######OpenITI# #META# URI: 1373AhmadAmin.Hayati.Hindawi79372917 #META# Tags: biographies #META# ID: 79372917 #META# Title: حياتي #META# AuthorID: 20953090 #META# Author: أحمد أمين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة الطبعة الأولى‏ # مقدمة الطبعة الثانية‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل التاسع والعشرون‏ # الفصل الثلاثون‏ # الفصل الحادي والثلاثون‏ # الفصل الثاني والثلاثون‏ # الفصل الثالث والثلاثون‏ # الفصل الرابع والثلاثون‏ # الفصل الخامس والثلاثون‏ # الفصل السادس والثلاثون‏ # الفصل السابع والثلاثون‏ # قالوا‏ # مقدمة الطبعة الأولى‏ # مقدمة الطبعة الثانية‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل التاسع والعشرون‏ # الفصل الثلاثون‏ # الفصل الحادي والثلاثون‏ # الفصل الثاني والثلاثون‏ # الفصل الثالث والثلاثون‏ # الفصل الرابع والثلاثون‏ # الفصل الخامس والثلاثون‏ # الفصل السادس والثلاثون‏ # الفصل السابع والثلاثون‏ # قالوا‏ # | حياتي # | حياتي # تأليف # أحمد أمين # | مقدمة الطبعة الأولى # لم أتهيب شيئا من تأليف ما تهيبت من إخراج هذا الكتاب. فإن كل ما أخرجته كان غيري ~~المعروض وأنا العارض أو غيري الموصوف وأنا الواصف، وأما هذا الكتاب فأنا العارض ~~والمعروض والواصف والموصوف، والعين لا ترى نفسها إلا بمرآة. والشيء إذا زاد قربه صعبت ~~رؤيته، والنفس لا ترى شخصها إلا من قول عدو أو صديق. أو بمحاولة للتجرد تم توزيعها على ~~شخصيتين: ناظرة ومنظورة، وحاكمة ومحكومة، وما أشق ذلك وأضناه. # ومع هذا فكيف يكون الإنصاف؟ إن النفس إما أن تغلو ms001 في تقدير ذاتها فتنسب إليها ما ليس ~~لها، أو تبالغ في تقدير ما صدر عنها، أو تبرر ما ساء من تصرفها. وإما أن تغمطها حقها ~~ويحملها حب العدالة على تهوين شأنها فتسلبها ما لها، أو تقلل من قيمة أعمالها، أو تنظر ~~بمنظار أسود لكل ما يأتي منها؛ أما أن تقف من نفسها موقف القاضي العادل، والحكم النزيه، ~~فمطلب عز حتى على الفلاسفة والحكماء. # ثم إن للنفس أعماقا كأعماق البحار، وغموضا كغموض الليل، فالوعي واللاوعي، والعقل ~~الباطن والظاهر، والشعور البسيط والمركب، والباعث السطحي والعميق، والغرض القريب ~~والبعيد - كل هذا وأمثاله يجعل تحليلها صعب المنال، وفهمها أقرب إلى المحال. # وقد يخدع الإنسان فيكون من السهل اكتشاف الخديعة والوقوف على حقيقتها، وتبين أمرها، ~~وتفهم بواعثها ومراميها؛ أما أن يخدع الإنسان نفسه فأمر غارق في الأعماق مغلف بألف حجاب ~~وحجاب. # من أجل هذا كان قول سقراط: «اعرف نفسك بنفسك» تكليفا شططا، وأمرا يفوق الطاقة. # ولكن على المرء أن يبذل جهده في تعرف الحق، وتحري الصدق، ليبرئ نفسه ويريح ضميره، ولا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها. # على ذلك وضعت هذا الكتاب، ولم أذكر فيه كل الحق، ولكني لم أذكر فيه أيضا إلا الحق، ~~فمن الحق ما يرذل قوله وتنبو الأذن عن سماعه، وإذا كنا لا نستسيغ عري كل الجسم فكيف ~~نستسيغ عري كل النفس؟ - إلا أحداث تافهة حدثت لي أو لغيري معي، لا نفع في ذكرها، ~~والإطالة في عرضها. # ثم إن حديث الإنسان عن نفسه - عادة - بغيض ثقيل، لأن حب الإنسان نفسه كثيرا ما يدعوه ~~أن يشوب حديثه بالمديح ولو عن طريق التواضع أو الإيماء أو التلويح، وفي هذا المديح ~~دلالة على التسامح والتعالي من القائل، ومدعاة للاشمئزاز والنفور من القارئ والسامع. ~~ولذلك لا يستساغ الحديث عن النفس إلا بضروب من اللباقة، وأفانين من اللياقة. ~~••• # وترددت - أيضا - في نشره: ما للناس و«حياتي»؟ لست بالسياسي العظيم، ولا ذي المنصب ~~الخطير، الذي إذا نشر مذكراته، أو ترجم لحياته، أبان عن غوامض لم تعرف، أو مخبآت لم ~~تظهر، ms002 فجلى الحق وأكمل التاريخ. ولا أنا بالمغامر الذي استكشف مجهولا من حقائق العالم، ~~فحاول وصفه وأضاف ثروة إلى العلم، أو مجهولا من العواطف - كالحب والبطولة أو نحوهما ~~فجلاه وزاد بعمله في ثروة الأدب وتاريخ الفن - ولا أنا بالزعيم المصلح المجاهد، ناضل ~~وحارب، وانتصر وانهزم، وقاوم الكبراء والأمراء، أو الشعوب والجماهير، فرضوا عنه ~~أحيانا، وغضبوا عليه أحيانا، وسعد وشقي، وعذب و كرم، فهو يروي أحداثه لتكون عبرة، ~~وينشر مذكراته لتكون درسا. # لست بشيء من ذلك ولا قريب من ذلك، ففيم أنشر ~~«حياتي»؟ # ولكن سرعان ما أجيب بأن عصر الأرستقراطية كاد يزول من غير رجعة، وينقضي من غير عودة. ~~وأزهرت الديمقراطية فحلت محلها، ونشرت سلطانها، وتغلغلت حتى في الفن والأدب؛ كان الشعر ~~في الشرق لا يعيش إلا في قصور الخلفاء والأمراء فعاش في الناس بعيدا عن القصور. وكانت ~~أهم موضوعاته المديح وخير أساليبه المزوق المطرز، فصارت مواضيعه كل شيء إلا الإفراط في ~~الزينة؛ وكانت الروايات التمثيلية في الغرب لا تتخذ موضوعها إلا من حياة الملوك ~~والأمراء. ولا تعرج على شيء من حياة الفقراء، إلا لإضحاك الأغنياء. ثم دار الزمن دورته، ~~فصار كل شيء موضوعا للرواية، كوخ الفقير وقصر الأمير، وعيشة المترف الناعم وعيشة ~~المجهد البائس، والفلاحة في الحقل والأميرة في القصر - وقد كان المؤرخ إنما يؤرخ ~~للخلفاء وأعمالهم، ومبانيهم وحروبهم وإقطاعهم، ومن اتصل بهم، وما صدر عنهم من فعل، وما ~~روي لهم من قول، ولا شيء غير ذلك؛ ثم صار المؤرخ يؤرخ للشعب كما يؤرخ للسلطان. ويؤرخ ~~الفقر كما يؤرخ الغنى، ويؤرخ الزراعة كما يؤرخ الإمارة - فحياة المغمورين مهمة كحياة ~~المشهورين. # فلماذا - إذا - لا أؤرخ «حياتي» لعلها تصور جانبا من جوانب جيلنا، وتصف نمطا من ~~أنماط حياتنا. ولعلها تفيد اليوم قارئا، وتعين غدا مؤرخا. فقد عنيت أن أصف ما حولي ~~مؤثرا في نفسي، ونفسي متأثرة بما حولي. # نبتت عندي فكرة تاريخ حياتي، منذ أول عهد شبابي، فقد رأيتني أدون مذكرات يومية عن ~~رحلاتي، وعن حياتي في الأسرة وأيام زواجي. ووجدتني أسجل في ms003 المفكرات السنوية أهم أحداث ~~السنة، وما يسوء منها وما يسر، ولكن لم يكن كل ذلك عملا منظما متواصلا، بل كان يحدث ~~في فترات متقطعة - ثم نمت الفكرة وشغلت بالي في العام الماضي، فكنت أعصر ذاكرتي لأستقطر ~~منها ما اختزنته من أيام طفولتي إلى شيخوختي، وكلما ذكرت حادثة دونتها في إيجاز ومن غير ~~ترتيب - فلما فرغت من ذلك ضممته إلى مذكراتي ~~اليومية، ثم عمدت - في الأشهر القريبة - إلى ترتيبه وكتابته من جديد على النحو الذي ~~يراه القارئ، من غير تصنع ولا تأنق. # والله هو الموفق # الجيزة 26 مارس (آذار) 1950 # أحمد أمين # | مقدمة الطبعة الثانية # كنت أخرجت هذا الكتاب - كما قلت في الطبعة الأولى - وأنا خائف متردد، للأسباب التي ~~ذكرتها، وأحمد الله إذ تقبله القارئون قبولا حسنا، ومدحوا فيه ما يدل عليه من صراحة ~~وصدق في الخير والشر، والنعيم والبؤس. # وقد نفدت الطبعة الأولى ومضى على نفادها نحو سنة. ثم طلب مني أن أعيد طبعته، فأجزت، ~~وأعدت قراءته من جديد، فزدت عليه زيادات في أمور كنت نسيتها. وحصلت في السنتين ~~الأخيرتين حوادث ألحقتها بالكتاب؛ حتى يساير «حياتي» حياتي. # والله المسئول أن ينفع بالطبعة الثانية، ما نفع بالأولى. # 1952/12/18 # أحمد أمين # | الفصل الأول # ما أنا إلا نتيجة حتمية لكل ما مر علي وعلى آبائي من أحداث، فالمادة لا تنعدم وكذلك ~~المعاني، قد يموت الطير وتموت الحشرات والهوام، ولكنها تتحلل في تراب الأرض فتغذي النبات ~~والأشجار، وقد يتحول النبات والأشجار إلى فحم، ويتحول الفحم إلى نار، وتتحول النار إلى غاز، ~~ولكن لا شيء من ذلك ينعدم، حتى أشعة الشمس التي تكون الغابات وتنمي الأشجار تختزن في ~~الظلام، فإذا سلطت عليها النار تحولت إلى ضوء وحرارة وعادت إلى سيرتها الأولى. # وكذلك الشأن في العواطف والمشاعر والأفكار والأخيلة، تبقى أبدا، وتعمل عملها أبدا، فكل ~~ما يلقاه الإنسان من يوم ولادته، بل من يوم أن كان علقة، بل من يوم أن كان في دم آبائه، وكل ~~ما يلقاه أثناء حياته، يستقر في قرارة نفسه، ويسكن في ms004 أعماق حسه ، سواء في ذلك ما وعى وما لم ~~يع، وما ذكر وما نسي، وما لذ وما آلم، فنبحة الكلب يسمعها، وشعلة النار يراها، وزجرة الأب ~~أو الأم يتلقاها، وأحداث السرور، والألم تتعاقب عليه - كل ذلك يتراكم ويتجمع، ويختلط ويمتزج ~~ويتفاعل، ثم يكون هذا المزيج وهذا التفاعل أساسا لكل ما يصدر عن الإنسان من أعمال نبيلة ~~وخسيسة - وكل ذلك أيضا هو السبب في أن يصير الرجل عظيما أو حقيرا، قيما أو تافها - فكل ~~ما لقينا من أحداث في الحياة، وكل خبرتنا وتجاربنا، وكل ما تلقته حواسنا أو دار في خلدنا هو ~~العامل الأكبر في تكوين شخصيتنا - فإن رأيت مكتئبا بالحياة ساخطا عليها متبرما بها، أو ~~مبتهجا بالحياة راضيا عنها متفتحا قلبه لها، أو رأيت شجاعا مغامرا كبير القلب واسع ~~النفس، أو جبانا ذليلا خاملا وضيعا ضيق النفس، أو نحو ذلك، فابحث عن سلسلة حياته من يوم ~~أن تكون في ظهور آبائه - بل قد تحدث الحادثة لا يأبه الإنسان بها وتمر أمام عينيه مر ~~البرق، أو يسمع الكلمة العابرة ولا يقف عندها طويلا، أو يقرأ جملة في كتاب قراءة خاطفة، ~~فتسكن هذه كلها في نفسه وتختبئ في عالمه اللاشعوري، ثم تتحرك في لحظة من اللحظات لسبب من ~~الأسباب فتكون باعثا على عمل كبير أو مصدرا لعمل خطير. وكل إنسان - إلى حد كبير - نتيجة ~~لجميع ما ورثه عن آبائه، وما اكتسبه من بيئته التي أحاطت به. # ولو ورث أي إنسان ما ورثت، وعاش في بيئة كالتي عشت لكان إياي أو ما يقرب مني جدا. # لقد عمل في تكويني إلى حد كبير ما ورثت عن آبائي، والحياة الاقتصادية التي كانت تسود ~~بيتنا، والدين الذي يسيطر علينا، واللغة التي نتكلم بها، وأدبنا الشعبي الذي كان يروى لنا ~~ونوع التربية الذي كان مرسوما في ذهن أبوي ولو لم يستطيعا التعبير عنه ورسم حدوده ونحو ~~ذلك؛ فأنا لم أصنع نفسي ولكن صنعها الله عن طريق ما سنه من قوانين الوراثة والبيئة. # عجيب هذا العالم، إن نظرت ms005 إليه من زاوية رأيته كلا متشابها، يتجانس في تكوين ذراته، وفي ~~بناء أجزائه، وفي خضوعه لقوانين واحدة؛ وإن نظرت إليه من زاوية أخرى رأيت كل جزئية منه ~~تنفرد عن غيرها بميزات خاصة بها، لا يشركها فيها غيرها، حتى شجرة الوردة نفسها تكاد تتميز ~~كل ورقة فيها عن مثيلاتها، فمن الناحية الأولى نستطيع أن نقول: ما أشبه الإنسان بالإنسان، ~~ومن الناحية الثانية نقول: ما أوسع الفرق بين الإنسان والإنسان. # وعلى هذه النظرة الثانية فأنا عالم وحدي، كما أن كل إنسان عالم وحده. تقع الأحداث على ~~أعصابي، فأنفعل لها انفعالا خاصا بي، وأقومها تقويما يختلف - قليلا أو كثيرا - عن تقويم ~~كل مخلوق آخر غيري. فالحادثة الواحدة يبكي منها إنسان، ويضحك منها آخر؛ ولا يبكي ولا يضحك ~~منها ثالث، كأوتار العود الواحد، يوقع عليها كل فنان توقيعا منفردا متميزا لا يساويه فيه ~~أي فنان آخر. # فأنا أروي من الأحداث ما تأثرت به نفسي. وأحكيها كما رأت عيني. وأترجمها بمقدار ما انفعل ~~بها شعوري وفكري # 1 ~~... # | الفصل الثاني # نظر مرة إلى رأسي أستاذ جامعي في علم الجغرافيا وحدق فيه ثم قال: هل أنت مصري صميم؟ قلت: ~~فيما أعتقد، ولم هذا السؤال؟ قال: إن رأسك - كما يدل عليه علم السلالات - رأس كردي. # ولست أعلم من أين أتتني هذه الكردية، فأسرة أبي من بلدة «سمخراط» من أعمال البحيرة.. أسرة ~~فلاحة مصرية. ومع هذا فمديرية البحيرة على الخصوص مأوى المهاجرين من الأقطار الأخرى. فقد ~~يكون جدي الأعلى، كما يقول الأستاذ، كرديا أو سوريا أو حجازيا أو غير ذلك. ولكن على ~~العموم كان المهاجرون من آبائي ديمقراطيين من أفراد الشعب لا يؤبه بهم ولا بتاريخهم. ولكن ~~لعل مما يؤيد كلام الأستاذ أني أشعر بأني غريب في أخلاقي وفي وسطي. وهذه الأسرة كانت كسائر ~~الفلاحين تعيش على الزرع، وحدثني أبي أنهم كانوا يملكون في بلدهم نحو اثني عشر فدانا. ولكن ~~توالى عليهم ظلم «السخرة» وظلم تحصيل الضرائب فهجروها. # وكانت السخرة أشكالا وألوانا، فسخرة للمصالح العامة كالمحافظة على جسور النيل ms006 أيام ~~الفيضان؛ فعمدة البلدة يسخر الفلاحين ليحافظوا على الجسور حتى لا يطغى النيل فيغرق البلد ~~فإذا تخلف أحد ممن عين لهذه الحراسة عذب وضرب، وهو يعمل هذا العمل من غير أجر؛ وسخرة ~~للمصالح الخاصة فالغني الكبير والعمدة ونحوهما لهم الحق أن يحشدوا من شاءوا من الفلاحين ~~المساكين ليعملوا في أرضهم الأيام والليالي من غير أجر - ولما أبطل رياض باشا السخرة والضرب ~~بالكرباج في عهد الخديوي توفيق نقم عليه الوجوه والأعيان صنعه، وعدوا ذلك من عيوبه، وقالوا ~~إنه أفسد علينا الفلاحين، وهكذا كان في كل ناحية من نواحي القطر عدد قليل من الوجوه ~~والأعيان هم السادة، وسواد الناس لهم عبيد، بل هؤلاء الوجوه والأعيان سادة على الفلاحين ~~وعبيد للحكام. # وأما الضرائب فلم تكن منظمة ولا عادلة، فأحيانا يستطيع أن يهرب الغنى الكبير من دفعها أو ~~يدفع القليل مما يجب عليه منها ويتخلص من الباقي بالرشوة أو التقرب إلى الحكام. ثم يطالب ~~الفقراء المساكين بأكثر مما يحتملون، فإن لم يدفعوا بيعت بهائمهم الهزيلة، وأثاث بيوتهم ~~الحقيرة، ثم ضربوا بالكرباج وعذبوا عذابا أليما - فكان كثير منهم إذا أحس أنه سيقع في مثل ~~هذا المأزق حمل أثاث منزله على بهائمه، وخرج هو وأسرته هائمين على وجوههم في ظلمة الليل، ~~وتركوا أراضيهم، ونزلوا على بعض أقربائهم أو على البدو في الخيام أو حيثما اتفق - فعلت ذلك ~~أسرة علي باشا مبارك وفعلته أسرتي وأسر كثير من الناس. # ففي ليلة من الليالي خرج أبي الصغير وعمي الكبير من سمخراط يحملان معهما القليل من الزاد ~~والأثاث، تاركين الأطيان حلا مباحا لمن يستولي عليها ويدفع ضرائبها، ونزلا في حي المنشية ( ~~في قسم الخليفة) ولا قريب ولا مأوى. وقسم الخليفة كقسم بولاق أكثر أحياء القاهرة عددا ~~وأقلها مالا وأسوؤها حالا، يسكنها العمال والصناع والباعة الجوالون وكثير من الطبقة الوسطى ~~وقليل من العليا، ولم تمسهما المدينة الحديثة إلا مسا خفيفا، فمن شاء أن يدرس حياة سكان ~~القاهرة كما كانوا في العصور الوسطى فليدرسها في هذين الحيين ولاسيما أيام ولادتي. # وهكذا ألاعيب ms007 القدر. ظلم صراف البلدة أخرج أبي من سمخراط وأسكنه القاهرة حيث ولدت وتعلمت، ~~ولولا ذلك لنشأت فلاحا مع الفلاحين أزرع وأقلع، ولكن تتوالد الأحداث توالدا عجيبا، فقد ~~ينتج أعظم خير من أعظم شر كما ينتج أعظم شر من أعظم خير، ولا تستبين الأمور حتى يتم هذا ~~التوالد ويظهر على مسرح الكون. # سكن الشريدان في بيت صغير في حارة متواضعة # 1 # في حي المنشية، وعاشا على القليل مما ادخرا، ولابد أن يكونا قد لقيا كثيرا من ~~البؤس والعنت في أيامهما الأولى، ولكن سرعان ما شق الأخ الكبير طريقه في الحياة فكان صانعا ~~كسوبا. وكان أكبر الظن يأخذ أخاه الأصغر معه «وهو أبي» ليكون صانعا بجانبه، يعينه على ~~الكسب أول أمره، ولكن نزعة طيبة غلبت عليه فوجهه نحو التعلم واحتمل نفقته، فهو يحفظ ~~القرآن، ويلتحق بالأزهر، ويخجل من أخيه أن يرهقه بالإنفاق عليه فلا يطالبه إلا بالضروري، ~~وإذا احتاج إلى كتاب يقرأ في الأزهر خطه بيمينه، وقد أحسن خطه فكان خطا جميلا قل أن يكون ~~له نظير بين طلاب الأزهر وعلمائه، يكتبه في أناقة ويشتري له ورقا متينا صقيلا، ويسطره ~~بمسطرة هي عبارة عن ورقة سميكة قد شد عليها خيط في مكان السطور وثبتت عليها بالصمغ، فإذا ~~وضعت الورقة التي يراد الكتابة عليها وضغطت بانت الخيط، فكتب الكاتب عليها خطا منتظما. ~~وقد خلف أبي كتبا كثيرة من هذا القبيل، فقد كان كلما عثر على كتاب مخطوط جيد نقله بخطه، ~~ولا أدري أين وجد الزمن الذي قام فيه بمثل هذا العمل. وأكبر الظن أن الذي أعانه على ذلك أنه ~~لم يتعود لعبا قط، ولا جلس على مقهى قط، وإنما كانت حياته «جد في جد»، مما أرهقه وأتلف ~~صحته. فلما توفي جمعت هذه الكتب في صناديق وأهديتها إلى مكتبة الأزهر باسمه. وكان أكثرها ~~كتب نحو وفقه شافعي. # ويتقدم أبي في الدراسة فيبحث عن عمل يكسب منه بجانب دراسته فيكون مصححا بالمطبعة ~~الأميرية ببولاق أحيانا، ومدرسا في مدرسة حكومية # 2 # أحيانا. وكانت الدراسة في الأزهر ms008 صعبة مملة طويلة لا يجتازها إلا من منح صبرا ~~طويلا، واحتمل عبئا ثقيلا، يطلب هذه الدراسة كثيرون ولا يتمها إلا القليلون فيكونون كالماء ~~يبتدئ نهرا كبيرا، ويمر أخيرا في قناة. ويقضي الطالب في ذلك نحو عشرين سنة أو أكثر، ثم ~~قد ينجح أو لا ينجح. وهكذا نجح أبي في دراسته بصبره وقوة احتماله، واستطاع أن يحمل عبئه ~~ويرد الجميل لأخيه. # وأما أسرة أمي فأصلها على ما روي لي من «تلا» من أعمال المنوفية، ولا أدري أهجرتها كما ~~هجرتها أسرة أبي فرارا من الظلم أو لشيء آخر، وكل ما أعلمه أن أخوالي سكنوا في حي في وسط ~~القاهرة قريب من باب الخلق، وكانوا يشتغلون في تجارة (العطارة)، وكانوا ناجحين في تجارتهم، ~~وكانوا مع - مهنتهم التجارية - يحفظون القرآن، ويحسنون قراءته، ويلتزمون شعائر الدين. وكان ~~أحد أخوالي سمحا كريما، كثير الإحسان للفقراء، وقد منح بسطة في الرزق، وسعة في النفس. ~~وأما خالي الآخر، فكان كزا شحيحا مضيقا عليه في رزقه. ولست أدري: أكانت سماحة الأول ~~سببا في سعة رزقه، أم سعة رزقه سببا في سماحته؟ كما أني لست أدري أكانت كزازة الثاني ~~سببا في ضيق رزقه، أم كان ضيق رزقه سببا في كزازته. # | الفصل الثالث # كانت أول مدرسة تعلمت فيها أهم دروسي في الحياة بيتي، وقد بنى أبي - بعد أن تحسنت حاله - ~~بيتا مستقلا في الحارة التي يسكنها هو وأخوه منذ هجرتهما. يتكون من دورين غير الأرضي، ففي ~~الدور الأرضي منظرة للضيوف وكل دور به ثلاث غرف وتوابعها. # وطابع البيت كان البساطة والنظافة. فأثاث أكثر الحجر حصير فرشت عليه سجادة، وإذا كانت ~~حجرة نوم رأيت في ركن من أركانها حشية ولحافا ومخدة، تطوى في الصباح وتبسط في المساء. فلم ~~نكن نستخدم الأسرة، وأدوات المطبخ في غاية السذاجة. وهكذا، ولو أردنا أن ننتقل لكفتنا عربة ~~كبيرة لنقل الأثاث؛ أما أكثر ما في البيت وأثمنه وما يشغل أكبر حيز فيه فالكتب - المنظرة ~~مملوءة دواليب صففت فيها الكتب، وحجرة أبي مملوءة بالكتب وحجرة في الدور الأول ms009 ملئت كذلك ~~بالكتب. # وكان أبي مولعا بالكتب في مختلف العلوم، في الفقه.. والتفسير والحديث واللغة والتاريخ ~~والأدب والنحو والصرف والبلاغة، وإذا كان الكتاب مطبوعا طبعتين: طبعة أميرية وطبعة أهلية ~~لم يرتح حتى يقتنيه طبعة أميرية، وقد مكنه عمله مصححا في المطبعة الأميرية أن يقتني كثيرا ~~مما طبع فيها وكانت هذه المكتبة أكبر متعة لي حين استطعت الاستفادة منها، وقد احتفظت بخيرها ~~نواة لمكتبتي التي أعتز بها وأمضي الساعات فيها كل يوم إلى الآن. # في حجرة في هذا البيت ولدت. وكانت ولادتي في الساعة الخامسة صباحا من أول أكتوبر سنة ~~1886، وكأن هذا التاريخ كان إرهاصا بأني سأكون مدرسا فأول أكتوبر عادة بدء افتتاح ~~الدراسة. وشاء الله أن أكون كذلك. فكنت مدرسا في مدرسة ابتدائية، ثم في مدرسة ثانوية ثم في ~~عالية، وكنت مدرسا لبنين وبنات، ومشايخ وأفندية. وكنت رابع ولد ولد، ولم يكن أبي يحب كثرة ~~الأولاد شعورا منه بالمسئولية، ولما لقي من الحزن العميق في وفاة أختي أبشع وفاة. # فقد كان لي أخت في الثانية عشرة من عمرها شاء أبي ألا تستمر في البيت من غير عمل فأرسلها ~~إلى معلمة تتعلم عندها الخياطة والتفصيل والتطريز، وقامت يوما تعد القهوة لضيوف المعلمة ~~فهبت النار فيها واشتعل شعرها وجسمها وحاولت أن تطفئ نفسها أول الأمر فلم تنجح فصرخت، ولكن ~~لم يدركوها إلا وهي شعلة نار، ثم فارقت الحياة بعد ساعات، وكان ذلك وأنا حمل في بطن ~~أمي، فتغذيت دما حزينا ورضعت بعد ولادتي لبنا حزينا، واستقبلت عند ولادتي استقبالا ~~حزينا، فهل كان لذلك أثر فيما غلب علي من الحزن في حياتي فلا أفرح كما يفرح الناس، ولا ~~أبتهج بالحياة كما يبتهجون؟ علم ذلك عند الله والراسخين في العلم. # وكان من محاسن أسرتنا استقلالنا في المعيشة وفي البيت، فلا حماة ولا أقارب إلا أن يزوروا ~~لماما. # وكان بيتنا محكوما بالسلطة الأبوية، فالأب وحده مالك زمام أموره، لا تخرج الأم إلا ~~بإذنه، ولا يغيب الأولاد عن البيت بعد الغروب خوفا من ضربه، ومالية الأسرة ms010 كلها في يده ~~يصرف منها كل يوم ما يشاء كما يشاء، وهو الذي يتحكم حتى فيما نأكل وما لا نأكل، يشعر شعورا ~~قويا بواجبه نحو تعليم أولاده، فهو يعلمهم بنفسه ويشرف على تعليمهم في مدارسهم، سواء في ~~ذلك أبناؤه وبناته، ويتعب في ذلك نفسه تعبا لا حد له، حتى لقد يكون مريضا فلا يأبه بمرضه، ~~ويتكئ على نفسه ليلقي علينا درسه. أما إيناسنا وإدخال السرور والبهجة علينا وحديثه اللطيف ~~معنا فلا يلتفت إليه. ولا يرى أنه واجب عليه. يرحمنا ولكنه يخفي رحمته ويظهر قسوته؛ وتتجلى ~~هذه الرحمة في المرض يصيب أحدنا، وفي الغيبة إذا عرضت لأحد منا، يعيش في شبه عزلة في دوره ~~العالي، يأكل وحده ويتعبد وحده، وقلما يلقانا إلا ليقرئنا. أما أحاديثنا وفكاهتنا ولعبنا ~~فمع أمنا. # وقد كان لنا جدة - هي أم أمنا - طيبة القلب شديدة التدين؛ يضيء وجهها نورا، تزورنا من حين ~~لآخر، وتبيت عندنا فنفرح بلقائها وحسن حديثها، وكانت تعرف من القصص الشعبية - الريفية منها ~~والحضرية - الشيء الكثير الذي لا يفرغ، فنتحلق حولها ونسمع حكاياتها ولا نزال كذلك حتى ~~يغلبنا النوم، وهي قصص مفرحة أحيانا مرعبة أحيانا، منها ما يدور حول سلطة القدر وغلبة ~~الحظ، ومنها ما يدور حول مكر النساء ودهائهن، ومنها حول العفاريت وشيطنتها، والملوك ~~والعظماء وذلهم أمام القدر «إلخ»، وتتخلل هذه القصص الأمثال الشعبية اللطيفة والجمل التي ~~يتركز فيها مغزى القصة. وأحيانا كان أخي الكبير يقرأ لنا في ألف ليلة وليلة، فإذا أتى إلى ~~جمل ماجنة متهتكة تلعثم فيها وخجل واضطرب وحاول أن يتخطاها، وأحيانا يزل لسانه فيقرؤها ~~فيضحك بعض من حضر، وتخجل أمي وجدتي فيهرب أخي من هذا الموقف المربك، وتقف القراءة. # ولكن كان بيتنا - على الجملة - جدا لا هزل فيه، متحفظا ليس فيه ضحك كثير ولا مرح كثير، ~~وذلك من جد أبي وعزلته وشدته. # ولم تكن المدنية قد غزت البيوت، ولاسيما بيوت الطبقة الوسطى أمثالنا، فلا ماء يجري في ~~البيوت وإنما سقاء يحمل القربة على ظهره ويقذف ماءها في زير البيت ms011 تملأ منه القلل وتغسل ~~منه المواعين وكلما فرغت قربة أحضر قربة. والسقاء دائم المناداة على الماء في الحارة، ~~وحسابه لكل بيت عسير، إذ هو يأخذ ثمن مائه كل أسبوع، فتارة يتبع طريقة أن يخط خطا على ~~الباب كلما أحضر قربة. ولكن بعض الشياطين يغالطون فيمسحون خطا أو خطين، ولذلك لجأ السقاء ~~إلى طريقه «الخرز» فيعطي البيت عشرين خرزة، وكلما أحضر قربة أخذ خرزة، فإذا نفذت كلها حاسب ~~أهل البيت عليها. # وأخيرا - وأنا فتى - رأيت الحارة تحفر والأنابيب تمد والمواسير والحنفيات تركب في البيوت ~~وإذا الماء في متناولنا وتحت أمرنا، وإذا صوت السقاء يختفي من الحارة ويريحنا الله من ~~الخطوط تخط أو الخرز يوزع. # وطبيعي في مثل هذه الحال ألا يكون في البيت كهرباء فكنا نستضيء بالمصابيح تضاء بالبترول، ~~ولم أستضئ بالكهرباء حتى فارقت حينا إلى حي آخر أقرب إلى الأرستقراطية. # وطعامنا يطهى على الخشب ثم تقدمنا فطهونا على رجيع الفحم (فحم الكوك) ثم تقدمنا أخيرا ~~فطهونا على (وابور بريمس).. # وكل أعمال البيت تقوم بها أمي، فلا خادم ولا خادمة ولكن يعينها على ذلك أبناؤها فيما ~~يقضون من الخارج، وكبرى بناتها في الداخل. # وكان أبي مدرسا في الأزهر ومدرسا في مسجد الإمام الشافعي وإمام مسجد ويتقاضى من كل ذلك ~~نحو اثني عشر جنيها ذهبا، فلم نكن نعرف جنيهات الورق، وأذكر - وأنا في المدرسة الابتدائية ~~- أن ظهرت عملة الورق فخافها الناس ولم يؤمنوا بها وتندرت الجرائد الهزلية عليها. وكانت لا ~~تقع في يد الناس - وبخاصة الشيوخ - حتى يسرعوا إلى الصيارف فيغيروها ذهبا. وكانت الاثنا ~~عشر جنيها تكفينا وتزيد عن حاجتنا ويستطيع أبي أن يدخر منها للطوارئ، إذ كانت قدرتها ~~الشرائية تساوي الأربعين جنيها والخمسين اليوم. فعشر بيضات بقرش. ورطل اللحم بثلاثة قروش ~~أو أربعة، ورطل السمن كذلك وهكذا، ومن ناحية أخرى كانت مطالب الحياة محدودة ومعيشتنا بسيطة؛ ~~فأبي من بيته إلى عمله إلى مسجده ثم إلى بيته، لا يدخن ولا يجلس على مقهى. وملابسنا جميعا ~~نظيفة بسيطة، ومأكلنا معتدل ليس بضروري فيه ms012 تعدد أصنافه، ولا أكل اللحم كل يوم، ولم نر فيمن ~~حولنا عيشة خيرا من معيشتنا نشقى بالطموح إلى أن نعيش مثلها، ولا سينما ولا تمثيل، ولكن من ~~حين لآخر تنصب خيمة على باب حارتنا يلعب فيها «قره جوز» أدخل إليها بنصف قرش ويكون ذلك مرة ~~في السنة أو مرتين. # ويغمر البيت الشعور الديني، فأبي يؤدي الصلوات لأوقاتها ويكثر من قراءة القرآن صباحا ~~ومساء، ويصحو مع الفجر ليصلي ويبتهل، ويكثر من قراءة التفسير والحديث، ويكثر من ذكر الموت ~~ويقلل من قيمة الدنيا وزخرفها ويحكي حكايات الصالحين وأعمالهم وعبادتهم، ويؤدي الزكاة ويؤثر ~~بها أقرباءه ويحج وتحج أمي معه - ثم هو يربي أولاده تربية دينية فيوقظهم في الفجر ليصلوا ~~ويراقبهم في أوقات الصلاة الأخرى ويسائلهم متى صلوا وأين صلوا. وأمي كانت تصلي الحين بعد ~~الحين - وكلنا يحتفل برمضان ويصومه - وعلى الجملة فأنت إذا فتحت باب بيتنا شممت منه رائحة ~~الدين ساطعة زاكية، ولست أنسى يوما أقيمت فيه حفلة عرس في حارتنا، وقدمت فيه المشروبات ~~الروحية لبعض الحاضرين فشوهد أخي المراهق يجلس على مائدة فيها شراب، فبلغ ذلك أبي فمازال ~~يضربه حتى أغمي عليه - وكان معي يوما قطعة بخمسة قروش فحاولت أن أصرفها من بائع سجائر ~~فشاهدني أخي الكبير فأخذ يسألني ويحقق معي تحقيق «وكيل نيابة» مع المتهم، خوفا من أكون ~~أشتري سجائر لأدخنها إذ ليس أحد في البيت يحدث نفسه أن يشرب سيجارة. # وبعد، فما أكثر ما فعل الزمان، لقد عشت حتى رأيت سلطة الآباء تنهار، وتحل محلها سلطة ~~الأمهات والأبناء والبنات وأصبح البيت برلمانا صغيرا، ولكنه برلمان غير منظم ولا عادل فلا ~~تؤخذ فيه الأصوات ولا تتحكم فيه الأغلبية، ولكن يتبادل فيه الاستبداد، فأحيانا تستبد الأم، ~~وأحيانا تستبد البنت أو الابن وقلما يستبد الأب، وكانت ميزانية البيت في يد صراف واحد ~~فتلاعبت بها أيدي صرافين، وكثرت مطالب الحياة لكل فرد وتنوعت، ولم تجد رأيا واحدا يعدل ~~بينها، ويوازن بين قيمتها، فتصادمت وتحاربت وتخاصمت، وكانت ضحيتها سعادة البيت وهدوءه ~~وطمأنينته. # وغزت المدنية المادية ms013 البيت فنور كهربائي وراديو وتليفون ، وأدوات للتسخين وأدوات للتبريد، ~~وأشكال وألوان من الأثاث. ولكن هل زادت سعادة البيت بزيادتها؟ # وسفرت المرأة وكانت أمي وأخواتي محجبات - لا يرين الناس ولا يراهن الناس إلا من وراء ~~حجاب - وهذا من أمور الانقلاب الخطير، ولو بعث جدي من سمخراط ورأى ما كان عليه أهل زمنه وما ~~نحن عليه اليوم لجن جنونه؛ ولكن خفف من وقعها علينا أنها تأتي تدريجا، ونألفها تدريجيا، ~~ويفتر عجبنا منها وإعجابنا بها على مر الزمان، ويتحول شيئا فشيئا من باب الغريب إلى باب ~~المألوف. # | الفصل الرابع # كان هذا البيت أهم مدرسة تكونت فيها عناصر جسمي وخلقي وروحي، فإذا تغيرت بالنمو أو الذبول ~~وبالقوة أو الضعف، فمسائل عارضة على الأصل - لقد كانت أمي قصيرة النظر فورثت عنها قصر ~~النظر، ولقيت من عنائه في حياتي الشيء الكثير، فإذا تقدمت للدخول في دار العلوم حرمت من ذلك ~~لقصر نظري، وإذا تقدمت للدخول في مدرسة القضاء فكذلك إلا أن تحدث معجزة. وإذا أريد تثبيتي ~~في وظيفة سقطت في امتحان النظر، ولم أثبت إلا بمعجزة أخرى. وتحدث أحداث كثيرة مخجلة ~~وغير مخجلة نتيجة لقصر نظري. فقد لا أسلم على أحد يجلس بعيدا عني فيظن بي الكبر؛ وقد أكون ~~على موعد في مقهى فأدخل ولا أرى من وعدتهم إلا أن يروني. وقد أمر في الشارع على من أنا في ~~حاجة إليه، فلا أراه. وقد أحب أن أذهب إلى السينما أو التمثيل للاسترواح فلا أذهب - وهكذا ~~وهكذا من أحداث سيئة لا تحصى صادفتني في حياتي إلى أن اضطررت من شبابي إلى أن ألبس نظارة، ~~وكنت من سنة إلى أخرى أغير النظارة بأخرى أسمك منها، حتى صارت في آخر الأمر نظارة سميكة. ~~واعتادت عيني هذه النظارة. وكانت لها كذلك سيئات. فإذا كسرت أو نسيتها في البيت، صرت كأني ~~أعمى. وقد رأيتني فيما بعد أحتاج إلى نظارتين، نظارة للقراءة ونظارة للسير والعمل. ولا تسأل ~~عن متاعب ذلك. ومع قصر النظر هذا، كان النظر القصير نعمة كبيرة إذا قارنت بينه ms014 وبين العمى. ~~فكل الأشياء الجوهرية من رؤية أشخاص ورؤية مناظر جميلة، كان يكفى قصر نظري لإدراكها. # وربما كان هذا عاملا من عوامل حبي العزلة حتى لا أقع في مثل هذه الأغلاط، ولكن أحمد الله ~~أن كان نظري على قصره سليما، فقد احتملني على كثرة قراءتي ومداومة النظر في الكتب حتى ~~جاوزت الستين. # ثم إن كل خصائص البيت التي ذكرتها انعكست في طبيعتي وكونت أهم مميزات شخصيتي. فإن رأيت ~~في في إفراطا في جانب الجد وتفريطا معيبا في جانب المرح، أو رأيت صبرا على العمل ~~وجلدا في تحمل المشقات، واستجابة لعوامل الحزن أكثر من الاستجابة لعوامل السرور، فاعلم أن ~~ذلك كله صدى لتعاليم البيت ومبادئه. وإن رأيت دينا يسكن في أعماق قلبي، وإيمانا بالله لا ~~تزلزله الفلسفة ولا تشكك فيه مطالعاتي في كتب الملحدين، أو رأيتني أكثر من ذكر الموت ~~وأخافه، ولا أتطلع إلى ما يعده الناس مجدا ولا أحاول شهرة، وأذكر في أسعد الأوقات وأبهجها ~~أن كل ذلك ظل زائل وعرض عارض، أو رأيت بساطتي في العيش وعدم احتفائي بمأكل أو بمشرب أو ~~ملبس، وبساطتي في حديثي وإلقائي، وبساطتي في أسلوبي وعدم تعمدي الزينة والزخرف فيه، ~~وكراهيتي الشديدة لكل تكلف وتصنع في أساليب الحياة، فمرجعه إلى تعاليم أبي وما شاهدته في ~~بيتي. # لقد قرأت الكثير مما يخالف هذه التعاليم، وصاحبت أهل المرح وسمعت آراء الإلحاد، وأنصت إلى ~~من ينصحني بالابتهاج بالحياة وتعاقبت أمام ناظري أنواع الحياة المختلفة والمظاهر المتباينة ~~ونحو ذلك. ولكن تسرب بعض هذه الأشياء إلى عقلي الواعي كان على السطح لا في الصميم، أما ~~شعوري العميق وما له الأثر الكبير في الحياة من اللاوعي فمنشؤه البيت، كانت الصفحة بيضاء ~~نقية تستقبل ما يقع عليها وتدخره في خزانتها، ثم تكون له السيطرة الكبرى على الحياة مهما ~~طالت. # نعم إني لأعرف من نشئوا في بيت كبيتي تغمره النزعة الدينية كالنزعة التي غمرت بيتي. ومع ~~هذا ثاروا على هذه النزعة في مستقبل حياتهم. وانتقلوا من النقيض إلى النقيض. ولم يعبئوا ~~بالسلطة ms015 الدينية التي فرضت عليهم في صغرهم. فلماذا كان موقفهم غير موقفي واتجاههم غير ~~اتجاهي؟ هل كان ذلك لأن الدين يتبع المزاج إلى حد كبير، أو لأن شخصية أبي كانت قوية غرست في ~~ما لم يستطع الزمان اقتلاعه، أو أن عوامل البيئة زادت هذه النزعة الدينية نموا، فلم جاءت ~~العاصفة جاءت متأخرة؟ لعله شيء من ذلك أو لعله كل ذلك أو لعله شيء غير ذلك. # وهكذا الشأن في كثير من شئون الحياة، نرى رجلين نشآ في بؤس من العيش وقلة من المال، ثم ~~بسط لهما في العيش وتدفق عليهما المال، فتعلم أحدهما من بؤسه الأول حرصا على المال وفرط ~~تقويم له، على حين أن الآخر انتقم من بؤسه بنعيمه، ومن بخل الزمان الأول عليه بإسرافه. # لقد رأينا طرفة بن العبد وأبا العتاهية، كلاهما تمثلت أمام عينيه حقيقية الموت. فاستنتج ~~منها طرفة وجوب انتهاب اللذائذ وقال: # ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى # وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي # فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي # فدعني أبادرها بما ملكت يدي # واستنتج منها أبو العتاهية احتقار اللذائذ وتهوين شأنها والصد عنها فقال: # عجبت لذي لعب قد لها # عجبت ومالي لا أعجب # أيلهو ويلعب من نفسه # تموت ومنزله يخرب # وعلى كل حال فالبيت يبذر البذور الأولى للحياة ويتركها للتربة التي تعيش فيها، والجو الذي ~~يعاكسها أو ينميها، حتى تعيش عيشتها المقدورة لها وفقا لنظام الكون وقوانينه. # | الفصل الخامس # عصرت ذاكرتي لأذكر أقدم أحداث طفولتي فذكرت منها ثلاثة - أولها أني وأنا في الرابعة من ~~عمري خرجت من حارتي فوجدت بناء وله باب مفتوح فدخلته، كان هذا البناء «جباسة» رأيت فيها ~~عجبا، ثور كبير علقت على عنقه خشبة وربطت هذه الخشبة في أسطوانة من الحديد كبيرة، فإذا ~~الثور دار دارت الحديدة - وقد وضع تحت الحجر حجر أبيض إذا دارت عليه طحنته فكان جبسا. # أعجبني هذا المنظر، والناس - وبخاصة الأطفال - تعجبهم الحركة أكثر مما يعجبهم السكون، ~~فلعبة القطار إذا كان يجري «بزنبلك» خير من لعبة القطار الساكن، والإعلان المتحرك ms016 في المحال ~~التجارية خير من الإعلان الثابت، على هذا الأساس النفسي كانت الصور المتحركة للأطفال في ~~السينما وهكذا؛ جميل هذا المنظر: ثور يتحرك ويدور فتتحرك معه الأسطوانة الحديدية، وحجر جامد ~~يتحول إلى دقيق ناعم - وشغلت به عن نفسي فجلست أمامه وقضيت الساعتين أو أكثر في الاستمتاع ~~به؛ في هذه الأثناء بحثت عني أمي في البيت فلم تجدني، فنادت أخي وأختي فبحثا عني في الحارة ~~فلم يجداني، فجن جنونها، وكان يشاع في أوساطنا أن هناك قوما يخطفون الأولاد ويسفرونهم إلى ~~البلاد النائية للعمل، وأن هناك آخرين شريرين يسمى كل منهم «سماوي» يخطفون الأولاد ~~ويذبحونهم أو يضعونهم في ماعون كبير يغلي بهم على النار وهكذا، فخافت أمي أن يكون قد حدث لي ~~شيء من هذا. # وكان في كل حي «مناد» يستأجر لينادي على الأولاد التائهين، فيقول بأعلى صوته: «يا من رأى ~~ولدا صفته كذا يلبس جلبابا أحمر أو أصفر، وعلى رأسه طاقية أو عاري الرأس، وفي رجله نعل أو ~~حافي القدمين فمن وجده فله الحلاوة» وينتقل في الشوارع والحارات المجاورة ينادي هذا النداء ~~ثم يختمه كل مرة بقوله «يا عدوي» والعدوي هذا شيخ من أولياء الله الصالحين موكل برد التائه ~~إلى أهله. # وأذكر - بهذه المناسبة - حادثة طريفة: أن المرحوم الشيخ طنطاوي جوهري ألف كتابا سماه ~~«أين الإنسان؟» قرأه المرحوم «فتحي باشا زغلول» فلم يعجبه. فأخذ القلم وكتب تحت «أين ~~الإنسان» يا عدوي. # على كل حال كان المنادي ينادي علي وأنا في الجباسة حتى جاء رجل وطردني، وشتمني وشتمته، ~~فعدت إلى البيت، فنهرتني أمي وقالت: أين كنت؟ قلت في الجباسة. وحكيت القصة وما رأيت وما ~~قاله لي الرجل وما رددت عليه، بلغة مكسرة ولسان ألثغ. فكانت القصة تستخرج الضحك من كل من ~~سمعها، وكثيرا ما طلب مني أن أعيد روايتها ولهذا ثبتت في ذاكرتي. # وحدث مرة أن أخذني والدي إلى المسجد بجوار بيتنا ليصلي ولم يكن بالمسجد غيرنا. فخلع والدي ~~جبته وجوربه وشمر أكمامه وذهب إلى «الميضأة» ليتوضأ والميضأة حوض ماء نحو ثلاثة ms017 في ثلاثة ~~يملأ بالماء من حين لآخر. وفي العادة يملأ من بئر بجانبه ركبت عليها بكرة، وعلق فيها حبل في ~~طرفية دلوان، ينزل أحدهما فارغا ويصعد الآخر ملآن. # ومن أراد أن يتوضأ من الميضأة جمع الماء بين كفيه وغسل وجهه ثم يعود الماء إلى الميضأة ~~بعد الغسل كما أخذ، وكانت هذه الميضأة مصدر بلاء كبير، فقد يتوضأ المريض بمرض معد كالرمد ~~ونحوه فيتلوث الماء ويعدي الصحيح، هذا إلى قذارته. فالمتوضئ يغسل وجهه بعد أن غسل من قبله ~~رجليه، ولكن الاعتقاد الديني يغطي كل هذه العيوب والأخطار، فلما دخل القاهرة نظام جري الماء ~~في الأنابيب والحنفيات لم تعد حاجة إلى الميضأة، وأصبحت الحنفيات أنظف وأصح، ولكن إلف الناس ~~للقديم جعلهم يحزنون لفراق الميضأة، ولذلك كان مما أخذ على الشيخ محمد عبده وعيب عليه أن ~~أبطل ميضأة الأزهر وأحل محلها الحنفيات، وهكذا يألف الناس القديم الضار ويكرهون الجديد ~~النافع ويدخلون في الدين ما ليس في الدين. # توضأ أبي وذهب يصلي، وبقيت أنظر إلى البئر وإلى الميضأة وأتجول بينهما فتزحلقت وغرقت في ~~الميضأة، وغمر الماء رأسي ولولا أن أبي كان قريبا مني وسمع الحركة وأسرع إلى الميضأة ~~وانتشلني ما كنت من ذلك الحين من الأحياء.. وهكذا نجوت من هذا الحادث على هذا الوجه، وكان ~~يمكن أن تختصر حياتي كلها وتقف عند هذا الحد لو تأخرت في الماء دقيقة ولم يلتفت أبي إلى هذه ~~الرجة - وكم من أرواح نجت بمثل هذا وأرواح ضاعت بمثل هذا أيضا - وعلى كل فلسفة الحوادث ~~وفلسفة القدر غامضة عجيبة. # وبعد ذلك حدثت لي حادثة ثالثة، فقد مر بحارتنا قبيل الغروب سائل يستجدي بالفن؛ فمعه دف ~~يوقع عليه توقيعا لطيفا وينشد مع التوقيع قصائد في مدح النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينوع ~~النغمات حسب القصائد، ويناغم بين القصيدة والضرب على الدف. أعجبني هذا وطربت له فتبعته، ~~وخرج من حارتنا إلى حارة أخرى فكنت معه حتى أتم دورته، وإذا نحن بعد العشاء وأبي ينتظرني ~~لتأخري، فلما دخلت البيت أخذ يضربني ms018 من غير سؤال ولا جواب - ولو كان أبي فنانا لقبلني لأنه ~~كان يكتشف في أذنا موسيقية وعاطفة قوية، ولكنه لم ينظر في الموضوع إلا أني تأخرت عن حضور ~~البيت بعد غروب الشمس. # | الفصل السادس # وكانت المدرسة الثانية هي «حارتي» فقد لعبت مع أبنائها وتعلمت منهم مبادئ السلوك، وتبادلت ~~معهم عواطف الحب والكره، والعطف والانتقام، والألفاظ الرقيقة وألفاظ السباب - وانطبعت منها ~~في ذهني أول صورة للحياة المصرية الصميمة في سلوكها وأخلاقها وعقائدها وخرافاتها وأوهامها ~~ومآتمها وأفراحها وزواجها وطلاقها إلى غير ذلك - وكانت حارتنا مثالا للأسر في القرون الوسطى ~~قبل أن تغزوها المدنية بماديتها ومعانيها - فقد ولدت عقب الاحتلال الإنجليزي بنحو أربع ~~سنوات، ولم يكن الفرنج قد بثوا مدنيتهم إلا في أوساط قليلة من الشعب، هي أوساط بعض من يحتك ~~بهم من الأرستقراطيين وأشباههم. أما الشعب نفسه - وخاصة الأحياء الوطنية كحينا - فلم يأخذ ~~بحظ وافر منها، فحارتنا ليس فيها من يتكلم كلمة أجنبية، بل ليس فيها من يلبس البدلة ~~والطربوش إلا عددا قليلا جدا من الموظفين. وليس في بيوتها أثر من وسائل الترف التي أنتجتها ~~المدنية الحديثة. وليس فيها من يقرأ كتابا حديثا مترجما أو مكتوبا بالأسلوب الحديث. ومن ~~يقرأ منهم فإنما يقرأ القرآن والحديث والقصص القديمة كألف ليلة وعنترة، أو الكتب الأدبية ~~الخفيفة، ككليلة ودمنة، والمستطرف في كل فن مستظرف. # ولم تكن قد سادت النزعة الأوربية التي لا تقدر الجوار فيسكن الرجل منهم بجوار صاحبه ~~السنين ولا يعرف من هو بل قد يسكن معه في بيت واحد أو في شقة بجانب شقته ولا يكلف نفسه ~~مئونة التعرف به والسؤال عن حاله، إنما كانت تسود النزعة العربية التي تعد الجار ذا شأن ~~كبير في الحياة، فكان أهل حارتنا كلهم جيرانا يعرف كل منهم شئون الآخرين وأسماءهم ~~وأعمالهم، ويعود بعضهم بعضا عند المرض، ويعزونهم في المآتم ويشاركونهم في الأفراح، ~~ويقرضونهم عند الحاجة ويتزاورون في «المناظر» فكل بيت من طبقة الأوساط كانت فيه حجرة بالدور ~~الأرضي أعدت لاستقبال الزائرين تسمى «المنظرة» وينطقونها بالضاد، ويتبادل ms019 في هذه «المناظر» ~~أهل الحارات الزيارات والسمر. # كانت حارتنا تشمل نحو ثلاثين بيتا، يغلق عليها في الليل باب ضخم كبير في وسطه باب صغير ~~وراءه بواب، وهذا الباب بقية من العهد القديم، يحميها من اللصوص ومن ثورات الرعاع وهياج ~~الجنود، فإذا حدث شيء من ذاك أغلق الباب وحرسه البواب، فلما استقر الأمن وسادت الطمأنينة ~~استمر فتح الباب واستغني عن البواب. # وتمثل هذه البيوت طبقات الشعب، فكان من هذه الثلاثين بيتا بيت واحد من الطبقة العليا، ~~ونحو عشرة من الطبقة الوسطى ونحو عشرين من الطبقة الدنيا. # فالغني من الطبقة العليا كان شيخا معمما، يدل مظهره على أنه من أصل تركي، وجهه أبيض ~~مشرب بحمرة، طويل عريض وقور، ذو لحية بيضاء، مهيب الطلعة له عربة بجوادين، يدقان بأرجلهما ~~فتدق معها قلوب أهل الحارة، هو نائب المحكمة العليا الشرعية وسيد الحارة، إذا حضر من عمله ~~تأدب أهلها، فلا ترفع نساء الطبقة الدنيا أصواتهن، وإذا جلس في فناء بيته تأدب الداخل ~~والخارج، وإذا تجرأت امرأة على رفع صوتها أتى خادمه الأسود فأحضرها أمام الشيخ وزجرها زجرة ~~لم تعد لمثلها، وعلى ألسنتنا نحن الأطفال: الشيخ جاء، الشيخ خرج، وبيته الواسع الكبير لا ~~يشمل إلا سيدة تركية، وخدما من الجواري السود اللاتي كن مملوكات وعبيدا سودا - فقد كان ~~في القاهرة أسواق وبيوت لبيع الجواري البيض والسود، يذهب من أراد الشراء فيقلب العبد أو ~~الجارية ويكشف عن جسدها ليرى إن كان هناك عيب، ثم يساوم في ثمن من أعجبه فيشتريه ويكون له ~~ملكا. وظل هذا الحال إلى عهد إسماعيل، فتدخلت الدول الأوربية ووضعت معاهدة لإلغاء الرقيق ~~وأعتق كل مالك رقيقه، ومع ذلك بقي كثير من العبيد والجواري في بيوت أسيادهم للخدمة ونحوها - ~~وكان يشاع فيما بيننا أن الشيخ يملك ذهبا كثيرا، وأنه يضعه في خزائن حديدية، وأنه يضع كل ~~جملة من الجنيهات في صرة، وأن له يوما في السنة يفرغ فيه هذا الذهب في طسوت مملوءة بالماء ~~ثم يغسله بالماء والصابون ثم يعده ويعيده، وكان بخيلا مع ms020 أنه لم يرزق ولدا، فلم يسمع عنه ~~أنه ساعد أحدا من أهل الحارة بشيء. ولما جاوز السبعين ماتت زوجته فتزوج شابة لعبت بماله ~~وغير ماله، وكثيرا ما يجتمع في منظرته أبي وبعض أهل العلم يتدارسون المسائل الفقهية. وفي ~~يوم المحمل أو الاحتفال بالمولد النبوي يلبس الشيخ «فرجية» مقصبة مذهبة ويركب بغلة ويذهب ~~بها إلى مكان الاحتفال، وعلى الجملة فكان المستبد في حارتنا كاستبداد أبي في بيتنا، ~~واستبداد الحكام في مصالح الحكومة. # أما الطبقة الوسطى، فكانت تتألف من موظفين في الدواوين هذا كاتب في ديوان الأوقاف، وهذا ~~كاتب في الدفترخانة، وهذا يعيش من غلة أملاكه وهكذا، دخل كل منهم في الشهر ما بين سبعة ~~جنيهات واثني عشر، يعيشون عيشة وسطا لا ترف فيها ولا بؤس، ويعلمون أولادهم في الكتاتيب ثم ~~المدارس. وكان أكبر الأثر من هذه البيوت في نفسي لبيتين بجوار بيتنا: بيت موظف في ديوان ~~الأوقاف دين لطيف مرح، فقد اتخذ منظرته مجمعا لأصدقائه من أهل الحارة وغيرهم يسمرون فيها ~~ليلا، فأحيانا يحضر مقرئا جميل الصوت يقرأ القرآن، وأحيانا يقصون القصص الفكاهية يتعالى ~~معها ضحكهم، وأحيانا يتبادلون النوادر والنكت، وكنت أتمكن أحيانا من سماع أحاديثهم فتكون ~~متعة للنفس. # والآخر كان كاتبا صغيرا في ديوان الأوقاف أيضا، ولكنه يهوى الدف والضرب عليه ويجيده، ~~ويؤلف مع زملائه تختا يدعى للأفراح والليالي الملاح، هذا يضرب على العود، وهذا على القانون ~~وهذا يغني، فكان من حين إلى حين يدعو زملاءه إلى إقامة حفلة في بيته، وكثيرا ما يكون ذلك، ~~فيقضون ليالي لطيفة في أدوار موسيقية وغناء، وكنت أغذي بها نفسي يوم لم يكن راديو ولا ~~فونوغراف - وكان رئيس البيت - وهو والد هذا المغني صالحا ظريفا لا تفوته صلاة. وكان صاحب ~~البيت الثاني وهو الفتى المغني سكيرا لا يكاد يفيق مع أن أباه كان إمام مسجد الحي. # وبيوت الطبقة الدنيا يسكنها بناء أو مبيض أو خياط أو طباخ أو صاحب مقهى صغير أو بائع جوال ~~على عربة يدفعها بيديه. وهؤلاء كثيرو الأولاد بؤساء ولا يشعرون ms021 ببؤسهم. يعيشون أغلب أيامهم ~~على الطعمية والفول المدمس والبيسار والسمك يشترى مقليا من الدكان، وقليلا ما يستطيعون أن ~~يطبخوا، كما أن أولادهم لا يعلمون في كتاب ولا مدرسة. وإنما يتركون ليكبروا فيعملوا عمل ~~آبائهم. نساؤهم قد يجلسن سافرات على باب البيت، وكثيرا ما تقوم بينهن الخصومات فيتبادلن ~~السباب أشكالا وألونا. ويستعملن في سبابهن كل أنواع البلاغة من حقيقة ومجاز وتشبيه واستعارة ~~وكناية، ويتناولن فيه الآباء والأمهات والأعراض والتعبير بالفقر وبالفجور وفظائع الأمور، ~~ويطول ذلك ويقصر تبعا للظروف وقد يتحول السباب إلى ضرب، ويتحول تضارب النساء إلى تضارب ~~الرجال - ولولا الشيخ في حارتنا لكان من ذلك الشيء الكثير. # ولكن مع اختلاف هذه الطبقات فقد كنا - نحن الأطفال - ديمقراطيين، لا نقيم كبير وزن لغنى ~~ولا فقر ولا تعلم ولا جهل، فكنا نلعب سواسية، ونتخاطب بلغة واحدة ليس فيها تكبر ولا ضعة، ~~وكان أحب أصدقائي إلي ابن كاتب في الدفترخانة وابن صاحب مقهى وابن فقيه كفيف يقرأ في البيوت ~~كل يوم صباحا. # وكان من أعجب الشخصيات في حارتنا «الشيخ أحمد الشاعر» رجل بذقن طويل أسود، يلبس جلبابا ~~أبيض وعمامة، ويتأبط دائما كتابا لف في منديل أحمر، له صوت أجش، وظيفته التي يعيش منها ~~أنه بعد صلاة العشاء يذهب إلى مقهى قريب من الحارة ويصعد فوق كرسي عال، يجلس عليه ويتحلق ~~حوله الناس، ثم يفك المنديل ويخرج الكتاب وهو قصة عنترة أو «الزير سالم» أو «الظاهر بيبرس» ~~ويقرأ فيه بصوته العالي. متحمسا في موضع التحمس متخاذلا في موضع التخاذل، مغنيا بما يعرض ~~من الشعر فإذا كان في القصة بطلان تحمس فريق لبطل وتحمس فريق لآخر. وقد يرشوه أحد الفريقين ~~ليقف في نهاية الجلسة على موقف رائع لبطله - وله أجر من صاحب المقهى لأنه يكون سببا ~~لازدحام مقهاه بالزائرين. # ولكن أعجب من هذا «الشيخ أحمد الصبان»، لقد كان يبيع الفحم في دكان على باب الحارة، وكانت ~~حالته لا بأس بها، ثم دهمه الزمن الذي لا يرحم، فعمي وكسدت تجارته ولم يجد له مرتزقا، وهجر ~~بيته ms022 الكبير وسكن حجرة أرضية هو وزوجته يأكلان من الصدقة، فما هو إلا أن سكنت جسمه العفاريت ~~وصار يغيب عن الوجود حينا، ثم يتغير صوته العادي ويتكلم بصوت جديد يخبر به عن المغيبات، ~~وإذا هو يصير الشيخ أحمد الصبان، بعد أن كان عم أحمد؛ وإذا هو يشتهر في الحارة بأنه يعلم ~~الغيب ويخبر بالمستقبل، وفي قدرته بواسطة التعازيم والأحجبة أن يحبب الزوجة إلى زوجها ~~والزوج إلى زوجته، وأن يخبر بالولد المفقود والمال المسروق؛ ثم ينتقل الخبر من حارتنا إلى ~~ما جاورها وإلى ما وراء ذلك. فكان الناس يأتونه من مكان سحيق ليشهدوا عجائب الشيخ أحمد ~~الصبان. واتسع رزقه وصلح حاله، وانتقل من حجرته الضيقة إلى مسكن فسيح، وانقسم فيه أهل ~~الحارة قسمين: قليل منهم يقول إنه نصاب وكثيرون يقولون «سبحانه ما أعظم شأنه، يضع سره في ~~أضعف خلقه»؟!.. # كانت نسبة المواليد في الحارة نسبة عكسية مع الطبقات، فأفقر الطبقات أكثرها عددا؛ تلد ~~سيدة ستة أو ثمانية أو عشرة والبيت الغني الوحيد ليس به ولد - وكما كثر عدد المواليد كثر ~~عدد الوفيات، فالحالة الصحية أسوأ ما يكون، لا عناية بنظافة ماء ولا بنظافة أكل؛ وهم لا ~~يعرفون طبيبا، وإنما يمرض المريض فيعالجه كل زائر وزائره - كل يصف دواء من عند العطار جربه ~~فنجح، والمريض تحت رحمة القدر. وقد يصاب أحد بالحمى فيزوره كل من أراد، ويسلم عليه ويجلس ~~بجانبه طويلا، ويحدثه طويلا، فتكون العدوى أمرا سهلا ميسورا، ولذلك كان كثيرا ما يتخطف ~~الموت أصدقائي من الأطفال حولي. # لا تعجبن من هالك كيف ثوى # بل فاعجبن من سالم كيف نجا # ومنظر آخر عجيب شاهدته في صباي ثم انقرض، ذلك أن فتيان حينا ممن يشتغلون في الحرف ~~والصنائع قد يتخاصمون مع فتيان أمثالهم من الحي الآخر، كأن يتخاصم حي المنشية مع حي ~~الحسينية، فيتواعدون على الالتقاء في جبل المقطم في يوم معين، ويجتمعون إذ ذاك فينقسمون إلى ~~معسكرين، معسكر المنشية ومعسكر الحسينية، وتقوم الحرب بينهما، وأدوات الحرب الطوب والحجارة ~~الصغيرة والعصي الغليظة. وتشتد المعركة ms023 وتسفر عن جرحى أو أحيانا عن قتلى وشاهدت هذا المنظر ~~يوما فرعبت منه، حتى إذا أمسى المساء وقف القتال وتواعدوا على يوم آخر، وطووا صدورهم على ~~الانتقام والأخذ بالثأر، وتمتد الخصومة وراء المعسكرين، فيتربص أهل المنشية لزفة عريس من ~~أهل الحسينية ويفاجئونهم في أشد أوقات فرحهم، وينهالون عليهم ضربا، ويقلبون الفرح غما، ~~وهكذا دواليك. # وعلى رأس كل مجموعة من الحارات سوق، فيها كل ما تحتاجه البيوت، وهو يمثل الوحدة ~~الاقتصادية للأمة. وبجانب السوق كل مرافق الحياة الاجتماعية: مكتب لتعليم الأطفال، ومسجد ~~لصلاة أهل الحي، وحمام للرجال أياما، وللنساء أياما، ومقهى يقضون فيه أوقات فراغهم، ~~ويتناولون فيه كيوفهم، من قهوة وشاي وتنباك ونحو ذلك. وفي الحي مقاه متعددة، منها ما يناسب ~~الطبقة الدنيا، ومنها ما يناسب الطبقة الوسطى وهكذا. فقل أن يحتاج أهل الحي إلى شيء أبعد من ~~حيهم، ومن أجل هذا كانت دنياي في صباي هي حارتي وما حولها. وأطول رحلة أرحلها خارج حينا ~~كانت يوم تذهب أمي وتأخذني معها إلى الغورية أو حي الموسكي لشراء الأقمشة، أو تأخذني إلى ~~بيت خالي قريبا من باب الخلق، وهذه كل دنياي. # كانت الحارة وما حولها مدرسة لي، تعلمت منها اللغة العامية القاهرية الصميمة، من ألفاظها ~~وأساليبها وأمثالها وزجلها. وكان حينا - كما قلت - يمثل الحياة القاهرية الخالصة، فمثلها ~~مثل مراكز اللغة الفصيحة التي كان يرحل إليها علماء اللغة لعليا قيس وسفلى هوازن، وتعلمت ~~منها كل العادات والتقاليد البلدية، ورأيت كيف تقام الأفراح عند الطبقة الدنيا وكيف يفرحون ~~ويمرحون وكيف يغنون وما يغنون، ورأيت الفروق في كل ذلك بين عادات الطبقة الدنيا والوسطى ~~والعليا، ورأيت كيف تقوم لذائذ الحياة وآلامها عند كل طبقة. # ومرة شاهدت حفلة «زار» لسيدة تدعي أنه ركبها عفريت سوداني فاجتمعت السيدات عندها والأطفال ~~وحضرت شيخة الزار وهي المسماة بالكدية وأعوانها من السيدات والرجال بطبولهم وطبولهن وبدءوا ~~في ضرب على الطبل على نغمة «يا سلام سلم» فلم يتحرك أحد لأن الأعصاب لم تكن خمدت بعد ثم طلب ~~إلى الكودية أن تضرب ms024 نغمة سودانية على نغمة «صلوات الله عليه وسلم» فبدأ بعض الحاضرات يترنح ~~ويفقر وبعضهن يرقص رقصا بديعا على الأسلوب الحديث في الرقص فهن يهززن رءوسهن ويدلين ~~شعورهن مرة ويرفعن رءوسهن ليدلين شعورهن مرة أخرى وادعى بعضهن وقد يكون صحيحا أنهن فقدن ~~الوعي وأن حركاتهن تأتي عن غير شعور، وأطلق البخور في بيت صاحبة الزار مما هدأ الأعصاب وحرك ~~النفوس، ثم ذبح خروف وأفراخ وغمست بعض ثياب السيدة في الدم ووضعت عليها وفي كل ذلك كانت ~~تغني الكدية وأتباعها بأغان ذات كلمات أعجمية لم أتبينها، ومع المحاولات الكثيرة في أن أفقر ~~كما يفقرن لم تتحرك أعصابي ولم تهتز نفسي، وكان منظرا غريبا جميلا وادعت فيه سيدة الزار ~~بعد ذلك أنها قد هدأت أعصابها وشفيت من مرضها، والظاهر أن مرضها كان مرض وهم زال بالزار ~~الذي هو عمل الوهم. وهكذا شاهدت في الحارة الزار والأفراح والمآتم واستفدت من كل ما سمعت ~~ورأيت. # ثم رأيت المعاملات الاقتصادية بين أهل الحارة وأهل السوق، والشعائر الدينية تقام في ~~المسجد، والحمامات يستحم فيها الرجال والنساء، كل ذلك كان دروسا عملية وتجارب قيمة لا ~~يستهان بها، فإذا أنا قارنت بين نفسي في تجاربي هذه التي استفدتها من حارتي، وأولادي في مثل ~~سني التي أتحدث عنها وقد ربوا تربية أخرى، فلا جيران يعرفون، ولا بأهل حارة يتصلون، ولا مثل ~~هذه العلاقات التي ذكرتها يشاهدون؛ أدركت الفرق الكبير بين تربيتنا وتربيتهم، وكثرة تجاربنا ~~وقلة تجاربهم، ومعجم لغتنا ومعجم لغتهم، ومعرفتنا بصميم شعبنا وجهلهم. # | الفصل السابع # أما المدرسة الثالثة فكانت الكتاب. وقد كان في ذلك العصر كتاتيب ومدارس ابتدائية وثانوية ~~قليلة، راقية بعض الرقي. ولكن هذه الكتاتيب الراقية كانت بعيدة عن بيتي، فاختار لي أبي أقرب ~~كتاب، يكاد يكون على باب حارتي، هي حجرة متصلة بالمسجد # 1 # وبجانبها دورة مياهه، وأثاث هذه الحجرة حصير كبير بال، قد انسلت منه بعض ~~عيدانه، وزير فيه ماء يكاد يسود من الوسخ، عليه غطاء من الخشب، قد ثبت في الغطاء حبل طويل ~~ربط فيه ms025 كوز ليستقي منه الشارب ويتناول الكوز ليشرب منه النظيف والقذر والمريض والصحيح، ~~وصندوق صغير من صناديق الجاز وضعت فيه ألواح بعضها صفيح قد صدئ وبعضها خشب قد زال طلاؤه. ~~كتب عليها بعض آيات القرآن بالحبر الأسود فلا تكاد ترى، وشيخ قد لبس العمامة وقباء من غير ~~جبة وبيده عصا طويلة، ومسمار كبير في الحائط علقت فيه «الفلقة» وهي عصا غليظة تزيد قليلا عن ~~المتر، ثقب فيها ثقبان ثبت فيهما حبل، فإذا أراد سيدنا ضرب ولد أدخلت رجلاه في هذا الحبل ~~ولويت عليهما الخشبة، فلا تستطيع القدمان حركة، ونزل عليهما سيدنا بالعصا. ثم عود من الجريد ~~طويل يستطيع سيدنا أن يضرب به أقصى ولد في الحجرة، وهذا كل أثاث الكتاب - نذهب إليه صباحا، ~~ونجلس على هذا الحصير متربعين متلاصقين، ويأخذ كل منا لوحه من الصندوق، وكان لوحي جديدا، ~~إذ كنت مبتدئا، وكان لسيدنا عريف يساعده في كتابة الألواح للأطفال ويقوم مقامه إذا غاب كما ~~يساعده في مد رجل الطفل في الفلقة عند الحاجة، ويقرأ كل تلميذ في لوحه حسب تعلمه، هذا يقرأ ~~ألف باء وهذا سورة الفاتحة وهذا سورة تبارك وهكذا. فإذا فرغنا من قراءة الدرس الجديد استمع ~~لنا الماضي وهو ما حفظناه من القرآن في الدروس، فإذا جاء وقت الغداء أخذ سيدنا من كل ولد ~~قرشا أو نصف قرش أو مليما حسب مقدرته، وبعث سيدنا العريف فأحضر له ماجورين أخضرين: في ~~أحدهما فول نابت ومرقة وفي الآخر مخلل ومرقة. والتف التلاميذ حولهما بعد أن أحضروا خبزهم ~~الذي جاءوا به من بيوتهم، وأخذت أيديهم تغوص باللقمة في مرقة الفول أحيانا وفي مرقة المخلل ~~أحيانا. ولا بأس أن يكون في الأولاد مريض وصحيح وقذر ونظيف وملوث وغير ملوث. فعلى الله ~~الاتكال، والبركة تمنع من العدوى. وإذا قرأنا وجب أن نهتز وأن نصيح، فمن لم يهتز أو لم يصح ~~لم يشعر إلا والعصا تنزل عليه فيصرخ ويصيح بالقراءة والبكاء معا، ونبقى على هذه الحال إلى ~~قرب العصر فنخرج إلى بيوتنا؛ ومن حين لآخر ms026 يمر أبو الطفل على سيدنا فيسأله عن ابنه ويطلب ~~منه أن «ينفض له الفروة»، وهذا اصطلاح بين الآباء وفقهاء الكتاب أن يشتدوا على الطفل ~~ويضربوه، فلا تعجب بعد ذلك إذا وجدت أرواحا ميتة ونفوسا كسيرة. ومن أجل هذا كان أكره شيء ~~علينا الكتاب واسم الكتاب وسيدنا؛ بل أذكر مرة أني كنت في البيت آكل مع أمي وإخوتي، فما ~~أشعر إلا وقد انتفضت من غير وعي، لتوهمي أن عصا سيدنا نزلت علي لأني لم أهتز، وكان أكره ما ~~أكره يوم السبت صباحا عند الذهاب إلى الكتاب، وأحب ما أحب يوم الخميس ظهرا لأنه سيلحقه ~~يوم الجمعة وفيه لا كتاب. # وختمت في هذا الكتاب ألف باء على طريقة عقيمة جدا، فأول درس كان ألف (ألف لام فاء) وهو ~~درس حفظته ولم أفهمه إلا وأنا في سن العشرين، إذ كان معنى ذلك أن كلمة الألف مركبة من ألف ~~ولام وفاء، من أجل ذلك كرهت هذا الكتاب وهذا التعليم وسيدنا، وتنقلت في أربعة كتاتيب من هذا ~~القبيل كلها على هذه الصورة، لا تختلف إلا في أن الحجرة واسعة أو ضيقة، وأن سيدنا لين أو ~~شديد. وأنه أعمى العينين أو مفتوح العينين، أما أسلوب التعليم فواحد في الجميع. # وذهبت إلى الكتاب الثاني وكان سيدنا فيه رجلا غريب الأطوار يعقل حينا ويجن حينا، ويشتد ~~ويلين، ويضحك ويبكي، وإذا سار في الشارع جرى فضحك من جريه الصغار، لا أذكر ماذا فعلت فنادى ~~ولدين قويين وأدخلا رجلي في الفلقة وأمسك بعصا من جريد النخل وأخذ يهوي بها على قدمي بكل ~~قوته حتى شق قدمي شقا طويلا وتفجر الدم منها، ثم أسلمني لهذين الولدين يحملانني إلى بيتي، ~~وكان هذا آخر العهد بهذا الكتاب. # على كل حال لبثت في هذه الكتاتيب الأربعة نحو خمس سنوات حفظت فيها القراءة والكتابة، وكان ~~لي من حجرة أبي في البيت يوم الجمعة وفي أوقات الفراغ كتاب آخر. سيدنا فيه هو أبي، أحفظ فيه ~~جديدا وأسمع فيه قديما. # فأين ذلك مما نحن فيه الآن، الأطفال ms027 في مثل طبقتي، إنهم يذهبون إلى رياض الأطفال فتعلمهم ~~سيدات مهذبات أو آنسات ظريفات، يعلمن على أحدث طراز من البداجوجيا. ويتدرجن بهم من اللعب ~~إلى القراءة، ويتحايلن على تشويق الطفل إلى الألف والباء، ويسرقن التعليم عن طريق الصور أو ~~القصص أو نحو ذلك، ويقلبن ما كنا فيه من عيش جاف إلى حلوى. وأكثر أوقات النهار مرح ولعب، ~~ودروس كأنها لعب، وأناشيد ظريفة وموسيقى لطيفة، وطبيب يزور المدرسة كل يوم، ومريض لا يحضر ~~إلى المدرسة إلا بعد أن يأتي بشهادة أنه صحيح، والعلم يعطى كما يعطى كوب من الشربات، ~~وبسكويت ولبن وشاي بدل الفول النابت والمخلل، وضرب على «البيان» بدل الضرب على الأبدان، ~~ونحو ذلك من ضروب النعيم. ولكن على كل حال أخشى أن نكون أفرطنا في أيامنا في الخشونة ~~وأفرطنا أيام أبنائي في النعومة، والحياة ليست جدا محضا ولا هزلا محضا ولا نعيما صرفا ~~ولا شقاء صرفا، وخير أنواع التعليم ما صور صنوف الحياة. # ولم يكن لي سلوى في هذا الدور من الحياة إلا لعبي في الحارة مع زملائي بعض الوقت، فنلعب ~~«البلي» وكرة اليد ونتسابق في الجري ونحو ذلك، ثم أحاديث جدتي في البيت وقراءة أخي علينا ~~بعض كتب القصص، ثم لا شيء غير ذلك. # | الفصل الثامن # كل شيء حولي كان كفيلا أن يميت الذوق ويبلد الحس ويقضي على الشعور بالجمال؛ فحارتنا - إذا ~~تجاوزت بيت الشيخ - متربة، لا يمسها الماء إلا إذا أنزل المطر أحالها بركا، وإلا ما يفعله ~~السكان - من حين إلى آخر - إذ يفتحون شبابيكهم ويقذفون منها بما تجمع من ماء غسل الثياب أو ~~غسل الصحون وأحيانا لا تتحرى السيدة ما تفعل فينزل هذا الماء القذر على بعض المارة فيكون ~~النزاع ويكون السباب. وشوارعنا قذرة لا يعنى فيها بكنس ولا رش، وإذا كنست أو رشت فالمارة ~~خليقون أن يفسدوا كل شيء في لحظة، فورق يرمي حيثما اتفق، وقشور ومصاصات قصب وروث بهائم ونحو ~~ذلك، فإذا الشوارع بعد ساعة مزبلة عامة؛ وبيتنا لم يكن يعنى بتربية الذوق أية ms028 عناية، فليس ~~فيه لوحة جميلة ولا صورة فنية، ولا أثاث منسق جميل، ولا زهرية ولا أزهار، وكل ما أذكره من ~~هذا القبيل أن أبي كان يشتري في موسم النرجس بعضا من أزهاره ويضعه في كوب من الماء على ~~الشباك، ويشمه من حين لآخر، ولست أدري لماذا أعجب بالنرجس وحده وموسمه قصير، وليس أجمل ~~الزهور؟ ولماذا لم يعجب بالورد والياسمين وهما أجمل وأرخص وموسمهما أطول؟ وربما أن السبب في ~~ميله إلى النرجس دون غيره ليس لذوق ولا حب للجمال، ولكن أظن أنه قرأ حديثا يمدح النرجس ~~بأنه يمنع من البرسام، والبرسام هو لوثة من الجنون، فظل الحديث يعمل في نفسه، ولذلك كان ~~يشتريه. # ولكن ماذا تعمل هذه اللفتة القصيرة بجانب ما يغمرنا من قبح، في الحارة والشارع والكتاتيب ~~وما فيها من منظر الحصير ومنظر سيدنا ومنظر الزير والمواجير؟ لقد كانت كل هذه تكفي لإماتة ~~الشعور بكل جمال، والشعور بالجمال أكبر نعمة، وتربية الذوق خير ما يقدم إلى الناشئ حتى من ~~ناحية تقويم أخلاقه. # على كل حال، أحمد لأبي أن أخرجني من هذه الكتاتيب الكريهة، وأدخلني مدرسة ابتدائية هي ~~مدرسة «أم عباس» أو كما تسمى رسميا «والدة عباس باشا الأول» أو كما تسمى اليوم مدرسة ~~بنباقادن. كانت مدرسة نموذجية، بنيت على أفخم طراز وأجمله: أبهاء فسيحة فرشت أرضها بالمرمر ~~وحليت سقوفها بالنقوش المذهبة، وفي أعلى المدرسة من الخارج إطار كتبت عليه آيات قرآنية ~~كتبها أشهر الخطاطين بأحسن خط. وموهت بالذهب؛ فكان هذا الجمال الجديد عزاء لذلك القبح ~~القديم. # ولبست بدلة بدل الجلباب، ولبست طربوشا بدل الطاقية وأحسست علوا في قدري، ورفعة في ~~منزلتي، وخالطت تلاميذ الطبقة الوسطى أو العليا لا نسبة بينهم في نظافتهم وجمال شكلهم وبين ~~أبناء الكتاتيب وأبناء الحارة. # كانت المدرسة يصرف عليها من أوقاف رصدتها عليها والدة عباس الأول فتلاميذها بالمجان، ولها ~~بعض التقاليد الخاصة بها فيجمع بعض التلاميذ مرتين في السنة، ويذهبون إلى قصر الوالدة ~~لتوزع عليهم بدلتان، بدلة للشتاء وبدلة للصيف ثم يخرجون إلى الشارع بملابسهم الجديدة ms029 ~~إعلانا لما تسدي الواقفة من خير ، وفي المواسم يذهبون إلى مدفن الواقفة، ويقرءون على روحها ~~الفاتحة، وما تيسر من الدعوات ثم يوزع عليهم الفطير والحلوى. # وشهدت في هذه المدرسة ثلاثة تطورات للتعليم. ولعلها كانت هي تطورات التعليم في مصر. فقد ~~كانت المدرسة لتعليم القرآن وشيء من الحساب واللغة العربية والتركية، ثم انكمش هذا النوع من ~~التعليم فأصبح فصلا واحدا بعد أن كان يعم المدرسة كلها وسمي قسم الحفاظ وأنشئت بجانبه فصول ~~على النمط الحديث، تعلم فيها الجغرافيا والتاريخ والحساب مع اللغة الفرنسية، وقد نمت هذه ~~الفصول حتى اكتسحت قسم الحفاظ؛ وشهدت بالمدرسة قبل خروجي منها منظرا جديدا، فقد رأيتهم ~~يجمعون الطلبة الضعاف في اللغة الفرنسية لينشئوا بهم فصولا لتعليم اللغة الإنجليزية، ثم ~~اكتسحت اللغة الإنجليزية اللغة الفرنسية. # دخلت أولا قسم الحفاظ وبعد سنة تحولت إلى قسم اللغة الفرنسية في السنة الثانية. # وقد وضع لي أبي برنامجا مرهقا لا أدري كيف احتملته. كان يوقظني في الفجر فأصلي معه، ثم ~~أقرأ جزءا من القرآن وأحفظ متنا من المتون الأزهرية كألفية ابن مالك في النحو، حتى إذا ~~طلعت الشمس أفطرت ولبست ملابسي وذهبت إلى المدرسة أحضر دروسها إلى الظهر. وفي فسحة الظهر ~~أتغدى في المدرسة على عجل وأذهب إلى كتاب بمسجد شيخون قريب من المدرسة. وقد اتفق أبي مع ~~فقيه الكتاب أن يسمع مني جزءا من القرآن حتى إذا ما أتمته سمعت جرس المدرسة فذهبت إلى ~~الفصل. ثم أحضر حصص المدرسة بعد الظهر، فإذا دق الجرس النهائي خرجت إلى البيت وخلعت ملابسي ~~المدرسية ولبست جلبابا وذهبت إلى المسجد الذي أبي إمامه # 1 # فمكثت معه من قبيل المغرب حتى يصلي العشاء أستمع لدرسه الذي يلقيه في المسجد ~~بين المغرب والعشاء، ثم أعود معه إلى البيت، وفي أثناء الطريق يحفظني بيتا من الشعر أو ~~بيتين ثم يسألني إعرابه فأعربه، ويصحح لي خطئي، كل ذلك ونحن سائران في الطريق، ثم أتعشى ~~وأنام. # وإذا كان علي واجب من المدرسة أتممته على عجل قبل أن أذهب إلى أبي ms030 في المسجد، وليس لي من ~~الراحة إلا عصر يوم الخميس ويوم الجمعة. على أني كثيرا ما أحرم أيضا من صبح يوم الجمعة ~~لعمل واجبي المدرسي، أو القراءة مع أبي. # وهو برنامج غريب متناقض الاتجاه. سببه أن أبي كان حائرا في مستقبلي، أيوجهني إلى الجهة ~~الدينية فيعدني للأزهر، أو يوجهني الوجهة المدنية فيعلمني في المدرسة الابتدائية والثانوية. ~~وكنت أدرك حيرته من كثرة استشارته لمن يتوسم فيه حسن الرأي. وهم لا ينقذونه من حيرته؛ فمنهم ~~من يشير بهذا، ومنهم من يشير بذاك، فأمسك العصا من وسطها. فكان يعدني للأزهر بحفظ القرآن ~~والمتون، ويعدني للمدارس المدنية بدراستي في المدرسة. وهذا أسوأ حل، ولكن جزاه الله خيرا ~~على تعبه المضني في التفكير في مستقبلي. وغفر الله له ما أرهقني به في دراستي. # كان هذا الضغط الشديد مثارا لثورتي أحيانا. فربما كنت أهرب من فقيه المكتب ظهرا، أو من ~~الذهاب إلى أبي عصرا، أو أدعي المرض وليس بي مرض، ولكن إذا اكتشف هذا كان جزاؤه الضرب ~~الشديد، فتخمد ثورتي؛ ولقد جربت أمي حظها. فكانت تتدخل في الأمر حين يضربني، ولكنها رأت ~~أنها إن تدخلت حين هذا الغضب الشديد والضرب الشديد، فقد يتحولان إليها.. فكان إذا حدث هذا ~~فيما بعد اكتفت بالصراخ والعويل من بعيد. # استمررت في هذه المدرسة، وكنت متفوقا في اللغة العربية بفضل ما آخذه من الدروس على ~~والدي، وفوق المتوسط في الحساب، وضعيفا في اللغة الفرنسية، لأن أبي لم يترك لي الزمن ~~الكافي لمذاكرتها. # تعلمت من المدرسة دروسها، وتعلمت من التجارب أكثر من دروسها، فلعبي مع التلاميذ، ومبادلتي ~~إياهم العواطف، ورؤيتي إياهم يتصرفون في الأمور تصرفا مختلفا حسب مزاجهم وعقليتهم، يغضبون ~~أو يحلمون، ويثورون أو يهدءون، ويظلمون أو يعدلون - كل هذه كانت دروسا في الحياة أكبر من ~~دروس العلم، بل المدرسون أنفسهم كانوا معرضا لطيفا، فيه الجمال والقبح، والرعونة ~~والسكينة، وما شئت من ألوان الحياة - كان مدرس اللغة الفرنسية بطيء الحركة، ثقيل اللسان، ~~معوجه، جاحظ العينين أحمرهما من أثر الحمار لا يكترث لدرسه، ms031 ولا لتلاميذه، سواء عنده ذاكروا ~~أو لم يذاكروا، تقدموا أو لم يتقدموا. ومدرس الحساب كفء في مادته، مهتم بطلبته، يبذل أقصى ~~جهده في درسه، ولكنه غريب الأطوار، يهيج أحيانا ويشتد غضبه فيضرب، وقد يشتد ضربه فيكسر أو ~~يجرح، ويكون في منتهى اللطف والظرف أحيانا، فيستغرق في الضحك لأتفه سبب، وقد يحدثنا عن ~~دخائل بيته، وأسرار نفسه مما لم تجر العادة بذكره. ومدرس اللغة العربية من الصنف الذي نسميه ~~«ابن بلد» يحول كل شيء إلى نكتة، ونكتة رائعة جميلة مؤدبة، لا يؤذي ولا يضرب، ولكنه ينتقم ~~أحيانا من التلميذ بالسخرية والنكتة اللاذعة. ومدرس الدين رجل سوري يلبس لباس الشاميين، ~~جبة وقباء، وطربوش تركي، معمم عمة سورية، طويل عريض بدين، ثقيل الروح، يستثقله المدرسون ~~والطلبة على السواء. وبعض المدرسين يحرضوننا على معاكسته، فكنا نبذل جهدنا في حصته لاستخراج ~~أفانين العبث به؛ ونفرح لدرسه لأنه مثار السخرية والضحك. ومدرس الخط رجل تركي، جميل الوجه، ~~بهيج الطلعة، له لحية بيضاء، تستخرج من ناظرها الإكبار والإجلال، يلبس اللباس التركي الشرقي ~~ويتكلم العربية بلهجة تركية، هادئ الطبع، بطيء الحركة خافت الصوت لا يضرب ولا يؤذي ولا يسب، ~~وهو مع ذلك محترم، لا تسمع في حصته صوتا. وناظر المدرسة رجل طيب ولكنه لا يفقه شيئا من ~~أساليب التربية، ضبط مرة تلميذا يسرق كراسا فأخذه وعلق في رقبته لوحة من الورق المقوى، ~~كتب عليها بخط الثلث الكبير «هذا لص» حتى إذا وقف الطلبة في طابور العصر أمسكه الناظر بيده، ~~ومر به على التلاميذ ليؤدبه والحق أنه لم يؤدبه ولكن قتله، فلم أر هذا التلميذ يعود إلى ~~المدرسة بعد. وأغلب الظن أنه انقطع عن المدارس بتاتا. # وهكذا كانت المدرسة بتلاميذها ومدرسيها وناظرها تمثل رواية مملوءة بالحياة والحركة ~~والمناظر تكون أحيانا مأساة، وأحيانا ملهاة. # كنت في هذه السن متدينا شديد التدين. وكان بالمدرسة مسجد صغير أعد إعدادا حسنا، فكنت ~~أصلي فيه الصلوات لأوقاتها. وكنت أقوم الليل وأتهجد وأحب الله وأخشاه. وتنحدر الدموع من ~~عيني أحيانا في ابتهالاتي، وأسجد فأطيل السجود ms032 والدعاء، وأحفظ أدعية من الابتهالات ~~والتوسلات. ومن شدة فكري في الله رأيته في منامي مرة، على شكل نور يغمر الغرفة ويخاطبني ~~قائلا: اطلب ما أدلك به على قدرتي فطلبت أن يعمل من قطعة حديد سكينا، ومن قطعة خشب شباكا، ~~ففعل. فآمنت بقدرته وحكيت المنام لأهلي، ففرحوا به فرحا عظيما، وزادوا في محبتي. # واستمررت في دراستي في المدرسة، فانتقلت من السنة الثانية إلى الثالث ومن الثالثة إلى ~~الرابعة، وأبي لا يهدأ من التفكير أيتركني أكمل دراستي، أم يخرجني من المدرسة ويدخلني ~~الأزهر، ويسألني فأجيبه: «أحب أن أبقى في المدرسة»، ويسأل من يعرفه من موظفي الحكومة ~~فيوصونه ببقائي في المدرسة. ويسأل من يعرفه من مشايخ الأزهر فيوصونه بإدخالي الأزهر؛ ويتردد ~~ويتردد ثم يستخير الله ويخرجني من المدرسة إلى الأزهر. # | الفصل التاسع # ها أنا في سن الرابعة عشرة تقريبا، يلبسني أبي القباء والجبة والعمة والمركوب بدل البدلة ~~والطربوش والجزمة، ويكون منظري غريبا على من رآني في الحارة أو الشارع، فقد عهدوا أن ~~العمامة لا يلبسها إلا الشاب الكبير أو الشيخ الوقور أما الصغير مثلي فإنما يلبس طربوشا أو ~~طاقية، ولذلك كانوا كثيرا ما يتضاحكون علي فأحس ضيقا أو خجلا أو أتلمس الحارات الخالية من ~~الناس لأمر بها: والمصيبة الكبرى كانت حين يراني من كان معي في المدرسة، فقد كان يظن أني ~~مسخت مسخا وتبديت بعد الحضارة، وكأن الذي يربط بيني وبينهم هو وحدة لبسي ولبسهم لا طفولتي ~~وطفولتهم، ولا زمالتي وزمالتهم، فنفروا مني مع حنيني إليهم، وسرعان ما انقطعت الصلة بيني ~~وبينهم، فانقبض صدري لأني فقدت أصدقائي القدامى ولم أستعض عنهم أصدقاء جددا، فكنت كالفرع ~~قطع من شجرته أو الشاة عزلت عن قطيعها، أو الغريب في بلد غير بلده. وتضرعت إلى أبي أن ~~يعيدني إلى مدرستي فلم يسمع، وأن يعفيني من العمة فلم يقبل، وما آلمني أني أحسست العمامة ~~تقيدني فلا أستطيع أن أجري كما يجري الأطفال ولا أمرح كما يمرح الفتيان، فشخت قبل الأوان، ~~والطفل إذا تشايخ كالشيخ إذا تصابى كلا المنظرين ms033 ثقيل بغيض، كمن يضحك في مأتم أو يبكي في ~~عرس. # ولم يكن أمامي إلا أن أحتمل على مضض. # هذا أبي يأخذني معه كل صباح يوم فأسير في شوارع لا عهد لي بها، وأمشي فأطيل المشي، لا كما ~~كان العهد يوم كنت في المدرسة، إذ كانت بالقرب من بيتنا، وأخيرا أصل إلى بناء كبير، فيقول ~~أبي هذا هو الأزهر، ولا أدري كيف كان وقع هذه الكلمة على نفسي، فالأزهر شيء غامض لا أعلم ~~كنهه ولا نظامه ولا منهجه ولا مستقبله؛ أقدم عليه في هيبة وغموض، وأسمع عند الباب صوتا ~~غريبا، دويا كدوي النحل يضرب السمع ولا تستوضح له لفظا، فتأخذني الرهبة مما أسمع، وأرى ~~أبي يخلع نعليه عند الباب ويطويهما ويمسكهما بيده فأعمل مثل عمله، وأسير بجانبه قليلا في ~~ممشى قصير، أدخل منه على إيوان كبير لا ترى العين آخره، فرش كله بالحصير وامتدت أعمدته ~~صفوفا، كل عمود وضع بجانبه كرسي عال مجنح قد شد إلى العمود بسلسلة من حديد، وجلس على كل ~~كرسي شيخ معمم كأبي، بيده ملازم صفراء من كتاب، وأمامه حلقة مفرغة أحيانا وغير مفرغة ~~أحيانا، يلبس أكثرهم قباء أبيض أو جلبابا أبيض عليه عباءة سوداء، وأمامه أو بجانبه ~~مركوبه، ويمسك بيده ملزمة من كتاب كما يمسك الشيخ، والشيخ يقرأ أو يفسر والطلبة ينصتون أو ~~يجادلون وبين العمود والعمود بعض الطلبة يجتمعون فيأكلون أو يذاكرون. # تخطيت هذه الجموع في غرابة، ونظرت إليها في دهشة، وأحيانا أرى في بعض الأركان كتابا ~~ككتابي القديم. فأفهم أن الأزهر امتداد للكتاب لا امتداد للمدرسة. ثم نخرج من هذا الإيوان ~~إلى فناء الأزهر أو صحنه فأراه سماويا غير مسقوف، ومبلطا غير مفروش، وهنا وهناك فرشت ~~ملاءة بيضاء أو عباءة سوداء صفف عليها خبز ريفي وعرض في الشمس ليجف. وسألت أبي فقال إنه بعض ~~زاد المجاورين أحضروه معهم من ريفهم أو أرسله إليهم آباؤهم، فهم يشمسونه ثم يختزنونه في ~~بيوتهم. هذا هو كل الأزهر كما رأيته أول مرة. # وفهمت من هذا أني سأكون أحد ms034 هؤلاء المتحلقين، وسأجلس على الحصير كما يجلسون ، وأسمع إلى ~~هذا الشيخ كما يسمعون، وآكل في ركن من أركانه كما يأكلون، وقارنت بين حصير الأزهر ومقاعد ~~المدرس، ومدرس الأزهر ومدرس المدرسة، وفناء الأزهر حيث يشمس الخبز وفناء المدرسة حيث نلعب ~~ونمرح، فكانت مقارنة حزينة.. وأخذت إلى رواق من أروقة الأزهر. وتقدمنا إلى شيخ أخذ منا طلب ~~الالتحاق وامتحنني في القرآن فأحسنت الإجابة فقيدني طالبا، وخرجنا من باب آخر علمت بعد أنه ~~يسمى «باب المزينين» كما أن الباب الذي دخلت منه يسمى باب الصعايدة، وسمي باب المزينين لأن ~~على رأسه حوانيت حلاقين لمجاوري الأزهر وشيوخهم، ورأيت على هذا طائفة من الطلبة - من مثل ~~الذين رأيتهم يتحلقون حول الشيخ - وعلى يدهم أرغفة من الخبز يعرضونها للبيع، فسألت أبي عن ~~هذا، فقال: إن طلبة الأزهر إذا تقدموا في العلم أعطي لكل طالب أرغفة ثلاثة أو أربعة أو أكثر ~~كل يوم، وقد يزيد هذا عن حاجتهم فيبيعونه كله أو بعضه ليشتروا بما حصلوا من الثمن إداما ~~لهم، وكل عالم من علماء الأزهر له كل يوم عشرة أرغفة أو أكثر، وإذا تقدمت في العلم كان لك ~~مثل هذا، ولكنك لا تبيعه ولا تقف مثل هذا الموقف إن شاء الله. # وعدت إلى بيتي والهم يملأ قلبي، ولكن الزمن بلسم الهموم، فقد أخذ يقطع صلتي بالمدرسة ~~وبأصدقائي فيها، وينسيني ذكرياتي الماضية، ويشغل قلبي بالحياة الحاضرة، ويؤلف بيني وبين ~~البيئة الجديدة. # بعد أن يقيد الطالب في دفتر الأزهر يترك وشأنه، فهو يختار العلوم التي يدرسها، والكتب ~~التي يقرؤها، والمدرسين الذين يدرسونها، فإذا لم يرزق بمرشد يرشده غرق في هذا البحر الذي لا ~~ساحل له، وليس يعرف أحد أغاب أم حضر، تقدم في العلم أم تأخر، وليس يمتحن آخر العام فيما ~~درس، ولا يسأله أحد ماذا صنع، فإن احتاج الطالب في شأن من الشئون أن يأخذ شهادة بأنه حضر ~~الكتب الفلانية على المشايخ الفلانيين فما عليه إلا أن يكتب الورقة كما يشاء وبالكتب التي ~~يشاء وبالمدرسين الذين يشاء، ثم يمر ms035 عليهم فيوقعونها في سهولة ويسر، ولو كانت هذه أول نظرة ~~من المدرسين للطالب، ولو كانت سنة لا تتفق وهذه الكتب العويصة التي يستخرج الشهادة بسماعها، ~~فأي ضرر في ذلك «وبارك الله فيمن نفع». # وضع لي أبي برنامجا أن أحضر درسا في الفقه الحنفي صباحا - وإنما اختار فقه الحنفية ~~لأنه هو الفقه الذي يعد للقضاء، إذ يشترط في القاضي الشرعي أن يكون على مذهب الإمام أبي ~~حنيفة - وأن أجود القرآن على شيخ ضحى، وأن أحضر درسا في النحو ظهرا، وأن أحضر درسا في ~~العلوم التي كانت تسمى العلوم العصرية - وهي الجغرافيا والحساب - عصرا، وبهذا ينتهي ~~اليوم.. # ولم تكن أوقات الدروس كما عهدتها في المدرسة تؤقت بساعات النهار، إنما تؤقت بالصلوات فدرس ~~النحو عقب صلاة الظهر، ودرس الجغرافيا والحساب عقب صلاة العصر، ودرس التفسير والحديث عقب ~~صلاة الفجر، ودرس الفقه عند طلوع الشمس؛ وهناك دروس إضافية كالتي كان يلقيها الشيخ محمد ~~عبده في البلاغة أو التفسير عقب صلاة المغرب. على كل حال بدأت أسير على هذا المنهج، أصحو ~~عند آذان الفجر مهما كان الشتاء قارسا، وأصلي مع أبي، وألبس ملابسي، وأخرج من بيتي في ~~الظلام، والدنيا نائمة والأصوات هادئة، إلا صوت الديك يؤذن، أو صوت الكلب ينبح، وأسير طويلا ~~من بيتي إلى الأزهر، فلم يكن ترام ولا سيارات عامة، ولو كانت ما أسعفتني في هذا الوقت ~~المبكر، والمسافة بين بيتنا والأزهر نحو نصف ساعة على الأقل، وأحسن ما كان في الطريق باعة ~~الفطور، فإن كان اليوم فقيرا اكتفيت بطبق من «البليلة» يجلس بائعها على قارعة الطريق ~~وأمامه طست كبير مليء بالذرة المغلية الناضجة، ووضع على نار هادئة حتى يبقى ساخنا، وبجانبه ~~ماعون كبير مليء سكرا ناعما، أشتري منه بربع قرش فيملأ لي طبقا من الطست ويرش عليه من ~~السكر، فآكله وأنا واقف وأمسح فمي بالمنديل وأحمد الله وأستمر في السير، وإن كان اليوم ~~غنيا عطفت على دكان للفطير فأطلب من البائع فطيرا بقرش، فيقطع قطعة من العجين مكورة، ~~ويدحورها في لمح البصر، ms036 ويضعها في صحن ويأخذ بيده قليلا من السمن يرشه عليها، ويدخل الصحن ~~في الفرن، وبعد دقيقتين أو ثلاث يخرجها ناضجة ناضرة ويضع عليها السكر، وتقدم إلي على مائدة ~~متواضعة لا بالنظيفة ولا بالقذرة، فآكلها في لذة ونهم، فإذا فرغت منها تقدمت إلى الأمام ~~خطوة أو خطوتين داخل الدكان فأرى مقطفا صغيرا مليئا بالنخالة، فأفرك يدي بها وآخذ منها ~~فأدعك فمي وأحمد الله أكثر مما حمدته على البليلة. وإن كان يوما وسطا لا بالغني ولا ~~بالفقير عطفت على رجل بالقرب من الأزهر أبيض الوجه في حمرة، ضخم الجسم يلبس جلبابا أزرق، ~~وعلى رأسه عمة حمراء، وأمامه قفص عال مستدير، عليه صينية كبيرة من البسبوسة، قد أفرغ من ~~وسطها مربع ثم ملئ سمنا، فأعطيه نصف قرش ويعطيني مربعا من البسبوسة بعد أن يقطر عليه ~~شيئا من السمن، وإذا أراد أن يكرمني اختار لي قطعة في وسطها لوزة مقشورة. # وأصل إلى مسجد بالقرب من الأزهر قبل طلوع الشمس، أنتظر الشيخ حتى يحضر، وكانت المساجد حول ~~الأزهر تلقى فيها الدروس كالأزهر، ويختارها العلماء الذين يحبون الهدوء والاستقلال. # جاء الشيخ وجلس على كرسيه وجلسنا أمامه، وكان شيخا وقورا أنيقا في ملبسه، يشع الصلاح ~~من وجهه، جميل الوجه ذا لحية سوداء، وكان قاضيا شرعيا، اسمه الشيخ صلاح.. # وبدأ يقرأ الدرس بعد أن بسمل وحمدل ودعا بقوله: «اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا، وأنت ~~إذا شئت جعلت الصعب سهلا». وكان الكتاب الذي في يده وفي يدنا شرح الطائي على الكنز، وموضوع ~~الدرس الوضوء - قرأ المتن والشرح ففهمتهما ولكنه سبح بعد ذلك في تعليقات واعتراضات على ~~العبارة وإجابات على الاعتراضات لم أفهم منها شيئا. وبعد أن أحضرت كل ذهني ووجهت إليه كل ~~انتباهي لم أفهم أيضا، فشرد ذهني وأخذت أفكر وأستعيد في ذكرى المدرسة التي كنت فيها ودروسي ~~التي كنت أفهمها وأتفوق فيها، وأصدقائي الذين كنت أزاملهم في الفصل، وهؤلاء الطلبة الذين ~~أمامي وليس لي بهم صلة، وأسبح وأسبح في الخيال، ثم يعود ذهني إلى ما يلقيه ms037 الشيخ، فأجده في ~~الجملة نفسها وفي الاعتراضات والإجابات نفسها، ويسأل بعض الطلبة أسئلة فلا أفهم ما يسألون، ~~ويجيب الشيخ فلا أفهم ما يجيب، واستمر الحال على هذا المنوال ساعتين أو أكثر من غير أن ~~ينتقل الشيخ من هذه الجملة، وسررت عندما قال الشيخ «والله أعلم» إيذانا بأن الدرس قد انتهى. ~~وقمت وقام الطلبة يحتاطون بالشيخ، ويقبلون يده فلم أسلم ولم أقبل، وخرجت من هذا المسجد إلى ~~الأزهر نفسه. وقد اعتاد الطلبة بعد درس الفقه أن يفطروا، وينقلب إذ ذاك إيوان الأزهر وصحنه ~~وأروقته إلى موائد منتثرة. حلقت حولها حلقات من ثلاثة طلبة أو أكثر. وعمادهم في فطورهم ~~الفول المدمس أو النابت والطعمية والسلطة، يضعونها كلها على حصير الأزهر، ويتهافتون على ~~أكلها، فإذا فرغوا تركوا بقايا أكلهم من فتات أو ورق، حتى يأتي خدمة المسجد فيكنسوها، وكنت ~~في كثير من الأوقات أفضل أن أفطر بقطعة من الجبن وقطعة من الحلاوة الطحينة - ثم أذهب إلى ~~حائط من حوائط الأزهر أجد بجانبه شيخا طويلا ضعيف النظر مصفر الوجه ذا لحية بيضاء، اتفق ~~أبي معه على أن يقرئني القرآن مجودا، فأقرأ ما تيسر من القرآن على ترتيبه في المصحف وهو ~~ينتقد ما أقرأ وينبهني إلى مخارج الحروف، ومقياس الغنة والمدة، ويأمرني بإعادة ما قرأت، وفي ~~كل مرة يصلح أخطائي حتى يستقيم لساني حسب أصول القراءة، ولا أكاد أنتهي من قراءة جزء من ~~القرآن حتى يعرق جبيني من شدة ما ألاقي، وحولي طلبة ينتظرون دورهم، منهم من يقرأ بالسبع ~~ومنهم من يقرأ بالأربع عشرة. ثم أنفلت من هذا الشيخ لأعد درس النحو وكانت العادة في الأزهر ~~أن يعد الطالب درسه قبل أن يلقى أستاذه. فيقرؤه في الكتاب ويتفهمه ويعرف ما فهم وما لم يفهم ~~وما وضح وما غمض ليتحرى موضع الغموض حين يفسر الأستاذ، وأصلي الظهر، وأذهب إلى مكاني من درس ~~النحو، وكان موقفي في درس النحو أسوأ من موقفي في درس الفقه، مع أن درس الفقه جديد علي ودرس ~~النحو ليس بجديد، فقد درسته ms038 في المدرسة ودرسته مع أبي، ولكن الشيخ كان متدفقا كثير الكلام ~~طلق اللسان كثير الاعتراضات كثير الإجابات؛ فلم أفهم مما قال شيئا، وكان رحمه الله شيخا ~~غريبا طلق اللسان كثير الاستطراد، كثير الفخر بنفسه. فساعته التي يضعها في جيبه، لم يصنع ~~منها إلا ساعتان إحداهما التي في جيبه، والأخرى مع إمبراطور ألمانيا، وفي بيته آلاف من ~~الكتب، بعضها مجلد بالماس، وله ساعات طويلة يقضيها سرا مع الخديوي عباس يتحدثان فيها عن ~~أهم شئون الدولة. وهكذا. ومع ذلك كان خفيف الروح حسن الحديث. ومع أنه طلق العبارة متدفق ~~الكلام، فقد كان يقول كلاما مزخرف الظاهر، فقير الباطن. وخلص الدرس فاسترحت من هذا العناء ~~قليلا، وذهبت بعد ذلك إلى مسجد المؤيد، حيث تلقى دروس الجغرافيا والحساب؛ ففهمت ما يقولون ~~وشاركت في الأسئلة، وفهمت الأجوبة، إذ كان مدرسو هذه المواد العصرية منتدبين من المدارس في ~~مدرستي. # وزاد الأمر سوءا أن ليس بيني وبين الطلبة صلة، ولا بيني وبين الأساتذة رابطة، ولا أتلقى ~~سؤالا إن كنت فهمت أم لم أفهم، ولا أكلف واجبا أعمله في بيتي. # وكان هذا يوما نموذجيا جرت الأيام بعده على نمطه، لم أتقدم في الفهم ولم أستسغ الأسلوب. ~~وفكرت طويلا في عودتي إلى المدرسة فلم أستطع، وفي طريقة للهرب فلم أوفق؛ ولاحت مني مرة نظرة ~~إلى فتيين أنيقين في مثل سني، يلبسان ملابس أنيقة، وتدل مظاهرهما وأناقتهما على النعمة. ~~فعملت الحيلة للتعرف بهما فإذا هما فتيان قاهريان من أبناء العلماء كأبي، ولكنهما مدللان في ~~بيوتهما، وفي معاملة أبويهما لهما، وكنت أتلهف على صداقة فصادقتهما، وأشتاق إلى ملء زمني ~~فلازمتهما، وعلمت أثناء حديثهما أن لكل منهما خزانته وهي جزء من دولاب في رواق من أروقة ~~الأزهر، يضع كل منهما فيها فروة نظيفة يجلس عليها في الدرس حتى لا تتسخ ثيابه، «ومزا» أصفر ~~يلبسه في رجليه إذا سار في الأزهر حتى يحافظ على نظافة جوربه. ففعلت فعلهما وتأنقت تأنقهما، ~~ولكن كان ذلك من وراء أبي لأنه لا يحب الأناقة ولا البهرجة، بل ms039 ضربني مرة لأني تأنقت في ~~الحزام الذي أشد به وسطى وتركت له ذيلا، كما يفعل المتأنقون ووضعت ساعة في جيبي عن يميني، ~~وكان أثناء ضربه يقول: «هل أنت ابن السيوفي» والسيوفي هذا كان غنيا مشهورا، وكان شاهبندر ~~التجار. فتركت من يومها أناقتي ولم أعد أريه أني ابن السيوفي. # ورأيتهما يشكوان مما أشكو فلا يفهمان كما أني لا أفهم ولا يستفيدان كما أني لا أستفيد، ~~واقترح أحدهما أن نهرب من بعض الدروس، ونلتمس مكانا في الأزهر بعيدا بعض الشيء عن ~~الأنظار، نلعب فيه القمار، فلبينا الدعوة، إذ كان في هذا اللعب مسلاة عن ثقل الدرس، وراحة ~~من عناء الشيخ. فكنا نصرف الساعات نقامر، وأخسر أحيانا فأبيع بعض ما معي من متاع، وأبي لا ~~يعلم شيئا من ذلك، وأساتذتي لا يعلمون من أنا حتى يعلموا إن كنت حضرت أو غبت، وأذهب إلى ~~بيتي مدعيا أني قضيت الوقت في الدرس والتحصيل، ولكن تنبه ضميري بعد أشهر وفهمت أن هذه ~~الحال تؤدي إلى سوء المآل، فتركت صحبتهما والتفت إلى دروسي. # | الفصل العاشر # رزقت صحبة طالب آخر في الأزهر من «شبين الكوم» ولا أذكر كيف تعرفت به، وكان يكبرني بخمس ~~سنين أو ست. وكان رحمه الله بدينا مستدير الوجه طيب القلب مرحا في أدب، تزوج وترك زوجته ~~وابنه في بلده وحضر إلى الأزهر يطلب العلم، وخلف أهله لأبيه ينفق عليهم كما ينفق عليه مع ~~قلة دخله وضعف حاله. # كان هذا الطالب قد مر بالمرحلة الأولى الشاقة التي أمر بها ومرن على الطريقة الأزهرية ~~ولقلقتها وفيهقتها. # وكان مستنير الذهن لم يعبأ بما يقوله شيوخ الأزهر في الشيخ محمد عبده من رمي بالزندقة ~~والإلحاد، فكان يحضر دروسه في تفسير القرآن ويسمع منه كتاب دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، ~~وكثيرا ما ألح علي أن أحضر دروس الشيخ معه فآبى، استصغارا لعقلي مع عظم دروسه، ولأن ذلك ~~يضطرني أن أبقى في الأزهري إلى ما بعد العشاء. إذ كانت دروس الشيخ تبتدئ بعد صلاة المغرب ~~وتستمر إلى آذان العشاء، وأخيرا تغلب ms040 علي وشوقني إلى دروسه بما كان ينقل إلى من آرائه. ~~فحضرت درسين اثنين، فسمعت صوتا جميلا ورأيت منه منظرا جليلا، وفهمت منه ما لم أفهم من ~~شيوخي الأزهريين، وندمت على ما فاتني من التلمذة عليه، واعتزمت أن أتابع دروسه، ولكن كان ~~هذان الدرسان هما آخر دروسه رحمه الله. # وكانت دروسه مملوءة بالفكاهات الظريفة. فمرة مثلا دخلت في الدرس فتاة صغيرة تريد أن تسر ~~إلى أبيها كلاما فجلست بجانبه، وكانت هذه الأيام حركة قاسم أمين. فقال الشيخ: إن هذه هي ~~المرأة الجديدة. إذ كان قاسم أمين ألف كتابا سماه «المرأة الجديدة». ومرة حضرت درسا للشيخ ~~ولم أفهم بعض العبارات، وسألت صاحبي عنها فلم يفهمها فاتفقنا على أن نكتب له خطابا، وكانت ~~هذه عادة جارية، واخترنا أن نمضي الخطاب بحرف من اسمي وهو الميم وحرف من اسم صاحبي وهو ~~الراء فجاء الشيخ بعد أن استلم الخطاب وقال: جاءني خطاب من شيخ اسمه «مر» أو مر ولم يفهم، ~~ثم أخذ يشرح ما غمض علينا في أدب ووضوح. وكان دائما يلخص لنا ما ورد إليه من خطابات مهمة. ~~وأذكر أنه أتاه خطاب يهدده بالقتل لأنه كافر ملحد، وبعد أن قص علينا القصة قال: «لتمنيت أن ~~يكون هذا صحيحا فيوم يشجع المصري ويقتلني، أكون فخورا» ثم أنشد قول القائل: # زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا # أبشر بطول سلامة يا مربع # إلى أنه كان من حين إلى حين يستطرد في شرح حال المسلمين واعوجاجهم وطريقه علاجهم. # كنا نجلس قبل الدروس نحضرها فيوضح لي صاحبي بعض ما غمض من الرموز والعبارات، فأستطيع أن ~~أتابع الشيوخ فيما يقولون إلى حد ما. # ومرة جاء صاحبي هذا وفي يده جريدة «المؤيد» وأطلعني على إعلان بحاجة «الجمعية الخيرية ~~الإسلامية» إلى مدرسين للغة العربية بمدارسها، وكيفية تقديم الطلبات وموعد الامتحان، وأن من ~~وقع عليه الاختيار عين مدرسا في إحدى مدارس الجمعية بثلاثة جنيهات في الشهر، وأغراني ~~بتقديم الطلب فتقدمت وبحضور الامتحان فامتحنت. # وكانت لجنة الامتحان مؤلفة من ثلاثة من كبار رجال التعليم في ms041 وزارة المعارف. # نودي على اسمي فتقدمت مضطربا متخوفا، وكان هذا أول امتحان من هذا القبيل شهدته، فأعطى ~~لي كتاب «أدب الدنيا والدين» فتحت منه صفحة حيثما اتفق فقرأت فيها وهم يسألونني: لم رفعت ~~هذه ونصبت هذه وجرت هذه. ثم طلب إلي أن أقف أمام السبورة، وكان اسمها في أيامنا «التختة» ~~وأملي على هذا البيت: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا # ويأتيك بالأخبار من لم تزود # وطلب إلى أن أفسره ففسرته، وأخطأت في تفسير تزود فقلت إن معناه «تعطي الكثير»، ثم طلب إلي ~~أن أعربه فأعربته، وأن أخاطب بالبيت مفردا ومثنى وجمعا؛ مذكرا ومؤنثا ففعلت، وبذلك ~~انتهى الامتحان، ثم أعلنت النتيجة فكنت الثالث وهم يحتاجون إلى أربعة، ودعينا نحن الأربعة ~~لمقابلة الرئيس المشرف على التعليم في الجمعية الخيرية الإسلامية وهو حسن باشا عاصم، وعلمت ~~فيما بعد أنه رجل من عظماء مصر اشتهر بمتانة الخلق والحزم والتشدد في الحق والتزام العدل ~~مهما كانت الظروف، كان رئيسا للقلم العربي في السراي أيام الخديوي عباس فأراد الخديوي أن ~~يستبدل أطيانا يملكها بأطيان للوقف، فوقف هو والشيخ محمد عبده في ذلك، إذ كانا عضوين في ~~مجلس الأوقاف الأعلى، وقال إن في هذا الاستبدال غبنا على الأوقاف، فأخرجه الخديوي من ~~وظيفته، فتبرع حسن باشا عاصم بالإشراف على التعليم في الجمعية الخيرية. يقضي في ذلك أكثر ~~أوقاته، فيرقي التعليم ويشترك في وضع المناهج ويطبق العدل في شدة، حتى لقد حدث مرة أن تبرع ~~أحد أعيان المحلة الكبرى بأرض لبناء مدرسة الجمعية ونفقات بنائها ووقف عليها من أملاكه، ثم ~~أراد أن يدخل ابنه في المدرسة وكانت سنه تزيد شهرا عن السن المقررة، فأبى عاصم باشا قبوله ~~قائلا: لقد تبرع هذا الرجل للجمعية فوجب شكره، ولكنه أراد بعد أن يخرق قوانين فوجب صده؛ ~~وأصر على إبائه على الرغم من إلحاح رجالات الجمعية مثل الشيخ محمد عبده وحسن باشا عبد ~~الرازق في قبوله، فلما ألحوا عليه قدم استقالته فاضطروا للنزول على رأيه. وهكذا كان يسير ~~على هذا النمط فيما يعهد ms042 إليه من أعمال، وهو نمط من الناس غريب في الشرق المملوء بالمجاملات ~~وقبول الرجاء مهما خالف العدل وخالف القانون. وكان من حسن حظي أن رأيته بعد ذلك عضوا في ~~مجلس إدارة مدرسة القضاء، وعلمت أنه نشر العدل في المدرسة، وعلمه بقية الأعضاء. # وقفنا في قبة الغوري ننتظره فطلع علينا رجل مهيب يملأ القلب أكثر مما يملأ العين، له وجه ~~أسمر وسحنة صعيدية أسيوطية وعينان نفاذتان، وجسم صغير. وواجهنا وأرسل إلينا نظرات فاحصة. ~~وسأل كلا منا أسئلة في المعلومات العامة ثم استبعد الرابع لقصره وقماءته، وأعلننا أن الأول ~~سيعين في مدرسة القاهرة، والثاني في الإسكندرية والثالث الذي هو أنا في طنطا. # لم يكن أبي يعلم شيئا من ذلك فلما أخبرته تحير واضطرب، وما كان الأمر يحتاج إلى حيرة ~~واضطراب، فالأمر سهل ورفض الوظيفة واجب، ولكن عذره أن مستقبل الطالب في الأزهر مظلم، ~~وأخيرا قبل سفري إلى طنطا. # لو سمع شاب اليوم وسنه ستة عشر عاما كسني أنه سيسافر إلى سنغافورة أو طوكيو أو الملايا ~~ما حمل الهم الذي حملت من أجل سفري إلى طنطا. فلم أركب في عمري، ولا رأيت الأهرام، ودنياي ~~هي ما بين بيتي والأزهر. # حزمت متاعي وهي حشية ومخدة ولحاف وسجادة وملابسي وبعض كتبي وودعت أهلي وبكيت طويلا ثم ~~سافرت، ونزلت في محطة طنطا حائرا مرتبكا لا أدري ماذا أصنع، ولم أدر أن في الدنيا فنادق ~~ينزل فيها الغرباء. وبعد طول التفكير اهتديت إلى أن آخذ عربة وأضع فيها متاعي وأقول للسائق ~~«إلى مدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية بطنطا» - ووقفت العربة على باب المدرسة، فنزلت وتركت ~~متاعي عند البواب ودخلت على الناظر وسلمت عليه وعرفته بنفسي، ثم طلبت أن يعطيني حجرة خالية ~~في المدرسة لأنام فيها حتى أجد مسكنا فاستبلهني وفعل. # ويطفر ذهني الآن - عند روايتي هذا الحادث - إلى ابني يوم كان في مثل سني هذه فأراه يرحل ~~مع طلبة الجامعة إلى أوروبا فيزور اليونان ورومانيا والنمسا وبولونيا. ويرى معالمها ويعرف ~~الكثير من شئونها مع فرح واغتباط، فأعجب لسرعة ms043 تطور الجيل الجديد في الزمن القصير. # ثم بحثت عن مسكن في طنطا أسكنه فاهتديت أخيرا إلى غرفة في بيت في حي تبين لي بعد أنه لا ~~يرضى عنه الكرام، وكنت إذا نزلت في الغرفة أخوض في نساء يجلسن أمام البيت في قحة وتبذل، ~~وحرت كيف آكل وكيف أشرب وكيف أقضي وقتي. # وذهبت إلى المدرسة وتسلمت جدول دروسي من الناظر، ودخل وأنا عنده ولي أمر تلميذ يطلب إلحاق ~~ابنه بالمدرسة، فطلب الناظر مني أن أكتب له طلبا، وناولني ورقة وقلما فتحيرت ماذا أكتب، ~~فلا عهد لي بشيء من ذلك، وأخيرا توكلت على الله وبدأت أكتب فلأكتب أولا الديباجة، ولم أكن ~~سمعت الفرق بين عزتلو ورفعتلو وسعادتلو، وكنت أظن أنها كلمات مترادفات، فاستخرت الله وقلت ~~«سعادتلو أفندم»، ولا أدري ماذا كتبت بعد، وقدمتها إلى الناظر فنظر إلى كلمة «سعادتلو» ~~ودهش؛ ثم نظر إلي وقال «سعادتلو، سعادتلو» وأنا لا أزال «أفندي» ولست بيك ولا باشا، فخجلت ~~من نفسي وأحسست من وقتئذ أنه يحتقرني. # ساءت حالتي في بيتي، وساءت حالتي في مدرستي، وساءت حالتي في وحدتي، فطلبت النقل إلى ~~القاهرة ولم يمض علي شهر، فجاء الرد بأن الجمعية ليس لديها مانع إذا رضي أحد مدرسي القاهرة ~~بالبدل، فحضرت إلى القاهرة ودللت على مدرس بالجمعية بظن أنه يرضى أن يبادلني، فذهبت إليه في ~~بيته وعرضت عليه أمري فأبى، فعرضت عليه أن أتنازل له كل شهر عن نصف مرتبي فابتسم وأبى، ~~فاستقلت ورجعت إلى مكاني في الأزهر سالما، وكفاني فخرا أني ركبت القطار وشاهدت بلدة اسمها ~~طنطا وعرفت الفرق بين عزتلو وسعادتلو. ~~••• # لم أستسغ أبدا طريقة الأزهر في الحواشي والتقارير وكثرة الاعتراضات والإجابات، وإنما ~~كانت فائدتي الكبرى من أزهر آخر أنشأه لي أبي في غرفة من غرف بيتنا، ففي مسامحات الأزهر - ~~وما أكثرها - كان أبي هو المدرس الأزهري في هذه الغرفة وكنت الطالب الوحيد. # والحق أن أبي كان يمتاز على كثير من شيوخ الأزهر بأشياء كثيرة - كان واضح العبارة قادرا ~~على الإفهام من أقصر الطرق. وكان ms044 يرى في الحواشي والتقارير مضيعة للوقت. ولعله استفاد ذلك ~~من تدريسه ببعض المدارس الأميرية واتصاله بأساتذتها؛ فقد درس بعض الوقت في مدرسة بالقلعة ~~تسمى «المدرسة الخطرية»، وانتدب للتدريس لبعض الوجهاء مثل قاسم باشا ناظر الجهادية، ودرس ~~اللغة العربية لسفير أمريكا في مصر، وهكذا، مما أكسبه ذوقا في التعليم وقدرة على التفهيم، ~~وله مزية أخرى وهي كثرة مطالعاته في كتب الأدب والتاريخ واللغة، واهتمامه بجمعها. ولم يكن ~~ذلك معروفا عند كثير من الأزهريين. # فرتب لي دروسا في النحو، واختار لي من كتبه طبعات ليس عليها حواش حتى لا يتشتت ذهني فيها ~~- قرأ لي شرح الأجرومية للشيخ خالد، ثم كتاب قطر الندى، وكتاب شذور الذهب لابن هشام، ثم شرح ~~ابن عقيل على الألفية، وكلها كتب تمتاز بوضوح العبارة وسهولة الأسلوب. فكنت أتقبل دروسه في ~~هذه الكتب في لذة وشغف ونهم. وإلى جانب ذلك قرأ لي كتاب فقه اللغة للثعالبي، وشرح لي بعض ~~مقامات الحريري في الأدب، وليست دراسة اللغة والأدب مما يعنى به الأزهر، ولكن عني بها أبي. ~~ثم حبب إلي القراءة في مكتبته، فكنت أقرأ في تاريخ ابن الأثير، ووفيات الأعيان وفاكهة ~~الخلفاء، وكليلة ودمنة ونحو ذلك، وقرأ لي كتابا في المنطق وكتابا في التوحيد، فكان هذا كله ~~في الحقيقة أساس ثقافتي، وترك لي دروس الفقه والجغرافيا والحساب أحضرها في الأزهر. # نجحت نجاحا كبيرا، وأحسست بالتفوق على زملائي في الأزهر، حتى طلب إلي بعضهم أن أقرأ لهم ~~شرح ابن عقيل في مسجد المؤيد في بعض أوقات الفراغ ففعلت، وصادقت بعض الإخوان ممن لهم ذوق ~~أدبي، فكنا نجتمع في أحد المساجد نحفظ مختارات من مقامات بديع الزمان ورسائله، وأمالي ~~القالي، وأمثال الميداني، ودلنا أحدهم على كتاب ظهر للشيخ إبراهيم اليازجي اسمه «نجعة ~~الرائد»، يذكر فيه أحسن ما قالته العرب في الموضوع الواحد، فأحسن ما قيل في الشجاعة والجبن، ~~والكرم والبخل، والحلم والغضب إلخ. فاشتريناه وأخذنا أنفسنا بالحفظ منه. وظللت مع ذلك غير ~~مرتاح لبقائي في الأزهر، ورأيت بعض زملائي يقدمون طلبا للدخول ms045 في مدرسة دار العلوم، فقدمت ~~مثلهم، ورأيت الأمر سهلا علي؛ فهم يمتحنون في حفظ القرآن وأنا أحفظه، ويمتحنون في حفظ ~~الألفية وفهمها وأنا أحفظها وأفهمها وحلمت إذ ذاك بمدرسة نظامية واضحة الحدود واضحة ~~المعالم، مفهومة الغاية، يدخل فيها الطالب فيقضي أربع سنوات يتعلم فيها على خير الأساتذة، ~~ثم يخرج مدرسا في المدارس الأميرية. ولكن قبل الامتحان لابد من الكشف الطبي وأنا قصير ~~النظر، هذه هي العقدة.. # ذهبت إلى أكبر طبيب إنجليزي فكشف على عيني، وكتب لي أضخم نظارة قانونية تناسب نظري، ومع ~~ذلك تقدمت للامتحان فسقطت، وحز في نفسي أن أرى زملائي ينجحون ولا أنجح، ويدخلون المدرسة ولا ~~أدخل، ثم عدت إلى الأزهر. # | الفصل الحادي عشر # عاد الشيطان فوسوس إلى ثانية، فقد اطلعت في إحدى الجرائد على إعلان وزارة المعارف تطلب ~~فيه مدرسين للغة العربية، يدرسون في مدارسها بأربعة جنيهات شهريا. فتقدمت للامتحان، ~~وامتحنت تحريريا وشفويا ونجحت وكان نصيبي هذه المرة مدرسة تابعة لأوقاف أهلية وخاضعة ~~لتفتيش وزارة المعارف، هي مدرسة راتب باشا بالإسكندرية، ولم يكن اسم الإسكندرية مرعبا ~~كطنطا، فقد كبرت وصرت في الثامنة عشرة من عمري، وتعودت ركوب القطار بذهابي إلى طنطا، ومع ~~ذلك لذعني السفر، وصرف أبي مجهودا جبارا في تعييني في مصر بدل الإسكندرية فلم يوفق فسافرت ~~ورأيت البحر أول مرة فسحرني وصرت آنس به، وأجلس إليه وأتأمل في أمواجه. فأنسى لوعة غربتي، ~~وحببت إلي القراءة في المكان الخالي على شاطئه. هناك قرأت بعض كتب الغزالي فشعرت بنزعة ~~صوفية، وحفظت كثيرا من نهج البلاغة إعجابا بقوة أسلوبه، وقرأت كتاب أشهر مشاهير الإسلام ~~لرفيق بك العظم فتحمست لأبطال الإسلام وأعجبت منه بتحليل شخصياتهم، وفلسفة الحوادث في ~~أيامهم. # واستأجرت حجرة في بيت بالقرب من مسجد البوصيري أودعتها فراشي وملابسي وكتبي ودراهمي. فعدت ~~يوما من المدرسة فوجدتها قاعا صفصفا، خالية كيوم استأجرتها. فاتفقت مع مدرس في مدرسة ~~أخرى أن نستأجر شقة معا في غرفتين في بيت عليه بواب، وكان صاحبي هذا كهلا، نحيف الجسم أصفر ~~الوجه، ملتحيا، متدينا في ms046 تزمت، يتوضأ فيطيل الوضوء؛ ويصلي فيطيل الصلاة : ويقضي أوقاتا ~~طويلة في قراءة الأوراد وحضور الأذكار، يصطحب دائما كتاب «شذا العرف» في فن الصرف، يقرأ ~~فيه في حجرته، ويتأبطه عند خروجه، وظل على هذه الحال السنتين اللتين أقمتها معه، لا هو يتم ~~الكتاب ولا هو يتركه، مع أنه كتاب صغير يقرأ في يومين أو ثلاثة. # ولكن أعظم ما كسبته في الإسكندرية، تعرفي بشخصية قوية، كان لها أثر كبير في نفسي - كتب ~~إليه قريب لي بوصية بي خيرا - كان أستاذا للغة العربية في مدرسة رأس التين ~~الثانوية، # 1 # تخرج في دار العلوم، وكنت في الثامنة عشرة وكان في نحو الثانية والأربعين، وكان ~~طويل القامة، معتدل الجسم، جميل الوجه، ذا لحية سوداء، نظيفا في ملبسه، أنيقا في شكله من ~~غير تكلف، اتصلت به فأعجبني من أول نظرة، واتخذني أخا صغيرا واتخذته أخا كبيرا، وكان ~~متدينا، بل كان صوفيا، يعتنق طريقة النقشبندية، وهي طريقة ليس لها شعائر، ولا تقاليد ~~ظاهرة للناس. فالنقشبندي إذا ذكر الله، ذكره بقلبه لا بلسانه، وأول دروسها رسم اسم الله ~~بنور على القلب، ورفع اللسان إلى الحلق حتى لا يتحرك، ولم أعرف تصوفه إلا بعد مدة طويلة من ~~معاشرته، وكان - مع تصوفه هذا - واسع الأفق حر الفكر، لا يدين بشيء من الخرافات والأوهام، ~~ويؤيد الشيخ محمد عبده في دعوته إلى الإصلاح، وكان في مدرسته محبوبا محترما، يجله زملاؤه ~~ورؤساؤه وتلاميذه أبي النفس عزوفا عن الصغائر يعتمد في دروسه مع تلاميذه على الحب لا على ~~الإرهاب، ويترك لهم الحرية في الحديث والنقد إلى درجة تشبه الفوضى، ولم يكن في درسه مدرس ~~لغة عربية فحسب، بل مدرس تفكير ونقد للمجتمع، وما شئت من شئون الحياة، حتى كان تلاميذه ~~يسمونه الشيخ الإنجليزي، لترفعه وحريته وصدق قوله وسعة فكره. # صحبته، فكان مكملا لنقصي، موسعا لنفسي، مفتحا لأفقي، كنت أجهل الدنيا حولي فعرفنيها، ~~وكنت لا أعرف إلا الكتاب، فعلمني الدنيا التي ليست في كتاب. وكان أبي وشيوخي يعاملونني على ~~أنني طفل، فعاملني على أني رجل؛ ms047 فملأ فراغي وآنس وحدتي - كنا نلتقي في كثير من الأيام بعد ~~العصر أو يوم الجمعة أنتظره في محل قريب من بيتي، وكان هذا المحل أيضا غريبا، هو محل عم ~~أحمد الشربتلي، يصنع شراب الليمون كأحسن ما يصنع، ويعتني بنظافته ما أمكن، فكان مضرب المثل ~~في النظافة والإتقان، وحانوته صغير، لا يتسع لأكثر من خمسة عشر، فإذا كثروا جلسوا أمامه؛ ~~وهو مع ذلك يدعي الأدب والشعر. ويتصيد من يجلس عنده من الأدباء ليسمعهم شعره وإذا حار في ~~قافية انتظر من يتوسم فيه الشعر فيسأله إكمال القافية، ويقرأ في الجرائد كل يوم ما فيها من ~~شعر. فإذا لم يفهم بيتا انتظر العصر حتى يأتي بعض زبائنه الأدباء فيسألهم ويناقشهم في ~~معناه، وهو ذو ذوق حساس، إذا استثقل أحدا لم يمكنه من الجلوس في حانوته، وأقصى ما يستطيع ~~أن يمكنه من شرب ليمونه، ولذلك كان محله مجمعا للظرفاء والأدباء، فإذا مر علي صديقي ~~الأستاذ أخذني وذهبنا إلى مقهى فخم، إما في محطة الرمل، أو كازينو المكس، أو نحو ذلك من ~~الأماكن الممتازة حيث الموسيقى أحيانا وجودة الهواء ومنظر البحر أحيانا. وقد يكون معنا ~~رجل أو اثنان من بعض أصدقائه، والأستاذ - في الطريق أو المقهى، أو حيث كنا - يحدثنا حديثا ~~طريفا ممتعا، ينقد المجتمع نقد خبير، ويتحدث في شئونه الزراعية والاقتصادية والسياسية ~~والاجتماعية، وهو في كل ذلك كثير التجارب واسع الإطلاع طلق اللسان - إذا زرته في بيته حدثني ~~عن شيوخه في دار العلوم، كالشيخ حسين المرصفي، والشيخ حسن الطويل، والشيخ حمزة فتح الله ~~وأمثالهم، وأبان مزاياهم وعيوبهم في دقة؛ أو حدثني عن الكتب التي ظهرت حديثا وعن القيم ~~منها، وما ليس له قيمة، أو قرأنا في كتاب كدلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة. وأحيانا كان ~~يصحبنا صديق له لطيف، موظف في جمرك الإسكندرية، همه في الحياة النكت اللطيفة، والنوادر ~~المستملحة، مع خفة في الروح نادرة، فإذا حضر لم ينقطع ضحكنا ولا إعجابنا، ولا أدري من أين ~~كان يأتي كل يوم بالجديد من هذه الطرائف ويسميها طرائف ms048 اليوم، وهو يتعصب للإسكندرية ويفضلها ~~على القاهرة، فإذا تحدث عن ذلك سمعت منه العجب في معايب القاهريين ومحاسن الإسكندريين، وكان ~~هذا شيئا جديدا علي لم أر مثله، لعل له الفضل في تقديري للنكتة، وإعجابي بها. # وعلى الجملة فلئن كان أبي هو المعلم الأول فقد كان هذا الأستاذ هو المعلم الثاني، انتقلت ~~بفضله نقلة جديدة وشعرت أني كنت خامدا فأيقظني، وأعمى فأبصرني، وعبدا للتقاليد فحررني، ~~وضيق النفس فوسعني. وظلت صداقتنا سنين، ينتقل من الإسكندرية إلى القاهرة فتتجدد صداقتنا ~~وتزيد، ويشاء القدر أن يجمعنا بعد مدرسين معا في مدرسة القضاء فتقوى الصداقة وتتأكد، ~~وأستفيد على مر الأيام من علمه وتجاربه وحسن حديثه، وتجيء الحركة الوطنية فأتحمس لها تحمس ~~الشباب، وينظر إليها نظر الشيوخ وأقومها بشعوري؛ ويقومها بعقله، فينقد زعماء الحركة الوطنية ~~وأكره النقد، ويعيبهم وأكره العيب، وتدفعني الحماسة الوطنية إلى نقد أستاذ آخر لي نقدا فيه ~~شيء من العنف فيلسع ذلك صديقي الأستاذ ويغضب له، ويكره من تلميذ أن يزل لسانه بمثل ما زل ~~لساني في أستاذي، فيخاصمني ويقاطعني، وأسترضيه فلا يرضى، ثم أمعن في الاسترضاء، فيبدأ في ~~الرضاء، ولكن يسرع إليه القضاء، فيموت وفي عيني دمعة، وفي قلبي حسرة. رحمه الله. # نعود إلى الإسكندرية، فقد درست في مدرسة راتب باشا اللغة العربية للسنة الرابعة ~~الابتدائية، وكان هذا فخرا كبيرا إذ من يدرس للسنة الرابعة ينظر إليه على أنه أرقى مدرس ~~للمادة، وأحسست كفايتي في تدريس القواعد، حتى كان من غروري أني أخطئ الكتب المدرسية التي ~~قررتها وزارة المعارف، أما في دروس الإنشاء فلم أكن بارعا، بل كان بعض التلاميذ يكتبون ~~خيرا مما أكتب، لأني لم أتمرن على الكتابة، وكنت إذا كتبت شيئا ملت إلى السجع وإن لم ~~ألتزمه لغلبة ما حفظته من مقامات بديع الزمان ورسائله. # ورأيت من المدرسين بالمدرسة وناظرها ما لا عهد لي به، فكأنهم كانوا يمثلون رواية غربية ~~الأطوار، مفككة الفصول، منهم من يمثل دور الماكر ذي الناب الأزرق الذي يقابلك فيبتسم لك، ~~ويوهمك أنه صديقك، وهو يدس ms049 لك الدسائس عند ناظر المدرسة، ومنهم من يمثل الخبيث المنطوي على ~~نفسه، الحاقد على الدنيا وعلى كل شيء فيها، ويقابل ما يحدث حوله دائما بضحكة ساخرة، ومنهم ~~السكير المعربد الذي يستولي على مال المدرسة فيصرفه في سكره وعربدته، ثم يضبط ويطرد، ومنهم ~~فراش المدرسة العبد الأسود الذي تحمر عيناه وتقذفان بالشرر من كثرة ما يتعاطى من «البوظة» ~~وكنت أمثل من هذه الأدوار دور المغفل الساذج الذي لم يعرف الدنيا ولم يختبر الناس. # أما علاقتي مع التلاميذ فكانت علاقة صداقة، أحبهم ويحبونني، وزاد من صداقتنا أننا متقاربو ~~السن، فلم يكن تلاميذ السنة الرابعة صغارا كما هم اليوم إنما كان أكثر الفصل الذي أدرس له ~~بين الخامسة عشرة والعشرين، فكنت أتحدث إليهم في الشئون العامة مما لا يتصل بقواعد النحو ~~والصرف، وأقص عليهم قصصا أدبية، وأتحدث إليهم في بعض ما تحدث به إلي صديقي الأستاذ، وأشعر ~~بحنين إليهم إذا غبت عنهم في إجازة أو مرض. ويحنون إلي كذلك، وكانت عاطفتي الدينية مشبوبة ~~قوية بفضل نشأتي في بيتي، ثم استمرت بصحبتي من عرفتهم في الإسكندرية، فكنت أؤدي الصلوات ~~لأوقاتها، فإذا كنت في مقهى انتقلت من بين من أجالسهم إلى أقرب مسجد، فإن كنت في حي إفرنجي ~~بعيد عن المساجد، تلمست عمارة كبيرة فيها بواب نوبي أو سوداني، وطلبت منه أن يحضر لي حصيرة ~~صلاته لأصلي عليها بالقرب من الباب، فإذا لم أجد استنظفت أي مكان مستتر وخلعت جبتي وفرشتها ~~وصليت عليها، ثم نفضتها ولبستها، ويوم الجمعة أتنقل في المساجد لصلاة الجمعة، فيوما ~~بالبوصيري ويوما بمسجد أبي العباس، ويوما بمسجد سيدي بشر، وهكذا - وفي حجرتي أقرأ كل يوم ~~ما تيسر من القرآن. # أما عاطفتي الوطنية فلم تكن قوية إلى ذلك العهد، لأني ولدت عقب الاحتلال بنحو أربع سنين، ~~وقد استولى على المصريين إذ ذاك نوع من الخوف واليأس، وأحاط الإنجليز مظاهرهم بالعظمة ~~والقوة، وكان حينا في المنشية مرادا للجنود والضباط الإنجليز الذين يسكنون القلعة ~~بجوارنا؛ وكنت كثيرا ما أراهم بالجاكتة الحمراء والسراويل الزرقاء فأرعب ms050 منهم وأعدل عن ~~طريقهم. وقلما كان يتحدث أبي في السياسة وشئونها، فإذا تحدث ففلسفته فيها كفلسفة كثير من ~~الشعب، أن هذا قضاء الله وانتقام من عبيده. فبظلم المصريين بعضهم بعضا، وظلم حكامهم لهم ~~وبعصيان الله في أوامره ونواهيه، سلط الله عليهم الإنجليز يسومونهم سوء العذاب، ولا يمكن أن ~~ترفع عنا هذه الغاشية حتى يستقيم المصريون ويعدلوا ويلتزموا أوامر الدين. أما نقد الحكام في ~~تصرفهم، أو نقد الإنجليز في حكمهم، فمسكوت عنه لهذه الفلسفة. وأذكر أني مرة سألته - وقد ~~كبرت قليلا - عند سماعي لهذه الفلسفة: هل هؤلاء الإنجليز مطيعون الله حتى ينصرهم علينا ~~ويمكن لهم في بلادنا؟ فزجرني ولم يجب. فلما اتصلت في الإسكندرية بصديقي الأستاذ الذي أثر في ~~كثيرا، وكانت له في السياسة فلسفة أخرى، كفلسفة الشيخ محمد عبده، إذ كان من أنصاره لا من ~~أنصار «مصطفى كامل»، وفلسفته هي وجوب الإصلاح الداخلي أولا، بنشر التعليم الصالح، وترقية ~~أخلاق الشعب، ثم الاستقلال يأتي بعد ذلك تبعا عكس سياسة مصطفى كامل التي ترى أن ليس في ~~الإمكان الإصلاح الداخلي للشعب ما لم يسبقه جلاء الإنجليز واستقلال المصريين. ولذلك كانت ~~وطنية الشيخ محمد عبده عقلية، ووطنية مصطفى كامل وطنية شعورية، وقد تأثرت بكلام صديقي ~~الأستاذ، وانحزت إلى رأيه. # وكنت في صباي لا أقرأ الجرائد، فهي لا تدخل بيتنا ولست أجلس في مقهى أقرؤها فيه، إلى أن ~~كانت حادثة زواج الشيخ علي يوسف صاحب جريدة المؤيد بالست صفية بنت الشيخ السادات، وهي حادثة ~~تحدث كل يوم ولا تحرك ساكنا، ولكن هذه الحادثة بنوع خاص أقامت مصر وأقعدتها، من الخديو إلى ~~البائع الجوال، فرجل كهل تزوج بنتا بلغت سن الرشد برضاها دون رضاء أبيها، واعترض أبوها على ~~هذا الزواج، فماذا عسى أن يكون لهذا الحادث من أهمية؟ ولكن لعبت الخصومات السياسية في هذا ~~الموضوع، وإثارة شعور العامة عن طريق المحافظة على الدين، وفراغ عقول الناس، جعل هذه ~~المسألة مسألة الرأي العام، فقد رفعت قضية بطلب فسخ عقد الزواج لعدم كفاءة الزوج للزوجة، إذ ~~هي ms051 شريفة من نسل النبي، وهو ليس بشريف، واشترك في هذه المعمعة القضاء والسياسة والأدب، ~~فجلسات المحاكم وما دار فيها من مرافعات تطلع على الناس في الجرائد، والشعراء يصنعون ~~المقطوعات الطريفة في هذا الموضوع تنشرها الجرائد، والجرائد الهزلية تنشر«النكت» اللاذعة. ~~وهكذا اهتاجت عواطف الناس، وترقبوا الجرائد وتلقفوها تطلع عليهم كل يوم بجديد. # ومن ذلك الحين اتصلت بالجرائد أقرؤها، فلما عينت في الإسكندرية كنت أذهب إلى مقهى «عم ~~أحمد الشربتلي» أقرأ فيه اللواء والمؤيد والمقطم، فأرى جريدة اللواء تلهب الشعور الوطني ولا ~~تجاوبها نفسي تبعا لشيخي، والمقطم تقاوم الحركة الوطنية ولم يجاوبها كذلك نفسي، وربما كان ~~المؤيد أحب إلي لصبغته الإسلامية. # ولكن حدث حادث دنشواي. # 2 # ولست أنسى ليلة - وأنا في الإسكندرية - أقام فيها أحد أصحابنا وليمة عشاء على سطح منزله ~~(وكان ذلك في يوم 27 يونيو سنة 1906) فجاءت الجرائد وفيها الحكم على أربعة من أهالي دنشواي ~~بالإعدام، وعلى اثنين بالأشغال الشاقة المؤبدة، وعلى واحد بالسجن خمس عشرة سنة، وعلى ستة ~~بالسجن سبع سنين، وعلى خمسة أن يجلد كل منهم خمسين جلدة، فتنغص عيشنا وانقلبت الوليمة ~~مأتما، وبكى أكثرنا، ومن ذلك اليوم أصبحت عواطفي مع اللواء لا مع المؤيد ولا مع ~~المقطم. # | الفصل الثاني عشر # بعد سنتين في الإسكندرية، سعى أبي فعينت مدرسا، بمدرسة والدة عباس باشا الأول في أكتوبر ~~سنة 1906 وهي المدرسة التي تعلمت فيها صغيرا، والتي كنت أحن إليها دائما أيامي في الأزهر، ~~وقد تغيبت عنها قريبا من ست سنوات، ففرحت بها فرح الغائب عاد إلى وطنه، بل ورأيت فيها بعض ~~من كانوا من تلامذة معي أيام كنت تلميذا، وبعض أساتذتي الذين علموني، ورأيتها قد اتسعت ~~أبنيتها، وكثرت تلامذتها وأساتذتها، وأعطيت السنة الأولى والثانية لأن أساتذتي وأمثالهم ~~كانوا يحتلون السنة الرابعة، وسرعان ما تجلت قوتي في القواعد دون الإنشاء، ولا أدري السبب ~~في اكتشاف هذا السر، ولكن حدث في آخر العام أن نتيجة المدرسة في الشهادة الابتدائية كانت ~~نتيجة باهرة، فرح بها الناظر فرحا شديدا، وبحث عن أستاذ في ms052 اللغة العربية يكتب خطابا إلى ~~إدارة الوقف يخبرها فيها بهذه النتيجة، ويباهي بها غيرها من المدارس، فلم يجد أحدا إلا ~~إياي، فدعاني الناظر وطلب مني أن أكتب هذا الخطاب، ومن حسن حظي أني كنت أحفظ مقدمة دلائل ~~الإعجاز، يباهي فيها بعلم البلاغة وأنه فوق العلوم كلها، فسرقت الأسلوب، وباهيت بالمدرسة ~~وفضلها على سائر المدارس على نمطه، وحججه، فسر منه الناظر كثيرا، ورد إلي اعتباري في ~~الإنشاء أيضا. # في هذا العام أثناء الدراسة مرضت بحمي التيفود مرضا شديدا، حتى أشرفت على الهلاك، ولم ~~يكن هناك عناية بالمرضى، كما يعنى اليوم، ولا يرضى الأهالي عن إرسال المريض إلى مستشفى ~~الحميات كما يرسل اليوم، ولا عزل له عن سائر من في البيت حتى لا تنتشر العدوى، ولا استدعاء ~~طبيب مختص يشرف إشرافا دائما على العلاج - لا شيء من ذلك - ولكن فرشت لي حشية على الحصير، ~~في وسط الغرفة كما كنت أنام، وترك أمري لله، فلم يدع أهلي طبيبا، وكل ما في الأمر أن نفسي ~~عافت الأكل فتركته. ومن حين لأخر تأتي عجائز الحارة فتصف لأمي وصفات بلدية للشفاء من المرض، ~~فأقبلها حينا، وأرفضها أحيانا، ويزورني أبي قبل خروجه إلى عمله، فيجلس على رأسي ويضع يده ~~على جبهتي، ويقرأ الفاتحة، وآية الكرسي، والمعوذتين، ويختم ذلك بقوله: «حصنتك بالحي القيوم ~~الذي لا يموت أبدا، ودفعت عنك السوء بألف ألف لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم». ثم ~~ينفث في وجهي، وإذا عاد من عمله في المساء كرر هذا الدعاء. ونجوت منها بأعجوبة، بعد أن كان ~~الموت أقرب إلي من حبل الوريد، ومكثت بعد ذلك مدة طويلة في دور النقاهة. # لم أمكث في هذه المدرسة إلا سنة، وفي سنة 1907 تقرر فتح مدرسة القضاء الشرعي، وكان الغرض ~~منها تخريج قضاة شرعيين مكان الذين عمت منهم الشكوى. وكان قد عهد إلى الشيخ محمد عبده ~~بالتفتيش على المحاكم الشرعية وفحص عيوبها، فقام بذلك خير قيام، وكتب تقريرا عظيما، يبين ~~فيه هذه العيوب، ويقترح وجوه الإصلاح، وعلى أثر ms053 ذلك فكرت نظارة الحقانية في إنشاء مدرسة، ~~واحتضن فكرتها سعد باشا زغلول، إذ كان ناظرا للمعارف، وأمينا على أفكار الشيخ محمد عبده. ~~وكان الخديو عباس كارها لهذا المشروع أشد الكره، معارضا فيه أشد المعارضة: لأنه يسلب ~~الأزهر أعز شيء لديه، وهو الإعداد للقضاء الشرعي، وقد سلب من قبل إعداد مدرسي اللغة ~~العربية بإنشاء دار العلوم - والأزهر وديوان الأوقاف هما المصلحتان اللتان أطلقت فيهما يد ~~الخديوي، ولم تمسسهما يد الإنجليز، فقوتهما قوة له، وضعفهما ضعف له. ولأن فكرة مدرسة القضاء ~~نبعت في فكر الشيخ محمد عبده، واحتضنها صديقه سعد زغلول، وهو يكرههما في أعماق قلبه، من أجل ~~ذلك حارب المشروع. ولكن دعي مجلس النظارة للاجتماع يوم 25 فبراير 1907 ورأسه الخديو، فعارض ~~الخديو في المجلس وأبدى اعتراضاته على المشروع، واقترح إرجاء النظر فيه فعارض سعد باشا، ~~ودافع عن الفكرة، وتحمس لها تحمس المحامي القدير الذي يؤمن بعدل قضيته، ثم أخذ الرأي، فانضم ~~جميع النظار إلى سعد باشا، ما عدا ناظر الأشغال، فلم يسع الخديو إلا أن يوافق على رأيهم ~~ويمضي القانون.. ولم نعرف سابقة لمثل هذا الحادث يخالف فيها أكثر النظار الخديو، فينزل عن ~~رأيه لرأيهم، ولذلك صمم - بعد - ألا يحضر جلسات مجلس النظار، حتى تكون له الحرية في قبول ما ~~يقبل، ورفض ما يرفض. ومن أجل هذا ظل الخديو يحارب مدرسة القضاء ما استطاع. # على كل حال أعلن عن الدخول في مدرسة القضاء وشرط القبول ومواعيد الامتحان، فتقدمت، وكانت ~~خشيتي من الكشف الطبي أكبر من خشيتي من الامتحان، فأخوف ما أخافه أن تتكرر المأساة التي ~~حدثت عندما تقدمت لدار العلوم، وكان من فرط خشيتي أني احتلت حتى حصلت على اللوحة التي ~~سيستخدمها الطبيب في الكشف عن النظر. فحفظت حفظا جيدا العلامات فيما عدا السطرين الأولين ~~لأني أراهما، فعرفت ابتداء من السطر الثالث أن العلامة الأولى مفتوحة من اليمين، والثانية ~~من اليسار، والثالثة من فوق، والرابعة من تحت وهكذا، ولكن خاب ظني وكانت ساعة حرجة جدا ~~انعقد عليها كل أملي، فقد ms054 رأيت السطرين الأولين، فلما جاء ما بعدهما أشار الطبيب إلى علامة ~~في السطر الرابع فسألته، أهي الأولى أم الثانية، فقال هي الموضوع عليها العصا، ولم أر طرف ~~العصا إن كان موضوعا على العلامة الثالثة أو الرابعة، فسقطت في الامتحان، ويئست من ~~المدرسة، واعتقدت أني سأظل في عملي المتواضع أو مثله ما بقيت الحياة، ولكن حدث ما ليس في ~~الحسبان فقد رأى عاطف بك بركات ناظر المدرسة كثرة الساقطين في النظر، فأرجأ البت فيمن يقبل ~~ومن لا يقبل إلى ما بعد الامتحان، وتقدم لهذا الامتحان أكثر من مئتين. منهم من قضى سنين ~~طويلة في الأزهر، وامتحنا في اللغة العربية نحوا وصرفا. وفي الفقه، وفي البلاغة، وفي ~~الحساب والهندسة، وفي الجغرافيا والتاريخ، فكان امتحانا عسيرا رسب فيه كل المتقدمين إلا ~~خمسة، وكنت الثالث فشفع ذلك لي عند ناظر المدرسة في قصر نظري، وقبلنا نحن الخمسة وضم إلينا ~~تسعة من أحسن الراسبين، وبعض هؤلاء التسعة - اختيروا - لأنهم من أبناء كبار العلماء في ~~الأزهر. استرضاء للأزهر وأهله. ففرحت فرحا لا يقدر، إذ رسم مستقبلي، ووضحت معالمه، وكفيت ~~شر التسكع في المدارس الأهلية وأمثالها. كما فرحت مرة ثانية لأني سأدرس علوما منظمة في ~~مدرسة منظمة. أسأل فيها عما أفعل، وأحاسب على الجد والكسل، لا كما كان الشأن في ~~الأزهر. # وكانت الفكرة في مدرسة القضاء أن يثقف فيها الطالب ثقافة دينية، من تفسير وحديث وفقه ~~وأصول فقه وتوحيد ونحو ذلك، وثقافة لغوية أدبية من نحو وصرف وأدب، وثقافة قانونية عصرية. من ~~مثل أصول القوانين الحديثة ونظام القضاء والإدارة ونحو ذلك. وثقافة كما يسمونها عصرية، من ~~مثل الجغرافيا والتاريخ والطبيعة والكيمياء والحساب والجبر والهندسة فكان برنامجها مزيجا ~~من كل ذلك. ومن أظرف ما حدث في برنامجها أن خاف واضعو قانونها من أن يسموا الطبيعة باسمها، ~~فيغضب الأزهريون، لأن لديهم بيتا مشهورا يتناقلونه ويتداولونه وهو: # ومن يقل بالطبع أو بالعلة # فذاك كفر عند أهل الملة # فاحتالوا على ذلك ووضعوا الطبيعة والكيمياء في البرنامج تحت اسم «الخواص التي أودعها ms055 الله ~~تعالى في الأجسام» وكانت المدرسة في حضانة سعد باشا زغلول، ويوليها عنايته وهو ناظر ~~المعارف، ويضع يده على كل رجال التعليم في نواحيهم المختلفة، فاختار لها ناظرا من أكفأ ~~الناس وأقربهم إليه وهو عاطف بك بركات، واختار هو والناظر خيرة المدرسين من كل نوع من أنواع ~~التعليم كما استعان بخيرة علماء الأزهر، ليدرسوا العلوم الدينية، فكنت ترى مزيجا عجيبا من ~~الأساتذة، هذا شيخ أزهري تربى تربية أزهرية بحتة ودنياه كلها هي الأزهر وما حوله، بجانبه ~~أستاذ للتاريخ على آخر طراز تخرج في جامعات إنجلترا وأستاذ للطبيعة تخرج في أشهر جامعات ~~فرنسا، وعلى رأسهم ناظر تعلم في الأزهر وفي دار العلوم وفي إنجلترا، وكل من هؤلاء يلون ~~الطلبة بلونه، ويصبغهم بصبغته، ويعلمهم على منهجه، فكنت إذا أصغيت إلى درس من الدروس فكأنما ~~تصغي إلى درس يلقيه مدرس من القرون الوسطى فيما يقال وكيف يقال، ثم يليه درس تسمعه فكأنك ~~تسمع درسا في أجنبية لا يفرق بينهما إلا أنه يلقى بالعربية، ثم تنتقل من ذلك إلى درس له ~~شبه من هذا وشبه من ذاك، فموضوعه من موضوعات القرون الوسطى ومنهجه منهج حديث، وكذلك ~~المدرسون، عقلية قديمة لم تسمع عن شيء اسمه الجغرافيا ولا تعرف أن الدنيا قارات خمس. أراد ~~بعضهم أن يتطرف ويبين أنه رجل عصري فقال: إن الدنيا تنقسم إلى ثلاثة أقسام آسيا وأفريقية ~~وقارة. يقدسون ما ورد في الكتب حتى الخرافات والأوهام، ومن أقوى حججهم على صحة الرأي أنه ~~ورد في كتاب من الكتب القديمة. وعقلية حديثة على آخر طراز، وجالس أصحابها أرقى الأساتذة ~~الأجانب واستفادوا منهم، وعاشوا في المدينة الغربية. عرفوا آخر نوع من طرازها، وليس عندهم ~~فكرة مقدسة إلا ما قام البرهان على صحتها، ودلت التجارب على ثبوتها، وبين هذين الطرفين ~~أنواع من الأساتذة يأخذون بحظ منهما قل أو كثر. وفي هذه البوتقة المكونة من هذه العناصر ~~كلها وضعت الطلبة ليأخذ كل منهم حظه حسب فطرته واستعداده - وأحيط كل هذا بإطار خلقي يشرف ~~على تنفيذه ناظرها: يلتزم ms056 النظام الدقيق ولا يسمح بالخروج عنه قيد أنملة، إن دق جرس الصباح ~~أغلق باب المدرسة ولا يدخلها طالب، وتحرك الأساتذة فورا إلى دروسهم. ويذهب الطلبة أول ~~العام الدراسي فيجلس كل في مكانه ويفتح درجه فإذا فيه كتبه وأدواته جميعها لا ينقصها شيء، ~~وعدل في معاملة الطلبة والأساتذة لا ينحرف. فمن نجح من الطلبة فبالعدل، ومن رسب فبالعدل، ~~وإن رقي أستاذ فبالعدل، لا يقبل في ذلك رجاء ولا شفاعة؛ وكل طالب معروف لأساتذته وناظره. ~~ولكل طالب صفحة في سجل كبير أمام الناظر، قيد فيها اسم الطالب والأخطاء التي ارتكبها ~~والعقوبات التي وقعت عليه والمكافآت التي نالها، فمن أخطأ خطأ جديدا ذهب إلى الناظر ففتح ~~صفحته وعرف مكانته؛ ونظافة المدرسة بالغة أقصاها - حديقة جميلة رسمت رسما بديعا، وملئت ~~بالأزهار الجميلة، وحركة مستمرة من الخدمة في تنظيف مستمر - في هذا الجو كله وضع الطلبة، ~~واشتهرت المدرسة في مصر يزورها كبراؤها وفي العالم الشرقي يؤمها عظماء الوافدين المعنيين ~~بشئون التعليم والراغبين في الإصلاح. # | الفصل الثالث عشر # بدأت الدراسة في القسم العالي من هذه المدرسة، ومدتها أربع سنوات، وكان فصلنا أربعة عشر ~~طالبا، كثير منهم يناهز الثلاثين وله لحية طويلة، ومنهم من هو متزوج وله أولاد. وكان ~~الطلبة كالأساتذة، منهم الأزهري القح الذي لا يعرف عن الدنيا شيئا، ومنهم ابن البلد ~~المتمدن الذي عرك الدنيا وعركته. ومنهم من هو بين ذلك، وبدأنا الدراسة واستمررنا فيها أربع ~~سنين طوال - يدرس لنا التفسير والحديث والتوحيد رجال من خيرة الأزهريين، على الطريقة ~~الأزهرية وفي كتبها الصفراء التي تضم متنا وشرحا وحاشية - يقرئون المتن ثم يتبعونه بالشرح، ~~ثم يفيضون فيما يرد من اعتراضات، وما يجاب عليها من إجابات، وتنتهي السنة فلا نكاد نكون قد ~~قرأنا فيها إلا القليل، ونحمد الله على ذلك لأن الامتحان سيكون في هذا القليل الذي قرئ، وهم ~~يذكروننا دائما بالأزهر ومنهجه والقرون الوسطى ومناهجها، ويملئون رءوسنا بالاحتمالات ~~والتأويلات ويبثون في نفوسنا من طرف خفي تقديس المؤلفين والمؤلفات، فقل أن يخطئ المؤلف، ~~وإذا أخطأ فهناك ألف ms057 وجه لتأويل كلامه بما يحتمل الصواب، ولكن كان لهذه الطريقة - والحق ~~يقال - محمدة كبيرة، هي تعويدنا الدقة في التعبير والإيجاز في القول.والتزام المنطق فيما ~~يقال. # 1 # وبجانب هؤلاء دروس يلقيها أساتذة من خير ما أخرجته دار العلوم كالشيخ الخضري والشيخ ~~المهدي، # 2 # وهم فئة تعودوا النظام والقدرة على الإيضاح من دار العلوم، ولم يلتزموا عبارات ~~الكتب وإن التزموا موضوعاتها، واتصلوا بالشيخ محمد عبده، وكانوا من خاصة تلاميذه، يعتنقون ~~مبادئه ويستنيرون بآرائه وتوجيهاته، فلم يكونوا يلتزمون الكتب، وإنما يضعون مذكرات من ~~أنفسهم يعتمدون فيها على الكتب القديمة، ولكنهم يعرضونها عرضا جديدا. قليلا ما يأتون ~~بالشيء من أنفسهم، ولهم علم بالدنيا أكثر من علم الأزهريين، وتجارب في الحياة استمدوها من ~~أعمالهم ومناصبهم، كانوا يلقونها إلينا مع دروسهم؛ درس لنا أصول الفقه الشيخ محمد الخضري، ~~وكان لبقا لسنا ذكيا واسع الإطلاع حاضر البديهة، يجيد اللغة الغربية وفروعها والتاريخ ~~الإسلامي كما ورد في المؤلفات القديمة، والعلوم الإسلامية كما تلقاها من شيوخه، وله قدرة ~~على استساغة ذلك كله وإخراجه في عبارة عصرية جديدة أقرب إلى الفهم. ودرس لنا الشيخ محمد ~~مهدي أدب اللغة العربية، وكان هذا الأدب حديث العهد في مصر، فالناس لم يكونوا يعرفون الأدب ~~إلا على النحو الذي جاء في مثل كتاب الأغاني والعقد الفريد والأمالي ونحو ذلك. أما تأريخ ~~الأدب إلى عصور وترجمة شعراء كل عصر وناثريه وميزة أدب كل عصر وخصائصه فشيء لم يكن معروفا ~~في مصر، حتى أتى الأستاذ حسن توفيق العدل، وقد تعلم في ألمانيا، فأدخل هذا العلم على هذا ~~النمط في مدرسة دار العلوم إذ كان أستاذا فيها، مسترشدا بما كتبه الألمان في تدريس أدبهم. ~~وجاء تلميذه الأستاذ محمد المهدي فبنى عليه وأعد لنا مذكرات واسعة فيه، وكانت ميزته الكبرى ~~تذوقه الأدب وتقويمه جيده من رديئه وحسن إلقائه للشعر وجمال نغماته، وكان كثيرا ما يخرج من ~~الدرس إلى تعاليم الشيخ محمد عبده، من الدعوة إلى عدم زيارة القبور وإنكار الشفاعة ~~بالأنبياء والأولياء ونحو ذلك. # 3 # وكان من طائفة ms058 دار العلوم أيضا الشيخ محمد زيد، رجل وقور جليل المنظر مهيب الطلعة يحتفظ ~~بكرامته ويعتز بشخصيته، درس لنا الفقه. وكان قد مرن عليه التدريس بمدرسة الحقوق، فنقل الفقه ~~من كتبه الأزهرية التي تعتمد على الجزئيات إلى وضع قواعد كلية تطبق عليها الجزئيات، وكان ~~سلس العبارة ميالا إلى الإطناب. # وجمهرة ثالثة من المدنيين - إن صح هذا التعبير - منهم طائفة من كبار القضاء ~~الأهلي، # 4 # يعلموننا مقدمة القوانين، أو كما يسمونها اليوم المدخل إلى القانون، ونظام ~~المحاكم واختصاصاتها إلى غير ذلك، فيقربون أذهاننا إلى القضاء الأهلي، ويقربون الفقه ~~الإسلامي إلى القانون الوضعي، وأصول الفقه، إلى أصول القوانين. # وهذا أحمد فهمي العمروسي بك، وهو الذي تعلم في مصر وتعلم في سانكلو بفرنسا يدرس لنا ~~الطبيعة، فيشرح لنا النظرية ويطبقها في المعمل ويجعلنا نجرب التجارب، ولا يضع في يدنا ~~كتابا، بل يكلفنا أن نكتب ما فهمنا وأن نرسم الأدوات التي استخدمناها، وهي طريقة كانت شاقة ~~علينا، ولكنها كانت مفيدة لنا - ويخرج من الدرس كثيرا إلى نقد طريقتنا في التعليم وطريقتنا ~~في الحياة ويقارن في ذلك كله بين مصر وفرنسا. ويرى أن الكلام في هذه الأمور أكثر فائدة من ~~الكلام في الطبيعة والكيمياء، فالكلام فيهما كالخبز الجاف لابد أن يجعل سائغا بالزبد ~~والمربى. # وهذا علي بك فوزي الذي درس في مدرسة المعلمين وتخرج في معاهد إنجلترا، يدرس لنا التاريخ - ~~تاريخ اليونان والرومان أحيانا، وتاريخ أوروبا الحديث أحيانا، والتاريخ الإسلامي أحيانا، ~~وهو رجل غريب بديع ظريف المظهر قصير القامة يخفي قصر قامته بطول طربوشه وعلو جزمته. يجيد ~~الإنجليزية والفرنسية والفارسية والتركية. ويلتزم الكلام باللغة العربية الفصحى فلا يلحن، ~~ويدخل علينا متأبطا كتبا في جانبيه لعلها تزن أكثر منه، ولا يدع الفراش يحملها له، ويفتح ~~هذا الكتاب بالفرنسية ويملي علينا باللغة العربية بأسلوب جميل فصيح، ويخرج أحيانا عن الدرس ~~إلى آرائه في الحياة وفلسفته في المقارنة بين المدنية الشرقية والمدنية الغربية. # وهذا محمد بك زكي يدرس لنا الحساب والجبر والهندسة وينقلنا في ذلك خطوات سريعة، حتى نصل ms059 ~~إلى اللوغاريتمات والهندسة الفراغية والتوافيق والتبادل. # وهذا عاطف بك بركات يدخل علينا يوما فيجد الشيخ حسن منصور يدرس لنا الأخلاق في كتاب أدب ~~الدنيا والدين، فلا يعجبه ذلك، ويتولى تدريس هذه المادة بنفسه من الكتب الإنجليزية، فيدرس ~~لنا أحيانا كتاب ماكنزي في علم الأخلاق، وأحيانا كتاب مذهب المنفعة لجون ستيورات ~~مل. # وهكذا وهكذا من مزيج لم يكن له نظير في أي مدرسة أخرى. # ونظام المدرسة شاق عنيف، فليس هناك ملاحق، وليس هناك إعادة سنة فمن رسب في أول امتحان آخر ~~السنة رفد، وفي كل ثلاثة أشهر امتحان، ومن رسب في هذا الامتحان الثلاثي حرم من مكافآته، وهي ~~جنيه ونصف كل شهر، وما تجمع من هذه المكافآت التي حرم منها بعض الطلبة تمنح مكافآت ~~للمتفوقين: قسم منها لمن حاز أكبر درجة في كل علم أساسي، وقسم يمنح مكافآت على كتب تقرأ ~~أثناء الإجازة، مثل مقصورة ابن دريد وشرحها ومختصر صبح الأعشى وكتاب «إميل» القرن التاسع ~~عشر ونحو ذلك. وقد ينال الطالب النابغ ما يقرب من ثلاثين جنيها من هذه المكافآت، وقد أخذت ~~من هذه المكافآت كل سنة ما يقرب من 25 جنيها كنت أتبحبح فيها في حياتي. فمرة أخذتها على ~~كتاب إميل القرن التاسع عشر، ومرة أخذتها على حفظ مقصورة ابن دريد وشرحها. ومرة على كتاب ~~مختصر صبح الأعشى. هذا عدا مكافآت كانت تعطى لمن يأخذ أحسن درجة في أي علم من العلوم ~~الرئيسة. وكل يوم ثلاثاء عصرا تصف الكراسي في فناء المدرسة ويدعى أستاذ من الخارج أو من ~~المدرسة أو طالب من المتقدمين لإلقاء محاضرة في موضوع أعده، وأحيانا يشترك في سماع هذه ~~المحاضرات سعد زغلول أو قاسم أمين أو غيرهم من الكبراء، فيلقي علينا مثلا «رفيق بك» محاضرة ~~في «قضاء الفرد وقضاء الجماعة»، ويلقي علينا الشيخ الخضري محاضرة في «أبي مسلم الخراساني» ~~مرة وفي الغزالي مرة وفي «زياد ابن أبيه» مرة. ويلقي علينا العمروسي بك محاضرة في «هربرت ~~سبنسر» مرة وفي «بستالوتزي» مرة وهكذا. # ويتحين عاطف بك بركات فرصة ms060 الفسحة أو فرصة وجود بعض الطلبة في المكتبة فيقف ويلتف حوله ما ~~شاء من الطلبة، فيخلق موضوعا يحاورهم فيه ويحاورونه؛ ويتشعب الموضوع، ويطول الجدل حتى يدق ~~الجرس، فيكون من ذلك درس على طريقة سقراط، وكان رحمه الله طويل النفس في الجدل قوي الحجة، ~~لا يكل في ذلك ولا يمل، وهي شيمة عرفت في أسرة سعد باشا زغلول كلها، مثل سعد زغلول، وفتحي ~~زغلول، وعبد الرحمن زغلول، وعاطف بركات، يلذهم الجدل حتى في الموضوع الذي لا يحتمل الجدل، ~~ويشققونه ويفرعونه ويعمقونه، فيكون من ذلك متعة عقلية تلذ المؤيد والمعارض. # قضيت زماني في هذه المدرسة جدا لا هزل فيه وتعبا لا راحة معه، وكانت المدرسة قاسية ~~عنيفة لا ترفيه فيها؛ فدرس في النهار وتحضير في الليل، حتى أوقات الألعاب الرياضية كنا ~~نؤديها في عنف كأنها أشغال شاقة. فلو طبقت هذه النظم على مدرسة عسكرية لاستجارت منها، ولو ~~طبقت على مدرسة اليوم لقابلها الطلبة كل ساعة بإضراب جديد. وقد صبرت على هذا الدرس فلم ~~أسترح نهارا ولا ليلا، ولا جمعة ولا عيدا، حتى ولا في الإجازة الصيفية، إذ كنت أعكف على ~~الكتب التي قررت للمسابقات فأختار منها وأدرس ما أختار لأمتحن فيه أول العام، وزاد من تعبي ~~ما أصبت به من الغيرة، وكنا اثنين في الفصل كفرسي رهان نتسابق في غير كلل، وكان # 5 # خيرا مني في العلوم الأزهرية وأنا خير منه في العلوم العصرية، فسبقني في ~~السنتين الأوليين وسبقته في السنتين الأخريين، وكان إذا سبقني حزنت حزنا عميقا، وإذا خلوت ~~إلى نفسي فر الدمع من عيني، فما لقيته من هذا الزميل في السباق كان أشد على نفسي مما لقيته ~~من المدرسة وما فيها من عناء. # لا أذكر أني رفهت عن نفسي إلا أياما كنت أخرج إلى كوبري قصر النيل حتى إذا توسطته وقفت ~~زمنا أستنشق هواءه وأستمتع بمنظره، ثم أسير إلى آخره فأميل ذات اليمين وأمشي بين الأشجار ~~والنخيل والنهر حتى أصل إلى مسجد هناك أصلي فيه المغرب أو العشاء ثم أعود ms061 من حيث ~~أتيت. # وأحيانا في ليلة الجمعة كنت أغشى منزل صديقي الشيخ مصطفى عبد الرازق، وكان منزلا يحتفظ ~~بالتقاليد القديمة لبيوت الأسر الكبيرة، يكثر زوارها وتمد موائدها غداء وعشاء، ويطيب فيها ~~السمر، ويطول فيها السهر، فكان أصدقاء الشيخ من الشبان ينفردون بحجرة في البيت يتلاقى فيها ~~شبان الأزهر بشبان الحقوق ببعض الشبان الذين يتعلمون في أوروبا، فتثار المسائل على اختلاف ~~ألوانها دينية وفلسفية وسياسية واجتماعية حيثما اتفق، نتبادل فيه الآراء والأفكار؛ وترى إذ ~~ذاك آراء المحافظين تناطح آراء الأحرار المتمدنين، ومؤيدي السفور ينازعون مؤيدي الحجاب، ~~والوطنيين يثورون على الرجعيين، وهكذا من سمر لذيذ يمتد إلى منتصف الليل فتكون من ذلك متعة ~~عقلية وروحية لطيفة. # ومرتين أو ثلاثا جمعت كل قواي، وحفزت كل همتي وقاومت كل خجلي، فذهبت إلى استماع الغناء في ~~صالة تسمى «ألف ليلة» بالأزبكية من مغنية اسمها «الست توحيدة»، واتخذت كل الوسائل للاختفاء، ~~لأن من رئي وعلمت به المدرسة كان عرضة للتأنيب والعقاب - هذا كان كل ترفيهي، أما ما بقي من ~~وقتي فللدراسة وللمدرسة. # بل زدت نفسي إرهاقا بدراسة أخرى، فقد كانت الجامعة المصرية الأهلية قد ولدت في السنة ~~التي ولدت فيها مدرسة القضاء عقب جدال عنيف في المجالس والصحف، وكان موضوع الجدل غريبا ~~حقا ظريفا حقا: هل من الخير لمصر أن تتوسع في التعليم الأولي فتنشئ الكتاتيب، أو تؤسس ~~التعليم العالي فتنشئ الجامعة، كأنهما ضدان لا يمكن الجمع بينهما؟ ولكنها السياسة ~~الإنجليزية، أرادت أن تصرف الأنظار عن التعليم الجامعي لأنه يخرج قادة الرأي في الأمة، ~~فابتدعت فكرة التعليم الأولي وأولويته، وظلت المناقشة طويلا، وكان اللورد كرومر يؤيد ~~التعليم الأولى ويعارض في إنشاء الجامعة، فأسرع مديرو المديريات ومأمورو المراكز والعمد ~~وأعيان البلاد إلى إنشاء الكتاتيب طوعا لإشارة كبار الإنجليز، وأخيرا تقدم داع # 6 # يدعو إلى إنشاء الجامعة ويتبرع بخمسمائة جنيه بشرط أن يتبرع عدد كبير بمال ~~كثير، وتحمس بعض الكبراء وعقدوا اجتماعا حضره سعد زغلول وقاسم أمين والشيخ عبد العزيز ~~شاويش ومحمد بك فريد وغيرهم، واكتتبوا بمبلغ من ms062 المال لا يزيد عن خمسة آلاف جنيه، وأنشئوا ~~الجماعة واختاروا رئيسها سعد زغلول. # فلما عين ناظرا للمعارف اختير لها الأمير أحمد فؤاد (الملك فؤاد فيما بعد). # ثم نمت الجامعة واستدعي لها بعض كبار المستشرقين واختير لها بناء هو بناء الجامعة ~~الأمريكية اليوم. فأعجبني من دروسها محاضرات يلقيها الأستاذ نللينو في تاريخ الفلك عند ~~العرب، ومحاضرات في الفلسفة الإسلامية يلقيها الأستاذ سانتلانا، ومحاضرات في الجغرافيا ~~العربية يلقيها الأستاذ جويدي، وكنت أحضر هذه المحاضرات لماما في غير انتظام ولا التزام، ~~لثقل العبء علي بمدرسة القضاء. ولكن على كل حال رأيت لونا من ألوان التعليم لم أعرفه: ~~استقصاء في البحث، وعمق في الدروس، وصبر على الرجوع إلى المراجع المختلفة، ومقارنة بين ما ~~يقوله العرب ويقوله الإفرنج، واستنتاج هادئ ورزين من كل ذلك. # وختمت حياتي المدرسية بموقف غليظ عنيف ثقيل، ذلك هو يوم الامتحان النهائي، فكلما كان ~~أساتذة المدرسة مختلفين متنوعين كانت لجان الامتحان مختلفة متنوعة: لجنة من كبار العلماء ~~الأزهريين، فيهم المفتي وشيخ المالكية وشيخ الحنابلة وبعض كبار القضاة، ولجنة من كبار رجال ~~القضاء الأهلي فيهم فتحي باشا زغلول وعبد العزيز باشا فهمي، ولجنة من رجال العلم المدني، ~~عالم في الرياضة وعالم في الطبيعة وعالم في التاريخ وهكذا، ولكن كان أثقلها وأبغضها اللجنة ~~الأولى، فأما الامتحان التحريري فقد مضى في سهولة ويسر وكنت الأول، وأما الامتحان الشفوي في ~~لجنة الأزهر فكان موضوعات معينة في كل من العلوم الأزهرية: موضوع في النحو وآخر في البلاغة ~~وثالث في أصول الفقه ورابع في المنطق، وهكذا، وكل موضوع عبارة عن جملة أو جملتين من كتاب، ~~تعين للطالب قبل الامتحان بعشرة أيام. فمثلا في البلاغة جملة «واستغراق المفرد أشمل، بدليل ~~صحة - لا رجال في الدار - إذا كان فيها رجل أو رجلان دون لا رجل»، وهكذا في سائر العلوم ~~أخذت هذه الموضوعات وقرأتها وفرغت منها كلها في يومين وليلتين، ولم أدر ما أصنع بالأيام ~~الثمانية بعد، ولكن بعد ثلاثة أيام مر علي في بيتي شيخ أزهري # 7 # من كبار ms063 مدرسيه كما مر على زملائي ليعرف كيف يحضرون موضوعاتهم، فسألني أسئلة لا ~~أعرف من أين أتت ولا كيف تتصور ولا كيف يجاب عنها، فخاف علي من الرسوب في الامتحان، وزارني ~~بعد ذلك مرتين أو ثلاثا يلقي على هذه الأسئلة العجيبة والأجوبة الغريبة، ومع ذلك لم أتقدم ~~كثيرا. وكان يوما أيوم يوم أديت هذا الامتحان، فقد جلس هؤلاء الأساتذة الستة أو السبعة لا ~~أدري على الأرائك متكئين، وفرشت لي فروة على الأرض جلست عليها متربعا، وبدأت أقرأ في ~~الكتاب الأول، وأشرح جوهر الموضوع شرحا صحيحا، ولكن سرعان ما انهالت علي الأسئلة من كل ~~جانب فأجيب حينا وأعرق حينا، وأذكر من هذه الأسئلة: أن المؤلف لم قال «أي» ولم يقل ~~«أعني»؟ فلم أحر جوابا وهكذا. وهي أسئلة محفوظة مرن عليها الطلبة والأساتذة المتعمقون في ~~الدراسة الأزهرية، ولم أمرن عليها لأني اعتمدت في دراستي على أبي. وأبي أنقذني من الحواشي ~~ومن مثل هذه الأسئلة. وجلست هذه الجلسة على الفروة ست ساعات متواليات لا تتخللها راحة ولا ~~شرب كوب ماء، وكل من الممتحنين يخرج من حين إلى آخر يتمشى ويتروض، ومن حين إلى آخر تقدم لهم ~~القهوة والليمون وما إلى ذلك ولا يقدم لي شيء. وأخيرا أفرج عني وسمح لي بالخروج، فلما ~~حاولت القيام لم أستطع أن أمد رجلي ولا أعدل قامتي، وأخذت في ذلك زمنا طويلا حتى عرفت كيف ~~أقوم وكيف أمشي، ولم أدر كيف ذهبت إلى بيتي وكيف قضيت بقية نهار وليلي. ومهما كان الأمر فقد ~~نجحت ولكن تأخر ترتيبي من الأول إلى السادس. وكان هذا الامتحان الأزهري على هذا الوجه الشاق ~~أول امتحان في مدرسة القضاء وآخره، فبعده احتج عاطف بك فسهل الامتحان وقصرت مدته وتساهل ~~الممتحنون في درجاته. # | الفصل الرابع عشر # كنت وأنا مدرس في المدارس الابتدائية غير متفوق في الإنشاء، فانعكس الأمر في مدرسة ~~القضاء، ففي الشهر الأول من دخولي المدرسة طلب إلينا أستاذ الأدب أن نكتب في موضوع «أثر ~~القرآن الكريم في تدوين العلوم» وصادفني التوفيق في كتابة ms064 هذا الموضوع كما صادفني أن وقعت ~~ورقتي في يد عاطف بك بركات فاستحسنه - وكان لا يعجبه العجب - وكان كلما أتى زائر للمدرسة ~~طلب الورقة وقرأها عليه وسمع منه استحسانه، فوقر في نفس أستاذ الأدب تفوقي في الإنشاء، ~~وحفزني ذلك على الإجادة فيما أكتب، فكان يعطيني أعلى درجة ولو لم أستحق، لأنه يقرأ ما في ~~نفسه أكثر مما يقرأ ورقة الإجابة، واحتفظت بمكانتي هذه طول دراستي، ودفعني ذلك إلى الاتصال ~~بالجرائد أريد أن أكتب فيها؛ وكان لي صديق # 1 # طالب في المدرسة يتصل بالشيخ علي يوسف صاحب «المؤيد» ويفسح له في جريدته حتى ~~لينشر مقالاته فكتبت مقالا عنوانه «خطأ العقلاء» موضوعه نقد سعد باشا على تركه نظارة ~~المعارف وتقلده نظارة الحقانية، لأن نظارة المعارف تحتاج إلى جهاد مع الإنجليز عنيف في وضع ~~أسس جديدة للتعليم، وقد بدأ في وضع هذه الأسس فمن الخطأ ألا يتمها، وأن ينتقل إلى نظارة ~~وضعت أسسها ولا جديد فيها إلا السير وفقا للتقاليد المعروفة، ولكن الشيخ علي يوسف لم ينشر ~~المقالة إما لضعفها وإما لظروف سياسية تتعلق بالموضوع كان يراها ولا أراها. وعلى كل حال ~~كانت المقالة الأولى والأخيرة أيام طلبي. # أما في غير الإنشاء فكنت راضيا عن نفسي في دروسي كلها. إلا ما يتصل بالحواشي الأزهرية ~~والتدقيقات اللفظية فكنت أكرهها، وذلك داء قديم، ولكن لم تكن هذه تؤثر في الامتحان إلا ما ~~كان من الامتحان النهائي للجنة الأزهر. وكنت متفوقا على فصلي في الحساب والجبر والهندسة. ~~آخذ مكافآتها كل عام. # وتعرضت مرة وأنا في السنة الثالثة لحادث خطير كاد يفصلني من المدرسة التي لم أدخلها إلا ~~بعد عناء - ذلك أنه أقيم سنة 1910 احتفال في المدرسة لعيد رأس السنة الهجرية، وعهدت إلي ~~لجنة الاحتفال اختيار موضوع، فاخترت «أسباب ضعف المسلمين» وبنيت محاضرتي على أن أسباب ضعفهم ~~ترجع إلى شيئين رئيسين: الأول فساد نظام الحكم في البلاد الإسلامية وما جره ذلك من ظلم ~~للرعية وعسف بحريتها، واستغلال الحكام لمالها وتسخيرهم قواها لملاذهم الشخصية، والثاني رجال ~~الدين ms065 فقد شايعوا الحكومات الظالمة وأيدوها، وتآمروا معها وبثوا في نفوس الشعب الرضا ~~بالقضاء والقدر والاعتماد على نعيم الآخرة إذ حرموا نعيم الدنيا - كل هذا أضعف من نفوس ~~المسلمين وأذلهم وأنهك قواهم، ولا أمل في صلاحهم إلا بصلاح رجال الحكومة ورجال الدين ~~إلخ. # فلما أتممت الخطبة دوي المكان بالتصفيق، ولكن راعني أن استدعاني عاطف بك إلى جانبه، وقال ~~لي: هل جننت؟ أمثل هذا يقال؟ وطلب مني المحاضرة فسلمتها إليه ورأيته يسر إلى الشيخ الخضري ~~كلاما، فيقوم يعقب علي ويقول إن المحاضر - بالطبع - يقصد الحكومات الماضية ورجال الدين ~~الماضيين، أما الحكومة الحاضرة فلا مأخذ عليها، وهي العادلة الحازمة، وهي التي رعت مدرسة ~~القضاء وأنفقت عليها وعلمت طلبتها وغمرتهم بالخيرات، وأما رجال الدين اليوم فمثال للنزاهة ~~والطهر والرقي. # فلما انتهى الحفل قال لي عاطف بك: إن بقاءك في المدرسة الآن بيد القدر، فإن ذكرت الجرائد ~~ما قلت واستخدمته في الأعراض السياسية ضحيت بك حرصا على المدرسة - وشاء الحظ ألا يكون ذلك، ~~وأن أبقى في المدرسة. # وكان عاطف بك معذورا؛ فالمدرسة يحاربها الخديو ويتربص بها الدوائر ويدس لها الدسائس، ~~ورجال الأزهر لها كارهون، وإنما تعتمد المدرسة على الحكومة ورضا الإنجليز عنها، فإذا غضبت ~~الحكومة وغضبوا هم أيضا عليها لم يكن لها سند من أحد وقد كان الكلام في السياسة وما حولها ~~في المدارس جميعها جريمة كبرى، حتى كان الكتاب لا يقرر في مدرسة من مدارس وزارة المعارف إلا ~~بعد إقرار من المفتشين بأنه خال من السياسة، والمختارات من الشعر لا تعطي للتلاميذ حتى ~~يقرها التفتيش، وهو لا يقرها إلا إذا خلت من السياسة بأوسع معانيها، فإذا قال ~~المتنبي: # سادات كل أناس من نفوسهمو # وسادة المسلمين الأعبد القزم # أو قال بشار أبياته المشهورة في الشورى، أو قال شاعر أو ناثر شيئا يتصل من قريب أو بعيد ~~بالحكم ونظامه أو الحرية وقيمتها أو نحو ذلك فهذه سياسة محرمة يعاقب عليها المستر «دنلوب»، ~~مستشار المعارف الإنجليزي، أشد أنواع العقاب، حتى ليرووا أن مدرسة اقترحت كتبا لمكتبتها ~~وكان ms066 من بينها المصحف الشريف فاحتيج أيضا إلى إقرار بأنه ليس فيه سياسة، وقد أعدى هذا جو ~~مدرستنا فلم نسمع طول دراستنا كلمة واحدة من مدرسينا عن السياسة وشئونها والحكومة ونقدها، ~~والإنجليز وتصرفاتهم - وكل علمنا بهذه الأمور كان عن طريق اتصالنا بالجرائد، فكنت أقرأ ~~اللواء والمؤيد يوميا وأنفعل لهما وأتجاوب معهما. # ولم أر إضرابا في المدرسة إلا مرتين: مرة كان فيها الإضراب سهلا يسيرا يكاد يكون عاما، ~~يوم خرجنا قبل انتهاء الدروس (10 فبراير سنة 1908) نشيع جنازة المرحوم مصطفى كامل، وكان ~~يوما مشهودا اشتركت فيه جميع طبقات الأمة ونبض فيه قلبها وتيقظ فيه شعورها، والمرة ~~الثانية - بعد إتمامي الدراسة - يوم أضرب فصل من فصول المدرسة، لأن الناظر حتم عليه الألعاب ~~الرياضية في مكان معين. وكان هذا المكان مشمسا والدنيا حارة، فاستأذن الطلبة أن يلعبوا في ~~الظل، فأبى بحجة أن الطلبة يجب أن يتعودا الخشونة في العيش والصبر على الشدائد، ولكن الطلبة ~~لم يعجبهم هذا القول فامتنعوا عن اللعب ووقفوا في الظل لا في الشمس. فلما علم الناظر بذلك ~~رعب وامتقع لونه لأن هذه أول حادثة من نوعها. فحضر في حالة عصبية ولكنه كتم غيظه، وطلب من ~~الطلبة أن يصعدوا إلى فصلهم فأبوا ثم كررها فأبوا، ففكر لحظة ماذا يفعل، ثم رأى أن مخاطبة ~~الجموع غير مجدية، فنادى طالبا بعينه تفرس فيه الخوف والطاعة، وأمره أن يخرج أمام الصف ~~فخرج، ثم قال له: إما أن تصعد إلى فصلك وإما تخرج من باب المدرسة إلى الأبد، وكل الطلبة ~~كانوا يعلمون من الناظر جده وصدقه والتزامه تنفيذ وعده ووعيده، فإذا قال الكلمة ففداؤه ~~رقبته، فتردد الطالب قليلا، ثم صعد إلى فصله، وتفرس أيضا فنادى الثاني. وقال له ما قال ~~للأول ففعل فعله ثم نظر إلى الجماعة نظر المنتظر الظافر، وقال لهم: أظن أن لا معنى بعد ذلك ~~للإضراب، انصرفوا إلى فصلكم فانصرفوا وانكسر الإضراب. # وكان شعوري الديني، وأنا طالب بمدرسة القضاء لا يزال قويا كشعوري الوطني بل أقوى منه، ~~حتى كان طلبة فصلي يسمونني ms067 «السني»، بينما يسمون غيري الفيلسوف أو الزنديق. وأذكر مرة أن ~~أحد أساتذتي كان ينكر معجزة نبع الماء من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم فحاججته، ثم ~~انقلب الجدال إلى حدة مني فاحمر وجهي وغضبت على أستاذي غضبا شديدا، فتقبل غضبي بالحلم ~~والابتسامة الهادئة - واتصلت بشيخ طريقة صوفية # 2 # وكان رجلا ظريفا نظيفا أنيقا لا يظهر عليه أي مظهر من التصوف إلا إشراق في ~~وجهه ورقة في قلبه تظهر في حركاته، وكان يعمل في الدنيا كما يعمل الناس. فهو صيدلاني يطلع ~~على كتب الطب القديمة ويصنع منها بعض الأدوية الناجحة في الأمراض، كدواء للحصوة في الكلية ~~ونحو ذلك، وكان أديبا يتذوق الشعر ويقول الزجل الظريف، ويستمع إلى شعر الغزل فيفهمه بذوقه ~~الصوفي، ويتأوله على طريقة الصوفية. استنشدني مرة شعرا فأنشدته، حتى وصلت في إنشادي إلى ~~قول أبي تمام: # وأنجدتمو من بعد اتهام داركم # فيا دمع أنجدني على ساكني نجد # استوقفني واستعادني فرأيت الدمع يترقرق في عينيه. وفي اليوم التالي أسمعني تخميسا لطيفا ~~لهذا البيت - طلبت منه أن يعلمني طريقة الصوفية؛ ويقبلني «مريدا» فوعد أن يكون ذلك يوم ~~الجمعة في قبة الإمام الشافعي. وذهبت إلى هناك وانتحينا ناحية وجلسنا وقرأ علي العهد ~~وتابعته ثم أعطاني الدرس الأول في الطريقة. # وكان يلطف من عناء الدرس في المدرسة مداعبات الطلبة. ففي الفصل طلبة مكرة مهرة عركوا ~~الحياة وعركتهم، وعرفوا الدنيا وعرفتهم، ولهم لسان طلق ذلق هجاء، وقدرة فائقة على السخرية ~~اللاذعة. وفيهم السذج وأشباه السذج. سلامة قلب وضعف حيلة وسوء تصرف. وفيهم من هو بين هؤلاء ~~وهؤلاء - ولم يمض الأسبوع الأول من دخولنا المدرسة حتى تكشفت أخلاقنا وعرف بعضنا بعضا، ~~وتبينت مواقع القوة ومواضع الضعف في كل منا سواء من الناحية الخلقية أو العقلية. فاستغل ~~الأقوياء الضعفاء كما هو الشأن في الوجود، واتخذ بعضهم بعضا سخريا. لعب الماكر الماهر ~~بالأبله الساذج لعب القراد بالقرود، ووقفوا لهم بالمرصاد يحصون غلطاتهم ويئولون تصرفاتهم ~~بما يستخرج الضحك من أعماق القلب. # هذا مغفل نتضاحك من غفلته، وهذا ms068 بخيل نتنادر على بخله، وهذا سريع الغضب يهيج لأقل سبب، ~~فإذا هاج أتى بحركات بهلوانية واندفع في السب والشتم، فكنا نثير غضبه ثم نضحك مما يصدر عنه. ~~وهذا إذا مشي فكأنه الديك الرومي في انتفاشه، وهذا إذا ضحك تقطعت ضحكته وطالت فكأنما هي ~~نهيق، ومن كل ذلك لهو طريف وضحك عميق، فكأن الطبيعة عوضتنا عن هذا الجد العابس والدرس ~~القاسي والعناء الرتيب بهذه الفكاهات الحلوة والمرة تنفس عن نفوسنا، وتفرج من ضيقنا. # وراعني يوما وأنا في مدرسة القضاء حادث لم يكن في الدراسة ولكن بجوارها أثر في أثر في ~~أثرا بالغا فذكرته: ذلك أنه كان بجوار المدرسة بيت ثري كبير، له المزارع الواسعة والأملاك ~~الكثيرة من مختلف الأنواع، وكان يعيش عيشة فخمة أنيقة، وفيه طيبة تحمله على الإنفاق على بعض ~~الأعمال الخيرية، وفيه سذاجة تمكن شياطين المال من استغلاله وإغوائه. # وكان من عظمته وأبهته وفخفخته أنه لما مدت شركة الترام خطا أمام بيته (هو خط الجماميز ~~رقم 17) أبى عليها ذلك مدعيا أن الشارع في ملكه وتحت حكمه، فكانت عربته تنتظر أولاده ~~صباحا على الشريط أمام الباب، فتمنع الترام أن يسير، وتقف القطارات صفا طويلا حتى ينزل ~~أولاد الباشا ويذهبوا بالعربة إلى مدارسهم. وكتب إذ ذاك الشيخ علي يوسف في جريدة المؤيد ~~مقالا طريفا في هذا الموضوع، والباشا وشركة الترام في نزاع طويل في المحاكم أيهما ~~المحق. # والباشا يسرف ويسرف، ويبعثر الأموال يمينا وشمالا. ولا تكفيه غلة أملاكه الواسعة؛ فيمد ~~يده يقترض من شياطين المال، وأخيرا تستغرق أملاكه الديون، وأمر وأنا في طريقي إلى المدرسة ~~فأرى حركة في السراي كبيرة، وأسمع الأجراس تدق إعلانا ببيع أثاث السراي بالمزاد بعد أن خرج ~~أهلها منها. # ولا أنسى يوما أخرج من مدرسة القضاء، فأرى الباشا الكبير يقف أمام محطة الترام ينتظر ~~مجيئه لركوبه بعد أن كانت عربات الترام الكثيرة تنتظر عربة أبنائه حتى تتحرك بهم إلى ~~مدارسهم. # | الفصل الخامس عشر # هذا أنا ومدرستي. أما أنا وبيتي فقد كان بيتي هادئا مطمئنا سعيدا سعادة سلبية، ms069 وأعني ~~بالسعادة السلبية السعادة الخالية من الآلام. أما السعادة الإيجابية من فرح ومرح وضحك ونحو ~~ذلك فقد كان بيتنا خاليا منها تقريبا، لإفراط أبي في جده وحبه للعزلة وعكوفه على القراءة ~~أكثر وقته. # وكان بيتنا يتألف من أبوي وأنا وأخ وأخت يكبرانني وأخ وأخت يصغرانني. # كان أخي الأصغر شابا مرحا ذكيا مملوءا بالحياة. كثيرا ما يثور على تقاليد البيت التي ~~وضعها أبي، فهو يتأخر عن موعد العودة، وهو يذاكر ويلعب ويجد ويهزل. وكان ذلك يغيظ أبي فيكثر ~~بينهما الجدال والخصام ويزداد ذلك فيصل إلى حد الضرب - علمه أبي كما علمني، والتحق بمدرسة ~~تابعة للأوقاف تجمع في تعليمها بين العلوم الدينية والمدنية. ثم تخرج منها والتحق بمدرسة ~~القضاء في القسم الأول، إذ كانت مدرسة القضاء تنقسم إلى قسمين: قسم أول ومدته خمس سنوات، ~~وقسم عال ومدته أربع سنوات، وهذا الأخير هو الذي التحقت أنا به، وكان أخي في السادسة عشرة ~~من عمره، وقضى السنة الأولى في المدرسة بنجاح، وتفوق في الرياضة فنال جائزتها. وجاء الصيف ~~وجاءت الإجازة، ودعاني صديقي من شبين الكوم أن أقضي عنده أياما ففعلت، ورجعت فوجدت البيت ~~واجما، ووجدت أخي هذا قد بسط له فراش في وسط الغرفة وهو لا يكاد يعي من ارتفاع حرارته، ومن ~~حين لآخر يتألم ويتأوه، وكل من في البيت خائف مرتعب - ذهبت من فوري إلى الطبيب واستدعيته ~~فحضر وفحصه فحصا طويلا ثم هز رأسه، ونزلت معه أستفسر عن الحال، فقال إنها الحمى التيفودية ~~والحالة خطيرة، ولا تمكن العناية به في مثل هذه الحالة إلا إذا نقل إلى مستشفى الحميات، ~~ووصف الدواء وطريقة العلاج وانصرف، ورجعت إلى أمي وأبي في خوف وقلق أشير عليهما بنقله إلى ~~المستشفى فرفضا، فالمستشفى كلمة مرعبة مقرون اسمها في ذهنهما وفي ذهن الشعب كله بالموت، وهم ~~لا يسمونه بالمستشفى كما نسميه، ولكن يسمونه «الأشلاء»، وحاولت طويلا أن أفهمهما المستشفى ~~ومزاياه وشدة عنايته بالمرضى واشتد منا القلق وانقبضت نفسي انقباضا شديدا حتى لأحسست أن ~~روحي تكاد تخرج من بين جنبي، ms070 وأخرج من البيت ولا أدري أين أذهب، وأعود ولا أدري لم عدت، لم ~~يغن الطبيب ولم يغن الدواء واشتد الحال سوءا، وأخيرا وبعد كرب شديد لفظ نفسه الأخير. ~~وقامت قيامة البيت، وامتلأ عويلا وصراخا؛ فأما أمي فتلطم وجهها حتى تسقط مغشيا عليها، ~~وأما أبي فيحترق قلبه في الباطن ويتجلد في الظاهر، وتعد العدة لدفنه وتسير جنازته إلى ~~الإمام حيث أعد أبي مدفنه، ويرفض أن يقيم مأتما وأن يقابل أحدا، فأقيم المأتم وأقابل ~~الناس وينقلب بيتنا محزنة. وكل خميس تجتمع النساء للعويل والصراخ وتدعى (المعددة) تغني غناء ~~حزينا بكلام يثير الشجون، ويقطع القلوب، فلما فرغت (خمساننا) التزمت أمي أن تذهب كل خميس ~~إلى بيت مأتم، تعرف أهله ولا تعرفهم، فكل المآتم سواء، وكل الحزانى أصدقاء، وتنفرد بنفسها ~~(فتعدد) المعددة، وكل شيء يلهمها البكاء - حجرته التي ينام فيها، ومكتبه الذي كان يذاكر ~~عليه، وكتبه التي كان يذاكر فيها، وأصدقاؤه الذين كان يلقاهم وكل شيء يذكرها به؛ موعد الأكل ~~وموعد الخروج إلى المدرسة، وموعد العودة منها، فأما أبي فقد صبر على حزن دفين، حتى أبى إلا ~~أن يغسله بيده ويدفنه بيده، وكانت سلواه أن يكثر من تلاوة القرآن ويهب ما يقرؤه إلى روحه، ~~وسمع بكتاب للسيوطي اسمه «فضل الجلد عند فقد الولد» فنسخه بيده، يتصبر بقراءته وكتابته، ~~وأما أنا فقد وضع هذا الحادث على عيني منظارا أسود، فلا أرى في الدنيا إلا السواد، ولا أحب ~~أن أسمع من الأصوات إلا صوت البكاء، فالشجرة الناضرة إلى ذبول، والحياة المبتهجة إلى فناء، ~~والحمامة إذا غنت فإنما تبكي، والسعيد إنما يسعد ليشقى. وانقلبت في عيني قيم الأشياء، فهذا ~~الذي يكسب المال لم يكسبه؟ وهذا الذي يعمل لم يعمل؟ والناس مجانين إذا تخاصموا، ومجانين إذا ~~لهوا أو ضحكوا، فالدنيا لا تزن جناح بعوضة، وخير للناس أن يقضوا حياتهم من غير اكتراث حتى ~~يدركهم الموت؛ واستولى هذا الحزن علي أسابيع بل أشهرا حتى سميت في مدرستي «بمالك الحزين» ~~فإذا نسيت الحزن بعض الوقت في مدرستي ذكرته في بيتي ms071 من منظر أمي، ولا تسل عن موقف دقيق ~~وقفته وحرت في التصرف فيه. فقد أتى موعد صرف مكافأة المسابقات في المدرسة، وكان أخي هذا ~~الذي مات يستحق مكافأة الرياضة، وهي لا تصرف إلا بإمضاء مستحقها فإذا لم يكن فإمضاء أبيه، ~~وأنا وأثق أني إذا أخبرت أبي فإنما أشعل في قلبه نارا جديدة، وأعيد عليه يوم مأتمه من ~~جديد، ففضلت أن أترك المكافأة وألا أخبر بها أبي، ومضت سنة وبضعة أشهر والحزن يتحول من نار ~~مشتعلة إلى نار هادئة قد علاها بعض الرماد، وجاء رمضان وأنا في السنة الثالثة في مدرسة ~~القضاء فنغر الجرح الذي لما يندمل، واشتعلت النار التي لم تنطفئ. # كان أخي الكبير في نحو الخامسة والثلاثين من عمره وكان رجلا صالحا طيب القلب مشرق الوجه ~~في نضرة وحمرة، ولكنه كان محدود الذكاء، لم يضطرب أبي في تعليمه اضطرابه في تعليمي، ولم ~~يتردد بين مدرسة وأزهر كما تردد في، فقد حفظ القرآن والمتون، والتحق بالأزهر واستمر فيه وفي ~~دراسته الطويلة نحو عشرين عاما، يتنقل بين كتب الأزهر ومشايخه، حتى إذا أتم الدراسة خاف من ~~الامتحان النهائي، فهو يقدم ثم يحجم ثم يقدم ويحجم، لا يجذبه الطموح ولا يدفعه إلى المغامرة ~~حب المجد، قد تزوج وخلف ابنا وبنتا، وهو وأهله يقيمون معنا في البيت، وحياته بين بيته ~~ومسجده وأزهره؛ فلما جاء رمضان هذا كان برنامجه أن يصوم النهار ويصلي صلاة التراويح في ~~المسجد ويعود إلى منظرة البيت يقرأ فيها القرآن وحده أحيانا ومع صديق له مكفوف البصر ~~أحيانا حتى السحور، ثم يتسحر وينام إلى قريب من الظهر، وهذا دأبه. # ففي ليلة من أواخر رمضان صلى أخي العشاء والتراويح كما كان يصلي، وعاد إلى البيت يقرأ ~~القرآن كما كان يقرأ، وتناول سحوره، كما كان يتناول ثم نام ونمنا، وبعد قليل سمعنا صرخة ~~قمنا لها مذعورين، وذهبنا إلى مصدر الصوت، فإذا هي زوجته تصرخ، وإذا هو ممدود على الأرض لا ~~يعي، وتناديه فلا يسمع وتستجوبه فلا يجيب، وليس فيه إلا نفس يتردد، ms072 فحملناه إلى سريره ~~وقضينا آخر الليل في رعب لا يوصف، وبكاء لا ينقطع، وحزن ذكر بحزن، فلما أصبح الصباح ذهبت ~~إلى أكبر طبيب إفرنجي مشهور وسألته أن يذهب معي مبكرا، ورأى لوعتي فقبل رجائي، وحضر معي ~~إلى البيت وكشف على المريض فلما تبعته أخبرني أنه انفجار في المخ نشأ عنه شلل في النصف ~~الأيسر ووصف له الدواء فأحضرته، وقمت على علاجه أعنى بشأنه، وأناوله الدواء في موعده حتى ~~أخذ يتحسن في بطء، وتحرك لسانه في ثقل، وحرك يده ورجله في تخاذل، ومشى مشية الصبي بدأ ~~يتعلم، وخرج من البيت يجر رجله وحالته في تحسن مستمر والطبيب يعوده من حين إلى حين، ولكن ما ~~لبث نحو شهرين حتى انتكس، وأصيب ثانية أشد مما أصيب أولا، واستحضرت له الطبيب نفسه فقلب ~~كفيه يخبرني ألا أمل. وكانت النهاية، وكان الحزن شديدا وكانت المصيبة قاسية، وكانت النصال ~~تتكسر على النصال، ولم يجد أبي وأمي من سلوى إلا أن يحجا ويقفا بعرفة ويزورا المدينة ويضعا ~~أيديهما على ضريح النبي صلى الله عليه وسلم يسألان الرحمة للفقيدين والصبر للأبوين. # | الفصل السادس عشر # لم يعبأ ناظر مدرسة القضاء بالترتيب فعينني مع الثلاثة الأول - وإن كنت السادس - مدرسا ~~في المدرسة بعد شهرين من تخرجي، وابتدع في المدرسة نظاما لم يكن معروفا في مصر؛ وهو نظام ~~المعيدين، فأتبع كل معيد بأستاذ كبير يحضر معه الموضوع ويدخل معه في الدروس، ووزع المعيدين ~~على الأساتذة بحسب كفايتهم وميولهم، فهذا معيد مع أستاذ الفقه وهذا معيد مع أستاذ الأدب، ~~واختارني معيدا معه في دروس الأخلاق، وهذا كان سببا في شدة اتصالي به واستفادتي منه، فكنت ~~أذهب إلى بيته في كثير من الأيام عند تحضير درس، وكان يحضره من كتب الأخلاق الإنجليزية، ~~فكان يقرأ بالإنجليزية ويمليني بالعربية، وأحيانا ينفرد هو بالترجمة ويسمعني ما ترجم، وكنا ~~نتناقش في الدروس قبل إلقائها، وأحيانا يجرنا الحديث من موضوع الدرس إلى موضوع آخر اجتماعي ~~أو ديني أو سياسي، فيعرض آراءه ويستمع إلى موضوع آخر اجتماعي أو ديني ms073 أو سياسي، فيعرض آراءه ~~ويستمع إلى مجادلتي، وقد أثر في أثرا كبيرا من ناحية تحكيم العقل في الدين، فقد كنت إلى ~~هذا العهد أحكم العواطف لا العقل، ولا أسمح لنفسي بالجدل العقلي في مثل هذه الموضوعات، ~~فالدين فوق العقل، فإن جاء فيه ما لا يدركه العقل آمنا به، لأن علم الله فوق علمنا، وهو ~~أعلم بما يصلحنا وما يضرنا، وهو يأبى إلا تحكيم العقل والبحث عما لا نفهم حتى نفهم، وكان له ~~غرام بالبحث، وصبر على الجدل، وطول نفس في المناقشة حتى ليفضل من يناقشه أن يسكت أخيرا وإن ~~لم يقتنع، من طول ما أدركه من التعب والعناء، كان من أثر هذا الجدل الديني أني أعملت عقلي ~~في تفاصيل الدين وجزئياته، أما جوهر الدين من إيمان بالله وجلاله وعظيم قدرته فظل ساكنا في ~~أعماق قلبي لم ينل منه أي جدل ولم يتأثر بأي قراءة، وكل ما في الأمر أني صرت أكثر تسامحا ~~مع المخالفين، وأوسع صدرا للمعارضين. # واستفدت منه سعة في الأفق، فقد كان - بحكم تربيته في الأزهر وفي دار العلوم وفي إنجلترا، ~~وبحكم بيئته التي يعيش فيها، ومجالسه التي يجلس إليها ومخالطته أمثال سعد زغلول وفتحي زغلول ~~وقاسم أمين - مطلعا على كثير من الشئون - معتنقا لكثير من الآراء القيمة بعد البحث والدرس ~~واستعراض الآراء المختلفة. كما قبست قبسا من خلقه، فقد كان صريحا صراحة قد تجرح، صادقا ~~في قوله ولو آلم، مشتدا في العدل ولو على نفسه، ملتزما النظام ولو ضايق نفسه وضايق من ~~حوله - أذكر مرة أن طلب للشيخ محمد المهدي أعلى درجة مالية في المدرسة، وأوصى الخديوي ~~بمنحها له، وكان عاطف بك يرى أن غيره أحق منه، فاجتمع مجلس الإدارة برئاسة شيخ الجامع ~~الأزهر، وعضوية عبد الخالق باشا ثروت وغيره وكلهم يرى أن المسألة صغيرة لا تستحق مغاضبة ~~الخديوي من أجلها، فوافقوا على إعطائه وصمم عاطف على رأيه، فلما لم تنجح حجته طلب أن تدون ~~في المحضر معارضته، ومنح الشيخ المهدي الدرجة بالأغلبية فذهب الشيخ مهدي ليشكره، ms074 فقال عاطف ~~لا تشكرني يا أستاذ فقد كنت معارضا، قال الشيخ مهدي: إذن فلأشكر الله.. وهو لا يقبل الرجاء ~~يمس به العدل ولو خاصم في ذلك أكبر كبير. # ولما كان وكيلا للمعارف تقدم طالب إلى مدرسة هو ابن حمد باشا الباسل وسنه تزيد عن السن ~~القانونية فأبى، وألح سعد باشا في قبوله فأبى إلا أن يعدل القانون ويقبل جميع من كانوا في ~~مثل سنه. # لازمت عاطف بك في دروس الأخلاق هذه سنين، وكنت كلما تقدمت في تحضير الدروس معه حملني عبء ~~تدريس هذا العلم تدريجيا، هذا إلى دروس أخرى كنت أستقل بتدريسها من فقه أحيانا، وتاريخ ~~إسلامي أحيانا وغير ذلك، وكان عنائي بالدرس أيام كنت مدرسا لا يقل عن عناء الدرس أيام كنت ~~طالبا، فقد كنت أقضي الساعات الطويلة في تحضير الدرس الواحد من مصادره المختلفة، وأكتب ~~المذكرات للطلبة في كل مادة أدرسها. # واتصلت بصديقي وأستاذي أحمد بك أمين. فقد درس لنا بعض المواد القانونية أيام كنت طالبا، ~~فلما تخرجت انقلبت الأستاذية إلى صداقة، ففي إجازة من الإجازات الصيفية اتفقنا على أن نقرأ ~~كتابا في أصول الفقه ليقارن بينه وبين أصول القوانين في التشريع المدني. فكنا نجتمع كل يوم ~~صباحا ونقرأ نحو ساعتين في كتاب «الموافقات» للشاطبي، وبعد أيام من قراءتنا في هذا الكتاب ~~اقترح علي اقتراحا غريبا، وهو أن نقضي إلى قراءتنا في أصول الفقه ساعة في دراسة الآثار ~~الإسلامية، فأحضرنا خطط علي باشا مبارك نقرأ فيها كل يوم الآثار الموجودة في شارع من شوارع ~~القاهرة، من مساجد وتكايا وأسبله وبيوت أثرية ونحو ذلك، فإذا جاء العصر التقينا في أول هذا ~~الشارع، ومررنا على كل مسجد، ندخله ونطبق ما كتبه على باشا مبارك في خططه. ونعرف تاريخه ومن ~~بناه، ونقرأ اللوحات الرخامية التي تمدنا بهذه المعلومات. واستمررنا على ذلك نحو ثلاثة أشهر ~~أتممنا فيها كل شوارع القاهرة، وألممنا فيها بكل آثارها، فكان درسا غريبا مفيدا. # وإلى جانب ذلك اشتقت جدا إلى أن أعرف لغة أجنبية. فهؤلاء أساتذتي العصريون يدلون ms075 ~~بمعرفتهم لغة أجنبية - هذا يدل بلغته الفرنسية، وهذا يدل بلغته الإنجليزية، وكل يعتمد عليها ~~في تحضير دروسه، ويذكر لنا أنها تساير الزمان، حتى إن الكتاب المؤلف في علم منذ عشر سنوات ~~لا يصلح أن يكون مرجعا اليوم إلا بعد التعديل، كالكتب الأزهرية التي يدعى أنها تصلح لكل ~~زمان ومكان، ولأن هؤلاء الأساتذة كانوا يقولون دائما إن من اقتصر على اللغة العربية يرى ~~الدنيا بعين واحدة، فإذا عرف لغة أخرى رأى الدنيا بعينين. وكان من البواعث على هذا أن أحمد ~~بك أمين قال لي يوما، إن علي باشا مبارك أهمل في خططه إهمالا كبيرا، إذ لم يذكر شيئا عن ~~بيت شاهبندر التجار في «حوش قدم»، مع أنه بيت أثري عظيم، يمثل الحياة الجماعية في القرن ~~الذي بنى فيه، وقد اكتشفته في كتاب إنجليزي في الآثار، ألفه بديسكو بالألمانية، وترجم إلى ~~الإنجليزية. لهذا فكرت أن أتعلم لغة أجنبية، وحرت بين الإنجليزية والفرنسية ثم فضلت ~~الفرنسية اعتمادا على أني تعلمت مبادئها في صغري وأتممت دروسها إلى السنة الرابعة يوم كنت ~~في مدرسة والدة عباس باشا، فاستذكار القديم والبناء عليه أهون من الابتداء في تعلم لغة ~~جديدة، وبحثت عن مدرس واتفقت معه على أن يدرس لي أربعة دروس في الأسبوع، واشتريت الكتب، ~~وبدأت أذاكر الدرس الأول، ولكن - للأسف - وقع اختياري على مدرس خائب، فهو لا يحتفظ بموعد، ~~ولا يهتم بدرس، وصبرت عليه صبرا طويلا حتى مللت وانصرفت عن الدرس إلى حين. # وفي هذه المدة اتصلت بحزب الأمة الذي تكون بجانب الحزب الوطني، وحزب «الإصلاح على المبادئ ~~الدستورية»، وعلى الأصح اتصلت بجريدته المسماة «بالجريدة» التي كان يرأس تحريرها الأستاذ ~~أحمد لطفي السيد، وكانت حجرته في الجريدة منتدى لجمهرة من الشبان المثقفين، ومن حين لآخر ~~كانت تلقى في فناء الدار محاضرات سياسية يدور حولها الجدل. ولست أنسى يوما كان يحاضر فيه ~~الأستاذ أحمد لطفي السيد، وكان يحضر الحفل عدد كبير من رجال السياسة منهم الشيخ علي يوسف ~~وإبراهيم الهلباوي، فما نشعر إلا وقد أطار جماعة من ms076 طالبة الحقوق حماما أعدوه معهم لهذا ~~الوقت تنكيلا بإبراهيم الهلباوي إذ كان محاميا عن الإنجليز في حادثة دنشواي التي كان سببها ~~الحمام، وساد الهرج والمرج، وخيف على الشيخ علي يوسف وإبراهيم الهلباوي من الاعتداء. فحضر ~~البوليس ومكنهم من الخروج آمنين. وقد استفدت من هذا الاتصال شيئا من الثقافة السياسة ~~والاجتماعية بفضل أحاديث أستاذنا لطفي، ومحاضرات المحاضرين والاتصال بنخبة من خيرة ~~المثقفين. # استمررت مدرسا في مدرسة القضاء سنتين. وكانت هناك مشكلة هي أني لم أنجح في الكشف الطبي ~~لقصر النظر، فعينت (ظهورات) حسب اصطلاح المستخدمين، ومعنى هذه الكلمة أن الموظف الذي يعين ~~على هذا الشكل ليس له حق في المعاش عند بلوغه السن. وليست له ضمانات في بقائه في الوظيفة، ~~إذ يكفي إشارة من الرئيس بالاستغناء عنه فيستغنى، أما الموظف الثابت أو على حد تعبيرهم ~~(المثبت) فله الحق في المعاش، ولا يخرج من الخدمة إلا بمجلس تأديب يقرر فصله، وهي ميزات لا ~~يستهان بها، وأنا من طبعي تفضيل التدريس على القضاء ولكن أود لو كنت مدرسا (مثبتا) ففكر ~~عاطف بك حرصا على مصلحتي أن أعين قاضيا لمدة قصيرة - والقاضي يعين بمرسوم، ولا يحتاج من ~~يعين بمرسوم إلى كشف طبي - فإذا عينت قاضيا كنت مثبتا، فإذا انتقلت إلى مدرسة القضاء نقلت ~~(مثبتا) وكذلك كان، ولكن أتت مشكلة أخرى وهي أن مدير المحاكم الشرعية أبي إلا أن يعينني ~~قاضيا في الواحات الخارجة، وهي بلد بعيد يشق انتقالي إليها على أبي وأمي اللذين أصبحا لا ~~يجدان عزاء من فقد أخوي إلا بقائي بينهما، فحاولت ما استطعت وحاول عاطف بك ما استطاع أن ~~يغير الواحات بأي بلد آخر فلم يستطع، فتوكلت على الله وقبلت الوظيفة واستعددت للسفر إلى ~~الواحات. # وقد قضيت فيها ثلاثة أشهر، ولا أدري ما الذي بعثني على أن أدون مذكرات يومية لهذه الرحلة ~~فلأنقل هنا بعضها: # الأربعاء 23 إبريل سنة 1913 # اعتزمت السفر إلى الواحات الخارجة، وذهبت إلى المحطة وودعني عدد كبير من طلبة المدرسة ~~ومدرسيها، واعتذر الناظر لارتباطه بموعد آخر، وكان ms077 وداعا مؤثرا حقا اختلط فيه شعور ~~الفرح الشديد بالحزن الشديد - فرحت لما رأيت من مظاهر الوفاء والإخلاص، حتى جرى الطلبة ~~مع القطار في بدء تحركه وآثار الحزن بادية على وجوههم، وحزنت لحالة أبي وأمي لفراقهما ~~من غير عائل يعولهما، ووصلت إلى أسيوط في الساعة الثالثة بعد نصف الليل وذهبت إلى أقرب ~~فندق، وفي الصباح سألت عن المحكمة الشرعية فوجدتها في بناء جميل فرش فرشا جميلا، ~~واستقبلني رئيس المحكمة # 1 # استقبالا حسنا ودعاني للغداء معه، وعرض على في المساء أن يزيرني بعض بيوت ~~الكبراء، وتقابلنا وأزارني بيت الهلالي، وبيت خشبة، وعندما زرنا البيت الثاني وجدنا ~~مدير أسيوط هناك، يحف به كثير من الأعيان، فاستقبلنا استقبالا فاترا، ثم جلس يتحدث ~~والقوم منصتون كأن على رءوسهم الطير، يؤمنون على كل ما يقول ولا يجرؤ أحد أن يخالفه في ~~قوله، وكان موضوع حديثه المقارنة بين أقباط أسيوط ومسلميها، وأن الأقباط أكثر جدا في ~~الحياة وسعيا في طلب الرزق وحرصا على ما يدخل في يدهم من مال وأكثر تعليما لأولادهم، ~~وأكثر قبولا للمدنية الحديثة، وأن المسلمين يجب أن يسيروا سيرهم ويعنوا بأمورهم وهم ~~أولى بذلك. # 26 إبريل # بعد أن قضيت يومين في أسيوط رأيت فيهما المدينة ومبانيها ومتاجرها ومساجدها وخزانها، ~~ركبت قطار الصعيد في الساعة الثالثة بعد نصف الليل، فوصلت مواصلة الواحات في الساعة ~~السابعة صباحا، ثم انتقلت إلى قطار الواحات فسار القطار سيرا بطيئا وبدت لي الصحراء ~~متسعة الأرجاء، طورا يمد الناظر نظره فلا يرى إلا أرضا منبسطة كلها رمال، وطورا يرى ~~هضبات مرتفعة، ومررت على أرض يسمونها «غيط البطيخ»، لأنها أرض رملية واسعة بعثرت فيها ~~أحجار مكورة كأنها البطيخ، وكان لون الرمال يختلف كلما سرنا فتارة أحمر وتارة أصفر ~~وتارة غيرهما؛ وظل هذا منظر الصحراء حتى وصلت بلدة المحاريق في الساعة الثالثة بعد ~~الظهر، وكان يقيم فيها المنفيون، ثم وصلت الخارجة في الساعة الرابعة، فكانت مدة الطريق ~~نحو تسع ساعات، ولو أسرع القطار لقطعها في ثلاث أو أقل، وكان يحزنني أثناء الطريق ذكرى ms078 ~~أبوي الشيخين وحنيني إلى وطني وألمي من غربتي. فلما قاربت الوصول إلى الخارجة، مررت على ~~مركز لشركة إنجليزية أنشئت لتستغل أرض الواحات، فرأيت إنجليزيين يقفان في الشمس يشرفان ~~على العمال، فقلت في نفسي أيأتون من إنجلترا الباردة إلى الواحات المحرقة طمعا في ~~الكسب وأملا في النجاح، ويعيشون عيشة فرحة مستبشرة، وتأتي أنت من بلدة في مصر إلى بلدة ~~أخرى في مصر ليس بينهما إلا أقل من يوم وتبكي؟ - خجلت من نفسي وتبين لي سبب من أسباب ~~نجاحهم وإخفاقنا وغناهم وفقرنا. وعاهدت الله ألا أحزن بعد ذلك ولا أبكي. # 29 أبريل # نزلت يومين ضيفا على معاون الإدارة، إذ لم يكن للواحة مأمور وإنما يقوم مقامه معاون، ~~وبحثت عن بيت أسكنه، وأخيرا اهتديت إلى بيت هو خير ما رأيت، أجرته ثمانون قرشا في ~~الشهر، دوران بنيا بالطوب النيئ، وسقفا بجذوع النخل. إذا فتحت شبابيكه أسندت بقطع ~~حجرية، أحسن ما فيه أنه بسيط خلا من كل مظاهر المدنية والحضارة، يطل من ناحيته البحرية ~~على بساتين زرعت نخيلا ومشمشا وبرتقالا، ويطل من ناحيته الجنوبية على الصحراء الرملية، ~~وبعد أن استرحت فيه قليلا سمعت الباب يدق، فجاءني الخادم يقول إن أخا المأذون بالباب، ~~فأذنت له، فدخل ووراءه غلام يحمل صحفتين في يديه، في إحداهما لحم نيئ، وفي الأخرى أرز ~~غير مطبوخ. قلت: ما هذا؟ قال هي هدية من أخي المأذون، فاعتذرت في رفق. فأخذ يتلو علي ~~الأحاديث الكثيرة في فضل الهدية وقبولها، فاضطررت أن أعتذر في عنف، وبعد ساعة أو ساعتين ~~دق الباب ثانية، فإذا بخادم العمدة يحمل معه عشر برتقالات، وهي في نظرهم هدية ثمينة، ~~لأن زمن البرتقال قد انقضى من الواحات وأصبح فيها تحفة ثمينة، فاعتذرت أيضا. # 30 إبريل # زرت الخارجة، وقد علمت أن عدد سكان بلدانها كلها 8383 نفسا، وأكبر بلادها الخارجة، ~~فهي تزيد عن خمسة آلاف، ثم باريس فهي ألف وبضع مئات، ثم بولاق وهي تزيد عن الألف، ثم ~~جناح وهي تزيد عن أربعمائة. أكثر كسبهم من النخيل في موسم البلح، ms079 وهم يزرعون القمح ~~والأرز والشعير والفول السوداني والمشمش والزيتون والبرتقال وقليلا من البطيخ، وحب ~~القمح والأرز ضئيل كأهلها وحيواناتها، وقد أخبرت أنهم إذا أرادوا أن يزرعوا قمحا فلابد ~~أن يأتوا بالتقاوي من الصعيد، ولا يبذرون قمحهم لأنهم إن فعلوا ذلك خرج المحصول في غاية ~~الضعف والصغر، وبيوتها كبيوت قرى الريف المصري الحقيرة. مبنية بالطين مسقوفة بجريد ~~النخل. وبعض شوارعها مسقوف وبعض أجزاء هذا السقف وطيء حتى يضطر السائر أن ينحني وهو ~~يسير انحناء يقرب من الركوع، وترى الرجال والأطفال إذا مروا في هذه الشوارع مساء يحملون ~~أعوادا من الخشب يشعلونها ليهتدوا بها ويتقوا العقارب. # فيها طائفة من العميان يعملون سقائين وهم يسيرون جماعات وعلى ظهورهم القرب، يحملون ~~الماء من العيون إلى البيوت، وليس بها سقاء إلا أعمى. وأغرب مناظرها منظر العيون تنبع ~~من الأرض وتجري في الجدول، وبعضها طبيعي وبعضها مصنوع، وبعضها كبير وبعضها صغير، وبعضها ~~قد بذل في عمله جهد كبير، وبعضها يدل مظهره على أنه من أثر الرومان. والناس يملكون ماء ~~العين بالساعات، قسم الأسبوع إلى ساعات، فمنهم من يملك العين ساعتين أو ثلاثا أو أكثر ~~في الأسبوع، يسقي فيها أرضه وزرعه. # 7 مايو # زرت كتابا في الخارجة، وهو أسطواني الشكل بني على صخرة وليس فيه منفذ للضوء إلا ~~الباب، أرضه طين جاف ليس مفروشا بشيء إلا بعض أبراش في جوانب الحجرة يجلس عليها ~~الأطفال، وسألت عن الفقيه فلم أجده، ورأيت الأطفال يقرءون في ألواح من الصفيح طليت ~~بالطفل وهم يطلونها كلما مسحوا اللوح وحددوا الكتابة، ولفت نظري طفل كبير، أخذت لوحه ~~فوجدته قد كتب فيه المعوذتين وبعدهما: «وقد تم طبع هذا المصحف الشريف في مطبعة كذا». ~~وهو يحفظه على أنه من القرآن الكريم. # 9 مايو # صليت الجمعة في مسجد البلدة، وأغرب ما سمعت أن الخطبة كلها كانت حثا على الزهد ~~وتحذيرا من السفر إلى أوروبة لقضاء الصيف مع أن أهل الواحات زهاد بطبعهم لا يجدون ما ~~يأكلون إلا بعد العناء، وما سمعوا قط باسم أوروبة إلا من ms080 الخطيب. وما حدثتهم أنفسهم حتى ~~ولا بالسفر إلى الصعيد، ولكن لا عجب فالخطيب يحفظ خطبته من ديوان مطبوع من غير نظر إلى ~~ما يلائم وما لا يلائم. وطلب مني أن أقرأ درسا بعد الجمعة فقرأت درسا موضوعه «الحث ~~على العمل ومضار الكسل» واعتقادي أن لا قيمة لهذا الحديث وهذا الدرس، فهم لا يصلحون إلا ~~بإصلاح بيئتهم. # 10 مايو # اليوم جلست أول مرة في مجلس القضاء فتهيبته؛ لأني مع دراستي الفقه بأكمله دراسة واسعة ~~عميقة، وأصول الفقه بأكملها دراسة واسعة عميقة كذلك، ونظام القضاء والإدارة سواء في ذلك ~~القضاء الشرعي والأهلي والمختلط، ونظام المرافعات وما إليها، وعرضت علينا نماذج كثيرة ~~من القضايا وحيثياتها وأحكامها، وزرنا بعض المحاكم واستمعنا لبعض قضاياها، ودرسنا بعض ~~القضايا العويصة ذات المبادئ؛ مع كل هذا تهيبت هذا المجلس وخجلت من نفسي، وخجلت ممن ~~حولي ولم أدر ماذا أفعل، وكان موضوع القضية طلب امرأة نفقة من زوجها الغائب، وجلس ~~الكاتب عن يميني ونادى الحاجب المدعية فحضرت، ونادى المدعى عليه فلم يحضر، وإلى هنا ~~ارتبكت ولم أدر ماذا أملي على الكاتب، فهربت من الإملاء عليه وحكمت في القضية حيثما ~~اتفق، وأمرت الكاتب أن ينتظر، ورفعت الجلسة، ثم عدت إلى سجل القضايا أبحث عن قضية مثلها ~~لأتعرف كيف كتب فيها، ثم أمليت على الكاتب على نمط ما في السجل مع تغيير أسماء الأشخاص ~~ومقدار النفقة، وكان موقفا مخجلا حقا يدل على أن العلم غير العمل. # 13 مايو # كتب إلي صديقي وأستاذي أحمد بك أمين كتابا طريفا مفيدا، ومما جاء فيه: «إن كلمة ~~واحة مصرية قديمة، وإن الواحات الخارجة هذه كان اسمها «واحت رست» أي الواحات الجنوبية، ~~وإن كلمة واحة كان معناها في الأصل الكفن أو المومياء ثم صارت تطلق على مقر الأبرار من ~~الأموات، لأن قدماء المصريين كانوا يعتقدون أن الواحات الخارجة هي مقر الأبرار، وأن ~~الواحات الداخلة مقر الأرواح، وقد قرأت فيما قرأت أن عندكم بلدا اسمه «تادروه» به ~~ثلاثة معابد، منها معبد من عهد البطالسة ومنها معبد من ms081 عهد الرومان، وقرأت أيضا أن ~~الواحات الخارجة كانت في أول عصر المسيحية مقرا للزهاد من المسيحيين الذين انقطعوا عن ~~العالم للعبادة، ولهم من الآثار بتلك الجهة مقبرة كبيرة تسمى البجوات بها نحو مائتي ~~قبر، ولا يزال ببعض هذه القبور نقوش حسنة» وقد أثر في هذا الخطاب فعزمت أن أزور الآثار ~~القديمة الموجودة في الخارجة، كما فعلت مع صديقي هذا في زيارة الآثار الإسلامية. # 14 مايو # بعض موظفي الحكومة هنا يتزوجون زواجا يشبه زواج المتعة، فالموظف يختار فتاة يستجملها ~~ويتزوج بها، فإذا حلت في عينه فتاة أخرى طلق الأولى وتزوج الثانية، وتبقى معه الزوجة ~~إلى أن يصدر الأمر بنقله من الواحات فيطلقها ويرضيها بقليل من المال. وقد تأتي منه بولد ~~أو أكثر، فبعضهم يترك الزوجة وأولادها، وبعضهم يأخذ أولاده معه، ويترك زوجته بعد أن ~~يطلقها، ولكن أكثرهم يتحرجون من الإنسال، ويتخيرون الفتاة العاقر أو المرأة المرضعة حتى ~~لا تنسل. # وعرفت هنا ستة موظفين تزوج منهم هذا الزواج ثلاثة، وقد عرض علي مثل هذا الزواج فأبيت ~~لاعتقادي أنه مناف للمروءة وأنا قادر على ضبط نفسي ولله الحمد. # 26 مايو # أنا هنا في جماعة من الموظفين أستغيث بالله منهم. كلما اجتمع بعضهم ذكروا الغائبين ~~بالسوء في سيرتهم وبيوتهم، ويظهر أن سبب ذلك أن الحكومة تجعل من بين عقوباتها نقل ~~الموظف الذي أساء السيرة إلى الواحات أو إلى أقصى الصعيد، فكأن سكان هذه البلاد قد حكم ~~عليهم ألا يروا موظفا صالحا، ولم ينطبق علي هذا القول لأن القضاة الشرعيين كانوا إذا ~~نقلوا إلى هذه البلاد البعيدة أتوا بشهادات طبية تثبت أن جو هذه البلاد لا يلائمهم. ~~فلما ضاق مدير الإدارة الشرعية ذرعا بذلك عزم أن يعين في الواحات الجدد الذين يقدمون ~~عند تعيينهم شهادات صحية تثبت لياقتهم، وقلما اجتمع هؤلاء الموظفون من غير أن يتسابوا ~~أو يتضاربوا، وقد وضعت لنفسي خطة ألا أسايرهم في القول ولا العمل وأن أتحاشى الاجتماع ~~بهم إلا عند الضرورة. # 28 مايو # عملي في المحكمة قليل جدا، فكثير من الأيام ms082 يمر من غير عمل، أو بإمضاء ورقة أو ~~ورقتين، وعدد القضايا قليل، وأكثر المنازعات يفصل فيها العمدة أو الرجال المعروفون ~~بينهم، ومن عادتي أن أذهب إلى المحكمة كل يوم في الساعة التاسعة والنصف صباحا، وكثيرا ~~ما يأتي زائرون من موظفين وأهال فأجالسهم إلى الساعة الثانية عشرة ثم أعود إلى منزلي ~~وأتغدى وأنام قليلا فأقرأ في بعض الكتب إلى الساعة السادسة، فأجلس أمام الباب وأقابل ~~زائرا أو أرد زيارة أو أخرج إلى الصحراء، ثم أعود إلى بيتي فأتعشى وأقرأ في الكتب إلى ~~الساعة العاشرة فأنام، وأصحو قبل طلوع الشمس فأقرأ جزءا من القرآن ثم أقرأ في بعض ~~الكتب حتى يأتي ميعاد المحكمة وهكذا، والحياة يوم واحد متكرر، ويوم الثلاثاء هو اليوم ~~الذي تحوطه هالة كبيرة. فهو اليوم الذي أرقبه طول الأسبوع: فاليوم يوم السبت، إذا بقي ~~على يوم الثلاثاء يومان، واليوم يوم الأحد إذا بعد غد يوم الثلاثاء، فمتى يكون عصره؟ ~~إنه الوقت الذي يحضر فيه البريد من القاهرة كل أسبوع. # 31 مايو # شاهدت أمس أوروبيا في الخارجة ومعه رجل من أهلها، وقد علمت أنه يأتي كل سنة للتجارة ~~في نوع من النبات ينبت حول الخارجة وفي بعض جبالها واسمه «السكران» يجمعه له بعض الناس ~~ويبيعونه له كل قنطار بعشرين قرشا. وهو يصدره إلى الخارج لاستعماله في بعض ~~الأدوية # 2 # والله أعلم بكم يبيع القنطار، وهكذا يستغفلنا الأجنبي دائما، ونقنع بالربح ~~القليل دائما، ويعيش هو من مجهودنا في القصور الفخمة والثروة الضخمة. # ليس في الواحات بق، إنما يكثر فيها الذباب والناموس في موسم البلح، وفي الأسبوع الأول ~~من سكني في بيتي رأيت فيها عقربا فقتلتها، ومساء أمس وجدت بقرب بيتنا حية يبلغ طولها ~~نحو خمسين سنتيمترا، وقطرها نحو سنتي ونصف، سمعها الخادم وهي تنفخ في الظلماء، فأتى ~~بمصباح وتتبعها وقتلها، ورأيتها بعد قتلها وهي تتلوى، فنغص ذلك علي وربى لي الوسواس، ~~فأنا كل ساعة أتخيل عقربا أو حية. # عجبت للإسلام واللغة العربية وقوتهما وانتشارهما، فليس في الواحات إلا مسلم، وليس ~~فيها ms083 إلا من يتكلم العربية وحدها. ~~••• # لا أطيل على القارئ بهذه اليوميات التي استمرت ثلاثة أشهر، وقد أحسست فيها بفراغ ~~طويل، عريض، لأن القضايا التي عرضت في هذه الأشهر الثلاثة كانت تسعا فقط من أبسط ~~الأنواع، ويكفي في الفصل فيها ساعة من الزمن، فملأت فراغي بشيئين: الرحلات إلى الآثار ~~الموجودة في الخارجة، وقراءة الكتب. فأما شغفي بالآثار فكان عجيبا حقا، لأن الآثار ~~الموجودة آثار قديمة وثقافتي فيها محدودة أو معدومة، وربما كان السبب في شغفي بها ما ~~تولد عندي من حب الآثار والإعجاب بها يوم كنت أزور الآثار الإسلامية مع صديقي أحمد بك ~~أمين، وقد كنت في كثير من الأحيان أصحب مفتش الآثار ليدلي إلي بمعلوماته عنها، وقد كنت ~~أدون في يوميات وصف كل أثر رأيته وما تركه في نفسي من أثر، وكانت هذه الآثار بعضها ~~فارسية من عهد احتلال الفرس لمصر وبعضها من آثار قدماء المصريين وبعضها رومانية، وبعضها ~~مقابر مسيحية لا تزال تحتفظ بجثث الموتى وأكفانها، بل لا يزال بعضها محتفظا بشعر الرأس ~~والذقن من جودة التحنيط، وبعضها أسود الوجه غائر الجبهة بارز الأسنان، وبعضها - وهو ~~الأكثر - أبيض الوجه منفرج زاوية الوجه. # وكانت أمتع رحلة من هذا القبيل رحلتي إلى باريس، وهي بلدة حقيرة تحمل اسما كبيرا، ~~وبدائية بدوية تحمل اسم أكبر مدينة مدنية، ولا أدري كيف أطلق عليها هذا الاسم، وهي تبعد ~~عن الخارجة نحو مائة وعشرين كيلو مترا. # أعددنا العدة لهذه الرحلة من ماء وزاد، وخرجنا على ثلاثة من الإبل من نوع الهجين، ~~طبيب الواحات وملاحظها وأنا. وكنا نسير عصرا وبعض الليل، وصبحا وبعض النهار، وننصب ~~خيمة في الظهيرة نأوي إليها عند اشتداد الحر. # ولست أنسى مرة ونحن في الطريق يوما اشتد حره وجف هواؤه، وقد أكلنا أكلة ثقيلة لا ~~تناسب السفر، ثم ركبنا واشتد بي العطش، وكلما شربت تقلقل الماء في بطني من هزة الهجين؛ ~~ثم أعطش فأشرب، فلما مللت الشرب أخرجت ليمونة من جيبي وقطعتها، وأخذت أمصها من حين إلى ~~آخر، فما هو إلا أن ms084 رأيتني وقد انقبضت حنجرتي ولم أستطع أن آخذ نفسي من فعل الليمون مع ~~جفاف الهواء، فالتفت إلى الطبيب أستنجده بالإشارة، فأسرع إلى الزمزمية وصب الماء في ~~حلقي.. ولو تأخر ذلك بضع ثوان لهلكت، ولكن الله سلم! # ورأينا في الطريق بعض آثار قديمة وعيونا رومانية وشجر الدوم الكثير. وقد وصلنا ~~البلدة ثاني يوم مساء، ورأينا أرضها المحيطة بها من أجود أنواع الأرض، مساحات واسعة ليس ~~ينقصها إلا الماء لتنتج أحسن الزرع. ورأينا البلدة مملوءة بالأطفال الذين لا عائل لهم ~~عن أثر حمى تيفودية اكتسحت آباءهم في العام الماضي. # وفي قومها كرم عربي ولهجة عربية جميلة، كنت أتلذذ من سماعها وخصوصا من النساء اللائي ~~كن يترافعن إلي في شكوى أزواجهن، ورأيت أهلها في نزاع طويل شديد، حتى علمت أنهم في ~~السنة الماضية لم يزرعوا أرضهم عنادا فيما بينهم. ورأيت بها آثارا قيمة زرتها وأعجبت ~~بها. # ولأهلها بعض عادات غريبة، فإذا مات منهم كبير لبست النساء أحسن لباس عندهن وأجده، ~~وإذا كان له سيف أو بندقية أمسكتها زوجته أو قريبته بيدها ووقفت تندب الميت وقد تصاب ~~بجروح مما في يدها. # وفي عودتي من باريس رأيت السراب وما كنت رأيته، كنت أرى بحرا متسعا زرعت عليه ~~أشجار، ولا بحر ولا أشجار. ولاتساع الصحراء وتلاعب الرياح فيها كنت أتخيل أحيانا أن ~~أحدا وراءنا يجري ويتكلم، ثم ألتفت فلا أرى شيئا، فظننت أن هذا هو ما كانت تزعم العرب ~~أن الجن حدثتها أو هتفت بها. # وفي الطريق دروب، وهي خطوط صنعتها أقدام السائرين، وإذا وصلنا إلى أرض حجرية ضاع ~~الأثر، وكان السائر عرضة أن يضل الطريق. وقد سمعت وأنا بالخارجة حديث قوم ضلوا الطريق ~~فماتوا عطشا. وقد انحرفنا نحن في سيرنا مرة انحرافا قليلا سرنا من أجله ساعة حتى ~~وصلنا إلى الطريق السوي. # أما الأمر الثاني الذي كنت أقضي فيه وقتي فمطالعة الكتب. ومن أحسن ما قرأت في هذه ~~الفترة كتب ثلاثة مختلفة الأنواع والألوان، كتاب تاريخ الفلك عن العرب للأستاذ نللينو، ~~قرأته بإمعان واستفدت منه ms085 كيف يبحث كبار المستشرقين، وكيف يصبرون على البحث، وكيف ~~يعيشون في المادة التي تخصصوا فيها، وكيف يسيرون في بحثهم من البسيط إلى المركب في حذر ~~وأناة فإذا قلت إنني استفدت منهج البحث من هذا الكتاب لم أبعد عن الصواب. # والكتاب الثاني أصول الفقه للشيخ الخضري، كنت قرأت بعضه وأنا طالب، فأعدت قراءته على ~~شكل آخر أطبق في قراءته ما استفدته من عاطف بك بركات من حرية في النقد وإعمال العقل ~~فيما يقرأ، فكنت أقرأ الفصل وأديره في ذهني وأتساءل: هل هذا حق أو باطل وخطأ أو صواب؟ ~~فإن كان خطأ فما وجه الصواب؛ وأكتب في آخر كل فصل رأيي فيه ونقدي له. # وأما الكتاب الثالث ففي الأدب وهو ديوان الحماسة وشرحه. أقرأ القصيدة أو المقطوعة ~~وأعرف معنى ألفاظها اللغوية ومعنى البيت في الجملة، ثم أعيد قراءته، وما استحسنته من ~~الديوان حفظته. # وفي هذين الأمرين كانت سلواي. # وبعد ثلاثة أشهر بينها إجازة شهر جاءني كتاب من محكمة أسيوط الشرعية، يخبرني بنقلي من ~~القضاء إلى مدرس بمدرسة القضاء. # | الفصل السابع عشر # عدت إلى مدرسة القضاء كما كنت، ودرست كما كنت أدرس، أهم دروسي الأخلاق، وبجانبها فقه أو ~~تاريخ أو منطق. # وأحسست ثانية حاجتي الشديدة إلى لغة أجنبية، فدروسي في الأخلاق مصدرها مذكرات عاطف بك ~~التي نقلها عن الإنجليزية، وأنا شيق إلى أن أتوسع فيها، ومن حولي من الأساتذة العصريين ~~يستفيدون أكبر فائدة في مادتهم التي يحضرونها من اللغة الإنجليزية أو الفرنسية، وقد أخفقت ~~في تعلم الفرنسية، فلأجرب حظي في الإنجليزية. # ويوما قابلت صديقي أحمد بك أمين، وجلسنا في مقهى، وذهب الحديث فنونا إلى أن وجدته يقول ~~إنه عثر على كتاب إنجليزي قيم لمستشرق أمريكي اسمه مكدونالد # 1 # وإنه قسم كتابه إلى ثلاثة أقسام: قسم يتعلق بنظام الحكم في الإسلام، وقسم في ~~تاريخ الفقه الإسلامي، وقسم في المذاهب والعقائد الإسلامية. وأخذ يطري الكتاب ويحكي بعض ~~آرائه، فاستفزني الموضوع وقلت: هل تستطيع الآن أن تذهب معي إلى مدرسة (برليتز) لأرتب دروسا ~~لي في الإنكليزية؟ ms086 فقبل، وأقسمت أن أتعلم وأن أقرأ هذا الكتاب في لغته، وذهبنا إلى المدرسة ~~ورتبنا دروسا ثلاثة في الأسبوع بمائة وخمسين قرشا كل شهر. # واشتريت الكتاب الأول، وتولت تعليمي سيدة إنجليزية يظهر عليها أنها فقيرة الحال، تحسن ~~الإنجليزية لأنها إنجليزية، وإن لم تكن مثقفة إلا الثقافة الضرورية. وبذلت في ذلك مجهودا ~~شاقا، أقرأ في البيت وأحفظ في الطريق وأذاكر إذا كنت مراقبا في الامتحان أو مشرفا على حصة ~~ألعاب رياضية؛ والدراسة بهذا الشكل عسيرة إذ لم أكن في فصل يتعاون الطلبة فيه على التعليم، ~~ولم أكن في بيئة تعود سمعي اللغة، ويقول لي الشيخ الخضري؛ لقد جرب هذه التجربة مئات من طلبة ~~دار العلوم، فساروا خطوات ثم وقفوا، ولم ينجح منهم إلا من كان بعثة إلى إنجلترا؛ فقلت له ~~سأجرب كما جربوا ولكن سأنجح إذا فشلوا. # وبعد شهرين في هذا الجهد أحضرت كتيبا صغيرا عنوانه «الإسلام # Islam ~~» للسيد أمير علي، وقلت إن موضوعه معروف لي ومعرفة الموضوع تعين ~~على الفهم. ولكني قرأت الصفحة الأولى فلم أفهم، فظللت أصرف أكثر من ثلاث ساعات في الصفحة، ~~أكشف في المعجم الإنجليزي العربي عن كل كلمة حتى «من» و«عن» وأنا جاد صابر. مكثت على ذلك ~~سنة، أتممت فيها الجزء الأول والثاني من كتب برليتز وبدأت الجزء الثالث في السنة الثانية. ~~وفيه بعض فصول في الأدب الإنجليزي وتاريخه، فأحسست أن هذه المدرسة غير ملمة بتاريخ الأدب ~~وأنها لا تصلح لتدريس هذا الكتاب، فبحثت عن مدرس آخر أو مدرسة أخرى. # ووقفت إلى سيدة إنجليزية كان لها أثر عظيم في عقلي ونفسي. # مس بور ~~(Power) # سيدة في نحو الخامسة والخمسين من عمرها، ~~ضخمة الجسم مستديرة الوجه، يوحي مظهرها بالقوة والسيطرة بسيطة في ملبسها وزينتها. مثقفة ~~ثقافة واسعة، تجيد الإنجليزية والفرنسية والألمانية، ذات رأي تعتد به جريدة التيمس فترحب ~~بمقالاتها، عرفت الدنيا من الكتب ومن الواقع، أقامت في فرنسا سنين وفي ألمانيا سنين وفي ~~أمريكا سنين فكملت تجاربها واتسع أفقها؛ حضرت إلى مصر ووافقها جوها فأقامت فيها ولكن ليس ms087 ~~لها من المال ما يكفيها للإقامة الطويلة، فهي تستأجر بيتا خاليا في ميدان الأزهار وتفرش ~~حجراته، وتؤجرها للراغبين فتكسب من ذلك نحو ثلاثين جنيها في الشهر تكون أساس عيشها، ثم هي ~~رسامة فنانة، تأخذ أدواتها إلى سفح الهرم فترسم الصور الزيتية لمنظر الأهرام والفيضان وما ~~يحيط بهما من منظر جميل أو نحو ذلك من مناظر طبيعية جميلة ترسمها بالزيت وتتأنق فيها، وتقضي ~~في رسمها الأيام والأشهر وتبيعها بثمن كبير، ثم هي تدرس الرسم والتصوير لبنات رئيس ~~وزارة، # 2 # ثم هي تقبل أن تدرس لي درسا في اللغة الإنجليزية بجنيهين كل شهر، ولا تعاملني ~~معاملة مدرسة لتلميذ، بل معاملة أم قوية لابن فيه عيوب من تربية عتيقة. # ابتدأت أدرس معها الجزء الثالث من سلسلة كتب بيرليتز، أقرأ فيه وتفسر لي ما غمض وتصلح لي ~~ما أخطأت، ثم أضع الكتاب وأحدثها وتحدثني في أي موضوع آخر يعرض لنا، ولا أدري لماذا لا ~~يعجبها مني أن أضع العمامة بجانبي إذا اشتد الحر، بل تلزمني دائما بوضعها فوق رأسي. ونستمر ~~على ذلك نحو الساعتين أتكلم قليلا وتتكلم كثيرا، 1وتنفق أكثر ما تأخذه مني في أشكال مختلفة ~~لنفعي، فهي تدعو بعض أصحابها الإنجليز من رجال ونساء إلى الشاي، وتدعوني معهم لأتحدث إليهم ~~ويتحدثوا إلي، فأسمع لهجاتهم ويتعود سمعي نطقهم، وأصغي إلى آرائهم وأفكارهم وأقف على ~~تقاليدهم، ومرة ترسلني إلى سيدة إنجليزية صديقة لها أكبر منها سنا قد عدا عليها المرض ~~فألزمها سريرها لأتحدث إليها. تقصد بذلك أن هذه المريضة تجد في تسلية لعزائها وفرجا من ~~كربتها، وأنا أجد فيها ثرثارة لا تنقطع عن الكلام، فأستمع إلى قولها الإنجليزي الكثير رغم ~~أنفي. # وتوثقت الصلة بيننا فكأنني من أسرتها، وهي لا تعنى بي من ناحية اللغة الإنجليزية وآدابها ~~فحسب، بل هي تشرف على سلوكي وأخلاقي. لاحظت في عيبين كبيرين فعملت على إصلاحهما، ووضعت لي ~~مبدأين تكررهما علي في كل مناسبة. # رأتني شابا في السابعة والعشرين أتحرك حركة الشيوخ، وأمشي في جلال ووقار، وأتزمت في ~~حياتي، فلا موسيقى ms088 ولا تمثيل ولا شيئا حتى من اللهو البريء وأصرف حياتي بين دروس أحضرها ~~ودروس ألقيها، ولغة أتعلمها، ورأتني مكتئب النفس منقبض الصدر ينطوي قلبي على حزن عميق، ~~ورأتني لا أبتهج بالحياة ولا ينفتح صدري للسرور، فوضعت لي مبدأ هو: «تذكر أنك شاب» تقوله لي ~~في كل مناسبة وتذكرني به من حين إلى حين. # والثاني أنها رأت لي عينا مغمضة لا تلتفت إلى جمال زهرة ولا جمال صورة ولا جمال طبيعة ~~ولا جمال انسجام وترتيب، فوضعت لي المبدأ الآخر: «يجب أن يكون لك عين فنية» فكنت إذا دخلت ~~عليها في حجرتها وبدأت آخذ الدرس وأتكلم في موضوعه صاحت في: «ألم تر في الحجرة أزهارا ~~جميلة تلفت نظرك وتثير إعجابك فنتحدث عنها؟» وكانت مغرمة بالأزهار تعنى بشرائها وتنسيقها كل ~~حين، وتفرقها في أركان الحجرة وفي وسطها، ويؤلمها أشد الألم أن أدخل على هذه الأزهار فلا ~~أحييها ولا أبدي إعجابي بها وإعجابي بفنها في تصفيفها. # ويوما آخر أدخل الحجرة فأتذكر الدرس الذي أخذته في غزل الزهور فأحيي وردها وبنفسجها ~~وياسمينها وكل ما أحضرت من أزهار، فتلتفت إلي وتقول: «أليست لك عين فنية؟» أعجب من هذا ~~الاستنكار، وقد حييت الأزهار، فتقول: ألم تلحظ شيئا؟ فأجيل عيني في الحجرة وقد غير وضع ~~أثاثها؟ لقد كان الكرسي هنا فصار هاهنا، وكانت الأريكة هنا فصارت هاهنا، وتقول: قد سئمت ~~الوضع القديم وتعبت عيني من رؤيته، فغيرت وضعه لتستريح عيني، وهكذا.. # لازمتها أربع سنوات، استفدت فيها كثيرا من عقلها وفنها ولكني لا أظن أنني استفدت كثيرا ~~من تكرارها على سمعي أن أتذكر دائما أني شاب. # انتهيت من الجزء الثالث، واخترت أن أقرأ معها كتبا أخرى، في الأخلاق أحيانا وفي الاجتماع ~~أحيانا، وفي آخر المرحلة قرأت معها فصولا كثيرة من جمهورية أفلاطون بالإنجليزية، فكان هذا ~~الكتاب مظهر سعة عقلها وكثرة تجاربها؛ فكنت أقرأ الفصل فتشرحه لي، وتبين ما طرأ على فكرة ~~أفلاطون من التغير وما بقي من آرائه إلى اليوم، وكيف طبق هذا المبدأ في المدنية الحديثة في ~~الأمم ms089 المختلفة، وهكذا. # ولا أدري ما الذي انتابها فقد رأيتها تكثر من القراءة في كتب الأرواح، ثم تمعن في ~~قراءتها، ثم تذكر لي أنها خصصت ساعتين تغلق عليها حجرتها، وترخي ستائرها، وتغمض عينيها، ~~وتركز روحها في مريض تعالجه وهو في داره وهي في دارها، أو تجرب تجربة أخرى أن ترسل من روحها ~~إشارة لاسلكية لصاحب لها تنبئه أن يحضر أو لا يحضر، وأن يعد كذا أو لا يعد، وهكذا، وقد نجحت ~~في بعض الأحوال دون بعض فلم تشأ أن تعتقد أن هذا مصادفة؛ ولكنها اعتقدت أن ما نجحت فيه ~~فإنما نجحت لأن الأمر قد استوفى شروطه، وما لم تنجح فيه لم تستكمل عدته، فزاد اجتهادها، ~~وطالت ساعات عزلتها، وأمعنت في تركيز روحها، كل ذلك وأنا أنصحها ألا تفرط في هذا خشية عليها ~~فلا تسمع، لأنها تأمل أن تصل من ذلك إلى نجاح باهر. # وذهبت إليها يوما فرأيتها مصفرة الوجه مضطربة الأعصاب خفاقة العينين، فسألتها عما بها، ~~فأخبرتني أنها ذهبت اليوم صباحا إلى كوبري قصر النيل وهمت أن ترمي نفسها في النيل، ثم ~~رأيتها تذكر لي أنها أخفقت هذه المرة في الانتحار، ولكنها ستنجح في مرة أخرى، فخرجت من ~~عندها آسفا باكيا، واتصلت بطبيب للأمراض العقلية فحضر ورآها، وأخبرني أنه لابد من إرسالها ~~فورا إلى مستشفى المجاذيب، وكذلك كان. وكنت أعودها من حين إلى حين، فإذا جلست إليها تحدثت ~~كعادتها حديثا هادئا معقولا، وسألتها مرة: ماذا بها؟ فقالت، لا شيء بي إلا أنني فقدت ~~الإرادة فإذا أطلق سراحي الآن لا أدري أين أتجه، ثم تولت أمرها القنصلية الإنجليزية ~~فأسفرتها إلى بلدها. وأخيرا - وبعد نحو سنتين - جاءني خطاب بعنواني بمدرسة القضاء عليه ~~طابع إيطالي ففضضته فإذا هو من «مس بور» تخبرني أنها شفيت من مرضها، وأنها الآن في روما، ~~تتمتع بجمال مناظرها ودقة فنونها وروعة كنائسها، فرددت عليها فرحا بشفائها، ثم انقطعت عني ~~إلى اليوم أخبارها رحمها الله. # وفي هذه الفترة التي كنت أدرس فيها مع «مس بور» جاءني صديق وقال إنه يعرف ms090 أسرة إنجليزية ~~تتكون من زوج وزوجة يريدان أن يتعلما العربية وأنا أعلم الزوج فهل لك أن تعلم الزوجة؟ قلت: ~~لا أعلمها بمال ولكن أتبادل معها، فأعلمها العربية وتعلمني الإنجليزية، وعرض عليها ذلك ~~فرضيت. # سيدة إنجليزية في ريعان الشباب جميلة الطلعة لها عينان تبعثان في النفس معنى الصفاء ~~والطهارة والثقة، تعيش مع زوجها الإنجليزي المدرس بالمدرسة الخديوية الثانوية عيشة ~~أرستقراطية فخمة؛ مولعان بركوب الخيل والتروض عليها عصر كل يوم، يستمتعان بالزواج الجديد ~~السعيد؛ كنا نقضي ساعتين في الدرس مرتين في الأسبوع، ساعة تعلمني الإنجليزية وساعة أعلمها ~~العربية واختارت لي أن أقرأ معها كتاب «قصص شكسبير للامب». # 3 # وكنت أرتقب موعد هذا الدرس بشوق ولهفة، وكانت هذه السيدة تغذ عواطفي برقتها وجمالها ~~وكمالها، كما كانت «مس بور» تغذي عقلي بثقافتها وإطلاعها وتجاربها. # كنت أحدثها يوما، وقد قامت الحرب العالمية الأولى فزل لساني ونقدت الإنجليز نقدا خفيفا ~~أمامها، فما كان منها إلا أن دمعت عينها وقالت في رقة: «أتعيب قومي وأمتي»! فخجلت خجلا ~~شديدا وقدرت طينتها التي يجرحها النسيم، ولم أعد بعد لمثلها، واستمررت على ذلك أكثر من سنة ~~قرأت معها هذه القصص، وعلمتها قدرا لا بأس به من العربية. وكان يصعب عليها النطق بالعين ~~فكانت تقول: إن عينكم تؤلمني، كنت أقول في نفسي مثل قولها. وكان لها نقد لطيف لما تتعلمه من ~~العربية - نقد لا ندركه نحن لأنها لغتنا. نشأنا فيها ورضعناها مع لبن أمنا وألفناها منذ ~~صغرنا. قالت لي مرة: إن اللغة العربية غير منطقية، ألا تراها تؤنث الشمس وهي قوية جبارة ~~وتذكر القمر وهو لطيف وديع: فأولى أن نذكر الشمس ونؤنث القمر كما نفعل نحن في لغتنا. وقالت ~~مرة: ألا تعجب من لغتكم تقول ثلاثة كتب، وتقول ألف كتاب، وكان الأولى ما دامت تقول ثلاثة ~~كتب أن تقول ألف كتب. وهكذا من طرائفها الظريفة. واشتدت الحرب فجند زوجها، وانقطع عني خبره ~~وخبرها. # ماذا كنت أكون لو لم أجتز هذه المرحلة؟ لقد كنت ذا عين واحدة فأصبحت ذا عينين، وكنت أعيش ms091 ~~في الماضي فصرت أعيش في الماضي والحاضر، وكنت آكل صنفا واحدا من مائدة واحدة فصرت آكل من ~~أصناف متعددة على موائد مختلفة، وكنت أرى الأشياء ذات لون واحد وطعم واحد، فلما وضعت ~~بجانبها ألوان أخرى وطعوم أخرى تفتحت العين للمقارنة وتفتح العقل للنقد، لو لم أجتز هذه ~~المرحلة ثم كنت أديبا لكنت أديبا رجعيا، يعنى بتزويق اللفظ لا جودة المعنى، ويعتمد على ~~أدب الأقدمين دون أدب المحدثين، ويلتفت في تفكيره إلى الأولين دون الآخرين، ولو كنت مؤلفا ~~لكنت جماعا أجمع مفترقا أو أفرق مجتمعا من غير تمحيص ولا نقد. فأنا مدين في إنتاجي ~~الضعيف في الترجمة والتأليف والكتابة إلى هذه المرحلة بعد المراحل الأولى، وهذه الزهرة ~~الجديدة ألفت باقة مع الأزهار القديمة. # | الفصل الثامن عشر # ثم إن لهذه المرحلة تكملة. فقد كانت السنة سنة 1914 وقد تخرج من مدرسة المعلمين العليا ~~بضعة من خيار الطلبة عرفوا بالتفوق في العلم والخلق؛ كان أكثرهم مرشحا للبعثة إلى إنجلترا ~~ثم منعهم قيام الحرب، وكان بعضهم من القسم العلمي وبعضهم من القسم الأدبي، # 1 # شاءت الظروف السعيدة أن أتعرف بهم وأن أصادقهم، رأيتهم مثقفين من غير جنس ~~ثقافتي، ثقافتهم عصرية بحتة، وثقافتي شرعية كثيرا وعصرية قليلا، منهم الذي بلغ درجة جيدة ~~في الجغرافيا والتاريخ العام والأدب الإنجليزي، ومنهم من بلغ هذه الدرجة في الرياضة ~~والطبيعة والكيمياء، وكلهم يعرف من الدنيا الجديدة والمدنية الحديثة أكثر مما أعرف، بحكم ~~ثقافتهم وثقافتي، وقد اخترنا قهوة تطل على ميدان عابدين صاحبها لغوي شاعر يتلقفنا إذا حضرنا ~~ليعرض علينا رأيه في كلمة اكتشف أنها غير صحيحة لأنها لم ترد في معاجم اللغة، أو ليسمعنا ~~قصيدة من نظمه يحملنا على الإعجاب بها ولو من باب المجاملة. على كل حال كان يجتمع هؤلاء ~~الصحاب في هذه القهوة عصر بعض الأيام فتكون منهم مائدة شهية مختلفة الطعوم متعددة ~~الألوان. # هذا مغرم بالقصص الإنجليزية والمجلات الإنجليزية والمجلات يقرأ منها الكثير، وله ذوق حسن ~~في الاختيار وشهوة قوية في التحدث عما اختار، وتحمس لما ms092 يقول وما يعرض، ولا يرضيه إلا أن ~~يتحمس السامعون حماسته ويبتهجوا بما يقول ابتهاجه. وكان يقول إن الاستماع إلى الحديث فن كفن ~~الإلقاء، من الناس من يجيده ومنهم من لا يجيده، وإنما يجيده السامع إذا تجاوب مع القائل في ~~شعوره وعواطفه وانفعالاته، يضحك للحديث المضحك ويبكي للحديث الباكي وتظهر على أسارير وجهه ~~كل هذه الاستجابات. وكان يعتقد في أني أجيد الاستماع فيتحدث إلي بأكثر مما يتحدث به مع ~~غيري. فهو يقول مثلا: «اليوم قرأت قصة في مجلة نيشن # Nation # تتلخص في أن طفلا ربي في قصر كبير له حديقة واسعة ولم ير الدنيا خارج القصر ولم يعلم عنها ~~شيئا حتى شب، ثم رأى الدنيا خارج القصر دفعة واحدة من غير تدرج. ثم تصف القصة أثر مناظر ~~الدنيا فيه عندما رآها وهو مكتمل العقل، وكيف تختلف عن أثرها في الصبي قد رآها تدريجا وهو ~~قاصر العقل إلخ»... واليوم قرأت رواية لديكنز بديعة لطيفة ميزتها كذا وهو يرمي بها إلى كذا، ~~واليوم قرأت مجلة مضحكة، وللإنجليز طابع في النكت والنوادر غير الطابع المصري، فأكثر نكتهم ~~ملفوف، مبني على الذكاء، والقليل منهم يعتمد على اللعب بالألفاظ؛ ومن خير النكت التي قرأتها ~~اليوم كذا ثم يفيض فيما قرأ منها ونضحك ونضحك ونتبعها أحيانا بالنقد والاستحسان، وكان خفيف ~~الروح في الإلقاء فيعجبنا بنكته ويعجبنا بقصه - ثم كانت له مغامرات شبابية يخصني بذكرها ~~والحديث عنها وألمه منها واستمتاعه بها. # وهذا الآخر هوايته التاريخ، يطيل القراءة فيه ويفتن بأسلوب الأوروبيين في كتابتهم وقدرتهم ~~على التحليل الدقيق ورجوع الجزئيات إلى كلياتها وحريتهم في تقدير الأبطال والاعتداد ~~بشخصيتهم، فقد يهدم بعضهم بطلا أجمع الناس على بطولته، أو يشيد بذكر مغمور أجمع الناس على ~~خموله، وينقد كتابة التاريخ عند العرب، فقد أحسنوا في رواية الأحداث ولم يحسنوا فلسفتها إلا ~~ما كان من ابن خلدون فقد أحسن في فلسفة التاريخ وقصر في تطبيقها على الأحداث، ثم هو يحاول ~~أن يطبق هذا المذهب فيعرض علينا نمطا من بحثه في عمر وعلي - مثلا ms093 - على نمط جديد فيه ~~التقدير وفيه النقد. # وهذا عالم تخصص في الطبيعة والكيمياء وجعل مسلاته الأدب، فهو يقرأ في ديوان أبي الطيب ~~وأبي فراس ويتخير من شعرهما ويحفظه وينشده، وتلتهب عاطفته فيحاول أن يقول شعرا بعضه لا بأس ~~به. وهو فكه النفس لطيف المحضر تأنس لقربه وتستوحش لبعده ، يتحدث فيودع قلبه حديثه. وهذا ~~عالم آخر طبيعي كيماوي أيضا جل علمه ونفسه وكل ما يملكه من ملكات وثقافات لخدمة دينه: أثر ~~في كثير من الطلبة في مدرسته العالية فدينهم، وملأ المساجد به وبهم، قد حفظ القرآن وأطال ~~قراءته وبذل جهدا في فهمه، فهو يفهمه كما يقول المفسرون ويزيد عليهم ما يفهمه من نظريات ~~الطبيعيين والكيماويين وما يقتبسه من أقوال المتدينين من العلماء الأوروبيين، يحلو له ~~الكلام في الدين وهداية الضالين، ويعز عليه أن يسمع إلحادا أو كلمة يشتم منها إلحاد بل لا ~~يسمح أن ينقد أحد أمرا من أمور الدين، ولو كان في التفاصيل، وهو في كل ذلك مخلص لا يقول ~~كلمة بلسانه ينكرها قلبه، قوي الحجة طويل النفس في المناظرة مؤثر إذا قال، جزل الأسلوب إذا ~~كتب. يدرس الكيمياء والطبيعة فتكون دينا؛ ويشرح النظرية الكيماوية فتكون من سنن الله ~~الكونية، يتحرج صحبه أن يذكروا أمامه شيئا يمس شعوره الديني وعاطفته المسلمة، ويهابونه في ~~طربوشه أكثر مما يهابونني في عمتي. # وهذا عالم في الرياضة ولكنه لا يقل ثقافة أدبية عن المختصين في الثقافة الأدبية يقرأ في ~~الأغاني والعقد الفريد كما أقرأ ويتذوقها وينقدها، ويقرأ الكتب الكثيرة في الثقافة العامة ~~الإنجليزية في الأخلاق والاجتماع وعلم النفس، ويتأثر بما يقرأ إلى حد كبير، ويقتنع بما يقرأ ~~ويتحمس له، ويأتي ويحدثنا بخلاصة ما قرأ وما فكر فيما قرأ، وله أسلوب لطيف ساخر جامح في نقد ~~ما يرى وما يسمع تطبيقا لنظرياته التي اعتنقها من قراءاته، ولا بأس أن يغلو في الهدم، ولا ~~بأس أن يغلو اليوم في عكس ما غلا فيه بالأمس، وهذا مما يطول شرحه. # كل أولئك كانوا مدرسة لطيفة لي، مدرسة خلت ms094 من عبوس الجد وثقل المدرس وسماجة تحديد الموضوع ~~والزمان والمكان، ونعمت بالبعد عن الامتحان وصداع الجرس، مدرسة فيها الجد والفكاهة، والعلم ~~والأدب، والدين والشعر، والتقريظ والنقد، مدرسة يكون فيها التلميذ أستاذا تلميذا، وإن شئت ~~فقل إن كل من فيها أستاذ تلميذ، مدرسة فيها حرية القول وحرية السماع وحرية الموضوع وحرية كل ~~شيء. تقارب فيها سن الأساتذة والتلاميذ فتجانست مشاعرهم، وتشابهت آمالهم ومطامحهم، وتفتحت ~~نفوسهم للاستفادة من تنوع مواهبهم. # وكان لهذه المدرسة التفاتة لطيفة إلى تقويم البدن كتقويم النفس، والعناية به كالعناية ~~بالعقل؛ فما بالنا نقضي نهارنا في المدرسة ندرس، وعصرنا في القهوة نجلس جلسة الكسالى ~~العجائز نتحدث، وليلنا على المكتب نحضر أين الهواء الطلق؟ أين جمال الطبيعة؟ أين الرياضة ~~البدنية؟ أين الرحلات؟ إن كل هذه تجدد النفس وتنعش الروح وتبعد العجز، وتخدم العقل كما تخدم ~~الجسم، تغذي الروح كما تغذي البدن. # إذن فلنشترك في ناد من نوادي الألعاب الرياضية، ولننظم رحلات أسبوعية، ولأحقق أنا بعض ما ~~كانت تقوله لي المدرسة الإنجليزية «تذكر أنك شاب». # وذهبنا إلى نادي الألعاب الرياضية بالجزيرة واشتركنا فيه، وكانت عمتي أول عمامة اشتركت في ~~النادي، وربما كانت آخرها أيضا. وأخذت خزانة فيه ككل عضو، أضع فيها «الفانيلا والشورت ~~والجزمة الكاوتش»، فإذا حضرت خلعت عمامتي وجبتي وقفطاني ولبست الشورت وما إليه وتسابقت في ~~العدو مع العدائين، ولعبت كرة القدم والعقلة مع اللاعبين، حتى إذا تعبنا جلسنا على الحشيش ~~في الهواء الطلق نتحدث ونضحك. وقد كنت أول الأمر ألهث إذا جريت، وأخفق إذا لعبت، ثم استقام ~~أمري، وإن لم أبلغ في خفة الحركة مبلغ صحبي، لأني أحمل من أوزار تربيتي الأولى ما لا ~~يحملون. فإذا فرغنا من ذلك كله ذهبنا إلى خزائننا وخلعت «الشورت» ولبست الجبة والقفطان ~~والعمامة وخرجت من النادي شيخا وقورا. # ويوم الجمعة أحيانا كنا نخرج إلى رحلة في جبل المقطم في الشتاء، فيوما إلى الغابة ~~المتحجرة، ويوما إلى وادي دجلة أو وادي حوف في نواحي حلوان، ويوما إلى العين الساخنة ~~وهكذا. وكانت رحلات قاسية وقائدنا ms095 فيها عنيف لا يرحم. وكم قلت له: «رفقا بالقوارير»، وهو لا ~~يسمع، فكنا نمشي في الوديان ونتسلق الجبال من طلوع الشمس إلى غروبها. نحمل معنا غداءنا ~~وشرابنا على ظهرنا ونسير سيرا حثيثا لا نستريح إلا ساعة نأخذ فيها غداءنا ثم نسير سيرتنا ~~وأعود إلى البيت مضنى متعبا، ثم أنام ملء جفوني، وأعرج بعدها في مشيتي ثلاثة أيام أو ~~أربعة. ولكني أحس صفاء نفسي وصفاء رأسي. وكنت في هذه الرحلات كشأني في الألعاب. أخيب عضو في ~~الأولى وأبطأ عضو في الثانية: لست أنسى يوما عصيبا ذهبت فيه مع صحبي إلى وادي حوف فلما ~~بدأنا في العودة تخرق نعل جزمتي فسددتها بورق مقوى كنا أحضرنا فيه بعض الفطائر والحلوى، فلم ~~يفد ذلك إلا قليلا، ثم برزت رجلي وسرت على الحصى، ودميت أصابعي، وأبطأ القوم في سيرهم ورثوا ~~لحالي، وأخيرا وأخيرا جدا عثرت على حمار قبل مدخل حلوان، وطلبت من صاحبه أن يحملني إلى ~~المحطة بأي أجر شاء، ودخلت حلوان على حمار وحولي الحواريون يمتزج شعورهم نحوي بالضحك مني ~~والرثاء لي. # وتحررت بعض الشيء، فكنا نذهب أحيانا إلى صالة «منيرة المهدية» لسماع غنائها ومشاهدة ~~رواياتها، وكنت أتأثر من بعض نغماتها أثرا يرن في أذني طول الأسبوع. # فإذا أحب بعضهم أن يذهبوا إلى أكثر من ذلك تواصوا فيما بينهم ألا يخبروني؛ لأني لا أصلح ~~لمثل موقفهم. # وانضم إلى جماعتنا ثلاثة # 2 # من نوابغ خريجي مدرسة الحقوق كانت لهم ثقافتهم القانونية والسياسية، ودب في ~~الجماعة روح التفكير القومي: فهذا البلد ضعيف مسكين متأخر في جميع مرافقه، ونحن الشباب يجب ~~أن نفكر ونعمل في تقدمه وإعلاء شأنه رغم الاحتلال وسيطرته، فلنؤلف لجانا لدراسة مصر من ~~نواحيها المختلفة: لجنة للناحية الاقتصادية، وأخرى للناحية السياسية ولجنة للتربية ~~والتعليم، ولتفعل كل لجنة فعل الطبيب يشخص المرض ويصف العلاج، وفعلت اللجان ذلك وبدأت ~~الجماعة تعمل؛ لكن عصفت الرياح باللجان كلها؛ وبقيت - بحمد الله - «لجنة التأليف والترجمة ~~والنشر» سن قانونها أحد الأعضاء القانونيين، وقرئ على الأعضاء مجتمعين، وعدل ونقح، والتزم ~~كل ms096 عضو أن يدفع عشرة قروش في كل شهر، وأن يجتمع مجلس إدارتها في بيت عضو من أعضائها، وبدأ ~~بعض الأعضاء العلميين يؤلف كتبا في الكيمياء لطلبة المدارس الثانوية، يحضر كل بابا ويقرؤه ~~على الآخرين فينقحونه ويهذبونه، فإذا فرغوا منه قدموه للطبع؛ فإذا لم يكف ما جمع من عشرات ~~القروش أقرض اللجنة بعض الأغنياء من الأعضاء ليتم طبع الكتاب؛ فكان هذا أول حجر في بناء ~~اللجنة. # وقد تكونت اللجنة على هذا المنوال سنة 1914. ونحن الآن سنة 1953 فيكون قد مضى عليها أكثر ~~من ست وثلاثين سنة، وقد طبعت من الكتب أكثر من مائتي كتاب، وكانت لا تقرر كتابا إلا إذا ~~حولته على اثنين خبيرين بالموضوع يبديان فيه رأيا بالصلاحية أو عدمها، أو حاجته إلى ~~التعديل، ولبثت طول هذه المدة رئيسا للجنة يعاد انتخابي فيها رئيسا لها كل عام. وازداد ~~عدد أعضائها إلى أكثر من ثمانين عضوا من خيرة المتعلمين. وزادت رابطة الألفة بين الأعضاء، ~~حتى شبهها الناس بالماسونية. وكل عضو فيها يشجع اللجنة بما يقدر عليه، وأسست لها مطبعة ~~خاصة. كما أسست مجلة اسمها الثقافة تنشر فيها الآراء على مبادئها واستمرت نحو أربعة عشر ~~عاما ثم أوقفتها هذا العام سنة 1953 لما تتكبد فيها من خسائر، وقد حزن الأعضاء والقارئون ~~على وقوفها، ولكن ماذا يجدي الحزن العاطفي أمام الخسائر الفادحة؟ # ونمت مالية اللجنة من هذه العشرات من القروش ومن الأرباح من الكتب حتى بلغت أكثر من ستين ~~ألفا من الجنيهات. وشغلت هذه اللجنة جزءا كبيرا من حياتي. فكنت أذهب إليها كل يوم أدير ~~شئونها وأطلع على مشاركها: وأقرأ بريدها وأؤشر على ما يلزم في هذا البريد. ولم ينقطع ترددي ~~عنها كثيرا إلا بعد مرضي؛ وقد كانت اللجنة تسكن أولا في بيت عضو من أعضائها. ثم استأجرت ~~مكانا متواضعا في حي بلدي. ثم اشترت بيتا في حي أرستقراطي بنحو 20 ألف جنيه. وأخيرا ~~وبعد أن وقفت على رجليها منحتها الحكومة مبلغا من المال يقرب من تسعمائة جنيه كل ~~سنة،أفردناه في دفاتر خاصة ms097 وطبعنا به كتبا خاصة، نبيعها بتكاليفها تقريبا، وتحاسبنا ~~الوزارة على هذا البند وحده، وعلى الجملة كانت هذه اللجنة مشغلة لي، أسأل عنها، وأحاسب نفسي ~~عنها كما أحاسبها على أولادي، وأستعين بأعضاء مجلس إدارتها الكرام على تنظيم شئونها، وترتيب ~~أمورها، وأحمد الله على التوفيق فيها. # 3 # على كل حال كانت هذه اللجنة نتيجة لصداقة هؤلاء الأصحاب الذين ذكرت بعض صفاتهم. وحظيت ~~بصداقتهم. # وبهؤلاء الصحاب أحسست أني أقرب من عقليتهم ومزاجهم وثقافتهم شيئا فشيئا، وأبتعد عن ~~عقلية زملائي الأقدمين ومزاجهم شيئا فشيئا، ورأيتني - بفضل ما شوقوني من كتب - أكون لنفسي ~~نواة من الكتب الإنجليزية بجانب الكتب العربية، وأحضر دروسي منها في الأخلاق والمنطق، وأملأ ~~الفراغ بالمطالعة في هذه وتلك، وإذا العين تنفتح والأفق يتسع. # | الفصل التاسع عشر # وبدأت أستغل ما تعلمته من الإنجليزية، فصارت لي مكتبتان أشتري منهما الكتب، مكتبة عربية ~~بالسكة الجديدة، بحي الأزهر، ومكتبة إنجليزية بشارع المغربي في الحي الإفرنجي، فأما المكتبة ~~العربية فصاحبها # 1 # رجل غريب الأطوار من أصل أناضولي، كان ربيب نعمة، تربى في المدارس الفرنسية وهو ~~يجيدها قراءة وكتابة، وتفلسف في الحياة فلسفة تشاؤمية على أثر صدمة صدمها، فقد تاجر في ~~القطن ودخل البورصة وكسب حتى صارت النقود في يده كالتراب، ثم خسر فلم يبق في يده إلا التراب ~~وفتح دكان بقالة فلم ينجح، ثم صار كتبيا لا يعبأ بالمال ولا بالحياة، ولا بالناس: دكانه ~~كأنه منظرة في بيت أو قهوة في شارع، يأتي إليه هواة الكتب فيجلسون مطمئنين ويتحدثون في كل ~~شيء، ويشربون القهوة والسجاير، ويقضون الساعة والساعتين، ثم قد يشترون وقد لا يشترون، ~~والكتب مكدسة في الدكان حيثما اتفق، فكتاب نحو بجانب كتاب تاريخ، وهو لا يعرف موضع الكتاب ~~إلا ظنا، وقد تسأله عن كتاب فيؤكد أنه عنده ثم يصعد السلم يبحث عنه فلا يجده، ويغير موضع ~~السلم من اليمين إلى اليسار فيبحث عنه فلا يجده، فيرجوك أن تمر عليه بعد يومين أو ثلاثة من ~~غير اكتراث؛ ومن طول ما مارس السوق كانت عنده فراسة ms098 قوية في المشترين، شاهدته مرة وقد جاء ~~شيخ يسأل عن كتاب فقال له ليس عندي والكتاب أمامه، فعاتبته في ذلك فعدا خلف الشيخ فناداه ~~وعرض عليه الكتاب، فأخذ الشيخ يماكس ويمارس ويطيل المماكسة، ثم انصرف من غير أن يشتريه، ~~فالتفت إلي وقال: صدقت؟ # وله علم بالكتب وموضوعاتها وقيمتها، وله ميزة عن غيره من تجار الكتب العربية بأنه يعرف ~~الكتب العربية التي طبعها المستشرقون في أوربة، يستجلبها في سهولة ويسر لحذقه الكتابة ~~باللغة الفرنسية، وناشرو هذه الكتب يثقون به لصدق معاملته، كما أن له ميزة أخرى وهي معرفته ~~بهواة الكتب من زبائنه، فهذا الكتاب يناسب فلانا، وهذا الكتاب لا يناسب فلانا وإذا أتاه ~~كتاب حجزه للذي يظن به الانتفاع منه؛ وله في ذلك طبع غريب فهو يرضى أن يبيع الكتاب لهاويه ~~الذي ينتفع به بجنيه، ولا يرضي أن يبيعه لمن لا ينتفع به بجنيهين. وهو مشهور بين زملائه ~~بالزندقة، لأنه لا يعترف بالأولياء ولا بالأضرحة ولا بزيارة القبور ونحو ذلك، ثم هو لا يكتم ~~عقيدته في نفسه، بل يكررها في كل مناسبة؛ ركب مرة قطارا من مصر إلى الإسكندرية، وجلس مع ~~جماعة في صالون فلما وصل القطار إلى طنطا قال أحد الحاضرين: الفاتحة للسيد البدوي، فصاح هذا ~~الكتبي: ومن يكون السيد البدوي وما كراماته وما قيمته! وطال لسانه فقام عليه الحاضرون ~~وأوسعوه ضربا. ولم ينج منهم إلا بعد عناء. وهكذا وهكذا من فصوله الغريبة. وهو أمين صادق ~~المعاملة يقنع بكفاف العيش، وبساطة اللباس. إن ضاقت عليه الدنيا لبس جلبابا بدل البدلة. ~~ولم يعبأ بأسرته الكبيرة لتغير من شكله. # ولست أنسى مرة حادثا غريبا في بابه حدث لي من جراء هذه المكتبة، وبعض أحداث الدنيا يحدث ~~على غير انتظار ومن غير سابق مقدمات. وإذا كان الموت - وهو القاضي على الحياة قد يحدث فجأة ~~في أشد أوقات السرور، فأولى أن تحدث الأزمات مما دونه من الحوادث. لقد كان عندي كتاب «نفح ~~الطيب» طبعة برانية وأردته طبعة أميرية، ووجدت عند صاحبنا هذا نسخة لطيفة ms099 مجلدة تجليدا ~~فخما، فاشتريتها منه وهي أربعة مجلدات وضعتها تحت إبطي الأيسر، وأمسكت جريدة المؤيد بيدي ~~اليمنى، وانتظرت عربة كانت تسمى عربة سوارس - عربة كبيرة تجرها الجياد من سيدنا الحسين إلى ~~العتبة الخضراء - فجاءت مزدحمة، وركبتها فوجدت في ممشاها قففا لفلاحات وأخراجا لفلاحين ~~ورفعت رجلي أتخطى قفة من القفف فمست سيدة جالسة تلتفع بملاءة لف وعلى وجهها برقع بقصبة، ~~فصاحت بي وأمطرتني وابلا من السباب، فغضبت، وضربتها ضربة خفيفة بجريدة المؤيد على فمها أقول ~~لها اسكتي، فراعني أنها صوتت صوتا مرعبا لفت كل من في الشارع، ووقفت العربة واجتمع الناس ~~يتعرفون الخبر، ونادت البوليس وصممت عليه فنزلت ونزلت وحضر البوليس وركبنا عربة إلى القسم، ~~ودخلنا غرفة المعاون فسمع مني وسمع منها، ورأى المسألة بسيطة فطلب مني أن أعتذر وسألها أن ~~تقبل العذر، فلم تقبل، فألح عليها فلم تقبل أيضا، فاضطر أن يحرر بذلك محضرا رسميا، وأخذ ~~أقوالي وأقوالها، وألحت أن تحال على طبيب المحافظة لأن بها خدشا في أنفها من ضربة الجريدة، ~~ففعل وخرجت وخرجت مضطربا مرتبكا خجولا خائفا، فقد كان هذا أول حادث من نوعه، فلم أدخل ~~يوما مركز البوليس فكيف والشاكي امرأة!! ولعنت الكتب ونفح الطيب وأشباه نفح الطيب مما جر ~~علي هذا البلاء المبين، وبقيت أياما قلقا مضطربا لا أدري ماذا يفعل بي، وإذا بإعلان ~~يجيئني بأني اعتديت على السيدة اعتداء أحدث بها جرحا قرر الطبيب لعلاجه واحدا وعشرين ~~يوما، فاعتبر الواقعة جنحة مغلظة، وحددت لها جلسة فارتجفت وقضيت ليلة أليمة لم تذق فيها ~~عيني النوم، وفي الصباح ذهبت إلى صديقي أحمد بك أمين أستشيره فيما أفعل فذهب معي إلى وكيل ~~نيابة الأزبكية وقصصنا عليه الأمر، فقال إن المسألة خرجت من يده لأن القضية أعطيت نمرة خاصة ~~مسلسلة وسجلت في دفاتر النيابة وحددت لها جلسة وأعلن ذلك كله إلى المتهم فأصبح أمرها متصلا ~~بالقاضي وخرجت بهذه الإجراءات من سلطان النيابة. # فزادني ذلك ارتباكا واضطرابا بالنهار وأرقا بالليل، وأخيرا ذهبت بعريضة الدعوة إلى ~~عاطف بك وشرحت له القصة ms100 فضحك منها ومني وأخذني معه إلى وكيل وزارة الحقانية فتحي باشا زغلول ~~فبذل في ذلك مجهودا حتى انتهى الأمر؛ فويل للناس من النساء إذا انتقمن. # وأما المكتبة الإنجليزية فمكتبة مرتبة منظمة صاحبها كنا نسميه الأستاذ فرج ليس فيها موضع ~~لجلوس ولا قهوة ولا تدخين، ولا حديث لصاحبها إلا كتاب يباع وثمن يدفع، قد صف فيها الكتب صفا ~~فنيا؛ فهذا مكان القصص، وهذا مكان لكتب الاجتماع، وهذا مكان لعلم النفس وهكذا. وإذا سألت ~~صاحبها عن كتاب اتجه يمينا أو يسارا ونظر نظرة فاحصة في ثانية ومد يده فاخرج الكتاب أو ~~قال لك ليس عندي، قد عشقت هذه المكتبة أول عهدي بالإنجليزية، وتلذذت من زيارتها - ولكل جديد ~~لذة - أزورها فأقضي فيها وقتا طويلا أتصفح فيها الكتب وأشتري منها ما يروقني، وقد كونت ~~منها نواة لمكتبتي الإنجليزية، وأكثر ما اشتريت منها كتب في علم الأخلاق لأستعين بها على ~~تحضير دروسي؛ وكتب في علم الاجتماع، إذ شوقني إليها قراءتي مع «مس بور» جمهورية أفلاطون، ~~وكتب في مبادئ الفلسفة، إذ كانت الأخلاق والاجتماع فرعين من فروع الفلسفة، وكتب في المنطق ~~لأني أردت أن أعرف كيف يكتب الإفرنجي في المنطق بعد أن عرفت كيف يكتب العرب، وكتب في ~~الإسلاميات مما كتبه المستشرقون لأن هذا موضوعي. # على كل حال بدأت أحضر دروسي من الكتب العربية والإنجليزية معا، فأعددت محاضرات عامة في ~~تاريخ علم الأخلاق عند اليونان والرومان والعرب وفي العصور الحديثة استقيت أكثر موادها من ~~الكتب الإنجليزية. وشغفت أياما بنظرية النشوء والارتقاء لدارون، فقرأت فيها كتب شبلي شميل ~~بالعربية، وبعض الكتب الإنجليزية التي تعرض للموضوع عرضا مبسطا. وأعددت محاضرتين فيهما ~~ألقيتهما على طلبة مدرسة القضاء وبعض أساتذتها وبحضور ناظرها وكانت إحدى المحاضرتين في معنى ~~مذهب النشوء وما يرمي إليه، والثانية في تطبيق نظرية النشوء على الأخلاق، كما اتجه إلى ذلك ~~سبنسر وغيره، وأحدثت هاتان المحاضرتان دويا: كيف يلقى مثل هذا الموضوع على طلبة القضاء ~~الشرعي؟ وكان من نتيجته أن أرسل شيخ الجامع الأزهر # 2 # إلى ناظر المدرسة ms101 يسأله. كيف أباح لمدرس في المدرسة أن يلقي محاضرات في مذهب ~~الزنديق دارون! فأهمل الناظر السؤال ولم يرد عليه. # ويوما لقيت في هذه المكتبة الإنجليزية كتيبا صغيرا عنوانه «مبادئ الفلسفة» تأليف ~~رابوبورت، قرأته فأعجبني لسهولته وبساطته وشموله، كتبه مؤلفه لطلبة المدارس الثانوية يعرفون ~~به معنى الفلسفة وموضوعها، فشغفت بترجمته وكنت أقف في جمل كثيرة منه رجعت فيها إلى ~~صديق # 3 # لي أستوضحه ما غمض حتى أنهيت ترجمته، وبذلت فيه جهدا كبيرا إذ كان أول عهدي ~~بالترجمة، ثم طبعته ونشرته، فكان هذا أول نتاج لي وكان ذلك سنة 1918، وقوبل الكتاب بما ~~شجعني أن أعيد النظر في مذكراتي التي أعددتها للطلبة في علم الأخلاق، وأزيد عليها وأحولها ~~إلى كتاب سميته كتاب الأخلاق، وطبعته بعد مبادئ الفلسفة بقليل. # | الفصل العشرون # وكان لي بجانب هذه المدرسة من الأصدقاء - ذوي الثقافة الإنجليزية - جمعية من أصدقاء آخرين ~~ذوي ثقافة فرنسية غالبا، عميدها صديقي المرحوم الشيخ مصطفى عبد الرازق الذي كان شيخا ~~للأزهر فيما بعد، ومن بينهم الدكتور منصور فهمي والمرحوم الأستاذ عزيز مرهم والأستاذ محمد ~~كامل البنداري، والدكتور محمود عزمي وغيرهم وكان مكانها في بيته، وكان أكثر أعضائها من ~~خريجي الجامعات الفرنسية ومما ألف بينهم إقامتهم في فرنسا وتعلمهم بها؛ وإذا كان يكثر في ~~الجامعات الأولى ذكر شكسبير وديكنز وماكولي وبرناردشو وه. ج ولز، فقد كان يكثر في هذه ~~الجمعية ذكر جان جاك روسو وفولتير وراسين وموليير ودركهايهم، وإذا كانت الجمعية الأولى تغلب ~~عليها المحافظة والاعتدال فهذه يغلب عليها التحرر والثورة على القديم - كنا نجلس في هذه ~~الجمعية، وقد يحضر فيها أحيانا بعض السيدات الفرنسيات زوجات بعض المصريين، وبعض العلماء من ~~الأزهر، ويتشقق الموضوع ويثار الجدل، ويكون الحديث مزاجا بين حرية فرنسية واعتدال إنجليزي ~~ومحافظة أزهرية، نتحدث في السياسة وحرية المرأة، وفي المقارنة بين فرنسا ومصر. # وكان من أعجب من عرفت في هذه الجمعية شاب تثقف ثقافة قانونية امتاز بالشجاعة الأدبية ~~والصراحة، فكان لا يقول إلا ما يعتقد، ولا يعمل إلا وفق ما يعتقد، على حين ms102 أن كثيرا من ~~الشبان يرون الرأي ثم لا يقولونه، وإذا قالوه لا يعملون على وفقه، كالذي سمعت أن جماعة ~~كانوا يجتمعون في منظرة في بيت وكانوا يتجادلون في سفور المرأة وحجابها، وكان صاحب البيت ~~أكثرهم تحمسا للسفور ودفاعا عنه وتأييدا له، فبينما هم في المناظرة إذا بصوت سيدة عجوز ~~هي جدة صاحب البيت يصل إلى آذان المتناظرين في المناظرة فيخجل صاحب البيت ويصعد إلى جدته ~~يؤنبها على علو صوتها وقد نسي محاضرته في السفور. # أما صاحبنا هذا فكان شجاعا جريئا في كل ما يقول ويعمل، تزوج فتاة مصرية، وإذ كان يعتقد ~~السفور حملها على السفور فأطاعته، في وقت عز فيه السفور، وعلا الصوت في نقده ومقته، فكان ~~يخرج بها في المجتمعات ويزور معها الأصدقاء، ويجلس هو وهي في مقهى ولا يعبأ بنقد الناقدين ~~ولا عيب العائبين، وكان وكيل نيابة في أسيوط وأسيوط بلد محافظ، فعابوا عليه تصرفه وشكوه ~~للحقانية فلفتت نظره فصمم على عمله فنقل إلى الإسكندرية ولم يتحول عن طريقته. وأخيرا رماه ~~الزمان الذي لا يرحم بداء السل وألح عليه المرض فألزمه السرير، وتفرق عنه أهله وأقرباؤه، ~~فعكف وهو على سرير الموت يكتب كتابا عنوانه «كلمتي إلى أمتي» ثم لفظ النفس ~~الأخير. # 1 # كنا نجلس يوما مع نخبة من هذه الجماعة وكان أحدها يصدر جريدة اسمها «السفور» # 2 # يدافع فيها عن رأي قاسم أمين ويدعو إليه، فدعانا أن نأخذ الجريدة ونساهم معه في ~~إخراجها ونتولى تحريرها فقبلنا هذا العرض، وتألفت لجنة من الجمعيتين # 3 # جمعيتي الأولي المثقفة ثقافة إنجليزية وجمعيتي الثانية المثقفة ثقافة فرنسية، ~~وتسلمنا الجريدة نحررها، وكانت جريدة أسبوعية، فكنا نجتمع يومين أو ثلاثة في الأسبوع نقرأ ~~بريد الجريدة ونقرأ فيها ما حرره كل منا من مقالة وننقد ما نسمع ونجيز أو لا نجيز ما ينشر، ~~وجهدت أن أكتب مقالة كل أسبوع، فكان ذلك أول عهدي بالصحافة وبالكتابة، وكان ذلك أيضا على ~~ما أذكر سنة 1918. # وفي هذا العهد كثر الحديث في مجالسنا عن الزواج والأزواج والزوجات وسعادة الزوجية ms103 وشقائها ~~وضرورتها أو الاستغناء عنها والزواج بالأجنبيات والمصريات، ورويت الأحاديث المختلفة عن فلان ~~المتزوج الذي سعد في زواجه وفلان المتزوج الذي شقي بزواجه، وفلان الذي أضرب عن الزواج ~~واستمتع بالحياة في أولها وشقي في آخرها وهكذا، وجال الموضوع في ذهني في قوة ووجدتني قد ~~بلغت التاسعة والعشرين، فصممت أن أبت في الموضوع هل أتزوج أو لا أتزوج، وأخيرا وبعد تردد ~~طويل قررت أن أتزوج، ولكن نشأت العقدة الثانية: من أتزوج؟ وكان السفور في هذا الزمن في أول ~~أمره لم يجرؤ عليه إلا عدد محدود من المثقفات، فكان الزواج غالبا يخضع للتقاليد القديمة؛ ~~يسمع الشاب من صديقه أو أحد أقاربه أن لفلان بنتا في سن الزواج، وقد يبلغه هذا الخبر من ~~محترفة لهذه الوظيفة وهي التي تسمى «الخاطبة» وهي امرأة تزور البيوت وتتعرف أخبارها وترى من ~~فيها من الشابات في سن الزواج أو من الشباب الذين يريدون الزواج، وتكون واسطة بين أهل الزوج ~~وأهل الزوجة في تعريف هؤلاء بأولئك، فيتقدم أحد أقارب الشاب إلى أبي الشابة أو ولي أمرها ~~يعرض عليه الرغبة فإذا قبل أرسل الشاب أمه وبعض قريباته من النساء لرؤية الفتاة، فإذا ~~وصفوها وصفا اقتنع به تقدم للزواج من غير أن ينظرها ويعرف شكلها وطباعها وأخلاقها. وإنما ~~يعرف ذلك كله بعد عقد العقد وبعد الزفاف. # وهكذا كان الزواج في عهدي في مثل طبقتي، وكنت شابا لا بأس بشكله ولا بأس بأسرته، فأنا ~~وبيتي نعد من الأوساط وأنا أحمل شهادة عالية، ومرتبي نحو ثلاثة عشر جنيها وهو مرتب لا ~~يستهان به في ذلك العصر، وكنت أتلمس الزواج في أمثالي من الأوساط. لا أطلب الغنى ولا أطلب ~~الجاه، ومع ذلك كله وقفت العمامة حجر عثرة في الطريق، فكم تقدمت إلى بيوت رضوا عن شبابي ~~ورضوا عن شهادتي ورضوا عن مرتبي، ولكن لم يرضوا عن عمامتي، فذو العمامة في نظرهم رجل متدين، ~~والتدين في نظرهم يوحي بالتزمت وقلة التمدن والالتصاق بالرجعية والحرص على المال ونحو ذلك ~~من معان منفرة، والفتاة يسرها الشاب ms104 المتمدن اللبق المساير للدنيا اللاهي الضاحك، فكم قيل ~~لي أن ليس عندهم مكان لعمامة. ورضي بي قوم أولا وأحبوا أن يروني، فأحببت أن أريهم أني ~~متمدن، وذهبت إليهم أحمل كتابا إنجليزيا، وجلست إليهم وجلسوا إلي وتحدثت عصريا على آخر ~~طراز وحشرت في كلامي بعض كلمات إنجليزية فاستغربوا لذلك. وفهمت أنهم أعجبوا بي ورضوا عني، ~~ولكن بلغني أن الفتاة أطلت على من الشباك وأنا خارج فرأت العمامة والجبة والقفطان فرعبت ~~ورفضت رفضا باتا أن تتزوجني رغم إلحاح أهلها. وشاء القدر أن تتزوج هذه الفتاة - فيما ~~بلغني شابا أنيقا كاتبا في وزارة ولكنه سكير معربد أذاقها المرار في حياتها الزوجية ثم ~~طلقها، ومازال سوء حالها حتى تزوجت بعامل في التلغراف وجاءت إلي وأنا قاض في محكمة الأزبكية ~~تطلب من زوجها النفقة. # وهكذا لقيت العناء في الزواج، فكلما دلني صديق على فتاة فإما أن أجد مانعا منها وإما أن ~~تجد مانعا مني، فمن أرضاه لا يرضاني ومن يرضاني لا أرضاه. وأخيرا دلني مدرس معي في مدرسة ~~القضاء على بيت رضيني ورضيته، فأرسلت أمي وأختي وزوجة الأستاذ لرؤية الفتاة فرأينها ووافقن ~~عليها، وجعلت أسأل أمي وأختي أسئلة عن شكلها وملامح وجهها وطولها وعرضها وفراستها في ~~أخلاقها ونحو ذلك، وأستمع لإجابات لا تصور شكلا ولا توضح حقيقة وأجلس إلى نفسي وأعمل خيالي ~~فيما سمعت، فأصوغ من ذلك شكلا. وقد أجلس معهما مرة أخرى أسمع منهما حديثا آخر ووصفا آخر، ~~فأتخيل من ذلك صورة أخرى وهكذا، وأخيرا سلمت الأمر لله وتركت التصوير حتى ترى العين ما رسم ~~الخيال، وتم عقد الزواج يوم 3 إبريل سنة 1916، وقد أخذت يوم العقد مائة جنيه إنجليزي ذهبا ~~في علبة جميلة قدمتها مهرا للزوجة، وانتظرت نحو أربعة أشهر حتى يتم أهل الزوجة ~~الجهاز. # وكانت هذه الأشهر الأربعة مجال تفكير في السعادة المرجوة والأحلام اللذيذة، وبناء القصور ~~على الآراء الفلسفية أو النظريات المدونة في الكتب، فأنا أزور المكتبة الإنجليزية وأبحث عما ~~كتب في الزواج، فأعثر - مثلا - على سلسلة من الكتب أحدها فيما ms105 ينبغي للزوج أن يعلم، وثانيها ~~فيما ينبغي للزوجة أن تعلم وهكذا. ثم أجد كتابا في الزواج السعيد وآخر في الأسرة، وثالثا ~~في تربية الطفل فأقرؤها وأفكر فيها وأستخلص منها ما يجب أن أعمل لأسعد وعلى أي الأسس أبني ~~أسرتي وهكذا. # وقد ذهبت بعيد الزواج إلى مصور صورني صورة تذكارية احتفظت بها، ووجدتني قد كتبت على ظهرها ~~العبارات الآتية: «هذه صورتي أخذت يوم الجمعة 7 إبريل سنة 1916 وسني تسع وعشرون سنة وستة ~~أشهر، عقب عقد زواجي بأربعة أيام، وقد اتخذت الكتب شعارا لي في الصورة، فوضع المصور أمامي ~~كتبا من عنده وأمسكت بيدي اليسرى كتاب «مبادئ الفلسفة» وكنت قد عربت أكثره وأوشك على ~~الانتهاء. وقد لاحظت أن أصور صورة في غاية البساطة فلم أتعلم شيئا إلا اختيار الثوب الذي ~~اخترته يوم عقد الزواج، وربما كان الباعث لي على هذا التصوير ما أشعر به من أني قادم على ~~حياة جديدة ومرحلة جديدة، فقد أنهيت حياة الوحدة وسأقدم على حياة الأسرة، وأنا مقتنع أن هذه ~~البيئة الجديدة سيكون لها أثر كبير في نفسي وجسمي وعقلي، وسأقارن بين المعيشتين وأثرهما إذا ~~كان في الأجل متسع - ومن البواعث على هذا التصوير أيضا علمي أن السنة المتممة للثلاثين ~~تختم حياة الصبا والفتوة وتفتح حياة يغلب عليها العقل والروية، على أني - والأسف يملأ فؤادي ~~- لم أنتفع بزمن الصبا والفتوة كم كان يجب. فلم يجد المرح والنشاط واللهو - ولو كان بريئا ~~- ولا الحب إلى قلبي منفذا، بل تشايخت منذ الصبا - وهذا ولا شك أثر التربية المنزلية، فقد ~~كانت تربية أساسها التخويف والإرهاب، ولم يكن في بيتي أي مظهر من مظاهر البهجة والسرور، ~~وإني في هذه السنة أحس شيئا من النشاط على أثر دروسي الإنجليزية مع مدرسة إنجليزية كانت ~~تصلح من نفسي كما تصلح من لساني، وكانت تنتقد في الهدوء والسكينة، كما كان لدروس الأخلاق مع ~~عاطف أثر كبير في نفسي؛ ومما أحسه أيضا أنني أكثر حرية في الفكر وأكثر نقدا لما يعرض لي؛ ~~وأكثر ميلي هذه السنة ms106 إلى القراءة في عملي الأخلاق والاجتماع مع ما أجد من الصعوبة في فهم ~~ما أقرأ، لقرب عهدي بتعلم الإنجليزية، فقد بدأت تعلمها في يناير سنة 1914 فلي الآن نحو ~~سنتين ونصف سنة وهي مدة لم تكف في التبحر فيها. # وأنا الآن مدرس بمدرسة القضاء ومرتبي 1320 قرشا في الشهر ولم أمل التدريس ومازلت أفضله ~~على القضاء - وأنا أرجو من الله أن يعينني على القيام بعمل عظيم أخدم به أمتي من الناحية ~~الخلقية والاجتماعية». (كتب في 20 يوليو (تموز) سنة 1916). # وليس لي تعليق على ما كتبته خلف الصورة إلا على قولي «إن الحب لم يجد إلى قلبي منفذا» ~~فهو تعبير غير دقيق وقوي لا يصدق إلا على رجل جامد العواطف، بل كانت عواطفي أقرب إلى أن ~~تكون حادة ولاسيما في أيام الشباب الأولى ظهرت حدتها في العاطفة الدينية فقد كانت مشبوبة ~~حادة، وفي حبي لأصدقائي فقد كنت آنس بقربهم وآلم لبعدهم، وفي عاطفة الرحمة والشفقة على ~~الفقراء والبائسين ونحو ذلك من مظهر للعواطف، بل لقد تحركت في عاطفة الحب منذ الصبا، فقد ~~أحببت وأنا في نحو الخامسة عشرة ابنة جار لنا والتهبت عاطفتي فأرقت كثيرا وبكيت طويلا، وكل ~~ما كان من وصال أن أجلس أنا وهي على كرسيين أمام دارها نتحدث في غير الغرام، فلما وسوس ~~الشيطان لأبيها حجبها عني وشقيت زمنا بذلك ثم سلوت، ثم أحببت المدرسة الإنجليزية الشابة ~~حبا ضنيت به ولم تشعر به، وكل ما سعدت به ساعات الدرس أتحدث إليها وتتحدث إلي وتنظر إلي ~~بعينيها الصافيتين الأمينتين، ولكنه كان حبا يائسا، فهي متزوجة مخلصة لزوجها سعيدة ~~بزواجها، فعاطفة الحب كانت في أعماق نفسي ولكنها مكبوتة، حال دون ظهورها وسطي، فالفتاة لم ~~تكن سافرة سفور اليوم، وكان الشاب لا يعرف من الفتيات إلا أقاربه، وكانت تربيتي الدينية تعد ~~الحب فجورا والنظر إلى الفتاة وحديثها إغواء شيطانيا، ومدرستي كبيتي متزمتة متعنتة، لا ~~ترتاح لأن يجلس طالب في قهوة، وتعاقب من وجد في صالة غناء. وحدث مرة أن شوهد متخرج ms107 حديثا ~~من المدرسة يجلس في مقهى الأزبكية مع صاحبيه من غير المدرسة وأمامهم كاسات من البيرة، فكان ~~من سوء الحظ أن مر عليهم عاطف بك ورأى هذا المنظر، ومع أنه لم يتحقق من شرب هذا الشاب ~~البيرة فقد حرمه من تولي القضاء سنين، ورفض كل رجاء في العفو عنه، ولم يعين بعد إلا بضغط ~~عليه شديد أو رغما عنه. # كل هذا لم يهبني مجالا للحب، بل كبته في أعماق نفسي إلى أن تزوجت. # وبعد العذاب في اختيار الزوجة وعقد العقد وإعداد الجهاز اخترت بيتا أسكن فيه وحدي مع ~~زوجي قريبا من بيت أهلي، وحرصت على ذلك حتى أتجنب الأقوال الشائعة والحكايات التي لا تنتهي ~~في النزاع بين الزوجة والأم، وكذلك تمت هذه المرحلة. # | الفصل الحادي والعشرون # تزوجت وكان كل اعتمادي في الزواج - كما ذكرت - على الخيال لا على الواقع. الخيال هو الذي ~~رسم صورة زوجتي وأخلاقها وصفاتها معتمدا في رسمه على أحاديث النساء اللاتي شاهدنها، ~~والخيال هو الذي رسم صورة لحياتي المستقبلية اعتمادا على ما سمعته من أحاديث عمن سعدوا في ~~زواجهم ومن شقوا، وأسباب سعادتهم وأسباب شقائهم، واعتمادا على ما قرأته في الكتب ~~الإنجليزية عن الحياة الزوجية. # ولكن شتان بين الواقع والخيال؛ فالخيال يرسم الصورة وهو حر طليق محلق في السماء، والواقع ~~يلتصق بالأرض ويتقيد بالظروف والبيئة والمكان والزمان وغير ذلك. وقد أذكرني الفرق بين ~~الواقع والخيال بحادث حدث لصديق لي سافرت معه إلى الإسكندرية لنستجم من متاعبنا، وكنت أعرف ~~العوم ولم يكن يعرفه، فغاظه ذلك وصمم على أن يتعلم العوم، وصادف أن مر أمام مكتبة إنجليزية ~~فرأى في ظاهرها كتابا في العوم فاشتراه - وكان قويا في اللغة الإنجليزية فسهر عليه ليلة ~~حتى أتمه قراءة وفهما وعرف منه تمام المعرفة نظرية العوم وكيفيته وطرقه، وأيقن أنه بذلك ~~يستطيع أن يغالب أكبر عوام، وحدثني بذلك في الصباح فضحكت من حديثه، فلما ذهبنا إلى حمام ~~البحر تبخرت كل نظرياته وعلمه، ووضع «قرعتين» على ظهره، وأمسك بالحبل الممدود، وطمأن رجليه ~~على الرمل، ms108 ولكن سرعان ما اصفر وجهه واضطرب جسمه وخاف أن يفارق الحبل ليسبح وفقا لنظريات ~~الكتاب. # قابلت زوجي فكنت كمن يفض «حلاوة البخت» أو كمشتري ورقة «اليانصيب» حين يقرأ جدول النمر ~~الرابحة، وحمدت الله على ما وهب، وبقي لي أن أعرف صفاتها التي تظهر يوما فيوما كلما حدثت ~~مناسبة أو جد جديد. # لقد عشنا زمنا عيشة هادئة سعيد فيها لذة الاستكشاف: أتكشف أخلاقها وتصرفاتها وتتكشف ~~أخلاقي وتصرفاتي، وفيها لذة تحقيق الشخصية فقد لبثت طويلا في كنف أبوي، وأنا الآن رئيس ~~البيت حر التصرف إلى آخر ما هنالك. # ولكن صدم زوجي بعد قليل أن رأتني هادئا غير مرح، قليل الكلام، وقد تربت في بيت مرح، ~~مملوء بالضحك والبهجة، يكثر فيه الحديث في الفارغ والملآن، فظنت أني لا أقدرها أو نادم على ~~الزواج بها. وأؤكد لها أن هذا طبعي كسبته في بيتي فلم تصدق ولم تطمئن إلا بعد طول العشرة ~~ووثوقها من أني كذلك مع غيرها لا معها وحدها. # ومشكلة أخرى عرضت لي ولها. وهي أني رجل مدرس مضطر إلى تحضير دروسي في المساء لألقيها في ~~الصباح. وفوق ذلك أحب القراءة في غير دروسي أيضا، فأنا فرح بتعلمي الإنجليزية مشغول أول ~~عهدي بالزواج بإنهاء ترجمة كتاب «مبادئ الفلسفة» وزوجتي مثقفة ثقافة محدودة، تقرأ القصص ~~والروايات الخفيفة من غير شغف، فهي تحتمل الصباح وحدها لإعداد ما نأكل وتنظيف ما ينظف، ولكن ~~كيف تحتمل المساء أيضا وحدها وأنا في غرفة بجانبها أقرأ وأكتب والأيام هي الأيام الأولى ~~لزواجنا؟ وحدث مرة أن أعدت العشاء وفتحت علي الباب وأخبرتني بأن العشاء معد، وكنت أمام جملة ~~في مبادئ الفلسفة صعبة، أحاول ترجمتها وأحاور عبارتها وأتذوق صياغها، فلم أسمع النداء ~~والإخبار، ولم أشعر بفتح الباب، فكان خصام وكان نزاع وكانت شكوى إلى أهلها لم تنته إلا ~~بعناء ولم أستطع التحول عن طبعي وغرامي، ثم حلت المشكلة بعض الشيء بالولد الأول واشتغال أمه ~~به ثم بما تتابع من أولاد، ثم باضطرارها إلى قبول الأمر الواقع والرضا بما قدر الله من ms109 عيش ~~في شبه عزلة مما أقرأ وأكتب. # وكانت نظريتي في الأولاد تخالف نظريتها، فكان من رأيي الاقتصار على ولد أو ولدين، شعورا ~~بمسئولية التربية وتوفيرا للزمن الذي أحتاجه في التحصيل والدرس، وتمشيا مع النظرة التي ~~أراها وهي أن الأمة المصرية مكتظة بالسكان وأن كثرتهم تحول دون العناية بتغذيتهم تغذية ~~صحيحة، فلو قل عدد الأسرة كانت أقدر على أن ترفع مستواها في أمور الاقتصاد والتربية ؛ ولكن ~~زوجتي لا ترى هذا الرأي، وقد نصحتها بعض قريباتها بالمثل المشهور وهو «قصيه لئلا يطير» ~~فالطائر إذا نزع ريشه أو قص لا يطير، والزوج إذا خف حمله لقلة الأولاد كان عرضة أن يطير ~~ويتزوج ثانية وثالثة، وقد غلبت نظريتها نظريتي، ولم تعبأ بالمتاعب التي كانت تلاقيها في ~~الولادة والتربية، فرزقت بعشرة أولاد - ولله الحمد - مات منهم اثنان في طفولتهما، وبقي لي ~~ثمانية أسأل الله أن يمد في عمرهم ويسعدني بهم، ستة أبناء وبنتان. وإني لأعجب لنفسي ويعجب ~~لي غيري كيف استطعت أن أؤلف ما ألفت وأكتب ما كتبت وأقرأ ما قرأت مع ما تتطلبه تربية ~~الأولاد من جهود لا نهاية لها. ويرجع الفضل في ذلك إلى الأم وحملها عني الأعباء التي تستطيع ~~القيام بها، واكتفائي بالإشراف على تربيتهم العلمية والخلقية، ثم تقصيري في إطالة الجلوس ~~معهم ومسامرتهم وإطالة عزلتي على مكتبي. # على كل حال بعد أن عرفت زوجي أخلاقي وعرفت أخلاقها وتكشفت لها ميولي وتكشف لي ميولها، ~~حدثت المصالحة والتفاهم فتنازلت عن بعض رغباتها لرغباتي، وتنازلت عن بعض رغباتي لرغباتها، ~~فكانت عيشة هادئة سعيدة نرعى فيها أكثر ما نرعى مصلحة الأولاد وخلق الجو الصالح ~~لتربيتهم. # وأحيانا كان يعكر صفونا شيئان لعلهما لم يخل بيت منهما إلا في القليل النادر. # أحدهما مسألة الخدم، فالبيت لا يستغني عنهم ولا يرتاح بهم، وكانت مشكلتهم عندنا مزمنة ~~وبخاصة في الخادمات. فزوجي غضوب، تريد أن تنفذ جميع أوامرها في دقة، والخادمة لا تعمل أو لا ~~تستطيع أو تعاند فيكون الغضب، أو تريد أن تعاملها معاملة السيد للعبد، وتأبى هي إلا ms110 أن ~~تعامل معاملة الند للند، أو تريد زوجي أن تكون الخادمة نظيفة والخادمة قذرة، أو مرتبة منظمة ~~وهي لا تفهم ترتيبا ولا نظاما، وهكذا. كثيرا ما يكون للزوجة الحق وكثيرا ما يكون للخادمة ~~الحق، فإذا تدخلت انقلب مركز النزاع من الخادمة إلي. وزوجي غيور، فهي لا تحب بطبيعتها أن ~~يكون للخادمة أية مسحة من جمال، فإن كانت كذلك فالويل لها. والحديث يطول بيننا حول خادمة ~~خرجت وخادمة جاءت وخادمة أساءت وخادمة سرقت. وأخيرا قررت إخلاء يدي من الخادمين والخادمات، ~~وتركت لها مطلق الحرية أن تخرج من تشاء وتدخل من تشاء على شرط ألا تذكر لي شيئا من أخبارهم ~~وأحوالهم. # والثاني مشكلة وسائل التفاهم، فقد كنت من غفلتي أعتقد أن العقل هو وحده الوسيلة الطبيعية ~~للتفاهم، فإن حدثت مشكلة احتكمنا إليه وأدلى كل منا بحججه فإما أقتنع وإما أقنع وإما أصر، ~~وإما أعدل ولكني بعد تجارب طويلة رأيت أن العقل أسخف وسيلة للتفاهم مع أكثر من رأيت من ~~السيدات؛ فأنت تتكلم في الشرق وهن يتكلمن في الغرب. وأنت تتكلم في السماء فيتكلمن في الأرض، ~~وأنت تأتي بالحجج التي تعتقد أنها تقنع أي معاند، وتلزم أي مخاصم، فإذا هي ولا قيمة لها ~~عندهن. تقول: إن الأوفق أن نتصرف في الأمر بكذا لكذا من الأسباب، فترد عليك بأقوال متأثرة ~~بعواطف ساذجة. وتقول: هذا التصرف لا يصلح لما يترتب عليه من أضرار تعينها، فترد عليك بأن ~~العرف والعادة غير ذلك. وتعاقب ابنك لتؤدبه فتفسد العقوبة بتدخلها لمجرد العطف الكاذب. ~~وتتصرف التصرفات الحكيمة فتئولها بنظراتها العاطفية تأويلات غريبة. وهكذا أدركت أن من ~~الواجب ألا ألتزم المنطق، وأني إذا أردت الراحة والهدوء فلأضح بالمنطق أحيانا، وأتكلم ~~الكلمة السخيفة إذا كان فيها الرضا، وألعب بالعواطف رغم المنطق إذا أردت السلامة. # وهكذا، كانت حياتنا كالبحر الهادئ، ولكن من حين لآخر تثور مشكلة من هذه المشاكل فيتكهرب ~~الجو ويموج البحر ثم تنتهي العاصفة ويعود إلى البحر هدوؤه. # ولم تكن لنا مشكلة مالية مما تشقى به بعض العائلات، فقد وسع ms111 الله علي في الرزق، ولم يأت ~~علي يوم اقتصرت فيه على مرتبي الحكومي، فعند تخرجي من مدرسة القضاء انتدبت مدرسا للأخلاق ~~بمدارس الأوقاف الملكية بمرتب آخر؛ ولما عينت قاضيا في مصر انتدبت مدرسا بمدرسة القضاء، ~~ثم در علي الرزق بما أربح من كتبي ومقالاتي؛ فمع ما يتطلبه الأولاد الكثيرون من نفقات كثيرة ~~لم أشعر بحاجتي إلى الاستدانة ولا مرة، وإلى جانب ذلك فأنا رجل ليس لي كيف من الكيوف إلا ~~الدخان، ثم معتدل الإنفاق، وأنا أميل إلى التبذير وزوجي أميل إلى التدبير، ولو ترك الأمر لي ~~ما أبقيت على شيء، ولكن زوجي لكثرة الأولاد، وما يتطلبه ذلك من حساب المستقبل، احتاطت ودبرت ~~وادخرت. # وكذلك حمانا الله من مشاكل أخرى أصيبت بها بعض الأسر لا داعي لذكرها لأنها لم تدخل في ~~تجاربنا. # ورزقت بالولد الأول عقب زواجي، فأوليته كل عنايتي وطالعت من أجله بعض الكتب الإنجليزية ~~والعربية في تربية الطفل، وكنت أشتري له اللعب الأجنبية الموضوعة للتسلية وتربية العقل، ولم ~~أرتض له المدارس المصرية، فعلمته في المدارس الفرنسية - في الفرير - ثم حولته بعد السنة ~~الثالثة الثانوية إلى مدرسة مصرية ليتقوى في اللغة العربية والإنجليزية، فلما نجح في ~~البكالوريا، وكان ترتيبه متقدما يسمح له أن يكون في الطب أو الهندسة، اختار ~~الهندسة. # وعنيت بالولد الأول أكبر عناية، علما بأنه سيكون نموذجا لإخوته، وقد كنت قاسيا على ~~أولادي الأولين، شديد المراقبة لهم في دروسهم وأخلاقهم، أعاقبهم على انحرافهم ولو قليلا، ~~ولا أسمح لهم بالحرية إلا في حدود؛ حسب عقليتي إذ ذاك، ولكنها على كل حال قسوة لا تقاس ~~بجانب قسوة أبي علي؛ وكلما تقدمت في السن واتسع تفكيري أقللت من تدخلي وأكثرت من القدر الذي ~~يستمتعون فيه بحريتهم، فلم أجد كبير فرق بين الأولين والآخرين لشدة تأثر من لحق بمن ~~سبق. # وما أكثر ما لقيت من متاعب الأولاد في صحتهم وفي دراستهم وفي سلوكهم، وكان لكل سن ~~متاعبها، فأكثر متاعب الطفولة في الصحة والمرض، وأكثر متاعب المراهقة في الدراسة والسلوك، ~~وأكثر متاعب الشباب ms112 في طرق الوقاية والمهارة في الإشراف من بعيد، وكثيرا ما كان عندي ~~الأسنان كلها أحمل متاعبها المتنوعة جميعها. وأحمد الله فقد نجحت في تحمل أعبائهم، وحسن ~~توجيههم إلى حد كبير: فالآن وأنا أكتب هذا زوجت بنتي زواجا يعد بقدر الإمكان سعيدا، وأتم ~~ثلاثة دراسة الهندسة والرابع في طريق إتمامها، ولما ضقت ذرعا بالهندسة وكرهت سماع النغمة ~~الواحدة تدخلت في الأمر بعد أن كنت أترك لهم الاختيار، فوجهت الخامس لدراسة الحقوق، وحاولت ~~أن أوجه السادس للطب وقد كان أول البكالوريا في القطر فلم أفلح. # وكان حنوي وحنو أمهم عليهم بالغ الحد، حتى لكثيرا ما ضحينا بسعادتنا لسعادتهم، وتعبنا ~~لراحتهم، وأنفقنا من صحتنا محافظة على صحتهم، ونحن نطمع أن يتولى الله وحده الجزاء، أما هم ~~فقد يحاسبوننا على الكلمة الصغيرة يظنون أنها تجرح إحساسهم، وعلى التقصير القليل يظنونه مسا ~~بحقوقهم، وعلى العمل يسيئون تفسيره، وقد يكون الغرض منه خيرهم؛ ولكن الموقف النبيل يقضي بأن ~~تربية الأولاد ليست تجارة، تعطي لتأخذ وتبيع لتربح، إنما هي واجب يؤديه الآباء لأبنائهم ~~وأمتهم، فإن قدره الأبناء فأدوا واجبهم نحو آبائهم فبها، وإلا فقد فعل الآباء ما عليهم، ~~والمكافئ الله. # نعم رزقت الحنو عليهم حنوا شديدا حتى لينغص علي سفري إذ سافرت ورحلاتي إذا رحلت فلا ~~أزال أذكرهم في سفري حتى أعود، ولا تهنأ لي راحة إلا إذا عدت إليهم؛ وإخواني المسافرون معي ~~يستنكرون ذلك مني، ولا أراهم يحنون إلى أولادهم حنيني. # | الفصل الثاني والعشرون # جاءت الحرب العالمية الأولى 1914، وكانت أحداثها وقودا لإلهاب الشعور الوطني، فخلع ~~الخديوي عباس وأعلنت بريطانيا الحماية على مصر، فحز ذلك في نفوسنا، وولي الأمير حسين كامل ~~سلطانا على مصر، فأثرت في شعورنا الطريقة التي عين بها، فقد كان والي مصر يعين من قبل ~~سلطان الآستانة بفرمان يحمله مندوب سام من قبل السلطان، فرأينا في هذه المرة أن تعيين سلطان ~~مصر يتم بخطاب وجهه إليه متولي أعمال الوكالة البريطانية، وعانت مصر ويلات الحرب من سوء ~~الحالة الاقتصادية ومن اعتداء الإنجليز على الأهالي، وتشغيل ms113 العمال المصريين رغم أنوفهم، ~~وأخذ السلطة الإنجليزية الدواب والمحصولات جبرا، وتحليق الطيارات الألمانية فوق القاهرة ~~وإصابتها بعض الأهالي، وتسفير العمال المصريين إلى فرنسا والعراق، ونزع السلاح من المصريين. ~~كل هذا وأمثاله ربى شعورنا الوطني، وكبت العواطف انتظارا للهدنة وتنفيذ إنجلترا ما وعدت به ~~مصر، وإن كان وعدا غامضا، وقد أفسح هذا الأمل عند المصريين تصريحات ولسن والحلفاء بأنهم ~~إنما يحاربون دفاعا عن الحرية، وأنه إذا انتهت الحرب فلا استعمار ولا استغلال، وإنما تقرر ~~كل أمة مصيرها وتدير أمورها بنفسها، خاب أمل مصر إذ رأت أن الأحكام العرفية لا تزال باقية ~~والحالة الاقتصادية لم تتغير، واحتكرت السلطة البريطانية محصول القطن وحددت ثمنه، ولم تبد ~~أية علامة تدل على أن في نية إنجلترا أن تمنح مصر شيئا من استقلالها، فاتجهت أفكار بعض ~~الزعماء إلى مطالبة الإنجليز بوفاء ما وعدوا، وتألف الوفد المصري وعلى رأسه سعد باشا زغلول، ~~ثم قبض عليه وعلى بعض صحبه، وقامت المظاهرات وكثر التخريب واشتعلت البلاد نارا، وعاقب ~~الإنجليز الأهالي عقابا شديدا بإطلاق الرصاص على المتظاهرين والتنكيل ببعض القرى تنكيلا ~~يذيب القلوب، إلى آخر ما يعرفه القراء من الأحداث السياسية القريبة العهد. # وكانت مدرسة القضاء تغلي من هذه الأحداث كما يغلي غيرها من المدارس العليا، وزاد غليانها ~~أيام تكون الوفد وعلى رأسه سعد باشا زغلول، إذ كانت المدرسة تعد نفسها صنيعة من صنيعاته ~~وعملا من أعماله الجليلة، وأن الوطنية والوفاء معا يوجبان عليها تأييده ما استطاعت، وعلى ~~رأس المدرسة عاطف بك بركات من أقرباء سعد باشا ومن أقرب المقربين إليه. # لهذا كله ساهمت - وأنا مدرس في مدرسة القضاء - في الناحية السياسة. وظهرت هذه المساهمة من ~~يوم تكون الوفد واعتقل سعد. # فجمعيتنا الثقافية التي سبق أن تحدثت عنها والتي كانت تخرج جريدة السفور كثيرا ما كانت ~~تتحدث في السياسة، وتقلب ما جد من الأمور على وجوهه، فلما بدأ الوفد يتكون قالت هذه ~~الجماعة: لم لا يكون لنا ممثل في الوفد؟ وانتدبت اثنين كنت أحدهما لمقابلة سعد باشا وعرض ~~الفكرة عليه، ms114 فذهبنا إليه، ولكن وجدناه مشغولا فأحالنا بعد أن عرف مطلبنا على أستاذنا أحمد ~~لطفي السيد، فحادثناه في الأمر، فسأل: وباسم من تتكلمون؟ قلنا: باسم جماعة العقليين. ~~وناقشنا طويلا ثم عرض الأمر على سعد باشا زغلول بعد أن عرف أسماء الجماعة فاختار منا الشيخ ~~مصطفى عبد الرازق في الوفد المصري، ولكن الشيخ مصطفى اعتذر بعد أن شاور أسرته. # ولما اشتعلت نيران الثورة كنت من المتصلين بعبد الرحمن فهمي سكرتير الوفد، وكان يضم إليه ~~جماعة من الشبان يوزع عليهم الأعمال، فاختارني للإشراف على عملين: الأول إلقاء الخطب ~~السياسية في المساجد عقب صلاة الجمعة، فكنت أجتمع مع بعض الزملاء وأنظم معهم إلقاء هذه ~~الخطب وأوزعهم على المساجد وأعين معهم موضوع ما يقولون. والأمر الثاني كتابة المنشورات نذكر ~~فيها أهم الأحداث، ومن أهم ما أذكره من هذه المنشورات منشور كتبته على أثر مظاهرات السيدات؛ ~~ففي يوم 16 مارس سنة 1919، اجتمع لفيف من الآنسات والسيدات الراقيات وألفن مظاهرة سارت في ~~شوارع العاصمة، وأخذن ينادين بالحرية والاستقلال وبسقوط الحماية والظلم، ويلوحن بأعلام ~~صغيرة، فلما سرن طويلا ووصلن إلى ميدان من ميادين العاصمة ضرب الإنجليز عليهن نطاقا وصوبوا ~~إليهن البنادق، فلم يرهبهن هذا التهديد، وقالت إحداهن: أطلق بندقيتك في صدري لتجعلوا مني مس ~~كافل أخرى، ثم انصرفن بعد أن وقفن في الشمس نحو ساعتين، فكتبت في ذلك منشورا مطولا في وصف ~~هذه المظاهرة وأثرها والتهيج بها، وطبع ووزع. # وقد كانت في مكتب عبد الرحمن بك فهمي مذكرة بأسماء الذين يشتغلون معه في هذه الأعمال فلما ~~قبض عليه وختم مكتبه بالشمع الأحمر كسر بعضهم الباب وأخذ الأوراق التي يظن أنها توقع الأذى ~~ببعض الأشخاص ومنها هذه المذكرة، ولولا ذلك لسجنت كما سجن غيري من زملائي. # وكنت شديد الصلة بسكرتير سعد باشا زغلول (كامل بك سليم)، فلما أطلق سراح سعد وذهب (كامل ~~بك) مع الوفد إلى باريس كان علي أن أصف الحالة في مصر من حين لآخر، وأرسل بذلك تقريرات إلى ~~سكرتير سعد ليطلعه عليها، وكانت هذه سببا في ms115 معرفة سعد باشا بي، فكثر اتصالي به، بل كان ~~يرسل إلي الشفرة الجديدة إذا غيرت لأوصلها إلى بعض الأعضاء في مصر، إذ كنت شيخا مدرسا في ~~مدرسة القضاء لا يظن أحد أن أمرا خطيرا كهذا يأتي إلي. # ولما انقسم الوفد واتهم عدلي باشا وصحبه ببعض الاتهامات كنت في صف سعد باشا ومن مؤيديه ~~والداعين له، ومع ذلك لم يضع استقلالي في التفكير، فأذكر مرة أن كان سعد باشا في حجرته في ~~منزله، وتناول عدلي باشا بالتجريح قبل أن يهاجمه علنا، فسألته الأدلة على هذا التجريح، ~~فأتى بأدلة لم تقنعني، فرددت عليه فغضب مني وقال لي: «إنك اليوم سيئ المنطق». # على كل حال انغمست في السياسة واشتركت في المظاهرات وبخاصة في المظاهرات التي ترمي إلى ~~التقريب بين الأقباط والمسلمين، وكنت أتلمس المظاهرة، فأركب عربة وأنا بعمامتي أصطحب فيها ~~قسيسا بملابسه الكهنوتية ونحمل علما فيه الصليب والهلال ونحو ذلك من أعمال. # واشتدت الحركة الوطنية في مدرسة القضاء وأفلت زمامها من يد عاطف بك بعد أن كان لا يسمح ~~بمظاهرة ما ولا إضراب، إلى أن جاء يوم انعقد فيه مجلس الإدارة في المدرسة وكانت الوزارة ~~وزارة نسيم باشا الأولى، وهي ليست على وفاق مع سعد، وكان وزير المعارف محمد توفيق رفعت باشا ~~عضوا فيه، فاجتمع بعض الطلبة في جزء من فناء المدرسة تحت شباك الحجرة التي ينعقد فيها ~~المجلس وهتفوا بحياة سعد وسقوط وزارة نسيم، فاتهم رفعت باشا عاطف بك بأنه دبر هذه المؤامرة ~~مع أنه بريء من ذلك فيما أعتقد، ولم يأت المساء حتى أعلن قرار مجلس الوزراء بإحالة عاطف بك ~~على المعاش. # أثر هذا الحادث في نفسي أثرا كبيرا وحزنت له حزنا عميقا، فقد لازمت عاطف بك نحو خمسة عشر ~~عاما في مدرسة القضاء، تلميذا ومدرسا، وأنا أستفيد من روحه ومن خلقه، فلما خرج منها ~~أحسست أن بناء المدرسة قد هدم على رأسي. # وعين للمدرسة ناظر جديد # 1 # لا أعرفه ولا يعرفني ووجد المدرسين في المدرسة يقابلونه مقابلة حسنة ويسيرون ~~معه ms116 كما كانوا يسيرون مع عاطف بك فإن حزنوا لخروج عاطف فحزن في نفوسهم من غير أن يكون له ~~مظهر خارجي أما أنا فلسذاجتي لم أستطع أن أكتم عواطفي، فلم أستقبله عند حضوره ولم أسلم عليه ~~إلا إذ قابلته عرضا، وكانت تأتيه الأخبار أني أذهب كل يوم عصرا إلى عاطف بك في منزله، ~~فكرهني أشد كره، وأعلن ذلك في جمع من الأساتذة، وقال إنه يجب أن يتعاون مع كل المدرسين إلا ~~إياي، وساءت حالتي في المدرسة. وحدث أن قرر مجلس الإدارة يوما تعيين متخرج من مدرسة القضاء ~~مدرسا بالمدرسة بشرط ألا يدرس الفقه، فرأيت القرار نابيا، وأنه يمس مدرسة القضاء في ~~صميمها، فتحدثت بذلك مع المدرسين والطلبة وترتب على ذلك أن هاج الطلبة لما أن سمعوا كلامي، ~~وبلغ ذلك الناظر الجديد فركب عربة وذهب إلى رئيس الوزراء عدلي باشا يكن وأبان أنه لا يستطيع ~~العمل معي، فأصدر أمره بنقلي إلى القضاء. فعينت قاضيا في محكمة قويسنا الشرعية، وكان هذا ~~آخر العهد بتدريسي في المدرسة. # وانتهت بذلك مرحلة طويلة، هي زهرة العمر تقريبا: خمسة عشر عاما من سني الشباب بين طالب ~~ومدرس، نلت فيها أكثر ثقافتي، وجربت فيها أكثر تجاربي في الحياة، وتعلمت ما استطعت من العلم ~~ومن الناس، ولقيت فيها أكبر الشخصيات التي أثرت في نفسي، وطبعت فيها بطابع لازمني طول ~~حياتي؛ دخلتها مغمض العينين ليس عندي إلا قليل من التجار، وخرجت منها شيئا آخر، لذلك بكيت ~~عليها كما أبكي على فقد أب أو أم أو أخ شقيق؛ ومما آلمني أنني تركت التدريس وهو ما أحبه إلى ~~القضاء وهو ما لا أحبه، وظللت أعزي نفسي بالاتصال بعاطف بك وبعض الأساتذة الذين أحبهم اتصال ~~صداقة؛ كما ظللت أساهم في السياسة وأشارك بعض من صاروا من زعماء السياسيين، # 2 # ولكن لم أندفع اندفاعهم، ولم أظهر في السياسة ظهورهم، لأسباب أهمها أني - على ~~ما يظهر - لم أتشجع شجاعتهم، فكنت أخاف السجن وأخاف العقوبة. ولعل من أهم أسباب خوفي إشفاقي ~~على والدي وقد أصبحت ابنهما ms117 الوحيد؛ إذا سمعا بحبسي أو عقابي هد ذلك من كيانهما الذي أشرف ~~على السقوط. وقد علمني أبي الإفراط في التفكير في العواقب ومن فكر في العواقب لم يتشجع. ~~والسبب الثاني أن مزاجي علمي لا سياسي، ولهذا كنت أختلف عن زملائي السياسيين بأنهم كانوا ~~يؤمنون بسعد باشا كل الإيمان، ويعتقدون صحة كل ما ذهب إليه وارتآه، ويئولون ما يصدر عنه من ~~خطأ ويلتمسون الحجج لتبريره، ولم أكن على هذا المذهب، بل كنت أؤيد سعدا وأنقده، وأؤيد عدلي ~~وأنقده؛ وليس هذا هو المزاج السياسي الذي يؤمن بكل ما يصدر عن الحزب ويتحمس له، وإنما هو ~~المزاج العلمي الذي يزن الشيء مجردا ثم يحكي له أو عليه في أناة. # لهذا لم أظهر في السياسة ظهور غيري، ولم أكتو بنيرانها، وأنعم بجنانها كما فعل ~~غيري. # ظللت في القضاء أربع سنين، سنة في قويسنا، وسنة في طوخ، وسنتين في محكمة الأزبكية، ومع ~~ذلك فلم أستمرئ القضاء ولم أسعد به؛ كل ما أراه أسر قد خربت، أما الأسر السعيدة فلا أراها. ~~زوجة تطلب نفقة من زوجها، وزوج يطلب الطاعة من زوجته، ونحو ثمانين في المائة من القضايا من ~~هذا القبيل فيحكم بالنفقة على الزوج، فإن لم يدفع فيحكم بالحبس، ويحكم بالطاعة على الزوجة، ~~وظللت أحكم بالطاعة وأنا لا أستسيغها ولا أتصورها، كيف تؤخذ المرأة من بيتها بالبوليس وتوضع ~~في بيت الزوج بالبوليس كذلك؟ وكيف تكون هذه حياة زوجية؟ إني أفهم قوة البوليس في تنفيذ ~~الأمور المادية، كرد قطعة أرض إلى صاحبها، ووضع محكوم عليه في السجن، وتنفيذ حكم بالإعدام ~~ونحو ذلك من الأمور المالية والجنائية. أما تنفيذ المعيشة الزوجية بالبوليس فلم أفهمه ~~مطلقا إلا إذا فهمت حبا بإكراه، أو مودة بالسيف. ولهذا كنت أصدر هذه الأحكام بالتقاليد لا ~~بالضمير، وبما في الكتب والقوانين واللوائح، لا بالقلب. وكنت أشعر شعور من يمضغ حصى أو ~~يتجرع الدواء المر. وباقي القضايا على هذا المنوال أيضا: امرأة يدعيها زوجان زوج بورقة ~~عرفية وزوج بورقة رسمية، ودعوى زوجة طلاقا ينكره الزوج، ms118 ونحو ذلك من أمور لا تختلف عن ~~الأكثرية كثيرا. فإن استفدت شيئا من عملي في هذا المنصب فدراسة اجتماعية عملية للأسر ~~المصرية. وقد ظهرت على عهدي هذا ظاهرة جديدة لم تكن معروفة كثيرا قبل هذا العهد، وهي تقاضي ~~الأسر المتوسطة والأسر العالية أمام المحاكم وقد كان هذا فيما مضى يعد عارا كبيرا، ولا ~~يلجأ إلى المحاكم إلا الأسر الفقيرة وأمثالها. # ومما أفادني أني كثيرا ما كنت أنحي المحامين عن الكلام وتزويقهم للأمور وادعاء بعضهم ما ~~ليس بصحيح، وأطلب حضور المتخاصمين شخصيا في جلسة سرية، وأستمع إلى كل منهما في تؤدة وتقص ~~لمعرفة الأسباب الأساسية التي أدت إلى هذا النزاع مما لا يذكره المحامون عادة. فكنت أعرف سر ~~الخصومة، وذلك شيء ليس في الأوراق، ثم أعالج هذا السر بما أراه ناجحا - وأكثر ما يكون ~~بالصلح بين المتخاصمين - إما بالفرقة إذا لم يكن أمل في نجاح الأسرة، وإما بالنصح بما يحسم ~~الخلاف، كأن يسكن الزوجان بعيدين عن أهل الزوج أو أهل الزوجة أو نحو ذلك. # ثم استفدت المران على الحكم على الأشياء، فالقضاء لا يكون إلا بعد فهم الدعوى، ولا يكون ~~الفهم حتى يسمع كلام الطرفين، ولا يكون الحكم حتى تدرس القضية من جميع نواحيها، ولا يكون ~~حتى يتكون الرأي بناء على أسباب معقولة: كل هذه دروس منطقية عملية تطبع الشخص بطابع خاص لا ~~يجده في التدريس ولا في غيره من الوظائف فأربع سنين يشغل فيها الذهن ليل نهار بالتفكير في ~~قضايا وتحليل لها وتأمل في أحكام هذه القضايا ووضع أسباب لما وصل إليه من حكم لابد أن تترك ~~في النفس أثرا عميقا. # ولقد هممت في بعض أيامي في القضاء أن أدرس الأسرة دراسة علمية، فأعددت كتبا كثيرة فيها ~~باللغة الإنجليزية، وأردت تطبيق ذلك على ما أراه من الأسر المصرية، واستخراج الإحصاءات ~~الرسمية في عدد ما يحدث في مصر من زواج ومن طلاق ونسبة الطلاق إلى الزواج ونسبة من يتزوج ~~أكثر من واحدة إلى غير ذلك من إحصاءات، لأستنتج النتائج الاجتماعية التي ms119 تدل عليها، ولكني ~~مع الأسف لم أتمم هذا البحث. # وفي سني القضاء نسيت ما كانت توصيني به السيدة الإنجليزية، من قولها تذكر أنك شاب، بل كنت ~~أتذكر دائما أنني شيخ، فالقضاء الشرعي يتطلب وقارا وجلالا ومشيا بطيئا وحركة جامدة وإلا ~~كان أهوج أرعن، والقاضي الشرعي - بجانب ذلك - ينظر إليه على أنه رئيس ديني، فيجب أن يتحرج ~~من الجلوس في قهوة أو أن يكون في ناد تشرب فيه خمر أو يلعب فيه ميسر. وإذا جلس في قوم فلابد ~~أن يتحدث حديثا دينيا أو أخلاقيا وعلى الأقل أن يكون جادا لا يمزح ووقورا لا يضحك، ~~وحدث مرة وأنا قاض في قويسنا حادث مربك، فقد دعاني إلى العشاء طبيب المركز مع كبار الموظفين ~~وبعض كبار الأعيان وأنا أعلم أن بعض المدعوين يشرب خمرا، فتأخرت في الذهاب إلى بيت الطبيب ~~حتى يأخذوا حريتهم قبل حضوري، فلما ذهبت وجدت الباب مفتوحا والمدعوين في حجرة أمام الباب ~~فانتظرت حتى يأتي الخادم فلم يحضر، فدخلت عليهم في الحجرة وإذا هي معمعة وإذا هي حانة، وإذا ~~الكئوس تملأ، فبهت الحاضرون وبهت وخجلوا وخجلت، وإذا بعضهم يأخذ الزجاجة ويخفيها تحت ~~المائدة، وزاد اضطرابي واضطرابهم، وارتباكي وارتباكهم، فقصدت إلى الطبيب صاحب الدعوة ~~وأفهمته أني حضرت لأعتذر. فقد حدث ما يضطرني أن أكون في بيتي الآن، ففهم ما أريد وألح علي ~~أن أنتظر في حجرة أخرى لحظات قليلة حتى تنظف المائدة، فأصررت وخرجت وكان صائبا ما فعلت، ~~فلو جلست معهم لخرجت الشائعات بأني كنت أشرب مع الشاربين، وألهو مع اللاهين، ولسقط مركزي ~~الديني ومركزي الخلقي ومركزي القضائي معا. # | الفصل الثالث والعشرون # في فترة القضاء هذه مات أبي رحمه الله وأنا قاض في قويسنا عن نحو ثمانين عاما إثر عملية ~~جراحية، فقد أصيب «بفتق» وهو في نحو الأربعين من عمره فلم يفكر في عملية يعملها، وظل يلبس ~~الحزام الجلد يضغط به على موضع «الفتق» يخلعه مساء ويلبسه صباحا، ويعاني في ذلك مشقة كبيرة ~~يتحملها في صبر. وكثيرا ما كانت تخر من الفتق ms120 بعض الأمعاء ويحاول إدخالها ولبس الحزام ~~فيمتنع عليه ذلك فأسرع إلى الطبيب يعالجه، وكان هذا سببا كبيرا في ضيق خلقه والتنغيص عليه ~~وعلينا - يضاف إلى ذلك ما أصيب به من إمساك مزمن، فكان إذا طال به الزمن ساء مزاجه وتلمس أي ~~شيء يغضب عليه - ولعل بيتنا مدين لهذين السببين في التنغيص عليه من حين إلى حين، وما حرمه ~~من ضحك ومرح وسرور. وما كان من معيشة انفصالية يميل فيها أبي إلى العزلة والانفراد بنفسه ~~وآلامه - وطالت به هذه الأمراض من غير أن يعرض نفسه على طبيب اختصاصي، فلما كبرت عرضته على ~~أكبر طبيب فقرر أنه كان يجب أن يعمل العملية وهو في فترة شبابه، أما وقد تقدمت به السن إلى ~~هذا الحد فلا يحسن عملها. وأخيرا اشتد به الألم وضجر من حالته، فانتهز غيابي في قويسنا ~~وذهب إلى طبيب جراح في المرتبة الثانية أو الثالثة، وكان تلميذا له قديما فحسن له ~~العملية، وتجرأ فعملها من غير أن أعلم أو يعلم أحد في البيت. ولم أدر إلا وتلغراف يأتيني ~~بقويسنا يحمل الخبر، ففزعت لذلك وحضرت إلى مصر وذهبت إلى العيادة وطمأنني الطبيب أن العملية ~~ناجحة، ولكن لم يمض يوم حتى أصيب بالتهاب رئوي قضى عليه في ساعات ومات وأنا بجانبه يوصيني ~~أمي وأختي ويدعو لي «أن يكون الله في عوني». # وبذلك انتهت حياة حافلة شاقة ملئت بالكد الدائب والسعي المتواصل في طلب العلم وطلب الرزق، ~~فقل أن يفارقه كتاب يقرؤه أو يكتبه، ورزقه متصل بعلمه من درس يدرسه أو كتاب يصححه أو نحو ~~ذلك، لا يمنعه عن ذلك مرضه أو كارثة نزلت به، متدين أشد التدين، يكثر من الصلاة ومن قراءة ~~القرآن والحديث، ويزكي ويصرف زكاته على الفقراء من أقاربه، ويصوم ويحج ويتهجد بالليل ويبتهل ~~إلى الله. وإذا صدرت منه سيئة أو ما يظنها سيئة أكثر من الندم والاستغفار والتوبة؛ زاهد عن ~~السعي في طلب الرزق إلا بمقدار ما تحتاج إليه أسرته، فإن زاد شيئا فبقدر ما يدخره ليوم ~~الحاجة - يكثر ms121 من ذكر الموت ويتبع ذلك بأحاديث يحفظها في تفاهة الدنيا وحقارة شأنها وهوانها ~~على الله، وبنى مقبرة له يذهب إليها ويتلو عندها القرآن يرجو بذلك أن تكون منزلا مباركا له ~~عند وفاته. يهزأ بالدنيا وزخرفها ومباهجها، رأيته مرة يلبس كسوة تشريف ليذهب إلى حفلة ~~المحمل ثم يقف في الغرفة قليلا مترددا ثم يخلعها ويرميها بيده إلى أركان الغرفة ويقول: ~~إنما الحياة الدنيا لهو ولعب وزينة، ويجلس بعد ذلك يتلو القرآن. # وهو في حيه محترم، إذ هو أكبر رجل ديني في الحي. يقوم له الناس إجلالا إذا مر عليهم، ~~ويفزع إليه الأغنياء والفقراء في أمورهم الدينية وفي الفتيا في مسائل الزواج والطلاق ~~والميراث، ويسأله أعيان الحي أن يقرأ لهم درسا دينيا في بيت من بيوت أحدهم، ويهدون له ~~الهدايا الكثيرة في الأعياد والمواسم. # وهو بسيط في أكله وشربه ولبسه ونومه، حتى ليأكل ما قدم إليه من غير ضجر، وينام على حشية ~~من غير سرير، ويلبس في دقيقة ملبسه البسيط في غير أناقة. # يشتد على أولاده فلا يعطيهم من المال إلا بقدر الحاجة حتى لا يفسدوا، ويحاسبهم على تعلمهم ~~محاسبة عسيرة، فهو يمتحنهم دائما في حفظ القرآن وحفظ المتون وفي فهم دروسهم، فإذا أخطئوا ~~حسبل وحوقل وقد يغضب ويضرب، وكل صحبتنا له صحبة درس جديد أو امتحان في درس قديم. ولا أذكر ~~أنه مزح معنا وقل أن ضحك في وجوهنا. ولذلك كان اطمئناننا ومرحنا القليل ساعة يغيب عن البيت، ~~وخوفنا ورهبتنا وحبس أنفاسنا ساعة يحضر؛ ومن مزاياه أنه كان يرى تعليم البنت كما يعلم ~~الابن، فأرسل أختي الكبرى إلى المدرسة السيوفية وكانت المدرسة الوحيدة المصرية لتعليم ~~البنات، في حين أن أكثر الناس كان يرى تعليم البنت في المدارس جريمة لا تغتفر. # دنياه التي يعرفها أزهره ومسجده وكتبه ومن يتصل به من أهل حيه. أما السياسة والاحتلال ~~وأما شئون الاقتصاد وأما الحياة الاجتماعية والمدنية مما يجري وراء حيه فلا يعلم عنها ~~شيئا، فهو لا يقرأ الجرائد إلا إذ وقعت في يده عرضا، ولا ms122 يجتمع بالناس يتكلمون في الشئون ~~العامة إلا قليلا. # يحب الريف ويحن إليه، وفي بعض الأيام كان عندنا حمار يركبه ويركبني معه فيخرج به إلى ~~الجزيرة أو الجيزة، ونقضي النهار تحت شجرة أو بجوار ساقية أو على شاطئ النيل ومعه كتاب ~~يقرؤه، ثم يعود وقد غذى عواطفه، وهذه هي كل رياضته. فإذا لم يكن حمار فمشي على الأقدام إلى ~~كوبري قصر النيل حيث يختار مكانا يجلس إليه. # وله صديقان من الفلاحين في جزيرة أمام مصر القديمة يزورهما - وأنا معه - من حين إلى حين ~~وبخاصة في موسم الشمام والبطيخ، فنقضي هناك اليومين والثلاثة بين المزارع وعلى شاطئ النيل، ~~ولا ندخل البيوت - حتى الليل نقضيه تحت سقف السماء - كأنه لما حرم مزارعه في بلده كان ~~يعوضها بمثل هذه الجولات. # ذكي يجيد فهم الكتب الأزهرية، وله شوق إلى قراءة الكتب الأدبية والتاريخية من غير تعمق ~~فيها أو قراءة منظمة لها؛ يقرض الشعر أحيانا في مناسبات ولا يقرضه حتى يتخير قصيدة من ~~ديوان شعر يحاكيها في الوزن والقافية ويتخير من معانيها فتأتي أشعاره متكلفة لا روح فيها. ~~ولا أدري لماذا لم يحاول التأليف في أي فرع من فروع العلم مع توفر الأسباب لديه. # ومع شدته على أولاده كان رحيما بهم، وتظهر رحمته في قلقه على ولده إذا مرض، وحرقة قلبه ~~إذا مات، وحنينه إليه إذا غاب ونحو ذلك. # وكان يؤثرني على إخوتي في العناية لما كان يظهر له من استجابتي وطاعتي؛ فإليه يرجع أكبر ~~الفضل في أساس تعلمي من يوم أن ذهبت إلى الكتاب إلى يوم أن دخلت مدرسة القضاء، ولولاه لم ~~أنجح في دراستي الأزهرية لصعوبتها وكثرة العوائق فيها، فقد سهلها علي بأسلوبه وقرب عبارته ~~ووضوح معانيه، ولولا نجاحي على يده في العلوم الأزهرية ما نجحت في الدخول في مدرسة القضاء؛ ~~بل منه تعلمت الصبر على الدرس واحتمال العناء في التحصيل. ومنه كسبت وضوح العبارة وبساطة ~~الأسلوب، ومن مكتبته المتنوعة الغنية بكتب الأدب والتاريخ نبت في نفسي حب الأدب والتاريخ؛ ~~وعلى الجملة فقد ورثت ms123 منه - إلى حد ما - كثيرا مما لي من مزايا وعيوب. # لهذا كله بعد أن كبرت ودخلت مدرسة القضاء وتحررت من رعايته لي وقسوته علي بدأت أشعر ~~بفضله، وينقلب خوفي منه إلى حب وإجلال له، وبعد أن أصيب بفقد ولديه زاد عطفي عليه وبذل كل ~~جهد في عمل ما يرضيه. ومن جانبه بادلني عطفا بعطف وحنانا بحنان، وترك لي التصرف في ماله ~~وشئونه، وتفرغ لحزنه ومرضه، ودينه. # فلما مات أحسست لذعة أليمة وركنا تهدم ولم يعوض، وفراغا لم يملأ - رحمه الله. # وبعد قليل من وفاة أبي يموت أبي الروحي الثاني (عاطف بركات) فأحزن عليه حزنا قريبا من ~~حزني على أبي، وأقف على قبره عند دفنه وأرثيه بكلمة أودعها قلبي، وأنظر إليه في كفنه وهم ~~ينزلونه إلى قبره فيصفر وجهي ويسيل دمعي وأحز بأسناني على سبابتي فأكاد أقطعها، وينظر ~~أقرباؤه إلي فيجدونني أحزن أكثر مما يحزنون، وألتاع أشد مما يلتاعون فيرثون لحالي ويشفقون ~~مما بي. # لقد تسلمني من أبي بعد أن رباني التربية الأولى فرباني التربية الثانية، وقد عاشرته نحو ~~ثمانية عشر عاما من سنة 1907 إلى وفاته سنة 1925 منها أربعة وأنا طالب وهو ناظر وأستاذ، ~~وعشرة وأنا مدرس وهو - أيضا - ناظر وأستاذ، وأربعة وهو يشتغل بالأمور السياسية وأنا أتلقى ~~عنه دروسها - فبعد خروجه من المدرسة على النحو الذي أشرت إليه قبل، تفرغ للسياسة وانضم إلى ~~الوفد ونفي إلى «سيشل» ولما عاد وتولى سعد باشا الوزارة عين «عاطف» وكيلا لوزارة المعارف، ~~وتولى أمر الوزارة كلها، وقد عرض علي إذ ذاك أن أكون مفتشا في الوزارة معه فاعتذرت، ثم عرض ~~علي أن أكون أستاذا للشريعة في مدرسة الحقوق وقبلت، واتصل بناظر الحقوق واتفق معه على ذلك ~~واختبرت دروسي ولكنه مات قبل أن يتم ذلك، فقلب لي ظهر المجن، وقطعت إجراءات التعيين وعين ~~غيري، وانتهى كل شيء كأن لم يكن شيء. # ولم يطل أمده في وزارة المعارف، فقد دب داء السرطان إلى رأسه، وعاني من الآلام المضنية ~~الشيء الكثير. لقد كان يخصني برعايته ms124 منذ كنت طالبا، فلم كنت مدرسا أتبعني به في دروس ~~الأخلاق، فكنت ألازمه في دروسه وقد أقضي النهار معه في بيته بمصر الجديدة، ولما نفي في ~~عزبته بجمجرة كنت أقضي معه فيها الأيام. وكان يراسلني من سيشل ويبعث إلي بصورته؛ ولما مرض ~~لم يكن يسمح بزيارته إلا لأقاربه واثنين من أصدقائه كنت أحدهما، وهذا ما مكنني من الاستفادة ~~منه. # كانت أكبر ميزة له في عقله قوة التحليل وسلامة التفكير ، وحرية الرأي وقوة الحجة، والإلحاح ~~في الإقناع وسعة الصدر للرأي المخالف - وكانت حريته في تفكيره أقوى من حريته في عمله، فهو ~~في إصلاحه متحفظ، يقدر كل الظروف المحيطة ويعمل في حذر؛ وأكبر ميزة له في خلقه أداء الواجب ~~لأنه واجب من غير أي اعتبار، وعدله التام ولو لقي في ذلك العناء، في بلد تسره المجاملة ولو ~~بالظلم، ويفرح بالوعد ولو بالكذب؛ وحبه للنظام الدقيق، فكان يشيد بذكر «كانت» إذ كان يرى ~~أداء الواجب لذاته، وإذا كان الناس يضبطون ساعاتهم على موعد خروجه؛ وصدق في القول حتى لم ~~يأخذ عليه طالب ولا أستاذ كذبة، وحدثني أنه وهو طالب في إنجلترا دخن يوما سيجارة في حجرة ~~لا يسمح فيها بالتدخين، فلما أتم تدخينها دخل مراقب المدرسة عليه وعلى صحبه فقال: إني أشم ~~رائحة دخان فمن الذي دخن «فسكت عاطف» ثم كرر المراقب القول وكرر «عاطف» السكوت، ثم خرج ~~المراقب فنظر الموجودون إلى «عاطف» نظرة ازدراء، فعاهد الله من يومه ألا يكذب؛ ورجولة تامة ~~فهو يكره سفاسف الأمور وتوافه القول، إذا تدنى محدثه رفعه هو إلى مستواه، فكان بذلك مهيبا ~~جليلا. # إن عيب عليه شيء فهو قلة مجاملته حتى حيث لا تضر المجاملة بالخلق، وصراحته التي قد تجرح، ~~في موقف لا يدعو إلى الصراحة فيه دفاع عن حق، ثم نظامه العسكري في غير ترفيه. رحمه الله فما ~~أكثر ما نفع وأصلح. # | الفصل الرابع والعشرون # ودق جرس التلفون بمنزلي في مصر الجديدة وأنا قاض بمحكمة الأزبكية سنة 1926، وإذا المتكلم ~~صديقي الدكتور طه حسين يطلب إلي ms125 مقابلته، وذهبت لمقابلته فإذا هو يعرض على أن أكون مدرسا ~~بكلية الآداب، فترددت قليلا ثم قبلت، لنفوري من القضاء وحبي للتدريس، وذهبت إلى الكلية حيث ~~قصر الزعفران الآن، فوجدت شيئا جديدا علي، لا هو كالأزهر ولا هو كمدرسة القضاء. أساتذة ~~كأنهم عصبة أمم، هذا إنجليزي وهذا فرنسي وهذا بلجيكي وهذا ألماني وقليل من الأساتذة ~~المصريين، وليس فيهم معمم إلا أنا، وعميد الكلية بلجيكي، والطلبة أحرار، يحضرون الكلية أو ~~لا يحضرون، ويحضرون الدرس أو لا يحضرون. وأقسام الكلية متشعبة: قسم للفلسفة يتزعمه ~~الفرنسيون، وقسم للإنجليزية يتزعمه الإنجليز، وقسم للغات القديمة، وقسم للجغرافيا، وآخر ~~للتاريخ ... الطلبة موزعون على الأقسام، ومن الطلبة عدد كبير يقضي سنة في كلية الآداب إعدادا ~~لكلية الحقوق، وقد قضيت زمنا حتى أفهم كل ذلك، وأحسست أن الجو مبعثر، ليس هناك ارتباط وثيق ~~بين الطلبة بعضهم وبعض ولا الأساتذة بعضهم وبعض، لا كالذي كنت أرى في مدرسة القضاء، وأن ~~الدراسة كالحرب المائعة؛ فتبعثر الأقسام في الدراسة وتبعثر الأساتذة في الجنسية جعل نسيج ~~الكلية مهلهلا، وأقرب معنى حدث في نفسي أنني في أزهر بقبعة، ولذلك لم آلف هذه الأوضاع إلا ~~بعد عهد طويل. وصدمني أول أسبوع أنني أحسست حركة تذمر بين العميد البلجيكي والأساتذة لأسباب ~~لا أدريها، وجاءتني بعد ذلك عريضة موقع عليها من بعض المدرسين والأساتذة يعلنون فيها ثقتهم ~~بالعميد لميزاته وكفايته، فلم أشأ أن أوقع عليها لأن الثقة إنما تبنى على المعرفة وأنا لم ~~أعرفه - وإدارة الكلية في يد مجلس لها، ولست عضوا في المجلس إذ لا يكون عضوا إلا أستاذ أو ~~مساعد أستاذ، أما مدرس مثلي فلا، فكان امتناعي عن التوقيع سببا في امتعاض العميد مني ~~وتقديره لي معا، وأخذت أهيئ نفسي للبيئة الجديدة على مضض حتى فهمت الأوضاع واستقامت ~~الأمور. وكان الطلبة كلهم ذكورا ليس فيهم فتاة. وشاهدت مرة ثلاث بنات في قسم الفرنسية علمت ~~أنهن نصف مصريات، أبوهن طبيب مصري كبير # 1 # وأمهن ألمانية، فساءلت نفسي: هل أعيش حتى أرى طالبات مصريات صميمات في ~~الكلية؟..! ms126 ولكن الزمن كان أسرع مما توقعت، فامتلأت الكلية بالبنات بعد قليل. # ها أنذا أطلق كتب الفقه، وأعود إلى كتب اللغة والأدب والنحو، ودرست في أول سنة درسين: ~~درسا أقرأ فيه الكامل للمبرد ودرسا أقرأ فيه البلاغة. ومن قديم لم تعجبني البلاغة ~~العربية، فبحثت في المكتبة الإنجليزية عن كتب في البلاغة فأنا أقرؤها وأقارن بينها وبين ما ~~كتب في البلاغة العربية وأختار خيرهما وأوفق بين مصطلحاتهما، وأكثر ما كنت أكره الدراسة في ~~الفصول الكبيرة العدد لطلبة كلية الحقوق فأشعر إذ ذاك أني أدرس في الهواء لا رابطة بيني ~~وبين الطلبة، ولا أستطيع الإشراف عليهم إشرافا جديا، ولا أتبادل معهم عواطفهم ولا أحسن ~~توجيههم لكثرة عددهم، ولهذا تخلصت من هذا الدرس أسرع ما يمكن وجهدت أن أدرس في فصول محصورة ~~لعدد محصور. # وقبل بدء الدراسة في السنة التالية دارت مناقشة طويلة بيني وبين صديق لي أستاذ في كلية ~~الحقوق. # 2 # قال يوما: لماذا تصر على لبس العمامة؟ والعمامة رمز لرجل الدين ولست الآن رجل ~~دين. إنما أنت تعلم اللغة العربية والأدب العربي كما يعلم الفرنسي اللغة الفرنسية والأدب ~~الفرنسي، وهذه أمور مدنية لا دينية، ثم إن لبسك العمامة في وسط كله برانيط وطرابيش يجعلك ~~غريبا في بيئتك إلخ ما قال. وقد فكرت في الأمر طويلا فهذا الذي قال حق، ولكن إلف العمامة ~~وإلف الناس لي معمما أخجلني من التغيير، فما زال يلح علي وما زلت أطيل التفكير حتى ملت إلى ~~رأيه. وشجعني على هذا ما كنت ألاقيه في لبسي العمامة من عناء، فعامة الناس في مصر، ولاسيما ~~في المدن، يجلون العمامة ظاهرا ولا يجلونها باطنا، ويوقرون الطربوش غالبا ويستخفون ~~بالعمامة غالبا. ويتغلغل في نفوسهم مبدأ مقرر، وهو أن صاحب الطربوش يحترم إلا إذا ظهر عكس ~~ذلك. وصاحب العمامة يحتقر إلا إذا ظهر عكس ذلك، وكم حدث لي من فصول كرهت من أجلها العمامة؛ ~~ذهبت إلى فندق مرة فقال لي صاحبه ليس عندي مكان خال، وإذا بمطربش يأتي بعدي فيخلق له ~~المكان، وأذهب ms127 مرة إلى مكتب البريد فأقف أنا ومطربش أمام الشباك وقد أتى المطربش بعدي، ~~فيقدمه رجل البريد علي ويجيب طلبه فأثور وأطالبه بالعمل بالترتيب. وأتهيأ مرة لركوب الدرجة ~~الأولى في الترام فيقول لي الكمساري: تعال هنا - مشيرا إلى الدرجة الثانية - فتلك الدرجة ~~الأولى. وأذهب مرة إلى كازينو في ضاحية من ضواحي الإسكندرية ومعي صديق مطربش فيسمح له ~~بالدخول وأمنع فأعود معه مكتئبا خجولا، وهكذا وهكذا. كل هذا رجح عندي رأي صديقي فذهبت إلى ~~الخياط وفصلت بدلتين وشريت طربوشا. وعدت إلى هذا النوع من اللباس بعد سبع وعشرين سنة منذ ~~كنت تلميذا في مدرسة أم عباس. # وقد كنت نسيت رباط الرقبة كيف يكون، فكنت ألجأ إلى من يربطه لي إلى أن تعلمته، وانتهزت ~~فرصة افتتاح الدراسة في العام الجديد يربطه لي إلى أن تعلمته، وانتهزت فرصة افتتاح الدراسة ~~في العام الجديد فذهبت مطربشا وكنت أتعثر في مشيتي في الشارع وفي الكلية خجلا من الناس، ~~ومنهم من يستحسن ومنهم من يستهجن. # وقالت لي سيدة إنجليزية زوج صديق لي: إني كنت أفضل لبسك العمامة. فقلت لها: لك الحق وإنما ~~تفضلين العمامة على النمط الذي تفضلين به الطرف القديمة في خان الخليلي على مخازن البيع في ~~شارع فؤاد. وعلى كل حال كنت بذلك أكثر اندماجا في الوسط الجامعي وأشد انسجاما. # وتعلمت من هذا الوسط أن ميزة الجامعة عن المدرسة هي البحث، فالمدرسة تعلم ما في الكتب ~~والجامعة تقرأ الكتب لتستخرج منها جديدا، والمدرسة تعلم آخر ما وصل إليه العلم والجامعة ~~تحاول أن تكتشف المجهول من العلم، فهي تنقد ما وصل إليه العلم وتعدله وتحل جديدا محل قديم، ~~وتهدم رأيا وتبني مكانه رأيا، وهكذا؛ هذه وظيفتها الأولى والأخيرة، فإن لم تقم بها كانت ~~مدرسة لا جامعة. هذا ما فهمته في السنة الأولى من تدريسي في الجامعة - فهمته مما سمعته عن ~~أساتذة من الأجانب قاموا ببحوث مختلفة جديدة كل في فرعه، ومن مخالطتي في الجامعة لبعض ~~المستشرقين أتعرف منهم ما يعملون، ومن قليل من الأساتذة المصريين يتبعون ms128 خطتهم ويسيرون على ~~منهجهم؛ لذلك بدأت في هذه السنة أجرب حظي في البحث، فاخترت درسا من الدروس أبحث فيه عن ~~المعاجم اللغوية: وكيف تكونت أول مرة، وطريقتها في جمع الكلمات، وتطورها في العصور المختلفة ~~وتغير أساليبها على تعاقب العصور، والأخطاء التي وقعت فيها وحاجتنا إلى معجم جديد وما ينبغي ~~أن يكون عليه هذا المعجم، وأخذت في ذلك سنة كاملة كانت بدء تجربتي في البحث، أعقبها بحث آخر ~~قصير في عكاظ والمربد وتصويرهما حسبما جاء في الكتب وأثرهما في اللغة والأدب. # وكان ذلك تمهيدا لمشروع واسع في البحث وضعناه نحن الثلاثة الدكتور طه حسين والأستاذ عبد ~~الحميد العبادي وأنا، خلاصته أن ندرس الحياة الإسلامية من نواحيها الثلاث في العصور ~~المتعاقبة من أول ظهور الإسلام، فيختص الدكتور طه بالحياة الأدبية والأستاذ العبادي بالحياة ~~التاريخية وأختص أنا بالحياة العقلية. فأخذت أحضر الجزء الأول الذي سمي بعد «فجر الإسلام»، ~~وصرفت فيه ما يقرب من سنتين فرسمت منهجه ورتبت موضوعاته، وكنت إذا وصلت إلى موضوع أجمع ~~مظانه في الكتب، وأقرأ فيه ما كتب على الموضوع وأمعن النظر، ثم أكتبه مستدلا بالنصوص التي ~~عثرت عليها حتى أفرغ منه، وأنتقل إلى الموضوع الذي بعده وهكذا. وكانت أكثر الأوقات فائدة ~~الإجازة الطويلة التي تبلغ أكثر من خمسة أشهر، إذ كنت أجمع الكتب التي يظن أنها تبحث في ~~الموضوع وأحملها على دفعتين أو ثلاث إلى مائدة وضعتها في حديقتي خلف بيتي في مصر الجديدة، ~~وأبدأ العمل في الساعة الثامنة صباحا وأجلس على كرسي أمام الكتب أقلبها وأستخرج نصوصها ~~وأستخلص من كل ذلك ما أكتبه إلى الساعة الواحدة، جلسة واحدة أنسى فيها نفسي وأنسى كل شيء ~~حولي، وهكذا أفعل في أيام العمل التي لا يكون علي فيها دروس في الجامعة حتى ينتهي الجزء. ~~وقد تم هذا الجزء الأول من فجر الإسلام في آخر سنة 1928، ولقد لقيت من حسن استقبال الناس ~~لهذا الجزء وتقديرهم له واهتمامهم به نقدا وتقريظا ما شجعني على المضي في هذه السلسلة، ~~وقد عاقت زميلي عوائق عن ms129 إخراج نصيبهما، فاستمررت أنا في إخراج ضحى الإسلام، في ثلاثة أجزاء ~~وترقيت في منهج التأليف في ضحى الإسلام، فقد رتبت موضوعاته التي تستغرق ثلاثة أجزاء وأحضرت ~~ملفات كتبت على كل ملف اسم الموضوع، ملف عليه اسم المعتزلة وآخر الخوارج، وثالث أثر الجواري ~~في الأدب، ورابع الثقافة الهندية.. إلخ. ثم أحضرت أمهات الكتب التي تبحث في هذه الموضوعات ~~كالأغاني والحيوان للجاحظ وكتب ابن قتيبة ورسائل الجاحظ وكتب ابن المقفع ونحو ذلك أقرؤها ~~كلها فإذا وصلت إلى نص يتعلق بالمعتزلة كتبت في ورقة صغيرة مغزى النص ورقم الصفحة في الكتاب ~~ووضعتها في ملف الموضوع، وهكذا حتى أفرغ من هذه الكتب كلها، وهذا دور التحضير، فإذا جاء دور ~~الكتابة استخرجت ملف الموضوع وأعدت النظر في الجذاذات ورتبتها حسب الترتيب المنطقي وفكرت ~~فيها وبدأت أكتب، وكلما عنت فكرة جديدة رجعت إليها في مظانها، حتى ينتهي الموضوع، فأنتقل ~~إلى ما بعده وهكذا، وعلى هذا النمط أخرجت الجزء الأول والثاني والثالث من ضحى الإسلام في ~~نحو سنتين. وهكذا تخصصت في (الإسلاميات). # وإلى جانب ما درسته في هذه الموضوعات درست بعض الكتب الأدبية كطبقات ابن سلام. وطبقات ~~الشعراء لابن قتيبة. # وعلى أثر قراءتي كتابا في اللغة الإنجليزية في النقد الأدبي استحسنت الموضوع وفكرت في ~~تدريسه، أستعين على ذلك بما وقع في يدي من الكتب الإنجليزية وما أعرفه مما كتب في اللغة ~~العربية كالموازنة بين أبي تمام والبحتري، والوساطة بين المتنبي وخصومه، ونقد الشعر ونقد ~~النثر لقدامة، وظللت سنين أدرس هذا الموضوع وأكتب فيه مذكرات وكانت هذه أول دروس باللغة ~~العربية للنقد الأدبي في كلية الآداب. # | الفصل الخامس والعشرون # هيأت لي الجامعة فرصة جميلة لرحلات خارج القطر، وقد كاد ينقضي شبابي ولم أبرح القاهرة إلا ~~حين عينت مدرسا بطنطا والإسكندرية، وحين عينت قاضيا في الواحات الخارجة، أما الرحلة خارج ~~مصر فلم تخطر لي على بال، وما كننت أظن أن الزمن سيسمح بها. وقد هيئت لي مرة فرصة السفر إلى ~~باريس، وذلك أن أحد باشوات القاهرة وأغنيائها أراد أن ms130 يرسل ابنه إلى باريس ليتعلم هناك، ~~وأراد ألا ينسى ابنه اللغة العربية، فعرض علي أن أصحب ابنه وأقيم معه وأعلمه اللغة العربية ~~وأدرس أنا اللغة الفرنسية فالقانون، وأعجبتني الفكرة ولكنها زهرة محفوفة بشوك، فمن الثقيل ~~على نفسي جدا أن أكون موظفا عند باشا ونفقتي عليه، وابنه سيدي يستدعيني للدرس إذا شاء ~~ويهجرني إذا شاء. ومع ذلك استشرت عاطف بك في الأمر ففضل الرفض فرفضت، واختير غيري لهذا ~~العمل فدرس القانون ورجع محاميا في المحكمة الشرعية والمختلطة، ولو قبلت لتغير وجه ~~حياتي. # على كل حال لم تتح لي فرصة السفر خارج مصر إلا سنة 1928، وأنا مدرس بكلية الآداب، ففي يوم ~~استدعاني أستاذي لطفي السيد مدير الجامعة، وقال: إن البرنس يوسف كمال يود البحث في مكتبات ~~الآستانة عن كتب جغرافية قديمة وبخاصة كتاب بطليموس في الجغرافيا، وأنه طلب مني أن أختار له ~~اثنين فوقع اختياري عليك وعلى الأستاذ عبد الحميد العبادي - فترددت بعض الشيء وعاودتني فكرة ~~التوظف عند الباشا، ولكن لطفي بك هون على الأمر، إذ أخبرني أنه قال للبرنس إنه يرحب بالفكرة ~~ولكن يرجوه ألا يجرح شعور الأستاذين بإعطائهما أجرا على عملهما العلمي وإنما أجرة السفر ~~وما إليها - فقبلت. # وشجعني على القبول أني منذ الصغر أسمع عن إستانبول وعظمتها وأبهتها. ولها صورة عظيمة فخمة ~~في نفسي، فكل حين يذهب الخديو عباس إلى إستانبول ويعود من إستانبول، وأعيان مصر يفخرون ~~بسفرهم إلى إستانبول، وشوقي في شعره يشيد بذكرها. ناهيك عن الباب العالي والقصر الشاهاني ~~والبسفور وبحر مرمرة والسلطان عبد الحميد في قصر يلدز ونحو ذلك - كل هذا شوقني إلى ~~رؤيتها. # أضف إلى ذلك ما وصل إلينا حديثا من ثورة مصطفى كمال وقلبه النظام الاجتماعي رأسا على ~~عقب وما كان له من أثر، فكنت أسمع ذلك وأشتاق إلى معرفة كنه هذا الانقلاب ومداه ~~وصلاحيته. # هذا إلى ما أعتقده في الرحلات من فوائد، فأنا أرى أن الشيء لا تمكن معرفته معرفة حقة إلا ~~بالمقارنة، فالأبيض إنما يعرف بياضه بمقارنته بالأسود والأخضر والأصفر، والأمة لا ms131 يعرف أنها ~~متأخرة إلا بقياسها بأخرى متقدمة، والنظام لا يعرف أنه فاسد إلا إذا عرف أو على الأقل تخيل ~~بجانبه نظام صالح، وهكذا.. فما دمت في مصر ولم أر غيرها لم أستطع الحكم الصحيح عليه إلا عن ~~طريق الكتب، وهي أقل جدوى من المشاهدة. # وما أكثر من رأيت من الشبان يركبون البحر ويعودون إلينا ممتلئين إعجابا بما رأوا من ~~مدنية وحضارة وعلم ومناظر طبيعية، ويملئون أفواههم بالكلام عما شاهدوا، والإعجاب بما رأوا، ~~والاحتقار لما يرون في مصر، فإلى أي حد صدقت نظرتهم وإلى أي حد صح حكمهم؟ هذا ما لا أستطيعه ~~إلا إن رأيت ما رأوا؛ وكم قرأت من كتب في الرحلات، ولكن الرحلة إذا تحولت إلى كتاب ذهبت ~~حياتها وقل خيرها وأصبحت عقلا لا قلبا، ومعلومات لا إحساسات والرحلة الحقة ما جددت النفس ~~وأحيت القلب. # وقد مكثت في رحلتي هذه إلى الآستانة أربعين يوما. أخذنا الباخرة «رشيد» يوم السبت 2 ~~يونيه (حزيران) سنة 1928، وقد اعتزمت من يوم أن سافرت أن أدون لي مذكرات يومية، فكنت أسجل ~~قبل أن أنام ما فعلته كل يوم مؤرخا بتاريخه، ولا أطيل على القارئ بذكر هذه اليوميات إلا ~~على سبيل المثال. # لم أر البحر قبل إلا من شاطئ، أما داخله وعظمته وتقلباته فلم أرها إلا اليوم - رأيت البحر ~~عظيما جميلا أنيسا في النهار، ورأيته جليلا مهيبا موحشا في الليل، ورأيتني أشعر نحوه ~~بذلة أليمة أو ألم لذيذ، كشأني عند رؤية أي منظر طبيعي جليل، كغروب شمس أو جبل ضخم أو أمام ~~السماء في ليلة تلمع نجومها. ولعل سبب اللذة ما أشعر به في هذه المناظر من جمال، ولعل سبب ~~الألم ما أشعر به نحو نفسي أمام هذه المظاهر من ضعة. # كأن البحر استدرجنا، فهو في اليومين الأولين هادئ وديع، فلما ألفناه كشر لنا عن أنيابه ~~وهاج في اليوم الثالث فأصابني دوار وما يتبع الدوار. وأطلت الرقاد في سريري خاضعا مستسلما، ~~وفي اليوم الثالث نزلنا أزمير وأخذنا سيارة تجولنا في شوارعها مع بعض ركاب السفينة، ms132 وفي ~~اليوم الرابع وصلنا إلى الآستانة. # تجولنا في أنحائها، وسكنا في بيت من بيوتها، وصدمت في أول الأمر عند رؤيتها فلم أجد لها ~~من الجلال والروعة ما سبق أن رسمه الخيال، إنما أيقنت بجمالها وروعتها لما شاهدت ضواحيها، ~~وركبت البحر إلى أطرافها. وأعجبني في الأتراك خلقان لطيفان: نظافتهم وهدوءهم. فأما النظافة ~~فقد تدخل بيت الفقير الذي يعيش أكثر أيامه على البقول الجافة فتراه قد فرش فرشا بسيطا ~~ولكنه نظيف، وقد تفرش الحجرة بالحصير. ولكن لا يسمح التركي لنفسه ولا لضيفه أن يدوس بنعله. ~~وقد ركبنا القطارات والترام وأكلنا في مطاعم المدينة على اختلاف أنواعها من الدرجة الأولى ~~إلى الرابعة، وجلسنا في مقاهي الصناع والحمالين فما وجدنا في كل ذلك إلا نظافة يحمدون ~~عليها. وأما هدوؤهم فقد أمضينا أربعين يوما لم نجد فيها نزاعا في شارع أو خصاما في ترام. ~~وتدخل المقهى مملوءا بالناس، فإذا أغمضت عينيك حسبت أن ليس به أحد، فهم في الحق كما يقولون ~~في هذين الأمرين إنجليز الشرق. ولعل ما لفت نظري إلى هذين الخلقين سوؤهم في مصر، فعنايتنا ~~بالنظافة ضعيفة، وإذا رتبت الأمم في النظافة لم نجد أنفسنا في أعلى القائمة ولا أوسطها، ~~ويفوقنا فيها من الشرقيين اللبنانيون والسوريون وكذلك الشأن في الهدوء، فبلدنا حرمت هذا ~~الهدوء في القهوة وفي الشارع وفي الترام وفي كل مجتمع حتى في البيت. # رأيت مذكراتي مملوءة بالذهاب كل يوم صباحا أو صباحا ومساء إلى مكتبات الآستانة، وقد كان ~~هذا عملنا الرسمي في الرحلة وما أثقل الرسميات! إنها عمل آلي لا دخل للقلب فيها وإن استفدنا ~~كثيرا منها، فقد قلبنا الكتب وتغلغلنا في المكتبات وفتحت لنا منها ما لم تفتح لغيرنا، ~~ودونا أسماء الكتب القيمة التي عثرنا عليها ووصفناها وقيدنا أرقامها، ولما عدنا إلى مصر ~~قابلناها بما في دار الكتب واستبعدنا الموجود وكتبنا تقريرا بما عثرنا عليه من جديد، ~~وأودعنا منه نسخة في دار الكتب لتستفيد منه وقدمنا نسخة أخرى لسمو الأمير صاحب الفضل على ~~الرحلة ولكن ليست هذه هي الرحلة ms133 فلا أطيل على القارئ بتفصيلها. # إنما كان أهم ما في الرحلة يوم نخرج لا لغاية، ونتجول في الشوارع لا لغرض، ونزور القرى ~~والضواحي ليتفتح قلبنا، ونرى الناس غادين رائحين ونحن مندمجون فيهم لا نعرف أحدا ولا ~~يعرفنا أحد، فيعجبنا منظر نقف عنده ما شئنا ونسير حتى نتعب ونركب حتى نمل ونخزن في أنفسنا ~~ما نعي وما لا نعي. وقد نسمع كلمة عابرة من رجل تدلنا على الشيء الكثير. # زرنا مرة مسجد السلطان أحمد وهو مسجد كبير عظيم، وقابلنا بوابه فوقف يرثي لحاله وحال ~~الدين في العهد الجديد ويقول بلسانه التركي: بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما كان. يقولها ~~ويلتفت عن يمينه ويساره خوفا من أن يسمعه احد. # ورأيت شخصيات أعجبتني - رأيت رجلين ألمانيين مستشرقين # 1 # يعيشان للكتب العربية وللعمل العربي، لا لذة لهما إلا هذا في الدنيا، صباحهما ~~في المكاتب ومساوئهما على مكتبيهما يقرآن ويصححان. أحدهما يحضر بحثا في المقامات # 2 # فيجمع المقامات التي كتبت من عهد البديع إلى اليوم، ويصنفها ويتفهمها ويعلق ~~عليها. والثاني # 3 # مشغوف بكتب المذاهب الدينية، فهو ينشر كتابا لأبي الحسن الأشعري # 4 # ويرى فيه الأمرين في تصحيح جمله وتفهمهما، ويعرض علينا ما يقف فيه، فنطيل النظر ~~لتفهم العبارة. وقد نوفق وقد لا نوفق، وكل منهما صبور أشد الصبر، يتعبد بعمله كما يتعبد ~~الراهب في صومعته. # وهذا «إسماعيل أفندي صائب» # 5 # رجل مسن وقور طيب القلب يعرف كل ما في مكتبات الآستانة من كتب. وما هو قيم وما ~~هو ليس بقيم، ويقف نفسه لخدمة كل من أراد منه علما بهذا الموضوع. زاهد في الدنيا راض ~~بالقليل، عرض عليه أن يكون أستاذا للأدب العربي في جامعة إستانبول بمرتب كبير فرفض لأن هذا ~~المنصب مدني يضطر صاحبه في العهد الجديد أن يلبس البدلة والقبعة، وهو حريص جد الحرص على أن ~~يكون شيخا معمما، والعمامة لا يسمح بها إلا لرجل له عمل ديني رسمي، فهو يفضل العمل الديني ~~القليل الأجر على العمل المدني الكبير الأجر. # وهذا الشيخ «رشيد الحواصلي» سوري ms134 الأصل عاش في الآستانة زمنا طويلا؛ وصاحب السيد جمال ~~الدين يوم كان فيها وسمع الكثير من أحاديثه، ورأى الآستانة في عهدها القديم وعهدها الجديد، ~~وعرك الدهر وعركه الدهر، وهو إلى جانب ذلك تاجر في الكتب ماهر، يعرف كيف يبيع وكيف يشتري ~~وكيف ينتهز الفرص - وجدناه فرصة لنا نعرف منه أحوال الآستانة قديمها وحديثها والانقلاب ~~الحديث وموقعه في نفوس الناس، إلى آخر ما عرفنا من شخصيات. # خير أوقاتنا ما نخرج فيه من الآستانة إلى الضواحي، فيوما نركب وابور البحر في البسفور ~~إلى شرشر صو، وكانت رحلة ممتعة رأينا فيها جمال البسفور وما حوله، والمساكن منتثرة في ~~الجبال المزروعة على شكل مدرج، والجبال مكسوة بالأشجار، أشجار الكريز، والبندق، والجوز، ~~وعيون الماء تنبع فيه فيخرج منها ماء بارد عذب زلال لذة للشاربين، وفي الطريق بلاد يمر ~~عليها وابور البحر، فيقف عندها، فنجد سوقا نظيفا فيه ما يحتاج الإنسان من فاكهة نظيفة ~~وفطائر وبقول ونحو ذلك. # الأطفال الصغار والرجال الكبار في غاية النظافة، وأكثر المبيعات تعرض من الداخل، فالجزار ~~مثلا لحمه في داخل دكانه. # ومرة ركبنا باخرة إلى جزيرة الأمراء؛ وهي جزر ثلاث، ذهبنا إلى أكبرها، وهي جبل مدرج يحيط ~~به الماء كسي بالأشجار والنبات، بنى الناس فيه مساكن ظريفة على البحر، وقد صعدناه إلى قمته ~~وتغدينا هناك، ومتعنا نفوسنا بالمنظر الجميل والجو الجميل. # والأتراك حريصون على أن يقضوا يوم الجمعة في الضواحي إذ هو يوم العطلة الرسمية، تغلق فيه ~~الحوانيت وتعطل الأعمال، فيخرجون زرافات ووحدانا إلى المنازه ومعهم أكلهم، وقد يكون معهم ~~موسيقاهم، مرحين مبتهجين. ومرة خرجنا والجو صحو جميل، فلما وصلنا إلى ضاحية من الضواحي ~~أمطرت السماء مطرا غزيرا على المتنزهين، فجروا كل يبحث عن ملجأ يلجأ إليه، وهم يتضاحكون ~~مستبشرين يسخرون من الجو الذي سخر بهم، ويضحكون من السماء التي تضحك منهم، فكان يوما جميلا ~~ومنظرا رائعا. # والنساء فتن بالحرية الجديدة والسفور الجديد، فهن يمرحن ويبالغن في المرح، والفتيات يرقصن ~~حتى في الشارع، ويغنين في المقاهي، وكأنهن سجناء خرجن من سجنهن ms135 بعد طول العذاب، ورأين أهلن ~~بعد طول الغياب، إلى آخر ما رأينا من مناظر طبيعية وغير طبيعية، وفنية وغير فنية. # ومن خير المصادفات أن رأيت في الآستانة «علي بك فوزي» أستاذنا القديم في مدرسة القضاء، ~~وكان قد استقال من منصبه الحكومي، وخرج من مصر لأنه لم يطق أن يرى الجندي الإنجليزي يحتل ~~بلاده، والجرسون اليوناني في القهوة يتمتع بامتيازات لا يتمتع هو بها، فخرج من وطنه هاربا، ~~وطوف بالبلاد وحط رحاله في الآستانة، يقنع بخمسة وعشرين جنيها معاشا له، يصرف أقلها على ~~نفسه وأكثرها على الفقراء من حوله. ظللت أبحث عنه في الآستانة طويلا حتى وجدته، فوجدت ~~لقيتي، لأني أعلم أنه أقدر الناس على أن يشرح لي الانقلاب الحديث في تركيا ونتائجه وما فيه ~~من خير وشر. # لقد أعلم أن قد حدثت في تركيا انقلابات اجتماعية خطيرة تثير اهتمامنا، لأن تركيا أول بلد ~~إسلامي نزعت هذا المنزع وجربت هذه التجارب؛ فقد خلعت الخليفة وألغت الخلافة. وحرمت الخليفة ~~المخلوع وأفراد أسرته وأصهارهم من الإقامة في الجمهورية التركية، وحولت الخلافة إلى ~~جمهورية، وحولت كثيرا من أملاكهم ومباني القصور وملحقاتها إلى الأمة، وذهب العقلاء في ذلك ~~مذاهب شتى، منهم من يحبذ هذا العمل ومنهم من ينقده. # وألغت وزارة الأوقاف، وجعلت تدبيرها لرئيس الأمور الدينية وهيئة علمية استشارية بجانبه، ~~وألغت المحاكم الشرعية، ووحدت القضاء. # وألغت المدارس الدينية ووحدت المدارس، وقد كانت المدارس الدينية كثيرة منتشرة متنوعة في ~~البلاد، وكان بعضها يتبع وزارة الأوقاف وبعضها يتبع وزارة الشئون الشرعية، فجعلتها كلها ~~تابعة لوزارة المعارف، تعلم تعليما مدنيا واحدا، ومن شاء أن يعلم ابنه تعليما دينيا فليتكفل ~~بذلك على نفقته، وقصرت التعليم الديني على كلية اللاهوت التي تتبع الجامعة، وهذه هي التي ~~تخرج رجال الدين. # وألغت الطرق الصوفية وأغلقت الزوايا والتكايا، وحرمت الألقاب الصوفية من درويش ومريد ~~وأستاذ وسيد وشلبي ونقيب.. إلخ، وحرمت العرافة والسحر والتنجيم وكتابة التعاويذ والأحجبة ~~وأعمال كشف الغيب والإخبار بالمستقبل، وعاقبت كل من يثبت عليه شيء من هذا بالحبس مدة لا تقل ms136 ~~عن ثلاثة أشهر وبغرامة لا تقل عن خمسين ليرة، وحولت الزوايا والتكايا إلى مدارس ~~مدنية. # وحددت الزي الديني فلم تسمح به إلا لطائفة خاصة، كرئيس الأمور الدينية والأئمة والخطباء ~~والوعاظ المعينين من قبل رئيس الأمور الدينية، أما من عداهم فيحرم عليهم لبس العمامة ~~والتزيي بزي رجال الدين. وحددت يوم الجمعة يوم عطلة إجبارية # 6 # تعطل فيه المصانع والمخازن والمتاجر ونحو ذلك. ومن لم يفعل يعاقب، واستثنت من ~~ذلك الأفران والجزارين وبائعي الخضر والدخان والصيدليات وبعض المؤسسات وألغت التقويم العربي ~~وحتمت التقويم الغربي. # ومنعت الإسراف في الجهاز والزواج فلا ينقل جهاز علانية. ولا تقام أفراح أكثر من يوم واحد ~~ولا تقام مآدب عامة في الأفراح. وسنت قانونا مدنيا عممته بدل مجلة الأحكام الشرعية وبدل ~~الأحوال الشخصية اقتبسته من القوانين الأوروبية.. منعت فيه مثلا تعدد الزوجات وخولت لكل من ~~الزوجين الحق في رفع قضية الطلاق لأسباب معينة. # وحررت المرأة من حيث سفورها ومساواتها بالرجل، سياسيا واجتماعيا ومدنيا، وفتح لها مجال ~~الكسب والتوظف في الوظائف. ولم يكن السفور بقانون، وإنما كان دعوة دعا إليها مصطفى كمال ~~وألح فيها، فاستجابت المرأة إليه، أما مساواتها بالرجل اجتماعيا فقد شرعت في القانون ~~المدني، فسوي بينها وبين الرجل في الميراث، واعتبر الزواج شركة تتألف من جزءين متساويين. ~~وأخيرا شرع للمرأة مساواتها بالرجل في الحقوق السياسية، من إعطائها حق أن تنتخب وتنتخب. ~~وعني بتعليمها، وتوسع في ذلك توسع تعليم الذكور. وفصل الدين عن الدولة، فلم يستخدم الدين في ~~التشريع ولا في الحكم ولا في الإدارة ونحي رجال الدين عن أي تدخل في الشئون ~~الدنيوية. # وغيرت كتابة اللغة التركية من الحروف العربية إلى الحروف اللاتينية. # هذا أهم مظاهر الانقلاب الذي حدث في تركيا؛ والذي أردت أن أفهم أثره وأطيل التفكير به، ~~أيها يصلح لمصر وأيها لا يصلح، وهل تستطيع أن تسير في هذا الإصلاح إلى آخر الخطوات أم ~~لا؟ # ولأعرض الآن بعض مذكراتي اليومية التي كتبتها: # الاثنين 18 يونيه سنة 1928 # ذهبنا صباحا إلى طوب قبو سراي وبحثنا في ms137 مكتبتها وعثرنا فيها على كتب قيمة، وفي ~~المساء قابلنا علي بك فوزي ومكثنا معه نحو ثلاث ساعات تحدثنا فيها في شئون ~~مختلفة. # سألته عن الحالة الاجتماعية في تركيا، فقال: يجب أن ترقبوا التطور الحادث في تركيا ~~مراقبة دقيقة، فمصر مرتبطة بتركيا ارتباطا كبيرا من الناحية الاجتماعية، وكثير من ~~عادات المصريين وتقاليدهم مأخوذة عن تركيا، فإذا تغيرت تركيا يوشك أن تتغير مصر، أضف ~~إلى ذلك أن الآستانة هي البوغاز الذي تمر منه المدنية الغربية إلى مصر. ورأيي أن التيار ~~الغربي لا يمكن مقاومته، فخير أن نستعد للسير معه قبل أن يجرفنا رغم أنوفنا. # إن أكبر مظهر للانقلاب التركي هو السفور، وقد أفاد الأمة التركية من حيث إصلاح ~~الزواج، فكل من الزوجين يرى صاحبه ويأنس به قبل عقد الزواج، ثم إن السفور مكن المرأة من ~~معرفة كثير من شئون الدنيا وكانت تجهلها. والسفور في صالح المرأة فالحجاب كان يحيط ~~المرأة بهالة تمكن الرجل من الإمعان والتخيلات والجري وراء التصورات، ولذلك كثر الغزل ~~في الأدب العربي وأمعن الغزلون في التخيلات. # وسألته عن القبعة فحبذها، وقال إنها أفضل من الطربوش للرأس والعين، وإنه يكره الطربوش ~~ولا يحس له طعما، وحبذ تقليم الحكومة لأظفار رجال الدين لأنهم كانوا نصراء الرجعية ~~وأداة في يد السلاطين الظالمين، ينكلون بالأمة بواسطتهم، وكان سلطانهم كبيرا على ~~الناس، وقد استخدموا هذا السلطان في غير مصلحة الأمة، وقال إنه كان يندس بين رجال الدين ~~من لا يتصلون بالدين، وكثير من الناس كانوا يلبسون العمامة ويغرون بها الناس، فالمتسول ~~والمنجم وكاتب الأحجبة والدجال كل هؤلاء كانوا يلبسون العمامة ويتزيون زي رجال الدين، ~~فما فعلته الحكومة التركية من تحريم لبس العمامة إلا لرجال الدين الرسميين عمل نافع قطع ~~دابر كثير من وسائل التخريف والتدجيل. ولابد لكل إصلاح من ضحايا، ولابد عند منح الحرية ~~أن يعقبها إفراط، فالتشديد على رجال الدين استتبع بعض أخطاء، وسفور المرأة استتبع بعض ~~الزلات، ولكن الزمن كفيل بإصلاح ذلك. # قال: ومن الإفراط في الثورة الدينية ما قرأته اليوم في ms138 بعض الجرائد التركية من دعوة ~~إلى تنظيم المساجد والصلاة تنظيما يتفق مع المدنية الحديثة، فالرجل يلبس الجزمة ويصعب ~~عليه خلعها والرجل يلبس القبعة ويصعب عليه أن يسجد بها. # قال: وقد دهش العالم الغربي من ثورة تركيا وتمام هذا الانقلاب الخطير من غير سفك دم، ~~وقال: إن كثيرا من الأوربيين نقموا على هذا الانقلاب لسببين: فبعضهم كرهه لأنه كان يعد ~~الأتراك في ملبسهم وعاداتهم وتقاليدهم متحفا يستمتع به ويذكره بالقرون الوسطى، وكثير ~~منهم كرهه لأنه سلبه الامتيازات التي كان يتمتع بها في العهد السابق. # سألته: هل يعتقد أن تركيا ستستمر في سيرها في طريقها نهضتها؟ فقال: إن كل الظواهر تدل ~~على ذلك، فالجيل الجديد يؤيد الحركة ويحافظ عليها، والناس جميعا أسعد حالا في ظل هذا ~~العهد منهم قبله. # وانتقلنا من هذه الأحاديث الاجتماعية إلى أحاديث شخصية فسألته: هل لا يزال يحن إلى ~~مصر؟ فقال: إن حنينه شديد، ولكنه يفضل الإقامة في تركيا، فقد جرب وفاء الأصدقاء فرأى في ~~مصر ما آلمه، وخير له أن يكون بعيدا فيقاطعوه من أن يكون قريبا منهم ويقاطعوه. قال: ~~وقد فضلت تركيا لأنه إسلامي مستقل، وفيه الصدر الرحب الشرقي، والأوربي - على العموم - ~~متقدم في المدنية ويفوقنا في كثير من الأمور ولكن فيه جانبا وحشيا - وقد عشت في ~~إنجلترا وفرنسا وألمانيا فلم أجد هذا الصدر الرحب الحنون الذي أشعر به في إقامتي في ~~تركيا، وإذا كنت في الآستانة فموطني الحي الشرقي منها وأكلي في مطعم شرقي، ولا أذهب إلى ~~الحي الأوربي إلا نادرا، ويسرني أن أكون في حي مملوء بالمآذن. # سألته: هل هو راض عن خطته التي اختطها في امتناعه عن الزواج؟ فقال: إنه آسف على هذه ~~الخطة، ويود لو عاد إلى الشباب فتزوج، فالزواج هو الذي يبعث الأمل في الحياة، وأنا الآن ~~- من غير زواج - في شيخوخة بائسة تنتظر الوفاة. # وانتقل الحديث إلى الأدب التركي، فقال: حبذا لو تعلمتم التركية لا لأن أدبها واسع ~~وأرقى من الآداب الأخرى الشرقية، ولكن لتروا كيف استخدم الأتراك لغتهم وأدبهم ms139 في إصلاح ~~شئونهم الاجتماعية والعقلية والنفسية - لا أمل في إصلاح مصر ما دام هناك لغة للعلم ولغة ~~للكلام، فإما أن ترقى لغة الكلام وإما أن تنحط لغة العلم حتى تتحدا، وحينئذ فقط يكون ~~التفكير الصحيح واللغة التي تستمد روحها من الحياة الواقعية. # الخميس 5 يوليو # قضينا الصباح في المكتبة السليمانية، وبعد الظهر زرنا فؤاد بك كوبرلي تلبية لدعوته في ~~منزله قرب مسجد السلطان أحمد. # بيت قديم عظيم يظهر أنه بيت الأسرة، في غاية النظافة والنظام، فرشت سلالمه بالسجاد ~~الفاخر، ووصلنا إلى حجرة كبيرة صففت في جوانبها دواليب الكتب على أجمل وضع، ووضعت في ~~وسطها مائدة كبيرة للمطالعة. # استقبلنا فيها فؤاد بك وهو شاب في نحو الثلاثين من عمره مملوء نشاطا وأدبا، يلمع في ~~عينه الذكاء، وقد كان يحضر موضوعا لمؤتمر المستشرقين. تحدثنا في جامعتنا وجامعتهم ~~والنشرات والكتب التي تنشرها الجماعتان، ثم تكلمنا عن المستشرقين وما يؤدونه من خدمة ~~للعلم لولا لعب السياسة بعقول بعضهم، وانتقلنا إلى الفرق الإسلامية وصعوبة الوصول فيها ~~إلى حقيقة، لأن الذين يكتبون فيها إما مؤيد غال، أو معارض غال وسألني: هل الإسلام شجع ~~الصوفية أو ناهضها؟ وكان من رأيي أنه شجعها. # وكنت أعلم أن فؤاد بك أحد دعاة الإصلاح الديني والاجتماعي القائم الآن في تركيا، ~~فأثرت هذا الموضوع مرتين لأعلم ما عنده وعند أصحابه من قواعد يبنون عليها إصلاحهم، فكان ~~في كل مرة يغلق هذا الباب في مهارة، وينقل الحديث إلى موضوع آخر. # الأحد 8 يوليو # ذهبنا صباحا إلى مكتبة «شهيد علي» فوجدنا المكتبة غنية بالكتب القيمة المخطوطة، ولكن ~~- مع الأسف - وجدنا الرطوبة قد أثرت فيها بشكل عرضها للتلف، وعلمنا أن سبب ذلك أنها ~~أغلقت أربع عشرة سنة لأن جاسوسا أخبر السلطان عبد الحميد أنه يجتمع قوم يتكلمون في ~~السياسة. # وكان أمين المكتبة أفغانيا فتحدثنا عن السيد جمال الدين الأفغاني واستفسرنا منه عن ~~موقع قبره في الآستانة، فأرشدنا إليه، فذهبنا عصرا إلى جهة يقال لها «متشكه»، وصلنا ~~إليها بالترام وتصل لها الباخرة أيضا لأنها قريبة من ms140 محطة «برجة السراي» قريبا من مدخل ~~البسفور. رأينا مقبرة قريبة من البحر تبلغ نحو خمسين مترا في مثلها، وقد سورت بسور له ~~باب، سألنا البواب عن مقبرة الشيخ جمال الدين فلم يعرف، ولكنه أحضر لنا شيخ المقبرة ~~فسألناه فدلنا على القبر. قبر عادي ليس فيه ضريح ولا حوله بناء، ويظهر أنهم عند دفنه ~~تعمدوا ألا يشيدوا بذكره، وأن يدفنوه كما يدفن أي رجل عادي، ولكن أخيرا وضع على القبر ~~تركيبة من الرخام حولها سور صغير من حديد وقرأنا على التركيبة اسم الشيخ جمال الدين ~~وتاريخ ولادته ووفاته، وفي ناحية أخرى سطران تركيان ترجمتهما: «أنشأ هذا المزار الصديق ~~الحميم للمسلمين في أنحاء العالم، الرجل الخير الأمريكاني المستر تشارلس كرين سنة ~~1926». # وقفنا عند قبر الأستاذ نستحضر حياته وثورته وجهاده وأنه أول من بذر نواة الإصلاح في ~~مصر، فتأثرت نفوسنا بذكراه وقرأنا له الفاتحة وترحمنا عليه وفارقناه ونفوسنا مملوءة ~~بالذكريات. # وقد كنا سألنا الشيخ الأفغاني - خازن مكتبة شهيد على - عن قبر عبد الله نديم فأخبرنا ~~أنه في جهة «بكطاش» ولكن لا يدري بالضبط موضع دفنه. # الخميس 12 يوليه # ذهبنا صباحا إلى القنصلية المصرية وودعنا من فيها، ثم ذهبنا إلى جامع بايزيد وتغدينا ~~في مطعم بجواره بدعوة من علي بك فوزي ثم ودعناه وداعا مؤثرا، فقد كان الرجل قد وجد ~~فينا أنسا من وحشته ورائحة من وطنه في غربته. فلما استأذناه في السفر قال: إنكم ~~تستأذنونني في فقد حياتي، فدمعت عيني سماع هذه الجملة. # والرجل - من غير شك - شخصية غريبة لم أر مثلها، يحب بلده مصر من صميم قلبه، ويحب ~~المسلمين ويرثي لحالهم، ويتدين تدينا مزيجا من قلبه وعقله، فهو يصوم مثلا على طريقة ~~خاصة، فيفطر على كوب من اللبن عند شروق الشمس، ولا يحرم عليه الماء، ويبقى على ذلك إلى ~~موعد الإفطار، فيفطر، ويعني بصيامه عدم كثرة الأكل، والامتناع عن أكل الأشياء الدسمة، ~~والامتناع عن الأقوال والأعمال المؤذية. # ومما دعاه إلى ذلك أنه كان يسكن في إستامبول، فوق جماعة من الإفرنج، يخشى إن ms141 هو تسحر ~~في رمضان أن يزعجهم بحركاته، فهو يصوم هذا الصيام الذي ذكرنا من غير سحور. # أهداني يوم وداعه مجلة إنجليزية كان يصدرها عنايت خان في سويسرة في التصوف، يدعو فيها ~~إلى التصوف العام من غير تقيد بتفاصيل دين خاص، ولذلك كان من أعضائها المسلم واليهودي ~~والنصراني. # وقد أخبرني علي بك فوزي أنه عرض عليه بعد وفاة عنايت خان أن يرأس هذه الجمعية فأبي، ~~لأنه لا يحب أن يتقيد بالتقاليد والشعائر على أي شكل كانت. # منشأ عذاب هذا الرجل وشقائه، رقة إحساسه ودقة شعوره إلى حد بالغ. # السبت 14 يوليو # ذهبنا عصرا إلى «يلدز» قصر السلطان عبد الحميد، وقد كان كعبة القاصدين وملعب ~~السياسيين ومخبأ الدساسين، تصدر عنه القرارات الهامة التي تحرك العالم الإسلامي وترسم ~~خططه وتقرر مصيره. يلتقي فيه دهاة الغرب بدهاة الشرق، بالدجالين والمخرفين، بالمصلحين ~~والمفسدين، وتسرح فيه الغانيات الجميلات والمماليك السود والبيض. # سراي كبيرة على البسفور، أقيم عليها من جانب البحر سور ويلي السور شارع وعلى جانبي ~~الشارع أقيمت أمكنة للحرس، ثم السراي. # كان دليلنا عبد الله أفندي رجلا سودانيا طويل القادمة، خدم في السراي أربعين سنة، وهو ~~يترحم على الأيام الماضية، أيام العز والمجد، ويأسف لضياعها وضياع الإسلام، سراي فخمة، ~~وحدائق لا يرى الطرف منتهاها؛ وتمشي من أولها صاعدا نحو ثلث ساعة حتى تصل إلى باب ~~البناء، هذا بناء أعد للضيفان والزائرين، رأينا منه حجرة كانت معدة لأكل الضيوف في عهد ~~السلطان، وهي حجرة بديعة في حليتها وجمال صنعتها، قد عريت من أثاثها فلم يبق فيها إلا ~~مرآة كبيرة، وأشار عبد الله أفندي إلى حجرة أخرى أكبر منها تسع أضعاف ما تسعه الأولى ~~ولكنها مغلقة، وأخبرنا أن كل أثاث السراي قد نقل، وأن بناء الحريم الذي كان يسكنه ~~السلطان قد احترق أيام الحرب. # ورأينا فسقية كبيرة في الحديقة قال لنا عبد الله أفندي؛ إنه منذ أيام قليلة زارنا ~~الخديو عباس، ووقف عند هذه الفسقية، وحكى لنا أنه حين ولي على مصر حضر إلى الآستانة ~~وجلس مع ms142 السلطان عبد الحميد بجوار هذه الفسقية هو وأمير بلغاريا، وإذ ذاك أنعم عليهما ~~السلطان، ثم ترحم على تلك الأيام، وظهر على وجهه الحزن والأسف، وهكذا الدنيا وهم خادع ~~وظل زائل. # الاثنين 16 يوليه # قررنا السفر والعودة إلى مصر، فأخذنا السيارة إلى الجمرك ومنه ركبنا السفينة واسمها ~~«الروضة» فكانت مدة إقامتنا بالآستانة نحو أربعين يوما. # فلأنظر نظرة عامة في الرحلة، أنفقنا نفقات كثيرة في الأيام الأولى، لأننا كنا نجهل ~~كيف نعيش، وكان يصحبنا دليل سوري أثقلنا بأحاديثه وتكاليفه فاستغنينا عنه. # كان جو الآستانة في الأربعين يوما جميلا، فلم نشعر فيه بحر القاهرة، بل كنا أحيانا ~~نشعر بالبرودة، ولكن حدثنا بعضهم أن الحر في هذه السنة كان خفيفا أقل من المعتاد، وفي ~~بعض السنين يكون شديدا لا يطاق في بعض الأيام. # وقد أفادتني هذه الرحلة اتساعا في أفقي، فأصبحت أنظر إلى مصر وحوادثها وشئونها من عل ~~وكأني في طيارة، وغلبتني وأنا في الآستانة العاطفة الدينية، لا من ناحية كثرة الصلاة ~~ونحوها، ولكن من ناحية الشعور القلبي. # أحسست عند مقارنتي لرفقائي في السفر أنني أكثرهم تحفظا وأقلهم مرحا وأشدهم حنينا ~~إلى أهلي ووطني، واعتزمت أن أنصف أهلي وولدي عند عودتي فأكون معهم ألطف وأعطف وأرق ~~وأحسن معاملة وأكثر مرحا. # فكرت أن أبحث عند عودتي مشروعا مفيدا وهو إنشاء مطبعة أنشر فيها خير الكتب القيمة ~~التي عثرت عليها في الآستانة فيكون عملا مربحا ماديا وأدبيا. # قلت في نفسي: إن الأربعين يوما التي قضيتها في الآستانة موضوع لرواية جيدة بل ~~روايات، ففيها المناظر وفيها الأشخاص، وفيها الأحداث ولا ينقصها شيء إلا المرأة ~~والتحرير الروائي. # لاحظت كثرة الشيب في رأسي، فبدأ شعوري بكبر سني، وزاد هذا الشعور ما كان يبدو على بعض ~~الشبان من تقديمي أمامهم في السير وإخلاء أماكنهم ليجلسوني، وكان كل هذا إكراما ~~لاذعا. # لتمنيت أن تنقلب السفينة طائرة. # وختمت هذه الرحلة بمأساة سماها أستاذنا علي بك فوزي لما علم بها «آية الكرسي»؛ ذلك ~~أنه قبل وصول الباخرة إلى الإسكندرية بيوم صعدت فوق ظهرها ms143 وأردت الجلوس على كرسي من ~~قماش من النوع المعروف الذي يقفل ويفتح، وكان كرسيا قديما فتحته وأخذت أجلس عليه ~~مستندا بيدي على خشبتيه الجانبيتين، فانفلتت خشبته الخلفية ووقعت إصبعي الخنصر من اليد ~~اليمني بين الخشبتين فانقطع طرفها العلوي وتدلت لحمته وسال دمه، وذهبت إلى طبيب الباخرة ~~فأعاد اللحمة المدلاة إلى مكانها وربطها ربطا محكما. واستثارت الحادثة عطف كل من كان ~~في الباخرة. ولما حضرت إلى مصر ذهبت إلى الجراح فأمر بالكشف بالأشعة على عظمة الإصبع ~~فوجدت والحمد لله سليمة، ولم يلتئم الجرح إلا بعد علاج طويل وقد ترك أثرا في إصبعي ~~بينا. # كتب على السفينة (الروضة) في 16 يوليو سنة 1928. # | الفصل السادس والعشرون # وانتهزنا فرصة إجازة نصف السنة، فدبرنا رحلة إلى الشام في خمسة عشر يوما والزمن شتاء ~~والبرد قارس، فخرجنا من مصر في ديسمبر سنة 1930 في رهط من الطلبة والأساتذة، وعهدت إلي ~~الكلية الإشراف على الرحلة، فها نحن نرحل من القاهرة إلى القنطرة ونعبر القنال، ونخترق ~~صحراء سيناء بالقطار ونمر على غزة ثم بعض المستعمرات الصهيونية؛ ونستمع إلى بعض الأحاديث عن ~~منشآتهم في مستعمراتهم، فنشعر الخوف من المستقبل، حتى نصل إلى محطة «اللد» فنستقل قطارا آخر ~~إلى بيت المقدس، وبين اللد والمقدس نستمتع بالمناظر الطبيعية من جبال ووديان نشأت - ولابد - ~~من ثورات أرضية عنيفة فعلت أفاعيلها القاسية فرفعت بعضها إلى أعلى وسميناه جبلا، وخفضت جزءا ~~آخر وسميناه وهدة أو واديا، وهي مناظر تملأ القلب روعة وهيبة، حتى نصل إلى المقدس فيستقبلنا ~~بعض علمائه وأدبائه، وعلى رأسهم المرحوم إسعاف بك النشاشيبي، ويبالغ في إكرامنا، ونلتقي ~~بالأستاذ السيد الحسيني مفتي فلسطين فيوحي إلي منظره بقوة إرادة وتصميم وعزم ونفس لا تهدأ ~~حتى تتسلط. وأنتهز الفرصة فأجتمع برؤساء بعض الأحزاب في فلسطين، فأستمع إلى أحاديثهم وأعرف ~~كيف يتنازعون على المصالح الشخصية لا على المبادئ العامة، فأرثي لحالهم وأتوقع من ذلك الشر ~~لبلادهم - ونزور بيت لحم، ونرى كيف تتنازع الطوائف المسيحية المختلفة على الأمكنة وكيف ~~يتقاسمونها شبرا فشبرا، فأعجب بسماحة الإسلام وعده ms144 الأرض كلها مصلى، والأرض كلها لله، ~~ونذهب إلى قرية الخليل ونزور مسجده ونعجب ببنائه الضخم ونرى فيه مظهرا من مظاهر البناء ~~الروماني وطابعا من طوابعه. # ونزور المسجد الأقصى فنعجب بفنائه، وننتقل إلى الصخرة ونقف تحت القبة العظيمة، وننظر إلى ~~الأبنية الجليلة التي بناها صلاح الدين. # ونرحل بعد ذلك إلى البحر الميت، ويقص علينا الدليل ما يحوي هذا البحر من ذخائر كيماوية ~~سيستغلها العلم الحديث، وينتفع بها مستخرجوها، ونعود هنا أيضا فنستشعر الخوف من الصهيونية ~~المقبلة. ونسير إلى أريحا، ونهر الشريعة، ونرى الجسر الذي يفصل بين فلسطين وشرق الأردن، ثم ~~نمر على نابلس ونصل بعدها إلى الناصرة بلد المسيح عليه السلام. ثم نصل إلى طبريا ونشعر ~~بالدفء الذي يطرد ما حزناه من برد، ونعجب بما حولها من جبال عالية تتفجر منها مياه حارة ~~أنشئت حولها حمامات. ثم نسير بعدها إلى دمشق، ونحن متطلعون إلى رؤيتها، نحمل ذكريات من ~~أحداثها من عهد أن كانت مركز الخلافة الإسلامية في عهد معاوية والخلفاء الأمويين من بعده، ~~ونتجول في أنحائها ونزور مصانعها ومساجدها ونخرج إلى ضواحيها ننعم بجمالها؛ ولكن كانت دمشق ~~وسورية كلها إذ ذاك في حوزة الفرنسيين، وهم يخشون من طلبة الجامعة وأساتذتها لأنهم يعتقدون ~~أنها بؤرة أفكار وطنية ثورية، فخشوا أن نلتقي بأمثالنا من الناقمين على الاستعمار، فأحاطونا ~~بسياج لطيف الملمس في شكل إكرام، فكنا كلما سرنا احتاط بنا موظفو الحكومة يستقبلوننا ~~ويطلعوننا على ما أحبوا لا على ما نحب، وهذا ظن ظننته، دل عليه ما رأيته. # ونزور المسجد الأموي بدمشق فنسحر بعظمته وجلاله، وسعته وجماله. وضريح شيخ الصوفية محيي ~~الدين بن عربي، وقبر صلاح الدين الأيوبي وأستاذه نور الدين محمود زنكي، ونقضي سهرة لطيفة في ~~نادي الموسيقى بدمشق. # ثم نركب القطار إلى حلب، ونزورها ويستقبلنا رجال المعارف أيضا فنتجول معهم في المدينة، ~~وقد أعجبتنا نظافتها وجد أهلها، ونرى استحواذ الأرمن على أهم الصناعة فيها، ونزور الجامع ~~الأموي فيها أيضا كما نزور قلعتها العظيمة وتثور في نفوسنا ذكريات سيف الدولة في حلب ~~ومجلسه ms145 الأدبي الفخم يصول فيه المتنبي ويجول. # ثم نقصد إلى زيارة أبي العلاء المعري في معرة النعمان، فنرى بناء متواضعا يحتوي على فناء ~~صغير وحجرتين، وفي إحدى الحجرتين قبر كتب عليه: أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان ~~المعري. فنقف على قبره طويلا نذكر لزومياته وسقط زنده، وزهده واحتقاره للدنيا ونعيمها، ~~وجرأته التي ليس لها مثيل في نقده اللاذع للتقاليد والأوضاع. # ونمر بحماه ونخترقها ونسر بنواعيرها، ونصل إلى بيروت فنزور (كلية المقاصد) الإسلامية ~~والجامعة الأمريكية ومدرسة الآباء اليسوعيين، ونعود على الباخرة إلى الإسكندرية. # كل هذا في خمسة عشر يوما حتى لكأننا نرى هذه الأماكن من طيارة، أو نستعرض فيلما ~~سينمائيا سريعا. # لقد استفدت من هذه الرحلة رؤية هذه البلاد وأهلها، وعرفت طرفا من حياتها الاجتماعية ~~ومشاكلها السياسية ومناظرها الطبيعية، ولكن عكر صفوها أني لم أستطع أثناءها الانفراد بنفسي، ~~وأنا أكره اليوم الذي لا تتاح لي فيه فرصة الوحدة والعزلة، أحلم فيها وأتأمل. # والرحلة في نظري لا تكون لها قيمة حقة إلا إذا تفتح القلب لما يرى، وجال الخيال في ذلك ~~جولته، ومزج الإنسان ما يرى بنفسه. ولم أتمكن في هذه الرحلة من ذلك كله، فاعتزمت في هذا ~~المأزق أن أجتر كما يجتر الجمل ويخزن سريعا ما يأكل، ثم يمضغه ويهضمه بعد ذلك على مهل. ~~وكان مما أتعبني في هذه الرحلة كثرة ما أدعى إلى الأكل وكثرة ما يلقي من الخطب على الموائد، ~~فلا يزال الشرقيون يتصورون الكرم أكلا وخطابة، وكلما كثر الأكل وكثرت الخطابة كان عنوان ~~الكرم. وإني لأرجو أن يتحول هذا الكرم في المستقبل إلى اقتصاد في الموائد وتوسع في الإفادة ~~بالمعاني؛ وبخاصة مع رجال العلم. وزاد العبء على أنني كنت الخطيب الوحيد غالبا، فكلما ~~دعينا إلى مأدبة خطب صاحبها وطولبت بالرد عليه؛ لهذا ملئت هذه الرحلة بالرسميات، والرسميات ~~عدو الرحلات ومضيعة لبهجتها؛ ومع هذا فالأديب والفيلسوف من طبيعتهما أن يختزنا في أنفسهما ~~كل ما يقع تحت حسهما في وعي أو من غير وعي. ولا يدري أحدهما متى ينتفع ms146 بهذا وكيف ينتفع، ~~ولكنه سينتفع حتما على كل حال. # ولا بأس هنا أن أذكر رحلة أخرى رحلتها إلى بيت المقدس كانت عجيبة حقا مربكة حقا ذلك أني ~~تلقيت يوما خطابا من جمعية الشبان المسيحية في القدس، تطلب مني محاضرتين في أي موضوع ~~أختاره، وحددت لي موعدا بعد شهر تقريبا، فقبلت الدعوة واخترت موضوعا هو: «ما الذي يعوق ~~المسلمين اليوم عن المشاركة في بناء المدنية الحديثة؟» وعكفت على كتابة المحاضرتين حتى ~~تممتهما وتهيأت للسفر، وإذا بتلغرافات، ترد إلي من جمعيات الشباب المسلمين في القدس ويافا ~~وحيفا وغيرها تحذرني من الحضور من غير أن تذكر سببا، فلم أعبأ بذلك، وسافرت، فلما وصلت إلى ~~القدس لم أجد من يستقبلني إلا مندوبا من جمعية الشبان المسيحية وأستاذا في القدس كان ~~طالبا في كلية الآداب # 1 # فدعاني مندوب الجمعية إلى النزول في بنائها فاعتذرت، ودعاني الأستاذ تلميذي أن ~~أنزل في بيته إذ كان يسكن بمفرده فقبلت، وقد أسر إلي صاحبي بأن الأستاذ المفتي وإسعاف بك ~~النشاشيبي والأستاذ الثعالبي يعتذرون إذ لم يقابلوني ويطلبون إلي أن أقابلهم، فقابلت ~~الأستاذ إسعاف فشرح لي الموقف وقال: إن مركز جمعية الشبان المسيحية متهم الآن بأنه مركز ~~تبشير للمسيحية ومركز تبشير للاستعمار الإنجليزي، وقد ثبتت عليه بعض الأحداث فقاطعه ~~المسلمون من أجل ذلك، وقد أرادت الجمعية أن تكسر هذه القطيعة وتبطل الإضراب بدعوتك لإلقاء ~~هذه المحاضرات. فقلت: كان عليكم أن تخبروني بهذه التفاصيل من قبل حين أعلنت الجرائد عن سفري ~~ولنتدبر الآن في الحل. فطلب أحدهم إلغاء المحاضرات فأبيت، وطلب آخر أن ألقي المحاضرات نفسها ~~في جمعية إسلامية، فقلت إن هذه المحاضرات قد أصبحت ملكا للداعي إليها. وأخيرا اتفقنا أن ~~ألقى محاضرة في موضوع آخر في جمعية إسلامية قبل إلقاء هاتين المحاضرتين، وأعددت العدة ~~لإلقاء محاضرة في نادي مدرسة روضة المعارف. وكان عنوانها تفسير آية # إن الله يأمر بالعدل والإحسان ~~. # وقد بدأت المحاضرة ببيان وجهة نظري في المحاضرة التي أتيت من أجلها، مستندا إلى أن ~~المسئول عن ذلك هم لا ms147 أنا، إذ كان الواجب عليهم أن يخبروني بمقاطعتهم قبل حضوري. ثم إن ~~موضوع المحاضرة التي سألقيها يدور حول الإشادة بالإسلام والمسلمين، وأن السبب في أنهم لم ~~يبنوا في المدنية الحديثة مع البانين لا يرجع إليهم ولكن يرجع إلى أن الاستعمار الأوربي ~~يأبى رقيهم، ويعمل على إضعافهم لاستغلالهم. ولو أنصف الأوربيون لمهدوا للمسلمين سبيل القوة ~~حتى يقفوا على أجلهم وبينوا في صرح الحضارة معهم. ومثل هذا الكلام إذا ألقي في جمعية مسيحية ~~كان له الأثر الأكبر؛ ثم هبوا أنه قد دعي قسيس مسيحي للتبشير بدينه في مسجد إسلامي ألا ترون ~~أنه يعد ذلك فرصة عديمة النظير. وأخيرا سألقي محاضرتي فمن لم يقتنع بما قلت وشاء مقاطعة ~~المحاضرة فليفعل، ومن شاء أن يسمعها ثم يقاطع فليفعل؛ ثم بدأت في محاضرتي عن العدل ~~والإحسان. ومع هذا البيان خرجت جرائد بيت المقدس تندد بي وتطالب بعدم إلقاء المحاضرة ~~ومقاطعتي إن ألقيتها - وحين ذهبت لإلقائها كان بعض الشبان في مفترق الطرق يحرضون من توسموا ~~فيه الذهاب إلى الجمعية على عدم الذهاب، ولما ذهبت وجدت - مع الأسف - القاعة الكبيرة ~~الفسيحة مملوءة بالمستمعين. # وانتهت المحاضرتان بعد أن لقيت فيهما من العناء الشيء الكثير، ولم أستمتع بطبيعة ولا ~~منظر، فكان درسا قاسيا لا رحلة هادئة. # | الفصل السابع والعشرون # وفي السنة التي تليها رتبت كلية الآداب رحلة إلى العراق في إجازة نصف السنة اشترك فيها ~~بعض أساتذة الحقوق وكلية الآداب وبعض الطلبة وعهد إلي أيضا الإشراف عليها، وكانت الرحلة أشق ~~وأعنف، اجتزنا فيها الطريق الذي اجتزناه في الرحلة السابقة، إلى دمشق تقريبا، ثم ركبنا ~~السيارات من دمشق إلى بغداد في نحو سبع وعشرين ساعة، قطعنا فيها بادية الشام، وهي بادية ~~منبسطة فسيحة الأرجاء جدباء ليس فيها إلا قليل من الأعشاب، سرنا فيها ليل نهار لا نستريح في ~~الطريق إلا قليلا لنأخذ أكوابا من الشاي أو أقداحا من القهوة، وسير السيارات في الليل ~~المظلم والبرد القارس والريح العاصف مهيب مخيف، إلى أن لاح لنا نهر الفرات فبلعنا ريقنا بعد ~~أن ms148 جف من منظر الصحراء، وعبرنا جسرا على نحو ما كان في عهد الرشيد والمأمون سفن ضم بعضها ~~إلى بعض، فكانت جسرا، ووصلنا الأنبار وتسمى الآن الفلوجة، وكم نبغ من الأنبار هذه نوابغ في ~~العلم والأدب يلقب كل منهم بالأنباري، وظللنا نسير فيما بين النهرين دجلة والفرات أكثر من ~~ساعة في أرض طيبة خصبة، ولكنها مهملة مهجورة تنتظر اليد العاملة والرءوس المفكرة والأموال ~~المدبرة حتى وصلنا بغداد - قارنت بين بغداد الرشيد والمأمون وبغداد العهد الحاضر، وخصب ~~العراق ومزارعه في الماضي والحاضر، فحزنت، ولم أستطع أن أكتم حزني فكنت قليل الذوق في أول ~~حفلة أقيمت لنا عقب وصولنا؛ إذ طلب مني الكلام فتكلمت فيما كان بين بغداد في القديم ~~والحديث، وفيما مررنا عليه من أرض جيدة التربة، ولكنها جرداء كالصحراء، ودعوت إلى أن ينهض ~~أهل العراق فيستغلوا كنوز الذهب في ديارهم، والمياه المتدفقة في أراضيهم، ولم أكن في هذا ~~الحديث لبقا، إذ ليس هذا الكلام مما يصح أن يكون تحية القدوم، ولكن كان هذا أثرا للصدمة ~~التي صدمناها عند رؤية ما بين الأنبار وبغداد، وقد أمكنني في خطبة أخرى في حفل آخر أن ~~أتدارك هذا الخطأ، فأشيد بما فعل العراقيون من جهد جبار في إصلاح الأحوال، وكلا القولين حق، ~~ولكن ما كل حق يقال. # تجولنا في بغداد وزرنا الإمام أبا حنيفة في مسجده بالأعظمية والإمام الكاظم والإمام ~~الجواد في الكاظمية، والمتحف العراقي، إلخ، وأنسنا بلقاء الشاعرين الكبيرين جميل الزهاوي ~~ومعروف الرصافي واستمعنا إلى شعرهما فيما أقيم لنا من حفلات. وقد أكرمنا العراقيون إكراما ~~فاق الحد فقلما خلت ليلة من دعوة وكنا في رمضان، حتى لقد دعينا ليلة واحدة إلى ثلاث دعوات ~~اضطررنا إلى إجابتها. # وقد دعانا المرحوم الملك فيصل إلى الإفطار على مائدته ووجه إلي السؤال الآتي: هل من مصلحة ~~بلد كالعراق أن يكثر من التعليم العالي؛ ولو أدى ذلك إلى كثرة العاطلين من المتعلمين، أو أن ~~يقتصر فيه على قدر ما تحتاجه من موظفين؟ وهذا السؤال يستتبع مسألة أخرى نتيجة للجواب، ms149 وهي: ~~هل ننشئ هنا مدارس عالية يكثر فيها الطلاب أو نكتفي بإرسال بعثات إلى أوروبا بقدر ما نحتاجه ~~من غير داع إلى إنشاء مدارس عالية هنا؟ وقد وفقني الله فأجبت بأن مصلحة الأمة في كثرة ~~المتعلمين تعلما عاليا وإنشاء المدارس العالية لهم في البلاد نفسها، ثم إرسال بعثة من ~~النابغين، وأن التعليم العالي كله خير وبركة مهما كانت النتائج. وقد علمت بعد أن هذين ~~الرأيين كانا يتصارعا في العراق وأتى هذا السؤال من الملك فيصل نتيجة لهذا الصراع. # ولمست في العراق الانقسام بين الشيعة والسنية، وقد زرت النجف وكربلاء وغيرهما، وهي حصون ~~الشيعة، وصادف ذلك أيام العزاء وذكرى مقتل الإمام علي بن أبي طالب، ورأينا العامة في كربلاء ~~يضربون صدورهم ضربا شديدا حتى ليدموا أجسامهم حزنا على الإمام، ومنهم من يضربون أنفسهم ~~بالسيوف، ومنهم من يضربون ظهورهم بسلاسل من حديد، والنساء يولولن على نحو ما كان معروفا من ~~عمل الشيعة في القاهرة إلى عهد قريب. وقد أسفت لهذه المناظر وحملت مسئولية ما يعمل في هذا ~~الباب علماء الشيعة، وفيهم فضلاء أجلاء مسموعو الكلمة يستطيعون أن يبطلوا كل هذا بكلمة ~~منهم، ولكن لا أدري لماذا لا يفعلون. # وهذا الخلاف بين السنية والشيعة في العراق جر عليه كثيرا من المصائب والمحن - وبذل جهود ~~ضاعت فيما لا يفيد، لو صرفت في خير الأمة وتقدمها - بقطع النظر عن سني وشيعي - لعادت على ~~أهلها بالخير العميم؛ ولأن الخصومة بين أصحاب علي وأصحاب معاوية معقولة في زمنهما أو بعد ~~زمنهما فلم تعد معقولة الآن، إذ ليس هناك اليوم نزاع على خلافه ولا إمامة، وإنما هو نزاع ~~على أيهم أفضل أبو بكر وعمر أم علي؛ وهذه لا يبت فيها إلا الله، ومن السخافة أن نضيع ~~أوقاتنا في مثل هذا الكلام، وكل العقلاء متفقون على أن كلا من الثلاثة رجل له فضله ومزاياه، ~~والله وحده هو الذي يتولى مكافأتهم على أعمالهم، ويزنهم بالميزان الصحيح ويقدرهم التقدير ~~الحق، وما عدا ذلك فالخلاف بين الشيعة والسنية كالخلاف بين حنفي وشافعي ms150 ومالكي لا يستدعي ~~شيئا من الخصومة؛ ولكن أفسد الناس ضيق العقل وعواطف العامة ومصالح بعض رجال الدين وصبغ ~~المسائل السياسية بالمسائل الدينية. # ولما أخرجت كتاب «فجر الإسلام» كان له أثر سيئ في نفوس كثير من رجال الشيعة، وما كنت أقدر ~~ذلك، لأني كنت أظن أن البحث العلمي التاريخي شيء والحياة العملية الحاضرة شيء آخر، ولكن ~~شيعة العراق والشام غضبوا منه وألفوا في الرد عليه كتبا ومقالات شديدة اللهجة لم أغضب منها، ~~ولما لقيت شيخ الشيعة في العراق الأستاذ آل كاشف الغطاء عاتبني على ما كتبت عن الشيعة في ~~فجر الإسلام. وقال: إني استندت فيما كتبت على الخصوم، وكان الواجب أن أستند إلى كتب القوم ~~أنفسهم، وقد يكون ذلك صحيحا في بعض المواقف، ولكني لما استندت على كتبهم في «ضحى الإسلام» ~~ونقدت بعض أرائهم نقدا عقليا نزيها مستندا على كتبهم غضبوا أيضا، والحق أني لا أحمل تعصبا ~~لسنية ولا شيعة، ولقد نقدت من مذاهب أهل السنة ما لا يقل عن نقدي لمذهب الشيعة وأعليت من ~~شأن المعتزلة بعد أن وضعهم السنيون في الدرك الأسفل إحقاقا لما اعتقدت أنه الحق. # وقد حدث وأنا في بغداد حادث خطير، فقد دعينا لنشهد مجلسا من مجالس العزاء يقيمها الشيعة ~~في ليالي مقتل الإمام علي، فذهبنا إلى «الحسينية» بالكرخ - ضاحية من ضواحي بغداد - فرأينا ~~دارا واسعة احتشد فيها عدد لا يقل عن أربعة آلاف، وقد سرى في القوم أن وفد مصر حضر، ~~فازدحموا على استقباله، وأخليت لنا ناحية جلسنا فيها، وخطب بعض الخطباء لتهنئتنا ورد عليهم ~~الأستاذ عبد الوهاب عزام التحية بمثلها، ثم قام خطيب الليلة الأستاذ كاظم الكاظمي، وهو خطيب ~~طلق اللسان حسن التأثير في السامعين، فرحب بالوفد وبأحمد أمين ولكنه عرج من ذلك على كتاب ~~فجر الإسلام وما فيه من تجن على الشيعة وأكثر الحاضرين من عوام الشيعة الذين تؤلمهم هذه ~~الأقوال أشد الألم، ولا يمنعهم مانع أن ينكلوا بكل من يعتدي على عقيدتهم، ولكن الخطيب ماهر، ~~إذ أحس هياج الجمهور وتحفزهم اقتبس جملة ms151 من فجر الإسلام فيها مدح الشيعة، وهكذا ظل الرجل ~~يلعب بعواطف الناس بين مد وجزر وتهييج علي وتهدئة؛ فلما طال هذا وخشي بعض الحاضرين سوء ~~العاقبة نصحنا ناصح أن ننسل من باب خلفي ففعلنا ونجونا بأنفسنا - وقد علمنا أن الأمر بلغ ~~الملك فيصل، فغضب على الخطيب وشاء أن يعاقبه، ولكنا طلبنا من ناقل الخبر إلينا أن يرجوه ألا ~~يفعل، فقد انتهى الأمر بسلام. # وكان يوما أيوم، يوم «سر من رأى» وقد شاء الله أن تكون «سيء من رأى» ذلك أننا اعتزمنا ~~زيارة سامراء، وقد قيل لنا إن المسافة بين بغداد «وسامرا» نحو ساعتين، فقدرنا أن نزورها ثم ~~نعود ونتناول الإفطار على مائدة قنصل مصر في العراق، ولكن ساء سير السيارات فلم نصلها إلا ~~قبيل الغروب، وأبرقنا إلى قنصل مصر أن يجعل إفطارنا سحورا، ومررنا في الطريق على قنوات ~~معطلة، وأرض زراعية فسيحة مخربة. وآثار عمران عظيمة مهدمة، وعبرنا نهر دجلة إلى «سامرا» ~~ورأيناها وأطلالها القديمة، وشاهدنا جامع المعتصم فيها، وقد بني على نمط جامع ابن طولون ~~بمصر وبخاصة منارته، وشاهدنا بعض آثارها الباقية، فلما حاولنا الرجوع وقد أظلم الليل، قيل ~~لنا إن ذلك مستحيل، لأن الطريق غير مأمون فألححنا على رئيس البلدية فقبل وأرسل معنا سيارة ~~مسلحة تخفرنا. # وحدث أن أراد طالب معنا أن يعبر الجسر المقام على دجلة فسقط بين المركبين، فبعثت من أنقذه ~~وكانت الدنيا شتاء والبرد قارسا؛ فأخرجناه والحمد لله سليما، وغيرنا له ملابسه المبلولة، ~~وأشعلنا له نارا تدفئه، وعلى هذه الحال انتهت الحادثة. # 1 # وكنا كلما سرنا مسافة ارتطمت سيارة في الوحل فتعطلنا حتى ننقذها ونصلحها، وسمعنا في ~~الطريق أن لصوصا قد سطوا على قوم يمرون أمامنا، فدخلنا الرعب، ووصل الخبر إلى بغداد بأن ~~السطو حدث علينا نحن في الطريق، فخرج مدير شرطة بغداد ببعض الجنود لاستطلاع الخبر وإنجادنا ~~فلقيناهم في الطريق، ولم نصل إلى بغداد إلا بعد الفجر، وفاتنا الفطور والسحور، وكان يوما ~~خالد الذكر في حياتنا لا ننساه، لما رأينا من بلواه. # ويوما قررنا ms152 السفر إلى الموصل ووصلنا بالقطار إلى كركوك وبتنا فيها ورأينا منابع البترول ~~وكيف تحفر الآبار، وعاقنا المطر الغزير عن متابعة السير إلى الموصل فعدنا من كركوك إلى ~~بغداد وودعنا أهلها وأخذنا طريقنا إلى تدمر، فجسنا خلالها ورأينا قبورها وآثارها، ووقفنا ~~على أطلالها، ولفت أنظارنا جمال أهلها، وذكرنا الزباء وما قال العرب والإفرنج عنها، وبتنا ~~فيها ليلة، ثم قفلنا إلى دمشق ومنها إلى بيروت مخترقين جبال لبنان العالية وحولنا الثلج، ~~وعدنا إلى مصر سالمين. وقد انطبعت في نفوسنا صور شتي من صور العالم العربي فلسطين وسورية ~~والعراق ولبنان - كلها بلاد تتقارب في الحياة الاجتماعية وتقف على درجات من سلم واحد، فكلها ~~تتوزع مزايا الشرق وعيوبه، هذه مصر تتقدم الجميع في مظاهر المدنية والحضارة والثروة، وهذا ~~لبنان يمتاز بجد أهله ونشاطهم وثقافتهم وتقدم المرأة عندهم، وهذه الشام تمتاز بالنشاط ~~والنجاح التجاري الذي عرف فيهم من عهد الآراميين، وهذا العراق يشعر بثقل الدين القديم، ~~فينهض أهله، وبخاصة شبانه بتأسيس نهضة جديدة تستغل فيها موارد البلاد معيبة بالبطء الحكومي ~~في تصريف الشئون، وضعف الابتكار، والحاجة إلى الأجنبي النزيه في رسم الخطط للإصلاح ~~الاقتصادي والاجتماعي، وكلها معيبة في نظام الحكم وعدم رعاية حقوق الشعب، وقلة شعور الشعب ~~بحقوقه وواجباته وإن اختلفت درجاتها في ذلك، ولكل أمة من هؤلاء مشاكلها. فمشكلة لبنان ~~انقسام أهله إلى مسلمين ومسيحيين، واختلاف نزعاتهم بين ميل إلى فرنسا وكره لها، ومشكلة ~~القدس الخلاف بين زعمائه وأحزابه على الغلبة والرياسة، مع أن الصهيونية تنخر في عظامهم، ~~ومشكلة العراق تقسم أهله بين سنية وشيعة وبدو وحضر، وهكذا رأيت كل هذه المناظر واختزنتها في ~~نفسي وأثرت في تفكيري. # وسافرت إلى الحجاز للحج سنة 1937 مع بعثة الجامعة المصرية، ولا أطيل في وصف الطريق ~~والمراحل التي يقطعها الحاج، فقد ذكرت كثيرا قبل، وكل ما أريد ذكره أن عادة الحجاج أن ~~يغمرهم الشعور الديني، فلا يشعروا بما تحملوا من متاعب، ولا بما صادفوا في الطريق من عقبات، ~~ولا ما شاهدوا من فوضى وعدم نظام ونحو ذلك، ms153 أو يشعرون بها ولكن يحملهم الورع الديني ألا ~~يفوهوا بها، ولا ينطقوا إلا بما رأوا من محاسن، أما أنا فقد غمرني أيضا الشعور الديني وكان ~~في الحج مواقف اهتز لها قلبي ودمعت لها عيني، وأروعها - على ما أذكر - مشاهدة الكعبة وطوافي ~~طواف الناس حولها، ثم وقوفي بعرفات وعشرات الآلاف من الحجاج يلبسون لباسا أبيض بسيطا كأنهم ~~تجردوا من الدنيا ونعيمها وطرحوا زخارفها. ووجهوا قلوبهم كلها إلى خالقهم يبتهلون إليه أن ~~يغفر لهم ما تقدم من ذنبهم، وأن يعينهم على حياة جديدة ملؤها الطاعة والتقوى، ثم زيارتي ~~للحرم المدني في المدينة ووقوفي أمام قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، أستحضر تاريخه ومواقفه ~~وعظمته، فكل هذه المواقف كانت جميلة حقا رائعة حقا. # ومع ذلك فكان عقلي مفتحا أيضا لرؤية المتاعب ومنشئها وإدارة الحج وتقدير إحسانها أو ~~إساءتها، وتدوين كل ذلك في مذكرتي؛ فهذا الزحام يشتد في أيام الحج وتضطرب حركة السير، ~~وبخاصة عند نزول الناس من عرفات إلى منى، وفي الإمكان تنظيمه وترتيبه بشيء من العناية، ~~وهناك قلة الماء في منى وصعوبة الحصول عليه، وفي الإمكان ترتيب ذلك. وهناك عدم العناية ~~بالنظافة حول الحرم المكي والمدني وفي المساكن والشوارع. وهناك سوء الطريق بين جدة والمدينة ~~إلى كثير من أمثال ذلك، ألمت لها، وفكرت في وجوه الخلاص منها، وأيقنت أن إدارة الحج بمعاونة ~~العالم الإسلامي لها تستطيع بجهد قليل أو كثير أن تتلافى هذه العيوب وتريح الحجاج مما ~~يلحقهم من أذى قد يصرفهم في كثير من الأحيان عما حجوا لأجله، من فراغ للعبادة واتصال ~~بالله. # ورأيت من واجب الخاصة أن يدرسوا ما رأوا ويفكروا في العلاج ويقترحوا سبل الخلاص من ~~الأدواء ويرفعوا صوتهم بها، فذلك خير من السكوت عليها. من أجل هذا كتبت تقريرا عن كل ما ~~رأيت من داء وما أصف من علاج، ولم أبخس فيه الإدارة الحجازية فضلها في بسط الأمن ونشر ~~الطمأنينة بين الحجاج على أنفسهم وأموالهم؛ ورفعت نسخة من هذا التقرير إلى وزارة الخارجية ~~المصرية والجامعة، وتحدثت بخلاصة ذلك ms154 في الإذاعة المصرية، فكلمني المرحوم طلعت باشا حرب ~~بأنه يريد مني أن أقابله ففعلت، وكان من رأيه ألا أثير هذه المسائل الشائكة، ولا أذكر هذه ~~المعايب والمتاعب، لأنها تصرف كثيرا ممن يريدون الحج عنه، وتسيء إلى الإدارة الحجازية من ~~غير داع، فشرحت له وجهة نظري في أن الإعلان عن هذه العيوب يدعو إلى إصلاحها، وما دمنا ~~ساكتين فلا أمل في الإصلاح؛ وأخيرا تقاربت وجهة نظرنا واتفقنا على أن أكتب تقريرا مفصلا لا ~~أذيعه في محطة الإذاعة ولا أنشره في الجرائد، ولكن أقدمه إليه وهو يرفعه إلى الإدارة ~~الحجازية ويعمل ما وسعه في التفاهم معها ومع الحكومة المصرية على بذل الجهد في ~~الإصلاح. # | الفصل الثامن والعشرون # أتيحت لي فرصة أخرى سنة 1932 لأرى الغرب كما رأيت الشرق، وأرى المدنية الحديثة كما رأيت ~~مدنية القرون الوسطى، وأرى من يسمونهم المتقدمين كما رأيت من يسمونهم المتأخرين، فيكون لي ~~بدل العين عينان وبدل المنظر الواحد منظران، فاخترت عضوا في مؤتمر المستشرقين الذي ينعقد في ~~ليدن بهولنده، وقررت السفر قبل الموعد بنحو شهرين، حتى أزور ما أمكنت زيارته من مدن أوربية، ~~فركبت البحر إلى مرسيليا مع صديقي الدكتور عبد الرزاق السنهوري - وقد خبر فرنسا خبرة طويلة ~~ودقيقة وعرف أهلها وبلادها إذ أقام فيها سنين يدرس القانون - وزرنا مرسيليا وتجولنا فيها ~~وخرجنا إلى ضواحيها، ثم سافرنا إلى ليون ونزلناها وأقمنا فيها ثلاثة أيام رأينا فيها ~~معالمها وجامعاتها وخرجنا إلى ريفها، ثم سافرنا إلى باريس ونزلنا في أوتيل فوايو بجانب مجلس ~~الشيوخ وأقمت فيه نحو عشرة أيام، وقد وضع لي صديقي برنامجا دقيقا وطويلا رتبه بإمعان وبعد ~~طول تفكير، ليريني أهم ما في باريس من جد ولهو وعلوم وفنون وأبنية ضخمة وآثار رائعة، ويريني ~~المدينة والريف والعاصمة والضواحي، فكان برنامجا شاقا صعبا، كل يوم رؤية صباحا ورؤية مساء، ~~ولم يسمح لي أن أستريح ولو قليلا، ولا أن أتذوق ما أرى، وأنا رجل بطيء الحركة أحب أن أتحرك ~~على مهل وأتذوق على مهل وأستطعم ما آكل، وأحب أن ms155 أتغدى ثم أغفو قليلا بعد الغداء فلم يمكني ~~من شيء من ذلك، فيوما يريني ميدان الباستيل وشوارع باريس الكبيرة وكنيسة مادلين وميدان ~~الكونكورد ومنتزه الشانزليزيه، وفي المساء نذهب لمشاهدة رواية في الأوبرا، ويوما نرى برج ~~إيفل ونصعد إليه، ونستمع للدليل يشرح لنا الغرض منه وكيفية تأسيسه ونزور الجماعات وبعض ~~المدارس، ويوما نزور غابة بولونيا وقصر فرساي وقاعاته ومتحفه، ويوما نزور معامل سيفر ~~المشهورة بعمل الصيني، ويوما نزور اللوفر ومتاحفه، ونخرج إلى حديقة لوكسمبورج وسرايها ~~وكنيسة نوتردام، ويوما نزور مونمارتر وملاهيه والمكتبة الأهلية ونلتقي نظرة عامة على ما ~~فيها، ويوما نزور سوق باريس في الصباح المبكر لنرى منظرا غريبا في البيع والشراء، ويوما ~~نخرج إلى ضاحية بعيدة من ضواحي باريس نرى فيها ريف فرنسا وجماله، ويدعونا بعض أصدقاء ~~الدكتور لنرى بيوتهم وعائلاتهم ونتعشى معهم إلخ.. إلخ.. كل ذلك في عشرة أيام كنت فيها ~~متحركا لا أسكن، ونشيطا لا أخمد، ومجهدا لا أستريح إلا وقت النوم في أوتيل فوايو. # وأذكر مرة أننا نفذنا برنامجنا الصباحي ثم تغدينا في مطعم وجلسنا بعد الغداء نشرب القهوة ~~لنستعد لتنفيذ برنامج بعد الظهر، ولكن السماء أمطرت في غزارة، وأحسست حاجتي الشديدة إلى ~~الاستقرار بعد الغداء فلم يسمح لي، وأبى إلا أن يطبق البرنامج بكل دقة، فكنا نمشي في المطر ~~الشديد لنصل إلى حيث نريد طبقا للبرنامج، وقد أتخمت من هذه الأيام العشرة بالمعلومات ~~والمناظر والمعارض والأحداث حتى لكأنني أشاهد رواية سينمائية دام شريطها عشرة أيام واحتجت ~~إلى سنين بعدها أهضم ما أتخمت به؛ ثم ودعت صديقي ذاهبا إلى إنجلترا. # وأبرق إلي صديق لي # 1 # يعد لي مسكنا في لندن ويستقبلني في محطتها، ويصل القطار إلى كاليه، وأعبر بحر ~~المانش إلى دوفر، وأركب القطار إلى لندن فيستقبلني صديقي ويريني مسكني فيها؛ حجرة واسعة ~~لطيفة فيها سرير، مفروشة فرشا بسيطا لطيفا في بيت من بيوت الطبقة الوسطى وفي حي كذلك، وتعد ~~صاحبته ما أحتاجه من فطور وعشاء أما الغداء ففي المطعم، وأتعرف في المنزل بفتاة إنجليزية من ~~أصل ms156 ألماني سألتها أن تصحبني في الخروج إلى معالم لندن ومشاهدها فقبلت، فزرنا المتحف ~~البريطاني، واستعرضت فيه بعض المخطوطات، ودار بلدية لندن «جولد هول» وبنك إنجلترا ~~وبرلمانها؛ ومسلة كليوبترة، وجريدة التيمس وميدان الطرف الأغر وتمثال نلسن وكنيسة «وستمنسر ~~أبي» وجامعة لندن وقصر سنت جيمس وحديقة هايد بارك والمتحف الحربي إلخ.. وكنت في لندن أشعر ~~ببعض الحرية وبعض الاستقلال، لمعرفتي اللغة الإنجليزية وقدرتي على التفاهم بها، على عكس ما ~~كنت في فرنسا، إذا كنت عالة على صديقي لا أكاد أستطيع الحركة إلا معه، فإذا تخلى عني لم يكن ~~أمامي إلا الجلوس في قهوة، أو السير في شارع من شوارعها الفسيحة كما يسير الأصم الأبكم؛ ~~والمسافر من فرنسا إلى إنجلترا يشعر بالفرق الكبير، حين يطأ أول أرض إنجليزية؛ فمن ساعة أن ~~يتلقاه الحمالون الإنجليز ليحملوا أمتعته ويوصلوه إلى القطار يشعر بالهدوء التام والنظام ~~الشامل وسير الأعمال فيها كأنها آلة دقيقة منظمة كل جزء منها منسجم مع ما حوله. # وأحببت أن أزور الريف الإنجليزي فرتب صديقاي الأستاذ حافظ وهبة وزير المملكة العربية ~~السعودية في لندن والمرحوم الأستاذ أمين جمال الدين مدير البعثات في لندن رحلة إلى ويلز في ~~عربة الأستاذ حافظ يسوقها الأستاذ جمال الدين، فكانت رحلة ممتعة عرفنا فيها الريف ~~الإنجليزي، وكنا نسير على مهل، فإذا جاء وقت الغداء تغدينا في مطعم في الطريق، وإذا جاء ~~المساء بحثنا عن بيت في الريف لقروي يضيفنا، ومازلنا في رحلتنا حتى وصلنا إلى كارنارفون ~~فأقمنا فيها أياما. # وأقمت في إنجلترا نحو أربعين يوما، اهتممت فيها أن أرى أكثر ما يمكن أن أرى، وأتعرف من ~~أحوالها الاجتماعية بقدر ما أستطيع، ولكن شيئا واحدا أسفت له أشد الأسف، وهو أني كنت حضرت ~~بحثي الذي اعتزمت إلقاءه في مؤتمر المستشرقين باللغة العربية، وقد قيل لي بعد إن لغة ~~الإلقاء لا بد أن تكون بالإنجليزية أو الفرنسية، فشغلت نفسي وأنا في لندن بالاستعانة بمترجم ~~إلى الإنجليزية، وبكتابة ذلك على الآلة الكاتبة، فاستغرق مني ذلك مجهودا كبيرا وأضاع على ~~زمنا كان ms157 يجب أن أصرفه في معرفة الحياة الإنجليزية في نواحيها المختلفة، والاستمتاع ~~بمناظرها ومباهجها، وأخيرا سافرت إلى ليدن بهولنده حيث ينعقد المؤتمر. # رأينا ليدن وكأنها دير كبير يتعبد فيه رجال العلم، تموج بالعلماء والمكاتب وفيها مطبعة ~~بريل الشهيرة التي كان لها الفضل الكبير في طبع كثير من الكتب العربية، وكنا قد كتبنا إلى ~~سكرتارية المؤتمر بحجز أمكنة لنا، فلما رأيناها لم تعجبنا كثيرا لأنها كانت أشبه بمساكن ~~الطلبة، ففضلنا أن نسكن في لاهاي وننتقل كل يوم إلى ليدن، وكان يصحبني في هذه الرحلة ~~الدكتور إبراهيم بيومي مدكور الذي آنسني بمصاحبته، وخفف عني بعض أعبائها، فجزاه الله ~~خيرا. # وانعقد المؤتمر واستمعنا فيه إلى أبحاث المستشرقين في الإسلاميات والأدب العربي والهنديات ~~والصينيات وما إلى ذلك، وجاء يوم بحثي، وكان موضوعه «نشأة المعتزلة» وكان يوما عسيرا فلم ~~أعتد في حياتي أن أخطب أو أحاضر باللغة الإنجليزية، وقد كنت وجهت أكبر اهتمامي عند تعلمي ~~لها إلى الإجادة في فهم ما أقرأ من كتب والترجمة منها إلى العربية، لا في الكتابة ~~بالإنجليزية ولا بانطلاق اللسان في الحديث بها، وكان رئيس اليوم الذي ألقيت فيه محاضرتي هو ~~الأستاذ مرجوليوث، وقد استأذنته في إلقاء المحاضرة باللغة العربية فأبى، وقال إن أكثر ~~المستمعين لا يفهمون العربية إلا قليلا، وخير أن تلقيها بالإنجليزية، فألقيتها في خجل، لا ~~من الموضوع ولا مما كتب، ولكن لأنها أول تجربة لي من هذا النوع، وما إن انتهيت من إلقائها ~~حتى بلعت ريقي وتنفست الصعداء. ورجعت من هولنده إلى فرنسا وأقمت فيها أياما أخرى في باريس ~~واستقبلني فيها صديق آخر # 2 # لم يكن عنيفا كالصديق الأول، بل كان رفيقا بي، وأراني ما لم أكن رأيت، واستمتعت ~~فيها بالراحة والهدوء والأحلام أكثر مما كنت استمتعت وأخذت السفينة # 3 # من مرسيليا إلى مصر فانكسرت في الطريق واضطرت أن تعرج على إيطاليا، واستغرق ~~إصلاحها أياما، فانتهزت هذه الفرصة لزيارة المدن الإيطالية القريبة كميلانو وجنوة فشاهدت ~~كنائسها الضخمة وأبنيتها الفخمة ومقبرتها الجميلة وفنها البديع، ثم عدت إلى مصر بعد ms158 أن ~~شاهدت معالم المدنية الحديثة ووقفت على بعض أسرار تقدم هذه الأمم، وكنت في أكثر ما أرى ~~يشتغل ذهني في المقارنة بين الشرق والغرب - أذكر ذلك إذا رأيت الآلات والمصانع وتقدمها، ~~والشوارع والبيوت ونظافتها، والناس ونظامهم، والمرأة وأهمية مركزها في الحياة الاجتماعية، ~~حتى لو نسب الفضل الأكبر في المدينة الحديثة لكان أكثره يرجع إلى المرأة. فالمرأة التي تربي ~~الأمة وهي التي تعود أبناءها النظام والأخلاق، والمطر هو الذي يهيئ الطبيعة ويصوغها صياغة ~~جميلة ويكسو الجبال الصخرية بالأشجار والنبات فيكون من ذلك منظر بديع. وعلى الجملة فالمرأة ~~والمطر من وراء كل مظهر من مظاهر المدنية ، حتى لو قلت إن مقياس رقي الأمم التي شاهدتها هو ~~درجة المرأة في الرقي وانهيار الأمطار في أوقات مختلفة لم أكن بعيدا عن الصواب؛ أعجبني في ~~فرنسا ذكاء أهلها ونشاطهم وكثرة حركتهم، وأعجبني في إنجلترا نظامهم وتعقلهم وضبط عواطفهم ~~وهدوؤهم في أعمالهم، وأعجبني في هولنده نظافتهم ونجاحهم في الحياة وجدهم وعلمهم، وأعجبني في ~~إيطاليا فنهم. # وعلى الجملة فلا أستطيع أن أحصر ما استفدت من هذه الرحلة فقد اختزنت منها كثيرا، وفي كل ~~مناسبة كنت أستخرج من هذا المخزن ما أستفيد منه مما لم يكن يخطر لي حين الرحلة على بال، ~~وأهم ما استفدته هو تمكني من المقارنة بين الشرق والغرب، فقد كانت رحلتي إلى الغرب معادلة ~~رحلتي إلى الشرق، فكنت دائما أنظر إلى هذا نظرة وإلى ذاك نظرة، وأستخرج الحكم بعد المقارنة، ~~وكنت قبل ذلك لا أرى إلا لونا واحدا ولا أسمع إلا صوتا واحدا. # وأتممت الاستفادة من هذه الرحلة برحلة أخرى إلى أوروبة نفسها سنة 1938، فقد اختارتني ~~الجامعة أيضا عضوا في مؤتمر المستشرقين في بروكسل، وزرت إيطاليا وفرنسا مرة أخرى، واستعدت ~~ذكريات ماضية، وأردت أن أستفيد جديدا فذهبت إلى سويسرا وأقمت فيها أياما فنزلت في مدينة ~~لوسرن، وركبت بحيرتها واستمتعت فيها بجمال مناظرها الباهرة. # ويوما ركبت بحيرة لوسرن مع صديقي الدكتور عبد الوهاب عزام، فأعجبنا منظر قرية على البحيرة ~~اسمها كيرسبتن، نزلناها وتجولنا فيها وصعدنا ms159 في مرقاتها إلى أعلاها فوجدنا فندقها وبيوتها، ~~فطفناها وتوغلنا فيها، فرأينا غابات جميلة ورأينا في مدخل إحدى الغابات بيتا صغيرا لطيفا ~~زرعت أمامه أشجار التفاح، فسألنا أصحابه: هل يقبلوننا نزلاء فيه؟ فقبلوا ونقلنا أمتعتنا من ~~فندق لوسرن إلى هناك - وأقمنا فيه أياما ننعم بمنظر الغابات ومنظر الجبال المزروعة، ~~والأبقار ترعى في الحقول وكل بقرة تحمل جرسا يناسب حجمها، فتتكون من أصوات هذه الأجراس ~~موسيقى جميلة تأخذ بلب السامع في هذا الفضاء الواسع والسكون الشامل، ونرى بيت هذه الأبقار ~~فنتمنى لو تيسر مثل هذه البيوت لفلاحينا في مصر: نظيفة جميلة أضيئت بكهرباء وفرشت بألواح ~~الخشب ، وحدد لكل بقرة منامها ومجرى ما يخرج منها، فلا ترى في بيوتها إلا نظافة وأناقة، وكنا ~~في أغسطس، وكان الجو باردا كصميم الشتاء في مصر. وخرجنا من سويسرا بعد أن امتلأنا روعة من ~~جمالها وصحة ونشاطا من طيب هوائها، واتجهنا إلى بروكسل حيث المؤتمر، وقد تعلمت من الدرس ~~الماضي في لندن فآليت ألا أحاضر إلا باللغة العربية، وكان من حظي أن أكثر المستمعين ~~يجيدونها، وكان موضوع محاضرتي «أبو حيان التوحيدي وكتابه الإمتاع والمؤانسة» وقد تحدثت وأنا ~~مالئ يدي من موضوعي ومن لغتي فنجحت وحدثت لي حادثة طريفة في بروكسل، فقد ذهبت إلى حلاق لا ~~يعرف كلمة إنجليزية وأنا لا أعرف كلمة فرنسية فكان كلما حدثني وأنا # Oui # وإذا حدثته بالإنجليزية قال لي # Yes # بالفرنسية قلت لا أفهم ما يقول، وهو لا يفهم ما ~~أقول حتى رأيت آخر الأمر رأسي وليس بها إلا شعر خفيف جدا قصير جدا والدنيا برد، وأنا مضطر ~~عند دخولي قاعة المؤتمر أن أخلع قبعتي، فلا أجد بها شعرا يقاوم بردا ولا يجمل منظرا، وقصصت ~~القصة على زميلي الدكتور طه حسين والدكتور عبد الوهاب عزام فضحكا وأغرقا في الضحك، وقال ~~الدكتور طه: إني سأضع رواية اسمها «حلاق بروكسل» على نمط «حلاق إشبيلية» ونظم الدكتور عزام ~~قصيدة أذكر منها: # ونظر الأستاذ في (المرايه) # فلم يجد في رأسه (شعرايه) # ورأيت في هذه الرحلة الناس في ms160 بلجيكا وفرنسا وقد عراهم الذعر مما يرونه من طوالع الحرب ~~وكثرة الحديث عنها وكثرة الاستعداد لها، حتى لقد أسرعنا في العودة خوف أن تقفل الطريق ~~أمامنا. # ولئن كانت الرحلة الأولى قد أطلعتني على جوانب من المدينة الغربية، فهذه الرحلة قد نمتها ~~وثبتتها. # | الفصل التاسع والعشرون # أعود بعد الرحلات إلى وصف حياتي العامة والخاصة، فقد رقيت في كلية الآداب من مدرس إلى ~~أستاذ مساعد، فأمكنني بذلك أن أكون عضوا في مجلس إدارة الكلية، أتصل فيه بالأساتذة المصريين ~~والفرنسيين والإنجليز والبلجيكيين، وأرى في كل جلسة كيف تعرض الأمور وكيف ينظر إليها وكيف ~~تدخل النزعات والأغراض في تكوين الآراء . لقد تعلمت أن المنطق آخر أدوات الحكم على الأشياء؛ ~~وأن النزعات والأغراض والبواعث هي التي تتحكم في المنطق لا التي يحكمها المنطق؛ فليس المنطق ~~ما عرفنا تعريفه، من أنه آلة تعصم الذهن عن الخطأ في الحكم، ولكن هو القدرة على تبرير ~~البواعث والنزعات والأغراض لتتخذ شكلا معقولا، وكان المجلس كبرج بابل يتكلم متكلم بالعربية ~~وآخر بالفرنسية وثالث بالإنجليزية، وإذا حزب الأمر ترجمت كل لغة إلى اللغات الأخرى، ~~وأحيانا في الأمور العامة تلعب السياسة لعبها من وراء ستار، فالفرنسيون مثلا يريدون أن ~~يسيطروا على قسم الفلسفة، والإنجليز يريدون أن يتدخلوا فيه وأن يسيطروا على الكلية بواسطة ~~عميدها، وأكبر ما يتجلى هذا عند خلو كرسي من كراسي الأساتذة أو عند خلو مكان العميد. # وقد صاحبت التطور الذي حدث، من تحول عدد الأساتذة المصريين من قلة إلى كثرة، ومن قلة ما ~~بأيديهم من توجيهات إلى أن ملكوا زمام الأمور في الكلية بتعيين عميد مصري لها، وعاصرت ~~الصراع الشديد بين محاولة الحكومة التدخل في شأن الجامعة أحيانا، ومحاولة الجامعة المحافظة ~~على استقلالها، وأكثر حادثة من هذا القبيل هي حادثة نقل الدكتور طه حسين من كلية الآداب إلى ~~وظيفة في وزارة المعارف من غير أخذ رأي الكلية ولا إدارة الجامعة واستقالة الدكتور طه ~~وإضراب الطلبة عن الدروس، وانقسام الأساتذة إلى قسمين قسم مسالم وقسم مناهض وكنت إذ ذاك من ms161 ~~المناهضين، وأوذيت في ذلك كثيرا حتى فكر في نقلي من الجامعة. # وحدث - وأنا أستاذ مساعد - أن منعت من أن أكون أستاذا لعدم حصولي على الدكتوراه أنا وبعض ~~زملائي، وإن كان القانون يسمح أن يرقى الأستاذ المساعد في اللغة العربية بكلية الآداب ~~والشريعة الإسلامية بكلية الحقوق إلى أستاذ من غير دكتوراه، فواجهت المسألة بروح رياضية، ~~وقدمت طلبا لنيل الدكتوراه بالدخول في الامتحان، على النظام الذي يتبع مع الطلبة في الحصول ~~عليها، وقدمت لذلك كتاب فجر الإسلام وضحى الإسلام كرسالة للمناقشة، واعترض إذ ذاك بأن ~~الأساتذة بالكلية قد يحابونني لأنني أحدهم، فاقترحت أن يكون أكثر الممتحنين من الأساتذة ~~الأجانب المستشرقين، فصمم وزير المعارف إذ ذاك على رفض هذا الطلب، وكان هذا أيضا تدخلا في ~~شئون الجامعة لا مبرر له، فلم يتم امتحاني. # وشعر بعض إخواني من أساتذة الجماعة وأعضاء لجنة التأليف بعدم عدالة هذا التصرف، فأقاموا ~~حفلة تكريم لي، وكان ذلك سنة 1935، وانتهزوا فرصة مرور عشرين سنة على لجنة التأليف والترجمة ~~والنشر ورياستي لها طوال هذه المدة، فسألتهم العدول فلم يقبلوا، وسألتهم أن تكون الحفلة ~~صامتة فلم يقبلوا أيضا، وأقاموا بالفعل حفلة ضخمة دعوا إليها أعضاء لجنة التأليف وكبار رجال ~~المعارف وكبار رجال السياسة من مختلف الأحزاب، وأقاموها في «سنت جيمس» وقسموها إلى موائد، ~~وعلى كل مائدة رئيس من علية القوم، فمائدة يرأسها مدير الجامعة أحمد لطفي السيد، وأخرى ~~المرحوم أحمد ماهر، وثالثة المرحوم الدكتور على إبراهيم، ورابعة المرحوم إبراهيم الهلباوي، ~~وخامسة المرحوم عبد العزيز فهمي، وسادسة المرحوم الشيخ محمد مصطفى المراغي، والأستاذ أحمد ~~لطفي السيد، والمستشرق الكبير نللينو، وقد افتتح خطبته بقوله «إن عند الرومانيين قولة ~~مشهورة: أنه يحق لكل إنسان أن يجن مرة، وأريد أن أجن هذه المرة فأخطبكم باللغة العربية»، ~~كما كان من الخطباء الدكتور عبد الوهاب عزام والدكتور عبد السلام الكرداني والأستاذ محمد ~~كرد علي، ورددت عليهم آخر الأمر خجولا متواضعا شاكرا، ومما قاله الدكتور علي إبراهيم في هذه ~~الحفلة: إنه لو استطاع أحد أن ينظم مثل هذا ms162 الاحتفال ويجمع رؤساء الأحزاب والسياسة كما ~~جمعوا في هذا الحفل، ويؤلف بينهم في موضوعات الخلاف كما ألف بينهم اليوم لكان هذا نجاحا ~~سياسيا باهرا. وقد أثرت هذه الحفلة في نفسي أكبر الأثر، واغتبطت بها أكبر الاغتباط، وعددتها ~~مكافأة أكبر من نجاحي في الدكتوراه. # ولكن لا يصفو الزمان حتى يكدر، ولا يحسن حتى يسيء، فعقب هذا الحفل بأيام شعرت بخمود شديد ~~في جسمي، وانقباض في صدري فعرضت نفسي على الطبيب فقرر أني أصبت بالبول السكري، وألزمني ~~الصوم عن الأكل إلا السوائل أياما، ثم السير بعد ذلك على نظام في الأكل دقيق تتجنب فيه ~~النشويات والسكريات، ومن ذلك الحين دخلت في حياتي حقن الأنسولين، وقد صحبني هذا المرض - إلى ~~الآن - خمس عشرة سنة، أحاوره ويحاورني، ويصادقني أحيانا ويعاديني، وأمتنع من أجله عما ~~أشتهي، وأتجنب الجهد الشاق على غير رغبتي، وأحيانا يرميني بالأفكار الحزينة وألوان الحياة ~~القاتمة، وأحمد الله إذ لم يكن من الشدة كما هو عند غيري. # وبعد ذلك أريد أن يمنح غيري الأستاذية من غير دكتوراه، وأحرم أنا لمواقفي السابقة في ~~المحافظة على استقلال الجماعة، فطلبت أن تؤلف لجنة لبحث مؤلفاتي، فاختيرت لذلك لجنة من ~~الأستاذين المستشرقين الدكتور شاده والدكتور برجستراسر، فقرآ فجر الإسلام وضحاه، وقدما ~~تقريرا باستحقاقي الأستاذية على هذين الكتابين، وقالا: إن عيبي الوحيد في تأليف هذين ~~الكتابين هو أن هناك بحوثا في بعض موضوعات الكتابين عرض لها بعض الأساتذة الألمان، ولو اطلع ~~عليها المؤلف لبنى عليها ولم يتعب نفسه في بحث أساسها؛ ولكن وزارة المعارف أخفت هذا التقرير ~~لأنه مخالف لما كانت تأمل، فطلبت من العميد أن يطلب التقرير من الوزارة، فماطلت، ثم بعثته ~~وعطلت أثره في مجلس الجامعة، ولم أحصل على الأستاذية إلا بعد عناء وبعد أن هدأت النفوس وبعد ~~أن قدمت استقالتي لأني لم أعامل معاملة زملائي. # ووقع علي الاختيار لأكون ممثلا لكلية الآداب في مجلس الجامعة، فاستمررت على ذلك نحو عشر ~~سنين، وقد مهد لي ذلك السبيل إلى سعة اختباري وكثرة تجاربي؛ فمجلس الجامعة يتكون ms163 من عمداء ~~الكليات وبعض كبار الأساتذة من كل كلية ومن وكيل وزارة المالية ووكيل وزارة المعارف وبعض ~~كبار البلد يعينون لخبرتهم العلمية، من رؤساء الوزارة أو وزراء سابقين، أو نحو ذلك، فكان ~~هذا المجلس يمثل أعقل مجلس بمصر، شاهدت فيه العقليات المصرية الكبيرة كيف تتصرف بالأمور، ~~وكيف تتكون لديها الآراء، والعوامل التي تعمل في اتجاهاتها وتكوينها، وكيف يتناقشون وكيف ~~يحتجون. والحق أنه كان يستولي علي الوهم أن الرجل إذا كان ذا منصب كبير في الماضي أو الحاضر ~~فذلك عنوان عبقريته ودليل نبوغه، وأن له من الآراء ما يفوق كل رأي، ومن الأفكار ما يتضاءل ~~أمامها كل فكر، فزال هذا الوهم بهذا المجلس، ورأيت هؤلاء الكبراء يفكرون كما يفكر الناس ~~ويخطئون كما يخطئ الناس، وتتغلب عليهم الأهواء - أحيانا - كما تتغلب على سائر الناس. # وكان من تجاربي أن رأيت أكثر الناس يسيرون مع العظماء في آرائهم وأفكارهم ولو اعتقدوا ~~بطلانها، ولكن إذا تشجع أحد ودافع عن الحق وجهر به وصمم عليه تبعه هؤلاء وانضموا إلى جانبه ~~ضد العظماء فليس عندهم من الشجاعة ما يبدئون به قول الحق، ولكن ليس عندهم أيضا من السفالة ~~ما يناهضون به قائل الحق. # ولقد شعرت في هذا المجلس بفضل «عاطف بركات» وما علمنيه من قول الحق ولو كان مرا، ~~والانتصار له ولو أوذيت في سبيله. وحدثت حادثة في أول انتخابي لمجلس الجامعة كانت محك ~~الاختبار، فإما سير مع التيار حقا كان أو باطلا، وإما التزام للحق مهما استتبع من الضرر، ~~وصدق الحديث: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» فقد أعلن عن كرسي لأستاذ القانون الروماني في ~~كلية الحقوق. فتقدم إليه بعض العلماء أفضلهم أستاذ إيطالي وأستاذ فرنسي. قرأنا المؤهلات ~~ففضلنا الأستاذ الإيطالي # 1 # لعظم مؤلفاته العالمية في الموضوع، وفضلت وزارة المعارف أو بعبارة أدق - وزير ~~المعارف # 2 ~~- الأستاذ الفرنسي لاعتبارات نجهلها، ولم يكن معنا وزير المعارف. ولكن كان ~~وكيله # 3 # عضوا في المجلس يتكلم برأي ويدافع بفصاحة وقوة عن اتجاهه. فوقفت مع اثنين من ~~زملائي بجانب الأستاذ الإيطالي، ms164 وشغل الموضوع مجلس الجامعة عدة جلسات، كلما أقحمناهم بالحجج ~~أجلوا الموضوع لإعداد حجج أخرى، وأخيرا بعث إلي وزير المعارف فقابلته وكلمني في موضوع آخر ~~ليس هو الغرض من الدعوة فلما استأذنت في الانصراف قال: إنه بلغه أني أعارض أشد المعارضة في ~~تعيين الأستاذ الفرنسي، وأن هناك اعتبارات تجعله أليق وأنسب، فقلت أظن أن معالي الوزير يسره ~~أن يرى رجاله يدافعون عما يعتقدون أنه الحق، وأنهم يتحدثون بما في ضمائرهم وكما يتجلى الحق ~~أمام أعينهم، وسلمت عليه وانصرفت، وأخيرا تقرر في مجلس الجامعة تعيين الأستاذ الإيطالي، ~~فكان هذا نجاحا باهرا شجعني على المضي في هذا الطريق، وأشهد الله أني التزمته في كل ما عرض، ~~وأني اتخذت المسائل المعروضة كالقضايا التي كانت تعرض علي إذ كنت قاضيا أنظر إليها وأدرسها ~~وأسمع حجج المتخاصمين فيها، وأحكم حكما موضوعيا لا شان فيه لعواطفي ومشاعري ما ~~أمكنني. # وقد استفدت من هذا المجلس تجربة أخرى، وهي أن كثيرا من الناس يتضايقون من المعارض وقد ~~يحاولون إيذاءه والتنكيل به، ولكنهم إذا تيقنوا أنه إنما يدافع عما يعتقد، وأنه إذا دافع ~~بأدب، وفي لياقة ولباقة، من غير أن يمس شعورهم وكرامتهم كان موضع الاحترام والإجلال ~~والكرامة من مؤيديه وخصومه معا. # وكثيرا ما كانت تعرض مسائل شائكة، فأقف فيها - مع بعض إخواني - الموقف نفسه؛ يجتمع المجلس ~~- مثلا فيقرر فصل طلبة لأنهم مشاغبون، ومن حزب غير حزب الحكومة، فإذا جاء حزبهم وتولى الحكم ~~عرض على المجلس إرجاعهم والعفو عنهم فيرجعون، فكنت شديد المعارضة لهذا التصرف مما يغضب ~~هؤلاء وهؤلاء. # ومرة أوعز إلينا بمنح درجات دكتوراه فخرية لبعض الأجانب الأوروبيين وهم في الخارج، وكان ~~إيعازا قويا، ولم أتبين أنا وزملائي وجه الحق في هذا المنح، فوقفنا نعارض في منحهم هذه ~~الدرجات، وأخذ القرار بمنحهم بالأغلبية ولكني غضب على غضبة شديدة. وفكر في إخراجي من مجلس ~~الجامعة بل من الجامعة كلها، ثم لا أدري ماذا حدث حتى انتهت المسألة بسلام. # ولا أنسى مرة قرر مجلس الجامعة إرسال خطاب شكر للطفي باشا السيد ms165 عقب أن ترك مجلس الجامعة، ~~ولكن الحكومة كانت غاضبة عليه، فلم يرسل الخطاب إليه، ثم تبدلت الحكومة، وجاءت حكومة أخرى ~~مؤيدة للطفي باشا، فأرسل الخطاب، فوقفت في المجلس ويدي ترتعش وصوتي يتهدج، ألوم القائمين ~~بالأمر على هذا التصرف، وأستحث الأعضاء على احترام كلمتهم والحرص على تنفيذ آرائهم، وهكذا ~~وهكذا، فكانت كل جلسة درسا مفيدا وأحيانا درسا قاسيا. # وقابلني مرة الأستاذ مكي الناصري، المغربي المراكشي، وأخبرني أن المنطقة الخليفية ~~وعاصمتها تطوان قد رأت من الخير أن ترسل بعثة إلى مصر من الطلبة المغاربة المراكشيين وأنه ~~يريد مني الإشراف عليها وأنه يمد المشروع كل شهر بما يلزمه فقبلت. # واستأجرنا مكانا لبعثة الطلبة وكانوا نحو عشرين بعضهم يتعلم في كلية الآداب وبعضهم في دار ~~العلوم وبعضهم في مدارس صناعية، ورتبت لهم معيشتهم في البيت ومن يشرف عليهم، ومن يشرف على ~~صحتهم، وأجرت لهم ناديا للاجتماع ولإلقاء المحاضرات المناسبة وربطت المشروع بلجنة التأليف ~~فنشرت كتبا كثيرة على حساب بيت المغربي هذا: مثل أكثر أجزاء «أزهار الرياض، للقاضي عياض» ~~وترجمة كتاب «الحضارة الإسلامية» للأستاذ متز وكتاب في النهضة الغربية وأسسها، وأزمعت إخراج ~~أطلس جغرافي يشمل بلاد المغرب جميعها، ورجوت المختصين في هذا الموضوع أن يقوموا به. ولم ~~يمنع من إخراجه إلا قيام الحرب العالمية الثانية، وغلاء الورق، والطبع، وأخيرا حارب المشروع ~~دولتا إسبانيا وفرنسا، فقضيتا عليه. فكان هذا أيضا مما استنفد مجهودا كبيرا مني. # وفي أول إبريل سنة 1939 كان قد خلا مركز عميد كلية الآداب بعد أن تولاه من المصريين ~~الدكتور طه حسين والدكتور منصور فهمي والأستاذ شفيق بك غربال، ونظام الجامعة يقضي بأن مجلس ~~الكلية يختار ثلاثة من بين الأساتذة يعين أحدهم وزير المعارف، فاختير ثلاثة وكنت أكثرهم ~~أصواتا فيعينني المرحوم محمود فهمي النقراشي باشا عميدا، وقد عجبت أنا نفسي من هذا ~~الاختيار، فأنا رجل دخيل على الجامعة بحكم تربيتي الأزهرية الأولى وتربيتي شبه الأزهرية في ~~مدرسة القضاء، وأنا رجل لم أتعلم في جامعة مصرية ولا أجنبية، وأنا رجل لم يتعلم لغة أجنبية ms166 ~~إلا ما تعلمته من اللغة الإنجليزية بعناء وبقدر محدود، فكيف أختار لهذا المنصب وأرأس ~~الأساتذة الأجانب والأساتذة المصريين ممن تعلموا في الجامعات الأوروبية ونحو ذلك؟ الحق أني ~~أكبرت هذا كله وشعرت بالمسئولية الكبرى الملقاة على عاتقي، ولكني تذكرت قول المرحوم الشيخ ~~محمد عبده: «إن الرجل الصغير يستعبده المنصب، والرجل الكبير يستعبد المنصب» أو ما معناه ~~ذلك. # ها أنذا في عمادة كلية الآداب، قد شغل وقتي كله بأعمال إدارية أكثرها لا قيمة له، فكل ~~الأوراق تعرض علي حتى شراء مكنسة، وكل أعمال الطلبة والأساتذة تعرض علي حتى الكلمة النابية ~~يلفظها طالب، إلى شكاوى الطلبة وما أكثرها! وتزاحم المدرسين والأساتذة على العلاوات ~~والدرجات وتسوية الحالات وما أصعبها! فكان هذا يشغل وقتي، حتى لا أستطيع أن أفرغ للعلم إلا ~~قليلا، ولا أن أفرغ للنظر في المسائل الأساسية كمناهج التعليم وطرق التربية إلا بقدر، وهذه ~~عدوى من نظام الحكم في مصر حيث تتركز الأعمال كلها في يد رئيس المصلحة، وما كان أحرى ~~الجامعة أن تتخلى عن ذلك، وتوزع الاختصاص ويتفرغ العميد للمسائل المهمة، ولكن أنى لنا ~~ذلك! # مكثت على هذه الحال سنتين وأنا آسف على ضياع وقتي ووقوف عملي العلمي، فلم أؤلف في هذه ~~الفترة كتابا، ولم أتمم بحثا، وأنا ضيق الصدر بكثرة الطلبات والشكايات والعلاوات والدرجات، ~~ولكن أحمد الله إذ لم أكن أقل شأنا من غيري في إدارة الكلية بشهادة غيري. # وكانت مدة العمادة ثلاث سنوات حسب القانون، ولكن حدث بعد سنتين أن اختلفت وجهة نظري مع ~~وجهة نظر وزير المعارف إذ ذاك، فتصرف في أمر هام من أمور الكلية من غير أخذ رأيي، فاعترضت ~~على ذلك فاعتذر، وتكرر هذا الأمر ثانية فكان شأنه كذلك، ثم قرأت في الجرائد أن عددا كبيرا ~~من مدرسي كلية الآداب وأساتذتها صدر قرار بنقلهم إلى الإسكندرية من غير أن يكون لي علم بشيء ~~من ذلك، فقدمت استقالتي من العمادة وصممت عليها فقبلت، وحمدت الله أن تحررت منها ورجعت ~~أستاذا كما كنت، وبدأت أتمم سلسلة فجر الإسلام وضحى ms167 الإسلام على النحو الذي رسمت، فأخرجت ~~الجزء الأول من ظهر الإسلام. # وشاعت مرة شائعة بعد تغير الوزارة أني سأعود عميدا وسألني صحفي عن ذلك فقلت: «إنني أصغر ~~من أستاذ وأكبر من عميد». # وحاولت أثناء عمادتي أن أحقق ثلاث مسائل لم أنجح فيها كثيرا. # الأولى: تنظيم الحياة الاجتماعية في الكلية، فقد رأيت أن الحياة فيها مقتصرة على دروس ~~تلقى ودروس تسمع من غير أن يكون هناك حياة اجتماعية ترفه عن الطلبة وتوثق الصلة بينهم وبين ~~أساتذتهم وتقلل من إضرابهم، فاتجهت إلى نادي الكلية أجهزه بمختلف الوسائل ليكون أداة صالحة ~~لتنظيم الحياة الاجتماعية، وعهدت إلى بعض الأساتذة ممن تعلموا في جامعات أوروبة أن يحاضروا ~~الطلبة محاضرات عامة في نظم الجامعات الألمانية والفرنسية والإنجليزية، وبخاصة في نظم ~~الحياة الاجتماعية ونحو ذلك. # والثانية: أني حاولت تحسين العلاقة بين الطلبة والأساتذة من ناحية الإشراف الخلقي، فأردت ~~أن أخصص كل أستاذ لعدد من الطلبة يشرف عليهم إشرافا أبويا، يفضون إليه بمشاكلهم المالية ~~والنفسية والاجتماعية ويحاول هو علاجها ويعينهم على ذلك من الناحية المالية بمال ~~الاتحاد. # والثالثة: محاربة الطريقة التي يتبعها كثير من الأساتذة من قلبهم المحاضرات إلى دروس ~~إملاء، فهم يملون على الطلبة ما حضروا، أو يوزعون عليهم مذكرات مختصرة، وكنت أرى في هذا ~~إماتة للروح العملية الجامعية، وإنما المنهج الصحيح إرشاد الطلبة إلى مرجع الدرس ثم إلقاء ~~الأستاذ المحاضرة وتقييد الطلبة بأنفسهم لأنفسهم النقط الهامة مما فهموا واعتمادهم على ~~أنفسهم في ذلك. # وعلى كل حال لم أحقق من هذه المطالب الثلاثة ما كنت أتمنى. # هذا وقد ترددت طويلا في كتابة هذه الفصول الأخيرة لأن فيها لونا من ألوان التقريظ النفسي، ~~وهو لون لا أحبه وقد لا يحبه القارئ، ولكنني فضلت أن أقوله لأنه - على الأقل - يصور للقارئ ~~عقيدتي في نفسي. # وأثناء عمادتي وقع الاختيار علي لأكون عضوا بمجمع فؤاد الأول للغة العربية في عهد وزارة ~~الدكتور محمد حسين هيكل فساهمت في العمل فيه ما أمكنني، وقد شاهدت فيه نوعا من المجتمع من ~~طراز خاص، تسوده ms168 - بحكم طبيعته - نزعة المحافظة، وكراهة الثورة والتجديد، والبطء في العمل ~~وكثرة الجدل، ومع هذا فقد فتح لي آفاقا في الوقوف على مشاكلنا اللغوية والأدبية، ومكنني من ~~الإطلاع على كثير من آراء الباحثين والمفكرين. # وكانت مأساة العمادة أني فقدت بها صداقة صديق من أعز الأصدقاء وما أقل عددهم. كان يحبني ~~وأحبه، ويقدرني وأقدره، ويطلعني على أخص أسراره وأطلعه، وأعرف حركاته وسكناته ويعرفها عني، ~~ويشاركني في سروري وأحزاني وأشاركه، وكنت هواه وكان هواي، واستفدت من مصادقته كثيرا من ~~معارفه وفنه ووجهات نظره، سواء وافقته أو خالفته، فأصبح يكون جزءا من نفسي ويملأ جانبا من ~~تفكيري ومشاعري، على اختلاف ما بيننا من مزاج ، فهو أقرب إلى المثالية وأنا أقرب إلى ~~الواقعية، وهو فنان يحكمه الفن وأنا عالم يحكمه المنطق، وهو يحب المجد ويحب الدوي، وأنا أحب ~~الاختفاء وأحب الهدوء، وهو مغال إذا أحب أو كره، وأنا معتدل إذا أحببت أو كرهت، وهو نشيط في ~~الحكم على الأشخاص وعلى الأشياء وأنا بطيء، وهو عنيف إذا صادق أو عادى، وأنا هادئ إذا صادقت ~~وعاديت، وهو واسع النفس أمام الأحداث، وأنا قلق مضطرب غضوب ضيق النفس بها، وهو ماهر في ~~الحديث إلى الناس فيجذب الكثير، وليست عندي هذه المقدرة فلا أجتذب إلا القليل، وهو في ~~الحياة مقامر يكسب الكثير في لعبة ويخسره في لعبة، وأنا تاجر إن كسبت كسبت قليلا في بطء وإن ~~خسرت خسرت قليلا في بطء، يحب السياسة لأنها ميدان المقامرة وأنا لا أحبها إذ لا أحب ~~المقامرة؛ ولعل هذا الخلاف بيننا في المزاج هو الذي ألف بيننا، فأشعره أنه يكمل بي نقصه ~~وأشعرني أني أكمل به نقصي، جاءت العمادة مفسدة لهذه الصداقة، لأنه - بحكم طبيعته - أراد أن ~~يسيطر وأنا بحكم طبيعتي أردت أن أعمل ما أرى لأني مسئول عما أعمل، ثم ولي منصبا أكبر من ~~منصبي يستطيع منه أن يسيطر على عملي. فأراد السيطرة وأبيتها، وأراد أن يحقق نفسه بأن ينال ~~من نفسي فأبيت إلا أن أحتفظ بنفسي، فكان من ذلك كله صراع ms169 أصيبت منه الصداقة، فحزن لما ~~أصابها وحزنت، وبكى عليها وبكيت. # | الفصل الثلاثون # وماتت أمي وأنا أستاذ بكلية الآداب سنة 1936 وقد ناهزت الثمانين، وكانت من أسرة من «تلا» ~~بالمنوفية انتقلت إلى القاهرة لأسباب لا أدريها، واشتغل رجالها بالتجارة، فكان خالاي تاجري ~~«عطارة» في الغورية. # وكانت أمي طيبة القلب أقرب إلى السذاجة، وكانت - كأكثر نساء وقتها أمية لا تقرأ ولا تكتب، ~~وكانت محبوبة من أهل حارتها لطيب قلبها، وكنت شديد الحب لها والإشفاق عليها، لأنها تألمت ~~كثيرا في حياتها، فقد مات من أولادها وهم في شبابهم، وعاملها أبي معاملة شديدة قاسية، سلبها ~~كل سلطتها وكبت شخصيتها وحرمها دائرة نفوذها، وطغى بشخصيته على شخصيتها، فعاشت كسيرة القلب ~~منقبضة النفس، لا يحملها على البقاء في البيت إلا حبها لأولادها، فكانت تحتمل ذلك كله وتطيل ~~الاحتمال، وتصبر وتطيل الصبر، وتحن علينا، وإذا غضب علينا أبونا احتمينا بحنوها وأنسنا ~~بعطفها. # ولهذا لما كان لي من الأمر شيء جهدت أن أريحها وأسعدها وأقضي دينها، وكم كنت أتمنى أن ~~تعيش معي بعد وفاة أبي لأطالع وجهها وأتلقى دعواتها صباح مساء، ولكن صممت أن تكون في حيها ~~بين جيرانها، وخشيت أن ينالها أذى ولو قليل من العداء الطبيعي بين الزوجة والأم، فجاريتها ~~على رأيها وخضعت لمشورتها. # فقدتها وأنا كبير ولي زوجة وأولاد، ومع هذا أحسست بفقدها فراغا لم يملأه شيء، وبذلت جهدي ~~في إراحتها، حتى لما هرمت كنت لا أستريح إلى سفري إلى الإسكندرية للتصييف إلا إذا كانت معي، ~~أستبشر كل يوم برؤيتها والجلوس إليها، ومع هذا لا أرى أني قضيت لها بعض دينها، وكانت تبشرني ~~من صغري بأني سأكون أسعد أولادها، لأنها رأت ليلة في منامها أني كنت بجانبها أسير معها، ~~فدخلنا بيتا فتح لنا فيه كنز، وإذا غرف مملوءة ذهبا، فأمرتني أن أملأ حجري منه على عجل فقال ~~لها الملك الموكل بالكنز: لا تعجلي فكل هذا لابنك هذا، ففرحت بهذا الحلم واعتقدت صحته ~~واستبشرت به، وصارت تعيده علي في كل مناسبة وفي جميع أدوار عمري إلى ms170 أن ماتت. # سخية اليد على قلة ما تملك، لا تعبأ بالمال إلا ما يضمن معيشتها، فلما ركنت إلي ووثقت بي ~~تنازلت عن مالها لأولادها. لم أسمع منها يوما تفكيرا في تدبير مال، ولا شكوى حال، ولا حسدا ~~لغنى ولا اعتراضا على قدر، شأنها في ذلك شأن أخوالي، فليس منهم إلا من عاش عيشة طيبة وكسب ~~كثيرا ومات فقيرا. # ساذجة في تفكيرها وفي حديثها وفي تصرفها وفي تصديق كل ما يقال لها. # فإن كان لي شيء من عناد وقوة إرادة وجلد على العمل وصبر على الدرس وسرعة غضب وميل إلى ~~الحزن وكثرة تفكير في العواقب، فذلك كله من أبي رحمه الله. # وإن كان في شيء من سذاجة، وعدم حرص على مال، وحزن على أني حزين، وحسن ظن بالناس فيما ~~يقولون ويفعلون، وندم على غضب، وسرعة تحول من غضب إلى هدوء ومن سخط إلى رضا، فذلك كله من ~~أمي، رحمها الله. # وهل نحن إلا صور جديدة لآبائنا، يعيشون فينا، ويحلون في جسومنا ونفوسنا. # | الفصل الحادي والثلاثون # ترك العمادة وعدت أستاذا وخلت يدي من كل سلطة إدارية، وأتت وزارة لا تعدني من رجالها، فلم ~~يكن لي من شأن في علاوات وترقيات، وليس لي قبول في شفاعات، وإذ ذاك سفرت لي وجوه قبيحة من ~~إنكار الجميل وقلة الوفاء. # هذا كان صديقي يوم كنت أستطيع نفعه، فلما سلبت مني هذه القدرة تلمس الوسائل ليكون عدوى، ~~فإن لم يجد أسبابا اختلقها، وإن لم يجد فرصة لإظهار هذه الخصومة تعمد إيجادها، وهؤلاء الذين ~~كانوا يتهافتون على إقامة حفلات تكريم لي يوم انتخبت عميدا، فأرفضها وأرفضها، لم يفكروا في ~~إقامة حفلة وداع يوم تركت العمادة. # وهذه التليفونات التي كانت تدق كل حين للسؤال عن صحتي، وطلب موعد لزيارتي، لإظهار الشوق ~~أولا، والاطمئنان على صحتي ثانيا، والرجاء في قضاء مسألة ثالثا، لم تعد تدق إلا للأعمال ~~الضرورية التي ليس منها سؤال عن صحة، ولا إعلان أشواق. # وهذا صندوق البريد الذي كان يمتلئ بالخطابات المملوءة بالطلبات والرجاوات أصبح فارغا إلا ms171 ~~من خطابات عائلية أو مسائل مصلحية. # وهذه أيام الأعياد التي كان يموج فيها البيت بالزائرين من الصباح إلى المساء يهنئون ~~بالعيد، أصبحت كسائر الأيام، أجلس فيها على المكتب فأقرأ وأكتب، ولا سائل ولا مجيب. # وهذه صورة للناس لم تكن جديدة علي، فقد قرأت مثلها في المكتب كثيرا، وسمعت عنها في ~~الأحاديث كثيرا، وشاهدتها في غيري كثيرا، ولكن لعل أسوأها أثرا في نفسي ما شاهدته من قلة ~~الوفاء في بعض طلبتي، فقد كنت أعتقد أن الرابطة العلمية فوق كل الروابط، وأن حق الأستاذية ~~فوق كل الحقوق، أما أن طالبا يخرج على أستاذ ويخاصمه، ويقدح فيه بالكذب والأباطيل فشيء لم ~~أكن رأيته، فلما رأيته استعظمته، وحز في نفسي وبلغ أثره أعماق قلبي؛ لم أعد بعد ذلك أثق ~~بالناس كما كنت أثق، ولا أركن إليهم كما كنت أركن، فكانت إذا حدثت فصول من هذا القبيل تكسرت ~~النصال على النصال: # وصرت أشك فيمن أصطفيه # لعلمي أنه بعض الأنام # وعدت إلى الكتاب فهو أوفى وفي وخير صديق. # ها أنا أعود إلى كتبي ومكتبتي، وأبدأ في إعداد الجزء الأول من ظهر الإسلام، والاشتراك في ~~نشر كتاب الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي، وأضع - مع الأستاذ زكي نجيب - خطة في وضع ~~كتاب قصة الفلسفة اليونانية، ثم قصة الفلسفة الحديثة في جزءين، ثم قصة الأدب في العالم في ~~أربعة أجزاء، وأشارك في تأليفها وإنجازها، وأجد بعد ذلك من الفراغ ما يمكنني من الاشتراك في ~~المجالس العلمية والإشراف على أعمال لجنة التأليف والترجمة والنشر ونحو ذلك - حياة علمية ~~هادئة لذيذة، لا خصومة فيها ولا رجاء فيها ولا أخذ ولا رد فيها. وهذا هو ما يتفق ومزاجي، ~~فأنا لا أحب الجاه بالقدر الذي يجعلني أتحمل متاعب المنصب الإداري وما فيه من ضياع وقت ~~واضطراب بال. # وقد كان بجانب عملي العلمي في البحث والتأليف والنشر أن اتجهت اتجاها أدبيا كان امتدادا ~~لما بدأت به في الأيام الأولى من حياتي يوم اشتركت في تحرير السفور، في سنة (1933) فكر ~~الأستاذ أحمد حسن الزيات في ms172 أن يشترك مع بعض أصدقائه من لجنة التأليف في إخراج مجلة ~~الرسالة، وكنت أحدهم، فكنت أكتب في كل أسبوع - تقريبا - مقالة، وكان هذا عملا أدبيا يلذ ~~نفسي بجانب بحثي العلمي، فأنا كل أسبوع أفكر في موضوع مقال وأحرره، واضطرني ذلك إلى قراءه ~~كثير من الكتب الإنجليزية أستعرض فيها ما يكتب وكيف يكتب، وأعتمد أكثر ما أعتمد على وحي ~~قلبي أو إعمال عقلي أو ترجمة مشاعري، وكانت مقالاتي تتوزعها هذه العوامل الثلاثة. # وأكثر ما اتجهت في هذه المقالات إلى نوع من الأدب تغلب عليه الصبغة الاجتماعية والنزعة ~~الإصلاحية، فهذا أقرب أنواع الأدب إلى نفسي وأصدقها في التعبير عني، وخير الأدب ما كان ~~صادقا يعبر عما في النفس من غير تقليد، ويترجم عما جربه الكاتب في الحياة من غير تلفيق، ~~ولقد اطمأننت إلى هذا النوع من الكتابة، إذ كان يفتح عيني للملاحظة والتجربة. ويسري عن نفسي ~~بالإفراج عما اختزنته من حرارة. فكنت أشعر بعد كتابة المقالة كما يشعر المحزون دمعت عينه أو ~~المسرور ضحكت سنه. وكنت أحس كأن نحلة تطن في أذني لا تنقطع حتى أكتب ما يجيش في صدري، فإذا ~~استولى موضوع المقالة على ذهني فهو تفكيري إذا أكلت أو شربت، وحلمي إذا نمت؛ وعمل لاوعيي ~~الباطن إذا شغلت، ولهذا انقلبت هذه الظاهرة إلى عادة، ومن عادة إلى (كيف) متسلطن كما يشعر ~~مدمن الدخان أو مدمن الخمر. # ولي تجربة في هذا الباب؛ وهي أني إذا عمدت إلى إعداد بحث علمي كفصل من فصول فجر الإسلام ~~أو ضحى الإسلام فأنا أرى كل وقت صالح لهذا العمل ما لم أكن مريضا، أما في المقاولات الأدبية ~~فلست صالحا في كل وقت، بل لابد أن تهيج عواطفي بعض الهياج، وتهتز نفسي بعض الاهتزاز، وأنسجم ~~مع الموضوع كل الانسجام، فإذا لم تتيسر لي كل هذه الظروف كنت كمن يمتح من بئر أو ينحت من ~~صخر. # وأحيانا أرى القلم يجري في الموضوع حتى لا أستطيع أن أوقفه، وأحيانا يسير في بطء وعلى مهل ~~حتى لا أستطيع أن ms173 أستعجله، وأحيانا يتعثر فلا أجد بدا من الإعراض عن الكتابة. ومن الصعب ~~تعليل ذلك، فقد يكون سببه صلاحية المزاج وسوءه، وقد يكون قوة الدواعي وضعفها، وقد يكون ~~الاستعداد للتجلي وعدمه. # واعتدت منذ أول عهدي بالقلم أن أقصد إلى تجويد المعنى أكثر مما أقصد إلى تجويد اللفظ، ~~وإلى توليد المعاني أكثر من تزويق الألفاظ، حتى كثيرا ما تختل (ضمائري) فأعيد الضمير على ~~مؤنث مذكرا وعلى مذكر مؤنثا، لأني غارق في المعنى غير ملتفت إلى الألفاظ، ولا أتدارك ذلك ~~إلا عند التصحيح، وقد يفوتني ذلك أيضا. ولتقديري للمعنى أميل إلى تبسيطه، حتى لأسرف أحيانا ~~في إيضاحه، لشغفي بوصوله إلى القارئ بينا ولو ضحيت في ذلك بشيء من البلاغة. # وقد تعودت من الأدب الإنجليزي الدخول على الموضوع من غير مقدمة، وإيضاح المعنى من غير ~~تكلف، والتقريب - ما أمكن - بين ما يكتب الكاتب وما يتكلمه المتكلم، وعدم التقدير للمقال ~~الأجوف الذي يرن كالطبل ثم لا شيء وراءه. ومن حبي للإيضاح أفضل اللفظ ولو عاميا على اللفظ ~~ولو فصيحا إذا وجدت العامي أوضح في الدلالة وأدق في التعبير، وأفضل الأسلوب السهل ولو لم ~~يكن جزلا إذا وجدت الأسلوب الرصين يغمض المعنى أو يثير الاحتمالات، ويدعو إلى ~~التأويلات. # ومن أجل هذا تشكك في بعض الأدباء: هل يعدونني أديبا أو عالما! ولم أقم لهذا الشك وزنا، ~~فخير لي أن أصدق مع نفسي ومع غرضي ومع ميلي من أن أزوق أسلوبي وأكذب على نفسي ليجمع الناس ~~على أدبي. # وقد اعتدت - عند كتابة مقال - أن أرسم الموضوع إجمالا لا تفصيلا، وإذا رسمته أبحت لنفسي ~~أن أغيره وأبدله إذا جد جديد. وكثير من المعاني التفصيلية تأتي وأنا أكتب لا وأنا أفكر قبل ~~أن أكتب، ولهذا لما أصبت في عيني ونهاني الأطباء عن الكتابة زمان صعب علي الإملاء، ولم أجد ~~من غزارة المعاني ما كنت أجد عند مزاولة الكتابة بنفسي. # ظللت أكتب المقالات في مجلة «الرسالة» فلما حالت الحوائل دون الاستمرار فيها أخرجت لجنة ~~التأليف مجلة «الثقافة» وعهدت إلي أن أكون ms174 مديرها، فكنت أقرأ أكثر ما يرد إليها من مقالات ~~وأحرر فيها مثل ما كنت أحرر في «الرسالة». وكان خيرا لي لو جربت قلمي في أنواع الأدب الأخرى ~~غير المقال لأجرب ملكاتي وأقف على موضع القوة أو الضعف فيها، كالقصة مثلا، وقد عالجت ذلك في ~~بعض الأحيان ولكني لم أستمر فيه، وكان من الخير أن أستمر وأنتقل من القصص القصيرة إلى القصص ~~الطويلة، فإما نجحت وإما أخفقت، ولكن فات الأوان. # وبعد أن كتبت هذه المقالات في «الرسالة» و«الثقافة» طلب إلي أن أكتب في مجلات أخرى: ~~الهلال والمصور وغير ذلك ففعلت، ولما كثرت مقالاتي جمعت بعض ما كتبت وزدت عليها وأودعتها ~~ثمانية أجزاء سميتها «فيض الخاطر». # وعلى هامش هذا طلب إلي أن أذيع أحاديث في محطة الإذاعة فأذعت، وكانت أحاديثي أشبه ما تكون ~~بمقالاتي من حيث موضوعاتها وأسلوبها، إلا أنني تعمدت في هذه الأحاديث أن تكون أسهل موضوعا ~~وأبسط تعبيرا، ونزلت في ذلك إلى أن دنوت من العامية لتناسب جمهور السامعين، ولم أر في ذلك ~~بأسا بل لقد هممت أحيانا أن أتحدث بالعامية لأني أرحم الأميين وأشباههم ألا يكون لهم غذاء ~~عقلي يستمتعون به. وأكره من الأدباء أرستقراطيتهم، فلا يكتبون إلا للخاصة ولا يتفننون إلا ~~لهم. وواجب الأدباء أن يوصلوا غذاءهم إلى كل عقل، ونتاجهم الفني إلى كل أذن، فإذا لم يفعلوا ~~فقد قصروا. وقد لفت نظري لهذا مرة أن حضر إلى مصر رجل كبير من مسلمي الصين، فتقابلنا مرارا ~~وتحدثنا كثيرا، وفي مرة عرفته بالأستاذ توفيق الحكيم، وقلت له إنه أديب كبير، فسألني هل هو ~~أديب شعب أو أديب أرستقراطي؟ فرن السؤال في رأسي، فلما قلت له هو أديب أرستقراطي، سألني: ~~فمن من أدبائكم شعبي؟ فحرت جوابا، وآلم نفسي ألا يكون لجمهور الشعب أديب، وكثيرا ما شغلت ~~ذهني مشكلة العلاقة بين اللغة الفصحى واللغة العامية وأن صعوبة اللغة الفصحي - ولاسيما من ~~ناحية الإعراب - تحول دون انتشارها في جمهور الشعب وبخاصة إذا أردنا مكافحة الأمية وتعميم ~~التعليم، فنحن لو أردنا تعميم التعليم ms175 بين الجماهير باللغة الفصحى المعربة احتجنا إلى زمن ~~طويل، ولم نتمكن من إجادة ذلك كما نتمكن إلى اليوم من إجادة تعليم المثقفين إياها. فطلبة ~~المدارس يقضون تسع سنين في التعليم الابتدائي والثانوي وأربع سنين في الجامعة ثم لا يحسن ~~أكثرهم الكتابة والقراءة، وكثيرا ما يلحنون في الإعراب. ومن أجل هذا اقترحت في بعض مقالات ~~نشرتها وفي محاضرة في المجمع اللغوي أن نبحث عن وسيلة للتقريب، واقترحت أن تكون لنا لغة ~~شعبية ننقيها من حرافيش الكلمات (على حد تعبير ابن خلدون) ونلتزم في أواخر الكلمات الوقف من ~~غير إعراب، وتكون هي لغة التعليم ولغة المخاطبات ولغة الكتابة للجمهور؛ ولا تكون اللغة ~~الفصحى المعربة إلا لغة المثقفين ثقافة عالية من طلبة الجامعة وأشباههم، وإلا الذين يريدون ~~أن يطلعوا على الأدب القديم ويستفيدوا منه وبهذا تكسب اللغة العامية والفصحى معا، فاللغة ~~الفصحى الآن لا تتغذى كثيرا من استعمال الكلمات اليوم، وهذا الاستعمال اليومي في الشارع وفي ~~البيوت وفي المعاملات من طبيعته أن يكسب اللغة حياة أكثر من حياتها بين الدفاتر، وفي ~~الأوساط الخاصة، ويكسب اللغة العامية رقيا يقرب من الفصحى، وهو يمكننا من نشر الثقافة ~~والتعليم لجمهور الناس في سرعة، ويمكننا من تقديم غذاء أدبي لقوم لا يزالون محرومين منه إلى ~~اليوم. وهو إجرام كبير كإجرام حبس البريء وتجويع الفقير، ولكن هذا الاقتراح لقي معارضة ~~شديدة بل وتجريحا عنيفا. # | الفصل الثاني والثلاثون # انتدبت - وأنا أستاذ بكلية الآداب - مديرا للإدارة الثقافية بوزارة المعارف وكان ذلك سنة ~~1945، ووزير المعارف إذ ذاك الدكتور عبد الرزاق السنهوري، وهي إدارة ليس لها أول يعرف ولا ~~آخر يوصف، واختصاصها واسع سعة لا حد لها لمن شاء أن يعمل، وضيق أشد الضيق لمن شاء ألا يعمل، ~~ومن اختصاصها النظر في الأساتذة الذين يندبون إلى الأقطار العربية، والطلبة الشرقيين حين ~~يريدون الدخول في المدارس المصرية، وتنظيم العلاقة بين مصر والبلاد الشرقية والبلاد ~~الأجنبية في الشئون الثقافية، وتنظيم الإذاعة المدرسية، وتنظيم الحياة الاجتماعية للطلبة ~~خارج المدرسة، واستخدام السينما في الثقافة وغير ذلك. ms176 # وقد نشأت عندي فكرة لا أدري من أين نبتت، فقد لاحظت خطأ وزارة المعارف في قصرها جهودها ~~على التعليم داخل جدران المدرسة، مع أن في عنقها تثقيف الشعب بأجمعه في المدارس وغير ~~المدارس بالصور المختلفة، وخطأ آخر وقعت فيه وهو فهمها أن نشر الثقافة لا يكون إلا بواسطة ~~تعليم القراءة والكتابة، مع أنه يمكن نشر الثقافة بواسطة السمع، وبواسطة عرض الأشرطة ~~السينمائية على الناس ونحو ذلك من وسائل من دون القراءة والكتابة؛ وقد كنت قرأت نتفا عن ~~تعليم الكبار في الممالك الأجنبية، فعكفت - أنا وشابان ممن يعملون معي في الإدارة الثقافية ~~- على قراءة الكتب التي تصف النظم التي اتبعت في هذا السبيل، فنحن نجتمع كل يوم عصرا في ~~حجرة متواضعة في لجنة التأليف والترجمة، نقرأ ونترجم وندرس ونبحث: أي هذه النظم يصلح لمصر، ~~وأيها لا يصلح، ونضع تقريرا مفصلا عن هذه الفكرة التي سميناها. «الجماعة الشعبية»، والتي ~~سميت فيما بعد «بمؤسسة الثقافة الشعبية»، يشتمل على نوع من الطلبة والطالبات الذين تلقي ~~عليهم المحاضرات من غير تقييد بسن ولا رغبة في شهادة ولا امتحان عند الدخول، كما يشتمل على ~~شعب الدراسة من دراسة مهنية ودراسة نظرية وبرنامج مائع لكل هذا، يمكن تحويله حسب الظروف ~~والمناسبات، فإذا جدت مسألة فلسطين مثلا ألقيت محاضرات عن فلسطين، وإذا جدت رغبة في تعلم ~~الآلة الكاتبة أنشأنا لها فرعا. ومن حيث الإدارة فقد اقترح لها مجلس إدارة من خيار الرجال ~~في مصر للإشراف عليها. ومن حيث المكان، فمدارس وزارة المعارف والورش الصناعية والميكانيكية ~~أمكنة للجامعة الشعبية، ومدارس البنات أمكنة لتعليم البنات والسيدات. ومن حيث مدرسوها ~~ومدرساتها، فكل المدرسين والمدرسات بوزارة المعارف صالحون لأن نختار منهم أساتذة الجامعة ~~الشعبية. ومن حيث الزمان فهو في المساء من الخامسة إلى الثامنة. # وعرض كل هذا على وزير المعارف فقبله وشجع الفكرة، ورصد لها نحو عشرة آلاف جنيه للبدء بها، ~~وأدخلت في خطاب العرش، وأصبحت حقيقية بعد أن كانت خيالا، وأعلن عن الجامعة الشعبية وشعبها، ~~فكثر الإقبال عليها ونجحت نجاحا يدل ms177 على أن حاجة الناس كانت ماسة إليها، وكلما ظهرت فيها ~~بعض العيوب تدوركت بقدر المستطاع، واتسعت شيئا فشيئا، وزادت ميزانيتها شيئا فشيئا، وبعد ~~أن اقتصرت الفكرة أول أمرها على القاهرة عممت في سائر الأقاليم تقريبا، وأصبح موظفو ~~السينما ينتقلون إلى العمال والفلاحين في القرى وإلى المصانع، يعرضون الأفلام الثقافية، ~~ومعهم بعض المحاضرين، وترى فيها الموظف الكبير والعامل الصغير يدرسان جنبا إلى جنب فنا ~~جديدا، وترى السيدة وبنتها بجانبها تتعلمان تدبير المنزل، والطبخ والخياطة وما إلى ذلك. ولم ~~يمض إلا قليل حتى أصبح عدد الطالبين والطالبات فيها يتجاوز سبعة عشر ألفا، وأصبحت ميزانيتها ~~نحو سبعين ألفا. ومع هذا نرى أننا إذا قسنا أنفسنا ببعض الممالك الأخرى لا نزال في حرف ~~الألف. # وعنيت وأنا في الإدارة الثقافية هذه بتشجيع ترجمة أمهات الكتب الغربية إلى اللغة العربية، ~~فكان هذا العمل نواة توسعت فيها الوزارة فيما بعد.. إلى غير ذلك. ولكني لم أعتز بشيء ~~اعتزازي بابنتي العزيزة الجامعة الشعبية، ولذلك لما تخليت عن الإدارة الثقافية بعد سنة ~~تقريبا كان لي شرف الاحتفاظ برياسة مجلس إدارتها إلى اليوم. # فلما مرضت المرض الأخير، استقلت من رياسة مجلس إدارتها وصممت على الاستقالة وتخففت من ~~كثير من اللجان. وأرسل إلي وزير المعارف إذ ذاك بكتاب، جاء فيه: «كنت أود أن تحظى المؤسسة ~~بجهودكم الطيبة، وآرائكم السديدة ولكني اضطررت عملا بنصح أطبائكم أن أقبل استقالتكم مع ~~الأسف الشديد». ~~«وإني أنتهز هذه المناسبة فأشكر لعزتكم ما قدمتم للثقافة عامة ومؤسسة الثقافة خاصة من عمل ~~طيب وجهد مشكور راجيا لكم حياة سعيدة وصحة كاملة موفورة». # وحدث بعد ذلك حادث غريب يعد من أعاجيب القدر، ذلك أني في يوم من صيف سنة 1946 ذهبت إلى ~~دار الحكومة في «بولكلي» بالإسكندرية لزيارة صديق لي هو سكرتير مجلس الوزراء، # 1 # وعند خروجي إلى فناء الدار وجدت سيارة وقفت ودعيت إلى الركوب، فإذا فيها ~~أستاذنا أحمد لطفي السيد وزير الخارجية إذ ذاك، فدعاني أن أصحبه لتشييع جنازة فشيعناها ~~ورجعنا، ودعائي أن أصحبه إلى حجرته بوزارة ms178 الخارجية فصحبته، وجاء وكيل الخارجية يعرض عليه ~~أمرا لم أتبينه، ثم التفت إلى الوزير وقال: ما رأيك في السفر إلى لندن عضوا مع ممثلي مصر ~~في مؤتمر فلسطين؟ فاعتذرت، فسألني عن السبب فقلت إني رجل علم أو - على الأصح - أنتسب إلى ~~العلم، ولم أشتغل بالسياسة إلا على هامش حياتي، وأمور السياسة تحتاج إلى درس طويل ومران ~~كثير، فقال: لا بأس من وجود العالم بجانب السياسي، وصمم فقبلت، واستأذن الجهات المختصة وأنا ~~جالس فقبلت، وخرجت مستغربا كيف دخلت وكيف خرجت. واستعددت للسفر: وأخذت أبحث في المكتبات عن ~~الكتب التي ألفت عن مشكلة العرب والصهيونية في فلسطين، وأقرأ التقارير التي كتبت وأودعت ~~وزارة الخارجية أو الجامعة العربية، والكتاب الأبيض وغير الأبيض ... ثم ها أنا ذا أركب ~~الطائرة من محطة ألماظة إلى لندن أول مرة من ركوبي الطائرة في حياتي، فما أعجب ما يفعله ~~الزمان..! لقد كنت في مبدأ حياتي لا أعرف ركوب القطار حتى بلغت السادسة عشرة، ولما ركبته ~~إلى طنطا حزنت وبكيت، وها أنا ذا أركب الطائرة من مصر إلى لندن وأنا لا أحزن ولا ~~أبكي. # وأخاف أول الأمر والطائرة ترتفع وتضطرب، ودليل الطائرة يقول: إننا على ارتفاع ألفي قدم، ~~ثم يقول أربعة آلاف ثم يقول ستة آلاف إلى ثمانية آلاف، لكن بعد أن استوت الطائرة وملكت ~~زمامها في الجو اعتدناها واطمأنت نفوسنا بعض الشيء إليها، ورأيت من بجواري فيها من كبار ~~رجال السياسة وممن اعتادوا ركوب الطائرات وضعوا رءوسهم على مقاعدهم وناموا نوما هادئا ~~مطمئنا كأنهم في غرفة نومهم، فاطمأننت بنومهم، ولكني لم أستطع أن أسير سيرتهم، فلم تذق عيني ~~النوم إلا إغفاءة غفوتها بين مالطة وباريس. ونزلت الطائرة لندن بعد سبع عشرة ساعة، فما أضعف ~~الإنسان وأقواه، وما أقدره وما أعجزه!. # وأجد نفسي في جو سياسي لم أعتده، بين كبار الساسة من العرب يتناقشون ويتجادلون على غير ~~النمط الذي ألفته في مجالس الكليات ومجلس الجامعة، فهم يراعون اعتبارات ونزعات واتجاهات لا ~~يراعيها العالم، فأسمع أكثر مما أتكلم، ولا أشترك ms179 في المناقشة إلا بقدر، ولا أبدي الرأي إلا ~~في المسائل الهامة. # ثم أنتقل خطوة أجرأ، فأنا والممثلون العرب على المائدة المستديرة أمام مستر بيفن وزير ~~الخارجية البريطانية وأمام وزير المستعمرات والمختصين بالأمور الشرقية في إنجلترا، نتبادل ~~الخطب والآراء ونستمر على ذلك أياما، ثم تشكل لجنة صغيرة من ممثلي العرب وممثلي الإنجليز، ~~يضعون مشروع اتفاق ونستشار في كل خطوة من هذا الاتفاق، حتى إذا فرغت اللجنة عرض الاتفاق على ~~الهيئة العامة من الإنجليز والعرب، فإذا بنا نسمع من الإنجليز أنهم عرفوا وجهة نظرنا وعرفنا ~~وجهة نظرهم، وسيبحثون الأمر فيما بعد، وسيخبروننا بالنتيجة وسيدعوننا إذا دعت الحال، ومع ~~السلامة!! # كانت هذه الرحلة كبيرة الأثر في نفسي، فقد استطعت أن أخلو في لندن إلى أصدقاء لي ممن ~~خبروا إنجلترا خبرة طويلة وأقاموا فيها زمنا طويلا قبل الحرب وأثناء الحرب وبعد الحرب؛ ~~فأصغيت إلى حديثهم في شئون إنجلترا الاجتماعية وتطورها وما فعلت الحرب فيها، ورأيت كبار ~~الإنجليز وسمعت أقوالهم، وأصغيت إلى تفكيرهم، فإذا هم ناس كسائر الناس، وعقليتهم كسائر ~~العقليات، مزيتهم في اعتمادهم على الاختصاصيين الذين تخصصوا في كل موضوع وعرفوا دقائقه، ~~فإذا جد أمر استعانوا بهؤلاء الخبراء وأصغوا إلى نتيجة خبرتهم وكونوا من ذلك آراءهم، وأكبر ~~ما يمتازون به علينا توزيع الاختصاص، والنظام الدقيق، وثقة الكبير بالصغير والصغير بالكبير، ~~ومعالجتهم الأمور معالجة علمية منظمة، فكل شيء مدروس ولا شيء مرتجل، والغرض محدود وأساليبه ~~مرسومة، لا ارتجال ولا فوضى ولا تفكير عفو الساعة. # كما أعجبني بالشعب ديمقراطيته الحقة، فكل إنسان ينظر إليه على أنه إنسان كبيرا كان أو ~~صغيرا، ولا يحق للوزير أن ينال شيئا يمتاز به عن الصانع الصغير؛ هذا وزير خارجية إنجلترا ~~يلبس قميصا بليت ياقته، وهذا وزير المستعمرات يقول في بعض أحاديثه معنا: إنه لم يشتر بدلة ~~جديدة منذ نشوب الحرب، وهذا الوزير الكبير يذهب بطبقه وسكينته وشوكته وفنجانه ليأخذ الشاي، ~~وهذا وكيل وزارة يشهر بزوجته لأنها أخذت قنطارا من الفحم زائدا عن سائر الناس وإن كانت في ~~حاجة إليه لأنها ms180 تسكن بيت مهجورا مرطوبا يحتاج إلى نار أكثر لتذهب برطوبته. وهذه «الطوابير» ~~المنظمة في كل شيء لا يحق لأحد فيها أن يتقدم من قبله، والموظف الكبير يقف وراء العامل ~~الصغير حتى يأتي دوره، وهذه الاشتراكية قد بلغت في الحياة الاجتماعية مبلغا كبيرا: فرفع ~~مستوى العمال وطبق العدل الاجتماعي تطبيقا دقيقا، وعلا مستوى المعيشة للفقراء، وكثرت ~~الضرائب على الأغنياء حتى لا يستطيع غني مهما كان أن يربح في العام أكثر من خمسة آلاف جنيه ~~تقريبا، فاستوى الجميع في الحقوق والواجبات، وقلت الفروق بين الطبقات. حياة هادئة منظمة ~~ومريحة، فإن أنا نظرت إلى الشعب وأخلاقه وسلوكه سررت وأعجبت، وإن أنا نظرت إلى السياحة ~~الخارجية وما يفعل الاستعمار الإنجليزي في الشرق ألمت وتقززت. # وخطفت رجلي بعد ذلك فذهبت مع بعض أصدقائي إلى سويسرة، نعمنا بمناظرها الطبيعية أياما، ~~ومنها إلى مرسيلية ننتظر الباخرة أياما، ونخرج كل يوم إلى ضاحية من ضواحيها فننعم بشمسها ~~ودفئها ومناظرها، ثم نعود إلى مصر، وقد كسبنا كل شي إلا ما يتصل بفلسطين. # | الفصل الثالث والثلاثون # وأحلت إلى المعاش بعد أن بلغت سن الستين، وكم كنت أتمنى أن أخرج من وظائف الحكومة وأنا في ~~غير سن الكهولة لأعمل حرا؛ لا تقيده اللوائح والقوانين، ولا يطبع بطابع الموظفين، ولكن لم ~~يكن لي من الشجاعة ما أرفض به الوظيفة و«الولد مجبنة مبخلة» وربما كان السبب أيضا أن وظيفة ~~الأستاذ في الجامعة من أبعد الوظائف عن السلطة الحكومية، وأنها تتفق مع مزاجي إذا خلت من ~~الصبغة الإدارية واقتصرت على الاتصال بالكتب والاتصال بالطلبة. # على كل حال بقيت في الوظيفة إلى الستين، وخفت من الفراغ الذي سأقابله إن خلصت من الوظيفة ~~ففكرت ماذا أعمل: فكرت أن أكون هيئة لنشر الكتب القديمة، أستقل بالعمل فيها، ويكون لي ربحه ~~المادي والأدبي أو خسارته، ولكن حال دون ذلك اتصالي بلجنة التأليف والترجمة وإشرافي عليها ~~أكثر من ثلاثين عاما، فعمل اللجنة من جنس ما أنوي أن أعمل، ولكنه مقيد بمجلس إدارة قد يقيد ~~حريتي فيما أنشر، ويسألني عن ms181 عملي هل خسر أو ربح وأنا أريد عملا لا يسألني عنه أحد، وعرضت ~~على زملائي في لجنة التأليف أن أستقيل فأبوا، ولم يكن عندي من الحماسة ما يجعلني أصمم على ~~الانفصال، وبقيت في اللجنة أشرف عليها وهي عزيزة علي، فقد صحبتها منذ أول عهدي بالشباب، ~~وصارت جزءا من نفسي، نمت بنموي وإن لم تشخ شيخوختي - استفدت منها تجارب كثيرة في التأليف ~~والترجمة والطبع والنشر ومتى تروج الكتب ومتى لا تروج، وعلاقتنا بالعالم العربي من حيث ~~تصريف الكتب وما إلى ذلك. وحازت اللجنة ثقة الناس بما تخرج، إذ لا تقدم على طبع كتاب حتى ~~يقرأه الخبيرون ويقروا صلاحيته، كما اكتسبت من زملائي في اللجنة آراء قيمة، إذ كانت اللجنة ~~بجانب إنتاجها العلمي والأدبي منتدى يجمع الأصدقاء والزائرين وبخاصة في مساء الخميس من كل ~~أسبوع، تطرح فيه الموضوعات المختلفة حيثما اتفق، وتتبادل الآراء من ثائرين ومعتدلين ~~ومحافظين، ويتحدث المجتمعون عما طالعوا من كتب وما عرض لهم من آراء، أو تتبادل فيه الشكوى ~~من حالة الشرق وعيوب المجتمعات، وما إلى ذلك من أحاديث ممتعة طريفة. # وقد نمت اللجنة نموا مطردا من حيث أعضائها، إذ تجاوزوا الثمانين من خيرة رجال مصر، ومن ~~حيث إنتاجها إذ بلغ ما أخرجته أكثر من مائتي كتاب، ومن حيث ماليتها إذ بلغ ما تملكه من كتب ~~في مخازنها ومال في مصرفها آلاف الجنيهات. وكانت أول مؤسسة في الشرق للتأليف والترجمة ~~والنشر، ثم حذت هيئات كثيرة حذوها، وأنشئت الدور المختلفة في الشرق لهذا الغرض، وفاقها ~~بعضها من الناحية التجارية والمالية وإن لم يفقها من الناحية العلمية. # عدلت إذن عن إنشاء مكتب للنشر - وفي ليلة من ليالي رمضان سنة 1946 - وكنت أصيف في ~~الإسكندرية - أتتني دعوة من المرحوم النقراشي باشا لأقابله في مصيف في محطة فكتوريا برمل ~~الإسكندرية، فذهبت إليه فعرض علي أن أكون رئيس تحرير جريدة يريدون إنشاءها لتكون لسان حزب ~~السعديين وهي جريدة «الأساس»، فاعتذرت في الحال محتجا بأني لم أشتغل بالصحافة إلا على ~~هامشها، وفرق بين صحيفة أدبية ms182 كالثقافة وصحيفة سياسية كالأساس، ثم هذا العمل يتطلب انغماسا ~~في السياسة إلى الأعماق وقد كرهت العمل فيها من قديم، ثم هو يتطلب الكتابة في تأييد الحزب ~~تأييدا مطلقا، والخضوع لآراء قادة الحزب وأفكارهم، ومهاجمة الآراء المعارضة وتوهينها والحط ~~من شأنها، وهذا ما لم أرتضه لنفسي في حياتي، فقد تلونت باللون العلمي الذي يبحث الأمر وهو ~~على الحياد، ثم يرتقب النتيجة كائنة ما كانت، وليس هذا منهج السياسة الحزبية؛ وأخيرا هذا ~~العمل يتطلب سهرا بالليل ونوما بالنهار، ومقابلة زيد وعمرو وتلقي الأفكار من زيد وعمرو وهو ~~عمل لا أرتضيه ولا تحتمله صحتي، فقال رحمه الله إنك تسرعت في الحكم، وخير أن تفكر يومين أو ~~ثلاثة في الأمر، فقبلت وفكرت ثم قابلته ورفضت. واكتفيت أن أعمل الأعمال التي لا تتطلب جهدا ~~عنيفا، فأنا أعمل في لجنة التأليف وفي الجامعة الشعبية وفي دار الكتب وفي المجمع اللغوي وفي ~~اللجان المختلفة التي أنا عضو بها، وإلى جانب ذلك أستمر في الكتب التي أؤلفها والمقالات ~~التي أنشرها، والأحاديث التي أذيعها. # ولم ألبث إلا قليلا حتى عرض علي أن أكون مديرا للإدارة الثقافية في الجامعة العربية، ~~فقبلت بكل سرور، لأنه عمل ثقافي من جنس عملي، ومحقق لرغبتي في السعي للتعاون العلمي بين ~~الأقطار العربية. # فأنا وإخواني في الإدارة الثقافية ننشئ معهدا للمخطوطات نريد به أن نصور كل المخطوطات ~~القديمة في العالم على أفلام صغيرة ونشتري الآلات اللازمة لذلك، ونصور أهم المخطوطات في دار ~~الكتب وفي الجامعة المصرية وفي بلدية الإسكندرية وفي سوهاج ونبعث لتصوير المخطوطات في الشام ~~ولبنان، وأخيرا نبعث بعثة إلى الآستانة لتصوير جزء كبير من مخطوطاتها القديمة وهكذا، ونضع ~~خططا للتعاون الثقافي عن طريق ترجمة الكتب القيمة، وعن طريق السينما والإذاعة.. إلخ. ونفتتح ~~عملنا أيضا بالتحضير لمؤتمر ثقافي يبحث في مناهج اللغة العربية والجغرافيا والتاريخ ~~والتربية الوطنية في الأقطار العربية والقدر المشترك الذي ينبغي أن يوحد بينها والقدر الذي ~~تستقل به كل أمة. وقد تم تحضير هذا المؤتمر وتحضير مؤتمر آخر للآثار الشرقية في ms183 بضعة أشهر، ~~وعقد المؤتمر الثقافي في بيت مري في لبنان في صيف سنة 1947 ومؤتمر الآثار في دمشق عقبه ~~مباشرة، وقد كنت في هذين المؤتمرين أغبط نفسي على نشاطي وحركتي واشتراكي الجدي في العمل.. ~~وتحاول هذه الإدارة الثقافية أن تنشئ متحفا للثقافة فتتمه، وأن تستخدم السينما والإذاعة في ~~التقريب بين العالم العربي، كما تحاول أن تنشئ علاقة متينة بينها وبين اليونسكو في الشئون ~~الثقافية وبخاصة ما يتعلق منها بالعرب. # وفي هذه الآونة انتقلت من مسكني بمصر الجديدة الذي سكنته أكثر من عشرين عاما إلى مسكني في ~~الجيزة ليكون أبنائي قريبا من الجامعة. # | الفصل الرابع والثلاثون # ويوما من الأيام، وكل شيء يسير على طبيعته والحياة تجري على سنتها، والآمال مفتحة ~~كعادتها، والعمل يتبع نهجه المألوف، فأنا عاكف على القراء والكتابة والدرس والتحصيل ~~والإنتاج، وإذا بي فجأة أرى كأن نقطة سوداء على منظاري، فأظنها أول الأمر نقطة ماء سقطت ~~عليه فأمسحها، ثم أضعه على عيني فأرها كما كانت. وإذا العيب في العين وليس في المنظار، ~~واليوم يوم وقفة عيد الأضحى والناس حتى الأطباء في شغل بأمر العيد، فأبحث عن طبيب فلا أجده ~~ثم أعثر عليه بعد لأي. # هذا هو الطبيب يكشف على عيني وأنا واجف من النتيجة خائف أترقب، والطبيب يفحص ويطيل الفحص ~~بأدواته، ثم تظهر في وجهه ملامح الكآبة ولا يلبث أن يقول: ~~- خير لي أن أصارحك أن المرض انفصال الشبكية. ~~- هل لها من دواء يا دكتور؟ ~~- لا دواء إلا عمل عملية. ~~- هل هي قاسية؟ ~~- نعم، إنها تحتاج إلى شهر ونصف أو شهرين مغمى العينين، متخذا وضعا واحدا. # اضطربت لهذا النبأ وأحسست خطورة الموقف. وأكبر ما جال في نفسي شعوري بحرماني من القراءة ~~والكتابة مدى طويلا، وأنا الذي اعتاد أن تكون قراءته وكتابته مسلاته الوحيدة. # ولكن كثيرا ما يخطئ الطبيب فيشخص المرض على غير حقيقته، فلعله واهم. ولعله أخطأ التشخيص، ~~وكثيرا ما يحدث، وكثيرا ما نسمع الأحاديث عن أطباء شخصوا فأخطئوا التشخيص وعالجوا فأساءوا ~~العلاج، فلأذهب إلى طبيب ثان وثالث من ms184 كبار الأطباء حتى أستيقن المرض، وهكذا فعلت، ولكن - ~~مع الأسف - كلهم أجمعوا على التشخيص وطريق العلاج. # بدأ الطبيب المعالج يباشر علاجه: فها أنا في المستشفى والطبيب يعصب عيني قبل العملية ~~بأسبوع، وها أنا ذا في ظلام حالك ليل نهار، دنياي كلها ليل، بل أكثر من ليل، فالجلسة محرمة، ~~والتقلب على الجوانب محرم، كأني قد شددت على السرير شدا، بل أصعب من الشد، لأن إرادتي هي ~~التي تشدني، فاحتملت في صبر، وبدأت أفكر في الدنيا وهوانها وسخافة الناس الذين يشغلون ~~أنفسهم بالتافه من أمورها، ويتحاربون ويتشاجرون على الحقير من متعها، وهي عرضة في كل وقت ~~للزوال، ولو عقلوا لما تخاصموا ولا تحاربوا وكانوا إخوانا متحابين متعاونين، يأخذون الأمور ~~بهوادة وحكمة وحسن تقدير وتفكير في العواقب. # حاولت أن يكون ظلامي مضيئا، فلئن حرمت النور من العينين فليستنر قلبي، ولئن حرمت نور ~~البصر فلتضئ بصيرتي، ولكن كنت أنجح في هذا حينا وأخفق أحيانا، فقد اختلف الإلف والعادة وكنت ~~أشعر دائما أن العينين هما الكوتان اللتان تطل منهما نفس الإنسان على الدنيا، فإذا عدم ~~النظر فقد أغلقت الكوتان، وحبست نفس الإنسان؛ وأحيانا كنت أتردد بين الأمل في عودتي إلى ما ~~كنت عليه وأن تجري الأمور في المستقبل القريب كما جرت في الماضي، فأشعر بالطمأنينة والراحة، ~~وبين اليأس والخوف من الظلام الدائم، فيستولي علي الفزع والهلع؛ وأرهب ما يكون إذا تقدم ~~الليل وانقطع الزوار وانصرف الأهل، ونام الناس، واعتراني القلق، وشعرت بالوحدة، واستولت علي ~~الأفكار المظلمة، فاجتمع علي ظلام الليل وظلام النفس. # أستجدي النوم فلا يجدي، وأفزع إلى الأفكار المطمئنة فلا تسعف، وأعد ساعة الجامعة بالقرب ~~مني ربعا فربعا، وتغفو عيني غفوة فأظن أن الليل انقضى ببؤسه وشقائه، ثم أتسمع إلى حركة ~~الشارع لعلي أتبين منها قرب النهار، فأسمع حركة عربات وسيارات ومارة، فأتساءل: هل الناس ~~عائدون من آخر سهراتهم أو هم مستقبلون لبدء نهارهم؟ وهل هذه الحركة حركة متأخرة، أو حركة ~~مبكرة؟ وأظل في هذا الشك زمنا بين رجاء أن يكون الصبح وخوف أن ms185 يكون الليل، وإذا بالساعة تدق ~~الحادية عشرة أو الثانية عشرة، فأجزع من أني مقبل على ليل ليس له آخر، وأنشد مع ~~الشاعر: # يا ليل بل يا أبد # أغائب عنك غد؟ # وأعزي النفس بأن حولي في الحجر المجاورة في المستشفى مرضى يتألمون ولا أتألم، ويستغيثون ~~ولا أستغيث، وأن بهم جروحا ولا جروح بي، ولكن سرعان ما تذهب هذه التعزية لأن الآلام ~~متنوعة، وقد يكون ألم النفس أشد وقعا من ألم الجسم. # لم يكن لي من العزاء أحسن من الإيمان، فهو الركن الذي يستند إليه المرء في هذا الوقت ~~الرهيب، ومن دونه يشعر كأن الهاوية تحت قدميه. # لو أدرك الناس هذا ما ألحدوا، فالإلحاد جفاف مؤلم، وفراغ مفزع، ومحاربة للطبيعة الإنسانية ~~التي فطرت على الشعور بإله، والارتكان عليه والأمل فيه، وإلا كانت الحياة جافة فارغة مفزعة ~~منافية للطبيعة. وكان من المصادفة الحسنة أن حضر إلي أحد أبنائي الأوفياء وأحب أن يسليني ~~بالقراءة لي بعض الوقت، فكان مما اختاره لي كتاب «اعترفات تولستوي» فوقع في نفسي موقعا ~~جميلا، إذ رأيته يصور حياته وقد ركن أول الأمر إلى العقل وحده، وإلى العقل الواقعي لا غير، ~~فأسلمه الاعتماد على المقدمات المنطقية المادية وحدها إلى الإلحاد، وعد الدين خرافة من ~~الخرافات، ولكنه شعر بعد حين بأن الحياة لا قيمة لها وأنها فارغة من المعاني. # إن هذه الحياة المادية التي تركن إلى العقل الجاف وحده لا تستطيع أن تجيب عن الأسئلة ~~الآتية: ما قيمة الحياة؟ ما الذي يربط بين الحياة المادية المحدودة وبين الأبدية؟ وما الذي ~~يربط بين حياة الإنسان الجزئية والإنسانية الكلية؟ إلى مثل هذه الأسئلة فكان لا يجد في ~~قضايا العقل وحدها جوابا، وساءت نفسه وأظلم تفكيره، وأدرك أن الحياة على هذا الوضع نكتة ~~سخيفة، وأنها لا تستحق البقاء، وحاول الانتحار مرارا، وفي كل ذلك كان يهزأ بالدين، ولا يريد ~~أن يتجه إلى التفكير فيه؛ وأخيرا بعد الشقاء الطويل والعذاب الأليم اتجه إلى الدين لينظر ~~كيف يحل الجزئية بالكلية، والنفس الفردية بالإنسانية، فاطمأنت نفسه وانقلب ms186 متدينا. # فكان في هذا الكتاب عزاء لنفسي ومجال لبعض تفكيري، وقارنت بين موقف تولستوي وموقف ~~الغزالي، فقد كنت قرأت له كتاب «المنقذ من الضلال»، وكان مما حكى عن نفسه أنه مر بمثل هذا ~~الدور؛ شك في كل التقاليد الدينية، واستعرض المذاهب المختلفة في الدين، وأحب أن يركن إلى ~~الفلسفة وحدها فلم تسعفه، وإلى تعاليم الباطنية فلم يطمئن إليها، واستولى عليه الشك حتى ~~غمره، ووقع في أزمة نفسية حادة، واحتقر سخافات الناس في التخاصم على المال والجاه والمنصب ~~فنفر من كل ذلك. # وأخيرا بعد أن استحكمت أزمته النفسية وأخذت منه كل مأخذ مرض مرضا شديدا، ولا أشك في أن ~~مرضه الجسمي كان نتيجة لمرضه النفسي، ثم أفاق قليلا قليلا وإذا هو يخرج من هذه الأزمة كما ~~خرج منها تولستوي متدينا بالقلب لا بالمنطق، وبالشعور النفسي الغريزي لا بالمقدمات ~~الفلسفية، وإن كان الفرق بينهما أن تولستوي آمن بعد إلحاد والغزالي آمن إيمان كشف بعد إيمان ~~تقليد بينهما فترة شك. # ويأتي الطبيب بعد خمسة عشر يوما من العملية فيذكر لي أنه سيكشف عن قاع العين غدا، فأسأله: ~~ما هي الاحتمالات المنتظرة؟ فيقول: هناك احتمالان: إما أن تكون أعصاب العين لم تقو على ~~الالتحام، وإذ ذاك تكون العملية قد أخفقت، وإما أن تبدأ في الالتحام فيكون هناك الأمل في ~~النجاح. # أربع وعشرون ساعة تساوي أربعة وعشرين شهرا أو تزيد، انتظار للخيبة أو الرجاء، وتردد بين ~~اليأس والأمل، ثم لا ينفع بعد ذلك أيضا إلا الإيمان. # أحيانا أقول للنفس: ما هذا الجزع؟ وما أنت والعالم وما عينك في الدنيا؟ هلا قلت كما جاء ~~في الحديث: (هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت). # إن الذي يوقعك في هذا التكفير المحزن هو انطواؤك على نفسك وتقويمك لها قيمة أكبر مما ~~تستحق، وهل أنت إلا ذرة صغيرة على هذه الأرض ماضيها وحاضرها ومستقبلها؟ وهل الأرض كلها إلا ~~هنة من هنات العالم، فلتتسع نفسك وليتسع تفكيرك ولتقدر نفسك قدرها ولتفكر في خارجك أكثر مما ~~تفكر في ms187 داخلك؛ فإذا أنا استغرقت في مثل هذه التفكير هدأت واطمأننت؛ ولكن سرعان ما تذهب هذه ~~الصورة كما يذهب المنظر في فيلم السينما، وتحل محلها صورة كئيبة حزينة جزعة، ولا تزال الصور ~~تتعاقب، وكل صورة تطرد أختها، والصورة مختلفة الألوان مختلفة الأشكال، بين هادئة وعنيفة، ~~وباسمة وباكية. # ونمت عندي حاسة السمع لتعوض ما أصاب أختها حاسة البصر، فكنت أعرف كل إنسان من صوته ومن ~~أول كلمة ينطق بها، فلا أحتاج إلى تعريف، حتى لأذكر أن صديقا قديما انقطعت بيني وبينه ~~الأسباب منذ نحو خمسة عشر عاما، لم أره ولم يرني، زارني فما نطق بالسلام حتى عرفت من هو ~~وهتفت باسمه. # وتكاثر الزوار وكانوا موضع الملاحظة والنقد والتقدير: هذا زائر يحدثك الحديث فهو بلسم ~~هموم، وموضع الماء من ذي الغلة الصادي، فيؤنسك ويسليك ويقول ما يحسن أن يقال؛ وهذا زائر قد ~~عدم الذوق، فهو يراني في هذه الحال ويطلب إلي إذا زارني صديقي فلان أن أرجوه في أن يمنحه ~~الدرجة الرابعة، ويشكو إلي تأخره عن زملائه ووقوع الظلم عليه، ثم هذا زائر كريم قد أنساه ما ~~أنا فيه ما بيننا من خصومات عارضة فداس هذه الخصومات بقدميه، وكان وفيا كريما، قد نسي ~~الحديث التافه في الخصومة، وذكر القديم القويم من الصداقة، وزائر يحز المنظر في نفسه فتكاد ~~دموعه تسيل على خديه لولا أنه يجاهدها، وآخر يتجلد ويتصنع الثبات فإذا خرج سمعت نشيجه، إلى ~~ما لا يحصى من مسموعات، وكل هذا يخزن في النفس طول النهار وتستعيده الذاكرة طول ~~الليل. # وأستعرض أحيانا أحوال من فقد بصره فأتأسى به. وأقول إن المسألة ليست مسألة بصر، بمقدار ما ~~هي مسألة نفس تتلقى الحادث، هذان مثلان بارزان: بشار بن برد وأبو العلاء المعري فأما بشار ~~فقد واجه فقد بصره في ثبات. وعاش كما يعيش ذوو الإبصار، يمزح ويضحك ويقول إنه إذا عدم العشق ~~بالنظر فيعشق بالإذن، ويستمتع في الحياة المادية ويستغرق في الشهوات كأقصى ما يفعله بصير، ~~وهو قوي جبار لا يمسه أحد بسوء إلا نكل ms188 به وانتقم منه، وهو عنيد فاجر، لا يأنف أن يصف في ~~شعره كل الصور التي لا يستطيع وصفها إلا البصير، من غبار النقع وجمال العين ولطف القوام، ~~فلا تكاد ترى في شعره أثرا من حزن على عين، أو بكاء على حرمان منظر. # وأما أبو العلاء فأصابته الكارثة نفسها فحزن واسترسل في الحزن، فأعرض عن لذات الحياة ~~الدنيا، وبكى نفسه وبكى الناس وبكى كل ما حوله وتحول هذا الحزن إلى سخط على الناس من ~~الأصناف والألوان، من أمراء وقادة ورجال دين ونساء ووعاظ ومنجمين، فلم يسره شيء في الدنيا ~~لأنه فقد السرور بالعين وحبس نفسه في البيت إذ لم ير نفسه صالحا لأن يظهر أمام الناس وهو ~~فاقد العينين، بل أضاف إليه محبسا آخر وسمى نفسه رهين المحبسين: محبسه بفقد نظره ومحبسه في ~~بيته؛ ومع ذلك كله ملأ الدنيا بأثره. فقد انطوى على نفسه يستخرج منها كنوزا من معارفه ~~وتأملاته وتفكيراته، فاستضاءت بصيرته بأكثر مما كان يضيء نظره، وتألم هو فلذ الناس. وفقد ~~البصر فبصر الناس، وكانت حياته نفعا جما في الإملاء والتأليف والتعليم والتفكير الحر الطليق ~~الذي لم يستطعه بصير. # وأنا لو أصبت في عيني - لا قدر الله - لكانت طبيعتي أشبه بطبيعة أبي العلاء لا بطبيعة ~~بشار، على بعد الفرق بيني وبينه في أنه خصب النفس غزير التفكير متعدد النواحي قوي النقد؛ ~~ولعل فقد البصر في الصبا أخف وقعا من فقده في الكبر، فالصبي مرن، نفسه كأعضائه. سرعان ما ~~تتشكل حسب الوظيفة وحسب الظروف، والكبير نفسه كعظام الهرم إذا صدعت صعب أن يجبر صدعها، وما ~~أبعد الفرق بين فقير عاش فقيرا طول حياته وفقير أصابه الفقر بعد أن عاش عيشة طويلة في ~~الغنى. # أحاطوني بأنواع من المتع؛ فهذا الراديو بجانبي ولكني لا أستسيغ الغناء كما كنت أستسغيه ~~قبلا، ولا تهتم نفسي بالمحاضرات كما كانت تهتم بها، إنما هو شيء واحد كنت أستمتع به في ~~الراديو وهو دلالته على الصباح في أول إذاعته وسماع القرآن يهدئ الأعصاب فيبعث ~~الطمأنينة. # هذا هو ms189 الطبيب بعد طول انتظار يفحص عيني ليرى نتيجة العملية وما يخبئه الغد وليقول كلمته ~~الحاسمة. ثم يقول بعد طول الفحص: إن العين قد بدأ التحامها والحمد لله، ولكن الأيام الآتية ~~أيام دقيقة تحتاج إلى شدة عناية وقلة حركة والتزام للنوم على جانب واحد، إذ أقل مخالفة تفسد ~~ما تم. فأهوي على الطبيب أقبله، ثم لا ألبث أن أستصعب الأوامر الجديدة وافتتاح درس في الصبر ~~جديد بعد طول الصبر القديم، فإلى الله أشكو وأضرع. # هذه هي الأيام تمر، وتبدأ النفس تفقد كثيرا من قوتها، فهي تتأثر بما لم تكن تتأثر به ~~وتجزع مما لم تكن تجزع منه: هذا ابن يصاب بالزكام فلم أصيب؟ وهذا ابن دخل الدور الثاني في ~~الامتحان فماذا تكون النتيجة؟ وهذا ابن تخرج من مدرسته ولا يجد عملا فلم لم يوظف؟ وهذا ابن ~~تأخر عن موعد حضوره فلم تأخر؟ وأصبحت الدنيا أوهاما وتأثرات مفتعلة، وإذا دنيا الإنسان ليست ~~إلا مجموعة أعصاب، إن سلمت وقويت ابتهج بالحياة ولم يتأثر بأحداثها، وإن تلفت تهدم كيانه ~~وخار بنيانه. # ها هو الطبيب يرفع الرباط عن العين السليمة بعد نحو أربعين يوما وهي في ظلام حالك، ويبقى ~~الرباط على العين المريضة، فحتى هذه العين السليمة لا تكاد ترى إلا بصيصا، من طول ما حرمت ~~من أداء وظيفتها فلا تميز الباب من الشباك، فما بال العين المريضة حين يرفع عنها الرباط؟ ~~وأشكو ذلك إلى الطبيب فيقول: إن هذا طبيعي فالعين تسترد وظيفتها شيئا فشيئا وقليلا ~~قليلا. # وأضيق ذرعا بالمستشفى وحياته الرتيبة، فما يجري في يوم يجري كل يوم، والأصوات هي الأصوات ~~والطعام هو الطعام، والأنين حولي من كل جانب، والأجراس تضرب من حين إلى حين والحركات لا ~~تنقطع ليلا ولا نهارا. # وفي المستشفيات نقص لا يلفت إليه. فالأطباء يعنون بمقياس حرارة الجسم وتحليل ما يريدون ~~منه، كما يعنون بنوع الغذاء الذي يلائم المريض أو لا يلائمه، ولكن يفوتهم شيء هام جدا ربما ~~كان أهم من ذلك كله، وهو معالجة النفس. فلماذا لا يكون في ms190 المستشفى ممرضات للنفس كممرضات ~~الجسم، يؤنسن المريض بأحاديثهن أو يقرأن له ويكون لهن من الثقافة ومن الحسن ما يكون بلسما ~~للنفوس وشفاء لما ينتابها من ضيق وكآبة. وذكرت ذلك لمدير المستشفى فأقرني على ملاحظتي ~~واستصعب تنفيذها لأسباب ذكرها. # لذلك سألت الطبيب أن ينقذني من المستشفى في أقرب وقت ممكن، مع كل ما كان يحمد فيه من ~~نظافة ورعاية ودقة وإتقان، وصرح لي الطبيب أن أخرج على شرط أن يحاط الخروج بكل عناية، فلا ~~حركة عنيفة، ولا اهتزاز يرج الجسم، حتى إذا وصلت إلى البيت حملت في محفة إلى أن وضعت على ~~السرير وضعا، وكنت إذا تحركت فحركة خفيفة في أناة وهوادة، ثم بدأت أتعلم المشي كما يتعلمه ~~الطفل؛ فلا أكاد أخطو حتى يعتريني الدوار فأعود إلى السرير ثم أعاود المشي. وفي يومين أو ~~ثلاثة استطعت أن أمشي مترين أو ثلاثة، ولا يسمح لي بالخروج من الغرفة. # ثم يسمح لي بالانتقال إلى غرفة مجاورة، ثم يسمح لي أن أمشي في مستوى واحد، فلا أنزل سلما ~~ولا أطلع سلما، وأنتهي من هذا الدور كله وتضيء العين تدريجا ويشفى الجسم تدريجيا، ولكني أجد ~~نفسي مستعصية على الشفاء، فهي متبرمة من كل شيء منقبضة أشد الانقباض، فأستدعي طبيب الجسم ~~مرة ومرتين وثلاثا فيفحص ويطيل الفحص ثم يقول إن الجسم سليم. فضغط الدم جيد والصدر جيد ~~والأعضاء كلها على أحسن حال. ولكن المسألة مسألة نفسك أنت وأنت القادر على مداواتها، غير ~~أني لا أجدلها دواء. وأحلل أسباب ذلك فأرجعها إلى أمرين: أولهما أمن طول الرقدة مع الظلام ~~قد هد أعصابي، وثانيهما أن طبيب العيون لا يزال يمنعني من القراءة والكتابة وكانت حياتي ~~كلها قراءة وكتابة، فلما حرمتهما أحاطني فراغ رهيب مخيف، والفراغ أدهى ما يمنى به الإنسان. ~~فليس في الحياة سعادة إلا إذا ملئت بأي نوع من أنواع الامتلاء، جد أو هزل، وعمل أيا كان ~~نوعه. فإذا طال الفراغ فالوبال كل الوبال، إن فارغي العقل معذورون في أن يملئوا فراغهم بنرد ~~وشطرنج أو أي حديث ms191 ولو كان تافها لأنهم يشعرون بثقل الفراغ، والحياة لا تلذ إلا بنسيانها، ~~وخير لذة ما نسي الإنسان فيها نفسه واستغرق فيها حتى نسي التلذذ بها؛ فلو فكر لاعب النرد ~~والشطرنج في أنه يتلذذ بهما لفقد لذته، وخير أنواع اللذائذ العقلية ما استغرق فيها الإنسان ~~بتأمله وتفكيره حتى مر عليه الوقت الطويل دون أن يشعر، ففراغي هو أهم أسباب ضيقي، وأهم ~~أسباب أزمتي النفسية. # ولقد اعتدت أن أعتمد على الكتب أتخير مؤلفيها، وأصغي إلى حديثهم، وأستلهم ما يقولون، ~~وأفكر فيما يعرضون، فلما عدمت هذا عدمت الركن واحتجت إلى دعامة أخرى أستند عليها. وتلمستها ~~فيمن يقرأ لي ويكتب لي، ولكن لابد من زمن حتى آنس بهذا الاعتياد الجديد، ثم هذا كله لا يغني ~~غناء الاعتماد على النفس، فقد أحتاج إلى قارئ في وقت فألتمسه فلا أجده، وقد يكون القارئ ~~الكاتب موجودا ولا رغبة لي في قراءة ولا كتابة، وقد أحتاج إلى قارئ من نوع معين ولا أجده؛ ~~على كل حال ارتبكت النفس وطال اضطرابها. وأدخل المكتبة لذكرى الماضي فيزيد ألمي. غذاء شهي ~~وجوع مفرط، وقد حيل بين الجائع وغذائه، وأتساءل: هل يعود نظري كما كان فأستفيد منها كما كنت ~~أستفيد؟ وهذه الآلاف من الكتب آلاف من الأصدقاء، لكل صديق طعمه ولونه وطرافة حديثه، وقد كان ~~كل يمدني بالحديث الذي يحسن حين أشير إليه، فاليوم أراهم ولا أسمع حديثهم، ويمدون إلي ~~أيديهم ولا أستطيع أن أمد إليهم يدي. # ثم إني أشعر شعورا غريبا بحب الضوء وكراهية الظلام، فأحب النهار وأكره الليل، وأحب من ~~الألفاظ كل ما يدل على الضوء، وأكره منها كل ما يدل على الظلام، وأحب النهار تطلع شمسه، ~~وأكره السحاب يغشى الشمس؛ ومن أجل ذلك وضعت بجانب سريري زرا كلما شعرت بالظلام ضغطت عليه ~~فأضاءت الحجرة. # وأهم ما لاحظته اختلال ما كان عندي من قيم لشئون الحياة، فأستعرض كثيرا مما كنت أقومه فلا ~~أجد له قيمة، وتعرض علي متع الحياة المختلفة فلا أجد لها وزنا، وتعرض علي أخبار الناس ~~يسلكون في ms192 الحياة سبلا مختلفة، فأهزأ بكل ذلك. # ثم لما فقدت قيم الأشياء التي اعتدتها لا أزال حائرا في وضع أسس جديدة لقيم جديدة ولما ~~أستقر بعد على رأي. # لقد أفادتني هذه التجربة المرة أن خير هبة يهبها الله للإنسان مزاج هادئ مطمئن، لا يعبأ ~~كثيرا بالكوارث، ويتقبلها في ثبات ويخلد إلى أن الدنيا ألم وسرور، ووجدان وفقدان، وموت ~~وحياة، فهو يتناولها كما هي على حقيقتها من غير جزع؛ ثم صبر جميل على الشدائد يستقبل به ~~الأحداث في جأش ثابت، فمن وهب هاتين الهبتين فقد منح أكبر أسباب السعادة. # وأخيرا لم أستفق مما أصابني من تدهور حالتي النفسية إلا بعد سنة تقريبا. أما عيناي ~~فاليمني منهما قد استردت قدرتها كما كانت وهي السليمة التي لم تجر فيها عملية، وأما اليسرى ~~وهي التي أجريت فيها عملية الشبكية، فقد قال الطبيب إن عملية الشبكية قد نجحت، ولكن يمنعها ~~من الإبصار أن بها مرضا آخر وهو الماء الأبيض أو ما يسمونه «الكاتاراكت» وأنه لا يصح عمل ~~عملية فيها إلا بعد أن يتجمد هذا الماء، وتجمده ليس له زمن محدود، وهو يختلف بإختلاف ~~الأشخاص وأن العين ستزيد ظلاما كلما تحرك الماء نحو إنسان العين، وفعلا قد مضى الآن على ~~العملية نحو سنتين وزادت العين ظلاما حتى كادت لا ترى، والطبيب يخبرني أنها قاربت التجمد ~~وبعدها يجري العملية، وقد عرضت عيني على طبيب آخر مشهور فقال إن العملية لم تنجح أو على ~~أحسن تقدير إن الشبكية التأمت أولا ثم انفصلت ولا أمل في العين والعوض على الله. # من أجل ذلك ضعفت قدرتي على القراءة والكتابة مع الرغبة الشديدة فيهما، واضطررت أن أستعين ~~بعض الوقت بمن يقرأ لي ويكتب، وقد اعتدت الإملاء بعض الشيء ولم أكن أحسنه أول الأمر، لأني ~~طول حياتي العلمية كنت لا أعتمد إلا على نفسي فيهما. وذهني يدرك بالعين ما لا يدرك بالسمع، ~~وأفكاري ترد على قلمي أكثر مما ترد على قلم غيري، وذهني كثير الشرود عندما أسمع وقراءة ~~العين تحصره؛ وفكري بطيء إذا ms193 أملى، وكنت إذا أمسكت القلم تواردت علي المعاني وأسرع قلمي في ~~تقييدها. # | الفصل الخامس والثلاثون # في سنة 1948 قرر مجلس كلية الآداب ومجلس جامعة فؤاد الأول منحي الدكتوراه الفخرية فلقبت: ~~الدكتور أحمد أمين، ومنحت جائزة فؤاد الأول، وهي إحدى الجوائز التي تقدر بألف جنيه مصري ~~وتمنح لمن ينتج أحسن عمل أو إنتاج في الآداب والعلوم والقانون؛ وقد أقيم حفل كالمعتاد في ~~يوم 28 فبراير 1948 في قاعة الاحتفالات الكبرى للجامعة سلمت فيها الجائزة، وكان نص البراءة ~~الملكية ما يأتي «من فاروق ملك مصر بعناية الله تعالى إلى حضرة صاحب العزة الدكتور أحمد ~~أمين إبراهيم بك العضو بمجمع فؤاد الأول للغة العربية: بناء على ما أقرته اللجنة الدائمة ~~لجوائز فؤاد الأول وفاروق الأول من استحقاقكم جائزة فؤاد الأول للآداب عن سنة 1948 لما ~~امتاز به مؤلفكم «ظهر الإسلام» من دقة البحث، قد أمرنا بإصدار براءتنا الملكية هذه من ~~ديواننا بمنحكم تلك الجائزة. وفقكم الله لخدمة العلم والوطن؛ تحريرا بقصر القبة الملكي ~~بالقاهرة في اليوم التاسع عشر من شهر جمادى الآخرة لسنة ألف وثلاثمائة وسبع وستين من هجرة ~~خاتم المرسلين وفي السنة الثانية عشرة من حكمنا» كما سلمت في اليوم نفسه براءة الدكتوراه ~~الفخرية. # 1 # وكان الطبيعي أن أبتهج بهاتين المنحتين العظيمتين اللتين منحتا لي في يوم واحد تتويجا ~~لجهودي في الجامعة وجهودي في الإنتاج الأدبي، ولكن جاءتا عقب العملية الجراحية في عيني وما ~~أصابني من ذلك في نفسي، فلم يهتز لهما قلبي كما ينبغي ولا ابتهجت لهما نفسي كما يجب، يضاف ~~إلى ذلك حالتي النفسية وهي أن تستجيب لداعي الحزن، ولو صغيرا، ولا تستجيب لداعي السرور، ولو ~~كبيرا. إلا بقدر. # وفي هذه السنة أيضا أنشئ في الجامعة نظام «الأستاذ غير المتفرغ» وهو نظام # 2 # رأى واضعوه أن كثيرا من الممتازين في القانون والآداب والعلوم يشغلون مناصب ~~كبيرة في الدولة، وليس من السهل إخراجهم من مناصبهم وتخصيصهم بأستاذية الجامعة، فمن الممكن ~~تعيينهم أساتذة غير متفرغين مع بقائهم في مناصبهم الأخرى، فلما ووفق ms194 على هذا المشروع عينت ~~أستاذا غير متفرغ مع من عين في كلية الآداب، وعين معي في كلية الآداب الأستاذ محمد شفيق ~~غربال وكيل وزارة المعارف والأستاذ مصطفى عامر مدير جامعة فاروق إذ ذاك، ولم تحل إحالتي على ~~المعاش دون ذلك، فعدت أستاذا كما كنت أحضر محاضرتي وألقيها؛ وأنا في هذا العام - عام 1949 - ~~ألقي محاضرتين: إحداهما في النقد الأدبي وموضوعها كيف ينبغي أن يدرس الأدب، والثاني دراسة ~~لكتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه. # | الفصل السادس والثلاثون # وفي 5 يوليو سنة 1950 ذهبت إلى الإسكندرية لأصطاف ونزلت في بيتي في «سيدي بشر» وأخذت ~~أستريح ونمت نوما هادئا لم أشعر فيه بشيء وقمت من نومي صباحا كالعادة وأفطرت على عادتي بكوب ~~من اللبن وقطعة من الجبن وفنجان من القهوة وذهبت أغسل يدي فوقعت، فظننت أن رجلي عثرت بشيء ~~فعاودت المشي ثانية فسقطت. ثم أحسست أن الجانب الشمالي كله من يد ورجل قد فقد حركته ~~تماما؛ واستدعيت الطبيب فقال إنها جلطة خفيفة وإنه يلزم السكون تماما فسألته عن السبب؛ قال ~~إن الجلطة تحدث في المخ فإذا تحرك الجسم تحركت فعاثت الجلطة في المخ وسببت مضاعفات - لا قدر ~~الله - فوجب أن تبقى في مكانها حتى تصير كالإسفنج. وكان ذلك على أثر غلطات عملتها فقد أخذت ~~حقنة من الأنسولين من «سنتيين» والجسم لا يحتمل إلا «سنتيا واحدا» وقمت بعد ساعتين من النوم ~~وقد احترق السكر من دمي وطلبت ما عندهم من أكل فأكلت أكلا جما وكان يكفي لهذه الحالة كوب من ~~ماء بسكر، وغلطت غلطة ثالثة فنمت فورا بعد هذا الأكل فتحولت حركة الدم إلى المعدة لتهضم ~~فمضت بضع ثوان لم تتغذ فيها بعض خلايا المخ فماتت وقام مقامها خلايا أخرى لتحل محلها وهي ~~تحتاج إلى ستة أسابيع أو ثلاثة أشهر على الأقل ليتم نموها، وهكذا مكثت أربعة أيام أشعر ~~بنصفي الأيسر كأنه وعاء فارغ ثم شعرت بأنه ممتلئ رملا ثم شعرت بالقوة تدب فيه وكانت رجلي ~~أسبق إلى الحركة من يدي. # ولما تقدمت في الصحة ms195 وزال من المرض نحو 95٪ في نحو ستة أسابيع بطؤ الشفاء في الأيام ~~الأخيرة حتى احتاج إلى شهر آخر، لأن العمل على بناء الخلايا كان من عمل الشرايين ثم صار من ~~عمل الشعيرات وهي بطبيعة الحال أبطأ عملا، وهكذا شاء القدر. # وعلى كل حال فقد استفدت من هذا المرض تجارب كثيرة إذ علمت أن حركة اليد والرجل عبارة عن ~~عملية ميكانيكية مركبة لا يمكن أن تحسن إلا بسلامة أعضاء كثيرة، ولم أكن أستطيع إمساك علبة ~~السجاير ولا علبة الكبريت ولا أن أشعل عودا من الكبريت وهكذا. # | الفصل السابع والثلاثون # هذه أهم الأحداث التي مرت علي من صباي إلى شيخوختي فأثرت في تأثير دائبا متواصلا حتى ~~صيرتني كما أنا اليوم، وكان يمكن أن تكون غير ذلك فأكون غير ذلك، ولكن شاء الله أن تجري علي ~~كما جرت فتصوغ مني ما صاغت. # لقد كتبت مرة مقالا في وصف صديق وكنت أستملي وصف هذا الصديق من نفسي، إذ عنيت به شخصي، ~~وقد جاء فيه: لا صديق اصطلحت عليه الأضداد، وائتلفت فيه المتناقضات سواء في ذلك خلقه ~~وعلمه. # حيي خجول يغشى المجلس فيتعثر في مشيته، ويضطرب في حركته. ويصادف أول مقعد فيرمي بنفسه ~~فيه، ويجلس وقد لف الحياء رأسه، وغض الخجل طرفه، وتقدم له القهوة فترتعش يده وترتجف أعصابه، ~~وقد يداري ذلك فيتظاهر أن ليس له فيها رغبة ولا به إليها حاجة، وقد يشعل لفافته فيحمله خجله ~~أن ينفضها كل حين، وهي لا تحترق بهذا القدر كل حين. وقد يهرب من هذا كله فيتحدث إلى جليسه ~~لينسى نفسه وخجله، ولكن سرعان ما تعاوده الفكرة فيعاوده الهرب، حتى يحين موعد الانصراف ~~فيخرج كما دخل، ويتنفس الصعداء بعد أن أدركه الإعياء. # من أجل هذا أكره شيء عنده أن يشترك في عزاء أو هناء أو يدعى إلى وليمة أو يدعو إليها إلا ~~أن يكون مع الخاصة من أصدقائه.. يحب العزلة لا كرها للناس ولكن هروبا بنفسه. # ثم هو مع هذا جريء إلى الوقاحة، يخطب فلا يهاب، ويتكلم في ms196 مسألة علمية فلا ينضب ماؤه ولا ~~يندى جبينه، ويعرض عليه الأمر في جمع حافل فيدلي برأيه في غير هيبة ولا وجل، وقد تبلغ به ~~الجراءة أن يجرح حسهم، وينال من شعورهم، ويرسل نفسه على سجيتها فلا يتحفظ ولا يتحرز. # يحكم من يراه في حالته الأولى أنه أشد حياء من مخدرة، ومن يراه في الثانية أنه أجرأ من ~~أسد وأصلب من صخر، ومن يراه فيهما أنه شجاع القلب، جبان الوجه. # وهو طموح قنوع، نابه خامل، تنزع نفسه إلى أسنى المراتب فيوفر على ذلك همه، ويجمع له نفسه، ~~ويتحمل فيه أشق العناء وأكبر البلاء، وبينما هو في جده وكده وحزمه وعزمه إذ طاف به طائف من ~~التصوف، فاحتقر الدنيا وشئونها، والنعيم والبؤس، والشقاء والهناء ، فهزئ به وسخر منه واستوطأ ~~مهاد الخمول، ورضي من زمانه بما قسم له؛ وبينما يأمل أن يكون أشهر من قمر ومن نار على علم، ~~إذا به يخجل يوم ينشر اسمه في صحيفة، ويذوب حين يشار إليه في حفل، ويردد مع الصوفية قولهم ~~«ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه». # يعجب من يعرفه، إذ يراه معرفة نكرة، محبا للشهرة والخمول معا. # وأغرب ما فيه أنه متكبر يتجاوز قدره ويعدو طوره، ومتواضع ينخفض جناحه وتتضاءل نفسه، يتكبر ~~حيث يصغر الكبراء، ويتصاغر حيث يكبر الصغراء. يتيه على العظماء ويجلس إلى الفقراء يؤاكلهم ~~ويستذل لهم، لا تلين قناته لكبير، ويخزم أنفه للصغير. # يحب الناس جملة ويكرههم جملة، يدعوه الحب أن يندمج فيهم ويدعوه الكره أن يفر منهم. حار في ~~أمره، وامتزج حبه في كرهه، فاستهان بهم في غير احتقار. # صحيح الجسم مريضه، ليس فيه موضع ضعف، ولكن كذلك ليس فيه موضع قوة. # ورأسه كأنه مخزن مهوش أو دكان مبعثر وضع فيه الثوب الخلق بجانب الحجر الكريم، يتلاقى فيه ~~مذهب أهل السنة بمذهب النشوء والارتقاء، ومذهب الجبر بمذهب الاختيار، وتجتمع في مكتبته كتب ~~خطية قديمة في موضوعات قديمة، قد أكلتها الأرضة ونسج الزمان عليها خيوطا، وأحدث الكتب ms197 ~~الأوروبية فكرا وطبعا وتجليدا. ولكن من هذين ظل في عقله وأثر في رأسه. # إن طاف طائف الإلحاد بفكره لم تطاوعه طبيعته، وإن شك حينا عقله آمن دائما قلبه، ومن ~~أصدقائه السكير والزاهد، والفاجر والعابد، وكلهم على اختلاف مذاهبهم؛ يصفه بأنه يجيد ~~الإصغاء كما يجيد الكلام. # وأزيد على ذلك أني غضوب حليم، وكل من يراني يصفني بالهدوء والاتزان والحلم والسكينة، ~~ولكني إذا غضبت تعديت طوري وخرجت عن حدي في قولي وتصرفي، فيظهر أن التربية هي التي خففت من ~~حدتي، وضبطت من نفسي، أما مزاجي الطبيعي فعصبي غير هادئ، ولذلك أنفعل للحوادث أكثر مما ~~ينفعل لها صحبي، فقد أكون جليسا لبعض الأصدقاء، فيأتينا خبر موت صديق أو كارثة نزلت بمن ~~نعرف، فألاحظ أني أكثرهم انفعالا وأشدهم تأثرا. # ثم قد ورثت من أبي «حمل الهم» والخوف من العواقب، والحياة قلما تخلو من هم - هم الأولاد ~~ودراستهم، والمعيشة وتكاليفها، والوظائف ومتاعبها ونحو ذلك، والناس حولي تعتريهم هذه الهموم ~~وأكثر منها فلا يأبهون كما آبه، ولا يفزعون منها كما أفزع، ويضحكون وسط همومهم ملء أفواههم ~~ولا أستطيع أن أسير سيرهم، حتى لو عرض علي عشر حوادث تسع منها تستوجب السرور، وواحدة تستوجب ~~الهم لغلبت الواحدة التسع. # شديد الحساسية للكلمة تمسني أو الفعل يجرحني، وقد لا أنام الليل لكلمة نابية سمعتها أو ~~صدرت عني في حق صديق لي، ولكن كما أني شديد التأثر شديد التسامح، أغضب ممن يسيء إلي، ثم ~~سرعان ما يصفو له قلبي ويتسع له صدري. # شديد الخوف على سمعتي الخلقية، فأتألم أشد الألم من كلمة تنشر إذا مست خلقي، ولكني واسع ~~الصدر جدا فيما يمس آرائي وأفكاري. فليس يحزنني نقد كتبي ولا نقد آرائي، بل أرتاح له وأغتبط ~~به إذا اقتصر على حدود الرأي والفكر، ولم يتعده إلى حدود الخلق. # نعم يسرني كل السرور أن يقدر الناس كتبي وأفكاري ولكن إذا نقدوها في أدب عددت ذلك ضربا من ~~ضروب تقديرها والاهتمام بها. # لدي الشجاعة في قول الحق والتزام الصدق واحتمال الحرمان من مال ms198 أو جاه، ولكن ليس لدي ~~الشجاعة في احتمال شوكة تصيب أولادي أو شيء يمس شرفي. # لست كثير الثقة بنفسي، ولا بما يصدر عني، فالكتاب أؤلفه أو المقال أكتبه لا أثق بحكمي ~~عليه بأنه جيد أو رديء حتى يقرأه الناس فيحكموا بجودته أو تفاهته، قد ألمح فيه الجودة أو ~~التفاهة، ولكني لا أثق بحكم نفسي على نفسي حتى يؤيد الناس ظني أو يكذبوه. وأذكر مرة أني ~~أعددت يوما - وأنا مدرس بمدرسة القضاء - محاضرة موضوعها «دقة الملاحظة» وكان من عادتنا أن ~~نعرض ما نكتب على عاطف بك بركات ناظر المدرسة فيجيزه أو لا يجيزه، وقل أن تخلو محاضرة ~~يقرؤها من ملاحظات عليها يقيدها بالقلم الأحمر، فبعد يوم رد إلي المحاضرة، وليست عليها أية ~~إشارة ، فأيقنت أنها لم تعجبه جملة، ولم يرض عن شيء فيها، وأسفت لذلك أسفا شديدا، وجعلت أبرر ~~حكمه عليها، وأقول ماذا تحتوي هذه المحاضرة من أفكار: فكرة كذا تافهة، وفكرة كذا مسبوقة، ~~وفكرة كذا ليست بذلك. وهكذا حتى استسخفت كل ما فيها. ويوم الثلاثاء وهو موعد المحاضرة ~~استدعاني صباحا وسألني: لم لم أعلن عن محاضرتي؟ فقلت: إنك استسخفتها. فقال: من قال لك ذلك؟ ~~قلت كل الدلائل، فلم تحدثني بشأنها. ولم تؤشر عليها وأرسلتها إلي مع الساعي، ونحو ذلك. ~~فقال: إني وجدتها كاملة فليس لي انتقاد عليها فلم أؤشر على شيء فيها، وسألت عنك فقيل لي إنك ~~في الدرس فأرسلتها مع الساعي، والمحاضرة قيمة جدا. فأخذت أستعيد في ذهني نقطها وأقول إن ~~فيها فكرة كذا وهي جيدة وفكرة كذا وهي جديدة، وفكرة كذا وهي قيمة، وألقيتها فاستحسنت ~~فعددتها حسنة. # وهذا عيب في لم أدر كيف نشأ، فخير للإنسان أن يثق بنفسه من غير غلو ويقدر إنتاجه على ~~حقيقته من غير إفراط أو تفريط. # أحب النظام حبا شديدا، فكل شيء في موضعه وكل شيء في وقته، كما أحب البت السريع في الأمور ~~من غير تردد طويل، وأفضل سرعة البت ولو أنتج الخطأ على طول التردد ولو تبعه الصواب. # أما حياتي اليومية ms199 فإنها تكاد تكون حياة رتيبة كأني قطار لا ينحرف عن السير على قضبانه، ~~فلا مغامرات ولا مفاجآت؛ أصحو قبل الشمس دائما مهما تأخرت في النوم، وتلك عادة اعتدتها منذ ~~كان أبي يوقظني في طفولتي لأصلي معه الفجر؛ فإذا طلعت الشمس أفطرت فطورا خفيفا غالبا عماده ~~اللبن، وإذا كان لدي عمل خرجت إليه، وإلا ذهبت إلى مكتبتي أو حديقتي أقرأ وأكتب إلى ما بعد ~~الظهر، وهذا خير الأوقات عندي فائدة وأكثرها إنتاجا، فإذا تغديت نمت بعد الغداء، وهي نومة ~~تكاد تكون مقدسة، إذا لم أنمها تعكر علي سائر يومي. وكثيرا ما كانت هذه النومة سببا لمتاعب ~~كثيرة، فأنا لا أنام إلا في هدوء تام، وأي صوت ينبهني، وأي حركة تقلقني، فإذا بكى طفل أو ~~حدثت حركة في البيت ذهب عني النوم، وغضبت وأغضبت، وكثيرا ما ثرت فآلمت، ويكفيني في هذا ~~النوم نصف ساعة أو ما دونه، فإذا صحوت شربت قهوتي، وإذا لم يكن ثمة داع إلى الخروج عدت إلى ~~مكتبي لأقرأ لا لأكتب، فقلما ألفت في المساء لأني إذا كتبت هاج مخي، فإذا ما نمت بعد ~~الكتابة لم أنم نوما هادئا، وظل عقلي يحلم ويحلم، ويبدي ويعيد فيما كنت أكتب؛ وليس الحال ~~كذلك إذا اقتصرت على القراءة. ولذلك اعتدت أن أفكر وأقرأ مساء ثم أكتب صباحا غالبا. # ولا أستطيع الكتابة إلا في هدوء تام، فأي صوت يزعجني، وكم تمنيت أن يكون للأذن غطاء خاضع ~~لإرادة الإنسان كما هو الشأن في العين. # وقد أستريح يوم الجمعة فأخرج إلى حلوان أو الأهرام أو القناطر الخيرية أو نحو ذلك لأنسى ~~القراءة والكتابة؛ وأصيف في الإسكندرية أو رأس البر، فأحمل أهم كتبي معي وأشتغل بها كما ~~أشتغل في أيام عملي، فلا أستمتع إلا بحسن الجو والسير أحيانا على شاطئ البحر، ولم أعتد - ~~ولله الحمد - كيفا إلا الدخان أدخنه ولا أبتلعه، كما لم أعتد أن أضيع وقتي في الجلوس إلى ~~مقهى إلا لمقابلة في عمل، فإن ملت إلى اجتماع بالناس فمع أصدقائي في لجنة التأليف، كما ms200 لم ~~أعتد ضياع وقت في لعب نرد أو شطرنج. # وكنت في بدء حياتي العملية كثير الفراغ، أصرفه في القراءة والكتابة، فألفت «فجر الإسلام ~~وضحاه» ثم قل فراغي باشتغالي بكثرة المجالس واللجان، فأنا عضو في المجمع اللغوي وفي مجلس ~~دار الكتب ومجلس كلية الآداب ودار العلوم، ورئيس لجنة التأليف والجامعة الشعبية إلخ. إلخ، ~~ومذيع في الراديو، وكل هذه أكلت من وقتي، وبعثرت زمني، ووزعت جهدي، مع قلة فائدتها فيما ~~أعتقد. ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لرفضت كل هذه الأمور ونحوها وفرغت لإتمام سلسلة فجر ~~الإسلام وضحاه وظهره وعصره، فقد كان ذلك أجدى وأنفع وأخلد، ولكن للظروف أحكام. # ولست أميل إلى الاجتماع كثيرا، ولا أحب يوما يمر دون أن أخلو فيه إلى نفسي بعيدا عن أهلي ~~وولدي. # وأستمر في القراءة إلى نحو الحادية عشرة فأنام، وقد وضعت مصباحا كهربائيا بجانب سريري ~~أقرأ عليه حتى يغشاني النوم، ولما أصبت في عيني منعني الأطباء من القراءة ليلا فاستعنت على ~~ملء وقتي بمن يقرأ لي. # وإذا علقت فكرة بذهني كانت شغلي الشاغل - أقرأ الكثير عنها وأفكر فيها وأحلم بها، وقد ~~يخطر لي فيها خاطر إذا صحوت أثناء الليل، فأذهب إلى مكتبتي وأضيئها واستحضر الكتاب الذي ~~أظنه يعالجها وأقرؤه لتحقيق الفكرة والوصول فيها إلى نفي أو إثبات ثم أعود إلى ~~فراشي. # وإذا حدث حادث سياسي أو اجتماعي - قومي أو إنساني - تأثرت به تأثرا يغطي على تفكيري ~~العلمي، وها أنذا في هذه الأيام مرتاع لما أصاب البلاد العربية من أحداث فلسطين. يقلقني جد ~~الصهيونيين وهزل العرب، واجتماع كلمة الأولين وتفرق الآخرين ووقوف الأولين على أساليب ~~السياسة الأوروبية والأمريكية والروسية، وفهمهم الدقيق للأوضاع واستغلالهم الفرص السانحة، ~~وجري الآخرين على سياسة الارتجال، وجهلهم بما يجري خلف الستار. وتقصيرهم في جمع كلمتهم ~~وتوحيد خططهم. ويفزعني ما أحرزه الصهيونيون من نجاح لم يكن يتوقعه حتى أكثرهم تفاؤلا ~~وأوسعهم أملا، وأكرر السؤال على نفسي ماذا سيكون المصير لو استمر الصهيونيون في جدهم ~~واستعدادهم وتكاتفهم، واستمر العرب في هزلهم وتخاذلهم؟ وكثيرا ما ms201 أحاول الكتابة في موضوع ~~علمي أو أدبي ثم أصرف عنه بهذا الحزن وهذا الجزع، وأقول إني كنت أعجب من ضياع الأندلس من يد ~~المسلمين وسائر الأقطار لا تحرك ساكنا للإغاثة ولا تمد يدا للمعونة، واليوم بعد قرون طويلة ~~تتجدد المأساة فتضيع فلسطين من يد المسلمين ولا عبرة من الأحداث ولا استفادة من التاريخ، ~~ويغيث المسلمون شكل إغاثة لا حقيقة إغاثة، ويعاونون معاونة كان خيرا منها عدمها، فيالله ~~للمسلمين ... # ثم لي نزعة صوفية غامضة، فأشعر في بعض اللحظات بعاطفة دينية تملأ نفسي ويهتز لها قلبي، ~~وأكبر ما يتجلى هذا عند شهود المناظر الطبيعية الرائعة، كالمزارع الواسعة، والأشجار ~~اليانعة، والنجوم اللامعة، وطلوع الشمس وغروبها، والبحار وأمواجها، والطيور وتغريدها، فأشعر ~~- إذا ذاك - بميل إلى احتضانها ، وأود لو ركزت في كأس فأشربها، وأحس بنشوة إذ أراها وأرى ~~الله فيها، ولكني - مع ذلك - أشعر بأسف على أني لم أنم هذه النزعة كما يجب، ولم أتعهدها ~~وأرعها كما كان ينبغي. # ومزاجي فلسفي أكثر منه أدبيا؛ حتى في الأدب، أكثر ما يعجبني منه ما غزر معناه ودق مرماه، ~~فيعجبني الحريري والقاضي الفاضل والصاحب بن عباد وطريقته، والعماد الأصفهاني ومدرسته، ~~ويعجبني المتنبي لولا إغرابه أحيانا وتكلفه، والمعري لولا تعالمه، وأفضلهما على أبي تمام ~~وتقعره، ولا يعجبني من البحتري إلا قصائد معدودة، ولا يهتز قلبي لأكثر شعر الطبيعة في الأدب ~~العربي، لبنائه على الاستعارة والتشبيه لا على حرارة العاطفة ولهذا كان لي ذوق خاص في تقدير ~~الأدب، فضلت اتباعه مجتهدا - ولو كنت مخطئا - على تقليد غيري في تقديره ولو كان ~~مصيبا. ~~••• # لو استعرضت حياتي من أولها إلى آخرها لكانت «شريطا» فيه شيء من الغرابة وفيه كثير من خطوط ~~متعرجة، فما أبعد أوله عن آخره، وما أكثر ما فيه من مفارقات، وتغير في الاتجاهات، ومخالفة ~~للاحتمالات، فمن كان يراني وأنا في مدرسة أم عباس الابتدائية يظن أنني سأكمل دراستي ~~الابتدائية والثانوية، وقد أكمل الدراسة العالية وأشغل الوظيفة التي تتفق ونوع الشهادة: ~~معلما أو قاضيا أو مهندسا أو نحو ذلك. ثم ms202 تغير هذا الاتجاه فجأة إلى الأزهر، فمن كان يراني ~~في الأزهر يظن أني إما أن أنقطع عن الدراسة فأكون إماما في مسجد، وإما مدرسا في مدرسة أهلية ~~أو نحو ذلك، وإما أتممها فأكون عالما في الأزهر، له كرسي بجانب عمود من عمده يجلس عليه ~~بعمامته الكبيرة وجبته الواسعة، يشرح المتن والشرح والحاشية، ثم تغير هذا الاتجاه أيضا فجأة ~~إلى مدرسة القضاء، فكان أكبر الظن أن أكون كزملائي قاضيا شرعيا يتنقل في مناصب القضاء حتى ~~يكون رئيس المحكمة الشرعية العليا أو قريبا منه، ولكن تغير أيضا هذا الاتجاه فاتصلت ~~بالجامعة، وكنت أستاذا بكلية الآداب وعميدا لها. # وتغيرت عقليتي تبعا لهذا التغير، فلم تعد عقليتي تنسجم مع العقلية الأزهرية؛ بل ولا مع ~~زملائي من مدرسة القضاء. ومنذ قليل قابلت صديقا كان من أحب الأصدقاء إلي في مدرسة القضاء ~~وأقربهم إلى عقلي، فحادثته وأطلت الحديث معه، فإذا أنا في واد وهو في واد. # وكم من الفروق بين معيشتي الأولى ومعيشتي الأخيرة! وإن الفرق بينهما - كما قال الجاحظ - ~~كالفرق بين امرئ القيس إذ يقول: # تقول وقد مال الغبيط بنا معا # عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل # وقول علي بن الجهم: # فبتنا جميعا لو تراق زجاجة # من الخمر فيما بيننا لم تسرب # كنت في البيت كالذي وصفته - أولا - في منتهى السذاجة والبساطة، لا ماء في المواسير، ولا ~~آلة من آلات المدنية الحديثة، فأصبحت أسكن في بيت فيه الحديقة، وفيه أثاث المدنية الحديثة، ~~فيه الراديو والتليفون وما إلى ذلك. # ولم أركب القطار في حياتي الأول إلا وأنا في السادسة عشرة من عمري، ركبته إلى طنطا فحزنت ~~وبكيت، وفي آخر حياتي ركبت الطيارة من القاهرة إلى لندن وأنا مسرور مبتهج. # وكنت أمشي على رجلي من بيتي في المنشية إلى الأزهر، وأعود من الأزهر ومعي منديل كبير فيه ~~(الجراية) أنقله بين يدي اليمني ويدي اليسرى، ومن كتفي اليمنى إلى كتفي اليسرى فأصبحت أنتقل ~~حتى المسافات القصيرة في سيارة. وكان أبي يعلمني في كتاب كالذي ذكرت، فأصبحت أعلم أولادي ms203 في ~~رياض الأطفال وما إليها. ولا يعجبهم أن ينتقلوا في الدرجة الأولى في الترام والأمنيبوس، ~~ويتطلبون سيارة ينتقلون بها، وكنت أضرب على الشيء التافه الصغير فأحتمل، ولا أثور ولا أغضب، ~~فصار أبنائي يغضبون من الكلمة الخفيفة والعتاب المؤدب، وكنت لا أؤاخذ أبي على حرماني من ~~الضروريات، فصار أبنائي يؤاخذوني على حرمانهم من الإسراف في الكماليات. وكنت وصوت، وكنت ~~وصرت مما يطول شرحه، فما أكثر ما يفعل الزمان. # لقد بدأت في شبابي أرسم حياتي المستقبلة من خيالي، وأرسم المثل العليا لي في خلقي ومسلكي ~~وإصلاحي، ثم اصطدمت هذه المثل بالواقع، وبالبيئة التي حولي، وبالصعاب التي صادفتني، وبكثير ~~من الناس أخلفوا ظني، كل هذا وأمثاله كان يأكل من البنيان بنيته للمثل الأعلى الذي وضعته ، ~~لقد حاولت أن أقف أمام هذه التيارات ولكني لم أستطع أن أثبت في مركزي، فجرفني التيار معه ~~قليلا أو كثيرا، ومن أجل هذا كنت في شبابي خيرا مني في شيخوختي، وفي أول عهدي أكثر تفاؤلا ~~مني في آخر عهدي. لكم تمسكت في شبابي بالمبدأ وإن ضرني، واستقلت من عمل يدر علي الربح لأني ~~رأيته يمس كرامتي، وبنيت آمالا واسعة على ما أستطيعه من إصلاح وما أحقق من أعمال، ثم رأيت ~~كثيرا من هذه الآمال يتبخر، وما أنوي من أعمال يتعثر، وها أنذا في شيخوختي قد أقبل ما كنت ~~أرفض، وقد أتنازل عن بعض المبادئ التي كنت ألتزم؛ فالوسط وأحاديث الناس وكثرة الأولاد ~~وتوالي العقبات وضعف الإرادة بطول الزمان قد تضطر الإنسان إلى التنازل عن بعض مثله العليا، ~~ويعجبني قول من قال: # عصيت هوى نفسي صغيرا وعندما # رماني زماني بالمشيب وبالكبر # أطعت الهوى، عكس القضية، ليتني # ولدت كبيرا ثم عدت إلى الصغر # ومع هذا فإني أحمد الله إذ من علي بالتوفيق في أكثر ما زاولت من أعمال: فيما ألفت من كتب ~~- في عملي بلجنة التأليف - في الجامعة الشعبية - في الجامعة المصرية - في الجامعة العربية - ~~في عمادة كلية الآداب؛ كذلك كان الشأن في حياتي العملية والأدبية والمالية والعائلية: نعم ~~من ms204 الله لا أستطيع أن أقوم بالشكر عليها. # وهي ظاهرة يصعب تعليلها العقلي، أو تفسيرها بالتحليل الاجتماعي والنفسي. فكم رأيت من أناس ~~كانوا أذكى مني وأمتن خلقا وأقوى عزيمة، وكانت كل الدلائل تدل على أنهم سينجحون في أعمالهم ~~إذا مارسوها، ثم باءوا بالخيبة ومنوا بالإخفاق، ولا تعليل لها إلا أن # ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ~~. # | قالوا # لقد أهدى أحمد أمين إلى العالم الحديث بتأليف «فجر الإسلام وضحاه وظهره» كنزا من أقوم ~~الكنوز وأعظمها حظا من الغنى وأقدرها على البقاء ومطاولة الزمان والأصراح. ~~«طه حسين» # من ألف فجر الإسلام وضحى الإسلام وظهر الإسلام أبقى على الأيام من أن يدركه ~~الموت. ~~«طه حسين» # إن سلسلة فجر الإسلام وضحاه وظهره من أقوم وأروع ما وضع عن الحياة العقلية والفكرية ~~للإسلام. ~~«عبد الرزاق السنهوري» # لقد أسس أحمد أمين مدرسة في الفكر الإسلامي لا أعرف أن معاصرا قام بعمل يدانيه وستبقى ~~هذه المدرسة راسخة الأصل باذخة الفروع، وسيظل هو إمامها وزعيمها الفكري الكبير. ~~«عبد الرزاق السنهوري» # لقد أخرج أحمد أمين من ذخيرته الغنية تاريخا جامعا دقيقا للتفكير الإسلامي في عصوره ~~المختلفة، ولعل أكبر أثر له هو سلسلة فجر الإسلام وضحى الإسلام وظهر الإسلام. ~~«عبد الواحد خلاف» # اقرأ كتابه فجر الإسلام وصنويه الضحى والظهر تلمح خلف مظاهر البحث والدرس لوامع الروح ~~الأصيلة التي تميط الغبار عن معالم الفكر العربي وتريك الضوء من مصابيحه. ~~«محمود تيمور» # إن السلسلة الرائعة من تاريخ الأدب العربي التي تبدأ بفجر الإسلام وتنتقل إلى ضحى ~~الإسلام فإلى ظهر الإسلام، كنوز من المعرفة كتبت بأسهل لسان، ونقلت من أصح مصادر ~~واشتملت على أدق الآراء العلمية. ~~«الأمير مصطفى الشهابي» # حسب أحمد أمين أنه حلل الحياة العقلية للعرب والمسلمين في كتبه: فجر الإسلام وضحاه ~~وظهره، تحليلا لم يتهيأ مثله لأحد من قبله. وستظل هذه الكتب الخالدة شاهدة على الجهد ~~الذي لم يكل، والعقل الذي لم يضل، والبصيرة التي نفذت إلى الحق من حجب صفيقة واهتدت ~~إليه في مسالك متشعبة. ~~«أحمد حسن ms205 الزيات» # لم يظفر كتاب من الذيوع والانتشار والتأثير بمثل ما ظفرت به مجموعة الكتب التي أصدرها ~~أحمد أمين حين أصدر فجر الإسلام وتبعه بضحى الإسلام ثم ظهر الإسلام. ~~«أحمد فؤاد الأهواني» # أصبح الفجر والضحى والظهر مرجع كل طالب، ومرشد كل باحث والمنارة التي يهتدي بها ~~الناظر في التاريخ الإسلامي وحضارته. ~~«أحمد فؤاد الأهواني» # حين صور أحمد أمين الحياة العقلية في فجر الإسلام وفي ضحاه وظهره أخرج للعالم كله ~~مرجعا من أجمل المراجع وأحسنها نسقا وتوثيقا. ~~«وداد السكاكيني» # Ahmad Amin, who rose to a leading role in Egypt’s cultural life, is ~~well known by his works tracing the story of Islam from what he called its Dawn ~~to High Noon. ~~(The Middle East Journal. Vol. 9, No. 1, London 1955) # The recent death of Dr. Ahmad Amin deprived the world of letters in ~~the Middle East of an honored and influential leader. ~~(Then and Now in Egypt by Kenneth Cragg) # The book, “Hayati” written by Ahmad Amin, the distinguished Cairo ~~scholar and educator, is impressive in its simplicity and sincerity. ~~(Middle Eastern Affairs Vol. 7, No. 1, January, 1954) ms206