######OpenITI# #META# URI: 1373AhmadAmin.FajrIslam.Hindawi92024806 #META# Tags: history #META# ID: 92024806 #META# Title: فجر الإسلام #META# AuthorID: 20953090 #META# Author: أحمد أمين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الجزء الأول: العرب في الجاهلية‏ # 1 - جزيرة العرب‏ # 2 - اتصال العرب بمن جاورهم من الأمم‏ # 3 - طبيعة العقلية العربية‏ # 4 - الحياة العقلية للعرب في الجاهلية‏ # 5 - مظاهر الحياة العقلية‏ # مصادر هذا الباب‏ # الجزء الثاني: الإسلام‏ # 6 - بين الجاهلية والإسلام‏ # 7 - الفتح الإسلامي، وعملية المزج بين الأمم‏ # مصادر هذا الباب‏ # الجزء الثالث: الفرس وأثرهم‏ # 8 - دين الفرس‏ # 9 - الأدب الفارسي‏ # مصادر هذا الباب‏ # الجزء الرابع: التأثير اليوناني - الروماني‏ # 10 - النصرانية‏ # 11 - الفلسفة اليونانية‏ # 12 - الأدب اليوناني والروماني‏ # مصادر هذا الباب‏ # الجزء الخامس: الحركة العلمية وصفها ومراكزها‏ # 13 - وصف الحركة العلمية إجمالا‏ # 14 - مراكز الحياة العقلية‏ # مصادر هذا الباب‏ # الجزء السادس: الحركة الدينية تفصيلا‏ # 15 - القرآن وتفسيره‏ # مصادر هذا الفصل‏ # 16 - الحديث‏ # أهم مصادر هذا الفصل‏ # 17 - التشريع‏ # مصادر هذا الفصل‏ # الجزء السابع: الفرق الدينية‏ # 18 - الخوارج‏ # 19 - الشيعة‏ # 20 - المرجئة‏ # 21 - القدرية أو المعتزلة‏ # أهم مصادر هذا الباب‏ # أهم الأحداث في ذلك العصر‏ # الجزء الأول: العرب في الجاهلية‏ # 1 - جزيرة العرب‏ # 2 - اتصال العرب بمن جاورهم من الأمم‏ # 3 - طبيعة العقلية العربية‏ # 4 - الحياة العقلية للعرب في الجاهلية‏ # 5 - مظاهر الحياة العقلية‏ # مصادر هذا الباب‏ # الجزء الثاني: الإسلام‏ # 6 - بين الجاهلية والإسلام‏ # 7 - الفتح الإسلامي، وعملية المزج بين الأمم‏ # مصادر هذا الباب‏ # الجزء الثالث: الفرس وأثرهم‏ # 8 - دين الفرس‏ # 9 - الأدب الفارسي‏ # مصادر هذا الباب‏ # الجزء الرابع: التأثير اليوناني - الروماني‏ # 10 - النصرانية‏ # 11 - الفلسفة اليونانية‏ # 12 - الأدب اليوناني والروماني‏ # مصادر هذا الباب‏ # الجزء الخامس: الحركة العلمية وصفها ومراكزها‏ # 13 - وصف الحركة العلمية إجمالا‏ # 14 - مراكز الحياة العقلية‏ # مصادر هذا الباب‏ # الجزء السادس: الحركة الدينية تفصيلا‏ # 15 - القرآن وتفسيره‏ # مصادر هذا الفصل‏ # 16 - الحديث‏ # أهم مصادر هذا الفصل‏ # 17 - التشريع‏ # مصادر هذا الفصل‏ # الجزء السابع: الفرق الدينية‏ # 18 - الخوارج‏ # 19 - الشيعة‏ # 20 - المرجئة‏ # 21 - القدرية أو المعتزلة‏ # أهم مصادر هذا الباب‏ # أهم الأحداث في ذلك العصر‏ # | فجر الإسلام # | فجر الإسلام # | يبحث عن الحياة العقلية في صدر الإسلام إلى آخر الدولة الأموية # تأليف ms001 # أحمد أمين # | مقدمة الطبعة الثانية # | بسم الله الرحمن الرحيم # بقلم أحمد أمين # يناير 1933 # الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. # ظهرت الطبعة الأولى لهذا الكتاب نحو أول سنة 1929، وكان ما لقيته من الباحثين من أهل ~~العربية والمستشرقين أكبر مشجع لعملي، فقد نقدوه وقرظوه، وانتفعت بما أبدوه من آراء قيمة في ~~نقده وتحليله، أذكر منهم الأستاذ مصطفى عبد الرازق، والدكتور عبد الوهاب عزام، والدكتور ~~برجستراسر، والدكتور شادة، والأستاذ مرسيه، والأستاذ جعفري. # وكنت أود أن أتوسع في بعض فصوله وأزيد فيه فصولا لم تكن، وأحكي آراء الباحثين من ~~المستشرقين فيما ذهبوا إليه أخيرا، ولكن اشتغالي في إخراج «ضحى الإسلام» منعني من تحقيق كل ~~رغبتي فحققت من ذلك ما استطعت، وزدت في هذه الطبعة بعض أمثلة عثرت عليها أثناء قراءتي، ~~وأوضحت بعض ما غمض، وصححت ما عثرت عليه من خطأ في الطبع أو في الرأي، والله أسأل أن ينفع به ~~كما نفع بأصله. # الجزء الأول # | العرب في الجاهلية # الفصل الأول # | جزيرة العرب # ليست جزيرة العرب وحدها هي مسكن العرب، فقد كانت لهم مساكن فيما حولها، ولكن كانت ~~الجزيرة مسكن أكثرهم، وأهم مساكنهم، فأضيفت إليهم. # وهي إقليم في الجنوب الغربي من آسيا، يحد من الشمال ببادية الشام، ومن الشرق بالخليج ~~الفارسي وبحر عمان، ومن الجنوب بالمحيط الهندي، ومن الغرب بالبحر الأحمر. # وهي أعلى ما تكون غربا ثم تنحدر إلى الشرق إلا عند عمان؛ وليس فيها أنهار دائمة ~~الجريان، ولكن أودية يجري فيها الماء حينا ويجف حينا. # أكبر جزء فيها صحراؤها في وسطها، وليست طبيعة هذه الصحراء متشابهة، بل متنوعة أنواعا ثلاثة: ~~(النوع الأول): # الصحراء المسماة بادية السماوة، وقريب من مدلولها ما يسمى اليوم ~~«صحراء النفود»، (وهو اسم لم يكن يعرفه العرب)، وهي في الشمال، وتمتد ~~نحو 140 ميلا من الشمال إلى الجنوب، و180 ميلا من الشرق إلى الغرب؛ ~~ورمالها غالبا وعساء # 1 ~~، ليس بها إلا القليل من آبار وعيون، والسير فيها شاق عسير ~~لطبيعة أرضها، ولأن الرياح تلعب برملها فتجعل منه كثبانا ووهادا؛ ms002 ~~تمطرها السماء شتاء فينبت في بعض بقاعها نبات صحراوي، وأزهار صغيرة ~~مختلفة الألوان؛ وأغلب سكانها بدو يرحلون عنها صيفا إلى التخوم لجدها ~~وقيظها، ثم يأتون إليها شتاء لرعي إبلهم وشائهم. # جنوبي بادية السماوة ما يسمى الآن جبل شمر، وهو هلالي الشكل ~~محدودب إلى الجنوب مناخه معتدل ، وأمطاره غزيرة، وأعشابه كثيرة، ~~نثرت فيه جملة قرى وبلدان؛ وهذا الجبل هو المعروف عند العرب بجبل طيئ، ~~وهما: أجا وسلمى، سمي بشمر وهو فرع حديث من فروع طيئ. ~~(النوع الثاني) من الصحراء: # صحراء الجنوب، وتتصل ببادية السماوة، وهي تمتد شرقا حتى تصل إلى ~~الخليج الفارسي، وقد قدرت مساحتها بخمسين ألف ميل مربع؛ وأرضها ~~غالبا مستوية صلبة، انتثرت حصباؤها، وتموجت رمالها، وإذا نزل المطر ~~في موسمه أنبتت الأرض كلأ، فيخرج البدو بإبلهم وشائهم ونسائهم، ويقيمون ~~نحو ثلاثة أشهر، ترعى فيها ماشيتهم، وهم يشربون من ألبانها، فإذا جاء ~~الصيف جف الزرع فعادوا إلى مواطنهم، ويغلب على هذا القسم أيضا ~~الجدب، وفي قليل من بقاعه أشجار وغابات نخيل، وقد سمته العرب جملة ~~أسماء: فالجزء الأول الذي بين شرقي اليمن وحضرموت يسمى صيهدا، ~~والذي بين شمالي حضرموت وشرقيها يسمى الأحقاف، والذي في شمالي مهرة ~~يسمى الدهناء، ويسمى الآن جميعه بالربع الخالي. ~~(النوع الثالث) من الصحراء: # الحرات؛ والحرة - كما في معجم ياقوت - «أرض ذات حجارة سود ~~نخرة كأنها أحرقت بالنار» وهذه الحرات مقذوفات بركانية تبتدئ من ~~شرقي حوران وتمتد منتثرة إلى المدينة، وتقع المدينة نفسها بين ~~حرتين؛ وهي كثيرة في جزيرة العرب عد منها ياقوت في معجمه نحوا من ~~تسع وعشرين حرة، أشهرها حرة واقم، وهي التي تنسب إليها وقعة الحرة # 2 ~~. # إذا نحن عدونا الصحراء وجدنا غربي جزيرة العرب يتألف من جزأين: الحجاز شمالا واليمن ~~جنوبا، والحجاز يمتد من أيلة (العقبة) إلى اليمن، وسمي حجازا - فيما يقولون - لأنه ~~سلسلة جبال تفصل تهامه - وهي الأرض المنخفضة على طول شاطئ البحر الأحمر - عن نجد، ~~وهي الأرض المرتفعة شرقا، والحجاز قطر فقير به كثير من الأودية، تمتلئ بالسيل غب ~~المطر، وتسير ms003 مياهه صوب البحر؛ ولكن مياهه ليست بالغزيرة؛ ومناخه في بعض بلاده معتدل ~~كالطائف، وفيما عدا ذلك حار شديد الحرارة؛ وأغلب سكانه بدو رحل، وبدوه في أيامنا هذه ~~يبلغون نحو خمسة أسداس السكان، والسدس فقط قار في القرى والمدن. # وأهمية الحجاز نشأت من وقوعه على الطريق التجاري الذي يربط اليمن ببلاد الشمال، وقد ~~رحل إليه قبل الإسلام اليهود، وأنشئوا فيه مستعمرات في خيبر والمدينة وغيرهما، وأشهر ~~مدنه: مكة وهي في واد غير ذي زرع، طولها من الشمال إلى الجنوب نحو ميلين، وعرضها من ~~الشرق إلى الغرب نحو ميل، وليس بها ماء إلا بئر زمزم؛ والمدينة واسمها يثرب، وفي ~~شماليها جبل أحد، وبها نخل كثير، وفي شماليها الشرقي خيبر، وأرضها لا تصلح ~~للزرع. # وفي جنوبي الحجاز بلاد اليمن، وهي تشمل الزاوية الغربية الجنوبية من الجزيرة، قد ~~عرفت قديما بالخصب والغنى؛ وأشهر مدنها صنعاء، وكانت مقر ملوك اليمن قديما، وبقربها ~~قصر غمدان الشهير، وفي جنوبها الشرقي مدينة مأرب مسكن سبأ، ومن مدن اليمن كذلك ~~نجران وعدن، وكان لسكان اليمن قديما علاقات بالهند والشرق الأدنى. # وفي شرقي اليمن صقع حضرموت، وهو صقع كثير الجبال كثير الوديان، وبه مدن خربة عليها ~~كتابات بالخط المسند. # وفي شرقي حضرموت «ظفار»، وهي من قديم مصدر للتوابل والطيب وبخور المعابد، ولا يزال ~~- إلى اليوم - يرسل منها إلى الهند. # وفي الزاوية الجنوبية الشرقية من الجزيرة عمان، وهو قطر جبلي على شاطئ البحر، وقد ~~اشتهر سكانه قديما بالمهارة في الملاحة؛ وفي الشمال الغربي من عمان قطر البحرين ويمتد ~~إلى حدود العراق. # والجزء المرتفع الذي يمتد من جبال الحجاز ويسير شرقا إلى صحراء البحرين يسمى ~~«نجدا»، وهو مرتفع فسيح، فيه صحراوات وجبال، نثرت فيه أراض صالحة للزراعة، وهو أصح ~~بلاد العرب وأجودها هواء. # وبين نجد واليمن «اليمامة»، وهي تتصل بالبحرين شرقا وبالحجاز غربا، وتسمى أيضا ~~بالعروض لاعتراضها بين اليمن ونجد، وقيل: إنها بلد طسم وجديس، وبها خرج ~~مسيلمة. # وبقرب الحد بين اليمامة وتهامة عكاظ ذات السوق المشهور. # ومناخ جزيرة العرب - على العموم ms004 - حار شديد الحرارة، يعتدل الليل في أراضيها المرتفعة ~~صيفا ويتجمد ماؤها شتاء؛ وأحسن هوائها الرياح الشرقية وتسمى الصبا، وكثيرا ما ~~تغنى الشعراء بمدحها وعلى العكس من ذلك ريح السموم؛ وأحسن أيامها أيام الربيع، وهي ~~تعقب موسم المطر فينبت الكلأ والعشب، ترعى الإبل والماشية. ~~••• # يسكن هذه الجزيرة العرب ، وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن العرب ومن حولهم كانوا من أصل ~~واحد، ثم تحضر من حولهم وتخلفوا هم، وقد تحضر سكان الفرات، وتحضر وادي النيل، وظل ~~العرب تغلب عليهم البداوة لما حاصرتهم جبالهم وبحارهم. # وسواء صح هذا أم لم يصح فقد تأخر العرب عمن حولهم في الحضارة، وغلبت عليهم البداوة، ~~وعاش أكثرهم عيشة قبائل رحل، لا يقرون في مكان، ولا يتصلون بالأرض التي يسكنونها ~~اتصالا وثيقا كما يفعل الزراع، بل هم يتربصون مواسم الغيث، فيخرجون بكل ما لهم من ~~نساء، وإبل يتطلبون المرعى، لا يبذلون جهدا عقليا في تنظيم بيئتهم الطبيعية كما يفعل ~~أهل الحضر، إنما يعتمدون على ما تفعل الأرض والسماء فإن أمطروا رعوا، وإلا ارتقبوا ~~القدر، وليس هذا النوع من المعيشة بالذي يرقي قومه ويسلمهم إلى الحضارة، إنما يسلم ~~إلى الحضارة عيشة القرار واستخدام العقل في تنظيم شئون الحياة. # هذه العيشة البدوية هي التي كانت سائدة في جزيرة العرب، وإن كان هناك أصقاع ممدنة ~~كصقع اليمن. # وهؤلاء البدو وأشباههم ينقسمون إلى قبائل، والقبيلة هي الوحدة التي تبنى عليها كل ~~نظامهم الاجتماعي، وهذه القبائل في نزاع دائم، وقد تتحالف القبيلة مع قبيلة أو قبائل ~~أخرى للإغارة على حلف آخر أو لرد غارة، أو نحو ذلك من الأغراض، وقد تمر الأجيال وتنسى ~~القبائل المتحدة أسماءها وشخصياتها، وتنضم تحت اسم واحد هو اسم أقواها، ثم قد يزعمون ~~فيما بعد أنهم من أب واحد وأم واحدة. # وقد عني المؤرخون بنسب القبائل وتفرعها، وألفوا فيها الكتب الكثيرة، ولكن هذه ~~الأنساب في مجموعها كانت ولا تزال مجالا للشك الكبير، «سئل مالك رحمه الله عن الرجل ~~يرفع نسبه إلى آدم فكره ذلك وقال: من أين يعلم ذلك؟ ms005 فقيل له: فإلى إسماعيل، فأنكر ذلك ~~وقال: ومن يخبره به؟» # واعتاد النسابون أن يقولوا: إن عرب الشمال من نسل إسماعيل بن إبراهيم، وعرب الجنوب من ~~نسل يقطان المسمى أيضا قحطان؛ وترجع هذه العقيدة إلى ما ورد في التوراة في سفر ~~التكوين، ويسمى أهل الجنوب عادة اليمنيين أو القحطانيين، وأهل الشمال العدنانيين أو ~~النزاريين أو المعديين، ولسنا الآن بصدد البحث في صحة هذا التقسيم، وكل الذي نريد ~~أن نذكره أن هناك فوارق حقيقية بين القسمين من وجوه: ~~(الأول): # أن القسم الجنوبي كان يعيش عيشة قرار، وتغلب عليه الحضارة، # لقد كان لسبإ في مسكنهم آية ~~جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم ~~واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور ~~، ~~وأهل الشمال تغلب عليهم البداوة وعدم القرار. ~~(الثاني): # أنهم مختلفون أيضا في اللغة، فلغة اليمن كانت تخالف لغة الحجاز في ~~أوضاعها وتصاريفها كما سنشير إليه بعد، وكانت لغة اليمن أكثر اتصالا ~~باللغة الحبشية والأكادية، ولغة الحجاز أكثر اتصالا باللغة العبرية ~~والنبطية. ~~(الثالث): # أنهم مختلفون في درجة الثقافة العقلية تبعا لما هم عليه من عيشة ~~بدوية أو حضرية، وتبعا لاختلافهم في اللغة والأمم المخالطة. # ولسنا نعني بما ذكرنا أن هذين القسمين كانا منفصلين تمام الانفصال، وأن كل قسم كان ~~يسكن بلاده ولا يرحل عنها إلى الآخر، بل كان الأمر على عكس ذلك؛ فهم يحدثوننا أن كثيرا ~~من أهل اليمن قبل الإسلام رحلوا إلى بلاد الحجاز، وقليل من أهل الحجاز رحلوا إلى اليمن؛ ~~فأما رحلة اليمن إلى الحجاز فعللوها بانهيار سد مأرب في اليمن، وتفرق سكان البلاد ~~إلى أنحاء الجزيرة، ويظن بعض المؤرخين أن من بين الأسباب التي بعثت على هذه الهجرة ما ~~أصاب اليمن من السقوط والضعف في التجارة بين القرن الثالث والرابع قبل الميلاد، على إثر ~~النشاط التجاري الذي قام به الرومانيون في البحر الأحمر في ذلك العهد، فكان ذلك ضربة ~~شديدة لتجارة اليمن، وأما هجرة أهل الشمال إلى الجنوب فقد ترجع إلى كثرة نسل القبيلة ~~وضيق موطنها بها فيضطرها ذلك إلى الرحلة. ms006 # على كل حال ذكر النسابون أن التنقل بين القبائل كان من قبل الإسلام كثير الوقوع وقد ~~كان العداء مستحكما بين العدنانيين والقحطانيين من قديم، حتى رووا أن كلا منهم اتخذ ~~لنفسه شعارا في الحرب يخالف شعار الآخر؛ فاتخذ المضريون العمائم الحمر والرايات ~~الحمر، واتخذ أهل اليمن العمائم الصفر، قال الجوهري: سمعت بعض أهل العلم يفسر بذلك قول ~~أبي تمام يصف الربيع: # محمرة مصفرة فكأنها # عصب تيمن في الوغى وتمضر # وأصل هذا العداء على ما يظهر هو ما بين البداوة والحضارة من نزاع طبيعي، وكان توالي ~~الحوادث والوقائع الحربية يزيد في العداء ويقوي بينهم روح الشر؛ ومن أوضح المثل على ~~هذا ما كان من العداء الشديد بين أهل المدينة - الأوس والخزرج - وهم على ما يذكر ~~النسابون يمنيون، وأهل مكة وهم عدنانيون، وقد استمر هذا التنافس بينهم بعد الإسلام، ~~وكان بين القومين حزازات ومفاخرات، وكل يدعي أنه أشرف نسبا، وأعز نفرا، وكان ~~اليمنيون أحق بالفخر لما لهم من حضارة قديمة وملك راسخ، فلما جاء النبي # صلى الله عليه وسلم # وهو ~~عدناني، وكانت الخلافة في قريش وهم عدنانيون، رجحت كفة العدنانيين، ويظهر أن اليمنيين ~~أرادوا أن يعيدوا شيئا من التوازن في المفاضلة، فسلكوا في ذلك جملة طرق: منها أن ~~رواتهم وقصاصهم لونوا تاريخهم القديم بلون زاه جميل، وزعموا أن قحطان ابن هود عليه ~~السلام، ومنها أنهم وصلوا نسبهم بالعدنانيين بطرق شتى، كالذي ذهب إليه بعضهم من أن ~~إسماعيل أبو العرب كلهم حتى قطحان؛ وربما كانوا هم الواضعين كذلك لنظرية تقسيم العرب ~~إلى عرب بائدة وهم قحطان وعاد وثمود وطسم ... إلخ، ويسمون العرب العرباء أو العرب ~~العاربة، أما العدنانيون فعرب في المنزلة الثانية في العربية؛ إذ يسمون عربا ~~متعربة، وبعضهم يذهب إلى تقسيم العرب إلى عاربة وهم: عاد وثمود وطسم ... إلخ، ويسمي ~~قحطان عربا متعربة، وعدنان عربا مستعربة؛ أي: أنهم في المنزلة الثالثة في ~~العربية. # يستمر النسابون فيقولون: إن قحطان أبو اليمنيين جميعا، وإنه نسل شعبين عظيمين، ~~شعب كهلان وشعب حمير، فشعب كهلان تفرع ms007 من فروع كثيرة أشهرها: ~~(1) # طيئ: # وهي تسكن الجبلين الشهيرين أجا ~~وسلمى، وهما المعروفان الآن بجبل سمر، وقد سكنتهما طيئ من قبل ~~الإسلام بقرون، واشتهر ذكرها حتى كان السريان والفرس يسمون كل العرب ~~طيئا. ~~(2) # همدان ومذحج: # وأغلبهم ظل يسكن ~~اليمن، وإلى مذحج ينتسب بنو الحارث الذين سكنوا الجنوب الشرقي للطائف، ~~وبجيلة التي كان لها أثر كبير في فتوح العراق في عهد عمر. ~~(3) # عاملة وجذام: # وكانوا يسكنون ~~بادية الشام، وإلى جذام تنتسب لخم التي أسست ملك الحيرة على الفرات، ~~وكندة التي حكمت حضرموت، ومدت سلطانها على بني أسد في اليمامة، وإلى ~~أسرتهم المالكة ينتسب امرؤ القيس. ~~(4) # الأزد: # وهم قبيلة قوية حكمت عمان؛ ~~ومنهم الغساسنة الذين أسسوا مملكتهم شرقي الشام، ومنهم أيضا خزاعة التي ~~تسلطت على مكة قبل قريش، ومنهم كذلك سكان يثرب وهم قبيلتا الأوس ~~والخزرج. # وأما شعب حمير فأشهر قبائله: ~~(1) # قضاعة: # وكانت تسكن شمالي ~~الحجاز. ~~(2) # تنوخ: # وقد نزلوا قديما شمالي ~~الشام. ~~(3) # كلب: # وكانوا يسكنون بادية ~~الشام. ~~(4) # جهينة وعذرة: # وقد نزلوا وادي ~~إضم بالحجاز، وقد عرف العذريون برقة عواطفهم وطهارة عشقهم. # كذلك يقسم النسابون عدنان إلى فرعين كبيرين: ربيعة ومضر. # فأما ربيعة فأشهر قبائلها: ~~(1) # أسد: # وكانوا يسكون شمالي وادي ~~الرمة. ~~(2) # وائل: # وهي تنقسم إلى بكر وتغلب، وقد ~~كانت بينهما حروب طويلة عقب قتل كليب كادت تفني القبيلتين جميعا؛ وإلى ~~بكر بن وائل ينتسب بنو حنيفة باليمامة. # وأما مضر فأشهر قبائلها: ~~(1) # قيس عيلان: # وهي من الشهرة بحيث ~~يطلق اسم قيس أحيانا على من عدا اليمنيين؛ وإلى قيس تنتسب هوازن ~~وسليم، وكانا يسكنان الجزء الغربي من نجد؛ وإلى قيس أيضا تنتسب غطفان، ~~وغطفان تنقسم إلى القبيلتين الشهيرتين: عبس وذبيان، وكان العداء ~~بينهما شديدا، وأشهر حروبهما الحرب المعروفة بحرب داحس ~~والغبراء. ~~(2) # تميم: # وكانت تسكن بادية البصرة. ~~(3) # هذيل: # وكانت تسكن جبالا قريبة من ~~مكة، وقد اشتهر الهذليون بكثرة شعرهم وجودته. ~~(4) # كنانة: # وهي تسكن جنوبي الحجاز، ومنها ~~قريش وهي التي كانت تسود هذا القسم. # وقد كان بين ربيعة ومضر عداء شديد ظل قرونا طويلة أدى إلى أن ms008 ربيعة غالبا كانت ~~تتحالف مع اليمنيين لمقاتلة المضريين. # هذه خلاصة لأشهر القبائل العربية ومواطنها، وقد ذكرنا أن هذه الأنساب مجال للشك؛ ~~ولكنها سواء صحت أم لم تصح قد اعتنقها العرب، ولا سيما متأخريهم، وبنوا عليها عصبيتهم، ~~وانقسموا في كل مملكة حلوها إلى فرق وطوائف حسب ما اعتقدوا في نسبهم، وأصبحت هذه ~~العصبية مفتاحا نصل به إلى معرفة كثير من أسباب الحوادث التاريخية، وفهم كثير من ~~الشعر والأدب، ولا سيما الفخر والهجاء، والإسلام جاء وكان قد تم اعتقاد العرب بأنهم في ~~أنسابهم يرجعون إلى أصول ثلاثة: ربيعة ومضر واليمن، وأخذ الشعراء يتهاجون ويتفاخرون ~~طبقا لهذه العقيدة، واستغلها خلفاء بني أمية ومن بعدهم، فكانوا يضربون بعضا ببعض مما ~~لا محل لشرحه الآن. # حالة العرب الاجتماعية؛ قدمنا أن العرب في الجزيرة كانوا قسمين: بدوا وحضر، وأن ~~البدو هو القسم الغالب. # فأما البدو فكانوا ولا يزالون يحتقرون الصناعة والزراعة والتجارة والملاحة، إنما ~~يعيشون على ما تنتجه ماشيتهم، يأكلون لحومها بعد علاج بسيط، ويشربون ألبانها، ويلبسون ~~أصوافها، ويتخذون منها مساكنهم، وإذا اشتد بهم الضيق أكلوا الضب واليربوع ~~والوبر؛ وهم يعتمدون في تغذية ماشيتهم على الطبيعة: يخرجون بها في مواسم المطر إلى ~~منابت الكلأ لترعى، فإذا انتهى الموسم عادوا إلى مواطنهم ينتظرون أن يحول الحول وينزل ~~الغيث، وإذا احتاجوا إلى غير ما تنتجه ماشيتهم تعاملوا من طريق البدل، فكانوا يستبدلون ~~بالماشية ونتاجها ما يتطلبون من تمر ولباس. # ونوع آخر اتخذوه أيضا وسيلة من وسائل العيش: وهو الغارة والسلب، يغيرون على قبيلة ~~معادية - وكثيرا ما تكون المعاداة - فيأخذون جمالهم ويسبون نساءهم وأولادهم، وتتربص ~~بهم القبيلة الأخرى ذلك فتفعل ما فعلوا، بل هم إذا لم يجدوا عدوا من غيرهم قاتلوا ~~أنفسهم؛ ولعل خير ما يمثل ذلك قول القطامي: # فمن تكن الحضارة أعجبته # فأي رجال بادية ترانا # ومن ربط الجحاش فإن فينا # قنا سلبا # 3 # وأفراسا حسانا # وكن إذا أغرن على قبيل # فأعوزهن نهب حيث كانا # 4 # أغرن من الضباب على حلال # وضبة إنه من حان حانا # 5 # وأحيانا ms009 على بكر أخينا # إذا لم نجد إلا أخانا # ومن أجل هذا كثيرا ما تضطر القبيلة التي ضعفت إلى الاحتماء بقبيلة قوية تذود عنها، ~~ولكن قل أن يدوم حلفهم أو يطول، بل سرعان ما ينتقض اجتماعهم وتنفصم وحدتهم، فينقلب ~~المتحالفون أعداء متحاربين. # ليس في البدوي خلق يؤهله للتجارة، فإذا اشترك فيها اقتصر عمله على أن يكون سائقا أو ~~هاديا للطريق أو حاميا من إغارة أمثاله. # أفراد القبيلة متضامنون أشد ما يكون من تضامن، ينصرون أخاهم ظالما أو مظلوما، يسعى ~~بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم: # لا يسألون أخاهم حين يندبهم # في النائبات على ما قال برهانا # إذا جنى أحدهم جناية حملتها قبيلته، وإذا غنم غنيمة فهي للقبيلة ولرئيسها خيرها، وإذا ~~أبت قبيلته أن تحميه لجأ إلى قبيلة أخرى ووالاها، وحسب نفسه كأنه أحد أفرادها؛ فوطنية ~~البدوي وطنية قبلية لا وطنية شعبية، وهذا الشعور بارتباطه بقبيلة يحميها وتحميه هو ~~المسمى بالعصبية. # والممعن في البداوة منهم ضعيف الإيمان بدين، قل أن يؤمن إلا بتقاليد قبيلته وما ~~ورثه عن آبائه # الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ~~ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم ~~حكيم ~~. # مثله الأعلى في الأخلاق تركز فيم سماه «المروءة»، تغنى بها في شعره وأدبه، ومن ~~الصعب أن تحدها حدا دقيقا، ولكن يصح أن تقول: إنها تعتمد على الشجاعة والكرم؛ أما ~~شجاعته فتتجلى في كثرة من نازله وقاتله، وفي مواقف دفاعه عن قبيلته، وأكثر من هذا في ~~نجدته؛ وأما كرمه فيتجلى في نحر الجزور للضيف، وإغاثة البائس الفقير، وفوق هذا أن ~~يعطي أكثر مما يأخذ، وأن «يغشى الوغى ويعف عند المغنم». # دعاهم الكرم أن يأكلوا كثيرا ويشربوا النبيذ كثيرا؛ ولكن بلاد البدو وأشباهها مجدبة ~~قليلة الإنتاج، لا تسد حاجات الكريم، فاتصلوا بأهل الشام والعراق واليمن يستعينون بما ~~يكتسبون على جدب أرضهم وقسوة إقليمهم. # والمرأة تشارك الرجل في شئون الحياة، فهي تحتطب وتجلب الماء، وتحلب الماشية وتنسج ~~المسكن والملبس، وتحيط الثياب، وهي - على الجملة - أقرب في عقليتها إلى عقلية الرجل؛ ms010 ~~ولكنها لا تغنى غناء الرجل في الحروب، والحروب عندهم أساس لحياتهم، فانحطت لذلك ~~منزلة المرأة عن منزلة الرجل، وكان في بعض القبائل وأد البنات، وكان فيهم من يقول الله ~~فيه: # وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه ~~مسودا وهو كظيم * يتوارى من القوم من سوء ~~ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ~~ألا ساء ما يحكمون ~~. ~~••• # أما الحضر من العرب فهم أرقى من ذلك كثيرا، يسكنون المدن ويقرون فيها، ويعيشون على ~~التجارة أو الزراعة، وقد أسسوا قبل الإسلام ممالك ذات مدنية كاليمن، والغساسنة في ~~الشام، واللخميين في العراق، كما سنذكره فيما يلي. # الفصل الثاني # | اتصال العرب بمن جاورهم من الأمم # شاع بين الناس أن العرب في جاهليتها كانت أمة منعزلة عن العالم، لا تتصل بغيرها أي ~~اتصال، وأن الصحراء من جانب والبحر من جانب حصراها وجعلاها منقطعة عمن حولها، لا تتصل ~~بهم في مادة، ولا تقتبس منهم أدبا ولا تهذيبا، والحق أن هذه فكرة خاطئة، وأن العرب ~~كانوا على اتصال بمن حولهم ماديا وأدبيا، وإن كان هذا الاتصال أضعف مما كان بين ~~الأمم المتحضرة لذلك العهد، نظرا لموقعها الجغرافي ولحالتها الاجتماعية. # وهذا الاتصال بين العرب وغيرهم كان من طرق عدة، أهمها: ~~(1) # التجارة. ~~(2) # إنشاء المدن العربية المتاخمة لفارس والروم. ~~(3) # البعثات اليهودية والنصرانية التي كانت تتغلغل في جزيرة العرب، تدعو إلى ~~دينها وتنشر تعاليمها، وسنذكر كلمة عن كل منها: ~~(1) # التجارة: # من قديم كانت ~~جزيرة العرب طريقا عظيما للتجارة؛ فطورا تنقل غلاتها إلى ~~ممالك أخرى كالشام ومصر، وأهم هذه الغلات البخور الذي يكثر في ~~الجنوب ولا سيما في ظفار؛ وطورا تنقل غلات بعض الممالك إلى ~~البعض الآخر؛ ذلك لأن طريق البحر لم يكن طريقا آمنا، فالتجأ ~~التجار إلى البر يسلكونه، ولكن طريق البر نفسه كان طويلا وكان ~~خطرا، لذلك أحاطوه بشيء من العناية، كأن تخرج التجارة قوافل، ~~وأن تسير القوافل في أزمنة محدودة وفي طرق محدودة. # وكان في جزيرة العرب طريقان عظيمان للتجارة بين الشام ~~والمحيط الهندي: أحدهما يسير شمالا من ms011 حضرموت إلى البحرين على ~~الخليج الفارسي، ومن ثم إلى صور؛ والثاني يبدأ من حضرموت ~~أيضا، وسير محاذيا للبحر الأحمر متجنبا صحراء نجد وهجيرها، ~~ومتجنبا هضاب الشاطئ ووعورتها، وعلى هذا الطريق الأخير تقع ~~مكة في المنتصف تقريبا بين اليمن وبطرة. # هذه الطرق التجارية أفادت العرب فائدة كبيرة، وفتحت لهم ~~بابا للرزق كبيرا، فمنهم من كان يسكن المدن الواقعة على ~~الطريق ويتاجر لنفسه، ومنهم من كان يستخدم في التجارة سائقا ~~أو حارسا أو دليلا. # ومع ميل العربي للغزو والنهب، وتهديده للممالك الممدنة على ~~التخوم، ومهاجمته لها من حين لآخر، فإن حبه للوفاء، وشعوره ~~بالشرف وتقديره للوعد الذي يصدر منه جعله يستطيع أن يتعامل مع ~~من حوله من الأمم، ويمهد الطريق لتجارة واسعة منظمة، فكان ~~كثير من القبائل يحمون القوافل من تعدي قبائل أخرى في نظير ~~جعل يأخذونه؛ وكثيرا ما يردون الجعل إذا عدا عاد على قاقلة ~~فلم يستطيعوا رده، وزاد في نجاحها علمهم بالصحراء وسبلها، ~~ومواضع الأمن والخوف فيها، وقدرتهم على تحمل القيظ وعناء ~~السير. # كانت التجارة قديما في يد اليمنيين، وكانوا هم العنصر ~~الظاهر فيها، فعلى يدهم كانت تنقل غلات حضرموت وظفار وواردات ~~الهند إلى الشام ومصر، ثم انحط اليمنيون لأسباب أشرنا إلى ~~بعضها من قبل، وحل محلهم في القبض على ناصية التجارة عرب ~~الحجاز، وكان ذلك منذ القرن السادس للميلاد، فكان هؤلاء ~~الحجازيون يشترون السلع من اليمنيين والحبشيين، ثم يبيعونها ~~على حسابهم في أسواق الشام ومصر، وقليلا ما يبيعونها في أسواق ~~فارس؛ لأن التجارة مع الفرس كانت في يد عرب الحيرة؛ وجعل عرب ~~الحجاز مكة قاعدة لتجارتهم، ووضعوا الطريق تحت حمايتهم ووصل ~~المكيون قبيل الإسلام عندما كان العداء بين الفرس والروم ~~بالغا منتهاه؛ إلى درجة عظيمة في التجارة، وعلى تجارة مكة كان ~~يعتمد الروم في كثير من شئونهم، حتى فيما يترفهون به - كالحرير ~~- وحتى يستظهر بعض مؤرخي الفرنج أنه كان في مكة نفسها بيوت ~~تجارية رومانية يستخدمها الرومانيون للشئون التجارية وللتجسس ~~على أحوال العرب، كذلك كان فيها أحباش ينظرون في ms012 مصالح قومهم التجارية # 1 ~~. # كان أشهر من يسكن مكة قبيلة قريش، وأبوها النضر بن كنانة، ~~فكل من كان من ولد النضر فهو قرشي، وقد رأى بعضهم أنها سميت ~~قريشا لاشتغالها بالتجارة، ففي لسان العرب: «وقيل: سميت بذلك؛ ~~لأنهم كانوا أهل تجارة ولم يكونوا أصحاب ضرع وزرع، من قولهم: ~~فلان يتفرش المال ؛ أي: يجمعه». # وفي الأغاني: «إن عمارة بن الوليد المخزومي وعمرو بن ~~العاص وكانا كلاهما تاجرين خرجا إلى النجاشي، وكانت أرض الحبشة ~~لقريش متجرا ووجها» # 2 ~~. # وقد ساعد قريشا على بلوغ هذه المنزلة موقعها الجغرافي، فقد ~~ذكرنا أنها تقع في منتصف الطريق، وعين زمزم تستقي منها القوافل ~~وتأخذ حاجتها من الماء، ولأن قريشا أهل الكعبة التي يدين ~~العرب بعظمتها وتقديسها # لإيلاف ~~قريش * إيلافهم رحلة ~~الشتاء والصيف * فليعبدوا ~~رب هذا البيت * الذي ~~أطعمهم من جوع وآمنهم من ~~خوف ~~. # قال الزمخشري في الكشاف: «كانت لقريش رحلتان: يرحلون في ~~الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام، فيمتارون ويتجرون ~~وكانوا في رحلتهم آمنين؛ لأنهم أهل حرم الله وولاة بيته، فلا ~~يتعرض لهم، والناس غيرهم يتخطفون ويغار عليهم، قال ~~تعالى: # أولم نمكن لهم حرما ~~آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا ~~من لدنا ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون ~~. # كان التجار يخرجون بتجارتهم قوافل عظيمة، وقد رآها «سترابو» ~~وشبه القافلة منها بجيش، وذكر الطبري أن قافلة من هذه القوافل ~~بلغت خمس مئة وألف بعير، وقال ابن هشام في غزوة بدر: «ثم إن ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # سمع بأبي سفيان بن حرب مقبلا من الشام في ~~عير لقريش عظيمة فيها أموال لقريش وتجارة من تجاراتهم، وفيها ~~ثلاثون رجلا من قريش أو أربعون، منهم مخرمة بن نوفل وعمرو ~~بن العاص»، وكانت هذه القوافل تخرج مع عظيم استعداد وكبير ~~حيطة، تتقدمها الكشافة تتعرف ما في الطريق، والهداة يهدون ~~السبيل، والحراس يخفرون القافلة. # وقد كان عرب الحيرة يتعهدون بحماية قوافل التجارة الفارسية ~~عند مرورها في العرب في نظير جعل كبير يأخذونه من الفرس، ~~ويروون أن الفرس مرة استكثروا هذا ms013 الجعل فأبوا دفعه، فهاجم ~~العرب قافلة فارسية وهزموا حماتها، وكان هذا اليوم أحد أيام ~~العرب المشهورة، ويسمى يوم ذي قار، وبه تغنى الشعراء، ~~وعدوه نصرا للعرب على الفرس. # كانت القوافل التي تذهب من بلاد العرب إلى الشام تنزل في ~~أسواق مدينة عينتها لهم الحكومة الرومانية لتحصل منهم الضرائب ~~المفروضة على «الصادرات»، ولتراقب الأجانب الذين يقدمون ~~بلادها، وكانت هذه القوافل أول ما تنزل في البلاد الرومانية ~~تنزل في أيلة، وهي المعروفة اليوم بالعقبة، ومنها تذهب إلى ~~غزة، وهناك تتصل بتجار البحر الأبيض، ومن غزة يذهب بعض ~~التجار إلى بصرى. # وقد رووا أن النبي # صلى الله عليه وسلم # سافر في هذه القوافل مرتين: مرة ~~وسنه اثنتا عشرة سنة إلى بصرى، وأخرى وسنه خمس وعشرون. ~~••• # أترى أن هذه التجارة تقتصر على تبادل العروض والنقود، ولا ~~تتعداها إلى الأمور المعنوية والأدبية؟ لسنا نرى ذلك، بل نرى ~~أن العرب استفادوا فوق تجارتهم المادية شيئا من مدنية الروم ~~والفرس وأدبهم، وهذا طبيعي، فالرحلات إلى الأمم الممدنة تجعل ~~دائما تحت أعين الراحلين مدينة جديدة يقتبسون منها على قدر ~~استعدادهم؛ ولا يزال عرب اليمن والحجاز أنفسهم في أيامنا هذه ~~يستفيدون من زيارة مصر والشام، ويأخذون من مدنيتهما وعلومهما؛ ~~بل لا نستطيع أن نصدق أن قافلة كبيرة كهذه تنتقل بتجارتها ~~العظيمة لتتعامل مع أمة أجنبية من غير أن يكون فيها أفراد ~~يعرفون لغة الذين يتعاملون معهم، ويكونون واسطة للتعارف بينهم، ~~قد تقول: إنهم كانوا يعرفون اللغة الأجنبية كما يعرفها ~~«التراجمة» اليوم، وهؤلاء ليسوا أهلا لنقل مدنية ولا أدب، ~~فنقول: قد يكون ذلك صحيحا إلى حد ما، ولكن يجب ألا ننسى أن من ~~بين الذين كانوا ينتقلون بالتجارة أعظم قريش ثروة وعقلا؛ وقد ~~رأينا فيما نقلناه أنه كان من بين رجال القافلة أبو سفيان ~~ومخرمة بن نوفل وعمرو بن العاص وهم سادة قومهم؛ ومنهم من ~~كان له يد في إدارة شئون الأمة في الإسلام بعد، فهم لا ~~يقارنون بتراجمة اليوم، وهم أكثر استعدادا لنقل مدنية بما ~~يرون من نظام في ms014 المعيشة ومبان ضخمة ومعابد، وبما يرون من ~~حكومة تشرف على الأسواق وتجبي الضرائب ونحو ذلك، وبما يسمعون ~~من قصص وأدب إذا فرغوا من تجارتهم وتنادموا، ونقل من يعرف منهم ~~اللغة حديثهم إلى من لا يعرفها، نعم إن هذا لا يكون نقلا ~~صادقا ولا ترجمة دقيقة، ولا شبه دقيقة لتاريخ أو أدب، ولا ~~يستطيع أحد أن يدعي ذلك، إنما هذه النتف التاريخية والأدبية ~~التي - تنقل وإن كانت مشوهة - لا تخلو من أثر في عقلية العرب، ~~ودليلنا الآن على هذه الاستفادة ما أخذه العرب في جاهليتهم من ~~كلمات كثيرة فارسية ورومانية ومصرية وحبشية، نقلها هؤلاء ~~التجار وأمثالهم وأدخلوها في لغتهم، وجعلوها جزءا منها، ~~وأخضعوها لقوانينها ونطق بها القرآن، وسنأتي على براهين أخرى ~~فيما بعد. ~~(2) # إنشاء المدن العربية على ~~التخوم: # إذا نحن نظرنا إلى مصور آسيا وجدنا أن ~~جزيرة العرب كانت تقع بين أعظم مدنيتين في العالم: فارس شرقا ~~والرومان غربا، وقد حاول الفرس والروم أن يخضعوا العرب ~~لحكمهم اتقاء لغزوهم وسلبهم، ولكنهم كانوا يعدلون عن ذلك لما ~~يستلزمه فتح جزيرة صحراوية من ضحايا في الأنفس والأموال، ولأن ~~طبيعة العيشة العربية جعلتهم لا يخضعون لقوة واحدة إذا تغلب ~~عليها المحارب خضعت له الأمة، بل هناك عصابات وقوات متعددة لا ~~بد لإخضاع البلاد من الاستيلاء عليها جميعا وليس ذلك باليسير؛ ~~من أجل هذا رأى الفرس والروم أن خير وسيلة لدفع شر العرب أن ~~يساعدوا بعض القبائل المجاورة على أن يقروا على التخوم يزرعون ~~ويتحضرون، ثم يكونوا ردءا لهم يصدون غارة البدو الذين يغزون ~~وينهبون؛ فتكونت إمارة الحيرة على تخوم الفرس وإمارة الغساسنة ~~على تخوم الرومان. # إمارة الحيرة: # كان العرب قديما على تخوم فارس من قبل إنشاء ~~إمارة الحيرة في تاريخ لا محل لسرده، وفي عهد سابور ~~الأول ملك الفرس (حول سنة 240م) أسس الفرس إمارة ~~الحيرة على نهر الفرات وأمروا عليها عمرو بن ~~عدي. # وكان النظام المتبع أن عرب الحيرة يقدمون ~~الطاعة لملك فارس، وهو يولي عليهم أميرا من ~~أنفسهم، وعليهم أن يحموا فارس ms015 من كل مغير من ~~نواحيهم، والفرس مقابل ذلك يعفونهم من دفع ~~الإتاوة. # وقد كان نظام الفرس إذ ذاك نظاما إقطاعيا، ~~يكاد يستقل كل وال بأمر مقاطعته، ويستمر واليا مدى ~~حياته غالبا، ويراعي الملك رغبة المقاطعة فيمن ~~يولى عليها، عكس النظام الروماني فقد كان نظاما ~~مركزيا. # وفوق هذا كان عرب الحيرة أكثر استقلالا، فهم ~~لا يرتبطون بفارس إلا بما توجبه المعاهدات عليهم، ~~وقد اعتاد ملك الفرس أن ينصب أميرا من قبيلة ~~لخم (وهي قبيلة من أصل يمني كما يذكر النسابون) ~~وإذا مات الأمير عين من يختاره من بيته. # كان عرب الحيرة إذ ذاك في رخاء يحسدهم عليه ~~غيرهم من العرب لخصب أرضهم، وغنى إقليمهم، وكانوا هم ~~الصلة بين الفرس وعرب الجزيرة، يحملون إليهم التجارة ~~الفارسية، ويبيعونها في أسواقهم، ويبشرون بالفرس ~~ومدنيتهم، وفي عهد يزدجرد الأول (399-420م) ~~أرسل الملك أكبر أبنائه (بهرام) إلى عرب الحيرة ~~لينشأ بينهم، ويتعلم الصيد، وينعم بجودة الهواء؛ ~~وذلك في عهد النعمان الأول، وكان بهرام جور هذا ~~يعرف العربية كما يعرف اليونانية، وقد نازعه على ~~الملك أخوه بعد وفاة يزدجرد، فعاونه العرب وتعصبوا ~~له؛ فلما اعتلى عرشه لم ينس ما كان لعرب الحيرة من ~~يد عليه فقربهم وأعلى شأنهم. # ويظهر أن الحيرة بلغت شأوها أيام المنذر ~~الثالث، وكان معاصرا لجوستنيان، حتى روى بعض ~~المؤرخين أنه لما عقد الصلح بين الفرس والرومان سنة ~~522م كان من شروطه أن يدفع الرومان قدرا من المال ~~لملك الفرس وللمنذر، وبعد ذلك بسنين أحس المنذر بضعف ~~الفرس فتحالف مع الرومان، ثم مال بعد إلى الفرس ~~فأسره الرومانيون ونفوه إلى صقلية. # وبعده ولي النعمان بن المنذر الخامس زوج ~~هند، وهو الملقب بأبي قابوس وصاحب النابغة الذبياني، ~~وقد غضب عليه كسرى ففر هاربا ثم لجأ إليه فحبسه حتى ~~مات، وكان ذلك حوالي 602 م، وبموته ألغت الحكومة ~~الفارسية نظام إمارة اللخميين، وولت من ~~قبلها حاكما فارسيا يخضع له أمراء العرب، واستمر ~~الحال على هذا حتى سنة 633م حين فتحها خالد بن ~~الوليد. # كان عرب الحيرة ms016 أرقى عقلا ومدنية من عرب ~~الجزيرة لتحضرهم ولمجاورتهم مدنية الفرس العظيمة، ~~واتصالهم بهم اتصالا وثيقا، وكان منهم من يعرف ~~اللغة الفارسية ويجيدها؛ ففي ابن خلدون «أن عدي ~~بن زيد (الحيري) كان من تراجمة أبرويز (ملك الفرس) ~~وأن أباه زيدا كان شاعرا خطيبا وقارئا كتاب ~~العرب والفرس» # 3 # ولا شك أن معرفة بعض هؤلاء الحيريين ~~للغة الفرس كانت واسطة لنقل شيء من حضارتهم وآدابهم ~~إلى العرب. # بل إن عرب الحيرة هؤلاء تسرب إليهم شيء من ~~علوم اليونان وآدابهم؛ ذلك أن الحكومة الفارسية في ~~عهد هرمز الأول أنشأت مستعمرات كونتها من أسرى ~~الحرب الرومانيين، وكان من بين هؤلاء الأسرى من ~~ثقف بالثقافة اليونانية، ومنهم من كان يفوق الفرس ~~في الفن والهندسة والطب فاستخدموه في مهام شئونهم، ~~ومن هؤلاء الأسرى من نزلوا الحيرة؛ ويظن بعضهم أنهم ~~هم منبع النصرانية فيها؛ وعلى كل حال فقد كان في ~~الحيرة مبشرون بالنصرانية داعون إليها، ولبى الدعوة ~~منهم هند زوج النعمان الخامس وقد أنشأت ديرا سمي ~~بدير هند كان إلى عهد الطبري. # وقد كان لعرب الحيرة وأمرائهم وتاريخهم أثر ~~كبير في الأدب العربي والحياة العقلية للعرب عامة، ~~فأحاديث جذيمة الأبرش وأساطير الزباء (وهما من ~~الحيرة قبل إنشاء الإمارة التي ذكرناها) والخورنق ~~والسدير والتغني بهما وبعظمهما، والأقاصيص حول ~~سنمار باني الخورنق والأمثال التي ضربت فيه، ~~ويوما النعمان: يوم نعيمه ويوم بؤسه، كل هذه ~~وأمثالها شغلت جزءا كبيرا من الأدب العربي، وكلها ~~تتعلق بعرب الحيرة وحياتهم، أضف إلى ذلك ما ذكره ~~«ابن رسته» في «الأعلاق النفيسة» من أن أهل ~~الحيرة علموا قريشا الزندقة في الجاهلية، والكتابة ~~في صدر الإسلام. # وكان أمراء الحيرة مقصدا لشعراء عرب الجزيرة ~~ينفحونهم بالمال الكثير ليبشروا بهم بين البدو وفي ~~أنحاء الجزيرة، وديوان النابغة الذبياني مملوء ~~بالقصائد التي قيلت في مدح النعمان والاعتذار إليه ~~ونحو ذلك. # الغساسنة: # كون الغسانيون في الشام إمارة كالتي كونها ~~اللخميون في الحيرة، ويذكر النسابون كذلك أن أصلهم ~~من اليمن، وقد امتد حكمهم تقريبا على مقاطعتي ~~حوران والبلقاء، ويظهر أنه لم ms017 يكن لهم مقر ملك ~~ثابت، فأحيانا يفهم من قول الشعراء أن الجولان ~~والجابية عاصمتهم، وأحيانا يذكرون جلق بالقرب من ~~دمشق على أنها هي العاصمة. # وعلى العموم فتاريخ الغسانيين في الشام من ~~الأمور الغامضة في تاريخ العرب، وإذا قارنا بين ما ~~رواه المؤرخون عن أمراء الحيرة وما رووه عن ~~الغسانيين وجدنا الأول واضحا مفصلا، والثاني ~~ناقصا متناقضا، فبينا حمزة الأصفهاني وأبو الفداء ~~مثلا يعدان ملوك الغساسنة واحدا وثلاثين، إذا بابن ~~قتبية والمسعودي يعدانهم عشرة أو أحد عشر، كذلك يعد ~~حمزة مدة ملك الحارث بن جبلة عشر سنين، بينا مؤرخو ~~الرومان المعاصرون يعدون ملكه 40 سنة؛ وهكذا، بل إذا ~~نحن قارنا بين ما رواه العرب عن الفرس وتاريخهم وما ~~يتصل بهم عامة، وما رووه عن الرومان وما يتصل بهم، ~~وجدنا أن ما ذكروه عن الأولين أدق وأقرب إلى الصحة، ~~وما ذكروه عن الآخرين ناقص مضطرب غير صحيح - في كثير ~~من الأحيان - ولعل السبب في هذا أن الفرس أنفسهم ~~دونوا ملكهم وملك الحيرة، وعنهم أخذ مؤرخو العرب ~~وإن لم تصل إلينا الأصول التي نقلوا عنها، وقد جاء ~~في تاريخ الطبري ما نصه: ~~«وقد حدثت عن هشام بن محمد الكلبي أنه قال: ~~إني كنت أستخرج أخبار العرب وأنساب آل نصر بن ربيعة ~~(الحيريين) ومبالغ أعمال من عمل منهم لآل كسرى ~~وتاريخ نسبهم من بيع الحيرة، وفيها ملكهم وأمورهم كلها» # 4 ~~. # أما المؤرخون المعاصرون للغسانيين فكانوا ~~يونانيين يكتبون باللغة اليونانية، وكان العرب أقل ~~اتصالا باليونانيين منهم بالفرس. # أضف إلى ذلك أن من دخل في الإسلام من موالي ~~الفرس كانوا أكثر عددا من الموالي اليونانيين، وكان ~~موالي الفرس يتعصبون لقومهم ويرون أن في حفظ تاريخهم ~~ونشره رفعة لشأنهم. # وعلى كل حال فقد كان للغسانيين إمارة بالشام، ~~وكان بينهم وبين إمارة الحيرة عداء شديد، وكثيرا ما ~~وقعت بينهم الحروب الهائلة. # وأهم أمراء الغسانيين وأول من يثق محققو ~~المؤرخين بإمارتهم الحارث بن جبلة، وقد عينه ~~الإمبراطور جوستنيان سنة 529م أميرا على جميع قبائل ~~العرب في سوريا ومنحه لقب ms018 «فيلارك ~~وبطريق Phylarch and Patricius ~~» وهو أعلى لقب بعد ~~الإمبراطور، وكان الحارث نصرانيا على مذهب ~~اليعاقبة، وكان يعد حاميا من حماة كنيستها، وقضى ~~أكثر أيام حكمه في محاربة المنذر الثالث أمير ~~الحيرة، وفي يونيه سنة 554 انتصر الحارث نصرا ~~عظيما على المنذر في قنسرين، وربما كانت هذه ~~الوقعة هي التي عرفت عند العرب بيوم حليمة والتي ~~ورد فيها المثل المشهور: «ما يوم حليمة بسر»، ~~وقد سافر الحارث هذا سنة 563م إلى القسطنطينية ~~ليفاوض الإمبراطور في شئون الحرب التي بينه وبين ~~الحيرة، وفي من يخلفه على كرسيه، ومات سنة 569 أو ~~570م. # وخلفه ابنه المنذر فغزا عرب الحيرة فانتصر ~~عليهم في وقعة «عين أباغ»، ولم يكن الإمبراطور ~~جوستين الثاني - وهو الذي خلفه جوستنيان - يميل ~~إليه، فحاول اغتياله فلم يفلح، وعلم المنذر بمكيدته ~~فثار وأبى محالفته، وظل كذلك ثلاث سنين، ثم هدد عرب ~~الحيرة تخوم الرومانيين، فاضطروا لمصالحة المنذر ~~والتعاقد معه في سنة 580، وبعد موت الإمبراطور ~~جوستين سافر المنذر بولديه إلى القسطنطينية ~~فاستقبلوا استقبالا حافلا وألبسه الإمبراطور ~~التاج، ثم ساءت العلاقة بين الغساسنة والروم لأسباب ~~يطول شرحها. # ولما غزا الفرس الروم وأخذوا منهم أورشليم ~~ودمشق (613-614م) انحط شأن الغساسنة وضعف أمرهم، ~~ويذكر مؤرخو العرب «أن آخر ملوكهم هو جبلة بن ~~الأيهم، وأن الإسلام جاء وهو على ملكه، ولما فتح ~~المسلمون الشام أسلم جبلة واستشرف أهل المدينة ~~لمقدمه حتى تطاول النساء من خدورهن لرؤيته، لكرم ~~وفادته، وأحسن عمر نزله وأحله بأرفع رتب المهاجرين، ~~ثم غلب عليه الشقاء ولطم رجلا من بني فزارة وطيئ ~~فضل إزاره وهو يسحبه في الأرض، ونابذه إلى عمر في ~~القصاص فأخذته العزة بالإثم، فقال له عمر: لا بد أن ~~أقيده منك ... فهرب إلى قيصر، ولم يزل بالقسطنطينية ~~حتى مات سنة 20ه» # 5 ~~. # وكان هؤلاء الغسانيون - على ما يظهر - أرقى ~~عقلية حتى من عرب الحيرة؛ لأنهم كانوا أقرب اتصالا ~~بالثقافة اليونانية والمدنية الرومانية، وكان شعراء ~~العرب يفدون إليهم فيحسنون وفادتهم؛ فقد وفد عليهم، ~~فيما نعرف، النابغة الذبياني والأعشى والمرقش ~~الأكبر ms019 وعلقمة الفحل؛ وفيهم يقول حسان: # لله در عصابة نادمتهم # يوما بجلق في الزمان الأول # كذلك الأدب العربي مملوء بالقصص والأساطير ~~والأمثال التي قيلت في هؤلاء الغساسنة، كالذي ذكروا ~~من حكاية امرئ القيس وإيداعه مئة درع عند السموءل، ~~فطلبها ملك من ملوك غسان فأبى أن يعطيها إياه فذبح ~~ابنه، إلى كثير من أمثال ذلك. # ويروي لنا أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني «أن ~~حسان بن ثابت دعي إلى مأدبة سمع فيها غناء رائقة ~~وصاحبتها، فلما عاد إلى بيته قال: لقد أذكرتني رائقة ~~وصاحبتها أمرا ما سمعته أذناي بعد ليالي جاهليتنا ~~مع جبلة بن الأيهم ... لقد رأيت عشر قيان: خمس ~~روميات يغنين بالرومية بالبرابط، وخمس يغنين ~~غناء أهل الحيرة، وكان (جبلة) إذا جلس للشراب فرش ~~تحته الآس والياسمين وأصناف الرياحين، وضرب له ~~العنبر والمسك في صحائف الفضة والذهب، وأوقد له ~~العود المندى إن كان شاتيا، وإن كان صائفا ~~بطن بالثلج، وأتي هو وأصحابه بكساء صيفية، ينفصل # 6 # هو وأصحابه بها، وفي الشتاء بفراء الفنك # 7 # وما أشبهه، ولا والله ما جلست معه يوما ~~قط إلا وخلع علي ثيابه التي عليه في ذلك اليوم ~~وعلى غيري من جلسائه، هذا مع حلم عمن جهل وضحك وبذل ~~من غير مسألة، على حسن وجه وحسن حديث، ما رأيت منه ~~خنا قط ولا عربدة، ونحن يومئذ على الشرك» # 8 # وهذه القصة إن صحت دلتنا على قدر من ~~الحضارة والترف - عند الغسانيين - غير يسير. ~~••• # وهنا يستوقف نظرنا شيء يظهر لنا غريبا: ذلك أنا نرى ~~اللخميين في الحيرة والغسانيين في الشام عمروا قرونا، ~~وبلغوا من المدنية شأوا بعيدا - إذا قيس بحالة العرب في ~~الجزيرة - وكان منهم من يخالط الفرس والروم ويتكلم بلغتهم، ~~ودينهم كان أرقى على العموم من دين غيرهم من العرب، فهم إما ~~نصارى أو مجوس؛ وهذا كله كان داعيا إلى خصب الذهن وتفتق ~~القريحة بالشعر، وكان من المعقول أن تخرج بلادهم فحولا من ~~الشعراء يفتحون فيه أبوابا جديدة، ومعاني جديدة، مع رشاقة في ~~اللفظ تتناسب مع حياتهم الحضرية، ms020 ولكننا - على غير المعقول - ~~لم نظفر منهم بشعر ذي خطر، فهم مثلا يحدثوننا عن عدي بن ~~زيد الحيري، وهو شاعر ضعيف، كان الأصمعي وأبو عبيدة يقولان ~~فيه: «عدي بن زيد في الشعراء بمنزلة سهيل في النجوم: ~~يعارضها ولا يجري معها»، وقل أن يحدثونا بعد عن شاعر فحل، ~~وجامع «شعراء النصرانية في الجاهلية» مع تلمسه كل وسيلة لعد ~~الشاعر نصرانيا والإشادة بذكر كل شاعر نصراني، لم يذكر لنا ~~شيئا عن غسان، ولم يحدثنا عن شاعر واحد غساني، وكل الذي يرويه ~~لنا الأدباء إنما هو رحلة شعراء من الجزيرة - كالنابغة والأعشى ~~وحسان - إلى أمراء الحيرة وغسان، فما السر في هذا؟ # قلبنا الأمر على وجوه مختلفة من النظر، فقلنا: لعل السر أن ~~البادية هي منبع الشعر، وهي التي تحرك العربي وتغذي ~~خياله، وتنطق لسانه، يشعر فيها باستقلاله وعظمته، لا ترهقه ~~سلطة، ولا يقيده قانون، تنبسط أمامه رقعة الأرض فينعم ~~بمنظرها، فيجيش صدره، وينطق بالشعر لسانه، فإذا تحضر ذل، ~~وعقلت من لسانه قوانين المدنية وتقاليد الحضارة، وحرم منظر ~~الصحراء الجميل، فحرم الشعر الجميل، لهذا لم يك للعراقي شعر ~~قيم، ولا للغساني شعر ما، ولكن رأينا أن هذا التعليل غير صحيح، ~~فما عهدنا أن الحضارة تميت الشعر، فحضارة الفرس والروم، ~~وحضارة المسلمين في الدولة الأموية والعباسية لم تضيق خيالهم، ~~ولم تعقل من لسانهم، والحضارة اليوم في أوروبا بعثت على الشعر، ~~ولم تقف في وجهه! إنما كل ما يصح أن يقال: إن الحضارة تميت ~~أنواعا من الشعر لا تعيش إلا في البادية، كما تحيا أنواعا من ~~الشعر لا تعيش إلا في نعيم الحضر. # والتعليل الصحيح في نظرنا أن هؤلاء الحيريين والغسانيين كان ~~فيهم شعراء، ولكن كانت لهم أيضا لغة خاصة بهم غير لغة قريش ~~التي سادت الحجاز، ولم تستطع أن تسود الحيرة وغسان لبعد ~~موطنها، ولأن الحيريين والغسانيين أرقى ممن حولهم من العرب، ~~فأنفوا أن يخضعوا للسان غير لسانهم، وقد يستتبع ذلك أن تكون ~~لهم في الشعر أوزان خاصة تتفق مع لغتهم وعقليتهم، فلما جاء ~~الإسلام، ms021 ونزل القرآن بلغة قريش أهمل الرواة ما كان خارجا عن ~~هذه اللغة وقواعدها وأوزانها. # ولا يطعن في هذا الرأي ما يروى من شعر لعدي بن زيد، وما ~~يروى لنا من رحلة شعراء الجزيرة إلى الحيرة وغسان وتفاهمهم، ~~فإن عدي بن زيد - كما يحدثنا الرواة - له نسب في عرب الجزيرة، ~~ورحلة الشعراء ليست اعتراضا وجيها؛ لأنا نرى أن لغة الحيرة ~~والغسانيين مع اختلافها عن لغة الحجاز قريبة منها لاتفاق الأصل ~~الذي تفرعت عنه لغات العرب ولهجاتها؛ فليس ببعيد أن يكون ~~للحيريين والغسانيين لغة خاصة وهم مع ذلك يستطيعون أن يفهموا ~~لغة قريش إذا حدثوا بها. # ودليلنا على صحة هذا الرأي أن النسابين - كما ذكرنا - يذهبون ~~إلى أن اللخميين والغسانيين من أصل يمني، وثقات المؤرخين ~~قديما وحديثا يؤكدون أن لغة اليمن كانت غير لغة قريش؛ وفي ~~ذلك يقول ابن خلدون: «ولقد كان اللسان المضري مع اللسان ~~الحميري بهذه المثابة، وتغيرت عند مضر كثير من موضوعات اللسان ~~الحميري وتصاريف كلماته، تشهد بذلك الأنقال الموجودة لدينا، ~~خلافا لمن يحمله القصور على أنهما لغة واحدة ويلتمس إجراء ~~اللغة الحميرية على مقاييس اللغة المضرية وقوانينها، كما يزعم ~~بعضهم في اشتقاق القيل في اللسان الحميري أنه من القول، ~~وكثير من أشباه هذا، وليس هذا بصحيح؛ ولغة حمير مغايرة للغة ~~مضر في الكثير من أوضاعها وتصاريفها وحركات إعرابها» # 9 ~~. # فلو جارينا النسابيين فيما قالوا في أصل لخم وغسان كان الأمر ~~في اختلاف اللغتين واضحا، بل أكبر ظننا أن اللخميين ~~والغسانيين كانوا نبطا لا يمنيين ولا عربا خلصا، وأنه كان ~~لهم شعرهم وآدابهم باللغة النبطية. ~~(3) # اليهودية والنصرانية: # من ~~عوامل نشر الثقافة الأجنبية في جزيرة العرب انتشار اليهودية والنصرانية. # اليهودية: # انتشرت اليهودية في جزيرة العرب قبل الإسلام ~~بقرون، وتكونت فيها مستعمرات يهودية، وأشهرها ~~يثرب، وهي التي سميت بعد بالمدينة، ولكن من هم ~~هؤلاء اليهود في جزيرة العرب؟ هل هم من عنصر يهودي ~~أم هم عرب تهودوا؟ وإذا كان الأول فمن أين أتوا: ~~هل أتوا من فلسطين أو من غيرها؟ اضطربت ms022 الأخبار في ~~ذلك، ويظهر أن الصنفين كانا موجودين في الجزيرة، ~~يهود نزحوا وعرب تهودوا، فياقوت في معجمه يذكر أن ~~يهود يثرب عرب تهودوا، ويقول صاحب الأغاني: «إنه لما ~~ظهرت الروم على بني إسرائيل جميعا في الشام فوطئوهم ~~وقتلوهم ونكحوا نساءهم خرج بنو النضير وبنو ~~قريظة وبنو بهدل هاربين منهم إلى من بالحجاز ~~لما غلبتهم الروم على الشام»، وليس هنا موضع تحقيق ~~ذلك. # وعلى كل حال فقد كان في القرون الأولى للميلاد ~~مستعمرات يهودية: في تيماء ، وفي فدك، وفي خيبر، ~~وفي وادي القرى، وفي يثرب وهي أهمها، وكان يهود ~~يثرب ثلاث قبائل: بني النضير، وبني قينقاع، ~~وبني قريظة. # وقد اشتهر اليهود في جزيرة العرب حيث حلوا ~~بمهارتهم في الزراعة كما اشتهروا في يثرب أيضا ~~بصناعاتهم المعدنية كالحدادة والصياغة وصنع ~~الأسلحة. # وقد كان بيثرب قبيلتا الأوس والخزرج نزحتا ~~إليها من اليمن - كما يذكر النسابون - حوالي سنة ~~300م بعد أن سبقهم اليهود إلى استعمارها، وكانت ~~العلاقة بين اليهود والأوس والخزرج حسنة في أول ~~الأمر، ثم ساءت قبل الهجرة لأسباب يختلف الباحثون ~~فيها. # كذلك عمل اليهود على نشر ديانتهم جنوبي ~~الجزيرة، حتى تهود كثير من قبائل اليمن، ومن أشهر ~~هؤلاء المتهودين ذو نواس، وقد اشتهر بتحمسه ~~لليهودية، واضطهاده لنصارى نجران، وذكروا في سبب ذلك ~~أن يهوديا كان بنجران عدا أهلها على ابنين له ~~فقتلوهما ظلما، فرفع أمره إلى ذي نواس وتوسل إليه ~~باليهودية، واستنصره على أهل نجران وهم نصارى فحمى ~~له ولدينه وغزاهم # 10 ~~. # ويظن بعض المؤرخين أن حركة ذي نواس هذه كانت ~~حركة وطنية، ذلك أن نصارى نجران كانوا على ولاء مع ~~الحبشة، وكانت الحبشة تعد حامية النصرانية في نجران، ~~وقد اتخذت النصرانية وسيلة للتدخل في شئون اليمن، ~~فأراد ذو نواس وقومه محو هذا النفوذ الحبشي؛ ولذلك ~~لما قتل ذو نواس نصارى نجران استنجد بقيتهم ~~بالحبشة فأنجدوهم، وكانت بينهم حروب، وكان عام ~~الفيل مما لا محل لذكره هنا. # نشر اليهود في البلاد التي نزلوها في جزيرة ~~العرب تعاليم التوراة وما جاء فيها: من ms023 تاريخ خلق ~~الدنيا، ومن بعث وحساب وميزان، ونشروا تفاسير ~~المفسرين للتوراة وما أحاط بها من أساطير وخرافات ~~كالتي أدخلها - بعد - من أسلم من اليهود مثل كعب ~~الأحبار ووهب بن منبه وأضرابهما، وكذلك كان ~~لليهود أثر كبير في اللغة العربية، فقد أدخلوا عليها ~~كلمات كثيرة لم يكن يعرفها العرب، ومصطلحات دينية لم ~~يكن لهم بها علم، مثل جهنم والشيطان وإبليس ونحو ~~ذلك. # أضف إلى هذا أن اليهودية حلت بجزيرة العرب بعد ~~أن تأثرت بالثقافة اليونانية تأثرا كبيرا؛ لأنها ~~ظلت قرونا تحت الحكم اليوناني الروماني، ولأنها ~~كانت منتشرة في الإسكندرية وعلى شواطئ البحر الأبيض ~~حيث الثقافة اليونانية، وكان من أحبار اليهود من ~~تعلم الفلسفة اليونانية وتأدب بآدابها، فتسربت تلك ~~الثقافة إلى اليهودية، كما تسرب إليها بعض مبادئ من ~~القانون الروماني. # وقال بلدوين في كتابه معجم الفلسفة: «إن ~~الشرق والغرب اختلطا في الإسكندرية، وامتزجت آراء ~~رومة واليونان والشام في المدنية والعلوم والدين ~~بآراء الشرق الأقصى في ذلك، فنشأت قضية جديدة عمل ~~على إيجادها بحث الغرب وإلهام الشرق، واتصل الدين ~~بالفلسفة اتصالا وثيقا، كان من نتائجه ظهور عقائد ~~دينية لا هي من الفلسفة المحضة ولا من الدين الخالص؛ ~~بل أخذت بطرف من كل، وجاء ذلك من عاملين: أحدهما ~~ميل اليهود إلى التوفيق بين معتقداتهم الدينية ~~والعلم الغربي الذي كان متأثرا بالعلم اليوناني؛ ~~وثانيهما أن المفكرين الذين استمدوا آراءهم من ~~الفلسفة اليونانية رأوا أن يوفقوا بين معتقداتهم ~~الفلسفية والقضايا الدينية المحضة التي جاء بها ~~المشارقة، ومن أي الجهتين نظرنا رأينا أن النتيجة ~~كانت فلسفة دينية لا هي فلسفة محضة ولا هي دين ~~خالص»، فلما انتقلت اليهودية إلى العرب كانت تحمل في ~~ثناياها شيئا من ذلك. # النصرانية: # انقسمت النصرانية في ذلك العهد إلى جملة ~~كنائس؛ وإن شئت فقل إلى جملة فرق، تسرب منها إلى ~~جزيرة العرب فرقتان كبيرتان: النساطرة، واليعاقبة، ~~فكانت النسطورية منتشرة في الحيرة، واليعقوبية في ~~غسان وسائر قبائل الشام؛ كذلك كانت هناك صوامع في ~~وادي القرى. # وأهم موطن للنصرانية في جزيرة العرب كان ~~(نجران)، ms024 وكانت مدينة خصبة عامرة بالسكان، تزرع ~~وتصنع الأنسجة الحريرية، وتتاجر في الجلود وفي صنع ~~الأسلحة، وكانت إحدى المدن التي تصنع الحلل ~~اليمانية التي تغنى بها الشعراء، وكانت قريبة من ~~الطريق التجاري الذي يمتد إلى الحيرة. # وكان يتولى أمورها رؤساء ثلاثة: السيد، ~~والعاقب، والأسقف، ويظهر أن السيد كان اختصاصه ~~كاختصاص رؤساء القبائل، فهو رئيسهم في الحرب، وهو ~~الذي يدير أمورهم الخارجية، ويتولى أمور العلاقات ~~بينهم وبين القبائل الأخرى؛ والعاقب يتولى الأمور ~~الداخلية الدنيوية؛ والأسقف الأمور الدينية، وهم ~~الثلاثة يتشاورون في المسائل الهامة، قال ياقوت في ~~المعجم: «ووفد على النبي # صلى الله عليه وسلم # وفد نجران وفيهم ~~السيد واسمه وهب، والعاقب واسمه عبد المسيح، ~~والأسقف وهو أبو حارثة، وأراد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مباهلتهم فامتنعوا وصالحوا النبي # صلى الله عليه وسلم # فكتب لهم ~~كتابا، فلما ولي أبو بكر أنفذ ذلك لهم، فلما ~~ولي عمر أجلاهم واشترى منهم أموالهم». # وكان بنجران كعبة، قال ياقوت: «وكعبة نجران ~~هذه - يقال - بيعة، بناها بنو عبد المدان بن الديان ~~الحارثي على بناء الكعبة، وعظموها مضاهاة للكعبة ~~وسموها كعبة نجران، وكان فيها أساقفة معتمون»، ~~ويستظهر بعض الباحثين أنها كانت كعب للعرب تحج إليها ~~قبل مجيء النصرانية، ثم اتخذها النصارى بعد انتشار ~~النصرانية فيها. # وكان نصارى نجران - على ما يستظهر (أوليرى) - ~~على مذهب اليعاقبة، وهذا يعلل اتصالهم بالحبشة ~~(لأنهم كانوا يعاقبة أيضا) أكثر من اتصالهم ~~بالرومان. # واشتهر بين العرب من رؤسائها قبل الإسلام قس ~~بن ساعدة، ويذكر أدباء العرب أنه كان أسقف نجران، ~~ويقطع «لامانس» - في كتابه عن يزيد - ببطلان ذلك ~~ويذكر أنه لم يكن له صلة بنجران. # وقد أوقع ذو نواس بأهل نجران وقتلهم - كما ~~ذكرنا ذلك عند الكلام على اليهودية - ويروي بعض ~~المؤرخين أنه نزل في ذلك قوله تعالى: # قتل أصحاب الأخدود * النار ذات الوقود * إذ هم عليها قعود * ~~وهم على ما يفعلون بالمؤمنين ~~شهود * وما نقموا منهم ~~إلا أن يؤمنوا بالله العزيز ~~الحميد ~~؛ وذلك بعيد؛ لأن كلا من ~~اليهود والنصارى يؤمن بالله العزيز الحميد، ms025 وقد ~~استنجد النصارى بالحبشة فأنجدوهم، وغزوا بلاد العرب ~~سنة 522م ثم سنة 525م وهزموا ذا نواس، وأنشئوا ~~مستعمرة حبشية على شاطئ البحر الأحمر، وحكموا تهامة ~~واستمر حكمهم إلى سنة 575م حيث غزا الفرس بلاد اليمن ~~واحتلوها وطردوا الحبشة منها، واستمرت النصرانية في ~~نجران إلى عهد عمر فأجلاهم عنها وذهب أكثرهم إلى ~~العراق. # وقد نشرت المسيحية تعاليمها بين العرب، وأوجدت ~~فيهم من يميل إلى الرهبنة ويبني الأديرة؛ فهم ~~يحدثوننا أن حنظلة الطائي فارق قومه ونسك، وبنى ~~ديرا بالقرب من شاطئ الفرات ، ويعرف هذا بدير ~~حنظلة، وترهب فيه حتى مات، ويذكرون أن قس بن ~~ساعدة «كان يتقفر القفار، ولا تكنه دار، يتحسى ~~بعض الطعام، ويأنس بالوحوش والهوام»، ويقولون: «إن ~~أمية بن أبي الصلت كان قد نظر في الكتب ~~وقرأها، ولبس المسوح تعبدا، ويذكرون أن عدي بن ~~زيد نصح النعمان ملك الحيرة حتى حبب إليه النصرانية، ~~ثم وضع تاجه، وخلع أطماره، ولبس أمساحه، فلزما ~~عبادة الله في الجبال حتى مات النعمان» # 11 ~~. # وكان القسس والرهبان يردون أسواق العرب، ~~ويعظون ويبشرون، ويذكرون البعث والحساب، والجنة ~~والنار، وقد ورد في القرآن كثير من الآيات تحكي ~~أقوالهم وتفند مذاهبهم، مما يدل على انتشار هذه ~~التعاليم بينهم. # وكان من هؤلاء النصارى شعراء كقس بن ساعدة، ~~وأمية بن أبي الصلت، وعدي بن زيد، وهؤلاء ~~لهم مسحة خاصة في شعرهم، عليها طابع الدين ومتأثرة ~~بتعاليمه، تزهد في الدنيا وشئونها، وتدعو إلى ~~النظر في الكون والاعتبار بحوادثه، وهذه الأشعار وإن ~~قلد أكثرها فقد أحكم تقليدها، حتى ليدلنا تقليدها ~~على منهاج أصلها. # كذلك أدخلوا على اللغة العربية ألفاظا ~~وتراكيب لم تكن تعرفها العرب، فهم يذكرون أن أمية بن ~~أبي الصلت علم العرب (باسمك اللهم)، وقس أول من ~~قال: (أما بعد)؛ وكان أمية يستعمل في شعره ألفاظا ~~مجهولة لا تعرفها العرب، كان يأخذها من الكتب ~~القديمة، فمنها قوله: «قمر وساهور يسل ~~ويغمد»، وكان يسمي الله «السلطيط»، وسماه في ~~موضع آخر «التغرور» ... إلخ. # كانت النصرانية - فوق هذا - من قبل دخولها ~~جزيرة العرب تحمل ms026 في ثناياها شيئا من الثقافة ~~اليونانية كما هو الشأن في اليهودية، فإنها إحدى ~~الديانات التي ولدت في الشرق، وانتشرت في ~~الإمبراطورية الرومانية - معهد الثقافة اليونانية - ~~وكانت الإسكندرية هي المركز الجغرافي لمزج الدين ~~بالفلسفة، كما أشرنا إلى ذلك من قبل، وفي العصور ~~المسيحية الأولى كان كثير من آباء الكنيسة فلاسفة ~~قبل أن يكونوا رجال دين؛ لأنهم رأوا من الضروري أن ~~يؤيدوا أنفسهم وعقائدهم أمام الوثنيين، فلجئوا إلى ~~الفلسفة يستمدون منها التعليل والبرهان، فتسربت إلى ~~النصرانية فلسفة أرسطو وأفلاطون وغيرهما، وقد امتاز ~~الشرق بأن أنشئت فيه مدارس لاهوتية متأثرة بالفلسفة ~~اليونانية تقليدا للأكاديميات اليونانية، وأشهر ذلك ~~مدرسة الإسكندرية التي كانت في بدء القرن الثالث ~~للميلاد، وأنشأ ملكيون سنة 270م مدرسة في ~~أنطاكية، وأنشئت في نصيبين مدرسة أخرى سنة 297م ~~وهذه كانت تعلم السريانية واليونانية معا. # وكان النساطرة على الأخص أكثر إلماما بعلوم ~~اليونان، وقد ترجموا كثيرا من الكتب اللاهوتية ~~والفلسفية عن اليونانية، كما اشتهروا بالطب والعلوم ~~الطبيعية، وكان من رجال الدين النساطرة أطباء في ~~بلاد فارس، ومنهم كثيرون انتشروا في الحيرة، ولعل ~~هذا هو السبب في أنه بعد ضعف شأن الحيرة وانتشار ~~الإسلام في هذه البقاع كان أول حامل للواء العلم في ~~الإسلام «البصرة والكوفة» لجوارهما الحيرة، وكان أول ~~كتب استخدمت لبث الثقافة اليونانية هي المكتوبة ~~باللغة السريانية والتي خلفتها هذه المدارس ~~النسطورية، وعلى العموم فقد كان هؤلاء النساطرة هم ~~الصلة بين اليونان والعرب. ~~••• # هذه الأمور الثلاثة: التجارة، والإمارات على التخوم، واليهودية والنصرانية؛ كانت ~~وسائل لتسرب المدنيات المجاورة إلى العرب ونفوذ ثقافتها إليهم؛ قال الهمداني في ~~كتابه «الوشي المرقوم»: «لم يصل إلى أحد خبر من أخبار العرب والعجم إلا من العرب ~~(كذا)؛ وذلك لأن من سكن مكة أحاط بعلم العرب العاربة وأخبار أهل الكتاب، وكانوا يدخلون ~~البلاد للتجارات فيعرفون أخبار الناس، وكذلك من سكن الحيرة وجاور الأعاجم علم أخبارهم ~~وأيام حمير وسيرها في البلاد، وكذلك من سكن الشام خبر بأخبار الروم وبني إسرائيل ~~واليونان، ومن وقع بالبحرين وعمان فعنه أتت أخبار السند ms027 وفارس، ومن سكن اليمن علم ~~أخبار الأمم جميعا؛ لأنه كان في ظل الملوك السيارة»، ولكن لم تكن معرفتهم بذلك معرفة ~~وافرة، إنما كانت تتسرب هذه المدنيات من مجرى ضيق، وقد ينال التحريف ما ينقلون من ~~غيرهم، كالذي نراه في بعض أمثال العرب المنقولة عن أمثال سليمان، وفي بعض القصص ~~المنقولة عن الفرس والروم، فلم يكن العرب يأخذون ممن حولهم علما منظما كما نأخذ نحن ~~من المدنية الغربية؛ لأن هناك عوائق كانت تحول دون ذلك؛ منها: الحوائل الطبيعية بين ~~العرب وغيرهم من بحار وجبال وصحراوات؛ ومنها: البعد الكبير بين العرب والفرس والروم من ~~حيث الحالة الاجتماعية والدرجة العقلية؛ وأكثر ما يكون اقتباس الحضارة والمدنية إذا ~~تقاربت العقليتان؛ ومنها: انتشار الأمية بين العرب إذ ذاك، حتى ندر أن تجد فيهم ~~القارئ الكاتب، إنما كان المخالطون للفرس والروم ينقلون حكما أو قصصا أو أمثالا أو ~~حوادث تاريخية مما يخف حمله على الناقل، ومما يستطيع البدوي ومن في حكمه أن ~~يهضمه. # ولعله ظهر لك مما ذكرنا أنه قد كانت هناك صلة بين العرب وغيرهم من الأمم أثرت في ~~حياتهم المادية والأدبية، وهو ما أردنا إثباته. # الفصل الثالث # | طبيعة العقلية العربية # تختلف الشعوب عقليا ونفسيا اختلافا كبيرا، فعقلية الإنجليزي غير عقلية الفرنسي، ~~وهما غير عقلية المصري؛ وهكذا، وهذه العقليات والنفسيات تختلف تبعا لاختلاف البيئة ~~الطبيعية والاجتماعية التي تحيط بالأمة، فالشعوب تقف في العالم على درجات متسلسلة ~~الرقي، وكل درجة لها مميزاتها العقلية والنفسية. # وأفراد الأمة الواحدة وإن اختلفوا في المدارك والتربية والتعليم ونحو ذلك فإن بينهم ~~جميعا وحدة مشتركة، وهذه الوحدة تدركها في الملامح الجسمية حتى لتستطيع بعد قليل من ~~المران أن تحكم بأن هذا إنجليزي أو فرنسي أو مصري، وهناك وحدة عقلية بين أفراد الأمة ~~الواحدة تشبه الوحدة الجسمية تماما، فما هي هذه الوحدة العقلية والنفسية للعرب؟ ~~وبعبارة أخرى: إذا اخترت عربيا ليكون نموذجا يمثل العرب في نفسيتهم فما تكون ~~صفاته؟ # اختلفت آراء الباحثين في هذا اختلافا كبيرا، ونحن نستعرض لك بعضها: ~~(1) # يقول بعض ms028 الشعوبية في العرب: «لم تزل الأمم كلها من الأعاجم في كل ~~شق من الأرض لها ملوك تحميها ومدائن تضمها، وأحكام تدين بها، وفلسفة ~~تنتجها، وبدائع تفتقها في الأدوات والصناعات، مثل: صنعة الديباج ولعبة ~~الشطرنج، ورمانة القبان، ومثل: فلسفة الروم في ذات الخلق والقانون ~~والأصطرلاب، ولم يكن للعرب ملك يجمع سوادها، ويضم قواصيها، ويقمع ~~ظالمها، وينهى سفيهها، ولا كان لها قط نتيجة في صناعة، ولا أثر في فلسفة، ~~إلا ما كان من الشعر، وقد شاركتها فيه العجم، وذلك أن للروم أشعارا عجيبة ~~قائمة الأوزان والعروض» # 1 ~~. ~~(2) # ويقول الجاحظ في الرد عليهم والمقارنة بين العرب وغيرهم: «إن الهند لهم ~~معان مدونة، وكتب مجلدة، لا تضاف إلى رجل معروف، ولا إلى عالم موصوف، ~~وإنما هي كتب متوارثة، وآداب على وجه الدهر سائرة مذكورة؛ ولليونان فلسفة ~~ومنطق، ولكن صاحب المنطق نفسه بكيء اللسان ولا موصوف بالبيان؛ وفي الفرس ~~خطباء، إلا أن كل كلام وكل معنى للعجم فإنما هو عن طول فكرة، وعن اجتهاد ~~وخلوة، وكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال وكأنه إلهام، وليست هناك ~~معاناة ولا مكابدة، ولا إجالة فكرة ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف وهمه إلى ~~الكلام، فتأتيه المعاني أرسالا، وتنثال عليه الألفاظ انثيالا، وكانوا ~~أميين لا يكتبون، ومطبوعين لا يتكلفون، وكان الكلام الجيد عندهم أظهر ~~وأكثر، وهم عليه أقدر وأقهر ... وليس هم كمن حفظ علم غيره واحتذى على كلام من ~~كان قبله، فلم يحفظوا إلا ما علق بقلوبهم، والتحم بصدورهم، واتصل بعقولهم ~~من غير تكلف ولا قصد، ولا تحفظ ولا طلب» # 2 ~~. ~~(3) # رأي ابن خلدون في العرب: ولابن خلدون رأي في العرب منثور في مواضع عدة ~~من تاريخه نلخصه فيما يلي بألفاظه: # يرى ابن خلدون أن حالة العرب حالة اجتماعية طبيعية، يمر عليها الإنسان في ~~نشوئه وارتقائه؛ وعبر عن ذلك بقوله: «إن جيل العرب في الخلقة طبيعي»، ~~ويقول: إنهم لطبيعة التوحش الذي هم فيه أهل انتهاب وعبث، ينتهبون ما ~~قدروا عليه من غير مغالبة ولا ركوب خطر، ويفرون إلى منتجعهم ms029 بالقفر، ~~والقبائل الممتنعة عليهم - بأوعار الجبال - بمنجاة من عبثهم وفسادهم، وأما ~~البسائط متى اقتدروا عليها بفقدان الحامية وضعف الدولة؛ فهي نهب لهم ~~يرددون عليها الغارة والنهب إلى أن يصبح أهلها مغلبين لهم، ثم ~~يتعاورونهم باختلاف الأيدي وانحراف السياسة إلى أن ينقرض عمرانهم # 3 ~~. # وهم إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب؛ لأنهم أمة وحشية، فينقلون ~~الحجر من المباني ويخربونها لينصبوه أثافي للقدر، ويخربون السقف ~~ليعمروا به خيامهم، ويتخذوا الأوتاد منه لبيوتهم، وليس عندهم في أخذ ~~أموال الناس حد ينتهون إليه، وليست لهم عناية بالأحكام وزجر الناس عن ~~المفاسد؛ إنما همهم ما يأخذونه من أموال الناس نهبا أو مغرما؛ فإذا ~~توصلوا إلى ذلك أعرضوا عما بعده من تسديد أحوالهم والنظر في مصالحهم، وهم ~~متنافسون في الرياسة وقل أن يسلم واحد منهم الأمر لغيره ولو كان ~~أباه أو أخاه أو كبير عشيرته إلا في الأقل، فيتعدد الحكام منهم والأمراء، ~~وتختلف الأيدي على الرعية في الجباية والأحكام، فيفسد العمران وينتقض، ~~وانظر إلى ما ملكوه من الأوطان من لدن الخليفة كيف تقوض عمرانه وأقفر ~~ساكنه، فاليمن - قرارهم - خراب إلا قليلا من الأمصار، وعراق العرب كذلك قد ~~خرب عمرانه الذي كان للفرس أجمع، والشام لهذا العهد كذلك # 4 ~~. # وهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض، للغلظة والأنفة وبعد الهمة ~~والمنافسة في الرياسة، فقلما تجتمع أهواؤهم، من أجل ذلك لا يحصل لهم ~~الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة # 5 ~~. # والمباني التي يختطونها يسرع إليها الخراب لقلة مراعاتهم لحسن الاختيار ~~في اختطاط المدن، في المكان وطيب الهواء والمياه والمزارع والمراعي، فإنه ~~بالتفاوت في هذا تتفاوت جودة المصر ورداءته، والعرب بمعزل عن هذا، وإنما ~~يراعون مراعي إبلهم خاصة، لا يبالون بالماء طاب أو خبث، ولا قل أو كثر، ~~ولا يسألون عن زكاء المزارع والمنابت والأهوية، وانظر لما اختطوا الكوفة ~~والبصرة والقيروان كيف لم يراعوا في اختطاطها إلا مراعي إبلهم وما يقرب ~~من القفر ومسالك الظعن، فكانت بعيدة عن الوضع الطبيعي ms030 للمدن، ولم تكن لهم ~~مادة تمد عمرانهم من بعدهم، وكانت مواطنها غير طبيعية للقرار، ولم تكن في ~~وسط الأمم فيعمرها الناس، فلأول وهلة - من انحلال أمرهم وذهاب عصبيتهم ~~التي كانت سياجا لها - أتى عليها الخرب والانحلال # 6 ~~. # وهم أبعد الناس عن الصنائع؛ لأنهم أعرق في البدو وأبعد عن العمران الحضري ~~وما يدعو إليه من الصنائع وغيرها، ولهذا نجد أوطان العرب وما ملكوه في ~~الإسلام قليل الصنائع بالجملة حتى تجلب من قطر آخر # 7 ~~. # وهم أبعد الناس عن العلوم؛ لأن العلوم ذات ملكات، محتاجة إلى التعليم، ~~فاندرجت في جملة الصنائع، والعرب أبعد الناس عنها كما قدمنا، فصارت العلوم ~~لذلك حضرية، وبعد العرب عنها وعن سوقها، والحضر لذلك العهد هم العجم أو ~~من في معناهم من الموالي، ولذلك كان حملة العلم في الإسلام أكثرهم العجم ~~أو المستعجمون باللغة والمربى، ولم يقم بحفظ العلم وتدوينه إلا الأعاجم # 8 ~~. # وهم مع ذلك أسرع الناس قبولا للحق والهدى، لسلام طباعهم من عوج ~~الملكات، وبراءتها من ذميم الأخلاق، إلا ما كان من خلق التوحش القريب ~~المعاناة، المتهيئ لقبول الخير # 9 ~~. # وهم أقرب إلى الشجاعة؛ لأنهم قائمون بالمدافعة عن أنفسهم، لا يكلونها إلى ~~سواهم، ولا يثقون فيها بغيرهم، فهم دائما يحملون السلاح، ويتلفتون عن كل ~~جانب في الطرق، قد صار لهم البأس خلقا والشجاعة سجية، ونجد المتوحشين من ~~العرب أهل البدو أشد بأسا ممن تأخذه الأحكام # 10 ~~. # وهم لا يزالون موسومين بين الأمم بالبيان في الكلام، والفصاحة في النطق، ~~والذلاقة في اللسان، والبيان سمتهم بين الأمم منذ كانوا # 11 ~~. ~~(4) # ويقول «أوليرى» # 12 ~~: «إن العربي الذي يعد مثلا أو نموذجا مادي، ينظر إلى ~~الأشياء نظرة مادية وضيعة، ولا يقومها إلا بحسب ما تنتج من نفع، يتملك ~~الطمع مشاعره، وليس لديه مجال للخيار ولا للعواطف، لا يميل كثيرا إلى دين، ~~ولا يكثرث بشيء إلا بقدر ما ينتجه من فائدة عملية، يملؤه الشعور بكرامته ~~الشخصية، حتى ليثور على كل شكل من أشكال السلطة، وحتى ليتوقع منه سيد ~~قبيلته وقائده في ms031 الحروب الحسد والبغض والخيانة من أول يوم اختير للسيادة ~~عليه، ولو كان صديقا حميما له من قبل؛ من أحسن إليه كان موضع نقمته؛ ~~لأن الإحسان يثير فيه شعورا بالخضوع وضعف المنزلة وأن عليه واجبا لمن ~~أحسن إليه»، يقول لامانس: «إن العربي نموذج الديمقراطية ولكنها ديمقراطية ~~مبالغ فيها إلى حد بعيد، وإن ثورته على كل سلطة - تحاول أن تحدد من حريته ~~ولو كانت في مصلحته - هي السر الذي يفسر لنا سلسلة الجرائم والخيانات التي ~~شغلت أكبر جزء في تاريخ العرب، وجهل هذا السر هو الذي قاد الأوروبيين في ~~أيامنا هذه إلى كثير من الأخطاء، وحملهم كثيرا من الضحايا كان يمكنهم ~~الاستغناء عنها، وصعوبة قيادة العرب وعدم خضوعهم للسلطة هي التي تحول بينهم ~~وبين سيرهم في سبيل الحضارة الغربية؛ ويبلغ حب العربي لحريته مبلغا ~~كبيرا، حتى إذا حاولت أن تحدها أو تنقص من أطرافها هاج كأنه وحش في قفص، ~~وثار ثورة جنونية لتحطيم أغلاله والعودة إلى حريته؛ ولكن العربي من ناحية ~~أخرى مخلص مطيع لتقاليد قبيلته، كريم يؤدي واجبات الضيافة والمحالفة في ~~الحروب، كما يؤدي واجبات الصداقة مخلصا في أدائها حسب ما رسمه العرف ... ~~وعلى العموم فالذي يظهر لي أن هذه الصفات والخصائص أقرب أن تعد صفات وخصائص ~~لهذا الطور من النشوء الاجتماعي عامة من أن تعد صفات خاصة لشعب معين، حتى ~~إذا قر العرب وعاشوا عيشة زراعية مثلا تعدلت هذه العقلية» انتهى ~~مختصرا. ~~(5) # وهناك غير هذا كثير من أقوال الكتاب في كتب الأدب تنسب للعرب كل ~~فضيلة، وتنفي عنها كل رذيلة، كالذي ذكره الألوسي في بلوغ الأرب، فقد قال ~~بعد كلام طويل: «والحاصل أن العرب لما كانوا أتم الناس عقولا وأحلاما، ~~وأطلقهم ألسنة، وأوفرهم أفهاما، استتبع ذلك لهم كل فضيلة، وأورثهم كل ~~منقبلة جليلة» # 13 # ويقول ابن رشيق في العمدة: «العرب أفضل الأمم، وحكمتها أشرف ~~الحكم» ... إلخ. # مناقشة هذه الآراء: # لسنا نعتقد تقديس العرب، ولا ~~نعبأ بمثل هذا النمط من القول الذي يمجدهم ويصفهم بكل كمال، وينزههم عن كل نقص؛ لأن ms032 هذا ~~النمط من القول ليس نمط البحث العلمي؛ إنما نعتقد أن العرب شعب ككل الشعوب، له ميزاته ~~وفيه عيوبه، وهو خاضع لكل نقد علمي في عقليته ونفسيته وآدابه وتاريخه ككل أمة أخرى، ~~فالقول الذي يمثله الرأي الخامس لا يستحق مناقشة ولا جدلا؛ كذلك يخطئ الشعوبية أصحاب ~~القول الأول الذين كانوا يتطلبون من العرب فلسفة كفلسفة اليونان، وقانونا كقانون ~~الرومان، أو أن يمهروا في الصناعات كصناعة الديباج، أو في المخترعات كالأصطرلاب، فإنه ~~إن كان يقارن هذه الأمم بالعرب في جاهليتها كانت مقارنة خطأ؛ لأن المقارنة إنما تصح ~~بين أمم في طور واحد من الحضارة، لا بين أمة متبدية وأخرى متحضرة، ومثل هذه المقارنة ~~كمقارنة بين عقل في طفولته وعقل في كهولته، وكل أمة من هذه الأمم كالفرس والروم مرت ~~بدور بداوة لم يكن لها فيه فلسفة ولا مخترعات، أما إن كان يقارن العرب بعد حضارتها فقد ~~كان لها قانون وكان لها علم وإن كان قليلا - كما سيأتي - إنما الذي يستحق البحث ~~والمناقشة هو رأي ابن خلدون وأوليري. # أما رأي ابن خلدون فخلاصته أن العربي متوحش نهاب سلاب، إذا أخضع مملكة أسرع إليها ~~الخراب، يصعب انقياده لرئيس، لا يجيد صناعة ولا يحسن علما ولا عنده استعداد للإجادة ~~فيهما، سليم الطباع، مستعد للخير شجاع. # وخلاصة رأي (أوليري) أن العربي مادي ضيق الخيال، جامد العواطف، شديد الشعور بكرامته ~~وحريته، ثائر على كل سلطة، كريم مخلص لتقاليد قبيلته. # فهما متفقان في وصف العرب بالمادية وثورتهم على كل سلطة، أما الوصف الثاني فلا مجال ~~للشك فيه، وقد صدق (أوليري) في قوله: «إن هذه الصفة هي التي تفسر لنا الجرائم ~~والخيانات التي شغلت أكبر جزء في تاريخ العرب»، أما المادية فكثير من المستشرقين ~~يوافقون ابن خلدون وأوليري على وصف العرب بها كالأستاذ «برون» في كتاب «تاريخ الأدب ~~عند الفرس»، ويعنون بهذا الوصف أنهم لا يقدرون إلا المادة وإلا الدرهم والدينار، فأما ~~المعنويات فلا قيمة لها في نظرهم، وحقا أنك لتدرك هذا المعنى بجلاء في بعض سكان ~~البادية ms033 اليوم، ولكن هل هذا الوصف يصح أن يعمم في عرب الجاهلية؟ ذلك ما نشك فيه، فإنه ~~لو صح ما يروى لنا في كتب الأدب من حكايات الكرم والوفاء، وبذل النفس عن سماحة في ~~المحافظة على تقاليد القبيلة لتنافي تمام المنافاة مع المادية، لذلك يظهر لنا أن كلا ~~من أوليري وابن خلدون أخطأ في عدم تحديد «العربي» الذي يصفه، فنحن نعتقد أن عربي ~~الجاهلية يخالف في أمور كثيرة عربي الإسلام، بل عربي الجاهلية نفسه متحضرا غيره ~~باديا، وبدو اليوم يخالفون في أمور كثيرة بدو الجاهلية، وابن خلدون - مع دقته في بحثه ~~- لم يحدد بالضبط معنى العربي الذي يصفه، وهذا ما جعله يضطرب في قوله؛ فإنك إذا قرأت ~~قوله في بعض المواضع تفهم أنه إنما يريد العربي البدوي كالذي يهدم القصور ليستعمل ~~حجارتها في الأثافي وخشب ثقفها في الأوتاد، فإنما ذلك ينطبق على البدوي الممعن في ~~البداوة، لا العربي المتحضر في الدولة الأموية أو العباسية؛ ثم تراه يذكر العربي في أنه ~~لا يحسن اختيار مواقع البلاد، كما فعل عند تخطيط البصرة والكوفة، وهذا كما تعلم ليس هو ~~العربي البدوي الممعن في البداوة، إنما هو عربي صدر الإسلام الذي فتح فارس والروم؛ وليس ~~العربي الذي يخطط المدن هو الذي يهدم القصور لأثافيه؛ ثم هو يذكر أنه لا يحسن علما ~~وأن الموالي هم السابقون في هذا المضمار، وهذا ليس عربي البدو ولا عربي صدر الإسلام، ~~إنما هو عربي الدولة العباسية وآخر الأموية، وقد ناقض ابن خلدون نفسه؛ إذ يقرر في موضع ~~آخر من مقدمته ما يفهم منه استعداد العربي بطبيعته للتحضر والاستفادة ممن يخالطه ~~ويعاشره، قال: «ومثل هذا وقع للعرب لما كان الفتح، وملكوا فارس والروم، واستخدموا ~~بناتهم وأبناءهم، ولم يكونوا لذلك العهد في شيء من الحضارة، فقد حكي أنه قدم لهم ~~المرقق فكانوا يحسبونه رقاعا، وعثروا على الكافور في خزائن كسرى فاستعملوه في ~~عجينهم ملحا، وأمثال ذلك؛ فلما استعبدوا أهل الدول قبلهم، واستعملوهم في مهنهم ~~وحاجات منازلهم، واختاروا منهم المهرة في أمثال ذلك ms034 والقومة عليه، أفادوهم علاج ~~ذلك والقيام على عمله والتفنن فيه، فبلغوا الغاية في ذلك وتطوروا بطور الحضارة، ~~واستجادوا المطاعم والمشارب والملابس والمباني والأسلحة والفرش والآنية» # 14 ~~. # فترى من هذا أن ابن خلدون في حكمه على العربي خلط بين العربي في عصوره المختلفة، ~~وأصدر عليه أحكاما عامة، مع أنه هو نفسه القائل بأن العربي يتغير بتغير البيئة. # ثم يقول (أوليري): «إن العربي ضعيف الخيال جامد العواطف»، أما ضعف الخيال فلعل منشأه ~~أن الناظر في شعر العرب لا يرى فيه أثرا للشعر القصصي ولا التمثيلي، ولا يرى الملاحم ~~الطويلة التي تشيد بذكر مفاخر الأمة، كإلياذة هوميروس وشاهنامة الفردوسي، ثم هم في ~~عصورهم الحديثة ليس لهم خيال خصب في تأليف الروايات ونحو ذلك، ونحن مع اعتقادنا قصور ~~العرب في هذا النوع من القول، نرى أن الضرب أحد مظاهر الخيال لا مظهر الخيال كله، ~~فالفخر والحماسة والغزل والتشبيه والمجاز كل هذا ونحوه مظهر من مظاهر الخيال، والعرب قد ~~أكثروا القول فيه كثرة استرعت الأنظار وإن كان الابتكار فيه قليلا. # كذلك ما ملئ به شعر العربي من الغزل، وبكاء الأطلال والديار، وذكرى الأيام والحوادث، ~~وما وصف به شعوره ووجدانه، وصور به التياعه وهيامه، لا يمكن أن يصدر عن عواطف ~~جامدة. # أما رأي الجاحظ فيتلخص في أنه يسلم بقول الشعوبية في أن ليس لهم علم ولا فلسفة ولا ~~كتب موروثة، ويرى أن العرب عوضوا عن هذا بميزتين واضحتين: طلاقة اللسان، وحضور ~~البديهة؛ والحق أنهما صفتان ظاهرتان فيهم، ويكفي أن تلقي نظرة على ما خلفوه من آدابهم ~~لتعترف بما منحوا من لسان ذلق وبديهة حاضرة، ولعلك من هذه المناقشة تلمح رأينا في ~~العرب، فهم ليسوا في جاهليتهم وإسلامهم في درجة واحدة من الرقي العقلي والخلقي، فلنقتصر ~~الآن على وصف العربي الجاهلي: # العربي عصبي المزاج، سريع الغضب يهيج للشيء التافه، ثم لا يقف في هياجه عند حد، وهو ~~أشد هياجا إذا جرحت كرامته، أو انتهكت حرمة قبيلته، وإذا اهتاج أسرع إلى السيف واحتكم ~~إليه، حتى أفنتهم الحروب، وحتى ms035 صارت الحرب نظامهم المألوف، وحياتهم اليومية ~~المعتادة. # والمزاج العصبي يستتبع عادة ذكاء، وفي الحق أن العربي ذكي، يظهر ذكاؤه في لغته، ~~فكثيرا ما يعتمد على اللمحة الدالة والإشارة البعيدة، كما يظهر في حضور بديهته، فما هو ~~إلا أن يفجأ بالأمر فيفجؤك بحسن الجواب، ولكن ليس ذكاؤه من النوع الخالق المبتكر، فهو ~~يقلب المعنى الواحد على أشكال متعددة، فيبهرك تفننه في القول أكثر مما يبهرك ابتكاره ~~للمعنى، وإن شئت فقل: إن لسانه أمهر من عقله. # خياله محدود وغير متنوع، فقلما يرسم له خياله عيشة خيرا من عيشته، وحياة خيرا من ~~حياته يسعى وراءها، لذلك لم يعرف «المثل الأعلى »؛ لأنه وليد الخيال، ولم يضع له في لغته ~~كلمة واحدة دالة عليه، ولم يشر إليه فيما نعرف من قوله، وقلما يسبح خياله الشعري في ~~عالم جديد يسقي منه معنى جديدا، ولكنه في دائرته الضيقة استطاع أن يذهب كل ~~مذهب. # أما ناحيتهم الخلقية فميل إلى حرية قل أن يحدها حد، ولكن الذي فهموه من الحرية هي ~~الحرية الشخصية لا الاجتماعية، فهم لا يدينون بالطاعة لرئيس ولا حاكم، تاريخهم في ~~الجاهلية - حتى وفي الإسلام - سلسلة حروب داخلية، وعهد عمر بن الخطاب كان عصرهم الذهبي؛ ~~لأنه شغلهم عن حروبهم الداخلية بحروب خارجية، ولأنه رضي الله عنه منح فهما عميقا ~~ممتازا لنفسية العرب. # والعربي يحب المساواة، ولكنها مساواة في حدود القبيلة، وهو مع حبه للمساواة كبير ~~الاعتداد بقبيلته ثم بجنسه، يشعر في أعماق نفسه بأنه من دم ممتاز، لم يؤمن بعظمة الفرس ~~والروم مع ما له ولهم من جدب وخصب، وفقر وغنى، وبداوة وحضارة، حتى إذا فتح بلادهم نظر ~~إليهم نظرة السيد إلى المسود، هذا وصف موجز تجد تفصيله في الفصل الآتي. # من هذا الذي ذكرنا مما للعرب من عقلية طبيعية، ومن ذلك الذي شرحنا من اتصال العرب ~~بغيرهم من الأمم المتحضرة، نبع ما لهم من حياة عقلية مظهرها اللغة والشعر والمثل ~~والقصص. # الفصل الرابع # | الحياة العقلية للعرب في الجاهلية # أشرنا فيما تقدم إلى أن العرب في ms036 جاهليتهم كان أكثرهم بدوا، وأن طور البداوة طور ~~اجتماعي طبيعي تمر به الأمم أثناء سيرها إلى الحضارة، وتزيد الآن أن هذا الطور الطبيعي ~~له مظاهر عقلية طبيعية. # ففي مثل هذا الطور الذي كانت تمر به العرب في الجاهلية يتجلى ضعف التعليل، أعني عدم ~~القدرة على فهم الارتباط بين العلة والمعلول والسبب والمسبب فهما تاما، يمرض أحدهم ~~ويألم من مرضه فيصفون له علاجا، فيفهم نوعا ما من الارتباط بين الدواء والداء، ولكن ~~لا يفهمه فهم العقل الدقيق الذي يتفلسف، يفهم أن عادة القبيلة أن تتناول هذا الدواء عند ~~هذا الداء، وهذا كل شيء في نظره؛ لهذا لا يرى عقله بأسا من أن يعتقد أن دم الرئيس يشفي ~~الكلب، أو أن سبب المرض روح شرير حل فيه فيداويه بما يطرد هذه الأرواح، أو أنه إذا ~~خيف على الرجل الجنون نجسوه بتعليق الأقذار وعظام الموتى، إلى كثير من أمثال ذلك، ولا ~~يستنكر شيئا من ذلك ما دامت القبيلة تفعله؛ لأن منشأ الاستنكار دقة النظر والقدرة على ~~بحث المرض وأسبابه وعوارضه، وما يزيل هذه العوارض، وهذه درجة لا يصل إليها العقل في ~~طوره الأول. # هذا الضعف في التعليل هو الذي يشرح لنا ما ملئت به كتب الأدب من خرافات وأساطير كانت ~~العرب تعتقدها في جاهليتها، فهم يحدثوننا أن سد مأرب كان بين ثلاثة جبال تحصر ماء ~~السيل والعيون، وليس للماء مخرج إلا من جهة واحدة، فسد الأوائل تلك الجهة بالحجارة ~~الصلبة والرصاص، فكانوا إذا أرادوا سقي زرعهم فتحوا من ذلك السد بقدر حاجتهم بأبواب ~~محكمة، وحركات مهندسة، فيسقون حسب حاجتهم ثم يسدونه إذا أرادوا؛ ثم يحدثوننا أن سبب ~~خرابه جرذان حمر كن يحفرن السد الذي يليها بأنيابها، فتقتلع الحجر الذي لا يستقله ~~مئة رجل ثم تدفعه بمخاليب رجليها حتى تسد الوادي من الناحية التي يجتمع فيها الماء، ~~ويفتح من ناحية السد! وقد عجزوا عن أن يفهموا أن ليس هناك ارتباط صحيح بين هذه الجرذان ~~الخرافية وخراب السد، وأن السبب الصحيح إهمال تعهد السد حتى ms037 لم يعد يقوى على تحمل ~~السيل. # وكالذي قالوا: إن الذي بنى الخورنق النعمان بن امرئ القيس، بناه له رجل من الروم ~~يقال له: سنمار، فلما أتمه قال له سنمار: إني أعلم موضع آجرة لو زالت لسقط القصر ~~كله، فقال النعمان: أيعرفها أحد غيرك؟ قال: لا، قال: لا جرم لأدعنها وما يعرفها ~~أحد؛ ثم أمر به فقذف من أعلى القصر إلى أسفله فتقطع، فضربت به المثل # 1 ~~، وقد صدقوا بهذه الخرافة مع استحالة تركيز القصر كله على آجرة واحدة، ~~ويطول بنا القول لو عددنا ما ذكر في كتب الأدب والتاريخ من هذا القبيل مما يتعلق ~~بأنظار العرب للحوادث، وبخاصة الحوادث التي تتعلق بالقبائل البائدة كعاد وطسم ~~وجديس، أو بالحوادث البعيدة التاريخ عن زمن الهجرة كجذيمة والزباء. ونستخلص ~~من هذا كله أنهم لم يكونوا يحسنون تعليل الحوادث، ولا يربطون المسببات بأسبابها ربطا ~~محكما، ولم يكن هذا شأن العرب وحدهم، بل شاركهم فيه غيرهم من الأمم في طور مثل طورهم ~~كاليونان، وأصبحت هذه الأشياء وغيرها موضوعا لما يسمى «علم الميثولوجيا». # وهذا أيضا يعلل لنا التجاءهم في تعرف الحوادث الماضية والمستقبلة إلى الكهانة ~~والعرافة وزجر الطير والعيافة؛ وهي أمور ليست منطقية في تعرف العلة للمعلول والسبب ~~للمسبب. # نعم كل أمة فيها مخرفوها مهما رقيت ومهما تفلسفت، ولكن كتب الأدب العربي تدلنا على ~~أن هذه العقائد كانت عقائد الشعب عامة لا أفراد شواذ، وأن الكهانة وأمثالها تكاد تكون ~~نظاما مقررا لكل قبيلة من قبائلهم. # قد نجد في بيت من الشعر الجاهلي أو في مثل من أمثالهم أو قصة من قصصهم فكرة راقية، ~~وربطا للأسباب بالمسببات، ولكن حتى هذه يعوزها العمق في التفكير، كما يعوزها الشرح ~~والتعليل؛ جاء في سيرة ابن هشام: أن حيا من ثقيف فزعوا للرمي بالنجوم، فجاءوا إلى ~~رجل منهم يقال له: عمرو بن أمية أحد بني علاج - وكان أدهى العرب وأمكرها رأيا - ~~فقالوا له: يا عمرو، ألم تر ما حدث في السماء من القذف بهذه النجوم؟ قال: «بلى، فانظروا ~~فإن كانت معالم ms038 النجوم التي يهتدى بها في البر والبحر وتعرف بها الأنواء من الصيف ~~والشتاء لما يصلح الناس في معايشهم هي التي يرمى بها، فهو والله طي الدنيا وهلاك ~~هذا الخلق الذي فيها؛ وإن كانت نجوما غيرها وهي ثابتة على حالها، فهذا لأمر أراده الله ~~بهذا الخلق، فما هو؟» # ألست ترى معي دقة نظر عمرو هذا في تفريقه بين نجوم يتوقف على بقائها نظام هذا العالم ~~وأخرى ليست لها هذه القيمة وهي الشهب؟ ولكن شيئا من ذلك ليس الشرح الفلسفي للنجوم ~~والشهب، ولا التعليل الواضح الجلي للارتباط بين السبب والمسبب. # لاحظ بعض المستشرقين أن طبيعة العقل العربي لا تنظر إلى الأشياء نظرة عامة شاملة، ~~وليس في استطاعتها ذلك، وقبله لاحظ هذا المعنى بعض المؤلفين الأقدمين من المسلمين، فقد ~~جاء في «الملل والنحل» للشهرستاني عند الكلام على الحكماء: «الصنف الثاني حكماء ~~العرب وهم شرذمة قليلة، وأكثر حكمتهم فلتات الطبع وخطر الفكر» وقال في موضع ~~آخر: «إن العرب والهند يتقاربان على مذهب واحد ... والمقاربة بين الأمتين مقصورة على ~~اعتبار خواص الأشياء، والحكم بأحكام الماهيات، والغالب عليهم الفطرة والطبع، وإن الروم ~~والعجم يتقاربان على مذهب واحد، حيث كانت المقاربة مقصورة على اعتبار كيفية الأشياء، ~~والحكم بأحكام الطبائع، والغالب عليهم الاكتساب والجهد». # فالعربي لم ينظر إلى العالم نظرة عامة شاملة كما فعل اليوناني مثلا، لقد ألقى ~~اليوناني - أول ما تفلسف - نظرة عامة على العالم، فساءل نفسه: كيف برز هذا العالم إلى ~~الوجود؟ إني أرى هذا العالم جم التغير كثير التقلب! أفليس وراء هذه التغيرات أساس واحد ~~ثابت؟ وإذا كان فما هو؟ آلماء أم الهواء أم النار؟ وأرى العالم كله كالشيء الواحد يتصل ~~بعضه ببعض وهو خاضع لقوانين ثابتة، فما هذا النظام، وكيف نشأ، ومم وجد؟ # هذه الأسئلة وأمثالها وجهها اليوناني إلى نفسه فكانت أساس فلسفته، ومبناها كلها ~~النظرة الشاملة، أما العربي فلم يتجه نظره هذا الاتجاه، ولا بعد الإسلام، بل كان يطوف ~~فيما حوله، فإذا رأى منظرا خاصا أعجبه تحرك له، وجاش صدره بالبيت أو الأبيات ms039 من ~~الشعر أو الحكمة أو المثل، فقال مثلا: # منع البقاء تقلب الشمس # وطلوعها من حيث لا تمسى # وطلوعها بيضاء صافية # وغروبها صفراء كالورس # تجري على كبد السماء كما # يجري حمام الموت في النفس # اليوم أعلم ما يجيء به # ومضى بفصل قضائه أمس # فأما نظرة شاملة، وتحليل دقيق لأسسه وعوارضه، فذلك ما لا يتفق والعقل العربي، وفوق ~~هذا، هو إذا نظر إلى الشيء الواحد لا يستغرقه بفكره، بل يقف فيه على مواطن خاصة تستثير ~~عجبه، فهو إذا وقف أمام شجرة لا ينظر إليها ككل، إنما يستوقف نظره شيء خاص فيها، ~~كاستواء ساقها أو جمال أغصانها؛ وإذا كان أمام بستان لا يحيطه بنظره، ولا يلتقطه ذهنه ~~كما تلتقطه «الفوتوغرافيا»، إنما يكون كالنحلة يطير من زهرة إلى زهرة، فيرتشف من كل ~~رشفة. # هذه الخاصة في العقل العربي هي السر الذي يكشف لك ما ترى في أدب العرب - حتى في ~~العصور الإسلامية - من نقص، وما ترى فيه من جمال. # فأما النقص فما تشعر به حين تقرأ قطعة أدبية - نظما أو نثرا - من ضعف المنطق، وعدم ~~تسلسل الأفكار تسلسلا دقيقا، وقلة ارتباط بعضها ببعض ارتباطا وثيقا، حتى لو عمدت ~~إلى القصيدة - وخاصة في الشعر الجاهلي - فحذفت منها جملة أبيات أو قدمت متأخرا أو ~~أخرت متقدما، لم يلحظ القارئ أو السامع ذلك - وإن كان أديبا - ما لم يكن قد قرأها ~~من قبل. # وهذا النقص تلمحه فيما يكتب في الموضوعات الأدبية، فأنت إذا قارنت بين ما يكتبه ~~الجاحظ أو ابن عبد ربه أو أبو هلال العسكري في الخطابة أو الوصف، وما يكتبه أرسطو في ~~ذلك رأيت الطبيعتين مختلفتين تمام التخالف، فأرسطو يحلل الخطابة مثلا، ويبين ~~منزلتها من البلاغة، وأقسام الخطابة وأجزاء الخطبة؛ وكيف يتكون الخطيب ... إلخ بنظر شامل ~~بحيث تدرك الخطابة صورة كاملة؛ أما كتاب العرب فيكتبون جملا رشيقة ودررا منثورة ~~في الخطابة، لا يتكون منها شكل تام. # ويجب أن تعني - إذا أردت المقارنة الصحيحة - باستبعاد من تأثر طبعه وعقله بالفلسفة ~~اليونانية كالسكاكي وأمثاله. # وهذا النقص أيضا ms040 تلمحه في كتب الأدب؛ لأنها تأثرت بطبيعة الأدب نفسه، فإذا نظرت في ~~كتاب كالأغاني أو العقد الفريد أو البيان والتبيين أو الحيوان للجاحظ لا تجد موضوعا ~~واحدا ألقيت عليه نظرة عامة دفعة واحدة، ثم وضع في مكان واحد، ولكن هنا لمحة ~~وهناك لمحة، وتدخل من باب فيسلمك إلى باب آخر لأقل مناسبة، حتى يعيا الباحث إذا ~~أراد أن يقف على كل ما كتب في موضوع معين، مع اعترافنا بما في هذا التنقل من لذة ~~وطلاوة. # وهذا النوع من النظر هو الذي قصر نفس الشاعر العربي، فلم يستطع أن يأتي بالقصائد ~~القصصية الوافية، ولا أن يضع الملاحم الطويلة كالإلياذة والأوديسا. # أما ما أفادهم هذا النوع من التفكير، وخلع على آدابهم جمالا خاصا، فذلك أن هذا ~~المنظر لما انحصر في شيء جزئي خاص جعلهم ينفذون إلى باطنه، فيأتون بالمعاني البديعة ~~الدقيقة التي تتصل به، كما جعلهم يتعاورون على الشيء الواحد، فيأتون فيه بالمعاني ~~المختلفة من وجوه مختلفة، من غير إحاطة ولا شمول، فامتلأ أدبهم بالحكم القصار الرائعة ~~والأمثال الحكيمة، وأتقنوا هذا النوع إلى حد بعيد، غني به عقلهم، وانطلقت به ~~ألسنتهم، حتى لينهض الخطيب فيأتي بخطبته كلها من هذه الأمثال الجيدة القصيرة، والحكم ~~الموجزة الممتعة، فلكل جملة معان كثيرة تركزت في حبة، أو بخار منتشر تجمع في ~~قطرة، ولما جاء الإسلام تقدم هذا النوع من الأدب، واقتبسوا كثيرا من حكم الفرس ~~والهند والروم مما سنعرض له في موضع آخر، وعلى الجملة فالعقل اليوناني مثلا إن نظر إلى ~~شيء نظر إليه ككل، يبحثه ويحلله؛ والعقل العربي يطوف حوله فيقع منه على درر مختلفة ~~الأنواع لا ينظمها عقد. ~~••• # والآن وقد علمنا طبيعة نظر العربي ننظر: هل هذا النوع من النظر طور طبيعي تمر به ~~الأمم جميعا أثناء سيرها إلى الكمال، أو هو عقلية خاصة للجنس السامي؟ ذلك أمر جدير ~~بالبحث، وليس لدينا مجال لبسط القول فيه، ولكنا نقول إجمالا: إننا أميل إلى القول ~~بأنه طور طبيعي، نشأ من البيئات الطبيعية والاجتماعية التي عاش فيها ms041 العرب، وإن ما ~~يسمى «الوراثة» ليس إلا وراثة لنتائج هذه البيئات، ولو كانت هناك أية أمة أخرى في مثل ~~بيئتهم لكان لها مثل عقليتهم، وأكبر دليل على ذلك ما يقرره الباحثون من الشبه القوي في ~~الأخلاق والعقليات بين الأمم التي تعيش في بيئات متشابهة أو متقاربة، وإذا كان العرب ~~سكان صحاري كان لهم شبه كبير بسكان الصحاري في البقاع الأخرى من حيث العقل والخلق، ~~ولنشرح لك الآن العوامل التي عملت في نفوس العرب. ~~••• # يعمل في تكوين عقلية الشعوب عاملان قويان: البيئة الطبيعية، ونعني بها ما يحيط ~~بالشعب طبيعيا من جبال وأنهار وصحراء ونحو ذلك؛ والبيئة الاجتماعية، ونعني بها ما ~~يحيط بالأمة من نظم اجتماعية، كنظام حكومة ودين وأسرة ونحو ذلك، وليس أحد العاملين ~~وحده هو المؤثر في العقلية، لذلك كان خطأ ما ذهب إليه «هجل» من إنكار ما للبيئة ~~الطبيعية من أثر في العقل اليوناني والثقافة اليونانية، مستدلا بأن الأتراك احتلوا ~~أراضيهم وعاشوا في بلادهم، ولم تكن لهم ثقافتهم وعقليتهم، ووجه الخطأ أن ذلك يكون ~~صحيحا لو كانت البيئة الطبيعية هي المؤثر الوحيد، إذا لكان مثل العقل اليوناني يوجد ~~حيث يوجد إقليمه، وينعدم حيث ينعدم، أما والعقل اليوناني نتيجة عاملين، فوجود جزء العلة ~~لا يستلزم وجود المعلول، وقد حاول علم الاجتماع توضيح ما لهذه العوامل من أثر في الأمم ~~المختلفة، ونحن لا يعنينا هنا إلا تأثيرها في العرب. # فالعرب - كما أسلفنا - كانوا يسكنون بقعة صحراوية تصهرها الشمس، ويقل فيها الماء، ~~ويجف الهواء، وهي أمور لم تسمح للنبات أن يكثر، ولا للمزروعات أن تنمو، إلا كلأ ~~مبعثرا هنا وهناك، وأنواعا من الأشجار والنبات مفرقة، استطاعت أن تتحمل الصيف القائظ ~~والجو الجاف، فهزلت حيواناتهم، ونحلت أجسامهم - وهي كذلك أضعفت فيها حركة المرور - فلم ~~يستطع السير فيها إلا الجمل، فصعب على المدنيات المجاورة من فرس وروم أن تستعمر ~~الجزيرة وتفيض عليها من ثقافتها، اللهم إلا ما تسرب منها في مجار ضيقة معوجة عن ~~طرق مختلفة بيناها قبل. # وشيء آخر لا بد من النظر ms042 إليه، وهو تأثير هذه الصحراء في النفوس؛ ذلك أن الحياة في ~~الصحراء قليلة إذا قيست بحياة الخضر، سواء في ذلك حياة النبات أم الحيوان أم الإنسان، ~~قد عريت أرضها - غالبا - من آثار البشر، فلا أبنية ضخمة، لا مزروعات واسعة، ولا ~~أشجار باسقة؛ فابن الصحراء يقابل الطبيعة وجها لوجه، لا شيء يحول دون التفاته إليها، ~~تطلع الشمس فلا ظل، ويطلع القمر والنجوم فلا حائل، تبعث الشمس أشعتها المحرقة القاسية ~~فتصيب أعماق نخاعه، ويسطع القمر فيرسل أشعته الفضية وادعة فتبهر لبه، وتتألق النجوم ~~في السماء فتملك عليه نفسه، وتعصف الرياح العاتية تدمر كل ما أتت عليه! أمام هذه ~~الطبيعة القوية ، والطبيعة الجميلة، والطبيعة القاسية، تهرع النفوس الحساسة إلى رحمن ~~رحيم، وإلى بارئ مصور، إلى حفيظ مقيت، إلى الله! ولعل هذا هو السر في أن الديانات ~~الثلاث التي يدين بها أكثر العالم؛ وهي اليهودية والنصرانية والإسلام، نبعت من صحراء ~~سينا وفلسطين وصحراء العرب. # الحق أن السكون المخيم على الصحراء يملأ النفوس المستعدة روعة، ويكسبها صفاء، شيء ~~في الصحراء من صنع الإنسان، بل الكل من صنع الله، لا يقع نظر الناظر على شمس تسطع، ~~ونجوم تناغي، وقمر يحدث، ورياح تلعب في جو فسيح مفتوح، الملك يستولي على النفس الصافية ~~حالة لا يفقهها ساكن المدن. # للصحراء موسيقى ذات نغمة واحدة متكررة، موسيقى عابسة قاسية، رهيبة أليمة، فلا عجب أن ~~ترى أهلها قد استولى عليهم نوع من انقباض النفس أو الكآبة أو الوجد، أو ما شئت ~~فسمه، ولا عجب أيضا أن يتغنى شعراؤها بنوع واحد من القول ونغمة واحدة؛ لأن الصحراء ~~توقع على نفوسهم صوتا واحدا، فيشعرون - كما تلقوا - شعرا واحدا. # هم نتيجة إقليم طليق؛ لا يصد هواءه بناء، ولا يحجب شمسه غيم، ويحبس أمطاره وسيوه ~~سد، كل شيء فيه حر على الفطرة، فهم كذلك أحرار كإقليمهم، لم يحبسهم زرع يتعهدونه، ولا ~~صناعة يعكفون عليها، كذلك تحررت نفوسهم من قيود حكومة ونظام، اللهم إلا شيئين قيدا ~~عقولهم ونفوسهم: قيد دينهم الوثني وما يتطلبه من شعائر وتكاليف، ms043 وقيد تقاليد القبيلة ~~وما يستلزمه من واجبات شاقة، وقد كانوا لتقاليد قبيلتهم أشد إخلاصا وأقوى ~~إيمانا. ~~••• # هذا النوع من البيئة حدد نوع معيشتهم، فهم رحل، يتطلبون الكلأ، وهم فقراء ثروتهم ~~في كثرة ماشيتهم، وهذه الثروة تحت رحمة الطبيعة، فقد تنفق الماشية، وينضب ماء الآبار، ~~ويقل المطر فيقل المرعى، ويسوء العيش، وبحق سموا المطر غيثا؛ وهذا النوع من البيئة ~~أيضا حدد نوع أخلاقهم وعقليتهم؛ أليس البؤس هو الذي جعل الكرم وإطعام الطعام، وإيقاد ~~النيران يهتدي بها الضيفان في مقدمة الفضائل؟! أوليس هذا الفقر هو الذي حبب إليهم ~~الإغارة فأشادوا بذكر حمى القبيلة، وعيروا من قصر في الدفاع عنها، واسترخصوا ~~النفوس في سبيل حمايتها؟! وإذا كانت الحياة بين إغارة ودفع مغير، والسبل كلها غير ~~آمنة، ولا حكومة تقتص من جان أو تحمي طريقا؛ أفليسوا إذا في حاجة لأن يعدوا ~~الشجاعة والوفاء والعفو من كبريات الفضائل؟ وهكذا قل في عقليتهم، فالعدل والظلم والخير ~~والشر وما يذم وما يمدح، كله تابع لما تواضعوا عليه، وما تواضعوا عليه تابع لنوع ~~معيشتهم. # وأنت إذا نظرت إلى اللغة العربية، والأدب العربي في ذلك العهد رأيته نتيجة طبيعية ~~لتلك الحياة، وصورة صادقة لهذه البيئة، فألفاظ اللغة - مثلا - في منتهى السعة ~~والدقة، إذا كان الشيء الموضوع له اللفظ من ضروريات الحياة في المعيشة البدوية، وهي ~~قليلة غير دقيقة فيما ليس كذلك، فالإبل هي عماد الحياة البدوية، هي خير مأكلهم ومشربهم ~~وملبسهم ومركبهم، فحياة العرب في الصحراء تكاد تكون مستحيلة لولا فضل الجمل، من أجل هذا ~~ملئت اللغة العربية بالإبل، فلم يترك العرب صغيرة ولا كبيرة - مما يتعلق بها - إلا ~~وضعوا لها اللفظ أو الألفاظ؛ فوضعوا الألفاظ لها، ولحملها ونتاجها، ووضعوا الأسماء ~~لأسنانها (أعمارها) وحلبها، ورضاعها وفطامها، ونعوتها في طولها وقصرها، وسمنها ~~وهزالها، وأصواتها وأوبارها، وعلفها واجترارها، ورعيها وبروكها، وأبوالها وحركة ~~أذنابها، وأنواع سيرها ورياضتها، والرحال وما فيها، وكل ما يشد عليها، وقيودها ونزع ~~قيودها، وسماتها وعيوبها، وجربها وأمراضها، وأدوائها ... إلخ، ولم يقتصروا على اللفظ ~~الواحد للمسمى الواحد، بل وضعوا ms044 له الأسماء المتعددة، فإذا أنت انتقلت من الجمل إلى ~~السفينة رأيت اللغة العربية في غاية القصور، فهم لم يوفوها حقها كما وفوا حق الجمل، ولم ~~يصفوا كل أجزائها، ولم يضعوا أسماء لكل نوع من أنواعها، نعم هناك ألفاظ تتعلق بذلك، ~~ولكنها لا تكاد تذكر - إذا قيست بالألفاظ الموضوعة للإبل وشئونها - بل إنك إذا فحصت ~~الألفاظ المستعملة في السفن ومتعلقاتها وجدت كثيرا منها معربا غير عربي، ~~كالسيابجة واليماسرة والأنجر، وكثير منها لا نشك في أنه وضع بعد العصر ~~الجاهلي. # هذا مثل واضح، وهناك أمثلة عديدة من هذا القبيل، فالأرض الصحراوية بما فيها من رمال ~~ونجود ووهاد، وما فيها من كلأ وأعشاب وحشرات وهوام، كل ذلك وصفه العرب، ووضعوا له ~~الأسامي المختلفة؛ فالأرض الصلبة والغليظة والمستوية، والواسعة والمطمئنة، والمجدبة ~~والمخصبة، والهضاب والوديان، قد شرح كل نوع منها ووضع له اسم وأسماء، أما البحار وما ~~حوته من أنواع الأسماك والأصداف والأمواج، ومختلف المياه، فليست اللغة غنية فيها، إلى ~~كثير من الأمثلة، وحسبك دليلا على هذا أنك إذا نظرت في كتاب كالمخصص لابن سيده - ~~وميزته أنه يجمع الكلمات المتعلقة بموضوع واحد في موضع واحد - أمكنك أن تقارن هذه ~~المقارنة بوضوح، فقد استغرق فيه الكلام على الإبل وما يتعلق بها 176 صفحة كبيرة عدا ما ~~ذكر متفرقا في مواضع أخرى منه، على حين أن السفينة استغرقت منه أقل من سبع صفحات، ~~وبعبارة أخرى: إن الكلام على الإبل أخذ نحو جزء من أجزاء الكتاب السبعة عشر، فأنت إذا ~~قلت: إن ما ورد في كلام العرب مما يتعلق بالإبل جزء من سبعة عشر جزءا من مجموع اللغة ~~العربية، لم تكن بعيدا عن الحقيقة، وهي نسبة جد كثيرة، ولكنه الجمل عماد الحياة ~~العربية البدوية. # هذا في المحسات، وإنك تجد مثله في المعنويات فكلمات السرور واللهو واللعب والمزاح، ~~أقل من كلمات البؤس والقتال والحزن والويل، ألم ترهم تفننوا في الداهية، فصاروا يخترعون ~~لها من الأسماء ما أتعب اللغويين؟! حتى جمع حمزة من أسمائها ما يزيد على أربع مئة، ~~وحتى ms045 قالوا: إن كثرة أسماء الدواهي من الدواهي! ذلك لأن طبيعة البيئة تستدعي ذلك، فهي ~~بيئة شقاء وفقر، لا بيئة رخاء ونعيم. # وإن أنت نظرت إلى الأدب العربي في الجاهلية رأيت هذا بعينه، فكم استغرق الجمل والناقة ~~من الشعر وخيال الشاعر! وكم استغرق وصف الأرض سهلها وحزنها! وكذلك إنما كان يمدح ~~الشعراء ممدوحهم؛ ويرثون ميتهم بالأخلاق الفاشية لعهدهم، من كرم وشجاعة؛ وكان ~~للبطولة ووصف عاطفة الحماسة، والتمدح بشن الغارة ورد العدو، المنزلة العالية، وكذلك ~~قل في تشابيههم وأمثالهم، فكلها منتزعة من نوع معيشتهم وصورة صادقة لحياتهم. ~~••• # ومظاهر الحياة العقلية في الجاهلية هي اللغة والشعر والأمثال والقصص، وهي - فقط - ~~مظاهر عقلهم ، أما العلم والفلسفة فلا أثر لهما عندهم؛ لأن الطور الاجتماعي الذي أبناه ~~لا يسمح لهم بعلم ولا فلسفة، نعم كان عندهم معرفة بالأنساب، ومعرفة بالأنواء والسماء، ~~ومعرفة بشيء من الأخبار، ومعرفة بشيء من الطب، ولكن من الخطأ البين أن تسمى هذه ~~الأشياء علما كما يفعل الألوسي وغيره فيقول: ومن علومهم علم الطب، وعلم الأنواء، وعلم ~~السماء، ثم يشيدون بذكر ذلك حتى يوهموك أنه كان عندهم علم منظم بأصول وقواعد؛ فإن ما ~~كان عندهم من هذا القبيل لا يتعدى معلومات أولية، وملاحظات بسيطة، لا يصح أن تسمى ~~علما ولا شبه علم، أما القواعد والبحث المنظم الذي يسمى علما؛ فلا عهد للعرب ~~الجاهليين به، وأصدق تعبير عن ذلك ما قاله ابن خلدون في مقدمته - عند كلامه على علم ~~الطب - قال: # وللبادية من أهل العمران طب يبنونه في غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض ~~الأشخاص، متوارثة عن مشايخ الحي وعجائزه وربما يصح منه البعض؛ إلا أنه ليس على ~~قانون طبيعي، ولا على موافقة المزاج، وكان عند العرب من هذا الطب كثير، وكان ~~فيهم أطباء معروفون كالحارث بن كلدة وغيره # 2 ~~. # ومثل هذا يقال فيما ورد عنهم من الكلام في الأنواء والسماء؛ فهي معلومات بنيت على ~~تجربة ناقصة تصيب حينا وتخطئ أحيانا؛ ويتناقلها الناشئون على آبائهم، كذلك لا أثر ~~للمذاهب الفلسفية عندهم - لما بينا ms046 من قبل - ولا تعتد بقول الذين يبحثون عن أبيات ~~من الشعر الجاهلي وجدت فيها خطرات فلسفية، فيزعمون أنها مذاهب فلسفية، فإذا قال ~~الأعشى: # استأثر الله بالوفاء وبالعد # ل وولى الملامة الرجلا # قالوا: إنه مذهب فلسفي يراد به رفع التبعة عن الإنسان، وكذلك قالوا في مثل قول ~~الآخر: # حياة ثم موت ثم بعث # حديث خرافة يا أم عمرو # وقول زهير: # رأيت المنايا خبط عشواء من تصب # تمته ومن تخطئ يعمر فيهزم # فإن هناك فرقا كبيرا بين مذهب فلسفي، وخطرة فلسفية، فالمذهب الفلسفي نتيجة البحث ~~المنظم، وهو يتطلب توضيحا للرأي، وبرهنة عليه، ونقضا للمخالفين؛ وهكذا، وهذه منزلة لم ~~تصل إليها العرب في الجاهلية، أما الخطرة الفلسفية فدون ذلك؛ لأنها لا تتطلب إلا التفات ~~الذهن إلى معنى يتعلق بأصول الكون، من غير بحث منظم وتدليل وتفنيد، وهذه درجة وصل ~~إليها العرب. # الفصل الخامس # | مظاهر الحياة العقلية # سنتكلم كلمة عن كل مظهر من مظاهر الحياة العقلية، وهي اللغة والشعر والمثل والقصص، لا ~~من حيث جماله الفني وأسلوبه البلاغي، فهذا لا علاقة له بموضوعنا، ولكن من حيث دلالته ~~على العقل. # وقبل ذلك يجب أن نقف قليلا لنبين رأينا في حجية هذه الأمور؛ ذلك لأن الشك قد ~~يطوح بكل هذه المظاهر، أليس الشعر الجاهلي قد ظل غير مكتوب نحو قرنين، وظلت تتناقله ~~الرواة شفاها، ونحن نعلم ما في هذا من تعرض للخطأ والتغيير، ثم أليس هناك دواع تحمل ~~رواة الشعر وغيرهم على الانتحال؛ من دينية وسياسية وجنسية، وقد بين النقاد الثقات أن ~~كثيرا من الشعر الجاهلي موضوع مختلق، فكيف يصح بعد أن يعتمد عليه في تعرف الحياة ~~العقلية؛ وقل مثل ذلك في سائر المظاهر. # فنقول: إن أحدا لم ينكر الشعر الجاهلي كله جملة، بل الباحثون فيه منهم من يبالغ في ~~الشك، ومنهم من يبالغ في اليقين، ومنهم من يقتصد، ومذهبنا نحن أن نسلك في الشعر الجاهلي ~~مسلكنا في سائر ما يروى من الحوادث التاريخية، وما يروى من أحاديث، ففي هذه الأشياء ~~نمتحنها من ناحيتين: من ناحية ms047 السند - أعني الرواة الذين رووا الحادثة أو الحديث - ~~ومن ناحية المتن - أعني القول المنقول نفسه - فإذا كانت الناحيتان صحيحتين، وجب علينا ~~أن نصدق ما قيل حتى يظهر وجه للنقد جديد، فلنفعل كذلك في الشعر، فإذا كان الراوي كاذبا ~~أو ليس بثقة لم نعتمد على ما روى، وكذلك إذا قام برهان على ضعف المتن: كأن يتشبب الشاعر ~~بموضع ثبت تاريخيا أنه لم يذهب إليه، ولم يكن له به علاقة أو نحو ذلك؛ فإذا لم يكن ~~شيء من هذين صح الاستدلال بالشعر المروي، فالثقات مثلا ضعفوا ما يروي ابن إسحاق من ~~الشعر، وطعنوا في حماد الراوية وخلف الأحمر، فلندع ما يرويه هؤلاء ما لم يشاركهم ~~غيرهم من الثقات في روايته، ولكنهم وثقوا أبا عمرو بن العلاء والأصمعي وأمثالهما، ~~فلنأخذ بما رووا ما لم يقم دليل من ضعف المتن على كذبه، ولعله يسلم لنا - بعد ذلك - ~~جملة صالحة نستطيع أن نتبين منها الحياة العقلية. # على أن هناك وجها آخر للنظر، وهو أن الشعر المزيف يصح أن يكون مثلا للحياة العقلية ~~الجاهلية متى كان المزيف عالما بفنون الشعر خبيرا بأسالبيه، فمثلا يقول ابن سلام ~~في خلف الأحمر: «أجمع أصحابنا أنه كان أفرس الناس ببيت شعر وأصدقه لسانا»، ويعني ~~بالفراسة في الشعر العلم به والبصر فيه، فإذا وضع خلف قصيدة فقد كان يلبس فيها ~~على الناس، وينحو نحو الجاهليين ويقلدهم في مهارة وحذق، حتى ليصعب على الناقد أن ~~يفرق بين قوله وقول الجاهلي، فلا علينا بعد إذا استفدنا من علم خلف بأمور الجاهلية، ~~أليس إذا حدثك خلف عن شئون الجاهلية - وهو الخبير بها - كان لقوله قيمة كبرى؟ فهو كذلك ~~إذا وضع شعرا يمثل الحياة الجاهلية. ~~(1) اللغة # تدل اللغة على الحياة العقلية من ناحية أن لغة كل أمة في كل عصر مظهر من مظاهر ~~عقلها، فلم تخلق اللغة دفعة واحدة، ولم يأخذها الخلف عن السلف كاملة، إنما يخلق ~~الناس في أول أمرهم ألفاظا على قدر حاجتهم، فإذا ظهرت أشياء جديدة خلقوا لها ~~ألفاظا جديدة، وإذا اندثرت ms048 أشياء قد تندثر ألفاظها، وهكذا اللغة في حياة وموت ~~مستمرين، وكذلك الاشتقاقات والتعبيرات فهي أيضا تنمو وترتقي تبعا لرقي الأمة، هذا ~~ما ليس فيه مجال للشك، وإذا كان هذا أمكننا - إذا حصرنا معجم اللغة الذي تستعمله ~~الأمة في عصر من العصور - أن نعرف الأشياء المادية التي كانت تعرفها والتي لا ~~تعرفها، والكلمات المعنوية التي تعرفها والتي لا تعرفها، اللهم إلا إذا كانت ~~المعاجم أثرية، كمعاجم اللغة العربية التي نستعملها نحن اليوم، فإنها لا تدل علينا؛ ~~لأنها ليست معاجمنا، ولم تسر معنا ولم تمثل عصرنا، ولذلك يخرج عليهم كتابنا ~~وشعراؤنا، وإنما كانت معاجم صحيحة للعصر العباسي أو نحوه؛ أما معاجم كل أمة حية ~~الآن فهي دليل عليها، فإذا أمسكت معجما منذ مائة عام للأمة الفرنسية ولم تجد كلمة ~~للتغراف والتليفون فمعنى ذلك أن الأمة لا تعرفهما، وإذا لم تجد كلمة تدل على معنى ~~من المعاني دلك ذلك على أنهم لم ينتبهوا إلى هذا المعنى؛ وهكذا. # فنستطيع إذا إذا حصرنا الكلمات العربية المستعملة في الجاهلية أن نعرف ماذا ~~كانوا يعرفون عن الماديات، وماذا كانوا يجهلون، وماذا كانوا يعرفون من المعاني ~~والعواطف والملكات النفسية، وماذا كانوا يجهلون، فإذا لم تجد - مثلا - كلمة ملكة ~~أو عاطفة أو شعور في اللغة الجاهلية دل ذلك على أنهم لم ينتبهوا إلى تلك المعاني، ~~فلم يضعوا لها ألفاظا، وهذا وأمثاله يحدد لنا مقدار رقيهم العقلي، ولكن مع الأسف ~~لم يوضع معجم كهذا، وهل نستطيع ذلك؟ إنه يقف في سبيلنا جملة عقبات. ~~(الأولى): # أن أكثر الشعر والنثر الجاهليين قد ضاع، قال أبو عمرو بن ~~العلاء: «ما انتهى إليكم مما قالته العرب إلا أقله، ولو جاءكم ~~وافرا لجاءكم علم وشعر كثير»، فمن أجل هذا نستطيع أن نثبت ولا ~~نستطيع أن ننفي، نستطيع إذا صح عندنا بيت من الشعر الجاهلي أن ~~نقول: إن ألفاظه ومعانيه تعرفها العرب، ولكن لا نستطيع إذا لم نجد ~~أن نقول: إن العرب لا تعرف هذا اللفظ ولا هذا المعنى، وبذلك ينهدم ~~جزء كبير من مظهر الحياة ms049 العقلية. ~~(الثانية): # أن العرب في الجاهلية كانوا يعيشون قبائل، وهذه القبائل تختلف ~~فيما بينها - كثرة وقلة - في اللغة وفي اللهجة، فقد تستعمل قبيلة ~~كلمة ولا تستعملها القبيلة الأخرى، أو تستعمل غيرها، فقد روي «أن ~~أبا هريرة لما قدم من دوس عام خيبر لقي النبي # صلى الله عليه وسلم ~~- وقد ~~وقعت من يده السكين - فقال له: ناولني السكين، فالتفت أبو هريرة ~~يمنة ويسرة، ولم يفهم ما المراد باللفظ، فكرر به القول ثانية ~~وثالثة، فقال: آلمدية تريد؟ وأشار إليها فقيل له: نعم، فقال: ~~أوتسمى عندكم السكين؟ ثم قال: والله لم أكن سمعتها إلا يومئذ»، ~~وهذه اللغات بدأ توحيدها قبل الإسلام واستمر هذا العمل في الإسلام، ~~فقد تكون قبيلة استعملت كلمة لم تستعملها الأخرى، أو استعملت ~~غيرها، خصوصا وأن بعض البيئات الطبيعية والاجتماعية لقبيلة قد ~~تخالف ما للقبيلة الأخرى؛ فقبيلة على الساحل وأخرى في جبل، وثالثة ~~في سهل وهكذا، فإذا لا يصح لنا إذا عثرنا على كلمة في شعر شاعر أن ~~نستدل بها على الحياة العقلية للعرب أجمعين. ~~(الثالثة): # أن كثيرا من الألفاظ العربية خلق في العصر الإسلامي، قال ابن ~~جني في الخصائص: «إن العربي إذا قويت فصاحته، وسمت طبيعته، تصرف ~~وارتجل ما لم يسبق إليه، فقد حكي عن رؤبة وأبية أنهما كانا ~~يرتجلان ألفاظا لم يسمعاها ولا سبقا إليها»، وهناك ألفاظ تغيرت ~~معانيها في الإسلام كأن يكون المعنى عاما في الجاهلية وخصص في ~~الإسلام، كالصلاة والزكاة والحج والبيع والمزارعة ونحو ذلك، بل إن ~~اللفظ الواحد قد يتغير مدلوله في عقل السامع بانتقاله من طور إلى ~~طور في الحضارة، فلفظ الكرسي والمائدة والخوان والمطبخ والكانون ~~والملهى له مدلول في ذهن البدوي غير مدلوله في ذهن الحضري؛ فالكرسي ~~في ذهن البدوي أبسط شكل يطلق عليه اسم كرسي، وفي ذهن الحضري أشكال ~~مختلفة من الكراسي لم يكن يتخيلها البدوي، إن شئت فانظر إلى ما ~~نفهمه نحن الآن من مؤتمر وصحافة وجريدة ومطبعة وما كان يفهمه ~~البدوي في الجاهلية من هذه الألفاظ، بل وما يفهمه العربي ms050 في العصر ~~العباسي منها. # فما معجم الألفاظ للجاهليين قبل الإسلام؟ وهب أنك عثرت عليها، فما مدلولها ~~بالدقة عندهم؟ ذلك مطلب عسير المنال. # قد تقول: إن في القرآن غناء عن ذلك، فقد نزل بلغة العرب وفهمه العرب وقت ~~نزوله، ونصه لا يحتمل الشك، فنستطيع أن نتعرف منه لغة الجاهليين، فنقول: صحيح أن ~~القرآن نزل بلغة العرب، ونصه لا يحتمل الشك، وهو يفيدنا في تعرف كثير من حياة ~~الجاهلية العقلية فيما يحكي من أقوال المعاندين، وفيما يصور من حياتهم ~~الاجتماعية والاقتصادية، ولكن ألفاظه وتعبيراته ومعانيه لا تمثل لغة الجاهليين ~~بأكملها؛ لأن القرآن استعمل ألفاظا لم يكن يستعملها الجاهليون، وخصص ألفاظا ~~لمعان لم يكن يخصصها الجاهليون، واستعمل استعارات ومجازات خارجة عن الدائرة التي ~~كان يستعملها الجاهليون، وله أسلوب أخاذ كان بعيدا عن أسلوب الجاهليين، وله ~~معان كذلك؛ قال السيوطي في المزهر: «قال ابن خالويه: إن لفظ الجاهلية اسم حدث ~~في الإسلام للزمن الذي كان قبل البعثة، والمنافق اسم إسلامي لم يعرف في الجاهلية، ~~وقال ابن الأعرابي: لم يسمع قط في كلام الجاهلية ولا في شعرهم فاسق ... إلخ»، فلا ~~تستطيع بعد ذلك أن تقول: إن معجم القرآن ومعانيه وأمثاله تمثل الحياة العقلية من ~~الناحية اللغوية. # وبعد؛ فمع كل هذه العقبات نرى أن ما يسلم من شعر ومثل صحيحين يدلنا - نوعا ما ~~- على حياتهم العقلية، كما يدلنا كم ثوب عثر عليه على طول الثوب نفسه وسعته، على ~~اختلاف في الصعوبة بين الماديات والمعنويات. # وهذا الباقي يدلنا على غنى معجم اللغة قبل الإسلام، وخاصة فيما يتصل بنوع ~~معيشتهم، وقد عبر عن ذلك الأستاذ «نولدكه» خير تعبير إذ يقول: «إنا ليتملكنا ~~الإعجاب بغنى معجم اللغة العربية القديم، إذا ذكرنا مقدار بساطة الحياة العربية ~~وشئونها، وتوحد مناظر بلادهم واطرادها اطرادا يدعو إلى السآمة والملل، وهذا ~~يستتبع حتما ضيق دائرة التفكير، ولكنهم في داخل هذه الدائرة الضيقة وضعوا لكل تغير ~~- وإن قل - كلمة تدل عليه؛ ويجب أن نقر بأن معاجم اللغة العربية قد تضخمت كثيرا ~~بكلمات استعملها الشعراء وصفا ms051 لأشياء فذكرها اللغويون على أنها أسماء لتلك ~~الأشياء، فمثلا إذا أطلق شاعر كلمة «الهيصم» على الأسد من الهصم وهو الكسر، ~~وأطلق عليه آخر «الهراس» من الهرس وهو الدق، وضع أصحاب المعاجم الكلمتين على ~~أنهما اسمان مرادفان للأسد، وقد أدخل باب الهجاء - على الأخص - في اللغة وفي الأدب ~~العربي - وهو باب ذهب أكثر ما قيل فيه - تعبيرات كثيرة صاغها قائلوها في صور مبتكرة ~~وأحيانا غريبة، وقد انتقص اللغويون - على ما يظهر - كلمات وردت في بعض الأشعار على ~~قلة، ولم تكن مستعملة إلا في قبائل معينة، ولكن رغما عن هذا كله يجب أن نعترف بأن ~~معجم اللغة العربية غني غنى رائعا، وسيبقى دائما مرجعا هاما لتوضيح ما ~~غمض من التعبيرات في جميع اللغات السامية الأخرى. # وليست اللغة العربية غنية بكلماتها فحسب، بل بقواعد نحوها وصرفها أيضا، فجموع ~~التكسير وأحيانا أسماء الأفعال كثيرة زائدة عن الحاجة» ا.ه باختصار. # ونحن نوافقه في غنى اللغة العربية غنى مفرطا في الحدود التي ذكرناها من قبل، وهي ~~الحدود التي رسمتها لهم بيئتهم، فهم أغنياء في الجمل وما إليه، والصحراء وما فيها، ~~وألفاظ العواطف المحدودة التي تجيش في صدورهم؛ ولكن ليست غنية فيما خرج عن هذه ~~الحدود كالبحر وعالمه، ولا بأنواع الترف التي ينعم بها المنغمسون في الحضارة، ~~يعرفون القبيلة وما تفرع منها، ويضعون لكل اسما؛ لأن نظام القبيلة نظامهم؛ ولكن ~~لا يعرفون نظام الحكومات ولا أنواع الدواوين، فلم يضعوا لها بالضرورة اسما فلما ~~عرفوا معنى الديوان أخذوا اسمه عمن يعرفه؛ وهكذا، ولم يكن يتطلب منهم في الجاهلية ~~أن يضعوا كلمات لما لم يمس حياتهم، فذلك محال، وحسب الأمة فضلا أن تسمي ما تشعر به ~~الاسم والأسماء، ولكن حسبها مذلة أن تتحضر وتتسع حياتها من جميع نواحيها، ثم لا ~~تريد إلا أن تبقى - من حيث اللغة - في حدود الدائرة الضيقة التي رسمها لهم آباؤهم ~~الأولون. # كذلك مما لا شك فيه أن اللغة العربية غنية باشتقاقها وتصريف كلماتها؛ فوضع صيغة ~~فعلية لكل زمن، والمشتقات العديدة للدلالة على أنواع مختلفة ms052 من المعاني والأشخاص، ~~كل هذا يشعرنا شعورا تاما بغنى اللغة وصلاحيتها للبقاء. # وللغة دلالة أخرى على الحياة العقلية من حيث ما تستخدم فيه اللغة من شعر ومثل ~~وقصص ... وسيتجلى ذلك في الفصول التالية. ~~(2) الشعر # يذهب بعض الباحثين # 1 # إلى أن الشعراء في الجاهلية كانوا «هم أهل المعرفة»، يعنون بذلك أن ~~طبقة الشعراء في الجاهلية كانوا أعلم أهل زمانهم، وليسوا يعنون بالضرورة أي نوع من ~~أنواع العلم المنظم، إنما يعنون أنهم أعلم بما يتطلبه نوع معيشتهم، كمعرفة الأنساب ~~ومثالب القبيلة ومناقبها؛ وقد يساعد على هذا الرأي اشتقاق المادة، فشعر في الأصل ~~معناه علم، تقول شعرت به: علمت؛ وليت شعري ما صنع فلان: أي ليت علمي محيط بما ~~صنع؛ # وما يشعركم أنها إذا جاءت لا ~~يؤمنون ~~: ما يدريكم، وشعر بكذا: فطن كما في اللسان، فالمادة كلها ~~معناها العلم أو المعرفة، وعليه فيكون الشاعر معناه العالم، والشعراء: العلماء، ~~ثم خصصوا الشعر بهذا الضرب من القول، قال في اللسان: «والشعر منظوم القوم، غلب ~~عليه لشرفه بالوزن والقافية، وإن كان كل علم شعرا من حيث غلب الفقه على علم الشرع» ~~اه. وربما ساعد على هذا أيضا ما جاء فيه: قال الأزهري: «الشعر القريض المحدود ~~بعلامات لا يجاوزها، والجمع أشعار، وقائله شاعر؛ لأنه يشعر ما لا يشعر غيره؛ أي: ~~يعلم» اه. ولكن يرى بعض المستشرقين أن كلمة شعر مأخوذة من اللغة العبرية ففيها ~~«شير» بمعنى الترتيلة أو التسبيحة القدسية، ويرجحون ذلك بأنه لم يرد في اللغة ~~العربية شعر بمعنى ألف البيت أو القصيدة، وكل ما فيها شعر بمعنى قال الشعر، ~~وفرق بينهما. # وبعد؛ فهل حق أن الشعراء أعلم الطبقات في الجاهلية؟ نحن نشك في هذا كثيرا؛ لأنا ~~نرى أنه كان في الجاهلية طبقة أخرى هي طبقة الحكام، وهؤلاء كانوا يحكمون بين الناس ~~إذا تشاجروا في الفضل والنسب، وغير ذلك، وكان لكل قبيلة حاكم أو أكثر، واشتهر منهم ~~كثيرون كأكثم بن صيفي، وحاجب بن زرارة، والأقرع بن حابس، وعامر بن ~~الظرب؛ وما روي عنهم في كتب الأدب ms053 من أقوالهم وأحكامهم يدلنا على أنهم أرقى ~~عقلية، وأصدق رأيا من الشعراء، وإن كان الشعراء أوسع خيالا وأكثر في القول ~~افتنانا. # نعم، إن الشعراء كانوا من أرقى الطبقات عقلا، بدليل ما صدر عنهم من شعر، وبدليل ~~أحاديث مبعثرة تراها تدل على اعتداد الشعراء بأنفسهم من ناحية الرقي العقلي، كالذي ~~جاء في سيرة ابن هشام «أن الطفيل الدوسي قدم مكة ورسول الله بها، ~~فحذره رجال من قريش من سماع النبي حتى لا يتأثر بقوله، قال الطفيل: فما ~~زالوا بي حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئا، ثم قلت في نفسي: واثكل أمي! والله إني ~~رجل لبيت شاعر، ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني من أن أسمع من هذا الرجل ~~ما يقول؟ فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته». # أضف إلى ذلك أنا نجد أكثر الشعراء في الجاهلية من أكرم الناس على قومهم؛ لأن موقف ~~الشاعر في قبيلته كان التغني بمناقبها، ورثاء موتاها، وهجاء أعدائها، وقل أن تجد ~~في أول أمرهم من كان صعلوكا يتخذ الشعر حرفة كما فعل الحطيئة بعد. # ومع هذا فإنا نرى أن الشعراء كانوا من أرقى طبقاتهم عقلا، ولكن ليسوا ~~أرقاهم. # دلالة الشعر على الحياة العقلية: قديما قالوا: «إن الشعر ديوان العرب»، يعنون ~~بذلك سجل سجلت فيه أخلاقهم وعاداتهم، وديانتهم وعقليتهم، وإن شئت فقل: إنهم ~~سجلوا فيه أنفسهم؛ وقديما انتفع الأدباء بشعر العرب في الجاهلية، فاستنتجوا منه ~~بعض أيامهم وحروبهم، وعرفوا منه أخلاقهم التي يمدحونها والتي يهجونها، واستدلوا به ~~على جزيرة العرب وما فيها من بلاد وجبال وسهول ووديان ونبات وحيوان، وما كانوا ~~يعتقدون في الجن، وما كانوا يعتقدون في الأصنام والخرافات، وألفوا في ذلك جميعه ~~الكتب المختلفة. # وكانت الطريقة المثلى للانتفاع بهذا «الديوان» أن يعنى العلماء بجمع ما صح ~~عندهم من الشعر الجاهلي، مع نقد السند والمتن، وإبعاد ما لم يصح، كما فعل ~~المحدثون في الحديث، فليس لدينا مجموعة من الشعر الجاهلي ذكر سندها، وعني ~~ببيان رجالها عناية تامة، كالذي عندنا من ms054 صحيح البخاري ومسلم وغيرهما، وكان يجب أن ~~يعنى بالشعر الجاهلي هذه العناية متى عددناه «ديوانا» نسجل فيه الحوادث والعادات ~~ونظرنا إليه كأنه وثائق تاريخية، ولكن يظهر أن هذا النظر إلى الشعر الجاهلي لم يكن ~~سائدا عند الرواة والأدباء، إنما كان السائد عندهم أو عند أكثرهم النظر إليه كمادة ~~لتعليم اللغة، أو كأنه طرفة وملهى ومادة لحسن المحاضرة؛ فلم يكن يعنى به هذه ~~العناية التي بذلت في الحديث، ولم ير من يتعمد الكذب فيه أن يتبوأ مقعده من ~~النار. # نعم، إن بعض الأدباء سار في الأدب سيره في الحديث، فكان يروي الخبر معنعنا، ~~ووضع بعضهم مصطلحات لرواية الأدب على نمط مصطلح الحديث، ولكن يظهر لنا أنها كلها ~~محاولات أولية لم تنضج، ولم يسيروا فيها إلى النهاية. # كذلك أكثر ما روي لنا قد عني فيه بالمختارات أكبر عناية، وهم في هذا ينظرون ~~نظرة الأديب لا نظرة المؤرخ، فالقصيدة التي لم يحكم نسجها، ولم تهذب ألفاظها ~~ولم يصح وزنها، قد يعجب بها المؤرخ أكثر من إعجابه بالقصيدة الكاملة من جميع ~~نواحيها، ويرى فيها دلالة على الحياة العقلية أكثر من قصيدة راقية، ولعل هذا هو ~~السبب في أنا مع اعتقادنا أن الشعر كان خاضعا للنشوء والارتقاء، قل أن نرى فيما ~~يروى لنا منه المحاولات الأولية التي بدأ بها الشعراء شعرهم، ثم تدرجوا منها إلى ~~ما وصل إلينا من الرقي، ذلك أن الأديب لم يكن يروقه ذلك فيهمله، أو يستضعف وزنه ~~فيصلحه، وبذلك يضيع كثير من معالم التاريخ. ~~••• # لو كان عندنا هذه المجموعة التي لا يقصد فيها إلى الاختيار، ولكن يقصد فيها إلى ~~الصحة، لكان لنا مادة صادقة للدلالة على أشياء كثيرة، منها الحياة العقلية. # ومع هذا فما لدينا يمثل بعض الشيء - وإن لم يكن وافيا كما ذكرنا من قبل - وأشهر ~~المجموعات التي لدينا مما نسب إلى الجاهليين - عدا دواوين الشعراء - ~~هي: ~~(1) # المعلقات السبع، ويغلب على الظن أن جامعها حماد الراوية. ~~(2) # المفضليات، وجامعها المفضل الضبي، وتشتمل على نحو 128 ~~قصيدة. ~~(3) # ديوان الحماسة لأبي تمام، وفيه ms055 مقطعات كثيرة صغيرة من الشعر ~~الجاهلي. ~~(4) # ومثله حماسة البحتري. ~~(5) # وفي كتاب الأغاني، والشعر والشعراء لابن قتيبة أشعار ومقطعات كثيرة ~~للجاهليين. ~~(6) # مختارات ابن الشجري. ~~(7) # جمهرة أشعار العرب لمن يسمى أبا زيد القرشي. # والشعر الذي وصل إلينا عن الجاهلية لم يعد تاريخ أقدمه 150 سنة قبل البعثة؛ ~~ونظرة عامة إليه تدلنا على أنه ليس متنوع الموضوعات كثيرا، ولا غزير المعاني، فما ~~روي لنا من القصائد موسيقاه واحدة، يوقع على نغمة واحدة، والتشابيه والاستعارات ~~تكرر غالبا في أكثر القصائد: قلة في الابتكار، وقلة في التنوع، ولنستعرض كثيرا ~~منها، فماذا نرى؟ # يتخيل الشاعر أنه راحل على جمل ومعه صاحب أو أكثر، وقد يعرض له في طريقه أثر ~~أحبة رحلوا فيستوقف صحبه ويبكي معهم على رسم دارهم، ويذكر أياما هنيئة قضاها معهم، ~~وأن العيش بعدهم لا يحتمل، ثم يصف محبوبته إجمالا وتفصيلا، ويخرج من هذا إلى ~~وصف ناقته أو فرسه ويقارنها بالوعل أو النعامة أو الغزال، وقد يطفر من ذلك إلى وصف ~~الصيد ومنظره ومنازلته؛ وبعد هذا كله يتعرض للموضوع الذي من أجله أنشأ القصيدة، ~~فيتمدح بشجاعته أو يتغنى بفعال قبيلته، أو يعدد محاسن ممدوحه ويصف كرمه، أو يفتخر ~~بموقعة انتصر فيها قومه، أو يهجو قبيلة عدت على قبيلته، أو يحمل قومه على الأخذ ~~بالثأر أو يرثي راحلا؛ وهذه - تقريبا - كل الموضوعات التي قيل فيها الشعر ~~الجاهلي، وهي موضوعات كما ترى محدودة ضيقة، هي ظل حياة الصحراء، وصورة صادقة لعيشة ~~البداوة، والحق أنهم في البيان واللعب بالألفاظ كانوا أقدر منهم على الابتكار ~~وغزارة المعنى، فترى المعنى الواحد قد توارد عليه الشعراء فصاغوه في قوالب متعددة ~~تستدعي الإعجاب، ولكن لا يستدعي إعجابنا خلقهم للمعاني، وابتكارهم للموضوعات، وقد ~~عبر عنترة عن ذلك بقوله: # هل غادر الشعراء من متردم # أم هل عرفت الدار بعد توهم # وزهير إذ يقول: # ما أرانا نقول إلا معارا # أو معادا من لفظنا مكرورا # ولكن ما أنصفوا، فقد غادر الشعراء كثيرا، والناس من قديم يشعرون ولا يزال مجال ~~القول ذا سعة، ولا يزال الخيال ms056 الخصب ينتج ويجدد، ويخلق موضوعات لم تكن ومعاني لم ~~يسبق بها؛ ولكن ضيقوا على أنفسهم، أو قل ضيقت عليهم بيئتهم فلم يجدوا إلا أن يقول ~~معادا أو معارا. # اللهم إلا أبياتا قليلة مبعثرة تشعر فيها بمعنى جديد، وترى فيها أثر الابتكار ~~واضحا، وإلا شعراء نادرين كانت لهم مناح خاصة وشخصية واضحة، وتسمع لقولهم نغمة ~~جديدة، كالذي تراه في زهير، فقد عني بأخلاقية قومه، وعبر عنها تعبيرا ~~صادقا. # وكذلك تشعر حين تقرأ الشعر الجاهلي - غالبا - أن شخصية الشاعر اندمجت في قبيلته ~~حتى كأنه لم يشعر لنفسه بوجود خاص؛ وإنك لتتبين هذا بجلاء في معلقة عمرو بن كلثوم؛ ~~وقل أن تعثر على شعر ظهرت فيه شخصية الشاعر، ووصف ما يشعر به وجدانه، وأظهر فيه أنه ~~يحسن لنفسه بوجود مستقل عن قبيلته. # ولما انتشرت اليهودية والنصرانية بين العرب ظهرت نغمة دينية جديدة، تراها في مثل ~~شعر عدي بن زيد في الحيرة، ثم في أمية بن أبي الصلت في الطائف. # وخلاصة القول أن الشعر الجاهلي لا يدلنا على خيال واسع متنوع، ولا على غزارة في ~~وصف الشاعر والوجدان بقدر ما يدلنا على مهارة في التعبير وحسن بيان في ~~القول. ~~(3) الأمثال # يقول علماء اللغة العربية: إن كلمة المثل مأخوذة من قولك هذا مثل الشيء ~~ومثله كما تقول: شبهه وشبهه؛ لأن الأصل فيه التشبيه، ثم جعلت كل حكمة ~~سائرة مثلا، ويرى غيرهم أن الكلمة مأخوذة من العبرية، ففيها كلمة «مشل» تدل على ~~هذا المعنى أوسع منه، فهم يطلقونها على الحكمة السائرة، وعلى الحكاية القصيرة ذات ~~المغزى، وعلى الأساطير. # وعلى كل حال فسنبحث في الأمثال - فقط - من ناحية دلالتها العقلية، فمن أمثال ~~الأمة نستطيع أن نتفهم الدرجة التي وصلت إليها، ونستطيع أن نعرف كثيرا من أخلاقها ~~وعاداتها. # وللأمثال من هذه الناحية ميزة على الشعر، ذلك أن الشعر تعبير طبقة من الناس ~~يعدون في مستوى أرقى من مستوى العامة، فالشعراء يعبرون عن شئون القبيلة التي ~~ارتسمت في أذهانهم الراقية - نوعا من الرقي - وهم يعبرون بألفاظ مصقولة صقلا ~~يستوجبه ms057 الشعر، أما الأمثال فكثيرا ما تنبع من أفراد الشعب نفسه، وتعبر عن عقلية ~~العامة، ولذلك تجد كثيرا منها غير مصقول، أعني أنه لم يتخير لها ألفاظ الأدباء ولا ~~العقلاء الراقين، مثل قولهم: «أول ما أطلع ضب ذنبه»، وقولهم: «أم ~~قبيس وأبو قبيس، كلاهما يخلط خلط الحيس»، وربما كان هذا هو السبب في ~~أن بعض الأمثال العربية يفهم معناها إجمالا لا تفصيلا، قال أبو هلال العسكري في ~~كتابه جمهرة الأمثال في شرح «بعين ما أرينك»: «إن معناه (أعجل)، وهو من ~~الكلام الذي قد عرف معناه سماعا من غير أن يدل عليه لفظه، وهذا يدل على أن لغة ~~العرب لم ترد علينا بكمالها، وأن فيها أشياء لم تعرفها العلماء» اه. # وأنا أرى أنه يدلنا أيضا على أن ما وصل إلينا من الشعر والخطابة ونحو ذلك هو لغة ~~الأدباء المصقولة، لا لغة الشعب والعامة، ولم يصل إلينا من لغة العامة إلا بعض ~~الأمثال. # ولست أعني أن كل الأمثال ساقطة التعبير غير مصقولة الألفاظ، ولكن أعني أنها تمثل ~~الشعب بأجمعه، فقد ينبع المثل من طبقة راقية فيكون راقيا مصقولا، وقد ينبع من ~~العامة فلا يكون كذلك، أما الشعر فلا ينبع إلا من طبقة الشعراء، وهم عادة أرقى من ~~الشعب، وهم إن فات بعضهم رقي المعنى فلن يفوته صقل اللفظ، ومن أجل هذا عبر بعضهم عن ~~المثل بأنه «صوت الشعب»، ومن أجل هذا أيضا كانت دلالة الأمثال على لغة الشعب أصدق ~~من دلالة الشعر. # رأى الباحثون في الأمثال أن هناك نوعا منها يكاد يكون شائعا بين الشعوب كلها، ~~ونوعا آخر تختلف فيه الأمة عن الأخرى، فالنوع الأول موضوع البحث: كيف اتفقت الأمم ~~في هذه الأمثال، وخصوصا في اللغات ذات الأصل الواحد كاللغات السامية ففيها أمثلة ~~متقاربة، وفي بعض الأمثال العربية مشابهة قريبة لأمثال سليمان، لا تختلف عنها ~~إلا في صوغها في القالب العربي، وتحويرها تحويرا طفيفا لتتفق والذوق العربي، ~~والنوع الثاني موضع البحث: لم كان كذلك في هذه الأمة وكان غير ذلك في الأمة ~~الأخرى؟ ms058 فالأمة الزراعية لها أمثال مشتقة من زراعتها، والتجارية لها أمثال مشتقة من ~~تجارتها؛ وهكذا، وإنك لتستطيع أن تطبق ذلك على العرب باستعراضك أمثالهم، فقد أكثروا ~~من الأمثال المتعلقة بالإبل وشئونها، فقالوا: «استنوق الجمل»، و«إنما ~~يجزي الفتى ليس الجمل»، و«أغدة كغدة البعير؟»، وهكذا ~~أمثالهم في اللبن والجزور، وإن أنت استعرضت أمثال قريش رأيت فيها ما يدل على أنهم ~~قبيلة تجارية، كقولهم: «لا في العير ولا في النفير» ونحو ذلك. # وقد عاق عن الاستفادة من الأمثال العربية من هذه الناحية أمران: ~~(الأول): # اختلاط الأمثال الجاهلية بأمثال الإسلام اختلاطا كبيرا، حتى ~~ليصعب التفريق بينهما، وهذه أول خطوة يجب التحقق منها قبل ~~الاستدلال بالأمثال على الحياة العقلية؛ وقد رووا أن «علاقة ~~الكلابي» جمع الأمثال في عهد يزيد بن معاوية، وقد كان هذا يفيدنا ~~كثيرا لو وصل إلينا؛ إذ لا يكون قد ذكر فيه إلا أمثال الجاهلية ~~وصدر الإسلام، ولكنه لم يصل. # نعم، إن هناك دلائل تدلنا أحيانا على مصدر المثل من طرق ~~عدة: ~~(1) # إن هناك عدة أمثال قيلت في حوادث تاريخية كجزاء ~~سنمار، ومواعيد عرقوب، ولا في العير ولا في ~~النفير، وتسمع بالمعيدي خير من أن تراه، ~~وهذه دلالة صحيحة متى ثبت صحة الحادثة التاريخية التي ~~قيل فيها المثل. ~~(2) # الاستدلال من حياة الجاهلية الاجتماعية على أن المثل ~~جاهلي، كالذي قالوا: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» ~~فإن ذلك هو الخلق الجاهلي لا الإسلامي. ~~(3) # إن كثيرا من الأمثال قد نص المؤلفون على قائليها ~~عند ذكر مضرب المثل، فهم في كثير من الأحيان يذكرون ~~القصة التي قيل فيها المثل، فنستدل بذلك - ولو على وجه ~~التقريب - على زمنه، ولكنا نشك في كثير من هذا؛ لأن ~~القصة في كثير من الأحيان يبدو عليها أثر الصنعة، ~~وأنها عملت فرشا ينطبق عليه المثل، بدليل أن ~~المؤلفين كثيرا ما يذكرون قصصا مختلفة متباينة لمضرب ~~المثل الواحد؛ أضف إلى ذلك أن أكثر الأمثال في الأمم ~~يصعب تعيين قائليها، حتى الأمثال قريبة العهد؛ لأن ~~الأمثال ليست إلا جملا قصيرة نتيجة تجارب طويلة، ~~وهي عندما ms059 تقال لا تكون مثلا، وإنما يجعلها مثلا ~~شيوعها بعد لموافقتها لذوق الجمهور، ويغلب عندئذ أن ~~يكون قد نسي قائلوها. ~~(الأمر الثاني): # من وجوه الصعوبة: أن أكثر جامعي الأمثال رتبوها على حسب حروف ~~الهجاء، فجعلوا ما أوله ألف، ثم ما أوله باء وهكذا، ولم نر فيما ~~نعلم أحدا رتبها على حسب أصولها الاجتماعية كأن يجمع الأمثال التي ~~تتعلق بالغنى والفقر، وبالعمر وأطواره، وبالزواج والأسرة، وبالعمل ~~والتجارة، وبالحظ وما إليه، وبالأصدقاء والجيران، وبالمرأة ~~وأخلاقها، وبالصحة والمرض؛ إلى نحو ذلك، ولو فعلوا ذلك - كما فعل ~~بعض مؤلفي الفرنج في أمثالهم - لأفادونا فائدة كبرى من ناحية ~~موضوعنا. ~~••• # وقد شاع بين العرب في الجاهلية ذكر لقمان، واتخذوه شخصية هي مثال الحكمة، ينسبون ~~إليه من الأمثال كثيرا مما لم يعرف قائله، وسمعت في القرآن سورة باسمه، وزعم بعض ~~العلماء أن هناك لقمانين: لقمان الحكيم، ولقمان عاد، وأن لكل وردت أمثالا. # فقالوا عن الثاني، ورد: «إحدى حظيات لقمان»، و«آكل من لقمان»، ورووا ~~للأول حكما كثيرة، ويظهر أن حكمه كانت متداولة بين العرب لدرجة كبيرة، ذكر ابن ~~هشام في السيرة: «أن سويد بن صامت قدم مكة حاجا أو معتمرا، وكان سويد ~~إنما يسميه قومه فيهم الكامل لجلده وشرفه ونسبه ... فتصدى له رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حين سمع به، فدعاه إلى الله وإلى الإسلام، فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي ~~معي، فقال له رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وما الذي معك؟ قال: مجلة لقمان، فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: اعرضها علي، فعرضها عليه، فقال له: إن هذا الكلام حسن، والذي معي أفضل ~~من هذا، قرآن أنزله الله علي، هو هدى ونور، فتلا عليه رسول الله القرآن، ودعاه ~~إلى الإسلام فلم يبعد منه، وقال: إن هذا لقول حسن» ... إلخ # 2 ~~. # ولكن من لقمان هذا؟ ما هويته؟ وما قومه؟ وأية مدنية تمثلها حكمته؟ وفي أي ~~عصر كان؟ لم يصل العلم إلى تحقيق ذلك بعد، وقد اضطربت الأقوال فيه اضطرابا كبيرا، ~~فقيل: كان نوبيا من ms060 أهل أيلة، وقيل: كان حبشيا، وقيل: كان أسود من سودان ~~مصر، وزعم وهب بن منبه أنه يهودي، وأنه ابن أخت داود؛، وقيل: ابن خالته وكان في ~~زمنه، وفي تفسير البيضاوي: «إنه لقمان بن باعورا من أولاد آزر ابن أخت أيوب أو ~~خالته، وعاش حتى أدرك داود وأخذ منه العلم»، ويقول ياقوت في معجمه في مادة طبرية: ~~«وفي شرق بحيرة طبرية قبر لقمان الحكيم وابنه، وله في اليمن قبر، والله أعلم ~~بالصحيح منهما» اه. # ويروي بعضهم حديثا عن النبي # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: «سادة السودان أربعة: لقمان، ~~والنجاشي، وبلال، ومهجع»، وظاهر أن كلمة السودان لا يراد بها السودان بالمعنى ~~الذي نصطلح عليه الآن، إنما يراد بها الجنس الأسود. # وعلى كل حال، فالذي نستنتجه من هذا أنهم مجمعون على أنه ليس عربيا، وأنه أدخل ~~على العرب حكمة أمة أخرى، ويرجح بعضهم أنها العبرية، ويزعمون أن كلمة لقمان تعريب ~~من العرب لكلمة بلعم، وبلعم بن باعورا يهودي معروف، وقد ذكر الإمام مالك ~~في موطئه كثيرا من حكمه؛ وجمعت له جملة أمثال قصصية في كتاب اسمه: «أمثال لقمان» ~~ويدل ضعف أسلوبه، ونزول عبارته، وكثرة الخطأ النحوي والصرفي فيه، على أنه موضوع من ~~عهد قريب، ولم يرد ذكر هذا الكتاب في كتب العرب القديمة فيما نعلم، ورأى بعض ~~الباحثين وجوه شبه بين بعض الأمثال المنسوبة للقمان، وقصص «إيزوب» اليونانية، ~~وأخذوا يفترضون الفروض في منشأ ذلك مما ليس هذا محله. # وبعد؛ فإن نحن نظرنا إلى أمثال العرب التي نسبت إلى الجاهليين وجدنا بعضها ~~سخيفا يستخرج منك ابتسامة الاستهزاء، كالذي ذكرنا من قبل من أقوال ساقطة التعبير، ~~وبعضها قبيح اللفظ في فحش، وبعضها نظرات للحياة متناقضة، مثل: «سمن كلبك ~~يأكلك»، «وأجع كلبك يتبعك»؛ وكثير منها نتيجة تجربة صادقة ونظر هادئ حكيم، مثل: ~~«أخو الظلماء أعشى بليل»، و«إن من الحسن لشقوة»، و«أم الصقر ~~مقلات نزور»، و«تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها»، و«التمرة إلى التمرة تمر»، ~~و«الثكلى تحب الثكلى»، و«الحرب مأيمة»، و«بئس العوض من جمل قيده»، و«بينهم ~~داء ms061 الضرائر»، و«ترى الفتيان كالنخل، وما يدريك ما الدخل» ... إلخ. # والعرب حقا أجادوا في هذا النوع من الأدب، وخلفوا لنا ما يدل على عقليتهم أكثر ~~مما يدلنا الشعر والقصص، ويظهر أن سبب ذلك أنه يوافق مزاجهم العقلي، وهو النظر ~~الجزئي الموضعي لا الكلي الشامل؛ لأن المثل لا يستدعي إحاطة بالعالم وشئونه، ولا ~~يتطلب خيالا واسعا، ولا بحثا عميقا، إنما يتطلب تجربة محلية في شأن من شئون ~~الحياة. # تدلنا الأمثال على حياة الغرب الاجتماعية التي أجملناها من قبل، فنظرة إلى مجموعة ~~الأمثال التي قيلت في المرأة، تدل على انحطاط منزلتها في نظرهم؛ والتي قيلت في ~~الحياة الاقتصادية، تدل على فقر البلاد وإجدابها، ويطول بنا القول لو عرضنا لك كل ~~الأمثال التي قيلت في كل باب وما يستنتج منها، ولكنا نحيلك في ذلك على أمثال ~~الميداني، وجمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري، وأمثال المفضل الضبي، بعد أن أبنا ~~لك وجهة نظرنا في كيفية بحثها. # وهناك نوعان آخران يلحقان بالأمثال، ولها قيمة كبيرة في الدلالة على الحياة ~~العقلية؛ ولكن يظهر أن المؤلفين لم يعنوا بهما العناية الكافية فلم يجمعوهما ~~ويرتبوهما كما فعلوا في الأمثال، إنما تراهما منثورين مبعثرين في الكتب، وهما: ~~(الأول): # الأحاجي أو الألغاز، كالذي زعموا أنه اجتمع يوما عبيد بن ~~الأبرص وامرؤ القيس، فقال له عبيد: كيف معرفتك بالأوابد؟ ~~فقال: قل ما شئت تجدني كما أحببت، قال عبيد: # ما حية ميتة قامت بميتتها # درداء ما أنبتت نابا وأضراسا؟ # فقال امرؤ القيس: # تلك الشعيرة تسقى في سنابلها # قد أخرجت بعد طول المكث أكداسا # فقال عبيد: # ما السود والبيض والأسماء واحدة # لا يستطيع لهن الناس تمساسا؟ # فقال امرؤ القيس: # تلك السحاب إذا الرحمن أنشأها # روى بها من نحو الأرض أيباسا # إلى آخر القصة، وهي طويلة. # وكالذي زعموا أن امرأ القيس آلى على نفسه ألا يتزوج امرأة حتى ~~يسألها عن ثمانية وأربعة واثنين، فجعل يخطب النساء، فإذا سألهن عن ~~هذا قلن له: أربعة عشر، فبينما هو يسير إذا هو برجل يحمل ابنة له ~~صغيرة كأنها البدر ms062 ليلة تمه، فأعجبته، فقال لها: يا جارية! ما ~~ثمانية وأربعة واثنان؟ فقالت: أما ثمانية فأطباء الكلبة، وأما ~~أربعة فأخلاف الناقة، وأما اثنان فثديا المرأة، فخطبها من أبيها ~~... إلخ. # ولم نسق هذين المثلين لاعتقادنا بصحتهما، فإن أثر الصنعة ~~الإسلامية واضح في قوله: تلك السحاب إذا الرحمن أنشأها، وفي قوله ~~بعد: # تلك الموازين والرحمن أرسلها # رب ~~البرية بين الناس مقياسا # هذا فضلا عن ضعف الشعر وإسفافه، وإنما سقناهما للدلالة على ~~ما نريد من الألغاز والأحاجي؛ وترى كثيرا منها قد نثر في كتب ~~الأدب كأمالي القالي، والحيوان للجاحظ، والمثل السائر لابن الأثير، ~~وأمثال الميداني ، لو جمع وامتحن لدلنا على ناحية خاصة من نواحي ~~الخيال. ~~(الثاني): # قصص الحيوانات، كالذي زعموا أن النعامة ذهبت تطلب قرنين، فرجعت ~~بلا أذنين، وفي ذلك يقول بشار: # طالبها قلبي فراغت به # وأمسكت قلبي مع الدين # فكنت كالهقل # 3 # غدا يبتغي # قرنا فلم ~~يرجع بأذنين! # وزعموا أنه لذلك يسمى بالظليم، وكالذي زعموا أن الغراب ذهب ~~يتعلم مشية القطاة فلم يتعلمها، ونسي مشيته، فلذلك صار يحجل؛ وأن ~~الضفدع كان بلا ذنب؛ لأن الضب سلبه إياه. # وكانوا يقولون: إن الهدهد لما ماتت أمه أراد أن يبرها، فجعلها ~~على رأسه يطلب موضعا، فبقيت في رأسه، فالقنزعة التي في رأسه هي ~~قبرها؛ وإنما أنتنت ريحها لذلك # 4 ~~، وزعموا أن الهديل فرخ كان على عهد نوح؛ فصاده جارح، ~~فما من حمامة إلا وهي تبكيه وتدعوه فلا يجيبها؛ قال بعضهم: # وما من تهتفين به لنصر # بأسرع جابة لك من هديل # وقولنا في هذا النوع كقولنا في سابقه. ~~(4) القصص # كان للعرب قصص، وهو باب كبير من أبواب أدبهم، وفيه دلالة كبيرة على عقليتهم، ~~وهذا القصص في الجاهلية أنواع، منها: # أيام العرب: # وهي تدور حول الوقائع الحربية التي وقعت في الجاهلية بين ~~القبائل، كيوم داحس والغبراء، ويوم الفجار، ويوم الكلاب؛ أو ~~بين بعض العرب وأمم أخرى كيوم ذي قار، وكان بين شيبان والفرس، ~~وانتصر فيه العرب، وكانت هذه القصص موضوع العرب في سمرهم في ~~جاهليتهم وفي إسلامهم، «قيل ms063 لبعض أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: ما ~~كنتم تتحدثون به إذا خلوتم في مجالسكم؟ قال: كنا نتناشد الشعر، ~~ونتحدث بأخبار جاهليتنا»، وترى هذه الأيام وأخبارها مجموعة في ~~العقد الفريد، وأمثال الميداني؛ وقد زاد القصاص في بعضها وشوهوا ~~بعض حقائقها، كالذي تراه في أخبارهم التي حكوها في موت الزباء، ~~إذا قارنت بين ما قصوه وما ذكره ثقات المؤرخين عن زنوبيا # Zenobia # فخبر الزباء المروي في ~~الكتب العربية عن هشام بن محمد الكلبي، رواية خيالية موضوعة لا ~~تتفق والتاريخ، ولسنا ندري هل أفسدها العرب في جاهليتهم، أو أفسدها ~~رواة الأدب في الإسلام. # أحاديث الهوى : # وهذا كثير في كتب الأدب، كالذي رووا من قصة المنخل ~~اليشكري المتجردة زوج النعمان، وما كان بينهما من علاقة، ~~وما قيل في ذلك من قصص، وما روي من أشعار # 5 ~~. # وهناك نوع من قصص العرب، أخذوه من أمم أخرى، وصاغوه في قالب يتفق وذوقهم، كقصة ~~شريك مع المنذر، وأنه أتاه في يوم بؤسه رجل يقال له حنظلة فأراد قتله فطلب منه أن ~~يؤجله سنة، فقال: ومن يكفلك؟ فكفله شريك بن عمرو؛ فلما كان من القابل جلس في مجلسه ~~ينتظر حنظلة فلم يأت، فأمر بشريك فقرب ليقتله، فلم يشعر إلا براكب قد طلع عليه ~~فتأملوه فإذا هو حنظلة، فلما رآه المنذر عجب من وفائهما وكرمهما فأطلقهما؛ وأبطل ~~تلك السنة # 6 ~~... إلخ، فإن لهذه القصة أصلا يونانيا معروفا، وكقصة أنه كان لرجل من ~~بني ضبة في الجاهلية بنون سبعة فخرجوا بأكلب لهم يقتنصون، فأووا إلى غار فهوت ~~عليهم صخرة فأتت عليهم جميعا، فلما استراث أبوهم أخبارهم اقتفى آثارهم حتى انتهى ~~إلى الغار، فانقطع عنه الأثر، فأيقن بالشر، فرجع وأنشد شعرا # 7 ~~، فإن لها شبها بقصة من قصص المسيحية الأولى. # وقد عرفت العرب في الجاهلية قصصا كثيرة عن الفرس؛ وكانوا يروونها ويتسامرون بها، ~~جاء في سيرة ابن هشام أن النضر بن الحارث كان من شياطين قريش، وممن كان يؤذي ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وينصب له العداوة، وكان ms064 قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ~~ملوك الفرس، وأحاديث رستم واسفنديار؛ فكان إذا جلس رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مجلسا ~~فذكر بالله وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله، خلفه في ~~مجلسه إذا قام، ثم قال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلم إلي، فأنا ~~أحدثكم أحسن من حديثه! ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسفنديار، ثم يقول: بماذا ~~محمد أحسن حديثا مني؟ قال ابن هشام: وهو الذي قال فيما بلغني: «سأنزل مثل ~~ما أنزل الله» # 8 ~~. ~~••• # ولعله بعد الذي ذكرنا؛ من علاقات العرب بمن حولهم من الفرس والروم تجاريا! ~~وسياسيا ودينيا، وما ذكرناه عن لقمان من أنه حبشي أو يهودي أو مصري، ومن ~~إجماعهم على أنه ليس بعربي، وما كان من شبه بين أمثال سليمان والأمثال العربية، وما ~~أشرنا إليه من وجوه الشبه بين بعض قصصهم وقصص الأمم الأخرى، وما كانوا يتحدثون به ~~من أقاصيص الفرس؛ يتضح لك أن العرب لم يكونوا - كما يفهم كثير من الناس - مستقلين ~~عن غيرهم من الأمم استقلالا تاما، لا في وسائلهم الاقتصادية، ولا السياسية ولا ~~الأدبية؛ فلما جاء الإسلام كان الاتصال أتم، وأثر الامتزاج أكبر، كما سيتضح إن شاء ~~الله. # | مصادر هذا الباب # ذكرنا في ثنايا هذا البحث كثيرا من الكتب التي رجعنا إليها، ونزيد عليها أننا ~~استفدنا أيضا كثيرا من الكتب الآتية: ~~(1) # دائرة المعارف الإسلامية في مادة «عرب» و«خمير» و«كهلان» وغير ذلك من ~~مواد أخرى متفرقة. ~~(2) # كتاب «العرب قبل ~~الإسلام» # Arabia before Mohammad # تأليف # O’leary ~~. ~~(3) # دائرة المعارف البريطانية في مادة اللغة السامية. ~~(4) # سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب. ~~(5) # أمثال الميداني، وأمثال أبي هلال العسكري، وأمثال المفضل الضبي. # الجزء الثاني # | الإسلام # الفصل السادس # | بين الجاهلية والإسلام # كان للإسلام أثران كبيران في عقلية العرب من ناحيتين مختلفتين: ~~(الأولى): # ناحية مباشرة، وهي تعاليمه التي أتى بها مخالفا عقائد العرب. ~~(الثانية): # ناحية غير مباشرة، وهي أن الإسلام مكن العرب من فتح فارس ومستعمرات ~~الروم، وهما أمتان عظيمتان تحملان أرقى ms065 مدنية في ذلك العهد، فكان من ~~أثر الفتح وضع البلاد وما فيها من نظم وعلم وفلسفة تحت أعين العرب، ~~فتسربت مدنيتهما إلى المسلمين، وتأثرت بهما عقليتهم، وسنتكلم كلمة عن ~~كلتا الناحيتين. # لفظ الإسلام ومعناه: إذا تتبعنا مادة «س ل م» ونشوء كلمة الإسلام رأينا أن معنى ~~السلام المسالمة، وضد المسالمة الحرب والخصام، جاء في القرآن: # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا ~~خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ~~، ولعل هذه الآية هي المفتاح ~~الذي نصل به إلى معرفة السبب في تسمية العهد الذي قبل محمد # صلى الله عليه وسلم # جاهلية، وعهده ~~إسلاما؛ والجاهلية ليست من الجهل الذي هو ضد العلم، ولكن من الجهل الذي هو السفه ~~والغضب والأنفة؛ جاء في حديث الإفك: «ولكن اجتهلته الحمية»، أي حملته الأنفة والغضب ~~على الجهل؛ وفي الحديث أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال لأبي ذر وقد عير رجلا بأمه: «إنك ~~امرؤ فيك جاهلية»؛ أي: فيك روح الجاهلية؛ وقريب من هذا المعنى استعمالهم استجهله ~~الشيء؛ أي: استخفه، ومنه قوله: ~~«وقاك الهوى واستجهلتك ~~المنازل» # وفي معلقة عمرو بن كلثوم: # ألا لا يجهلن أحد علينا # فنجهل فوق جهل الجاهلينا # فترى من هذا كله أن كلمة الجاهلية تدل على الخفة والأنفة والحمية والمفاخرة، وهي أمور ~~أوضح ما كانت في حياة العرب قبل الإسلام، فسمي العصر الجاهلية؛ ويقابل هذه المعاني ~~هدوء النفس والتواضع والاعتداد بالعمل الصالح لا بالنسب وهي كلها نزعة سلام، فمعنى ~~الآية كما قال الطبري: «أن عباد الله هم الذين يمشون على الأرض بالحلم، لا يجهلون على ~~من جهل عليهم». # ثم انتقلت الكلمة إلى معنى آخر قريب من هذا، وهو استعمال أسلم المشتق من السلام بمعنى ~~الخضوع والانقياد، لما كان الخضوع أدعى إلى السلام، وفي هذا المعنى جاءت الآية: # وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ~~، # فقل أسلمت وجهي لله ~~؛ وقد أطلقها القرآن بهذا ~~المعنى أحيانا على المؤمنين والكافرين جميعا؛ لأنهم خاضعون لله، ومنقادون له بحكم ~~خلقتهم؛ رضوا أو كرهوا، تسري عليهم قوانين العالم ولا يستطيعون الخروج عليها، ms066 # وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها ~~وإليه يرجعون ~~، فكل من في السماوات والأرض مسلم بهذا المعنى؛ أي: ~~خاضع لأمر الله، مطيع لما وضع في العالم من قوانين. # ثم قصرت في الاستعمال على من أسلم وجهه لله طوعا، فكأن المسلم هو الذي رضي بإطاعة ~~الله، فاجتمعت له الطاعة الطبيعية والطاعة بالإرادة، وقريب من هذا المعنى قوله تعالى: # فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله ~~التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك ~~الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~، وبهذا ~~المعنى تطلق كلمة «مسلم» على كل من خضع لله وأطاع أي نبي من الأنبياء، فأتباع إبراهيم ~~وموسى وعيسى ومحمد مسلمون: # قالت يا أيها الملأ إني ~~ألقي إلي كتاب كريم * إنه من سليمان ~~وإنه بسم الله الرحمن الرحيم * ألا تعلوا ~~علي وأتوني مسلمين ~~، # ووصى بها ~~إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم ~~الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ~~، وفي سورة يوسف: # توفني مسلما وألحقني بالصالحين ~~؛ # فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من ~~أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا ~~بالله واشهد بأنا مسلمون ~~. # ثم خصت في الاستعمال بالدين الذي أتى به محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، وبهذا المعنى ورد قوله ~~تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت ~~عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ~~، # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل ~~منه ~~. # فهذا الإسلام عماده الخضوع لله، والانقياد له، ولعل هذا الاسم أنسب اسم للرد على ~~العقلية الجاهلية، عقلية الأنفة والحمية. ~~••• # تعاليم الإسلام: إذا نظرنا إلى تعاليم الإسلام وجدناها تنقسم قسمين: عقائد وأعمال، ~~وقد تضمن أهم النوعين قوله تعالى: # ذلك الكتاب لا ريب ~~فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ~~ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * ~~والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~وبالآخرة هم يوقنون ~~. # ونحن نفصل ما جاء فيها بعض التفصيل فنقول: # العقائد: أهم أصل من أصول الإسلام الاعتقاد بالله، والاعتقاد بالله يكاد يكون عاما ~~بين الشعوب، فلا تكاد تخلو أمة متبدية أو متحضرة من اعتقاد ms067 بإله، ولكن فكرة الألوهية ~~وأوصاف الإله تختلف اختلافا كبيرا بين الأمم، والإسلام يصف الله بأوصاف نلخصها مما ~~ورد في القرآن؛ فهو ليس إله قبيلة، ولا إله أمة العرب وحدهم، ولا إله الناس وحدهم، بل ~~هو إله كل شيء # رب العالمين ~~، وكل شيء في الوجود ~~مخلوق له، وخاضع لأمره، # لله ما في السماوات وما في ~~الأرض ~~، # هو الذي خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا ~~، # الذي خلق السماوات ~~والأرض وما بينهما ~~، # الله ربكم ~~ورب آبائكم الأولين ~~. # وكل شيء من مظاهر الكون فعنه صدر: # لله الذي سخر لكم ~~البحر ~~، # وألقى في الأرض رواسي أن ~~تميد بكم ~~، # لله الذي رفع السماوات ~~بغير عمد ترونها ~~، # وهو الذي يرسل ~~الرياح بشرا بين يدي رحمته ~~، # والله ~~جعل لكم الأرض بساطا ~~، # والله جعل ~~لكم من أنفسكم أزواجا ~~، # والله ~~أنبتكم من الأرض نباتا ~~. # قد أحاط علمه بكل شيء، وأحاطت قدرته بكل شيء، # وعنده ~~مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر ~~والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ~~ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب ~~مبين ~~، # إن الله بكل شيء ~~عليم ~~، # إن الله عليم بذات الصدور ~~، # والله على كل شيء قدير ~~، # إن ربك هو القوي العزيز ~~، # وهو إله واحد؛ فليس هناك إله للخير وإله للشر، وليس هناك إله للجمال وإله للرياح، ~~وليس هناك من يشاركه في ألوهيته، # فاعلم أنه لا إله ~~إلا الله ~~، # وما من إله إلا إله ~~واحد ~~، # وقال الله لا تتخذوا إلهين ~~اثنين إنما هو إله واحد ~~، # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ~~. # ليس لأي مخلوق ولا لأية طائفة سلطان على الناس في عقائدهم، ولا لأية صفة من صفات ~~الربوبية: # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ~~من دون الله ~~، حتى الرسول نفسه ليس إلا مبلغا، # فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم ~~بمصيطر ~~، وعلى الجملة فالله واحد بأتم معاني الوحدانية، وأبسط ~~أشكالها، وليس يرضى الإسلام عن أي نوع من التعدد، ولا أي رمز يشعر بالتعدد. # قد اختار أفرادا من خلقه واتصل بهم بما ms068 يسمى «الوحي»، ومن هؤلاء إبراهيم وموسى ~~وعيسى ومحمد وغيرهم: # إنا أوحينا إليك كما ~~أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى ~~وأيوب ويونس وهارون وسليمان ~~، والغرض من هذا الوحي تعليم ~~الرسول الناس ما يعلمه الله له لهدايتهم إلى الخير: # وما ~~أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ~~، # رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون ~~للناس على الله حجة بعد الرسل ~~، وهذا الوحي لم يكن عن ~~طريق تجسد الله، إنما هو من طريق روحي لم نعلمه حق العلم: # وما ~~كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ~~أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ~~، # وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت ~~تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي ~~به من نشاء من عبادنا ~~. # وأصول الأديان السماوية كلها واحدة، وكلها تدعو إلى توحيد الله وعدم الشرك به ثم دخل ~~بعض تعاليمها التغيير والتبديل: # وما أرسلنا من قبلك ~~من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون ~~، # ولقد أوحي إليك وإلى ~~الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ~~. # وهناك وراء هذه الحياة حياة أخرى، ويومها يوم القيامة، واليوم الآخر، يوم الحساب، ~~ويوم الدين: # ثم إنكم بعد ذلك لميتون * ثم إنكم يوم القيامة تبعثون ~~، وهذا ~~اليوم هو يوم المثوبة على العمل الصالح، والعقوبة على العمل السيئ، وكل عمل أتاه ~~الإنسان يسجل عليه، ثم يقدم له يوم القيامة: # وكل إنسان ~~ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة ~~كتابا يلقاه منشورا * اقرأ كتابك كفى ~~بنفسك اليوم عليك حسيبا ~~، # يومئذ ~~يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم * فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره ~~، وقد جعل للمثوبة والعقوبة داران: دار ~~المثوبة وهي الجنة، ودار العقوبة وهي النار، وقد جعل في الجنة نوعان من الثواب: نوع من ~~اللذائذ الجسمية: # وبشر الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي ~~رزقنا ms069 من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج ~~مطهرة وهم فيها خالدون ~~؛ ونوع روحي وهو رضاء الله والقرب ~~منه: # يا أيتها النفس المطمئنة * ~~ارجعي إلى ربك راضية مرضية ~~، # ورضوان من الله أكبر ~~، وكذلك دار العقوبة نار حامية، وسخط من ~~الله وغضبه. # وراء هذا العالم المادي عالم آخر روحي وفيه نوعان من الأرواح: نوع خير يطيع الله ~~ما أمره، ويجذب نفوس الناس إلى الخير ويسمى الملائكة؛ ونوع شرير يستغوي النفوس إلى ~~الشر ويسمى الشياطين. # الأعمال: هناك أعمال يجب على المسلم أداؤها، وهي أساسية كالعقائد، وهي: الصلاة، ~~ويقصد بها أن تكون مظهرا من مظاهر الإخلاص لله، وتعبيرا دينيا يشرح عاطفة الإجلال ~~له : # وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ~~؛ والزكاة: وهي أن ~~يؤخذ من مال الغني للفقير وللصالح العام، وقد أكد القرآن هذين الفرضين أكثر من توكيده ~~سواهما، وقرنهما ببعض في أكثر المواضع، ثم صوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه ~~سبيلا. # الأخلاق: في القرآن من الأخلاق نوعان: نوع هو تعليم لآداب اللياقة: # وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ~~ردوها ~~، # لا تدخلوا بيوتا غير ~~بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ~~؛ ونوع ~~آخر هو أسمى ما تدعو إليه الأخلاق: وفاء بالوعد، وصبر في الشدائد، وعدل مع من أحببت أو ~~كرهت، وعفو عند المقدرة، وعفة من غير غلو: # والموفون ~~بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء ~~وحين البأس ~~، # إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء ~~والمنكر والبغي ~~، # خذ العفو وأمر ~~بالعرف وأعرض عن الجاهلين ~~، # قل من ~~حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من ~~الرزق ~~، # قل إنما حرم ربي ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~. # هدم الإسلام الوحدة القبلية، والوحدة الجنسية، وكره التفاضل بشرف القبيلة أو شرف ~~الجنس، وعلم أن معتنقي الإسلام كلهم كتلة واحدة، لا تفاضل بين أفرادها إلا بطاعة الله ~~وتنفيذ أمره: # إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا ~~بين أخويكم ~~، # إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم ~~، وفي الحديث: «ليس منا من دعا إلى عصبية أو قاتل ms070 ~~عصبية». # حتم الطاعة لله، والطاعة للرسول، والطاعة لأولي الأمر في الأمة ما أطاع ولي الأمر ~~أوامر الله: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم ~~، وفي الحديث: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». # أثر هذه التعاليم عند العرب: لا شك أن هذه التعاليم رفعت المستوى العقلي للعرب إلى ~~درجة كبرى، فهذه الصفات التي وصف الإسلام بها الله نقلتهم - من عبادة أصنام وأوثان، وما ~~يقتضيه ذلك من انحطاط في النظر وإسفاف في الفكر - إلى عبادة إله وراء المادة # لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ~~، ~~كان الإله عند أكثرهم إله قبيلة، وإن اتسع سلطانه فإله قبائل أو إله العرب، فأبانه ~~الإسلام إله العالمين ومدبر الكون، وبيده كل شيء، وعالما بكل شيء، فاستطاع العربي بهذه ~~التعاليم أن يرقى إلى فهم إله لا مادة له، واسع السلطان، واسع العلم؛ وأفهم الإسلام أن ~~دينهم خير الأديان، وأن العالم حولهم في ضلال، وأن نبيهم هادي الناس جميعا، وأنهم ~~ورثته في هداية الأمم، فكان ذلك من البواعث على غزو هذه الأمم يدعونها إلى دينهم، ~~ويبشرون به، فمن دخل فيه كان كأحدهم؛ وكان لعقيدة اليوم الآخر ودار الجزاء، والجنة ~~والنار، أثر عظيم في بيع كثير منهم نفوسهم في سبيل نشر الدعوة: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن ~~لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ~~وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن ~~أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم ~~به وذلك هو الفوز العظيم ~~. # كان للإسلام أثر كبير في تغيير قيمة الأشياء والأخلاق في نظر العرب، فارتفعت قيمة ~~أشياء، وانخفضت قيمة أخرى، وأصبحت مقومات الحياة في نظرهم غيرها بالأمس، وقد لاقى النبي # صلى الله عليه وسلم # صعوبات كبرى - في نقلهم من عقليتهم الجاهلية إلى عقليتهم الإسلامية - تجدها ~~مبسوطة في كتب السيرة؛ كما احتمل المسلمون السابقون من العذاب كثيرا، فعن ابن عباس: ~~«والله إن كان المشركون ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر على أن يستوي ~~جالسا من شدة الضر الذي نزل به، حتى يعطيهم ما ms071 سألوه من الفتنة، وحتى يقولوا له: آللات ~~والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم ... إلخ»، حتى اضطر كثير منهم بعد خمس سنوات من ~~الدعوة أن يهاجروا إلى قطر نصراني، وهو الحبشة يلجئون إليه، فهاجر نحو مئة ممن أسلم، ~~وتركوا النبي # صلى الله عليه وسلم # في مكة مع عدد قليل من أصحابه، ولم ينتشر الإسلام، وبعبارة أخرى ~~لم تنتشر العقلية الجديدة إلا بعد الهجرة إلى المدينة وانهزام قريش حربيا، وحقا أن ~~هذا النزاع بين النبي # صلى الله عليه وسلم # وقريش أولا، ثم بين المدنيين والمكيين ثانيا، ثم بين من ~~دخلوا من العرب في الإسلام ومن لم يدخلوا، إنما هو نزاع بين عقليتين: عقلية وثنية تباح ~~فيها اللذائذ، وتمنح فيها الحرية إلى حد بعيد، وتقدر فيها الأخلاق تقديرا خاصا؛ ~~وعقلية أخرى موحدة تداس فيها الأصنام دوسا، وتمتهن بكل أنواع الامتهان، وتكسر من غير ~~هوادة، ولا تباح فيها اللذائذ إلا بمقدار، وتدفع فيها الضرائب ليصرف منها للفقراء ~~وللصالح العام، وتقيد فيها الحرية بجملة قيود: عبادات في أوقات خاصة، واحترام ملكية، ~~واحترام نفوس، وتقلب فيها قيمة الأخلاق قلبا: فالانتقام والأخذ بالثأر لم يعد خير ~~الخصال، وهلم جرا، وقد عبر خير تعبير عن الفرق بين الحالتين ما روي أن جعفر بن أبي ~~طالب - وكان أحد الذين هاجروا إلى الحبشة - قال للنجاشي، وقد سألهم عن حالهم: «كنا ~~قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء ~~الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف ~~نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن ~~وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان؛ وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، ~~وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء؛ ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال ~~اليتيم، وقذف المحصنة؛ وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة ~~والزكاة والصيام، فصدقناه وآمنا به ... فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ~~ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة ms072 الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث؛ ~~فلما قهرونا وظلمونا، وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادكم» # 1 ~~. # وهذه القصة وإن كان يغلب على الظن أنها موضوعة، بدليل أن الصيام ورد فيها، وهو لم ~~يشرع إلا بعد الهجرة إلى الحبشة، وبغير ذلك من الأدلة، فهي تمثل النزاع بين العقليتين ~~أصدق تمثيل. # وقد عقد الأستاذ «جولد زيهر» فصلا في نقط النزاع بين الإسلام والفضائل عند العرب ~~في الجاهلية عنونه «بالدين والمروءة»، وهو يتلخص في «أن الإسلام رسم للحياة مثلا ~~أعلى غير المثل الأعلى للحياة في الجاهلية؛ وهذان المثلان لا يتشابهان وكثيرا ما ~~يتناقضان، فالشجاعة الشخصية، والشهامة التي لا حد لها، والكرم إلى حد الإسراف، والإخلاص ~~التام للقبيلة، والقسوة في الانتقام، والأخذ بالثأر ممن اعتدى عليه أو على قريب له أو ~~على قبيلته بقول أو فعل، هذه هي أصول الفضائل عند العرب الوثنيين في الجاهلية؛ أما في ~~الإسلام فالخضوع لله والانقياد لأمره، والصبر، وإخضاع منافع الشخص ومنافع قبيلته لأوامر ~~الدين، والقناعة وعدم التفاخر والتكاثر، وتجنب الكبر والعظمة هي المثل الأعلى للإنسان ~~في الحياة». # إن شئت أن تقارن بين ما رسمه الإسلام من مثل أعلى في الحياة، وما رسمته الجاهلية من ~~ذلك فاقرأ قوله تعالى: # ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق ~~والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ~~والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ~~ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ~~والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء ~~والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك ~~هم المتقون ~~. # ثم اقرأ ما جاء في معلقة طرفة: # إذا القوم قالوا من فتى؟ خلت أنني # عنيت فلم أكسل ولم أتبلد # أحلت عليها بالقطيع فأجذمت # وقد خب آل الأمعز المتوقد # 2 # فذالت كما ذالت وليدة معشر # ترى ربها أذيال سحل ممدد # 3 # ولست بحلال التلاع مخافة # ولكن متى يسترفد القوم أرفد # 4 # وإن تبغني في حلقة القوم تلقني # وإن تقتنصني في الحوانيت تصطد # 5 # متى ms073 تأتني أصبحك كأسا روية # وإن كنت عنها ذا غنى فاغن وازدد # وإن يلتق القوم الجميع تلاقني # إلى ذروة البيت الرفيع المصمد # نداماي بيض كالنجوم وقينة # تروح علينا بين برد ومجسد # 6 # إلى أن يقول: # فلولا ثلاث هن من عيشة الفتى # وجدك لم أحفل متى قام عودي # فمنهن سبقى العاذلات بشربة # كميت متى ما تعل بالماء تزبد # وتقصير يوم الدجن والدجن معجب # ببهكنة تحت الخباء المعمد # 7 # كأن البرين والدماليج علقت # على عشر أو خروع لم يخضد # 8 # وكزى إذا نادى المضاف محنبا # كسيد الغضا ذي السورة المتورد # 9 # وهكذا المثل الأعلى للحياة الجاهلية؛ فخر بالنجدة، وفخر بالكرم، وفخر بمجالسة علية ~~القوم، وفي حانات الخمر، وتمتع بالشراب حوله الندامى والقيان ؛ وهذا كل شيء في ~~الحياة. # وبعد؛ فإلى أي حد تأثر العرب بالإسلام؟ وهل امحت تعاليم الجاهلية ونزعات الجاهلية ~~بمجرد دخولهم في الإسلام؟ الحق أن ليس كذلك، وتاريخ الأديان والآراء يأبى ذلك كل الإباء ~~فالنزاع بين القديم والجديد، وقل أن يتلاشى بتاتا؛ وهذا ما كان بين الجاهلية والإسلام، ~~فقد كانت النزعات الجاهلية تظهر من حين إلى حين وتحارب نزعات الإسلام، وظل الشأن كذلك ~~أمدا بعيدا، ولنقص طرفا من مظاهر هذا النزاع: # جاء الإسلام يدعو إلى محو التعصب للقبيلة، والتعصب للجنس، ويدعو إلى أن الناس جميعا ~~سواء: # إن أكرمكم عند الله أتقاكم ~~، وفي ~~الحديث: «المؤمنون إخوة، تتكافأ دماؤكم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم أعلى يدا على من ~~سواهم»، وخطب النبي # صلى الله عليه وسلم # في خطبة الوداع: «أيها الناس! إن الله تعالى أذهب عنكم ~~نخوة الجاهلية وفخرها بالآباء؛ كلكم لآدم وآدم من تراب، ليس لعربي على عجمي فضل إلا ~~بالتقوى»، وروى مسلم أن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: «من قاتل تحت راية عمية # 10 # يغضب لعصبية أو يدعو إلى عصبية أو ينصر عصبية فقتل قتل قتلة جاهلية»، ~~وآخى رسول الله بين المهاجرين والأنصار بعد ما كان بين المكيين والمدنيين من ~~عداء. # ومع كل هذه التعاليم لم تمت نزعة العصبية، وكانت تظهر بقوة إذا ms074 بدا ما يهيجها، انظر ~~إلى ما روي في غزوة بني المصطلق أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # خرج في جماعة من المهاجرين ~~والأنصار، فكسع # 11 # رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فكان بينهما قتال، إلى أن صرخ: يا معشر ~~الأنصار، وصرخ المهاجر: يا معشر المهاجرين؛ فبلغ ذلك النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فقال: «ما لكم ~~ولدعوة الجاهلية؟»، فقالوا: كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «دعوها فإنها منتنة». فقال عبد الله بن أبي بن سلول: # لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل # 12 ~~. # أفلست ترى أن نزاعا تافها لسبب تافه، هيج النفوس ودعاهم إلى النزعة الجاهلية، وتذكر ~~العصبية المكية والمدنية؟! # ولما ولي الأمويون الخلافة عادت العصبية إلى حالها كما كانت في الجاهلية، وكان بينهم ~~وبين بني هاشم في الإسلام كالذي كان بينهم في الجاهلية؛ فخر الأمويون بالدهاء والحلم ~~وكثرة الخطباء والشعراء، ورد عليهم بنو هاشم يكاثرونهم في ذلك، وكان جدالهم ومفاخرتهم ~~صورة صادقة للمنافرة في الجاهلية # 13 # وعاد النزاع في الإسلام بين القحطانية والعدنانية، فكان في كل قطر عداء ~~وحروب بين النوعين، واتخذوا في كل صقع أسامي مختلفة؛ ففي خراسان كانت الحرب بين الأزد ~~وتميم، والأولون يمنيون والآخرون عدنانيون، وفي الشام كانت الحرب بين كلب وقيس، ~~والأولون يمنيون والآخرون عدنانيون، ومثل ذلك في الأندلس، ومثل ذلك في العراق؛ حكى ابن ~~أبي الحديد «أن أهل الكوفة في آخر عهد علي كانوا قبائل، فكان الرجل يخرج من منازل ~~قبيلته فيمر بمنازل قبيلة أخرى، فينادي باسم قبيلته: يا للنخع، أو يا لكندة، فيتألب ~~عليه فتيان القبيلة التي مر بها فينادون: يا لتميم ويا لربيعة، ويقبلون إلى ذلك الصائح ~~فيضربونه، فيفضي إلى قبيلته فيستصرخها، فتسل السيوف وتثور الفتنة» # 14 # وحكى الأغاني قال: «كان طويس ولعا بالشعر الذي قالته الأوس والخزرج في ~~حروبهم، وكان يريد بذلك الإغراء، فقل مجلس اجتمع فيه هذان الحيان فغنى فيه طويس إلا ~~وقع فيه شيء ... فكان يبدي السرائر، ويخرج الضغائن» # 15 ms075 # ويطول بنا القول لو أنا شرحنا ما كان من حروب بين القبائل يرجع أصلها إلى ~~العصبية الجاهلية. # وأنت إذا نظرت للشعراء في بني أمية، وجدت فيهم هذا المعنى واضحا جليا، فالشعراء ~~انحازوا إلى قبائل، ثم أخذوا يشيدون بذكر قبائلهم، ويهجون غيرهم شأن شعراء الجاهلية، ~~ولعل أصدق مثل لذلك ما ترى في هجاء جرير والفرزدق والأخطل. # ليست ناحية العصبية هي وحدها ما يظهر لنا في عهد الإسلام من نزعات جاهلية، نزعات أخرى ~~لا تقل عنها وضوحا. # من ذلك: حروب الردة، وذلك أن كثيرا من قبائل العرب عدوا دفع الزكاة للخليفة ضريبة ~~عليهم ومذلة لهم، ونظروا إليها نظرهم إلى قبيلة تتسلط على أخرى، وتضرب عليها الإتاوة؛ ~~فانتهزوا موت رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وعبروا عن شعورهم الجاهلي برفض دفعها لأبي بكر؛ وفي ~~هذا يقول قرة بن هبيرة لعمرو بن العاص: «يا هذا، إن العرب لا تطيب لكم نفسا ~~بالإتاوة؛ فإن أعفيتموها من أخذ أموالها فتسمع لكم وتطيع، وإن أبيتم فلا تجتمع عليكم»، ~~وقد عجزوا عن أن ينظروا إلى الزكاة كجزء من المال يؤخذ للصرف في الصالح العام، وهو ما ~~يرمي إليه الإسلام. # أضف إلى ذلك، أن بعض المسلمين - وخاصة من سكان البادية - كانوا ينزعون في معيشتهم ~~الاجتماعية النزعة الجاهلية من مهاجاة وحمية وشراب ونحو ذلك، روي أن عمر بن الخطاب حبس ~~الحطيئة؛ لأنه كان يقول الهجر ويمدح الناس، ويذمهم بما ليس فيهم، ثم أطلقه، فلما ~~ولى ناداه فرجع، فقال عمر: كأني بك يا حطيئة عند فتى من قريش، قد بسط لك نمرقة # 16 # وكسر لك أخرى، ثم قال: غننا يا حطيئة فطفقت تغنيه بأعراض الناس! قال زيد بن ~~أسلم: ثم رأيت الحطيئة يوما بعد ذلك عند عبيد الله بن عمر، قد بسط نمرقة وكسر له أخرى، ~~ثم قال: تغنينا يا حطيئة وهو يغنيه، فقلت: يا حطيئة، أما تذكر قول عمر؟! ففزع وقال: رحم ~~الله ذلك المرء، أما لو كان حيا ما فعلنا هذا! # بل كثير من شبان بني أمية، وبعض شبان ms076 بني هاشم كانوا يعيشون عيشة هي إلى الجاهلية ~~أقرب منها إلى الإسلام، شراب وصيد وغزل، كيزيد بن معاوية وصحبه، فقد حكى المسعودي ~~«أنه كان صاحب طرب وجوارح وكلاب (للصيد) ومنادمة على الشراب، وفي أيامه ظهر الغناء بمكة ~~والمدينة، واستعملت الملاهي، وأظهر الناس شرب الشراب، وغلب على أصحاب يزيد وعماله ما ~~كان يفعله». # إن شئت فاقرأ سيرة الوليد بن عقبة الأموي، وهو أخو عثمان بن عفان لأمه، وكان من فتيان ~~قريش وشعرائهم وشجعانهم وأجوادهم، وولي الكوفة لعثمان، ترى حياة لم يؤثر فيها ~~الإسلام كثيرا، يتهتك في الشراب، ويتخذ بيته ملجأ للمراق من أهل العراق، إلى غير ذلك ~~من كرم جاهلي، وعصبية جاهلية # 17 ~~، وروى الأغاني «أن الحارث بن خالد المخرومي ولاه عبد الله بن مروان مكة، ~~وكان الحارث يهوى عائشة بنت طلحة، فأرسلت إليه: أخر الصلاة حتى أفرغ من طوافي؛ فأمر ~~المؤذنين فأخروا الصلاة حتى فرغت من طوافها، وأنكر أهل الموسم ذلك من فعله وأعظموه، فعزله» # 18 ~~. # بجانب هذا ترى قوما صبغهم الإسلام صبغة جديدة، حتى انقطعت الصلة بينهم جاهليين ~~وبينهم مسلمين، كالذي ترى في سيرة أبي بكر وعمر وكثير من الصحابة: ورع وزهد وتواضع ~~والتزام شديد لأوامر الدين، وحياة تستطيع أن ترى فيها مأخذا جاهليا ينافي الإسلام، ~~وتجد في خطبهم وكتبهم وأقوالهم أثر الإسلام بينا، حتى كأنهم خلقوا في الإسلام خلقا ~~جديدا. # الحق أن النزاع بين النفسية الإسلامية والنزعات الإسلامية، والنفسية الجاهلية ~~والنزعات الجاهلية كان شديدا، وكان عهده طويلا، وأن الإسلام لم يصبغ العرب صبغة واحدة ~~على السواء، بل إن خير من تأثر به هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، أولئك ~~وصل الدين إلى أعماق نفوسهم، وأخلصوا له وأنفذوا أوامره؛ فأما من أسلموا يوم الفتح أو ~~بعده وظلوا على كفرهم وعنادهم حتى رأوا النبي # صلى الله عليه وسلم # وأصحابه ينتصرون، فلم يسعهم إلا ~~الإسلام، فهؤلاء كان دين كثير منهم رقيقا، # لا يستوي منكم ~~من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة ~~من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد ms077 الله ~~الحسنى ~~، وبحق قسم المؤرخون الصحابة إلى طبقات حسب مراتبهم، أوصلها ~~بعضهم إلى اثنتي عشرة طبقة آخرهم من أسلم يوم الفتح # 19 ~~. # كذلك كان سكان المدن والقرى، بل من دخل في الإسلام بعد من الأمم الأخرى أكثر تدينا، ~~وأعرف بأحكام الإسلام من كثير من سكان البادية، جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان، وهو ~~يحدث أصحابه - وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوند - فقال: والله إن حديثك ليعجبني، ~~وإن يدك لتريبني (يريد أنه يخشى أن تكون قد قطعت في سرقة)، فقال زيد: وما يريبك من ~~يدي؟ إنها الشمال، فقال الأعرابي: والله ما أدري أليمين يقطعون أم الشمال؟ فقال زيد بن ~~صوحان صدق الله: # الأعراب أشد كفرا ونفاقا ~~وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ~~، ~~ويقول الطبري في هذه الآية : «الأعراب، وهم من نزلوا البادية، أشد جحودا لتوحيد الله، ~~وأشد نفاقا من أهل الحضر في القرى والأمصار، وإنما وصفهم جل ثناؤه بذلك لجفائهم، وقسوة ~~قلوبهم، وقلة مشاهدتهم لأهل الخير، فهم لذلك أقسى قلوبا، وأقل علما بحدود ~~الله». # فكثير من هؤلاء الأعراب كانت معرفتهم بالإسلام سطحية، كانوا يعكفون على الشراب، ~~ويتبعون تقاليد قبائلهم الجاهلية، ويعقدون ألويتهم ويحاربون القبائل المعادية لهم في ~~الإسلام كما كانوا يفعلون قبله؛ فأما الإسلام الحق والعقلية المسلمة فكانت أظهر في ~~المدن، وخاصة فيمن أسلموا قبل الفتح، وكانت كذلك فيمن أخلص للدين من أهل المدن التي ~~فتحها المسلمون. # إذا كان في العصور الأولى للإسلام نزعات جاهلية، ونزعات إسلامية، كانتا تسيران جنبا ~~إلى جنب، والذي يظهر لنا أن النزعة الجاهلية أثرت في الأدب الأموي - وخاصة الشعر - أكبر ~~أثر، فالمعاني الجاهلية، والهجاء الجاهلي، والفخر الجاهلي، والحمية الجاهلية، كلها ~~واضحة أجل وضوح في الشعر الأموي، فأما النزعة الإسلامية فظهرت في العلوم الشرعية، فقد ~~أقبل المسلمون على القرآن يتدارسونه، والحديث يجمعونه، ويستمدون منهما الأحكام، ~~ويستخرجون المواعظ، وهذا هو موضوعنا، وهو ما سنبينه بعد، وسنذكر عند الكلام على الحركة ~~العلمية أثر الإسلام في العلم. # الفصل السابع # | الفتح الإسلامي، وعملية المزج بين الأمم # ستجد الكلام ms078 على الفتح الإسلامي مفصلا في القسم الخاص بالحياة السياسية من كتابنا، ~~وإنما نعرض هنا في مسألة الفتح لما كان له اتصال بحياة المسلمين العقلية والدينية، ~~وبعبارة أخرى لما كان له تأثير في العلم أو في الدين، من طريق مباشر، أو غير ~~مباشر. # توفي رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ولم يتعد الإسلام جزيرة العرب، وكان قد بدأ بدعوة الأمم ~~المجاورة ومناوشتها، ثم تتابعت الفتوح بعد، ففتح العراق وكان يسكنه بعض قبائل عربية ~~من ربيعة ومضر، وبعض من الفرس - عدا سكان البلاد الأصليين - كان منهم نصارى، ومنهم ~~مزدكية وزرادشتية، وأنشأ العرب مدينتي البصرة والكوفة، أمر عمر بن الخطاب ~~بإنشائهما «لما رأى أن مناخ المدائن والقادسية لم يوافق مزاج العرب، فأمر أن يرتاد ~~موضع لا يفصله عن جزيرة العرب بر ولا بحر»؛ وكان الغرض منهما أن يكونا معسكرين يشم ~~العرب منهما هواء الصحراء، ويتجنبون بهما وخم المدن، فأنشئت البصرة نحو سنة 15ه، ~~والكوفة سنة 17ه/سنة 638م. # وفتحت فارس، وكان يسكنها الفرس، وقليل من اليهود، وبعض الروم «الرومانيين» الذين ~~أسروا في الحرب الفارسية الرومانية. # وفتح الشام، وكان - قديما - قد تداولت عليه الأمم المختلفة والمدنيات المختلفة من ~~فينيقيين وأموريين وكنعانيين، وغزاه فراعنة مصر واليونان والرومان وعرب غسان، وأخيرا ~~كان إقليما رومانيا يتثقف بثقافة الرومانيين ويتدين بالنصرانية دينهم، ففتحه ~~الإسلام، وقد ورث كثيرا من مدنيات الأمم الغابرة. # وكان يسكن هذه البلاد عند الفتح السوريون - أهل البلاد - والأرمن واليهود، وبعض من ~~(الروم) الرومان، وبعض قبائل عربية، وكان من أشهر هذه القبائل: ~~«غسان، ولخم، وجذام، وكلب، وقضاعة، وطائفة من تغلب، وكانوا في القسم الجنوبي ~~من الشام أكثر منهم في القسم الشمالي، بحكم الجوار لبلادهم، وكان هؤلاء العرب يتكلمون ~~لغة هي مزيج من الآرامية والعربية، وكانوا يعدون أنفسهم شاميين، لا تربطهم بعرب الحجاز ~~إلا العلاقات التجارية، وقد وقفوا بجانب الرومان في محاربة المسلمين عند الفتح» # 1 ~~. # وفتحت مصر مهد المدنية القديمة، والوارثة لحضارة قدماء المصريين واليونان والرومان، ~~وبها الإسكندرية مجمع المذاهب الفلسفية والطوائف الدينية، وملتقى الآراء الشرقية ~~والغربية؛ ms079 وكان يسكنها المصريون ومزيج من أمم أخرى كاليهود والرومان، وفتحت بلاد ~~المغرب من برقة وتونس والجزائر ومراكش إلى مضيق جبل طارق، وكانت كذلك في يد ~~الرومان. # وفي عهد الوليد بن عبد الملك فتحت السند وبخارى وخوارزم وسمرقند إلى ~~كاشغر، وفتحت كذلك الأندلس، ولكن لم يظهر أثر فتحها في عصرنا الذي اخترناه ~~لبحثنا. # سبب فتح العرب لهذه الممالك عملية مزج قوية بين الأمة الفاتحة والأمم المفتوحة: مزج ~~في الدم ومزج في النظم الاجتماعية، ومزج الآراء العقلية، ومزج في العقائد الدينية، وقد ~~عمل على هذا المزج جملة أمور أهمها: ~~(1) # تعاليم الإسلام في الفتح. ~~(2) # دخول كثير من أهل البلاد المفتوحة في الإسلام. ~~(3) # الاختلاط بين العرب وغيرهم في سكنى البلاد، وسنقول كلمة مختصرة عن كل منها: # تعاليم الإسلام في الفتح: # تقضي تعاليم الإسلام بأنه إذا أراد المسلمون غزو بلد وجب ~~عليهم - أولا - أن يدعوا أهله إلى الدخول في الإسلام، فإن ~~أسلموا كانوا هم وسائر المسلمين سواء، جاء في الحديث: ~~«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا ~~قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم ~~على الله»؛ وإن لم يسلموا دعوهم إلى أن يسلموا ~~بلادهم للمسلمين يحكمونها، ويبقوا على دينهم - إن شاءوا - ~~ويدفعوا الجزية # 2 ~~، فإن قبلوا ذلك كان لهم ما للمسلمين وعليهم ما ~~عليهم، وكانوا في ذمة المسلمين يحمونهم ويدافعون عنهم، ~~ومن أجل هذا يسمون «أهل الذمة» # 3 # وإن لم يقبلوا الإسلام ولا الدخول تحت حكمه ~~ودفع الجزية أعلنت عليهم الحرب وقوتلوا، وفي أثناء القتال ~~يحل للمسلمين أن يقتلوا المحاربين، أو من يعين على الحرب، ~~فأما المرأة والطفل والشيخ الفاني والأعمى والمقعد ونحوهم ~~فلا يجوز قتلهم، ما لم يكن أحدهم ذا رأي في الحرب يؤلب ~~على المسلمين، كما فعل رسول الله بدريد بن الصمة ~~فقد قتله يوم حنين، وهو شيخ كبير ضرير؛ لأنه كان يدبر ~~لقومه ويؤلبهم على المسلمين، وإن طلب المحاربون صلحا ~~أثناء الحرب أجيبوا إليه متى رأى الإمام ذلك، # وإن جنحوا للسلم فاجنح ~~لها ~~، ووجب إذ ذاك تنفيذ ms080 الشروط حسب ما ~~تعاقدوا؛ وإن لم يكن صلح وانتصر المسلمون وفتح البلد، ~~فهناك أسرى حرب، وهناك أهل البلد المفتوح الذين لم يكونوا ~~في الجيش المحارب، فأما الأسرى فإنا نجد أنه ورد فيهم في ~~القرآن # حتى إذا ~~أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما ~~منا بعد وإما فداء ~~، وهي تدل على ~~أن ليس للإمام في الأسرى إلا أن يمن عليهم ويطلقهم، أو ~~يأخذ منهم مالا فدية لهم، أو يفتدي الرجل المسلم بالرجل ~~المحارب؛ ولكنا نجد من ناحية أخرى أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كان يفعل أحد هذين الأمرين أحيانا، وكان يقتل الأسير ~~أحيانا، ويسترق أحيانا؛ ففي يوم بدر قتل عقبة بن أبي ~~معيط وقد أتي به أسيرا، وقتل بني قريظة وقد نزلوا ~~على حكم سعد، وفادى بجماعة من المشركين أسارى المسلمين ~~الذين أسروا ببدر، ومن على ثمامة بن أثال الحنفي ~~وهو أسير في يده، واسترق ذراري قريظة، واسترق نساء ~~هوازن وذراريهم، كل هذا جعل أئمة الفقهاء يختلفون في حكم ~~الأسرى؛ والذي يظهر لي أن هذه الأمور الأربعة متروكة ~~للإمام يتصرف في كل حالة حسب ما يحيط بها من ظروف مشددة ~~أو مخففة، روى رجل من أهل الشام ممن كان يحرس عمر بن عبد ~~العزيز، قال: ما رأيت عمر رحمه الله قتل أسيرا إلا واحدا ~~من الترك، كان جيء بأسارى من الترك، فأمر بهم أن يسترقوا، ~~فقال رجل ممن جاء بهم: يا أمير المؤمنين لو كنت رأيت هذا - ~~يشير إلى أحدهم - وهو يقتل المسلمين لكثر بكاؤك عليهم! ~~فقال عمر: فدونك فاقتله، فقام إليه فقتله # 4 ~~. # وأما أهل البلد المفتوح غير المحاربين، فالإمام مخير بين ~~استرقاقهم وتركهم أحرارا يدفعون الجزية، ولكن عمر - وإليه ~~المرجع في كثير من هذه المسائل - ترك أهل سواد العراق ~~أحرارا، وفرض على كل شخص من الموسرين في العام ثمانية ~~وأربعين درهما، وعلى غير الموسرين أربعة وعشرين # 5 ~~. # وإذا استرق الأسرى أو أهل البلد المفتوح وزعت توزيع ~~الغنائم، فتخمس، ومعنى التخمس أن يعطى خمسها لليتامى ~~والمساكين وابن السبيل، وأربعة الأخماس تعطى ms081 للغانمين: ~~للراجل سهم وللفارس سهمان. # فترى من هذا الفتح الإسلامي كان يستتبع رقا، وهذا الرق ~~هو الذي كان له الأثر الأكبر في عملية المزج، ولهذا كان لا ~~بد فيه من كلمة خاصة. # كان الرق نظاما شائعا في العالم، وكل ما كانت تختلف ~~فيه الأمم حسن معاملة الرقيق أو سوءها؛ فكان اليهود ~~يسترقون، وقد أمرت الديانة اليهودية بحسن معاملة ~~الرقيق، وحددت زمن الاسترقاق بسبع سنين يصبح الرقيق بعدها ~~حرا، واسترق اليونان في تاريخ يطول شرحه؛ واسترق ~~الرومان، وقد منح القانون الروماني للمالك الحق في إماتة ~~عبده أو استحيائه، وجعله مستبدا غير مسئول عن تصرفه في ~~عبده، وكثر الرقيق في عهدهم، حتى ذكر بعض مؤرخيهم: أن ~~الأرقاء في الممالك الرومانية يبلغون في العدد ثلاثة أمثال ~~الأحرار، وأخذت أحوال الأرقاء تتعدل من حيث المعاملة، ومن ~~حيث القانون من القرن الثاني للمسيح. # وكان العرب في جاهليتهم يغزو بعضهم بعضا، ويستولون على ~~رجال بعضهم ونسائهم فيكونون أرقاء، وكان لهم أسواق يباع ~~فيها الرقيق؛ جاء في «أسد الغابة» أن زيد بن حارثة مولى ~~رسول الله كان من قضاعة وأمه من طيئ، أصابه سباء في ~~الجاهلية؛ لأن أمه خرجت تزور قومها «بني معن» فأغارت ~~عليهم خيل «بني القين بن جسر» فأخذوا زيدا فقدموا به ~~سوق عكاظ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت ~~خويلد، وهي وهبته لرسول الله فأعتقه، إلى آخر ما ~~ذكره. # وفي الحديث عن علي رضي الله عنه قال: «خرج عبدان إلى ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يوم الحديبية قبل الصلح، فكتب إليه ~~مواليهم يقولون يا محمد والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك، ~~وإنما هربوا من الرق، فقال ناس ردهم إليهم، فغضب # صلى الله عليه وسلم # من ذلك ... وأبى أن يردهم» # 6 # وكان هؤلاء الأرقاء في الجاهلية وعلى عهد رسول ~~الله منهم عرب كما بينا، ومنهم غير ذلك سود وبيض، وكان ~~هؤلاء البيض من الممالك التي حول جزيرة العرب، وكثير من ~~الصحابة جرى عليه الرق كبلال وكان حبشيا، وسلمان وكان ~~فارسيا، وصهيب وكان ms082 يلقب بالرومي «لأن الروم أسرته ~~من الأيلة ونشأ بالروم ... إلخ»، وأهدى رسول الله حسان بن ~~ثابت «سيرين» وكانت أمة قبطية فولدت له عبد الرحمن بن ~~حسان. # وقد اتبع نظام الاسترقاق في عهد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فكان من ~~أسر في الغزوات يجوز استرقاقه، كالذي كان في غزوة بني ~~المصطلق، جاء في سيرة ابن هشام «أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أصاب منهم - من بني المصطلق وهم عرب من خزاعة - سبيا ~~كثيرا فشا قسمه في المسلمين». # ولما انتشر الإسلام لم يعد يقبل من العربي إلا الإسلام ~~أو القتال، فأصبح غير محل للاسترقاق، حتى لو وقع أسيرا ~~فإما أن يسلم وإما أن يقتل. # ولما كثرت الفتوح كثر الاسترقاق من الأمم المفتوحة كثرة ~~هائلة، ووزع المسترقون رجالا ونساء وذراري على العرب ~~الفاتحين، حتى يرى المسعودي أن الزبير بن العوام كان له ~~ألف عبد وألف أمة. # وهذا الرقيق يعد مملوكا للسيد كالمتاع، له الحق في بيعه ~~وهبته، وإذا كان أمة جاز للسيد أن يستمتع بها. # ولا يقيد الملك بعدد، فيصح أن يكون للرجل عدد كبير من ~~العبيد، كما يصح أن يكون في بيته عدد من الإماء، وإذا ولدت ~~الأمة من سيدها فالولد ابنه وتسمى هي «أم ولد» له، وتبقى ~~ملكا له بعد ولادتها يستمتع بها، ولكن لا يجوز له أن ~~يبيعها أو يهبها، وإذا مات عنها فهي حرة. # وقد أوجب الإسلام حسن معاملة الرقيق، وحبب إلى المالك ~~العتق، وجعله كفارة عن كثير من الجرائم. # وللمالك أن يعتق عبده أو أمته؛ أي: أن يرد له حريته، ~~ولكن تبقى هناك صلة بين المعتق والمعتق؛ وهذه الصلة ~~تسمى «الولاء» ويظل المعتق ينسب إلى من أعتقه، ~~فيقولون: زيد بن حارثة مولى رسول الله؛ أي: عتيقه، وإن ~~كانت أنثى فهي مولاته، والجمع موال، وإذا كان المعتق ~~من قبيلة، فقد ينسبون المولى إلى هذه القبيلة، فيقولون ~~مولى بني هاشم، أو مولى ثقيف؛ وأحيانا يعبرون عن ذلك ~~بقولهم: الهاشمي بالولاء، أو الأموي بالولاء؛ وهكذا، ويظهر ~~أثر هذه الصلة فيما ms083 إذا مات المعتق من غير وارث فإن ~~المعتق يرثه. # وقد كانوا أحيانا يبيعون الولاء مع بقاء الرق، جاء في ~~الأغاني في ترجمة (سائب خاثر) «أن أصله من فيء كسرى؛ وقد ~~اشترى عبد الله بن جعفر ولاءه من مواليه» # 7 ~~. # وهناك نوع آخر من الولاء ليس سببه العتق، وإنما سببه أن ~~يسلم رجل على يد رجل آخر، ويتعاقد معه فيكون ولاؤه له # 8 ~~. # هذا هو نظام الولاء من الوجهة القانونية، أما تاريخيا، ~~فيظهر أن الولاء لم يكن له هذا المعنى عند العرب في ~~الجاهلية، وإنما كان يطلق «موالي الرجل» على حلفائه وعلى ~~ورثته من بني عمه وإخوته وسائر عصبته؛ جاء في تفسير ~~الطبري: «قال ابن زيد في قوله تعالى: # ولكل جعلنا موالي ~~، قال: الموالي ~~العصبة، هم كانوا في الجاهلية الموالي؛ فلما دخلت العجم ~~على العرب لم يجدوا لهم اسما، فقال تبارك وتعالى: # إن لم تعلموا آباءهم ~~فإخوانكم في الدين ومواليكم ~~، ~~فسموا الموالي، قال: والموالي اليوم موليان: مولى يرث ~~ويورث، فهؤلاء ذوو الأرحام؛ ومولى يورث ولا يرث، فهؤلاء ~~العتاقة»، فظاهر من قوله أن إطلاق الموالي على هذه ~~الأعاجم معنى مستحدث في الإسلام، والظاهر أنه استعمل في ~~عهد النبي # صلى الله عليه وسلم # بهذا المعنى، فقد كانوا يطلقون على زيد ~~بن حارثة مولى رسول الله؛ ووردت أحاديث كثيرة في هذا ~~المعنى مثل: «نهى رسول الله عن بيع الولاء»، و«الولاء ~~لحمة كلحمة النسب...» إلخ، فلما كثر الرق والعتق كثر ~~استعمال الموالي بمعنى المعتقين: وقد تأثر الموالي ~~بالعصبية العربية، فكان موالي كل قبيلة ينتسبون إليها، ~~ويحاربون معها، ويستخدمون في شئونها، ومع أن الإسلام ~~يدعو إلى أن المسلمين كلهم سواء، فقد كان العرب - وخاصة في ~~الدولة الأموية - ينظرون إليهم نظرة فيها شيء من الازدراء ~~مما أدى إلى كراهية الموالي للأمويين، وتكوين عصبية لهم؛ ~~جاء في تاريخ الطبري في ثورة المختار: «التقى أشراف الناس ~~بالكوفة فأرجفوا بالمختار، وأخذوا يقولون: «والله لقد ~~تأمر علينا هذا الرجل بغير رضا منا، ولقد أدنى موالينا، ~~فحملهم على الدواب وأطعمهم فيئنا، ولقد ms084 عصتنا عبيدنا فحرب # 9 # بذلك أيتامنا وأراملنا ... ثم قال: إنهم بعثوا ~~إليه شبث بن ربعي، فقال له: عمدت إلى موالينا وهم فيء ~~أفاءه الله علينا وهذه البلاد جميعا، فأعتقنا رقابهم، ~~نأمل الأجر في ذلك والثواب والشكر، فلم ترض لهم بذلك حتى ~~جعلتهم شركاء في فيئنا» ... إلخ، ولعل هذه القصة أصدق ما ~~يرينا نظرة العربي إذ ذاك إلى مواليه، وقد روى ابن عبد ربه ~~في العقد الفريد «أن معاوية قال: إني رأيت هذه الحمراء ~~(يعني الموالي من الفرس والروم) قد كثرت ... وكأني أنظر إلى ~~وثبة منهم على العرب والسلطان، فقد رأيت أن أقتل شطرا، ~~وأدع شطرا لإقامة السوق وعمارة الطريق ... ثم عدل عن ذلك» # 10 ~~. # هذا النظام الذي ذكرت من رق وولاء، كان له أكبر الأثر في ~~الحياة العقلية، فكثير من رجال البلاد المفتوحة ونسائهم ~~وزعوا - كأنهم غنائم - على الجيش العربي ، فكان لكل جندي ~~تقريبا عبيد وإماء يستخدمهم في حوائجه، ويستولد الإماء إن ~~شاء، فنتج من هذا أن البيت العربي دخلت فيه عناصر أخرى ~~فارسية أو رومانية أو سورية أو مصرية أو بربرية، فلم يعد ~~البيت العربي بيتا عربيا، بل بيتا مختلطا، ورب البيت ~~هو العربي؛ أضف إلى هذا أن هؤلاء الإماء كن يلدن أولادا ~~يحملون الدمين معا: الدم العربي من جهة الأب، والدم ~~الأجنبي من جهة الأم، وكان عدد هذا النوع كثيرا لكثرة ~~الفتوح التي فتحها المسلمون في عهد عمر ومن بعده، وكثير من ~~هذه البلاد فتحت عنوة، فكان أهلها وغزاتها عرضة للأسر ~~والسبي، حتى أكبر الأسر وأعظمها جاها؛ ذكر «الزمخشري» في ~~كتابه «ربيع الأبرار»: أن الصحابة رضي الله عنهم لما أتوا ~~المدينة بسبي فارس في خلاقة عمر بن الخطاب كان فيهم ثلاث ~~بنات ليزدجرد (ملك الفرس) فباعوا السبايا، وأمر عمر ~~ببيع بنات يزدجرد أيضا؛ فقال علي بن أبي طالب: إن بنات ~~الملوك لا يعاملن معاملة غيرهن من بنات السوقة، فقال: ~~كيف الطريق إلى العمل معهن؟ قال: يقومن، ومهما بلغ ~~ثمنهن قام به من يختارهن، فقومن، فأخذهن علي بن أبي ms085 ~~طالب، فدفع واحدة لعبد الله بن عمرو، وأخرى لولده حسين، ~~وأخرى لمحمد بن أبي بكر الصديق؛ فأولد عبد الله ولده ~~سالما؛ وأولد الحسين زين العابدين؛ وأولد محمد ولده ~~القاسم؛ فهؤلاء الثلاثة بنو خالة وأمهاتهم بنات يزدجرد، ~~ويشك بعض الباحثين في نسبة هؤلاء البنات إلى يزدجرد، ولكن ~~يظهر أن ليس هناك شك في أنهن من خيرة بنات الفرس؛ جاء في ~~كتاب الكامل للمبرد: «وكان أهل المدينة يكرهون اتخاذ ~~أمهات الأولاد، حتى نشأ فيهم علي بن الحسين، والقاسم بن ~~محمد وسالم بن عبد الله ففاقوا أهل المدينة فقها وورعا، ~~فرغب الناس في السراري». # هؤلاء الأرقاء والموالي أنتجوا في الجيل الثاني لعهد ~~الفتح عددا عديدا، منهم من يعد من سادات التابعين، وخير ~~المسلمين، ومن حملة لواء العلم في الإسلام؛ وسنبين ذلك عند ~~الكلام على الحركة العلمية. # دخول البلاد المفتوحة في الإسلام: # هذا هو العامل الثاني من عوامل المزج، فقد دخل في ~~الإسلام كثير من أهل البلاد المفتوحة، وامتزجوا بالعرب ~~كأنهم منهم، جاء في فتوح البلدان للبلاذري: «أن أبرويز ~~كان وجه إلى الديلم فأتي بأربعة آلاف وكانوا خدمه ~~وخاصته، ثم كانوا على تلك المنزلة بعده، وشهدوا القادسية ~~مع رستم، فلما قتل وانهزم المجوس اعتزلوا، وقالوا: ما ~~نحن كهؤلاء، ولا لنا ملجأ، وأثرنا عندهم غير جميل! ~~والرأي لنا أن ندخل معهم في دينهم، فنعز بهم، فاعتزلوا، ~~فقال سعد: ما لهؤلاء؟ فأتاهم المغيرة بن شعبة فسألهم عن ~~أمرهم، فأخبروه بخبرهم، وقالوا: ندخل في دينكم؛ فرجع إلى ~~سعد فأخبروه فأمنهم، فأسلموا وشهدوا فتح المدائن مع سعد، ~~وشهدوا فتح جلولاء، ثم تحولوا فنزلوا الكوفة مع المسلمين» # 11 # إلى كثير من أمثال ذلك، وقد كان الباعث للناس ~~على الدخول في الإسلام مختلفا؛ فمنهم من دخل فيه مؤمنا ~~بحسن مبادئه وصدقها، وساعد على ذلك بساطة العقيدة ~~الإسلامية وسهولة فهمها، ومنهم من دخل فيه فرارا من ~~الجزية، لما علمت أن من رضي أن يبقى على دينه تضرب عليه ~~الجزية، فإذا أسلم رفعت عنه، حتى لقد هال بعض الأمراء ~~دخول الناس في ms086 الإسلام فرارا من الجزية، وكتب عمال ~~الحجاج إليه: «إن الخراج قد انكسر، وإن أهل الذمة قد ~~أسلموا ولحقوا بالأمصار» فأخذ الحجاج منهم الجزية مع ~~إسلامهم، وجعل قراء البصرة يبكون لما يرون # 12 ~~، ومنهم من كان يسلم فرارا مما يشعر به من ~~المهانة، فالإسلام هو دين الحكام والولاة ورجال الدولة، ~~وهو الدين الذي يعتز به من انتسب إليه، وغيره من الأديان ~~كان مكروها ممقوتا في الدولة، وإن أبيح لمعتنقيه أن ~~يأتوا بشعائره، أضف إلى ذلك أن بعض الولاة لم يكن يراعي ~~تعاليم الدين وتسامحه في الذميين، فكان يسومهم سوء العذاب، ~~فاضطروا أن يفروا من دينهم إلى الإسلام. # الاختلاط في السكنى: # هذا هو العامل الثالث في الامتزاج، بعد الفتح صارت ~~البلاد مسكونة بالفاتحين والمفتوحين جميعا، واشتركوا في ~~الحركة الاجتماعية والاقتصادية؛ يقول (ولهوسن # Wellhausen ~~): «إن ~~أكثر من نصف سكان الكوفة كانوا من الموالي، وكان هؤلاء ~~الموالي يحتكرون الحرف والصناعة والتجارة، وكان أكثرهم ~~فرسا في جنسهم وفي لغتهم، جاءوا الكوفة أسرى حرب ثم ~~دخلوا في الإسلام ثم أعتقهم مالكوهم العرب، فكانوا موالي ~~لهم، وبذلك صاروا أحرارا، ولكنهم ظلوا في حاجة إلى حماية ~~سادتهم، فهم حاشية العرب وأتباعهم في السلم والحرب»، وكذلك ~~سائر البلاد أصبح فيها العنصر العربي والعنصر الأجنبي ~~ممتزجين تمام الامتزاج، في فارس والشام ومصر والمغرب، حتى ~~جزيرة العرب نفسها لم تعد جزيرة العرب، بل صارت جزيرة ~~المسلمين جميعا؛ فقد كانت «المدينة» مقر الخلافة في عهد ~~الفتوح الكبرى - عهد عمر - فكان يقصدها الرسل وذوو الحاجات ~~من الأمم الأخرى، ويأتي إليها الأسرى؛ لأن تعاليم عمر كانت ~~تقضي ألا توزع الغنائم والسبي في البلاد المفتوحة، إنما ~~يأتى بها إلى مقر الخلافة ثم توزع، فامتلأت المدينة وما ~~حولها بالعناصر غير العربية؛ وكانت مكيدة قتل عمر مدبرة من ~~بعض سكانها من الفرس، ومنفذها أبو لؤلؤة الفارسي، أضف ~~إلى هذا أن مكة والمدينة كانتا مقصد الحجاج والزائرين من ~~الداخلين في الإسلام من بقاع الأرض، وهكذا جعل جزيرة العرب ~~شائعة بين المسلمين، تختلط فيها العناصر المختلفة، وشأنها ~~في ذلك ms087 شأن الممالك الأخرى المفتوحة، ليس من فارق إلا أن ~~العنصر العربي في جزيرة العرب أكثر، والعنصر الأجنبي في ~~الممالك المفتوحة أعظم. # كل هذه العوامل التي ذكرناها كان لها أثرها في الامتزاج، فالعادات الفارسية ~~والرومانية امتزجت بالعادات العربية، وقانون الفرس والقانون الروماني امتزجا بالأحكام ~~التي أوضحها القرآن والسنة، وحكم الفرس وفلسفة الروم امتزجت بحكم العرب، ونمط ~~الحكم الفارسي ونمط الحكم الروماني امتزجا بنمط الحكم العربي؛ وبالإجمال كل مرافق ~~الحياة والنظم السياسية والاجتماعية والطبائع العقلية تأثرت تأثرا كبيرا بهذا ~~الامتزاج. # وإذا كانت هذه الأمم المفتوحة أرقى من العرب مدنية وحضارة وأقوى نظما اجتماعية كان ~~من الطبيعي أن تسود مدنيتهم وحضارتهم ونظمهم؛ وإذا كان العرب هم العنصر القوي الفاتح ~~عدلوا هذه النظم بما يتفق وعقليتهم، فسادت في البلاد المفتوحة النظم التي كانت متبعة ~~من قبل الفتح، كنظام الدواوين ونحوه، وأقر على ما كان عليه، حتى لغة الدواوين نفسها ~~ظلت باللغة الأصلية إلى عهد عبد الملك بن مروان، وليس موضوعنا هنا هذه النظم الاجتماعية ~~والسياسية، وإنما موضوعنا «الحياة العقلية» وكان شأنها شأن النظم، فهذا الامتزاج كان ~~لقاحا بين العقل العربي والعقل الأجنبي، أنتج بعد قليل من الزمان. # دخل كثير من هؤلاء المغلوبين في الإسلام، ولهم حكمة وأمثال وشعر وأدب، وبعضهم لهم ~~علوم مدونة وكتب مطولة، قد مرنوا على تدوين العلوم والبحث العلمي، فلما استقروا في ~~الإسلام واطمأنوا إليه أخذوا هم وأبناؤهم يطبقون منهاجهم العلمي الذي ألفوه وألفه ~~آباؤهم كما سنوضحه بعد. # حتى العقيدة الإسلامية لم تخل من تأثر بهذا الامتزاج، أتظن أن الفارسي أو السوري ~~النصراني أو الروماني أو القبطي إذا دخل في الإسلام امحت منه كل العقائد التي ورثها ~~من آبائه وأجداده قرونا، وفهم الإسلام كما يريد الإسلام من تعاليمه؟ كلا! لا يمكن أن ~~يكون ذلك، وعلم النفس يأباه كل الإباء، فللفارسي صورة للإله غير صورة النصراني ~~الروماني، وهما غير صورة النصراني المصري، وللألفاظ المستعملة في الديانات كجهنم والجنة ~~وإبليس والملائكة والآخرة والنبي ونحو ذلك من معان عند كل من هؤلاء تخالف المعاني ms088 ~~التي يتصورها الآخر، فلا تظن أن هؤلاء الذين دخلوا في الإسلام من الأمم الأخرى فهموه ~~بحذافيره كما فهمه العرب، حتى المخلصون منهم في اعتناقهم الإسلام، إنما فهمه كل قوم ~~مشوبا بكثير من تقاليدهم الدينية القديمة، وفهموا ألفاظه قريبة من الألفاظ التي كانت ~~تستعمل في ديانتهم؛ والشواهد على ذلك كثيرة، كالذي رواه الأزدي في كتابه فتوح الشام من ~~أن رجلا من مسلمي الشام تصالح مع آخر على أن يرعى له غنمه في نظير أن يهبه زوجته تبيت ~~عنده، وقد دعاهما عمر بن الخطاب فأقرا بأن ليس عندهما علم بحرمة ذلك؛ وكالذي ذكره ابن ~~عبد ربه في العقد الفريد من تشدد الموالي في الدين تشددا لا يعرفه عرب البادية # 13 ~~، وقد ظهر تأثير هؤلاء القوم في أواخر القرن الأول للهجرة بظهور المذاهب ~~المختلفة كما سنبين ذلك إن شاء الله، ولعل هذا المعنى هو الذي أخاف عمر بن الخطاب عند ~~الفتح، فقد روى أبو حنيفة الدينوري في كتابه «الأخبار الطوال»: «أن المسلمين ~~أصابوا يوم جلولاء غنيمة لم يغنموا مثلها قط، وسبوا سبيا كثيرا من بنات أحرار فارس، ~~فذكروا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من أولاد سبايا ~~الجلوليات! فأدرك أبناؤهن قتال صفين»، نعم إنه استعاذ بالله وحق له أن يستعيذ ~~منهم، ومن كل الموالي ونسلهم، فقد كانت لهم عصبية سياسية غير العصبية العربية وضدها، ~~ولها تقاليد دينية لا بد أن ينزعوا إليها ويخالفوا بهذه النزعة الإسلامية العربية في ~~بساطتها. # الحق أن الامتزاج كان قويا شديدا، وأن الموالي وأشباههم كان لهم أثر في كل مرافق ~~الحياة، وأنه كانت هناك حروب في المسائل الاجتماعية، كالحروب البدنية بين الجنود، ولكن ~~لم يعن المؤرخون بتفصيلها وهي أولى بالعناية، فقد كانت حرب بين الإسلام والديانات ~~الأخرى، وكانت حرب بين اللغة العربية واللغات الأخرى، وكانت حرب بين الآمال العربية ~~وآمال الأمم الأخرى، وكانت حرب بين النظم الاجتماعية العربية البسيطة، وبين النظم ~~الاجتماعية الفارسية والرومية، ولئن كانت الحروب البدنية قد انتهت تقريبا بفتوح ms089 أبي ~~بكر وعمر وعثمان، فإن الحروب الأخرى ظلت قائمة بعد ذلك طويلا وأصبحت المملكة الإسلامية ~~مجالا فسيحا لهذه الحروب تتنازع فيها الآمال، ففرس يحنون إلى مملكتهم القديمة، ~~ويعتقدون أنهم أرقى من العرب؛ وروم كذلك؛ والمغرب ومصر يودون الاستقلال، كما أن النظم ~~السياسية فيها متضاربة: فرس لهم نظام خاص، وروم لهم نظام مغاير، وقانون روماني كان يسود ~~المستعمرات الرومانية، وقانون فارسي كان يسود المملكة الفارسية، وإسلام يستمد منه ~~قانون يوافقهما أحيانا ويخالفهما أحيانا، وفرس مجوس ظلوا مجوسا، وفرس أسلموا، وروم ~~نصارى، وروم أسلموا، ومصريون نصارى، ومصريون أسلموا، ويهود في هذه البلاد ظلوا يهودا، ~~ويهود أسلموا، ولغة عربية وفارسية وقبطية ويونانية وعبرية؛ كل هذه النزعات واللهجات ~~كانت في حروب مستمرة، وكانت المملكة الإسلامية كلها هي موطن القتال، ولم يصلنا مع الأسف ~~من وقائعها إلا النزر اليسير، فلم تعد الأمة الإسلامية أمة عربية، لغتها واحدة ودينها ~~واحد وخيالها واحد، كما كان الشأن في عهد الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، بل كانت الأمة الإسلامية ~~جملة أمم، وجملة نزعات، وجملة لغات تتحارب، وكانت الحرب سجالا، فقد ينتصر الفرس، وقد ~~ينتصر العرب، وقد ينتصر الروم. # والحق أن العرب وإن انخذلوا في النظم السياسية والاجتماعية وما إليها من فلسفة وعلوم ~~ونحو ذلك، فقد انتصروا في شيئين عظيمين: اللغة والدين؛ فأما لغتهم فقد سادت هذه الممالك ~~جميعها، وانهزمت أمامها اللغات الأصلية للبلاد، وصارت هي لغة السياسة وهي لغة العلم، ~~وظل هذا الانتصار حليف العرب في أكثر هذه الممالك إلى اليوم؛ وكذلك الدين، فقد ساد هذه ~~الأقطار واعتنقوه، وقل من بقي من سكان هذه البلاد على دينه الأصلي، ومع انتصار هذين ~~العنصرين - اللغة والدين - فقد تأثر كل منهما أثناء هذه الحروب؛ فاللغة لم تعد سليقة ~~وفشا فيها اللحن، حتى احتاجت إلى قوانين تضبطها، قال أبو عبيدة: «مر عبد الله بن الأهتم ~~بقوم من الموالي وهم يتذاكرون النحو فقال: لئن أصلحتموه إنكم لأول من أفسده، قال أبو ~~عبيدة: ليته سمع لحن صفوان وخاقان ومؤمل بن خاقان» # 14 # وكذلك غلبت على ms090 اللغة كلمات أعجمية، وتراكيب أعجمية، وخيال أعجمي، ومعان ~~أعجمية، وقل مثل ذلك في الدين، فهو وإن انتصر فقد تأثر، فتفرق المسلمون فرقا ووضعت ~~المذاهب المختلفة، وشرح القرآن نفسه بما ورد في الكتب الأخرى من أقاصيص بدء الخليقة ~~وما إلى ذلك، وظلت هذه الفرق تتجادل بالقول أحيانا، وبالسيف أحيانا. # والآن نريد أن نتعرض بشيء من التفصيل لبيان ما يتصل بموضوعنا من هذه الحركات، وهي ~~الحركة العقلية، بأوسع معانيها من علم ودين؛ لقد كان للفرس دين، وكان لهم حكمة، وكان ~~لهم عقلية، وكان للروم دين وعلم وعقلية، وقد أثر هذان العاملان أثرا كبيرا في الأمة ~~الإسلامية، فلنشرحهما ونبين أثرهما. # | مصادر هذا الباب # اعتمدنا في الفصل الأول من هذا الباب على: ~~(1) # القرآن. ~~(2) # تاريخ الطبري جزء 2، 3. ~~(3) # Spirit of Islam # للسيد أمير علي. ~~(4) # Literary History of Persia # للأستاذ ~~برون. # عدا ما ذكرناه من الكتب أثناء البحث. # وفي الفصل الثاني على: ~~(1) # كثير من كتب الفقه أهمها الأم للإمام الشافعي، والمبسوط للسرخسي، وفتح ~~القدير في باب السير، والأحكام السلطانية. ~~(2) # دائرة المعارف الإسلامية في مادة «عبد». ~~(3) # فتوح البلدان للبلاذري. ~~(4) # الأخبار الطوال للدينوري. # عدا ما أشرنا إليه في ثنايا الفصل من الكتب. # الجزء الثالث # | الفرس وأثرهم # الفصل الثامن # | دين الفرس # ضاع استقلال فارس بالفتح الإسلامي كما أسلفنا، وأصبحت ولاية إسلامية، ووقع كثير من ~~الفرس في أيدي العرب أسرى، واسترق بعضهم ووزع على العرب، ودخل كثير من الفرس في ~~الإسلام، وتعلم كثير منهم العربية، حتى كان منهم في الجيل الثاني من يتكلم العربية كأحد ~~أبنائها؛ ولكنهم برغم هذا كله لم يصبحوا في جملتهم كالعرب في عقيدتهم، ولا كالعرب في ~~مطامعهم وطموحهم ونزعاتهم، ولا كالعرب في عقليتهم، بل اعتنقوا الإسلام فصبغوه بصبغة ~~الفارسية، ولم يتجردوا من كل عقائد الدين القديم وتقاليده، ففهموا الإسلام بالقدر الذي ~~يسمح به دين قديم اعتنقه قومه أجيالا، ونشأ فيه ناشئهم وشب عليه؛ كذلك تعلم الكثير ~~منهم العربية، ولكن لم يترك خياله الفارسي، ولم ينس ما كان لقومه من شعر ومثل وحكمة، ~~كان من أثر ذلك طبيعيا ms091 أن تدخل تعاليم في الإسلام جديدة، ونزعات دينية جديدة، ظهر ~~أثرها فيما بعد، وأظهرها في الإسلام التشيع والتصوف، وكان من أثر ذلك أيضا أن يغمر ~~الأدب العربي بالحكم الفارسية، والقصص الفارسية، والخيال الفارسي. # إذا كان للفرس دين ذو أثر، وأدب ذو أثر؛ فلندرس باختصار دينهم وأدبهم، لنستطيع بعد ~~أن نفهم أثر ذلك؛ ولسنا ندرس دينهم منذ نشأتهم، ولا نعرض لأصل أدبهم وتدرجه في الرقي، ~~فذلك ما لا يهمنا كثيرا، وإنما نتعرض لدينهم وطرف من أدبهم في الدولة الساسانية التي ~~حكمت الفرس قبل الإسلام، واستمرت في الحكم من سنة 226م إلى سنة 651م حين تسلمها العرب ~~من أيديهم وحكموها بولاتهم، فهذه الدولة الساسانية هي التي كان لها الأثر المباشر في ~~المسلمين من الناحية الدينية والأدبية جميعا. # دين الفرس: اشتهر الفرس - والجنس الآري عامة - بأنهم ميالون إلى عبادة المظاهر ~~الطبيعية؛ فالسماء الصافية، والضوء، والنار، والهواء، والماء ينزل من السماء؛ جذبت ~~أنظارهم وجعلتهم يعبدونها على أنها كائنات إلهية، حتى سموا الشمس «عين الله» والضوء ~~«ابن الله»، كما أن الظلمة والجدب ونحوهما كائنات إلهية شريرة ملعونة. # ومن أول أمرهم وقفوا الإنسان أمام آلهة الخير يستمد منهم المعونة، ويصلي لهم ~~ويسبح بحمدهم، ويقدم الضحايا إليهم. # ورأوا أن آلهة الخير في نزاع دائم مع آلهة الشر، وأعمال الإنسان من صلاة ونحوها تعين ~~آلهة الخير في منازلتها آلهة الشر؛ واتخذوا النار رمزا للضوء، وبعبارة أخرى رمزا ~~لآلهة الخير يشعلونها في معابدهم، وينفخونها بإمدادهم، حتى تقوى على آلهة الشر وتنتصر ~~عليها، وقد كانت هذه النار منبعا عندهم لخيال شعري خصب. ~~(أ) # زردشت ~~(Zoroaster) ~~: ثم جاء بعد زردشت - نبي الفرس - فدعا ~~إلى تعاليم جديدة أسست على الديانة القديمة بعد إصلاحها. # وقد كان وجود زردشت نفسه موضع شك عند كثيرين، وموضع جدل طويل بين النافين ~~والمثبتين، واختلف المثبتون في تاريخ وجوده على أقوال تتردد بين سنة 6000 قبل ~~الميلاد و600 ق م، وقد ألف الأستاذ «جاكسن # Jackson ~~» كتابا قيما في حياته # 1 # كان له أثر كبير في ترجيح كفة المثبتين ms092 لوجوده، وقد وصل في بحثه ~~إلى أن زردشت شخص تاريخي لا خرافي، وأنه كان من قبيلة ميديا (في الجزء الغربي ~~الشمالي من فارس)، وأنه ظهر أمره نحو منتصف القرن السابع قبل الميلاد، ومات نحو ~~سنة 583ق.م بعد أن عمر 77 سنة وأن موطنه كان أذربيجان، ولكن أول نجاح ناله ~~كان في بلخ، وعلى أثر دخول الملك «بشتاسب» # 2 # في دينه، وأن دينه انتشر من بلخ إلى فارس كلها. # ومع هذا فلا تزال بعض هذه النتائج التي وصل إليها جاكسن مجالا للبحث، ويروي ~~أهل دينه كثيرا عما صحب ولادته من المعجزات وخوارق العادات والإشارات، وأنه ~~انقطع منذ صباه إلى التفكير، ومال إلى العزلة، وأنه في أثناء ذلك رأى سبع رؤى، ~~ثم أعلن رسالته فكان يقول: إنه رسول الله بعثه ليزيل ما علق بالدين من الضلال، ~~وليهدي إلى الحق، وقد ظل يدعو الناس سنين طوالا فلم يستجب لدعوته إلا القليل، ~~فأوحي إليه أن يهاجر إلى بلخ، فنشر دعوته في بلاط الملك، فاستجاب له أولا ~~أبناء الوزير ثم الملكة نفسها، وقاومه رجال البلاط وجادلوه، ولكنه انتصر عليهم ~~بدخول الملك نفسه وهو بشتاسب في دينه، وقد تحمس الملك لهذا الدين الجديد، ~~فتتابع للدخول فيه أفواجا. # تعاليمه: نلاحظ فيما ذكرنا أن الفرس قبل زردشت بنوا دينهم على ~~أساسين: ~~(1) # أن لهذا العالم قانونا يسير عليه، وأن له ظواهر طبيعية ~~ثابتة. ~~(2) # وأن هناك نزاعا وتصادما بين القوى المختلفة، بين النور ~~والظلمة، والخصب والجدب ... إلخ، فجاءت تعاليم زردشت مبنية على هذين ~~الأساسين أيضا، إلا أن من قبله كانوا يعبدون الأرواح الخيرة وهي ~~كثيرة، فوحدها زردشت في إله واحد هو «أهرامزدا»، وكذلك فعل في ~~قوى الشر، فحصرها في شيء واحد سمي «دروج أهرمن»، وبذلك كانت ~~عنده قوتان فقط: قوة الخير وقوة الشر. # ولزردشت كتاب مقدس يسمى «أفستا # Avesta ~~» ~~وعليه شرح يسمى «زندافست»؛ قال المسعودي: «واسم هذا الكتاب «ألايستا»، وإذا ~~عرب أثبتت فيه قاف فقيل «الايستاق» # 3 # وعدد سوره إحدى وعشرون سورة تقع كل سورة في مئتي ورقة ... وأنه كتب ms093 ~~باللغة الفارسية الأولى وأن أحدا اليوم لا يعرف معنى تلك اللغة، وإنما نقل لهم ~~إلى هذه الفارسية شيء من السور في أيديهم يقرءونها في صلواتهم، في بعضها الخبر ~~عن مبتدأ العالم ومنتهاه، وفي بعضها مواعظ» ا.ه مختصرا. # وأصل الأفستا ومؤلفو سوره لا يزال موضع جدال بين الباحثين، كما هو الشأن في ~~زردشت نفسه، ويقول «البرسيون»: «إن الأفستا كان في عهد الدولة ~~الساسانية مؤلفا من إحدى وعشرين سورة لم يبق منها في عهدنا إلا سورة كاملة ~~وبعض آيات من سور مختلفة»، وهذا الذي وصل إلينا لا يحتوي إلا على مقطعات في ~~الشعائر الدينية، وفي قوانين للمعابد الزردشتية. # وقد عاملهم المسلمون في الفتح معاملة أهل الكتاب، وعدوا كتابهم كأنه كتاب ~~منزل، وجرى عمر على ذلك لما روي له الحديث: «سنوا بهم سنة أهل ~~الكتاب...» إلخ. # والمشهور من تعاليمه أنه كان يقول: إن للعالم أصلين أو إلهين: أصل الخير وهو ~~«أهور» أو أهورامزدا، وأصل الشر وهو «أهرمن» # 4 # وهما في نزاع دائم، ولكل من هذين الأصلين قدرة الخلق، فأصل الخير ~~هو النور وقد خلق كل ما هو حسن وخير ونافع، فخلق النظام وخلق الحق وخلق النور ~~وكلب الحراسة والديك ونحو ذلك من الحيوانات النافعة، والواجب على المؤمن ~~العناية بها؛ وأصل الشر هو الظلمة، وقد خلق كل ما هو شر في العالم، فخلق ~~الحيوانات المفترسة والحيات والأفاعي والحشرات والهوام، وعلى المؤمن قتلها، ~~والحرب بين هذين الروحين سجال، ولكن الفوز النهائي لروح الخير؛ والناس في ~~الحرب ينحازون إلى الروحين، فمنهم من ينصر «أهورا» ومنهم من ينصر «أهرمن»، وليس ~~الروحان يباشران الحرب بأنفسهما بل بمخلوقاتهما. # وكان الإنسان موضع نزاع بين الروحين؛ لأنه مخلوق مزادا، ولكنه خلقه حر ~~الإرادة، فكان في الإمكان أن يخضع للقوى الشريرة، والإنسان في حياته تتجاذبه ~~القوتان، فإن هو اعتنق دينا حقا، وعمل عملا صالحا، وطهر بدنه ونفسه، فقد ~~أخزى روح الشر، ونصر روح الخير واستحق الثواب من «مزدا»، وإلا قوى روح الشر ~~وأسخط عليه «مزدا». # كذلك من أهم مبادئه: أن أشرف عمل ms094 للإنسان الزراعة والعناية بالماشية، فحبب ~~إلى الناس أن يزرعوا، وأن يعيشوا مع ماشيتهم، وأن يجدوا ويعملوا، حتى حرم على ~~أتباعه الصوم؛ لأنه يضعفهم عن العمل، وهو يريدهم أقوياء عاملين. # وعلم أن الماء والهواء والنار والتراب عناصر طاهرة يجب ألا تنجس، وكان من ~~مظاهر هذا تقديس النار واتخاذها رمزا، وتحريم تنجيس الماء الجاري، وتحريم دفن ~~الموتى في الأرض، ونحو ذلك: # وللإنسان حياتان: حياة أولى في الدنيا، وحياة أخرى بعد الموت، ونصيبه في ~~حياته الآخرة نتيجة لأعماله في حياته الأولى، قد أحصيت أعماله في كتاب، وعدت ~~سيئاته ديونا عليه؛ وفي الأيام الثلاثة التي تعقب الموت تحلق نفس الإنسان ~~فوق جسده، وتنعم أو تشقى تبعا لأعماله، ومن أجل هذا تقام الشعائر الدينية في ~~هذه الأيام إيناسا للنفس، وعند الحساب تمر النفس على صراط ممدود على شفير ~~جهنم، وهو للمؤمن عريض سهل المجاز، وللكافر أرق من الشعرة؛ فمن آمن وعمل ~~صالحا جاز الصراط بسلام؛ ولقي «أهورا» فأحسن لقاءه، وأنزله منزلا كريما، ~~وإلا سقط في الجحيم وصار عبدا لأهرمن، وإن تعادلت سيئاته وحسناته ذهب ~~الروح إلى الأعراف إلى يوم الفصل. # وقد غيب على الإنسان في حياته الدنيا ما أعد له بعد موته، ولم يعلم ~~الخير من الشر، فكان من رحمة الله أن أرسل رسولا يهدي به الناس؛ وفي الأساطير ~~الزردشتية أن النبوة نزلت أولا على جمشيد ملك الفرس، ولكن لم يستطع حملها، ~~فحملها زردشت، فكان الله يكلمه وينزل عليه الوحي. # ويعلم زردشت أن يوم القيامة قريب، وأن نهاية هذه الحياة ليست بعيدة وسيستجمع ~~«مزدا» قوته، ويضرب إله الشر ضربة قاضية، ويعذبه بالجحيم هو ومن أطاعه. # فلسفته: بجانب هذه التعاليم الدينية نرى للديانة الزردشتية أبحاثا فيما وراء ~~المادة، ولكن لم يكن بحثهم فيها شاملا - كالذي كان عند اليونان - بل كان بحثا ~~جزئيا مفرقا؛ كذلك نرى لهم في هذا خاصية تشبه التي كانت للعرب بعد الإسلام، ~~وهي امتزاج أبحاثهم - فيما وراء المادة - بالدين والتوفيق بينهما، ولم يبحثوا ~~فيها بحثا مستقلا كما فعل اليونان مثلا. # فمن أبحاثهم الفلسفية ms095 بحثهم في النفس، فالديانة الزردشتية ترى أن نفس الإنسان ~~قد خلقها الله بعد أن لم تكن، وتستطيع أن تنال الحياة الأبدية السعيدة إذا ~~حاربت الشرور في العالم الأرضي، وقد منحها الله حرية الإرادة، فهي تستطيع أن ~~تختار الخير أو الشر، وللنفس الإنسانية قوى مختلفة: ~~(1) # الضمير أو الوجدان. ~~(2) # القوة الحيوية. ~~(3) # القوة العقلية. ~~(4) # القوة الروحية. ~~(5) # القوة الواقية ... إلخ. # وبعد؛ فهل دين زردشت ثنوي يرى أن العالم يحكمه إلهان: إله الخير وإله ~~الشر وأن لكل إله ذاتا مستقلة؟ أو هو موحد يرى أن العالم يحكمه إله واحد، وأن ~~ما في العالم من خير وشر، وما فيه من قوتين متنازعتين ليستا إلا مظهرين أو ~~أثرين لإله واحد؟ اختلف الباحثون في الإجابة عن هذا السؤال، فيرى كثيرون أنه ~~ثنوي كما يدل عليه ظاهر كلامه، وقد ذهب إلى هذا الرأي بعض كتاب الفرنج ~~ومنهم من كتب في دائرة المعارف البريطانية مادة زردشت؛ ومنهم من يرى أنه موحد، ~~وإلى ذلك ذهب الشهرستاني والقلقشندي في صبح الأعشى وغيرهما، ويقول ~~الأستاذ هوج # Haug ~~: «إن زردشت كان من الناحية ~~اللاهوتية موحدا، ومن الناحية الفلسفية ثنويا»، ولعله يرد من قوله هذا أنه ~~من ناحية العقيدة الدينية كان يرى أن للعالم إلها واحدا، ولكن إذا تعرض لشرح ~~فلسفة العالم وما فيه من خير وشر يتطاحنان وما إلى ذلك فهو ثنوي يرى أن في ~~العالم قوتين. ~~••• # والديانة الزردشتية كانت هي الديانة السائدة في فارس وما حولها في عهد ~~الكيانيين # Achaemenian ~~، فلما انتصر ~~الإسكندر سنة 331ق.م كان ذلك ضربة لهذه الأسرة ولديانتها، ثم انتعشت في عهد ~~الأسرة الساسانية التي بدأت حكمها سنة 226م وظلت هي ديانة الفرس إلى الفتح ~~الإسلامي فاعتنق كثير منهم الإسلام، وفر بعضهم أولا إلى جزائر في الخليج ~~الفارسي ثم إلى الهند، ولا تزال منهم طائفة في بمباي يسمون بالفرسيين Parseec # يتمسكون بهذا الدين إلى اليوم؛ ~~وبقيت طائفة في فارس تستمسك بدينها بعد الفتح، واستمرت معابد النار قائمة في كل ~~ولاية من ولايات فارس تقريبا في القرون الثلاثة الأولى بعد الفتح ms096 # 5 ~~. # ولعلك من قراءة مذهبهم تشعر بما كان لهم من أثر كبير في المسلمين، وسيتضح ذلك ~~تمام الوضوح عند الكلام على المذاهب الدينية، إلا أنه يصح لنا أن نذكر هنا ~~إجمالا أن عقيدة العامة من المسلمين في الصراط بهذا النمط الذي يحكيه زردشت، ~~وفي الأعراف على هذا الوجه، وتحليق الروح على الجسد، وإقامة الشعائر لذلك ثلاثة ~~أيام، كل هذه عقائد تشبه مشابهة تامة ما في الديانة الزردشتية، وقول المعتزلة ~~في الجبر والاختيار، وقول الصوفية في أقسام النفس، كله مأخوذ عن هذه الديانة، ~~وسنعرض لهذا الموضوع في موضعه إن شاء الله. ~~(ب) # ماني والمانوية # 6 ~~: من أشهر المذاهب الدينية التي كثر أتباعها، ~~المانوية، وقد ولد ماني - مؤسسها - حسبما يقول البيروني في كتابه «الآثار ~~الباقية» سنة 215 أو 216 م، وعاش مذهبه - برغم ما لقي من اضطهاد - إلى القرن ~~السابع الهجري، والثالث عشر الميلادي، وكان له أتباع كثيرون في آسيا وفي ~~أوروبا، وكان له أثر كبير في الآراء الدينية، وكانت تعاليمه مزيجا من الديانة ~~النصرانية والزردشتية، وهي - كما يقول الأستاذ برون - أن تعد زردشتية ~~منصرة أقرب من أن تعد نصرانية مزردشة، وقد كتبت عنه مصادر عربية وأخرى ~~أوروبية، وقد وثق الأستاذ برون المصادر العربية وقال: إنها أقرب إلى الصحة، ~~وأهم المصادر العربية في هذا: الفصل في الملل والنحل لابن حزم، والملل ~~والنحل للشهرستاني، وفهرست ابن النديم، وتاريخ اليعقوبي، والآثار الباقية ~~للبيروني وسرح العيون لابن نباتة. # وخلاصة مذهبه أن العالم كما قال زردشت نشأ عن أصلين وهما: النور والظلمة، وعن ~~النور نشأ كل خير، وعن الظلمة نشأ كل شر، والنور لا يقدر على الشر، والظلمة لا ~~تقدر على الشر؛ وما يصدر عن الإنسان من خير فمصدره إله الخير، وما يصدر من شر ~~فمصدره إله الشر، فإن هو نظر نظرة رحمة، فتلك النظرة من الخير والنور، ومتى نظر ~~نظرة قسوة فتلك النظرة من الشر والظلمة، وكذلك جميع الحواس، وقد امتزج الخير ~~والشر في هذا العالم امتزاجا تاما؛ وقد أطال هو وأصحابه في كيفية هذا ms097 ~~الامتزاج بما يشبه الخرافات. # وهو في هذا لا يخرج كثيرا عن تعاليم زردشت - كما ترى - ولكن يخالفه بعد في ~~أمر جوهري: وهو أن زردشت كان يرى أن هذا العالم الحاضر عالم خير، لما فيه من ~~مظاهر نصرة الخير على الشر، في حين أن ماني يرى أن نفس الامتزاج شر يجب الخلاص ~~منه، وزردشت يرى أن يعيش الإنسان عيشة طبيعية، فيتزوج وينسل، ويعنى بزرعه ~~ونسله وماشيته ويقوي بدنه ولا يصوم، وأنه بهذه المعيشة ينصر إله الخير على ~~إله الشر؛ وأما ماني فنزع منزعا آخر هو أشبه ما يكون بالرهبنة، وقد كان ماني - ~~كما يقولون - راهبا بحران، فرأى أن امتزاج النور بالظلمة في هذا العالم شر، ~~ومن أجل هذا حرم النكاح حتى يستعجل الفناء؛ ودعا إلى الزهد، وشرع الصيام سبعة ~~أيام أبدا في كل شهر، وفرض صلوات كثيرة، يقوم الرجل فيمسح بالماء ويستقبل ~~الشمس قائما، ثم يقوم ويسجد وهكذا، اثنتي عشرة سجدة، يقول في كل سجدة منها ~~دعاء، ونهى أصحابه عن ذبح الحيوان لما فيه من إيلام، وأقر بنبوة عيسى وزردشت ~~وقال: إني (ماني) النبي الذي بشر به عيسى. # وقد ذكر أن هرمز ملك الفرس اعتنق مذهبه وأيده، وأنه دخل في دينه كثير من ~~الناس، فلما مات هرمز وخلفه بهرام الأول لم يرتح إلى تعاليمه وقتله وشرد ~~أصحابه، ولكن لم تمت تعاليمه، كان لدينه أئمة يتعاقبون، وكان مركز الإمام أولا ~~في بابل، ثم تحول إلى سمرقند، وقد قال ابن النديم: «إنه لما انتشر أمر ~~الفرس وقوي أمر العرب عادوا إلى هذه البلاد - ولا سيما في فتنة الفرس، وفي أيام ~~ملوك بني أمية - فإن خالد بن عبد الله القسري كان يعنى بهم، وآخر ما ~~انجلوا من أيام المقتدر، فإنهم لحقوا بخراسان خوفا على نفوسهم، ومن بقي منهم ~~ستر أمره، وقد قالوا في المواضع الإسلامية، فأما مدينة السلام فكنت أعرف منهم ~~أيام معز الدولة نحو ثلاث مئة، وأما في وقتنا هذا فليس بالحضرة منهم خمسة أنفس» ~~ثم عد بعضا من رؤسائهم الذين يظهرون الإسلام ms098 ويبطنون الزندقة، فعد منهم ~~الجعد بن درهم، وكان مؤدبا لمروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية؛ وكان ~~خالد بن عبد الله القسري يرمى بالزندقة، وصالح بن عبد القدوس، وبشار بن ~~برد، وسلم الخاسر، وقال: «قيل: إن البرامكة بأسرها إلا محمد بن خالد بن ~~برمك كانت ترمى بالزندقة؛ وقرأت بخط بعض أهل المذاهب أن المأمون كان منهم ~~وكذب في ذلك، وقد أصبحت رياستهم الآن في سمرقند». # وكذلك انتشرت في أوروبا إلى فرنسا الجنوبية، وقد ذكروا أن «سانت أوغسطين # St. Augustine ~~» ظل مانويا عهدا طويلا ~~قبل أن يعتنق النصرانية. # وكان للمانوية حركة أدبية في التأليف، وأثاروا كثيرا من المسائل جادلوا فيها ~~من نشأتهم، فقد حكوا أن موبذ موبذان (قاضي القضاة) ناظر (ماني) فقال الموبذ: ~~أنت الذي تقول بتحريم النكاح لتستعجل فناء العالم؟ فقال ماني: واجب أن يعان ~~النور على خلاصه بقطع النسل؛ فقال الموبذ: فمن الحق الواجب أن يعجل لك هذا ~~الخلاص الذي تدعو إليه، وتعان على إبطال هذا الامتزاج المذموم، فبهت ماني، ~~فأمر بهرام به فقتل، كذلك حكوا أن المأمون ناظر أحد المانوية فقال : هل ندم ~~مسيء على إساءته؟ قال: بلى، قد ندم كثير، قال: فخبرني عن الندم على الإساءة ~~إساءة هو أم إحسان؟ قال: إحسان، قال: فالذي ندم هو الذي أساء؟ قال: نعم، قال: ~~فأرى صاحب الخير هو صاحب الشر؛ وقد بطل قولكم إن الذي ينظر نظرة الوعيد غير ~~الذي ينظر نظرة الرحمة؛ قال: فأزعم أن الذي أساء غير الذي ندم؛ قال: فندم على ~~كل شيء كان من غيره أو على شيء كان منه؟ فقطعه بهذه الحجة. # وقد شغلت تعاليمهم جزءا غير قليل من علم الكلام عند المسلمين، يذكرون آراءهم ~~ويعنون بالرد عليها، فضلا عن أن هؤلاء المانوية أثاروا مسائل كثيرة كالبحث ~~في المعاد، هل هو بالأجسام أو بالأرواح، أخذ المسلمون يتجادلون فيها وينحازون ~~إلى طوائف. # هناك مسألتان جديرتان بالبحث: ~~(الأولي): # لم اضطهدت المانوية قبل الإسلام وفي الإسلام؟ # وقد أشرنا إلى الجواب عنها فيما تقدم، فالذي دعا بهرام إلى ~~قتله ms099 هو وأصحابه الناحية العملية؛ فقد كان زردشت يدعو إلى ~~العمل، وكان في تعاليمه مؤيدا للقومية والنزعة الحربية، مما ~~يتفق وميول فارس إذ ذاك، وعلى العكس من ذلك تعاليم ماني، فهي ~~أميل إلى الزهد والرغبة عن ملاذ الحياة واستعجال الفناء، وهي - ~~لا شك - في منتهى الخطورة لمملكة حربية كفارس، ويؤيد هذا ما ~~جاء في الآثار الباقية: «أن بهرام قال: إن هذا خرج داعيا إلى ~~تخريب العالم، فالواجب أن نبدأ بتخريب نفسه قبل أن يتهيأ له ~~شيء من مراده»، أضف إلى ذلك أنهم فوق تعاليمهم هذه كانوا - على ~~ما يظهر - جادين في الدعوة إلى مذهبهم، يتسترون بالإسلام أو ~~النصرانية لتتسنى لهم الدعوة، ويكونوا بمأمن من ~~الاضطهاد. ~~(المسألة الثانية): # أنا نرى كلمة الزندقة كثيرا ما يوصف بها أتباع ماني، فهل ~~هي خاصة بهم؟ # الظاهر من عبارات ابن النديم أن الزنادقة كلمة تطلق على ~~أصحاب ماني ومعتنقي مذهبه، وليست كلمة عامة تطلق على كل كافر ~~أو ملحد، ونرى الخياط المعتزلي في كتابه «الانتصار» يستعملها ~~للدلالة على فرقة خاصة قرينة لليهود والنصارى، فيقول مثلا: ~~«قال ابن الراوندي: وزعم ثمامة أن أكثر اليهود والنصارى ~~والمجوس والزنادقة والدهرية يصيرون في القيامة ترابا، ولا ~~يدخلون الجنة ... إلخ»، وقد استعمل الخياط هذه الكلمة في كتابه ~~نحو خمس مرات كلها في مثل هذا التعبير. # ويقول ابن قتيبة في كتابه «المعارف» عند كلامه على أديان العرب في الجاهلية: ~~«كانت النصرانية في ربيعة وغسان وبعض قضاعة؛ وكانت اليهودية في حمير وبني ~~كنانة وبني الحارث بن كعب وكندة؛ وكانت المجوسية في تميم منهم زرارة، ~~وحاجب بن زرارة ومنهم الأقرع بن حابس، كان مجوسيا؛ وكانت الزندقة في قريش، ~~أخذوها من الحيرة» وظاهر من تعبيره هذا أن الزندقة التي يعنيها دين خاص من ~~أديان الفرس بدليل قوله: إنهم أخذوها من الحيرة، والحيرة كانت تحت حكم الفرس ~~كما علمت، وقريب من هذا ما قاله الجوهري في الصحاح: «الزنديق من الثنوية وهو ~~معرب، والجمع الزنادقة، وقد تزندق، والاسم الزندقة»، فظاهر من هذا أن الزندقة ~~مذهب خاص كاليهودية ms100 والنصرانية، وأن استعماله في معنى الإلحاد على العموم إنما ~~هو معنى حدث بعد، جاء في لسان العرب: «الزنديق القائل ببقاء الدهر، فارسي ~~معرب «زندكر» أي: يقول ببقاء الدهر، وقال أحمد بن يحيى: ليس في كلام ~~العرب زنديق، فإذا أرادت العرب معنى ما تقوله العامة، قالوا: ملحد ~~ودهري»، ولكن هل هو يطلق على كل الثنوية أو على مذهب خاص من الثنوية ~~كالمانوية فقط؟ الظاهر من كلام ابن قتيبة أنه يطلق على مذهب خاص، بدليل أنه ~~قابلها في كلامه بالمجوسي، فذكر أن تميما تمجست، وقريشا تزندقت، ولو كان ~~يريد من الزندقة الثنوية على العموم لما كان هناك معنى للمقابلة، ويؤيده ما في ~~الصحاح: «الزنديق من الثنوية» ولم يقل «الزنادقة الثنوية»، ولكن هل يطلق اللفظ ~~على المانوية فقط؟ حكى الألوسي عن ابن الكمال أنه يطلق على المزدكية، وأن مزدك ~~ألف كتابا اسمه «زند» وأن المزدكية غير المانوية، وهذا خطأ، فإن مزدك لم ~~يضع، «زند»، وإنما شرح كتاب «افستا» لزردشت. # ويقول بعضهم: إن كلمة زنديق في الأصل، معناها بالفارسية الذي يتبع زند، ثم ~~أطلق على المانوية؛ لأنهم كانوا يأخذون زند وغيره من الكتب المقدسة، ويشرحونها ~~على مذهبهم بطريقة التأويل، ويقول الأستاذ «بيفان»: إنا نرى من كلام الفهرست، ~~والبيروني أن المانوية يطلقون كلمة «السماعين» على من لم يرقوا إلى ~~الدرجة العليا من المانوية، ولم يلتزموا أن يؤدوا كل الواجبات التي تفرضها ~~الديانة من رهبانية وزهد ... إلخ، ويقابلهم «الصديقون» وهم الراقون الملتزمون ~~بأداء تلك الواجبات، يفضلون الفقر على الغنى، ويزهدون في العالم وشئونه، وكلمة ~~صديق عربية، ولها أصل آرامي وهو صديقي # Saddiqai # فقد أخذها الفرس فحوروها إلى زنديق فوضعوا ند # nd # موضع # dd # كما ~~قالوا شنباذ # Shanbath # في سباذ # Sabbath # 7 # وعلى قوله تكون الكلمة وضعت لطائفة خاصة من المانوية ثم استعملت ~~في المانوية جميعا، ثم استعملت في الإلحاد على العموم؛ كالذي روي عن أبي يوسف ~~أنه قال: ثلاثة لا يسلمون من ثلاثة، من طلب النجوم لم يسلم من الزندقة، ومن ~~طلب الكيمياء لم يسلم من ms101 الفقر، ومن طلب غرائب الحديث لم يسلم من الكذب # 8 ~~. ~~(ج) # مزدك ~~: حول سنة 487م ظهر في فارس مزدك، ~~ويقول الطبري: إنه من أهل نيسابور، ودعا إلى مذهب ثنوي جديد، فكان يقول ~~أيضا بالنور والظلمة؛ ولكن أكبر ما امتاز به «تعاليمه الاشتراكية»، فكان يرى ~~أن الناس ولدوا سواء فليعيشوا سواء؛ وأهم ما تجب فيه المساواة المال والنساء، ~~قال الشهرستاني: «وكان مزدك ينهى الناس عن المخالفة والمباغضة والقتال، ولما ~~كان أكثر ذلك إنما يقع بسبب النساء والأموال، فأحل النساء وأباح الأموال، وجعل ~~الناس شركة فيها كاشتراكهم في الماء والنار والكلأ»، وقال الطبري: «قال مزدك ~~وأصحابه: إن الله إنما جعل الأرزاق في الأرض ليقسمها العباد بينهم بالتآسي؛ ~~ولكن الناس تظالموا فيها، وزعموا أنهم يأخذون للفقراء من الأغنياء، ويردون ~~من المكثرين على المقلين، وأن من كان عنده فضل من الأموال والنساء والأمتعة ~~فليس هو بأولى به من غيره، فافترض السفلة ذلك واغتنموه، وكاتفوا مزدك ~~وأصحابه وشايعوهم فابتلي الناس بهم، وقوي أمرهم، حتى كانوا يدخلون على الرجل ~~في داره فيغلبونه على منزله ونسائه وأمواله، وحملوا «قباذ» على تزيين ذلك ~~وتوعدوه بخلعه، فلم يلبثوا إلا قليلا حتى صاروا لا يعرف الرجل منهم ولده، ولا ~~المولود أباه، ولا يملك الرجل شيئا مما يتسع به»، وقال في موضع آخر: «وكان مما ~~أمر به الناس وزينه لهم وحثهم عليه، والتآسي في أموالهم وأهليهم، وذكر أن ذلك ~~من البر الذي يرضاه الله ويثيب عليه أحسن الثواب، وأنه لو لم يكن الذي أمرهم به ~~وحثهم عليه من الدين، كان مكرمة في الفعال، ورضا في التفاوض» ... إلخ # 9 ~~. # فترى من هذا أن تعاليمه اشتراكية من أسبق الاشتراكيات في العالم، ويقول ~~الأستاذ «نولدكه»: «إن الذي يميز مزدك عن الاشتراكية الحديثة ما لتعاليمه ~~من الصبغة الدينية» وكانت له تعاليم روحية أخرى، فقد كان يعلم القناعة ~~والزهد، وحرمة الحيوان فلا يذبح. # وقد اعتنق مذهبه آلاف من الناس ولكن قباذ نكل به وبقومه، ودبر لهم مذبحة ~~سنة 523م كاد يستأصلهم بها. # ومع هذا فقد ظل ms102 قوم يتبعون مذهبه، حتى إلى ما بعد الإسلام، وذكر الإصطخري ~~وابن حوقل أن سكان بعض قرى كرمان كانوا يعتنقون المزدكية طول عهد الدولة ~~الأموية. # ونلمح وجه شبه بين رأي أبي ذر الغفاري وبين رأي مزدك في الناحية ~~المالية فقط، فالطبري يحدثنا أن أبا ذر: «قام بالشام وجعل يقول: يا معشر ~~الأغنياء! واسوا الفقراء، بشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل ~~الله بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، فما زال حتى ولع الفقراء ~~بمثل ذلك وأوجبوه على الأغنياء، وحتى شكا الأغنياء ما يلقون من الناس»، ثم بعث ~~به معاوية إلى عثمان بن عفان بالمدينة حتى لا يفسد عليه أهل الشام، ولما سأله ~~عثمان: ما لأهل الشام يشكون ذربك؟ قال: لا ينبغي للأغنياء أن يقتنوا مالا، ~~فترى من هذا أن رأيه قريب جدا من رأي مزدك في الأموال، ولكن من أين أتاه هذا ~~الرأي؟ يحدثنا الطبري أيضا عن جواب هذا السؤال فيقول: «إن ابن السوداء لقي ~~أبا ذر فأوعز إليه بذلك، وأن ابن السوداء هذا أتى أبا الدرداء وعبادة بن ~~الصامت فلم يسمعا قوله، وأخذه عبادة إلى معاوية وقال له: هذا والله الذي بعث ~~عليك أبا ذر» # 10 # ونحن نعم أن ابن السوداء هذا لقب لقب به عبد الله بن سبأ، وكان ~~يهوديا من صنعاء، أظهر الإسلام في عهد عثمان، وأنه حاول أن يفسد على المسلمين ~~دينهم، وبث في البلاد عقائد كثيرة ضارة قد نعرض لها فيما بعد، وكان قد طوف في ~~بلاد كثيرة: في الحجاز والبصرة والكوفة والشام ومصر، فمن المحتمل القريب أن ~~يكون قد تلقى هذه الفكرة من مزدكية العراق أو اليمن، واعتنقها أبو ذر حسن ~~النية في اعتقادها، وصبغها بصبغة الزهد التي كانت تجنح إليها نفسه، فقد كان من ~~أتقى الناس وأورعهم وأزهدهم في الدنيا، وكان من الشخصيات المحبوبة التي أثرت في ~~الصوفية. ~~••• # ومما كان يتصل بعقائد الفرس الدينية وكان له أثر في بعض المسلمين أنهم كانوا ~~ينظرون إلى ملوكهم كأنهم كائنات إلهية اصطفاهم الله ms103 للحكم بين الناس، وخصهم ~~بالسيادة وأيدهم بروح من عنده، فهم ظل الله في أرضه، أقامهم على مصالح عباده، ~~وليس للناس قبلهم حقوق، وللملوك على الناس السمع والطاعة، وهو معنى يشبه ما ~~عرف في أوروبا بنظرية «الحق ~~الإلهي # Divine right # وسادت فيها في القرنين السادس عشر والسابع عشر»، ويقول ~~الأستاذ «برون»: «لم تعتنق نظرية الحق الإلهي بقوة كما اعتنقت في فارس في ~~عهد الملوك الساسانية»، وقد كان الأكاسرة يزعمون أن لهم الحق وحدهم أن يلبسوا ~~تاج الملك بما يجري في عروقهم من دم إلهي، ويستدل الأستاذ «نولدكه» على اعتناق ~~الفرس لهذه النظرية بحكاية وردت في كتاب «الأخبار الطوال»: «وهي أن «بهرام ~~جوبين» - ولم يكن من بيت الملك، وقد طلب الملك وحارب كسرى أبرويز فهزمه كسرى ~~فهرب - مر في طريقه بقرية، فنزلها في أصحاب له، ونزلوا في بيت عجوز، فأخرجوا ~~طعاما لهم فتعشوا، وأطعموا فضلته العجوز، ثم أخرجوا شرابا، فقال بهرام ~~للعجوز: أم عندك شيء نشرب فيه؟ قالت: عندي قرعة صغيرة، فأتتهم بها فجبوا ~~رأسها وجعلوا يشربون فيها، ثم أخرجوا نقلا، وقالوا للعجوز: أم عندك شيء يجعل ~~عليه النقل؟ فأتتهم بمنسف # 11 # فألقوا فيه ذلك النقل، فأمر بهرام فسقيت العجوز: ثم قال لها: ما ~~عندك من الخبر أيتها العجوز؟ قالت: الخبر عندي أن كسرى أقبل بجيش من الروم ~~فحارب بهرام فغلبه، واسترد منه ملكه، قال: فما قولك في بهرام؟ قالت: جاهل أحمق ~~يدعي الملك وليس من أهل بيت المملكة! قال بهرام: فمن أجل ذلك يشرب في القرع، ~~ويتنقل من المنسف! فجرى مثلا في العجم يتمثلون به» اه. # وهو استدلال ليس بالقوي فيما نرى، فإن كل أسرة مالكة متى استمرت في الحكم ~~أجيالا أكسبها ذلك الحق في الملك عند عامة الناس في كل أمة، وإن لم يقدسوا ~~ملوكها. # وربما كان خيرا من هذا في تأييد هذا الرأي ما جاء في كتاب «التاج»: «من أن ~~ملوك آل ساسان لم يكنها أحد من رعاياها قط، ولا سماها في شعر ولا خطبة ولا ~~تقريظ ولا غيره، ms104 وإنما حدث هذا في ملوك الحيرة» # 12 ~~. # فالظاهر من هذا أن هؤلاء الملوك ترفعوا ورفعهم الشعب، حتى لم يكن من الأدب أن ~~يجري على لسانه اسمهم ولا كنيتهم حتى ولا في الشعر. ~~••• # هذه مذاهب الفرس الدينية، وقد ذابت في المملكة الإسلامية بعد الفتح، وكثير ~~منهم أسلموا ولم يتجردوا من كل عقائدهم التي توارثوها أجيالا، وبمرور الزمان ~~صبغوا آراءهم القديمة بصبغة إسلامية، فنظرة الشيعة في علي وأبنائه هي نظرة ~~آبائهم الأولين من الملوك الساسانين، وثنوية الفرس كانوا منبعا يستقي منه ~~«الرافضة» في الإسلام، فحرك ذلك المعتزلة لدفع حجج الرافضة وأمثالهم؛ أضف إلى ~~ذلك أن تعاليم زردشت، وماني، ومزدك، كانت تظهر من حين لآخر بين المسلمين في ~~أشكال شتى، في أواخر الدولة الأموية والدولة العباسية، واضطر المسلمون أن ~~يجادلوهم ويدفعوا حججهم، ويؤيدوا دينهم بالمنطق والبرهان. # وكانت إثارة هذه المسائل أحيانا تقسم المسلمين أنفسهم إلى فرق، فينحازون ~~إلى مذاهب ويتجادلون فيما بينهم، مما أدى إلى نشأة علم الكلام في الإسلام كما ~~سنبينه بعد. # الفصل التاسع # | الأدب الفارسي # كانت لغة الفرس في عهد الدولة الساسانية هي اللغة الفهلوية، و«زند» الذي هو ~~شرح للأفستا مكتوب بهذه اللغة، وكان لهذا الكتاب الديني أثر في حفظها، ولكن لم يصل إلى ~~عصرنا هذا كثير من ثروة الفرس الأدبية الفهلوية التي كانت منتشرة في الدولة الساسانية ~~وصدر الإسلام، والسبب في ذلك أن دين الإسلام ظفر بدين زردشت وحل محله، كما حلت اللغة ~~العربية والحروف العربية محل اللغة الفهلوية والحروف الفهلوية، فذهاب الحكومة الفارسية ~~ودينها، وحكمها بالعرب، وتحولها من مملكة إلى ولايات إسلامية، ودخول كثير من الفرس في ~~الإسلام، واضطرارهم إلى تعرف اللغة العربية، للدين أو للدنيا أو لهما معا، وازدراء ~~المسلمين لبيوت النيران التي هي شعائر الثنوية؛ كل هذا عرض الديانة الفارسية واللغة ~~الفهلوية للاضمحلال ثم الفناء. # ومع هذا فقد وصلت إلينا بقية قليلة من اللغة الفهلوية، فهناك أحجار صخرية عليها نقوش ~~فهلوية تتضمن أسماء ملوك ونبذا من تاريخ حياتهم، يرجع عهدها إلى أوائل الملوك ~~الساسانيين، وهناك كتب فهلوية ms105 فر بها البرسيون إلى الهند عند الفتح الإسلامي كما ~~أسلفنا، وأكثرها ديني، وهذا هو السر في بقائها في يدهم. # وكذلك بقي - من غير الكتب الدينية - قطعة كبيرة من قانون فارس في عهد الدولة ~~الساسانية، تتضمن الكلام على الأحوال الشخصية كالزواج، وعلى الملكية وعلى الرق، وغير ~~ذلك؛ وكتاب في صناعة تحرير المراسلات وما يحسن في بدئها وفي ختامها، وآداب المراسلات ~~الرسمية؛ ومعجم للغة الفهلوية القديمة؛ وتاريخ خيالي للشطرنج؛ وسير لبعض ملوك ~~الفرس. # ولم يصل إلينا شيء من شعر الدولة الساسانية - على عظمة كثير من ملوكها وحاجتهم إلى من ~~يتغنى بمدائحهم - فهل اكتفى الفن بتعبيراته بالحفر والنقش والبناء والغناء، أو عبر ~~أيضا بالشعر، ولكن عدا عليه الشعر العربي فقتله؟ نحن إلى الثاني أميل. # ومع قلة ما وصل إلينا من الأدب الفارسي، فالظاهر أنه وصل إلى المسلمين في العصور ~~الأولى الإسلامية كتب كثيرة فارسية؛ فكثيرا ما يقول ابن قتيبة في كتابه عيون ~~الأخبار: «وفي كتب العجم كذا» و«قرأت في كتاب «إبرويز» إلى ابنه «شيرويه» وهو في ~~حبسه»؛ وكثيرا ما ينقل صاحب كتاب التاج في أخلاق الملوك عن الفرس وآدابهم ~~وكتبهم. # وقد أثر الأدب الفارسي في الأدب العربي من وجوه : ~~(الأول): # أن كثيرا ممن دخلوا في الإسلام اضطروا - كما أسلفنا - إلى تعلم ~~اللغة العربية، وسرعان ما ظهر منهم ومن نسلهم شعراء؛ وقد ظهر منهم في ~~الدولة الأموية عدد ليس بالقليل، ومن أشهرهم «زياد الأعجم» وأصله ~~ومولده ومنشؤه بأصبهان، ثم انتقل إلى خراسان ولم يزل بها حتى مات # 1 ~~، وكان شاعرا جزل الشعر؛ وسمي الأعجم لهذا الذي ذكره في ~~الأغاني: وهو أنه كان يجري على لغة أهل بلاده؛ ولم يكن يطاوعه لسانه أن ~~ينطق بالحروف العربية، فكان يقول: «ما كنت تسنأ» في (ما كنت تصنع)؛ ~~وإذا كان يقول الشعر عن تعلم لا عن سليقة، فقد كان كثير اللحن في شعره ~~كقوله: # إذا قلت قد أقبلت أدبرت # كمن ليس غاد ولا رائح # وكان ينبغي أن يقول غاديا ولا رائحا # 2 ~~. # ومن أشهر هؤلاء الشعراء الفرس أيضا ms106 أسرة ابن يسار النسائي # 3 ~~، فهي أسرة فارسية شاعرة، اشتهر منها إسماعيل بن يسار، ~~ومحمد، وإبراهيم؛ وللثلاثة شعر يغنى به؛ وكلهم ذو نزعة فارسية، يتعصب ~~للعجم وينقم من العرب. # ومنهم أبو العباس الأعمى، وأصله من أذربيجان، وموسى شهوات، وأصله ~~كذلك من أذربيجان، إلى كثير غيرهم. # هؤلاء وأمثالهم نشئوا نشأة فارسية، وتأدبوا بالأدب الفارسي، ثم صاغوا ~~أدبهم في القالب العربي فأحكموا التقليد؛ فألفاظهم عربية وتراكيبهم ~~عربية وأوزانهم عربية، ولكن هذا لا يمنع أن بعض المعاني الفارسية ~~والخيال الفارسي والروح الفارسي، كان يتسرب إلى نفوسهم ثم إلى شعرهم، ~~ولو أنا عثرنا على نماذج من الأدب والشعر الساساني، لأمكن بوضوح ~~المقارنة بين الأدبين، وشرح الاقتباس كيف كان؛ ولكن مع فقد الأدب ~~الفارسي، فإنا نلمح في شعر هؤلاء الذين سمينا معاني جديدة، ونزعات ~~جديدة، نذكر لك أمثلة منها، فقد سجعت حمامة بجانب زياد فقال: # تغني أنت في ذممي وعهدي # وذمة والدي إن لم تطاري # وبيتك أصلحيه ولا تخافي # على صفر مزغبة صغار # فإنك كلما غنيت صوتا # ذكرت أحبتي وذكرت داري # فإما يقتلوك طلبت ثأرا # له ~~نبأ؛ لأنك في جواري # وذكروا أن حبيب بن المهلب لما سمع هذا الشعر قتل حمامته، فاستعدى ~~زياد عليه المهلب فحكم له بدية جارته، أفلست ترى معي أن هذا الشعور # 4 # على هذا النحو جديد لم أعرفه للعرب قبل؟ ولعل عليه مسحة ~~مانوية من حماية الحيوان. # وقد أسلفنا أن ابن يسار وإخوته كانوا شعوبيين، يقول أبو الفرج في ~~إسماعيل بن يسار: «إنه كان مبتلى بالعصبية للعجم والفخر بهم، فكان لا ~~يزال مضروبا محروما مطرودا»، فخليق بمثل هذه الأسرة أن تتعصب أيضا ~~للأدب الفارسي، كما كانت تنزع النزعة الفارسية، فمن قول إسماعيل يفخر ~~على العرب: # رب خال متوج لي وعم # ماجد مجتدى كريم النصاب # إنما سمي الفوارس بالفر # س مضاهاة رفعة الأنساب # فاتركي الفخر يا أمام علينا # واتركي الجور وانطقي بالصواب # واسألي - إن جهلت - عنا وعنكم # كيف كنا في سالف الأحقاب # إذ نربي بناتنا وتدس # ون سفاها بناتكم في التراب # ولإسماعيل ms107 هذا قصيدة طويلة لطيفة، تقرأ فيها روح القصص الفارسي وجودة ~~التسلسل المنطقي، مطلعها: # كلثم أنت الهم يا كلثم # وأنتمو دائي الذي أكتم # أكاتم الناس هوى شفني # وبعض كتمان الهوى أحزم # قد لمتني ظلما بلا ظنة # وأنت فيما بيننا ألوم # وفيها يقول: # لا تتركيني هكذا ميتا # لا ~~أمنح الود ولا أصرم # أوفي بما قلت ولا تندمي # إن الوفي القول لا يندم # ثم يقول: # أخافت المشي حذار العدى # والليل داج حالك مظلم # ودون ما حاولت إذ زرتكم # أخوك والخال معا والحم # وليس إلا الله لي صاحب # إليكم ~~والصارم اللهذم # حتى دخلت البيت فاستذرفت # من شفق عيناك لي تسجم # ثم انجلى الحزن وروعاته # وغيب الكاشح والمبرم # إلى آخر الأبيات # 5 ~~، ولإبراهيم أخيه كذلك شعر يعتز فيه العجم، ويفخر به على ~~العرب. # أضف إلى هذا أن كثيرا من الشعراء والأدباء والشعراء من العرب كانوا ~~ينزلون فارس أو العراق، ويخالطون أهله، ويرون مدنيته فيكون لها ~~الأثر في شاعريتهم، فكان ينزل العراق الطرماح والكيمت وأبو ~~النجم الراجز، وجرير، والفرزدق، وكان ينزل خراسان نهار بن ~~توسعة وثابت قطنة وابن مفرغ الحميري والمغيرة ~~بن حبناء وغيرهم، ولا يخفى ما للبيئة من تأثير في النفس ~~والخيال. ~~(الثاني): # من وجوه تأثير الأدب الفارسي: الناحية اللغوية، فقد علمت أن العرب في ~~جاهليتها كانت غنية في شئون الحياة البدوية وما يتصل بها، فلما فتحوا ~~فارس وكثيرا من بلاد الروم رأوا من أدوات الزينة والترف ما لم يكونوا ~~قد رأوا، ورأوا من الحرف الدقيقة والفنون الجميلة ما لم يعهدوه، كما ~~رأوا من تنظيم الحكومة وتدوين الدواوين ما لم يكن يخطر لهم على بال، ~~فاضطروا أن يقتبسوا من الأمم المفتوحة ألفاظا يدخلونها في لغتهم، ~~وكانت اللغة الفارسية أقرب منبع يستمدون منه ما يحتاجون إليه، فأخذوا ~~منهم الكوز والجرة والإبريق والطست والخوان والطبق والقصعة ~~والخز والديباج والسندس والياقوت والفيروز والبلور والكعك والفالوذج ~~واللوزينج والفلفل والزنجبيل والقرفة والنرجس والنسرين والسوسن والعنبر ~~والكافور والصندل والقرنفل والبستان والأرجوان والقرمز والسراويل ~~والإستبرق والتنور والجوز واللوز والدولاب والميزان والزئبق والباشق ms108 ~~والجاموس والطيلسان والمغنطيس والمارستان والصك وصنجة الميزان ~~والصولجان والكوسج ونوافج المسك والفرسخ والبند - وهو العلم الكبير - ~~والزمرد والآجر والجوهر والسكر والطنبور # 6 ~~... إلخ، ونظرة عامة إلى هذه الأسماء تريك أن العرب اضطروا ~~إلى أخذ كلمات فارسية في كل مرفق من مرافق الحياة، ولا بد أن يكونوا قد ~~أخذوا منهم تراكيب للجمل جديدة ومعاني جديدة وخيالا جديدا، ولكن من ~~العسير تعيين ما أخذوه من هذا النوع بالدقة؛ لأن المعاني والخيال وما ~~إليهما مما يسرق وقل أن يضبط، ولم تسجل أمة معانيها ~~وخيالاتها كما تسجل ألفاظها. ~~(الثالث): # الحكم: كان للفرس أثر كبير في الأخلاق الإسلامية والآداب من ناحية ~~حكمهم، ذلك أن الأخلاق الإسلامية تأثرت بثلاثة مؤثرات: أولها - ~~التعاليم الدينية كالتي وردت في القرآن: # يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع ~~الصادقين ~~، # اعدلوا هو ~~أقرب للتقوى ~~، # لا ~~تظلمون ولا تظلمون ~~، # يا ~~أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ~~، إلى ~~كثير من أمثال ذلك، وكالتي وردت في الأحاديث: «أحب لأخيك كما ~~تحب لنفسك»، وكما روي من تعاليم الديانات السابقة كالتوراة ~~والإنجيل وأمثال سليمان ونحو ذلك، ثانيها - فلسفة اليونان، وذلك بما ~~نقل منها في العصر العباسي، ومن الأمثلة على ذلك ما تقرؤه في كتاب ابن ~~مسكويه من شرح نظرية أرسطو في أن كل فضيلة وسط بين رذيلتين، ومن نظرية ~~أفلاطون في أسس الفضائل الأربعة، وهي: الحكمة والعفة والشجاعة والعدل، ~~ونحو ذلك، ثالثها - وهو الذي يهمنا هنا - نوع من الحكم والجمل القصيرة ~~تصاغ صوغ الأمثال، أو حكايات تنقل فيها أخبار الملوك ووزرائهم ووعاظهم ~~والحكماء في زمنهم، وما جرى على ألسنتهم، وهذا النوع غمر كتب الأدب، ~~وتأثرت به الأخلاق في الإسلام أكثر من تأثرها بالفلسفة اليونانية؛ ذلك ~~لأنه أقرب إلى العقل العربي؛ فقد أبنت لك قبل أن العقل العربي لا يميل ~~كثيرا إلى البحث المنظم المفصل، ويفضل أن تركز تجارب السنين الطويلة ~~في الكلمات القصيرة، وتؤلف من ذلك جمل، كل جملة في معنى خاص، فكلمة في ~~الشجاعة، وكلمة في الكرم، وثالثة في الوفاء، فأما أما تذكر الشجاعة ~~وتفصل ms109 وينظر إليها من جميع نواحيها وفي الأسباب الباعثة عليها ونحو ~~ذلك، فهذا بعيد عن الذوق العربي والعقل العربي وهو بالعقل اليوناني ~~أشبه، ومن أجل هذا لما عثر العربي على هذا النوع من الحكم أعجب به ~~ونقله وأضافه إلى ما كان له في الجاهلية، وكان للفرس في ذلك الشيء ~~الكثير، إما مبتكر من عند أنفسهم، أو منقول من الهند عن طريقهم؛ وأوضح ~~مثل لذلك الأدب الصغير والأدب الكبير لابن المقفع الفارسي، هذا في ~~العصر العباسي، وقبله في العصر الأموي كانت هذه الحكم تنقل ويتداولها ~~العلماء، ويتأدب بها الناس، كما ترى في كثير من كلمات الحسن البصري ~~الفارسي، وتجد كثيرا منها في كتاب عيون الأخبار لابن قتيبة، وسراج ~~الملوك للطرطوشي، والتاج والعقد الفريد. # ومما يلاحظ هنا أن الذوق العربي في هذا النوع من الحكم يشبه مشابهة ~~تامة الذوق الفارسي؛ فالحكم التي تنسب لأكثم بن صيفي في الجاهلية ~~والإمام علي في الإسلام، والتي تنسب لسادات العرب كالأحنف بن قيس، ~~وروح بن زنباع، تشبه في قوالبها وصيغها واتجاه النظر فيها ما يروى في ~~كتب الأدب عن بزرجمهر، وإبرويز، وموبذ موبذان ونحوهم، حتى ~~لقد عقد ابن عبد ربه فصلا في كتابه العقد الفريد تحت عنوان: «أمثال ~~أكثم بن صيفي وبزرجمهر»، ولم يبين ما لكل منهما، فكان من الصعب التمييز ~~في أكثرها بين ما هو لأكثم وما هو لبزرجمهر # 7 ~~. # والآن أقص عليك نموذجا صغيرا من هذه الحكم الفارسية: ~~(1) # قال بزرجمهر: «إذا اشتبه عليك أمران، فلم تدر في أيهما ~~الصواب فانظر أقربهما إلى هواك فاجتنبه». ~~(2) # كتب إبرويز إلى ابنه شيرويه: «اجعل عقوبتك على اليسير من ~~الخيانة كعقوبتك على الكثير منها، فإذا لم يطمع منك في ~~الصغير لم يجترأ عليك في الكبير، وأبرد البريد في ~~الدرهم ينقص من الخراج، ولا تعاقبن على شيء كعقوبتك على ~~كسره، ولا ترزقن على شيء كرزقك على إزجائه، واجعل ~~أعظم رزقك فيه، وأحسن ثوابك عليه، حقن دم المزجي ~~وتوفير ماله، من غير أن يعلم أنك أحمدت أمره حين عف ~~واعتصم من أن ms110 يهلك». ~~(3) # قال كسرى ليوشت المغني وقد قتل فهلوذ: «في رواية ~~الأغاني فهليذ» حين فاقه وكان تلميذه: «كنت أستريح منه ~~إليك ومنك إليه، فأذهب شطر تمتعي حسدك، ونغل صدرك»، ~~ثم أمر أن يلقى تحت أرجل الفيلة، فقال: «أيها الملك إذا ~~قتلت أنا شطر طربك وأبطلته، وقتلت أنت شطره الآخر ~~وأبطلته، أليست تكون جنايتك على طربك كجنايتي عليه؟»، قال ~~كسرى: «دعوه! ما دله على هذا الكلام إلا ما جعل له من ~~طول المدة». ~~(4) # قال كسرى: «احذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا ~~شبع». ~~(5) # قال أردشير بن بابك: إن للآذان مجة، وللقلوب مللا، ~~ففرقوا بين الحكمتين. ~~(6) ~~«في سير العجم: أن رجلا وشى برجل إلى الإسكندر، فقال: ~~أتحب أن نقبل منه عليك ومنك عليه؟ قال: لا، قال: فكف ~~الشر يكف عنك الشر». # إلى كثير من أمثال ذلك شحنت بها كتب الأدب. ~~(الرابع): # هناك أمر آخر فارسي، كان له أثر كبير في حياة الأدب العربي، ذلك هو ~~الغناء؛ فالظاهر أن العرب أخذوا كثيرا من النغمات الفارسية، ووقعوا ~~عليها شعرهم العربي، قال أبو الفرج في كتابه الأغاني: «إن الغناء ~~العربي لم يكن يعرف في زمان عمر بن الخطاب، إلا ما كانت العرب تستعمله ~~من النصب والحداء، وذلك جار مجرى الإنشاد، إلا أنه يقع بتطريب ~~وترجيع يسير ورفع للصوت» # 8 ~~. # وقال: «سعيد بن مسجح ... مولى بني جمح ... مكي أسود مغن ~~متقدم، من فحول المغنين وأكابرهم، وأول من صنع الغناء منهم، ونقل غناء ~~الفرس إلى غناء العرب، ثم رحل إلى الشام، وأخذ ألحان الروم والبربطية ~~والأسطوخوسية، وانقلب إلى فارس، فأخذ بها غناء كثيرا وتعلم الضرب، ثم ~~قدم إلى الحجاز، وقد أخذ محاسن تلك النغم، وألقى منه ما استقبحه من ~~النبرات والنغم التي هي موجودة في نغم غناء الفرس والروم، خارجة عن ~~غناء العرب، وغنى على هذا المذهب، فكان أول من أثبت ذلك، ولحنه ~~وتبعه الناس بعده». # وحكى رواية أخرى وهي: «أن مسجع مر بالفرس وهم يبنون المسجد الحرام ~~فسمع غناءهم بالفارسية فقلبه إلى شعر عربي: # ألمم على طلل ms111 عفا متقادم ... الأبيات». # وحكى «أن مولى ابن مسجح سمعه يتغنى، فسأله: أنى لك هذا؟ قال: ~~سمعت هذه الأعاجم تتغنى بالفارسية فثقفتها وقلبتها في هذا الشعر، قال ~~له: فأنت حر لوجه الله، فلزم مولاه وكثر أدبه، واتسع في غنائه ومهر ~~بمكة». # وفي رواية ثالثة عن صفوان الجمحي عن أبيه قال: «أول من نقل ~~الغناء الفارسي إلى الغناء العربي سعيد بن مسجح مولى بني مخزوم، وذلك ~~أن معاوية بن أبي سفيان لما بنى دوره ... جعل لها بنائين فرسا من ~~العراق، فكانوا يبنونها بالجص والآجر، وكان سعيد بن مسجح يأتيهم ~~فيسمع من غنائهم على بنيانهم، فما استحسن من ألحانهم أخذه ونقله إلى ~~الشعر العربي، ثم صاغ على نحو ذلك» # 9 ~~. # وذكر في موضع آخر: «أن ابن محرز كان أبوه من سدنة الكعبة، أصله ~~من الفرس، وكان أصفر أجنأ طويلا، وكان يسكن المدينة مرة ومكة مرة، ~~فإذا أتى المدينة أقام بها ثلاثة أشهر يتعلم الضرب من عزة ~~الميلاء، ثم يرجع إلى مكة فيقيم بها ثلاثة أشهر، ثم يشخص إلى فارس ~~فيتعلم ألحان الفرس، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، ~~فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ~~ببعض، وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم ~~يسمع بمثله، كان يقال له: صناج العرب، وهو أول من غنى بزوج من ~~الشعر، وعمل ذلك بعده المغنون اقتداء به، وكان يقول: الأفراد لا تتم ~~بها الألحان، وذكر أنه أول ما أخذ الغناء أخذه عن ابن مسجح» # 10 ~~. # وقال ابن خرداذبه: «كان عبد الله بن عامر اشترى إماء نائحات، ~~وأتى بهن إلى المدينة، فكان لهن يوم في الجمعة يلعبن فيه، وسمع الناس ~~منهن؛ ثم قدم رجل فارسي يعرف بنشيط فغنى، فأعجب عبد الله بن جعفر ~~به، فقال له: «سائب خاثر» وهو مولى أيضا من فيء كسرى: أنا أصنع لك ~~مثل غناء هذا الفارسي، وقد صنع «لمن الديار رسومها قفر»، ~~قال ابن الكلبي: «وهو أول صوت غني في ms112 الإسلام من الغناء العربي» # 11 ~~. # ترى من هذا كيف كان للفرس أثر كبير في النغمات العربية وفي التوقيع، ~~وليس هذا يهمنا كثيرا الآن؛ لأنه ألصق بالفن، ولكن الذي يهمنا فوق هذا ~~أن العرب نقلوا أيضا عن الفرس صورة مجالس الغناء والاجتماع لسماعه، ~~فكانت - عدا أنها مجالس للغناء - مجالس للأدب يصفى لها الشعر ويرقق ~~حتى يتفق والذوق الموسيقي: أضف إلى هذا ما كانت تستتبعه هذه المجالس من ~~محاضرات أدبية، وقصص جميل، وفكاهات رائقة وتنادر ممتع، وتسابق بين ~~الشعراء والأدباء للظهور فيها، ونيل الحظوة، وناهيك بما كان لهذه ~~المنتديات الأدبية من فضل على الأدب، ومباراة في تهذيبه ~~وتجديده. # ودليلنا على نقل هذه المجالس عن الفرس ومحاكاة العرب لهم ما ذكره ~~صاحب التاج (أخلاق الملوك) من حديث طويل نقتصر منه على ما يهمنا؛ فقد ~~عقد بابا سماه باب المنادمة قال فيه: ولنبدأ بملوك الأعاجم إذ كانوا ~~هم الأول في ذلك، وعنهم أخذنا قوانين الملك والمملكة، وترتيب الخاصة ~~والعامة، وسياسة الرعية وإلزام كل طبقة حظها، والاقتصار على جديلتها ~~(شاكلتها). ثم ذكر ما كان يفعله ملوك العجم مع الندماء من تقسيمهم إلى ~~طبقات ومراتب، ومجلس كل طبقة من هؤلاء، وقال: «وكانت ملوك الأعاجم من ~~لدن أردشير بن بابك إلى يزدجرد تحتجب عن الندماء بستارة، فكان ~~يكون بينه وبين أول الطبقات عشرون ذراعا؛ لأن الستار من الملك على ~~عشرة أذرع، والستار من الطبقة الأولى على عشرة أذرع، وكان يأتيهم الأمر ~~من الملك بما يفعلون وما يغنون»، ثم قال: «قلت لإسحاق بن إبراهيم: هل ~~كانت الخلفاء من بني أمية تظهر للندماء والمغنين؟ قال: أما معاوية، ~~ومروان، وعبد الملك، وسليمان، وهشام، ومروان بن محمد فكان بينهم وبين ~~الندماء ستارة، وكان لا يظهر أحد من الندماء على ما يفعله الخليفة إذ ~~طرب للمغني والتذه، حتى ينقلب ويمشي ويحرك كتفيه ويرقص ويتجرد حيث لا ~~يراه إلا خواص جواريه، إلا أنه كان إذا ارتفع من خلف الستارة صوت أو ~~نعير طرب أو رقص أو حركة بزفير تجاوز المقدار، قال صاحب الستارة: ms113 ~~حسبك يا جارية، كفي، انتهي، أقصري، يوهم الندماء أن الفاعل لذلك ~~بعض الجواري، فأما الباقون من خلفاء بني أمية فلم يكونوا يتحاشون أن ~~يرقصوا ويتجردوا ويحضروا عراة بحضرة الندماء والمغنين» # 12 # وقد ذكر بعد مجالس الخلفاء العباسيين مما ليس من ~~موضوعنا: # إذا كان للخلفاء مجالس للغناء واللهو، وثبت أن هذه المجالس أخذت عن ~~الفرس، وأنت إذا قرأت في كتاب الأغاني رأيت الولاة وعظماء الدولة كانت ~~لهم كذلك مجالس هي صورة مصغرة لمجالس الخلفاء، بل تفوقها في حرية ~~القائلين والمغنين والسامعين، وإطلاق كل منهم القول على سجيته، وأترك ~~لك تقدير ما لهذا من تأثير في الأدب والفن. ~~(الخامس): # يظهر لنا أنه في أواخر عهد الدولة الأموية حول الفرس الكتابة ~~العربية إلى نمط آخر لم يكن يعرفه العرب، وهو نوع الكتابة التي اشتهر ~~بها عبد الحميد الكاتب ومدرسته؛ فقد كان عبد الحميد كاتب مروان بن محمد ~~آخر ملوك بني أمية، ويقول صاحب العقد: «إنه كتب لعبد الملك بن مروان ~~وليزيد، ثم لم يزل كاتبا لخلفاء بني أمية حتى انقضت دولتهم»، ويقول ~~ابن خلكان: «إنه كان في الكتابة وفي كل فن من العلم والأدب إماما ... ~~وعنه أخذ المترسلون، ولطريقته لزموا، ولآثاره اقتفوا ... وهو أول من أطال ~~الرسائل واستعمل التحميدات في فصول الكتب، فاستعمل الناس ذلك بعده» # 13 # وقال الشريشي في شرح المقامات: «إنه أول من فتق أكمام ~~البلاغة وأسهل طرقها، وفك رقاب الشعر» ووصيته للكتاب - إن صحت - ~~تدلنا على أنه كان الآخذ بزمامهم والراسم لهم طريقهم. # ودليلنا على أن منحاه في الكتابة ذو صبغة فارسية ما حكاه ابن خلكان ~~من «أن عبد الحميد من الموالي وأصله من الأنبار» # 14 # وحكي أيضا «أنه أخذ الكتاب عن سالم مولى هشام بن عبد ~~الملك»، وأصرح من هذا في الدلالة ما حكاه أبو هلال العسكري في كتابه ~~«ديوان المعاني» قال: «فمن تعلم البلاغة بلغة من اللغات ثم انتقل إلى ~~لغة أخرى أمكنه فيها من صنعة الكلام ما أمكنه في الأولى؛ وكان عبد ~~الحميد الكاتب استخرج أمثلة الكتابة ms114 التي رسمها من اللسان الفارسي، ~~فحولها إلى اللسان العربي؛ ويدلك على هذا أيضا أن تراجم خطب الفرس ~~ورسائلهم هي على نمط خطب العرب ورسائلها، وللفرس أمثال مثل أمثال العرب ~~معنى وصنعة، وربما كان اللفظ الفارسي في بعضها أفصح من اللفظ العربي» # 15 # ثم ذكر أمثالا بنصها الفارسي وما يقابلها في اللغة ~~العربية وفاضل بينها. # فلعلك تقر معي في هذا أن الأدب الفارسي صبغ الأدب العربي صبغة جديدة، ~~وربما كان أدق من ذلك أن تقول إنهما «تفاعلا». # هذا مختصر النواحي التي كان لها أثر للفرس في حياة العرب الأدبية، أما أثرهم في تدوين ~~العلوم، ومن نبغ منهم من علماء في الفروع المختلفة، فسنعرض له في موضع آخر. # | مصادر هذا الباب # اعتمدنا في الفصل الأول - عدا ما ذكرنا من الكتب العربية أثناء البحث ~~على: ~~(1) # Browne, A Literary History of Persia ~~. ~~(2) # Sykes, A History of Persia ~~. ~~(3) # Levy, Bersian Literature ~~(4) # Iqbal, The Development of Metophysics in Persia ~~. ~~(5) # دائرة المعارف البريطانية في مادة # Zoroaster # و«ماني» و«مزدك». ~~(6) # Every man, Encyclopaedia. ~~. # وفي الفصل الثاني اعتمدنا على ما ذكر من الكتب العربية أثناء البحث. # الجزء الرابع # | التأثير اليوناني - الروماني # الفصل العاشر # | النصرانية # فتح المسلمون البلاد وهي مملوءة بالنصارى في مصر وبلاد المغرب والأندلس والشام، وكانت ~~النصرانية عند الفتح منقسمة إلى جملة طوائف، أشهرها في الشرق ثلاثة: اليعاقبة، وكانت ~~منتشرة في مصر والنوبة والحبشة، والنساطرة # 1 ~~: وكانت منتشرة في الموصل والعراق وفارس. والملكانية: وكانت منتشرة في بلاد ~~المغرب وصقلية والأندلس والشام، وكان بين هذه المذاهب جدال في العقائد الدينية؛ ~~فاليعاقبة كانوا يرون أن المسيح هو الله، وأن الله والإنسان اتحدا في طبيعة واحدة هي ~~المسيح؛ والملكانية والنساطرة قالوا: إن للمسيح طبيعتين متميزتين: الطبيعة اللاهوتية ~~والطبيعة الناسوتية، وإن اختلفت الطائفتان فيما عدا ذلك من التفاصيل، وقد استمر الخلاف ~~بين هذه الفرق في: هل اللاهوتية وما للناسوتية من إرادة وفعل متحدتان في المسيح، أو ~~مختلفتان؟ قالت اليعاقبة بالأولى، وقالت النساطرة: إن للمسيح ناسوتية لها إرادة، ولها ~~فعل يختلف كل الاختلاف عن ms115 العنصر اللاهوتي # 2 ~~، واختلفوا في تصوير اتحاد اللاهوت بالناسوت، فقال اليعاقبة: كاتحاد الماء ~~يلقى في الخمر فيصيران شيئا واحدا، وقالت النسطورية: كاتحاد الماء يلقى في الزيت، ~~فكل واحد منهما باق بحسبه، وقالت الملكانية: كاتحاد النار في الصفيحة المحماة # 3 ~~. # وقد سقنا هذا لنبين أن الفرق النصرانية المنتشرة في البلاد التي فتحها المسلمون كانت ~~مختلفة، وكانت تتجادل في العقيدة في الله جدالا شديدا، والقرآن نفسه حكى شيئا عن بعض ~~أقوال هذه الفرق ورد عليها، فقال: # لقد كفر الذين ~~قالوا إن الله ثالث ثلاثة ~~، وقال يخاطب عيسى: # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من ~~دون الله قال سبحانك ~~. # ولم يقتصر النزاع بين النصارى على العقيدة في الله، بل اختلفوا في مسائل أخرى كثيرة: ~~هل ينزل المسيح قبل يوم القيامة أو لا ينزل؟ وهل الحشر يكون للأرواح والأبدان أو ~~للأرواح فقط؟ وهل صفات الله زائدة عن ذات الله، أو هي هي؟ ومن النسطورية من كان يقول ~~بالقدر خيره وشره؛ إلى غير ذلك من أقوال تسرب منها إلى المسلمين كثير وأثار بينهم ~~الجدل، وحق قول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة»، وسترى أثر ~~ذلك واضحا في الفرق الإسلامية. # وقد لجأت النصرانية إلى الفلسفة اليونانية لتستعين بها على الجدل، ولتؤيد تعاليمها ~~وعقائدها أمام الوثنيين - أولا - ثم أمام المسلمين أخيرا، فكان كثير من رجال الدين ~~فلاسفة كالأب أوغسطينوس (354-430م)، وكانت الإسكندرية هي المركز الجغرافي لمزج الدين ~~بالفلسفة ، فبعد أن كانت مدينة المتحف، والمدينة المعروف عن أهلها النقد وسعة الاطلاع، ~~أصبحت مجمع المذاهب الفلسفية والطوائف الدينية، فسهل الاتصال والامتزاج، والتقى على ~~ضفاف النيل رجال مختلفة آراؤهم، متباينة مذاهبهم، تبادلوا فيها الآراء كما كانت ~~تتبادل السلع، فاتسعت دائرة الفكر، وقورن بين الآراء المختلفة، وكان من نتيجة ذلك ~~ظهور روح جديد أسس على مبدأين متناقضين ممتزجين أحدهما الشك والنقد، والثاني سرعة ~~التصديق، تقابلت في الإسكندرية آراء الشرقيين والغربيين «اليونان» فامتزج روح اليونان ~~بروح المشارقة، فأنتجا عقائد ونظما دينية متأثرة بأمل الأولين وإلهام ms116 الآخرين، بما ~~لليونان من علم، وما للمشارقة من أساطير، جاء الروح اليوناني بما له من ذكاء ودقة وقدرة ~~على الشرح المبين، فأصابته شرارة من الشرق أشعلته وأحيته، كذلك أخرج الروح الشرقي - ~~الذي من خصائصه الطموح إلى ما وراء عالم الشهادة - نظاما ملتئما ونظريات مرتبة لم يكن ~~ليخرجها لولا مساعدة العلم اليوناني له، فإنه رتب مأثور الشرقيين وحل من عقد لسانهم، ~~فاستخرجوا العقائد الدينية والنظم الفلسفية التي بلغت الذروة في مذاهب الغنوسطية ~~والأفلاطونية الحديثة، ويهودية فيلون، ومذهب الإشراك الذي وضعه يوليان الصابي، إن ~~الشرقي بما له من ميل إلى الغرب وخوارق العادات، وما في طبيعته من تصوف وتدين، ~~واليوناني بما له من فحص دقيق وبحث عميق، وإن شئت فقل: إن ما للأول من شعور، وما للثاني ~~من تحليل منطقي امتزجا، ونتج منهما فكر خاص انتشر في الإسكندرية في القرون الأولى ~~للميلاد، وقد صبغ ذلك الفكر بصبغتين مختلفين: صبغة الكماليين والصوفيين، وصبغة أهل ~~البحث العلمي، ولذا امتاز هذا العصر بميل الفلسفة إلى الدين، وميل الدين إلى الفلسفة # 4 ~~. # الفصل الحادي عشر # | الفلسفة اليونانية # في العصور الأولى للمسيح ظهر في الإسكندرية المذهب المعروف «بالأفلاطونية الحديثة»، ~~وكان لهذا المذهب أثر كبير في فلاسفة المسلمين وعلماء الكلام وخاصة المعتزلة ~~والصوفية. # مؤسس هذه المذهب «أمنيوس سكاس» كان أول أمره حمالا، ثم صار معلم فلسفة في ~~الإسكندرية، وقد ولد من أبوين نصرانين، ولكنه صبأ إلى الدين اليوناني القديم، وهو أول ~~المعلمين الإسكندريين الذين حاولوا التوفيق بين تعاليم أفلاطون وأرسطو، ولم يؤثر عنه ~~أي كتاب، ولذلك كانت معلوماتنا عن تعاليمه قليلة، ومات سنة 242 م، ويعد تلميذه ~~«أفلوطين» منظم هذا المذهب وأكبر مؤيديه والمدافعين عنه، بل ربما عد هو مؤسسه، وقد ~~ولد سنة 205م في ليكوبوليس # Licopolis ~~(أسيوط) وتعلم في ~~الإسكندرية ولازم أمنيوس نحو إحدى عشرة سنة، وقد التحق بحملة سارت لغزو فارس، لتعرف ~~علوم الفرس والهنود، وسافر إلى رومة سنة 245 م، وأسس بها مدرسة للفلسفة ومات سنة 270 م، ~~والعرب لم تعرف كثيرا عن أفلوطين هذا، ms117 ولكن تعرف مدرسته وتطلق عليها «مذهب ~~الإسكندرانيين»، ويطلق عليه الشهرستاني «الشيخ اليوناني»، وقد نقل إليهم كثير من فلسفته ~~معزوة خطأ إلى غيره، وقد ألف أفلوطين كتبا كثيرة حفظت عنه، ويطلق عليها اسم ~~(التاسوعات) «إنيد # Enneads ~~»؛ وتفرع مذهبه إلى فروع ~~كثيرة، فكان منه فرع في الإسكندرية، وفرع في الشام، وفرع في أثينا، وله آراء في الطبيعة ~~لا تهمنا الآن، وله آراء في الإلهيات نذكر طرفا منها: # يقول: إن هذا العالم كثير الظواهر، دائم التغير، وهو لم يوجد بنفسه، بل لا بد لوجوده ~~من علة سابقة عليه هي السبب في وجوده، وهذا الذي صدر عنه العالم واحد غير متعدد، لا ~~تدركه العقول ولا تصل إلى كنهه الأفكار، لا يحده حد، وهو أزلي أبدي قائم بنفسه، فوق ~~المادة وفوق الروح وفوق العالم الروحاني، خلق الخلق ولم يحل فيما خلق، بل ظل قائما ~~بنفسه مسيطرا على خلقه، ليس ذاتا، وليس صفة، هو الإرادة المطلقة، لا يخرج شيء عن ~~إرادته، هو علة العلل ولا علة له، وهو في كل مكان ولا مكان له. # كيف نشأ عنه العالم؟ وكيف صدر هذا العالم المركب المتغير من البسيط الذي لا يلحقه ~~تغير؟ كان هذا العالم غير موجود ثم وجد، فهل يمكن أن يصدر عن الخالق ذلك من غير أن ~~يحصل تغير في ذاته؟ كيف يصدر هذا العالم الفاني من الله غير الفاني؟ هل صدر هذا العالم ~~من الصانع عن روية وتفكير أو من غير روية؟ ولم وجد الشر في العالم؟ ما النفس وأين ~~كانت قبل حلولها بالبدن وأين تكون بعد فراقه؟ # هذه المسائل وأشباهها كانت من أهم المسائل التي شغلت أفلوطين ومدرسته، وثار حولها ~~الجدل وذهبوا فيها مذاهب يخرج بنا شرحها عما رسمنا، وإنما أشرنا إليها لنبين فيم كان ~~هذا العالم العلمي يبحث، ولنستطيع بعد أن نعرف أثرهم. # وكان هذا المذهب الإسكندري في أول أمره يميل إلى البحث والتفكير العقلي المحض، ثم أخذ ~~يناصر الوثنية اليونانية، ويقاوم النصرانية، ثم انحدر إلى أن اقتصر على الشغف بالاطلاع ~~على المغيبات، ms118 وخوارق العادات، والاعتداد بالسحر، والتصرف بالأسماء والطلاسم، والكهانة ~~والتنجيم والدعوات والعزائم، ونحو ذلك. # ولما انتصرت النصرانية وجاء «جوستنيان» أغلق مدارس الفلسفة في أثينا، واضطهد ~~الفلاسفة، فمنهم من فر (ومن هؤلاء سبعة سافروا إلى فارس فاستقبلهم كسرى أنوشروان، ~~واحتفى بهم وأنزلهم منزلا كريما، وجعل من شروط الصلح مع حوستنيان أن يعنى بهم، وكان ~~هؤلاء السبعة من فلاسفة الأفلاطونية الحديثة)؛ ومنهم من تنصر، وبعض المتنصرين أخرجوا ~~كتبا في الأفلاطونية الحديثة مصبوغة بالصبغة النصرانية، ككتاب ديونيسوس، ألفه ~~أفلاطوني مجهول - في منتصف القرن السادس للمسيح - باسم ديونيسوس، ادعى أنه من تلاميذ ~~بولس الحواري، وقد شرح أسرار الربوبية ودرجات عالم الملكوت والكنيسة السماوية على ~~المذهب الأفلاطوني، فصار من ذلك الوقت عمدة للنصارى في ذلك # 1 ~~، ثم دخل هذا المذهب في الإسلام عن طريق فريق من المعتزلة والحكماء ~~والصوفية، ومنهم أخذت جل أفكارهم جماعة «إخوان الصفا» وغيرهم. # السريانيون: قام السريانيون بنشر الفلسفة اليونانية - وخاصة مذهب الأفلاطونية الحديثة ~~- في العراق وما حوله، وأخذوا ينقلون الكتب اليونانية إلى لغتهم السريانية، وهي إحدى ~~اللغات الآرامية - انتشرت فيما بين النهرين والبلاد المجاورة لها - وكان من أهم مراكزها ~~الرها ~~(Edessa) # ونصيبين، وفوق هذا كانت هي لغة ~~الأدب والعلم لجميع كتاب النصرانية في أنطاكية وما حولها، وللنصارى الخاضعين لدولة ~~الفرس، وأنشئت في هذه الأصقاع مدارس دينية متعددة كانت تعلم فيها اللغة السريانية ~~واليونانية جميعا في الرها وفي نصيبين وفي جنديسابور. # بل كانت اللغة السريانية أيضا لغة الوثنية وآدابها؛ وأشهر مراكز الوثنية السريانية ~~مدينة حران (في جنوبي الرها)، وقد ظلت هذه المدينة مركزا للديانة الوثنية ~~والثقافة اليونانية إلى ما بعد الإسلام؛ فكانوا بعد الفتح الإسلامي يدرسون الرياضة ~~والفلك والفلسفة على المذهب الأفلاطوني، وهم الذين تسموا - بعد ذلك - في عصر المأمون ~~وبعده بالصابئين؛ وكان منهم كثيرون من المؤلفين، ومن تولوا الترجمة بعد. ~~••• # وقد عاشت الآداب السريانية من القرن الثالث الميلادي إلى القرن الرابع عشر؛ ولكن ~~حياتها بعد الفتح الإسلامي كانت حياة ضعيفة لغزو اللغة العربية لها وغلبتها. # وبقي لنا من الأدب السرياني مجموعة في ms119 مختلف أنواع الكتابة، ولكن الذي بقي منها إنما ~~هو من المدرسة النصرانية لا الوثنية؛ فهناك كتب في الصلوات والأدعية الدينية والأقاصيص ~~التاريخية، والتاريخ العام، والفلسفة، والعلوم، وكلها مصبوغ بالصبغة الدينية؛ لأن أكثر ~~الكتاب كانوا قسيسين ورهبانا، وهناك قليل من الآثار الأدبية نظما ونثرا. # وخدم السريانيون العلم والفلسفة بما ترجموا أكثر مما ألفوا، فلم يبتكروا ~~كثيرا. # وحفظت اللغة السريانية بعض الكتب اليونانية التي فقد أصلها، وكانت ترجمتهم لكتب ~~الفلسفة اليونانية هي الأساس الذي اعتمد عليه العرب والمسلمون أول أمرهم، وقد كانت ~~الترجمة السريانية في عهدها الأول ترجمة حرفية تقريبا، ثم تحرر الكتاب المتأخرون من ~~حرفية الترجمة. # وكان هؤلاء السريانيون ينقلون العلوم اليونانية بدقة وأمانة فيما لم يمس الدين، ~~كالمنطق والطبيعة والطب والرياضة، أما الإلهيات ونحوها فكانت تعدل بما يتفق ~~والمسيحية، حتى لقد حولوا أفلاطون في كتابتهم إلى راهب شرقي، فقالوا: إنه بنى لنفسه ~~معبدا في برية بعيدا عن الناس، وظل يتعبد فيه سنين؛ وهذه هي الطريقة التي سلكها ~~المسلمون بعد، فقد أغفلوا من الإلهيات كثيرا مما يخالف تعاليم الإسلام، ولم يقتصر ~~السريانيون على الترجمة من اليونان، بل ترجموا كذلك من الفهلوية فترجموا منها تاريخ ~~الإسكندر، نقله الفرس عن اليونانية، ثم نقله السريانيون من الفهلوية وكذلك ترجموا كليلة ~~ودمنة إلى السريانية في القرن السادس الميلادي، وقصة السندباد في القرن الثامن. # ومن أشهر رجال الدين والأدب من السريانيين الذين يعرفهم المسلمون بارديصان أو ابن ~~ديصان # Bardaisan ~~(مات سنة 222م)، وديصان اسم نهر نسب ~~إليه، وله مذهب ديني مزج فيه الثنوية بالنصرانية كما فعل ماني، وكان ينكر بعث ~~الأجسام، ويقول: إن جسد المسيح لم يكن جسما حقيقيا بل صورة شبهت للناس أرسلها الله ~~تعالى. وله تعاليم كثيرة بقيت بعد ظهور الإسلام، ومنها استمد الرافضة بعض أقوالهم، ~~وانتسب إليه بعضهم كأبي شاكر الديصاني وأخذ علماء الكلام في الرد عليهم، وهم يكتبون عن ~~أتباعه تحت اسم «الديصانية»، # ومن أشهرهم أيضا سرجيس الرسعني من مدينة «رأس عين»، وقد مات سنة 536 م، وهو ~~من أشهر المتأدبين بالآداب ms120 اليونانية وترجم منها إلى السريانية كتبا كثيرة بعضها محفوظ ~~إلى عهدنا في المتحف البريطاني، منها رسائل لأرسطو ولفورفوريوس ولجالينوس، وألف ~~رسالة في المنطق ليست كاملة تبحث في المقولات العشر، والإيجاب والسلب، والجنس ~~والفصل ... إلخ، وألف رسالة أخرى في تأثير القمر وفي حركة الشمس، وقد انتشرت كتبه بين ~~اليعاقبة والنساطرة وعدوه عمدتهم في المنطق والطب. # وألف غير سرجيس كثيرون - في هذا العصر - في النفس والقضاء والقدر والنحو، وفي أن ~~الإنسان عالم صغير وفي تركب الإنسان من جسم وروح ... إلخ. # ولما فتح المسلمون هذه البلاد في القرن السابع الميلادي أسلم بعض السريانيين، وظل ~~بعضهم محافظا على دينه يدفع الجزية، ولكن الآداب السريانية على الجملة أخذت في الضعف، ~~ومع ذلك فقد نبغ كثير منهم في العصر الأموي والعباسي، وظلت المدارس السرياينة مفتوحة في ~~عهد الدولة الأموية كما كانت، ولم يكن الخلفاء والأمراء يتدخلون في شئونهم إلا عندما ~~يحتدم النزاع الديني بينهم فيلجأ بعضهم إلى الولاة يستنصرهم. # واشتهر من هؤلاء في العصر الأموي يعقوب الرهاوي (640-708م تقريبا) وقد ترجم ~~كثيرا من كتاب الإلهيات اليونانية، وليعقوب هذا أثر كبير الدلالة، فقد أثر عنه أنه ~~أفتى رجال الدين من النصارى بأنه يحل لهم أن يعلموا أولاد المسلمين التعليم الراقي، ~~وهذه الفتوى تدل من غير شك على إقبال بعض المسلمين في ذلك العصر على دراسة الفلسفة ~~عليهم، وتردد النصارى أولا في تعليمهم. # ولما جاء دور نقل الفلسفة والعلوم إلى العربية في العهد العباسي، كان لهؤلاء ~~السريانيين الفضل الأكبر في الترجمة، أمثال حنين بن إسحاق، وابنه إسحاق، وابن أخته ~~حبيش، مما نعرض إليه في موضعه إن شاء الله. # الآن نستطيع أن نفهم أن الثقافة اليونانية كانت منتشرة في العراق والشام والإسكندرية، ~~وأن المدارس انتشرت فيها على يد السريانيين، وأن هذه المدارس وهذه التعاليم أصبحت تحت ~~حكم المسلمين، وامتزج هؤلاء المحكومون بالحاكمين على الشرح الذي شرحته، فكان من نتائج ~~هذا أن تشعت هذه التعاليم في الملكة الإسلامية، وتزاوجت العقول المختلفة، كما ~~تزاوجت الأجناس المختلفة، فنتج من هذا التزاوج الثقافة ms121 العربية أو الإسلامية، ونتجت ~~المذاهب الدينية والفلسفة الإسلامية والحركات العلمية والفنون الأدبية. # والعرب أنفسهم اتصلوا بهذه الثقافات من قديم؛ فالقفطي في كتابه «أخبار الحكماء» ~~يحدثنا «أن الحارث بن كلدة كان من ثقيف من أهل الطائف، رحل إلى أرض فارس، وأخذ الطب ~~عن أهل تلك الديار من أهل جنديسابور وغيرها في الجاهلية قبل الإسلام، وجاد في هذه ~~الصناعة، وطب بأرض فارس، وعالج، وشهد أهل بلد فارس - ممن رآه - بعلمه، واشتهر طبه بين ~~العرب، وكان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يأمر من كانت به علة أن يأتيه فيسأله عن علته، ~~وسمية مولاته هي أم زياد بن أبيه». # وابن أبي أصيبعة يقول في كتابه «طبقات الأطباء»: إن النضر بن الحارث بن كلدة ~~ابن خالة النبي # صلى الله عليه وسلم # سافر البلاد كأبيه واجتمع مع الأفاضل والعلماء بمكة وغيرها، ~~وعاشر الأحبار والكهنة، واشتغل وحصل من العلوم القديمة أشياء جليلة القدر، واطلع على ~~علوم الفلسفة وأجزاء الحكمة، وتعلم من أبيه أيضا ما كان يعلمه من الطب وغيره، وكان ~~النضر يؤاتي أبا سفيان في عداوة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، واعتقد النضر أنه بمعلوماته وفضائله ~~يستطيع أن يقاوم النبوة، «وأين الثريا من الثرى». # وبعد الإسلام استمر هذا الاتصال، فهم يحدثوننا أن خالد بن يزيد بن معاوية «كان من ~~أعلم قريش بفنون العلم، وله كلام في صنعة الكيمياء والطب، وكان بصيرا بهذين العلمين ~~متقنا لهما، وله رسائل دالة على معرفته وبراعته، وأخذ الصنعة عن رجل من الرهبان يقال ~~له مريانس المذكور، وصورة تعلمه منه، والرموز التي أشار إليها» # 2 # ويقول ابن النديم: «إن خالدا عني بإخراج كتب القدماء في الصنعة وكان ~~خطيبا شاعرا فصيحا حازما، وهو أول من ترجم له كتب الطب والنجوم وكتب الكيمياء، وقد ~~رأيت من كتبه كتاب الحرارات، كتاب الكبير، كتاب الصحيفة الصغير، كتاب وصيته إلى ابنه في الصنعة» # 3 # ومات خالد سنة 85ه أو 704م. # من هذا جميعه نرى أن الثقافة اليونانية - كالثقافة الفارسية - كانت مبثوثة بين ~~المسلمين في البلدان المختلفة، وكان ms122 منالها منهم قريبا، وأنهم أخذوا يستفيدون منها ~~ويتعلمونها على المثقفين بها - ولو لم يكونوا على دينهم - كما تدلنا عليه فتوى يعقوب ~~الرهاوي. # أضف إلى هذا أنه في ذلك العصر، وجد الاحتكاك الديني بين المسلمين والنصارى، فأخذوا ~~يتحادثون ويتحاجون في العقائد؛ ويدلنا على ذلك أن أحد المؤلفين - في هذا العصر - واسمه ~~يحيى الدمشقي ألف رسالة على هذا النمط: «إذا قال لك العربي كذا فأجبه بكذا». # إذا فمن الخطأ البين الفكرة الشائعة أن العرب والمسلمين جميعا كانوا بمعزل عما ~~حولهم من الثقافات والأديان إلى العصر العباسي، وأن آراءهم وآدابهم وعلومهم نبتت وحدها ~~من عقول عربية، من غير أن تغذى بغيرها؛ فقد رأينا أنهم - حتى في جاهليتهم - لم ~~يكونوا بمعزل، وأنهم كانوا بعد الإسلام أكثر اتصالا، ولا يقدح هذا في أية أمة، فالعلم ~~ملك شائع، ومرفق مباح يغترف منه الناس جميعا، وليس له حدود فاصلة كالتي ترسمها السياسة ~~الدولية، وإنما الذي يقدح في الأمة حقا أن تغمض عيونها، وتسد آذانها عما حولها من ~~نظريات وأفكار، أو أن يدفعها التعصب الأعمى أن تنسب لنفسها ما ليس لها، وتعزو إليها خلق ~~ما لم تخلق، وابتداع ما لم تبتدع. # الفصل الثاني عشر # | الأدب اليوناني والروماني # كان لليونان أدب غزير المادة متنوع الموضوع؛ فقصص خرافية عن آلهتهم الأقدمين، وشعر ~~وصفي قصصي يصف حروبهم وأبطالهم، يسمى شعر الملاحم # Epic # كالإلياذة والأوذيسة. # وشعر غنائي # Lyric # يصفون فيه مشاعرهم، ويتعرضون فيه ~~للمدح والفخر والحماسة والغزل والرثاء؛ ونحو ذلك مما تعرض له الشعر العربي. # وشعر تمثيلي # Dramatic # يتخيلون فيه وقعة حربية أو ~~نحوها كما يتخيلون رجالها، ثم يعمدون إلى تصوير الحوادث، ويضعون على لسان رجالها ما ~~يتناسب مع شخصياتهم. # ولهم في هذه الأنواع كلها الشيء الكثير، الذي أثر في الأدب العربي قديمه وحديثه، ونبغ ~~منهم شعراء عدة في بلادهم وفي مستعمراتهم، وبقي من شعرهم إلى يومنا هذا ما يكفي لتصوير ~~ذلك تصويرا بديعا. # ولهم غير الشعر كتابة راقية وخطابة، وأبحاث وافية منظمة في الكتابة والخطابة وعلم ~~البيان، كالذي ترى في أبحاث ms123 أرسطو؛ ولهم مؤرخون أمثال هيرودوتس وتوسيديد، كتبوا التاريخ ~~ونظموه بالقدر الذي يسمح به عصرهم. # ولما ذهب سلطانهم وأصبحوا إقليما رومانيا ضعفت آدابهم، ولكن ظل أهم ما وصلوا إليه ~~محفوظا يتغذى به الرومانيون - على نحو ما كان بين الفرس والعرب - وظهر في هذا العصر ~~أدباء ومؤرخون أمثال بلوتارك، ولوسيد. # ولكن هل تأثر العرب والمسلمون بهذه الآداب في هذا العصر - أعني العصر الأموي - كما ~~تأثروا بالفلسفة اليونانية؟ # يظهر لنا أن التأثير الأدبي كان ضعيفا، فإنا نرى الشعر العربي في العصر الأموي ظل ~~حافظا لكيانه، يترسم الطريق الذي خطه له الشعر الجاهلي في بحوره وفي قافيته، حتى في ~~موضوعاته؛ كانوا مقصرين في الجاهلية في شعر الملاحم وفي الشعر التمثيلي، فظلوا كذلك حتى ~~في العصر العباسي. # ومن العسير العثور على معان يونانية وردت في شعرهم، ونفتش في هذا العصر عن شاعر أصله ~~يوناني أو روماني تعلم العربية وشعر بها، فلا نجد، مع أنا وجدنا كثيرا - فيما سبق - من ~~أصل فارسي أصبحوا شعراء في العربية؛ ونجد مؤرخي المسلمين في ذلك العهد تأثروا في طريقة ~~تدوين الحوادث بالنمط الفارسي لا بالنمط اليوناني، ويتجلى ضعف التأثير اليوناني في ~~العرب بضعف معلومات المسلمين عن الحياة الأدبية اليونانية حتى في العصر العباسي؛ فتاريخ ~~اليونان عندهم يبتدئ بالإسكندر الأكبر أو قبله بقليل - امتلائه بالأساطير الخرافية - ~~ولم يسمعوا كثيرا بتوسيديد؛ وقد سمعوا قليلا عن هوميروس، واستشهدوا منه بشيء قليل ~~مقتضب مضطرب كالذي نراه في الشهرستاني، والكشكول لبهاء الدين العاملي. # وعلى الجملة يظهر لنا أن الآداب الفارسية كانت أكثر تأثيرا في الأدب العربي من ~~الآداب اليونانية. # وعلة ذلك - على ما يبدو لنا - أن العرب وهم العنصر الحاكم كانوا متعصبين جد التعصب ~~لشعرهم، لا يسمحون فيه بابتكار أو تحوير في الأساس؛ فنظم البيت، وبحر الشعر، وقافية ~~القصيدة ونحو ذلك، أشياء مقدسة لا يصح أن تمس بسوء؛ بل الموضوعات التي يقال فيها ~~الشعر كذلك، فتحرير القافية من قيودها الثقيلة، وزيادة بحر على البحور التي قال فيها ~~الجاهليون، مهما كانت موسيقى البحور الجديدة مطربة، والقول ms124 في موضوعات جديدة لم ~~تؤلف؛ كل هذه كانت في نظرهم انتهاكا لحرمة الأدب، بل هم كانوا حريصين في تقاليدهم ~~على ما دون ذلك، ولعل خير ما يمثل هذا ما جاء في طبقات الشعر لابن قتيبة: «وليس لمتأخر ~~الشعراء أن يخرج على مذهب المتقدمين في هذه الأقسام، فيقف على منزل عامر، أو يبكي على ~~مشيد البنيان؛ لأن المتقدمين وقفوا على المنزل الدائر والرسم العافي، أو يرحل على ~~حمار أو بغل ويصفهما؛ لأن المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير، أو يرد على المياه ~~العذاب الجواري؛ لأن المتقدمين وردوا على الأواجن الطوامي، أو يقطع إلى الممدوح ~~منابت النرجس والآس والورد؛ لأن المتقدمين جروا على قطع منابت الشيح والحنوة # 1 # والعرار، قال خلف الأحمر: قال لي شيخ من أهل الكوفة: أما عجبت من الشاعر ~~قال: أنبت قيصوما وجثجاثا، فاحتمل له، وقلت أنا: أنبت إجاصا وتفاحا، فلم ~~يحتمل لي؟! # وليس له أن يقيس على اشتقاقهم فيطلق ما لم يطلقوا، قال الخليل بن أحمد: أنشدني رجل: ~~ترافع العز بنا فارفنععا، فقلت: ليس هذا شيئا، فقال: كيف جاز ~~للعجاج أن يقول: تقاعس العز بنا فاقعنسسا، ولا يجوز لي!» # 2 # فترى من هذا إلى أي حد وصل العرب في المحافظة على تقاليد من قبلهم، حتى يلجئهم ذلك ~~إلى أن يصفوا ناقة وبعيرا، وهم إنما يركبون بغلا وحمارا؛ ويدعوا أن الأرض أنبتت ~~قيصوما وجثجاثا، وهي إنما أنبتت إجاصا وتفاحا؛ ولا يبيحوا؛ لأنفسهم أن يشتقوا ~~كلمة قياسا على اشتقاق مثيلها، فهؤلاء لا يكون لهم من الحرية ما يسمح لهم بأن يدخلوا ~~ملاحم لم يكن يعرفها آباؤهم، أو شعرا تمثيليا ينبو عنه ذوقهم، والفرس إنما أثروا ~~بشيء من معانيهم وخيالاتهم؛ لأنهم هم الذين انتقلوا للعربية ولم تنتقل العربية إليهم، ~~وإذ كان اليونان والرومان لم ينتقلوا إلى العربية كما أسلفنا لم يكن أثرهم فيهم ~~كبيرا. # وسبب آخر دعا إلى تأثرهم بالفارسية أكثر من اليونانية؛ ذلك أن دولة الفرس ذابت في ~~المملكة العربية، وكانت حياة الفرس الاجتماعية تحت أعين العرب يعرفون عنها الكثير، ~~فاستطاعوا ms125 أن يتذوقوا شيئا من أدبهم؛ أما الحياة اليونانية فكانت بعيدة كل البعد عن ~~معيشة العرب، ولم تكن تحت أعينهم لينظروها: آلهة تخالف كل المخالفة تعاليم دينهم، ~~ونظم سياسية واجتماعية لا عهد لهم بها، وأنواع من اللهو لم يألفوها، والأدب كما علمت ~~إنما هو صورة منعكسة للمعيشة الاجتماعية، فكان لزاما ألا يتذوق العرب الأدب اليوناني ~~ويتأثروا به. # ولا يفوتنا - مع هذا - أن نشير إلى أشياء ثلاثة يونانية كان لها أثر في الأدب العربي: ~~(الأول): # كلمات أخذها العرب من اليونانية كالقسطاس (الميزان) والسجنجل ~~(المرآة) والبطاقة (الرقعة) والقسطل (الغبار) والقنطار والبطريق ~~والترياق والنقرس والقولنج (مرضان)، ورووا «أن عليا رضي الله عنه سأل ~~شريحا مسألة فأجابه، فقال له: قالون: أصبت بالرومية» # 3 # إلى غير ذلك من الألفاظ. ~~(الثاني): # ما كان من أثر في الشعر لشعراء النصرانية في الإسلام، أمثال الأخطل ~~والقطامي، وحتى هؤلاء أثر النصرانية في شعرهم قليل، حتى يقول: «الأب ~~لامانس» نفسه: «إن أثر النصرانية في ديوان الأخطل أثر ضعيف، ونصرانيته ~~نصرانية سطحية، ككل العقائد الدينية بين البدو». ~~(الثالث): # وهو أكثرها تأثيرا الحكم اليونانية، وهذا النوع عني به السريانيون ~~من قبل العرب، فنقلوا منه عن اليونانية الشيء الكثير، ثم أخذه العرب ~~لما كان يتفق وذوقهم الأدبي، فنقل إلى العرب حكم نسبت لسقراط ~~وأفلاطون وأرسطو وأمثالهم، بعضها تصح نسبتها إليهم، وبعضها ليست من ~~أقوالهم عزيت إليهم؛ كالذي رووا عن أفلاطون أنه قال: «إذا أقبلت الدولة ~~خدمت الشهوات العقول، وإذا أدبرت خدمت العقول الشهوات»، وقال: «من ~~فضيلة العلم أنك لا تستطيع أن يخدمك فيه أحد، كما يخدمك في سائر ~~الأشياء، وإنما تخدمه بنفسك، ولا يستطيع أحد أن يسلبه إياك كما يسلبك ~~غيره من المقتنيات»، وقال: «لا يضبط الكثير من لا يضبط نفسه الواحدة» ~~... إلخ، وقال أرسطو: «اعلم أنه ليس شيء أصلح للناس من أولي الأمر إذا ~~صلحوا، ولا أفسد لهم ولأنفسهم منهم إذا فسدوا؛ فالوالي من الرعية ~~بمنزلة الروح من الجسد الذي لا حياة له إلا بها»، وقال: «لن يسود من ~~يتبع العيوب الباطنة من ms126 إخوانه»، وقال سقراط: «النفس الخيرة مجتزئة ~~بالقليل من الأدب؛ والنفس الشريرة لا ينجح فيها كثير من الأدب، لسوء ~~معرسها»، وقال: «العقول مواهب والعلوم مكاسب». # ورووا أن أوميروس جاءه رجل فقال له: اهجني لأفتخر بهجائك؛ إذ لم أكن أهلا لمديحك، ~~فقال له: لست فاعلا، قال: فإني أمضي إلى رؤساء اليونان فأشعرهم بنكولك، قال أوميروس ~~مرتجلا: بلغنا أن كلبا حاول قتال أسد بجزيرة قبرص فامتنع عليه أنفة منه، فقال له ~~الكلب: إنني أمضي فأشعر السباع بضعفك! قال له الأسد: لأن تعيرني السباع بالنكول عن ~~مبارزتك أحب إلي من أن ألوث شاربي بدمك... إلخ، إلخ. # وزاد هذا النقل من حكم اليونان على توالي الأيام حتى أفردت لها الكتب كما فعل «ابن ~~هندو» في كتابه، ورأيت رسالة طبعت في الجوائب جمعت فيها حكم نسبت لأفلاطون لم يذكر ~~مؤلفها، وذكر أنها نقلت من نسخة مخطوطة سنة 893ه، وكتب الأدب مشحونة بضروب من هذه ~~الأمثال. # الخلاصة # عقلية عربية لها طبيعة خاصة هي نتاج بيئتها، وعيشة اجتماعية خاصة يعيشها العرب في ~~جاهليتهم، ودين إسلامي أتى بتعاليم جديدة ورسم للحياة مثلا أعلى يخالف المثل الذي ~~كانت ترسمه تقاليد الجاهلية، وفتح إسلامي مد سلطانه على فارس وما حولها، وعلى ~~مستعمرات رومانية كثيرة، فأذاب ما كان للفرس من دين ومدنية وعلم، وما كان للمستعمرات ~~الرومانية من دين ومدنية وعلم، في المملكة الإسلامية جميعها؛ وكون منها مزيجا واحدا ~~مختلف العناصر، كل هذه الأشياء التي عددناها كانت أسبابا لها نتائجها، ومن نتائجها ما ~~كان من حركة علمية ودينية في ذلك العصر، أعني العصر الذي ينتهي بانتهاء الدولة الأموية؛ ~~فهو الذي يعنينا الآن، وإذ كنا قد شرحنا بإيجاز هذه الأسباب، فلنشرح بإيجاز كذلك هذه ~~النتائج، ولنقسمها قسمين: الحركة العلمية، وحركة العقائد الدينية. # | مصادر هذا الباب # اعتمدنا في هذا الباب على: ~~(1) # Boer, History of Philosophy in ~~islam ~~. ~~(2) # Dresser, History of Ancient and medieval ~~philosophy ~~. ~~(3) # Macdonald, Development of Muslim ~~Theology ~~. ~~(4) # O’leary Arabic Thought ~~. ~~(5) # دائرة المعارف البريطانية في مادة «الآداب السريانية». ~~(6) # محاضرات الأستاذ سانتلانا في الجامعة ms127 المصرية. # هذا عدا ما ذكرناه من الكتب العربية أثناء البحث. # الجزء الخامس # | الحركة العلمية وصفها ومراكزها # الفصل الثالث عشر # | وصف الحركة العلمية إجمالا # نستعمل هنا الحركة العلمية بأوسع معانيها، ونعني بها كل ما عني المسلمون بالتفكير ~~فيه تفكيرا منظما نوعا ما، من تشريع وتفسير وحديث وتاريخ وسير، وما إلى ذلك، ~~ولسنا نستثني إلا حركة العقائد الدينية، وسنفرد لها بابا خاصا؛ والحركة الأدبية وقد ~~كتب فيها جزء خاص، والآن ننظر نظرة عامة في الحركة العلمية من عهد الإسلام إلى سقوط ~~الدولة الأموية. # الأمية: تركنا العرب في الجاهلية، وليس لهم علم ولا فلسفة، ولم يكن من بينهم من يصح ~~أن يسمى عالما إلا قليل، وعلى تجوز في إطلاق كلمة عالم، كالذي حكينا عن الحارث بن ~~كلدة والنضر بن الحارث. # وقد كان الجهل فاشيا فيهم، والأمية شائعة بينهم - خصوصا في الأقطار البدوية - لما ~~قدمنا من أن الكتابة والعلم إنما يكثران حيث يكثر العمران، ويقول ابن خلدون: «إن أهل ~~الحجاز تعلموا الكتابة من أهل الحيرة، وهؤلاء تعلموا من الحميريين». # وسواء صح هذا أو لم يصح، فالحجازيون والمصريون عموما كانوا أشد بداوة وأكثر أمية، ~~حتى يروي لنا البلاذري في كتابه «فتوح البلدان»: «أن الإسلام دخل وفي قريش سبعة عشر ~~رجلا كلهم يكتب: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وأبو عبيدة بن ~~الجراح، وطلحة، ويزيد بن أبي سفيان، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وحاطب بن ~~عمرو، وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وأبان بن سعيد بن العاص بن أمية، وخالد بن ~~سعيد أخوه، وعبد الله بن سعيد بن أبي سرح العامري، وحويطب بن عبد العزى ~~العامري، وأبو سفيان بن حرب، ومعاوية بن أبي سفيان، وجهيم بن الصلت، ومن حلفاء ~~قريش العلاء بن الحضرمي» # 1 # وقليل من نسائهم كن يكتبن، كحفصة وأم كلثوم من زوجات النبي # صلى الله عليه وسلم # والشفاء بنت عبد الله العدوية، وكانت عائشة أم المؤمنين تقرأ المصحف ولا تكتب # 2 # وكذلك أم سلمة، فإذا كانت قريش - وشأنها في ms128 الحجاز ما بينا قبل من تقدمها ~~في الشئون التجارية - ليس فيها إلا سبعة عشر كاتبا، كان الكاتبون في غيرها من القبائل ~~المضرية أندر، ويروي البلاذري أيضا «أن الكتاب (يريد الكتابة) بالعربية، في الأوس ~~والخزرج كان قليلا، وكان بعض اليهود قد علم كتاب العربية وكان يعلمه الصبيان ~~بالمدينة في الزمن الأول، فجاء الإسلام وفي الأوس والخزرج عدة يكتبون، وقد عدهم فكانوا ~~أحد عشر» # 3 # ولندرة الكتابة كانوا يلقبون من جمع بين معرفة الكتابة والرمي والعوم ~~«الكامل»، فلقبوا بهذا اللقب سعد بن عبادة، وأسيد بن حضير وعبد الله بن أبي # 4 ~~، وقد رأيت فيما قبل أنه في الجاهلية لقب به سويد بن الصامت. # فلما جاء الإسلام استكتب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بعض هؤلاء الذين يعرفون الكتابة لكتابة ~~ما ينزل من القرآن، فكان أول من كتب له مقدمه المدينة أبي بن كعب الأنصاري، ~~فكان أبي إذا لم يحضر دعا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # زيد بن ثابت الأنصاري، فكتب له؛ فكان ~~أبي وزيد يكتبان الوحي بين يديه وكتبه إلى من يكاتب من الناس ومن يقطع وغير ذلك، ~~وأول من كتب له من قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح ثم ارتد ... إلخ # 5 ~~، ثم كتب له # صلى الله عليه وسلم # عثمان بن عفان، وشرحبيل بن حسنة، وأبان بن ~~سعيد، وخالد بن سعيد، والعلاء بن الحضرمي، ومعاوية بن أبي سفيان، ويروي الواقدي أن ~~حنظلة بن الربيع كتب بين يدي رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مرة فسمي حنظلة الكاتب. # وحتى هؤلاء الذين كانوا يكتبون الوحي لم يكونوا مهرة في الكتابة، ولا كتابتهم سائرة ~~على نمط واحد، ولا خاضعة لقوانين الإملاء، فكتبوا «لا أذبحنه» بزيادة ألف، وكذلك «لا ~~أوضعوا»، وكتبوا «بأييد» بياءين، وكتبوا «امرأت فرعون» و«قرت عين لي ولك» بتاء ~~مفتوحة، وحذفوا الألفات من مواضع دون مواضع مع تساويها في نظر الإملاء، وسبب ذلك - كما ~~يعلله ابن خلدون - ضعفهم في صناعة الخط، وأنهم لم يبلغوا حد الإجادة فيها. # أثر الإسلام في ms129 الحركة العلمية: وجاء الإسلام فأفاد الحركة العلمية من وجوه: ~~(الأول): # أن نشر الدين كان يستتبع الحاجة إلى القارئين الكاتبين، فقد كانت ~~آيات القرآن تكتب ويتلوها من يعرف القراءة على من لم يعرف، وقد جاء في ~~حديث إسلام عمر: «أنه عمد إلى أخته وختنه وعندهما خباب بن الأرت ~~معه صحيفة فيها «طه» يقرئها إياها»؛ فكان طبيعيا أن يشجع النبي # صلى الله عليه وسلم # على تعلم الكتابة؛ وقد ورد أنه في غزوة بدر «كان فداء بعض ~~الأسرى الذين يكتبون أن يعلموا عشرة من صبيان المدينة الكتابة»، ~~ورأى بعض المسلمين أنهم في حاجة إلى الكتابة ليعرفوا دينهم على الوجه ~~الأكمل. # بل حث النبي # صلى الله عليه وسلم # بعض أصحابه أن يتعلموا لغة غير اللغة العربية، ~~لما دعت الحاجة إلى ذلك - بعد انتشار الإسلام - ففي «البخاري» عن زيد ~~بن ثابت قال: «أتي بي النبي # صلى الله عليه وسلم # مقدمه المدينة، فقيل: هذا ~~من بني النجار، وقد قرأ سبع عشرة سورة، فقرأت عليه فأعجبه ذلك، فقال: ~~تعلم كتاب (كتابة) يهود، فإني ما آمنهم على كتابي، ففعلت، فما مضى ~~لي نصف شهر حتى حذقته، فكنت أكتب له إليهم؛ وإذا كتبوا إليه قرأت له»، ~~وفي حديث آخر: «عن زيد بن ثابت قال: قال لي النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: إني أكتب ~~إلى قوم فأخاف أن يزيدوا علي أو ينقصوا، فتعلم السريانية، فتعلمتها ~~في سبعة عشر يوما». # ولما فتحت البلاد كان العنصر العربي هو العنصر الحاكم، فكان لا بد ~~له أن يتعلم وأن يقرأ ويكتب، فكثرت القراءة والكتابة وخاصة في عهد ~~التابعين. # كذلك هؤلاء الداخلون في الإسلام من غير العرب اضطروا إلى تعلم ~~العربية لدينهم ولدنياهم، حتى اضطروا أن يتعلموا النحو لإصلاح لغتهم، ~~كما نقلنا ذلك عن أبي عبيدة. # أضف إلى ذلك أن الفتح الإسلامي استتبع الحضارة، فبنيت - في عهد عثمان ~~ومن بعده - الدور والقصور وشيدت بالكلس، وجعلت أبوابها من الساج، ~~واقتنى كثير من الصحابة الأموال والجنان والعيون، كالزبير بن العوام ~~وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي ms130 وقاص والمقداد، وهذا من غير شك ~~يستتبع رقي الصناعة ومنها الكتابة. ~~(الثاني): # مما أثر به الإسلام في الحركة العلمية أنه نشر بين العرب كثيرا من ~~التعاليم التي أبناها من قبل، فرفعت مستواهم العقلي كما نشر بينهم ~~كثيرا من أحوال الأمم الأخرى وتاريخها، بإطناب أحيانا وبإيجاز ~~أحيانا، حسبما يدعو إليه موقف العظة، فقص علينا قصة آدم ونوح وإبراهيم ~~ويوسف وموسى ويونس وداود وسليمان وغيرهم عليهم السلام، وشيئا من أخبار ~~أممهم، في أسلوب جذاب، هيج النفوس إلى الاستزادة، وتعرف ما عند الأمم ~~الأخرى منها - كاليهود والنصارى - فكان في ذلك من الثقافة، أفاد ~~المسلمين ووسع مداركهم. # ثم شرح أحكاما في الزواج والطلاق والشئون المدنية والجنائية، كانت ~~قانونا نظم أمور المسلمين في معيشتهم الاجتماعية والاقتصادية، واتخذه ~~الفقهاء والمشرعون مرجعهم يستنبطون منه الأحكام، ويستهدونه فيما يعرض ~~من حوادث جديدة خلقتها مدنيتهم، فكان ذلك أساسا لحركة تشريعية واسعة، ~~نعرض لوصفها فيما بعد. # ذلك عدا ما له من أثر لغوي ولساني، موضعه قسم آخر من الكتاب. ~~(الثالث): # وشيء آخر للإسلام كان له أثر كبير في الحياة العقلية، وهو أنه سلك في ~~دعوته إلى الإيمان بالله وصفاته من علم وقدرة ووحدانية مسلكا يثير ~~العقل، وهو الدعوة إلى النظر إلى ما في العالم من ظواهر: # أولم ينظروا في ملكوت السماوات ~~والأرض وما خلق الله من شيء ~~، # فلينظر الإنسان مم خلق ~~، # فلينظر الإنسان إلى طعامه ~~* أنا صببنا الماء صبا * ثم شققنا الأرض شقا * فأنبتنا فيها حبا * وعنبا ~~وقضبا * وزيتونا ونخلا * وحدائق غلبا * وفاكهة وأبا ~~* متاعا لكم ~~ولأنعامكم ~~، # لا الشمس ~~ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق ~~النهار وكل في فلك يسبحون ~~، # إن في خلق السماوات والأرض ~~واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي ~~الألباب * الذين يذكرون الله ~~قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في ~~خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا ~~باطلا سبحانك ~~، # ومن ~~آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ~~ألسنتكم وألوانكم ~~؛ إلى كثير من أمثال ~~هذا. # هذا الضرب من الآيات بعث العقل على النظر في الكون، وكان له أثر في ~~نمو الحياة ms131 العقلية. # ولعل هذا - أعني النظر في الكون للاستدلال منه على الله وصفاته - هو الذي كان يطلق ~~عليه القرآن الحكمة، فقد قال تعالى: # ولقد آتينا لقمان ~~الحكمة ~~، ونحن إذا قرآنا ما ورد في القرآن من أقوال وجدناها من هذا ~~النوع، وقال: # يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت ~~الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ~~، وسمى موضع العظة حكمة: # ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر ~~* حكمة بالغة فما تغن النذر ~~، وسمى ما ~~أوحى الله به إلى محمد حكمة لهذا فقال: # ذلك مما أوحى ~~إليك ربك من الحكمة ~~... إلخ، وقد سئل مالك: ما الحكمة؟ قال: ~~المعرفة بالدين، والفقه فيه، والاتباع له # 6 ~~. # وكذلك لفظ العلم؛ فالقرآن لم يستعمل الكلمة بالمعنى الذي استعمل بعد، حين تقول: ~~«علم النحو» أو «علم الفقه» وهو ما يقابل كلمة # Science ~~، ~~وإنما استعملها - على ما يظهر - بمعنى المعرفة بأوسع معانيها: # وفوق كل ذي علم عليم ~~، # ومنكم من ~~يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم ~~شيئا ~~. # وهو بهذا المعنى يطلق حتى على المعارف الدنيوية، كما ورد على لسان قارون: # قال إنما أوتيته # 7 # على علم عندي ~~؛ أي: معرفة بطرق كسب المال، ولكن أكثر ما ~~يستعمل في هذا النوع من المعرفة الذي يوصل إلى الهداية، كأنه هو المعرفة التي يعتد ~~الله بها، فهو في هذا قريب من معنى الحكمة الذي ذكرنا # إنما ~~يخشى الله من عباده العلماء ~~، # ولقد ~~آتينا داوود وسليمان علما ~~، # ولئن ~~اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من ~~الله من ولي ولا نصير ~~... إلخ. # وصف الحركات العلمية وأشهر القائمين بها: إذا نظرنا إلى الحركات العلمية في صدر ~~الإسلام إلى آخر الدولة الأموية وجدناها اتجهت ثلاثة اتجاهات: حركة دينية، ونعني بها ~~البحث في الشئون الدينية من تفسير القرآن وحديث وتشريع؛ وما إلى ذلك؛ وحركة في التاريخ ~~والقصص والسير ونحوها؛ وحركة فلسفية في منطق وكيمياء وطب وما إليها، ونعيد هنا ما ~~ذكرنا قبل، من أنا إذا قلنا حركة علمية فلسنا نعني علوما منظمة لها أبواب وفصول، ~~فذلك ms132 ما لم يصل إليه هذا العصر، وإنما نعني النواة التي تكونت حولها العلوم بعد، وسنصف ~~هذه الحركات الثلاث وصفا إجماليا: # الحركة الدينية: ~~: كانت هذه الحركة أكبر الحركات وأوسعها نطاقا، فقد أقبل الناس على ~~القرآن يفهمون معانيه، ويفسرون آياته، ويستنبطون منه الأحكام، وكذلك ~~فعلوا في الحديث. # وقد بدأت هذه الحركة في حياة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ثم أخذت في الاتساع ~~بعده، وقام أصحابه بقسط وافر منها. # وبديهي أن أصحاب رسول الله كانوا مختلفين اختلافا كبيرا في درجتهم ~~العلمية، كاختلافهم في الفضائل الأخرى؛ فكان بعضهم أشجع من بعض، وبعضهم ~~أكرم من بعض، كذلك كان بعضهم أعلم من بعض، جاء في الحديث أن رسول الله ~~قال: «إن مثل ما بعثني به الله من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب ~~أرضا، فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ العشب ~~الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله تعالى بها الناس فشربوا ~~منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ~~ماء ولا تنبت كلأ» ... إلخ # 8 ~~. # ويقول مسروق وهو من التابعين: «لقد جالست أصحاب محمد # صلى الله عليه وسلم # فوجدتهم كالإخاذ # 9 # فالإخاذ يروي الرجل، والإخاذ يروي الرجلين، والإخاذ يروي ~~العشرة، والإخاذ يروي المائة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم» # 10 ~~. # واشتهر من الصحابة ستة أو سبعة عدوا الطبقة الأولى في العلم، ~~يختلف العادون في بعضهم، فيضعون واحدا مكان آخر، وهم عمر، وعلي، ~~وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعائشة؛ وهؤلاء كلهم ~~من قريش، ما عدا ابن مسعود فإنه هذلي، وزيد بن ثابت فهو من الأنصار، ~~ويقول مسروق: «شاممت أصحاب رسول الله # 11 # فوجدت علمهم انتهى إلى ستة، إلى عمر وعلي وعبد الله (ابن ~~مسعود) ومعاذ وأبي الدرداء وزيد بن ثابت، فشاممت هؤلاء الستة فوجدت ~~علمهم انتهى إلى علي وعبد الله» # 12 # وروى يزيد بن عميرة السكسكي، وكان تلميذا لمعاذ ~~بن جبل: «أنه لما حضرت الوفاة معاذا أمره أن يطلب العلم من أربعة: عبد ~~الله ms133 بن مسعود، وعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي وأبي الدرداء»، ~~فترى من هذا اختلافهم فيمن هو الأعلم، واختلاف النظر في هذا طبيعي في ~~كل عصر وكل أمة. # وعلى كل حال فقد عد بضعة من الصحابة هم الطبقة الأولى في العلم، ~~وعد عشرون من الطبقة الثانية، ونحو مائة وعشرين من الطبقة الثالثة # 13 # ويطول بنا القول لو عددنا أسماءهم وبينا نسبهم. # ونحن إذا ألقينا نظرة على الطبقة الأولى - بعد قراءة تاريخهم العلمي ~~- وجدنا شخصياتهم العلمية مختلفة؛ فعمر بن الخطاب - مثلا - لا نجد له ~~كثيرا من الأقوال في تفسير القرآن، كما لا نجده مكثرا في جمع الحديث، ~~ولكن ميزته الكبرى - على ما يظهر لنا - قوته الفطرية في الحكم على ~~الأشياء، وإصابته في معرفة العدل والظلم، وخبرته الواسعة بالعالم الذي ~~يحيط به، يقول أبو ذر: سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «إن الله وضع ~~الحق على لسان عمر يقول به». # وهذه الميزة تفسر لنا بوضوح مواضع كفايته، فعقله عقل قضائي، كان ~~يفتي الناس حتى في حياة رسول الله، ورويت عنه أحكام كثيرة في مشكلات ~~المسائل، وفراسته في الناس وفيمن يوليه الأعمال فراسة في منتهى ~~الصدق، جاء في العقد الفريد: كان عبد الله بن عباس من أحب الناس إلى ~~عمر بن الخطاب، وكان يقدمه على الأكابر من أصحاب محمد # صلى الله عليه وسلم # ولم ~~يستعمله قط، فقال له يوما: كدت أستعملك، ولكني أخشى أن تستحل الفيء ~~على التأويل، فلما صار الأمر إلى علي استعمله على البصرة فاستحل الفيء ~~على تأويل قول الله تعالى: # واعلموا أنما ~~غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ~~ولذي القربى ~~، كذلك إدراته للمملكة الإسلامية على ~~سعتها، ومواجهته لأمور عظام نشأت عن الفتح، لم تكن في عهد الرسول # صلى الله عليه وسلم # ولا أبي بكر، تحتاج إلى عقل كبير في تصريفها والتشريع لها، كل ~~هذا ونجاحه فيه يجعلنا - من غير شك - نقرأ في عمر سعة العلم، ويجعلنا ~~نتصور نوع العلم الذي كان به ممتازا. # على العكس من ذلك نرى ms134 ابنه عبد الله، وهو أحد علماء الصحابة، فهو ~~يعطينا صورة علمية غير صورة عمر: جماع للحديث، يتلمسه حيث كان، ~~ويتحرى ألفاظ النبي # صلى الله عليه وسلم # بدقة، يقول أبو جعفر: «ولم يكن أحد من ~~أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إذا سمع من رسول الله حديثا أجدر ألا يزيد ~~فيه ولا ينقص منه ولا، ولا، من عبد الله بن عمر بن الخطاب»؛ ولكنه كما ~~قال الشعبي: «كان جيد الحديث ولم يكن جيد الفقه # 14 ~~، حمله الورع والخوف من الله ألا يكثر من الفتوى وألا يدخل ~~في شيء من الفتن»، يقول ابن الأثير: «وكان ابن عمر شديد الاحتياط ~~والتوقي لدينه في الفتوى، وكل ما تأخذه به نفسه، حتى إنه ترك المنازعة ~~في الخلافة مع كثرة ميل أهل الشام إليه ومحبتهم له، ولم يقاتل في شيء ~~من الفتن، ولم يشهد مع علي شيئا من حروبه» # 15 # كما اشتهر بأنه ثقة في رواية الحوادث التاريخية التي وقعت ~~في صدر الإسلام لاتصاله برسول الله # صلى الله عليه وسلم # والخلفاء من بعده واهتمامه ~~بتعرفها، فترى من هذا أن شخصيته العلمية كانت كثرة الجمع ودقة النقل، ~~لا كثرة الاستنباط، ولا وفرة الفتوى. # ونموذج آخر نراه في عبد الله بن عباس، كما تصوره لنا كتب السير ~~والتفسير، فقد كان واسع الاطلاع في نواح مختلفة، يعرف الشعر والأنساب ~~وأيام العرب، ويجتهد في تعرف ما عند الصحابة من حديث وعلم، يقول: «وجدت ~~عامة حديث رسول الله عند الأنصار، فإن كنت لآتي الرجل فأجده نائما، لو ~~شئت أن يوقظ لي لأوقظ، فأجلس على بابه تسفي على وجهي الريح، حتى ~~يستيقظ متى استيقظ، وأسأله عما أريد ثم أنصرف»؛ كذلك كان يعلم ما ورد ~~في تفسير القرآن، وأسباب نزوله، وحساب الفرائض والمغازي، ويعرف شيئا ~~من الكتب الأخرى كالتوراة والإنجيل، وكانت أكثر حياته حياة علمية يتعلم ~~ويعلم، لم يشتغل بالإمارة إلا قليلا، لما استعمله علي على البصرة، ~~وعمر طويلا، فقد مات نحو سنة 70ه عن نحو سبعين عاما؛ وكان عبد ~~الله بن ms135 عمر يتهمه بالجرأة في تفسير القرآن ثم عدل عن ذلك # 16 ~~. # فترى من هذا صورة أخرى غير السابقتين، ترى فيها ضربا من تخصيص ~~الحياة للعلم، وضربا من سعة الاطلاع في نواح علمية مختلفة، نعم قد ~~أحيط اسمه ببعض المبالغات - على ما يظهر - نشأت في الدولة العباسية لما ~~كان جد الخلفاء، ولكن لهذه المبالغات أساسا صحيحا من سعة العلم ~~وقوة الحجة، وأكثر ما اشتهر به أقواله في تفسير القرآن. # وشخصية رابعة هي أصعب ما يكون تصويرا؛ دخلها من المبالغات والأكاذيب ~~ما وقف المؤرخ حائرا، تلك هي شخصية علي بن أبي طالب؛ فليس هناك من ~~الشخصيات في ذلك العصر ما دار حوله الجدل، وأفرط فيه المحبون ~~والكارهون، واختلق حوله المختلقون، وتأسست من أجله المذاهب الدينية، ~~كالذي كان لشخصية علي؛ فقد رووا عنه 686 حديثا مسندا إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لم يصح منها إلا نحو خمسين # 17 ~~، ونسبوا إليه ديوان شعر، ويقول المازني: إنه لم يصح أن ~~تكلم بشيء من الشعر غير بيتين: # تلكم قريش تمناني لتقتلني # فلا وربك ما بروا ولا ظفروا # فإن هلكت فرهن ذمتي لهم # بذات ودقين لا يعفو لها أثر # 18 # ونسبوا إليه ما في نهج البلاغة، وهو يشتمل على كثير من الخطب ~~والأدعية والكتب والمواعظ والحكم، وقد شك في مجموعها النقاد قديما ~~وحديثا كالصفدي وهوار # Huart # 19 # واستوجب هذا الشك أمور: ما في بعضه من سجع منمق، وصناعة ~~لفظية - لا تعرف لذلك العصر - كقوله: «أكرم عشيرتك فإنهم جناحك الذي ~~به تطير، وأصلك الذي إليه تصير»، وما فيه من تعبيرات إنما حدثت بعد أن ~~نقلت الفلسفة اليونانية إلى العربية وبعد أن دونت العلوم، كقوله: ~~«الاستغفار على ست معان، والإيمان على أربع دعائم»، وكالذي فيه من وصف ~~الدار وتحديدها بحدود هي أشبه بتحديد الموثقين، كقوله: «وتجمع هذه ~~الدار حدود أربعة، الحد الأول ينتهي إلى دواعي الآفات» ... إلخ، هذا إلى ~~ما فيه من معان دقيقة منمقة على أسلوب لم يعرف إلا في العصر العباسي، ~~كما ترى في وصف ms136 الطاووس؛ كما نسبوا إليه كتابا في الجفر، تذكر فيه ~~الحوادث التي تحدث إلى انقراض العالم؛ وحكايته مع أبي الأسود الدؤلي في ~~وضع النحو معروفة مشهورة؛ كل هذا ما يجعل من العسير على المؤرخ الناقد ~~وصف شخصيته العلمية وصفا يطمئن إليه، أي ما في نهج البلاغة لعلي؟ ~~وأيها ليس له؟ وأي ما روي عنه من الحكم والأمثال له؟ وأيها ليس له؟ ~~وأي الأحاديث وما صدر عنه من الأحكام، وما استشاره فيه الخلفاء من ~~الشئون يصح عنه؟ وأيها لا يصح؟ كل هذه الأشياء لا تزال مجالا ~~للبحث. # وعلى كل حال إذا نحن رجعنا إلى كتب السير الموثوق بها، كطبقات ابن ~~سعد، نرى أنه كان كذلك ذا عقل قضائي، فقد ولاه رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قضاء ~~اليمن، وله آراء ثبتت صحتها في مشاكل قضائية عديدة، حتى قيل فيه: «قضية ~~ولا أبا حسن لها»، وحكى علقمة عن عبد الله قال: «كنا نتحدث أن من ~~أقضى أهل المدينة علي»، وفوق هذا كان يهتم بالقرآن يعرف معانيه، وفيم ~~نزل حتى «زعموا أنه كتبه على تنزيله» # 20 # وهو في هذا كان أستاذا لعبد الله بن عباس أخذ عنه كثيرا، ~~ويقارنون بينهما فيقولون: «إن عبد الله بن عباس كان أعلمهما بالقرآن، ~~وكان علي أعلمهما بالمبهمات» # 21 ~~. # ويطول بنا القول لو وصفنا الميزة العلمية لكل من مشهوري الصحابة، ~~أمثال عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي الدرداء، ومعاذ بن ~~جبل، وأبي ذر، وأبي موسى الأشعري، ولكن يمكننا أن نقول إجمالا: إن ~~الشخصيات السابقة تبين أشهر النواحي العلمية، وهؤلاء الذين سمينا ~~يشاكلونهم فيها أو بعضها، روي عن أبي البختري أنه قال: «أتينا ~~عليا فسألناه عن أصحاب محمد # صلى الله عليه وسلم # فقال: عن أيهم؟ قال: قلنا: ~~حدثنا عن عبد الله بن مسعود، قال: علم القرآن والسنة ثم انتهى، ~~وكفى بذلك علما، قلنا: حدثنا عن أبي موسى، قال: صبغ في العلم صبغة؛ ~~ثم خرج منه ، قال: قلنا: حدثنا عن عمار بن ياسر، فقال: مؤمن نسي وإذا ~~ذكر ذكر، ms137 قال: قلنا: حدثنا عن حذيفة، فقال: أعلم أصحاب محمد ~~بالمنافقين، قال: قلنا: حدثنا عن أبي ذر، قال: وعي علما ثم عجز ~~فيه، قال: قلنا: أخبرنا عن سلمان، قال: أدرك العلم الأول والعلم ~~الآخر، بحر لا ينزح قعره، منا أهل البيت، قال: قلنا: فأخبرنا عن ~~نفسك يا أمير المؤمنين، قال: إياها أردتم؟ كنت إذا سألت أعطيت، وإذا ~~سكت ابتدئت» # 22 # لكن لا بأس أن نذكر كلمة عن عالمين لكل منهما ناحية خاصة ~~في العلم، وهما: عبد الله بن سلام، وسلمان: # فأما عبد الله فكان يهوديا، ويظهر أنه كان مثقفا بالثقافة ~~اليهودية، فقد عده المفسرون في أوائل الذين قال الله فيهم: «أن ~~يعلمه علماء بني إسرائيل»، أسلم على أثر هجرة الرسول إلى ~~المدينة - على أحد الأقوال - وصحب عمر في سفره إلى الشام، ووقف خطيبا ~~في المتألبين على عثمان يدافع عنه ويخذل الثائرين، ومات نحو سنة ~~40ه، واشتهر بين الصحابة بالعلم حتى رأيت أن معاذا عده رابع أربع ~~يطلب عندهم العلم، ونقل المسلمون عنه كثيرا يدل على علمه بالتوراة ~~وما حولها، وتجمع حول اسمه كثير من الإسرائيليات، ونقل عنه الحديث ~~أبو هريرة وأنس بن مالك، وينسب إليه ابن جرير الطبري في تاريخه كثيرا ~~من الأقوال في المسائل التاريخية الدينية. # وعلى كل حال فهو يمثل لنا ناحية خاصة دخل منها على المسلمين بعض ~~أقوال التوراة وما إليها، ولصق بعضها بتفسير القرآن وبالقصص، وسنعرض ~~لذلك بعد. # وأما سلمان الفارسي - إن صح ما يروي محمد بن إسحاق - فإنه تنقل في ~~أديان مختلفة قبل أن يسلم، كان مجوسيا مخلصا للمجوسية (حتى كان ~~قاطن النار التي يوقدها أهله) ثم كان نصرانيا مخلصا للنصرانية ~~متصلا بأتقى رجالها، ثم كان عبدا مملوكا ليهودي من بني قريظة ~~(ولكنه لم يتهود)، ثم أسلم فأخلص في إسلامه، كذلك يروى أنه قبل أن ~~يسلم تنقل في بلاد كثيرة، فهو من أصبهان (على رواية)، ثم انتقل في طلب ~~النصرانية إلى الشام، ثم إلى الموصل ثم إلى نصيبين، ثم إلى عمورية ~~من أرض الروم، ثم إلى ms138 جزيرة العرب يطلب الإسلام فنزل بوادي القرى، ~~وهناك غدر به قوم من كلب فباعوه، ثم انتهى إلى المدينة فأسلم # 23 ~~. # فترى من هذا أن قد كان له علم بديانات مختلفة، ولعل هذا هو ما عناه ~~علي بن أبي طالب بقوله فيه: «من لكم بمثل لقمان الحكيم، علم العلم ~~الأول، والعلم الآخر، وقرأ الكتاب الأول، وقرأ الكتاب الآخر، وكان ~~بحرا لا ينزف». # وتدلنا سيرته على أن نزعته الدينية كانت نزعة زهد وورع، وقد مات ~~بالمدائن في خلافة عثمان. # وقد اتخذه مسلمو الفرس مثلهم - كما اتخذ الحبشة بلالا، والروم ~~صهيبا - وفخرت به الشعوبية، وربطه الشيعة بعلي والحسن والحسين، ~~وعده الصوفية أحد مؤسسيها، وبالغ فيه الفرس كثيرا، ونسبوا إليه ~~كثيرا. ~~••• # وهذا القدر يكفينا في الدلالة على أنه كان بين الصحابة حركة علمية، ~~وأن هذه الحركة أكثرها ديني، وأنه كان لها نواح مختلفة، وشخصيات ~~مختلفة. # هؤلاء العلماء وأمثالهم من الصحابة تفرقوا في المملكة الإسلامية، في ~~جميع أنحائها، وإن شئت فقل وزعوا على الأمصار قصدا إلى تعليمها؛ ~~فعل ذلك رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في مدن جزيرة العرب، فأرسل إلى اليمن وإلى ~~البحرين وإلى مكة بعد فتحها، وكذلك فعل عمر بن الخطاب عندما اتسعت ~~الفتوح وكثرت الأمصار. عن سالم بن عبد الله قال: «كنا مع ابن عمر يوم ~~مات زيد بن ثابت، فقلت: مات عالم الناس اليوم، فقال ابن عمر: يرحمه ~~الله اليوم، فقد كان عالم الناس وحبرها، فرقهم عمر في البلدان» # 24 ~~. # وعن عمر بن الخطاب أنه قال حين خرج معاذ بن جبل إلى الشام: «لقد أخل ~~خروجه بالمدينة وأهلها في الفقه وما كان يفتيهم به، ولقد كنت كلمت أبا ~~بكر رحمه الله أن يحبسه لحاجة الناس إليه، فأبى علي، وقال: رجل أراد ~~جهادا يريد الشهادة فلا أحبسه، فقلت: والله إن الرجل ليرزق الشهادة ~~وهو على فراشه» ... إلخ # 25 ~~، وكتب عمر إلى أهل الكوفة: «إني بعثت إليكم بعبد الله بن ~~مسعود معلما ووزيرا، وآثرتكم به على نفسي، فخذوا عنه؛ فقدم الكوفة ~~ونزلها، وابتنى ms139 بها دارا إلى جانب المسجد» إلى كثير من أمثال ~~ذلك. # هؤلاء الصحابة العلماء الذين تفرقوا في الأمصار أنشئوا حركة علمية، ~~في كل مصر نزلوا، وكونوا مدارس # 26 ~~، وكان لهم تلاميذ ينقلون عنهم العلم، فتخرج عليهم التابعون ~~ثم تابعوهم، مما سنعرض له عند الكلام على مراكز الحركة العقلية. # وعندئذ دخل عنصر الموالي وأولادهم في الحركة العلمية، واتسع نطاقها، ~~فكان منهم كثير من سادة التابعين وتابعي التابعين. # الموالي والعلم: كان سكان البلاد كما علمنا يتكونون من عنصرين: عنصر ~~عربي، وهو العنصر الفاتح؛ وعنصر أعجمي، وكان أكثر حملة العلم في عصر ~~الصحابة العرب؛ لأن أكثر الصحابة عرب، فلما أخذ علماء الصحابة يعلمون ~~في الأمصار المفتوحة، اشترك العرب والعجم في تلقي العلم عنهم؛ حتى إذا ~~كان عصر التابعين وتابعيهم كان بعض حملة العلم عربا وأكثرهم من ~~الموالي أو أبناء الموالي، ويقول ابن خلدون في تعليل هذا: «والسبب في ~~ذلك أن الملة في أولها لم يكن فيها علم ولا صناعة، لمقضتى أحوال ~~السذاجة والبداوة، وإنما أحكام الشريعة، التي هي أوامر الله ونواهيه ~~كان الرجال ينقلونها في صدورهم، وقد عرفوا مأخذها من الكتاب والسنة بما ~~تلقوه من صاحب الشرع وأصحابه، والقوم يومئذ عرب لم يعرفوا أمر التعليم ~~والتأليف والتدوين ولا دفعوا إليه، ولا دعتهم إليه حاجة، وجرى الأمر ~~على ذلك زمن الصحابة والتابعين، كانوا يسمون المختصين بحمل ذلك ونقله ~~القراء؛ أي: الذين يقرءون الكتاب وليسوا أميين؛ لأن الأمية يومئذ ~~صفة عامة في الصحابة - بما كانوا عربا - فقيل لحملة القرآن يومئذ قراء ~~... ثم صارت هذه العلوم كلها ملكات محتاجة إلى التعليم، فاندرجت في جملة ~~الصنائع، وقد كنا قدمنا أن الصنائع من منتحل الحضر، وأن العرب أبعد ~~الناس عنها فصارت العلوم لذلك حضرية، وبعد عنها العرب، والحضر لذلك ~~العهد هم العجم أو من في معناهم من الموالي وأهل الحواضر ... لأنهم أقوم ~~على ذلك للحضارة الراسخة فيهم منذ دولة الفرس ... فكان صاحب صناعة النحو ~~سيبويه، والفارسي من بعده، والزجاج من بعدهما؛ وكلهم عجم في أنسابهم ... ~~وكذا حملة الحديث وعلماء ms140 أصول الفقه، وحملة علم الكلام وأكثر المفسرين، ~~ولم يقم بحفظ العلم وتدوينه إلا الأعاجم، أما العرب الذين أدركوا هذه ~~الحضارة وسوقها فشغلتهم الرياسة في عهد الدولة العباسية» انتهى ~~مختصرا. # وهو وإن كان يتكلم عن عصر التدوين، ويعني به على ما يظهر العصر ~~العباسي، فعلته كذلك صحيحة في العصر الأموي - عصر التابعين ومن بعدهم - ~~إلا أنه غالى في نظريته وسلب العرب ما كان لهم من حظ في المشاركة في ~~العلوم، كان في العصر الأموي عرب من أشهر العلماء، كسعيد بن ~~المسيب، وعلقمة، وشريح، ومسروق والنخعي وغيرهم، ولكن ~~الأكثرين كانوا موالي أو في حكمهم؛ فكان في المدينة سليمان بن يسار، ~~وكان من أعلم الناس وأفقههم، وأبوه مولى ميمونة زوج النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~ونافع مولى عبد الله بن عمر والذي روى عنه أكثر أحاديثه، وأصله من ~~الديلم؛ وربيعة الرأي وهو شيخ الإمام مالك، وأبوه فروخ من ~~الموالي. # ومن علماء مكة مجاهد بن جبر، وكان مولى لبني مخزوم، وهو من ~~أكثر رواة التفسير عن ابن عباس، وعكرمة مولى ابن عباس، والذي روى ~~عنه أكثر علمه، وعطاء بن رباح مولى بني فهر من مولدي الجند # 27 ~~، وكان أسود، وأبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس مولى ~~حكيم بن حزام، وكان من أحفظ الناس للحديث. # واشتهر من علماء أهل الكوفة: سعيد بن جبير مولى بني والبة، ~~وكان أسود، واشتهر بالبصرة الحسن بن يسار، مولى زيد بن ثابت، ومحمد بن ~~سيرين، وكان أبوه من سبي ميسان، وأمه صفية مولاة أبي بكر الصديق وهو ~~من فقهاء البصرة، وكذلك الحسن البصري، وكان أبوه أيضا من سبي ~~ميسان. # واشتهر من أهل الشام مكحول بن عبد الله وهو معلم الأوزاعي، ~~وأبوه من أهل هراة، وأمه ابنة لملك من ملوك كابل. # واشتهر في مصر يزيد بن حبيب مولى الأزد، كان مفتي أهل مصر، وعنه ~~أخذ الليث بن سعد، وكان يزيد بربري الأصل؛ أبوه من أهل دنقلة # 28 ~~. # وهناك غير هؤلاء كثير من العلماء من أبوين عربي وعجمي وكالذي رأيت من ms141 ~~حكاية سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، ~~وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والمعروف بزين العابدين، فإن ~~الزمخشري يروي أن أمهاتهم بنات يزدجرد، وكالشعبي علامة التابعين ~~فإن أباه عربي وأمه سبي جلولاء. # ويطول بنا القول لو أنا أحصينا من كان من علماء هذا العصر من العرب ~~ومن كان من الموالي؛ ولكن نظرة في أنسابهم عامة تدلنا على أن أكثرهم ~~موال. # جاء في العقد الفريد: «وقال ابن أبي ليلى: قال لي عيسى بن موسى وكان ~~ديانا شديد العصبية (أي للعرب): من كان فقيه البصرة؟ قلت: الحسن ~~بن أبي الحسن، قال: ثم من؟ قلت: محمد بن سيرين، قال: فما هما؟ قلت: ~~موليان، قال: فمن كان فقيه مكة؟ قلت: عطاء بن أبي رباح، ومجاهد ~~وسعيد بن جبير، وسليمان بن يسار، قال: فما هؤلاء؟ قلت: موال، قال: فمن ~~فقهاء المدينة؟ قلت: زيد بن أسلم، ومحمد بن المنكدر، ونافع بن أبي ~~نجيح، قال: فما هؤلاء؟ قلت: موال، فتغير لونه، ثم قال: فمن أفقه أهل ~~قباء؟ قلت: ربيعة الرأي وابن أبي الزناد، قال: فما كانا؟ قلت: من ~~الموالي، فاربد وجهه، ثم قال: فمن فقيه اليمن؟ قلت: طاووس وابنه ~~وابن منبه، قال: فمن هؤلاء؟ قلت: من الموالي، فانتفخت أوداجه وانتصب ~~قاعدا، قال: فمن كان فقيه خراسان؟ قلت: عطاء بن عبد الله الخراساني، ~~قال: فما كان عطاء هذا؟ قلت: مولى، فازداد وجهه تربدا واسود ~~اسودادا حتى خفته، ثم قال: فمن كان فقيه الشام؟ قلت: مكحول، قال: فما ~~كان مكحول هذا؟ قلت: مولى، قال: فتنفس الصعداء، ثم قال: فمن كان ~~فقيه الكوفة؟ قلت: فوالله لولا خوفه لقلت: الحكم بن عتبة وعمار بن أبي ~~سليمان، ولكن رأيت فيه الشر، فقلت: إبراهيم (النخغي) والشعبي، قال: فما ~~كانا؟ قلت: عربيان، قال: الله أكبر، وسكن جأشه». # ونظير هذا ما جاء في معجم ياقوت في مادة خراسان «قال عبد الرحمن بن ~~زيد بن أسلم لما مات العبادلة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن ms142 الزبير، ~~وعبد الله بن عمرو بن العاص: صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي، ~~فصار فقيه أهل مكة عطاء بن أبي رباح، وفقيه أهل اليمن طاووس، وفقيه أهل ~~اليمامة يحيى بن كثير، وفقيه أهل البصرة الحسن البصري، وفقيه أهل ~~الكوفة النخغي # 29 ~~، وفقيه أهل الشام مكحول، وفقيه أهل خراسان عطاء الخراساني، ~~إلا المدينة فإن الله تعالى خصها بقرشي، فكان فقيه أهل المدينة غير ~~مدافع سعيد بن المسيب». # وهناك قصص أخرى كثيرة كهذه لا تخلو من نزعة شعوبية، ولكن أساسها ~~صحيح، وهو أن أكثر العلماء من الموالي، ولذلك سبب آخر غير الذي ذكره ~~ابن خلدون؛ وهو أن الصحابة - كما علمت - استكثروا من الموالي ~~يستخدمونهم في بيوتهم وفي أعمالهم، فإذا كان الصحابي تاجرا فمواليه ~~أعوانه في التجارة، وإذا كان عالما كانت مواليه تلاميذه وأعوانه في ~~العلم، ومتى كان عندهم حسن استعداد نبغوا فيه بحكم مخالطتهم لسادتهم في ~~السر والعلن، وملازمتهم لهم في الإقامة والسفر، ودليلنا على ذلك نافع ~~مولى عبد الله بن عمر، فقد أخذ عنه أكثر علمه، ويسمي المحدثون رواية ~~الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر سلسلة الذهب؛ وعكرمة مولى ابن ~~عباس، فقد مات عبد الله بن عباس وعكرمة على الرق، فباعه ولده علي بن ~~عبد الله بن عباس من خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، فأتى ~~عكرمة مولاه عليا فقال له: ما خير لك، بعت علم أبيك بأربعة آلاف، ~~فاستقاله فأقاله، فأعتقه، إلى غير ذلك من الأمثلة. # وسيأتي الكلام على الحركة الدينية بشيء من التفصيل في الباب ~~الآتي. # الحركة الثانية: # حركة تاريخية، ولسنا نعني بها حركة تأليف الكتب التاريخية، وإنما ~~نعني ما انتشر في المملكة الإسلامية في هذا العهد من أخبار الأمم ~~الماضية والأجيال الغابرة، والأحداث التي كانت في عهد الرسول # صلى الله عليه وسلم # والخلفاء من بعده، ونظرة فيما روي في ذلك العصر تبين أنها كانت حركة ~~واسعة، وأنها كانت الأساس الذي بنيت عليه المؤلفات التي ألفت بعد، ~~ككتب ابن إسحاق وابن جرير وأمثالهما، يدل ms143 على ذلك أنك لو تتبعت في ابن ~~جرير الطبري - مثلا - سلسلة روايته وجدت أن الرواة الثلاثة أو الأربعة ~~الذين يتصلون بحياته كانوا في العصر العباسي، وهؤلاء يروون عمن قبلهم ~~ممن كانوا في عهد الأمويين أو الخلفاء الراشدين، أعني بذلك أن الحوادث ~~التاريخية التي دونت كانت معروفة في عصرنا الذي نؤرخه، وابن إسحاق ~~وأمثاله إنما رووا ما كان معروفا وجمعوه. # وقد نبعت هذه الحركة التاريخية من جملة مصادر: ~~(أولها): # شعور بعض الخلفاء بالحاجة - في سياسة الدولة - إلى ~~تعرف أخبار الملوك في الأمم الأخرى وسياستهم ونظامهم، ~~وهذا كان ضروريا بعد أن اتسعت المملكة الإسلامية هذا ~~الاتساع الكبير، كانت الحركة المالية في جزيرة العرب ~~قبل الفتح حركة ضعيفة لا تكفي لتسيير الحركة الكبرى ~~التي كانت بعد الفتح، فكان لا بد من علم بطرق تحصيل ~~الأموال وحفظها وصرفها، وكذلك الشأن في إدارة البلاد ~~وتنظيمها وطرق حكمها، فلجأ بعض خلفاء المسلمين إلى ~~الوقوف على ما كان من ذلك عند الأمم الأخرى، كالذي روى ~~المسعودي عن معاوية أنه بعد أن يفرغ من عمله «كان ~~يستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها، والعجم ~~وملوكها، وسياستها لرعيتها، وغير ذلك من أخبار الأمم ~~السالفة، ثم تأتيه الطرف الغريبة من نسائه من الحلوى ~~وغيرها من المآكل اللطيفة، ثم يدخل فينام ثلث الليل، ~~ثم يقوم فيقعد فيحضر الدفاتر فيها سير الملوك ~~وأخبارها، والحروب والمكايد، فيقرأ ذلك عليه غلمان له ~~مرتبون، وقد وكلوا بحفظها وقراءتها؛ فتمر بسمعه كل ~~ليلة جمل من الأخبار والسير والآثار وأنواع ~~السياسات» اه. ولا شك أنه تسرب بهذه الطريقة بعض ~~المعلومات التاريخية إلى الخاصة من المسلمين. ~~(ثانيها): # وهو أهم من الأول، أن كثيرا من الشعوب المختلفة ~~ذوات التاريخ دخلت في الإسلام، فأخذوا يدخلون تاريخ ~~أممهم ويبثونه بين المسلمين، إما عصبية لقومهم أو نحو ~~ذلك، فكثير من اليهود أسلموا وهم يعلمون كثيرا من ~~تاريخ اليهودية وأخبار الحوادث، حسبما روت التوراة ~~وشروحها، فأخذوا يحدثون المسلمين بها؛ وهؤلاء ربطوها ~~بتفسير القرآن أحيانا، وبتاريخ الأمم الأخرى أحيانا ؛ ~~إن شئت فاقرأ ما ms144 في الجزء الأول من تاريخ الطبري تجد ~~منه الشيء الكثير مثل: «حدثني المثنى بن إبراهيم ~~قال: حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني أبو معشر عن سعيد ~~بن أبي سعيد عن عبد الله بن سلام أنه قال: إن الله بدأ ~~بالخلق يوم الأحد، فخلق الأرضين في الأحد والاثنين، ~~وخلق الأقوات والرواسي في الثلاثاء والأربعاء، وخلق ~~السماوات في الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم ~~الجمعة فخلق فيها آدم على عجل، فتلك الساعة التي تقوم ~~فيها الساعة» # 30 # وكثير من هذا النوع روي حول ما ورد في ~~القرآن من قصص الأنبياء، كذلك كان للفرس تاريخ وكان ~~لهم أساطير، فلما أسلموا رووا تاريخهم، ورووا ~~أساطيرهم، وكذلك فعل النصارى، فكانت هذه الروايات ~~والأساطير عن الأمم المختلفة مبثوثة بين المسلمين، ~~ومصدرا من مصادر الحركة التاريخية عندهم. # وهذان النوعان هما بالقصص أشبه منهما ~~بالتاريخ. ~~(ثالثها): # وهو أهمها: أن المسلمين بدءوا من أول أمرهم يجمعون ~~الحديث، وفي الحديث مناح شتى من القول، ففيه ما كان ~~يفعله النبي # صلى الله عليه وسلم # وأصحابه من عبادات وتشريع في ~~المعاملات والجنايات، وفيه أقوال للوعظ والإرشاد، وفيه ~~قسم تاريخي لا يستهان به، فأحاديث تتعلق بحياة النبي ~~في مكة وهجرته، وحياته في المدينة وغزواته، وأعمال ~~لأبي بكر، وفتوحات عمر ونحو ذلك، وكلها حوادث تاريخية ~~نثرت في الحديث، وعني بها بعض الصحابة، كالذي رأيت ~~في عبد الله بن عمر، وكانت هذه الأحاديث التاريخية ~~أساسا لما ألف بعد من كتب السير والمغازي، فقد ~~أفردت وأضيف إليها ما لم يتحر فيه تحري ثقات ~~المحدثين، والدليل على أن أصل هذه السير والمغازي هو ~~الحديث ما تجده من وجوه شبه كبير في الأسلوب وفي طريقة ~~سرد الوقائع وحكايتها. # وقد عني المسلمون من العصر الأول بإفراد ما يتعلق بالسير والمغازي ~~في كتب خاصة، فقد روي أن وهب بن منبه (34-110ه) ألف كتابا في ~~المغازي، كما رووا أن عروة بن الزبير بن العوام (23-94ه) وهو من أشهر ~~فقهاء المدينة ومحدثيها كان أقدم من ألف في سيرة رسول الله، ms145 ومثله ~~معاصره أبان بن عثمان بن عفان (22-105ه) فقد جمع له تلميذه عبد ~~الرحمن بن المغيرة (المتوفى قبل سنة 125ه) كتابه في سيرة الرسول. # كذلك رووا أن ابن شهاب الزهري (51-124ه) جمع كتابا في المغازي، ~~ومثله موسى بن عقبة (المتوفى سنة 141ه) # 31 ~~. # ويظهر أن النمط الذي اتبع في تأليف هذه الكتب كان جمع الأحاديث ~~المتعلقة بالسيرة أو المغازي لا أكثر من ذلك، وعلى الجملة فلعل هذا ~~الباب كان أقرب من سابقيه إلى معنى التاريخ. # وكل ذلك يدلنا على ما ذكرت من انتشار حركة تاريخية واسعة، وإن لم ~~تصبغ بالصبغة العلمية الدقيقة. # القصص: ويتصل بهذا النوع ما يعرف في ذلك العهد بالقصص، وقد ~~استحدث في صدر الإسلام، فقد روي عن ابن شهاب أن «أول من قص في مسجد ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # تميم الداري، استأذن عمر أن يذكر الناس فأبى ~~عليه، حتى كان آخر ولايته فأذن له أن يذكر الناس في يوم الجمعة قبل أن ~~يخرج عمر، فاستأذن تميم عثمان بن عفان فأذن له أن يذكر يومين في ~~الجمعة فكان تميم يفعل ذلك»، وفي رواية أخرى عن الحسن أنه سئل: متى ~~أحدث القصص؟ قال: في خلافة عثمان، فسئل: من أول من قص؟ قال: تميم ~~الداري. # وتميم هذا كان نصرانيا من نصارى اليمن أسلم في سنة تسع من ~~الهجرة، وقد ذكر للنبي # صلى الله عليه وسلم # قصة الجساسة والدجال # 32 ~~، وكان يترهب حتى قال عنه أبو نعيم: «إنه راهب أهل عصره»، ~~وهي نزعة نصرانية بقيت عنده في الإسلام، ويذكرون أيضا أنه أول من أسرج ~~السراج في المسجد. # وتكاد الروايات تتفق على أنه أول قاص، ولم أقف على ما كان يقصه؛ ~~ولكن نظرة في حديث الجساسة والدجال، وفي أقوال له أخرى كثيرة منثورة، ~~كالذي روي أن روح بن زنباع زار تميما الداري فوجده ينقي ~~شعيرا لفرسه وحوله أهله، فقال له روح: أما كان في هؤلاء من يكفيك؟ ~~قال: بلى، ولكني سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: ما من ms146 امرئ مسلم ينقي ~~لفرسه شعيرا ثم يعلقه عليه إلا كتب الله له لكل حبة حسنة # 33 ~~، تدلنا على عقليته ونوع قصصه، ومنحاه فيما يروي. # وصورة هذا القصص، أن يجلس القاص في مسجد وحوله الناس فيذكرهم بالله ~~ويقص عليهم حكايات وأحاديث وقصصا عن الأمم الأخرى وأساطير ونحو ذلك، ~~لا يعتمد فيها على الصدق بقدر ما يعتمد على الترغيب والترهيب، قال ~~الليث بن سعد: هما قصصان: قصص العامة وقصص الخاصة؛ فأما قصص العامة ~~فهو الذي يجتمع إليه النفر من الناس يعظهم ويذكرهم، فذلك مكروه لمن ~~فعله ولمن استمعه؛ وأما قصص الخاصة فهو الذي جعله معاوية، ولى رجلا ~~على القصص فإذا سلم من صلاة الصبح جلس وذكر الله عز وجل وحمده ~~ومجده وصلى على النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ودعا للخليفة ولأهل ولايته وحشمه ~~وجنود ودعا على أهل حربه وعلى المشركين كافة # 34 ~~. # وقد نما القصص بسرعة؛ لأنه يتفق وميول العامة، وأكثر القصاص من ~~الكذب حتى رووا أن علي بن أبي طالب طردهم من المساجد واستثنى الحسن ~~البصري لتحريه الصدق في قوله. # ويظهر أنه اتخذ أداة سياسية من عهد الفتن بين علي ومعاوية، يستعين ~~بها كل على ترويج حزبه والدعوة له، يدلك على ذلك ما نقلنا عن الليث ~~بن سعد، وما روى ابن لهيعة عن يزيد بن حبيب أن عليا رضي الله عنه ~~قنت فدعا على قوم من أهل حربه، فبلغ ذلك معاوية، فأمر رجلا يقص بعد ~~الصبح، وبعد المغرب يدعو له ولأهل الشام. # وارتفع شأن القصص حتى رأيناه عملا رسميا، يعهد به إلى رجال ~~رسميين يعطون عليه أجرا، فنرى في كتاب القضاة للكندي أن كثيرا من ~~القضاة كانوا يعينون قصاصا أيضا، فيقول: إن أول من قص بمصر سليمان ~~بن عتر التجيبي في سنة 38ه، وجمع له القضاء إلى القصص، ثم عزل ~~عن القضاء وأفرد بالقصص. # ولا تهمنا هذه النواحي الرسمية، إنما يهمنا ما كان منه من صبغة تشبه ~~العلمية، ونرى أن هذا القصص هو الذي أدخل على المسلمين كثيرا من ~~أساطير الأمم ms147 الأخرى كاليهودية والنصرانية، كما كان بابا دخل منه على ~~الحديث كذب كثير، وأفسد التاريخ بما تسرب منه من حكاية وقائع وحوادث ~~مزيفة أتعبت الناقد وأضاعت معالم الحق. # ولا بد أن نشير هنا إلى منبعين كبيرين لهؤلاء القصص وأمثالهم، تجد ~~ذكرهما كثيرا في رواية القصص وفي التاريخ وفي الحديث وفي التفسير، ~~هما: وهب بن منبه، وكعب الأحبار. # فأما وهب بن منبه فيمني من أصل فارسي، وكان من أهل الكتاب الذين ~~أسلموا وله أخبار كثيرة وقصص تتعلق بأخبار الأول ومبدأ العالم وقصص ~~الأنبياء، وكان يقول: قرأت من كتب الله اثنين وسبعين كتابا، وقد توفي ~~حول سنة 110ه بصنعاء، وأما كعب الأحبار أو كعب بن مانع فيهودي من ~~اليمن كذلك، ومن أكبر من تسربت منهم أخبار اليهود إلى المسلمين، أسلم ~~في خلافة أبي بكر أو عمر على خلاف في ذلك - وانتقل بعد إسلامه إلى ~~المدينة ثم إلى الشام، وقد أخذ عنه اثنان، هما أكبر من نشر علمه: ابن ~~عباس - وهذا يعلل ما في تفسيره من إسرائيليات - وأبو هريرة، ولم يؤثر ~~عنه أنه ألف كما أثر عن وهب بن منبه، ولكن كل تعاليمه - على ما وصل ~~إلينا - كانت شفوية، وما نقل عنه يدل على علمه الواسع بالثقافة ~~اليهودية وأساطيرها، جاء في الطبقات الكبرى حكاية عن رجل دخل المسجد ~~فإذا عامر بن عبد الله بن عبد القيس جالس إلى كتب وبينها سفر من ~~أسفار التوراة وكعب يقرأ # 35 ~~، وقد لاحظ بعض الباحثين أن بعض الثقات كابن قتيبة والنووي ~~لا يروي عنه أبدا، وابن جرير الطبري يروي عنه قليلا، ولكن غيرهم ~~كالثعلبي والكسائي ينقل عنه كثيرا في قصص الأنبياء كقصة يوسف والوليد ~~بن الريان وأشباه ذلك، ويروي ابن جرير أنه جاء إلى عمر بن الخطاب ~~قبل مقتله بثلاثة أيام وقال له: اعهد فإنك ميت في ثلاثة أيام، قال: ~~وما يدريك؟ قال: أجده في كتاب الله عز وجل في التوراة، قال عمر: إنك ~~لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال: اللهم لا، ولكن أجد صفتك وحليتك ~~وأنه ms148 قد فني أجلك. # وهذه القصة إن صحت دلت على وقوف كعب على مكيدة قتل عمر، ثم وضعها هو ~~في هذه الصبغة الإسرائيلية، كما تدلنا على مقدار اختلاقه فيما ~~ينقل. # وعلى الجملة فقد دخل على المسلمين من هؤلاء وأمثالهم في عقيدتهم ~~وعلمهم كثير كان له فيهم أثر غير صالح. # وقد أنحى باللوم كثير من العلماء على القصاص والوعاظ، كما فعل ~~الغزالي في كتابه «الإحياء» فقد عد عملهم من منكرات المساجد، لما كانوا ~~يقترفون من كذب، واستثنى الحسن البصري وأمثاله. # والحق أن الحسن البصري كان قاصا من نوع آخر، فلم يكن ينحو منحى ~~الذين يعتمدون على الإسرائيليات والنصرانيات، إنما كان يعتمد على ~~التذكير بالآخرة ونحوها؛ ويستخرج العظة مما يقع حوله من حوادث؛ فقد كان ~~يجلس في آخر المسجد بالبصرة وحوله الناس يسألونه في الفقه وفي حوادث ~~الفتن التي كانت في عهده، ويحدثهم بما صح عنده من حديث، ويقص عليهم ~~فيعظهم ويذكرهم؛ فمما أثر من قصصه قوله: «يا بن آدم لا ترض أحدا ~~بسخط الله، ولا تطيعن أحدا في معصية الله، ولا تحمدن أحدا على فضل ~~الله؛ ولا تلومن أحدا فيما لم يؤتك الله، إن الله خلق الخلق فمضوا ~~على ما خلقهم عليه، فمن كان يظن أنه مزداد بحرصه في رزقه فليزدد بحرصه ~~في عمره، أو يغير لونه أو يزد في أركانه أو بنانه»، وكقوله: «يا بن ~~آدم لم تكن فكونت، وسألت فأعطيت، وسئلت فمنعت، فبئس ~~ما صنعت»، ثم يكرر ذلك مرارا، وله أقوال كثيرة من هذا النحو ~~مبثوثة في كتب الأدب. # وهنا أمر لا بد أن يكون قد استرعى نظرك، وهو أن أكثر من ذكرنا من ~~منابع القصص كتميم الداري، ووهب بن منبه، وكعب الأحبار من أهل ~~الكتاب من اليمن، فما السر في ذلك، ولم كان ما يروى عن يهود اليمن ~~في هذا النوع أكثر مما يروى عن يهود الحجاز؟ لعل السبب أن اليمن كانوا ~~أكثر حضارة كما علمت، وقد استتبع هذا وجود مدارس يهودية أرقى مما كان ~~ليهود الحجاز - وهذه المدارس ms149 اليمنية ثابتة تاريخيا - فكان من نتيجة ~~ذلك انتشار الثقافة اليهودية في اليمن بما فيها من شروح للتوراة ~~وأساطير ونحو ذلك، على نمط أوسع مما كان ليهود الحجاز، فلما دخل يهود ~~اليمن في الإسلام رووا ما تعلموا فكان لهم أكبر الأثر. # الحركة الثالثة: # الحركة الفلسفية، وهي أقل الحركات - على ما يظهر - انتشارا، وكان ~~مظهرها - أولا - في المدارس السريانية التي كانت منتشرة في أماكن ~~كثيرة من المملكة الإسلامية - كما بينا قبل - وعنهم أخذ المسلمون، وكان ~~من أثر ذلك ظهور بعض المذاهب الدينية التي سيأتي تفصيلها، وقد روينا ما ~~كان لخالد بن يزيد بن معاوية من دراسة فلسفية. # ونلاحظ أنه في هذا العصر ظهر كثير من أطباء النصارى في بلاط الخلفاء، ~~وكان أكثرهم فلاسفة وأطباء معا، كانت دراستهم الطبية لم تكن منفصلة عن ~~دراستهم الفلسفية، كما كان الشأن في فلاسفة المسلمين بعد - كابن سينا ~~والكندي - ومن هؤلاء الأطباء الذين خدموا في البلاط الأموي «ابن ~~أثال»، وكان طبيبا نصرانيا في دمشق؛ ولما ملك معاوية اصطفاه لنفسه، ~~وكان كثير الافتقاد له، والاعتقاد فيه، والمحادثة معه ليلا ونهارا، و ~~«عبد الملك بن أبجر الكناني» وكان طبيبا عالما ماهرا، وكان في ~~أول أمره مقيما بالإسكندرية وكان متولي التدريس فيها ولما استولى ~~المسلمون على البلاد وملكوا الإسكندرية أسلم ابن أبجر على يد عمر بن ~~عبد العزيز، وكان حينئذ أميرا قبل أن تصل إليه الخلافة، وصحبه، فلما ~~أفضت الخلافة إليه نقل التدريس إلى أنطاكية وحران وتفرق في البلاد، ~~وكان عمر بن عبد العزيز يستطبه ويعتمد عليه في صناعة الطب # 36 ~~. # وحكى القفطي في أخبار الحكماء: أن ماسرجويه الطبيب البصري كان ~~إسرائيليا في زمن عمر بن عبد العزيز، وربما قيل في اسمه ماسرجيس، ~~وكان عالما بالطب، تولى لعمر بن عبد العزيز ترجمة كتاب أهرن القس في ~~الطب، وهو كناش فاضل من أفضل الكنانيش القديمة، وقال ابن جلجل ~~الأندلسي: ماسرجويه كان سريانيا يهودي المذهب وهو الذي تولى في أيام ~~مروان في الدولة المروانية تفسير كتاب أهرن القس بن أعين إلى العربية، ms150 ~~ووجده عمر بن عبد العزيز في خزائن الكتب فأمر بإخراجه، ووضعه في ~~مصلاه واستخار الله في إخراجه إلى المسلمين لينفع به، فلما تم له في ~~ذلك أربعون يوما أخرجه إلى الناس وبثه في أيديهم. # ولماسرجويه من التصانيف كتاب قوى الأطعمة ومنافعها ومضارها، وكتاب ~~قوى العقاقير ومنافعها ومضارها. # هذا وأمثاله كون حركة ثالثة هي التي سميناها بالحركة الفلسفية، ~~ويدخل فيها ما رأيت من الجدل بين فرق النصارى والمسلمين، ولكنها على كل ~~حال كانت أقل من الحركتين السابقتين. # وهناك حركة رابعة، هي الحركة الأدبية موضوعها قسم خاص من كتابنا ~~هذا. ~~••• # وهذه الحركات جميعا كانت تتساند ويعاون بعضها بعضا، فأصحاب ~~المذاهب الدينية اعتمدوا في تعاليمهم على الفلسفة وتعاليم الكتب ~~والسنة، والمفسرون والمحدثون والفقهاء كانوا يستعينون بالشعر والأدب ~~على تفهم معاني القرآن والحديث، والمؤرخون والقصاص يستمدون بعض ~~معلوماتهم من القرآن والحديث؛ وهكذا، وقل أن تجد في هذا العصر ما ~~نسميه الآن تخصصا، فليس هناك عالم بالتفسير فقط، أو الحديث فقط؛ لأن ~~هذا الدور إنما يكون بعد تنظيم البحث، وهو دور لم يصلوا إليه في هذا ~~العصر. # وكذلك كانت الدروس فيها تفسير، وفيها حديث، وفيها فقه، وفيها لغة، ~~وفيها جدال ديني. # والذي يظهر أن الأمويين لم يشجعوا من هذه الحركات الثلاث إلا الحركة ~~الأدبية والقصص الرسمي، ففتحوا أبوابهم للشعراء والخطباء، وبذلوا لهم ~~الأموال، وعينوا القصاص في المساجد، ولم يفعلوا شيئا من ذلك للعلماء ~~والفلاسفة، ولعل السبب في ذلك أمران: ~~(الأول): # أن حكم الأمويين بني على الضغط والقهر، فكانت ~~حاجتهم إلى الشعراء والقصاص أشد؛ لأنهم هم الذين ~~يبشرون بهم، ويشيدون بذكرهم، ويقومون في ذلك مقام ~~الصحافة لأحزابها؛ ومن أجل هذا لم يكن ينال الحظوة عند ~~خلفاء بني أمية إلا من كان مادحا لهم، فأما الشعراء ~~العلويون والزبيريون ونحوهم فيحمدون الله أن سلموا ~~منهم. ~~(الثاني): # أن نزعة الأمويين نزعة عربية جاهلية لا تتلذذ من ~~فلسفة، ولا من بحث ديني عميق، إنما يلذ لها الشعر ~~الجيد، والخطبة البليغة، والحكمة الرائعة، قال ~~المسعودي: «كان عبد الله بن مروان يحب ms151 الشعر والفخر ~~والتقريظ والمدح، وكان عماله على مثل مذهبه»، وشأن ~~أكثر بني أمية شأن عبد الملك؛ نستثني منهم خالد بن ~~يزيد بن معاوية، فقد كان له نزعة فلسفية - كما أسلفنا ~~- فوق نزعته الأدبية، قال فيه الجاحظ في البيان ~~والتبيين: «وكان خالد بن يزيد بن معاوية خطيبا ~~شاعرا، وفصيحا جامعا، وجيد الرأي، كثير الأدب، وكان ~~أول من ترجم كتب النجوم والطب والكيمياء». # كما نستثني عمر بن عبد العزيز، فقد كانت نزعته دينية وقد شقي به ~~الشعراء؛ دخل عليه المصيب بعد ما ولي الخلافة، فقال له: إيه يا ~~أسود أنت الذي تشهر النساء بنسيبك؟ فقال: إني تركت ذلك يا أمير ~~المؤمنين، وعاهدت الله ألا أقول، وشهد له بذلك من حضر فأعطاه. # إذا عدونا هذين (خالدا وعمر) لم نجد كبير أثر للأمويين في تشجيع ~~الحركة الفلسفية والدينية والتاريخية، كالذي نجده للعباسيين مثلا؛ ومع ~~هذا فقد نشطت هذه الحركات من نفسها، أما الحركة الدينية فللباعث ~~الديني، وكان قويا إذ ذاك؛ وأما الحركة الفلسفية فلأن الدين في آخر ~~عهد الأمويين اضطر إلى استخدام الفلسفة لمجادلة اليهود والنصارى، ~~ولمحاربة الفرق الإسلامية بعضها لبعض، وأما الحركة التاريخية، فلما كان ~~لها من صبغة دينية. # في هذا العصر كان العلم - ولا سيما الديني - يدرس في المساجد، ~~يجلس الأستاذ في المسجد وحوله الآخذون عنه على شكل حلقة، وتكبر الحلقة ~~وتصغر تبعا لقدر الأستاذ؛ فالسيوطي في الإتقان يحدثنا أن عبد الله بن ~~عباس كان يجلس بفناء الكعبة وقد اكتنفه الناس يسألونه عن تفسير القرآن، ~~ويحدثنا ابن خلكان أن ربيعة الرأي كان يجلس في مسجد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في المدينة ويأتيه مالك والحسن وأشراف أهل المدينة، ويحدق ~~الناس به، وكانت حلقته وافرة، وكذلك كان مجلس الحسن البصري في مسجد ~~البصرة، وقد يكون في المسجد جملة حلقات تجتمع كل حلقة على شيخ، كما ~~حدثونا أن عمرو بن عبيد ونفرا معه كانوا يجلسون في حلقة الحسن ~~البصري، ثم اعتزلوا حلقة الحسن وحلقوا (أي: أنشئوا لهم حلقة خاصة)! ~~وكذلك كان يفعل جعفر ms152 الصادق في المدينة، قالوا: وكان يشتغل بالكيمياء ~~والزجر والفأل؛ ومثل هؤلاء كثيرون موزعون في الأمصار اتخذوا المساجد ~~مدارس يعلمون فيها العلوم المختلفة، ولم أر ما يدل على أن المسلمين ~~أنشئوا في هذا العصر مدارس خاصة للعلم إلا ما نقل المقريزي «عن الواقدي ~~أن عبد الله بن أم مكتوم قدم مهاجرا إلى المدينة مع مصعب بن عمير، ~~وقيل: قدم بعد بدر بقليل، فنزل دار القراء»، ولم نعلم كثيرا عن دار ~~القراء هذه وهل خصصت للمدارسة أو لا، وحكى السيد أمير علي في كتابه ~~«مختصر تاريخ العرب»: أن الحر بن يوسف بن الحكم بن أبي العاص بن ~~أمية - وكان عاملا لهشام بن عبد الملك على الموصل - بنى مدرسة ~~بالموصل، ولكن لم يذكر له مستندا، والذي في ابن الأثير أن الحر هذا ~~بنى المنقوشة، وهي دار يسكنها، وسميت المنقوشة؛ لأنها كانت منقوشة ~~بالساج والرخام والفصوص الملونة وما شاكلها، ولم يذكر أنه بنى مدرسة، ~~والذي نعرفه أن بعض المدارس التي كانت في الممالك قبل الفتح ظلت على ~~حالها بعد الفتح كبعض مدارس السريانيين، أما الأمويون فلا نعلم أنهم ~~أنشئوا مدارس، ولكن كانت الدراسة العلمية في البيوت والمساجد. # التدوين # 37 ~~: ذهب بعضهم إلى أن تدوين العلوم والأخبار لم يحدث إلا في ~~منتصف القرن الثاني للهجرة، وهذا على ما يظهر لنا غير صحيح، فإن ~~التدوين بدأ من القرن الأول، بل كان قبل الإسلام تدوين، وكان هذا ~~التدوين كثيرا في البلاد المتحضرة كاليمن والحيرة، وقليلا في بلاد ~~الحجاز، فالحميريون في اليمن دونوا كثيرا من أخبارهم وحوادثهم، ~~ونقشوها على الأحجار، ولا تزال آثارهم في ذلك تستكشف بين حين وحين، ~~وقد حدثناك من قبل أن النبي # صلى الله عليه وسلم # لقي سويد بن الصامت وكان معه ~~مجلة لقمان، أعني صحيفة فيها حكم لقمان، فلما جاء الإسلام اتخذ ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # كتبة للوحي، فكانوا يكتبون على الرقاع والأضلاع وسعف ~~النخل والحجارة الرقاق البيض، ثم جمعت هذه الصحف في عهد أبي بكر، ~~وعني بعض الصحابة بكتابة حديث رسول الله ms153 # صلى الله عليه وسلم ~~، كعبد الله بن عمرو ~~بن العاص، فإنه كان يدون ما يسمع من رسول الله، قال أبو هريرة: «ما ~~أجد من أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أكثر حديثا مني إلا ما كان من عبد ~~الله بن عمرو، فإنه كان يكتب»، وقال عبد الله بن عمرو: «كنت أكتب كل ~~شيء أسمعه من رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أريد حفظه» ... (الحديث) بل قد رأيت أن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # دعا بعض أصحابه أن يتعلم العبرية والسريانية ليدون ~~بها رسائله. # فهذا تدوين للقرآن والحديث والرسائل التي كانت ترسل من النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وبعد هذا الزمن بقليل نرى أن المسلمين طرقوا موضوعات أخرى ~~يدونونها؛ فابن النديم يحدثنا في كتابه (الفهرست) أن عبيد بن ~~شرية الجرهمي كان في زمان معاوية وأدرك النبي # صلى الله عليه وسلم # ولم يسمع ~~منه شيئا، ووفد على معاوية بن أبي سفيان؛ فسأله عن الأخبار المتقدمة ~~وملوك العرب والعجم وسبب تبلبل الألسنة، وأمر افتراق الناس في البلاد، ~~وكان استحضره من صنعاء اليمن، فأجابه إلى ما سأل، فأمر معاوية أن ~~يدون وينسب إلى عبيد بن شرية، وعاش عبيد إلى أيام عبد الملك بن ~~مروان، وله من الكتب «كتاب الأمثال» و«كتاب الملوك وأخبار ~~الماضين». # ويقول في موضع آخر: إن صحارا العبدي كان خارجيا، وكان أحد ~~النسابين والخطباء في أيام معاوية بن أبي سفيان، وروى عن النبي # صلى الله عليه وسلم # حديثين أو ثلاثة، وله من الكتب «كتاب الأمثال». # ويقول في موضع ثالث: إنه كان بمدينة الحديثة رجل يقال له: محمد بن ~~الحسين جماعة للكتب، له خزانة لم أر لأحد مثلها كثرة، تحتوي على ~~قطعة من الكتب العربية في النحو واللغة والأدب، والكتب القديمة، فلقيت ~~هذا الرجل دفعات فأنس بي، وكان نفورا ضنينا بما عنده، خائفا من بني ~~حمدان، فأخرج لي قمطرا كبيرا فيه نحو ثلاث مئة رطل من جلود وصكاك ~~وقراطيس، وورق صيني وورق تهامي، وجلود أدم، فيها تعليقات عن العرب، ~~وقصائد مفردات من ms154 أشعارهم، وشيء من النحو والحكايات والأخبار والأسماء ~~والأنساب؛ وغير ذلك من علوم العرب وغيرهم، فرأيتها وقلبتها فرأيت ~~عجبا، إلا أن الزمان قد أخلقها وأحرفها، وكان على كل جزء أو ورقة أو ~~مدرج توقيع بخطوط العلماء واحدا إثر واحد، ورأيت في جملتها مصحفا بخط ~~خالد بن أبي الهياج صاحب علي، ورأيت فيها بخط الإمامين الحسن ~~والحسين، ورأيت عنده أمانات وعهودا بخط أمير المؤمنين علي، وبخط ~~غيره من كتاب النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ومن خطوط العلماء في النحو واللغة؛ مثل ~~أبي عمرو بن العلاء وأبي عمرو الشيباني ... ورأيت ما يدل على أن النحو عن ~~أبي الأسود ما هذه حكايته، وهي أربعة أوراق أحسبها من ورق الصين، ~~ترجمتها: هذه فيها كلام الفاعل والمفعول من أبي الأسود رحمة الله عليه ~~بخط يحيى بن يعمر، وتحت هذا الخط بخط عتيق: هذا خط علان النحوي، ~~وتحته: هذا خط النضر بن شميل، ثم لما مات هذا الرجل فقدنا القمطر وما ~~كان فيه، فما سمعنا له خبرا، ولا رأيت منه غير المصحف، هذا على كثرة ~~بحثي عنه. ا.ه باختصار. # هذا في عصر الصحابة، فلما جاء عصر التابعين ومن بعدهم قويت الحركة ~~العلمية بسبب الفتوح، ودخول الأمم المتحضرة في الإسلام، والحاجة إلى ~~تشريع واسع يتفق وما أحدثت المدينة من أحداث لم تكن، فكثر التدوين، ~~فابن خلكان يحدثنا أن وهب بن منبه المتوفى سنة 110ه وعمره تسعون سنة، ~~ألف في ترجمة الملوك المتوجة من حمير وأخبارهم وقصصهم وقبورهم ~~وأشعارهم. # وابن سعد في الطبقات يذكر لنا أن هشام بن عروة بن الزبير قال: «أحرق ~~أبي يوم الحرة كتب فقه كانت له، قال: فكان يقول بعد ذلك لأن تكون ~~عندي أحب إلي من أن يكون لي مثل أهلي ومالي» # 38 ~~. # ويقول في موضع آخر عن عبد الرزاق قال: «سمعت معمرا قال: كنا نرى ~~أنا قد أكثرنا عن الزهري حتى قتل الوليد، فإذا الدفاتر قد حملت على ~~الدواب من خزائنه - يقول - من علم الزهري» # 39 ~~. # ويروي الأغاني «أن عبد الحكم بن عمرو ms155 بن عبد الله بن صفوان الجمحي ~~(وكان في العصر الأموي) قد اتخذ بيتا فجعل فيه شطرنجات ونردات وقرقات ~~ودفاتر فيها من كل علم، وجعل في الجدار أوتادا، فمن جاء علق ثيابه على ~~وتد منها، ثم جر دفترا فقرأه، أو بعض ما يلعب به فلعب به» # 40 ~~. # وهذه كما ترى صورة لناد فيه أدوات اللعب وأدوات القراءة وفيه لعب ~~وقراءة. # ويقول ابن خلكان أيضا إن ابن شهاب الزهري «كان إذا جلس في بيته ~~وضع كتبه حوله، فيشتغل بها عن كل شيء من أمور الدنيا، فقالت له امرأته ~~يوما: والله لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر»، وقد توفي سنة ~~124ه، «وأن أبا عمرو بن العلاء وقد ولد نحو سنة سبعين للهجرة كانت ~~كتبه التي كتب عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتا له إلى قريب من السقف، ~~ثم إنه تقرأ - أي: تنسك - فأخرجها # 41 # كلها، فلما رجع إلى علمه الأول لم يكن عنده إلا ما حفظه ~~بقلبه، وكانت عامة أخباره عن أعراب قد أدركوا الجاهلية»؛ وقد روينا من ~~قبل أن خالد بن يزيد بن معاوية كتب ثلاث رسائل في الكيمياء وما إليها، ~~ذكر ابن النديم أن زياد بن أبيه ألف كتابا في علم الأنساب في مثالب ~~العرب، وطعن فيه في أنسابهم لما طعن الناس فيه. # هؤلاء وأمثالهم كانوا في العصر الأموي، وهذه الأخبار وإن كان بعضها ~~محلا للشك، فهي في جملتها تدلنا على أن التدوين لم ينشأ في العصر ~~العباسي كما يزعم بعضهم، ولكنه كان قبل ذلك، ويظهر مما عثرنا عليه أن ~~التدوين بدأ بتقييد العلم من غير أن تظهر فيه للمؤلف شخصية ما، وليس له ~~إلا الجمع، وكانت الكتب عبارة عن صحف يكتب عليها، وقد تكون صحفا مفرقة ~~ومبعثرة، فلما دخل الفرس والروم في الإسلام - وكانوا ذوي حضارة قديمة ~~وكتب مؤلفة من قبل - أدخلوا على اللغة العربية بعد أن تعلموها نظام ~~تأليف الكتب بالمعنى الذي نفهمه الآن من جمع ما يتعلق بالموضوع الواحد ~~في كتاب واحد. # ولكن ما كتب في عصر ms156 الأمويين لم يصل إلى أيدينا منه إلا القليل، ~~وأغلب هذه الكتب أخذت عن العلماء من طريق الرواية، وأدمجت في كتب ~~العباسيين التي كانت أتم نظاما، وأرقى في فن التأليف؛ وبعض هذه الكتب ~~الأموية كانت موجودة في العصر العباسي وما بعده؛ فابن النديم يقول: إنه ~~رأى صفحات أبي الأسود الدؤلي في النحو، وإنه رأى كتاب عبيد بن شرية في ~~الأمثال؛ وابن خلكان يقول: إنه رأى كتاب وهب بن منبه في تاريخ اليمن، ~~ولكن في عهدنا هذا لم يصلنا شيء يصح أن يوثق به إلا قليلا. # هذا مجمل الحركة العلمية في ذلك العصر، وسيأتي بعض تفصيل لها في ~~الأبواب التالية. # الفصل الرابع عشر # | مراكز الحياة العقلية # نلاحظ أن الدين والفن والعلم والأدب تنبع دائما من المدن، وتزهر فيها، كان ذلك في ~~القديم، وهو كذلك في الحديث؛ فأنت الآن ترى الأفكار الجديدة وآراء المصلحين إنما تنشأ ~~في المدن أولا؛ وكذلك معاهد العلم والأدب والفن من مدارس وجامعات ومكتبات وصحف ~~ومتاحف، إنما تعظم وتكثر في المدن لا في القرى، ولذلك أسباب أهمها: أن المدن أكثر ناسا ~~وأوفر عمرانا، وقد نشأت كثرة الناس والعمران من وفرة المؤن، إما لسبب مباشر كخصب الأرض ~~وجودتها وكثرة غلاتها، أو غير مباشر كأن تتبادل المدينة مصنوعاتها مع أمة أخرى خصبة ~~الأرض كثيرة الغلات أو نحو ذلك؛ وكثرة السكان على هذا النحو تستتبع نوعا من الغنى ~~يستطيع معه أهله أن يجدوا زمنا يصرفونه في غير كسب القوت، كما يستتبع نوعا من الرقي ~~السياسي يستطيع الناس معه أن يتبادلوا الآراء والأفكار، وينظروا إلى الحياة غير هذا ~~النظر المادي الوضيع، فينشأ الرأي، وينشأ العلم، ويزهو الأدب # 1 ~~. # كذلك تختلف المدن في نوع ما تمتاز به من العلوم، فقد تمتاز مدينة بعلم، وأخرى بعلم ~~آخر، وثالثة بفن أو أدب؛ وهكذا، فأنت إذا رأيت الحديث مثلا ونوعا من التاريخ ~~الإسلامي كان يكثر في الحجاز في ذلك العصر، وأن المذاهب الدينية نبع أكثرها في العراق، ~~وأن النحو نبع في البصرة، فلا تظن أن ذلك كان ms157 مجرد اتفاق، بل الواقع أن هناك أسبابا ~~اجتماعية أنتجت ذلك، ولم يكن في الإمكان أن يكون غير ما كان، واختلاف المدن في الشهرة ~~العلمية ونوع العلم الذي تمتاز به يرجع إلى أسباب، أهمها بالنظر إلى العصر الذي نبحث ~~فيه: تكون المدنية الإسلامية على أطلال مدنيات قديمة طبعت البلاد بطابع خاص كالذي كان ~~في مدن العراق والشام، فلما فتحها المسلمون لم تتجرد من طابعها وعقليتها القديمة؛ ولكن ~~أثر فيها الإسلام أثرا جديدا، فكانت العقلية الجديدة نتيجة العاملين معا؛ ومنها أن ~~العلماء الأولين من الصحابة ومن يلحق بهم، مع اختلاف شخصياتهم العلمية التي بينا، ~~نزلوا في البلاد المختلفة، وكونوا فيها مدارس ومذاهب تبعا لمزاجهم العقلي، فتأثرت ~~البلاد التي نزلوا فيها بشخصياتهم، ونهجوا في العلم مناهجهم! ومنها ظهور أحداث سياسية ~~وغير سياسية، كان لها أثر كبير في امتياز بعض المدن بنوع من العلم ونمط من التفكير! ~~فظهور رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في مكة وهجرته إلى المدينة جعل لمكة والمدينة صبغة علمية ~~خاصة؛ وكثرة الأحداث السياسية في العراق وتلاحق الفتن فيه كان له الأثر الكبير في نشوء ~~المذاهب الدينية به، وقرار الخلافة الأموية في دمشق لم يخل من أثر في تكييف الحياة ~~العلمية فيها؛ وهكذا مما سنعرض لبيانه بعد، وعلى الجملة فقد كانت أهم المراكز العقلية ~~في ذلك العصر مكة والمدينة في الحجاز، والبصرة والكوفة في العراق، ودمشق في الشام، ~~والفسطاط في مصر. # الحجاز: قطر فقير خلا من الأنهار، وكسيت أرضه غالبا بالصخور والرمال، واشتدت حرارته ~~فلم تسمح للنبات أن ينمو إلا في وديان بعثرت هنا وهناك، يعيش أكثر أهله عيشة بدوية، لم ~~يتصلوا بالعالم الذي حولهم إلا بالقدر الذي أبناه - من قبل - ولم تتعاقب عليهم مدنيات ~~مختلفة تورثهم حضارة وعلما، ولم يصل إليهم من العالم المتحضر إلا أثارة من اليهودية ~~والنصرانية وقليل من الحكمة والفلسفة من طريق غير معبد؛ ومع هذا فإنهم وإن لم ~~يرثوا مدنية وعلما عن أمم حكموهم وتعاقبوا عليهم، فقد أورثهم استقلالهم أنفة وعزة ~~واعتدادا بالنفس وحرية جاوزت ms158 الحد، حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكا أجمعين. # جاء الإسلام فكان لمدينتي الحجاز - أعني مكة والمدينة - شأن علمي كبير، ولكنه العلم ~~الديني المطبوع بالطبع العربي؛ فأما مكة فلأنها كانت منبع الإسلام وبها كانت نشأة محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، وبها كانت الأحداث الأولى من دعوة قريش إلى الإسلام ومناهضتهم الدعوة، وبها ~~كان التشريع المكي، وهو لا يفهم فهما حقا حتى يفهم ما كان يحيط به من ظروف مكية، ~~وبعض هذا التشريع الإسلامي إنما هو إقرار لما كان يفعل في مكة قبل الإسلام ككثير من ~~مناسك الحج. # وأما المدينة فمهاجر النبي # صلى الله عليه وسلم # وأصحابه، وبها كان أكثر التشريع الإسلامي، ~~وكانت منبعا لأكثر الأحداث التاريخية في صدر الإسلام، وبها حدث النبي # صلى الله عليه وسلم # أكثر ~~حديثه، وهو لا يفهم تمام الفهم إلا أن يفهم ما أحاط به من ظروف مدنية، وكانت مركز ~~الخلافة في أهم عصر من عصور الإسلام أيام أبي بكر وعمر وعثمان، وبها كان كثير من أكابر ~~الصحابة قد شاهدوا ما فعل النبي وسمعوا ما قال، وكانوا شركاء في بعض ما وقع من أحداث ~~كغزوات وفتوح، فهم يحدثون بما سمعوا وشاهدوا. # فلا غرو إذا أن كانت مكة والمدينة مركزين من أهم مراكز الحياة العلمية في ذلك العصر، ~~يقصدهما طلاب الحديث وطلاب الفقه وطلاب التاريخ، وقد فاقت المدينة مكة في ذلك؛ لأن أشهر ~~من أسلم من أهل مكة هاجر مع النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى المدينة، وكان من يسلم بعد الهجرة من ~~أهل مكة يهاجر كذلك، خصوصا إذا كان من رجالات قريش وعقلائها؛ ثم كانت المدينة مقصد من ~~يريد الإسلام في عهد النبي من سكان جزيرة العرب، وكثير منهم كانت تدعوه الحماسة ~~الدينية أن يقيم بجوار النبي يتعلم منه ويتعبد معه، ويسمع من قوله، ويشاركه في ~~غزواته؛ وبعد وفاة الرسول كانت مقر الخلافة، ومركز كبار الصحابة، حتى يحرم عمر على ~~كبار قريش أن يبرحوها إلا لحاجة ماسة، وكانت في عهد الفتوح الكبيرة موردا للأسرى، وقد ~~رأيت أن ms159 عمر كان يحرم أن توزع الأسرى في مواطن الحروب، فكان يأتي بهم أولا إلى ~~المدينة، وكثير من هؤلاء الأسرى من الفرس والروم وكانوا من الطبقة الأرستقراطية في ~~قومهم، وكانوا متعلمين على النمط الذي ساد في أمتهم وعصرهم، فأقام منهم بالمدينة ~~كثيرون، عد منهم ابن سعد في طبقاته عددا كبيرا، وكانوا موالي لكبار الصحابة وأسلموا ~~على أيديهم فصبغوا الحياة الإسلامية بعقليتهم التي تخالف - من بعض الوجوه - عقلية ~~العرب، وكانوا قد ألفوا في قومهم علما منظما كتبا مدونة، فأخذوا يتبعون هذا في ~~تعاليم الإسلام، كل هذا جعل المدينة تفوق مكة من هذه الناحية العلمية؛ أضف إلى ذلك أن ~~المهاجرين كانوا يكرهون في أول عهد الإسلام - دينا - أن يتحولوا من المدينة إلى مكة، ~~روى ابن سعد: «قال محمد بن عمر: لا نعلم أحدا من المهاجرين من أهل بدر رجع إلى مكة - ~~يعني بعد وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~- فنزلها غير أبي سبرة، فإنه رجع إلى مكة بعد وفاة ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # فنزلها، فكره ذلك له المسلمون، وولده ينكرون ذلك، ويدفعون أن يكون رجع ~~إلى مكة فنزلها بعد أن هاجر منها، ويغضبون من ذكر ذلك» # 2 ~~. # لهذا كانت مدرسة المدينة أغزر علما وأبعد شهرة، تخرج فيها أكثر علماء ذلك العصر في ~~التفسير والحديث والفقه والتاريخ، يقصدها طلبة العلم من أقاصي البلدان لتلقي العلم عن ~~علمائها؛ فابن الأثير يحدثنا أن عبد العزيز بن مروان بعث ابنه «عمر» إلى المدينة ~~للتأدب بها، وكتب إلى صالح بن كيسان أن يتعاهده، فأبطأ عمر يوما عن الصلاة، فقال: ما ~~حبسك؟ فقال: كانت مرجلتي تصلح شعري، فكتب إلى أبيه بذلك، فأرسل أبوه رسولا، فلم ~~يزل به حتى حلق شعره، ونرى محمد بن إسحاق والواقدي نشأ بالمدينة وتخرجا في مدرستها، ~~فكان عليهما اعتماد كل من كتب بعدهما في المغازي والسير؛ وهذا طبيعي، فمن أحفظ لحديث ~~رسول الله وأخبر بغزواته، وأعرف بحياته وحياة خلفائه من أهل المدينة، وبين سمعهم وبصرهم ~~كانت هذه الأحداث؟ والآن نذكر طرفا من أخبار مدرسة ms160 مكة ومدرسة المدينة وأشهر علمائهما: # مدرسة مكة: # لما فتح رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مكة خلف فيها معاذا يفقه أهلها ويعلمهم ~~الحلال والحرام ويقرئهم القرآن، وكان معاذ من أفضل شباب الأنصار علما ~~وحلما وسخاء، وقد شهد المشاهد كلها مع رسول الله، وكان يعد من ~~أعلم الصحابة بالحلال والحرام ومن أقرئهم للقرآن، وممن جمع القرآن على ~~عهد الرسول، وقد روى عنه ابن عباس وابن عمر، ومات شابا في طاعون ~~عمواس. # كذلك علم بمكة عبد الله بن عباس في أخريات أيامه، فقد علم في ~~البصرة وعلم في المدينة، ثم لما كان الخلاف بين عبد الملك بن مروان ~~وعبد الله بن الزبير ذهب إلى مكة وعلم بها، فكان يجلس في البيت ~~الحرام، ويعلم التفسير والحديث والفقه والأدب، وإلى عبد الله بن عباس ~~وأصحابه يرجع الفضل فيما كان لمدرسة مكة من شهرة علمية، وأشهر من تخرج ~~في هذه المدرسة من التابعين مجاهد بن جبر وعطاء بن أبي رباح، وطاووس ~~بن كيسان # 3 ~~، وثلاثتهم من الموالي، فمجاهد مولى بني مخزوم، وقد اشتهر ~~برواية أقوال ابن عباس في تفسير القرآن، وروي أنه قال: «عرضت القرآن ~~على ابن عباس ثلاث عرضات، أقفه عند كل آية، أسأله فيما نزلت، وكيف ~~كانت؟» # وعطاء كان من مولدي الجند؛ وكان مولى لبني فهر، وكان أسود أفطس ~~مفلفل الشعر، ومن جلة فقهاء مكة وزهادها، وكان يعد من أعلم الناس ~~بمناسك الحج، وكان يجلس في المسجد الحرام ويجتمع الناس حوله فيفتيهم ~~ويحدثهم ويعلمهم. # وطاووس كان من أبناء الفرس في اليمن، وقد أدرك كثيرا من الصحابة ~~وأخذ عنهم ثم انقطع إلى ابن عباس وكان من خاصة تلاميذه، ثم كان من سادة ~~التابعين، ومن فقهاء مكة ومفتيها. # واستمرت هذه المدرسة قائمة تتلقى العلم فيها طبقة عن طبقة، ويطول ~~بنا القول لو عددنا مشهوري العلماء من كل طبقة وترجمة حياتهم، غير ~~أنا نذكر هنا أنه كان من مشهوري الطبقة الخامسة سفيان بن عيينة، ~~ومسلم بن خالد الزنجي، وكلاهما كان من الموالي، وعليهما أخذ الإمام ~~الشافعي ms161 القرشي علمه - في نشأته الأولى - فقد ولد بغزة، ثم حملته ~~أمه صغيرا إلى مكة فتعلم الأدب في باديتها، يحفظ الأشعار ويتعلم ~~اللغة، ثم نشأ في مدرستها يأخذ الحديث والفقه عمن ذكرنا من علمائها، ~~ولما قارب العشرين من عمره تحول إلى المدينة يتم فيها دراسته. # مدرسة المدينة: # قلت: إن مدرسة المدينة كانت أكثرها علما وأوفرها شهرة، وأبنت ~~السبب في ذلك، وقد اشتهر فيها كثير من الصحابة العلماء كعمر وعلي؛ ~~ولكن أشهر من امتاز بالعلم فيها وتخصص للحياة العلمية وكثر بها أصحابه ~~وتلاميذه زيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، ولكن كلاهما يختلف ~~في منحاه العلمي عن الآخر؛ فزيد بن ثابت أنصاري صحب النبي # صلى الله عليه وسلم # منذ ~~صباه، وتعلم السريانية والعبرية، ولكن لا ندري إلى أي حد كان مثقفا ~~بثقافتهما، فهم يحدثوننا أنه تعلم اليهودية في نصف شهر والسريانية في ~~سبعة عشر يوما، وهي أيام قليلة لا تكفي لحذق لغة والقدرة على تفهم ~~آدابها؛ فهل استمر يتعلم حتى نال قسطا من آداب اللغتين؟ ذلك ما لا ~~ندري، كان ضليعا في فهم تعاليم الإسلام، وله القدرة الفائقة على ~~استخراج الأحكام من الكتاب والسنة، ومن الرأي - إذا لم يكن كتاب ولا ~~سنة - حتى قال سليمان بن يسار: «ما كان عمر ولا عثمان يقدمان على ~~زيد بن ثابت أحدا في القضاء والفتوى والفرائض والقراءة»، وقال القاسم: ~~«كان عمر يستخلف زيد بن ثابت في كل سفر يسافره، وكان يفرق الناس في ~~البلدان ... ويطلب إليه الرجال المسمون (النابهون) فيقال له زيد بن ~~ثابت، فيقول: لم يسقط على مكان زيد، ولكن أهل البلد يحتاجون إلى زيد ~~فيما يجدون عنده فيما يحدث لهم ما لا يجدون عند غيره»؛ وقال قبيصة: ~~«كان زيد بن ثابت مترئسا بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة ~~والفرائض في عهد عمر وعثمان وعلي في مقامه بالمدينة وبعد ذلك خمس ~~سنين حتى ولي معاوية سنة 40ه، فكان كذلك أيضا حتى توفي زيد سنة 45»، ~~وكان ابن عباس يأخذ بركابه ويقول: «هكذا يفعل بالعلماء والكبراء» ms162 وكان ~~ذا عقل رياضي فكان أعلم الناس بالفرائض (المواريث وتقسيمها)، وولي ~~قسمة الغنائم في اليرموك، وعلى الجملة فكان عالما وفقيها معا، أعني ~~واسع الاطلاع، قادرا على استنباط المعاني، ذا رأي فيما لم يرد فيه ~~أثر، ويروى أن حسان بن ثابت رثاه فقال: # فمن للقوافي بعد حسان وابنه # ومن للمعاني بعد زيد بن ثابت # وهذه «المعاني» التي وردت في هذا البيت هي الميزة التي امتاز بها عن ~~عبد الله بن عمر، فقد كان عبد الله عالما فقط؛ يجمع الأحاديث ويرويها ~~ويكتبها ويتحرج من الفتوى وإبداء الرأي، وهما نزعتان ظلتا تسيران ~~جنبا إلى جنب عهدا طويلا كما سيأتي بيانه. # على هؤلاء العلماء من الصحابة في المدينة تخرج كثير من علماء ~~التابعين، من أشهرهم سعيد بن المسيب - وكان من تلاميذ زيد بن ثابت ~~يحفظ قضاياه وفتاويه، ويفضل قوله على قول غيره - وعروة بن الزبير بن ~~العوام وكان من أعلم أهل المدينة وأورعهم وعن هذه الطبقة أخذ ابن شهاب ~~الزهري القرشي، وقد حفظ فقه علماء المدينة وحديثهم، وكان من أسبق ~~العلماء إلى تدوين العلم، واتصل بكثير من خلفاء بني أمية، وكان موضع ~~احترامهم، كعبد الله بن مروان وهشام، واستقضاه يزيد بن عبد الملك، وقال ~~فيه عمر بن عبد العزيز: «إنكم لا تجدون أعلم بالسنة الماضية ~~منه». # وأخيرا أنجبت هذه المدرسة مالك بن أنس إمام دار الهجرة. ~~••• # بجانب هذه الحياة الجليلة الوقورة، التي تصفها لنا كتب طبقات المحدثين والفقهاء ~~والمفتين، كانت تسود في الحجاز حياة أخرى، هي حياة فرح ومرح وطرب وشراب، تصفها لنا كتب ~~الأدب وخاصة كتاب الأغاني، فمن الحق أن نصور هذا العصر من جميع جهاته كما كان، بالحجاز ~~زهد وورع وتقوى وحديث وفقه؛ وكان بالحجاز شراب وتشبيب بالنساء - حتى في موسم الحج - ~~ولهو ولعب كثير، وكما أنتجت الحياة الأولى علما كثيرا، أنتجت الحياة الثانية فنا ~~بديعا من غناء وتنادر وأدب، ومن العجب أن يفوق هذا الفن في الحجاز مثيله في العراق ~~والشام - على ما يظهر لنا - فقد امتلأت مكة والمدينة وضواحيهما بالمغنين ms163 والمغنيات، حتى ~~روى لنا أبو الفرج أن المغنين كانوا يخرجون إلى الحج قوافل؛ واشتهر في عصر واحد أربعة ~~من كبار المغنين: ابن سريج، والغريض، ومعبد، وحنين، وكان الثلاثة الأولون ~~بالحجاز، والأخير وحده بالعراق، فاجتمع الأولون فتذاكروا، وكتبوا لحنين يقولون: نحن ~~ثلاثة وأنت وحدك فأنت أولى بزيارتنا! فشخص إليهم ... واجتمعوا بمنزل سكينة، فلما دخلوا ~~أذنت للناس إذنا عاما فغصت الدار بهم ... وازدحم الناس على السطح وكثروا ليسمعوه، فسقط ~~الرواق على من تحته ومات حنين تحت الهدم # 4 ~~، واجتمع في زمن واحد من مشهوري المغنين والمغنيات في الحجاز جميلة وهيت ~~وطويس والدلال وبرد الفؤاد ونومة الضحى ورحمة وهبة الله ومعبد ومالك وابن عائشة ~~ونافع بن طنبورة وعزة الميلاء وحبابة وسلامة وبلبلة ولذة العيش ~~وسعيدة والزرقاء ... إلخ، ويرون أن هؤلاء حجوا فتلقاهم في مكة سعيد بن مسجح وابن ~~سريج والغريض وابن محرز، وخرج أبناء أهل مكة من الرجال والنساء ينظرون إلى حسن ~~هيئتهم ... إلخ # 5 ~~، ويقول أبو الفرج: «إن الناس قد اجتمعوا عند جميلة فضربت ستارة، وأجلست ~~الجواري كلهن، فضربن، وضربت، فضربن على خمسين وترا فتزلزلت الدار، ثم غنت على ~~عودها، وهن يضربن على ضربها» ... إلخ # 6 ~~. # وكان لمغني مكة مذهب في الغناء ولمغني المدينة مذهب، وكان بين الفريقين مفاخرة، وأقبل ~~الناس على الغناء يسمعونه، حتى يروي لنا أبو الفرج أيضا أنه نمى إلى عبد الملك أن ~~رجلا أسود بمكة يقال له سعيد بن مسجح أفسد فتيان قريش وأنفقوا عليه أموالهم، فكتب ~~إلى عامله أن اقبض ماله وسيره # 7 ~~، وحتى يروى لنا أن الإمام مالك بن أنس قال: «نشأت وأنا غلام حدث أتبع ~~المغنين وآخذ عنهم، فقالت لي أمي: يا بني، إن المغني إذا كان قبيح الوجه لم يلتفت ~~إلى غنائه، فدع الغناء واطلب الفقه، فإنه لا يضر معه قبح الوجه، فتركت المغنين واتبعت ~~الفقهاء، فبلغ الله بي عز وجل ما ترى» # 8 ~~. # وإلى الغناء كان التنادر والفكاهة الحلوة، فكان الناضري مندر أهل المدينة ~~ومضحكهم، ثم خلفه أشعب، فملأ الحجاز ملحا ونوادر، كما ms164 أمتع أهله بحسن صوته، وخلف لنا ~~في كتب الأدب نوادر ممتعة، أضحك بها أهل المدينة في مجالسهم. # والحق أن الحجاز كان غنيا بفني الغناء والمنادرة ، كما كان غنيا بالفقه ~~والحديث، وكان أكثر المغنين في قصور أمراء بني أمية وخلفائهم ممن تخرجوا في مدرسة ~~الحجاز، وليس عجيبا أن يكثر الفقه والحديث في الحجاز لما بينا، إنما كان عجيبا أن ~~يبز الحجاز العراق والشام في الغناء وما إليه، فقد كان أقرب إلى الذهن أن يكون العراق ~~وارث المدنيات المتتابعة، أو الشام - وقد تحضر بحضارة الرومانيين - أسبق من الحجاز في ~~إجادة الغناء وما يحيط به من لهو ومجون، والحجاز كما قدمنا أقرب إلى البداوة، وهو إذا ~~قورن بالعراق أو الشام كان فقيرا مجدبا، فما السر في ذلك؟ # لعل السبب ما نراه في ثنايا الكتب من ظرف أهل الحجاز ورقة شعورهم، وأنهم في ذلك ~~العصر فاقوا أهل العراق والشام، حتى لقد كان فقهاء الحجاز أوسع صدرا وأكثر تسامحا في ~~الغناء والمجون من أهل العراق، وقد رأينا قبل أن ما لأهل العراق من تشدد في الدين كان ~~وليد الفرس؛ جاء في الأغاني أن عبيد الله بن عمر العمري قال: «خرجت حاجا فرأيت ~~امرأة جميلة تتكلم بكلام رفثت فيه، فأدنيت ناقتي منها ثم قلت لها: يا أمة الله! ~~ألست حاجة؟ أما تخافين الله؟ فسفرت عن وجه يبهر الشمس حسنا ثم قالت: تأمل يا ~~عمي فإني ممن عنى العرجي بقوله: # من اللاء لم يحججن يبغين حسبة # ولكن ليقتلن البريء المغفلا # قال: فقلت لها: فإني أسأل الله ألا يعذب هذا الوجه بالنار، وبلغ ذلك سعيد بن المسيب ~~(مفتي المدينة) فقال: أما والله لو كان من بعض بغضاء أهل العراق لقال لها: اعزبي ~~قبحك الله، ولكن ظرف عباد الحجاز» # 9 ~~. # وروى أن سعد بن إبراهيم - وكان يقضي بين الناس في مسجد رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~- جلد ~~داود بن سلم؛ لأنه رأى عليه ثيابا ملونة يجرها في سماجة، فقال الشاعر: # جلد العادل سعد # بن سلم في السماجه # فقضى ms165 الله لسعد # من أمير كل حاجه # 10 # وتقرأ في الأغاني ترجمة عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أحد الفقهاء السبعة فترى له ~~شعرا في الغزل ظريفا # 11 ~~. # وروى في موضع آخر عن داود الثقفي، قال: «كنا في حلقة ابن جريج وهو يحدثنا، وعنده ~~جماعة فيهم عبد الله بن المبارك وعدة من العراقيين، إذ مر به ابن ميزن المغني ~~فدعاه ابن جريج، فقال له: أحب أن تسمعني، قال: أنا مستعجل، فألح عليه ... فغناه، وقال: ~~لولا مكان هؤلاء الثقلاء عندك لأطلت معك حتى تقضي وطرك! فالتفت ابن جريج إلى أصحابه ~~فقال: لعلكم أنكرتم ما فعلت! # فقالوا: إنا لننكره عندنا بالعراق ونكرهه، قال: فما تقولون في الرجز؟ يعني ~~الحداء. # قالوا: لا بأس به عندنا، قال: فما الفرق بينه وبين الغناء؟!» # 12 # ويحكي الأغاني أيضا أن حنينا خرج إلى الشام واجتمع بالفتيان، فقلب لهم ~~الغناء على جميع ألوانه فلا فكهوا له ولا سروا به، وتمنوا أبا منبه، فلما حضر غنى لهم ~~غناء سخيفا فطربوا له، فأقسم ألا يبيت في هذا البلد! # 13 # وقد يكون السبب أن الحجاز كان به أرستقراطية العرب وهم العنصر الفاتح، وقد نال هؤلاء ~~الأرستقراطيون خير الجواري وأرفعهن نسبا، وأكثرهن تأدبا؛ ومنهن من تربي ببيت الملوك ~~والأمراء، وتأدب بآداب الحضارة، فنقلن ذلك إلى الحجاز وصبغنه بالصبغة العربية، وكان لهن ~~الفضل في تأسيس مدرسة الغناء في الحجاز. # وقد تكون العلة أن البدو إذا تحضروا وبسط لهم في العيش أسرفوا في اللهو، شأن كثير ~~ممن غني بعد الحرمان. # وربما كان السبب أن الأمويين تبوءوا الخلافة وحصروها فيهم، بل في بيت من بيوتهم ~~وضيقوا على من عداهم في بطون قريش، وحجروا عليهم التفكير في الشئون السياسية، وكان ~~الشام هو العنصر المؤيد لخلفاء بني أمية، والعراق هو العنصر المعارض، فانصرف فتيان ~~الحجاز بما لهم من مال وفير وجاه عزيز عن الإمارة والخلافة والسياسة إلى اللهو، فكان ~~الظرف، وكان الغناء، وكان الشراب، وكان المجون. # وقد يكون من الحق أن تكون كل هذه أسبابا أنتجت ما ms166 ذكرنا. # وكان لهذا النوع من الحياة أثر في الأدب كبير، ليس من شأننا هنا التعرض له. # العراق: هو الجزء الجنوبي من وادي دجلة والفرات، خصبت أرضه وغزر ماؤه، واعتدل ~~جوه ، فكان من أسبق الأقاليم مدنية وعمرانا، فقديما تعاقبت عليه الأمم المتحضرة من نحو ~~ثلاثين قرنا قبل الميلاد؛ فالبابليون والآشوريون والكلدانيون والفرس واليونان، كل ~~هؤلاء أنشئوا في العراق ممالك تختلف صبغتها، وكانت مدنيتهم منارا يلقي أشعته على ما ~~حوله من البلدان. # وقديما عرفه العرب فنزلت فيه قبائل من بكر وربيعة، ثم كونوا فيه إمارة هي إمارة ~~المناذرة في الحيرة - وهي التي وصفناها قبل - ثم استولوا عليه بعد الإسلام في عهد عمر، ~~وأنشئوا فيه البصرة والكوفة، فأسرع إليهما النمو، وتحولت إليهما كنوز المدائن، وحضارة ~~بابل والحيرة، وتركزت فيهما مدنية العراق في عهد الأمويين، حتى كان إذا قيل العراق ~~فمعناه البصرة والكوفة، وكانوا أحيانا يطلقون عليهما «العراقين». # لما فتح العراق وسمع العرب بغناه رغبوا في الرحلة إليه، جاء في الطبري: «بعث عتبة ~~أنس بن حجية إلى عمر بمنطقة مرزبان دست ميسان، فقال له عمر: كيف ~~المسلمون؟ فقال: انثالت عليهم الدنيا فهم يهيلون الذهب والفضة، فرغب الناس في البصرة ~~فأتوها»، وترك عمر الأرض في يد أهلها ووضع عليها الخراج فجعل على جريب # 14 # النخل عشرة دراهم، وعلى جريب القصب ستة دراهم، وعلى جريب البر أربعة ~~دراهم، وعلى جريب الشعير درهمين؛ فبلغ الخراج - على ما يقولون - مئة مليون درهم، وضرب ~~على أهلها الجزية، فكان من تجب عليهم الجزية 550000، وتختلف قيمة الجزية - كما علمت - ~~بين 48 درهما في السنة و24 و12 حسب الثروة: فترى من هذا مقدار ثروة العراق وغناه، مما ~~حبب إلى العرب سكناه. # رحل العرب إلى العراق يحملون بين جنوبهم العصبية القبلية # 15 # وأرستقراطية الفاتح، فكان من مظاهر الأمر الأول أن البصرة والكوفة خطط كل ~~منهما تخطيطا قبليا، فقد قسمت الكوفة مثلا قسمين: القسم الشرقي - وكان خير القسمين ~~- والقسم الغربي، فاقترع على من يأخذ خير القسمين: اليمنيون أم النزاريون؟ فنال القسم ~~الشرقي اليمن، والقسم ms167 الغربي نزار، ثم اختط كل فريق جزءا من أرضه حسب القبائل # 16 ~~، ويروي الشعبي أن اليمنيين بالكوفة كانوا أكثر من النزاريين، فكان اليمنيون ~~اثني عشر ألفا، والنزاريون ثمانية آلاف # 17 ~~، وكانت هذه العصبية مثارا للنزاع الشديد كما رأيت - مما حكينا عن ابن أبي ~~الحديد - وكان عرب الكوفة إذا قاتلوا عرب البصرة انحازت كل قبيلة ناحية وقاتلت مثيلتها ~~في الجانب الآخر، فيمن الكوفة يقاتلون يمن البصرة، وربيعة الكوفة تقاتل ربيعة البصرة، ~~ومضر الكوفة تقاتل مضر البصرة # 18 ~~. # وأما أرستقراطية الفاتح فكان مظهرها في موقف العرب إزاء الموالي، فقد كان أكثر سكان ~~العراق من الفرس، والعرب فيه أقلية، فقد رأيت أنه أحصي من تجب عليهم الجزية في العراق ~~فكانوا خمس مئة ألف وخمسين ألفا، هذا عدا من أسلموا من الفرس ولم تجب عليهم الجزية، ~~هؤلاء الموالي كانوا يحالفون العرب ويدخلون في ولائهم لحمايتهم، ويعدونهم سادتهم، ~~ويتعصب كل قوم منهم للقبيلة التي حالفوها من العرب، يقول البلاذري: «حالفت الأساورة # 19 # الأزد، ثم سألوا عن أقرب الحيين - من الأزد وبني تميم - نسبا إلى ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # والخلفاء، وأقربهم مددا، فقيل بنو تميم، فحالفوهم»، وكان هؤلاء الموالي ~~هم القائمين بالحرف والصناعات والتجارة في العراق، وكان العنصر السائد المشرف على الأمر ~~الذي بيده زمام الحرب هم العرب. # تحولت هذه العصبية القبلية إلى عصبية للمدينة التي سكنوها، فعرب الكوفة ومواليها ~~يتعصبون للكوفة، وعرب البصرة ومواليها يتعصبون للبصرة؛ يفخر كل منهما بطبيعة الأرض ~~وموقعها الجغرافي، ويفخر كل بما كان على يده من فتوح البلدان، ويفخر كل بمن نزل ~~عندهم من صحابة رسول الله، ويعير كل الآخر ما نبت عنده من دعاة للضلالة؛ وأخيرا ~~كانوا يتفاخرون بالعلم # 20 ~~، وظهرت هذه المفاخرات العلمية والمناظرات، وتعصب كل مدينة لعلمائها، ~~ظهورا بينا في كثير من فروع العلم؛ فالبصريون والكوفيون في النحو، والبصريون ~~والكوفيون في الفقه، والبصريون والكوفيون في المذاهب الدينية وعلم الكلام، والبصريون ~~والكوفيون في الأدب؛ يقول أعشى همدان: # اكسع البصري إن لاقيته # إنما يكسع من قل وذل # واجعل الكوفي ms168 في الخيل ولا # تجعل البصري إلا في النفل # وإذا فاخرتمونا فاذكروا # ما فعلنا بكم يوم الجمل # بين شيخ خاضب عثنونه # وفتى أبيض وضاح رفل # جاءنا يخطر في سابغة # فذبحناه ضحى ذبح الحمل # وعفونا فنسيتم عفونا # وكفرتم نعمة الله الأجل # ويظهر أن العراق - على الجملة - كان أكثر البلاد الإسلامية ثروة علمية وأدبية - إذا ~~استثنينا بعض فروع تفوق فيها أهل الحجاز - ولثروة العراق العلمية أسباب أهمها: ~~(أولا): # أن العراق - كما علمنا - أسس على مدنيات قديمة لها علم مأثور، فكان ~~طبيعيا أن ينهض أهله بعد ثروة الفتح فيستعيدوا حضارتهم القديمة ~~وعلمهم الموروث، كان السريانيون منتشرين في أرض العراق قبل الفتح، ولهم ~~مدارس يدرسون فيها الآداب اليونانية، وكانت في العراق مذاهب نصرانية ~~تتجادل في كثير من العقائد كالذي رأيت، وكان في الحيرة يونان مثقفون من ~~أسارى الحروب الفارسية اليونانية، فكان لا بد أن تتخلف من هذا جميعه ~~آراء وأفكار خمدت أثناء الحروب، ثم استيقظت بعد أن قرت سياسة البلاد، ~~وكان كثير من أهل العراق دخل في الإسلام، فأخذت هذه الآراء تصطبغ ~~بالصبغة الإسلامية، يزهر منها ما يتفق والإسلام، ويذبل منها ما ~~يخالفه. # أضف إلى ذلك أن العراق - كما علمت - قطر غني يتوافر فيه العيش فيجد ~~الناس من أوقاتهم ما يسمح لهم بالعلم. ~~(ثانيا): # لعل العراق كان أكبر الأقاليم الإسلامية ميدانا للحروب والفتن في ~~عهد الدولة الأموية، فمنذ مقتل عثمان وهو مشتعل؛ ذهبت عائشة وطلحة ~~والزبير إلى البصرة، فذهب علي إلى الكوفة، وكانت بين البصرة والكوفة ~~وقعة الجمل؛ وذهب الحسين إلى الكوفة فكان بها مقتله؛ وخرج المختار ~~الثقفي بالكوفة يطلب بثأر الحسين، واستولى مصعب بن الزبير على البصرة ~~وسار إلى الكوفة فقتل المختار؛ وجهز عبد الملك جيشا وسير إلى العراق ~~مصعبا؛ وتغلب عبد الرحمن بن الأشعث على الكوفة فسار إليه الحجاج وتغلب ~~عليه، كان من أثر ذلك طبيعيا أن يتساءل الناس: من المخطئ ومن ~~المصيب؟ هل أخطأ قتلة عثمان أو أصابوا؟ هل لعلي يد في دم عثمان؟ هل ~~لطلحة والزبير وعائشة حق في قتال علي؟ ms169 هل أصاب علي في التحكيم؟ هل ~~يصح الخروج على عبد الملك لظلم واليه والحجاج وسفكه للدماء؟ وهل أصاب ~~من فعل ذلك وخرج مع ابن الأشعث؟ كل هذه أسئلة كانت تثار، وكانت تثار ~~بكثرة حتى في دروس الأساتذة في المساجد، وإذ كان العراق ميدانا لأكثر ~~هذه الحروب كان أهله أكثر الناس جدالا في هذا، فكان طبيعيا أن يكون ~~منبعا للكثير من المذاهب الدينية؛ لأن كثيرا منها بني على نحو هذا ~~الأساس كما سيأتي بيانه، جاء في طبقات ابن سعد: أن الحسن البصري كان من ~~رءوس العلماء في الفتن والدماء، ودخل عليه قوم فقالوا له: يا أبا ~~سعيد، ما تقول في هذا الطاغية (يعني الحجاج) الذي سفك الدم الحرام، ~~وأخذ المال الحرام، وترك الصلاة، وفعل وفعل؟ ... إلخ، وقال: «سأل رجل ~~الحسن: ما تقول في الفتن؟ مثل يزيد بن المهلب وابن الأشعث؟ فقال: لا ~~تكن مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، فقال رجل من أهل الشام: ولا مع أمير ~~المؤمنين يا أبا سعيد؟ فغضب، ثم قال بيده فخطر بها، ثم قال: ولا مع ~~أمير المؤمنين يا أبا سعيد؟ نعم ولا مع أمير المؤمنين» # 21 # إلى كثير من أمثال ذلك. ~~(ثالثا): # كان العراق عربا وموالي - كما علمت - وكانت السيادة للعرب، فاضطر ~~الموالي لتعلم اللغة العربية لدينهم ولدنياهم، فكانوا مضطرين إلى نوع ~~من العلم يسهل لهم طريق التعلم، فمست الحاجة إلى وضع علم النحو، وكان ~~طبيعيا أن ينشأ ذلك في العراق لا في الحجاز ولا في الشام؛ لأن الحجاز ~~لم يكن في حاجة إلى قواعد يقيم بها لسانه؛ لأن موالي العراق أكثر رغبة ~~من موالي الشام، لما علمت من أن رغبة الفرس في العربية كانت أكثر من ~~رغبة سواهم، ولأن الآداب السريانية كانت في العراق قبل الإسلام، وكان ~~لها قواعد نحوية، فكان من السهل أن توضع قواعد عربية على نمط القواعد ~~السريانية، خصوصا واللغتان من أصل سامي واحد؛ لهذا كان السابقون إلى ~~وضع النحو هم البصريين أولا ثم الكوفيين، وفاق البصريون لقربهم من ~~بادية العرب وبعد ms170 الكوفيين عن البادية الفصيحة. # والآن نستعرض باختصار الحركة العلمية في البصرة والكوفة من مبدئها: # الكوفة: # نزل الكوفة من أصحاب رسول الله كثيرون، وكان أشهرهم في العلم علي ~~بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود؛ فأما علي فكان عمله السياسي في ~~العراق واشتغاله بالحرب وشئونها مانعا له من التفرغ للتعليم؛ وأما ابن ~~مسعود فهو أكثر الصحابة أثرا علميا فيها، كان ابن مسعود من أول ~~الناس إسلاما، حتى روي أنه سادس ستة أسلموا، وهاجر إلى الحبشة مع من ~~هاجر، وإلى المدينة، ولازم النبي # صلى الله عليه وسلم # يخدمه، وسمح له أن يدخل بيته ~~حين لا يسمح لغيره، وشغف بالقرآن يحفظه ويتفهمه؛ كل ذلك جعله يفهم من ~~تعاليم الإسلام ومعاني القرآن وأعمال الرسول ما عد من أجله من كبار ~~علماء الصحابة، بعثه عمر بن الخطاب إلى أهل الكوفة يعلمهم، فأخذ عنه ~~كثير من الكوفيين، ولزمه تلاميذ له يتعلمون عنه العلم ويتأدبون بأدبه، ~~قال فيهم سعيد بن جبير: «كان أصحاب عبد الله سرج هذه القرية» (يعني ~~الكوفة)، وكان يعلم الناس القرآن ويفسره ويروي أحاديث سمعها من رسول ~~الله، ويسأل عن حوادث فيفتي فيها استنباطا من الكتاب أو السنة أو ~~برأيه - إذا لم يرد فيها كتاب ولا سنة - واشتهر من مدرسته هذه ستة، ~~كانوا يعلمون القرآن ويفتون الناس: علقمة، والأسود، ومسروق، ~~وعبيدة، والحارث بن قيس، وعمرو بن شرحبيل، وهؤلاء خلفوا عبد الله ~~بن مسعود في التعليم بالكوفة، ولم يكن كل علماء الكوفة أخذ عن عبد الله ~~بن مسعود، بل كثير منهم كانوا في المدينة، وأخذوا عن عمر بن الخطاب ~~وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس ومعاذ ونحوهم، فتكونت في الكوفة ~~حركة علمية كبيرة، واشتهر من علمائها شريح والشعبي والنخعي وسعيد بن ~~جبير، ولم تزل هذه الحركة تنمو وتنضج حتى توجت بأبي حنيفة النعمان ~~الكوفي. # البصرة: # كذلك نزل في البصرة عدد كبير من الصحابة، أشهرهم في العلم أبو موسى ~~الأشعري، وأنس بن مالك. # فأما أبو موسى فيمني، قدم مكة وأسلم وهاجر إلى الحبشة مع ms171 من هاجر، ~~وكان يعد من أعلم الصحابة، وقد قدم البصرة وعلم بها: سأل عمر بن ~~الخطاب أنس بن مالك: كيف تركت الأشعري؟ فقال: تركته يعلم الناس ~~القرآن، فقال: إنه كبير ولا تسمعها إياه # 22 ~~، ويدل ما روي عنه - من قضاء بين الناس وفصل في الخصومات - ~~على أنه كان فقيها فوق معرفته القرآن والحديث، أما أنس بن مالك فكان ~~أنصاريا وكان صبيا لما قدم النبي المدينة، وخدمه نحو عشر سنين، وقد ~~نزل البصرة وعمر فيها طويلا، وكان آخر من توفي بالبصرة من الصحابة، ~~وتوفي سنة 92ه، ولكن يظهر أنه لم يبلغ في العلم مبلغ أبي موسى ~~الأشعري، ولا عبد الله بن مسعود في الكوفة، وكان محدثا أكثر منه ~~فقيها. # وأشهر من خرجته مدرسة البصرة في عهد الأمويين الحسن البصري وابن ~~سيرين، وكلاهما من أبناء الموالي من سبي ميسان، وكلاهما أتاه العلم ~~عن طريق الولاء فأبو الحسن البصري كان مولي لزيد بن ثابت، وهو من أشهر ~~علماء الصحابة؛ وسيرين أبو محمد كان مولى لأنس بن مالك، وهو من علمت ~~صحبة وحديثا، وكلاهما كانت له شخصية ظاهرة في البصرة، فالحسن البصري ~~اشتهر بمتانة خلقه وصلاحه وعلمه وفصاحته؛ فأما متانة خلقه فتظهر في أنه ~~لم يكن يخشى أحدا في إبداء رأيه، سئل عن ولاية يزيد بن معاوية فلم ~~يستصوبها، على حين أن الشعبي وابن سيرين لم يجرءوا على إبداء رأيهما، ~~وقد رأيت قبل، أن سائلا سأله عن الدخول في الفتن فكان لا يرى الدخول ~~فيها، فسأله: ولا مع أمير المؤمنين؟ فقال: ولا مع أمير المؤمنين! وكان ~~يقارن بالحجاج في فصاحته، وفوق ذلك كان ورعا تقيا يعده الصوفية ~~أحدهم، ويتمثلون بحكمه وجمله؛ ويعده المعتزلة رأسهم؛ لأنه تكلم في ~~القضاء والقدر، وكان يذهب إلى أن الإنسان حر الإرادة، كان فقيها ~~يستفتى فيما يعرض من الحوادث فيفتي بعلم؛ وكان قصاصا يعد من سادة ~~القصاص وأصدقهم، لذلك كان الحسن شخصية ممتازة في كل ناحية من النواحي ~~التي ذكرناها، ويروي ابن خلكان أنه لما مات (سنة 110ه) تبع أهل ms172 البصرة ~~كلهم جنازته، حتى لم يبق بالمسجد من يصلي العصر. # وأما ابن سيرين فقد تعلم على زيد بن ثابت، وأنس بن مالك، وشريح ~~وغيرهم، وكان محدثا ثقة وفقيها يفتي فيما يعرض عليه من الشئون، وكان ~~معاصرا للحسن البصري، وكانا صديقين حينا، وبينهما وحشة حينا ، وسبب ~~الوحشة على ما يظهر اختلاف طباعهما، فقد كان الحسن صريحا شديدا ~~حزينا غضوبا، لا يخشى أن يقول ما يعتقد حتى في المسائل السياسية ~~الخطرة؛ وكان ابن سيرين حليما ضحوكا، يتحرج أن يقول ما يؤخذ عليه # 23 ~~، وقد اشتهر فيما بعد بتفسير الأحلام وزيف عليه كتاب في ~~ذلك، وقد ذكره ابن النديم في الفهرست ونسبه إليه، ولكنا لا نجد أثرا ~~لشهرته في تعبير الرؤيا في كتب المتقدمين أمثال طبقات ابن سعد، ومات ~~سنة 110ه، وكان الحسن وابن سيرين يعدان سيدي أهل البصرة. ~~••• # وكان في العراق حركة غير الحركة الدينية، تعد كأنها امتداد للحياة ~~العقلية الجاهلية، مصبوغة بالصبغة الإسلامية، فقد كان للقبائل العربية ~~النازلة بالبصرة والكوفة رؤساء، وكان هؤلاء الرؤساء أشبه شيء برؤساء ~~القبائل في الجاهلية في السيادة على قبائلهم، والتفاف الناس حولهم، ~~والخضوع لإشارتهم في السلم والحرب، ووقوف الشعراء ببابهم يتغنون ~~بمدحهم، وينشرون مفاخرهم، ويهجون أعداءهم، ويتغنى هؤلاء السادة ~~بالسيادة والمروءة وبذل المال وما إلى ذلك، كالأحنف بن قيس سيد تميم ~~البصرة، والحكم بن المنذر بن الجارود سيد عبد القيس البصرة، ومالك ~~بن مسمع سيد بكر البصرة، وقتيبة بن مسلم سيد قيس البصرة، ومحمد بن ~~عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة سيد تميم الكوفة، وحسان بن المنذر ~~من ضبة الكوفة، وحجر بن عدي ومحمد بن الأشعث سيدي كندة الكوفة ~~وغيرهم، وهؤلاء وأمثالهم كانوا مصدرا لحياة أدبية قوية، من شعر يشبه ~~الشعر الجاهلي، وحكم تشبه التي تروى عن أكثم بن صيفي؛ وليس هذا ~~موضوع شرح هذه الحركة الأدبية، ولكن لا بأس من تصوير شخصية من هذه ~~الشخصيات الكبيرة ليتبين لنا منحاها في الحياة وتأثيرها في الأدب، ~~ولتكن شخصية الأحنف بن قيس. # كان الأحنف - كما ذكرت - سيد ms173 بني تميم في البصرة، وكان كما يقولون ~~إذا غضب غضب لغضبته مائة ألف سيف لا يدرون فيم غضب، يدخل بنو تميم ~~الحرب مع من أحب الأحنف، ويكفون إذا كف؛ وعرف معاوية منزلته في قومه ~~وسيادته فقربه وأكرمه، وأوصى ولاته بذلك، حتى كان يعزل الوالي إذا غضب ~~عليه الأحنف، ويحتمل منه معاوية الكلمة القارصة ويداريه، قال له معاوية ~~يوما: والله يا أحنف ما أذكر يوم صفين إلا كانت حزازة في قلبي (لأن ~~الأحنف كان مع علي)، فقال الأحنف: والله يا معاوية إن القلوب التي ~~أبغضناك بها لفي صدورنا، وإن السيوف التي قاتلناك بها لفي أغمادنا، ~~وإن تدن من الحرب فترا ندن منها شبرا، وإن تمش إليها نهرول ~~لها! وكان له فضل في التأليف بين كثير من القبائل المتعادية في البصرة؛ ~~وكان مثلا في علو النفس والاحتفاظ بالكرامة والمروءة، ولما مات قيل: ~~«مات سر العرب»، وأبنته امرأة فقالت: «لقد كنت في الحي ~~مسودا، وإلى الخليفة موفدا، ولقد كانوا لقولك مستمعين، ولرأيك ~~متبعين»، وله من الأقوال المأثورة والحكم ما ملأ كتب الأدب، مثل: «لا ~~خير في لذة تعقب ندما»، «لن يفتقر من زهد»، «أنصف من نفسك قبل أن ~~ينتصف منك»، «ما أقبح القطيعة بعد الصلة»، «أنفق في حق ولا تكن ~~خازنا لغيرك»، «لا راحة لحسود، ولا مروءة لكذوب» ... إلخ. ~~••• # أما الحركة الفلسفية في العراق فسنشير إليها عند الكلام على المذاهب الدينية، وقد ~~أينعت في الدولة العباسية حتى نبغ من الكوفة كثيرون من الفلاسفة، ونبغ من البصرة جماعة ~~«إخوان الصفا». # الشام: قطر غني، خصب الأرض، كثير المياه، معتدل الجو، كان مبعثا لكثير من الأنبياء، ~~فنشروا فيه تعاليمهم الدينية # 24 ~~، وتعاقبت عليه المدنيات المختلفة فأورثته علمها وحضارتها؛ ففينيقيون ~~وكلدانيون ومصريون وعبريون ويونانيون ورومانيون، كل هؤلاء كانت لهم مدنية، وكان لهم ~~علم، وانتشر علمهم في البلاد، وكان من أهل الشام أنفسهم من شارك في العلم ونبغ فيه، ~~وبارى علماء الأمم المستعمرة، واشتهر في الشام كثير من المدن، كان مركزا للعلم ~~والحركة العقلية، كصور وأنطاكية وصيدا وبيروت ms174 ودمشق وحمص؛ أورثها الفينيقيون حروف ~~الكتابة، والعبريون التعاليم الإلهية، واليونان المذاهب الفلسفية، والرومان النظريات ~~الفقهية، فكان لذلك كله الأثر الكبير في عقلية الشاميين، وقد ذكرنا قبل ذلك طرفا مما ~~كان للسريانيين من حركة علمية في هذه البقاع وما حولها. # وقد عرف العرب في جاهليتهم هذه البلاد، فزحفوا إليها طمعا في خيراتها، وأنشئوا ~~ولايات بها في حمص وبطرة من أول القرن الثاني قبل الميلاد؛ ثم كانت في القرن الخامس ~~الميلادي إمارة الغساسنة وقد سبق ذكرها، وقد تأقلموا بإقليمها؛ واعتنقوا النصرانية بعد ~~انتشارها في ربوع الشام، وتمدنوا بشيء من مدنيتها، وتكلموا بلغة هي خليط من الآرامية ~~والعربية، وعدوا أنفسهم سوريين يرتبطون بسوريا أكثر مما يرتبطون بجزيرة العرب. # فتح الإسلام هذه البلاد ونشر لغته وتعاليمه بها، فأخذ عرب الشام يتعلمون لغة قريش، ~~وبدأ أهل الشام أنفسهم يتعلمونها، ويتكلمون بها مع لغتهم الآرامية أو اليونانية؛ كذلك ~~أخذ الإسلام يحل فيها محل النصرانية واليهودية، ودخل كثير من الشاميين في الإسلام، وبعث ~~عمر إليهم من يعلمهم الدين الجديد، شأنه مع كل الممالك التي فتحت في عهده. # أورد البخاري في التاريخ: أن يزيد بن أبي سفيان كتب إلى عمر: «قد احتاج أهل الشام إلى ~~من يعلمهم القرآن ويفقههم، فأرسل معاذا وعبادة وأبا الدرداء»، فكان هؤلاء أول مؤسسي ~~المدرسة الدينية بالشام؛ فأما معاذ فقد قرأت طرفا من سيرته العلمية عند الكلام على ~~مدرسة مكة، وقد قضى آخر حياته في الشام معلما؛ وأما عبادة بن الصامت فهو كذلك أنصاري ~~كان ممن جمع القرآن، وولاه أبو عبيدة إمرة حمص وولي قضاء فلسطين، وكان من أفقه الناس ~~في دين الله، كما كان شديدا في الحق، أنكر على معاوية كثيرا من أموره فشكاه إلى ~~عثمان، ومات بالشام، وأما أبو الدرداء فأنصاري، كذلك كان من أفضل الصحابة وفقائهم، وقد ~~ولي القضاء بدمشق وتوفي بها. # وقد تفرق هؤلاء الثلاثة في بلاد الشام يعلمون أهلها، فقد نزلوا جميعا أولا في حمص، ~~ثم خلفوا بها عبادة وخرج أبو الدرداء إلى دمشق، ومعاذ إلى فلسطين، ثم خرج ms175 عبادة بعد ~~إلى فلسطين، وقد بعث عمر بعد هؤلاء عبد الرحمن بن غنم، فتخرج على يديهم جميعا كثير من ~~التابعين كأبي إدريس الخولاني، ثم مكحول الدمشقي، وعمر بن عبد العزيز ورجاء بن ~~حيوة؛ وتخرج في هذه المدرسة إمام أهل الشام عبد الرحمن الأوزاعي الذي يقرن بمالك ~~وأبي حنيفة، وقد ولد ببعلبك وعاش في دمشق وبيروت، ولقب «بإمام أهل الشام» وقلده أهلها، ~~وانتشر مذهبه في المغرب والأندلس، ولكن هزمه مذهبا الشافعي ومالك، فأسرع إليه ~~الفناء. # كانت دمشق مركز الخلافة في عهد الدولة الأموية، فكان طبيعيا أن يقصدها العلماء من ~~كل صقع، ولكن خلفاء بني أمية لم يشجعوا الحركة العلمية - لما بينا قبل - إنما شجعوا ~~الشعر والخطابة وفنون الأدب، فكانت الحركات العلمية الأخرى تنمو من نفسها، وأهم هذه ~~الحركات الحركة الدينية، وكان الباعث على نموها الحماسة الدينية، وحاجة الناس إلى معرفة ~~الحلال والحرام، وخاصة فيما يعرض من الحوادث التي لم تكن تعرض في صدر الإسلام. # وكان بالشام نصارى كثيرون احتفظوا بدينهم، ورضوا بدفع الجزية عن رءوسهم والخراج عن ~~أرضهم، ودخل كثير من نصارى الشام في الإسلام، وكان من هؤلاء وهؤلاء مثقفون بالثقافة ~~النصرانية وقامت المساجد بجانب الكنائس، فسرعان ما كان الاحتكاك بين الإسلام ~~والنصرانية، وكان بينها جدال وحوار وخصومة، يدل عليها ما أثر من كتابة يحيى الدمشقي ~~النصراني كما أسلفنا، وقد سبب هذا الاحتكاك ظهور الكلام في القضاء والقدر أو الجبر ~~والاختيار، والكلام في صفات الله هي عين الذات أو غيرها، ولعل هذا هو الأساس الأول لعلم ~~الكلام في الإسلام. # مصر: فتح المسلمون مصر والثقافة اليونانية الرومانية متشرة فيها، وقد ذكرنا قبل ~~شيئا عن مدرسة الإسكندرانيين ومذاهبهم وتعاليمهم، فلما تم فتحها أقبل العرب عليها لما ~~سمعوا بغناها وخصب أرضها، وخططوا الفسطاط حسب قبائلهم، ونزلوا بالمدن والأرياف ~~واستوطنوها، واتخذوا الزرع معاشا؛ ودخل كثير من القبط في الإسلام، واختلطت أنساب العرب ~~بأنساب المصريين بما كان بينهم من تزاوج # 25 ~~. # أصبحت مصر منذ دخول العرب إليها مركزا علميا في المملكة الإسلامية كما هي مركز ~~سياسي، ms176 ولكن الحركة العلمية في بدء عهدها لم تكن حركة فلسفية ولا دنيوية، إنما كان ~~شأنها شأن جميع المراكز العقلية إذ ذاك، فأكبر شيء قيمة هو الدين، فكان طبيعيا أن ~~يكون العلم السائد في هذا العصر في جميع الأقطار هو علم الدين وما إليه؛ ولكن ليس معنى ~~هذا أن الثقافة اليونانية الرومانية التي كانت منتشرة في مصر والشام والعراق قد بادت ~~ولم يعد لها من أثر، إنما أصابتها دهشة الفتح وخضعت لقوة الحركة الدينية، فلما هدأت ~~النفوس أخذت هذه الثقافة اليونانية الرومانية تستعيد نشاطها وقوتها بعد أن صبغت ~~بالتعاليم الإسلامية، وعدلت حسب ما يتفق والإسلام، ولكن هذا النشاط لم يظهر إلا آخر ~~الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية. # كان من الصحابة الذين نزلوا بمصر علماء علموا بها، وكانوا أساس مدرستها، وأشهرهم ~~عبد الله بن عمرو بن العاص؛ وقد كان عبد الله هذا من أكثر الناس حديثا عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وكان يدور ما يسمع، قال مجاهد: «رأيت عند عبد الله بن عمرو صحيفة فسألته ~~عنها، فقال: هذه الصادقة، فيها ما سمعت من رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ليس بيني وبينه فيها أحد» # 26 # وكان مع هذا كثير الاطلاع في غير الحديث؛ فابن حجر في الإصابة يروي لنا أنه ~~كان يقرأ التوراة، وابن سعد في طبقاته يروي لنا عن شريك أنه قال: رأيت عبد الله بن عمرو ~~يقرأ بالسريانية، وقد روى عنه الحديث كثير من الصحابة والتابعين في المدينة والشام ~~ومصر، وقد خرج مع أبيه إلى مصر عندما ولاه إياها معاوية، ولما حضرت الوفاة عمرا استعمل ~~ابنه عبد الله عليها، فأقره معاوية ثم عزله. # وكان يحج ويعتمر ويأتي الشام ثم يرجع إلى مصر، وابتنى فيها دارا فلم يزل بها حتى ~~مات، فدفن في داره في مصر - على أحد الأقوال - في خلافة عبد الملك بن مروان. # ويعد بحق مؤسس المدرسة المصرية، فقد أخذ عنه كثير من أهل مصر، وكانوا يكتبون عنه ما ~~يحدث، روى المقريزي عن حيوة بن شريح قال: ms177 «دخلت على حسين بن شفي بن مانع ~~الأصبحي وهو يقول: فعل الله بفلان، فقلت: ما له؟ فقال: عمد إلى كتابين كان شفي سمعهما ~~من عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، أحدهما: قضى رسول الله في كذا، وقال رسول ~~الله كذا؛ والآخر ما يكون من الأحداث إلى يوم القيامة، فأخذهما فرمى بهما بين الخولة والرباب» # 27 ~~. # وقد اشتهر من مدرسة مصر بعد الصحابة يزيد بن أبي حبيب، وهو نوبي الأصل من دنقلة، وقد ~~أخذ العلم عن بعض الصحابة المقيمين بمصر، قال الكندي: إنه أول من نشر العلم بمصر في ~~الحلال والحرام ومسائل الفقه، وكانوا قبل ذلك إنما يتحدثون في الفتن والترغيب، وكان ~~ثالث ثلاثة جعل عمر بن عبد العزيز الفتيا إليهم بمصر، رجلان من الموالي ورجل من العرب، ~~فأما العربي فجعفر بن ربيعة، وأما الموليان فيزيد بن أبي حبيب وعبد الله بن أبي جعفر، ~~فكأن العرب أنكروا ذلك، فقال عمر بن عبد العزيز: ما ذنبي إن كانت الموالي تسمو بأنفسها ~~صعدا وأنتم لا تسمون # 28 ~~، وقد كان يزيد عالما بالفتن والحروب، وخاصة ما يتعلق بفتح مصر وشئونها ~~وولاتها، وهو أحد الأركان الذين نقل عنهم الكندي كتابه: «ولاة مصر وقضاتها». # وكان من أشهر تلاميذ يزيد هذا عبد الله بن لهيعة، والليث بن سعد، فأما عبد الله ~~فعربي، أصله من حضرموت - وما أكثر الحضارمة كانوا في مصر - وقد قابل كثيرا من ~~التابعين وأخذ عنهم، وكان يدون ما يسمع، وكثير من المحدثين كالبخاري والنسائي لا يثق ~~به، ومن الأسف أن كثيرا من حوادث تاريخ العرب في مصر نقلت عنه، وكان هو العمدة في ~~روايتها، وقد ولي القضاء بمصر نحو تسع سنين. # أما الليث بن سعد فمن الموالي على أصح الأقوال، أصله من أصفهان في فارس، ولكن الراجح ~~أنه ولد في مصر في قلقشندة، وقد طوف في كثير من البلدان لأخذ العلم، فرحل إلى ~~مكة وبيت المقدس وبغداد، ولقي تسعة وخمسين تابعيا حدث عنهم، وكان له اتصال بالإمام ~~مالك في المدينة، يكاتبه ms178 في مسائل في التشريع ويحاجه، ويروون أن الشافعي قال: «الليث ~~أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به»، وكان ذا منزلة رفيعة في قومه، يستشيره ~~الولاة والقضاة في عظائم الأمور، ثقة لم يشك أحد في صدقه وأمانته، وكان له مذهب خاص ~~يعرف به، وقد قلده المصريون واتبعوه، ولكن ضاع مذهبه كما ضاع مذهب الأوزاعي في ~~الشام. ~~••• # نأخذ مما سبق أنه بعد فتح الممالك تفرق الصحابة في الأمصار، وكان من هؤلاء الصحابة ~~علماء رحلوا للتعليم فكانوا نواة لمدارسها، وأن هؤلاء الصحابة العلماء كانت لهم شخصيات ~~علمية مختلفة كان لها أثرها في مدارسهم، وأن أكبر الشخصيات تأثيرا في الأمصار هي: عبد ~~الله بن عمر في المدينة، وعبد الله بن مسعود في الكوفة، وعبد الله بن عباس في مكة، وعبد ~~الله بن عمرو بن العاص في مصر، لم يكن هؤلاء الصحابة يحيطون علما بكل ما قاله النبي # صلى الله عليه وسلم # وفعله، وبكل ما يتعلق بتعاليم الدين، بل كان منهم من صحب النبي في بعض الأوقات ~~دون بعض، ففاته - حين لم يصحبه - علم حمله غيره، لذلك علم كل منهم شيئا وغاب عنه شيء، ~~واستتبع هذا أن بعض الأمصار كان يعرف من الحديث ما لم يعرفه الآخر، خلف هؤلاء الصحابة ~~التابعون فتلقوا عنهم، وحلوا محلهم في رفع لواء العلم؛ وشعر كثير منهم بأن في الأمصار ~~الأخرى علما غير علمهم، فأكثروا من الرحيل، فكانت هناك حركة دائمة للعلماء، فمصري يرحل ~~إلى المدينة، ومدني إلى الكوفة، وكوفي إلى الشام، وشامي إلى هنا وهناك، وهكذا عملوا على ~~توحيد الوطن العلمي، وكان من أثر هذا التقليل من الفروق التي سببتها الشخصيات العلمية ~~المختلفة للصحابة، وأخذ عن التابعين طبقات أتت بعدهم سارت على مناهجهم. # وبعد؛ فماذا كان يعلم في المدارس المختلفة في هذه الأمصار تفصيلا؟ وعلام كانت ~~تدور الحركات العلمية إذ ذاك؟ وهل كان هناك تأثير للأمصار المختلفة في العلم؟ وهل تأثر ~~العلم في الشام ومصر بمدنية الرومان؟ وهل تأثر في العراق بمدنية الفرس؟ وهل تأثر في ~~الحجاز ms179 ببساطة العرب؟ وهل كان للعقائد الدينية المنتشرة في هذه الأقطار قبل الإسلام أثر ~~في المذاهب الدينية التي نشأت بعد الإسلام؟ ذلك مطلب عسير سنحاول الإجابة عنه في ~~البابين التاليين إن شاء الله. # | مصادر هذا الباب # (1) # الطبقات الكبرى لابن سعد. ~~(2) # الإصابة في أخبار الصحابة. ~~(3) # أسد الغابة لابن الأثير. ~~(4) # فتوح البلدان للبلاذري. ~~(5) # معجم البلدان لياقوت. ~~(6) # كتاب البلدان للهمداني المعروف بابن الفقيه. ~~(7) # التنبيه والإشراف للمسعودي. ~~(8) # تاريخ ابن جرير الطبري. ~~(9) # شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد. ~~(10) # دائرة المعارف الإسلامية في مادة العراق والبصرة والكوفة والشام ومصر وغير ~~ذلك. ~~(11) # ابن خلكان. ~~(12) # خطط المقريزي. ~~(13) # أخبار ولاة مصر وقضاتها للكندي. ~~(14) # الأغاني، العقد الفريد، الجزء الأول والثاني من عيون الأخبار لابن ~~قتيبة. ~~(15) # أعلام الموقعين لابن القيم. ~~(16) # فهرست ابن النديم. ~~(17) # طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة. ~~(18) # أخبار الحكماء للقفطي. ~~(19) # الأعلاق النفيسة لابن رسته. # وهناك كتب غير هذه تجد ذكرها في أثناء البحث. # الجزء السادس # | الحركة الدينية تفصيلا # قدمنا أن الحركة الدينية في صدر الإسلام كانت أكثر الحركات انتشارا وأوسعها ميدانا، ~~وأن أكثر العلماء الذين ظهروا في هذا العصر كانوا علماء دين، وأن السبب في ذلك أن الدين ~~ملك على الناس نفوسهم، ورأوا فيه سبب وحدتهم وعلة نهضتهم، لولاه لظل العرب شيعا ~~وأحزابا يضرب بعضهم بعضا، ولولاه لقبعوا في كسر بيتهم، ولما تعدوا حدود بلادهم، ولما ~~فتحوا الأمصار ودوخوا الممالك، فهو عزهم في الدنيا ورجاءهم في الآخرة؛ وأخلص له قوم من ~~غير العرب فاعتنقوه وآمنوا أنه هو السبيل لسعادتهم، فأقبل هؤلاء وهؤلاء على القرآن ~~يتفهمونه، والحديث يجمعونه ويشرحونه، وأخذوا يستنبطون منهما أحكام ما يعرض في هذه ~~الدولة المترامية الأطراف من حوادث؛ فأما العلوم الدنيوية والفلسفية فكان ضعيفا شأنها، ~~بل كان ما ينمو منها إنما يحتاج في نموه إلى الدين يعتمد عليه ويصطبغ به، يستخير الله ~~عمر بن عبد العزيز أياما ليخرج للناس كتابا في الطب عثر عليه، وتتخذ أخبار الفتن ~~والملاحم والغزوات والفتوح شكل الحديث؛ وهكذا، وقد وصفنا قبل هذه الحركة الدينية ~~إجمالا، فلنعرض لها الآن بشيء من التفصيل، كان أهم ms180 ما تدور عليه هذه الحركة ثلاثة ~~أشياء: القرآن وتفسيره، والحديث وجمعه وتبويبه، واستنباط الأحكام لما يعرض من أحداث، ~~وهو الذي نسميه بالتشريع. # الفصل الخامس عشر # | القرآن وتفسيره # نزل القرآن منجما على رسول الله في نحو عشرين سنة، وكان ينزل حسب الحوادث ومقتضى ~~الحال، وتوفي رسول الله ولم يجمع القرآن في مصحف ، بل كان في صحف مفرقة كتبها كتاب ~~الوحي، وفي صدور الحفاظ من الصحابة، وفي عهد أبي بكر أمر بجمع القرآن، ولكن لا في مصحف ~~واحد، بل جمعت الصحف المختلفة التي فيها آيات القرآن وسوره، وكتب منها ما كان في صدور ~~الرجال، وأودعت الصحف الكثيرة التي فيها القرآن عند أبي بكر، وقد تولى جمعه هذا زيد بن ~~ثابت. # وانتقلت من أبي بكر إلى عمر، ثم إلى حفصة بنت عمر، حتى إذا تولى عثمان أخذ الصحف من ~~حفصة، وعهد إلى جمع من الصحابة منهم زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، ~~بجمعها في مصحف واحد، وكتب منه نسخا كثيرة، وزعت على الأمصار، وأحرق ما يخالفه من ~~الصحف في حديث طويل ليس هذا محل تفصيله. # نزل القرآن بلغة العرب وعلى أساليب العرب في كلامهم، فألفاظه عربية إلا ألفاظا قليلة ~~عربت وأخذت من اللغات الأخرى، ولكن هضمتها العرب وأجرت عليها قوانينها؛ وأساليبه هي ~~أساليب العرب في كلامها، ففيه الحقيقة وفيه المجاز، وفيه الكتابة ... إلخ، على نمط العرب ~~في حقيتهم ومجازهم؛ وهذا طبيعي؛ لأنه أتى يدعو العرب - أولا - إلى الإسلام، فلا بد أن ~~يكون بلغة يفهمونها # وما أرسلنا من رسول إلا ~~بلسان قومه ليبين لهم ~~. # ومع هذا فلم يكن القرآن جميعه في متناول الصحابة جميعا يستطيعون أن يفهموه - إجمالا ~~وتفصيلا - بمجرد أن يسمعوه، ليس بصحيح ما يقوله ابن خلدون من «أن القرآن نزل بلغة ~~العرب وعلى أساليب بلاغاتهم، فكانوا كلهم يفهمونه ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكبيه» # 1 # لأن نزول القرآن بلغة العرب لا يقتضي أن العرب كلهم يفهمونه في مفرداته ~~وتراكيبه؛ والدليل على ذلك ما هو حاصل في مشاهداتنا الأولى، فليس ms181 كل كتاب مؤلف بلغة ~~يستطيع أهل اللغة كلهم أن يفهموه، فكم من كتب إنجليزية وفرنسية لا يستطيع الإنجليز أو ~~الفرنسيون أنفسهم أن يفهموها؛ لأن فهم الكتاب لا يتطلب اللغة وحدها، وإنما يتطلب درجة ~~عقلية خاصة تتفق ودرجة الكتاب في رقيه؛ هكذا كان شأن العرب أمام القرآن، فلم يكونوا ~~كلهم يفهمونه إجمالا وتفصيلا ، إنما كانوا يختلفون في مقدار فهمه حسب رقيهم العقلي، بل ~~إن ألفاظ القرآن أنفسها لم يكن العرب كلهم يفهمون معناها، كما لم يدع أحد أن كل فرد ~~في أمة يعرف جميع ألفاظ لغتها، وحسبنا على ذلك ما روي عن أنس بن مالك أن رجلا سأل عمر ~~بن الخطاب عن قوله تعالى: # وفاكهة وأبا ~~، ما الأب؟ ~~فقال عمر: «نهينا عن التكلف والتعمق»، وروي عن عمر أيضا أنه كان على المنبر فقرأ: # أو يأخذهم على تخوف ~~، ثم سأل عن معنى ~~التخوف، فقال له رجل من هذيل: التخوف عندنا التنقص، ثم أنشده: # تخوف الرحل منها تامكا قردا # كما تخوف عود النبعة السفن # 2 # ونحن نعلم قدر عمر في الدين والعلم، فكيف بغيره من الصحابة؟ إنما كان كثير من الصحابة ~~يكتفون بالمعنى الإجمالي للآية، فيكتفون من قوله تعالى: # وفاكهة وأبا ~~، بأنه تعداد لنعم الله، ولا يلزمون أنفسهم بتفهم ~~معاني الآيات تفصيلا. # وفوق ذلك، ففي القرآن آيات كثيرة لا يكفي في تفهمها معرفة ألفاظ اللغة وأساليبها، ~~مثل: # والعاديات ضبحا ~~، # والذاريات ذروا ~~، وما المراد بالليالي العشر في قوله تعالى: # والفجر * وليال عشر ~~؟ وما ~~المراد بليلة القدر؟ إلى كثير من أمثال ذلك، وفيه إشارات كثيرة إلى أشياء في التوراة ~~والإنجيل ورد عليهم ليس يكفي في فهمها معرفة اللغة، والله تعالى يقول: # هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ~~هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في ~~قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ~~وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله ~~والراسخون في العلم ... # الآية # 3 ~~. # الحق أن من البديهي أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتفاوتون مقدرة في فهم القرآن ~~ومعرفة معانيه. ~~••• # ولم ms182 يكن شائعا في عهد النبي # صلى الله عليه وسلم # حفظ القرآن جميعه كما شاع بعد، إنما كانوا ~~يحفظون السورة أو جملة آيات ويتفهمون معانيها، فإذا حذقوا ذلك انتقلوا إلى غيرها، فكان ~~حفظ القرآن موزعا على الصحابة، قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين يقرءون القرآن ~~كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي # صلى الله عليه وسلم # آيات لم يتجاوزوها حتى يعلموا فيها من العلم والعمل، وقال أنس: كان الرجل إذا قرأ ~~البقرة وآل عمران جد في أعيننا (رواه أحمد في مسنده)، وأقام ابن عمر على حفظ البقرة ~~ثماني سنين، ذلك أنه إنما كان يحفظ ولا ينتقل من آية إلى آية حتى يفهم. ~~••• # في القرآن آيات كثيرة محكمة واضحة المعنى، وهي التي تتعلق بأصول الدين وأصول الأحكام، ~~وخاصة منها الآيات المكية التي تدعو إلى أصول الدين كسورة الأنعام؛ وهذا النوع من ~~الآيات يستطيع فهمه جمهور الناس ولا سيما من كانوا عربا بسليقتهم؛ وفي القرآن آيات ~~غامضة هي التي سميت متشابهة، صعب فهمها، ولم يصل إلى معرفتها إلا الخاصة. # وكان الصحابة - على العموم - أقدر الناس على فهم القرآن؛ لأنه نزل بلغتهم، ولأنهم ~~شاهدوا الظروف التي نزل فيها القرآن. # ومع هذا فقد اختلفوا في الفهم على حسب اختلافهم في أدوات الفهم، وذلك: ~~(1) # أنهم كانوا يعرفون العربية على تفاوت فيما بينهم وإن كانت العربية لغتهم، ~~فمنهم من كان يعرف كثيرا من الأدب الجاهلي، ويعرف غريبه، ويستعين بذلك في ~~فهم مفردات القرآن، ومنهم من كان دون ذلك. ~~(2) # كذلك منهم من كان يلازم النبي # صلى الله عليه وسلم # ويقيم بجانبه، ويشاهد الأسباب ~~التي دعت إلى نزول الآية، ومنهم من ليس كذلك؛ ومعرفة أسباب التنزيل من أكبر ~~ما يعين على فهم المقصود من الآية، والجهل بها يوقع في الخطأ، روي أن عمر ~~استعمل قدامة بن مظعون على البحرين، فقدم الجارود على عمر فقال: إن ~~قدامة شرب فسكر، فقال عمر: من يشهد على ما تقول؟ قال الجارود: أبو هريرة ~~يشهد على ms183 ما أقول: فقال عمر: يا قدامة، إني جالدك؛ قال: والله لو شربت كما ~~يقولون ما كان لك أن تجلدني! قال عمر: ولم؟ قال: لأن الله يقول: # ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا ~~الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا ~~وأحسنوا ~~، فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا ~~وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا، شهدت مع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بدرا وأحدا ~~والخندق والمشاهد؛ فقال عمر: ألا تردون عليه قوله؟ فقال ابن عباس: إن ~~هذه الآيات أنزلن عذرا للماضين، وحجة على الباقين؛ لأن الله يقول: # يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان ~~؛ قال عمر: صدقت، وجاء رجل إلى ابن مسعود فقال: ~~تركت في المسجد رجلا يفسر القرآن برأيه، يفسر هذه الآية: # يوم تأتي السماء بدخان مبين ~~، ~~قال: يأتي الناس يوم القيامة دخان فيأخذ بأنفاسهم حتى يأخذهم كهيئة ~~الزكام؛ فقال ابن مسعود: من علم علما فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله ~~أعلم، إنما كان هذا؛ لأن قريشا استعصوا على النبي # صلى الله عليه وسلم # فدعا عليهم ~~بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى ~~السماء فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد # 4 ~~. ~~(3) # كذلك اختلافهم في معرفة عادات العرب في أقوالهم وأفعالهم، فمن عرف عادات ~~العرب في الحج في الجاهلية استطاع أن يفهم آيات الحج أكثر ممن لم يعرف؛ ~~وهكذا، وكذلك الآيات التي وردت في التنديد بمعبودات العرب وطريقة عبادتهم ~~لا يكمل فهمها إلا لمن عرف ماذا كانوا يفعلون. ~~(4) # ومثل هذا معرفة ما كان يفعله اليهود والنصارى في جزيرة العرب وقت نزول ~~الآيات، ففيها إشارة إلى أعمالهم ورد عليهم، وهذا لا يتم فهمه إلا بمعرفة ~~ما كانوا يفعلون، من ذلك ونحوه كان الاختلاف بين الصحابة في الفهم، وكان ~~التابعون ومن بعدهم أشد اختلافا. # مصادر التفسير: هناك تفسير يسمى التفسير بالمنقول ويعنون به: # أولا: # تفسيرا نقل عن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، مثل ms184 الذي روي أن رسول الله قال: ~~الصلاة الوسطى صلاة العصر، ومثل ما روي عن علي قال: سألت رسول الله ~~عن يوم الحج الأكبر، فقال: يوم النحر، وما روي أي الأجلين قضى موسى؟ ~~قال: أوفاهما وأبرهما ... إلخ؛ وهذا النوع كثير وردت منه أبواب في كتب ~~الصحيح الستة وزاد فيه القصاص والوضاع كثيرا، ونقد ذلك علماء ~~الحديث ، فمنها ما صححوه، ومنها ما ضعفوه، وأهم ما يدل على دخول الوضع ~~في هذا الباب أنك ترى في الآية الواحدة تفسيرين متناقضين لا يمكن أن ~~يصدرا عن رسول الله، مثل الذي روي عن أنس أن رسول الله سئل عن قوله ~~تعالى: # والقناطير المقنطرة من ~~الذهب والفضة ~~، قال: القنطار ألف أوقية؛ وروي عن ~~أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: القنطار اثنا عشر ألف أوقية # 5 ~~، بل إن بعض العلماء أنكر هذا الباب بتاتا، أعني أنه أنكر ~~صحة ورود ما يروونه من هذا الباب؛ فقد روي أن الإمام أحمد بن حنبل ~~قال: «ثلاثة ليس لها أصل: التفسير، والملاحم، والمغازي» # 6 # ومما يدل على عدم ثقة المفسرين بما ورد في هذا الباب أنهم ~~لم يقفوا عند ما ورد، بل أتبعوا ذلك بما أداهم إليه اجتهادهم، ولو كان ~~ذلك صحيحا في نظرهم لوقفوا عند حدود النص. # وبمرور الزمان تضخم هذا التفسير المنقول، فدخل فيه أيضا ما نقل عن ~~الصحابة والتابعين؛ وهكذا، حتى كانت كتب التفسير المؤلفة في العصور ~~الأولى مقصورة على هذا النحو من التفسير. # ثانيا: # من مصادر التفسير الاجتهاد، وإن شئت فقل الرأي، يعرف المفسر كلام ~~العرب ومناحيهم في القول، ويعرف الألفاظ العربية ومعانيها بالوقوف على ~~ما ورد في مثله من الشعر الجاهلي ونحوه، ويقف على ما صح عنده من أسباب ~~نزول الآية مستعينا بهذه الأدوات ويفسرها حسب ما أداه إليه اجتهاده، ~~وكثير من الصحابة كان يفسر الآيات من القرآن بهذا الطريق، مثل كثير ~~مما ورد عن ابن عباس وابن مسعود، فمثلا يفسر المفسرون الطور في قوله ~~تعالى: # وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا ~~فوقكم ms185 الطور ~~، بتفسيرات مختلفة: فمجاهد يفسر الطور ~~بالجبل مطلقا، وابن عباس بجبل بعينه، وآخر يقول: إن الطور ما انبت ~~من الجبال، فأما ما لم ينبت فليس بطور؛ فهذا الاختلاف نتيجة اختلاف ~~في الرأي، لا نتيجة اختلاف في المنقول، وقد اختلفوا في معاني الآيات ~~خلافهم في معاني الألفاظ. # نعم، إن الصحابة والتابعين انقسموا في ذلك قسمين: فمنهم من تورع أن ~~يقول في القرآن شيئا برأيه، كالذي روي عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا ~~سئل عن شيء من القرآن قال: أنا لا أقول في القرآن شيئا، وقال ابن ~~سيرين: سألت أبا عبيدة عن شيء من القرآن فقال: اتق الله وعليك ~~بالسداد، فقد ذهب الذين يعلمون فيم أنزل القرآن؛ عن هشام بن عروة بن ~~الزبير قال: ما سمعت أبي تأول آية من كتاب الله. ولكن كان بجانبهم من ~~يرى حل ذلك ويستبيحه، بل يرى كتمان ما وصل إليه اجتهاده كتمانا للعلم ~~وهم الأكثرون، وعلى هذا كان رأي ابن مسعود وابن عباس وعكرمة وغيرهم؛ ~~إنما كره هؤلاء وأمثالهم أن يتعرض للتفسير من لم يستكمل أدواته، كأن ~~لم يبلغ في معرفة كلام العرب مبلغا يمكنه من صحة الفهم، أو لم يدرس ~~القرآن درسا يستطيع معه أن يحمل مجمله على مفصله، كذلك كرهوا أن يعتنق ~~الرجل مذهبا من المذاهب الدينية كالاعتزال والإرجاء والتشيع، ويجعل ~~ذلك أصلا يفسر القرآن على مقتضاه، والواجب أن تكون العقيدة تابعة ~~للقرآن، لا أن يكون القرآن تابعا للعقيدة. # وهذا الاجتهاد هو الذي سبب الاختلاف بين الصحابة والتابعين في ~~تفسيرهم لألفاظ القرآن وآياته اختلافا واضحا تكاد تلمسه في كل صفحة ~~من صفحات تفسير ابن جرير الطبري. # فالأدب الجاهلي من شعر ونثر، وعادات العرب في جاهليتها وصدر إسلامها، ~~وما قابلهم من أحداث، وما لقي رسول الله من عداء ومنازعات وهجرة وحروب ~~وفتن، وما حدث في أثناء ذلك مما استدعى أحكاما واستوجب نزول قرآن، كل ~~هذا كان مصدرا لعلماء الصحابة، والتابعين يستمدون منه القدرة على ~~التفسير. # ثالثا: # وهناك منبع آخر من منابع التفسير استمد منه ms186 المفسرون كثيرا، ذلك أن ~~شغف العقول وميلها للاستقصاء دعاها عند سماع كثير من آيات القرآن أن ~~تتساءل عما حولها، فإذا سمعوا قصة كلب أصحاب الكهف قالوا: ما كان لونه؟ ~~وإذا سمعوا # فقلنا اضربوه ~~ببعضها ~~، تساءلوا: ما ذلك البعض الذي ضربوا به؟ وما ~~قدر سفينة نوح؟ وما اسم الغلام الذي قتله العبد الصالح في قصة موسى ~~معه؟ وإذا تلي عليهم: # فخذ أربعة من ~~الطير ~~، قالوا: ما أنواع هذا الطير؟ وما هي الكواكب ~~التي رآها يوسف في منامه؟ وكذلك إذا سمعوا قوله تعالى في قصة موسى مع ~~شعيب سألوا: أي الأجلين قضى موسى؟ وهل تزوج الصغرى أو الكبرى؟ وهكذا؛ ~~كذلك كانوا إذا سمعوا إشارة إلى بدء الخليقة طلبوا بقية القصة، وإذا ~~تليت عليهم آية فيها إشارة إلى حادثة لنبي لم يقتنعوا إلا باستقصائها، ~~وكان الذي يسد هذا الطمع هو التوراة وما علق عليها من حواش وشروح، بل ~~وما أدخل عليها من أساطير، وقد دخل بعض هؤلاء اليهود في الإسلام فتسرب ~~منهم إلى المسلمين كثير من هذه الأخبار، ودخلت في تفسير القرآن ~~يستكملون بها الشرح، ولم يتحرج حتى كبار الصحابة مثل ابن عباس من أخذ ~~قولهم، روي أن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ~~ولا تكذبوهم»؛ ولكن العمل كان على غير ذلك، وأنهم كانوا يصدقونهم ~~وينقلون عنهم، وإن شئت مثلا لذلك فاقرأ ما حكاه الطبري وغيره عند ~~تفسير قوله تعالى: # هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله في ظلل من الغمام ~~والملائكة ~~، وقد رأيت أن ابن عباس كان يجالس كعب ~~الأحبار ويأخذ عنه؛ ويعجبني في ذلك ما قاله ابن خلدون: «إن العرب لم ~~يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية، وإذا ~~تشوفوا إلى معرفة شيء ما تتشوف إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات ~~وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ~~ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من ~~النصارى؛ وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ أهل بادية مثلهم، ولا ms187 ~~يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حمير ~~الذين أخذوا بدين اليهودية، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا ~~تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها، مثل بدء الخليقة وما يرجع ~~إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك، وهؤلاء مثل كعب الأحبار ووهب بن ~~منبه وعبد الله بن سلام وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات ~~عندهم في أمثال هذه الأغراض، أخبار موقوفة عليهم، وليست مما يرجع إلى ~~الأحكام فيتحرى في الصحة التي يجب بها العمل، وتساهل المفسرون في مثل ~~ذلك، وملئوا كتب التفسير بهذه المنقولات» ... إلخ # 7 ~~. # المفسرون في هذا العصر: اشتهر عدد قليل من الصحابة بالقول في تفسير القرآن، وأكثر من ~~روي عنه منهم علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن ~~كعب؛ وأقل من هؤلاء زيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، ولنقصر قولنا ~~على الأربعة الأولين؛ لأنهم أكثر من غذى التفسير في مدارس الأمصار المختلفة، ~~والصفات العامة التي مكنت هؤلاء الأربعة الأولين من التبحر في التفسير: قوتهم في اللغة ~~العربية وإحاطتهم بمناحيها وأساليبها، ومخالطتهم للنبي # صلى الله عليه وسلم # مخالطة مكنتهم من معرفة ~~الحوادث التي نزلت فيها آيات القرآن، وعدم تحرجهم من أن يجتهدوا ويقروا ما أداهم إليه ~~اجتهادهم؛ نستثني من ذلك ابن عباس، فإنه استعاض عن ملازمة النبي في شبابه بملازمة علماء ~~الصحابة يأخذ عنهم ويروي لهم، ولو أنا رتبنا هؤلاء الأربعة حسب كثرة ما روي عنهم لكان ~~ابن عباس أولهم، ثم عبد الله بن مسعود، ثم علي بن أبي طالب، ثم أبي؛ هذا بالنسبة لما ~~روي لا بالنسبة لما صح، ويظهر أنه وضع على ابن عباس وعلي أكثر مما وضع على غيرهما، ~~ولذلك أسباب: أهمها أن عليا وابن عباس من بيت النبوة، فالوضع عليهما يكسب الموضوع ثقة ~~وتقديسا لا يكسبهما الإسناد إلى غيرهما؛ ومنها أنه كان لعلي من الشيعة ما لم يكن ~~لغيره، فأخذوا يضعون وينسبون له ما يظنون أنه يعلي من ms188 قدره العلمي؛ وابن عباس كان من ~~نسله الخلفاء العباسيون، يتقرب إليهم بكثرة المروي عن جدهم، إن شئت فانظر إلى ما روى ~~ابن أبي جمرة عن علي أنه قال: لو شئت أن أوقر سبعين بعيرا من تفسير أم القرآن ~~(الفاتحة) لفعلت، وما روي عن أبي الطفيل قال: شهدت عليا يخطب وهو يقول: سلوني ~~فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلا وأنا ~~أعلم أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل؟ ومجرد رواية هذين الحديثين يغني عن ~~التعليق عليهما، وقد روي عن ابن عباس ما لا يحصى كثرة، فلا تكاد تخلو آية من آيات ~~القرآن إلا ولابن عباس فيها قول أو أقوال؛ وكثر الرواة عنه كثرة جاوزت الحد، واضطرت ~~النقاد أن يتتبعوا سلسلة الرواة فيعدلوا بعضا ويجرحوا بعضا، فيقولون مثلا: إن ~~طريق معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس من أجود الطرق، وقد اعتمد عليهما ~~البخاري؛ ورواية جويبر عن الضحاك عن ابن عباس غير مرضية، وابن جريج في جمعه لم يقصد ~~الصحة، وإنما روى ما ذكر في كل آية من الصحيح والسقيم؛ ورواية الكلبي عن أبي صالح عن ~~ابن عباس أوهى طرقه، فإن انضم إلى ذلك رواية محمد بن مروان السدي الصغير فهي سلسلة ~~الكذب، إلى كثير من أمثال ذلك. # وقد روي من طرق ابن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: لم يثبت عن ابن عباس في ~~التفسير إلا شبيه بمئة حديث # 8 ~~، فإن صح هذا دلنا على مقدار ما كان يختلق الوضاعون، وإلى أي حد بلغت جرأة ~~الناس على الاختلاق. # ومن أدلة الوضع أنك ترى روايتين نقلتا عن ابن عباس أحيانا وهما متناقضتان، لا يصح ~~أن تنسبا إليه جميعا، فترى في ابن جرير مثلا عند تفسير قوله تعالى: # فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم ~~اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك ~~سعيا ~~، عن معاوية عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: ms189 إنما هو مثل: قال ~~قطعهن ثم اجعلهن في أرباع الدنيا، ربعا هاهنا وربعا هاهنا، ثم ادعهن يأتينك ~~سعيا؛ وقال بعد قليل: حدثنا محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال حدثني عمي قال: حدثني أبي ~~عن أبيه عن ابن عباس: فصرهن إليك، صرهن: أوثقهن # 9 ~~. اه. فهو يفسر صرهن مرة بقطعهن ومرة بأوثقهن، ومن العسير أن تتكلف القول ~~بأنه فسر هذا زمنا وفسر ذلك آخر، وأمثال ذلك كثير في ابن جرير. # على أن هذا التفسير الموضوع - والحق يقال - لا يخلو من قيمته العلمية، فلم يكن الوضع ~~مجرد قول يلقى على عواهنه، إنما هو في كثير من الأحيان نتيجة اجتهاد علمي قيم، والشي ~~الذي لا قيمة له فقط هو إسناده إلى علي أو ابن عباس. # وإذا نحن ألقينا نظرة عامة على ما روي من التفسير عن ابن عباس وغيره وجدنا منبعه هو ~~الأشياء الثلاثة التي ذكرناها قبل: نقل عن رسول الله أو رواية حوادث وقعت أمامهم، ~~توضح معنى الآية؛ واجتهادهم في الفهم معتمدين على الأدب الجاهلي ومعرفتهم بلغة العرب ~~والعادات التي كانت فاشية في الجاهلية وصدر الإسلام، والإسرائيليات وما إليها. ~~••• # بعد عصر الصحابة اشتهر بعض التابعين في الرواية عمن ذكرنا من الصحابة، فأكثر من يروي ~~عن ابن عباس: مجاهد، وعطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس، وسعيد بن جبير، ~~وهؤلاء كانوا من تلاميذه في مكة، وكلهم من الموالي، وهم يختلفون في الرواية عن ابن عباس ~~قلة وكثرة، كما يختلف العلماء في مقدار الثقة بهم؛ فمجاهد من أقلهم رواية عن ابن عباس ~~ومن أوثقهم، ولهذا يعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم، ولكن كان ~~بعض العلماء لا يأخذ بتفسير مجاهد، فقد روى ابن سعد في طبقاته أن الأعمش سئل: ما لهم ~~يتقون تفسير مجاهد؟ قال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب # 10 ~~، ولكن لم نر أحدا طعن عليه في صدقه، كذلك كان كل من عطاء وسعيد ثقة ~~صادقا، أما عكرمة فكان أكثرهم رواية عن ابن عباس وهو مولاه، وكان أصله ms190 من البربر ~~بالمغرب، واختلف العلماء في توثيقه، فكان بعضهم لا يثق به ولا يروي له شيئا، ويوثقه ~~البخاري ويروي له، ويرى آخرون أنه جريء على العلم: يزعم أنه يعلم كل شيء في القرآن، سأل ~~رجل سعيد بن المسيب عن آية في القرآن، فقال: لا تسألني عن آية من القرآن، سل من يزعم ~~أنه لا يخفى عليه شيء منه، يعني عكرمة # 11 # واشتهر من تلاميذ عبد الله بن مسعود في التفسير في العراق مسروق بن الأجدع، ~~وهو عربي من همدان، وكان ورعا زاهدا ثقة صادقا، وكان يسكن الكوفة، ويستشيره شريح ~~القاضي في معضلات المسائل؛ واشتهر كذلك قتادة بن دعامة السدوسي الأكمه، وهو عربي ~~الأصل كان يسكن البصرة، وشهرته في التفسير جاءت من تضلعه في اللغة العربية، فكان واسع ~~الاطلاع في الشعر العربي وأيام العرب وأنسابهم، وكان ثقة إلا أن بعضهم كان يتحرج من ~~الرواية عنه لخوضه في القضاء والقدر. # وفي هذا العصر - أعني عصر التابعين - تضخم التفسير بالإسرائيليات والنصرانيات لكثرة ~~من دخل منهم في الإسلام، وميل النفوس لسماع التفاصيل عما يشير إليه القرآن من أحداث ~~يهودية ونصرانية، وقد تتبعنا في تفسير ابن جرير كثيرا من الآيات التي وردت عن بني ~~إسرائيل فإذا بطل الرواية فيها وهب بن منبه، وقد ذكرنا قبل أنه كان من يهود اليمن ~~وأسلم، فكان يقص كتب اليهود وأحاديثهم من غير تحر دقيق، ومن غير أن تصبغ روايته صبغة ~~علمية، وتساهل المسلمون في أخذهم عنه كما أشار إليه ابن خلدون؛ لأنه لا يترتب على ما ~~يحكي استنباط لحكم شرعي أو نحوه؛ كما تتبعنا كثيرا من الآيات التي وردت عن النصارى ~~فإذا كثير مما يرويه الطبري عن ابن جريج، وابن جريج هذا هو عبد الملك بن عبد العزيز بن ~~جريج، ويقول الذهبي في تذكرة الحفاظ: «إنه من أصل رومي»، فهو نصراني الأصل؛ ويقول عنه ~~بعض العلماء: إنه كان يضع الحديث، وإنه تزوج تسعين امرأة زواج متعة، ويقال: إنه أول من ~~صنف الكتب في الإسلام # 12 ~~، وولد سنة 80 وتوفي ms191 حول سنة 150ه، بعد أن طوف في كثير من البلاد، فقد ولد ~~بمكة ورحل إلى البصرة واليمن وبغداد. # وبعد عصر الصحابة وكبار التابعين أخذ العلماء يؤلفون كتب التفسير على طريقة واحدة، هي ~~ذكر الآية ونقل ما روي في تفسيرها عن الصحابة والتابعين بالسند، مثل تفسير سفيان بن ~~عيينة، ووكيع بن الجراح، وعبد الرازق وغيرهم، ولم تصل إلينا هذه التفاسير، إنما وصل ~~إلينا ما تلا هذه الطبقة، وأشهرهم ابن جرير الطبري. ~~••• # وبعد؛ فيظهر أن تفسير القرآن كان في كل عصر من العصور المتأخرة بالحركة العلمية فيه، ~~وصورة منعكسة لما في العصر من آراء ونظريات علمية ومذاهب دينية، من ابن عباس إلى ~~الأستاذ الشيخ محمد عبده، حتى لتستطيع إذا جمعت التفاسير التي ألفت في عصر من العصور ~~أن تتبين فيها مقدار الحركة العلمية، وأي الآراء كان سائدا شائعا وأيها غير ذلك؛ ~~وهكذا. # فلو تتبعت ما نقل عن الصحابة وصدر التابعين من تفسير وجدتهم يقصرون في تفسير الآية ~~على توضيح المعنى اللغوي الذي فهموه من الآية بأخصر لفظ، مثل قولهم: # غير متجانف لإثم ~~؛ أي: غير متعرض لمعصية، ومثل ~~قولهم في قوله تعالى: # وأن تستقسموا ~~بالأزلام ~~: كان أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم خروجا أخذ قدحا فقال: هذا ~~يأمر بالخروج، فإن خرج فهو مصيب في سفره خيرا، ويأخذ قدحا آخر فيقول: هذا يأمر ~~بالمكوث فليس يصيب في سفره خيرا، والمنيح بينهما، فنهى الله عن ذلك؛ فإن زادوا شيئا ~~فما روي من سبب نزول الآية، ثم زاد من بعدهم التوسع في أخبار اليهود والنصارى، ولا ~~تجد في التفسير عن هؤلاء أثرا من الاستنباط العلمي لحكم فقهي، ولا انتصارا لمذهب ديني ~~... فلما جاء العصر الذي يليه وظهر الكلام في القدرة ونحوه رأيت التفسير قد حمل هذه ~~المذاهب، فأصبح كل يفسر القرآن على مذهبه في الجبر والاختيار؛ وهكذا، ولما عظمت ~~الحركة الفقهية رأيت المفسرين من الفقهاء يتعرضون للآيات، يذكرون ما يستنبط منها من ~~الأحكام وقل مثل ذلك في قواعد النحو والبلاغة وقواعد الأخلاق. # | مصادر هذا الفصل # الإتقان في ms192 علوم القرآن. # المستصفى للغزالي. # الموافقات للشاطبي. # طبقات المفسرين لمحمد بن الداودي المالكي (نسخة خطية في دار الكتب). # كشف الظنون. # طبقات ابن سعد. # تفسير ابن جرير. # مقدمة ابن خلدون. # تذكرة الحفاظ للذهبي. # ابن خلكان. # الفصل السادس عشر # | الحديث # يراد بالسنة أو الحديث ما ورد عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من قول أو فعل أو تقرير، وبعد ~~عصر الرسول ضم إلى الحديث ما ورد عن الصحابة، فالصحابة، كانوا يعاشرون النبي # صلى الله عليه وسلم # ويسمعون قوله ويشاهدون عمله، ويحدثون بما رأوا وما سمعوا، وجاء التابعون بعد فعاشروا ~~الصحابة وسمعوا منهم ورأوا ما فعلوا، فكان من الأخبار عن رسول الله وصحابته ~~«الحديث». # للحديث قيمة كبرى في الدين تلي رتبة القرآن، فكثير من آيات القرآن مجملة أو مطلقة أو ~~عامة، فجاء قول رسول الله أو عمله فبينها أو قيدها أو خصصها، فالقرآن مثلا لم يبين ~~تفاصيل الصلاة، إنما أمر بها مجملة، وفعل النبي أوضح أوقاتها وكيفياتها، وحرم القرآن ~~الخمر بقوله تعلى: # إنما الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ~~، ولكن ما ~~المراد بالخمر؟ وأي المقادير يحرم؟ ونحو ذلك، كل هذا بينه الحديث. # كذلك كانت تعرض لرسول الله حوادث يقضي فيها، وأسئلة يجيب عنها، ومبادلة أخذ وعطاء، ~~وتصرف في الشئون السلمية والحربية، كل هذه كانت أحيانا ينزل فيها قرآن، وأحيانا لا ~~ينزل؛ وهذا النوع الثاني كالأول مرجع للمشرعين، فاقتضى ذلك جميعه العناية ~~بالحديث. # لم يدون الحديث في عهد النبي # صلى الله عليه وسلم # كما دون القرآن، فإنا نرى أن رسول الله ~~اتخذ كتبة للوحي يكتبون آيات القرآن عند نزولها، ولكنه لم يتخذ كتبة يكتبون ما ينطق به ~~من غير القرآن؛ بل قد وجدنا أحاديث كثيرة تنهى عن تدوين الحديث، منها ما رواه مسلم في ~~صحيحه عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «لا تكتبوا عني، ومن كتب ~~عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني فلا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من ~~النار»، وروى البخاري ms193 عن ابن عباس قال: «لما اشتد بالنبي # صلى الله عليه وسلم # وجعه قال: ائتوني ~~بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، قال عمر: إن النبي # صلى الله عليه وسلم # غلبه الوجع وعندنا ~~كتاب الله حسبنا». # نعم، وجدت أحاديث تدل على أنه كتب صحف من الحديث في عهد رسول الله كالذي روى ~~البخاري: عن أبي هريرة أن خزاعة قتلوا رجلا من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم ~~قتلوه، فأخبر بذلك النبي # صلى الله عليه وسلم # فركب راحلته فخطب، فقال: «إن الله حبس عن مكة القتل # 1 # وسلط عليهم رسول الله # صلى الله عليه وسلم # والمؤمنون، وإنها لا تحل لأحد قبلي ولم تحل ~~لأحد بعدي، ألا وإنها أحلت لي ساعة من نهار، وإنها ساعتي هذه حرام، لا ~~يختلى # 2 # شوكها، ولا يعضد # 2 # شجرها، ولا تلتقط ساقتها ~~إلا لمنشد # 3 ~~؛ فمن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يعقل، وإما أن يقاد أهل ~~القتيل؛ فجاء رجل من أهل اليمن فقال: اكتب لي يا رسول الله «يريد أن يكتب له الخطبة ~~التي سمعها منه» فقال # صلى الله عليه وسلم # اكتبوا لأبي فلان»؛ وكذلك ما روي عن عبد الله بن عمرو ~~بن العاص من أنه كان يكتب كل ما سمع من رسول الله. # وقد أراد بعض العلماء التوفيق بين هذه الأحاديث المتضاربة، فقالوا: إن النهي عن ~~الكتابة كان وقت نزول القرآن، خشية التباس القرآن بالحديث. # على كل حال لم يكن تدوين الحديث شائعا في هذا العصر، ولم يوضع له نظام خاص لتدوينه ~~كالذي وضع للقرآن. # نشأ عن هذا أنه كان بعد وفاة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كتاب مدون هو القرآن وأحاديث غير ~~مدونة تروى عن رسول الله، وكانت تروى في الغالب من الذاكرة لا من صحيفة. # فكان إذا عرض حادث ليس له حكم في القرآن وعرف بعض الصحابة أنه حدث نظيره لرسول الله ~~وكان له فيه حكم حدث بذلك الحديث؛ وكذلك كانوا يحدثون؛ بما وقع في عهده من غزوات، ومن ms194 ~~وعد ووعيد ونحو ذلك. # وكان بعض الصحابة يكره كثرة الرواية عن رسول الله خشية الكذب عليه، وخشية أن يصدهم عن ~~القرآن؛ روى القرطبي في كتابه - جامع بيان العلم - «عن قرظة بن كعب قال: خرجنا نريد ~~العراق فمشى معنا عمر إلى «حرار» فتوضأ فغسل اثنتين ثم قال: أتدرون لم مشيت معكم؟ ~~قالوا: نعم، نحن أصحاب رسول الله مشيت معنا، فقال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي ~~بالقرآن كدوي النحل فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم؛ جودوا القرآن وأقلوا الرواية ~~عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، امضوا وأنا شريككم، فلما قدم قرظة قالوا: حدثنا قال: نهانا ~~عمر بن الخطاب»، بل كان بعض الصحابة كذلك إذا حدث حديثا عن رسول الله طلب دليلا على ~~صحة ما يروى؛ كالذي روى الحاكم قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر فقالت: إن لي حقا في مال ~~ابن ابن مات، قال: ما علمت لك في كتاب الله حقا، ولا سمعت من رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فيه ~~شيئا؛ وسأل فشهد المغيرة بن شعبة أن رسول الله أعطاها السدس، قال: ومن سمع ذلك معك؟ ~~فشهد محمد بن مسلمة، فأعطاها أبو بكر السدس، وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ~~قال: كنت جالسا في مجلس من مجالس الأنصار فجاء أبو موسى فزعا، فقالوا: ما أفزعك؟ قال: ~~أمرني عمر أن آتيه فأتيته، فاستأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي، فرجعت، فقال: ما منعك أن ~~تأتينا؟ فقلت: إني أتيت فسلمت على بابك ثلاثا فلم تردوا علي فرجعت، وقد قال رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع»؛ قال «عمر»: لتأتيني على ~~هذا بالبينة، فقالوا: لا يقوم إلا أصغر القوم، فقام أبو سعيد معه فشهد له، فقال عمر ~~لأبي موسى: إني لم أتهمك، ولكنه الحديث عن رسول الله، وروي عن علي أنه كان يحلف من ~~حدثه بحديث عن رسول الله. ~~••• # نشأ من عدم تدوين الحديث في كتاب خاص في العصور الأولى واكتفائهم بالاعتماد على ~~الذاكرة، وصعوبة حصر ما قال ms195 رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أو فعل في مدة ثلاثة وعشرين عاما من ~~بدء الوحي إلى الوفاة، أن استباح قوم لأنفسهم وضع الحديث ونسبته كذبا إلى رسول الله، ~~ويظهر أن هذا الوضع حدث حتى في عهد الرسول، فحديث «من كذب علي معمدا فليتبوأ مقعده ~~من النار»، يغلب على الظن أنه إنما قيل لحادثة حدثت زور فيها على الرسول، وبعد وفاته # صلى الله عليه وسلم # كان الكذب عليه أسهل ، وتحقيق الخبر عنه أصعب؛ روى مسلم عن ابن عباس أنه قال: ~~«إنا كنا نحدث عن رسول الله إذ لم يكن يكذب عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول ~~تركنا الحديث عنه» وفي حديث آخر أن بشيرا العدوي جاء إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: ~~قال رسول الله، قال: فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه # 4 # ولا ينظر إليه، فقال: يا بن عباس ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول ~~الله ولا تسمع! فقال ابن عباس: إنا كنا مرة # 5 # إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه ~~بآذاننا، فلما ركب الناس الصعبة والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف # 6 ~~، وروي عن سفيان بن عيينة أن ابن عباس أتى بكتاب فيه قضاء علي فمحاه إلا قدر # 7 ~~، وأشار سفيان بذراعه # 6 ~~- يريد أن ما في الدرج ~~المستطيل كله كان كذبا على علي إلا قدر ذراع، وأن ما محاه ابن عباس إنما هو القدر ~~الكاذب - فلما فتحت الفتوح ودخل في الإسلام من لا يحصى كثرة؛ الأمم المفتوحة من ~~فارسي، ورومي، وبربري، ومصري، وسوري، وكان من هؤلاء من لا يتجاوز إيمانهم حناجرهم كثر ~~الوضع كثرة مزعجة، وسال الوادي حتى طم على القري. قال ابن عدي: لما أخذ عبد ~~الكريم بن أبي العوجاء الوضاع ليضرب عنقه قال: لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم ~~فيها وأحلل # 8 ~~، وكان عبد الكريم هذا خال معن بن زائدة واتهم بالمانوية، وكان يضع أحاديث ~~كثيرة بأسانيد يغتر بها من لا معرفة له بالجرح ms196 والتعديل، وتلك الأحاديث التي وضعها كلها ~~ضلالات في التشبيه والتعطيل، وفي بعضها تغيير أحكام الشريعة # 9 ~~، وحسبك دليلا على مقدار الوضع أن أحاديث التفسير - التي ذكر عن أحمد بن ~~حنبل أنه قال: لم يصح عنده منها شيء - قد جمع فيها آلاف الأحاديث، وأن البخاري وكتابه ~~يشتمل على نحو سبعة آلاف حديث، منها نحو ثلاثة آلاف مكررة، قالوا: إنه اختارها وصحت ~~عنده من ست مئة ألف حديث كانت متداولة في عصره؛ وقال سفيان: سمعت جابرا يحدث بنحو من ~~ثلاثين ألف حديث ما أستحل أن أذكر منها شيئا وإن كان لي كذا وكذا، ويظهر أن بعض ~~الوضاعين لم يكونوا يرون الوضع عن رسول الله نقيصة خلقية، ولا معرة دينية؛ روى مسلم عن ~~محمد بن يحيى بن سعيد القطان عن أبيه قال: لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث، ~~وفسر مسلم هذا بأنه «يجري الكذب على لسانهم، ولا يتعمدون الكذب»، وبعضهم كان سليم النية ~~يجمع كل ما أتاه على أنه صحيح، وهو في ذاته صادق فيحدث بما سمع، فيأخذه الناس عنه ~~مخدوعين بصدقه، كالذي قيل في عبد الله بن المبارك، فقد قيل: إنه ثقة صدوق اللسان، ولكنه ~~يأخذ عمن أقبل وأدبر # 10 ~~، وقوم كانوا يتحرون فقط أن يكون الكلام حقا في ذاته، فيستجيزون نسبته إلى ~~رسول الله؛ قال خالد بن يزيد: سمعت محمد بن سعيد الدمشقي يقول: إذا كان كلام حسن لم أر ~~بأسا أن أجعل له إسنادا # 11 ~~، وكان أبو جعفر الهاشمي المديني يضع أحاديث كلام حق # 10 ~~، وقوم جوزوا وضع الحديث في الترغيب والترهيب، قال النووي: «وقد ~~سلك مسلكهم بعض الجهلة المتسمين بسمة الزهاد ترغيبا في الخير في زعمهم ~~الباطل». # على كل حال كان الوضع كثيرا، وقد حمل الوضاع على الوضع أمور أهمها: ~~(1) # الخصومة السياسية: فالخصومة بين علي وأبي بكر، وبين علي ومعاوية، وبين ~~عبد الله بن الزبير وعبد الملك، ثم بين الأمويين والعباسيين؛ كل هذه كانت ~~سببا لوضع كثير من الحديث؛ قال ابن أبي الحديد في شرح نهج ms197 البلاغة: «واعلم ~~أن أصل الكذب في حديث الفضائل كان من جهة الشيعة، فإنهم وضعوا في مبدأ ~~الأمر أحاديث مختلفة في صاحبهم، حملهم على وضعها عداوة خصومهم، نحو حديث ~~السطل، وحديث الرمانة، وحديث غزوة البئر التي كان فيها الشيطان ... وحديث غسل ~~سلمان الفارسي، وطي الأرض، وحديث الجمجمة ونحو ذلك؛ فلما رأت البكرية ما ~~صنعت الشيعة وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث نحو: «لو كنت ~~متخذا خليلا»، فإنهم وضعوه في مقابلة حديث الإخاء، ونحو سد الأبواب فإنه ~~كان لعلي، فقلبته البكرية إلى أبي بكر ... فلما رأت الشيعة ما قد وضعت ~~البكرية أوسعوا في وضع الأحاديث، فوضعوا حديث الطوق الحديد الذي زعموا أنه ~~فتله في عنق خالد ... وحديث الصحيفة التي علقت عام الفتح بالكعبة، وأحاديث ~~مكذوبة كثيرة تقتضي نفاق قوم من أكابر الصحابة والتابعين الأولين وكفرهم، ~~وعلى أدون الطبقات فسقهم، فقابلتهم البكرية بمطاعن كثيرة في علي وفي ولديه، ~~ونسبوه تارة إلى ضعف العقل، وتارة إلى ضعف السياسة، وتارة إلى حب الدنيا ~~والحرص عليها؛ ولقد كان الفريقان في غنية عما اكتسباه واجترحاه، ولقد كان ~~في فضائل علي الثابتة الصحيحة وفضائل أبي بكر المحققة المعلومة ما يغني ~~عن تكلف العصبية لهما» # 12 ~~. # وتلمح أحاديث كثيرة لا تكاد تشك وأنت تقرؤها أنها وضعت لتأييد الأمويين ~~أو العباسيين أو العلويين أو الحط منهم؛ كالخبر الذي روي أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال في معاوية: الله قه العذاب والحساب وعلمه الكتاب؛ وكالذي ~~روي أن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: إن آل أبي طالب ليسوا ~~لي بأولياء، إنما وليي الله وصالحوا المؤمنين، وقد قال ابن عرفة: إن أكثر ~~الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقربا إليهم ~~بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم. # ويتصل بهذا النحو أحاديث وضعها الواضعون في تفضيل القبائل العربية، ذلك ~~أن هذه القبائل كانت تتنازع الرياسة والفخر والشرف، فوجدوا في الأحاديث ~~بابا يدخلون منه إلى المفاخرة، كالذي وجدوه في الشعر؛ فكم ms198 من الأحاديث ~~وضعت في فضل قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأسلم وغفار والأشعريين ~~والحميريين. # وكم من حديث وضع في تفضيل العرب على العجم والروم، فقابلها هؤلاء بوضع ~~أحاديث في فضل العجم والروم والحبشة والترك # 13 ~~. # ومثل ذلك العصبية للبلد، فلا تكاد تجد بلدا كبيرا إلا وفيه حديث بل ~~أحاديث في فضله، فمكة والمدينة وجبل أحد والحجاز واليمن والشام وبيت ~~المقدس ومصر وفارس وغيرها كل وردت فيه الأحاديث المتعددة في فضله، وعلى ~~الإجمال فالعصبية الحزبية والقبلية، والعصبية للمكان سببا من أهم أسباب ~~الوضع . ~~(2) # الخلافات الكلامية والفقهية: فمثلا اختلف علماء الكلام في القدر أو ~~الجبر والاختيار، فأجاز قوم لأنفسهم أن يؤيدوا مذهبهم بأحاديث يضعونا ~~ينصون فيها حتى على التفاصيل الدقيقة التي ليس من مسلك الرسول التعرض لها، ~~وحتى ينصون فيها على اسم الفرقة المناهضة لهم، بل واسم رئيسها ولعنه ~~ولعنهم، وكذلك في الفقه، فلا تكاد تجد فرعا فقهيا مختلفا فيه إلا وحديث ~~يؤيد هذا وحديث يؤيد ذاك، حتى مذهب أبي حنيفة الذي يذكر العلماء أنه لم ~~يصح عنده إلا أحاديث قليلة، قال ابن خلدون: «إنها سبعة عشر» ملئت كتبه ~~بالأحاديث التي لا تعد، وأحيانا بنصوص هي أشبه ما يكون بمتون الفقه، ~~ويطول بنا القول لو ذكرنا أمثلة على هذا النحو من الوضع، فنكتفي هنا ~~بالإشارة إليها. ~~(3) # متابعة بعض من يتسمون بسمة العلم لهوى الأمراء والخلفاء، يضعون لهم ما ~~يعجبهم رغبة فيما في أيديهم، كالذي حكي عن غياث بن إبراهيم أنه دخل على ~~المهدي بن المنصور، وكان يعجبه اللعب بالحمام فروى حديثا: لا سبق إلا في ~~خف أو حافر أو جناح. فأمر له بعشرة آلاف درهم، فلما قام ليخرج قال المهدي: ~~أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول الله، ما قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~«جناح»، ~~ولكنه أراد أن يتقرب إلينا # 14 ~~. ~~(4) # تساهل بعضهم في باب الفضائل والترغيب والترهيب ونحو ذلك مما لا يترتب ~~عليه تحليل حرام أو تحريم حلال، واستباحتهم الوضع فيها، فملئوا كتب الحديث ~~بفضائل الأشخاص، حتى من لم يرهم ms199 النبي # صلى الله عليه وسلم # كوهب بن منبه، وبفضائل آيات ~~القرآن وسوره، كالذي روي عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم أنه وضع أحاديث في ~~فضائل القرآن سورة سورة بعنوان أن من قرأ سورة كذا فله كذا، وروى ذلك عن ~~عكرمة عن ابن عباس، وتارة يروي عن أبي بن كعب - وهي الأحاديث التي نقلت ~~في تفسير البيضاوي عند ختم كل سورة - فلما سئل: من أين هذه الأحاديث؟ قال: ~~لما رأيت اشتغال الناس بفقه أبي حنيفة، ومغازي محمد بن إسحاق، وأعرضوا عن ~~حفظ القرآن وضعت هذه الأحاديث حسبة لله تعالى # 15 ~~. # ومثل هذا ما ترى في كتب الأخلاق والتصوف من أحاديث في الترغيب والترهيب ~~لا يحصى لها عد، ومن هذا الباب أدخل القصاص في الحديث كثيرا. ~~(5) # يخيل إلي أنه من أهم أسباب الوضع مغالاة الناس إذ ذاك في أنهم لا ~~يقبلون من العلم إلا على ما اتصل بالكتاب والسنة اتصالا وثيقا، وما عدا ~~ذلك فليس له قيمة كبيرة، فأحكام الحلال والحرام إذا كانت مؤسسة على مجرد ~~«الاجتهاد» لم يكن لها قيمة ما أسس على الحديث ولا ما يقرب منه، بل كثير ~~من العلماء في ذلك العصر كان يرفضها ولا يمنحها أية قيمة، بل بعضهم كان ~~يشنع على من ينحو هذا النحو؛ والحكمة والموعظة الحسنة إذا كانت من أصل ~~هندي أو يوناني أو فارسي، أو من شروح من التوراة أو الإنجيل لم يؤبه لها، ~~فحمل ذلك كثيرا من الناس أن يصبغوا هذه الأشياء كلها صبغة دينية حتى ~~يقبلوا عليها، فوجدوا الحديث هو الباب الوحيد المفتوح على مصراعيه، فدخلوا ~~منه على الناس، ولم يتقوا الله فيما صنعوا، فكان من ذلك أن ترى في الحديث ~~الحكم الفقهي المصنوع، والحكمة الهندية، والفلسفة الزردشتية، والموعظة ~~الإسرائيلية أو النصرانية. # روعت هذه الفوضى في الحديث عن رسول الله جماعة من العلماء الصادقين، فنهضوا لتنقية ~~الحديث مما ألم به، وتمييز جيده من رديئه، وسلكوا في ذلك جملة مسالك. # منها أنهم طالبوا بإسناد الحديث، أعني أن يعينوا رواة الحديث؛ فيقول ms200 المحدث: حدثني ~~فلان عن فلان عن رسول الله أنه قال كذا، ليتمكنوا بذلك من معرفة قيمة المحدث صدقا ~~وكذبا، ولينظروا هل المحدث ينتسب إلى بدعة وضع الحديث ترويجا لها ونحو ذلك، جاء ~~في مقدمة صحيح مسلم «عن ابن سيرين قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقفت الفتنة ~~قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا ~~يؤخذ حديثهم». # ثم أخذوا يشرحون الرجال، فيجرحون بعضا ويعدلون بعضا، «وألزموا أنفسهم ~~الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار». # وأكثر هؤلاء النقاد عدلوا الصحابة كلهم إجمالا وتفصيلا، فلم يعرضوا لأحد منهم ~~بسوء، ولم ينسبوا لأحد منهم كذبا، وقليل منهم أجرى على الصحابة ما أجرى على غيرهم، قال ~~العزالي: «والذي عليه سلف الأمة وجماهير الخلف أن عدالتهم «أي الصحابة» معلومة بتعديل ~~الله عز وجل إياهم وثنائه عليهم في كتابه، فهو معتقدنا فيهم إلا أن يثبت بطريق قاطع ~~ارتكاب واحد لفسق مع علمه بذلك، وذلك مما لا يثبت فلا حاجة لهم إلى التعديل ... وقد زعم ~~قوم أن حالهم كحال غيرهم في لزوم البحث، وقال قوم: حالهم العدالة في بداية الأمر إلى ~~ظهور الحرب والخصومات، ثم تغيرت الحال وسفكت الدماء فلا بد من البحث ... ثم فسر الصحابي ~~المعني بهذا بمن كثرت صحبته للنبي # صلى الله عليه وسلم ~~» # 16 ~~. # ويظهر أن الصحابة أنفسهم في زمنهم كان يضع بعضهم بعضا موضع النقد، وينزلون بعضا ~~منزلة أسمى من بعض، فقد رأيت قبل أن منهم من كان إذا روي له حديث طلب من المحدث ~~برهانا؛ بل روي ما هو أكثر من ذلك، فقد روي أن أبا هريرة روى حديثا: «من حمل جنازة ~~فليتوضأ» فلم يأخذ ابن عباس بخبره، وقال: لا يلزمنا الوضوء في حمل عيدان يابسة! وكذلك ~~روى أنه حدث بحديث جاء في الصحيحين وهو: «متى استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن ~~يضعها في الإناء، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» فلم تأخذ به عائشة وقالت: كيف تصنع بالمهراس # 17 ~~، وكالذي ms201 روي أن فاطمة بنت قيس روت أن زوجها طلق فبت الطلاق، فلا يجعل ~~رسول الله لها نفقة وسكنى، وقال لها: اعتدي في بيت ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى، فردها ~~أمير المؤمنين عمر قائلا لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أو ~~كذبت، حفظت أم نسيت، وقالت عائشة: ألا تتقين الله ... إلخ # 18 ~~، ومثل هذا كثير. # على كل حال فالذي جرى عليه العمل من أكثر نقاد الحديث، وخاصة المتأخرين أنهم عدلوا ~~كل صحابي، ولم يرموا أحدا منهم بكذب ولا وضع، إنما جرحوا ونقدوا من بعدهم، وقد بدأ ~~الكلام في الجرح والتعديل من عهد الصحابة، فقد رويت أقوال في ذلك عن عبد الله بن عباس ~~وعبادة بن الصامت وأنس، وكثر القول في ذلك من التابعين كالشعبي وابن سيرين والحسن ~~البصري وسعيد بن المسيب، ثم تتابع القول فيه. # وكان للاختلاف المذهبي أثر في التعديل والتجريح، فأهل السنة يجرحون كثيرا من الشيعة؛ ~~حتى إنهم نصوا على أنه لا يصح أن يروى عن علي ما رواه عنه أصحابه وشيعته، إنما يصح ~~أن يروى ما رواه عنه أصحاب عبد الله بن مسعود؛ وكذلك كان الشيعة مع أهل السنة فكثير ~~منهم لا يثق إلا بما رواه الشيعة عن أهل البيت؛ وهكذا، ونشأ عن هذا أن من يعدله قوم ~~قد يجرحه آخرون، قال الذهبي: «لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن على توثيق ضعيف، ولا ~~على تضعيف ثقة»، ومع ما في قوله من المبالغة فهو يدلنا على مقدار اختلاف الأنظار في ~~التجريح والتعديل، ولنضرب لك مثلا محمد بن إسحاق - أكبر مؤرخ في حوادث الإسلام الأولى ~~- قال فيه قتادة: لا يزال في الناس علم ما عاش محمد بن إسحاق، وقال فيه النسائي: ليس ~~بالقوي، وقال سفيان: ما سمعت أحدا يتهم محمد بن إسحاق، وقال الدارقطني: لا يحتج به ~~وبأبيه، وقال مالك: أشهد أنه كذاب ... إلخ. # وقد وضع العلماء للجرح والتعديل قواعد ليس هنا محل ذكرها، ولكنهم - والحق يقال - ~~عنوا بنقد الإسناد أكثر مما عنوا ms202 بنقد المتن، فقل أن تظفر بنقد من ناحية أن ما نسب ~~إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # لا يتفق والظروف التي قيلت فيه، أو أن الحوادث التاريخية الثابتة ~~تناقضه، أو أن عبارة الحديث نوع من التعبير الفلسفي يخالف المألوف في تعبير النبي، أو ~~أن الحديث أشبه في شروطه وقيوده بمتون الفقه وهكذا، ولم نظفر منهم في هذا الباب بعشر ~~معشار ما عنوا به من جرح الرجال وتعديلهم، حتى نرى البخاري نفسه على جليل قدره ودقيق ~~بحثه يثبت أحاديث دلت الحوادث الزمنية والمشاهدة التجربية على أنها غير صحيحة لاقتصاره ~~على نقد الرجال، كحديث «لا يبقى على ظهر الأرض بعد مئة سنة نفس منفوسة»، وحديث «من ~~اصطبح كل يوم سبع تمرات من عجوة لم يضره سم ولا سحر ذلك اليوم إلى الليل». # وكذلك قسموا الحديث بحسب قوته والأخذ به إلى أقسام، وسموا كل نوع اسما، فقسموه إلى ~~متواتر وآحاد؛ فالمتواتر ما رواه جماعة يؤمن من تواطئهم على الكذب عن جماعة كذلك إلى ~~رسول الله، وهذا يفيد العلم، وقد قال قوم: إن هذا النوع لم يوجد، وعد منه قوم حديث ~~من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، وزاد بعضهم أحاديث لا تتجاوز السبعة، ~~وأما أحاديث الآحاد فهي غير المتواترة، وهي لا تفيد العلم عند أكثر الأصوليين ~~والفقهاء، وإنما يجوز العمل بها عند ترجح صدقها؛ وقد قسموا أحاديث الآحاد إلى درجات حسب ~~قوتها، لا نطيل بذكرها. ~~••• # وقد اختلف الصحابة في الحديث عن رسول الله كثرة وقلة، وأكثرهم حديثا أبو هريرة، ~~وعائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر، وأنس بن مالك؛ فحديث ~~أبي هريرة 5374 حديثا، ولعائشة 2210، ولعبد الله بن عمر وأنس بن مالك ما يقرب من مسند ~~عائشة، ولكل من جابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس أزيد من 1500، على حين أنا نجد ~~مثلا لعمر بن الخطاب 537 حديثا لم يصح منها إلا نحو الخمسين # 19 ~~، ومما ساعد هؤلاء المكثرين في الحديث طول حياتهم بعد النبي # صلى ms203 الله عليه وسلم ~~، وكثرة ~~من أخذ عنهم. # أما أبو هريرة فيمني الأصل من قبيلة دوس، واسمه عبد الله أو عبد الرحمن، ولقب ~~بأبي هريرة لهرة صغيرة كانت له، يقول: «كنت أرعى غنم أهلي وكانت لي هريرة صغيرة، فكنت ~~أضعها بالليل في شجرة، فإذا كان النهار ذهبت بها معي فلعبت بها، فكنوني أبا هريرة» # 20 # أسلم في السنة السابعة من الهجرة ولازم النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وقد استعمله عمر بن ~~الخطاب على البحرين، ثم عزله، ثم أراده على العمل فامتنع، وكان يسكن المدينة وتوفي بها ~~نحو سنة 57ه. # ويقول ابن قتيبة في كتابه «المعارف»: «إن أبا هريرة قال: نشأت يتيما وهاجرت مسكينا، ~~وكنت أجيرا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي، فكنت أخدم إذا نزلوا، وأحدو إذا ~~ركبوا فزوجنيها الله، فالحمد لله الذي جعل الدين قواما، وجعل أبا هريرة إماما»، وروى ~~ابن قتيبة أيضا أن أبا هريرة كان مزاحا وحكى له شيئا من ملحه # 21 ~~. # وكان كما قلنا أكثر الناس حديثا عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وكان لا يكتب، فكان يعتمد في ~~روايته على ذاكرته، ويظهر أنه لم يكن يقتصر على ما سمع من رسول الله، بل يحدث عن رسول ~~الله بما أخبره به غيره، فقد روى مرة أن رسول الله قال: «من أصبح جنبا فلا صوم له»، ~~فأنكرت ذلك عائشة وقالت: كان رسول الله يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير احتلام ~~فيغتسل ويصوم، فلما ذكر ذلك لأبي هريرة قال: إنها أعلم مني، وأنا لم أسمعه من النبي # صلى الله عليه وسلم # وسمعته من الفضل بن عباس # 22 ~~. # وقد أكثر بعض الصحابة عن نقده على الإكثار من الحديث عن رسول الله وشكوا فيه، كما ~~يدل على ذلك ما روى مسلم في صحيحه أن أبا هريرة قال: «إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر ~~الحديث عن رسول الله - والله الموعد # 23 ~~- كنت رجلا مسكينا أخدم رسول الله # صلى الله عليه وسلم # على ملء بطني، وكان المهاجرون ~~يشغلهم الصفق ms204 بالأسواق # 24 ~~، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم»، وفي حديث آخر في مسلم أيضا أن ~~أبا هريرة قال: «يقولون إن أبا هريرة قد أكثر - والله الموعد - ويقولون: ما بال ~~المهاجرين والأنصار لا يتحدثون مثل أحاديثه! وسأخبركم عن ذلك، إن إخواني من الأنصار كان ~~يشغلهم عمل أراضيهم، وأما إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ألزم ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # على ملء بطني فأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا». # والحنفية يتركون حديثه أحيانا إذا عارض القياس، كما فعلوا في حديث المصراة # 25 ~~، فقد روى أبو هريرة أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال : «لا تصروا الإبل ~~والغنم، من ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، فإن رضيها أمسكها وإن ~~سخطها ردها وصاعا من تمر»، قالوا: «أبو هريرة غير فقيه، وهذا الحديث مخالف للأقيسة ~~بأسرها فإن حلب اللبن تعد، وضمان التعدي يكون بالمثل أو القيمة، والصاع من التمر ~~ليس بواحد منهما»، وقد انتهز الوضاع فرصة إكثاره فزوروا عليه أحاديث لا ~~تعد. # وأما عائشة أم المؤمنين فكانت أحب أزواج النبي إليه، بنى بها بعد الهجرة بستة أشهر أو ~~سبعة، وظلت معه طول مدته بالمدينة، وتوفي النبي عنها وهي بنت ثمان عشرة سنة، واشتركت ~~في الحياة السياسية بعد وفاته، فنقدت عثمان وحاربت عليا وكانت كما يفهم من سيرتها ~~تتوقد ذكاء، تعلمت القراءة وعرفت كثيرا من الأدب الجاهلي، وكان لها بين الصحابة منزلة ~~عالية يستشيرونها في مسائل دينية وقضائية، وقد مكنها ذكاؤها وخلطتها بالنبي # صلى الله عليه وسلم # أن ~~تروي عنه كثيرا، خصوصا فيما يتعلق بشئونه البيتية التي لم يتيسر للصحابة الاطلاع ~~عليها، وتوفيت سنة 58ه. # ويطول بنا القول لو ترجمنا للباقين، وقد تقدم طرف من أخبار كثير منهم عند الكلام على ~~مراكز الحياة العقلية. # كان لهؤلاء الصحابة تلاميذ يختصون بهم ويروون عنهم، وتكونت على مر العصور سلاسل من ~~المحدثين فضل علماء الحديث بعضها على بعض، فأصح أسانيد أبي بكر: «إسماعيل بن أبي خالد ~~عن قيس بن أبي حازم ms205 عن أبي بكر»، وأصح أسانيد عمر: «الزهري عن سالم عن أبيه عن جده - ~~وهو عمر -»، وأصح أسانيد أبي هريرة: «الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة»، وأصح ~~أسانيد عائشة: «عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة» وهكذا. ~~••• # مضى القرن الأول الهجري جميعه ولم يجعل أحد من الخلفاء للحديث صبغة رسمية، أعني أن ~~يعهد إلى جمع من الصحابة أو كبار التابعين أن يستوثقوا مما في أيدي الناس من الحديث ~~ويجمعوا ما صح عندهم منه، ويكتبوه في كتاب ويرسلوا نسخا منه إلى الأمصار كما فعلوا في ~~المصحف، ويمنعوا الناس عن أن يحدثوا بغير ما فيه؛ ولعله خطر لبعضهم ذلك، ولكن رأى هذا ~~العمل في منتهى الصعوبة، فإنهم يروون أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قبض وعدد الصحابة الذين ~~سمعوا منه ورووا عنه 114000 كل منهم عنده الحديث والحديثان والأكثر، وقد حدث النبي ~~قوما بما لم يحدث به آخرين، ووقع من الحوادث أمام قوم ما لم يره آخرون، وقد تفرق ~~الصحابة في مختلف الأمصار، فجمع الحديث يقتضي استعراض هؤلاء جميعا واستماع قولهم ~~وتدوين حديثهم، وذلك مطلب عسير المنال، وأيضا لو فعل هذا فكيف يقص الصحابي جميع ما سمع ~~ورأى، وهو إنما يعتمد في ذلك على ذاكرته، وإنما يذكر بالمناسبات؟ إلى غير ذلك من أسباب ~~تكاد تحيل هذا العمل، ومع هذا يظهر لنا مما حدث بعد من فوضى الحديث أن لو كان قد اقتصر ~~على تدوين ما عرفه كبار الصحابة وجمع، ومنع الناس أن يحدثوا بغير ما فيه لكان خيرا ~~للمسلمين. # ويظهر أن هذه الفكرة التي ذكرنا عرضت لعمر بن الخطاب، فقد روي عن الزهري قال: أخبرني ~~عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن، واستشار فيه أصحاب رسول الله، ~~فأشار عليه عامتهم بذلك؛ فلبث شهرا يستخير الله في ذلك شاكا فيه، ثم أصبح يوما وقد ~~عزم الله له، فقال: «إني كنت ذكرت لكم من كتابة السنن ما قد علمتم، ثم تذكرت فإذا أناس ~~من أهل الكتاب من ms206 قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، ~~وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء». # وعرضت بعد لعمر بن عبد العزيز، ففي الموطأ أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن ~~محمد بن عمرو بن حزم أن انظر ما كان من حديث رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أو سنته فاكتبه فإني ~~خفت دروس العلم وذهاب العلماء، واخرج أبو نعيم في تاريخ أصبهان عن عمر بن عبد العزيز ~~أنه كتب إلى أهل الآفاق: انظروا إلى حديث رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فاجمعوه. # ولكنا لم نر لأمره هذا أثرا، فلعله عوجل عنه ولم يأبه لذلك من خلفه، ولما جاء أبو ~~جعفر المنصور عاودته هذه الفكرة، فابن سعد في الطبقات يروي عن مالك بن أنس «قال: لما حج ~~المنصور قال لي: قد عزمت على أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها فتنسخ، ثم ابعث إلى كل مصر ~~من أمصار المسلمين منها نسخة وآمرهم أن يعملوا بما فيها ولا يتعدوه إلى غيره، فقلت: يا ~~أمير المؤمنين لا تفعل هذا؛ فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل وسمعوا أحاديث ورووا ~~روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، ودانوا به، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم ~~لأنفسهم»، بل يظهر أن النية لم تكن متجهة فقط إلى جمع الحديث في كتاب وحمل الناس عليه ~~وترك ما عداه، بل كانت متجهة أيضا إلى أن يكون في كتب الإمام مالك أساس لقانون واحد ~~إسلامي عام تحكم به المملكة الإسلامية، ويتخذ صبغة رسمية، ويتطور بتطور الزمان، ولعل ~~هذا المعنى يزداد وضوحا بما روي في كتاب الحلية عن مالك بن أنس قال: شاورني هارون ~~الرشيد في أن يعلق الموطأ في الكعبة ويحمل الناس على ما فيه، فقلت: لا تفعل، فإن ~~أصحاب رسول الله اختلفوا في الفروع وتفرقوا في البلدان وكل مصيب. # على كل حال مضى العصر الأول ولم يكن تدوين الحديث شائعا، إنما كانوا يروونه شفاها ~~وحفظا، ومن كان يدون فإنما يدون لنفسه. ms207 # وفي القرن الثاني بدأت جماعة في الأمصار المختلفة تجمع الحديث لا بالمعنى الذي ذكرنا ~~قبل، ولكن بمعنى أن كل عالم جمع الأحاديث التي رويت له وصحت عنده، قال ابن حجر في شرح ~~البخاري: «وأول من جمع ذلك الربيع بن صبيح «المتوفي سنة 160ه» وسعيد بن أبي عروبة «سنة ~~156ه» إلى أن انتهى الأمر إلى كبار الطبقة الثالثة، وصنف الإمام مالك الموطأ بالمدينة، ~~وعبد الملك بن جريج بمكة، والأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن سلمة بن ~~دينار بالبصرة، ثم تلاهم كثير من الأئمة في التصنيف كل على حسب ما سنح له وانتهى إليه ~~علمه»؛ فمنها ما رتب أبواب الفقه كالموطأ والبخاري ومسلم، ومنها ما رتب حسب الرواة، ~~فيجمع ما روى أبو هريرة مثلا ثم ما روى أنس بن مالك وهكذا، كمسند الإمام أحمد، ولا ~~نتعرض لوصف هذه الكتب فإنها ألفت بعد عصرنا الذي نؤرخه. ~~••• # وبعد؛ فقد كان للحديث - سواء منه ما كان صحيحا أو موضوعا - أكبر الأثر في نشر ~~الثقافة في العالم الإسلامي، فقد أقبل الناس عليه يتدارسونه إقبالا عظيما، وكانت حركة ~~الأمصار العلمية تكاد تدور عليه، وكل علماء الصحابة والتابعين كانت شهرتهم العلمية ~~مؤسسة على التفسير والحديث - والحديث كان أوسع دائرة - وسبب حرص الناس على رواية ~~الحديث رحلة العلماء إلى أقاصي المملكة وطوافهم في البلدان يأخذ بعضهم على بعض، فكان من ~~ذلك تبادل الآراء العلمية، ووقوف علماء كل مصر على ما عند الآخرين حتى لتكاد الحركة ~~العلمية توحد؛ روى أحمد أن جابر بن عبد الله الأنصاري بلغه عن عبد الله بن أنيس ~~الجهني حديثا سمعه عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فاشترى بعيرا ثم شد رحله وسار إليه شهرا ~~حتى قدم عليه الشام وسمعه منه # 26 ~~، ولا تكاد تقرأ ترجمة كبير من المحدثين إلا وجزء عظيم من حياته يتضمن ~~رحلته، أضف إلى ذلك ما كان بينهم من تراسل، فمالك بن أنس في المدينة يكتب إلى الليث بن ~~سعد في مصر، والليث يرد عليه، ويتبادلان الحجاج في الحديث والفقه ms208 وهكذا. # عن طريق الحديث هذا انتشرت في العالم الإسلامي أنواع من الثقافة عدة؛ فالتاريخ ~~الإسلامي بدأ بشكل حديث كالذي ترى في كتب الحديث من مغاز وفضائل أشخاص وفضائل أمم، ثم ~~تطور التاريخ إلى أن صار كتبا قائمة بنفسها؛ ودليلنا على ذلك أن كتب التاريخ الأولى ~~كسيرة ابن هشام وما يروي ابن جرير عن إسحاق، والبلاذري في فتوح البلدان، يكاد يكون ~~نمطا وأسلوبها نمط حديث وأسلوب حديث؛ وقصص الأنبياء وما إليهم جاءت في القرآن وتوسع ~~فيها الحديث، ثم توسع القصاص فكان القصص، والحكم وقواعد الأخلاق وشيء من فلسفة اليونان ~~والهند والفرس وضعت في الحديث وضعا، وانتشرت بين الناس على أنها دين، فكان لها من ~~الأثر في الناس ما ليس للتعاليم الدنيوية، وفوق ذلك كان الحديث أوسع منبع للتشريع في ~~العبادات والمسائل المدنية والجنائية؛ وغير ذلك مما يطول شرحه. # وعلى الجملة فقد كان الحديث أوسع مادة للعلم والثقافة في ذلك العصر. # | أهم مصادر هذا الفصل # فتح الباري على البخاري. # القسطلاني على البخاري. # مسلم وشرح النووي عليه. # تيسير الوصول إلى جامع الأصول. # المستصفى للغزالي. # شرح مسلم الثبوت. # الموافقات للشاطبي. # أسد الغابة لابن الأثير. # الإصابة لابن حجر. # المعارف لابن قتيبة. # ميزان الاعتدال للذهبي. # طبقات ابن سعد. # مقدمة ابن خلدون. # الملل والنحل لابن حزم. # مسند الإمام أحمد. # دائرة المعارف الإسلامية في مادة «حديث». # شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة. # جامع بيان العلم وفضله للقرطبي. # الفصل السابع عشر # | التشريع # كان عرب الحجاز في الجاهلية - كما رأيت - بدوا أو شبه بدو، فلم تكن لهم حكومة منظمة، ~~ولا ملوك يمنعون من تعدي بعضهم على بعض بما لهم من قوة تنفيذية، إنما كانوا قبائل، إذا ~~كثر عددها انقسموا إلى بطون وأفخاذ وعشائر؛ والرابطة بين أفراد القبائل هي رابطة الدم، ~~فكل من كانوا من دم واحد - ولو في زعمهم - عدوا كتلة واحدة لأفرادها الحق في التمتع ~~بحمايتها، والاستصراخ بها، وعليها أن تدافع عنه، وتطالب بدمه، وعليه الذود عنها، ~~والخضوع لعرفها ودينها، وكان لكل قبيلة شيخ هو صاحب السيادة على ms209 أفراد القبيلة، مكنته ~~من هذه السيادة ولادته من بيت الرياسة أو سنه وحكمته، وهو الذي يمثلها في علاقاتها ~~الخارجية بالقبائل الأخرى، وإنما كان يستمد قوته ونفوذه من الرأي العام لقبيلته، لا بما ~~له من جيش وجنود ونحو ذلك. # وكان لكل قبيلة عرف وتقاليد، تشترك أحيانا في أمور وتختلف في أخرى تبعا لبعدها عن ~~البداوة وقربها منها، وكان للقبيلة حاكم يحكم بين من تنازع منهم حسب تقاليدهم ~~وتجاربهم، فالأغاني يقول في أكثم بن صيفي: «إنه كان قاضي العرب يومئذ»، والميداني ~~يقول في عامر بن الظرب: «كان من حكماء العرب، لا تعدل بفهمه فهما، ولا بحكمه ~~حكما»، ولو تتبعنا كتب الأدب لرأينا فيها أن العرب كانوا تارة يتحاكمون إلى شيخ ~~القبيلة، وتارة إلى الكاهن، وتارة إلى من عرف بجودة الرأي وأصالة الحكم، ومن الصعب وضع ~~حدود فاصلة لاختصاص كل، بل مما نشك فيه كثيرا أنه كان هناك حدود فاصلة في ~~الواقع. # هؤلاء الحكام لم يكونوا يحكمون بقانون مدون، ولا قواعد معروفة، إنما يرجعون إلى ~~عرفهم وتقاليدهم التي كونتها تجاربهم أحيانا، ومعتقداتهم أحيانا، وما وصل إليهم عن ~~طريق اليهودية أحيانا، ولم يكن لهذا القانون الجاهلي المؤسس على العرف والتقاليد جزاء، ~~ولا المتخاصمون ملزمون بالتحاكم إليه والخضوع لحكمه، فإن تحاكموا إليه فبها وإلا لا، ~~وإن صدر الحكم أطاعه إن شاء، وإن لم يطعه فلا شيء أكثر من أن يحل عليه غضب ~~القبيلة. # وقد روت لنا كتب الأدب كثيرا من قضاياهم في الخصومات الأدبية، وهي أن يتنازع سيدان ~~أيهما أسود فيتحاكمان إلى حكم، فمن حكم له كان الفضل والشرف له ولعشيرته، والذل ~~والعار للمنفور؛ وهذه القصص تدلنا على أن هؤلاء الحكام كانوا من قبيل ما نسميهم ~~بالمحكمين، فلم يكن لهم سلطة مستمدة من الحكومة؛ إذ لا حكومة لهم تمدهم بالسلطان، ولا ~~الخصوم ملزمون بالتقاضي أمامهم، وكل ما في الأمر أن الرجل إذا عرف بسداد الرأي، وصحة ~~الحكم، وسعة العلم بوقائعهم ونسبهم نصبوه حكما، وروى لنا البخاري قضية جنائية حدثت ~~قبيل الإسلام # 1 ~~، فقد روى أن ms210 رجلا من بني هاشم استأجره رجل من قريش من فخذ أخرى، فانطلق ~~معه في إبله، فمر به رجل من بني هاشم - وقد انقطعت عروة جوالقه - فقال: أغثني ~~بعقال أشد به عروة جوالقي لا تنفر الإبل، فأعطاه عقالا فشد به، فلما نزلوا عقلت الإبل ~~إلا بعيرا واحدا، فقال الذي استأجره، ما بال هذا البعير لم يعقل؟ فقال: ليس له عقال، ~~فقال: فأين عقاله؟ وحذفه بعضا كان فيها أجله، فمر به «بالمقتول» رجل من أهل اليمن قال: ~~... فهل أنت مبلغ عني رسالة مرة من الدهر؟ قال: نعم، قال: إذا شهدت الموسم فناد يا ~~لقريش، فإذا أجابوك فناد يا لبني هاشم، فإذا أجابوك فاسأل عن أبي طالب فأخبره أن ~~فلانا قتلني في عقال، ومات المستأجر؛ فلما قدم الذي استأجره أتاه أبو طالب، فقال: ما ~~فعل صاحبنا؟ قال: مرض فأحسنت القيام عليه ووليت دفنه، قال: قد كان أهل ذلك منك، فمكث ~~حينا، ثم إن الرجل الذي أوصى إليه وافى الموسم ... حتى جاء أبا طالب، قال أمرني فلان أن ~~أبلغك رسالة: إن فلانا قتله في عقال؛ فأتاه «المستأجر» أبو طالب، فقال: اختر منا إحدى ~~ثلاث: إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل، فإنك قتلت صاحبنا، وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك ~~لم تقتله، فإن أبيت قتلناك به ... إلخ الحديث. # وهذه القصة تدلنا على أنواع كثيرة من النظام القضائي عندهم. # ويظهر أن مكة قبيل الإسلام بلغت شيئا من الرقي في نظامها الحكومي، ومنه القضاء، كما ~~يدلنا على ذلك ما روي من توزيع الأعمال على عشرة رجال من عشرة أبطن # 2 ~~، كالحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء، وكان من هذه الأعمال ~~شيء يتعلق بالقضاء عهد به إلى أبي بكر في الجاهلية؛ فقد ذكروا أنه عهد إليه بالأشناق، ~~وهي الديات والمغارم، ويدلنا على ذلك أيضا ما رووا لنا من اجتماع بعض قبائل قريش على ~~حلف الفضول، فقد تحالفوا على ألا يظلم بمكة غريب ولا قريب، ولا حر ولا عبد، إلا ~~كانوا معه حتى يأخذوا له بحقه، ويؤيدوا له ms211 مظلمته من أنفسهم ومن غيرهم. # كذلك كان التشريع في المدينة قبل الإسلام راقيا رقيا نسبيا لاختلاط العرب فيها ~~باليهود، وكان عندهم من التوراة وشروحها كثير من الأحكام، وكانوا خاضعين في شئونهم ~~للقانون اليهودي. # وقد تعرض الإسلام للقانون الجاهلي، وبعبارة أخرى لعرف العرب وتقاليدهم في الجاهلية، ~~فأقر بعضا وأنكر بعضا وعدل بعضا، مثال ما أقره: القسامة وهي التي حكينا عن ~~البخاري قصتها من قبل، فقد أخرج مسلم والنسائي عن رجل من أصحاب النبي # صلى الله عليه وسلم # أن رسول ~~الله أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية، وقضى بها بين ناس من الأنصار في قتيل ~~ادعوه على يهود خيبر # 3 ~~، وعدل الإسلام بعض شريعة الجاهلية في الحج والزواج والطلاق والمهر ~~والخلع والإيلاء، وألغى نظام التبني المعروف - كان - في الجاهلية، كما ألغى البيع ~~بإلقاء الحجر والملامسة والمنابذة؛ ويطول بنا القول لو ذكرنا ما يروى من هذه النظم في ~~الجاهلية، وما أدخله عليها الإسلام من تعديل أو إلغاء. ~~••• # جاء رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وأقام بمكة نحو ثلاث عشرة سنة، ثم أقام بالمدينة نحو عشر ~~سنين، وهذا العصر أعني العصر الذي عاش فيه النبي # صلى الله عليه وسلم # بعد الهجرة هو عصر التشريع ~~حقا، ففيه كان ينزل القرآن بالأحكام، وتصدر عنه الأحاديث مبينة لما يعرض من الحوادث، ~~وهذان المصدران - الكتاب والسنة - هما أعظم مصادر التشريع الإسلامي. # القرآن: نزل القرآن - كما رأيت - منجما في نحو ثلاث وعشرين سنة، منه ما نزل بمكة ~~ويبلغ نحو ثلثي القرآن، ومنه ما نزل بالمدينة ويبلغ نحو الثلث. # ونحن إذا تتبعنا الآيات المكية نجد أنها لا تكاد تتعرض لشيء من التشريع في المسائل ~~المدنية والأحوال الشخصية والجنائية، إنما تقتصر على بيان أصول الدين والدعوة إليها، ~~كالإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر؛ والأمر بمكارم الأخلاق كالعدل والإحسان، والوفاء ~~بالوعد، وأخذ العفو، والخوف من الله وحده، والشكر، وتجنب مساوئ الأخلاق، كالزنا، ~~والقتل، ووأد البنات، والتطفيف في الكيل والميزان، والنهي عن كل ما هو كفر أو تابع ~~للكفر، حتى ما شرع ms212 في مكة من عبادات كالصلاة والزكاة لم يكن على التفصيل والبيان الذي ~~عرف في المدينة، فالزكاة في مكة كانت بمعنى الصدقة والإنفاق في سبيل الخير من غير أن ~~يحدد لها جزء معين ولا نظام خاص، وكذلك الصلاة إنما أمر المسلمون أول أمرهم بنوع من ~~الصلاة لم يحدد بأنه خمس في اليوم وهكذا، ولعل أوضح ما يبين التعاليم التي كان يدعو ~~إليها الإسلام في مكة سورة الأنعام المكية. # أما التشريع في الأمور المدنية من بيع وإجارة وربا ونحو ذلك، والجنائية من قتل وسرقة، ~~والأحوال الشخصية من زواج وطلاق، فكل ذلك كان بعد أن هاجر النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى المدينة، ~~ولعل خير ما يوضح هذا النوع من التشريع سورتا البقرة والنساء المدنيتان، والعلة في ذلك ~~واضحة، فإن أصول الدين وهي التي جاء بها التشريع المكي مقدمة في الأهمية وفي المنطق على ~~أصول الأحكام التي جاء بها التشريع المدني، وأيضا فإن الأحكام هي أشبه ما تكون بقوانين ~~الدولة، وهي إنما توضع بعد تكون الدولة وقرارها، ولم يكن الحال كذلك إلا في المدينة، ~~أما في مكة فقد تقضى زمن النبي # صلى الله عليه وسلم # بها في دعوة الناس إلى الدين الجديد، ولم يدخل ~~فيه في السنوات الأولى إلا العدد القليل. # وهذه الآيات القانونية، أو كما يسميها الفقهاء آيات الأحكام ليست كثيرة في القرآن، ~~ففي القرآن نحو ستة آلاف آية، ليس منها مما يتعلق بالأحكام إلا نحو مئتين وحتى بعض ما ~~عده الفقهاء آيات أحكام لا يظهر أنها كذلك، وليس عدها من آيات الأحكام إلا مغالاة في ~~الاستنتاج، لا يساعد عليه سياق الآيات، وذلك كاستنتاج أن لفظ «أشهد» من ألفاظ اليمن من ~~قوله تعالى: # ذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك ~~لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن ~~المنافقين لكاذبون * اتخذوا أيمانهم ~~جنة ~~، وكاستنتاج حرمة لحم الخيل والبغال والحمير من قوله تعالى: # والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ~~ويخلق ما لا تعلمون # واستنتاج وجوب الأضحية من قوله تعالى: # إنا أعطيناك الكوثر * فصل ~~لربك ms213 وانحر # إلى كثير من أمثال ذلك. # وترتيب القرآن توقيفي، لم يراع فيه تاريخ النزول، ولا اتحاد الموضوع؛ لذلك لا ترى ~~الآيات القانونية قد جمعت في موضوع واحد، ولا الآيات المتعلقة بموضوع واحد في مقام ~~واحد أو مقامين إلا نادرا كآيات المواريث وآيات الطلاق، والسبب في ذلك على ما يظهر أن ~~القصد الأول للقرآن تأسيس أركان الدين، والدعوة إلى التوحيد، وتهذيب النفوس، ووضع مبادئ ~~للأخلاق، فأما القصد التشريعي فيلي هذا، ومن ثم كان كثير من آيات التشريع واردا في ~~سياق القصد الأول وعلى أسلوب الدعوة والهداية، لا على الأسلوب القانوني المألوف مثل: # يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد ~~الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ~~والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم ~~منتهون * وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا ~~البلاغ المبين ~~. # وكان التشريع أكثر ما يكون بمناسبة حوادث تحدث، فيتحاكم فيها المتخاصمون إلى الرسول، ~~فتنزل الآية أو الآيات ناطقة بالحكم؛ مثل ما روي أن رجلا من غطفان كان عنده مال ~~كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه، فترافعا إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # فنزلت: # وآتوا اليتامى أموالهم # الآية. وكالذي روي أن أهل المدينة - في الجاهلية وفي أول الإسلام - كانوا إذا مات ~~الرجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قرابته من عصبته فألقى ثوبه على تلك المرأة فصار ~~أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء أن يتزوجها تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي ~~أصدقها الميت، وإن شاء زوجها غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا، وإن شاء عضلها ~~وضارها لتفتدي منه بما ورثت من الميت، أو تموت هي فيرثها؛ فتوفي أبو قيس بن الأسلت ~~الأنصاري وترك امرأته كبيشة # 4 ~~، فقام ابن له من غيرها فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها، ثم تركها فلم يقربها ~~ولم ينفق عليها، يضارها لتفتدي منه بمالها، فأتت كبيشة إلى رسول الله ms214 وقصت قصتها، ~~فقال لها رسول الله، اقعدي حتى يأتي فيك أمر الله؛ فانصرفت، وسمعت بذلك نساء المدينة ~~فأتين رسول الله، وقلن ما نحن إلا كهيئة كبيشة، فأنزل الله: # يا ~~أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ~~ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ... # الآية # 5 ~~. # وأحيانا تحدث حادثة جزئية تستدعي نزول آيات تبين أحكام الموضوع كله كآيتي الميراث: # ستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن ~~امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ~~... # الآية # 5 ~~. # ولعلك لمحت معي ما ذكرت من حادثة كبيشة أن الناس حتى في المدينة كانوا يسيرون فيما ~~لم يرد فيه حكم إسلامي على المألوف عندهم في الجاهلية حتى يغيره الإسلام أو يقره، بل ~~قد روي لنا أن بعض من ينتسب إلى الإسلام - في العهد الأول بالمدينة - كان يريد أن ~~يسير على النمط الجاهلي في التقاضي وفي الحكم، فقد جاء في الطبري أن رجلا من الأنصار ~~يقال له قيس ورجلا من اليهود، تخاصما فتنافرا إلى كاهن بالمدينة ليحكم بينهما، وتركا ~~نبي الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وكان اليهودي يدعوه إلى نبي الله وقد علم أنه لن يجور عليه، وجعل ~~الأنصاري يأبى عليه وهو يزعم أنه مسلم ويدعوه إلى الكاهن، فأنزل الله تعالى: # ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما ~~أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى ~~الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن ~~يضلهم ضلالا بعيدا # إلى أن يقول: # فلا ~~وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم ~~لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا ~~تسليما # وفي موضع آخر: # أفحكم الجاهلية ~~يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون # ولعل ~~هذه الآيات هي أول ما نبه إلى وجوب رجوع المسلمين في تقاضيهم إلى أحكام الإسلام. # ويمكننا أن نقول: إن آيات الأحكام بالمدينة كانت تنزل حسب تطور جماعة المسلمين ~~بالمدينة، ولو وقفنا على تاريخ نزول آيات الأحكام بها وتتبعنا تسلسل الآيات تبعا ~~لتسلسل الحوادث لفهمنا ms215 أصدق فهم حالة المسلمين الاجتماعية وتدرجها في الرقي، وفهمنا بحق ~~مجمل الآيات ومفصله، ومطلقها ومقيدها، ولعل هذا المعنى هو الذي يرمي إليه «الشاطبي» في ~~كتابه «الموافقات» من قوله: «المدني من السور ينبغي أن يكون منزلا في الفهم على ~~المكي، وكذلك المكي بعضه مع بعض، على حسب ترتيبه التنزيل ... إلخ» # 6 # فالدعوة السلمية في مكة ثم تشريع الحرب والجهاد في أول عهد الإسلام ~~بالمدينة، ثم التوسع في أحكام الحرب بعد ذلك، والأمر بالزكاة على وجه عام ليس فيه تقدير ~~ما في مكة، ثم تحديد القدر وبيان مصارف الزكاة في المدينة، كل هذا - ونحوه كثير - كان ~~تابعا لنمو جماعة المسلمين ورقيهم، فكان التشريع ينزل طبقا لحالتهم، وقل مثل ذلك فيما ~~ورد من آيات مسالمة لليهود أول الأمر، ثم آيات شدة وحرب لما ناصب اليهود ~~المسلمين العداء، بل ترك الإسلام الناس يأتون بعادات جاهلية لا يحبها كالخمر، ~~استدراجا لهم وتأليفا لقلوبهم، حتى إذا نضجوا وأصبح من الممكن تنفيذ الأمر والنهي ~~أمر ونهى. # وهذا التدرج ومراعاة حال جماعة المسلمين هي التي تفسر لنا العلة في تشريع النسخ، وهو ~~أداة لا بد منها في القوانين الإلهية والوضعية، يقول الله تعالى: # ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها # ويقول: # وإذا بدلنا آية مكان ~~آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل ~~أكثرهم لا يعلمون ~~، ويقول الطبري في تفسير النسخ: «أن يحول ~~الحرام حلالا، والحلال حراما، والمباح محظورا، والمحظور مباحا»؛ وعللوا جواز النسخ ~~بأن المصلحة قد تختلف باختلاف الأوقات، وقد حدث ذلك فعلا في الشريعة الإسلامية، فقد ~~أمرت المرأة أن تعتد حولا إذا مات عنها زوجها # والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا ~~إلى الحول # ثم نسخ باعتدادها أربعة أشهر وعشرا في قوله تعالى: # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ~~، وحصل مثل ذلك ~~في الحديث: «كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فالآن ادخروها»، و«كنت نهيتكم عن زيارة ~~القبور فزوروها». # وقد لاحظ الشاطبي - بحق - أن التشريع المكي ms216 قل أن يتعرض للنسخ، والعلة في ذلك ما ~~علمنا أن التشريع المكي إنما يتعرض لأصول الدين من توحيد وترك أوثان ودعوة إلى مكارم ~~الأخلاق، وهذه غير معقول فيها نسخ، إنما يحصل النسخ أحيانا للأحكام الدينية التفصيلية، ~~وذلك كان في المدينة. # تعرض القرآن في آيات الأحكام إلى جميع أنواع ما يصدر عن الإنسان من أعمال، إلى ~~العبادات من صلاة وصوم وزكاة وحج، إلى الأمور المدنية كبيع وإجارة وربا، إلى الأمور ~~الجنائية من قتل وسرقة وزنا وقطع طريق، إلى نظام الأسرة من زواج وطلاق وميراث، إلى ~~الشئون الدولية كالقتال، وعلاقة المسلمين بالمحاربين، وما بينهم من عهود وغنائم الحرب؛ ~~وهو في هذا كله لا يتعرض كثيرا للتفاصيل الجزئية، إنما يتعرض غالبا للأمور الكلية، ~~فهو لا يتعرض في الصلاة مثلا إلى أوقاتها وهيئاتها، وفي الزكاة إلى مقدار الواجب فيها ~~وأنواع ما يجب، وهكذا في بقية الأبواب، بل ترك ذلك إلى الرسول يبينه بقوله ~~وفعله. # وهو في كثير من شئون التشريع مجدد مصلح، قد أدخل على النظام الجاهلي تغييرات وتعديلات ~~يطول شرحها، فهو يقلل عدد الزوجات، ويزيد في حرية المرأة، ويغير كثيرا من عادات ~~الجاهلية في زواجهم وطلاقهم، ويضع نظاما للإرث يخالف النظام الجاهلي؛ فقد كانوا في ~~الجاهلية - مثلا - لا يورثون النساء، ولا الصغار من أبناء الميت، إنما يورثون من يلاقي ~~العدو، ويقاتل في الحروب # 7 ~~، فشرع الإسلام توريث المرأة وكان ذلك شديدا على النفوس؛ فقد روي عن ابن ~~عباس أنه قال: «لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها للولد الذكر والأنثى والأبوين ~~كرهها الناس، وقالوا تعطى المرأة الربع والثمن، وتعطى الابنة النصف، ويعطى الغلام ~~الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم ولا يحوز الغنيمة! ... إلخ» # 8 # ومن أجل هذا أكد القرآن إعطاء المرأة نصيبها، وكرر ذلك في أكثر من موضع؛ ~~وهكذا في كثير من الشئون التي تعرض القرآن لبيان أحكامها، ولسنا نستطيع هنا ذكر جميع ~~ما شرعه القرآن من الأحكام # 9 ~~. ~~••• # وهناك نوع آخر من التشريع كان في عهد رسول الله، وهو التشريع بالسنة، ms217 ويختلف عن ~~الكتاب في أن القرآن ألفاظه ومعانيه بوحي من الله، وأما السنة فألفاظها من عند الرسول، ~~فالسنة أو أحاديث الرسول بينت كثيرا من آيات القرآن كالذي رأيت في آيات الصلاة ~~والزكاة، فالقرآن لم يبين هيئات الصلاة ولا أوقاتها، ولم يبين المقادير الواجبة في ~~الزكاة ولا شروطها، إنما بين ذلك النبي بقوله أو فعله؛ كذلك حدثت حوادث وخصومات قضى ~~فيها النبي بالحديث لا بالقرآن فكان قضاؤه في ذلك تشريعا، فكل ما قاله النبي أو فعله ~~أو حدث أمامه واستحسنه كان تشريعا، ومتى ثبت ذلك عن رسول الله كان في القوة بمنزلة ~~القرآن، ولكن قل أن يثبت ثبوتا لا يحتمل الشك لما بينا قبل في كلامنا على ~~الحديث. # ويتصل بهذا النوع ما ارتضاه أكثر الأصوليين من أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كان يجتهد برأيه ~~حيث لا يكون وحي، وأنه كان أحيانا يخطئ في رأيه، واستدلوا على ذلك بأنه عوتب في أسرى ~~بدر بقوله تعالى: # ما كان لنبي أن يكون له أسرى ~~حتى يثخن في الأرض ~~، وكان قد أشار عليه عمر بالقتل، ولو كان ~~حكم بمقتضى الوحي ما عوتب؛ وروي أنه # صلى الله عليه وسلم # قال في حق مكة: «لا يختلى خلاها ~~ولا يعضد شجرها»، فقال العباس: إلا الإذخر، فقال # صلى الله عليه وسلم ~~: إلا الإذخر، ونزل # صلى الله عليه وسلم # منزلا للحرب فقيل له: إن كان بوحي فسمعا وطاعة، وإن كان باجتهاد ورأي فليس ~~منزل مكيدة، فقال: باجتهاد ورأي، فرحل؛ وقال # صلى الله عليه وسلم # في حجة الوداع: «لو استقبلت من ~~أمري ما استدبرت ما سقت الهدي»، وقال # صلى الله عليه وسلم ~~: «إنك تختصمون إلي ولعل بعضكم أن ~~يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذ ~~منه شيئا، فإنما أقضي له قطعة من نار» ولكن اتفقوا على أنه # صلى الله عليه وسلم # لا يقر على ~~خطأ، فما اجتهد فيه وأقر عليه كان - لا شك - حجة # 10 ~~. # وأحاديث الأحكام كثيرة ms218 وردت في كل الأنواع التي ورد فيها القرآن فبينت مجمله، وقيدت ~~مفصله، وزادت أشياء كثيرة لم يذكرها القرآن، وقد عني العلماء قديما بجمعها، ورتبوها ~~حسب الترتيب الفقهي # 11 ~~. # هذان الأصلان - الكتاب والسنة - هما مصدر التشريع في عهد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ومن ذلك ~~يتبين أن أساس القانون الإسلامي إلهي، مصدره الله فيما نص عليه من كتاب وحديث، ليست ~~لأية سلطة حق في مخالفتها، ولا الخروج على ما ورد في نصوصها، إنما يجتهد المجتهدون فيما ~~لم يرد فيه نص، مسترشدين بما ورد في الكتاب والسنة من قواعد كلية، وبذلك تخالف القوانين ~~الوضعية، ففيها تكون السلطة التشريعية في منتهى الحرية في تفسير قانون أو تعديله أو ~~إلغائه، وليس الشأن كذلك في القوانين الإلهية ، فحرية الفقهاء والخلفاء محدودة في دائرة ~~فهم نصوص القرآن، ومقدار الثقة بالحديث وعدمها، لم يرد فيه كتاب ولا سنة صحيحة. ~~••• # توفي رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وانقطع الوحي، واتسعت المملكة الإسلامية اتساعا عظيما ~~وسريعا وعجيبا، ففي السنة الرابعة عشرة من الهجرة فتحت دمشق، وفي السابعة عشرة تم ~~فتح الشام كله والعراق، وفي الحادية والعشرين تم فتح فارس، وفي السادسة والخمسين وصل ~~المسلمون إلى سمرقند، وفي الغرب أخذت مصر في سنة عشرين، ثم امتدت الفتوح إلى المغرب، ~~وأخذت إسبانيا حول سنة 93ه، ونال المسلمون من الغنى في المال والرقيق وزخرف الحياة ما ~~لا عهد لهم به من قبل، وكانت هذه الممالك المفتوحة غنيمة، وكانت ممدنة كأرقى ما وصلت ~~إليه المدنية في ذلك العصر؛ تمثلت الحضارة الفارسية في فارس والعراق، والحضارة ~~الرومانية في مصر والشام، ولم يكن الفتح الإسلامي سلبا ونهبا وتدميرا، إنما كان ~~فتحا منظما يسير فيه القراء والمعلمون والقانونيون مع الجند الفاتحين، ويحلون حيث ~~حل الجند، فواجه المسلمون بهذا الفتح مسائل كثيرة - في كل شأن من شئون الحياة - تحتاج ~~إلى تشريع لم يكونوا يحتاجون إليه وهم في جزيرة العرب؛ فنظام للري يخالف ري الجزيرة، ~~وما كان منه في العراق يخالف ما كان منه في مصر، ومسائل مالية ms219 عديدة معقدة لا تقارن ~~بالشئون المالية بجزيرة العرب، ومسائل الجيش والفتوح ومعاملة المغلوبين وعلاقة الفاتحين ~~بهم، وما يؤخذ من الضرائب ممن أسلم وممن لم يسلم، وأحوال في الزواج لم يكن يعرفها ~~العرب، وأنواع في طريقة التقاضي، لم يكن لهم بها عهد وجنايات ترتكب لم يرتكبها العرب ~~في حياتهم البسيطة؛ وقل مثل ذلك في سائر الشئون الداخلية والخارجية، فواجه المشرعون ~~الأولون أمرا عظيما ولم يدع أحد أن القرآن والسنة الصحيحة نصا في المسائل الجزئية ~~على كل ما كان وما هو كائن، فنتج عن هذا أن كان أصل آخر من أصول التشريع، وهو الرأي ~~الذي نظم بعد وسمي القياس. # جرى على هذا كثير من الصحابة، فكانوا يستعملون رأيهم حيث لا نص، وقد نقل إليها ~~المؤرخون والمحدثون والفقهاء جملة صالحة من المسائل التي استعمل فيها الصحابة رأيهم؛ ~~فلم يكد يتوفى النبي # صلى الله عليه وسلم # حتى رأوا أنفسهم أمام أكبر مشكلة قانونية، وهي من ~~يتولى الأمر بعده، أمن المهاجرين أم من الأنصار؟ أم من هؤلاء أمير ومن هؤلاء أمير؟ ~~وإذا فصل في ذلك، فمن هو خير من يتولاها؟ لم يرد في ذلك نص من كتاب ولا سنة، فلم يكن ~~إلا أن يستعملوا رأيهم وقد كان؛ فالمحضر الذي ذكره المؤرخون لاجتماع السقيفة يدلنا على ~~كيفية استعمال رأيهم، وتقليب الأمر على وجوهه ولم يفرغ أبو بكر من مبايعة الناس له حتى ~~واجه مسألة الردة، فرأى قوما يمتنعون عن أداء الزكاة مع إقرارهم بالإسلام وإتيانهم ~~للصلاة، فكيف يصنع بهم، ولم تحدث حادثة كهذه في عهد النبي؟ فلجئوا إلى الرأي، فقال عمر: ~~كيف نقاتلهم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله ~~إلا الله، فإذا قالوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»، فقال أبو بكر: ألم يقل إلا ~~بحقها؟ فمن حقها إيتاء الزكاة كما أن من حقها إقام الصلاة. # وكذلك عرضت فكرة جمع القرآن في مصحف، واختلف الرأي أولا بين أبي بكر وعمر، حتى شرح ~~الله صدر أبي بكر لما يقول عمر. ms220 # وعرضت لهم مسألة الجد مع الإخوة، هل يرث الإخوة؟ فالقرآن لم ينص على هذه المسألة، ~~إنما نص على الأب مع الإخوة، فذهب ابن عباس وأبو بكر إلى أنه يحجبهم كالأب، وذهب آخرون ~~ومنهم زيد بن ثابت وعلي وعمر إلى إرثهم معه. # وأرادوا أن يعطوا العطاء، أعني الغنائم التي يغنمونها في الحروب، فاختلفوا هل يسوى ~~بين المهاجرين والأنصار؟ فقال عمر: لا نجعل من ترك دياره وأمواله مهاجرا إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # كمن دخل في الإسلام كرها؟ فقال أبو بكر: إنما أسلموا لله، وأجورهم على الله، ~~وإنما الدنيا بلاغ؛ وكان أبو بكر يعمل برأيه فيسوي بينهم، ولما أفضت الخلافة إلى عمر ~~فرق بينهم ووزع على تفاوت درجاتهم، ولما رفعت إلى زيد بن ثابت مسألة من مات عن زوج ~~وأبوين أعطى للأم ثلث ما بقي، فقال ابن عباس: أين وجدت في كتاب الله ثلث ما بقي؟ فقال ~~زيد: أقول برأيي وتقول برأيك. # وفي تاريخ القضاة للكندي أن عياض بن عبيد الله قاضي مصر كتب إلى عمر بن عبد العزيز في ~~مسألة، فكتب إليه عمر أنه لم يبلغني في هذا شيء، وقد جعلته لك فاقض فيه برأيك # 12 ~~، والأمثلة الواردة في هذا الباب كثيرة جدا لا نطيل بسردها. # وعلى الجملة فقد كان كثير من الصحابة يرى أن يستعمل الرأي حيث لا نص من كتاب ولا سنة، ~~والمتتبع لما روي عن العصر الأول في «الرأي» يرى أنهم كانوا يستعملون هذه الكلمة ~~بالمعنى الذي نفهمه الآن من كلمة «العدالة» وبعبارة أخرى ما يرشد إليه الذوق السليم مما ~~في الأمر من عدل وظلم، وفسره ابن القيم: «بأنه ما يراه القلب بعد فكر وتأمل، وطلب ~~لمعرفة وجه الصواب»، وأنا أقص عليك بعض أمثلة رويت تبين كيف كانوا ينظرون إلى المسائل، ~~وكيف يقبلونها على وجوهها، وكيف يستعملون رأيهم؛ من ذلك ما روي أن عمر بن الخطاب لما ~~استشار في ميراث الجد والإخوة، قال زيد - وكان رأيي يومئذ أن الجد أولى بميراث ابن ابنه ~~من إخوته - فتحاورت أنا ms221 وعمر محاورة شديدة فضربت له في ذلك مثلا، فقلت: لو أن شجرة ~~تشعب من أصلها غصن ثم تشعب في ذلك الغصن خوطان # 13 ~~، ذلك الغصن يجمع الخوطين دون الأصل ويغذوهما، ألا ترى يا أمير المؤمنين أن ~~أحد الخوطين أقرب إلى أخيه من الأصل؟ قال زيد: فأنا أعذله، وأضرب له هذه الأمثال، وهو ~~يأبى إلا أن الجد أولى من الإخوة # 14 ~~. # ورفعت إلى عمر قصة رجل قتلته امرأة أبيه وخليلها، فتردد عمر: هل يقتل الكثير ~~بالواحد؟ فقال له علي: أرأيت لو أن نفرا اشتركوا في سرقة جزور فأخذ هذا عضوا وهذا ~~عضوا أكنت قاطعهم؟ قال: نعم، قال فكذلك؛ فعمل عمر برأيه وكتب إلى عامله أن اقتلهما، ~~فلو اشترك فيه أهل صنعاء كلهم لقتلتهم # 15 ~~. # ولما اختلفوا في المسألة المشتركة وهي التي توفيت فيها امرأة عن زوج وأم وإخوة لأم ~~وإخوة أشقاء، كان عمر يعطي للزوج النصف، وللأم السدس، وللإخوة لأم الثلث، فلا يبقى شيء ~~للإخوة الأشقاء، فقيل له: هب أن أبانا كان حمارا، ألسنا من أم واحدة! فعدل عن رأيه ~~وأشرك بينهم. # ولما سئل علي في عقوبة شارب الخمر قال: من شرب هذي، ومن هذي افترى، فأرى عليه حد ~~المفتري - وهو القاذف - ومثل هذا كثير مما يدل على مقدار تفكيرهم القانوني في هذا ~~العصر. # ولعل عمر بن الخطاب كان أظهر الصحابة في هذا الباب، وهو استعمال الرأي، فقد روي عنه ~~الشي الكثير، وكان هذا من توفيق الله للمسلمين، فإن عمر قد واجه من الأمور المحتاجة إلى ~~التشريع ما لم يواجه خليفة قبله ولا بعده، فهو الذي على يده فتحت الفتوح ومصرت ~~الأمصار، وخضعت الأمم الممدنة من فارس والروم لحكم الإسلام، وهي حالة لم يحدث بعد ~~نظيرها، فكان لعمر من التشريع في المسائل الاقتصادية والسياسية والعمرانية ما كان أصلا ~~للفقهاء من بعده، ولذلك يقول فيه الفقهاء في باب الجهاد والسير - وهو الباب الذي ~~تبين فيه علاقة الغالبين بالمغلوبين - «إنه العمدة في هذا الباب». # بل يظهر لي أن عمر كان يستعمل الرأي في ms222 أوسع من المعنى الذي ذكرنا، ذلك أن ما ذكرنا ~~هو استعمال الرأي حيث لا نص من كتاب ولا سنة، ولكنا نرى عمر سار أبعد من ذلك، فكان ~~يجتهد في تعرف المصلحة التي لأجلها كانت الآية أو الحديث، ثم يسترشد بتلك المصلحة في ~~أحكامه، وهو أقرب شيء إلى ما يعبر عنه الآن بالاسترشاد بروح القانون لا بحرفيته، ~~ودليلنا على ذلك ما روى عنه من العلماء من أحكام نذكر بعضها: # فقد قال الله تعالى: # إنما الصدقات للفقراء ~~والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم ... # الآية، فجعل المؤلفة قلوبهم مصرفا من مصارف الزكاة، وقد ثبت أن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان ~~يعطي بعض الناس يتألف قلوبهم للإسلام، كما أعطى أبا سفيان والأقرع بن حابس، وعباس بن ~~مرداس، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، كل واحد منهم مائة من الإبل، حتى قال صفوان: لقد ~~أعطاني وهو أبغض الناس إلي، فما زال يعطيني حتى كان أحب الناس إلي، ثم في زمن أبي ~~بكر جاء عيينة والأقرع يطلبان أرضا، فكتب لهما بها، فجاء عمر فمزق الكتاب وقال: إن ~~الله أعز الإسلام وأغنى عنكم، فإن ثبتم عليه وإلا فبيننا وبينكم السيف # 16 ~~، فترى من هذا أن عمر علل الدفع إلى المؤلفة قلوبهم بعلة هي المصلحة، فلما ~~ارتفعت هذه المصلحة بعزة الإسلام، وعدم حاجته إلى من تتألف قلوبهم لم يستمر في إجراء ~~الحكم. # كذلك روي عن عمر أنه لم يقطع يد السارق في عام المجاعة، وروي أن غلمة لحاطب بن ~~أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فأتى بهم عمر فأقروا، فأرسل إلى عبد الرحمن بن ~~حاطب فجاء فقال له: إن غلمان حاطب سرقوا ناقة رجل من مزينة وأقروا على أنفسهم، فقال ~~عمر: يا كثير بن الصلت، اذهب فاقطع أيديهم، فلما ولى بهم ردهم عمر ثم قال: أما ~~والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه ~~حل له لقطعت أيديهم؛ وايم الله إذ لم أفعل لأغرمنك غرامة توجعك ... إلخ # 17 ~~. # ومثل ms223 ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس: «كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: «إن ~~الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه» إلى كثير من ~~أمثال ذلك، ويكفينا هذا القدر للدلالة على ما نقول. # وقد وجدت نزعة من العصر الأول لتنظيم هذا الرأي من طريق الاستشارة، فقد أخرج ~~البغوي عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب ~~الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال: أتاني كذا وكذا، ~~فهل علمتم أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع عليه النفر كلهم يذكر ~~فيه عن رسول الله قضاء ... فإن أعياه أن يجد فيه سنة عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # جمع رءوس ~~الناس وخيارهم فاستشارهم، فإن أجمع رأيهم على شيء قضى به، وكان عمر (رضي الله عنه) يفعل ~~ذلك، فإن أعياه أن يجد في القرآن والسنة نظر هل كان فيه لأبي بكر قضاء، فإن وجد أبا بكر ~~قضى فيه بقضاء قضى به، وإلا دعا رءوس الناس فإذا اجتمعوا على أمر قضى به. # وفي المبسوط للسرخسي «أن عمر كان يستشير الصحابة مع فقهه، حتى كان إذا رفعت إليه ~~حادثة قال: ادعوا لي عليا، وادعوا لي زيدا ... فكان يستشيرهم ثم يفصل بما اتفقوا ~~عليه». # وعن الشعبي قال: «كانت القضية ترفع إلى عمر (رضي الله عنه) فربما تأمل في ذلك شهرا ~~ويستشير أصحابه، واليوم يفصل في المجلس مئة قضية». # وروي عن سعيد بن المسيب عن علي قال: «قلت يا رسول الله، الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه ~~القرآن ولم تمض فيه منك سنة، قال: اجمعوا له العالمين أو قال: العابدين ms224 من المؤمنين ~~فاجعلوه شورى بينكم ولا تقضوا فيه برأي واحد». # وعن شريح قال: قال لي عمر بن الخطاب: «أن أقض بما استبان لك من قضاء رسول الله، فإن ~~لم تعلم كل أقضية رسول الله فاقض بما استبان لك من أئمة المهتدين، فإن لم تعلم فاجتهد ~~برأيك، واستشر أهل العلم والصلاح». # ولكن لم يوضع - مع الأسف - نظام ملزم واضح يبين كيفية الشورى ومن الذين يستشارون، ~~وقيمة رأي المستشارين ... إلخ، مع أن الحاجة ماسة إلى هذا التنظيم؛ وقد سار الأندلسيون ~~فيه خطوة سديدة بتكوين مجلس للشورى يعين أعضاؤه من قبل الخليفة، ليس هنا موضع ~~الكلام عليه. # على كل حال وجد العمل بالرأي، ونقل عن كثير من كبار الصحابة قضايا أفتوا فيها برأيهم ~~كأبي بكر وعمر وزيد بن ثابت وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل؛ وكان حامل لواء هذه المدرسة أو ~~هذا المذهب فيما نرى عمر بن الخطاب؛ وأشهر من سار على طريقته عبد الله بن مسعود في ~~العراق، فكان يتعشق عمر ويعجب بآرائه، وروي عنه أنه قال: إني لأحسب عمر ذهب بتسعة ~~أعشار العلم، وجاء في أعلام الموقعين أن ابن مسعود كان لا يكاد يخالف عمر في شيء من مذاهبه # 18 ~~، وقال الشعبي: كان عبد الله لا يقنت، ولو قنت عمر لقنت عبد الله، وقال ~~أيضا: «ثلاثة كان يستفتي بعضهم من بعض، فكان عمر وعبد الله «بن مسعود» وزيد بن ثابت ~~يستفتي بعضهم من بعض، وكان علي وأبي بن كعب وأبو موسى الأشعري يستفتي بعضهم من بعض» ~~وهذا الخبر يدلنا على أنه كان للصحابة العلماء مناح للتفكير، كل جماعة لهم منحى يألف ~~بعضهم بعضا، ويؤيد بعضهم بعضا. # فكان عبد الله بن مسعود من منحى عمر، وأظهر مناحيه الاعتداد بالرأي حيث لا نص كما ~~رأيت، وهذا المنحى يظهر في ابن مسعود واضحا أيضا، فقد قال أبو عمر الشيباني كنت أجلس ~~إلى ابن مسعود حولا لا يقول قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فإذا قالها استقلته الرعدة # 19 ~~، وروي عن إبراهيم النخعي أنه ms225 كان لا يعدل بقول عمر وابن مسعود إذا اجتمعا، ~~فإذا كان قول عبد الله أعجب؛ لأنه كان ألطف. # وأنت إذا علمت أن علم أهل العراق كان عن عبد الله بن مسعود، وأن مدرسة العراق توجت ~~بابي حنيفة # 20 # رأيت سببا كبيرا من الأسباب التي جعلت مدرسة العراق تشتهر بالرأي وإعمال ~~القياس. # انتشرت مدرسة الرأي هذه في القرن الأول والثاني للهجرة حتى كانوا ينسبون إليها، فسموا ~~«ربيعة الرأي» وهو من أكبر التابعين وشيخ الإمام مالك وكان من الموالي؛ وكان كثير من ~~التابعين وتابعيهم من هذه المدرسة كالحسن البصري، وكان أكبر موطن لها العراق، ويرجع ذلك ~~إلى أسباب ثلاثة: ~~(الأول): # ما ذكر من تأثير عبد الله بن مسعود فيهم، وهو ما علمت من ميل إلى ~~الرأي يشارك فيه أستاذه عمر بن الخطاب. ~~(والثاني): # ما ذكره ابن خلدون من أن الحديث كان في العراق قليلا، وكان أكثر ~~رواة الحديث في الحجاز؛ لأنه موطن النبي # صلى الله عليه وسلم # وكبار ~~الصحابة. ~~(والثالث): # أن العراق قطر ممدن كما علمت قد تأثر إلى درجة كبيرة بالمدنية ~~الفارسية واليوناينة، والمدنية تضع تحت عين المشرع جزئيات كثيرة تحتاج ~~إلى التشريع لا يقاس بها القطر البدوي وما في حكمه، فإذا انضم إلى ذلك ~~ما وصل إليهم من الحديث أنتج ذلك لا محالة إعمال الرأي. # وكان لمدرسة الرأي هذه مميزات واضحة: ~~(1) # كثرة تفريعهم الفروع حتى الخيالي منها، وقد ألجأ إلى ذلك أولا كثرة ما ~~يعرف لهم من الحوادث نظرا لمدنيتهم، ثم ساقهم ذلك إلى الجري وراء الفروض، ~~فأكثروا من أرأيت لو كان كذا؟ فيسألون المسألة ويبدون فيها حكما، ثم ~~يفرعونها بقولهم: أرأيت لو كان كذا؛ ويقلبونها على سائر وجوهها الممكنة ~~وغير الممكنة أحيانا، حتى سماهم أهل الحديث «الأرأيتيون»، قال الشعبي: ~~«والله لقد بغض هؤلاء القوم إلي المسجد حتى لهو أبغض إلي من كناسة ~~داري؛ قلت: من هم يا أبا عمر؟ قال: الأرأيتيون» # 21 # قال: «ما كلمة أبغض إلي من أرأيت» وكان مالك بن أنس لا ~~يقدم عليه في السؤال كثيرا، ms226 وكان أصحابه يهابون ذلك، قال أسد بن الفرات ~~- وقد قدم على مالك - وكان أصحابه يجعلونني أسأله عن المسألة، فإذا أجاب ~~يقولون قل له فإن كان كذا، فأقول له، فضاق علي يوما، فقال هذه سليسلة ~~بنت سليسلة، إن أردت هذا فعليك بالعراق # 22 ~~، وقال سعيد بن المسيب لربيعة الرأي وقد اعترض عليه في مسألة: ~~«أعراقي أنت؟ ... إلخ» وكان عمل العراقيين سببا في تضخيم الفقه وكثرة مسائله ~~مما جعل الفقهاء الآخرين ينظرون فيها، ويبدون حكمهم فيها على أصول مذاهبهم؛ ~~ويظهر أنه كان للمنطق السرياني الذي كان منتشرا في العراق قبل الفتح - كما ~~وصفنا من قبل - أثر في القالب الذي اتخذه العراقيون في تفريع ~~المسائل. ~~(2) # قلة روايتهم للحديث واشتراطهم فيما يؤخذ به من الحديث شروطا لا يسلم ~~معها إلا القليل. # وحتى غالى القوم فرأوا عدم الأخذ بالحديث بتاتا، وحجتهم في ذلك شكهم المطلق في رواة ~~الحديث، وكثرة من جرحه المحدثون، حتى يكادوا لا يتفقون على أمانة محدث وصدقه، ~~فقالوا: لا نترك كتاب الله الثابت المقطوع به لمثل هذا الحديث المشكوك فيه، وحتى من ~~ظهرت أمانته، فمن يدرينا ما دخيلة نفسه! وكانت هذه فئة كبيرة على ما يظهر، فقد عقد ~~الإمام الشافعي في كتابه «الأم» فصلا طويلا عنوانه: «باب حكاية قول الطائفة التي ردت ~~الأخبار كلها»، وحكى آراءهم وناقشهم فيها مناقشة طويلة وبديعة # 23 ~~، وحكى بعده بابا آخر للرد على جماعة ذهبوا إلى أنه لا يؤخذ من الأخبار إلا ~~ما اجتمع عليه، فأما ما اختلفوا فيه فيقدم الرأي والقياس عليه # 24 ~~، كان يناهض هذه المدرسة مدرسة الحديث أو أهل الحديث، ونرى لهذه المدرسة ~~أصولا في الصحابة، كالعباس، والزبير، ثم عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو ~~بن العاص، ومن هذه المدرسة الشعبي من التابعين فإنه يقول: «ما جاءكم به هؤلاء من أصحاب ~~رسول الله فخذوه وما كان من رأيهم فاطرحوه في الحش»، ومذهب هؤلاء أنهم إذا سئلوا عن شيء ~~فإن عرفوا فيه آية أو حديثا أفتوا وإلا لم يقولوا شيئا، روي ms227 أن رجلا سأل سالم بن ~~عبد الله بن عمر عن شيء فقال: لم أسمع في هذا شيئا، فقال له الرجل: فأخبرني أصلحك الله ~~برأيك، قال: لا، ثم أعاد عليه فقال: إني أرضى برأيك، فقال سالم: أنى؟ لعلي إن ~~أخبرتك برأيي ثم تذهب فأرى بعد ذلك رأيا غيره فلا أجدك، وروي عن عبد الله بن أحمد بن ~~حنبل أنه قال: سألت أبي عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيه إلا صاحب حديث لا يعرف صحيحه من ~~سقيمه، وأصحاب رأي، فتنزل به النازلة، فقال أبي: يسأل أصحاب الحديث ولا يسأل أصحاب ~~الرأي، ضعيف الحديث أقوى من صاحب الرأي # 25 ~~، ومثل هذه الأقوال كثير. # وأظهر ما كانت هذه المدرسة في الحجاز لعكس الأسباب التي ذكرناها في العراق، وكان من ~~مميزات هذه المدرسة: ~~(1) # كراهيتهم الشديدة للسؤال عن الفروض؛ لأن المصدر عندهم وهو الحديث محدود، ~~وهم يكرهون إعمال الرأي، وقد رويت أقوال كثيرة تدل على كراهيتهم للسؤال عن ~~حادثة إلا إذا وقعت فعلا، وعيبهم على العراقيين إثارة الفروض. ~~(2) # ومن مميزاتها الاعتداد بالحديث حتى الضعيف منه، وتساهلهم في شروطه ~~وتقديمهم ذلك على الرأي، كالذي روينا عن أحمد بن حنبل. # وكانت هذه المدرسة كما أسلفنا سببا غير مباشر لوضع الحديث، فقد رأى قوم لا يتحرون ~~الصدق أن هناك مسائل لا تعد لم يرد فيها نص، ورأوا أعلام مدرستهم لا تقدم على الرأي ~~تحل به المشاكل، فوضعوا الأحاديث الكثيرة يغطون بها هذا الموقف، قال عتيق الزبيدي: وضع ~~مالك الموطأ عن نحو من عشرة آلاف حديث، فلم يزل ينظر فيه كل سنة ويسقط منه حتى بقي هذا، ~~ولو بقي قليلا لأسقطه كله # 26 ~~، ومن أدلتنا على ذلك ما بين أيدينا من كتب الفقه حتى فقه الإمام أبي حنيفة ~~المشهور في عصره بإعمال الرأي، فإنك لا تجد فرعا من فروعه إلا وفيه الحديث عن الرسول ~~أو الصحابي، مع قول الثقات بأنه لم يصح عنده إلا أحاديث قليلة، وقد نبه العلماء على ضعف ~~كثير مما ورد في هذه الكتب # 27 ~~. # وتغالى ms228 أصحاب الحديث كما تغالى أصحاب الرأي، حتى قال بعضهم: إن السنة حاكمة على ~~الكتاب، وليس الكتاب حاكما على السنة، وحتى كان في العصر الثاني من يقول: إن السنة ~~تنسخ الكتاب. ~~••• # كان النزاع بين المدرستين شديدا، ووجه كل فريق قوارص اللوم للآخرين، ووضعت ~~الأحاديث لتأييد كل مدرسة، فإذا روت مدرسة الحديث أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: «يوشك رجل ~~منكم متكئا على أريكته يحدث بحديث عني فيقول بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه ~~من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مثل الذي حرم الله» # 28 # روت مدرسة الرأي أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: «ما أتاكم عني فاعرضوه على ~~كتاب الله فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، وإن خالف كتاب الله فلم أقله أنا ، وكيف أخالف ~~كتاب الله وبه هداني الله!» # 29 # وهذا هو الذي يفسر لنا ما نراه في الكتب من تناقض، فقد روي عن أبي بكر في ~~العمل بالرأي وفي ذم الرأي؛ وعن عمر في العمل بالرأي وذم الرأي، وابن مسعود كذلك # 30 ~~، وقد أجهد بعض العلماء أنفسهم في التوفيق بين هذه الأقوال المتناقضة، ورأوا ~~أن نوعا من الرأي محمود ونوعا منه مذموم، وأن ما ورد عنهم في الذم إنما ينصرف إلى ~~النوع المذموم، والذي نرى أن هذه الأقوال المتناقضة إنما هو من أثر المدارس المتنازعة، ~~ومن وضع من اندس في كل مدرسة ولم يرع الحق ولم يخش الله. # وكانت بين المدرستين مناقشات طريفة نذكر لك مثلا منها: # فقد روي أن ربيعة الرأي سأل سعيد بن المسيب عن عقل # 31 # أصابع المرأة: ما عقل الإصبع الواحدة؟ قال: عشرة من الإبل، فإصبعان؟ قال: ~~عشرون، قال: فثلاثة؟ قال: ثلاثون، فأربع؟ قال: عشرون؛ قال: فعندما عظم جرحها نقص عقلها؟ ~~فقال له سعيد: أعراقي أنت؟ إنما هي السنة. ~~••• # وهناك مدرسة كانت بين المدرستين لا تهمل الرأي بتاتا، وهي مع ذلك غنية بالحديث ولا ~~تعمل الرأي إلا ms229 بشروط، وإلا عندما لم يكن نص في المسألة، ومن أعلام هذه المدرسة الإمام ~~مالك ثم الإمام الشافعي. # وقد ارتقى البحث في الرأي ونظم، ووضعت له قواعد وشروط وسمي بالقياس، وحصر الرأي ~~بعد وضع هذه القواعد والنظم في دائرة ضيقة لا تتعدى غالبا تشبيه ما لم ينص عليه بما نص ~~عليه لعلة تجمعهما. # وهذه المدارس على اختلافها رقت التشريع رقيا بينا بما بحثت واستنبطت، حتى ~~الأحاديث الموضوعة نفسها كان لها فضل في التشريع، فإنها لم توضع اعتباطا ولا كانت ~~مجرد قول يقال، إنما كانت في الغالب نتيجة تفكير فقهي وبحث واجتهاد، ثم وضع هذا الرأي ~~وهذا الاجتهاد في قالب حديث. # ولنعد الآن إلى إلقاء نظرة عامة على تاريخ التشريع في ذلك العصر. # في عهد الخلفاء الراشدين كان مركز الخلافة في المدينة، وكان فيها أكثر كبار الصحابة ~~وأوسعهم علما، فلما توفي أبو بكر كانت تعرض عليه معضلات المسألة ليقضي فيها، وكان - ~~كما رأيت - يستشير كبار الصحابة فيما لم يرد فيه كتاب ولا سنة، ولم يؤثر عنه أنه عين ~~قاضيا في ناحية من النواحي، وقد ذكروا أنه لما كثرت عليه شئون الأمة عهد بالشئون ~~القضائية إلى عمر. # فلما تولى عمر وفتحت الفتوح عين القضاة في الأمصار، في مصر والشام والعراق، وكان ~~بجانب القاضي جملة من الصحابة والتابعين في كل مصر، عرفوا عادات المصر الذي نزلوا به ~~ونوع معيشتهم وحالاتهم الاجتماعية والاقتصادية، وكان لهم علم بالقرآن وجملة صالحة من ~~الحديث، ورأي يحكمونه فيما ليس فيه نص، فكان هؤلاء يستفتون فيما يعرض لهم ~~فيفتون؛ وهؤلاء أصدروا فتاوى في أمور كثيرة عدت بعد تقاليد لكل مصر، أو بعبارة أخرى: ~~سوابق قضائية تراعى إذا حدث مثلها، وقد ذكرنا قبل أن أهل المدينة كانوا يتبعون أكثر ما ~~يتبعون فتاوى عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأهل مكة فتاوى عبد الله بن عباس، وأهل الكوفة ~~فتاوى عبد الله بن مسعود، وأهل مصر فتاوى عبد الله بن عمرو بن العاص، هذه الفتاوى كانت ~~تكثر بظهور أحداث لم يسبق صدور فتوى ms230 فيها واجتهاد العلماء في بيان حكمها. # ولما جاءت الدولة الأموية نقلت مركز الخلافة إلى دمشق الشام، وفي عهدها ظهر أثر ~~الامتزاج الذي كان بين العرب الفاتحين والأمم المفتوحة على النحو الذي أبناه من ~~قبل. # وساعد على هذا الامتزاج أن المسلمين كانوا بحق في عصرهم الأول متسامحين مع غيرهم أجمل ~~تسامح، وسيرة عمر بن الخطاب أصدق شاهد على ذلك، وإنما جاءت القسوة وسوء المعاملة بعد ~~هذا العهد؛ فكان من أثر ذلك أن وضع تحت أعين المسلمين أنواع من المدنيات المختلفة ~~وأنواع من الديانات المختلفة وأنواع من الأنظمة المختلفة، كل هذه جعلت المسلمين وغير ~~المسلمين يتساءلون: ما حكم الإسلام فيها؟ ما رأي الإسلام في هذه الجزئيات الكثيرة التي ~~أنتجتها هذه المدنيات؟ ما الذي يرضاه الإسلام وما الذي لا يرضاه؟ أيها يتفق مع قواعده ~~الكلية وأيها لا يتفق؟ فكان موقف الفقهاء أمام هذه المشاكل من أصعب المواقف وأشدها ~~عناء؛ وكانوا هم من جانبهم من أكثر الناس نشاطا وتحملا للعبء. # يذهب بعض الباحثين من المستشرقين مثل «جولدزيهر» و«سانتلانا» إلى أن الفقه الإسلامي ~~في هذا العصر تأثر كثيرا بالقانون الروماني، وكان هذا الفقه الروماني مصدرا من ~~مصادره، استمد منه بعض أحكامه، قالوا: كان في الشام مدارس للقانون الروماني عند الفتح ~~الإسلامي في قيصرية وفي بيروت، وكان هناك محاكم تسير في نظامها وأحكامها حسب القانون ~~الروماني، واستمرت هذه المحاكم في البلاد بعد الإسلام زمنا؛ قالوا: وطبيعي أن قوما لم ~~يأخذوا من المدينة بحظ وافر إذا فتحوا بلادا ممدنة نظروا ماذا يفعلون، وبم يحكمون، ~~ثم اقتبسوا من أحكامهم؛ وقالوا: إن المقارنة بين بعض أبواب الفقه وبعض أبواب القانون ~~الروماني تقنعنا بما نقول، بل إن هناك قواعد نقلت من القانون الروماني بنصها مثل: ~~«البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر»، وإن كلمتي الفقه والفقيه استعملتا وفاقا ~~لمعنى الكلمة المستعملة عند الرومان، فهم يستعملون كلمة ~~“Juris” # وهي تدل على الفهم والمعرفة والحكمة؛ ~~وقالوا: إن الفقه الإسلامي أخذ عن القانون الروماني إما مباشرة أو عن طريق التلمود، فإن ~~هذا ms231 التلمود أخذ كثيرا من القانون الروماني، واتصال المسلمين باليهود مكنهم من الأخذ ~~ببعض أقوال التلمود، إلى آخر ما قالوا. # ولسنا نرى أن الأدلة التي أتوا بها مقنعة، فتشابه بعض أحكام في قانونين لا يجعلنا ~~نقطع بأخذ أحدهما عن الآخر، سيما إذا روعي أن القوانين - إلهية أو وضعية - تراعي ~~العدالة في التقنين، وهناك أمور واضحة العدالة يتفق فيها المشرعون، كقاعدة البينة على ~~من ادعى، واليمين على من أنكر، وكلمة الفقه في أصل اللغة العربية معناها العلم بالشيء ~~والفهم له، ثم غلبت على معنى العلم بالدين والفهم له، كما غلب الشعر على ذلك الضرب ~~المعروف من القول، وفي هذا المعنى استعملها القرآن قبل امتزاج العرب بالرومان فقال: # فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ~~ليتفقهوا في الدين ~~، ثم غلبت على هذا النمط من العلم «علم ~~التشريع»؛ لأنه يتطلب فقها في الدين ومعرفة بالكتاب والسنة؛ وهذا شأن العرب في أسماء ~~العلوم على العموم، تكون الكلمات عامة، ثم تخصص، ولم نعثر على أحد من الأئمة ~~المشرعين أشار أية إشارة إلى القانون الروماني على سبيل النقد أو التأييد أو الاقتباس؛ ~~وقد كان أولى الناس بالتأثر بالقانون الروماني الأوزاعي، فقد عاش في بيروت، موطن أكبر ~~مدرسة رومانية في الشام، وكان أكبر فقيه فيها، وقد التفت بعض المستشرقين إلى ذلك ~~وقالوا: إن من دواعي الأسف أن مذهبه اندثر، ولو عثرنا عليه لوجدنا فيه أثرا كبيرا ~~للقانون الروماني، ويظهر لنا أنه قول غير وجيه، فقد عثرت على جملة صالحة من مذهبه في ~~الجزء السابع من الأم؛ ودلتني قراءتها على أن من الإنصاف أن يعد الأوزاعي من مدرسة ~~الحديث لا من مدرسة الرأي، عكس ما يقول «جولدزيهر»، ومدرسة الحديث أبعد مظنة من التأثر ~~بالقانون الروماني. # ولسنا ننكر أن القانون الروماني أفاد من ناحية غير هذه، أعني ناحية عرض المسائل على ~~الفقهاء ليبدوا فيها رأيهم حسب القواعد الكلية للشريعة الإسلامية، فمن المحقق أن مصر ~~والشام كانت تحكمهما محاكم رومانية بالقانون الروماني، فلما جاء الإسلام ودخل قوم من ~~هؤلاء المحكومين فيه، ms232 وخضع له غيرهم كان من الطبيعي أن يعرضوا تقاضيهم القديم وآراء ~~محاكمهم القديمة على الإسلام لينظروا ما يقر منها وما لم يقر، هب اليوم أنه لداع من ~~الدواعي غير القانون المصري ووضعت أسس أخرى لقوانين جديدة؛ فمما لا شك فيه أن ~~المتقاضين ورجال القضاء ونحوهم ممن كانوا يتقاضون حسب القانون القديم يثيرون مسائل ~~ويعرضون رأيه، ويقارنون بين التعاليم القديمة والتعاليم الجديدة؛ خصوصا إذا لاحظنا أن ~~القضاة في صدر الإسلام كان لديهم الشيء الكثير من المرونة والتسامح فيما لم يخرج عن ~~قواعد الإسلام، قرأت في ذيل كتاب قضاة مصر «أن خير بن نعيم تولى قضاء مصر من 120-127» ~~كان يسمع كلام القبط بلغتهم ويخاطبهم بها، وكذلك شهادة الشهود منهم، ويحكم بشهادتهم» # 32 ~~. ~~••• # في هذا العهد - عهد الدولة الأموية - لا نرى خلفاءهم يهتمون بشيء من شئون التشريع إلا ~~قليلا منهم كعمر بن عبد العزيز، فالتشريع لم يرق تحت حمايتهم ورعايتهم، كالذي كان في ~~عهد الدولة العباسية، إنما رقي في المدارس وفي حلقات الدروس المستقلة عن خلفائهم، ولم ~~يبذل الأمويون محاولة في صبغ تشريعهم صبغة رسمية، فلا نرى في الدولة الأموية مثل أبي ~~يوسف في الدولة العباسية، يحميه الخلفاء ويؤيدونه في التشريع ويوثقون الصلة بينه ~~وبينهم، وبينه وبين قضاة الأمصار، ولا نرى من المشرعين من اتصل بالأمويين إلا قليلا ~~كالزهري. # وفي هذا العهد لم تكن المذاهب الأربعة قد تكونت، إنما كان هناك أئمة كثيرون مجتهدون ~~كالأوزاعي، اندثرت مذاهبهم، وبدأ في آخر عهد الدولة الأموية يظهر إمامان من الأئمة ~~الأربعة: الإمام أبو حنيفة في العراق، والإمام مالك بن أنس في المدينة. فالإمام أبو ~~حنيفة ولد سنة 80ه في ولاية عبد الملك بن مروان، وعاش نحو 18 سنة في ظل الدولة ~~العباسية، وهو من أصل فارسي، أخذ الفقه عن جعفر الصادق من البيت العلوي، وعن إبراهيم ~~النخعي من أكبر فقهاء عصره، وسمع الحديث من الشعبي والأعمش وقتادة، واشتهر بقدرته ~~التشريعية، وقوة حجته، وحسن منطقه، ودقته في الاستنتاج؛ ومن أجل ذلك عد إمام أهل ~~الرأي، ولم ms233 يصل إلينا شيء من تآليفه القانونية، ولا ثبت تاريخيا أنه دون مذهبه في ~~كتاب، إنما فعل ذلك تلميذاه من بعده: أبو يوسف ومحمد. # والإمام مالك ولد سنة 96ه بالمدينة من أصل عربي، وبها تعلم وعلم وألف، واشتهر ~~بأنه حجة في الحديث، وعد من أجل ذلك إمام أهل الحديث، ويمتاز مذهبه باعتماده على ~~الحديث أكثر من أبي حنيفة، ويحتج بعمل أهل المدينة، وتوفي سنة 179؛ وخلف لنا كتاب ~~الموطأ، وقد اشتهر أنه كتاب حديث، ولكنه في الحقيقة كتاب فقه وإن ملئ حديثا، فلم يكن ~~غرضه أن يجمع فيه الأحاديث المعروفة في عهده، والتي صحت عنده، إنما غرضه الإتيان ~~بالتشريع مستدلا عليه بالحديث؛ ولذلك نجد فيه فتاواه الشخصية وآراءه في بعض ~~المسائل. # ولا نطيل بذكر ما كان بينهما من خلاف في وجهة النظر واختلاف في الأصول التي اعتمدوا ~~عليها؛ فذلك بالعصر العباسي أليق، إنما نذكر هنا ملاحظة دقيقة لاحظها ابن خلدون عند ~~تعليله؛ لانتشار مذهب مالك في المغرب والأندلس، فقد قال: «وأيضا فالبداوة كانت غالبة ~~على أهل المغرب والأندلس، ولم يكونوا يعاونون الحضارة التي لأهل العراق، فكانوا إلى ~~الحجاز أميل، لمناسبة البداوة، ولهذا لم يزل المذهب المالكي غضا عندهم، ولم يأخذه ~~تنقيح الحضارة وتهذيبها، كما وقع في غيره من المذاهب» # 33 ~~. # فهو يريد أن يقرر أن مدنية البلد الذي نشأ فيه الإمام أو بداوته لهذا أثر خاص في ~~تكوين مذهبه، من كثرة فروع وقلتها، بل يظهر أن لها كذلك أثرا في تكوين رأيه، ولو ~~استعرضنا بعض خلافات بين الفقهاء لوجدنا ذلك واضحا؛ فمن ذلك مثلا أن أبا حنيفة ~~يجوز أن يفتتح الصلاة بالفارسية بدل أن يقول: «الله أكبر» بالعربية، ولو كان قادرا ~~على قولها بالعربية، ويجوز أن يقرأ القرآن بالفارسية، وخالفه في ذلك الإمام مالك والشافعي # 34 ~~، ومثل تجويز الإمام أبي حنيفة أن تزوج المرأة الحرة المكلفة نفسها من ~~غير ولي، وقال مالك والشافعي: لا يجوز إلا بولي # 35 ~~. # والظاهر أن هذا المنزع أعني تقدير الإمام للظروف التي تحيط به وتأثيرها في آرائه ms234 ~~إنما يكون حيث لا يصح نص عند الإمام، فأما إذا صح فلم يكن لهذه الظروف أثر في تكوين ~~رأيه؛ ودليلنا على ذلك مثلا ما نرى من أن مذهب أبي حنيفة اعتبار الكفاية في الزواج ~~نسبا، فقريش عنده أكفاء لبعض، وليس سائر العرب أكفاء لقريش، الموالي ليسوا بكفء للعرب، ~~مع أن الإمام مالكا يقول: لا تعتبر الكفاءة إلا في الدين؛ لأنه صح عنده قوله عليه ~~الصلاة والسلام: «الناس سواسية كأسنان المشط: لا فضل لعربي على عجمي، إنما الفضل بالتقوى» # 36 # ولو كانت المسألة لتقدير الظروف فقط لانعكس المذهبان. # | مصادر هذا الفصل # المستصفى للغزالي. # مسلم الثبوت. # صحيحا البخاري ومسلم. # مقدمة ابن خلدون. # الموافقات للشاطبي. # تاريخ ولاة مصر وقضاتها للكندي. # خطط المقريزي. # تفسير الطبري. # العقد الفريد لابن عبد ربه. # تيسير الوصول في جمع أحاديث الرسول. # أسباب النزول للواحدي. # التفسيرات الأحمدية في الآيات الشرعية. # أعلام الموقعين لابن القيم والطرق الحكمية له. # شرح الزيلعي على متن الكنز . # فتح القدير على الهداية. # الأم للإمام الشافعي. # نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية للزيلعي. # وفيات الأعيان لابن خلكان. # الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب لابن فرحون. # تاريخ التشريع الإسلامي للمرحوم الشيخ محمد الحضري. # دائرة المعارف الإسلامية في مادة «فقه». # Abdurahim, Muhammadan Jurisprudence ~~. # Macdonald, Muslim Theology ~~. # Goldziher, Le Dogma et Le Loi de Ľ ~~Islam ~~. # الجزء السابع # | الفرق الدينية # | كلمة في الخلافة وأنها أساس كثير من الفرق # كانت الخلافة أول مسألة اشتد فيها الخلاف بين المسلمين، وتشعبت فيها آراؤهم، وتكون ~~حولها أهم الفرق الإسلامية في العصر الأول، وهي الخوارج والشيعة ثم المرجئة، فلنستعرض ~~باختصار تام ما دار فيها حتى نتبين كيف نشأت هذه الفرق، تاركين تفصيل ذلك إلى الجزء ~~الخاص بالتاريخ السياسي من كتابنا. توفي رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ولم يعين من يخلفه، ~~ولم يبين كيف يكون اختياره، فواجه المسلمون أشق مسألة وأخطرها، وعلى طريق سيرهم فيها ~~كان يتوقف نجاحهم في الحياة السياسية أو فشلهم. # شعر المسلمون من لحظة وفاته # صلى الله عليه وسلم # بضرورة التفكير ms235 فيمن يخلفه، وأسرع الأنصار قبل ~~دفنه إلى عقد اجتماع في سقيفة بني ساعدة ليبتوا في الأمر، وأدركهم أبو بكر وعمر وأبو ~~عبيدة بن الجراح وغيرهم خشية ألا ينظر الأنصار في الأمر إلا من جانبهم، وفي هذه السقيفة ~~انقسموا إلى رأيين: رأي يقول: يجب أن يكون الخليفة من الأنصار، وحجتهم أن محمدا # صلى الله عليه وسلم # لبث في قومه في مكة نحو ثلاث عشرة سنة يدعوهم إلى الإسلام فما آمن منهم إلا ~~قليل، ولا منعوا رسول الله من الأذى، ولا أعزوا الدين، فلما هاجر من مكة إلى المدينة ~~نصره الأنصار وآمنوا به، وأعزوا دينه، ومنعوه وصحبه ممن أراد بهم سوءا، وكانوا معه ~~على عدوه حتى خضعت له جزيرة العرب، وتوفي # صلى الله عليه وسلم # وهو عنهم راض، وبهم قرير عين، فهم ~~أولى الناس أن يخلفوه. # وفريق آخر وهم المهاجرون يرون أن تكون الخلافة فيهم، وحجتهم أنهم أول من آمن به، ~~وصبروا على الأذى ولم يستوحشوا لقلة عددهم، وهم قومه وعشيرته، وهم من قريش والعرب لا ~~تدين إلا لهم ، ولا تقر بعزة ومنعة غير عزتهم ومنعتهم، فهم أولى بالخلافة من غيرهم؛ وبعد ~~حوار طويل، واقتراح بعض الأنصار للتوفيق بين الرأيين: أن يكون منهم أمير ومن المهاجرين ~~أمير، ورفض المهاجرين ذلك الاقتراح أيضا، تمت البيعة في هذا المجلس لأبي بكر ~~التيمي القرشي. # لم يكن علي حاضرا هذا الاجتماع لاشتغاله هو وأهل بيته في جهاز رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وأخذ العدة لدفنه، فلما بلغه خبر البيعة لأبي بكر لم يرض عنها، وتكون رأي ثالث وهو أن ~~تكون الخلافة في بيت النبي، وأقرب الناس إليه # صلى الله عليه وسلم # عمه العباس بن عبد المطلب وابن ~~عمه علي بن أبي طالب، ولكن العباس لم يكن من السابقين إلى الإسلام، فقد حضر غزوة بدر ~~مع المشركين، ولم يسلم إلا آخرا، فأولى الناس من قرابة النبي علي بن أبي طالب، وهو من ~~أول الناس إسلاما، وزوج فاطمة بنت النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وجهاده وفضله وعلمه ms236 لا ينكر؛ وحجة ~~أصحاب هذا الرأي أن أقرب الناس إلى النبي أولى أن يخلفوه، وأن بيت بني هاشم خير من بيت ~~أبي بكر، فالعرب للأولين أطوع، وأن المهاجرين احتجوا على الأنصار بأنهم قوم النبي ~~وعشيرته فآل النبي وأقربهم إليه أولى، كما جاء في نهج البلاغة أن عليا سأل عما حدث في ~~سقيفة بني ساعدة فقال: فماذا قالت قريش؟ قالوا: احتجت بأنها شجرة الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، فقال ~~علي: «احتجوا بالشجرة، وأضاعوا الثمرة!» يريد أن المهاجرين احتجوا بأنهم من شجرة ~~النبي، فأولى بالاحتجاج من يجمعهم والنبي أنهم من ثمرة قريش، وهم قرابته، وسواء صح هذا ~~القول عن علي أم لم يصح فهو تعبير صادق عما في نفسه، ودعا إلى هذا الرأي علي، وأيده بعض ~~بني هاشم، وأيده الزبير بن العوام، وعطف عليه بعض الأنصار لما كان موقفهم وموقف علي ~~سواء في ضياع الأمر من أيديهم، ولم يبايع علي أبا بكر إلا بعد لأي. # وظلت النظريات الثلاث تتعارض، ووجد في العصور المختلفة من يؤيدها ويدافع عنها، حتى ~~النظرية الأولى - وهي نظرية الأنصار - فقد كان قوم يعتنقونها وإن لم يظهروا ظهورا ~~بينا في التاريخ # 1 ~~، أما النظريتان الأخيرتان فكانت الحرب بينهما أحكم، والجدال أشد. # لم تمت النظرية القائلة بأولوية علي في عهد أبي بكر وعمر؛ ولكن سكنت وخمدت، ساعد على ~~خمودها عدل أبي بكر وعمر، وانتصافهما حتى من أنفسهما، وأنهما لم يعيرا العصبية القبلية ~~أي التفات، وزاد في سكونها اشتغال الناس بالحروب والفتوح ونجاحهم، فلم يجد الناقمون ~~مجالا يدخلون منه على الناس لإثارتهم الفتن. # ولما ولي عثمان تبرم علي وأنصاره، وزادهم تبرما أن عثمان - وهو أموي - استعان ~~بالأمويين، فكان أكثر عماله منهم، وكان كاتبه وأمين سره مروان بن الحكم الأموي، ومروان ~~هذا وشيعته هدموا كل ما بناه الإسلام من قبل ودعمه أبو بكر وعمر؛ من محاربة العصبية ~~القبلية، وبث الشعور بأن العرب وحدة، وحكموا كأمويين لا كعرب، فحرك ذلك ما كان كامنا ~~من العداوة القديمة الجاهلية بين بني هاشم وبني أمية، وانتشرت ms237 الجمعيات السرية في آخر ~~عهد عثمان تدعو إلى خلعه وتولية غيره؛ ومن هذه الجمعيات من كانت تدعو إلى علي، ومن أشهر ~~الدعاة له عبد الله بن سبأ - وكان من يهود اليمن فأسلم - فقد تنقل في البصرة والكوفة ~~والشام ومصر يقول: «إنه كان لكل نبي وصي، وعلي وصي محمد، فمن أظلم ممن لم يجز وصية ~~رسول الله ووثب على وصيه!» وكان من أكبر الذين ألبوا على عثمان حتى قتل. # لما قتل عثمان بايع عليا كثير من المسلمين فتحققت بذلك نظرية القائلين بحق علي في ~~الخلافة من يوم وفاة رسول الله، وأيده كثير من كبار المهاجرين لأنطباق نظريتهم عليه ~~أيضا، وخرج على علي طلحة والزبير ومعاوية، وكلهم يلصق بعلي تهمة أن له ضلعا في ~~قتل عثمان وعلى أقل تقدير أنه قعد عن نصرته، وكان في استطاعته رد الناس عنه؛ وكان من ~~حجة بعضهم أنه - وقد بويع - يجب عليه أن يقتص من قتلة عثمان؛ ويقول كل من طلحة ~~والزبير: إنه أولى بالمطالبة بدم عثمان؛ لأنه من الستة الذين انتخبهم عمر للشورى ، ومن ~~السابقين الأولين للإسلام، ويقول معاوية: إنه أولى الناس رحما بعثمان، وأقوى أهل بيته ~~على المطالبة بدمه. # ووجدت في هذا الموقف طائفة من كبار الصحابة لم تبايع عليا ولم تبايع غيره، ولم ~~تشترك في شيء من الخلاف القائم وفضلت العزلة؛ من أشهرهم: عبد الله بن عمر بن الخطاب، ~~ومحمد بن مسلمة، وسعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، وحسان بن ثابت، وعبد الله بن ~~سلام؛ ومن قول سعد بن أبي وقاص في ذلك: «إن رسول الله أمرني إذا اختلف الناس أن أخرج ~~بسيفي فأضرب به عرض أحد، فإذا تقطع أتيت منزلي فكنت فيه لا أبرحه، حتى تأتيني يد ~~خاطية أو منية قاضية». # فأما طلحة والزبير فقد انتهى أمرهما سريعا بانهزامهما وقتلهما في وقعة الجمل، وأما ~~معاوية فكان أصعب منالا، إذ كان لديه جند الشام المنظم الطائع، وكان بين علي ومعاوية ~~من وقعة صفين ما كان، فلما أحس معاوية بأن الدائرة كادت تدور ms238 عليه أوعز إلى جنوده برفع ~~المصاحف على رءوس الرماح، وطلب التحكيم إلى كتاب الله. # هذه خلاصة تاريخية موجزة اضطررنا لذكرها؛ لأن عليها تأسست ثلاث فرق من أكبر الفرق ~~الإسلامية؛ وهي: الخوارج، والشيعة، والمرجئة. # الفصل الثامن عشر # | الخوارج # لما كانت وقعة صفين بين علي ومعاوية، وطلب معاوية تحكيم كتاب الله اختلف أصحاب ~~علي: أيقبلون هذا التحكيم؛ لأنهم يحاربون لإعلاء كلمة الله وقد دعوا إليها، أم لا ~~يقبلون؛ لأنها خدعة حربية لجأ إليها معاوية وصحبه لما أحسوا بالهزيمة؟ وبعد جدال وتردد ~~قبل علي التحكيم، واختار معاوية عمرو بن العاص ليمثله، واختار أصحاب علي أبا موسى ~~الأشعري؛ إذ ذاك ظهر قوم من جند علي أكثرهم قبيلة تميم، نفروا من أن يحكم أحد في ~~كتاب الله، ورأوا أن التحكيم خطأ؛ لأن حكم الله في الأمر واضح جلي، والتحكيم يتضمن شك ~~كل فريق من المحاربين أيها المحق، وليس يصح هذا الشك؛ لأنهم وقتلاهم إنما حاربوا وهم ~~مؤمنون - بلا شك - أن الحق في جانبهم، هذه المعاني المختلجة في نفوسهم صاغها أحدهم في ~~الجملة الآتية : «لا حكم إلا لله»، فسرت الجملة سير البرق إلى من يعتنق هذا الرأي، ~~وتجاوبتها الأنحاء، وأصبحت شعار هذه الطائفة. # طلبوا من علي أن يقر على نفسه بالخطأ بل بالكفر، لقبوله التحكيم، ويرجع عما أبرم مع ~~معاوية من شروط، فإن فعل عادوا إليه وقاتلوا معه، فأبى علي، وكان موقفه في منتهى الدقة، ~~فكيف يرجع عن اتفاق أمضاه، والدين يأمر بالوفاء بالعهود، ولو رجع لتفرق عنه أكثر ~~أصحابه، وكيف يقر على نفسه بالكفر، ولم يشرك بالله شيئا منذ آمن، فضايقوه بالإكثار من ~~«لا حكم إلا لله» فإذا خطب في المسجد قاطعوه بقولهم: «لا حكم إلا لله» فتجاوبت بها ~~أنحاء المسجد، ورآه أحدهم فتلا: # ولقد أوحي إليك وإلى ~~الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن ~~من الخاسرين ~~، يعرض به، وزاد بعض الناس ميلا إلى رأيهم فشل ~~الحكمين في حكمهما، وخيبة الأملين في أن التحكيم يحقن الدماء ويعيد المسلمين إلى ~~الوئام، حتى انضم إليهم بعض ms239 القراء - من جيش علي - فلما يئست هذه الجماعة من رجوع علي ~~إلى رأيهم اجتمعوا في منزل أحدهم، وخطب خطيبهم يقول: «أما بعد؛ فوالله ما ينبغي لقوم ~~يؤمنون بالرحمن، وينيبون إلى حكم القرآن، أن تكون هذه الدنيا ... آثر عندهم من الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، والقول بالحق، وإن من وضر، فإنه من يمن ويضر ~~في هذه الدنيا فإنه ثوابه يوم القيامة رضوان الله عز وجل، والخلود في جناته، فاخرجوا ~~بنا إخواننا، من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال، أو إلى بعض هذه المدائن ~~منكرين لهذه البدع المضلة»، ثم خرجوا إلى قرية قريبة من الكوفة تسمى «حروراء»، ~~وسموا حينذاك بالحرورية نسبة إلى هذه القرية، وبالمحكمة - أي الذين يقولون لا حكم ~~إلا لله - وهما اسمان كثيرا ما يطلقان على الخوارج، وأمروا عليهم رجلا منهم اسمه ~~عبد الله بن وهب الراسبي، واسم الخوارج جاء من أنهم خرجوا على علي وصحبه، وإن كان منهم ~~من يشتق اسم الخوارج من الخروج في سبيل الله أخذا من قوله تعالى: # ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه ~~الموت فقد وقع أجره على الله ~~، وسموا أيضا «الشراة» أي ~~الذين باعوا أنفسهم لله من قوله تعالى: # ومن الناس من ~~يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ~~، وقد حاربهم علي في الوقعة ~~الشهيرة بوقعة النهروان، وهزمهم وقتل منهم كثيرا، ولكنه لم يبدهم ولم يبد ~~فكرتهم، وزادت هذه الهزيمة في إمعان الخوارج في كره علي، حتى دبروا له مكيدة قتله، ~~فقتله عبد الرحمن بن ملجم الخارجي، وقد كان زوجا لامرأة قتل كثير من أفراد ~~أسرتها في وقعة النهروان. # وظلت الخوارج شوكة في جنب الدولة الأموية يهددونها ويحاربونها حربا تكاد تكون ~~متواصلة في شدة وشجاعة نادرة، وأشرفوا في بعض مواقفهم على القضاء على الدولة، وظل ~~المهلب بن أبي صفرة يجالدهم ويعاني في قتالهم الشدائد والأهوال السنين الطوال، مما ~~لا محل لذكره هنا # 1 ~~؛ غير أنا نشير إلى أنهم كانوا فرعين: فرعا بالعراق وما حولها، وكان أهم ~~مركز لهم «البطائح» بالقرب ms240 من البصرة، وقد استولوا على كرمان وبلاد فارس وهددوا ~~البصرة، وهؤلاء هم الذين حاربهم المهلب، واشتهر من رجالهم نافع بن الأزرق، وقطري بن ~~الفجاءة. # وفرعا بجزيرة العرب: استولوا على اليمامة وحضرموت واليمن والطائف، ومن أشهر أمرائهم ~~فيها: أبو طالوت، ونجدة بن عامر، وأبو فديك. # ولم يتغلب الأمويون على هذين الفرعين إلا بعد حروب طويلة شديدة استمرت طول عهد الدولة ~~الأموية. # ثم كانوا كذلك في الدولة العباسية، ولكن لهم من القوة ما كان لهم في عهد الأمويين، ~~فقد ضعف شأنهم، وانحط قوادهم. # تعاليمهم: ابتدأ الخوارج كلامهم في أمور تتعلق بالخلافة، فقالوا بصحة خلافة أبي بكر ~~وعمر لصحة انتخابهما، وبصحة خلافة عثمان في سنيه الأولى، فلما غير وبدل، ولم يسر ~~سيرة أبي بكر وعمر، وأتى بما أتى من أحداث وجب عزله، وأقروا بصحة خلافة علي ولكنهم ~~قالوا إنه أخطأ في التحكيم وحكموا بكفره لما حكم، وطعنوا في أصحاب الجمل: طلحة، ~~والزبير، وعائشة، كما حكموا بكفر أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص، «وقد قبض على ~~أحدهم وقدم إلى زياد ابن أبيه، فسأله زياد عن أبي بكر وعمر، فقال فيهما خيرا؛ وسأله عن ~~عثمان فقال: كنت أتولى عثمان - على أحواله - في خلافته ست سنين، ثم تبرأت منه بعد ذلك، ~~وشهد عليه بالكفر؛ فسأله عن أمير المؤمنين علي فقال: أتولاه إلى أن حكم، ثم أتبرأ منه ~~بعد ذلك، وشهد عليه بالكفر؛ فسأله عن معاوية فسبه سبا قبيحا ... إلخ» # 2 # فترى من هذا أن كلامهم كان يدور حول تشريح أعمال الخلفاء وأنصارهم، والبحث ~~فيمن يستحق أن يكون خليفة ومن لا يستحق، ومن يكون مؤمنا ومن لا يكون. # وقد وضعوا نظرية للخلافة وهي: أن الخلافة يجب أن تكون باختيار حر من المسلمين، وإذا ~~اختير فليس يصح أن يتنازل أو يحكم، وليس بضروري أن يكون الخليفة قرشيا، بل يصح أن ~~يكون من قريش ومن غيرهم ولو كان عبدا حبشيا، وإذا تم الاختيار كان رئيس المسلمين، ~~ويجب أن يخضع خضوعا تاما لما أمر الله، وإلا وجب عزله. # ولهذا أمروا ms241 عليهم من اختاروه منهم، «وسموا عبد الله بن وهب الراسبي أمير المؤمنين ~~ولم يكن قرشيا وإنما هو من «راسب» حي من الأزد، وكذلك أمراؤهم من بعده»، وقد ~~خالفوا بهذا نظرية الشيعة القائلة بانحصار الخلافة في بيت النبي: علي وآله، وأهل ~~السنة القائلين بأن الخلافة في قريش؛ وهذه النظرية هي التي دعتهم إلى الخروج على خلفاء ~~بني أمية ثم العباسيين لاعتقادهم أنهم جائرون غير عادلين، لم تنطبق عليهم شروط الخلافة ~~في نظرهم. # نرى الخوارج في أول أمرهم كانت صبغتهم سياسية محضة، ثم نراهم في عهد عبد الملك بن ~~مروان قد مزجوا تعاليمهم السياسية بأبحاث لاهوتية، وأكبر من كان له أثر في ذلك ~~الأزارقة، أتباع نافع بن الأزرق، وأهم ما قرره الخوارج في ذلك أن العمل بأوامر الدين - ~~من صلاة وصيام وصدق وعدل - جزء من الإيمان، وليس الإيمان الاعتقاد وحده، فمن اعتقد أن ~~لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ثم لم يعمل بفروض الدين وارتكب الكبائر فهو ~~كافر. # والخوارج لم يكونوا وحدة ولم يكونوا كتلة واحدة، وإنما كان واضحا فيهم الطبيعة ~~العربية البدوية، فسرعان ما يختلفون، وينضمون تحت ألوية مختلفة يضرب بعضها بعضا، ولو ~~اتحدوا لكانوا قوة في منتهى الخطورة على الدولة الأموية، لذلك لا نستطيع أن نذكر ما هو ~~من تعاليمهم مشترك بين جميعهم إلا النظريتين السابقتين: نظرية الخلافة، ونظرية أن العمل ~~جزء من الإيمان. حتى هاتان النظريتان ليستا من اعتقاد جميعهم إلا بقليل من التسامح؛ ~~فمنهم من يرى أن لا حاجة للأمة إلى إمام، وإنما على الناس أن يعملوا بكتاب الله من ~~أنفسهم، ويظهر أن هذه الفكرة هي التي كان يفهمها بعضهم من جملتهم المشهورة: «لا حكم إلا ~~لله»، بدليل ما روي أن علي بن أبي طالب لما سمعهم يقولون: «لا حكم إلا لله» قال: كلمة ~~حق يراد بها باطل، نعم إنه لا حكم إلا لله! ولكن هؤلاء يقولون: لا إمرة إلا لله، وإنه ~~لا بد للناس من أمير بر أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها ms242 الكافر، ويبلغ ~~الله فيها الأجل، ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف ~~من القوي حتى يستريح بر، ويستراح من فاجر. وقد قال ابن أبي الحديد: «إن الخوارج ~~كانوا في بدء أمرهم يقولون ذلك، ويذهبون إلى أنه لا حاجة إلى الإمام، ثم رجعوا عن ذلك ~~القول لما أمروا عليهم عبد الله بن وهب الراسبي» # 3 ~~. # على كل حال قد اتفق جمهور الخوارج على النظرتين السابقتين، وتفرقوا إلى فرق بلغت في ~~العدد نحو العشرين، كل فرقة تخالف الأخرى في بعض تعاليمها، ولا يسع هذا المختصر ذكر جميعها # 4 ~~؛ غير أنا نذكر هنا أن من أشهر فرقهم الأزارقة أتباع نافع بن الأزرق، وكان ~~من أكبر فقهائهم وقد كفر جميع المسلمين ما عداهم، وقال: إنه لا يحل لأصحابه المؤمنين أن ~~يجيبوا أحدا من غيرهم إلى الصلاة إذا دعاهم إليها، ولا أن يأكلوا من ذبائحهم، ولا أن ~~يتزوجوا منهم، ولا يتوارث الخارجي وغيره، وهم مثل كفار العرب وعبدة الأوثان، لا يقبل ~~منهم إلا الإسلام أو السيف، ودارهم دار حرب، ويحل قتل أطفالهم ونسائهم، ولا تحل التقية # 5 # لأن الله يقول: # إذا فريق منهم يخشون ~~الناس كخشية الله أو أشد خشية ~~، واستحل الغدر بمن خالفه، ~~وكفر القعدة، أي الذين يقعدون عن القتال مع قدرتهم عليه، ولو كان هؤلاء القعدة على ~~مذهبهم. # ومن فرقهم النجدات، أتباع نجدة بن عامر، وأهم تعاليمه التي انفرد بها أن المخطئ ~~بعد أن يجتهد معذور، وأن الدين أمران: معرفة الله ومعرفة رسوله، وما عدا ذلك فالناس ~~معذورون بجهله إلى أن تقوم عليهم الحجة، ومن أداه اجتهاده إلى استحلال حرام أو تحريم ~~حلال فهو معذور، وعظم جريمة الكذب على الزنا وشرب الخمر، ولنافع مع نجدة بن عامر ~~مناقشات طويلة ممتعة حول هذه المبادئ # 6 ~~. # كذلك من أشهر فرقهم «الإباضية» نسبة إلى رئيسهم عبد الله بن إباض التميمي، ولا ~~يزال أتباعه في المغرب وغيره إلى اليوم، وهم لم يغالوا في الحكم على مخالفيهم ~~كالأزارقة، بل قالوا: يحل التزوج منهم، ms243 ويتوارث الخارجي وغيره، ونزعتهم أميل إلى ~~المسالمة، فقالوا: لا يحل قتال غير الخوارج وسبيهم في السر غيلة، ولا يجوز قتالهم إلا ~~بعد الدعوة وإقامة الحجة وإعلان القتال ... إلخ، وقد ظهر عبد الله بن إباض في النصف ~~الثاني من القرن الأول للهجرة، وعاش أتباعه في أكثر أحوالهم مسالمين للخليفة. # وفرقة أخرى من فرقهم «الصفرية» أتباع زياد بن الأصفر، وهم لا يختلفون كثيرا في ~~تعاليمهم عن الأزارقة. # وهذه الفرق الأربع: الأزارقة والنجدات والإباضية والصفرية هي أشهر فرق الخوارج ~~وأكثرها دورانا في الكتب. # والخوارج يقولون: إن ممن اعتنق مذهبهم عكرمة مولى ابن عباس وأنس بن مالك الصحابي، ~~وكان الحسن البصري يوافق الخوارج في رأيهم بأن عليا أخطأ في التحكيم ولكن لا يعتنق ~~مذهبهم، «وكان إذا جلس فتمكن في مجلسه ذكر عثمان فترحم عليه ثلاثا، ولعن قتلته ثلاثا، ~~ويقول: لو لم نلعنهم للعنا، ثم يذكر عليا فيقول: لم يزل أمير المؤمنين علي رحمه ~~الله يتعرف النصر ويساعده الظفر حتى حكم، فلم تحكم والحق معك؟ ألا تمضي قدما - ~~لا أبا لك - وأنت على الحق» # 7 ~~. # وكان مما حاربهم به المهلب بن أبي صفرة اختلاق الأحاديث عليهم، فقد كان يضع الحديث ~~ليشد به أزر قومه ويضعف به من أمر الخوارج ما اشتد، ويقول: إن الحرب خدعة، وكان حي من ~~الأزد إذا رأوا المهلب خارجا قالوا: «راح يكذب!» وفيه يقول رجل منهم: # أنت الفتى كل الفتى # لو كنت تصدق ما تقول! # 8 # ولعل هذا وأمثاله هو السر فيما ترى من أحاديث كثيرة ملئت بها كتب التاريخ والأدب في ~~ذم الخوارج. ~~••• # كان أكثر من اعتنق مبدأ الخوارج عربا بدوا، وقد انضم إليهم بعض الموالي إعجابا ~~برأيهم الديمقراطي في الخلافة، فليس بضروري أن يكون من قريش ولا من العرب، فهم في نظرهم ~~إلى الخلافة شعوبيون، ولكن مع هذا لم ينضم إليهم من الموالي إلا قليل؛ لأنهم وأكثرهم ~~بدو شديدو العصبية لجنسهم، يحتقرون الموالي ويزدرونهم، روى ابن أبي الحديد أن رجلا من ~~الموالي خطب امرأة خارجية فقالوا لها: «فضحتنا»، ولولا ms244 هذه العصبية العربية الجافة ~~لتبعهم من الموالي كثير. # والناظر في تاريخهم يتبين فيهم مميزات واضحة أهمها: ~~(1) # التشديد في العبارة والانهماك فيها، يصفهم الشهرستاني بأنهم أهل صوم ~~وصلاة، ويصفهم المبرد «بأنهم في جميع أصنافهم يبرءون من الكاذب ومن ذي ~~المعصية الظاهرة»، وقد قتل أحدهم زياد، ثم دعا مولاه فاستوصفه أمره؛ ~~فقال: «ما أتيته بطعام بنهار قط، ولا فرشت له فراشا بليل قط». # ولما أرسل علي عبد الله بن العباس لأهل النهروان من الخوارج «رأى ~~منهم جباها قرحة لطول السجود وأيديا كثفنات الإبل، عليهم قمص ~~مرحضة وهم مشمرون»، ولعل خير ما قيل فيهم ما قاله أبو حمزة الخارجي في ~~وصف أصحابه: «شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضيضة عن الشر أعينهم، ~~ثقيلة عن الباطن أرجلهم، أنضاء عبادة، وأطلاح سهر، فنظر الله إليهم في جوف ~~الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مر أحدهم بآية من ذكر ~~الجنة بكى شوقا إليها، وإذا مر بآية من ذكر النار شهق شهقة كأن زفير ~~جهنم بين أذنيه، موصول كلالهم بكلالهم، كلال الليل بكلال النهار، قد أكلت ~~الأرض ركبهم وأيديهم وأنوفهم وجباههم، واستقلوا ذلك في جنب الله، حتى إذا ~~رأوا السهام قد فوقت، والرماح قد أشرعت، والسيوف قد انتضيت، ورعدت ~~الكتيبة بصواعق الموت وبرقت، استخفوا بوعيد الكتيبة لوعيد الله، ومضى الشاب ~~منهم قدما حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، وتخضبت بالدماء محاسن وجهه، ~~فأسرعت إليه سباع الأرض، وانحطت إليه طير السماء، فكم من عين في منقار طير، ~~طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خوف الله! وكم من كف زالت عن معصمها، ~~طالما اعتمد عليها صاحبها في جوف الليل بالسجود لله» وقد غلوا في أنظارهم ~~حتى عدوا مرتكب الكبيرة - وأحيانا الصغيرة - كافرا، وخرجوا على أئمتهم ~~للهفوة الصغيرة يرتكبونها، وتشدد كثير منهم في النظر إلى غيرهم من المسلمين ~~فعدوهم كفارا، بل كانوا يعاملونهم أشد من معاملة الكفار، ويحكون أن واصل ~~بن عطاء - رأس المعتزلة - وقع في أيديهم فادعى أنه «مشرك مستجير» ورأى أن ~~هذا ينجيه أكثر مما تنجيه دعواه ms245 أنه مسلم مخالف لهم، وكذلك كان؛ واشتدوا في ~~معاملة مخالفيهم من المسلمين، حتى كان كثير منهم لا يرحم المرأة ولا الطفل ~~الرضيع ولا الشيخ الفاني، بل لم يرضوا من مخالفيهم أن يقولوا: إن عليا ~~أخطأ في التحكيم، وعثمان أخطأ فيما أحدث، بل لا بد أن يقر بكفرهما وكفر من ~~ناصرهما، وطلبوا من عبد الله بن الزبير أن يتبرأ من أبيه، ولم يكتفوا من ~~عمر بن عبد العزيز بعدله وجمال سيرته، بل طلبوا منه كذلك أن يتبرأ مما ~~تبرءوا هم منه، وأن يلعن أسلافه من بني أمية؛ ولعل هذا التشدد وإقدامهم على ~~سفك دماء معارضيهم هو أكبر ما شوه حركتهم. ~~(2) # أخلصوا لعقيدتهم وقاتلوا دفاعا عنها، ولهذا نظر إليهم كثير من خيرة ~~الناس نظرة عطف وإشفاق، فقد روي أن علي بن أبي طالب في أواخر أيامه قال: ~~«لا تقاتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل ~~فأدركه»، يريد أن الخوارج طلبوا الحق وحاموا عن عقيدة اعتقدوها وإن أخطئوا ~~فيها، وأما معاوية فكان لا يطلب حقا وإنما كان يطلب باطلا ويحامي عنه ~~وقد أدركه، وقال عمر بن عبد العزيز - لبعض الخوارج -: «إني قد علمت أنكم لم ~~تخرجوا مخرجكم هذا لطب دنيا أو متاع، ولكنكم أردتم الآخرة فأخطأتم سبيلها»، ~~وقد حملهم شديد إيمانهم أن ينتهزوا كل فرصة للدعوة إلى مبادئهم جهرا، ~~ويرسلوا الرسل إلى خلفاء بني أمية يدعونهم، ولم يضنوا بأي نوع من أنواع ~~التضحية؛ فتاريخهم مملوء بالشجاعة النادرة، يقول صاحب العقد الفريد: «وليس ~~في الأفراق # 9 # كلها أشد بصائر من الخوارج، ولا أشد اجتهادا، ولا أوطن أنفسا ~~على الموت، منهم الذي طعن فأنفذه الرمح فجعل يسعى إلى قاتله ويقول: # وعجلت إليك رب لترضى ~~، وأرسل ~~معاوية رجلا إلى ابنه من الخوارج ينصحه بالرجوع إلى قتال معاوية فأبى، ~~فأداره فصمم، فقال له: أي بني أجيئك بابنك لعلك تراه فتحن إليه، فقال له: ~~يا أبت! أنا والله إلى طعنة نافذة أتقلب فيها على كعوب الرمح أشوق مني إلى ~~ابني؛ وكان الخارجي يقاتل على ms246 السوط يؤخذ منه أشد قتال، وقال كعب: «إن فتك ~~الحرورية يفضل فتك غيرهم بعشرة أبواب»: وأرسل ابن زياد أسلم بن زرعة ~~في ألفين لمحاربة فرقة من الخوارج، فهزمه أبو بلال الخارجي في أربعين من ~~أصحابه، فقال له ابن زياد: ويلك! أتمضي في ألفين فتنهزم لحملة أربعين؟ فكان ~~إذا خرج أسلم إلى السوق أو مر بصبيان صاحوا به: أبو بلال وراءك! ~~واشتركت نساء الخوارج في القتال مع رجالهن، فقد حدثنا الرواة عن كثير من ~~نسائهم أبلين في القتال خير بلاء، كالذي روى أبو الفرج في الأغاني أن امرأة ~~من الخوارج كانت مع قطري بن الفجاءة يقال لها: أم حكيم، وكانت من أشجع ~~الناس وأجملهم وجها، وأحسنهم بالدين تمسكا، وخطبها جماعة من الخوارج ~~فردتهم ولم تجبهم، وأخبر من شاهدها في الحرب أنها كانت تحمل على الناس ~~وترتجز: # أحمل رأسا قد سئمت حمله # وقد مللت دهنه وغسله # ألا فتى يحمل عني ثقله # هذه الصفات أعني الشدة في الدين، والإخلاص للعقيدة، والشجاعة النادرة، يضاف إليها ~~العربية الخالصة، هي التي جعلت للخوارج أدبا خاصا يمتاز بالقوة شعرا ونثرا: تخير ~~للفظ، وقوة في السبك، وفصاحة في الأسلوب، لج عبيد الله بن زياد في حبس الخوارج وقتلهم ~~فكلم فيهم فأبى وقال: أقمع النفاق قبل أن ينجم، لكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من ~~النار إلى اليراع؛ وأتي عبد الملك بن مروان برجل منهم فدعاه عبد الملك إلى الرجوع عن ~~مذهبه، ثم زاد في الاستداعاء، فقال الخارجي؛ لتغنك الأولى عن الثانية، وقد قلت ~~فسمعت فاسمع أقل، قال له: قل، فجعل يبسط له من قول الخوارج ويزين له من مذهبهم بلسان ~~طلق، وألفاظ بينة، ومعان قريبة، فقال عبد الملك: «لقد كاد يوقع في خاطري أن الجنة ~~خلقت لهم وأني أولى بالجهاد منهم، ثم رجعت إلى ما ثبت الله علي من الحجة، وقرر في ~~قلبي من الحق» واشتهر منهم مصاقع الخطباء؛ كأبي حمزة، وقطري بن الفجاءة، وفحول ~~الشعراء: كعمران بن حطان والطرماح؛ ومن أشهر علمائهم باللغة والأدب أبو عبيدة ~~معمر بن ms247 المثنى، وهو من أوسع أهل البصرة علما باللغة والأدب والنحو وأخبار العرب ~~وأيامها، ومن أكثر المؤلفين في صدر الدولة العباسية، فقد روي له نحو من مئتي مصنف، ~~وهو أحد الأفراد القلائل من الموالي الذين اعتنقوا مذهب الخوارج، فهو من أصل يهودي ~~فارسي، وكان يكره العرب ويؤلف في مثالبها، وليس هنا موضع عرض أدب الخوارج والمختار من ~~شرهم ونثرهم وميزتهم في الأدب عمن عداهم، فموضع ذلك الجزء الخاص بالحياة الأدبية من ~~كتابنا إن شاء الله. # الفصل التاسع عشر # | الشيعة # كانت البذرة الأولى للشيعة الجماعة الذين رأوا بعد وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم # أن أهل بيته ~~أولى الناس أن يخلفوه، وأولى أهل البيت العباس عم النبي وعلي ابن عمه، وعلي أولى من ~~العباس، لما بينا من قبل، والعباس نفسه لم ينازع عليا في أولويته للخلافة، وإن ~~نازعه في أولويته في الميراث في «فدك» # 1 ~~. # وظهرت فكرة الدعوة لعلي بسيطة كما يدل عليه التاريخ، وتتلخص في أن لا نص على الخليفة، ~~فترك الأمر لإعمال الرأي، فالأنصار أداهم رأيهم إلى أنهم أولى بها، والمهاجرون كذلك، ~~وأصحاب علي إلى أن الخلافة ميراث أدبي، ولو كان النبي يورث في ماله لكان أولى به ~~قرابته، فكذلك الإرث الأدبي، ولم يرد من طريق صحيح أن عليا ذكر نصا من آية أو حديث ~~يفيد أن رسول الله عينه للخلافة، ولو كان لديه نص وذكره لما بقي الأنصار والمهاجرون ~~على رأيهم ولبايعوه؛ بل ما بين أيدينا من تاريخ يدل على أن عليا بايع أبا بكر، وإن ~~كان بعد تلكؤ، كما بايع عمر وعثمان من بعده، كل ما صح عن علي أنه كان يرى أنه كان أولى ~~بالأمر منهم، ويحتج بأنه وأهل بيته الثمرة وقريش الشجرة، والثمرة خير ما في الشجرة، ~~ويروي البخاري عن ابن عباس أن عليا (رضي الله عنه) خرج من عند النبي # صلى الله عليه وسلم # في وجعه ~~الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا الحسن! كيف أصبح رسول الله؟ فقال: أصبح بحمد الله ~~بارئا، فأخذ بيده ms248 العباس (رضي الله عنه) وقال: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا، وإني ~~والله لأرى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # سيتوفى من وجعه هذا، إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب ~~عند الموت، فاذهب بنا إليه نسأله فيمن هذا الأمر، فإن كان فينا علمناه، وإن كان في ~~غيرنا كلمناه فأوصى بنا، فقال علي (رضي الله عنه): أما والله لئن سألناه ~~فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله لا أسألها. # وكان جمع من الصحابة يرى أن عليا أفضل من أبي بكر وعمر وغيرهما، وذكروا أن ممن كان ~~يرى هذا الرأي عمارا، وأبا ذر، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله، والعباس وبنيه، ~~وأبي بن كعب، وحذيفة، إلى كثير غيرهم. # ونرى بعد هذا العصر أن الفكرة تطورت فقال شيعة علي # 2 ~~: «إن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة، ويتعين ~~القائم بتعيينهم، بل هي ركن الدين، وقاعدة الإسلام، ولا يجوز لنبي إغفالها، ولا ~~تفويضها إلى الأمة، بل يجب عليه تعيين الإمام لهم، ويكون معصوما من الكبائر والصغائر، ~~وإن عليا (رضي الله عنه) هو الذي عينه صلوات الله وسلامه عليه بنصوص ينقلونها ~~ويؤولونها على مقتضى مذهبهم، لا يعرفها جهابذة السنة ولا نقلة الشريعة، بل أكثرها موضوع ~~أو مطعون في طريقه، أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة» # 3 ~~. # ومن هنا نشأت فكرة الوصية، ولقب علي بالوصي، يريدون أن النبي أوصى لعلي بالخلافة ~~من بعده، فكان وصي رسول الله؛ فعلي ليس الإمام بطريق الانتخاب، بل بطريق النص من رسول ~~الله، وعلي أوصى لمن بعده، وهكذا كل إمام وصي من قبله، وانتشرت كلمة الوصي بين ~~الشيعة واستعملوها؛ يروون أن أبا الهيثم وكان بدريا يقول: # كنا شعار نبينا ودثاره # يفديه منا الروح والأبصار # إن الوصي إمامنا وولينا # برح الخفاء وباحت الأسرار # ويروون أن غلاما خرج من جيش عائشة في وقعة الجمل وهو يقول: # نحن بنو ضبة أعداء علي # ذاك الذي يعرف قدما بالوصي # وفارس الخيل على عهد النبي # ما أنا عن فضل علي بالعمي # لكنني أنعي ابن ms249 عفان التقي # إن الولي طالب ثأر الولي # وقد سقنا هذا لبيان أن كلمة الوصي شاعت في إطلاقها على علي، وإن كنا نشك في نسبة ~~هذه الأبيات إلى قائليها. # وقد أداهم هذا النظر إلى أمور: منها القول بعصمة الأئمة علي ومن بعده؛ فلا يجوز ~~الخطأ عليهم، ولا يصدر منهم إلا ما كان صوابا؛ ومنها رفع مقام علي عن غيره من الصحابة ~~حتى أبي بكر وعمر؛ ولأقص عليك مثلا مما يقوله ابن أبي الحديد في علي مع أنه يعد من ~~معتدلي الشيعة، قال: «يقول أصحابنا - وقد سلكوا طريقة مقتصدة - إن عليا أفضل الخلق في ~~الآخرة، وأعلاهم منزلة في الجنة، وأفضل الخلق في الدنيا، وأكثرهم خصائص ومزايا ومناقب، ~~وكل من عاداه أو حاربه أو أبغضه إنه عدو الله سبحانه وتعالى وخالدا في النار مع ~~الكفار والمنافقين، إلا أن يكون ممن ثبتت توبته ومات على توليه وحبه؛ فأما الأفاضل ~~من المهاجرين والأنصار الذين ولوا الإمامة قبله، فلو أنه أنكر إمامتهم وغضب عليهم، ~~فضلا عن أن يشهر عليهم السيف أو يدعو إلى نفسه، لقلنا إنهم من الهالكين، كما لو غضب ~~عليهم رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وآله؛ لأنه قد ثبت أن رسول الله قال له «لعلي»: حربك حربي ~~وسلمك سلمي؛ وأنه قال: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه؛ وقال له: لا يحبك إلا ~~مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق؛ ولكنا رأيناه رضي إمامتهم وبايعهم وصلى خلفهم ... فلم يكن لنا ~~أن نتعدى فعله ولا نتجاوز ما اشتهر عنه، ألا ترى أنه لما برئ من معاوية برئنا منه؟ ولما ~~لعنه لعناه؟ ولما حكم بضلال أهل الشام ومن كان فيهم من بقايا الصحابة كعمرو بن العاص ~~وعبد الله ابنه وغيرهما حكمنا أيضا بضلالهم! والحاصل أنا لم نجعل بينه وبين النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، إلا رتبة النبوة، وأعطيناه كل ما عدا ذلك من الفضل المشترك بينه وبينه، ولم ~~نطعن في أكابر الصحابة الذين لم يصح عندنا أنه طعن فيهم، وعاملناهم بما عاملهم هو عليه السلام» # 4 ~~. # ودعاهم ms250 القول بأفضلية علي وعصمته إلى استعراض ما حدث من الصحابة في بيعة أبي بكر وعمر ~~وعثمان، وكان من هؤلاء الشيعة الغالي والمقتصد؛ فمنهم من اقتصر على القول بأن أبا بكر ~~وعمر وعثمان ومن شايعهم أخطئوا إذ رضوا أن يكونوا خلفاء مع علمهم بفضل علي وأنه خير ~~منهم، ومنهم من تغالى فكفرهم وكفر من شايعهم؛ لأنهم - وقد أوصى النبي لعلي - جحدوا ~~الوصية، ومنعوا الخلافة مستحقها، وانحدروا من ذلك إلى شرح حوادث التاريخ على وفق ~~مذهبهم، وتأويل الوقائع تأويلا غريبا، أسوق لك مثلا منه: «فتزعم الشيعة أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كان يعلم موته، وأنه سير أبا بكر وعمر في بعث أسامة لتخلو دار الهجرة منهما، ~~فيصفو الأمر لعلي عليه السلام، ويبايعه من تخلف من المسلمين بالمدينة على سكون ~~وطمأنينة، فإذا جاءهما الخبر بموت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وبيعة الناس لعلي بعده كان من ~~المنازعة والخلافة أبعد ... فلم يتم ما قدر، وتثاقل أسامة بالجيش أياما مع شدة حث ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # على نفوذه» # 5 ~~. # ولم يكتف غلاة الشيعة بهذا القدر في علي، ولم يقنعوا بأنه أفضل الخلق بعد النبي، وأنه ~~معصوم، بل ألهوه، فمنهم من قال: «حل في علي جزء إلهي، واتحد بجسده فيه، وبه كان ~~يعلم الغيب، إذ أخبر عن الملاحم وصح الخبر، وبه كان يحارب الكفار وله النصرة والظفر، ~~وبه قلع باب خيبر، وعن هذا قال: والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية، ولا بحركة ~~غذائية، ولكن قلعته بقوة ملكوتية ... قالوا: يظهر علي في بعض الأزمان ... والرعد صوته ~~والبرق تبسمه ... إلخ» # 6 # وهؤلاء الذين ألهوه ذهبوا في تأليهه جملة مذاهب، وقالوا فيه أقوالا ~~غريبة لا داعي للإطالة بذكرها - وقد ذكروا أن أول من دعا إلى تأليه علي عبد الله بن سبأ اليهودي # 7 ~~، وكان ذلك في حياة علي، وقد رأيت قبل طرفا من سيرة ابن سبأ هذا؛ فهو الذي ~~حرك أبا ذر الغفاري للدعوة الاشتراكية، وهو الذي كان من أكبر من ألب الأمصار ms251 على ~~عثمان، والآن أله عليا، والذي يؤخذ من تاريخه أنه وضع تعاليم لهدم الإسلام، وألف ~~جمعية سرية لبث تعاليمه، واتخذ الإسلام ستارا يستر به نياته؛ نزل البصرة بعد أن أسلم ~~ونشر فيها دعوته فطرده واليها، ثم أتى الكوفة فأخرج منها، ثم جاء مصر فالتف حوله ناس ~~من أهلها، وأشهر تعاليمه الوصاية والرجعة؛ فأما الوصاية فقد أبناها قبل، وكان قوله ~~فيها أساس تأليب أهل مصر على عثمان، بدعوى أن عثمان أخذ الخلافة من علي بغير حق، وأيد ~~رأيه بما نسب إلى عثمان من مثالب، وأما الرجعة فقد بدأ قوله بأن محمدا يرجع، وكان مما ~~قاله: «العجب ممن يصدق أن عيسى يرجع، ويكذب أن محمدا يرجع» ثم نراه تحول - ولا ~~ندري لأي سبب - إلى القول بأن عليا يرجع، وقال ابن حزم: إن ابن سبأ قال لما قتل علي: ~~«لو أتيتمونا بدماغه ألف مرة ما صدقنا موته، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلا كما ملئت ~~جورا» وفكرة الرجعة هذه أخذها ابن سبأ من اليهودية، فعندهم أن النبي «إلياس» صعد إلى ~~السماء، وسيعود فيعيد الدين والقانون، ووجدت الفكرة في النصرانية أيضا في عصورها ~~الأولى، وتطورت هذه الفكرة عند الشيعة إلى العقيدة باختفاء الأئمة، وأن الإمام المختفي ~~سيعود فيملأ الأرض عدلا، ومنها نبعت فكرة المهدي المنتظر. # والناظر إلى هذا يعجب للسبب الذي دعا إلى الاعتقاد بألوهية علي، مع أن أحدا لم يقل ~~بألوهية محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، والعلة في نظرنا أن شيعة علي رووا له من المعجزات والعلم ~~بالمغيبات الشيء الكثير، وقالوا: إنه كان يعلم كل شيء سيكون، ووضعوا على لسانه ما جاء ~~في نهج البلاغة: «اسألوني قبل أن تفقدوني، فوالذي نفسي بيده لا تسألونني عن شيء فيما ~~بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تهدي مئة وتضل مئة إلا أنبأتكم بناعقها، وقائدها ~~وسائقها ومناخ ركابها ومحط رحالها، ومن يقتل من أهلها قتلا، ومن يموت منهم موتا ~~... إلخ»، ورووا له أنه أخبر بقتل الحسين، وأخبر بكربلاء، وأخبر بالحجاج، وأخبر ~~بالخوارج ومصيرهم، وبني أمية وملكهم، وأخبر ms252 ببني بويه وأيام دولتهم، وأخبر عبد الله بن ~~عباس بانتقال الأمر إلى أولاده «فإنه لما ولد لعبد الله بن عباس ابنه علي أخرجه أبوه ~~إلى علي بن أبي طالب فأخذه وتفل في فيه وحنكه بتمرة قد لاكها، ودفعه إليه وقال: خذ - ~~إليك - أبا الأملاك» # 8 # هذه الأخبار وأمثالها انتشرت بين الشيعة حتى ليكادون يذكرون أنه أخبر بما ~~كان وما سيكون إلى يوم الدين، كل هذا إذا أنت ضممته إلى أن أكثر شيعة علي كانوا في ~~العراق، وكانوا من عناصر متنوعة، والعراق من قديم منبع الديانات المختلفة، والمذاهب ~~الغريبة، وقد سادت فيهم من قبل تعاليم ماني ومزدك وابن ديصان، كما رأيت من قبل، ومنهم ~~نصارى ويهود سمعوا المذاهب المختلفة في حلول الله في بعض الناس؛ كل هذه الأمور جعلت ~~منهم من يؤله عليا، فأما العرب فكانوا أبعد الناس عن المقالات والمذاهب الدينية، ~~حياتهم البسيطة، وعقليتهم التي على الفطرة تأبى عليهم أن يلصقوا بمحمد # صلى الله عليه وسلم # ألوهية، ~~وهو الذي يكرر دائما ما جاء في القرآن: # إنما أنا بشر ~~مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله ~~واحد ~~. # هذه العقيدة في علي تناقض فكرة الإسلام البسيطة الجميلة في وحدانية الله وتنزهه عن ~~المادة، ومن حسن الحظ أن ليست هذه المقالة في علي قول الشيعة جميعهم ولا أكثرهم، بل قول ~~فرقة قليلة منهم هم الغلاة. # أساس نظرية الشيعة - كما رأيت - الخليفة أو كما يسمونه هم «الإمام» فعلي هو الإمام ~~بعد محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، ثم يتسلسل الأئمة بترتيب من عند الله، والاعتراف بالإمام والطاعة له ~~جزء من الإيمان، والإمام في نظرهم ليس كما ينظر إليه أهل السنة، فعند أهل السنة الخليفة ~~أو الإمام نائب عن صاحب الشريعة في حفظ الدين، فهو يحمل الناس على العمل بما أمر الله، ~~وهو رئيس السلطة القضائية والإدارية والحربية، ولكن ليس لديه سلطة تشريعية، إلا تفسيرا ~~لأمر أو اجتهادا فيما ليس فيه نص؛ أما عند الشيعة فللإمام معنى آخر هو أنه أكبر ~~معلم؛ فالإمام الأول قد ورث علوم ms253 النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وهو ليس شخصا عاديا بل هو فوق ~~الناس؛ لأنه معصوم من الخطأ. # وهناك نوعان من العلم: علم الظاهر وعلم الباطن، وقد علم النبي # صلى الله عليه وسلم # هذين ~~النوعين لعلي، فكان يعلم باطن القرآن وظاهره، وأطلعه على أسرار الكون وخفايا المغيبات؛ ~~وكل إمام ورث هذه الثروة العلمية لمن بعده، وكل إمام يعلم الناس في وقته ما ~~يستطيعون فهمه من الأسرار، ولذلك كان الإمام أكبر معلم، ولا يؤمنون بالعلم ولا ~~بالحديث إلا إذا روي عن هؤلاء الأئمة. # وهم مختلفون اختلافا كبيرا في الأئمة وتسلسلها، لا نطيل بذكرها # 9 ~~، وأهم فرق الشيعة الزيدية، والإمامية. فالزيدية أتباع زيد بن حسن بن علي بن ~~الحسين بن علي بن أبي طالب، ومذهبهم أعدل مذاهب الشيعة وأقربها إلى أهل السنة، ولعل هذا ~~راجع إلى أن زيدا - إمام الزيدية - تتلمذ لواصل بن عطاء رأس المعتزلة، وأخذ عنه كثيرا ~~من تعاليمه؛ فزيد يرى جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل، فقال: كان علي بن أبي طالب ~~أفضل من أبي بكر وعمر، ولكن - مع هذا - إمامة أبي بكر وعمر صحيحة، ونظرهم إلى الإمام ~~كذلك نظر معتدل، فليست هناك إمامة بالنص، ولم ينزل وحي يعين الأئمة، بل كل فاطمي عالم ~~زاهد شجاع سخي قادر على القتال في سبيل الحق يخرج للمطالبة يصح أن يكون إماما؛ فهو ~~يشترط في الإمام الخروج على الأمراء والسلاطين يطالب بالخلافة، ولهذا كانت الإمامة في ~~نظرهم عملية لا سلبية، كما هي عند الإمامية تنتهي بالإمام المختفي، وهم لا يؤمنون ~~بالخرافات التي ألصقت بالإمام فجعلت له جزءا إلهيا، وقد خرج زيد على هشام بن عبد ~~الملك الخليفة الأموي فقتل وصلب سنة 121ه، وخرج بعده ابنه يحيى فقتل كذلك سنة 125ه، ~~ولا يزال الزيدية في اليمن إلى الآن. # والإمامية سموا كذلك؛ لأن أهم عقائدهم أسست حول الإمام، وقد قالوا بأن محمدا # صلى الله عليه وسلم # نص على خلافة علي، وقد اغتصبها أبو بكر وعمر، وتبرءوا منهما، وقدحوا في ~~إمامتهما، وجعلوا الاعتراف بالإمام جزءا من ms254 الإيمان، والإمامية فرق متعددة لا تتفق ~~على أشخاص الأئمة. # فمن أشهر فرقهم # 10 # الاثنا عشرية، سموا كذلك؛ لأنهم يسلسلون أئمتهم إلى اثني عشر إماما، ~~عقيدتهم هي العقيدة الرسمية لدولة إيران إلى اليوم، و«الإسماعيلية» سميت كذلك؛ لأنهم ~~يقفون بأئمتهم عند إسماعيل بن جعفر الصادق، وهؤلاء لعبوا دورا طويلا في تاريخ ~~الإسلام، وأخذوا مذهب الأفلاطونية الحديثة الذي شرحناه قبل وطبقوه على مذهبهم الشيعي ~~تطبيقا غريبا، واستخدموا ما نقله إخوان الصفا في رسائلهم من هذا المذهب الأفلاطوني، ~~ويقول بعض المؤرخين: إنهم وضعوا لهم تعاليم درجوها تسع درجات تبتدئ بإثارة الشكوك في ~~الإسلام، كسؤالهم: ما معنى رمي الجمار؟ وما العدو بين الصفا والمرة؛ وتنتهي بهدم ~~الإسلام والتحلل من قيوده؛ وأولوا كل ما فيه فقالوا: إن الوحي ليس إلا صفاء النفس، ~~وإن الشعائر الدينية ليست إلا للعامة، أما الخاصة فلا يلزمهم العمل بها، وإن الأنبياء ~~سواس العامة، أما الخاصة فأنبياؤهم الفلاسفة؛ وليس هناك معنى للتمسك بحرفية القرآن، ~~فهو رموز لأشياء يعرفها العارفون، إنما يجب أن يفهم القرآن على طريقة التأويل والمجاز، ~~وللقرآن ظاهر وباطن، ويجب أن تخترق الحجب المادية حتى نصل إلى أطهر ما يمكن من ~~الروحانية؛ ومن ثم أيضا سموا «الباطنية»، ولا يسعنا هنا أن ذكر أهم تعاليمهم وكيف ~~أخذت من الأفلاطونية الحديثة، فإن هذه الفرقة لم تظهر في عصرنا الذي نؤرخه إنما ظهرت في ~~الدولة العباسية، وكان من آثار دعايتهم الدولة الفاطمية في المغرب ومصر، ولا يزال لهم ~~بقايا إلى اليوم في الشام والعجم والهند، ورئيسهم الآن «أغا خان» الزعيم ~~المشهور. # والإمامية - على العموم - تقول بعودة إمام منتظر وإن اختلفوا - باختلاف طوائفهم - ~~فيمن هو الإمام المنتظر، ففرقة ينتظرون جعفرا الصادق، وأخرى تنتظر محمد بن عبد الله بن ~~الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وثالثة تنتظر محمد بن الحنفية وتزعم أنه حي لم ~~يمت، وأنه بجبل رضوى إلى أن يأذن الله له بالخروج، ومنه كثير عزة وفي ذلك ~~يقول: # ألا إن الأئمة من قريش # ولاة الحق أربعة سواء # علي والثلاثة من بنيه ms255 # هم الأسباط ليس بهم خفاء # فسبط سبط إيمان وبر # وسبط غيبته كربلاء # وسبط لا يذوق الموت حتى # يقود الخيل يقدمها اللواء # تغيب لا يرى فيهم زمانا # برضوى عنده عسل وماء # وكان السيد الحميري الشاعر الأموي المشهور يعتقد كذلك أن محمد بن الحنفية لم يمت ~~وأنه في جبل رضوى، بين أسد ونمر يحفظانه، وعنده عينان نضاختان تجريان بماء وعسل، ~~ويعود بعد الغيبة فيملأ العالم عدلا كما ملئ جورا؛ ولهم في ذلك سخافات يطول شرحها، ~~وأساس هذه العقيدة ما رأينا قبل من قول ابن سبأ بالرجعة ونقلها عن اليهودية، وأن ~~الشيعيين فشلوا في أول أمرهم في تكوين مملكة ظاهرية على وجه الأرض، وعذبوا وشردوا كل ~~مشرد، فخلقوا لهم أملا من الإمام المنتظر، والمهدي، ونحو ذلك. ~~••• # وقد اتفقت تعاليم الخوارج والشيعة على أن خلفاء بني أمية مغتصبون ظالمون، فاشتركوا في ~~مناهضتهم، ولكن الخوارج كانوا ظاهرين في حروبهم، غلبت عليهم الطبيعة البدوية في ~~الصراحة، فأكثرهم لا يقول بالتقية؛ أما الشيعة فكانوا يحاربون جهرا إذا أمكن الجهر، ~~فإذا لم يستطيعوا فسرا، وقال أكثرهم بالتقية # 11 # فكانوا بهذا أشد على بني أمية، وهم أدعى إلى الحذر منهم، فبثوا العيون ~~والأرصاد على الشيعة، واضطهدوهم اضطهادا شنيعا ، فدسوا للحسن حتى طعن بخنجر في جنبه ~~ولكن لم يمته، وأوقعوا الفشل في جيشه حتى وادعهم، ثم قتلوا الحسين في واقعة كربلاء، ثم ~~تتبعوا أهل البيت يستذلونهم ويمتهنونهم ويقتلونهم، ويقطعون أيديهم وأرجلهم على الظنة، ~~وكل من عرف بالتشيع لهم سجنوه أو نهبوا ماله أو هدموا داره؛ واشتد بهم الأمر في أيام ~~عبيد الله بن زياد قاتل الحسين، «وأتى بعده الحجاج فقتلهم كل قتلة، وأخذهم بكل ظنة ~~وتهمة، حتى إن الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحب إليه من أن يقال له شيعة علي»، حتى ~~يروى أن رجلا - يقال إنه جد الأصمعي - وقف للحجاج فقال له: أيها الأمير، إن أهلي ~~عقوني فسموني عليا، وإني فقير بائس، وأنا إلى صلة الأمير محتاج، فتضاحك له الحجاج ~~وولاه عملا، ويقول المدائني: «إن زياد بن سمية ms256 كان يتتبع الشيعة في الكوفة وهو بهم ~~عارف؛ لأنه كان منهم أيام علي، فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل، ~~وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشردهم عن العراق فلم يبق به معروف منهم، ~~وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق ألا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة، ~~وكتب إليهم أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته، والذين يروون ~~فضائله ومناقبه فأدنوا مجالسهم، وقربوهم وأكرموهم، واكتبوا لي بكل ما يروي كل رجل ~~منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته، ففعلوا ذلك حتى أكثروا من فضائل عثمان ومناقبه، لما ~~كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات ... وقال إنه كتب إلى عماله أن «انظروا إلى من قامت ~~عليه البينة أنه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان، واسقطوا عطاءه ورزقه»، ~~والعباسيون كانوا أبلغ في التنكيل بهم؛ لأنهم أعرف بخفاياهم، لما كانوا يعملون معهم في ~~عهد بني أمية. # هذه الاضطهادات كان من نتائجها إحكام الشيعة للسرية ونظامها، فهم أقدر الفرق ~~الإسلامية على العمل في الخفاء، وكتمان عملهم حتى يتمكنوا من عدوهم، وهذه السرية ~~استلزمت الخداع والالتجاء إلى الرموز والتأويل ونحو ذلك؛ وكان من أثر هذا الاضطهاد ~~أيضا اصطباغ أدبهم بالحزن العميق، والنوح والبكاء، وذكرى المصائب والآلام. # وقد حاربوا الأمويين بمثل ما حوربوا به، فكما وضع الأمويون الحديث في فضائل الصحابة ~~- عدا عليا والهاشميين - وخاصة عثمان، وضع الشيعة أحاديث كثيرة في فضائل علي وفي ~~المهدي المنتظر، وعلى الجملة فيما يؤيد مذهبهم، وربما فاقوا في ذلك الأمويين؛ فاشتغل ~~بعض علمائهم بعلم الحديث وسمعوا الثقات وحفظوا الأسانيد الصحيحة، ثم وضعوا بهذه ~~الأسانيد أحاديث تتفق ومذهبهم، وأضلوا بهذه الأحاديث كثيرا من العلماء لأنخداعهم ~~بالإسناد، بل كان منهم من سمي بالسدي، ومنهم من سمي بابن قتيبة، فكانوا يروون ~~عن السدي وابن قتيبة، فيظن أهل السنة أنهما المحدثان الشهيران، مع أن كلا من السدي وابن ~~قتيبة الذي ينقل عنه الشيعة إنما هو رافضي غال، وقد ميزوا بينهما بالسدي الكبير والسدي ~~الصغير، والأول ثقة والثاني ms257 شيعي وضاع، وكذلك ابن قتيبة الشيعي غير عبد الله بن مسلم ~~بن قتيبة، بل وضعوا الكتب وحشوها بتعاليمهم ونسبوها لأئمة أهل السنة، ككتاب «سر ~~العارفين» الذي نسبوه للغزالي؛ ومن هذا القبيل ما نراه مبثوثا في الكتب من إسناد كل ~~فضل وكل علم إلى علي بن أبي طالب إما مباشرة وإما بواسطة ذريته: فعلم المعتزلة جاء من ~~أن واصل بن عطاء - رأس المعتزلة - تلقى العلم عن أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، ~~وأبو هاشم تلميذ أبيه، وأبوه تلميذ علي، وأبو حنيفة أخذ العلم عن جعفر الصادق، ومالك بن ~~أنس قرأ على ربيعة الرأي، وقرأ ربيعة على عكرمة، وعكرمة على عبد الله بن عباس، وعبد ~~الله قرأ على علي، وبهذه الطريقة ينسب فقه الشافعي إلى الإمام علي؛ لأنه تلميذ مالك، بل ~~فقه عمر بن الخطاب يرجع إلى علي؛ لأنه كان يرجع إليه فيما أشكل من المسائل وكان يقول: ~~لولا علي لهلك عمر! وتفسير القرآن أخذ أكثره عن عبد الله بن عباس وهو أخذه عن علي؛ فقد ~~قيل لابن عباس: أين علمك من علم ابن عمك؟ فقال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط؛ ~~والتصوف منسوب إليه، وقد نسبه إليه الشبلي والجنيد وسري وأبو يزيد البسطامي، ~~وينسبون الخرقة التي هي شعارهم إليه؛ وأبو الأسود الدؤلي واضع علم النحو أخذه عن علي بن ~~أبي طالب، فقد أملى عليه: الكلام كله ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف، وعلمه تقسيم الاسم ~~إلى معرفة ونكرة، وتقسيم الإعراب إلى الرفع والنصب والجر والجزم؛ وعلى الجملة فليس هناك ~~من علم إلا وأصله علي بن أبي طالب، كأن العقول كلها أجدبت وأصيبت بالعقم إلا علي بن أبي ~~طالب وذريته، وعلي (رضي الله عنه) من ذلك براء. # والحق أن التشيع كان مأوى يلجأ إليه كل من أراد هدم الإسلام لعداوة أو حقد، ومن كان ~~يريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية ونصرانية وزردشتية وهندية، ومن كان يريد استقلال ~~بلاده والخروج على مملكته، كل هؤلاء كانوا يتخذون حب أهل البيت ستارا يضعون ms258 وراءه كل ~~ما شاءت أهواؤهم؛ فاليهودية ظهرت في التشيع بالقول بالرجعة، وقال الشيعة: إن النار ~~محرمة على الشيعي إلا قليلا، كما قال اليهود: # لن تمسنا ~~النار إلا أياما معدودات ~~؛ والنصرانية ظهرت في التشيع في ~~قول بعضهم: إن نسبة الإمام علي إلى الله كنسبة المسيح إليه، وقالوا: إن اللاهوت اتحد ~~بالناسوت في الإمام وإن النبوة والرسالة لا تنقطع أبدا، فمن اتحد به اللاهوت فهو نبي، ~~وتحت التشيع ظهر القول بتناسخ الأرواح وتجسيم الله والحلول، ونحو ذلك من الأقوال التي ~~كانت معروفة عند البراهمة والفلاسفة والمجوس من قبل الإسلام؛ وتستر بعض الفرس بالتشيع ~~وحاربوا الدولة الأموية، وما في نفوسهم إلا الكره للعرب ودولتهم، والسعي لاستقلالهم، ~~قال المقريزي: «واعلم أن السبب في خروج أكثر الطوائف عن ديانة الإسلام، أن الفرس كانت ~~سعة الملك وعلو اليد على جميع الأمم وجلالة الخطر في أنفسها بحيث إنهم كانوا يسمون ~~أنفسهم الأحرار والأسياد، وكانوا يعدون سائر الناس عبيدا لهم، فلما امتحنوا بزوال ~~الدولة عنهم على أيدي العرب، وكان العرب عند الفرس أقل الأمم خطرا، تعاظمهم الأمر، ~~وتضاعفت لديهم المصيبة، وراموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى، وفي كل ذلك يظهر ~~الله الحق ... فرأوا أن كيده على الحيلة أنجح، فأظهر قوم منهم الإسلام واستمالوا أهل ~~التشيع بإظهار محبة أهل البيت واستبشاع ظلم علي، ثم سلكوا بهم مسالك شتى حتى أخرجوهم عن ~~طريق الهدى» # 12 ~~. # وقد ذهب الأستاذ «ولهوسن ~~(Wellhausin) # إلى أن ~~العقيدة الشيعية نبعت من اليهودية أكثر مما نبعت من الفارسية، مستدلا بأن مؤسسها عبد ~~الله بن سبأ وهو يهودي، ويميل الأستاذ «دوزي # Dozy ~~» إلى ~~«أن أساسها فارسي، فالعرب تدين بالحرية، والفرس يدينون بالملك، وبالوراثة في البيت ~~المالك، ولا يعرفون معنى لانتخاب الخليفة، وقد مات محمد ولم يترك ولدا فأولى الناس ~~بعده ابن عمه علي بن أبي طالب، فمن أخذ الخلافة منه كأبي بكر وعمر وعثمان والأمويين، ~~فقد اغتصبها من مستحقها، وقد اعتاد الفرس أن ينظروا إلى الملك نظرة فيها معنى إلهي، ~~فنظروا هذا النظر نفسه إلى علي ms259 وذريته وقالوا: إن طاعة الإمام أول واجب وإن إطاعته ~~إطاعة لله». # والذي أرى - كما يدلنا التاريخ - أن التشيع لعلي بدأ قبل دخول الفرس في الإسلام، ولكن ~~بمعنى ساذج، وهو أن عليا أولى من غيره من وجهتين، كفايته الشخصية، وقرابته للنبي، ~~والعرب من قديم تفخر بالرياسة وبيت الرياسة، وهذا الحزب - كما رأينا - وجد من بعد وفاة ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # ونما بمرور الزمان وبالمطاعن في عثمان، ولكن هذا التشيع أخذ صبغة جديدة ~~بدخول العناصر الأخرى في الإسلام من يهودية ونصرانية ومجوسية، وأن كل قوم من هؤلاء ~~كانوا يصبغون التشيع بصبغة دينهم، فاليهود تصبغ الشيعة يهودية، والنصارى نصرانية؛ ~~وهكذا، وإذ كان أكبر عنصر دخل في الإسلام هو العنصر الفارسي كان أكبر الأثر في التشيع ~~إنما هو للفرس. ~~••• # ومن أشهر الأدباء والشعراء المتشيعين في هذا العصر أبو الأسود الدؤلي، وفي علي وبنيه ~~يقول: # يقول الأرذلون بنو قشير # طوال الدهر لا تنسى عليا # بنو عم النبي وأقربوه # أحب الناس كلهموا إليا # أحبهموا كحب الله حتى # أجيء إذا بعثت على هويا # فإن يك حبهم رشدا أصبه # ولست بمخطئ إن كان غيا # وكذلك كان كثير عزة، وقد قرأت قبل شعره في الرجعة، والكميت وكان شيعيا ~~غاليا، ومن شعره في الخلافة: # يقولون لم يورث، ولولا تراثه # لقد شركت فيه بجيل وأرحب # 13 # ولانتشلت عضوين منها يجابر # وكان لعبد القيس عضو مؤرب # فإن هي لم تصلح لحي سواهمو # إذا فذوو القربى أحق وأقرب # فيا لك أمرا قد أشتت جموعه # ودارا ترى أسبابها تتقضب # تبدلت الأشرار بعد خيارها # وجد بها من أمة وهي تلعب # الفصل العشرون # | المرجئة # رأينا قبل أن الشيعة والخوارج كانا أول أمرهما حزبين سياسيين تكونا حول الخلافة، وأن ~~رأي الخوارج فيها رأي ديمقراطي، ورأي الشيعة رأي ثيوقراطي، أما المرجئة فكانت كذلك أول ~~أمرها، أعني حزبا سياسيا محايدا، له رأي فيما شجر بين المسلمين من خلاف؛ يروي ابن ~~عساكر في توضيح رأيهم «أنهم هم الشكاك الذين شكوا وكانوا في المغازي، فلما قدموا ~~المدينة بعد قتل عثمان، ms260 وكان عهدهم بالناس وأمرهم واحد ليس بينهم اختلاف، قالوا: ~~تركناكم وأمركم واحد، ليس بينكم اختلاف، وقدمنا عليكم وأنتم مختلفون، فبعضكم يقول قتل ~~عثمان مظلوما، وكان أولى بالعدل أصحابه، وبعضكم يقول: كان علي أولى بالحق وأصابه، كلهم ~~ثقة وعندنا مصدق، فنحن لا نتبرأ منهما ولا نلعنهما، ولا نشهد عليهما، ونرجئ أمرهما إلى ~~الله حتى يكون الله هو الذي يحكم بينهما». # فترى من هذا أنه حزب سياسي لا يريد أن يغمس يده في الفتن، ولا يريق دماء حزب، بل ولا ~~يحكم بتخطئة فريق وتصويب آخر، وأن السبب المباشر في تكوينه هو اختلاف الأحزاب في الرأي، ~~والسبب البعيد هو الخلافة، فلولا الخلافة ما كانت خوارج ولا شيعة، وإذن لا يكون ~~مرجئة. # وكلمة المرجئة مأخوذة من أرجأ بمعنى أمهل وأخر، سموا المرجئة؛ لأنهم يرجئون أمر هؤلاء ~~المختلفين الذين سفكوا الدماء إلى يوم القيامة، فلا يقضون بحكم على هؤلاء ولا على ~~هؤلاء؛ وبعضهم يشتق اسمهم من أرجأ بمعنى بعث الرجاء؛ لأنهم كانوا يقولون: لا تضر مع ~~الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة، فهم يؤملون كل مؤمن عاص، والأول أنسب لما ~~حكينا عن ابن عساكر. # نشأت المرجئة لما رأت الخوارج يكفرون عليا وعثمان والقائلين بالتحكيم، ورأت من ~~الشيعة من يكفر أبا بكر وعمر وعثمان ومن ناصروهم وكلاهما يكفر الأمويين، ويلعنهم، ~~والأمويون يقاتلونهم ويرون أنهم مبطلون، وكل طائفة تدعي أنها على الحق وأنها وحدها على ~~الحق، وأن من عداها كافر وفي ضلال مبين، فظهرت المرجئة تسالم الجميع، ولا تكفر طائفة ~~منهم، وتقول: إن الفرق الثلاث: الخوارج والشيعة والأمويين مؤمنون، وبعضهم مخطئ وبعضهم ~~مصيب، ولسنا نستطيع أن نعين المصيب، فلنترك أمرهم جميعا إلى الله، ومن هؤلاء بنو أمية: ~~فهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فليسوا إذن كفارا ولا مشركين، بل ~~مسلمين نرجئ أمرهم إلى الله الذي يعرف سرائر الناس ويحاسبهم عليها، وينتج من هذا أن ~~موقفهم إزاء حكم الأمويين موقف تأييد، ولكنه تأييد سلبي لا إيجابي، فليسوا ينحازون ~~إليهم ويحملون سيوفهم ms261 يقاتلون في جيوشهم، ولكن هم إزاء الأمويين مثلهم إزاء الشيعة ~~والخوارج، وهم - على ما يظهر - يرون حكومة الأمويين حكومة شرعية، وكفى ذلك ~~تأييدا. # ونواة هذه الطائفة كانت بين الصحابة في الصدر الأول، فإنا نرى أن جماعة من أصحاب رسول ~~الله امتنعوا أن يدخلوا في النزاع الذي كان في آخر عهد عثمان مثل أبي بكرة، وعبد ~~الله بن عمر، وعمران بن الحصين، وروى أبو بكرة أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: «ستكون ~~فتن، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت ~~أو وقعت، فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كان له غنم فليلحق بغنمه، ومن كان له ~~أرض فليلحق بأرضه، قال: فقال رجل يا رسول الله من لم تكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: ~~يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاة». # هذه النزعة إلى عدم الدخول في الحروب التي بين المسلمين بعضهم وبعض هي الأساس الذي ~~بني عليه مذهب الإرجاء # 1 ~~، ولكنه لم يتكون كمذهب - كما رأينا - إلا بعد ظهور الخوارج والشيعة. # وبعد أن كان مذهبا سياسيا أصبح بعد يبحث في أمور لاهوتية وكانت نتيجة بحثهم تتفق ~~ورأيهم السياسي ، فأهم ما بحثوا فيه تحديد «الإيمان» و«الكفر» و«المؤمن» و«الكافر»، وقد ~~دعا إلى هذا البحث أنهم رأوا الخوارج يكفرون من عداهم والشيعة كذلك، غلا الخوارج ~~فعدوا كل كبيرة كفرا، وغلت الشيعة فعدوا الاعتقاد بالإمام ركنا أساسيا من أركان ~~الإيمان، فكانت النتيجة الطبيعية أن يعرض على بساط البحث: ما الكفر وما الإيمان؟ فرأى ~~كثير من المرجئة أن الإيمان هو المعرفة بالله وبرسله، فمن عرف أن لا إله إلا الله ~~محمدا رسول الله فهو مؤمن، وهذا رد من المرجئة على الخوارج الذين يقولون إن الإيمان ~~معرفة بالله وبرسله، والإتيان بالفرائض، والكف عن الكبائر؛ فمن آمن بالله ورسله وترك ~~الفرائض وارتكب شيئا من الكبائر كان مؤمنا عند المرجئة؛ كافرا في نظر الخوارج، ورد ~~أيضا على الشيعة الذين يعتقدون أن الإيمان ms262 بالإمام والطاعة له جزء من الإيمان؛ بل غلا ~~بعض المرجئة أكثر من ذلك فقالوا: «إن الإيمان الاعتقاد بالقلب وإن أعلن الكفر بلسانه، ~~وعبد الأوثان أو لزم اليهودية والنصرانية في دار الإسلام، وعبد الصليب وأعلن التثليث ~~في دار الإسلام، ومات على ذلك فهو مؤمن كامل الإيمان عن الله عز وجل، ولي لله عز وجل، ~~من أهل الجنة» # 2 ~~، فترى من هذا أن هؤلاء لا يعدون إيمانا إلا الاعتقاد القلبي بالله ورسله؛ ~~وليست الأعمال الظاهرة جزءا من الإيمان. # ولهذا الكلام كله نتيجة تتفق ورأيهم السياسي، فهم لا يحكمون بالكفر على الأمويين ولا ~~على الخوارج والشيعة، بل لا يجزمون بكفر الأخطل ونحوه من النصارى واليهود؛ لأن الإيمان ~~محله القلب، وليس يطلع عليه إلا الله، وذلك يدعو إلى مسالمة الناس جميعا. # وقد لاحظ بعض المستشرقين أن الكلام على طائفة المرجئة وبدء تكونها وشرح عقائدها أحيط ~~بشيء من الغموض، وعلل ذلك بأن الدولة العباسية دمرت هذه الطائفة، وأماتت القول بهذه ~~العقيدة؛ لأنها تناصر الأمويين إلى حد ما، وعلى كل حال فهذه الفرقة تدخلت بعد العصر ~~الأموي في الفرقة الأخرى وذابت فيها ولم يعد لها وجود مستقل محسوس. # وقد اشتهر من شعراء بني أمية بالقول بالإرجاء ثابت قطنة ، وكان في صحابة يزيد بن ~~المهلب يوليه أعمالا من أعمال الثغور فيحمد فيها مكانه لكتابته وشجاعته، وله قصيدة ~~في الإرجاء تعد وثيقة قيمة في توضيح مذهبهم، رواها أبو الفرج في الأغاني، ~~منها: # يا هند فاستمعي لي إن سيرتنا # أن نعبد الله لم نشرك به أحدا # نرجي الأمور إذا كانت مشبهة # ونصدق القول فيمن جار أو عندا # المسلمون على الإسلام كلهمو # والمشركون استووا في دينهم قددا # ولا أرى أن ذنبا بالغ أحدا # م الناس شركا إذا ما وحدوا الصمدا # لا نسفك الدم إلا أن يراد بنا # سفك الدماء طريقا واحدا جددا # من يتق الله في الدنيا فإن له # أجر التقي إذا وفى الحساب غدا # وما قضى الله من أمر فليس له # رد وما يقض من شيء يكن رشدا # كل ms263 الخوارج مخط في مقالته # ولو تعبد فيما قال واجتهدا # أما علي وعثمان فإنهما # عبدان لم يشركا بالله مذ عبدا # وكان بينهما شغب وقد شهدا # شق العصا وبعين الله ما شهدا # يجزي عليا وعثمانا بسعيهما # ولست أدري بحق أية وردا # الله يعلم ماذا يحضران به # وكل عبد سيلقى الله منفردا # ونحن إذا حللنا قصيدته لنتبين منها معنى الإرجاء وجدناه يقول: إنه لا يحكم على أحد من ~~المسلمين بالكفر مهما أذنب، وإن الذنب مهما عظم لا يذهب بالإيمان، وإنه لا يسفك دم أحد ~~من المسلمين إلا دفاعا عن نفسه، وإنه إذا اشتبهت الأمور وكفرت كل طائفة أختها فيما ~~فعلت أرجأنا أمرهم جميعا إلى الله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون؛ أما ~~الجور البين والعناد الواضح والأعمال الظاهرة فنصدر أحكامنا عليها في صراحة، ونبين ~~الخطأ فيها من الصواب؛ وإن الخوارج أخطئوا إذ حكموا على علي وعثمان بالكفر، فإنهما ~~عبدان لله لم يشركا به منذ عرفاه، ولكن كان بينهما شغب لم يخرج بهما عن الإيمان، ~~فنترك أمرهما لله يقدر عملهما ويكافئ عليه. # وقد ذكر الأغاني أن عون بن عبد الله بن علقبة بن مسعود كان من أهل الفقه والأدب، وكان ~~يقول بالإرجاء، ثم رجع عنه وقال: # فأول ما أفارق غير شك # أفارق ما يقول المرجئونا # وقالوا مؤمن من آل جور # وليس المؤمنون بجائرينا # وقالوا مؤمن دمه حلال # وقد حرمت دماء المؤمنينا # 3 # الفصل الحادي والعشرون # | القدرية أو المعتزلة # يدلنا تاريخ الفكر البشري على أن من أولى المسائل التي تعرض للعقل عندما يبدأ التعمق ~~في البحث مسألة الجبر والاختيار: هل إرادتنا حرة تعمل ما تشاء وتترك ما تشاء، وتشكل ~~عملها كما تشاء، أو أنا مجبرون على عمل ما نعمل فلا نستطيع أن نعمل غيره، وأن ~~إرادتنا معلولة بعلل، فإذا حصلت العلل حصل المعلول لا محالة؟ وهي مسألة شغلت الفلاسفة ~~ورجال الدين جميعا في العصور المختلفة، تعترضك في الأخلاق وفي القانون، وفي فلسفة ~~التاريخ، وفي علم الكلام، وفي الفلسفة على العموم، وقد نشأت الأبحاث ms264 الدينية في هذا ~~الموضوع لما نظر الإنسان فرأى أنه - من ناحية - يشعر بأنه حر الإرادة يعمل ما يشاء، ~~وأنه مسئول عن عمله، وهذه المسئولية تقتضي الحرية، فلا معنى لأن يعذب ويثاب إذا كان ~~كالريشة في مهب الريح لا بد أن تتحرك بحركته وتسكن بسكونه؛ ومن ناحية أخرى رأى أن الله ~~عالم بكل شيء، أحاط علمه بما كان وما سيكون، فعلم ما سيصدر من كل فرد من خير أو شر، ~~وظن أن هذا يستلزم حتما أنه لا يستطيع أن يعمل إلا على وفق ما علم الله، فحار في ذلك ~~بين الجبر والاختيار، وأخذ يفكر: هل هو مجبر أو مختار. # وقد وردت آيات في القرآن قد تشعر بالجبر مثل: # ختم الله ~~على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ~~ولهم عذاب عظيم ~~، # ولا ينفعكم نصحي ~~إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم ~~هو ربكم وإليه ترجعون ~~، # أفمن ~~حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار ~~، # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن ~~اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ~~ومنهم من حقت عليه الضلالة ~~، وهناك آيات تشعر ~~بالاختيار وأن الإنسان مسئول عن عمله # إنا هديناه ~~السبيل إما شاكرا وإما كفورا ~~، # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا ~~السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به ~~لعلكم تتقون ~~، # فمن شاء فليؤمن ~~ومن شاء فليكفر ~~، # ومن يعمل سوءا أو ~~يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما * ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه ~~وكان الله عليما حكيما ~~، إلى كثير من أمثال هذه الروايات؛ ووردت ~~أحاديث كثيرة إن صحت تدل على تعرضه عليه السلام لمسألة القدر تصريحا أو تلميحا، فعن ~~جابر قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، وحتى يعلم أن ~~ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه»، وعن علي قال: كنا في جنازة ببقيع ~~الغرقد فأتانا رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فقعد وقعدنا حوله وبيده ms265 مخصرة فجعل ينكت بها ~~الأرض ثم قال: ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة، فقالوا: ~~يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له؛ أما من كان من ~~أهل السعادة فسيصير إلى عمل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فسيصير على عمل الشقاء؛ ~~ثم قرأ: # فأما من أعطى واتقى * ~~وصدق بالحسنى * فسنيسره ~~لليسرى ~~. # فلما انتهى المسلمون من الفتح وهدأوا وأخذوا يفكرون ظهرت هذه المسألة، وكان قد تكلم ~~فيها من قبل فلاسفة اليونان ونقلها عنهم السريانيون، وتكلم فيها الزردشتيون، كما بحث ~~فيها النصارى، فظهر في الإسلام قوم يقولون بحرية الإرادة معارضين في ذلك الفكرة الشائعة ~~بأن الإنسان مسير لا مخير، روي عن نافع قال: «جاء رجل إلى ابن عمر، فقال: إن ~~فلانا يقرأ عليك السلام - لرجل من أهل الشام - فقال ابن عمر: إنه بلغني أنه قد أحدث ~~التكذيب بالقدر، فإن كان قد أحدث فلا تقرأ مني عليه السلام»، وقد سمي هؤلاء الذين ~~يقولون بأن الإنسان حر الإرادة، وبعبارة أخرى: أن الإنسان له قدرة على أعماله ~~«بالقدرية»، وسماهم بذلك خصومهم لحديث ورد: «القدرية مجوس هذه الأمة»؛ وكان الذين ~~يقولون بحرية الإرادة يرون أن أولى الناس بأن يطلق عليه اسم القدرية هم الذين يقولون ~~بأن القدر يحكم جميع أعمال الإنسان من خير وشر، وعلى كل حال فقد لصق الاسم بالطائفة ~~الأولى وصار لقبا لها. # وقد ذكروا أن من أسبق الناس قولا بالقدر معبد الجهني، وغيلان الدمشقي، أما ~~معبد فقد قال عنه الذهبي في ميزان الاعتدال: «إنه تابعي صدوق، لكنه سن سنة سيئة فكان ~~أول من تكلم في القدر، قتله الحجاج صبرا لخروجه مع ابن الأشعث»، فترى من هذا أن قتله ~~كان قتلا سياسيا، وإن كان كثير يذكرون أنه قتله لزندقته، وكان يجالس الحسن البصري ~~أولا وقد سلك سبيله كثير من أهل البصرة، وقال ابن نباتة في «سرح العيون»: «قيل: إن أول ~~من تكلم في القدر رجل من أهل العراق كان نصرانيا ms266 فأسلم ثم تنصر، وأخذ عنه معبد الجهني ~~وغيلان الدمشقي»، وأما غيلان الدمشقي فكان يسكن دمشق، وأبوه كان مولى لعثمان بن عفان، ~~قال الأوزاعي: «قدم علينا غيلان القدري في خلافة هشام بن عبد الملك، فتكلم غيلان وكان ~~رجلا مفوها، ثم أكثر الناس الوقيعة فيه والسعاية بسبب رأيه في القدر، وأحفظوا هشام ~~بن عبد الملك عليه، فأمر بقطع يديه ورجليه وقتله وصلبه». # وقد روي أن غيلان وقف يوما على ربيعة «الرأي»، فقال له: أنت الذي تزعم أن الله يحب ~~أن يعصى؟ فقال له ربيعة: أنت الذي تزعم أن الله يعصى قسرا؟! وحكي «أن عمر بن عبد ~~العزيز بلغه أن غيلان وفلانا نطقا في القدر فأرسل إليهما وقال: ما الأمر الذي تنطقان ~~به؟ فقالا: هو ما قال الله يا أمير المؤمنين، قال: وما قال الله؟ قالا: قال: # هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن ~~شيئا مذكورا ~~، ثم قال: # إنا هديناه ~~السبيل إما شاكرا وإما كفورا ~~، ثم سكتا؛ فقال عمر: اقرآ، ~~فقرآ حتى بلغا # إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ ~~إلى ربه سبيلا * وما تشاءون إلا أن يشاء ~~الله ... # إلى آخر السورة؛ قال عمر: كيف تريان؟ تأخذان الفروع وتدعان الأصول! ~~قال ابن مهاجر: ثم بلغ عمر أنهما أسرفا فأرسل إليهما وهو مغضب، فقام عمر وكنت خلفه ~~قائما حتى دخلا عليه وأنا مستقبلهما، فقال لهما: ألم يكن في سابق علم الله حين أمر ~~الله إبليس بالسجود ألا يسجد؟ قال: فأومأت إليهما برأسي أن قولا نعم وإلا فهو الذبح، ~~فقالا: نعم، فقال: أولم يكن في سابق علم الله حين نهى آدم وحواء عن الشجرة أن يأكلا ~~منها فألهمهما أن يأكلا منها؟ فأومأت إليهما برأسي، فقالا: نعم، فأمر بإخراجهما، وأمر ~~بالكتاب إلى سائر الأعمال بخلاف ما يقولان، وأمسكا عن الكلام، فلم يلبثا إلا يسيرا حتى ~~مرض عمر ومات ولم يفد الكتاب، وسال بعد ذلك منهما السيل». # فترى من هذا انتشار القول في القضاء والقدر في هذا العصر وشدة الجدل في هذا الأمر بين ~~المتخاصمين، وقد ms267 اختلف الباحثون في منبع هذه الحركة: هل هو العراق أو الشام؟ فيذهب ~~بعضهم إلى أن العراق منبع ذلك، بدليل أن هذه الحركة تكونت حول الحسن البصري وهو يسكن ~~البصرة، وأن منشأ الاعتزال كذلك كان فيها، ويؤيد ذلك ما رواه ابن نباتة من أن منشأ ~~القول في ذلك نصراني من العراق أسلم وأخذ عنه معبد وغيلان؛ ويذهب آخرون إلى أن ~~الحركة ظهرت في دمشق متأثرة بمن كان يخدم من النصارى في بيت الخلفاء كيحيى الدمشقي، ~~وعلى كل حال فإنا نرى أن القول في القضاء والقدر سال سيله في العراق والشام في هذا ~~العصر، ومن العسير تعيين أسبقهما، وقد قال «ابن تيمية»: «إن أكثر الخوض في القدر ~~كان بالبصرة والشام وبعضه في المدينة». # وعلى العكس من هؤلاء القدرية طائفة الجبرية، وكان من أولهم جهم بن صفوان - ولذلك ~~تسمى هذه الفرقة الجهمية - وكان يقول: إن الإنسان مجبور لا اختيار له ولا قدرة، وإنه ~~لا يستطيع أن يعمل غير ما عمل، وإن الله قدر عليه أعمالا لا بد أن تصدر منه، وإن الله ~~يخلق فيه الأفعال كما يخلق في الجماد، فكما يجري الماء ويتحرك الهواء ويسقط الحجر، ~~فكذلك تصدر الأفعال عن الإنسان يصدرها الله فيه وتنسب إلى الإنسان مجازا كما تنسب ~~إلى الجمادات، فكما يقال أثمرت الشجرة وجرى الماء وطلعت الشمس وأمطرت السماء وأنبتت ~~الأرض، كذلك يقال: كتب محمد، وقضى القاضي، وأطاع فلان، وعصى فلان، كلها من نوع واحد على ~~طريق المجاز، والثواب والعقاب جبر، كما أن الأفعال جبر، والله قدر لفلان فعل كذا وقدر ~~له أن يثاب، وقدر على الآخر المعصية وقدر أن يعاقب. # واشتهر بهذا القول جهم بن صفوان، وهو من أهل خراسان، من الموالي، وأقام بالكوفة، وكان ~~فصيحا خطيبا يدعو الناس فيجذبهم إلى قوله، ظهر مذهبه في ترمذ، وكان كاتبا «وزيرا» ~~للحارث بن سريح، وقد خرج الحارث هذا على بني أمية في خراسان، واتبعه كثير من أهلها، ~~وكان يدعو إلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله واستعمال أهل الخير والفضل، وقد هزم ms268 الحارث ~~وأسر جهم بن صفوان فقتل، ثم قتل الحارث سنة 128ه؛ ومن هذا ترى أن الجهم أيضا ~~قتل لأمر سياسي لا علاقة له بالدين. # ولم يشتهر الجهم بمسألة الجبر فحسب، بل تعرض لشيء آخر لا يقل عنه خطرا، وهو القول ~~بنفي صفات الله، ذلك أنه وردت في القرآن آيات كثيرة تدل على أن لله صفات من سمع وبصر ~~وكلام ... إلخ، فنفى جهم أن يكون لله صفات غير ذاته، وقال: إن ما ورد في القرآن مثل سميع ~~وبصير ليس على ظاهره، بل هو مؤول؛ لأن ظاهره يدل على التشبيه بالمخلوق وهو مستحيل على ~~الله، فيجب تأويل ذلك، وقال: لا يصح وصف الله بصفة يوصف بها خلقه؛ لأن ذلك يقتضي ~~التشبيه، وقال: إن القرآن مخلوق خلقه الله، وكان ذلك نتيجة طبيعية لنفيه الصفات، فإذا ~~كان الله لا يتكلم فليس القرآن كلام الله القديم إلا على التأويل، وإنما خلقه الله، ~~وأنكر أن الله يرى يوم القيامة، وقال: «إن الجنة والنار تفنيان بعد دخول أهلها فيهما، ~~وتلذذ أهل الجنة بنعيمها، وتألم أهل النار بجحيمها؛ إذ لا يتصور حركات لا تتناهى آخرا، ~~كما لا تتصور حركات لا تتناهى أولا». # وقد نهض كثير من العلماء لمقاومة هذه الحركة، ونشطوا للرد على الجهمية نشاطا عظيما، ~~ولعل أهم ما حملهم على الرد مسألتان: مسألة الجبر؛ لأنها تدعو إلى التعطيل وترك العمل ~~والركون إلى القدر، ومسألة المغالاة في تأويل الآيات التي تثبت لله صفات، وفي هذا ~~التأويل خطر على القرآن وتفهم معانيه. # ذابت القدرية والجهمية في غيرهما من المذاهب ولم يعد لهما وجود مستقل، وظهر على ~~أثرهما مذهب المعتزلة، وكثيرا ما يسمى المعتزلة بالقدرية؛ لأنهم وافقوا القدرية في ~~قولهم: «إن للإنسان قدرة توجد الفعل بانفرادها واستقلالها دون الله تعالى»، ونفوا أن ~~تكون الأشياء بقدر الله تعالى وقضائه؛ وأحيانا يلقب المعتزلة بالجهمية، لا لأنهم ~~وافقوا الجهمية في القدرة لأن الجهمية كما علمت جبرية؛ ولكن لأن المعتزلة وافقوا ~~الجهمية في نفي الصفات عن الله وفي خلق القرآن، وقولهم: إن الله لا ms269 يرى، وقد ألف ~~البخاري والإمام أحمد كتابين في الرد على الجهمية وعنيا بهم المعتزلة، والمعتزلة ~~يبرءون من هذين الاسمين، فلا يرضون أن يمسوا بالقدرية، ويقولون - كما رأيت - إن مثبت ~~القدر أولى بالانتساب إليه من نافيه، ويتبرأ بشر بن المعتمر - أحد رؤساء المعتزلة - من ~~الجهمية في أرجوزته إذ يقول: # ننفيهمو عنا ولسنا منهم # ولا همو منا ولا نرضاهم # إمامهم جهم وما لجهم # وصحب عمرو # 1 # ذي التقى والعلم! # اسم المعتزلة: إذا نحن استعرضنا ما بين أيدينا من المصادر التي تكلمت في سبب تلقيب ~~المعتزلة هذا اللقب وجدناها لا تعدو ثلاثة: ~~(1) # أنهم لقبوا بالمعتزلة؛ لأن واصلا وعمرو بن عبيد اعتزلا حلقة الحسن ~~واستقلا بأنفسهما على أثر تقريرهما أن مرتكب الكبيرة لا مؤمن مطلقا ولا ~~كافر مطلقا؛ بل هو في منزلة بين المنزلتين، فسموا من أجل ذلك بالمعتزلة # 2 ~~، وهذا الرأي ضعيف من جملة وجوه: ~~(أحدها): # أن انتقال واصل أو عمرو بن عبيد من حلقة في المسجد إلى ~~أخرى ليس بالأمر الهام الذي صح أن تلقب به فرقة، والأوجه ~~أن تكون التسمية متعلقة بالجوهر لا بالعرض. ~~(ثانيها): # اختلاف الرواة في الرواية، فبعضهم ينسب حادثة الانفصال ~~إلى عمرو بن عبيد، وبعضهم ينسبها إلى واصل، وبعضهم ينسب ~~هذه التسمية إلى الحسن البصري، وبعضهم ينسبها إلى قتادة؛ ~~وهذا - من غير شك - يضعف الرواية ويجعلها محلا ~~للنقد. ~~(وثالثها): # أن كثيرا من الكتب تتكلم عن شخص فتقول: إنه «كان يقول ~~بالاعتزال، أو هو من أهل الاعتزال»، وهذا يدل على أن اسم ~~الاعتزال مذهب ذو مبادئ لا مجرد انفصال من مجلس إلى آخر، ~~وأن الاعتزال معنى من المعاني لا حركة جسمية. ~~(2) # هناك رأي آخر يرى أن المعتزلة سميت كذلك «لاعتزالهم كل الأقوال المحدثة» # 3 # يعنون بذلك أنهم خالفوا الأقوال السابقة في مرتكب الكبيرة؛ ذلك ~~أن المرجئة كانت تقول: إنه مؤمن، والأزارقة من الخوارج كانت تقول: إنه ~~كافر، وكان الحسن البصري يقول: إنه منافق، فخالف واصل ومن إليه هذه الأقوال ~~كلها، وانتحى في القول ناحية أخرى فقال: إنه لا مؤمن ms270 ولا كافر، والقائلون ~~بهذا يجعلون سبب التسمية معنوية لا حسية، ويجعلونها أيضا تدور حول آرائهم ~~واتخاذها منحى جديدا. # وقريب من هذا المعنى ما ذهب إليه عبد القادر البغدادي، في كتابه «الفرق ~~بين الفرق»: «إن الحسن البصري لما طرد واصلا من مجلسه واعتزل عند سارية ~~من سواري مسجد البصرة وانضم إليه صديقه عمرو بن عبيد، قال الناس يومئذ ~~فيهما: «إنهما اعتزلا قول الأمة» وسمي أتباعهما من يومئذ ~~بالمعتزلة». # ونحو من هذا ما جاء في كتاب الأنساب للسمعاني إذ قال: «المعتزلي نسبة إلى ~~الاعتزال وهو الاجتناب، والجماعة المعروفة بهذه العقيدة إنما سموا بهذا ~~الاسم؛ لأن أبا عثمان عمرو بن عبيد أحدث ما أحدث من البدع، واعتزل مجلس ~~الحسن البصري وجماعة معه فسموا المعتزلة» # 4 ~~. ~~(3) # ويفهم من قول المسعودي في مروج الذهب رأي ثالث، وهو أنهم سموا ~~بالمعتزلة لقولهم بأن صاحب الكبيرة اعتزل عن الكافرين والمؤمنين، فالمعتزلة ~~على رأيه هم القائلون باعتزال صاحب الكبيرة. # والقولان الأخيران مختلفان وإن كان الفرق بينهما دقيقا؛ فعلى الرأي الثاني الاعتزال ~~وصف للفرقة نفسها؛ لأنها أحدثت رأيا جديدا خالفت فيه من قبلها؛ وعلى الرأي الثالث ~~الاعتزال وصف لمرتكب الكبيرة في الأصل، وسميت الفرقة بها؛ لأنها جعلت مرتكب الكبيرة ~~يعتزل المؤمنين والكافرين # 5 ~~. # وهذه الأقوال كلها تريد أن تفهم نتيجتين: ~~(الأولى): # أن الاعتزال تكون حول الحسن البصري وتلميذيه واصل بن عطاء وعمرو بن ~~عبيد. ~~(والثانية): # أن الاعتزال كان يدور حول مسائل دينية بحتة. # فهل هاتان النتيجتان صحيحتان؟ # إنا بالرجوع إلى كثير من كتب التاريخ نرى أن كلمة اعتزال ومعتزلة واعتزل استعملت ~~كثيرا في صدر الإسلام في معنى خاص، هو أن يرى الرجل فئتين متقاتلتين أو متنازعتين ثم ~~هو لا يقتنع برأي إحداهما ولا يريد أن يدخل في القتال والنزال بينهما؛ لأنه لم يكون ~~له رأيا، أو رأى أن كليهما غير محق، من ذلك ما نراه من إطلاق المؤرخين هذه الكلمة ~~كثيرا على الطائفة التي لم تشترك في القتال بين علي وعائشة في حرب الجمل، وعلى الذين ~~لم يدخلوا في ms271 النزاع بين علي ومعاوية. # جاء في تاريخ الطبري أن قيس بن سعد عامل مصر لعلي كتب إليه يقول: «إن قبلي رجالا ~~معتزلين قد سألوني أن أكف عنهم، وأن أدعهم على حالهم حتى يستقيم أمر الناس فنرى ويرى ~~رأيهم، فقد رأيت أن أكف عنهم وألا أتعجل حربهم، وأن أتألفهم فيما بين ذلك لعل الله أن ~~يقبل بقلوبهم، ويفرقهم عن ضلالتهم إن شاء الله» # 6 # وفي موضع آخر: «ولم يلبث محمد بن أبي بكر شهرا كاملا حتى بعث إلى أولئك ~~القوم المعتزلين الذين كان قيس وادعهم، فقال: يا هؤلاء إما أن تدخلوا في طاعتنا وإما ~~أن تخرجوا من بلادنا فبعثوا إليه إنا لا نفعل، دعنا حتى ننظر إلى ما تصير إليه أمورنا ~~ولا تعجل بحربنا» # 7 ~~. # ومثل هذا ورد في ابن الأثير وأبي الفداء، بل إن عبارة أبي الفداء في ذلك أوضح إذ ~~يقول: «وسموا هؤلاء المعتزلة لاعتزالهم بيعة علي»، ففي هذه العبارة تصريح بأن كلمة ~~«المعتزلة» أطلقت عليهم، ونستطيع من ذلك أن نستنتج نتيجتين تخالفان المشهور: ~~(الأولى): # أن هذه الكلمة سميت بها فئة خاصة قبل مدرسة الحسن البصري بنحو مائة ~~عام، وأن إطلاقها على مدرسة واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد كان إحياء ~~للاسم القديم لا ابتكارا، وأنه من العسير علينا أن نصدق أن هذا الاسم ~~- وقد كان معروفا وله صبغة خاصة - يطلق لمناسبة انتقال «واصل» من ~~سارية إلى سارية # 8 ~~. ~~(الثانية): # أن هذا الاسم - وهو الاعتزال - أطلق على الذين لم ينغمسوا في حرب ~~الجمل ولم يشتركوا في وقعة صفين، وهذه المسائل التي كان يدور عليها ~~القتال مسائل سياسية تدور كلها حول قتل عثمان وقتلته والقصاص منهم، ~~وعلي واستحقاقه للخلافة، ومعاوية وهل هو أولى بالخلافة من علي، ونحو ~~ذلك؛ والانقسام فيها بين الناس كان انقسام أحزاب سياسية، ولكن من الحق ~~أن نقرر أن المسائل في ذلك العصر سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو ~~سياسية أو شخصية كانت كلها مصبوغة صبغة دينية، «فنظام الأسرة والعلاقات ~~التجارية والعقود المالية وما إلى ذلك كلها ms272 تصطبغ بالدين وترجع إليه، ~~وتعول عليه»؛ فالحزب أو الطائفة التي أطلق عليها في الصدر الأول اسم ~~«معتزلة» كانت تمثل فكرة سياسية مصبوغة بالدين، إذا أردنا أن نلخص ~~رأيها في كلمة قلنا: إنها ترى أن الحق ليس بجانب إحدى الفرقتين ~~المتنازعتين، فهما على باطل، أو على الأقل لم ينكشف الحق في جانب ~~إحداهما، والدين إنما يأمر بقتال من بغى، فإذا كانت الطائفتان باغيتين ~~أو لم يعرف الباغي اعتزلنا # وإن طائفتان ~~من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن ~~بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ~~. # بقيت هناك مسألة وهي: هل هناك شبه بين معتزلة الصدر الأول ومعتزلة واصل ومن إليه؟ ~~وهل للآخرين نزعة دينية تشبه ما للأولين؟ # فأكثر الكتب يذهب إلى أن محل الخلاف بين الحسن البصري وواصل كان - أول ما كان - حول ~~مرتكب الكبيرة: أكافر أم مؤمن؟ وهذه المسألة وإن كانت في ظاهرها مسألة دينية بحتة إلا ~~أن في أعماقها شيئا سياسيا خطيرا. # وبيان ذلك أنهم في هذه المسألة خالفوا الأزارقة من الخوارج والمرجئة؛ فالخوارج ترى أن ~~العمل بأوامر الدين - من صلاة وصيام وصدق وعدل - جزء من الإيمان وليس الإيمان الاعتقاد ~~وحده، فمن اعتقد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ثم لم يعمل بفروض الدين ~~وارتكب الكبائر كان كافرا # 9 ~~، وقد بالغ نافع بن الأزرق فكفر جميع من عدا فرقته - كما رأينا - وقال: ~~«إنه لا يحل لأصحابه المؤمنين أن يأكلوا من ذبائح غيرهم، ولا أن يتزوجوا منهم، ولا ~~يتوارث الخوارج وغيرهم، وهم مثل كفار العرب وعبدة الأوثان، لا يقبل منهم إلا الإسلام ~~أو السيف» وهذه التعاليم لها نتائج سياسية خطيرة، فقد أدت إلى وقوفهم أمام الأمويين ~~موقفا حربيا إيجابيا؛ لأن الأمويين في نظرهم مرتكبون للكبائر فهم كافرون، ~~مثلهم مثل عبدة الأوثان، فيجب ألا يعترف بخلافتهم؛ لأن أول شرط في الخليفة أن ~~يكون مؤمنا، بل يجب فوق ذلك أن يقاتلوا حتى يدخلوا في مذهبهم؛ فعدم استحقاق ~~الأمويين للخلافة ووجوب محاربة الخوارج لهم مسائل سياسية مصبوغة ms273 بالصبغة الدينية، وقد ~~حقق الخوارج فكرتهم فعليا، فكان تاريخهم تاريخ قتال مستمر. # أما المرجئة فكانوا على الطرف الآخر من الخوارج، فقد جعلوا الإيمان مجرد الاعتقاد ~~القلبي، وليست التكاليف من صلاة وصيام ونحوها جزءا من الإيمان، ولا يخرج الإنسان عن ~~إيمانه ارتكاب الكبائر؛ فهم وسعوا دائرة من يطلق عليه المؤمن إلى أقصى حد، بينما ~~الخوارج ضيقوها حتى لا تسع إلا أنفسهم، بل لا تسع عند الأزارقة إلا فرقتهم ومن عداهم ~~فكافر، وأكثر من هذا بالنسبة إلى المرجئة أن الشهرستاني حكى عنهم أنهم يقولون: «لا تضر ~~مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة»، وهذا الرأي - من غير شك - له نتائجه ~~السياسية: أهمها أنهم طبقوا نظريتهم هذه على كل ما حدث من الخلافات السياسية والدينية ~~بين المسلمين، فليس عثمان وأنصاره ولا الخارجون عليه بكافرين، ولا علي وأتباعه وعائشة ~~وأتباعها يوم الجمل بخارجين عن الإسلام، ولا من انضم تحت لواء علي أو تحت لواء معاوية ~~يوم صفين بكافرين، بل المسألة فوق ذلك مسألة قلبية بحتة، فمن اعتقد أي رأي بعد إيمانه ~~وعمل وفق اعتقاده فهو مصيب، سواء نصر عثمان أو خرج عليه، وسواء كان مع علي أو ~~معاوية. # والنتيجة الطبيعية لهذه الوجهة من النظر أن خلفاء بين أمية مؤمنون مهما ارتكبوا من ~~الكبائر كما أن أعداءهم كذلك، ومن نتائج ذلك أيضا أنهم لا يوافقون الخوارج على ~~محاربتهم للأمويين ومحاولتهم إزالة دولتهم، وفي هذا الرأي - رأي الإرجاء - تأييد للدولة ~~الأموية وإن كان تأييدا سلبيا لا إيجابيا «بمعنى أنهم ليسوا أعداءهم ولا خارجين ~~عليهم ولا ناقمين منهم»، بل نرى أكثر من ذلك تأييدا عمليا، فنرى «ثابت قطنة» أحد ~~رجال الإرجاء وشعرائهم يعمل ليزيد بن المهلب ويتولى أعمالا من أعمال الثغور فيحمد يزيد ~~له مكانه لكتابته وشجاعته؛ ولكن يظهر أن الأمويين لم يعدوا المرجئة - على العموم - ~~أعداءهم، كما لم يعدوهم إلا بمقدار ما يستفيد المحارب من المحايد. # إذن، وقف الخوارج موقفا مشددا لم يعدوا فيه مؤمنا إلا فئة قليلة يحصون عددا؛ ~~ومن ناحية أخرى تساهل ms274 المرجئة تساهلا كبيرا، فهم كما أسلفنا لا يحكمون بالكفر على ~~الأمويين والشيعة والخوارج ولا على أحد ممن نطق بالشهادتين؛ بل لا يحرمون بكفر الأخطل ~~ونحوه من النصارى واليهود؛ لأن الإيمان محله القلب، وليس يطلع عليه إلا الله؛ وذلك يدعو ~~إلى مسألة الناس جميعا، وهذا النظر - كما قال زيد بن علي - أطمع الفساق في عفو ~~الله. # وقف المعتزلة بين الخوارج والمرجئة موقفا وسطا، ولا بالشديد ولا بالهين اللين ~~فقالوا - وعلى الأخص واصل وأتباعه - بالمنزلة بين المنزلتين، وبعبارة أخرى: بقول وسط ~~بين الخوارج والمرجئة، قالوا: إن مرتكب الكبيرة ليس مؤمنا؛ لأن الإيمان عبارة عن خصال ~~خير إذا اجتمعت سمي المرء مؤمنا وهو اسم مدح، والفاسق لم يستجمع خصال الخير ولا استحق ~~اسم المدح فلا يسمى مؤمنا، وليس هو بكافر مطلق أيضا؛ لأن الشهادة وسائر أعمال الخير ~~موجودة فيه لا وجه؛ لأنكارها # 10 ~~. # وهذا الرأي يستتبع آراء سياسية خطيرة ككل من القولين السابقين، فقد اضطر المعتزلة أن ~~يطبقوا نظريتهم على الأعمال التي عملت منذ نشب الخلاف بين المسلمين، أي الفريقين كان ~~مخطئا: عثمان أم قاتلوه؟ وهل كان علي محقا في وقعة الجمل أو عائشة؟ كيف نحكم على ~~من كان في يدهم إدارة الحرب في صفين، من مرتكب الكبائر منهم، من الذي يعد بحق ~~فاسقا؟ # والحق أن فرقة المعتزلة كانت أجرأ الفرق على تحليل أعمال الصحابة ونقدهم وإصدار ~~الحكم عليهم؛ فالمرجئة تحاشت الحكم بتاتا كما يقتضيه مذهبهم، والخوارج وإن أصدروا ~~أحكاما فإن أحكامهم كانت قاصرة على مسائل محدودة كالتحكيم وعلي ومعاوية # 11 ~~. أما المعتزلة فلهم أحكام عامة في كثير من الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان ~~وعلي ومعاوية وعمرو بن العاص وأبي هريرة وغيرهم، وكانوا في منتهى الصراحة في إبداء ~~رأيهم؛ فواصل ابن عطاء «لم يجوز قبول شهادة علي وطلحة والزبير على باقة بقل، وجوز ~~أن يكون عثمان وعلي على الخطأ» # 12 ~~، وسب عمرو بن عبيد أبا هريرة وطعن في روايته، إلى كثير من أمثال ذلك، وهنا ~~نتساءل: ماذا كان موقف الدولة الأموية من آراء ms275 المعتزلة السياسية في هذا ~~الموضوع؟ # الذي يظهر لي أنهم عدوا جرأة المعتزلة في نقد الرجال نوعا من التأييد لهم أكثر من ~~تأييد المرجئة فإن تأييد المرجئة كما قلنا تأييد سلبي، فهم تركوا الخلافات الحزبية من ~~غير نقد ومن غير تحليل، وهذا يؤيد علي وأتباعه ومعاوية وأتباعه؛ ولكن إذا انضاف إلى ~~ذلك ما عند جمهور الناس إذ ذاك من شعور ديني برفعة شأن علي ومن إليه، فذلك يجعلنا ~~نعتقد أن تأييد فكرة المرجئة للأمويين تأييد ضعيف، أما المعتزلة فتأييدهم لهم أقوى؛ لأن ~~نقد الخصوم ووضعهم موضع التحليل وتحكيم العقل في الحكم لهم أو عليهم يزل - على الأقل - ~~فكرة التقديس التي كانت شائعة عند جماهير الناس، نعم إن المعتزلة وضعوا معاوية وأصحابه ~~موضع النقد كذلك، «وأكثرهم تبرأ من معاوية وعمرو بن العاص» # 13 # وعمرو بن عبيد خون عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان ونسبهما إلى سرقة ~~مال الفيء، ولكن يظهر أن الأمويين رأوا أن في ذلك من الكسب لهم أكثر من الخسارة، فهذا - ~~على الأقل - يجعل معاوية وعليا في ميزان نقد واحد، وفي الغالب ترجح كفة معاوية وآله؛ ~~لأن الدولة دولتهم والناس يخشون نقدهم ولا يخشون نقد غيرهم، ومن نتائج ذلك ما يروى عن ~~ابن كيسان الأصم «أنه كان يخطئ عليا في كثير من أفعاله ويصوب معاوية في بعض أفعاله» # 14 ~~. ولنا على ما ذهبنا إليه دليلان: ~~(الأول): # أنا لم نعثر فيما قرأنا في كتب التاريخ أن رجلا من كبار المعتزلة ~~كواصل وعمرو بن عبيد وأمثالهما قد اضطهد من الأمويين أو عمالهم لذهابه ~~هذا المذهب وتصريحه بآرائه في هذا الموضوع، بل كل الذي رأينا أن ~~المعتزلة هم الذين هاجموا الخليفة الأموي الوليد لما اشتهر وتهتك، ووقف ~~بعضهم - ومنهم عمرو بن عبيد - بجانب يزيد يحاربون الوليد، حتى إذا ~~انتصر يزيد وولي الخلافة عرف للمعتزلة موقفهم فقربهم وعلا إذ ذاك ~~شأنهم. ~~(الثاني): # وهو أهم، ما نقل من أن بعض المتأخرين من خلفاء بني أمية كيزيد بن ~~الوليد ومروان بن محمد اعتنق مذهب الاعتزال، ms276 ومن المحال أن يعتنقوه إذا ~~كان يضعف دولتهم ويؤيد خصومهم. # لعلنا نستطيع أن نستنتج من هذا كله أن هناك وجه شبه كبير بين فئة المعتزلة الأولى ~~الذين اعتزلوا الطائفتين المتقاتلتين، أعني عليا وعائشة وطلحة والزبير أولا، ثم ~~عليا ومعاوية ثانيا، وبين فئة المعتزلة الثانية التي رأت أن ليس حقا ما عليه ~~الخوارج من تكفير وحرب وقتال، وما عليه المرجئة من لين وتسامح؛ وأن كلتا الفرقتين ~~المعتزلتين قد انتحت ناحية وحدها تخالف في منحاها الطوائف المختلفة في زمانها؛ وأن ~~كلتا الفرقتين تمثل في أساس تعاليمها ناحية سياسية دينية، وإن كانت فرقة المعتزلة ~~الثانية أضافت إلى ذلك بعد أبحاثا دينية بحتة كبحثهم الميتافيزيقي في صفات الله، وأنه ~~ليس بجسم ولا عرض ... إلخ، وهذا القول يسلمنا - من غير شك - إلى ترجيح الرأي القائل ~~بأنهم سموا المعتزلة لاعتزالهم قول الأمة، يعنون بذلك أنهم اشتقوا لأنسفهم طريقا ~~جديدا ساروا فيه وخالفوا غيرهم، وليس تحولهم من سارية جديدة - إن صح - إلا رمزا ~~لتنحيهم عن هذه الفرق وإنشائهم فرقة جديدة. # على كل حال لم يكن كثير من المعتزلة يرضى عن هذه التسمية، وإنما كانوا يسمون أنفسهم ~~أهل العدل والتوحيد؛ أما التوحيد فلأنهم نفوا صفات الله وعدوا القول بها تعديدا لله؛ ~~وأما العدل فلأنهم نزهوا الله عما يقول خصومهم من أنه قدر على الناس المعاصي ثم ~~عذبهم عليها، وقالوا: إن الإنسان حر فيما يفعل، ومن أجل هذا عذب على ما يفعل، وهذا ~~عدل. # اشتهر من أوائل الداعين إلى الاعتزال واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد # 15 ~~، فأما واصل فكان من الموالي، ولد في المدينة سنة 80ه ثم انتقل إلى البصرة، ~~وسمع من الحسن البصري وغيره وتوفي سنة 131، وكان خطيبا بليغا مقتدرا على الكلام سهل ~~الألفاظ، يقول فيه بعضهم: # عليم بإبدال الحروف وقامع # لكل خطيب يبلغ الحق باطله # وقد ألف كتبا كثيرة لم يصلنا منها شيء. # وأما عمرو بن عبيد فمولى كذلك، تتلمذ للحسن البصري واعتنق رأي واصل بن عطاء في ~~الاعتزال، وألف كتبا كثيرة لم تصلنا، واشتهر بالزهد ms277 والورع، وفيه يقول أبو جعفر ~~المنصور: # كلكم يطلب صيد # غير عمرو بن عبيد # وتوفي سنة 145ه في رجوعه من الحج. # وكلاهما «واصل وعمرو» عرف بالتقوى والصلاح، ويعدان بحق مؤسسي مذهب الاعتزال. # وتتلخص تعاليم المعتزلة في الأصول الآتية: ~~(1) # القول بالمعتزلة بين المنزلتين؛ أي أن مرتكب الكبيرة ليس بكافر ولا مؤمن، ~~لكنه فاسق، والفاسق يستحق النار بفسقه. # وقد دعا إلى إثارة هذا القول أن الحروب السياسية من مقتل عثمان ووقعة ~~الجمل ووقعة صفين جعلت الناس يتساءلون من المحق ومن المخطئ، ثم انتقلوا من ~~ذلك إلى القول بأن المخطئ كافر أو مؤمن، فكانت الخوارج تقول بكفر مرتكبي ~~الذنوب، والمرجئة يقولون بأنه مؤمن، وقال الحسن البصري: إنه منافق، فقال ~~واصل: إنه فاسق وله منزلة بين الكفر والإيمان، وقال: إنه يخلد في ~~النار. ~~(2) # القول بالقدر وأن الله لا يخلق أفعال الناس، وإنما هم الذين يخلقون ~~أعمالهم، وأنهم من أجل ذلك يثابون أو يعاقبون، ولهذا وحده يستحق أن يوصف ~~الله بالعدل؛ ولعل الذي حملهم على هذا القول ما رأوه من مغالاة جهم بن ~~صفوان وأصحابه في سلب الإنسان قدرته وجعله كالجماد تجري الأعمال على يديه ~~كما تجري على الحجر، وقد روي أن واصل بن عطاء أرسل بعض أصحابه إلى خراسان ~~لمباحثة جهم ومجادلته. ~~(3) # القول بالتوحيد فنفوا أن يكون لله تعالى صفات أزلية من علم وقدرة وحياة ~~وسمع وبصر غير ذاته، بل الله عالم وقادر وحي وسميع وبصير بذاته، وليس هناك ~~صفات زائدة على ذاته، والقول بوجود صفات قديمة قول بالتعدد، والله واحد لا ~~شريك له من أي جهة كان، ولا كثرة في ذاته البتة، وتأولوا الآيات التي تثبت ~~هذه الصفات والتي يفهم منها أن له صفات كصفات المخلوقين، وربما كان قد ~~دعاهم إلى هذا القول ما شاع في عصرهم من ذهاب قوم إلى تجسيد الله تعالى ~~وإثبات صفات له كصفات المخلوقين، كمقاتل بن سليمان الذي عاصر ~~واصلا. ~~(4) # قولهم بسلطة العقل وقدرته على معرفة الحسن والقبيح، ولو لم يرد بهما شرع، ~~وللشيء صفة فيه جعلته حسنا أو ms278 قبيحا، فالصدق فيه صفة ذاتية جعلته حسنا، ~~والكذب فيه صفة ذاتية جعلته قبيحا، ولذلك يشترك العقلاء في حسن الإحسان ~~إلى الفقير وإنقاذ الغريق، ويستقبحون كفران الجميل وإيلام البريء، ولو لم ~~يصلهم في ذلك شرع، بل ولو كانوا ملحدين؛ والشرع لم يجعل الشيء حسنا بأمره ~~به، ولا القبيح قبيحا بنهيه عنه، بل الشرع إنما أمر بالشيء لحسنه، ونهى عن ~~الآخر لقبحه، ولا يستطيع الشرع أن يعكس؛ لأن أمره ونهيه تابعان لما في ~~الشيء ذاته من حسن وقبح. # وربما دعاهم إلى وضع هذا المبدأ ما رأوا من مغالاة قوم وجمودهم على ما ورد من حديث ~~ولو موضوعا، ووقوفهم عند النص، فإذا لم يجدوا نصا لم يجرؤ على إبداء رأي، وقد رأيت ~~هذه النزعة عند كلامنا على مدرسة الحديث، فأحس المعتزلة بالخطر الذي يصيب الناس من شل ~~العقل إلى هذا الحد فوضعوا هذا الأساس، ولذلك كان علماء الحديث من أشد خلق الله كرها ~~للمعتزلة، والعكس، ولما كانت الدولة للمعتزلة في عهد المأمون والمعتصم نكلوا بأهل ~~الحديث تنكيلا في فتنة خلق القرآن، ولما زالت دولتهم نكل بهم المحدثون. # كذلك تعرض المعتزلة للأمور السياسية التي سبقت عصرهم وأدلوا فيها بآرائهم، ولم يجاروا ~~الحسن البصري في قوله: «تلك دماء طهر الله منها أسيافنا فلا نلطخ بها ألسنتنا» بل ~~قالوا: إن الصحابة أنفسهم كان يخطئ بعضهم بعضا ويحارب بعضهم بعضا، وقد روي عن عمرو ~~بن عبيد في نقد الرجال الشيء الكثير، فقد سب أبا هريرة وطعن في روايته، وخون عمرو بن ~~العاص ومعاوية بن أبي سفيان ونسبهما إلى سرقة مال الفيء كما أسلفنا، إلى كثير من أمثال ~~ذلك، وعلى الجملة قد أباحوا لأنفسهم تشريح الصحابة ونقدهم والحكم على أعمالهم وحروبهم، ~~وكان أكثرهم حرية في ذلك من اعتنق الاعتزال من الشيعة # 16 ~~، ونحن نذكر لك طرفا من آرائهم في المسائل السياسية، فقد اتفقوا - تقريبا ~~- على أن بيعة أبي بكر بيعة صحيحة شرعية، وأنها لم تكن عن نص من النبي # صلى الله عليه وسلم # وإنما ~~كانت بالاختيار، واختلفوا في ms279 أيهما أفضل: أبو بكر أم علي؟ فقال قدماء البصريين كعمرو بن ~~عبيد والنظام والجاحظ وهشام الفوطي: أن أبا بكر أفضل من علي، وقال البغداديون ~~كبشر بن المعتمر وأبي الحسين الخياط: إن عليا أفضل؛ ولهم في ذلك حجاج طويل، ولما ~~وصلوا إلى وقعة الجمل كان واصل بن عطاء يقول: إن أحد الفريقين فاسق بقتاله لا محالة، ~~ولكن لم أستطع الجزم أي الفريقين هو الفاسق، وأما عمرو بن عبيد فقال بفسق الفرقتين ~~المتقاتلتين جميعا، وتبرأ المعتزلة من عمر ومعاوية وخطئوهما وأتباعهما وهكذا حللوا ~~كثيرا من الأعمال في التاريخ الإسلامي وأبدوا فيها رأيهم، واختلفوا فيما بينهم، وأدلى ~~كل بالحجج التي يعزز بها رأيه مما يطول ذكره. ~~••• # وقد نشأ الاعتزال كما رأيت في البصرة، وسرعان ما انتشر في العراق: واعتنقه من خلفاء ~~بني أمية يزيد بن الوليد ومروان بن محمد؛ وفي العصر العباسي تكونت للاعتزال مدرستان ~~كبيرتان: مدرسة البصرة ومدرسة بغداد، وكان بين معتزلي البصرة ومعتزلي بغداد جدال وخلاف ~~في كثير من المسائل. # وكان المعتزلة أسرع الفرق للاستفادة من الفلسفة اليونانية وصبغها صبغة إسلامية، ~~والاستعانة بها على نظرياتهم وجدلهم، وكان من أشهر من استخدم الفلسفة في ذلك أبو ~~الهذيل العلاف والنظام والجاحظ، ولسنا نستطيع هنا أن نبين النظريات اليونانية ~~وكيف نقلها أئمة المعتزلة، فموضع ذلك الكلام على الحركة العقلية في صدر الدولة العباسية ~~إن شاء الله . # والحق أن المعتزلة هم الذين خلقوا علم الكلام في الإسلام، وأنهم أول من تسلح من ~~المسلمين بسلاح خصومهم في الدين؛ ذلك أنه في أوائل القرن الثاني للهجرة ظهر أثر من دخل ~~في الإسلام من اليهود والنصارى والمجوس والدهرية، فكثير من هؤلاء أسلموا ورءوسهم مملوءة ~~بأديانهم القديمة، لم يزد عليهم إلا النطق بالشهادتين، فسرعان ما أثاروا في الإسلام ~~المسائل التي كانت تثار في أديانهم، وكانت هذه الأديان التي ذكرناها قد تسلحت من قبل ~~بالفلسفة اليونانية والمنطق اليوناني ونظمت طريق بحثها وتعمقت في ذلك كثيرا، فهاجموا ~~الإسلام وهو الدين الذي يمتاز ببساطة عقيدته فأثاروا حوله الشكوك، وليس هؤلاء الذين ~~أسلموا ms280 هم الذين فعلوا ذلك فقط، بل كانت البلاد الإسلامية مملوءة بذوي الأديان المختلفة ~~الذين ظلوا على دينهم، وكان منهم كثيرون في بلاط الدولة الأموية يشغلون مناصب خطيرة، ~~هؤلاء وهؤلاء أثاروا مسألة القدر على هذا النمط الفلسفي وكانت معروفة في دينهم، وأثاروا ~~مسألة صفات الله وخلق القرآن ولها نظير في النصرانية، وأثار الزردشتيون كثيرا من ~~مسائلهم. # كل هذا دعا المعتزلة أن يتسلحوا بسلاح عدوهم فجادلوهم جدالا علميا، وردوا هجمات ~~القائلين بالجبر والمنكرين لله وما أثار اليهود والنصارى والمجوس من شكوك، ونشطوا لهذا ~~العمل نشاطا بديعا؛ فواصل بن عطاء يقول عنه المرتضي: «إنه كان أعلم الناس بكلام غالية ~~الشيعة ومارقة الخوارج، وكلام الزنادقة والدهرية والمرجئة وسائر المخالفين»، فأخذ بعد ~~معرفة أقوالهم يرد عليهم في فصاحة من القول يصفها بشار بقوله فيه: # وقال مرتجلا تغلي بداهته # كمرجل القين لما خف باللهب # وتصفه زوجته فتقول: «كان إذا جنه الليل صف قدميه يصلي، ولوح ودواة بجانبه، فإذا ~~مرت به آية فيها حجة على مخالف جلس فكتبها ثم عاد لصلاته»، ولم يكتف بذلك بل بعث دعاته ~~إلى الأمصار يجادلون أصحاب التعاليم المخالفة وينشر مبادئه؛ فبعث عبد الله بن الحارث ~~إلى المغرب، وحفص بن سالم إلى خراسان يناظر جهما القائل بالجبر، كما بعث إلى اليمن ~~وإلى الجزيرة وإلى أرمينية، وأخذ واصل يؤلف الكتب في ذلك حتى ليذكرون أنه ألف كتابا ~~فيه ألف مسألة للرد على المانوية - وكذلك كان عمرو بن عبيد يجادل مخالفيه ويدعو إلى ~~الاعتزال في مهارة، يقول واصفه: كان عمرو إذا رأيته مقبلا توهمته جاء من دفن والديه، ~~وإذا رأيته جالسا توهمته أجلس للقود، وإذا رأيته متكلما توهمت أن الجنة والنار لم ~~يخلقا إلا له، وقد أبى هو وأصحابه الأولون - على ما يظهر - أن يتولوا للحكومة عملا، ~~وأرادوا أن يكون عملهم لله خالصا، فابن قتيبة يحدثنا: «أن عمرو بن عبيد قال لأبي جعفر ~~المنصور: إن الله أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك ببعضها، واذكر ليلة تمخض عن ~~يوم لا ليلة بعده؛ فوجم أبو جعفر من قوله، ms281 فقال له الربيع: يا عمرو غممت أمير ~~المؤمنين! فقال عمرو: إن هذا صحبك عشرين سنة، لم ير لك عليه أن ينصحك يوما واحدا، وما ~~عمل وراء بابك بشيء من كتاب الله ولا سنة نبيه؛ قال أبو جعفر: فما أصنع؟ قد قلت لك ~~خاتمي في يدك فتعال وأصحابك فاكفني، قال عمرو: ادعنا بعدلك تسخ أنفسنا بعونك، ببابك ~~ألف مظلمة، أردد منها شيئا نعلم أنك صادق» # 17 # ولكنهم مع هذا كانوا مكروهين من كثير من المسلمين لأسباب: أهمها أنهم ~~خالفوا أهل الحديث في كثير من آرائهم فحمل عليهم المحدثون حملات عنيفة، ومنها أنهم ~~حولوا العقيدة الإسلامية البسيطة إلى عقيدة فلسفية عميقة، ومنها أنهم في أيام سلطتهم في ~~عهد المأمون والمعتصم نكلوا بالناس في القول بخلق القرآن، ولم يسيروا سيرة فلسفية في ~~الاكتفاء بتأييد رأيهم بالحجة، حملوا الناس على القول برأيهم بالسيف، وكان في ذلك ذهاب ~~دولتهم وسمعتهم؛ ولعل من هذه الأسباب أنهم أنزلوا الصحابة منزلة سائر الناس فلم يقروا ~~لهم بعصمة، وجرءوا عليهم يشرحون أعمالهم ويحكمون بصواب بعضها وخطأ بعضها، فقد رأيت ~~ما قال عمرو بن عبيد، وجاء بعده النظام فنقد عمر وأبا بكر وابن مسعود في بعض أقوالهم، ~~وأكذب حذيفة وأبا هريرة في حديث طويل # 18 ~~. ~~••• # وقد فشا في العصر الأموي الجدل في هذه المذاهب التي ذكرنا من خوارج وشيعة ومرجئة ~~ومعتزلة وغيرهم، وملئت كتب التاريخ والأدب والملل بما كان يدور بينهم من حوار شديد، ~~فابن أبي الحديد يروي لنا أن الخوارج - في حرب المهلب لهم - كانوا يضعون السيف من حين ~~لآخر ثم يلتقون بخصومهم ويتجادلون ويدعون إلى مذهبهم، ويحدثنا الأغاني أن ثابت قطنة ~~استمع لقوم من الخوارج كانوا يجتمعون بقوم من المرجئة بخراسان فيتجادلون فمال إلى قول ~~المرجئة وأحبه، وقال قصيدته التي ذكرناها في الإرجاء؛ ويحدثنا أيضا أن شيعيا ومرجئا ~~اختصما واحتكما إلى أول من يطلع عليهما، فطلع «الدلال» فقالا له أيهما خير: الشيعي أم ~~المرجئ؟ فقال: لا أدري إلا أن أعلاي شيعي وأسفلي مرجئ # 19 ~~، ويحدثنا ابن نباتة أن ms282 هذا الخلاف وصل إلى الشعراء، فقد كان ذو الرمة ~~قدريا، وكان رؤبة جبريا، وأنهما اختصما فقال رؤبة: والله ما فحص طائر أفحوصا، ~~ولا تقرمص سبع قرموصا إلا بقضاء الله وقدره، فقال ذو الرمة: والله ما قرر على الذئب ~~أن يأكل حلوبة عياييل ضرائك # 20 ~~. # ويقول الراجز: # يا أيها المضمر هما لا تهم # إنك إن تقدر لك الحمى تحم # لو علوت شاهقا من العلم # كيف توقيك وقد جف القلم! # ويروي الأغاني عن ابن قتيبة أنه كانت بين الطرماح والكميت خلطة ومودة وصفاء على ~~تفاوت المذاهب والعصبية والديانة، فكان الكميت شيعيا عصبيا عدنانيا، من شعراء مضر ~~متعصبا لأهل الكوفة، والطرماح خارجي صفري قحطاني عصبي لقحطان من شعراء اليمن، ~~متعصب لأهل الشام، فقيل لهما: ففيم اتفقتما هذا الاتفاق مع اختلاف سائر الأهواء؟ قال: ~~اتفقنا على بعض العامة # 21 ~~. # ويروي الأغاني أيضا أنه كان بالبصرة ستة من أصحاب الكلام: عمرو بن عبيد، وواصل بن ~~عطاء، وبشار الأعمى، وصالح بن عبد القدوس، وعبد الكريم بن أبي العوجاء، ورجل من الأزد ~~«هو جرير بن حازم» فكانوا يجتمعون في منزل الأزدي ويختصمون عنده؛ فأما عمرو وواصل فصارا ~~إلى الاعتزال، وأما عبد الكريم وصالح فصححا التوبة، وأما بشار فبقي متحيرا مخلطا، ~~وأما الأزدي فمال إلى قول السمنية «وهو مذهب من مذاهب الهند»، قال: وكان عبد الكريم ~~يفسد الأحداث بدعوتهم إلى دينه، وما زال عمرو بن عبيد به حتى أخرجه من البصرة ثم دل ~~عليه من قتله، وروى الإمام أحمد أن الجهم لقي بعض السمنية، فقال له السمني: ألست ~~تزعم أن لك إلها؟ قال الجهم: نعم، قال: فهل رأيت إلهك؟ قال: لا، قال: فهل سمعت كلامه؟ ~~قال: لا، قال: فشممت له رائحة؟ قال: لا، قال: فما يدريك أنه إله؟ قال له الجهم: ألست ~~تزعم أن فيك روحا؟ قال: نعم، قال: فهل رأيت روحك؟ قال: لا، قال: فسمعت كلامه؟ قال: لا، ~~قال: فوجدت له حسا؟ قال: لا، قال فكذلك الله! # كل هذا يدلنا على أن حركة الجدال في المذاهب الدينية ms283 والآراء السياسية المصبوغة ~~بالصبغة الدينية كانت في هذا العصر حركة عظيمة، وقد كان لها أثر كبير في العلم وفي ~~السياسة وفي الأدب، وقد صدرت هذه الفرق عن عقليات مختلفة من فرس وروم وسريان وعرب ~~وغيرهم، وكانت هذه العقليات تؤمن بأديان مختلفة من يهودية ونصرانية ومجوسية ووثنية ~~وغيرها؛ ولو ظلت الأمة الإسلامية أمة عربية فقط لرأينا فيها أمثال الخوارج وأمثال ~~المرجئة، ولكن ما كنا نرى فيها مذاهب الشيعة الغالية وتعاليمهم الغريبة، وما كنا نرى ~~المعتزلة وأبحاثهم الفلسفية ومذاهبهم العميقة. ~~••• # هذه الحركات العلمية التي شرحناها، والفرق الدينية التي أبنا تعاليمها كانت في ~~الدولة الأموية على حالة السذاجة، لم تصل إلى درجة القواعد المنظمة، والعلوم المتميزة، ~~والشرح المحكم، إنما وصلت إلى هذه الدرجة في صدر العصر العباسي لما أخذ خلفاء الدولة ~~العباسية يناصرون الحركة العلمية، وينهضون بالأساس الذي وضعه العلماء في الدولة ~~الأموية، مستعينين على ذلك بترجمة ما وصلت إليه الأمم قبلهم، وموعدنا في الكلام على ذلك ~~الجزء التالي إن شاء الله وهو المستعان. # | أهم مصادر هذا الباب # الممل والنحل للشهرستاني. # الفصل في الملل والنحل لابن حزم. # شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة. # الفرق بين الفرق للبغدادي. # أصول الدين للبغدادي «طبع حديثا في الأستانة». # مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري «يطبع الآن في الأستانة ومنه نسخة ~~خطية في مكتبة أياصوفيا». # المواقف وشرحه. # خطط المقريزي. # مقدمة ابن خلدون. # الرسالة الاثنا عشرية . # شرح البخاري للقسطلاني والنووي على مسلم. # تاريخ الجهمية والمعتزلة للقاسمي. # ابن خلكان. # رسائل متفرقة لابن تيمية. # الكامل للمبرد في أخبار الخوارج. # الأغاني في مواضع متفرقة. # البيان والتبيين للجاحظ. # دائرة المعارف الإسلامية في مادة خوارج شيعة وقدرية وغيرها. # Macdonald, Muslim Theology ~~. # Browne, A Literary History of Pers a ~~. # Goldziher, Dogma et Le Loi de Ľ ~~Islam ~~. # طبقات ابن سعد. # الأحكام السلطانية للماوردي. # تاريخ الطبري في الحوادث من سنة 99 إلى 132. # تيسير الوصول إلى جامع الأصول من أحاديث الرسول. # سرح العيون شرح رسالة ابن زيدون. # تفسير الفخر الرازي في جملة مواضع. # المستصفى للغزالي. # العقد الفريد ms284 لابن عبد ربه. # طبقات المعتزلة للمرتضى «طبع بالهند». # | أهم الأحداث في ذلك العصر # أهم الأحداث # التاريخ الهجري # التاريخ الميلادي # بدء السنة الهجرية # موت محمد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وخلافة أبي بكر # 12 # 632 # 29 مارس # خلافة عمر بن الخطاب # 13 # 634 # 7 مارس # وقعة القادسية وفتح بيت المقدس # تأسيس البصرة. فتح دمشق # 14 # 635 # 25 فبراير # تأسيس الكوفة. فتح الشام والعراق # 17 # 638 # 23 يناير # فتح مصر # 20 # 640 # 21 ديسمبر # وقعة نهاوند وفتح فارس # 21 # 641 # 10 ديسمبر # خلافة عثمان # 23 # 643 # 19 نوفمبر # جمع القرآن في المصاحف # 30 # 650 # 4 سبتمبر # خلافة علي بن أبي طالب # 35 # 655 # 11 يوليه # وقعة الجمل # 36 # 656 # 30 يونيه # موت علي # 40 # 660 # 17 مايو # خلافة معاوية بن أبي سفيان # 41 # 661 # 7 مايو # موت الحسن بن علي # 49 # 669 # 9 فبراير # خلافة يزيد بن معاوية # 60 # 679 # 13 أكتوبر # وقعة كربلاء، ومقتل الحسين # 61 # 680 # 1 أكتوبر # خلافة مروان بن الحكم # 63 # 682 # 10 سبتمبر # خلافة عبد الملك بن مروان # 65 # 684 # 18 أغسطس # حصار مكة وقتل عبد الله بن الزبير # 73 # 692 # 23 مايو # موت محمد بن الحنفية # 81 # 700 # 26 فبراير # خلافة الوليد بن عبد الملك # 86 # 705 # 2 يناير # خلافة سليمان بن عبد الملك # 96 # 714 # 16 سبتمبر # خلافة عمر بن عبد العزيز # 99 # 717 # 14 أغسطس # خلافة يزيد بن عبد الملك # 101 # 719 # 24 يوليه # خلافة هشام بن عبد الملك # 106 # 724 # 29 مايو # موت الحسن البصري # 110 # 728 # 16 أبريل # موت زيد بن زين العابدين # 121 # 738 # 18 ديسمبر # موت الزهري # 124 # 741 # 15 نوفمبر # خلافة الوليد بن يزيد # 126 # 743 # 25 أكتوبر # خلافة يزيد بن الوليد # 127 # 744 # 15 أكتوبر # خلافة مروان بن محمد # 128 # 745 # 3 أكتوبر # قتل الجهم بن صفوان # 130 # 747 # 11 سبتمبر # موت واصل بن عطاء # 131 # 748 # 31 أغسطس # سقوط الدولة الأموية # 132 # 749 # 20 أغسطس ms285