######OpenITI# #META# URI: 1372SalmaSaigh.Nasamat.Hindawi57097372 #META# Tags: literature #META# ID: 57097372 #META# Title: النسمات #META# AuthorID: 95964285 #META# Author: سلمى صائغ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أغاني الجنود‏ # الأمومة‏ # مي تتنهد‏ # تذكارات يتيمة‏ # الغريب‏ # الغريبان‏ # حكاية هيفاء الديرانية‏ # أجراس العيد‏ # أعطوا يعطيكم الله‏ # جوائز الفضيلة‏ # التطور النسائي‏ # التربية القومية‏ # يا بلادي‏ # تعبت من المدينة‏ # درس في الوطنية1‏ # ما نرى وما نسمع‏ # بابل في سوريا‏ # قولوا لها لتقول لهم‏ # من أساطير الأقدمين1‏ # ويومها العصيب ...‏ # صوت الأم‏ # الحاكمية الوطنية‏ # من المسئول؟‏ # موجة السرور الكبرى‏ # حياتنا الاقتصادية‏ # مستقبل الآثار في سوريا‏ # حكاية الآثار‏ # مي وكتابها‏ # مينرفا وأخواتها‏ # كتاب باز‏ # وديع صبرا‏ # أحجار الزاوية‏ # إلى جامعة السيدات‏ # على ذكر اللغة العربية‏ # إلى روح أبي أمين1‏ # تحية النهضة1‏ # يا مي1‏ # الإرادة عند السوريين1‏ # ختام‏ # أغاني الجنود‏ # الأمومة‏ # مي تتنهد‏ # تذكارات يتيمة‏ # الغريب‏ # الغريبان‏ # حكاية هيفاء الديرانية‏ # أجراس العيد‏ # أعطوا يعطيكم الله‏ # جوائز الفضيلة‏ # التطور النسائي‏ # التربية القومية‏ # يا بلادي‏ # تعبت من المدينة‏ # درس في الوطنية1‏ # ما نرى وما نسمع‏ # بابل في سوريا‏ # قولوا لها لتقول لهم‏ # من أساطير الأقدمين1‏ # ويومها العصيب ...‏ # صوت الأم‏ # الحاكمية الوطنية‏ # من المسئول؟‏ # موجة السرور الكبرى‏ # حياتنا الاقتصادية‏ # مستقبل الآثار في سوريا‏ # حكاية الآثار‏ # مي وكتابها‏ # مينرفا وأخواتها‏ # كتاب باز‏ # وديع صبرا‏ # أحجار الزاوية‏ # إلى جامعة السيدات‏ # على ذكر اللغة العربية‏ # إلى روح أبي أمين1‏ # تحية النهضة1‏ # يا مي1‏ # الإرادة عند السوريين1‏ # ختام‏ # | النسمات # | النسمات # تأليف # سلمى صائغ # إلى أنس العزيزة # السائرة بسرعة إلى ذروة الكمال الإنساني، والمضيئة بروحها النيرة سبيل «رسول» ~~جهادنا النسائي. إلى المرأة التي علمتني أن أخدم بمحبة ومعرفة، أقدم هذا ~~الكتاب. # سلمى # | تمهيد # بقلم جرجي نقولا باز # أتمنى لو كان لي أسلوب كاتبة «النسمات» لأحسن التمهيد؛ لأن كتابا نفيسا ممتازا كهذا ~~الكتاب أولى بمثل إنشائها منه بإنشائي؛ ليوازي تمهيده فصوله. # أما وأنا المحظي بجمعه، وملاحظة طبعه، والمستلذ مراجعته وتكرار مطالعته، والمعجب جدا ~~بكاتبته، ولا بد لي من تدوين تمهيد له، عملا بعادة المؤلفين، فلعلي أستمد من جماله ~~جمالا أستطيع به إيفاءه واجب التمهيد ولو دون ما يوازيه. # ولا أتعمد تعريف الكاتبة وهي «بيراعها الساحر» غنية عن التعريف، ومطالعاتها يعرفنها ~~من زهاء عمر البدر ms001 في زمن «حسنائي»، ثم في «مينرفا» و«الفجر» و«الخدر» و«المرأة » و«الحياة» ~~الجديدتين، ومطالعوها يذكرونها من عهد «البرق» إلى «المعرض» و«السائح» و«الشعب» و«لسان ~~الحال» و«مجلة سركيس» وغيرها من الصحف العديدة أخذا عن بعضها. # إن كاتبتنا النابغة ولئن تجاهلت موهبتها اتضاعا، وحرمتنا منها توفرها على الإنشاء ~~جهدها فيما مضى، إلا أن اليسير الذي أنشأته فيه من الإبداع شيء كثير، فيه جمال وفن، فيه ~~ريشة مصور، ونغمة موسيقي، وخيال شاعر، ومعرفة عالم، وأدب كاتب، ورأي مفكر، وشعور حساس، ~~فيه وطنية وحرية وغيرية وإنسانية، فيه جرأة ونهضة وحكمة ومحبة، وفيه شفوف لامس ~~الروح، وسمو بلغ السماء. # فرأيت أن من أجمل الخدم أؤديها لبنات العرب أن أجمع ضمة من زهر آداب سلمى، أبرهن بها ~~أهلية المرأة لمباراة الرجل فكرا وإنشاء، حتى في المواضيع الجدية الجافة، تاركا لهن ~~ولأبناء جنسي الحكم في ذلك. # فسألت نابغتنا السماح لي بجمع هذا الكتاب من بدائع آثارها، خدمة للأمة، فأجابت سؤالي ~~مشترطة علي أن تجعله من فضلها هدية منها إلى زوجتي، وأن أنشر فيه كلمتها عن كتابي «إكليل ~~غار» التي جعلتني فيها من حسن ظنها بي شيئا مذكورا، وألا أمدحها بكلمة. # ولئن عملت بشرطيها الأولين، فلا أعمل بالثالث، وإن سكت فسواي يتكلم، وهذه نسماتها أفصح ~~متكلم. # نسمات باردة، حارة، منعشة، لاذعة، فيها تغريد العصفور، وهينمة النسيم، ومشبهات بزوغ ~~الشمس ومغيبها، وطلوع البدر وتلألؤ النجوم، ورواء الزهر وشذا العبير، فيها من حنان الأم ومن ~~شعور الأخت، ومن تجرد المخلصة، وفيها من حزم المهذب، وجزم المعلم، وإيمان المرسل، وإخلاص ~~العامل الإنساني. # ومهما برهنت آثار سلمى نبوغها فأمامها مستقبل عظيم، ولا غرو فهي صائغة اسما وفكرا ~~وإنشاء، هي سائرة مسرعة دواما إلى الأمام، وشعارها من حسن إلى أحسن، ومن بديع إلى أبدع ~~شأن الفنانين النابغين. # وسيلي «النسمات» كثير من بدائع سلمى، إن شاء الله. # | أغاني الجنود # ارجعوني إلى بلادي، فقد اشتاقت نفسي سماء بلادي. # ارجعوني إلى الشاطئ البهيج ذي الرمال البيضاء، حيث تمرغت طفلا، وحلمت فتى، وأحببت ~~شابا، وأنجبت كهلا. # ارجعوني أسمع نشيد الأمواج ms002 تردده البحار منذ مئات الأجيال، فيتخدر دماغي، وتسكر مخيلتي، ~~وأحسب نفسي قطعة من الخلود، وقسما من الجمال. ~~••• # ارجعوني إلى لبنان فأرى بناته يقطفن العنب والتين، ويستقين المياه العذبة من الينابيع، ~~ويرجعن عند الغروب أسرابا تمر بين الصنوبر فتختلط أصواتهن الحلوة بحفيف الأوراق، ونقيق ~~الضفادع، ورنة الناقوس على التلال البعيدة. # ارجعوني، ارجعوني، أرجعوني ساعة أسمع هذه النغمات فيدق لها ناقوس قلبي. # الجندي الشيخ # أنا كهل جاوزت الخمسين، سحبت جنديا وقد كاد ظهري أن ينحني،\ فتركت مدينة آبائي وسرت ~~بين يدي ضابط صغير خليع أمسح حذاءه، وأطعم فرسه، وأنا سيد في قومي، أمير بين بني ~~عشيرتي. # مشيت نهارا وليلا، وليلا ونهارا، حتى حسبت أن ليس للعذاب آخر، مشيت على الجليد ~~وجررت ثقل الحديد، وتساءلت: رباه! أما للظلام زاجر؟! # ارجعوني إلى قريتي فأجلس أمام الموقد، وأرى أولادي وأحفادي يلعبون فيمثلون شخصي آن ~~كنت صبيا ... # ارجعوني، يلامس قلبي قلوبهم الخضراء فأعود فتيا ... # ولكن هل يهمكم إفراح الحياة يا من تعيشون لسلب الحياة؟ # الجندي الشاب # أنا شاب، جررت إلى الخنادق، وكلفت حصد النفوس، فحصدت، وحصدت، وحصدت. # حصدت حقولا أغراسها شبان وفتيان. # حصدت شبيبة قوية، نشيطة، منظمة، عالمة متفننة، كل ما في أوروبا من الجمال والقوة ~~والعلم والفن كله مر أمام الآلة التي حصدت ولم ترحم. # حصدت البستان، تلو البستان، تلو البستان. # كأنه سباق بين الأمهات ومعامل كروب. # هذه ترمي ألوف القنابل، وتلك حبات القلوب. # حصدت وحصدت حتى ذابت حشاشتي من منظر الدم فصرخت: رباه! أما للجور قاهر؟! # ارجعوني إلى بيتي فأرى عروسي الصبية وطفلي الصغير، هل عرف رجل قبل اليوم معنى ~~ابتسامة المرأة، وقبلة الولد في الصباح والمساء؟ # هل درى أن في عيون الأطفال آية من ألحان السماء؟ # ارجعوني فقد تاقت نفسي لملامسة خد صغير نعوم. # ارجعوني لأشعر بوجود النعيم. # تبارك خالقه الجبار العظيم. # ولكن نعيمكم دم وسماءكم صواعق. # ولكن نعيمكم للإنسان جحيم. # الجندي الفتى # أنا فتى اقتطعوني من صدر أمي، وأمي عروس بين البنات، وفلة بين زنابق المروج. # جروني وأنا صغير، فكلفت حمل الجرحى ms003 تحت صواعق الفولاذ الأحمر وأنا لم أتعود رؤية ~~الدم. # أمي حنون تبكي لذبح العصفور، وقد ربيت في أحضانها، ولا أب لي يعلمني الخشونة، فنشأت ~~نحيفا حساسا تسيل دموعي كدموع البنات. # أناموني على الحضيض وفي الوحول، ومذ رأت عيناي النور أنام في سرير أمي، وسرير أمي شيء ~~كعرش سلطان له ملاءات كتانية، وستائر من حرير، وغدائر أمي الشقراء تملأ الوسادات، ~~وتقيني البرد في ليالي كانون. # خذوني إلى خدر أمي وإلى أنفاسها النقية، خذوني! إن في نظرات النساء نعيم الحياة، وفي ~~نبرات أصواتهن أناشيد الخلود. # الجندي المتطوع # وأنا رجل من لبنان، هاجرت في أول أمري إلى حيث يقذف الشقاء أبناء الشرق ~~المسكين. # فكنت أسد رمقي وأرسل من وراء البحار ما يقوم بأود عيالي. # وبغتة هتف البوق، وسدت البحار، فتطوعت مع المتطوعين ورميت بنفسي داخل البركان ~~البشري كي أموت فلم أمت. # وسكت النفير فأرجعني قائدي إلى بلادي. # فسرت إلى قريتي وفتشت عن بيتي، فرأيت مكانه أربعة جدران متداعية، دخلت من المكان الذي ~~كان في سالف الزمان بابا، ونظرت في إحدى الزوايا بقايا الموقد وفوقها آثار ~~الدخان. # ورأيت على جدار شيئا أشبه بأزهار صناعية كانت تعلقها زوجتي حول أيقونة العذراء، ~~وتحت الأيقونة كانت تضع سرير الأطفال. # فجلست مكان ذلك السرير، ورفعت نظري فوقع على المسرجة. # فتذكرت نور السراج الزيتي الهادي، وأغاني أمي لأخي الصغير، ورقص الصبيان أترابي ليلة ~~العيد. # وذكرت منظر النار في الموقد، وصوت الرياح تقصف خارجا. # وذكرت وجه زوجتي، وعنقها الممتلئ، وصوتها الرخيم يحدو أغنية الأمهات، وحسبت أنني أسمع ~~صوت السرير الخشبي ذاهبا آيبا. # فهرولت مسرعا من ذلك المدفن الذي ضم حبي وآمالي وآلامي، وذهبت إلى الكاهن الشيخ ~~وسألته عن عيالي، فروى لي الحكاية التي سيرويها التاريخ عن اللبنانيين ~~واللبنانيات! # باعت زوجتي حلاها وثيابها وفراشها، ثم قطعت أغراس الزيتون في البستان، ثم باعت البيت ~~وأكلت ثمنه، وبعد هذا نزلت إلى بيروت مدينة الذهب والفضة، مدينة الجمال والحب، مدينة ~~العلم والدين، مدينة الأدب والأدباء، مدينة الهياكل والمدارس. # ومدينة الخلاعة والفساد والظهور والرياء. # نزلت ms004 زوجتي حاملة صغارها، فتعلقوا بأذيالها وتبعوها في الأسواق، فاستعطت وأطعمتهم، ~~وجاعت وأشبعتهم، حتى هزل منها اللحم وبرز العظم، فانحطت قواها ومات فيها الإنسان، ماتت ~~فيها نتيجة تهذيب المئات من السنين. # وسرقت فسجنت في الدائرة، ولما خرجت تعلق بها صغارها، فرمتهم وسارت في الأزقة ~~المظلمة محتفظة بالصغير إلى أن مات الصغير، فحملته وأرته للناس ميتا، فأشفقوا عليها، ~~ولما رموها بشيء طرحت الميت وجلست تأكل بنهم الوحوش. # وأخيرا حمت ودنا الأجل، فجرت نفسها إلى القرية وماتت أمام عتبة الباب. # قيل في القدم: هنيئا لمن له مربض عنزة في لبنان! تعالوا، تعالوا يا عابري السبيل ~~رثوا أرز لبنان، وبساتين لبنان، وعيون لبنان. # تعالوا اشتروا السهل والوعر بلا فضة وبلا ثمن، تعالوا فقد بيع البيت والبستان بربع ~~قنطار من القمح، هلموا لشراء الجواري والعبيد، فقد بيعت المرأة بريال، والابنة ~~برغيف! # أنشودة المهاجر # ارجعوني إلى لبنان! إلى أديمه وسمائه، إلى ثلوجه ومائه، إلى وديانه الجليلة، ~~وآكامه الجميلة، وغاباته الخميلة، ارجعوني إلى لبنان! ~~••• # إن الحياة لفي أشعة الشمس البارزة من وراء جباله. # والحب يدب خلال أنوار البدر الساطعة فوق تلاله. # إن العبادة لفي ليلة من لياليه المقمرة وقد تفضض الجو والأديم. # وسجدت عناصر الكون ليهوه القديم! # إن الخشوع لفي نظرة إلى أشجاره الباسقات. # تشابه ليلا أشباح الجبابرة المرعبات. # كل ما فيك يا لبنان يهيب بالنفس إلى العبادة والأمل. # قباب أديارك القديمة وهي ترسل مساء أصوات النواقيس، وخرير مياهك تتدفق في الوديان، ~~ودبيب الهواء بين أوراق الزان، وهمس النسيم في مباسم الغزلان. # كل ما فيك يا لبنان حبيب وجميل. # هدير العاصفة تكسر شتاء ضعيف نبتك يمثل جلال رواسيك الشوامخ وقد وقفت صامتة ~~تهزأ بالدهور. # والثلوج على نواصيك تذوب في قلبك وتغور لتتفجر من عيونك أنهارا وينابيع، رموز أزلية ~~لناموس التجدد الكامن فيك، والنبات الأصفر الذابل اليابس على جوانب طرق العربات دليل ~~على وجود الحياة في تلافيف تربتك يا لبنان. # حتى واللثام على رءوس العذارى مثال أبدي للفضيلة الكامنة في نسائك، والفضيلة في ~~نسائك هي دعامة حياة بنيك ms005 يا لبنان. ~~••• # هل أعيش لأرى الحياة تدب بين بنيك؟ # رأيت الموت ناشرا أجنحته السود فوق كل ذي حياة فيك! # رأيت الحياة تتمرغ في الأقنية والأقذار، رأيت الشبيبة تمشي إلى الفناء وقد مات فيها ~~نشاط الإنسان. # رأيت الأطفال تقطع من كبد الإنسانية وترمى في سلسلة الحيوان. # وآه! كم تفتتت نفسي على ما كان يجري فيك يا لبنان! # فتحت عيني للنور وكانت أغاني طفوليتي أهوال سنة الستين، ففزعت لبني أمي، ونشأت نافرا ~~من السفاحين، كارها للمتعصبين، وكبرت فألفت حياة الشرق! وبحثت، ولما تفهمت أشفقت على ~~الذابحين، وأحببت الجاهلين. ~~••• # كبرت فإذا شبان بلادي يهاجرون بالعشرات والمئات والألوف، ثم يرجعون فيأخذون من شابات ~~البلاد زهرات يانعات عطرات. # وهناك في أرض المهجر تنمو غريبة عيال لبنان، متبعثرة في أنحاء المعمورة من كندا إلى ~~المكسيك إلى الأمازون إلى الشيلي إلى أستراليا. # أعيدوا لي بني يقول: لبنان، أعيدوا لي عيالي، أرجعوا لي أمتي، عودوا إلي فأجدد ~~كياني القديم في الشرق القديم. ~~••• # كبيرا كنت أو صغيرا فأنت أنت يا لبنان. # ولئن فصلتك جراحك الدامية عن سوريا فأنت عين سوريا وقلب سوريا. هو ذا بنوك في المشارق ~~والمغارب «بنوك آن كنت صغيرا» يحملون النشاط في قلوبهم، والأنفة في نفوسهم. # بنوك نفخوا في الشرق نسمة التجدد فتكهرب بها الشرق من سوريا إلى النيل إلى الجزيرة ~~إلى العراق. # وبنوك، يا لبنان، سيحملون في الغد فكرة الاتحاد المجيد. # من على رواسيك ستبعث الحياة الجديدة إلى الشرق الجديد وفي وديانك ستنشأ فكرة اندغام ~~عناصر سوريا ولبنان، اندغاما لا يحله الجهل. # ولا تفرقه الأديان. ~~••• # ارجعوني إلى لبنان! إلى أديمه وسمائه، إلى نسيمه ومائه، إلى آكامه الجميلة، إلى ~~غاباته الخميلة، ارجعوني إلى لبنان. # | الأمومة # إلى ابنتي # إن في نظرات الأمهات نعيم الحياة # وفي نبرات أصواتهن أناشيد الخلود. # يا حلاوتك عندما دببت وعندما شببت. # بل قبل أن ولدت. # عندما تململت لأول مرة قرب فؤادي، فأحدثت في نفسي ثورة قلبت بلحظة كياني، وحولتني من ~~ولد خلي طيار إلى كائن مثقل بالحنان والحب، وعندما وثبت إلى الحياة بيديك ms006 الورديتين، ~~وعينيك المغمضتين، الجاهلتين معنى الحياة والوجود. # وعندما أتوا بك إلي فأخذتك إلى صدري، وبقيت طول ليلي أتأملك على نور الزيت الضئيل، ~~ناظرة إلى عينيك، وجبينك، وفمك، وأنفك، وخديك، وكل أعضائك المتناهية في الدقة والليان، ~~وقائلة في نفسي: «هي لي، هي لي»! # وعندما كنت أسقيك مذوب قلبي، وأراك تنمين يوما فيوما بما تمتصينه من ماء حياتي، كم ~~تلذذت في تلك الساعات الطويلة، وسكبت نفسي أمام هيكل حبك متمنية لو أعطيك كل ما في قلبي من ~~دم، وكل ما في نفسي من قوة، وكل ما في كياني من حياة. # وعندما فطمت فبكيت صدري، فلمست أول هموم الحياة. # يا حلاوتك في كل آن وزمان يا حلاوتك. ~~••• # يا لجمالك في الماء تشابهين الدمى والتماثيل، وتمثلين لي الإنسانية في أدوارها النقية ~~من قبل أن ينخرها دود الأمراض وسوس الفساد! كم وقفت خاشعة أمام تمثالك المعبود! وكم تاه ~~نظري بين استدارة ذراعيك، وبضاضة كتفيك، وتضاعيف عنقك! وكم خرق فكري الغلاف الجميل وتغلغل ~~بعيدا بعيدا، فتمثلت رئتيك، وقلبك الصغير يدفع الدم إلى جسدك ويحييك بنظام المبدع الأسمى! ~~وتمثلت قواك العاقلة تتكيف وتنمو شيئا فشيئا بما وجد فيها من خميرة وراثية، وما يزاد ~~عليها من تأثيرات المحيط، كم وددت لو أزيل كل ما أورثتك إياه - رغما عني - من نقائص ~~ومساوئ! وكم تمنيت لو أعطيك كل ما أتوق إليه من خير وصلاح وكمال أسمى! ~~••• # يا لبلاغتك اليوم! تتكيفين، وتتفهمين، فتقابلين وتحكمين، عندما تتأملين في خطوط وجهي، ~~وتحدقين إلى داخل عيني فتنعكس على وجهك الغض كل تأثرات نفسي، وتلمع عيناك للهناء، أو ~~تظلم لليأس، أو تضحك للسرور، أو تبكي للشقاء! # وعندما تقيدين عنقي بذراعيك وتسأليني: أمي لماذا أنت نحيلة وصفراء؟ لماذا لا تبسمين؟ أمي ~~تعبانة لأنك تشتغلين؟ ثم ينتفض جسمك ويختلج فؤادك وترتجف شفتاك وتسيل دموعك، آه! كيف تجثو ~~نفسي عند قدميك متوسلة إليك أن تكفي عن البكاء؟! وكيف أود لو أدخل إلى ذاكرتك الغضة فأزيل ~~منها صور البؤس، وأضع مكانها صور الهناء؟! كم تتسابق دموعي حنانا لحنانك، وحبا ms007 لحبك، ~~فأضمك إلي حاسبة أنني أضم كنوز الأرض وغني الكائنات! # كم سكبت من روحي في روحك! فأعطيتك حتى لم أبق لي شيئا وعدت إليك، فإذا أنت نبع لا ~~يعرف الجفاف يعطيني ويعطيني ويعطيني بلا حساب! # من عينيك تنبعث قوة سحرية هي زادي في الصباح والمساء. # عندما تنفذ في قوة الجهاد انظر إلى عينيك. # عندما تضع الأيام أمامي حواجزها الهائلات أنظر إلى عينيك. # من عينيك إرادتي، وقوتي، ووجودي، وتجددي، وعلة بقائي، وسر حياتي. ~~••• # تفقد المرأة أباها، وأمها، وأخاها، وأختها، فتتألم نفسها، وتبكي عيناها، ولكن موت الولد ~~يؤلمها جسديا فتتوجع كمن فقئت عينه، أو بترت يده، أو شقت كبده! # كان لي ملاكان ذهبيان! # فنزل يوما ملاك أسود كبير على بيتي ونظر بعينيه الناريتين إلى أحدهما، وكما تكهرب ~~الأفاعي صغار الزغاليل فتأتي صاغرة إلى أفواهها، كهرب ملاك الموت ولدي فسار أمامه صاغرا ~~حزينا! # آه! ما أمرهم عندما يموتون! # آه لنظرات الحزن في عيونهم تقطع الأوصال والأكباد عندما تعف شفاههم عن أطايب الحياة ~~وتتحول إلى ظلمات الأبدية! # عندما يصارعون قوات الموت بكيانهم الضعيف فيختلجون، ويئنون، ويحشرجون وهم لا يدرون ~~ماذا يقطعون. # لمس الموت تمثالي الحي فأصبح باردا. # فأخذته إلى صدري، فهوى عني ومثل لي جمود الموت، فلم أخف الموت لأول مرة في حياتي. ~~عانقته نفسي ساكنة مطمئنة، وشعرت أن الموت قسم من الحياة، وبقيت أتمرغ في حزني هادئة، ~~خاشعة، كأنني اكتشفت في دقيقة كل أسرار الأرض والسماء. # واحتمل الموكب الصغير، الجسم الصغير ضمن النعش الصغير، ومشى به خلال أشجار السنديان، ~~فوقفت أتبعهم بنظري إلى أن أصبحوا نقطا سوداء كبيرة تحمل نقطة بيضاء. # وأراد ذوي أن يحولوا مجرى أفكاري بكلمات مألوفة، فتألمت من نبرات أصواتهم البشرية التي ~~قاطعت في نفسي أصوات الأجواق العلوية! ~~••• # سكوت. بالله أيها الناس، تقول الأمومة! # إنني والموت واحد؛ فلا تفصلوني عن نفسي. # الأمومة شيء عظيم كهذا الوجود؛ إلهي كالملأ الأعلى. # في الأمومة كل ما في الطبيعة من حرارة وندى وأمطار وعواصف وصواعق وسكون وإعصار. # في الأمومة ينابيع الحب والألم، والسلوى واليأس، ms008 والصبر الجميل! # كل ما في الحياة والموت من الأم وإلى الأم! # سكوت، سكوت، أيها الناس. تقول الأمومة. # أنا والموت واحد؛ فلا تفصلوني عن نفسي، ولا تحولوا بضجيجكم بيني وبين كياني. # | مي تتنهد # مي ابنة في الثامنة من عمرها، ذات بشرة سمراء زاهية كسنابل القمح، وخدين حمراوين بلون ~~الشقيق، وفم وردي عجيب في صغره نحيف لطيف، حتى يحسب الناظر عن بعد إلى مي أن هنالك حبة ~~كرز حمراء في صفحة وجهها البيضاء. # وحاجبا مي قوسان مشدودتان مقفلتان فوق أنفها الصغير، وعيناها ... آه من عينيها الصغيرتين ~~كلوزتين، الكبيرتين كهذا الوجود، بما في هذا الوجود من كواكب وأقمار، وأزهار وأنوار، ~~وشواهق وبحور ...! # أما شعرها فأسود لماع متجعد غزير، قصير إلى ما فوق عنقها الصغير. ولو ترك شعر مي مذ ~~ولدت لكان اليوم كالحبال المدلاة لقوة الحياة في أصوله، ولكن المقص لا يبرح يمر فوق تلك ~~الذؤابات الجميلة؛ ذلك لأن قلب أم مي - كقلوب الملايين من الشرقيات - ما كان مرة طفلا، ~~بل حمل هموم الحياة في العاشرة، وشاخ وذوى في العشرين؛ لذا تعمل أم مي على إبقاء ~~ابنتها طفلة طفلة، إلى أن ترتوي ضحكا ولعبا وقفزا وركضا، فكأنها بهذا تريد أن تعطيها كل ~~ما حرمته هي في فجر الحياة. # وهنالك عامل ثان يحمل أم مي على التمسك بتلك الطفولية كما بسعادة قريبة الزوال ... نظرت ~~يوما إلى ثوب مي القصير فقالت ضاحكة: كبرت يا ولدي! أجابت: لا أريد أن أكبر. ~~- ولماذا لا تريدين أن تكبري؟ ~~- ذلك لأنني عندما أكبر لا أعود أجلس على ركبتيك. # ومنذ، زادت أم مي تعلقا بالأيام المسرعة في المسير، وأخذت تنظر بخوف إلى الأثواب الآخذة ~~بالقصر شهرا فشهرا ... وتفكر بذعر باليوم القريب «يوم تكف مي عن الجلوس على ~~ركبتيها». # وربما نظلم أم مي إذا قلنا: إنها مسيرة بالأنانية؛ فهنالك عامل ثالث يحملها على إبقاء ~~ابنتها طفلة، ذلك أن دماغ مي أكبر من سنها، فلو أنها سلمت إلى المعلمين والمعلمات كباقي ~~الأولاد لكانت اليوم تقرأ شكسبير وسبنسر، ولكانت قليلة النوم، صفراء نحيلة، ms009 غائرة العينين، ~~مقوسة الظهر ، بطيئة الحركة، ولكن أم مي تكره بكل قلبها الأطفال الهرمين، فمي تدخل سريرها ~~الساعة السابعة، وكثيرا ما يقهرها سلطان النوم قبل أن تنتهي من صلاتها الصغيرة، وهي طروبة ~~ترن ضحكتها العالية في جوانب الدار كأجراس العيد، لعوبة لا تعرف الراحة إلى أن يجيء أوان ~~النوم. هي لا تقرأ شوقي ولا حافظ، ولكنها تعرف أسماء شواهق وينابيع لبنان، فتصف رأس العين ~~ونبع العسل ووادي العرائش، وكأكابر الشعراء تتغزل بألوان الشروق والغروب، وقصف العاصفة، ~~وهدير البحر، وهديل الحمام ... ~~••• # قصدت أن أصف مي وهي تتنهد، فما لي أسترسل وأسترسل إلى أن يمل المطالع؟ # أيها الكتاب! ما بالكم تكلمونا عن الأطفال؟ تقول الشبيبة: كلمونا عن مسرات الحياة، عن ~~الحور المسترسلات الشعور المتجردات كتماثيل أفروديت وعشتروت. # ولكن الأطفال، أيها الناس، هم نصف الوجود، هم هذه التماثيل التي تعبدون فيها الشباب، فإذا ~~بان لكم الهرم الباكر انقلبتم يائسين. # أيها الناس، من منكم يدخل إلى نفسية الأطفال فيعيش عمره مرتين؟ من منكم يصور لنا حزن ~~الأطفال، وحب الأطفال، وغيرة الأطفال؟ تهملونهم فيشبون كما يشاءون، وعندما يأتي زمن الحصاد ~~تجدون أمامكم شبيبة هرمة، متجعدة، ذاوية كأوراق الخريف، ونخرة كأخشاب أكلها السوس. # كان لوالدة مي صديقة لها ابنة تدعى هند، فانتقلت محبة الأمهات إلى البنات، وصارت هند تبكي ~~لبكاء مي، ومي تضحك لضحك هند، وكان في بيت مي خادمة تدعى مريم، جاءتها أمها يوما زائرة، ~~فدهشت مي الصغيرة، وأخذت تدور حول الزائرة تتفحص أسنانها، وضفائرها الصناعية، وثوبها ~~الواسع، واستأنست فأصغت إلى عبارات الحنان بين مريم وأمها، ولم تتمالك أن سألت هل «للكبار» ~~أمهات؟ فأجيبت أن لكل الناس أمهات. # ولم يأت المساء إلا وفكرة الأمومة تملأ دماغ مي الصغير، فأتت وجلست على ركبتي أمها وسألت: ~~يا أمي، أين أمك؟ ~~- ليس لي أم. ~~- لي أم، ولهند أم، ولمريم أم، ولكل الناس أمهات، وأنت أين أمك؟ ~~- في السماء يا ولدي. # فحزنت مي الصغيرة، ولمع في عينيها بريق ألم عميق، فتنهدت وصرخت بصوت مرتجف: آه ... يا أمي، ~~لماذا أنت ms010 بدون أم؟! وللمرة الأولى بكت مي على أمها ووحدة أمها! ~~••• # عندما اشتعلت الأرض بالحرب الكونية، علمت مي أن تصلي في كل مساء وصباح هذه العبارة: ~~«يا يسوع الصغير، ضع حدا لهذه الحرب، اشف المرضى، وأرسل خبزا للفقراء الصغار.» # وهجمت النائبات، ومنها التيفوس، فأصيبت أم هند وقضت في أسبوع، وفي ذلك اليوم المشئوم ~~تنبهت مي لوقع الأقدام على السلالم، وشاهدت الصندوق الخشبي وخلفه الصليب الكبير، وجوق ~~الكهنة يرنمون بأصوات شجية، فصمتت صمتا مهيبا كأن نفسها الصغيرة شعرت برهبة الموت، ولما ~~وضعوها مساء في فراشها شبكت يديها على صدرها، وقالت: إنها «زعلانة» من يسوع الصغير، ولا ~~تريد أن تصلي له. ~~- ولماذا أنت «زعلانة»؟ ~~- أما رأيت كيف أنه أمات والدة هند؟ من سيحب هند بعد اليوم؟ # وتنهدت مي وأرسل صدرها الصغير زفرة طويلة عميقة، ولأول مرة في حياتها بكت على الناس ~~ومصائب الناس! # كانت مي صغيرة عندما أرسل لها «يسوع الصغير» أختا. من عساه يصف محبتها لذلك الكائن ~~الضعيف، تلك المحبة الممزوجة بالشفقة والحنان، والعطف والغيرة المحرقة القتالة؟ من عساه ~~يصف نفسها وقد أصبحت ساحة لمعترك العواطف المختلفة. # هل صرخت الطفلة؟ كانت مي تسرع وتقول بلغة الأطفال: احملوها ولا تتركوها تبكي، أرضعوها؛ ~~إنها تموت من الجوع، أدفئوها؛ إنها باردة كالثلج، لعلكم تظنون أن يسوع الصغير سيرسل لي كل ~~يوم أختا! # آه من قلب مي الصغير! كيف كان يطفح بعواطف الأخوة العذبة، ولكن تلك المحبة كانت مقرونة ~~بغيرة قاتلة ظهرت بوادرها في عيني مي؛ لأن عيون الأطفال لا تعرف الكذب، هل نظرتم في عيني ~~امرأة ما صورة الأمل الضائع، والحياة الذاوية، والحب البائس، والشباب الباكي! هكذا كانت ~~نظرات مي يوم تصارعت المحبة والغيرة في فؤادها فهوى كيانها الصغير تحت أثقال الحب. # ما كانت مي محبة لنفسها، فلم تؤذ الطفل، ولا سألت مرة إنزاله عن صدر أمه كما يفعل الصغار، ~~بل انسحبت بذل تاركة مكانها للكائن الجديد، كأنه صاحب الحق وكأنها لا شيء، ولم تمض أيام إلا ~~وقد غارت عيناها وذبل ورد خديها، فكانت تنزوي ms011 وترسل التنهدات ثلاث ورباع إلى أن كان أحد ~~الأمساء، فاقتربت ببطئ من أمها، وتغلغلت في الملاءات الدافئة، وكمن ضاق صدره عن وسع ما فيه، ~~باحت مي بسر عذابها المستقر في عينيها الذاويتين الجامدتين، فسألت: أين أمي أنا؟ ~~- أنا أمك. ~~- والطفل، أين أمه؟ ~~- أنا أمه. ~~- إذن أنت أمه «هو» لا أمي «أنا». # وعبثا تعبت الأم في تفهيم مي أنها أم للاثنين معا، فلم تكن لتصدق، بل كانت تبكي على ~~الحب الضائع، وتختبط في يأسها وتتنهد وتقول: يا لذلي! ليس لي أم، ليس لي أم ... # | تذكارات يتيمة # في الغد يحملونني إلى بيت الرجل الغريب عني وعن عشيرتي، وهو سيحملني بدوره إلى ما وراء ~~البحار البعيدة. # منذ أسبوع أتى الكاهن الشيخ الذي أحبني مثل أولاده طيلة فتوتي السوداء، الدهماء، كقلبي ~~الهرم ونفسي القديمة، قال لي: إن أبي قد خطبني إلى ن. س. الرجل الذي عاد حديثا من ~~المهجر، وزاد أن الفرق كبير بيني وبين خطيبي، وأنه قد أبان فظاعة الأمر إلى أبي وخالتي، ~~ولكنهما مصران لأن للرجل ثروة كبيرة، ثم أنهى حديثه قائلا: يا ولدي سلمي أمرك إلى ~~الله. # لم يقل الرجل الصالح هذه الكلمات بصوت أرن كسائر الكهان الذين تعودوا أن يحملوا إلى ~~الفتيات أحكام الاجتماع العرفية، قالها بصوت أجش حزين كأنه آت من الأعماق البعيدة. # ومنذ بلغت إرادة أوليائي أصبحت تلك المرأة الثعلبية لدنة الملمس كالحية، تبسم لي ~~حبا وتقول للناس: إن فراقي أمر من الموت، وإذ تكلمني تخفض صوتها كمن يكلم سيدا؛ ذلك ~~لأن ثروة خطيبي ستقلبني من ابنة الزوج المكروهة إلى محسنة محبوبة، فأبي سيشتري بثمني دارا، ~~وزوجي سيحملني بعيدا حاملا معي أخوي. # هي اليوم دائبة لراحتي وتزييني؛ تأتي صباحا فتفتح الباب بهدوء وتهمس في أذن إخوتي أن لا ~~يعكروا سكوني كي أنام. # في هذه الساعات الباقية لي أستحضر إلى ذهني تذكارات الماضي، فتبرز الرسوم حية، وتمر ~~أمام عيني واضحة صحيحة كأنها لم تمر عليها السنون، ولم تطوها الأيام، تلك الرسوم المرتكزة ~~في أخفى خفايا ذاكرتي، لا أستعيدها إلا ms012 والمرارة تملأ قلبي وترجف شفتي! # هذا البيت الذي سأفارقه أبديا كان لأمي من ذويها. هنا ولدت وتزوجت وماتت عروسا ~~بيضاء كالزنبقة البيضاء، أراها الآن ماثلة أمامي صورة للمرأة الشرقية الغارقة في الأشغال ~~الشاقة من الفجر إلى الليل. # تفيق فتوقد النار، وتغسل الثياب، أو تعجن الدقيق، ثم تهيئ فطور أبي، وبينما هو يأكل تقف ~~أمامه بذل وخضوع، وإذ تطلب شيئا من حاجات العيال ينفر، فيلعن الحياة والزواج والأولاد ~~ويخرج غاضبا، فتعود هي إلى تنظيف البيت وفي عينيها نظرات مظلمة، وحول فمها ملامح ~~المذلة. # ثم تذهب إلى الموقد تحرك القدر، وتنقي الحبوب، وإذ تتناول الغذاء يبكي الرضيع، فتجثو قرب ~~السرير، ثم يدخل أبي متعبا غاضبا فتقوم إلى خدمته، وإذ ينام ترفئ الثياب، وتظل تعمل إلى ~~ساعة متأخرة. وكم استفقت في ليالي الشتاء الباردة فإذا بها قرب السرير تمسح دموعها الواحدة ~~بعد الثانية! # وداهمتها الحمى وهي نحيلة ضئيلة، تروح في البيت وتجيء كالخيال، فلازمتها أخدمها بقلبي ~~الصغير المملوء خوفا وحبا، ويوما طلبت الكاهن الشيخ، فدخل يحمل في يده كتابا وكأسا، ~~فسرت إلى زاوية تقودني روح خفية، وجثوت أضرع إلى الله أن لا «يأخذها» ويتركنا يتامى، ~~والتفت فإذا بها مستوية على وساداتها ووجهها أصفر كالشمع، ويد الكاهن فوق رأسها وفمه يتمتم ~~كلمات كبيرة غريبة ... # فاقتربت ولصقت بذلك الفراش، وأخذت يدها الباردة وقلبي الصغير يرقص في صدري، فتململت ~~ونظرت إلي بكل ما بقي فيها من الحياة، وقالت لي: «عديني يا ولدي أنك تهتمين بإخوتك من ~~بعدي.» ثم سالت من عينها قطرات كبيرة، فاختبأت في صدرها أشهق وأقول: يا أمي! يا أمي! # وجاءت جدتي وأبي وأناس كثيرون، وعلا الصراخ حولي، فحملني الكاهن الشيخ إلى البستان، وقال ~~لي أشياء كثيرة، منها أنني أصبحت أما لإخوتي. # وهكذا طفرت ... عبرت طور الفتوة وطور الشباب ودخلت - أنا الولد اللعوب الطروب - في ~~موكب الأمهات الرازحات تحت أثقال الحياة الشرقية المرة. ~~••• # بعد أيام، بدأت نساء الحي تزحف تحت الظلام إلى بيتنا، وفي تلك الزاوية التي توسدها جسد ~~أمي الشمعي جلسن إلى والدي ms013 وندبن حظه ووحدته وخراب بيته، ونصحنه أن يتزوج «حبا ~~بأولاده». # ولا أزال أذكر وجه أبي يوم تزين ولبس ثوبا جديدا وحذاء جديدا، وذهب إلى عروسه الجديدة ~~... أذكر ذلك الوجه الضاحك لأول مرة، وتلك النظرات؛ تلك النظرات التي ما أرسلت إلى أمي إلا ~~العبوسة، كانت ترقص في محاجرها سرورا وحبا! # ونظفوا البيت لأجل «العروس»، وأحضروا خادمة لطبخ الطعام؛ لأن «العروس» غير مجبرة أن ~~تطبخ «لأولاده»، واشتروا لها تحفا وأثوابا ثمينة؛ لأن أبي يجب أن يبذل كي ترضى به ~~«وبأولاده». # أما أنا فكنت عبدة لفكرتي، تلك المتسلطة علي، المتملكة مني، الآسرة كل قطرة من دمي، وكل ~~ذرة من ذرات كياني، تلك الفكرة كانت شبح أمي الضئيل يسير في البيت ضئيلا، ويركع إلى ~~السرير ضئيلا، ويجلس إلى الموقد ضئيلا، ويلف بأكفانه ضئيلا، وذارفا تلك القطرات الكبيرة ~~التي بللت وجهي ساعة النزع! # قومي يا هند إلى إخوتك. كان صوت أبي يناديني في ليالي الشتاء الباردة آن يحضن الوالدون ~~أولادهم وينام هؤلاء ملء جفونهم. # ويبكي الطفل - طفلها - فيرتفع صوت أبي ثانية: تعالي يا هند، هزي سرير أخيك، فأمشي والبرد ~~يهز عظامي، وأسير إلى تلك الغرفة، وأجلس إلى السرير، فيذهب أبي إلى عروسه ويرتب الغطاء على ~~كتفيها ثم ينام ... # في تلك الساعات كنت أرى الشبح المحبوب جاثيا إلى السرير، والقطرات الكبيرة تنهمر من ~~عينيه الحزينتين. ~~••• # يا هند، أوقدي النار، يا هند، هيئي المائدة، يا هند، امسحي حذاء أبيك، احملي الخبز إلى ~~الفرن، انشري الثياب، اجمعيها عن الحبال، اعملي قهوة للزائرات، وأحضري أركيلة، أركيلتين يا ~~هند! وإذ أسير لأصدع بالأوامر كان صوت يقول: ألا تسعفك في البيت؟ # فتجيب المرأة الثعلبية: تسعفني؟ تأملي، أربعة أولاد عدا أولادي! # أربعة أولاد. عبارة كانت أصداؤها ترن مدى الأيام في فم هذه المرأة، وفي جوانب البيت، وفي ~~أعماق قلبي، إلى أن أصبحنا ثلاثة؛ إذ ماتت أختي التي من أجلها صرت أما! # وفي يوم ثكلي كان وجه تلك المرأة يتجلد ليخفي عن الناس أمارات الفرح السري. # كل هذه التذكارات تتسارع اليوم متراكضة، وتبرز ms014 أمامي واحدة واحدة، وأشدها إيلاما تذكار ~~ذلك اليوم إذ ضربتني هذه المرأة للمرة الأولى، قالت: يا هند، اذهبي إلى أم إلياس وأحضري لنا ~~الحليب. نظرت من الباب إلى السواد المنتشر خارجا وارتجف قلبي وقلت: «أخاف»، أجابت: أف ~~لهذه التربية الناقصة! يجب أن تكوني شجاعة. اذهبي! # ذهبت تحت الظلام في الطريق المحجرة المؤدية إلى البيت القائم في أطراف القرية، كنت أسير ~~فترن الحجارة تحت قدمي فأحسب أن رجلا يسير ورائي، وأسرع فيزداد صراخ الحجارة، ويصل إلى ~~مسمعي كقرع الطبول، تابعت السير إلى أن وصلت إلى الكنيسة القائمة بجانب السنديانة الكبرى، ~~الناشرة أغصانها فوق حجرة أمي، فرميت بنفسي إلى ذلك الحائط الذي ضم عظامها، وأخذت أبكي ~~وأنادي: يا أمي! يا أمي! # وبينما أنا كذلك ارتفع من الوادي نباح كلاب كثيرة، فانتبهت أنني بين المدافن، وتراءت لي ~~صور الهياكل البشرية تعلوها الجماجم المخيفة، فصرخت صوتا رددته الأودية ألوفا، وهمت وقد ~~نسيت الحليب والوعاء. # ووصلت وخالتي تنتظرني، ولما رأت أنني لا أحمل شيئا انهالت علي تصفعني، ثم دفعتني إلى ~~غرفة وأقفلت علي الباب. # فارتميت على البلاط البارد وجسدي ينتفض، وكلي شوق إلى الارتماء على صدر حنون دافئ ~~... ~~••• # أيها الرجل الكريم، يا من نشلتني من جحيمي، وبدل أن يكون أجرك عبوديتي الدائمة فتحت يديك ~~وملأت بيت هذه المرأة خيرا وبركة. # لعلك بهذا تشتري شبابي وفتوتي! إنني عجوز أيها الرجل؛ عجوز قديمة هرمة. وكيف تكون ~~شابة تلك التي ما بسمت للمحبة ولا للفتوة ولا للشباب؟! # | الغريب # جلس الغريب إلي كما إلى نفس شقيقة، # فجاش سره في صدره، # وتصاعدت مرارته إلى شفتيه، # وهم أن يلفظ قلبه من فيه ويرميه في كف رفيقة، # وهم أن يريني آثار النخاسة على وجنتيه، # وهم أن يريني الأصفاد الضاغطة على يديه ورجليه، # ولكنه تراجع، ووجم، فأرجع سره إلى صدره، ورد مرارته إلى كبده، وأخفى أصفاده تحت أثوابه؛ ~~كي لا أرى وثائق انكساره، لأن الإقرار بالخيبة يؤلم نفوس الرجال. # وسكت الغريب وطال سكوته. # فحلق فكري في جواء الذكرى، وتمثلته في أيام فتوته، تمثلته ms015 يوم كان ولدا طيارا ، ومرت ~~حياته في خيالي خضراء كالربيع، روية كندى الصباح، سرية كحديث البدر، عذبة كظلمة الليالي، ~~وغضة ونضرة كبشرة الأطفال، ثم نهض وسلم ومضى، ولما سار في منعطف السبيل همس لنفسه: # اسكت يا قلبي حتى الممات. # وسافر الغريب بعيدا لمكافحة الأيام، والأيام تيار عنيف، أهوج، يسحب الضعفاء ويكفنهم ~~بأمواجه ذات الزبد ثم يرميهم في بحر الظلمات! والحياة مقصف هيأته أيدي الغواني، وصفت على ~~موائده أكواب الغبطة وأثمار الهناء، ووقفت أجواقهن على بابه تستقبل الداخلين، فمن كان ~~عابسا كئيبا صفع وطرح خارجا. # لأن الكآبة وباء يهرب منه الآكلون والراقصون والشاربون. # سافر الغريب، وهناك بين الجماهير الأغراب عصف في قلبه شوق إلى صديق يحن ويؤاسي، فكتب ~~إلي يقول: # في ساعة تلعب بي أمواج الحياة القاهرة أفتش على يد لطيفة أمرها على جبيني الملتهب، ~~فدعيني أبوح بسر يغالبني وأغالبه، دعيني أقول لك: إنني شقي أكثر مما تظنين يا أخت ~~المجاهدين في هذه الحياة! # إنها نزوة من قلب مكلوم، اغتفريها واستري؛ فالشكوى لغير الله ذل. # ورجع الغريب، وجلس إلي، وكأن صرخته تلك فككت قيود كبريائه فباح بسر عذابه، وسر نحوله، ~~وسر خيبته، وسر حظه الأعمى! لأن الحظ اللامع أليف الفكر اللامع، وأنى للفكر أن ينور ~~وقد أطبقت عليه ظلمات الحرمان، وتأكلته وساوس الغيرة والشك، وعشش فيه، في الثنايا منه، ~~والحنايا والزوايا شعور واحد، لا يبرح يطن ويرن: # إنني منبوذ، إنني مكروه، إنني غريب. # أنا غريب. قال الغريب: # غريب أنا في عملي، أباشره ونفسي تنقبض، وقواي تخور، وفكرتي تتضاءل. # العمل يحب إذا كان للعامل غاية في الحياة، إذا كان يحمل نتائج عمله ويضعها بين ~~يدي رفيقة محبة قنوعة، تعرف معنى الأتعاب والجهود، وتقدر أن العرق المتصبب من ~~جبين الرفيق هي دماء، كل قطرة منها يوم من أيام الشباب تكر ولا تعود. # الإنتاج - مهما كان حقيرا - يحب إذا رأت فيه الرفيقة فكرة محب يجابه عنها ~~المصاعب، ويحميها من ذل السؤال. # ولكن! عندما أحمل إلى رفيقتي ثمار عملي فتنظر إليه من علو كبريائها وتقول: ms016 إنه ~~قليل لا يشفي غليلا. وتعدد ما في البيت من الفراغ، وما يلزم لخزائنها حتى ~~تمتلئ، وتذكر بحرقة ثوب فلانة ومائدة فلان. آه! كم تنكمش نفسي على أوجاعها، وكم ~~تتسابق إلى قلبي شواعر الذل، والصغر، والمسكنة! وكم تنتحب روحي، تلك التي ترى ~~الحياة جوا حرا فسيحا نيرا، يطير فيه الزوجان إلفين، اثنين، مغتسلين بأمواج ~~النور قبل أن تتوارى الأنوار، وبندى الصباح قبل أن تظلم الأصباح! # آه! كيف تنتحب روحي، تلك التي ترى البيت عشا تسكن إليه القلوب قد أصبح ميدانا ~~للمفاخرة الحمقاء وحب الظهور السخيف! ~~••• # وفي بيتي أنا غريب، عندما يتراكض الرجال مساء إلى أوكارهم أسحب جسدي المضنى إلى ~~جحيمي، فأراه متلألئا بالأنوار، مكتظا بالزائرين والزائرات، وأرى رفيقتي تميس ~~بالأثواب الغالية كإمبراطورة في عزها وسلطانها، والرجال من حولها يتوددون ويتحببون ~~ويصغون إلى صوتها تنغمه وتنعمه كهديل الحمام، وأرى الخدم - كما في بيوت ~~الكبراء - يطوفون بالأكواب والأقداح، فأفكر كيف تهدر دمائي ثمنا للفخفخة الفارغة، ~~والانتفاش الفاضح. # ويذهب الزوار، فأدنو منها لأطرح أتعابي عند قدميها الصغيرتين، لأسند رأسي إلى ~~قلبها وأسمع - مرة واحدة - لحن الحياة قبل أن تتلاشى فينا الحياة، ولكن! سرعان ما ~~ينكمش جبينها، وتظلم عيناها، ويقسو فمها، ويلبس وجهها - الذي كان منذ برهة أنيسا ~~رحبا بساما - قناع البرودة والجفاف. # هذا البيت! أف له، ما أظلم اسوداده! وتعسا لي عندما أجيل عيني فيه فتتردد من ~~جوانبه حكايات شقائي وبؤسي. # هذه الموائد لا تصف «لي»، وهذه الأكواب لا تملأ زهورا لترتاح إليها روحي، وهذه ~~الوسائد التي تتفنن رفيقتي في صنعها من حرائر مفضضة ومذهبة لم تصنع لأسند إليها ~~أضلاعي التعبة، وهذه الأنوار المغطاة بألوان تنثر على الجلوس أسارير الليل العميقة، ~~هذه الأنوار لم تزين لتحمل همس الليالي إلى قلبي! # هذا البيت! أف لهذا البيت. # حلمته جنة أنعم فيها بملك كريم، فإذا هو جحيم، وإذا ملاكي امرأة دعية، خداعة ~~تلبس لكل ساعة وجها، وكذابة ... لأنها تتمتع بمال رجل لا تحبه ولا تحتمل ~~قربه. ~~••• # وفي حبي أنا غريب، عبثا أنظر في عينها كي أرى ms017 ذلك القبس القديم، يوم حملتها من ~~خدر أمها في ليلة باردة، ونزعت أزهار عرسها البيضاء، وأخذت قدميها الباردتين بين ~~كفي أدفئهما بحر أنفاسي. # عبثا أفتش عن قبس لمع في عينيها ساعة همست في أذني أنها تحبني، وأنها ~~سعيدة. # سرعان ما حلق الحب بعيدا، سرعان ما أخذت مكاني مشاغل الحياة العالمية العوجاء، ~~فالعطور، والأثواب، والقبعات، حتى والأحذية أقرب إليها مني، ولكل من الرجال أسبقية ~~وألمعية وأفضلية؛ هذا نبيل، وهذا موسيقي، وهذا شاعر، ذاك يتكلم ثلاث لغات، وذاك ~~له سيارة، وهؤلاء يلعبون البوكر لعب «الكبار»، وأولئك رجال صالونات، وهذان يرقصان ~~بلباقة ورشاقة. # وأنا وحدي لا فضيلة لي أغبط عليها، ولا مزية أحب من أجلها، إن تكلمت ظهرت ~~على وجهها علامات «العصبية»، وإن أعربت عن رأي أسرعت للدفاع عن ضده، وإن أخذت ~~يدها بيدي أشعر أنها تتقلص وتقسو، وإن رفعتها إلى شفتي نكصت وتباعدت بحركة جفاف ~~ونفور، فأشعر بسم البغضاء يتمشى في دمي، وأشعر أنني أذل من عبد، وأحقر من دودة ~~تلصق بالتراب. # انتهى الغريب من أنشودة غربته ثم ضحك ضحكة صفراء؛ لأنه رجل والرجال لا يبكون ... # ونهض وسلم ومضى، ولما صار في منعطف السبيل همس لنفسه: # اصبر يا قلبي حتى الممات. # لماذا يعيش هذان الغريبان معا؟ # ولماذا لا يطرد هذا الغريب فيأوي إلى مغارة جرداء يفترش غبراءها، ويأتلف مع حجارتها ~~وأصلادها. # لماذا؟ # لماذا لا تتزوج هذه المرأة أكواب العطور وصناديق القبعات والأحذية؟ # لماذا لا تلحق بهؤلاء الذين تجلس إليهم وكلها إصغاء، وعطف، ومحبة؟ # ولماذا تحتمل طول حياتها قرب رجل تنفر منه كل حاسة من حواسها، وكل نقطة من دمائها، وكل ~~ذرة من ذراتها؟ # لماذا؟ # لماذا؟ # | الغريبان # كانوا يدعونها قبل زواجها «مس دجاك»؛ لأنها ابنة المتمول سليم يعقوب الذي هاجر بزوجه ~~وابنته إلى مدينة مانشستر وتوطن فيها. # كانت مزيجا جميلا من تربية متينة أخذتها عن المحيط السكسوني، وذكاء لبناني حاد تجمع ~~فيها وتراكم ثم ظهر قويا براقا. هكذا تتجمع عوامل الوراثة وتتراكم على توالي الدهور، ثم ~~يأتي يوم؛ يوم تتكامل الشروط وتتوفر الأسباب ms018 فتظهر بارزة، واضحة، صارخة : أنا ماضيكم ~~المندثر، وتاريخكم المدفون في ظلمات العدم. # قلت: إنها جاءت مزيجا جميلا؟ أظن أن كلمة «جميل» لا تكفي لتصوير كائن بشري احتكر لنفسه ~~كل المزايا التي اتفقت البشرية على نعتها «بالمثلى»، فهناك تكوين متناسق لا عيب فيه، ~~بخطوط هي أقرب إلى التماثيل منها إلى الأجسام البشرية، وشباب ندي كأثمار الصباح، وحياة ~~متفجرة نابضة بالحنو والمحبة والانعطاف، ونفس وديعة هي الطفولة طواعية وليانا. ~~••• # ما كانت بالغريبة المطلقة، بل شرقية على الأكثر، كانت تتكلم لغة أجدادها بلهجة جبلية بحتة ~~حتى يخال السامع أنها قادمة حديثا من كسروان، وتحترم عادات بلادها كما نحترم العقيدة التي ~~تعودنا أن نجلها ولو شككنا بأفضليتها. # لم تنزل اللغة العربية عليها وحيا، فهي تعلمتها وأشربت حبها في زياراتها السنوية إلى ~~لبنان؛ لأن أباها - رغم البحور الفاصلة - كان يرسلها كل سنة إلى كسروان؛ فتقضي الصيف متنقلة ~~بين ميروبا وغسطا وريفون وفيترون. # ولكن نفسها الطماحة كانت تشبعت بالأفكار العصرية والنهضة الفكرية الجديدة، فأصبحت، ~~وهي بنت الشرق الصميمة، تتصرف وتتكلم وتفتكر وتكتب بعقلية غربية صرفة، وتميل - رغما عنها ~~- إلى كل ما هو غربي. # كانت لم تزل «مس دجاك» يوم زارت باريس، فتعرفت في بيت السفير العثماني إلى شاب مصري سمحت ~~له ثروة أبيه أن يسكن قصرا - هو متحف بما حوى من النفائس الشرقية والغربية - وأن يجمع حوله ~~حلقة من أهل الأدب والفن، وأن يدرس فن النحت ويبرع فيه إلى أن تعرض تماثيله في المتاحف إلى ~~جنب تماثيل مشاهير العصر. # نبوغ، وعلم، وفن، وفكر واسع منطلق، وتلبس تام بكل جديد، بهذه الصفات تسلط هذا الرجل ~~على حياتها فما لبثت أن خلعت اسمها القديم، فأخذت اسمه وصارت مدام غنام. # أما أيام خطبتها فمرت كحلم ذهبي جميل ... وأما أيام زواجها الأولى فمرت كالبرق لا تكاد ~~ترى لمعانه حتى يختفي. # كانت تزور خطيبها في قصره، فتدخل القاعة الكبيرة الملأى بجميل المرسوم والنحوت، وتتيه بين ~~التماثيل الرخام الصامت، فيأتي ويأخذ بيدها إلى مقعد كبير فرش بالوسائد الجميلة، وهنالك ~~يجلس عند قدميها ms019 ويقول لها - فيما يقول : إنها أجمل من كل تمثال صنعه النحات. # كان يهمس بلغة عذبة ما سمعتها في كسروان، ولا في صالون أمها، ولا في قاعة التدريس ... كانت ~~لغته حينا تشابه هينمة النسيم، وابتسامة الطفل، وأنغام الموسيقى في الكنيسة يوم آلام ~~يسوع، وخرير المياه في منعطفات لبنان، وحينا كان حبه يقصف كالرعد، ويزأر كالعاصفة، فيهز ~~روحها هزة عذبة كالحياة، ومخيفة كالهاوية. ~~••• # وتزوجت فأصبحت آلة لا إدراك لها ولا بصر ولا بصيرة، كل ذاتيتها الطيبة غرقت في ذاتية ~~الرجل الذي اتخذته رفيقا من بين الكثيرين ... # استعارت لهجته لتتكلم، وفكره لتعبر عن رأي هو رأيه أبدا. # كانت تفيق من نومها لتحضير فطوره بيديها، وتلبس لتروق في عينه، وتتنزه في الهواء المطلق ~~لاكتساب لون يزيدها رواء، وتنام لتأخذ قوة تساعدها على الإبداع؛ لأنها - في سبيل إرضائه - ~~انقطعت إلى الفن وصارت من كبار الرسامين. ~~••• # ونزل عن عينيها يوما حجاب التساهل، ونظرت إلى نفسها وإلى الحقائق حولها، فإذا بها منفردة ~~متروكة. # ذهب الحلم الذهبي، ومر الحب كالبرق الخاطف لا تكاد تشعر به حتى يختفي ... وتلك القبلات ~~المذيبة، وتلك الأنفاس الحارة، وتلك اللغة السماوية كله ذهب وبقي ذاهبا ... # لم هذا الجفاء؟ لم هذا السكوت القاتل، والبرودة الخرساء، والنظرات المظلمة التي تقع على ~~كل شيء، وتهتم بكل شيء - إلا بها. عبثا جربت أن تعلم، فلم تعلم سوى أن الرجل الذي ~~اختارته رفيقا وصديقا وركنا تستند إليه نبذها في زاوية بيته كإحدى الأثريات التي جاء بها ~~من الشرق. # ويوما عرضت لها حاجة، فدخلت إلى غرفة التماثيل - وكانت قد هجرتها منذ شهور - فرأته ~~جالسا إلى أقدام فتاة في الخامسة عشرة من عمرها، وسمعته يقول: «أنت أجمل من كل التماثيل ~~التي صنعها النحات.» # فهربت مسرعة إلى غرفتها، وأخذت رأسها بين يديها، وبكت عمرها الضائع، وشبابها ~~المكروه. # آه! ما أبرد تلك الجدران، وأسخف ما عليها من بدائع الفن وثمين الأقمشة! كم هي غريبة وسط ~~تلك التحف الغالية، وكم هي موحشة تلك القاعات العديدة تمر فيها أمام المراءات الكبيرة، ~~فترجع إليها خيال ms020 وحدتها وانفرادها الوجيع. ومضت الأيام والشهور والسنون وذلك البيت يضم ~~غريبين يجتمعان حينا على المائدة، ووحينا في زيارة لازمة لتثبيت المركز الاجتماعي. # كل ما في الحياة كان قريبا منه، وهي، هي كانت البعيدة البعيدة، كل الغريبات كن أليفات ~~حزنه وأنسه، كان رفيقا لكلهن، وحبيبا لكثيرات منهن. أمامهن كانت تحل عقدة لسانه - وهو ~~المحادث الخلاب - فيتكلم الساعات في الفلسفة والعلم، والفن، والسياسة، وتدبير المنزل وكل ~~شيء. # أما ابنهما الوحيد ... فكبر غريبا بين غريبين. ~~••• # من رآها وقد جمد شعورها وتصخر قلبها، وانقلبت حياتها المشبعة بالرواء والشباب إلى حياة ~~هرمة، صماء، خرساء؟ # تركت الزينات النسائية كلها، ولمن عساها أن تتزين؟ وهجرت «الصالونات» وما فيها من الزهو ~~والظهور، ولمن عساها أن تظهر، ومن يهمها بعد في هذا الوجود؟ وما عساه أن يبهج قلبها ~~الدفين الحي؟ مدنية الغرب؟ إنها تعرفها وتعرف ما فيها من الدواهي! عوالم الفن الواسعة؟ كل ~~ما في الفن من جمال وتعبير ليس سوى رموز لما في نفوسنا من العواطف المختلفة، أية عاطفة بقيت ~~لها حتى ترسمها بالخطوط والألوان؟ آيات البلاغة منزلة سطورا؟ كم لعنت هذه الآيات! وكم تمنت ~~لو بقيت جاهلة وتزوجت برجل جاهل! # لم هاجر أبوها إلى الغرب، ولم لم تبق فلاحة تسوق الأبقار، وتأكل رغيفها مع حفنة من ~~البقول؟ لماذا أقرءوها كتب الغربيين فلمست فيها ألف ألف فكرة، وألف ألف عاطفة جديدة؟ صوروا ~~لها القلوب البشرية مسيرة بالمحبة والألفة، ولما أن وضعت يديها على القلب الوحيد الذي ~~اختارته من بين القلوب إذا بيديها فارغتين، وإذا بالحياة، كل الحياة، صورة تجسدت فيها ~~العدمية واللاوجود. # انكمشت نفسها فأصبحت كهذا البحر لا يدرك ما فيه، واليوم هي طلسم من الطلاسم لا يحله ~~سحر. هي الحلقة المفقودة بين الشباب والهرم، والحب والبغض، والحياة والموت. # | حكاية هيفاء الديرانية # هي في الخامس والثلاثين من عمرها، ذات عنق بض جميل، وذراعين مستديرتين، وعضلات مريرة ~~تتجلى فيها القوة الجبلية وراء الشباب الغض، براقة العينين، مطبوعة الذقن، ذات شفاه سميكة ~~بسامة عن أسنان صحيحة لماعة. # اسمها هيفاء، وهو ms021 من الأسماء البدوية الجميلة ، أخذه اللبنانيون فيما أخذوه عن إخوانهم ~~العرب، ولم ينطبق اسم على مسمى كما انطبق اسم هيفاء على قدها الأهيف. # غريبة هي الأسماء في لبنان، تقف على نبع من ينابيعه فتسمع امرأة تنادي أولادها بأسماء ~~عربية صميمة؛ يا هيفاء! يا سعاد! أو: يا أسد، ويا ضرغام، وأخرى تصرخ: يا بشير، يا روكز، يا ~~أغناطيوس، يا أنوار! صفحات تمر أمام فكرنا فنذكر لبنان الإقطاعي ولبنان المتدين ... ثم ~~لبنان المتحمس لحرية الأتراك ودستورهم. # وقد يؤخذ الغريب إذا سمع على التوالي أسماء أدمون وروبرت وفكتور تلفظها الفلاحات بلهجة ~~بقاعية أو شمالية أو شوفية، فيقال له: هذا أثر من مؤثرات الهجرة، أو دليل من أدلة امتداد ~~النفوذ الأوروبي على سواحل الشرق الأدنى، ولكن ما قولكم بذلك المهاجر الذي أعجب بمبادئ ~~رئيس الولايات المتحدة فسمى ابنه روزفلت، أو بذلك الأثوذكسي الذي يعد بين أبنائه اسم ~~كروباتكين. # صدقوا. إنني لا أمزح، وليس فيما أقوله شيء من الغلو البديعي، فالحادثة حقيقية، والولد لا ~~يزال حيا يرزق، واسمه إن لم يكن كروباتكين، فهو اسم يماثله من أسماء العيال الروسية ~~الشهيرة؛ رومانوف مثلا، أو سازانوف، أو ماكاروف. اختاروا ما تشاءون. # إلى أين يجرنا الاستطراد؟ لنعد إلى هيفاء الديرية أو الديرانية، كما كانوا يلقبونها في ~~محلة الكلية الأميركية، حيث خدمت سيدات بيوت عديدة. ولم يكن تنقلها ليشينها في نظر ~~المتأمركات اللائي تعبدن إلى السكسون والسكسونية، ومن المعلوم أن ركنها الركين هو الثبات، ~~ثم الثبات، ثم الثبات ... ولقد غفرن للديرانية هذه الهفوة لنشاطها العجيب، وشغلها النظيف ~~المتقن، وقوتها البدنية الهائلة، حتى كان يقال عنها: إنها تحمل أثقال البيت على ظهرها؛ لذلك ~~اجتهدت سيداتها العديدات في سبيل إرضائها والاحتفاظ بها. # مسكينة هيفاء! يا ليتهم يعلمون سبب تقلبها، ويعرفون أن في ذلك الجسم الجبار الذي لا يعرف ~~التعب قلبا نسائيا تأكله الهم، فأصبح لا يسكن يوما حتى يستفزه القهر أشهرا وأعواما. ~~هيفاء تحمل هم قلبها الأخرس وتتنقل به من بيوت أسيادها في بيروت إلى بيتها القديم المتداعي ~~في القرية. وبعد ms022 أن تشبع نواحا وبكاء على حياتها المبتورة، يحملها الضجر إلى المدينة، ~~فتمكث شهرين، ثم يعود بها شوق الاستطلاع إلى القرية لعل من قادم من تلك البلاد النائية، ~~لعل من رسالة تنتظرها في بيت الكاهن الشيخ؟ ... وهكذا على توالي الأيام تمر السنون وهيفاء ~~لا تسلو ولن تسلو. # قلب فقير، وحكاية فقيرة! نعم للفقيرات قلوب - كما لذوات القصور - تهيم وتشتاق، وتتفجع ~~وتلتاع، وتحن وتئن ... كذلك لهن حكايات تبكي الأصلاد لو كان لها شعور، ولكنها حكايات مهملة ~~منسية. ولعل الفقيرات من هذه الوجهة أقل شقاء من ذوات الحياة المبتورة اللائي يتسلى بهن ~~الناس في سهراتهم، فيسردون وقائعهن ويضربون بهن الأمثال، وبعد أن يشبعوهن صفعا ~~وجلدا وصلبا، يعودون فيجودون عليهن بشيء من فضلات الشفقة، كما يفعل الصبية الأشرار بأعمى ~~مسكين إذ ينهالون عليه ثم يطرحون على أقدامه شظايا عكازه المحطمة ... # هيفاء أمية لا تعرف سبك الألفاظ ولا تجسيم المصيبة؛ لأنها لم تدخل إلى ساحة الحياة عن ~~طريق الروايات العصرية؛ حيث العواطف المشتبكة، والأميال المتطاحنة. # إنها جاهلة، ولكن ما أبلغها عندما تصف وحدتها، وعذابها، وشوقها إلى من يحميها، وحنينها ~~إلى ولد يدرج في الدار، وخوفها من الهرم الموحش، يوم تلزم البيت المظلم حيث لا نار تدفئ، ~~ولا قلب يحنو، ولا رفيق تستند إليه، ولا ابنة تعطف، ولا أحفاد يمرحون ويلعبون ~~ويضحكون! # كم هي شديدة التعلق بأولاد أسيادها! وكم تقبلهم وتدغدغهم فيطربون، وترن أصوات سرورهم في ~~جوانب المنزل! يجلسون مساء إلى دروسهم فتأتي وتجلس القرفصاء، وتبدأ بشغل الشال الصوف الطويل ~~فيكفون عن الدرس، ويضرعون إليها: «دخيلك يا هيفاء، احكي لنا حكاية.» فتضع شغلها إلى جانب ~~وتأخذ بقص حكايات حسن الشاطر، والسبع العجائز، والأربعين لصا، وابنة السلطان. # قيل لها يوما: يا هيفاء، احكي لي حكاية. ~~- حكاية من يا ستي؟ ~~- حكايتك أنت يا هيفاء. ~~- ... ~~- ما بالك؟ احكي فأشاركك في همك. # وأخذت تلك المرأة الضحوك تتكلم عن ماضيها، وتصف خدمتها في بيروت، ثم موت أمها ورجوعها إلى ~~البيت، ثم تعرفها إلى بطرس بن حنا، مختار الضيعة، وتعلقه بها، وغضب ms023 أبيه وأمه وكل أهله ، ~~وإصراره على الزواج بها رغم الكبير والصغير. كانت تتكلم وتضحك إذ تذكر مروره أمام البيت ~~وأغانيه الجبلية وقد تضمنت ما يريد إفهامها إياه. ولجهله الكتابة كانا يتفقان على طريقة ~~للتفاهم، فصليب واحد على الحائط كان يعني أن تلاقيه إلى العين، وصليبان إلى الفرن، وثلاثة ~~إلى الكنيسة، وهكذا ... # هنا أغربت هيفاء في الضحك، فلمعت عيناها، واستدارت الغمزة في ذقنها، وامتلأ البيت برنين ~~طربها. # ثم تكلمت عن هربه من بيت أبيه، وإرساله أربعة من «الجدعان» لاختطافها في «ليلة ما فيها ~~ضوء قمر»، وامتناع الكاهن عن تكليلهما، وانقسام القرية إلى حزبين، وفوزها في نهاية الأمر ~~بمداخلة المطران. ~~- إذن لماذا هجرك بعد كل هذا التعلق؟ ~~- لم يكن لنا بيت، وقد حرمه أبوه فبقينا في بيت أبي، ولكن أهله ما زالوا يضمرون لي الشر، ~~فتجمهروا عليه وزينوا له السفر إلى أميركا حتى ينتقموا مني - وكان قد ضجر من قلة الشغل - ~~فذهب وترك لي ابنا صغيرا بعد أن حلف لي أمام «الأيقونة» أنه حال وصوله يرسل لي أجرة ~~الطريق. # هنا هبط صوت هيفاء إلى قرار واطئ كئيب، فكانت دموعها تتدحرج ببطء على خديها، فتمسحها بطرف ~~ثوبها وتتابع الحديث: # لم يتوفق في أول الأمر، فبقيت أنتظر في القرية وأنا أغسل لهذا، وأخبز لذاك، ~~وأشتغل حينا في معمل الحرير، وحينا في موسم القز، إلى أن جاءت الحرب فتصالحت مع ~~أهله وسلمتهم ابني، وذهبت إلى حوران وبدأت أشتغل في الحقول وأرسل لهم ما أحصله كي ~~يطعموا لي الولد ... ولكنهم أكلوا أتعابي وأماتوا ابني جوعا. # وصلت هيفاء إلى هذه المرحلة من الحديث وشفتاها ترتجفان، وصدرها يرتفع ويهبط، ودموعها ~~تتسابق، وأوتار عنقها تتضخم، والكلمات تخرج من فمها متقطعة متهدجة. ~~- آه! لا أريد شيئا منك يا ربي وإلهي إلا أن أرى بطرس مرة واحدة، فأحكي له قصة عذابي ثم ~~أموت. ~~- لماذا لا تتبعينه يا هيفاء؟ ~~- كلما قصدت أن أسافر كان يأتيني منه مكتوب أنه سيحضر، ومنذ سنتين نقل من البلد الذي كان ~~فيه وذهب إلى بلد يبعد عن ms024 ذاك بالبر مسافة عشرين يوما، ثم انقعطت أخباره ... ~~- بالله يا هيفاء، كفاك تبكين. ~~- دعوني أبكي ... دعوني أطق، كيف أنساه ومحبته في قلبي حتى أنزل إلى القبر، يا ليتني مت ~~قبل أن ذهب وترك في قلبي هذه الحسرة. ~~••• # منذ سنة أتى رجل من المهجر، ولما سئل عن زوج هيفاء قال: إنه متزوج منذ سنين وله عدة ~~أولاد. # أما هيفاء فلا تزال تخدم من يعولها بأمانة وصدق ونشاط عديمي النظير، في كل مساء تركع أمام ~~أيقونة يسوع فتصلي عن روح ابنها الطفل النقي، ومن أجل رجوع زوجها عدة مسابح ... واحدة لقلب ~~يسوع، وواحدة لمار فرنسيس، واثنتين لأم الإله، وفي أكثر الليالي تنتبه سيدتها ليلا على ~~أنين وتنهد عميقين، فتنهض إليها وتهزها في فراشها قائلة: يا هيفاء، يا هيفاء، ما بك يا ~~بنتي؟ # فتفتح هيفاء الجبارة - المرأة التي تحمل البيت على ظهرها - عينيها السوداوين، وتزيل بيدها ~~القوية شعرها الفحمي المسترسل على خديها العندميين وتقول: # لا شيء ... لا شيء ... تعبانة يا ستي. # | أجراس العيد # 1 # سبحي أيتها النواقيس الأبدية، وليتجاوب رنينك في كل المنعطفات وفي كل الوديان. # هللي في كل مدينة وقرية ومزرعة، على كل مرتفع وعلى كل أكمة! # سبحي! فصوتك حلو لذيذ! من هذه الأرض حيث سمع صوتك لأول مرة انبعثت فكرة العبادة ~~والألوهية، ومن معاطف هذه الوديان ارتفع قديما الفكر البشري مفتشا على «يهوه» ~~العظيم. # هللي أيتها النواقيس؛ فرنينك أبدا طلي جديد، وقديم قديم يفاخر العالم بالمجد ~~والقدمية. # ذكرينا أيتها النواقيس بتلك الأيام الخوالي؛ أيام البساطة والهناء والعيش الرغيد، ~~أيام كان الشعب يجتمع في باحات المعابد حاملا إلى الإله باكورة الأثمار والأزهار. ~~ذكرينا بأيام لعب الأولاد الأنقياء، ورقص الشبان الأقوياء، ونصائح الشيوخ ~~والحكماء. # اهتفي اهتفي أيتها النواقيس، واطمسي برنينك عربدة السكار، وأنين المرضى، وضجيج ~~المفسدين، أعيدي علينا ذكرى الدهور الماضيات، يوم كانت الملوك تترنم «بزيت يبهج الوجه، ~~وبخبز يشدد قلب الإنسان»، ويوم كانت الأرامل والأيتام تسابق الفجر إلى الحقول، وتجمع ~~كفايتها مما «فرضته الشريعة على الحصادين». ~~••• # ذكرينا أيتها النواقيس بتلك الأيام السود ms025 والصحائف السود، لقد نسينا - وما أكثر ما ~~ينسى الإنسان! ذكرينا بأيام كان لرنينك دوي أصم كالهاوية، وبارد كالموت! يوم كانت ~~حشرجة المائتين، ولعنات المصلوبين تقطع أنينك، فتسمعنا صوت مناحة لبنان يبكي خلف ~~الجنازة الكبرى. # ذكرينا بالعيد يتلو العيد والشعب يدخل الكنائس منكس الرأس، ويخرج منكسر القلب والنفس؛ ~~وكافرا؛ لأن الجوع كافر. # ذكرينا بهم كلهم، بالمنفيين والمصلوبين، بالجائعين والمضطهدين! ذكرينا بهم قبل أن ~~ننسى؛ لأن على جماجمهم وعظامهم قام الوطن الجديد؛ ولأن استشهادهم فتح لنا بابا ~~للمطالبة بالحق؛ ولأن بأنينهم - بأنين مائة وثمانين ألفا - كتب لنا صك ثمين نحمله ~~اليوم وفي كل يوم، وبعد مائة سنة، وبعد مئات السنين، فتنفتح أمامنا الأبواب الموصدة، ~~والقلوب العمياء الصماء ... # ذكرينا بهم، بأثر واحد يقام لهم، بتمثال واحد، بنصب واحد يرفع إكراما لمن باستشهادهم ~~بسم الأمل في وجه المتفائلين، وعاش الرجاء في صدور الأحرار. # 2 # هللي يا أجراس العيد، اهتفي عاليا، وسبحي مليا، وليتعال صداك من أقصى هذه الجبال ~~إلى أقصاها حتى تدوي به أعماق المغاور وأجواف الكهوف ... # هللي أيتها النواقيس، بهدوء متقطع، أو بحدة متسارعة، فصوتك أبدا حلو لذيذ، وما ~~رنينك سوى عاطفة الإنسان القديم يسحب ضعفه، ويحتمي في ظل الإله الكريم. # هللي أيتها الأجراس مساء وليلا، وباكرا وسحرا ... شاركي المؤذنين المقيمين - مثلك - ~~في القباب، والصارخين - مثلك - بالناس إلى طرح أثقالهم على أقدام الرحمن الرحيم. # امزجي رنينك بنشيدهم الوقور المهيب، فلعل أصواتنا المتنافرة على الأرض تتقارب وتتحد ~~فوق الضباب، وتعود إلينا بردا وسلاما. ~~••• # اسكتي يا أصوات الانكسار والهوان، # في قلوب الأسرى والعبدان. # اسكتي في قلوب الأمم الذليلة، المقيدة بأطواق النحاس وسلاسل الحديد، الأمم العديدة ~~السائرة كقطعان الإبل وراء إرادة الفرد المنتصر! الأمم المستعبدة لجهلها ولمعرفة ~~الغريب. # اسكتي يا أصوات الذل والهوان، # في قلوب الأسرى والعبدان. ~~••• # اخفتي يا أصوات اليأس في قلوب العميان والمرضى والمسجونين: الأولى في حياتهم ظلام، ~~وفي أجسادهم سقام، وفي قلوبهم اليأس المريع، والملل الوجيع. # اخفتي يا أصوات المرارة في قلوب الراكضين وراء الرغيف، الذين لا تطلع الشمس إلا وتربط ~~إلى أعناقهم ms026 أحجار الرحى، ولا تغيب إلا لتطرحهم في الأكواخ العفنة المظلمة. # اخفتي يا أصوات الحاجة في قلوب المحرومات والمحرومين اللباس، والغذاء، والدواء، ~~والعناية، والملاينة، والحنو، والمحبة. # اخفتي أيتها الأصوات الوجيعة في قلوب العطاش، اللاهبين شوقا إلى أطايب العيش، ~~اللاهفين حنينا إلى حياة الحياة، المتطاولين عبثا إلى كنه الكيان، وهناء ~~الوجود. ~~••• # انخفضي يا أصوات الكبرياء المطنطنة في قلوب المتكبرين المفاخرين، الساحقين بأقدامهم ~~قلوب الملايين والملايين. # تلاشي يا أصوات الطمع في قلوب الأقوياء القابضين بأيديهم الفولاذية على سياسة العالم، ~~وصناعة العالم، المكيفين الأرض جمعاء بقالب إرادتهم القاسية، الضاغطين على أنفاس ~~الأمم لا تنال حقا مشروعا إلا بعد أن تتلاشى نفسا في نفس. ~~••• # ابتعدي يا أصوات الوحشة في قلوب الغرباء والمجندين والمنفيين التائقين مثل يسوع ~~الطريد «إلى زاوية يسند إليها رأسه». آه! ما أقسى الحياة! وما أكثر الخلل في أحكامها ~~اللامنطقية! من ذا يفكر أن الذي تملأ هياكله السهل والوعر، وتقدم لذكره ربوات ~~الذبائح، وتطبع باسمه يوميا ملايين الميداليات والأيقونات والتعاويذ، وتتلى كلماته كل ~~يوم جهارا من على المنابر، وهسما في أعماق القلوب. من ذا يصدق أن الحياة ظلمت ذلك ~~المعبود، ولم تسمح له «بزاوية يسند إليها رأسه»؟ # ابتعدي يا أصوات الوحشة في قلوب التائقين إلى فراش دافئ، وبيت مسقوف، وزاوية يسندون ~~إليها رءوسهم. ~~••• # اتئدي يا أصوات الثورة الهدارة في قلوب العمال الصاخبين، المبدلين نظاما أعوج مضرا ~~بفوضى جارفة مهلكة. # اتئدي أيتها الأصوات المملوءة صخبا ورعبا وحقا وعدلا. # اتئدي! فسوف تتحول المدافع إلى آلات حراثة، ويسير الذئب والحمل جنبا إلى جنب. ~~••• # اخرسي يا أصوات السكر والشقاوة والمحبات المتمرغة في الوحول! اخرسي! لقد امتلأت ~~الأرض باللقطاء والمعتلين والمشوهين برصا وجربا! اخرسي أيتها المحبات المتمرغة ~~في الوحول. لقد كفاك ما ولدت من المسوخ! ~~••• # هللي يا أجراس العيد، ارتفعي فوق الضباب وامتزجي بنشيد المؤذنين، وعودي إلينا بردا ~~وسلاما. # هللي وذكرينا بالذي منذ ألفي سنة يدعو إلى العبادة بالروح والحق، اهتفي يا أجراس ~~التعزية والاكتفاء في قلوب المحرومين. وأنت يا أجراس الإيمان والرجاء، والأمل والقوة، ~~أنشدي، هللي ... اصرخي ms027 ... في قلوب الأمم المطوقة، المستعبدة، السائرة هزيلة، وفقيرة، ~~وحزينة، في مواكب الأسرى والعبيد. # | أعطوا يعطيكم الله # 1 # احذروا الأرمن، اجتنبوا الأرمن، إياكم والأرمن! # الأرمني لا يحب أحدا، ولا يرعى ذمة أحد. اجتنبوه فهو مفسد عليكم أعمالكم، وطاردكم ~~من دياركم. ~~••• # مررت بحي من الأحياء فإذا بصبية كبار يقرءون في منشور ألصق بالحائط هذه الكلمات، ~~وحولهم صبية صغار اجتمعوا يسمعون ويسمون قلوبهم الغضة بسموم البغضاء والقسوة، بفعل ~~تلك اليد التي أبت إلا أن تلقي عليهم هذا الدرس. # وتابعت طريقي، فذهبت بي أفكاري خمس سنوات إلى الوراء، وأرتني ميتم عينطورة وفيه ألف ~~يتيم أرمني أبناء ألفي شهيد وشهيدة. # لم أر هؤلاء الأيتام وحدهم، ولم تسمع أذناي صوت أنينهم وهم يسيرون في مفاوز ~~الأناضول، لم أر بعين الفكر تلك المجزرة الهائلة التي ضجت منها الأرض والسماء. # لم أر شيئا من هذا، بل رأيت طيف امرأة مسلمة، ابنة رجل مسلم، تدخل ذلك الميتم الذي ~~كان بقذارته وبما فيه من الهياكل العظمية أشبه بمقبرة منه ببيت يضم أكباد ألف أم ~~بائسة. # رأيت طيف تلك المرأة ورأيت قلبها - قلب الأم - يتفطر حزنا، رأيتها بلحظة تحول تلك ~~الهوة النتنة التي علا فيها العويل والأنين إلى مرتع آمن وراحة. # تلك المرأة الحنون كانت خالدة أديب، أتت سوريا ولبنان، وزارت أولاد الشهداء، ومن هناك ~~توجهت إلى المنزل العسكري في دمشق وفتحت أبوابه بما لها من النفوذ، فأخرجت من ~~مستودعاته إلى هؤلاء الأولاد جبالا من الأطعمة والأقمشة، محولة حياتهم بدقيقة واحدة ~~من جحيم إلى نعيم. # كانت خالدة أديب تنتمي إلى الأمة التي حكمت بإبادة الأرمن، ولكنها كانت تنتمي بروحها ~~إلى ذلك الجوهر الأسمى الذي أجرى في قلب كل نساء الأرض ينابيع الحنان والحب. # أذكر أن أيتام عينطورة كانوا يوم سفر خالدة يعولون ويبكون وقد تعلقوا بها كما يتعلق ~~الولد بأمه، وأذكر خاطرة مرت ببالي أوانئذ، وهي أن دين المحبة هو فوق كل الأديان، ~~وأن الرفق يصرع كل عداوة جنسية. ~~••• # لنكن ما نشاء أيها الناس؛ لننتمي إلى حمورابي أو إلى فرعون أو ms028 إلى التتر، ولكن لنكن ~~بشرا. # ويا أمهات هذا الوطن الطيبات الحنونات، يوجد كثير من الأطفال ينامون في هذا الشتاء ~~تحت الخيام، هؤلاء الصغار يقبلون بشكر السترة القديمة، والثوب القديم، والقليل القليل ~~من الحب والحنان. # 2 # نحن الآن في نصف الليل، والأجراس النحاسية في الكنائس القريبة تتجاوب أصداء أصواتها ~~المتسارعات، المحمسات، منادية الناس إلى الاجتماع مرة أخرى لذكرى ميلاد الإله الثائر ~~الذي خط للناس مبادئ الثورة الإلهية، تلك الثورة لا تخاصم ولا تصيح ولا تسمع أحدا في ~~الشوارع صوتها، تلك لا تقتل ولا تستبيح، بل بدون فوضوية أو بلشفية تقيم الحق على الأرض ~~معطية ما لله إلى الله، وما للناس إلى الناس. # غدا عيد الغربيين، وأنا من الطائفة الشرقية، وحقي أن أكون غريبة عن العيد، ولكن ~~أجراس التهليل هذه توقظ الشعور في نفسي، ونفسي منذ وجدت تبكي الجائعين والمتروكين ~~والمحرومين. # الأجراس تهلل في الأبراج المرتفعة والناس يخرجون على صوتها من المراقص مئات ~~وألوفا. # وهنالك ألوف غيرهم تمر الآن أمام مخيلتي، هي الألوف اللاجئة إلى الزوايا وتحت قباب ~~الكنائس تنتظر رحمة الله وحنان الناس. # الله من بخل الإنسانية وكفرها! الله من بيروت مركز مدينة الشرق! تمر فيها مواكب ~~البؤساء فتحول وجهها كي لا ترى ولا تسمع. # لله منا! لا نفتح يدنا عن صدقة إلا بعد أن نأخذ ثمنها زهوا ولهوا ورقصا، تعالوا ~~أيها البؤساء، نقول: تعالوا وأعطونا من بؤسكم حجة أخرى لنقيم مرقصا آخر، ولنضحك ~~ونسر حتى الصباح، تعالي يا أجواق الروسيين أطربينا بأصواتك، أسمعينا من نغماتك أنين ~~الظلم والاحتمال فالانفجار فالثورة! أسمعينا تلك القرارات ذات الصعود والهبوط؛ فنجود ~~عليك ببعض الدريهمات! # تلك الدريهمات ثمن ورقة البالو ندفع مقابلها الألوف ثمن الأثواب وما يزينها، ثم أجرة ~~العربات، ثم أرباح ملتزمي «البوفه»، ثم نرمي إلى المنكوبين بما يتبقى ونملأ الأرض ~~صياحا أننا دفعنا ثمن ورقة إلى مشروع المنكوبين. الله من صغارتك وصغرك يا قلوب ~~البشر! # أيها القارئ - كائنا من كنت - إن كاتبة هذه السطور تسترحمك في يوم العيد هذا أن تأخذ ~~من جيبك ms029 ورقة «الخمسة غروش» وترسلها ضمن غلاف إلى مركز الإعانة باسم منكوبي ~~الهجرة. # خمسة غروش ولك أن تزيد. # أيها القارئ - مسلما كنت أو موسويا أو مسيحيا - عندما تجلس اليوم وفي الأعياد ~~المقبلة إلى المائدة الفخمة أو إلى الصحن البسيط، وعندما تشتري لأولادك اللعبة الكبيرة ~~أو الزمور الصغير، وعندما تصفي حسابك في آخر هذه السنة - رابحا أم خاسرا - لا تنس ~~«خمسة غروش» المنكوبين. # وكاتبة هذه السطور تقول لك من خلال رنين الأجراس: # أعط يعطيك الله. # | جوائز الفضيلة # يظهر أنه لم يزل للفضيلة أنصار مع كثرة اعوجاج الناس واندفاعهم في طريق الغواية، أو هو ~~انتشار الغواية يهيب بالمتشائمين ويدفعهم إلى خلق أساليب التشويق للدفاع عن الفضيلة ~~وتعميمها بين الشبيبة. # ومن جميل هذا التشويق هو وضع جريدة «الإيكوده باري» جائزة كبرى «للفتاة الأكثر فضلا من ~~فتيات الوطن»، فجاء هذا الاقتراح جديدا في بابه؛ لأن الناس يهتمون على الغالب بجوائز ~~الجمال، تفننوا بها ما شاءوا، فوضعوها للجمال المطلق أولا، ثم لجمال الرأس والعين، ~~والشعر والرجل، حتى والساق ... وربما يذكر البعض منا شيئا من جوائز الرءوس الجميلة والأقدام ~~النحيفة. # وبعد، فقد نشر مقال «الإيكوده باري» وبدأت رسائل أنصار الفضيلة تنهال من رجال الدين ~~والحكام ورؤساء المدارس، وكل منهم يقدم اسم الفتاة التي يظنها أكثر فضلا من سواها. ~~والغرابة هي أن الكل أجمعوا على تقديم أسماء فتيات حملن على أكتافهن الضعيفة واجبات كبيرة، ~~وهي العمل المتواصل للقيام بأود العجزة والمحرومين والمرضى من والدين وأقارب وإخوة ~~وأيتام. # وبدأت الجريدة بالتحقيق، فأخذت ترسل مندوبيها إلى بيوت المرشحات ليدرسوا أحوالهن عن قرب، ~~فكان هؤلاء يحققون ثم ينشرون مقالاتهم مع رسوم الفتيات. # هل للجمال ولغضاضة الشباب تأثير هذا مقداره، حتى إنني عمدت إلى نشر حديث أجمل المرشحات؟ ~~أو هي تعاسة هذه الفتاة البادية في عينيها وخطوط وجهها وقفت تشفع إلى جانب جمالها؟ لا ~~أدري. # وهذه خلاصة ما قاله المندوب وصدره بهذه الأسطر: # الآنسة لاردي في العشرين من عمرها، مستكتبة مختزلة «داكتيلو ستينو»، تربح 600 ~~فرنك في الشهر، تعول أباها الكسيح، وأمها ms030 العمياء، وأختا أرملة مسلولة مع طفلها، ~~وأختا مصابة بأمعائها . # صعدت على الدرج الخشبي إلى الطابق الخامس وقرعت الباب، ولما فتح إذا بي أمام الآنسة ~~لاردي في غرفة ضيقة، رطبة، مظلمة، جلست فيها العائلة إلى مائدة لم تزل عليها بقايا عشاء ~~حقير. # وقدمتني الآنسة إلى ذويها: الأب المقعد، ثم الأم العمياء وقد اشرأبت بعنقها وعينيها ~~المفتوحتين وعليهما غشاء أبيض، والأخت الأرملة - هذه كانت متزوجة بعامل نشيط، كريم الخلق، ~~ولكن رطوبة الخنادق أثرت فيه مدة الحرب فأصيب بالسل الرئوي ورد إلى عياله، ولما مات ~~كانت العدوى قد سرت إلى زوجه. أما الطفلة الصغيرة، كذا قالت الآنسة لاردي، فقد حن عليها ~~قلب إحدى المحسنات فحفظتها من العدوى بأن أبعدت أمها إلى السناتوريوم. والآن بعد أن رجعت ~~الأم وضعنا سريرها قرب النافذة لتستنشق الهواء النقي. بقيت الأخت المصابة بأمعائها، وهذه ~~أرسلت بدورها إلى المستشفى بعناية قلب كريم. # كانت الآنسة لاردي مرتدية ثوبا بسيطا جدا ونظيفا - ولعله الثوب الوحيد الذي تملكه - ~~وقد وضعت على حضنها مئزرا لبقا. كم كان منظرها مختلفا عن شهيرات الداكتيلو، المالئات ~~المكاتب العصرية بحفيف أثوابهن الحريرية، وروائح عطورهن الذكية ...! # هي في العشرين من عمرها، وتحسب من الجميلات، بقوام طويل، وشعر كستنائي، وعينين كبيرتين ~~زرقاوين لمعت فيهما طلائع الحمى، وبشرة صفراء ذابلة تنم عن التعب والحرمان، وهي حيية ~~الطبع فطرة، على أن العمل أكسبها سهولة في التكلم، فحديثها حديث أدب ورزانة وثقة. # قالت: إنها تشكر حاكم المقاطعة الذي افتكر بها ورشحها «لجائزة الفضيلة»، وسألتها ~~فأجابتني أنها تربح 600 فرنك في الشهر، فتدفع أجرة المنزل، والباقي لا يكاد يكفي ... «في ~~الصباح نشرب كلنا القهوة مع الخبز، والقهوة تقوي أعصابنا، والظهر نأكل الخضر المسلوقة، ~~ومساء الشورباء مع الخبز.» ثم أشارت إلى الصحن الشورباء وكان لم يزل على المائدة، وإلى ~~جانبه في صحفة قشرة بيضة فارغة. هنا ابتسمت وقالت: هذه البيضة من حقي في كل مساء؛ لأنني ~~أتعب وأحتاج إلى غذاء، وإلا فإنني أهبط ... قالت: «أهبط». وأشارت إلى العائلة، وكأني بها ~~تقول: «ويصبح هؤلاء تحت ms031 رحمة السماء.» # وبينما كانت تتكلم كانت الدموع تجول في مآقي ، والتأثر يضغط على حنجرتي، فأتمتم كلمة ~~أصرف بها فكر الفتاة عن موضوع شقائها. # وودعت متمنيا لها ربح الجائزة، ولما صرت في أسفل الدرج التفت وإذا بالفتاة في أعلاه ~~تنير سبيلي، وحول وجهها هالة نور ذهبية ... بقي أن أقول: إن شهادة الحاكم تنص على أن الآنسة ~~لاردي هي مثال الفتيات بالتأدب والرزانة والصبر والشجاعة. # | التطور النسائي # نعم! هو آت لا ريب فيه، ذلك اليوم السعيد الذي ينظر فيه العالم إلى الدمى المزخرفة كما ~~إلى أدوات لا مكان لها في الإنسانية الجديدة، الإنسانية العاملة، الإنسانية المدركة أن لا ~~نصيب في عشائها السري لمن لا يعمل. # وإنني بسرور أنقل شهادة مجلة «الألستراسيون» بالتطور الجديد الناشئ في باريز، تلك المدينة ~~التي يسمونها مدينة الأزياء، والتي نتهم بأخذنا عنها كل قبيح. لنرد ادعاءهم مرة ونأخذ ~~عنها المليح ... # قالت الألستراسيون: # لقد جرى في الأزمنة الأخيرة اهتمام جدي بالنساء الجميلات جدا، على أن رصيفنا ~~صاحب جريدة «الإيكوده باري» أظهر لنا فكرة جميلة، ظهرت غريبة في بابها بسبب الأفكار ~~العصرية السائدة. أما فكرته فهي تعريف الناس بفواضل الفتيات، وانتخاب عشرين منهن ~~من بين مئات المرشحات. وقد قامت بهذا الانتخاب جمعية يرأسها الجنرال ~~كاستنلو. # وإننا نخطئ إلى الحق إذا نحن أنكرنا التأثير الجميل الذي ساد على القراء في فرنسا ~~وفي الخارج يوم أخذت الجريدة بنشر حكايات الفتيات، ووصف جهادهن وبؤسهن. أما ~~التصويت العام الذي اشترك فيه خمسة وخمسون ألف قارئ، فقد كانت نتيجته أن الآنسة ~~هنريت ساجه نالت الأسبقية بحصولها على اثني عشر ألف صوت. # وحياة هذه الآنسة مثال مؤثر للتضحية والعمل والنشاط النفسي: فقدت أمها في السادسة ~~عشرة من عمرها، وبينما كانت تكمل دروسها كانت تعتني بالبيت، وفيه جدة عجوز وستة ~~أطفال صغار كلهم مرضى؛ لتحدرهم من أبوين مريضين. في السابعة عشرة من عمرها بدأت ~~تعمل خارج البيت براتب زهيد، ثم توفي والدها، فإذا بها ربة البيت، وبين يديها حياة ~~سبعة أنفار، وبنشاط عجيب جاهدت ليلا نهارا، واحتملت ms032 ويلات المرض الذي انقض على ~~بيتها فذهب بأختها ولازم سائر الأطفال زمنا. وأخيرا وجدت مركزا موافقا وفازت من ~~أرباب العمل بعطف ورأفة، وزارها مؤخرا مدير جريدة «الإيكوده باري»؛ ليبشرها أنها ~~نالت لقب أفضل فتاة في فرنسا بأكثرية مؤلفة من 2500 صوت مع جائزة قدرها 45 ألف ~~فرنك؛ أي 2250 ليرة سورية؛ لتستعين بها على إعاشة ذويها، أما التسع عشرة فتاة ~~الباقيات، وبينهن الآنسة لاردي فقد نالت كل منهن جائزة. # وإذا كان مدير «الإيكوده باري» لم يتمكن من تعريفنا بكل فواضل الفتيات، فهو على ~~الأقل قد بدأ عملا شريفا وعادلا وكثيرون سيسيرون على خطته، وها إن لجنة الأعياد ~~في باريز قد قررت أن جائزة «ملكة الربيع» التي تعطى في كل سنة إلى أجمل فتاة لن ~~تعطى من الآن وصاعدا إلا إلى أفضل عاملة، وأسراب العاملات اللائي لقبن «بالنحلات» ~~سينتخبن من بينهن «ملكة النحل». # لتحي النحلات العاملات! ليحي العمل الشريف الذي تحنى له الرءوس! وليحي ابن ~~الوطن الذي يتبرع لنحلات الوطن بأول جائزة من جوائز الفضيلة! # | التربية القومية # الحمد لله الذي أوجد فينا من ينادي بالتربية القومية. ما هذا النداء سوى إقرار بفقدانها، ~~فمتى شعر المرء أنه بحاجة إلى الشيء سعى وراءه، وفي السعي إليه نيل له قريب، ومن ينادي ~~بالقومية يصبح بها بشيرا، عاش إذن هذا النداء وعاش البشير. # كنت في عهد الفتوة أحلم لو تصل الإنسانية إلى يوم تختفي فيه الجنسيات والقوميات، وتصبح ~~الأرض كلها جمهورية كبرى رئيسها الله. # وجاء الشباب ومعه حادثات الأيام فأرتني أن الحلم بعيد، والإنسانية لن تصل إلى حد الكمال ~~إلا يوم تمسي كل طوائف البشر في مستوى واحد؛ أي يوم ترتقي كل أمة ضمن قوميتها، ومن ذلك ~~اليوم - منذ تأكدت أن التفاوت بين الأمم يجعل فيها قويا وضعيفا؛ أي آكلا ومأكولا - صرت ~~أعتقد بمبدأ القومية، القومية القوية الطماحة التي ينادي بها الأستاذ بولس الخولي. # هذه القومية لا تأتي - في نظري - إلا عن طريق التربية، وهذه التربية لا يقوم بها إلا كل ~~من تطهرت عاطفته من ms033 كل تأثير خارجي، وارتقى عقله فأمن الضلال، وتسامت نفسه فعانقت نفوس ~~الذين إنما مروا على هذه الأرض ليعلموا الناس كيف تكون التضحية. # فجوابي أن قوام التربية القومية هو التضحية. # ومتولي أمرها هو ابن البلاد، هو أنا وأنت أيها القارئ. # أنا ألقي كل الحمل على ابن البلاد؛ لأن من لا يعرف أن يحمل وطنيته كما يحمل يسوع صليبه لا ~~يستحق أن يعيش، وخير لهذه البلاد أن تسكنها أقوام عزيزة من أن تسكنها أمة تدوسها سنابك ~~الخيل صعودا ونزولا، وذهابا وإيابا، فتصبح أمثولة في الخنوع ومثلا في الذل. # نحن نتولى أمر التربية القومية في بيوتنا أولا، إذا كان قضي على هذه البلاد أن تكون كل ~~معاهدها قلاعا تحتلها البعثات المتنوعة احتلالا أشد وطأة من الاحتلال العسكري. # نحن نتولى التربية القومية باتباعنا خطة أكيدة بطيئة لا تحول ولا تزول، مغمضين أعيننا عن ~~كل المساومات التي يمكن أن يعرضها علينا الناس، معتقدين أن العمل علينا وحدنا، وأن كل من ~~يظهر اهتماما بنا إنما يفعل ذلك حبا بنفسه لا حبا بنا. # لقد تسلح الغرب بحماية المسيحيين ليتمكن من الدخول إلى هذا الشرق، ولو لم يوجد فيه ~~مسيحيون لخلق الغربي حجة أخرى - كما خلق الله آدم من التراب. نعم، إن هذا الخروج والولوج ~~أوجد في نفس الغربي شيئا من العطف على شعوب الشرق التي ظلمتها الأيام، على أن أساس هذا ~~العطف هو المصلحة، والمصلحة لا تعرف التحول عن الغاية. ولست أدري كيف يمكن أن نطلب تربيتنا ~~القومية ممن لا يمكنه أن يخلص إلى النهاية. # وبعد أن نعقد النية على إيجاد التربية القومية يجب أن نضحي، والتضحية شيء لا تقدر عليه ~~النفوس المتعودة الصغارة، النفوس التي لا تعرف أن تسمو إلى النور، بل تعيش في الظلمة كما ~~يعيش الخفاش. # لنضح إذن. # ليضح الموظف بأن يرفع جبينه أمام رئيسه الغريب، ومتى ارتفع جبين الفرد ارتفع جبين ~~الأمة. # ليضح الشبان الراحة اليومية والعيش المبطن بالحرير، وليطلبوا الجندية بصوت واحد، فإن ~~الوطن الذي تجبل أسسه بالدم الإفرنسي أو الإنكليزي يكف ms034 عن أن يكون وطنا يوم تضن علينا ~~أمهات فرنسا وإنكلترا بحبات قلوبهن. # لتضح الفتاة التي لديها متسع من الوقت، وتساعد أباها على كسب المال، فالمال هو وحده ~~دعامة الاستقلال. # لتضح المرأة المتمولة في سبيل الأمة، فتعطي من مالها المدارس الوطنية والجمعيات ~~الوطنية، وتعطي من نهارها الطويل ساعات قصيرة تصرفها في مستشفيات الأمة ودور أيتامها، وفي ~~سبيل الأطفال الذين تضطر أمهاتهم أن تعرق دما لأجل الرغيف. # لتضح كل نساء الأمة من عبادتهن للمستحدثات الغربية؛ فإن الأموال التي نرسلها إلى ~~أوروبا ثمن جرابات وأزرار وخزعبلات هي دماء الأمة وماء جبينها، بل ماء وجهها، بل هي ثمن ~~صريح للسلاسل التي تزداد حلقاتها كل يوم. # لتضح الأم ساعة فتعلم ولدها لغة الأجداد بنفسها، فمن العار أن نرمي المعاهد الأجنبية ~~بهذه الحجارة كلما نظرنا إلى ذلنا. # انظروا إلى الشعب اليهودي المتشتت في أقطار الأرض منذ ألفي سنة كيف حافظ على لغته ~~وتقاليده، وقولوا لي بعد هذا: إن المعاهد الأجنبية هي المسئولة عن كسلنا وعارنا. # ليضح السوري العائش في وادي النيل برغد وهناء، وليرجع إلى بلاده؛ فقد كفانا ما استعمر ~~من صحارى السودان على أكتافنا، فتكسير الحصى في الوطن أفضل من الحياة تحت ظلال ~~الناس. # ليضح المهاجر النائي مظاهر المدنيات الخلابة، وليعد إلى التربة التي أنبتته؛ فإن ~~كوخا في البقاع أفضل من كل قصور بروكلين، والخبز الأسود في بلادنا أطيب من الخبز الأبيض في ~~أرقى بلاد الناس. # لتضح الأمة كلها عاطفة هي أصل البلاء، لتضح العاطفة الطائفية التي نسم بها وطنياتنا ~~المختلفة. # ليخفف الماروني من حبه لفرنسا، والبروتستانتي من حبه لإنكلترا، والأرثوذكسي من حبه ~~لروسيا، والمسلم من حبه لكل الجامعات الإسلامية التي يمكن أن تتألف في أنقرة وموسكو ~~وبرلين. # لنخفف من حبنا للناس، أيها الناس؛ فمن العناق ما هو خناق. # | يا بلادي # يا بلادي كم يتغنى بك الناس! وكم تلعنين من بنيك! # يا بلادي، ما أكثر المتقاتلين على هواك! وما أقل حظك من ذويك! # أما لبنيك عيون لترى بهاءك! # أما لهم آذان لتسمع نداءك! # أما لهم ms035 أرواح فتصبوا إلى الأرواح العلوية المالئة فضاءك! ~~••• # يا بلادي، ما أجمل ألوانك الزاهية ، وأحب أنفاسك الطيبة، وأشد تأثير جمالك على من ~~يدرك أن الحياة جمال وحب! # يا بلادي، كم أشتهي أن أكون رفائيل فأخلد جمالك! # أو دانتي فأنشد قصائد حبك! # أو جان دارك فأحرق من أجلك! # بل أشتهي أكثر من هذا، أشتهي لو أصير روحا علوية قدسية فأدخل روح بنيك وأنفخ ~~فيهم شيئا من شعلة حبي وهيامي. # أحببت بلادي كما يحب الشباب، أحببتها أولا من أجل الحب، ولما اقتربت من هيكلها وتجلى لي ~~بهاؤها في ليلة إلهية ملأت أنفاسها أنفاسي، وامتزجت روحها بروحي؛ فصرت - ككل المحبين ~~الراسخين - أحب الحب لأجل الحبيب. # ذلك كان في ليلة من ليالي الصيف، عندما توغلت في قلب لبنان وسرت بين سهوله وجباله، ودخلت ~~في صميم البقاع إلى ما بين الجبلين القائمين كهيكلين عن يمينه وشماله. # سهرت الليالي على قمة من القمم المطلة على المرج الوسيع، وفي آخر الليل جاءت الآلة ~~البخارية فحملتني وهرولت بي نزولا إلى أن استقرت في رياق، ومن هناك سارت بي خفافا إلى ~~بعلبك. # وما أنسى لن أنسى ليلة بيضاء كشفت لي عن مخبآت وكنوز بلادي، سرت وسط ذلك المجوف الواقع ~~بين لبنان الشرقي ولبنان الغربي، ذلك المجوف الذي يمتد من قرب جزين جنوبا، ويتصل شمالا ~~بسهول سوريا المخصبة. # كان القمر يتضاءل ليغيب وراء لبنان الغربي، وأوائل الفجر تسرع صعدا فوق لبنان الشرقي ~~مرسلة خيوطا ذهبية، فتراءى لي ذلك السهل الفسيح كوجود لا قرار له يخفي في جوفه كنوز الحياة ~~المستقبلة ودفائن الحياة الماضية ... تراءى لي كجبار فخور يهزأ بالأجيال وما تحمله من ~~الحوادث، ويظل سكوتا صبورا يعطي باليد الواحدة لبنيه خيرات تربته، ويخفي باليد الثانية في ~~طيات تلك التربة الكريمة الكتومة عظام وأطماع الطامعين والفاتحين. # وقفت إلى نافذة القطار وقد عراني خشوع ورعدة، وتغلغل برد الليل في مفاصلي وعظامي، ثم لمعت ~~شهب واندلعت من فوق ذلك الجبل ألسنة لهيب سماوي، وأطلت المحسنة الأزلية لتفرق على الكائنات ~~الحرارة والنور، فقلت في نفسي: ms036 هذه هي عليقة موسى تحترق ... ونظرت إلى السهل فإذا بي أرى من ~~بعيد أعمدة هيكل الشمس واقفة كحجة أزلية تنطق بمجد معبودة الأقدمين وعزها القديم. # فتأملت وقد تململت في نفسي آيات العبادة فيما يحيط بي من مظاهر الحب والجمال، وفهمت لماذا ~~أقام الأقدمون في هذه البقعة من الأرض المذابح والمحاريب. # فهمت لماذا اكتسح المصريون سوريا، وداسوا بحوافر خيولهم عروش ملوكها، فهمت لماذا سالت ~~دماء الحيثيين والفرس واليونانيين والرومانيين، فهمت لماذا قذفت رمال الصحراء قبائل الحجاز ~~إلى قلب بلادي، ولماذا دفعت أوروبا جيوش الصليبيين. # ولماذا بصقت لنا جبال الأناضول قبائل الأكراد والتتر. # فهمت لماذا احترقت أوروبا بالحرب العالمية. # ولماذا نجرت عروش الإمبراطورية العربية. # ولماذا غضبت سيدة البحار وغلا قلبها بالطمع، فنفثت من صدرها سموما لفحنا لهيبها وتركت في ~~أجسامنا هذه الكلوم. # وفهمت لماذا يموت أبناء السين على حدود بلادي، ولماذا يسفكون دماءهم في سبيل دعوة جاحدة ~~ناكرة. # فهمت في تلك الساعة معنى الروح القوية العطرية الإلهية المنبثقة من تربة بلادي، تلك الروح ~~الجذابة التي خطفت أبصار شعوب الأرض، تلك الروح الحسودة التي حفظت هذا القطيع وأبقته كما ~~كان منذ آلاف السنين، ينظر إلى أصناف البشر تمر وتمر وتمر وهو جامد يسمع وينظر ولا ~~يتأثر. # بورك لكم بأطماعكم أيها الناس. تقول بلادي. # بورك لكم بهذه المدنيات السريعة الاندثار كأزهار الربيع. # بورك لكم بأصنامكم ومعدات هلاككم. # أما أنا فلا أزال منذ أقدم أزمنة التاريخ أنظر إليكم تدفنون وتندثرون أمة بعد أمة، ودولة ~~بعد دولة. # تأملوا، أيها الناس، بقوة كياني! تأملوا بالأبناء الذين ولدتهم كيف ثبتوا على مصارعة ~~الأيام. # تأملوا بأبنائي كيف لا يزالون إلى اليوم يتكلمون اللغة التي نطق بها سام، واسمعوا ~~أناشيدهم، فهي باقية كما كانت يوم كان رعاة اليهود يعزفزن بالمزمار على جبال جلعاد. ~~••• # أما أنا المرأة الشرقية، الغيورة من مجد الأمم وأعلام الأمم، فلم تشبع نفسي مما قالته ~~بلادي؛ لأن لي نفسا جبارة كالحياة، وطماعة كالموت. # أريد بلادي عزيزة، مناعة، أريدها متشبعة من كل ما اندثر فيها من المدنيات، ومفرقة ms037 على ~~العالم دروس العلم والحكمة. # وكلما تألمت الأمومة الجريحة في قلب راحيل، فصرخت بمرارة إلى يعقوب: «أعطني ولدا وإلا ~~أموت.» هكذا وقفت نفسي الجائعة على أطلال بعلبك، فصرخت صراخا إلهيا كالآلهة، وعميقا ~~كالهاوية. # يا أبناء بلادي القريبين والبعيدين، أعطوني بلادي، أعطوني وطنا وإلا أموت. # | تعبت من المدينة # إلى جبل الرب أيها المتعبون، إلى الغابات التي رددت قبلات سليمان، والقمم البيضاء حيث ~~تجلت قدسية يسوع، إلى لبنان في الصيف والشتاء والربيع والخريف، إلى قممه ووديانه وآكامه ~~وسهوله وسواحله، إلى لبنان في كل آن وزمان. ~~••• # تعبت من المدينة فذهبت إلى سفح «حريصا» حيث وقفت أم الناصري فاتحة ذراعيها، وكأني بها ~~تقول بلسان ابنها: «تعالي إلي يا جموع التعبين». # تعالوا إلي وأنا أريحكم. يقول الإله. وما الإله ورمز ألوهيته سوى هذه الجبال الصامتة، ~~والسهول الضاحكة، والغدران الراقصة، وهذا البحر الغضوب الوثوب اللعوب، يسخط فيعول، فيثور ~~هاجما محطما، ويعود متذللا لطيفا مداعبا مهينما مدغدغا أقدام لبنان، ورمال ساحله ~~البيضاء. # الله من هذه الآيات الخالدات! من أناشيد رقص على أنغامها قديما كهان عشتروت، الله من ~~رمال أزلية نتمرغ عليها أطفالا، ونلعب فتيانا، وننحني كهولا، ونندثر شيوخا، الله من هذا ~~السكون الأخرس المنادي بفم التمثال الصامت: «تعالي إلي يا جموع التعبين». # تعبت من المدينة، من صراخ الناس، وخرير العربات، وحشرجة السيارات، واختلاج المائتين تحت ~~دواليبها، تعبت من المدينة ومن أصنامها وهياكلها ومذابحها، تعبت من كل ما يعمي ويصم ويخنق ~~الألوهية في الكائن المصنوع على مثال الله. # تعبت نفسي من المدينة، ونفسي منذ وجدت تسير بين الناس وتتفرس في عيونهم علتها تجد ~~رسما أو شبه رسم للطابع الأسمي، ولكن ما أكثر ما رأت نفسي من المسوخ، ويا الله من حزنها ~~عندما تحول وجهها عن أشباهها، وتنتحي مرابض الأنعام علها تجد في وجوهها مسحة من روح الحق، ~~وفي أنفاسها نهلة من الحياة الأزلية. # تعبت نفسي من المدينة، وكم في المدينة من بيوت تنهار وأطفال تئن! تعبت من أنين أطفال، ومن ~~نزع ضعيفات تمزقهن أظافر الرجال وألسنة النساء. # تعبت ms038 من المدينة ومن غيرة أقوامها الآكلة! هؤلاء الذين ينبشون حول خفايا القلب الخفية ، ~~فإذا فتحت لهم داسوها بأقدامهم، وإذا أقفلت في وجوههم ساروا لاعنين معربدين. ~~••• # تعبت من كل ما في بطون الصحف والأوراق، وهل في أكثرها إلا ثرثرة الإنسان الأبدية، هذا ~~الإنسان الذي ساء ذوقه فأصبح ولا لذة له سوى اللغط الذميم. # تعبت - وأنا أنقل اللاسلكيات إلى بني أمي - من منظر الإنسانية تسير مصفدة بإرادة رجل ~~واحد يلعب بحياة الروسيين والبولونيين والشرقيين، تعبت من اختلاج الربوات والملايين. # وأنت أيتها الإنسانية؛ أفما تتعبين؟ # تعبت - وأنا في نافذة أرى منها الحاكم والمحكوم - من رؤيتكم يا بني أمي على أقدام الأمم، ~~تعبت منكم معشر الواشين والمتذللين والراكعين، انصدعت حزنا على جباهكم المعفرة، وركبكم ~~الدامية. # وأنت أيتها الأمة؛ أفما تتعبين؟ # تعبت من المدينة فذهبت إلى جبل الرب، فتعالوا أنتم أيها التعبون. # تعالوا في الصيف والشتاء والربيع والخريف، تعالوا طهروا نفوسكم بخيوط الشمس وضياء ~~القمر. # تعالوا إلى أقدام أم الإله، واسمعوا نشيد البحر القديم حيث رقصت قديما قلوب المحبين، ~~وحيث تسكب اليوم نفوس المتعبدين. # | درس في الوطنية1 # ذكر الكاتب الإنكليزي الشهير سونبرن # Swinburne # في كتابه ~~«صلاة الأمم» أن فرنسا في صلاتها إلى الحرية تقول النشيد الآتي: # أيتها الحرية! أنا رمزك وأنا رافعة أعلامك # أنا صوتك وصراخك # أنا التي غسلتك بدموعي وصيرتك أكثر بهاء # ألم ترفعك يداي الداميتان من الحضيض لتغذيك وتحييك # ألست اللسان الذي تكلم عنك، والعين التي أنارت طريقك. # أيها السادة، من سنة 1870 إلى الآن ظهر على الأرض أناس كثيرون جعلوا همهم تكذيب هذا ~~المديح؛ ليحملوا العالم على الاعتقاد أننا أمة تمشي إلى الفناء. ولقد نجح هؤلاء الدعاة؛ ففي ~~كل مكان كنا نسمع هذه العبارة: لقد شاخت فرنسا وأصبحت أمة قديمة. # نحن لا ننكر أننا أمة قديمة، وأننا أول أمة شعرت أنها «أمة»، وأنها «وطن»، ولكننا لا ندري ~~أي عار في القدمية، قالوا: إننا جمعنا كثيرا من الأمجاد، وكثيرا من الكنوز، وكثيرا من ~~العاديات، وكما يجلس شيخ قديم بين تحف قصره جلسنا نتذكر ms039 مجدنا الغابر وعزنا ~~السالف. # وقالوا: إننا أمة غير رصينة، وأن همنا في الحياة هو الركض وراء الملذات، وتراكضت الأمم ~~إلى عاصمتنا لتذوق الملذات. # أيها المبغضون الظالمون! كيف يمكنكم وأنتم ثملون أن تعرفوا ماذا يجري ضمن عائلتنا التي ~~تعرف أن تسكن بعيدة عن الضوضاء. # إن تلك العائلة كانت تختمر - بينما أنتم تسكرون - بالعاطفة العلوية، فلما دقت الساعة وعلا ~~النداء نهضنا كشخص واحد ولبينا ذلك النداء كما لو كان وحيا سماويا. ~~••• # أرجع بكم إلى شهر آب سنة 1914 حين بوق بالبوق وقرعت الأجراس في قباب الكنائس التي بنيت ~~أساساتها فوق المدافن، فكانت أصواتها ترن عميقة هائلة كأنها أصوات الملايين من الأموات ~~وقد قاموا من مراقدهم ينادون الرجال، ويندبون حظ النساء. # واحتشدت الجموع في المحطات من أطفال ونسوة وشيوخ حول الراحلين الذين كانوا يصرون ~~بأسنانهم قائلين: «لقد أرادوها فهيا بنا.» # لا يمكن لي أن أصف كل المشاهد المؤثرة، ولكنني سأسير بكم إلى مدرسة سان سير الحربية، ~~فتقفون هنيهة بين الشبان الصغار وترون عاطفة أمة بأسرها تختلج في صدور فتيانها. # تحتفل هذه المدرسة كل سنة بعيد الحرية في شهر تموز، وبمناسبة العيد تقيم إدارة المدرسة ~~حفلة وداعية للضباط المنتهين، الذين بعد انتهاء الحفلة يأخذون تحت رعايتهم الصف الذي يليهم ~~في الدروس، ويعمدونه باسم يتفق عليه الجميع. # ففي ليلة 14 تموز؛ أي في أسبوع المفاوضات التي سبقت في الحرب الكبرى، أبلغ مدير المدرسة ~~الضباط المنتهين، وكان اسمهم «مونميراي» أن الحفلة السنوية ستكون بسيطة، وأن عليهم أن ~~يعمدوا رفاقهم بدون أبهة خلافا للعادة. # فاجتمع الكل ليلا في باحة المدرسة، وفي وسط سكوت عميق عمدت فرقة «مونميراي» الضباط ~~الفتيان باسم صليب الراية، ثم لفظ بعض الضباط الخطب الحماسية، منهم ضابط اسمه غاستون فوازار ~~وقف وقال: # أقسموا أيها الرفاق أنكم لا تذهبون إلى النار إلا بثياب العيد، بالقفاز الأبيض ~~والريش الأبيض في القبعات. # فصرخ ضباط مونميراي - وعددهم خمسمائة شاب: «نقسم». # وتلتهم فرقة صليب الراية - وعدد فتيانها خمسمائة - صرخوا بصوت واحد: «نقسم». # لقد كلفنا هذا القسم ثمنا غاليا، فإن ms040 الريشة البيضاء كانت علامة فارقة اتخذها ~~الألمانيون هدفا، فأصيب أكثر هؤلاء الأحباء في جباههم، ولست بذاكر عدد الأموات ، ولكن ~~معظمهم سقطوا الواحد بعد الآخر. # وهاكم ما كتبه أحدهم، وهو شاعر فتى اسمه جان إلار إلى أمه في وصف تلك الحفلة: # بعد العشاء أخذ كل منا سلاحه واجتمعنا في الساحة العامة تحت إمرة القائد، وكانت ~~الليلة جميلة، والنسيم عطرا، والسكوت عميقا ملتفا حولنا جميعا، وفي وسط الحماس ~~المتعاظم وقفت وأنشدت قصيدتي التي تعرفين. # يا أمي الصغيرة! لن أقول في حياتي هذه الأبيات؛ لأن الساعة التي نظمتها فيها لن ~~تعود. هذه الساعة آن أتهيأ للسير إلى الحدود وحولي ألف شاب ينتفضون بعاطفة الكبرياء ~~والوطنية وحمى الحياة. # آه يا أمي لو نفخ في البوق في هذه الساعة لحملنا صداه إلى ضفاف الرين. # تعرفون، أيها السادة، حكاية الشاب الذي هجم على خندق ألماني صارخا تلك الصرخة التاريخية: ~~«وقوفا أيها الأموات.» # لقد نقلت رسم هذا الشاب أكثر جرائد العالم، ولم تبق مجلة إلا ذكرت أخبار شجاعته، فأردت ~~أن أراه لأسمع منه شيئا، وهاكم ما قال لي: # كنت مع رفاق لي وراء خندق حاول الألمانيون الاستيلاء عليه مدة ثلاثة أيام متواصلة ~~بشدة وعنف لا مثيل لهما، وكانت رمانات «الشرابنل» تتساقط بالمئات والألوف، وصراخ ~~المحتضرين حولنا يصم أذاننا ويمزق نفوسنا، وكان بجانبي ملازم يدخن لفافة ويبتسم ~~للموت، وإذا برمانة أصابت رأسه، فاستند إلى جذع شجرة وأغمض عينيه، وإذا بالدماء ~~تتدفق من جرحه، وتندفع إلى الأرض بشدة فتتألف منها فقاقيع كالخمر المتدفق من برميل ~~فوق وعاء. # ثم تدلى الرأس وهبط الجسد الغض، إذ ذاك ذعر الرفاق لموت رئيسهم، ولا يمكنني وصف ~~اليأس الذي استولى علينا جميعا، فتفرقنا وهممنا أن نختبئ وراء أكياس الرمل بينما ~~كانت الجثث تتساقط كما في لعبة الكيل. # وبعد أن اختبأت لحظة رأيت الجندي «بونو» يناضل وحده نضال المستميت، فخجلت من نفسي ~~وتبعته، ثم نظرت إلى يميني ورأيت الخندق وطوله يبلغ الثلاثين مترا، والألمانيين من ~~خلفه يضاعفون الهمة ليدخلوه، وبغتة دخل إلى رأسي فكر هائل ms041 وقلت: لأذهبن وأرى ماذا ~~يجري هناك، كانت الفكرة سريعة تكهرب لها جسدي فمشيت ... ويا لهول ما رأيت! الأموات ~~أكداسا أكداسا وأنا وحدي بينهم، فجننت من غيظي عندما رأيت الأعداء يتقدمون وقلت: ~~إذن قد نحر كل هؤلاء الأحباء عبثا، وسيأتي العدو ويدوس بحوافر خيله هذه الوجوه ~~الجميلة؟ لا، لا، إن هذا لن يحدث! لن يحدث أبدا. # والتفت إلى الأموات في الحفر وصرخت: ماذا تفعلون هنا؟ ما بالكم نياما؟ وقوفا ~~أيها الأموات! وقوفا أيها الأموات! # ولم أعد أرى سوى ألوان حمراء أمام عيني، وشعرت بأن أرواح الأموات كلهم تتحد مع ~~روحي، ورأيت الرفاق يتراكضون حولي ويصيحون بأصوات كالرعد: وقوفا أيها الأموات! ~~وقوفا أيها الأموات! # ما جرى بعد هذا. لا يمكنني أن أقول بالتدقيق؛ لأنني أشعر بالضباب يغشى ذاكرتي. أذكر أن ~~إيماني في تلك الدقيقة كان يزحزح الجبال، وخيل لي أني كبرت وأصبحت شيئا عظيما له قوة غير ~~متناهية وغير محدودة، شعرت أن لي عيونا وأيدي كثيرة، بهذه أضرب، وبتلك أصدر أمرا، بهذه ~~أصيب، وبتلك أنجو من قنبلة، ولم نزل كذلك حتى ذابت قوة الأعداء أمام حماسنا الإلهي، ~~فتراجعوا. # وبعد هذا أتى إلي رفاقي وهنئوني، فكان كلامهم أطيب على قلبي من الصلبان ~~والميداليات. # والآن، أرجو منك أيها الكاتب أن تصدق أنني لست بطلا، ولم يكن لي في سابق حياتي شيء من ~~الشجاعة، وكثيرا ما ارتجفت قبل الهجوم على خندق. إن ما عملته في ذلك اليوم لا فضل لي به، ~~الفضل هو لرفاقي الأحياء والأموات الذين كانوا قدوة لي في الحياة وفي الموت. # 2 # | ما نرى وما نسمع # نسمع همسا ولغطا وصريرا، بل صراخا وعويلا، نسمع الشتائم واللعنات حتى، ولقد سمعت ~~كلاما بذيئا، فقلت في نفسي: سيبقى الشرق شرقا حتى يتدرج ويتطور ويتقلب في كل الظروف التي ~~جعلت الغرب غربا. # قال لي أحدهم: ما هو مذهبك يا سيدتي، ومن تحبين من دول الغرب؟ # قلت: إن ديني دين العقلاء، والعقلاء لا يبوحون بدينهم، وأما من جهة المحبة، فأنا يا سيدي ~~أحب أولا نفسي، ونفسي قبل ms042 كل شيء شرقية، ثم إنني أجل وأكرم كل الشعوب الحية ~~الراقية. # ثم قال لي: هل علمت أن سوريا ستنال استقلالها، وأن مبادئ ولسن ستكتب بأحرف من نور، وأننا ~~سنحيا بعد الآن حياة طيبة؟ # أجبته - وكنت إذ ذاك متشائمة: أعلم شيئا واحدا؛ وهو أن الغرب قوي، والشرق ضعيف، وأن ~~كلمة الاستعمار كلمة تكتب اليوم بأحرف من ذهب على صفيحة من فضة ضمن إطار من الجواهر، ولكن ~~الاستعمار يعني الاستعمار، وأن ما قدر فهو كائن. وهذا القدر يخطه اليوم مؤتمر الحلفاء ~~الذي يأمر بأمر الله، الذي - جل جلاله - الذي جعل الحق للقوة. # أما اليوم وقد تعدل تشاؤمي وداخله شيء من التفاؤل، فلا بأس من كلمة صغيرة أدسها بين ~~جمهور الصارخين وقد قيل مرارا: إن صوت النساء من صوت الله، وأنا صدقت، والذنب ليس ~~ذنبي. # قال سبنسر ما معناه: إن مبادئ الاشتراكية لا يمكن تطبيقها عمليا، ولكن وجودها لازم؛ فهي ~~لجام تضعه الأكثرية في فم الأقلية؛ أي العمال، في أفواه أصحاب الأعمال. هذا اللجام يشتد ~~قليلا كما أعمى البطر المحتكرين والمتمولين، فتحفظ بذلك الموازنة الطبيعية اللازمة، ~~فاللجام الذي بيدنا - نحن الشعوب الضعيفة - نحن الأكثرية، نحن العمال، الذين نحيك بدماء ~~قلوبنا ثوب أوروبا الاقتصادي، اللجام الذي وضعته الظروف في يدنا هو صوتنا نرسله من هنا ~~صراخا فيصل إلى المؤتمر همسا. وهذا الصراخ لا يجب أن يصل إلى آذان من يلزم لغطا مشوشا، ~~بل نغمة واحدة تضرب على وتر واحد. # إن اللجام الذي في يد الأكثرية اليوم لا يجب أن يرخى فتضيع الفرصة، ولا يجب أن يشد ~~فتغضب أوروبا القوية صاحبة العز والملكوت والجبروت، وترفسنا رفسة ترمينا خمسين سنة في زاوية ~~من زوايا السياسة. # يا قوم، قد اتفقتم على الاستقلال فاتفقوا على سن بروغرام معتدل. # إن أوروبا اليوم مع كل احترامها لنخبة رجالنا الأفاضل تعرف حقيقة اجتماعية تجرحنا في ~~أعماق قلوبنا، ولكنها حقيقة لا يعلو عليها حق؛ وهي أننا عشنا مئات السنين في الذل والخنوع، ~~ولنا كل نقائض الشعوب الذليلة من سقم في الإرادة، وضعف ms043 في النفوس، وجبن في القلوب. # يا قوم، أخاف أن تطلب أحزابكم المختلفة ثلاث دول في آن واحد، فينظر إلينا المؤتمر ~~باحتقار ويقول: يا هؤلاء، يظهر أنكم اتفقتم على أن لا تتفقوا؛ ولهذا نحن سنتفق من أجلكم، ~~ولا صوت لكم في هذا الاتفاق. # وإذا أسكت المؤتمر صوتنا اليوم قضي علينا إلى أجل مجهول. # فاتفقوا قبل أن يتفق المؤتمر عنكم أو ... عليكم، والسلام ورحمة الله. # | بابل في سوريا # كنت أعد - على أصابعي - لئلا أغلط بالعد فيضيع الحساب، عددت: # حزب الاستعمار الإنكليزي. # حزب الاستعمار الفرنسوي. # حزب الاستقلال مع الوصاية الإنكليزية. # حزب الاستقلال مع الوصاية الفرنسوية. # حزب الاستقلال مع الوصاية الأميركية. # حزب الاستقلال التام الناجز بلا وصاية. # حزب الضم. # حزب الفتح. # حزب التجزئة، والساحل، ولبنان الكبير، ولبنان الصغير، ولبنان الأصغر. # قلت: أف! يكاد نفسي أن ينقطع. # فقال لي جليسي - وكان ضليعا في السياسة: استقلالنا سنأخذه تاما، تاما ... لا رقابة ولا ~~وصاية. نريد أن نستجلب من أوروبا اختصاصيين لتعليمنا طريقة الأحكام، اختصاصيين بالأجرة من ~~أي صقع ومن أي قطر نريد. # من بلجيكا وهولانده وسويسرا وأسوج والدانمرك. # وكاد يقول: حتى ومن داهومي. # قلت في نفسي: هذا حزب جديد أعده مع الأحزاب، أما اسمه فسيكون حزب بابل أو التبلبل أو ~~البلبلة ... # ما شاء الله ... # ولم أتمالك نفسي فغضبت غضب رجال الصلاح، ونفثت من أعماق روحي نفثة أحملها منذ أربع سنوات ~~وتكاد أن تقتلني. # قلت له: إن الشعب الذي لا يعرف أن يقول: لا أريد، لا يحق له أن يقول: أريد ... # سنون أربع أذابت منا الشحم واللحم، أفنت الأعصاب، ودقت العظم، ونحن وقوف نتفرج ولا نعرف ~~أن نقول: لا نريد. # لا نريد أن تستبيحوا أموالنا. # لا نريد أن تشلوا تجارتنا. # لا نريد أن تميتوا أطفالنا جوعا. # سنون أربع وأطفالنا تحشرج في الأقنية والمزابل، وقد مسخها الشقاء، فشابهت السعادين ~~والقرود، بل بقايا عاد وثمود. # من هو طفل محمد مصطفى من البسطة، وطفل يوسف توما من شنانعير؟ # هما طفلاي أنا، بحكم الأمومة التي حولت ألياف قلبي وجعلتها أوتارا حساسة رنانة، ms044 هما ~~طفلاي أنا وطفلا كل امرأة شرفتها الأمومة، فإذا كنت وأنا أم لا أعرف أن أشفق على طفل ~~جاري ؛ فقد سقط عني لقب الأمومة الإلهي. # طأطأنا الرءوس وعفرنا الوجوه، بذلنا الأموال وفلذات الأكباد، ولكننا ما عرفنا أن نقول: ~~لا نريد؛ خفنا من المشنقة ومن النفي، كأن الحكومة البائدة كانت قادرة أن تشنق أو تنفي كل ~~أهل بيروت والشام لو اجتمعوا في يوم واحد وصرخوا بصوت واحد: لا نريد! # قابلت مرة ضابطا إنكليزيا وضابطا إفرنسيا كانا ذاهبين إلى قونية في أوائل الاحتلال، ~~قلت لهما: كل بقايا الجيش التركي موجودة في قونية، أفلا تخافون غدرهم وأنتم حفنة؟ فأجابني ~~كل بلغته - كأن كل واحد يترجم أفكار الآخر: «وأي مصيبة تحدث إذا قتلنا في وديان ~~الأناضول؟ ألا تعلمين أن كل ضابط يقتل هو سلاح جديد يضعه الأعداء في يد الحلفاء؟» # هذه شعوب تقدر أن تقول: نريد، بحكم الله وأوامره، والعمران وشرائعه، والتاريخ وآياته التي ~~لا تقبل الرد والتحوير. # وخفت أن يفسر سامعي هذه الكلمات على غير معناها، فقلت له: استقلالنا أعطي لنا بحكم ظروف ~~فاقت التصور؛ فالظروف الطارئة شيء والتطور الطبيعي شيء آخر، على أنه لو أعطي أو لم يعط؛ ~~فليشتغل كل منا لأجل هذا التطور. # قال: عهدتك تفكرين ضمن دائرة التدريس والتهذيب، فما بالك ...؟ # فقاطعته وقلت: أنا كارهة السياسة وأوحالها، ولكن هذه ليست سياسة يا أخي، هذا درس في ~~الأخلاق. # | قولوا لها لتقول لهم # هي: اللجنة بالطبع؛ لجنة الاستفتاء الأميركية. # وهم: زعماء السياسة. # قولوا لها كلبنانيين وبيروتيين، كشاميين وحلبيين، كعراقيين وحجازيين، كأناضوليين ~~وفلسطينيين، قولوا لها ما تشاءون. # اطلبوا بلسانها، كمسلمين ونصارى، كدروز ونصيرية، كشيعيين وسنيين، كروم وموارنة وكاثوليك ~~وسريان وأرمن وبروتستانت، إلى آخر ما ابتلي به هذا الشرق من الطوائف، اطلبوا بلسانها ~~الدولة أو الدول التي تريدون ولكن كشرقيين، قولوا لها لتقول لهم: إن هذا الشعب الضعيف الذي ~~عليه تموهون، إن هذا الشعب الضعيف اليوم سيقوى غدا بفضل النفخة التي تنفخون، والأموال ~~التي تنفقون، والدسائس التي تخلقون، والأحزاب التي توجدون! نعم، إن أحفاد ms045 هذا الشعب ~~سيطالبونكم بالمبادئ الخلابة التي تسنون! # قولوا لها لتقول لهم: إن أبناء الشرق سيطلبون في المستقبل - القادم عليكم بالخير - ~~سيطلبون الحق صريحا، والسياسة صريحة، والقوة صريحة ... وإن هذه الألاعيب التي يتلهون بها ~~هناك منذ عشرات السنين ربما تدهش في المستقبل زنوج أفريقيا. أما شبيبة هذه البلاد فقد فتحت ~~عيونها وآذانها، وهي تقرأ وتكتب، بحمد الله؛ تقرأ التاريخ وفلسفته، والسياسة وتاريخها، ~~ومنعطفاتها ودهاليزها، وسراديبها ولوالبها ... # قوموا أمامها بحق الضيافة كما يليق نحو أمة كريمة نبيلة، فما نسينا ولن ننسى ما فعله ~~أبناؤها معنا مدة الحرب. لا، لا ننسى الدكتور كراهام وقيامه وحده بمستشفى العصفورية مدة ~~سنتين كاملتين، ولا المستر دودج الشاب وتسلقه تلال لبنان صعودا ونزولا، وإطعامه المئات من ~~أطفال الشوف، ولا السيدة الكريمة التي أوقفت في الدائرة جزاء على الإحسان. # قولوا لها: إننا نعرف الجميل ولا ننسى ... # ولكن! ... # نظرة إلى هذه الأحزاب هنا وهناك وهنالك، نظرة إلى مبدعيها وموجديها، نظرة إلى ما يقال هنا ~~وما يقال هناك، ونظرة مقابلة واستنتاج بين ما يجري هنا ويجري هنالك. # يا لله! # ألدرس أحوال البلاد هم قادمون؟ # إن سوريا، بطوائفها ومعابدها ومدارسها ومبشريها، سوريا بسهولها وجبالها ووديانها، بل ~~بشجيراتها وأحجارها، سوريا مرسومة ليس على خرائط بل على أدمغة الساسة هناك، حتى أقدر أن ~~أقول: إنها تنتقل من الآباء إلى الأبناء بالوراثة ... قسموا الشرق إلى أشطر، ونحن أمة رضينا ~~منذ مئات من السنين قسمة الجبار فينا، رضينا أن نكون جسرا يعبر عليه الفاتحون شمالا ~~وجنوبا، وشرقا وغربا، رضينا مرغمين بحق القوة وقوة الحق، ثم انتظرنا الحلفاء والفرج الذي ~~يحملون. # فماذا جرى؟ # جرت أعجوبة غريبة، تجمعنا ثم تفرقنا، ثم تحزمنا ثم تحلنا، ثم ترمي بنا إلى الهواء ~~أعوادا تتبعثر هنا وهناك. # حالة نحن فيها كالخارج من حرب، الداخل في أحر منها وأوجع. # قولوا لها لتقول لهم: كنا قبل أن تشب الحرب وفي خلالها قلبا واحدا، وميلا واحدا، ~~وإرادة واحدة، لكن السلم ولد لنا حربا خاصة، فمن ترى يقول لهم: لا أحد منهم يقبل الوصاية ~~علينا. ms046 سبحانك ربي! # قولوا لها لتقول لهم: إنا فهمنا ... # ولا بأس إذا رددتم أننا نريد قوة صريحة، وقولا صريحا، وعملا صريحا إزاء هذه ~~الحالة ... وإننا وإن جررنا اليوم في هذا التيار، فإن سماء الشرق الجديد تتلبد بغيوم ربما ~~تعلم الغرب الصراحة قولا وفكرا وفعلا. والمستقبل لله. # أما إذا كنتم لا تريدون أن تقولوا فقد قلت هنا عنكم، والسلام. # | من أساطير الأقدمين1 # الشرق بعد ألف سنة # جرت الحادثة الآتية في قصر من مدينة مرسين المبتدئة من شاطئ بحر الروم، والممتدة بضواحيها ~~وما يحيط بها من المزارع والقرى إلى تحت أقدام جبال طوروس، حيث قامت منذ أكثر من ثلاثة آلاف ~~سنة مدينة رومانية قديمة. # كان ذلك حوالي الغروب وقد أخذ ظلام الليل ينشر ستائره السود، ثم تبدد ذلك الظلام بغتة ~~وأنارت الكهربائية البيضاء كل القصور الواقعة على جانبي الشارع، وهي كأنها سلسلة نجوم ~~معلقة بخيوط فضية فوق رءوس الناس. # وهناك على الرصيف الواسع مشى مئات من العمال إلى بيوتهم وهم يتنزهون ويتغنون بعد تعب ~~النهار ومشاقه. # قلنا: إن الحادثة جرت في قصر من هذه القصور. # ففي قاعة كبيرة مفروشة بفاخر الأثاث، قعدت عجوز قديمة بيضاء أمام الموقد اللامع، وقعد ~~حولها أحفادها؛ البعض ركع، والبعض جلوس، والبعض وقوف، قعدوا يصغون إلى حكاية العجوز ~~البيضاء التي كانت تتكلم وصوتها يتهدج: # في ذلك الزمان؛ أي في سنة 1918، كانت بلادنا بلاد بؤس وشقاء، فشوارعنا كانت ضيقة ~~مظلمة، وكان السائر فيها ليلا يتلمس طريقه تلمسا بين الحفر والأخاديد ... وكان ~~أجدادنا المساكين يتحاشون الخروج ليلا؛ لأن عصابات اللصوص كانت تختبئ في كل زاوية ~~وفي كل بستان. # ولم تكن هذه العصابات في البساتين والزوايا فقط، بل كان القسم الأكبر منها على ~~العروش وفي دسوت الأحكام. # ولما لم يكن لهؤلاء الأشقياء شيء من القوة كانوا يسودون على الناس بالتخويف ~~والإرهاب، فكانت البلاد كلها عبارة عن لصوص صغار يأتمرون بأمر لصوص كبار، وكانت ~~الحياة معركة دائمة يقتل فيها المسلم نصرانيا في اليوم الأول، فيقوم النصراني في ~~اليوم الثاني ويثأر لصليبه بقتل أحد ms047 أبرياء المسلمين. # كأن صليب السلام تحول إلى راية شعارها الدم والنار! # هل تخاصم مسلم مع جار له وقتله؟ فكانت التهمة تقع على رءوس المسلمين أعداء الصليب ~~... # هل افترس ذئب أحد الرعاة المسلمين؟ فكانت التهمة تقع على رءوس النصارى أعداء ~~الإسلام ... # وفي أحد الأيام، رأى أجدادنا حورية جميلة رشيقة القوام خارجة من الأمواج، وكان ~~لها شعر ذهبي طويل، وعينان ذهبيتان صافيتان، وعنق جميل كالبلور قائم على أكتاف ~~كأنها الرخام المصقول، وكانت مرتدية وشاحا شفافا له أردان كخيوط الذهب، وقد لفته ~~على جسمها الجميل بهيئة تماثيل اليونان، وكان ناعما ناعما يحاكي الهواء أو بخار ~~الماء ... ولما رأت هذه الحورية الناس وشقاء الناس أرسلت من عينيها الذهبيتين دموعا ~~كانت كحبات اللؤلؤ. # وبعد أن استنزفت كل الدموع التي كانت في عينيها نظرت إلى الحراس حولها - وهم طوال ~~القامات، بيض الوجوه، ذوو شعور ذهبية - وقالت لهم: إنني حزينة يا إخواني، حزينة على ~~حالة هذا الشعب، هلموا نتعاون ونخفف شيئا من آلامه. # فقالوا لها: أيتها الحورية الجميلة، إنما نحن إخوانك ومساعدوك، نحن جيوش متحدة ~~انتدبتنا السماء ووضعتنا بين يديك، ونحن من زمان نكافح الحرب بالحرب، وقد تعبنا من ~~مكافحة الحرب بالحرب، وماذا تفعل حرابنا وبنادقنا أمام أشعة الحب المنبعثة من ~~عينيك. # فطافت إذ ذاك الحورية في الشوارع والأسواق، وكانت تبشر بالحب والإحسان، فلم يسمع ~~صوتها الناس؛ لأن عويل النادبين وحشرجة المائتين أصمت آذانهم، ومنظر الدم أعمى ~~عيونهم، صم بكم عمي لا يسمعون ولا ينظرون! # فلم تيأس الحورية، بل ظلت تسير بين الجبال والأودية واعظة مبشرة، وفي أحد الأيام ~~رأت في بيت بعيد على رأس جبل كأنه عش للنسور ولدا صغيرا يبكي فوق جثث أبويه ~~وإخوته، وكان اسم الولد أحمد، فأخذته ووضعته في هدب ثوبها، وسارت به على جوادها ~~تنهب الأرض نهبا. # وفي فجر اليوم الثاني استيقظت مع الطيور، ورأت على عتبة بيتها ولدا صغيرا ~~مطروحا بين حي وميت وقد قتل أهلوه في المنفى، فأتى به أبناء السبيل ورموه على ~~باب الحب والإحسان. # وكان اسم الولد سركيس. ms048 # فحملته بين ذراعيها، وكان يرتجف بردا، وقالت له: لا تبك يا حبيبي؛ سأضعك في كنف ~~حبي وحناني فلا يصل إليك الأشقياء. # ثم ذهبت به إلى السرير حيث كان نائما يتيم الأمس بين الستائر الحريرية الناعمة، ~~فوضعته إلى جانبه وقالت لهما: ناما كأخوين. # ولم تمض ساعة حتى سمعت صراخا غريبا، فهرولت ورأت الطفلين يختصمان كأنهما شبلان ~~صغيران. # فتنهدت وغسلت الدماء وضمدت الجروح، وأخذت الولدين بيديها إلى جنة قريبة فيها ~~أزهار عطرية وفاكهة ذهبية، فقطفت الورد وضفرت منه إكليلين كللت بهما رأسيهما، وقطعت ~~أغصان الفاكهة وقالت لهما: «العبا كأخوين.» # ولم تغب دقيقة حتى اشتبك الولدان، فداسا الزهور، ورميا الفاكهة إلى الغدير، ونزلا ~~برقاب بعضهما نهشا وعضا. # فرجعت وغسلت الدموع وضمدت الجراح، وحبست الولدين في غرفة، وقالت في نفسها: ~~سألهيهما بالعمل، ثم وضعت بين يديهما الأقلام والدفاتر، ولم تتجاسر أن توصيهما ~~بالحب والأخوة، بل قالت لهما: «اعملا». # وذهبت فلم يعملا بالوصية، بل كسرا الأقلام، ومزقا الأوراق، واشتبكا من ~~جديد. # فيئست الحورية وقالت: لا شيء يؤثر بهذين الشبلين، لا وعد ولا وعيد، ولا غنى ولا ~~دلال، ولا أزهار ولا أثمار. # ثم وضعتهما على ركبتيها، وسكبت من عينيها الذهبيتين لؤلؤتين سقطتا؛ الواحدة على ~~عنق سركيس الأبيض، والثانية على جبين أحمد الأسمر. # وفي تلك الدقيقة لامس الحنان قلبيهما، فتعانقا وبكيا، واختلطت دموعهما بدموع ~~الحورية التي تبسمت وحلت وشاحها وألقته على الولدين وقالت بصوت كأنه آت من عالم ~~بعيد: اتحدا كأخوين؛ الاتحاد سر القوة، والأخوة سر الهناء. # وغابت الحورية بين الأمواج ولم يرها سركيس، ولم ينظرها أحمد إلا في الأحلام، على ~~أنهما حفظا لها الحب والجميل، وحافظا على وشاحها كما يحتفظ المسيحي عود الصليب، ~~فكان لهما بياض الوشاح رمزا لحسن النية، وزرقته رمزا للأمانة، واحمراره رمزا ~~للحب الخالص الكامل. # توقفت العجوز البيضاء عن الكلام، وسكت صوتها المتهدج، فاقترب منها صغير الأولاد وقال لها ~~بلهجة الولد غير المصدق: وهل هذه الحكاية صحيحة يا جدتي؟ # فتبسمت العجوز وقالت: يا ولدي، إن جدة أبي عاشت مائة سنة، وهي روت لي ms049 هذه الحكاية عن ~~جدتها، وجدتها عن جدتها عن جدودها عن أساطير الأقدمين. والله أعلم. # | ويومها العصيب ... # في يوم ممطر من الشتاء الماضي صعدت إلى الحافلة التي يسمونها الترام، شققت لي طريقا بين ~~الصدور والمناكب وعليها المشمعات تقطر ماء، فوصلت إلى مقعد جلس عليه ثلاث سيدات، إحداهن ~~آنسة كريمة تشتغل في إحدى الدوائر المحلية، وقفت حالما رأتني إلى جانب النافذة، وأشارت ~~إلي أن أجلس في مكانها الصغير. ~~- أشكرك لست تعبة. ~~- أراك تتعبين من الوقوف في الترام، أما أنا فمنذ سنتين أقطع هذه المسافة أربع مرات في ~~النهار، وكثيرا ما أقطعها واقفة. اجلسي. # نزلت من الترام وأنا أفكر بكل الموظفين والتجار والطلبة الذين يدخلون الترام أربع مرات في ~~النهار، فيحشرون ويتذمرون ويظلون صابرين ... # وجاء الصيف فذهبت إلى الأعالي، ويوما جاءني شاب يقول: احمل نبأ أعرف أنه يسرك. ~~- هات. ~~- اعتصب الشعب على الترام. # وفتح أمامي الجرائد وفيها بخطوط عريضة تفاصيل الحركة الشعبية المباركة. # يا للحركة الهائلة في حلاوتها، الحلوة في هولها، كيف كانت تكهرب كياننا وتهزه هزا ~~... # وكم رددت في تلك الآونة قصيدة الريحاني المشهورة: # ويومها القطوب العصيب # وليلها المنير العجيب # وصوت فوضاها الرهيب # من هتاف ولجب ولجيب # وزئير وعندلة ونعيب ... # وقالوا: انتهت مشكلة الترام فخطر في بالي أن أجرب، فصعدت إلى تلك التي تسير على طريق ~~الحرش، وصعد ورائي سرب كبير من النساء، وبما أننا أصبحنا متمدنين نهض الرجال - بارك الله ~~في أصلهم - وأعطوا أماكنهم للسيدات، ثم إنهم - كدت أغلط وأقول: تفرقوا - انحشروا قرب السائق ~~وبين المقاعد، وكان عددهم يزيد عن العشرين. # وجرت الحافلة، باسم الله مجراها، جرت بعنف وشدة، فاهتز الرجال في مواقفهم، ووقع بعض من ~~كان بين المقاعد على اللواتي كن عليها، وهنالك شيخ لطم رأسه بلوح الباب لطمة كادت تذهب ~~برشاده ... ووقف الترام فشققنا نحن السيدات طريقا لرءوسنا وأكتافنا بين الرءوس وبين ~~الأكتاف. # وأدرك شهرزاد الصباح فسكت عن الكلام المباح. # | صوت الأم # ونحن، لنا كلمة في القمار وضريبته، وصوتنا - وهو الصوت المختفي طيلة الدهر - هو اليوم صوت ~~العائلة الوطنية ms050 المحتضرة تحت ثقل الأزمة الاقتصادية، المحترقة بلهيب الثورة الاجتماعية، ~~المجرورة بتيار اللهو والزهو إلى الموت المحتم. # قالوا: إن في المسألة تعزيزا للاصطياف، فنحن النساء بسيطات العقول لا نفهم إلا الصريح من ~~القضايا، نقول: إما أن يكون لبنان مصيفا كسويسرا، أو مقمرة كمونت كارلو. # فالحالة الأولى قريبة المنال، وهي تتم بتحسين إداري طفيف تقدر عليه الحكومات إذا شاءت؛ ~~لأن زبائنها؛ أي زبائن الاصطياف، هم جيراننا السوريون والمصريون الذين إنما يفدون علينا في ~~الصيف لاكتساب العافية لا لتبذير الأموال. # أما الحالة الثانية، وهي جعل لبنان مونت كارلو، فبعيدة المنال؛ لأن كبار اللاعبين من ~~أميركيين وأوروبيين لن يتركوا مقامرهم الجميلة، وفيها التسهيلات المعروفة ليأتوا للمقامرة ~~عندنا. بقي أن زبائن القمار؛ أي زبائن الضريبة الجديدة، سيكونون من الوطنيين، ويؤيد هذه ~~الفكرة السماح بالقمار في بيروت التي ما كانت في زمانها مصيفا. وفي هذا حكمة لا تفهمها ~~عقولنا البسيطة. # قال كبير: إن من وراء ضريبة القمار إيراد قد يبلغ المليون، وهو رقم لا يستهان به. # لنفرض أن إيراد القمار بلغ العشرين مليونا تحولت كلها إلى تحسين الطرقات، فنحن قوم ~~قانعون بشوارعنا الضيقة القذرة، ولا نريد إصلاحا مؤقتا، وطلاء لماعا يجيئنا من فضلات ~~موائد القمار التي يبيع عليها رجالنا ضمائرهم وصحتهم، وسعة صدورهم، وعقولهم؛ فيكون ربحنا - ~~نحن النساء - الشقاء الدائم، والحرمان الأليم. # إذا كان رجال هذه الأمة يخافون الدفاع، فنحن ندافع عن كيان الأمة الأدبي، نحن نحافظ على ~~بقايا إرث قديم تركه لنا الجدود؛ وهو الفضيلة الشرقية. # ليس من يشك في حسن نية الذين يودون تكثير الإيراد؛ لأنهم كلما طلبوا إصلاحا وجدوا أنفسهم ~~أمام العقدة التي لا تحل، وهي عجز الميزانية، ولكننا نسترحمهم أن لا ينشطوا القمار في ~~هذا البلد الذي سماه الشرق بلد المعاهد والمدارس. # تريدون ضريبة جديدة؟ اضربوها على أعناقنا، ونحن النساء نرضى بأن ندفع الخراب عن الأمة، ~~ونفخر أن نكتب صفحة خالدة في سجل الوطن الجديد. # نحن نقصي عن شبيبتنا خطر القمار الذي لم تبتل به بلد كما ابتليت بيروت، ونشتري دموع ~~الأطفال ms051 والأمهات والزوجات اللائي ستلقى حظوظهن رهن شفاه المقامرين، فيربطن - بسبب تنشيط ~~القمار - إلى مواكب البؤساء، وهم كثر. # | الحاكمية الوطنية # إذن للحاكمية الوطنية أخصام ومريدون؟ ولها من يقول بها ومن لا يقول؟ لولا هذا لما كان هذا ~~الجدال في أمة صغيرة يجتمع سكانها ويحشرون بسهولة في زاوية من زوايا العواصم الكبيرة ~~... # ولكننا على ضآلة شأننا نعرف أهمية هذا الاقتتال علينا، وإلا فما كان لهذا الدلال من سبيل ~~ومن وجود، ولعلنا - من دون أن ندري - ندين بدين أصغر مخلوقات الله، ونعطف على النملة ~~الصغيرة الفخورة في بيتها الحقير فخر العقاب في وكره. # الحاكمية الوطنية؟ لو تسمع أخصامها يصفون لك ويلاتها لقلت: إن الأمة ستغوص في الدم يوم ~~تخطئ المفوضية وتجرب فينا هذا الدواء. # يقولون: إن الأرثوذكسيين والمسلمين - وجلهم ناقمون لأنهم في هذه الحكومة يعاملون كما لو ~~كانوا أولاد الجارية - لن يرضوا عن حاكم ماروني، والدروز - ولهم تاريخهم في حماية العرين - ~~لم يزالوا بشرا، ولهم أطماع البشريين. # والموارنة لن يتنازلوا عما يعتبرونه حقهم الصريح لأن فرنسا إنما جاءت إلى الشرق من ~~أجلهم ... # فإذا حصرت الحاكمية في إحدى هذه الطوائف، لا نأمن النقمة العامة، ثم الفوضى، ثم ~~الثورة. # يقولون: إن الحاكم الإفرنسي؛ أي القومندان ترابو، لم يكن مهابا لأجل شخصيته؛ بل لكونه ~~«ابن فرنسا»، ووراؤه جيوشها وزحافاتها وطياراتها، فشخصية الحاكم الوطني - هذا إذا وجدت - ~~لا تكفي، بل يلزمها دعامة، وأين هي؟ # يقولون: يوجد أقليات ناقمة قد تسيطر على الحاكم الوطني بالرشوة أو بغيرها، فيميل إلى ~~خيانة لبنان و... خيانة فرنسا. # ويقولون: لا عبرة في الحاكمية، وطنية كانت أم أجنبية، الجوهر أن يكون الشعب هو المسيطر ~~على مصيره، وأن يسير الحاكم بإرادة الشعب. # جميلة هذه الأمنية ... لو لم تكن غرارة كالسراب، لنصرف النظر عنها، ولنتآلف - صفقة واحدة ~~- مع فكرة أساسية هي اليوم حجر الزاوية، الإدارات والمجالس والبلديات والحكومة كلها، وكل ~~صامت وناطق هو قيد إرادة المفوضية. والحاكم، وطنيا كان أم فرنسيا، لا يخطو خطوة إلا ~~بإشارة أمين السر العام. # هذه الحالة ستظل مرعية الجانب حينا ms052 لا يعرف مقدارها، فإذا لم يكن لنا بعد حق السيطرة على ~~أمورنا، فلينصبوا لنا حاكما وطنيا يكون الرسول الأمين بيننا وبين رجال الانتداب؛ ليجعلوا ~~لنا حاكما وطنيا يرفع إلى المفوض السامي أماني الشعب كما يسمعها بأذنه وبقلبه. # اجعلوه بلديا نعرفه ويعرفنا فلا نقف على باب الأجنبي كمن يطلب صدقة، خذوه واسع الثروة ~~فتأمنوا الرشوة، أصيلا لا سبيل للصغارة إلى نفسه، قيدوه بقانون يؤمن الطوائف على ~~مالها، وينص على عزله إذا هو سعى إلى الخيانة ... # أما النقمة، فالفوضى، فالثورة، فهي أدواء لها عند السياسة دواء، والحجج في غير هذا واهية ~~كخيط العنكبوت، والدعامة الدعامة هي فرنسا أولا وآخرا، هي تحمي لبنان يوم يكون حاكمه ~~فرنسيا، ويوم يكون وطنيا؛ لأن من صالحها أن تحميه. وما تنصيب الحاكم الوطني سوى برهان ~~جديد على عطفها، وعلى حبها للحرية، لها أولا ثم الناس. # أما الخوف علينا من أن نأكل بعضنا، فماذا نقول فيه؟ دعونا نضحي مصالحنا الفردية في سبيل ~~الخير العام، دعونا نتعلم على حساب أنفسنا، دعونا نسقط وننهض، وننهض ونسقط إلى أن تعلمنا ~~هفواتنا أن الله في السماء، والجار قرب الجدار. # وإذا حدثت بعض الضحايا فلماذا ننادي بالويل؟ لماذا نعتقد أن الوطن يبتدي وينتهي عند باب ~~الصندوق؟ إن حذر المتطيرين يدل على خوف. ومتى كان الخوف من شيم الرجال؟ نحن نتشاءم نسبة إلى ~~أفكارنا الحذرة على مصالحنا «الفردية»، ولو فكرنا لجابهنا الشر واقتلعناه من ~~أصوله. # هي خطوة نحو الاستقلال، فلنخطها ولنضح في سبيلها، ولا نقولن: يجب أن ننتظر حتى ~~نتمرن على الحرية. إن أحسن مدرسة للاستقلال هي «الاستقلال». # | من المسئول؟ # ... ورفع نائف الكلاس إلى المشنقة فانقطع به الحبل، فأمر بحبل ثان، وعاد الجلاد إلى ~~عملية القياس والربط والتعقيد ... والمجرم الذي مات مرة ينظر ويسمع ... ورأى من لا جلد لهم على ~~تهدئة ألسنتهم مجالا لإبداء الآراء، فبدءوا يتفلسفون بالكيفية والنوعية. # ورأى المصورون فرصة ثمينة، فصوبوا الفوهات الأمينة لخطف السر، سر عذاب المجرم ~~الرهيب. # والتصق نايف بالأرض وأخذ يبكي ويبكي ويبكي، والمتفرجون ينادون ببرودة عاجزة: العفو! ms053 ~~العفو! والبعض يودون لو يسرع الجلاد فيهدأ خفقان قلوبهم؛ لأن هؤلاء المبكرين قبل الفجر ~~للارتواء من منظر النطع يخافون على قلوبهم الغضة من ضربة سريعة ... # وظل المسكين لاصقا بالأرض، وتحول بكاؤه إلى نحيب فشهيق، وتلك الساحة تغص برجال تحجرت ~~فيهم الحياة فسمروا في أماكنهم، فما فيهم جريء تغلي فيه دماء الرحمة والشباب فيكهرب من حوله ~~من الرجال فيحتملون المجرم ويسيرون به هازجين بطلب الرحمة. # الرحمة! الرحمة! تمتم القوم يوم وقف قاتل الخمسة أمام القضاء، وأخذ يحكي ببساطة الأطفال ~~حكاية بؤسه وشقائه. # كيف قتل أخوه وبقي القاتل حرا طليقا، وكيف كان والد القاتل يقطع أوصاله بأنواع الظلم ~~والقسوة، وكيف رآه يوما يضحك من عجزه ويعبث بقلبه المكلوم، فثار جنونه وقتله وهو لا يدري ~~كيف قتله، ومن قتل معه؟! # وسار المسكين إلى الإعدام وحوله كهان صلاح يسندون قواه ويحثونه على طلب الرحمة بكل ما ~~حفظوا من أقوال إله المحبة. # لعلهم شعروا بجرم ذلك الكاهن فجاءوا يكفرون أمام الله وأمام الناس؟ # وبكى ذلك المسكين ثم بكى وطلب الرحمة؛ لأنه غير مسئول. ~~••• # وسرى العبث بالموت من الكبار إلى الصغار، وكما يتسابق المئات من الرجال والنساء إلى ساحة ~~الإعدام وقف منذ أيام عشرة من الصبيان والبنات يلعبون «بالمشنقة». # ولما كانوا أناسا ولهم من العسف ما للناس فتشوا عن فريسة «مستضعفة»، فوقع اختيارهم على ~~زرزور مسكين ربطوا يديه ورجليه، ثم علقوه بخيط إلى شجرة، وهموا بشده على عنقه. وبإشارة ~~خفية من «الزعيم» رفع الأولاد أيديهم وأخذوا يصرخون: الرحمة! الرحمة! فترة كان فيها ~~«الجلاد» قد شد الخيط، فقضى الزرزور المسكين، فقال الزعيم البارد لطالبي العفو: لقد فات ~~الأوان. # وانتهت الرواية بضحك شديد فسر لي قساوة الإنسان ذي الأنياب والمخالب. # قصة تافهة وعادية ... ولكن كم هي شبيهة بحكاية الجلادين الحقيقيين يسلمهم القضاء أعناق ~~الناس، فيلعبون بها كما يلعب الأولاد بالمشنقة. # من المسئول؟ من المسئول؟ # هو دوي يجيش منذ أيام في أذني، وله في كل ساعة طنين ورنين. # أفتح اليوميات فأقرأ أخبار «موسم الإعدام». # وأفتح الجرائد المصورة فأرى رسوم ms054 المشنوقين تتوالى عددا بعد عدد، وأفتح اللطائف المصرية ~~فإذا الرسوم قد قطعت البحار وتصدرت في صفحاتها. # يا لفظاعتك أيتها الآلات الخاطفة لأسرار الموت وأسارير المجرمين المرعبين! يا لقساوتك ~~أيتها القلوب المتفرجة! وأنت أيتها الأيدي الباردة التابعة حركات الحبال ربطا وتعقيدا، ~~وخطوات المشنوقين صعودا وهبوطا، ثم صعودا وهبوطا! ~~••• # من المسئول؟ من المسئول؟ # هي كلمة أراها كل يوم وإلى جانبها علامة استفهام كبيرة لا تبرح ملازمة لفكري ولأفكار ~~الكثيرين ... # إدارات عظيمة ضاعت فيها المسئولية، ولنا على هذا في كل يوم ألف دليل، وحاكم - رافقه عفو ~~الله حيث هو - لا يدري من يتبع وكيف يسير، طائفيات تتطاحن، وزعماء يبهرون البسطاء بجيوش لهم ~~وهمية، جيوش من الأتباع لرنة الطائفية يطربون، أو بالوعود يتبلغون، وأحزاب فردية ألفت حكم ~~الإقطاع، وأسه احتيال الفرد المنبوذ من السلطة للوصول إلى ذروة بفعل ما ينصب من الحبائل، ~~ومفوضية - وقاها الله ووقانا من سوء المظنة - تسن من الخطط ما تحسبه آية الله في العصمة، ~~وتدفعها إلى الحاكم فيطبقها وسط هذه الفوضى، فوضى الطائفية، والزعامة الوهمية، والنزعات ~~الفردية. # تحاملا مرا يسمع المرء أين ذهب، وتبرما من عسر اقتصادي، ومن موات في صناعة وطنية ~~قتلها نفوذ المصنوعات الغربية، وتحسر على الخسارة فيما تقتله الريجي والمكوس والأجور، ~~وهنالك غيرة قاتلة تمتلك قلوب العاجزين عن الوصول إلى حقهم، كل هذه عوامل تؤثر في الشعب ~~فيتحول تبرمه من انتقاد إلى تهكم، إلى عبث بالأنظمة، إلى تطاول على سلطة يرى فيها العجز ~~والإهمال. # في قرية من قرى البقاع مأمور نشيط شهد له بمزايا وفضائل ندر أن اجتمعت في رجل. سار هذا ~~المأمور إلى حانوت رجل دأبه العبث بالنظام، وفرض عليه ما يقضي به القانون، فثار غضب الرجل ~~وأقسم أن ينتقم، ومضت أيام قلائل فإذا بالقرية تفاجأ بنقل الموظف إلى أردأ مركز في لبنان ~~الكبير. هذا وصاحب الحانوت يفخر أن نسيبا له في خدمة موظف كبير سعى لدى سيده فكان ما ~~كان. # مهما يكن في كلام الرجل من دعوى قد تكون كاذبة وقد لا تكون، فقد صدق ms055 أهل تلك البقاع أن ~~حظوظهم وحظوظ سائر الناس هي قيد غضب الطباخين والحجاب ... وكيف لا يصدقون وقد لمسوا ~~الدليل؟ # يخطئ زيد إلى النظام أو لا يخطئ فتدسه السعاية في السجن - كذا كانت الحال منذ أيام - ~~فتأخذ أوراقه بالتنقل من دائرة غير مسئولة إلى دائرة غير مسئولة، ويظل هو وذووه أسرى العذاب ~~ما شاءت السعاية وشاء الإهمال، ويعتبر سواه بما أصابه فيهرب من وجه الحكومة إذا هي طلبته، ~~وإذ يطارده رجالها يعتصم بالجبال، ثم يجوع فيعمد إلى سلب الناس، وبينما هو يسرق ليأكل يسمع ~~إطلاق نار، فتهب الحياة فيه مدافعة عن نفسها، وفي دقيقة يصبح القروي الآمن مجرما. # فمن المسئول؟ # المفوضية غير مسئولة؛ لأنها لا تدري. # والحاكم غير مسئول؛ لأنه يسير في الظلمة. # والشعب غير مسئول؛ لأنه مكبل بسلاسل العصور الخوالي. # اصبروا أيها الناس، اصبروا على العسر والجرائم والاعتقال والفوضى. # اصبروا أيها الناس، حتى نقطع سلاسل العصور الخوالي، ومتى زالت عنا سمات النخاسة نعلم ~~المفوضية أن تدري، وإذ تدري ترفع بيدها مشعل النور فيستنير الحاكم ويطمئن المحكوم. # | موجة السرور الكبرى # نحن في هذا الشرق لفي جوع لجوج إلى أمور عديدة يتمتع بها الناس وينعمون، بينما جماهيرنا ~~- شهود مرقص الحياة الأكبر - تبكي حينا، وتندب حينا، وتغص حينا. وكم من الأحيان تلسعنا ~~عقارب الغيرة من أمجاد الأمم، ومنعة الأمم، وسعادة الأمم، فننكمش على نفوسنا وقلوبنا تغور ~~فيها البغضاء وتفور، حتى إذا ما لامس فكرنا أول غربي نراه، صببنا رشاش غيرتنا الآكلة وما ~~يلتصق بها حتما من نفور، وحذر، وتعصب، وبغيضة «شرعية»، فيهز الغربي أكتافه ويقول: # لا خير يرتجى من الأمم الشاكية، الأمم الغارقة في سويدائها، الموسومة - على جبين ~~شبابها - بطابع الخيبة والهرم الباكر. # لا شك أن الحياة هي للشباب الزاهر، وأن أمة لا تغسل أحزانها أمواج السرور الكبرى لهي ~~أمه تمشي إلى الفناء، فأول ميزات الحياة وآخرها هي «الحياة»، والحياة شيء غير الانكسار، ~~فالخيبة، فالذل، فالبكاء. # أجل إننا في حاجة وجيعة إلى السرور والطرب، ولكن كيف نطرب وكل من حولنا يبكي. لقد تعالى ms056 ~~بكاؤنا فغطى بنعيبه كل أصوات الطبيعة الضاحكة حولنا دواما، فهذه السماء الزرقاء، الزرقاء ~~كعيون الأطفال المذهبة الشعور، وهذه الشمس اللامعة ، والأشجار المخضلة إلى مديد من الأيام ~~عديد، وهذه الزرارير المصفرة في أعالي الصنوبر، والطيور المنشدة فوق دوالي العنب وأغصان ~~التين، والغدير المهمهم بين الأعشاب، والشلال الصارخ فوق الصخور، وأمواج الهواء المهينمة في ~~الغابات، كل هذه تنشد أنشودة الحياة زاهية طربة ونحن وحدنا نبكي. # ولآدابنا العربية، بما يتبعها من شعر وموسيقى وإنشاد، اليد القاهرة في تكييف نفوسنا على ~~الحزن والأنين، ولا عجب فآداب الأمم هي صورة حية رسمت فيها مشاهد حياتنا على توالي العصور. ~~وهل في حياتنا - منذ عدة مئات السنين - سوى مشاهد الأسر والذل والفقر والحرمان؟ # واليوم، وقد نفخت في الشرق روح نهضة جديدة، وأصبح الشيخ والكهل والطفل يشعر بحاجة إلى ~~«كرامة قومية»، اليوم تدخل آداب لغتنا في طور جديد، فشعراؤنا ينشدون القصائد الحماسية، ~~وأطفالنا في المدارس يغنون القدود الوطنية، ولكن طابع الحزن القديم لا يزال في مكانه، فهو ~~من هذا القبيل لازم الوجود، كختم «المندوبين السامين» على كل قرار يتعلق رأسا بمرافقنا ~~الحيوية في سوريا ولبنان وفلسطين. # خذوا مثلا هذه الأنشودة: # لك يا أرض الشآم # مهبط الوحي المجيد # من فؤاد مستهام # خالص الحب الأكيد # كلما هبت علينا # منك أنفاس الجبال # فذكرنا الغابرينا # من مشاهير الرجال # هاج في القلب حنينا # ذكر أيام الجدود # فجرى الدمع سخينا # كالدما فوق الخدود # قرار # نحن جبلنا من تراب الأنبياء # فلنكن للمعالي شهداء # أنشودة حماس مع ما فيها من الدموع السخينة ... ولكن اللحن! أشهد أنني لا أسمعه مرة إلا ~~وتغلغل في نفسي حاسات القهر والأسى ممزوجة ... فيمر في خيالي مشهد أم تحتضر باكية على ~~أطفالها، أو مشهد جنازة صغيرة تسير الهوينا حول عربة صغيرة تحمل نعشا صغيرا أضجع فيه ~~طفل صغير. ~~••• # وفي قرية الدوار الصغيرة، المختبئة بوداعة خلف أكمة ظهور الشوير، ذلك المصيف الفخور ~~بجلال باسقاته، وجمال بناته ذوات العيون الذباحة، في القرية الدوار بيت صغير ساكن مختبئ ~~- مثل الدوار نفسها - بين الأشجار الكثيفة الخضراء. ms057 # لا عيال في هذا البيت، إنما من حين إلى حين تجتمع فيه طائفة من الشباب، فيلهون ويطربون ~~ويسكرون، وعندما يبلغ رنين الأقداح حده الأقصى تخفت أصوات الشاربين، ويرتفع وسط سكون ~~الغاب أنين الأوتار الشرقية يرافقها صوت شجي أظنه يغني على الحب. # إنني أدري لماذا نبكي حينما تهزنا عاطفة القومية، ولكنني لا أدرى لماذا تبكي الأوتار تحت ~~أنامل شبان يلهون ويطربون وينشدون أنشودة الحياة الكبرى. # ولعل الحق في هذا على شعرائنا وأدبائنا ومنشدينا الذين لا يؤدون رسالتهم في حياة الأمة ~~كما يجب أن تؤدى. # إن حياتنا الشرقية في حاجة إلى أنواع جديدة من الأدبيات، ولعل ألزمها هو الإنشاء الزاهر ~~المطرب، الذي إذا قرأناه فاضت علينا موجة من روح الكاتب الطربة فبردت نار الحزن الكثيف ~~اللاهبة دواما في حنايا ضلوعنا. # وإذا جاز لي في هذه الرسالة أن أصف سركيس # 1 # قلت: إنه هو نفسه موجة سرور كبرى، وحياته كلها طرب وإطراب، وضحك وإضحاك. # إنه ابتكر لنفسه طريقة في الإنشاء لم يأتها قبله كاتب سوري أو لبناني، وتوفق إلى ~~بدائعها، وقراؤه مدينون له بساعات طويلة تنفلت فيها أعصابهم من سلطة الطوق الحديدي، وتغتسل ~~في موجة زهو يطلقها عليهم «سركيس الضاحك». # وبعد أن يشبعهم طربا وسرورا وضحكا ينفخ فيهم نسمة من نسمات التجدد مؤديا رسالته دون ~~أن يدري. # | حياتنا الاقتصادية # 1 # يحكم عالمنا الاجتماعي على المرأة بعدم التعرض لما لا يعنيها، والاقتصار على ما ~~يعنيها، وهو يحكم حكمه هذا بداهة دون ترو ولا إمعان، فإذا سألنا بعضهم أن يحدد لنا ~~هذا «الذي يعني والذي لا يعني» لما قدروا أن يحصروا نظريتهم ضمن نظام شامل عام. ~~والحقيقة هي أن مداخلة المرأة في أمور المجتمع أمر لا يمكن تحديده، فهو نسبي على ~~الإطلاق. # حتم المجتمع على نساء المزارع أن يفلحن الأرض ويزرعنها ويحصدنها، وأن يقطعن الخشب ~~وينشرنه ويحملنه من الجبال البعيدة إلى المدن والقرى، وأن يسقن قطعان الماشية إلى مسافة ~~بعيدة لورود الماء والمرعى، ولم يقل العالم الاجتماعي في هذه الأحوال: إن بشرة النساء ~~الطريئة لا ms058 تحتمل أشعة الشمس، وأن أيديهن الناعمة لا تقوى على رفع الفأس. # كذلك تبعت نساء الغزاة رجالهن إلى ساحات القتال لطبخ الطعام، وجلب الماء، وشحذ ~~السلاح، وتاريخ الغزوات القديمة ملآن بأخبار النساء اللواتي ما قيل لهن مرة: ابقين في ~~الحي فبنيتكن النحيفة لا قبل لها بالأسفار المضنكة. # وهكذا نرى النساء في المجتمع كله خاصعات - ككل الكائنات الحية - لأحكام الظروف، ~~فامرأة الجندي تشحذ سلاحه، وامرأة الفلاح تغرس كرمه، وابنة الراعي تجوب البراري أمامها ~~سائقة مئات الأنعام. # حدثني أديب عن سياحة له في نواحي الأردن قال: # رأيت مرة في صحراء خاوية مقفرة؛ فتاة في الخامسة عشرة من العمر تسوق مئات من ~~النوق، فكانت على ظهر ناقتها كأحد كبار الفرسان بقوام منتصب كالرمح، ووجه عزيز ~~فخور. # أما ثوبها فكان شبه قميص مفتوح من العنق إلى أسفل الصدر ينم عن تكوين لم تر ~~العين أبدع منه، فعجبت من وجود الفتاة منفردة في قلب تلك البادية، واقتربت منها ~~أطارحها السلام وأسألها عن حالها، فكانت تجيبني بحرية ولطف ورقة وكياسة لم أرها ~~في امرأة غربية أو شرقية. # وما يقال عن نساء البداوة يقال عن نساء الحضارة، فنساء الطبقة الفقيرة في بلادنا قد ~~زاولن منذ زمان المهن الأولية - ولا أقول: المهن الحقيرة؛ فليس من عمل حقير على الأرض - ~~كالخياطة والكوي والرضاعة والخدمة في البيوت، ثم نزلت نساء الطبقة المتوسطة إلى ميدان ~~العمل، فكان منهن المعلمات، ثم الممرضات والصحافيات وبعض الطبيبات، ولا تزال دائرة ~~العمل تتسع أمام من تضيق بوجههن اقتصاديات الحياة، فلا يمر علينا عشر من السنين إلا ~~ونرى النساء الوطنيات مهتمات بمسائل الاقتصاد، مقتنعات أن الحرية الاقتصادية هي أم كل ~~حرية بشرية. # نرى مما تقدم أن حكم العالم الاجتماعي على المرأة وحصره إياها ضمن دوائر ضيقة ليس من ~~الشرائع التي لا تزول قبل أن تزول الأرض والسماء، فحالة المرأة خاضعة دائما وأبدا ~~لحالة الإقليم، ولحالة المحيط، ولحالة الظروف؛ أي أنها نسبية في كل زمان ومكان، تابعة ~~لناموس التطور ككل التقاليد وكل الشرائع التي اتبعها الإنسان منذ وجد ms059 إلى اليوم، ~~وليس لكائن أن يقول: «هذا يعني المرأة وذاك لا يعنيها»؛ إذ كل ما يهم الأمة يهم ~~المرأة. # فكل الأبحاث التي يطرقها الرجل معتقدا أن الوقوف عليها يفيده ويفيد الأمة يمكن ~~للمرأة أن تطلع عليها، وتدرس جزئياتها، وتلقنها لأولادها، وتباحث بها ~~صديقاتها. # إن العراك الناشب اليوم في العالم هو عراك اقتصادي، والأمم تدافع عن اقتصادياتها - ~~رجالا ونساء - بشدة تشابه الكلب، فلا ندري لماذا تبقى المرأة عندنا بمعزل عما يجري ~~حولها، ولماذا ينفرد نصف الأمة في هذا العراك، بينما يقف النصف الآخر متفرجا وهو قادر ~~أن يؤدي مساعدة كبرى لذلك النصف الذي يناضل وحده في أزمة تقصم الظهور، وتقضي على ~~الأنفاس. # أقول هذا ناظرة إلى الوجهة المادية من هذه المسألة التي لها وجهة أدبية لا يجب ~~إغفالها؛ إن باطلاع الرجل وحده على معلومات نافعة، واحتفاظه بها لنفسه ظلما للولد ~~عميما. # أقول: إن الرجل الذي يحتكر المعلومات لنفسه - إن كانت هذه المعلومات نظرية أو عملية - ~~يمنعها عن ولده شاء أو لم يشأ، إن حاضنة الولد ومهذبته ومرشدته ورفيقته هي المرأة ~~أولا، والمرأة آخرا. فلو سألنا كل رجل من رجال عصرنا، عالما كان أو تاجرا أو ~~لغويا: كيف تعلمت ما تعلمته؟ لأجاب فورا: «لقد تعلمت على حسابي.» # إن لرجالنا الذين يتعلمون على حساب نفوسهم فضلا كبيرا لو ندري؛ لأنهم يبدءون حياتهم ~~كما بدأها جدنا الأول، وعندما يصلون إلى زمن العمل يرون المسافة التي قطعها الغربي ~~فينشطون للحاق به. وكم من زلة! بل كم من كبوة وهفوة يلاقون إلى أن يصلوا - وغالبا لا ~~يصلون قبل الخمسين - إلى حيث وصل أبناء الغرب، فهم يختبرون، في مدة ثلاثين سنة، ما ~~اختبره الغربيون في أجيال، على أنهم ينسون جهادهم الطويل، ويتركون أولادهم يتخبطون في ~~مثل ما تخبطوا هم به، وبكلمة أخرى يتركونهم «يتعلمون على حسابهم». # وإنها لهفوة كبيرة يعرف مقدار ضررها كل من تعلم على حساب نفسه، علينا أن نسلم ~~لأولادنا اختباراتنا ومعلوماتنا، أعني على أولادنا أن يأخذوا عنا خلاصة أبحاثنا طول ~~العمر، فيبدءون حيث انتهينا، ms060 لا حيث بدأ رعمسيس، ويكون جهادهم في الحياة خفيفا لذيذا ~~منظما، لا مضنكا قاتلا، وليس من يعد الولد للعراك في الحياة مثل أمه، فكيف تعده ~~هذه الأم للحاق بأبيه إذا كان بين رقيها ورقي زوجها بون هو نتيجة اختباره ثلاثين سنة، ~~ونتيجة حصرها في دائرة صغيرة من التافهات تعرفها الأنعام بالسليقة. # ولقد بدأنا نشعر بحاجة إلى الأمور الجدية، كما أصبحنا نمل من الأبحاث النسائية ~~الضاربة دائما وأبدا على أنغام الخيال، ووصف الطبيعة، وواجبات المرأة التي سمعناها ~~ألوفا من المرات، وكدنا نكره من أجلها الخيال والطبيعة، حتى والمرأة. # 2 # هل رأيتم مرة حديث نعمة يقلد الأغنياء والأمراء؟ هل نظرتموه مرتجفا مرتبكا ~~غريبا في قصره وبين ضيوفه، حتى وفي ثيابه؟ فكما يلقب من ينام فقيرا ويصبح غنيا ~~«حديث النعمة» يلقب من يدفع بغتة من ظلمة القرون الوسطى إلى نور العلم العصري ~~«حديث العلم»، و«حديث التمدن»، و«حديث الرقي». # إن كل ما نأتيه يجيء ناقصا متقلقلا مرتجفا؛ ذلك لأننا حديثو العهد في المدنية ~~الغربية التي طمى سيلها علينا فاضطررنا إلى قبولها دون استعداد، نحن حديثو العهد في هذه ~~المدينة وحداثة عهدنا تظهر في كل مظهر من مظاهر حياتنا؛ في حياتنا السياسية، وحياتنا ~~العلمية، وحياتنا الفنية، وقبل كل شيء نحن حديثو العهد في حياتنا الاقتصادية، والبلاء ~~العميم هو أن مجموعنا يجهل ذلك، فهو إذا تألم من الانحطاط الملم بنا يحول وجهه شطر ~~الحياة السياسية والحرية السياسية، ناسيا أن الحرية الاقتصادية هي الأصل، وما بقي فهو ~~الفرع. # لو كان لنا حياة اقتصادية لوقفنا بنفوذنا أمام العالم المتمدن وقلنا: نريد أو لا ~~نريد، لو كان لنا كيان اقتصادي لكان لنا كيان سياسي، ولو كان لنا كيان سياسي لما ~~قضينا كل هذه القرون ونحن جسر يمر عليه الفاتحون ذهابا وإيابا. # قلت: جسرا! لا وربي! الجسر شيء قوي يتعهده من يمر عليه بالعناية حتى لا ينكسر بعد ~~مروره فينقطع عليه خط الرجوع! نحن طنفسة - والتعبير مؤلم - على باب هذا الشرق داستنا ~~منذ القدم أقدام الغزاة والفاتحين والمتاجرين. # نحن لم ms061 نفهم مرة معنى الحياة ومعنى الكيان، فعشنا حياة شخصية فردية لا يهم الفرد منا ~~إذا عاشت الأمة أو ماتت. نعم، إننا عشنا كتجار مستقلين تنحصر حياتنا في صندوقهم، فكانت ~~هذه العلامة من أدلة انحطاطنا، وأي انحطاط أكبر من فقد التضامن والتكافل بين أبناء ~~البلد الواحد. # إن لهذا الانحطاط أسبابا لن أتوسع في البحث فيها كي لا أتعدى دائرة بحثي، على أن ~~أكبرها هو كوننا عشنا في بلادنا غرباء لا نشعر بالوطنية ولا بالقومية، فكيف يسأل من لا ~~عقار له عن تعهد عقاره؟ أما نتائج انحطاطنا فواضحة عم بلاؤها سوريا ولبنان في الحرب، ~~وبعد الحرب، فرأى العالم مبلغ فهمنا للحياة، ومبلغ تقديرنا للقومية وللحياة ~~القومية. # انحطاطنا أساسي لا يزيله جلاء «الأتراك» ولا الاحتلال الإنكليزي ولا الفرنسي، حتى ~~ولا احتلال الملائكة! إن حريتنا الاقتصادية هي الأساس الذي تبنى عليه بناية الوطن، فأين ~~المشتغلون في هذه البناء! أين الدوائر الاقتصادية تأتينا بالإحصاءات عن حركة الصادر ~~والوارد؟ أين هذه الدوائر تظهر لمجموعنا بالأرقام أن البلاد التي تصدر إلى الخارج 1 ~~وتستورد 6 مصيرها الخراب؟ لقد أوجدت لنا المفوضية العليا «دائرة اقتصادية»، ولكن هذه ~~الدائرة مهما قيل فيها فقد أنشئت بجهاد الفرنسيين واجتهادهم. هذه الدوائر هي ككل ~~المشاريع في بلادنا أجنبية، هي كشركة الترام والماء والمرفأ والخطوط الحديدية وكل شيء ~~... هذه الدائرة أنشئت لأن الفرنسيين شعروا بالحاجة إليها. الذي يحس بالحاجة إلى أي أمر ~~من الأمور ربما يكون قد تعود على استعماله، وبما أننا ما شعرنا إلى اليوم بضرورة دخول ~~التجارة من أبوابها، فنحن لم نزل أطفالا فيها. # سيقول بعضهم: ما هذا الادعاء؟ ألا يوجد عندنا تجار؟ وفلان وفلان وفلان؟ من أين جمعوا ~~هذه الثروة؟ # جوابي على هذا: إن التاجر الذي يشتغل لنفسه ليس بتاجر. التاجر الحقيقي هو الذي يشتغل ~~لنفسه وللأمة، التاجر الحقيقي يحسب أن الذي لا ينبع يفرغ، وأن الأمة التي تدفع لأوروبا ~~- مثلا - ستة ملايين، وتقبض منها مليونا واحدا ستفلس بعد سنين معدودة. وما ربح ~~التجار المعدودين المشتغلين ببيع البضائع الأوروبية إلا ms062 كربح القرد الذي كان يلحس ~~المبرد متوهما أن فيه الحياة، وهو بالحقيقة لم يكن يلحس إلا دماء قلبه! # لا أزال أذكر يوم انتهت الحرب كيف كان فرح الناس يوم بدءوا ينظرون جبال البضائع ~~الأوروبية مكدسة في الجمارك. إنهم فرحوا لدرجة جعلتني أعتقد أنها تأتينا مجانا! وإنني ~~أقابل الآن بين تأخرنا وتقدم الأوروبي عندما أقرأ أسبوعيا في التلغرافات الفرنسية ~~هذه العبارة: # استوردت فرنسا في الشهر الماضي كذا وكذا من المواد الأولية الفلانية؛ أي بنقص ~~كذا عن الشهر الذي مثله من العام الماضي. # ولقد قامت إنكلترا وقعدت يوم اعتصب المعدنون، واضطرت الحكومة إلى شراء الفحم من ~~الخارج، فكان العالم يتتبع أخبار ذلك الاعتصاب الأسود بنفس الأهمية التي كان يتتبع بها ~~أخبار الحرب. ~~••• # لقد مات منا في الحرب جوعا مائة وثمانون ألفا، فلو كنا نفهم ماهية الاقتصاديات في ~~حياة الأمم لفكرنا يوما أن قوام الاقتصاديات هو الإنتاج، وأن الإنتاج يرتكز على اليد ~~العاملة، وأن موت اليد العاملة هو نذير الموت لمن لم يمت! # لو كنا نفهم معنى القوة الاقتصادية لحولنا اهتمامنا بعد الهدنة إلى وضع الأسس المالية ~~لحياتنا المقبلة، ولانصرفنا عن الاهتمام بالسياسيات - هذه السياسيات التي لا أفتكر بها ~~إلا وأغرب في الضحك، وهو ضحك كالبكاء - وأسسنا الأحزاب الاقتصادية بدل الأحزاب ~~السياسية. # نعم لو أننا نعرف ماهية الحياة لدخلناها من أبوابها، وبدلا من تأليفنا الوفود ~~للاحتجاج على تعيين هذا الحاكم، وعلى تأليف تلك الإدارة، وذلك النظام؛ كنا نرسل الوفود ~~إلى أوروبا للتوسل إليها بإنهاء المسألة الشرقية التي بانتهائها تنتهي الحرب، ~~وبانتهائها تعود العصابات إلى السكينة، وبانتهائها يستبدل المدفع في سهولنا بالآلات ~~الزراعية. # لو كنا نعرف ماهية الحياة لعملنا مجتمعين على إحياء موسم الاصطياف، وحولنا نصف رءوس ~~أموالنا التي تذهب وتسمن صناديق الأوروبيين إلى صناديق شركات وطنية تشتغل لتسمن جيوب ~~الأمة. # يقولون: إن التجارة واقفة! نعم إنها واقفة؛ لأن المشتري هو الزارع والصانع، وهذان - ~~إذا وجدا - لا يشتريان؛ لأنهما لم ينتجا شيئا، وإذا أنتجا فثمن ما ينتجانه زهيد أمام ~~ثمن البضائع الأوروبية التي زادت ms063 أثمانها كثيرا بسبب نقص اليد العاملة. التجارة واقفة ~~لأن الأهالي مفلسون، ولا يعود دولاب التجارة إلى حركة طبيعية إلا إذا تساوت في البلاد ~~حركة الصادر والوارد. لتقف هذه التجارة! هذه التجارة التي تغطينا بمنسوجات الغربيين! ~~لتقف هذه التجارة إلى أن يشعر الشعب أنه بحاجة إلى الإنتاج فيحول قواه إلى ما يدر عليه ~~المال، ولا حياة ولا حرية ولا استقلال بغير المال. # 3 # لماذا نحن متأخرون؟ # ولماذا تتحكم الأمم في رقابنا؟ # ولماذا نحن عبيد للغرب، والنسبة بيننا وبينه لا تستلزم وجود مثل هذا الفرق؟ # ولماذا ظلمنا فقدر علينا أن ندفع ثمن هفوات كل الأجيال التي تقدمتنا، وهذه ديون ~~تركيا واحدة منها؟ # كثيرون يتساءلون، وربما تمضي السنون فتطوينا الأرض، ويظل أحفادنا وأحفاد أحفادنا ~~يرددون «لماذا»؟ ~~••• # على أن الوقت حرج، حرج جدا لمن يفهم معنى القوة، الوقت حرج ولا يرفع الأحمال عن ~~أكتافنا سوى تقدمنا الاقتصادي. البلاد غارقة بالدين، وهذا المد لا يزال يعلو رويدا ~~رويدا وعما قليل يأخذ بخناقنا، ونحن لاهون بالكلام نقضي أوقاتنا بالانتقاد ضمن جدران ~~بيوتنا، وبالاستبشار بتقلص ظل الحكم الفلاني لنستبدله بالحكم الفلاني، كأن في إمكان ~~الغريب - ولو كان من سكان السماء - أن يعاملنا كما يعامل نفسه، أو أن يبدل بقوة سحرية ~~هذه الحالة التي أوجدتنا فيها هفوات الذين تقدمونا. # قضى التاريخ بأن تنفصل بلادنا عن تركيا، وما حوادث التاريخ سوى أعمال حسابية ذات ~~قواعد مقررة لا سبيل إلى الخطأ فيها. # فكما نقول: إن الأرقام الفلانية تعطي المجموع الفلاني، هكذا يمكننا أن نقول: إن مجموع ~~الحوادث - البعيدة والقريبة - التي توالت على الدولة التركية قضت بفصلنا نهائيا عن ~~جسم هذه الدولة، فانفصلنا، ولكننا لم نزل نحمل فوق أكتافنا قسما مهما من هفوات تركيا ~~ومن ديونها. # وقد رافق هذا الانفصال حوادث سياسية مشئومة قضت بوجود جيش احتلال سندفع نفقاته ~~المادية والأدبية عاجلا أو آجلا، أما النفقات المادية فهي الملايين التي يقوم لها ~~البرلمان الفرنسوي ويقعد، وأما النفقات الأدبية فهي دماء أبناء السين، فكلما رفعنا ~~رأسنا بطلب الحق - والنفس طلابة - يهيب بنا ms064 هاتف في داخلنا فيقول: «انظروا إلى الدماء ~~إنها لا تزال طريئة»! # لو علم بعض الذين اندفعوا من أهل البلاد لتمثيل تلك الفاجعة أن روايتهم ستترك لنا هذه ~~النتيجة لفضلوا أن يمشوا على الجمر قبل أن يلعبوا أدوارها؛ أقول هذا لأنني متيقنة أن ~~الكثير من الذين ساروا مع التيار إنما ساروا عن طيب قلب، وصفاء نية. # أقرأ من حين إلى آخر في الجرائد السيارة فصولا عن ميزانية لبنان الكبير، وعندما أصل ~~إلى الانتقادات على بعض النفقات، التي لو جمعت كلها لما بلغت المليونين، يتيه فكري في ~~عالم الحقائق؛ فأرى «هذين المليونين» قطعا ذهبية تؤلف كومة صغيرة، وأرى بجانبها جبلا ~~عظيما هو ذلك المليار! # ذلك المليار يجب أن نضع حدا لإنفاقه، يجب أن تجتمع كلمة السوريين واللبنانيين ~~الموجودين في أقطار الأرض حول أمر واحد، وهو أن يطلبوا من الذين بيدهم زمام العالم أن ~~يشفقوا على هذا القطيع الصغير، فيكفوا عنه هذه المناورات الحربية؛ ليتخلص من نفقات ~~الحملة الحاضرة، ومن ويلات كل حملة. هذا ما يجب عمله أولا. # وبعد، يجب على الأمة أن تتعلم شيئا غير الكلام الفارغ، فتهتم بأمر حيوي هو إيجاد ~~نسبة بين الصادرات والواردات، يجب على الأمة أن تنتج فلا ترسل مليونا إلى أوروبا إلا ~~بعد أن تصدر من الحاصلات ما توازي قيمته المليون. # الاهتمام بالإنتاج، أيها الوطنيون، أهم من الاهتمام بحذف النفقات من ميزانية العدلية ~~مثلا. # الإنتاج قبل السياسة الخارجية وتتبع المناوشات في لندن وباريس وواشنطن، الإنتاج قبل ~~قراءة أسعار القطع؛ لأن البلاد التي تستخرج حاجاتها من أكل وشرب ولبس لا يمكنها أن ~~تتأثر من سقوط الفرنك وارتفاع الدولار؛ لأن الإنتاج فوق كليهما. # الإنتاج مصدر العز، فبدلا من أن نقضي حياتنا بالتذلل أمام الأسواق الأوروبية نصبح ~~سادة في أسواق بلادنا. ~~••• # قرأت أمس خبرا في جريدة، مآله أن أهالي مقاطقة كولومبيا بدءوا يضطهدون السوريين، ~~وحجتهم أن السوري يزاحم الوطني على خيرات البلاد. وهذه الحركة ضد السوريين ليست ~~بالجديدة فقد سبقها أخوات لها في أماكن كثيرة. # إن الأميركي لا يضطهد المهاجر ms065 الإيطالي ولا المهاجر الألماني، فلماذا يضطهد السوري ~~واللبناني؟ ليس في هذا سر عميق، والمسألة بسيطة: يذهب الإيطالي إلى أمريكا فلا ينقطع ~~إلى التجارة - شأن السوري - بل يشتغل في الأرض فيستخرج كنوزها، وهو بهذا يساعد أهل ~~البلاد التي يستظل بظل علمها على زيادة ثروة البلاد؛ أي تكثير الصادرات، خلافا للسوري ~~الذي يتاجر بالأصناف الأوروبية، فيأخذ من امرأة الفلاح الكولومبي في أسبوع واحد ما حصله ~~زوجها في عدة أشهر. # وإنما أوردت هذا المثال البسيط لأظهر أننا شعب خسرنا مزية أولية أساسية لكل أمة تريد ~~النجاح، وهذه المزية هي الإنتاج والعمل ضمن بلادنا. # من الغريب أن أتناول هذه الأبحاث وأنا امرأة، ولكن عذري حب بلادي، فهو يدفعني إلى ~~ولوج هذا الباب الذي ما سبق لنساء البلاد أن دخلنه ... # وهنا يقف قلمي لأتأمل بالألوف المؤلفة من أبناء وطني الضاربين في كل بقعة من بقاع ~~الأرض ركضا وراء الرغيف. والرغيف هنا في قلب هذه البلاد. # الثروة هنا وليس من يمد يديه ليتناولها. # يعترض المهاجر بأن البلاد فقيرة لا تقوم بسكانها! # وليس من فقر إلا في قلوبنا وفي نفوسنا. # النفوس الفقيرة تأبى الجهاد، والنفوس الغنية تجاهد إلى أن تحيا حياة حرة أو ~~تموت! # والحرية يا أهل الوطن هي أن يحصل كل إنسان على ما يكفيه دون أن يحمل الناس ~~أثقاله. # | مستقبل الآثار في سوريا # 1 # تجاسرت أن أطرق المواضيع الاقتصادية والعلمية؛ لأن لي عقيدة ثابتة هي أن بلادنا ~~المحبوبة لا تصير كما نريدها إلا إذا جارى رقي المرأة رقي الرجل؛ فيتمكن الاثنان من ~~تربية الولد تربية كاملة حقة. ولا أسمي «مجاراة» إتقان المرأة التكلم بلغات كثيرة؛ ~~فاللغات ليست سوى واسطة للتفاهم بين الأمم، ولو كان التكلم بلغات عديدة من الدلائل على ~~العلم لكان خدام البواخر وخدام المطاعم وتراجمة السياحة في طليعة العلماء. # العلم بالشيء هو أن نعرف كيف تكون هذا الشيء، ومن كونه، وكيف يمكن إدخال التحسين ~~إليه، فإذا أرينا ولدا من أولادنا إناء زجاجيا - مثلا - فليس من الأهمية أن يعرف ~~اسمه بجميع لغات الأرض، المهم ms066 هو أن يعرف الولد أين يصنع الزجاج، وكيف يصنع، وتاريخ ~~صنعه، ولماذا لا نصنع مثله في بلادنا. وإننا إذا فعلنا هذا نحمل أولادنا على تشغيل ~~عقولهم بأمور مفيدة، فينصرفون إلى الأمور الجدية التي تعود على البلاد بالنفع، أما إذا ~~بقينا نعلمهم فنون «الرطانة» لا غير، فلا نستغربن إذا أصبحنا بعد جيل عبيد؛ عبيد ~~المتمدنين. # نحن نسابق بعضنا في تعلم روايات شكسبير وقصائد فكتور هيكو، ويمكنا أن نعد بين شبيبتنا ~~المئات من الذين يتقنون الآداب الفرنسية والإنكليزية إتقانا كاملا. نسافر إلى أوروبا ~~ولا نترك زاوية لا تنتفع منا «بقبض رسم الدخول»، فنتنقل من لندن إلى باريس إلى برلين ~~إلى جنيف، ونتآلف مع البنايات والمتاحف والمسارح والممثلين والممثلات أكثر من تآلفنا مع ~~بيوتنا وعائلاتنا. # أما بلادنا فنكاد لا نعرف عنها شيئا، ولا نكلف نفوسنا المعرفة، وإذا جازف أحد كتاب ~~الفرنج بوقته وماله وكتب لنا شيئا عن بلادنا؛ فإننا لا نتعب لتصفح ما كتب، جال ~~غوستاف له بون، الفيلسوف الفرنسي المعروف، في كل مدن الشرق مفتشا عن آثار المدنية ~~العربية، فلم يترك رسما إلا نشره، وقد صور هذه الرسوم بقلمه، فجاء كتابه معجزة من ~~المعجزات، وزار هذا الفيلسوف أحد كتاب سوريا، فنقل عنه هذه العبارة المرة: «لقد قضيت ~~قسما من عمري في كتابة مدنية العرب، ومن الغريب أنني لم أر عربيا واحدا كتب إلي ~~سطرا، أو شكرني بكلمة.» # تحتفظ الحكومات الأوروبية بالعاديات، فتبني لها المتاحف والقصور وتعرضها لأنظار ~~المتفرجين، ومن وراء هذا العرض موارد لا يستخف بها، ونحن نملك في بلادنا كنوزا من ~~الآثار القديمة، لو كلفنا نفوسنا قليلا من العناء لأقمنا في كل يوم مدينة من مدن سوريا ~~متحفا يفوق أكبر المتاحف الأوروبية؛ فهنا في قلب هذه البلاد دفنت المدنيات القديمة من ~~الفينيقية إلى الآشورية إلى اليونانية إلى الرومانية إلى العربية. وكل هذه المدنيات ~~تركت بعدها آثارا هي دليل التاريخ والمؤرخين، فإذا أدرنا عيوننا إلى هذه الآثار كان ~~لنا فوق الربح المادي، الربح الأدبي، وهو مساعدة المؤرخين على درس المدنيات القديمة ~~بدرس ms067 آثار الأمم التي تعاقبت على سوريا. # لمحة في العلوم الأثرية # يطلق معنى لفظة العلوم الأثرية أو «الأركيولوجيا» على كل ما هو قديم: كاللغات، ~~والأديان، والفنون ، والمعاهد، حتى عادات البشر. # على أنها اليوم قد حصرت في معنى واحد، وهو درس المباني القديمة، وكل ما أبقته ~~المدنيات من أوان خزفية أو حجرية أو خشبية أو نحاسية. والغاية التي يرمي إليها ~~المشتغلون بالعلوم الأثرية هي: «الوقوف على تاريخ الأمم بدرس الآثار الصامتة التي ~~تركوها». # وظهر مؤخرا فضل العلوم الأثرية على التاريخ بظهور آثار مدنيات قديمة لم يكن ~~العالم يحلم بوجودها. أما على الفن فقد ظهر فضلها بنوع خصوصي بما وضعت تحت نظر ~~المشتغلين به من التماثيل التي تعد نتيجة تطور الفنون مدة أجيال عديدة. # وعلم الأركيولوجيا علم حديث لم يشتغل به اليونانيون ولا الرومانيون، يقول ~~المؤرخون: إن «دانتي» عندما كان يفتش على كتب قديمة خطية عثر صدفة على بعض ~~المخطوطات الحجرية، وإن المشتغلين بالتصوير لم يعثروا على الصور القديمة إلا عندما ~~بدءوا يضعون النظريات الأولى لهذا الفن، ثم إن ميشل أنجلو ورافائيل أخذا يدرسان ~~النصب القديمة وخرائب أثينا ورومية، وهكذا كانت الخطوة الأولى نحو العلوم الأثرية ~~خطوة إيطالية خطاها كبار الأساتذة من النحاتين والمصورين والشعراء. # وكانت الخطوة الثانية للويس الرابع عشر. على أن الناس لم يتعدوا في هاتين ~~الخطوتين جمع الصور والمنحوتات، ولم تدخل الأركيولوجيا الطور الجدي إلا بعد ظهور ~~العالم ونكلمان. # ولد هذا العلامة الألماني في مدينة ستندال سنة 1717، وكان أبوه صانع أحذية فلم ~~يتمكن لشدة فقره من تعليم ولده، فأشفق عليه رئيس إحدى المدارس وأخذه تحت حمايته، ~~وساعده على إكمال دروسه. وبعد خروجه من المدرسة انصب على العلوم الأثرية وألف ~~كتابا في موضوعها، ثم ذهب إلى رومية فعينه البابا بنديكتوس الرابع عشر مديرا ~~لمكتبة الفاتيكان، وزار بعد العاصمة كل مدن إيطاليا وألف المؤلفات الكثيرة التي ~~حتمت باندماج الفن بالعلوم الأثرية اندماجا نهائيا. # وزاد في أوروبا عدد المهتمين بالآثار وعدد المجموعات الأثرية، وأخذت إدارات ~~المتاحف ترسل الزوار والبعثات إلى الشرق مركز المدنيات ms068 القديمة. # فاكتشف شامبوليون، العالم الفرنسي، معاني الأحرف المصرية، وأنعم على التاريخ ~~والمؤرخين بأن أهدى إليهم صفقة واحدة كل تاريخ مدنيات مصر السالفات. # ولا يزال علم الأركيولوجيا في تقدم مستمر، وقد قسمه المشتغلون به إلى أقسام ~~عديدة، فهناك الأركيولوجيا المصرية «الهيروغليف» والفينيقية، والآشورية، والفارسية، ~~واليونانية، والرومانية، والنصرانية، وأركيولوجيا العصور المتوسطة. # 2 # تحت هذا العنوان نشر الدكتور كونتنو # Contenau # في ~~مجلة مركور ده فرانس # Marcure de France # مقالا عن ~~الآثار في سوريا وأهميتها المستقبلة، والدكتور المذكور هو رئيس البعثة الأركيولوجية في ~~سوريا قال: # أمام غنى سوريا المادي يوجد غنى أدبي عرفنا بالنزوع إليه والتفتيش عنه. وهذا ~~النزوع هو سبب نشر علومنا في الشرق؛ لهذا يجب أن نصرف اهتمامنا إلى مستقبل ~~سوريا العلمي. وفي هذا المقال، الذي أكتبه بعد سفرة طويلة فتشت في أثنائها عن ~~الآثار القديمة، أجرب أن ألفت نظر السوريين إلى أهمية الميراث الذي وضعته ~~الأجيال بين أيديهم، فيتمتعون بكنوزه ويمتعون بها المدنية. # إن مركز سوريا بين الإمبراطوريات الثلاث الكبيرة؛ الآشورية والمصرية ~~والفارسية، هو سبب جعلها مدة أجيال ساحة حرب تتلاطم فيها مطامع جيرانها، فقبل ~~المسيح بألفي سنة امتدت عليها سطوة بابل، وبعد خمسة أجيال حملت نير المصريين ~~الذين جعلوها درعا يتقون به هجمات الشعوب النازلة عليهم من الشمال. # وبعد ذلك بألف سنة، تبع حظها حظ إمبراطورية ما بين النهرين التي داست كما ~~شاءت عروش ملوك سوريا الصغار، ثم إن الفرس استولوا عليها بعد استيلائهم على ~~بابل، وجاءت بعدهم المدنية اليونانية فأزهرت وأثمرت واستولى الرومانيون بعد ~~اليونانيين على سوريا، ولم يلقوا مقاومة إلا من بعض أمراء الصحراء سكان ضواحي ~~تدمر الذين ما برحوا أن اقتبسوا المدنية الرومانية. # وجاء الفتح العربي فغطى مدة أجيال كل ما كان قبله، وتبعه الصليبيون فبنوا ~~قلاعهم وقصورهم وكنائسهم في كل سوريا، وأدخلوا مدنيتهم التي أثرت بالشعب ~~السوري وبأخلاقه إلى درجة لم يتمكن الفتح التركي مدة أجيال من إزالتها، ولا من ~~التغلب عليها. # هل يوجد تحت السماء بلاد لها ماض كماضي البلاد السورية، تعاقبت عليها تواريخ ~~الإنسانية ms069 جمعاء؟ لا يوجد بقعة من بقاع الأرض شهدت ما شهدته هذه البلاد، فكأنها ~~بكاملها منجم لا يفرغ يحوي الشهادات الحية عن الماضي الصامت. # كل ما أقوله صحيح، ولكن في درس آثار سوريا صعوبة لا يعرفها إلا من عاناها. إن ~~البلاد غنية بالآثار، ولكن جميع هذه الآثار مبتورة ناقصة؛ فهناك ركام من الكنوز ~~المقطعة الأوصال لا تنطق إلا أمام من يعرف أن يحل رموزها؛ أي أمام العلم، ~~والسبب في وجودها على هذه الحالة هو أن الفتوحات التي حدثت في سوريا كانت سلسلة ~~معارك دموية قضى فيها الغالب على كل ما للمغلوب من صامت وناطق، وبقدر تعدد ~~أديان الفاتحين كثر التخريب والتجديد ... # وهناك سبب آخر لتحطيم الآثار هو كره الأهالي لكل ما هو صورة أو تمثال، فإذا ~~هم عثروا على ناووس قديم فتحوه بقصد أخذ ما فيه، ثم أجهزوا عليه بضربة فأس ~~فحطموه، وهم لا يتأخرون عن تحطيم أجمل الآثار الفنية رغبة برؤية ما في داخلها، ~~وقد شهدت بعيني الحادثة الآتية - وهي برهان على عدم تقدير الأهالي قيمة ~~الفن: # بعد دخول الحلفاء سوريا، طلبت بلدية صيدا من الحكومة أن تأذن لها باستعمال ~~أحجار متهدمة من القلعة المعروفة بقلعة القديس لويس لبناء بعض المدافن، وقد جاء ~~بعضهم ليلا وشرع بهدم القسم الباقي من القلعة رغبة في الحصول على أحجار ~~كثيرة! # وكثيرون من سكان صور وصيدا ينقبون دوما على العاديات لأنهم تيقنوا وجود من ~~يشتريها، فهم ينقبون ويحملون ما يقوون على حمله. أما التماثيل والأحجار الثقيلة ~~الوزن فيحطمونها بسرور. # ذهبت سنة 1914 إلى خليج النبي يونس وأزلت الأتربة عن لوحة حجرية كبيرة تحوي ~~فسيفساء «موزاييك» من النوع البيزنطي، وبعد أن أخذت قياسها وصورتها ~~بالفوتوغراف غطيتها بالأتربة، ثم رجعت لأراها ثانية فظهر لي أن كل شيء باق كما ~~كان، ولما أزلت الأتربة رأيت النقوش مشوهة كأنها ضربت بفأس ضربات عديدة. # 1 # فعليه لا بد من تنوير أذهان الذين يجهلون قيمة الآثار ومعناها، وهذا العمل ~~يلقى على عاتق معلمي المدارس والكهنة والأئمة. يجب أن يفهم الشعب ms070 معنى ماضيه ~~الباهر، ويتأكد أن هذه الآثار الدالة على مدنيته القديمة هي من عوامل فخره كشعب ~~يتوق إلى الحرية، وأن عليه أن يحافظ على أمجاد تاريخه كما يحافظ على حياته، ~~ويجب أن يقتنع مشوهو العاديات أن المشتغلين بالآثار يفتشون عن الحجارة لقراءة ~~ما عليها من الكتابة، لا لما في جوفها من الذهب والفضة. # أذكر - بأسف - حادثة وقعت قديما للمسيو كلرمون غانو # Clermont Ganneou ~~، فقد اكتشف هذا العالم نصب «مشا» ملك موآب - ~~وتاريخه يرجع إلى تسعة قرون قبل المسيح - وقصد حمله إلى متحف اللوفر حيث هو ~~باق إلى الآن، فلما رأى الأهالي الأهمية التي لذلك التمثال ظنوا أن في جوفه ~~كنزا، فاجتمعوا ليلا وأوقدوا حوله النار حتى حمي، ثم صبوا عليه الماء البارد ~~بقصد تكسيره، وحطموا بفئوسهم ما لم تقو عليه النيران، وهكذا شوهوا تمثالا ~~من أثمن التماثيل المعروفة إلى الآن. # ومع قلة احترام الأهالي للعاديات وكثرة الأيدي اللاعبة لا تزال سوريا ملأى ~~بالآثار القديمة، وأهمها لا يزال مدفونا، وكلما أراد الباحث اكتشاف الآثار ~~الأكثر قدما تحتم عليه أن ينزل بعيدا في جوف الأرض. قصدت مدة بحثي في صيدا ~~أن أصل إلى آثار تمثل ما قبل التاريخ المسيحي بألفي سنة، فبعد أن حفرت ثمانية ~~عشر مترا تمكنت من الوصول إلى أوائل الآثار الرومانية اليونانية؛ فكم يلزم من ~~العمل الشاق للوصول إلى الآثار البابلية والفارسية والحثية؟ # وقد كانت العاديات السورية فيما مضى مشاعا يحملها الأثريون الأوروبيون إلى ~~متاحف بلادهم، ثم سنت تركيا قانونا يمنع إخراج العاديات إلى أوروبا، ويقضي ~~بنقلها إلى إسطنبول. أما اليوم فقد تقرر مبدئيا أن تبقى عاديات سوريا في ~~سوريا. # وللجنرال غورو ولع بالفنون القديمة والحديثة؛ لهذا عني منذ وصوله إلى سوريا ~~بإنشاء إدارة للآثار تأخذ مصاريفها من صندوق المفوضية، ومخصصات أخرى سنوية من ~~الحكومة الفرنسية. # والعمل الملقى على عاتق هذه الإدارة كبير شاق، فيجب الاحتفاظ بالآثار ~~الموجودة حاليا، ومباشرة الحفريات الجديدة للوصول إلى آثار المدنيات القديمة، ~~ويجب الاهتمام بالمباني كخرائب تدمر وبعلبك، وجعلها في حالة تجلب إليها السياح، ms071 ~~وهم لا يتوافدون بكثرة إلى سوريا قبل تعميم طرق المركبات، وتأسيس شركات تقوم ~~بنقل السياح، وبإنشاء نزل يجدون فيها الراحة التامة. # ثم يجب الاهتمام بإيجاد متحف للآثار. هل يقام في كل بلد متحف أو تجمع ~~العاديات في متحف واحد مركزه بيروت؟ ولقد قر الرأي على إنشاء متحف بيروت ~~أولا، حتى إذا تكاثرة العاديات تنشأ متاحف أخر في بقية مدن سوريا. # وهنالك متحف سيؤسس في دمشق خصيصا للفن العربي، وقد أقرت الحكومة مركزه في ~~أحد البيوت العربية القديمة، فيجمع فيه كل ما كاد أن يضيع من النحاسيات والسجاد ~~والكشمير والمخطوطات والخزفيات، وليس أجمل من وضع هذه الكنوز في قصر تمثل ~~جدرانه وسقوفه كل الفن العربي والمدنية العربية. # والآثار الظاهرة اليوم كثيرة، منها الفينيقية، ومركزها تجاه جزيرة أرواد، ~~ومنها آثار مغازل، وهياكل أشمون في صيدا. أما المباني اليونانية فأكثرها يقع في ~~تدمر، وهي تناظر آثار بعلبك الوحيدة في أهميتها. # أما مباني العهد البيزنطي فعديدة بني أكثرها في القرنين الخامس والسادس، ~~منها قلعة سمعان بين حلب وأنطاكية، والمباني الواقعة في ضواحي حماة. # وآثار الصليبيين أكثر من أن تحصى، منها: قلعة الحصن، وقلعة الشقيف، وقلعة ~~صيداء، ومما يؤسف له أن أكثر هذه المباني تحولت إلى حظائر للأنعام ومرابط ~~الخيل، ومستودعات للسماد! # 3 # تصدر اليوم في باريس مجلة علمية تدعى سوريا # Syria # يقوم بتحريرها نخبة من كبار الأثريين، وهي تنشر كل ما له علاقة بالشرق الأدنى من الوجهة ~~الأثرية، وما تقوم به البعثة الفرنسية في هذا السبيل. # وبين الذين يراسلون هذه المجلة عالم هو المسيو أوستاش ده لوري، رئيس البعثة الأثرية ~~في دمشق، وهو عالم أوفده متحف اللوفر الفرنسي ليعمل مع البعثة الفرنسية، وذلك لما له ~~من الإلمام بالفن الشرقي، وخصوصا العربي منه. وقد عرفه إخواننا الدمشقيون بمشروع ~~ينوي القيام به، وهو تأسيس مدرسة لإحياء الصنائع الشرقية القديمة، وقد اشترى لهذا الغرض ~~دار آل العظم الشهيرة. # وقد طلبت إلى هذا العالم أن يتحف عالمنا النسائي من وقت إلى آخر بشيء عن الآثار ~~ومستقبلها، فقال لي: ms072 إنه يخدم بسرور النهضة العلمية في هذه البلاد؛ لأنه لم يأت بيروت ~~إلا لهذه الغاية. وبهذه المناسبة أعطاني رسمين يمثلان نقوشا من نعشين عثر عليهما في ~~دمشق؛ وهما نعشا سكينة وفاطمة الشهيرتين. # والمقال الآتي الذي بعث به إلى المؤتمر الفني في باريس ونشرت شيئا منه مجلة «سوريا»: # في مدفن الباب الصغير في دمشق قرب الجامع الذي نقش عليه شعار السلطان مملوك ~~الملك الظاهر بيبرس يوجد قبر له قبتان، وهما - حسب التقاليد التي يتناقلها ~~الدمشقيون عن الأساطير القديمة - يضمان أم كلثوم ونسيبتها سكينة ابنة الحسين، ~~وبقرب هذين القبرين يوجد قبر ذو قبة واحدة يقال: إنه قبر فاطمة الصغيرة أخت ~~سكينة. # وقد خربت هذين القبرين زلزلة فأعيد بناؤهما مؤخرا في نفس مكانهما القديم، ~~وقد كلف بالبناء مهندس من أصل فارسي، هو السيد الفاضل سليم المرتضى، وهو يحتفظ ~~بهذين القبرين كأقدس ذخيرة يملكها أبناء مذهبه. # والسيد سليم هو الذي عثر أثناء عمله في إعادة بناء القبرين على نعشي سكينة ~~وفاطمة اللذين أتكلم عنهما. # هذان النعشان موضوعان في مغارة تحت الأرض لا يدخلها إلا المقربون، ويقول ~~السيد سليم: إن جسدي السيدتين الكبيرتين موجودان في سرداب تحت الأقبية. # ونعش سكينة مصنوع من خشب الجوز، طوله متران و65 سنتيمترا، بعرض متر و50، ~~وعلو 74 سنتيمترا، ألواحه مقسومة إلى ثلاثة أقسام، على القسم الأعلى كتابة ~~بالحروف الصغيرة تمثل الكلمات الأولى من سورة العرش، ويجيء بعدها اسم الناقش هكذا: # هذا عمل محمد بن أحمد بن عبد الله - رحمه الله. # ويرى بعد هذه الكتابة خط دقيق بارز يفصل بين القسم الأعلى والقسم الأوسط، ~~حيث حفرت الكتابة بالحرف الكوفي المتقن، ويلي هذه الكتابة إلى الأسفل نقوش ~~على شكل الأغصان اضمحلت وتكاد أن لا تظهر. # وقد نقشت بين الحروف أغصان وأوراق متشعبة، ولكنها متناسبة، وهي داخلة في ~~الخشب غير بارزة، واضحة على كثرتها، تذكر بالفن الهندي، ونحيفة إزاء الخط ~~الكوفي الجميل الذي يرمز إلى شرف أصل ابنة سبط النبي. # وقد نقشت البسملة على اللوح الجنوبي الموجه للباب. وهو اللوح الوحيد الذي ms073 ~~يمكن أخذ رسمه بسبب ضيق المغارة. وعلى اللوح المقابل للجبهة الغربية تقرأ هذه الجملة: # هذا قبر سكينة بنت الحسين. # لقد ساد الاعتقاد أن القبر هو قبر سكينة، على أن البراهين على صحة هذا ~~متناقضة، فابن جبير يقول: إن القبر واقع إلى غربي المدينة، ولكنه لا يثبت أنه ~~قبر سكينة نفسها، وذكر ياقوت «القبر إلى جنوبي الباب الصغير.» وزاد على هذا ~~أن سكينة دفنت في المدينة. # فعليه لا يتفق التقليد الشائع مع كلام ياقوت، فضلا عن أن بعض المؤلفين - ~~كالأب لامنس وابن خلكان - يقولون: إن سكينة ابنة الحسين ماتت في المدينة، وإن ~~هذا المدفن هو ضريح أقيم لإكرامها. # ونعش فاطمة مصنوع من الحجر، ومنقوش بيد صانع ماهر، ولكن مما يؤسف له أن بعضهم ~~أراد أن يحسن في هيئته، فدهنه بدهان أسود أضاع كثيرا من جماله. والكتابة التي ~~عليه بالخط الكوفي ومآلها: # هذا قبر فاطمة ابنة أحمد بن الحسين بن السبطي. توفيت - رضي الله عنها ~~- في رجب سنة تسع وثلاثين وأربعمائة. # لم نر في الأخبار أثرا لفاطمة هذه، ولا للنسب المتحدرة منه، وعلى كل لا ~~يمكن التسليم بأنها أخت سكينة ابنة الحسين؛ لأن النص المنقوش واضح جلي على أن ~~أمثال هذا الخطأ يقع كثيرا، وخصوصا في الشرق. # | حكاية الآثار # 1 # نشرت مجلة المقتطف الغراء فصلا عن آثار فلسطين وسوريا، فتكلمت عن النقب في فلسطين ~~والطرق العلمية الدولية التي يتبعها الناقبون، ولما جاء دور الكلام عن النقب في سوريا قالت: # لما قرأنا ما اقتطفنا منه السطور السابقة؛ أي السطور التي تضع تحت نظر الناس ~~ما يجري في فلسطين، اتجهت أفكارنا إلى سوريا ولبنان، إلى صور وصيدا وبيروت ~~وجبيل وبعلبك ودمشق، إلى أشهر مدن التاريخ وما أخذ منها من العاديات، وما ~~يحتمل أن يوجد فيها الآن إذا نقب عنه على أسلوب علمي، ولكن أين يوضع؟ # كتبت إلينا سيدة سورية من باريس في أوائل الصيف الماضي تقول: # سمعت اليوم عن الآثار التي وجدت في جبيل حديثا ونقلت إلى باريس، ~~فاغرورقت عيناي بالدموع حالما رأيت أن ms074 آثار بلادنا وعنوان مجدها السابق ~~لا تكاد تكشف فيها حتى تغرب عنها. # بعد هذه «الغمزات» اللطيفة يقول المقتطف: إن عنده وصفا مسهبا لمكان آثار لم تر ~~العين مثلها في جمالها وكثرتها اهتدى إليه الأثري المشهور؛ المرحوم أدمون دوريغلو، ثم ~~سده وتركه كما كان، وأنه يضن بنشر هذا الوصف لئلا تخرج هذه الآثار وتنقل إلى أوروبا، ~~وأنه قد يسلم ولاة الأمر هذا الوصف المكتوب بخط أدمون دوريغلو إذا هو؛ أي ولاة الأمر، ~~قاموا بشروط يقصد منها في الدرجة الأولى حفظ حق الوطنيين. # أما وقد أصبحت مسألة الآثار موضوع ريبة لمجلة رصينة محققة مثل المقتطف، أما وقد كثر ~~الكلام حول مسألة الآثار؛ فلا بأس إذا تناولناها نحن النساء بدورنا وقلنا كلمتنا فيها، ~~وغايتنا: ~~(1) # رفع الستار عن أمور كثيرة مبهمة؛ لأن هذا الإبهام قد يجر إلى ريبة عامة ~~غير محمودة. ~~(2) # إفهام الشعب أولا: معنى الآثار وقيمتها المادية والمعنوية، والربح الذي ~~تناله البلاد من وراء المتاحف، وثانيا: حمله على المطالبة بحقوقه في ~~الإشراف على الحفريات بواسطة مندوبين يسميهم مجلس النواب. ~~(3) # المطالبة بمتحف ينشأ في أقرب وقت وفي مدينة بيروت. ~~(4) # الاحتجاج على تأخير إنشاء هذا المتحف، وعلى الأعذار التي ترمى إلينا، ~~مثل: عدم وجود بناية، وعدم اهتمام الشعب بمسألة الآثار وما أشبه. ~~(5) # الاحتجاج إلى المجلس على لفه هذه القضية يوم تصدى لها أحد النواب، ~~وعدم تعيينه لجنة تبحث فيها كسائر الأمور التي طرحت ووكلت إلى لجان. # ولي كلام في هذه النقاط الخمس أرجئه إلى فصل ثان متمنية أن تزال هذه الحجب ~~السوداء التي يكفنون بها الآثار. # 2 # إن الرأي العام في كل بلاد الله يمشي مع تيار كبير هو تيار الاقتناع؛ فالناس يسمعون ~~فيقتنعون فيمشون. وللاقتناع شروط: أولها التكرار، فمن يسمع بإشاعة مرة قد يرتاب في ~~تصديقها، ولكن إذا سمعها مرات متواليات تدخل إلى رأسه، وترتكز هناك مع كل الأمور ~~المقررة، ولا تخرج إلا كما دخلت؛ أي بأدلة عديدة متكررة. # الشعب يقول: أين الآثار؟ # وهذه الريبة تتردد ثم تتمدد حتى تصل إلى مسامع الوطنيين المقيمين ms075 في المهاجر، ثم تعم ~~فلا يحجم عالم كبير مثل الدكتور صروف أن يسأل من على صفحات مجلة هي أم المجلات العربية: ~~أين توضع الآثار؟ # ثم هو يذكر - فيما يذكر - أنها أرسلت إلى باريز وكأني به يقول: «لماذا ~~أرسلت؟» # فالعالم والعامي إذن يستويان في طلب الأدلة، فعلى من بيدهم الأمر أن يقدموها لإزالة ~~الريبة. ونحن نرجوهم أن ينشروا بيانا يذكرون فيه كل ما وجدوه، وبيانا ثانيا يقولون ~~فيه: لماذا أرسلت الآثار إلى باريس؟ قيل: إنها أرسلت ثم أرجعت! وحبذا لو يوضحون لنا ~~الداعي إلى هذه المناورة؛ فالشعب كما قلنا: يريد الدليل. # يقول الأثريون الفرنسيون: إن الحكومة التركية لم تمض بعد معاهدة الصلح، وأن مسألة ~~الحفريات لا تزال خاضعة للقوانين التركية، ويقولون: إن الحكومة اللبنانية لا تعطي غرشا ~~واحدا لأجل الحفريات، وأن المفوضية قد دفعت إلى الآن كل النفقات فبلغت عشرات الألوف من ~~الليرات، ويقولون: إن كل إلحاحهم لدى الحكومة الوطنية في طلب بناية تجعل متحفا قد ذهب ~~عبثا. # أما مسألة الصلح مع تركيا فلا نهتدي إلى وجهة المنطق فيها. الصلح لم يعقد؟ إن عدم ~~عقده لم يؤخرنا عن التطور المتتابع في شكل الحكومة التي تكاد أن تكون كلها في يد ~~الوطنيين. نحن لا ننكر وجود القيود ... ولكننا قد خطونا خطوة كبرى إلى الأمام رغم كل ~~الكبوات وكل الهفوات؛ فلماذا تسري الأنظمة الجديدة على كل شيء وتبقى إدارة الحفريات - ~~وحدها - خاضعة للقانون التركي؟ # أما مسألة النفقات التي صرفت من خزينة المفوضية إلى اليوم، فهذه نضيفها إلى حسنات ~~الحكومة الإفرنسية في هذه البلاد التي منذ القديم تصرف بدون حساب على نشر المعارف، ~~ونغتنم هذه السانحة لنقر مرة أخرى بهذا الجميل ونقول: إن شعبنا لا ينسى ~~المعروف. # ولكننا نسأل إذا كانت مسألة هذه النفقات تقف سدا بيننا وبين حقنا في الاشتراك ~~بمشارقة الحفريات، وفي حصولنا على متحف يؤتمن عليه رجل وطني. # ونرجو الجواب. # تبقى مسألة البناية وتقصير الحكومة في تقديمها وواجبات الشعب وواجبات المجلس تجاه هذه ~~المسألة الحيوية القيمة. # 3 # في بيروت عشرات من ms076 الجمعيات لمشروع السل، ولدفن الموتى، ولتوزيع الطحين، ولتهذيب ~~الناشئة، ولتجهيز البنات الفقيرات، ولإيواء المهاجرين، وقد بقي مشروع واحد أهملناه؛ ~~وهو إيجاد متحف نحفظ فيه الآثار، ونشوق به السياح إلى زيارة لبنان. # من حديث للسيدة لبيبة ثابت # يظهر من الحديث المنشور أعلاه أن أهل البلاد يفهمون معنى الآثار، فإذا كانت الفكرة لم ~~تنضج بعد تماما، فيكفينا أن نرى السيدات أمثال السيدة ثابت يعملن على نشرها، ويحبذن ~~تأليف جمعية تهتم بهذا الأمر الحيوي. # ندعو الشبيبة أن تحقق فكرة السيدة ثابت التي نرجو منها - وهي أم البيت الوطني الغيور ~~- أن تتابع السعي لهذه الغاية، وتعمد إلى تأليف حلقة لنشر الفكرة في المدينة، ومطالبة ~~المجلس والحكومة بالأمر. # الآثار هي عنوان مجد البلاد؛ لأنها تظهر أننا أصحاب مدنية مضى عليها ألوف السنين، ~~والمتاحف التي تضم هذه الآثار هي لوحة يتعلم فيها الولد بزيارة أو بزيارتين مجمل ~~تاريخ بلاده. المتاحف هي واسطة كبرى لتحسين ذوق الناس؛ إذ نعرض فيها مصنوعات أبناء الفن ~~من متقدمين أو متأخرين، وهي عامل كبير على إيجاد موسم سياح يزورون البلاد خصيصا للتفرج ~~على آثارها. ~~••• # لقد طوى المجلس مسألة الآثار، ونجتهد أن نجد له عذرا من ضيق الوقت ... ومن ضيق اليد ... ~~و... ولسنا نعمد إلى حمل المجلس على استفتاء الحكومة: لماذا أرسلت الآثار إلى باريس؟ وما ~~هي الغاية من إرسالها وإرجاعها؟ لا نطالب بأمر كهذا، ولا نكلف المجلس فتح الدفاتر ~~العتيقة ... # المفوضية صرفت على الآثار مبالغ جسيمة. صرفت وتصرفت وانقضى الأمر، فمن الآن وصاعدا ~~نريد أن نصرف من مالنا على الحفريات كي لا يقال: ما شأنكم والآثار؟ # على المجلس أن يوجد المال، وأن لا «يتلبك». يكفي أن «يريد» والنجاح مكفول. على ~~المجلس أن يوجد مالا للحفريات من أي مورد شاءه. # أما مخصصات المتحف فنحن ننادي البلدية ونرجو منها أن تسمعنا كي نسجل لها أحدوثة ~~طيبة، ونقول: إن أول متحف أنشئ في بيروت أنشأته البلدية. # المتحف يقوم بنفقاته - تقريبا - لأن الداخل يدفع رسما، فلا يبقى على الصندوق الكريم ~~إلا دفع النفقات الأولية، وسد ms077 العجز السنوي الذي ربما لا يحدث. # النتيجة العملية: نرجو المجلس أن يوجد مخصصات للحفريات تدفع منها معاشات الأثريين ~~الإفرنسيين ونفقات الحفر. # ونرجو البلدية أن توجد لنا متحفا. # ونرجو الشبيبة أن تؤلف حلقتها فتنشر الفكرة بين الناس، وتفهم من يهمهم الأمر أن الشعب ~~- وإن كان غير متفهم كما يقولون - فهو يريد أن يفهم. # | مي وكتابها # مي هي أكتب كاتبة عربية على الإطلاق. أقول هذا وأنا واثقة من مصادقة أخواتي الكاتبات، فكل ~~منهن شعرت وأقرت بتفوق مي بعد الاطلاع على كتاب «باحثة البادية». # هذا القول لا يحط من شأن كاتبات سوريا، هاته الشقيقات المخلصات العائشات في محيط قاتم، ~~الراسفات في ثقيل السلاسل، المفككات، بقوة نفوسهن العلوية، قيودا أحكمت شدها ~~الأيام، هؤلاء الحبيبات لهن فضل كبير، ومنزلة عزيزة. # في العالم العربي اليوم كاتبات يرسلن أفكارهن بلغة فصحى جميلة، ولكن هذا العالم فقير ~~بالنساء المتمكنات من العلوم، المبتدعات الأساليب الحديثة، فما تكتبه نساؤنا يجيء خلابا ~~إذا نحن نظرنا إلى الصورة البارزة، ولكنه يجيء فقيرا إذا نحن تقصينا الجوهر. # عالمنا العربي فقير بالنساء المطلعات على الجديد، الواقفات على حالة العالم فنيا ~~وسياسيا وأدبيا وعلميا، المتضلعات بالعلوم الوضعية، المتآلفات مع المدنية الحديثة بكل ~~ما فيها من البارز المصقول والجوهر العميق؛ لهذا يشعر من يقرأ شيئا لكاتباتنا أنه يرى ~~أفكارا شديدة الشبه بأفكار الأطفال، بكل ما في الأطفال من العذوبة، والطهارة، والمعرفة ~~الغريزية التي لم تصل إليها يد صاقلة. # وليس من ذنب على كاتباتنا إذا كن لم يزلن أطفالا؛ فنحن في أول درجة من الانقلاب ~~الفكري، والطبيعة آية الله في حسن النظام؛ فهي لا تعطي النفوس إلا ما وسعت. ~~••• # أما هذا الفراغ في العالم النسائي فقد ملأته مي، ولعلي لم أقم بالواجب نحو نبوغها عندما ~~قلت: إنها أكتب كاتبة، وها أنا أرضي ضميري وأقول: إنها تحسب - بحق - بين كتاب الطبقة ~~الأولى، وهي في نظري أكثرهم استحقاقا للأفضلية للأسباب الآتية: # أولا: # نسبة إلى سنها؛ إذ لم تقع عيني إلى اليوم على كتاب عربي يمكن أن يقاس ~~بكتاب «باحثة ms078 البادية» كتبه رجل في سن «مي». # ثانيا: # نسبة إلى وضعية النساء الشرقيات وحالة أدمغتهن، ومن يكلف نفسه للبحث ~~قليلا يلمس بيده هذه الحقيقة، وهي أن دماغ الرجل الشرقي سبق في التطور ~~دماغ المرأة، فتكيف في عالم الأسفار، وعالم المدارس، وعالم المطالعة، وعالم ~~التجارة. والدماغ المتحضر أكثر قابلية للنبوغ والإبداع من الذي لم يزل على ~~الفطرة. وهذا حدث أولي أثبته العلم والاختبار. # وكثير على مي - وهي بنت الشرق - أن تعادل كبار الرجال علما واطلاعا ونبوغا. # أراني رجعت إلى التحفظ كأنني أحذر أن تقوم القيامة علي ... مي أكتب الكتاب عندي؛ لأنها ~~جعلتني أقرأ كتابا كاملا بدون تثاؤب وكفى ... ~~••• # وهي تنتفض بحمى الحياة، ذات إرادة جذابة، عميقة، غيورة، والقوة المفكرة فيها قوية، شديدة، ~~حضانة، مستأثرة. ولعل لمؤلفات «غوستاف له بون» يدا في صقل مواهبها على هذه ~~الكيفية. # أما كتابها فثلاثة مؤلفات في واحد: نظريات «قاسم أمين» في تحرير المرأة، وأجمل ما كتبته ~~«باحثة البادية» في إصلاح شئونها، وشروح مي على هذا التحرير وهذا الإصلاح. # ولقد أنصفت مي صديقتها الراحلة بأن شرحت أفكارها، وحللت نفسها، وأظهرتها للعالم كما هي ~~- ملك كريم - معيدة بإعجاب نشر أجمل ما كتبت. وهذه آية من آيات البلاغة تصف فيها باحثة ~~البادية حالة المرأة الشرقية، متعة الأجيال، ورقيقة الدهور. # قالت تصف نفسها مشبهة إياها بالماء: # يصبونه فينصب، ويريقونه فيختفي في الأرض، ويضعونه في كل آنية معوجة وملونة، ~~فيأخذ كل شكل، ويصطبغ بكل ما يراد من الألوان، تبخره الطبيعة زارية هازئة، فتارة ~~ترفعه إلى السحاب، وطورا تقذف به إلى الأرض، وآنة تعاكسه بصقيعها فيتحول بردا، ~~وآونة تحمي عليه براكينها فيخرج ملتهبا، ثم أليس هو رمز الطاعة والامتثال يضعون به ~~سكرا فيحلو، ويذيبون به الحنظل فيمر، وهم مع ذلك لا يقيمون له وزنا، ولا ~~يعترفون بجميل ... إنه مثلي يا مي يذهب ضياعا. # وليست مي المخلصة نحو الباحثة بأقل جودا نحو قاسم أمين، فقد ذكرت أحد سهامه، تلك ~~السهام التي رمى بها العالم الشرقي في قلبه، وكأنها خافت أن ينسى الشرق جهاد محرر ms079 المرأة ~~فجاءت بما نشرت من أقواله نذيرة ومذكرة، وكأنها حذرت أن تهتز مصر من جديد كما اهتزت يوم صدر ~~كتاب تحرير المرأة، فبادرت المصريين حين تكلمت عن الحجاب بهذه العبارة: # فليس ما أورده هنا إلا سوانح لا قيمة لها في الإصلاح المرجو ، ولا أهمية لما ~~أقوله إزاء ما يرتئيه أساطين المسلمين. # بعد هذه المقدمة القصيرة اللطيفة تعود مي في كلامها عن قاسم أمين فتقول: # وبين زرافات النساء المارة أمامه تستوقف خاطره امرأة بلاده؛ أمه وأخته وزوجته ~~وابنته، أولئك اللائي أوجدتهن الطبيعة صديقات لحزنه وأنسه، وكأني به يناديهن ~~فيلبين النداء بطيئات متسكعات تعبات، ويدنين فيرى عليهن غشاء يمنع عنهن نور ~~الشمس ونور الحياة؛ الحجاب! # لئن أتعست الطبيعة «مي» - كما تدعي في رسالة إلى مجلة الفجر - بأن «جعلت لفافة السياسة في ~~دماغها جافة عميقة لا تتأثر ولا تتأخر.» فقد أسعدتها بلفافة كبرى أوجدتها في دماغها ~~«اللفاف»، لفافة خلابة لا أدعوها «حسن السياسة»، بل السحر الحلال. # | مينرفا وأخواتها # إذا كنتم - أيها القراء الكرام - تتوقعون درسا ميثولوجيا عن مينرفا وفينوس وأمفيتريت ~~ونميزيس وبروزربين وجينون، آلهات الحكمة والجمال والبحار والانتقام وجهنم، نسيبات وبنات ~~وأزواج جوبيتر، فإنني سأسارع وأزيل رعبكم بقولي: إن «مينرفا» هي هذه المجلة، «وأخواتها» هن ~~- بحسب القدمية - العروس والفجر والخدر والمرأة الجديدة والحياة الجديدة - أطال الله ~~بأعمارهن وأعمار صاحباتهن العزيزات إلى قلبي. # بين قومي اليوم شعور - أظن أنه في غير محله - هو شعور تبرم ... و... اشمئزاز من كثرة المجلات ~~النسائية، كما لو كانت هذه المجلات تطرح على الناس طرحا، وكما لو كانت منحصرة في بلد ~~واحد، وبين مشتركين هم نفسهم للجميع. # لنفرض أن هذه المجلات الست منحصرة في بيروت وحدها، فهل هي كثيرة على بيروت؟ أقول: لا، ~~وأثبت كلامي بالدليل؛ لأن مينرفا وأخواتها مجتمعات يطبعن أقل من ستة آلاف نسخة - هذه ~~الأرقام هي بعد حساب أخذته على أوسعه - فهلا يوجد في بيروت ستة آلاف امرأة يمكن لكل منهن ~~أن تقرأ مجلة واحدة؟ وهل يكثر على المرأة المتعلمة التي تنفق كثيرا أو قليلا أن ms080 تنشط ~~النهضة النسائية باشتراكها في نشرة لا يزيد ثمنها عن نصف ثمن قبعة؟ # وإنني أرجح أن صاحبات المجلات هن أعقل من أن يعتمدن على بيروت وحدها، وأعتقد أن مجلاتنا ~~ستنشر في كل الأصقاع العربية وفي كل المهاجر، وأن لها مريدين - هنالك - ومروجين يعز ~~نظيرهم؛ فلتطمئن القلوب، وليهدأ رجفانها، ولتأمن طوفان المجلات النسائية ... # ولتبادر نساء سوريا ولبنان إلى تعزيز نهضتهن وأسها الصحافة؛ لأن المرأة في صحيفة لها ~~خصوصية تبث من روح التجدد النسائي، ومن روح التقدم النسائي، ما لا يمكن لمائة جريدة من ~~جرائد أسيادنا الرجال أن تفعله، فضلا عن أن المباراة ترهف القوى، وتثير النزعات الطيبة في ~~النفوس، فلا يمضي زمن إلا ولصحافتنا النسائية قوة تنضم إلى سائر قوى الأمة عندما يجيء وقت ~~العمل الجدي ... العمل المثمر الهادئ المتين ... # إنني راسخة الإيمان بأثمار نهضتنا النسائية. لا أقول هذ تعصبا مني لبنات جنسي، بل أقوله ~~إذ أرى في كل يوم لبنات بلادي ذكاء وشجاعة وإقداما، وجلدا على العمل، وحسن إدارة، وفضيلة ~~ما بعدها فضيلة. # ويمينا، إن نساء هذه البلاد لو تيسر لهن أن يتعلمن ما يتعلمه الناس في أرقى بلاد الناس، ~~وجمع هذا العلم إلى ثروتهن - تلك الخميرة الوراثية الطيبة - لكن مثالا لنساء العالم ~~أجمع. # بعد هذه المقدمة أقول: إنني لا أعرف منذ الآن كيف سيؤثر مقالي - بكامله - على صاحبات ~~المجلات. على كل، إنني واثقة من أنهن يعرفن شيئا عن محبتي المجردة والبعيدة البعيدة عن ~~التحامل المذموم، فضلا عن أن غايتي من هذا المقال ليست لإظهار تفوق هذه المجلة على تلك، ~~ولا لأضع نفسي موضع الحكم، إن للحياة شرائعها القاهرة، ونحن نطيعها مكرهين أو ~~راغبين. # والزمن وحده يظهر الحسنات والسيئات، وهو خير المحكمين؛ فلننتظره هو وحده يلفظ حكمه، وهو ~~الذي سيقول لنا: إن المجلة التي تصل إلى أعلى القمة، هي التي حملت في طريقها ذخيرة كافية من ~~علم وثبات وحكمة وأدب. # كتب أديب دمشقي إلى سيدة تقيم في بيروت ما يأتي: # إننا بفارغ الصبر ننتظر «مينرفا»، وعساها أن تكون أحسن من ms081 رفيقاتها اللائي لا ~~يمكن أن نمدح منهن شيئا سوى شجاعتهن ... # الله من هذا المجتمع كيف «يغرف» الانتقادات من بحر جوده ويفرقها على الناس ... ~~وإنني، مع ضآلة رأيي، أخالف الأديب الدمشقي، فمع الشجاعة التي لا يرى سواها في ~~مجلاتنا أرى الكرم ... أرى كرما يفوق كرمه في رش سهام الانتقاد؛ فإنهن يعطين كل ما ~~في قلوبهن من التشوق لرفع البلاد إلى مستوى يرغب فيه الكل، ويعطين كل ما تعلمنه ~~وكل ما قدرن على جمعه، وكل ما يعتقدن أنه صالح، وأنه حسن. # فإذا كان العطاء لا يشفي غلة الذين استقوا من موارد عليا، فهذا لا يدعى تقصيرا؛ ~~لأن النفوس لا تعطي إلا ما أخذت. # فعلى صحافياتنا أن يتابعن التوسع في معارفهن القيمة، ولا يسمحن للأسياد الرجال أن ~~يعيبوا عليهن - كما هم فاعلون - ضربهن على وتر واحد، وبقاءهن في دائرة واحدة ضيقة. ~~عليهن كما يقول صهرنا جورج باز أن «يتخصصن». # هذه الكلمة شديدة على أذني، فهل لأصحاب الأقلام «المتخصصين» لتهذيب اللغة أن ~~ينحتوا لنا كلمة أفضل من التخصص وما يتفرع منه؟ # إن عالم الصحافة واسع، وفيه أمور كثيرة غير الخياليات والاجتماعيات وواجبات ~~المرأة، ونظريات الناس في الزواج وتدبير المنزل إلخ ... # المجال فسيح جدا لصحافياتنا، وما عليهن إلا أن يتهافتن بجد على العلم الغربي ~~من باب لغة من اللغات الأجنبية؛ لأن العلم كما يقول - بحق - الدكتور «طه حسين» قد ~~أصبح غربيا خالصا، وليس لنا فيه نصيب قومي، ويجب أن نندفع في الطريق العلمية ~~اندفاعا لا حد له إلا مقدرتنا الخاصة. # عند هذا، عندما تطلع صحافياتنا بطريقة أعم وأوسع على أمور العالم من علمية وصحية ~~وفنية وسياسية واقتصادية، تزداد معارفهن وتتشعب مواضيعهن، فيكتبن بثقة وجرأة ~~وتمكن، كما تكتب مي مثلا، التي لم تصل إلى مركزها الأدبي في عيون الناس إلا ~~لكونها ثابرت السنين العديدة على نحت وصقل قواها العقلية، وتصبح مجلاتهن ذخائر ~~قيمة، إذا اذخرت في المكاتب تذخر كآثار جديدة، لا كمجموع نظريات - كذا يقول ~~سادتنا الرجال - ربطها مختلف المباني، ومعناها لا يزيد شيئا عما قرأناه ms082 منذ عصر ~~إسحاق والحداد والعازار. # وإنني بعين الفكر أرى مستقبلنا النسائي وضاحا لماعا، ولا يؤلمني الفراغ ~~الموجود في الصحافة وفي كل مكان؛ لأنني أعتبره شريعة طبيعية. # إن النهضة لم تصل إلى زمن البلوغ، وهي اليوم نواة! نواة هي حياتنا، سياسية كانت ~~أم أدبية أم اجتماعية أم اقتصادية. وإذا جاز لي أن أستعمل تعبيرا طبيا أقول: ~~إننا لم نزل في طور الحضانة - بمعناها العلمي - لا الوصاية ... # وعندي أن كلمة «انتداب» التي نزلت مع ما نزل من عصارة دماغ ولسن - رضي الله عنه - ~~هي كلمة مغلوطة! فالانتداب هو الإشراف على كائن مكتمل إنما يعوزه الإرشاد، لا على ~~الأطفال، بل الرضع، بل الأجنة ... # | كتاب باز # إن الكتاب، والشعراء، والمصورين، هم رسل السعادة الروحية إلى الناس. # الإنسان ليس حيوانا يأكل ويشرب ويسكر وينام وحسب ... # للإنسان من أقدم أزمنة التاريخ ولوع بالملذات الأدبية، وفيه نزوع إلى تعميمها بين ~~الناس. # هذه أساطير الأقدمين وأشعارهم وتماثيلهم تطفح بالأفكار والصور والأحلام العذبة نقف أمامها ~~خاشعين، طربين برنينها وخطوطها وألوانها فنقرؤها، ثم نقرؤها، ولها أبدا طلاوة الجديد، ~~ولها دواما حلاوة الأثمار الندية المبردة، فهي في حياتنا - نحن عشاق الخطوط والألوان ~~والألحان والأحلام - مثل واحات يأوي إليها المسافر الملذوع بشمس الصحراء وبحر ~~رمالها. # الكتب هي الواحات المخضلة وسط صحراء الحياة المقفرة، نقف إليها ساعة فننهل نهلة تنسينا ~~مشاق السفر، أو تساعدنا على إكمال الطريق. # فالتي تنسينا مشاق السفر وتبرد شفاهنا العطشى لحظة هي الكتب الشعرية ذات الألفاظ المشبعة ~~نحتا وصقلا وتوازنا وإيقاعا، أصحابها هم المطربون المغردون، ولإنشادهم شيء من حلاوة ~~أحاديث يسوع على جبال اليهودية، ومن طلاوة نشيد المؤذنين بعيد الغروب في حي من أحياء ~~المدائن الشرقية النائمة ... # أما تلك التي نقف إليها فنأخذ منها زادنا لمتابعة المسير، فهي المؤلفات الاجتماعية التي ~~قد تبدو ناشفة لما فيها من النظريات ومن الأرقام، وأصحابها هم رسل الإصلاح في العالم، هؤلاء ~~يعيشون لنشر فكرة يعتقدون أن في تعميمها خيرا للناس، وقليلا ما هم يخطئون. # وكتاب باز الجديد هو من هذه الفصيلة، كتاب يحوي ms083 أرقاما وحوادث تاريخية نسائية، هو يسجل ~~حسنات نساء العالم أجمع، في الشرق والغرب والشمال والجنوب، في الممالك المتمدنة التي تملأ ~~أخبارها الأرض، وفي البلدان النائية البعيدة مثل الصين واليابان ونيوزيلاندا، حتى ~~وليتوانيا، لم يترك باز بلدا أنجبت امرأة عظيمة يعتب عليه. # لمن يكتب باز؟ هو يكتب للمرأة العربية، فإذا سمى كتابه إكليل غار؛ فهو يعني به إكليلا ~~لرءوسنا نحن النساء العربيات، فهل نستحق هذا الإكليل؟ ماذا فعلنا لأجل النهضة الحديثة؟ إننا ~~لم نفعل شيئا وما زلنا نتلمس الطريق ... قدرنا الله أن نحسن العمل لنستحق الجزاء. # باز هو مصلح كبير، وكاتب اجتماعي ثابت الإيمان، ليس فيما يكتبه بلاغة «الإمام علي»، ولا ~~جزالة «ابن المقفع»، كذا يصف نفسه، ويزيد: # لست بالكاتب الكبير حتى ولا الصغير! # إذا ما كان باز كاتبا كبيرا فهو فكرة كبيرة، هو فكرة كبيرة نظيفة، نقية، بيضاء، مصقولة، ~~وبسيطة بسيطة يفهمها الطفل. # فكرة باز التي يعرفها كل قراء العربية هي: # تنشيط المرأة، إصلاح شأنها، تعميم تهذيبها، فالانتفاع بمواهبها. # وقد زادت هذه الفكرة رسوخا ونفعا يوم اندغمت بذاتية زوجته الدكتورة أنس، تلك المتخذة ~~شعارا لها ولبيتها هذه الآية الذهبية: # المعرفة، المحبة، الخدمة. # وباز في سبيل المعرفة والخدمة لا يكل ولا يمل، فكرا وقولا وفعلا وكتابة وخطابة، ~~نشطوا النساء، احترموا النساء، انتفعوا بمواهب النساء. # هو ينظر إلى المجتمع ويعد فيه الصالحين والمصلحين، ثم يفتش عن سبب الصلاح والإصلاح فيرى ~~خلف الستائر شبح امرأة، الأم والأخت والزوج، يرى المرأة الحاملة، المرضعة، التعبة، الساهرة، ~~القلقة، الواجفة، الملوعة. # يرى الملكة، والكاهنة، والعالمة، والمخترعة، والمكتشفة، والمعلمة، والممرضة، ويرى تلك ... ~~تلك المجندة لبث دعوة الحرية بين الشعوب المستعبدة، وبث روح السلام بين الأقوياء ~~المفترسين، تلك التي بما تكتب وما تنشد وما تخطب توحي إلى الرجل آيات المجد، فيسير ونفسه ~~مستودع للقوة والمكابرة، وقلبه سر من أسرار الغلبة! # ثم يحول باز وجهه شطر مواكب البؤساء، من أطفال مرضى ومن سكيرين ومجرمين ومستعبدين، ~~فيلتاع؛ لأنه يدرك أن كل هذا الشقاء ما كان لو فتحت أبواب الحياة في وجه ms084 المرأة. # إنه يشتاق إلى يوم تزول فيه هذه المتاعب، يوم يرتفع نصف العالم فيرفع العالم «نصف ~~الكائنات مشلول، مريض، مستعبد، اشفوه، حرروه، فيشفيكم ويحرركم، لا تشكوا بمقدرته فلا حد ~~لها تقف عنده، آمنوا بعطفه، وكرمه، وإخلاصه، وخذوا الأدلة بالأرقام.» # صدقوني أيها الناس - كذا يقول باز - صدقوني أنكم واهمون في هضم حق تلك التي يكفيها فخرا ~~أنكم نسيج يديها، ودماء قلبها. هاكم الأسماء والأدلة والتواريخ؛ أفلا تصدقون؟ # لهذه الفكرة طبع كتاب «إكليل غار»، وصاحبه يطلب مني انتقاده؟ معاذ الله! ليكتف مني أن ~~أسكت عن مديحه. # وليعلم أن كتابه هو عاطفة إخلاص ومحبة، وهذان هما - على الدوام - فوق لغويات البشريين، ~~وفوق لغات الملائكة. # | وديع صبرا # لا أظن أنه يوجد بين قراء هذه السطور من سكان بيروت من يجهل الأستاذ وديع صبرا، فقد عرفته ~~هذه المدينة موسيقيا نابغا، وعاملا ممتازا في عالم الفن، على أن له مزية أخرى لا ~~يعرفها الناس، وهي العمل في بناية هذا الوطن من قبل أن يصير وطنا؛ لهذا أقول بفخر: إن وديع ~~صبرا هو من الرجال الذين يعملون منذ سنين في سبيل عمل لم يقدم عليه سواه، لا من الغربيين ~~ولا من الشرقيين. وهذا العمل سيفتح صفحة جديدة في حياة الموسيقى الشرقية. # من المعلوم أن الموسيقى العربية الحالية مأخوذة عن الموسيقى البيزنطية، وأن الموسيقى ~~الشرقية كلها غير مقيدة بالعلامات التي تتميز بها الموسيقى الغربية، ولم يقدم أحد إلى اليوم ~~على ربط الموسيقى الشرقية بالعلامات المعروفة ب «النوت» - بطريقة أصولية - لأن هذه العلامات ~~وضعت للأنغام الغربية، وهذه الأنغام هي نفسها ناقصة نسبة إلى الموسيقى الشرقية التي هي أقرب ~~إلى الأصوات الطبيعية. # إن أقرب الآلات إلى الأصوات الطبيعية هي الآلات النافخة؛ كالقصب والناي والفلوت وسواها، ~~ويتلو هذه ذوات الأوتار؛ كالكمنجة والعود والقيثارة # Guitare ~~، أما البيانو فمع أنها ناقصة - من جهة الأصوات - بالنسبة إلى ~~ذوات الأوتار، فهي كآلة أكثر ضبطا من جميع الآلات؛ لأن من يعزف عليها لا يحتاج إلى ما ~~يسمونه «الدوزان». # على أن البيانو لا تؤدي الألحان الشرقية كاملة؛ ms085 ذلك لأن الأصوات في الموسيقى الغربية تقسم ~~إلى أنصاف، أما الأصوات الشرقية فتنقسم إلى أرباع وإلى أثمان؛ لهذا لا يمكن لأي موسيقي مهما ~~كان بارعا أن يعزف على البيانو نغم «غيري على السلوان قادر» أو أي نغم سواه ويأتي به ~~كاملا كما يأتي به العواد. ~~••• # وقد خطر في بال الأستاذ وديع - وذلك منذ 15 سنة - أن من الممكن إيجاد طريقة تقيد بها ~~الموسيقى الشرقية بأرباعها وأثمانها، وتطبيقها عمليا على آلة مثل البيانو، ولما عرض فكره ~~هذا في إسطنبول سنة 1928 قال له أحدهم: لو كان هذا العمل ممكنا لسبقك إليه ~~الغربيون. # لقد وصفوا الشرقي بقلة الثبات، على أن وديع صبرا يخفي وراء سكوته إرادة تفتت الصخر ولا ~~تتفتت، فهو منذ خمس عشرة سنة يعمل لإيجاد الطريقة التي حلم بها عندما كان تلميذا في دار ~~الموسيقى في باريس، إلى أن تكلل جهاده بالفوز، وتوصل إلى اكتشاف ما قضى الحياة بالتفتيش ~~عنه. # أما سر نجاحه فهو الثبات أولا، ثم الانقطاع بالكلية إلى العمل الذي وجد لأجله، وقد ~~اشتهر بهذه الصفة حتى شاع عنه أنه لا يعرف من أمور الدنيا شيئا إلا الأنغام، فلو تكلم أحد ~~أمامه عن مسألة تجارية قال بكل بساطة: «هذه مسألة يفهمها جيدا التاجر الفلاني.» وإذا سأله ~~أحد رأيه في السياسة أجاب: إن السياسة من اختصاصات الكوميساريا. # على أنه يفهم من الأمور أكثر من كثيرين غيره، ولكن مبدأه في التخصص ثابت لا يحول ولا ~~يزول، وكثيرا ما يقول النكات المستظرفة في هذا الصدد. # أذكر أنه ذهب مرة إلى إدارة شركة الماء ليطالبها بواجبها نحوه كرجل يدفع الاشتراك ولا ~~يأخذ شيئا، ولما سأله ذووه عن نتيجة تلك المقابلة قال: # استقبلني فلان وكلمني عن الموسيقى، ولما صرنا إلى البحث عن الأنغام الشرقية رأيت ~~نفسي أمام رجل متضلع في الفن، فرجعت ولم أكلمه في مسألة الماء؛ لأنني قلت في نفسي: ~~إن الرجل الذي يعرف الموسيقى إلى هذه الدرجة يجهل - ولا بد - كل ما هو متعلق بالماء ~~وشركات الماء. # إن في هذه النكتة ms086 المضحكة مثالة كبيرة، فلو تخصص كل منا للموهبة التي أوجدها الخالق فيه ~~لانقطع هذا الضجيج في لبنان وسوريا، وساد مكانه العمل الهادئ المثمر ... # لنرجع إلى الآلة التي اخترعها الأستاذ وديع، لقد اشتغل الأستاذ نهارا وليلا حتى بلغ ما ~~يصبو إليه، وفي هذه الأيام يسمع من يسكن في جواره أنغاما رقيقة كأنغام العود تخترق الأثير، ~~وتحمل إلى قلب كل من تتبع وديعا في جهاده عاطفة جميلة هي الشعور معه بسمو الفوز بعد ~~الجهاد. وهذه الأنغام تخرج من طاولة خشبية بسط عليها الموسيقي اختراعه الذي سيعرضه بعد ~~أسابيع قليلة على البيروتيين، فيعزف أمامهم الألحان الشرقية على البيانو المعروف، فيرون ~~النقص فيه، ثم يعزف نفس الألحان على الآلة التي اخترعها، فيظهر الفرق جليا واضحا. # وقد اهتم أرباب الفن في باريس لهذا الاختراع يوم سافر إليها الأستاذ وديع صيف 1919، وعرض ~~فكرته على صاحب معمل بلايل الذي كلفه أن يطلعه على كل ما يجد لديه، ووعده بصنع البيانو ~~العربية حالما يتم اختراعها. # وليس صاحب معمل بلايل بالغربي الوحيد الذي يعرف قيمة هذا النابغة اللبناني، فقد سبق ~~الأستاذ لافينياك الشهير وكتب عنه سطورا جميلة هي عبارة عن نبوءة تمت اليوم، وفي الأسطر ~~التالية شيء من هذه المراسلة القديمة التي تدل على إقرار الغربي للشرقي بالنبوغ. # قال الأستاذ لافينياك: # عندما أتاني الأستاذ وديع صبرا سنة 1894 لم يكن يعرف كلمة في اللغة الإفرنسية، أو ~~علامة من العلامات الموسيقية، والحق يقال: إنني لا أعلم كيف توصل إلى فهم الدروس ~~التي كنت ألقيها على صفي، على أن نجاحه كان غريبا في بابه، فقد كان يتعلم بسهولة ~~نادرة، وظهر لي أن الموسيقى شيء غريزي فيه. # واليوم أصبح أصيلا في علم الإيقاع، وقد برهن مرارا عديدة على مقدرة في التأليف، ~~فهو موسيقي كامل الأوصاف، وليس هذا كل ما يقال عنه، فهو ممتاز بفضائل سامية، ~~وبأخلاق رضية، وقد عرف أن يجعل نفسه حبيبا إلى كل رفاقه وإلى كل أساتذته. أما أنا ~~فأسر لأنني أرى فيه - ما عدا التلميذ البارع - الصديق الحقيقي، وإنني ms087 له ~~كذلك. # وكتب عنه الأستاذ نفسه في إحدى المجلات الموسيقية ما يأتي: # إن ما يجب إلفات النظر إليه هو مقدرته الفنية المضاعفة، فهو الموسيقي الوحيد الذي ~~يعرف الفن الغربي والفن الشرقي في وقت واحد. # أما مواهبه الموسيقية فلم أرها في أحد من أبناء الشرق؛ لقد قدم فرنسا فتى، وتعلم ~~فيها الموسيقى الغربية، على أنه لم يهمل موسيقى بلاده، فهو يسافر من حين إلى آخر ~~إلى وطنه ويدرس فيه الموسيقى الشرقية، ولولا التوازن المتين في قواه العقلية لما ~~نتج عن هذا الدرس المختلط سوى الاضطراب والتعقيد، على أن وديع صبرا قدر أن يملك ~~ناصية الفنين في وقت واحد، فبينما هو يشتغل في تعميم الموسيقى الأوروبية في ~~بلاده، نراه في باريس يشتغل بدون ملل بين أرباب الفن ليحبب إليهم الموسيقى العربية، ~~ويكشف لهم مخبآتها. # ويلذ لي أن أصرح أن وديع صبرا هو أستاذ ذو مكانة سامية؛ فهو يكتب ويتكلم لغتين من ~~لغات الموسيقى مختلفتين كل الاختلاف، ويفهم جمال الاثنتين على حد سواء. وهذا حدث ~~مفرد في تاريخ الفن. # هذا ما يقوله عن وديع صبرا كبير من كبار الموسيقيين في الغرب، ويسرني في هذه الفرصة أن ~~أنشر هذه السطور «عسى أن يصير للأنبياء شيء من الكرامة في وطنهم». # | أحجار الزاوية # هم، في نهضتنا الحديثة، أولئك الرجال تلامذة مدارسنا الأولى، الذين استناروا بالعلم يوم ~~كانت البلاد كلها في جهل عميم، فجعلوا حياتهم وقفا على الأمة، وقضوا عمرهم بتعليم ما به ~~علموا. # نعدهم ولا نعدد مآثرهم، وهل تعد حسنات البستاني واليازجي والحوراني وسركيس وإسحاق ~~والحداد ونمر وصروف وزيدان؟ هل تحصي خدماتهم في عوالم اللغة والأدب والعلم والتاريخ ~~والسياسة؟ # الحق أنها لا تحصى ولا تقاس بميزان، هم مدارسنا من قبل هذه المدارس وبعد هذه المدارس، ~~أجل إن الصحافة العربية من جرائد ومجلات هي التي حملت المشعل فاستنارت البلاد، هي كانت منبر ~~الأحرار والمصلحين في أيام الظلمة، هي التي نقلت إلينا أخبار الحرية والمتحررين، وأخبار ~~العلم والمتعلمين، هي التي بما أنشأت وما عربت وما نقلت وما حفظت ms088 أوجدت في الشيوخ عادة ~~المطالعة، وهيأتهم لقبول فكرة «الإنفاق على البنين في سبيل التعليم». # وجرائدنا هي مدارسنا من بعد أن فتحت هذه المدارس ... هي وحدها اليوم «المدافع الضعيف ~~الوحيد» عن لغة تقتل في المدارس والنوادي والمحاكم وفي دور الحكومة. جرائدنا لا تزال - ~~والحمد لله - تدخل إلى العيال، ولا بد أن يقع نظر الأولاد «المتفرنجين» عليها من حين إلى ~~حين، فيقرءون ولو سطرا يذكرهم أن لهم لغة قومية وكرامة قومية. # نحن اليوم نقرأ، ونقرأ كثيرا، وذلك بحرية وسهولة. كل المطبوعات تدخل إلى البلاد بدون ~~مانع ولا زاجر، ولكن إذا رجعنا بأفكارنا إلى ما قبل الدستور، وذكرنا أن ما كنا نقرؤه كان ~~قيد مراقبة «المكتوبجي» قدرنا جهاد الكتاب البيروتيين أمثال المرحومين خليل سركيس ~~والعازار وحبيقة، وأمثال الأحياء كالبدوي وزينيه والعقاد وسواهم، الذين لم يهاجروا، بل ~~بقوا خداما لفكرة الإصلاح وللآداب العربية يوم كان السجن والنفي قصاصا خفيفا لمن يخالف ~~الإرادة الشاهانية ويتعمد «تخديش الأذهان». # نذكر جهاد مجاهدينا أيام الاستعباد فنحني رءوسنا إجلالا، ولكن هنالك صفة أخرى وجب علينا ~~تقديسها، وهي الثبات، فالجهاد يسمى جهادا إذا تناول الحياة بكاملها؛ أن يبدأ الإنسان عملا ~~في شبابه ولا ينفك عنه إلى سواه، أن يمارسه ويتقنه بالدرس والصقل والمران حتى يصبح عملا ~~تاما؛ لأن الأولوية والأفضلية هي لتلك الأثمار الناضجة، يمر عليها الشتاء وتزهر في ~~الربيع، وتنضج في الصيف فتقطف في الخريف. # الأعمال في بلاد الغرب مثمرة ومتقنة؛ لأن الغربي يثبت في عمله إلى أن يموت، فيسلمه إلى ~~أبنائه كاملا، كذا كان عمل خليل سركيس - رحمه الله - وكذا سلمه إلى ابنه من بعده. كانت ~~إدارة سركيس الأب مثالا للصدق والثبات والإتقان والإخلاص، وهي لكذلك في أيام سركيس ~~الابن. # عاش الأب في ابنه. # وعاش الابن لأبنائه ولأبناء أبنائه. # | إلى جامعة السيدات # إن في بيروت اليوم حركة نسائية مباركة، حركة يقصد منها السير في طريق التقدم، والتقدم في ~~نظري هو الذي يأخذ بحياة الأمة من أربعة أطرافها، فيتناول الأخلاقيات، والعلميات، ~~والعقليات، والاقتصاديات، ويوجد نقطة خامسة، ولعلها الوسط لا ms089 الزاوية، هذا الوسط يسمى ~~السياسيات أو حياة الأمة السياسية ... # ولكن الحكمة والمنطق والتعقل تقضي على النساء بعدم تناول السياسة. وهنا لا أتكلم عن ~~السياسة بوجه العموم، فللنساء الأوروبيات فيها نظرية خاصة بهن نشأت من نفس أحوالهن، هذه ~~النظرية تدفعهن إلى الدخول في الحياة السياسية؛ لأن فيها المناصب الكبيرة. وكبيرات النفوس ~~في أوروبا يشتغلن للوصول إلى المناصب الكبيرة، لا لأجل التنفذ فيها؛ ولكن لأن منها تسن ~~الشرائع والقوانين، ومنها تصدر مقدرات الأمة. والأمة يا سيداتي مجموع عائلات كثيرة، وفي ~~هذه العائلات يوجد أناس غير الرجل الغني، الرجل التاجر، الرجل الوزير، الرجل السيد، يوجد ~~أناس يدعون أرامل، وعمالا، وعاملات، وأصحاب عاهات، ورقيقا أبيض، وأيتاما، وأطفالا جنى ~~عليهم السكر والفساد الفظيع، فدخلوا إلى هذا العالم لأجل العذاب، لأجل العذاب فقط يا ~~سيدتي. # لأجل تحسين حالة هؤلاء طرقت سيدات الغرب أبواب السياسة. ولكن السياسة عندهم مرتكزة على ~~قواعد معروفة، فهي في الأمة ومن الأمة. # وهي منذ مئات السنين تتطور ضمن قاعدة النشوء والارتقاء اللازمة الملازمة للأمم. # إن سياسة الغربيين مبنية على التجربة والاختبار؛ سياسة شيوخ، سياسة بلدية وطنية. # أما سياسة هذه البلاد، فلا حنكة فيها ولا خبرة، وأحيانا لا اعتقاد صحيح، ولا مذهب قويم، ~~ولقد قلت: إن الحكمة والمنطق يقضيان على نسائنا بعدم المداخلة فيها، ليس لكونها سياسة، بل ~~لكونها سياسة أوحال، والمرأة في نظري درة مكنونة لا يجوز طرحها في الأوحال. ~~••• # إذن على نسائنا الطالبات التقدم أن يأخذن بأربعة أطراف الحياة: الأخلاقيات، والعلميات، ~~والعقليات، والاقتصاديات، ليمشين في طريق لهن؛ فلعلهن يلتقين في آخرها بالرجل وقد أخذ ~~نصيبه من أمثولة السياسة. # 1 # ولقد وجهت مقالي هذا إلى جامعة السيدات ولي أمل كبير بهذه الجامعة - حقق الله آمالي - ~~وما قلته أعلاه لهن ليس بالجديد؛ فقد فهمن قبلي ضرر السياسة وفي قانونهن بند يقول: إن ~~الجامعة تسعى لرفع المرأة وتحسين حال العائلة. # أما الذي أقوله الآن فهو هذا: النساء هن نصف العالم، وعليهن نصف العمل، ولقد تألفت قبل ~~الآن جمعيات كثيرة في بلادنا، ورأينا عدم فائدة ms090 أكثرها، وقلة فائدة بعضها. # ذلك لأن أعمالنا تقوم بالكلام، والكلام لا تقوم به الأمم. منذ عشر سنوات ونحن نحضر ~~الحفلات الخطابية، ونسمع القصائد، فلم نتقدم كثيرا في طريق التجدد الفعلي. فعلى الجامعة ~~الآن أن تأتينا بالأعمال السريعة لنشعر بالتحسين السريع، ولا يمكن للجامعة أن تأتي بالأعمال ~~بدون أن تكون قوية الجانب، مسموعة الكلمة، فلا قوة للجامعة بدون المال، ولا كلمة مسموعة لها ~~إلا إذا انتشرت غايتها في كل حي من أحياء المدينة. # أفهم بلفظة الجامعة حلقة قوية تضم السيدات في بيروت، أو نقابات تمثل سيدات بيروت، وأود ~~لو وجد في جامعة السيدات لجنة خاصة قوامها أعضاء من كل الجمعيات النسائية والمدارس النسائية ~~في بيروت، كجمعية زهرة الإحسان، وجمعيات السل، وجمعية مستشفى القديس جاورجيوس، وجمعية ~~الأعمال الخيرية للفتيات المسلمات، ومدرسة تهذيب الفتاة، والمدرسة السورية الأهلية ~~إلخ. # لو وجدت هذه اللجنة التي هي عبارة عن نقابات نسائية قوية لقوي شأن الجامعة وشأن النساء في ~~بيروت، وقدرن في وقت قصير أن يعملن أعمالا كثيرة تعود بالخير على الأمة. # وربما يقول البعض: وماذا تفعل نقابات النساء؟ فأجيب: إن هذه النقابات تمثل عددا عظيما ~~من نساء البلد، وللكثرة تأثير لا يمكن أن يناله الفرد، فيمكن للجنة النقابات - مثلا - أن ~~تدرس مدة من الزمن نظامات التعليم في مدارس بيروت كلها، وترفع بعد درسها تقريرا لمن بيدهم ~~الحل والربط، فتبين وجه الخطأ في نظام، ووجه الصواب في غيره. # ويمكن للنساء أن يهتممن بأمور الصحة، فيدرسنها درسا وافيا، وينشرن النشرات الأسبوعية أو ~~الشهرية، ويرفعن التقارير إلى البلدية وإلى مديرية الصحة. وهذه المراجع تعرف معنى تعب ~~السيدات وتعير كلامهن التفاتا، وكلام السيدات أفعل من كل ما تكتبه الجرائد. # وكذلك يمكنهن أيضا أن يهتممن بهمل الأيتام، وبصغار المتشردين، فرجال الحكومة لا يردون ~~طلب السيدات إذا هن أبدين رغبتهن بإيجاد محلات جديدة للصغار وإصلاح المحلات ~~القديمة. # إن أسباب التسلية والرياضة للأولاد مفقودة تماما، ففي أوروبا يذهب الولد مرة في الأسبوع ~~إلى محل السينماتوغراف، فيرى على الستار صور وقائع وأمور تاريخية لو ms091 أراد أن يتعلمها في ~~كتاب لقضى شهرين في درسها. فلو طلبت عائلة واحدة من العيال البيروتية إلى إدارة السينما أن ~~تستجلب لها الصور التاريخية لأجل تسلية الأولاد لما أجابت الإدارة لها طلبا، ولكن إذا رفع ~~تقرير إلى تلك الإدارة موقعا من عشرين جمعية نسائية لبادرت الإدارة حالا وأحضرت صورا ~~خصوصية للأولاد فيها التسلية والأدب والفائدة. # وأي شيء لا يعملنه سيداتي الناهضات لو قصدن إليه؟ إن صوت المرأة من صوت الله، وما تريده ~~المرأة يريده الله، فإلى الأمام يا سيدتي في توسيع الجامعة وتوسيع غايتها - حفظكن ~~الله. # | على ذكر اللغة العربية # إكراما لجامعة السيدات # إنني لا أذكر مرة ما تفعله هذه العصبة النسائية في سبيل الوطن إلا وتنتفض نفسي بعاطفة ~~غريبة، هي مزيج بين الإعجاب والحنو والشفقة. # إنني أعجب بسيدات تتوق نفوسهن إلى عمل الواجب فتثب نابضة، مختلجة، تائقة، صارخة وسط ~~هذا النزاع بين الموت والحياة: يا هؤلاء، انظروا في إلى بوادر الحياة! # إنني لأحنو وأحن إلى رفيقات يغرفن ماء البحر في صدفة، معتقدات بكل ما في قلوبهن الطيبة من ~~البساطة أن اقتراحهن في موضوع اللغة العربية سيأتي بنتيجة في إحياء هذه اللغة التي نقف ~~أمام حبها خاشعين، قلقين، حذرين، كما يقف العابد أمام المعبود! # وإنني لأشفق على نفسي وعلى أمتي، عندما أنظر بعين الفكر إلى البناء الذي لم تضع فيه الأمة ~~حجرا واحدا، وإلى الأتربة والخرائب والجماجم القائمة أمامنا كالجبال، والتي لن تزاح ويقوم ~~مقامها البناء الجديد إلا بعد أن تصبح عظاما رميما! ~~••• # لنعد إلى سيداتي وإلى اقتراحهن، وهذا رأيي على وهنه. # علاقة الوطن باللغة أو اللغة بالوطن. هذا تحصيل حاصل، وإنني لأعجب كيف يمكن لكاتب أن يطرق ~~هذا الموضوع؛ ففي دماغي الصغير - الذي هو قبل كل شيء دماغ امرأة - لا يمكن للقوة المفكرة أن ~~تفهم من المسائل إلا ما كان بسيطا، جليا، واضحا؛ لهذا لا أراني مدفوعة إلى تحويل هذه ~~القضية من بسيطة إلى مركبة لأضيع في لوالبها وتعاريجها. # فالوطن واللغة في فكري واحد لا يتجزأ، والعلاقة بينهما صريحة ms092 لا تحتمل التأويل، فلا وطن ~~بدون لغة، ولا لغة بدون وطن، وليس من حاجة لإثبات ذلك بالمنطق. # أما البحث في خير الوسائل لترقية اللغة فيعجبني جدا، وفيه أقول: إن ترقية اللغة في أمة ~~من الأمم هو عمل من الأعمال الكمالية تتفرغ لها الأمة بعد أن يكتمل نموها ؛ فنمو الأمم ~~يكتمل عندما يسود النظام، ولا يسود النظام في مملكة بدون أن تستوي أحوالها الاقتصادية في ~~مستوى راق، ومتى أثرت الأمم تفرغ أفرادها إلى الكماليات؛ فأوجدوا العلوم والفنون وكل ~~ما نشاهده من المميزات في الأمم الحية. # فترقية اللغة أمر كمالي يأتي إلينا صاغرا بعد أن تنتظم أحوالنا الاقتصادية. وتأخرنا ~~الاقتصادي هو عقدة العقد لا يحلها إلا الإنتاج، وزيادة صادراتنا على الواردات. وهذا النقص ~~في الإنتاج لم يسببه الاحتلال الأوروبي، ولا الهجرة الصهيونية إلى فلسطين، ولا تقسيم ~~سوريا إلى إدارات مركزية، هذا النقص في الإنتاج سببه الكسل ثم الكسل ثم الكسل، فاقتصادياتنا ~~تئن من الإهمال كما تئن لغتنا، وكما يئن كل شيء في بلادنا. # قلت: إن ترقية اللغة هو من الأمور الكمالية، فإذا أردنا أن نصل إلى الكماليات يجب أن نهتم ~~بالأوليات، هل رأيتم رجلا يشتري أثاثا وتحفا قبل أن يستأجر بيتا يأوي وأهله ~~إليه؟ # فإذا وصلنا إلى ذلك اليوم السعيد الذي نتمكن فيه من الاهتمام بالكماليات، ننصرف إلى ترقية ~~اللغة على الأسلوب الذي ستقرؤه أيها القارئ، ولكن بشرط أن لا تضحك: ~~(1) # نقيم معاهد علم وطنية تعلم فيها كل العلوم الحديثة بلغتنا، وتفوق المعاهد ~~الأجنبية الموجودة حاليا في البلاد؛ لتتمكن من مزاحمتها والقضاء ~~عليها. ~~(2) # نقيم هذه المعاهد بأموال الأمة؛ إذ لا يجب أن نمزح ونعتمد في هذا الأمر على ~~الآباء اليسوعيين، ولا على عمدة الكلية الكرام، ولا أن نسترسل في المزاح - بل ~~في الدلال - ونطلب من الحكومات الأوروبية، إفرنسية كانت في سوريا، أو إنكليزية ~~في فلسطين، أن تبني لنا المعاهد الوطنية. ~~(3) # نوجد مجمع علوم كبيرا، عدد أعضائه مائتان، بينهم الأطباء والكيماويون ~~والمهندسون والفقهاء والموسيقيون والفنيون، فيتفرغون لترجمة ألوف المجلدات، ~~ونقلها إلى اللغة العربية ms093 في كل فرع من العلوم الحديثة؛ وذلك لنتمكن من تعليم ~~أولادنا كل العلوم باللغة العربية. ~~(4) # تقوم الأمة بنفقات هؤلاء العلماء، لا أوروبا؛ لأن الغرب لا يعطينا قطعة ~~نحاسية إلا ويدخل معها إلى نفوسنا ما يعادل وزنها من السم؛ فلكي لا نتشبع من ~~السم الأوروبي، ولكي لا نتهم بنكران الجميل، وجب علينا أن نترك مهنة ~~التسول. # هذه هي خير الوسائل لترقية اللغة العربية! ولما كانت هذه الوسائل صعبة لا تنال اليوم، ~~وكانت الأمة تريد شيئا تضعه على النار - كما تقول العامة - فأنا أدل الذين تأكلهم الغيرة ~~على اللغة على طريقة، وهي أن يقاطعوا المدارس الأجنبية بأن يتولوا أولادهم في بيوتهم، فهذه ~~أحسن وسيلة نخبر بها هذه المدارس على الاهتمام بلغتنا. # ولما كان لا يوجد فينا شخص واحد يقدم على هذا الأمر؛ فإنني أنصح لقومي ... بالصبر و... ~~بالسكوت، فهو أولى. # هذا وإنني أطلب من سيداتي أعضاء الجامعة أن لا يغضبن لكوني لم أقل: إن ترقية اللغة مسألة ~~بسيطة، فكل شيء أهون من غضبكن يا سيداتي. # | إلى روح أبي أمين1 # يجتمع كبار الأمة اليوم لتكريم فقيدها مرة ثالثة، وفي هذا كل الإثبات على أن في الوطن من ~~يعتقد أن أحمد مختار أتى في حياته عملا يستحق من أجله الإكرام. # إن أبا أمين ما كان كاتبا ولا خطيبا ولا شاعرا ولا مشترعا، إنه ما كان لغويا يقضي ~~السنين منحنيا على المخطوطات القديمة ليجد فيها كلمة تضاف إلى معاجم اللغة، ولا عالما ~~يفني حياته بفحص ملايين الذرات ليكتشف حقيقة حيوية جديدة، إنه كان عاملا نشيطا في سبيل ~~النهضة النسائية. # أيها الكرام، إذا ما ذكر التاريخ رجال نهضة الشرق، فسيذكر في طليعتهم قاسم أمين وأبا ~~أمين. # أما قاسم أمين، ربيب وادي النيل، فقد أرسل آراءه النظرية في محيط يعد بين رجاله؛ أمثال ~~محمد عبده، والمنفلوطي، وحافظ، وشوقي، والمطران، ونمر، وصروف، وزيدان وسواهم. # وأما فقيد بيروت، فبدون مقدمات أو نظريات تقدم وفتح باب الأمة على مصراعيه، وأخذ بيد ~~كرائم المسلمات وقال لهن: هذه ساحة العمل، هنا أيتام ms094 تطلب الرحمة، وهنا نسوة تعيش على قشور ~~الفاكهة، وهنا أولاد ينشئون متمرغين في الشوارع وتحت دواليب العربات، فكانت إذ ذاك ~~الجمعية المعروفة، # 2 # وكان من حسناتها: النادي، ومدرسة النادي، وهذا المصنع، ودار الأيتام. أخذ أبو ~~أمين بيد من تفتخر بهن بيروت، ومن خلال الحجاب الكثيف أطل بهن على هذا المجتمع حيث تراكمت ~~أنقاض ماضينا المظلم، وقال لهن: لكن من نفوسكن النيرة ما يقيكن العثرات. تقدمن في ~~طريق النور. # يعتقد البعض أن من يقول للمرأة المسلمة أن تساعد في ترميم الوطن المتهدم إنما هو يدفعها ~~إلى نزع الحجاب. هذا البعض مخطئ في ظنه لأن مسألة الحجاب في نظر من يجاهدون مسألة جزئية لا ~~تستحق أن يقف عندها مفكر. # المهم هو أن يكون عندنا نساء يعرفن ما عليهن من الواجبات، وما لهن من الحقوق؛ ولأجل ~~هذا الأمر وضع أحمد مختار حجر الزاوية في النهضة النسائية الإسلامية. # فإذا ما جاء اليوم الذي تصبح فيه المرأة كائنا كاملا عليه واجبات وله حقوق، تذكر الأمة ~~فضل الرجل الذي خدمها بإخلاص. # وكأني بكم تقولون: «ألعلنا ناسون فضل الرجل؟ فإذا كنا غير مقرين بفضله، فما معنى ~~اجتماعنا لتكريمه؟» # أيها السادة، ما تمكنت السنة الماضية من حضور الحفلة التذكارية التي أقامها نادي السيدات ~~للفقيد الكريم، على أنني أرسلت كلمة جاء فيها: إذا أردتم أن تكرموا الرجل فكملوا العمل ~~الذي بدأ به، فحرام أن تموت هذه النهضة بموت أحمد مختار. # والآن أراني أتردد بقول هذه الحقيقة المؤلمة، وهي أن الحفلات التأبينية قليلة الفائدة إذا ~~كانت النهضة لا تزال حيث كانت. إذا رجع كل منكم إلى نفسه، أنتم الذين تكرمون الفقيد وتعرفون ~~قيمة العمل الذي بدأ به، إذا رجع كل منكم إلى نفسه وسألها: ماذا فعلت في البناء الجديد؟ ~~يأخذ جوابا: لا شيء. # أيها السادة، لا شيء! فالنادي لا يزال حيث كان، والمدرسة حيث كانت، # 3 # والمصنع حيث كان. إن الوقوف في علم الاجتماع يعني التأخر؛ لأن من لا يركض في ~~عصر الطيران هذا يدعى واقفا، ومن يقف يرى جماهير ms095 الراكضين تسبقه، ومن يسبق فهو ~~متأخر. # أيها الكرام، لا أقصد هنا أن أطرق موضوع النسائيات الذي لا نبحث فيه لسوء الحظ إلا لنتكلم ~~عن التافهات؛ كموضوع الملابس القصيرة أو الطويلة إلى آخر ما هنالك من الجزئيات التي نلهو ~~بها؛ إذ ليس لنا ما نلهو بسواها. # هل نحن نريد حياة استقلالية كاملة؟ هل نريد هذه الحياة حقيقة أم نريدها بالكلام - كما ~~نريد كل شيء؟ # لا حياة كاملة بدون نهضة قومية، ولا نهضة قومية بدون نهضة فكرية. ونهضة فكرية يقوم بها ~~الرجل وحده تدعى نصف نهضة؛ لأن النصف الثاني الذي يتألف منا، نحن النساء، لا يزال لسوء الحظ ~~مقعدا كسيحا. # لنذكر كلما جاء ذكر الفقيد - وما أكثر ما تذكرونه - أننا على باب حياة جديدة، وأن علينا ~~أن نعمل كل يوم، بل كل ساعة، بل كل دقيقة. لنذكر أننا نطالب بحقوق الشعوب الحية، فلنعمل ~~عملا واحدا يدل على الحياة. # | تحية النهضة1 # رأيت منذ أمد الشاعر الأديب ميشل أبي شهلا، فقال: نطلب خطابا لجمعية النهضة الأدبية، ~~قلت: ودعت المنابر منذ سنوات، قال: كلمة في الحي الذي نشأت فيه، قلت: بعيني الحي ومن فيه، ~~وفي إنسانها منزلة القائمين بهذه الحركة المباركة. # فيا أهل الحي، سلام، وإذا ألقيت سلامي عليكم، فإنما أنا ألقيه على أفراد العشيرة التي عشت ~~بينها أياما جميلة أبقت في قلبي أعذب وأجمل وأحسن ما يحفظ في تلافيف الذاكرة. # كل شجرة من هذا الحي، وكل عطفة فيه، وكل بيت من بيوته، وكل حفنة من رماله، وكل رنة من ~~ناقوس معبده هي أناشيد خالدة أسمعها كل مرة أزور الحي، ولها في أذني طلاوة، وفي قلبي عذوبة، ~~وفي نفسي عبادة. # وكيف لا أذكر المكان الذي يضم رفات والد صالح بكل ما في كلمة الصلاح من المعنى، ورفات ~~والدة نشيطة صبورة حنون كانت صورة حية للمثل الأعلى. # إن هذه البقعة من الأرض تذكرني بالحياة البسيطة التي عشناها بالأمس كلنا، والتي ذهبت من ~~هذه البلاد ولن تعود. تلك الأيام نذكرها بشيء من التوجع؛ إذ كنا فيها بعيدين ms096 عن الأفكار ~~الغربية، وعن تيار المدنية الحديثة المندفع كالسيل الجارف. # أيها الكرام، لن أقتل الآن وقتكم بما لا يفيدكم، فمن التذكارات القديمة سأستخلص ذكرى ~~واحدة أبني عليها موضوع حديثي معكم. # أذكر من طفوليتي المدرسة الصغيرة الابتدائية، ورئيستها الفاضلة التي هذبتني وهذبتكم، ~~ومما أذكره جليا هو التأثير العميق الذي كانت تتركه في نفسي زيارات السيدات الإفرنجيات ~~لمدرستنا، وزيارات الطبيب الإفرنجي لبيتنا، وزيارات السيدات الإنكليزيات لبعض تلميذاتهن ~~القديمات، وأذكر - وهنا يغشى أفكاري ضباب - عائلة إنكليزية كانت ترسل أولادها إلى المدرسة ~~التي كانت فيها حيث كنا كلنا، معلمات وتلميذات، ننظر إلى هؤلاء الأولاد كما لو كانوا أولاد ~~آلهة. # واليوم أرجع إلى نفسي وأسألها عن مصدر هذه السطوة التي كانت للإفرنج علينا ونحن صغار، تلك ~~السطوة المعنوية المحتلة نفوسنا قبل الاحتلال العسكري لبلادنا بزمن مديد. # مصدر هذا التسلط المعنوي هو شعورنا بأننا دون الغربي تهذيبا وعلما، فهل هذا صحيح؟ وهل ~~نحن دونهم حقيقة؟ وإذا كان من فرق بيننا وبينهم، فهل هو عظيم بهذا المقدار حتى نحني الركب ~~ونعفر الوجوه؟ # لسنا دونهم في التهذيب النفسي الخصوصي، ولكننا دونهم في التهذيب بمعناه المطلق؛ أي في ~~التهذيب العلمي والاجتماعي. # والفرق بيننا وبينهم كبير وصغير. هو كبير إذا بقيت حياتنا فوضى. # ووطنيتنا أديان ومذاهب وطوائف، وأحزابنا شخصية نفعية، وهو صغير إذا وضعنا الجهاد نصب ~~عيوننا وقلنا: حي على النظام، وعلى العمل، وعلى الفلاح. # وكم يمتلئ قلبي سرورا عندما أرى هذه الفئة العاملة، أبناء هذا الحي العزيز، ينتظمون ~~جماعة ويؤلفون نهضة حية غايتها الإصلاح والتهذيب. # أيها السادة والسيدات، لا حياة لنا بدون نهضة أدبية، ولا نهضة أدبية بدون نظام؛ ففي كل ~~يوم وفي كل ساعة نشعر بفقد هذه القوة الهائلة التي يتميز بها الغربي، والتي تذوب أمامها كل ~~فضائلنا النفسية، وكل مزايانا الطيبة، وكل رغائبنا الصادقة. # كنت أتباحث مرة مع أحد الغربيين عن حالة البلاد الحاضرة، فقال لي: بلادكم لماعة غرارة ~~تضيء من بعيد كلمع السراب، لكن لا منطق في بلادكم ولا نظام، ولا هيئة معروفة يمكن وصفها، ~~معاهدكم ms097 شخصية، وجماعاتكم فردية، وأحزابكم نفعية، اكتبي وأنت كاتبة لهذا الشعب أن يتنظم، ~~تنظموا، ابنوا أساساتكم. # قلت له: لمن أكتب وليس من يقرأ؟! لقد تسممت أفكارنا بكتب الغرب، وأصبحت اللغة العربية ~~شيئا قديما لا يتنازل له أبناء هذا الجيل. # قال: اكتبي لعشرة أشخاص، اكتبي لاثنين، اكتبي لواحد، وإذا ما وجدت هذا القارئ الوحيد ~~فاكتبي للأجيال القادمة. # وسافر هذا الغربي إلى بلاده وكتب لي من هناك: «أيتها السيدة، إنني أتأسف عليك وأنت في ~~عنفوان العمر أن تدفني هبة يمكنك أن تنفعي بها أمتك، كلكم في هذا الشرق كسالى، كلكم تعيشون ~~كما لو كانت الحياة ألف عام، نصيحتي إليكم أن تؤلفوا جماعاتكم، وتؤسسوا معاهدكم.» # فيا أيها السادة، أعضاء النهضة الأدبية، لقد أثرت بي كلمات هذا الغريب فانصببت على ~~العمل، فأنا مثلكم أجرب أن أنفع أمتي بهبة أعطانيها الله، وكعاملة في حقل الأمة أحييكم إذ ~~أرى طلائع العمل في هذه النهضة المباركة، جعلها الله بنشاطكم وتألبكم واتفاقكم نواة حية ~~لحياة كبيرة تتوحد فيها أفكار هذه الجماعة؛ فتسير في الطريق الذي سارت عليها الجماعات التي ~~نحسدها. # | يا مي1 # لقد سار اسمك في الأقطار العربية فتسلطت ذاتيتك السامية على قلب كل من يقرأ الضاد، واتخذت ~~لها مكانة عالية لم تصل إليها كاتبة في العالم العربي. # هذه كلمة حق، وقائلتها فهمت معنى هذه الذاتية الجذابة، الغنية بكل مواهب العقل والقلب ~~والروح، يوم قرأت كتابك الأوحد «باحثة البادية». # كنت تعبة من كل ما كتب وما قيل، وعاجزة عن قراءة أي كتاب عربي دفعة أو دفعتين أو ثلاث. هل ~~هو ملل أو اكتفاء، أو ظماء أو جوع إلى غذاء كامل يشبع نفسي، أم أن الحياة في هبطت إلى ~~سكون لا توقظه أصوات الحياة العادية؟ لا أدري! كل ما أدري هو أنني أخذت هذا الكتاب في أحد ~~الأمساء، ولما وصلت إلى الصفحة الأخيرة منه إذا بنور القنديل يحمر أمام أنوار الفجر البيضاء ~~الداخلة من النافذة فوق رأسي، وإذا بنفسي تصرخ كما صرخ ابن نابوليون يوم لقي البطل فلامبو: ~~وأخيرا لقد ms098 ظفرت بواحد! وإذا بروح «مي» الساحرة وقد أشبعت ظمأ قلبي توقظ في روحي المستكنة ~~عوالم لا تعد ولا تحصى. # هو الكاتب الكبير يجمع المنطق والبلاغة والجزالة، أقول: آه! ما أفقر المعاجم بين أيدينا! ~~هو يجمع شلالات الحياة بكل ما في الحياة من ثروة وفيض وغنى وتجدد، ومن وثبات تهب نابضات على ~~عدد الثواني، ويطلقها على الناس فتسير كقوة خالقة تشبع وتروي، وتبعث الفكر النائم من ظلمات ~~الصمت والسكون. # هذه مي كما رأيتها في باحثة البادية، مي المخلصة، يؤلمها أن تهب حياة صديقتها ضياعا ~~فتكرس كتابا بكامله لتكريم الصداقة بعد الموت. # مي الوصافة ترسم بالكلمات: # الوجوه والآفاق والليل والكواكب، فتنبض في الألفاظ الجامدة حياة سريعة متقدة، ~~يهيجان الغضب، وأنين الشكوى، ورنين الظفر، وتهتز للألفاظ تارة كالأوتار، وتولول ~~طورا كأمواج البحر العجاج، وتهمس حينا همسا عجيبا كمبهم الآمال القصوى. # بهذه الموسيقى تصف مي الكاتب الحق، ويا حلاوتها من وصافة ما وصفت إلا نفسها! # ومي الجريئة تعالج أمور الشرق بجرأة ما عرفها الشرق، فتقبض بيدها على علة العلل، على ~~الاتكالية المهرأة، البالية، وتقول بهذه البلاغة: # كلنا معجب بفصاحة القرآن، ونعزو إليه فصاحة العربية عند المسلمين، واستقامة ~~لفظهم، وجمال منطوقهم، وفخامة أسلوبهم الكتابي؛ لأنهم يستظهرون آياته صغارا، ~~ويستشهدون بها كبارا، إلا أن فصاحة الكتاب الحكيم وجماله قد عودا القوم الكسل ~~الفكري، فصاروا إذا ما أرادوا الإفصاح عن رأي أو نظرة، أهملوا إجهاد القوى المولدة ~~مطمئنين إلى ضرب آية قرآنية، أو حكمة شعرية مثلا، تاركين قرائحهم في حالة الجمود ~~مستكنات، وعليها خيوط العنكبوت تخيم آمنات. # وما ألطفها إذ تستدرك: # بيد أن هذا الانتقاد الذي يصح على الأكثرية لا ينطبق على أقلية لبيبة، إن هي ~~استعملت الآية القرآنية عند الحاجة فإن لها أسلوبها الخاص، وقد تنسج عباراتها على ~~وزن عبارة القرآن بنزعة فطرية، واضعة ألفاظه لمعنى شخصي، وبشكل جديد يسترق السمع، ~~ويستأثر بالمخيلة قبل أن يبلغ أفق الإدراك. # وبهذا اللطف نفسه تشرح أفكار باحثة البادية فتقول في صدد تعدد الزوجات: # العجز يجعلني قاصرة دون تشخيص هذه ms099 العلل الغريبة؛ لأنني فتاة مسيحية، ومهما تفهمت ~~هذه الأوجاع بقلبي النسائي فإنها تظل عندي خيالية ليس غير. # ما ألطفها تتنصل من تشريح هذه العلة الغريبة عنها! ولكن هل هي غريبة عنها؟ وهل تعدد ~~الزوجات محصور في طائفة من الناس دون سواهم؟ المرأة مظلومة في كل مكان، ووفرة الزوجات - على ~~ما نعلم - شائعة في الغرب كما في الشرق. اسمعوا قلبها الوجيع ينتصر لنساء الأرض جميعا! ~~اسمعوه يردد زفرات نساء العالم المعذبات ويئن: # يخاف الناس ويرجون، ويكرهون ويرغبون، وظلام الأمل مخيم عليهم، فيبحثون عن ~~الأصدقاء والمساعدين والمؤيدين! ولكن أليس هؤلاء الذين نحبهم ونحتمي في قلوبهم من ~~مكايد الأيام هم الذين يسكبون سيال الألم في كئوسنا صرفا، ويتفننون في التعذيب ~~كأنما الطبيعة ائتمنتهم على أسراره. # أما كاتبة هذه السطور التي تجرب اليوم في خمس دقائق أن ترسم خطوطا صغيرة لذاتية مي ~~الكبيرة، فإنها تعبد هذا السحر الحلال. # ومي الوديعة تتكلم في الأدب والشعر والاجتماع والعمران، تتكلم عن اطلاع جم وعلم صحيح، ~~برسوخ ومتانة لا يفوقها فيهما أقوى الرجال حجة، ولكنها في كل مواقفها أديبة. أديبة ما ~~سمعتها تتكلم إلا وفي صوتها رنة استفهام عميقة وكأني بها تقول: «لعلي مخطئة». بهذه الرقة ~~تتقدم مي إلى المواضيع التي عالجها قاسم أمين فهز وادي النيل تلك الهزة العنيفة، فتبدي ~~رأيها ولكن بعد أن تقول: # ليس لي رأي إزاء ما يرتئيه أساطين المسلمين. # ومي الصادقة الصريحة تقول الحق لأنها تعتبره حقا وإنصافا، تقوله صراحا بدون محاباة، ~~لا تراعي فيه حتى ولا المحبة، كذا تقابل بين الباحثة وقاسم أمين. وهذه المقابلة مع ما سبقها ~~من البرهان، وما تبعها من الاستنتاج، هي آية في الإبداع خلاصتها أن الباحثة تصلح كامرأة، ~~وكامرأة هي مقيدة بالعادات والتقاليد، حذرة أبدا. هي تحوم فوق بيئتها، ولكنها لا تزال ~~خائفة، وما أحسن «مي» تصور لنا الباحثة وحيدة في فكرها، تصرخ وسط وحدتها لتوهمنا أنها غير ~~خائفة. # أما قاسم فهو أمين مما يقول، سلطان كصاحب الحق، شاعر بدون خوف ولا ارتعاش، إنه يقول الحق؛ ~~لذلك ms100 هو يجلس على كرسي القضاء، ويطلب تحرير المرأة حبا بالسعادة الحلال، تلك السعادة التي ~~يريدها لأمه وأخته وزوجته. # هذه هي مي أيها المواطنون، مي الوصافة، العالمة، الجريئة، الوديعة، الرقيقة، ~~الصريحة. # وهنالك «مي» ثانية تتطور مع الدقائق، وتتجدد عند كل شروق وكل غروب، تلك «مي» الجديدة بعد ~~أن زارت لبنان وساهرت نجومه في لياليه الخلابة، مي الجديدة السباقة في نشر دعوة لبنان ~~أيان يرن صوتها الرنان. أما رأيتموها تتململ وتنادي من على صحائف «الهلال» أين وطني؟ أريد ~~وطنا أموت لأجله أو أحيا به. كذا تقول مي. # وطنك يا مي هو هذا الجبل القديم الذي كان وطنا من قبل أن تتكون كلمة «الوطنية» في عقول ~~الناس. هنا وطنك، لبنان الوجيع، تغضب عليه الليالي فتحشره في كل مسألة من مسائل الشرق، ثم ~~تقتطع سهوله، ثم تميته تجويعا وشنقا. ولقبس من نور يطلع عليه، لنهلة من مياه الحياة، لرمق ~~يعاد إليه تزلزل الأرض زلزالها وهو لا يزال الشيخ الكريم يضحك من بخل الناس وصغارة الناس، ~~ويفرق على العالم الشرقي من دماء قلبه، وفلذات كبده حججا أزلية على حقه في ~~الحياة. # نعم يا مي، ليس لنا أعلام ذات خطوت وألوان ونجوم وأهلة وصلبان، إنما لنا - يا رافعة ~~العلم - أعلام سيارة تسير خفاقة فوق الهند والحجاز والعراق ووادي النيل والسين والهدسن ~~والأمازون. # ولنا أعلام قديمة مضرجة بدمائنا ودموعنا مطوية في جوف التاريخ، هي ضحايانا القديمة ~~والحديثة نحملها على أيدينا، ونريها للناس فيذكرون الوفاء. # هنا وطنك يا ابنة لبنان، فبشري بالرجوع إليه، فلا يقوم بالأوطان سوى أكتاف الرجال وقلوب ~~النساء. # هذا وطنك مجتمع هنا، صورة مصغرة، برجاله ونسائه وبناته وصحافته وأدبائه ومدارسه ومعاهده ~~وكشافته؛ ليحتفل «بميه» الوحيدة، ويشيعها بكلمة حب وحنان. # أنت وطن يا مي بحياتك الفياضة التي إذا وزعت كان منها ألف ألف حياة؛ فلا تقولي - فدتك ~~روحي: أين وطني؟ # | الإرادة عند السوريين1 # في الأزمنة القديمة يوم كانت الشعوب تعبد قوات الطبيعة الغامضة، فتصورها بشكل منحوتات ذات ~~أسماء مختلفة، كان الفينيقيون يقدسون - بنوع خاص - القوة الروحية، ms101 فمثلوها بشكل «هرقل»؛ ~~ألبسوه جلد أسد رمزا إلى القوة. # ولم تكن هذه الآلهة القومية حامية المزروعات ومفرقة الخيرات إلا رمزا ناطقا بنشاط الشعب ~~الفينيقي وإرادته وتفوقه في البحار. # وقد أقام الأقدمون لهذه الآلهة هيكلا عظيما في مدينة صور رآه هيرودوتس، ووصف عموديه ~~الشهيرين فقال: إن أحدهما من الذهب الخالص، والثاني من الزمرد، والعمودان يلمعان ليلا بنور ~~قوي ساطع. # أمام مذبح هذا الهيكل كانت وفود المدن والمستعمرات البعيدة تجيء كل سنة وتجدد قسم ~~الاتحاد، مقدمة قواها وسلاحها لخدمة الوطن المشترك. # إن تاريخ هذا الشعب الذي بدون غزاة وجيوش احتلال أخضع لنفوذه ولمدنيته شطوط وجزر البحر ~~المتوسط جمعاء، وتمكن بفضل مبادئه وتجارته من توحيد العالم القديم؛ لهو أجمل ما تمجد به ~~إرادة الإنسان، وأفصح ما يعبر به عما تأتي به من العجائب، وهو يرينا أن العالم ليس ~~للأقوياء ولا لكثيري العدد، بل هو لذوي العزم وذوي الإرادة، ويفسر لنا أسباب عظمتنا ~~وانحطاطنا، وأحقية آمالنا، ويدلنا على وسائل النهوض وأولها: إيمان ثابت، وإرادة ~~مطلقة. # هذا ما يقوله لنا كل فصل من فصول التاريخ، وكل صفحة من صفحاته. # إن نزعات إرادتنا خلال الدهور هي التي خطت لنا طريق الصعود أو الهبوط، ارتفعنا بارتفاع ~~الإرادة وسقطنا بسقوطها. # ولعل الشبيبة المجتهدة المصغية إلي تقول: ألا يكفينا العلم للصعود إلى القمة؟ # أقول: لا يا أحبائي! العلم الذي يفرقه عليكم أساتذتكم بمقدرة نادرة وإخلاص لا يعرف الملل ~~إن هو إلا منارة تنير بحر حياتكم، ولكن العلم لا يضيع المجذاف في يدي البحار، ولا يجر ~~القارب إلى المرفأ الأمين. العلم لا يشدد عضلات الرجال، ولا يقوي نفوسهم الخائرة ليصادموا ~~ويقاوموا عجاج الزوابع العاصفة، يقول هوراس في قصيدة: # يقتضي أن يكون ذا قلب مدرع بثلاثة دروع من الفولاذ ذلك الرجل الأول الذي اقتحم ~~غضب البحار على قارب ضئيل. # ولكن الشاعر تناسى أن أول بحار جابه الأمواج كان من أبناء صور أو صيدا، وأن قلبه ~~المدرع إنما كان قلبا فينيقيا، وأن درعه المثلث كان تلك الإرادة الفينيقية التي لا ~~تغلب. # أيها ms102 السادة، عندما نرى قواعد هيكل بعلبك، تلك الأصلاد المرمرية القائمة إلى علو عشرين ~~مترا بثخن أربعة أمتار، عندما نفتكر أن هذه الصخور قطعت أولا من أماكن بعيدة، ثم رفعت ~~عشرة أمتار فوق الأرض، عندما نتأكد - وذلك بحسب تقدير العلماء - أنه يقتضي لجر إحدى هذه ~~القواعد مسافة متر واحد جهود أربعين ألف رجل يشتغلون معا، نتساءل إذا كان هذا الهيكل صنعه ~~شعب جبار، أو صنعه رجال فوق الرجال. # أمام هذه الخرائب يقف كاتب إفرنسي ويعترف - مجبرا - أن القوة المادية إنما هي نتيجة ~~القوة الروحية، وأن الجهود التي صرفها عمال هيكل بعلبك إنما كانت تتناسب مع قوتهم الأدبية، ~~ثم يتساءل هذا الكاتب عما إذا كان يمكن لشعوب هذا العصر الضعيفة الأعصاب أن تأتي بمثل هذه ~~العبقرية المولدة لهذا الغرائب. # من العبث أيها السادة أن نبحث إذا كان أجدادنا استعانوا بالبخار أم بالكهربائية. إن القوة ~~التي حركت ورصفت بهذا التوازن هذه الأعمدة العظيمة لم تكن قوة مادية فحسب، فهيكل الشمس ~~ومدينة تدمر المشيدة في قلب الصحراء هما شاهدان قائمان يشيران إلى الأوج الذي بلغته ~~الإرادة السورية. # وقد قدس أجدادنا إرادتهم الحرة ففضلوا الهجرة، كما يفعل أولادهم من بعدهم، على الإقامة ~~في ظل سلطة مقيدة، معتقدين أن ظلاما يقيدون إرادة البشر، وأشرارا ينكرون عليهم وجودها، ~~إنما هم رجال سقطوا عن مستوى الرجال. # تعرفون حكاية طاليس الفينيقي، أحد حكماء اليونان السبعة، الذي بحسب قول أرسطوطاليس كان ~~أبا الفلسفة. كان طاليس هذا مدعوا إلى مائدة أماسيس، مغتصب عرش مصر، فأخذ الحضور يتكلمون ~~عن طبيعة الحيوانات، ولما سئل طاليس عن رأيه أجاب: # إن أشر الحيوانات البرية هو المستبد، وأقدر الحيوانات الداجنة على الأذى هو ~~المداهن. # الإرادة تكيف الكائن البشري وتميزه عن الحيوانات والنباتات التي لا تعيش إلا لنفسها، ~~بالإرادة يقاوم الإنسان أمياله، ويسير مستقبله في طريق حرة، يقولون: إن من يريد ينال، بل ~~ينال كل شيء. # إنما الإرادة تفسر بالعمل، والعمل يقتضي له بذل الجهود؛ لذا لا نندهش عندما نرى من لا ~~يبذل جهدا يئوب بالخيبة؛ فالمشروعات ms103 البشرية التي كان نصيبها الحبوط هي التي رافقها إفلاس ~~إرادة القائمين بها. # إن تنفيذ الإرادة يتطلب جهدا كبيرا، وبدنا قويا سليما، ولكن الكثير من الرجال ~~يتغلبون على بنيتهم الضعيفة بروحهم القوية، منهم بوزيدونيوس السوري، أستاذ شيشرون والموحي ~~إليه رسائله الجميلة في الألوهية، والقدر، وطبيعة الآلهة. هذا الفيلسوف كان مصابا بداء ~~النقطة، فيوما جاءه بومباي خصيصا ليسمع تعاليمه، وبينما هو يتكلم فاجأه عارض من أعراض ~~مرضه المبرح، فغالب الألم وصرخ: # مهما تفننت في تعذيبي فلن تجبرني على الإقرار بكونك داء. # هذا مثال من قوة إرادة لم يكتف صاحبها بالتبشير بها، بل علمها بالمثل الحي. # قد نتساءل: لم فارق العزم شعوب هذه البلاد؟ وما هي أسباب هذا الانحطاط المؤلم؟ وماذا حل ~~بسبيكة الذهب فتحولت إلى رصاص؟ # لنعترف بدائنا مع اجتناب الغلو ما أمكن. # التبر الذي تركه الجدود لم يزل تبرا، ولكنه دفن في أرض رطبة فغطته النفايات والأوساخ، ~~لقد رمانا الحكم الغابر في جمود عميق فتأكل الصداء عضلاتنا وأوصالنا، وأنقص من مقدرتنا ~~على الدفاع. # أيها السادة، كيف يمكن أن يكون غير ما هو كائن؟ إن شأن الأمم ليس كشأن تلك الغادة ~~الخرافية التي نامت في الغابة مائة سنة، وأفاقت فإذا هي لم تزل غضة جميلة، وإذا بالغاب لم ~~يزل مخضلا. إن سباتنا الطويل قد ترك فينا الغضون، ومزروعاتنا المهملة لم تلمسها قوة ~~السحر، ولم تبق لها ازدهار الربيع. # بينما نحن نغط في سباتنا، تداعت جسورنا ومعاهدنا، وانهالت الأتربة فملأت ~~مرافئنا. # لم يصف كاتب موات الأشياء حولنا كما وصفه لامرتين يوم ألقت سفينته مرساتها في ميناء صيدا، ~~فذكر الزمن الغابر، وذكر الأرصفة المرمرية وقد تزاحمت فيها أشرعة السفن كسرب النسور، ثم ~~فتش عن المدينة البحرية العظمى، ولما لم يجد إلا صقالة صغيرة متداعية صرخ: # كيف نسحق بقوة خلودك يا إله الدهور؟ # هو الرق كفن بالتراب هذه البقعة المخصبة، وصوب سهامه إلى إرادة شعب فأرداه مشلولا، ~~فإذا ما تزعزع هذا الكابوس يوما كان النشاط القومي يستفيق، وإذا ما رومية ارعوت ومنحت لبعض ~~مدن السواحل ms104 حق الجنسية الرومانية، أو أشركت أبناءها في الحكم؛ كان النبوغ السوري يفتح له ~~سبيلا، ويشرف بلادا أنجبته، وبلادا عرفت كيف تستفيد منه ...! # أراد تراجان أن يخلد اسمه فاستعان بمهندس سوري دمشقي، اسمه أبولودور، فرسم له خطة موقعة ~~من أمجد مواقعه، وأنشأ له على نهر الدانوب جسرا هائلا، وشيد له معاهد الفن الروماني ~~الخالد ، ومنها قوس النصر وعمود تراجان في رومية. # كذا نبغت جوليا دونا الحمصية السورية ذات الجمال والذكاء السامي، فتسلطت على زوجها - وهو ~~جندي أفريقي - ودفعته إلى اقتحام الأرجوان الروماني. وبفضلها حكم أمبراطرة سوريون من عائلة ~~سيفير مملكة تعد مائة مليون نفس، وبفضلها دعا هؤلاء الأمبراطرة ثلاثة من فقهاء بيروت وحمص ~~وصور، وهم: بابنيان والبيان وبولس، إلى استلام أسمى الوظائف القضائية؛ أي وظيفة قاضي ~~القضاة، فأوصلوا الشرع الروماني بعلمهم وقضائهم إلى ذروته العليا. # من يدري ما كان حل بهؤلاء الفقهاء، ومنهم واحد استحق لقب أمير المشترعين، لو عاشوا في ~~زمن الاستبداد والجهل؟ # ربما كان بابنيان أفندي تمكن من أن يصير رئيس كتبة في إحدى المحاكم، هذا لو جمل خطه إلى ~~الحد الأخير. # وكان البيان أفندي ينال وظيفة عضو بداية، إذا هو لجأ إلى ذوي النفوذ وتحاشى غضب رئيس ~~المحكمة، أما بولس أفندي فربما كان يتوصل إلى وظيفة مدير إجراء إذا تزوج بابنة أحد كبار ~~الموظفين. # أيها السادة إذا وجب على الإنسان أن لا يفاخر بنقائصه، فقد وجب عليه على الأقل الإقرار ~~بها. إن للمستبدين بنا، إن للذين كبلوا قوانا وسيرونا إلى المهاوي شركاء في الجريمة هي: ~~انقساماتنا، ومنافساتنا، وتطاحننا بعضنا ببعض. # كثيرا ما سبكنا حديد أغلالنا وسلاسلنا بأيدينا فأدخلها الظالمون في أعناقنا وهم واثقون ~~بأن انقساماتنا تضني قوانا، فلا نتمكن من تكسير القيود. إن الرق الاختياري الذي ضرب علينا ~~بعد الرق الإجباري هو أشد أنواع العبودية؛ لأنه يستمد غذاءه من تخاذلنا. # واليوم وقد تحررنا فماذا ننتظر، إن الاستقلال الحقيقي الذي ينشده الناس لا تلده المعاهدات ~~الدولية ... الحرية الحقيقية التي تمكن الشعوب من السيادة على نفسها هي حرية الإرادة، وهذه ms105 ~~تنال بالتربية الثابتة وبالجهود المتتالية. الحرية لا تنال بسن دستور جديد، ولا بإنشاء مجلس ~~نواب. # لكي نتخلص من «التحكم» يجب أن نتحكم في إرادتنا، وفي نزعاتنا، وفي عاداتنا، تلك ~~المتمكنة منا والمخضعة إيانا كالعبيد. # يجب أن نتغلب على الأفكار المضرة التي سببت بلاءنا في الماضي وجعلت لكل مذهب، ولكل ~~طائفة قومية خصوصية، ثم ضربتها بعضها ببعض فقضت على فكرة الوطن، ومنعتنا من أن ننشأ ~~كأمة. # لنقو في هذا السبيل جمعياتنا العلمية والوطنية؛ ولنضم إليها كل ما في الأمة من نشاط ~~وذكاء ومقدرة بدون تمييز في الاعتقاد ليتم لنا التقرب ثم الامتزاج، فمتى اجتمعنا وعملنا ~~معا سرنا نحو التآخي، وبالاجتماع والعمل نعرف حاجات بعضنا، ونسير ببطء نحو غاية الكمال ~~المشتركة. # لنمش ولا نخشى النميمة والحسد، هل يحجم الجندي عن الهجوم خشية أن يجرح، ومن ذا يقول: إن ~~الحسد هو سلاح جارح؟ أوليس هو داء مثل سائر الأدواء، وصاحبه أولى بالرحمة؟ لكي نتخلص من ~~جمود ومن شلل روحي بهما نضام؛ علينا أن لا نكتفي بالإرادة الناقصة والعلم الناقص. ولكي ~~نتقي العثرات وما تجره من اليأس؛ علينا أن نوحد جهودنا، ولا نخلط بين التمني الذي لا يكلف ~~شيئا، وبين الإرادة المولدة التي تتطلب جهودا متتابعة وضحايا عظمى. # أيها السادة، لا يكفي أن نتمنى لبلادنا الفلاح والاستقلال، يجب أن «نريد» ذلك «ونريده» من ~~كل قوانا. # وأحسن شعار يمكننا أن نتخذه لنا كلمة زوج جوليا دونا إلى قواده وهو على سرير الموت؛ وهي: اشتغلوا. # | ختام # اشتغلوا، اشتغلوا! # كذا يصرخ الأستاذ إده من فوق منابر بيروت. # ما أجمل هذه الكلمة! وما أحسنها آية يختم بها كتاب أهديه إلى أمتي العزيزة! # وكلي شوق ورجاء أن أسير في طريق المعرفة، وأن أستنير بقبس من نور المحبة؛ محبة البلاد ~~وأهلها، حتى أحسن الخدمة في حياتي الكتابية. ~~••• # أكتب هذه الصفحة الأخيرة يوم المولد النبوي الكريم، أكتبها وأصوات التهليل ترن في أذني. ~~هو العيد الأول في حياتنا الوطنية، هو العيد الأول تمشي فيه راية المحبة - هلال يحضن ~~صليبا - تمشي خفاقة فوق ms106 رءوس الشبيبة المسيحية السائرة إلى الجامع، للمرة الأولى، ~~للاحتفاء بالعيد. # هي نسمات طاهرة أضمها إلى هذه النسمات. # هي صفحة ذهبية جاءت اليوم عفوا، وجلست في منتهى هذا السفر الصغير. # إنها صفحة جميلة، إنها صفحة مباركة. ~~••• # اشتغلوا، اشتغلوا! الطبيب في طبه، والمهندس في زراعته، والأديب في أدبه. # وعندما نرتاح من أشغالنا ونأوي إلى بيوتنا ؛ لنذكر غرسة صغيرة زرعناها معا يوم المولد ~~الكريم. # تلك هي غرسة التفاهم والمحبة. # لنسقها من دموعنا، من دموع فقرنا، وجهلنا، وذلنا، ولنحلها في مرتفع لائق، منظور، ~~حتى نراها في كل آن ونسمعها تقول: تفاهموا، واتحدوا. # سلمى # بيروت 23 تشرين الأول سنة 1923 ms107