######OpenITI# #META# URI: 1373AhmadAmin.HarunRashid.Hindawi51719608 #META# Tags: history #META# ID: 51719608 #META# Title: هارون الرشيد #META# AuthorID: 20953090 #META# Author: أحمد أمين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # الرشيد في سطور‏ # ميلاد دولة‏ # على أريكة الخلافة‏ # أبهة الدولة في عصر هارون الرشيد‏ # النظام الاجتماعي في عهد هارون الرشيد‏ # بغداد‏ # الرشيد في قصر الخلد‏ # الأدب والأدباء‏ # مأساة البرامكة‏ # الشعر والغناء‏ # لهو الرشيد‏ # شارلمان والرشيد‏ # نهاية الرشيد‏ # خاتمة‏ # مقدمة‏ # الرشيد في سطور‏ # ميلاد دولة‏ # على أريكة الخلافة‏ # أبهة الدولة في عصر هارون الرشيد‏ # النظام الاجتماعي في عهد هارون الرشيد‏ # بغداد‏ # الرشيد في قصر الخلد‏ # الأدب والأدباء‏ # مأساة البرامكة‏ # الشعر والغناء‏ # لهو الرشيد‏ # شارلمان والرشيد‏ # نهاية الرشيد‏ # خاتمة‏ # | هارون الرشيد # | هارون الرشيد # تأليف # أحمد أمين # | مقدمة # طلبت إلي دار الهلال أن أضع كتابا عن هارون الرشيد، فاغتبطت بهذا الطلب؛ لأني ~~أحبه، وربما كان سبب حبي له أنه رجل عاطفي ذواق، يخضع للمؤثرات الوقتية؛ فيصلي مائة ~~ركعة كل يوم، ويحج ماشيا، ويهيم من ناحية أخرى بالجمال والغناء ومجالس الشراب، ~~ويحدثه أبو العتاهية حديث الزهد فيبكي حتى تخضل لحيته، ويقول له ابن أبي مريم نكتة ~~فيضحك حتى يستلقي على قفاه، ويرضى عن البرامكة فيطلق لهم العنان، ويغضب عليهم ~~فينكل بهم أشد النكال. # ورجل كهذا يكون - عادة - صريحا صادقا ... وأحبه أيضا؛ لأنه أعلى شأن الشرق في ~~الغرب، فكلما ذكر هارون الرشيد تخيل الغربيون الشرق بفتنته العجيبة، وجاذبيته الساحرة؛ ~~والسبب في ذلك كتاب ألف ليلة وليلة، وما أضفت عليه علاقته بشارلمان من فخفخة وإجلال، وتوالي ~~الوفود منه وإليه، وحركة التجارة بين الشرق والغرب في أيامه ... إلى غير ذلك. # ويضاف إلى هذا كله ما رزق من حسن حظ؛ فكثير من الخلفاء قبله وبعده - ~~كمعاوية، وعبد الملك بن مروان، وهشام بن عبد الملك، وعبد الرحمن الداخل، وعبد الرحمن ~~الناصر، والمأمون - كانوا خيرا منه. # وغلطة كغلطة البرامكة كانت تكفي لأن تطوح بذكره، وتصغر من شأنه ... ولكن هي ~~الظروف، وهو الحظ، حتى إن بعض كبار المؤرخين - كابن خلدون - نصبوا أنفسهم للدفاع عنه ~~وتصويره كأنه نبي كريم لا يصح أن يغني، ولا أن يشرب، ولا أن يزل! # كل هذا ونحوه جعله محبوبا، عالي الذكر، بعيد الصيت. وقد عمدت إلى ms001 كتابته بأسلوب ~~عصري سهل يناسب جمهور القراء، فلم أتعمق فيه تعمقا يجعله ثقيلا، ولا أغرقته بذكر المصادر ~~كما يفعل الجامعيون، ومن نحا نحوهم، والله يرزقه من الحظوة ما رزق الرشيد. # أحمد أمين # هارون الرشيد بريشة «جبران خليل جبران». # | الرشيد في سطور # ولد هارون الرشيد ببلدة «الري» بطبرستان في آخر ذي الحجة سنة 145ه، وقيل: في أول ~~المحرم سنة 149ه. # بويع بالخلافة يوم الجمعة 12 ربيع الأول سنة 170ه، في صبيحة الليلة التي مات فيها ~~أخوه الخليفة الهادي. # استوزر الرشيد سنة مبايعته بالخلافة يحيى بن خالد البرمكي، ودفع إليه ~~بخاتمه قائلا: «قد قلدتك أمر الرعية، فاحكم فيها بما ترى.» # في سنة 176ه خرج عليه يحيى بن عبد الله بالديلم؛ فأرسل إليه الفضل بن يحيى في ~~خمسين ألفا، وأعاد الأمن إلى نصابه، وقد تمكن من إخماد عدة فتن في الجزيرة ~~ودمشق في سنتي 177، 178ه. # في سنة 175ه عقد الرشيد لابنه محمد ابن زوجته زبيدة بولايته العهد من بعده، ~~ولقبه «الأمين»، وعمره وقتئذ خمس سنوات. # في سنة 182ه بايع الرشيد لابنه «عبد الله» بولاية العهد بعد محمد الأمين، ~~وولاه خراسان، ولقبه «المأمون»، وبايع لابنه القاسم بولاية العهد بعد المأمون، ~~ولقبه «المؤتمن»، وولاه على الجزيرة والثغور. # خرج لمحاربة رافع بن الليث بخراسان في جيش كبير من «الرقة» سنة 192ه، وقد ~~بدأ مرضه. # مات سنة 193ه بعد أن قضى في الولاية 23 سنة وشهرين و18 يوما. # شجرة هارون الرشيد من جده عبد الله بن عباس بن عبد المطلب جد النبي ~~محمد # صلى الله عليه وسلم ~~. # | ميلاد دولة # للدول عمر كالذي للأفراد ... طفولة، ومراهقة، وشباب، وكهولة، وشيخوخة، وهي كالأفراد أيضا ~~... بعضها يولد هزيلا مريضا يموت في مهده، أو بعد مهده بقليل، وبعضها يولد صحيحا معافى ~~تمتد حياته، ويطول عمره، وهي كذلك كالأفراد ... يعتريها أحيانا موت الفجاءة، وأحيانا يدب الفناء ~~فيها، وتموت عضوا فعضوا حتى ينتهي أجلها، وهي أيضا قد يطول عمرها وقد يقصر، ~~والملاحظ أن الدول في أول نشأتها كانت قصيرة العمر، ثم تعلم الخلف من ms002 السلف، ~~واتقوا أخطاءهم ... فطال عمرها؛ فنجد مثلا أن عمر دولة الخلفاء الراشدين كان نحو ~~ثلاثين عاما. # فجاءت الدولة الأموية فعاشت نحو مائة عام، ثم جاءت الدولة العباسية فعاشت أكثر من خمسمائة ~~سنة. # والدول الغربية الحديثة تعلمت من أسباب سقوط الدولة اليونانية والرومانية، واحترست ~~من أن تقع في مثل أمراضها ... فطال عمرها كثيرا، ولا يعلم إلا الله منتهاها، ولكنها على ~~كل حال إلى النهاية المحتومة للأفراد والأمم، وهي الفناء، والدولة الأموية التي سبقت الدولة ~~العباسية أخذت في الفناء من بعد وفاة عمر بن عبد العزيز، واستمرت في طلوع الروح نحو ~~ثلاثين سنة. ~~(1) أسباب سقوط الدولة الأموية # ولسقوط الدولة الأموية أسباب، منها: أن الأمويين شددوا النكير على العلويين، وساموهم ~~الخسف، وكان أولاد الحسين بعد مقتل أبيهم صغارا، فلما مضى الزمن شبوا، وحاولوا أن ~~يأخذوا بثأر أبيهم، وكان أول حجر في سقوط بني أمية قتل سليمان بن عبد الملك لأبي ~~هاشم، وقد عهد أبو هاشم عند قتله إلى محمد بن علي رأس العباسيين، وكان ~~الأمويون يحذرون العلويين أكثر مما يحذرون العباسيين، وذلك أمكن العباسيين أن ~~يبثوا دعوتهم ضد الأمويين في اطمئنان. # والثاني: أن الدولة الأموية كافأت رجالها العظام أسوأ مكافأة - والرجال العظام في ~~الدول قليل - فلما فقدت الدولة الأموية رجالها فقدت جانبا عظيما من قوتها، فكان من ~~رجال الدولة الأموية المخلصين: موسى بن نصير فاتح الأندلس، وخالد بن عبد الله القسري، ~~ويزيد بن المهلب، وقتيبة بن مسلم، ومن خطأ الخلفاء الأمويين ظلمهم لأمثال هؤلاء ~~الرجال، فقتلوا بعضهم؛ كخالد بن عبد الله، وقتيبة بن مسلم، ويزيد بن المهلب، ~~وزج بموسى بن نصير في السجن. # وسبب ثالث؛ وهو: تباعد أطراف المملكة بسبب الاتساع في الفتوح، فبلغت دائرة ملكهم ~~ما لم تبلغه قبلهم غير دولة الرومان؛ فما بين النهرين المعروف بالجزيرة، وإيران، ~~وقسم من الأفغان، والتركستان، والقوقاز، وأرمينيا، وشبه جزيرة العرب، وسوريا، ومصر، ~~والمغرب، والأندلس كلها دخلت في حوزة سلطانهم، وضبط هذه الأقطار المختلفة المترامية ~~الأطراف صعب جدا، وخصوصا إذا كان الخلفاء ليسوا بالأقوياء الحازمين، بل ms003 من الضعفاء الذين ~~يجرون وراء شهواتهم، ولذلك كان من حزم الدولة العباسية ، ومن قواعدها الأساسية عدم ~~التوسع في الفتوح. # يضاف إلى ذلك: ما حبا الله به العباسيين من أمثال أبي مسلم الخراساني الذي نجح نجاحا ~~باهرا في الثورة على الأمويين، والدعوة للعباسيين فاستطاع بذلك أن ينتقم من العرب جزاء ~~وفاقا لما انتقم العرب من الفرس في مبدأ الإسلام. # وكان رجلا عظيم الشخصية جبارا، أدار الحرب على الأمويين في مهارة ونشاط وقسوة حتى نجح، ~~ومع ذلك كافأه أبو جعفر المنصور أسوأ مكافأة بقتله بعد أن مهد له الطريق، وأزال منه كل ~~ما اعترضه من عقبات ... شأن الأمويين في نوادر رجالهم، وشأن الرشيد - فيما بعد - فيما فعله ~~مع البرامكة. # كل هذه الأسباب تجمعت، وكانت سببا في سقوط الدولة الأموية، وقيام العباسيين بعدهم ~~ينكلون بهم، ويفتكون بكل من عثروا عليه منهم. ~~(2) الأمويون والعباسيون # على كل حال ما أكبر الفرق بين الدولة الأموية والدولة العباسية ... كان الأمويون يحكمون ~~البلاد حكما عربيا فيه بساطة وفيه عيوب القبلية، أما العباسيون فكانوا يحكمون البلاد ~~حكما فارسيا، وكانت قصور الخلفاء الأمويين قصورا فخمة بسيطة كالذي نشاهده من آثارهم، ~~وكانت قصور العباسيين فخمة معقدة، وكان المثل الأعلى للأمويين أمراء غسان وأمثالهم، أما ~~المثل الأعلى للعباسيين فالأكاسرة. # وكان الولاة في العهد الأموي ذوي عقلية عربية أمثال زياد ابن أبيه، والحجاج، وخالد بن عبد ~~الله القسري، أما في الدولة العباسية فوزراؤهم أمثال البرامكة ممن ينزعون نزعة فارسية، ~~وهكذا ... # وربما اتفق الأمويون والعباسيون على أشياء أهمها شيئان: أولا: حصر الخلافة في بيت واحد ... ~~هؤلاء يحصرونها في الأمويين، وهؤلاء يحصرونها في العباسيين، وتجري الخلافة على قانون الوراثة لا ~~على قانون الشورى، ورأي أهل الحل والعقد، وكذلك: يتفقون في أنهم قلبوا الخلافة إلى ملك ~~عضوض. # الملك العضوض # والفرق بين حكم الشورى والملك العضوض: أن الأول لا ينحصر في بيت ولا في ولي ~~عهد، ولكن يستشار أهل الحل والعقد فيمن يصلح، ولذلك قالوا: إن بيعة عمر لأبي ~~بكر كانت فلتة، وقى الله المسلمين شرها. # أما ms004 الثاني فكان الخليفة يعمل على تولية من رأى أن يخلفه، ولو كان غير أهل ~~للخلافة، كما فعل معاوية مع يزيد، وكما فعل الرشيد مع الأمين. # ثانيا: أن كلا من الأمويين والعباسيين خافوا العلويين وكرهوهم، وسلطوا عليهم ~~سيوفهم، مما ألف سلسلة طويلة كالتي رواها أبو الفرج الأصبهاني في كتابه «مقاتل ~~الطالبيين.» # ولقد تكاتف العباسيون والعلويون على إسقاط الدول الأموية ... ثم انفرد العباسيون بالدعوة ~~على أساس آخر. ~~(3) نشأة الدولة العباسية # ذلك أن الذي قام بهذه الدعوة أبو العباس عبد الله بن محمد، وكان على جانب عظيم من ~~الدهاء والسياسة. # فأسس نظرية جديدة خلاصتها: أن زعامة الإسلام الروحية بعد مقتل الحسين لم تنتقل ~~إلى علي بن الحسين، إنما انتقلت إلى محمد ابن الحنفية، الذي أوصى بهذه الزعامة إلى ابنه عبد ~~الله أبي هاشم، وهذا أوصى عند وفاته إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وهذا أوصى إلى ~~أبي العباس عبد الله بن محمد، ومن بعده إلى أبي جعفر المنصور، فراجت هذه الدعوة في بعض ~~البلاد، وعاونهم في ذلك أبناء فاطمة أنفسهم؛ ظنا منهم أن تعاون البيتين أولا يكسبهم ~~قوة، حتى إذا أسقطوا جميعا الدولة الأموية سهل تغلبهم على بني عبد الله بن عباس. # وكانوا في ذلك مخطئين ... بل كان الأمر هو العكس؛ فإنه لما استطاع البيتان إسقاط الدولة ~~الأموية تغلب بيت العباس على بيت فاطمة، وأصبح للعباسيين خصمان كبيران: الأمويون ~~والعلويون، فأخذوا ينكلون بهم جميعا، وقلما خلا خليفة عباسي من قتل إمام علوي، ~~ولما حضرت الوفاة محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، أوصى بالخلافة لأولاده: إبراهيم ~~المعروف بإبراهيم الإمام، وأبي العباس عبد الله، وأبي جعفر الملقب بالمنصور فتولى أبو العباس ~~الخلافة، ووضع للدولة بعض أسسها، ونكل بأعدائها، وجاء أبو جعفر المنصور فسار سيرة أخيه، ~~وأكمل الأسس، وأتم تشريد الأعداء. # وجاء بعده المهدي فصادف جماعة ينقمون على الإسلام نجاحه، ويودون إرجاع الدولة الفارسية ~~كما كانت، وديانة الفرس الوثنية كما كانت، فقتلهم المهدي تحت ستار أنهم زنادقة، وعهد بالخلافة ~~إلى ابنه ms005 الهادي ثم الرشيد ... فجاء الهادي يريد أن يخلع الرشيد، ويحمل الناس على البيعة لابنه ~~جعفر، وكان الهادي شرسا قويا جبارا، وكان الرشيد لينا مطواعا، فلما علم من أخيه ذلك مال ~~إلى إجابته. # ولكن عصاه يحيى البرمكي - وكان ولي أمره إذ ذاك - ولما اشتد الهادي على يحيى البرمكي ~~والرشيد، نصح يحيى للرشيد بأن يسافر إلى مكان بعيد؛ ليختفي عن أعين الهادي فلا يذكر هذه المسألة ~~إلا لماما. # | على أريكة الخلافة # تولية الرشيد # كان من حسن حظ الرشيد أن لم تطل خلافة الهادي فمات سريعا، ومات فجأة ... فلم ~~يغير البيعة، وتولى الرشيد مكانه، وجلس على العرش، ونال حظوة عظمى، فلم يعرف الغرب عن ~~الشرق كما عرف عن الرشيد، وذلك لأسباب كثيرة، أولها: شدة العلاقة التجارية والسياسية بين ~~الرشيد وملوك أوروبا في ذلك العهد، وثانيها: ما صورته كتب الأدب والشعر عن مجالس الرشيد، ~~ثالثها: القصص والحكايات التي روتها عنه ألف ليلة وليلة، من صور رائعة جذابة ... هذه صورة له ~~يتعسس بالليل مع جعفر البرمكي، ومع خادمه مسرور في أزقة بغداد، وهذه صورة أخرى يمتحن فيها ~~الفتيات، وهذه صورة ثالثة في المنادمة على الشراب والغناء، وهذه صورة رابعة ينصف فيها المظلوم، ~~ويحقق العدالة، وعلى الجملة، فقد صور ألف ليلة وليلة الرشيد تصويرا بديعا لطيفا، كما ~~صور لنا أسواق بغداد، وكيف تزخر بالسلع، وكيف تتوارد عليها من كل مكان، وحركة التجارة نشيطة ~~مليئة. # هارون الرشيد على أريكة الخلافة. # وتصور لنا مجالس الرشيد، وما فيها من بذخ وترف، إلى غير ذلك مما يعد دعاية واسعة ~~للرشيد. # الرشيد وألف ليلة # وهنا نتساءل: لماذا كانت ألف ليلة وليلة داعية للرشيد من دون غيره من كبار خلفاء بني أمية ~~كعبد الملك بن مروان، وهشام بن عبد الملك، أو من كبار بني العباس كعبد الله بن محمد، ~~وأبي جعفر المنصور؟ وكلهم في الحقيقة أعظم من الرشيد وأفخم وأعدل ... # فكرت في ذلك طويلا ... فاهتديت إلى جواب - قد يكون صحيحا - وهو: أن ألف ليلة وليلة ~~ترجم في عصور مختلفة، وزيد عليه في ms006 عصور مختلفة، فكان أول ما ترجم عن الفارسية هذا القسم ~~البغدادي في عصر الرشيد، فتملقه المؤلفون لظهور الكتاب في أيامه، واتقاء لما حدث لعبد الله بن ~~المقفع حين ترجم كليلة ودمنة، وقد أومأ إيماءة خفيفة إلى ظلم الخلفاء والحكام، وذلك بوصفه ~~للملك العادل، وما ينبغي أن يكون عليه، ونقمته على الملك الظالم، وكيف يكون ... مما دعا إلى ~~قتله بتهمة الزندقة. # وكانت ترجمة ألف ليلة وليلة على كل حال مسايرة لترجمة كليلة ودمنة، ترجمة من نوع ~~خاص؛ لا هي بالحرفية، ولا هي بالمعنى فقط، ولكن ترجموا المعاني مصبوغة بالصبغة الإسلامية؛ من ~~اعتقاد في القضاء والقدر، ومن تقدير للحظ، ونحو ذلك. # فلما رأى القاص المترجم ما حدث لابن المقفع اتقاه، وبالغ في الحفاوة بالرشيد ... ليتقي ~~القتل. ~~••• # وقد يكون هناك سبب آخر؛ وهو أن الرشيد لما علم بمترجم الكتاب أفاض على المترجم من ~~عطائه، وفهم أن هذه خير دعاية له كما تفعل بعض الهيئات السياسية من شراء بعض الجرائد بالمال، ~~وربما يكون السببان جميعا صحيحين. # وربما ترجم جزء آخر من ألف ليلة وليلة في عهد الخليفة العباسي المعتضد فمدح أيضا، ~~وخلعت عليه صفات عمر بن الخطاب والرشيد. # أما القسم المؤلف في مصر فقد وقف موقفا آخر، واصطبغ بصبغة أخرى ليست موضوع حديثنا ~~هنا. # على كل حال أشادت ألف ليلة وليلة بذكر هارون الرشيد إشادة عظيمة في علمه وعدله ولهوه، ~~وغير ذلك. ~~••• # وكان من حسن حظ الرشيد رواج ألف ليلة وليلة رواجا عظيما في الغرب، ووقوفهم على ~~قيمتها، عكس ما كان ينظر الشرقيون إليها قديما؛ فقد وصفها ابن النديم بأنها قصص تافهة، ولكن ~~الغربيين رأوا فيها خير ما يمثل الحياة الاجتماعية، فيما تروي من عقائد، ومن حوار، ومن مكر ~~نساء، ومن لعب شطرنج إلى غير ذلك، ورأوا أنها تمثل الشرق من جميع نواحيه، فعنوا بها من نواح ~~مختلفة ... # فأولا: # من جهة نشر نصوص الكتاب التي عثروا عليها. # وثانيا: # من جهة ترجمتها إلى لغات غربية مختلفة. # وربما كان أول من ترجمها إلى الفرنسية الأديب الفرنسي ms007 «جالان» ثم «إدوارد لين» إلى ~~الإنجليزية، ثم «لتمن» بالألمانية. # وقد راجت هذه الترجمات رواجا منقطع النظير، وكان في رواجها رواج للرشيد معها، فلما رآها ~~المترجمون قد راجت، وقرأها الكثيرون شغفوا بالرحلة إلى البيئات التي نشأت فيها ألف ليلة وليلة، ~~ودعاهم ذلك إلى تعلم اللغة العربية، ووضع كتب فيما شاهدوه على أثر هذه الرحلات. # ثم كانت الخطوة الثالثة، وهي استغلال هذه الترجمة باستيحائها، ووضع قصص أحيانا للأطفال، ~~وأحيانا للكبار، وأحيانا تمثيلية، وأحيانا غير تمثيلية، وهكذا. # وكلها عملت لهارون الرشيد عمل السحر، مما لم تعمله أية دعاية لأي ملك آخر. # الخليفة العباسي # ولم يكن الخليفة العباسي حاكما مدنيا فحسب؛ بل هو أيضا حاكم روحي يحاط بهالة من ضروب ~~الشرف والتوفير والاحترام، فلما مات الهادي بويع الرشيد كما تجري المراسم، فجلس على سرير ~~الملك، وامتلأت الأبهاء على سعتها بكبار رجال الدولة، ومن يسمون عادة أهل الحل والعقد، ~~وبدأت البيعة أولا بالأمراء الذين يتقدمون إلى العرش، ويقرأون صحيفة البيعة، وينفذون ~~الأيمان التي أخذت عليهم من قبل، وبايع بعدهم الوزراء وأولادهم، ثم أصحاب الشرطة. # وبعد أن تم ذلك، انعطف إخوة الخليفة والوزراء والأشراف على شكل دائرة بجانبي العرش، ووقف ~~الحاجب بالباب يأخذ البيعة من الناس، وكتب إلى أمراء الأمصار ليأخذوا البيعة من كبار ~~الرجال في دائرتهم، فلما تم ذلك تمت الصبغة القدسية للرشيد، وتمت له السلطة المدنية والروحية، ~~وهي حالة لا نستطيع أن ندركها في عصرنا اليوم. ~~••• # فمما فعله الرشيد أن سمى بغداد مدينة السلام تشبيها لها بدار السلام، وسمى قصر ~~الخلافة بالحريم تلميحا إلى البيت الحرام، وجلب بعضا من أبناء الأنصار، وسماهم بالأنصار، ~~وجعل بابا من أبواب بغداد قليل الارتفاع، لكي ينحني الداخل منه تشبيها بالسجود احتراما ~~للخليفة ... كما يفعل الداخل إلى الكعبة، وسمى الخيزران أم الخلفاء تشبيها بما سمى به الرسول ~~عائشة أم المؤمنين. # واستكتب العلماء في وضع الأحاديث التي تمجد بيت بني العباس؛ كالذي رواه الطبراني عن ابن ~~عمر كان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في نفر من المهاجرين والأنصار، وعلي ms008 بن أبي طالب عن يساره، والعباس عن ~~يمينه، فتلاحى العباس ونفر من الأنصار فأغلظ الأنصاري للعباس. # فأخذ النبي # صلى الله عليه وسلم # بيد العباس وبيد علي، وقال: «سيخرج من صلب هذا فتى يملأ الأرض جورا ~~وظلما، وسيخرج من صلب هذا فتى يملأ الأرض قسطا وعدلا، فإذا رأيتم ذلك فعليكم بالفتى ~~التميمي، فإنه يقبل من قبل المشرق، وهو صاحب راية المهدي.» # ويظهر أن واضع هذا الحديث ماكر زائد في المكر؛ فإنه جعل روايته ذات وجهين، حتى إذا غلب ~~فريق ادعى أنه هو المراد؛ لأنه لم يعين المشار إليه في كل مرة فأخذه دعاة بني العباس ~~وأولوه لهم؛ لأنهم أصحاب الرايات. # وأغرب من هذا ما رواه الحاكم عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال مجاهد: قال لي ابن عباس: «لو ~~لم أسمع أنك من أهل البيت ما حدثتك بهذا الحديث» قال: فقال مجاهد: «فإنه في ستر لا ~~أذكره لمن يكره»، قال: فقال ابن عباس: «منا أهل البيت أربعة: منا السفاح، ومنا المنذر، ~~ومنا المنصور، ومنا المهدي»، قال: فقال مجاهد: بين لي هؤلاء الأربعة، فقال ابن عباس: «أما ~~السفاح؛ فربما قتل أنصاره، وعفا عن عدوه، وأما المنذر؛ فإنه يعطي المال الكثير، ولا يتعاظم ~~في نفسه، ويمسك القليل من حقه، وأما المنصور؛ فإنه يعطى النصر على عدوه، ويرهب منه ~~عدوه على مسيرة شهر، وأما المهدي فإنه الذي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، وتامن البهائم ~~السباع، وتلقي الأرض أفلاذ كبدها، قال: قلت: «وما أفلاذ كبدها؟» قال: «أمثال الأسطوانة من ~~الذهب والفضة».» # قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ومنه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، وقد خرج له مسلم، ~~والحديث كما يظهر مصنوع حكي بمهارة كما يحكى الحديث الصحيح. # وكلها أحاديث وضعت لخدمة البيت العباسي، والإشاعة بين الناس أنه بيت مؤيد من الله مقدر ~~على العباد فلا معنى لمقاومته. # يحيى البرمكي # ولما تربع الرشيد على كرسي الخلافة الذي كان متربعا عليه من قبل أخوه الهادي، وأبوه ~~المهدي، كان أول ما فعل أن أسند الوزارة إلى يحيى ms009 البرمكي؛ اعترافا بجميله ... فقد كان مربيا ~~له في صغره، وكان المدافع عن ولايته للعهد في شبابه، وكان الرشيد يناديه: يا أبت! دلالة على ~~حبه والوفاء له، وكان يستشيره في جميع الأمور ما صغر وما كبر، ومنحه سلطة مطلقة لتسيير ~~أمور الدولة كما يرى. # وكانت وزارته وزارة تفويض، والوزارة في الدولة الإسلامية تنقسم إلى قسمين؛ وزارة تفويض، ~~ووزارة تنفيذ ... فوزير التفويض يستطيع أن يفعل ما يشاء من غير أن يرجع إلى خليفته، وله الحق ~~أن يولي من يشاء، ويعزل من يشاء، وأما وزير التنفيذ فليس له أن يفعل أمرا ابتداء من ~~عند نفسه، إنما يفعل ما يأمر به الخليفة. وكان ليحيى هذا أبناء أربعة: الفضل، وجعفر، ~~وموسى، ومحمد ... وكلهم على جانب عظيم من الحنكة السياسية، وولوا أعمالا عظيمة في الدولة، ~~واشتهر منهم الفضل بن يحيى، وجعفر بن يحيى. # اشتهر الفضل بالكرم الذي لا حد له، وكان في ذلك يفوق كل أهل بيته، واشتهر جعفر بالقرب ~~الشديد من الرشيد، وبالكرم دون كرم الفضل، وبالبلاغة فوق بلاغة الفضل. # وكان الخليفة في هذا العصر حاكما مستبدا برأيه، يهيمن على كل شئون الدولة، وفي يده جميع ~~السلطات، ويشرف على الرسائل الرسمية، وعلى تعيين أمراء الأمصار وعزلهم، ووزيره ينوب عنه في ~~ذلك، وكانت كل الأعمال التي يتولاها الوزير يتولاها إما برأيه أو منفردا عنه، ولم تكن شئون ~~الدولة مقسمة إلى وزارات، كل وزارة لها اختصاص، فإن بغداد لم تعرف هذا النظام، بل كان ~~الوزير وزير كل شيء؛ وزيرا للمال، ووزيرا للشئون الاجتماعية، ووزيرا للأشغال، إلى غير ذلك، ~~كما كان الخليفة كل شيء، وإنما عرف نظام التخصيص، وإسناد كل طائفة من الأعمال إلى وزير، ~~وتعدد الوزراء الأندلس لا الشرق ... وهذا ما جعل الوزير في الشرق واسع السلطان، يحمل كل ~~المسئوليات. ~~••• # وبجانب الوزير والخليفة، كان هناك مجلس استشاري، يتألف من الوزير وبعض العائلة المالكة، ~~وهذا المجلس يستشار في المسائل العامة الكبيرة؛ كإيرادات الدولة ومصروفاتها، وتعيين كبار ~~الموظفين وعزلهم، ومن الأسف أن ليس لدينا تفصيل كبير عن عدد أعضاء ms010 هذا المجلس، ولكنا نعلم أنه ~~مجلس استشاري، للخليفة والوزير أن يأخذا برأيه أو يخالفاه، لا كما كان نظام الشورى في عهد ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # والخلفاء الراشدين، ولا كما كان مجلس الشورى في الأندلس؛ إذ كان له من السلطان ما ~~يستطيع به أن يقضي على الخليفة ويلزمه بحكمه. # وبجانب ذلك كان صاحب البريد، وكان ذا شأن عظيم في ~~الدولة؛ فهو بطبيعة عمله يجمع الأخبار من كل قطر بواسطة أتباعه، ويتجسس بواسطتهم على من ~~بيدهم السلطة، وإذا كانت هنالك مؤامرة أو دسيسة، أو حض على الثورة أخبر بها الخليفة ~~سريعا، وكانت إدارة البريد منظمة تنظيما دقيقا، وإذا استطاع الخليفة أن يحجب كل إنسان ~~فلا يصح له أن يحجب صاحب البريد؛ لأن تأخير ساعة واحدة ليلا أو نهارا قد يجعل الأمر الخفيف ~~مستفحلا، ويجعل ما كان يتغلب عليه باليسير لا يتغلب عليه بالكثير. وكان من شأن صاحب البريد ~~التجسس في الداخل وفي الخارج جميعا، ومن المتجسسين رجال ونساء، ومنهم تجار متخفون، وغير ~~تجار، مما يشبه ما عليه الأمم الغربية في هذا العصر. # توزيع الأمراء # وهناك أمير على كل قطر ينوب عن الخليفة؛ يضرب الضرائب، ويحصل الأموال، ويصرف مما ~~تحصل على الإصلاحات العامة، وما بقي منها يرسله إلى الخليفة في بغداد، وقد بلغ ما دخل خزانة ~~الخليفة كل سنة في عهد الرشيد حوالي 411 مليون دينار، وكانت الإمارات في عهد الرشيد تتألف ~~من الجزيرة، وأذربيجان، وأرمينيا، ومكة، والمدينة، واليمامة، واليمن، والكوفة، والبصرة، ~~والبحرين، والسواد، وعمان، وعراق العجم، وخراسان، وما وراء النهر، والبنجاب، والسند، ~~والأهواز، وجنوبي فارس، والموصل، والشام، ومصر، وعلى كل إمارة من هذه الإمارات أمير يتولى ~~أمورها، وهو مسئول عن شئونها المادية والروحية أمام الخليفة، وإذا حصلت ثورة أخبر الخليفة، ~~وكان عليه أن يخمدها. # وبجانب ذلك أيضا كان أستاذ الدار - أو كما يقال مختصرا الأستاذ - أو كما يسمى اليوم: ناظر ~~القصر، وهو يقوم بكل شأن من شئون الدار، ومراعاة زواره، وما يأمر به الخليفة من تنظيم ~~حفلات كما يقوم على طعام ms011 الخليفة وشرابه، وطعام حاشيته وشرابها، إلى غير ذلك. # ثم كان ديوان الرسائل يتولى تدوين توقيعات الخليفة، وإعداد المراسيم، وما يصدر عن الخليفة، ~~وما يرد إليه. # وكان بكل مدينة شرطة يحملون ألقابا عسكرية خاصة ... ثم كان المحتسب الذي يشرف على كثير ~~من الشئون الاجتماعية؛ فيؤدب السكير، والمطفف في الكيل والميزان، ومن احترف حرفة ليس ~~أهلا لها، ويستوثق من صلاحية السلع التي تباع، وعدم بهرجة النساء، ونحو ذلك. # | أبهة الدولة في عصر هارون الرشيد # أحيط الرشيد بأبهة الدولة ومباهجها مما أخذته الدولة العباسية عن الفرس؛ ذلك أن مجالس ~~الخلفاء الراشدين كانت ساذجة بسيطة، في المسجد، أو في المنزل، يقعدون على حصير أو جلد، ويلتفون ~~بعباءة أو نحوها، ولا حرس ولا حجاب، وإذا بعثوا قائدا مشى الخليفة في وداعه بلا حرس ولا طبول، ~~ولم تكن هناك حجابة ولا حجاب، بل كان من أراد الاستئذان على الخليفة يقف على الباب، ~~ويقول: «السلام عليكم ... أدخل؟» يكررها ثلاثا، فإن قيل له: «ادخل» دخل، وإن لم يجب لم ~~يدخل، ثم اضطر الخلفاء الراشدون أنفسهم للحجاب للازدحام، فلما فتحوا الفتوح من أقطار ~~كان يحكمها الرومانيون، وأقطار كان يحكمها الفرس، قلدهم الأمراء والخلفاء في مظاهر الأبهة، ~~واتخاذ الحجاب. # وقد بدأ ذلك معاوية بن أبي سفيان في دمشق، وأشاروا عليه بضروب من الفخفخة، فرتبوا الناس ~~مراتب في الدخول على الخليفة أو الأمير، يؤذن أولا للأشراف نسبا، فإذا تساووا في النسب قدموا ~~أكبرهم سنا، فإذا تساووا في السن قدموا أكثرهم أدبا، وقلد الأمويون ملوك الروم، وقلد ~~العباسيون أكاسرة الفرس في مجالسهم ومظاهر أبهتهم. # أبهة واستبداد # فلما جلس الرشيد كانوا ينصبون له في الساحة الكبيرة في القصر سريرا وكراسي، ويفترشون له ~~الطنافس والمصليات، والوسائد تطوى طيتين، وكانت الستور تقام لتحجب الخليفة إذا أراد، وتزاح إذا ~~أراد، ثم عينوا الحجاب على الأبواب ليمنعوا الدخول على الخليفة إلا بإذن، فإذا أذن ~~الخليفة أو الأمير لأحد تقدم بالسلام، وربما أضافوا إليها السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة ~~الله وبركاته، وربما قبلوا يد الخليفة عند التحية ms012 إذا أحس القادم رغبة من الخليفة في ذلك، ~~فلما ازدادوا عظمة ترفعوا عن مد يدهم للداخلين. # وفي عهد العباسيين اخترعت بدعة تقبيل اليد أو الكم، فإذا استعظموا قائدا منعوه من ~~تقبيل يدهم أو كمهم، ثم يجلسون في مجلس الخليفة حسب مرتبتهم، يتولى إجلاسهم في مجالسهم الحاجب، ~~وهذه تختلف باختلاف الدول ... # فكان الأمويون في عهد بني أمية يجلسون الأمويين أقرب مجلس للخليفة، أما العباسيون فكانوا ~~يجلسون بني هاشم أقرب مجلس إليهم؛ لأنهم أنفسهم من بني هاشم، وإذا أجلسوا بني هاشم أجلسوهم ~~على الكراسي، وأقعدوا بني أمية أعداءهم على الوسائد، وقلما كان يكون ذلك، وقد منع الخلفاء ~~العباسيون الكلام، ومخاطبة الزائرين بعضهم لبعض في مجلس الخليفة، ولا ينهض أحد لداخل إلا إذا ~~نهض الخليفة، ثم هم لا يبدأون الخليفة بكلام إلا أن يبدأ، فإذا لم يكلمه ظل ساكتا. ~~••• # ولم يشذ عن ذلك إلا المأمون؛ لرغبته في سماع الجدل والمناظرة، وغلبة ذلك عليه أكثر مما ~~يميل إلى التقاليد المرعية، وربما قلده فيه غيره من بعض الخلفاء الذين أتوا بعده، ومنعوا أن ~~يؤمر أحد في حضرة الخليفة بأمر ليكون هو الآمر وحده، وطلبوا إلى الداخل أن يصغي بكل ~~جوارحه إلى الخليفة، وينتبه كل انتباهاته إلى إيماءات الخليفة وإشاراته، ومنعوا أن يعزى ~~الخليفة، وأن يسأل كيف أصبح، وكيف أمسى، وإنما يجوز ذلك لطبيبه الخاص، وبالغوا في ~~الحجاب. # وكان لكل خليفة كلمة أو إشارة يقولها عند الإذن من حضرته بالانصراف، فكان السفاح - مثلا ~~- يتثاءب، ويلقي المروحة من يده، وكان المأمون يعقد الإصبع الوسطى بإبهامه، وكان من انصرف ~~يوجه وجهه نحو الخليفة حتى يصل إلى الباب بظهره ثم ينصرف، وكان على باب قصر الخلد في عهد ~~الرشيد مكان يجتمع فيه الوفود من شعراء ومغنين ومضحكين، لعله يخطر ببال الخليفة طلب نوع ~~منهم، وتكون له الحظوة، وشجع على ذلك كثرة ما كان يعطيه للوافدين، أو مما يعرضه تجار الجاريات ~~والسلع، وكثيرا ما تصطدم عطاءاته برغبة الوزير، كالذي حكي أنه أمر مرة بشراء جارية ~~مغنية بآلاف من الدراهم، فاستكثرها ms013 يحيى البرمكي ... فأحضر المبلغ، وكومه في مكان يطلع ~~عليه الرشيد في ذهابه إلى الوضوء وجيئته. # فلما رأى الرشيد المبلغ استكثره، ومع ذلك صمم على تنفيذه إرادته، وانتقد يحيى البرمكي في ~~سره حتى قالوا: إن هذه الحادثة أيضا من أسباب نكبتهم ... ~~••• # ولقد كان المظهر مظهر أبهة وفخفخة واستبداد وتقاليد دقيقة، في الجلوس والحديث ~~والانصراف، مما ورثوه عن الأكاسرة من قبل، ولا يعرفها الإسلام، وهذه كلها خلعت قلوب الناس، ~~وأماتت روحهم، وجعلتهم كأنهم أحجار شطرنج مفقودة الإرادة، كما أن هذه السلطة الواسعة للخليفة ~~مكنت للرشيد أن يتصرف في الناس تصرف الحاكم المستبد المطلق الحرية، ولولا ذلك ما أمكنه ~~أن يقبل - مثلا - كل الإقبال على البرامكة، فتكون لهم السلطة المطلقة ... ثم ينقلب ~~عليهم، وينكل بهم، ويصادر أموالهم، ومن يلوذ بهم. # فالنظام السائد إذ ذاك كان نظاما منسجما يناسب بعضه بعضا؛ ففي حكم الرشيد - مثلا - ~~استبداد لا إلى حد أحيانا، وسماحة لا إلى حد، ولا يدري من يطلبه الخليفة أذاهب هو إلى ~~القبر؟ أم راجع بآلاف الدنانير؟ إذ لا قوانين ولا اتهام، ولا دفاع للمتهم عن نفسه، ولا عمل ~~بقانون شرعي أو قانون وضعي، فرقاب الناس كلهم معلقة بفم الخليفة ... قد يأمر بالسعد كله، وقد ~~يأمر بالشقاء كله، وكل الأمور من معاملة الولاة للرعية، والرعية للوالي، وعلاقات الناس ~~بعضهم ببعض تتشابه، وقديما قالوا: «الناس على دين ملوكهم.» # ومع هذا فيجب أن ننظر للرشيد على أنه حاكم شرقي مستبد له كل مزايا الحاكم المستبد من ~~إغناء من شاء، وإسعاد من شاء، وسرعة التنفيذ فيما يرى، والخضوع والطاعة من غير تعب، وفيه ~~رزايا الحاكم المستبد من سفك دماء من شاء، وسلب الناس حقوقهم وحرياتهم، وخضوع الناس للهوى ~~الذي لا يعرف أين يتجه، لا لقانون معروف، ونحو ذلك. # ميزانية الدولة # وقد عثر على ميزانية للدولة العباسية من إيرادات ونفقات، شأن الميزانيات في هذا العهد، ~~وإن كانت الميزانية التي عثرنا عليها ميزانية لعصر بعد عهد الرشيد بقليل. نكتفي ببعضها، فمنها: # 1000 دينار في اليوم أرزاق أصحاب النوبة من ms014 بوابين ومماليك. # 1500 دينار في اليوم أرزاق الفرسان. # 600 دينار في اليوم أرزاق المختارين من الجند . # 333 دينارا في اليوم نفقات المطابخ الخاصة والمخابز. # 4 دنانير في اليوم أرزاق السقايين بالقرب في القصر. # 100 دينار في اليوم أرزاق الحشم من المستخدمين لخزائن الكسوة والصناع والرفائين ~~والمطربين. # 44 دينارا في اليوم أرزاق الجلساء، وأكابر الملهين، ومن يجري مجراهم. # 400 دينار في اليوم ثمن علوفة للخيول في الاصطبلات. # 20 دينارا في اليوم أرزاق مشايخ بني هاشم، والخطباء في المساجد. # 33 دينارا في اليوم أرزاق لبني هاشم من العباسيين والطالبيين. # 4 دنانير في اليوم ثمن النفط للنفاطات والمشاعل ومن يخدمها. # 50 دينارا في اليوم نفقات السجون. # 15 دينارا في اليوم نفقات البيمارستانات ... إلخ. # وقد جمعت النفقات كلها فكانت جملتها 6974 دينارا في اليوم، أما الدخل فكان من ~~الصدقة، والزكاة، والجزية، والخراج، والمكوس، وأعشار السفن، وأخماس المعادن، والمراصد ~~«الجمارك»، وغلات ضرب النقود، وضرائب الصناعة ... إلخ. # وكان فضل خليفة على خليفة، وعهد على عهد في الموازنة بين الدخل والخرج، أما إذا ~~اختلت الميزانية فقد اختلت شئون الدولة، ويكون ذلك من قلة الدخل مع كثرة الخرج، أو من كثرة ~~الدخل مع قلة الخرج، وضياع المصالح. ~~••• # وكانت مراسيم التعيين في غاية من الروعة والبهاء؛ فكان من يستوزر يأتي إلى القصر بعد ~~أن يصله الكتاب الرسمي يحمله إليه أميران من أمراء الدولة، وعند خروجه إلى باب الخليفة ~~يقدمه الحاجب إليه، فيتحدث إليه قليلا ثم يذهب إليه قليلا، ثم يذهب إلى حجرة أخرى، فيلبس ~~لباس التشريف، ثم يعود فيقبل يد الخليفة، وينصرف إلى الديوان ممتطيا فرسا مطهمة، وبين ~~يديه كبار الموظفين والجيش والأمراء وموظفو البلاط، وعندما يصل إلى ديوانه يقرأ عليهم مرسوم ~~التعيين. # مجلس الخليفة # وكان مجلس الخليفة - ويسمى مجلس العزيز - يقابل الباب العالي في الدولة العثمانية، وكان ~~من أهم الدواوين: ديوان الخراج، وديوان الضياع السلطانية، أو كما نسميه اليوم ديوان الخاصة ~~الملكية، وديوان الزمام، وهو ما يقابل اليوم مراقبة الحسابات، وديوان الجند، وديوان الموالي ~~والغلمان، وديوان البريد، وديوان ms015 زمام النفقات، وديوان التوقيع، وديوان الأحداث والشرطة، وديوان ~~العطاء، وديوان المظالم، وهو ديوان أعلى من المناصب القضائية؛ لأنه كان ينظر في المظالم التي ~~يتهم فيها الملوك أو الخلفاء أو الأمراء أو الولاة على العهد أو أولاد الخلفاء، أو نحو ذلك ~~ممن لا يستطيع القاضي العادي أن ينفذ فيهم كلمته، فكان هذا الديوان يسمع الشكاوى من ~~هؤلاء الخاصة، ويستطيع بواسطة رياسة الخليفة أن ينفذ كلمته. # وقد كان الرشيد - ومن بعده المأمون - يرأسان هذه المجالس، وكانوا يفردون يوما خاصا ~~للنظر في أقوال المتظلمين، ويقولون: إن أول من فعل ذلك عبد الملك بن مروان في الدولة ~~الأموية، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم وقف العمل إلى أن استقرت الدولة العباسية ورأسه ~~المهدي، ثم الهادي، ثم الرشيد، ثم المأمون. # واستمر العمل به إلى زمن المهتدي بالله، ثم عهد الخلفاء النظر في المظالم إلى قاضي ~~القضاة، أو إلى بعض عظماء الدولة. وكان يعرف أن المأمون كان يجلس للمظالم يوم الأحد من كل ~~أسبوع، ولسنا نعلم أي يوم كان يجلس الرشيد فيه للقضاء في هذه المظالم. # دار الضرب # وكانت هناك دار تسمى دار الضرب، تضرب فيها النقود ... أنشئت في بغداد، والقاهرة، ودمشق، ~~والبصرة، وكان على دور الضرب هذه ضريبة على ما يضرب فيها من النقود، مقدارها درهم عن كل مائة ~~درهم، وربما اختلفت الضريبة باختلاف المدن، وتجمع من ذلك دخل كبير للدولة، أما مقدار ما ~~كان يضرب فلم نعرفه بالضبط. غير أننا رأينا بعض المؤرخين يقول: إن دار الضرب في الأندلس ~~على عهد بني مروان كانت تضرب مائتي ألف دينار في السنة. # وكانت صناعة الضرب هذه صناعة ساذجة بدائية ... قالب من حديد تنقش فيه الكلمات التي يراد ~~ضربها على النقود مقلوبة، يسيحون الذهب والفضة بمقدار، ويصبونها في هذه القوالب، ويطرقونها ~~بمطرقة ثقيلة، ويسمون هذه الحديدة «السكة»، وهناك عمال كثيرون في هذه الدار ... من وازن وضارب، ~~ونحو ذلك. # القضاء # ولكل ديوان اختصاصاته، بعضها إداري وبعضها قضائي، كديوان القضايا، وكان على جانب عظيم من ~~الأهمية، وكانت كل القضايا ms016 لغير المسلمين توكل إلى رؤساء ديانتهم، أما المسلمون فكان يفصل ~~بينهم القضاء، وكان في كل حاضرة قاض يتبعه قضاة في النواحي التابعة للمدينة، وكان قاضي ~~بغداد يسمى قاضي القضاة، وهو في الواقع رئيس قضاة المملكة الإسلامية كلها، أما القضايا ~~الخاصة بين الناس فتعهد إلى صاحب ديوان المظالم كما ذكرنا، وأحيانا يرأس الجلسة الخليفة ~~نفسه، وينوب عنه في غيابه أحد كبار الموظفين، وأعضاؤها: قاضي القضاة، والحاجب، وكبار رؤساء ~~الدواوين، وكان من العادة المألوفة ألا تقبل شهادة كل شاهد، وإنما يختار جماعة من حسني ~~السيرة، أو على الأقل مستوري الحالة يسمون عادة بالعدول، ولا تقبل الشهادة إلا منهم، فمن ~~أراد أن يثبت حادثة حدثت تحرى أن تؤدى أمامهم، وكانت على العموم محاكم بدائية لم ~~تنظم تنظيما تاما إلا في عهد نور الدين محمود زنكي. # الزراعة والصناعة # وعني في عهد الخلفاء العباسيين بالزراعة، وخاصة في الولاية التي بين دجلة والفرات؛ ~~فامتدت شبكة من القنوات في الترعة لا تزال آثارها المطمورة باقية إلى اليوم، والترع الكبيرة ~~تمخر فيها السفن الكبيرة، هذا القسم الذي بين دجلة والفرات هو الذي يسمى سواد العراق لكثرة ~~خصبه. وعنوا عناية كبيرة بفحص المواد المعدنية، واستخراج الحديد والرصاص والفضة من فارس ~~وخراسان، كما استخرجوا الزمرد من تبريز، والملح والكبريت من شمالي فارس، والقير والنفط من ~~كورجيا، ومن ثم أنشأوا إدارة للمناجم، وولوا عليها مديرين أكفاء. # كما كانوا يشجعون الصناعات: كصنع الصابون والزجاج، وشيدت لهما مصانع في بغداد وسامرا، ~~واشتهرت مصر وسمرقند وبغداد بصنع الورق، وأتي إلى بغداد بطائفة من مهرة هذه الصناعة، ~~وأسست مصانع للتطريز، وتفوقوا في صناعة الحرير والأطلس والأنسجة الحريرية والسجاجية الفاخرة، ~~وقد اشتهرت الكوفة بكوفياتها الحريرية، وغيرها. # واشتهرت صناعة العباءات النفيسة من حرير الخز، وعلى الجملة اشتهرت كل مدينة بصناعة، ~~وعلقت المصابيح البلورية في المساجد ومساكن الأغنياء، وكانت مزدانة بالنقوش الجميلة والآيات ~~القرآنية أو الأحاديث النبوية، وكانت تصنع هذه المصابيح على أشكال مختلفة، وتباع إما للاستعمال ~~أو للزينة، وقد بقيت منها بقية أثرية إلى اليوم، ويصف لنا ms017 بشار - الأعمى - كأسا عليها صورة ~~كسرى بقلنسوته، ورسم حد للخمر الصرف، ورسم حد آخر للماء الممزوج به. # ازدهار التجارة # وازدهرت التجارة في عهد هارون الرشيد، وكانت أول الأمر في يد اليهود والنصارى، ثم انتقلت ~~إلى المسلمين، وقد كثرت أسواقها، واتسعت مناحيها، حتى وصلت إلى الصين، وهم يتجرون في ~~الحرير، والأحجار الكريمة، والأقمشة المزخرفة، والزجاج الملون، ونحو ذلك. # وكانوا ينقلون بضائعهم على قوافل متعددة تسلم كل قافلة ما بعدها كمراحل ~~البريد. # وقد هم الرشيد بحفر قناة السويس قبل ديلسبس بألف عام، وامتدت تجارتهم شرقا إلى ~~إندونيسيا، وغربا إلى مراكش وإسبانيا، ويدل على ازدهار التجارة في عهد الرشيد وخلفائه كثرة ~~الدخل الذي كان يجبى من الأقطار الإسلامية. # الجيش # واشتهرت الدولة العباسية بمهندسين يشيدون العمارات الفخمة، وبعضهم اختص ببناء الحصون، ~~وبعضهم ألف الكتب في الهندسة الحربية؛ كالتعبئة وطرق الاستيلاء على الحصون، وتشييد القلاع ~~والفروسية والحصار، وصفات الخيول وأنواع الخيالة، وكان النظام السائد هو نظام الإقطاع، وهو جمع ~~قطيعة، وسميت أماكن كثيرة بقطيعة فلان، وكان مرتب الجندي مائة درهم شهريا - وزيد بعد ذلك ~~في العصر العباسي - وهذا للجندي الراجل، أما الفارس فكان مرتبه ضعف ذلك، عدا ما يمنحه ~~الخليفة للجنود في المناسبات المختلفة. # واشتهر نظام في الجيش يسمى نظام الموالي؛ فكان لكل خليفة جيش ينتمي إليه، وكان من مقتضى ~~هذا النظام تعلق الجنود بمولاهم والاعتزاز به والتحصن به. # وكان هناك ديوان يسمى ديوان العرض ملحقا بديوان الحرب، من وظيفته استعراض الجند، ومعرفة ~~كفايتهم. # ولذلك نجد أناسا كثيرين يلقبون بالعارض، وكان لكل مرفق من مرافق الدولة مفتش يسمى ~~بالمشرف، وكان مفتش الري والزراعة يسمى مفتش الأقرحة، ومن وظيفة هؤلاء المفتشين التفتيش، كل ~~في دائرة اختصاصه، ورفع التقارير عنها إلى الخليفة. # | النظام الاجتماعي في عهد هارون الرشيد # (1) التقاليد الفارسية # انقلب النظام الاجتماعي الأموي في العصر العباسي رأسا على عقب؛ فبعد أن كانت الدولة ~~الأموية تقيم نظامها على العنصر العربي والدم العربي، أصبحت الدولة العباسية تقيم أساسها على ~~الدم الفارسي والتقاليد الفارسية؛ ولذلك قال الشاعر: # إن أولاد ms018 السراري # كثروا يا رب فينا # رب أدخلني بلادا # لا أرى فيها هجينا # وكان الخلاف بين الأمين والمأمون في الحقيقة خلافا بين عنصرين: عنصر العرب، وعلى رأسه ~~هرثمة بن أعين، وعنصر الفرس، وعلى رأسه طاهر بن الحسين، ولكن مهما اختلف العنصران فقد ~~تمازجا، وتزوج العرب بالفرس، والفرس بالعرب، ونشأت حركة عنيفة تسمى حركة الشعوبية تنادي بتساوي ~~الأجناس، وساعد على ذلك كثرة السراري، والإماء اللاتي كن يملأن البيوت، فكان كل رجل يتزوج ~~بحرة أو حرتين إلى أربع، وتحت يده من شاء من الجواري بملك اليمين، وهؤلاء الجواري ~~كن أكثر حرية؛ بفضل تعرضهن للبيع والشراء، والانتقال من يد إلى يد عكس الحرائر، وذلك عكس ~~المظنون؛ فقد كان المظنون أن تكون الحرائر أكثر حرية، كما ساعد على ذلك أيضا كثرة ~~العلماء من الموالي، ونفورهم من سيادة العرب عليهم. # تعدد الزوجات # ولكن مع الأسف كان تعدد الزوجات وكثرة الجواري سببا في انحلال البيوت؛ فقد كان هذا ~~النظام محمودا يوم كان مرتبطا بالجهاد؛ مما أدى إلى كثرة النساء دون الرجال، واقتضى ذلك ~~اختصاص عدد من النساء برجل واحد، ولكن لما قل الجهاد أو بطل على توالي الزمان، وظل ~~التشريع كما هو نتج عن ذلك انحلال الأسر. # فطبيعي أن البيت الواحد إذا كان فيه حرائر متعددات وملك يمين متعددات، كثر الخلاف ~~بين الحرائر بعضهن وبعض، أو بين الحرائر والإماء، وبين الأولاد لتعدد أمهاتهم، خصوصا ~~وأن من طبيعة الرجل أن يفضل بعضهن على بعض، إما لجمالهن أو لأخلاقهن، أو لغير ذلك، فإذا ~~فضل بعضهن دبت الغيرة في الباقيات، وكثرت الشحناء والدسائس والمؤامرات. # وعلى الجملة انحل البيت، وقع بين الإخوة من أمهات مختلفة في العادة أشد أنواع العداء، ~~وفي التاريخ حوادث كثيرة من هذا القبيل كالذي حدث بين الأمين والمأمون؛ فالأمين أمه ~~حرة عربية، والمأمون أمه جارية فارسية، ويعلل ابن خلدون انحلال البيت بكثرة الترف، ~~ولكن لم يكن الترف حظ كل المسلمين، ولا أغلبهم ... إنما هو حظ الخلفاء والأمراء وكبار ~~التجار وأضرابهم، أما سائر الشعب ففقراء. ~~••• # يضاف إلى ذلك ms019 أن الرجال - وقد قعدوا عن الجهاد - اتسع وقتهم فتفرغوا للشهوات، والإفراط في ~~الشهوات يضعف الهمة، ويقصر العمر، ولذلك كان متوسط أعمار الخلفاء قصيرا بالنسبة لمن ~~عداهم، وكذلك إذا فضل الرجل إحدى زوجاته فضل أولادها أيضا، فكرهه الآخرون كما في قصة يوسف ~~وإخوته. # وإذا شعر الابن بأنه ابن جارية تباع في الأسواق، كان عنده مركب النقص بالنسبة لولد ~~الحرة، كالذي كان بين الأمين والمأمون، وكلما كان الخليفة أغنى وأترف كانت الجواري عنده ~~أكثر عددا، وكان النزاع في البيت أشد، وفسد الأولاد من رؤيتهم أمام أعينهم عددا كثيرا من ~~الشابات الجواري في القصر الذي يعيشون فيه. # وكان الغرام وتبادل النظرات إلى غير ذلك كالذي يحدثنا به ابن حزم في كتابه طوق ~~الحمامة، ولولا لطف الله، وتغلب الإسلام عليه لانهارت أخلاقه كما انهارت أخلاق كثير من ~~الناس، وكما حكي أن المأمون كان يغازل جارية بعينه، وهي تصب الماء على يد أبيه، فلاحظ ذلك ~~الرشيد، واستنكر فعلته، وإذا كانت الأمة مؤلفة من أسر متعددة متنافرة فإنها تنحل ~~بانحلال هذه الأسر. ~~••• # وشيء آخر هام، وهو: أن البيت إذا فسدت أخلاقه بما فيه من تفضيل بعض على بعض، وحسد ~~وغيرة، ومنافسة وعداء بين الأولاد، وعداء بين الأمهات ... أصبح هؤلاء الأمهات غير قادرات على ~~تربية الأولاد تربية صحيحة، وخرجوا إلى الأمة ضعاف العقول، ضعاف الأخلاق، كثيري الدسائس ~~والمؤامرات، ضعيفي الهمة، والقارئ لكتاب الأغاني عن بيت ابن رامين الذي يقول الشاعر ~~فيه: # هل من شفاء لقلب لج محزون # صب يغيب إلى ريم بن رامين # إلى ربيعة إن الله فضلها # بحسنها وسماع ذي أفانين # وهاج قلبي منها مضحك حسن # ولثغة بعد في زاي وفي سين # أنت الطبيب لداء قد تلبس بي # من الجوي فانفثي في في وارقيني # يا رب إن ابن رامين له بقر # عين وليس لنا غير البراذين # لو شئت أعطيته مالا على قدر # يرضي به منك عين الربرب العين # نمشي وأرجلنا مطوية شللا # مشي الإوز التي تأتي من الصين # أو مشي عميان عم لا دليل لهم # سوى ms020 العصي إلى يوم الشعانين # لولاك تؤنسني بالقرب ما بقيت # نفسي إليك ولو مثلت من طين # ولما حج ابن رامين، وحج بجواريه معه حزن أهل بغداد عليه وعلى جواريه، وقال قائلهم: # حججت بيت الله تبغي به ال # بر ولم ترث لمحزون # يا راعي الذود لقد رعتهم # ويلك من روع المحبين ~~(2) السفور والحجاب # والقارئ لكتاب الأغاني يرى الحجاب في ذلك العهد لم ~~يكن له شأن يذكر؛ فالمرأة تقابل الرجال وتجالسهم، وتسمر معهم كما رأينا في الخيزران ~~وزبيدة، بل قد تقود الجنود للقتال كأخت طريف بن الوليد، وبكثرة الجواري وشعر بشار وأبي نواس ~~وأمثالهما كثر التهتك، ووجدت بيوت القيان، وكان الفتيان يغشون هذه الأماكن، وأنت تقرأ ~~وصفها فإذا هي أشبه بالكباريهات في هذا العصر، واشتهرت المرأة كما يصورها كتاب ألف ليلة وليلة ~~بالمكر والدسيسة، وتدبير المؤامرات، حتى شاع في هذا الوقت «دفن البنات من المكرمات.» # وكانت المرأة - وخصوصا الحرة - تجيد الغزل والحياكة؛ لكثرة قرارها، ومع هذا فقد ظلت المرأة ~~سافرة، وإنما دخل الحجاب على النساء تقليدا للفرس بالتدريج، فبدا في عهد الوليد الثاني ~~الأموي؛ لأن أخلاقه، وطباعه، واستهتاره جعل الناس يحتاطون من الاعتداء عليهن، فأنشئت الأسوار ~~في القصور، والحراس لضمان حماية الحرائر. ~~••• # ولكن المرأة على الرغم من ذلك كانت تتمتع بقسط كبير من الحرية والسفور، وكان الرجال ينتسبون ~~إلى النساء كأبي سلمى وأبي ليلى، وكانوا في الحروب يذكرون نساءهم وحبيباتهم، وكان الفتيات ~~المثقفات يجالسن الرجال، ويناقشنهم، ويستقبلن الأضياف كالذي حكي في كتاب «اعتلال القلوب»: أن ~~رجلا حج، فلما عاد عطش في الطريق فرأى خباء في ناحية منه، فأناخ بفنائه، قال: فقلت: «أأنزل؟» ~~فقالت ربة البيت: «نعم!» فقلت: «وأدخل؟» فقالت: «أجل!» قال: فدخلت، فإذا جارية أحسن من ~~الشمع، فجلست أحدثها، وكأن الدر ينتثر من فيها، فبينما أنا كذلك إذ دخلت عجوز مؤتزرة بعباءة ~~مشتملة بأخرى، فقالت: «يا عبد الله! ما جلوسك ها هنا عند هذا الغزال النجدي الذي لا تأمن ~~جماله، ولا ترجو نواله»، فقالت لها الجارية: «أي جدة! دعيه يتعلل» فكانت الحرة إذن ms021 تقابل، ~~وتتحدث، وتضيف، وتتعفف، كالذي يقول الشريف الرضي: # عفافي من دون التقية زاجر # وصوتك من دون الرقيب رقيب # ثم كثرت الجواري، وكثر التهتك، فازداد الحجاب على مر الزمان حتى كثف، وأصبح لا يسمح فيه ~~إلا بعين تنظر الطريق، وكان لبس المرأة غطاء على الرأس، اخترعته علية بنت المهدي أخت هارون ~~الرشيد، له إطار من تحته قابل للترصيع بالأحجار الثمينة، وكان النساء يتحلين بالخلاخيل ~~والأساور والأقراط والخواتيم، والرجل يلبس قلنسوة قد اخترعها المنصور، أما لباس الجسم فسروال ~~وقميص وقفطان تشملها عباءة، والفقهاء كانوا يلبسون عمامة على الرأس وطيلسانا، وقد اخترع هذا ~~الإمام أبو يوسف، واختاره لبسا للقضاة. # الجمال # وكان للجمال في أيامهم مثل أعلى هو: استدارة الوجه مع حمرته، وشاع في أيامهم كلمة ~~«الحسن أحمر»، ويزيد الخد حسنا الخال فيه، وشبهوه بنقطة عنبر في صحن، ويحبون من العين ما ~~كانت واسعة كعيون المها متكسرة الجفون متكحلة بالكحل الطبيعي لا الصناعي، وشبهوا الأسنان ~~باللؤلؤ، أو بالبرد، والنهدين برمانتين، والخصر بالقضيب، والردف بالكثيب، والقد بالخيزران، ~~وهم يعنون في بيوتهم بديوان للجلوس، وشيت جدرانه بالسجاجيد الأعجمية، وصفت حوله ~~الكراسي، وخيرها الكراسي ذات المسندين، ويسمونها الكراسي المجنحة، وقد فرشت أرضية ~~الغرفة بالطنافس، والطراريج يتربع الجالس عليها، والأطباق في بيوت الأغنياء قد صنعت من الفضة، ~~وصففت الموائد من الخشب المطعم بالأبنوس واللؤلؤ وأنواع الصدف كالذي تراه في مصنوعات ~~القاهرة ودمشق، وطعامهم السكباج، وهو مرق يصنع من اللحم والخل والماء أو من الفراخ أو نحوها، ~~والفالوذج وقد بشر أبو حنيفة صاحبه - أبا يوسف: بأنه سيأكل الفالوذج بدهن الفستق. ~~(3) مظاهر الترف # ومن بدعهم أنهم - لترفهم - كانوا يؤكلون الدجاج الجوز واللوز، ويسقونه الحليب، ~~ويتفننون في الأطعمة، وقد وصف ابن الرومي وصفا بديعا مائدة متعددة الألوان فقال: # جاءوا بفرني # 1 # لهم ملبون # قد بات يسقى خالص السمون # مصومع أكرم ذي غضون # قد حشيت بالسكر المطحون # ولونوا ما شئت من تلوين # من بارد الطعام والسخين # ومن شرانيف ومن تردين # ومن هلام ومصيص جون # 2 # ومن إوز فائق سمين # ومن دجاج فت ms022 بالعجين # والشحم في الظهور والبطون # وأتبعوا ذلك بالجوزين # وقال بعضهم: «دعيت إلى بيت أحد المغنين، فجئته، فأدخلني بيتا نظيفا فيه فرش نظيف، ثم دعا ~~بمائدة عليها خبز وخل وبقل وملح، وجدي مشوي، فأكلنا منه، ثم دعا بسمك مشوي، فأصبنا منه ~~حتى اكتفينا، ثم دعا بحلواء فأصبنا منها، وغسلنا أيدينا، وجاءونا بفاكهة وريحان، وألوان من ~~الأنبذة، وقال: اختر ما يصلح لك منه فاخترت وشربت»! # وفي وصف مجلس للشراب يقول الشاعر: # اسقني واسق خليلي # في مدى الليل الطويل # لونها أصفر صاف # وهي كالمسك الفتيل # في لسان المرء منها # مثل طعم الزنجبيل # ريحها ينفح منها # ساطعا من رأس ميل # من ينل منها ثلاثا # ينس منهاج السبيل # فمتى ما نال خمسا # تركته كالقتيل # ليس يدري حين ذاكم # ما دبير من قبيل # إن سمعي عن كلام ال # لائمي فيها الثقيل # لشديد الوقر إني # غير مطواع ذليل # أنت دعها وارج أخرى # من رحيق السلسبيل # تعطش اليوم وتسقى # في غد نعت الطلول # وكانت المنازل في الصيف تبرد بالثلج، أو بخيش مبلل بالماء عليه من يشده، ويرطبه لتكون ~~منه مراوح، ويتعاطون الماء مذابا فيه السكر بعد أن يعطر بماء البنفسج، أو سائر الزهور، ~~ويتعاطى الناس الشراب ألوانا، فأحيانا من نبيذ التمر، وأحيانا من عصير العنب، وقد ألف ~~ابن قتيبة بعد ذلك العصر كتابا في أنواع الشراب، وما قيل فيه، وكيفية صنعه، ولم يقل أحد في ~~الخمر ما قاله شعراء هذا العصر كأبي نواس، وابن سيابه. # واتخذ المترفون الندمان، واشترطوا فيهم شروطا دقيقة من خفة الروح، وحسن الحديث، وحفظ ~~السر، وقوة المروءة، والمبالغة في السماع، وكانت عادة فارسية نقلوها فيما نقلوا إلى ~~العباسيين، وكان للرشيد مجالس عامرة. # وصاحب البيت إذ ذاك يعطر لحى ضيوفه بالمسك، أو ماء الورد، وكانوا يعطرون مجالس الشراب ~~برائحة العنبر أو المسك. ~~(4) الألعاب الرياضية # وانتشرت الألعاب الرياضية والصيد، وكثيرا ما وصفه الشعراء، وجعلوا من شعرهم بابا ~~يسمى: الطرد كما فعل أبو نواس، وعنوا بحيوانات الصيد وطيوره، حتى جعلوه علما سموه: ~~البيزرة، وانتشرت في أيام الرشيد ms023 لعبة الشطرنج والنرد، كما انتشر لعب الصولجان واللعب بالسيف ~~والترس وسباق الخيل. # وقد وصف المسعودي يوما للرشيد كان فيه سباق للخيل أمامه، وجلس هو في صدر الميدان يشرف على ~~السباق. # وانقسم الناس إلى طبقات لا تتعدى إحداها الأخرى، وكان ذلك تقليدا للفرس في تقسيمهم الشعب ~~إلى طبقات؛ فالخليفة على رأس الطبقات، ويليه كبار الموظفين من وزراء وأمثالهم، ثم البيت الهاشمي ~~ثم جند الدولة والحرس، وكثرت الأعياد في الدولة العباسية تقليدا في بعضها للفرس كالنيروز، وفي ~~بعضها للنصارى كيوم الشعانين، أما حياة البؤساء الفقراء في مأكلهم، فعبر عنها خير تعبير أبو ~~العتاهية في قوله: # رغيف خبز يابس # تأكله في زاويه # وكوز ماء بارد # تشربه من صافية # وغرفة ضيقة # نفسك فيها خاليه # أو مسجد بمعزل # عن الورى في ناحيه # تدرس فيه دفترا # مستندا لساريه # معتبرا بمن مضى # من القرون الخاليه # خير من الساعات في # فيء القصور العاليه # فهذه وصيتي # مخبرة بحاليه # طوبى لمن يسمعها # تلك لعمري كافيه # فاسمع لنصح مشفق # يدعى أبا العتاهيه ~~(5) حرية الأديان # وبجانب المسلمين في المملكة الإسلامية كان أهل الذمة، وكان من أكبر دخل الدولة الجزية التي ~~كانت تجبى منهم، وكثيرون منهم كانوا موظفين كبارا كجبريل بن بختيشوع. # وقد عرف أن الرشيد كان شديد الوطأة عليهم ... فقد ألزمهم بنوع من اللبس يخالفون به المسلمين، ~~وأمر بهدم الكنائس التي بنيت بعد الفتح الإسلامي، وألزم النصارى بلبس الزنار، ومع ذلك كان لهم ~~قدر كبير من الحرية في المجادلة والمناقشة والأبحاث الدينية، وقد ترجمت التوراة والإنجيل ~~ترجمة جديدة في عهد الرشيد، وكان النصارى يتبعون كنيستين سريانيتين: الكنيسة اليعقوبية، ~~والكنيسة النسطورية، والأكثر يتبعون الكنيسة النسطورية، ورئيسهم كان يعرف بالجاثليق، وقد منح ~~حق السكنى في بغداد. # وكان في بغداد حي يطلق عليه حي الروم، وله أيضا حق إرسال المبشرين في النواحي المختلفة، ~~حتى كان من أتباعه المبشرون في الصين، وكم لعبت الأديرة ورهبانها بعقول الشعراء أمثال أبي ~~نواس. # أثر الأديرة # وكانت الأديار مثارا لشيئين متناقضين: حياة الزهد عند الرهبان، ينقل عنهم الزهاد وصاياهم ~~ونصائحهم، ms024 والغزل عند الأدباء؛ وذلك لأنه كان يوجد في هذه الأديار بعض الجميلات والوسيمين من ~~الفتيان والفتيات، وكانت الأديار أيضا - في الغالب - تقع في أمكنة النزهة والبساتين البديعة، ~~فأكثر فيها المجان والشعراء من شعرهم، فقال الشاعر: # فتنتنا صورة في بيعة # فتن الله الذي صورها # زادها الناقش في تحسينها # فضل حسن أنه نضرها # وجهها لا شك عندي فتنة # وكذا هي عند من أبصرها # أنا للقس عليها حاسد # ليت غيري عبثا فسرها # وقد وصف ابن المعتز ليلة في دير وصفا بديعا فقال: # سقى المطية ذات الظل والشجر # ودير عبدون أهطال من المطر # فطالما نبهتني للصبوح بها # في غرة الفجر والعصفور لم يطر # أصوات رهبان دير في صلاتهم # سود المدارع نعارين في السحر # مزنرين على الأوساط قد جعلوا # على الرؤوس أكاليلا من الشعر # كم فيهم من مليح الوجه مكتحل # بالسحر يطبق جفنيه على صور # لاحظته بالهوى حتى استقاد له # طوعا وأسلفني الميعاد بالنظر # وجاءني في قميص الليل مستترا # يستعجل الخطو من خوف ومن حذر # فكنت أفرش خدي في الطريق له # ذلا وأسحب أذيالي على الأثر # ولاح ضوء هلال كاد يفضحني # مثل القلامة قد قدت من الظفر # وقد روي في الأغاني من ألوان هذا الشعر الشيء الكثير، وبجانب هؤلاء اليهود والنصارى ~~كانت الصابئة في حران، وقد عوملوا معاملة أهل الذمة، وفشت بينهم الفلسفة اليونانية كما كانت ~~هناك صابئة في العراق لا تزال بقاياهم إلى اليوم يسمون الصبة، كما كان كثير من الرعية من ~~أتباع زرادشت، وأتباع ماني، وقد عدوا أيضا من أهل الكتاب، وعوملوا معاملتهم، والحق أنه ~~وإن انتصر أهل الذمة بإثارة عقائدهم في الجو الإسلامي ونشاطهم، وانتصر الفرس بتقاليدهم، فقد ~~انتصر العرب بشيئين عظيمين، وهما: دينهم ولغتهم. ~~(6) الكتاب # وكان للعباسيين طريقة في تعليم أولادهم، فهم يرسلونهم إلى الكتاب - وكان معروفا في ذلك ~~العهد - وقد وصفه أبو نواس في بعض شعره إذ قال: # إنني أبصرت شخصا # قد بدا منه صدود # جالسا فوق مصلى # وحواليه عبيد # فرمى بالطرف نحوي # وهو بالطرف يصيد # ذاك في مكتب حفص ms025 # إن حفصا لسعيد # قال حفص اجلدوه # إنه عندي بليد # لم يزل مذ كان في الدر # س عن الدرس يحيد # كشفت عنه خزوز # وعن الخز برود # ثم هالوه بسير # لين ما فيه عود # عندها صاح حبيبي # يا معلم لا أعود # قلت يا حفص اعف عنه # إنه سوف يجيد # وهذا يدلنا على أنه كان في عهد أبي نواس كتاب، وكان فيه بعض الأغنياء بجوار أولاد ~~الفقراء، وكان فيه ضرب شديد، وكان معلمو الكتاتيب مشهورين بالغفلة والسذاجة، حتى وضع فيهم ~~الجاحظ رسالة لطيفة يستخف بهم، وإلى جانب الكتاتيب كان الأغنياء يعلمون أولادهم ~~بالمعلمين الخصوصيين. # ويروي الأغاني أن التلاميذ في الكتاب كانوا إذا أتموا حفظ القرآن سير بهم في ~~الشوارع، ونثر عليهم اللوز، وقد حدث مرة أن أصابت لوزة عين تلميذ ففقأتها، وكانت الكتاتيب ~~هذه مقصورة على الذكور دون الإناث. # وكان من أهم مصادر الثقافة حوانيت الوراقين، وقد روى لنا الجاحظ أنه استفاد كثيرا من دكان ~~وراق كان يجلس فيه، ويغلقه عليه، ويستوعب ما فيه، وكان يرد على هؤلاء الوراقين بعض العلماء ~~واللغويين يتجادلون فيما بينهم في المسائل العلمية. ~~••• # ولم يمنع المسلمين نهي الإسلام لهم عن التصوير من ازدهار التصوير، ومنه الخطوط الجميلة ~~والموسيقى والغناء، فقد تفننوا فيها كل التفنن، وكانت مجالس الرشيد وبلاطه مثلا أعلى للغناء ~~والموسيقى، وكانت هناك مدارس لهم - كما كان هناك أصحاب الموسيقى النظرية والعلمية - فهم ينقلون ~~فلسفة الغناء عن أرسطو، وفلسفة جالينوس، وفلسفة إقليدس كالذي فعله الفيلسوف الكندي بعد ذلك ~~بقليل. # | بغداد # عروس الأقطار الإسلامية # عظمة بغداد # هذا النظام الإداري والاجتماعي الذي ذكرناه كان له مركز خاص هو بغداد، وعلى منواله تسير ~~سائر الأقطار الإسلامية. وبغداد هذه مدينة خطها المنصور مدورة، وجعل لها أربعة أبواب، ~~سماها بأسماء المدن التي تتجه نحوها، وهي أبواب: البصرة، والكوفة، والشام، وخراسان، وحفر ~~حولها خندقا، وبنى على كل باب قبة عالية تسمح بدخول الفارس وهو شاهر رمحه، وسورها بثلاثة ~~أسوار، وبنى في الوسط قصرا ذهبيا يعرف بقصر الذهب. # وبنى على مقربة من هذا القصر ms026 المسجد الجامع، وقصور الأمراء والأشراف، ودواوين الحكومة، ~~وكانت ضواحي المدينة مليئة بالحدائق والمتنزهات، والأسوار العامرة، والحمامات الجميلة، والجوامع ~~الفخمة على جانبي النهر، وقد بلغ سكانها في أوج عظمتها نحو مليونين، وتخترق المدينة على ~~جوانب النهر شوارع فسيحة تبلغ أحيانا أربعين ذراعا، وقد قسمت إلى مربعات، ويقوم على ~~حراستها ليل نهار حراس يقفون في الأبراج المشيدة، والماء يصل إلى الدور في جداول، وتكنس ~~الشوارع، وتنظف على نظام معين، فكان يعلو قصر الذهب قبة خضراء، ويبلغ ارتفاعها ثمانين ~~ذراعا، وعلى القبة تمثال فارس، وبيده رمح طويل، ويعد هذا القصر بزينته رمز ~~العباسيين. ~~••• # وكانت بغداد مدينة زاخرة بكل العلوم والفنون، بناها المنصور، وما لبثت أن ازدهرت واحتوت ~~على كل أسباب الترف والنعيم، وبعد مدة قصيرة من بنائها، كانت عروس الأقطار الإسلامية ~~والأوروبية، فلم يكن على وجه الأرض أزهر منها، وليست تقاس عاصمة البيزنطيين، ولا عاصمة ~~شارلمان بها في الصناعة أو في العلم، ولم تساوها الشام ولا فارس في عهد الدولتين الرومانية ~~والفارسية، ويحدثنا مؤرخو بغداد بعظمة هذه الحضارة، حتى إذا قرأناها فكأنما نقرأ وصفا للحضارة ~~العصرية. # وكثرت الرحلات منها إلى البلاد الأخرى: كالبلقان، والصين، وسيبيريا؛ يدعوهم إلى هذه الرحلات ~~حب التجارة، والتبشير بالإسلام، وكانوا إذا وصلوا إليها احتقروها بالنسبة لمدينتهم مستسهلين ~~الصعاب والمخاطرة بالنفس، فإذا قورنت هذه المدنيات بمدنية المسلمين - وخاصة في بغداد - سادت ~~المدنية الإسلامية، وكانت هي موضع التقليد للغربيين حتى إنهم كانوا يستمدون في تشريعهم من ~~التشريع الإسلامي، وكان العالم الأوروبي وقتئذ في جهل كبير. # ويقول الخطيب البغدادي: إنه أحصى السميريات - وهي نوع من القوارب بدجلة - فكانت ثلاثين ~~ألفا، تدر على ملاحيها في كل يوم تسعين ألف درهم، وكان عدد الحمامات ستين ألف حمام، ~~وبإزاء كل حمام خمسة مساجد. ~~••• # وكانت بغداد تنقسم إلى محلات، كل محلة بقعة من الأرض بها مبان وقصور وشوارع ومساجد ~~وأسواق وجوامع، وكل محلة عليها باب كبير يقف عليه الحراس يمنعون دخول المحلة ليلا إلا ~~بإذن، كما كان هناك أسواق متعددة ... فسوق القطن، وسوق السلاح، وسوق الثلاثاء، ms027 إلى آخره ... كما ~~أقيمت فيها القصور الضخمة العالية، ويتبعها بيوت صغيرة للحاشية، وكل قصر فيه بستان، وقد يكون ~~فيه مسجد لأهله ... واشتهر في بغداد أسماء قصور كثيرة، منها قصر الخلد، وقصر زبيدة، وقصر التاج، ~~وقصور البرامكة، وقصر الخصيب، وقصر المهدي. # المذاهب الدينية # وانتشرت في بغداد المذاهب الدينية والفرق، قال المقدسي: قلما رأيت في بغداد من فقهاء ~~أبي حنيفة إلا رأيت أربعة: الرياسة مع لباقة فيها، والحفظ، والخشية، والورع. وفي أصحاب مالك ~~أربعا: الثقل، والبلادة، والديانة، والسنة. وفي أصحاب الشافعي: النظر، والشغب، والمروءة، ~~والحمق. # وفي أصحاب داود: الكبر، والحدة، والكلام، واليسار. # وفي أصحاب المعتزلة: اللطافة، والدراية، والفسق، والسخرية. # وفي الشيعة: البغضة، والفتنة، واليسار، والصيت. # بساتين بغداد # كما انتشرت فيها البساتين ... استجلبوا أشجارها من كل الأقطار، واختاروا منها ما يصلح لجو ~~بغداد، وعرفوا موسم كل نبت وكل شجرة، وانتشرت بينهم الزهور، وأعجبوا بها أيما إعجاب، وكان ~~بعضهم يهيم بالورد، وبعضهم يهيم بالنرجس، حتى كان بعضهم يغلق دكانه في موسم الورد، وبعضهم يهيم ~~بالورد الأبيض الخالص أو الأحمر الخالص فتعددت أنواع الورد، وكثر عشاقه، وبعضهم يميل إلى الورد ~~الملون نصفه أحمر ونصفه أصفر، وسموه الورد الموجه. # وكانت في بغداد حدائق للورد خاصة، وحدائق خاصة للأزهار الأخرى، وعرفت لديهم لغات الورد، ~~فلكل نوع منه لغة خاصة للعشيق أو العشيقة، كما اشتهرت بغداد في تلك الأيام برقة أهلها ~~وظرفهم، كما تشتهر باريس في فرنسا اليوم، وأصبح للظرف عندهم قوانين، وأصيب أهل بغداد بالغرور ~~والإدلال ببلدتهم، حتى قالوا: فلان تبغدد أي تلطف وترقق، وشاعت هذه الكلمة إلى عصرنا ~~هذا، قال المقدسي: «ولا أحسن حسانا من أهل بغداد»، وقال أيضا: «هي مصر للإسلام»، ولهم خصائص ~~من ظرافة وقرائح ولطافة ... هواء رقيق، وعلم دقيق، وكل صيد بها، وكل حسن فيها، وكل حاذق منها، ~~وكل قلب إليها، وكل حرب عليها، وقال غيره في وصف أهلها: ندماء ظرفاء نظاف يتناشدون الأشعار، ~~ويتجاذبون أهداب الآداب، ويقولون على من ليس بغداديا إذا كان ظريفا: «فلان ليس من الرقعة، ~~ويتظرف بظرفهم.» ~~••• # وجاء في ms028 وصف عريب - المغنية البغدادية - قول بعضهم فيها: «وكانت عريب مغنية محسنة، ~~وشاعرة صالحة للشعر، وكانت مليحة الحفظ والمذهب في الكلام والظرف، وحسن الصورة، والرواية ~~للشعر والأدب، والملاحة والمماجنة مما لم يتعلق به أحد من نظرائها، ولا رئي في النساء نظير ~~لها»، وهذا وصف يكاد يكون المثل الأعلى للبغداديات، وكان يكثر فيهم لثغة الراء بالغين كلثغة ~~الباريسيين اليوم، وصارت لثغتهم لغة من بعدهم، ويعدون هذه اللثغة علامة الرقة. # وقال الجاحظ في وصف البغداديين: «إنهم يستملحون اللثغاء إذا كانت حديثة السن، ومقدودة ~~مجدولة»، وقد رويت لهم الأمثال الكثيرة الظريفة، يقولون: فلان كبش من كبش، مجلس بلا ريحان، ~~كشجرة بلا أغصان، مواعيد الفتيان الآل في الفيافي، كلام يكتب بالغالية على خدود الغانية، من ~~كلام النساء ما يقوم مقام الماء ... إلخ. # الغزل والزينة # ونشر بشار فيما بينهم الغزل المتهتك، ونشر أبو نواس الغزل بالمذكر، وقيدوا قوانين الظرف ~~بوصفهم الظريف بأنه: لا يتدخل في حديث بين اثنين، ولا يتكلم فيما لا يفهمه، ولا يتثاءب، ولا ~~يستنثر، ولا يتجشأ، ولا يتمطى في المجالس، ولا يمد رجليه، ولا يمس أنفه، ولا يسرع في المشي، ولا ~~يجلس إلا حيث يجلس أمثاله، ولا يأكل مما يتخذ في الأسواق، ولا يأخذ شعره في دكان حلاق، ~~ولا يماكس في الشراء، ولا يشارط صانعا، ولا يصاحب وضيعا، وأن يكون طيب الرائحة نظيف البدن، ~~ولا يطول له ظفر، ولا يسيل له أنف. ومن أثر بغداد ما وصف به ابن جرير الطبري فقيل: كان إذا جلس ~~لا يكاد يسمع له تنخيم أو تبصق، وإذا أراد أن يمسح ريقه أخذ ذؤابة منديله، ومسح جانب فيه، ومن ~~قولهم: # لا خير في حشو الكلا # م إذا اهتديت إلى عيونه # والصمت أجمل بالفتى # من منطق في غير حينه # ويساوي ابن بغداد ما يسمي عندنا اليوم بابن البلد، وهم يكثرون من التزين: زينة الشعر، وقد ~~تفننوا فيه، وكان للجواري تفنن في شعرهن: فمنهن من يجعلنه فوق رأسهن كالتاج، ومنهن من ~~يجعلنه كالعناقيد، ومنهن من تسدل شعرها على أذنها، وتقطع ms029 ما بينها وبين وجنتيها، ومنهن من ~~يستعمل الطرة الهلالية: وهي أن يسدل جميع الشعر فوق الجبهة ثم يقطع منه مثال نصف دائرة فتكون ~~كأنها الهلال. # واستكثروا من الدهن للشعر ، قال الجاحظ في أيامه: «ذهبت الفتيان، فما ترى فتى يفرق الشعر ~~بالدهن»، وغلف النساء شعورهن بعد غسلها بالمسك، والعنبر، واستعملن الحناء والخضاب، وكتبن على ~~الأكف والأيدي بالحناء، قال الماوردي: قرأت على راحة قائد جارية لبعض جواري المأمون على اليمنى ~~بالحناء: # فديتك قد جبلت على هواكا # فقلبي ما ينازعني سواكا # وعلى اليسرى: # أحبك لا ببعضي بل بكلي # وإن لم يبق حبك من جواكا # وكتبت سيدة على كف جاريتها بالحناء: # أبى الحب إلا أن أكون معذبا # ونيرانه في الصدر إلا تلهبا # فواكبدا حتى متى أنا واقف # بباب الهوى ألقى الهوان وأنصبا # واستكثروا من التعطر والطيب ... فاستعملوا المسك الممزوج بماء الورد المحلول، والعود المعنبر ~~بالقرنفل، والعنبر البحراني ... إلخ، كما استعملوا بخار العود، وخشب الصندل، وكذا البخور المندلي، ~~وهو خليط من العود والمسك واللبان، واشترطوا لجودته أن يكون فحمه الذي يحرق فحما خشبيا من ~~شجر الغضا؛ لأنه عديم الدخان، والمتأنقون منهم يستعملون فحما يسمى فحم بختيشوع الطبيب؛ وهو ~~الذي اخترع تركيبه. # كثرة الدعابة # وكثرت فيهم الدعابة، وروي لهم فيها الشيء الكثير في أخبار الجاحظ وغيره، وكان في بغداد ~~كثير من المضحكين، وحفاظ النوادر كأبي العبر، وابن المغازي، من ذلك ما حكي أن ابن المغازي هذا ~~وقف على باب دار الخلافة يوما يضحك الناس ويتنادر، وأخذ يوما في نوادر الخدم حتى ضحك الخادم، ~~ودخل على الخليفة وهو يضحك، فأنكر الخليفة ذلك، وقال: «ويلك ما بك؟» فقال: «على الباب رجل يتكلم ~~بحكايات ونوادر مضحكة» فأمر الخادم بإحضاره، فاشترط الخادم أن يكون له نصف الجائزة، فقال ~~الخليفة: بلغني أنك مليح الفكاهة، وعندك نوادر مجونية مضحكة، فقال: «يا أمير المؤمنين الحاجة ~~تفتق الحيلة» قال الخليفة: «هات ما عندك! فإن أضحكتني أعطيتك ألفي درهم، وإن لم ~~تضحكني فما لي عليك؟» قال: «افعل بي ما أردت»، قال الخليفة: «أنصفت، أصفعك بهذا ms030 الجراب خمس ~~صفعات»، وكان هذا الجراب من أديم لين، فظن المضحك أنه منفوخ، وليس فيه إلا هواء. # فقال: «قبلت» ثم أخذ في النوادر والحكايات، فما ترك حكاية إلا أتى بها، ولم يترك ~~حكاية لعربي ولا نحوي ولا نبطي ولا زنجي ولا شاطر إلا قصها، والخدم يكادون يهلكون من الضحك، ~~والخليفة مقطب لا يبتسم فقال المضحك: «قد نفد ما عندي» فقال: «أهذا كل ما عندك؟» # قال: «نعم ... بقيت نادرة واحدة، وهي أن تجعل الصفعات عشرا بدلا من خمس» فأراد الخليفة أن ~~يضحك فأمسك، فمد المضحك قفاه فصفع صفعة كادت أن تقطع أنفاسه؛ إذ كان الجراب مملوءا بالحصى، ~~فصاح المضحك: «يا سيدي نصيحة» قال الخليفة: «ما هي؟» قال: «ليس أحسن من الأمانة، ولا أقبح من ~~الخيانة، إن لي شريكا في الجائزة قد ضمنت له نصفها، أرغب أن يحضره أمير المؤمنين.» # قال: «من هو شريكك؟» قال: «الخادم الذي أحضرني، وقد أخذت حقي فأعطوه حقه» ... فضحك الخليفة ~~حتى استلقى على قفاه! # انتشار الزندقة # وانتشرت في هذا العصر الزندقة ... اشتدت في عهد المهدي، واشتهر بقتله للزنادقة، واستمرت إلى ~~عهد الرشيد، وكانت كلمة الزندقة - ككلمة الشيوعية اليوم - غير محدودة المعنى عند العامة، وهي ~~تهمة يتهم بها الشخص عدوه لينال السلطان منه، فكانوا يطلقونها على معان ~~كثيرة: ~~(1) # كانوا يطلقونها على المجان كحماد عجرد، وآدم بن عبد العزيز لإمعانهما في ~~اللهو. ~~(2) # وكانوا يطلقونها على المرشحين للخلافة حتى يكرههم الناس، وحتى يسهل للخليفة عزلهم، ~~وتولية أولاده بدلهم، أو على الشخص العظيم الذي يريد الخلفاء أن يتخلصوا منه كما أطلقوها ~~على أبي مسلم الخرساني، وعلى البرامكة. ~~(3) # وكانوا يطلقونها أيضا بحق على الذين يلحدون في أقوالهم كقول أبي نواس: # فدعي الكلام لقد أطعت رواية # وصرفت معرفتي إلى ~~الإنكار # ورأيت إتياني اللذاذة والهوى # وتعجلا من طيب هذي ~~الدار # أحرى وأحزم من تنظر آجل # علمي به رجم من ~~الأخبار # ما جاءنا أحد يخبر أنه # في جنة من مات أو في ~~نار # وقوله: # يا ناظرا في الدين ما الأمر # لا قدر صح ولا ~~جبر ms031 # ما صح عندي من جميع الذي # تذكره إلا الموت ~~والقبر # وقوله: # قلت والكأس على كفي تهوى الالتثام # أنا لا أعرف ذاك اليوم ~~في ذاك الزحام # وقول ابن سيابه: # قل لمن يلحاك فيها # من فقيه أو نبيل # أنت دعها وارج أخرى # من رحيق السلسبيل # ونحو ذلك ... ومن كانوا يسمعون مثل هذا القول كانوا طائفتين: طائفة متزمتة تسخط على ~~قائل مثل هذا القول، وترميه بالإلحاد وبالزندقة، وطائفة متسامحة ترى أن هذه الأقوال قيلت ~~على سبيل الفكاهة والتملح. ~~(4) # وكانوا يستعملون كلمة زنديق أحيانا للدلالة على الظرف والتملح كالذي يقول: # تزندق معلنا ليقول قوم # إذا ذكروه زنديق ~~ظريف # فقد بقي التزندق فيه وسما # وما قيل الظريف ولا ~~اللطيف ~~(5) # وأحيانا يطلقونها بحق على طائفة من الفرس كانوا يظهرون الإسلام، ويبطنون ~~أديانهم الأولى من مانية وغيرها، وكان هذا الصنف كثيرا في هذا العصر، يرمون إلى إعادة ~~الدولة الفارسية، كما كانت في العصور الأولى قبل الفتح الإسلامي. # وأيا كانت فقد طبقت الكلمة ظلما على قوم عرفوا بأصالة الفكر وحرية القول، ولكن ~~خشي بأسهم فاتهموا بالزندقة، وقتلوا كالذي حدث مع عبد الله بن المقفع. # عناصر متعددة # وكان السكان في ذلك العهد يتكونون من عناصر مختلفة تختلف في دمها وفي عقليتها وعاداتها ~~وتقاليدها ومنهج تفكيرها ... وامتزجت كلها في أتون واحد؛ ذلك لأنها كانت تتكون من أمم مختلفة على ~~أثر الفتوح الأموية، فكان منها العنصر البربري الوارد من بلاد المغرب، والعنصر الفارسي الوارد ~~من بلاد فارس، والعنصر العربي الوافد من جزيرة العرب، واليمنيون الآتون من اليمن، والنبطيون، ~~والروم الذين كانت تسوقهم الحرب بين المسلمين والبيزنطيين، وغيرهم من العناصر والأجناس ~~الأخرى. # وكان لكل من هذه العناصر عقلية خاصة، ودم خاص، وأخلاق خاصة، ولكل عنصر مزاياه، وقد عدد ~~الجاحظ مزايا العناصر في عصره فقال: «ميزات أهل الصين: الصناعة فهم أصحاب السبق، والصياغة، ~~والإفراغ، والإذابة، والأصباغ العجيبة، وأصحاب الخرط، والنحت، والتصاوير، والنسيج، واليونانيون ~~يعرفون العلل، ولا يباشرون العمل، وميزتهم الحكم والآداب، والعرب لم يكونوا تجارا، ولا ~~صناعا، ولا أطباء، ولا حسابا، ولا أصحاب ms032 فلاحة ... فيكونون مهنة، ولا أصحاب زرع؛ لخوفهم ~~من صغار الجزية، ولا طلبوا المعاش من ألسنة المكاييل ورؤوس الموازين، ولا عرفوا الدوانيق ~~والقراريط، وإنما ميزتهم قول الشعر، وبلاغة المنطق، وحفظ النسب، والاهتداء بالنجوم، ~~والاستدلال بالآثار، وتعرف الأنواء، والبصر بالخيل والسلاح وآيات الحروب، والحفظ لكل مسموع، ~~والاعتبار بكل محسوس، وميزة الأتراك في الحروب، والزنج أطبع الخلق على الرقص، والضرب بالطبل، ~~وعلى الإيقاع الموزون من غير تأديب ولا تعليم، وليس في الأرض أحسن حلوقا منهم، وليس كل يوناني ~~حكيما، ولا كل صيني في غاية من الحذق، ولا كل أعرابي شاعرا فائقا، ولكن هذه الأمور في ~~هؤلاء أعم وأتم، وفيهم أظهر وأكثر.» # كذلك كانت هذه العناصر تختلف في الأهواء والسياسة، ولذلك قالوا: اشتهرت الكوفة بالتشيع لعلي ~~وأولاده، والبصرة بالتشيع لعثمان وأهل بيته، واشتهرت الجزيرة بأنها تضم الخوارج، وأهل الشام لا ~~يعرفون إلا آل أبي سفيان، وطاعة بني مروان، واشتهر أهل مكة والمدينة بالميل إلى أبي بكر وعمر، ~~لا يعدلون عنهما. # كما كان في هذه البلاد نصارى حافظوا على شعائر دينهم، ويهود كذلك، ومجوس يوقدون ~~نيرانهم. # ولكل من هؤلاء جميعا أدب وعلم، وهؤلاء كلهم يتزاوجون، فيخرج منهم مولدون يحملون جزءا من ~~طبائع آبائهم، وجزءا من طبائع أمهاتهم، وجزءا من شخصياتهم، وخير مثل على ذلك قصور الخلفاء؛ ~~فالمنصور كان له أمة كردية، ولدت له جعفرا الأصغر، وأمة رومية، ولدت له ابنا يسمى صالحا ~~المسكين، وامرأة أموية، أولدها بنتا تسمى العالية، وهكذا. # وكان للرشيد زهاء ألفي جارية غير الحرائر ... فله جارية فارسية، أولدها المأمون، وأخرى أولدها ~~المعتصم، ويقال: إنه كان للمتوكل أربعة آلاف سرية ... إلخ. ~~••• # وكما كان هناك توالد بين الأجسام كان هنالك توالد مثله بين العقول ... فعقل عربي مع عقل ~~يوناني يكون منه نتاج خاص، وكذلك العقل المتولد بين فارسي وعربية، أو بين عربي وهندية، أو ~~بين مسلم ونصرانية، أو بين مسلم ويهودية. # ومع هذا الاختلاف في العناصر والأديان والعرف والتقاليد، كانت كلها تصب في قالب واحد نتيجة ~~للبيئة الطبيعية والاجتماعية، كالذي تراه إذا ذهبت إلى ms033 أوروبا فنظرت إلى وجه حكمت بأنه ~~مصري، ولا عبرة في ذلك بين أبيض وأسمر وجعد الشعر ومرسله؛ لأن لكل أمة وحدة يتساوى ~~فيها الأفراد مع اختلافهم في الدم والدين ، وغير ذلك، وكان العنصر المتميز في عصر الخلفاء ~~الراشدين والأمويين هو العنصر العربي، وسائر الأجناس كانت تبعا لهم، رووا أن رجلا من ~~الموالي خطب بنتا من أعراب بني سليم وتزوجها، فركب محمد بن بشير الخارجي إلى المدينة، وقابل ~~الوالي فأرسل الوالي إلى المولى، وفرق بينه وبين زوجته، وضربه مائتي سوط، وحلق رأسه ~~ولحيته وحاجبه عقابا له على أنه تزوج أعرابية، فقال محمد بن بشير للوالي: # قضيت بسنة وحكمت عدلا # ولم ترث الحكومة من بعيد # وفي المئتين للمولى نكال # وفي سلب الحواجب والخدود # إذا كافأتهم ببنات كسرى # فهل يجد الموالي من مزيد # فأي الحق أنصف للموالي # من اصهار العبيد إلى العبيد # ولما نزل الحجاج واسطا نفى النبط منه، ووسم أيديهم بالمشرط، وكتب إلى عامله ~~بالبصرة: إذا قرأت كتابي فانف من قبلك من النبط، فإنهم مفسدة للدين والدنيا، ~~وأمر الحجاج ألا يؤم الناس في الكوفة إلا عربي، وكان العرب في الدولة الأموية إذا ~~أقبل العربي من السوق، ومعه شيء ثقيل فرأى مولى دفعه إليه ليحمله عنه، ولو كان العربي ~~راكبا والمولى ماشيا، فلما جاء الفرس انتقموا من العرب، وخلقوا فكرة الشعوبية يطلبون فيها ~~المساواة، ويدعون أن في كل أمة مزايا وعيوبا، وألفوا في ذلك الكتب يحقرون من ~~شأن العرب، ويذكرون مثالبهم، كالذي يقوله أبو نواس: # ومن تميم ومن قيس وغيرهما # ليس الأعاريب عند الله من أحد # الشعوبية # ولم يستسلم العرب - أول الأمر - لهذه الدعوة الشعوبية بل قاوموا، وكانت المقاومة بالحرب ~~أحيانا، وبالدس أحيانا، وربما كانت نكبة البرامكة نتيجة لهذه الخصومة الشديدة بين الفرس ~~والعرب في السر والعلن، قال ابن خلدون: كان بنو قحطبة أخوال جعفر، وهم عرب من أعظم الساعين ~~عليهم، وأخيرا انتصر الفرس على العرب بهزيمة الأمين، وذهب ريحهم كما ذهب ريح الفرس على يد ~~الأتراك فيما بعد. # وزاد الشعوبية انتصارا أن ms034 الخلفاء تعصبوا للإسلام، ولم يتعصبوا للعرب، وظهر على ~~لسان أبي نواس، والخريمي، ومهيار الديلمي، وبشار الاعتزاز بالنسب الفارسي، يقول بعضهم: # ولست بتارك إيوان كسرى # لتوضح أو لحومل فالدخول # وضب في الفلا ساع وذئب # بها يعوي وليث وسط غيل # ويقول الخريمي: # إني امرؤ من سراة الصغد ألبسني # عرق الأعاجم عرقا طيب الخبر # ويقول: # أبالصغد بأس إذ تعيرني جمل # سفاها ومن أخلاق جارتها الجهل # فإن تفخري يا جمل، أو تتجملي # فلا فخر إلا فوقه الدين والعقل # أرى الناس شرعا في الحياة ولا يرى # لقبر على قبر علاء ولا فضل # إذا أنت لم تحم القديم بحادث # من المجد لم ينفعك ما كان من قبل # ويقول المتوكل: # أنا ابن المكارم من نسل جم # وحائز إرث ملوك العجم # معي علم الكابيان الذي # به أرتجي أن أسود الأمم # فقل لبني هاشم أجمعين # هلموا إلى الخلع قبل الندم # ملكناكم عنوة بالرما # ح طعنا وضربا بسيف حذم # وعلى العموم حارب الفرس العرب بالشعوبية من طرق مختلفة: من طريقة وضع شأن العرب بما ~~ألفوا من الكتب، ومن عيبهم آلاتهم في الحرب، ووضعهم الكتب في مناقب العجم، ومثالب العرب، ~~وكثرت في هذه الآونة الكتب المعروفة بكتب المثالب، ووضع القصص الشنيعة في مثالب العرب، ومفاخر ~~الفرس ... إلخ. # المدن الزاهرة # وإلى جانب بغداد كانت مدن أخرى عامرة زاهرة - وإن كانت أقل منها - وهي أيضا يتدفق المال ~~فيها، وإن كان تدفقا أقل من تدفقها في بغداد، فقد جرت العادة أن تصرف المدينة على نفسها، ~~وعلى ما يتبعها، وعلى عمارة ما خرب منها، ثم يرسل الباقي إلى الخليفة في بغداد، فمن أهم المدن ~~في عصر الرشيد: البصرة، عني العرب بتخطيطها فجعلوا شارعها الأعظم ستين ذراعا، وجعلوا عرض كل ~~زقاق سبعة أذرع، وجعلوا أوسط كل خط ميدانا فسيحا لمرابط خيولهم، وقبور موتاهم، وقد اشتهرت ~~بالتجارة الواسعة بين الهند والصين والمغرب والحبشة. # واشتهر أهل البصرة كذلك بالأسفار البحرية حتى قالوا: «أبعد الناس نجعة في الكسب ~~بصري»، وبالغ الواصفون في كثرة أنهارها، وكثرة الزوارق فيها، ولعلهم لكثرة ms035 ما رووا من عدد ~~الأنهار أنهم كانوا يعدون الجداول أنهارا، واشتهرت بالنخيل الكثير المتعدد الأنواع إلى يومنا ~~هذا، واشتهرت كذلك من مدن العراق الكوفة، وقد عرفت بتشيعها؛ لأن الإمام عليا جعلها عاصمة ~~خلافته إلى أن قتل، وناظرت الكوفة البصرة في المذاهب النحوية، فكان للكوفيين مذهب وللبصريين ~~مذهب، وكان بينهما خلافات كثيرة ... وكل يدلي بحجته، كذلك اشتهرت مذاهب المعتزلة البصريين، ~~ومذاهب المعتزلة من غيرهم، وقد كان منشأ مدرسة الاعتزال هي البصرة في حلقة من حلقات الحسن ~~البصري. ~~••• # واشتهرت من مدن مصر الفسطاط، وهي أول مدن المسلمين في مصر ... اتخذها العرب معسكرا لهم حين ~~فتحوها، ثم أخذت تزدهر حتى فاقت البصرة والكوفة، وزودت في أيام العباسيين بكل ما تحتاج ~~إليه المدن، وزاد من جمالها وقوعها على النيل، ثم كانت القيروان بالمغرب، ودمشق وحمص في الشام، ~~والموصل بالعراق، والأهواز بفارس، ومكة والمدينة في جزيرة العرب، ولا نطيل في وصفها؛ لأن ذلك ~~يحتاج إلى كتاب وحده، وكلها كانت سببا في ثروة الخلفاء العباسيين، وإغداقهم المال على الولاة ~~والعمال والأدباء والفنانين. # وقد اختلفت مزايا كل قطر من ناحيته المادية والمعنوية، فلكل بلد حاصلاته، وما يتقنه ~~كالكاغد، والنسيج، والتمر من البصرة، والثلج من جبال لبنان، والسكر من الفرس إلى غير ذلك، كما ~~كان الشأن في العلوم؛ فحركة صوفية تنشأ في مصر، وحركة اعتزالية تنشأ في بغداد، وأدب يتأقلم ~~بكل إقليم، ومما قاله المقدسي في ذلك: «إن إقليم العراق إقليم الظرفاء، ومنبع العلماء ... لطيف ~~الماء، عجيب الهواء، مختار الخلفاء، أخرج أبا حنيفة فقيه الفقهاء، وسفيان سيد القراء، وأبا ~~عبيدة، والفراء، وبه البصرة التي قوبلت بالدنيا، وبغداد الممدوحة في الورى، وكوفة الجليلة، ~~وسامرا، وقد لون كل أدب وعلم بلون أهله، ونبغ من كل بلد نابغون هم نتاج إقليمهم.» # ازدهار التصوف # وفي عهد الرشيد نما في العراق التصوف، والدعوة إلى الاهتمام بباطن النفس لا بظواهرها، ~~وبحقيقة الشريعة لا مجرد أعمال الجوارح، ورياضة النفس عن طريق الزهد والعبادة، والوصول إلى ~~المعرفة عن طريق الوحي والإلهام، وإدراك الحقيقة بالذوق والشعور لا ms036 بالمنطق والتجارب والقياس، ~~واشتهر من المتصوفة: إبراهيم بن أدهم سنة 162، وشقيق البلخي سنة 195، ومعروف الكرخي سنة 200، ~~وهو القائل: «التصوف الأخذ بالحقائق، واليأس مما في أيدي الناس»، ثم بشر الحافي سنة 222، وهو ~~القائل للمحدثين: «أدوا زكاة هذا الحديث» قالوا: «ما زكاته؟» قال: «أن تعملوا بخمسة أحاديث من ~~كل مائتين ...» # وأخذ المتصوفون يضعون الكتب في التصوف كما كان يفعل الفقهاء في تأليف الفقه. # وثار الخلاف بين الفقهاء والمتصوفة؛ لاختلاف النزعتين، فالمتصوفة يعتمدون على القلب وعلى ~~الذوق، وعلى المعرفة من طريق الإلهام، والفقهاء يعتمدون على ظاهر القرآن والسنة، وعلى الاستنباط ~~العقلي. # وكانت الخصومة أشد ما تكون بين المتصوفة والحنابلة؛ لشدة تمسك الحنابلة بظاهر النصوص، ~~ورميهم الصوفية بالزندقة. # | الرشيد في قصر الخلد # تولية الرشيد # في هذا الوضع، وفي هذا الجو، وفي بغداد هذه، وعلى هذا النظام الذي ذكرنا بعضه تولى الرشيد ... ~~وقد جلس على العرش في قصر فسيح يسمى «قصر الخلد»، بناه جده المنصور، وجعله في الجانب ~~الغربي من دجلة - وهو يقع في منحنى نهر دجلة بإزاء باب خراسان - حتى إذا شبت نار الثورة كان في ~~استطاعته أن يفر إلى خراسان، وهي أهم مؤسس للدولة العباسية، وفي ناحية من نواحيه على الشاطئ ~~الآخر قصور البرامكة ... هذا قصر يحيى، وهذا قصر جعفر، وهذا قصر الفضل. # وله فناء واسع قد ملئ بالجواري والغلمان على مختلف الأشكال والألوان، وقد كان الرشيد يغالي ~~في أثمانهن، وخصوصا إذا كانت الفتاة جميلة أو متعلمة الغناء، أو أديبة. واشتهر من جواري ~~القصر اللاتي غلبن على الرشيد: ماردة، وهي التي ولدت منه المعتصم، وهيلانة، وهي يونانية كما يدل ~~عليها اسمها، وقد ماتت، وحزن عليها الرشيد حزنا شديدا، وقال الشعر فيها: # أف للدنيا وللزينة فيها والإناث # إذ حثا الترب على هيلان في الحفرة حاث # ويقول فيها أبان اللاحقي على لسان الرشيد: # بت ضجيع الحزن ما أغفى # لحادث جل عن الوصف # حزنان حزن منهما ظاهر # وأوجع الحزنين ما أخفي # أنت أهل الترب من فوقها # مواريا تحت الثرى أنفي # لهفي على هيلان لو أنه # يرد ms037 شيئا فاتنا لهفي # وهذا القصر كأنه مدينة صغيرة له أجنحة متعددة ... هذا جناح للخيزران أم الرشيد بكتبها ~~وغلمانها وجواريها. # وكانت مواكب الأمراء تأتي إلى بابها فنهاها الهادي عن ذلك ، وقال لها: «متى وقف ببابك أمير ~~ضربت عنقه، أما لك مغزل يشغلك، أو مصحف يذكرك، أو سبحة؟!» فقامت الخيزران، وهي ما تعقل من ~~الغضب، وقد ذكروا أنها كان لها شأن في الدسيسة التي حيكت حول ابنها الهادي حتى قتل، فلما تولى ~~الرشيد أعاد لها سطوتها وسلطانها. # ولكنها لم تطل مدتها ... فماتت بعد ثلاث سنوات من خلافته، وكان يوم وفاتها يوما ممطرا ~~فمشى الرشيد في جنازتها، وكانت امرأة عاقلة قوية السلطان كبيرة الشخصية تتدخل في شئون الدولة ~~وتسيرها، يعينها على ذلك يحيى البرمكي وأولاده، وقد خاف ابنها الهادي من سطوتها، وتدخلها ~~وشخصيتها، فحجر عليها فكرهته ... # وهذا جناح زبيدة زوج الرشيد، وهي كذلك شخصية قوية خيرة، لها خدمها الخاصون، وغلمانها، ~~وجواريها، وكانت كالخيزران في تدخلها السياسي، غير أنها لم تكن مثلها في دس الدسائس، بل ~~كانت بارة محسنة، تنفق الأموال على الملاجئ والمستشفيات، ومن آثارها الخالدة عين الماء ~~المسماة باسمها، والتي أنشأتها في الحجاز، ومدت بها الماء إلى مكة، ثم كان في حجرها ابنها محمد ~~الأمين. # وهذا جناح علية أخت الرشيد، وكانت شاعرة جميلة مفتنة لها عشاقها، وزوارها، ومجالس أنسها، ~~وسرورها. # وهذا جناح العباسة أخت الرشيد، فتاة جميلة أيضا، شاعرة تحب جعفر البرمكي وتراسله. # وأخيرا جناح الرشيد، وهو أعظم الأجنحة، فيه جواريه الكثيرة، وغلمانه الكثيرون، وأطباؤه، ~~ومضحكوه، ومغنوه إلى آخر ما هنالك. # وعلى الجملة فكان القصر يموج بالفتيان والفتيات، والكبار والصغار ... هذه جارية فارسية تتكلم ~~بالفارسية، وهذه يونانية تتكلم باليونانية، وهذه حبشية تتكلم بالحبشية، وهذه بربرية تتكلم ~~بالبربرية ... إلخ، ثم كانت تموج في القصر تيارات مختلفة ... تيارات سياسية من الخيزران وزبيدة، ~~فالخيزران توالي البرامكة وتؤيدهم، وتكره الفضل بن الربيع ~~وتبعده، وتيار من زبيدة تكره البرامكة وتعاكسهم، وتؤيد الفضل بن الربيع وتقربه، ثم تيارات أخرى ~~غرامية بين شابات القصر وشبانه، والعباسة وعلية، والجواري والغلمان. ms038 # وكانت جواري الرشيد فيما يقولون تبلغ نحو ألفي جارية مختلفة الأجناس ... منهن الروميات، ~~والسنديات، والفارسيات، وقد قال خبير بالرقيق وأنواعه: إن لكل نوع من أنواع الرقيق ميزات خاصة ~~يعرف بها، فالهنديات وديعات لينات الجانب، هادئات قادرات على حسن ورعاية الطفل، ولكن سرعان ما ~~يعرض لهن الذبول، واشتهرت السنديات بالخصر النحيف، والشعر الطويل، واشتهرت مولدات المدينة ~~بالدلال، والميل إلى السرور، والفكاهة والمجون، وبحسن الاستعداد للنبوغ في الغناء، وعرفت مولدات ~~مكة بدقة المعصم والمفصل، والعيون الناعسة، وعرفت الإماء البربريات المغربيات بأنهن لا يبارين ~~في حسن الإنتاج، وهن لدماثة خلقهن، ولين عريكتهن صالحات لأن يتعودن القيام بمختلف ~~الأعمال. # والمثل الأعلى للجارية - كما يقول أبو عثمان الدلال - أمة تكون من أصل بربري ~~فارقت بلادها في التاسعة من عمرها، ومكثت ثلاث سنين في المدينة، ومثلها في مكة، ثم رحلت إلى ~~العراق في السادسة عشرة من عمرها لتتثقف بثقافته ... فإذا بيعت في الخامسة والعشرين كانت قد ~~جمعت من جودة الأصل، ودلال المدنيات، ورقة المكيات، وثقافة العراقيات. # والسودانيات كن يغمرن الأسواق، وقد عرفن بقلة الثبات، والإهمال، كما عرفن بالميل إلى ~~الضرب بالدف والرقص، وهن أحسن خلق الله بياض أسنان، ولكن يعاب عليهن نتن الإبط، وخشونة الملمس، ~~والحبشيات عرفن بالضعف والترهل، والاستعداد لمرض الصدر، وهن على عكس السودانيات لا يحسن ~~الغناء ولا الرقص، ولكنهن قويات الخلق موضع للثقة أهل للاعتماد عليهن. # قصر الخلد # ولا يخلو قصر كهذا من العلاقات الغرامية، ولذة الوصال، وألم الخصام، ونحو ذلك من ضروب ~~العواطف؛ حتى ليحكون أن سبب اتصال الرشيد بأبي يوسف أن الرشيد رأى مرة منظرا ~~غراميا لم يعجبه، فاستدعى أبا يوسف لسؤاله: هل على الخليفة إذا رأى هذا المنظر أن يحد ~~الجناة؟ فأفتاه بلا؛ لأن القاضي لا يقضي بعلمه، فسري عن الرشيد، وأجزل لأبي يوسف ~~الصلات، وتوثقت الصلة بينه وبين أبي يوسف من ذلك الحين، حتى عينه قاضي القضاة. # تضيف إلى عظمة قصر الخلد عظمة بغداد؛ فقد كانت مملوءة بالقصور الفخمة، والميادين الفسيحة، ~~والأسواق الحافلة بالدكاكين الممتلئة بالسلع، وكان يأتيها من ms039 مصر البلسم، والكتان، والقمح، ~~والنحاس، والذهب، وزمرد النوبة، ويأتيها من الحبشة العاج، ومن الأندلس الحرير، والصيني، ~~والجلود، والأسلحة الصلبة، ومن اليونان النباتات ذات العطر الطيب، والصمغ، ومن سوريا الزجاج ، ~~والبللور، والأصداف ... ~~••• # ومن بلاد العرب البخور، ومن سوماطرة البخور الجاوى والزعفران والقرفة، ومن جاوى الماس، ~~والعاج، والأخشاب الثمينة، والصندل، ومن خليج فارس اللآلئ، والصدف. # ومن سيلان الياقوت، واللازورد، ومن فارس الأصواف، ومن سيراز الفيروز، والعقيق، والمرجان، ~~ومن أصفهان الأقمشة المختلفة، ومن بخارى الأصواف، والسجاجيد، والأقمشة، ومن مرو الزبرجد، ~~ومن الموصل صفائح الصلب. ومن سمرقند الأطلس، والفضة، والأقمشة الناعمة، ومن الصين الصيني، وحجر ~~الشب، والحرير الخام، والصمغ، ومن التبت المسك، وهذه كلها تحول أحسن ما يرد إلى قصر الخلد، ~~والقصور حوله، وأحيانا كثيرة يسير الشابان هارون الرشيد وجعفر ووراءهما مسرور الخادم متخفين ~~للوقوف، وشراء خير ما في الأسواق ... كما تروي لنا ألف ليلة وليلة. ~~••• # ويقول الاقتصاديون: إن الدينار والدرهم ليس لهما قيمة ذاتية، وإن قيمتهما بقدرتهما ~~الشرائية، وكانت قيمتهما في عهد الرشيد كبيرة لا تقاس بما نحن عليه اليوم؛ فقد عثرت على قائمة ~~بتثمين بعض الأشياء فيها أن الكبش كان يباع بدرهم، والجمل بأربعة دنانير، والتمر ستون رطلا ~~بدرهم، والزيت ستة عشر رطلا بدرهم، والسمن ثمانية أرطال بدرهم، وكان الرجل يعمل في سور بغداد ~~كل يوم بخمس حبات، وكان ينادى على لحم البقر في جبانة كندي تسعون رطلا بدرهم، ولحم الغنم ستون ~~رطلا بدرهم، والعسل عشرة أرطال بدرهم، والأستاذ البناء بخمس حبات، ومن المعلوم أنه في أيامهم ~~كانت الحبة ثلث درهم، والدانق سدس درهم، والدينار كانت تختلف قيمته تبعا لنقاء فضة الدراهم، أو ~~عدم نقائها؛ فكان يساوي مرة عشرة، ومرة خمسة عشر، ومرة عشرين، وكان مقدار الدينار ذهبا ~~يساوي ستين قرشا مصريا تقريبا ... # ثقافة الرشيد # وكان الرشيد مثقفا ثقافة عربية واسعة، علمه الأدب المفضل الضبي، والنحو الكسائي، ~~وملأه الأصمعي طرفا من طرائفه الأدبية، وملحا من ملحه العربية. # وكان نديمه في الغناء إسحاق الموصلي، وتدلنا مناقشاته الكثيرة للعلماء والأدباء على بحر ~~واسع في ms040 العلم والأدب. # وقد روي عنه أنه كان ينقد الشعراء في أشعارهم، وينقد المغنين في غنائهم، ويحصي غلطات هؤلاء ~~وهؤلاء، ومزايا هؤلاء وهؤلاء، كما كان من أدلة ذلك ما جمع له من الأصوات الممتازة التي اختارها ~~أبو الفرج الأصفهاني، وبنى عليها كتابه الأغاني. # ولعل أكبر ما يدل على ثقافته وصيته المشهورة التي تقدم بها إلى الأحمر معلم ولده ~~محمد الأمين، إذ قال: «يا أحمر، إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه، وثمرة قلبه، ~~فصير يدك عليه مبسوطة، وطاعته لك واجبة، وكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين؛ أقرئه القرآن، ~~وعرفه الأخبار، وروه الأشعار، وعلمه السنن، وبصره بمواقع الكلام وبدئه، وامنعه ~~من الضحك إلا في أوقاته، وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه، ورفع مجالس القواد ~~إذا حضروا مجلسه، ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تحزنه ~~فتميت ذهنه، ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه، وقومه ما استطعت بالقرب ~~والملاينة، فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة»، وهي وصية حكيمة، وضع فيها الرشيد منهج ~~التعليم، ومنهج الأخلاق ... واتخذت على مر العصور مرشدا لكل من حاول التعليم، وأراد ~~ممارسته. ~~••• # ويروون أن الرشيد مرة دعا المفضل الضبي، والمأمون عن يمينه ومحمد الأمين عن يساره، ~~قال المفضل فسلمت فأومأ إلي بالجلوس فجلست، فقال لي: «يا مفضل!» قلت: «لبيك يا أمير ~~المؤمنين!» قال: «كم من الأسماء في فسيكفيكهم الله؟» فقلت: «ثلاثة أسماء يا أمير المؤمنين» ~~قال: «وما هي؟» قلت: «الياء لله عز وجل، والكاف الثانية لرسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، والهاء والميم والواو ~~للكفار» قال: «صدقت»، كذا أفادنا هذا الشيخ؛ يعني الكسائي، ثم التفت إلى الأمين، فقال له: ~~«فهمت؟» قال: «نعم» قال: «أعد المسألة» فأعادها كما قال المفضل، قال الرشيد: «يا مفضل! هل ~~عندك مسألة؟» قلت: نعم يا أمير المؤمنين؛ قول الفرزدق: # أخذنا بأطراف السماء عليكم # لنا قمراها والنجوم الطوالع # قال الرشيد: «هيهات قد أفادنا هذا قبلك، فقد أخبرنا الشيخ - يعني الكسائي - أن لنا قمريها ~~يعني الشمس والقمر، كما ms041 قالوا سنة العمرين يريدون أبا بكر وعمر.» # وذلك أنه إذا اجتمع اسمان من جنس واحد، وكان أحدهما أخف على أفواه القائلين غلبوه ~~فسموا الأخير باسمه، فلما كانت أيام عمر أكثر من أيام أبي بكر، وفتوحه أكثر ~~غلبوه، وسموا أبا بكر باسمه، وقد قال الله عز وجل: # بعد ~~المشرقين فبئس القرين ~~، وهو المشرق والمغرب، قال المفضل: «بقيت ~~مسألة» قال: «وما هي؟» قلت: «أراد بالشمس إبراهيم # صلى الله عليه وسلم # خليل الرحمن، وبالقمر محمدا # صلى الله عليه وسلم ~~، والنجوم ~~الخلفاء الراشدين من آبائك الصالحين، وهو تفسير يرمي إلى نوع من النفاق، قال: «يا فضل بن ~~الربيع احمل إليه مائة ألف درهم ومائة ألف لقضاء دينه»، إلى كثير من أمثال هذه الحكايات التي ~~تدل جملتها على ثقافة واسعة، واستفادة من المفضل والأصمعي والكسائي وأمثالهم.» # ويروي المفضل أيضا أن الرشيد استدعاه، وسأله عن بيت من الشعر فأجاب وفق ما توقع الرشيد، ~~فنزع الرشيد من يده خاتما قيمته ألف وستمائة دينار، فلما علمت الخيزران بذلك أعطته الألف ~~والستمائة، وأخذت الخاتم منه، وردته إلى الرشيد؛ لأنه كان يعجب به، فرده الرشيد إلى المفضل، ~~وقال له: «لا يليق بالخليفة أن يسترد ما أعطى»، فصفا له الألف والستمائة. # امتزاج الثقافات # وإلى جانب ذلك كان في عهد الرشيد اختلاط الثقافات كأنها جداول صغيرة تكون منها نهر كبير ~~... فأولا: كان من هذه الثقافات الثقافة الفارسية، وهي التي عظمت في الدولة العباسية مما ألفها ~~عبد الله بن المقفع وأمثاله، وقد كسبت الثقافة الإسلامية العباسية من الفرس أشياء كثيرة منها ~~الألفاظ اللغوية، وخاصة ما ليس للعرب عهد بمدلولاتها، مثل ألفاظ المأكولات الفارسية، والنباتات ~~االفارسية، وضروب الملابس، والأثاث، والرياش ... # روي أن فارسيا ناظر عربيا بين يدي يحيى بن خالد البرمكي ... فقال الفارسي: «ما ~~احتجنا إليكم قط في عمل ولا تسمية، ولقد ملكتم فما استغنيتم عنا بأعمالكم ولا لغتكم، حتى إن ~~طبيخكم وأشربتكم ودواوينكم، وما فيها على ما سمينا ما غيرتموها كالاسفيداج، والسكباج، ~~والدوغياج، وكالسكنجين، والخلنجين، والجلاب، وأمثالها، وكالروزنامج، والاسكدار وأمثالها» فسكت ~~عنه العربي، ms042 فقال له يحيى بن خالد: قل له: «اصبر لنا نملك كما ملكتم ألف سنة، بعد ألف سنة كانت ~~قبلها لا نحتاج إليكم، ولا إلى شيء كان لكم»، ونقرأ في كتاب البيان والتبيين للجاحظ، فنراه ~~يستعمل ألفاظا كثيرة من أصل فارسي ... فيسمي الطريق إذا التقى فيها أربعة طرق «جهارسو»، ~~والجهارسو فارسية، ويسمي السوق وازار، والوازار فارسية، وهكذا. # وثانيا: نقلوا كثيرا من كتب الأدب الفارسية الأصل ... وكثيرا من القصص الفارسية، ويحكون ~~أن كتاب ألف ليلة وليلة أصله فارسي، وقد ترجم عبد الله بن المقفع كتاب كليلة ودمنة عن ~~الفارسية، كما ترجموا عن الفارسية كتاب زرادشت المسمى افستا، ترجموه هو وما عليه من شروح، وقد ~~ترجم الحسن بن سهل كتاب «جاويدان خرد» عن الفارسية. ~~••• # هذا إلى أن كثيرا من الفرس كانوا قد أسلموا وتعلموا العربية، فكانوا ينقلون إلى العربية ما ~~تعلموه من أفكار فارسية، كما نقل كثير من التوقيعات والحكم إلى العربية من غير نص ~~عليها، بل لعل من كان من أصل فارسي كله أو بعضه - كبشار بن برد وأبي نواس - لهم معان مأخوذة ~~من أصل فارسي، ومن رأي ابن خلدون: أن كثيرين من واضعي العلوم كسيبويه واضع النحو، وأبي حنيفة ~~واضع الفقه، ونحوهما من أصل فارسي، وأن الفارسيين في هذا الباب أكثر من العرب، وسواء صح هذا أو ~~لم يصح، فأقل ما يدل عليه أن كثيرا من الفرس وضعوا كثيرا من العلوم. # بل ذهب بعضهم إلى أن شعر أبي العتاهية لا يمت إلى العرب بصلة؛ لأنه ليس مناسبا ~~لحياة الملوك وترفهم ونعيمهم في الحياة، وإنما هو شعر مستمد من الفارسية، وخصوصا من مذهب ~~ماني الزاهد. # كذلك انتشرت الثقافة الهندية بدخول كلمات من الأصل الهندي إلى اللغة العربية، وقد سموا ~~السيف مهندا أخذا من الهند، ومن أسمائهم النسائية: هند، وكليلة ودمنة الذي ترجم إلى العربية ~~من الفارسية من أصل هندي، وكان هناك علماء من أصل هندي تثقفوا بالثقافة العربية، ونشروا الأفكار ~~الهندية كابن الأعرابي؛ فقد رووا أن أباه زيادا كان من أصل هندي، ms043 كذلك نقل إلينا أن ~~التجارة بين المسلمين في العهد العباسي والهند كانت واسعة النطاق في التوابل وأنواعها، وقد نقلت ~~إلى العربية مدلولاتها وأسماؤها، وحكى لنا البيروني أنهم كانوا مهرة في الحساب والهندسة، وأن ~~لهم طريقة تخالف طريقة اليونان، هذا إلى أن كثيرا من عقائدهم في الحلول ووحدة الوجود دخلت في ~~التصوف الإسلامي. ~~••• # وهناك ثقافة يونانية دخلت في الدول العربية منها ألفاظ كثيرة، كما دخلها الطب والفلسفة، ~~وكان في بلاد العرب كثير من المثقفين بالثقافة اليونانية كعلماء حران والإسكندرية، وغير ذلك. ~~نعم! إن العرب لم يستسيغوا الأدب اليوناني في القديم؛ لأنه يبعد كثيرا عن الأدب العربي، فلم ~~يأخذوا منها كثيرا، وإن أخذوا منها الطب والمنطق والفلسفة. # والثقافة الرابعة الثقافة الرومانية من مثل ألفاظ التقطوها من الجواري الرومانيات ومن ~~الرومانيين أثناء حروب المسلمين معهم، وأسرهم الأسارى منهم، وكان مما عني به في عهد الرشيد ~~وخلفاء العباسيين عامة: الطب والتنجيم، فاتخذوهما من الوظائف الرسمية، وكان لكل خليفة طبيب ~~خاص، ومنجم خاص. أما حاجة الخلفاء للطب فواضحة؛ إذ كان أكثر الخلفاء مرضى يحتاجون إلى طبيب ~~يداويهم، ورووا أن المنصور كان مريضا بمعدته، ولم يستطع أطباؤه معالجته، فاستدعى طبيبا من ~~جنديسابور هو جرجيس بن بختيشوع، وكانت مدرسة جنديسابور مدرسة عظيمة، وتعد مصدرا للثقافة ~~اليونانية، ومركزا لنشر فلسفتها وعلومها، أسسها كسرى أنو شروان، وبناها على شكل القسطنطينية، ~~واستجلب لها أطباء من الروم، ثم خلفهم من بعدهم من حل محلهم من أهل ~~البلاد، وكان الذي أنشأه فيه بيمارستانات لمعالجة الفقراء، فلما جاء الرشيد استطب جبريل بن ~~بختيشوع، وأمره بإنشاء بيمارستان ببغداد على نمط ما لجنديسابور، وكانت عائلة بختيشوع كلها نصارى ~~نساطرة. ~~••• # وطبيب الرشيد هو جبريل بن بختيشوع، وقد أراد الرشيد أول الأمر أن يمتحنه فأحضر له بولا ~~مجهولا فقال جبريل: ليس هذا بول إنسان؛ لأنه ليس له قوام بول الناس ولا لونه ولا رائحته، وكان ~~جبريل بن بختيشوع هذا مشهورا بالفضل، جيد التصرف في المداواة، علي الهمة، سعيد الجد، ~~حظيا عند الخلفاء، رفيع المنزلة عندهم، تأتيه منهم ms044 الأموال العظيمة، ولما مرض جعفر بن يحيى بن ~~خالد البرمكي - أيام رضاء الرشيد عنهم - استدعى جبريل بن بختيشوع هذا فعالجه، وشاء الله أن ~~يبرئه في مدة ثلاثة أيام، ومرة تمطت حظية من حظايا الرشيد، ورفعت يدها فبقيت منبسطة، ولم ~~ينفعها علاج الأطباء، ولا الأدهان ... فاستدعى جبريل فاستحضرها، وأراد أن يكشف عن ساقها فانزعجت ~~الجارية، وحركت يدها، وبرئت، وكان الرشيد ينتصح بقوله فيما يأكل، ومقدار ما يشرب، وبلغ عنده ~~منزلة عالية حتى قالوا: إنه كان كل من تقلد عملا من الرشيد لا يخرج إلى عمله إلا بعد ~~أن يمر على جبريل، وقد ثار عليه العلوية لقربه من الرشيد حتى أرادوا أن يقتلوه، وعلى العموم كان ~~طبيب القصر، وقد قال فيه أبو نواس: # سألت أخي أبا عيسى # وجبريل له عقل # فقلت: الراح تعجبني # فقال: كثيرها قتل # فقلت له: فقدر لي # فقال وقوله فصل # وجدت طبائع الإنسا # ن أربعة هي الأصل # فأربعة لأربعة # لكل طبيعة رطل # وقال له المأمون يوما: # أخي طبك يا جبري # ل ما يشفى ذوي العله # غزال قد سبا عقلي # بلا جرم ولا زله # الإيمان بالتنجيم # وأما التنجيم فكان الخلفاء يعتقدون أن للنجوم أثرا في أحداث الكون من موت وحياة ~~وسعادة وشقاء وصحة ومرض وسعة وتقتير في الرزق، وغير ذلك، ونشأ في الناس الاعتقاد بهذا. # وكان من أكبر من أشاعه الشيعة، فنسب إليهم كثير من التنبؤ بالحوادث، وربما كان من أكبر ~~الأسباب في ذلك دعايتهم لأنفسهم عن طريق التنبؤات، ونسب لعلي بن أبي طالب كثير من أخبار ~~بني أمية وسقوطهم، وظهور بني العباس، وغير ذلك من الأحداث استنادا إلى قوله: «سلوني قبل أن ~~تفقدوني.» # وقد نسبوا إليه تنبؤات بأحداث في الدولة الأموية والدولة العباسية، ومقتل الحسين، وخروج ~~عائشة يوم الجمل، وخروج الأمر من العلويين إلى العباسيين، وأحداث السفاح، وبعض أحداث بني بويه، ~~ونحو ذلك، ولكن يظهر أن أكثرها وضع بعد ظهور الحوادث، ثم أسندت إليه على أنها من ~~التنبؤات. # وشاع بين الشيعة لأجل ذلك علم الجفر، وهو الذي حرف فيما ms045 بعد إلى «الشيفرة»، وسواء صحت ~~هذه الأخبار أو لم تصح فإن الناس والخلفاء والأمراء كانوا يعتقدون فيها، ويبنون أعمالهم ~~عليها، وكتاب الجفر هذا كان أصله أن هارون بن سعيد العجلي - وهو رأس الفرقة المعروفة بالزيدية - ~~كان له كتاب صغير يعرف بالجفر، يرويه عن جعفر الصادق، وفيه أخبار عما سيقع لأهل البيت على ~~العموم، ولبعض الأشخاص منهم على الخصوص، وكان مكتوبا عند جعفر على جلد ثور صغير، فرواه عنه ~~هارون العجلي، وسماه الجفر، والجفر في اللغة هو الصغير، فصار هذا الاسم علما على هذا الكتاب ~~عندهم، وشاع في الناس وتناقلوه، وزادوا عليه، وأنشأوا في ذلك ما يسمى بالملاحم، وهي أشعار تروى ~~في أخبار دولة على الخصوص، أو دول على العموم، وأكثرها موضوع ... تروى فيه الحوادث الماضية صحيحة، ~~ويرجع تاريخها إلى ما قبلها للدلالة على التنبؤ، أما ما يدل على المستقبل فغير صحيح ~~غالبا. ~~••• # ويروون أنه عثر في عهد المهدي على كتاب في الجفر يروي أن مدة حكم المهدي عشر سنوات، ~~وشاع ذلك في الناس، فلما علم الربيع - وزير المهدي - قال: إن الخليفة المهدي لو علم ذلك ~~لقتلنا، فاستدعى الوراقين، وأمرهم أن يكتبوا الكتاب، ويجعلوا بدل العشر أربعين، حتى ~~يطمئن المهدي إلى مدة حكمه، وهكذا من باب طرق الوضع، وسبب ذلك على ما يظهر لي أن لبعض ~~الناس قدرة على معرفة الغيب، ويسمون بالملهمين، إما عن طريق ما يسميه الإفرنج بالتليباثي، ~~أو بالتنويم المغناطيسي، أو نحو ذلك مما لم يكتشفه العلم إلى اليوم ... وهذا لمعرفة الماضي ~~والحاضر أو قراءة أفكار الإنسان. ~~••• # أما معرفة المستقبل فلا أظن أن أحدا يعرفه؛ إذ قد استأثر الله بعلمه، والقرآن الكريم يقول ~~على لسان النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء» فكيف بغيره، ولكن ~~الناس تزيدوا، وابتدعوا طرقا كثيرة من قراءة الكف والودع، ونحو ذلك، واعتقدوا بتأثير النجوم، ~~وكان بعض العلماء معتدلين في ذلك، فقد كان بعض الفلاسفة يعتدل في الاعتقاد بالتنجيم، ويعلل بعضه ~~تعليلا معقولا، وذلك أن للشمس ms046 والقمر والنجوم أحداثا في الدنيا لا شك فيها كأثر الشمس في ~~الفصول الأربعة، وأثر القمر في المد والجزر، وأثرهما معا في الرياح والسحاب والرعد والبرق، ثم ~~لا ينكر أيضا أثر هذه البيئة الطبيعية في أبدان الناس، وأثر الأبدان في النفس ... ~~••• # غاية الأمر أن بعض هذه الأحداث ناشئ عن حسابات بسيطة لحركات هذه الكواكب كخسوف القمر، وكسوف ~~الشمس، وحساب المد والجزر، ونحو ذلك، وبعضها صعب الاستنتاج لصعوبة المشاهدات التي نبني عليها ~~احتمالنا. # فإن بعض الأوضاع للنجوم لا يتكرر مرة ثانية في عمر الإنسان الواحد، ومرة واحدة لا تكفي ~~لحكم صحيح، وحساب الحادثة الواحدة تسبقها إلى البروج كلها، وتأثير كل منها حساب عسير، فقد يحدث ~~خطأ بسيط في حساب برج من البروج فيخطئ التنبؤ. ~~••• # وعلى كل حال فقد شاعت بين الناس حوادث التنجيم والإيمان بها، واستغل المنجمون الناس حتى ~~الخلفاء، وقد رووا أن المنصور تخير وقتا معينا لوضع الحجر الأساسي لبناء بغداد، وتخير ~~الفاطميون بعد ذلك وقتا مناسبا لوضع الحجر الأساسي للقاهرة، وليست حادثة المعتصم بعيدة عن ~~الأذهان؛ فقد نصح له المنجمون بالخروج إلى الحرب أيام نضج التين والعنب حتى يكون النصر، ولكن ~~الحالة الحربية اضطرته إلى الخروج في غير هذا الوقت فانتصر، وقال أبو تمام في ذلك قصيدته ~~البائية المشهورة: # السيف أصدق أنباء من الكتب # في حده الحد بين الجد واللعب # وكان الرشيد يؤمن بهذا التنجيم أحيانا، ويستمع إلى أخبار المنجمين، وتنبؤاتهم حتى رووا أن ~~منجما يهوديا قال للرشيد: «إني أرى في أحكام النجوم أنك ستموت سريعا.» # فاغتم لذلك اغتماما شديدا، وأحضر جعفرا البرمكي ليسري عنه، فحضر ووجده كئيبا ~~حزينا، فقال جعفر للمنجم: «أترى أن الخليفة يموت سريعا؟» قال: «نعم!» قال له: «وماذا تراه ~~في نفسك؟» قال: «أرى عمري طويلا» قال: «اقتله يا أمير المؤمنين حتى يتبين كذبه» فقتله، واستراح ~~الرشيد. ~~••• # ولقد كان هذا التنجيم وسيلة لعلم الفلك، كما كان تحويل المعادن إلى ذهب سببا في تعرف ~~قوانين الكيمياء الصحيحة، فقد رووا لنا أن محمد بن إبراهيم الفزاري صنع زيجا، ورووا ms047 أنه قدم ~~على الخليفة المنصور رجل من الهند عالم بالحساب المعروف بالسند هند في حركات النجوم، وأمر ~~المنصور بترجمة ذلك الكتاب إلى اللغة العربية، وأن يؤلف منه كتاب يتخذه العرب أصلا في ~~حركات الكواكب، وبذلك ابتدأوا العلم بكثير من التخريف، وانتهوا به إلى التصحيح والتدقيق. # وظل أمر التنجيم إلى اليوم في التنبؤ بالسعادة لمن ولد في شهر كذا، والشقاء لمن ولد في شهر ~~كذا، وفي اختلاف أخلاق من ولد في بعض الشهور عمن ولد في شهور أخرى، ونحو ذلك. # ولو كان هذا صحيحا لاطردت النتائج فيمن ولدوا في شهر واحد من سعادة أو شقاء أو ~~سلوك، مع أنا نجد كثيرا من الفوارق بينهم ... ولكن هي طبيعة الإنسان تريد أن تخترق حجب الغيب، ~~ويستغل الدجالون غريزة الاستطلاع عند الناس، والله أعلم. # تقدم العلوم # ولتسرب هذه الثقافات المختلفة والعناصر المختلفة إلى المسلمين ظهر أثر واضح هو تحول ~~العلوم من أشكالها البسيطة الدائمة إلى قواعد علمية، وتسابق العلماء في ذلك، كل يريد أن يؤسس ~~علما، وتشارك في هذا العمل علماء من العرب كالخليل بن أحمد الفراهيدي، وعلماء من الفرس ~~كسيبويه، وأبي حنيفة، ومن الهنود كابن الأعرابي، وعلماء من المسلمين، وعلماء من النصارى، فكانت ~~حركة غريبة حقا؛ فهذا النحو يتحول من نظرات بدائية ومسائل جزئية كالتي تروى عن أبي الأسود ~~الدؤلي إلى علم تام وقواعد منظمة كالذي كان من الخليل وتلميذه سيبويه. # وهذا الفقه يتحول من مذهب مكون من جمع للحديث، واستنتاج منه إلى مذهب قياسي ~~منطقي كالذي يضعه أبو حنيفة، وصاحباه أبو يوسف، ومحمد. # وهذه اللغة التي كانت تجمع كلمة فكلمة قد تم جمعها، وأخذوا يضعون معاجم في موضوعات ~~خاصة كالخيل والإبل، ثم جاء الخليل بن أحمد هذا فوضع بكتابه «العين» أساس المعاجم اللغوية، وهذا ~~الأدب الذي كان يروى قصيدة أو قطعة قطعة، أخذ يجمع في الكتب المطولة كالمفضليات للضبي، ~~والأصمعيات للأصمعي، والنقائض لأبي عبيدة. # وهذا النقد الذي كان يعتمد على الذوق الفطري، فتنقد الكلمة إذا كانت نابية مثل كلمة بوزع، ~~أو ينقد ms048 المعنى إذا كان سخيفا، كقول القائل: # هذا ابن عمي في دمشق خليفة # لو شئت ساقكم إلي قطينا # فينتقده عبد الملك بأن هذا يقال لعامل من عماله، وأن الشاعر لو قال لو شاء ساقكم ... لكان ~~أحسن، فينقلب إلى نقد بقواعد، وقوانين كالذي فعل ابن سلام في طبقاته. # وهذا التاريخ الذي يعتمد على مجرد جمع الأخبار حيثما اتفق، يؤلف وينظم فيجعل لكل ~~أمة موضعا، ولكل أمة حوادث حسب السنين، وما جرى فيها منظمة مرتبة. # وهذه الأنساب التي كانت في الصدور كتبت في السطور، ودونت تدوينا منظما كالذي فعل ~~الكلبي في كتابه الجمهرة في الأنساب. # وهؤلاء رجال المحدثين الذين كان يكتب عنهم كلمة في تعديلهم أو تجريحهم كانت سببا في ~~كتب التراجم الواسعة، يعتمد فيها على الأخبار، ومعرفة حياة كل مترجم له، ونحو ذلك، حتى لو ~~قلنا إن كل طائفة من المعلومات انقلبت علما، ووضعت في قواعد، لم نكن بعيدين عن الصواب، ~~فربما كانت معيشتنا في القرون التي أتت بعد، ليس إلا تردادا لما ذكروا، أو تعبيرا عنه بلغة ~~العصور المختلفة، أو تفريقا لمجتمع، أو تجميعا لمفترق من غير كثير ابتكار. # يضاف إلى ذلك اختلاف المذاهب والنحل، وأخذها أيضا شكلا علميا؛ حتى إن المذاهب ~~التي كانت سياسية: كالمرجئة، والخوارج، وأهل السنة، والشيعة، انقلبت إلى مذاهب دينية علمية ~~تعلل تعليلا علميا، وتحلل تحليلا فلسفيا ... وتعددت المذاهب حسب العقليات، ومقدار ~~الثقافة، والميول السياسية والدينية. # فهذا حر العقل واسع التفكير يذهب مذهب الاعتزال، وهذا يتقيد بالنص وينهج منهج الرواية ~~والجمع فيكون محدثا، وهذا يحب عليا ويترحم على ابنه الحسين ويعطف بقلبه على من اضطهد من ~~العلويين فيكون شيعيا، وهذا يحب أبا بكر وعمر ويمجد أعمالهما ويفضلهما على ~~علي فيكون سنيا، وهذا يميل إلى منصب وجاه، وتقرب إلى الخلفاء بالمذهب فيكون ~~عباسيا، وهذا بدوي لا يحب الرياسة ولا يميل إلى التأقلم ومتابعة الظروف فيكون خارجيا، ~~وهذا يعتنق الإسلام ظاهريا والوثنية باطنيا ويكره العرب من صميم قلبه ويود رجوع دولة ~~الفرس إلى حالتها الأولى، قبل أن يهزمهم العرب ms049 ويأخذوا بلادهم فيكون وثنيا، وهكذا، وهكذا ... ~~من تعدد المذاهب، وتنوعها مما ليس له نظير في مجتمع آخر. # | الأدب والأدباء # الأدب والشعراء # أوجدت العوامل التي ذكرناها في الفصل السابق نشاطا عقليا غريبا، وتناحرا ~~بين الأديان المختلفة يشبه التناحر على العصبيات المختلفة، وأخذ العلماء يشرحون أنواع الأدب، ~~ويرون أن الأدب والنقد نتيجة لبيئات مختلفة ... فصبها العلماء في العراق كلها صبا واحدا؛ ~~فمثلا كان أدب الحجاز غير أدب الشام، غير أدب بغداد. # كان أدب الحجاز - بحكم تنحية الحجازيين عن السياسة في أيام العهد الأموي، وبحكم كثرة ~~الغنائم وكثرة الفراغ - مجالا للترف والنعيم، ولذلك كان رافع لواء ذلك الأدب: عمر بن أبي ~~ربيعة، وغزله، ثم ما تبعه من مدرسته تعمل عمله وتنقده. # وكان أدب الشام متأثرا ببيئته؛ إذ كانت دمشق عاصمة الخلفاء يأتيها الناس من كل فج ~~عميق للمديح، وفيها التناصر السياسي، لهذا كان أغلب الشعر فيها مديحا وسياسة. # وكان العراق على حدود البادية؛ فكان الشعر فيها امتدادا للشعر الجاهلي، وأنشأوا فيها ~~المربد يتسابقون فيه إلى الشعر كعكاظ، ويتحلقون حول جرير والفرزدق، فكان أدبهم من جنس الأدب ~~الجاهلي: هجاء، وفخرا، واعتدادا بالعصيان، ونحو ذلك، فلما تحولت الحاضرة من دمشق إلى بغداد ~~في العهد العباسي تغير الأدب؛ فأخذ الأدباء العباسيون يقفون في بغداد موقف الأمويين من دمشق ~~والعكس، وكل الأدب الذي نتج من هذه البيئات صب جميعه في العراق بفضل ما جمعه العلماء، ~~فكان كل ذلك أدبا عربيا يتولاه النقد. # ثم كانت الحياة الاجتماعية في العصر العباسي حياة جديدة تخالف الحياة في الحجاز والشام ~~والعراق قبل العباسيين، وكان لا بد من زعماء جدد يشعرون بمواجهة الحياة الاجتماعية الجديدة، ~~وهذا ما قام به بشار بن برد، وأبو نواس، وأمثالهم، وكما تأثروا بالحياة الاجتماعية تأثروا أيضا ~~بالثقافات المختلفة التي فشت في عصرهم، فرأينا شعرا عن الأديرة، وشعرا عن عيد النيروز، ~~وشعرا عن يوم الشعانين، وشعرا عن الأزهار الجديدة وغير ذلك، ولما ألبست زبيدة بعض ~~الفتيات لبس الشبان أنشد أبو نواس شعر الغزل في المذكر استجابة لهذه الدعوة. ms050 # وحتى البيئات الخاصة كان لها أدب خاص؛ فقد كان جزء من العراق يعيش فيه الخوارج ... فشعروا ~~شعرا على مذهبهم، وقال قائلهم: # أيها المادح العباد ليعطي # إن لله ما بأيدي العباد # فاسأل الله ما طلبت إليهم # وارج فضل المقسم العواد # لا تقل في الجواد ما ليس خيرا # وتسم البخيل باسم الجواد # وسموا أحد شعرائهم شاعر المؤمنين، وشعراء الخليفة العباسي شعراء الكافرين ... فشعراء ~~الخوارج يزنون الشعر بميزان الدين والأخلاق، بينما يزنه شعراء الخلفاء والأمراء ~~بالميزان الفني البحت، ويجعلون أمامهم الشعر الجاهلي والنزعات الداخلية، كل هذا صب في ~~العراق صبا، وتعدد المقلدون حسب هذه المذاهب المختلفة، فكان لنا العباس بن الأحنف يشبه عمر بن ~~أبي ربيعة، وأبو نواس يشبه الوليد بن يزيد الأموي، والخوارج الأخيرون يشبهون الخوارج الأولين، ~~وهكذا ... # التقدم اللغوي # وبلغت اللغة الذروة في عهد الرشيد؛ لنمو الثقافة والحضارة في عهده، وقد كان هارون ظلها ~~الظليل، والمغدق على العلماء والشعراء والموسيقيين، ولقد أخذت علوم العربية في عهده نهضة ~~جديدة اقترنت بأسماء الأصمعي، وأبي عبيدة، وأبي زيد، والفراء، والكسائي، وهؤلاء جميعا اتخذوا ~~لغة البدو هي المثل الأعلى، والنموذج الرفيع، وكانوا دائما يقاومون لغة العامة في لحنهم، حتى ~~أنكروا على الفراء أنه لحن بمحضر الرشيد، وأنه اعتذر عن ذلك بأن اللحن عند سكان المدن لازم لهم ~~كالأعراب عند أهل البادية. # ولقد كان محببا إلى الخليفة أن يجالس النحاة، ويستمع إلى جدلهم ... وكان يقدر ~~سلامة اللغة حق قدرها، ويدقق فيما لم يفهمه؛ فقد سمع الأصمعي يقول: «ما لاقتني بعدك ~~أرض»؛ أي لم تمسكني، فلم يرتح حتى استفسر عنها، وكان مما حبب زبيدة إلى الرشيد فصاحتها ~~وبلاغة أسلوبها، كالذي رؤي لها من خطابها للمأمون عندما قتل ابنها الأمين مما عد خير ~~الكتب وأبلغها. # وكان الرشيد دقيق الفهم للعربية حتى كان يستطيع أن يفرق بين ماذا قلت أنا قاتل ~~غلامك على سبيل الإضافة بمعنى قتلت غلامك، وبين أنا قاتل غلامك بالتنوين على معنى سأقتل ~~غلامك، وكان يفرق بين قولك أنت طالق طالق طالق، وقولك أنت طالق وطالق ms051 وطالق، مما ~~يدل على دقة الذوق. # وكان العلماء إذا اختلفوا في شيء، رجعوا إلى البدو يستفسرونهم، ويحكمون بينهم، وكانوا ~~يصححون كثيرا مما يجري من اللحن على ألسنة العوام، وقد نسبوا إلى الكسائي كتابا في لحن ~~العامة عمله لهارون الرشيد، وهو - وإن لم تكن نسبته صحيحة - فإنه يعد أقدم الآثار ~~الأدبية في تنقية اللغة العربية، وهو يحتوي على نحو 102 غلطة من الغلطات التي تجري على ألسنة ~~العوام، وقد بلغت تنقية اللغة العربية هذه ذروتها في لغة أبي نواس، نعم، كانت تأتي في شعره ~~صيغ غريبة التصريف كتنوينه سنون وبنون ... واستعماله أحيانا جمع المذكر السالم بكسر النون بدل ~~فتحها، وأخذ النحاة عليه قوله: # يا خير من كان ومن يكون # إلا النبي الطاهر الميمون # فقالوا: كان من الواجب نصب إلا النبي، وأكثر من ذلك تركه الإعراب أحيانا، واستعمال ~~صيغ ماضية أحيانا، وقوله في بعض شعره يأتك بسكون الكاف على الوقف، وقوله: # كأن صغرى وكبرى من فقاقعها # حصباء در على أرض من الذهب # فانتقدوا صغرى وكبرى، على أنه - فيما يظهر - يأتي بهذه الأشياء لا على أنها ~~لحن، بل يتعمدها تعمدا استصغارا لقواعد النحو، وكان في إمكانه تجنبها، ولكنه كان يهزأ ~~بالنحو كما يهزأ بالعرب، وعلى العموم كان من كثرة الاحتكاك بين البدو والحضر في عهد الرشيد، ~~ومجادلات العلماء، والمكافأة عليها بسخاء منه، وما منح من ذوق لغوي دقيق، حتى إن الأدوار ~~الغنائية التي اختيرت له كانت كلها باللغة الفصحى. # وفي عصر الرشيد رويت لنا بعض القوالب الشعبية كالتي تسمي المزدوجة، وهو قالب شعري يؤلف ~~فيه بيتان قصيران متحدا القافية ... وقد نظم عليه أبو العتاهية أرجوزته المشهورة في ذات الأمثال، ~~قالوا: إنها تشتمل على أربعة آلاف حكمة ومثل، لم يصلنا منها إلا جزء صغير، واختار أبان بن عبد ~~الحميد اللاحقي - معاصر أبي العتاهية - نفس القالب المطابق للمثنوي الفارسي، عندما نظم كليلة ~~ودمنة، وافتتحه بقوله: # هذا كتاب أدب ومحنه # وهو الذي يدعى كليلة ودمنه # فيه احتيالات وفيه رشد # وهو كتاب وضعته الهند # وفي عهد الرشيد ms052 ظهر شاعر ثالث ... هو بشر بن المعتمر المعتزلي الذي زج به الرشيد في السجن ~~بعض الوقت لتشيعه ... إذ نهج نهجا لم يسبق إليه في وضعه قصيدتين، قالهما في ~~الإشادة بحكمة الله المتجلية في الحيوان، وقد رواهما الجاحظ في كتاب الحيوان، إلى غير ذلك ... كما ~~ظهر في عصر المأمون المواويل كما سنذكر ... # على كل حال اختلطت هذه الثقافات كلها، وصبت في بغداد، وتأثر بهما المسلمون إلى ~~حد كبير، وكانت الزينة العقلية في بغداد في عصر الرشيد، واختلف الناس في الاستفادة منها ~~بمقدار عقولهم وظروفهم، هذا يميل إلى الفرس، وهذا يميل إلى الهند، وهذا يميل إلى اليونان، وهذا ~~يميل إلى الرومان. # دروس وتجارب # وبعد هذه المرحلة كان هناك من المسلمين من يصح أن يسموه كتاب دوائر المعارف مثل ~~الجاحظ وأمثاله، وكانت هذه الثقافات سببا كبيرا من أسباب ازدهار الحضارة الإسلامية، وحسن سمعة ~~الرشيد، على أن للرشيد بجانب هذه الدروس العربية التي كان يتلقاها دروسا أخرى من النظام ~~الفارسي، كان يتلقاها باللغة العربية من يحيى بن خالد البرمكي، والفضل بن يحيى، وجعفر، ~~وأمثالهم، وكان يتلقى بالعربية من اليونانية عن جبريل بن بختيشوع طبه وفلسفته، إذ كان الطب ~~ملونا باللون اليوناني. # وكانت هناك ثقافة تفوق ذلك كله، وهي تجاربه في الحياة مما كان يرى في قصر أبيه، وما كان ~~يراه من الجواري المختلفة الأجناس حوله، ومن حروبه المختلفة، ومما كان يشاهده من أبيه المهدي ~~أيام حروبه للزنادقة، وامتحانه لهم، وتوجيه التهم إليهم ومحاكمتهم، ومن الأيام القاسية التي ~~قاساها أيام كان أخوه الهادي يريد حرمانه من ولاية العهد، وتولية ابنه. ~~••• # وإذا كانت الحياة كلها دروسا؛ فقد كانت دروسه كثيرة من كثرة ما لاقى، وما شاهد، وما سمع، ~~وتمت تجاربه بعد أن نكل بالبرامكة، وتولى هو ما كان لهم من سلطان، وما كانوا يحملون من تبعات، ~~وكان له ذوق في الشعر حاد شديد، وكان ذواقا يطرب للشعر، فيجلس من اتكاء، أو يقف من ~~جلوس، وإذا كره شاعرا غضب منه غضبا شديدا، وكان له مذهب خاص في ms053 الشعر؛ يقول أبو الفرج ~~الأصفهاني في الأغاني: إن منصورا النمري ظفر بحظوته عند الرشيد؛ لأنه عرف مذهبه في ~~الشعر، وهو أن يصل مدحه إياه بنفي الإمامة عن ولد علي، والطعن عليهم، وقد تعلم ذلك مما ~~كان يبلغه من تقديم الرشيد لمروان بن أبي حفصة، وتفضيله إياه على الشعراء في الجوائز، فسلك في ~~ذلك مسلك مروان، ونحا نحوه، وذلك مثل قوله: # خلوا الطريق لمعشر عاداتهم # حطم المناكب كل يوم زحام # ارضوا بما قسم الإله لكم به # ودعوا وراثة كل أصيد حام # أنى يكون وليس ذاك بكائن # لبني النبي وراثة الأعمام # الترجمة في عهد الرشيد # وفي عهد الرشيد عني العلماء أكثر مما كانوا من قبل بترجمة الكتب؛ ذلك أنه بدأت بشائر قليلة ~~في الترجمة في عهد المنصور، فكان من جهة ممعودا يحتاج إلى أطباء ليعالجوه، ومن جهة أخرى ~~كان ميالا إلى التنجيم؛ من كثرة ما خالط الشيعة، فلا يكاد يعمل عملا إلا استشار فيه ~~المنجمين ... لذلك عني بالطب والنجوم، وقد كانت مدينة جنديسابور مشهورة بالطب من عهد كسرى، ~~فاستقدم المنصور أحد أطبائها، وحمله على أن يقيم معهدا ببغداد كمعهد جنديسابور، كان هذا الطبيب ~~يعرف اللغة اليونانية، والسريانية، والفارسية، والعربية، فلما رأى المنصور يقربه نقل له ~~كتبا طبية من اليونانية غير التي ألفها باللغة السريانية، وعكف الناس على هذه الكتب، وقد ~~قالوا: إن ابن المقفع نقل أيضا من كتب الفرس إلى العربية كتبا في المنطق والطب، كان الفرس ~~قد نقلوها من اليونان. # فلما جاء المهدي كان الناس قد نضجوا بعض النضج في الترجمة؛ بفضل ما وضع في عهد المنصور، ~~ولكنه شغل بحركة الزندقة؛ لأن المترجمين لم يقتصروا على ترجمة كتب الطب والتنجيم وغيرها، بل ~~ترجموا أيضا كتب الزنادقة. # فلما فشت الزندقة في أيامه تفرغ لها، وقتل من اعتنقها من جهة، وأمر المتكلمين من ~~جهة أخرى بالرد عليهم، وخصوصا المعتزلة. # وقد كانت نزعة الرشيد أقوى، وزمنه أهدأ، وماله أكثر، خصوصا وقد توافد على بغداد كثير من ~~العلماء العارفين باللغات من السريان، والفرس، والهنود، والروم، ms054 وكان منهم من تعلم اللغة ~~العربية؛ لأنها اللغة الرسمية للدولة، فحملهم على ترجمة الكتب، وقد توسعوا في الترجمة، وترجموا ~~غيرها من فروع الفلسفة ... إذ كان الطب والتنجيم يعدان فرعين من فروعها، بجانب المنطق وما وراء ~~الطبيعة، والطبيعة، وغير ذلك. ~~••• # وكان الرشيد في حروبه الكثيرة مع البيزنطيين يفتح بلادا ومدنا تحتوي كتبا يونانية ~~ورومانية كثيرة، فلم يكن يحرقها أو يبددها؛ بل ينقلها إلى بغداد في عناية ... من ذلك أنه ~~عثر أثناء حروبه في أنقرة وعمورية على كثير من الكتب، فحملها إلى بغداد، وأمر طبيبه يوحنا ~~بن ماسويه بترجمتها إلى العربية، كما أمر الحجاج بن مطر بترجمة كتاب إقليدس في الهندسة، ~~وكانت ترجمته إلى العربية هذه لأول مرة، ثم ترجم فيما بعد ترجمة ثانية، وميزوا الأولى ~~بأن أطلقوا عليها الترجمة الهارونية نسبة إلى هارون الرشيد. # وشاركه العظماء في ذلك؛ فيحيى بن خالد البرمكي أمر أيضا بترجمة كتاب المجسطي، ثم جاء بعد ~~ذلك المأمون فاستغل ما ترجم قبله، وزاد عليه كثيرا، والناس على دين ملوكهم ... فلما رأوا ~~المأمون يميل إلى ترجمة الكتب، وينفق على ترجمتها عن سخاء اتبعوا مذهبه، وقد ساعده على ذلك نضوب ~~الحركة التي بدأت قبله، كما ساعده أيضا وجود جماعة من أحرار الفكر من المعتزلة حوله كأبي ~~الهذيل العلاف والنظام. # وقد أبلى بلاء حسنا في هذه الترجمة السريانيون ... فقد كانوا أكثر اتصالا بالفلسفة من ~~قبل العرب، وكانوا قد نقلوا كثيرا من الكتب اليونانية إلى اللغة السريانية، وكانوا يعلمون ~~اللغة اليونانية في مدارسهم وأكثرها في العراق، فلما انتقل كرسي الخلافة إلى بغداد، ورأوا ~~حاجة المتكلمين بالعربية إلى هذا العلم، حولوا ما نقلوا من السريانية إلى العربية؛ طلبا ~~للرزق، وحبا في التقرب إلى الناطقين بالعربية. # حدة مزاج الرشيد # ولقد كان الرشيد مثقفا ثقافة واسعة، وكان كبير العقل عالي الهمة كريم النفس ... ولكنه ~~من ناحيته العاطفية كان حاد المزاج؛ يكون في مجلس وعظ ودين فيتدين، ويفرط في التدين، ويصلي ~~مائة ركعة في اليوم، ويحج ماشيا، ويكون في مجلس غناء أو شراب فيملكان عليه ms055 قلبه، ويرضي عن ~~البرامكة فلا حد لرضاه، ويغضب عليهم فلا حد لغضبه، ويعفو حتى ليظن الظان أنه لا يعاقب، ~~ويحلم حتى يعفو في مواضع العقاب، ويغضب فيخاف من حوله من الحديث معه؛ كالذي روي أنه لما ~~عاد من حروب الروم بلغه أن نقفور نقض العهد الذي عهده، فخاف وزيره من إلقاء الخبر عليه، ~~فأوعز للشعراء أن يخبروه بالخبر، فقال عبد الله بن يوسف: # نقض الذي أعطيته نقفور # فعليه دائرة البوار تدور # أبشر أمير المؤمنين فإنه # غنم أتاك به الإله كبير # فتح يزيد على الفتوح مؤيد # بالنصر فيه لواؤك المنشور # فلقد تباشرت الرعية أن أتى # بالغدر منه وافد وبشير # ورجت يمينك أن تعجل غزوة # تشفي النفوس مكانها مذكور # نقفور إنك حين تغدر إن نأى # عنك الإمام لجاهل مغرور # أظننت حين غدرت أنك مفلت # هبلتك أمك ما ظننت غرور # وقال أبو العتاهية: # تجلبت الدنيا لهارون بالرضى # وأصبح نقفور لهارون ذميا # وقال غيره: # لجت بنقفور أسباب الردى عبثا # لما رأته بغيل الليث قد عبثا # فلما علم عاد من وقته يحاربه، وهكذا العاطفة الحادة تكون كجو أمشير؛ هادئة في لحظة، ثائرة ~~في لحظة ... # حظه أكبر من صفاته # وربما كانت شهرته أكبر منه، وحظه أكبر من صفاته، ولكنها الدنيا إذا أقبلت على أحد ~~وهبته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه، والحق أن العشرة ~~الأولين من الخلفاء العباسيين كانوا كلهم عظاما إذا استثنينا الأمين. # وكان لكل منهم ميزة في تأسيس الدولة العباسية، ورفع شأنها ... ولكن لم ينل أحد من الحظ ~~ما نال الرشيد، وحتى الأمين لا نستطيع أن نصدق كل ما روي عن بلاهته وغفلته. # فقد وضع عليه القصاصون حكايات كثيرة لا تتفق مع ترشيحه للخلافة في ذلك العصر، ومع ~~تربيته تربية دقيقة رباه بها الرشيد. # ولكن المؤرخين دائما مولعون بالاستهانة بمن سقط في الميدان، وإعلاء شأن من نجح ~~فيه، ولو كان الأمين قد تغلب على المأمون لانعكست الآية من عصر إلى عصر ... خصوصا ~~وأن التاريخ الأول للأمين وضع في عهد خصمه المأمون، وانتقل ms056 بعد ذلك. # | مأساة البرامكة # البرامكة # وقد حمل أعباء الخلافة عن الرشيد في أول عهده البرامكة؛ فكان يرجع إليهم في كل أمر، ~~ويحملون التبعات في كل شأن ... واتسع سلطانهم، وعلا شأنهم ، وقصدهم جميع ~~الشعراء بالمدائح، وكانوا من حسن السياسة ما حببهم إلى الرعية، وكل من هذه الأسرة ~~اتخذ له صنائع بما غمرهم من أموال. # والبرامكة هؤلاء ينتسبون إلى برمك، وبرمك هذا كان كاهن بيت النار في مدينة بلخ المسمى ~~النوبهار، وهو معبد للديانة الزرادشتية، وكانت هذه الديانة مملوءة بالطقوس المعقدة وبالسحر ~~وبالأسرار، فلما انتقلوا إلى الإسلام لم تخل صدورهم من آثار هذه العقيدة. # ولمرانتهم على النظم الفارسية الدقيقة، خدموا المدنية الإسلامية خدمة كبرى؛ بما نقل ~~إليهم ولهم من كتب الفرس القديمة وعاداتهم وتقاليدهم، كالتي نقلها الجاحظ في كتاب ~~التاج. # ووضعوا أيديهم على مال الدولة كله ... حتى كان من شأنهم إذا أرادوا أن يتصرفوا في شيء ~~منه، وجدوه تحت أيديهم، وإذا أراد الرشيد وقصره أن يتصرف رجع في ذلك إليهم، وكان أول ~~من ظهر منهم في الإسلام خالد البرمكي، وعلا شأنهم في عهد الرشيد على يد يحيى بن ~~خالد. # ثم كان أن دخل في القصر عدوهم اللدود الفضل بن الربيع، وقد جهدت الخيزران في إبعاده ~~عن القصر، وهو رجل نشأ على الدس، وإعمال الحيلة ... وورث الدس عن أبيه الربيع؛ فقد ~~كان الربيع سببا في أن يقتل المنصور أبا أيوب المورياني، وقد جاء القصر فوجد البرامكة قد ~~وضعوا أيديهم على كل شيء في الدولة. # فكيف الخلاص منهم والرشيد نفسه خاضع لإرادتهم؟ ولكن لا بأس ... فليعمل الفضل الحيلة في ~~إغضاب الرشيد عليهم، وكان الفضل شديد الكبر، شديد الغيرة من البرامكة، لا يبلغ مبلغهم ~~في علم ولا نبل ولا فضل ... فحسدهم، وتمنى زوال نعمتهم، فكان يوما يدس إلى ~~الرشيد أن البرامكة يعملون للوصول للخلافة، ويوما يدس إليه أن البرامكة ملاحدة وثنيون، ~~يحنون إلى دين أبيهم القديم؛ بدليل أن قصورهم فيها مخابئ تحت الأرض، تحوي الشعائر ~~القديمة الزرادشتية، فهم يتعبدون فيها خفية عن الناس، ويوما يحذره ms057 من البرامكة بأنهم يؤيدون ~~العلويين سرا، ويودون نقل الخلافة إليهم، ويوما يوعز إلى مغن أن يغني الرشيد بهذين ~~البيتين: # ليت هندا أنجزتنا ما تعد # وشفت أنفسنا مما تجد # واستبدت مرة واحدة # إنما العاجز من لا يستبد # ويوما يوعز إلى من يرسل إليه قصيدة من غير توقيع يقول فيها: # هذا ابن يحيى قد غدا مالكا # مثلك ما بينكما حد # أمرك مردود إلى أمره # وأمره ليس له رد # وهكذا، وهكذا من أساليبه الخفية الشريرة، تعاونه على ذلك السيدة زبيدة زوجة الرشيد ~~بأحاديثها في الليل مع زوجها، والطعن على البرامكة؛ وقد كانت تكرههم، وتود زوال سلطتهم؛ حبا ~~في الرشيد، ورجوع السلطة إليه وإليها. # نكبة البرامكة # فلما اعتزم الرشيد أن ينكب البرامكة، كان قد قرر بعد طول التفكير أن لا يظهر ذلك لأحد ~~... نادى جعفر بن يحيى - كالمعتاد - وسلم عليه فرد السلام أحسن رد، ورحب به، وضحك في ~~وجهه، وأجلسه في مرتبته، وكانت مرتبته أقرب المراتب إلى أمير المؤمنين، ثم حدثه وضاحكه، فأخرج ~~جعفر الكتب الواردة عليه من النواحي فقرأها عليه، وأخذ رأي الرشيد فيها، وقضى حوائج الناس، ثم ~~استأذنه جعفر في الخروج إلى خراسان في يومه هذا، فدعا الرشيد بالمنجم - كالعادة - فقال ~~المنجم: هذا يوم نحس، وهذه ساعة نحس. ولا يبعد أن يكون الرشيد اتفق مع المنجم على ~~ذلك ليصده عن السفر. # ومع ذلك فكان جعفر يعلم أيضا شيئا من التنجيم، فأخذ الإسطرلاب من يد المنجم، وقام ~~وحسب النجوم فرآها حقا ساعة نحس، ثم قام وانصرف إلى منزله، والناس والقواد والخاصة والعامة ~~يعظمونه من كل جانب، إلى أن وصل إلى قصره في جيش عظيم، فلم يستقر به المجلس حتى بعث إليه الرشيد ~~مسرورا الخادم، وقال له: «امض إلى جعفر، وائتني به الساعة، وقل له: وردت كتب من ~~خراسان، والخليفة يريد رأيك فيها، فإذا دخل الباب الأول فأوقف الجند، وإذا دخل الباب الثاني ~~فأوقف الغلمان، وإذا دخل الباب الثالث فلا تدع أحدا يدخل عليه من غلمانه، بل يدخل ~~هو وحده، فإذا دخل صحن الدار ms058 فمل به إلى القبة التركية، ثم اضرب عنقه، وائتني برأسه. ولا ~~توقف أحدا من خلق الله على ما أمرتك به، ولا تراجعني في أمره، وإن لم تفعل أمرت من ~~يضرب عنقك» فمضى مسرور، واستأذن على جعفر، ودخل عليه، وقد نزع ثيابه يستريح، فقال له: «يا سيدي ~~أجب أمير المؤمنين!» فانزعج، وقال: «ويلك يا مسرور! أنا خرجت من عنده في هذه الساعة فما الخبر؟» ~~قال: «وردت كتب من خراسان تحتاج إلى النظر السريع» ... فطابت نفسه، ودعا بثيابه فلبسها، وتقلد ~~سيفه، وذهب معه ... وفي قلبه بعض الشك. # فلما دخل من الباب الأول أوقف مسرور الجند، وفي الباب الثاني أوقف الغلمان، فلما ~~مر من الباب الثالث التفت فلم ير أحدا من غلمانه فندم على ركوبه، وزاد الخوف في نفسه، ~~وأدخل القبة فقال لمسرور: «ما الخبر؟!» قال له: «قد أمرني أمير المؤمنين بضرب عنقك، وحمل ~~رأسك إليه الساعة» فبكى جعفر، وجعل يقبل يدي مسرور، ويقول: «قد علمت كرامتي لك دون جميع ~~الغلمان، وأنت تعرف موضعي ومحلي من أمير المؤمنين؛ فلعل أمير المؤمنين أن يكون قد بلغه عني ~~باطل فدعني أهيم على وجهي» فقال: «لا سبيل إلى ذلك» ... قال: «فاحملني إليه، وأوقفني بين يديه؛ ~~فلعله إذا وقع نظره علي أن تدركه الرحمة فيصفح عني» قال: «لا سبيل إلى ذلك أيضا» قال: ~~«فتوقف عني ساعة، وارجع إليه، وقل له: قد فرغت مما أمرتني به» فقبل منه ذلك بعد أن حل سيفه ~~ومنطقته وأخذهما، ومضى مسرور، ووقف بين يدي الرشيد فرآه غاضبا أشد الغضب، فلما رآه قال ~~متلهفا: «ماذا فعلت بأمر جعفر؟» قال «يا أمير المؤمنين أنفذت أمرك فيه» قال الرشيد «فأين ~~رأسه؟» قال: «في القبة» قال: «فأتني برأسه الساعة.» # وقال مسرور لجعفر: «قد أمرني أمير المؤمنين بضرب عنقك ...» # فرجع مسرور، وجعفر يصلي؛ فسل سيفه الذي أخذه منه، وضرب عنقه، وأخذ رأسه بلحيته، وطرحه بين ~~يدي أمير المؤمنين، فتنفس الصعداء؛ لأنه أنفذ تدبيره الذي أحكمه، وبكى بكاء شديدا على الصداقة ~~الوثيقة التي كانت بينهما، وجعل ينكث الأرض، ms059 وقبض على أبيه وأخيه وجميع أولاد البرامكة، ~~وغلمانهم ومواليهم، واستباح ما عندهم، ووجه مسرورا إلى المعسكر فأخذ جميع ما فيه من مضارب ~~وخيام وسلاح، وقد أحصوا من قتله الرشيد من غلمانهم ومواليهم بنحو ألف إنسان، وأمر أن لا ~~يرجع أحد من صنائعه إلى وطنه خوف أن يشبوا ثورة، وشتت شمل من بقي في البلاد. # وأتي بصبيين كانا ولدي جعفر، وكانا حسنين جميلين، فاستنطقهما فوجدهما فصيحين يتكلمان ~~بلغة مدنية جميلة، وينطقان بفصاحة هاشمية، ثم أمر بضرب عنقهما، وأمر أن لا تذكر ~~البرامكة في مجلسه، ولا يستعان بمن بقي منهم في بغداد، ولكن زبيدة والفضل بن الربيع وغيرهما لم ~~يطمئنوا إلى ذلك، ويحيى باق والفضل يعيش، فإذا خرجا من السجن فربما دبرا الانتقام ممن كان ~~السبب، فدسوا - وخصوصا زبيدة - ورقة تحت مصلى الرشيد، وفيها مدح للرشيد على عمله مع ~~البرامكة، وتحريض على المضي في هذه السبيل إلى آخرها؛ فشدد على يحيى - وكان شيخا كبيرا - وزاد ~~في حديده وأغلاله، وأحضر الفضل، وضربه سياطا حتى كاد أن يهلكه. ~~••• # وتذكر يحيى مرة صلته القديمة بالرشيد فكتب إليه: # بسم الله الرحمن الرحيم ... إلى أمير المؤمنين، ونسل المهديين، وإمام المسلمين، وخليفة ~~رسول رب العالمين، من عبد أسلمته ذنوبه، وأوقعته عيوبه، وخذله شقيقه، ورفضه ~~صديقه، وخانه الزمان، وأناخ عليه الخذلان، ونزل به الحدثان ... فصار إلى الضيق بعد السعة، ~~وعالج الموت بعد الدعة، وشرب كأس الموت مترعة، وافترش السخط بعد الرضا، واكتحل بالسهر ~~بعد الكرى. # يا أمير المؤمنين ... قد أصابتني مصيبتان: الحال والمال؛ أما المال فمنك ولك، وكان في ~~يدي عارية منك، ولا بأس برد العواري إلى أهلها، وأما المصيبة بجعفر؛ فبجرمه وجرأته، ~~وعاقبته بما استخف من أمرك، وأما أنا فاذكر خدمتي، وارحم ضعفي، ووهن قوتي، وهب لي ~~رضاك؛ فمن مثلي الزلل، ومن مثلك الإقالة، ولست أعتبر ... ولكني أقر، وقد رجوت أن أفوز ~~برضاك، وتقبل عذري، وصدق نيتي، وظاهر طاعتي، ففي ذلك ما يكتفي به أمير المؤمنين، ويرى ~~الحقيقة فيه، ويبلغ المراد منه. # فوقع الرشيد على هذا الخطاب بالآية ms060 الآتية: بسم الله الرحمن الرحيم # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها ~~رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع ~~والخوف بما كانوا يصنعون ~~، فيئس يحيى، وظل في السجن حتى مات ... ولئن ~~كانت هذه الرواية أشبه أن تكون موضوعة، فهي تمثل الحال تمام التمثيل. ~~••• # وقد يكون الفضل بن الربيع والرشيد معذورين في بعض ذلك؛ لأنهما رأيا أن الدولة العربية ~~تزول شيئا فشيئا، حتى لم يبق للعرب في المملكة سلطان، وأن السلطة تزيد في الفرس يوما ~~فيوما حتى قبض البرامكة على كل ما للدولة من شئون. # قد يضاف إلى ذلك ما يروي بعض المؤرخين من أن الرشيد كان لا يستغني عن جعفر والعباسة، فعقد ~~له عليها؛ حتى يحل اجتماعهما، وأمر أن لا يمسها فتعهد له بذلك، ثم طغى عليهما سلطان الغرام، ~~ولسنا نذهب إلى ما ذهب إليه ابن خلدون من استبعاد هذا؛ فهذه عاطفة إنسانية يقع فيها الشريف ~~والوضيع، والغني والفقير، وكم سمعنا بمثل ذلك في كل العصور، وسلطان الحب فوق كل سلطان، إنما ~~نستبعد ذلك من ناحية أخرى، وهي أن هذا لو كان السبب ... لفتك الرشيد بجعفر البرمكي وحده دون ~~يحيى الشيخ، ودون إخوة جعفر. # فلا بد أن يكون السبب مشتركا، ولسنا نجد سببا مشتركا إلا حيازتهم للسلطة، خصوصا وأن ~~مسرورا الخادم قد سأله بعض الخلفاء بعد ذلك عن حادث جعفر والعباسة، فنفاها نفيا باتا، ~~ولمح إلى أن السبب هو السلطة، وقد كان الرشيد تنازل لهم عن كل سلطان، فولي جعفر الغرب ~~كله من الأنبار إلى إفريقية، وقلد الفضل المشرق كله من النهروان إلى أقصى بلاد الترك، ~~وهما ينيبان عنهما من أرادا ... والناس إذا رأت السلطان في يد توجهت إليها بالاستجداء والمديح ~~والملق، وكذلك كان شأن البرامكة. # فكان الشعراء يقفون ببابهم أكثر من الشعراء الذين يقفون على باب الرشيد، وقد منح البرامكة ~~سماحة وكرما، وصفهم إبراهيم الموصلي فقال: «أما الفضل فيرضيك بفضله، وأما جعفر فيرضيك بقوله، ~~وأما محمد فيفعل بحسب ما يجد، وأما موسى فيفعل ms061 ما لا يجد»، وكما أسروا الناس بحسن صنيعهم ~~أسروهم ببلاغتهم، ومأثور كلامهم، وحسن توقيعهم، حتى تناقلت كتب البلاغة عباراتهم. # إشاعات مغرضة # وقد فكر الرشيد طويلا في الإيقاع بهم؛ لعظم مكانتهم ، وخوفه من الثورة عليه من ~~أجلهم، فكان مما احتاط أن يشيع بين الناس كفرهم وزندقتهم، وأنهم يظهرون الإسلام، ~~ويبطنون الكفر، وأن عندهم بعض بقايا من الآثار الوثنية ونحو ذلك حتى تكرههم العامة، فأوعز - ~~مثلا - إلى الأصمعي أن يقول فيهم ما يحط من شأنهم كالذي قال: # إذا ذكر الشرك في مجلس # أضاءت وجوه بني برمك # ولو تليت بينهم آية # أتوا بالأحاديث عن مزدك # وأشاع في الناس أنهم زنادقة، حتى إن يحيى بن خالد لما نقل من سجن إلى سجن، اعتدى عليه ~~رجل، وأظهر له الاحتقار، فخاف يحيى أن يكون قد ظلمه، أو بخل عليه ... فبعث إليه من يسأله، فلما ~~علم أنه يرميه بالزندقة اطمأن إلى ذلك؛ لأنه علم أنها دسيسة عليه، وبذلك وأمثاله أوجد الرشيد ~~حول البرامكة جوا مسمما. # وربما كان من ذلك ما أشاعه عن علاقة جعفر بالعباسة، ووعد جعفر للرشيد بأن لا ~~يقربها؛ لأنه إلى ذلك العهد كانت الغيرة فاشية في الناس، فلما نكل بهم الرشيد لم يثر ~~الناس وقابلوا الأمر بالهدوء. # ولولا نشاط الدعاية ضدهم لثار الناس على الرشيد، وفتكوا به إن استطاعوا، وكان يحيى البرمكي ~~يحذر هذه النتيجة، ويعمل على قصر سلطان جعفر؛ فقال للرشيد غير مرة: «يا أمير المؤمنين، ~~إنني أكره مداخل جعفر، ولست آمن أن ترجع العاقبة علي في ذلك منك، فلو أعفيته، واقتصرت على ما ~~يتولاه من جسيم أعمالك لكان أحب إلي، وأولى بتفضلك» فلم يقبل الرشيد هذا، وكثيرا أيضا ما ~~كان يحيى يقول: «الحكيم من توقع الشر»، ويقول: «لا أرحام بين الملوك وبين أحد» خصوصا وأنه ~~علم أن الرشيد يصغي إلى الفضل بن الربيع. وقد أحكم الرشيد فعلته، ونشر الجواسيس يتجسسون ~~على من يمدحون البرامكة، ويبكون عليهم، ويقطع رأس من بلغه شيء عنه، حتى خشي الناس، وأنكروا ~~الصنيع. # وأسدل الستار على هذه القتلة ms062 الشنعاء ... هذا في نظري أهم سبب لقتل البرامكة، وهو غيرة ~~الرشيد من سلطانهم وتحكمهم فيه، وعلو شأنهم على شأنه، أما ما عداه من الأسباب فأسباب ثانوية، ~~وقد أولع المؤرخون أن يجعلوا لكل شيء كبير سببا واحدا؛ فلا بد أن يكون لغضب الرشيد على ~~البرامكة سبب واحد، وإذا كان أبو العلاء المعري في شعره كافرا أحيانا مؤمنا أحيانا، فلا بد ~~أن يكون كافرا فقط، أو مؤمنا فقط، فلذلك وقعوا في العناء والأخطاء. # وماذا يجري للدنيا لو كانت هناك أسباب مختلفة تنتج سببا واحدا؛ فقد عمل على إسقاط ~~الدولة الأموية أسباب عديدة، وأبو العلاء بكل بساطة مؤمن حينا كافر حينا، شأنه في ذلك شأن ~~أكثر العقلاء في الحياة؛ يرون من مظاهر الدنيا ما يحملهم على الكفر أحيانا، ويرون منها ما ~~يحملهم على الدين أحيانا، بل حكى لنا الغزالي في كتابه «المنقذ من الضلال» أنه آمن إيمان ~~العجائز أحيانا، وشك أحيانا، وآمن بالكشف أحيانا، فلم لا تكون نكبة البرامكة ناتجة من ~~جملة أسباب لا سبب واحد، أولها: غيرة الرشيد من سلطانهم، وثانيها: عطفهم على العلويين، ~~وثالثها: علاقة جعفر بالعباسة، إلى غير ذلك، على أنه ما يدرينا لعل الرشيد نشر في الناس علاقة ~~جعفر البرمكي بأخته ليستثير كره الناس لهم، ويستخرج غضبهم ومقتهم، وإلا فلو نظرنا إلى المسألة ~~بالعين العادية لم نجد فيها محلا للغضب والمقت. # حتى ولو صح فما في هذا مأخذ على شاب يألف زوجته، ويتصل بها. # قاتل الله السياسة # وليس قدر جعفر ولا أصوله بأقل من قدر الرشيد نفسه وأخته، إلا أن الرشيد فخور بعربيته، ~~وجعفرا فخور بفارسيته، والرشيد فخور بابن عباس ... وجعفر فخور بجده برمك، والإسلام يقول: «إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم»، ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، ولو خطب الرشيد لأخته ما عثر على ~~مثل جعفر، ولكنها السياسة أرادت أن تكره الشعب في البرامكة؛ فاخترعت لها اختراعات متعددة من ~~مثل هذا الزواج الذي ليس فيه ما يؤخذ عليه، ورميهم البرامكة بالزندقة، ونحو ذلك ... وكلها خوفا ~~من الناس أن ms063 يثوروا على الرشيد لفتكه بقوم عدول في حكمهم، كرماء لقصادهم، محبين لمن يتصل بهم ... ~~وقاتل الله السياسة! ~~••• # على كل حال غضب الرشيد عليهم من كثرة ما سمع من الفضل بن الربيع، ومن زبيدة وأنصارهما، ونوى ~~أن يسلبهم سلطانهم، ويسترد تصرفه كما يشاء، وأخذ يستشير غيرهم من مثل يزيد بن مزيد الشيباني، ~~وهرثمة بن أعين، فأخذ الرشيد يتغير قلبه على البرامكة، ويستقبح منهم ما كان يستحسن، فحدثنا ~~الجهشياري، أن الرشيد سمع مرة ضجة شديدة، فقال: ما هذا؟ فقيل له: يحيى بن خالد ينظر في أمور ~~المتظلمين، فدعا له الرشيد، وقال: «بارك الله فيه، وأحسن جزاءه ... فقد خفف عني، وحمل الثقل ~~دوني، وناب منابي»، ثم ذكره ذكرا جميلا ... وأمن الحاضرون على قوله، وزادوا في ذكر ~~محامده. # هذا أيام الرضا ... أما حين تغير قلبه فقد ارتفعت ضجة شديدة كتلك، فقال الرشيد: ما هذا؟ فقيل: ~~يحيى بن خالد ينظر في أمور المتظلمين ... فذمه، وسبه، وقال: «فعل الله به، وفعل ... استبد بالأمور ~~دوني، وأمضاها على غير رأيي، وعمل بما أحبه دون محبتي، فأمن الحاضرون على رأيه، ~~وزادوا في ذكر المساوئ.» # ودخل يحيى مرة أخرى على الرشيد، وهو خال فانتظر قليلا ... فلم يفتح له حديثا فاستأذن ~~وخرج، فقال الرشيد لبعض الخدم: الحق بيحيى ... فقل له: «خنتني فاتهمتني» فقال للرسول: «تقول ~~له يا أمير المؤمنين، إذا انقضت المدة كان الحتف في الحيلة ... ووالله ما انصرفت عن خلوتك إلا ~~تخفيفا عنك.» ~~••• # ومما يؤيد رأينا في أن السبب الأكبر في نكبة البرامكة غيرة الرشيد منهم، وحبه لاسترجاع ~~سلطانهم وأموالهم ... ما رواه الجهشياري من أن يحيى لما أحس من الرشيد تغيره عليه ركب إلى ~~صديق له من الهاشميين، فشاوره في هذا الموقف، فقال له الهاشمي: إن أمير المؤمنين قد أحب جمع ~~المال، وقد كثر ولده ... فأحب أن يجمع لهم الضياع، فلو نظرت إلى ما في أيدي أصحابك من ضياع ~~وأموال فجعلتها لولد أمير المؤمنين، وتقربت بها إليه رجوت لك السلامة. # فهذا يدل على أن من أكبر أسباب غضب الرشيد على ms064 البرامكة أيضا حسده لهم وطمعه في ~~أموالهم. # وليس المال يقصد لذاته، وإنما يقصد للسلطان والعظمة ... فإذا طمع الرشيد في مالهم فطمعه ~~في سلطانهم أشد، وهذا يؤيد ما ذهبنا إليه، خصوصا وأن الرشيد قد كبر وفهم المسئولية وقدر ~~عليها، فأراد أن يزحزحهم عن سلطانهم، ويحل محلهم. # وقد أخذ الرشيد من كل ما فكر وشاور يقضي على البرامكة قضاء شنيعا؛ فقتل بعضهم، وسجن بعضهم ~~إلى أن يموت، وقتل من تولاهم من الشعراء، ومن كان يقف ببابهم، وتنتهي بذلك دولة البرامكة، ~~ويسترد الرشيد سلطانه، ويعيد إلى نفسه سلطانهم وعظمتهم. # الناس قسمان! # والناس في كل زمان ومكان ينقسمون إلى قسمين: قسم - وهم الأغلب - يميلون مع الريح كيف تميل، ~~لهم قدرة على شمها من أين تأتي، فهم يتجهون معها كلما هبت من ناحية، لا بأس أن يتجهوا ~~في الصباح اتجاها وفي المساء اتجاها آخر مناقضا، لا يحركهم إلا ترقبهم لمصلحتهم ~~الشخصية، فإذا قال رئيسهم: أسود قالوا: أسود ... وإذا قال: أبيض قالوا أبيض، لا يقمعهم ~~ضمير، ولا تصدهم أخلاق، وقسم - وهو القليل - وفي ثابت على مبدأ ... يحتمل العذاب في سبيل ~~ثباته، ليس عبدا للمال، ولكنه عبد للضمير. # وقد كان هذا شأن الناس مع البرامكة ... فمنهم من جحد فضلهم، وانقلب عليهم بمجرد أن أحسوا غضب ~~الرشيد عليهم، أو تملقا للفضل بن الربيع؛ لأنه كان يتوقع انتصاره، كالذي يقول: # قل للخليفة ذي الصنا # ئع والعطايا الفاشيه # وابن الخلائف من قري # ش والملوك العاليه # رأس الأمور وخير من # ساس الأمور الماضيه # إن البرامكة الذي # ن رموا لديك بداهيه # عمتهم لك سقطة # لم تبق منهم باقيه # فكأنهم مما بهم # أعجاز نخل خاويه # صفر الوجوه عليهم # خلع المذلة باديه # مستضعفون مطردو # ن بكل أرض قاصيه # ومنازل كانوا بها # فوق المنازل عاليه # أضحوا وكل مناهم # منك الرضا والعافيه # وكالذي يقول على لسان الرشيد: # يا آل برمك إنكم # كنتم ملوكا عاتيه # فعصيتم وطغيتم # وكفرتم نعمائيه # أجرى القضاء عليكم # ما خنتموه علانيه # من ترك نصح إمامكم # عند الأمور الباديه # أما الآخرون فكالذي يقول: # إن ms065 البرامكة الكرام تعلموا # فعل الكرام فعلموه الناسا # كانوا إذا غرسوا سقوا وإذا بنوا # لم يهدموا مما بنوه أساسا # وإذا هم صنعوا الصنائع في الورى # جعلوا لها طول البقاء لباسا # ومن هذا القسم الثاني ما روي عن أبي زكار الأعمى - وكان شاعرا مغنيا - وقد ذكروا ~~أنه كان منقطعا للبرامكة يشعر فيهم ويغنيهم ... وكم بكى على مقابرهم بعد موتهم، وقد ~~روى الأغاني أنه لما أمر الرشيد بقتل جعفر بن يحيى، دخل عليه مسرور الخادم فوجد عنده أبا ~~زكار الأعمى، وكان يغنيه بالأبيات الآتية: # فلا تبعد فكل فتى سيأتي # عليه الموت يطرق أو يغادي # وكل ذخيرة لا بد يوما # وإن بقيت تصير إلى نفاد # وهل يغني من الحدثان شيء # فديتك بالطريف وبالتلاد # فلما أراد أن يقبض على جعفر قال له أبو زكار: «ناشدتك الله إلا ألحقتني به» فقال له مسرور: ~~«وما رغبتك في ذلك؟» فقال: «إنه أغناني عمن سواه بإحسانه، فما أحب أن أبقى بعده»، وحكى مسرور ~~ذلك للرشيد فقال: «هذا رجل فيه مصطنع، فاضممه إليك فانظر ما كان يجريه عليه جعفر فأتممه له»، ~~وهي رواية تخالف بعض الشيء الرواية السابقة في مقتل جعفر. # كما كان من الأوفياء كثير من الصالحين والشعراء، فيروون أنه لما بلغ سفيان بن عيينة - ~~الإمام المشهور - خبر جعفر وقتله وما نزل بالبرامكة، حول وجهه إلى القبلة، وقال: «اللهم ~~إنه كفاني مؤنة الدنيا، فاكفه مؤنة الآخرة.» # ورثاهم كثير من الشعراء، فقال الرقاش: # هدأ الخالون من شجو فناموا # وعيني لم يلامسها منام # وما سهري لأني مستهام # إذا أرق المحب المستهام # ولكن الحوادث أرقتني # فلي سهر إذا هجد النيام # أصبت بسادة كانوا نجوما # بهم نسقى إذا انقطع الغمام # على المعروف والدنيا جميعا # ودولة آل برمك السلام # فلم أر قبل قتلك يا ابن يحيى # حساما فله السيف الحسام # أما والله لولا خوف واش # وعين للخليفة لا تنام # لطفنا حول جذعك واستلمنا # كما للناس بالحجر استلام # وقال دعبل الخزاعي: # ولما رأيت السيف صبح جعفرا # ونادى مناد للخليفة يا يحيى # بكيت على الدنيا وأيقنت ms066 أنما # قصارى الفتى فيها مفارقة الدنيا # وقال صالح بن طريف: # يا بني برمك واها لكم # ولأيام لكم مقتبله # كانت الدنيا عروسا بكم # وهي اليوم شلول أرمله # وقد صودرت أموالهم، وأصبح من لم يقتل منهم يستجدي، وشوهدت أم جعفر تستجدي غنيا يوم ~~الأضحى؛ فسألها عن حالها، فقالت: «والله لقد جاء علي يوم مثل هذا وعندي أربعمائة وصيفة، وأنا ~~أستقلهن، وأذبح الذبائح الكثيرة، وأوزع اللحوم، واليوم لا أملك إلا فروتين أفترش إحداهما وألتحف ~~بالأحرى، وهكذا تعامل الأيام!» # وكان للبرامكة حفيد اشتهر بالشعر والظرف يلقب جحظة البرمكي، وهو أحمد بن جعفر بن موسى بن ~~يحيى البرمكي، وكان يستجدي الأمراء بعد أن كان الشعراء يستجدون آباءه، ويعتز بالنسب إليهم، ~~ويبكيهم على ما فعلت الدنيا بهم كقوله: # أنا ابن أناس مول الناس جودهم # فأضحوا حديثا للنوال المشهر # فلم يخل من إحسانهم لفظ مخبر # ولم يخل من تقريظهم بطن دفتر # وقوله: # أصبحت بين معاشر هجروا الندى # وتقبلوا الأخلاق من أسلافهم # قوم أحاول نيلهم فكأنما # حاولت نتف الشعر من آنافهم # هات اسقنيها بالكبير وغنني # ذهب الذين يعاش في أكنافهم # واشتد الرشيد على البرامكة شدة ليس فيها تسامح، ولا لين، ولا كرم؛ فقد نهى عن ذكر ~~اسمهم، وعن وقوف الشعراء ببابهم أو مقابرهم، وعن رثائهم، ولعل عذره في ذلك أن البرامكة ~~كانوا قبضوا على زمام كل الأمور، واصطنعوا كثيرا من الشعراء والفنانين، وكان لهم أنصار من ~~الفرس يأتمرون بأمرهم، وينتهون بنهيهم، ويعتزون بعزتهم، فلعل هذا كله يسبب ثورة تطيح بعرش ~~الخلافة نفسها. # ومن أجل ذلك أيضا خشي أبو جعفر المنصور أبا مسلم الخراساني، ومع هذا بلغ من بعض الناس ~~الوفاء حتى عرضوا أنفسهم للقتل من حسن ما فعل البرامكة معهم. # مآثر البرامكة # ومن ذلك ما يروى أن بعض الحرس وجد إنسانا واقفا في بعض الخرابات وفي يده رثاء للبرامكة، ~~فأخذ الحارس الرجل، وأتى به الرشيد، فقال له: «أما سمعت تحريمي لرثائهم؟» فقال الرجل: «إن ~~أذنت لي يا أمير المؤمنين في حكاية حالي حكيتها، ثم بعد ذلك أنت ورأيك» ms067 فقال: «قل!» قال: ~~«كنت من أصغر كتاب يحيى بن خالد وأرقهم حالا»، فقال لي يحيى: «أريد أن ~~تضيفني في دارك يوما!» فقلت: «يا مولانا أنا دون ذلك! ... فداري لا تصلح لهذا» قال يحيى: «لا ~~بد من ذلك»، قلت: «فإن كان لا بد فأمهلني مدة حتى أصلح من شأني ومنزلي، ثم بعد ذلك أنت ~~ورأيك» قال: «كم أمهلك؟» قلت: «سنة»، قال: «كثير»، قلت: «فشهور»، قال: ~~«نعم.» # فمضيت وشرعت في إصلاح المنزل، وتهيئة أسباب الدعوة، فلما تهيأت أعلنت الوزير بذلك، ~~فقال: «نحن غدا عندك» فمضيت، وتهيأت في الطعام والشراب، وما يحتاج إليه، فحضر الوزير في غده، ~~ومعه ابناه: جعفر والفضل، وعدة يسيرة من خواصه وأتباعه، فنزل عن دابته، وقال: «يا فلان إني ~~جائع فعجل لي بشيء»، وقال لي الفضل ابنه: «الوزير يحب الفراريخ المشوية فعجل منها ما حضر» ~~فدخلت، وأحضرت منها شيئا فأكل الوزير، ثم قام يمشي، وقال: «يا فلان فرجنا في دارك.» # فقلت: «يا مولانا هذه داري ليس لي غيرها» قال: «بل لك غيرها» قلت: «والله ما أملك ~~سواها» فقال الوزير: «هاتوا بناء» فلما حضر قال له: «افتح في هذا الحائط بابا» فمضى ليفتح، ~~فقلت: «يا مولانا كيف يجوز أن يفتح باب إلى بيوت الجيران، والله أوصى بحفظ الجار؟» ~~قال: «لا بأس في ذلك»، ثم فتح الباب، فقام الوزير وابناه فدخلوا فيها، وأنا معهم، فخرجوا منها ~~إلى بستان حسن كثير الأشجار والماء يتدفق فيه، وبه من المقاعد والمساكن ما يروق كل ناظر، ~~وفيه من الأثاث والفرش والخدم والجواري كل جميل بديع، فقال: «هذا المنزل وجميع ما فيه ~~لك!» # فقبلت يده ودعوت له، فقال لابنه جعفر: «يا بني هذا منزل وعيال، فالمادة من أين ~~تكون له؟» فقال جعفر: «قد أعطيته الضيعة الفلانية بما فيها، وسأكتب بذلك كتابها»، والتفت إلى ~~الفضل، وقال له: «يا بني فمن الآن إلى أن يدخل دخل هذه الضيعة ما الذي ينفق؟» ~~فقال الفضل: «علي عشرة آلاف دينار أحملها إليه»، فقال: «فعجلا له ما ~~قلتما.» # فكتب لي جعفر الضيعة، ms068 وحمل الفضل المال إلي فأثريت، وارتفع حالي، وكسبت ~~بعد ذلك معه مالا طائلا أنا أتقلب فيه إلى اليوم، فوالله - يا أمير المؤمنين - ما ~~أجد فرصة أتمكن من الثناء عليهم والدعاء لهم إلا انتهزتها؛ مكافأة لهم على إحسانهم، ولن ~~أقدر على مكافأتهم، فإن كنت قاتلي على ذلك فافعل» فرق الرشيد لذلك ~~وأطلقه. # قسوة الترك # ولما نكب الناس بالبرامكة، وعاش من عاش منهم حتى رأوا سلطان الترك؛ أنشدوا قول ~~القائل: # رب يوم بكيت منه فلما # صرت في غيره بكيت عليه # فإن شدة الأتراك وقسوتهم مكنتهم من أن يقتلوا الخليفة بعد اثنتي عشرة سنة ~~من سلطانهم. # وقد أكثر الترك من مصادرة الناس لأموالهم ... وكان من مصائب الرجل أن يكون غنيا، وقد صادروا ~~الكتاب، وصادروا الأمراء الكبار، وأخيرا تجرأوا فصادروا أم الخليفة المتوكل؛ لكثرة أموالها، ~~حتى اضطرت إلى الهرب إلى مكة، وكانت تدعو وهي في مكة على التركي الذي سلبها أموالها، وهو ~~صالح بن وصيف التركي، وتقول: «اللهم اخز صالحا كما هتك سترى وقتل ولدي، وشتت شملي، ~~وأخذ مالي، وغربني عن بلدي» مما لم يفعله - ولا بعضا منه - الفرس في أيام سلطتهم، حتى ~~إن البحتري لما شاهد قتل الترك للمتوكل خرج هائما على وجهه إلى إيوان كسرى، وفي ذلك إشارة ~~إلى تفضيله حكم الفرس على حكم الترك، وقال قصيدته السينية المشهورة يصرح فيها بأن ~~الفرس ليسوا بقومه، ولكن لهم فضل بما أيدوا من ملكهم، وخدموا دولتهم ... مع أنه ليس ~~من جنسهم، وعلى العكس من ذلك كان الترك، وإنما دعاه إلى ذلك - كما يقول - أنه كان يألف ~~الأشراف من كل جنس، ويحب الأصول من كل قوم؛ يقول: # ذاك عندي وليست الدار داري # باقتراب منها ولا الجنس جنسي # غير نعمى لأهلها عند أهلي # غرسوا من ذكائها خير غرس # أيدوا ملكنا وشدوا قواه # بكماة تحت السنور حمس # وأراني من بعد أكلف بالأش # راف طرا من كل سنخ وإس # وهكذا شتان بين سلطة العرب في عهد الأمويين، وسلطة الفرس في عهد الدولة العباسية الأولى، ~~وعهد الأتراك في الدولة ms069 العباسية الثانية؛ فحكم البرامكة الذين نكبهم الرشيد لم يعوض في ~~عدلهم وكرمهم، والمحافظة على الخليفة الذين يعملون تحت سلطانه ... # تدهور الدولة العباسية # وقد ذكر أحد المستشرقين أن عهد الرشيد كان مبدأ انحطاط الدولة العباسية، وقد فكرت في ~~ذلك، وأطلت التفكير: هل هذا صحيح؟ وما هو السبب؟ لأنه لم يذكر سببا؛ هل لأنه في عهد ~~الرشيد انقطعت بلاد المغرب عن المملكة؟ ولكن هذا وحده لا يكفي سببا للانهيار؛ وإلا كان خروج ~~الأندلس - وهي أعظم من المغرب - هي بدء الانهيار، أو يريد انتشار اللهو انتشارا كبيرا كالذي ~~كان عند الرومانيين من أسباب سقوطهم ... وهذا أيضا غير صحيح؛ فإن اللهو والترف كان حظ الخلفاء، ~~ومن يتصل بهم فقط، أما الشعب كله فأغلبه بائس فقير جاد ... أو يريد تحقيق قول الشاعر: # ما طار طير وارتفع # إلا كما طار وقع # وهذا أيضا غير صحيح؛ لأن عظمة الحضارة في عصر المأمون، كانت أكبر منها في عهد ~~الرشيد. # وإنما السبب الذي يجعل هذا الرأي صحيحا - في نظري - هو أنه في عهد الرشيد تجلت العصبيات، ~~وبلغت فيه الذروة ... فالأمويون كانوا متعصبين تعصبا عربيا؛ فالولاة عرب وكل شيء عربي، أما ~~الموالي فأذلاء خافتو الأصوات، حتى ليظن العربي أن أخاه المولى لا يستحق أن يرث كما ~~يرث، وكان العربي أحيانا لا يريد أن يصلي وراء الإمام المولى. # فلما جاءت الدولة العباسية انتقلت العصبية للعرب إلى عصبية للفرس؛ فكانت التقاليد والأعياد، ~~وغير ذلك فارسية، وانحط شأن العرب؛ لأن الدعوة العباسية قامت بأهل خراسان فحفظ العباسيون لهم ~~جميلهم، وجاء البرامكة فزادوا هذه العصبية قوة، فهم كانوا ينشرون الثقافة الفارسية، ويؤيدون كل ~~ما هو فارسي، حتى روي أن الرشيد مرة أراد أن يهدم إيوان كسرى فارتاع من ذلك البرامكة ... وقال ~~له يحيى: «لا تهدم بناء دار دل على فخامته شأن بانيه الذي غلبته، وأخذت ملكه» ~~قال الرشيد: «هذا من ميلك إلى المجوس، لا بد من هدمه» فقدر للنفقة على هدمه ~~شيئا استكثره الرشيد فأمر بترك هدمه، فقال له يحيى: «لم يكن ينبغي أن ms070 تأمر ~~بهدمه، أما وقد أمرت فليس يحسن أن تظهر عجزا من هدم بناء بناه عدوك» فلم ~~يقبل قوله، ولم يهدمه. # فلما نكب البرامكة - وكانوا فرسا - ضعفت العصبية للفرس أيضا كما ضعفت للعرب ~~من قبل، وكان القتال بين الأمين والمأمون - الذي سببه غلط الرشيد في توليتهما العهد ~~من بعده - سببا آخر في ضعف العصبيتين ... فقد تعصب العرب للأمين، وتعصب الفرس ~~للمأمون، فضعفت العصبيتان معا؛ لأن القتال العنيف يضعف الغالب والمغلوب، ولذلك لما جاء ~~المعتصم لم يستطع أن يعتمد على العرب ولا على الفرس، وأتى بعنصر ثالث وهو الأتراك، ~~واعتمد عليهم، وقد تعصبوا لعنصرهم، وحاولوا إذلال العرب والفرس جميعا، ورفع شأن العنصر ~~التركي عليهم، فنكلوا بالعرب ثم بالفرس، ثم نكلوا بالخلفاء أنفسهم ... فمنهم من قتلوه، ~~ومنهم من سملوا عينيه، وكلهم قد سلبوا سلطته، وجردوه من حوله. # وهذا ما يصح من أجله أن يعد عهد الرشيد أول عهد بدأت فيه عناصر انحطاط الدولة العباسية، ~~ويكون كلام المستشرق صحيحا بهذا المعنى؛ فالأتراك نتيجة لنكبة البرامكة، والأتراك هم الذين ~~أضعفوا شأن الخلفاء وأذلوهم، وما زالوا بهم حتى سلبوهم كل سلطة ... ثم ختمت المأساة بغزوة ~~التتار. # نقطة سوداء # وعلى الجملة كانت نكبة البرامكة نقطة سوداء في تاريخ الرشيد؛ فقد أعلى البرامكة، ثم فتك ~~بهم، وقد زلزلت الحادثة الشرق والغرب معا؛ لأن البرامكة كانوا يحسنون معاملة الرعية، ويتولون ~~كل شؤونهم، ويتقربون إلى الشعراء حتى قل أن نرى شاعرا لم يقل فيهم شعرا، كالذي قاله ~~بعضهم: # ألم تر أن الشمس كانت سجينة # فلما ولى هارون أشرق نورها # بيمن أمين الله هارون ذي الندى # فهارون واليها ويحيى وزيرها # وقول الآخر: # أتانا بنو الأملاك من أرض برمك # فيا طيب أخبار ويا حسن منظر # إذا نزلوا بطحاء مكة أشرقت # بيحيى وذي الفضل بن يحيى وجعفر # فتظلم بغداد وتجلو لنا الدجى # بمكة ما حجوا ثلاثة أقمر # فما خلقت إلا لجود أكفهم # وأقدامهم إلا لأعواد منبر # وقول الآخر: # رأيت يحيى أتم الله نعمته # عليه يؤتي الذي لم يؤته أحد # ينسى الذي كان من ms071 معروفه أبدا # إلى الرجال ولا ينسى الذي يعد # وقول الآخر: # أجدك هل تدرين إن زرت ليلة # كأن دجاها من قرونك ينشر # صببت لها حتى تجلت بغرة # كغرة يحيى حين يذكر جعفر # إلى كثير من أمثال ذلك. # فالنقمة عليهم روعت الناس، من تقريب شديد إلى تنكيل شديد، من غير ما ذنب معروف ~~جنوه. # وأما الغربيون فقد روعهم الحادث؛ لأنه لم يكن في نظرهم عادلا؛ فلم يحاكموا ~~بتهمة معينة، ولا سمعت أقوالهم، ولا عرفت أسباب النقمة عليهم، وتجلى المنظر عن قوم في ~~السماء وضعوا في الحضيض، ومن أيد تقبل إلى خدود ترغم ... فنقموا على الرشيد ~~فعلته. # دفاع عن الرشيد # والحق أن هذا عيب الحاكم المستبد دائما؛ فهو عرضة لأن يفعل أقصى الخير وأقصى الشر، ~~وهذه الحادثة مما شهرت الرشيد، فالإنسان العظيم يشتهر بما يأتي من خير وشر، ولكن عيب ~~هؤلاء المؤرخين أنهم يقيسون دائما الزمن الماضي السحيق في القدم بزمنهم، غير مقدرين ~~فروق الزمان والمكان، وبهذه النظرة عابوا على الإسلام - مثلا - إقراره الرقيق وتعدد الزوجات، ~~ونحو ذلك. # ولم ينظروا إلى الرقيق قبل الإسلام، وما فعله الإسلام، ولا إلى تعدد الزوجات قبل ~~الإسلام وبعده، كذلك لم ينظروا إلى كل ظروف الرشيد، وما يحيط به من شئون عائلية واجتماعية ~~وغير ذلك، وقد كان الرشيد في أيامه مثالا للملك الحاكم بأمره ... فيه مزاياه، وفيه عيوبه، وما ~~كان لأي رجل من رجال العصر الحاضر أن يفعل غير ما فعل لو عاش في زمنه، وتخلق ~~بأخلاقه، وأحيط بالبيئات التي أحاطت به. # فلنأخذ الأمور كما جرت، ولنقسها بمقياس زمانها لا بمقياس زماننا نحن، خصوصا وأننا لم نسمع ~~من الرشيد حججه فيما فعل، كما لم نسمع من البرامكة دفاعهم عن أنفسهم، وقد فعل أبو جعفر ~~المنصور مثل ذلك في أبي مسلم الخراساني، وهو الذي قامت الدولة العباسية بفضله وفضل أمثاله، ~~وكذلك قتل وزيره أبا أيوب المورياني، ووكل المهدي بمن سماهم الزنادقة، وهي أمور خفية جدا لا ~~يعلمها إلا الله، والمتهم، وكثيرا ما يكون الشخص حر التفكير نوعا ما فيتهم ms072 ~~بالزندقة، ويقضى عليه. # نعم، إن الخطأ لا يبرر الخطأ ... ولكن سقنا هذا لنبين أن ما فعله الرشيد ~~بالبرامكة هو طبيعة العصر وسنة ذلك الزمان، بل نجد في عصرنا الحاضر أمثال ذلك ... فقد نكل ملك ~~فرنسا بالمسيو فوكيه، ونكل هتلر باليهود، ونحو ذلك كثير. # على أن المؤرخين يروون عن الرشيد ندمه على فعلته، وضيق صدره مما كان، حتى ربما كان ذلك ~~سببا من أسباب رحيل الرشيد بعد قليل من النكبة من قصر الخلد ببغداد إلى الرقة بالجزيرة ... لئلا ~~تقع عينه على مساكنهم، ولا تثير الحزن في نفسه المناظر التي كان يراها، والمجالس التي كان ~~يجلسها مع جعفر البرمكي، ونحو ذلك، يضاف إلى سبب انتقاله ثورات الشام المتوالية، وحاجته الشديدة ~~إلى القرب منها لسهولة قمعها. ~~••• # ولا شك أنه كانت من مزايا البرامكة أنهم تحملوا عبء الدولة كله عن الرشيد أيام كان غضا ~~طريا لم ينضج بعد، فلما نكل بهم كان في سن ناضجة يستطيع أن يتحمل العبء الكبير الذي خلفوه؛ ~~فقد كان في يدهم مناصب الوزارة، ومناصب الجيش الكبرى والإدارة، فحمل الرشيد كل ذلك. # وقد صمم الرشيد على قتل جعفر، وسجن يحيى، وبقية أولاده، فصادر أموالهم الكثيرة، ونكل بمن ~~مدحهم، أو ظل يمدحهم بعد نكبتهم إلا القليل، وأصبحت هذه الأسرة أسرة بائسة ذاقت من ~~البؤس والشقاء بمقدار ما ذاقت من النعيم والرفاهية. # وتوفي يحيى، وهو في السجن ... ولحق به ابنه الفضل. # المواليا # وكان مما يؤثر أنه في عهد الرشيد ظهر نوع جديد من الشعر يقال له المواليا، ظهر في ~~بغداد بعد الفتك بالبرامكة؛ فقد ذكروا أن الرشيد لما قتل جعفرا البرمكي أمر أن لا ~~يرثى بشعر، فرثته جارية له في بيتين على وزن خاص، وجعلت تنشدهما، وتقول: يا مواليا يا ~~مواليا ... إلخ ... فلا كان شعرا ولا كان نثرا، وهما: # يا دار أين ملوك الأرض أين الفرس # أين الذين حموها بالقنا والترس # قالت تراهم رمم تحت الأراضي الدرس # سكوت بعد الفصاحة ألسنتهم خرس # وهذا النوع هو الذي تطور فيما بعد، وتطور اسمه من ms073 ~~مواليا إلى مواويل، جمع موال. # الثورات في عهد الرشيد # وقد تعددت الثورات في عهد الرشيد لأسباب مختلفة، أوقعت الدولة أحيانا في أزمات حرجة لولا ~~حزم الرشيد وهمته ورجاله ... منها: غيظ الروم من عظمة المملكة الإسلامية وتفوقها، والاهتمام ~~بدس الدسائس لإضعافها، ومنها: ميل الشاميين للدولة الأموية وحزنهم عليها، وغضبهم من الإيقاع ~~بالأمويين، وتمنيهم أن تعود السلطة للعرب، يدل على ذلك ما عرف عن الدولة العباسية من غلبة ~~سلطان الفرس عليها ... حتى ليروون أن رجلا من الشاميين صرخ في المأمون عند زيارته للشام ~~يقول له: انظر إلينا كما نظرت إلى الفرس، ومنها: الحزب العلوي الذي كان يكره العباسيين أشد ~~الكره بعد أن ضحك العباسيون عليه، ثم تخلوا عنه. # وقد ظلوا يحافظون على بيتهم، ويتطلعون إلى الحكم، وكلما مات إمام مستتر، أو قتل، خلفه ~~إمام آخر ينتظر للوقت المناسب. # ومنها: خروج الخوارج الذين ظلوا من عهد أن تكونوا في عصر علي يحافظون على مذهبهم، ~~ويخرجون من حين إلى آخر، يودون تحقيق أمنياتهم، واستيلاء أحد من رجالاتهم على الدولة فيقضي فيها ~~بكتاب الله وسنة رسوله، ولو كان عبدا حبشيا، لا يرضون عن أمويين ولا عن عباسيين؛ لأنهم في ~~نظرهم كافرون، أو على الأقل ظالمون، أسرفوا في الشراب، وأسرفوا في النساء والغناء، وما إلى ذلك ~~من بذخ ... فوجبت إزالتهم عن الملك وتولية من يصلح لهذا الغرض على مبادئهم. # ومنها أن بعض البلاد البعيدة رغبت في الاستقلال عن الخلافة، وحكم نفسها بنفسها، وعدم ~~الخضوع للسيطرة العباسية عليها، إلى غير ذلك ... ~~••• # كل هذا كانت تواجهه الدولة العباسية ... وبكلمة أوجز كان يواجهه الرشيد من حين إلى حين؛ ~~فما نشبت ثورة وخمدت إلا قام غيرها، وبجانب ذلك كان الرشيد نفسه يريد أن يضعف الروم حتى لا ~~يدسوا له الدسائس؛ فأنشأ مدينة تسمى العواصم للإعداد لغزو الروم منها، وكان يدبر لهم غزوة ~~في الصيف تسمى الصائفة قد يقود جيشها بنفسه فيغنم الغنائم الكثيرة التي كانت تعد ~~بابا كبيرا من أبواب الدخل، وغزوة في الشتاء تسمى الشاتية، ونحو ذلك. # فمن النوع ms074 الأول: # مثلا - أن ثار أهل الخزر في أيام الرشيد بتحريض من البيزنطيين، وعقدوا معهم شبه ~~تحالف، وأغاروا على أرمينية، وأفسدوا في البلاد، وأعملوا فيهم السيف، ومثلوا بالسكان ~~الآمنين على نحو لم يسبق له نظير، فاضطر الرشيد أن يبعث إليهم حملات قوية تعاملهم ~~بالقسوة والرعب، فانتصروا عليهم، وأخمدوا ثورتهم. # ومن النوع الثاني: # ما قام به أهل الشام من ثورات متعددة، ثورة بعد ثورة، مما جعل الرشيد يفضل ~~انتقاله من بغداد وسكناه في الرقة كما ذكرنا. # ومن النوع الثالث: # ما قام من ثورات علوية تريد الاستيلاء على الخلافة، وقد ظهر في أيام الرشيد الإمام ~~موسى الكاظم الذي سمي كاظما لصبره وكظم غيظه ودماثة خلقه، ومقابلته ~~الإساءة بالإحسان، وكان محبوبا من جميع أهل المدينة، فخشي منه الرشيد، وأمر بالقبض عليه، ~~وأتى به إلى بغداد، وسلمه إلى أخت السندي بن شاهك ... وكانت امرأة فاضلة عاملت سجينها ~~بالعطف والإحسان، فظل مسجونا حتى توفي في منزل سجينته، وخلفه في إمامة الشيعة ابنه ~~علي الرضا، وكان أعلم أهل بيته في الفقه والآداب. # ومن النوع الرابع: # ما ظهر من الوليد بن طريف الشاري الشيباني، وقد كان زعيم الخوارج في أيامه، وكان ~~شجاعا فتاكا يقيم بنصيبين والخابور، فخرج في خلافة الرشيد في حشد حاشد، فأرسل إليه ~~هارون يزيد بن مزيد الشيباني فظهر عليه يزيد وقتله. # وكان للوليد هذا أخت تسمى الفارعة تجيد الشعر، وتسلك سبل الخنساء في مراثيها ~~لصخر، وقد رثت أخاها الوليد في قصيدة من قصائدها بقولها: # فيا شجر الخابور ما لك مورقا # كأنك لم تجزع لموت طريف # فتى لا يحب الزاد إلا من التقى # ولا المال إلا من قنا وسيوف # حليف الندى ما عاش يرضى به الندى # فإن مات لا يرضى الندى بحليف # فقدناك فقدان الشباب وليتنا # فديناك من فتياتنا بألوف # وما زال حتى أزهق الموت نفسه # شجى لعدو أو ندى لضعيف # ألا قاتل الله الحشا حيث أضمرت # فتى كان للمعروف غير عيوف # فإن يك أرداه يزيد بن مزيد # فرب زحوف لفها بزحوف # عليك سلام الله وقفا ms075 فإنني # أرى الموت وقاعا بكل شريف # وكان الوليد يوم الوقعة ينشد: # أنا الوليد بن طريف الشاري # قسورة لا يصطلى بناري # جوركم أخرجني من داري # وقد تزعمت الفارعة حركة الثوار بعد مقتل أخيها، وتولت القيادة بنفسها، واشتبكت مع جيش ~~الرشيد في معركتين داميتين حتى نهرها أحد أقاربها ... فأمرها أن تلقي السلاح، ~~وتعود إلى خدرها، وكانت وسيمة الطلعة، رشيقة القوام، أديبة ظريفة، تحفظ الشعر ~~وتقوله. # ومن النوع الخامس: # أن بلاد تلمسان بالمغرب أرادت أن تنفصل عن الدولة العباسية فثارت، وحملت الدولة ~~مبالغ طائلة لإخضاعها، وكانت مصر تدفع نحو مائة ألف دينار سنويا من إيرادها الخاص لسد ~~عجز حكومة أفريقيا، حتى تمكن إبراهيم بن الأغلب من الاتفاق مع الرشيد على تهدئة ~~الثورة، وتحمل المبلغ الذي تدفعه مصر، وتقديم أربعين ألف دينار سنويا إلى حكومة ~~بغداد. # ومن النوع السادس: # أن الرشيد كان يهتم أكبر اهتمام بالروم، خصوصا بعد أن أخلوا سنة 180 بشروط ~~الهدنة التي كانت إيريني قد عقدتها مع المنصور؛ إذ أغاروا على البلاد الإسلامية فبعث ~~إليهم الرشيد من هزمهم، واستولى على مدينة لهم بقرب أنقرة، وعلى أنقرة نفسها، ~~وأعاد احتلال قبرص بعد أن خرجت من أيدي المسلمين ... وألزم الروم بدفع الجزية، وتبادل ~~الأسرى، ولكن نقفور ملك الروم كتب إلى الرشيد - فيما يرويه مؤرخو المسلمين - رسالة غير ~~مؤدبة يقول فيها: # من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب. # أما بعد ... فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ، وأقامت ~~نفسها مقام البيدق؛ فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمل ~~أمثاله إليها، ولكن ذلك ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي، فاردد ما ~~حصل قبلك من أموالها، وافتد نفسك بما تقع به المصادرة لك ... وإلا فالسيف ~~بيننا وبينك. # فغضب الرشيد من هذا الكتاب غضبا شديدا، حتى لم يجرؤ أحد على النظر إليه من غضبه ... وكتب ~~إليه كتابا غير مؤدب أيضا - والبادي أظلم - يقول فيه: # بسم الله الرحمن الرحيم ... من هارون الرشيد إلى كلب الروم. # قد قرأت كتابك، والجواب ما تراه لا ما تسمعه. # وقد ms076 بر الخليفة بإيعاده، وشخص بنفسه على رأس جيشه، حتى وصل إلى «هرقلة» - إحدى ~~البلاد البيزنطية - فدارت بين الفريقين معركة حامية؛ أسفرت عن هزيمة الروم هزيمة منكرة، وقد ~~تبين من هذه الحروب أن الفنون الحربية عند المسلمين كانت أرقى منها عند الروم، وتوسل نقفور ~~إلى الرشيد أن يقبل منه جزية أكثر من تلك التي قبلها من إيريني، فأجابه الخليفة إلى ~~ذلك، وقد كانت تنشأ ثورات أخرى، منشؤها محاولة إرجاع الدولة العباسية إلى عهد الفرس ~~الماجد الزاخر، وهذا داء قديم. # وكثير ممن اتهموا بالزندقة، وقتلوا عليها في عهد المهدي، كانوا أشخاصا حاولوا مثل هذه ~~المحاولة، وكانت ثورات سياسية ... إنما صبغت بالصبغة الدينية لاستمالة الرأي العام. وقد اتهم ~~البرامكة بمثل هذه التهمة بجانب التهم التي عددناها، وذلك مثل ثورة الخرمية في طبرستان ... فقد ~~تحركوا بناحية أذربيجان تدعوهم إلى ذلك القومية - على ما يظهر - فوجه إليهم الرشيد عبد الله ~~بن مالك في عشرة آلاف فارس فأسر وسبى حتى انتهى أمرهم. # | الشعر والغناء # مجالس الرشيد # على كل حال لم يخلد اسم هارون تلك الحروب ولا الانتصارات، وإنما خلدته مجالس ~~الأدب والعلم ومجالس الغناء. # نعم، قال أبو تمام: «السيف أصدق أنباء من الكتب». # وقد يكون ذلك كذلك، ولكن لسان الكتب أطول وأدوم، وإنما كان سبب خلوده الأسباب التي ذكرناها ~~من قبل، وهي: أن الرشيد من حسن حظه أن جاء والمدنية الإسلامية قد بدأت في النضوج، وتم ~~نضجها فيما بعد في عهد المأمون، فكانت مدنية عظيمة تفوق مدنية الأوربيين في ذلك العهد، فتدفقت ~~الأموال على بغداد، وازدهرت التجارة بطرف الدنيا، والعلوم والفنون بشتى أنواعها مزدهرة، لم ~~يجتمع على أحد غير الرشيد ما اجتمع من أهلها، وبيت المال يتكدس بالمال، والرشيد يغدق بغير حساب، ~~ومجالس الغناء يزينها إبراهيم بن المهدي، وإسحاق النديم، وإبراهيم الموصلي، والنصارى مثل جبريل ~~بن بختيشوع يمهرون في الطب، وينشرون كثيرا من الفلسفة اليونانية؛ إذ كان الطب أحد فروعها، ~~ويهتم الخلفاء من عهد المنصور بعلم الفلك؛ لاعتقادهم أن حوادث الدنيا متأثرة بحركات ~~النجوم، ويشتهر في ms077 ذلك إمامان عظيمان: ما شاء الله اليهودي، وأحمد بن محمد النهاوندي، والفقه ~~يعظم في ذلك العهد على يد أبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة ... وتؤلف الكتب على هذا ~~المذهب، وتنتشر في الأمصار، واللغة تقيد في عصره فيؤلف الخليل بن أحمد البصري ~~المعجم، ويضع أصول اللسان العربي، وأصول تصريف الكلمات، ويتوسع في ذلك بعد الكسائي مؤدب ~~الأمين فالمأمون، وسيبويه النحوي المشهور، ويضع أبو عبيدة معمر بن المثنى كتابا في فقه ~~اللغة في المترادفات، وكيفية استعمالها في مواضعها، والحركة بين البدو والحضر حركة قوية شديدة، ~~يأتي البدو إلى الحضر فيأخذ عنهم الحضريون لغتهم وشعرهم وأدبهم، ويرققون أشعارهم، ويخرج ~~الحضريون إلى البدو فيأخذون عنهم ذلك. # وارتفعت بلاغة الشعر في مثل علي بن الجهم، وأبي نواس، وأبي العتاهية ... وحتى النساء كن ~~يقلن الشعر كما روينا من قبل عن الفارعة ... حتى إذا أنصفنا حكمنا بأن الشعر الحضري ~~الذي روي لنا في عهد الرشيد وأمثاله كان أرقى من الشعر الجاهلي، والفرق بينهما كالفرق بين قول ~~امرئ القيس إذ يقول: # تقول وقد مال الغبيط بنا معا # عقرت بعيري يا امرئ القيس فانزل # وقول علي بن الجهم: # فبتنا جميعا لو تراق زجاجة # من الخمر فيما بيننا لم تسرب # وكان كثير من الشعراء يلازمون الرشيد؛ كالذي حكي عن أبي العتاهية أنه كان لا يفارقه في ~~سفر ولا حضر، وكان ينتصح الرشيد بشعره، ويبكي من مواعظه كقوله: # كأن كل نعيم أنت ذائقه # من لذة العيش يحكي لمعة الآل # ومن الناحية الأخرى كان مثل أبي نواس على عكس مذهب أبي العتاهية؛ يتغزل في الذكور والنساء ~~والزهر والخمر، فكان يذكر في شعره إبليس والخمر، كما يذكر أبو العتاهية في شعره الجنة والنار؛ ~~كالذي يقوله أبو نواس: # وليلة طال سهادي بها # فجاءني إبليس عند الرقاد # وقوله: # هل لك في قهوة معتقة # عتقها العاصر من عهد عاد # وقوله: # رق الزجاج وراقت الخمر # وتشابها فتشاكل الأمر # فكأنما خمر ولا قدح # وكأنما قدح ولا خمر # إلى كثير من أمثال ذلك ... # والرشيد يستجيب لنصح ذاك، وتهتك هذا ms078 ... ولإمعان الناس في عهد الرشيد في الشراب ~~فلسفوه، وأكثروا القول فيه، حتى لم يقل شعراء في لغة ما قالوه في هذا العصر، وتفننوا فيه ~~فأخذوا لونا من الشراب من الروم، وهو خمر ممزوج بالعسل، ونقلوا اسمه الرومي - وهو الرساطوني - ~~ولم يأتمروا بأمر الإسلام؛ إذ يقول: # إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم ~~تفلحون ~~. # ومن أجل الهروب من هذا الأمر أخذوا يتفننون في الأسئلة؛ ما المراد بالخمر؟ أهو يشمل النبيذ ~~أو لا يشمله؟ وما القدر الذي يحل والذي يحرم، وما النوع الذي يحرم وما النوع الذي ~~يحل؟ # ويظهر أن الإمام أبا حنيفة كان يتبع عبد الله بن مسعود في تحليله لنبيذ التمر، والزبيب، ~~إذا طبخ، أو في شرب قدر منه لا يسكر، وكذلك نبيذ العسل والتين والبر. # وأخذ الشعراء يتفكهون في شعرهم بحرمة الخمر كالذي قال: # من ذا يحرم ماء المزن خالطه # في جوف خابية ماء العناقيد # إني لأكره تشديد الرواة لنا # فيه ويعجبني قول ابن مسعود # وقد اشتهر بينهم أن الفقيه الحجازي يحرم النبيذ، والفقيه العراقي يحلله؛ ولذلك ~~قال شاعرهم: # رأيه في السماع رأي الحجاز # وهو في الشرب رأي أهل العراق # ويقول آخر: # أباح العراقي النبيذ وشربه # وقال حرامان المدامة والسكر # وقال الحجازي الشرابان واحد # فحل لنا من بين قوليهما الخمر # سآخذ من قوليهما طرفيهما # وأشربها لا فارق الوازر الوزر # وطائفة أخرى لا تحب أن تتحمل أو تتمحك؛ فإما أن يتركوها تركا تاما، أو ~~يهجروها هجرا تاما. # قال أبو نواس: # فإن قالوا حرام قل حرام # فإن لذاذة العيش الحرام # ويقول: # ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر # ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر # وهكذا أصبح النبيذ والخمر أمرين شائعين بين الناس لا يخلو منهما بيت من بيوت العظماء ~~والأغنياء. # وتسربت عوائد الفرس والروم والعرب إلى الناس ... # وكان من ذلك كله أدب غزير في الخمر وأوصافها، والندمان وأوصافهم وعيوبهم ومحاسنهم، حتى ~~ملأ الأدب العربي، وحتى إن الصوفية كابن الفارض وغيره قلدوا الماجنين في قولهم في الشراب، ~~وغزل ms079 المذكر، وغزل المؤنث، وإن لم يكن هناك خمر ولا نساء ولا ذكر. # إبراهيم الموصلي # وبجانب الشعر الغناء ... جاءت طبقة من المغنين أخذت أصول الغناء عن ابن سريج، وابن محرز ~~المكيين، ومالك ، ومعبد المدنيين، واشترك النساء في الغناء، وغنين الغناء ~~العربي والفارسي، ووجدت مدارس للغناء تتناحر وتتسابق، وقد شجع البرامكة الغناء الفارسي، ~~وإلى جانب الغناء الرياضة، وهناك القصص اللطيف الذي يحكي أمور الماضين والحاضرين، ويسجل ~~أحداثهم، ولم يقف في التاريخ عند حد الروايات عن الماضين؛ فقد ركبوا البحار، ودونوا الرحلات، ~~وأدخلوا في التاريخ ما شاهدوه وما سمعوه، وكما اشتهرت بغداد أم الحضارة بهذه الأشياء كلها، ~~كانت دمشق ومصر صورة مصغرة. # ولم يكتف الأمر بهذا، بل أفسحوا صدورهم اعتزازا بمدينتهم إلى الوفود تأتيهم من الروم ~~وغير الروم، يعجبون بما يرون من حضارة لا قبل لهم بها، ويذهبون إلى بلادهم فيتحدثون بما ~~شاهدوا وما سمعوا، ويقلدون ما يستطيعون تقليده، وقد روى التاريخ كلمات كثيرة عن القساوسة ~~والمستشرقين يحضون قومهم على أن يفعلوا فعل المسلمين. ~~••• # هذه - لا الحروب ولا الانتصارات - هي التي أعلت شأن الرشيد في نظر الشرقيين والغربيين، ~~وخلدت ذكره، وأعلت مقامه، وجعلته على كل لسان، فقد نقل إليهم كتاب بطليموس ~~وإقليدس، وعربت رسائلها، ولم تكن دراساتهم لها نظرية بحتة، بل كانت تطبق عمليا: مثل ~~البوصلة البحرية التي مكنتهم من السير في البحار، والمهارة في التجارة، حتى ساروا إلى سواحل ~~الهند، وجزيرة الملايا، وتوغلوا في بلاد الصين، وصارت البصرة ثغرا تجاريا هاما، وكالساعة ~~الدقاقة التي اخترعها العرب، ويصفونها بأنها كانت إذا جاء موعد الساعة دقت، وخرج منها رجال على ~~الخيل بعدد الساعات، فإذا انتهت الدقات دخل الخيالة. # وكان مما خلد الرشيد مجالسه المتنوعة المتعددة؛ فمجلس غنائه كان عماده إبراهيم ~~الموصلي، ثم من بعده ابنه إسحاق، وزلزل الدفاف، وبرسوم الزامر، وإبراهيم الموصلي هذا كان ~~زينة مجلس الرشيد، وإطارا لشخصيته كما تصوره لنا ألف ليلة وليلة، وهو فارسي الأصل أبا ~~وأما، رزقه الله حسن الصوت على خير ما يرزق المغنين في جميع العصور، ورزق إلى ms080 حسن ~~صوته جودة إنشائه للشعر وحسن تلحينه. # يروى عنه أنه أنشأ ولحن وغنى قوله: # ربما نبهني الإخ # وان والليل بهيم # حين غارت وتدلت # في مهاويها النجوم # ونعاس الليل في عي # ني كالثاوي مقيم # للتي تعصر لما # أينعت منها الكروم # أنا بالري مقيم # في قرى الري أهيم # ما أراني عن قرى الري # ي مدى دهري أريم # وكان من أصل فقير هرب من فارس، ونشأ يتسكع في البلاد، وكان في كل بلد طائفة من الشبان ~~الخليعين، لا ميل لهم إلى الجد يقضون حياتهم في شراب ونساء وغناء، وقد شهروا بالمروءة ~~والنجدة، خصوصا إذا نزل عليهم ضيف من أمثالهم. # وهؤلاء الطائفة تسمى «الفتيان»، وهي كالتي نسميها اليوم بالبوهيميين، وذلك قبل أن تتطور ~~كلمة «الفتيان» إلى المعنى التركي، فتأخذ شكلا دينيا، وشكل اتحاد عمال معا، وقبل أن ~~يتخذها الصوفية في لغتهم فيطلقونها على جماعة الصوفية المتدينين ذوي المروءة. # واشتهر إبراهيم بينهم بحسن الصوت فأعجبوا به، وكان في إحدى مراحله بالموصل فسمي ~~«إبراهيم الموصلي»، ثم ذاع ذكره وحسن تلحينه وغنائه، فاستدعاه الخليفة المهدي، ولكن كان به ~~آفة، وهي أنه كان لا يكاد يفيق كزملائه الفتيان، والمهدي لم يكن يشرب، ولا يحب الشاربين، إلا ~~ما كان أجازه لجبريل بن بختيشوع إذ كان لا بد أن يشرب، والمهدي لا يستطيع الاستغناء عنه فأباح ~~له أن يشرب هو، فطلب المهدي من إبراهيم الموصلي ألا يشرب فلم يستطع، ووجدت عقدة في بيت المهدي، ~~وهي أن في البيت ابنين، وهما الهادي والرشيد، ويخاف عليهما الانغماس في الشراب، ويخاف عليهما من ~~مخالطة الموصلي، ويخاف أن يجتمع عليهما حسن شعر الموصلي وحسن تلحينه وحسن غنائه، ~~منضما ذلك كله إلى شباب الهادي والرشيد وغناهما وترفهما، فإذا هما سكيران لا يصلحان ~~للخلافة. # ورعب من تلك النتيجة التي تخيلها بحق، فأخذ الأيمان الموثقة على إبراهيم الموصلي ~~ألا يشرب بحضرة الهادي والرشيد، وكيف ينفع التحذير، وكل العوامل ممهدة لهذه النتيجة ... جاذبية ~~الموصلي، وقابلية الهادي والرشيد لهذه الجاذبية ... # فأتت الجواسيس المهدي يوما تقول: إنه غناهما وفتنهما فشربا ms081 معا، فجن جنون ~~المهدي من هذه الفعلة؛ خصوصا بعد أن استوثق منه، فضربه ضربا مبرحا، ثم نهاه، ثم عاد فأقصاه ~~عن القصر، ووضعه في السجن، وأمر بتعذيبه فيه تعذيبا شديدا، ولكن كان من حسن حظه أن مات ~~المهدي، وجاء الهادي الذي حبس الموصلي من أجله، فاستنجد به فأنجده، ومنحه الهادي مالا كثيرا ~~حتى أصبح ثريا، واتخذه نديما له حتى مات. # مدرسة الموصلي # وبلغ الموصلي ذروته في عهد الرشيد ... فقد كان الرشيد أحب للموصلي، وأحب لغنائه فقربه ~~إليه، وجعله زينة مجلسه، وصار يتكسب من الرشيد، ومن مدرسة أخرى اهتدى إليها، وهو أنه كان يأتي ~~بالفتيات الجميلات فيعلمهن التلحين، ويعلمهن الغناء، وأقبل الناس على تلميذات مدرسته إقبالا ~~شديدا؛ إذ كان قد اجتمع لهن جمال الشكل، وجمال التلحين، وجمال الصوت. # وكان الناس قبله يعلمون الفتيات غير الجميلات؛ حرصا على الفتيات الجميلات، وتنحية لهن ~~من هذا المأزق، فجاء الموصلي بحسن ذوقه، فأدرك أن تجارته لن تروج إلا إذا علم الفتيات الجميلات، ~~فدر ذلك عليه مبلغا من المال طائلا، وقد نجحت مدرسته نجاحا باهرا ... فانتشرت تلميذاته في ~~بيوت الأغنياء من أمراء وتجار، فكنت إذا مشيت في شوارع بغداد أو في شوارع المدن سمعت ~~أصواتهن تتجاوب في كل مكان. ~~••• # وشيء آخر عظيم الفائدة، كان أيضا من برنامج مدرسته يعلمه في جد واتقان، وهو فن الظرف، ~~وهذا فن واسع ربما يمثله خير تمثيل «كتاب الوشاء»، وإن كان قد ألفه بعد ذلك العهد ~~بقليل. # فكان يعلمهن درسا في ألوان الملابس، ومناسباتها للحفلات، ومناسبة بعضها لبعض، ومناسبتها ~~للنعال. # ودرسا ثانيا فيما يصلح أن ينقش على الخواتيم والفصوص، ودرسا ثالثا في التعطر والتطيب، ~~ودرسا رابعا في تصفيف الموائد والأطعمة، وكيفية الأكل من وجوب تصغير اللقم والتحرز من الشره، ~~وعدم تلطيخ الأصابع، وعدم تجاوز ما بين أيديهن، وعدم إفساد رائحتهن بأكل الثوم والبصل، ونحو ~~ذلك، وعدم التخلل على المائدة قبل أن تفرغ، ونحو ذلك. # ودرسا خامسا في الزهور والورد، وكيف تنظم الطاقات، ثم ينتقل في الدروس الأخيرة من ~~الماديات إلى المعنويات: ms082 فكيف يتحدثن فيحسن الحديث، وكيف يجب أن لا يداخلن أحدا في حديثه، ~~ولا يتطلعن إلى مكتوب يقرؤه قارئ، ولا يقطعن على متكلم كلامه، ولا يحاولن أن ~~يستمعن إلى أحد يتحدث في سر، ولا يسألن عما ووري عنهن علمه، ولا يتكلمن فيما حجب ~~عنهن فهمه، ولا يتثاءبن في المجلس، ولا يتمطين، ولا يمددن أرجلهن، ولا يمسسن ~~أنوفهن بأيديهن، ثم يعلمهن أنهن إذا أهدين أهدين الشيء اللطيف الخفيف، كالتفاحة ~~المنقوشة الواحدة، والأترجة الواحدة، والغصن من الريحان، والطاقة من النرجس، ونحو ذلك، ~~ويعلمهن أيضا كيف يكتبن الكتب الظريفة لمن يحببن، أو لمن يشكون، ونحو ذلك، وكيف ينقشن ~~على قمصانهن، وأرديتهن، وأكمامهن، وعصائبهن، ومناديلهن، ونعالهن، وما يكتبنه بالحناء على راحتهن ~~وأبدانهن، وما ينقشنه على أواني الفضة والذهب والكاسات والأقداح، وعلى آلات الموسيقى من ~~العيدان والطبول والدفوف والنايات. # وعلى الجملة فكان يعلمهن قوانين الظرف بجانب قوانين الغناء، ويعلمهن ما ~~نسميه اليوم ب «الإتيكيت». # ويؤلف فيه المسلمون قبل ما يؤلف فيه الغربيون اليوم بعد أكثر من ألف سنة، وكان ~~له في ذلك فضلان: فضل نشر الغناء في العالم الإسلامي، ونشر طرق الإتيكيت، وكانت هذه الأشياء ~~كلها تغلي ثمن الجارية أضعاف ما كانت، وبفضل هذه المدرسة فاقت العراق الشام والحجاز، فقد كان ~~الشام مركز اللهو والظرف في عهد الأمويين. # أما في العهد العباسي ففاقته العراق، والسبب في ذلك أمران: الأمر الأول أن العراق كان مصب ~~أموال الدولة فكل قطر يبعث للخليفة ما تبقى من الصرف عليه، والمال هو عصب الحياة يتبعه ~~اللهو حيث كان؛ فالغناء والشراب إنما يكونان حيث يكون الترف، والترف يكون حيث يكون المال، ~~والعراق أكثر البلدان وأعزها جاها، وكل نابغ في فن - ومنه الأدب - إنما تنفق سوقه في ~~العراق، ومن نبغ في غيره، ولم يذهب إليه خمد ذكره وضاع فنه؛ فأي مغن مشهور لم يكن في ~~العراق، وأي نابغة في الشعر لم يكن في العراق، وأي لؤلؤة كبيرة، أو ياقوتة عظيمة، أو عقد مرصع ~~بديع لم يرسل إلى الخليفة في بغداد. # والأمر الثاني أن ms083 العراق كان أكثر بلاد الله خليطا؛ فقديما تعاقبت عليها الأمم والمدنيات، ~~وفي العصر العباسي كان حاضرة الخلافة ومقصد الناس، وكان مسكن العنصر الأرستقراطي من الفرس، وعلى ~~مقربة من بغداد إيوان كسرى ، وبغداد محط الراحلين من الهنود والعرب والروم وغيرهم، وكل جنس من ~~هذه الأجناس يعرض خير ما عنده، وإن أدركت سائر الأقطار طرفا من زينة ولهو وغناء ~~وشعر، فمن بغداد تقتبس. # وكان من حسنات إبراهيم الموصلي زرياب المغني؛ فقد كان تلميذا لإسحاق، وكان يحضر معه مجلس ~~الرشيد، ثم اختلف معه ففر إلى الأندلس، وكانت سبقته شهرته إليها، فاستقبل فيها استقبالا ~~حسنا، ولم يكن زرياب مغنيا فقط، بل كان عالما أديبا أيضا، فنشر في بلاد الأندلس موسيقاه ~~التي تلقاها عن إبراهيم الموصلي وعلمه فنه؛ فكان أيضا من حسنات الرشيد بالوساطة. # وزان زرياب مجالس عبد الرحمن الداخل، كما زان أستاذه الموصلي مجالس الرشيد، واجتهد ~~زرياب أن يجعل من قرطبة ما رآه في بلاط الرشيد في بغداد من فخفخة وعظمة، وأن يحمل عبد ~~الرحمن على البذخ والترف كما كان الرشيد، وينقل حضارة بغداد إلى قرطبة، فنجح في ذلك إلى حد ~~كبير؛ لأنه كان عظيم الشخصية، وقد أجرى عليه عبد الرحمن الداخل ثلاثة آلاف دينار في السنة، ~~وأعطاه عقارا بقرطبة قيمته أربعون ألف دينار، وقربه إليه وجعل مرتبته مرتبة عظيمة. # وقد قالوا عنه: إنه كان يعرف عشرة آلاف لحن بأشعارها ونغماتها، ولم يقتصر على الغناء ~~والشعر، بل كان يعلم الفلك والجغرافيا، وكان قد أخذ عن أستاذه الموصلي فن الظرف واللباقة الذي ~~كان يعلمه الموصلي في بغداد للجواري الحسان، ونشر أيضا الذوق في قرطبة، وغير من زي ~~الرجال؛ فقد كان الرجال يرسلون شعورهم طويلة، ويفرقونها في مقدم الرأس، فابتدع ~~لهم طريقة جديدة، فأصبح الزي الرائج بعده أن يحسر الرجل شعره بعد أن يقصره، وكان الأندلسيون ~~يشربون الماء بآنية معدنية، فعلمهم أن يشربوه بأقداح من زجاج، ونشر في الأندلس نوعا ~~من الطعام كان محببا إليه هو الهليون، وابتدع أيضا أنواعا من الأطعمة اللطيفة تنسب إليه؛ ~~منها ms084 النوع المعروف بالزريابية ... فلعله هو الذي حرفه العوام فيما بعد إلى زلابيا. ~~••• # وعلى الجملة، فقد كان من حسنات الرشيد - وإن لم يعلم - نقل حضارته ومجالسه وترفه إلى ~~الأندلس بوساطة زرياب. # وكان الموصلي - كما قلت - بلدي البرامكة يغنيهم كما يغني الرشيد، ويضع الأصوات في مدحهم مثل ~~قوله: # ويفرح بالمولود من آل برمك # بغاة الندى والسيف والرمح والنصل # وتنبسط الآمال فيه لفضله # ولا سيما إن كان من ولد الفضل # ولا يبعد أن يكون أبو إسحق الموصلي بحكم بلديته للبرامكة، كان ينقل إليهم ما كان يدور في ~~مجلس الرشيد مما يتصل بهم من قريب أو بعيد، ولكن الرشيد أبقى على رأسه لما طاح برؤوسهم؛ لأنه لم ~~يكن يتدخل في سلطة الرشيد، ولا سلطة البرامكة، ولأن الرشيد كان في حاجة إليه؛ إذ كان لا ~~يستغني عن صوت جميل، ولحن جميل، وليس للموصلي في ذلك نظير. # وعلى الجملة كان للرشيد ذوق مرهف في سمع الغناء ونقله، حتى ليحكون أنه سمع الموصلي مرة ~~فقال له: إنك أخطأت في لحنك مرتين ... فعجب الموصلي من ذلك، وخرج يتحدث به، وكان مما عرف عنه ~~أنه أمر بأن يختار له مائة صوت «لحن» أو«دور»، وهي التي بنى عليها أبو الفرج الأصفهاني ~~كتابه الأغاني، ثم أمرهم أن يختاروا منها عشرة، ثم أمرهم أن يختاروا من العشرة ثلاثة، ~~فكانت هذه الثلاثة لحنا لمعبد، ولحنا لابن سريج، ولحنا لابن محرز. # الأصمعي وأبو عبيدة # ومجلس آخر هو مجلس جد ولغة وشعر، يكون عماده الأصمعي وأبا عبيده والكسائي؛ فأما الأصمعي ~~فكان رجلا عربي الأصل محتفظا بعربيته في ملبسه ونبرات صوته، وقد رحل إلى البادية وسمع من ~~أهلها لغة وأدبا، وعلى الأخص «ملحا» ونوادر، فكان يتخير منها ما يناسب مجلس الرشيد، ويتحدث ~~إليه، ويسأله الرشيد عما يجهله، ويسمع منه ملحه ونوادره، ويتفقده الرشيد حين يغيب ~~عنه. # وأما أبو عبيدة فيهودي الأصل، ليس له خفة روح الأصمعي ولا ملحه ولا نوادره، وإنما كان ~~له مهارة في ناحية أخرى يمتاز بها، وهي معرفته بأخبار الأمم من عرب وغيرهم، ms085 وكان يسر ~~الرشيد بذكره مثالب بني أمية، هذا إلى علم باللغة واسع، وإن لم يبلغ مبلغ الأصمعي؛ ~~سأله الفضل بن الربيع يوما: «كيف يعبر الله سبحانه عن شيء لم تعرفه العرب ولم تره؛ إذ ~~قال: # طلعها كأنه رءوس الشياطين ~~؟» فقال: إن العرب ~~إذا عرفت شيئا ولو لم تره ذكرته في كلامها؛ كالشاعر الذي يقول: «ومسنونة زرق كأنياب ~~أغوال.» # والغول شيء لم تره العرب، ثم وضع كتابا في مجاز القرآن. # وأما الكسائي فقد تعوده الرشيد من صغره؛ إذ كان هو مربيه، وكان فارسي الأصل عربي ~~الولاء، ويمتاز عن الأصمعي وأبي عبيدة بالنحو، وكان النحو في أيامهم واسع المدلول؛ فهو يشمل ~~الصرف والمعاني والبيان والبديع، ونحو ذلك، ويظهر أنه كان جادا كل الجد ليس كالأصمعي مرحا كل ~~المرح، ولم يكن له علم بالشعر كالذي للأصمعي، فكان الأصمعي يغلبه في الشعر، والكسائي يغلبه ~~في النحو. ~~••• # ولقد كانت مجالسهم مجالس جد من لغة ونحو وأخبار، وما إلى ذلك، وقد استفاد الرشيد كثيرا من ~~علمهم ونحوهم. # ومجلس آخر كان عماده الشعر يجلس فيه أبو العتاهية وأبو نواس ومنصور النميري ومسلم بن ~~الوليد وأمثالهم، فينشدون له الشعر أحيانا في مديحه ومدح آبائه إلى نحو ذلك. # وهو يتخذهم دعابة له، ومظهر ترف وأبهة، ويجزل لهم العطاء بقدر ما يجزلون له من ~~الثناء. # وأحيانا يكون المجلس مجلس فقه ومحاولة لخروج من مأزق من مآزق القصر، حول جارية أو حول ~~مشادة بينه وبين زبيدة ... وعماد ذلك أبو يوسف القاضي، كالذي روي أن أميرا من أمراء البيت ~~العباسي اشترى جارية جميلة، فطلبها منه الرشيد، فحلف بالأيمان المغلظة أن لا يبيعها، وحلف ~~الرشيد أيضا الأيمان المغلظة أن يشتريها، وتحرج الأمر بينهما. # فاستدعى أبا يوسف، فحل الإشكال؛ بأن يهب الأمير نصفها للرشيد، ويشتري الرشيد نصفها الآخر، ~~فكان ذلك، وكان واسع العلم متفنن الحيلة لبقا، مما جعل الرشيد يعينه قاضي بغداد، وهذا ~~يجعله قاضي القضاة فينتشر بذلك مذهب أبي حنيفة شيخ أبي يوسف. # تنظيم الضرائب # وكان إلى جانب ذلك يهديه إلى نظم الضرائب، ms086 وهو الذي وضع له كتاب الخراج، فنظم له فيه ~~الضرائب، وكيف يجبيها، وذكر الرشيد في أول كتابه هذا، وقدمه له مع نصائح حكيمة وقورة مثل ما ~~يخاطبه به فيقول: «لا تؤخر عمل اليوم إلى غد ... فإنك إن فعلت ذلك أضعت»، و«إن الأجل دون الأمل ... ~~فبادر الأجل بالعمل، فإنه لا عمل بعد الأجل»، «إن الرعاة مؤدون إلى ربهم ما يؤدي الراعي ~~إلى رعيته، فأقم الحق فيما ولاك الله وقلدك ولو ساعة من نهار، فإن أسعد الرعاة عند الله يوم ~~القيامة راع سعدت به رعيته»، و«لا تزغ فتزيغ رعيتك»، و«إياك والأمر ~~بالهوى والأخذ بالغضب»، و«إذا نظرت إلى أمرين أحدهما للدنيا والآخر للآخرة، فاختر أمر الآخرة ~~على أمر الدنيا؛ فإن الآخرة تبقى والدنيا تفنى»، و«كن من خشية الله على حذر، واجعل الناس عندك ~~في أمر الله سواء القريب والبعيد، ولا تخف في الله لومة لائم، واحذر فإن الحذر بالقلب وليس ~~باللسان.» ~~••• # ويذكر أبو يوسف أن رجلا نصرانيا كان يأتي الحسن البصري، ويغشى مجالسه؛ فمات، فسار الحسن ~~إلى أخيه ليعزيه فقال له: «أثابك الله على مصيبتك ثواب من أصيب بمثلها من أهل دينك، وبارك لنا ~~في الموت، وجعله خير غائب ننتظره ... عليك بالصبر فيما نزل بك من مصائب»، وهكذا نرى في ثنايا ~~الكتاب دررا غالية، ونصائح عالية. # ومثل: «يا أمير المؤمنين! إن الله - وله الحمد - قد قلدك أمرا عظيما ثوابه أعظم الثواب، ~~وعقابه أشد العقاب؛ قلدك أمر هذه الأمة، فأصبحت وأمسيت، وأنت بغية لخلق كثير قد استرعاكهم ~~الله، وائتمنك عليهم، وابتلاك بهم، وولاك أمرهم، وليس يلبث البنيان إذا أسس على غير التقوى ~~أن يأتيه الله من القواعد فيهدمه وأعان عليه، فلا تضيعن ما قلدك الله من أمر هذه الأمة ~~والرعية، فإن القوة في العمل بإذن الله.» # والكتاب ليس مقصورا على الضرائب ... ففيه - مثلا - نصائح متعددة غالية؛ كحسن معاملة ~~الأسارى، وإنه إذا أمن المحارب لم يؤخذ منه شيء، وكالأمر بحسن معاملة اليهود ~~والنصارى، وإن أبا يوسف سأل أبا حنيفة عن اليهودي أو النصراني يموت له ms087 ولد ... فهل يعزى؟ وبم ~~يعزى؟ فقال: «نعم يعزى، ويقال له: إن الله كتب الموت على خلقه، نسأل الله أن يجعله خير ~~غائب منتظر، وإنا لله وإنا إليه راجعون، عليك بالصبر فيما نزل بك، لا أنقص الله لك ~~عددا.» # وكان على باب قصر الخلد حجرة واسعة يجلس فيها الشعراء والمغنون والفقهاء، تدور بينهم ~~الأحاديث المختلفة في الموضوعات المختلفة، وجميعهم ينتظر دعوة الحاجب لطائفة منهم حسب مزاج ~~الرشيد في وقته، وحسب ما يعرض له من أحداث، وأحيانا لا يجد الحاجب من يطلبه في هذه الحجرة ~~فيذهب إليه في بيته. # وإذ كان الرشيد حاكما بأمره فهو أحيانا يرضى لا إلى حد، وأحيانا يغضب لا إلى حد؛ فكان من ~~دعي يغتسل ويتكفن قبل ذهابه إليه، مما يعطينا صورة سيئة للحكام في هذا العهد. # مجلس العظة والاعتبار # ومجلس آخر يرجع فيه الرشيد إلى نفسه، ويدعو من يعظه، أو يذهب إليه إذا كان الواعظ لا ~~يغشى مجالس الأمراء؛ كالذي روي أنه استدعى ابن السماك الواعظ المشهور فلما دخل عليه قال له: ~~«عظني!» # فقال: «يا أمير المؤمنين ... اتق الله، واحذره، لا شريك له، واعلم أنك واقف غدا بين يدي الله ~~ربك، ثم مصروف إلى إحدى منزلتين لا ثالثة لهما: جنة أو نار.» # فبكى هارون حتى اخضلت لحيته ... فأقبل الفضل بن الربيع على ابن السماك، وقال: «سبحان الله! هل ~~يخالجك شك في أن أمير المؤمنين مصروف إلى الجنة إن شاء الله لقيامه بحق الله وعدله في ~~عباده؟» # فقال: «يا أمير المؤمنين: إن هذا - يعني الفضل بن الربيع - ليس والله معك ولا عندك في ذلك ~~اليوم، فاتق الله، وانظر لنفسك»، فبكى هارون حتى أشفق الموجودون عليه. # وأفحم الفضل بن الربيع، ولم ينطق بحرف حتى خرج من بحضرته، ويأتي الرشيد الفضيل بن ~~عياض فيفتح له الباب هو والفضل بن الربيع، ثم يصعد الفضيل إلى أعلى الغرفة مسرعا، ويطفئ ~~السراج، ويتجه إلى زاوية من زوايا الغرفة، فيبحث عنه الرشيد حتى يجده، فيقول الفضيل، وقد جس ~~يده: «ما ألينها من يد إن ms088 نجت غدا من عذاب الله»، ثم يسأله: «لم جئت؟ ... لقد حملت على نفسك، ~~وجميع من معك حملوا عليك، ولو سألتهم عند انكشاف الرقاب عنك وعنهم أن يحملوا عنك نقصا من ذنب ~~ما فعلوا، ولكن أشدهم حبا لك أشدهم هربا منك.» # ثم قال: «إن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة دعا سالم بن عبد الله بن عمر، ومحمد بن كعب ~~القرظي، ورجاء بن حيوة، وقال لهم: «إني قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا علي» - فعد ~~الخلافة بلاء وعددتها أنت وأصحابك نعمة - فقال له سالم: «إن أردت النجاة غدا من عذاب الله ~~فصم عن الدنيا، وليكن إفطارك فيها على الموت»، وقال له محمد بن مطعم: «إن أردت النجاة غدا من ~~عذاب الله فليكن كبير المسلمين لك أبا، وأوسطهم لك أخا، وأصغرهم لك ولدا؛ فبر أباك، وارحم ~~أخاك، وتحنن على ولدك».» # وقال له رجاء: «إن أردت النجاة غدا من عذاب الله فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره ~~لهم ما تكره لنفسك»، فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا حتى غشي عليه ... فقال الفضل بن الربيع: ~~«ارفق بأمير المؤمنين»، فقال الفضيل: «يا ابن الربيع قتلته أنت وأصحابك وأرفق أنا به؟!» فلما ~~أفاق قال: «زدني» ... # فقال: «يا أمير المؤمنين! ... بلغني أن عاملا لعمر بن عبد العزيز شكا إليه السرف فكتب إليه ~~عمر يقول: «يا أخي اذكر سهر أهل النار، وخلود عباد الله فيها» فلما قرأ كتابه طوى البلاد حتى ~~قدم عليه، فقال له عمر: «ما أقدمك؟» قال: «خلعت قلبي بكتابك، لا وليت لك ولاية ~~أبدا حتى ألقى الله».» # وعاد الرشيد أيضا فبكى بكاء شديدا، ثم قال: «زدني»، فقال: «يا أمير المؤمنين! إن جدك ~~العباس عم النبي # صلى الله عليه وسلم # جاء فقال: «يا رسول الله! أمرني على إمارة»، فقال له النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «يا عم! ~~نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها ... إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا ~~تكون أميرا فافعل».» # فبكى الرشيد، ثم قال: «زدني»، فقال: «يا حسن الوجه، إن ms089 استطعت أن تقي هذا الوجه من ~~النار فافعل، وإياك أن تصبح أو تمسي وفي قلبك غش لرعيتك.» # فبكى الرشيد أيضا، ثم قال للفضيل: «أعليك دين ؟» قال: «دين لربي يحاسبني عليه»، فقال ~~هارون: «إنما أعني دين العباد» فقال: «إن ربي لم يأمرني بهذا، وإنما أمرني أن أصدق وعده ~~وأطيع أمره» فقال له الرشيد: «هذه ألف دينار خذها لعيالك، وتقو بها على عبادة ~~ربك.» # فقال الفضيل: «سبحان الله! أنا أدلك على النجاة، وتكافئني بمثل هذا؟! سلمك الله»، ثم ~~صمت. # | لهو الرشيد # صورتان # هناك فرق كبير بين صورة الرشيد التي يمثلها المؤرخون أمثال: الطبري وابن خلدون وأبي يوسف - ~~في الخراج - وصورته التي يصورها ألف ليلة ليلة، والأغاني، وإعلام الناس فيما وقع للبرامكة مع ~~بني العباس ... إلخ. # فصورة المؤرخين تصور الرشيد رجل جد فيه شيء من اللهو، والكتب الأخيرة تمثله ~~رجل لهو فيه شيء من الجد. # وربما كانت صورة المؤرخين أعدل؛ لأن الآخرين أكثر حرية وتساهلا في الرواية، وأميل إلى ~~اللهو، ودعوة الناس إليه، وأميل إلى التزايد من ذكر عطاءات الرشيد والبرامكة ونحوهم، لعلهم ~~يستفيدون من أمراء عصرهم بعض ما أعطي من يحكون عنه، فإنا لو حسبنا حساب المال الذي أعطاه ~~الرشيد والبرامكة - على قولهم - لما كفت الدنيا لتحقيق ما قالوا ... فكيف ومالهم محدود! # على كل حال كان للرشيد - من غير شك - جانب من اللهو، وللهو ذلك العصر تاريخ طويل يبتدئ ~~من الدولة الأموية، ولكن الأمويين كانوا يعملون الملاهي لأذواقهم البسيطة العربية ... كالذي روي ~~أن الحجاج أولم في اختتان بعض ولده؛ فاستحضر بعض الدهاقين يسأله عن ولائم الفرس، وقال ~~له: «أخبرني بأعظم صنيع شهدته»، فقال له: «نعم أيها الأمير ... شهدت بعض مرازبة ~~كسرى، وقد صنع لأهل فارس صنيعا، وأحضر فيه صحاف الذهب على أخونة الفضة ... أربعا على ~~واحد، وتحمله أربع وصائف، ويجلس عليه أربعة من الناس، فإذا طعموا أتبعوا أربعتهم المائدة ~~بصحائفها ووصائفها.» # فقال الحجاج: يا غلام انحر الجزور؛ كأنه كره هذا الوصف واستعظمه. # وكان الأمويون - على كل حال - يعدلون العادات الفارسية، والأغاني الفارسية، ms090 ونحو ذلك ~~بذوقهم العربي، أما العباسيون فكانوا يأخذون عادات الفرس كما هي بحذافيرها ... اتخذوا النيروز لهم ~~عيدا، ولم يكن له في عصر الأمويين شأن له بال، وفي عصر العباسيين كانت تهدى فيه الهدايا، ~~وتوزع فيه اللطائف، ويحتفلون به كما يحتفلون بالعيد الكبير والصغير ... فلما جاءت الدولة ~~العباسية كانت الأمور تحتاج إلى جد لا لهو فيه، ولولاه لضاعت الدولة من أيديهم، فكان أبو العباس ~~السفاح - مثلا - أول الخلفاء العباسيين جادا لا يلهو، ولما تزوج أم سلمة حلف لها أن لا يتزوج ~~عليها ولا يتسرى. # وحاول بعض المقربين إليه أن يحملوه على اللهو فأبى وأبعدهم؛ لأنه شعر بكثرة ما عليه ~~من تبعات لا تمكنه من أن يلهو ساعة. # وجاء بعده رجل الدولة أبو جعفر المنصور، فكان مثل أخيه جادا لا يلهو؛ فيروي الطبري أنه لم ~~ير في دار المنصور لهو قط، ولا شيء يشبه اللهو واللعب والعبث، ولما سمع شعر طريف ~~بن تميم العنبري: # إن قناتي لنبع لا يؤيسها # غمز الثقاف ولا دهن ولا نار # متى أجر خائفا تأمن مسارحه # وإن أخف آمنا تقلق به الدار # إن الأمور إذا أوردتها صدرت # إن الأمور لها ورد وإصدار # قال: «أنا أحق بأبياته هذه»، وأمر أن يحدو الحادي له بهذه الأبيات، فأمر بإعطائه ~~درهما واحدا. # فقال الحادي: «يا أمير المؤمنين حدوت بهذه الأبيات لهشام بن عبد الملك فأمر لي بعشرين ~~ألف درهم، وتأمر لي أنت بدرهم.» # قال: «إنا لله ... ذكرت ما لم نحب أن تذكره، ووصفت رجلا طالما أخذ مال ~~الله من غير حله، وأنفقه في غير حله ... يا ربيع! اشدد يديك به حتى يرد ~~المال.» # فما زال الحادي يبكي، ويتشفع، حتى كف يده، وكان لا يشرب، ولا يحب الشراب، وكل ما فعل أنه ~~أذن لبختيشوع الطبيب أن يشرب بحضرته، واشتد الأمر بالناس من كثرة جده وقسوته، ولما رأوا ~~المهدي يلهو بعض الشيء، ويلعب سري عنهم كما سري عن الناس بموت عمر وتولية ~~عثمان. # وقد كان المهدي كريما لا يكتنز، ويحب الفنون الجميلة من غناء ms091 وشعر، وبدأ يسمعهم ~~من وراء الستار حفظا لهيبة الخلافة، ثم جره السمار إلى أن يحضر مجلس المغنين؛ بدعوى ~~أن اللذة في مشاهدة السمر أدعى إلى السرور، كما كان يكثر من الجواري ويحب شراءهن، ~~ولم يكن يشرب النبيذ، ولكن يسمح للناس أن يشربوا في حضرته، وملأ بشار بغداد وغيرها بشعره ~~الخليع من مثل: # عسر النساء إلى مياسرة # ومثل: # قد عشت بين الريحان والراح والمز # هر في ظل مجلس حسن # وقد ملأت البلاد ما بين قيفو # ر إلى القيروان فاليمن # شعرا تصلي له العواتق والشبي # ب صلاة الغواة للوثن # ثم نهاني المهدي فانصرفت # نفسي صنيع الموفق اللقن # فالحمد لله لا شريك له # ليس بباق شيء على الزمن # إسراف الرشيد # ثم انتقل اللهو في عهد الرشيد نقلة جديدة؛ فأسرف فيه إسرافا لم يعرفه خليفة من قبله، وقد ~~منحه الله عاطفة ينسى بها نفسه متى وجدت دواعي الأنس، وساعده على ذلك سلطان البرامكة في زمنه، ~~ونقل عادات الفرس، وما نقل عنهم من ترف ونعيم، وكان صديق الرشيد جعفر البرمكي شابا مسرفا ~~على نفسه يلهو ما شاء له اللهو، وكلاهما كان إذا نحا ناحية يصل فيها إلى نهايتها، حتى ليخيل ~~لمن يقرأ مثل كتاب الأغاني أنه لا يعرف إلا اللهو، ويخطو خطوة أخرى، فيشرب ويسرف في الشراب لا ~~كما كان يفعل أبوه. # على أنه - والحق يقال - لم يكن لاهيا كل اللهو كما تصوره الأغاني، ولا جادا كل ~~الجد كالذي يصوره بعض الناس، وإنما كان جادا لاهيا معا، تثور عاطفته الدينية أحيانا فيصلي ~~مائة ركعة، ويبكي من الوعظ، ويحج ماشيا، وتثور عاطفته الدنيوية حينا فيسمع الغناء ويشرب ~~الشراب. # ويقول الشعر، وتثور عاطفته الحربية أحيانا فيتولى قيادة الصائفة والشاتية، فمن الناس من ~~يجد ويلهو ... فإذا جاء وقت الجد أسرف فيه، وإذا جاء وقت اللهو أسرف فيه، ويقول مع ~~القائل: # ولله مني جانب لا أضيعه # وللهو مني والخلاعة جانب # فكان الرشيد من هذا الصنف يحارب فيحسن الحرب، ويلهو فيحسن اللهو، وكان أبو نواس يعجب ~~الرشيد حين تشعشع الخمر ms092 في رأسه، فيسمعه يصف الخمر ويصف لعبها بالعقول كالذي ~~يقوله: # اسقني يا ابن أدهما # واتخذني لك ابنما # اسقنيها سلافة # سبقت خلق آدما # فهي كانت ولم يكن # ما خلا الأرض والسما # رأت الدهر ناشئا # وكبيرا مهرما # فهي روح مخلص # فارق اللحم والدما # فاسقنيها، وغن صو # تا لك الخير أعجما # أو يقول: # يا نديمي رد بالله # مشاشي وعظامي # اسقني بالكأس والطا # س جميعا وبجام # واسقني حتى تراني # لا أرجى للقيام # فالرشيد يستخدمه كنديم على الشراب يطري له شرابه، ويحضه على الإكثار منه، فهو كالنغمة ~~المرحة المستهترة على الوتر المرح الطروب. # وأما منصور النميري فيطرب الرشيد حين تثور عاطفته على الأمويين والعلويين، فيحتاج إلى من ~~يغنيه بذمهم جميعا، ومدح آل العباس عامة، ومدحه خاصة وهكذا، مما نوع الشعر ~~وفرعه، وجعل باب المديح في الأدب من أكبر الأبواب وأطولها. # وكان يجيز من شرح له مسألة نحوية أو فقهية أو أدبية كما يجيز الكثير لمن غنى فأجاد، ~~ومن غنت فأحسنت، يسمع قول أبي العتاهية: # خانك الطرف الطموح # أيها القلب الجموح # لدواعي الخير والشر # ر دنو ونزوح # هل لمطلوب بذنب # توبة منه نصوح # كيف إصلاح قلوب # إنما هن قروح # أحسن الله بنا أن # ن الخطايا لا تفوح # بين عيني كل حي # علم الموت يلوح # كلنا في غفلة وال # موت يغدو ويروح # لبني الدنيا من الدن # يا غبوق وصبوح # رحن في الوشي وأقبل # ن عليهن المسوح # كل نطاح من الده # ر له يوم نطوح # نح على نفسك يا مس # كين إن كنت تنوح # لتموتن وإن عم # مرت ما عمر نوح # فأبو العتاهية يعجب الرشيد شعره؛ إذ كان به نزعة إلى الزهد، واحتقار ما عليه من ترف ~~ونعيم ... فيسمعه يقول: # إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل # خلوت ولكن قل علي رقيب # ولا تحسبن الله يغفل ما مضى # ولا أن ما يخفى عليه يغيب # لهونا لعمر الله حتى تتابعت # ذنوب على آثارهن ذنوب # فيا ليت أن الله يغفر ما مضى # ويأذن في توباتنا فنتوب # وإن امرءا قد سار ms093 خمسين حجة # إلى منهل من ورده لقريب # فأحسن جزاء ما اجتهدت فإنما # بقرضك تجزى والقروض ضروب # وهكذا من نصائح يميل إليها الرشيد في بعض الأوقات فيتعظ بها، وقد يبكي منها فيكون أبو ~~العتاهية في ذلك كالنغمة الحزينة على وتر حزين، فيبكي الرشيد وينتحب، ويسمع نكتة من ابن أبي ~~مريم فيضحك حتى يستلقي على قفاه، وهكذا. # ويقوم خارجي عليه فيقتل أبطاله، وينتهب أمواله مرارا، ويجهز إليه الرشيد جيشا قويا ~~فيحاربونه ويغلبونه، ويأمر الرشيد بإحضاره، فلما يمثل بين يديه، يقول الرشيد: «ما تريد أن ~~أصنع بك؟» قال: «ما تريد أن يصنع الله بك إذا وقفت بين يديه»، فيأمر بإطلاقه ... فلما خرج قال بعض ~~جلسائه: «يا أمير المؤمنين ... رجل قتل أبطالك، وانتهب أموالك، تطلقه بكلمة واحدة، فهذا مما ~~يجرئ عليك أهل الشر»، فقال الرشيد: «ردوه» فعلم الرجل أنه قد تكلم في أمره، فقال: ~~«يا أمير المؤمنين لا تطعهم؛ فلو أطاع الله فيك الناس ما ولاك عليهم.» # فيعفو ثانية ... # ويخرج خارجي آخر ليس له مثل حججه وبراعته، فيقتل أبطاله ويدوخ جيوشه، فيحضر إليه، ~~والرشيد على سرير الموت، فيأمر بقتله، ويقول: «والله لأقتلنك، ولو كنت في النفس الأخير»، وهكذا ~~تتجاذبه عواطف الخير والشر، والانتقام والعفو، والناس يقلدونه. # قدوة الرعية # فما صدقوا أن رأوا الرشيد يقيم مجالس اللهو، ويستمع إلى إبراهيم الموصلي وغيره، ويشهد ~~حفلات الرقص حتى قلدوه في ذلك؛ فالغني الكبير، والوسط الحال، والتاجر الواسع الثراء، يقيمون ~~حفلات على قدرهم مثله، وقد رزق الله بني العباس كثرة في العدد؛ من كثرة ما يصلون إلى ~~الأحرار والإماء، حتى لقد أحصي عدد أولاد العباسيين فكانوا أكثر من ثلاثين ألفا، كانوا - ~~أو أكثرهم - أغنياء مترفين، يقلدون رئيسهم الرشيد، ويفعلون فعله في اللهو والترف. # وقد حدثونا أن عبد الله بن العباس ابن الوزير الفضل بن الربيع كان مغنيا ماهرا ~~وماجنا مستهترا ... يصطبح في حدائق النرجس، ويعيش عيشة لهو وخلاعة، وأمثاله كثيرون يطول ~~ذكرهم. # وسرت العدوى من أولاد الأغنياء إلى الطبقة الوسطى، وبالغوا في الموائد وتنسيقها، وألوان ~~طعومها، ولكن الحق ms094 يقال: إن الحياة الاجتماعية في بغداد كانت أشبه شيء بالحياة ~~الاجتماعية الآن في مصر؛ غنى مفرط، وفقر مفرط؛ فالأمراء وكبار التجار يجري المال في أيديهم ~~جري الماء، والعلماء وصغار الفلاحين وصغار التجار لا يجدون ما يأكلون إلا أن يتصل عالم ~~بخليفة أو أمير فيدر عليه الرزق، فالمعيشة لم تكن ديمقراطية على النحو الذي نألفه اليوم ~~في الديمقراطية، يستطيع أن يتكسب فيه العالم من الشعب. # إنما كانت حياة أرستقراطية، إن لم يستعن العالم أو الشاعر بأمير مات من الجوع؛ ولذلك ~~اشتهر قول القائل في بغداد: # بغداد دار طيبها آخذ # نسيمها مني بأنفاس # تصلح للموسر لا لامرئ # يبيت في فقر وإفلاس # لو حلها قارون رب الغنى # أصبح ذا هم ووسواس # هي التي توعد لكنها # عاجلة للطاعم الكاسي # حور وولدان وكل ما # تطلبه فيها سوى الناس # ويقول آخر: # أذم بغداد والمقام بها # من بعد ما خبرة وتجريب # ما عند سكانها لمختبط # 1 # خير ولا فرحة لمكروب # يحتاج باغي المقام بينهم # إلى ثلاث من بعد تثريب # كنوز قارون أن تكون له # وعمر نوح وصبر أيوب # ولذلك زهد الناس في هذه الحالة السيئة، ونزع بعضهم إلى الزهد والتصوف، وقد شكا أبو ~~العتاهية من سوء هذه الحالة، وصور بؤس الشعب في شعره تصويرا لطيفا فقال: # من مبلغ عني الإما # م نصائحا متواليه # إني أرى الأسعار أس # عار الرعية غاليه # وأرى المكاسب نزرة # وأرى الضرورة فاشيه # وأرى غموم الدهر را # ئحة تمر وجائيه # وأرى اليتامى والأرا # مل في البيوت الخاليه # من بين راج لم يزل # يسمو إليك وراجيه # يشكون مجهدة بأص # وات ضعاف عاليه # يرجون رفدك كي يروا # مما لقوه العافيه # من يرتجى للناس غي # رك للعيون الباكيه # من مصبيات جوع # تمسي وتصبح طاويه # من يرتجى لدفاع كر # ب ملمة هي ما هيه # من للبطون الجائعا # ت وللجسوم العاريه # يا ابن الخلائف لا فتن # ت ولا عدمت العافيه # إن الأصول الطيبا # ت لها فروع زاكيه # ألقيت أخبارا إلي # ك عن الرعية شافيه # وحتى الأغنياء والمترفون لم يكونوا ms095 منعمين بغناهم وترفهم كما ينبغي؛ لأنهم كانوا عرضة ~~في كل وقت للقتل والمصادرة. # وقد صدق العتابي إذ قيل له: «لم لا تقترب بأدبك إلى السلطان؟» فقال : «لأني رأيته يعطي عشرة ~~آلاف في غير شيء، ويرمي من السور في غير شيء، ولا أدري أي الرجلين أكون.» # ويصف لنا المؤرخون لهذا العصر فرقة تسمى المتطوعة تنكر ما فشا من الفسق في بغداد، وتروي ~~لنا «طبقات الصوفية» انتشار الزهد والفقر بين المتصوفين في هذا العصر، وذلك رد فعل لحياة ~~اللهو بين الأغنياء والمترفين، ومن أراد أن يعيش ولم يتصل - من العلماء - بأمير أو وزير عاش ~~فقيرا بائسا؛ كالخليل بن أحمد يقول: «إذا أغلق علي باب حجرتي كفيت هموم الدنيا»، ~~وجاءه يوما رسول الخليفة فأراه الخليل كوزا مملوءا بالماء وكسرة خبز جافة، وقال: «من كان ~~عنده هذان لم يحتج إلى خليفة أو أمير.» # وحكت لنا كتب التراجم أخبارا كثيرة عن علماء زهدوا في الأمراء وعطايا الخلفاء، فكان ~~مصيرهم الفقر المدقع ... كالذي حكوا عن عبد الوهاب المالكي أنه كان يجتمع على بابه المئات ~~من العلماء، ولما أراد الرحيل إلى مصر، ودعه عدد كبير ... فقال: «والله لو وجدت في بغداد من ~~الخبز ما يكفيني ما انصرفت عنكم وعنها» فلما وصل إلى مصر، وتيسرت حاله، حضرته الوفاة فقال: ~~«سبحان الله ... إذا عشنا متنا»، وفي كتاب الفلاكة والمفلوكين أمثلة كثيرة من هذا القبيل. # الإسراف في المديح # وهذا هو السبب في أن الشعر الكثير في الأدب العربي هو شعر المديح، أو بعبارة أخرى هو ~~شعر الاستجداء، وأما غيره من الشعر فقليل بالنسبة إليه، وهذا أيضا هو السبب في أن ~~الظاهرين من الشعراء والأدباء هم شعراء بغداد. # وأما من عداهم فمغمورون؛ ولذلك أيضا كان العالم الديني يكاد يكون أفقر العلماء؛ لأن الدين ~~يمنعه عن الابتذال، ولذلك تقرأ تراجمهم فترى فقرا مدقعا، وبؤسا واضحا، ورضا بالقليل مع ~~الإفراط في الجوع واحتمال الفقر. # وقد سبب الإفراط في الغنى، والإفراط في الفقر، حركة تشبه الاشتراكية اليوم؛ فقد روى ~~المسعودي أن محمد بن سليمان ms096 - قريب الرشيد - كان يغل كل يوم مائة ألف درهم، فكان يركب ~~يوما بالبصرة، وسوار القاضي يسايره في جنازة ابنة عم له، فاعترضه رجل وقال له: «يا محمد! ~~أمن العدل أن تكون غلتك في كل يوم مائة ألف درهم، وأنا أطلب نصف درهم فلا أقدر ~~عليه؟» # ثم التفت إلى سوار فقال: «إن كان هذا عدلا فأنا فأكفر به»، فأسرع إليه غلمان محمد وكفوه ~~عنه، وأيا ما كان، فنحن لو نظرنا إلى الرشيد بعين زماننا لمقتناه؛ يفعل ما يشاء، ولا ~~يسأل عما يفعل، حاكم مستبد، لا يقيده برلمان، ولا يتقيد بعدل دائم ... يكثر من مصادرة ~~الأموال، ويوزعها بالهيل والهيلمان على من لها بأهل، ومن ليس لها بأهل، وإلا فما بال أموال ~~الرعية الفقراء المساكين ... تصرف منها آلاف من الدنانير على بيت من الشعر قيل في مدحه، أو ~~صوت جميل لحن له، أو على مسألة نحوية تافهة لا تساوي شيئا، أو على جارية جميلة تحسن ~~الغناء. # | شارلمان والرشيد # تجاوز الدين وأوامره # وكان الخلفاء من عهد معاوية ومن بعده قد تعدوا الإسلام وأوامره إلى رغباتهم وميولهم، ولم ~~يشذ عن هذا إلا عمر بن عبد العزيز؛ حيث أحاط نفسه بعشرة من كبار التابعين والفقهاء ~~العالمين بأصول الإسلام، حتى لا يفعل فعلا إلا استشارهم وعمل برأيهم، أما من عداه ~~من عهد معاوية فكانوا يعملون برأيهم هم، وافق روح الإسلام أو خالفه. # فليس الرشيد بدعا من الخلفاء، وإنما هو نتاج كل من قبله، يسير سيرتهم، ويتبع ~~ما تمليه عليه بيئته ... فلو أن خليفة في العصر الحاضر أمر بقتل رجل من رعيته لكان جرما ~~شنيعا يحز في صدور الناس ولا ينسونه. # نعم، يجب أن تقاس الأخلاق في كل زمان ومكان بحسبها؛ فلو خرجت امرأة سافرة في ~~عصرنا ما عد هذا جريمة، بل لو خرجت محجبة لعد حجابها جريمة، والأمر على العكس ~~منذ خمسين عاما؛ فلو خرجت امرأة حرة سافرة لانتقدها الناس، وعدوا ما تأتي به منكرا ~~كبيرا، وهكذا تتطور الأخلاق بتطور الزمان. # وكان الرجل يعير بأنه لم يعرف ms097 أبوه ... كم لاقى زياد من العناء لمثل هذا، وهو اليوم ~~في بعض بلدان أوروبا يعامل كمعاملة من عرفت آباؤهم. # كل هذا يخفف من الحملة على الرشيد وأمثاله في زلاتهم، كسفكه دماء البرامكة من غير محاكمة ~~ولا معرفة بجرم، ومثل مصادرته للأموال وبعثرته مما صادر ونحو ذلك، والله لا يؤاخذ الناس إلا ~~حسب ظروفهم وبيئاتهم ومقدار عقولهم. # علاقة الرشيد بشارلمان # ومما زاد في شهرة الرشيد علاقته بالدول الغربية، وتوارد الوفود عليه وإرسالها؛ فقد تحالف - ~~مثلا - مع شارلمان إمبراطور فرنسا وألمانيا وإيطاليا، وسفرت بينهما سفارات طويلة الأمد مرتين: ~~الأولى استغرقت ما بين عامي 798 و801، وكانت السفارة في المرة الأولى مؤلفة من سفيرين ~~إفرنجيين، ومعهما مترجم يهودي يعرف العربية يقال له إسحاق، وكانت السفارة تتضمن أشياء ثلاثة: ~~أن يعهد الرشيد إلى شارلمان بالقيام بمصالح العباسيين فيما يفتحه شارلمان من بلاد الأندلس، ~~وأن يثير شارلمان الحزب القائم بالدعوة العباسية في الأندلس؛ وذلك لاشتراك الطرفين في عداء ~~الأندلس؛ الرشيد لخروج بني أمية عليه، وشارلمان لأن الأندلس اقتطعها المسلمون من دولته؛ ذلك أن ~~السفاح لما شدد النكير على الأمويين وقتلهم فر عبد الرحمن - الملقب فيما بعد ~~بالداخل - هائما على وجهه هو وأخوه، واختفى في بعض البلاد، فلما أحس عبد الرحمن وأخوه ~~بالعباسيين يقدمون فرا وعبرا النهر، فوعدهما العباسيون بالنجاة، وصدق أخوه، ~~ورجع فذبح. # ولم يصدق عبد الرحمن، وسار إلى فلسطين، ومنها إلى إفريقية، ثم إلى الأندلس، ~~وأمكنه أن يخضعها لأمره منتهزا فرصة وجود الخلاف في البلاد والنزاع القبلي بين ~~اليمنيين والمضريين. # وأخيرا استولى على قرطبة، ثم بقية الأندلس، ونشر الأمن في أرجائها، وغاظ ذلك المنصور، ثم ~~الرشيد من بعده؛ إذ كانت الأندلس قد خرجت من أيدي العباسيين. # وفي سنة 777 ائتمر زعماء العرب في الشمال الشرقي من الأندلس، وألفوا كتلة قوية، ~~وانتقضوا على عبد الرحمن، وتعاقدوا مع شارلمان الذي كان مهادنا للرشيد، ومناصرا له، فرحب ~~الرشيد بهذه الفكرة. # ولكن زحف شارلمان، سنة 778 باء بالفشل عندما أغلقت مدينة سراقوسطة في وجهه، وهجم على ~~جيشه سكان ms098 الجبال، حتى فقد كثيرا من أتباعه ومتاعه، واستعان عبد الرحمن على الانتصار على ~~شارلمان بجيش منظم أحسن تنظيم، ومدرب أحسن تدريب، وكان يبلغ نحو أربعين ألف ~~مقاتل من البرابرة الذين استجلبهم من أفريقيا، فلما خذل شارلمان يئس الرشيد منه ومن ~~الاستيلاء على الأندلس. # وكان الرشيد كأبيه وجده شديد العداوة للأمويين، ومنهم بنو أمية في الأندلس، وشارلمان لحبه ~~في الفتح وأمنيته في رد الأندلس إلى مملكته بعد أن اغتصبت من المملكة المسيحية. # والأمر الثاني أن يسهل الرشيد لزوار بيت المقدس من المسيحيين الكاثوليكيين، ويعفيهم من ~~القيود والتكاليف التي وضعها الرشيد إذ ذاك على أهل الذمة. # أما السفارة الثانية فقد أوفدها شارلمان إلى الرشيد، ولقد أحصيت التحف والهدايا التي ~~بعث بها الرشيد إلى شارلمان، فكانت بوقا من العاج، وهو محفوظ للآن في مدينة آج، وسيفا ~~وصينية من الذهب محلاة بقطع من الزجاج المختلفة الألوان، وعليها صورة لكسرى الأول مصنوعة من ~~البللور محفوظة في دير «سنتدفيس»، وقطعة من قطع شطرنج شرقي محفوظة في الدير نفسه، وإبريقا من ~~الذهب محفوظا في دير كنتون فللس، وثماني شوكات من التاج الذي يقال: إنهم ألبسوه رأس المسيح ~~عليه السلام عند صلبه. # كما يحدثوننا أن الرشيد أرسل إلى شارلمان في السفارة الأولى هدية فيها فيل يسمى أبا العباس، ~~وهدايا أخرى، وقد أخذ هذا الفيل شهرة واسعة؛ لأن الفرنج لم يكونوا رأوا فيلا قط. # وكان الرشيد قد أتى به من الهند، وبعد ذلك أرسل شارلمان وفدا إلى بلاط الخليفة هارون ~~الرشيد، وقد قالوا: إنه مر في طريقه بالأراضي المقدسة، ثم سار إلى بلاط الخليفة في ~~بغداد. # وقد أرسل الرشيد وفدا آخر إلى شارلمان يحمل هدايا ثمينة منها رخام ملون بألوان متنوعة ~~جميلة، ومنسوجات من الحرير والكتان، وروائح عطرية وبلسم، وساعة مائية، وأوان نحاسية، وقد أقام ~~السفراء عند الإمبراطور مدة، ثم أرسلوا إلى إيطاليا حيث أبحروا من هناك إلى المشرق. # وقد أنكر بعض الباحثين من الفرنج حكاية هذه الوفود بدعوى أن مؤرخي العرب لم يذكروها في ~~كتبهم، ولكن هذه الحجة ms099 لا تقنع؛ لأن كثيرا من الحوادث حدثت في أوروبا ولم يذكرها مؤرخو ~~العرب لجهلهم بها، خصوصا وأن بقايا هذه الهدايا محفوظة إلى اليوم، ومن المؤكد أنها مصنوعة في ~~الشرق، وليس من المعقول أن يشتريها إسحاق اليهودي من ماله وينسبها إلى الرشيد ... فإسحاق أعجز ~~وأحزم من أن يفعل هذا. # وأحيانا كانت تصفو العلاقات بين الرشيد والبيزنطيين؛ فقد روى سفير بيزنطي أن إمبراطور ~~القسطنطينية أوفد إلى الرشيد وفدا فاستقبل على بضعة فراسخ من بغداد، ومر الوفد أمام جيش ~~مؤلف من مائة وثمانين ألفا مدججين بالسلاح، وقدم للوفد أفخم الهدايا من الخليفة الرشيد، ~~منها مائة جواد أصيل مجهزة، وثياب فاخرة، وفرش له في الطريق ثمانية وعشرون ألف طنفسة ~~تغطي أرض الطريق، وزين عدد كبير من السفن كانت تمخر عباب نهر الدجلة، وأنه سمع بداخل ~~القصر زئير الأسود، ورئي معها حراسها الأفريقيين مما أدهش الوفد. # وكانت هذه الوفود سواء في القسطنطينية، أو عند شارلمان، تنشر الأحاديث العجيبة عما شاهدوه ... ~~فيعظم في عينيهم شأن الرشيد وشأن الشرق. # وكانت عقلية الرشيد إذ ذاك أنضج وأوعى من عقلية الغرب، وكانت صناعتهم أدق وأجمل، حتى ~~ليحدثونا أن الغربيين عجبوا عجبا شديدا عند رؤيتهم البوصلة، والساعة الدقاقة، وظنوا من ~~عجبهم أن فيهما شيطانين يحركانهما، ويأتيان بهذه الأعاجيب. # وكان من مقتضى هذه الحضارة التي شاهدناها في القصور والعمارات والأسواق والهدايا أن تصل ~~إلينا آثارها مما يدلنا عليها، ولكن غزوة التتار التي جاءت في آخر الدولة العباسية، وقضت عليها ~~أذهبت آثارها، وأضاعت كنوزها. # الإمبراطور شارلمان يستقبل وفد هارون الرشيد الذي جاءه بالهدايا. # فقد كانت غزوة عنيفة جامحة لم يسبق لها في التاريخ مثيل ... قال السيد أمير علي: # إن هولاكو أصدر عند زحفه على بغداد أمره بنهب المدينة وذبح أهلها، حتى خرج ~~الشيوخ والأطفال والنساء من المنازل حاملين المصاحف على أكفهم وهم يتوسلون ~~ويتضرعون إلى الجنود بشكل يفتت الأكباد، ولكن الغزاة لم يعبأوا باستغاثتهم، ووطئوا ~~أجسامهم بحوافر خيولهم، وهجموا على نساء الأشراف والنبلاء. # أما الكنوز الأدبية والفنية ومخلفات المدنية الإسلامية فقد دمرت ms100 تدميرا في خلال بضع ~~ساعات، وطفقت شوارع المدينة تجري فيها الدماء ثلاثة أيام، حتى اصطبغ ماء دجلة بالدم لعدة ~~أميال، وظل التخريب والذبح وانتهاك الحرمات ستة أسابيع، وتقوضت القصور والجوامع إما بالنار ~~أو بالمعاول؛ لأنه كان يغيظهم ما فيها من قبابها الذهبية، وأشعلوا النار في نتائج قرائح ~~العلماء والأدباء، وألقيت الكتب بعضها في النار وبعضها في نهر دجلة. # وهكذا فقدت كنوز خمسة قرون، وفنيت زهرة الأمة فناء تاما ... # عهد الرشيد لولديه # واهتدى الرشيد أخيرا إلى أن يعهد بالخلافة للأمين والمأمون، ويقسم البلاد بينهما، وبعدهما ~~إلى المعتصم، وفاته أن الملك لا يحتمل الاشتراك ... فلا بد أن يتخاصم الشريكان أو ~~الشركاء، ويتغلب أحدهم، وهذا ما كان بعده. # ففي سنة 186 هجرية حج الرشيد، ومعه المرشحان للخلافة الأمين والمأمون وقواده ووزراؤه ~~وقضاته، فبعد أن قضى مناسك الحج كتب كتابين، أجهد الفقهاء والقضاة أنفسهم فيهما ~~ليزيدوا الكتابة توثيقا؛ أحدهما على محمد الأمين يشترط عليه الوفاء بأن يولي المأمون ~~خراسان وما إليها، ويوصي للمأمون فيه بأموال وضياع وغلات وأدوات الحرب. # والثاني يحوي صورة البيعة لهما، وهي التي أخذها من الخاصة والعامة، وجعل الكتابين في البيت ~~الحرام تأكيدا لهما، وعليهما توقيع الوزراء والقادة والأمراء ووجوه بني هاشم والقضاة والفقهاء، ~~بعد أن أمر الرشيد بقراءة الكتابين، ووقع عليهما، واعترضت زبيدة يوما أم الأمين بإعطاء أدوات ~~الحرب للمأمون فقال لها: «إني أخاف على المأمون من الأمين، ولا أخاف على الأمين من ~~المأمون.» # واطمأنت نفس الرشيد بعض الشيء. # كتاب المأمون للرشيد # وهذا نص الكتاب الذي كتبه المأمون لأبيه الرشيد؛ يتعهد فيه بتنفيذ العهود التي أعطيت له ما ~~نفذ الأمين العهود عليه: # بسم الله الرحمن الرحيم ... هذا كتاب كتبه عبد الله ابن هارون - أمير المؤمنين - في ~~صحة من عقله، وجواز من أمره، وصدق نيته فيما كتب في كتابه هذا، ~~ومعرفته بما فيه من الفضل والصلاح له ولأهل بيته وجماعة المسلمين. # إن أمير المؤمنين ولاني العهد والخلافة، وجميع أمور المسلمين في سلطانه، بعد أخي ~~محمد بن هارون - أمير المؤمنين - وولاني في ms101 حياته وبعد موته ثغور خراسان وكورها وجميع ~~أعمالها، من الصدقات والعشر والبريد والطرز وغير ذلك. # واشترط لي على محمد بن هارون - أمير المؤمنين - الوفاء بما عقد لي من الخلافة ~~والولاية للبلاد والعباد بعده، وولاية خراسان وجميع أعمالها، لا يعرض لي في شيء مما أقطعني ~~أمير المؤمنين، أو ابتاع لي من الضياع والعقد والدور والرباع، أو ابتعت لنفسي من ذلك، وما ~~أعطاني أمير المؤمنين هارون من الأموال والجوهر والكساء والمتاع والدواب لا يحاسبني في شيء، ~~ولا يدخل علي، ولا على أحد كان معي ومني، ولا عمالي ولا كتابي، ومن استعنت به من ~~جميع الناس مكروها في نفس ولا دم ولا شعر ولا بشر ولا مال ولا صغير ولا كبير، وكتب بذلك ~~كتابا وكتبه على نفسه. # وشرطت لعبد الله هارون أمير المؤمنين، وجعلت له على نفسي أن أسمع لمحمد بن أمير ~~المؤمنين وأطيعه ولا أعصيه، وأنصحه ولا أغشه، وأوفي ببيعته وولايته، ولا أغدر ولا أنكث، ~~وأنفذ كتبه وأموره، وأحسن مؤازرته ومكاتفته. # وأجاهد عدوه في ناحيتي ما وفى لي بما شرط لي، ولعبد الله هارون أمير المؤمنين، ورضي ~~له به وقبلته، وإن احتاج محمد بن أمير المؤمنين إلى جند وكتب إلي يأمرني بإشخاصهم ~~إليه أو إلى ناحية من النواحي، أو عدو من أعدائه خالفه وأراد نقص شيء من سلطانه الذي أسنده ~~هارون أمير المؤمنين إلينا وولاناه؛ أن أنفذ ولا أخالفه، ولا أقصر في شيء كتب به ~~إلي. # وإن أراد محمد بن أمير المؤمنين أن يولي رجلا من ولده العهد من بعدي؛ فذلك له ما ~~وفى بما جعل لي أمير المؤمنين هارون، واشترط لي عليه، وشرطه على نفسه في أمري، وعلي ~~إنفاذ ذلك والوفاء به، ولا أنقض ذلك ولا أغيره ولا أبدله، ولا أقدم قبله ~~أحدا من ولدي، ولا قريبا ولا بعيدا من الناس أجمعين، إلا أن يولي هارون أمير المؤمنين ~~أحدا من ولده العهد بعدي، فيلزمني ومحمدا الوفاء بذلك. # وجعلت لأمير المؤمنين هارون - ولمحمد بن أمير المؤمنين - جميع ما اشترط لي هارون أمير ms102 ~~المؤمنين في نفسي، وما أعطاني أمير المؤمنين من جميع الأشياء المسماة في الكتاب الذي كتبه ~~لي، وعلي عهد الله، وميثاقه، وذمة أمير المؤمنين، وذمتي، وذمم آبائي، وذمم المؤمنين، وأشد ~~ما أخذ الله على النبيين والمرسلين وخلقه أجمعين من عهوده ومواثيقه، والأيمان ~~المؤكدة التي أمر الله بالوفاء بها؛ فإن أنا نقضت شيئا مما شرطت، وسميت في كتابي ~~هذا أو غيرت أو بدلت أو نكثت أو غدرت؛ فبرئت من الله ومن ولايته ومن ~~دينه ومن محمد رسول الله، ولقيت الله يوم القيامة كافرا به مشركا، وكل امرأة هي ~~اليوم لي أو أتزوجها إلى ثلاثين سنة طالق ثلاثا البتة ... طلاق الحرج، وكل مملوك لي اليوم ~~أو أملكه إلى ثلاثين سنة أحرار لوجه الله، وعلي المشي إلى بيت الله الحرام الذي بمكة ~~ثلاثين حجة نذرا واجبا علي، وفي عنقي، حافيا راجلا لا يقبل الله مني إلا الوفاء به، ~~وكل مال هو لي اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة هدي بالغ الكعبة، وكل ما علي لعبد الله ~~أمير المؤمنين ما في هذا الكتاب لا أضمر غيره ولا أنوي سواه ... # وشهد الشهود الذين شهدوا على أخيه محمد ابن أمير المؤمنين، وقد كانت هذه غلطة كبرى لم ~~يسبق إليها؛ فلم يعهد أحد قبل الرشيد لاثنين يتوليان في وقت واحد؛ لأنه كان من البداهة أن ~~الخليفة لا يمكن أن يتسع صدره لمنافس له، وتلك حال طبيعية، ولكنه كان تحت ضغط عقله وعاطفته؛ فهو ~~يحب الأمين، وتطن في آذانه نغمة زبيدة والفضل بن الربيع باستمرار ليعهد إلى الأمين. # وعقل الرشيد يدعوه لأن يبايع أكفأ أولاده، وكان المأمون من غير شك أكفأهم، فسمع لعقله ببيعة ~~المأمون، وسمع لعاطفته ببيعة الأمين، ولو خضع لعقله الأعلى لبايع المأمون وحده، واعتمد على ~~الكفاية وحدها، وعلم أن الملك لا يتسع لرجلين كالألوهية، والله تعالى يقول: # لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ~~. # ولم يعتبر هارون الرشيد بتجارب الأمم وأحداث الزمان؛ فكان من أشهر الحوادث التي فيها عبرة ~~ما حدث للإسكندر؛ فقد كان ملكه أكبر ms103 من ملك الرشيد، ولما مات اقتسم قواد أربعة ~~ملكه، فملك بطليموس مصر، وجزءا من سوريا، وملك آخر مقدونيا وبلاد اليونان، وملك ~~الثالث بعض أجزاء آسيا الصغرى، وملك الرابع من البحر الأسود إلى نهر السند، ومع ذلك ظلوا ~~يتنافسون ويتقاتلون، حتى انحطت مقدونيا لهذه الفتن الداخلية، وانتهت هذه المأساة باستيلاء ~~الرومانيين على بلاد اليونان، وضمها إلى أملاكها ... حتى أصبحت اليونان جزءا من مملكة الرومان ~~تفقد استقلالها، وتعيش تحت حكمها، وهكذا أحداث التاريخ. ~~••• # وشيء آخر جره هذا التصرف، وهو أن أبناءه هؤلاء لما طمعوا في الملك استثقلوا حياته، ~~وتمنوا موته، حتى شكا الرشيد لبعض خاصته من أولاده وقال: «إنهم يحصون علي أنفاسي، إنني ~~الساعة أدعو ببرذون فيجيئوني به أعجف؛ ليزيدوا في علتي.» # ومما زاد الطين بلة أمران: # أولاهما: # أنه أحيا العصبية البغيضة إلى أقصى حد؛ فتعصب العرب للأمين، وتعصب الفرس للمأمون، ~~وتقاتل قتالا عنيفا شديدا تذكيه هذه العصبية، حتى إذا انتهت الحرب العنيفة لم يعد ~~العنصران نافعين كما ذكرنا. # وثانيهما: # أنه وضع القوة الحربية كلها في يد المأمون، وكانت القوة الحربية التي في يد الأمين ~~مصطنعة؛ لا تمدها إلا العصبية العربية؛ ولذلك انتصر المأمون، يضاف إلى ذلك أن العرب قد ~~غلبهم الفرس وأخضعوهم وأذلوهم من أول بدء الخلافة العباسية إلى عهد المأمون، فلم ~~تكن فيهم بقية صالحة. # ويروون أن الكتاب لما رفع ليعلق، وقع ... فقيل: إن هذا الأمر سريع الانفضاض، ~~وكذلك كان، فلم تنفع المواثيق والأيمان بجانب ما في النفس البشرية من طمع وحرص وكراهية ~~للمشاركة في الملك والسلطان، وقد حدثت الرشيد نفسه بهذا، وتوقع الشر بينهما علما ~~بالطبيعة البشرية فروى الكسائي قال: # دخلت على الرشيد، فلما قضيت حق التسليم والدعاء، وثبت للقيام، فقال: ~~«اقعد!» فلم أزل عنده حتى خف عامة من كان في مجلسه، ولم يبق إلا الخاصة، فقال لي: ~~«يا علي، ألا تحب أن ترى محمدا وعبد الله؟» قلت: «ما أشوقني إليهما يا أمير المؤمنين، ~~وأسرني بمعاينة نعمة الله على أمير المؤمنين فيهما»، فأمر بإحضارهما، فلم ألبث أن أقبلا ~~ككوكبي ms104 أفق يزينهما هدوء ووقار، قد غضا أبصارهما، وقاربا خطوهما، حتى وقفا على باب ~~المجلس فسلما على أبيهما بالخلافة، ودعوا له بأحسن الدعاء، فأمرهما بالدنو منه، فصير ~~محمدا عن يمينه، وعبد الله عن يساره، ثم أمرني أن أستقرئهما، وأسألهما، ففعلت، فما ~~سألت عن شيء إلا أحسنا الجواب فيه، والخروج منه، فسر بذلك الرشيد حتى تبينته ~~فيه، ثم قال لي: «يا علي! كيف ترى مذهبهما وجوابهما»، فقلت: يا أمير المؤمنين هما كما قال ~~الشاعر: # أرى قمري مجد وفرعي خلافة # يزينهما عرف كريم ومحتد # يا أمير المؤمنين! هما فرع زكا أصله وطاب مغرسه، وتمكنت في الثرى ~~عروقه، وعذبت مشاربه، أبوهما أغر، نافذ الأمر، واسع العلم، عظيم الحلم، ~~وسيحكمان بحكمه، ويستضيئان بنوره، وينطقان بلسانه، ويتقلبان في سعادته. # فما رأيت أحدا من أولاد الخلفاء وأعضاء هذه الشجرة المباركة؛ أعذب ألسنا، ولا أحسن ~~ألفاظا، ولا أشد اقتدارا على تأدية ما حفظ منهما، ودعوت لهما دعاء كثيرا، وأمن ~~الرشيد على دعائي، ثم ضمهما إليه، وجمع يديه عليهما، فلم يبسطهما حتى رأيت الدموع تنحدر على ~~صدره، ثم أمرهما بالخروج. # فلما خرجا أقبل علي فقال: «كأنك بهما، وقد حم القضاء، ونزلت مقادير السماء، وبلغ ~~الكتاب أجله، قد تشتتت كلمتهما، واختلف أمرهما، ثم لم يبرح ذلك حتى تسفك الدماء، وتقتل ~~القتلى، وتهتك ستور النساء، ويتمنى كثير من الأحياء أنهم في عداد الموتى»، قلت: ~~«أيكون ذلك يا أمير المؤمنين لأمر رئي في أصل مولدهما، أو لأمر وقع لأمير المؤمنين في ~~مولدهما»، فقال: «لا والله، إنما بأثر حمله العلماء عن الأوصياء عن الأنبياء.» # ومرة أخرى قال لمروان الخادم: «علي بحيى»، فما لبث أن أتاه، فقال: «يا أبا الفضل! إن رسول ~~الله مات في غير وصية، والإسلام جذعة، والإيمان جديد، وكلمة العرب مجتمعة؛ فقد آمنها الله تعالى ~~بعد الخوف، وأعزها بعد الذل، فما لبث أن ارتد عامة العرب على أبي بكر، وكان من خبره ما قد ~~علمت، وإن أبا بكر صير الأمر إلى عمر، فسلمت الأمة له، ورضيت بخلافته، ثم ~~صيرها عمر شورى، ms105 فكان بعده ما قد بلغك من الفتن، حتى صارت إلى غير أهلها، وقد عنيت بتصحيح ~~هذا العهد، وتصييره إلى من أرضى سيرته، وأحمد طريقته، وأثق بحسن سياسته، وآمن ضعفه ~~ووهنه، وهو عبد الله «المأمون»، وبنو هاشم مائلون إلى محمد «الأمين» بأهوائهم، وفيه ما فيه من ~~الانقياد لهواه، والتصرف مع طويته، والتبذير لما حوت يده، ومشاركة النساء والإماء في رأيه، فإن ~~ملت إلى عبد الله أسخطت بني هاشم، وإن أفردت محمدا بالأمر لم آمن تخليطه على ~~الرعية، فأشر علي في هذا الأمر برأيك، فلك مشورة يعم فضلها ونفعها، فإنك بحمد الله مبارك ~~الرأي لطيف النظر.» # فقال: «يا أمير المؤمنين! إن كل زلة مستقالة، وكل رأي يتلافى خلا هذا العهد، فإن ~~الخطأ فيه غير مأمون، والزلة فيه لا تستدرك، وللنظر فيه مجلس غير هذا، فعلم الرشيد أنه يريد ~~الخلوة، قال الأصمعي: «فأمرني بالتنحي ... فقمت، وقعدت في ناحية بحيث أسمع كلامهما، فما زالا في ~~مناجاة ومناظرة طويلتين حتى مضى الليل وافترقا على أن عقد الرشيد الأمر لعبد الله مع ~~محمد.» # وهكذا كان الرشيد كأنه يقرأ حجب الغيب، وكان يتخوف من النتائج التي قد تنجم من هذا ~~العهد، ويفكر ويطيل التفكير، ويستشير ويكثر الاستشارة. # فما مات الرشيد حتى نقض الأمين العهد، وأراد أن يخلع المأمون، وينفرد بالسلطان، فكان بينهما ~~من الحروب ما لا نتعرض له الآن. # وعلى كل حال، كانت هذه عقدة نفسية عند الرشيد ... حلها بهذا الشكل الذي لم ينجح. # | نهاية الرشيد # مرض الرشيد وموته # وفجأة أحس الرشيد مرضا ... فبال في قارورة، ودس قارورته في قوارير المرضى بعد أن أعلمها، ثم ~~عرضت القوارير على الطبيب، وكان فحص البول معروفا في عصر الرشيد، فلما نظر الطبيب إلى ~~قارورة الرشيد، قال: «عرفوا صاحب هذا الماء أنه هالك ... فليوص، فإنه لا برء له من هذه ~~العلة» ... فبكى الرشيد، وجعل يردد هذين البيتين: # إن الطبيب بطبه ودوائه # لا يستطيع دفاع محذور أتى # ما للطبيب يموت بالداء الذي # قد كان يبري مثله فيما مضى # واشتد ضعفه وأرجف الناس ms106 بموته ... فدعا بحمار ليركبه، فهدلت فخذاه، فلم يثبت على ~~السرج، فقال: «أنزلوني، صدق المرجفون.» وأثرت في نفسه هذه النبوءة، حتى كان يحلم بها. # يحدثنا جبريل بن بختيشوع، فيقول: «كنت مع الرشيد في قصره في الرقة، وكنت أول من يدخل عليه ~~في كل غداة، ويتعرف حاله ... فإن كان أنكر شيئا وصفه، ثم يتبسط فيحدثني بحديث جواريه، وما عمله ~~في مجلسه، ومقدار شربه، وساعات جلوسه، ثم يسألني عن أخبار العامة وأحوالهم، فدخلت عليه في هذا ~~اليوم، فلم يكد يرفع طرفه، ورأيته مفكرا مهموما، فوقفت بين يديه مليا، فلما طال ~~ذلك أقدمت عليه، فقلت: «يا سيدي! جعلني الله فداك، ما حالك هكذا؟ أعلة فأخبرني بها؛ فلعله ~~يكون عندي دواؤها، أو حادثة في بعض من تحب، فذلك ما لا يدفع، ولا حيلة فيه إلا التسليم، والغم ~~لا درك فيه، أو فتق ورد عليك في ملكك فلم تخل الملوك من ذلك، وأنا أولى من أفضيت إليه ~~بهذا الخبر.» # فقال الرشيد: «ليس غمي وكربي بشيء كما ذكرت، ولكن لرؤيا رأيتها في هذه الليلة وقد ~~أفزعتني.» # فقلت: «أذلك الغم كله لرؤيا؛ وهي إما تكون من خاطر، أو من بخارات رديئة، أو من تهاويل ~~السوداء، وإنما هي أضغاث أحلام؛ فما هي إذا؟» # قال: «رأيت كأني جالس على سريري هذا؛ إذ بدت من تحتي ذراع أعرفها وكف أعرفها، وفي الكف ~~تربة حمراء، قال لي قائل أسمعه ولا أرى شخصه: «هذه هي التربة التي تدفن فيها.» فقلت: «وأين هذه ~~التربة؟» قال: «في طوس.» وغابت اليد، وانقطع الكلام.» فقلت: «يا سيدي هذه - والله - رؤيا بعيدة ~~... أحسبك أخذت مضجعك ففكرت في خراسان وحروبها، وما قد ورد عليك من انتقاض بعضها.» # قال: «لقد كان ذلك» ... قلت: «فلذلك الفكر خالطك في منامك فولد هذه الرؤيا، فلا تحفل ~~بها، وأتبع هذا الغم سرورا يخرجه من قلبك.» # فسري عنه، وأمر بإعداد ما يشتهيه، ويزيد في لهوه، ونسينا تلك الرؤيا، وما خطرت لنا بعد ~~على بال، ثم سار إلى خراسان، فلما كان في بعض الطريق ابتدأت به ms107 العلة، فلم تزل تتزايد حتى ~~دخلنا طوس. # فذكر الرشيد تلك الرؤيا فوثب متحملا؛ يقوم ويسقط، فاجتمعنا إليه كل يقول: «يا سيدي ... ما ~~حالك؟ وما دهاك؟» فقال: «يا جبريل أتذكر رؤياي بالرقة ؟» ثم رفع رأسه إلى مسرور، وقال: «جئني من ~~تربة هذا المكان»، فمضى مسرور فأتى بتربة حمراء، فقال الرشيد: «هذه - والله - هي التربة التي ~~رأيتها في منامي»، وأقبل على البكاء والنحيب، ثم مات بها، وذكر وهو يجود بنفسه قول ~~الشاعر: # وإني من قوم كرام يزيدهم # شماسا وصبرا شدة الحدثان # ومات وهو ابن خمس وأربعين سنة، ويحدثنا المؤرخون أنه كان جميلا، وسيما، أبيض، جعد ~~الشعر، وقد وخطه الشيب في آخر أيامه. # | خاتمة # ونحن إذا أحصينا عمر الخلفاء الأمويين والعباسيين، وجدنا متوسط حياتهم بين الخمسة والأربعين ~~والخمسين، وبعبارة أدق حول 48 سنة، وإنما قصر عمرهم لشدة مشاغلهم، وإفراط أكثرهم في الشهوات، ~~وتحملهم أكبر المسئوليات، وتناسلهم من أصل قصر عمره. # وذكر المسعودي عن محمد بن علي العبدي العباسي الخراساني الأخباري أن الخليفة القاهر - وكان ~~شديدا متقلبا متلونا يهابه الناس، ويخشون صولته - قال للعبدي هذا: «أخبرني عن بني ~~العباس أخلاقهم وشيعهم من أبي العباس إلى من دونه» فقال العبدي: «على أن لي الأمان يا ~~أمير المؤمنين» قال: «ذلك لك»، قلت: «أما أبو العباس عبد الله فكان سريعا إلى سفك الدماء، ~~واتبعه عماله في الشرق والغرب، واستنوا بسيرته، أما المنصور فكان - والله - أول من أوقع ~~الفرقة بين ولد العباس بن عبد المطلب، وبين آل أبي طالب، وقد كان أمرهم قبل ذلك واحدا، وكان ~~أول خليفة قرب المنجمين، وعمل بأحكام النجوم، وكان معه نوبخت المجوسي المنجم، ~~وأسلم على يديه، وإبراهيم الفزاري المنجم، وعلي بن عيس الإسطرلابي المنجم، وهو أول ~~خليفة ترجمت له الكتب من اللغات الأعجمية إلى العربية؛ منها كتاب كليلة ودمنة، وكتاب السند هند، ~~وترجمت له كتب أرسططاليس من المنطقيات وغيرها، وترجم له كتاب المجسطي لبطليموس، وكتاب ~~الأرثماطيقي، وكتاب إقليدس، وسائر الكتب القديمة من اليونانية والرومية والفهلوية والفارسية ~~والسريانية، وخرجت إلى الناس فنظروا منها، وتطلعوا ms108 إلى علمها، وفي أيامه وضع محمد ~~بن اسحاق كتاب المغازي والسير وأخبار المبتدأ، ولم تكن قبل ذلك مجموعة ولا معروفة ولا ~~مصنفة، وكان أول خليفة استعمل مواليه وغلمانه وصرفهم في مهماته، وقدمهم على العرب، فاتخذ ذلك ~~الخلفاء من بعده من ولده، فسقط العرب وزال بأسهم، وذهبت مراتبهم. # ولما أفضت الخلافة إلى المنصور نظر في العلوم، وقرأ المذاهب، وارتاض في الآراء، ووقف على ~~النحل، فكثرت في أيامه روايات الناس، واتسعت عليهم علومهم، وجاء بعده المهدي فكان سمحا ~~سخيا كريما جوادا، فسلك الناس في عصره سبيله، وذهبوا في أمرهم مذهبه، واتبعوه في ~~مساعيهم. # وكان من فعله في ركوبه أن يحمل معه بدر الدراهم والدنانير، فلا يسأله أحد إلا ~~أعطاه، وأمعن في قتل الملحدين والمداهنين لظهورهم في أيامه، وإعلانهم اعتقاداتهم في خلافته؛ ~~لما انتشر من كتب ماني وديصان، مما نقله عبد الله بن المقفع وغيره. # وترجمت في أيامه كتب من الفارسية والفهلوية إلى العربية، فكثر بذلك الزنادقة، وظهرت ~~آراؤهم في الناس، وكان المهدي أول من أمر الجدليين من أهل البحث من المتكلمين بتصنيف ~~الكتب للرد على الملحدين وإقامة البراهين على المعاندين، وشرع في بناء المسجد الحرام، ومسجد ~~النبي - عليه السلام - وبنى بيت المقدس، وقد كانت هدمته الزلازل. # وجاء بعده الهادي، فكان جبارا عظيما، وكان أول من مشت الرجال بين يديه بالسيوف المرهفة، ~~والأعمدة المشهورة، والقسي الموتورة، فسلكت عماله طريقته، ويمموا منهجه، وكثر السلاح في ~~عصره. # وجاء بعده الرشيد، فكان مواظبا على الغزو والحج، واتخاذ المصانع والآبار والبرك والقصور في ~~طريق مكة، ومنها عرفات ومدينة النبي # صلى الله عليه وسلم # فعم الناس إحسانه مع ما قلده به من حوله، ثم بنى ~~الثغور، ومدن المدن، وحصن الحصون مثل طرسوس وأذنة، وعمر المصيصة ومرعش، وأحكم بناء ~~الحرمين وغير ذلك من دور السبيل، والمواضع للمرابطين، واتبعه عماله، وسلكوا طريقته، ~~وقفته رعيته مقتدية بعمله مستنة بإمامته، فغمط الباطل، وأظهر الحق، وأنار ~~الإسلام، وبرز على سائر الأمم، وكان أحسن الناس في أيامه أم جعفر زبيدة بنت المنصور؛ لما ~~أحدثته ms109 من دور السبيل بمكة، واتخاذ المصانع والبرك والآبار بها، وطريقها المعروف إلى هذه ~~الغاية، وما أحدثته من الدور للتسبيل بالثغر الشامي وطرسوس، وما وقفت على ذلك من الوقوف، وما ~~ظهر في أيامها من فعل البرامكة وجودهم، وأفضالهم، وما اشتهر عنهم من اتصالهم. # وكان الرشيد أول خليفة لعب بالصولجان في الميدان، ورمى بالنشاب في البرجاس، ولعب بالكرة ~~والقبقاب، وقرب الحذاق في ذلك، فعم الناس ذلك، وقلدوه في فعله، وكان أول من لعب ~~بالشطرنج والنرد من خلفاء بني العباس، وقدم اللعاب، وأجرى عليهم الرزق، فسمى الناس أيامه ~~لنضارتها وكثرة خيرها وخصبها أيام العروس، إلى كثير مما يجاوز النعت، ويفاوت الوصف.» # قال القاهر: «أراك قد قصرت في تفصيل أعمال زبيدة أم جعفر»، قلت: «يا أمير المؤمنين ميلا ~~إلى الاختصار، وطلبا للإيجاز» قال: «زدني فيها»، قلت: «نعم يا أمير المؤمنين، كان من فعلها ~~وحسن سيرتها في الجد والهزل ما برزت فيه على غيرها، فأما الجد: فالآثار الجميلة التي لم ~~يكن في الإسلام مثلها، مثل حفر العين المعروفة بعين المشاش بالحجاز، وإنفاقها الألوف على ذلك ~~عدا ما كان في وقتها من البذل، وما عم أهل الفاقة من المعروف والخصب، وأما الوجه الثاني: فمما ~~تتباهى به الملوك في أعمالها، وينعمون به في أيامهم، فهي أنها أول من اتخذ الآلات من الذهب ~~والفضة المكللة بالجواهر، وصنع لها الرفيع من الوشي، حتى بلغ الثوب الذي اتخذ لها خمسين ألف ~~دينار، وهي أول من اتخذ الشاكرية من الخدم والجواري يختلفون على الدواب في جهاتها ويذهبون في ~~حوائجها برسائلها وكتبها، وأول من اتخذ القباب من الفضة والأبنوس والصندل وكلاليبها من الذهب ~~والفضة، ملبسة بالوشي والسمور والديباج، وأنواع الحرير من الأحمر والأصفر والأخضر، واتخذت ~~الخفاف المرصعة بالجوهر وشمع العنبر، ولما أفضى الأمر إلى ولدها الأمين، ورأت شدة شغفه ~~بالخدم واشتغاله بهم، اتخذت الجواري المقدودات الحسان الوجوه، وعممت رؤوسهن، وجعلت لهن الطرر ~~والأصداغ والأقفية، وألبستهن الأقبية والقراطق والمناطق فبانت خدودهن وبرزت أردافهن، وبعثت ~~بهن إليه، فاختلفن في يديه، واستحسنهن واجتذبن قلبه إليهن، ms110 وأبرزهن للناس، ~~واتخذ الناس من الخاصة والعامة الجواري المطمومات، وألبسوهن الأقبية والمناطق وسموهن ~~الغلاميات.» # الخلاصة # ونحن إذا لخصنا أوصاف الرشيد من كل ما رأينا، عرفنا أنه كان في جسمه: أبيض جميلا، جعد ~~الشعر، قد وخطه الشيب، وفي عقله: مثقفا، واسع الثقافة في العربية والفارسية، وفي أخلاقه: حاد ~~العاطفة؛ قد يغضب لأتفه سبب، ويقتل لأتفه سبب، ويعفو لأتفه سبب، يجد لأبعد حد؛ فيحارب ~~حروب الأبطال، ويتغلب على كل الثورات، ويصلي ويحج، ويقود الصائفة أحيانا، والشاتية أحيانا، ~~ويتباهى فيأتي بالعجب العجاب أمام الوفود والزائرين، ويتخاشع فيبكي بكاء مرا، ويلهو فتكون ~~له المجالس الرائعة في الغناء والرقص، وما إلى ذلك ... # وهذه كلها نتيجة العاطفة الحادة، وله إلى جانب ذلك ضمير حي؛ يقتل البرامكة أحيانا، ثم ~~يحزن لفقدهم، ويقتل الطالبي ويحزن لقتله، ويحبس ثم يندم فيطلق، ويقول فيحسن ~~القول، ويشرف على أولاده فيحسن تربيتهم، ويسمع الشعر فيتذوقه. # ويظهر أنه كان متدينا شديد التدين، ولكن ليس واسع الصدر في دينه سعة ابنه المأمون؛ بلغه ~~مرة أن بشرا المريسي يقول بخلق القرآن، فقال: «والله لئن وجدته لأقتلنه»، فإيمان الرشيد ~~كإيمان العجائز، وكان وديعا حتى ليصب الماء على يد ضيفه إذا كان من العلماء، وقد روى أبو ~~معاوية قال: أكلت مع الرشيد يوما، ثم صب على يدي رجل لا أعرفه، ثم قال الرشيد: أتدري ~~من يصب على يديك؟ قال: لا، قال الرشيد: أنا؛ إجلالا للعلم! # وكان قريب الدمع مما يدل على شدة عاطفته، حتى قال منصور بن عمار: «ما رأيت أغزر دمعا عند ~~الذكر من ثلاثة: الفضيل بن عياض، والرشيد، وآخر.» # وكان كريما؛ فكم روى من عطائه مئات الألوف؛ إما لمغن يجيد الغناء، أو لواعظ يحسن الوعظ ~~فيبكيه، أو لشاعر يمدحه فيعرف كيف يمدحه، أو غير ذلك. # وقد قالوا: إنه كان يقتفي أثر جده المنصور في حزمه وشدته وإحساسه بالتبعة إلا البخل ... فقد ~~عرف المنصور ربه، وعرف الرشيد بالكرم، وزاد الرشيد قوة وعظمة كثرة النابغين حوله في ~~مختلف العلوم والفنون؛ فالأصمعي في اللغة، وأبو يوسف في الفقه، ms111 وإسحاق الموصلي في الغناء، ~~والبرامكة للوزارة، مما جعل قصره كعبة يحج إليها، وعروسا تتباهى بجمالها. # ولم نجد له نظيرا في الخلفاء؛ يجد فيحسن الجد، ويلهو فيجيد اللهو، بل هو في ~~الأغلب الأعم إما جاد لا يلهو كجده المنصور، أو لا يجد كابنه الأمين. # والمظنون من جميع الأوصاف التي ذكروها أنه مات بالسرطان، وقد قالوا: إنه لما حضرته الوفاة ~~غشي عليه، ففتح عينيه فرأى الفضل بن الربيع فقال: يا فضل: # أحين دنا ما كنت أخشى دنوه # رمتني عيون الناس من كل جانب # فأصبحت مرحوما، وكنت محسدا # فصبرا على مكروه أمن العواقب # أحين دنا ما كنت أخشى دنوه # رمتني عيون الناس من كل جانب # فأصبحت مرحوما، وكنت محسدا # فصبرا على مكروه أمن العواقب # فرحمة الله عليه. # جدول بأهم الأحداث التي وقعت في عهد الرشيد من سنة 173 إلى سنة 193 ~~الهجرية. # السنة # الحدث # 173 # موت الخيزران # 175 # موت الليث بن سعد # 175 # عهد الرشيد لابنه محمد بولاية العهد # 176 # هاجت الفتنة بدمشق بين اليمنية والمضرية # 177 # ولاية هرثمة بن أعين بلاد إفريقية # 178 # فتنة أهل الحوف بمصر # 179 # موت الإمام مالك # 179 # سير جعفر بن يحيى البرمكي إلى الشام لإخماد العصبية بين اليمنية والمضرية ~~فسكنها # 184 # موت يزيد بن مزيد الشيباني أحد قواد الرشيد # 186 # حج الرشيد ومعه وليا عهده الأمين والمأمون # 187 # مبايعة الرشيد لابنه القاسم بولاية العهد بعد المأمون # 187 # نقض نقفور العهد للرشيد # 187 # عودة الفتنة بين المضرية واليمنية في الشام # 187 # نكبة البرامكة # 189 # سير الرشيد إلى الري لعدم اطمئنانه إلى أهل خراسان # 193 # موت الفضل بن يحيى # 193 # خروج الرشيد إلى طوس # 193 # موت الرشيد ms112