحروب والمدافعات، ففسدت الحماية بفساد ~~النيات، وربما أجمعوا على قتله لذلك؛ فتفسد الدولة ويخرب السياج. وإن دام أمره عليهم ~~وقهره فسدت العصبية لما قلناه أولا، وفسد السياج من أصله ms241 بالعجز عن الحماية. وإذا كان ~~رفيقا بهم متجاوزا عن سيئاتهم استناموا إليه ولاذوا به وأشربوا محبته واستماتوا دونه ~~في محاربة أعدائه، فاستقام الأمر من كل جانب. وأما توابع حسن الملكة فهي النعمة عليهم ~~والمدافعة عنهم، فالمدافعة بها تتم حقيقة الملك، وأما النعمة عليهم والإحسان لهم فمن ~~جملة الرفق بهم والنظر لهم في معاشهم، وهي أصل كبير في التحبب إلى الرعية.» # ويرى ابن خلدون أن من علامات الملك التنافس في الخلال الحميدة قال: «إن خلال الخير هي ~~التي تناسب السياسة والملك؛ لأن المجد له أصل ينبني عليه وتتحقق به حقيقته وهو العصبية ~~والعشير، وفرع يتم وجوده ويكمله وهو الخلال، وإذا كان الملك غاية للعصبية فهو غاية ~~لفروعها ومتمماتها وهي الخلال؛ لأن وجوده دون متمماته كوجود شخص مقطوع الأعضاء أو ظهوره ~~عريانا بين الناس. وإذا كان وجود العصبية فقط من غير انتحال الخلال الحميدة نقصا في ~~أهل البيوت والأحساب، فما ظنك بأهل الملك الذي هو غاية لكل مجد ونهاية لكل حسب؟ وأيضا ~~فالسياسة والملك هي كفالة للخلق وخلافة لله في العباد لتنفيذ أحكامه فيهم، وأحكام الله ~~في خلقه وعباده إنما هي بالخير ومراعاة المصالح.» # ولولا ضيق المقام لأتينا بأمثلة أخرى، على أن في كتاب الأمير كثيرا من القواعد ~~الاجتماعية الصحيحة مثل: بحثه في الإمارات المختلطة، وكيف ينبغي للأمير أن يفعل لتمكين ~~سلطته فيها. فإنه قرر قواعد يحكم العقل بصحتها حالا، ويرى أمثلة منها تحدث كل يوم. ~~وأحكامه في الولايات التي امتلكت بقوة الجيش، وآراؤه في الإمارة المدنية، فإن فيها ~~فوائد هامة وغير ذلك. # ونغتفر له بعض سقطاته متى علمنا الوسط الذي كتب فيه كتابه، وإنما أردنا المقابلة بين ~~الرجلين لتشابهما فيما كتباه. ~~(4) إيضاح ابن خلدون بنبذ من أسلوبه (رأيه في الفلسفة) # لمن ندخل ابن خلدون في زمرة فلاسفة الإسلام بوصف كونه فيلسوفا عقليا، فإنه لم يكن ~~كذلك، ولكننا حذونا حذو مؤرخي الإفرنج الذين اعتبروه من أهل العبقرية في علوم الاجتماع ~~والاقتصاد وفلسفة التاريخ، ولأنه يكمل سلسلة الفلاسفة الذين بدءوا بالكندي وانتهوا بابن ms242 ~~رشد. # على أن ابن خلدون لم يكن بعيدا عن الفلسفة بل إنه ضرب فيها بسهم وأدرك أوائلها، ثم ~~أعرض عنها بسبب مزاجه واتجاه عقله إلى المباحث الاجتماعية العملية، فنظر في العالم نظر ~~الفيلسوف في النظريات، وطبق على العمران والمدنية قواعد البحث العقلي، ولما أطلق وصف ~~المقدمة على الكتاب الأول من تاريخه النفيس كان في ذلك متواضعا، وإلا فإنه يستحق أن ~~يوصف بحق بفلسفة التاريخ. # وإليك نبذة تعرض فيها ابن خلدون للفلسفة ووصفها بأنها فصل «في إبطال الفلسفة وفساد ~~منتحلها»، وفيها دلالة على أسلوبه وطريقة تفكيره قال: # إن هذه العلوم عارضة في العمران كثيرة في المدن وضررها في الدين كثير، فوجب ~~أن يصدع بشأنها، ويكشف عن المعتقد الحق فيها. وذلك أن قوما من عقلاء النوع ~~الإنساني زعموا أن الوجود كله، الحسي منه وما وراء الحسي، تدرك ذواته وأحواله ~~بأسبابها وعللها بالأنظار الفكرية والأقيسة العقلية، وأن تصحيح العقائد ~~الإيمانية من قبل النظر لا من جهة السمع فإنها بعض من مدارك العقل، وهؤلاء ~~يسمون فلاسفة جمع فيلسوف، وهو باللسان اليوناني محب الحكمة، فبحثوا عن ذلك ~~وشمروا له، وحوموا على إصابة الغرض منه، ووضعوا قانونا يهتدي به العقل في نظره ~~إلى التمييز بين الحق والباطل وسموه بالمنطق. # ثم يزعمون أن السعادة في إدراك الموجودات كلها ما في الحس وما وراء الحس بهذا ~~النظر وتلك البراهين، وحاصل مداركهم في الوجود على الجملة وما آلت إليه، وهو ~~الذي فرعوا عليه قضايا أنظارهم، أنهم عثروا أولا على الجسم السفلي بحكم الشهود ~~والحس، ثم ترقى إدراكهم قليلا فشعروا بوجود النفس من قبل الحركة والحس في ~~الحيوانات، ثم أحسوا من قوى النفس بسلطان العقل ووقف إدراكهم، فقضوا على الجسم ~~العالي السماوي بنحو من القضاء على أمر الذات الإنسانية، ووجب عندهم أن يكون ~~للفلك نفس وعقل كما للإنسان، ثم أنهوا ذلك نهاية عدد الآحاد وهي العشر، تسع ~~مفصلة ذواتها جملة، وواحد أول مفرد وهو العاشر، ويزعمون أن السعادة في إدراك ~~الوجود على هذا النحو من القضاء مع تهذيب النفس وتخلقها ms243 بالفضائل، وأن ذلك ممكن ~~للإنسان ولو لم يرد شرع لتمييزه بين الفضيلة والرذيلة من الأفعال بمقتضى عقله ~~ونظره وميله إلى المحمود منها واجتنابه للمذموم بفطرته، وأن ذلك إذا حصل للنفس ~~حصلت لها البهجة واللذة، وأن الجهل بذلك هو الشقاء السرمدي، وهذا عندهم هو معنى ~~النعيم والعذاب في الآخرة إلى خبط لهم في تفاصيل ذلك معروف من كلماتهم. # وإمام هذه المذاهب الذي حصل مسائلها ودون علمها وسطر حجاجها فيما بلغنا في ~~هذه الأحقاب؛ هو أرسطو المقدوني من أهل مقدونيا من بلاد الروم من تلاميذ ~~أفلاطون، ويسمونه المعلم الأول على الإطلاق، يعنون معلم صناعة المنطق، وهو أول ~~من رتب قانونها واستوفى مسائلها وأحسن بسطها، ولقد أحسن في ذلك القانون ما شاء ~~لو تكفل له بقصدهم في الإلهيات. # ثم كان من بعده في الإسلام من أخذ بتلك المذاهب واتبع فيها رأيه حذو النعل ~~بالنعل إلا في القليل، وذلك أن كتب أولئك المتقدمين لما ترجمها الخلفاء من بني ~~العباس من اللسان اليوناني إلى اللسان العربي، تصفحها كثير من أهل الملة وأخذ ~~من مذاهبهم من أضله الله من منتحلي العلوم، وجادلوا عنها واختلفوا في مسائل من ~~تفاريعها، وكان من أشهرهم أبو نصر الفارابي في المائة الرابعة لعهد سيف الدولة، ~~وأبو علي ابن سينا في المائة الخامسة لعهد نظام الملك من بني بويه بأصبهان ~~وغيرها. # واعلم أن هذا الرأي الذي ذهبوا إليه باطل بجميع وجوهه، فأما إسنادهم ~~الموجودات كلها إلى العقل الأول واكتفاؤهم به في الترقي إلى الواجب؛ فهو قصور ~~عما وراء ذلك من رتب خلق الله، فالوجود أوسع نطاقا من ذلك # ويخلق ما لا تعلمون # وكأنهم في اقتصارهم على إثبات ~~العقل فقط والغفلة عما وراءه بمثابة الطبيعيين المقتصرين على إثبات الأجسام، ~~خاصة المعرضين عن النقل والعقل، المعتقدين أنه ليس وراء الجسم في حكمة الله ~~شيء، وأما البراهين التي يزعمونها على مدعياتهم في الموجودات ويعرضونها على ~~معيار المنطق وقانونه فهي قاصرة وغير وافية بالغرض. # أما ما كان منها في الموجودات الجسمانية ويسمونه العلم الطبيعي فوجه قصوره ms244 أن ~~المطابقة بين تلك النتائج الذهنية التي تستخرج بالحدود والأقيسة كما في زعمهم ~~وبين ما في الخارج غير يقيني؛ لأن تلك أحكام ذهنية كلية عامة، والموجودات ~~الخارجية متشخصة بموادها. ولعل في المواد ما يمنع من مطابقة الذهني الكلي ~~للخارجي الشخصي، اللهم إلا ما يشهد له الحس من ذلك فدليله شهوده لا تلك ~~البراهين، فأين اليقين الذي يجدونه فيها؟ وربما يكون تصرف الذهن أيضا في ~~المعقولات الأول المطابقة للشخصيات بالصور الخيالية لا في المعقولات الثواني ~~التي تجريدها في الرتبة الثانية، فيكون الحكم حينئذ يقينيا بمثابة المحسوسات، ~~إذ المعقولات الأول أقرب إلى مطابقة الخارج لكمال الانطباق فيها، فنسلم لهم ~~حينئذ دعاواهم في ذلك، إلا أنه ينبغي لنا الإعراض عن النظر فيها، إذ هو من ترك ~~المسلم لما لا يعنيه، فإن مسائل الطبيعيات لا تهمنا في ديننا ولا معاشنا (!) ~~فوجب علينا تركها. # وأما ما كان منها في الموجودات التي وراء الحس، وهي الروحانيات، ويسمونه ~~العلم الإلهي وعلم ما بعد الطبيعة؛ فإن ذواتها مجهولة رأسا ولا يمكن التوصل ~~إليها ولا البرهان عليها، لأن تجريد المعقولات من الموجودات الخارجية الشخصية، ~~إنما هو ممكن فيما هو مدرك لنا، ونحن لا ندرك الذوات الروحانية حتى نجرد منها ~~ماهيات أخرى بحجاب الحس بيننا وبينها، فلا يتأتى لنا برهان عليها ولا مدرك لنا ~~في إثبات وجودها على الجملة إلا ما نجده بين جنبينا من أمر النفس الإنسانية ~~وأحوال مداركها، وخصوصا في الرؤيا التي هي وجدانية لكل أحد، وما وراء ذلك من ~~حقيقتها وصفاتها فأمر غامض لا سبيل إلى الوقوف عليه. # وقد صرح بذلك محققوهم، حيث ذهبوا إلى أن ما لا مادة له لا يمكن البرهان عليه؛ ~~لأن مقدمات البرهان من شرطها أن تكون ذاتية، وقال كبيرهم أفلاطون: «إن الإلهيات ~~لا يوصل فيها إلى يقين، وإنما يقال فيها بالأحق والأولى.» يعني الظن، وإذا كنا ~~إنما نحصل بعد التعب والنصب على الظن فقط، فيكفينا الظن الذي كان أولا، فأي ~~فائدة لهذه العلوم والاشتغال بها ونحن إنما عنايتنا بتحصيل اليقين فيما وراء ms245 ~~الحس من الموجودات، وهذه هي غاية الأفكار الإنسانية عندهم. # وأما قولهم إن السعادة في إدراك الموجودات على ما هي عليه بتلك البراهين فقول ~~مزيف مردود، وتفسيره أن الإنسان مركب من جزأين: أحدهما جسماني والآخر روحاني ~~ممتزج به، ولكل واحد من الجزأين مدارك مختصة به، والمدرك فيهما واحد وهو الجزء ~~الروحاني، يدرك تارة مدارك روحانية وتارة مدارك جسمانية، إلا أن المدارك ~~الروحانية يدركها بذاته بغير واسطة، والمدارك الجسمانية بواسطة آلات الجسم من ~~الدماغ والحواس، وكل مدرك فله ابتهاج بما يدركه واعتبره بحال الصبي في أول ~~مداركه الجسمانية، التي هي بواسطة كيف يبتهج بما يبصره من الضوء وبما يسمعه من ~~الأصوات، فلا شك أن الابتهاج بالإدراك الذي للنفس من ذاتها بغير واسطة يكون أشد ~~وألذ، فالنفس الروحانية إذا شعرت بإدراكها الذي لها من ذاتها بغير واسطة حصل ~~لها ابتهاج ولذة لا يعبر عنها، وهذا الإدراك لا يحصل بنظر ولا علم، وإنما يحصل ~~بكشف حجاب الحس ونسيان المدارك الجسمانية بالجملة. والمتصوفة كثيرا ما يعنون ~~بحصول هذا الإدراك للنفس بحصول هذه البهجة، فيحاولون بالرياضة إماتة القوى ~~الجسمانية ومداركها حتى الفكر من الدماغ؛ ليحصل للنفس إدراكها الذي لها من ~~ذاتها عند زوال الشواغب والموانع الجسمانية، فيحل لهم بهجة ولذة لا يعبر عنها، ~~وهذا الذي زعموه بتقدير صحته مسلم لهم، وهو مع ذلك غير واف بمقصودهم. # فأما قولهم إن البراهين والأدلة العقلية محصلة لهذا النوع من الإدراك ~~والابتهاج عنه فباطل كما رأيته، إذ البراهين والأدلة من جملة المدارك ~~الجسمانية؛ لأنها بالقوى الدماغية من الخيال والفكر والذكر، ونحن أول شيء نعنى ~~به في تحصيل هذا الإدراك إماتة هذه القوى الدماغية كلها؛ لأنها منازعة له قادحة ~~فيه. # وتجد الماهر منهم عاكفا على كتاب «الشفاء والإشارات والنجاء» وتلاخيص ابن ~~رشد للفص من تأليف أرسطو، وغيره يبعثر أوراقها ويتوثق من براهينها ويلتمس هذا ~~القسط من السعادة فيها، ولا يعلم أنه يستكثر بذلك من الموانع عنها، ومستندهم في ~~ذلك ما ينقلونه عن أرسطو والفارابي وابن سينا «أن من حصل له إدراك ms246 العقل الفعال ~~واتصل به في حياته، فقد حصل حظه من هذه السعادة». والعقل الفعال عندهم عبارة عن ~~أول رتبة ينكشف عنها الحس من رتب الروحانيات، ويحملون الاتصال بالعقل الفعال ~~على الإدراك العلمي، وقد رأيت فساده (؟!) # وإنما يعني أرسطو وأصحابه بذلك الاتصال والإدراك، إدراك النفس الذي لها من ~~ذاتها وبغير واسطة، وهو لا يحصل إلا بكشف حجاب الحس، وأما قولهم إن البهجة ~~الناشئة عن هذا الإدراك هي عين السعادة الموعود بها فباطل أيضا؛ لأنا إنما ~~تبين لنا بما قرروه أن وراء الحس مدركا آخر للنفس من غير واسطة، وأنها تبتهج ~~بإدراكها ذلك ابتهاجا شديدا، وذلك لا يعين لنا أنه عين السعادة الأخروية ولا ~~بد، بل هي من جملة الملاذ التي لتلك السعادة. # وأما قولهم إن الإنسان يجد السعادة في إدراك هذه الموجودات على ما هي عليه؛ ~~فقول باطل مبني على ما كنا قدمناه في أصل التوحيد من الأوهام والأغلاط. # وأما قولهم إن الإنسان مستقل بتهذيب نفسه وإصلاحها بملابسة المحمود من الخلق ~~ومجانبة المذموم؛ فأمر مبني على أن ابتهاج النفس بإدراكها الذي لها من ذاتها هو ~~عين السعادة الموعود بها، وقد بينا أن أثر السعادة والشقاوة من وراء الإدراكات ~~الجسمانية والروحانية، فهذا التهذيب الذي توصلوا إلى معرفته إنما نفعه في ~~البهجة الناشئة عن الإدراك الروحاني فقط، وأما ما وراء ذلك من السعادة التي ~~وعدنا بها فأمر لا يحيط به مدارك المدركين، وقد تنبه لذلك ابن سينا فقال في ~~كتاب (المبدأ والمعاد): «إن المعاد الروحاني وأحواله هو مما يتوصل إليه ~~بالبراهين العقلية والمقاييس؛ لأنه على نسبة طبيعية محفوظة ووتيرة واحدة، فلنا ~~في البراهين عليه سعة، وأما المعاد الجسماني وأحواله فلا يمكن إدراكه بالبرهان؛ ~~لأنه ليس على نسبة واحدة، وقد بسطته لنا الشريعة الحقة المحمدية، فلينظر فيها ~~ولنرجع في أحوالها إليها. ا.ه. كلام ابن سينا. # فهذا العلم كما رأيته غير واف بمقاصدهم التي حوموا عليها مع ما فيه من مخالفة ~~الشرائع، إلا أنه وإن كان غير واف بمقصودهم فإن قوانينه أصح ما علمناه من ms247 ~~قوانين الأنظار. هذه هي ثمرة هذه الصناعة مع الاطلاع على مذاهب أهل العلم ~~وآرائهم ومضارها ما علمت، فليكن الناظر فيها متحرزا جهده من معاطبها. ~~ا.ه. # الفصل التاسع # | إخوان الصفاء # كان للفلسفة في العصر العباسي شأن عظيم، فاشتغل بها أكثر الذين عنوا بعلوم القدماء، لا ~~سيما الأطباء منهم، وكان الفلاسفة في هذا العصر متهمين بالإلحاد والتعطيل، وكان الانتساب ~~إلى الفلسفة مرادفا للانتساب إلى الكفر، وشاعت النقمة على الخليفة المأمون، لأنه كان السبب ~~في نقل الفلسفة إلى اللغة العربية، حتى قال فيه ابن تيمية: «ما أظن الله يغفل عن المأمون، ~~ولا بد أن يعاقبه على ما أدخله على هذه الأمة!» ~~(1) أشهر أفراد جمعية إخوان الصفا # فاضطر أصحاب الفلسفة إلى التستر، فألفوا الجمعيات السرية لهذا الغرض وأشهرها جمعية ~~إخوان الصفا، تألفت في بغداد في أواسط القرن الرابع للهجرة، وقد ذكروا من أعضائها خمسة ~~هم: ~~(1) # أبو سليمان محمد بن معشر البستي، ويعرف «بالمقدسي». ~~(2) # أبو الحسن علي بن هارون الزنجاني. ~~(3) # أبو أحمد المهرجاني. ~~(4) # العوفي. ~~(5) # زيد بن رفاعة. # وكانوا يجتمعون سرا ويتباحثون في الفلسفة على أنواعها حتى صار لهم فيها مذهب خاص هو ~~خلاصة أبحاث فلاسفة الإسلام، بعد اطلاعهم على آراء اليونان والفرس والهند، وتعديلها على ~~ما يقتضيه الإسلام. # وأساس مذهبهم «أن الشريعة الإسلامية تدنست بالجهالات واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى ~~غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة؛ لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية، وأنه ~~متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة المحمدية فقد حصل الكمال». ~~(2) رسائلهم الفلسفية # وقد دونوا فلسفتهم هذه في اثنتين وخمسين رسالة، سموها رسائل «إخوان الصفا» وكتموا ~~أسماءهم، وهي تمثل الفلسفة الإسلامية على ما كانت عليه في إبان نضجها، وتشمل النظر في ~~مبادئ الموجودات وأصول الكائنات إلى نضد العالم فالهيولى والصورة وماهية الطبيعة والأرض ~~والسماء ووجه الأرض وتغيراته، والكون والفساد والآثار العلوية والسماء والعالم وعلم ~~النجوم وتكوين المعادن، وعلم النبات وأوصاف الحيوان ومسقط النطفة وكيفية رباط الناس ~~بها، وتركيب الجسد والحاس والمحسوس والعقل والمعقول والصناعات العلمية والعملية، والعدد ~~وخواصه والهندسة والموسيقى والمنطق وفروعه واختلاف الأخلاق وطبيعة العدد، ms248 وأن العالم ~~إنسان كبير والإنسان عالم صغير (وهذه هي نظرية «هربرت سبنسر» في علم الاجتماع) والأكوار ~~والأدوار وماهية العشق والبعث والنشور وأجناس الحركات والعلل والمعلولات والحدود ~~والرسوم، وبالجملة فقد ضمنوها كل علم طبيعي أو رياضي أو فلسفي أو إلهي عقلي. # ويظهر من إمعان النظر في تلك الرسائل، أن أصحابها دونوها بعد البحث الدقيق والنظر ~~الطويل، وفي جملة ذلك آراء لم يصل أهل هذا الزمان إلى أحسن منها، وفيها بحث مستفيض من ~~قبيل نظرية النشوء والارتقاء. # وكان المعتزلة ومن جرى مجراهم يتناقلون هذه الرسائل ويتدارسونها ويحملونها معهم سرا ~~إلى بلاد الإسلام، ولم تمض مائة سنة على كتابتها حتى دخلت بلاد الأندلس على يد أبي ~~الحكم عمرو بن عبد الرحمن الكرماني القرطبي. # وأبو الحكم هذا عالم من أهل قرطبة رحل إلى المشرق للتبحر في العلم، على جاري عادة ~~الأندلسيين، فلما عاد إلى بلاده حمل معه الرسائل المذكورة، وهو أول من أدخلها إلى ~~الأندلس، فما لبثت أن انتشرت هناك حتى تناولها أصحاب العقول البحاثة وأخذوا في درسها ~~وتدبرها. # وطبعت في (ليبزج) سنة 1883م وفي (بومباي) سنة 1886م، وفي مصر سنة 1889م. ونقلت إلى ~~الهندستانية وطبعت في لندن سنة 1861م. # تتلخص فلسفة إخوان الصفا في اثنتين وخمسين رسالة مقسومة على أربعة أقسام: # القسم الأول: # أربع عشرة رسالة رياضية تعليمية. # القسم الثاني: # سبع عشرة رسالة جسمانية طبيعية. # القسم الثالث: # عشر رسائل نفسانية عقلية. # القسم الرابع: # إحدى عشرة رسالة ناموسية آلهية. # القسم الأول في الرسائل الرياضية التعليمية # الرسالة الأولى: # في العدد. # الرسالة الثانية: # في الهندسة. # الرسالة الثالثة: # في النجوم. # الرسالة الرابعة: # في الموسيقى. # الرسالة الخامسة: # في الجغرافيا. # الرسالة السادسة: # في النسب. # الرسالة السابعة: # في الصنايع العلمية. # الرسالة الثامنة: # في الصنايع العلمية. # الرسالة التاسعة: # في بيان اختلاف الأخلاق. # الرسالة العاشرة: # في إيساغوجي. # الرسالة الحادية عشرة: # في قاطيغورياس. # الرسالة الثانية عشرة: # في بارمينياس. # الرسالة الثالثة عشرة: # في أنولوطيقا الأولى. # الرسالة الرابعة عشرة: # في أنولوطيقا الثانية. # القسم الثاني # الرسالة الأولى: # في الهيولى والصورة. # الرسالة الثانية: # في السماء والعالم. # الرسالة ms249 الثالثة: # في الكون والفساد. # الرسالة الرابعة: # في الآثار العلوية. # الرسالة الخامسة: # في كيفية تكوين المعادن. # الرسالة السادسة: # في ماهية الطبيعة. # الرسالة السابعة: # في أجناس النبات. # الرسالة الثامنة: # في أصناف الحيوان. # الرسالة التاسعة: # في تركيب الجسد. # الرسالة العاشرة: # في الحاس والمحسوس. # الرسالة الحادية عشرة: # في مسقط النطفة. # الرسالة الثانية عشرة: # في معنى قول الحكماء «إن الإنسان عالم صغير» وهو «معنى العالم ~~الكبير». # الرسالة الثالثة عشرة: # في كيفية نشر الأنفس الجزئية. # الرسالة الرابعة عشرة: # في بيان طاقة الإنسان. # الرسالة الخامسة عشرة: # في ماهية الموت والحياة. # الرسالة السادسة عشرة: # في ماهية اللذات والآلام الجسمانية والروحانية. # الرسالة السابعة عشرة: # في علل اختلاف اللغات. # القسم الثالث # الرسالة الأولى: # في المبادئ العقلية على رأي الفيثاغوريين. # الرسالة الثانية: # في المبادئ العقلية على رأي إخوان الصفا. # الرسالة الثالثة: # في معنى قول الحكماء «إن العالم إنسان كبير». # الرسالة الرابعة: # في العقل والمعقول. # الرسالة الخامسة: # في الأكوار والأدوار واختلاف القرون والأعصار. # الرسالة السادسة: # في ماهية العشق. # الرسالة السابعة: # في ماهية البعث. # الرسالة الثامنة: # في كمية أجناس الحركات. # الرسالة التاسعة: # في العلل والمعلولات. # الرسالة العاشرة: # في الحدود والرسوم. # القسم الرابع # الرسالة الأولى: # في الآراء والمذاهب في الديانات الشرعية الناموسية والفلسفية. # الرسالة الثانية: # في ماهية الطريق إلى الله عز وجل. # الرسالة الثالثة: # في بيان اعتقاد إخوان الصفاء وخلان الوفاء. # الرسالةالرابعة: # في كيفية عشرة إخوان الصفاء وخلان الوفاء. # الرسالة الخامسة: # في ماهية الإيمان. # الرسالة السادسة: # في ماهية الناموس الإلهي. # الرسالة السابعة: # في كيفية الدعوة إلى الله عز وجل. # الرسالة الثامنة: # في كيفية أفعال الروحانيين. # الرسالة التاسعة: # في كمية أنواع السياسات وكيفيتها. # الرسالة العاشرة: # في كيفية نضد العالم بأسره. # الرسالة الحادية عشرة: # في ماهية السحر والعزائم. # وخلاصة فلسفتهم في رسالة جامعة لما في الرسائل الاثنتين والخمسين. ~~(3) في كيفية عشرة إخوان الصفا وتعاون بعضهم بعضا # سبق أن قلنا إن إخوان الصفا كانوا يجتمعون سرا، ويتباحثون في الفلسفة على أنواعها ~~حتى صار لهم فيها مذهب خاص، ولما كان لهذه الجماعة دستور أتبعوه في حياتهم وأرادوا ~~تعميمه ms250 بين من كان على شاكلتهم في سائر الأقطار، فقد أردنا أن نلخص هذا القانون لما فيه ~~من الحكمة التاريخية. # فقد فرضوا على من كان مثلهم من الجماعات أن يكون لهم مجلس خاص يجتمعون فيه في أوقات ~~معلومة لا يداخلهم فيه غيرهم، يتذاكرون فيه علومهم ويتحاورون فيه أسرارهم، وينبغي أن ~~تكون مذاكراتهم أكثرها في علم النفس والحس والمحسوس والعقل والمعقول والنظر والبحث عن ~~أسرار الكتب الإلهية والتنزيلات النبوية ومعاني ما يتضمنها موضوعات الشريعة، وينبغي ~~أيضا أن يتذاكروا العلوم الرياضية الأربعة وهي: العدد والهندسة والتنجيم ~~والتأليف. # وأما أكثر عناياتهم وقصدهم فينبغي أن يكون البحث عن العلوم الإلهية التي هي الغرض ~~الأقصى، وبالجملة ينبغي لهم أن لا يعادوا علما من العلوم أو يهجروا كتابا من الكتب، ~~ولا يتعصبوا على مذهب من المذاهب؛ لأن رأي إخوان الصفا ومذهبهم يستغرق المذاهب كلها ~~ويجمع العلوم جميعها، وذلك أنه هو النظر في جميع الموجودات بأسرها الحسية والعقلية من ~~أولها إلى آخرها ظاهرها وباطنها وجليها وخفيها، بعين الحقيقة من حيث هي كلها من مبدأ ~~واحد وعلة واحدة وعالم واحد ونفس واحدة محيطة جواهرها المختلفة وأجناسها ~~المتباينة. ~~(4) مصادر علوم إخوان الصفا # وقد ذكر إخوان الصفا في رسالتهم الثانية أن علومهم مأخوذة من أربعة كتب، أحدها الكتب ~~المصنفة على ألسنة الحكماء والفلاسفة من الرياضيات والطبيعيات، الثاني الكتب المنزلة ~~التي جاءت بها الأنبياء مثل التوراة والإنجيل والفرقان، وغيرها من صحف الأنبياء ~~المأخوذة معانيها بالوحي من الملائكة وما فيها من الأسرار الخفية. # والثالث الكتب الطبيعية وهي صور أشكال الموجودات بما هي عليه الآن من تركيب الأفلاك ~~وأقسام البروج وحركات الكواكب ومقادير أجرامها، وتصاريف الزمان واستحالة الأركان وفنون ~~الكائنات من المعادن والحيوان والنبات، وأصناف المصنوعات على أيدي البشر، كل هذه صور ~~وكنايات وآلات على معان لطيفة وأسرار دقيقة، يرى الناس ظاهرها ولا يعرفون معاني ~~بواطنها من لطيف صفة الباري جل ثناؤه. # والرابع الكتب الإلهية التي لا يمسها إلا المطهرون الملائكة التي هي بأيدي سفرة كرام ~~بررة، وهي جواهر النفوس وأجناسها وأنواعها وجزئياتها وتصاريفها ms251 للأجسام وتحريكها لها ~~وتدبيرها إياها وتحكمها عليها وإظهار أفعالها بها ومنها، حالا بعد حال في ممر الزمان ~~وأوقات القرانات والأدوار وانحطاط بعضها تارة إلى قعر الأجسام، وارتفاع بعضها تارة من ~~ظلمات الجثمان، وانبعاثها من نوم الغفلة والنسيان، وحشرها إلى الحساب والميزان، وجوازها ~~على الصراط، ووصولها إلى الجنان أو حبسها في دركاتها الهاوية والنيران أو مكثها في ~~البرزخ أو وقوفها على الأعراف. ~~(5) آراؤهم في الصداقة # وينبغي لإخوان الصفا إذا أراد أحدهم أن يتخذ صديقا أن يعتبر أحواله ويتعرف أخباره ~~ويجرب أخلاقه ويسأله عن مذهبه واعتقاده، ليعلم هل يصلح للصداقة وصفاء المودة وحقيقة ~~الأخوة أم لا. # واعلم بأن شر الطوائف كلها من لا يؤمن بيوم الحساب، وشر الأخلاق كبر إبليس وحرص آدم ~~وحسد قابيل، وهي أمهات المعاصي واعلم بأن الناس مطبوعون على أخلاقهم بحسب اختلاف تركيب ~~أجسادهم. # واعلم بأن من الناس من هو مطبوع على خلق واحد أو عدة من أخلاق محمودة ومذمومة. # فينبغي لك إذا أردت أن تتخذ صديقا أو أخا أن تنتقده كما تنتقد الدراهم والدنانير ~~والأرضين الطيبة التربة للزرع والغرس، وكما ينتقد أبناء الدنيا أمر التزويج وشراء ~~المماليك والأمتعة التي يشترونها. # واعلم بأن من الناس من يتشكل بشكل الصديق ويتدلس عليك بشبه الموافق، ويظهر لك المحبة ~~وخلافها في صدره وضميره. # واعلم بأن الإنسان كثير التلون قليل الثبات على حال واحد، وذلك أنه قل من الناس من ~~تحدث له حال من أحوال الدنيا أو أمر من أمورها إلا ويحدث له خلق جديد وسجية أخرى، ~~ويتغير خلقه مع إخوانه ويتلون مع أصدقائه، إلا إخوان الصفا الذين ليست صداقتهم خارجة من ~~ذاتهم إنما هي قرابة رحم، ورحمهم ما من يعيش بعضهم ببعض ويرث بعضهم بعضا، وذلك أنهم ~~يرون ويعتقدون أنهم نفس واحدة في أجساد متفرقة، فكيفما تغيرت حال الأجساد بحقيقتها ~~فالنفس لا تتغير ولا تتبدل. # وخصلة أخرى أن أحدهم إذا أحسن إلى أخيه إحسانا فلا يمن عليه به لأنه يرى ويعتقد بأن ~~إحسانه إلى نفسه كان، وإن أساء إليه أخوه لم يستوحش ms252 منه لأنه يرى بأن ذلك كان منه إليه، ~~فمن اعتقد في أخيه مثل هذا واعتقد أخوه فيه مثل ذلك فقد أمن كل واحد من أخيه غائلته أن ~~يتغير عليه في يوم من الأيام بسبب من الأسباب أو بوجه من الوجوه. # واعلم أن في الناموس أقواما يتشبهون بأهل العلم ويدلسون بأهل الدين: لا الفلسفة ~~يعرفونها، ولا الشريعة يحققونها، ويدعون مع هذا معرفة حقائق الأشياء، ويتعاطون النظر في ~~خفيات الأمور الغامضة البعيدة، وهم لا يعرفون أنفسهم التي هي أقرب الأشياء إليهم، ولا ~~يميزون الأمور الجلية ولا يتفكرون في الموجودات الظاهرة المدركة بالحواس المشهورة في ~~العقول، ثم ينظرون في الظفرة والقلقة والجزء الذي لا يتجزأ، فاحذرهم يا أخي فإنهم ~~الدجالون. # فإذا كان الأمر كما وصفت فينبغي لك أيها الأخ أن لا تشغل بإصلاح المشايخ الهرمة، ~~الذين اعتقدوا من الصبى آراء فاسدة وعادات ردية وأخلاقا وحشية، فإنهم يتعبونك ثم لا ~~ينصلحون، ولكن عليك بالشباب السالمي الصدور، واعلم بأن الله ما بعث نبيا إلا وهو شاب ~~ولا أعطى لعبد حكمة إلا وهو شاب، كما ذكرهم ومدحهم فقال: # إنهم ~~فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى # وكما قال: # قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له ~~إبراهيم # وقال أيضا: # وإذ قال موسى ~~لفتاه # واعلم بأن كل نبي بعثه الله فأول من كذبه مشايخ قومه. ~~(6) مراتب إخوان الصفا النفسية # واعلم أن قوة نفوس إخوان الصفا على أربعة مراتب: # الأولي: # صفاء جوهر نفوسهم وجودة القبول وسرعة التصور، وهي مرتبة أرباب ذوي ~~الصناعات في مدينتها التي ذكرت في الرسالة الثانية، وهي القوة العاقلة ~~المميزة لمعاني المحسوسات الواردة على القوة الناطقة بعد خمسة عشر سنة ~~من مولد الجسد. # الثانية: # هي مرتبة الرؤساء ذوي السياسات، وهي مراعاة الإخوان وسخاء النفس ~~وإعطاء الفيض والشفقة والرحمة، وهي القوة الحكيمة الواردة على القوة ~~العاقلة بعد ثلاثين سنة من مولد الجسد، وهم الذين نسميهم الأخيار ~~والفضلاء. # الثالثة: # فوق هذه وهي مرتبة الملوك ذوي السلطان والأمر والنهي والنصر، والقيام ~~بدفع العناد والخلاف عند ظهور المعاند المخالف لهذا الأمر بالرفق ~~واللطف ms253 والمداراة في إصلاحه، وهي القوة الناموسية الواردة بعد مولد ~~الجسد بأربعين سنة ، وهم الذين نسميهم إخواننا الفضلاء الكرام. # الرابعة: # فوق هذه وهي التي ندعو إخواننا كلهم في أي مرتبة كانت، وهي التسليم ~~وقبول التأييد ومشاهدة الحق عيانا، وهي قوة الملكية الواردة بعد خمسين ~~سنة من مولد الجسد، وهي الممهدة للمعاد والمفارقة لليهولى، وعليها تنزل ~~قوة المعراج وبها تصعد إلى ملكوت السماء، فتشاهد أحوال القيامة من ~~البعث والنشر والحشر والحساب والميزان والجواز على الصراط والنجاة من ~~النيران ومجاورة الرحمن، وإليها أشار فيثاغورس في الرسالة الذهبية في ~~آخرها: «إنك إذا فعلت ما أوصيك، عند مفارقة الجسد تبقى في الهواء غير ~~عائد إلى الإنسية ولا قابل للموت.» # واعلم بأن المطلوب من المدعوين إلى هذا الأمر أربعة أحوال: # أولها: # الإقرار بحقيقة هذا الأمر. # ثانيها: # التصور لهذا الأمر بضروب الأمثال بالوضوح والبيان. # ثالثها: # التصديق له بالضمير والاعتقاد. # رابعها: # التحقيق له بالاجتهاد في الأعمال المشاكلة لهذا الأمر. ~~(7) إيضاح لفلسفة إخوان الصفا (الفلسفة الأخلاقية في نظر إخوان الصفا) # وقد اعتمدنا في تلخيصها على الرسالتين الرابعة والتاسعة من الجزء الأول، والثانية من ~~الجزء الثاني، والسادسة من الجزء الثالث. # تكلم إخوان الصفا في الرسالة الرابعة من الرياضيات في علم الموسيقى وأثره في تهذيب ~~النفس وإصلاح الأخلاق، وقد صرحوا بأن ليس غرضهم في هذه الرسالة تعليم الغناء وصنعة ~~الملاهي، بل غرضهم معرفة النسب وكيفية التأليف اللذين بهما وبمعرفتهما يكون الحذق في ~~الصنائع كلها، وإن من الأصوات والألحان والنغمات ما له في النفوس تأثيرات كتأثيرات ~~صناعات الصناع في الهيوليات الموضوعات في صناعاتهم، فمن تلك النغمات والأصوات ما يحرك ~~النفوس نحو الأعمال الشاقة وينشطها ويقوى عزماتها؛ وهي الألحان المشجعة التي تستعمل في ~~الحروب، ولا سيما إذا غني معها بأبيات موزونة، ومن الأبيات الموزونة أيضا ما يثير ~~الأحقاد الكامنة ويحرك النفوس الساكنة، فمن أجل هذا كانت الألحان والموسيقى تستعمل عند ~~كل الأمم في الحزن والسرور، وتارة في بيوت العبادة والأسواق وعند الراحة والتعب، ~~ويستعملها الرجال والنساء والعلماء، ويستعملها الجمالون للحداء في الأسفار، والصياد ms254 عند ~~صيد الدراج والقطا. # وإن الأصوات نوعان: حيوانية، وغير حيوانية. كصوت الحجر والحديد والرعد والطبل ~~والمزامير، والأصوات الحادة والغليظة متضادة ولكن إذا كانت على نسبة تأليفية ائتلفت ~~وامتزجت وصارت لحنا موزونا واستلذتها المسامع، وإن الحكماء قد صنعوا آلات وأدوات ~~كثيرة لنغمات الموسيقى، واعلم بأنه إن لم يكن لحركات أشخاص الأفلاك أصوات ولا نغمات لم ~~يكن لأهلها فائدة في القوة السامعة، ويوجد في طباع الصبيان اشتياق إلى أحوال الآباء ~~والأمهات، وفي طباع التلامذة والمتعلمين اشتياق إلى أحوال الأساتذة والمعلمين، وفي طباع ~~العامة اشتياق إلى أحوال البلوغ، وفي طباع العقلاء اشتياق إلى أحوال الملائكة وتشبه ~~بهم، كما ذكر في حد الفلسفة إنها التشبه بالإله بحسب طاقة الإنسانية، ويقال إن فيثاغورس ~~الحكيم سمع بصفاء جوهر نفسه وذكاء قلبه نغمات حركات الأفلاك والكواكب فاستخرج بجودة ~~فكره أصول الموسيقى ونغمات الألحان. # ثم اعلم أن غرض الأنبياء في وضعهم الشرائع هو صلاح الدين والدنيا، وغرضهم الأقصى نجاة ~~النفوس من محن الدنيا وشقاوة أهلها. # واعلم بأن تأثيرات نغمات الموسيقار في نفوس المستمعين مختلفة الأنواع، ولذة النفوس ~~منها وسرورها بها تكون بحسب مراتبها في المعارف وبحسب معشوقاتها المألوفة من ~~المحاسن. # واعلم أن أخلاق الناس وطبائعهم تختلف من أربع جهات: # الأولى: # من جهة أخلاط أجسادهم ومزاج أخلاطها. # الثانية: # من جهة ترب بلدانهم واختلاف أهويتها. # الثالثة: # من جهة نشوئهم على ديانات آبائهم ومعلميهم وأساتذتهم ومن يربيهم ~~ويؤدبهم. # الرابعة: # من جهة موجبات أحكام النجوم في أصول مواليدهم ومساقط نطفهم. # واعلم أن مراتب النفوس ثلاثة أنواع: فمنها مرتبة الأنفس الإنسانية، ومنها ما هي ~~فوقها، ومنها ما هي دونها. # فالتي هي دونها سبع مراتب، والتي فوقها سبع أيضا وجملتها خمس عشرة مرتبة، والمعلوم ~~من هذه المراتب خمس، منها اثنتان فوق رتبة الإنسانية وهي رتبة الملكية والقدسية، ورتبة ~~الملكية هي رتبة الحكمية، ورتبة القدسية هي رتبة النبوة الناموسية، واثنتان دونها وهي ~~مرتبة النفس النباتية والحيوانية. # وإن من الأخلاق والقوى ما هو منسوب إلى النفس النباتية الشهوانية، وما هو منسوب إلى ~~النفس الحيوانية الغضبية، ومنها ms255 ما هو منسوب إلى النفس الإنسانية الناطقية، ومنها ما هو ~~منسوب إلى النفس العاقلة الحكمية، ومنها ما هو منسوب إلى النفس الناموسية ~~الملكية. # ثم تدرج إخوان الصفاء من هذه الفصول إلى نظرية كون العالم إنسانا كبيرا، وكون ~~الإنسان عالما صغيرا، وهي النظرية التي قال بها بعض فلاسفة اليونان، وأشار إليها ابن ~~سيناء في قوله إن الإنسان انطوى فيه العالم الأكبر، واتخذها «سبنسر» أساسا لبحثه في ~~علم الاجتماع، فقالوا في بيان معرفة قول الحكماء، إن العالم إنسان كبير، إنهم يعنون ~~بالعالم السماوات والأرضين وما بينهما من الخلائق أجمعين، وإنهم يرونه جسما واحدا ~~بجميع أفلاكه وأطباق سماواته وأركان أمهاته ومولداتها، ويرون أيضا أن له نفسا واحدة ~~سارية قواها في جميع أجزاء جسمها كسريان نفس الإنسان الواحد في جميع أجزاء جسده. # وقد حاول إخوان الصفاء في الرسالة الثانية من الجزء الثاني الموسومة «بالسماء والعالم ~~في تهذيب النفس وإصلاح الأخلاق» أن يذكروا صورة العالم ويصفوا كيفية تركيب جسمه، كما ~~وصف في كتاب التشريح ترتيب جسد الإنسان، ثم وصفوا في رسالة أخرى ماهية نفس العالم ~~وكيفية سريان قواها في الأجسام التي في العالم من أعلا الفلك المحيط إلى منتهى مركز ~~الأرض، ثم بينوا فنون حركاتها وإظهار أفعالها في أجسام العالم بعضها في بعض. # وقد أتوا في ذلك بتمثيل بين حركات الأفلاك حول الأرض، كاختلاف دور الطائفين حول البيت ~~الحرام (ص26 جزء 2 من رسائل إخوان الصفا). # وشرحوا معنى القيامة بأنه إذا فارقت النفس الجسد قامت قيامتها، قال محمد # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~«من مات فقد قامت قيامته.» إنما أراد قيام النفس لا الجسد، لأن الجسد لا يقوم عند الموت ~~بل يقع وقوعا لا يقوم بعده. # وقالوا إن النفس إذا فارقت هذا الهيكل فليس يبقى معها ولا يصحبها من آثار هذا الجسد ~~إلا ما استفادت من المعارف الربانية والأخلاق الجميلة، فإذا رأت تلك الصورة فرحت بها، ~~وذلك ثوابها ونعيمها. # وجعلوا الرسالة السادسة من الجزء الثالث مقصورة على البحث في ماهية العشق ومحبة ~~النفوس والمرض الإلهي، وكثير ms256 من الحكماء وصفوا أعراض هذا المرض مما يعرض للعشاق من سهر ~~الليل ونحول الجسم وغور العيون وتواتر النبض والأنفاس الصعداء، وقالوا إنه جنون إلهي. ~~والأطباء يسمونه (ملنخوليا). وقال بعضهم: «العشق هو شدة الشوق إلى الاتحاد.» ولهذا أي ~~حال يكون عليها العاشق يتمنى حالا أخرى أقرب منها، ولهذا قال الشاعر: # أعانقها والنفس بعد مشوقة # إليها وهل بعد العناق تداني # وألثم فاها كي تزول صبابتي # فيزداد ما ألقى من الهيمان # كأن فؤادي ليس يشفى غليله # سوى أن ترى الزوجين يمتزجان # إن كثيرا من الناس يظنون أن العشق لا يكون إلا للأشياء الحسنة حسب، وليس الأمر كما ~~ظنوا؛ فقد قيل: «يا رب مستحسن ما ليس بالحسن.» ولكن العلة في ذلك هي الاتفاقات التي بين ~~العاشق والمعشوق وهي كثيرة، منها المناسبات بين كل حاسة ومحسوساتها. # ثم اعلم أنه من ابتلي بعشق شخص من الأشخاص، ومرت به تلك المحن والأهوال وعرضت له تلك ~~الأحوال، ثم لم تنتبه نفسه من نوم غفلتها فيتسلى ويفيق، أو نسي وابتلي من بعد بعشق ثان ~~لشخص آخر؛ فإن نفسه نفس غريقة في عمائها سكرى في جهالتها. # والفرق بين الخاص والعامة، أن العامة إذا رأت مصنوعا حسنا أو شخصا مزينا تشوقت ~~نفوسهم إلى النظر إليه والقرب منه والتأمل فيه، وأما الخواص فتتشوق نفوسهم إلى الصانع ~~الحكيم والمبدع العليم والمصور الرحيم. # إلى هنا انتهينا مما أردنا تلخيصه من الأخلاق في فلسفة إخوان الصفاء، وهي كما يرى ~~القارئ مزيج من الحكمة والتصوف، والفلك والرياضة. # ولما كانت فلسفة إخوان الصفاء تمثل فترة من تاريخ الفلسفة الإسلامية، وكانت مؤلفاتهم ~~كاملة الشكل لا ينقصها إلا الضبط والتعليق وبعض التفسير، فيا حبذا لو أعيد طبعها في مصر ~~طبعا جيدا لتكون حلقة جميلة في سلسلة آثار فلاسفة الإسلام. # الفصل العاشر # | ابن الهيثم # أبو علي محمد بن الحسن بن الهيثم، أصله من البصرة وانتقل منها إلى الديار المصرية وأقام ~~بها إلى آخر عمره كما فعل ابن خلدون. # وكان من نوابغ أهل عصره في العلوم الرياضية، واشتغل بالفلسفة فلخص كثيرا ms257 من كتب أرسطو ~~وشرحها. # وكان كذلك طبيبا ولخص بعض كتب جالينوس، وكان خبيرا بصناعة الطب علما، ولكنه لم يباشرها ~~عملا ولم يتدرب على فنون المداواة والجراحة. # وروى علم الدين قيصر بن أبي القاسم بن عبد الغني بن مسافر الحنفي المهندس أن ابن الهيثم ~~كان موظفا بالبصرة، وكانت وظيفته تعوقه عن النظر في الحكمة والاشتغال بالفلسفة، فأراد أن ~~يتجرد عن الشواغل التي تمنعه من النظر في الفلسفة، فتظاهر بالجنون واستمر على ذلك مدة ~~فصرفته الحكومة من المنصب الذي كان في يده. # وكان ابن الهيثم من مواليد نصف المائة الرابعة، فإنه ولد في سنة 354ه وتوفي في سنة ~~430ه. # وبعد أن خرج من منصبه في البصرة سافر إلى مصر، وهي ما زالت ملجأ كل عالم وأديب من قديم ~~الزمان إلى وقتنا هذا، فأقام بالقاهرة في الجامع الأزهر، وكان يعيش من نسخ «إقليدس» ~~و«المجسطي» ويبيعهما وبقي كذلك إلى آخر عمره. # ولما كان في مصر بلغ الحاكم بأمر الله وهو سلطانها إذ ذاك خبر ابن الهيثم، وكان الحاكم ~~بأمر الله الفاطمي العلوي الذي وصفه بعض المؤرخين بالجنون وكفره البعض الآخر وحار الجميع في ~~كيفية اختفائه قبل موته، يميل إلى الحكمة، فلما سمع بابن الهيثم وما هو عليه من الحذق ~~والبراعة والإتقان في الفلسفة والرياضة والهندسة تاقت نفسه إلى رؤيته. # ومما زاد شوق الحاكم إلى ابن الهيثم أنه سمع نقلا عن ذلك المهندس البصري أنه قال قبل أن ~~يقدم إلى الديار المصرية: «لو كنت بمصر لعملت في نيلها عملا يحصل به النفع في كل حالة من ~~حالاته من زيادة ونقص، فقد بلغني أنه ينحدر من موضع عال هو في طرف الإقليم المصري.» # وهنا يعلل جمال الدين أبو الحسن بن القفطي في كتابه (تراجم الحكماء)، ويؤيده ابن أبي ~~أصيبعة سبب تظاهر ابن الهيثم بالجنون في البصرة وسعيه في التخلي عن وظيفته في وطنه. وإن ذلك ~~لم يكن لأجل الانقطاع للفلسفة حسب، لأن الحاكم بأمر الله لما نقلت إليه عبارة الهيثم الخاصة ~~بمشروع هندسة الري في الأراضي ms258 المصرية، ازداد شوقا إلى رؤية «ويلكوكس» ذاك الزمان، وسير ~~إليه سرا جملة من المال قبل أن تخلق المصارف، ورغبه في الحضور. # فسار ابن الهيثم إلى مصر بعد أن مهد لرحلته السبيل بادعاء الجنون، فلما بلغ مصر خرج ~~الحاكم بأمر الله للقائه والتقيا بقرية على باب القاهرة اسمها الخندق وموضعها الآن الضاحية ~~المعروفة باسم (كوبري القبة)، وأمر الحاكم بإنزاله وإكرامه واحترامه، فأقام ابن الهثيم في ~~تلك الضيافة الملكية ريثما استراح من وعثاء السفر. # ثم طالبه الحاكم بإنجاز ما وعد به من أمر النيل. # ولم يكن ابن الهيثم يقصد سوى صنع خزان في موضع (خزان أسوان)، قبل أن يفكر فيه المهندسون ~~المصريون والغربيون، لا سيما الإنجليز منهم، بعشرة قرون. فسافر ابن الهيثم ومعه جماعة من ~~أهل فن العمارة ليستعين بهم على هندسته التي خطرت له. # ولما سار إلى الإقليم بطوله ورأى آثار من تقدم من ساكنيه من الأمم الخالية، وهي على غاية ~~من إحكام الصنعة وجودة الهندسة، وما اشتملت عليه من أشكال سماوية ومثل هندسية وتصوير معجز؛ ~~تحقق أن الذي كان يقصده ليس بممكن، فإن من تقدمه في العصور الخالية لم يعزب عن عقولهم علم ~~ما علمه، ولو أمكن لفعلوه، فانكسرت همته ووقف خاطره ووصل إلى الموضع المعروف بالجنادل قبلي ~~مدينة (أسوان)، وهو موضع مرتفع ينحدر منه ماء النيل، فعاينه وباشره واختبره من جانبيه، فوجد ~~أمره لا يسير على موافقة مراده، وتحقق الخطأ والغلبة عما وعد به وعاد خجلا ومنخذلا، ~~واعتذر للحاكم بأمر الله فقبل الحاكم عذره وولاه ديوانا فتولاه رهبة لا رغبة. # وعندنا أن ابن الهيثم لم يشعر بالخيبة بسبب ما رآه من آثار المصريين القدماء، فإن جمال ~~تلك الآثار وجلالها وإتقان صنعتها لا دخل له في مشروع هندسي، ولا نظن أن خبر تلك الآثار ~~ووصفها كان يخفى على ابن الهيثم في وطنه، ولكن السبب الحقيقي الذي قعد بهمة ابن الهيثم عن ~~الشروع في هذا العمل الجليل هو ما عاينه بنفسه من صعوبة مباشرته وكثرة نفقاته، وعدد ما ~~ينبغي له من ms259 الأيدي العاملة والآلات المعدنية الضرورية للحفر والبناء في مجرى النهر، وما ~~يقتضيه ذلك من تحطيم الصخر في الموضع المعروف بالجنادل. # ولا بد أن ابن الهيثم قدر بالمعاينة ما يحتاجه هذا العمل فأحجم عنه لما ظنه يحتاج إليه ~~من النفقات الباهظة وأهل الفنون الماهرين، وكانت مصر في ذلك العهد فقيرة في المال والرجال، ~~فسلك ابن الهيثم مسلك الرجل الحكيم وامتنع عن العمل في أوله، وهذا أفضل مما لو أنه شرع فيه ~~ثم توقف في وسطه، فكان يجلب على البلاد غرما وهي تنتظر منه غنما. # فلما عاد وتولى الديوان المصري تحقق له الغلط في تلك الولاية؛ لأن الحاكم كان كثير ~~الاستحالة مريقا للدماء بغير سبب أو بأضعف سبب من خيال يتخيله، فأجال ابن الهثيم فكره في ~~أمر يتخلص به، فلم يجد طريقا إلى ذلك إلا الذي لجأ إليه وهو في البصرة عندما أراد النزوح ~~إلى مصر، فتظاهر بالجنون وشاع خبره فعين له الحاكم قيما وحجز على أمواله لمصلحته، وجعل ~~برسمه من يخدمه وقيدوه وتركوه في موضع من منزله. # وما زال ابن الهيثم على ذلك إلى أن تحقق وفاة الحاكم، فأظهر العقل وعاد إلى ما كان عليه ~~وخرج من داره واستوطن قبة على باب الأزهر، وأعيد إليه ماله واشتغل بالتأليف والنسخ. وكان ~~يبيع في كل سنة ثلاثة كتب من نسخه وهي «إقليدس» و«المتوسطات» و«المجسطي» بمائة وخمسين ~~دينارا مصريا. وكان ثمن تلك الكتب محددا لا يقبل فيه مواكسة ولا معاودة قول، فيجعلها ~~مئونة حياته طول سنته. # وكان ابن الهيثم من أرباب المذكرات الشخصية يدون فيها أخباره بقلمه سنة فسنة وشهرا ~~فشهرا، قال في مذكراته المدونة في آخر سنة 417ه وهو في الثالثة والستين من عمره: # إنني لم أزل منذ عهد الصبى مرويا في اعتقادات هذه الناس المختلفة، وتمسك كل ~~فرقة منهم بما تعتقده من الرأي، فكنت متشككا في جميعه موقنا بأن الحق واحد، وأن ~~الاختلاف فيه إنما هو من جهة السلوك إليه، فلما كملت لإدراك الأمور العقلية انقطعت ~~إلى طلب معدن الحق ووجهت رغبتي ms260 وحرصي إلى إدراك ما به تنكشف تمويهات الظنون وتنقشع ~~غيابات المتشكك المفتون، وبعثت عزيمتي إلى تحصيل الرأي المقرب إلى الله جل ثناؤه ~~المؤدي إلى رضاه الهادي لطاعته وتقواه، فكنت كما قال «جالينوس» في السابعة من كتابه ~~«في حيلة البرء» يخاطب تلميذه: «لست أعلم كيف تهيأ لي منذ صباي إن شئت قلت باتفاق ~~عجيب، وإن شئت قلت بإلهام من الله، وإن شئت قلت من جنون أو كيف شئت أن تنسب ذلك، ~~إني ازدريت العوام واستخففت بهم ولم ألتفت إليهم، واشتهيت إيثار الحق وطلب العلم، ~~واستقر عندي أنه ليس ينال الناس من الدنيا شيئا أجود ولا أشد قربة إلى الله من ~~هذين الأمرين.» ا.ه. كلام جالينوس. # قال ابن الهيثم: «فخضت لذلك في ضروب الآراء والاعتقادات وأنواع علوم الديانات فلم أحظ من ~~شيء منها بطائل، ولا عرفت منه للحق منهجا ولا إلى الرأي اليقيني مسلكا جددا، فرأيت إنني ~~لا أصل إلى الحق إلا من آراء يكون عنصرها الأمور الحسية وصورتها الأمور العقلية، فلم أجد ~~ذلك إلا فيما قرره أرسطاطاليس من علوم المنطق والطبيعيات والإلهيات التي هي ذات الفلسفة ~~وطبيعتها حين بدأ بتقرير الأمور الكلية والجزئية والعامية والخاصية، ثم تلاه بتقرير الألفاظ ~~المنطقية وتقسيمها إلى أجناسها الأوائل، ثم أتبعه بذكر المعاني التي تتركب مع الألفاظ فيكون ~~منها الكلام المفهوم المعلوم. ~~«ثم أفرد من ذلك الأخبار التي هي عنصر القياس ومادته، فقسمها إلى أقسامها وذكر فصولها ~~وخواصها التي تميزها بعضها من بعض، ويلزم منه صدقها وكذبها ويعرض معه اتفاقها واختلافها ~~وتضادها وتناقضها، ثم ذكر بعد ذلك القياس ومقدماته وأشكاله وأنواعه، ثم ذكر النتائج التي هي ~~الواجب والممكن والممتنع، ثم ذكر طبيعة البرهان والصناعات الأربع الجدلية والمرانية ~~والخطابية والشعرية، ثم أخذ بعد ذلك في شرح الأمور الطبيعية في كتابه «السماع الطبيعي»، ثم ~~كتاب «الكون والفساد»، ثم كتاب «الآثار العلوية»، ثم كتاب «النبات والحيوان»، ثم كتاب ~~«السماء والعالم»، ثم كتاب «النفس». ~~«فلما تبينت ذلك أفرغت وسعى في طلب علوم الفلسفة وهي ثلاثة علوم: رياضية، وطبيعية، ~~وإلهية. فتعلقت ms261 من هذه الأمور الثلاثة بالأصول والمبادئ التي ملكت بها فروعها، ثم إني لما ~~رأيت طبيعة الإنسان قابلة للفساد، متهيئة إلى الفناء والنفاد، فشرحت ولخصت واختصرت من هذه ~~الأصول الثلاثة ما أحاط فكري بتصوره ووقف تمييزي على تدبره، وصنفت من فروعها ما جرى مجرى ~~الإيضاح والإفصاح عن غوامض هذه الأمور الثلاثة إلى وقت قولي هذا وهو ذو الحجة سنة ~~417ه.» ~~(1) بيان مؤلفات ابن الهيثم ~~(1) # شرح أصول إقليدس. ~~(2) # الأصول الهندسية والعددية. ~~(3) # شرح المجسطي وتلخيصه. ~~(4) # الكتاب الجامع في أصول الحساب. ~~(5) # علم المناظر. ~~(6) # تحليل المسائل الهندسية. ~~(7) # تحليل المسائل العددية بجهة الجبر والمقابلة مبرهنا. ~~(8) # تحليل المسائل الهندسية والعددية. ~~(9) # كتاب في المساحة. ~~(10) # حساب المعاملات. ~~(11) # إجارات الحفور والأبنية بجميع الأشكال الهندسية. ~~(12) # قطوع المخروطات. ~~(13) # الحساب الهندي. ~~(14) # استخراج سمت القبلة في جميع المسكونة، بجداول. ~~(15) # مقدمة الأمور الهندسية. ~~(16) # كتاب في آلة الظل. ~~(17) # رسالة في برهان الشكل الذي قدمه «أرخميدس» في قسمة الزاوية ثلاثة أقسام ولم ~~يبرهن عليه. ~~(18) # تلخيص مقدمة «فورفوريوس» وكتب أرسطوطاليس الأربعة المنطقية. ~~(19) # مختصر للكتاب السابق. ~~(20) # رسالة في صناعة الشعر ممتزجة من اليوناني والعربي. ~~(21) # تلخيص كتاب النفس لأرسطوطاليس. ~~(22) # مقالة في مشاكلة العالم الجزئي وهو الإنسان بالعالم الكلي. (راجع ما كتبناه ~~في هذا الموضوع عن إخوان الصفاء). ~~(23) # مقالة في العالم من جهة مبدئه وطبيعته وكماله. ~~(24) # كتاب في الرد علي يحيى النحوي ما نقضه على أرسطوطاليس وغيره من أقوالهم في ~~السماء والعالم. ~~(25) # رسالة في بطلان ما يراه المتكلمون من أن الله لم يزل غير فاعل ثم فعل. ~~(26) # مقالة في طبيعتي الألم واللذة (فلسفة أبيقور). ~~(27) # رسالة في طبيعة العقل. ~~(28) # مقالة في أن فاعل هذا العالم إنما يعلم ذاته من جهة فعله. # وهذا آخر ما وجد مكتوبا بخط هذا الفيلسوف: # ليس خطابي في هذا الكتاب لجميع الناس، بل خطابي لرجل منهم يوازي ألوف رجال، ~~عشرات ألوف رجال، إذ كان الحق ليس هو بأن يدركه الكثير من الناس، لكن هو بأن ~~يدركه الفهم الفاضل منهم ليعرفوا رتبتي في هذه العلوم ويتحققوا منزلتي من إيثار ~~الحق، ويعلموا تحققي بفعل ما فرضته هذه العلوم علي من ms262 ملابسة الأمور ~~الدنياوية وكلية الخير ومجانبة الشر فيها، فإن ثمرة هذه العلوم هو علم الحق ~~والعمل بالعدل في جميع الأمور الدنياوية، والعدل هو محض الخير الذي يفعله ~~يفوز. # وكان آخر ما كتبه ابن الهيثم سنة 429ه؛ أي قبل وفاته بعام واحد. ~~(2) إيضاح عن ابن الهيثم # يعتبر مؤرخو الفلسفة من الإفرنج ابن الهيثم الذي عاش في أوائل القرن الحادي عشر ~~للمسيح من أعظم علماء الرياضيات والطبيعيات في القرون الوسطى، ويذكرون أن آثار مباحثه ~~ودرسه ظاهرة وباقية في النظريات الرياضية وفي تطبيقها العملي. # ولم يشتغل ابن الهيثم بالفلسفة، كما ورد في اعترافه البليغ الذي نقلناه، إلا للبحث عن ~~الحقيقة التي كان ينشدها منذ نعومة أظفاره؛ لأنه اقتنع بأن الفلسفة أساس العلوم، وأن ~~مؤلفات أرسطو هي خير مرشد في تلك السبيل، ويحاول محمد بن الحسن أن يقنعنا أنه لم يسلك ~~تلك الطريق «إلا لخدمة الإنسانية وتنزيها لنفسه عن التشبه بالعوام الأغبياء». (ص97 ج2 ~~عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة). وهو في وقف حياته على المباحث الفلسفية لخير الإنسانية ~~يشبه اثنين من أمجاد أسلافه: ابن رشد في الأندلس، وأوجست كومت في فرنسا الحديثة. (راجع ~~كتاب بوير في تاريخ الفلسفة العربية). # ومما يؤسف له أنه لم يبق لنا شيء من كتبه ورسائله التي أحصينا بعضها، ولكنه فاق يبحثه ~~في علم المرئيات، الرياضي الأوروبي فيتلو الذي عاش في القرن الثالث عشر؛ أي بعد ابن ~~الهيثم بقرنين، وقد كانت طريقة تفكير ابن الهيثم رياضية مثل ديكارت وسبينوزا. # ومما ظهر فيه نبوغه نظرياته في علم النفس وفي إدراك الحس عامة، والإبصار خاصة، وتبحر ~~في درس الإحساس والمقابلة بين الإحساسات المختلفة وطرق التعرف على الإحساس وتمييز بعضه ~~عن بعض، على أن ابن الهيثم الذي قضى حياته أشبه شيء بدرويش متصوف يطرق باب الحكمة ~~وينتظر أن يؤذن له فيدخل حظيرتها ويتعرف حقيقتها، لم يكن من شأنه أن ينجح في حياته ~~المادية ولم يوفق للوصول إلى غايته في وطنه (البصرة)، بعد أن أوجد ببحثه ودرسه مدرسة ~~ذات مبادئ خاصة في الرياضة والفلك. ms263 # على أن فلسفته الأرسطوطاليسية لم تلق ما كان خليقا بها من النجاح، ولا يحفظ التاريخ ~~لنا سوى اسم تلميذ واحد لابن الهيثم هو الأمير أبو الوفا مباشر فاتك القائد المصري، فقد ~~ألف في أواسط القرن الحادي عشر كتابا في الحكمة والتاريخ الفلسفي والأدب، وكله مجموع ~~من آثار غيره وليس فيه أثر للابتكار. # وقد وجد ابن الهيثم من قال بكفره بعد موته، فأحرقوا بعض كتبه في بغداد في أوائل القرن ~~الثالث عشر. # الفصل الحادي عشر # | محيي الدين ابن العربي # (1) كلمة عامة في التصوف # نشأ علم التصوف ونضج في العصر العباسي الثالث، وهو من العلوم الشرعية الحادثة، وأصله ~~العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها والزهد ~~فيها من لذة ومال وجاه والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة. # واختلف علماء الإسلام في أصل كلمة التصوف أو الصوفية فقال جماعة باشتقاقها من الصفاء ~~أو الصفة، وقال آخرون غير ذلك، ويرى ابن خلدون أن اشتقاقها من الصوف أقرب إلى الصواب؛ ~~لاختصاص أصحابه بلبس الصوف، ونحن نخطئه في هذا التعليل ونعتقد أنها مشتقة من كلمة ~~ثيوصوفيا اليونانية، ومعناها الحكمة الإلهية. والصوفي هو الحكيم الذي يطلب الحكمة ~~الإلهية ويسعى لها، والوصول إلى الحقيقة الإلهية هو غاية الصوفي أو المتصوف. # وذلك لأن الصوفية كانوا يبحثون فيما يقولونه أو يكتبونه بحثا فلسفيا في سبيل ~~الحقيقة العليا، ومما يؤيد هذا الرأي أن الصوفية لم يظهروا بعلمهم هذا ولا عرفوا بهذه ~~الصفة إلا بعد ترجمة كتب اليونان إلى العربية ودخول لفظ الفلسفة فيها. ~~(2) الطريقة الصوفية ومراتبها ودرجاتها # ومدار الطريقة الصوفية أو خطتهم العملية في السعي وراء الحقيقة للوصول إليها محاسبة ~~النفس على الأفعال والتروك وآداب خاصة بهم، واصطلاحات في ألفاظ تدور بينهم يدلون بها ~~على ما يريدونه من أساليب المجاهدة ومحاسبة النفس عليها، والكلام في الأذواق والمواجد ~~العارضة في طريقها وكيفية الترقي من ذوق إلى ذوق وشرح الاصطلاحات التي تدور ~~بينهم. # وللمتصوفين اصطلاحات خاصة بمراتبهم، بعضها معلوم وذائع على الألسنة وفي مجالسهم، ~~وبعضها يعد من الأسرار ms264 المكتومة، وقد أفاض كثيرون من المؤلفين في ذكر تلك المراتب، بحيث ~~يحسب القارئ أن للقوم نظاما باطنيا خفيا في الظاهر، قوي الأثر في الحقيقة فمنهم ~~الأوتاد، والأبدال، والأقطاب، وأعظمهم القطب الغوث، وهذه المراتب يتولاها البعض طول ~~حياته والبعض مددا محدودة، وقد يترك صاحب إحدى تلك المراتب ميراثه لواحد أو أكثر من ~~مريديه أو غيرهم، ولذلك أخبار مشهورة عند القوم. # وفي كل زمان ينفرد القطب الغوث بهذا المنصب، ولذا يسمى أيضا صاحب الوقت، ومن هؤلاء ~~الأقطاب الغوثية كثيرون من الأولياء ذوي المقامات والأضرحة المشهورة، ويقال في أعمال ~~هؤلاء الصالحين إنهم أرباب وظائف أهمها الإشراف على النظم الكونية، والاشتراك في تدبير ~~الأمور العامة والخاصة بطرق معلومة للقوم ولا يعرفها إلا ذووها. # وقد صرح كثيرون من المؤلفين بهذه الأمور، وأشار البعض إليها تلميحا، فتكلم السهروردي ~~في أنواع الصوفية وفي ذكر (الملامتي) وشرح حاله، وهو الذي يكون في ظاهر حياته ما يدعو ~~إلى الملامة، وتكلم في رتبة المشيخة وأنها أعلا الرتب في طريق الصوفية، بل هي نيابة ~~النبوة في الدعاء إلى الله، والسر في وصول السالك إلى رتبة المشيخة أنه مأمور بسياسة ~~النفس كما يشاء الشيخ، وهذا السر هو في الآية الشريفة: # لو ~~أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن ~~الله ألف بينهم ~~. # ويكون في الشيخ حينئذ معنى التخلق بأخلاق الله تعالى، ويصير المريد جزءا من الشيخ، ~~كما أن الولد جزء من الوالد، بولادة معنوية. وإلى هذا المعني الدقيق العجيب أشار سيدنا ~~يسوع المسيح بقوله «لا يدخل ملكوت السماء من لم يولد مرتين.» ولهذا يقولون كان الشيخ ~~محيي الدين ابن العربي على قدم السيد المسيح، كما كان غيره على قدم سيدنا موسى # صلى الله عليه وسلم # وبمثل هذه الولادة يستحق السالك ميراث الأنبياء، وهذا تفسير قوله: «إن العلماء ورثة ~~الأنبياء.» # أما السالكون فينقسمون إلى أربعة أقسام وهم: ~~(1) # السالك المجرد. ~~(2) # المجذوب المجرد. ~~(3) # السالك المتدارك بالجذبة. ~~(4) # المجذوب المتدارك بالسلوك. # أما الأول فلا يؤهل للمشيخة ولا يبلغها، والثاني لا يؤهل للمشيخة، وأما الثالث فيؤهل ms265 ~~للمشيخة، ويكون له أتباع تنتقل منه إليهم علوم، والرابع هو صاحب المقام الأكمل في ~~المشيخة. ~~(3) تعريف الصوفية وأصل تسميتها # التصوف اسم لثلاث معان: ~~(1) # الذي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه. ~~(2) # ولا يتكلم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب أو السنة. ~~(3) # ولا تحمله الكرامات على هتك أستار محارم الله. # قال الجنيد: «ما أخذنا التصوف عن القيل والقال، ولكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع ~~المألوفات والمستحسنات.» ويقصد بذلك المجاهدة والمكافحة اللتين يعقبهما الوصول إلى ~~الذوق. # قلنا إن العلماء اختلفوا في أصل التصوف ومعناه، وذكر الشيخ شهاب الدين أبو حفص عمر بن ~~محمد عبد الله السهروردي في كتاب «عوارف المعارف» في نسخة كانت ملكا للمرحوم الشيخ ~~محمد محمود الشنقيطي بن التلاميد التركزي، وهي مما وقفه سنة 1294ه وقفا مؤبدا على ~~عصبه بعده بخطه، ووصلت إلينا استعارة، في ذكر منشأ علوم الصوفية: # إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: «إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به، كمثل رجل أتى ~~قوما فقال يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء ~~النجاء! فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا فأنطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبت طائفة ~~منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني واتبع ~~ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق.» # ويريد هؤلاء العلماء من هذه الفرقة أن الذين أطاعوا الرسول # صلى الله عليه وسلم # صفت قلوبهم ~~فصاروا «صوفية» (من الصفاء)، وأنهم بالتقوى زكت نفوسهم، وبالزهد صفت قلوبهم. # ويقول الإمام السهروردي أن الصوفي هو المقرب، وإن لم يرد في القرآن، وإن هذا الاسم ~~يطلق على أهل القرب الذين يتزيون بزي الصوفية، ومشايخ الصوفية كلهم كانوا في طريق ~~المقربين، وعلومهم علوم أحوال المقربين، ومن تطلع إلى مقام المقربين من جملة الأبرار ~~فهو متصوف ما لم يتحقق بحالهم، فإذا تحقق بحالهم صار صوفيا، ومن عداهما (المتصوف ~~والصوفي) ممن تميز بزي ونسب إليهم، فهو متشبه بهم. # أما الشيخ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، وهو من أئمة ms266 هذه الطائفة ومن خير ~~من كتبوا في علومها وآدابها، فقد قال في باب التصوف في صفحة 164 من كتابه الشهير باسم ~~«الرسالة القشيرية»: «فقد رد منشأ الصوفية إلى حديث عن أبي حجيفة أنه قال خرج علينا ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # متغير اللون فقال: «ذهب صفو الدنيا وبقي الكدر، فالموت اليوم تحفة ~~لكل مسلم».» ويقول الأستاذ القشيري هذه التسمية غلبت على هذه الطائفة، وليس يشهد لهذا ~~الاسم قياس ولا اشتقاق. # ونفى نسبة هذا الاسم إلى لبس الصوف، لأن القوم لم يختصوا بلبسه، ونفى نسبتهم إلى ~~صفة مسجد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بالمدينة، ونفى نسبتهم أيضا إلى الصفاء لأن اشتقاق ~~الصوفي من الصفاء بعيد، وكذلك نفى نسبتهم إلى الصف الأول، ولم يهتد الشيخ القشيري إلى ~~صحة النسبة، وعندنا ولو كره المكابرون، أنها من كلمة «ثيوصوفيا» اليونانية كما تقدم، ~~ومعناها الحكمة الربانية، فالصوفي هو الحكيم في سبيل الله. # أما تعريف التصوف ومعناه، فقد عبر كل منهم بما وقع له في أثناء سلوكه، وقال رويم ~~بن أحمد البغدادي إن التصوف مبني على ثلاث خصال: ~~(1) # التمسك بالفقر والافتقار. ~~(2) # التحقق بالبذل والإيثار. ~~(3) # ترك التعرض والاختيار. # وقد أجمع العلماء الصوفية في تعريف الصوفي على «أنه رجل أحب الله فآثره وكره ~~الدنيا فزهد فيها». ~~(4) بعض اصطلاحات الصوفية المتفق عليها # إن للصوفية ألفاظا يستعملونها، انفردوا بها عمن سواهم، وتواطؤا عليها لأغراض لهم، ~~وهذا من قبيل اللغات الرمزية الشائعة بين الطوائف في الشرق والغرب، وألف فيها علماء ~~أوروبا كتبا ومعاجم باسم روح «الأرجو» أو الملاحن، وأهمها كتاب العالم الإيطالي ~~(نيتشوفورو) ومن هذه الألفاظ: # الوقت: # ومعناه وقتك الذي أنت فيه كوقت الدنيا، ووقت السرور، ومن أقوالهم ~~«الاشتغال بفوات وقت ماض تضييع وقت ثان.» وقولهم أيضا «صاحب الوقت» ~~يقصدون «القطب الغوث» ومن ذلك: # المقام: # وهو موضع الإقامة بضرب تطلب، ومقاساة تكلف. # الحال: # معنى يرد على القلب من غير تعمد ولا اجتلاب. # القبض والبسط: # وهما حالتان بعد ترقي العبد عن حالتي الخوف والرجاء. # الهيبة والأنس: # وهما فوق القبض والبسط، ms267 كما أن القبض والبسط فوق الخوف ~~والرجاء. # التواجد والوجد والوجود: # ومعناها في حكاية معروفة بين أبي محمد الجريري والجنيد . # الجمع والفرق: # قال فيهما أبو علي الدقاق: «الفرق ما نسب إليك والجمع ما سلب ~~عنك.» # جمع الجمع: # هو الاستهلاك بالكلية وفناء الإحساس وفوقها درجة: # الفرق الثاني: # وهو أن يرد صاحب هذه المرتبة إلى الصحو عند أوقات أداء ~~الفرائض. # الفناء والبقاء: # أولهما سقوط الأوصاف المذمومة، وثانيهما قيام الأوصاف المحمودة، ~~ولهما معان أخرى ليس هذا مقام شرحها. # الغيبة والحضور: # تكون الغيبة للقلب عن علم ما يجري من أحوال الخلق لاشتغال الحس بما ~~ورد عليه، والحضور معناه أن يكون السالك حاضرا بالحق؛ لأنه إذا غاب عن ~~الخلق حضر بالحق. # الصحو والسكر: # الصحو رجوع إلى الإحساس بعد الغيبة، والسكر غيبة بوارد قوي. # الذوق والشرب: # وهو ما يجد المتصوف من ثمرات التجلي ونتائج الكشوفات وبواده ~~الواردات، وأعلى منهما درجة: # الري: # فيقولون صاحب الذوق متساكر، وصاحب الشرب سكران، وصاحب الري صاح، ومن ~~قوي حبه تسرمد شربه. # المحق والإثبات: # المحق رفع أوصاف العادة، والإثبات إقامة أحكام العبادة. # الستر والتجلي: # ويقصد بهما أن العوام في غطاء الستر، والخواص في دوام التجلي. # المحاضرة والمكاشفة والمشاهدة: # وهي ثلاث درجات: # اللوائح والطوالع واللوامع: # وهي من صفات أصحاب البدايات الصاعدين في الترقي بالقلب، أضعفها ~~الأولى وأقواها الأخيرة. # البواده والهجوم: # البواده ما يفجأ قلب السالك من الغيب على سبيل الوهلة، والهجوم ما ~~يرد على القلب بقوة (الوقت) من غير تصنع. # القرب والبعد: # أول رتبة في القرب الاتصاف بالعبادة، والبعد التدنس بالمخالفة ~~والتجافي عن الطاعة. # الشريعة والحقيقة: # الشريعة أمر بالتزام العبودية، والحقيقة مشاهدة الربوبية، وكل شريعة ~~غير مؤيدة بالحقيقة فغير مقبولة، وكل حقيقة غير مقيدة بالشريعة فغير ~~محصولة. # النفس: # صاحب الأنفاس أرقى وأصفى من صاحب الأحوال. # فيقال عند القوم، صاحب (الوقت) مبتدي، وصاحب (الأحوال) في وسط ~~(الطريق) وصاحب (الأنفاس) منته. # الخواطر: # خطاب يرد على الضمائر وقد يكون من الملك فهو إلهام، وقد يكون من ~~النفس فهو هاجس، ويكون من الشيطان فهو وسواس، ويكون من الله ms268 سبحانه ~~وتعالى فيكون خاطر حق. # وهذا ما أردنا إيراده من تلك المصطلحات بإيجاز ليلم بها القارئ ويقف منها على تلك ~~المعاني. # ولهم بعد ذلك آداب، وطرق في الحياة هي أشبه الأشياء بدستور التصوف، استنبطه العلماء ~~من أخلاق المشايخ والواصلين وآدابهم الكاملة. # ومن تلك الآداب والقواعد، التوبة والمجاهدة والخلوة والتقوى والورع والصمت، والخوف ~~والرجاء، والحزن والجوع وترك الشهوة والخشوع والتواضع، وترك الحسد والغيبة، والقناعة ~~والتحلي بالقناعة والشكر، والصبر والرضا، والاستقامة والعبودية، والصدق والحياء، ~~والبقاء بباب المراقبة، والاستسلام للإرادة. # ولهم آداب في العشرة، وأحكام في السفر والصحبة. ~~(5) ذكر أشهر مشايخ الطريقة الصوفية الأقدمين ~~(1) # أبو إسحق إبراهيم بن أدهم بن المنصور: # من كورة بلخ، تعلم اسم الله الأعظم ~~من رجل بالبادية ودخل مكة، وكان يعيش من عمل يده ~~بعد أن كان أميرا من أبناء الملوك وتوفي في عام 161ه. ~~(2) # ثوبان بن إبراهيم أبو الفيض ذو النون المصري: # توفي سنة 245ه، وهو مولد كان ~~أبوه نوبيا، وسبب توبته أنه رأى تيسير الرزق لقنبرة عمياء في الصحراء فتاب ~~ولزم الباب. ~~(3) # أبو علي الفضيل بن عياض: # من ناحية مرو بخراسان توفي سنة 187ه، وكان أصله من ~~قطاع الطريق وأحب جارية، فارتقى الجدران إليها فسمع تاليا يتلو # ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم ~~لذكر الله # فتاب عن جرائمه وتعلق بعشق أعظم من عشق الجارية. ~~(4) # أبو محفوظ معروف بن فيروز الكرخي: # توفي سنة 200ه، ولد على غير دين الإسلام ثم ~~أسلم، وكان مبدؤه العمل، وهو في عرفه طاعة الله وخدمة المسلمين والنصيحة لهم. ~~(5) # أبو الحسن سري بن المفلس السقطي: # كان تلميذ الكرخي وخال الجنيد وأستاذه توفي ~~سنة 253ه، وكان يقول بنظرية أستاذه في «الطمأنينة». ~~(6) # أبو نصر بشر بن الحرث الحافي: # أصله من مرو توفي سنة 227ه، قيل إنه بلغ منازل ~~الأبرار باتباعه السنة وخدمة الصالحين ونصيحته لإخوانه ومحبته لأصحابه وأهل ~~بيته. ~~(7) # أبو يزيد طيفور بن عيسى البسطامي: # توفي سنة 261ه وكان جده مجوسيا، وهو من ~~أئمة الصوفية وأعلامهم وله مؤلفات جليلة وأتباع كثيرون. ~~(8) # أبو القاسم الجنيد: # سيد ms269 هذه الطائفة وإمامهم، أصله من نهاوند ومنشؤه ومولده ~~بالعراق، قال: «إن علمنا هذا (التصوف) مقيد بالكتاب والسنة.» وله كلام صريح ~~بأنه تلقى علمه من الله مباشرة ، فقد قيل له من أين استفدته فقال: «من جلوسي بين ~~يدي الله ثلاثين سنة تحت تلك الدرجة.» وأومأ إلى درجة في داره. ~~(9) # أبو عثمان الحيري: # توفي سنة 298ه كان من الري وأقام بنيسابور. ~~(10) # أبو عبد الله أحمد بن يحيى الجلاء: # وهبه أبواه لله عز وجل، وكان من أكابر ~~المشايخ، وعاقبه الله بنسيان القرآن لأنه رأى إنسانا جميلا فسأل أستاذه إن ~~كان الله يعذبه فقال له أستاذه: أونظرت؟ سترى غبه! أي نتيجة النظرة ~~والاعتراض، فكان ما كان. ~~(11) # أبو سعيد حسن ابن أبي حسن يسار الميساني البصري: # يرجحون مولده بالمدينة عام ~~21ه. وكان أبوه معتوق زيد بن ثابت وأمه خيرة خادمة أم سلامة. نشأ بالبصرة وعاش ~~بالمدينة وجاهد وعلم وتولى القضاء بالبصرة، وتوفي سنة 110ه في التسعين من عمره. ~~(12) # أبو عبد الله الحسين بن منصور الحلاج المكنى بأبي المغيث: # ولد بالطور ~~بالبيضاء سنة 244ه، ونشأ وتربى بواسط ورحل إلى مكة والهند وتركستان، وحوكم ~~مرتين وحكم عليه بالسجن ثم بالصلب، فاستشهد في ذي القعدة سنة 309ه. ~~(6) بعض فطاحل المتصوفين الذين ألفوا كتبا ~~(1) # تاج الدين بن عطاء الله الإسكندري الشاذلي: # توفي سنة 709ه وقبره بالقاهرة ~~بسفح جبل المقطم. # مؤلفاته: ~~(أ) # الحكم العطائية، طبع بمصر مع شروح سنة 1284 وسنة 1306ه. ~~(ب) # تاج العروس وقمع النفوس في الوصايا، طبع مرارا. ~~(ج) # لطائف المنن في مناقب الشيخ أبي العباس المرسي وشيخه أبي الحسن ~~الشاذلي، في 608 صفحات مطبوع في مصر. ~~(2) # جمال الدين عبد الرزاق الكاشائي: # توفي سنة 730ه. # مؤلفاته: ~~(أ) # اصطلاحات الصوفية طبع كلكتا سنة 1845م. ~~(ب) # رسالة في القضاء والقدر طبع سنة 1875م. # وقد ترجمت اصطلاحاته إلى اللغات الأوروبية وطبعت بها، وله بالقاهرة ~~ضريح مشهور بشارع «تحت الربع». ~~(3) # عفيف الدين عبد الله بن أسعد: # اليافعي توفي سنة 768ه. # مؤلفاته: ~~(أ) # روض الرياحين، طبع في مصر سنة 1301ه. ~~(ب) # أسنى ms270 المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر، (خطية في برلين). ~~(ج) # مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان وتقلب أحوال ~~الإنسان، (خطي في مكاتب أوروبا). ~~(4) # قطب الدين عبد الكريم بن إبراهيم ابن سبط عبد القادر الجيلي: # توفي سنة ~~826ه. # مؤلفاته: ~~(أ ) # الناموس الأعظم والناموس الأقدم، في أربعين مجلدا (خطي في أوروبا ~~ومصر). ~~(ب) # الإنسان الكامل في معرفة الأوائل والأواخر، (طبع مصر). ~~(5) # عبد الرحمن البسطامي الحنفي الحروفي: # توفي سنة 858ه في (بروسه). # مؤلفاته: ~~(أ) # الفوائح المسكية في الفواتح المكية. ~~(ب) # الدرر في الحوادث والسير. ~~(ج) # تراجم العلماء. ~~(د) # مناهج التوسل في مباهج الترسل. ~~(6) # ابن أبي بكر الجزولي السملالي: # توفي في أواخر القرن التاسع. # مؤلفاته: ~~(أ) # دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على المختار، وهو كتاب ~~مشهور يستعمله كثيرون من المسلمين للتعبد بالصلاة على النبي # صلى الله عليه وسلم # ويستظهره بعضهم. ~~(7) # محمد بن سليمان الكفهجي: # توفي سنة 879ه، وولد ببلاد الروم، وتعلم في تبريز ~~والقاهرة. # مؤلفاته: ~~(أ) # التيسير في علم التفسير. ~~(ب) # تفسير آيات متشابهات. ~~(8) # أبو عبد الله محمد بن يوسف الحسني السنوسي الصوفي: # توفي سنة 892ه. # مؤلفاته: ~~(أ) # كتاب عقيدة أهل التوحيد، المخرجة من ظلمات الجهل، وربقة التقليد. ~~(ب) # عقيدة أهل التوحيد الصغرى وتسمى «أم البراهين»، وقد ترجمت إلى ~~الألمانية والفرنسية، وطبعت في (ليبزج) سنة 1848م وفي الجزائر سنة ~~1896م. ~~(9) # شهاب الدين أحمد بن زروق البرنوسي البرلسي الفاسي: # توفي سنة 898ه. # له كتب عديدة في التصوف. ~~(7) منشأ التصوف وتطوره # أما منشأ التصوف الإسلامي ففي قراءة القرآن واستمرار تلاوته بصفة عامة، في مجالس ~~معينة غير مجالس «الذكر برفع الصوت»، وقد تحولت مجالس الذكر إلى «السماع» وذكر أوائل ~~المتصوفين أمثال ذي النون المصري والجنيد والحلاج، إن «السماع» يحدث «الوجد». # ولكن فرقة «الملامتية»، وهم من الصوفية الذين لهم حال خاصة بها، أفاض في وصفها ~~السهروردي في الجزء الثاني من كتاب «عوارف المعارف»، انتقدوا «السماع» وعدوه من الشهوات ~~الروحانية، وانتقده الحلاج، وشبه الذكر بجوهرة ثمينة تحجب المعبود عن العابد، ورد أصحاب ~~«السماع» من صوفية ms271 بغداد على منتقديهم من «الملامتية» وغيرهم بأن السماع لا يقصد لذاته، ~~إنما يقصد لإحداث «الوجد» و«فقد الإحساس»، وقد كانت هذه هي الحالة في القرن الرابع ~~الهجري. # وفي القرن السابع الهجري نزل بالعراق والشرق العربي متصوفون من الهنود أقرب إلى ~~المشعوذين من الحكماء الإلهيين، فإنهم أدخلوا على حلقات الصوفية صنوفا من المخدرات ~~الصناعية، نضرب عن ذكرها صفحا، وأطلقوا عليها اسم «بنج أسرار». # ثم دخلت على الذكر طرائق غريبة عنه مثل الرقص، الذي علله منتحلوه وبرروه بتمثيل دورة ~~الأفلاك، وهو لا يزال شائعا إلى يومنا هذا في تكايا الدراويش «المولوية». # ثم أدخلوا عادة «التمزيق» والمقصود بها تمزيق الثياب أثناء الذكر، وهذه العادة أقرب ~~إلى تقليد الأمراء الذين كانوا يسمعون الغناء من القيان فيطربون فيمزقون ملابسهم، ثم ~~انحدر الذكر إلى أعمال تقرب من الشعوذة مثلما يحدث من بعض الفرق من الطرق الصوفية، ~~كالرفاعية بالبصرة، والبيومية بالقاهرة، والعيسوية بمكناس بالمغرب الأقصى، ومن ذلك أكل ~~الحيات والأفاعي وشظايا الزجاج واللهب، ووخز البدن بإبر من الحديد المحمي. # وقد استنبط الصوفيون من القرآن جميع الرموز والإشارات التي استعملوها في طرقهم، ~~كالضوء والنور والنار والشجرة والشراب والكأس والسلام ودخول المقربين والهلال والطريق ~~في جبل غربيب والسفر والإسراء وحديث الغبطة ويوم المزيد، الذي وصفه بالإسهاب الشيخ ~~المحاسبي في كتاب «التوهم» والدير والشراب من يد الساقي في ضوء الشمع وتتلوه عبادة ~~الشماس. # ثم إن المسائل التي في الشرع الظاهر هي عين مسائل الصوفية، كالعدل والرضا والتوكل ~~والتفويض والتفعيل وقدم المحدثات وتقدم الشواهد والتخلق بأخلاق الله عز وجل والانتقال ~~من التجريد إلى التوحيد. # ثم انتبه أهل السنة إلى بعض ما ينتقد من أحوال الصوفية، كقولهم: «إن الخلة تمنع الرخص ~~والإباحة بعد موت الشهوات، وتفضيل الغنى على الفقر، ثم الملامسة فالحلول.» فلما ظهر ذو ~~النون المصري وابن أبي الحواري بمبادئهما مثل «المتعة» و«تقديس عين الجمع» و«سبحاني ...» ~~لم يتردد أهل السنة في اضطهاد المتصوفين، فحكم على البسطامي والخراز والتستري بالنفي، ~~أما الحلاج وابن عطاء فقد صلبا ومثل بهما. # وفيما يتعلق بالإمام الحلاج فنحيل ms272 القارئ المحب للاستيفاء إلى الكتاب العجيب الممتع ~~الذي ألفه باللغة الفرنسية العلامة «لويز ماسنيون» في جزأين كبيرين باسم «تعذيب الحسين ~~بن منصور الحلاج الشهيد الصوفي في الإسلام الذي نفذ فيه القصاص في بغداد في 26 مارس ~~922م» طبع باريس سنة 1922م؛ أي بعد استشهاد ذلك الإمام بألف سنة. # فلما حصل التنبيه الأول بتوقيع العقوبات من أهل السنة على بعض أهل التصوف، جاء السراج ~~في كتاب «اللمع» ونبه المريد والسالك إلى ما لا يجوز أن يصرح به، كالفناء عن العبودية ~~والبشرية والحلول بالأنوار والشواهد والمستحسنات، وأيده السلمي في كتاب «الغلطات» ~~والغزالي في «الإحياء». # ولا شك في أن أهل السنة ذعروا من انتحال الصوفية بعض الأقوال التي يشكل فهمها على غير ~~خواص القوم، كقول ابن طاهر المقدسي بأن الخدمة أفضل من العبادة، فإن هذا كله أدى إلى ~~نظرية (الشاذ)، وفيها كلام يقوله الصوفيون ويكاد يكون غير مفهوم لسواهم، مثل أقوال ~~الشبلي والحلاج، أما شاذيات الكيلاني والرفاعي وابن العربي فلا يدرك القارئ من معناها ~~شيئا ما لم يكن أحد رجلين: الأول المفتوح عليه من الله، والثاني المتغلغل في أسرار ~~القوم، وقد وصف بعضها العلامة محمد بن شاكر بن أحمد الكتبي بقوله: «الذي نفهمه من كلامه ~~(يعني كلام الشيخ محيي الدين ابن العربي) حسن، والمشكل علينا نكل أمره إلى الله تعالى، ~~وما كلفنا اتباعه ولا العمل بما قاله.» # ونحن نقسم المبهم من كلامهم إلى قسمين: # القسم الأول: # عبارة عما أطلقوه من الأسماء للأحوال والمقامات، واستعملوا للدلالة ~~عليه ألفاظا لها عند غيرهم معان عادية، مثل «الفقه» و«النية» ~~و«النفاق» و«الرضا» و«الفتوة»، واتخذوها للدلالة على درجات في طريق ~~الوصول، وشرحها الهراوي بما فيه الكفاية في كتابه «منازل ~~السائرين». # القسم الثاني: # ويدخل فيه نظرية «الشاذ» المذكورة آنفا، وهي ظاهرة نفسانية تجلت ~~بكلام مبهم ينتقده أهل السنة وغير الراسخين، كقول بعضهم: «قدمي على ~~رقاب الأولياء.» # الأحاديث القدسية # ولما كان المتصوفون يذكرون أقوالا شتى ذات معان مختلفة يطلعون عليها في حالاتهم ~~بالإلهام أو الوحي أو التجلي أو الفتوح الرباني، فقد ms273 ظهرت نظرية «الأحاديث المرسلة» ~~و«الأحاديث القدسية»، وضرب الصوفيون صفحا عن الاصطلاحات المعتبرة والمتفق عليها في ~~علوم رواية الحديث وإسناده. # وممن اشتهروا براوية بعض الأحاديث القدسية السادة: # أبو ذر الغفاري، وله حديث «من تقرب إلي شبرا ...» # وكعب، وله حديث «يد الله مع الجماعة ». # ابن مسعود، وله حديث «طوبى لمن لم يشغل قلبه بما ترى عيناه». # وحسن البصري، وله حديث «من عشقني عشقته». # ويزيد الرقاشي، وله حديث «غبطة المتحابين». # وابن أدهم، وله حديث «كنت سمعه وبصره ... الخ». # ويحيى بن معاذ الرازي، وله حديث «من عرف نفسه فقد عرف ربه». # وقد اختلف هؤلاء المشايخ إقداما وترددا في نسبة هذه الأحاديث إلى مصدرها ~~الأصلي، فنسبها بعضهم إلى أنبياء سابقين، كما فعل ابن أدهم بنسبته الحديث إلى سيدنا ~~يحيى بن زكريا، وبعضهم مثل الحلاج قال إنها ثمرة الفكر والإلهام ولم يخف من أمرها ~~شيئا. # وفي كتاب الإحياء أحاديث كثيرة بغير إسناد، ولا اعتراض لنا على الغزالي في ذلك؛ ~~لأن كتابه كتاب أخلاق وآداب دينية، وليس متنا من متون الحديث. # سلسلة الطريق # منذ القرن الخامس الهجري بدأ أرباب الطرق الصوفية يبحثون عن أسانيد سلسلتهم في ~~أخذ الطريق، فردهم العلماء إلى التابعين فالصحابة فالرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، وكانوا قبل ذلك ~~بمائتي عام يكتفون بالخرقة أو «بالشهرة بلباس». # وفي القرن الرابع روى جعفر الخلدي أول إسناد لسلسلة الطريق، فوضعها مبتدئا ~~بأستاذه وشيخه: ~~(6) الجنيد المتوفى عام 298ه أخذ الطريق عن: ~~(5) سري المتوفى عام 253ه، وقد أخذ الطريق عن: ~~(4) معروف المتوفى عام 200ه، وقد أخذ الطريق عن: ~~(3) فرقد سنجي المتوفى عام 131ه، وقد أخذ الطريق عن: ~~(2) حسن البصري المتوفى عام 110ه، وقد أخذ الطريق عن: ~~(1) أنس بن مالك المتوفى عام 91ه. # وقد تعدلت هذه السلسلة ولم تثبت على حال، فأضيف إليها رجال أمثال الإمام علي ~~وداود الطائي وغيرهما. # والعلم الصحيح لا يجعل لهذه السلسلة شأنا عظيما من حيث الشكل؛ لأن الصوفية إنما ~~اضطروا لذكرها اضطرارا مجاراة لعلماء الحديث، أما التلقي فغير مشكوك فيه. # وقد يلجأ الصوفيون في إسناد أخذ ms274 الطريق إلى الخضر عليه السلام، الذي هو ولي ~~خالد يجدد شبابه كل عشرين ومائة عام مرة ويجوب أقطار الأرض باستمرار، ويذهب حيث ~~يأمره الله بحسب حاجة خلقه إليه. وذكر السمناني اسمه كاملا وهو أبو العباس بليان ~~بن قليان بن فالج الخضر، ويعتقد الصوفية أن في الأرض أبدالا هم دعائمها الباطنيون ~~أو الروحانيون، ولولاهم لمادت الأرض وخربت، وعددهم أربعون بدلا، ومعهم ثلاثمائة ~~نقيب وسبعون نجيبا وسبعة أمناء، منهم الأبرار والأوتاد والأخيار، وأربعة أعمدة ~~ومنهم الأثافي وفوق الجميع قطب الغوث وعن يمينه وشماله الإمامان. # وروى المغربي أن الرئيس يعرف مرءوسيه والعكس ممنوع. # ومما تجب ملاحظته أن التصوف الإسلامي لم يكن نظاما أجنبيا عن الإسلام ولا ~~دخيلا من النصرانية أو البوذية، وأن أصول التصوف موجودة في القرآن وفي الحديث وفي ~~العقيدة الإسلامية وشعائر الدين نفسه. وهذا لا يمنع من الاعتراف بأن أنظمة كالتصوف ~~أساسها الزهد والتقشف كانت موجودة في الأديان الأخرى، ولكن التصوف الإسلامي كان ~~نظاما إسلاميا محضا كما بينا، وأن حديث «لا رهبانية في الإسلام» ليس حديث ~~صحيحا ولم يجزم أحد من علماء الحديث بصدق إسناده. # كذلك لم تكن حياة النبي # صلى الله عليه وسلم # والصحابة قبل المبعث وبعده حياة نعومة ولين ~~وطراوة، بل كانت على العكس من ذلك حياة خشونة وتقشف وتحمل، وهذه هي الحقيقة على ~~الرغم مما جاء في طبقات ابن سعد صاحب الواقدي مما يخالف ذلك، فإن الواقدي وابن سعد ~~وأشباههما من علماء أخريات القرن الثاني للهجرة كانوا يلتمسون في الأحاديث الضعيفة ~~والركيكة ما يبرر حياة الخنوثة والنعومة التي كان يعيشها ملوك ذاك الزمان ~~وأمراؤه. # ولما كان التصوف أساسه الزهد والخشونة، فقد بالغ بعض المتصوفين في ذلك من حيث ~~التعفف عن سائر الشهوات، فلا يبعد والحال هذه أن تكون جذور التصوف في حياة النبي ~~وأصحابه. # ومما تحسن الإشارة إليه أن كلمة الصوفي - نسبة إلى الصوف - وهي النظرية التي قال ~~بها ابن خلدون، كان لها نصيب من الصحة؛ فقد تعود بعض المتصوفين لبس الصوف، وقد جاء ~~حين من الدهر عليهم ms275 اتخذوا فيه الصوف علامة مميزة لهم، حتى كان «الثوري» أحد أئمتهم ~~يلبس الصوف فوق الحرير وقد انتقدوا عليه ذلك، وكان الصوف الأبيض هو المقصود ثم عدل ~~الصوفيون عن هذه الثياب خشية القول فيهم بتقليد السيد المسيح أو حوارييه أو رهبان ~~النصارى. # وقد أجمع العلماء على أن أكابر الأولياء من الصوفيين غير من ذكرناهم: مالك بن ~~دينار، البوناني، السختياني، وهيب بن الورد بن أسباط، مسلم الخواص، البسطامي، ~~التستري. ~~(8) ترجمة الحكيم الإلهي محيي الدين ابن العربي # ولد محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الشيخ محيي الدين أبو بكر الطائي ~~الحاتمي الأندلسي المعروف بابن عربي في شهر رمضان سنة ستين وخمسمائة هجريا بمرسية ~~بالأندلس، ولا نعرف عن طفولته شيئا غير أنه لما نما وترعرع طلب العلم في وطنه، فتلقى ~~مبادئه على ابن بشكوال، ثم سافر إلى مصر ودمشق ومكة وبغداد، وأقام في بلاد الروم في طلب ~~العلم والرجال والسياحة. # ولما كان في بلاد الروم سمع حاكمها بصيته فانتقل إليه، فلما وقع بصر الحاكم على محيي ~~الدين قال لمن معه: «هذا رجل تذعر لرؤيته الأسود!» # فسئل محيي الدين في معنى قول الحاكم عنه فقال: «إنه لما كان بمكة خدم شيخا صالحا ~~بإخلاص، فدعا له بقوله «الله يذل لك أعز خلقه.» فكان من آثار هذه الدعوى ما شاهده ملك ~~الروم.» # ولما وقعت محبته في قلب الملك المذكور أمر له بدار تساوي قيمتها مائة ألف درهم، ويروى ~~أن سائلا لقيه يوما فطلب منه إحسانا فقال له محيي الدين: «ما لي غير هذه الدار فخذها ~~لك!» وخرج عنها. # قال ابن مسدي في ترجمته: «إن محيي الدين كان ظاهري المذهب في العبادات، باطني النظر ~~في الاعتقادات، وإنه حج ولم يرجع إلى بلده، وإنه تلقى العلم على ابن بشكوال وعن علماء ~~عديدين في العواصم التي زارها في رحلته، ومن بينهم السلفي الذي أجازه فروى محيي الدين ~~عنه.» # ولا ريب في أنه برع في علم التصوف، والدليل على ذلك شهرته العظيمة في العالم، وكثرة ~~مصنفاته، وكان ms276 ينتقل من مكان إلى مكان للقاء علماء الحقيقة والمتعبدين. # روى الشيخ شمس الدين في وصف مؤلفات محي الدين «أنه كان ذا توسيع في الكلام وذكاء وقوة ~~خاطر وحافظة وتدقيق في التصوف وتآليف جمة في العرفان. قال شمس الدين: «ولولا شطحه في ~~الكلام لم يكن به بأس، ولعل ذلك الشطح وقع منه حال سكره وغيبته».» # وقال الشيخ قطب الدين اليونيني في تعقيبه على (المرآة): «وكان محيي الدين يقول أنا ~~أعرف اسم الله الأعظم، وأعرف الكيميا.» # قال العلامة محمد بن شاكر بن أحمد الكتبي عن محيي الدين: «الذي نفهمه من كلامه حسن، ~~والمشكل علينا نكل أمره إلى الله تعالى، وما كلفنا اتباعه ولا العمل بما قاله.» # وتوفي محيي الدين في الثامن والعشرين من ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وستمائة؛ أي في ~~الثامنة بعد السبعين من عمره. # وكانت وفاته في دار القاضي محيي الدين بن الزكي، وقام بغسله الجمال بن عبد الخالق ~~والقاضي الذي حصلت في بيته الوفاة، وكان عماد الدين بن النحاس يصب عليه الماء، ثم حملوه ~~إلى (قاسيون) حيث دفن بمدفن بني الزكي. # وقبره الآن بالشام بالصالحية في مسجد يعرف باسمه وبجواره قبر الأمير عبد القادر ~~الجزائري. # وقال الشيخ جمال الدين بن الزملكاني: «الشيخ محيي الدين ابن العربي البحر الزاخر في ~~المعارف الإلهية.» ونقل بعض كلامه في فصل عقده في بعض مؤلفاته على فضل مقام الصديقية، ~~وقال: «إنما نقلت كلامه - يعني محيي الدين - وكلام من يجري مجراه من أهل الطريق؛ لأنهم ~~أعرف بحقائق هذه المقامات وأبصر بها لدخولهم فيها وتحققهم بها ذوقا، والمخبر عن الشيء ~~ذوقا مخبر عن اليقين فاسأل به خبيرا.» # ومن شعره الذي يستدل به على أسلوبه في النظم الصوفي قوله: # نفسي الفداء لبيض خرد عرب # لعبن بي عند لثم الركن والحجر # ما أستدل إذا ما تهت خلفهم # إلا بريحهم من طيب الأثر # غازلت من غزلي فيهن واحدة # حسناء ليس لها أخت من البشر # إن أسفرت عن محياها أرتك سنى # مثل الغزالة إشراقا بلا غير # للشمس غرتها، لليل طرتها ms277 # شمس وليل معا من أحسن الصور # وفي شهر ربيع الأول سنة 600ه لما كان الإمام أبو عبد الله محمد ابن العربي في تمام ~~الأربعين من عمره يؤدي فريضة الحج، كتب إلى صديقه وأخيه محمد بن عبد العزيز أبي بكر ~~القرشي المهدوي نزيل تونس في تلك السنة رسالة، أرسل فيها إليه تحية رفيقة عبد الله بدر ~~الحبشي الذي كان معه في الحج، كما أرسل سلامه إلى أبي عبد الله ابن المرابط وأبي عتيق ~~والحاج معافى وأبي محمد الحافظ وعبد الجبار وعبد العزيز البابلي وعبد الله القطان، ونعى ~~إليهم محمد التائب الذي توفي بين مكة والمدينة على مرحلة من الأولى بين مرو وعسفان، ~~وقال الشيخ إنه بعد أن كتب تلك الرسالة طاف بها أسبوعا وألمسها الحجر الأسود والملتزم ~~والمستجار، وأدخلها البيت العتيق والمواضع الفاضلة تيمنا وتبركا. # ولم تكن تلك الرسالة قاصرة على تبليغ الأشواق ونعي صديق الجماعة، بل كانت تنطوي أيضا ~~على مسألتين من أهم المسائل التي تلقي نورا جديدا على حياة هذا العالم الصوفي، وقد ~~أطلق عليها اسم «رسالة الروح القدس» وهي تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: مناجاة بين محيي ~~الدين ونفسه، وهي شبه اعتراف وتعنيف وتهذيب والقسم الثاني: يشتمل على أسماء معظم الرجال ~~والمشايخ الذين لقيهم وتلقى عنهم وصحبهم في حياته. قال: «ولقد لقينا من المشايخ ~~والإخوان والنساء ما لو دونت أحوالهم وسطرت كما سطرت أحوال من تقدم، لرأيت الحال الحال ~~والعين العين في الأعمال والجد والإشارات وصحة القصد، فيا ولي تعال نقم مأتما ~~للفراق، ونندب إخواننا الظاعنين!» ~~(9) مشايخ محيي الدين في الطريق # وأولهم: أبو جعفر العريني، وصل إلى أشبيلية في أول دخول محيي الدين إلى الطريق. ~~والثاني: أبو يعقوب يوسف بن يخلف الكومي العبسي وهو من أصحاب أبي مدين، وكان يقول: «إذا ~~شاء الشيخ أخذ بيد المريد من أسفل سافلين وألقاه في عليين في لحظة واحدة.» والثالث: ~~صالح العدوي. والرابع: أبو عبد الله محمد السرقي. والخامس: أبو يحيى الصنهاجي. # السادس: أبو الحجاج يوسف السبريلي (نسبة إلى قرية بالشرق على ms278 فرسخين من أشبيلية) ~~ويروي لنا محيي الدين أن الشيخ يوسف هذا كان يمارس الطب الروحاني، فقد رأى محيي الدين ~~عنده رجلا في عينيه وجع شديد، يصيح منه مثل المرأة النفساء (كذا)، فاصفر وجه الشيخ ~~وقلع يده المباركة ووضعها على عينيه فسكن الوجع من جبينه، واضطجع الشخص كأنه الميت، ثم ~~قام وخرج مع الجماعة وما به من بأس. وروى الشيخ ابن العربي رواية من قبيل القصص ~~العجيبة، وهي أنه كانت لشيخه يوسف السبريلي هرة سوداء شديدة النفور من عامة الناس، ~~ولكنها تأنس للأولياء وتميزهم. # السابع: أبو عبد الله محمد بن قسوم وكان يعيش من صناعة القلنسوات، ويرزقه الله حينا ~~من غير تعب ولا سعي. # الثامن: أبو عمران موسى بن عمران المارتلي، حبس نفسه في بيته ستين عاما، وكان على ~~طريق المحاسبي، لا يقبل من أحد شيئا ولا يطلب حاجة لنفسه، ولا لغيره. # التاسع والعاشر: الشقيقان أبو عبد الله محمد الخياط وأبو العباس أحمد الأشبيليني، ~~وكان الأول شديد البر بوالدته حتى ماتت، وكان الثاني ينادي من وراء حجاب. # الحادي عشر: أبو عبد الله محمد بن جمهور، كان يكره الشعر ولم ينشده في حياته، وإذا ~~سمع دفا وضع أصابعه في أذنبه. # الثاني عشر: أبو علي الشكاز وكانت صناعته نوعا من الدباغة. # الثالث عشر: أبو محمد عبد الله بن محمد بن العربي الطائي عم محيي الدين نفسه. # الرابع عشر: أبو محمد بن عبد الله بن الأستاذ المروزي، وكان من خدام أبي مدين. # الخامس عشر: أبو محمد عبد الله القطان، كان لا تأخذه في الله لومة لائم، عرض بنفسه ~~للقتل مرارا من كثرة سبه لأفعال السلاطين وما هم عليه من مخالفة الشريعة، عرض عليه ~~السلطان أن يجلس مجلسه فقال: «لا، فإن مجلسك مغصوب، ودارك التي تسكنها أخذتموها بغير ~~حق، ولولا أني مجبور ما دخلت هنا، حال الله بيني وبينك!» وبالجملة كان هذا الشيخ على ~~نوع من المبالغة في قول الحق بغير مبالاة. # السادس عشر: أبو عبد الله محمد بن أشرف الرندي، وهو من «الأبدال»، لم ms279 يأو إلى معمور ~~قريبا من ثلاثين سنة. # السابع عشر: موسى أبو عمران السيد راني، كان من «الأبدال»، وكانت له عجائب ~~وغرائب. ~~(10) أشهر مؤلفاته # بلغت مؤلفاته 200 كتاب، ذكر منها بركلمن الألماني في فهرست الكتب العربية 156 كتابا، ~~وذكر أماكن وجودها، وأكثرها في التصوف، وبعضها في الجفر وأسرار الحروف: ~~(1) # الفتوحات المكية، في معرفة الأسرار الملكية. ~~(2) # التدبيرات الإلهية. ~~(3) # التنزلات الموصلية. ~~(4) # فصوص الحكم في خصوص الكلم. وله شرح بقلم ابن سويدكين سماه «نقش الفصوص». ~~(5) # الأسرا إلى المقام الأسرى (نثرا وشعرا). ~~(6) # شرح خلع النعلين. ~~(7) # الأجوبة المسكتة، عن سؤالات الحكيم الترمذي. ~~(8) # تاج الرسائل ومنهاج الوسائل، وهو غير تاج التراجم. ~~(9) # كتاب العظمة. ~~(10) # كتاب السبعة، وهو كتاب البيان، والحروف الثلاثة، التي انعطفت أواخرها على ~~أوائلها. ~~(11) # التجليات. ~~(12) # مفاتيح الغيب. ~~(13) # كتاب الحق. ~~(14) # مراتب علوم الوهب. ~~(15) # الإعلام، بإشارات أهل الإلهام. ~~(16) # العبادة والخلوة. ~~(17) # المدخل إلى معرفة الأسماء، وكنه ما لا بد منه، والنقباء. ~~(18) # حلية الأبدال. ~~(19) # الشروط، فيما يلزم أهل طريق الله تعالى من الشروط. ~~(20) # المقنع في إيضاح السهل الممتنع. ~~(21) # عنقاء مغرب، وختم الأولياء، وشمس المغرب. ~~(22) # مشكاة الأنوار فيما روي عن الله عز وجل من الأخبار. ~~(23) # شرح الألفاظ التي اصطلحت عليها الصوفية. ~~(24) # محاضرات الأبرار ومسامرات الأخيار، في خمسة مجلدات. ~~(25) # ديوان محيي الدين، وهو مجموع القصائد التي قالها، غير الشعر الذي حلى به ~~كتبه. ~~(11) ملخص كتاب الفتوحات المكية في معرفة الأسرار الملكية # كتاب «الفتوحات المكية التي فتح الله بها على الشيخ الإمام العامل الراسخ الكامل خاتم ~~الأولياء الوارثين برزخ البرازخ محيي الحق والدين» مؤلف من أربعة أجزاء كبار تقع في ~~أكثر من ثلاثة آلاف صفحة، ويندر من يمكنه أن يلم بهذا الكتاب في فصل أو في جملة فصول؛ ~~لأنه والحق يقال كالبحر الزاخر في علوم الحقائق والتصوف وأحكام الشرائع، ممتزج بعضها ~~ببعض، ولا ريب في أن هذا الكتاب قد ألف بإلهام، ولا يمكننا أن نتعرض لتفسير بعض ما جاء ~~فيه من الآراء نثرا وشعرا مما انقسم جمهور المسلمين بسببه فرقا، فمن قائل إن المؤلف ~~له شطحات، ومن قائل إنه كتب ما أراد برموز ms280 وألغاز، يدركها أربابها للوهلة ~~الأولى. # ومن قوله شعرا في مفتتح الكتاب البيتان المشهوران اللذان يحتج بهما قوم من الفريق ~~الأول وهو قوله: # الرب حق والعبد حق # يا ليت شعري من المكلف؟ # إن قلت عبد، فذاك ميت # أو قلت رب أنى يكلف! # ومن الفصول المهمة في هذا الكتاب الفصل «في علم الحق وعلم الأحوال وعلم الأسرار»، ~~وفصل في «اعتقاد أهل الاختصاص» وفصل في «معرفة الروح». # ويقرر محيي الدين في فاتحة كتابه أنه قبل بدايته في تأليف هذا الكتاب قد كلف بوضعه ~~من ذي مقام عظيم، ثم قال: «ثم أظهرت أسرارا وقصصت أخبارا لا يسع الوقت إيرادها، ولا ~~يعرف أكثر الخلق إيجادها، فتركتها موقوفة على رأس منبعها، خوفا من وضع الحكمة في غير ~~موضعها.» # ولم نجد لصوفي نفسا طويلا في الشعر والنثر كنفس هذا الإمام، ونضرب لذلك مثلا ~~قصيدته الهمزية التي مطلعها: # لما انتهى للكعبة الحسناء # جسمي وحصل رتبة الأمناء # وختامها: # فاشكر معي «عبد العزيز» إلهنا # ولتشكرن أيضا أبا العذراء # شرعا فإن الله قال اشكر لنا # ولوالديك وأنت عين قضاء # وبجانب الفصول التي ضمنها الأسرار والرموز، فصول جلية ظاهرة في أحكام الشرع مثل: فصل ~~الوضوء وأحكامه، وأسرار الطهارة، وأفعال الصلاة، بتوسع وإسهاب لا مثيل لهما في أي كتاب ~~آخر من كتب هذا العلم. # وتكلم في الجزء الثاني في منازل الأولياء، ومقام أهل المجالس وحديثهم ونجواهم، وفي حظ ~~الرسل من ربهم ومقامهم من مقام الأنبياء، ومقام الأنبياء من الأولياء، وفي هذا الفصل ~~تفصيل بين نبوة الشرائع والنبوة المطلقة، فهم من الأولياء إذا كانوا أنبياء شريعة من ~~الدرجة الثالثة، وإن كانوا في النبوة اللغوية فهم في الدرجة الثانية، وإن الأولياء هم ~~الذين تولاهم الله بنصرته في مقام مجاهدتهم الأعداء الأربعة، الهوى، والنفس، والدنيا، ~~والشيطان، والمعرفة بهؤلاء أركان المعرفة عند المحاسبي. # ومن الرسل من لهم خصائص على أمتهم، ومنهم من لا يختصهم الله بشيء دون أمته، وكذلك ~~الأولياء فيهم أنبياء؛ أي خصوا بعلم لا يحصل إلا لنبي من العلم الإلهي، ويكون حكمهم من ~~الله فيما ms281 أخبرهم به حكم الملائكة، ولهذا قال في نبي الشرائع # ما ~~لم تحط به خبرا # أي ما هو ذوقك يا موسى مع كونه كليم الله، فخرق ~~السفينة وقتل الغلام حكما، وأقام الجدار مكارم خلق عن حكم أمر إلهي، كخسف البلاد على ~~يدي جبريل ومن كان من الملائكة، ولهذا كان الأفراد من البشر بمنزلة المهيمنين من ~~الملائكة، وأنبياؤهم منهم بمنزلة الرسل من الأنبياء. # وبعد أن أفاض المؤلف في تفصيل النبوة وأسرارها وأحكامها، تكلم في الحب والسكر، ~~والتوبة، والمجاهدة، والخلوة، والتقوى، ومقامي الخوف والرجاء، والفرق بين الشهوة ~~والإرادة، وشهوة الدنيا وشهوة الجنة، والفرق بين اللذة والشهوة، ومقام الخشوع، ~~والقناعة، والتوكل واليقين، ومقام الذكر وأسراره، والفكر وأسراره. # ثم تكلم في أسماء الله الباطن منها والظاهر، وفي الأسماء على العموم، وانتقل إلى ~~الكلام في حضور القلب بتواتر البرهان ومنزل الحوض وأسراره من المقام المحمدي، ومنزل ~~تزاور الموتى وأسراره من الحضرة الموسوية. # وفي الجزء الثالث من الكتاب أفاض المؤلف في الكلام على الحضرة الموسوية والحضرة ~~المحمدية، وتكلم على منزل الإمام الذي على يسار القطب، وهو منزل أبي مدين أحد أئمة ~~الصوفية ببنجانة بالأندلس وهو ممن لم يلقهم محيي الدين. # كلام محيي الدين في المهدي المنتظر # ثم تكلم على المهدي المنتظر وفي معرفة نزول وزرائه، فقال في ج3 ص364: «اعلم أن ~~لله خليفة يخرج وقد امتلأت الأرض جورا وظلما، فيملؤها قسطا وعدلا، لو لم يبق من ~~الدنيا يوم واحد، طول الله ذلك اليوم حتى يلي هذا الخليفة من عترة الرسول يواطئ ~~اسمه اسم رسول الله، يبايع الناس بين الركن والمقام، وهو أجلى الجبهة أقنى الأنف، ~~أسعد الناس به أهل الكوفة يقسم المال بالسوية، ويعدل في الرعية، ويفصل في القضية، ~~يمسي جاهلا بخيلا جبانا، فيصبح أعلم الناس وأكرمهم وأشجعهم، يمشي النصر بين ~~يديه، يعيش خمسا أو سبعا أو تسعا، يصلحه الله في ليلة بفتح المدينة الرومية ~~بالتكبير في سبعين ألفا من ولد إسحاق، يشهد الملحمة العظمى، مأدبة الله بمرج عكا، ~~يبيد الظلم وأهله، يرفع المذاهب من الأرض، يفرح ms282 به العامة أكثر من الخاصة، ويبايعه ~~العارفون بالله من أهل الحقائق عن شهود وكشف، له رجال إلهيون يقيمون دعوته وينصرونه ~~هم الوزراء، ينزل عليه عيسى ابن مريم بالمنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين، ~~متكئا على ملكين، يقطر رأسه ماء مثل الجمان، يتحدر كأنما خرج من دماس، ويقبض الله ~~المهدي إليه طاهرا مطهرا، وفي زمانه يقتل «السفياتي» عند شجرة بغوطة دمشق، ويخسف ~~بجيشه في البيداء بين المدينة ومكة.» # ثم تكلم المؤلف في العرش والهواء والفلك والبرزخ، وفي معرفة الأمة ~~البهيمية. # أما الجزء الرابع والأخير من هذا الكتاب النفيس، فبدأه بمعرفة منازلة الميت، ~~والحي ليس له إلى رؤيته سبيل، ومعظم هذا الجزء في تفاسير أحاديث قدسية أو إلهامية ~~منسوبة إلى الله عز وجل مثل: ~~(1) ~~«من دعاني فقد أدى حق عبوديته، ومن أنصف نفسه فقد أنصفني.» ~~(2) ~~«من سألني فما خرج من قضائي، ومن لم يسألني فما خرج من قضائي.» ~~(3) ~~«أسمائي حجاب عليك فإن رفعتها وصلت إلي.» ~~(4) ~~«أحبك للبقاء معي، وتحب الرجوع إلى أهلك.» # ولولي الله السيد محمد عبد السلام - رضي الله عنه - الذي انتقل إلى البرزخ في هذا ~~الوقت تفسير بليغ عجيب لهذا الحديث. # وهذا الجزء الرابع كالأجزاء الثلاثة السابقة، بحر زاخر في الحكمة الإلهية ~~والفلسفة الشرعية، وذكر الأسباب والنتائج والأسرار الباطنية والألغاز العليا في ~~الكون والخليقة والشريعة والوحي والإلهام والولاية والقطبانية. # ولا يليق بعالم أو متصوف أو أديب أن يبقى بدون إلمام بهذا الكتاب الذي يعد فريدا ~~في بابه في سائر اللغات. # أما قبر الشيخ العظيم فقد اكتشفه في الشام السلطان سليم الأول العثماني، ويذكرون ~~أن الشيخ كان ذكر عبارة رمزية للدلالة على قبره وتاريخ اكتشافه، ونصها: «عندما يدخل ~~السين في الشين يكشف عن قبر محي الدين.» والمقصود بذلك عند دخول السلطان سليم بلاد ~~الشام يكشف قبر هذا الحكيم. ~~(12) اعتراف محيي الدين ومناجاته بينه وبين نفسه # قال محيي الدين: «رأيت في منامي كأني أدخلت الجنة، ولم أكن رأيت نارا ولا حشرا ولا ~~حسابا ولا شيئا من أهوال القيامة، ووجدت في نفسي راحة ms283 عظيمة، فلما استيقظت علمت أن في ~~حالي بعض اختلال، وأن نفسي ادعت فوق حالها من جهة ما أعطاها الله من العلم، ولو كانت ~~متحققة بالحق تحققا عقليا مقدسا إلهيا يغنيها عنها، لم تلتذ بدخول الجنة، فأرادت ~~أن تقيم علي الحجة القاطعة من جهة تقسيم الحقائق الإنسانية ومراتبها، فلم أسمع لها، ~~ودارت بيني وبينها المحاسبة الآتية: # ابن العربي ~~: # يا نفس لا أتركنك على دعواك حتى أعرض أحوالك على كتاب الله وسنة رسوله # صلى الله عليه وسلم ~~، فإن وافقت ذلك سلمت لك، وإن وجدتك دون ذلك فأنا ألطف بك وأرحمك بأن ~~أمشي بك على أحوال أهل الصفة وعلى أحوال الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، ~~فإن قصرت عن شأوهم فالنار أولى بك. # نفسه ~~: # أما النبي # صلى الله عليه وسلم # فلا أعرض حالي مع حاله أدبا معه، وكذلك القرآن فإنه ~~البحر الأعظم، ولكن حسبك من دون القرآن والنبوة، فخذ معي في مراتب الولاية وأنا ~~المنقادة السميعة السهلة المطيعة. # ابن العربي ~~: # أخرجي أسنى ما تدعين وأعلا ما تحفظين، وأنا أعرض أولا حال أهل ~~الصفة. # نفسه ~~: # قل! # ابن العربي ~~: # كان سبعون من أهل الصفة يصلون في ثوب، فمنهم من يبلغ ركبتيه ومنهم أسفل من ~~ذلك، والله ما اجتمع لهم ثوبان، ولا حضر لهم من الأطعمة لونان، ناشدتك الله يا ~~نفس، فهل أنت أفقر منهم؟ # نفسه ~~: # لا. # ابن العربي ~~: # فلست إذن منهم، استحي من الله وارجعي على عقبك ولا تطاولي لقوم لست منهم في ~~شيء! # نفسه ~~: # على بعيرهم فليس لي هنا قدم. # ابن العربي ~~: # قال عمار بن ياسر وهو يسير على شط الفرات: «اللهم لو أعلم أن أرضى لك عنى أن ~~أتردى فأسقط فعلت، ولو علمت أن أرضى لك عني أن ألقى في هذا فأغرق فيه فعلت.» ~~ناشدتك الله يا نفس، هل خطر لك هذا قط في رضى الله لا تبغين به بدلا؟ # نفسه ~~: # لا والله فانتقل بي عن هذا! # ابن العربي ~~: # هذا عمر بن الخطاب لما أسلم قال له النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «يا عمر استره.» ms284 قال رضي ~~الله عنه: «والذي بعثك بالحق لأعلننه كما أعلنت الشرك!» ناشدتك الله يا نفس هل ~~قمت لي قط في دين الله تعالى حامية عنه في موطن دونه النفوس الحداد، وعدم ~~الناصر يغلب فيه على ظنك أنك تقتلين فيه؟ # نفسه ~~: # لا والله، وإنما قاربت هذا المقام، ولكن بسياسة وطنت بها نفوس الأعداء بحيث ~~إن غلب على ظني الأمن والعافية في دمي. # ابن العربي ~~: # فارجعي! # نفسه ~~: # نعم، هات غيره. # ابن العربي ~~: # كان عثمان بن عفان يطعم الناس طعام الإمارة، ويدخل بيته فيأكل الخبز والزيت، ~~هل فعلت هذا مع أصحابك قط؟ آثرتهم باللطيف وقنعت بالخشن. # نفسه ~~: # لا والله، بل كنت على أحد وجهين معهم، إن لم يكن عندي طعام غير ما جعلت بين ~~أيديهم شاركتهم فيه، وإن كان عندي أرق منه أكلت وحدي ذلك، مثل الحلو أو ~~الخوشكنان، وأقول هذا غذاء لين، وألبس على نفسي بهذه الترهات حتى أتنغص به عند ~~أكله، وأقول هؤلاء الإخوان في مقام التربية، فينبغي أن لا أزرع حب الشهوات في ~~قلوبهم بإطعامهم مثل هذا، ومقامي لا يؤثر فيه هذا الطعام، فلا بأس بتناولي ~~إياه، فآكله على هذه الحال وقد عميت عن مطالبة الحق، في موازنة المعاشرة ~~وأدناها أن أشاركهم في خشونتهم لما أعرفه من تأثير الحقائق، ولا شك أن عثمان ما ~~فعل هذا في بدايته وإنما فعله بعد التمليك. # ابن العربي ~~: # بارك الله فيك يا نفس إذ أنصفتني. # نفسه ~~: # الحق أحق أن يتبع هات غيره. # ابن العربي ~~: # هذا الإمام علي كان إذا أرخى الليل سدوله وغارت نجومه يتمثل في محرابه قابضا ~~على لحيته ويبكي بكاء الحزين وهو يتضرع بقوله «يا ربنا!» ثم يخاطب الدنيا بقوله ~~«غري غيري، واخدعي سواي، فقد تبت عنك ثلاثا، فعمرك قصير، ومجلسك حقير، وخطرك ~~كثير، أواه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق!» فهل صاحبت هذه الحال ~~استصحاب هذا الإمام؟ # نفسه ~~: # لا والله، إنما هي بوارق تلمع، وأهلة تطلع، في أوقات دون أوقات، والغالب ~~الشتات، لولا أني أريد أن أقف منك على أحوال ms285 هذه السادة لطويت معك بساط ~~المناظرة وعدلنا عن هذه المحاضرة. # ابن العربي ~~: # هذا الذي بشرت غيرما مرة أنك في مقامه: أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - ~~(وهذه إشارة إلى أن محيي الدين ابن العربي كان في ~~مقام الصديقية) # خرج حين توفي رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وعمر يكلم الناس، ~~ثم قال بعد أن تشهد: «أما بعد فمن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان ~~منكم يعبد الله عز وجل فإن الله حي لا يموت!» ثم تلا قوله تعالى # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على ~~أعقابكم # الآية، فسكن جأشهم بالقرآن وهو لم يزل ساكن القلب مع ~~الرحمن، ناشدتك الله يا نفس هل حصلت بالسر الذي تدعينه أنه قد حصل لك من الحق ~~حالا ومقاما من تعظيم الله ما علمت به تعظيم من عظمة الله من جهة تعظيم الله ~~إياه؟ # نفسه ~~: # لا والله يا ولي، إنما أنا بين فناء وبقاء، وتلاش وانتعاش، وإقبال وإدبار ~~ووصول ورجوع، وما كنت فهمت هذا من هذا الكلام الذي خرج من فم الصديق حتى نبهتني ~~عليه، فانتقل بي عن هذا المقام فقد قصم ظهري. # ابن العربي ~~: # إن النبي # صلى الله عليه وسلم # عاش في البؤس وضنك العيش حتى رق له عمر لما أثر شريط ~~السرير في جنبه، فقال عمر: «تذكرت كسرى وقيصر.» فقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «أما ترضى ~~أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟» أين أنت يا نفس من قول سلمان الفارسي حيث ذكر ~~ما فتح الله على المسلمين من كنوز كسرى فقال: «إن الذي أعطاكموه وفتحه عليكم ~~وخولكم لممسك خزائنه ومحمد # صلى الله عليه وسلم # حي، ولقد كان يصبح وما عنده دينار ولا مد ~~من الطعام، بم ذاك يا أخا بني عبس؟» فانظري يا نفس كلام هذا الصاحب وشرحه لحالة ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # وتعريفه وتقريعه بقوله «بم ذاك؟» ثم إنه لو كانت الدنيا تنال ~~على حسب المراتب عند الله من ms286 الرفعة لكانت كلها لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # وهذه حالته ~~في دنياه، ولم يرض لقرة عينه بنته فاطمة أن تنال فيها راحة ولا توسعا، هذا وقد ~~رأى أثر حبل القربة في عنقها من حمل الماء وأثر الرحى من الطحين في يديها، ~~وجاءه السبي فلم ير أن يعطيها خادما يحول بينها وبين ذاك الشقاء الذي نزل بها، ~~وأعطاها بدل ذلك تسبيحا وتحميدا وتكبيرا وقال: هو خير لكم. فأين أنت يا نفس ~~وهذا العارف، فلا الحق رضيها لنبيه ولا النبي # صلى الله عليه وسلم # رضيها لابنته ووصيه، فهل ~~قنعت يا نفس بعد أن لم تجدي لك قدما مع أحد من الصالحين؟ فمن اتبعت؟ وبمن ~~تأسيت؟ # نفسه ~~: # اتبعت هواي، فتأسيت بشيطان مدع في المعرفة، مكب على الدنيا مثلي، فأثمر ~~لي الدعوى، وعراني من ملابس التقوى، وأنا أتوب إلى الله وأتضرع إليه في الوفاء ~~والعدل والميزان! ~~(وبعد أن استرسل محيي الدين في ذكر أخبار قويس القرني وعبادته ~~وزهده ومقابلته لهرم بن حيان ختم مناجاته بقوله لنفسه): # ابن العربي ~~: # فهذا يا نفس من بعض أخبار قويس الذي أحببته لله وفي الله، ولولا خشية التطويل ~~لأشبعناك من أخباره وأخبار أمثاله من سادات التابعين، ولكنك قنعت بهذا القدر، ~~فالتزمي طاعة الله وطاعة رسوله # صلى الله عليه وسلم ~~».» # قال محيي الدين ابن العربي: «فأسلمت إسلاما جديدا - يقصد نفسه - الله يثبتها عليه، ~~وأخذت منها العهود التي أخذ النبي # صلى الله عليه وسلم # على نساء المؤمنات، فالتزمت ذلك كله عارفة ~~قدر ذلك وما لها في الوفاء به، وما عليها من الرجوع عنه.» ~~«هذا يا ولي - مخاطبا صديقه عبد العزيز المهدوي - أبقاك الله ما اتفق بيني وبين نفسي ~~في مكة المشرفة.» # الفصل الثاني عشر # | ابن مسكويه # أبو علي الخازن أحمد بن محمد بن يعقوب الملقب مسكويه، توفي في 9 صفر سنة 421ه، وكان ~~مجوسيا وأسلم، وهذا دليل على أنه من أبناء الفرس الناشئين بين أحياء العرب الذين كانوا ~~يتولون الوظائف والمناصب في صدر الإسلام، ومنهم أبو محمد عبد الله ابن ms287 المقفع الذي قتل سنة ~~142ه. وكان هؤلاء القوم نادرة في الذكاء وغاية في جمع علوم اللغة والحكمة والتاريخ. # كذلك كان مسكويه من نوابغ المفكرين العاملين الذين يندر ظهورهم في الأمم، وكانت له معرفة ~~تامة بعلوم الأقدمين وألف فيها كتبا عدة. # وصحب ابن العميد وكان يخدمه في مكتبته، لكنه مع ذكائه ونبوغه واشتغاله بالفلسفة والمنطق ~~والفقه والأدب والتاريخ فتنته الكيميا، بالمعنى الذي يعرفه بعض علماء العرب، وهو السعي في ~~الحصول على الذهب بالصناعة، فأنفق ماله في هذا السبيل وهذا نوع من الجنون، فلما ذهب ماله في ~~طلب المال، ندم على ذلك وتنقلت به الحال إلى خدمة بني بويه، فابتسم له الزمان وعظم شأنه حتى ~~ترفع عن خدمة الصاحب بن عباد ولم ير نفسه دونه. # وكان مسكويه شاعرا مدح ابن العميد وعميد الملك، وله رسائل أنيقة على أسلوب ذلك ~~العصر. # قال أبو حيان في كتاب «الإمتاع» عند ذكر طائفة من متكلمي زمان: «وأما ابن مسكويه ففقير ~~بين أغنياء، وغني بين أنبياء؛ لأنه شاذ وإنما أعطيته في هذه الأيام «صفو الشرح» لإيساغوجي ~~و«قاطيغورياس» من تصنيف صديقنا بالرى. قال الوزير: ومن هو؟ قلت أبو القاسم الكاتب غلام أبي ~~الحسن العامري، وصححه معي، وهو الآن لائذ بابن الخمار، وربما شاهد أبا سليمان المنطقي ~~وليس له فراغ، ولكنه مجد في هذا الوقت للحسرة التي لحقته مما فاته من قبل. فقال: يا عجبا ~~لرجل صحب ابن العميد وأبا الفضل ورأى ما عنده وهذا حظه. قلت: قد كان هذا ولكنه كان مشغولا ~~بطلب الكيمياء مع أبي الطيب الكيمائي الرازي، مملوك الهمة في طلبه، والحرص على إصابته، ~~مفتونا بكتب أبي زكريا وجابر بن حيان، ومع هذا كان إليه خدمة صاحبه في خزانة كتبه، هذا مع ~~تقطيع الوقت في الحاجات الضرورية، والشهوية، والعمر قصير، والساعات طائرة، والحركات دائمة، ~~والفرص بروق تأتلق، والأوطار في عرضها تجتمع وتفترق، والنفوس عن قرابتها تذوب وتحترق. ولقد ~~قطن العامري الري خمس سنين، ودرس وأملى وصنف وروى فما أخذ عنه ابن مسكويه كلمة واحدة ولا ~~وعى ms288 مسألة، حتى كأنه كان بينه وبينه سد، ولقد تجرع على هذا التواني الصاب والعلقم، ومضغ ~~حنظل الندامة في نفسه، وسمع بأذنه قوارع اللوم من أصدقائه حينما ينفع ذلك كله، وبعد هذا فهو ~~ذكي حسن، نقي اللفظ، وإن بقي عساه أن يتوسط هذا الحديث، وما أرى ذلك مع كلفه بالكيمياء، ~~وإنفاق زمانه وكد بدنه وقلبه في خدمة السلطان، واحتراقه في البخل بالدانق والقيراط، والكسرة ~~والخرقة، نعوذ بالله من مدح الجود باللسان وإيثار الشح بالفعل، ومحتد الكرم بالقول ومفارقته ~~بالعمل.» # قال أبو منصور الثعالبي: «كان في الذروة العليا من الفضل والأدب والبلاغة والشعر، وكان في ~~ريعان شبابه متصلا بابن العميد مختصا به، ثم تنقلت به أحوال جليلة في خدمة بني بويه ~~والاختصاص ببهاء الدولة، وعظم شأنه وارتفع مقداره، فترفع عن خدمة الصاحب ولم ير نفسه دونه ~~ولم يخل من نوائب الدهر.» # وله قصيدة في عميد الملك تفنن فيها وهنأه باتفاق الأضحى والمهرجان في يوم، وشكا سوء أثر ~~الهرم وبلوغه إلى أرذل العمر. # وصية أبي علي ابن مسكويه # بسم الله الرحمن الرحيم! هذا ما عاهد عليه أحمد بن محمد، وهو يومئذ آمن في سربه معافى ~~في جسمه، عنده قوت يومه، لا تدعوه إلى هذه المعاهدة ضرورة نفس ولا بدن، ولا يريد بها ~~مراءاة مخلوق، ولا استجلاب منفعة ولا دفع مضرة منهم، عاهده على أن يجاهد نفسه ويتفقد ~~أمره، فيعف ويشجع ويحكم، وعلامة عفته أن يقتصد في مآرب بدنه، حتى لا يحمله الشره على ما ~~يضر جسمه أو يهتك مروءته، وعلامة شجاعته أن يحارب دواعي نفسه الذميمة حتى لا تقهره شهوة ~~قبيحة ولا غضب في غير موضعه، وعلامة حكمته أن يستبصر في اعتقاداته حتى لا يفوته بقدر ~~طاقته شيء من العلوم والمعارف الصالحة، ليصلح أولا نفسه ويهذبها ويحصل له من هذه ~~المجاهدة ثمرتها التي هي العدالة، وعلى أن يتمسك بهذه التذكرة ويجتهد في القيام بها ~~والعمل بموجبها، وهي خمسة عشر بابا، إيثار الحق على الباطل في الاعتقادات، والصدق على ~~الكذب في الأقوال، والخير على ms289 الشر في الأفعال، وكثرة الجهاد الدائم لأجل الحرب الدائمة ~~بين المرء وبين نفسه، والتمسك بالشريعة ولزوم وظائفها، وحفظ المواعيد حتى ينجزها، وأول ~~ذلك ما بيني وبين الله جل وعز، وقلة الثقة بالناس بترك الاسترسال ومحبة الجميل لأنه ~~جميل لا لغير ذلك، والصمت في أوقات حركات النفس للكلام حتى يستشار فيه العقل، وحفظ ~~الحال التي تحصل في شيء شيء حتى يصير ملكة ولا يفسد بالاسترسال، والإقدام على كل ما كان ~~صوابا، والإشفاق على الزمان الذي هو العمر ليستعمل في المهم دون غيره. وترك الخوف من ~~الموت والفقر لعمل ما ينبغي وترك التواني، وترك الاكتراث لأقوال أهل الشر والحسد لئلا ~~يشتغل بمقابلتهم، وترك الانفعال لهم، وحسن احتمال الغنى والفقر والكرامة والهوان بجهة ~~وجهة، وذكر المرض وقت الصحة، والهم وقت السرور، والرضى عند الغضب، ليقل الطغي والبغي، ~~وقوة الأمل، وحسن الرجاء والثقة بالله عز وجل، وصرف جميع البال إليه. ~~(1) مؤلفاته ~~(1) # كتاب الفوز الأكبر. ~~(2) # كتاب الفوز الأصغر. ~~(3) # كتاب تجارب الأمم في التاريخ، ابتداؤه من بعد الطوفان وانتهاؤه إلى سنة 369. ~~(4) # كتاب أنس الفريد، وهو مجموع يتضمن أخبارا وأشعارا وحكما وأمثالا. ~~(5) # كتاب ترتيب السعادات. ~~(6) # كتاب المستوفي، (وهو) أشعار مختارة. ~~(7) # كتاب الجامع. ~~(8) # كتاب جاوزان خرد. ~~(9) # كتاب «السير»، أجاده وذكر فيه ما يسير به الرجل نفسه من أمور دنياه ومزجه ~~بالأثر والآية والحكمة والشعر. ~~(10) # كتاب تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق. ~~(2) ملخص كتاب ترتيب السعادات # كل واحد نصب لنفسه غاية يقصدها بسعيه ويسميها سعادة له كما يسعى للذة وللثروة، أو ~~للصحة أو للغلبة أو للعلم، وإنما أوتوا في هذا الاختلاف من قبل أنهم لم يلحظوا الكمال ~~البعيد، أعني السعادة القصوى، ولو عرفوها ونصبوها غرضا لسعوا بالباقيات نحوها كما يفعل ~~الصانع، فإنه إذا عرف كمال المطرقة الأقصى، أعني صناعة التاج والخاتم أو السوار، قصد ~~بالطرق وبسط الجسم الصلب نحو ذلك. # إن ما كان عاما للإنسان والبهائم فليس سعادة لنا، لأنها ليست غايتنا وكمالنا من حيث ~~نحن ناس، وأما ما كان منها خاصا بالإنسان من حيث هو إنسان فيجوز أن يسمى سعادة، ms290 إلا ~~أن هذا المعنى هو عام لجميع الناس، ومن هذه السعادات الخاصة بالإنسان ما هو عام للناس ~~كما قلنا، فهم يشتركون فيه، ومنها ما هو خاص بإنسان إنسان، ومنها ما هو خاص الخاص، وهو ~~الذي إليه ترتقي السعادات وعنده تقف جميعها، فإنها وجدت السعادات كلها من أجلها وبسببها ~~وهي الغرض الأخير والكمال الأقصى. # أما الأمر العام لجميع الناس ولجميع الحيوان فهو المأكل والمشرب وضروب الراحات، وهذا ~~ليس بسعادة ولا هو كمال الإنسان وغايته الذي خلق له ومن أجله. # وأما السعادة العامة للناس من حيث هم ناس فهي ما ذكرناه من قبيل صدور الأفعال عنه ~~بحسب الروية والتمييز وعلى ما يقسطه العقل، وهذا المعنى سعادة موجودة لكل إنسان، ويمكن ~~كل أحد أن ينال منها ويحظى بها بقدر رتبته من الإنسانية، وهذا المعنى موهوب للناس عامة ~~بالفطرة والجبلة الأولى، ويتفاضلون بحسب استعمالهم إياها. # وأما السعادة الخاصة بحسب إنسان إنسان، فهي التي يختص بها صاحب علم أو صناعة فاضلة، ~~يتفاوتون فيها على قدر مراتبهم في العلوم والصناعات وبحسب الأحوال التي يصدرون فيها ~~أفعالهم على ما يوجب الرأي والتمييز. # وأما أصناف الشقاء المقابلة لهذه السعادات فقد تركنا ذكرها؛ لأنها تعرف من مقابلاتها ~~كما تبين في المنطق أن المتقابلات علمها معا في حال واحدة، فينبغي أن يساق كل إنسان ~~بحسب طبقته ومرتبته إلى سعادته التي تخصه على أتم ما يكون وأفضل ما يمكن ويبلغه ~~الوسع. # ولولا أن السعادات كثيرة وعلى ضروب، لكان السعيد في الحقيقة واحدا من الناس، وهو من ~~يحصل جميع أجزاء الفلسفة وفهم جميع الصناعات وتوفر حظه من الحكمة كلها، ولو كان ذلك ~~كذلك، لكان وجود سائر الناس عبثا لا غاية لهم ولا كمال. # إن الحكماء لما رأوا اختلاف الناس في غاياتهم فبعضهم يرى أن غايته اللذة فيسعى نحوها ~~بجميع أفعاله، فإذا شبع من لذته ثم كلف بعد ذلك الازدياد مما زعمه سعادة صار ذلك شقاء ~~عظيما ووبالا كثيرا عليه، وسمى السعادة شقاء. # وأيضا فإن صاحب الثروة إذا مرض رأي أن السعادة هي ms291 الصحة، وصاحب الصحة إذا أصابه ذل ~~رأى أن السعادة هي الكرامة، ومعلوم أن السعادة هي شيء ثابت لا تصير شقاء ولا ينتقل ~~صاحبها فيكون شقيا بالذي صار به سعيدا. # وقد رتب أرسطوطاليس أجناس السعادات، فسعادة في النفس، وسعادة في البدن، وسعادة من ~~خارج البدن، وفيما يطيف بالبدن. # السعادة التي في النفس: بالعلوم والمعارف والحكمة. # السعادة التي في البدن: مثل الجمال وصحة المزاج. # السعادة التي من خارج البدن: مثل الأولاد النجباء والأصدقاء واليسار وشرف ~~النسب. # أما السعادة القصوى فليس ينالها كل واحد ولا يظفر بها كل من طلبها، ومن علامة من وصل ~~إلى السعادة القصوى أن يوجد أبدا نشيطا، فسيح الأمل، قوي الرجاء، ساكن الجأش، غير ~~مضطرب ولا مكترث بأمور الدنيا إلا بمقدار يسير جدا، وهو يناسب الناس ويقاربهم في ~~الظاهر، فأما باطنه فمباين لهم، ثم هو جذل مسرور بنفسه لا بغيرها، وهذه الحال لازمة له ~~لا تتغير. ~~(3) فلسفة ابن مسكويه في النفس والأخلاق # لقد بينا في تلخيص كتاب السعادة لمسكويه أو لابن مسكويه، أن مذهبه الفلسفي أرسطي محض، ~~وأنه كأسلافه ومعاصريه ومن جاء بعدهم من فلاسفة الإسلام يمجدون الفلسفة اليونانية ~~ويرفعون من شأن المعلم الأول حتى درجة العبادة، وأن معظم كتاب السعادة لابن مسكويه يدور ~~على مؤلفات أرسطو وترتيبها وتبيويبها وحكمة وضعها وتصنيفها على النمط الذي اتبعه ابن ~~الهيثم في اعترافه. فكان أرسطو هو المثل الأعلى لهؤلاء الفلاسفة الإسلاميين، كما كان ~~العدو اللدود لأئمة المتصوفين أمثال الغزالي وأصحاب الفلسفة العملية أمثال ابن ~~خلدون. # وظاهر لكل متأمل في مؤلفات ابن مسكويه التي تستفاد منها فلسفته أنه تأثر جد التأثر ~~بالجانب الخلقي من مؤلفات أرسطو بعد أن وقف على النظام الفلسفي بصفة عامة، وكان اهتمامه ~~بعلم النفس أكبر من اهتمامه بسواه، وكانت الغاية التي يرمي إليها تهذيب النفس عن طريق ~~درس أحوالها وتقلبها. وقد بلغ أثر هذا الميل في تعاليم ابن مسكويه إلى درجة أنه أراد أن ~~يعكس طرق التعليم الفلسفي، فبدلا من أن يبدأ السالك في طريق الفلسفة بدرس المنطق ~~والبرهان ms292 والأقيسة التي هي وسائل الفهم وأدوات الإدراك، يرى ابن مسكويه عكس ذلك فيقول ~~في ص26 من كتاب السعادة: # وقد رأى بعض أصحاب أرسطوطاليس من مدرسي كتبه أن يبتدئ المتعلم لها بكتب ~~الأخلاق لتتهذب نفسه وتصفو من كدر الشهوات، ويخف عنها أثقال عوارضها؛ فيتمكن من ~~قبول الحكم ويعترف بعض الاعتراف بترك الانهماك في الشهوات وهجران الملاذ ~~الجسمية ، ويعلم أن أكثرها خساسات ورذائل فيتنزه عنها، ثم ينظر في شيء من ~~التعاليم ليعرف طريق البرهان، ويتدرب بها ويأنس بطرقها، ويترك الإيغال فيها إلى ~~وقت آخر. ~~(4) المثل الأعلى عند مسكويه # ثم إن ابن مسكويه جعل للإنسان مثلا أعلى هو أشبه الأشياء بما كان يرمي إليه ابن باجه ~~في رسالة «تدبير المتوحد» وابن طفيل في «حي بن يقظان». ولكن ابن مسكويه مر بمثله ~~الأعلى مرور الطيف، فوصفه بأنه هو الحاصل على السعادة القصوى، وأن هذا السعيد السعادة ~~القصوى «مغتبط بذاته؛ لأنه يشاهد أمورا لا تتغير ولا تستحيل أبدا، ولا يجوز عليها أن ~~تتغير أو تستحيل، وأنه يرى جميع ما يراه بعين لا تغلط ولا تخطئ ولا تدبر ولا تقبل ~~الفساد، ويتعين أنه صائر من أحد وجوديه (الحياة الدنيوية؟) إلى الوجود الآخر (الموت؟) ~~الأكمل، فهو كمن سلك طريقا إلى وطن يعرفه وثيق بأهله وروحه وطيبه». # ثم يتوغل ابن مسكويه في الوصف فيلمس أدق عقائد الصوفية في السلوك والوصول، حيث يقول: ~~«وكلما قطع إليه منزلا أو حل دونه في درجة تقرب منه، ازداد نشاطا وطمأنينة وجذلا. ~~وهذه الحال من الثقة واليقين لا تحصل بالخبر دون المعاينة، ولا تتم بالحكاية دون ~~المشاهدة، ولا تسكن النفس إليها إلا بعد الظفر على الحقيقة، والواصلون إليها على طبقات ~~ومثال ذلك الناظر بعين الرأس، فإن هذه العين يتفاوت الناس في النظر بها فمنهم من يرى ~~الأشياء البعيدة رؤية بينة، ومنهم من لا يراها من القرب أيضا إلا كمن يرى الشيء من ~~وراء ستر، إلا أن الفرق بين تلك الحال وهذه الحال أن العين الحسية كلما أمعنت في النظر ~~وأدامت التحقيق إلى محسوساتها ms293 كلت وضعفت، وتلك العين الأخرى هي بالضد؛ لأنها تقوى ~~بالإمعان في النظر وتزداد بالإدمان جلاء وسرعة إدراك، ولا تزال تزداد بصيرة ونفاذا ~~حتى تدرك ما كانت تظنه غير مدرك ولا معقول.» ~~(5) الفرق بين الحكمة والفلسفة # يميز ابن مسكويه بين الحكمة والفلسفة، فهو يرى أن الحكمة هي فضيلة النفس الناطقة ~~المميزة، وهي: أن تعلم الموجودات كلها من حيث هي موجودة، وإن شئت فقل أن تعلم الأمور ~~الإلهية والأمور الإنسانية، وثمر علمها بذلك أن تعرف المعقولات أيها يجب أن يفعل وأيها ~~يجب أن يغفل. # أما الفلسفة فلم يضع لها ابن مسكويه تعريفا، ولكنه قسمها إلى قسمين: (1) الجزء ~~النظري. و(2) الجزء العملي. # فإذا كمل الإنسان بالجزأين فقد سعد السعادة التامة. # والجزء النظري ينطوي على كمال الإنسان الأول بالقوة العالمة، فيصير في العلم بحيث ~~يصدق نظره، فلا يغلط في اعتقاد ولا يشك في حقيقة، وينتهي في العلم إلى العلم الإلهي ~~ويثق به ويسكن إليه. # والكمال الثاني للإنسان يكون بالقوة العاملة، وهو الكمال الخلقي، ومبدؤه من ترتيب ~~قواه وأفعاله الخاصة بها حتى تصدر تلك الأفعال كلها بحسب قوته المميزة منتظمة مرتبة كما ~~ينبغي، وينتهي إلى التدبير المدني بين الناس حتى تنتظم ويسعدوا سعادة مشتركة # Bonheur Commun # وغاية الكمال الإنساني في فلسفة ~~ابن مسكويه أن يعلم الموجودات كلها بكلياتها وحدودها التي هي ذواتها لا أعراضها وخواصها ~~التي تصيرها بلا نهاية. # ويعتقد ابن مسكويه أن من ينتهي إلى هذه الرتبة من العلم والعمل فقد صار عالما وحده، ~~واستحق أن يسمى عالما صغيرا؛ لأن صور الموجودات كلها قد حصلت في ذاته فصار هو هي ~~بنحو ما، ثم نظمها بأفعاله على نحو استطاعته، فصار فيها خليفة لمولاه خالق الكل جلت ~~عظمته، فلم يخطئ ولا يخرج عن نظامه الأول الحكمي فيصير حينئذ عالما تاما، دائم ~~الوجود، سرمدي البقاء مستعدا لقبول الفيض من المولى دائما أبدا، وقد قرب منه القرب ~~الذي لا يجوز أن يحول بينهما حجاب. # ولولا أن الشخص الواحد من أشخاص الناس يمكنه تحصيل هذه المنزلة في ذاته لكان ms294 سبيله ~~سبيل أشخاص الحيوانات الأخر، أو كسبيل أشخاص النبات في مصيرها إلى الفناء. # ومن لا يتصور هذه الحالة ولا ينته إلى علمها من المتوسطين في العلم، تقع له شكوك في ~~البعث والخلود وانتهاء حياة الإنسانية بالموت، فحينئذ يستحق اسم الإلحاد ويخرج عن سمة ~~الحكمة وسنة الشريعة. # فالفلسفة في رأي ابن مسكويه هي غاية الحياة الإنسانية، وهي مزيج من العلم والعمل ~~لسلوك سبيل الترقي الدائم، فهي الغرض الأسمى للوجود والوسيلة الوحيدة للاتصال العقلي ~~والروحاني بين الخالق والمخلوق والاستعداد لقبول الفيض الرباني. وعلى ذلك تكون هذه ~~المرتبة هي مرتبة الأنبياء والحكماء والعلماء الذين هم عوالم تامة، وخلفاء ~~للخالق. ~~(6) الملوك في فلسفة ابن مسكويه # يقول ابن مسكويه: «لقد حكمنا أن الملوك منا هم أشد الناس فقرا، لكثرة حاجتهم إلى ~~الأشياء.» ثم يشير ابن مسكويه إلى قول أبي بكر الصديق في خطبته حيث قال: # أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك. # واسترسل ابن مسكويه في وصف الملوك نقلا عن هذا المصدر فقال: # إن الملك إذا ملك زهده الله فيما في يده، ورغبه فيما في يد غيره، وانتقصه شطر ~~أجله وأشرب قلبه الإشفاق، فهو يحسد على القليل ويتسخط بالكثير ويسأم الرخاء، ~~وإن انقطعت عنه اللذة لا يستعمل الغيرة ولا يسكن إلى الثقة، فهو كالدرهم الغش ~~والسراب الخادع، جلد الظاهر حزين الباطن، فإذا وجبت نفسه ونضب عمره ومحي ظله، ~~فأشد حسابه وأقل عفوه إلا أن الملوك هم المرحومون. # قال ابن مسكويه: لقد سمعت أعظم من شاهدت من الملوك يستعيد هذا الكلام (يعني وصف ~~الملوك لأبي بكر الصديق)، ثم يستعبر لموافقته ما في قلبه وصدقه عن حاله وصورته، ولعل من ~~يرى ظاهر الملوك من الأسرة والفرش والزينة والأثاث، ويشاهدهم في مواكبهم محفوفين ~~محشودين بين أيديهم الجنائب والمراكب والعبيد والخدم والحجاب والحشم؛ يروعه ذلك فيظن ~~أنهم مسرورون بما يراه لهم، لا! والذي خلقهم! وكفانا شغلهم! إنهم لفي هذه الأحوال ~~ذاهلون عما يراه البعيد لهم، مشغولون بالأفكار التي تعتورهم وتعتريهم فيما قلناه من ~~ضروراتهم. ~~(7) الكلام عن النفس # تكلم ابن مسكويه ms295 على قوى النفس الثلاث: ~~(1) # النفس البهيمية، وهي أدونها. ~~(2) # النفس السبعية (نسبة إلى السبع مفرد سباع)، وهي أوسطها. ~~(3) # النفس الناطقة، وهي أشرفها. # وإن هذه القوى الثلاث، ويصفها ابن مسكويه بالأنفس الثلاث، إذا اتصلت صارت شيئا ~~واحدا وتبقى في الوقت ذاته على تغايرها وثورتها واستجدائها كأنها لم تتصل. # ثم تكلم على سياسة النفس العاقلة، وأن مثل من أهملها وترك سلطان الشهوة يستولي عليها ~~كمن معه ياقوتة حمراء شريفة فرمى بها في نار تضطرم. # ثم انتقل إلى رأي أرسطو في بقاء النفس والمعاد استدلالا من قوله في كتاب الأخلاق، ~~على أن الكلام الذي أورده ابن مسكويه نقلا عن أرسطوطاليس في هذا الباب لا يؤدي إلى ~~القول بالمعاد. # ثم انتقل إلى دواء النفوس، قال يجب أن تتفقد مبدأ الأمراض إذا كان من نفوسنا. فإن كان ~~مبدؤها من ذاتها كالفكر في الأشياء الرديئة، وإجالة الرأي فيها كاستشعار الخوف والخوف ~~من الأمور العارضة والمترقبة والشهوات الهائجة؛ قصدنا علاجها بما يخصها. # وإن كان مبدؤها من المزاج ومن الحواس كالخور الذي مبدؤه ضعف حرارة القلب مع الكسل ~~والرفاهية، وكالعشق الذي مبدؤه النظر مع الفراغ والبطالة؛ قصدنا أيضا علاجه بما يخص ~~هذه. # وتكلم بعد ذلك على «حافظ الصحة على نفسه» و«معرفة المرء عيوب نفسه» و«رد الصحة على ~~النفس». # وأسهب ابن مسكويه في الكلام على العدالة والفضائل التي تحت العفة والشجاعة والسخاء ~~والعدالة ومراتب الفضائل الإنسانية. # وألم بموضوع السعادة في رأي أرسطوطاليس ولذة السعادة والخير والسعادة وكثير من هذه ~~الفصول تذكرنا مطالعتها بما دونه اللورد آفبرى في كتبه التي من قبيل «مسرات الحياة»، ~~فهي مزيج من علم الأخلاق والآداب الخاصة والعامة وعلم النفس والحكمة الإنسانية. # وتكلم ابن مسكويه على التعاون والاتحاد والصداقة، والمحبة وأنواع المحبة وأجناسها ~~وأسبابها، والمحبة التي لا تطرأ عليها الآفات. # وكما تكلم على أنواع الفضائل التي تزهو بها النفس، كذلك أفاض في ذكر الرذائل التي ~~تكون بها عيوب النفس وأسباب ضعفها مثل: التهور، والجبن، والعجب، والافتخار، والمزاح، ~~والتيه، والاستهزاء، والغدر، والضيم، وأسباب الغضب، والجبن، والخور، والخوف وأسبابه ms296 ~~وعلاجه، وعلاج الخوف من الموت، وعلاج الحزن. # ونعتقد أن أجمل نبذة في فلسفة ابن مسكويه التي ينطوي عليها كتاب تهذيب الأخلاق هو ~~الفصل البديع الذي دبجته يراعته في موضوع «علاج الخوف من الموت»، وهو شبيه بالفصل الذي ~~ختم به جيو الفيلسوف الفرنسي كتابه «عقيدة المستقبل» قال ابن مسكويه: # إن الخوف من الموت ليس يعرض إلا لمن لا يدري ما الموت على الحقيقة، أو لا ~~يعلم إلى أين تصير نفسه، أو لأنه يظن أن بدنه إذا انحل وبطل تركيبه فقد انحلت ~~ذاته وبطلت نفسه بطلان عدم ودثور، أو لأنه يظن أن للموت ألما عظيما غير ألم ~~الأمراض التي ربما تقدمته وأدت إليه وكانت سبب حلوله، أو لأنه يعتقد عقوبة تحل ~~به بعد الموت، أو لأنه متحير لا يدري على أي شيء يقدم بعد الموت، أو لأنه يأسف ~~على ما يخلفه من المال والمقتنيات؛ وهذه كلها ظنون باطلة لا حقيقة لها. # ولم تخل فلسفة ابن مسكويه من جزء خاص بالشريعة، وبما يجب على الإنسان لخالقه وأسباب ~~الانقطاع عن الله، وأن الشريعة تأمر بالعدالة وتدعو إلى الأنس والمحبة ولزوم الشريعة في ~~المعاملات والواجب على الحاكم نحو الرعية. # وجملة القول في فلسفة ابن مسكويه الخلقية أنها مزيج متقن السبك متناسب الأجزاء من ~~الفلسفة اليونانية حسب تعاليم أرسطو، لا سيما ما كان منها خاصا بعلم النفس والأخلاق ~~ومن الآداب الفلسفية الإسلامية التي بها رائحة من التصوف العقلي والديني ومن حكمة ~~الحياة والآداب العامة والخاصة. # ونحن نعد ابن مسكويه فيلسوفا قائما بذاته، لم ينسج على منوال أحد من سابقيه، ولم ~~يتعرض في «تهذيب الأخلاق» للمسائل الجوهرية في الفلسفة، وهي العقل والروح والخالق وسر ~~الوجود الإنساني وغاية الحياة العقلية والعقائد الدينية التي لها مساس بحياة الإنسان من ~~حيث الكفر والإيمان، بل هو رجل حكيم ملم بفلسفة أرسطو يقدسه ويمجده، ويحاول كما حاول ~~أرثور شوبنهور في كتابه # La Sagesse de la Vie ~~«حكمة ~~الحياة» أن يوجد للفرد مثلا أعلى يسعى للوصول إليه ويعمل لأجله، فإذا وصل إليه بلغ ms297 ~~النهاية القصوى من الكمال. فالفكرة الأساسية الأصيلة في فلسفة ابن مسكويه في «كتاب ~~تهذيب الأخلاق» هي فكرة عملية محضة، ذات نفع مباشر للإنسان الذي يسير على خطتها ~~الحكيمة. ~~(8) فلسفة ابن مسكويه في إثبات الصانع والنفس والنبوة # يعد هذا الجزء من فلسفة ابن مسكويه خاصا بما وراء الطبيعة، وهو مبني على أصول ~~الفلاسفة الإلهيين، ومذهب ابن مسكويه فيه هو الانتصار للعقائد الدينية . # وقد قسم ابن مسكويه فلسفته الميتافيزيقية (ما وراء الطبيعة) إلى ثلاث مسائل في ثلاثين ~~فصلا، وكل مسألة عشرة فصول: المسألة الأولى في إثبات الصانع، وهي محاولة في إقامة ~~الدليل العقلي على وجود الله سبحانه وتعالى. وقد قدم لها الفيلسوف بمقدمة وجيزة في أن ~~هذا الأمر سهل من وجه وصعب من وجه، وأما سهولته فمن قبل الحق نفسه؛ لأنه نير، وأما ~~صعوبته أو غموضه فلأجل ضعف عقولنا وعجزها وكلالها، ولكن من التمس أمرا لا بد له من ~~الوصول إليه صبر على الطريق وما يلحقه فيه من صعوبة ومشقة، ونحن محتاجون إلى أن نعظم ~~أنفسنا عن الأوهام المأخوذة من الحواس التي تغالطنا عن المعقولات الصحيحة، وهو نظام ~~عسير شديد؛ لأنه مفارقة العادة ومباينة العامة في كثير من نظرها، وجاءت في عرض هذا ~~الفصل الأول من المسألة الأولى عبارة شاد بذكرها بعض أدباء العرب، وزعم أنها تدل على ~~وقوف ابن مسكويه على نظرية النشوء والارتقاء قال: # إن الإنسان آخر الموجودات، وإن التركيبات تناهت إليه ووقفت عنده وتكثرت ~~الأغشية واللبوسات الهيولانية على جوهره النير أعني العقل، ولما حصل الإنسان ~~آخر الموجودات صارت الأشياء التي هي في أنفسها أوائل، آخرة عنده. # والفصل الثاني من المسألة الأولى خاص باتفاق الأوائل على إثبات الصانع جل ذكره، وأنه ~~لم يمتنع أحد منهم عن ذلك، وخلاصته أن الحكماء أمروا بالتوحيد ولزوم أحكام العدل وإقامة ~~السياسات الإلهية بالأزمنة والأحوال. ثم تكلم في الاستدلال بالحركة على الصانع، وأنها ~~أظهر الأشياء وأولاها بالدلالة عليه جل وعز، ويقصد بالحركة ستة أشياء: حركة الكون - ~~الفساد - النمو - النقصان - الاستحالة - النقلة. # وانتقل بعد ذلك إلى ms298 الكلام على أن كل متحرك إنما يتحرك من محرك غيره، وأن محرك جميع ~~الأشياء غير متحرك، ثم تدرج إلى الكلام في أن الصانع واحد، وأنه ليس بجسم، وأنه تعالى ~~أزلي، وأغرب فصل في هذا الباب هو الثامن، الذي به أن الصانع يعرف بطريق السلب دون ~~الإيجاب. # وفي الفصل التاسع بيان أن وجودات الأشياء كلها إنما هي بالله عز وجل، وقد تناول هذا ~~الفصل القول على الجوهر والعرض، ثم تلاه كلام في أن الله تعالى أبدع الأشياء كلها لا من ~~شيء، وأنها تتبدل بالصورة حسب. # وهذا ختام كلام ابن مسكويه في المسألة الأولى الخاصة بإثبات الصانع. # ثم انتقل إلى الكلام في المسألة الثانية: في النفس وأحوالها وفي إثبات النفس، وأنها ~~ليست بجسم ولا عرض، وإنها تدرك الموجودات كلها غائبها وحاضرها ومعقولها ومحسوسها، وبحث ~~في مسألة عويصة وهي كيفية إدراك النفس للمدركات، وهل ذلك منها بأجزاء كثيرة، أم بأنحاء ~~مختلفة، أم هناك مدركات بعدد المركبات. # وقد أخطأ في هذا الفصل خطأ فلكيا، فقدر أن الشمس أكبر من الأرض مائة ونيفا وستين ~~مرة، مع أن المعول عليه اليوم في علوم الجغرافيا والكوزموجرافيا والفلك أن الشمس أكبر ~~من الأرض مليون وثلاثمائة مرة. # ثم تكلم على الفرق بين الجهة التي تعقل بها النفس والجهة التي تحس بها، والأشياء التي ~~تشترك فيها والأشياء التي تتباين فيها. # وتناول الكلام على خلود النفس، فأثبت على طريقته أن النفس جوهر حي باق لا يقبل الموت ~~ولا الفناء، وأنها ليست الحياة بعينها بل تعطي الحياة لكل ما توحد فيه. # وانتقل بعد ذلك إلى الكلام على حجج أفلاطون في بقاء النفس، وأن للنفس حالا من الكمال ~~يسمى سعادة، وآخر من النقصان يسمى شقاوة، وفي حال النفس بعد مفارقتها البدن، وما الذي ~~يحصل لها بعد موت الإنسان. # وقد استطرد في فصل إلى الكلام على تحصيل السعادة، والسبيل التي تؤدي إليها، وهذه ~~لازمة ابن مسكويه في فلسفته، فأفاض فيها في كتاب تهذيب الأخلاق، وأفرد لها كتابا هو ~~الذي لخصناه فيما سبق وهو «ترتيب ms299 السعادات». # ثم انتقل إلى المسألة الثالثة، وموضوعها النبوات. # وتكلم في مراتب موجودات العالم واتصال بعضها من بعض وببعض. # ثم في الإنسان وكونه عالما صغيرا، وقواه متصلة ذلك الاتصال، وبحث في كيفية ارتفاع ~~الحواس الخمس إلى القوة المشتركة، ومنها إلى ما فوقها بمنة الله تعالى. # ثم انتقل إلى الكلام في الوحي وكيفيته، وأن العقل ملك مطاع بالطبع، وفي أن المنام ~~(الرؤيا) الصادق جزء من النبوة، وفي الفرق بين النبوة والكهانة، وفي النبي المرسل وغير ~~المرسل وفي الفرق بين النبي والمتنبي. # أما كتاب «الفوز الأصغر» الذي انطوى على هذه المباحث، فقد دل عليه المرحوم المحقق ~~الشيخ طاهر أفندي الجزائري المتوفى بدمشق أثناء الحرب الكبرى، وصفه في برنامج ما اطلع ~~عليه من الكتب الغريبة قال: «الفوز الأصغر، بناه ابن مسكويه على أصول الفلاسفة ~~الإلهيين، وانتصر فيه للدين، فيه فصول مهمة وإشارات بديعة، ونسق عبارته كالذي نحاه في ~~كتابه «تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق». ~~(9) كتاب تجارب الأمم # أما كتاب تجارب الأمم فالذي وصل إلينا منه القسم الأخير في جزأين مطبوعين بمطبعة ~~(كامب هول) باكسفورد وبمصر في سنتي 1914، 1915. وقد اعتنى بالنسخ والتصحيح الأستاذ ~~«آمدروز» المحامي الإنجليزي والمعلم مرغليوث، وقد علمنا أنهما تشاركا في نقل الكتاب ~~وشرحه ونشره باللغة الإنجليزية في سنة 1930م. # والجزء الأول: # يحتوي على حوادث خمس وثلاثين سنة، من سنة 295ه إلى سنة 329ه. # والجزء الثاني: # يحتوى على حوادث أربعين سنة، من سنة 329ه إلى سنة 369ه. # وغنى عن البيان أنه ليس للتاريخ دخل في الفلسفة، ولكن كتاب ابن مسكويه في التاريخ لا ~~يعتبر تاريخا محضا، إنما هو كتاب تحرى فيه مؤلفه ذكر الحوادث بأسبابها ونتائجها، فيصح ~~أن يقال إنه كتاب تاريخ مكتوب بشكل فلسفي، ولا غرابة أن تجتمع الفلسفة إلى التاريخ ~~والأدب في شخص واحد، فقد ثبت لنا أن ابن مسكويه كان فيلسوفا ومؤرخا وأديبا، وكان ~~«كارليل» الإنجليزي فيلسوفا ومؤرخا وأديبا، وكان «جوته» فيلسوفا وعالما ومؤرخا ~~وأديبا. # وقد اتبع ابن مسكويه في تأليف هذا الكتاب ذكر الحوادث المهمة تارة، مثل قوله «خلافة ~~المقتدر ms300 بالله وذكر ما جرى في ذلك»، وتارة بذكر السنين فيقول: «ودخلت سنة سبع وتسعين ~~ومائتين» وهكذا. # وقد تحرى ابن مسكويه الدقة في نقل الأخبار، ولم يتحيز لفريق دون فريق. # وختم القسم الأخير من الكتاب المشار إليه بقوله في وفاة عضد الدولة إنه «عرج إلى ~~نهوند وافتتح قلعة (سرماج)، واحتوى على ما فيها وملك غيرها من قلاع تلك البلاد، وألقت ~~إليه الحصون مقاليدها ولحقته في هذه السفرة علة عاودته مرارا، وكانت شبيها بالصرع، ~~وتبعه مرض في الدماغ يعرف بليترغوس (ويقصد ابن مسكويه مرض النوم الذي يطلق عليه أطباء ~~هذا الزمان ليثرجيا)، إلا أن عضد الدولة أخفى ذلك. ويقال إن مبدأ ذلك المرض به كان ~~بالموصل، إلا أنه لم يظهر أمره لأحد». # وهذا آخر ما عمله الأستاذ أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب مكسويه - رضي الله ~~عنه. # أما الجزء الثالث الذي طبع في اكسفورد ومصر فهو «ذيل» لكتاب «تجارب الأمم»، ولا علاقة ~~بينه وبين كتاب ابن مسكويه سوى أنه يحتوى على حوادث مكملة لما ورد في الجزأين الأول ~~والثاني من «تجارب الأمم»، فيبدأ بسنة 369ه وينتهي إلى سنة 389ه. وهو تأليف الوزير أبي ~~شجاع محمد بن الحسين الملقب ظهير الدين الروذراوري، وتليه قطعة من تاريخ هلال الصابي ~~الكاتب إلى سنة 393ه، مع نخب من تواريخ شتى تتعلق بالأمور المذكورة فيه. ms301