######OpenITI# #META# URI: 1372MuhammadLutfiJumca.TarikhMabadiIqtisadiyya.Hindawi91480861 #META# Tags: economics #META# ID: 91480861 #META# Title: محاضرات في تاريخ المبادئ الاقتصادية والنظامات الأوروبية #META# AuthorID: 72703631 #META# Author: محمد لطفي جمعة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة في تاريخ الاقتصاد1‏ # مبدأ الفيزوقراطيين‏ # آدم سميث1‏ # الاقتصاديون المرتابون أو البسيميست‏ # مقدمة في تاريخ الاقتصاد1‏ # مبدأ الفيزوقراطيين‏ # آدم سميث1‏ # الاقتصاديون المرتابون أو البسيميست‏ # | محاضرات في تاريخ المبادئ الاقتصادية والنظامات الأوروبية # | محاضرات في تاريخ المبادئ الاقتصادية والنظامات الأوروبية # تأليف # محمد لطفي جمعة # | مقدمة في تاريخ الاقتصاد1 # ظهور الاقتصاد في الشرق # كان أول ظهور فكرة تتعلق بالاقتصاد السياسي في الشرق، وكان مصدر تلك الفكرة الحكومات ~~الدينية التي كانت سائدة في الشرق لذلك العهد وهي ما يسمى بالثيوقراطية. وقد ظهر ~~الاقتصاد في تلك الحكومات بمظهرين: الأول مظهر حماية الصنائع والفنون بتحريمها على غير ~~من لم يرثوها عن آبائهم، وحصرها في النسل خلفا عن سلف من أكبر حرفة، وهي حرفة الملكية ~~إلى أصغرها وهي حرفة الفلاحة. والمظهر الثاني تقسيم الأمة إلى فئات وفرق لا تتعدى فئة ~~منها على صنائع وامتيازات فئة أخرى، وكان هذا في الهند ومصر، ولا تزال آثاره موجودة ~~بالهند باسم «كاست». # غاية هذين النظامين # وكانت الغاية المقصودة من هذين النظامين الاحتفاظ بالصنائع والفنون وحمايتها، وامتياز ~~الأشراف - أي الفئة القوية في الأمة - بالفنون الراقية الشريفة كالحرب والسياسة، ~~واقتناع عامة الشعب - أي الضعاف - بالصنائع الوضيعة. ولكن من يريد تعليل هذا التقسيم ~~تعليلا فلسفيا يمكنه أن يقول بأنه ليس في الصناعات وضيع؛ لأنها كلها من ضروريات ~~الحياة القومية، وكلها محتاج إليها المجموع، وإن صح وصف البعض بالرضيع والوضيع، صح كذلك ~~وصف أعضاء البدن كذلك مع عدم استغناء الإنسان عن بعض أعضائه لقيام كل منها بوظيفة لا ~~غنى عنها، هذا صحيح من الوجهة الفلسفية، ولكن من الوجهة الاجتماعية كان نظام التقسيم ~~والتوريث قاسيا غير موافق لحاجات الشعوب، ثم إنه كان يؤدي بالفنون إلى الركود والموات، ~~وبأهل الصنائع إلى الكسل والإهمال. # هذا بقطع النظر عن بعض حسنات هذا النظام الاقتصادي الذي تقدمت بفضله بعض الصنائع، وقد ~~تلاه ظهور بعض المبادئ الاقتصادية النافعة كمبدأ تقسيم الأعمال الذي افتخر به آدم ~~سميث. # المبادئ الاقتصادية الشرقية # أول ما يجد الباحث في كتب الشرق عن المبادئ الاقتصادية هو اهتمامهم ms01 بالوجهة الأدبية ~~من الاقتصاد، أو بعبارة أخرى اهتمامهم بالوجهة الاقتصادية من علم الأخلاق، كذم الشراهة ~~والتحذير من حب المال والتهالك في جمعه، وكالأمر بالأمانة في المعاملات، وبالعدل في ~~الكيل والوزن وإعطاء كل ذي حق حقه، ومراعاة العقود وكذم الكبر والطغيان الصادرين عن ~~الغنى، ومدح القناعة وذم التبذير والتقتير، والحث على الاعتدال والإحسان إلى الأجير ~~والمحتاج. أما رأيهم عن تكوين الثروة فكان رأيا دينيا؛ لأنهم قالوا بتعلق ذلك بإرادة ~~الله، وإن كان يعول فيه على شيء من همة الأفراد ونشاطهم. # انتقاد تلك النظامات # والذي كان ينتقد على هذه النظامات هو تسخيرها لإرادة الفرد، وجعله أداة للمجموع، ~~وتقييد أعماله وأوقاته بحيث كان عبارة عن آلة متحركة تعمل ما تؤمر به بدون إرادة، ~~وكان ذلك لا شك لاختلاط السلطتين الدينية والدنيوية، فلما تقدمت الأمم زالت تلك القيود ~~شيئا فشيئا بانفصال السلطتين، ودخلت المسائل الاقتصادية في حيز الحياة الاجتماعية ~~المستقلة تمام الاستقلال عن الحياة الدينية. # الاقتصاد عند اليونان # فأنتم ترون أيها الإخوان أن أول من ظهرت لديهم أفكار اقتصادية كانوا المشارقة، ثم ~~تلاهم اليونان أصحاب المدنية الكبرى. # وأول من كتب من علماء اليونان في الاقتصاد الحكيم هسيود مؤلف كتاب «الأعمال والأيام»، ~~ومعظم أفكار هذا الفيلسوف ومبادئه يشبه مبادئ وأفكار المشارقة التي سبق الكلام ~~عليها. # ثم جاء أفلاطون وألف كتاب «الجمهورية» الشهير. وليس في هذا الكتاب فصول خاصة ~~بالاقتصاد، إنما وردت فيه عرضا عبارات اقتصادية غايتها وضع الفرد تحت تصرف ~~الهيئة السائدة في كل الشئون، وتلاشي شخصيته حيال شخصية الحكومة. وكانت غاية أفلاطون ~~من هذا الكتاب هي وصف حياة اجتماعية خيالية تسعى سعيا متواصلا للسعادة البشرية ~~المطلقة، وهو بذلك أول من ابتدع طريقة الكتابة عن الإيتوبيات # utopie ~~، فالحال الاقتصادية التي وصفها كانت هي التي يريد تحقيقها ~~في جمهوريته الخيالية. # ثم تلاه زنيوفون الذي كتب كتابا واحدا خاصا بالاقتصاد، وقد ظهرت في هذا الكتاب ~~همة رجال الأعمال الحقيقية، أما الكتاب فاسمه # Acconomicus # أي التدبير وقد قصره على فن التدبير ~~المنزلي ليس إلا، ويمتاز هذا الكتاب ببعض ms02 مبادئ جديدة أصبحت بعد قرون طويلة علما على ~~فئة من الاقتصاديين الفرنساويين، اسمهم الفيزوقراطيون سيأتي الكلام عليهم بالتفصيل، فمن ~~تلك المبادئ تفضيل زينوفون الزراعة على سائر الفنون، ومنها احترام حق الملكية، ومنها ~~تقليل ساعات العمل، بحيث يصبح في وسع أهل المدينة التفرغ لبعض الأعمال العقلية ~~والأدبية. # وزينوفون هذا هو أول من أوصى بالمتاجرة مع الأمم الأجنبية، وتقوية الصنائع وعقد ~~المعاهدات الدولية. # ثم جاء بعد زينوفون أرسطو وهو أول من قال بامتزاج سياسة الحكومة بالحياة الاقتصادية، ~~وسبب وجود هذا الرأي في مؤلفاته هو حال جمهورية أثينا في عهده؛ لأن شئونها ~~الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ما كانت ليفصل بعضها عن بعض. # وكان أرسطو لا يعتبر المال غاية إنما وسيلة لسعادة المجموع. وهو يخالف أفلاطون مع أنه ~~تلميذه في أمور كثيرة، أهمها إنكاره رجوع أصل الهيئة الاجتماعية إلى الحاجة الاقتصادية، ~~وقوله بأن حب الاجتماع فطري في الإنسان؛ ولذا كان يحارب مبدأ أفلاطون القائل بتقييد ~~حرية الفرد، وجعله تحت تصرف الحكومة، ويحارب فكرة الاشتراك في الملك والنساء التي قال ~~بها أفلاطون في جمهوريته، ويقول: إن الملك الفردي إحدى غرائز البشر. ومن الغريب أن ~~أرسطو هذا دافع عن الرق في مصلحة السعادة، وكان يسمى العبيد أدوات حية لا إرادة لها، ~~وسيأتي الكلام عن ذلك. # الاقتصاد عند الرومان # ليس للرومان في المسائل الاقتصادية شأن يذكر، ووظيفتهم في العالم التي يعترف بها ~~التاريخ كانت حربية سياسية، وليس لهم عمل معروف فيما يتعلق بالمعاملات بين الأمم، ~~وتشجيع الصنائع وتقوية الفنون. ولسي فيما كتبه فلاسفتهم أمثال شيشرون وسينيكا وبليني ~~الكبير إلا دلائل واضحة على تقهقر الصنائع والفنون، وفساد الأخلاق والحياة الاقتصادية ~~والاجتماعية، ويرى المطالع في ما دونه بليني حسرة على استعمال نقود الذهب، وتلهفا ~~على العهد القديم عهد المبادلة النوعية، ومما يذكر عن الرومان بغضهم للربا، وتحريمهم ~~إياه نحو عام 341ق.م، فقد قال عنه شيشرون خطيبهم الشهير باللاتينية: # quid fenerari? quid hominem occi ~~der? # أي أن الربا يشبه في بشاعته قتل الإنسان. على أن الاقتراض بالربح كان مباحا في ~~قوانين ms03 الألواح الاثني عشر، كذلك أباحه الإمبراطور جوستينيان، وجعل قيمته من 4 إلى 8 في ~~المائة . # الاقتصاد في القرون الوسطى # القرون الوسطى أو القرون المظلمة كانت مملوءة بالحوادث السوداء، وعهد الاقتصاد فيها ~~كان عهد الالتزام # feudalisme ~~، فكان من المستحيل وجود ~~نظامات اقتصادية في ذلك العهد؛ لذا لم يبدأ عهد الاقتصاد السياسي الحقيقي إلا بزوال ~~الرقيق، وبزوال عهد الالتزام، وبتكوين المدن. ولما كانت جمهوريات إيطاليا ومدنها ~~المستقلة هي الأولى في الظهور، كان كذلك ظهور الحياة الاقتصادية لأول الأمر بها. # الاقتصاد في العهد الحديث # أول ظهور الاقتصاد السياسي بمظاهره الحديثة في فرنسا على عهد الملك لويس الخامس عشر ~~تقريبا؛ فقد نشأ فريق من المفكرين العلماء، ونهضوا بهذا العلم وهؤلاء العلماء أطلق ~~عليهم لقب الفيزوقراطيين؛ أي القائلين بحكم الطبيعة، وكان ظهورهم في أوائل القرن السابع ~~عشر. # | مبدأ الفيزوقراطيين # وضع أنطون مونكرتيان اسم الاقتصاد السياسي في أوائل القرن السابع عشر علما على العلم ~~الذي يعرف الآن بهذا الاسم. وفي هذه التسمية خطأ؛ لأن الاقتصاد هو علم تدبير ثروة الأمة، ~~وليس له في السياسة دخل، ومنشأ الخطأ هو العلاقة بالأمة كمجموع، وإلا فإنهم يطلقون على ~~العلم نفسه اسم التدبير المنزلي إذا كان المقصود به تدبير ثروة الفرد. وعلى ذلك كانت آراء ~~فلاسفة اليونان. # وقد شاع هذا الاسم واستعمل لأن المشتغلين بالعلوم والسياسة في القرن السابع عشر وما بعده ~~كانوا يقولون بأن الاقتصاد فرع من سياسة الأمة؛ لذا كتب جان جاك روسو مقالة في دائرة ~~المعارف الفرنسوية عن الاقتصاد السياسي، فقال: إن هذا العلم لا يفصل عن السياسة؛ لأنه فرع ~~من الحكومة قائم بتدبير المنزل العام. وبعبارة أخرى هو علم تقدم البلاد ونجاحها، وإن ~~العلماء قد ذكروا طرقا شتى لإنجاح البلاد بالماديات، وتدبير الثروة الشعبية. # فبعضهم كان يقول بإكثار مقدار النقود فيها؛ لأن كثرة النقود حصر للثروة، وهذا رأي فريق ~~النقديين «بوليونيست»، وقال فريق إن وسيلة تقدم البلاد تكون بتنمية المتاجر وتشجيعها، وهم ~~يسمون بالتجاريين أو المركنتيليست، وقام كذلك فريق أدخل العلوم الاقتصادية في عالم ~~الخيالات، ورسم ms04 خططا لا يمكن تنفيذها غايتها الوصول إلى تقدم البلاد، وهذا الفريق يسمى ~~بالإيتوبيست من كلمة إتيوبي أو إرم ذات العماد، وهي تسمية مجازية لمن يريد تحقيق ما لا ~~يحقق، ومنها جمهورية أفلاطون التي سبق ذكرها. # وأنتم ترون أن العلم الاقتصادي كان بين أصحاب هذه المبادئ المتضاربة المتناقضة في فوضى لا ~~نظام لها، بل لم يكن في الواقع علم اسمه علم الاقتصاد، إنما مجموعة آراء مختلفة دعت إلى ~~القول بها رغبة العلماء في تقدم أوطانهم، واشتباك هذه الآراء وتضاربها كان لا شك دليلا على ~~أنه قد آن الأوان لظهور العلم الحقيقي، ونضاج الأفكار واستعدادها للنبوغ فيه، كل هذا كان في ~~بداية القرن السابع عشر؛ أي منذ ثلاثة قرون بالضبط. # عند ذلك ظهر فريق من العلماء، وعلى رأسهم عالم اسمه ديكناي # De ~~Quesnay # كان طبيبا للملك لويس الخامس عشر، ومشتغلا بالزراعة والأدب ~~والاقتصاد الزراعي، وقد كتب هذا العالم مقالة في دائرة المعارف الفرنسوية في باب الاقتصاد ~~السياسي، قال فيها جملة كانت هي أساس مبدأ الفيزوقراطيين، والتي صار من يوم التصريح بها ~~رئيسا أو مؤسسا لمدرسة الفيزوقراطيين، هذه الجملة هي: «إن البشر محكومون بقوانين وسنن ~~يعوزهم فهمها ليطيعوها.» # ثم أخذ يتسع هذا العالم في مبدأه، ويلتف حوله العلماء القائلون برأيه، وكان الفضل لهم ~~وله في الإلمام بعلم الاقتصاد السياسي بمجموعه، ولكن لم يقصدوا بالعلم سوى الاقتصاد ~~الاجتماعي؛ لأنهم قالوا بأن الحوادث الاجتماعية مرتبطة بروابط ضرورية واجبة الوجود، لا بد ~~للحكومات من فهمها والسير بمقتضاها، وكانت مؤلفات هؤلاء العلماء الفيزوقراطيين تنتشر من سنة ~~1756 إلى سنة 1778. # ومما يجدر بالذكر أن جان جاك روسو كان من معاصري هؤلاء العلماء، ولكن لم يكن يتأثر ~~بمبادئهم على الإطلاق، وإن كان الناظر لأول وهلة في مؤلفات هذا الفيلسوف، يخيل له أنه من ~~الطبيعيين في كل شيء، فإنه كتب كتاب العقد ~~الاجتماعي # Contrat Social ~~، وهو في هذا الكتاب يقول كما يقول الفيزوقراطيون بوجود نظام ~~طبيعي، ولكن التناقض البين بين مبادئ روسو والفيزوقراطيين كائن في أنه يعترف بوجود النظام ~~الطبيعي، ms05 إنما تلك الحالة الطبيعية أو النظام الطبيعي قد شوهتها النظامات الاجتماعية ~~والسياسية. # أما الفيزوقراطيون فكانوا يعتقدون بأن النظامات الاجتماعية لا سيما الملكية ليست إلا ~~نتيجة لازمة للنظام الطبيعي، أو بعبارة أخرى هي ثمرة وزهرة هذا النظام، وإنها كذلك قد ~~شوهتها الحكومات بأعمالها، ولكن إذا انتهت تلك الأعمال المتلفة عاد النظام الطبيعي إلى ~~حاله الأولى. # ثم إن الفيزوقراطيين كانوا يقولون بأن الواجب والمنفعة متفقان أو هما أمر واحد، أما جان ~~جاك روسو فكان يقول بتضاربهما وتناقضهما. # النظام الطبيعي # رأيتم أن واضع أساس مدرسة الفيزوقراطيين هو أول من قال: بوجود قواعد طبيعية ينبغي ~~فهمها والعمل بمقتضاها، وأن مجرد فهمها يقضي بالعمل عليها وبها، وثمرة مجموع هذه ~~القوانين قد سماه هؤلاء العلماء، بالنظام الطبيعي أو # Ordre ~~Naturel ~~، وقد جعلوا هذا النظام علما قائما بذاته له قواعد ~~ونظامات، فكانوا يقولون بأن الفيزوقراطية هي علم النظام الطبيعي كما نقول إن الجغرافيا ~~هي علم سطح الأرض، وهم يريدون بذلك أن الفيزوقراطية ليست الحال الطبيعية بذاتها، التي ~~كان يدعو روسو إلى العودة إليها بدون قيد أو نظام. # فالنظام الطبيعي - كما قلت لكم - هو مجموع قواعد طبيعية ينبغي فهمها والسير عليها، ~~ولكن لا بد من البيان، فإن هذه القواعد ليست هي التي تسير بمقتضاها الهيئات الاجتماعية ~~الحيوانية، أو القواعد التي تسير عليها الأجسام الحية بالمعنى الطبي أو الفيزيولوجي ~~إنما النظام الطبيعي هو مجموع القواعد التي ارتبطت بها سعادة البشر. النظام الطبيعي هو ~~النظام الذي أرادته العناية لهناء الإنسانية، هذا النظام الطبيعي هو النظام الذي ينبغي ~~لنا أولا أن نتعلم كيف نفهمه، ثم نتعلم كيف نسير بمقتضاه. # ولكن كيف يمكن لنا معرفة هذا النظام الطبيعي الذي ارتبط به هناء البشر؟ # إن هذا النظام إنما يعرف بوضوحه وظهوره وحقيقته، أو بعبارة أخرى هو النظام الذي يتضح ~~لأهل البصيرة وأصحاب العقول النيرة أنه هو أحسن نظام ينبغي العمل بمقتضاه، وأساس هذا ~~النظام الطبيعي هو احترام حق الملكية، والسلطة التي تحافظ على هذا الحق. وهذا النظام ~~كسائر الأمور الأبدية قديم لا يزول ms06 ولا يتغير، وهو هو بعينه لسائر الأمم وفي سائر ~~الأزمان. # وغني عن البيان أن هذا التعبير الجديد عن النظام الطبيعي هدم النظامات الاقتصادية ~~التي سبقته؛ لأنه كما ترون نظام مبني على الحرية يربط منفعة الشخص بمنفعة المجموع؛ لأن ~~هذا النظام الطبيعي لا يحتاج في تطبيقه إلا لترك الأمور تجري في أعنتها بدون قيود، ~~فيترك مجال العمل للأفراد واسعا حرا، وتتعلم الجماعات والقائمون بأمرها طرق السير ~~بمقتضى تلك القوانين، وهذا هو ما يعبر عنه عندنا أهل الشرق بقولهم: دع الخلق ~~للخالق. # المحصول الخالص Produit net # إن النظام الطبيعي الذي سبق ذكره هو في نظر الفيزوقراطية نظام شامل لكل شئون الحياة ~~الاجتماعية، إنما الذي يهمهم ويلفت أنظارهم هو نصيب الأرض في الإخراج، وسترون بالبرهان ~~أن هذا الرأي هو من الخطأ بمكان عظيم، ولكنه في الوقت نفسه الرأي الوحيد الذي امتاز به ~~جماعة الفيزوقراطيين، وأن الفيزوقراطيين وصلوا إلى هذا الرأي - أي تقدير الأرض أكثر من ~~قدرها الحقيقي - بالفكرة الآتية: قالوا إن المحصول الخالص هو الفرق بين النفقات التي ~~يتكلفها المحصول وبين الثروة التي تنتج عن الانتفاع بالمحصول، وقد ظن الفيزوقراطيون أن ~~هذا المحصول الخالص لا يوجد إلا في الزراعة؛ وبناء على هذا الرأي كان الفيزوقراطيون ~~يعتقدون أن الصناع والعمال إنما هم فريق جدب لا يخرج للناس شيئا، ولا يخلق للمجموع ~~ثروة جديدة. # إن الصناع والتجار يربحون أكثر من الزراع، ولكن هذا الربح ليس مما يحصلونه هم ~~بأعمالهم، إنما يكسبونه، والفضل في رجوع هذه الثروة إليهم راجع إلى همة المزارعين، بل ~~الصناع هم الخدم الذين يأخذون أجرهم بعد مروره بأيدي المزارعين المخرجين الأول، هذا ~~الخلاف الأساسي بين الزراعة والصناعة هو النقطة الكبرى التي دار الجدل عليها، بل هو أصل ~~الفرق بين المبادئ الاقتصادية؛ لأن محصول الأرض هو من صنع الله القادر على أن يخلق، ~~ومحصول الصنائع والفنون هو من صنع البشر العاجزين. وحقيقة الأمر كما سيظهر لكم أنه ليس ~~في العالم ما يخلق وما يفقد (بضم اليائين)، وكل شيء هو كائن في الطبيعة وعائد ms07 إليها. ~~إن في الحياة الاقتصادية قانونا عاما هو قانون المزاحمة وبقاء الأفضل، وكما أن هناك ~~فرقا بين نفقة المحصول الزراعي وبين الثمن الذي يباع به ، كذلك يوجد فرق بين نفقة ~~المحصول الصناعي، وبين الثمن الذي يباع به، وقد تكون صناعة أربح من زراعة في هذا الباب ~~والعكس بالعكس. # فينتج من هذا أن ما يسميه الفيزوقراطيون بالمحصول الخالص Produit ~~net # إنما هو وهم باطل، وحيث إن كل فكرة وإن عدها أهل جيل وهما ~~كانت في نظر أصحابها حقا لا شك فيه، كذلك كانت فكرة المحصول الخالص، فلا بد كذلك من ~~تعليل معقول. وتعليل قول الفيزوقراطيين بالمحصول الخالص هو أنهم نشأوا في وسط كانت ~~الأشراف تعيش فيه من خير الأرض، ويعيشون بسعة هذا هو العهد عهد لويس الخامس عشر الذي ~~سبق الثورة الفرنسوية بقليل كان الأشراف كأغنى أهل الأرض، وعمالهم من المزارعين ~~والفلاحين، والطبقات النازلة كأشقى أهل الأرض، وكان الأشراف فوق غناهم الزائد لا يدفعون ~~الضرائب إنما يدفعها الشعب الذليل، كلما زاد فقر الشخص ارتفع قدر الضريبة التي يدفعها، ~~فبهرت تلك الثروة الفيزوقراطيين ولم يكلفوا أنفسهم عناء البحث في أسبابها، بل قفزوا إلى ~~النتائج واستنتجوا بغير روية أن هذه الثروة الطائلة الآتية من المحصول الزراعي هي صادرة ~~لامتياز الأرض والزراعة على غيرهما من أسباب الرزق. # نتيجة هذه الفكرة الفيزوقراطية # كان لهذه الفكرة الفيزوقراطية نتيجة ناشئة عن أمر واحد، ولكنها شملت عدة أمور ~~منها: ~~(1) # أنه حدث رد فعل ضد التجارة؛ لأنها أصبحت معدودة من الفنون الجدبة ~~العاقر. ~~(2) # ارتفاع قدر الزراعة في نظر الجمهور. ~~(3) # ثم إن الاهتمام العظيم بالزراعة أدى إلى نتيجة لا ينتظرها الفيزوقراطيون، ~~وهي ابتداء فكرة الحماية الجمركية، مع أن الفيزوقراطيين كانوا - قبل كل شيء ~~- كما ذكرت لكم يحبون الحرية في الحياة الاقتصادية والتجارية، وهم ~~القائلون: دع الخلق للخالق. ~~(4) # والرأي الرابع هو اعتقاد الناس بأن الزراعة وحدها هي المحركة لقوى ~~الحياة. # تداول الثروة # إن الفيزوقراطيين بعد أن تكلموا عن المحصول تناولوا ببحثهم موضوع تداول الثروة. ~~فأعطوا نظرية تحليلية أرادوا أن يثبتوا بها ms08 أن الثروة تتداول بذاتها وبطبيعتها، وقد ~~وضع العالم ديكناي مؤسس هذه المؤسسة الاقتصادية جدولا اقتصاديا مشهورا قسم فيه ~~المجموع إلى ثلاثة أقسام كبرى: ~~(1) # الفريق المخرج أو المحصل ، وهو فريق المزارعين والفلاحين عدا الأجراء ~~وأصحاب المناجم وأصحاب صيد البحر. ~~(2) # فريق الملاك الذين لهم حق الملك على الأرض والسيادة على ~~محصولها. ~~(3) # وفريق كافر وهو فريق المشتغلين بالتجارة والصنائع والأعمال المنزلية ~~والفنون الحرة، كالمحامين والأساتذة والقضاة والأطباء. # ثم فرضوا أن محصول مملكة من الممالك هو خمسة ملايين من الجنيهات مثلا، فقسموها كما يأتي: # مليونان يقتضيها تحسين الثروة، وهو جزء من الثروة لا يمكن تداوله؛ لأنه ~~يبقى على طبيعته أرضا وعددا وأنعاما، وهو يبقى في يد المزارعين. # مليون يعطى لفريق العمال وأرباب الصنائع. # مليونان يرجعان إلى فريق الملاك وأصحاب الحق على الأرض. # فماذا يجري بعد تقسيم الأموال على هذه الصفة؟ # يقول الفيزوقراطيون إن المليونين الذين يحصل عليهما فريق الملاك يرد مليون منها إلى ~~الفلاحين، ويدفع المليون الآخر إلى الصناع لقضاء الأعمال التي يحتاج إليها ~~الملاك. # فيكون مجموع ما يحصل عليه فريق العاقرين - أي الصناع - هو مليونان: واحد من المزارعين ~~وواحد من الملاك. ولكن فريق العمال محتاج إلى مواد أولية كالطعام واللباس، فهو يرد ~~المليونين إلى المزارعين للحصول على ما يحتاج إليه، وبهذا يرد مبلغ الخمسة ملايين إلى ~~المخرجين الأول أي المزارعين، وهكذا يحدث في كل عام. # والذي يدهشنا نحن الآن هو أن الفيزوقراطيين لم يلتفتوا إلى أمر مهم، وهو أن الملاك ~~حصلوا على خمسي المحصول؛ أي على مليونين من خمسة بدون أن يفعلوا شيئا، وهذا ناشئ من أن ~~الفيزوقراطيين كانوا يعدون حق الملكية حقا سماويا مقدسا لا يمكن منازعته. # وهذا راجع إلى ما ذكرته قبل بالإجمال، وهو أن الفيزوقراطيين عاشوا في العهد القديم، ~~فرأوا أن الهيئات الاجتماعية كان يسودها أبدا فريق ممن لا يكلفون الأعمال؛ لذا ساروا ~~على هذا الوهم فيما يتعلق بملك العقار، وكان في ذلك مثلهم كمثل أرسطو فيلسوف اليونان ~~الذي قال بضرورة بقاء الرق؛ لأن النظام الاجتماعي في عهده كان يقضي ms09 بوجود ~~العبيد. # وقد دافع الفيزوقراطيون عن حق الملكية دفاعا شديدا، وأبدوا أدلة استفاد بها ~~المحافظون من الاقتصاديين قرنا كاملا، وهاك تلك الأدلة: ~~(1) # أن صاحب الأرض يقوم بالنفقات الأولية، وهو ما يسمى بتصليح الأرض وجعلها ~~نافعة وقابلة للزرع، فهو إذا ربح 5/2 ~~المحصول إنما يربح لأنه هو الذي أعد الأرض بل أوجدها ~~على حالتها الحاضرة. # ولكن لم يلاحظ الفيزوقراطيون - رحمهم الله - أنه لو فرضنا أنني أنفقت على أرضي أربعة ~~آلاف جنيه، وكان محصولي منها في العام 500 جنيه أمكنني استرداد هذه النفقة في ثماني ~~سنين، وأن ما أحصل عليه بعد ذلك ليس حقا لي إنما هو من قبيل ربح أرباب الأموال، الذين ~~يعمل لهم العمال في المعامل وهو فريق ال # Capitalistes ~~. ~~(2) # الدليل الثاني: النفع الاجتماعي من بقاء حق الملكية، وبيان ذلك هو أن بدون حق ~~الملكية لا يمكن مطلقا أن تزرع الأرض، فتبقى كلها بدون زرع. ولكن أظنكم فطنتم ~~إلى ما هناك من التناقض بين الدليلين الأول والثاني، فإن الدليل الأول يقول بأن ~~الأرض لا بد أن تملك لأنها زرعت، والثاني يقول بأن الأرض ينبغي أن تملك ليسهل ~~زرعها. ~~(3) # الدليل الثالث: أن حق الملك العقاري ضروري ما دام هناك حق الملك الشخصي؛ أي ~~حق ملك المنقولات، وهذا من السفسطة بمكان؛ لأن هناك فرقا عظيما بين الحقين، ~~فإن المنقولات وأهمها المال عرضة للتداول، أما ملك العقار فهو يغري أصحابه ~~بالإبقاء عليه واستغلاله. # ثم إن الفيزوقراطيين سنوا على أصحاب الملك بضعة واجبات، قالوا بوجوب القيام بها نحو ~~الهيئة الاجتماعية، ولكن لم يضعوا لها حدودا؛ أي لم يذكروا ما ينال من يفرط فيها من ~~العقاب أو المسئولية، وهذه الواجبات هي: ~~(1) # الاستمرار على إصلاح الأرض غير القابلة للزرع لتصلح لذلك. ~~(2) # القيام بوظيفة الاقتصاد للهيئة الاجتماعية. ~~(3) # أن يعطوا للهيئة الاجتماعية ما لديهم من الفراغ (؟!) ~~(4) # دفع الضرائب. ~~(5) # حماية الفلاحين والمزارعين. # هذا مجمل آراء الفيزوقراطيين، وبقي علي أن أذكر لكم أثر تلك الآراء في ثلاثة أشياء ~~مهمة: الأولى أثرها في التجارة، ثانيا أثرها في وظيفة الحكومة، ثالثا أثرها ms10 في وضع ~~الضرائب. # التجارة # التبادل في ذاته لا يخرج شيئا إنما هو نافع للفريقين، والفيزوقراطيون كانوا لا ~~يفهمون الثروة إلا بقدر كونها مادية محسوسة، فالتجارة الداخلية والخارجية لا تخرجان ~~ثروة حقيقية، إنما تنتجان ربحا أو كسبا، وهذا الكسب كذلك ليس ثروة؛ لأن ما أكسبه أنا ~~يفقده الذي كسبت منه. بل كانوا يعتقدون أن التجارة الخارجية ضرر لا بد منه ولا غنى لهم ~~عنه، وقالوا بأن التبادل النافع حقيقة هو التبادل الذي ينتقل به المحصول من يد ~~المزارعين إلى يد المستعملين أو الشارين الأصليين الذين ينتفعون بالمحصول مباشرة، أما ~~التجارة - أي شراء الأشياء بثمن لبيعها بثمن أعلى - فليست إلا تبديدا للثروة؛ لأن أحد ~~الفريقين على الدوام يخسر شيئا يربحه التاجر الذي لا عمل له في نظر الفيزوقراطيين إلا ~~كعمل الوسيط، ولكن الفيزوقراطيين مع بغضهم للتجارة كما ذكرت كانوا يتركون الخلق للخالق، ~~ثم إنهم ما كانوا ليخرجوا عن النظام الطبيعي الذي يقضي بترك الحرية لكل من يريد شراء ~~أو بيعا، ثم إنهم كانوا يعتقدون أن الحرية في المعاملات ترفع الأثمان. وقد أدت بهم هذه ~~الفكرة إلى حرية المعاملة، وحرية المعاملة إلى حرية التجارة الجمركية، ولم يقم أنصار ~~مبدأ الحرية الجمركية دليلا مدة قرن كامل لم يقل به الفيزوقراطيون في كتبهم ~~ورسائلهم. ~~(1) # فإنهم أولا نقضوا نظرية ميزان التجارة. ~~(2) # وثانيا نقضوا رأي القائلين بأن الرسوم الجمركية يدفعها التاجر ~~الأجنبي. # وقد ساعد الفيزوقراطيون فكرة تنظيم المتاجر بالمال والتسليف، ولكنهم لم ينتجوا إلا ~~القرض الزراعي. # وظيفة الحكومة # إن الفيزوقراطيين يطالبون بأقل ما يمكن من التشريع والتقنين، وفي الوقت نفسه بأكثر ما ~~يمكن من السلطة، وكان النظام الحكومي الذي يعجبهم هو نظام الملكية الوراثية المطلقة، ~~ووظيفة الملك في رأيهم كوظيفة رئيس الموسيقيين؛ أي إنه يحافظ على النظام الطبيعي، ويعلم ~~المجموع ليستنير الرأي العام وأن يقوم بالأشغال العامة كمد طرق المواصلات، وتسهيل وسائل ~~العمل. # ومبدؤهم يشبه من كل الوجوه مبدأ القائلين: بسقوط القيود الدولية، وجعل أمم الأرض أمة ~~واحدة وهم الذين يسمون الآن بفريق # internationalistes ~~. # الضرائب # إن الحكومة ms11 لا تفرض الضرائب إلا على المحصول الخالص الذي سبق الكلام عليه Produit net ~~، وكل الضرائب ينبغي أن يدفعها أصحاب ~~الأملاك العقارية، وينبغي أن يكون مقدار الضريبة هو 3/1 المحصول أو ~~20/2 منه أو 30٪ من ذلك المحصول، وهذا التقدير مبني على رأيهم في أن من ~~يشتري الأرض لا يشتري إلا سبعة أعشارها، وأن ثلاثة أعشارها تبقى ملكا للحكومة، وحقيقة ~~الأمر أنه لا يخسر إلا الشاري الأول، أما من يخلفونه فإنهم لا يشعرون بالخسارة؛ لأنهم ~~لا يدفعون إلا ثمن 7/10 الأرض ويأخذونها كلها. # أما فريق العمال فلا يدفع شيئا من الضرائب؛ لأن ديكوناي رئيس الفيزوقراطيين لا يسمح ~~للأجراء بأجر أكثر مما يحتاجون إليه كنفقة للعيش. ورأيهم الصائب في الضرائب هو أنه ~~ليس المطلوب موافقة الضرائب لاحتياجات الحكومة، إنما هو موافقة الحكومة لمصادر الثروة ~~في البلاد، وفضيلة النظام الذي وضعه الفيزوقراطيون للضرائب ظاهرة في أنهم جعلوا للضرائب ~~تقديرا على شيء معلوم محسوس، وهو المحصول الخالص، وهذا القانون عقبة في وجه الحاكم ~~الذي يريد رفع الضرائب بدون حساب. # وإن الحكومة الجمهورية الفرنسوية التي جاءت بعد لويس السادس عشر، وبعد حوادث 1789 ~~الشهيرة أخذت على كاهلها تنفيذ وتحقيق نظريات الفيزوقراطيين، فطلب المجلس التشريعي # assemblee Constituante # ضريبة قدرها 240 ~~مليونا على أملاك عقارية قدرها 500 مليون فرنك فقط، وهذا النظام يعرف في التشريع ~~المالي باسم الضريبة المفردة # impot unique ~~، ويسمونه في ~~أمريكا # Single Tax System ~~، وقد فشل العمل به في سائر ~~البلاد الديموقراطية، لا سيما في أمريكا فكان فشله سببا في فشل مشروعات وضع الضرائب ~~المقررة أو المباشرة # Directe ~~، وضرائب المأكولات ~~والمتاجر المنتفع بها في الحياة اليومية. # | آدم سميث1 # إن معظم الاقتصاديين في هذا الزمان يقولون بأن آدم سميث هو مكون علم الاقتصاد الحديث، ~~وهم يستندون في قولهم هذا بأنه منذ انتشر كتابه المسمى بثروة الأمم # Wealth ~~of Nations # قد نسيت كل الكتب التي وضعت قبله في هذا الفن، أو بعبارة ~~أخرى أنه كسف من كان قبله من علماء الاقتصاد وفاق عليهم، أما أسباب ظهور كتابه ms12 على غيره من ~~الكتب، فهي ما يأتي: # أولا: # أنه كان لكتابه في عهده قيمة أدبية كبرى. # ثانيا: # أن آدم سميث اقتبس من آراء من سبقوه من علماء الاقتصاد أهمها وكلون منها، ~~ومما استفاده بالخبرة أو وصل إليه بالدرس نظاما جديدا شاملا. ويظهر أن ~~المؤلفين الذين كان لهم عليه تأثير كبير في حياته، أو كانت أفكارهم من ~~دواعي سلوكه الطريق التي سلكها هم هتشون وهيوم وماندفيل. # ثالثا: # أنه استفاد كثيرا من آراء الفيزوقراطيين، وقد عاشر أثناء إقامته بباريس ~~عام 1765 اثنين من أقطاب المبدأ الفيزوقراطي، وهم تيرجو وديكناي، وقد اقتبس ~~من الفيزوقراطيين رأيا من أهم آرائهم وأثمنها، وهو ما يتعلق بتقسيم الثروة ~~ولكنه فاق عليهم بنظره الشامل في العلم وتفوقه يرجع؛ لأنه ترك النظامات ~~الاقتصادية المفككة، ودخل بالاقتصاد في دائرة العلوم؛ أي إنه صيره علما ~~قائما بذاته. وإنني أريد في هذا الدرس أن ألخص لكم كتاب سميث الشهير وهو ~~ثروة الأمم، فأقول: إن أول ما يلاحظه القارئ الواقف على مبدأ ~~الفيزوقراطيين، هو الفرق العظيم بين سميث وبينهم في ما يتعلق بقيمة العمل، ~~فقد رأيتم في الدرس السابق أن الفيزوقراطيين الذين كانوا لا يعلقون أقل ~~أهمية على العمل، إنما كل اهتمامهم كان قاصرا على الأرض، ولكن آدم سميث ~~على عكسهم يؤكد لنا في أول كتابه أن العمل # Travil # هو مصدر الثروة الحقيقي. هذا هو الفرق الأول وهناك ~~كذلك فرق أساسي بينه وبين الفيزوقراطيين قد جعله أساسا لكتابه، وهذا هو ~~تقسيمه العمل، وجعل تقسيم العمل عاملا جديدا في الحياة الاقتصادية، بل ~~يقول العلامة ريست الاقتصادي الفرنسوي الشهير إن نظرية تقسيم الأعمال هي ~~الفكرة الأساسية الجديدة في تعاليم آدم سميث. ولآدم سميث صحيفة مشهورة وصف ~~فيها تقسيم العمل في صناعة الدبابيس، وقد نقلها كل علماء الاقتصاد في ~~مؤلفاتهم. قال: إن عاملا واحدا لو كان يعمل في معمل الدبابيس بمفرده، ~~لا يمكنه أن يعمل أكثر من عشرين أو ثلاثين دبوسا على أن نحو عشرة لو ~~اشتغلوا معا في معمل واحد، يمكنهم في يوم واحد أن ms13 ينجزوا نحو 48 ألف ~~دبوس، وينسب سميث قوة تقسيم الأعمال إلى ثلاثة أسباب أولية: # أولا: # أن العامل إذا اختص بعمل فاز فيه بطول العمل وسهل عليه. # ثانيا: # أن العامل إذا اختص بعمل اقتصد كثيرا من الوقت. # ثالثا: # أن كثيرين ممن يختصون بعمل من الأعمال تطرأ على بالهم اختراعات تسهل عليهم ~~مشاق العمل، وبذا تكثر الاختراعات المفيدة. # ولكن آدم سميث لم يخف عليه أن للإخصاص في حرفة من الحرف أضرارا كثيرة، كما أن له منافع، ~~فمن أضراره مثلا ما يأتي: # أولا: # جهل العامل المختص بصنع رأس الدبوس بأمور كثيرة في الحياة؛ لعدم انقطاعه ~~عن صنع رءوس دبابيس معظم أوقات حياته. # ثانيا: # بلادة العامل وانتقاله من الإنسانية للوحشية لانعكافه على عمل ~~خاص. # ولكن كما يظهر لكم أن المضار أقل بكثير من المنافع، وهي شخصية والمنافع عامة. والقاعدة هي ~~أنه إذا كثرت منافع شيء عن مضاره لزم العمل به؛ لأنه لا يخلو شيء من مضار. ثم إن آدم سميث ~~قد فطن وأوصى بعلاج يزيل تلك المضار، وهو تعميم التعليم وأن تقوم بنفقته الأمة ~~والحكومة. # ولأجل تشجيع تقسيم الأعمال ينصح آدم سميث بتوسيع أسواق التجارة، وسبب ذلك واضح؛ لأنه لا ~~يمكن انقطاع ألف رجل لصنع دبوس إذا لم تكن الدبابيس تباع بألوف الملايين؛ لذا كانت المتاجرة ~~مع المستعمرات والممالك الأجنبية التي توسع دائرة الصناعة الوطنية من أهم المشجعات على ~~تقسيم العمل. # وقد امتاز آدم سميث على الفيزوقراطيين بأنه ينظر إلى المحصول الاجتماعي - أي إلى كل ما ~~يخرجه الناس - نظرا شاملا، وأن هذا المحصول هو نتيجة سلسلة مشروعات متكافلة ومتضامنة ~~مرتبطة بعضها ببعض بحلقة التبادل التجاري؛ لذا كان تقدم كل فرع من فروع الحركة الإنسانية ~~مرتبطا بتقدم الفروع الأخرى. # وقد نشأ عن هذه النظرية نتيجة عملية، وهي ضرورة تقسيم الضرائب على سائر طبقات الأمة، وفي ~~هذا ما ترونه من مخالفة مبادئ الفيزوقراطيين الذين كانوا يقولون بتوحيد الضرائب. وتقسيم ~~الضرائب هو ما يسمى بنظام الضرائب المتعددة؛ أي أن الضرائب تؤخذ على الأرض من المزارع، وعلى ~~رأس ms14 المال من أصحاب المال وعلى العمل ذاته من العمال، ولكن لم يزل هذا التقسيم مطلقا إنما ~~قد وضع له آدم سميث نظرية مهمة، كان لها شأن عظيم، وهذه النظرية هي نظرية التناسب بين الأصل ~~والضريبة؛ أي احتمال نفقات الحكومة بالنسبة لطاقة الفرد، لا كما كانت الحال في فرنسا قبل ~~الثروة؛ أي إذ كان الفقراء يدفعون معظم الضرائب والأغنياء لا يدفعون شيئا. # وقد قال آدم سميث في هذا المعنى جملة مشهورة نصها: إن رعايا كل حكومة ينبغي لهم أن ~~يشتركوا في نفقاتها على قدر ما يمكنهم، وبنسبة مقدرتهم الخاصة ودخلهم الذي يحصلون عليه تحت ~~ظل الحكومة وحمايتها. # وآدم سميث يقسم العمال إلى فريقين: ~~(1) # فريق العمال المخرجين. ~~(2) # فريق العمال غير المخرجين. # وهو يعد الأعمال غير المخرجة تلك الأعمال التي تزول بعد تمامها، ولا يبقى لها أقل أثر مثل ~~أعمال الخدم المنزلية، ولا تدهشوا إذا ذكرت لكم أنه يعد من الأعمال غير المخرجة أعمال ~~القضاة والمحامين والمعلمين والأطباء، وسائر الصناعات الحرة. ولعلكم فطنتم أن هذا التقسيم ~~قد سرى إليه من تأثير الفيزوقراطيين، بل إنه يسمي تعاليمهم أقرب تعاليم إلى الحقيقة. # وقد شاع رأي بين بعض الاقتصاديين قائل بأن آدم سميث هو أول الاقتصاديين الصناعيين؛ أي ~~الذين قالوا بأهمية الصناعة على الزراعة، وبذلك يقارنون بين آدم سميث وبين الفيزوقراطيين، ~~ويدعون بأنه مخالف لهم على خط مستقيم؛ لأن الفيزوقراطيين معروفون بأنهم حماة الزراعة، فيكون ~~سميث زعيم حماة الصناعة. وهذا الرأي مردود؛ لأن الثروة الصناعية ابتدأت في وقت ظهور كتاب ~~سميث، كما أننا عند مطالعة الدروس التي كان يلقيها في مدرسة جلاسجو الجامعة عام 1759، لا ~~يمكننا أن نجد أقل علاقة بين أفكاره الجوهرية، وبين الأفكار التي دعت لظهور الصناعات ~~الإنجليزية. # إن آدم سميث لم يختلف كثيرا في بعض المسائل المهمة عن الفيزوقراطيين، فإنه يوجه انتقادا ~~مرا وسخرية مؤلمة نحو التجار والصناع، تذكرنا بانتقادات الفيزوقراطيين، ومع ذلك هو يدافع ~~بقوة عن أصحاب الأملاك العقارية وعن العمال. # وإذا ورد ذكر العمال وأرباب الأموال أمام سميث؛ فإنه لا يتردد ms15 لحظة في إظهار عطفه على ~~العمال، وهو كذلك يقول برفع أجور العمال؛ لأن الأجور المرتفعة تنفع الهيئة الاجتماعية ~~بأسرها، لأن أغلبية الأمة من الأجراء، ولا يمكن لأية هيئة اجتماعية أن تكون سعيدة ما دام ~~أغلب أعضائها فقراء وبائسين. وهو يرد على القائلين بأن الأجور المرتفعة ترفع قيمة نفقات ~~الحياة بأن مكاسب أرباب الأموال الباهظة ترفع قيمة نفقات الحياة أكثر. # ومن الغريب أن آدم سميث قد تنبأ بما سوف يقوم بين العمال، وأرباب الأموال من الخلاف، ~~فأشار على الطرفين بطريقة تريحهم إذا استحكم الخلف، وهذه الطريقة هي التحكيم، يقول آدم ~~سميث: كلما قام خلاف بين العمال وأرباب الأموال، وقام القضاة بفصل هذا الخلاف كان مرشدوهم ~~هم أرباب الأموال، فيجورون على الدوام على العمال، وبناء على ذلك ينبغي لنا أن نعتبر الحكم ~~عادلا كلما كان في مصلحة العمال، ولكن إذا كان الحكم في جانب أرباب الأعمال، فيمكننا أن ~~نشك في رأي المحكمين. # أما حب آدم سميث للزراعة، فيماثل حب الفيزوقراطيين لها، وهو يقول عنها إنها أصعب الفنون ~~والصنائع ما عدا الفنون الجميلة، والفنون الحرة (القضاء والتعليم)، وهو ينصح لأصحاب الأموال ~~والأعمال أن يضعوا أموالهم بحسب ما يقضيه القانون الطبيعي؛ أي أولا في الزراعة، وثانيا في ~~الصناعة، وثالثا في التجارة الخارجية. # ومما يدهشنا في مبادئ سميث أنه رغما عن نظرية تقسيم الأعمال التي وضعها نراه إذا تكلم عن ~~الزراعة لا يقدر، أو لا يريد أن يساويها بمصادر الثروة الأخرى، بل هو يضعها على رأس سائر ~~الفنون، وهذا لا شك راجع إلى تأثير الفيزوقراطيين، وقد امتاز آدم سميث عدا عن تقسيم العمل ~~بمبدأين آخرين: الأول رأيه في طبيعة الأشياء، ورأيه الثاني في حسن الظن بالأشياء. # ونقصد برأيه في طبيعة الأشياء قوله بأن النظامات الاقتصادية لا تأتي بعد تدبير إنما هي ~~تأتي بطبيعتها عفوا وبدون تعليل، ونقصد بحسن ظنه بالأشياء رأيه القائل: بأن كل النظامات ~~الاقتصادية والاجتماعية ترمي إلى غايات حميدة. # إن آدم سميث كان يظن أنه متى أثبت أن وجود النظامات الاقتصادية أمر طبيعي، ms16 أمكنه في الوقت ~~نفسه أن يثبت اتجاهها في سبيل الخير الإنساني. وأنتم ترون أن هذا غلط واضح من الأستاذ ~~العظيم؛ لأن إثبات صدور أمر من الطبيعة أمر، وإثبات اتجاه هذا الأمر نحو الخير أمر ثان، ~~ولكن آدم سميث ما كان يفصل بينهما، ولكن العلماء الاقتصاديين الذين جاءوا بعده اتخذوا الرأي ~~الأول؛ أي وجود النظامات الاقتصادية بطبيعتها، ورفضوا الرأي الثاني؛ أي اتجاه تلك النظامات ~~نحو الخير العام. # إن آدم سميث يقول إن النظامات الاقتصادية الحالية لم تخرج عن عقل مدبر سائد ذي نظر شامل ~~جميع الأشياء، أو عن فكرة هيئة اجتماعية أرادت تنفيذها بعد طول التفكير والإمعان، إنما ~~النظامات الاقتصادية الحاضرة قد وجدت من تكوين عدة أعمال مختلفة وخطط متباينة قام بها ~~الأفراد مطيعين غرائزهم التي تريد بهم الوصول إلى غرض معلوم، هذا هو منشأ النظامات ~~الاقتصادية في نظر آدم سميث، وها هو يضرب لنا الأمثال ليثبت لنا صحة قوله. يقول: خذ لذلك ~~مثل تقسيم الأعمال فإنه نتيجة غريزة مشتركة بين سائر البشر دفعتهم إليها رغبتهم في تبادل ~~المصالح، ثم إن تبادل المصالح والتجارة هي أيضا نتيجة غريزة مشتركة في البشر، دفعت إليها ~~غريزة النفع الذاتي. # ويضرب لنا مثلا آخر بالمال - أي النقود - فيقول: إن الإنسان منذ القدم رأى صعوبة التبادل ~~النوعي؛ لذا نشأت في ذهن الرجال فكرة تكوين مادة لا ترفض في أوقات ما، وتكون على الدوام ~~قابلة للتبادل، وإن الهيئة الحاكمة لم تتداخل في أمر النقود وتضربها باسم الحاكم أو ~~الجمهورية إلا بعد زمن طويل؛ أي بعد أن انتشرت النقود المعدنية في سائر أنحاء ~~العالم. # ومن الغريب كذلك أن يقول آدم سميث بأن المال هو سيد الصناعة؛ أي إنه بدونه لا يتم شيء، مع ~~أنه هو الذي قال في بداية كتابه بشرف العمل على كل شيء سواه، وأنه هو مصدر الثروة المهم. ~~على أنه يظهر لنا أنه لم يقل بذلك إلا ليثبت أن تكوين رءوس الأموال بصفة كونه نظاما ~~اقتصاديا ليس إلا مظهرا من مظاهر الطبيعة؛ لأن الأموال الكثيرة ms17 لا تتكون إلا عند أفراد ~~رأوا مصالحهم في الاقتصاد ولو قليلا. # ولكن فكرة صدور النظامات الاقتصادية عن الطبيعة لا تظهر بجلاء ووضوح إلا عندما يتكلم آدم ~~سميث عن الأخذ والعطاء، أو الطلب ~~والتوريد # Offre et demande ~~، فقد ردوا عليه بأن كل صانع أو زارع يزرع ويصنع وهو لا يدري ~~مقدار ما يطلب منه في السوق، إلا أن سميث يقول: إن قيمة المتاجر تقدر بمقدار العمل الذي ~~احتاج إليه العمل، أو المشقة التي تكبدها العامل. # فالعمل هو مقياس القيمة المتبادلة، هذا هو كما ترون منشأ الفكرة التي اعتمد عليها كارل ~~ماركس في القرن التاسع عشر، عندما قال بأن عمل الإنسان هو المقياس الوحيد لكل شيء، وأخذ ~~سلاحا قاتلا ضد مبادئ أنصار المال، ولكن كيف يمكن قياس العمل الذي ينفق على محصول من ~~المحصولات؛ فإنه قد يتألم صانع دقي في ساعة أكثر مما يتألم صانع آخر له حرفة سهلة في ~~ساعتين؛ ولذلك آدم سميث نفسه يعترف بأنه هذا مستحيل لأنه لا يمكن قياس الصعوبة ولا قياس ~~المهارة، ولذا يقول بأن الهيئات البشرية الأولية هي وحدها التي كان العمل فيها بمفرده ~~مقياسا لقيمة الأشياء، وهنا بدأ سميث يكون نظرية جديدة خلاصتها أن قيمة إخراج الشيء هو ~~المقياس الصادق لقيمة تبادله، وهو يسمى الثمن الذي تكلفه الأشياء ثمنا طبيعيا لها، وبذا ~~ترون أن سميث قد أوجد أداتين لتقدير أثمان الأشياء، الأولى: العمل الذي يستدعيه الشيء، ~~والثانية: الثمن الطبيعي الذي يتكلفه الشيء. وقد اتخذ علماء الاشتراكية رأيه الأول وبنوا ~~عليه مبادئهم، واتخذ كبار الاقتصاديين رأيه الثاني إلى عهد جيفونز الاقتصادي. أما آدم سميث ~~فإنه لم يأخذ أحد الرأيين ويقل به قولا قطعيا بل بقي مترددا بينهما، ولكن يظهر أنه مال ~~أخيرا إلى الرأي الثاني، ووضع للأشياء ثمنين: الأول قيمة تخريجها الطبيعية، ثم وضع ثمنا ~~آخر سماه ثمن السوق؛ أي الثمن الذي يباع به الشيء، وقد يكون هذا الثمن إما أكثر وإما أقل ~~من الثمن الطبيعي، وإما مساويا له. والأمر في ذلك راجع إلى الكمية التي ms18 يمكن وجودها من ~~الشيء المعروض، فإن قلت ارتفعت قيمته وإن كثرت انحطت قيمته، وهذه هي نظرية الثمن، وبها ~~يمكننا أن نقول: إن سميث أثبت كون النظامات الاقتصادية طبيعية المصدر؛ لأن سميث يقول إن كل ~~كمية من المتاجر يؤتى بها إلى السوق تسير بطبيعتها نحو ثمن معلوم مقيد بالكمية وبالمطلوب. ~~وهذه النتيجة المدهشة يقول عنها آدم سميث إنها نتيجة المصلحة الذاتية، وهذا القانون يجد ~~تطبيقه في معظم الأحوال لا فيها كلها، وهذه النظرية تسمى نظرية التوفيق بين المطلوب وبين ~~الكمية، وهي أساس نظرية التخريج Production # التي يعول ~~عليها سائر علماء الاقتصاد في الوقت الحاضر. # وقد طبق آدم سميث نظريته هذه في مسألتين مهمتين: الأولى مسألة النسل، والثانية مسألة ~~النقود. فقد قال عن السكان إن الناس ككل المتاجر يمكن تقليل طلبها أو تكثيره، فإن كثر طلب ~~الناس كثر الناس وإن قل قل. # أما عن النقود فإن آدم سميث يقول: بأنها ليست إلا تجارة ككل المتاجر، بل إنها أقل قدرا ~~من غيرها. إن ثروة البلاد الحقيقية لا تقدر بالمال إنما تقدر بما فيها من الأرض والعمارات ~~والأشياء التي يمكن الانتفاع بها. أو بعبارة أخرى ثروة البلاد هي المحصول السنوي من أرضها ~~وعملها، أما النقود فهي لا ينتفع بها كما ينتفع بالقمح، إنما هي أداة لتداول الثروة ليس ~~إلا؛ لذا يقول آدم سميث بأهمية الأوراق المالية البنك نوت لأنها بوجودها وباستغناء الناس ~~بقطع من الورق عن مقادير وافرة من الذهب والفضة، أمكن للأمة الانتفاع بما عندها من الذهب ~~والفضة بإرساله خارج البلاد لزيادة الثروة الحقيقية. وخلاصة القول في هذا الباب أن السياسة ~~التي تعمل على تكويم المال في بلد من البلاد هي مخالفة لفكرة ثراة الأمة؛ لأن المقدار ~~الكثير من المال لا يزيد ثروة الأمة إنما هو على العكس يضايقها. وما يصدق على النقود ~~المعدنية يصدق على الأوراق المالية؛ لذا كانت تلك الأوراق المالية تابعة لقانون ثابت، يقضي ~~عليها بأن لا تزيد عن المطلوب وإلا هبطت قيمتها. # ما هي إذن هذه القوة الخفية التي ms19 تحرك الناس نحو هذه الأعمال الكبرى ونحو حياة التقدم؟ ~~الجواب على ذلك هو المصلحة الذاتية، ورغبة الإنسان في تحسين حاله، وغريزة الفرد التي لا ~~تفتأ تحثه على التقدم. # فخلاصة فكر آدم سميث في هذا الباب هي وجود نظامات اقتصادية بطبيعتها، وأن هذه النظامات ~~محفوظة بمصالح الأفراد وشهواتهم ورغباتهم المختلفة. # فالفرق الأساسي بين آدم سميث وبين الفيزوقراطيين هو واضح جلي، فإن الفيزوقراطيين يقولون ~~بنظام طبيعي ينبغي اكتشافه وتطبيقه بواسطة ملك مستبد عال. أما آدم سميث فيقول بأن هناك ~~نظاما طبيعيا موجودا لا نحتاج للبحث عنه لأنه أمامنا ونشعر به في كل لحظة، وهو المصلحة ~~الذاتية، وأن أمام هذا القانون عقبات كثيرة، ولكنه يفوز على كل عقبة. # 2 # وبقي علينا الفكرة الأساسية الثانية التي تظهر في مبادئ آدم سميث، وهي قوله بأن سائر ~~النظامات الاقتصادية التي صدرت عن الطبيعة عفوا ليس لها وجهة إلا الخير المحض، فهو يجمع في ~~جملة واحدة رأيين مختلفين: الأول صدور النظامات الاقتصادية عن الطبيعة، والثاني اتجاه تلك ~~النظامات نحو سعادة الإنسان. # فإن النفع الذاتي لكل شخص يكون الحالة الاقتصادية ويحتفظ بها، ثم إنه يضمن مسير الأمة نحو ~~التقدم والثروة، وبعبارة أخرى يريد سميث أن يقول إن النظامات الاقتصادية الطبيعية صادرة عن ~~العناية الإلهية؛ لأن خيرها كما رأيتم لا يحد. # قال آدم سميث في نبذة تكلم فيها عن استعمال رءوس الأموال: إن الإنسان وهو يتبع نفعه ~~الذاتي ترشده يد خفية إلى الوصول إلى نتيجة لم تكن في الحسبان. وهذا ما يطرأ له في شئون ~~كثيرة. ~~(ثروة الأمم الجزء الأول ص421 الكتاب الرابع الفصل الأول). # ومما ينبغي لنا ملاحظته أن الأمثلة التي أعطاها آدم سميث كلها تتعلق بنظامات اقتصادية، ~~يظهر فيها الخير المحض حقيقة، ولا ريب في أنه اختار أمثالا من المسائل الاقتصادية التي ~~يتوفر فيها الشرطان اللذان فرضهما، وهما صدور الشيء عن الطبيعة واتجاهه نحو الخير المحض، ~~وغاية سميث من هذا واضحة؛ لأنه يريد أن يتأثر من يطالع كتابه برأيه، فذكر تقسيم الأعمال ~~اختراع النقود تكون رءوس الأموال ms20 وما يشبه ذلك، وفي كلامه عن رءوس الأموال نراه يقول إن ~~المال إذا تكون يبحث بذاته عن المصارف التي تكون ذات النفع الأعم للهيئة الإنسانية. وقد ~~بلغ هنا المنتهى من الرغبة في الإدلال على رأيه؛ لأنه متى ذكرنا واعتقدنا صحة رأيه - أي إن ~~المال إذا تكون يبحث بذاته عن المصارف التي تكون ذات النفع الأعم للهيئة - فهذا كذلك يدل ~~على أن التحصيل كله (أي إخراج سائر الصناعات والزراعات والأعمال) مرتب ومنظم على أحسن نظام ~~كافل لإسعاد البشر وإنجاحهم. # وقد ميز سميث أربعة مصارف للأموال: الأول الزراعة، والثاني الصناعة، الثالث التجارة ~~بالجملة، الرابع التجارة بالقطاعي، وفي التجارة بالجملة يميز ثلاثة أنواع: التجارة ~~الداخلية والتجارة الخارجية وتجارة النقل، وقد فضل سميث الزراعة على سائرها، ثم تلتها ~~الصناعة ثم التجارة الداخلية وهكذا. # فإذا أرادت أمة أن تنتفع أعظم انتفاع بثروتها، فعليها أن تصرف أموالها في تلك المصارف حسب ~~الترتيب الذي ارتآه سميث، فينبغي عليها أولا الاشتغال بالزراعة، ثم لا تضع أموالها في ~~المصارف الأخرى إلا إذا احتاجت لذلك. # وقد ظهر لسميث أن هذا هو ما يفعله أصحاب الأموال بطبيعتهم؛ أي إنهم لا يخاطرون بأموالهم ~~إلا في الزراعة أولا، ثم تتلوها سائر المصارف على التدريج، وبعبارة أخرى يظهر لنا أن رغبة ~~أصحاب الأموال المزدوجة في حفظ الأموال أولا على مقربة منهم، وفي الانتفاع بأكثر ما يمكن ~~الانتفاع به ثانيا هي التي تسيرهم في الطريق التي اختطها آدم سميث. # ولكن هذا الرأي الذي بنى آدم سميث عليه العلالي والقصور مردود لمن يمعن النظر فيه، وذلك ~~أنه يعين أفضلية مصارف الأموال بكثرة ما فيها من الأموال، أو بعدد العمال الذين يعملون بها. ~~ولكن المتأمل يرى انصراف رءوس الأموال واتجاه عدد عظيم من العمال نحو صناعة أو مصرف ما يدل ~~على توفر الطلب، ومتى كان أيها الإخوان توفر الطلب دليلا على النفع الاجتماعي؟! إننا ~~إذا رأينا بمصر ألف عبد يشترى، ثم رأينا ارتفاع أثمان الخصي، فهذا لا يدل - على الإطلاق - ~~على شدة نفع الرق، وإن كان يدل ms21 على شدة الرغبة في الحصول على العبيد. # على أن الذي يعضدنا في ردنا على آدم سميث هو ما نراه أثناء تقريره هذا المبدأ من إبدائه ~~ببساطة كنتيجة لأبحاثه ومشاهداته لا كأنه نظرية ثابتة لا تقبل الطعن. مثال ذلك أنه يقول في ~~أغلب الأحيان: «يتفق النفع الذاتي والنفع العام.» أو يقول في معظم الأوقات يحدث الانسجام ~~بين نفع الفرد ونفع المجموع ، كما أنه لم يتردد لحظة في ذكر الأحوال التي لا يتفق فيها النفع ~~الفردي والنفع العام، وهي حال التجار وأصحاب المعامل. # ثم إن سميث لا يقول بإطلاق هذا المبدأ في كل الأشياء، وأنه قاصر على تحصيل الثروة، ولكن ~~لا يشمل توزيعها، بل إنه لم يدع مرة في كتابه أن توزيع الثروة يتم على أعدل وأحسن حال. وقد ~~قال عن الملاك وأصحاب رءوس الأموال إنهم يحبون أن يحصدوا حيث لم يغرسوا. ثم إنه ذكر نبذا ~~كثيرة من كتابه أن الربح والإيراد مأخوذة من محصول العمل، ومجرد التصريح بهذا الرأي يكفي أن ~~يكون داعيا لوصف سميث بأنه أول من قال بالأفكار الاشتراكية. # حرية التجارة # والنتيجة العملية لنظريات آدم سميث هي لا شك حرية التجارة؛ لأن سميث لم يرقه أي ~~نظام اقتصادي يقضي بالتفاضل أو التقييد؛ لذا كان نظام الحرية المطلقة في التجارة هو ~~النظام الذي تصبو إليه نفسه، وما دام الإنسان لا يخرق قوانين العدل فينبغي أن يترك ~~وشأنه باحثا عن منفعته التي وجدها ومزاحما بماله وحذقه مال وحذق من يشاء من الناس. ~~وبعبارة أخرى آدم سميث ينصح بعدم تداخل الحكومة في المسائل الاقتصادية، ومعزاه هو رأي ~~الفيزوقراطيين بعينه إلا أن سميث وصل إليه بطريقة علمية أكثر وضوحا وتساهلا من طريقة ~~الفيزوقراطيين. بل إن سميث يشرح حقيقة مهمة، وهي أن الحكومة غير صالحة بذاتها وبطبيعتها ~~للقيام بالأعمال الاقتصادية، وقد استند على حججه في هذا الباب كل علماء الاقتصاد ~~المخالفين لتداخل الحكومة في الحياة الاقتصادية. # وحيث إن سميث يطلق الحرية للفرد، ويمنع الحكومة من التداخل في الحياة الاقتصادية ~~القومية، فقد امتاز بآراء خاصة ms22 به عن الفردية # individualisme ~~، فهو يقول: إنه لا بد لأي مشروع خاص يراد أن يعم نفعه ~~المجموع من شرطين: # الأول: # أن يكون وراءه باعث النفع الذاتي الفردي. # الثاني: # أن تحيط به المزاحمات المطلوبة والضروري وجودها. # فلو عدم أحد هذين الشرطين من مشروع ما كانت العاقبة على الجمهور منه سيئة سوء عاقبة ~~المشروعات التي تقوم بها أو تتداخل فيها الحكومة. # والذي نراه من مبادئ سميث أنه يبغض بعض المشروعات الخاصة الجماعية # collectivist # مثل الشركات المساهمة؛ وذلك لأن النفع ~~الشخصي الفردي غير موجود فيها. ويستثني من هذه الشركات بعض المشروعات ذات النفع العام ~~مثل المصارف (البنوك) وشركات التأمين على الحياة وشركات المياه، وهذا لأن المشروعات يقل ~~فيها التغيير؛ لأن أعمالها تتحول إلى شكل دائم ثابت # routine ~~. # ثم إن سميث حارب الاحتكار الذي يعطي امتيازه لفرد أو لشركة، وقد وقف فصلا كاملا من ~~كتابه الممتع على محاربة الشركات الكبرى ذات الامتيازات الباهظة التي تأسست في القرنين ~~السابع والثامن عشر لاستغلال المتاجر الاستعمارية، وأشهرها شركة الهند الشرقية. # ذكرت لكم أن سميث مخالف لتداخل الحكومة في الشئون الاقتصادية الداخلية، إلا أن هذا ~~التحريم له حدود، فهو يبيح تداخلها في إدارة بعض المصالح التي لا يمكن انتظامها بدون ~~هيمنة السلطة العمومية، وهي مصلحة البريد والتعليم الابتدائي الإجباري، وامتحانات ~~الحكومة الضرورية للالتحاق بالوظائف العمومية. # ومن الغريب أن آدم سميث قد تنبأ بما سوف يقوم بين العمال وأرباب الأموال من الخلاف، ~~فأشار على الطرفين بطريقة تريحهم إذا استحكم الخلف وهذه الطريقة هي التحكيم. يقول آدم ~~سميث: كلما قام خلاف بين العمال وأرباب الأموال، وقام القضاة بفصل هذا الخلاف؛ كان ~~مرشدوهم هم أرباب الأموال، فيجورون على الدوام على العمال؛ وبناء على ذلك ينبغي لنا أن ~~نعتبر الحكم عادلا كلما كان في مصلحة العمال، ولكن إذا كان الحكم في جانب أرباب ~~الأعمال، فيمكننا أن نشك في رأي المحكمين. # أما حب آدم سميث للزراعة فيماثل حب الفيزوقراطيين لها، وهو يقول عنها إنها أصعب ~~الفنون والصنائع ما عدا الفنون الجميلة والفنون الحرة ms23 (القضاء والتعليم)، وهو ينصح ~~لأصحاب الأموال والأعمال أن يصرفوا أموالهم بحسب ما يقتضيه القانون الطبيعي أي: أولا ~~في الزراعة وثانيا في الصناعة، وثالثا في التجارة الخارجية من الخارج أقل قيمة من ~~البضائع التي تصنع في الوطن؛ ولذا شراؤها بأثمان تافهة فيه خسران؛ لأنها لا تعادل ~~أثمانها. وأما أن تكون الصنائع متأخرة في الوطن فينبغي أولا خلق الصنائع غير الموجودة، ~~ثم تشجيعها ولو تكلفت الأمة مهما تكلفت في أول الأمر؛ لأنها بعد ذلك تعود فتربح من ~~مصانعها ولا تحتاج للغير، ومثال ذلك ما حدث لليابان في تجارة الورق. فإن هذه الأمة ~~الجليلة رأت أنها تنفق أموالا باهظة في شراء الورق من الخارج فقام بعض رجالها بتأسيس ~~معامل للورق، ولما كانت الصناعة حديثة العهد كان المعمل الياباني يخرج ورقا أقل حسنا ~~من الورق الخارجي، ولكنه أغلى ثمنا فقام بعض المتشرعين وأبدى الرأي الذي أبداه آدم ~~سميث، فردوا عليه بأنه لا بد من تشجيع الصنائع الوطنية في أول الأمر، وفعلا كان هذا ~~ولم يمض زمن طويل حتى أصبحت المعامل اليابانية تخرج ورقا أحسن في النوع، وأرخص في ~~الثمن من الورق الخارجي، واقتصدوا كذلك ثمن النقل والسمسرة. # وقد تكلم سميث عن التجارة الدولية، فدافع عنها وشجعها، وذلك في مصلحة المخرجين ~~الأصليين، ومن العجيب أن أثر تعاليم خصومه التجاريين مركنتيلست ظاهر في هذا الدفاع؛ ~~لأنهم هم أول من اهتم بمصلحة المخرجين دون سواهم. # ثم ذكر قوانين الملاحة التي أصدرها كرومويل # Navigation ~~Acts ~~، وغايتها مزاحمة الأساطيل الهولاندية والقضاء عليها، فقال ~~عنها إنها ربما أفادت التجارة ولكنها بقطع النظر عن هذه الإفادة، فإنها أعقل القوانين ~~التجارية الإنكليزية؛ لأن غايتها كانت حماية الأوطان وحماية الأوطان أعظم نفعا من ~~حماية التجارة. # ومن النصائح العلمية المفيدة التي أبداها سميث بشأن حرية التجارة، هي إقلاع إنكلترا ~~من وضع حقوق جمركية على سائر الواردات والصادرات، واكتفاؤها بوضع حقوق مرتفعة على بعض ~~الواردات المهمة الكثيرة الورود، والتي لا يضر تغريمها كثيرا مثل الدخان والخمور ~~والكاكو والسكر، وهذه الحقوق هي مالية لا جمركية. # وقد ms24 اتبعت إنكلترا هذه النصيحة، ولا تزال سائرة عليها من عهد آدم سميث إلى ~~الآن. # ظهر لكم مما تقدم أيها الإخوان أن آدم سميث قد حاول فعلا في هدم النظامات ~~الاقتصادية القديمة بما رتبة أهمها مثل الحماية الجمركية وما يشبه ذلك، ولكن يظهر لنا ~~أن حوادث التاريخ ذاتها هي التي تحول الأشياء وتهدم المبادئ، وتفعل العجائب وتأتي ~~بالمعجزات، فإن الحرب التي قامت بين أميركا وإنكلترا المسماة بحرب الاستقلال هي التي ~~أظهرت فساد النظامات الاقتصادية القديمة، وساعدت على تغييرها أكثر مما فعلت مؤلفات ~~آدم سميث؛ لأن انفصال ولايات أمريكا الشمالية عن إنكلترا أظهر أمرين جليين: # أولا: # فساد النظامات الاستعمارية التي تدعو المستعمرات الناجحة إلى ~~الثورة. # ثانيا: # عدم نفع نظام الحماية الجمركية؛ لأن تبادل التجارة بين إنكلترا ~~والولايات المتحدة نما وزاد بعد استقلال الولايات بما لم يسبق له مثيل، ~~وقد دل هذا على أن علاقة إنكلترا السياسية بالولايات المذكورة لم تكن ~~هي الداعي لوجود العلاقة التجارية؛ لذا كتب جان باتيست ساي في 1803 ~~أنها لم تعد خسارة على أمة بربح، مثل الربح الذي عادت به خسارة ~~الولايات المتحدة على إنكلترا. # وقد ظهرت آثار مبادئ سميث في حياته؛ فإن اللورد نورث رئيس وزراء إنكلترا في عهده ~~انتفع بآرائه، ولما كان في حاجة إلى أموال وضع ضرائب على منازل السكنى وغيرهما، مما ~~أشار به سميث، ثم إن سميث أثر في بيت الوزير الإنكليزي الشهير، فعقد أول معاهدة تجارية ~~بين فرنسا وإنكلترا وغايتها حرية التجارة. # وهذا ختام القول على آدم سميث # | الاقتصاديون المرتابون أو البسيميست # سبق الكلام في الدروس السالفة على الفيزوقراطيين وعلى آدم سميث، وهم جميعا من ~~الاقتصاديين المستبشرين أو الأوبتسيتت، أي الذين لا يرون من الأشياء إلا الجانب الحسن؛ ولذا ~~رأيناهم ينشرون مبدأ الحرية الاقتصادية، ويزعمون وجود نظام للأشياء يؤدي بالإنسانية إلى ~~السعادة المطلقة، وقد اتفق آدم سميث والفيزوقراطيون في هذه النقطة، وإن كان اختلف معهم في ~~نقط أخرى. # وسنتكلم اليوم عن الاقتصاديين المرتابين الذين حاولوا نقض المبادئ المتقدمة، وزعموا أن لا ~~قوانين ولا ms25 نظامات ترمي إلى سعادة البشر، وأن حظنا موكول إلينا، وخرج بالاقتصاد عن السبيل ~~الذي سلكه المتقدمون حتى أصبح العلم الاقتصادي يسمى بالعلم المريع، أو العلم المخيف # dismal science ~~، وقد أطلق عليه هذا الاسم المؤرخ ~~كارليل الإنكليزي لما رآه من انقياض المبادئ الجديدة، التي قال بها عالمان من أهل ~~وطنه. # على أنه ليس في تسمية العلماء بالمرتابين من حرج عليهم أو ملام أو خطر من أقدارهم إنما ~~هذا لتمييزهم عن المستبشرين، بل سترون أيها الإخوة أن مبادئ المرتابين كانت أقرب إلى ~~الحقيقة من مبادئ سابقيهم. # لكل مدرسة اقتصادية أو مبادئ اقتصادية علماء يمثلونها؛ لأنم يكونون أشهر أو أقدر من قال ~~به. كذلك أشهر وأقدر المرتابين عالمان إنكليزيان الأول اسمه مالتوس والآخر اسمه ريكاردو. ~~وكان كلاهما محبا للإنسانية ساعيا جهده في العمل لخيرها، وليس لدى أعدائهم حجة تثبت على ~~هذين العالمين الجليلين ضد ذلك. وإن كثيرا من النظريات التي قالوا بها جديرة بالانتقاد ~~الشديد، وقد ظهر بالخبرة أن المرتابين قد قاموا بأعمال جليلة للإنسانية، طالما كانوا غير ~~شاعرين بما بدا للمنتقدين من ارتيابهم؛ لأنهم مع إخلاصهم عملوا على حد قول الشاعر: # وحسن ظنك بالأيام معجزة # فظن شرا وكن منها على حذر # وسوف ترون أن كارل ماركس عالم الاشتراكية هو ابن روحي لريكاردوا، أو بعبارة أخرى أشد ~~أتباعه تعلقا بمبادئه، وأقدرهم على تفسيرها وتنفيذها. # مالتوس # اشتهر مالتوس أولا برأي في نمو السكان نتكلم الآن عليه بإسهاب، وقبل ذلك أقول كلمة ~~عن تاريخه، ولد مالتوس هذا في أواسط القرن الثامن عشر عام 1766، وكان أبوه غنيا ~~فاختلط بعلماء عصره وفلاسفته أمثال هيوم الإنكليزي وجان جاك روسو، وبعد أن تخرج مالتوس ~~من مدرسة كامبروج الجامعة اشتغل بالدين، فصار قسيسا بروستانتينيا ثم ألف كتبا ~~كثيرة في الاقتصاد، وأشهرها كتابه عن السكان واسمه مقالة عن قانون نمو السكان وتأثيره ~~في تقدم الهيئة الاجتماعية، وقد توفي عام 1836، وكانت لمؤلفاته آثار نافعة في أبناء ~~وطنه ومعاصريه، فقد ذكر داروين العالم الطبيعي الإنكليزي الذي قال بمبدأ النشوء والترقي ~~في مقدمة كتابه، ms26 أن الفضل راجع إلى مالتوس في إظهار مبدأ التنازع في سبيل الحياة، الذي ~~هو مظهر من مظاهر الاختيار وبقاء الأنفع، وهذا المبدأ العلمي هو بلا نزاع أشهر المبادئ ~~العلمية، التي ظهرت في القرن التاسع عشر بقطع النظر عن ثبوته أو نقضه. # ففي عام 1793 كتب مؤلف إنكليزي اسمه جودوين كتابا اسمه العدل السياسي # political justice # قال فيه: إن أحسن الحكومات لا ~~تأتي بالنتيجة المطلوبة من تقدم الأمة، ولكنه أظهر ثقة عظيمة في مستقبل الإنسانية، ~~وقد سار جودوين هذا مع خياله شوطا بعيدا، فزعم أنه سيأتي يوم تكون فيه الحياة ~~الاجتماعية محركة بالعقل لا بالحواس، فيقف النسل ويخلد الإنسان؛ أي يعيش على الأرض إلى ~~الأبد. # وفي عام 1794 ظهر كتاب لعالم فرنسوي آخر اسمه كوندورسيه قال فيه إن العالم يسير نحو ~~السعادة البشرية المطلقة، وإنه ليس هناك خطر يتهدد الحياة الإنسانية، وأنتم ترون أن ~~هذين العالمين قالا بآراء المستبشرين، بل إن كوندورسيه قال إن الإنسان سيصل بالعلم إلى ~~درجة قصوى، فإنه إن لم يفز في القضاء على الموت، فسوف يفوز في إقصائه عن الإنسان ومد ~~الآجال إلى اللانهاية. # عند ذلك ظهر كتاب مالتوس الغريب، وقد جعله ردا على أقوال هذين العالمين، وقال إن ~~مصدر الخطر هو تقدم الإنسان، وتمكنه بالعلم من الموت إقصاء ومد الآجال، بل هذا هو الخطر ~~الأكبر والعقة التي لا يمكن التغلب عليها، وقد أبان مالتوس رأيه بعملية سوسيولوجية ~~عجيبة أثبتت نمو عدد السكان نموا مهولا لو ترك النسل وشأنه، وأبان كذلك النسبة ~~المنحطة التي تخرج بها المحصولات، التي يحتاج إليها الإنسان في قوام حياته، وقال: إن ~~النسل ينمو بنسبة هندسية أي نسبة: 1 2 4 8 16 32 64 128 ... # والمحصولات الغذائية تنمو بنسبة حسابية: 1 2 3 4 5 6 7 8 9 ... # وقد ثبت لعلماء علم الحياة صدق النسبة الأولى، فقد علم أن المرأة غير العاقر يمكنها ~~أن تحمل عشرين مرة قبل نهاية مدة الخصب النسلي، وقد يزيد العدد فلم يبالغ مالتوس مطلقا ~~في هذا ms27 الرأي. # ولكن ما يقال عن رأيه في نمو النسل لا يقال عن رأيه في نمو مواد الغذاء، فإنه لا يمكن ~~الجزم بمقصود مالتوس منه، فهل يريد إثباته كقاعدة مقررة ثابتة لا تتغير، ولا تتحور أم ~~يريد أنه قريب من الحقيقة الواقعة. وذلك الشك يطرأ علينا؛ لأن القاعدة التي قررها ~~مالتوس لا تنطبق على قانون معروف مثل نمو النسل الذي يعرفه علماء علم الحياة ~~بيولوجيا. وقد أثبت العلامة لافوازيه الكيماوي الفرنسوي أن نمو القمح بفرنسا يكفي ~~سكانها؛ وذلك لقلة النسل فيها، ولكن القمح الذي ينمو في إنكلترا وفي ألمانيا لا يكفي ~~سكانها على الإطلاق؛ لأنهم ينمون بسرعة شديدة، ولكن هذا هو قانون يسمونه المحصول غير ~~النسبي # rendement nonproportionnelle ~~، وهو ليس ما ذكره ~~مالتوس بل لم يشر إليه مطلقا. # على أن القواعد والقوانين التي قال بها خصوم مالتوس لا تنقض قانونه، ولا تقلل من ~~قيمته العلمية. # والذي لا ريب فيه هو أنه لا يمكن أن يعيش في بقعة ما من الأرض عدد أكثر ممن يمكنهم أن ~~يعيشوا من محصول هذه البقعة، وثبت أيضا أن في علم الحيوان وفي الجماعات المتوحشة يموت ~~عدد عظيم من الأفراد جوعا (وفي لندن أيضا)، وقد أسهب مالتوس البحث في أحوال هؤلاء ~~المتوحشين. # فرد عليه بعض منتقديه بأن ما كان يصح عند الحيوان أو الجماعات المتوحشة لا يصح في عهد ~~المدنية، فأجاب مالتوس بأن الأمم المتمدنة حفظت أشياء كثيرة من عادات المتوحشين، وهذا ~~حق لأن القحط إن لم تكن أثاره الفظيعة باقية إلى الآن في روسيا والهند، فإن له آثارا ~~أشد فظاعة في البلاد المتمدنة، وهي تظهر بمظاهر مختلفة كلها ذات علاقة بالجسم ~~البشري. # ففي المتمدنين أمراض مثل السل الذي أهم أسبابه هو سوء التعذية، ووفيات الأطفال، ~~ووفيات العمال قبل الأوان، والحروب الفظيعة التي تغتال ألوف الألوف في أقل من لمح ~~البصر، وقد شهد مالتوس بعينه حروب الثورة الفرنسية، وحروب بونابرت التي قتل أثناءها نحو ~~عشرة ملايين من الرجال في مقتبل العمر. يقول مالتوس: إن هذه الحوادث الكبرى ms28 هي التي ~~حفظت النسبة بين الناس وبين المحصول، ولكن هذه الحوادث كما ترون هي من آثار البربرية، ~~وحيث إن المتوحشين كانوا مسوقين بطبيعتهم إلى حفظ النسبة بزيادة الوفيات، فالمتمدنون ~~يحفظون هذه النسبة بعينها بتقليل النسل. # والطريقة الوحيدة في نظر مالتوس هي الامتناع الأدبي أو الصوم # moral ~~restrain # عن العلاقة الجنسية، وبذا تحفظ النسبة بين المحصول وبين ~~السكان. وهو يقصد بذلك الامتناع عن أي علاقة جنسية بين الرجل والمرأة بغير الحلال إذا ~~كان الرجل أو المرأة متزوجين. # وقبل الزواج ينبغي للرجل والمرأة أن يعفا، وأن لا يتحملا مسئولية العيلة قبل أن يكون ~~القيام بأعبائها ممكنا. فإذا لم يتيسر هذا فليمتنع الشخص عن الزواج مطلقا، وهو يقول ~~بصريح العبارة في ص616 من كتابه السابق الذكر: إنني أرفض كل وسيلة مصطنعة غايتها تقليل ~~النسل، وإن ما أوصي به من طرق التقليل هو نتيجة ما يأمر به العقل والدين، فإنه من السهل ~~جدا بالطرق العلمية تقليل النسل، أو قطعه مرة واحدة، ولكن هذا وقوع في الطرف الأخرى ~~أي تفريط. # ولا شك في أن مالتوس يحارب سائر وسائل منع النسل الأخرى مثل «الإسقاط الاغتصابي»، ~~وقتل الأطفال، ووأد البنات، وإجراء عمليات البتر المؤدية لوجود الخصيان، واكتفاء جنس ~~بأفراده، كل هذا نفاها وأنكرها وحرمها. # ولكنه في بعض النبذ من كتابه أشار إلى إمكان قضاء الحاجات بدون الوقوع في خطر من ~~الأخطار السالفة، وقد مهد مثل هذا القول السبيل لخلفائه الذين ادعوا باطلا بأنه كان ~~ينصح باستعمال الوسائل الصناعية، التي يتمكن بها الناس من شهواتهم بدون معاناة الحمل ~~والولادة والتربية. # وقد قال كثير من الاقتصاديين الذين اشتهروا بالدفاع عن مالتوس أن مبادئه أدت إلى ~~تقوية الأسرة؛ لأنها هي الوسيلة الوحيدة في عدم نمو النسل نموا زائدا، وكانت مبادئه ~~كذلك حجة على القائلين بالارتباط الحر أو العلاقة اللازوجية؛ لأن مثل هذا النظام ومثل ~~الكوميونزم؛ أي الحياة المشتركة يؤدي إلى ازدياد النسل لعدم مسئولية الوالدين عن النسل ~~الذي يولد من علاقتهم. # على أنه منذ عهد مالتوس إلى الآن لم نر ms29 في العالم بلادا اشتكت من زيادة النسل، ~~ولكن يرد على هذا بأن الأمم التي نما سكانها نموا عظيما قد هاجر أبناؤها إلى بلاد ~~غنية سموها بالمستعمرات يستغلون ثروتها ويستنزفون أرزاقها. كما أن الأمم التي منحت ~~أراضي واسعة مثل أمة الولايات المتحدة، التي قتل أسلافها أمة الهنود الحمر؛ ليتسع لهم ~~مجال العيش سعت في فناء أهل البلاد. # ولا يخفى عليكم أن الأمتين اليونانية والرومانية كانت تعتقد بأن التناسل واجب على كل ~~وطني نحو المدنية، وعلى كل متدين نحو الأرباب كما أن الأشراف في كل زمان يعتقدون بأن ~~وجود نسل يرثهم، ويحفظ اسمهم كأعظم فخر لهم . # كذلك في الزمن الحاضر يعتقد العمال أن وجود الأطفال يعود على الأسرة بعد زمن قليل ~~بمحصول أتعابهم، كل هذا عدا عن الفطرة الإنسانية التي جعلت حب الأطفال عند الكبار حبا ~~مقدسا، وكل هذه أسباب تدعو إلى زيادة النسل، ولكنها أسباب اجتماعية؛ ولذا فهي أسباب ~~زائلة إذا فقدت الأمم عقيدتها، أو حب الوطن أو صلحت حال العمال، ولكن هناك قانون ثابت ~~لا يتحول ولا يتغير؛ لأنه غريزي في الإنسان. وهذا القانون هو اندفاع الرجل نحو المرأة، ~~فإن الطبيعة تدفعه بظواهر الحب، وحقيقة الأمر غايتها إبقاء النسل، فجاء الإنسان أشد ~~منها مكرا بتمكنه من شهواته، وعدم الوقوع في المسئولية. ولذا أصبحت مخاوف مالتوس ~~بدون أهمية، بل أصبح أعداء مالتوس يقولون بأن مبدأه المسمى بالامتناع الأدبي # moral restraint # خال عن الآداب، ومخالف لها؛ لأنه ~~يشجع مفاسد اجتماعية كثيرة، ولأنه مخالف لنظام الطبيعة، وقد زاد بعضهم في القول فقال إن ~~الحرمان من الزواج أشد ألما من الحرمان من الطعام وهذا قول مبالغ فيه. # وكذلك مالتوس لم يحرم سعادة الحب والأسرة، إلا على الفقراء وحدهم الذين يطالبهم ~~مالتوس بالعفة وبالصوم والامتناع؛ لأنه يجوز لهم أن يتمتعوا بملاذ الحياة الدنيا ما ~~لم يستطيعوا أن ينفقوا على أسرة. # وقد أثبت الخبرة فساد قوانين مالتوس، ونحمد الله على ذلك؛ لأن صحتها والعمل بها كانت ~~تؤدي بالعالم إلى الوقوع في مصائب جمة تتعلق بالآداب وبالعيشة ms30 القومية. # أما قلة النسل في هذا الزمان في بعض الممالك فليست من أيادي مالتوس على بني الإنسان ~~إنما هي نتيجة التقدم، الذي يخلق للإنسان حاجات كان في سالف الزمن في غنى عنها، وهذا ~~رأي العالم ليردابوليو. # انتهى الكلام عن مالتوس ms31