######OpenITI# #META# URI: 1372SalahDinDhuhani.SafahatMatwiyya.Hindawi52694130 #META# Tags: literature #META# ID: 52694130 #META# Title: صفحات مطوية #META# AuthorID: 40816042 #META# Author: صلاح الدين ذهني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الأكشاك الخشبية‏ # وتحركت السفينة في هدوء‏ # صفحات من مذكراته‏ # حساب بين الخيرين‏ # قفص الدجاج‏ # كعكة في يد اليتيم‏ # طريق الصخور‏ # عنوان الفقيد‏ # الجواد الذي خسر‏ # الشعرات البيضاء‏ # سبعة في صورة‏ # أقوى من الشرف‏ # جاء الخريف‏ # الأكشاك الخشبية‏ # وتحركت السفينة في هدوء‏ # صفحات من مذكراته‏ # حساب بين الخيرين‏ # قفص الدجاج‏ # كعكة في يد اليتيم‏ # طريق الصخور‏ # عنوان الفقيد‏ # الجواد الذي خسر‏ # الشعرات البيضاء‏ # سبعة في صورة‏ # أقوى من الشرف‏ # جاء الخريف‏ # | صفحات مطوية # | صفحات مطوية # تأليف # صلاح الدين ذهني # | تقديم # بقلم سليمان نجيب # يقول المثل القديم العاقل: «خذ الرفيق قبل الطريق»، وحينما تقودك العناية الإلهية إلى طريق ~~ممهد ورفيق وديع هادئ صادق مستقيم بعيد النظر، فتلك هي نهاية الرضاء وعظيم الرعاية. # هكذا أريد أن أبدأ مقدمتي لتلك المجموعة من قصص الكاتب الفذ الرصين القوي اللين، صديقي وأخي ~~الصغير المرحوم صلاح ذهني ... # فقد كان طريقي لمدة خمسة عشر عاما هو دار الأوبرا، ورفيقي في هذه الرحلة كلها صلاح، كانت ~~نعمة من نعم الله على أن يرضى صلاح بالعمل معي ومعاونتي ... # كنا متجاورين ... مكتبه في غرفة خارج غرفتي التي لم أغلق بابها بيني وبينه يوما من الأيام، ~~وكنت أحادثه بصوت عال، وحينما أريد أن أنزه عيني أناديه، لأتمم ما بدأته من قصة وحديث. # وحينما تعاشر صلاحا - رحمه الله - تتذكر توا المثل العربي الدارج الصادق الذي يقول: ~~«قال: ما لك مربي؟ قال: من عند ربي.» # إنك تحس بنبوغه، وسرعة إدراكه وبديهته، وبعد نظره ولباقته بعد دقائق معدودات من معاشرتك ~~له. # وبمناسبة المثل الذي ذكرت، أؤكد لك أن «صلاح» لو عاش وطال عمره لشاهدنا نبوغه فذا في نوعه، ~~فقد كان - ككاتب - يسير بسرعة إلى المرتبة العليا كما كان كروائي، سليم الحبكة سليم العبارة، قوي ~~الحوار، متين الفكرة. # أما صلاح - كناقد - فقد كان نظيفا من ألفه إلى يائه، دقيقا في انتقاده، دقيقا في تقديراته، ~~ملهما في عباراته. # عاشرته هذه السنين الطوال، فكانت تعليقاته كلها مما يذكرني بتعليقات صديقي المرحوم الشيخ عبد ~~العزيز البشرى في متين بنائها ms001 نرويها ضاحكين مبتسمين. # ثم رأيته كأب مثالي يجود بنفسه وحياته ليتنعم بالعلم والتربية محمود وأمينة وفاطمة، فقد كان ~~لهم أبا مثاليا وصديقا وفيا. # وكان موظفا أمينا لبقا، أما ككاتب، فإنك بعد أن تطالع هذه الصفحات سنلتقي أنا وأنت على هذه ~~الجملة «طيب الله ثراك يا صلاح.» # | الأكشاك الخشبية # كان يجب أن يملأ نفسي شعور الاشمئزاز، ولكن القدر أراد غير ما أردت ... ~~*** # أريد أن أذكر بالضبط ما حدث في ذلك اليوم من أيام شهر يوليو سنة 1935 المكان الذي بدأت فيه ~~القصة، وكيف بدأت؟ إن الذاكرة لا تسعفني، فبداية القصة غامضة، والمكان نفسه قد غيرته الأيام، ولو ~~ملكت عصا ساحر فمحوت ذلك الصف الأنيق من أكشاك الاستحمام النظيفة ذات النظام الدقيق، والتي تمتد ~~على شاطئ البحر الآن، ولو استطعت أن أحل مكانها تلك الأكشاك التي كان يقيمها الأهالي إذ ذاك كل ~~حسب هواه، وغناه ... بعضها حقير تآكل خشبه، والبعض الآخر كبير زاهي الألوان كثير النقوش. # كان شاطئ البحر إذ ذاك كأنه معرض للطبقات، وكانت أزياء الناس نفسها كأزياء المهرجان، وإني ~~ليتملكني الضحك الآن، وأنا أتخيل نفسي بلباس البحر الذي اشتريته إذ ذاك، وكنت أزهو به، كان مخططا ~~باللونين الأبيض والأحمر، وكأنني أحد نزلاء السجون الأمريكية ... بل حين أتخيلها هي أيضا بلباس ~~البحر العجيب من القطن الرخيص ... كان هذا اللباس أهم قطعة في أثاث الكابين الذي كان يملكه صديقنا ~~عبد السلام، كان لباسا للطوارئ ... ما أكثر الطوارئ على شاطئ البحر في حياة عزب يملك كشكا خشبيا ~~للاستحمام. # ولأعد للقصة ... # القصة حيث أذكر لا حيث بدأت، ففي عصر أحد الأيام أقبلت سامية، وكنا أربعة نجلس أمام الكابين، ~~فحيت الثلاثة الآخرين بأسمائهم ... وحيتني أنا بالتحية نفسها، وإن لم تعرف الاسم، وارتاحت نفسي ~~لبساطتها، وجلسنا نتجاذب أطراف الحديث، وعلى حين فجأة نهضت سامية تقول: ما حدش منكم ناوي ينزل ~~البحر؟ # وصمت الثلاثة، وأدرت رأسي في وجوههم، فوجدتهم يرفضون جميعا فتحرك لساني، وقلت: أنا ... إذا لم ~~يكن لديك مانع ... # وضحكت ضحكة ساحرة، وقالت: أنا ... وأي مانع ms002 ... تفضل ... # وتفضلت فدخلت الكابين، وخلعت ملابسي، وارتديت لباس البحر المخطط، وخرجت لكي أتلقى تعليقات ~~الأصدقاء الثلاثة المضحكة، وما لبثت أن دخلت هي أيضا إلى الكابين، وخرجت بعد دقائق ترتدي ~~المايوه المتهدل كأنه غضون في جسد عجوز جاوزت المائة، وجرت إلى الماء، وسرت أنا في وقار الخجل حتى ~~لحقت بها، وأخذنا نضرب في الماء صامتين، وقالت سامية، وهي تجمع خصلات شعرها خلف رأسها: إن الماء ~~لذيذ جدا في ساعة الغروب. # وأجبت، وأنا أنظر إلى جسدها البديع: لقد شرب كل حرارة الشمس في النهار، ولم يفقدها بعد، ~~قالت: إني أحب دائما حمام الصباح الباكر، وساعة الغروب ... إن البحر يكون هادئا ودافئا ... أما ~~ساعة الضحى والظهر فإنه يكون كحلقة السمك ... # ولفت نظري تعبيرها الأخير فقلت: أنت من الإسكندرية؟ ~~- لي فيها الآن أربع سنوات ... أنت من الإسكندرية؟ # وأجبت: أبدا ... سأعود بعد أسبوع واحد إلى القاهرة ... # وقضينا نصف ساعة في الماء وخرجنا، فهرولت هي إلى داخل الكابين، وجلست أنا على مقعد خشبي حتى ~~ارتدت ملابسها وعادت، فدخلت بدوري ... وكنت أصلح رباط رقبتي أمام المرآة حين دخل عبد السلام ليقول ~~لي: سنترك لك مفتاح الكابين؛ لأننا ذاهبون إلى سيدي بشر. # ووجدتني أجيب: وسامية؟ # وأسرع عبد السلام يجيب ضاحكا: متخافش يا عم ... سنتركها لك ... حلال عليك ... إن لدينا موعدا مع ~~ثلاثة أقمار. ~~- تتركها لي ... لكنني ... ~~- لكنك ماذا؟ تصرف يا أستاذ. # ودعوني الآن أقص عليكم كيف تصرفت ذلك المساء ... جلست أنا وسامية أمام الكابين نصف ساعة حتى ~~أوشكت الشمس على المغيب، وظل عقلي يبحث عن الطريقة المثلى لقضاء ليلة ممتعة، وأعترف هنا أن ~~ليالي الممتعة ... إلى تلك الليلة، لم تكن تتعدى سهرة على شاطئ النيل مع فتاة أحببتها ... سهرة ~~تمتد حتى الساعة العاشرة والنصف، نئوب بعدها إلى منازلنا، حتى برمت الفتاة بسهراتي وملتها، ~~فهجرتني برسالة وداع رقيقة معتذرة أن أهلها اكتشفوا السر وعرفت بعد ذلك أنها هي التي اكتشفت السر... ~~أن حبي لها لن يستطيع أن يجلب إلى أذنيها وجيدها تلك الحلى التي رأيتها تتحلى بها بعد ذلك ms003 بشهور ~~في صحبة شاب وارث يؤمن بالجدران الأربعة أكثر من إيماني أنا بشاطئ النيل السعيد، وللمصادفة المحضة ~~أن النيل لا يصل إلى الإسكندرية، وأن سامية لم تقع في نفسي موقع فتاتي الأولى التي كان يخيل إلي ~~كلما جلست معها، أني في حلم سعيد ... # ولذلك قلت: هل تمانعين في أن نذهب إلى السينما؟ ~~- لا أمانع لكن لاحظ شيئا ... أريد أن أكون في منزلي قبل منتصف الليل ... # وذهبت إلى السينما، واخترت بخبرتي في خلوة العشاق البريئة مقعدين يتيمين في أقصى الصالة يقعان ~~بين المدخل، وبين عمود ضخم من البناء ... # وأطفئت الأنوار، وبدأت قصة الشاشة، واستمرت قصتنا في فصلها الثاني، ومددت يدي فطوقت سامية في ~~حذر ورقة ... وأعترف أن أهدافي إذ ذاك لم تكن تعدو الإحساس بخصر دافئ يشاركني في السهرة، وبأنني لست ~~وحيدا، وإنما أجلس إلى فتاة ... ولكنني لم أكد ألف يدي حولها حتى سحبت نفسها في فزع قائلة: لا لا ~~... هنا لا ... يمسكونا بعدين، خلينا أما نخرج من السينما، عندنا وقت لنصف الليل. # وحددت هذه الجملة في حديثها خطوط الفصل الثالث من قصة تلك الليلة، فحينما انتهى العرض خرجنا ~~وركبنا الترام إلى حيث أقيم أنا في الفندق المتواضع ... وصعدت سامية معي درج الفندق دون أي تردد أو ~~خوف، ودخلت معي إلى حجرتي في شجاعة، كأنها تأتي أمرا عاديا من أمور حياتها العادية ... وكان يجب ~~أن يملأ رأسي شعور الاشمئزاز، فقد عرفت بالضبط ما هو موضع سامية في المجتمع، ومن هي بالنسبة ~~لأصدقائها ... ومن هي بالنسبة إلي ... صيد ساعة لا أكثر ولا أقل ... وكان يجب إذا لم يملأني الاشمئزاز ~~أن يكف عقلي عن التفكير فيها، وأن أترك لحواسي أن تتمتع بذلك الغذاء الجسدي الناضج ... كان يجب هذا ~~أو ذاك ... ولكن القدر أراد غير ما أردت، وأصر على أن يصنع من القصة القصيرة ذات الفصل الواحد ~~الستار الذي ينزل قبل الختام حرصا على آذان الناس، وأذواقهم النظيفة ... # أصر القدر على أن يصنع من هذه القصة المتداولة الحدوث قصة طويلة ذات عدة فصول ... وتكون ms004 ~~النتيجة ... هي ما يحدث دائما حين يحاول المرء أن يجعل القصة القصيرة ذات الموضوع التافه قصة ~~طويلة ذات أربعة فصول ... أن تتغير فصول القصة، وأن يتلف موضوعها، وأن تنتهي نهاية سخيفة ... لقد ~~وقع القدر في الخطأ نفسه، أطال القصة فتعثرت في الطريق ... بل تعثر بطلها نفسه الذي هو أنا، وبدأ في ~~الكثير من أجزائها أحمق غاية الحمق ... وجلست سامية على مقعد، وجلست أمامها أتأمل وجهها الوسيم، وقد ~~خلا من كل مسحة شر أو إثم ... لم تكن سامية قد أوغلت بعد في عامها العشرين، ومع ذلك فها هي ذي ~~أمامي امرأة ... وسألتها وأنا أشعل سيجارتي: هل أنت متزوجة؟ # وأجابت دون تردد: أبدا ... لم أتزوج ... # ومرة أخرى رفض عقلي أن يشمئز ... بل لعله زاد تسلطا على حواسي ... ~~- أهلك في الإسكندرية؟ # وأجابت: آه ... ولا ... # وأصر عقلي على أن يضيع الوقت في سماع القصة ... وفي توسيع فصولها. ~~- لا أفهم ... هل تعنين أنهم ماتوا؟ # وفتحت بهذا السؤال ستار القصة عن مشهد مؤثر، فقد انهمرت دموع سامية ... وعلا نشيجها ... وطار من ~~جو الغرفة آخر ظل للبهجة ... وقمت بدور الرجل النبيل فخففت عنها، وأخذت أواسيها حتى جفت آخر دمعة، ~~ونطقت أول حرف من مأساة حياتها الدامية، مأساة حياتها الدامية! أليس هذا تعبيرا جميلا يهز ~~المشاعر؟ ثم، ألم أصبح أنا - بفضل سلطان عقلي على حواسي - ممثلا تراجيديا يجيد أن يبكي، ويبكي ~~الجماهير أيضا؟ ألم أصبح شيئا آخر غير هذا الشاب الذي صعد درج الفندق قافزا لينعم بغذاء شهي ~~لجسده الجائع؟ شيئا نبيلا يسمع قصة دامية، فتعجبه فيصر على أن يضع لها نهاية سعيدة؟ # وتملكني كبرياء الخالق الذي يصنع القصص، وأنا أسمع ختام رواية سامية، وقال عقلي لنفسي: «إن ~~القصة لم تنته، ولا يمكن أبدا أن تنتهي قصة على هذا الشكل السخيف ... فتاة يغرر بها شاب فيجعلها ~~تترك أهلها، وتندفع في هواه حتى لا تفرق بين جسدها وقلبها، فإذا بالنذل (رأيي أنا في صديق سامية ~~الأول) ... فإذا بالنذل يمضغها لحما، ثم يلفظها عظما، وتملكني الزهو، وأنا أتأمل عقلي، وهو ms005 يلقي ~~هذا السؤال في تحد وبراعة ... وكانت نفسي أسلمت آخر رغبة لها في قوام سامية وجسدها ... أسلمتها في ~~يأس؛ لأنها كانت شديدة الإيمان بعقلي إذ ذاك ... وقلت لسامية بنفسي وعقلي ولساني معا: لا يا سامية! ~~لا تسخطي هكذا على الحياة البشرية، ليس كل الناس وحوشا كصديقك محيي، لقد كنت صغيرة، وغرر بك ... ~~أنا معك أنك لن لا تستطيعي العودة إلى أهلك ... ولكنك أيضا لا يجب أن تستمري في هذه الحياة. ~~- وكيف أعيش؟ # وما زلت أذكر إلى الآن أروع جملة نطقت بها على مسرح الحياة، حين أجبت سامية في حزم وعزم ~~وتؤدة: ستعيشين، كما كان يجب أن تعيشي قبل أن يغرر بك النذل محيي. # وطويت ستار هذا الفصل بيدي، وأنا أطفئ نور حجرتي بعد أن أوصلت سامية إلى منزلها، وعدت إلى ~~حجرتي لأنام هادئا مطمئن الضمير قرير العين، ورفع الستار عن الفصل قبل الأخير، وأنا أؤكد أنه قبل ~~الأخير لكي أطمئنكم على أن الرواية لن تطول حتى يعلو تثاؤبكم، وتتحرك أجسادكم في قلق كأنها تدعوني ~~لأختصر القصة ... إني لن أختصر القصة؛ لأنها من تلقاء نفسها أوشكت على النهاية ... # إن ستار هذا الفصل يفتح في شقة صغيرة بشارع ضيق من شوارع القاهرة التي يسميها الناس، امتهانا ~~لأصحابها، حواري وأزقة، إنه ليس زقاقا ضيقا، وليس حارة حقيرة، وإنما هو شارع متواضع، والشقة ~~نفسها ثلاث حجرات، والأثاث هو الأثاث نفسه الذي كان عندي قبل بداية القصة، لم يزد عليه غير بضعة ~~أوان وأدوات الزينة لامرأة ترضى من زينتها بالقليل، وأنا وسامية وخادمة صغيرة في هذه الشقة ... أنا ~~وسامية زوجان، دخلت هي بيت الزوجية لتمحو آثامها، وتتطهر من ماضيها، ودخلت أنا بيت الزوجية لأضيف ~~إلى كتاب حياتي صفحة بيضاء أتقرب بها إلى الله، وما أجمل أن يصنع الإنسان الخير! وما أجمل أن ~~يكون الزواج حسنة من الحسنات، ومنة على الزوجة! أليس ذلك فارقا كبيرا بيني وبين الكثيرين؟ أن ~~أعيش من زوجة تشعر في الصباح وفي المساء أنني لست زوجا فحسب، وإنما ملاك رحمة يأسو ~~الجراح؟ ms006 # واستمر هذا الفصل - بمنظره نفسه الذي سردته لكم - عاما كاملا، ويجب أن أعترف أن كل ما جد ~~على سامية هو حياة الشرف. # إن مواردي لم تكن لتسمح بأن تبدو سامية خيرا مما كانت من قبل، ولا أن تأكل خيرا مما كانت ~~تأكل ... كنا نذهب كل أسبوع مرة إلى السينما، ونتنزه بقية الأيام على شاطئ النيل السعيد حيث أخرج ~~لساني لذكرى الفتاة التي أحببتها ذات يوم، وأنا أقول: هربت مني لتنعمي بحياة الرذيلة ... وها هي ذي ~~امرأة قد هربت من حياة الرذيلة لتحيا حياتي المتواضعة، يا قصيرة النظر، إنها قد وجدت من يئويها ... ~~أما أنت فهل ستجدين يوما من يئويك؟ # وكان قلبي يفيض بالفرح والسرور، وأنا لا أسمع جوابا على هذا السؤال ... وأحس بالرثاء للهاربة ~~المسكينة، وفي خلال العام لم يحدث بيني وبين سامية أي خلاف، وإن كنت ألحظ أحيانا وجومها وشرودها، ~~وألحظ أحيانا أخرى نزعة كآبة تجعلها تقضي ساعات نزهتنا على شاطئ النيل ساكنة لا تتكلم ... وكنت ~~أعلل ذلك دائما بأنه قلق السعيد على سعادته خوفا من أن تفلت يوما من بين يديه، أو ندم الخاطئ ~~على خطئه الماضي يشتد وطأة كلما ازداد نقاء وطهارة ... ظل هذا تعليلي طوال الأيام الأخيرة من عام ~~زواجنا الأول حتى كان يوم عيد زواجنا فأردت أن أزيدها عطفا، وقررت أن أحتفل بهذا اليوم ... قررت ~~فيما بيني وبين نفسي، ولم أقل شيئا ... وأخذت أفكر كيف أحتفل بعيد الزواج فخطر لي أول الأمر أن ~~أقيم وليمة صغيرة، وأدعو أصحابي ليروا بعيونهم ما فعلت من مجد ... ولكني استبعدت الخاطر لعدة ~~أسباب، فأعز أصدقائي بينهم عبد السلام، وقد حل بيننا جفاء خفيف اصطنعته بنفسي لكي أبعد عن حياتي ~~الجديدة ظلال الماضي المعتمة في حياة سامية ... أما بقية الأصدقاء فقد أطالوا لسانهم في زواجي، ~~واستهجنوا تصرفي، ولن يقنعهم الطعام الجديد، ولا السهرة اللطيفة بأنهم كانوا خاطئين ... إنما الذي ~~يقنعهم فعلا هو أن تمر على هذا الزواج سنوات يبدو فيها كأنه حصن متين، وانتهيت إلى رأي، ثوب ~~جديد، وسهرة رائعة، ms007 هذا هو خير احتفال بزواجنا، وأحسن هدية أقدمها لسامية. # وأحضرت الثوب، وأخفيته حتى قبل الغروب ... ودعوت سامية من المطبخ حيث كانت تعد العشاء، وقلت ~~بلهجة الآمر: اخلعي ثوبك هذا، وارتدي هذا الثوب الجديد، واستعدي للخروج بعد عشر دقائق ... # وخرجنا إلى الطريق، وأخذنا نتصفح الإعلانات، وقلت: ما رأيك في فيلم مصري؟ # وقالت سامية بلهفة: لا مانع ... أنت تعرف أني لا أحب الأفلام الإفرنجية التي ترغمني عليها كل ~~أسبوع. # وسارعت بالضحك، فأضاعت سحابة الضيق التي كانت توشك أن تجثم على صدري، فقد كنت أظنها إلى اليوم ~~سعيدة بسهرتنا الأسبوعية ... وابتعت تذاكر السينما، ودخلت أنا وسامية حتى وصلنا إلى الباب، وإذا ~~بضوضاء شديدة وتصفيق وهتاف ... ووجدت عامل الباب يسحب يده دون أن يأخذ التذاكر من يدي، ثم يشير ~~إلينا أن نفسح الطريق ... وصلنا أنا وسامية إلى أحد الجانبين، وإذا بصفين من الشبان يفسحون الطريق ~~للقادم العظيم ... وقلت لسامية قبل أن يتقدم موكب القادم: إنه، بلا شك، وزير خطير، أو ... ولكني لم ~~أتم، فقد بدا أمامنا الوزير الخطير بطلعته البهية، ولم يكن وزيرا، وإنما حسناء، حسناء رائعة ~~القوام تخطر في معطف من الفراء الأبيض الناصع، أخذت تخطر حتى أصبحت أمامنا، ورأتها عيناي في وضوح، ~~واستطعت خلال هالة الأناقة، وبرغم شعرها المصفف كأنه سبائك الذهب أن أتبين الوجه، وتنطلق من فمي ~~صيحة تقابلها صيحة أخرى من سامية ... وقلت لسامية، وأنا لا أملك دهشتني بعد أن ابتعد موكب الحسناء: ~~تعرفي دي مين؟ # وأجابت سامية بانفعال وبلهجة لعلي لم أسمعها منها من قبل ذلك اليوم: مين؟ خديجة المفعوصة ... ~~اللي كانت ... # ووصفتها بأوصاف تتشابه مع أوصافها هي - حين عرفتها - وأخذت تذكر زمالتها لها فترة من حياتها، ~~حياتها الماضية التي طوتها، وطهرتها في بيت الزوجية ... وكنت أنا أتوقع أن تجيب على سؤالي بأنها لا ~~تعرفها، فأقص عليها قصة حبي القديم مع هذه الحسناء حين كانت فتاة فيها كل جمال البراءة والصبا، ~~تقنع بالنزهة على شاطئ النيل السعيد، لكنني آثرت أن أسكت، وأنا أدفن حديثي في أعماق نفسي. # وسرت مع ms008 سامية حتى مقاعدنا التي وصلنا إليها بمشقة لانهماك الناس في استقبال القادمة الحسناء ~~بطلة الفيلم ... وصديقة المليونير الذي يتربع على عرش من عروش الصناعة والمال، ولم أصفق أنا مع ~~الجمهور، ولم تصفق سامية، وكانت لدينا أسبابنا القوية لهذا الإعراض عن تحية النجمة الفاتنة، أما ~~أنا فقد كنت مؤمنا أشد الإيمان بأن هذه النجمة اللامعة ... كانت أعلى مكانا، وهي تجلس إلى جانبي ~~على شاطئ النيل ... وأما سامية ... فلم أدرك ساعتها حقيقة مشاعرها ... وإنما أدركتها بعد ذلك بأيام، ~~أدركتها حين عدت إلى المسكن ظهر أحد الأيام، ولم يكن قد مضى شهر على عيد زواجنا فوجدت غدائي ~~معدا، وسامية قد غادرت المنزل بعد أن تركت لي رسالة قصيرة تطلب مني فيها الطلاق لأنها لم تعد ~~تطيق هذه الحياة. # إنكم تتحركون كأن القصة قد انتهت، ولكنها لم تنته بعد، فهذا هو الفصل قبل الأخير، وهو أطول ~~فصول القصة؛ إذ إنه استغرق عاما. # أما الفصل الأخير فهو قصير جدا، إنه أقصر مما تتصورون، ولست أنا الذي أرفع عنه الستار، إن ~~ذلك ليس عجيبا في القصص القصيرة حين ندعي القدرة فنمد فصولها ونوسعها لنخلق منها قصة طويلة، ~~فكثيرا ما يحصل أن نرتبك، ونقف قبل النهاية حائرين حيرة أبطال القصة لا يدرون ماذا يفعلون ... إن ~~القدر نفسه يرفع الستار عن الفصل الأخير، ويحظى وحده بإعجاب الجماهير، أو سخطهم على حد سواء ... ~~ويرفعه ذات مساء من هذا الصيف ... أي بعد أربعة عشر عاما من بداية القصة، وفي أحد الأكشاك الخشبية، ~~ليس على شاطئ البحر، فقد أحالت يد الأيام أكشاكه الحقيرة المتناثرة إلى صف أنيق ... إن الفصل الأخير ~~في كشك خشبي حقير في الناحية الأخرى من الشاطئ عند الأنفوشي ليس كشك استحمام ... وإنما مسرح متواضع ~~يؤمه الأطفال والرجال ليقزقزوا اللب، ويتفرجوا على راقصة بدينة، ورواية مضحكة، ورواية محزنة أيضا ~~يموت فيها كل الممثلين ... وفي هاتين الروايتين تظهر سامية في دور صغير. # وسكت عبد الرءوف ... ونهضنا لنستنشق الهواء ... ولاحت لنا من شرفة الشقة في البناية المرتفعة في ~~ستانلي حيث يقيم ms009 عبد الرءوف وأسرته، لاحت لنا سلسلة الأضواء الممتدة على الكورنيش حتى الناحية ~~الأخرى من الشاطئ، وقال عبد الرءوف، وهو يشير إلى هناك: آه! هناك يا أستاذ، سامية، لقد عادت إلى ~~الكشك الخشبي الحقير، ما أعجب ما ينهي القدر بعض الأقاصيص. # | وتحركت السفينة في هدوء # كان زواجي بك سيكون مغامرة ... أدمر فيها بيتا، ولا أربح شيئا. ~~*** # الفصول تمر بسرعة ... فيها كل أحداث القصة الغرامية ... من النظرة الأولى إلى اللقاء الأخير ... كل ~~ما ينقص القصة أن يقف البطل مادا يديه إلى الهواء في حرارة ليقول: الوداع يا حبيبتي ... الوداع ~~إلى الأبد ... # ثم ينزل الستار ويصفق الجمهور ... أو تشير البطلة إلى الباب، وتصيح بالبطل الغادر في صوت تشوبه ~~غضبة العفاف الجريح قائلة: أخرج عليك اللعنة، فيخرج البطل مطأطئا رأسه مشيعا من النظارة ~~بلعنات تفوق لعنات البطلة ... ولا يكاد ينفلت من الباب حتى تدوي القاعة بالتصفيق، وصيحات ~~الاعجاب. # ولكن هنا لا البطل يتحرك للوداع ... ولا البطلة تتأهب لتشيعه باللعنة نحو الباب، إن ما يحدث في ~~قصتنا هذه كذلك الذي يحدث في السينما حين تتوقف آلة العرض فجأة فتسكن حركة الكائنات على الشاشة، ~~وكأنها صعقت ... صعقت قبل الختام مباشرة، واتخذ كل منها وضعا ثابتا لا معنى فيه ولا روح ... أجل ~~لقد توقفت آلة العرض فجأة قبل ختام القصة ... توقفت خمس سنوات كاملة، وفي خمس سنوات كان يستعيد بين ~~الحين والحين القصة من فصلها الأول إلى ما قبيل الختام، فإذا ما انتهى إلى المنظر الأخير حار ~~عقله، وحاول أن يرسم في خياله صورة للختام كما يجب أن يكون ... # هل يودع البطل البطلة إلى الأبد؛ لأنها خانت عهد هواه؟ أو تشيع البطلة حبيبها الغادر باللعنة ~~بعد أن نكث العهد؟ لا هذا ولا ذاك، إن القصة لم تصل إلى الختام ... # كان المنظر الأخير كما لا يزال يذكر، في حجرة الطعام ... وكانوا خمسة يتناولون العشاء هو ~~أحدهم، وخرج وخرجوا بعد العشاء على أن تحادثه في الغد بالتليفون، فلم تتحدث في الغد، ولا بعد الغد ~~... بل لم تكن في القاهرة ms010 كلها طوال الشهر ... وحينما عادت لم يعلم بعودتها إلا حين لقيها في ~~الطريق مصادفة، ومع أنها كانت وحيدة، وكان الطريق خاليا فلم تحاول أن تهدئ من سرعة سيارتها، بل ~~أومأت إليه إيماءة خفيفة، وسارت وكأنه مجرد وجه تعرفه، وفي ذلك المساء حدثها بالتليفون، بدأ ~~حديثه بالعتاب ... عتاب الحبيب الذي يكون آخر من يعلم بسفر الحبيبة وعودتها من السفر ... وجرى حديثها ~~سؤالا عن الصحة ووصفا لجمال الإسكندرية في الشتاء، وسردا لمشروعاتها المقبلة، ومشروعاتها ~~المقبلة كانت ترك السفر إلى أوروبا، وإنشاء شركة تجارية، و... و... مشروعات لم يكن فيها له أي دور ... ~~حتى ولا دور المتفرج، كانت مشروعاتها إلى قبيل المنظر الأخير تقوم عليه وحده ... هو مدارها وهو لبها ~~وهو هدفها. # وأغلق التليفون، وعرف أن شيئا قد حدث ... # وظل ينتظر أياما، ينتظر المنظر الأخير حيث يفترق العاشقان إلى غير لقاء ... وطالت الأيام ~~شهورا ... ورآها خلال هذه الشهور أكثر من مرة ... لقيها مرة وجها لوجه، وكانت تسير على قدميها فوقف ~~أمامها، ووقفت ... وقفت وقد أحس أنها كانت سوف تسير في طريقها دون أن تحييه ... وبادلها السلام، ~~وتحامل على كرامته وضغط على يدها بحرارة، وقالت وهي تسحب يدها في ابتسامة لا روح فيها: كيف ~~أحوالك؟ صحتك زي البمب كما أرى. # ونظرت في ساعتها وقالت - وهي تنقلب وكأنها تهرب: أنا مسرورة لرؤيتك. # وابتلع إجابته؛ لأنها كانت قد مضت مسرعة ... لقيها بعد ذلك عشرات المرات ... في المرات الأولى ~~حيته بإيماءة ... وفي المرات التالية اكتفت بأن لمعت في عينيها ابتسامة، وتكاسلت عن الإيماء ... وبعد ~~ذلك عرف كيف يجنب نفسه ويجنبها عناء الابتسام المتكلف ... كان يشيح برأسه كأن لم ير شيئا، وعلى ~~ذلك مرت الأعوام، وألف كلاهما أن يرى صاحبه، وكأنه لا يعرفه ... أما هو فكان يحسها، وكأنها عطر ~~قوي كلما مرت به أو عبر بها ... كان يحسها أحيانا قبل أن يراها ... # دخل مرة إحدى دور السينما ... كان أمامه رهط من الناس قد تجمع عند سلم السينما يوشك أن يصعد، ~~وفي وسط هذا الجمع أحسها تسير ... لم ير ms011 وجهها ، ولا حتى خصلات شعرها ... ومع ذلك فقد أحس وهو يخترق ~~الجمع أنها فيه ... وكانت فعلا توشك أن تصعد درج السلم، وكانت بينه وبينها مسافة، سرعان ما قصرت ~~حتى وجد نفسه يسير حذاءها جنبا إلى جنب تماما كإحدى الصور التي يذكرها من قصتهما التي لم تتم ... ~~لقد دخل معها ذات يوم إحدى دور السينما في حفلة العرض الأولى ... دخل معها جنبا إلى جنب ... وجلس ~~معها جنبا إلى جنب ... وكانت مغامرة لا يقدم عليها زوج لم يمض على زواجه عامان ... كانت مغامرة ~~بالنسبة لأي رجل يظهر معها في مكان عام ... هي بعينها، وما يعرفه عنها المجتمع ... رآها في تلك الليلة ~~شقيقه الأصغر وشقيقته. # وضحك شقيقه بعد ذلك بيومين حينما احتدت شقيقته في عتابه قائلة: مالك ومال هذه المرأة، أتريد ~~أن تلوث اسمك؟ ما الذي يحدث حينما يراك الناس معها؟ # ضحك شقيقه، وقال ساخرا: وما أمر سخريته - أما أنك مسرفة في التشاؤم فذلك حق ... لقد دعاها ~~للسينما، وقضى سهرة حمراء ... ثم انتهى كل شيء ... هل تظنينه سيصاحبها إلى الأبد؟ أي إنسان يطيق «...» ~~أكثر من ليلة؟ هوني عليك يا أخت، فالزوج ما زال بخير، وإن شطح أحيانا ... # لو عرف أخوه إلى أي مدى كانت قصته معها قد وصلت ... لو عرف أن السهرة الحمراء لم تكن في قصته ... ~~ترى كيف كان يضحك ... وبمن كان يسخر؟ # وانتهت درجات السلم، ومرت بخاطره شتى الصور ... أما هي فاتجهت يمينا إلى مكانها دون أن تراه، ~~وأما هو فقد رأى الرواية تلك الليلة، وقد اختلطت مناظرها بمناظر قصته معها ... طالما رفع نظارته ~~ومسح زجاجها ليرى ما على الشاشة في وضوح ناسيا أن الضباب كان على عينيه، وليس على زجاج منظاره ... ~~في تلك الليلة بالذات عادت إليه حيرته، فلم يأو إلى فراشه، وإنما لجأ إلى حجرة مكتبه، وجلس ~~يستعيد القصة إلى ما قبيل الختام، يستعيدها منذ رفع الستار ... # المنظر: مكتب الأستاذ وصفي عبد الحميد حيث كان يتمرن منذ أتم دراسة الحقوق ... يدخل الخادم ~~معلنا قدوم سيدة تطلب لقاء الأستاذ وصفي ms012 في إلحاح ... # هو ~~: # ولم تسألني أنا يا أبله؟ ماذا قال لك الأستاذ؟ # الخادم ~~: # قال لي إنه أنكر وجوده على الزبائن جميعا ... وهددني بالفصل إن دخلت أنا أو أحد الزبائن ~~عليه في مكتبه قبل الساعة التاسعة. # هو ~~: # إذن تصرف ... # وتصرف الخادم ... ووجد نفسه وجها لوجه أمامها، أمام ماجدة عبد الرءوف، ماجدة التي رأى صورتها ~~اليوم فقط في حفلة جمعية رعاية اليتامى تتوسط رهطا من العظماء، وهي تبيعهم الزهور بالجنيهات ~~لصالح اليتامى ... ماجدة التي ارتبط اسمها بعشرات القصص خلال الأعوام القليلة الماضية ... قصص ~~المغامرات المثيرة مع كبراء ونجوم المجتمع ... آخر هذه القصص كان حديث الناس منذ أسابيع، قصة هيام ~~عبد اللطيف باشا سعد بها، وكيف استعانت زوجته بالبوليس لتستخلصه من أنياب ماجدة، وتخرجه من شقتها ~~الأنيقة بعد منتصف الليل ... فضيحة لم تنشرها الصحف لمركز عبد اللطيف باشا الخطير، ونشرتها ألسنة ~~الناس لنفس السبب ... وجها لوجه أمام فتاة الغلاف لصفحة الإشاعات في كتاب المجتمع. # وغلبه الارتباك، وتمتم بألفاظ التحية المعتادة في اضطراب، وتحركت يداه تشيران إلى المقعد، ~~ولكنها سألته في عجلة: الأستاذ وصفي ليس موجودا الآن، قال لي ذلك الخادم، وإن كانت سيارته تقف ~~أمام باب العمارة، لا يهمني ذلك، وإنما أريد أن أكلفه بعمل، أنت تعرف أنه محام. # ولم يكن يعلم، ولكنه أجاب: أعرف ذلك ... # قالت: أريد أن يبعث إنذارا لصاحب العمارة التي أقطن بها ... هل من الضروري أن أقابل الأستاذ ~~لذلك؟ ... أظنك تستطيع أن تقوم لي بهذا العمل ... # ولم تنتظر إجابته، وإنما أخذت تشرح له ما تريد ... وكتب لها صورة الإنذار الذي تطلبه، وأمر ~~الخادم فحمله إلى الكاتب ليكتبه على الآلة الكاتبة ... # حدث كل ذلك في أقل من نصف ساعة ... ونهضت ماجدة وحيته شاكرة وانصرفت، وبقي هو وحيدا ... وحيدا ~~مع بقايا عطرها القوي يملأ رئتيه، وصوتها العذب يملأ أذنيه ... أما عقله فقد كان غارقا في عشرات ~~الأفكار الغامضة، كان هذا أول منظر ... نستطيع أن نسميه النظرة الأولى ... النظرة الشاردة لا تحمل ~~معنى من معاني الحب كما يفهمه الشعراء أو الكتاب ... هو ms013 نفسه لم يكن يجرؤ أن يقول إنه أحبها ... بل ~~لعله ضحك لفكرة من أفكاره الغامضة ... فكرة قضاء ساعة مرحة مع ماجدة في نزهة بالسيارة، إن المنظر ~~الثاني يحدث بعد ذلك بأيام ... من المدهش أن يكون هذا المنظر هو فكرته الغامضة نفسها التي ضحك ~~منها. # أبواق السيارات ترسل أصواتها القوية من شارع قصر النيل، وكأنها في مباراة للإزعاج ... وهو يسير ~~وحده يتأمل واجهات المتاجر ... وقف عند إحداها يطيل النظر، راقه رباط رقبة بديع فوقف يفكر في ~~المغامرة؛ مغامرة شرائه وحمله إلى المنزل، وصوت زوجته وهي تقول في عتاب: «كرافتات ثاني ... ألا تشبع ~~كرافتات؟» ويهم بالدخول. # ويرتفع صوت بوق سيارة يعلو على بقية الأصوات ويدوي بلا انقطاع، وكأنه ينادي أحدا ... يدير رأسه ~~فيراها هي ... ماجدة تضحك، وقد وضعت يدها على عجلة القيادة، وكفت عن إطلاق البوق، وتصيح به وهي ~~تضحك: ماذا؟ أذنك ثقيلة إلى هذا الحد؟ # ويقترب منها محييا، ولعله اضطرب للمفاجأة، فهي التي تكلمت ثانيا: ماذا تفعل في هذا ~~الشارع؟ ~~- لا شيء ... أقطع الوقت ... # وأنا أيضا ... أقطع الوقت ... تعال ... # وتردد قائلا: قد تكونين ... ~~- أكون ماذا؟ ليس لدي عمل، بل لعلي لا أعرف ماذا أفعل بليلتي كلها ... تفضل يا أستاذ ... ربما ~~وصلنا معا إلى فكرة ... # فكرة ... ماذا لو جرؤ فعرض فكرته التي ضحك منها منذ أيام؟ ... نزهة في طريق الصحراء. ~~- فكرة رائعة ... وستقص علي في الطريق تاريخ حياتك ... لا أدري لم أحب أن أعرف شيئا عنك ... إن ~~هدوءك يثيرني ... # هدوء؟ وفي رأسه عشرات الأفكار تصطرع وتتسابق، كل منها تحاول أن تصل إلى نطاق التنفيذ ... ~~هدوءه؟ وقلبه يكاد يخر تحت ضربات الفرح والانفعال الثائرة ... حمدا لله الذي لم يجعل العقل والقلب ~~من أطراف الجسم الظاهرة كاليد والعينين ... وإلا لرأت في عقله عشرات الأفكار البيضاء والسوداء على ~~حد سواء ... بعضها يزين له أن يحيط خصرها بذراعيه إذا ما أوغلت السيارة في طريق الأهرام، ثم يلثم ~~خدها في رفق وأدب وحنان، وبعضها يهمس له ساخرا بقبلة الخد قائلا إنها أبعد طريق إلى قلب المرأة، ~~ماذا ms014 لو لثم شفتيها ... لو بدا طفلا وتجاهل النار؟ وأفكار أخرى سوداء ... تلك الفكرة التي طردها في ~~عنف والسيارة قد شارفت نهاية شارع الهرم، وأوشكت أن تنحرف إلى الصحراء ... هل يفعل ذلك؟ ينظر إليها ~~في خبث، ويقول وقد أومأ برأسه: «ما لنا وللصحراء! ... دوري بالسيارة إلى المدينة، إلى شقتك الأنيقة ~~نحتسي كأسا أولا.» # هو لا يشرب الخمر، وثانيا هي سوف لا تقبل ... سوف تنظر إليه في احتقار ... وسوف تدور بسيارتها ~~فعلا، وتنهب الطريق إلى المدينة، وستقف حيث لقيته، وستقذف به في نظرة ازدراء قاسية دون أن تتكلم، ~~هذا الاعتراض الثاني لو أنه تهدم لجرف في سبيله الاعتراض الأول ... لشرب حتى ثمل ... يا لها من فكرة ... ~~فكرة سوداء ... تهوم فوق صورتها في خياله ... ثم تستقر على عقله لحظة ... فيطردها في عنف فتهوم من ~~جديد، ثم تعود ليطردها من جديد، وتضنيه مطاردتها فيستقر لحظة ... يخيل له فيها أنها دارت بسيارتها، ~~ووقفت السيارة أمام دارها ... وهبطت وهي تدعوه في دلال، ويدخلان سويا ... وتقدم له كأسا ... ويشرب ~~الكأس، ويلثم الشفاه القانية، و... الثمن ... ثمن ساعة مرحة مع ماجدة ... وتفزع أفكاره جميعا، وكأنها ~~طيور صغيرة هبطت فوقها كف طير جارح، ويطرق أذنية صوتها وهي تسأله: تعرف تسوق السيارة؟ # ويجيب، وقد استراح من أفكاره، وهو يضحك: لا أبدا ... أعرف ركوبها فقط ... ~~- مع أنها سهلة جدا ... ~~- سهلة صحيح ... لكن لا بد من سيارة ليقودها الإنسان، هذا هو الصعب في الموضوع. # تقف السيارة ... ويقف المحرك، وتمد يدها بعلبة السجائر، وتقول وهي تشعل له: حدثني عن ~~نفسك. # وتنطفئ الولاعة مرتين قبل أن تشعل سيجارته ... كانت يده تضطرب، وأنفاسه تلهث ... وكأنها كانت ~~تطارد أفكاره، ويقول لها وقد ملك عنان نفسه: أنا ... محام تحت التمرين ... أعمل بمكتب الأستاذ وصفي ~~منذ عامين، وأنال منه مكافأة شهرية قدرها عشرون جنيها ... عمري ... # وتقاطعه قائلة في تهكم: محضر تحقيق! عمرك ومرتبك، هذه معلومات تقدمها للخاطبة، أنا أسألك عن ~~حياتك ... تفكيرك ... ماذا تقرأ، وماذا تحب؟ # جالت بخاطره إذ ذاك مغامراته الصغيرة من قبل ... كان يكفي أن تأتي ms015 كلمة الحب على لسان فتاة لكي ~~يهمس في أذنها باعتراف صغير، ويتلقى الجواب من شفتيها، هل يقول لماجدة أحبك أنت، ثم ... ثم ماذا؟ هل ~~هي إحدى فتيات صباه اللائي تستهويهن قبلة، فتضرم نار الهوى وتحرق الحياء ... كم من القبل تذوقت ~~شفتا ماجدة؟ # وأنقذه من ذلك التيه الذي شردت فيه خواطره مرة أخرى صوتها الناعم. هل قرأت ديوان «م» ~~الأخير؟ # وأجاب دون تردد: لقد قرأت بعض قصائده ... لقد خرج في هذا الديوان عن بعض تزمته، وبدا إنسانا ~~رقيق الإحساس ... قصيدته «الموعد» مثلا ذكرتني بشعر شللي ... هل قرأت هذه القصيدة؟ # قالت: وأعرف متى كتبها ... # قصة حبه المعروفة، إني أشك كثيرا فيما يشاع عنها، لا شك في أنه أحب ... ولكنني أشك في أنه أحب ~~«س» بالذات إنها لا توحي بشيء ... وأسرعت قائلة: لك أنت ربما ... لكن له، لقد كانت في وقت ما كل ~~وحيه، غريبة أليس كذلك؟ أنت وأمثالك من السذج لا يصدقون أن تكون مثل هذه المخلوقة التافهة مصدر ~~وحي لشاعر ممتاز، لكن من قال إن ملهمات العباقرة كن دائما ذوات خطر ... إننا لم نر إحداهن إلا ~~في الثوب الذي خلعه عليها صاحبها. # ووجد نفسه يقول: لو كنت ملهمته أنت مثلا، ترى ماذا كان يضع في الشعر؟ ~~- ربما كان لا يكتب قصيدة واحدة ... ~~- أنت لا تلهمين ... أي مجنون قال هذا ... # وكان متحمسا إلى حد أضحكها ... أضحكها فترة عادت بعدها تقول: هل تنظم الشعر أنت؟ ... وتنقصك ~~الملهمة؟ # ومن هنا يدخل هو وماجدة إلى أحداث القصة، كان كل ما مضى مقدمات لكي تبدأ ... ما أكثر ما ضحك تلك ~~الليلة من نفسه! وما أشد ما خجل من خواطره وأفكاره البيضاء والسوداء على حد سواء! عادا من طريق ~~الصحراء عند منتصف الليل ... لم يطوق خصرها بذراعيه، ولم يحتس معها كأسا في شقتها الأنيقة، كل ~~حصاده من متاع الأجساد قبلة حارة طبعها على يدها ... ومع ذلك فما أحس بأنه يقبل يدا، وإنما يلثم ~~أطراف محراب، وتتوالى مناظر القصة كلها على نمط واحد. # يلقى ماجدة في المساء، ويحدثها ms016 في الصباح بالتليفون، يلقاها في شقتها، فيقضيان الساعات يقرأان ~~الكتب، ويسمعان الموسيقى ... كانت تجلس إلى أريكة وثيرة، وقد استرخت كأنها تحلم، في حين جلس هو إلى ~~مقعد بجوارها يقرأ لها شعر الحب لعشرات الشعراء، كانت تقول له: إلقاؤك يكسبه روحا ومعنى... من ~~المؤكد أنك ستنظم شعرا عذبا يوما ما. # وكان يضحك قائلا: ربما ... هذا يتوقف عليك ... أنت إلهامي ذات يوم إن كتبت شيئا ... # وكان يحس، وهو يقرأ لها شعر النجوى والضراعة أنه لا يلقي نظم غيره ... كان يخيل له أنه يتحدث عن ~~نفسه ... يتكلم بألفاظه هو، وكان ينتبه إلى نفسه كلما انتهى من تلاوة الشعر فيجدها تحملق فيه، أو ~~تحدق في الفضاء ... حتى هي كان يخيل لها أنه يخاطبها ... وأنه يبث نجواه هو إليها، لا نجوى الشاعر ~~لحبيبته، وكانا يخرجان أحيانا إلى الصحراء فتقف السيارة، وينطلقان في الخلاء، تخب أقدامهما في ~~كثبان الرمال، وتخوض أفكارهما في خضم العواطف، وتلوك ألسنتهما شتى الأحاديث، يتحدثان عن ~~القدر، وعن الناس، وعن الحب ... تقص عليه طرفا من حياتها، وما لقيت فيها من هناء وشقاء، كل يوم كان ~~يمزق قناعا من نفسها الغارقة في عشرات الأقنعة ... بدت له نفسها آخر الأمر نفس فتاة تنطوي على ~~إحساس بالخير والشر، والهناء والشقاء، والحب والكراهية، وخيل له ذات يوم أنها ... ماجدة ... فتاة، ~~وليست كائنا من جنس غير البشر ... لها شفاه تلثم فتحس حرارة الحب ... وعينان تدمعان للأسى، وتلمعان ~~للفرح ... وعندئذ فقط، وجد نفسه يتخلى عن دواوين الشعر ... ليناجيها بلغته وكلماته، وقد صب عليها قلبه ~~من حرارته ما كساها روعة الشعر. # وقالت له يوما، وهي تحدق في الفضاء كأنها تسمع شعرا: هل تحبني حقا إلى هذا الحد؟ # وأجابها في صدق: أجل يا ماجدة، أحبك من لقائنا الأول، كل ما في الأمر أنني كنت أحسبك تمثالا ~~جميلا من المعدن فلم أبح لك بالحب، حتى تبينت لي إنسانا يسعد ويشقى وله قلب ... أنا أعرف أن ~~حبي لك عبء يجب أن أحتمله وحدي ... أعرف أنه ليس في حياتك فراغ أملؤه ... لكنني مع ms017 ذلك أحبك. # وأطرقت ماجدة لحظة، وقالت بعدها، وفي صوتها إحساس وعاطفة: أنت تعلم أني أرتاح إليك، وأحب أن ~~أكون معك، ليس حبك لي عبئا ... إنه على العكس يبعث في الأمل. # وتصل القصة إلى قمتها، ذات يوم كانا يستمعان إلى أغنية في الراديو ... لحن جميل نظمه شاعر يصف ~~حبه، ويشكو فيه، لا هجر المحبوب ولا وصاله، وإنما خلو هذا الحب من الهجر والوصل معا. # حتى ليتمنى على المحبوبة أن تقسو عليه، ومدت ماجدة يدها وخفضت من صوت الراديو، وقالت في ~~امتعاض: لا أحب هذا اللون من العلاقة ... إنه كالماء الراكد، أوثر عذاب الهجر على صقيع الركود ... ~~أفضل ألف مرة أن أحب إنسانا فلا يحبني ويهجرني، على أن أظل معلقة بخيط الشك أو الغموض ... أنت ما ~~رأيك؟ # وابتسم ابتسامة فهمتها، وهو يقول: أنا من رأيك ... لكن أنت، ألا تحسين أنك تتركين إنسانا ~~معلقا بهذا الخيط ... لو أن هذا الإنسان أدرك مصيره؟ # وأمسكت بيده، وأخذت تربت عليها في رقة، ورفع يدها إلى فمه ولثمها، ثم سار بها حثيثا حتى ~~استلقت على كتفه، وأحسها تلمس عنقه، وأحس بأنفاسها تتردد دافئة فتحسس طريقه إلى فمها، وغاب في ~~قبلة طويلة، قبلة رسم خلالها خطوط مستقبل جديد، كانت قد استرخت على المقعد، وكأنما شربت في القبلة ~~نفس الخمر فثملت ... أما هو فقد بعثت فيه مع النشوة نشاطا دب إلى خياله ... وقال وفي صوته عزم: هل ~~تتزوجينني يا ماجدة؟ أو؟ ... # وأجابت وما زالت سكرى: أو ماذا؟ ... أترى نفسك ما زلت معلقا بخيط الغموض؟ # وشربا كأسا أخرى من الرحيق نفسه، وامتلأت رئتاه بعطرها العميق، وتدفق الهوى في شرايينه ~~حارا كالدم، وأخذ يصب في أذنيها الأماني ... ~~- لن أظل في مكاني يا ماجدة في مكتب الأستاذ وصفي ... لقد بدأت أكون لي عملا، وسأفتح ~~مكتبا خاصا بعد عام ... سنبدأ معا حياة جديدة مشرقة، أنت وأنا متفقان في مشاربنا، كلانا يقرأ ~~كثيرا، كلانا يحب الأدب ... إننا على الأقل لن نجوع يا ماجدة، فلدي ما ييسر لنا حياة ~~طيبة. # إن هذا المنظر هو أقوى ms018 مناظر القصة ... # ظل يتكلم طويلا، وألقى دوره بمهارة فائقة، وكأنما كان يستظهره منذ شهور، وظلت ماجدة تستمع ... ~~ترى هل نجح في دور العاشق أمام عاشقة محترفة؟ وهل سمعت أذناها قبلا مثل هذا الأداء؟ ... إن ما حدث ~~بعد ذلك كشف عن مدى نجاحه؛ إذ قبلت ماجدة الزواج منه، لقد نجح في أن يجعلها تنسى نفسها، وتتكلم ~~كفتاة يفتح قلبها لنداء الحب، قالت له: وزوجتك؟ # أجابها على الفور: إنها شابة وما زال أمامها المستقبل، وحين يحب الرجل المتزوج، فمعنى ذلك أن ~~زوجته لم تملأ فراغ حياته ... أتظنين أنه في استطاعة الرجل أن يحب اثنتين؟ # وأخذت تسوق الاعتراضات، وأخذ هو يحطمها واحدا واحدا، وراحت بعد ذلك تتخيل بيت الزوجية، وما ~~سوف يكون بيت الزوجية الذي ما عرفته قط، هي التي ذاقت كل بيت عداه ... واتفقا على موعد للزواج بعد ~~ثلاثة شهور، ولعله اطمأن منذ ذلك اليوم إلى أنها لم تعد الغانية ماجدة، بل أضحت خطيبته، وإن ~~لم يعنيا بإعلان الخطبة ... لقد أعلن علاقتهما بعد ذلك سير هذه العلاقة ... بدأا يظهران سويا، ~~ويغشيان المطاعم ودور السينما، وكثيرا ما كانا يقابلان أصدقاء ماجدة ... كانت تومئ لبعضهم من ~~بعيد، وكانت تقدمه للبعض الآخر ... وكان هذا البعض الآخر شعراء وفنانين من الشبان ... وكان هو يعرف ~~بعضهم من قبل، كانت تقدمه كصديق، وكان كلما سألها لماذا لا تنبئهم بالخبر تقول له ضاحكة: ولم ~~التسرع؟ سيعرفون النبأ في حينه ... # وفي شقتها الأنيقة كانت تجمعه وإياها وأصدقاءها من الأدباء والشعراء سهرات رائعة يتحدثون ~~فيها، ويستمعون للموسيقى، ولا ينسى ذلك اليوم حين جاء صديقها الموسيقار «م»، وقد تأبط نوتة لحن من ~~وضعه، وجلس يسمعهم اللحن بصوته الحنون، وعيناه مسمرتان على وجه ماجدة حتى انتهى اللحن، وصفق ~~الجميع، وصفق هو معهم، وإن كان قد أحس شيئا من الضيق ... ضيق لم يخالجه شك حينذاك، ضيق ضعيف انفرج ~~مع صيحات الإعجاب والتصفيق باللحن والأغنية، وقال «س» وهو ممثل يستنفد قدرته الفنية في التظاهر ~~والتمثيل في الحياة، قال وقد خفت موجة الإعجاب: عرفنا أن اللحن ms019 من تأليفك، ولكن من الذي وضع هذه ~~الأغنية الجميلة ... ويجيب الموسيقار ببساطة: الأغنية من تأليف صديقنا الشاعر «ع» لقد وضع الأغنية ~~لماجدة، وأنا لحنتها لها ... إنها من وحيها لحنا، وغنائها لها ... ويصفق الجميع من جديد، وقد توجهت ~~أنظاره إلى الشاعر «ع» الذي جلس في حياء، وقد اصطبغ وجهه بحمرة قانية ... وكأنه عذراء تسمع حديث ~~الحب لأول مرة ... وصفق هو مع الجميع، وأحس بضيق أشد قسوة وظلا من ضيقه الأول ... وكان مطلع ~~الأغنية: # عرفتك في ربيع عمري # يا ريت العمر كله ربيع # ماذا بعد أن عرفها؟ لطالما سأل نفسه تلك الليلة وهو يتقلب على فراشه ذلك السؤال، وكان يجيئه ~~الجواب يوما بعد يوم حتى تجمعت سطوره في عبارة واحدة: إن ماجدة كانت وحيا لأكثر من قصيدة، وأكثر ~~من شاعر، وكانت إلهاما لأكثر من رسام ومثال، وكانت نغما لأكثر من لحن وموسيقار ... وهو؟ ... هو ~~الذي سوف يحظى يوما بهذا النبع لينهل منه إلى الأبد ... وكان هذا يعزيه ويبعث إلى نفسه الراحة ... فلم ~~يشك يوما، ولم يسئ الظن ... حتى في قرار نفسه. # وكان يقول لنفسه كلما خطر له خاطر سوء: «ولم تخدعني، ولا مأرب لها ولا هدف؟ كل ذلك ضرائب ~~الشهرة واللمعان ... قصة الفراش وهالة النور في كل زمان ومكان.» # حتى كان ذلك المنظر من القصة حين توقفت آلة العرض، فوقف كل شيء، وسكتت كل حركة، كانوا خمسة ~~يسهرون عند ماجدة هو أحدهم، وكان ذلك قبل موعد الزواج الذي حدداه بثلاثة أسابيع، بدت ماجدة تلك ~~الليلة في ثوبها الأزرق رائعة ... وكلمة رائعة لا تكفي، بدت شيئا أخطر من أن يمتلكه إنسان، أو ~~يستأثر به حب واحد، كانت أكثر من امرأة واحدة، حتى لقد سأل نفسه سؤالا لم يستطع الجواب عليه، هل ~~يقوى حبه وزواجه بها مهما يكن قويا وسعيدا أن يضفي عليها ثوب امرأة الرجل الواحد، فلا تشع ~~روحها إلا على حياته وحده؟ # وأدار بصره حواليه أكثر من مرة، فأحس بعجزه عن الجواب ... أو على الأصح بشكه في أن يكون جوابه ~~بالإيجاب ... ها ms020 هم أولاء خمسة، ومع ذلك فإن ماجدة تسبغ عليهم جميعا ثوبا من البهجة، وتشع بروحها ~~عليهم، وكأن كلا منهم يحظى من السعادة أكثر مما يطيق ... وينتصف الليل، وتمضي ساعاته الأولى، ~~وينصرف الجميع، ويكون هو آخرهم ... يلثم يدها في عمق، ولا يكاد يفتح فمه حتى تقول له، وهي تربت ~~على يده: غدا، غدا سأحادثك بالتليفون ... # غدا؟ غدا، ولا بعد غد ... وتسافر إلى الإسكندرية وتعود، ويتبين أن قصة هواه قد وقفت عند ذلك ~~المنظر دون أن تصل إلى ختام. # قصص الهوى كما ألفتها الحياة ... أو ألفها الكتاب ... لم يلتق البطل والبطلة في قبلة لا فراق ~~بعدها ... ولم يفترقا في دمعة كبيرة يذوب في حرارتها الحب؟! ~~••• # بعد خمس سنوات تتحرك آلة العرض فجأة أيضا، فيتحرك كل شيء ويمر على شاشة الحياة آخر موقف من ~~مواقف القصة ... موقف الوداع ... يودع البطل البطلة إلى الأبد ... # المنظر، ميناء فينسيا والباخرة قد رست لتلتقط بعض الركاب العائدين إلى مصر بعد رحلة الصيف في ~~أوروبا. # كان هو أحد هؤلاء العائدين، وضع أمتعته في مقصورته بالباخرة، وخرج إلى إحدى الصالونات، وجلس ~~وحيدا يقلب في نهم صحيفة مصرية أعطاه إياها أحد الركاب من المصريين، وأعلن أحد ضباط السفينة أنها ~~ستغادر الميناء في الساعة العاشرة مساء ... وكانت هناك ساعتان باقيتان، وكان الكثيرون من الركاب قد ~~تفرقوا بين قاعة الطعام، وصالونات الباخرة ... وقريبا من البار جلست جماعة من المصريين تقطع الوقت ~~في الحديث على رنين الكئوس، ورفع رأسه على ضحكة عالية ... ضحكة لم ينسها ولن ينساها ... ووجد ماجدة ~~تتوسط تلك الجماعة، وإلى جانبها صديقها المليونير الكهل آخر من ربطتها به الشائعات منذ عام، ورأته ~~ماجدة، وهزت رأسها تلك المرة في تحية باسمة ... رد عليها سريعا، وعاد ببصره إلى صفحات الجريدة، ومر ~~نصف ساعة بذل خلاله كل جهده لكيلا يرفع بصره عن الصحيفة ... كان كل ما يشغل فكره ليست أنباء ~~الصحيفة، وإنما قصة ماجدة معه، وكل ما سمعه عنها منذ افترقا إلى الآن. # وأرغمته حركة المقاعد أن ينظر من جديد إلى مائدة ماجدة، ms021 فوجد الجمع قد نهض ليحيي صديقها ~~المليونير الذي سمع صوته يقول ماجدة: «إنني متعب، وسأذهب إلى مقصورتي، قومي حتى تسأمين حديث هؤلاء ~~السادة.» وتلتقي عيناه مرة ثانية بعيني ماجدة، ويلمح في عينيها ظل ابتسامة ... وتمر بضع دقائق ~~فيهب من مكانه ويتجه إلى سطح السفينة، ويقف مطلا على الميناء، وقد انعكست عليه الأنوار، وتمر ~~بضع دقائق أخرى، فيحس إلى جانبه شيئا يتحرك، فيلتفت فيرى ماجدة وحدها، وقد وقفت إلى جانبه تتأمل ~~الميناء، ويشق سكوتهما صوت ماجدة: أما زلت حاقدا علي؟ # ويصدمه السؤال فيرتبك ... يرتبك حتى يتعثر الاضطراب على شفتيه: أنا ... أنا أحقد عليك! # وتسارع قائلة: لا ... لا ... أعرف أنك غاضب مني، ولك العذر، لكن كان لا بد أن أتركك هكذا معلقا ~~... ماذا كنت تنتظر أن أفعل؟ # وكان على وشك أن يجيبها: أن تلقي السطر الأخير في القصة. # لكنها لم تتح له الفرصة إذ استطردت: كان زواجنا أمرا مضحكا، كانت فترة ركود في حياتي حين ~~عرفتك، ثم إني كنت أعجب بك. # وقال: كما كنت تعجبين بالشاعر «ع» والموسيقار «م»؟ ~~- تماما، حتى حين حدثتني عن الزواج ... فقبلت ... # وكنت جادة حين قبلت، كنت أظن أنها فكرة رائعة، أن تتزوج مثلي وتستقر، حتى تبينت خطئي، تبينت ~~أن المغامرة سوف تكون فاشلة بالنسبة لي على الأقل ... # وأجاب ساخرا: مؤكد ... الزواج من شاب ليس مليونيرا ... وليس كهلا ... # وقاطعته منفعلة: أنت لا تفهمني ... كنت تحبني، أليس كذلك؟ # وسكت ... ~~- كنت تحبني ... وكنت ستتزوجني، وتطلق زوجتك ... ثم تدخل حياتي، حياتي كما هي، أو أدخل حياتك ... ~~كما هي ... الذي حدث أنك أنت دخلت حياتي وعشت فيها واحتملتها أياما، و... واعذرني إن قلت لك ... لم ~~أحس لحظة واحدة أن عاطفتي نحوك من القوة بحيث تخرجني من هذه الحياة ... إلى آخر يوم كنا فيه ~~سألت نفسي ... هل أنا على استعداد لأن أتخلى عن كل شيء في حياتي لأدخل في حياتك زوجة تغلق عليها ~~جدران أربعة؟ وكان الجواب دائما «لا» ... معنى ذلك أن زواجي بك لا يكون إلا مغامرة ... ~~- مغامرة ... وهل تخشين المغامرات؟ ~~- مغامرة ms022 ستدمر بيتك أنت، وحياتك أنت. # ومضى في سخريته ... ~~- تدمر حياتي وبيتي ... وهل يزعجك تدمير بيت؟ أنت؟ # وتملكها الغضب، وقالت ثائرة: طبعا لا يزعجني ... لكن أي بيت ... حين أدمر بيتا، فإني أختار ~~البيت الذي أدمره ... وأختاره بنفسي ... تكون أنقاضه تساوي شيئا ... لكن بيتك أنت ... ماذا كانت تساوي ~~أنقاضه؟ ... مغامرة إن خسر فيها غيري فلن أربح فيها أنا شيئا ذا قيمة. # وكأنما أحست بقسوتها فعادت تقول في رقة: اعذر صراحتي ... لم أكن أحب أن أواجهك بهذا، لكن أنت ~~لا تريد أن تفهم. ~~- بل فهمت يا ماجدة ... عز عليك أن تغامري مغامرة صغيرة ... وعز عليك أيضا أن تكلفي خاطرك مشقة ~~الرفض ... الرفض الصريح ... ولم يكن يكلفك شيئا أن تقولي لن أتزوجك؛ لأنني لا أحبك إلى الحد الذي ~~أضحي فيه بحياتي اللاهية. ~~- أو أضحي فيه ببيتك أنت على الأصح. # ومرت فترة سادها الصمت، قطعها بعد ذلك صوت ماجدة، وكأنما كانت تبكي، لو أني قلت لك إذ ذاك إني ~~لن أتزوجك لأنني لا أصلح لك ... ولأن حياتي لو دخلت فيها فلن تجني خيرا ... لأنني أحرص على بيتك ~~الصغير ... فربما جعلك ذلك تبدو ... وأنا أعرفك طيب القلب ... كمن يأسره النبل، فتتمسك بي ... كنت أستطيع ~~أن أبدو لك بمظهر الفتاة النبيلة فتزيد تمسكا بي، وكنت أيضا أستطيع أن أكذب عليك فأزعم لك أني ~~أحب غيرك ... فأجرحك جرحا ... جرح الرجل يهزم في قلبه وكرامته ... لكنني آثرت أن أنسحب من حياتك دون ~~ضجة ... آثرت أن أترك حبل هواك يرخيه الزمان ... لقد أخطأت مرة واحدة ... أتعرف متى؟ # كان غارقا في الصمت، فأجابت هي: حين دعوتك أول مرة لنزهة في الصحراء ... كان أبعد ما أتخيله أن ~~تحبني، وأن ترى في شيئا غير ما يراه الناس ... # وتحركت ماجدة إلى مقصورتها ... وتحركت السفينة في هدوء ... بعيدا عن الشاطئ ... # | صفحات من مذكراته # إنها سعادتها عدوي الوحيد، إن أبي وأمي يحرقان صبري بخورا يجلب لها السعادة ... ~~*** # دعني أقدمه لك أولا ... إنه ليس رجل أعمال خطير الشأن تتحرك لحركته دوائر المال والأعمال، أو ~~تنخفض الأسعار وترتفع ms023 ... ولا هو رجل فكر يوجه الرأي العام بآرائه، ويميل بتفكيره حيث يريد، ولا هو ~~أديب يمتشق قلمه فتتلقف المطبعة ما ينثال من هذ القلم لتنشره على الناس ... إنه ليس هذا ولا ذاك ولا ~~الذي قبله ... إنه مجرد إنسان عادي ولد في القرن العشرين وما زال يعيش مع الأسف (وهذا تعبير مأخوذ ~~من مذكراته) أما كيف ولد؟ فإن لذلك قصة دامية. # لقد تعسرت ولادته على أمه، فخرج بعملية جراحية إلى الوجود وعادت هي بالعملية نفسها إلى العدم ~~... وكان أبوه يحب أمه حبا يقرب من العبادة، فكرهه هو لفعلته الشنعاء كراهية تقرب من الكفر، وليس ~~تعبير «فعلته الشنعاء» من عندي، إنه تعبيره أيضا عن موت أمه بعد ولادته، إنه يقول في مذكراته إن ~~أباه كان يناديه منذ بدأت أذناه تعيان الألفاظ قائلا: «تعال يا قاتل أمه ... كل يا قاتل ~~أمه ...» وإذا كانت القصص لا تنتهي بالولادة، وإنما تبدأ بها، فلا بد أن تسير في حياته منذ ذلك ~~اليوم فتراه يكبر كما تكبر الأطفال حتى يبلغ التاسعة، وعندئذ يتزوج أبوه من سيدة لها طفلة في مثل ~~عمره، ويضاف إلى حجرته سرير صغير كسريره تنام عليه أخته الجديدة. # وكل التجديد الذي يطرأ على حياته منذ ذلك اليوم هو مولد عدو جديد هو السيدة والدة الأخت وزوجة ~~الأب ... ومنذ ذلك اليوم يبدأ كتابة مذكراته ... لا يكتبها على الورق، وإنما ينقشها في صفحة خياله حتى ~~تمر خمس سنوات، ويصل إلى سن الرابعة عشرة فيدخل عليه أبوه ذات يوم حجرته، ويدفع إليه بمفكرة كبيرة ~~للعام الذي انصرم قائلا: خذ! بدلا من شراء كراريس، حل واجبات الحساب في هذه الأجندة. # ولما كان يعرف نتيجة تنفيذ رغبة والده، خمس ضربات بالعصا الرفيعة على باطن اليد، العقوبة ~~الرسمية التي يفرضها مدرس الحساب لمن لا يحل الواجب بخط نظيف في كراسة المدرسة، فهو يؤثر السلامة، ~~ويتظاهر بإجابة والده، ولكنه لا ينفذها ... إنه ينفرد بنفسه بعد ذلك في الحجرة، ويأخذ في تقليب ~~«الأجندة» ويلاحظ أن لكل يوم صفحة، ويخطر له الهدف الذي ms024 يحتفظ الناس من أجله بالمفكرات لكي ~~يكتبوا في صفحة كل يوم ما حدث فيه ... أو ليقيدوا مواعيد الأيام المقبلة حتى لا ينسوها. # ونحن الآن ... هو والمفكرة والقراء حسب تعبير المذيعين ... نحن الآن في عام 1938، و4 من مارس 1938 ~~على وجه التحديد ... والمفكرة هي مفكرة هدية من إحدى شركات الأدوية لرأس السنة عام 1937 ... وفي كل ~~صفحة منها حكمة، أو قول مأثور، وتحته إعلان عن أحد أدوية الشركة. # إنه سيبدأ كتابة هذه المذكرات من اليوم ... # لكن الأربعة عشر عاما التي مرت ... ألا يحسن به أن يكتب ما يذكره عنها ... إن لديه صفحات ~~المفكرة من أول يناير 1937 إلى 4 من مارس 1937 فليجعل لكل شهر مضى من حياته صفحة، إن أجمل ما ~~في الماضي - ماضي الطفولة - أنه ليس طويلا كالحاضر ... إن الإنسان يستطيع أن يتمثله في لحظة واحدة، ~~في إحساس سريع كالبرق ... إحساس فرح أو إحساس حزين ... ولكنه لا يستطيع حتى أن يجعل لكل شهر من حياته ~~صفحة من صفحات المفكرة، وذهنه الصغير يهديه إلى حسه الساذج أن أيام حياته إلى اليوم ثلاثة ... يوم ~~ولد، ويوم تزوج أبوه، ويوم جلس مع أخته ... أخته التي فرضها عليه القدر كما فرض عليه أن يكون طفلا ~~بغير أم ... يوم جلس مع هذه الأخت على مائدة الطعام، وأمامهما والده ووالدتها، وقالت زوجة أبيه: ~~بنتي الآن ليست صغيرة، وأريدها أن تنام وحدها في حجرة أخرى. # وأجاب أبوه: وإذا كانت حجر المنزل محدودة، فماذا نفعل؟ # وردت الزوجة: أبدا، نستطيع أن ننقل المكتب إلى حجرته، وننقلها إلى الحجرة الثانية، ونشتري ~~لها دولابا. ~~- ومحمود الخدام ... أين ينام؟ # وكانت هذه هي الجملة الوحيدة التي قالها على المائدة ... وكان الرد عليها رد والده الجاف: ينام ~~معاك يا أخي ... # هذا يوم من أيام حياته أيضا، لا يقل أهمية في نظره عن يوم زواج أبيه، ولا يوم ميلاده، إنه ~~لا يعرف شيئا عن يوم ميلاده؛ ولذلك فهو يمسك بالقلم، ويكتب في الصفحة الأولى من المفكرة بعد أن ~~يغير التاريخ: «في يوم من الأيام ms025 ولدت ورفضت أمي أن تراني ... أغمضت عينيها عن الحياة في الوقت الذي ~~فتحت أنا فيه عيني عليها ... إنني لم أر شيئا، ولم أعرف شيئا في ذلك اليوم ... ومن المؤكد أنه كان ~~هناك صراخ وعويل كثير؛ فقد كانت أمي محبوبة من أبي جدا، ومن خالتي فاطمة ... وتقول خالتي فاطمة ~~إن أمي كانت في غاية الشوق لكي تراني في الحياة، وليس خطئي أنني لم أحقق لها هذه الأمنية ... أبي ~~يقول لي دائما: «يا قاتل أمه» ومعنى ذلك أني قتلتها ... إن خالتي فاطمة تؤكد أن هذا لم يحدث، وأن ~~الطبيب هو الذي قتل أمي، أنا أكره الأطباء من كل قلبي، ولن أصبح طبيبا أبدا ...» # ثم يكتب عن اليوم الثاني: «خلع أبي الكرافتة السوداء التي لم أره يغيرها منذ وعيت ما حولي، ~~وحلق ذقنه بعد الغداء مرة ثانية مع أنه حلقها في الصباح الباكر كعادته، وطلب من خالتي فاطمة - ~~وهو خارج - أن تعيد تنظيف حجرته، ومنذ أيام كان قد أحضر أثاثا جديدا لهذه الغرفة، وحينما عاد ~~أبي في المساء كان البيت كله منيرا، وحضر معه ثلاث سيدات ورجلان وطفلة صغيرة، ونامت الطفلة ~~الصغيرة في حجرتي منذ تلك الليلة.» # ولم يجد ما يكتبه بعد ذلك عن هذا اليوم إلا سطرا واحدا أضافه في سذاجة: «عرفت في الصباح أن ~~أبي قد اشترى لي أما جديدة.» ... أما اليوم الثالث فقد بدأ كتابته بإسهاب، كان لا يزال يذكر ~~تفاصيل ما حدث على المائدة، فذكره بالحرف الواحد، وملأ الصفحة، وانتقل إلى الصفحة التالية، قال ~~إنه بكى تلك الليلة طويلا، ولا يدري لماذا ... وكان كلما نظر إلى وجه محمود الخادم زاد في بكائه ... ~~إنه لم يكن يحب «أسماء» ولكنه مع ذلك كان يحس في نومها في حجرته راحة، إنهما متساويان، أما اليوم ~~فقد أصبح له زميل واحد ... هو محمود الخادم، وختم حديثه عن ذلك اليوم قائلا: «أصبحت وحدي منذ ذلك ~~اليوم في وسط أسرة تكرهني.» # وأغلق بعد ذلك كتاب مذكراته، وكأنما أغلق هذا الماضي من حياته ... الأربعة عشر عاما في ms026 أربع ~~صفحات ... يا لها من فكرة جميلة أن توضع الحياة في مثل هذا الحيز الصغير من صفحات «أجندة» ~~قديمة! # وأخذ منذ ذلك اليوم يكتب مذكراته. # كل يوم كانت تتحول ساعات النهار وساعات الليل الأولى إلى بضعة سطور ... كتب في آخر أبريل يقول: ~~«عادت أمي إلى المنزل هي وأسماء في الساعة السابعة مساء، وكنت أنا جالسا في حجرتي أذاكر ~~الجغرافيا، وتقدمت أسماء مني، وقالت: ألا ترى ثيابي الجديدة ... ثياب الصيف، لقد جئنا بها من عند ~~الخياطة الآن، واشترينا لكل ثوب حذاء ... ثم ... اترك ما بيدك، وتعال اتفرج.» # وتركت مكتبي، وذهبت إلى سريري، وكانت أسماء قد فكت اللفافات، ونثرت ما فيها على السرير ... ~~وأخذت أجيل بصري ... ثلاثة أثواب بديعة من القماش الثمين، وثلاثة أزواج من الأحذية ... وشرائط وحقيبة ~~يد، أمسكت بيدي ثوبا أتفرج عليه، وإذا بصوت أمي يصدمني قائلا: أنت مجنونة يا أسماء! تضعين ~~الثياب الجديدة على السرير القذر؟ اجمعي ثيابك واذهبي إلى حجرتك ... ماذا يفهم هو من كل ذلك؟ # وسارت أسماء وأمي، ورفعت عيني وحاولت أن أصعدهما في أركان الغرفة لأمنع قطرات الدمع العالقة ~~بأجفاني أن تسقط على الأرض، فاصطدمت عيناي بمنظر لم تقو بعده على المقاومة، وانهارت الدموع ... إنه ~~منظر بدلتي البني الثقيلة التي أوشكت أن تتناسل. # ليس هناك أمل في تغييرها ... إلا أن أعود لبدلتي الثانية الضيقة التي كان يجب أن تلقى في صندوق ~~القمامات ... إن والدي طلب مني منذ أيام أن أغير بدلتي قائلا: «هو أنت مدام عندك بدلة جديدة لازم ~~تلبسها لغاية ما تدوب؟ لم لا تلبس بدلة أخرى؟» والدي يعرف جيدا أنه منذ عام لم يشتر لي ~~بدلة. # إن ذيل الصفحة التي كتب فيها مذكرات هذا اليوم تشوبه صفرة، وكأنما سقطت عليه من قديم قطرات من ~~العرق أو الدموع. # وينتهي العام، ويغلق صفحات «الأجندة» ويكون قد تعود أن يسرد لهذا الصديق الصامت حوداث يومه، ~~ويمر يوم أول يناير عام 1939، ويأتي مساؤه عليه، وقد آوى إلى فراشه، وتدثر بالغطاء، حتى وجهه قد ~~غطاه، وكانت تلك عادته لا ms027 يستطيع النوم في النور، أو عاري الوجه ... ويحس شيئا ينقصه ... يحس أنه في ~~حاجة إلى أن يقص أخبار يومه على صفحات الورق الأبيض، وينتابه القلق حتى ليخيل إليه أنه لن ينام ما ~~دام لم يكتب سطور مذكرته ... فينهض من فراشه، ويمسك بورقة بيضاء، ويكتب عليها ما حدث في يومه، ~~ويضعها بعناية بين صفحات المفكرة القديمة ... وفي الصباح وهو في طريقه إلى المدرسة لا يشتري كعادته ~~سندوتش الجبن الذي يفطر به، وإنما يدفع بثمنه في ركن من أركان درج المكتب، ويكرر ذلك بضعة أيام ~~يخرج منها بثمن مفكرة جديدة للعام الجديد، ويقضي ليلة ينقل فيها إلى صفحات مفكرته الأيام التي ~~فاتته من العام، ولا ينسى أن يسجل في صدر المفكرة تحت فاتحة القرآن، كيف استطاع أن يشتري هذه ~~المفكرة؟ وما أسرع ما تمر الأيام! صفحات المفكرة تمتلئ بالحروف السود كصفحات قلبه تماما ... إنه ~~يرى في هذا العام أياما سودا لا يستطيع مداد القلم أن يحاكيها، ولا تستطيع السطور أن تحكيها ~~... # كتب في أمسية يوم من تلك الأيام سطرا يقول فيه: «تبينت اليوم عجز القلم والكلام عن التعبير ~~في بعض الأحيان، أي كلام يستطيع أن يعبر عن مدى سخطي وتعاستي اليوم؟» ... إن قصة ذلك السخط وتلك ~~التعاسة، كما رواها قبل هذا السطر، هي اضطهاد جديد تلقاه من زوجة أبيه، أمه كما كان يجب أن يسميها ~~في مذكراته، كانت إجازة نصف العام بعد أيام، وأعدت المدرسة رحلة إلى الصعيد، وجعلت رسم ~~الاشتراك فيها للطلاب زهيدا، هو جنيهان فقط، وعرض الأمر على أبيه في حضور «أمه» فإذا بها - وقبل ~~أن ينطق أبوه بحرف - ترد في غلظة: لم يبق إلا أن نتحمل مصاريف لهوك أيضا، كأنه لا يكفي مصروف ~~المدرسة والطعام والكساء ... إن غيرك يوفر على أهله مصاريف المدرسة. # لو أن الاقتصاد كان قاعدة تتبعها الأسرة لما سخط ولما أحس التعاسة ... لكن أباه في اليوم نفسه ~~دفع إلى أسماء بسوار من الذهب قائلا وهو يضحك: حتى يحين موعد زفافك سيكون لديك مصوغات تجعلك ~~غنية. # إن ms028 حادث الرحلة المدرسية المرفوضة والسوار الذهب الممنوح يتكرران في صور شتى ... تمضي سنوات ~~1939 و1940 و1941. # وفي مفكرة كل منها مذكرات أيام تفيض بأمثال هذه الحوادث، وفي عام 1941 في 5 من فبراير يكتب في ~~أسلوب رهيب: «إن صفحات المفكرة أقل إيلاما من صفحات الذاكرة ... ما دامت المذكرة لا تقلبها يد، ولا ~~تقرؤها عين فهي صامتة تنطوي على ما فيها من ذكريات مريرة، أما ذاكرتي فهي قاسية تميل إلى الأحزان، ~~لا تكاد تمر بي لحظة تعسة حتى تسارع هي فتنثر على بساط خيالي تعاسات العمر كله منذ عرفت الحياة، ~~وكأن كل همها أن تكسو الجو كله بالغيوم، إنها هذه الذاكرة التي لا ترحم تدفعني إلى أفكار شريرة ~~جعلتني اليوم أتمنى لو رأيت هؤلاء الثلاثة، أبي وزوجته وأسماء، موتى موسدين التراب، إني لأتمنى ~~ذلك الآن ... لا لأني أكرههم، ولكن لأنني لا أرى في الموت عذابا، إني شخصيا أتمناه من حين إلى ~~حين.» # وفي أواخر عام 1941 يخط سطورا ... سطورا لم يدرك مداها إذ ذاك، وإن كان قد أدركه بعد أن خرج ~~من سلطانها الرهيب، كتب في ذلك اليوم: «كل ما ينالني من أذى، وما ألقاه من سوء معاملة، وما أحرمه ~~من مصروف أو عطف، كل ذلك يذهب لكي يستحيل حنانا وخيرا وسخاء على أسماء، إن أبي وأمي يحرقان ~~صباي بخورا يجلب لأسماء السعادة ... إن أعدائي ليسوا هم أبي وأمي ... إنها سعادة أسماء، عدوي الوحيد ~~... لو استطعت أن أحطم هذه السعادة، وأن أغرق هذه المخلوقة التي تقف سعادتها في سبيل حياتي، لو ~~استطعت أن أغرقها في سيل من الشقاء لفعلت وأنا غير نادم، إن ما يجعلني أجن هو أنها لا تحس أبدا ~~بأنها هي سر شقائي ... بل إنها تحادثني أحيانا كما لو كنا صديقين ...» # لقد حدث ذلك أكثر من مرة، حدث أن كان مغيظا مهتاجا ذات يوم؛ لأن أمه أساءت إليه إساءة ~~بالغة لأنه مشط شعره بمشط أسماء ... وكان الأمر تافها لولا أنها - أي أمه أو زوجة أبيه بتعبير أصح ~~- انتهزتها فرصة ms029 لتسيء إليه، وتجرح من كبريائه وترميه بالقذارة، كان مغيظا مهتاجا، ولو نزل ~~إليه في تلك اللحظة ملاك أو شيطان يأتمر بأمره، ويسأله ما يطلب لما طلب غير هلاك أسماء، إنه يصف ~~تلك اللحظة في مذكراته قائلا: «وصعد الدم إلى رأسي فلم أر شيئا، وتملكتني خواطر غريبة، نقلني ~~الغضب إلى حالة إغماء لم أفقد معها توازني، وإنما فقدت صلتي بالعالم ... وخيل إلي أن نجاتي معلقة ~~بأن يهبط إلي ملاك من السماء، أو يصعد إلي شيطان من جوف الأرض ... فإذا ما سألني أحدهما أو ~~كلاهما عما أطلب لقلت دون تردد ... قلت للشيطان: خذ روحها إلى أعماق الجحيم ... وقلت للملاك: اصعد ~~برأسها، وعلقها في قمة شجرة ... بل لقد خيل إلي أن الملاك والشيطان قد التقيا بين يدي، وأني ~~أهمس فعلا بأمري الرهيب ... ولعل شفتي قد تحركتا ببعض الألفاظ، لولا أن أفقت على صوت أسماء نفسها ~~تهمس بي قائلة: لا يأخذك الغضب ... إني آسفة، خذ مشطي ومشط شعرك في حجرتك ... إني شخصيا لا أرى ~~رأي ماما ... أنت لست قذرا.» # ولم يكن هناك أحد غيرنا إذ ذاك في الردهة بين حجرتي وحجرتها، فمددت يدي وأخذت المشط، وقذفت به ~~بكل قوتي إلى الأرض، ونظرت إليها في حقد ومشيت، ومع ذلك فاليوم بعد العشاء والليلة إحدى الليالي ~~التي نتعشى فيها جميعا على المائدة، وما أقل هذه الليالي، بعد العشاء جاءت أسماء إلى حجرتي بمشط ~~أحمر اللون قائلة: «خذ هذا المشط لك ... إن عندي أكثر من مشط.» # وفكرت أنا - بعد أن خرجت - كيف سخرت مني أمها حين طلبت من أبي ثمن مشط ... عندها هي أكثر من مشط ~~... عندها كل شيء، ولها المزيد، أما أنا فلا شيء ... # وتمضي مذكراته خلال عام 1941 هكذا ... حافلة بالسخط والغضب، وبعشرات الأفكار الشريرة نحو أسماء ~~حتى قبيل نهاية العام؛ إذ يكتب في 9 من ديسمبر مذكرة يومه مختصرة لا تعدو بضعة سطور. ~~«توفي قريب لأمي، وسافرت هي وأبي في الصباح للعزاء، وحينما جلسنا أنا وأسماء للعشاء خطرت لي ~~فكرة رهيبة ... بعثتها في رأسي ms030 تلك الرقة التي تعاملني بها أسماء والنظرات الخالية من الحقد التي ~~تصوبها إلي ... # بعد العشاء جلست أتصفح أحد الكتب حتى كانت الساعة العاشرة ... وكنت وحدي على مائدة الطعام حتى ~~أحسست البرد، فآثرت أن أذهب إلى غرفتي ... كان باب حجرة أسماء مفتوحا، وكانت مستلقية على الفراش ~~تقرأ تحت ضوء المصباح المثبت فوق فراشها، لطالما تمنيت أن يكون لي مثل هذا المصباح فوق فراشي، ~~ولكنني لم أجرؤ على طلب ذلك، وقالت أسماء حين مررت ببابها: هل كنت في غرفة المائدة إلى ~~الآن؟ # وتوقفت لأجيبها، فراحت تسأل مرة ثانية: ماذا كنت تقرأ؟ # وولجت الباب، واقتربت من فراشها فقالت، وهي تشير إلى حافة الفراش: اجلس! # وتحدثنا زهاء الساعة ... كان الباب مفتوحا، ومرت خالتي فاطمة، فرأتنا نتسامر فقالت في سذاجتها، ~~وهي تتصنع الجد: لا تطيلا السهر ... إن وراءك مدرستك في الصباح. # حينما أويت إلى غرفتي كانت في رأسي أشياء كثيرة ... أفكاري الحزينة نفسها كأشباح سوداء يخطر ~~خلالها - في ثوب النوم الوردي - قوام أسماء ... # وفي خلال الأيام الأربعة التي غابها الوالدان كانت مذكراته تحمل سطورا عن أسماء ... كان يذكر ~~أنهما جلسا يتحدثان بعد العشاء ... ثم يذكر خواطره التي تتنازع تفكيره ... ثم يتحدث عن أسماء ... وفي كل ~~مرة يتكرر حديثه عن قوامها ... في إحدى الليالي نهضت من فراشها بثوب النوم لتحضر له من دولابها بضع ~~قطع من الشيكولاته ... لقد ختم مذكرته ذلك اليوم قائلا: «وتبينت أني تركت قطعة الشيكولاته على ~~فراشها، فقد كنت مستغرقا في خواطر غريبة ...» # كان ذلك في 11 من ديسمبر عام 1941، وما أسرع ما تمر الأيام بل الأعوام ... # إنه الآن قد أصبح رجلا، وما تخلى عن عادته في كتابة مذكراته، ولكنه تخلى عن طابع هذه ~~المذكرات، فلم تعد حديثا عن الحاضر، وإنما أضحت أصداء للماضي ... كان إذ ذاك يأوي إلى مذكراته ليقص ~~عليها ما حدث في يومه ... أما اليوم فإنه يأوي إليها لتقص عليه ما حدث بالأمس ... إنه يجلس كل ليلة ~~إلى مكتبه، فيضع أمامه مفكرة اليوم، ثم يفتح درج المكتب فيخرج مذكرات الأعوام ms031 الماضية، ويقرأ ... ~~يقرأ الساعات، ويعود إلى الماضي ... فإذا ما بدأ الكتابة كان حديثه استطرادا لهذا الماضي ... ثم يذكر ~~آخر الأمر أنه لم يكتب شيئا عن يومه، فيدون أحداثه في كلمات، ثم يغلقها ليعود من جديد إلى صفحات ~~الماضي يقلبها ويعيش فيها. # دقات الساعة تسجل الواحدة بعد منتصف الليل، وعيناه كليلتان لكثرة ما قرأ، فينهض متثاقلا لا ~~لينام، ولكن ليقف إلى جوار النافذة ... لا يفكر صفاء الجو غير سحائب دخان لفافته، وما أسرع ما ~~تتلاشى هذه السحائب في صفاء الجو، وتستحيل بدورها إلى نقاء ... إنه يفكر الآن، وهو يرقب سحائب ~~الدخان وهي تتلاشى، في سحائب حياته هو، إن في حياته أيضا سحائب قاتمة تجثم على قلبه أحيانا فيحس ~~الضيق ... وهو يرزح الآن تحت إحداها ... بل لعلها أكبر هذه السحائب، وأشدها قتامة ووطأة، لقد فرغ ~~الآن من قراءة مذكراته لعام 1942. # عام يود لو أنه زال من حياته، وما عرفه أبدا ... كل يوم من أيام هذا العام تفيض صفحة مذكراته ~~بالحديث عن أسماء، وعن لقائهما كل ليلة حينما تنام عيون الأسرة. # وفي إحدى هذه المذكرات كتب سطرا ختم به صفحة يومه، سطرا لم يتمه ... «آه لو رأت الأم والوالد ~~كيف كان الصنم الذي يعبدانه، ويقدمان له القربان صباح مساء مرتميا تحت أقدامي غارقا في لجة من ~~الخجل والذل.» # إنه الآن في موقفه عند النافذة يستعيد ذكريات هذا اليوم في أعماق خياله بعد أن استعادها في ~~صفحات مذكراته، ليس هذا اليوم فحسب بل ما تلاه من أيام، حتى دار العام وعرفت الأم كيف مرغ هو في ~~الأوحال صنمها المعبود. # ليست المرأة أقدر إنسان على إذاعة الفضائح فحسب، وإنما هي أيضا أقدر إنسان على كتمانها ... لقد ~~كتمت الأم كل ما عرفت حتى عن الأب، بل لعلها استحالت معه منذ ذلك اليوم إلى مخلوق رقيق تتلمس ~~رضاه، وتتكلف الابتسام كلما رأته ... ولما زفت أسماء بعد ذلك بشهور كانت الأم هي التي اقترحت على ~~الأب أن يشتري له ثوب سهرة فاخرا يليق بأخي العروس، ثوب السهرة الذي ms032 ارتداه ليلة الفرح ليسير ~~متأبطا ذراع أسماء أخته، ليقودها إلى بيت زوجها. # وتجثم السحابة في شدة على قلبه فيذكر كيف أحس بالضيق في تلك الليلة، ويذكر كيف خانه القلم فلم ~~يستطع أن يكتب سطرا في مذكراته عن مشاعره في ذلك اليوم فلم يزد على قوله: «كان يوما مثيرا بكل ~~ما حدث فيه ... ولقد بكيت حينما انتهى الفرح، وعدت إلى الدار لأحس فيها بأني وحيد أنا وجريمتي التي ~~تطالعني في كل ركن من أركان حجرتي.» # وتدق الساعة الثانية فيغادر مكانه من النافذة، ويتجه إلى مكتبه ... يفتح من جديد مذكراته، ~~ويحاول أن يكتب ... ويكتب عن الماضي، عن ذلك العام الذي يتمنى اليوم لو لم يكن قد عرفه أبدا ... ~~ويقول وهو يغالب التعب: «عذري الوحيد الذي أخادع به نفسي الآن أني كنت شابا دافق الصبا ... وكانت ~~حسناء ريانة العود ... وكان الشيطان ثالثنا.» # ثم يضيف سطرا أخيرا: «وكنت أحس بلذة غريبة، وأنا أمتهن هذا القوام ... الذي يعبده كل من أبي ~~وأمي ... ويحرقان صباي بخورا تحت أقدام سعادته ... كنت أحاول جاهدا أن أنكر هذه اللذة، لكنها كانت ~~تطغى على كل شيء ... بل لعلها كانت تتقدم كل لذة ...» # | حساب بين الخيرين # ... لقد خلق كلاهما للآخر ... كان يريد أن يصعد ... وكانت السلم لمجده ... ~~*** # بعض القصص يبدأ حينما يرى رجل امرأة، وينتهي حينما يتزوج هذا الرجل بالمرأة، أو حين يفترق ~~كلاهما عن صاحبه، أو حين يموت أحدهما ويعيش الآخر. # أما قصة الأستاذ عبد السميع، فهي تبدأ بداية أخرى، فهو لم ير سعدية حتى يحبها ويتزوجها ... ~~وهي لم تره، فتنصب حوله الشباك حتى يقع في الفخ ... إن بعض المتشائمين يسمون الزواج فخا تموت فيه ~~الفريسة ببطء وإمهال ... أو تعيش وقد كسرت أجنحتها فلا تكاد تشيل عن الفخ لتحلق ... حتى تهبط فيه ~~ثانيا لتستقر ... إن الذي رأى عبد السميع أفندي، هو المصور الفوتوغرافي الذي التقط له صورة في ~~ردائه الكحلي الذي لا يرتديه إلا ليلة الجمعة حينما كان يذهب ليسهر مع أقرانه. # والذي رأى سعدية أيضا، هو المصور الفوتوغرافي، مصور ms033 آخر غير الذي رأى عبد السميع، التقط لها ~~صورة، وهي في ثوب قرمزي بدا فيه قوامها الطويل المنساب في استقامة نحو قدمين عريضتين تناسبان هذا ~~القوام، ويبدو أن كلا المصورين قد فهم مهمته بكل دقة، وأداها بنجاح، فقد راقت سعدية في عين عبد ~~السميع، ورأت سعدية بدورها أن عبد السميع مقبول شكلا. # أما من ناحية الموضوع فقد كان المهر مرضيا لوالد سعدية، ولم يكن مرهقا لعبد السميع، إذا ~~ألقينا نظرة على قائمة الجهاز الذي تكفل به والدا العروس، كان الجهاز حجرة جلوس، وحجرة نوم، ~~وحجرة مائدة، ومطبخا كاملا، وكان المهر سبعين جنيها، لا تكاد تكفي لشراء الجهاز، أي إن سعدية ~~ستكون في داره ربحا دائما لم يدفع له مقابلا، ربحا من اللحم الأبيض الشهي الذي طالما داعب ~~أحلامه والذي طالما صحا من نومه فوجد نفسه يطبق بيده على الوسادة متخيلا أنها ذراع سمينة من نوع ~~هذا اللحم، وهكذا ... لم تكن هناك قصة، ولا شبه قصة ... إلى اللحظة التي احتوى فيها البيت الصغير، بحي ~~المنيرة، عبد السميع وسعدية. # لم تكن هناك سوى عملية حسابية تقوم على بعد النظر كقيامها على الأرقام سواء بسواء، ومن بعد ~~النظر أن يستريح عبد السميع من هذه الأحلام الكاذبة التي تخيب ظنه كلما صحا من نومه. # ومن بعد النظر أيضا أن يدفع سبعين جنيها، فيأخذ بما يعادلها أخشابا، وموبيليات ... ثم يكسب ~~فوق ذلك قدرا شهيا من اللحم الأبيض الدافئ. # ولننصف عبد السميع، فنقرر أنه كان إلى يوم زواجه لا يعرف اللحم الدافئ إلا أحلاما سريعة لا ~~تعدو نطاق خياله ... ولننصفه أيضا، فنقول: إن الزواج لم يكن يعني في نظره غير أن تتحقق هذه الأحلام ~~دون نفقات، ولم يكن الزواج في حسابه يعني بداية قصة أو نهايتها، ولم يكن في نيته أن يكون الزواج ~~بداية قصة. # ولنترك الآن عشرين عاما تمر ... هي الزمن الذي استغرقته القصة لتشرف على نهايتها ... ولنجلس خلف ~~مائدة عبد السميع على المقهى ... أية مائدة ... فالمقهى خال والساعة الرابعة بعد الظهر، وكل شيء هادئ ms034 ~~في المدينة الكبيرة حتى نسمات الهواء قد هدأت فسكنت أوراق الشجرة التي تقوم عند حافة الرصيف كأنما ~~استغرقت في سبات عميق. # لقد جلس وحده يجرع فنجانا من القهوة، ويدخن سيجارة ... كل ما في عبد السميع يدل على أنه ثائر ~~... حركة يده العصبية، نفثه لدخان سيجارته، عدم استقراره على مقعده، كأنما يريد أن يفعل شيئا، ثم ~~تمتمة شفتيه كأنما يحدث نفسه. # ترى ماذا يقول عبد السميع لنفسه؟ # أي شيء جد في حياته؟ حياته التي بناها كما أراد من عشرين عاما فجعله يأوي في مثل هذه الساعة ~~إلى المقهى الخالي؟ أي شيء؟ وتسمع عبد السميع، وهو يهمس لنفسه: مش معقول! أي شيء هذا الذي لا ~~يعقله عبد السميع؟ # ومع ذلك لم يقل شيئا غير هذه الكلمة ... وما عرفنا شيئا غير أنه ثائر غاضب، وأن ثورته لا ~~تعني غير الاعتكاف في مقهى خال، ونفث الدخان في عصبية واضطراب ... # أما سعدية فهي أكثر صراحة ووضوحا، إنها في هذه الساعة نفسها تجلس في حجرتها، وعلى حافة ~~السرير بالذات، تتحدث بالتليفون ... أي سرير؟ ليس السرير النحيل الذي كان قطعة من الأثاث يوم تزوجت ~~عبد السميع ... لقد اختفت الحجرات الثلاثة، وحجرة المطبخ أيضا ... إن بيت عبد السميع ليس فيه الآن من ~~ذكريات زواجهما غير عبد السميع وسعدية، إنه ليس بيت الموظف المتواضع بحي المنيرة، وإنما هو الدار ~~الفخمة الواسعة الأنيقة بحي الزمالك. # لنستمع إلى سعدية، وهي تتحدث بالتليفون ... ما زال لها قوامها ممتلئا ممشوقا ... ولحمها أبيض ~~كالعاج. # ألم أقل إنها أكثر صراحة ووضوحا؟ إنها تقول أيضا، تقول في التليفون لمن تحدثه: مش معقول! ~~ولكنها تمضي بعد ذلك ... ~~- ماذا يظن في نفسه هذا الأحمق؟ يأمر وينهى، ثم يقول لي إنه سيد البيت ... وإن له الحق أن يدعو ~~من يشاء، وأنا ليس لي الحق ... # وتستمع سعدية لمن تحدثه في التليفون برهة، ثم تقول: خرج غاضبا. # ثم تتابع حديثها بعد لحظة: لا شيء ... سوف يعود ... كما عاد دائما ... ليقبل رأسي. # وينتهي الحديث ... لقد عرفنا على الأقل أن هناك خلافا بين ms035 عبد السميع، وسعدية ... إنه يريد أن ~~يدعو إلى داره صديقا أو أصدقاء، وسعدية ترفض ... أو ربما أن سعدية هي التي تريد أن تدعو أصدقاء، ~~وعبد السميع يرفض، وكلاهما يرى فيما يطلبه صاحبه أمرا غير معقول. # ثم لا تنتهي القصة ... ففي الساعة السابعة من اليوم نفسه، وعلى مقهى آخر يجلس فريق من الموظفين ~~... ونسمع اسم عبد السميع يتردد على ألسنتهم، ويدور هذا الحديث: كاد عبد السميع بك اليوم يبطش ~~ببيومي الفراش لسبب تافه. ~~- لقد أصبح عبد السميع بك لا يطاق. ~~- لازم الإدارة مزعلاه. ~~- وهو يقدر على زعلها؟ ~~- لو أنه فعل شيئا أغضبها لنقلته إلى أسوان. ~~- أو على الأقل لم يكن لينال درجة مدير عام «أ» ولم يمض على ترقيته شهور لدرجة مدير عام ~~«ب». # ثم يسودهم الصمت لحظة، ويقول أحدهم: هناك شيء يحيرني! ~~- ما هو؟ ~~- كيف يستطيع عبد السميع بك أن يوفق بين كل هؤلاء الكبراء الذين يعرفهم مثلا ...؟ ولكن لا داعي ~~... # ويرد آخر: مثلا ماذا؟ لا تكن جبانا. # ويتشجع المتحدث: هل يعرف مثلا فلان باشا أن خصمه وعدوه فلان باشا كان صديقا لعبد السميع، ~~ويتردد على داره قبله؟ # ويجيب أحدهم: طبعا يعرف ... ولكن ما المانع ... إنه يعرف أكثر من ذلك، يعرف أن صداقته لعبد ~~السميع مرهونة ببقائه في الوزارة، ولكن هل يضيع الفرصة؟ ~~- فرصة؟ أية فرصة؟ ~~- فرصة التمتع بصداقة عبد السميع بك، وأسرة عبد السميع بك. # ويضحك الجميع ... # ويسحب الليل ذيوله في أعقاب الغروب، وتكف الجماعة عن أحاديث عبد السميع، وتنهمك في لعب النرد ~~ومطالعة الصحف. # ونعود نحن إلى بيت عبد السميع بك ... إن إحدى حجرات البيت مضاءة، وفيها يجلس عبد السميع بك وحده ~~ليطالع الصحف أيضا، إنه لا يتمتم بالاحتجاج ... ولا يعروه انفعال ... إنه هادئ لا يبدو عليه الغضب، ~~وسعدية ليست معه، لقد جلست في حجرتها مع صديقتها اعتدال ... ونسمع مرة أخرى اسم عبد السميع. # نسمعه مقرونا بشيء من السخرية ... ليس عبد السميع بك كما يسميه أصحابنا على المقهى ... وإنما ... ~~سي عبد السميع. # تقول سعدية لصديقتها: سي عبد السميع ms036 حيعمل راجل على آخر الزمن ... تصوري إنه بيعاتبني لأني ~~أقف كثيرا في النافذة ... وفي كل مرة أقف فيها بيكون الشاب الساكن أمامنا واقفا بالمصادفة في ~~النافذة المقابلة. # وتقول صاحبتها في خبث: صحيح بالمصادفة؟ # وتضحك سعدية قائلة: أنت شقية؟ ~~- من؟ ~~- محسن أمين الساكن أمامنا؟ ~~- عاجبك؟ ~~- شاب لطيف ... مش الخناشير بتوع عبد السميع ... # وتقول اعتدال، وهي لا تقصد شيئا: على فكرة مبروك لعبد السميع بك الترقية الجديدة. # وتضحك سعدية قائلة: وماذا ينوبني أنا؟ هو يترقى ويأخذ درجات، وعندما أطلب منه سوارا كهذا ~~الذي رأيته عند الجواهرجي يدعي أنه مفلس. # ونسمع جرس التليفون ... وتصمت سعدية وصديقتها، إن الصوت الوحيد الذي نسمعه هو صوت عبد السميع ... ~~نسمعه يقول لمحدثه: الله يسلم معاليك يا فندم ... ~~- لا والله مش خارجين ... إذا كان معاليك معندكش مانع ما تشرف. # ولنخرج من الدار سريعا ... قبل أن يشرف معالي الوزير. # نخرج لنعود في الصباح ... إن هناك مشادة قد ارتفع فيها صوت الزوجين، عبد السميع يستنكر شيئا، ~~ويصيح: هل هذه أصول؟ تتركينا مدعية أنك متعبة، وتذهبين لحجرتك؟ ماذا يقول عنا الرجل؟ ~~- لا يقول شيئا، يعرف أنني مريضة. ~~- وأنا الذي قلت له يتفضل بالحضور. ~~- جاء ليجلس مع صديقه، لا معي أنا. ~~- هل تنتقمين مني؟ ~~- أنا أنتقم منك؟ لماذا؟ # ويصمت عبد السميع، وقد فهم ... فهم أنها انتقمت منه. # ومن المؤكد أنه فهم ... لقد دخل حجرتها بعد دقائق فوجدها في مكانها بالنافذة فخرج دون أن يقول ~~شيئا، ومن المؤكد أنه فهم، فما إن تمضي عشرة أيام حتى نسمع جلبة في منزل عبد السميع بك، ونرى ~~الأنوار تشع من كل الحجرات ... ولا نكاد نلج باب غرفة المائدة حتى نرى منظرا عجبا. # سعدية على رأس المائدة، وعن يمينها فلان باشا، وعن يسارها فلان باشا، وإلى جانبها اعتدال، ~~وبعدها عبد السميع بك، وبعد عبد السميع جلس الشاب ... ساكن الدار المقابلة ... محسن أمين. # ذراع سعدية تلامس كتف فلان باشا، وعيناها تصافحان عيني محسن ... وعبد السميع أيضا ... إنه يختلس ~~نظرات ذليلة إلى كتف اعتدال البيضاء، ولا ترتبك أنها تجلس ms037 بين فلان باشا، وفلان باشا الآخر ~~الخصمين اللدودين كما ظن أصحابنا الذين تحدثوا في المقهى منذ أيام ... الخصمان اللذان يختلفان في ~~الرأي، ويهاجم كل منهما سياسة الآخر ... هكذا على مائدة واحدة. # ومحسن الشاب الذي يقف في النافذة، وأمامه سعدية في النافذة المقابلة تقف الساعات في انتظار ~~اللحظة التي يجرؤ فيها على فعل شيء غير التطلع ... # لا شك أن عبد السميع قد فهم ... إن الذي لم يفهم هو فلان باشا حين يسأل: والأستاذ محسن بيشتغل ~~فين؟ # وينظر عبد السميع إلى سعدية، وكأنه يقول: «لست مسئولا». # وتقبل سعدية التحدي فتجيب: محسن أمين ابن خالة والدتي ... ويبدو أن الوحيد الذي صدق هو عبد ~~السميع، لقد انفرجت أساريره، ونظر إلى محسن في ود وصفاء ... وفي الحق كان على عبد السميع بك أن ~~يرضى، ولو وحده بهذه القرابة. # وسنرى محسن بعد ذلك في بيت عبد السميع، كما لو كان أحد أقارب العائلة المقربين فعلا، سنراه ~~في السهرات كلها قاسما مشتركا في مكانه من عيني سعدية. # وسنراه بعد ذلك عشرات المرات حينما لا يكون عبد السميع بك في المنزل بالضبط ... كالأقرباء ~~المقربين ... سنراه كثيرا ... ولكننا لن نثور كما سيثور عبد السميع بك ذات يوم، ثورة مكبوتة ذليلة ~~كثوارته دائما ... تبدأ بسؤال كأنه يتحسس به الطريق: لم أعد أرى محسن كثيرا. # وتجيب سعدية دون اكتراث: كان هنا هذا الصباح. # وسؤال آخر ... وتعليق على طريقة الأذكياء: لكأنه يتجنب لقائي. # ولا تقل سعدية ذكاء، وإنما تزيد شجاعة: إنه يأتي ليراني أنا لا ليراك. # ولا معنى لأن تشك في ذكاء عبد السميع ... إنه يفهم ما ترمي إليه سعدية. # ويتراجع عبد السميع ... يتراجع في عتاب رقيق: سعدية ... إنك تسرعين في الغضب ... أريد أن أقول ماذا ~~يظن الجيران؟ # وتضحك سعدية في قسوة: ما كانوا يظنونه بالأمس ... # ونحن إلى الآن لم نسمع شيئا، إن الجيران يتكلمون دائما، وفي هذه الساعات بالذات ... ساعة ~~الصباح حيث يتهيأ الموظفون إلى أعمالهم ... كان بعض الجيران يتكلمون. # كانت هناك مثلا سنية هانم التي تسكن في الشقة المقابلة لشقة ms038 عبد السميع ... لقد وقفت سنية هانم ~~إلى جانب زوجها، وهو يرتدي ملابسه تقص عليه أطرافا من قصة جارهما عبد السميع بك وزوجته والشاب ~~محسن، أما أنها ترى «محسن» كثيرا، وهو يترد على منزل عبد السميع فذلك أمر نعرفه ... ونعرف أيضا أن ~~سعدية لا تبالي بزوجها، ولا بالجيران أيضا، لكنا لا نعرف مثلا هذا الذي تقوله الآن بحيث جعل ~~زوجها يتوقف عن إصلاح ربطة عنقه، ويلتفت إليها سائلا في دهشة: هل وصل الأمر إلى هذا الحد؟ # إن سنية تؤكد له أنه وصل ... لقد قالت سعدية لصديقتها اعتدال كل شيء، وصارحتها بما انتوته، وبما ~~سوف تفعله. # ولزوج سنية الحق في أن تعروه الدهشة، وأن يشك في بلوغ الأمر إلى هذا الحد ... ~~- مرة أخرى ... مش معقول ... مش معقول ... ولو أن اعتدال تقول ذلك. # وفي الوقت الذي تروي فيه سنية لزوجها القصة، وهو لا يعقلها، ولا يصدقها تكون اعتدال أيضا ~~ترويها كشاهد عيان ترويها للمرة العشرين على الأقل ... لإحدى صديقاتها: ألم تسمعي بآخر خبر ... إنه سر ~~لن أقوله لك حتى تقسمي ألا تبوحي به لأحد. # وتقسم الصديقة ... كما أقسمت هي من قبل لسعدية على حفظ السر ... وتمضي اعتدال في روايتها: مش ~~سعدية بتحب واحد تاني ... وكأنما ترى الصديقة أن لا جديد في الموضوع، ولكن اعتدال تؤكد لها: بتحب ~~صحيح، بتحب واحد، وسوف تترك عبد السميع زوجها من أجله ... ستتزوجه هو. ~~- هو ... من هو؟ ~~- ولد صغير ساكن في المنزل المقابل لمنزل سعدية ... اسمه محسن أمين، لقد قررت سعدية أن تطلق ~~من زوجها، وتتزوجه هو. # وتمضي اعتدال في سرد تفصيلات القصة، النظرة فالسلام فالزيارة في ساعات الصباح المتأخرة ... ~~وعشرات القصص من هذا القبيل ... ثم تنتهي بأن سعدية ستصارح عبد السميع اليوم، وتطلب منه أن يطلقها ~~... # ترى ماذا يقول عبد السميع ... وما هو رأيه؟ # ونعود إلى منزل عبد السميع لنرى كل شيء هادئا، في ساعات الظهيرة سعدية في حجرتها تنعم برقاد ~~لذيذ، وعبد السميع في حجرته يسحب أنفاس الدخان من سيجار ضخم ... هادئ الأعصاب مسرورا بالحياة، ومن ms039 ~~سوء الحظ أننا لم نتقدم بضع دقائق ... لقد فاتنا أروع منظر في القصة ... منظر سعدية وهي تطلب من عبد ~~السميع أن يطلقها ... ولكن لا بأس ... ستروي سعدية لاعتدال هذا المنظر، وما دار فيه من حوار ~~بالتليفون، ولنستمع نحن مع اعتدال: رجل ليس في وجهه قطرة من الدم ... تصوري أني أقول له بالعربي ~~المفتوح إني أحب محسن وهو يحبني، وإني أريد أن يطلقني لأتزوج محسن، فيكون جوابه ببساطة، ودون أن ~~يثور: «ماتبقيش مجنونة» ثم ينسى الموضوع، ويحدثني عن رغبته في دعوة فلان باشا الوزير السابق ~~للعشاء لأنه جاي وزير تاني في الوزارة الجديدة، أنت تذكرين فلان باشا هذا؟ # وتعلق اعتدال: طبعا أذكره ... ليلة عيد ميلادك عندما سكر، وحمله عبد السميع والحاجب إلى منزله ~~... ~~- هو بالضبط ... سيعود وزيرا، وعبد السميع يطمع في أن يعينه مديرا لمصلحة كبيرة ... هذا المغفل، ~~إنني لا عمل لي إلا ترقيته ... ~~- وبعدين؟ ~~- وبعدين حاولت أن أجعله يتشاجر معي لأترك البيت فأخذ يتظرف معي، ويمدح في محسن، وقال إنه ~~مستعد لأن يطلقني لو كان يعرف أن محسن يستطيع أن يفتح بيتا ... ثم بكى كالطفل، وقال لي إنه لم ~~يتدخل في شئوني أبدا، وأقسم لي أن محسن يضحك علي، وأنه لن يتزوجني ... تصوري المغفل يظن أن كل ~~الرجال مثله عديمو الشرف. ~~- وبعدين؟ ~~- وبعدين سأقابل محسن غدا صباحا، وأصفع عبد السميع صفعة لا يقوم منها ... سأجعل محسن يكتب لي ~~ورقة يتعهد فيها بالزواج مني ... ~~- وإذا رفض عبد السميع أن يطلقك بعد ذلك؟ ~~- سأنغص عيشه، وأرغمه على طلاقي ... ولا بد أن يكون المنظر شائقا. # ذلك المنظر الذي تقدم فيه سعدية لعبد السميع البرهان على أن محسن يحبها، ويريد أن ~~يتزوجها. # أي شعور بالمهانة سيحس به عبد السميع، وأي هزيمة؟ # ترى سيطلق سعدية ... ومتى سيطلقها؟! # يلقى السؤال عشرات المرات ... # يسأله زوج سنية لزوجته ... وتسأله سنية لاعتدال ... # وتعد اعتدال بأنها ستحمل النبأ بعد حين ... فهي مدعوة لتناول العشاء عند سعدية غدا ... وغدا ~~سينتهي كل شيء. # ويمتلئ الصالون الأنيق في منزل عبد السميع بك بالضحكات ms040 في مساء الغد، إن فلان باشا منشرح ~~الصدر رائق المزاج يبعث الفكاهات فيضج لها الجميع بالضحك ، والجميع هم فلان باشا نفسه، وهو أعلى ~~الضاحكين صوتا لفكاهاته، ثم عبد السميع بك، ثم سعدية، ثم اعتدال. # ولن نستطيع أن نسأل اعتدال عن النبأ الآن، فقد وصلت متأخرة، ودخلت على الفور إلى ~~الصالون. # ولن نستطيع أن ننتظر إلى نهاية السهرة، فقد ثمل فلان باشا، وأخذ يخلط بين سعدية واعتدال، ~~ويبدو أن اعتدال بدورها ثملت فظنت نفسها زوجة عبد السميع ... ويبدو أنها نسيت وعدها بأن تحمل لنا ~~الأنباء، وكأنما أحست اعتدال، وهي تتثاءب في فراشها في صباح اليوم التالي، بأنها نسيت شيئا ~~هاما، فهي تطلب سعدية بالتليفون لتسألها عن الخبر، ولا تكاد تنتهي المحادثة، ولا تكاد تمر بضع ~~دقائق حتى نسمع سنية تروي لزوجها النبأ: لقد تشاجرت سعدية مع محسن؛ لأنه رفض أن يعدها بالزواج، ~~ونصحها بأن تظل مع زوجها. # ويصلح زوج سنية رباط رقبته أمام المرآة، ويقول دون أن يدير رأسه: هل كنت تظنين أنه طلب منها ~~الزواج؟ ~~- لقد أشاعت سعدية أنه طلب منها الزواج. # ويمضي زوج سنية في إحكام رباط رقبته، ولا يعلق بشيء، وتمضي سنية في الثرثرة. # وفي الوقت نفسه يجرع عبد السميع جرعة قوية من فنجان الشاي، ولا تكاد تستقر في جوفه حتى يقول ~~لسعدية: عندما أعين مديرا للمصلحة، ستكون لدينا سيارة تحت أمرك ... سيارة لا ندفع فيها مليما ... لا ~~تصليح ... ولا بنزين، المصلحة دي خيرها كتير قوي يا سعدية. # وتقول سعدية، وهي تختلس النظر إلى النافذة المقفلة، نافذة غرفتها: المهم هو أن نغير هذا ~~المنزل ... أظن أن مركزك لا يسمح بأن نسكن في منزل حقير كهذا. # وفي حماسة، وفرح يجيب عبد السميع: المنزل؟ سنغير كل شيء يا سعدية ... هل تعرفين فيم أفكر الآن ~~يا سعدية؟ إني أفكر في حالنا أنا وأنت لو انفصلنا ... لقد خلق كلانا للآخر يا سعدية. # ويخرج عبد السميع بك ذلك الصباح إلى مقر عمله، وقد علاه الانشراح، وبدا في وجهه الامتنان ~~بالحياة. # أليست قصة عبد ms041 السميع بك ذات نهاية سعيدة؟! # | قفص الدجاج # إنه الرجل ... الرجل الوحيد الذي دافع عن حقه، وأبى أن يظلم فنصره الله ... ~~*** # المكتب الصغير المتواضع في الحجرة المتداعية الجدران. # هنا يجب أن أعيش بضع سنوات حتى يأذن الله بأن يتغير مصيري فأنتقل إلى مكان آخر. # وربما كان المكان الآخر مكتبا آخر على الصورة نفسها، وفي حجرة أخرى على الحال نفسه. # ولم لا؟ # أين يجب أن يكون كاتب السجن من أحد المراكز، إن لم يكن في حجرة نائية في أقصى الممر في بناء ~~عتيق من مباني المدينة الصغيرة التي يقوم فيها المركز؟ # كاتب سجن؟ # أجل هذا هو العمل الحكومي الذي أسند إلي حينما صدر قرار تعييني موظفا في الدرجة الثامنة ~~بوزارة الداخلية، كاتب سجن عليه أن يستقبل المسجونين الجدد، ويودع المسجونين الراحلين، ويغمض ~~عينيه عن المسجونين الذين لا يستقبلهم ولا يودعهم، وإنما يراهم يمرون تحت أنفه داخلين إلى السجن، ~~وخارجين منه دون أن يكونوا متهمين، أو محكوما عليهم ... # إن سجن المركز هو الاستراحة، ال «رست هاوس» بين الحرية، وبين حياة السجون ... وأنا مدير هذه ~~الاستراحة، المدير الذي يشرف على راحة نزلائها، لكن أي مدير؟! مدير مغلول السلطة، لا يملك حتى أن ~~يقبل من يريد، أو يرفض من لا يريد، بل لا يملك حتى الحق في أن يعرف عدد النزلاء، أو أسماء بعض ~~النزلاء. # وأمامي دفتر ضخم ... دفتر السجن ... أقيد فيه أسماء النزلاء، وتاريخ وصولهم، ونوع جريمتهم، ورقم ~~قضيتهم، ومدة بقائهم، ومن أين جاءوا وإلى أين يذهبون؟ والمفروض - المفروض فقط - أن يكون عدد ~~المقيدين في الدفتر مطابقا لعدد الموجودين في السجن ... أما الواقع فهو أن حجرة السجن تحتوي دائما ~~على ضعف العدد الموجود بالدفاتر ... # وكل من هؤلاء الزائدين يمثل مخالفة قانونية ... بعضهم قبض عليه ضابط المباحث لاشتباهه في شأنه ... ~~وبعضهم أفرجت عنه النيابة، ولم يرق قرارها في عين البوليس فخرج من السجن ... في دفتري فقط، وبقي ~~فيه بجسمه ... فقط. # وقد يختلف أحد الحكام مع أحد أتباعه فيلقى به إلى السجن لكي «يتربى» ولم لا؟ ms042 أليس السجن ~~تأديبا وتهذيبا؟! # وإذا عرفت عدد الحكام في المركز فسوف تعرف عدد الذين يحتمل نزولهم ضيوفا على السجن ... ضيوفا ~~غير رسميين، إن الحكام يبدءون بالمأمور، وينتهون عند محروس، ومحروس هو الجندي النفر الذي يقف أمام ~~باب حجرة الأفندية الكتبة ... وأنا منهم. # وإياك أن تخطئ في محروس كما أخطأت أنا في أول عهدي بالعمل، لقد حسبت أن محروس يجلس على باب ~~حجرة عملنا ليقوم بخدمتنا ... وعلى هذا الأساس ناديته لكي يقوم بتوصيل أحد الملفات إلى معاون ~~البوليس. # واسمع حوارنا أنا ومحروس: ~~- وصل هذا إلى معاون البوليس! ~~- أحسن توصله حضرتك. # ورفعت رأسي ويدي ما زالت ممدودة بالدوسيه، فرأيت محروس واقفا لا يحمل وجهه أي معنى ... جامدا ~~كأنني لم أقل شيئا، ولم يقل هو شيئا. ~~- ماذا يا محروس؟ ألا تسمع الكلام؟ # ويستدير يمضي إلى الباب كأنه لم يسمع فعلا الكلام، ونهضت من مكتبي منفعلا، وزملائي ينظرون، ~~واتجهت إلى المكتب الخشبي المتهالك في أقصى الممر حيث يجلس الشاويش عبد ربه، ورفع عبد ربه عينيه، ~~وهو يقول دون أن يتحرك من مكانه: أهلا محمد أفندي ... تلزم خدمة؟ # وبسطت شكواي من محروس، وانتظرت لأسمع زئير الأسد مناديا محروس ليؤنبه على ما فعل، ولكنني ~~سمعت تأنيبا لي أنا، أجل! أنبني الشاويش عبد ربه في أسلوب خبيث قائلا: له حق يا محمد أفندي، ده ~~عسكري غشيم، افرض وقعت ورقة من الملف ... من يكون مسئولا؟ إوعى تديله ورق تاني. # وعدت بانفعالي، وقد تحول إلى ثورة جبانة، ثورة لم تتجاوز جذب أدراج المكتب بعنف وإلقاء ~~الملفات على اليمين وعلى الشمال، وفتحت علبة سجائري في عصبية، ثورة المهزوم المغلوب الذي استنفد ~~طاقة جهده في الاحتجاج والشكوى، ولمن غير الشاويش عبد ربه كنت سأشكو الجندي محروس؟ إن المركز كله ~~له سيد واحد، هو الشاويش عبد ربه ... # ولندع المأمور في حاله ... إنه نفسه حين يضيق بشيء لا يملك إلا أن يصيح: «يا شويش عبد ~~ربه!» # ولن أنسى حين سألت معاون البوليس أن يوقع على كشف السجن في أول يوم تسلمت فيه العمل، ms043 فإذا به ~~ينادي عبد ربه، ويسأله أمامي عما إذا كان الكشف مضبوطا أم لا ... ثم يوقع بعد أن يجيبه عبد ربه ~~بالإيجاب وأجل، لن أنسى أن ضابط المباحث قال لي يوما، وهو يعرفني بشئون المركز: «إن الشاويش عبد ~~ربه هو كل شيء في المركز ... إنه دولاب العمل.» # لقد أنبني دولاب العمل، وبرأ محروس ... وليس أمامي إلا الله ... وإلا أن أحمل أوراقي بنفسي ~~إلى معاون البوليس، وأن أفترض أن محروس على باب حجرتنا كاللوحة الموضوعة فوق رأس القاضي في قاعة ~~المحكمة، وقد كتب عليها «العدل أساس الملك» ... # ومع ذلك ... مع وجود محروس رمزا للحكومة كاللوحة على باب الحجرة، ومع وجود عبد ربه على المكتب ~~الخشبي المتهالك في أقصى الممر، وإشرافه منه على المركز كله بما فيه من حكام ومحكومين ... مع ذلك ~~فقد كنت راضيا عن عملي ... وكان مبعث رضائي أنني كنت محوطا بجو صاف من صداقة أربعة زملاء يهونون ~~علي مشقة العمل، ولا يكفون عن المزاح والضحك، حتى إن ساعات العمل من كل يوم تمر قصيرة هينة ... ~~إني أتخيل جهنم أحيانا، وليس فيها لهب ولا حرمان، وإنما فيها مجموعة من ثقلاء البشر، ويسودها جو ~~من الكراهية والحقد، وعلى العكس أتخيل الجنة ... ثمارها وأنهارها أرواحا مرحة صافية تفيض بالحب ~~والبشر ... # كانت كل متاعب العمل تزول بنكتة رائعة يرسلها رياض أفندي كاتب الضبط، أو قصة لطيفة من ذكريات ~~الماضي يرويها عبد المسيح أفندي، أو أغنية ساذجة يدندن بها السيد أفندي كاتب القيودات فتتحرك يداه ~~على إيقاعها، وأنا أختم البوستة، وأغلقها في المظروفات. # ثم كانت لدي ساعة أخرى أعيشها في حياة الناس والريف، ساعة تسلم المسجونين الجدد والاستماع ~~إلى أقاصيص جرائمهم الصغيرة والكبيرة يروونها في اقتضاب ... لا كجرائم بل اتهامات هم منها أبرياء ... ~~بعضهم متهم بالسرقة ... بضعة أكواز من الذرة ... إنه لم يسرقها لقد اشتراها، ولكن سوء حظه هو الذي ~~جعله يشتري نفس المقدار الذي سرق في نفس اليوم. # وبعضهم شج رأس غريم له في معركة، إنه لم يفعل شيئا، لقد أخذ غريمه عصاه، ms044 وشج رأسه بيديه ~~لكي يلقي عليه التهمة ... # وراء كل قصة تبدو حقيقة ... كنت أحسها وأراقبها ... ما من كوز من أكواز الذرة، أو رأس من الرءوس ~~المشجوجة ... أو صدر من الصدور التي نزف دمها إلا وخلفه عدو ... ليس صاحب كيزان الذرة، ولا الرأس ~~المشجوج ... ولا الصدر النازف ... عدو آخر هو الفقر، ماهر في التنكر يلبس عشرات الثياب ويختفي، ووراءه ~~عشرات الأقنعة ... يختفي مرة في صورة منجل تحصد به زراعة لم تثمر، أو سرقة تافهة، أو جرح غائر، أو ~~نصل حاد ... فإذا اختفى هذا العدو فهناك عدو آخر لا يقل مهارة في التنكر عن العدو الأول هو الجهل ~~وضيق العقل. # أيمكن لغير الجهل أن يصور في عقل الإنسان أن تسميم جاموسة تحمل في أحشائها جنينا هو انتقام ~~عادل من غريم؟ # الجهل والفقر يبعثان كل يوم بزبائن جدد أملأ بهم حجرة السجن الصغيرة في المركز، ولطالما وقفت ~~مذهولا، وأنا أتخيل هذه الحجرة الصغيرة وهي تبتلع العشرات ... حتى ليخيل لي أحيانا أن فيها سراديب ~~لا أعرفها تتسرب في حناياها هذه المخلوقات ... وإلا فكيف لا تنفجر جنباتها بهذ العدد الكبير، وكيف ~~يخرجون منها أحياء؟! # ثم تأتي أيام لا يكون فيها غير سجين أو سجينين ... سجين أكاد أستشعر وحشته في هذا الظلام الدامس ~~والليل الطويل ... الليل الذي لا يقطعه غير نباح كلب جائع، أو صوت الشاويش عبد ربه. # وصوت عبد ربه لا ينقطع ما دام في المركز ... إنه يتكلم بصوت عال، ويحيي بصوت عال، ويتشاجر ~~بصوت عال، فإذا ما خيم السكون فإن عبد ربه يعز عليه أن تهدأ الدنيا ... ولهذا يرسل سعاله المدوي، ~~كأنه ينبه من غفل أنه رابض في المركز. # ولا أدري لم كرهت عبد ربه منذ أول يوم وطئت قدماي فيه أرض المركز، لقد أحسست ساعة قدومي أن ~~ألفاظ التحية التي قالها تحمل معاني غير التحية ... لقد قال لي إذ ذاك: آنستنا يا محمد ~~أفندي. # وأحسست أنا أنه يقول: لن نكون صديقين يا محمد أفندي ... منظرك لا يروقني يا محمد أفندي. # وحتى يوم أن ms045 نصر محروس علي، وأعطاه الحق في أن يرفض طلبي ويعصي أمري ... أحسست أني لا أحقد ~~على محروس بقدر ما أحقد عليه هو، ولربما كنت مخطئا في إحساسي ومتعسفا في كراهيتي، ومع ذلك فقد ~~وصل الحال بيني وبينه بعد ذلك بقليل إلى أن يصارحني وأصارحه بهذه العواطف، كان ذلك في صورة رأي ~~أبداه إثر مناقشة بيننا على مسمع من زملائي، فقد قال: أنا مش عارف إنت متقنزح على إيه يا محمد ~~أفندي؟ # وأجبته أنا بنفس البساطة التي توقح علي بها: ولا أنا أيضا ... إني لا أعرف لماذا أستثقل ~~دمك يا شاويش عبد ربه. # وكان كلانا يجهل السبب في شعوره نحو صاحبه إذ ذاك حتى جاءني ذات يوم ما يبرر كراهيتي ... ثم ~~توالت الأنباء ... من ماسح الأحذية، ومن السجناء، ومن بعض الزملاء. # إن عبد ربه يسرق ويرتشي ويضرب السجناء الذين لا يرشونه ولا يسمحون بأن يسرقهم، والويل للسجين ~~الذي يفتح فمه حين يجرده عبد ربه مما في جيبه، ولا سيما إذا كان سجينا جديدا، أو الذي يزوره ~~أقرباؤه فلا يجزلون لعبد ربه العطاء ... إن زيارة السجناء ممنوعة، ولكن عبد ربه يبيحها، ويحدد لها ~~رسما، والويل لمن يكتفي زواره بدفع الرسم وحده، وكل من في المركز يعرف ذلك، ومع هذا فما من واحد ~~تكلم ... إن عبد ربه لا يعمل لحسابه فقط ... إنه يمثل هيئة الحكم وينوب عنها، ورذائله تمثل رذائلهم ~~مجتمعين ... # ويقسم ماسح الأحذية على أنه رآه بعينيه يقود قرويا من أقارب أحد السجناء، وهو يحمل صفيحة ~~سمن إلى بيت المأمور، ويقسم بأنه حمل على رأسه قفصا من الدجاج أوصله إلى منزل معاون البوليس، ~~وكان عبد ربه هو الذي كلفه ذلك. # وعشرات القصص الأخرى، ومن خلف كل قصة تبدو يد عبد ربه، وقد حلقت فوق الجميع، وتسلطت على ~~الجميع. # ثم كان عبد ربه إلى جانب ذلك كله ضخم الجثة قوي البنية سريع العدوان، يرى في قبضة يده حجة ~~كافية تسكت كل لسان، وتميت كل شكوى قبل أن تخرج من الأفواه. # وهل هناك سجين ms046 لم يذق لكمة من يد عبد ربه، أو لسعة أليمة من عصاه؟ لسعة واحدة ... # وإني لأذكر كيف رأيت بعيني أحد السجناء عقب «بسطة صغيرة» وهو لا يكاد يقوى على السير بقدميه، ~~إن «البسطة» معناها بضع لسعات من عصا عبد ربه ينالها السجين إذا شكا أمرا، أو طلب طلبا، ولو ~~جرعة ماء ... إن جواب عبد ربه على أي طلب مهما يكن متواضعا «أنا عارفك يا مسجون يا مجرم أنت ... أنت ~~مشاغب لن ترجع حتى تنبسط ...» # وينبسط المسجون حتى يموت من الانبساط. # والمسجون الوحيد الذي لم ينبسط على الرغم من أنه كان أحق السجناء بالانبساط هو سيد عبد ~~الغني. # وكان سيد عبد الغني فلاحا من إحدى قرى المركز جيء به مقبوضا عليه في تهمة قتل شيخ الخفراء ~~وإلقاء جثته في الترعة، وتسلمت أنا أمر القبض، ورفعت رأسي لأرى الضيف الجديد فوجدت أمامي شابا ~~في مقتبل العمر سليم البنية لا يقل جسمه رشاقة عن أي نجم من نجوم السينما الذين نراهم على ~~الشاشة، كان جلبابه نظيفا، ووجهه نظيفا، ومع جمود ملامحه وسكون وجهه عن أي تعبير فقد كانت عيناه ~~تنطقان بكل معاني القوة والاعتداد. # وملأت خانات دفتري كما أملاني هو بنفسه ... حتى رقم القضية ... # سيد عبد الغني ... فلاح ... سن 22 سنة من قرية ... مركز ... التهمة قتل أمر حبس رقم ... لمدة أربعة عشر ~~يوما، وألقيت نظرة على أمر الحبس فإذا بسيد لم يخطئ في حرف واحد، وقلت في دعابة: «لكأنك معتاد ~~على القضايا يا سيد؟» # وأجابني في صوت جاد لا خشونة فيه: هذه أول مرة أتهم فيها وأحبس. ~~- أتكون أول مرة لك هي القتل؟ ~~- لم أقتل شيخ الخفراء لعنة الله عليه. ~~- أولا تستطيع أن تخفي عواطفك؟ على الأقل لتبرر إنكارك للتهمة؟ # وأجابني بنفس الجد والهدوء: ولم أخفي عواطفي؟ لقد كنت أكرهه وتشاجرت معه قبل مقتله بيومين ... ~~كنت أتمنى لو أني قتلته لكنه أفلت من يدي. # ولم أعن بسؤال سيد عن تفصيلات قصته مع شيخ الخفراء، وإن كنت قد أحسست أني أميل لتصديقه ... ~~كان في ms047 صوته رنة تبعث علي الثقة به. # ومضى سيد بصحبة الشاويش عبد ربه والحارس الذي أحضره من النيابة إلى السجن ... وانصرفت أنا إلى ~~عملي. # ومرت أيام كان سيد يذهب في كل يوم بصحبة حارسه إلى النيابة، ويعود منها بعد التحقيق ... وكدت ~~أنسى كل شيء عنه ... حتى جاءني بعد أسبوع ومعه حارسه، وقدم إلي الشاويش عبد ربه أمرا بالإفراج عن ~~سيد عبد الغني. # ولا أدري لم أحسست بالارتياح؟ كأن الأمر يتصل بإنسان أحبه، وأغلب الظن أن سيد نفسه قد لحظ ~~ارتياحي، فقد قال وأنا أملأ خانات دفتر السجن: «والله أنا زعلان يا بيه علشان حاجة واحدة ... أنني ~~لن أرى وجه حضرتك تاني.» # وقلت ضاحكا: «لا أراك الله وجهي يا سيد ... إنني كما ترى لا أرى غير السجناء.» # وأسلمت سيد - بعد أن أخرجته من السجن - في دفتري فقط إلى الشاويش عبد ربه ليتولى تسليمه ما ~~أودعه في عهدته، ويطلق سراحه ... وكنت أعرف مقدما ما سوف يحدث، لسوف يتخلى سيد عما تحويه حافظته من ~~نقود، وسوف يستولي عبد ربه على ساعته إن كانت لديه ساعة، أو خاتمه إن كان يملك خاتما جاء به إلى ~~المركز. # وربما قضى سيد ليلة أخرى في السجن إذا لم يقدم لعبد ربه قربانا سخيا، وعبد ربه معذور إذا ~~أبقاه ليلة أخرى ... إنه يخشى عليه من الذهاب إلى القرية بعد الغروب ... أول لعل ضابط المباحث يحتاج ~~إليه لاستيفاء بعض معلومات. # إن هناك ألف حجة لحبس إنسان برأته سلطة القضاء. # وصح ما توقعته ... فما كدت أطأ عتبة باب المركز في الصباح حتى وجدت سيد عبد الغني بقوامه ~~الفارع، ووجهه النظيف يخطر في الممر الضيق متجها نحو الباب. # وبادرني بصوته الجاد الصافي: صباح الخير يا بيه! # وقلت متصنعا الدهشة: ماذا؟! هل جئت إلى المركز ثانيا يا سيد؟ # وأجابني، وفي صوته رنة دعابة: لم أكن قد غادرت المركز أمس، لقد قضيت ليلتي هنا في ضيافة ~~الشاويش عبد ربه. # وكادت شفتاي تفتران عن ابتسامة خبيثة، ولعل سيد قد لمح بعينيه بوادرها ... فقد استطرد ~~قائلا: ms048 حقك يا بيه تسأل عنه؛ لأنه روح البيت مريض، لقد أصيب بمغص شديد عقب صلاة الفجر. # وتملكتني الدهشة فما أظن أن في الدنيا آلاما تستطيع أن تؤثر في بطن الشاويش عبد ربه الضخم ... ~~وأحسست أن هناك شيئا، فقلت لسيد: ولكن ماذا تفعل هنا الآن؟ ألم يطلق سراحك؟ ~~- إني أنتظر معاون البوليس لأطالبه بحسابي. ~~- حساب؟ أي حساب؟ ~~- جنيه ونصف أخذهما الشاويش عبد ربه من حافظة نقودي حين دخلت السجن اشتري بهما خمسة أزواج ~~دجاج بعث بها إلي معاون البوليس. ~~- ومن قال لك هذا يا سيد، ألا تستحي؟ # ويبدو أن لهجتي في عتابه لم تكن جادة، فقد قال وهو يضحك: لقد قال لي ذلك الشاويش عبد ربه، ~~ولم يكن يستطيع أن يكذب. ~~- ماذا تعني؟ تعال معي! # وكان الوقت مبكرا؛ إذ إنني أصل - مرغما - قبل موعد العمل يوميا بحكم سكناي في القاهرة، ~~ومجيئي بأول قطار ... # ووقف سيد يقص علي ما حصل قائلا: لقد جئت إلى هنا، ومعي حافظة بها ثلاثة جنيهات سلمتها ~~للشاويش عبد ربه، ومعها ساعتي وخاتمي ... وعندما أفرجت عني حضرتك أمس ظننت أني سأخرج لحال سبيلي، ~~فطلبت حافظتي وساعتي من الشاويش عبد ربه، فإذا به يدفعني أمامه نحو باب السجن، وهو يصيح بي وسط ~~الجنود: «إنت أصلك مشاغب ومجرم.» # وحاولت أن أفهمه أني لست مجرما، وأن النيابة قد أفرجت عني لهذا السبب فإذا به يتهمني ~~بالإجرام، ثم يصفعني على وجهي بيده الغليظة أمام الجنود، ودخلت حجرة السجن، وأنا أكاد أجن من ~~الغيظ، وهو يصيح بي: «اتفضل! اتفضل هنا لغاية ما تعقل» وقضيت الليلة - ولم يكن هناك غيري في السجن ~~- حتى قبيل الفجر - فناديت على الشاويش عبد ربه، فجاءني أحد الجنود يسألني ماذا أريد فقلت له إني ~~أريد الشاويش عبد ربه شخصيا، وجاءني الشاويش عبد ربه شخصيا، وهو يفرك عينيه قائلا: «عقلت يا ~~مجرم يا ابن المجرمين؟» # وتجاهلت السباب، وملت على الشاويش عبد ربه متظاهرا بأني أحدثه حديثا خاصا وفي صوت خافت، ~~وصرف عبد ربه الجندي المرافق له، واقترب مني وجذبته إلى ms049 داخل السجن، وأغلقت الباب ولكمته في بطنه ~~حتى عوى كالكلب، وأفرغت في بدنه غيظ ليلة كاملة من الصفعات واللكمات، وكأنما كان يخشى على سمعته ~~فما ارتفع صوته إلا عن أنات مكتومة من الألم، كل هذا وأنا أطالبه برد الساعة والثلاثة جنيهات، ~~حتى أقر لي بأنه سيعطيني الساعة وجنيها ونصف جنيه فقط؛ لأنه اشترى بنصف المبلغ دجاجا لمعاون ~~البوليس. # وسكت سيد، وظللت برهة صامتا، وقد غلبتني الدهشة، ثم قلت: لكن ... ألم تكن تخشى يا سيد أن ~~ينادي الجنود فيتغلبوا عليك، ثم يوجهوا إليك تهمة جديدة؟ # وأجاب سيد دون تردد: لقد قلت لعبد ربه، وأنا أكيل له الضربات إنه إن صاح أو اشتكى، فسأقتله ~~قريبا كما قتلت شيخ الخفراء وخرجت بريئا، ولقد صدق الغبي التهمة. ~~- إنك جريء يا سيد ... كان من الممكن أن يعيدك الشاويش عبد ربه إلى السجن، وينتقم منك شر ~~انتقام. # فرد في اعتداد: مستحيل يا بيه ... إنه أجبن نوع ... هذا النوع الذي يصيح، ويقتل شواربه، ويعتز ~~ببطنه الضخم ووظيفته الحكومية ... لقد فعل كما أمرته بالضبط ... أعد لي ماء فتوضأت وصليت، وهو واقف ~~كالكلب، ثم ودعني حتى الباب بعد أن أعطاني ساعتي والجنيه والنصف، ولقد ذهبت فأفطرت في مطعم الفول ~~على رأس الشارع، وجئت لأنتظر معاون البوليس. # وقلت لسيد، وهو يهم بالانصراف: أليس الأوفق يا سيد أن تنصرف، وتنجو بجلدك، وتنزل عن الجنيه ~~والنصف الباقيين لك؟ # وراعني جوابه بنفس لهجته الجادة: ولماذا يا بيه؟ أينا الذي يتصدق على الآخر، أنا أم معاون ~~البوليس؟ ~~- ربما كان عبد ربه كاذبا يا سيد ... ~~- قلت لك يا بيه إنه كان في حالة لا يستطيع معها أن يكذب. # وقص علي سيد بعد بضعة أسابيع بقية القصة، حين لقيته في القطار الذاهب إلى مصر فترك مكانه، ~~وجاء يحييني ... # سألته ما حدث بينه وبين معاون البوليس، فأجابني دون أن يتخلى عنه جده: لقد أعطاني الجنيه ~~والنصف، وهو يقول لي أمام زملائه: «ابقى هات لنا فراخ من دي تاني يا سيد ... بس السعر عالي قوي ... ~~المرة الجاية تبقى ms050 تنزل السعر شوية يا سيد.» # وأمنت على كلامه، ولم أشأ أن أقول له إنني لست تاجرا، وإنه ليس رجلا شريفا. ~~- أوكنت تريد أن تقول له ذلك يا سيد؟ ~~- ولماذا لا أقول له يا بيه؟ ماذا كان يستطيع أن يفعل معي؟ أليس هناك قانون يعاقبه على ما ~~فعل؟ # وغادرني سيد عبد الغني، وعاد إلى مكانه من القطار ... # سيد عبد الغني استطاع أن يخرج من السجن دون أن ينبسط ... والذي استطاع أن يخرج من جيب حضرة ~~معاون البوليس لأول مرة ثمن الدجاج. # | كعكة في يد اليتيم # ... منتهى أمله ... صنع كعكة لأطفاله ... وثوب لزوجته ... وفي سبيل هذا الأمل ... بذل ما يملك من ~~حياة ... ~~*** # رشف سيد ما تبقى من كوب الشاي في جرعة كبيرة، ومال برأسه قليلا إلى الوراء بضع دقائق ... ثم ~~عاد إلى العمل. # وكأنما كان كوب الشاي والدقائق القليلة التي أراح فيها رأسه يوم عطلة كاملا ... فقد أحس بنشاط ~~وحيوية كأنه لم يأكل منذ دقائق طعام إفطاره الجاف، وكأنما كانت حبات الفول التي نخرها السوس ~~قطعا من الشواء سهلة الهضم لذيذة المذاق. # وأهوى سيد بالمطرقة على قطعة الجلد فاستوت، ومد يده إلى كوز النشاء فالتقط بإصبعه قطعة ~~صغيرة أخذ يدهن الجلد بها حتى غطاها كلها، ثم ألصق فوقها القماش الأبيض، ثم نحاها بعيدا، وسحب ~~قطعة أخرى من الجلد ... وأهوى بالمطرقة من جديد ... وتكررت العملية ... كل واحدة منها تستغرق الوقت ~~نفسه ... تهوي المطرقة، وتمضي فترة سكون يسمع فيها حفيف يده تسوي النشاء على سطح الجلد، ثم تهوي ~~المطرقة من جديد. # ومضى نصف ساعة ... وامتلأت المنضدة الطويلة أمامه بقطع الجلد المبطنة بالقماش، ودارت عين سيد ~~فاحصة ما سوى من القطع، ثم نهض إلى عمل جديد ... وكان العمل الجديد أكثر تشويقا لمن ~~يراه. # كان وضع هذه القطع المتناثرة على قوالب الخشب في شكل الأحذية، وكان أقل سأما وانتظاما عن ~~العمل الأول، وأكثر تعقيدا. # وكان يبدو لكل من يرى كل قطعة قد استوت على قالبها أن حذاء جديدا قد أوشك أن يكون، وكان ~~يبدو لسيد وحده ms051 في كل قطعة ينتهي من إلصاقها وتشكيلها على القالب شيئا آخر غير حذاء جديد، كانت ~~تبدو له بضعة قروش تخرج من جيب صاحب المصنع لتنصب في جيبه هو ... وكان خياله يرسم لهذه القروش ~~مصيرها منذ الآن، وقبل أن ينتهي الحذاء. # وكان هذا المصير منتهى أمله منذ أيام ... فيوم أن ينتهي من إعداد بضعة أحذية في ساعات الليل بعد ~~الإفطار ... يوم يستطيع أن يفعل ذلك فسوف يحقق آمالا كبارا. # ولو أننا اقتحمنا على سيد خلوته منذ بضع ليال، وقبل أن يبدأ عمله الإضافي في ساعات الليل في ~~المصنع، خلوته إلى زوجته في الدار التي يسكنها، وبعض الدور حجرة واحدة، لوجدناه يحدث سنية، ~~والعيال نيام قائلا: وماذا قالت فاطمة؟ ~~- قالت أبي تأخر، وقد غالبني النعاس ... هل ذهب ليأتي بالكعك؟ ~~- وماذا قلت لها أنت؟ ~~- لم أقل شيئا، وإنما قال لها أخوها، وهو يتثاءب إن الكعك يأتي في آخر رمضان ... وكذلك الثياب ~~الجديدة. # ويخلع سيد حذاءه، ثم يستلقي على الفراش ويمضي في صمت عميق تقطعه سنية قائلة: إنهما ليسا ~~بحاجة إلى ثياب، سأصنع لفاطمة ثوبا من ثوبي القديم الأزرق، فما زال قماشه متينا ... أما حسن ~~... # ويقاطعها في ضحكة حزينة: ستصنعين له بدلة من أي ثوب من أثوابك؟ # وتصمت سنية في هذه المرة، ويجيب سيد عنها قائلا: حتى ولو لم يكن هناك عيد بعد عشرين يوما يا ~~سنية، فإن الولد والبنت في حاجة إلى ثياب جديدة، ولقد دبرت الأمر. # وتنظر سنية عن غير قصد إلى السوار الذهبي النحيل الباقي في يدها من عشرة أساور كانت لديها، ثم ~~يتملكها الرعب، وتسترد أنفاسها على صوت سيد. ~~- لقد طلب صاحب المصنع أن نعمل بنصف أجر كل ليلة بعد الإفطار حتى السحور وبذلك ... # وتعاود سنية النظر إلى السوار في اطمئنان ... ويمضي هو في الحديث. ~~- وبذلك سيكون لدي - إذا واظبت على السهر - بضعة جنيهات تكفي لكسوتهما ولشراء الكعك، ها أنت ~~ذي ترين أن الله كريم يا سنية. # وينتهي بهما الحديث تلك الليلة من ليالي أول رمضان، ولو أننا عدنا إليهما ms052 بعد عدة ليال بعد ~~منتصف الليل لوجدنا سيد قد تمدد على الفراش دون أن يخلع حذاءه هذه المرة، لقد بلغ به التعب مداه، ~~ولقد راع سنية ما يلقاه من ضنى، وما يكلف نفسه من جهد، فهي تقول له: وماذا تنفعنا أو تنفع العيال ~~الثياب الجديدة؟ وبأي شهية سيأكلون الكعك إذا سقطت أنت مريضا على العيد؟ هل هناك إنسان يحتمل ~~العمل من مشرق الشمس حتى منتصف الليل مثلك؟ # ويجيبها سيد، وهو يتكلف الرضاء: لا عليك، ولا على الأولاد ... إن العمل لا يمرض يا سنية، ~~وإنما البطالة ... لست وحدي الذي أعمل، إن هناك غيري عشرات، سوف ننسى هذا التعب حينما نقضم الكعك، ~~ونرى فاطمة وحسن يزهوان بالثياب الجديدة ... # ويصمت لحظة ليعود: هل تحبين الكعك يا سنية؟ إني لا أذكر أنك طلبت مني الكعك مرة واحدة منذ ~~تزوجنا، حتى قبل أن يأتي الأولاد، كنت أنا دئما الذي أذكر أن العيد قد قرب فأشتري لك الدقيق ~~والسمن لتصنعيه. # وتطويهما الذكريات تلك الليلة ... ثم يغالب النعاس سنية، وتنتاب سيد موجة من الأرق تحمل معها ~~عشرات الذكريات. # ذكريات كلها تتصل بسنية، يذكر سيد أن سنية زفت إليه منذ عشر سنوات ... وذكر أنها ما طلبت منه ~~خلال الأعوام العشرة شيئا لنفسها في سنوات الحرب، السنوات الخضر، كان هو الذي يذكر دائما ما ~~تحتاج إليه فيشتريه، كانت الدنيا إذ ذاك دنيا، كان يعمل بالجيش، وكان يعول أمه وأخته عدا سنية، ~~ومع ذلك فقد كان لا يعاني ما يعانيه الآن. # ما تغيرت موارده، ولكن الدنيا هي التي تغيرت ... إنه ليتحسر الآن على أيام الحرب ... ثم يعود إلى ~~سنية ... لماذا لا تطلب شيئا لنفسها أبدا؟ أهي لا تحتاج حقا إلى ثياب؟ أم هي تشفق به؟ لو أنه ~~طاوعها فصنعت من ثوبها الأزرق ثوبا لفاطمة فبماذا تخرج إلى السوق، وتزور أهلها؟ هل عندها عدا هذا ~~الثوب الأزرق غير ثوب واحد آخر؟ # وتثور نفسه على نفسه، وتمضي موجة الإعجاب بسنية إلى منتهاها، فيهم بخياله خاطر: «لا بد أن ~~أشتري ثوبا لسنية، إنها ms053 تستحق ثوبا جديدا» ويرتطم خاطره الجديد بحقيقة تهبط على خياله كما يهبط ~~الطير الجارح ... وتموت خواطره جميعا ، ويستسلم للنعاس ... ما من شك أنه لن يستطيع أن يشتري ثوبا ~~لسنية. # إن قصارى ما يكسبه بعمله في الليل من نقود لا يكاد يكفي إلا ثياب طفليه، وبضع أقات من الكعك ... ~~ولن ترضى سنية ألا يكتسي العيال، أو يحرموا من الكعك لتخطر هي في ثوب جديد. # وها هو ذا سيد حيث تركناه أول القصة يترجم ما أنتجت يداه من أحذية جديدة إلى أمتار في ثياب ~~العيال، وأقراص من الكعك. # ولقد انتصف الليل، ونهض سيد فجمع ما أنتجت يداه، ونحاه جانبا، ورأى لأول مرة منذ بضع ساعات ~~من حوله من زملاء ... ودبت في الحجرة الحياة، وغادر سيد وزملاؤه المصنع، وطواه الظلام في طريقه إلى ~~المنزل، ونام الليل نوما هادئا لم تزعجه الخواطر ولا الأحلام، وصحا في الصباح نشيطا كأنه قضى ~~ليلة كاملة في فراش وثير. # وكانت فاطمة ما زالت نائمة ... وكان حسن يلهو بقصاصات من الورق عند باب الحجرة، فترك ما بيديه، ~~وهرع إلى أبيه، وصحت فاطمة على صوت أبيها، وهو يصف لحسن ثوب العيد الذي سوف يشتريه له بعد ~~ساعات، ويحدثه عن الكعك اللذيذ الذي سيفطرون به في صباح العيد. # وأعاد سيد الحديث نفسه لفاطمة ... ثم حانت منه التفاتة إلى سنية فوجدها تنصت في غبطة وفرح ... ~~وكأنه سيشتري لها هي أيضا ثوبا، وغادر سيد داره غارقا في دنيا الفرحة، وسار نحو المصنع، وسبقت ~~خواطره الساعات الباقية، واستعرض في خياله يومه الحافل ... سيمضي في عمله حتى الثانية عشرة والنصف، ~~ثم ينهض مع زملائه فيجتازون الممر الضيق الموصل بين المصنع والمتجر فيقفون صفا أمام عبد السميع ~~أفندي الكاتب الذي ينادي كلا منهم باسمه ... إنه دائما الرابع، وسوف يتقدم فيقبض أجره كاملا، ثم ~~يقبض ثلاثة جنيهات أجره الإضافي، ثم يعود من الطريق نفسه حتى المصنع، وعند الباب سيجد هو وزملاؤه ~~حنفي القهوجي واقفا في الانتظار ليستقضيهم ثمن ما شربوه خلال الشهر من قهوة وشاي ونارجيلات، ~~وسيتكرر ms054 ما يحدث كل شهر، سيطول النقاش بين حنفي وبين بعض زملاء سيد، إن الخلاف يكون دائما حول ~~بضعة فناجين من القهوة أو أكواب من الشاي يضيفها حنفي زيادة على حسابهم، أو ينكرون هم أنهم ~~أخذوها، وإنه ليعلم أن حنفي يضيف أحيانا من عنده، ولكنه يعلم أيضا أن بعض زملائه يصر على أن ~~ينكر بضعة فناجين أو أكواب، إن الخلاف ينتهي دائما بأن يتخلى حنفي عن نصف ما يضيف من مشروبات حتى ~~ليبدو أن حنفي قد جرى على هذه السياسة وألفها الجميع ... ولو أن حنفي طلب يوما حسابه المضبوط ~~لخسر بضعة قروش ثمن المشروبات التي سوف ينكرها عملاؤه. # إن سيد أسعد كثيرا من زملائه ... إنه لا يتعاطى غير كوب من الشاي عند انتصاف النهار ... أما هذا ~~الشهر فهو قد صام رمضان، ولن يدفع غير ثمن أكواب الشاي التي ارتشفها بعد الإفطار خلال أسابيع ~~ثلاثة، إنه أسعد من كثير منهم أيضا؛ لأن أحدا غير حنفي لا ينتظره عند باب الخروج. # لن ينتظره صبي البقال الذي ينتظر زميله عبد العال ... ولا المرابي الذي ينتظر مصطفى ليحصل منه ~~على الفائدة الشهرية الفادحة لقرضه اليسير، ولن يجد امرأة تنتظر نفقتها الشهرية، وعلى كتفها طفل ~~رضيع، كما تنتظر مطلقة زميله رضوان خروج طليقها، وقد علا صياحها وشكواها، إنه سيخرج مرفوع الرأس ~~إلى المتجر الصغير عند رأس الشارع فيشتري ثوبا جميلا لفاطمة - قماش ثوب تخيطه له سنية - ثم يمضي ~~بعد ذلك إلى الحي القريب فيشتري حلة متواضعة لحسن، ثم يذهب إلى بائع الكعك فيشتري أقتين من ~~الكعك، لقد كانت سنية تصنع الكعك بيديها من قبل، أما الآن فإنها لن تستطيع ... إن الحصول على دقيق ~~صعب والحصول على بضعة أرطال من المسلى الصناعي أصعب من الحصول على الدقيق، وأصعب من الحصول على ~~قدر من السكر ... إن سيد يتحسر على أيام الحرب الآن، ويذكر كم كان بطرا من الناس أن يصفوها بالغلاء ~~والضيق. # ثم يمضي سيد إلى البيت فرحا بحمله الغالي ... إنه سيحمل آماله الكبار خلال ثلاثة أسابيع من ms055 ~~الضنى والسهر ... سيحمل البهجة إلى أعز قلوب لدى قلبه، وتقف خواطر سيد عند أسرته المرحة بما يحمل ~~لها من هناء، ويقف عند مدخل الشارع حيث يقوم المصنع ليتأمل واجهات المتاجر، وقد فاضت بمعروضاتها ~~الجميلة ... لسوف يشتري ثوب فاطمة من بين هذه المعروضات ... ثم يمضي ثانيا في الطريق حتى يصل إلى ~~متجر الأحذية فيتمهل قليلا، وينظر إلى ما تزدان به واجهة المتجر من أحذية أنيقة لامعة، لقد أسهمت ~~يداه في صنع كل زوج من هذه الأحذية، ولقد اختلط بكل زوج منها قطرات من عرقه وأنفاسه. # وتحين منه التفاتة فيرى الثمن المكتوب على صنف من هذه الأحذية، ويلحظ شيئا لا يثير التفاته ~~ولا يعنيه ... لقد تغير الثمن المكتوب عما كان عليه بالأمس، كان ثمن الزوج بالأمس مائة وسبعين قرشا ~~فأصبح اليوم مائتين وخمسين. # ويحاول عقله الصغير أن يجد لذلك سببا فلا يسعفه الإدراك، وإنما يسعفه خاطر عابر فيشكر الله؛ ~~في قلبه لأن طفليه ليسا بحاجة إلى أحذية، وتخترق عيناه زجاج الواجهة في نظرة سريعة فيلمح عبد ~~السميع أفندي منهمكا في إعداد أوراقه، شأنه كل أول شهر فيتملكه الفرح، وينسى ارتفاع ثمن ~~الأحذية. # وتمضي ساعات العمل، وينتصف النهار، وتدق الساعة دقتها مؤذنة بالنصف بعد الثانية عشرة، وينهض ~~سيد وينهض زملاؤه، ويسيرون في الممر الضيق نحو المتجر، ويقفون صفا أمام عبد السميع أفندي، ويأتي ~~دور سيد فيقبض مرتبه في لهفة، ثم يقبض أجره الإضافي ليس ثلاثة جنيهات كما توقع، وإنما جنيهان ~~وثمانون قرشا، ويدرك سيد بعد حوار قصير مع عبد السميع أفندي أنه لم يخطئ الحساب، وإنما هي عشرون ~~قرشا، مجرد قروش قليلة خصمت في سبيل ما دفعه صاحب المصنع لجمعية من جمعيات البر ... # ولم يكن عبد السميع أفندي كاذبا، إنه يضع أمامه الصحيفة التي نشر فيها اسم صاحب المصنع، ~~وتبرعه الكريم، وقد رأى سيد اسم صاحب المصنع بعينيه، وليس له أن يشك في دقة حساب عبد السميع أفندي ~~بعد ذلك، إنه يحمل ثروته راضيا، ويخرج من الممر الضيق ليتهيأ للخروج. # ويمضي ليحقق آماله ms056 للكبار ... إن العشرين قرشا ستؤثر قليلا في ميزانيته لكنها لن تعصف بشيء ~~مما انتواه. # ويقف سيد يقلب القماش الجميل في متجر الأقمشة، ويروقه أحد أثواب القماش فيدقق فيه النظر، وتمر ~~بخياله صورة فاطمة، وقد ارتدت ثوبا من هذا القماش، ويسأل البائع عن الثمن ... # ويذكر البائع ثمنا يتخاذل أمامه سيد، وتمتد يده بحثا عن قماش أرخص، ويقول البائع، وهو يقص ~~الثوب أرخص قماش استطاعت نقود سيد أن تحتمله: كل شيء قد ارتفع ... العيد قد قرب، وشدت ~~الأسعار. # وتمر بخيال سيد صورة لم يعرها التفاتا في الصباح، لقد ارتفع ثمن الحذاء أيضا اليوم، ~~الحذاء الذي يصنعه هو وزملاؤه زاد ثمنه ثمانين قرشا. # وينقد البائع الثمن، وينصرف ليشتري حلة لحسن، وتطرق سمعه مرة أخرى - وهو ينقد البائع ثمن ~~الحلة الصغيرة المتواضعة - أحاديث السعر الذي ارتفع، يقول له البائع: الدنيا عيد، وكل شيء قد غلا ~~ثمنه ... كانت هذه الحلة أقل ثمنا منذ شهر واحد، بل منذ أسبوع واحد، ثم ارتفع ثمن كل شيء. # وتبدو صورة واجهة المتجر - متجر الأحذية - واضحة لعيني سيد، حيث ارتفع ثمن الحذاء بالأمس فقط ~~... ويحاول سيد أن يربط بين سعر الحذاء وسعر الثوب ... وسعر الحلة الصغيرة المتواضعة، ولكن عقله ~~الصغير لا يمضي بعيدا، إنه يقف عند كلمة عيد، العيد هو الذي رفع الأسعار فطارت قروشه التي أجهد ~~نفسه طوال ليالي رمضان من أجلها، ومع ذلك فقد نفدت هذه القروش ... ولم يشتر الكعك بعد ... الكعك الذي ~~سألت عنه فاطمة، ومناها به سيد ذات ليلة ... # لو لم ترتفع الأسعار لما أعجزه أن يشتري الكعك ... كانت ستبقى معه القروش الثمانون ليشتري أقتين ~~ونصفا من الكعك، ثمانون قرشا هي كل ما يحتاج إليه ... ويمضي عقله ثانيا في خواطر سابحة، يمضي إلى ~~بائع الحلل الصغيرة ... لقد أخذ منه هذا الرجل الثمانين قرشا ثمن الكعك، أو هو بائع الثياب، ~~الثياب الجميلة التي اشترى من أرخصها ثوبا لفاطمة هو الذي غصبه الثمانين قرشا، أو ...؟ # تمر بعقله صورة المتجر ... متجر الأحذية من جديد ... الأحذية التي صنعها بيديه هو ms057 وزملاؤه. # الأحذية التي ارتفع سعر كل منها ثمانين قرشا ... الثمانون قرشا ثمن الكعك، زوج واحد من ~~الأحذية التي يصنعها ... وأقتان ونصف من الكعك، وعبثا حاول سيد أن يطرد الصورة، صورة زوج الأحذية، ~~وأقات الكعك الضئيلة، عبثا حاول أن ينسى الورقة الصغيرة المثبتة فوق الحذاء، الورقة التي رفعت ~~ثمنه ... ثمانين قرشا ... اختلطت في رأسه الصور، وكان قد وصل إلى بائع الكعك، فألقى نظرة على ~~الأقراص المتراصة في كوم ضخم، وحاول أن يقف، ولكن عقله رده في سرعة فابتعدت قدماه، وكأنما خشى أن ~~تغلبه نزواته، وآب إلى المنزل بحمله الصغير ... ثوب فاطمة وحلة حسن، وتلقاه الصغيران في غبطة وفرح، ~~ومرت لحظات سعيدة أفاق بعدها على صوت حسن: وأين الكعك يا أبي؟ # والتقت عيناه بعيني سنية ... وعلى غير قصد منها نظرت إلى سوارها النحيل في رعب، ولم تفت سيد ~~هذه المرة نظرتها، ومرت لحظة أجاب بعدها سيد: غدا سآتيكم بالكعك ... # وخرج سيد بعد لحظات ميمما شطر المصنع، وجلس بين زملائه يعمل في صمت وكآبة، ومرت ساعات النهار ~~حتى الإفطار بطيئة مملة، وأخذ العمال ينصرفون مهرولين، وظل سيد مكانه ... وسأله واحد منهم: ألا ~~تذهب لتفطر في بيتك يا سيد؟ # وقال سيد: لدي ستة أزواج أعدها على القوالب، ولقد ضاعت مني ساعات الظهيرة، سأفطر هنا في ~~المصنع. # وانكفأ سيد على العمل، وكأنه بقي فعلا لكي يعمل ... ومرت ساعات الليل الأولى، وانصرف مع زملائه ~~عند منتصف الليل. # وقالت سنية، وهي تفتح له الباب: متى تنتهي من هذا السهر المضني، إننا لا نريد كعكا. # وأجاب سيد، وفي صوته عزيمة رجل قادر: بل سآتيكم بالكعك غدا صباحا. ~~- ومن أين تأتي به، ولم يبق لديك غير مرتب الشهر، ألن ندفع إيجار المنزل يا سيد؟ أم نصوم ~~شهرا آخر من أجل الكعك؟ ~~- لن نصوم يوما، ولن تبيعي السوار يا سنية ... # ولم تسأل سنية، وإنما أرسلت عيناها عشرات الأسئلة، ولم يجب سيد، وإنما أغمض عينيه كأنما ~~استسلم للرقاد، وطال إغماضه، وطالت يقظته كأنه يرى بخياله شيئا لا يريد أن يراه بعينيه، ms058 ومر ~~الليل وجاء النهار، ووقف سيد، وقد انتصف النهار يتلقى عشرات الأسئلة: هل كسرت الصندوق الصغير يا ~~سيد؟ ~~- كم كان في الصندوق يا سيد؟ ~~- كم أخذت من النقود؟ # ويجيب سيد في اضطراب، وكأنه يكذب: كان الصندوق مغلقا ففتحته. ~~- لست أعرف كم كان في الصندوق. ~~- أخذت ثمانين قرشا. # ويصيح عبد السميع أفندي: نعم أخذ ثمانين قرشا فقط ... هذا حق. # ويتلقى سيد سؤالا آخر: ولكن لماذا لم تأخذ غير ثمانين قرشا؟ # ويجيب سيد: كنت محتاجا إليها ... ~~- لماذا؟ # ويسكت سيد ... وتمر بخاطره صورة واجهة المتجر، وصورة أكوام الكعك، ويجيب سيد في إلحاح، وكأنه ~~يكذب: كنت محتاجا إليها ... كنت محتاجا إلى ثمانين قرشا. # وتمضي فترة صمت يقطعها صوت المحقق: أتعرف أنك متهم بالسرقة يا سيد، أين خبأت الثمانين ~~قرشا؟ # ويجيب سيد في حسرة: إنها هنا في جيبي. # ويمد يده فيخرج القروش الثمانين، ويقدمها في ذلة إلى المحقق قائلا: كنت محتاجا إليها، إنها ~~ثمانون قرشا فقط. ~~- أعرف ذلك يا سيد لكنا سنقبض عليك بتهمة السرقة مع ذلك، لقد سرقت هذه الثمانين قرشا. # ويبكي سيد لأول مرة ... ويصيح في حرارة وضراعة، وكأنه لا يكذب: لم أسرق شيئا ... هذه الثمانون ~~قرشا كنت محتاجا إليها. # ويطرق المحقق، ثم يشيح برأسه كأنما لا يريد أن يرى وجه سيد، ويهب عبد الحميد واقفا، ثم يمضي ~~في الغرفة جيئا وذهابا، ثم يقف فجأة، ويقول: وهل كنت أستطيع أن أرى وجه سيد، وقد ارتسمت عليه ~~مظاهر يأس هائل قاتل؟ لقد أحسست بحقارتي، وأنا أصدر أمري بالقبض عليه ... # ما من واحد من زملاء سيد إلا وأقر بأنه خير منهم جميعا، وعبد السميع أفندي كاتب المحل يقسم ~~لي أغلظ الأيمان أنه برغم اعتراف سيد لا يصدق أنه يسرق، ويصمت عبد الحميد مرة أخرى، ثم يعود إلى ~~حديثه في اضطراب: ومع ذلك فبين يدي قانون ... قانون يلقي بسيد إلى السجن، ولا يستطيع أن يفعل شيئا ~~لصاحب المصنع، وتاجر الثياب، وتاجر حلل الأطفال الصغار، قانون لا يستطيع أن يجفف قطرة من دموع ~~سنية، وهي تروي لي ms059 كيف قضى سيد ثلاثة أسابيع يعمل ساعات الليل ليشتري ثياب العيال، وأقراص الكعك، ~~قانون يأبى أن يضع مع سيد في قفص الاتهام إنسانا آخر ... # ويعود عبد الحميد إلى كرسيه، وقد هدأت ثورته يستطرد في الحديث: لقد أفرج عن سيد بضمان ... وخرج ~~ليقضي العيد مع سنية وطفليه، إنهم لن يذوقوا الكعك في العيد ... لقد ردت الثمانون قرشا لصاحب ~~المصنع ... وبعد العيد. # ويعود عبد الحميد إلى قلقه من جديد. ~~- بعد العيد ... سأقف يوما لأتهم سيد بخيانة سيده ... وسرقة مصنعه ... وكسر صندوق صغير فيه نقود ... ~~وسأطلب الحكم عليه بالسجن ... سوف أتكلم طويلا عن الشرف والأمانة، وأكيل اللعنات على اللصوص ~~والمعتدين ... ولكني ... # ويعلو صوت عبد الحميد: ولكني أقسم لكم ... لن يكون سيد هو الذي أقصده ... إن سيد قد يسجن، وقد ~~يحكم عليه مع وقف التنفيذ لكنه لن ينال شيئا من لعناتي. # وينظر عبد الحميد إلى الفضاء، ويخفت صوته، وكأنه يهمس في حلم: كم كان حكيما ذلك الذي صور ~~العدالة في صورة امرأة عمياء تحمل ميزانها ... إنها لا تدري أحيانا أي معدن نفيس تشيل به إحدى ~~كفتيها، وقد أثقلت الأخرى بالأوزار ... # | طريق الصخور # ويل لمن تدفعه قدماه في طريق الشر ... إنه طريق الصخور قد أخفتها الرياحين والأزهار ~~... ~~*** # سار في الركب الطويل مخترقا الحديقة الصغيرة نحو ميدان كفاحه الجديد ... الميدان الذي حكم عليه ~~أن يعمل فيه منذ اليوم عشرة أعوام. # واتسقت خطواته مع خطوات زملائه على نغمات قرقعة السلاسل الضخمة فقفزت إلى خاطره صورة لا ~~ينساها منذ صباه ... صورة خراف القصاب، وقد انتظمها حبل واحد دار حول أعناقها، وانتهى طرفه بين ~~يدي صبي صغير ذي نظرات شريرة تعلو ثوبه قطرات الدماء ... # لطالما سأل نفسه، وهو صبي يسكن حي المذبح: ما لهذه الخراف تسير مطأطئة الرءوس؟ أتعرف هذه ~~البهم إلى أين تسير؟ # إنه يسأل نفسه الآن، وهو يتأمل ما حوله ... عشرات الزملاء يسيرون إلى جانبه وأمامه وخلفه مطأطئي ~~الرءوس كالخراف ... تنظمهم سلسلة واحدة تربطهم جميعا، وكأنهم عقد هائل رهيب حياته كائنات بشرية ~~تعسة قد كتب عليها الشقاء، ms060 وبدلا من صبي الجزار بضعة جنود لا تنتهي عند أيديهم أطراف السلسلة ~~الضخمة، وإنما يحملون بنادق قد ثبتت عليها الحراب، تلمع تحت أشعة الشمس الساخنة، وكأنها عيون صبي ~~الجزار الشريرة. # وسار الركب ... وانتهى أثر الحياة، وبدأ الجبل ساكنا كأنه القبر، وصاح الجند بكلام غير مفهوم ~~تعرفه أسماع الخراف الذليلة فوقفوا جامدين، وتقدم أحد الجنود فنزع السلسلة الثقيلة التي تربط ~~القيود فانفرط العقد، وأحسوا جميعا بشيء من الراحة، وحركوا أقدامهم كأنهم يحسون الحرية ... ودوى ~~رنين القيود، وكأنه صهيل الخيل فأعادهم إلى صوابهم ... وأدرك كل منهم مرة أخرى أنه مسجون، أما هو ~~فقد أدرك شيئا جديدا ... شيئا يدركه لأول مرة في يومه الأول من حياته الجديدة ... أدرك أنه لم يكن ~~حالما خلال الأيام الماضية ... وأدرك أن رحمة الله لن تكون في المعجزة التي كانت تصورها له ~~خيالاته، لن تحدث المعجزة فيعفو عنه القضاء ... إنه محكوم عليه بالسجن مع الشغل الشاق 10 سنوات، ~~وسيقضي مدة العقوبة، ولن تكون رحمة الله إلا في أن يعتاد حياته الجديدة. # وانتفض جسده، وكأنه يسمع الحكم عليه لأول مرة، واهتز القيد فحرك السلسلة الثقيلة التي تصل بين ~~قدميه، وعكر رنينها السكون الرهيب، وكان قائد الحرس قد بدأ يصدر أوامره والتفت القائد ممتعضا، ~~وقال في ثورة: أنت يا مستجد ... قف معتدلا، وإلا ... # وعرف ما سوف يحدث لو أنه لم يقف معتدلا بعد دقائق حين دوت صرخة مروعة من زميله المجاور، ~~والتفت فوجد الجندي يركله في عنف بأعقاب بندقيته؛ وحمد الله لأنه أطاع الأمر، وأصدر قائد الحرس ~~أمره الثاني فتفرق الركب في سرعة، وكأنه يعرف أهدافه ... أما هو فقد وقف جامدا في مكانه لا يعرف ما ~~يفعل، وتقدم منه أحد الجنود قائلا في غلظة: وأنت يا مستجد، تقطع من هنا ... طوالي إلى الشرق ~~... # وسار بخطى متئدة إلى حيث أشار الجندي ... ورفع معوله، وأهوى به على الصخر ... وندت عن ~~الصخر شظايا ضئيلة تناثرت ذات اليمين وذات الشمال ... وضج الجنود بالضحك، واقترب أحدهم منه، وأراه ~~كيف يقطع الصخر. # وهوت ضربات معوله بعد ms061 ذلك في نظام وعناية، وأخذ يقطع الصخر متجها إلى الشرق ... واختلطت قطرات ~~عرقه المتصبب بزبد فمه اللاهث، وأحس أنه سيموت قبل أن تنتهي ساعات العمل، وفي اللحظة التي ~~انطلقت فيها الصفارة مؤذنة بانتهاء ساعات العمل كان قد غلبه الإعياء، وكان يتحرك وكأنه فاقد ~~الوعي، كان كل ما يشعره بأنه في عداد الأحياء رنين السلاسل الثقيلة في أقدامه وأقدام زملائه، الذي ~~يصل إلى أذنيه كأنه حفيف أغصان. # وجلس يستريح، وعاد إليه وعيه، واسترد حواسه رويدا رويدا ... وجد نفسه يجلس على صخرة وأمامه ~~وعاء طعامه، وامتد بصره إلى الأمام ... إلى الشرق حيث أشار الحارس. # ورأت عيناه الأفق البعيد حيث يلتقي الجبل بالسماء، إن هذا الأفق لا يمثل نهاية الشرق، إن ~~الصخر يمضي بعد هذا الأفق إلى ما لا نهاية. # هل تصل ضربات معوله إلى هذا الحد الذي تمثله له عيناه؟ هل يصل يوما إلى هذا الأفق ويعرف ~~ما وراءه من حياة، أم أن أجله سينتهي قبل أن يفرغ من قطع الصخر حتى الأفق البعيد؟ # وتعبت عيناه من التحديق أمامه ... فأغلقهما، وأخذ يغوص في أعماق نفسه يستنهض ذكريات ما مر به ~~حتى اليوم ... ومر بأعوام حياته الأولى سريعا، وقفز خياله إلى ماضيه القريب منذ أربعة أعوام ... ~~الدار الهادئة الجميلة في شارع الحلمية حيث يقيم هو وزوجته ... وغص حلقه، وهو يزدرد طعامه الجاف ... ~~كأن شبح خديجة زوجته لم يعبر في حياته من قبل، وكأنه مر به مع طعامه الجاف في حلقه. # يا لخديجة من قسوته هو! ترى ماذا تفعل الآن؟ # وعادت ذكرياته ... وقف أمام المرآة يرتدي ثيابه بعناية، ووقفت خلفه خديجة تزيل ما علق بثوبه من ~~غبار، واستدار ليرى وجهها فأخذت تصلح من رباط رقبته، وهي تقول: دائما لا تحكم رباط رقبتك ... ما ~~هكذا يفعل الشبان، إلى أين ستذهب الآن؟ # وأجابها: كالمعتاد ... صالون عم محمود لأحلق ذقني، ثم إلى المكتب ساعة، ثم إلى النادي. ~~- لتلعب الطاولة؟ ~~- لألعب الطاولة ... ثم أكون هنا في العاشرة ... العاشرة تماما. ~~- وغدا؟ ... لا صالون عم محمود، ولا مكتب ولا طاولة ms062 ... غدا الخميس. ~~- غدا نذهب إلى السينما ... سأحلق ذقني ظهرا قبل عودتي إلى المنزل ... غدا أنا تحت ~~أمرك. # ويغادر الدار بعد هذا الحديث ... وتشيعه خديجة حتى الباب، ويمضي في الطريق ليجد عم محمود جالسا ~~أمام حانوته يدخن نارجيلته، وأمامه كوب الشاي، ويرمقه من بعيد كما يرمقه كل يوم فيجده كما هو كل ~~يوم، جالسا في اطمئنان وراحة، يعب دخان النارجيلة حتى يمتلئ صدره، ثم ينفثه في هدوء وإشراق، ثم ~~يمد يده فيرشف رشفة من كوب الشاي. # لطالما حسد عم محمود، ولطالما فكر فيه ككائن يعيش بين الأحياء، كان يسأله أحيانا: كيف الحال ~~يا عم محمود؟ باين عليك مبسوط النهاردة. # ولم يكن يسمع منه غير هذا الجواب: رضا ... مبسوط النهارده ... وكل يوم يا أستاذ ... كل شيء ولله ~~الحمد. # ويضع مبسم النارجيلة ليرفع يده إلى فمه، ويقبلها في حرارة ظهرا لبطن. # كان يسأل نفسه أحيانا: ما الذي يعجب هذا الكائن الحي في هذا الوجود المضطرب؟ كيف يعيش، وما ~~من شيء يشغله؟ # سأله مرة بعد أن أعياه سؤال نفسه: أنت غني يا عم محمود؟ # وأجابه الرجل في ابتهاج: إلا غني يا أستاذ ... طبعا غني، ولله الحمد. ~~- أعني عندك ملك مثلا؟ ~~- عندي الدكان ... وعندي بضع أمواس ... وعندي زبائن كحضرتك ... الحمد لله. # وعرف أنه لن يصل إلى جواب من الرجل، فعاد يسأل نفسه ... أين يعيش هذا الرجل من الحياة حتى لا ~~يحس بضغطها وكفاحها ومشاغلها، أتراه يعيش على هامشها فلا يحس بما تنطوي عليه من مرارة ~~وشقاء؟! # إنه هو مثلا سعيد بلا شك ... موفق بلا شك ... لديه زوجته خديجة التي يحبها وتحبه، وتدير له منزله ~~كأحسن ما تدير زوجة منزل الزوجية ... وعنده وظيفته يجني منها مرتبا لا بأس به يقوم بشئونه وشئون ~~بيته ... ولكنه مع ذلك لا يعدم ساعات من النهار والليل يفكر فيها، وتشغله هموم الحياة ... يشغله أمر ~~مستقبله فيفكر متى يزيد مرتبه، ويحس بحاجته الدائمة إلى أن يزيد هذا المرتب ليرتفع بمستوى حياته ~~قليلا، ويشغل باله ما سوف تتمخض عنه الأيام ... لسوف تلد له ms063 خديجة أولادا، ولسوف تزيد تكاليفه، ~~وتكثر أعباؤه ... ولسوف ... ولسوف ... # ويتمتم دون أن يسمعه أحد. ~~- مستحيل! ... أيمكن أن يعيش إنسان بغير هموم ولا أفكار في عالم تصطرع فيه حتى الهوام؟ هذا ~~الرجل قد منحه الله نعيما آخر ... نعيم من خلت رءوسهم من عقل يفكر. # ثم يرى عم محمود في جلسته، جلسته الهادئة يعب أنفاس نارجيلته في شغف، ويرشف الشاي في لذة ~~فيراجع نفسه قائلا: ومع ذلك فما في تصرفاته شيء يدل على أنه غير عاقل ... إنه لا يخطئ ~~أبدا. # ويقترب من الحانوت، وينهض عم محمود لتحيته، ويصحبه إلى داخل الحانوت، ويبدأ في مزاولة عمله في ~~نشاط وخفة ... خفة الشاب لا تثاقل الشيخ الذي غزا الشيب شاربه، وداعبت خطوط العمر بشرته في عنف ~~وقسوة ... في ذلك اليوم دخل إلى الحانوت وجلس مكانه، وشرع عم محمود يحلق ذقنه، ودخل في تلك اللحظة ~~عبد المجيد بك الشاب المرح الذي لا يكف عن الدعابة. # كان يعرف عبد المجيد هذا؛ فقد لقيه أكثر من مرة في حانوت عم محمود ... كان شابا أنيقا وسيما ~~كثير الحديث عن مغامراته وغزواته، وكلها في ميدان المقامرة والنساء، وكان قد تعود أن يبادله ~~الدعابة بأن يسأله عن مغامراته فيغضب عم محمود، ويعلن عن غضبه بتأنيب عبد المجيد بك في رقة كلما ~~روى مغامرة قائلا: حرام عليك يا عبد المجيد بك ... أليس لك نساء ... الله يهديك؟ # ويمضي عبد المجيد بك في سرد مغامراته ضاحكا من عتاب عم محمود، فإذا ما انتهى من حلاقة ذقنه ~~قال، وهو يضحك في مرح: عم محمود أصله راجل طيب ... مش عايش في الدنيا. # وكانت هذه الجملة تجد صداها دائما في نفسه هو ... الذي طالما حيره أمر عم محمود ... إنه رجل لا ~~يعيش في الدنيا. # وبدأ عم محمود ينثر على وجهه قطرات الكولونيا، وقال عبد المجيد: أتعرفون كم ربحت اليوم؟ سبعين ~~جنيها ... بعشرين قرشا. # ومر عم محمود بهذا الخبر، وكأنه لم يسمعه، أما هو فقد سأل في اهتمام: في المقامرة؟ ~~- أبدا ... في سباق الخيل يا أستاذ ... عشرون قرشا ms064 فقط جاءتني بسبعين جنيها. # وعلق محمود في استخفاف: وغيرك كم خسر؟ # وقال عبد المجيد في تهكم: كم خسر ؟ ما كنت أخسره أنا لو لم أربح ... العشرين قرشا، كان قد أتم ~~حلاقة ذقنه، وترك مكانه لعبد المجيد الذي استطرد في الحديث: غدا الأحد مثلا ... لدي أسماء أربعة ~~جياد فوزها مضمون ... لو أنها ربحت لجاءت بثروة، فإذا لم تربح كم تكون الخسارة عشرين قرشا؟ ... ~~خمسين؟ ... هل هذا مبلغ يبكي عليه المرء؟ # ونظر إلى عبد المجيد متسائلا: ستلعب عليها طبعا؟ # وأجاب عبد المجيد: بكل تأكيد ... مع ذلك فإني أعطيك أسماءها، وحينما تربح اذكرني بالخير. # ومضى في طريقه إلى مكتبه، وفي يده ورقة كتب عليها أسماء الجياد الأربعة ... وكم فكر خلال الساعة ~~التي قضاها في مكتبه في تلك الورقة، بل لعله أخرجها أكثر من مرة، وقرأ أسماء الجياد، ولما ذهب إلى ~~النادي سخط على ما قضاه من أيام يلعب النرد، ويجرب حظه في القروش، وأنصاف القروش الوهمية التي كان ~~يراهن بها أصدقاءه في اللعب. # وسأل أحد أصدقائه، وكان من المترددين على سباق الخيل، عن الطريقة التي يراهن بها الناس، ~~وأعطاه صديقه عنوان مكتب للمراهنة، وأوصاه أن يراهن على جياد أخرى إن أراد المراهنة ساخرا من ~~فكرة احتمال فوز أحد الجياد الأربعة التي يحمل أسماءها ... # إنه ليذكر ما داعبه من أحلام تلك الليلة ... لقد حلم أنه عثر على كنز ثمين في صندوق من الذهب، ~~وأنه اشترى لزوجته خديجة ثيابا فاخرة، واشترى قصرا له حديقة غناء، وصحا من نومه، وما زالت في ~~رأسه صورة من الحلم السعيد، صحا مبتهجا، وارتدى ملابسه مسرعا، وهرع إلى دكان عم محمود، كان ~~الرجل قد فتح حانوته، وأخذ يراقب صبيه، وهو ينظف أثاثه، وتلقاه محمود بالترحيب، وسلسلة من ~~التمنيات الطيبة، ودعاه لكي يشاركه في شاي الصباح، ولكنه اعتذر بعمله، ومد يده في جيبه فأخرج ~~الورقة، وتحسس محفظة نقوده فتبين أنه نسيها في البيت، فمد يده بالورقة لعم محمود، وسأل عم محمود ~~في حيرة، وقد أمسك بالورقة: ماذا أفعل بها؟ # قال: بخمسين ms065 قرشا تدفعها مناصفة، فلقد نسيت حافظة نقودي في البيت. # لقد نسيت حافظة نقودي في البيت. # وقال محمود: لا عليك من نسيان الحافظة، لكني أنا لا أراهن أبدا. ~~- إذن، ادفع خمسين قرشا، وسأعطيها لك بعد الظهر. # وحاول عم محمود أن يثنيه عن عزمه، وأساء هو الظن بهذه المحاولة ... ظنه يضن بهذا القرض ~~الضئيل الذي سيرده إليه بعد ساعات، وسكت محمود على مضض، ووعد بأن ينفذ له ما أراد ... # وجلس في مساء اليوم التالي يتناول العشاء مع خديجة في مطعم أنيق، ويقص عليها ما حدث، وقالت ~~خديجة: أما كان يجدر بك، وقد ربحت مائتين وخمسين جنيها أن تعطي لمحمود هذا جنيهين على الأقل؟ ألم ~~يقرضك ثمن تذكرة الرهان؟! # وأجابها محتدا: هذا رجل معتوه ... لقد كنت حائرا في أمره منذ مدة، أما اليوم فقد أدركت أنه ~~مغفل كبير يرفس النعمة بقدميه، لقد عرفت أن الجياد قد ربحت قبل أن أراه، ومع ذلك فقد سألته إن كان ~~يشاركني في التذكرة فرفض رفضا باتا، وألححت عليه ممنيا إياه بالربح، ولكنه رفض ... رفض المعتوه، ~~وقال في حزم: «ولو قلت لي إنها ربحت ألف جنيه، وسألتني بعد ذلك أن أشاركك في الربح لرفضت ~~أيضا.» # وسكت لحظة، ونظر إلى خديجة مستطردا: إن ما غاظني من هذا المعتوه أنه لم يبد أي اهتمام ~~حتى بعد أن صارحته بأن التذكرة قد ربحت مائتين وخمسين جنيها، بل قال في برود «ربنا يكفيك شرهم.» ~~وحاولت أن أعطيه خمسة جنيهات فرفض، وكأنني أمد يدي بجمرة من النار قائلا: «لا يا أستاذ، أعطني ~~الخمسين قرشا، وغيرها لا أقبل مليما.» # إن الأيام لتمر سريعا ... خمسة أيام مرت كالحلم منذ ربح الرهان، ويأتي يوم السبت ... ويتناول ~~غداءه مسرعا، ودون أن يخلع ثيابه، وتسأله خديجة عن سر عجلته فيجيبها في اقتضاب: حتى لا يفوتني ~~أول شوط، لقد أعطاني عبد المجيد جوادين مضمونين في الشوط الأول ... # ويمضي الشوط الأول ... والثاني ... وتتتابع الأشواط ... أشواط يوم السبت ... والأحد ... أشواط موسم ~~السباق كله ... وينتقل الموسم إلى الإسكندرية فيجري خلف الجياد إلى ms066 الإسكندرية ... إن بينه وبينها ~~ثأرا ... إنه يربح مرة، ويخسر مرات ... يقول لنفسه كلما خسر مرة ... «أو نربح مائتين وخمسين جنيها» ~~يا له من جشع! أن نفزع من خسارة قروش، كان يمر بين اليوم واليوم ليحلق ذقنه مرة عند عم محمود، ~~ولكنه لم يجرؤ أن يحدثه بالمرة، كان يجلس واجما ... وكان عم محمود يحلق له في تقزز، وكأنه يقوم ~~بواجب ثقيل ... ثم قل تردده على عم محمود، وأخذ يحلق في صالون آخر ... صالون أنيق لا يحس فيه ما ~~يحس به من ضيق حين تهبط يد عم محمود بالموسى على ذقنه ... # وتعود الجياد إلى القاهرة، ويعود معها همه إلى القاهرة، وتتابع الجري خلف حظه وأمامه، ولكنها ~~لا تجري مع هذا الحظ أبدا، وتقول خديجة ذات يوم، وهي تغالب الدمع: أما آن لك أن تهدأ؟ لقد أعدت ~~للجياد ما ربحته منها ... وأعطيتها هناءنا وراحتنا ... ألا تتركنا هذه الجياد الآن؟ # ويسكت، ولا يجيب فتعود خديجة، وقد غلبها الدمع فاختلط نحيبها بصوتها الكسير: سخرت من عم محمود ~~حين دعا الله أن يجنبك شر ما ربحت، ألا ترى أنه كان ينطق بالغيب؟ أتريد أن نبيع متاعنا؟ لم يبق ~~لديك مما ربحت، ولا مما ادخرت شيء ... # وينتفض جسمه لخاطر يمر برأسه، وحينما يمضي في الطريق يحمد الله؛ لأن خديجة لم تعرف بعد ... لم ~~تعرف أنه ارتهن أغلى متاع لديها ... سوارها الذهبي الذي حملته معها من بيت أبيها. # ويتملكه عزم قوي أن يستعيد السوار بأي ثمن ... ويجلس في المساء إلى مائدة الميسر في أحد النوادي ~~الليلية، وقد عقد العزم على أن يستعيد السوار ... ويخرج من ساعات الليل الأخيرة إلى الشوارع ~~الساكنة، وقد امتلأ رأسه بصرخات عاوية في ذل، وكأنه كلب جريح لا يملك غير النباح ... ولا يغمض له ~~جفن حتى الصباح ... # وتبدأ مغامراته الأخيرة ذات يوم ... وتنتهي حينما يتقدم منه رئيسه الطيب القلب باكيا بعد ذلك ~~اليوم بشهور: أنت تفعل ذلك؟ تسرق وتختلس وتزور؟ لماذا فعلت ذلك؟ # ويبكي رئيسه الطيب القلب بدمع منهمر، أما هو فلا يجد في ms067 مآقيه دمعة، لقد استحالت دموعه قطرات ~~من اللهب تتساقط على قلبه. # ويدوي في أذنيه الساعة، وهو بين الصخور ، صوت وكيل النيابة، وهو يسرد قائمة اتهامه: اختلس ~~مالا، وزور أوراقا ... وسرق مفتاح الخزانة من رئيسه، واستولى على مبلغ ضخم مما فيها. # كاد يصرخ إذ ذاك قائلا: فعلت ذلك لألعب بهذا المبلغ، وأسترد ما اختلست، وأعيد ما سرقت، وأفك ~~عن سوار زوجتي خديجة المرهون. # كاد يصرخ لولا أن رأى وجه خديجة المحتقن، وقد جحظت عيناها، وأتلفها الحزن ... عند ذلك فقط عدل ~~عن الكلام، وسكت سكوت المقر بذنبه، وتمنى على الله أن يؤمن القضاء بجرمه وألا تنازعه فيه ~~رأفة. # وحينما نطق القاضي بالحكم كان ينظر إلى وجه خديجة، وعيناه غارقتان في الدموع ... فما انتهى ~~القاضي حتى هرعت خديجة إليه باكية، أما هو فقد أدار وجهه، وكأنه أداره عن الحياة، وأدار وجهه ~~عن الحياة فعلا منذ تلك اللحظة. # ولم يعد إلى الحياة إلا اليوم، حين سار في الركب يحدوه رنين السلاسل ... عاد ليبدأها في طريق ~~جديد لن يرى فيه وجه خديجة ... ولن يسمع فيه صوت عم محمود ... ذلك الرجل المعتوه الذي يبتسم للحياة، ~~ويعب منها الراحة كما يعب من نارجيلته أنفاس الدخان. # وعلا صوت الجند بالعودة إلى العمل، وقرقعت السلاسل، وارتفعت المعاول، وهوت الضربات على الصخر، ~~ورن في أذنه صوت الحارس، وهو يزمجر: أنت يا مستجد! أنت نائم؟! هل آتي لأوقظك؟ # ودفع معوله في سرعة وخوف ... وأخذ يحطم الصخر ... إلى الشرق. # | عنوان الفقيد # لم يكن مجنونا، وإنما كان قد سئم منطق العقلاء، وتصرفات العقلاء. ~~*** # حينما تسير في طريق الصحراء في منتصف الليل، وفي ليلة من ليالي الشتاء فأنت أحد ثلاثة؛ إما ~~عاشق يحمل عشيقته في جوف السيارة، ويبحث عن مكان لا تصل إليه أقدام رجل البوليس، وإما مسافر إلى ~~الإسكندرية يريد أن يدرك عملا في الصباح، وإما مجنون يضرب في الأرض بغير هدف ... # وليس المجانين هم الذين يعملون أعمالا تشذ عن عرف الناس، وإنما هم أيضا هؤلاء الذين يتمتعون ~~بحريتهم كما لا يتمتع الناس. ms068 # إنه هو - بلا شك - واحد من هؤلاء، لقد خرج من بيته في الساعة الحادية عشرة بعد نصف ساعة من ~~خروج سعدية ... نصف ساعة قضاها ممسكا بسماعة التليفون يعتذر لأخته عن إخلافه موعده معها، وكانت قد ~~دعته للغداء ظهر ذلك اليوم ... وكان في منزله في الساعة الواحدة ظهرا مرتديا ملابسه يتهيأ للذهاب ~~إلى الموعد حيث ملأت خياشيمه رائحة صنف لذيذ يحبه من الطعام، فجرى نحو المطبخ فوجد الطباخ مشغولا ~~بتذوق هذا الصنف، فسأله لم يعد هذا الصنف، ولمن يعده؟ فأجابه بأنه هو الذي طلبه ... وإذا ~~به يتجه إلى غرفته ويخلع ملابسه ويغمض عينيه لحظة كعادته كلما أراد أن يعدل عن تنفيذ أمر من ~~الأمور، ثم يتجه إلى غرفة المائدة، ويتناول الغداء ... يأكل حتى يشبع فينهض من المائدة لكي يشرب ~~سيجارته على الفراش، وينام حتى السابعة موعده مع سعدية ... كل ذلك دون أن يفكر في أن يعتذر لأخته عن ~~موعد الغداء معتمدا على أنها تعرفه جيدا ... وهي تعرفه بلا شك، إلى الحد الذي يجعلها لا تغضب وتظل ~~تترقب عودة التليفون إلى الحياة لكي تعاتبه، كما عاتبته مئات المرات، وكما سوف تعاتبه ~~دائما. # مجنون ... حتى هي أخته تختم حديثها معه دائما بهذا الوصف الذي يحمل في طياته كل اعتذار عن ~~سخافاته، وما أكثر هذه السخافات! # مجنون ... يهبط في الساعة الحادية عشرة في ليلة من ليالي الشتاء الباردة فيخرج السيارة من ~~«الجراج» وينطلق بها في سرعة، وكأنه كان صادقا حين قال لأخته في التليفون منذ لحظة إنه على موعد ~~هام في الجيزة، ولكنه لا يقف عند الجيزة، وإنما يمضي في شارع الأهرام، ثم ينحرف في طريق الصحراء ~~نحو الإسكندرية، ويوغل في الطريق مسافة بعيدة، ثم يتوقف عند المنعطف المرتفع، وينزل من السيارة، ~~ويقف على حافة المرتفع، ثم يملأ رئتيه بالهواء البارد في ارتياح، وكأنه يعب من نسيم ربيع ضوعته ~~رائحة الزهر ... # وينفث الهواء بعد أن يدفئه كأنه ينفث دخان لفافة من التبغ الجيد في رضاء وغبطة. # مجنون! من رآه على هذه الحالة لأقسم أنه ms069 مجنون، ومن سبر أغوار نفسه، وهو في موقفه هذا، وعرف ~~أين تذهب خواطره الساعة، لأدرك أنه مجنون يفترض أغرب الخيالات، ثم لا تلبث خيالاته التي يفرضها أن ~~تخرج حديثا في جوف الليل البارد، حديثا هامسا، وكأنه يحدث أشباحا تنصت للحديث: تجربة بديعة ... ~~لقد نجحت ... ليس الموت كريها كما يزعمون ... # وكأن الأشباح تسأله فهو يجيب: لم لم أذهب إلى القرافة نفسها؟ ... لسبب بسيط هو أني حي فعلا، ~~وربما خفت ... حي بين الأموات، هنا قفر، وهناك قفر وظلام وظلام، وبعد عن الحياة، وبعد عن الحياة ... ~~الفارق الوحيد هو أني حي، فإذا متنا يا نفس، فلن يجد علينا شيء ... لا شك أن التجربة قد نجحت، ~~فلنعد الآن إلى عالم الأحياء. # وينطلق ثانيا بأقصى سرعة تستطيعها السيارة، ينطلق إلى داره، ويندفع إلى غرفة مكتبه ليفتح ~~كتاب مذكراته ويكتب: # الليلة في الساعة الحادية عشرة خرجت من داري، وذهبت إلى مكان ناء في جوف الصحراء يغمره ~~الظلام، وتلتطم فيه ريح الليل الباردة في أشد ليالي الشتاء زمهريرا ... مكان خلا من الحياة حتى ~~أحسست فيه كل ما في العدم من برودة وجفاف، واستنشقت أنفاسا من هوائه لأعرف كيف يكون طعم ~~الموت، فآمنت بأن الموت ليس شيئا كريها كما يزعمون، لو أن الإنسان قد ضمن بين قبور أنداده ~~مثل هذا الهدوء والأمن الذي أحسسته في جوف الصحراء، أكبر كارثة تحدث لنا لو أن الناس يحتفظون ~~ببعض صفاتهم بعد الموت ... إذن لانقلب العدم جحيما ... أقصد دنيا ثانية. # ويغلق المجنون مذكراته وينام. # وليس صحيحا أن تكون تصرفات المجانين دائما عفو الخاطر، ودون مبرر وبلا مناسبة، وليس صحيحا ~~كذلك بالنسبة لصاحبنا أن يوصف بالشذوذ المطلق، إنه شاذ فعلا، ولكن هناك منطقا يربط بين ~~تصرفاته، في تصرفه مع أخته مثلا كان هناك منطق، وفي رحلته الغريبة بالليل كان هناك منطق، ولنصطلح ~~على تسمية منطقه هذا بمنطق المجانين، كما يسميه هو نفسه، كلما ألح عليه إنسان بالعتاب، إنه يقول ~~دائما ... «سئمت منطق العقلاء ... وأنا الآن مرتاح جدا لمنطقي الجديد، منطق المجانين.» # ولنعد إلى ms070 حوادث يومه لنرى خلالها منطقه العجيب، إن أخته مثلا تدعوه للغداء مرتين تقريبا كل ~~أسبوع، وفي كل مرة تدعوه تنسى أنها دعت شقيقها وحده، فتعد طعاما يكفي عشرة وحوش مفترسة، قد جاعت ~~أسبوعا كاملا، وآية البر بالأخ عندها أن يأكل الأخ كما تأكل عشرة وحوش مفترسة؛ لأنه مسكين يعيش ~~وحده، ويسيء الطباخ تغذيته، وحجتها الدائمة أن الطعام لا يضر أحدا حتى زوجها ... زوجها البدين الذي ~~يأكل، وكأن له في كل شريان معدة قائمة بذاتها تهضم الطعام، وكرش احتياطي للاحتفاظ بما يزيد على ~~الحاجة، إن زوج أخته هذا لم يشك مرضا طوال حياته إلا مرض ضيق الملابس الذي يعتريه كل شهر ~~تقريبا. # في هذا اليوم بالذات كان هو يشكو ألم الأمعاء الذي يعاوده بين الحين والآخر، ومع ذلك فقد ~~تناسى آلامه حين ملأت خياشيمه رائحة طبق الخرشوف ذي الصلصة البيضاء، الخرشوف الذي أوصاه طبيبه بأن ~~يأكله، فكان أول طبيب يصف طعاما يحبه المريض؛ ولذلك آثر السلامة وفر من المعركة، معركة الطعام ~~عند أخته التي تخسر فيها معدته دائما بعد أن ترغم على احتمال كل الجولات، ولم يتكلم بالتليفون؛ ~~لأنه يؤمن إيمانا تاما تؤيده شواهد الماضي أنه أضعف من أن يقاوم توسلات أخته، وكم من مرة ~~هزمت إرادته أمام هذه التوسلات، ولقد رفع سماعة التليفون طوال الساعات الثلاث التي قضتها سعدية ~~معه؛ لأنه كان يعرف غرام سعدية بتفتيش جيوبه والعبث بأوراقه وكثرة استلطافها لحاجاته الخاصة، ولم ~~يكن هناك فرصة لتعبث بحجرته أكثر من تلك التي تسنح لو أنه نهض إلى غرفة مكتبه ليرد على التليفون، ~~وثرثر مع أخته كعادتهما ... تلك الثرثرة التي تطول أحيانا أكثر من نصف ساعة، وبقي بعد ذلك أن جرس ~~التليفون يحلو له دائما أن يزعجه خلال جلساته الخاصة؛ ولذلك كان يؤثر دائما كلما زاره صديق أو ~~صديقة أن يرفع سماعة التليفون. # أما رحلة المساء فقد بدأت قصتها في صباح ذلك اليوم نفسه حين فتح صحيفة الصباح فصدمه نعي صديقه ~~«م» ... ذلك الشاب المرح الفياض بالحياة والبهجة، والذي كانت ms071 حياته أبعد ما تكون عن السكون ~~والموت؛ إن «م» لم يمرض، ولم يشك ... كان معه بالأمس إلى الساعة الثامنة مساء، وغادره ليذهب للقاء ~~بعض أصدقائه، ولمشاهدة إحدى روايات السينما ... وحينما أمسك بالتليفون ليستفسر عما حدث أجابته زوجته ~~الغارقة في المصاب، بأنه ذهب إلى السينما بعد أن تعشى، ولكنه أحس بألم فنقلوه من السينما، وصعدت ~~روحه إلى الله في حين كان جسده يهبط درج السلم ... تعشى كالأحياء، وتخلت معدته عن عملية الهضم لدود ~~القبر، ما أفظع ذلك! # ولعل ذلك كان سببا لا يدريه هو في أن يؤثر طبق الخرشوف المسلوق على أطباق أخته الدسمة ... ليست ~~السينما أمرا ضروريا لكي يموت الإنسان إثر أكلة. # ومع ذلك فقد حزن على «م» وجره الحزن عليه إلى تخيل الموت لا حقيقة واقعة فحسب، وإنما حقيقة ~~سهلة ... وإذا كان الناس لا ينتقلون من دار إلى دار في الحياة الدنيا، دون أن يعاينوا الدار ~~الجديدة، ويتبينوا ما سوف يحسونه بين جدرانها من راحة وأمن، فمن العقل والمنطق أن يعاين هو الدار ~~التي سيسكنها بعد عمر، من الصعب الحكم على مدى طوله بعد اختراع السكتة القلبية، المرض الذي لا ~~يحمل أي مخترع من مخترعات جيلنا السعيد طابع السرعة مثله. # إنه ليس خيرا من «م» وفرص الأكلات الدسمة أمامه أوسع؛ لذلك تخيل أنه تغدى عند أخته ... ثم شرب ~~بضع كئوس مع سعدية، ثم وافته المنية فانتقل في تلك الليلة الباردة إلى الدار الآخرة، فذهب إلى ما ~~يشبه الدار الآخرة ... الصحراء في جوف الليل البارد، والهواء يعصف، والكائنات رمل وحصى، وأشباح ~~تصنعها دوامات الهواء، والأصوات همهمة أرواح عابرة في الجو، هل تكون الدار التي ستضم جسده غير ~~هذه؟ # وعاد مطمئن النفس قرير العين، وخط بيده في مذكراته إقرارا بأنه لا يخشى الموت، ونام ملء جفنه ~~يحلم بالحياة، واستيقظ في الصباح ليعاود سخافاته من جديد ... # ولكن سخافة هذا اليوم فاقت في غرابتها كل ما صنع منذ سنين ... حتى لتقرب أن تكون تصرف عقلاء ~~... # فاجأه جرس التليفون، وهو يزدرد طعام إفطاره المتواضع ms072 كسرات الخبز المحمص في كوب اللبن، وفنجان ~~القهوة الكبير. # ورفع السماعة، وسمع صوت سعدية تسأله ما سوف يفعل في يومه، وفي صوتها مظهر الاضطراب والاهتمام ~~... ومنذ بضعة شهور عرف سعدية، وعرف معها حاجتها الدائمة إلى المال، ووسائلها الطريفة للحصول عليه ... ~~وليس الشوق الذي يدفعها لمحادثته في الصباح الباكر، ولن ينقذه من يومه إلا الاعتذار بالغياب عن ~~البيت والقاهرة بأكملها إن استطاع. # وأجاب سعدية على الفور أنه مسافر بعد ساعة ... وقالت سعدية: إلى أين؟ # وأوشك أن يقول متأثرا بالليلة الماضية: إلى الدار الآخرة، لولا أن قالت سعدية مستدركة: رايح ~~العزبة؟ # وأحس بالخطر الذي توقعه ... وترجمت خواطره العزبة إلى المزروعات، والمزروعات إلى إيجار والإيجار ~~إلى مال ... وأخيرا وصل إلى سعدية ... وقال دون أن يدرك ما يقول: لا أبدا، عمي توفى بالإسكندرية، ~~وسأسافر اليوم وقد أمكث بضعة أيام. # وكانت أمامه صحيفة الصباح فقلبها بسرعة، ووضع عينيه على صفحة الوفيات ليتخير عمه من بين ~~الراحلين ... ولحسن الحظ وجد وجيها إسكندرانيا بين الموتى ... وتحفز لجواب السؤال القادم ... ستسأل ~~هي: «مكتوب في الجرنال؟» فيجيبها بسرعة، ويتأثر ... «أي نعم في رأس العمود الثاني» ... ثم تقول: «ولكن ~~اسمك غير موجود»، فيقول بنفس التأثر: «كان بين أبي وبين عمي خلاف، وقد محا الموت أسباب ~~العداوة.» # ولم تسأل سعدية، وإنما عزته في رقة، وأغلقت التليفون لتعطيه الفرصة للبكاء ... وازدرد هو بقية ~~طعامه، واحتسى فنجان القهوة، وارتدى ملابسه بسرعة، وطوى إحدى بيجاماته وفوطة وجه وآلة الحلاقة، ~~ووضعها في حقيبته الصغيرة، ونادى خادمه لكي ينبئه بأنه سيسافر، ويعود بعد يوم أو يومين. # وكان الخادم كسعدية يؤثر معرفة الأسرار بيده لا بلسانه، فلم يسأله إلى أين؟ وإنما اكتفى بأن ~~يتمنى له سلامة السفر والعودة في صوت عال، في حين تمنى على الله، في صوت منخفض، أن تطول الرحلة ... ~~إن بيوت العزاب أخصب عش غرام للخدم المتزوجين. # وحمل الحقيبة، ومضى يضرب في الطريق، وسأل نفسه إلى أين؟ وقال عقله، عقل المجنون: تذهب إلى ~~الإسكندرية لتقدم واجب العزاء في عمنا الحنون، إني أحب الصدق كما ms073 تعلم. # وقال لعقله: وكما تعلم أنت ليس لنا عم مات بالإسكندرية. ~~- فلم لا يكون نصف الصدق ... نذهب إلى الإسكندرية، أليس جميلا أن نرى الإسكندرية في ~~الشتاء! # ووجد نفسه في المحطة وأمام شباك التذاكر ويده ممدودة بالنقود، ساهما كأنه لا يعرف أين يذهب، ~~وصاح عامل التذاكر: أفندم! # وأجابه طالبا تذكرة الإسكندرية، وصاح العامل مرة ثانية: أولى أو ثانية؟ # وفتح فمه ليجيب لكنه لمح ساعدا أبيض، كأنه ذراع تمثال من المرمر يمتد أمام عينيه، ويناول ~~العامل ورقتين من فئة الجنيه قائلا: تذكرة أولى لإسكندرية من فضلك! # وأجاب عندئذ: وأنا كمان ... تذكرة أولى لإسكندرية. # وصب وجهه من الساعد إلى الكتف ليرى الوجه والعينين ... عينين ترمقانه في غضب لطريقته في طلب ~~تذكرة السفر، ونظرته الجريئة، وضحكته البلهاء، وكانت ضحكته البلهاء إحدى سخافاته أيضا ... يطلقها ~~دائما في وجه كل امرأة ينظر إليها ... ليست ابتسامة الذي يرى شيئا لطيفا، ولكنها ضحكة الذي يرى ~~شيئا يثير الضحك. # وانسحبت صاحبة اليد مسرعة، وتكاسل هو برهة، أحصى خلالها باقي النقود الذي رده إليه عامل ~~التذاكر ... وسار بجوار القطار وأخذ ينظر من نوافذه ليرى أين تجلس؟ فأعياه البحث، وأخيرا وجد ~~مقصورة خالية فأسرع إليها، وجلس يطالع صحيفة الصباح، ولفت نظره من جديد نعي ذلك الشخص الذي قرر ~~أن يصطنعه عما لينقذ نفسه من سعدية ... وقرأ النعي بتأن وعناية فعرف أن لهذا العم الذي مات ~~أقارب منهم أطباء ومحامون ... ومنهم أيضا أحد زملائه في الكلية وأصدقائه بعد التخرج، صديق كل ~~الفرق بينه وبينه أنه هو آثر أن يشتغل بالقراءة حتى لا يزيد ثروته ... في حين اشتغل هذا الصديق ~~بالمحاماة ... لسوف تكون مجاملة لذيذة حينما يذهب إلى مأتم عمه ... فيعزي الصديق. # وكان يوشك أن يقرأ عنوان البيت حيث يقام السرادق، حين صدمته قدم تفسح لنفسها الطريق ... ورفع ~~رأسه ورآها تجلس في المقعد المقابل دون أن تنظر إليه، بل لعلها نظرت إليه وعرفته، ولهذا اتخذت هذا ~~التصرف الجاف ... # وجلست وفتحت كتابا وأخذت تتصفحه دون أن تتغير ملامح وجهها الجافة ... وقال متحديا ومتصنعا ~~الجد: ms074 عندما يصدم الناس المهذبون أقدام غيرهم يعتذرون ... خصوصا إذا كان المصدومة قدمه مثلي ... ~~غارقا في الصدمات. # وتصنع التأثر ... ولم ترفع رأسها عن الكتاب ... ومرت فترة قال بعدها: صدمتان في اليوم الواحد، ~~هذا لا يحتمل ... # ورفعت رأسها ببطء، وقالت ووجهها محتفظ بتجهمه: لا تعني بالطبع وقفتك السخيفة في شباك التذاكر، ~~لقد مددت يدي بلطف. # وقال على الفور: بلطف ورشاقة ... لا يمكن أن تعد هذه صدمة ... لا أعني ذلك مطلقا ... قد أكون ~~وقفت بسخافة كما تقولين ... لكن لو عرفت أي تعس أنا منذ هذا الصباح لالتمست لي العذر ... تصوري ~~إنسانا يفقد عمه الحبيب في غمضة عين. # ورفعت رأسها، وقد عرتها الدهشة: أنت أيضا؟ مات لك عم اليوم؟ ~~- أجل ... وفي الإسكندرية تصوري عمي الذي رباني بعد أبي ... أبر إنسان بي في هذا الوجود ... يموت ~~دون أن أراه، كان في أحسن صحة ... حتى أول أمس كان يحدثني بالتليفون ثم ... اقرئي ... لا أكاد أصدق عيني ~~... دعيني أسمع لربما صدقت. # وتناولت الصحيفة من يده حيث يشير ... ورأت النعي فرفعت رأسها إلى وجهه، وقد مرت بشفتيها حركة ~~عصبية. ~~- ألتمس منك خدمة ... اقرئي لي الخبر ... النعي فقط، هل صحيح أنه مات ... # وتناولت الصحيفة وقالت في أسى: معذرة إذا أصبت بالجنون ... لكن البقية في حياتك ... هذا هو حال ~~الدنيا. # وتريد أن تعود إلى كتابها لولا أن يستمر هو في الحديث، ويتحدث عن عمه الحبيب، ويمضي في ~~الذكريات، وكأنه يقرأ في كتاب ... يسعفه خياله بصور عشرات الحوادث، حوادث البر والإشفاق والحنان ~~التي لم تحدث له فينسبها لعمه ... وتستمع هي لهذا الحديث، وتفهم منه أنه فلان ... المحامي الذي ورد ~~اسمه في النعي قبل كل الأسماء ... أحب أبناء الأخ إلى المتوفى ... ويقف الحديث الحزين، وتبدأ أحاديث ~~أخرى تبدأ من عنوان الكتاب الذي تقرؤه هي، ويتشعب نحو عشرات الكتب والكتاب ... وينسى هو عمه الميت، ~~وتنسى هي أن له عما قد مات، ويتضاحكان أكثر من مرة، ويمضي الوقت سريعا، ويصل القطار إلى ~~الإسكندرية، وينزلان سويا حتى باب الخروج، ويقول وقد عاود الظهور بمظهر من ms075 فقد عمه منذ ساعات: ~~إلى أين تذهبين ... ربما أستطيع توصيلك؟ # وتقول له عنوانا، ولكنها تعتذر له عن ظروفه قائلة في إغراء: لكنك ربما لا تسلك نفس الطريق ... ~~ثم إنك مضطر للذهاب لمنزل عمك ... # ويقاطعها ملحا، وفي إصرار: إنك في نفس طريقي تفضلي ... # وينادي سيارة وتركب هي أولا ... ويلحظ أن متاعها كمتاعه سواء بسواء مجرد حقيبة صغيرة، فيحاول ~~أن يحملها، ولكنها تقول متضاحكة: إنك تحمل هموما فضلا عن حقيبتك. # وتسير السيارة بعد أن تلقي بالعنوان للسائق، وتميل السيارة يمينا ويسارا، وتنحرف إلى شارع ~~ضيق، وتقف فجأة، ولا يحاول هو أن ينظر إلى ما حواليه، وإنما ينظر إلى وجهها الضاحك في بلاهة ~~كوجهه تماما ... هل نسيت أنه حزين، وتجمع حقيبتها ومجلاتها، ويحاول أن يسبقها للنزول فترده قائلة: ~~لا ... ربما رآك أحد. # وتمد يدها لتصافحه في حين تهبط من السيارة قائلة: ربما رآك أولاد عمك ... إنه كما ترى، منزل ~~عمك رحمه الله، إنه عمي أيضا. # وتهرول نحو الباب، ويحملق هو فيرى حركة في الشارع، وسرادقا ينصب، ويرى أقدامها تخطر صاعدة ~~السلم حتى تختفي، وتبدو غيرها هابطة. # ويتنبه هو فيفتح الصحيفة، ويقرأ مرة أخرى نعي العم الحبيب حتى يصل إلى العنوان ... ويتبين كيف ~~فاته أن يعرف أين مات عمه، ومن أين يشيع جثمانه العزيز ... ولو أنه قرأ لاختار عما آخر ... # في طريقه إلى القاهرة لا يكاد يصل إلى طنطا حتى يهبط من القطار مسرعا إلى مكتب التلغراف ~~ليبعث ببرقية لصديقه ابن العم العزيز ... ابن العم الحقيقي يعزيه في مصابه ببرقية يبدؤها قائلا: ~~«أعزيكم ...» ثم يخطر له تعبير أدق فيمزق البرقية الأولى، ويبدأ الثانية هكذا: «أعزيكم والأسرة ~~فردا فردا ...» ويستمر في الكتابة حتى يملأ صفحة البرقية بعبارات الرحمة والعزاء، وعندما يصعد إلى ~~القطار مرة ثانية يقول لعقله المجنون: أظننا قد عزينا فأحسنا العزاء ... كانت هذه رغبتك ... هل ~~آمنت الآن بأن منطقك هو منطق المجانين. # ويرتمي عقله في إعياء. # ويقرأ هو من جديد خبر النعي في رأس العمود الثاني من صحيفة الصباح، ويقف بصره لحظة عند ms076 عنوان ~~الفقيد ... # | الجواد الذي خسر # كان في الميدان كالجواد العجوز لم يكد يسير خطوات ... حتى لهث ... ~~*** # المقدمة القصيرة التي تسبق هذه القصة هي أنه كان صديقا للسيدة أفكار منذ خمسة عشر عاما ... ~~وقد نشأت صداقتهما في وقت كانت فيه أفكار غانية حسناء، يتهافت على جمالها عشرات الشبان الأغنياء ~~والصعاليك على حد سواء. # وكان أحسن ما تميزت به أفكار هو قدرتها العجيبة على الاحتفاظ بالمعجبين بها وترتيبهم حسب ~~أهميتهم بحيث لا يحس واحد منهم أن هناك سواه في أفق حياتها ... هذا فيما يختص بالأغنياء. # أما الصعاليك فكانت أفكار حريصة عليهم أيضا ... حريصة على أن تبقى ما بينها وبينهم من مودة ~~مع تعديل بسيط كانت تجريه بنفسها. # كان كل منهم يبدأ عاشقا متيما مشبوب العواطف، وينتهي صديقا هادئا ... صديقا فخورا بأنه ~~موضع سر أفكار ومستشارها الأمين. # وكانت أفكار تبتكر المشاكل والمتاعب ... المشاكل والمتاعب الوهمية لكل من هؤلاء الأصدقاء ... فإذا ~~ما اختلت بواحد منهم فتحت له صدرها وقلبها، وأخذت تبسط له مشاكلها ومتاعبها طالبة إليه النصح ~~والرأي؛ لأنه - أي واحد منهم - موضع سرها، وليس لها غيره تسأله الرأي. # وكان هو أحد هؤلاء ... الصعاليك ... # حينما عرفها كان طالبا بالسنة النهائية بكلية التجارة، ولم يكن وحده، بل كانوا ثلاثة وقعوا ~~في هواها دفعة واحدة وفي يوم واحد، أحدهم شاعر، والثاني رسام، وهو ثالثهم ... وكانت الليلة عيد ~~ميلاد أفكار، وقد دعاهم صديق من زملاء الدراسة الأغنياء ... كان يقوم بدور الممول في حياة أفكار إذ ~~ذاك. # وقدمهم هذا الصديق إليها ... قدم إليها الشاعر قائلا، وهو يضحك: هاك واحدا أقدر مني على وصف ~~جمالك ... ثم قدم إليها الرسام قائلا: إذا أردت صورة تنكرية، فعليك أن تجلسي أمامه بضع ~~ساعات، ثم قدمه هو باسمه مجردا ... # ونظرت إلى الشاعر، وقالت: أيمكن أن يكون في الحياة أجمل من قصيدة رائعة، إنني أعبد الشعر، ثم ~~عطفت على الرسام، وقالت: كانت أمنية حياتي أن أصبح رسامة. # ثم نظرت إليه هو في حنان، وقالت: لا أدري ... ولكن في وجهك شيء أعرفه ... إنك لست غريبا ms077 ~~عني. # وانتهت حفلة عيد الميلاد، وخرجوا ثلاثتهم، وساروا على النيل ساعة ونصف ساعة حتى ظهرت خيوط ~~الفجر. # وكان حديث الثلاثة ... عن أفكار. # ولم يمض أسبوع حتى كان الشاعر قد نظم فيها أكثر من قصيدة، وحتى كان الرسام قد بدأ يرسمها ... ~~وحتى كان هو قد ادخر ثمن صندوق فاخر من الحلوى قدمه إليها ... # وما زال الشاعر صديقا لها حتى اليوم، ينظم في كل عيد من أعياد ميلادها قصيدة ... والرسام ... ~~على كل جدار من جدران دارها تجد أثرا من آثاره، وإن كان هو قد هجر مصر، وأقام في أوروبا. # أما هو فما كان يمر شهر إلا ويزورها ليشرب بصحبتها فنجانا من القهوة، ويثرثر معها في شتى ~~الموضوعات ... حتى كثرت شواغله وزادت أعماله فأصبح يراها بين الحين والحين، والصداقة باقية. # هذه هي المقدمة القصيرة للقصة ... وهي قصيرة في حساب الصفحات طويلة في حساب الزمان. # لقد سلخت هذه المقدمة خمسة عشر عاما ... إن لكل مقدمة حواشي وهوامش ... الهامش الوحيد الذي يهم ~~في قصته هو أنه كان لأفكار ابنة ولدتها قبل أن يعرفها هو وأصدقاؤها وعشاقها جميعا، ولم تظهر إلا ~~منذ سنوات قليلة، عندما استقرت أفكار في الفيلا الأنيقة التي بنتها على شاطئ النيل. # وهو يذكر أول مرة رأى فيها ابنة أفكار، كان يزورها كعادته فإذا بها تنادي سامية ... ودخلت سامية ~~صبية في العاشرة أو الثانية عشرة على أكثر تقدير ... دخلت فحيته في حياء، ولم يكن بحاجة ليعرف أنها ~~قريبة لأفكار؛ فقد كانت في وجهها صورة من أفكار يتدفق منها جمال الطفولة المتأخرة، ولكنه فوجئ حين ~~قالت أفكار. ~~- سامية! ... بنتي ... لعلك لم ترها من قبل ... وعرف أنها ابنتها، وليست قريبتها فحسب ... وعرف أيضا ~~أنها كانت عند أبيها طوال طفولتها، ولكنه لم يعرف لم جاءت لتقيم مع أمها، وقد كان المعقول أن ~~تقضي طفولتها مع أمها، ثم تذهب لأبيها حينما تكبر. # لقد رأى سامية بعد ذلك مرارا، ولكنه ما أعارها من التفاته أكثر مما يعير طفلة أو ~~حيوانا صغيرا إلينا في المنزل ... # إن سامية هي الهامش ms078 الوحيد الذي يقفز من مقدمة القصة ليتوسط المنظر الأول فيها ... ولولا أنه ~~يحتفظ لنفسه بالدور الأول لكانت البطلة . # ولندخل توا في القصة، ولنجلس معه هو وسامية في شرفة الفيلا ... عصر أحد الأيام من شهر مايو ~~عام 1949 ... # ولنسأله لم جاء اليوم ... ولم يجلس مع سامية، وأين أفكار؟ إنه يقول: ما دار بخلدي قط أن آتي ~~إلى دار أفكار اليوم، ولكن سامية هي التي دعتني. # وهو يحس بتشككنا في صدق كلامه، فيقول: أجل ... سامية هي التي دعتني، لقد سافرت أفكار إلى لبنان ~~مع زوجها الجديد منذ أيام، وكنت قد لقيتها هي وسامية في أحد المتاجر قبل سفرها بأيام فأوصتني ~~بسامية، وطلبت إلي أن أزورها لأطمئن على أحوالها. # ولم أحاول أن أتصل بها، أو أسأل عن صحتها، حتى كان ضحى اليوم، وكنت جالسا إلى مكتبي، ودق جرس ~~التليفون ... آخر مخلوق كنت أتوقع صوته هو سامية ... بل إني لم أعرف أولا صوت المتكلم، وكانت هي ~~تعاتبني لأني نسيت وعدى لأمها. # فقلت لها: سآتي اليوم ... لم أقل شيئا ... هي التي قالت ... قالت إنها تريدني لأمر هام، وسألتني ~~ماذا أفعل اليوم، فقلت: لا شيء، فطلبت مني أن أزورها إن أمكنني بعد الظهر ... وما المانع؟ فتاة في ~~سن الثامنة عشرة لو أني تروجت لأنجبت مثلها. # ومررت على «جروبي» فاشتريت قليلا من الحلوى، وجئت لأزورها، وها أنا ذا أجلس إليها، كما يجلس ~~الأب إلى ابنته. # ذلك صحيح ... # كان فعلا يجلس إليها كما يجلس الأب إلى ابنته ... وكان ينظر إليها ولنطاوعه الآن ... نظرات أب ~~شفيق إلى ابنة رائعة الصبا ... بل لعله أحس بالأسى لأنه لم يتزوج في سن مبكرة، لتكون له ابنة مثل ~~سامية بهاء ونضارة. # وقد يكون لمس يديها أكثر من مرة، وقد يكون ربت على خدها أكثر من مرة، ولكنه مع ذلك، كما ~~يقول: لم يحس بها غير فتاة في سن ابنته، حتى نهض لينصرف. # وكان الليل قد بدأ يرخي سدوله في رفق ... وكانت أضواء الشارع تعكس ظلا باهتا على الشرفة، ولم ~~تكن سامية قد أضاءت ms079 النور. # وقالت سامية: أتنصرف إلى موعد؟ # وأجاب: أبدا، سأتسكع حتى يحين موعد السينما. ~~- أي سينما تقصد؟ ~~- لا أعرف بعد . # ومرت فترة، وقالت سامية:هل تصحبني في نزهة قصيرة؟ ... إني لا أجرؤ على الخروج وحدي. # ووجد نفسه معها يوغلان بالسيارة في طريق الصحراء. # وبدت أنوار المطار - مطار القاهرة - من بعيد ... وكانت سامية تثرثر في شتى الموضوعات، وكان هو ~~ينصت وقد وضع يده ... عفوا حول كتفها. # ولندعه يمضى في طريقه ... لو سألناه شيئا الآن لأنكر، ومن حقه أن ينكر، فالقصة ما زالت غامضة ~~الخطوط ... غموض أفكاره السابحة في شتى الخواطر القلقة. # لندعه حتى يصل إلى المقهي المنعزل، وحتى يجلس هو وسامية في أحد أركانه يحتسيان عصير الفاكهة، ~~بل لندعه حتى ينهضا ويعودا إلى السيارة، ويقفلا راجعين. # عادت يده تلتف حول كتفيها ... وعادت هي إلى الثرثرة، وفجأة تسأله ... ولنلاحظ أن يده ما زالت ~~تحنو على كتفيها، كأب شفوق: كيف كنت تراني قبل اليوم؟ # ويجيبها في بساطة: كما أراك اليوم، زهرة ناضرة جديرة بالإعجاب. # وتعود إلى السؤال: الإعجاب فقط؟ ... ألا أثير شيئا غير الإعجاب؟ ~~- هل هناك أكثر من الإعجاب؟ ~~- الحب مثلا؟ # وفي سرعة تنسحب يده من حول كتفيها، ويعتدل في جلسته، كأنما رأى خطرا في طريق السيارة، ثم ~~يجيب: قطعا تثيرين الحب ... لكن عند من في مثل سنك شبابا ونضارة، وتسأله وهي تضحك: لماذا سحبت ~~يدك هكذا؟ # ولا يجيب ... ولكنه يعيد يده في تراخ، وتقترب هي قليلا، ويحس جسدها دافئا إلى جواره. # ولننصفه، فنقول إنه حاول أن يتزحزح قليلا ليجعل بينها وبينه فراغا، ولننصفه مرة ثانية ~~فقد وقف موقفا مشرفا حين هبطت من السيارة، وقالت: متى سأراك؟ # إنه أجابها في حزم كما يقول: أنت تعلمين أن شواغلي كثيرة ... إذا احتجت لشيء فاتصلي بي ~~بالتليفون، ولسوف أطمئن عليك من حين إلى حين، ولكنها لا تدعه يمضي حتى تطلب إليه أمرا. ~~- ألا تقبلني قبلة المساء؟ # وتستطرد ضاحكة: ألا تقبل ابنتك؟ # ويطبع قبلة مرتعشة على جبينها ... ثم يطلق العنان لسيارته، ولو سألناه الآن فيم يفكر لأنكر ... ~~أنكر أنه ms080 كان يفكر في سامية، ولن نستطيع أن نصل إلى أفكاره ... إنه سيزعم أنه لا يفكر فيها ... هذه ~~الطفلة ، ولكن شفتيه مع ذلك تهمسان ... وهو وحيد في السيارة: هذه الطفلة ماذا تريد؟ آه لو سألناه ~~الآن ماذا يعني؟ إنه لن يستطيع الجواب ... وإذا أجاب فهو يقول: وماذا أعني؟ لا شيء طبعا، لا أعرف ~~ماذا أعني ... إنني أسأل ماذا تعني هي ... هذه الطفلة ... # هل ...؟ # ولكنه لا يتم السؤال، بل يصيح في غضب: هذا سخف ... سخف ... معقول أن أغازل أمها ... أما هي، بنت ~~الثامنة عشرة، فطفلة ... # ويدرك شيئا فيستدرك: لكن ما هي الثامنة عشرة بالضبط، وما هي الأربعون التي أحملها، ويكون قد ~~وصل إلى داره، وفي رأسه عشرات الخواطر التي لا يستطيع أن ينكرها، وإن استنكرها. # استنكرها، كما استنكر في الصباح تصرفه الأحمق حين طلبها بالتليفون ليسألها عن صحتها، وليطمئن ~~عليها، وكانت النتيجة ... # كانت النتيجة أن واعدها على اللقاء في المساء ... # ومع ذلك، مع أنه هو الذي طلبها بالتليفون، فهو ينكر أنه سعى إلى موعد معها، ينكره مقسما ~~أغلظ الأيمان ... ~~- أقسم: ما فكرت في موعد، ولا كان في بالي أن ألقاها، لكنها هي ... هي التي أخرجتني ... سألتها عن ~~صحتها فإذا بها تجيبني: كل شيء على ما يرام ... لم يضايقني إلا أنك تركتني مبكرا، وإلا خوفي من ألا ~~أراك قريبا. # وأجبت كالأبله: ولم لا؟ # فإذا بها تقول ... متى أراك؟ ... اليوم؟ ... غدا؟ ... وأجبت بالجواب الطبيعي: كما تريدين. ~~- اليوم ... هل تأخذني للسينما ... أو إلى ذلك الركن الهادئ الجميل؟ # ألم أقل إني كنت أبله! # أقسم أني ما فكرت في لقائها ... ولا حتى في طلبها بالتليفون ... لكن الذي حصل ... الذي حصل ... ويسكت ~~... # يسكت لأنه لا يعرف تفسيرا لما حصل ... التفسير الوحيد هو أنه زارها بعدئذ ثلاث مرات ... # وفي كل مرة خطت العلاقة بين الأب والبنت التي في سن ابنته خطوة إلى الأمام. # في المرة الأولى قال لها في أثناء حديثه معها إنني أحس بسعادة حين أكون معك. # وأجابته وهي تضحك: سعادة الأب حين يحتضن ابنته! # وفي المرة الثانية ms081 لم يقل لها شيئا، ولكنها هي التي قالت له في ضيق: لماذا تصر على خداع نفسك ~~حتى الآن ؟ ألا ترى أن مسألة الأبوة هذه أصبحت مضحكة؟ أنت لا تفعل هذا مثلا مع ابنتك ... وهذا الذي ~~أشارت إليه هو قبلة آثمة طبعها على خدها الأيمن، وهو يراقصها على نغمات لحن حالم ... # إنه لم يرد عليها، ولكنه ضمها بشدة إلى صدره، وكان صمته تسليما بأنه تخلى إلى الأبد عن لقب ~~أب. # أما في المرة الثالثة فقد بدا صراحة في ثياب العاشق، وفي حديث العاشق ... في هذه المرة لم يكن ~~ثمة إنكار، ولا استنكار ولا تمنع، بل كان هناك تمنع كذلك الذي يبذله الطفيلي إذا دعوته على ~~الغداء، وإذا كان هو متهافتا على دعوتك، تمنع خير منه قبول الدعوة في امتنان، لقد قالت له: ~~هل فكرت يوما في أننا سنصبح هكذا؟ # وأجابها حائرا: صراحة لم أفكر من قبل ... ولكنني أفكر الآن، وأفكر جديا ... ~~- وما رأيك ... هل أنت سعيد؟ ~~- أنا ... أنا طبعا سعيد، لكن أنت؟ # وقاطعته: أو لم تدرك بعد أني سعيدة؟! ~~- بلى ولكن ... # وقاطعته مرة ثانية: أو لم تدرك شيئا آخر ... أو لم تدرك أني أحب؟! # وقاطعها هو هذه المرة، وإنه ليفخر بأنه قاطعها قائلا: هذا هو الموضوع يا سامية ... لقد أدركت ~~منذ أيام أني أحبك، ولم يكن هذا مهما، وأرجو ألا تعيريه التفاتا ... أما المهم حقا فهو أنني ~~أدركت أنك تحبينني ... وهذا ما يقلقني. ~~- يقلقك ... لماذا؟ ~~- سامية ... كم عمرك الآن؟ ~~- عشرون عاما. ~~- أتعرفين كم عمري أنا؟ خمسة وأربعون عاما ... أكبر من والدتك وربما في سن أبيك. ~~- هل تعود ثانية لقصة الأبوة؟ # وأجابها (وهذا ما أسماه تمنعا): أبدا يا سامية، ولكني أريد فقط أن تري كل شيء في وضوح ... ~~أنت في حدود العشرين، وأنا في الخامسة والأربعين ... هل يسعدك مثل هذا الحب ... أتعرفين ماذا تعني ~~الخامسة والأربعون؟ ~~- ماذا تعني؟ # تعني أني ... بالنسبة لك صفقة خاسرة ... أنت الآن في نضارة صباك ... أنت تنهبين ظهر الأرض وثبا ~~وعدوا ... وأنا الآن أخطو في حذر، لا أقول ms082 إني عاجز عن السير، لكنني لا أستطيع العدو، ماذا تفعلين ~~بي لو أني لهثت في الطريق؟ # وقالت ضاحكة : ومن قال لك إني سأعدو؟ سأطير في مثل خطواتك ... إني أوثر السير البطيء من الآن ~~... # وصمت فترة، ثم قال: سامية ... سأكسب أنا كل شيء: صبا ونضارة وشبابا ... ولن تكسبي أنت ~~شيئا ... مجرد رجل على أبواب الكهولة. ~~- سأكسب رجلا كامل الرجولة. # وكان هذا غاية تمنعه ... رضي غروره بهذا الوصف الرائع ... رجل كامل الرجولة ... # ولنتركه الآن يقص بقية قصته ... إننا الآن بعد ذلك اليوم بعام ... لقد هدأ كل شيء، ونزل الستار ... ~~هدأت أعصابه، وخفت حدة طبعه، إنه يروي الآن بقية القصة كأنه فيها طرف ثالث لا يعنيه ~~الأمر. ~~- أجل، لقد أرضاني هذا الوصف ... إنه ليس جديدا ... ما الذي يمنع أن تكون سامية التي نضج جسمها ~~مبكرا قد نضجت أيضا عقليا بنفس النسبة ... ~~... ما الذي يمنع أن يكون عقلها قد أفرط في النضوج. # ولم لا؟ أليست تتحدث إلي بأسلوب امرأة ناضجة؟ # كل الفرق بيننا هو شعراتي البيض ... ومع ذلك فهي تحب الشعر الأبيض، لقد وجدت في الأيام التي تلت ~~ذلك اليوم مصداق ما قالته لي، فقد أفاضت علي من حبها، ماذا أقول؟ ... ما دفع في جسدي دماء الشباب، ~~وجدتني إرضاء لها أحيا حياة شاب في مقتبل العمر ... أرتاد دور السينما، وأشغف بأناقة ملابسي، ~~وأعنى بمظهري، وأتلقى دروسا في الرقصات الجديدة، وأحسست بميلها للرياضة، ففاجأتها ذات يوم ~~بتذكرتي العضوية في ناديين من أهم أندية القاهرة الرياضية. # وما كان أسعد ذلك اليوم الذي وقفت فيه أبادلها الكرة على ملعب التنس، خيل إلي أني شاب، ~~وأن الشباب ليس سوى قوة إرادة وعزيمة ... # وانصرفت سامية إلى الرياضة، وأحبتها حتى إنها كانت تقضي أغلب أوقاتها في النادي تلعب التنس ~~معي طورا، ومع صديقنا الشاب المهذب حمدي، وكان حمدي مهذبا فعلا ... ورياضيا فعلا، وكان أحد ~~ثلاثة يعلق عليهم النادي الرياضي أمله في الفوز ببطولة هامة، وكأس تذكارية. # ولم تكن سامية أقل تحمسا مني لحمدي الذي ما قصر في تدريبنا على اللعب، ms083 وتصويب أخطائنا حتى ~~كنا، أنا وهي، نرقب يوم المباراة التي سيلعب فيها لبطولة النادي ... # في يوم المباراة ذهبنا نحن الاثنين ... وكانت سامية ترتدي ثوبا ورديا أراه لأول مرة، وتضع ~~فوق رأسها قبعة أنيقة حليت بدبوس من الذهب على شكل مضرب الكرة ... # وجلسنا نرقب المباراة في حماسة ... ولعب حمدي لعبا يفوق حد الوصف من البراعة والإتقان حتى أحرز ~~بمفرده انتصارات كفلت للنادي الفوز بالبطولة ونيل الكأس. # وانتهت المباراة، وهبطنا من الدرج لنحيي حمدي، ونصافحه ... وما كان أحر تهنئة سامية له حتى ~~صنعت مثلي ... قبلته في خديه ... واقترحت ... أنا ... أن نحتفل بهذا النصر احتفالا رائعا ... # وقالت سامية: اذهب لإحضار السيارة من المكان النائي الذي أوقفناها فيه، وسأنتظر أنا في الشرفة ~~حتى يبدل حمدي ثيابه. # وتركت سامية عند شرفة النادي، وسرت وسط جموع المتفرجين المندفعة نحو باب الخروج ... # و... و. # إنه يتوقف عن الحديث لحظة، كأنما يستعيد ما حدث إذ ذاك، أو يستجمع أطراف جأشه الثائر. ~~- وفي الطريق إلى الباب سمعت هذا الحديث ... لم أر وجوه الذين قالوه لكنني سمعته فقط. ~~- كان حمدي عجيبا اليوم. ~~- لقد لعب لعبا مدهشا. ~~- كان ضروريا أن يلعب هكذا، كانت حبوبته الجديدة تشاهده لأول مرة في مباراة ... ~~- من هي حبوبته الجديدة؟ ~~- ألم ترها معه قبل اليوم ... إنها كل يوم في النادي ... إنها تلك التي قبلته بعد ~~المباراة. ~~- آه رأيتها ... إنها رائعة ... تلك التي قبلته في خده. ~~- نعم هي ... إن أسرتها سبور جدا كما ترى ... لقد قبلته أمام والدها. ~~- والدها! ~~- أجل ... هو هذا الذي كان معها ... إنه يأتي معها كثيرا إلى النادي ... إنه رجل رياضي جدا، ما ~~زال يلعب التنس إلى اليوم. # رياضي جدا؟ والدها؟ # وأحببت أن أكون رياضيا لآخر لحظة ... فذهبت وأحضرت السيارة، واستصحبت حمدي وسامية، وانطلقنا ~~نحو فيلا سامية على شاطئ النيل. # في الشرفة حيث جلست منذ شهور قليلة مع سامية لأول مرة بدأ الليل يرخي سدوله ... وأخذت أضواء ~~الشارع تعكس ضوءا باهتا علينا ... بالضبط كذلك اليوم الأول. # كنا صامتين نحن الثلاثة ... ولا أدري ماذا كان يملأ ms084 رأس سامية، ولا رأس حمدي من خواطر، وإنما ~~أعرف فقط أن صورة واحدة تملأ رأسي أنا ... صورة ميدان سباق تجري فيه ثلاثة جياد ... فيتقدم اثنان منها ~~... أما الثالث فإن الإعياء يغلبه، وتتخاذل ساقاه، ويتصبب عرقا، ولما يمض من الشوط ثوان ... في ~~حين أخذ الناس يصيحون به من كل مكان ... اخرج أيها الحصان العجوز ... # ولا أعرف ماذا فعلت إذ ذاك لأخرج من الميدان، ويستدرك قائلا: أقصد من الفيلا، لقد اختلطت ~~الصورة بالواقع فاعذروني ... إنني أعرف فقط أني خرجت، استأذنت بضع دقائق لألقى صديقا، قلت إني نسيت ~~موعده ... ووعدت بالحضور مسرعا، وما كدت أغادرهما حتى تنفست الصعداء، ووجدتني أخرج منديلي ~~لأجفف عرقي، وخيل لي أن الصورة التي ملأت رأسي بدأت تتلاشى. # وتركت السيارة تسير على مهل على شاطئ النيل ... كانت صفحة الماء قد بدأت تعكس في وضوح صورة ~~المصابيح المتناثرة على الشاطئ ... وكان كل ما يشغلني إذ ذاك فكرة واحدة ... سؤال واحد كان يدور ~~بخاطري: هل أدركت سامية أنني لن أعود؟ # لقد أتاني الجواب في اليوم التالي، وفي الأيام التي تلته ... إن سامية قد كفت عن عادتها التي ~~ألفتها منذ شهور، ولم تعد توقظني بصوتها العذب كل صباح. # قولوا ما شئتم عني ... لكنني أقسم، وأنا صادق، أني ما ندمت على هذا الفراق ... # ولنصدقه هذه المرة. # | الشعرات البيضاء # كذب عليها ... وكانت تحبه ... ولا يقتل الحب غير الكذب ... فمات حبها له، وبقي له الندم إلى ~~الأبد. ~~*** # 22 من يناير سنة 1929 # فندق كتاراكت بأسوان ... # رأيت اليوم الآنسة «ر» في شرفة الفندق، كانت جالسة وحدها تحتسي فنجانا من الشاي، وإلى ~~جانبها على المقعد بضع مجلات، وسلة بها أدوات «تريكو» ... # إني أعرف الآنسة «ر» من القاهرة ... تعرفت بها في منزل شقيقي منذ بضعة شهور، عصر أحد الأيام ~~كانت مع ثلاث فتيات من صديقات أختي، وتجاذبنا أطراف الحديث مدة نصف ساعة، وكان يروقني الحديث ~~معها، ومع أن الجلسة كانت لطيفة، والآنسة «ر» كانت جذابة إلا أنني اضطررت أن أترك المنزل ~~لارتباطي بموعد سابق، موعد هام كان من ms085 الصعب أن أخلفه ... ومنذ ذلك اللقاء لم أرها إلا اليوم ~~... # وتركت مكاني، وذهبت فحييتها، ويظهر أنني تركت في نفسها منذ لقائنا الأول نفس الأثر الذي ~~تركته في نفسي، فقد عرفتني للفور، وأحسست أنها سرت برؤيتي، ولكنها على ما بدا لي، كانت ~~محرجة ولا تستطيع دعوتي للجلوس معها، ولكنها قالت، وهي تنظر حواليها، إنهم عائدون هي وأسرتها ~~بقطار المساء إلى القاهرة، ولما قلت لها إنني سأعود بعد أربعة أيام، قالت وهي تبتسم: سنراك في ~~مصر إن شاء الله ... # وما زال رنين هذه الكلمات في أذني إلى الآن ... وأنا أكتب هذه السطور في مذكراتي بعد منتصف ~~الليل، وقد سكن كل شيء ... # 4 من فبراير سنة 1929 # قابلت اليوم الآنسة «ر» وهي خارجة من محل شيكوريل، وكانت مصادفة لطيفة؛ فقد خطرت بفكري ~~هذا الصباح، وكنت أفكر في طريقة للاتصال بها. # وقالت لي «ر» ونحن نسير في شارع فؤاد إنها تخرجت من المدرسة منذ عامين، وإنها تضيق بحياة ~~المنزل، وإنها تقرأ كثيرا، وأحسست أنا أنها لا تضيق بحديثي معها، وأنها ليست مرتبطة بأي موعد، ~~فدعوتها لتتناول فنجانا من الشاي معي في «جروبي». # حينما تتحدث الفتاة عن نفسها يكون معنى ذلك في نظر الرجل أنها تدعوه للتعارف ... والرد ~~الطبيعي على هذا الحديث هو أن يتحدث عن نفسه ... وقد لبيت هذه الدعوة، وأخذت أتحدث عن نفسي ~~... # لكن يعلم الله أنني لم أقل اليوم للآنسة «ر» كلمة صدق واحدة، بل لم أتحرك حركة طبيعية واحدة ~~... إن اليوم الأول في بدء علاقتنا كان تمثيلا رائعا ... من جهتي أنا على الأقل ... # ولأضرب مثلا على سلسلة الأكاذيب التي سردتها هذا اليوم، لقد تحدثت عن دراستي، وقلت إنني ~~أتممتها بالجامعة، وإنني سافرت في صيف العام الماضي إلى أوروبا، وإنني أبحث عن عمل، وأريد أن ~~أقضي عاما أو عامين أدرس فيهما الخطط للمستقبل ... هذا الجو الذي خلقته عن نفسي، والذي يتلخص في ~~الكلمات الثلاث، شاب متعلم مهذب غني ... لم يكن حقيقيا. # أما التعليم فاليوم بالذات دفع والدي القسط الثاني لي في كلية ms086 الحقوق، وهو متبرم، وعلى حد ~~تعبيره «فلوس رايحة في الهوا» ذلك لأنه كان العام الثاني الذي أرسب فيه في السنة ~~الثانية. # أما أوروبا، فلم تذهب قدماي إلى الآن إلى أبعد من البراميل المنتشرة على الشريط الضيق من ~~ساحل البحر الأبيض الذي نسميه البلاج، والتي وضعت لأمثالي لتنبئهم بأن الأوان لم يئن بعد ~~ليعبروا البحر بطريقة ما ... وأما أني مهذب فتلك مسألة فيها نظر، وأنا شخصيا أعتقد أنني مهذب، ~~وسوف أجتهد أن يصدق هذا الشطر على الأقل في علاقتي مع الآنسة «ر». # طالت جلستنا أنا والآنسة «ر» وأدركت ونحن نغادر «جروبي» أن علي أن أقول شيئا ... وأجابتني ~~«ر» وهي تمنحني إحدى ابتساماتها الهادئة: فليكن بعد غد ... هنا في «جروبي» ... # لا أدري، لم أحس وأنا أكتب مذكراتي اليوم بشيء من الغبطة، وأتخيل بعد غد حين ألقاها، ~~أعترف أن الآنسة «ر» شغلت فكري طول اليوم ... وأعترف أيضا أنني أنظر إليها نظرة تختلف عن نظرتي ~~لغيرها من الفتيات. # 9 من أبريل سنة 1929 # لماذا فعلت ذلك؟ # سألت نفسي هذا السؤال منذ الصباح إلى الآن أكثر من مرة، ولم أستطع الإجابة عليه ... حدث كل ~~ذلك بسرعة، ودون أن تتاح لي فرصة للتفكير، وجدت نفسي خارج حياة تلك المخلوقة التي راقبتني، ~~والتي كنت أتمنى أن أرتبط بها إلى الأبد ... # إنها إن كانت أخرجتني من حياتها، فإنني لن أستطيع أن أخرجها من حياتي ... لا اليوم ... ولا غدا ~~... بل ستظل دائما الفردوس المفقود. # آه من الفردوس المفقود ... إن مرارة ذكراه أقسى من مرارة فردوس الأماني التي لم يرها الإنسان ~~بعد، أجل، إن «ر» فردوس مفقود، فردوس كان بين يدي خلال الشهرين الماضيين كما تقول محجوزا ~~للزوج ... الذي هو أنا بالطبع. # مذكراتي، وماذا كنت أستطيع أن أكتب فيها، كان كل يوم سعيدا ... يبدأ بصوتها بالتليفون ~~فتحييني تحية الصباح الجميل، وتحدثني عن أحلامها التي كنت أنا فارسها دائما ... وينتهي بالقبلة ~~اللذيذة التي أطبعها على خدها ... إن فمها كان كما تقول محجوز للزوج ... الذي هو أنا بالطبع. # وبالأمس دق جرس التليفون، ms087 ورددت أنا كعادتي فقالت «ر»: لابد أن ألقاك اليوم لأمر هام ~~... # وحينما التقينا، واجهتني بالحقيقة المروعة ... ~~- عندما انصرفت أمس بعد أن لاقيتك سألت نفسي هذا السؤال، متى سأشعر بقبلته على فمي؟ # ودار رأسي، وهي واقفة في انتظار جوابي ... وتخيلت ما أفكر فيه الآن، أنه ليس الزواج، وإنما ~~الامتحان الذي يدقون الآن الأوتاد لنصب سرادقه، فتهبط كل دقة كأنها حجر يسقط على قلبي ~~أنا. # متى سأذاكر؟ ... وكيف أذاكر؟! # أجل كيف أذاكر ... أنا الشاب الذي أتم تعليمه، وسافر إلى أوروبا، وحالته المالية تسمح له أن ~~يستريح عامين ليضع خطط المستقبل، وقلت وأنا أغالب ضميري: قريبا يا حياتي ... # وأجابتني: إنك لم تفهمني ... # قلت: كيف لا أفهمك؟! إنك تتعجلين موعد الزواج. # وقاطعتني بسرعة: لم يخب ظني فأنت لم تفهمني ... إنني لا أتعجل موعد الزواج، وإنما أريد أن ~~أعرف أسباب إرجاء زواجك بي، لم يعد بيننا ما تخفيه علي ... لقد صارحتك بكل ما يحيط بي ... وأنت ~~صارحتني بكل ما يحيط بك ... أظن ذلك ... # وتوقفت لحظة عن الحديث. # ولسوء الحظ أن عقلي قد توقف بدروه عن التفكير، وإلا لما أجبت بسرعة، ودون أن ألحظ أني أكذب ~~من جديد: أجل يا حياتي ... لقد صارحتك بكل شيء. ~~- وما من شيء أخفيته علي؟ ~~- وهل كان يجب أن أخفي عليك شيئا؟ # وهنا أجابت، وهي تتحامل قليلا خشية أن تسقط: إذن فقد خاب أملي، ليتني لم أعرفك. # وعبثا حاولت أن أهدئ ثورتها، واقتربت لكي أربت على خدها، ولكنها صاحت في صوت أرهبني: ~~إياك أن تمسني ... أريد أن أقول لك شيئا لآخر مرة ... لقد أتحت لك الفرصة لتصارحني بظروفك ... فتحت ~~لك باب الاعتراف لتتحلل من أكاذيبك، لكنك رفضت ... رفضت كمن يصر على الخداع حتى النهاية ... لو أنك ~~قلت لي إنك ما زلت طالبا، وإنك لا تستطيع الزواج ... لو أنك قلت لي إنك ستنتهي من دراستك، ثم ~~تمهد سبيلك لنعيش معا ... لكنك كذاب ... كما قيل لي عنك ... لم تفكر في الزواج، ولن تفكر ... # هل تفهمني الآن؟ ... هل تفهم لماذا سألتك؟ ... هل صارحتني بكل ms088 شيء أولا؟ # وبالطبع فهمت ... حدث ما كان يجب أن يحدث ... حينما تسير مع فتاة في الطريق، فلا بد أن تلقى ~~صديقا لك، أو صديقة لها، ولا بد أن ينتقل لقاؤكما من فم عزول المصادفة إلى عشرات الأفواه ... ~~وإني أذكر الآن أننا رأينا بالمصادفة الآنسة «ج» صديقة شقيقتي، وصديقة «ر» أيضا ذات مساء، ونحن ~~خارجان من السينما ... وأستطيع أن أتخيل الآن ما حدث بعد ذلك، إن «ر» كما أعرفها، صريحة وغير ~~ملتوية ... ولا شك أنها قابلت «ج» بعد ذلك، وقالت لها ما تعرفه عني ... وما قلته أنا عن نفسي ... ~~فأفهمتها «ج» أن كل ما قلته كذب ... # وما زلت أذكر مرة، قالت فيها «ر» أثناء الحديث: إني صريحة لا أخفي شيئا، هل تصدق أني ~~خاصمت أختي شهرين؛ لأنها كذبت علي مرة؟ # أرجو ألا يكون عقابها لي أقسى من عقابها لأختها. # 30 من يونيه سنة 1929 # سافرت اليوم إلى الإسكندرية، وأنا أكتب مذكراتي هذه في الغرفة المطلة على البحر، وقد نام ~~شقيقي حامد، إنني لا أستطيع أن أنام من حزني الجاثم على قلبي، فقد أخبرتني شقيقتي، ونحن في ~~القطار بنبأ خطبة «ر» إلى ابن عمها، وقالت لي ما هو أقسى من ذلك، قالت لي إنها قابلت «ر» في ~~الطريق، وإنها هي التي أنبأتها بذلك، وسألتها عن أحوالي، وأبدت أسفها لأنني خدعتها، ولم تنكر ~~أنها كانت تفضل أن تتزوجني. # بهذه الصراحة؟ # أجل ... وإني أعيد ما قالته لأختي بالحرف الواحد: كنت أنتظر أخاك عامين أو ثلاثة لو كان ~~جادا، لكنه كان يلهو، كذب علي ورفض أن يصحح موقفه، لم يكن عيبا أن يصارحني بظروفه، لكن ~~العيب أن يخدعني ويصر على الخداع، لقد خطبني ابن عمي، ورحبت بزواجه والحمد لله ... # أجل ... بهذه الصراحة لا يوجد في العالم إلا فتاة واحدة، وهي «ر». # كانت تستطيع من باب الزهو أن تقول: إنها لم تكن تهتم بي، لكنها مع ذلك كانت تفضل أن تنتظرني ~~عامين أو ثلاثة، إن المرأة لا تنتظر إلا رجلا واحدا، الرجل الذي تحبه، ما أشد ms089 حزني على ما ~~حدث! وما أشد حماقتي! # وأغلق مذكراته، ووضعها في مكانها بين عشرات الكراسات الصغيرة التي تحوي كل منها مذكرات عام ~~كامل من حياته ... ولم يكن بحاجة بعد ذلك إلى مذكرات ... إن مذكرات الأعوام التالية بعد عام 1929 ~~تستطيع أن تمر بخياله سريعة باردة، كما مرت هذه الأعوام نفسها ... لقد أتم دراسته عام 1933، وسافر ~~إلى أوروبا ... ثم عاد إلى القاهرة، وانخرط في سلك المحاماة ... ومنذ وضعت الحرب أوزارها، وهو يجلس كل ~~يوم يسأل نفسه هذا السؤال: لماذا لا أتزوج؟! # وتمر بخاطره قصته مع «ر» إن ذلك الماضي القديم يرتبط في خياله دائما بفكرة الزواج، وما من ~~مرة فكر في الزواج إلا ذكر «ر» وذكر قصته معها، وتمنى لو أنه تزوجها ... لكنه مع ذلك يفكر في ~~الزواج تفكيرا جادا منذ بضعة شهور. # منذ أن أخذت بضع شعرات بيضاء تتسلل إلى رأسه ... إنه لم يبلغ الأربعين بعد ... إن هذه الشعرات ~~توحي إليه في رقة وأدب أنه لم يعد طفلا ... وحين يتجاهلها تخطابه في المرآة ... وقد تغيرت لهجتها ~~من الأدب إلى الخشونة؛ لأنه قد أصبح رجلا ... وهي أحيانا تستعير لسان أحد أصدقائه لتنطق في قحة ~~ساخرة: والله عجزت يا أبا السباع! # وفي أغلب الأحيان تترجم خواطر هذه المزاح السخيف إلى صرخة ملحة: لم يعد هناك مجال للتسويف، ~~ولا بد أن تتزوج ... # وهو لا يعارض في الزواج، وما عارض فيه من قبل أبدا، وإنما كان يتوقع الوقت المناسب والوجه ~~المناسب والسن المناسبة. # ومنذ أيام كان الوقت مناسبا، والوجه مناسبا. # كان صباحا مشرقا جميلا من أيام أبريل الأخير، وكان يجلس في حديقة الشاي، وكانت الفتاة ~~الجالسة على خطوات من مائدته تحتسي على مهل القطرات الأخيرة من كوب عصير البرتقال، حين اهتزت يدها ~~باصطدام طفل صغير بمقعدها فسقط الكوب ... وتناثرت القطرات على الثوب ... قطرات قليلة لكنها أتاحت له ~~فرصة الحديث ... حديث قصير لم يتجاوز الأسف على ما حدث، وهو يمد لها يده بكوب ماء لتنظف ما علق ~~بالثوب ... ثم أتاحت له فرصة أخرى حين خرج ms090 من الحديقة بعد ساعة، ورآها تنتظر على محطة الترام فركب ~~معها، ولم يكن هناك ما يمنع حديثهما، فقد كانا وحيدين في المقصورة ... # وقت مناسب ووجه مناسب والسن ... # إن عمر المرأة من حقها وحدها تحديده، وهو لا يعرف أن هناك امرأة في العالم قد تعدت الثلاثين، ~~إن الوجه الذي يراه الآن أنضر من أن يثير مسألة السن ... بل لعل الحقيقة تخفيه، إنها تبدو في ~~العشرين. # وذكر وجهه في المرآة ذلك الصباح، وخيل له أنه يرى شعراته البيض تقترب في حياء لتلامس خصلات ~~الشعر الأسود الفاحم. # صغيرة! قال لنفسه هذا، وقد عول على التراجع ... بل لقد هم فعلا أن يغادر مركبة الترام ... ~~وصده عن ذلك شيء واحد. # إنها هي أيضا قد نهضت لتنزل من الترام، وقالت وقد لحظت حركته: هل تنزل هنا أيضا؟ وأحس بحرج ~~موقفه فأجاب، وهو يعاود النهوض: نعم، فهذا أقرب مكان لي ... إني أسكن في مصر الجديدة، ولكن سيارتي ~~في جراج قريب من هذا المكان. # يقول الفرنسيون أحيانا: إن المرأة هي التي تختار رجلها دائما ... تختاره دون أن يخالجه شك في ~~أنه هو الذي يختار ... إن هذا القول لا يصدق في تعرفه بثريا ... فهو الذي اختارها في حديقة ~~الشاي، وهو الذي كان يفكر طوال الطريق في أنها هي، الوجه المناسب. # وسيبدأ منذ اللحظة خطته لإتمام ما يريد ... يعرض عليها أن تلقاه مرة أخرى، فتمانع قليلا في ~~ابتسامة راضية. # ويلقاها بعد ذلك بيومين ... يلقاها أشجع عزيمة، ولا يكاد ينفرد بها في المقهى الهادئ على حافة ~~النيل حتى يبدأ حديثه عن نفسه. # ويلتفت إليها خلال الحديث طالبا أن تخمن كم عمره؟ وتقول في ابتسامة: آه! لم تخدعني شعراتك ~~البيض ... إنك في حدود الثلاثين ... اثنين وثلاثين سنة مثلا. # ويقول، وكأنما يحرجه الكذب في تحديد السن: لا خمسة وثلاثون ... راجل عجوز أليس كذلك؟ # وتجيب، وكأنها لا تهتم بما يقول: بالعكس ... هذه هي سن الرجولة. ~~- سن الرجولة؟! # وتمر بخاطره الآن الآنسة «ر» فجأة، فترتسم على جبينه ابتسامة خفيفة، ويخالط فكره ندم، لقد ~~كذب على ms091 «ر» نفس الأكذوبة عكسيا، قال لها حين عرفها إنه في الخامسة والعشرين، وكان لم يتعد ~~العشرين ليبدو رجلا. # ويكذب الآن على ثريا، فيقول إن عمره خمسة وثلاثون ، وهو يخطو في الأربعين ... ليبدو أيضا ~~رجلا. # إن الحديث يطوي أفكاره في ركن من عقله ليعود من جديد إلى الموضوع، موضوع الرجل والمرأة ... ~~إنهما يقتربان مما يريد رويدا. ~~- هل تعيش وحيدا؟ ~~- نعم لأني لم أكن قد وجدت من يملأ فراغ بيتي ... # لقد علمه الماضي أن يتجنب المراوغة، وها هو ذا يخطو إلى منتصف الطريق في اللقاء الثاني، ~~وتجيبه، وكأنها لا تجيبه على سؤاله ... ~~- لقد قلت لأمي اليوم وأنا أغادر المنزل إني ذاهبة لزيارة صديقة، وآلمني أن أكذب ~~عليها. ~~- كذبة صغيرة. ~~- أنا لا أحب حتى الأكاذيب الصغيرة، ولا أدري لم كذبت عليها؟ لعل ذلك لأني أفعل شيئا ~~خاطئا. # ويرفع رأسه في دهشة، ويقول مستنكرا: لقاء في وضح النهار، وفي مكان عام شيء خاطئ ... إنك ~~تبالغين. # وكان يعرف أنها لا تبالغ، وإنما تتعجل، لكنه رأى أن يتريث. # لم يكن يتردد في اتخاذ قراره، لكنه أحس من باب الشكل فقط أن طلب الزواج في اللقاء الثالث أكثر ~~ملاءمة لرجل ... في سن الرجولة، إنه على أية حال قد مهد الطريق ... # وكان موعد اللقاء الثالث، فجلس إلى المائدة ينتظر ... # وانتظر طويلا، ومرت ساعة دون أن تحضر ثريا ... # وقضى ليلته لا يصدق أنه رأى فتاة، فأعجب بها، وقرر أن يتزوجها، وأراد أن يخطبها في اللقاء ~~الثالث، فلم تحضر هذه الفتاة للقائه. # ذلك قد حدث ... حدث له فعلا ... هو الذي ظل طوال الأعوام الماضية يعيش بعواطف راكدة لا تجد ما ~~يحركها، لقد تحركت عواطفه فجأة تحت طرقات الأعوام، ولسعات الشعرات البيض. # وأخذ عقله يفرض لتخلف ثريا عن موعدها عشرات الأسباب ... لكن فرضا واحدا من هذه الفروض رفض ~~البقاء في رأسه ... لقد رغبت عنه وصرفت نظرها لأنه لم يرقها ... لقد راقها، وما زالت جملتها ترن في ~~أذنه: بالعكس ... هذه هي سن الرجولة ... # ما من عقل يستطيع أن يضع لهذه الجملة ترجمة ms092 غير الرضاء والقبول ... الرضاء والقبول الذي يتبعه ~~الإيحاء بطلب الزواج ... إنه لا يصدق ... وعقله لا يقبل غير فرض واحد، لقد حدث لثريا شيء ... وانتابه ~~القلق، وتمنى لو يطمئن إلى أنها سليمة لم يمسسها سوء، وأن شيئا لم يعقها عن لقائه ... ثم ~~... # ثم لا يبقى غير الفرض اللعين الذي لا يطيق رأسه أن يتحمله طويلا، لقد صرفت نظرها عنه؛ لأنه ~~لم يرقها. # عاش ليلة يطوف عقله في حلقة مفرغة، حتى ترنح ونام في إعياء، نوم أجفانه المتعبة. # وفي الصباح تلقى رسالة ... رسالة أخذ يقرأ سطورها الأولى بصوت مسموع ... # سيدي ... # يؤسفني أن أكتب لك نيابة عن ابنتي، لأتم حديثا قصيرا بدأته معك منذ عشرين ~~عاما. # وخفت صوته تدريجيا، وهو يمضغ الألفاظ، وكأنما خشي أن تسمعه جدران الحجرة ... وكأنما خشي أيضا ~~أن تراه هذه الجدران، فقد رفع رأسه وأجال بصره في أنحائها ... ثم عاد إلى الرسالة لتقرأ عيناه ~~فقط. # إنني أحاول أن أفهم من أي معدن أنت فلا أستطيع ... تكذب علي منذ عشرين عاما لتتسلى بي بعض ~~الوقت ... فينكشف لي كذبك وخداعك، وينقذني الله منك ... ثم تأتي لتخدع اليوم ابنة العشرين ... إن ~~مصيبة الجيل الجديد هي أنه يحرص على أن يبدو أكبر مما هو ... إن ثريا في العشرين يا ابن الخامسة ~~والأربعين ... إنك قد تنسى أكاذيبك علي، ولكنك لا تنسى كلمة الصدق الواحدة التي قلتها إذ ذاك، ~~وهي أنك في الخامسة والعشرين ... فتاة في عمر ذكرياتك تريد أن تربط حياتك بها يا قاس ... إنك مسلح ~~بهذه القسوة ضد الزمان فلا تبدو عليك سنواته ... قالت لي ثريا كم أنت لطيف وشاب وصريح ... إنها ~~عرفتك كما عرفتك أنا أول يوم رأيتك ... لكنها لم تعرفك كما عرفتك آخر يوم إلا الآن ... ~~ولكم كنت أتمنى لو رأيت نظرة الخيبة واليأس والاحتقار معا في عينيها ... إنها نفس النظرة ~~التي صرحت بها لك عيناي منذ عشرين عاما ... # من المؤسف حقا أنك لم تر هذه النظرة، ولن تراها ... لكن ربما استطاع خيالك، وما أوسع خيال ~~من يكذبون ... أن يصورها لك. ms093 # إني لست بحاجة إلى أن أعتذر عن تخلف ثريا عن لقائك بالأمس، إنك لن تراها بعد اليوم ... ولعلك ~~لست بحاجة إلى إمضاء لتعرف ممن هذا الخطاب. # إنه لم يكن بحاجة فعلا إلى إمضاء ... # كان بحاجة لأن ينهض من مقعده، ويترك حجرته إلى الشرفة الصغيرة ليتنسم الهواء ... # وكان بحاجة إلى فضاء واسع ينثر فيه خواطره المهتاجة ... # ووجد نفسه يميل إلى حافة الشرفة، وينظر إلى أرض الشارع، ينظر إليها دقائق طويلة كأنه يبحث عن ~~شيء وجده آخر الأمر، فآب إلى حجرته، وفتح أحد أدراج مكتبه، وأخذ يقرأ في مذكراته. # 22 من يناير سنة 1929 # فندق كتاراكت بأسوان ... قابلت اليوم الآنسة «ر» في شرفة الفندق! # | سبعة في صورة # ويل للمقدسات الزائفة من لحظات الشك، إنها تلقى خلالها من الذين آمنوا بها أكثر مما تلقى ~~من أعدائها. ~~*** # عشرة أعوام مرت لم أر فيها هذه الصورة ... # لقد كانت إذ ذاك تحتل إطارا جميلا، وتتخذ مكانها على الحائط بين عدد من الصور الأخرى، صورة ~~عهد التلمذة اللذيذ. # ولأمر ما تغيرت الحال ... فإذا بيد الزمان، لا يدي أنا تنتزع صور ذلك العهد ... ومن بينها هذه ~~الصورة، وتلقي بها جميعا في صندوق خشبي ... يضم مع هذه الصور عشرات من الرسائل، وقصاصات الصحف ~~والمذكرات. # وانتقل الصندوق الخشبي معنا من منزل إلى منزل، كأنه قطعة من الأثاث حتى فكرت زوجتي آخر الأمر ~~في أن تزين حجرة مكتبي ببعض صور صباي، ففتحت الصندوق، ونفضت ما تراكم على محتوياته من تراب، ~~واختارت ثلاث صور. # الصورة الأولى: أبدو فيها، وقد أمسكت بكمان، وتهيأت للعزف، وصاحت زوجتي: قل لي إذا إنك كنت ~~موسيقيا، لم أخفيت علي ذلك؟ أهذا هو سر حبك للموسيقى إلى الآن؟ # والصورة الثانية: أبدو فيها ممشوق القد في ثوب رياضي ممسكا بمضرب التنس. # وصاحت مرة أخرى: يا مضروب ... كان من الممكن أن تصبح بطلا متقاعدا، لماذا هجرت ~~الرياضة؟ # وأمسكت بالصورة الثالثة، وصاحت، وهي تغالب الضحك: أنت تتسلق الجبال، وتضرب الخيام؟! في ~~الكشافة كنت؟ وترفض الآن الذهاب إلى رحلة قمرية إلى الأهرام ms094 بالترام؟ # وصمت حتى فرغت من الأسئلة، ثم شرحت لها الأمر. # قلت لها: إنني ما أمسكت في حياتي بمضرب التنس، ولا حنوت على كمان، ولا ذهبت إلى رحلة في الجبل ~~إلا مرة واحدة، المرة التي التقطت فيها هذه الصور. # فقالت في نظرة مستفهمة: كيف؟ ~~- كنت أمثل دور عضو جمعية الموسيقى ... وعضو جمعية التنس، وعضو جمعية الكشافة. # ووجدتها غارقة في صمتها، ودهشتها فزدتها إيضاحا: كنا في مدرسة أهلية ... وكانت الحكومة تعطي ~~إعانة للمدارس الأهلية، وكان من شروط الإعانة أن تكون المدارس التي تطمع في الإعانة تباشر ~~ألوانا من النشاط الاجتماعي والرياضي والفني ... فجمعنا الناظر ذات يوم قبيل نهاية العام ~~والتقطت لنا هذه الصور ليقبض هو الإعانة. # ولم أعرف هل اقتنعت زوجتي أم لا؟ ولكنها أجابت: على أية حال ... إن هذه الصور تظهرك في أحسن ~~أوضاعك، سأعلقها هنا في حجرتك لتوهم البسطاء ممن لا يعرفونك بأنك كنت فتى متعدد النشاط. # ثم صاحت فجأة، وقد أمسكت بصورة: يا حفيظ! ما لكم واقفين هكذا، وكأنكم قد قتلتم قتيلا؟ سبعة ~~شبان يحملقون في المصور بصرامة. # وأمسكت بالصورة ... الصورة التي كانت تحتل إطارا جميلا في حجرة مكتبي من عشرة أعوام وتأملتها ~~... ثم قلت لزوجتي: قال لنا المصور انظروا إلى العدسة فنظرنا جميعا، وجمعنا رجولتنا في نظرة صارمة ~~... آه لو عرفت كم ضحكنا بعد أن التقطت الصورة. ~~- على أية حال لن أعلقها، هذه الصورة مكانها هنا كما كانت ... في الصندوق. # وخرجت زوجتي، وقد حملت معها الصور الثلاث، وامتدت يدي إلى الصندوق، فأخرجت الصورة من جديد ... ~~الصورة التي كانت تحتل إطارا جميلا ذات يوم ... صورة «الشلة» التي جمعها الزمان منذ عشرين عاما ... ~~ثم ... # لقد أحسنت زوجتي صنعا ... هذه صورة مكانها قبو الذكريات، لو أن زوجتي علقتها اليوم في حجرة ~~مكتبي لما وجدت جوابا لمن يسألني، وهو يتأمل الصورة، وأين هؤلاء الأصدقاء؟ وأين ذهبت هذه ~~الصداقة؟ # أين ذهبت؟ إي وربي، أين ذهبت هذه الصداقة؟ هل أستطيع أن أجيب؟ هل أروي قصة لا تشرف أحدا ~~من السبعة الواقفين في الصورة وكأنهم، ms095 كما تقول زوجتي، قد قتلوا قتيلا؟ # إننا لم نكن بعد قد قتلنا قتيلا حين التقطت هذه الصورة لكننا قتلناه بعد ذلك ... قتيلا ~~غاليا عشنا في ظله عشرين عاما، وإني لأذكره الآن. # وكأننا: أنا وحمدي وعبد القادر وسعيد ومصطفى وعلي ومحمود، كأننا ما زلنا بعد في ظلال هذا ~~القتيل، صداقة الطفولة والصبا والشباب ... حمدي واقف في أقصى اليمين، ومحمود في أقصى اليسار، وفي ~~وسط الصورة سعيد ... وحول سعيد من اليمين واليسار أنا وعبد القادر ومصطفى وعلي ... ولا ينقص الصورة ~~شيء لتروي قصة حادث القتل الفظيع. # هؤلاء هم أبطالها ... من عجب أن تضعهم الأقدار في الصورة، كما وضعتهم في القصة سواء بسواء، إن ~~حمدي ومحمودا كانا في القصة ... كما هما في الصورة، على الهامش، وسعيد ... إنه في وسط الصورة ... ولقد ~~كان أيضا مركز القصة، وأنا على مقربة من سعيد، بالضبط كما شاءت الأقدار أن أكون في القصة، لقد ~~كنت على مقربة من سعيد، وإن لم أقم بأي دور كان، شأني كمرتاد الحانة التي ينشب فيها عراك، فيأخذ ~~البوليس بتلابيب كل روادها، وغالبيتهم لم تشترك في المعركة ... أجل ... شهدت القصة، لا مع الجمهور، ~~وإنما على المسرح مع الأبطال. # ولو ذكر ممثلو القصة بحسب ظهورهم على مسرحها لذكرت أنا قبل أي واحد من هؤلاء، أنا الذي ~~عرفت سعيدا بمصطفى، ودعوتهما إلى داري غداة يوم التقينا فيه لأول مرة بعبد القادر، وعن طريق عبد ~~القادر تعرف كل منا بعلي وحمدي ومحمود. # في اليوم الذي التقطت فيه هذه الصورة، كان قد مر على هذا التعارف بضعة أعوام، وكان أول فصول ~~القصة وأجملها ... لم يهبط عليه الستار بعد ... الفصل الحافل بالبهجة والمرح والهناء ... # لقد هبط عليه الستار ذات يوم، ونحن نغادر باب الجامعة شبانا قد أتموا دروسهم، وشرعوا يتهيئون ~~للحياة العملية، لقد كان فصلا سعيدا، وتلاه الفصل الثاني، ولم يكن أقل منه بهجة، فصل قضيناه ~~نشوى بخمر الرجولة الباكرة، فرقتنا سبلنا في الحياة، وجمعتنا السهرات الجميلة في بيت عبد القادر ... ~~والمائدة الشهية في «شقة» علي، والنزهات المرحة ms096 في سيارة سعيد. # ونزل الستار عن هذا الفصل أيضا ذات مساء ... نزل على نهاية سعيدة هي زواج سعيد بالفاتنة ~~الناعمة سهام، وقلنا جميعا حين قدمنا إلى خطيبته قبيل نزول الستار ... قلنا في غبطة وغيظ معا: فزت ~~يا وغد ... إنها قطعة فنية. # وقال سعيد، وهو يضحك: وقطعة ثمينة أيضا ... إنكم لم تعرفوا من أخلاقها ما أعرف، إنها آية في ~~الأدب والذكاء. # وبدأ الفصل الثالث، وقد دخل في القصة بطل جديد هو سهام، وبدا في أول الأمر أن دورها لن يكون ~~هاما ... # كانت كما وصفها حمدي ذات يوم كطاقة جميلة من الزهر، ستتخذ مكانها من المنظر لتزيد في بهائه ... ~~ولكن طاقة الزهر تحركت ذات يوم من مكانها في صدر المنظر ... وما دار بخلد واحد منا ... حتى سعيد ~~نفسه أنها ستكون البطل الوحيد الذي سينزل عليه الستار، وأننا سنصبح في نهاية القصة مجرد صورة ~~مكانها قبو الذكريات ... نحن الذين صفقنا لها حين تحركت من مكانها ... وحين قامت بدور البطلة ... البطلة ~~التي أعدت لنا موائد أشهى من كل الموائد التي نعمنا بها في دار صديقنا علي، وسهرات أنستنا سهرات ~~عبد القادر ... # مر عام على زواج سعيد بسهام، واحتفلنا في نهايته بذلك اليوم السعيد الذي وهبنا الله فيه هذه ~~الطاقة الجميلة من الزهر. # ومرت بعد العام بضعة شهور، وذهبنا جميعا ذات يوم إلى السينما ... كانت سهام تجلس بين سعيد ~~وبيني، وإلى جانبي جلس عبد القادر، وإلى جانب سعيد جلس علي، وانتهى الفيلم، نهاية حزينة طوتنا ~~جميعا في صمت خانق، وقلت ممزقا هذا الصمت: ما رأي سهام في الفيلم؟ # وأجابت: نهاية فظيعة ... مسكينة البطلة لم تكن تستحق هذا المصير. # ولم أعلق على رأيها، ولكن عليا اندفع كعادته في تبرير نهاية الفليم، لقد انتهى الفيلم ~~بانتحار البطلة، وكانت القصة تدور حول طموحها ورغبتها في أن تصل إلى الجاه والثراء، حتى لقد لفظت ~~في سبيل أطماعها الحب الوحيد الصادق في حياتها. # اندفع علي يقول: ماذا كنت تتوقعين وقد علقت آمالها بأطماع كبيرة لم يكن في مقدورها أن تنالها؟ ms097 ~~لقد كانت تعيش حياة هادئة، وكان «جاك» البطل يحبها، وكان سيسعدها حتما، لكنها آثرت أن تلقي ~~بنفسها في تيار المغامرات! # فقالت سهام: هل تعيب عليها رغبتها في حياة أفضل ؟ # وأجاب علي: ومن قال إن الحياة الأفضل لا توجد إلا في القصور؟ ألم تترك «جاك» لتذهب مع ذلك ~~المليونير لمجرد أنه غني واسع الثراء؟ تذكري منظرها وهي تدير نظرها في أنحاء قصره مبهورة بما ~~حولها، ولم يمض على موقفها القاسي مع من أحبها غير ساعات ... # وتقاطعه سهام: إنك عاطفي أكثر من اللازم ... إن الذي أحبها هذا كان خاملا، كل ما يملكه حديث ~~الحب. # وكان من الممكن أن يمضي نقاشنا على هذا الوجه لا ثمرة له، نقاش يدور حول قصة سينما ... قصة لم ~~تحدث ... لولا أن عبد القادر نظر إلى سهام قائلا: ماذا كنت تفعلين يا سهام لو كنت مكانها؟ # ولم تتردد سهام طويلا، ولم يبد أيضا أنها تمزح، وإن طغى الضحك على صوتها، فقالت: كنت ~~أفعل ما فعلت، لكنني كنت أحتاط للمستقبل، لاحظ أنها لم تنتحر إلا حين ذهبت إلى الشاب الذي أحبها ~~بعد أن طردها المليونير، فطردها هو أيضا بدوره ... أنا ما كنت أدع الأمر يمضي إلى هذا الحد أبدا ~~... # وإني لأذكر الآن رنين صوتها، وهي تقول هذه الكلمة باستنكار، وإني لأذكر الآن حديثنا، أنا ~~ومصطفى، بعد أن ودعنا سعيدا وسهاما والآخرين، وسرنا وحدنا نثرثر بعد منتصف الليل. # دار حديثنا إذ ذاك كله عن سعيد وسهام، ولا أدري بالضبط كيف بدأ الحديث، ولكني أعرف أن سهام لم ~~تكن في تلك اللحظة في مكانها من نفسي ... كانت قد تزحزت قليلا، وقد أكون أنا الذي بدأت الحديث ~~فخطأت رأيها. # على أية حال، لقد تطرق بنا الحديث حتى تغلغل في بيت سعيد، وأخذ يزيح بلا سبب الغلالات الجميلة ~~التي كسونا بها سهام، ولم يكن هذا غريبا ... إن في حياة كل إنسان لحظات يصبح فيها أشد ما يكون ~~تهيؤا لفحص عقائده ومقدساته بقسوة قد لا يجرؤ عليها غيره. # والويل للعقائد والمقدسات الزائفة من هذه ms098 اللحظات، إنها تلقى إذ ذاك منا - نحن الذين آمنا ~~بها حينا - ما لا تلقاه من الذين كفروا بها طوال الحياة. # ولقد كانت سهام إحدى مقدسات الشلة، وكنا أنا ومصطفى نجتاز إحدى هذه اللحظات ... نجتازها فجأة ~~بلا مقدمات ... حديث السينما التافه من الصعب أن يكون أساسا، وآراء سهام في الحب والحياة قد تكون ~~مجرد ثرثرة في الطريق ... # ما الذي جعلنا إذن نتحدث عن سهام، وبالطريقة التي تحدثنا بها، بل ما الذي جعلني أنا أستمع لكل ~~ما قاله مصطفى تلك الليلة، كأنه صادف هوى في نفسي؟ # من المؤكد أنه ليس حديث السينما، ولا ثرثرة سهام وآراؤها الجريئة ... هي «الكبسولة» التي انفجرت ~~ففجرت البارود، وملأت الجو بهذا الدوي الرهيب ... لكنها كانت مجرد كبسولة، أو لعل الكبسولة كانت ~~قولي: عجيب هذا الرأي من سهام ... لو أن غيرها يقوله ... لكن هي؟! # واتصل اللهب بالبارود، فأجابني مصطفى، وكأنه يجاهد كلاما غير ما يقول: إن العجيب هو أن يكون ~~لها رأي غير هذا، أليست امرأة؟ # واستنكرت قوله ... وليتني ما استنكرته: امرأة! هل تنسى أنها سهام ... زوجة سعيد؟ ~~- إن الذي يقتلني هو أنني لا أستطيع أن أنسى ذلك. ~~- يقتلك! لكن لماذا؟ إنك ثائر. # لكن مصطفى كان أكثر من ثائر، كان كمن يئوده عبء ثقيل صبر على احتماله طويلا، ثم تهاوت ~~أعصابه، واسترخت فسقط العبء على الأرض. ~~- لست ثائرا، وإنما أكاد أجن ... ألا يرى سعيد ما نراه؟ لقد كان أكثرنا تجارب ... ألا يرى ما ~~تفعل سهام؟ ~~- وماذا تفعل سهام يا مصطفى، ولا تقره أنت؟ ~~- هؤلاء السادة الجدد الذين نراهم في بيت سعيد ... متى كانوا أصدقاء؟ ~~- هذا سؤال نوجهه إلى سعيد لا إليها ... ومع ذلك فأنا أجيبك عليه، عن أيهم تسأل؟ ~~- ذلك السيد المنتفخ «م» باشا الذي ملأ صيته أنوف الأشراف بما هو أكثر من الزكام ... ما الذي ~~جعله الآن قاسما مشتركا في كل سهرة ... منذ متى كان صديقا لسعيد؟ ~~- إن الرجل صاحب يد جليلة على سعيد ... ألا تعلم أنه صاحب نفوذ؟ ثم إن الرجل يمضي السهرة معنا ~~كأنه أحدنا ms099 ... إنه ديموقراطي الخلق. ~~- والسيد الآخر الذي ظهر فجأة «ع» بك، ذلك الأمي الذي يقرأ ويكتب بعناء، ما الذي جمعه بنا؟ ~~وأي حديث راقه من أحاديثنا حتى أصبح يشاركنا في مجلسنا كل ليلة ...؟ هل هو حديث الخراف والديكة التي ~~انهالت على بيت سعيد؟! # وصحت بمصطفى: ألم أقل إنك ثائر ومجنون؟ هؤلاء أصدقاء سعيد ... يروقهم مجلسه كما يروقك ويروقني ... ~~كيف تعرف عليهم؟ ألم تعرف أن ذلك يرجع إليه وحده، وهذا شأنه دون سواه؟ لقد أنستك ثورتك أكثر مما ~~يجب. # وصمت مصطفى لحظة، وكدت أحس بالجو الثقيل الذي نشره ينزاح بعيدا لولا أنه عاد يقول في تراخ: ~~لو رأيت بعينك ما رأيت لثرت أكثر مني ... هذا إذا كنت تضع سعيدا حيث وضعناه من نفوسنا من زمن ... لو ~~رأيت سهاما، وهي قابعة في سيارة صاحبنا المنتفخ، ولو رأيت صاحبنا المنتفخ نفسه، وهو يصعد إلى ~~السيارة ويجلس إلى جوارها. # وأعترف أني دهشت لهذا الذي يقوله مصطفى ... ومن المؤكد أني ثرت عليه، وقاطعته والتمست لهذا ~~اللقاء الأعذار. # وأعترف أيضا أني تخاذلت، وأنا أسمع أبعد من هذا الذي رواه، سهام تلقى هذا وذاك خلال ساعات ~~النهار حين يكون سعيد في عمله، ليس السيد المنتفخ وحده ... وليس الثري الأمي ... وإنما ثالث ~~ورابع. # ويل للمقدسات الزائفة من لحظات الشك، إن هذه اللحظات تستبدل بعيون الحب العمياء عيونا واعية ~~حذرة ذاكرة. # في خلال بضعة شهور من هذا اليوم كان كل منا يرى في بيت سعيد ما لم يكن قدره من قبل، وكان كل ~~منا يلحظ من تصرفات سهام ما يثير أشد الرجال غباء وغفلة. # ولكن سعيدا كان يفوق أشد الرجال غباء وغفلة، كان لا يثيره شيء بل كان يبدو أنه راض بكل ~~شيء. # وعلل عبد القادر ذلك ذات يوم فقال: إن سعيدا قد تغير، وإنه يريد أن يصل إلى الثراء والجاه ~~معا؛ لأن سهام تريد ذلك. # واندفع علي كعادته: أو لم تقل رأيها بصراحة ليلة كنا في السينما؟ ... إنه لا يريد أن يكون ~~العاشق الذي تتركه في منتصف الطريق. # وخرج ms100 حمدي من هامشه فقال: وماذا أنتم فاعلون؟ هذا هو سعيد، إما أن تقبلوه كما هو، وإما أن ~~ندعه في حاله ... هل فيكم من يجرؤ على أن يحدثه بشيء؟ ~~- أنا أجرؤ أن أحدثه لو أن لذلك أية فائدة تعود عليه، إنه راض عن ذلك. # وكان مصطفى هو الذي يتكلم في استنكار. ~~- قد يكون سعيد كما تقولون يمنح زوجته الكثير من الحرية، ويفتح بيته لأصدقاء جدد قد يعاونونه ~~فيما رسمه لنفسه من مستقبل، لكن من يجرؤ منكم على أن يتهمه بأنه يعرف السوء عن سهام ويسكت. # وسكتوا جميعا ... وإني لأذكر الجو الخانق الذي عشنا فيه تلك الليلة، وأذكر أيضا أن غالبيتنا ~~منذ ذلك اليوم قد آثرت ألا تثير الموضوع، ولم يكن يواصل الحديث فيه غير مصطفى ... # حتى جاءني مصطفى يوما، وفي يده رسالة وصلت إليه بالبريد ... # رسالة تحمل توقيع سعيد، وفيها يعلن سعيد مصطفى بأنه يقطع علاقته به بعد ما تبين نذالته ~~وحقارته التي لم يكن يتصورها. # وتتلخص هذه النذالة وهذه الحقارة في أن مصطفى قد حاول أن يغري سهام، وطارحها هواه، وطلب منها ~~موعدا بالتليفون ... وفي الرسالة، إن لم تخني ذاكرتي، هذه الجملة: # لقد روت لي سهام كل شيء، وهي خجلة تبكي ... أما خجلها فيرجع إلى المستوى الذي انحدر إليه ~~بعض أصدقائي، وأما بكاؤها فلأنها ربما كانت تنوب عني في ندب صداقتنا الطويلة. # وطويت الرسالة وأنا مذهول، ثم انتبهت على صوت مصطفى، وهو يقول لي: توقعت كل شيء إلا هذا ... لو ~~أنها فعلت ذلك مع أحدكم لكان معقولا ... لكن معي أنا؟ # ومضت فترة قبل أن أعي كلماته لأسأله ما يعني ... لم لا يستبعد حدوث ذلك مع أحدنا، ويستبعد ~~حدوثه معه هو؟ وأعادني إلى ذهولي جوابه الجريء. ~~- ذلك لأني الوحيد بينكم الذي فعل ذلك حقا. ~~- فعل ذلك؟ ... أنت؟ ... طارحتها هواك، وطلبت منها موعدا هل جننت؟ ~~- قد أكون جننت ... لكن ذلك حدث ... أما الذي لم يحدث، فهو ما قالته لسعيد من أنها رفضت لقائي ... ~~ولم يحدث ذلك أول أمس كما تقول بل منذ ms101 شهر ... # ولم أفهم شيئا، فعاد مصطفى يقول: صبرا حتى تسمع القصة التي يسبقها اعتراف قصير، هو أنني ~~أحببت سهام فعلا، ليس اليوم ولا أمس، وإنما منذ رأيتها أول مرة ، أحببتها كما يجوز أن تحبها أنت، ~~أو يحبها غيرك ... أحببتها وطويت على هذا الحب جوانحي، فلم يعرفه أحد حتى هي نفسها ... ذلك هو اعترافي ~~القصير ... أما ما حدث فهو أنني لقيتها منذ شهور ... لم أطلب منها موعدا، ولم أدبر لقاءنا، وإنما كان ~~ذلك مصادفة. # وفي هذا اللقاء لا أعرف كيف جرتني هي إلى الحديث عن نفسي، ولا أعرف أيضا كيف واعدتها على ~~اللقاء في اليوم التالي، وإن كنت أقسم أني ما رتبت أن تمضي الأمور على هذا الوضع. # وفي لقاء اليوم التالي صارحتها بحبي ... فعلت هذا، وأنا أكاد أبكي لما يريبني من تصرفاتها، ~~وأعترف أني كنت قد فقدت كل سلطان على عقلي وأعصابي، وأعترف أيضا أن شبح سعيد ظل بيننا برغم ما ~~أصابي من انهيار، فما لمست غير يدها في قبلة أحسست أنها أحرقت شفتي، وانتهى لقاؤنا لا كما ينتهي ~~لقاء العشاق على وعد باللقاء، وإنما كما ينتهي غرام يائس لا خير فيه ... وكل ما فعلته بعد ذلك أنني ~~كنت أحادثها بين الحين والحين بالتليفون، فأثرثر معها بضع دقائق، وما خطر ببالي مرة واحدة أن ~~أطلب منها موعدا ... حتى كان يوم الثلاثاء الماضي، إذ رأيتها تجلس في سيارة إلى جانب ذلك الشاب ~~الذي رأيناه عند سعيد منذ بضعة أسابيع، ذلك الشاب الذي قال عنه حمدي إنه قد ورث بضعة ألوف، كانا ~~وحدهما، وكان يطوق خصرها بذراعه في طريق الصحراء، فجن جنوني، وما كاد الصباح يطلع علي حتى أمسكت ~~بالتليفون أعاتبها في حسرة على ما رأيت، فإذا بها تنكر في شدة، وإذا بحديثنا ينتهي، وقد أغلقت ~~المكالمة في عنف ... ثم يكون اليوم الجمعة فتصل إلي هذه الرسالة بالبريد. # ويصمت مصطفى لحظة، ثم يقول: كنت على وشك أن أذهب لسعيد لأقص عليه ما حدث لولا خشيتي مما يحل ~~به لو عرف الحقيقة. ~~- ماذا ms102 ستصنع إذن؟ ~~- لا شيء، لا أعرف ماذا أصنع؟ # أما أنني أبديت رأيا فيما فعله مصطفى فذلك حق، لقد صببت عليه سيلا من اللوم والتقريع ... لم ~~ألمه لأنه أحب سهام ، بل لأنه واعدها على اللقاء. # لكني في قرارة نفسي أحسست أن ما فعله هو قد أفعله أنا، وأن الفخ الذي وقع فيه ... قد يقع فيه أي ~~إنسان. # ولقد صدق إحساسي حين لقيت سعيدا بعد ذلك ... فإذا به يفاجئني برأيه ... لا في مصطفى فقط ... وإنما ~~في ثلاثة غيره من أفراد شلتنا ليس فيهم أنا ولا حمدي ولا محمود. # لقد اعترفت له سهام ... اعترفت بأن عليا، وعبد القادر قد حاولا معها المحاولة نفسها وإن لم ~~يصلا إلى قحة مصطفى ... وكان سعيد مقتنعا بما تقول؛ لأن دموع سهام قد استطاعت أن تنبت في قلبه أقسى ~~الكراهية لهؤلاء الثلاثة. # أما أنا فقد غادرته تلك الليلة لآوي إلى داري مبكرا، ولأجلس إلى مكتبي أتأمل صورتنا ... نحن ~~السبعة. # ومرت أيام ... أيام ثقيلة كالجبال ... لقيت خلالها عبد القادر ومصطفى وبقية الصحاب في أكثر من ~~مكان ... إلا بيت سعيد ... وكان حمدي آخر من لقيت منهم خلال تلك الأيام ... لقيته وأنا في طريقي إلى بيت ~~سعيد، فدعوته للذهاب معي، فإذا به يعتذر في لباقة، فلا أكاد ألح عليه حتى يقول: أوتريدني أن أصدق ~~ما نسب إلى علي وعبد القادر؟ إن ذهابي معناه أن أصدق ما نسب إليهما، وأنا لا أصدق حرفا واحدا ~~منه، إن أضعف الإيمان ألا تطأ قدماي بيت سعيد ... # ومضيت وحدي ... مضيت لأجد نفسي غريبا في بيت غريب حتى سعيد نفسه بدا لي غريبا في حديثه ~~وتفكيره وتصرفاته. # وما استطاعت بسمات سهام ولباقتها ونعومتها أن تزيل وحشتي من هذا الجو الذي لا أعرف فيه إلا ~~وجهها ووجه سعيد. # وكان سعيد فرحا في ذلك اليوم، فقد اشترى حجرة جديدة للمائدة، وكان حديثه كله عما اعتزمه هو ~~وسهام من إعادة تأثيث البيت ... البيت الذي مر على تأثيثه عامان فقط، ومضى يصور ما سوف يبدو عليه ~~بيته حين يعمر بالأثاث الجديد. ms103 # وخرجت قبيل منتصف الليل، واستطعت أن أنام بعد ساعة من التفكير المضطرب في كل ما حدث، وكانت ~~هذه آخر ليلة زرت فيها سعيدا. # ظلت الصورة في مكانها في الإطار الجميل بعد ذلك، ظلت بضعة شهور حتى سقطت ذات يوم؛ إذ وهن ~~الخيط الذي كانت معلقة به على الحائط فانقطع، ولم أجد في نفسي أية رغبة لتعليقها من جديد، ~~فوضعتها شقيقتي في الصندوق الخشبي مع شتى الصور والمذكرات، وضعتها لتنقل معي إلى بيت الزوجية ~~أثرا من آثار الشباب، وها أنا ذا أعيدها من جديد. # صورة السبعة الذين قتلوا قتيلا ... ويا له من قتيل غال ... # | أقوى من الشرف # كان حبه لها كل شيء ... كان آماله، كان نجاحه ... كان أقوى من الشرف نفسه ... ~~*** # حينما تحتفظ برسائل أصدقائك، فإنك تجد عملا مسليا حين تخلو لنفسك وتجلس إلى هذه الرسائل ~~وتقلب فيها ... وتقرؤها واحدة واحدة، إن كل رسالة تستدعي بعض خواطرك عنها، وتكون معها صورة لصديق ~~أو قصة له، ربما كانت قصة حياته كلها أحيانا ... # إني أفعل ذلك الآن، وأنا جالس إلى مكتبي في هدأة الليل لا أجد ما أعمله ... أقلب رسائل أصدقاء ~~الزمن الماضي، لا أفض إحداها حتى تنقلني إلى ماض بعيد ... وكأنها عصا ساحر تفعل الأعاجيب، هذه ~~رسالة من سعيد يزف إلي نبأ نجاحه في البكالوريا، إن الخواطر تتزاحم في رأسي ... ليالي المذاكرة في ~~منزله والصحاب الأربعة الذين كانوا يذاكرون معنا ... ليالي مايو الساخنة تبعث في سحب الدخان ~~المنعقدة في الحجرة لهبا ... فيصيح سعيد: لم لا يكون الامتحان في الشتاء؟ # ويضحك إبراهيم، وهو يقول: كنا برضه حانعرق لو عملوا الامتحان في يناير. # وتتوالى الذكريات، وتدخل خلالها رسائل سعيد كأنها الأعمدة الحديدية ... # إن المذكرات والرسائل تبدوان معا كبناء ضخم ... وإني لأطوف بهذا البناء ... إني أعرفه تماما، إن ~~خيالي يفتح أبوابا من الذكريات، وكأنه يفتح أبوابا موصدة في البناء، إنه يجوس في الحجرات ~~والممرات والدهاليز منذ التقينا في المدرسة الخديوية عام 1929. # وفجأة تكتشف الذاكرة ذكرى مطوية، وينفرج الطريق ... هذا جناح آخر من البناء ... يقود إلى ms104 بناء ~~آخر ... إلى حياة صديق آخر كان معنا ... هذه رسالة من سعيد تذكر لي الأيام السعيدة التي قضاها هو وعبد ~~الجواد بالإسكندرية. # إني أذكر هذه الأيام ... كنت قد رسبت في المجموع، فكتب علي أن أقضي الصيف في القاهرة لأستعد ~~لامتحان الدور الثاني ... إن سعيدا يكتب لي من الإسكندرية قائلا: # ليتك كنت معنا ... إننا نقضي هنا أياما لطيفة، وقد استطعت أن ألتقط من فوق رمال الشاطئ ~~ثلاث فتيات، أوزع وقتي بينهن بالقسطاس، وأنت تعرف عبد الجواد وطبعه الحنبلي؛ فهو يصر على أن ~~الإسكندرية بحر بالنهار، ونوم طويل بالليل ... وعبثا حاولت أن «أشبكه» مع إحدى الفتيات الثلاث ~~... وعلى فكرة سيعود عبد الجواد بعد باكر إلى البلد، وربما عدت أنا بعده بأيام. # إن ذاكرتي تسوق إلي القصة الآن من بدايتها ... فعبد الجواد هو صديق سعيد منذ الطفولة، وهما من ~~بلد واحد، وقد عرفتهما في وقت واحد، وظلت صداقتنا قائمة حتى بعد أن تخرجنا في الجامعة، وتفرقنا ~~في طلب العيش. # وشاءت الظروف أن تجمع سعيدا وعبد الجواد مرة ثانية؛ فقد نقل سعيد إلى طنطا حيث كان عبد ~~الجواد قد فتح مكتبه، وبدأ يكون لنفسه مكانا ممتازا بين محامي المدينة، ولأدع أحد رسائل ~~سعيد إلي تتحدث: # وتخيل عبد الجواد ... حين رآني أمامه في حجرة مكتبه بطنطا قضينا الدقائق العشر الأولى في ~~عناق وتحيات، وقصصت عليه أني نقلت إلى طنطا، وقبل أن تمر نصف ساعة على لقائنا كنا نسير في ~~الطريق نحو داره، وبعد الغداء قص علي نبأ خطبته لابنة لأحد معارف والده من القاهرة، إنه يستعد ~~للزواج فعلا، وقد حضرت والدته إلى طنطا لتشرف على تأثيث منزله ... إن طنطا بديعة، ويخيل لي ~~أني سأقضي فيها أياما سعيدة، وإن كنت أحس أني مهدد بالزواج؛ لأن صديقي الوحيد فيها ~~سيتزوج. # وتزوج عبد الجواد فعلا، وحضرنا حفلة زفافه في القاهرة، وكانت ليلة لا ننساها أنا وسعيد؛ فقد ~~كدنا نضرب المطرب الذي غنى في الفرح؛ لأننا طلبنا منه أغنية معينة فلم يغنها ... وقد شربنا ~~أنا وسعيد وثملنا، ولعلنا أضحكنا ms105 الناس في تلك الليلة أكثر مما أطربهم المطرب الثقيل الظل. # وقال لي سعيد وهو يترنح ونحن في طريقنا بعد الفرح: سهرة مدهشة! # وأجبته وأنا أكثر ترنحا: تعرف يا واد أن الجواز لذيذ. # وأجابني، وقد وقف متصنعا الاتزان: على أن نحضر مدعوين فقط. # وتعالى ضحكنا، وودعت سعيدا عند باب الفندق الذي ينزل فيه، وقال لي: سأصحو مبكرا لأحضر ~~سيارتي من الجراج، وسأتولى نقل المحكوم عليهم بالزواج إلى منزل الزوجية في طنطا بسيارتي ... لقد ~~اتفقت مع عبد الجواد أن أمر عليه الساعة 11,30. # وضحكت لفكرة استيقاظه مبكرا؛ فقد كان الفجر يؤذن حين استأنفت أنا السير إلى منزلي ... وسافر ~~عبد الجواد وعروسه إلى طنطا بسيارة سعيد بعد ظهر اليوم التالي، وعاشا حياة هانئة طيبة ... حياة ~~لمست أنا مقدار بهجتها حين ذهبت إلى طنطا بعد ذلك بعدة شهور، وتغدينا ومعنا سعيد. # كان كل شيء ينطق بأن عبد الجواد سعيد ... البيت المنظم الأنيق، والعذوبة التي يتحدث بها ~~الزوجان، ونظرات الحنان التي يتبادلانها، كل شيء يدل على أن زواج عبد الجواد كان موفقا. # وقال لي سعيد بعد ذلك إنه يقضي أغلب وقته معهما، وإنه سوف ينتهي به الأمر إلى الزواج. # وإذا ضمنت أني سأجد زوجة مثل منيرة فثق أني سأتزوج فورا، إن عبد الجواد زوج مثالي حقا؛ ~~لكنه لم يكن ليحظى بهذه السعادة لو لم تكن زوجته بدورها زوجة مثالية. # وقص على سعيد كيف فتح زواج عبد الجواد أبواب الرزق أمامه؛ فقد اتسعت أعمال مكتبه ففكر في أن ~~يفتح مكتبا آخر في المحلة الكبرى، وأن منيرة تشجعه على ذلك، وستسافر معه إلى المحلة لتشرف على ~~تأثيث المكتب. # وبعد الظهر اجتمعنا، أنا وسعيد وعبد الجواد ومنيرة، في شقة سعيد لنشرب الشاي، ورأى عبد الجواد ~~تمثالا لطيفا من البرونز على مكتب سعيد، تمثالا لفتاة تحمل قيثارة، أعجب به، وسأل سعيدا من ~~أين اشتراه؟ وصمت سعيد برهة، ثم قال: تعرف لقد كنت أفكر منذ مدة عن مكان هذا التمثال الملائم، ~~لقد تذكرت الآن أنه ظهر البيانو الفخم في منزل ms106 الأستاذ عبد الجواد، يجب أن نصحح الأوضاع. # وحمل عبد الجواد التمثال بعد إلحاح سعيد إلى منزله، وقال سعيد وهو يودعني على محطة طنطا: كنت ~~أبحث عن مكان نظيف أضع فيه هذا الأثر الغالي، الحمد لله الذي أعجبهم التمثال ... أنت تعرف كم هو ~~غال عندي. # وكنت أعرف فعلا قصة هذا التمثال ... إنه الأثر الباقي لسعيد من شقيقه الذي توفي في باريس ~~منذ أعوام، وهو يدرس الفن ... التذكار الوحيد الذي أرسله لسعيد قبيل وفاته بأسابيع ... وكان سعيد ~~يحتفظ به، ويحرص عليه. # إن حياة الزوجين تمضي في طريقها، ورسائل سعيد تصل حلقات الذكريات ... في كل منها ذكر لعبد ~~الجواد وأخباره، لقد أصبح عبد الجواد من أشهر محامي طنطا، ونجح مكتبه في المحلة، وهو يذهب إلى ~~المحلة ثلاث مرات في الأسبوع ... وفي كل رسالة من رسائل سعيد يأتي ذكر عبد الجواد، فهو منذ حضرت ~~شقيقته لتقيم معه في طنطا يرى عبد الجواد وزوجته كل يوم تقريبا، بل يقضيان معا أغلب الليالي ... ~~وفي إحدى هذه الرسائل يقول: ~~... إننا الآن كأسرة واحدة، وقد كان لمنيرة الفضل الأكبر في أن تنسى شقيقتي نكبتها في ~~زواجها فهي تزورها باستمرار، وحينما تضطر للبقاء في المنزل تصر على أن تدعو شقيقتي لتقضي ~~اليوم معها ... كنت وعدتنا أن تحضر في شم النسيم، فأرجو ألا تنسى وعدك، وسوف تحضر شقيقتي الصغرى ~~وزوجها وأخي أحمد، وربما حضرت والدتي أيضا، وستكون فرصة لترى أسرتي ما دمت لا تراها، ولا ~~تزور أحدا منهم في القاهرة. # وقد وفيت بالوعد، وذهبت لأقضي مع الصحاب شم النسيم في حديقة أحد أصحاب سعيد من أعيان طنطا، ~~وكان يوما لطيفا، وقص علي سعيد ما لم يخبرني به من قصة شقيقته؛ فقد كانت متزوجة برجل محترم ~~يشغل منصبا كبيرا، ثم دب بينهما الخلاف أخيرا؛ إذ نقلت إليها إحدى صديقاتها نبأ علاقة بين ~~زوجها وإحدى الراقصات مما أثارها، وعبثا ذهبت الجهود لإصلاح ما بين الزوجين؛ فقد أصرت على ~~الطلاق، وتم الطلاق فعلا، وقد دعاها سعيد للإقامة معه فترة لتسري عن نفسها ... فقد ms107 كانت ~~المسكينة تحب زوجها برغم كل ذلك، وبعد شم النسيم جاءتني رسالتان من سعيد خلال شهر، وإني أعترف أن ~~شيئا في الرسالتين لم يسترع اهتمامي أول الأمر؛ في الأولى يجيء ذكر عبد الجواد وزوجته في سطر ~~واحد، مجرد ملء خانة تعود أن يملأها سعيد ... ~~... سافرت شقيقتي إلى مصر؛ لأن موعد نظر القضية التي رفعتها لضم طفليها إليها قد حان، وقد ~~زرنا عبد الجواد، وودعتهما شقيقتي، وهما بخير، وقد قال لي عبد الجواد إنه كتب لك ليهنئك ~~بالدرجة. # أما الرسالة الثانية، فقد كانت بعد ذلك بأسبوعين، وكنت قد سمعت أن شقيقته قد ربحت قضيتها، ~~وحكمت المحكمة لها بضم الطفلين، فكتبت لسعيد أهنئه بهذا النصر السخيف خصوصا، وأنه كان مهتما ~~بالقضية اهتماما كبيرا، مصدره لهفة أخته على طفليها الصغيرين اللذين انتزعهما الأب منها ~~وأخفاهما عنها، وكتب سعيد يرد على رسالتي وينبئني بمساعي الصلح التي يبذلها زوج شقيقته، وأنه كتب ~~لأبيه بألا يتشدد، وأن الأولى أن يتصالح الزوجان بعد أن رأى بعينيه مدى حالة أخته بعد الطلاق، ~~وفي هذه الرسالة ورد ذكر عبد الجواد مرة واحدة، وفي جملة واحدة. ~~... زرت عبد الجواد أمس، وهو يهديك أزكى تحياته ... # أما ما وراء هذا التطور في رسائل سعيد فهو أن عبد الجواد اضطر إلى أن يزيد نشاطه في مكتبه في ~~المحلة، وأصبح يذهب إليها أربعة أيام في الأسبوع، وبدأ يركز قضاياه في يومين في طنطا هما الأربعاء ~~والخميس، ثم يسافر السبت والأحد والاثنين والثلاثاء إلى المحلة، يسافر كل يوم بأول قطار، ويعود ~~آخر النهار؛ ولذلك وجد سعيد أنه من الإرهاق أن يزوره في غير أيام الخميس أو الجمعة، وكان يحضر إلى ~~مصر في كل أسبوعين مرة، فأصبح بذلك لا يزور عبد الجواد إلا كل أسبوعين مرة ... إن الحياة مشاغل ... ~~هكذا قال لي سعيد، وهو يحدثني عن تزايد عمل عبد الجواد، وعن انشغاله هو في عمله المصلحي: # تصور أنني أذهب إلى مكتبي صباحا ومساء بعد أن مرض أحد زملائي، وتحولت علي ~~أعماله. # إن كل شيء يمضي في ms108 طريقه طبيعيا حتى تصل إلي هذه الرسالة التي أقرؤها الآن ... أقرؤها ~~متماسكا شعوري، وأكاد أتخيل شعور سعيد الذي تنم عليه سطور رسالته ... # إني اكتب لك هذه الرسالة، وأنا أكاد أحترق من الحيرة والقلق ... ولا أدري هل لي الحق في هذه ~~الحيرة أو لا؟ لقد حاولت أنا شخصيا أن أصل إلى تفسير فلم أوفق، ودعني أقص عليك ما حدث ~~أولا، وأرجوك إذا اهتديت إلى حل أن تخبرني به ... إنني شخصيا لا أجد حلا ... ولا ~~تعليلا. # في الأسبوع الماضي خرجت يوم الثلاثاء من مكتبي في الساعة الثانية عشرة ظهرا، وكان معي ~~أحد زملائي في العمل لنقوم بمعاينة منزل تريد أن تشتريه الحكومة، فوجدت منيرة تغادر منزلا من ~~المنازل الجديدة التي بنيت في نهاية شارع «...» هذا ما حدث في صورته المبسطة ... وما رأيته ... فلم ~~يلفت نظري بالمرة، خصوصا وأن منيرة لم ترني ... وفي عصر ذلك اليوم مر علي بالمنزل عبد ~~الجواد ليدعوني للعشاء احتفالا بعيد زواجه زاعما أنه قد أخفى ذلك على زوجته ليفاجئها، ~~وأخفاه علي لكيلا أتعب نفسي في إحضار هدية والوقت آخر شهر، وذهبنا للعشاء، وقضينا وقتا ~~لطيفا، ونسيت بالمرة أني رأيت منيرة في الصباح، نسيت ... لولا أن طرق أذني صوت منيرة تقول ~~لزوجها: زرت اليوم أسما هانم، وقضيت عندها ساعتين، وقد تحسنت صحتها، ويقول الدكتور إنها ~~ستغادر الفراش بعد شهر على الأكثر. # وأنت لا تعرف أسما هانم بالطبع ... ولكني أعرف أنها زوجة القاضي الشرعي، وهي سيدة محافظة، ~~وهذا لا يهمك بالطبع لكن المهم هو أن أسما هانم هذه تسكن في ناحية نائية من مدينة طنطا، في ~~الطرف الآخر من المدينة، ذكرت إذ ذاك فقط ما حدث ظهر ذلك اليوم، وقفز إلى ذهني ما لم ألتفت ~~إليه أول الأمر ... المنزل الذي رأيت منيرة تغادره، إنني أعرف من يقطنه، في الدور الأعلى أحد ~~تجار المدينة متزوج بسيدة يونانية لا تزور أحدا أبدا، وهي لا تتكلم العربية، ولم يمض على ~~زواجهما شهور، وفي الدور الثاني يقيم عبد الستار أفندي كبير كتاب المحكمة الأهلية، ms109 وهو رجل ~~محافظ، حتى إن نوافذه على الشارع لا تفتح أبدا ... ولا أعرف أن زوجته صديقة لمنيرة ... ويبقى بعد ~~ذلك الدور الأول ... إن ساكنه هو الشاب الرقيع الدكتور محجوب، ولا إخالك قد نسيته، إنه صاحب ~~صديقنا حسان، وصاحب الحديقة التي قضينا فيها شم النسيم، والذي كاد يقتلنا أنا وأنت بنظرته، ~~ولا أدري كيف يطيقه حسان، هل يمكن أنك ستقول ذلك ... وأنا أيضا قلت ذلك لنفسي أكثر من مرة، ~~واستبعدته بعنف أكثر من مرة لكنه مع ذلك كان، وللأسف الشديد، الحقيقة بعينها ... فمنيرة تذهب ~~إلى هذا الوغد في منزله، وإليك البرهان # فقد دعاني حسان بعد ذلك بيومين لسهرة عنيفة في منزله ... سهرة وجدت فيها الدكتور محجوب، ~~وأخذنا نشرب ... أنت تعرف أني أقلعت عن الإفراط في الشرب؛ لذلك شربت كأسين فقط ... أما هو وحسان ~~فقد شربا حتى ثملا، وأخذا يثرثران ... وسمعت وسط الثرثرة لسان هذا النذل يلفظ اسم منيرة، ~~فاعتدلت في جلستي، ويظهر أنه لحظ ذلك مني، فحاول أن يدير الحديث، ولا أدري من أين جاءني ~~الدهاء إذ ذاك ... لقد ابتسمت ونظرت إليه في خبث، وقلت له: سبحان الله ... حانخبي على بعض ... ما ~~إحنا عارفين ... وكأني بذلك قلت له كلمة السر ... فقد انطلق في عنف يمزق الثوب الأبيض الجميل، ثوب ~~الطهارة الذي كانت تتشح به منيرة أمام عيني، لقد تعرف بها قبل أن تتزوج، ثم رآها في طنطا، ~~وجددا عهد الصداقة ... جدداه في هذه المرة على حساب صديقنا عبد الجواد المسكين، إنه هو الذي ~~يهمني في الموضوع، إنني أكتب لك هذه الرسالة، وأنا لا أكاد أتصور كيف سأرى منيرة بعد ذلك؟ وهل ~~سأتمالك نفسي عن احتقارها؟ ... اليوم هو الأربعاء والمفروض أنني سأراها غدا ... سأراها وهي تبتسم ~~في حنان، وتتكلم في عذوبة تفيض على عبد الجواد المخدوع، فلا يدري شيئا مما حوله ... إني أكاد ~~أنفطر حزنا، وأتفجر غيظا، ولن أستطيع أن أكتم الأمر عن عبد الجواد طويلا، خير له أن يعرفه ~~مني وبطريقتي الخاصة، من أن يعرفه قصة فاضحة تملأ كل الأسماع قبل ms110 أن تصل إليه، عندئذ سيكون ~~الوقت قد فات لإنقاذ سمعته ... # إني أذكر الآن كيف فجعني هذا النبأ، ليس من أجل عبد الجواد، ولكن فجيعتي العظمى كانت في ~~منيرة، تلك السيدة التي احترمتها لأنها زوجة طيبة، فإذا بها تنهار أمام عيني كما ينهار تمثال من ~~الرمل، وراعتني فكرة سعيد، ولم أكن أرى رأيه في إطلاع عبد الجواد، وكنت أظن أن محاولة مع منيرة، ~~محاولة لتقويمها، قد تجدي، ولقد كتبت لسعيد فعلا، وأعترف أني لم أكن مقتنعا بأن مثل هذه الزلة ~~ممكن إصلاحها؛ لذلك كانت رسالتي، على ما أذكر، مجرد دعوة إلى التمهل والتريث، ولم أقترح عليه أن ~~يواجه منيرة بجرمها ... وتخيلت موقفي أنا لو أن زوجتي خانتني، فوجدتني أوثر ألف مرة أن أعرف ~~خيانتها، وأضع حدا لصلتها بي، ذلك خير ألف مرة من أن أكون الزوج المخدوع. # وسبق السيف العذل ... فقد وصلت رسالتي لسعيد بعد أن كان قد قام، كصديق شهم يغار على عرض صديقه، ~~بإطلاع عبد الجواد على كل شيء. # واعترفت منيرة ... وكتب سعيد في رسالته التالية يقول: ~~... أؤكد لك أني أحسنت صنعا ... لقد ماتت الفضيحة في مهدها ... واجه عبد الجواد زوجته فاعترفت، ~~وعرض عليها الطلاق فقبلت، وقد تم كل شيء في هدوء ودون ضجة، وعادت منيرة أمس إلى القاهرة، وكان ~~الله في عون عبد الجواد في الأيام القليلة المقبلة ... إنه سوف يعاني بضعة أيام، ثم ينسى ... وأنا ~~لا أغادره دقيقة واحدة، لقد كانت الصدمة قوية عليه، لكن عبد الجواد رجل وسوف يفيق ~~منها. # هل أفاق عبد الجواد؟ # لقد ظننت ذلك كما ظن سعيد، ولكن ما حدث بعد ذلك كان مروعا ... لقد أخذ يصفي أعماله في مكتب ~~المحلة بحجة أن أعصابه لا تحتمل كثرة السفر، وفي طنطا ظل مكتبه ناجحا، ولكنه اختفى عن أنظار ~~أصدقائه؛ فكان يأوي كل مساء إلى منزله فلا يغادره ... وقد أحس سعيد نفسه بعد مدة أن عبد الجواد ~~يؤثر أن ينفرد بنفسه، فكتب إلي في إحدى رسائله يقول: # لا أدري ماذا حل بعبد الجواد ... إنه انقطع ms111 عن كل الناس حتى عني أنا ... إنه يزعم أن وراءه ~~عملا كثيرا، وأنه يشتغل في المنزل ... لقد زرته مرتين، فأحسست أنه يتمنى لو تنتهي زيارتي ~~سريعا. # وقابلت عبد الجواد بعد ذلك في القاهرة فراعني لقاؤه الفاتر، وتحيته السريعة، وشرود ذهنه، ثم ~~تعجله الانصراف ... إن الحوادث التالية كشفت عما تطور إليه حال عبد الجواد، فبعد عام واحد كتب ~~إلي سعيد: # لقد صفى عبد الجواد أعماله في طنطا لكي يفتتح مكتبا فخما في القاهرة، وأنا لا أرى في ~~ذلك خطأ فعبد الجواد محام ناجح، وميدان القاهرة أوسع، ومنه ينتقل لميادين كثيرة من النشاط ... ~~ربما كان النشاط السياسي أحدها ... وهذا الميدان يوصل كما تعرف إلى الوزارة أحيانا، ولعلك تذكر ~~أن عبد الجواد كان يتمنى دائما أن يصبح وزيرا للعدل؛ لأن قوانين كثيرة في حاجة إلى الإصلاح ~~والتعديل، وسوف يكون هو الوزير الذي يجرؤ على إجراء هذا التعديل. # هذا ما قاله سعيد في رسالته، أما ما رأيته أنا فقد كان عبد الجواد نفسه ... بعد هذه الرسالة ~~بأيام، رأيته يجلس على مقهى في شارع عماد الدين، لقد هب للقائي، وبعكس لقائه الأول أحسست أنه يريد ~~أن يثرثر معي فجلست، وأخذ يحدثني عن مشروعاته ... إنه سيفتتح مكتبا كبيرا في القاهرة في أفخم حي ~~من أحيائها، وسيشتغل إلى جانب ذلك بالتجارة، ويحشر نفسه في الأوساط الاقتصادية، لقد كان نجاحه في ~~طنطا سهلا، وسوف يكون نجاحه في القاهرة أسهل، وتركت عبد الجواد تلك الليلة، وأنا مغتبط حقا ~~بقوته واحتماله وروحه المتجددة، وتمنيت له التوفيق في حياته الجديدة ... وقابلت عبد الجواد بعد ذلك ~~ثلاث مرات في المقهى نفسه، وكان كما قال لي يعد العدة لإنشاء مكتبه الجديد، وأخذ يذكر لي ~~الأماكن التي رآها، والأحياء التي سيختار في أحدها مكتبه ... وكان يحمل في جيبه رسوما لتصميم حجرة ~~المكتب، وغرف الموظفين، وصالون فاخر لاستقبال زوار المكتب. # ومر عام، ورأيت عبد الجواد في المقهى نفسه، كان يجلس إلى ثلاثة من أصدقائه قدمني إليهم، ~~وأعترف أن اسما منهم لم يسترع انتباهي، وإنما استرعى ms112 انتباهي هيئة هؤلاء الأصدقاء ... ملابسهم ~~الرثة، وطريقة حديثهم، ليس فيهم محام واحد من زملائه ... كلهم أساتذة، ولكنني لم أعرف في أي شيء ... ~~إن طريقة حديث عبد الجواد نفسها لم تعجبني ، ثم كئوس الخمر الفارغة على المائدة، وأطباق المزة، إن ~~الجو كان جو سهرة لا جو حديث عن العمل. # ومال علي عبد الجواد هامسا: الأستاذ الانصاري ده تاجر مهول، وحايشترك معايا ... # وكنت على وشك أن أسأله، عما تم بمكتب المحاماة، لولا أن استطرد هو: وعلى فكرة أنا قررت أن ~~أترك المحاماة. # ونهضت بعد مدة وجيزة، وقد تملكني الأسى، إلى أين يسير عبد الجواد؟ ترى هل هو يحطم حياته الآن؟ ~~أو هو يبني حياة جديدة حقا؟ # إنه كان يحطم حياته إذ ذاك، كان يقوض البناء الضخم الذي شاده منذ ولج باب المدرسة طفلا ~~... إلى يوم أصبح محاميا ممتازا ... كان يقوضه في نوبة يأس كما يقوض المثال التمثال الرائع ~~حين يجحد الناس عمله. # أجل كان يهوي على ماضيه المجيد بالمعول ... كان يهوي ببطء، ولكن في قسوة وعنف ... لم يستأجر ~~مكتبا للمحاماة، وإنما ظل يقضي يومه على المقهي، وتدرج من الكأس إلى الكئوس، وتهاوى ما جمعه من ~~مال، والتف به هؤلاء الأوغاد الذين أسماهم أساتذة فعجلوا بإفلاسه. # إن الثقافة والعلم والمدنية وكل صفات الفضيلة ... بل كل ملكات العقل نفسه ليست سوى عادات تقتلها ~~عادات مضادة، لنأخذ النظافة مثلا ... رباط الرقبة الأنيق ... وإني لأذكر كيف كان عبد الجواد يعتني ~~برباط رقبته، وأذكر كيف كان يعتني بوضع منديله الحريري في جيب الصدر، إن عبد الجواد هذا اختفى بعد ~~عامين ليحل محله شخص مهمل الهندام قد تعقد رباط رقبته، وتدلي إلى صدره، وتكوم منديل الصدر، كأنه ~~خرقة تطل من الجيب، إن سحب الفاقة لم تجر ذيولها على ثيابه فحسب، وإنما مشت إلى عقله ... عقله ~~المرتب المنظم الذي يسكب أفكاره على لسانه في أناقة وتمهل قد استحال خلية نحل اختلطت بها ~~معارفه. # لكأن عقله قد اهتز هزة عنيفة خلطت ما فيه خلطا فظيعا، وأسالته في عنف على لسانه ms113 ... إنه ~~يثرثر ... عبد الجواد المنطقي المحاذر قد أضحى ثرثارا مشوش الحديث ... حتى لغته المهذبة قد حلت محلها ~~لغة سوقية لا يتكلم بها المتعلمون. # كذبت نفسي حين لقيته بعد ذلك عدة مرات في أن الذي أراه وأحدثه هو عبد الجواد، وفي كل مرة كنت ~~أراه أحس أن شيئا قد اختفى من معالم الصديق القديم، حتى استحالت علي معرفته ذات يوم، وحتى اضطر ~~أن يناديني مرة، وهو يعبر الطريق قائلا: أنت نسيتني؟ # وقلت في حرج: أنا أبدا ... إنني لم أرك. # وكاد لساني يقول: لم أعرفك، وكرر وهو يرتعش: لا أبدا، أنت نسيتني ... نسيت عبد الجواد. # وكدت أقول له إنه هو الذي نسي، بل نسي عمره، أو أنسي هذا العمر، فأخذ جسده يرتعش كأنه شيخ ~~محطم بال ... ~~- أنت معاك فكة؟ # وترنحت لحظة ... هذه اللهجة أعرفها ... أعرفها من طبقة معينة من الأفاقين ... طائفة تجلس أحيانا ~~إلى جانبك في المقهى، أو تلقاك في الطريق ... أو تزورك في مكتبك، طائفة تعرف واحدا منها بلا شك إذا ~~كنت من رواد المقاهي أو الملاهي ... بعضهم أنيق وجيه، وبعضهم مهلهل الثياب، لكنهم جميعا يتساوون في ~~الاستجداء بنفس التعبير الأنيق الوجيه. ~~- معاك فكة؟ # لكن عبد الجواد ليس أفاقا ... ومددت يدي فأخرجت حافظة نقودي، وفتحتها لعبد الجواد ... وقال عبد ~~الجواد، وهو يمد يده: لا ... أنا عايز خمسين قرش بس ... متشكر. # ولوى وجهه وسار، واستطعت أن ألمح قطرات الدم الأحمر الباقية في عروقه، وهي تصعد إلى وجنتيه ~~ضعيفة باهتة ... إنها قطرات خجل، على أي حال ... ما زال هناك ... وراءها ... أثر من عبد الجواد ~~الصديق. # لكن هذا الأثر اختفى على مر الأيام ... وأصبح عبد الجواد أقل حياء وخجلا ... وأعترف أنني بدأت ~~أضيق بسطواته ... وأنني قصرت محفظتي، وبدأت أحدد بنفسي ما أعطيه له ... ثلاثين قرشا ... عشرين قرشا ... ~~عشرة ... خمسة. # ثم ... ثم وجدته يترنح من السكر ذات مرة، وأشفقت على أمعائه من السم الزعاف الذي تستطيع أن ~~تقدمه له القروش الخمسة، فقلت: ليس معي فكة يا عبد الجواد. # ولم يكن في العروق قطرات باقية من ms114 الدم الأحمر، ولم يلو وجهه، وإنما قال: ولا قرشين ~~صاغ؟ # ودفعت له بضعة قروش، وسرت في طريقي. # بدت لي الحياة إذ ذاك شائهة دميمة ... دمامة حاضر عبد الجواد المعتم القذر ... الحمد لله ... هكذا ~~يدفعنا حب الذات أحيانا كلما قارنا بين أنفسنا وبين غيرنا من المنكودين لأن نقول: الحمد لله! إن ~~الله يعلم أن في هذه الحمد أحيانا من الملق أكثر مما فيه من الإيمان، إني أجمع الآن حزمة الرسائل ~~من جديد، رسائل الأصدقاء، وأضعها في الصندوق، وكأني أضع الماضي خلف ظهري ... وأحاول أن أنسي قصة عبد ~~الجواد بعد أن انتهت ... بعد أن جست خلالها، ما أعتم حجراتها الأخيرة، وما أفسد هواءها، إني لأحس ~~حاجة لكي أخرج إلى الحياة ... إلى الهواء والنور بعد هذا الظلام ... # وربما ظن من يقرأ هذه السطور أني قصرت في سرد القصة، لقد ألف الناس أن يطووا أبطال القصص في ~~الأكفان، أو يكسوهم ثياب الزفاف ... أو يصعدوا بهم إلى أعلى درجات المجد، أو يهبطوا بهم إلى أسفل ~~دركات الحضيض ... ألف الناس دائما أن يعرفوا مصير أبطال القصص ... إن مصير عبد الجواد هو هذا الحضيض ~~حيث خلفته تلك الليلة يجر قدميه المرتعشتين ويتجه، وقد أمسك بالقروش في يده المتدلية نحو أقرب ~~حان، وحين خلفته بعد ذلك عشرات المرات يسير في الطريق نفسه، وقد ازداد انهيارا ... وإني لأذكر آخر ~~ذكريات شبحه المتداعي، يوم مر علي عبد الجواد ساعة الغروب، وأنا جالس أقطع الوقت في انتظار موعد ~~... كان المقهى خاليا فدعوته إلى الجلوس وطلبت له فنجانا من القهوة، وأخذت أستمع إلى ثرثرته ... ثم ~~سألته وقد حان موعدي وتأهبت للخروج: ألا ترى منيرة أبدا يا عبد الجواد؟ # إنه لم يجب على سؤالي، وإنما ضحك ... ثم مرت بجبينه سحابة كئيبة سرعان ما اختفت، وعاد إلى ~~ضحكه ... وما زلت أذكر نظرته التي صحبت هذه السحابة ... لقد كانت نظرة رأيت فيها عبد الجواد الذي ~~أعرفه ... نظرة فيها معنى هائل، نظرة تجعلني إلى الآن كلما ذكرت عبد الجواد أسأل نفسي هذا السؤال: ~~ترى إلى أي ms115 مدى أصاب سعيد حين صارح عبد الجواد بخيانة منيرة؟ إني لأشك أحيانا أنه ~~أصاب. # | جاء الخريف # عبث بربيع حياته حتى إذا جاء الخريف وجد نفسه وحيدا ... كالورقة الذابلة ... ~~*** # في سن الثامنة عشرة تتجرد الفتاة من الجمال، ولكنها مع ذلك ككل فتاة، تحتفظ بشيء نادر يضفي ~~على الدمامة نفسها أحيانا شيئا من السحر، ولقد كانت إقبال من هذا النوع مع تعديل بسيط هو أنها ~~ليست دميمة ... كانت تتمتع بالشباب وبعدم الدمامة معا، وكان فيها هذا السحر اللازم لغير الموهوبات ~~من شابات الطبقة المتوسطة ... مجرد فتاة وعاطفة تسند الغرائز، وتقف إلى جانبها إذا ما صرخت ... # وقامت إقبال بمهمتها في الحياة خير قيام، وكانت المدرسة تتحدث عن إقبال ومغامرتها كما تتحدث ~~عن أعلام السياسة ونجوم السينما، مخلوق غريب ليس من طينة الطالبات، وإنما هي عجينة أخرى ... عجينة ~~مرنة كالمطاط تسمح بتسلق الأسوار والقفز من النافذة والخروج من عنبر النوم في أعماق الليل زحفا ~~على أطرافها، كما تزحف الأفاعي حينما يدفأ جو الغرفة بأنفاس الطالبات الغارقات في الرقاد. # وفي يوم من أيام الشتاء الباردة، زحفت إقبال من عنبر النوم، وخرجت إلى الحديقة، وتسلقت السور، ~~وهبطت عند الشجرة الملاصقة للحوش الخلفي للمدرسة، وقابل آدم حواء، وخرجا لا من الجنة ... وإنما من ~~القاهرة وضواحيها في مغامرة كانت آخر مغامرات إقبال المدرسية، مغامرة عادت منها إلى بيت آدم ~~ذليلة كسيرة؛ لتلقى مصير كل امرأة تسلم نفسها إلى رجل قبل عقد الزواج ... وقال آدم، واسمه الحقيقي ~~حسين، لحواء المخدوعة ذات يوم: رفضت أمي أن تزورني لقضاء بضعة أيام عندي وسكت ... وفهمت إقبال، ~~لأنها لم تكن غبية، ما يعني وقالت: سأذهب عند سميرة بضعة أيام ... # وعلقت في انكسار وأسى، وقد غاص صوتها في أعماق نفسها الجريح: إن أمك على حق، كيف تأتي وسيدة ~~البيت امرأة غير مشروعة. # ومن الإنصاف لحسين أن نقول إنه تأثر لتعليقها ورثى لحالها دون أن يربط في هذا الرثاء بين ~~حياته وبينها ... حتى لقد فزع من مجرد تخيلها سيدة مشروعة لبيته هو ... إنه تخيل ذلك ms116 لكن كما يتخيل ~~الإنسان حلما مفزعا سوف يمر به خلال الليل ... حلما لا يراه، ويتمنى ألا يراه، ومع هذا فقد تحقق ~~الحلم المفزع بعد هذا الحديث بأيام على ثلاث خطوات ... كانت الخطوة الأولى يوم قالت له أمه حين ~~ودعته في طريقها إلى القرية: لكم أتمنى لو تستقر حياتك يا ولدي ... إن رائحة بيتك تنقصها أنفاس ~~امرأة ... # وأوشك أن يقول لها إنه كره رائحة هذا البيت لكثرة ما تردد فيه نفس إقبال، ولكنه ابتسم وسكت ~~وكان هذا جوابه منذ سنوات كلما حدثته عن المرأة التي يجب أن تملأ فراغ البيت، وتغمره بأنفاسها ~~الزكية ... # ولكن حينما احتواه البيت وحده أخذ يتأمل موقفه من إقبال، وقد أحس فعلا خلال اليومين اللذين ~~قضاهما وحيدا بعد سفر أمه، وقبل أن تعود إقبال، أحس أن إقبال كائن في حياته، إنها تغنيه عن خادمة ~~طوال أيام الأسبوع، وتغنيه عن الغسالة يوم الثلاثاء ... وتغنيه عن خائط الثياب، أجل إنه الآن فعلا ~~يرتدي جلبابا من صنع يديها، وجواربه لا يحس يوما أنها تمزقت ... # ما أعظم فوائد إقبال! وكانت هذه الجملة التي دارت في رأسه دون أن تخرج على لسانه أول خطوة في ~~تحقق الحلم المفزع ... # أما الخطوة الثانية فقد كانت بعد ذلك بشهور قلائل، فلأمر ما غضب حسين من إقبال فطردها من ~~منزله، وأوت إقبال إلى منزل خالتها بضعة أيام، ثم انتقلت إلى منزل شقيقتها، ولم تجد غير ما وجدته ~~عند خالتها من فتور وجفاء، فلم تلجأ إلى حسين توا، وإنما لجأت إلى أحد أصدقائه وإلى صديق ثان، ~~ثم إلى صديق ثالث، وتجمع أصدقاء حسين عليه يدافعون عن حق الفتاة المهضوم، وشرفها المضاع ... # قال أحد أصدقائه: إنه ليس رجلا إن ترك إقبال تتضور، وهو الذي خرج بها من مدرستها، وفرق ~~بينها وبين أهلها ... # وقال الثاني: أنه لو كان منه لما تردد في الزواج منها لحظة. # وقال الثالث: إنه يستطيع أن يحتفظ بها في منزله، ثم يعيش بعد ذلك الحياة التي يريدها ... # وكان الثالث أقرب أصدقائه إلى منطقه ... منطق الرجل ms117 ذي الخامسة والثلاثين الذي أشرقت له الحياة، ~~وطلعت عليه شمسها بالدفء، الحياة التي يريدها خارج المنزل، والزوجة التي يريدها رجل في مثل تحرره ~~وانطلاقه، إن إقبال فعلا هي مثال هذه الزوجة، وهل تستطيع أن تكون غير ذلك؟ غير الزوجة من الجانب ~~المادي البحت؟ المرأة التي تعمل بالنهار في المنزل، وتأوي آخر الليل قريبا من الفراش تنتظر بجوار ~~النافذة عودة السيد؟ # لقد عاش حسين سيدا فعلا، إذا كان السيد هو الرجل الذي يملك كل الحقوق وتخطئه كل الواجبات ... ~~كما عاشت إقبال الرقيق الذي يشتريه الرجل بمغامرة في الغابات، أو بدفع ثمنه نقدا على يد ~~مأذون. # وكانت إقبال من النوع الأول، رقيق مغامر، صك امتلاكه غير مكتوب. # حتى جاء يوم نقل فيه حسين إلى وظيفة تفرض في صاحبها حسن السمعة، فقضى فيها عاما يقدم فيه ~~إقبال إلى أصدقائه على أنها زوجته، فلما لم يجد غضاضة على مسمعه من تلقيبها بالزوجة، ذهب بها ~~يوما إلى المأذون، وعاد بها زوجة شرعية، قد تم تدريبها على أن تقوم بدور الرقيق الذليل ~~... # ولم يغير عقد الزواج شيئا من أوضاع البيت، فقد ظلت إقبال في مكانها على هامش حياة حسين، ~~والسهم الأخير في جعبة غرائزه، والمخلوق الأخير الذي يفكر فيه ... # وكان الذين يعرفون حسين جيدا يدركون مسرحياته المزدوجة، حياة الزوج الذي يعيش كالغراب، أما ~~الذين لا يعرفونه فكانوا يرون في إقبال زوجة مثالية يحتاج إلى مثلها كل زوج متحرر يحب ~~الانطلاق. # وفي ظلال هذه الزوجة الفريدة عرفت حسين، عرفته في إحدى السهرات، وكانت تجذبني إلى معرفته ~~مقالاته الرنانة في الصحف عن الفن والحياة الفنية، وحديث مغامراته التي لا يخلو منها مجلس، وازداد ~~تعلقي به حين عرفته، فوجدت في حديثه ومجلسه أكثر مما يسود ما يكتبه من مرح، وحببه إلي ميله ~~إلى الدعابة في كل شيء والسخرية بكل شيء. # كنت إذ ذاك في شرخ الشباب، وكانت الحياة في نظري ميدانا فسيحا من العبث أن نملأه بالجد، ~~وطريقا طويلا لن نقوى على قطعه صامتين، وأمثال حسين بلا شك يفهمون ms118 جيدا أن الطريق طويل ممل لن ~~يؤنس وحشته إلا رنين الضحكات، وأمثالي أنا، وأنا أصغر من حسين ببضع سنوات في حاجة إلى دراسة ~~فلسفته وحياته لينسجوا على منوالها ... # وقلت لحسين ذات ليلة: أنت تعجبني في الحياة، وإني لأعجب كيف تسوس حياتك؟ ألا تحاسبك زوجك ~~حينما تعود إلى البيت ساعات الفجر؟ قل لي بالله ماذا تفعل حين ترى وجهك في الصباح؟ # فأجابني وهو يضحك: تفعل! تعد لي طعام الإفطار، وتتسلم مني مصروف البيت، وتقص علي ما ~~فعلت في أمسها، وتسألني بين الحين والحين ثوبا أو حلية، ماذا تريدها أن تفعل؟ ~~- تغضب مثلا أو تحاسبك؟ ~~- تحاسبني على ماذا؟ على أني أستمتع بربيع حياتي؟ # ولم ينتظر جوابي، بل مضى يضحك حتى إذا أفرغ من صدره قدرا من المرح، مضى يقص علي قصة زواجه ~~بإقبال ... تلك القصة التي رويتها لك، والتي ينزل عليها ستار الفصل الأول من حياة حسين. # أما الفصل الثاني، فإنه يبدأ دون جلبة ولا مقدمة، بل حتى ولا استراحة قصيرة ... إنه مجرد امتداد ~~لنهاية الفصل الأول، فحسين يعيش كما هو ناعما بكل ما في الحياة من متعة، يستطيع أن يهبها له ~~المال والاسم اللامع، إن عيب هذا الفصل هو أنه طويل وممل، ومناظره متكررة ... بل هو منظر واحد ~~يتكرر، حسين ينتقل من مغامرة غرامية غريبة إلى أخرى، مثيرا حول اسمه دائما ضجة ولمعانا، ~~والفضائح كما نعرف جميعا تضفي على الأفراد ثوبا يجعلهم في نظرنا شيئا غير البشر، ثوبا من ~~النور يجذب فراشات الليل الضالة ... وكم من فراشة احترقت على حافة الثوب المنير، ولم تلبث على ~~غلالته إلا ريثما تمر بها ريح عابرة، أو تطؤها أقدام فراشة أخرى ضالة ... # هذا هو الجزء الأيمن من المنظر، الجزء الواقع بعد باب منزل حسين مباشرة ... # أما الجزء الثاني، فهو إقبال في البيت تتلقى كل مغامرة من مغامرات حسين على أفواه صديقاتها، ~~وفي صفحات الصحف، وهي أقل اكتراثا من خادمة، تسمع بأنباء غرامياته صاغرة ساكنة، وكأنما تؤمن ~~إيمانا راسخا بأن كل مزاياها كزوجة هي خضوعها كرقيق ms119 ليس عليه أن يحس أو يتألم ... # إنك ستلحظ بعض التغيير قبل نهاية هذا الفصل، لقد استغرق فعلا اثني عشر عاما رتيبة تمضي على ~~منوال واحد، لكن العام الأخير في هذا الفصل طويل تدب فيه الشعرات البيض في مفرق حسين، ويمضي ~~دبيبها إلى جسمه وبشرته في بضع نفضات تعلو جبينه وتنتشر على صفحته ... # ليس هذا فحسب ... لقد بدأ حسين يعود إلى المنزل في ساعة مبكرة، وبدأت إقبال تقضي لياليها لا إلى ~~جوار النافذة تنتظر، وإنما إلى جوار حسين تتحدث معه ... حتى صوته نفسه بدأ يتخذ لهجة أرق، ونغمة ~~غير نغمة الأمر والنهي التي ألفتها خلال الأعوام الماضية. # هناك تغيير آخر لم تلحظه إقبال، وإنما أحسه حسين، هذه العاطفة التي بدأت تشغل قلبه وفكره نحو ~~إقبال ... إنه لم يستطع أن يسميها حبا. # وفي نهاية هذا الفصل تبدو هذه العاطفة غامضة غير واضحة، إن مظهرها الوحيد هو هذا الميل ~~الطارئ في الركون إلى المنزل والحديث إلى إقبال، والهدايا الصغيرة التي بدأ يحملها إليها، ونستطيع ~~نحن أن ندع حسين، وقد بدأ يعتمل في صدره هذا التغيير، وإقبال وقد بدأ يطرأ عليها تغيير آخر ... ~~تغيير من الصعب علينا أن نتبينه؛ لأن مظاهره لم تخرج بعد إلى عالم الوجود ... # وفي هذا الجو ينزل الستار على الفصل الثاني، ويرفع عن الفصل الثالث ... إن أثاثه هو نفس أثاث ~~حسين في الفصلين السابقين ... وسنلحظ أول ما نلحظ قطعة واحدة قد زادت في الأثاث هي التليفون ... ~~وربما عاوننا على استساغة الحوار والحوادث في هذا الفصل الأخير أن نعلم أن حسينا قد أدخل ~~التليفون تحقيقا لرغبة نفسه في أن يتصل بإقبال في ساعات عمله ليسمع صوتها ... إن صوتها أصبح ~~ضروريا لتنتعش نفسه. # أما ملابس هذا الفصل فقد تغيرت فعلا؛ فإقبال أصبحت شيئا آخر بما طرأ على ملابسها من تغيير ... ~~إن الصنبور الذي كان يصب الذهب في الحانات والسهرات قد انتقلت فوهته، وبدأ يصب الذهب في ~~أماكن أخرى؛ عند حائكة ثياب إقبال، وعند صائغ الحلي الذي ملأ معصمها وجيدها بالحلي والجواهر ... إنك ms120 ~~لن ترى هذا الصنبور بالطبع، ولكنك سترى إقبال نفسها غارقة في السيل الذي انهمر من فوهته ... وليس ~~هذا هو كل ما طرأ على إقبال من تغير، لقد احتفلت منذ شهور بعيد ميلادها الثلاثين، وقدم لها حسين ~~حلية ثمينة، ودفع لها ثمنا يزيد كثيرا على ما صرفه عليها في السنوات الأولى لحياتها معه، ~~وأقام مأدبة لأصدقائها كلفته بضع عشرات من الجنيهات. # وفي هذه الحفلة أنكرت أنا إقبال كما أنكرت حسين ... أنكرت إقبال المتعالية الأنيقة التي كستها ~~أناقتها جمالا، وأفاضت عليها أنوثة الثلاثين جاذبية وسحرا، وهي تنتقل بين المدعوين، وتوزع ~~دعابتها عليهم، ليس دعابتها فقط ... وإنما نظراتها أيضا، وأنكرت حسين ... حسين الذي أضحى الآن على ~~أبواب الخمسين ... الخمسين لرجل أفرط في الاستغراق في متعته ... أفرط في استهلاك حواسه وجسده، فطغى ~~الكلال والجهد على كل شيء فيه ... حتى بدت الخمسون حين بلغها، وكأنها نهاية العمر لكهل فان. # ومضت الأيام على حفل عيد الميلاد حاملة في كل يوم حدثا جديدا من أحداث الفصل الأخير ... تلك ~~الأحداث التي لم أعرفها للأسف ... إلا بعد أن نزل الستار على هذا الفصل. # ورأيت بعيني رأسي حسين قابعا في الدار يتسلى بتحريك أحجار النرد جاعلا من إحدى يديه ~~لاعبا، ومن الأخرى اللاعب الآخر، مما يقطع الوقت انتظارا لإقبال، وربما - لسخرية القدر - كان ~~موضعه نفس الموضع الذي كانت تقبع فيه إقبال منتظرة أوبته من إحدى مغامراته ... # إن أحداث هذا الفصل تروي لي صباح تلك الليلة التي رأيته فيها، وقد يهمك أن تعرف ما الذي دفعني ~~إلى زيارته في وقت متأخر من الليل، إن إقبال هي السبب ... # كانت الساعة الحادية عشرة مساء، وكنت أشتري علبة سجائر حينما وقفت سيارة أعرفها أمام باب ~~العمارة التي يقع فيها حانوت السجائر ... العمارة نفسها التي يقطن فيها حسين ... وأدرت رأسي أتأمل ~~صديقي صاحب السيارة، ولكني وجدته مشغولا بفتح باب السيارة لسيدة، سيدة خرجت مسرعة، واتجهت نحو ~~باب العمارة، ووصلت إليه في الوقت نفسه الذي وصلت أنا إليه متجها إلى أقصى الشارع، والتقى وجهي ~~بالسيدة إقبال ms121 ... أما أنا فقد اضطربت ... وأما هي فقد ضحكت في ثبات ... ضحكت، ومدت يدها إلي في دلال ~~طغت عليه صورة وجهها الخالي من الجمال ... الوجه الذي أعرفه منذ أكثر من خمسة عشر عاما، تلك الصورة ~~التي لم تمحها كل مظاهر الأناقة والمساحيق والعطور التي تستعملها ... تلك الصورة العالقة في ذهني ~~للزوجة الذليلة الشاحبة، الرقيق في أحدث نماذجه ... هذه الصورة هي التي ملأت رأسي، وهي تمد يدها ~~إلي كما كانت تملؤها حتى في ليلة عيد ميلادها منذ شهور، ومددت يدي وحييت إقبال وفاجأني صوتها ~~وهي تقول في عتاب: بجوار البيت يا أستاذ، وتمضي هكذا؟ هل نسيت الأصدقاء؟ # وقلت مضطربا: أبدا ... إنما الوقت متأخر. ~~- وهل بيوت الأصدقاء تغلق أبوابها في ساعة معينة؟! هيا ... تعال معي لنشرب كأسا مع ~~حسين. # وتسمرت قدماي لحظة، ودار برأسي الموقف كله منذ وقفت السيارة، وطاف بمخيلتي هذا السؤال: أكون ~~أنا كبش الفداء لعودتها في هذا الوقت المتأخر؟ ماذا يقول حسين حين أصعد معها الآن؟ وهل هو؟ ~~... # ولكنني لم أكد أتم خاطري، فقد قالت: هل تخشى ألا تجد حسين؟ إنه لا يتأخر حتى في مثل هذه ~~الساعة، أراهنك على أنه جالس الآن إلى أحجار النرد يلاعب نفسه ... كالمجانين ... # وضحكت ضحكة أسكرتني عن الموقف كله ... وسحبت يدي في إصرار وتبعتها أنا ... تبعتها لأرى حسين كما ~~قالت تماما ... ورفع حسين رأسه ونظر إلي متهللا ودعاني إلى الجلوس ... لألعب معه عشرة ~~طاولة. # وسرت أنا كالمذهول وجلست أمامه وانتظرت عتاب الزوج للزوجة العائدة عند منتصف الليل تقريبا، ~~وأدركت ما يجب علي أن أقوله حين تزعم مثلا أنني قابلتها عند منزل خالتها، وأوصلتها بسيارتي، ~~ولكن انتظاري ذهب عبثا ... فقد قال حسين، وليس في صوته أثر للغضب، بل لعله يفيض حنانا وانكسارا: ~~أعجبتك السهرة؟ # وأجابت دون تردد: أجل كانت لطيفة ... الذي لم يكن لطيفا هو صاحبك هذا ... فقد رأيته الآن يسير ~~أمام العمارة دون أن يفكر في الصعود ليشارك صديقه في كأس من الوسكي، أو عشرة طاولة ... # وأدهشني صدقها الجريء الذي لم أكن أتوقعه ... أدهشني ms122 حتى صباح اليوم التالي ... اليوم الذي زالت ~~فيه دهشتي، ونزل الستار على القصة ... # إنك تذكر بلا شك يوم طرد حسين إقبال من منزله، ويوم لجأت إلى أصدقائه، وتذكر أن هؤلاء ~~الأصدقاء كانوا ثلاثة؛ أحدهم الدكتور مراد الذي وصف تركه لها بعد أن خرج بها من أسرتها ومدرستها ~~نذالة تجرده من رجولته ... إن الدكتور مراد نفسه هو الذي يروي لي أحداث الفصل الثالث الأخير ... ~~يرويها لي في إسهاب ... يقص علي كيف أصبح حسين اليوم متيما بإقبال متهالكا على إرضائها؟ وكيف ~~أصبحت إقبال تضيق بهذا الحب؟ تتدلل على حسين وتسخر به، ويمضي الدكتور مراد، فيروي أكثر من هذا من ~~مغامرات إقبال مع أناس لا يعرفهم حسين، ومع ذلك فهم مدعوون إلى داره في كل مأدبة يقيمها، وما أكثر ~~ما يقيم حسين، أو إقبال على الأصح، من مآدب! ومغامرات أخرى مع بعض أصدقاء حسين أنفسهم ... ولعل ~~صاحبنا الذي رأيته يوصلها تلك الليلة بسيارته هو آخر تلك المغامرات ... # ظل الدكتور مراد يروي لي من هذه القصص حتى أحسست أنه لم يبق من أصدقاء حسين من لم يغامر مع ~~إقبال إلا أنا والدكتور مراد ... # وكانت كل مغامرة لإقبال ترتبط على الرغم مني بإحدى مغامرات حسين التي عفا عليها الزمان ~~... # وانتهى مراد من أقاصيصه. # وقلت أنا في أسف: وحسين، ماذا يفعل؟ # ولكن مراد لم يجبني بل زاد السؤال تعقيدا في نظري، وقال وهو حائر: حسين! من المؤكد أنه يعرف ~~جيدا في أي طريق تسير إقبال ... لكني مع ذلك أشك في أنه يعرف إلى أي مدى تمضي في هذا الطريق ... إنه ~~كما يخيل لي يعتقد أنها تمرح وتلهو فقط ... دون أن تقارف خطيئة ... إنه بالصورة التي حفرتها ~~الأيام لإقبال في خاطره لا يمكن أن يتصورها امرأة خاطئة ... إنه كالأب الذي ربى طفله وليدا صغيرا ~~... يعز عليه أن يعتقد حين يكبر طفله أنه يصبح قاتلا أو سارقا. # ولكني مع ذلك لم أرض عن هذا التعليل ... ولعل لي الحق أن أتخيل القصة من أولها منذ بداية ~~الفصل الأول لأرى ms123 ما يرسمه القدر من مبررات لهذا الختام. # إني فعلا أتخيل القصة الآن ... أتخيل إقبال في السابعة عشرة، وحسين في الخامسة والثلاثين، وهو ~~يعبث ويمرح، أو على حد قوله يستمتع بربيع حياته، وأتخيلهما الآن ... إقبال في الثلاثين، وحسين على ~~أبواب الخمسين ... رجل قد قطف بيديه كل زهور ربيعه واعتصرها، وما ترك على غصن حياته زهرة واحدة ~~منها ... أجل أتخيلها الآن، فأستبعد تعليل الدكتور مراد ... وإنما أجد في اختلاف الفصول ... وتوالي ~~الليل والنهار تعليلا أوضح ... إن أحدهما يعصر أزهار ربيعه، أما الثاني فإنه يلعق أغصان الخريف ~~الجافة باحثا - دون جدوى - عن العصارة. ms124