######OpenITI# #META# URI: 1372SalahDinDhuhani.AqwaMinHubb.Hindawi26042464 #META# Tags: novels #META# ID: 26042464 #META# Title: أقوى من الحب #META# AuthorID: 40816042 #META# Author: صلاح الدين ذهني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد‏ # شارع الذكريات‏ # ظل ابتسامة‏ # أقوى من الحب‏ # ضباب على القرية‏ # حيث انتهى الأبطال‏ # المغفل الثالث‏ # الأجير‏ # حواء لا تقهر‏ # رجل نبيل‏ # بقية من دموع‏ # عيون على الكرمل‏ # لحن قصير‏ # الأستاذ بغبغان‏ # سقطت على الصخور‏ # تمهيد‏ # شارع الذكريات‏ # ظل ابتسامة‏ # أقوى من الحب‏ # ضباب على القرية‏ # حيث انتهى الأبطال‏ # المغفل الثالث‏ # الأجير‏ # حواء لا تقهر‏ # رجل نبيل‏ # بقية من دموع‏ # عيون على الكرمل‏ # لحن قصير‏ # الأستاذ بغبغان‏ # سقطت على الصخور‏ # | أقوى من الحب # | أقوى من الحب # تأليف # صلاح الدين ذهني # | تمهيد # قارئي العزيز ... # أسائل نفسي وأنا أكتب هذه السطور: هل من الخير أن يقول الإنسان كل الحق؟! ولمن يجب أن ~~يقول هذا الحق، إذا كان من الخير أن يقوله؟ # إنني أستطيع أن أملأ بضع الصفحات المحددة للمقدمة في حديث لا يغنيك ولا يضيرني عن تاريخ ~~القصة، وعن مكانها في الأدب، وعن تطورها، وعن عشرات المواضيع التي لا تتصل من قريب ولا ~~بعيد بما سوف تقرؤه بعد لحظات حين تنتهي من هذه السطور. فعلمك بتطور القصة ومكانها في ~~الأدب لن ينفع شيئا في تهيئتك لقراءة قصة. إن كتابا في تاريخ الموسيقى قد يفيدك في ~~الحديث عن لحن أو موسيقار، ولكنه لن يسيغ في أذنك نغما باردا ولو كان مؤلفه موضوع فصل ~~كامل بين تاريخ المؤلفين. # إن الذي ينفعك في سماع اللحن السخيف والنغم البارد - إن كان هناك نفع أو أمل في النفع - ~~هو التهيئة الصالحة لسماع هذا اللحن؛ كأن تدرك مثلا أنه يصور سخفا في الحياة، أو ~~اضطرابا فيها، أو معنى باردا من معانيها ... # وهذه هي مهمة المقدمة التي أريد أن أكتبها لك. # فهذه القصص التي بين يديك، والتي ستقرأها بعد حين إن كنت من الصابرين، تحتاج مني إلى ~~تهيئة وإعداد، كما تحتاج منك إلى جلد وسماحة طبع. # إن فيها قصصا رضيت أنا عنها، وأخرى رضي عنها قراء، وثالثة رضي عنها أصحاب صحف ومجلات ... ~~ولكن ليس فيها قصة واحدة رضي عنها الجميع. # قصة «أقوى من الحب» مثلا عانقني عليها أحد الأصدقاء ms01 وأطنب في إطرائها، ثم تبينت بعد ~~حين أن كل ما أعجبه فيها، هو أن الزوج بطل القصة عاد إلى زوجته بعد فترة من شرود ~~العاطفة، ولحضرة المعجب الفاضل شقيقة كان زوجها قد هجرها حينا عاشت فيه عبئا على أخيها ~~ثم عاد منذ أيام؛ أي إن المسألة كلها ظروف شخصية تتصل بجيبه، لا بتفكيره الأدبي وذوقه ~~الفني! # وقصة «المغفل الثالث»، وهي قصة شاب وقع في حبائل غانية أمهر من غيرها. هذه القصة أعجبت ~~عددا من القراء لا بأس به، ولست بحاجة لأن أحدثك عن الأسباب؛ فستعرفها بعد قراءتها، وأغلب ~~الظن أنها ستروقك أنت أيضا. # وقصة «شارع الذكريات» لم يشاركني في الرضا عنها إلا شاب مهذب مجروح! جرح قلبه ذات يوم ~~والتأم الجرح، ثم بقي الأخدود تسير فيه ذكرياته، كما سارت ذكرياتي في الشارع ~~القديم. # وهكذا لو شئت أن أحدثك لوجدت أن دافع الإعجاب دائما عامل شخصي، لا تدخل فيه عوامل الفن، ~~ومطابقة القوانين، ومراعاة المناهج. هذه العوامل إنما تقرر رأي الناقد لا القارئ، وإن رأي ~~القارئ أيضا - كما ترى - رأي ذاتي في أغلب الأحيان، فهل ينقص ذلك من قيمته؟ # أغلب الظن أن لا؛ فالإنسانية مجموعة الناس ذوي الظروف الخاصة والأحاسيس. والإحساس الواحد ~~يحس به كل فرد في فترات مختلفة؛ فيحس أحدنا الحزن، ويحس الآخر الفرح. ومشاعر ~~الحياة واحدة لكل فرد، مختلفة في ترتيب مروره بها؛ فكلنا نحس فقد الأصدقاء، ولوعة ~~الحب، ونعيم الوصال، وشقاء الغدر، ولهيب الغيرة، ووقر الندم. من هذه الأحاسيس ومن ~~غيرها تتكون مقومات مشاعرنا، وإنما يسمو الكاتب إلى النطاق الإنساني في تعبيره حين يمس ~~هذه المشاعر، وقد تجرد قلمه من نزعة الذاتية. إن حزن القروية على جرة اللبن التي ~~تكسرت حزن، وحزن السياسي الداهية على فشل برنامج ضخم حزن، وإذا وصل الكاتب إلى أعماق النفس ~~البشرية فأخرجت ريشته الحزن عاطفة إنسانية، فقد وصل - بقلمه - إلى نفس السياسي وبائعة ~~اللبن على حد سواء، وإلى كل نفس بشرية أحست الحزن من أقصى جنوب الأرض إلى أقصى ~~شمالها، وإنما يعيب الكاتب ms02 أن يكون مقررا لا مصورا. # وعيب القصة المصرية إلى الآن هو أنها قصة تقريرية؛ الحزن فيها حزن مصري محدود ~~بالإقليم والظروف والمناخ، والفرح فيها فرح محلي، والعواطف فيها مدموغة بأسماء المدن ~~والأقاليم. وهذا لون من الأدب يفيد الباحثين عن الجديد الطريف، فيسر القارئ الأمريكي مثلا ~~أن يقرأ القصة المحلية المصرية، بالضبط كما يسره أن يرى الجمل، ويتفرج على أبي الهول، ~~ويرى قوافل البدو. # وهذا اللون من الأدب تمر به كل حياة أدبية لكل قطر، لكنها لا تقف عنده؛ فهناك الأدب ~~الأمريكي والأدب الإنجليزي والأدب الفرنسي ... ولكن هناك أدب آخر هو الأدب العالمي؛ أدب ~~يساهم فيه كل شعب متمدين، من فروعه القصة والشعر والمسرحية والمقالة ... إنه الأدب ~~الإنساني الذي أشير إليه، والذي أطمع أن نصل إلى مستواه. # ما شأن هذا كله ومقدمة الكتاب؟ # إن له شأنا أي شأن؛ فأنت القارئ في حاجة إلى بعض الإقناع لكي ترضى عن هذا ~~الكتاب. # أولا: أريد أن أقرر لك أن هذه القصص ليست بداية فألتمس لها العذر وأطلب منك الترفق ~~في الحكم عليها، وليست نهاية ما أصل إليه فأقول لك إنها آية في الفن، ولا أستطيع أن أقول ~~ذلك لأنني كاتب قصة ولست بشاعر ... ولا أدري شيئا عن هذا التقليد الجائر الذي يبيح للشاعر ~~أن يشيد بشعره ويمجد نفسه، ويفخر بسلطانه على المعاني وملكيته للدرر والجواهر ... ولو كان ~~شعره حصى مرصوفا في طريق مهجور. لا أدري شيئا عن هذا التقليد، ولكنني أحترمه وأنزل إلى ~~مرتبة القصاصين فأتقدم إلى القارئ في استحياء لا يوصف به الشعراء، أتقدم إليه لأقول هذه ~~قصص في منتصف الطريق، ليست في ليونة الغصن الناشئ، ولا في صلابة الجذع المتمكن، لا أبرأ ~~منها، ولا أفخر بها ... كل ما في الأمر أني أحتمل تبعتها، أحتملها في صبر لا يقل عن صبرك ~~عند قراءتها، وحين ترضيك منها واحدة لن أزهو؛ فأنا أعرف السبب، إنه ليس سموي إلى النطاق ~~العالمي، ولكنه انحصار ذهنك أنت في النطاق المحلي الضيق، وإذا أعجبتك قصتان فسأبتسم؛ لأني ~~عرفت من ms03 أمر حياتك ناحيتين، وإذا زدت عن ذلك، فلن أشك لحظة واحدة أنك فارغ البال تبحث عما ~~يشغلك ويملأ فراغك. # لقد سبقتك - أيها القارئ - فأبديت رأيي فيك قبل أن تبدي رأيك في، وتلك مزية سوف ~~تجرح رأيك مهما كان. إياك أن ترمي قصة بالسخف، وإياك أن تخلع على قصة ثوب الإعجاب، وإياك ~~أن تترك الكتاب كله قبل أن تتمه؛ إنك إذن تكون ظالما لنفسك قبل أن تظلمني، فما أدراك أنك ~~سترى نفسك قبيل الصفحات الأخيرة إن لم تجدها على الغلاف أو ما بعد الغلاف! # هذه قصص لا بأس بها في مجموعها وتفصيلها، هذا رأيي أنا في قصصي، مع تحفظ واحد أسوقه ~~إليك: لا بأس بها على أن تقرأها وأنت ذاكر ما سقته لك أول الأمر عن القصة المصرية. هذه قصص ~~محلية، فيها إنسانية محلية، وأؤكد لك أني ما قصرت في أن أسمو إلى النطاق العالمي، بل ~~سعيت إليه في بعض القصص، وأحسست أحيانا بمشاعر بعض من رسمتهم فيها، أحسسته ولم تكن مهمتي ~~تعدو التصوير، حتى قد خيل إلي أني قد وصلت إلى أن أبث فيهم مشاعر إنسانية صادقة، أحسست ~~بحزن بعضهم كما لو أنهم بشر لا غير، بشر من أي مكان، وفي أي مكان. # ومع ذلك فأنا - كما قلت لك - في منتصف الطريق، ولست أنت خيرا مني. # مايو 1948 # صلاح ذهني # | شارع الذكريات # إنه لا يزال يذكر ... # عشرون عاما مرت منذ وطأت قدماه أرض هذا الشارع لآخر مرة، حين ألقى عليه نظرة هائلة ~~مودعا كل ما فيه، وقد صمم على أن لا يراه إلى الأبد، بل وقد صمم على أن ينسى أنه سكن فيه ~~ذات يوم، بل عاش فيه صباه السعيد. # عشرون عاما كاملة، مشت فيها الحياة مسافات طويلة، فأجهدت في جسده كل شيء، حتى شعرات ~~رأسه البيضاء بدت وكأنها قطرات العرق قد تبلورت عند مفرقيه وفوق جبينه، وحتى أقدامه بدت ~~وكأنما تعبت من السير، فغدت تخطو مثقلة بعبء السنين. # يا لله من غدرات الأعوام! # هذه الأقدام نفسها كم قطعت هذا ms04 الشارع في لمح البصر خلف الكرة! وكم كرت وفرت فيه فما ~~أحست جهدا ولا ضنى! # أجل، هذه الأقدام نفسها كم كانت تحب أرض هذا الشارع، فلا تطيق لحظة واحدة تقضيها في ~~المنزل حتى تهبط إلى الشارع الحبيب! تهبط غير عابئة ولا مصغية لقول أمه، وهي تشيعه بغضبها ~~الباسم قائلة: انت رجلك بتاكلك على الشارع؟ مش تستريح شوية يا ابني؟ # لم يكن إذ ذاك يفقه كلمة الحب؛ فلم يقل لها مرة إنه يحب هذا الشارع، وإن راحته الكبرى ~~في أن يطلق ساقيه للريح على أرضه مع رفاقه. # هذه الأقدام نفسها هي التي تدب في سكون الليل بعد عشرين عاما في تثاقل وإعياء، كأنما ~~تخطو على أشواك. # ومشى يخوض عباب الذكريات، وقد عادت إليه دفعة واحدة. عادت وقد امتشقت عصا سحرية جعلت ~~تهوم بها يمينا وشمالا، فتمحو الدور والعمائر التي اكتساها الشارع خلال غيبته الطويلة؛ ~~ليحل محلها الشارع القديم الذي عاش فيه، بدوره المتلاصقة ذات المشربيات المتقابلة كأنها ~~طيور تتعانق على استحياء. # لقد تغير كل شيء، وها هو ذا يخطو في الشارع، لأول مرة في حياته، إن ذكرى يوم وعيه الأول ~~تبدو غامضة، إنه لا يكاد يتخيل نفسه طفلا، لكنه يذكر ما كان حواليه جيدا، يذكر الخادمة ~~النوبية التي كانت تحرسه حين يهبط إلى ميدان لعبه الفسيح إذ ذاك - وهو عتبة الدار - ويذكر ~~رفاق ذلك اللهو من الأطفال، ويكاد يتبين من بينهم ذلك الوجه الصغير، وجه «سناء»؛ الوجه ~~الذي ارتبط به بعد ذلك عشرة أعوام كاملة، من الطفولة اللاهية إلى عتبة الدار إلى المعهد ~~المشترك الذي ضمهما طفلين ... إلى ذلك اليوم الذي صار فيه صبيا وأصبحت هي فتاة، وفرقت ~~بينهما جدران ذلك المعهد نفسه، هي في قسم البنات، وهو في قسم البنين. # إنه ليذكر الخواطر الغريبة التي خالطت تفكيره الساذج إذ ذاك؛ كان يخطر له أحيانا أن ~~يتسلق ذلك الحائط الذي يفصل بين القسمين في أوقات الفسح؛ ليجري «خلف سناء» أو تجري ~~خلفه. # كم كان يمضه ويؤلمه أن يسمع تصايح الفتيات الصغيرات ms05 خلف الجدران! لقد كان ظلما بينا ~~في نظره أن تلهو «سناء» مع غيره. # وتكبر الأيام ويكبر معها. # وتكبر «سناء»، ويظل هو يذهب إلى المدرسة، وتمكث «سناء» في البيت تتهيأ لكي تكون ربة ~~دار. كان أبوها لا يرى أن تتعلم البنت أكثر من القراءة والكتابة، فاحتجزها حين تمت ~~دراستها الابتدائية. لكنه كان يراها كل يوم عند مآبه من مدرسته، كان يلقاها بعينيه عند ~~الشرفة، كأنما تترقب عودته، وكان يلقاها بعد ذلك بحديثه كلما اجتمعت الأسرتان في المساء ~~تتحدثان، كان يقص عليها كل ما حدث، وكانت وحدها التي تستمع بين خمس نفوس تجلس في الحجرة، ~~وكان لها وحدها يقص، وكانت عيناها فقط هما اللتان ينظر إليهما، وكان في حياته هو و«سناء» ~~كل شيء يعنيه. # ويأخذ عقله ذات يوم في التفكير إثر إحساس غريب؛ فقد اصطدمت يده عفوا بصدر «سناء»، فأحس ~~شيئا لا يدري كنهه، وقد لمست يده يدها مرة ثانية، فأحس الإحساس الغامض نفسه، ثم مرة ثالثة ~~... جلسا يتصفحان مجلة، وقد أوشك رأساهما أن يتلاصقا، فأحس بأنفاسها تميل نحو وجهه دافئة، ~~فتبعث ذلك الإحساس. وأخذ عقله يفكر، وأخذت حواسه تنمو، وكانت الطبيعة قد عاونته على أن ~~يفهم، وكان الناس قد ساهموا أيضا في ذلك، وترامت إلى أذنيه أقاصيص رجال أحبوا نساء، وقرأ ~~أقاصيص حب، وسمع أغاني تدور حول الرجل والمرأة ... # إنه لا يزال يذكر هذا اليوم أيضا، حين عاد إلى المنزل وقد أدرك أنه لم يعد طفلا، ولم ~~تعد «سناء» طفلة، عبثا حاول في ذلك اليوم أن يملك صوته المرتعش، وعبثا حاول أن يستعيد ~~نظراته الساذجة الغريرة، بل عبثا حاول أن يرد عينيه عن نظراتهما الملتهبة التي بدأت ترى في ~~«سناء» غير عينيها. # ولمس يدها في ذلك اليوم عن قصد، وأحس بها كما لم يحس من قبل، ومال حديثه عن شئون ~~الدنيا، وحمل تحت ألفاظه كلمات مبهمة أحس أنه يدريها وتدريها، وقال لها دون ألفاظ إنه لم ~~يعد طفلا ولم تعد طفلة ... # وتطور أمرهما سريعا؛ فقد اختطفت منه مجلة وحاول أن يستعيدها ms06 . طالما حدث ذلك من قبل، لكنه ~~كان يحدث أمام الأسرة دون أن يثير شيئا. في هذه المرة جرت إلى حجرة أخرى، ولوى ذراعها ~~فالتقى وجهاهما وتلامست شفاههما، وأدركا أنهما يفعلان شيئا لا يجوز أن تراه الأسرة، وأدركا ~~أنهما بحاجة دائمة إلى هذا الشيء، وفي حاجة إلى أن يحدث بعيدا عن الأنظار. # والتقى وجهاهما بعد ذلك كثيرا، والتقى قلباهما أيضا، بل اجتمع هذان القلبان في قلبه هو ~~حينا طويلا، بل وقفا على حافة تفكيره، يصبغان هذا التفكير ويوجهانه. أصبح ذهابه إلى ~~المدرسة لا يعني ما كان يعنيه قبلا من تلقي العلم، وإنما فراق «سناء»، وأصبحت أوبته ~~منها لا تعني انتهاء الدراسة، وإنما نهاية ساعات الفراق. # هل كانت تدري الأسرة شيئا؟ # هل تعلم أمها ما بينهما؟ ذلك ما لم يكن يدريه. # أما أمه هو فإنه لا يزال يذكر ذلك اليوم الرهيب، حين وقف يحكم رباط رقبته أمام ~~المرآة، ووقفت هي خلفه وقد بدا وجهها الحبيب أمامه، وارتفع صوتها الحنون هادئا رقيقا ~~كأنما يسير في أخدود خطر: انت بينك وبين «سناء» حاجة يا ابني؟ # وأراد عقله أن يكذب، لكن قلبه وقف في الطريق. # وقال وهو يدير رأسه: ليه يا ماما؟ ~~- أنا شايفة انكم بتقعدوا كتير مع بعض، وهي بنت! وانت شاب! # ولم يملك زمام قلبه هذه المرة، واختفى عقله بعيدا وأفسح الطريق، وانسابت الكلمات على ~~شفتيه. # ماذا قال لأمه ذلك اليوم؟ قال لها إنه يحب «سناء»، وإنه يريد أن يمضي حبهما إلى نهايته، ~~إلى الزواج. # وأنت تعرف ذلك كما يعرفه هو و... # ولا يذكر بعد ذلك إلا صوت أمه ينهى إليه في أسى متخاذل. إنه يدرك الآن فقط فجيعة أمه ~~في أحلام ابنها وآماله، وقلبه، يدرك سر هذا الحزن الذي غمر صوتها وغلفه حتى كاد يبدو ~~مخنوقا. ~~- «سناء» أكبر منك بسنتين! سنها الآن تسعة عشر عاما، وأنت سبعة عشر عاما، وعندما تتم ~~دراستك بعد ثلاثة أعوام تكون هي زوجة ولها أولاد! # ولا تطاوعه بعد ذلك الذكريات. إن عقله يقفز إلى عام تال، إلى ms07 يوم مشئوم في نهاية شهر ~~مارس، يوم تدوي الزغاريد في الشارع، وتجري فيه الخادمة النوبية التي رعت طفولته لتعصف بشباب ~~آماله وهي تصيح فرحة من غير قصد: ستي «سناء» قرءوا فاتحتها! على واحد دكتور! # وتتابعت الأحداث كأنها أشباح في عالم الذكريات. وقف ساكنا يتلقى صدمات القدر، كأن ~~العامين اللذين يفصلان بينها وبينه يكبلان إرادته وهواه، وكانت الأعوام الثلاثة التي ~~تفصل بينه وبين حياة الرجل الذي يملك شئون نفسه تلجم لسانه وتشل تفكيره، وكان خلف ذلك كله ~~عشرون عاما، بدأت تقطعها الحياة لكي تملك فتاة حق تقرير مصيرها، وتلامست شفاههما تلك ~~الليلة لآخر مرة، تلامست في قبلة طويلة عميقة بعد منتصف الليل، لم يكن ذلك في اليقظة، وإنما ~~في حلم ساخر، قبلها وهي توشك أن تركب قطارا في رحلة طويلة، نحو عالم آخر! وصحا من النوم ~~مفزوعا، وتحسس شفتيه فوجدهما دافئتين لم تغادرهما بعد حرارة القبلة، وتحسس رأسه فوجده ~~ساخنا كأنه ما زالت تغطيه خصلات شعرها الناعم. # إنه لا يزال يذكر أيضا ذلك اليوم بعد عام، حين تبينت له الحقيقة المروعة، حين أدرك أنه ~~ما زال يحب «سناء»، حين نام صدره بعام كامل يبيت فيه ساهرا، وقد تعلقت عيناه بالسقف، فوقه ~~تماما كانت «سناء» تنعم بليالي شهر العسل مع الرجل الآخر الذي يملكها دون أن يدفع ما دفع ~~هو من سهر، ودموع، وأعصاب! # وصاح بأبيه ذات يوم وقد اغرورقت عيناه بالدموع: ما الذي يبقينا في هذه الدار؟ # وقال أبوه وهو يبسم في أسى: سنبحث عن دار أخرى، وسنغادر هذا الحي بأكمله. وغادرت الأسرة ~~الحي بعد أيام. # ودارت السنون تطوي طريق حياته الطويل، فتخرج من كليته وسافر إلى الخارج وعاد إلى الريف، ~~وتزوج وأنجب أولادا، وفقد أباه وأمه. # خطت الحياة أخدودين عميقين في صفحة فؤاده، طالما تعثرت فيهما لحظات الهناء. # وبالأمس فقط مر من الشارع القديم، فأحس أنه يخوض عباب الذكريات. لقد تغير في الشارع ~~كل شيء؛ لقد غدا شيئا آخر لا يعرفه! لكن خياله مع ذلك قد استطاع أن يعيد الماضي ms08 ، يعيد ~~الشارع القديم بكل ما فيه، استطاع أن يرى الدور القديمة بمشربياتها المتقابلة ~~المتعانقة، واستطاع أن يرى شبح «سناء»، يكبر رويدا رويدا، ويملأ الشارع، ويطوي خلفه ~~نعيما تقضى منذ عشرين عاما! # | ظل ابتسامة # لكأنما تعب القطار من طول الرحلة، فراح يتهادى في بطء، وكأنما عجلاته أقدام عجوز يئودها ~~السير. # وصاح الجالس بجواره وهو يستجمع أطراف ردائه: حصلنا على مزيد الشرف يا أستاذ! احنا نازلين ~~هنا في «بنها». # وهب واقفا يحيي الجيش النازل - جيش الموظفين الذاهبين إلى مقر عملهم. من الصالون ~~الذي جلس فيه نزل سبعة ولم يبق إلا هو، سبعة في خلال الأربعين دقيقة التي جمعهم فيها ~~القطار صاروا أصدقاء، وكأنه يعرفهم من سنين طويلة. # وأطل ببصره من فناء المحطة فوجدهم فعلا كالجيش، لكأنما نزل كل ركاب القطار، خطر له أنه ~~ربما كان الراكب الوحيد الذي لم ينزل في «بنها»؛ البلد الذي ولد به. # وتحرك القطار ثانيا، وتحركت يده تحيي أصدقاءه السبعة الذين توقفوا عن الخروج لحظة، ~~ولوحوا له بأيديهم، وما كادوا يسيرون حتى بدأ يتأمل ما حوله، وجالت عيناه في واجهات ~~المباني والطرقات، وجالت خواطره، ترى أين ولد في هذه المدينة، وفي أي مكان ~~منها؟ # محال أن يكون قد ولد في ذلك الحي الراقي؛ فهو يعرف جيدا أن أباه كان موظفا بسيطا، ~~طالما احتال على العيش بمرتبه المتواضع، واستدرك فكره تلاحق الخواطر ... فاستبعد هذه ~~الاستحالة، وتذكر أن عمره الآن ثلاثون عاما، مدة لا يعيشها حي من أحياء مصر على حال ~~واحد من العزة أو الهوان، ولعل هذا الحي الراقي هو الحي الذي كان يعيش فيه أبوه مع عشرات ~~أنصاف الأحياء من صغار الموظفين والعمال، وأحس أنه في شوق لأن يفعل كما كانت تفعل أمه ~~كلما حاولت - لفرط طيبتها - أن تشكر القدر على ما سمح لهم به من فتات النعمة. # كانت ترفع يدها إلى فمها وتقبلها ظهرا لبطن، ولعله فعل ذلك؛ رفع يده ولثم راحتها ~~وأدارها ليلثم ظهرها، فوقفت يده على حافة فمه، وارتفعت إلى عينه لتمسح ذرة من غبار ms09 تعلقت ~~بأجفانه، وطافت الخواطر، وترك القطار أحياء المدينة، ومضى ينساب في الوادي الأخضر، وجعلت ~~خواطره بدورها تنساب في وادي عمره الماضي، وتذكر حين أمسك بخواطره، وقد اصطدمت عند يوم ~~أليم من عمره، يوم فقد أمه الطيبة الرءوم، وحين ارتطم القطار بدوره بجاموسة فتعطل في سيره ~~لحظات. تذكر ما قرأه منذ زمن لكاتب كان يعجب به في فورة الصبا، ومن أن الحياة رحلة قطار ~~تبدأ بالميلاد وتنتهي بالموت، رحلة بين مدينتي العدم. وبدأ القطار يعاود سيره، وبدأت ~~خواطره تقفز من الذكرى الأليمة إلى ذكريات مشرقة، ولذت له المقارنة بين الرحلتين؛ رحلة ~~القطار السائر من مصر إلى الإسكندرية، ورحلة حياته هو منذ أن ولد إلى اليوم. لعله اليوم ~~يقطع من عمره ما سوف يقطعه القطار بين طنطا ودمنهور، ترى كم يمر بالقطار من عقبات كتلك ~~الجاموسة؟! وترى كم يمر به هو من صدمات؟! وتمتمت شفتاه بعد حين، وهو يودع الخواطر ~~متعجبا، ويعود ببصره إلى ما حوله في الصالون: غريبة! # وتوقفت عيناه! # وتوقف لسانه! # وتوقفت الخواطر! # ومرت فترة قبل أن يعود كل شيء إلى الحياة والجريان، حتى إذا استطاع أن يحرك لسانه، وجد ~~نفسه يتمتم في سريرته فقط بنفس اللفظ: غريبة! # لم يكن الصالون خاليا كما توهم، لم يكن هو الراكب الوحيد فيه! كان في المقعد المقابل ~~في أقصى اليمين إنسان آخر، هو امرأة، لا يدري متى دخلت إلى الصالون، وكيف لم يحس بها، ~~وكيف مرت تلك الفترة الطويلة دون أن يراها! # وعراه الارتباك، وأخذ يذكر ما فعل منذ لحظات، هل رأته وهو يرفع يده إلى فمه؟ هل سمعته وهو ~~يتمتم لاهيا بأغنية يصاحب بها خواطره؟ هل فعل شيئا غير ذلك؟ ولكنه لم يهتد إلى ~~جواب. # وراعته النظرة الثانية التي ألقاها في حذر على الوجه الماثل أمامه؛ إنها امرأة جميلة! ~~جميلة إلى أقصى حد! تفصح ثيابها عن ذوق دقيق، وتنطق عيناها بروح صافية، وشفتاها، يا ~~للعجب! إنهما تفتران عن ضحكة خفيفة، بل مجرد ابتسامة هادئة. # وأطال التحديق معتمدا على انشغالها بتصفح مجلة، وحاول ms10 أن يستشف شيئا وراء هذا الوجه فلم ~~يفز بطائل. وأحس أنه أطال التحديق، فأمسك بالصحيفة التي معه وراح يقلب صفحاتها دون أن ~~يقرأ شيئا، وأدرك أنه يخادع نفسه حين يصرف دقيقة واحدة في غير النظر إلى هذا الوجه؛ فطوى ~~المجلة في عنف، ورفع رأسه و... ووجد نفسه وجها لوجه أمامها، يطيل التحديق في عينيها ~~المصوبتين إليه، فلا يرى شيئا إلا هاتين العينين وتلك الابتسامة، واستطاع في هذه المرة ~~أن يطمئن إلى أنه لم يفعل ما تأخذه عليه الفتاة، واستطاع أكثر من ذلك أن يطمئن إلى أنها لا ~~تشعر بالضيق من نظراته، بل لعلها ترحب بهذه النظرات، ولعلها لن تصدف عن الحديث. # وحرك لسانه في فمه بشجاعة، لكنه لم يقل شيئا، فعجب لنفسه كيف لا يستطيع الكلام، وقد ~~كان منذ دقائق يتحدث بطلاقة، ويجد ألف موضوع للحديث! # هل كان ذلك لأنه كان يتحدث إلى رجال؟ # وفكر في الحديث كيف يبدأ مع امرأة، لا يعرف أي حديث تحب ... إنه يعرف أن الرجال ~~جميعا يميلون لحديث السياسة، لكن المرأة؟! إن حديثها المحبب قد يكون الأزياء، وقد يكون ~~السينما ... وقد لا تكون راغبة في الحديث بالمرة. لكنه استجمع أطراف شجاعته، وأوحى له عقله ~~بهذا السؤال: من «بنها»؟ حضرتك من «بنها»؟ # وكتم أنفاسه في انتظار اللحظة الرهيبة، وأوشك أن يغمض عينيه كي لا تفجعه نظراتها الغاضبة ~~التي قد تحمل الازدراء. # لكن شيئا من ذلك لم يكن، وسرعان ما ترامى إلى أذنيه صوتها العذب كأنه موسيقى خفيفة ~~يحمل الجواب: لأ، من «الإسكندرية». # وتهافت على الفرصة حتى لا تضيع: في «بنها»؟ في زيارة على ما أظن؟ ~~- عند أبي. # ثم ماذا؟ # إنه لا يستطيع أن يسأل السؤال التالي، إنه لا يستطيع أن يقول لها كيف يكون أبوك في بنها ~~وأنت في الإسكندرية؛ إن أي سؤال بعد جوابها هذا يعتبر تدخلا لا ترضى عنه خلال معرفة ~~لم تتم بعد. أيترك الفرصة تضيع هكذا؟ إن عليه أن يتكلم بأي ثمن، أي كلام، وقال دون وعي: ~~لقد ولدت في «بنها»! # ولم ms11 يكد فمه يفرغ من النطق حتى أحس بسخف ما قال؛ فما الذي يعنيها من أمر ميلاده؟ وما ~~الذي يعني أي إنسان غيرها؟ وتملكه الندم، وتمنى لو لم يقل ما قال من سخف، لقد كان يخشى أن ~~تفلت من يده الفرصة، وها هو قد أضاعها بتسرعه! # وسرعان ما قطع عليه تفكيره النادم صوتها يرن في أذنيه قائلة: أنا أيضا ولدت في ~~«بنها»! # وتملكه الفرح ولم يدر أنه يقول: حاجة عظيمة خالص! هذا شرف عظيم! ~~- لكنك لا تقيم في «بنها»؟ ~~- أنا؟ إني لم أرها منذ ولدت، أعني لا أعرف شيئا عنها. إنني أقيم في الصعيد، في ~~«قنا»، حيث أعمل مهندسا. # ومضى يقص كل شيء دون أن يدعو داع للحديث. مضى يسرد تاريخ حياته بإسهاب وتفصيل، ولم ~~يدر شيئا عما حوله إلا أنه كلما أجهده الحديث تزود بنظرة من الوجه الباسم وعاد إلى ~~قصته. # وسكت فجأة حين صدم أذنيه صفير القطار. بدا له هذا الصفير كأنه نعيب غراب يؤذن بزوال ~~نعمة. سوف يقف القطار وينزل في هذه المحطة بالذات؛ إنها «طنطا» بلا شك. # لكم تمنى ألا تكون، أو أن تكون «طنطا»، ويكون عمله الثقيل الذي انتدب لأدائه ~~بالإسكندرية. # وأسرع الزمن، وأسرع هو يبحث عن حل؛ إنه لم يقل لها الآن إنه سينزل في «طنطا»، إنه لا ~~يعنى بذلك قدر ما يعنى بأنه يريد أن يقول شيئا آخر؛ يريد أن يسألها: هل سيراها ثانيا ~~أم لا، ومتى سيراها؟ ما اسمها؟ كيف فات عليه كل ذلك فمضى في الحديث عن نفسه دون أن يعرف ~~عنها شيئا؟! # وهدأ القطار من سيره، فتمالك نفسه وقال يبرر سكوته المفاجئ: يظهر اننا وصلنا! ~~- «طنطا»؟ ~~- أجل، فأنا نازل هنا، لكن ... # وسكت برهة يبحث عن الكلمات. # ثم قال بعد تردد: لقد كانت فرصة سعيدة، كنت أتمنى أن تطول، لكن لعل الزمن يسعدني برؤيتك ~~مرة ثانية، ألا تغادرين الإسكندرية أبدا؟ # وقالت باسمة: إلى «بنها» لزيارة أبي، ثم أعود، وأحيانا نذهب إلى «القاهرة» في ~~العطلة. # وكرر دون أن يدري: كنت أتمنى أن يطول ms12 لقاؤنا، لكن ما حيلتي! لكني واثق أننا سوف ~~نلتقي. # كان القطار قد هدأ من سيره، وكان عقله يفكر في شيء آخر، كيف يكون وداعهما؟ هل سيومئ لها ~~برأسه كما يفعل كل رجل مع كل امرأة لا يعرفها؟ أم سيجرؤ فيصافحها؟ إنه يتمنى ذلك، يحس ~~شوقا شديدا لأن يلمس هذه اليد، ترى ماذا سيكون إحساسه؟ وداعبه خاطر خبيث، هذه الشفاه ~~الباسمة، إنها أنسب مكان لوداع حار، لكنه لا يملك، لا يملك حتى مصافحة اليد. # وتجرأ حين وقف القطار فمد يده مسلما، ومدت يدها في هدوء تصافحه، وشيعته بنفس ~~الابتسامة التي رآها أول ما رأى في وجهها المشرق. # ومضى القطار بها وحدها. ~~••• # جلس عند ظهر ذلك اليوم يتحدث إلى زميله المهندس الآخر الذي ندب ليشاركه العمل، كان ~~حديثهما يدور حول موضوع كل رجلين. # قال زميله: حرام أن لا تتزوج إلى الآن ... أتذكر إذ كنا في الكلية وكنت أشدنا تحمسا ~~للزواج؟ ~~- أجل، وما زلت متحمسا. ~~- فلم لم تتزوج إلى الآن؟ ~~- أتذكر الشروط التي كنت أردد أنها ضرورية في الزوجة؟ ~~- أذكر. ~~- فهذا الذي أنتظره، أنتظر الزوجة التي أحس حين أرى وجهها أنني أرتاح لهذا الوجه. قد ~~لا يكون جميلا، ولكنه مريح ... الوجه الذي يبعث الراحة في النفس ويسكب التشجيع في أعصابي. ~~إن الرجل ليحتاج قبل الطعام والفراش إلى خمر لا تضر، بل تبعث في نفسه الحياة ... هذه ~~الخمر لا يسكبها غير عيني امرأة وشفتيها. # وضحك زميله وقال: إنك على حق، لقد عرفت ذلك أنا، وأحسسته حين تزوجت، لعلك لا تعرف أنني ~~حصلت على ضالتي، وأنني الآن زوج منذ عامين. إني لأرجو أن توفق مثلي، لكن قل لي: لماذا لا ~~تبحث جادا؟ ~~- ومن قال لك إنني لا أبحث؟ ~~- ألم توفق إلى اليوم؟ # وقال كالحالم: اليوم! أظنني اليوم قد وجدت شيئا، وجدت وجهها، أحسب أنني لن أجد سواه، لكن ~~... ~~- لكن ماذا؟ ~~- لا أعرف عنها شيئا! ~~- كيف؟! ألا تعرف من هي ولا أين أهلها؟ ~~- أبدا. ~~- أين؟ ~~- في القطار. # وقهقه زميله، وأغرق في الضحك، وسادهما الصمت أخيرا، ثم ms13 قال وهو يحدق في الحجرة: إنني لا ~~أعرفها حقا، ولم أرها إلا اليوم، لكنني مع ذلك أحس إحساسا عميقا بأنها هي؛ هي تلك ~~التي أبحث عنها، بل أحس أكثر من ذلك، أحس أننا سنلتقي ذات يوم. # وعاودهما الصمت مرة أخرى، وأحس زميله أنه يعاني ألما؛ فاندفع يتحدث في غير موضوع واحد. ~~كان هو خلال ذلك غارقا في عالم آخر؛ كان جالسا على مقعده بالقطار يتأمل الوجه الماثل ~~أمامه، ولا يرى إلا العينين الحالمتين، والشفاه الباسمة على الدوام، وأفاق على صديقه يهز ~~كتفه قائلا: ما رأيك في هذه الصورة؟ # وأمسك بالصورة على مضض، وراح ينظر في غير عناية، طالعه وجه زميله يميل في حنان على رأس، ~~امرأة، امرأة جعل يتأملها، أخفى جهده ما عراه من هزة وهو يرى وجهها، وعينيها، وفمها ~~الباسم. # ومرت لحظات قبل أن يفيق. # وعندما وعت عيناه ما حوله وأحست أذنه دبيب كلمات زميله يقول: إننا نسكن الآن عند أمها ~~مؤقتا، أنت تعرف طبعا أزمة المساكن، لكنني أبحث عن عش جميل، عش في ضاحية بعيدة عند ~~نهاية الرمل؛ فهي مثلي تحب الهدوء والراحة. ~~••• # إنه لا يزال يذكر ذلك اليوم، ويوما آخر بعد عام، حين قابل زميله في القاهرة ومعه زوجته، ~~حين تصافحا وزميله يقدمها باسمها مجردا، ثم يردف قائلا: زوجتي، وتلك النظرة التي اختلسها ~~إلى وجهها فرأى ما رآه أول مرة؛ نفس العينين ونفس الابتسامة! إنه لا يزال يعيش إلى اليوم ~~في ظل هذه الابتسامة! # | أقوى من الحب # - ألا تصدق ما أقول؟ ~~- ولا أصدق أيضا أنك - وأنت صديق مصطفى - تقول ما قلت الآن! إنه بلا شك وهمك الكاذب ~~قد تربع في خيالك. ~~- وهم كاذب؟! إذن إليك ما حدث. أحب فقط أن أنبهك إلى أن هذا هو الحقيقة؛ الحقيقة ~~التي لم أصدقها حين سمعتها، ولكنني صدقتها حين رأيتها. # ومضى يفصل نبأ غرام مصطفى؛ ذلك الغرام الجارف الذي شب فجأة بعد خمود، وعاد إلى الحياة ~~بعد موات، بعد عشرة أعوام! وحين أصبح مصطفى زوجا لحسناء، وأبا لأربعة أطفال، حين استقر ms14 ~~عيشه وبدا كأنما مسحت يد الأيام من حياته سطور ذلك الغرام القديم. # ومضى يسرد الحقائق التي رآها بعينيه. لقد رآهما معا يتنزهان أكثر من مرة، فغالط نفسه ~~وزعم أنها الصدفة قد جمعت بينهما، ثم قابل مصطفى بعد ذلك، وأراد أن يتأكد مما تخيله، ولكن ~~مصطفى راوغ في إجابته، وبدا عليه أنه غير مستعد للإنكار أو الاعتراف، ثم سمع بعد ذلك القصة ~~كاملة من أفواه من يعرفون مصطفى، ومن أقاربه الذين كانوا يرون في عودة هذا الحب نذيرا ~~لكارثة قد تودي بعش الزوجية الجميل ... # ثم سمعها أخيرا من مصطفى نفسه، وكان قد بلغ حدا من الإعياء لم يقو بعده على الكتمان؛ ~~فراح يروي له قصة هواه. # كيف رآها بعد عشرة أعوام، وكيف جمعتهما الظروف ذات يوم وحيدين، فتطرق حديثهما من نجوى ~~العيون إلى نجوى الشفاه، وإذا بحبهما القديم يقفز فجأة فيعفي على الحاضر، ويتطلع إلى ~~المستقبل، يريد أن يبني من جديد حياة عاشقين ... # عاشقين لكل منهما ماض طويل وحاضر مثقل. # هو بزوجته وأولاده الأربعة. # وهي بزوجها وخمسة أطفال. # وبدأ حديثهما عن المستقبل، وقد نحى كل منهما الحاضر من تفكيره، وراحا يلتقيان كما ~~يلتقي العشاق ويبنيان الآمال ... وحين تحدث أصدقاء مصطفى إليه في أمر هذا التطور في ~~حياته، بدأ يفكر جديا في المأساة، دون أن يخطر بباله أن ينقذ نفسه من شباكها. كان جوابه ~~لكل من صارحه بخطئه أنه يحبها حبا قويا جارفا، لا يملك معه البعد عنها. # وقال سعيد، وهو أقدمنا عهدا بصداقة مصطفى: وأين كان هذا الحب من عشرة أعوام؟ # وأجاب حامد: كان موجودا، ألا تعرف أنهما كانا حبيبين منذ الطفولة؟ ~~- أعرف، ولهذا أسأل. ~~- لا أفهم ما تعنيه؟ ~~- هل قص عليك مصطفى كيف بدأ غرامه القديم، وكيف انتهى؟ ~~- لقد انتهى بزواجها طبعا، إنني لا أعرف ما حدث بالضبط؛ فصلتي بمصطفى لا تعدو خمسة ~~أعوام. ~~- أما أنا فأعرف مصطفى منذ عرف الحب، منذ عشرين عاما! حين كان الطفلان يعبثان بالنظرات ~~وهمسات الشفاه، وحين بدأت العيون تجد والشفاه تدفأ، فالطفل فتى والطفلة ms15 فتاة، والشفاه ~~الدافئة تنطق كلمات الهوى في ألفاظ ساذجة، ثم تتشجع وتقوى فتصوغ الهوى آمالا، في الزواج، ~~وفي المستقبل. # وراح سعيد يقص ما يعرف عن هذا الحب: إن هذا الحب الجارف طالما عبث بمصطفى، ففجر ~~قلبه بالسعادة أحيانا، حين كانت تبسم له وتشاركه الآمال، وأغرق فراشه أحيانا أخرى ~~بالدموع، حين كانت تثير في قلبه الشكوك والمخاوف، وما أكثر ما أثارت هذه الشكوك، وأوشكت أن ~~تجسمها في خياله حقائق. # وذات يوم أقبل مصطفى على صديقه متجهم الوجه، توشك أن تطفر من عينيه الدموع، وأخذ يقص ~~عليه كيف رأى حبيبته تساير شابا رقيعا، يعرفه تمام المعرفة، على شاطئ النيل قريبا من ~~منزلها. # وقص سعيد علينا كيف هدأ من خاطره، وكيف علل له ما حدث بأنه لا يعدو مغازلة الشاب، ~~وعجزها عن صد هذا الغزل، وكيف استطاع الحب الجارف - لا دفاع سعيد - أن يقلب الحقيقة وهما ~~يضيفها إلى قائمة الشكوك الظالمة، واستراح مصطفى ومضى في حبه هادئ البال، يستعد لامتحان ~~الليسانس. # ومرت الأيام وحل الامتحان. # لم يكن امتحان مصطفى، وإنما امتحان الحب القوي الجارف! حل في صورة رجل ثري، تسير أمامه ~~رثبة أنيقة، وتمشي خلفه عدة فدادين، وبضعة ألوف من الجنيهات. # وخر الحب صريعا على يد مأذون القرية في يوم أغبر! # وخر مصطفى صريع الحمى بضعة أيام، ثم عاودته العافية. # وأخذت ذكراه تنسحب رويدا رويدا، حتى ضاعت في أفراح ليلتين هائلتين، شملت مصطفى فيهما ~~السعادة، واحتوته بين أحضانها، الليلة الأولى حين تزوج ثريا، والليلة الثانية حين أنجب ~~أول أبنائه محمود. # وقال حامد متمما الحديث: ثم مرت الأعوام، وها هو الحب يعود أقوى مما كان ... # وثار سعيد قائلا: ألا زلت تسميه حبا؟! إن الحب الذي تصرعه محنة في عنفوان الشباب لا ~~يعود! إنك واهم إن تصورت في قلبه متسعا للحب بعد أن ملأته زوجته وأولاده. # قال حامد: إنك لا تعرف ماذا يريد أن يفعل! إنه يريد أن يترك زوجته وأولاده ~~ويتزوجها! ~~- وهي؟! ~~- المصيبة أنها تشاركه الرأي، وتريد أن تقدم على نفس التصرف! ~~••• # ومضى الحديث ms16 بيننا، ولم يكن لدينا أهم من هذا الموضوع. لقد كان مصطفى حبيبا إلى قلوبنا ~~جميعا، وكان يسوؤنا أن تتعرض حياته العائلية لمثل هذه الصدمة العنيفة. وما زلت أذكر إلى ~~الآن كيف كان إصرار سعيد على أن ذلك التطور في حياة مصطفى لم يكن حبا، بل شيئا آخر، ~~شيئا أقوى من الحب، حتى كان أمس، حين لقيت سعيد؛ كنت أعبر الشارع حين استوقفني صوته ~~يسألني: أين أنت يا رجل؟ كنا في سيرتك أنا ومصطفى امبارح. ~~- وكيف حاله؟ وحال زوجته الجديدة؟ # وقال سعيد مدهوشا: لم تعرف ما حدث إذن؟! لقد طلقها منذ أيام، بعد شهرين من ~~الزواج! # وقلت متأثرا: أكنت تتوقع هذا المصير؟ # فأجاب مسرعا: بل لم أكن أتوقع غيره! أتذكر ماذا كان رأيي حين سمعنا بما حدث؟ إذا كنت ~~تذكره فلعلك تدرك صدق فراستي؛ إن كل ما حدث أنه كان يريدها؛ يريدها لأنه الشيء الذي لم ~~ينله يوم تمناه، لقد كانت رغبة جامحة، تسللت تحت ستار الحب، رغبة أقوى من الحب! # مسكين مصطفى! ترى ماذا سيفعل الآن؟ ~~- لا شيء، لا بد أنه ينظف ثوبه ليعود من جديد إلى العش الذي أوشك أن يتداعى! # | ضباب على القرية # عد معي إلى الماضي القريب، إلى عشرين عاما، كانت القرية نائمة، والعيون الساهرة هي ~~عيون الخفراء، قد انتشروا حولها يحفظونها من الأشرار، وامرأة واحدة تسهر إلى جانب فراش ~~مريض قد أطبق المرض أجفانه. # وقالت المرأة وهي تسوي الغطاء، وتحكم إحاطته حول جسد المريض المتداعي: هل نمت يا عبد ~~العال؟ # وأجابها صوته الضعيف: لا! # وأشارت عيناه إلى الغرفة المجاورة، فقالت على الفور: لقد نام منذ ساعة، بعد خروج ~~حسان. # وأغفى المريض وغلب عليه النعاس، وقهرها التعب، فاستلقت تحت قدميه. وأسدلت الأقدار سترها ~~على الفصل الأول في الصباح، بعد أن قدمت من أبطال القصة أربعة شخوص: عبد العال المريض، الذي ~~أسلم أنفاسه إلى نسائم الفجر، والطفل النائم في الغرفة المجاورة يصحو على صراخ أمه وعويلها، ~~وحسان سيد القرية الثاني بعد عبد العال! # ونفض الأحياء أيديهم من الميت ms17 ، وعادوا إلى الدار، وولج حسان باب القاعة مستأذنا، وآخذا ~~في أحضانه الطفل الصغير، وقال وهو يغالب دمع قلبه المرتعش: البقية في حياتك يا أم ~~سيد! ~~- حياتك الباقية! ~~- عايز أقول لك حاجة. ~~- اتفضل. # وانفرد لحظة، خرج حسان بعدها إلى داره، وعادت خضرة إلى القاعة لتبكي من جديد، لا على ~~جثمان الراحل، لكن على حظ الحي؛ حظ هذا الطفل الراقد أمامها، ابن سيد القرية، عبد العال، ~~الذي حمل معه إلى القبر السيادة والمال والهناء ... # لقد مات عبد العال عن دين لا يمكن سداده، وقد صارحها حسان بكل شيء، بأن أيام ~~الحداد لن تنتهي حتى تنتهي معها إجراءات البيع، ولن تخرج سمعة عبد العال نقية إلا إذا ~~ضاع كل شيء، حتى الدار! # وقال لها حسان أيضا شيئا آخر، جعل دموعها الحزينة تخف حرارتها رويدا، فتصبح همهمة، ثم ~~استسلاما. # وتلقت خضرة العزاء في دارها، وختمت هي وطفلها أيام الحداد في دار حسان. # وأصبح حسان أبا جديدا لسيد، وأخا لأمه ... شهدت داره الفسيحة عطفه وحنانه، وعندما ماتت ~~خضرة بعد أعوام من زواجها لم تكن جازعة على مصير الطفل، وقد رأت بعينها حدب حسان وعنايته به ~~... # ويجلس حسان ذات يوم إلى نفسه وحيدا، وتزدحم على رأسه الخواطر والصور ... هذا عبد العال ~~صديقه، ورب نعمته السابق يجرجر أكفانه، ويقبل عليه يسأله عن مصير ابنه الشاب، ماذا هو ~~فاعل به؟ وهذه زوجته هو! زوجته الغالية التي أحبها ولم يحب سواها، ولم يتزوج إكراما ~~لذكراها، ها هي بدورها تخطر له ساحبة أكفانها الحريرية تبحث عن زهرة - ابنتها - في أركان ~~خياله، وتصرخ بأمنية طالما تمنتها، في حياتها، على الله؛ أن ترى زهرة عروسا تزف إلى سيد ~~شريف! # وينهض حسان آخر الأمر، وقد انتهى إلى رأي، ولا تلبث الدار الحزينة، منذ ماتت الغالية، أن ~~تكتسي حلة من النور والبهجة، وتدوي في أرجائها الزغاريد! # وهكذا يتزوج سيد زهرة، ويحمل عن أكتاف الشيخ عبء الإشراف على أرضه، بعزم ونشاط؛ فهو يخرج ~~في الصباح الباكر نحو الحقل، ويعود ساعة الغروب، ويأخذ عليه العمل أحيانا ms18 أخرى كل وقته، ~~فيقضي الأيام بعيدا عن الدار ... # وتكاد القصة أن تنتهي عند هذا الحد، وقد نعم القدر بمشاهدة منظر ساذج من حياة الريف ~~ووفائه، لولا طرقة خفيفة على باب حجرة زهرة! إنه مصطفى صفي أبيها، ذلك الشاب الذي تعلم في ~~مصر، وعاد يحمل في رأسه ضبابا، وعلى وجهه وسامة، وفي ملابسه أناقة، جاء ليلقاها جسدا ~~بجسد، بعد أن لقيها بعينيه أكثر من مرة، ثم واعدها، ثم كان اللقاء. # حدث ذلك، وعميت عيون حسان عن أن ترى شيئا، وحسب سيد أن جدران الدار مكان أمين يصون ~~جوهرته الغالية؛ فلا تراها العيون. ولكن الشيطان الذي لم يكن قد تسلل إلى نفس سيد، قد غافله ~~وتسلل إلى جسد زوجته. # وطالت المأساة كثيرا، وتعمد الشيطان ذات يوم أن لا يغلق الأبواب! وترك السراج مشتعلا في ~~خدر الفاسقة، وقاد قدمي سيد إلى الدار على غير عادته، وأخذ يتلهف على منظر الدماء تسيل ~~على جوانب الشرف المهيض، وأخذ يدب كفيه ليصفق للواقعة الدامية، مقتل آثمين على فراش ~~الخطيئة! # ولكن خاب فأل الشيطان؛ فلم يقتل سيد أحدا. لقد أسدل على الفضيحة ثوب الليل، وأطفأ ~~السراج، ولم ينم إلى الصباح. # وهب مع الفجر من فراش يقظته مهرولا، وأخذ يجمع ملابس زهرة بنفسه ويطويها في عناية، ~~وحين انتصف النهار كان قد أوصلها إلى بيت أبيها مطلقة. # وكان عليه أن يفسر ما فعل لأبيها الشيخ ويرد على أسئلته، ولكنه لم يجب بغير جواب ~~واحد: والله مش عارفين نعيش مع بعض يا عمي، ولا هي بتقبلني ولا أنا بأقبلها، الفراق أحسن. ~~وعبثا حاول حسان أن يصدق هذا التعليل. # شاب طريد لا يملك شيئا، يلفظ هذه النعمة، ويسيء إلى من أحسن إليه؟ # وقال مصطفى وقد جلسا في المساء: يا عم حسان! المسألة فيها سر، أصل سيد ماشي مع ... وذكر اسم ~~امرأة؛ واحدة من قطط الريف الضالة التي تنسج حولها الأقاصيص! # وصدق حسان على مضض، وامتلأ قلبه بالكراهية لذلك الغادر الذي أحال جوهرته الغالية إلى ~~قطعة من الزجاج لن يتحلى بها غير ms19 الفقراء. # وغدا الحقد ينمو مع الأيام على ربيب النعمة العاق، بدأت نقمة السيد الثري القادر على ~~الشاب اليتيم المشرد، أخذت هذه النقمة شتى الصور، لم يجرؤ فلاح واحد على أن يفتح أبواب ~~حقله للطريد، فلجأ إلى القرية المجاورة، هناك وجد حقلا يعمل فيه، ولاحقته نقمة حسان إلى ~~هذا الحقل، فما لبث أن طرد منه! # وظل سيد ينتقل من حقل إلى حقل، حتى استقر بأرض مزارع كبير، وما لبث بها قليلا حتى وثق ~~به صاحب الأرض؛ فجعله حارسا يرعاها ويسهر عليها! # ونشب ذات يوم خلاف بين سيد وناظر الزراعة، وتطور الخلاف إلى مشاحنة شديدة توعده فيها ~~الناظر بالطرد في اليوم التالي. # وفي الصباح التالي وجد ناظر الزراعة مقتولا على حدود القرية، وفي الضحى كان سيد مكبلا ~~بين يدي المحققين ينكر في حرارة أنه القاتل، ويرد على أسئلة النائب الحائر في حيرة ~~وارتباك: ألم تتشاجر أمس مع الناظر؟ ~~- بلى، تشاجرت! ~~- ألم يتوعدك بالطرد في الصباح؟ ~~- توعدني فعلا. ~~- فطردته من الحياة قبل أن يطردك من الحقل؟ ~~- أبدا، وأقسم بالله! # وتتملك الشاب حرارة الإنكار فتغلبه العبرات؛ عبرات البريء المظلوم، ويرق قلب المحقق، ~~ويحس نسمة من العطف على الشاب تمر بقلبه، فيوشك أن يؤمن ببراءته، ولكن ... # لقد تشاجرا بالأمس! # وتعود من جديد قصة الشبهة والقرائن، وتقفز الحيرة إلى رأسه. إنه لا يملك دليلا إلا هذه ~~الشبهة، وهي لا تكفي لإدانة متهم، وهو يخشى أن يتركها فيفقد البصيص الضئيل الذي يقود إلى ~~الحقيقة، ويجد الشرطة في البحث، ويقلب الحقل رأسا على عقب، ويعود الرسل متهللين فرحين؛ ~~فقد وجدوا الدليل! # هذا الخنجر الحاد المرهف! # إن القاتل يختفي عند قبضته بلا شك. # ويشهد خفراء القرية بأنه خنجر سيد، ويشهد بذلك أصدقاؤه، ويسأل حسان فيؤيد ما يقول ~~الشهود، ويقول سيد - بعد أن تفجعه الحجج - في تخاذل: خنجري نعم، ولكنني لم أقتل، وأقسم ~~بالله! # ويجلس سيد في ظلمات السجن وحيدا، لقد ألف الوحدة، ألفها في الحقل، حين كان يجلس ~~وحده في الكون كله يتأمل السماء. إنه هنا أيضا وحيدا! نفس ms20 القمر الذي يراه من كوة السجن، ~~كان يراه وحده في الحقل وكان يحدثه ... طالما حدثه عن زهرة وهو صغير يهفو إلى حبها، ~~وطالما حدثه عنها وهو شاب يطمح إلى زواجها، وطالما حدثه عنها وهو زوج يصبو إلى ~~سعادتها، وطالما حدثه وهو أعزب مجروح العرض مثلوم الشرف، طالما حدثه بأحزانه؛ لأنه كان ~~لا يجرؤ أن يحدث غيره! # ويسأل القمر: من وضع هذا الخنجر في الحقل؟ إني لم أعاد أحدا، فمن أين لي ~~الأعداء؟! # ويصمت القمر ولا يجيب، ويتردد السؤال في مكان آخر، في ساحة القضاء: من الذي وضع الخنجر ~~إذن يا سيد؟ # ويهم سيد أن يقول: لقد سألت القمر نفس هذا السؤال! # ولكنه يذكر أن القمر لا يجيب، وأن القاضي لا يسأل السماء. # ولو أجاب القمر وقص رؤياه لنقل هذا الحوار: ~~- خلاص يا عم حسان، أنا انتقمت لك. ~~- من مين؟! ~~- من سيد. ~~- كيف؟! ~~- دفنت خنجره في الغيط اللي انقتل فيه ناظر الزراعة، والخفراء لقوه وثبتت التهمة عليه ... ~~الناظر مقتول بخنجر زي خنجره بالضبط! ~~- إيه اللي عرفك؟ # ويصمت مصطفى في اضطراب، ويتمنى أنه لم يقل ما قال، ولكنه يتمالك نفسه حين يسمع صوت حسان ~~معاتبا: لكن، مش حرام يا مصطفى؟! ~~- مش حرام أبدا، الخاين مالوش عهد، ودمه ماهوش دين. # ويضعف عتاب حسان، وتهدأ ثورة ضميره، ويذكر ما فعل سيد بأعز ما يملك، تلك الجمرة التي ~~أحالها إلى رماد لا يدفئ بدن شاب. # ويصمت حسان مرة أخرى في ساحة القضاء! # وتنتقل عينا سيد خلال القضبان الحديدية في وجوه الحاضرين، وتلتقي عيناه بعيني حسان، ~~فيغمض حسان عينيه، وتلتقيان بعيني مصطفى، ويطيل كلاهما التحديق، ويرى سيد شيئا، وتلفظ ~~شفتاه: مصطفى! # ولكنه يمسك مذعورا على صوت القاضي: مصطفى؟ من مصطفى؟ هل بينك وبينه عداء؟ # ويهمس خفير إلى جاره في آخر القاعة: أتذكر يا عبد العال ليلة وجدنا الخنجر؟! إن مصطفى ~~كان فعلا آتيا من الحقل، ماذا كان يفعل هناك؟! # ويتحرك الخفير الساذج على مقعده متململا متحفزا للكلام. # ويعيد القاضي سؤاله: من مصطفى هذا؟! ولماذا يضع لك ms21 الخنجر؟! هل بينك وبينه ~~عداء؟! # ويصمت سيد متخاذلا، وقد استقرت عيناه عند جبين ولي نعمته المتغضن في حنان وعطف. # ويهدأ الخفير، وقد تضاءلت في ناظريه حياة سيد، ويهمس له جاره: يا عم احنا مالنا؟ # ويقطع صوت القاضي صمت الأصوات، وضوضاء الأفكار السابحة في رنين رهيب: يا سيد! أديك سكت، ~~مش قادر تقول حاجة؟ ليه مصطفى ده خبى الخنجر في الغيط، ومنين جابه؟ # منين؟ منين؟ # أيقول؟ ولماذا؟ لكي يعيش؟ # يعيش بذكرى خيانة زهرة رفيقة صباه، يعيش في عالم حالك، لن يرى في نهاره وليله إلا صورة ~~لحظة واحدة، تحجب بظلامها كل ما في الحياة من ضياء! يعيش ويقتل حسان؟ يقتل من منحه ~~الحياة، حين كانت الحياة ضياء وجمالا؟! # لا! # قالها في خياله، وقالها للقاضي: لا! لا أعرف! احكم علي يا حضرة القاضي، أنا حكمت قبلك ~~بالموت على نفسي! # لكن الله لم يحكم عليه، ولن يحكم على بريء؛ فما تكاد الجلسة تنتهي في المساء، وما يكاد ~~حسان يأوي إلى غرفته في فندق المدينة، حتى تعود إلى خاطره صور يومه الحافل، وتتركز من بينها ~~صورة واحدة؛ صورة عيني سيد تستنجدان به؛ صورة لا تفارقه فلا ينام، ولا يقف الأمر به عند حد ~~الأرق، بل يبدو له شبح سيد معلقا في حبل المشنقة ميتا، وهو يشير إليه، وتضيق الأشباح ~~على الشيخ الخناق، وتطارده الصور، ويهب من أحلامه المروعة فزعا صارخا، وقد تملكته ~~الحمى، وفقد أعصابه، ويهرول إليه نزلاء الفندق، فيأخذ في الحديث المضطرب، ويظنه الناس ~~قد جن، ولكنه يصيح بهم: أقسم لكم أني لست بمجنون، إنني أقول الحقيقة؛ سيد لم يقتل، ~~الذي قتل هو مصطفى، قتل ناظر الزراعة، وأخذ خنجر سيد وأخفاه في الحقل! # ويقبل سيد في صباح اليوم التالي إلى قاعة المحكمة مكبلا، فلا يتبين وجه حسان بين ~~الحاضرين، ولا يرى مصطفى، ولا تكاد الجلسة تبدأ حتى تؤجل؛ لأن أمرا قد جد يستدعي ~~التأجيل! # تقول القصة بعد ذلك: إن سيد قد أفرج عنه، وقبض على مصطفى، وقدم متهما بالقتل، ~~وحكم عليه بالإعدام، وإن ms22 حسان قد مات ليلة أملى اعترافه. ويوشك الستار أن ينزل على ~~المأساة، لولا أن يهمس أهل القرية، وقد نفذ حكم القضاء في مصطفى: إنه بريء، مظلوم من دم ~~ناظر الزراعة! إنه لم يقتله. ويهز فقيه القرية رأسه كلما ردد الأهالي همسهم قائلا: ولم ~~إذن أراد إلصاقها بسيد؟! # علم الله ما هو بمظلوم، لقد أراد قتل بريء! # ويجلس سيد في الحقل، وينظر إلى القمر، ويقص عليه القصة كلها، ثم يرفع يديه متمتما ~~للسماء: أحمد الله ... أن حسانا لم يعرف ما جنته ابنته؛ لقد مات قبل أن يعرف! ~~••• # وينقشع الضباب! # | حيث انتهى الأبطال # إنك تعرف - بلا شك - غادة الكاميليا وقصتها الرائعة الدامية، هذه الغانية الفاتنة كانت ~~مريضة بالسل حين أحبها أرمان دوفال أصدق من عشقها بين عشرات الذين عرفتهم، وتعرف كيف ~~نما الحب بينهما نمو المرض في جسدها اللدن، وكيف تعثر هذا الحب تعثر الأنفاس في صدرها ~~الملتهب، وكيف بلغت في غرامها ومرضها أوفى غاية، فضحت بقلبها على مذبح الحب، وبحياتها على ~~مذبح المرض ... فكانت نهاية البطلين التي رسمها ديماس، كما رسمت علامة الصليب على قبر ذات ~~الكاميليا في باريس! # عند النهاية المروعة، وحيث نما الحب والمرض معا في بدن غادة باريس، عند هذه النهاية بدأت ~~قصته معها في الإسكندرية ... لقد لقيها ذات مساء على الشاطئ تسير في صحبة ثلاثة، عرف في ~~إحداهن ابنة عمه، وكان شابان يلحان عليهن في مغازلة عنيفة تثير الأعصاب، فتقدم نحوهما ~~معاتبا في خشونة، وكاد يشتبك معهما في عراك لولا أن اقتربت الفتيات الثلاث منه، ونادته ~~ابنة عمه باسمه، ففر الشابان خشية الفضيحة ... وهكذا بدأ التعارف بينهما. كان اسمها الاسم ~~الثاني الذي تفوهت به ابنة عمه، وهي تقدمه إلى صديقتيها؛ منيرة صفوت. # وساروا جميعا على الشاطئ، وقالت ابنة عمه: الحمد لله الذي بعث بك الآن، لقد تبعنا هذان ~~الوغدان من الشاطئ إلى هنا، ونحن نسرع عسى أن ييأسا من ملاحقتنا، ولا فائدة. وقالت صديقتها ~~الأولى: نحن لا نعرف كيف نشكرك! # والتفتت إلى منيرة قائلة: مسكينة منيرة، ضروري ms23 تعبت من المشوار؛ لقد غادرت الفراش بالأمس ~~فقط. # ووجد نفسه يسأل: هل كانت مريضة؟ # وأومأت منيرة برأسها، وردت ابنة عمه: كانت تشكو البرد، لكن الحمد لله، إنها اليوم أحسن ~~بكثير، ودار الحديث عن منيرة، وساهمت هي فيه بهمس خفيف كان يسمعه متلهفا، وارتسمت في رأسه ~~صورة لحياة فتاة ضعيفة البنية، يسرف المرض في زيارتها ... وبدت أمام عينيه، وهي تخطر قريبا ~~منه بجسمها الضامر ووجهها الرقيق، وعينيها الجميلتين البراقتين ... # وجمع خياله بين الصورتين في إطار أنيق وديع من صوتها الهامس ... وحانت له الفرصة ليطوي يده ~~على اليد الصغيرة المرفوعة، وغالب نفسه طويلا لكيلا يلثم هذه اليد! # وكان لقاء على رمال الشاطئ في اليومين التاليين، أخذ الهوى خلالهما سبيله إلى القلبين ~~الشابين، وانطلقت أولى كلمات هذا الهوى في لقائهما الثاني، إثر سعلة عنيفة تعثرت في ~~فمها، فتعثر لها فؤاده، وقال في حنان: سلامتك! # وأجابت بنظرة كلها يأس، ورد بنظرة كلها حب وأمل ... # ومرت أيام، ذرع إليها الشاطئ أكثر من مرة فلم يجدها، وطال ترقبه وتكرر يأسه؛ ففزع إلى ~~ابنة عمه مضطربا يسألها عن صديقتها، وهناك عرف الحقيقة المروعة! # لقد نما الحب في قلبيهما مع مرض خبيث انساب إلى صدرها، وقرر الطبيب أن لا بد من نقلها ~~إلى حلوان. # أطاق يوما واحدا بعد ذلك النبأ كآبة الشاطئ الخالي من منيرة ... يوما واحدا حزم بعده ~~حقائبه إلى القاهرة. # وعرفت رمال حلوان منذ ذلك اليوم وقع خطواته، وهو يدب بأقدام مثقلة بأحزانه صوب ~~«المصحة»، حيث يأوي المصدورون. وأصبح يومه يتلخص في ساعات العمل البغيضة في الصباح، ثم ~~الانطلاق بعد ذلك إلى حيث تأوي آماله بين جدران غرفة بيضاء. # وذاقت منيرة مع مرارة المرض ساعات حلوة، غمرها فيها بحبه وحنانه ... ووقف الطبيب ذات يوم ~~على حافة فراشها، وقال وهو يتحسسها: لن يطول مكثك بيننا يا منيرة؛ فربما استطعت مغادرة ~~المستشفى بعد أسبوعين أو ثلاثة. # وزفت إليه البشرى عصر ذلك اليوم، ومرت دقائق الأسابيع الثلاثة كأنها جبال تتحرك ~~منزاحة عن صدره، ومرت الساعات أجيالا، ومرت الأيام دهورا ms24 ، وبدت له نهايتها كحلم ~~جميل. # وغادرت منيرة «المصحة»، وعادت إلى منزلها، فأضاء قلبه عشرة أضعاف الثريات التي أضاءت ~~دارها ليلة وصولها، وغمر قلبه فرح تتضاءل معه أفراح كل أسرتها، وعاد إلى الحياة في صباح ~~اليوم التالي نشيطا مبتهجا، وقال زميل له يداعبه: مش رايح النهاردة حلوان؟ # وأجاب في سرور: حلوان؟ لقد محيت من الخريطة منذ الأمس! أنا الآن في الفردوس! فردوس يحده ~~من ناحية شاطئ النيل، ومن الناحية الأخرى شارع قصر العيني، إنه الشارع المقفر الكئيب أمس ~~الأول، قد أصبح منذ الأمس جنة الكون! # وقاطعه صديقه قائلا: يا سلام! أهكذا يفعل الحب؟ ~~- وأكثر من ذلك! ألم يبرئ المريضة ويحيي قلبين؟ # وكان صادقا! # كان فردوسه الشارع الهادئ في جاردن سيتي؛ حيث تفطن، وحيث كان يخلو وإياها في رياضة قصيرة ~~عصر كل يوم، فلا يحسان غير وقع أقدامهما. وكان فردوسه شرفة المنزل؛ حيث يجلس وإياها ~~بعد رياضتهما الساذجة ساعات يطلان على شجرة واحدة، شجرة واحدة لعل بذرتها سقطت ذات يوم ~~عفوا من زارع الأشجار! # شجرة واحدة كانت كل ما في الشارع من حياة وخضرة، وكانت في نظره أجمل فردوس في الوجود، ~~فردوس كامل تعطره الأزهار ويذخر بالأطيار! # لم يمل يوما هذا المنظر الرتيب، وكان يقول لها: لو يمضي العمر كله على هذا المنوال يا ~~منيرة! أنا وأنت وهذا المنظر الجميل! # وكانت تجيبه ضاحكة: ألا تمل هذا التكرار؟ ~~- أنا؟! أنا أمل؟! أمل النعيم؟! فيم أطمع وأنت معي؟! # إن الحياة لا تحتاج لبهاء غير ما ينعكس من وجهك على صفحاتها؛ هكذا هي في عيني. # وتدوي ضحكتها وهي تنظر في حنان قائلة: شاعر! # إنه ليسأل نفسه الآن: هل كانت نظرتها حنانا أم سخرية؟ ويسأل نفسه مرة أخرى: أكانت تعني ~~كلمة شاعر في نظرها إنسانا مرهف الحس رقيق الشعور؟ أم معتوها ساذجا، جديرا ~~بالرثاء؟ # الآن بعد عشرة أشهر يدرك لم سألته عن الملل، لقد كانت تحس الملل بلا شك من جلستها ~~الهادئة في الشرفة، ومن رياضتهما الساذجة في الشارع الهادئ ... # هي التي كانت تحس الملل إذ ms25 ذاك ... كانت ترهقها حياة الهدوء التي فرضها عليها الأطباء بعد ~~شفائها شهرين كاملين. لم يكن هو شاعرا في نظرها ... كان معتوها ساذجا، يعيش في الأحلام ولا ~~يود أن يخترق نطاقها ... كانت هي أبعد ما تكون عن هذه الأحلام، كانت تعيش فيها مكرهة ~~ملولا، لم يكد اليوم الأخير من شهري النقاهة يدبر، حتى انطلقت من إسار الأحلام، وعادت ~~الحياة ... وظل وحده يعيش في الأحلام! # وأقبل في عصر ذلك اليوم على الدار، فلم يجد منيرة! # وقالت أمها: لقد خرجت لتزور صديقاتها، هل نسيت أن اليوم أول يوم يصرح لها فيه ~~بالخروج؟ # لم يكن قد نسي، بل لم يكن في العالم إنسان قد حسب الساعات وتهيأ لهذا اليوم مثله ... وكان ~~في أحد جيوبه تذكرتان للسينما، وفي الجيب الآخر خاتم جميل، وفي يده باقة ورد مشرقة؛ إنه لم ~~ينس إذن. هي التي نسيت أن ذلك اليوم من أعياد حياته! # وجلس كثيرا ينتظر، ودقت الساعة الثامنة، فامتدت يده إلى جيبه، وفركت - في يأس - ~~تذكرتي السينما، ومرت ساعة أخرى، فأخرج من جيبه الخاتم الجميل في حزن، ودفع به إلى أمها، ~~وقال وهو يغالب أساه: هذا لمنيرة يا تيزة، لسوف أحضر غدا. # وألقى نظرة أسيفة على باقة الزهر، كم كان يود أن يشمها وإياها! ثم عاد إلى داره. # لقد كان في نظرها ساذجا ... إن كلمة شاعر كانت تعني ذلك. ظل ساذجا والأيام تمضي، مضى ~~اليوم الثاني أسوأ من الأول، لم يفجعه غيابها وإنما فجعه لقاؤها؛ إن منيرة التي عرفها على ~~شاطئ البحر، ثم رآها على سرير المرض، وأغرق فراشها بحنانه، ليست هي التي قابلته عصر ذلك ~~اليوم. هذه الفتاة المرحة في عنف، ووجهها الغارق في زينة مسرفة، حتى ضحكتها، الضحكة الرقيقة ~~أضحت ضحكة عنيفة ...ثم كان حديثها، إنه ليشك أن الفتاة التي كانت تحدثه إذ ذاك هي الفتاة ~~التي كانت تجلس منذ أيام وإياه على الشرفة. # كل شيء فيها تغير، حتى صوتها، وحتى لقائها له. لقد استقبلته كما لو كان معها منذ لحظات، ~~وتكلفت الابتسام وهي ترد ms26 تمنياته وتحياته، ثم قالت وهي تداعب كلبها الصغير: أنا آسفة؛ فقد ~~خرجت أمس لأنني لم أكن أطيق المنزل؛ هذا السجن الذي قضيت فيه شهرين، كان من المحال أن أنتظر ~~دقيقة واحدة ... ثم إنك تأخرت! # تأخر؟! # وأجاب دون انتباه: لقد حضرت في الخامسة والنصف، كنت أنوي أخذك للسينما، ولكن ... # وقاطعته مسرعة: لقد ذهبت فعلا للسينما، مع مديحة وحسنية ... # ودار حديث طويل، ومرت كلماته على صدره كأنها أحجار، ولامست معانيه قلبه كأنها أشواك ... ~~وعندما خرج كان وداعها فاترا، وأحس كأنما تتعجل خروجه. # إنه ليذكر الآن كل يوم بعد ذلك اليوم ... يذكر كل لقاء لهما، وكل نزهة خرجا إليها، يذكر ~~ذلك الفارق العظيم بين تفكيره وتفكيرها، تلك الهوة السحيقة التي كانت تلقي فيها بآماله ~~واحدا إثر واحد ... يذكر المرات التي جاء ليزورها فلم يجد غير كلبتها الصغيرة ترحب به وتجري ~~من حوله ... لقد ظلت وحدها المخلوق الباقي على الوفاء، وإنه لا يذكر يوما واحدا عني فيه ~~بالعطف عليها أو مداعبتها. # والتقى بابنة عمه ذات يوم صاعدة درج السلم إلى بيته، فحياها وأسرع مهرولا إلى كعبة ~~آماله، ولكنها أمسكت به قائلة: سعيد، هل أنت مستعجل؟ إني أريد أن أحدثك. # وصعد معها ثانيا إلى الدار، وقالت وهي تجلس: ألا تزال متصلا بمنيرة؟ # وفجأه السؤال، فأجاب على الفور: نعم، لكن ... ~~- لكن ماذا؟ لكنك تحس أنها تغيرت، أليس كذلك؟ # وتهاوت عزيمته، ولم يجد ما يقوله، فاستطردت قائلة: إنها تغيرت فعلا يا سعيد، أنا أعرف ~~ذلك؛ ولذلك جئت لأحدثك ... إن منيرة لا تحبك ولا تحب أحدا، إنها تصادق، تصادق أكبر عدد ~~من الشبان؛ تلهو بهذا، وتعبث بذاك، والسعيد منهم من عبث بها ومضى إلى حال سبيله ... # الذي يؤسفني أنك أحببتها، وقمت بدور المحب الوفي ... إنك لم تترك لي فرصة لأحدثك عنها، ~~لم أكن أعلم حين سألتني عنها أنك أحببتها، لو علمت لأخبرتك ... أمس فقط آلمني أن أسمعها ~~تتحدث بسخرية، وعلمت أي خدعة وقعت فيها! # إنه لا يدري، هل سمع كل ما قالته ابنة عمه أم لا، إن كل ms27 ما وعاه أنها أضاءت بحديثها النور ~~في سبيله، فأدرك ما غاب عليه وما حار فيه من تعليل تصرفات منيرة، ووعى أيضا جوابها على ~~سؤاله المضطرب: أكانت تخدعني طوال مرضها؟ ~~- بل كانت صادقة ... لقد كنت أنت كل ما بقي لها خلال هذه الفترة، من أين يكون لها الشاب ~~الذي يسري وحدتها، يغمرها بالحب، وهي جسد أصفر باهت يتآكله المرض، لم يكن هناك غيرك، ~~حتى شفيت وعادت إلى الحياة. # إنه لم يخرج في هذا اليوم إلى بيت منيرة، ولا في اليوم الذي تلاه ... لم يذهب إلى هذا البيت ~~قط بعد ذلك اليوم. ظلت صورة منيرة تتضاءل في ناظريه ويعلوها الغبار ... حتى استقرت في زوايا ~~الذكريات الأليمة. ~~••• # إنك تعرف - بلا شك - نهاية قصة ديماس الخالدة؛ حيث مات البطلان وعاش الحب، عاش إلى ~~اليوم. ~~••• # حيث انتهى الأبطال، بدأ سعيد هواه؛ هواه العظيم. كل الفرق أن هواه قد مات وعاش البطلان ~~- هو ومنيرة - في زوايا الذكريات. # | المغفل الثالث # كل شيء عنها كان يعرفه ... # يعرف أنها قادت واحدا من الأثرياء إلى هاوية الإفلاس في عام واحد، ثم ودعته على عتبة ~~الفاقة. وآبت بواحد من أصدقائه كان في مثل ثرائه، فأسلمته بعد شهر إلى المأذون ليعقد له ~~عليها في ورقة، ويطلق زوجته وأم أولاده الثلاثة في ورقة أخرى. # وكان يسمع بأذنيه ما يقوله الناس حين يرونها مع صيد جديد، ومع ذلك فقد تعرف إليها ~~وواعدها على اللقاء، وذهب إلى أصدقائه يزف إليهم النبأ في زهو وفخار قائلا: أتعرفون مع ~~من سأتعشى اليوم؟ سأتعشى أنا و... وضاعت حروف اسمها في صيحات الدهشة التي بدرت من ~~الجميع. # وقال واحد من أصدقائه: انت اتجننت؟! # وأجاب في ثقة: لم أكن في حياتي أعقل مني اليوم. # ولم تثر غيظه الضحكات العالية التي انطلقت من أفواههم، وظل صامتا يسمع تعليقاتهم ~~الساخرة: رحمة الله على رصيدك في البنك! ~~- بالتأكيد ربنا عاوز يخرب بيتك ... # وانبرى أحدهم فهز كتفيه في عنف قائلا: هل أنت أصم؟! ألا تسمع؟! ~~- سامع. ~~- أتعرف ماذا جرى لفلان، ولفلان؟ ~~- أعرف، لا وجه ms28 للمقارنة. ~~- لقد كانا مغفلين، خدعتهما. ~~- ضحكت عليهما ... أنا شيء آخر، لقد أعددت خلف رأسي سلة ألقي فيها أحاديث هواها، كل ~~المسألة في نظري أنها دمية جميلة ألهو بها، لن تأخذ مني أكثر مما تأخذ الريح من سطح مرآة؛ ~~ذرات الغبار التي خلفتها ريح سبقتها. ~~- إنك لفيلسوف جبار! ~~- بل منتقم جبار، سينتقم للسابقين واللاحقين! # وضاق بسخريتهم، فغادرهم وهو يرثي لحماقتهم، وتعمد أن يذهب متأخرا عن موعدها. # وجلسا يتناولان العشاء ويتحادثان، وقال وهو يرقبها في حذر: ثوب جميل هذا الثوب! ~~- من باريس، إنه هدية زوجي، أتعرف أني كنت متزوجة؟! # وأجاب في خبث: أعرف طبعا، من فلان؛ صديق زوجك الأول. # وقالت ضاحكة: زوجي الأول؟ إني لم أتزوج غير مرة واحدة. الأول كان صديقا ... مجرد صداقة ~~فقط. لقد تزوجت مكرهة؛ كان لا بد لي من رجل أحمل اسمه؛ إن اسم أبي ليس مشرفا. أتعرف ~~أبي؟ ~~- طبعا لا ... هل كان من ذوي الأملاك؟ ~~- كنت أستطيع أن أقول لك ذلك ... أو أقول لك إنه كان مستشارا أو ضابطا كبيرا. إني أقول ~~ذلك أحيانا ... لكن لا أدري لماذا أحب أن أكون صريحة معك؟! # وأخفى خلف شفتيه ابتسامة، وقال بتأثر: أنا أيضا أشعر نفس الشعور، أحب أن أكون صريحا ~~معك! ~~- كم أتحرق إلى رجل يخلع ثوب الرياء عن كتفي وكتفيه، إني أضيق بالعواطف المدهونة التي ~~ألقاها في كل الوجوه ... # وقال وهو يضحك: لن تجدي شيئا من هذا لدي، سترين عواطفي بغير دهان، قد لا تكون جميلة، ~~ولكنها حقيقة، ثم لا تنسي شيئا، إن الدهان مرتفع الثمن، وأنا - واغفري لي صراحتي - لست ~~غنيا. # وقالت، وهي تومئ إلى مائدة بعيدة: أترى هذا السيد هناك؟ # لقد كنت أستطيع أن أكون معه، فيمتلئ ساعداي بالجواهر، وتفرش الأرض تحت قدمي ~~بالبنكنوت، إنه يبذل جهد الجبابرة ليتعرف إلي ... مع ذلك ها أنت تراني معك، أنت الذي ~~فضلتك لصراحتك، لقد شبعت دهانا ... ولدي ما يكفيني. # وتجاهل تحيتها الأخيرة، وقال في سخرية: مغفلون هؤلاء الذين يضيعون ما تعبوا في تحصيله ~~تحت قدمي امرأة! ~~- أنا أيضا أراهم ms29 كذلك ... إنهم يخطئون السبيل إلى قلب المرأة. إن المرأة لا ترفع إلى ~~قلبها ما تجده تحت قدميها. # وملأه الزهو وهما يغادران المطعم وقد استندت على ذراعه في دلال ... بدت له بثوبها الرائع، ~~وفرائها الثمين، وقامتها البديعة، كصيد فاخر ... صيد لم يبذل في سبيله قذيفة واحدة، وذكر ~~حماقة أصدقائه فضحك في سره، وقالت وهو يودعها: غدا؟ ~~- لا أظن، إني مرتبط بمواعيد غدا وبعد غد، ليكن يوم الأربعاء إذا شئت. # لم يكن مرتبطا بأي موعد، ولكنها السياسة التي رسمها لنفسه، ليذل قاهرة الرجال. كان ~~يريد أن يريها لونا جديدا منهم غير الذي ألفته، لونا يلقاها عندما يريد لا عندما ~~تريد ... # والتقيا يوم الأربعاء، وسارا في الطريق على غير هدى، ووقفت عند متجر للمجوهرات، وأخذت ~~تتأمل الحلى الأنيقة، وأخذ قلبه يعصف بشدة، وأحس أنه مقبل على امتحان عسير. ~~- تعال، أريد أن أرى هذا الخاتم. ~~- أليس الأوفق أن تريه غدا صباحا؟ وفي وضح النهار؟ # وانفجرت ضاحكة وقالت: أظننتها مؤامرة؟ اطمئن. # وتملكه الذهول، وهي تخرج من حقيبتها عشرين جنيها، تدفعها للبائع ثمنا لخاتم، وأفاق ~~على صوتها يهيب به: بطاقتك! ~~- من؟ أنا؟ ~~- أجل، ليس لدي ورقة أكتب له فيها عنواني ليرسل إلي الخاتم بعد إعداده، اكتب له ~~عنواني أرجوك! # وأخرج بطاقته وكتب، وعندما غادرا المتجر قال لها: إنك تلقين النقود في الأرض! خاتم من ~~الزجاج بعشرين جنيها؟ هذا جنون! ~~- وماذا أفعل بنقود الحمقى غير إضاعتها في التوافه؟ # وكانا قد وصلا قريبا من المطعم؛ نفس المطعم الذي تعشيا فيه من قبل. قادتهما أقدامهما ~~إليه، ولم ينتبها إلا على الأضواء المنبعثة من واجهته، فقال: عجيبة! ألن نغير ~~المكان؟ # وقالت في غير اكتراث: كما تريد، أنا شخصيا لا يضايقني أن نتعشى هنا. # وجلست بجانبه، ولم تكد تتأمل ما حولها، حتى تصنعت الدهشة والغضب، وقالت وهي تومئ ~~بعينها: هذا المعتوه وراءنا في كل مكان، دعنا ننهض! # وقال في كبرياء: ولماذا؟ هل تخافين منه؟ ~~- أبدا، إنه لا يعنيني، إنه أحد الذين أثروا من الحرب، اسمه - على ما أذكر - سيد، ~~تعرفت إليه ms30 مرة في بيت إحدى صديقاتي، ومن يومها وهو لم يكف عن مطاردتي، ولعله يئس بعد ~~أن رآني معك. # وأخذا يتناولان العشاء، ويقرعان الكئوس، وشربا كثيرا، وبدا عليها أنها قد ثملت؛ فألقت ~~برأسها على كتفه، وقالت وهي تحدق في عينيه: أتحبني نصف حبي لك؟ لكنك لن تصدق! # وقال وهو يمسك بين جنبيه بقية من حذر: ماذا تريدين؟ أتريدين برهانا لحبي؟ # وأجابت: أريد الحنان، عواطفك غير المدهونة. # وقال متضاحكا: لحسن الحظ أنا لا أملك غير ما تطلبين. # وبدأ يسوق البراهين ... جعل يضم يدها بين يديه في حنان، وأغرق وجهها بنظرات الحب الوالهة ... ~~واختفت من أمامه الغانية العابثة، وبقيت الحسناء الجميلة، ذات الوجه الفاتن، والعيون ~~الناعسة، والشفاه الدافئة ... تمنت نفسه أن يرى وحده هذا الجمال، فقال متثائبا: هل ~~ننهض؟ ~~- هيا، إني لا أقل عنك رغبة في الراحة، وأمسك بيدها وهما في السيارة، وحاول أن ~~يقبلها، ولكنها نأت بفمها بعيدا، وقالت وهي تتخلص من ساعديه: دعني أحتفظ بالأمل ~~فيها؟ ~~- ما هي؟ ~~- القبلة التي تريد أن تمنحني إياها، أريد أن تحس معي أنها شيء عزيز المنال؛ فلنؤجلها، ~~ولنعش أياما في لذة الشوق إليها ... # وعندما آب إلى داره - بعد أن أوصلها - بدأ يستعيد ما حدث بينهما. # إن هذه الفتاة جديرة بشيء آخر غير الخداع، جديرة بعواطف صادقة، إنها تستحق منه أن يفكر ~~تفكيرا آخر أسمى من هذا التفكير. لقد تأكد أنها لا تريد به شرا، ولا تفكر في خداعه. لو ~~أنها كانت تخدعه لخدعته أول لقاء، أو في الثاني، لكنها لم تفعل، كانت تستطيع أن تتركه إلى ~~هذا السيد الثري بعد أن صارحها بأنه لا يملك شيئا. إنه لن يشك لحظة في أن هذا العملاق غني ~~الحرب - الذي كان يجلس قبالتهما - يشتعل غراما بها، ومع ذلك فهي لا تعيره أي اهتمام، ~~وانتهت به تأملاته إلى قرار؛ إنه لن يقسو عليها بعد اليوم، وسوف يكشف لها قلبه. # ومضى يحدثها في الصباح بالتليفون، في رقة لم تألفها، وكم أثلج صدره أن تختم حديثها ~~الشهي قائلة: بالعكس، إن حديثك ms31 يدخل على قلبي السرور! # ومرت أيام ... كان يلقاها في الصباح وفي المساء ... كانت تصحبه كلما قصدت متجرا، فتشتري ما ~~تشاء، ولا تسمح له أن يدفع ثمن شيء! # وحاول مرة أن يدفع عنها ثمن ثوب من الحرير فرفضت، ولما أحست غضبه قالت بحنو: ما ~~دمت تريد أن تشتري لي شيئا، فاشتر لي هذه الزجاجة، إنه عطر جميل، يذكرني دائما ~~بجمال اللحظات التي أقضيها معك! # وانثنت في دلال، وهي تشم العطر القوي، فأحس ذلك التناسق البديع في جسدها، وقال مذهولا: ~~قاتل الله الناس! لقد شوهوا الحب! # وتساءلت: كيف؟! ~~- خلطوا بينه وبين أخس العواطف، أليست مصيبة أن تكون القبلة سبيل المحب الصادق والمشتهي ~~السافل سواء بسواء؟! # أنا الآن مثلا أريد أن أقبلك، أقبلك فقط، ولكنني لا أجرؤ، حتى لا أثير في نفسك الشك ~~بأن جسدك البديع أغراني! # وأغرقت في الضحك ثم قالت: من الخير أن لا تفعل؛ لأنني سأظن ذلك فعلا! # واستطردت بعد برهة: قل لي، هل سأراك قريبا؟ # وأجاب مدهوشا: قريبا جدا، غدا إذا شئت. # وفكرت لحظة، ثم قالت: لا أظن غدا، ولا بعد غد! إني ذاهبة لزيارة خالتي المريضة، وقد ~~أبقى بجانبها يومين، وسوف أكلمك بعد عودتي. # وافترقا في هذا المساء، بعد أن ضغط على يدها بحرارة. # وحاول أن يقبلها، فقالت وهي تميل برأسها لتتجنب قبلته: تذكر ما قلته لك ... كم ستكون ~~القبلة شهية بعد أيام! # ووجد نفسه في اليوم التالي وحيدا، لا يدري ماذا يفعل، فسار في الطريق لا يعرف أين تقوده ~~قدماه. # أكانت مصادفة أن يجد نفسه أمام المطعم الذي شهد ميلاد الحب بين جنبيه؟ إنه لا يدري ... كل ~~الذي يعلمه أنه أطاع قدميه، وولج باب المطعم، وقصد إلى نفس المائدة، وجلس إلى نفس المقعد ... ~~ودار بعينيه يتأمل ما حوله، ويتفقد بهجة عش الغرام الجميل، وأحسه ساكنا مكتئبا، ومد ~~بصره إلى الأمام إلى أقصى القاعة، حيث يجلس الثري العاشق وحيدا مهزوما! # غالط عينيه، وعاد ببصره ثانيا يحملق ... فآب بنفس النتيجة؛ إن الثري العاشق لم يكن ~~وحيدا، إن معه امرأة ms32 لا يكاد يرى وجهها! # وهب مذعورا كمن لسعته أفعى! لقد كانت هي! هي بعينها! بفرائها الثمين، وقد تراخى على ~~حافة المقعد، وساعدها البض، وقد ارتمى في دلال على كتف سيد بك! # وأحس بموقفه، فعاد إلى مقعده متخاذلا، وحانت منها التفاتة فالتقت أعينهما! وراعه ذلك ~~البرود الذي تلقت به نظراته! # إنها لم ترتعد، ولم ترتبك، وإنما تلقت نظراته بابتسامة، ابتسامة ساخرة، لا تعرف ~~الحياء! # كيف قضى الليلة، وكيف طلع عليه النهار؟! # لقد مرت عليه كل دقيقة بألف خاطر وألف تأويل، وعبثا حاول أن يخطئ عينيه، لقد كان ~~يئوب من كل محاولة بالحقيقة المرة! إن العين لا تخطئ ساعة كاملة ... إنها هي! # وأمسك بالتليفون أكثر من مرة، ولكنه لم يجرؤ أن يتكلم! # وغادر مكتبه، وقد أعماه الغيظ، وسار في خطوات محمومة، وأحس بنفسه وهو يقرع في عنف ~~الجرس الصغير على باب شقتها؟! # وقالت وهي تتأمل وجهه في خمول وعدم اكتراث: ماذا؟ هل جننت؟ إن الجرس لا يدق بهذا ~~العنف. # قل لي، ماذا تريد الآن؟! # انسابت لهجتها الباردة الجافة في أعصابه كالمخدر، ووجد نفسه يقتطع الكلمات من جسده ~~اقتطاعا: أريد ... أريد تفسيرا ... تفسيرا لما رأيته أمس؟! # وانفجرت ضاحكة، وأطار ضحكها ثمالة الصبر من رأسه، فتحركت يداه في عنف، وأدركت ما يرمي ~~إليه، فقالت وهي تربت على كتفه: لا تكن عصبيا فتفسد الجميل - الجميل الذي صنعته - أتعرف ~~أنه لولاك لما تحول إعجابه إلى غرام عنيف؟! لقد أديت لي خدمة لن أنساها، إن شبحك في ~~خياله كفيل بتنفيذ ما أريد! والآن، لا تكن أحمق! إنه قد يصحو في أية دقيقة. # لا يدري، هل هي التي أغلقت الباب في عنف، أم هو الذي جذبه بشدة لكي يحجب عن عينيه وجهها. ~~لقد وجد نفسه يهبط الدرج في وهن وإعياء، حائر اللب، كمن دفن حبيبا؟! ~~••• # جلس في مساء ذلك اليوم إلى أصدقائه، ودار الحديث عنها، كان وحده الذي ظل صامتا، لا ~~يسأل ولا يجيب؟! # وقال أحدهم يداعبه: ألن تتعشى معها اليوم أيضا ... أم فشلت المفاوضات من أول جلسة ms33 ؟ # وقال آخر: بل فشلت بالتأكيد ... إنها تتمسك دائما بطلباتها. # وقال ثالث: بل إنني أراهن أن المفاوضات قد قطعت معه، إنها الآن تملك كنزا. ~~- من؟! ~~- سيد بك زهران؛ ثري الحرب المعروف. إنه وقع في حبائلها، وأغلب الظن أنه سيقوم بدور ~~المغفل الثالث الذي تعبث به. ~~••• # ووجد نفسه ينطق أخيرا؛ ينطق في هدوء كمن يصدر حكما صائبا بعد طول التفكير: لا أظن ~~ذلك؛ إنه المغفل ... الرابع! # | الأجير # غادر الأستاذ رضوان داره فرحا مبتهجا، وسار في الطريق يقفز كعادته؛ تلك العادة التي ~~خلفتها له عاهته اللعينة ... لقد كانت إحدى قدميه أطول من الأخرى، وكان ذلك يستدعي تلك ~~المشية التي انفرد بها، والتي كان يجاهد في إخفائها بما كان يصطنعه من كبرياء وتعارج، وكان ~~أصدقاؤه يدركون العاهة، فيعرفون سر قفزه ... وغيرهم يعللها بنزعة زهو تتملك عليه حواسه ~~... # ومع ذلك فقد كان الأستاذ رضوان يقفز اليوم بغير علة عاهته ... كان يقفز فرحا. إن هذا أول ~~يوم في حياته العملية، إنه ذاهب إلى المحكمة ليتولى الدفاع، ليجلجل صوته في فنائها رهيبا ~~قويا، ليفتن القضاة والجمهور؛ إنها أمنية احتبسها في صدره على مضض خلال عشرة أعوام؛ ~~أمنية كانت تتحول في عينيه إلى دموع كلما سار في طريقه إلى الدار، وقرأ اللافتات اللامعة ~~الزاهية لكبار المحامين، وكلما فتح صحيفة سيارة فقرأ اسم واحد منهم، مسبوقا بأوصاف القدرة ~~والنبوغ، ومتبوعا بألقاب المجد والعظمة ...! # أجل، لطالما طفرت من عينيه الدموع تحرقا إلى ذلك اليوم الذي سيصبح فيه واحدا من ~~هؤلاء، يملأ على الناس أسماعهم، ويأخذ اسمه بأبصارهم ... ولطالما ألف في نفسه هذه المرارة ~~التي يبعثها طول الشقة بينه وبين ما يتمناه ... ألفها حتى تحولت إلى عادة ثانية، منشؤها ~~في هذه المرة عاهة نفسه. # لم تكن نفسه من القوة بحيث يرضى بالمنى؛ لقد فرضت عليه نزعة إنكار وإصرار على الإنكار، ~~دفعه آخر الأمر إلى تصور أمنيته حقيقة وما يثيرها وهما وخيالا، وتحجرت الدموع آخر الأمر ~~تحت وهج نفسه الظامئة الملتهبة، واستحال بكاؤه كلمات يلفظ بها تعليقا على الحقائق الواهمة ~~التي تزخر ms34 بها الحياة ... وهوت الأسماء اللامعة إثر طعنات الحقد والحسد إلى الحضيض ...! # المحامي العظيم الذي يقرأ اسمه على اللافتة أضحى أمام عينيه وليد حظ واتته الأقدار فرفعت ~~اسمه، وأوصاف العظمة والنبوغ التي تسبغها الصحف على عظيم رياء مصطنع، تمليه موجة فساد، لا ~~بد من إصلاحه ...! # وفتح الإنكار أمام عينيه بابا جديدا، انسابت منه آماله ... إنه يعرف هذه الحقائق، ويستطيع ~~أن يظهرها حين تواتيه الفرصة. الفرصة هي اليوم الذي يملك فيه حق الكلام، وسلاح الكلام ~~... # وهكذا بدأت المعركة؛ إنه اليوم يشرع أول أسلحته، ويسدد أول طعنة! سيقف أمام القضاء ~~مترافعا عن محتال، سيدافع عنه بحرارة، ترى هل يحس ما سيأتي به الغيب؟ إنه لا يدري، ~~ولكنه واثق أنه سيلقي بأقوى المؤثرات، وفكر طويلا فيما سيقوله. لقد قرأ أمس قضية هذا ~~المحتال، إنه آثم بلا ريب. # لقد خدع امرأة ساذجة، وسلبها ما تملك، لكنه مع ذلك موكله وعليه أن يدافع عنه. إن عليه ~~أن يحمل لواء العدالة. إن العدالة في نظره الآن ليست عقاب المجرم، وليست حكم القاضي ... ~~إنها انتصاره هو. تلك أول خطوة في سبيل العدالة الحقة، العدالة الشاملة، أن يتبوأ مكان ~~هؤلاء الذين تلمع أسماؤهم بغير جدارة، وأن يذلهم إذا استطاع! # ولج باب المحكمة، وقصد إلى غرفة المحامين، ونظر فيمن حوله، فوجد وجوه هؤلاء الذين أثارت ~~أسماؤهم ذات مرة في عينيه البكاء ... وجد نفسه جنبا لجنب مع ذلك المحامي الخطير، الذي لفظ ~~ذات يوم منصب الوزير، ليقف في منصة الدفاع، ووجد ذلك المحامي الآخر، إنه ضالته؛ لقد كان ~~محاميا بالأرياف مغمورا، فأضحى اليوم علما يلمع اسمه ويلمع الذهب حواليه ... إنه ضالته ~~بلا شك، إنه مثله من الدهماء، إنه ليس أكفأ منه، ولا أذكى، ولا يحمل إلا نفس الشهادة التي ~~يحملها ... لقد سلط عليه منذ بعيد سوط لسانه في كل مناسبة ... ها هو الآن معه في غرفة واحدة، ~~وفي قضية واحدة. إنه محامي السيدة الساذجة، إنه سيطلب حقها! يا لها من مباراة! لقد وجد نفسه ~~أمام النيابة والمحامي الخطير! # كان في الحجرة ms35 خمسة من زملائه الشبان. تخرجوا معه في نفس اليوم، وقال له أحدهم وهو ~~يداعبه: امتحان قاس يا أستاذ رضوان، إنه أقسى من الليسانس، لسوف تترافع ضد «م. بك» هذه ~~مغامرة! # فهز كتفيه في سخرية، وكتم ألم لذعة قاسية في فؤاده، وقال دون اكتراث: «م. بك» أو غيره! ~~إنها أسماء مشى في ركابها الحظ! # وقال الأستاذ سعيد، وهو أشد زملائه عناء منذ الدراسة: أسماء إيه يا أستاذ رضوان؟ إنها ~~كفاءة، وذكاء، وماض جبار ... # ولم يشأ أن يخرج نفسه من الجو الذي تهيأ له ويدخل في مناقشات لا حد لها، إنه يعرف ~~سعيدا، ويعرف لحاحه في المناقشة؛ لذلك صمت، ولم يقل شيئا، وتأبط حافظته، ويمم شطر قاعة ~~الجلسة. # وخرج الأستاذ رضوان بعد ساعة واحدة، ساعة واحدة أسلم فيها حرية موكله إلى السجان. خرج ~~ثائرا غاضبا، ولكنه تمالك نفسه حين رأى صديقه سعيدا أمامه وجها لوجه، قال سعيد وهو يرسل ~~ابتسامته الصافية: خيرا يا أستاذ رضوان؟ ماذا فعل الله بخصمك المسكين؟ # وكتم غيظه من سخرية زميله، وقال متصنعا عدم الاكتراث: المتهم معترف، والأدلة بعدد شعر ~~رأسه، ماذا كنت أفعل؟ # لقد كنت أعرف أنها قضية خاسرة، لكن ما ذنبي؟ إن الأستاذ وحيد - الذي أتمرن عنده - جشع ~~لا يهمه إلا الأتعاب! # ولم يشأ أن يقول لصديقه إنه هو - وليس أستاذه - الذي ألح في قبول القضية، ولم يشأ أن يذكر ~~أنه بذل لموكله المسكين من الوعود والأماني ما جعله يلج قفص الاتهام، وكأنه يخطر في ~~حديقة! # لكنه مع ذلك عاد فرحا إلى داره؛ لقد أرضى نفسه وكبرياءه؛ ألم يسدد الطعنة الأولى؟ ألم ~~يهاجم خصمه الكبير وجها لوجه؟ إنها الجولة الأولى، وبعدها جولات ... ولسوف ينتصر ذات ~~يوم! # وهكذا مضى الأستاذ رضوان في حياته العملية ... كانت نفسه تفيض بالطموح والأطماع، وكان عقله ~~مكبلا بالأوهام، وكان قلبه غارقا في لهب مستعر، يئز في صدره باستمرار ... إنه ليس أقل من ~~أي عظيم شأنا ولا مواهب ... # وشاء حظه العاثر أن يصرفه عن نفسه، فلم يعن بأن يتحسسها مرة واحدة ليدرك صدق ms36 ما تنطوي ~~عليه. مضى يخبط في الحياة وفي الناس ... وظن مجده في انهيار غيره، فمضى يهدم بلا حساب ... ~~وطاشت ضربة من معوله ذات يوم، فحطمت - بين ما حطمت - كل مثل أعلى وكل مبدأ، وتلفت حوله ~~فلم يجد غير نثار وأشلاء ... هذه سمعة عظيم، وتلك فضيحة صديق، والأخرى مواهب نابغة، والرابعة ~~كفاءة سياسي! # وملأ نثار المبادئ سبيله، فلم يعد يرى شيئا ... إنه هو كل شيء، وما يفعله هو الصواب ~~... # وجلس الأستاذ رضوان ذات يوم بين أصدقائه في غرفة المحامين، وتفقد واحدا منهم فلم يجده، ~~وقال سعيد وهو يحاول أن يثيره: «عقبال» عندك يا عم؛ لقد أصبح قاضيا. لقد قبل رغم أنفه، ~~وتحت ضغط أبيه! # وانفجر رضوان قائلا في غضب: وهل كنت تنتظر غير ذلك؟ فيم كان زواجه إذن؟! ~~- لا أفهم ما تعنيه، ما دخل زواجه في تعيينه؟! ~~- ألم يتزوج من ابنة «ع. باشا»؛ لكي يتقاضى هذا الثمن؟ هل هذا تصرف شاب شريف؟! # وانبرى سعيد معترضا: اتق الله يا رجل؛ إن صهره رجل نزيه، وهو أغنى من صهره. لقد كان ~~يربح من المحاماة أضعاف مرتب القاضي ... أنسيت أنه كان ثالث الليسانس، وكان يرفض دائما أن ~~يعين؟! # وأجاب رضوان وهو يهز كتفيه: يا عم صلي على النبي! # وكانت هذه جملته دائما. كانت لا تعني الإيمان، وإنما تعني الإنكار، كانت إيذانا بأن ~~عقله المكبل لا يقبل تعليلا غير الذي يؤمن به ... بل إنه لم يكن يؤمن بهذا التعليل، وإنما ~~كان يفرضه فرضا. لقد كان يعرف عن زميله ما يعرفه سعيد؛ يعرف أنه غني ونبيل، ومحام ناجح لم ~~يتزوج ابنة «ع. باشا» إلا لأنه يحبها منذ أمد طويل ... # ومع ذلك، فقد استنكر فعلته في الصباح، وألقى محاضرة على سعيد في الاعتماد على النفس، ~~وقيمة الحرية التي ينعم بها المحامي، ومجد المحاماة، وحرصه عليها ... ألقى هذا الدرس في ~~الصباح، وذهب عصر ذلك اليوم مع شقيقته يخطب ابنة سيد كبير، عرف عنه أنه يرصد لابنته هدية ~~عرس ثمينة، هي منصب ممتاز لزوجها. ذهب يخطبها، ومضى في إجراءات ms37 الزواج، إلى أن قرب موعد ~~القران، فإذا بدولاب الحظ يتوقف فجأة! لقد فقد صهره جاهه، ودالت دولته، وأصبح لا يملك ~~أمر نفسه ... ويكتشف الأستاذ رضوان في الوقت نفسه أنه لا يميل لخطيبته؛ ويفشل الزواج ... # إنها لم تكن مغامرته الوحيدة؛ لقد سار رضوان في هذا السبيل شوطا طويلا ... وسمع أصدقاؤه ~~ذات يوم أنه يسعى للزواج من ابنة عظيم آخر؛ فداعبه سعيد، وهو داخل إلى قاعة المحامين ~~قائلا: مبروك يا مولانا، شد حيلك قبل الوزارة ما تسقط! # وابتلع سخرية صديقه في مرارة، وجهد أن يدير الحديث في طريق آخر، ونهض بعض لحظات، وسار ~~إلى حيث يبتعد عن أصدقائه، وأخذ يقطع الوقت حتى يحين موعد القضية - التي جاء من أجلها - في ~~التجوال في ردهات المحكمة. # أكانت صدفة أم نبوءة صادقة؟! لقد سقطت الوزارة فعلا قبل أن يدخل بالزوجة الجميلة ~~والوظيفة الساحرة، ولم يرفض هو في هذه المرة ولم يتنصل، كانت خطيبته هي التي رفضت؛ لقد كشفت ~~نفسه، فعاف قلبها عواطفه المدهونة، وألقت له بخاتم الخطبة غير آسفة ولا نادمة. # وقال الأستاذ رضوان لأصدقائه وهو يبرر فسخ خطبته: لقد أنقذني الله قبيل الكارثة! إنها ~~بلدي، بلدي جدا، لست أعلم كيف يربي هؤلاء الناس بناتهم؟! # وأشفق عليه أصدقاؤه، فلم يسخروا من قوله رغم أنهم كانوا يعلمون ما حدث، ويدركون أنها هي ~~التي لفظته، وأن يد الله جرت بغير ما يريد. # وأقبل العام العاشر منذ ذلك اليوم الذي غادر فيه داره فرحا، وخرج الأستاذ رضوان يخبط في ~~الأرض قافزا كعادته. كانت نفسه في ذلك اليوم تنوء بالأحزان؛ لقد أفلتت منه فرص الحياة مرة ~~بعد أخرى، ولم يحس إلا اليوم أنه وحده في الحياة، أصدقاؤه الخمسة في غرفة المحامين صار لهم ~~شأن آخر؛ إن أحدهم تسعى إليه الوزارة في خطى ثابتة، فقد أضحى علما في حزب سياسي خطير، ~~وإن الثاني لا تكاد صحيفة تخلو من اسمه، ومن جولاته الموفقة في البرلمان وفي ساحة القضاء، ~~أما الثالث فقد شق سبيله في الاقتصاد، وهو على حداثة سنه يدير شركة ms38 ناجحة، والرابع - سعيد ~~- يلمع اسمه ويكبر رغم احتفاظه بطابعه الوديع الهادئ ... وهو؟! # أما هو ... # إنه ما زال كما بدأ. إنه كذلك في نظر نفسه على الأقل. إن ما يحز في قلبه ليس حاله ~~وحده، إنه يربح مالا كما يربحون، لكن ذلك المجد الذي يضفي ثيابه على أصدقائه، ويبخل عليه ~~هو بقطعة من ثوب، إن ذلك المجد أعمى البصر والبصيرة، إنه لا يعرف ماذا يفعل، إنه يخبط خبط ~~عشواء ... تماما كما يفعل هو الآن، وكما يفعل منذ عشر سنوات، منذ أجمع أمره على أن يقفز في ~~الحياة كما يقفز على الأرض. لقد قفز طويلا خلال هذه الأعوام، قفز حتى تعبت أقدامه وحتى ~~لهث، ومع ذلك فما ارتفع. ارتفع أصدقاؤه، وظل هو حيث كان! # وأخذ يفكر طويلا، هل هو في مكانه حقا لم يتقدم؟! إن ذلك محض افتراء، إنه أحسن حالا، ~~إنه الآن يملك رصيدا في البنك؛ رصيدا متواضعا، ويملك أمر نفسه، ويربح ما يزيد على حاجته ~~... لقد ارتفع فعلا، لكن أصدقاءه هؤلاء الذين خلفوه، فخيل إليه أنه لا يتحرك ... إن ما ~~يحز في نفسه أنهم سبقوه، سبقوه بغير موجب، إنه ليس أقل منهم كفاءة ولا مواهب، ثم هو ~~يمتاز عنهم، أليس قد تخلى عن مثله العليا منذ أمد بعيد؟ ألم ينطلق من إسار المبادئ؟ ومع ~~ذلك فما نفعته هذه الحرية! # ووقفت به أفكاره وقدماه عند باب مكتبه، وتقدم إليه كاتب المكتب يقول: صاحب هذه البطاقة ~~يريد لقاءك، وتهلل جبينه ونسي أحزانه، إنه زميل قديم، لم يكن صديقه يوما ما، لكنه زميل ~~دراسة ... إنه يكره زملاء الدراسة الذين سبقوه في الحياة، لكنه مع ذلك تهلل وانبسطت أساريره، ~~وأقبل على صديقه يحييه في حرارة، وقال الصديق وهو يرد التحية: أليست غريبة هذه الصدفة؟! لقد ~~كنت في نفس الشارع عند الأستاذ شوكت بك، زميلي في مجلس النواب، فقرأت اسمك على اليافطة فلم ~~أضيع الفرصة؛ لأني لم أرك منذ غادرنا الكلية، وجلسا يتحدثان، ومال الحديث إلى كل شيء، إلى ~~الحزب الذي ينتمي إليه الزميل ... إنه ms39 حزب يحفل بالشبان، وهذا الزميل نفسه أحد أقطابه، ولم ~~يضيع الأستاذ رضوان الفرصة، لقد انهال على الحزب مدحا، وأغرق الزميل بألفاظ المدح ~~والإعجاب. # وقال الزميل مستطلعا: ما دمت تعجب هكذا بحزبنا، فلماذا لا تساهم في نشاطه؟ إننا نرحب ~~بأمثالك! # وأخفى تهالكه في لهجة تحفظ قائلا: إنني لا أحب المظاهر، لكنني مع ذلك أرحب بانضمامي ~~إلى حزب أومن به وبمبادئه! # ولم يكن هناك في الحياة شيء يؤمن به رضوان، ولم يكن يعتقد في شيء اسمه مبادئ، لكنه مع ~~ذلك مضى إلى هذا الحزب، وساهم في نشاطه واحدا من مئات ... وأحس بنفس الشعور الذي أحس به ~~منذ سنوات، حين ولج قاعة المحكمة؛ شعور الهدم والبناء؛ هدم الناس وبناء نفسه ... لم يكن يتخيل ~~أنه يستطيع أن يبني نفسه بغير الأنقاض المتخلفة من هدم عشرات! # وضرب بمعوله! «واحد» ... وأطاحت الضربة الأولى بسمعة الزميل الذي قاده إلى هذا ~~الحزب! ~~«اثنين» ... وانهالت الضربة الثانية على سمعة الحزب نفسه! # ولم ترتفع يده بالضربة الثالثة؛ كان المعول قد تحطم، كان المعول من معدن نفسه الرخيصة، ~~فلم يطق غير ضربتين. # وجلس الأصدقاء الأربعة بعد أعوام، منذ ذلك اليوم الذي أصبح فيه الأستاذ رضوان نصيرا من ~~أنصار هذا الحزب. # جلسوا في نفس القاعة - قاعة المحامين - كانوا كلهم قد عادوا إلى «روب» المحاماة، بعد رحلة ~~في مدارج المجد، وقال أطولهم لسانا - سعيد: ترى، أين الأستاذ رضوان الآن؟ إنني لم أسمع ~~اسمه منذ أن غادرت القاهرة إلى أن عدت! # وقال آخر: لقد ترافع أمامي مرة منذ عامين، كان حاضرا عن الأستاذ «م. بك». # واعترض الثالث في دهشة: عن «م. بك»؟! كيف؟! لقد فتح مكتبا مستقلا؟ ثم من «م. بك» ~~هذا؟! لقد كان لا يطيق أن يسمع اسمه ... كيف يعمل عنده إذن؟! # وكان الرابع صامتا إلى هذه اللحظة. # كأنما كان ينتظر أن يوجه إليه السؤال. # إن «م. بك» قريب له. لعله أقربهم إلى الجواب. ونظروا إليه جميعا، وأحس بأنه يجب أن ~~يتكلم، فقال وهو يجر الألفاظ جرا: لقد أغلق الأستاذ رضوان مكتبه منذ ms40 عامين، وهو يقوم الآن ~~بكل أعمال مكتب «م. بك»، إنه مسن كما تعلمون، وقد حل رضوان محل وكيله العجوز، وسكرتيره ~~الشاب معا! # وانطلق سعيد في سخرية قائلا: مسكين الأستاذ رضوان، إنه ما زال كما هو يتعلق بالأوهام، ~~إنني أؤكد لكم أنه يطمع في مكانة «م. بك»! إن الساذج يتصور أن ثوب المجد كروب المحاماة، ~~ينتقل من كتف إلى كتف، ويظن أنه سيحل محل «م. بك»، عندما يعتزل هذا المحاماة، ولا يعرف أنه ~~سيظل دائما أجيرا. # أجيرا؟! أجيرا؟! # هل سمعها الأستاذ رضوان؟ إنه لم يسمعها بكل تأكيد، لقد دخل الحجرة بعد دقائق من نطق سعيد ~~بها. # لكن كل شيء في وجهه، مع ذلك، كان ينطق بأنه قد عرف أنه أجير! # | حواء لا تقهر # التقيت بها في القطار، ذاهبة لزيارة أختها في دمنهور ... # إنني أعرفها مذ كنا في الجامعة. # أعرف غطرستها وكبرياءها، وأعرف أنها كانت أجمل وجه بين الطالبات، وأن أحد الطلبة أحبها ~~ثلاث سنوات، وكان الحب من طرف واحد، فلما ضاق بما يحمل كتب لها خطابا، كان حارا إلى حد ~~بعيد، فأحست بسخونته (مس فاني) مراقبة الطالبات، ففضت غلافه، وبدلا من تسليمه إليها سلمته ~~إلى إدارة الكلية، وكانت النتيجة أن منح الطالب إجازة لمدة عام كامل، يلطف فيها أوار ~~قلبه، ويرطب أعصابه الدافئة! # وسار بنا القطار فترة قبل أن نتكلم، وكانت لاهية، تتصفح مجلة سرعان ما سئمتها، فألقتها ~~بجوارها، وعندئذ التقت عيوننا فابتسمت! # وقلت لها: إن لم تخني الذاكرة فأنت هي فينوس؟! # وأجابت دهشة: من فينوس؟! ~~- أنت بلا شك، إنه ليس اسمك فعلا، لكنه الاسم الذي أطلقناه عليك. ألا تذكرين «فلانا» ~~ورسالته التي أسماك فيها «فينوس التي تسير على الأرض»؟! # وبدت كأنما تستعيد الماضي، وعلت شفتيها ابتسامة يخالطها الأسى، وقالت: مسكين! لقد ذكرت ~~الآن، تعرف؟ لقد كان سيء الحظ صاحبك هذا، لو كانت رسالته وقعت في يدي لما حدث شيء من ذلك، ~~لكن ما ذنبي أنا؟! تصور موقفي لو قلت لهم إنني أعرفه؟! # قلت: وماذا كنت فاعلة لو أنك تسلمت رسالته ms41 ؟ ~~- لا شيء طبعا، إن لدي سلة مهملات واسعة لمثل هذه الرسائل ... إن الخطأ الذي تقع فيه ~~فتاة هو أن تستعمل قلبها لحفظ رسائل الحب بدلا من إلقائها في سلة المهملات. # قسوة مني؟! ما ذنبي؟! إنه حب من طرف واحد، كيف أتقيد به أنا؟! # وقلت وأنا أتنهد: صحيح، لا تتقيدي به ولا بغيره، لقد كانوا كثيرين، هؤلاء ~~المغرمين! # وفهمت ما أعنيه، فقالت على الفور: أنت مثلا، كنت واحدا منهم، لكنك تصرفت بعقل؛ فلم ~~تزد على النظرات الذليلة المستعطفة والكرفتات الزاهية، التي كانت تتدلى على صدرك وكأنها ~~تصيح لفرط احمرارها قائلة: «أنا هنا»، فلما أهملتك اختصرت الطريق، وحولت نظراتك صوب ~~«...» # وقاطعتها مستدركا: صوب سنية؟ أتعرفين أين هي الآن؟! ~~- سمعت أنها تزوجت. ~~- إنها في منزلي ... أم، ولها ولدان! ~~- ولهذا خلعت كرفتاتك الزاهية ... لا داعي طبعا للفت الأنظار. # هل تعرف أنني أيضا تزوجت ... و... وطلقت زوجي بعد شهرين؟ ~~- طلقته؟! ~~- أي نعم، بعد شهرين كدت أختنق فيهما ... ~~- كان رديئا إلى هذا الحد؟! ~~- أنا التي كنت رديئة؛ لم أعرف كيف أعامله ... ~~- قاسية كعادتك؟! ~~- بالعكس، ضعيفة للمرة الأولى، والأخيرة. # ومضت تقص علي قصتها ... إنها تزوجته لأنها اعتقدت أنها تحبه وأنه يحبها. كان رقيقا ~~معها قبل الزواج، لا يفعل شيئا دون أن يستشيرها، بل لا يفكر بالمرة في عمل أي شيء. كانا ~~يخرجان للنزهة ويسيران صامتين، لو سارا ساعات ما كان يفتح فمه بكلمة ولا اقتراح. كان يفرض ~~عليها دائما أن تسود الموقف، وأن تتصرف ... هي التي تسأل إلى أين يذهبان، وهي التي تجيب، وهي ~~التي تنادي السيارة، وهي تقترح اسم السينما، وعندما تزوجا اكتشفت الرجل بكل معايبه، قاس ~~ومستبد ومتغطرس ... كل صفاته الأولى انقلبت إلى نقيضها؛ بدلا من الاستماع لها أصبح يرغمها ~~على أن تنصت له، بدلا من أن تلقي أوامرها، أصبح هو الذي صدر الأوامر، بل أصبح لا يطيق أن ~~تقترح شيئا ... قالت إنهما خلال الشهر الثالث لم يتفقا على شيء، إلا الطلاق، وقد ~~تم! # وقلت لها بعد أن أتمت حديثها: لكن، ألا يجوز أنه على ms42 صواب؟ إنه أوسع منك تجربة ~~ودراية. # وأجابت غاضبة: ولم يكون أوسع تجربة؟ هل تعلم أكثر مما تعلمت؟ ~~- لا، ولكنه رجل. ~~- آه، عدنا للأفكار السخيفة، أتعرف أننا لن نتقدم حتى لا يعود هناك فارق بين الرجل ~~والمرأة؟ ~~- أكثر مما ترين الآن ... ~~- بل أكثر مما تتصور. لقد كان كل الخلاف بيني وبين زوجي أنه كان يريد أن يغلب إرادته ~~دائما. # وقلت وأنا أبدي التأثر: أنا معك في هذا. إنه مخطئ بلا شك. هذا استبداد. ~~- ولهذا طلقته! # قالتها وهي مرتاحة الضمير، كأنما وجدت من يفهمها. وانتظرت أنا حتى انتهى صفير القطار، ~~فقلت: مساكين هؤلاء الرجال! تصوري زوجك هذا مثلا، لا شك أنه كان يحبك. ~~- يحبني؟! إنك لا تتصور كيف كان يحبني، لو قلت إنه كان يعبدني لما أخطأت التوفيق، لكن ما ~~العمل؟ لو لم يكن عنيدا! # وقلت متحمسا: وها هي نتيجة العناد، أن يفقد فينوس ويخرج من الجنة، ولم كل ذلك؟ لأنه ~~أصر على أن يحبس العصفور، ويقف خارج قفصه الذهبي ليسمع تغريده ... كان يجب عليه أن يفعل ~~العكس، أن يغلق على نفسه القفص، ويطلق العصفور ليغرد حيث شاء! # ولكني لم أتم كلامي؛ فقد انقلب اطمئنانها إلى نظرة غاضبة، وقالت مستنكرة: ماذا؟! هل ~~تسخر مني؟! إني لم أقل إني أريد وضعه في القفص. ~~- لكنك قلت! ~~- أنا؟! ~~- أجل، ألم يغضبك أنه لم يعد يستمع إليك؟ الذي أثارك هو أنك لم تعودي الآمرة، وأصبح هو ~~الآمر ... المسألة إذن خلاف على السيادة! ~~- بل على الحرية، المساواة التي قيل إننا نلناها. ~~- تستمتع بها، وتفيد منها الإنسانية. ~~- أبدا، إنها ستبحث عن مطالب جديدة. ~~- ؟! ~~- منذ خمسة وعشرين عاما، عندما خلع عنها الحجاب، ونزلت إلى الطريق، وقيل لها أنت حرة ... ~~قولي شيئا، افعلي شيئا، أتعلمين ماذا فعلت؟! أخذت تطلب أشياء أخرى، من يومها إلى الآن لا ~~تفعل شيئا إلا أن تطلب، وتطلب، وتطلب، في كل مناسبة وبلا مناسبة، لم تخرج عن دورها الدائم ~~في مواجهة الرجل؛ دورها الخالد «هات لي» هي بنفسها أمنا حواء، حين أرهقت أبانا آدم ~~بالمطالب، حتى ms43 على أبواب الدنيا لم تغلق فمها لحظة واحدة لتندم على ما جرته عليه حماقتها ~~من متاعب، لا شيء إلى الآن استطاع أن يغلق فم المرأة عن المطالب. # وكدت أن أستمر لولا ضحكة عالية بهت لها ... إنها فينوس نفسها التي تضحك ... لا أذكر أني ~~قلت شيئا يثير الضحك، ومع ذلك فقد مضت في الضحك، على حين ظللت أنا مبهوتا. ~~- استمر يا أستاذ، استمر. ~~- كلامي لا يروقك؟ ~~- أبدا، إنني لم أسمع نصيرا للمرأة في مثل حماستك، أتعرف أن المرأة لا تطلب شيئا، ~~إلا أن تنتصر آراؤك؟ ~~- لا أفهمك؟ ~~- قل لي أولا: أتختلفان كثيرا أنت وسنية؟ ~~- لا كثيرا ولا قليلا. ~~- كيف؟ ألا تطلب منك شيئا؟ ~~- لم تطلب مني؟ ... إن لها في كل شيء مثل ما لي، أنا بالعكس الذي أرهقها بمطالبي! ~~- اتفقنا يا أستاذ! ~~- علام؟ ~~- على أن ما تطلبه من المرأة، هو ما أطلبه أنا لها ... أن لا يملك الرجل شيئا لا تملكه ~~هي، فتضيع الوقت في طلبه ... ألم تقل إن سنية لم تطلب شيئا منك لأن لها مثل ما لك؟ هذا ~~ما كنت أطلبه أنا أيضا ... لقد ذكرت القفص الذهبي، أتدري ماذا كنت أريده بثورتي على هذا ~~القفص؟ ~~- أن تخرجي منه؟ ~~- مع شرط هين! ~~- ما هو؟ ~~- أن يتحطم بعد خروجي منه توا. ~~- أكاد لا أفهمك أيضا. ~~- بل تفهمني جيدا ... كل ما يشوب أفكارك هو أنك لا تفهم الحياة بغير قفص ذهبي، وبغير ~~عصفور حبيس، رجلا كان أو امرأة، هذا هو كل ما يشوه أفكارك. # كان القطار قد وصل إلى مشارف دمنهور، وتهيأت فينوس للنزول، فأخذت تصلح زينتها ... كانت ~~كما رأيتها آخر مرة على درج الكلية وهي تهبط حاملة في أذيال ثوبها آمال أكثر من طالب، ~~فقلت مداعبا: عفا الله عن صاحبنا الذي أسماك فينوس! # قالت وهي تبتسم: وماذا كنت تريد أن يسميني؟ ~~- كنت أوثر أن يكون اسمك حواء، حواء التي لا تقهر. # | رجل نبيل # عندما عرفت الأستاذ منصور، لم يخالجني شك في أنني سأنسى كل شيء عنه في اللحظة التي ~~ينصرف فيها ms44 ، فلم يكن فيه ما يبعث على الاهتمام؛ لا في وجهه بقسماته المعتدلة، ولا في صوته ~~الهادئ الوتير، حتى اسمه بألفاظه الثلاثة المألوفة، منصور محمد حسن، كان من الأسماء التي ~~يمكن أن تنسى بسهولة، فإن لم تنس فلا بد أن تختلط ويصعب ارتكاز الذاكرة على لفظ واحد ~~منها. # وقد صح ما توقعته عندما لقيته في المرة الثانية بعد شهور؛ ففي الوقت الذي لقيني فيه ~~بحرارة وشوق، صافحته أنا ببط محاولا أن أذكر وجهه، وما كدت أذكر أن هذا الوجه أعرفه حتى ~~نشأت مشكلة الاسم، ولو لم تسعفني الذاكرة بإحدى كلمات اسمه لظللت صامتا، أهز يده، أو ~~أستجيب بيدي لهزات يده في بلاهة، دون أن أنطق بحرف واحد. # ولكنني قلت أخيرا: كيف حال الأستاذ حسن؟ # وقال مصححا في سذاجة: منصور يا أستاذ، لقد نسيتني! # وأعدت مستنكرا: كيف نسيت؟ الأستاذ حسن منصور. # فقال وهو يضحك: منصور محمد حسن، ألم يقدمني إليك صديقنا مرسي؟! ألم أقل لك إنك ~~نسيت؟! # وأمعنت في استنكاري قائلا: سبحان الله يا أستاذ! أنا نسيت؟ لقد كان ذلك منذ شهرين في ~~حفلة نادي التجارة، وكنت حضرتك جالسا بجانب مرسي، فقدمني إليك وخرجنا معا. # وكان هذا كله صحيحا، كان النادي أقام حفلة منذ شهرين، وكنت جالسا إلى جانب مرسي، زميل ~~الدراسة، فقدمني إلى أحد أصدقائه وخرجنا في نهاية الحفلة نحن الثلاثة، وافترقنا عند محطة ~~الأتوبيس، كل ذلك كان صحيحا، لكنه لا يمنع الحقيقة الواقعة، إنني نسيت كل ما يتصل بهذا ~~الرفيق الثالث، ومر تعارفي به على حافة ذاكرتي المكتظة، فلم يخلف أثرا. # وكانت المرة الثالثة التي نسيت فيها الأستاذ منصور يوم قابلت صديقي مرسي، فقصصت عليه نبأ ~~لقائي مع صديقه، وحاولت أن أتذكر اسمه فما استطعت، حتى ذكره مرسي قائلا في عتاب: يا رجل؟ ~~أتنسى منصور؟ إنه شخصية فذة؟ # وقلت مدافعا: لو كان كذلك ما نسيته! ~~- بل إنك لم تعرفه جيدا، ولو أنك عرفته لأحببته ولم تنسه قط ... ومضى يقص علي ما ~~يعرفه عن منصور، حتى أثار اهتمامي به، وجعلني آسف ms45 لعدم اكتراثي له ... إنه كما صوره لي ~~شخصية خرافية، هربت من تاريخ أيام مجيدة، تسودها البطولة والشرف لتعيش في الحياة الصاخبة ~~الماجنة، شخصية غريبة إذا عددنا عالمنا المضطرب مألوفا لا غرابة فيه ... # ولقد حققت الأيام صدق هذه الصورة، وعندما لقيت منصور أفندي في المرة الرابعة لقيته على ~~ألا أنساه، بل لعلني لم أعتز بشيء قدر اعتزازي بهذه الرسالة التي لم تكتب لي؛ لأنها ~~رسالة من منصور، تنعكس عليها صورة من صور هذا المخلوق الخرافي النبيل ... # كنا أربعة في الحجرة المتسعة نعمل عملا واحدا، عملا بغيضا، أبغض ما فيه أنه لا ~~يتغير، أكوام من الأوراق نقرؤها ونراجع ما فيها، كان عملنا من الدقة بحيث إن أقل خطأ ~~يرتكبه أحدنا لا يمكن أن يئول بالسهو والنسيان، قبل أن يئول بالتواطؤ والاتفاق مع عملاء ~~الحكومة، ولقد رأيت بعيني زميلا لي يخرج من مكتبه إلى عرض الطريق مشردا لخطأ ارتكبه، ~~فأضاع على الحكومة بضعة ألوف من الجنيهات صرفت خطأ لمقاول لم يكن قد قام بكل ما طلب إليه ~~من أعمال. # وإلى هذه الحجرة جاء منصور ذات صباح؛ ليعمل زميلا لنا، وكان هذا لقاءنا الرابع. # وقال وهو يهز يدي في حرارة، كما فعل أول مرة: وأخيرا، يريد الله أن نعمل معا يا ~~أستاذ، لقد نقلت إلى هنا منذ اليوم، فقدمني لزملائك! # ولازمني التوفيق هذه المرة، فذكرت الكلمة الأولى من اسمه، وقنعت بتقديمه إلى زملائي على ~~أنه صديقي الأستاذ منصور! # ومضت الأيام لتكشف لنا عن مزايا منصور، حتى إذا كان الشهر الثامن وجدناه - دون أن يسعى ~~إلى ذلك - بمثابة الرئيس والوالد، كان أكبرنا سنا، وأكبرنا مرتبا، وكان - وهو الأهم - ~~أدقنا وأحرصنا، وأدرانا بالعمل، ولم تقف صلتنا بمنصور عند آصرة الزمالة؛ فقد أصبح صديقا ~~شخصيا لكل منا، يشاركه في أفراحه ومتاعبه، ولا يبخل بالعون له من جهده أو ماله، ~~وسرعان ما أحالنا هذا الرجل العجيب إلى أسرة واحدة، كان هو لها بمثابة الأب، وكنا نحن ~~الأربعة بتفاوت أعمارنا وتفاوت نزعاتنا كأبناء لأب واحد سوي كل منهم على ms46 خلق يميزه ~~... مصطفى بوقار الكهولة الزاحف إليه مع بواكير العقد الخامس، وحامد باتزان الشباب الزاحف إلى ~~الرجولة مكبلا بأولاده الأربعة، وسيد بحرارة الشباب الباكر وآماله، وذلك المرح الذي تفيض ~~به نفس شاب عاشق يوشك أن يحظى بليلاه، ثم أنا، في منتصف الطريق أتطلع إلى الرجولة، ~~وأتمهل الشباب، وكان مقدرا لهذه الأسرة أن تظل في هنائها، لولا ما يصيب الأسر ~~أحيانا! # وكان مصاب أسرتنا ذات يوم حين دخل الفراش يستدعي أحدنا لمقابلة الرئيس! # وتبادلنا النظر، وكاد كل واحد منا يهم عن كرسيه، لولا أن منصور كان قد سبقنا، فنهض ~~متجها إلى الباب! # ومر نصف ساعة عاد إلينا بعدها واجما، وجلس إلى مكتبه دون أن يقول كلمة، وأخذ يقلب ما ~~أمامه من أوراق، وكأنه لا يحس وجودنا، فأحسسنا أن شيئا قد وقع له، ولكننا لم نجرؤ على ~~سؤاله، واكتفينا بمشاركته الوجوم! # وفي اليوم التالي قال لنا منصور إنه ارتكب خطأ تداركته المصلحة قبل أن يستحيل كارثة، ~~وإن الرئيس دعاه ليناقشه الحساب، وإنه يتوقع بين لحظة وأخرى توقيع العقاب عليه! # وبعد أسبوع دخلنا المكتب، فقرأ علينا منصور - وهو يضحك - قرار نقله إلى أقصى الصعيد، ~~ووقف علاوته عاما كاملا؛ لأنه أهمل إهمالا كاد يؤدي إلى ضياع بضع مئات من الجنيهات على ~~الحكومة، ولولا طول مدة خدمته واستقامته طوال هذه المدة لكان العقاب أشد صرامة. # وقال منصور ونحن ذاهلون: أليس عجيبا أمر هذه الحكومة؟! أعمل بها ستة وثلاثين عاما في ~~كل منها حسنات وحسنات، فتتمهل في إثابتي طول هذه الأعوام، وأخطئ مرة واحدة، فتعاقبني خلال ~~أسبوع؟! # وما كان فينا من يجيب. كانت رءوسنا إذ ذاك تستعيد كل يوم قضاه بيننا منصور، وننتهي إلى ~~ذلك اليوم القريب الذي سنقف فيه لتوديعه! ولن أنسى أبدا ذلك اليوم، لن أنسى وداع منصور ~~الحار لكل منا، لن أنسى قبلته الجياشة التي طبعها على جبين سيد، أصغر أفراد أسرتنا، لا ~~أدري لم لازمت خيالي تلك القبلة طوال اليوم، وارتبطت في نفسي بقبلة أمي الأخيرة، التي ~~طبعتها على جبين أخي الأصغر ms47 ، وهي تودع الحياة! ومرت الأيام بعد فراقنا لمنصور وئيدة ~~متباطئة، وانقضى الأسبوع الأول والثاني، وبدأ شبح رب الأسرة يبعد، وبدأت الأسرة تستحيل من ~~جديد إلى زمالة عمل، وزال هذا السحر الذي كان يصور لنا حجرتنا كأنها منزل إخوة أربعة، وعدنا ~~من جديد إلى المكاتب الخشبية، والأوراق الجافة الميتة، وأحاديث الأرقام والأعداد، رجعنا ~~آلات في عجلة الحكومة. # وكنت منكبا على عملي، حين انتبهت على صوت سيد يصيح في استنكار: الله! مستحيل؟ # ورفعت رأسي فرأيت سيد يقلب في حزمة أوراق، محملقا فيها ورقة ورقة وهو يردد: هذه ~~الأوراق؟! إنه خطي أنا! # وقمت أنا وحامد، وسرنا نحو سيد لنرى ما حدث، فدفع إلينا بما في يده من أوراق قائلا: ~~خذوا! اقرءوا! هذا مستحيل! # وأمسكت بالأوراق وأخذت أتأملها، كانت خاصة بمناقصة رست على أحد المقاولين، ومضى ~~المقاول في عمله بضعة شهور، ثم توقف طالبا صرف جزء كبير من قيمة أجره، وقد طلبت إلينا ~~المصلحة الحكومية المختصة أن نقرر ما نراه فيما أتمه المقاول من عمل، وهل يعادل ما يطلب ~~من قيمة الأجر، لتنظر في طلبه على أساس هذا التقدير. # وقفزت عيني إلى نهاية الأوراق، فقرأت إقرارا بجواز صرف المبلغ الذي يطلبه المقاول، قد ~~وقع عليه منصور بإمضاء واضح، فلما أمسكت بالورقة الأخيرة وجدتها خطابا من المصلحة ~~المذكورة تنبهنا فيه إلى خطئنا، وتنبئنا أنها قد تداركته، وتطلب من الوزارة اتخاذ ما ~~ترى نحو المتسبب في هذا الخطأ. # وبدا الأمر طبيعيا في نظري؛ هذا الخطأ هو الذي أطار من بيننا منصور، فما دخل سيد في ~~الموضوع؟ # وكأنما أدرك سيد حيرتي فقال منفعلا: لم تفهموا طبعا؟ أنا أشرح لكم، هذه الأوراق خرجت من ~~عندي، أنا الذي راجعتها، وأنا الذي أخطأت، وهنا كل إمضائي المختصر ... مكان توقيع منصور ~~الكامل هذا ... انظروا إذن على من وقع الجزاء ... عليه هو! كيف حدث ذلك؟! # ووقفنا ثلاثتنا حائرين، وقال حامد ذاهلا كأنه يحادث نفسه: وما العمل؟ # وصاح سيد وهو يطوي الأوراق تحت إبطه: العمل؟! العمل أنه يكفي خطأ واحد، سأصحح ما ~~حدث ms48 ! # وتحرك نحو باب الحجرة، ولكنه لم يكد يخطو بقدمه حتى ارتفع صوت مصطفى - كان وحده الذي ظل ~~جالسا على مكتبه: هون على نفسك يا سيد، إن المصلحة لم تخطئ في توقيع العقوبة. # وقال سيد مدهوشا: لم تخطئ؟ لقد جوزي منصور على خطأ وقع مني! # وأجاب مصطفى دون أن يتخلى عن هدوئه: فعلا، أنت الذي أخطأت، لكن منصور هو الذي أراد أن لا ~~تعاقب عندما استدعاه الرئيس، وطلب منه أن يسألنا أينا المخطئ، قال إنه هو نفسه، واعتذر ~~من عدم وضوح إمضائه، وأمضى فوق إمضائك المختصر باسمه كاملا واضحا. # وقال سيد والألفاظ تتعثر على شفتيه: لكن كيف ذلك؟ لماذا فعل ذلك؟ # وأخرج مصطفى من أحد أدراج مكتبه خطابا فض ظرفه، ودفع به إلي. # إنه بخط منصور، الرسالة التي أحتفظ بها إلى اليوم، ولو أنها لم تكتب لي، إنها صورة ~~الأستاذ منصور، المخلوق الخرافي النبيل في عصر الواقع الملوث! # وأخذت أقرأ السطور الأولى، إنها تحيات لمصطفى ولأسرته، ووصف لحياة منصور الجميلة في صيف ~~أسوان، ثم أخيرا هذه السطور: # ولا تنس يا مصطفى واحدا دون أن تبلغ ~~تحياتي الصادقة وأشواقي على الخصوص إلى ولدنا سيد ... أستحلفه بالله أنه إذا عرف ما ~~حدث أن يفهم الموقف على حقيقته، صحيح أنه أخطأ خطأ جسيما، ولكن هل كانت الحكومة ~~ستعرف عندما تفكر في عقابه أنه شاب في مقتبل الحياة، ويوشك أن يؤسس بيت الزوجية؟ ~~لقد كان خطؤه كفيلا - في نظرها - بالقضاء على مستقبله، وهو موظف تحت الاختبار ... ~~أي كارثة كانت ستحدث، وفي انتظاره عروس تبني عليه ويبني عليها الآمال؟ أما أنا، ~~حصان الميري العجوز، فما يعدو الأمر بالنسبة لي أن يكون نقطة سوداء في مجلد حافل ~~بالبياض، يعز على الحكومة أن تمزقه كله ... إن أسوان جميلة في عيني القانعة، وفي ~~عيني زوجتي التي طوفت معي ثلاثين عاما؛ فهي لا تزيد على رحلة خلوية، كعشرات ~~الرحلات التي قمنا بها في شتى بلاد القطر، إن أقل اعتراض أو إنكار من سيد سيضيف ~~إلى عقوبتي عقوبة جديدة، عقوبة التزوير ms49 في أوراق رسمية، ودعه يقارن بين السجن ~~وأسوان؛ أسوان الرخيصة الجميلة الهادئة، إنه أحسن مكان يستجم فيه أمثالي بعد طول ~~التطواف! # ومضيت أقرأ دون أن أعي شيئا، ولكنني حين طويت الرسالة، كان سيد قد جلس متخاذلا على ~~كتبه، وقد أغمض عينيه. # لعله كان مثلي، لقد كنت في تلك اللحظة أحاول أن أستعيد في خيالي صورة منصور بقسماته ~~المعتدلة، وصوته الهادئ، واسمه المألوف ... ذلك الإنسان الزاهد في عالم التكالب والافتراس، ~~وكأنه هارب من التاريخ المجيد! # وما كان أسهل علي من استعادة صورته، بعد ذلك اليوم! # | بقية من دموع # عندما رآها لأول مرة، كان أمر حياته قد خرج من يده، كان قد مضى على زواجه شهران، نعم ~~خلالهما بحياة هادئة مع زوجته الوديعة، فقد أغرقته هذه الزوجة في دفء حنانها، واستقرت حياته ~~المضطربة القلقة، وأصبح يعرف أن هناك عالما غير الشارع والمقهى، عالما متسعا فيه ~~آفاق أكثر رحابة من صدر المائدة الرخامية الحقيرة، حيث كان يقامر إلى ما بعد منتصف الليل، ~~ولا تكاد الساعة ترسل دقتها الثانية حتى تلفظه هذه المائدة، تلفظه بعد أن تمتص آخر مليم في ~~جيبه، وبعد أن تعتصر أعصابه ودماءه، فيغادرها كتلة من أعصاب متهتكة، وجسد متهالك ~~خائر. # هذا العالم الجديد كان غير ذلك العالم الذي ألفه من قبل، كان يتلقاه لقاء آخر، حين ~~يقبل المساء كان يجول به من غرفة المائدة حيث يغذي بطنه الجائع، إلى حجرة المكتب حيث يغذي ~~روحه، ثم إلى غرفة النوم حيث ينعم بالرقاد اللذيذ بين ذراعين من الواقع الناعم البض، أحلى ~~من كل بنات الأحلام. # وفي صبيحة يوم من أيام هذا الفردوس قالت له زوجته: أتعرف من سيزورنا اليوم؟ # وصمت لحظة يفكر ويحزر، فقالت بعد أن يئست من جوابه: شقيقتي سهام، لقد جاءت هي وزوجها ~~بالأمس ليقضيا الإجازة، وقد دعوتهما للغداء اليوم، لكنها ستحضر وحدها؛ لأن زوجها مدعو ~~للغداء عند شقيقه. # وأجاب مبتهجا: أتعرفين أنها فرصة سعيدة؛ فلدي تذكرة دعوة هذا المساء للسينما لخمسة ~~أشخاص، وقد كنت فكرت أن ندعو سامي وزوجته ms50 ، ما رأيك في أن ندعو سهام وزوجها؟ وعلى فكرة، ~~إنني أعرف زوجها منذ الدراسة، وأذكر وجهه. # وأحس بها تلوي شفتيها قليلا، ويعلوها العبوس، فأدرك ما ترمي إليه، وذكر ما سمعه منذ ~~أيام من والدتها أن سهام غير سعيدة في حياتها الزوجية؛ فزوجها مقامر عربيد، يصرف وقته ~~وماله بين المقامرة والنساء، وهي تحتمل في مضض دون أن تشكو، حتى حين عرفت أمها كل شيء من ~~إحدى جاراتها، ظلت سهام على صمتها، وعبثا حاولت الأم أن تظفر منها باعتراف، بل إنها تقنع ~~بالإنكار، وأخذت كلما أثير أمامها سلوك زوجها، تحدثت عن سعادتها، ونفت كل ما يشاع عن زوجها، ~~لكن لسانها وحده الذي يتحدث عن السعادة، بينما ينطق كل ما حواليها بما تعانيه من شقاء ~~وتعاسة! # إنه لم يكن رأى سهام من قبل، لكن هذه الصورة التي رسمتها له أحاديث أمها وشقيقتها، صورة ~~المرأة الصابرة الكتوم، كانت تبعث في نفسه الإشفاق والعطف عليها. # وعندما عاد من عمله ظهر ذلك اليوم، كانت امرأتان تنتظرانه، هبت الأولى للقائه ~~بابتسامتها المألوفة، وتحركت الثانية على استحياء! # ومد يده ليصافح الثانية، والتقت عيناه بعينيها في نظرة عميقة، نظرة لا ينساها إلى ~~اليوم، لم تثر هذه النظرة في ذهنه إذ ذاك شيئا، لقد كانت نظرة التعارف بين غريبين ~~ربطتهما الأقدار برباط النسب، وجلسوا إلى المائدة، ورفع بصره أكثر من مرة إلى وجه سهام، ~~ولشد ما أدهشه أن وجد نفسه كأنما يعرف هذا الوجه من زمن بعيد، وقبل أن يغادر المائدة ~~داعبه خاطر سرعان ما طرده، إن وجه سهام يوشك أن يكون مألوفا لديه أكثر من وجه ~~زوجته! # ومضى اليوم إلى نهايته، وكان كل شيء طبيعيا، جاء زوج سهام وشاركهما السهرة في السينما، ~~وتحدث كثيرا وذكرا أيام الدراسة، إنه لا يدري لم أحس بكراهية هذا الشاب، وفاضت نفسه ~~ضيقا بحديثه، وانتهت السهرة، وآوى إلى فراشه لينام، فخطرت له أول الأمر ذكريات اليوم، ~~ومر وجه سهام بينها كما مر كل وجه رآه، وبدلا من أن يغلق النوم أجفانه بعد أن آب ms51 من ~~رحلة الذكريات، وجد عينيه مفتحتين لا تريدان النوم، ووجد صورة سهام تعود وحدها لتحتل فراغ ~~ذهنه. # وعبثا حاول أن يطرد هذه الصورة، ورمى ببصره إلى جواره، حيث ترقد زوجته، فراعه أن يتخيل ~~مكان عينيها المغمضتين، عيني سهام تنظران إليه نظراتهما العميقة الهادئة. # وأجفل فزعا للفكرة المروعة، وشد بيده أطراف الغطاء ودفن وجهه في الظلام، وظل يكافح ~~يقظته حتى انتصر ... وعندما أصبح الصباح بدا له ما حدث في المساء كأنه آثار حلم قديم، ولشد ما ~~خابت ظنونه حين وجد نفسه، وقد تقدم النهار جالسا إلى مكتبه، وقد نحى أوراقه وترك عمله، ~~واعتمد رأسه بإحدى يديه وأخذ ينفث سحائب الدخان، ويفكر في سهام. # وغالط نفسه، لكن عبثا كانت مغالطته أن النظرات العميقة ما زالت تنفذ إلى شغاف قلبه، وما ~~يزال يراها في كل شيء. حتى في عيني زوجته، وهو يقبلها عندما آب عند الظهر إلى ~~داره. # وعاش في هذا الجحيم أياما، رأى سهام خلالها أكثر من مرة، وفي كل مرة كانت تجذبه عيناها، ~~وكان يقاوم هذا الجذب حتى تخور قواه، فيستسلم صاغرا، وطالما تكررت مقاومته وتكرر ~~استسلامه. # وسافرت سهام مع زوجها في نهاية العطلة، واستطاعت الأيام التالية أن تنسيه ذلك الحادث في ~~حياته إلى حين لم يطل؛ فقد نقل زوج سهام إلى القاهرة. # وبدأ مع نفسه صراعا جديدا دام عدة شهور، لكنه سرعان ما تبين أنه مغلوب على أمره، ~~وأن هاتين العينين قد وصلتا من قلبه إلى مكان لم تصله عين من قبل، وأنه من المستحيل عليه ~~أن يمحو هذه العاطفة ... # ورأى سهام عشرات المرات، رآها مع زوجها ورآها وحدها حين كانت تشاركه وزوجته سهراتهما، وفي ~~كل مرة كان يئوب بعاطفته الفائرة وعقله المضطرب، فيقضي الساعات معذبا بصراعها. # كانت عواطفه تأبى الخضوع لعقله القلق الذي كان يلح في إنكارها ولا يرضى عنها، كان يرى ~~فيها جرحا لذلك الرباط المقدس الذي أحبه وارتاح له، وجاء عقله لعواطفه ذات يوم بحل ~~ترضاه، وكان قد أعياه الصراع فلجأ إلى الحيلة. كان يعرف أن للزمن ms52 مفعولا ساحرا في ~~العواطف، وكان كل ما يخشاه أن تتعجل عواطفه الأيام فتظهر ذات يوم؛ لذلك هادنها ودعاها إلى ~~الهدوء والانزواء، وترك للزمن أن يعفي عليها، واستطاع ذات يوم أن يمضي بعاطفته وحياته ~~الزوجية جنبا إلى جنب، وآوى حبه الجديد إلى هامش حياته قانعا بمكانه. # وألف هذا الوضع وارتاح إليه، كان لا يطيق أن تغيب عنه سهام يوما واحدا، وكان تحقيق ~~أطماعه لا يكلفه أية مشقة، فلم يكن سؤاله عن سهام يثير أي شك عند زوجته، ولم تكن سهام نفسها ~~ترى شيئا غير مألوف في ابتسامة الفرح التي يفتر عنها ثغره كلما أقبلت لزيارتهما، ولا من ~~النظرة الفياضة بالحنان التي كانت ترسلها عيناه إليها كلما التقت عيناهما، وقضى عاما ~~سعيدا كاملا لم تكن تشوبه إلا تلك اللحظات التي تجرف فيها عاطفته الحبيسة عقله أمامها، ~~وتنحدر كالسيل عبر عينيه في نظرة عميقة، أو عبر يده في سلام حار، كانت تعذبه عندئذ ~~الخشية أن تكون امرأته قد أدركت شيئا. # لكن امرأته لم تدرك شيئا بالمرة، ظلت ترى في عواطفه نحو سهام عطفا عليها هي، وفي ~~مداعبته لها ترفيها عن شقيقتها التعسة يشكر عليه. # وخرج ذات يوم من مقهى كان يؤمه بين الحين والحين ليلقى أصدقاءه، وأراد أن يعبر الشارع، ~~فدوى في أذنيه نفير سيارة يصم الآذان، فتوقف عن السير ليفسح لها الطريق، لكن جندي المرور ~~أطلق صفارته، ولم تجد سائق السيارة سرعته ولا نفيره، فقد اضطر أن يقف، ووقف هو ~~مترددا حتى حاذته السيارة، ومد بصره ليرى ذلك السائق المتسرع، فالتقت عيناه بوجه سهام! ~~رأى سهام جالسة إلى جانب قائد السيارة، وقد التف ساعدها حول خصره، وقد فاجأتها الحوادث، ~~فلم تستطع أن تسحب يدها. # إنه لا يدري ماذا فعل ولا أين ذهب، لا يدري إلا أنه عاد إلى داره تلك الليلة في منتصف ~~الليل، وارتمى على فراشه خائر القوى، وجاهد يقظته حتى غلبه الرقاد، وحملته الأحلام في أودية ~~من الرعب والفزع، كان يفزع منها إلى يقظة أشد هولا وفظاعة، وما يكاد يحس ms53 بيقظته حتى ~~يهرب إلى النوم، فيغطي وجهه بيديه مبعدا شبح هذا الليل الكريه. # وأصبح الصباح، وقالت له زوجته، وهو يزدرد طعامه مستكرها: لا بد أن تذهب اليوم إلى ~~الطبيب، إنك لم تنم أمس نوما هادئا، وها أنت لا تأكل بشهية! # وسادت فترة صمت، تحركت بعدها شفتاه في خفوت: أرأيت سهام أمس؟ # وأجابت زوجته: أجل رأيتها عصر أمس، وكلمتني بالتليفون في المساء، وقالت لي إنها رأتك تعبر ~~الشارع أمس، ولم تملك أن تحييك. # وقال وهو لا يحس ما في سؤاله من غيظ وثورة: من هذا الذي كان معها في السيارة؟ ~~- إنه الدكتور زاهر صديقها وصديق زوجها. # وقال مستنكرا: لقد كانت معه وحدها. # وتجاهلت زوجته استنكاره قائلة: إن الدكتور زاهر صديقهما الحميم، وقد كان معهما في ~~الصعيد، وهو الآن يقضي إجازته في مصر. # وسكت فترة لا يعلم مداها، وأخذ يفكر. # أيقول لزوجته ما رآه؟! أيقول لها إن ذراعها كانت ملتفة حول خصر صديق العائلة، أو يسكت ~~فيترك للكارثة أن تبلغ مداها؟! # لكنه لم يطق السكوت، ولعله خر صريع عواطفه؛ فقد انفجر في حنق وتناثر الكلام على شفتيه: ~~إن سهام تسير في طريق خطر، لقد رأيتها تخاصر صديق العائلة الذي تتحدثين عنه أمس، كيف يحدث ~~ذلك و... # وانتهى من حديثه ليجابه فترة صمت ثقيلة، وليجابه عيني زوجته تنظران إليه في دهشة ~~واستغراب! # وقالت زوجته أخيرا: لكن ما دخلك أنت، وما ذنبي أنا؟ إنك غاضب أكثر مما يجب، إنك لست ~~زوجها، ولست مسئولا عنها! # وطرقت كلماتها الأخيرة أذنيه طرقا عنيفا أيقظ عقله. # إنه ليس زوجها حقا، وليس مسئولا عنها، لكنه مع ذلك يحبها! # أيجرؤ أن يقول لزوجته؟ # أيجرؤ أن يقول إنه يغار عليها أكثر من زوجها؟ # إنه لا يجرؤ على شيء من ذلك، وكل ما فعله أن ارتدى ملابسه مسرعا، وهبط الدرج مسرعا، ~~وعندما سار وحده في الطريق أخذ يتأمل موقفه من جديد! # بدت له سهام بعينيها العميقتين، وصوتها الناعم الحزين، كأنما تستنجد من ألم دفين! # وبدت له صورة زوجها، ذلك العابث المستهتر، وهو ms54 يمعن في إيلامها بمجونه واستهتاره! # ومست قلبه نسمة إشفاق ورثاء لهذه الزوجة التعسة، التي صبرت حتى ضاق بها الصبر، وأحس أنه ~~يوشك أن يغفر لسهام ما حدث، لكن سرعان ما ثارت به عواطفه، وبدت له صورة خيانتها من جديد؛ ~~فقفزت إلى عينيه الدموع، وأحس بنفسه وهو يجفف قطراتها، فغلبه الحياء وأخذ يتجلد! # إنه لا يزال يذكر هذا اليوم بعد الحادث بعشرة أيام، حين جلس يقص قصته على صديق يخلص له ~~الود، قال لهذا الصديق وهو يختم حديثه: وها أنا يا صاحبي ما زلت حائرا ... إن أشد ما ~~يؤلمني أنني لا أملك حتى حق الشكوى والصراخ، كلا، ولا أستطيع أن أبكي كما أشاء. # وأجابه صديقه وهو يبتسم مزدريا آلامه: الحقيقة أن سهام إن لم تفعل شيئا غير هذه ~~الخيانة؛ لاستحقت منك التقدير! # ونظر إلى صاحبه مذهولا، وأوشك أن يفتح فمه، لولا أن استطرد هذا الصديق: ألا تكفي تعاسة ~~أسرة واحدة؟ لقد كانت عاطفتك هذه كفيلة بإفساد حياتك الزوجية، لو لم تخن سهام هذا الحب ~~الذي لا تدري هي عنه شيئا لدام هذا الحب، لو أنها ظلت الزوجة الوفية للزوج المستهتر؛ ~~لنما حبك وترعرع تحت ستار العطف والحنان، لكن الآن ... # فقال مقاطعا: الآن ماذا؟ ~~- لا شيء، ستبكي بضعة أيام، لكن دموعك لن تتساقط على خديك، إنها ستنزل في قلبك، فتعفي ~~على هذا الحب، إنك في أشد الحاجة إلى هذه الدموع. # إنه لا يزال يذكر هذا اليوم، ولا يزال يذكر أنه أحس فعلا بقطرات هذه الدموع، تنزل في ~~قلبه فيبرد رويدا رويدا ... # | عيون على الكرمل # - أي سلعة تعنين يا سيدتي؟ ~~- السلعة التي أنفقت في سبيلها ما أنفقت، عشر ليرات ستعطيها إلي كما اتفقت مع ليون، ~~وعشاء فخم، وأجر حجرة في هذا الفندق، ويعلم الله ماذا دفعت لليون نفسه من أجر، هل أنفقت ذلك ~~لوجه الله؟ ~~- لوجه الشيطان كما تعتقدين، لكن ما رأيك في أني غيرت رأيي؟ ~~- ماذا تعني؟ أتريد نقودك؟ ~~- بل أدفع فوقها مثلها! ~~- لا أفهمك! ~~- ألم يقل لك ليون؟ ~~- بلى، قال لي ms55 ، قال إنك ستقضي معي ليلة، وتدفع لي عشر ليرات، وأجر الفندق، وأتعابه ~~هو. ~~- حسنا، هذه الليلة لي أن أنال فيها ما أشتهي. ~~- دعني أضع هذا التحفظ، ما يشتهي رجل من امرأة! ~~- إنك مسرفة في التشاؤم يا سيدتي، قد يشتهي الرجل غير ما تظنين، قد يشتهي حديثا ممتعا ~~تشع عليه خلاله عينا امرأة، قد يشتهي مثلا أن يجلس كما نجلس نحن الآن في شرفة الفندق، ~~يتأمل جبال الكرمل الشماء وقد تربعت في حجرها مباني المدينة هاربة من البحر، وقد سخا ~~القمر بأشعته فغمر الكون، وألقى بقية من ضوئه على سطح الماء و... ~~- ماذا؟! أتدفع بضعا وعشر ليرات لكي تقول شعرا؟ ~~- بل أدفع نصف حياتي لكي أسمعه، وحياتي كله لمن تلهمني إياه. ~~- يا مسكين! لقد أخطأت ضالتك، وسلكت غير السبيل. ~~... إنني أدعى «رفقة» عند العرب الذين لا يعرفون لغة إفرنجية، و«ربيكا» عند من يجيدون ~~الرطان، وأتقاضى في الليلة عشر ليرات فلسطينية، أتقاضاها لأقضي ليلة في حجرة، لا في شرفة، ~~دع جبال الكرمل في حالها إذن، وخل القمر كما يشاء، فسوف يعلم يوما مدى خطئه، تعال بنا ~~إلى الداخل، فإنني أحس لسعة برد خفيف. # وهبت واقفة، فبدا قوامها الأشم في الثوب الأبيض كأنه عمود من الرخام، وسارت نحو الغرفة، ~~فتبعتها وأغلقت الباب، وقالت وهي تنضو ثوبها بصوت لا حياء فيه: من مصر على ما أظن؟ ~~- أجل! ~~- اسمك؟ أوه لقد نسيته مع أن ليون ذكره لي. ~~- لا بأس، لعله ضاع في زحمة الأسماء. # ولم تعن بملاحظتي، بل قالت وهي تسوي ثوبها فوق المشجب: إنني أعرف من مصر فلانا وفلانا ~~وفلانا، لقد كانوا هنا في حيفا، فلان الضابط كان هنا منذ أسبوعين، إنه شاب لطيف وكريم، لقد ~~دعاني لزيارة مصر، لكن للأسف، مصر لا ترحب بنا كثيرا - على ما يقولون - وليس لي أقارب ~~هناك. # كانت قد أتمت مهمتها فقفزت إلى الفراش، وجلست مسندة رأسها إلى الوسادة، وكنت أنا واقفا ~~في وسط الحجرة، جامدا، كالتمثال، أنظر إليها دون حركة، فقالت: ما لك تقف هكذا؟ ألن تبقى ms56 ~~معي؟ # وقلت وأنا أمضي نحو المرآة: لا أظن ذلك. # وهبت من الفراش فزعة، وقالت وهي تلبس حذاءها: ماذا تظن؟ إنك لن تسترد مني ملا ~~واحدا، لقد رأيتني أكثر من مرة، ثم إنني سأقضي الليل هنا، وعليك أنت أن تذهب، إن الساعة ~~الآن قد تعدت الواحدة، ولا أستطيع أن أعود إلى داري. # وقلت ببرود: اهدئي يا سيدتي، لك ما أخذت، ولك فوق ذلك طعام الإفطار لاثنين، لقد دفعته ~~للفندق مقدما، وهاك علبة سجائر، تستطيعين أن تنفثي مع سحائب دخانها أنفاس الندم، إذا ~~أحسست بخطئك معي! # وتحركت لأسير، وشارفت باب الحجرة، فصاحت مترفقة: اسمع، لدي اقتراح، إلى أين تذهب ~~الآن؟ ~~- إلى الناحية الأخرى من المدينة، حيث الفندق الذي أقيم فيه. ~~- إن الوقت متأخر، ومن مصلحتي ألا أظل وحدي في الحجرة، هذا المقعد الطويل، ألا ~~يصلح؟ ~~- حسنا، سأبيت هنا على المقعد، إنه كرم منك يا سيدتي. ~~- بل فن التجارة أن لا أغضب حتى من يرفض السلعة، رغم جودتها. # وضحكت، ضحكت ضحكة بدا فيها أنها تحاول طرد سحب الكدر التي ملأت نفسي، لم يكن هناك ~~بد من أن أرد فقلت: إنني لم أرفض السلعة ولم أطلبها، طلبت صنفا آخر، لكن التاجر - ~~سامحه الله - تاجر جشع، يختزن السلع الطيبة، يريد أن يثرى من الحرب، ألا يعاقبون هنا على ~~إخفاء السلع؟ # وقالت وهي تغالب نفسها: أما إنني أريد أن أثرى من الحرب، فهذا صحيح، لكنني أثرى من عرض ~~السلعة التي أملكها لا من اختزانها، ماذا تظنني أختزن؟ ~~- تختزنين كل شيء، وتعرضين شيئا سامحيني إذا قلت تافها، شيئا يزخر به شاطئ البحر كل ~~مساء، كأنه الحشائش التي لفظها الماء، شيئا لا أطلبه وإن كنت دفعت ثمنه، أنا أطلب شيئا ~~تختزنينه رأيته بعيني، لم أجد سبيلا إليه غير ما فعلت، لكنني للأسف مخطئ، ضللت الطريق كما ~~قلت أنت أولا. # وقالت في حيرة: ولكنني لا أختزن شيئا، أتريد أن تجلس في الشرفة؟ أهذا كل ما تريد؟ ~~- عندما رأيتك في مقعدك، وقد اتكأت بساعديك على المنضدة، وسجلت عيناك في الأفق، ms57 وقد ~~لمع في إشعاعهما حزن غريب، أحسست أن هناك روحا، سألت ليون كبير الخدم عنك، فصدمني ~~بأرقام التسعيرة التي يجب أن أدفعها لكي أحظى بك. # لكن بريق عينيك ألهاني عن تدبر الصدمة، قبلت المساومة لأعرف ذات العينين التي تجلس كل ~~مساء سابحة في الأفق، ذات الروح التي هفت نفسي للقائها، أما «رفقة» «ربيكا» الغانية فلم ~~أحسب لها حسابا! # كنت ألهث وأنا أتكلم، وأسمع صدى صوتي في أرجاء الحجرة يرتفع رويدا رويدا، أحسست أنني ~~أمزق سكون الليل وحدي، وأنني قلت ما أريد، فسكت، وإن ظل لساني يزدحم بالكلمات، كنت قد ~~نسيت أنها جالسة على حافة السرير فأدرت رأسي، كانت المرأة الجامدة قد زالت تماما، كانت ذات ~~العينين السابحتين، تجلس على حافة السرير تبكي وتنشج في حزن وأسى، أسرعت نحوها ورفعت ~~رأسها، أحسست بالراحة وأنا أتلقى قطرات دمعها على يدي، وأرضي أنانيتي أن تعود الروح إلى ~~هذا الجسد ولو بسيل من الدموع. # وقلت وأنا أربت على خديها برفق: أرأيت أنك كنت تختزنين شيئا غاليا؟ ~~- أكنت تريد دموعي؟ كنت تريدني أن أبكي؟ ~~- بل كنت أريد أن تعود إليك الحياة، إنك يا صديقتي لست ذلك الثوب الأبيض والجسد اللدن، ~~إنك روح وقلب، إن عينيك لا يحملهما تمثال لا روح فيه. ~~- أنت واهم، إنني أعيش من ذلك التمثال، وله وحده. ~~- وهذه الدموع؟ ~~- قطرات ماء تخرج من صخرة! ~~- لا أصدق ذلك، إن القلب ليستحيل صخرا إن خرج منه الحب، ألا تحبين؟ # وتوقعت نظرة ساخرة، يعقبها تهكم مرير. توقعت إنكارا وإصرارا، لكن «ربيكا» كانت غير ~~ذلك، كان غشاء الجمود والتحجر قد زال من عينيها وقلبها، أصبحت امرأة تحس وتذكر وتتألم، ~~إني لا أزال أذكر عينيها، هاتان العينان اللتان طالما رأيتهما سابحتين في الأفق يشع منهما ~~الحزن، العينان اللتان دفعتاني للتعرف عليها، غيرهما بالمرة هاتان العينان المحمومتان ~~الملتهبتان، كأنما تحجرت الدموع أو بخرتها حرارة الأجفان، إني لأذكر أيضا هذا الحديث ~~الدامي حين قصت علي «رفقة» قصتها، حين مضت تقص حياتها الأولى؛ البيت الهادئ الجميل ~~في حيفا، صديقاتها فاطمة ms58 ومريم وآمنة، أصدقاءها الصغار أحمد وعامر ومنير، حين كان الجميع ~~أسرة واحدة في بلد واحد، لقد أحبت أحمد في ذلك الحين، أحبته طفلا حين يكون الحب غذاء ~~يمضي مع الدم، ويدخل إلى شغاف القلب، ولا يملك أداة إلا العين. # وأحبته يافعا تتعثر ألفاظ الحب على شفتيه، كما كانت تتعثر قدماها حين تراه قادما من ~~بعيد، ثم مضت الأيام، ونما الحب، فأصبح كل الحياة. كان أهل أحمد أهلها، وكان أبوه لا يرى ~~غضاضة في وجه رفقة، يطالعه في الصباح، يلتمس المعاذير من زيارة بناته، ويعلم في قرارة نفسه ~~أنها تريد وجه أحمد، كان كل شيء جميلا نضيرا، حتى صخور الكرمل لم تكن قد صبغتها الكآبة ~~بعد. # ومضت تسرد جمال الماضي، ومضى صوتها في سكون الليل كأنه همس حورية ناعم، كان جميلا حزينا ~~كذكرياتها الجميلة الحزينة. # وفجأة سكتت كأنما انقطع حبل الذكريات. # وقلت وقد تفقدت أذني صوتها الهامس: وماذا بعد هذا الماضي الجميل؟ ~~- حاضر تعس أعاصره منذ عشرة أعوام! ~~- هل مات أحمد؟ # ونهضت مرتاعة وصرخت: أيموت وأعيش؟ ~~- إذن ماذا؟ ~~- لم يمت أحمد وحده، وإنما ماتت الحياة كلها، مات العيش الجميل، في ليلة حالكة السواد ~~أشفق منها القمر، وفي دارنا الجميلة، اجتمع ثلاثة رجال صنعوا نعشا لجمال الحياة! # وقلت مترددا: هل خطبك أحمد فرفض أبوك، أو رفض أبوه هذه الخطوبة؟ ~~- لا شيء من هذا. ~~- لا أكاد أفهم إلا أن عامل الدين قد حال بينكما؟ # وقالت في غيظ: الدين؟! متى كان الدين حائلا بين قلبين؟! # وقلت وقد فرغ صبري: لقد تحدثت يا سيدتي عن جمال الماضي، فماذا حل حتى استحال هذا ~~الماضي إلى ذكريات؟ ماذا فعل هؤلاء الرجال الثلاثة؟ ومن هم؟ ~~- أحدهم كان أبي، والثاني سيد لا يعرف العربية، أوروبي أفاق ضاقت به أوروبا فوسعته ~~فلسطين، فانتفخ حتى بدت له الأرض التي وسعته كلقمة، أما الثالث فقد عرفته بعد ذلك، لقد كان ~~رسول الوباء. ~~- أي وباء تعنين؟ ~~- الوباء الذي التهم ماضينا، ألا تعرف ما حدث بعد ذلك؟! في صبيحة اليوم التالي أصبحنا ~~غير عرب، ms59 أصبحنا صهيونيين! ~~- أكاد لا أفهم أيضا. ~~- أتعرف ماذا يفعل السحر؟ ~~- يحيل التراب ذهبا. ~~- ويحيل الملاك شيطانا، أليس كذلك؟ ~~- في بعض الأحيان. ~~- وهذا ما حدث؛ كنا نعيش بين أهلنا وذوينا، فانتزعنا بالروح وبقينا بالجسد، صرنا بشرا ~~آخر، قيل لنا إننا جنس آخر! ~~- وماذا فعل أحمد؟ ~~- ما زال كما هو، بوجهه الجميل وقلبه النقي، أما أنا فقد كان علي أن أختار؛ هل أسكب في ~~قلبي سحر الشيطان، أم أقتله، وأعيش للشيطان بجسدي فقط؟ وقد اخترت الثانية. # كان الفجر يرسل خيوطه لتنسج الضوء حول الكون، حين آبت رفقة من قصتها، وكأنما وجدت قطرات ~~من الدمع في عينيها، فراحت تسكبها في قوة، ورحت أنا أتأمل ما سمعت. # قال دافيد خادم الفندق، وهو يفتح علينا الباب في الصباح بلهجة ناعمة: صباح جميل يا سيدي، ~~مدموازيل ربيكا، يوجد شخص يطلبك بالتليفون. # وقالت ربيكا وهي تضحك في ألم: إنه ليون، قد استبطأ عمولته. # وسارت وفي عينيها دمعة مترقرقة. # | لحن قصير # جذب بيده ستائر النافذة، فتوارى آخر شعاع للشمس الغاربة، ثم تحرك صوب الباب، لكنه لم يخط ~~حتى رن في أذنيه صوت رفيع، ينساب في إعياء مناديا الممرضة: فاطمة، أشرب، أريد أن ~~أشرب. # وأدار زر الكهرباء، فانبعث نور المصباح الهادئ في فضاء الغرفة، وبدا وجهها الذابل خلاله ~~كأنه رأس تمثال من الشمع. # وسار نحو المنضدة، وحمل كوب الماء واقترب من فراشها، وفتحت عينها على صوته وهو يقدم ~~الكوب، ويده وهي ترفع رأسها في رفق، فقالت في حنان: أنت دائما يا دكتور منير ... إنني أتعبك ~~كثيرا، إني آسفة. # ولمست حافة الكوب شفتيها، ولمست يداها يده وهي تطبق على الكوب، ورشفت آخر قطرة من الماء، ~~ومرت لحظة قبل أن ترفع يده بالكوب لتعيده إلى المنضدة، لحظة ظلت يداها خلالها تطبقان على ~~يده، وتضغطان في حرارة، وأخيرا رفعت عينيها نحو وجهه، كانت عيناه تحدقان في بريق غريب، ~~والتقى ذهوله بذهولها فأفاقا، فرفعت يداها ورفع الكوب. # وغادر الحجرة مرة أخرى في خطى متباطئة، وأغمضت عينيها واستسلمت لحلم طويل. # وجلس الدكتور منير بعد ms60 لحظات إلى مكتبه في المستشفى، يحاول أن يقرأ، وفتح كتابا، ولكنه ~~أغلقه بعد قليل، وفتح غيره ثم أغلقه بعد لحظات. # وعبثا حاول أن يفعل شيئا غير التفكير في تلك الراقدة على قيد خطوات من حجرته، واستسلم ~~آخر الأمر لأفكاره، فراح يستعرض ما حدث منذ أربعة شهور، حين دخلت كوثر المستشفى؛ لتعالج من ~~مرضها الخطير، وحين نشط الطب ليعرف المرض، وحين تضاربت الآراء في تعليله وتشخيصه، ثم انتهى ~~الطب إلى رأي، ثم نقضه، ثم تبين أخيرا أنه الداء - داء السرطان - يتسلل إلى القلب في خفة ~~وثقة، مكتسحا ثدييها فصدرها هاصرا في طريقه، وفي غير رحمة عود شبابها، ناشرا الموت ~~البطيء على صفحة وجهها في صورة شحوب يتزايد ويتراكم، ويتخطف ما بقي في وجنتيها من دماء، ~~ويمتص ما على شفتيها من رواء، ويقف متربصا عند حافة عينيها لا يجرؤ على الدنو. # كل شيء تغير في كوثر إلا هاتين العينين، نال المرض من جهودها، فتداعى جسمها، وتخاذلت ~~أعضاؤها، لكن عينيها ظلتا كما كانتا منذ اليوم الأول، يوم دخلت إلى المستشفى تخطر على ~~قدميها في رشاقة ومرح، والتقت عيناهما، وأحس بجسده يرتعد، وأحس بعينيها تجفلان في سرعة، ~~وتنظران إلى فضاء الحجرة. # وقدر عليه منذ ذلك اليوم أن يزورها مرة في الصباح ومرة في المساء، وأن تلتقي عيناهما ~~في كل مرة، وأن تتكرر قصة اليوم الأول، فتجفل عيناها وتهرب عيناه. # ويتهاوى جسدها كالبناء، ويمضي كل يوم بجزء من نضارتها، وتمر الشهور ويتبين الداء، وتوشك ~~الدموع أن تطفر من عينيه، حين يرى ميكروبه تحت المجهر، ويسمع اسمه بأذنيه من زميله الذي ~~يعاونه في علاجها. # ويقضي ليلة لا تقل عن لياليها هولا وفظاعة، ليلة تحترق فيها مع عشرات السجائر قطرات من ~~دمه، ويطالعه الصباح فيهرع إلى غرفتها، وفي هذه المرة يطيل إليها النظر، وفي هذه المرة لا ~~تخشى عيناه أن تكتما داءه، فتكشفان عن دائه ودائها معا، وعبثا تحاول الألفاظ أن تتدخل، ~~لقد تلقت عيناها نبأ غرامه ومصيرها جنبا إلى جنب، وقرأت سطور الحب كما قرأت سطور ms61 ~~الفزع. # ويقترب ذات يوم من فراشها وهي نائمة، فيطيل التحديق في وجهها، ولا يرى وجه المريضة ~~الفانية، وإنما ذلك الوجه الذي رآه أول مرة منذ شهور نضرا، تقطر الحياة والدماء من ~~شفتيه. # ويقترب رأسه حتى يستشعر أنفاسها الدفيئة تهب على وجهه، ويوشك أن يلمس جبينها بشفتيه، ~~ولكنه يرتد في اللحظة الأخيرة، ويسير في حذر نحو الباب، وتتمتم شفتاه وهو يخطو نحو غرفته: ~~إنها زوجة. # إنها زوجة. ذلك ما خاطبه به عقل الطبيب كل يوم بعد ذلك اليوم، وذلك ما استكان له قلب ~~الشاب العاشق في كل مرة، حتى كان أمس، حين اجتمع مع زميلين من زملائه حول فراشها، ودرسوا ~~حالها في عناية، وانتهوا إلى رأي خطير! # إنها لن تعيش غير شهر واحد، على أكثر تقدير. # عندئذ تنبه قلب الشاب العاشق في حناياه على حقيقة مروعة؛ لقد خرجت من زمام زوجها إلى يد ~~القدر، وهو لا يملك فيها شيئا بعد اليوم، إن الأيام القليلة الباقية ملكها وحدها، وليس ~~لغيرها أن يشاركها فيها، هكذا حدثه قلب الشاب العاشق منذ الأمس! # وعبثا حاول عقل الطبيب أن يرده، وعندما دخل اليوم عند الغروب إلى حجرتها، كانت عيناها ~~مقفلتين ومع ذلك فقد خيل إليه أنه يرى هاتين العينين، يراهما ويحس نداءهما الذي لم ينقطع ~~طيلة أربعة شهور، وسار على أطراف قدميه حتى حاذى فراشها، ومال برأسه حتى أحس حرارة أنفاسها، ~~ثم ... ثم راجعته نفسه، وتحرك نحو النافذة فجذب أستارها، وأراد أن يعود من حيث أتى، فسمع ~~نداءها وسقاها. # وفشلت جهوده في أن يقرأ سطرا واحدا من كتاب، ودقت التاسعة، وسكت كل شيء في المستشفى، ~~ونطق قلب الشاب العاشق في صدره بكلام رهيب. # وتحرك مرة أخرى تاركا حجرته وسار نحو حجرتها. # كانت الممرضة تهرول خارجة، وقد علاها الذهول، وجمد في مكانه مصعوقا، ورأته الممرضة ~~فاتجهت نحوه، ولم ينتظر ليسمع ما تقول، بل صاح بها في فزع: ماذا حدث؟ # وترددت الممرضة، وحاولت أن تتمالك نفسها، ثم قالت في اضطراب: لا شيء! إنها تهذي! منذ نصف ~~ساعة بدأت ms62 تتكلم وهي نائمة، تكلمت عن زوجها أولا، ثم ... جعلت تشكرك على عنايتك، ثم تطرقت ~~إلى الحديث عنك، سألتك أكثر من مرة لماذا تتركها وحيدة و... # إنه لم يع شيئا مما قالت بعد ذلك. كان يسير ببطء إلى باب غرفتها، وعندما فتح الباب، ~~وصار أمام فراشها تلفت حوله. # كانت الممرضة قد غادرته عند الباب، وأصبح وحيدا أمامها، مد يده نحوها، وأمسك يدها ~~بكلتا يديه، ومال ليلثم اليد الذابلة، واقتربت شفتاه فترامى إلى أذنيه همس ضعيف، فرفع رأسه ~~إلى وجهها فتملكه الخجل! # كانت قد استيقظت ورأته يلثم يدها في حذر، فعلت شفتيها ابتسامة هادئة، وأشرق جبينها ~~المضني. # وقالت في حنان: شكرا يا دكتور، إنني أعرف كل شيء، أعرف أنها أيام قلائل، ثم ... ثم أنتهي، ~~لكنني سعيدة جدا. # وحاول أن يغير مجرى حديثها، فقال متكلفا الابتسام: إنك واهمة، لسوف تشفين قريبا، ~~وتعودين إلى حياتك وبيتك، و... # ولكنها لم تدعه يتم كلامه، بل قالت في إشفاق: لقد سمعت كل شيء بالأمس، رأيت الدموع وهي ~~تكاد تطفر من عينيك، لكن أيمكن؟ أيمكن؟! # وتداعى صوتها، وسبحت عيناها في سقف الحجرة، وسادهما الصمت لحظة، كانت يداه تطبقان على ~~يدها وتضغطان في حرارة، وكانت يدها اليسرى قد امتدت، وأخذت تربت على يديه، وكان كل شيء ~~يتحدث إلا لسانها ولسانه. # وأجفل مذعورا آخر الأمر، وسحب يديه مسرعا، وتمتم دون أن يعي: لكن ... لكن، ليس لي الحق، ~~إنني آسف، لكن ... وتملكتها قوة خارقة، وغلبها سلطان لا يقاوم، كانت كأنما تهذي. ~~- لكن ماذا؟ إن لي الحق، إنني حرة ولست لأحد، ثم ما ذنبي أنا؟ لقد قاومت ما استطعت، ثم ~~... # وعلا نحيبها، أحس بكل قطرة من دموعها جمرات من النار، تتساقط في فؤاده، لم يدر ماذا ~~فعل إلا حين رأى شفاهه ترتعش، وهي تغادر جبينها الملتهب، كانت قبلته قد حملت إلى جبينها كل ~~شيء، وعبثا حاول عقل الطبيب أن يسترد سلطانه، أحس أنه يريد أن يبكي، وتساقطت قطرات دمعه ~~على يديها، ومرت دقائق قبل أن يستعيد جأشه، وعندما هدأت ثورة بكائه سار ms63 مثقل الخطوات دون ~~أن ينظر وراءه، لو أنه نظر لكان رآها، رأى المريضة المتهالكة تبتسم في فرح، وقد ملأت ~~عينيها الدموع! # ومرت الأيام سريعة متلاحقة، وعاش منير إلى جوار فراشها ساعات طويلة، كان يحدثها عن ~~الشفاء العاجل، فتحدثه عن السعادة القصيرة، كان يقوي عزيمتها، فتسخر من الأمل ولا ترجو ~~المستقبل. # وقال لها ذات يوم كان الموت يتحسس طريقه إلى قلبها متعجلا قلقا: ماذا؟ أتحسين شيئا ~~الآن؟ # وتحركت في ألم، وقالت وهي تبتسم في أسى: أحس أنني سعيدة، وأود لو مت هكذا! # وتضاحك في استخفاف قائلا: لكنك لن تموتي، لقد قلت لك سوف تشفين! # وضحكت في صوت مبحوح، وجرت الألفاظ جرا: أرجو ألا تصدق نبوءتك، إنني أريد الموت، ~~أتعرف ماذا سأفقد لو شفيت؟ إنني سأفقد كل شيء، أفقد الحب الوحيد الذي ذقته في حياتي، إنني ~~سأموت سعيدة، كل ما يحزنني أن موتي سوف يعكر عليك حياتك، لو أنك تحس إحساسي، لو أنك ~~تفعل ما أفعله، إنني أعيش في الأغنية الحلوة القصيرة التي منحتنا إياها الأقدار، عش معي ~~هذه الأيام، وانفض يدك بعد ذلك عن اللحن وصم أذنيك، إني لأتمنى ألا يطول ... ألا يطول، إنه ~~جميل هكذا، كما نعيشه الآن! # وأطاع القدر هوى كوثر، فسكت اللحن ذات صباح، وآوى منير في المساء إلى غرفته، كان الظلام ~~حالكا، وكان كل ما حواليه يشعر بالوحشة، ولكنه لم يفكر في إنارة المصباح، بل تداعى على ~~مقعده حائرا، وأنصتت أذناه. # كان يريد أن يعيش لحظات مع أصداء لحن حبه القصير. # | الأستاذ بغبغان # - تأمل يا محمود ريشه الأحمر ورقبته الزرقاء، هذا الخليط من الألوان الزاهية، يا له من ~~منظر جميل! # وأدار رأسه نحو محمود، فوجده منصرفا عن حديثه، لا ينظر نحو الببغاء، إنما نحو رجل طويل ~~القامة ممتلئ الجسم، يرتدي يا للعجب! نفس الألوان؛ طربوش أحمر فاتح الاحمرار، جاكتة خضراء ~~زاهية اللون، كأنما شرب كل ما في أوراق الشجر قبيل الربيع من خضرة، وحذاء رماديا يلتمع ~~كالفضة، ورباط رقبة قد احتشدت على بساط زرقته مجموعة من الألوان ms64 تتنافس في الظهور. # ولم يكن هذا كل شيء؛ كانت هناك عصا قصيرة صفراء، وكانت هناك أيضا عروتا السترة، قد ~~حليت كل منهما بشارة مستديرة، قد رسم عليها بالألوان صورة لرجل، على ما أذكر كانت ~~إحداهما لسعد زغلول، والأخرى لمصطفى كمال «عفريت اليونان» كما كتب تحت الصورة إذ ذاك، ولم ~~يكن هذا كل شيء أيضا؛ كانت مجموعة المناديل المتدلية من جيب سترته، كأنها أعلام تزين حانوت ~~بقال، تخطف بألوانها الأبصار. # وأحس محمود بعين شقيقه تتأمله، فرفع رأسه الصغير نحوه في سذاجة وقال: أكنت تحدثني يا ~~أخي؟ # وأجاب الأخ قبل أن يفيق من دهشته لما رأى: طبعا كنت أحدثك، لكن عن هذه الببغاء المتعلقة ~~بأسلاك القفص. # وأجاب ببراءة: وهذا يا أخي ما هو؟ # وضحك الأخ الكبير، ولكن ما لبث أن تملكته الحيرة إزاء سؤال الصغير الساذج: هو إنسان، ~~ببغاء من نوع آخر. # وقال محمود، وهو يضحك بكل ما وسعت طفولته من صفاء: إنه كالببغاء إنه كالبب... وغلبه الضحك ~~السعيد، وضاعت بقية الحروف في ثنايا الحنجرة المنتشية. # وسارا في حديقة الحيوان من جديد يستأنفان جولتهما، ورأى محمود في هذه الجولة كل الطيور، ~~وكل الزواحف وكل الحيوانات، وأحس قلبه الرعدة لصوت الأسد، وطفق يستمع إلى قصص أخيه الضابط ~~عن الأسود التي رآها في السودان، وكان يمتلئ زهوا كلما قص عليه أخوه مغامرة من مغامراته ~~التي صاد فيها الأسود، وعاد من رحلته آخر اليوم بنفس عامرة بالأحاسيس، وصحا في الليل مرات ~~على زئير الأسد ودمدمة رصاص أخيه، وهو يحصد أرواح الأسود كأنه يقطف ثمار شجرة مكتظة ~~بالثمار، ومرت الأعوام وكبر محمود وصار طالبا بالجامعة. # وتعود أن يذهب مع أصدقائه كل أسبوع إلى حديقة الحيوان، يجولون فيها حتى يغلبهم التعب، ~~فيأوون إلى جزيرة الشاي ليريحوا أجسادهم، ويقطعون الوقت حتى موعد الغداء في تسلية بريئة؛ ~~يلقون قطع الخبز الصغيرة للطيور السابحة على سطح البحيرة، ويلقون نظرات للعيون السابحة خلف ~~الموائد، كانت هذه العيون تتجمع حول فتات النظرات العابرة كما يتجمع البط على فتات الخبز، ~~وتبدأ معركة الكسب ms65 لحظة ثم تنتهي حين تظفر بطة وحدها بالفتات، وحين تظفر عين وحدها ~~بالنظرة العابرة، وعندما تحين الظهيرة الراكدة كان البط يأوي إلى الصخور قانعا بما كسب ~~من فتات، وتأوي العيون إلى الأجفان قانعة بما نالت من نظرات، وتبدأ فترة خمول، كان محمود ~~ورفاقه يتغلبون عليها بالتجول مرة ثانية في جنبات الحديقة، وينتهي المطاف عند الباب ~~قريبا من أقفاص الببغاوات، هناك كانت تطول وقفتهم، يتأملون الألوان الزاهية كيف تجمعت ~~على جسد واحد، وفي كل مرة كان محمود يذكر أول مرة رأى فيها الببغاء، ورأى الرجل الزاهي ~~الألوان كالببغاء، يذكر جملة أخيه: إنه ببغاء من نوع آخر. # وخرج محمود إلى الحياة بعد سنوات، وعمل موظفا بإحدى الوزارات، وجلس في حجرة مع أحمد ~~أفندي، أشهر شخصية في موظفي الوزارة. # ودهش محمود أول يوم دخل فيه إلى حجرة عمله، حين قال له زملاؤه الجدد كأنهم على ميعاد: ألم ~~تتعرف بأحمد أفندي؟ # وكان عهده بهذا الاسم منذ نصف ساعة، حين قال له مدير المستخدمين، وهو يشرح له عمله، ~~وينبئه بالمكان الذي اختير له: إنك سعيد يا بني؛ لأنك ستشتغل في قلم المراجعة، فرئيسك أو ~~على الأصح أكبر زملائك سنا ومرتبا هو الرجل الصالح أحمد أفندي. # لذلك أجاب زملاءه من غير دهشة: لم يحصل لي الشرف بعد، أرجو أن أتعرف إليه قريبا، إنه ليس ~~هنا على ما أظن؟ # وأجاب زملاؤه في صوت واحد: إنه في الحج، عقبال عندك. # وأخذت تتوالى على أسماعه أنباء أحمد أفندي: تقواه، صلاحه، زهده، شفقته، طاعته للرؤساء، ~~تواضعه مع الجميع ... كان ينقص صورة أحمد أفندي التي ارتسمت في ذهنه جناحين فقط لكي يصبح ~~ملاكا من الملائكة. # وعاد أحمد أفندي من الحج، بعد أيام، يحمل لكل زملائه الهدايا، مسابح من الكهرمان، خواتم ~~من الفضة، قطعا من أستار الكعبة الطاهرة، مصاحف مموهة بماء الذهب ... وخرجت الوزارة كلها ذلك ~~اليوم تحمل هدايا أحمد أفندي، الرجل الصالح، هداياه المباركة الطاهرة. # وخرج محمود وحده ذلك اليوم وفي صدره نزاع خفي بين قلبه وعقله، بين إحساس عينه وإحساس ms66 ~~أذنه، شعر قلبه بالكراهية نحو أحمد أفندي، فاحتج عقله في حماس وقال له: أنت ذو شعور كاذب ~~تكفر بما تراه من تقوى وورع، ألا ترى زبيبة الصلاة في جبين الرجل، والنور الذي ينبجس من ~~عينيه، والآيات التي يستعيذ بها، ويرسلها في كل حين، تخونك هذه المسبحة التي نفحك إياها، ~~رغم أنه لم يعرفك إلا اليوم، ومضت أذنه تردد - عن غير قصد - كل ما وعته من أقاصيص أحمد ~~أفندي؛ أقاصيص تفوح منها المكارم كرائحة العنبر والمسك، ولكن قلبه وعينه ظلا جامحين ~~بعيدين عن مظاهرة الإعجاب بالرجل المعبود. عينه لم ترتح لهذا الرجل من أول نظرة، وفي ~~النظرة الثانية تأكد إحساسها، وأيقنت أنها لن ترتاح إليه أبدا، وقلبه أحس بالكره لكل شيء ~~فيه، حديثه المملوء تقوى وورعا كان ينتقل على صفحات هذا القلب كأنه أقدام شيطان تطأ عقول ~~البله والمعتوهين، آيات القرآن التي يرتلها من حين إلى حين، كان يترجمها قلبه إلى أحرف لا ~~حرارة فيها ولا روح، جافة ينقصها الوعي بها، ذلك الوعي الذي يجعلنا نحس الألفاظ ونعرفها، ~~كانت الكلمات تخرج من فيه كأنها صوت عملة زائفة، يرن في أذن واعية، تعرف الغث من ~~السمين. # وأتاح الشك في أحمد أفندي وعدم الإيمان به لمحمود أن يرقب عن كثب حركاته وتصرفاته، كما ~~يرقب المارد حركات قزم يبذل جهده لكي يبدو عملاقا، فحين كان ينهض أحمد أفندي فزعا عند ~~الظهر ليؤدي واجب الصلاة وهو يحوقل ويتمتم، فيتحسر زملاؤه على قلة نصيبهم من التقوى ~~وتكاسلهم عن أداء الفرض، كان محمود يقول لنفسه: مظاهرة سخيفة، كان يستطيع بدل هذه الضجة أن ~~ينتظر حتى يئوب لمنزله، فيؤدي واجبه بينه وبين الله، بعيدا عن الناس. # ونما الشك والكره حتى أصبح بغضا ثقيلا، دون أن يملك محمود إزاء ذلك شيئا، وبدأ محمود ~~يحس أن الرجل ينظر إليه بحذر، ويكف عن رواية أقاصيص تقواه كلما كان محمود في الحجرة، بل ~~بدأ يحس أن الرجل يتخاذل كلما التقت عيونهما، حتى لتكاد عيناه تقولان له: أتوسل إليك ~~لا تفضحني، إنك تعرف ms67 كل شيء! # وجاءت سنوات الحرب الطاحنة، وغادر محمود وأسرته الضاحية الجميلة إلى المدينة فرارا من ~~أزمة المواصلات، واختارت الأسرة شقة في حي من الأحياء الوطنية، وتعود محمود أن يقضي ~~سهراته في المنزل هربا من الظلام، وآوى ذات ليلة إلى فراشه في التاسعة، وجلست أمه على ~~حافة السرير، تقص عليه من أنباء الحي الجديد ما علمته خلال الأيام القلائل التي مضت عليهم ~~منذ سكنوه ... # وقالت وهي تشير إلى نافذة الجيران: ويقطن هنا رجل يقصون عنه قصصا غريبة؛ فهو متزوج من ~~أربع نساء، إحداهن أصغر من ابنته الكبرى، دفع لها مهرا ضخما جمعه من بيع مصوغات زوجاته ~~الثلاث اللائي ينلن قسوته ووحشيته، مسكينة زوجته الأولى، لقد زارتني أول يوم لتهنئني ~~بالمسكن الجديد، لقد أوشك بصرها أن يكف من كثرة البكاء، ومن المدهش أنه ذهب إلى الحج ~~هذا العام، وقد حلفت لي زوجته أنها حلمت ليلة سفره أن الكعبة قد انهارت فوق رأسه، وأنها ~~ذهبت في اليوم التالي لقريب لها من العلماء، وقصت عليه حلمها فقال لها: إن زوجها لن ~~يقبل منه الحج. # وقال محمود لها وهو يضحك: أف للنساء! كل هذا؛ لأنه تزوج غيرها! # وأجابت أمه: وأنت؟ أتظن أن الله يقبل حج مثل هذا الرجل المرابي؟ ~~- مراب؟ ~~- أجل، لقد قالت لي المسكينة إن زوجها يقرض صغار الفلاحين في بلده بفائدة فاحشة، ~~ويرتهن أراضيهم، ويستولي عليها بحيل شيطانية، وأنه ما من فلاح في بلده إلا وقد وقع في ~~حبائله، ولا هم له إلا الزواج والطلاق! ولولا أن لهذه المسكينة منه ثلاث بنات لطلقها، ~~كما طلق لاحقتيها. # ومضت الأم تقص حديث الجيران، حتى تأخر الليل، فنهضت إلى فراشها. # ومر يومان، وكان محمود يغادر باب منزله، حين دوى في أذنيه صوت يكرهه؛ كان صوت أحمد ~~أفندي يناديه. # وأدار رأسه فوجده يغادر عتبة الباب المقابل لمنزله. # وقال أحمد أفندي، وقد تهدج صوته من الورع: أتسكن هنا يا ابني؟ # وأجاب محمود ذاهلا: أجل، منذ أيام! ~~- أنتم إذن الذين زارتكم زوجتي؟ ~~- أظن ذلك، حضرتكم تقطنون؟ ~~- أمامكم في هذه ms68 الشقة. # وسارا معا في الطريق، كان محمود غارقا في أفكاره، كان ذهنه يمضي بعيدا إلى حديقة ~~الحيوان، الطائر الزاهي الألوان، والرجل الزاهي الألوان، لقد قال أخوه عن هذا الرجل: إنه ~~ببغاء من نوع آخر، إنه كان زاهيا تصطرع على ثيابه الألوان حقا، لكن من الداخل ماذا كان ~~هناك يا ترى؟ # وعاد إلى أحمد أفندي، عاد إلى الرجل الزاهي، الذي يعرفه الجميع ويتحدث عنه الجميع، عادت ~~إلى ذهنه صورة زبيبة الصلاة، الفزعة الرهيبة لدعاء الصلاة ساعة الظهر، المسابح الكهرمان، ~~الحج، ثم هذه الآيات التي تنشرها شفتاه في كل مناسبة، لقد كان عقله كاذبا وكان قلبه ~~صادقا، لقد كان أحمد أفندي ببغاء من نوع آخر. # | سقطت على الصخور # - تعالي معي، لا تخافي، إنني أعرف أماكن الصخور، وهذه المنطقة ملأى بها، إن قدمي ~~ستحملاننا سويا، سأحملك بين يدي حتى نعبر تلك المنطقة الوعرة، وإذ ذاك ينطلق البحر ~~أمامنا هادئا ضحلا ناعما كبساط من الحرير، تعالي، مم تخجلين؟ ألسنا صديقين، وأخوين، ~~و...؟ # ودل احمرار وجهها على أنها فهمت، فهمت بغير عقلها ما قاله بغير لسانه، لكنها مع ذلك لم ~~تقتنع، لقد مدت يدها، يدها فقط، وآثرت أن تمضي على الصخور بقدميها، وأحست وهما يخوضان ~~الماء بدفء يده، فرفعت رأسها لترى وجهه، فلحظت وجومه، فقالت وهي تتضاحك: أكنت تريد أن ~~تحملني بين يديك، ماذا يقول الناس؟ ~~- ماذا يقولون؟ عاشق يحمل هواه! ~~- وهذا ما لا أريده الآن، ثم من أدراني؟ ربما تعب ساعداك، تخيلني وقد سقطت من بين يديك ~~على الصخور! ~~- وما فائدة ساعدي إذا عجزا عن حملك؟ ثم ماذا يضيرك إن قال الناس إننا عاشقان؟ ~~- لا شيء يضيرني! لكن، هذه الكلمة، عاشقين! # إنها شريفة على الورق فقط، إن صورتها في أذهان الناس غير ذلك، إن أذهانهم لا تفهم ~~وضعا شريفا لرجل وامرأة غير متزوجين. # ولم تلحظ وجومه هذه المرة، ولا صمته، كانا قد عبرا منطقة الصخور، وأحست تحت قدميها ~~الرمل الناعم، فسحبت يدها في خفة، ومضت تركض في الماء. # وأصبحا بعيدين عن الشاطئ، وتلفت فلم ms69 ير غيره وغيرها، فاقترب منها وقال وهو يمسك بيديها: ~~أحبك يا فاطمة! # وغمر وجهها الاحمرار وهي تجيبه: إني سعيدة بهذا الحب. ~~- ألا تقولين إنك تحبينني؟ ~~- ألا تصدق غير لساني؟ ~~- أصدق كل شيء تقولينه، وأثق بك، وأحبك. # ومضى الوقت سريعا، مضى لقاء البحر، ومضى اليوم، ومضى أسبوع المصيف؛ ذلك الأسبوع الذي ~~انتزعته انتزاعا من أسلوب حياتها المرير المعتم، إنها وحدها تعلم كم تكلفت في سبيل ذلك من ~~عناء، لقد حرمت أمها المصيف منذ توفي أبوها، وأخذتها وأخاها بأسلوب صارم من الحياة ~~الجادة، منذ توفي أبوهما أصبحا في نظرها كما كانت هي في نظره، جنديا عليه الطاعة ~~والعمل، وله الطعام واللباس، كانت فاطمة في الثالثة عشرة، وكان أخوها في الخامسة عشرة، فلم ~~يدركا أول الأمر سر تلك المعاملة الجادة، لكن عندما التحق أخوها بكلية الهندسة، ونالت هي ~~شهادة البكالوريا، بدت لهما الحقيقة واضحة، إن أمهما لم تقتر حبا في التقتير، ولم تقس ~~عن طبع قاس، لقد كانت تدرك أن معاش زوجها سوف يتناقص عندما يبلغ ابنها سن الرشد، وأن ~~عليها أن تنشئهما قبل أن تقاسمها الدولة جنيهات هذا المعاش، إنهما أدركا الحقيقة في الوقت ~~المناسب، فلم يتوان أخوها أو يتكاسل، ولم تهمل هي أو تقصر، حتى حين تعرفت بسيد في كلية ~~الطب وأحبته، كانت تدرك أن عليها واجبا قبل الحب، يجب أن تتم دراستها لتملأ هي وأخوها ما ~~خلف أبوها من فراغ في حياة أمها، ولقد أدت واجبها إلى اليوم، واحتفظت بحبها أيضا، ذلك هو ~~العام الثالث منذ عرفت سيد، لقد تمنى عليها أن تقضي أياما بالإسكندرية، فلبت ما طلب، ~~وحلت ضيفا على خالتها، ضيفا لمدة أسبوع، نعمت خلاله بأوقات سعيدة على شاطئ البحر وفي ~~رفقة سيد، ثم عادت بعد ذلك إلى القاهرة لتواجه حملة عنيفة تشنها الأسرة عليها، ولكأنه ~~اجتماع مدبر؛ عمها وزوجته وابنتاه، وعمتها وزوجها. # كل هؤلاء قد جاءوا، لا ليمدوا العون للأم المجاهدة التي تفعل ما يفعله الأب والأم معا، ~~ولا ليبذلوا التشجيع للفتى المجد الناجح وللفتاة التي لم ms70 ترسب عاما واحدا. # إن الأسرة لم تجتمع لشيء من هذا، جاءت كلها لتصب اللوم على الأم التي تطلق لابنتها ~~العنان، وتدعها تذهب إلى الإسكندرية لتقابل الشبان وتغازلهم، وتسهر الليالي معهم، وتزكم ~~سمعتها الأنوف. # تلك هي ترجمة لقاء العاشقين، وسير ساعة الغروب في قاموس الحقد والحسد! # إن العم بولديه الفاشلين اللذين انقطعا عن التعليم، والعمة بولدها الذي يرسب منذ ~~أعوام في الكفاءة، لا يرضيهما أن تسير ابنة أخيهما هذا السير المعوج، وقد جاءا يطلبان من ~~الأم أن تلزم ابنتها جدران المنزل، وتقذف بالسنوات الأربع التي قضتها في كلية الطب من ~~النافذة! # ويثور الأخ الساذج، ويطلب من شقيقته تفسيرا، وتثور الأم المجروحة، وتطلب من ابنتها أن ~~تدافع عن نفسها. # وتضيق المسالك في وجه فاطمة. # هل تحدثهم بكل شيء؟! # هل تقول لهم إنها تعرف سيد منذ أربعة أعوام، وإنها تحبه وهو يحبها، وإن علاقتهما لم تتعد ~~النزهة البريئة والتعاون في الدراسة والأمل في المستقبل؟ # إنهم لن يفهموا شيئا من ذلك، لن يفهموا الحب، ولن يفهموا نجوى الغروب، ونسج عش المستقبل ~~من الأماني والأحلام. # إنهم يفهمون شيئا واحدا، أنها وسيد خطيبان، وسيتزوجان حين تتم دراستها، وسيد ليس بالشاب ~~العاطل، إنه وشيك التخرج، ويملك ثروة وحسبا يؤهلانه لأن يكون زوجا تطمع فيه ~~الفتيات. # وقالت ذلك. # قالته وأسكتتهم جميعا، أسكتت الأسرة والأم والأخ الذي يعرف سيد، ويعرف أنه شاب كفء ~~مهذب. # ولكنها لم تستطع أن تسكت عقلها، إنه يسألها: هل خطبها سيد حقا؟ وهل تعاهدا على ~~الزواج؟ # إن ذلك لم يحدث إلى اليوم، إنهما لم يطرقا مرة واحدة موضوع الزواج، بل إنها لم تنفرد ~~به قبل ذلك الصيف مرة واحدة، حين صارحها أكثر من مرة أنه يحبها. # وتسكت عقلها أخيرا بوعد على الخطبة، وحين يعود سيد من الإسكندرية تتم الخطبة فعلا، ~~وتسكت الأسرة سكوتا تاما. ~~••• # كل شيء قد يمضي طبيعيا بعد ذلك، يتخرج الأخ في كلية الهندسة ويعين مهندسا، ثم تتخرج ~~فاطمة في كلية الطب وتتنفس الأم الصعداء، وتحس بما يحس به الجندي وقد أدى ~~خدمته، ms71 وتحرر من قيد الواجب، حدث ذلك بالفعل، وضم البيت ذات يوم الأم وفاطمة بعد أن رحل ~~الأخ إلى الصعيد ليباشر عمله، وقالت الأم ذات يوم وهي تعني ما تقول: ماذا ينتظر سيد ~~ليتزوجك؟ # وأجابت فاطمة وهي تلمح وراء كل كلمة من كلمات أمها أشباح أفراد الأسرة - أسرة أبيها ~~المتحفزة: لا شيء بالطبع، وسأحدثه. # وانتوت أن تحدثه فعلا، وحددت لذلك يوما قريبا سوف تلقاه فيه على موعد، وذهب إلى صديقة ~~لها تزورها، فوجدت سيارة سيد تقف أمام باب عمارة أنيقة، فراق لها أن تفاجئه، وظلت تذرع ~~الشارع ذهابا وإيابا، ولكن فوجئت هي! فوجئت بسيد يخرج متأبطا ذراع فتاة، ولم تع شيئا ~~مما حولها، إلا أنها سارت إلى بيت صديقتها وألقت بنفسها بين ذراعيها وجعلت تنتحب. # وقالت صديقتها تخفف عنها: كلهم يفعلون ما يفعله سيد، ما دمنا نحبهم كما تحبين سيد. إنهم ~~لا يخلصون لنا إلا حين يرون في أعيننا الغدر، أنت غلطانة؛ لأنك جعلته يثق أنه كل شيء في ~~حياتك، إنك لم تفقديه بعد، ولكنك ستفقدينه إن لم تجعليه يفهم أنه ليس وحده الذي يطرق أبواب ~~قلبك. # وكفكفت فاطمة عبراتها بعد حين، وآمنت بدرس صديقتها، وكان موعدها مع سيد يوم الخميس، فخرجت ~~يوم الأربعاء مع زميل له، ولم ترفض دعوته لتوصيلها بسيارته، ولم ترفض بعد ذلك دعوته الخجلة ~~إلى نزهة قصيرة، ولم ترفض بعد ذلك دعوته لها إلى نزهة أخرى مساء السبت، ولم تتعجل ثمرة ~~الدرس، ولكن الأيام تعجلت عمر غرامها؛ فقد شاءت الظروف أن تحتجز سيد يوم الخميس لعلاج مريض، ~~فيعتذر لها بالتليفون فتقبل اعتذاره، في غير اكتراث، استجابة لدرس الصديقة. # ويأتي يوم السبت، وتخرج مع زميلها، وتمضي بالسيارة في طريق الأهرام، وتقف في مكان هادئ، ~~وتلتف ذراع الزميل حول خصرها، فتمد يدها في رقة تحرك ذراعه بعيدا، وتلتقي عيناها بعيني ~~سيد يرمقها في غضب واحتقار، وقد أوشك أن يفلت من يده زمام سيارته، نظرة غضب واحتقار لن ~~تنساها أبدا. # كان من الطبيعي أن يلقاها سيد بعد ذلك، وأن يعاتبها ms72 أو يتشاجرا، وكان من الطبيعي أن تبرئ ~~نفسها لديه، فيؤمن ببراءتها ويصفو هواهما من جديد، أو لا يؤمن فيفترقا على خصام، ولكن سيد ~~لم يلقها ولم يعاتبها، وإنما لقيها نبأ زواجه بعد ذلك بيومين، سمعته يتردد على الألسن، ~~ورأت العيون ترنو إليها في رثاء وعطف. # وجرؤت صديقة لها فجاءت تسألها: كيف تزوج سيد؟ ألم تكونا مخطوبين؟ هل فسخت أنت ~~الخطبة؟ # وأجابت دون وعي: نعم! # ودارت الألسن تردد الحديث من جديد، دون أن ترنو العيون إليها في عطف ورثاء، بل لعل بعضها ~~كان يخالسها النظر الشرز كأنها امرأة غادرة، وسمعت بأذنيها همسا يردد علاقتها مع زميلها ~~ويصف هواهما، وهي التي لم تره بعد ذلك اليوم ولم تدعه ذلك اليوم يطوق خصرها، بأنه حب ~~جارف عميق، جرف في طريقه عهدها وخطبتها، ألم تقل لمن سألوها إنها هي التي فسخت ~~خطبتها؟ # وكانت شجاعتها تعاونها بالنهار، وتتخلى عنها في الليل حين تأوي إلى المنزل وترى أمها، ~~وتسمع في حديثها نبرة الأسى والحزن، وتلمح في عينيها العتاب الحنون الذي لا يبلغ مبلغ ~~الغضب، كانت أمها قد عرفت كل شيء منها، وكانت تسألها دائما وكأنها لا تصدق: لكن كيف تزوج ~~بهذه السرعة دون أن يسألك عن تصرفك معه؟ أينتقم منك بأن يتزوج في يوم وليلة؟ # ولم تكن تجيب على هذا السؤال؛ لأنها كانت كأمها تسأله دائما، تسأله نفسها، وتسأله ~~الظروف، وتحاول أن تفهم فلا تستطيع. # وجاء اليوم لتفهم كل شيء، جاء بعد ستة أعوام، حين وجدت نفسها وجها لوجه أمام سيد في عربة ~~قطار، حاولت أن تخفي اضطرابها ففشلت، حاولت أن تتجاهله ففشلت، وتكلم هو فحياها، وسألها ~~عن أخيها وعن أمها وعن ... وعن حبيبها الموهوم، سألها: هل تزوجتما؟ # وأجابت: لم يكن بيننا حب، ولا عهد زواج. # وصمت لحظة ثم قال: ظننت أن الحب وعهد الزواج ليسا هما الدافع للزواج. # وأحست ما في جملته من سخرية، فقالت متجلدة: إنني لم ألقه إلا ذلك اليوم، ولم ألقه ~~بعد ذلك اليوم. لقد فعلت أنت ما لم أفعله أنا ؛ تزوجت ms73 في ليلة واحدة غير التي عاهدتها ~~أعواما، إنني لم أفعل ما فعلته إلا لأثير غيرتك بعد أن رأيتك. # ومضت تقص في سيل من الدموع ما حدث، وأفاقت وقد تغير الوضع، فلم تعد مذنبة تعترف، كان هو ~~الذي يعترف مستغفرا، كان يقص عليها كيف عانى في سبيل خطبتها من تعنيف أسرته، كيف ثاروا ~~عليه وكيف احتمل، كيف وضعوا في طريقه قريبة غنية ليتزوجها، وكيف قاوم رغبتهم، وظل يقاوم ~~حتى رآها بعينيه مع زميل لهما، فجن جنوه وذهب من فوره إلى أمه، يطلب إليها أن تزوجه ~~بقريبتها، إن أمه لم تدع الفرصة وقد أحست أنه غاضب، وخشيت أن يزول غضبه فسارعت إلى ~~تزويجه، إنه لم يدر ما فعل إلا بعد أن ضمه وزوجته سقف حجرة واحدة، أدرك إذ ذاك أنه أخطأ في ~~حق نفسه، نفسه التي لم تصب ولم تحب غير فاطمة. ~~••• # إن فاطمة لم تتزوج بعد ذلك، ظلت ثلاثة أعوام تعيش وحيدة، من العبث أن يقال إنها كانت ~~تحس بأنها تحيا وسط أسرة مكونة من أمها وشقيقها وزوجته وطفله، لقد كانت وحيدة، وحيدة ~~لا يعرف أحد عنها شيئا، حتى حين لفظت أنفاسها في الذكرى التاسعة لحطام هواها، وقف الطب ~~حائرا لا يدري عن تسممها شيئا، هل هو نتيجة جرح أصابها وهي تعمل؟ أم هو جرح قديم؟ قديم ... ~~من عمر هواها! ms74