######OpenITI# #META# URI: 1373AhmadAmin.IlaWaladi.Hindawi36069074 #META# Tags: literature #META# ID: 36069074 #META# Title: إلى ولدي #META# AuthorID: 20953090 #META# Author: أحمد أمين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # رسالة إلى ولدي‏ # رسالة إلى أبي‏ # رسالة إلى ولدي‏ # رسالة إلى ابنتي‏ # رسالة إلى ولدي‏ # مقدمة‏ # رسالة إلى ولدي‏ # رسالة إلى أبي‏ # رسالة إلى ولدي‏ # رسالة إلى ابنتي‏ # رسالة إلى ولدي‏ # | إلى ولدي # | إلى ولدي # تأليف # أحمد أمين # | مقدمة # طلبت إلي مجلة «الهلال» في آخر سنة 1949 أن أكتب لها سلسلة مقالات بعنوان «رسالة إلى ~~ولدي» تنشر خلال عام 1950، فأتممتها اثنتي عشرة مقالة في كل شهر مقالة، وجهت فيها نصائحي ~~ونتائج تجاربي إلى ولدي. وصادف أن كان لي ابن يتم تعليمه في إنجلترا فاستحضرته في ذهني ~~عند كتابتها. # وهذه العادة، عادة كتابة الآباء إلى الأبناء، عادة قديمة قصها علينا القرآن الكريم في ~~نصيحة لقمان لابنه، ونصيحة الفارسية المعروفة بجويدان خرد. وكثيرا ما نصح الملوك أولياء ~~عهدهم بنصائح ترشدهم في مستقبل حياتهم، وكثيرا أيضا ما نصح الملوك عمالهم في كيف يسيرون ~~وأي منهج ينهجون: نصح عمر بن الخطاب أبا موسى الأشعري نصيحته المشهورة في كيف يسير في ~~القضاء. وقالوا: إن علي بن أبي طالب نصح الأشتر النخعي بنصيحته المشهورة عندما ولاه ~~مصر، واستمرت هذه النصائح في التاريخ الأدبي إلى يومنا هذا، وكان من آخرها نصيحة المرحوم ~~محمد حافظ عوض بك لابنه. فآثرت أن أجري مجراهم مراعيا اختلاف البيئة واختلاف العصر، فلكل ~~عصر نصائحه، ولكل عصر أسلوبه. فلما تمت، أشار علي بعض الإخوان أن أفردها في كتاب، ~~فاستصغرها الطابع وطلب أن أضم إليها مثلها أو نصفها، فاستقبلت هذا الطلب قبولا حسنا، إذ ~~كانت هناك معان عندي لم تكتب في الرسائل الاثنتي عشرة فكتبتها، وها هي اليوم تخرج في ~~كتاب. # والمأمول أن ينتفع بها الجيل الحاضر كما انتفع بها ابني، رغم أنه عارض فيها بدعوى أن ~~النصائح ليست كبيرة الفائدة، وإنما أكبر فائدة للبيئة والوراثة، وقد خالفته في ذلك؛ لأنه ~~إذا كانت للبيئة كل الأثر فالنصائح الأبوية بعض البيئة، ولعلي بذلك أكون قد قمت بواجب علي ~~نحو أبنائي من صلبي وأبنائي من شبان الجيل الحديث. فعلى كل من جرب أن يقدم تجربته ms01 ~~للناشئين من بعده، وعلى الناشئين أن يسمعوا آبائهم ويأخذوا منهم خير ما عندهم، والله ~~الموفق. # القاهرة في 4 ربيع الآخر سنة13/1370 يناير سنة1951. # أحمد أمين # | رسالة إلى ولدي # 1 # أي بني: # إني لأعلم أنك قد خلقت لزمن غير زمني، وربيت تربية غير تربيتي، ونشأت في بيئة غير ~~بيئتي - لقد كنت في زمني عبد التقاليد والأوضاع، وأنت في زمن يكسر التقاليد والأوضاع، ~~وكنت في زمن شعاره الطاعة، الطاعة لأبي ولأولياء أمري، وأنت في زمن شعاره التمرد، ~~التمرد على سلطة الآباء، وعلى المعلمين وعلى أولي الأمر - وتعلمت أول أمري في كتاب ~~حقير، نجلس فيه على الحصير، ويعلمنا مدرس جبار، يضرب على الهفوة وعدم الهفوة، ويعاقب ~~على الخطأ والصواب، ويمرن يده بالعصا فينا كما تمرنون أيديكم على الألعاب الرياضية. ~~وأنت تعلمت في روضة الأطفال حيث تشرف عليك آنسة رقيقة مهذبة، وتقدم لك تعليم القراءة ~~والكتابة في إطار من الصور والرسوم والأغاني وما إلى ذلك. وكنت أعيش في كتابي على ~~الفول النابت والفول المدمس، وأنت تعيش في روضتك على اللبن والشاي والبسكويت وما إلى ~~ذلك أيضا. # ثم لما صبوت تعلمت في المدارس الفرنسية حيث تنقل إليك في تعاليمها كل أساليب المدنية ~~الغربية - وتربيت أنا في وسط كله دين - دين في الكتب ودين في الحياة الاجتماعية ودين في ~~أوساطي كلها. وتربيت أنت في مدارس أو جامعات لا يذكر فيها الدين إلا بمناسبات. وكان ~~يذكر الدين في وسطنا دائما ليحترم، وكثيرا ما يذكر الدين في وسطك ليهاجم. ونشأت في ~~وسط لا تذكر فيه السياسة إلا لماما، ونشأت في وسط كله سياسة وإضراب وأكثر من الإضراب. ~~ونشأت في وسط لا يعرف المرأة إلا محجبة، ولا يعرف فتاة إلا أن تكون قريبة، ونشأت أنت في ~~وسط تجالسك الفتاة في جامعتك وتشاهدها في أوساطك وقد أخذت من الحرية مثل ما أخذت؛ ولو ~~عددت لك الفروق بيني وبينك، في زمني وزمنك، وتعليمي وتعليمك، وبيئتي وبيئتك، لطال ~~الأمر. # ولكن برغم كل هذا فالفروق مهما كانت فروق جزئية، ولا يزال بيني وبينك ms02 وجوه شبه أعمق ~~من هذه المظاهر، فالتغيرات بين الناس مهما اختلفت الأزمنة والأمكنة تغيرات سطحية وأمور ~~عرضية؛ أما الإنسان في جوهره والجمعيات البشرية في نزعاتها الأصيلة فترجع إلى أصول ~~واحدة، ومن أجل هذا كانت تجارب السلف تفيد الخلف. فلأقص عليك شيئا من تجاربي التي ~~أعتقد أنها تفيدك، مهما اختلفت بيئاتنا ومدارسنا وثقافتنا. ~~••• # أهم ما جربت في حياتي أني رأيت قول الحق والتزامه، وتحري العدل وعمله، يكسب الإنسان ~~من المزايا ما لا يقدر، لقد احتملت في سبيل ذلك بعض الآلام، وأغضبت بعض الأنام، وضاعت ~~علي من أجله بعض المصالح، ولكني برغم ذلك كله قد استفدت منه أكثر مما خسرت، لقد ~~استفدت منه راحة الضمير، واستفدت منه ثقة الناس بما أقول وما أعمل، واستفدت منه حسن ~~ظنهم بما يصدر عني ولو لم يفهموا سببه، ومع هذا فقد استفدت منه أيضا ماديا أكثر مما ~~استفاد غيري، ممن لم يلتزموا الحق ولم يراعوا الصدق والعدل. لقد وجدت في أوساط كثيرة ~~وعاشرت زملاء كانوا يرضون رؤساءهم أكثر مما يرضون ضمائرهم، ويقولون ما يعجب الناس لا ما ~~يعتقدون أنه الصدق، ويرتكبون الظلم طلبا للجاه أو العلو في المنصب، ومع هذا فقد ربحوا ~~قليلا وخسروا كثيرا. لقد خسروا الفضيلة وخسروا الضمير، وفازوا بقليل من الحظ العاجل ~~تبعه كثير من الفشل الآجل. فلو حسبت بالدقة ما كسبت وما خسرت وما كسب هؤلاء وما خسروا ~~لوجدتني أسعد حالا وأوفر حظا. فإذا أردت أن تنتفع بتجربتي فالتزم الحق والصدق والعدل ~~في جميع أعمالك مهما تكن النتيجة. # نعم رأيت من زملائي من تمسكوا بهذه الفضيلة فخسروا كثيرا وفشلوا فشلا ذريعا، ولكن ~~لم يكن عيبهم أنهم التزموا الحق والصدق والعدل، بل عيبهم أنهم التزموا هذه الصفات في ~~سماجة، فقالوا الحق في غير أدب والتزموا الصدق في غير لباقة، وتحروا العدل في غير ~~لياقة، فلم يكن الذنب ذنب الحق، ولكن الذنب ذنب السماجة. فتعلم من هذا أن تقول الحق ~~في أدب وتتحرى العدل والصدق في لباقة ولياقة. فمن غضب بعد ذلك كان الذنب ms03 ذنبه ولا ذنب ~~عليك، ولا تتعجلن النتيجة فقد تمس من الحق نارا، ويهب عليك من العدل لفحة جحيم، ولكن ~~ذلك أشبه ما يكون بالامتحان، إن صبرت له انقلبت النار جنة واللفحة الحارة نسيما ~~عليلا. # ومن أهم تجاربي أيضا أني رأيت كثيرا من الناس يخطئون فيظنون أن المال هو كل شيء في ~~الحياة. يبيعون أنفسهم للمال ويحاولون أن يتزوجوا للمال ويضيعون أعمارهم للمال، ويفرطون ~~في الفضيلة للمال، وقد أقنعتني التجارب أن المال وسيلة من وسائل السعادة حقا؛ بشرط أن ~~يطلب باعتدال وينفق في اعتدال، وبشرط ألا يكون ما تحصله كثيرا جما، فتنقلب عبدا له، ~~وبشرط أن يبقى المال وسيلة أبدا ولا ينقلب غاية أبدا. فإن أكثر الناس وقعوا في متاعب ~~شتى من هذه الأخطاء. # فمنهم من بدأ حياته يطلب المال على أنه وسيلة ثم استمر في طلبه بعد أن استوفى حاجته ~~منه فانقلب غاية، ومنهم من صرف حياته وتفكيره في المال وفي الاستزادة منه حتى فقد ~~سعادته بل وفقد نفسه، وقد دلتني التجارب على أن أسعد الناس من وضع المال في موضعه ~~اللائق به، فلم يرفضه رفضا باتا ولم يذل له ذلا تاما. ونظر إلى المال على أنه ~~وسيلة من وسائل السعادة لا كل السعادة، ولم يطلبه إلا مع الشرف والعزة والإباء. فإن ~~تعارض معها ضحى المال للفضيلة والغنى للضمير. ~~••• # ودلتني التجارب على أن عنصر الدين في الحياة من أهم أسباب السعادة. ولكن أصدقك أنه لم ~~يعجبني موقف زماننا من الدين ولا موقف زمانك، فقد كان الدين في زماننا متزمتا لا سماحة ~~فيه، متشددا لا لين فيه، مغلقا لا عقل فيه، والدين في زمانكم متضائل لا حياة فيه، ~~منسي لا ذكر له، موضوع على الرف لا يؤبه به. والحياة السعيدة كما دلتني التجربة حياة ~~ترتكز على الاعتقاد بإله يركن إليه ويعتمد عليه، وتستمد منه المعونة ويطلب إليه التوفيق ~~في الحياة، ويملأ القلب رحمة وعطفا وحبا لخير الإنسانية. يعجبني من الدين أن يكون ~~سمحا لا غلظة فيه، وألا يكون ضيق الأفق فيناهض ms04 العلم، بل يؤمن صاحبه أن له مجاله ~~وللعلم مجاله، وأن الدين الصحيح لا يناقض العلم الصحيح، وأن لا بد منهما جميعا ~~للإنسانية، فالعلم لحياة العقل والدين لحياة القلب. ~~••• # هذه، يا بني، بعض تجاربي في الحياة وما أكثرها! ولكني أخشى أن أطيل عليك فتمل، وأحب ~~أن أقدمها إليك جرعة فجرعة لتستسيغها وتتذوقها وتأخذ نفسك بتشربها رشفة فرشفة. أذكر لي ~~رأيك فيها وموقعها عندك ومبلغ استعدادك لقبولها، وفي ضوء ما أسمع منك ستتوالى عليك كتبي ~~إليك، تقدم إليك تجاربي كأسا فكأسا. # والسلام عليك ممن يحب لك الخير ويود أن تكون خيرا منه، ويتمنى أن يحيا فيك خيرا مما ~~حيى في نفسه والسلام. # 2 # أي بني: # إنك الآن تدرس في إنجلترا بعد أن أتممت دراستك في مصر، والذين درسوا قبلك في أوروبا ~~أشكال وألوان، اختلفت منازعهم واختلفت اتجاهاتهم، واختلفوا في مقدار نجاحهم وفشلهم، ~~ولكن يمكن تقسيمهم إلى مجموعات محددة واتجاهات معينة. # فمنهم من شعر بأن حريته في مصر كانت مفقودة، فرآها في أوروبا موفورة. فقد تحرر من ~~رقابة الأبوين ورقابة المدرسة، وأصبح أمير نفسه ليس عليه رقيب ولا حسيب، ورأى مجال ~~اللهو في أوروبا واسعا فسيحا (وأوروبا - على العموم - كفيلة أن تحقق كل رغبة وتوفر كل ~~اتجاه، فمن شاء الجد فالأبواب أمامه مفتحة ومجال الجد لا حد له، من شاء اللهو فالأبواب ~~أمامه مفتحة ومجال اللهو لا حد له) فانغمس في وسائل اللهو ووهبها كل ماله وكل تفكيره ~~وكل وقته. نهاره نائم وليله عابث، ولا يرى جامعته ولا تراه إلا محافظة على الشكل وحرصا ~~على استجلاب المال من أبيه أو من حكومته أو منهما معا، وهو يلهو ويوهم أباه أنه يجد، ~~ويعبث ويخدع من في مصر بأنه دائب في طلب العلم، ويحتال على أبويه في تحصيل المال بكل ~~وسيلة، فهو من فرط جده محتاج إلى شراء كثير من الكتب، ومن فرط البرد محتاج إلى كثير من ~~الملابس، ومن فرط مذاكرته محتاج إلى التردد على الطبيب، وكل ما يأتيه من هذه الحيل ~~مصروف في ms05 شهواته ولذاته. وأخيرا تنكشف الأمور عن مأساة ويعود إلى بلده ولا علم ولا ~~خلق، وقلما يصلح في مصر لعمل بعد أن فسدت نفسه ومات ضميره وذهب علمه وانحط خلقه. ~~••• # ومن الدارسين في أوروبا من كانوا على العكس من ذلك - وهم أقل عددا. هؤلاء عكفوا على ~~دروسهم بكل جد، ولم يعرفوا غير حجرتهم وكتبهم وجامعتهم وطريقهم من البيت إلى الجامعة، ~~قد نقلوا حجرتهم في مصر إلى حجرة في إنجلترا أو فرنسا، وغيروا كتبهم في مصر إلى كتبهم ~~في إنجلترا وفرنسا، وعملهم في مصر إلى عملهم هناك من غير فرق، وظلوا يعملون ويكدون حتى ~~نالوا الدرجة العلمية وأتت التقارير عنهم إلى وزارة المعارف وإلى آبائهم بأنهم مثال ~~الجد والنشاط والنجاح العلمي، ثم عادوا يحملون شهادتهم ويعملون فيما عهد إليهم أن ~~يعملوا. هؤلاء قد نمت عقولهم وغزر علمهم، ولكنهم لم تتفتح قلوبهم ولم ترق نفوسهم، ~~وهؤلاء الآخرون لا يعجبونني كما لم يعجبني الأولون. ~~••• # وهناك طائفة ثالثة هي التي تعجبني وهي التي أحب أن تسير على منهجها. هؤلاء قد فهموا ~~رسالتهم من بعثتهم على الوجه الأكمل - فهموا أنهم إنما سافروا ليدرسوا علما وليدرسوا ~~خلقا - يحضرون لنيل الدكتوراه ويحضرون لشيء أسمى من الدكتوراه، وهو دراسة الحياة ~~الاجتماعية في إنجلترا أو فرنسا أو ألمانيا أو أمريكا، ويبحثون عن سر عظمة هذه الأمة ~~ومواطن قوتها وضعفها والفروق بينها وبين مصر، وما يحسن أن تقتبسه مصر وما يحسن ألا ~~تقتبسه، يتعلمون هذه الدروس من الحياة الاجتماعية في الجامعة ومن الحياة العائلية في ~~البيت، ومن الرحلات التي تنظمها الهيئات، ومن الحفلات التي تقام في المناسبات، ومما تقع ~~عليه العين المفتوحة والقلب الواعي في الشوارع والحدائق والأمكنة العامة ونحو ذلك. فهو ~~يرى أن في كل منظر درسا وفي كل خطوة يخطوها فائدة. إذ ذاك تتجدد نفسه ويحيى قلبه ~~وترتقي كل ملكاته ويصبح مخلوقا آخر جديدا، ويعود إلى بلده وقد اكتسب علما كثيرا ~~وخبرة فائقة. تعلم من جامعته إلى جانب دروسه الخاصة أساليب التعليم في البلد الذي سافر ~~إليه في مراحل ms06 التعليم المختلفة، وتعلم نظام الأسرة من البيت الذي نزل فيه وما دار فيه ~~من أحاديث وما حدث فيه من أحداث. وعرف الشعب الإنجليزي أو الفرنسي مما شاهده في الشارع ~~ودور السينما والتمثيل وما اشترك فيه من رحلات ومن معاملاته اليومية مع الناس، وهكذا ~~أمتع نفسه وقلبه وعينه في حدود المعقول، وأمتع عقله في حدود المعقول أيضا. # وكما اختلف المتعلمون في أوروبا هذا الاختلاف الذي شرحته اختلفوا كذلك في مسلكهم بعد ~~عودتهم إلى بلادهم. # فمنهم الذي عاد إلى بلاده يشيد بمجالي اللهو في أوروبا ويفيض في وصف مغامراته ~~النسائية ويعرج على النماذج الوضيعة من ذلك كله في بلاده فيحتقرها، ويعلن أنه يتمنى ~~العودة إلى النعيم الذي كان ينعم به في إنجلترا أو فرنسا. أما وقد حالت الحوائل بينه ~~وبين عودته فهو ينتهب اللذائذ في بلاده على وضاعتها ما أمكنه مترقبا اليوم السعيد الذي ~~تتاح فيه الفرصة للسفر إلى الخارج حتى يعب من لذائذها وينهل؛ فالحياة في نظره لذة ~~منتهزة ولذة مرتقبة ولذة مأسوف على ضياعها ولا شيء غير ذلك، فإن كلف عملا جديا فعلى ~~هامش الحياة. # ومنهم من عاد وكأنه لم يخرج من بلده، إلا علما حصله أو شهادة نالها، أما نظرته إلى ~~الحياة وانسجامه مع الحياة الأولى التي كان يحياها قبل سفره فلم يتغير منها شيء. # ومنهم من استفاد فائدة كبرى من أوروبا في علمه ونظرته الاجتماعية ومعرفته بكثير من ~~دقائق الحياة في البلاد التي رحل إليها، ولكنه لما عاد إلى مصر فسرعان ما دب إليه اليأس ~~... اصطدم بالفوضى في إدارة البعثات وفي وزارة المعارف وفي وزارة المالية، وتذكر ما كان ~~قد نسيه من ورق يغيب بين الإدارات أشهرا من غير أن يبت فيه، وورق يسار فيه بسرعة البرق ~~لأن صاحبه «محسوب»، ورأى مستحقا يهمل وغير مستحق يكافأ، ورأى البيوت وهرجلتها ~~والشوارع وفوضاها والناس وقذارتهم والفقراء وبؤسهم، وقارن بين ما كان يعيش فيه من نظام ~~وعدالة ونظافة وأناقة، وما أصبح يعيش فيه في بلده من اضطراب وارتباك وظلم وقذارة. وحاول ms07 ~~أول الأمر أن يغير شيئا من ذلك فلم يستطع، فيئس واستسلم وطوى نفسه على حزن عميق، ~~وأصبحت حالته حالة من فقد عزيزا عليه لا أمل في عودته وإنما يتسلى بذكراه. ~~••• # كل هؤلاء - يا بني - قد رأيت نماذج منهم، ولا أحب أن تكون أحدهم، إنما أحب - إذا عدت ~~وقد اكتسبت علما ونفسا وقلبا - أن تنظر إلى عيوب قومك فترحمهم، ونقائصهم فتشفق ~~عليهم، وتجتهد - ما أمكنك - في إصلاحهم فإن لم يمكنك الإصلاح العام، فحاول الإصلاح في ~~بيئتك الخاصة ... وفي طلبتك الذين تعلمهم والأساتذة الذين تخالطهم والبيت الذي تنشئه ~~والصديق الذي تجالسه، وفي هذا القدر كفاية للرجل الطيب المحدود الإرادة. فإذا اتسعت ~~إرادتك وقويت عزيمتك وشغلت بعد منصبا رئيسيا استطعت أن تنشر نفوذك وتعمم ~~إصلاحك. ~~••• # لو أن كل مبعوث إلى أوروبا تعلم ونضج ثم عاد ويئس لكان من الخير ألا يبعث؛ لأنا بذلك ~~نخلق جوا من اليأس خانقا، وقلة العلم مع الأمل والطموح خير من كثرته مع اليأس ~~والقنوط. # إن الأمة ترسل مبعوثيها ليكونوا خير ذخيرة لها وقادة إصلاحها ومتزعمي نهضتها، فإن هم ~~استولى عليهم «القرف» واقتصروا على التقزز مما يرون وإطلاق ألسنتهم بالعيب في أمتهم ~~والإشادة بذكر أوروبا ومحاسنها كانت خسارتنا فيهم مضاعفة ... خسارة في الأرواح وخسارة في ~~الأموال وخسارة في خلق أعداء للأمة من ذاتها. ~~••• # إن كل مبعوث فبعثته دين عليه لأمته لأنها ربته أولا في أحضانها ثم أنفقت عليه من ~~مالها لينضج في خارجها، فإن هو جحد الدين فتجهم لها وأنكر صنيعها كان أكبر غادر وأخس ~~جاحد. # إن أكثر هؤلاء - يا بني - يتعللون بأنهم حاولوا الإصلاح فلم يفلحوا، وجدوا في تنظيم ~~ما فسد فلم ينجحوا، ثم لم يجدوا أمامهم إلا أن يرضوا بحالهم، أو أن يسيروا مع التيار ~~فيفسدوا مع المفسدين ويشيعوا الفوضى مع المشيعين، ويطلقوا مثلهم الأعلى ويقتصروا على ~~التملق لأخذ درجة أو الحصول على منصب؛ ولكني أعيذك بالله أن تكون واحدا من هؤلاء ~~الممسوخين الذي ردوا أسفل سافلين. إن هؤلاء إنما جرفهم التيار لضعف قوتهم ونكصوا على ~~أعقابهم ms08 لانعدام شخصيتهم، والرجل القوي الإرادة العظيم الشخصية يفرض إرادته ويحقق ~~شخصيته، ويحول التيار ولا يجرفه التيار - وهذا ما حدث فعلا من أشخاص تعلموا في أوروبا ~~ثم عادوا فصبروا على ما أوذوا وعاندوا في محاربة الرذيلة والانتصار للفضيلة حتى أدركوا ~~بعض غايتهم وحققوا شيئا من أملهم. # ومع الأسف كان عدد هؤلاء الممتازين قليلا، بل أقل من القليل؛ فلو نظرنا إلى عدد ~~المبعوثين من عهد محمد علي للآن لوجدناهم يعدون بالآلاف ولوجدنا من أفاد منهم لا يعد ~~إلا بالعشرات، وإني أرجو لك أن تكون من هذا القليل النافع لا من الكثير الفاشل. ~~••• # إن أكثر من كانوا قبلك قد فسدوا لأنهم سافروا لأخذ شهادة وعادوا لأخذ درجة. فليكن ~~سفرك أنت للمعرفة والعلم وعودتك للإصلاح والنفع، والله يوقفك. # 3 # أي بني: # أكتب إليك هذا في أواخر مارس، موسم الربيع، وموسم الجمال، وموسم البهجة؛ والدنيا - ~~كما قال أبو تمام: # دنيا معاش للورى حتى إذا # جاء الربيع فإنما هي منظر # ولشد ما آسف إذ أرى مدارسكم وجامعاتكم تعني بالعقل فتضع له المناهج الطويلة العريضة ~~في مختلف العلوم، وتمعن في الإجرام فتقلب الآداب والفنون إلى علوم عقلية، أو نظريات ~~فلسفية، وتعني بالجسم فتنظم له الألعاب الرياضية، وتقيم له مباريات السباق وكرة القدم ~~ورفع الأثقال ... ثم لا تقيم وزنا ولا تضع منهجا للذوق وتربيته، وهو الأحق بالعناية ~~والأجدر بالرعاية؛ فإن قصرت مدارسك وجامعاتك في ذلك، فتول أنت تربية ذوقك بنفسك، ووجه ~~إليه كل همتك. فما الحياة بلا ذوق، وما الدنيا بلا جمال؟ وجزى الله خيرا من وجهني إلى ~~الجمال فهويته، ورتبت في شبابي بائع الزهور بجانب بائع الخبز واللبن، فأعجبت بالورد ~~وجماله، وبديع ألوانه، وبالزهور على اختلاف أنواعها، في تناسقها وانسجامها، فكان هذا ~~متعة لنفسي وحياة لروحي بجانب متعة عقلي. # أي بني! # إن الذوق عمل في ترقية الأفراد والجماعات أكثر مما عمل العقل. فالفرق بين إنسان وضيع ~~وإنسان رفيع، ليس فرقا في العقل وحده، بل أكثر من ذلك فرق في الذوق. ولئن كان العقل ~~أسس المدن، ووضع تصميمها، ms09 فالذوق جملها وزينها. إن شئت أن تعرف قيمة الذوق في الفرد، ~~فجرده من الطرب بالموسيقى والغناء، وجرده من الاستمتاع بمناظر الطبيعة وجمال الأزهار، ~~وجرده من أن يهتز للشعر الجميل، والأدب الرفيع، والصورة الرائعة، وجرده من الحب في جميع ~~أشكاله ومناحيه، ثم انظر بعد ذلك ماذا عسى أن يكون وماذا عسى أن تكون حياته. # وإن شئت أن تعرف قيمة الذوق في الأمة، فجردها من دور فنونها، وجردها من حدائقها ~~وبساتينها، وجردها من مساجدها الجميلة الجليلة، وكنائسها الفخمة، وعمائرها الضخمة، ~~وجردها من نظافة شوارعها، وتنظيم متاحفها، ثم انظر بعد ذلك في قيمتها، وفيما يميزها عن ~~غيرها من الأمم المتوحشة والأمم البدائية. # أي بني! # إني لأرثي لحال كثير من شبان اليوم، لا يعرفون الجمال إلا في وجه فتاة، ولا يعرفون ~~الذوق إلا في أناقة الحديث معها، والتظرف إليها، مع أن في الدنيا جمالا يفوق هذا ~~بمراحل، وللذوق مجالا يجد فيه من المتعة ما يقصر عنه الوصف؛ ولكنهم عدموا الذوق ~~وتربيته فلم يلقفوا معانيه ونواحيه ومداه إلا في حدود ضيقة. # أي بني! # إن للذوق مراحل كمراحل الطريق، ودرجات كدرجات السلم. فهو يبدأ بإدراك الجمال الحسي: ~~من صورة جميلة، ووجه جميل، وزهرة جميلة، وبستان جميل، ومنظر طبيعي جميل، ثم إذا أحسنت ~~تربيته ارتقى إلى إدراك جمال المعاني: فهو يكره القبح في الضعة والذلة، ويعشق الجمال في ~~الكرامة والعزة، وينفر من أن يظلم أو يظلم، ويحب أن يعدل ويعدل معه، ثم إذا هو ارتقى ~~في الذوق كره القبح في أمته، وأحب الجمال فيها، فهو ينفر من قبح البؤس والفقر والظلم ~~فيها، وينشد جمال الرخاء والعدل في معاملتها، فيصعد به ذوقه إلى مستوى المصلحين. ~~فالإصلاح المؤسس على العقل وحده لا يجدي، وإنما يجدي الإصلاح المؤسس على العقل والذوق ~~جميعا. ثم لا يزال الذوق يرقى إلى أن يبلغ درجة عبادة الجمال المطلق والفناء ~~فيه. # فعلى هذا الأساس نظم ذوقك: استشعر الجمال في مأكلك وملبسك ومسكنك، وصادق الزهور ~~وتعشقها، ثم انشد الجمال في مجالي الطبيعة ومد بين قلبك ومناظر ms10 البساتين والحدائق - ~~والسماء ونجومها، والشمس ومطلعها ومغيبها ، والبحار وأمواجها، والجبال وجلالها - خيوطا ~~حريرية دقيقة تتموج بموجاتها، وتهتز بهزاتها، ثم انظر إلى الأخلاق على أن فضائلها جمال، ~~ورذائلها قبح، لا على أن فضائلها منفعة ورذائلها متلفة، ثم غن للجمال واهتف به حيثما ~~كان، واعبده وافن فيه، وأنا واثق أن ستسعد بذلك سعادة لا يتذوقها ذوو الشهوات، ولا ~~أصحاب رءوس الأموال، بل ولا الفلاسفة والعلماء. # بل إني أجزم لو وجدت طائفة كبيرة من أمثال هؤلاء الذين رقى ذوقهم إلى هذا الحد في ~~أمة، لنهضوا بها وأعلوا شأنها؛ إن أمثال هؤلاء من أصحاب الذوق الرفيع لو تولوا شئون ~~السياسة ورياسة الأحزاب لكانوا مثلا في حب الخير، ورقة القلب، وإدراك ما يجب أن يعمل ~~وكيف يعمل، وما يجب أن يترك وكيف يترك، ولو كان أمثال هؤلاء رؤساء مصالح، أو مديري ~~أعمال، لوجهوا همتهم لإتقان عملهم، وإيصال الخير لذويهم، وتحري وجوه النفع لمن يلوذ ~~بهم، وإنما أفسد هؤلاء جميعا قلة الذوق لا قلة العقل. فأنت إذا رأيت الشوارع لا منظمة ~~ولا نظيفة، والأمور الصحية مهملة لا يعنى بها، والفلاح بائسا فقيرا، أو رأيت معاملة ~~الناس بعضهم بعضا جافة سيئة، تحدث ضوضاء وجلبة، كالآلة لم تزيت، أو رأيت العداوة ~~والحقد والخصومة بين رجال الأحزاب السياسية، أو رأيت رجال الحكومات تعني بمناصبها أكثر ~~مما تعني بمصالح رعيتها، فاعلم أن منشأ ذلك فقدان الذوق الرفيع لا العقل النابه. # أي بني! # إنك محتاج إلى مجهود جبار، وإرادة قوية لتربية ذوقك، وإرهاف شعورك بالجمال، فكل ما ~~حولك مفسد للذوق متلف للمشاعر السامية: بيوت لم يعن فيها بالجمال، وشوارع لم يعن فيها ~~بنظافة ولا نظام، وترام تكدس فيه الناس أسوأ مما تكدست علب السردين، وهرجلة وفوضى ~~وضوضاء في دور المحاضرات والسينما والتمثيل، ومهاترة غير نبيلة بين الجرائد الحزبية، ~~وارتباك واضطراب وسوء معاملات في المكاتب الحكومية وغير الحكومية، ورؤية البؤس والمرض ~~والفقر والجهل والقذارة على الأرصفة في المدن، وبين الفلاحين في القرى، وبين العمال في ~~المصانع، ونبو في أحاديث المتحدثين، وفي النكت ms11 بين المتنادرين، ومئات ومئات غير ذلك، ~~وكلها كفيلة أن تفسد الذوق وتقضي عليه. فتربيتك لذوقك واحتفاظك به ساميا لا يتأثر بهذه ~~المفاسد، أمر عسير لا ينال إلا ببذل الجهد وقوة العزم. # أي بني! # أتذكر يوم كنت تشكو لي من شدة غضبك وهياج أعصابك، وكثرة احتكاكك ومصادماتك، إذا ركبت ~~السيارة العامة أو الترام، أو ذهبت إلى السينما، أو أردت قضاء مصلحة في ديوان من دواوين ~~الحكومة يوم - كنت في مصر - ثم كتبت إلي من سويسرة تذكر أن قد هدأت أعصابك، وزال ~~غضبك، ولم تجد ما يسبب الاحتكاك والاصطدام؟ إن كنت تذكر ذلك فالآن أذكر لك أن مرده كله ~~للذوق، فإن الذوق إذا شاع في مكان، شاعت فيه السكينة والطمأنينة، ونعومة المعاملة، ~~وجمال السلوك، وإن انعدم أو قل في مكان خشنت المعاملة، وساء السلوك، وكثر هياج الأعصاب ~~واضطرابها وارتباكها. # أي بني! # لقد جربت الناس فوجدتهم يخضعون للذوق أكثر مما يخضعون للمنطق، فبالذوق لا بالعقل ~~تستطيع أن تستميلهم، وأن تأسرهم، وأن توجههم، وأن تصلحهم إن شئت، أما العقل وحده فلا ~~يستطيع أن يأسر إلا الفلاسفة وقليل ما هم. # أي بني! # ليس عندي نصيحة لك أغلى من أن تكون ذوقك ثم تنميه وترقيه. فإن فعلت ذلك ضمنت لك ~~سعادة الحياة والاستمتاع بها، وضمنت لك سمو أخلاقك ونبل عواطفك، وضمنت لك نجاحك على قدر ~~كفايتك، والله يوفقك. # 4 # أي بني! # أشد ما يقلقني عليك في هذه الأيام وجودك وسط تيارات تتنازعك، وأمواج تتقاذفك، أخشى أن ~~تتغلب عليك فتغرقك، وأن تنال منك فتميتك، فكم رأيت لها من ضحايا أزعجتني، ومن مشاهد ~~غرقى أفزعتني، وإني أرجو لك من صميم قلبي السلامة من هذه التيارات، والنجاة من هذه ~~الأمواج. # فأول هذه التيارات، التيارات السياسية ... وهي في نظري نوعان: سياسة قومية، وسياسة ~~حزبية. فالسياسة القومية كالتي يكون الجهاد فيها ضد المستعمر والمحتل والغاصب. وقد قام ~~الطلبة فيها بأدوار رائعة أفادت البلاد وقربتها من الاستقلال، كإضرابهم يوم اعتقل سعد ~~باشا، ونفي إلى سيشل، ونحو ذلك. والسياسة الحزبية كأن يعمل بعض ms12 الطلبة لنصرة حزب على ~~حزب، وإثارة الشغب لعرقلة سير الحكم. فإذا جاء الحزب السعدي في الحكم مثلا، انتهز ~~الطلبة الوفديون أية فرصة للشغب عليه، وإذا جاء الوفديون في الحكم شغب عليهم الطلبة ~~السعديون، وهكذا، من غير منفعة قومية واضحة، ولا نتيجة مفيدة بينة، إلا الرغبة في تولية ~~حزب وتنحية حزب، والطلبة في مثل هذه الحال، إنما يهدم بعضهم بعضا من غير كسب واضح ~~للأمة ولا تحقيق مصلحة عامة، وقد كثر - مع الأسف - هذا النوع من الإضراب حتى شل حركة ~~التعليم بأجمعها، وأفسد الحياة العلمية من أساسها. فلو حسبنا أوقات انتظام الدراسة في ~~الجامعات والمعاهد العالية لما حصلنا على دراسة منتظمة تستغرق ثلاثة أشهر كاملة، وحسبك ~~هذا نتيجة مرعبة. فما معنى هذا؟ أليس معناه أن الطلبة إما أن يرسبوا في الامتحان، فنكون ~~قد أضعنا على كل طالب رسب، سنة من حياته، وأضعنا على الأمة عددا كبيرا من السنين ~~يساوي عدد الراسبين ... وإما أن ينجحوا بسبب التساهل في الامتحان، فنكون قد منحنا ~~الشهادات للعاجزين وأخرجنا للأمة طبيبا عاجزا ومهندسا غير ناضج وزراعيا غير ~~مستأهل، وفي هذا أكبر الضرر على الأمة. ولو نحن تحملنا هذه التضحية لتحقيق فائدة للأمة ~~أكبر منها لهان الأمر، ولكنا نبذلها لقيام حزب في الحكم مكان حزب، وما أقل ذلك ~~مكسبا! # أي بني! # إنني أرتضي لك الاشتراك في السياسة القومية والأعمال التي تعمل لنيل الأمة استقلالها ~~وضمان تقدمها على شرط واحد، وهو أن يظهر رؤساء الأحزاب وقادة الأمة فيعلنوا خطتهم ~~ويطلبوا من الطلبة معونتهم، فإذ ذاك يجب أن تستجيب لهم، أما أن يختفي القادة من الميدان ~~ويظهر الطلبة من غير قادة فإذ ذاك يكون شأنهم شأن الجند في الميدان من غير ضابط، والجيش ~~من غير «أركان حرب» ... وهذا عرضة لتضارب السير للجيش الواحد وعمله على غير خطة، وانقسامه ~~سريعا، وانهزامه سريعا. # أما السياسة الحزبية فإني أرتضيها لك رأيا ولا أرتضيها لك عملا، فاعتنق آراء الحزب ~~السياسي الذي تؤمن به ويدلك الدرس على صحتها، ولكن يجب أن لا يتحول ذلك ms13 إلى إضراب. ~~فالإضراب في هذه الحالة تعطيل للدرس من غير أن يكون له مبرر كاف، وحتى هذا لا أفهمه ~~اليوم فهما كاملا، إنما أفهمه يوم يكون هناك برنامج معروف لكل حزب، فيكون للوفد مبادئ ~~محصورة محدودة في الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويكون للسعديين، والأحرار ~~الدستوريين ونحوهم مبادئ كذلك ... إذ ذاك تقرأ المبادئ وتقارن بينها، وتفضل بعضها على ~~بعض، وتؤمن بما تفضله. # أما أن يكون اختيارك للحزب مبنيا على أساس أن رئيسه فلان ورئيس الآخر فلان، فنظرة ~~كنظرة الطفولة تعرف الأشخاص ولا تعرف المعاني، تعرف الأبيض ولا تعرف البياض، وتعرف الأب ~~ولا تعرف الأبوة. أما الرجل الناضج فيقوم المعاني والمبادئ ويحاسب الزعماء على سيرهم ~~أو انحرافهم عن هذه المعاني وهذه المبادئ، وهذا ما يحدث في الأمم الراقية، وما لم يحدث ~~في الأمم الشرقية جميعا. # أي بني! # إنك وأمثالك تفهم السياسة على أنها فكرة عارضة ورأي عابر، وأنها من السهولة بحيث ~~يمكنك الحكم على مسائلها بمجرد النظر إليها، والتفكير السطحي فيها، وهذا خطأ أي خطأ. إن ~~السياسة علم كسائر العلوم، كعلم الهندسة والطب والطبيعة والكيمياء، فهل تبيح لمن لم ~~يدرس الطب أن يكون طبيبا، ولمن لم يدرس الهندسة أن يكون مهندسا؟ فلماذا تستبيح لنفسك ~~أن تكون سياسيا ولم تدرس علم السياسة؟ ولماذا ترضى أن تحكم على الأشياء حكما ~~سياسيا من غير درس ...؟ بل أؤكد لك أن السياسة علم أصعب من هذه العلوم التي ذكرتها، ~~تحتاج إلى دراسة تاريخ وجغرافيا واجتماع كمقدمات لها، ثم تحتاج إلى دراسة النظريات ~~السياسية واختلاف الآراء فيها والتطبيق عليها، ومتى طبقت بنجاح، ومتى طبقت بفشل، وأسباب ~~النجاح وأسباب الفشل. وكثيرا ما يعرض الأمر السياسي، فيبدي فيه عامة الناس آراءهم، ثم ~~يكون هذا الرأي خطأ فاحشا وضررا بليغا؛ لأنهم لم يدرسوا الأمر درسا دقيقا عميقا ~~في أسبابه ونتائجه. لهذا كله أبيح لك أن تشتغل بالسياسة على سبيل التجربة والمران، لا ~~على سبيل الاشتراك الفعلي. فالبت في أمور السياسة من عمل الساسة الذين انقطعوا لها ~~ودرسوها درسا وافيا، وبنوا آراءهم ms14 على دراستهم، فإذا رأوا أن يستعينوا بكم ~~فلتستجيبوا . أما أن تتزعموا الحركات من غير قيادة ... فطبيب يداوي من غير علم، ومهندس ~~يبني من غير خبرة، وجندي يتزعم الجيش حتى الضباط والرؤساء، وهذا قلب للوضع وإفساد ~~للنظام. # إني أفهم أن تكون طالبا في جامعتك أولا ومتمرنا على السياسة ثانيا، أما أن تكون ~~متمرنا على السياسة أولا وطالبا ثانيا، فمناف لطبيعة الأشياء. فكيف إذا وضعت نفسك ~~موضع الزعيم السياسي، والقائد للجيش، وجعلت حياتك العلمية هامشا لحياتك السياسية؟! إن ~~هذا خطأ منك آسف له إن صدر عنك كابن لي، وكفرد في أمة. # أي بني! # إن أردت أن تعرف وجه الحق في هذا الأمر، فاستعرض ما كسبته الأمة من حركات الطلبة وما ~~خسرته. لقد كسبت من حركاتهم يوم كانت موجهة إلى عدوهم الخارجي ويوم كانت حركة منظمة ~~صادرة من رأي الزعماء، وكانت لا تظهر إلا حين يجد الجد ويعزم الأمر. فإذا هم فرغوا من ~~مهمتهم رجعوا إلى دراستهم في جد ونظام، وخسرت من حركاتهم يوم كان الطلبة يضربون لا ~~إحراجا للعدو، ولكن ليضرب بعضهم بعضا، ولينصروا حزبا على حزب، وليجلسوا حزبا في ~~الحكم ويخرجوا منه حزبا ... وخسرت الأمة يوم كان الطلبة يضربون لأتفه سبب وأضعف ~~غاية. # في الحالة الأولى ربحت الأمة واحتفظت الجامعات بكيانها وقوتها وأداء رسالتها، وفي ~~الحالة الثانية خسرت الأمة وتفككت الجامعات وانحل رباطها وتدهور العلم فيها، وليس يصلح ~~ما فسد إلى بجهود جبارة وإصلاح شامل وتضامن بين الأحزاب كامل. # أي بني! # كنت أود أن أحدثك عن تيارات أخرى ليست بأقل خطرا مما حدثتك، ولكن طالت رسالتي وخشيت ~~عليك الملل. فإلى اللقاء، والله يحفظك. # 5 # أي بني! # إني لأشفق عليك من زمنك الذي نشأت فيه، فقد كان زمن من قبلك هادئا مستقرا، تجري ~~شئونه على وتيرة واحدة ... وأملنا في المستقبل أن يكون زمنا هادئا مستقرا ~~كذلك. # أما زمنك هذا فقلق مضطرب حائر، كفر بالقديم، ثم لم يجد جديدا يؤمن به. # قد كانت الأمور في زمننا سائرة سيرا منظما، وإن لم يكن حسنا ms15 ولا كاملا. كان من ~~تحدثه نفسه بالرشوة يخشى افتضاح أمره ونزول العقوبة به، وكان من يقصر في عمله ينال ~~العقوبة على تقصيره، وكان الطالب إذا طاف به طائف من الإضراب أو الخروج على أمر الأستاذ ~~فكر طويلا قبل أن يقدم، وقل أن يقدم، وكان الناس يخشون أن ينحرفوا - ولو قليلا - عن ~~الأوضاع المألوفة والتقاليد الموروثة، خوف أن ينقدهم ناقد أو يعيرهم معير. ثم زال كل ~~هذا الخوف وتحرر الناس من كل هذه القيود، ولكن لا يستقيم أمر الناس مع هذه الفوضى ومع ~~هذه الحرية التي لا حد لها، وإنما استقام الأمر في الأمم الراقية مع زوال هذا الخوف لأن ~~الشعور بالواجب حل محل الخوف، وتبادل العطف بين الشعب والحكومة حل محل الرعب ~~والاستبداد، وتحكيم العقل فيما يصلح وما لا يصلح من الأوضاع والتقاليد حل محل الطاعة ~~العمياء، وهذا - للأسف - ما لم نصل إليه بعد. ~~••• # أكبر ما يؤلمني فيك وفي أمثالك من الشبان، أنكم فهمتم الحقوق أكثر مما فهمتم الواجب، ~~وطالبتم غيركم بحقوقكم أكثر مما طالبتم أنفسكم بواجباتكم، والأمة لا يستقيم أمرها إلا ~~إذا تعادل في أبنائها الشعور بالحقوق والواجبات معا، ولم يطغ أحدهما على الآخر. وكل ما ~~نرى في الأمة من فساد وارتباك وفوضى وتدهور نشأ من عدم الشعور بالواجب. فلو تصورنا ~~الموظفين في المصالح الحكومية شعروا بواجبهم نحو الأفراد فأدوا ما عليهم في عدل وسرعة، ~~وأدى الطلبة ما عليهم نحو دروسهم وجامعاتهم وأساتذتهم، وأدى الصانع ما عليه في صناعته، ~~وأدت الحكومة ما عليها لشعبها، لاستقامت الأمور وقلت الشكوى، وسعد الناس بحكومتهم ~~وسعدت الحكومة بشعبها، ولكن أنى لنا ذلك وحاجتنا شديدة إلى تفهم الواجب والعمل على ~~وفقه؟ # إن العلم في زمنكم أكثر أضعافا مضاعفة من العلم في زمننا، ولكن ليس نجاحكم في الحياة ~~ولا سعادتكم فيها تناسب تقدمكم العلمي ... لأن العلم لا يفيد في السعادة والرقي إلا إذا ~~صحبه الشعور بالواجب؛ والعلم كالمصباح قد تكتشف به طريق الهداية وقد تكتشف به طريق ~~الضلال. ~~••• # إن أسوأ ما كان في زمنك حدوث ms16 الحرب ... والحرب - عادة - تزلزل الأخلاق وتغري النفوس ~~الضعيفة بالشره والجشع، وتقدم لنا أمثلة كثيرة ممن اغتنوا بعد فقر لأسباب خسيسة أو ~~أعمال وضيعة، ثم تضغط على صغار الموظفين والصناع والتجار ... فيرون أنهم لا يستطيعون ~~العيش الكافي في مجال رزقهم المحدود، فإذا هم لم يتحصنوا بالخلق المتين مدوا أيديهم ~~وخربوا ذممهم. ولذلك كانت الحرب في أكثر الأمم مبعثا لفساد الخلق وخراب الذمم، وهي في ~~الأمم الضعيفة أشد فتكا وأسوأ أثرا، وواجب المصلحين بعد الحرب أن ينشلوا الأمة من ~~وهدتها وينقذوها من ورطتها؛ ولذلك تحتاج أنت وأمثالك في مثل هذا الموقف إلى مجهود كبير ~~يعلي مستواكم ويرفع مثلكم، والأمل فيكم أكبر أمل، لأنكم رجال المستقبل وقادة الغد. فلا ~~يستهوينكم من أثرى حولكم بالخداع والنفاق والكذب والرياء ... وخير أن تعيشوا فقراء أعزاء ~~من أن تعيشوا أغنياء أذلاء. # إننا في هذا الزمان أحوج ما نكون إلى منارات تضيء للسائرين في لجج الظلام، يكون ~~شعارهم القيام بالواجب مهما كلفهم - لأنه واجب - لا طلبا للصيت ولا جريا وراء المجد ... ~~لا يعرفون المجاملة ولا النفاق، ولا يستهويهم وعد ولا يرهبهم وعيد، لسانهم مطابق ~~لقلبهم، وعملهم متفق مع وحي ضميرهم ... فكن إحدى هذه المنارات. # إن الاحتفاظ بالخلق الطيب في زمنك أصعب منه في زمننا لكثرة ما يحيط بك من مغريات ~~بالشر، فأسباب اللهو ميسورة في زمنك وقد كانت صعبة في زمننا ... وأفانين الخلاعة مغرية ~~جذابة بفضل ما أدخلته المدنية الحديثة من أساليب فتانة، وقد كان الدين في زمننا حرزا ~~منيعا من التدهور والسقوط، فلما ضعف شأن الدين في زمنكم ولم يحل محله ما يحفظ عليكم ~~نفوسكم وقعتم بين شرين: قوة المغريات وضعف الحصون المانعات. ولا منجاة من هذا إلا ~~بتقوية الإرادة وتدريبها على فعل الخير، ومقاومة بواعث الشر، ومكافحة الشهوات ومحاربة ~~الأنانية. ~~••• # أي بني! # بهذه المناسبة، أذكر لك أني شاهدت في حياتي كثيرا من الشبان كانوا صرعى الشهوات ... ~~كانوا في حياتهم الجامعية لامعي الذكاء، يدل جدهم وسلوكهم على أن سيكون لهم مستقبل ~~رائع. كانوا مثال الجد والنشاط والذكاء ms17 في دراستهم، ثم رأيتهم فجأة انحرفوا عن الطريق ~~السوي وانغمسوا في شهواتهم؛ فخاب فيهم كل أمل، وفقدوا ذكاءهم اللامع، ونشاطهم السباق، ~~وجدهم الباهر. # وهؤلاء الصرعى كانوا أشكالا وألوانا، فمنهم - وقد يكون أسوأهم - صرعى «الكيوف»، وهو ~~داء - مع الأسف - فشا في كثير من الشبان، فأضاعوا مستقبلهم، وفقدوا إرادتهم، وانحطت ~~نفسيتهم، وأضحوا لا يرجى منهم خير. وكان أسوأ مثل لهذا وأدعاه للحزن والأسف ما رأيت من ~~شاب كان من أوائل الناجحين في البكالوريا، ثم التحق بكلية من الكليات العلمية فكان من ~~أوائل الناجحين في سنته الأولى والثانية، وكان ذا حظوة عند أساتذته، وسمعة طيبة في علمه ~~وخلقه عند زملائه، وفي آخر عامه الثالث من الكلية سقط في الامتحان ثم لم ينفع بعد، وبحث ~~عن أمره فإذا هو صريع «كيف» من «الكيوف». وبلغ به الأمر أن صار يتسكع في الشوارع، ثم ~~صار يستجدي الناس. فأعيذك بالله أن تكون صريع «كيف». # وهناك صرعى حب المال والجاه والمجد ... تخرجوا من جامعاتهم والتحقوا بالوظائف الحكومية ~~أو الأهلية، ثم لم يقنعوا بمرتبهم الصغير ولا بطريقهم إلى الرقي البطيء، ورأوا زملاءهم ~~اغتنوا من طريق بيع ذممهم، أو ارتقوا من طريق تزلفهم وتملقهم، أو اشتهروا عن طريق النصب ~~والاحتيال ... فقلدوهم في ضلالهم وخسروا خسرانهم ... وأعيذك بالله - أيضا - أن تكون ~~أحدهم. ~~••• # إن طريقة هؤلاء في الحياة طريقة المقامرين، ولا أريدك مقامرا، ولكني أريدك تاجرا ... ~~ولا أريدك مستهترا، ولكن أريدك عفيفا معتدلا. لا يغرنك مظهر الذين انغمسوا في ~~شهواتهم واندفعوا وراء لذاتهم، وما يخدعونك به من سرورهم وابتهاجهم وضحكهم ... فحسبة ~~بسيطة للذات هؤلاء وآلامهم، تريك أن الاعتدال في اللذائذ أكبر لذة وأقل ألما. إن ~~الانهماك في اللذائذ كنار القش تلتهب سريعا وتنطفئ سريعا، والاعتدال في اللذائذ كنار ~~الفحم تطول مدتها ويطول الانتفاع بها ولا تخمد إلا ببطء. احسب حساب من اعتدل في ~~لذائذه، كيف احتفظ بصحته واحتفظ بماله واحتفظ بسمعته، والتذ في حياته لذة طويلة هادئة ~~ممتعة لم يعقبها ألم ... واحسب حساب من أفرط في لذته، ففقد صحته وماله وسمعته، وكانت ms18 ~~آلامه الطويلة أضعاف لذائذه القصيرة ... حتى في حساب اللذة والألم نرى الاعتدال خيرا من ~~الإفراط، فما بالك إذا قسنا ذلك بمقياس الخلق والفضيلة والنبل والمروءة؟ # كذلك لا يغرنك من علا صيتهم من طريق التهريج، ولا من تخطوا زملاءهم من طريق التزلف، ~~ولا من كسبوا المال من طريق مد اليد ... فكل هذه المظاهر الكاذبة، لو وزنت بحياة الضمير ~~وعلو النفس وطمأنينة الاستقامة لم تساو شيئا. فليكن مبدأك الشعور بالواجب، والاعتدال ~~في اللذائذ، وطهارة النفس، والحرص على الشرف، والسعي وراء النبل والمروءة ... ولتكن ~~النتيجة بعد ما تكون ... ومع ذلك فإني ضامن لك النجاح. # 6 # أي بني! # لعل أهم ما يتميز به جيلكم عن جيلنا هو حيرتكم واطمئناننا، واضطرابكم وسكينتنا، ~~وقلقكم واستقرارنا، ولكن ما سر هذه الحيرة وهذا القلق والاضطراب في جيلكم؟ # لقد كان المظنون أن تكونوا أسعد حالا، وأهدأ بالا وأكثر اغتباطا بالحياة، فإن ~~المدنية الحديثة قدمت إلى جيلكم من متع الحياة وترف العيش ووسائل الترفيه عن النفس ~~أضعاف أضعاف ما كنا نجده في جيلنا. فلم يكن عندنا راديو، ولا سينما، ولا تمثيل، ولا ~~سفور، ولا موسيقى، ولا رقص، كالذي لكم في زمانكم. ولم يكن يتدفق المال علينا كما تدفق ~~عليكم، ولا اتصلنا بالعالم وما فيه من لذائذ مثل اتصالكم، بل ولا نعمنا بالحرية كما ~~نعمتم، ولا حققنا أنفسنا كما حققتم، فما الذي حيركم؟ # لعل أهم ما حيركم وطمأننا، أننا كنا نركن إلى مبادئ وعقائد نؤمن بها كل الإيمان، ~~ونسير عليها في حياتنا من غير شك، ونشجع السير عليها كل التشجيع، ونحتقر من خرج عليها ~~كل التحقير ... فكانت أعمالنا تصدر عنا كما يصدر العمل عن عادة، ليس يحتاج الإتيان به إلى ~~إلى روية ولا تفكير. ثم أتى جيلكم - خضوعا للمدنية الحديثة - فطوح بهذه المبادئ ~~والعقائد والعادات والتقاليد، ولم ينشئ مكانها ما يسد مسدها ... فكان من ذلك فراغ لم ~~يملأ، ومبادئ زالت ولم تعوض، وعقائد تهدمت ولم يبن مكانها؛ والطبيعة تكره الفراغ، ~~وتكره السير على غير هدى، وتكره الهدم من غير بنيان، فكانت ms19 الحيرة والقلق ~~والاضطراب. # قد كانت السلوة الكبرى للناس في جيلنا دينهم، فكانوا يؤمنون بالله، يعرفونه في الرخاء ~~ويلجأون إليه في الضراء والسراء، ويركنون إليه إذا اشتد الخطب، ويفزعون إليه إذا نزل ~~الكرب ... فيجدون في ذلك كله راحة من عناء، وعونا على الخير، وصيانة من الشر، وعزاء عند ~~الشدائد. فلما نبت جيلكم وازدهر شبابكم عصفت عليه عاصفة من المدنية الحديثة، فذهبت ~~بدينكم، وجردتكم من عقيدتكم، فلم تجدوا أرضا ترتكزون عليها ولا ركنا شديدا تأوون ~~إليه. # والأنس بالدين طبيعة النفس وراحة الروح، فإذا سلبت من تأنس به أحست بالوحشة وتململت ~~من الفراق. إن الناس يعدون الحواس خمسا، ولكني أعتقد أن هناك في كل إنسان حاسة سادسة ~~هي حاسة الدين ... من فقدها فقد عنصرا هاما من عناصره، وركنا عظيما من أركان حياته؛ ~~ولذلك هدأ المؤمن واضطرب الملحد، وهذا هو الشأن في الشرق والغرب، والمدنية القديمة ~~والمدنية الحديثة. # لقد مر على العالم الغربي نحو قرنين، آمن الناس فيهما بالعلم كل الإيمان، واعتقدوا أن ~~النظم السياسية والاقتصادية قادرة على إسعاد العالم ... فلما تقدم العلم وتقدمت النظم ~~السياسية والاقتصادية ولم يروا سعادة، بل شقاء تلو شقاء، وحربا هائلة بعد حرب فاجعة، ~~بدأ يتزلزل إيمانهم بأن العلم وحده كاف لإسعاد الناس، وأيقن كثير من العلماء بأن العلم ~~في حاجة إلى الدين، وأن العقل في حاجة إلى القلب، وأن المنطق في حاجة إلى ~~الحكمة. # وقد حكي أستاذ أنه سأل طلبة متقدمين في جامعات مختلفة حول سنة 1930: ماذا يؤملون في ~~مستقبل العالم؟ فكانت أكثر إجابتهم مبنية على الأمل في العلم. فلما اضطربت الدنيا وتأهب ~~العالم للحرب الثانية أعاد السؤال على أمثالهم، فكانت أكثر إجاباتهم أن لا أمل إلا بعون ~~من الله. # أي بني! # إن الإيمان بالله يملأ فراغ النفس، ويحوي بالطمأنينة، ويوثق الصلة بين الفرد وأهله ~~ووطنه، كما يوثق الصلة بينهم جميعا وبين الله. # فنصيحتي لك أن تؤمن ولو ألحد الناس، وتوثق الصلة بينك وبين الله ولو قطعها ~~الناس. # أي بني! # وشيء آخر أحب أن أقصه عليك كان سببا ms20 في حيرة جيلك واضطرابه، ذلك أنكم لما فقدتم ~~الدين لم تدخلوا الآخرة في حساب الحياة كما يتطلب الدين، وعشتم للدنيا وحدها من غير نظر ~~إلى ثواب ولا عقاب ... فنشأ عن ذلك مرض خطير وشر مستطير زاد في حيرتكم وقلقكم، وهذا هو ما ~~ألمحه فيكم من أنانية مفرطة وأثرة جامحة. # إني لأشعر أن كل فرد منكم يريد أن يعيش لنفسه فقط ... فهو في أسرته يريد أن ينال أكبر ~~حظ من اللذة وأقل حظ من الألم، حتى لو استطاع أن يستولي على ميزانية البيت كلها ويترك ~~أهله يتضورون جوعا لفعل. وهو في حياته الخارجية يجري وراء شهوته ولذته مهما كانت ~~العاقبة، ولو آذى أهله ولو آذى وطنه ... وهو إذا وظف بحث عن الترقية من أي سبيل شريف أو ~~خسيس، بل وقد تضطره أنانيته إلى أن يمد يده، ثم هو لا يشعر بمسئوليته نحو أهله ولا نحو ~~وطنه ولا نحو أصحاب المصالح الذين يترددون على بابه ... إنما يبحث عما يسد شهوته ويملأ ~~أنانيته. # لقد آلمني جد الألم ما سمعت عن أستاذ في كلية من كليات الجامعة كان يقرأ على طلبته ~~فصلا من كتاب لابن المقفع يتكلم فيه عن الفضائل من صدق وعدل ونحو ذلك، ويذكر أن هذه ~~الوسائل للنجاح في الحياة. فهاج بعض الطلبة وقالوا: إن هذا الكلام «بدع» قديم، قد كان ~~يصلح في العصر القديم. أما اليوم فوسيلة النجاح التهريج والوصول إلى المنفعة الشخصية من ~~أقرب طريق ... بالصدق أو بالكذب، بالحق أو بالنفاق أو الملق. # إن كان هذا هو شعار الجيل الجديد فويل لنا وللأمة كلها من هذا الجيل الجديد! # إن جيلكم معذور بعض العذر لأنكم لم تجدوا أمامكم مثلا عليا كثيرة تضحي لخيركم، ~~وتسوس الأمة بالعدل والنزاهة والصدق والإخلاص لمصلحة وطنكم، ورأيتم أمثلة لمن التزموا ~~الصدق والعدل والإيثار فعاشوا فقراء وماتوا فقراء، ومن هرجوا وكذبوا ونافقوا فتسلقوا ~~الحائط ووصلوا إلى الذروة، فكفرتم بالمبادئ الأخلاقية والفضائل النفسية، ولكن أليس هذا ~~قصرا في النظر، وسوءا للتقدير، وفسادا في التقويم؟ # سائل نفسك: هل أسعد ms21 الناس أرقاهم درجة في وظيفته، وأكثرهم مالا في دخله مهما فسدت ~~نفسه ومات ضميره؟ # وسائل نفسك: أي الرجلين أسعد حالا وأهدأ بالا وأكثر سكينة وطمأنينة ... أمن مات ~~ضميره وزاد دخله من غير حساب لفضيلة ولا رذيلة ولا حلال ولا حرام؟ أم من حي ضميره فتلذذ ~~بشرفه، وسعد بقناعته، واطمأن إلى سيرته، واغتبط بما يجريه الله على يديه من خير لأهله ~~ووطنه؟ # تصور بيتا يعيش فيه كل فرد لنفسه ... ألا يكون جحيما، ويكون أهله كاللصوص يتخطفون ~~الغنائم ويتقاتلون على قسمتها؟ وتصور جيشا يعمل كل جندي وضابط فيه على أن ينجو بنفسه ~~ويترك العبء على غيره ... هل يستطيع أن يقف في الميدان ساعة من غير هزيمة؟ وتصور أمة كل ~~أفرادها يعيشون على التهريج ويبحث كل فرد منها عن لذائذه الشخصية وانتهابها بأي وسيلة ... ~~هل تستطيع أن تعيش طويلا؟ إن البيت إنما يعيش بتضحية الآباء والأمهات، والجيش إنما ~~يعيش بمن يقدم روحه فداء لوطنه، والأمة إنما تعيش بمن يتحمل المسئولية مهما لقي من جهد ~~وعناء. والدنيا كلها أمثلة على أن الجماعة الصالحة للبقاء من غلب إيثارها أثرتها ~~وتضحيتها أنانيتها، وإلا فلا أمل فيها ولا خير يرجى منها، ولولا تضحية أبيك وأمك ما كنت ~~كما كنت، ولولا تضحية من حولك ما عشت. أفمن العدل أن تجازي الإحسان سوءا، والرحمة ~~قسوة، والنعمة كفرا؟ صدقني أنه لا يتطلب اللذة الوضيعة إلا النفس الوضيعة، وأن البحث ~~عن اللذة الفردية نتيجة قصر النظر وضيق الأفق، وأن النفس إذا تسامت ورقيت وجدت لذتها في ~~لذة الناس وسعادتها في سعادة الناس ... وأن هذا الكلام وإن كان قديما لا يزال جديدا، ~~وأن الحق حق في كل زمان ومكان، وأن الباطل باطل حيثما كان. # أي بني! # إن كان لي نصيحة تذهب بحيرتك وحيرة جيلك وتعيد الطمأنينة لنفسك ولأمثالك ... فالإيمان ~~تملأون به قلوبكم ويملأ فراغكم ويتفق مع طبيعتكم، وأن تعيشوا لأنفسكم وللناس ولخيركم ~~وخير الناس. فهذا هو الذي يساير ما طبعتم عليه، وإلا انتقمت الطبيعة منكم بمخالفتكم ~~لقوانينها فسلطت عليكم السأم والملل والحيرة ms22 والقلق. # وقاكم الله شر ذلك. # 7 # أي بني! # لشد ما يؤسفني ما أرى في جيلكم من إفراط في اللهو، كما كان يؤلمني ما كنت أرى في ~~جيلنا من إفراط في الجد. لقد عشت أنا في جيل كان أكثر طلبته لا يعرفون إلا بيوتهم ~~ودروسهم وكتبهم ... فإذا أراد أحدهم أن يلهو وطاوعته ماليته، ذهب إلى دار تمثيل فاستمع ~~للشيخ سلامة حجازي أو نحوه، مرة أو مرتين في السنة، وإذا قرأ مجلات أو جرائد فمجلات ~~جادة وجرائد وطنية، وإذا عرف فتاة فقريبته تزور بيته مع أمها، أو يزور بيتها مع أهله، ~~وإذا اجتمع الطلبة وأرادوا أن يتسلوا تنادروا على كتبهم ودروسهم، وقد يتنادرون - في أدب ~~- على أساتذتهم. وعشت أنت في جيل لا يشبه الجيل القديم في شيء، عماده الحرية المطلقة، ~~وقلة الشعور بالمسئولية، والنظر إلى اللذائذ المادية على أنها غاية الغايات. ينظرون إلى ~~الكتب والدرس والأساتذة على أنها دواء مر يتعاطى للضرورة. والضرورة هي الشهادة ~~فالوظيفة، ولإحساسكم بمرارتها ترحبون بكل ما يريحكم منها إضراب واعتصام ومطالبة بطول ~~إجازات ونحو ذلك. وإذا قرأتم شيئا بجانب دروسكم قرأتم الكتب الرخيصة والمجلات الوضيعة ~~التي تلهب الغرائز، وتقوي الشهوات، وتضعف الذكاء، وتبلد العقل، وفي كل يوم سينما أو ~~تمثيل، وفي كل ساعة تليفون يرن لكم أو يرن منكم لمقابلة لاهية أو محادثة عابثة. # أي بني! # لقد غلونا في جدنا وغلوتم في هزلكم ... غلونا في جدنا حتى اكتأبت نفوسنا، وانقبضت ~~صدورنا، ولم تتفتح للحياة كما يجب، ولم تبتهج لها كما ينبغي، وغلوتم في هزلكم حتى صرتم ~~كالشيء التافه لا طعم له، وكالماء الفاتر لا ساخن ولا بارد ... وحتى صرتم شيئا رخوا ~~ينكسر لأدنى ملامسة، أو هشيما تذروه الرياح. ويوم يجد الجد وتظهر المصاعب فتتطلب حمل ~~المسئولية، نجد لكم أيديا مسترخية، وقلوبا متخاذلة، وإرادات واهية، أضعفتها كثرة ~~الطلب للذة، وقلة التعود لمواجهة المصاعب، وحب الترف والنعيم. # ومن أجل هذا كثرت - مع الأسف - ضحاياكم، وعدت بالألوف صرعاكم. هؤلاء صرعى «الكيوف» ~~لا أمل فيهم، ولا خير يرجى منهم، أصبحوا جثثا ms23 تتحرك كالأشباح، ومواد محطمة بلا أرواح؛ ~~أضاعوا صحتهم، وأتلفوا مالهم، وخربوا نفوسهم، وجنوا على أسرتهم وأمتهم. وهؤلاء صرعى ~~الحب البائس أو الحب اليائس، أو النزوة الوقتية من غير تقدير للمسئولية ... إلى غير ذلك ~~من صرعى اللذات، وكلهم في الهم سواء. قد جرهم إلى هذا الوبال أن رأوا بعض زملائهم ذوي ~~المكانة - لسبب ما - قد استهتروا فقلدوهم، وتوالت على سمعهم أن الدنيا لذة فوجهوا إليها ~~كل قوتهم. ورأى هؤلاء القادة أنهم قد ضلوا، فأحبوا أن يشركوا معهم غيرهم فأضلوا، وبعثت ~~إلينا أوروبا وأمريكا بملاهيها فاستهوت شبابنا، ووقر في نفوسهم أن أوروبا وأمريكا أرقى ~~منا مدنية وأعلى مقاما وأعز جاها ... فقالوا ما علينا إذا سرنا في لهوهم سيرهم، ونعمنا ~~بملاهيهم نعيمهم، وفاتهم أن في أوروبا وأمريكا علما يعادل اللهو، وجدا يوازن الهزل، ~~وشعورا بالمسئولية يوازي الشعور بالحرية. # ولكن لم يجد جد أوروبا وأمريكا من يعرضه علينا كما يعرض الهزل، لأن وراء عرض الهزل ~~أموالا طائلة وأرباحا وافرة، لا تؤاتي من يعرض الجد والعلم والمسئولية، فكان من الخطأ ~~أن نأخذ جانبا وندع جانبا، وأن نتصور المدنية لعبا لا جد فيها، وحرية لا مسئولية ~~معها. # أي بني! # لست أريدك أن تكون راهبا، فمتى خلقت إنسانا لا ملكا فلتكن إنسانا له ملذاته ~~وشهواته في حدود عقله ومنفعته ومنفعة أمته. والقرآن يقول: # قل ~~من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من ~~الرزق # أريدك أن تفهم معنى اللذة في حدودها الواسعة لا الضيقة ... إن للذة ~~درجات كدرجات السلم آخذة في الصعود، فأسفل درجاتها لذة الأكل والشرب واللباس، وما إلى ~~ذلك، ومن غريب أمر هذه اللذة أنها تفقد قيمتها بعد الاستمتاع بقليل منها، فلكل إنسان ~~طاقة من هذه اللذة يقف عندها، فإذا تعداها انقلبت ألما ... ثم هي ليست مرادفة للسعادة، ~~فكثير ممن يأكلون الأكل الفاخر، ويلبسون اللباس الأنيق، ويسكنون القصور الفخمة، هم مع ~~ذلك أشقياء ... فسعادتهم إنما هي في نظر غيرهم لا في نظر أنفسهم، ولو كانت هذه اللذة هي ~~السعادة لكان هؤلاء أسعد الناس دائما. # ثم ms24 هذه اللذائذ قيمتها في الاعتدال فيها، وعدم التهافت على كسبها. إن شئت فاحسب حساب ~~من أفرط فيها في فترة قصيرة من الزمن ثم فقد صحته، فلم يعد يستطيع أن يتابع لذته، وحساب ~~من اعتدل فطال زمن لذته مضافا إلى لذته من صحته. # وأرقى من هذه درجة لذة العلم والبحث والقراءة والدرس ... فهذه لذة العقل وتلك لذة ~~الجسم، وهذه أطول زمنا، وأقل مؤنة، وأبعد عن المنافسة والمزاحمة، والتقاتل والتكالب، ~~وصاحبها أقل عرضة لتلف النفس وضياع الصحة. # وإن أردت الدليل على أنها أرقى من اللذائذ المادية، فاسأل من جرب اللذتين، ومارس ~~النوعين، تجد العالم الباحث والفنان الماهر والفيلسوف المتعمق لا يهمهم مأكلهم وملبسهم ~~بقدر ما تهمهم لذتهم من بحثهم وفنهم وتفكيرهم. # وأرقى من هذه وتلك لذة من وهب نفسه لخدمة مبدأ يسعى لتحقيقه، أو فكرة إنسانية يجاهد ~~في إعلانها واعتناقها، أو إصلاح لداء اجتماعي يبذل جهده للقضاء عليه ... فهذه هي السعادة ~~ولو مع الفقر، ولكن لا يصل إلى هذه الدرجة من اللذة إلا من رقى حسه وسمت نفسه. # أي بني! # إنك خلقت إنسانا ذا جسم وعقل وروح، وقد ربيت فنما جسمك، وثقفت فنما عقلك، وأرجو ~~أن يكون قد صادفك في بيئتك ما نمى روحك، ولكل من هذه العناصر الثلاثة غذاؤه، ولكل ~~لذته ... ولذة اللذائذ أن تستطيع أن تمد العناصر الثلاثة بغذائها ولذاتها من غير أن يطغى ~~عنصر على غيره، فيختل التوازن ويضيع التعادل. # أي بني! # طالما دعوت ربي جاهدا أن يجنبك الزلل، ويقيك شر أصدقاء السوء، ويمنحك من قوة الإرادة ~~ما تتقي به شر المغريات المغويات، وأن يهديك الصراط المستقيم والسلام. # 8 # أي بني! # لقد جئت في مفترق الطرق بين جيلنا وجيل من قبلنا وجيلك، ويخيل إلي أن الفرق بين ~~جيلك وجيلنا أكبر جدا من الفرق بين جيلنا وجيل آبائنا، لأنك تتأثر بالمدنية الغربية ~~أكثر مما كنا نتأثر ويتأثر آباؤنا ... بل إن المدنية الغربية نفسها تتطور تطورا كبيرا، ~~فهي في القرن العشرين غيرها في القرن التاسع عشر والثامن عشر. # لقد ظلت المدنية ms25 الغربية تتطور إلى أن كان على قمتها القنبلة الذرية ... وهناك فرق كبير ~~بين المدنية الغربية والمدنية الشرقية. فإن نحن تصورنا تعاليم الغرب هرما، كان أساسه ~~الدعوة إلى العلم والتجربة ودراسة الحقائق، وقمته هي القنبلة الذرية. وإن تصورنا ~~المدنية الشرقية هرما كانت دعامته الروحانية والإلهام وما إلى ذلك، وكانت قمته النبوة؛ ~~وبناء على ذلك فرق كبير بين الفلسفة الغربية والفلسفة الشرقية. # إن المدنية الغربية تتميز بشيئين يظهران جليا في فلسفتها: الأول النظام وبحث ~~المسائل بحثا منطقيا منظما تنبني نتائجه على مقدماته، ويتجلى ذلك في ديكارت، وكانت، ~~وأوجست كونت، ونحوهم. والمسألة الثانية عنايتها بالحقائق أكثر من عنايتها بالقيمة، على ~~عكس الفلسفة الشرقية في هذين الشيئين. فالفلسفة الشرقية ليست خاضعة لنظام ولا مقدمات ~~منطقية تتبعها نتائج، كما يتجلى ذلك في كلام الجاحظ وابن المقفع والأحنف بن قيس ونحوهم، ~~وهي أيضا تعني بالقيمة أكثر مما تعني بالحقائق، وأعني بالفرق بين القيمة والحقائق ~~كالفرق بين من يعني بالقلب ووظيفته في الجسم، وبين من يعني بالقلب من حيث تركيبه وموضعه ~~من الرئة اليسرى ونحو ذلك. # أي بني! # إن العالم اليوم كبوتقة الصائغ، تصب فيها كل العناصر من شرق وغرب وقديم وحديث، ثم ~~تستغل كلها ليؤخذ خيرها، وهي تتطلب من الإنسان أن يكون مرنا واسع الصدر ... لا يزدري ما ~~في الشرق لشرقيته، ولا يمجد الغرب لغربيته، وإنما يمجد الحق حيث كان. فنصيحتي أن تكون ~~مفتح العينين، مفتح الأذن، تتطلب الحق حيث كان، لا تأبه للجديد لجدته، ولا تنفر من ~~القديم لقدمه. # إن للشرق مزايا لا يستهان بها، فحكمته مركزة متبلورة، وهو يعتمد على الإلهام أكثر مما ~~يعتمد على العلم والتجربة والحقيقة. وللغرب مزايا لا يستهان بها، فهو يعتمد على الحقيقة ~~والتجربة والعلم، ولكن كانت نتيجة العلم الأوروبي القنبلة الذرية، وهذه القنبلة ينقصها ~~النظر إلى خير الإنسانية لا إلى استعمالها في الغلبة، ولو استكشفت وصحبها النظر إلى خير ~~الإنسانية لاكتشف تحطيم الذرة لا القنبلة الذرية، ولاستخدمت في خير الإنسان، من إزالة ~~سدود وقيود قبل أن تستخدم في القنابل، ms26 أما قصد الغلبة فيرمي إلى القنبلة الذرية أكثر ~~مما يرمي إلى خير الإنسانية؛ لأن القنبلة الذرية إنما تستعمل في الفتك لا في النفع. # أي بني! # إنك في زمن الآن قد مسحت فيه كل القيود، واختلط الشرق بالغرب، واختلطت المدنية ~~الشرقية بالمدنية الغربية، وأصبح يمكنك أن تفطر في مصر وتتغدى في فرنسا، وتتعشى في ~~إنجلترا، وهي إحدى الأعاجيب التي ما كنا نحلم بها. وليس هذا بالأمر الهين، فمعناه أن ~~الحضارات تتقابل، ومنافع الناس تتلاقى ... وخير لك أن تقابل عالمك في ثوبه الجديد، ~~فتتأقلم معه وتسايره ولا تقف ضد التيار فيجرفك. # أي بني! # خير ما تواجه به هذا الزمان، سعة دراستك، ووقوفك على حقائق الشرق والغرب، وانتفاعك ~~بما في كل من مزايا. وعيب الشرقيين شعورهم بمركب النقص أمام المدنية الحديثة، فهم ~~يقدرونها فوق قيمتها، ويقدرون أنفسهم أقل من قيمتهم، ولو أنصفوا لزادوا من قيمة أنفسهم ~~وقللوا من قيمة المدنية الغربية. # فالمدنية الحقة إنما تقاس بإسعاد الناس لا بكثرة الاختراع ولا بكثرة التجارب. نعم إن ~~المدنية الغربية أكثر اختراعا وأكثر تجارب، ولكنها ليست أكثر إسعادا للناس، فكثرة ~~حروبها وكثرة تكاليف الحياة عندها وكثرة مطالبها، جعلتها أشق على الحياة وأفقدتها ~~قيمتها في السعادة. # أي بني! # لست أريد أن أبثك رأيي وألزمك به، فأنت حر في اختيار آرائك ووزنها بميزانك، ولكن هذا ~~لا يمنعني من أن أبث إليك بعض آرائي لا عن طريق إلزامك بها، ولكن رغبتي في نفعك جعلتني ~~أعرض عليك كل ما أرى لترى فيه ما ترى. # والسلام عليك ورحمة الله. # 9 # أي بني! # لقد كتب إلي أخوك مرة من لندن - بعد أن أتم دراسته في كلية الهندسة بجامعة فؤاد، ~~وذهب إلى إنجلترا يعد نفسه لنيل الدكتوراه - يقول: إنه ضمه مجلس مع جماعة من شبان ~~الإنكليز المتخصصين في الهندسة أيضا، وما زال الحديث يتنقل بينهم إلى أن وصلوا إلى عمر ~~الخيام، فأخذ كل يبدي رأيه في شعره وفلسفته في الحياة، وجمال رباعياته، والروح التي ~~تبثها في النفوس، وهل هي روح قوية أو ضعيفة ms27 تناسب هذا العصر أو لا تناسبه؟ ونحو ذلك ... ~~وإن أخاك أثناء هذا الحديث كله، لم يستطع أن ينبس بكلمة ولا أن يشارك في هذا الحديث بأي ~~رأي؛ لأنه لم يسمع قبل هذا المجلس عن عمر الخيام، ولم يعرف عنه شيئا، وأنه خجل من نفسه ~~وخجل من ثقافته. # وأنت الآن تدرس الهندسة كأخيك، وأخشى أن تكون أيضا لم تسمع بعمر الخيام وأمثاله ... ~~وربما لم يسمع عنه أيضا كل إخوانك في كلية الهندسة، وكل زملائك في كلية الطب والزراعة ~~والتجارة، وبعبارة أخرى كل المتخصصين في الدراسات العلمية والفنية. # وهذا عيب شنيع ألفت إليه نظرك ونظر زملائك، وأريد أن تتبرأوا منه جميعا. إنكم تظنون ~~أن واجبكم يحتم عليكم دراسة فنكم والتوسع فيه ما أمكن وكفى، فإن كان عليكم واجب ثقافي ~~آخر فقراءة جريدة سياسية أو مجلة خفيفة، تقرأونها عند تنقلكم في الترام أو القطار، أو ~~للتسلية قبل النوم، فإن تم هذا كله ظننتم أنكم أديتم واجبكم نحو عقلكم ... ولا بأس بعد ~~ذلك أن تجهلوا عمر الخيام وأمثال عمر الخيام، وأن تجهلوا ما يجري في العالم من شئون ~~اجتماعية وثقافية عامة أدبية، وفي هذا من الخطأ ما يجب أن تتحرر منه أنت ~~وأمثالك. # إنك إنسان قبل أن تكون مهندسا أو طبيبا أو تاجرا أو نحو ذلك، وإنك إنسان ذو عقل، ~~كما إنك إنسان ذو معدة، وكما يجب عليك تغذية معدتك يجب عليك تغذية عقلك، وليست الهندسة ~~أو الطب أو نحو ذلك، تغذي عقلك إلا في ناحية محدودة ضيقة. إن الهندسة تغذي مجموعة صغيرة ~~من الغدد في المخ، أما سائر الغدد فلا تجد غذاءها في الهندسة ولا الطب ... إنما تجد ~~غذاءها في المعلومات العامة والثقافة العامة؛ ولذلك كثيرا ما تجد مهندسين أو أطباء أو ~~نحوهم، وهم مع معرفتهم الواسعة بمهنتهم عوام أو أشباه عوام ... فيما عدا فنهم الذي تخصصوا ~~فيه. تسمع جدالهم أو آراءهم في غير فنهم، فيضحكك حديثهم كما يضحكك حديث من لم يتثقفوا، ~~وليست الجرائد والمجلات الرخيصة كافية للغذاء الجيد الناضج في شيء، ms28 بل إن كثيرا من هذه ~~المجلات الرخيصة تضر أكثر مما تنفع ... عمادها إثارة الغرائز الجنسية بحديثها وقصصها ~~ومناظرها، فهي تعالجها - وتعالجها وحدها - كأن ليس في الوجود شيء غير هذه الغريزة، ~~فأعيذك بالله من أن يكون أفقك في الحياة هذا الأفق الضيق المحدود. # أي بني! # إن أخاك هذا ذكر لي بعد ذلك أنه انتقل من إنجلترا إلى السويد ليتمرن في مصانعها ~~الهندسية، وأنه صحب مهندسا سويديا يحب القراءة في الكتب الأدبية وفي كتب النفس ~~والاجتماع ونحو ذلك، وأنه بمخالطته ومصادقته تعلم منه القراءة ... فكان يرشده إلى الكتب ~~القيمة التي يجب أن يقرأها، ويستحثه أن يغشى المكاتب ويقلب فيها نظره، ويشتري ما يعجبه ~~موضوعه منها، فنمت عنده ملكة القراءة، وأنه على أثر ذلك - بسبب هذا الصديق - انضم إلى ~~جمعية فرضت على أعضائها أن يجتمعوا كل أسبوع مرة، وأن يحضر أحد أعضائها بالتناوب حديثا ~~كل أسبوع حسبما يختار، يقرأ فيه ما استطاع قراءته ثم يعرضه عليهم، وبعد سماعه يتناقشون ~~فيه مناقشة تطول أو تقصر، وانقلبت هذه الجلسة إلى لذة عقلية ممتعة له، حتى كان يترقب ~~تلك الساعة ويتمناها طول الأسبوع، وأنه استفاد منها فائدة كبرى غيرت حياته، وغيرت ~~عقليته. ومن ذلك الحين أصبحت له مكتبة تشمل كتبا من كتب «أدلر» في علم النفس، ومن كتب ~~«موم» في الأدب، ومن كتب «برتراند رسل» في الفلسفة، ونحو ذلك. ثم كان كأنه خلق خلقا ~~آخر. فأناشدك الله أن تعمل مثل هذا. # أي بني! # لست أريد أن أقيم لك البراهين بأكثر من أن تقارن بين شباب قضوا أوقات فراغهم في لعب ~~نرد أو شطرنج أو حديث فارغ في الأندية والمقاهي، وبين شباب أحبوا الكتب والمطالعات، ~~ووضعوا لهم برامج في تثقيف نفوسهم وتوسيع عقولهم. أريد أن تقارن بين هاتين الطائفتين ~~أيهما أكثر لذة ومتعة لأنفسهم، وأيهما أكثر نفعا لأمتهم، وأيهما أجدر بلقب ~~إنسان؟ # أي بني! # لا تظن أنك تستطيع أن تكون مهندسا عظيما بقراءتك في الهندسة وحدها، ولا أن يكون ~~زميلك طبيبا عظيما بقراءته في الطب وحده ... فالعقل ms29 وحدة، وثقافته في أي موضوع آخر ~~يفيده في الموضوع الذي تخصص فيه. فكم أتت فكرة هندسية عظيمة من قراءة كتاب في الأدب، أو ~~في الاجتماع! وكم أتت فكرة طبية سامية من ثقافة اجتماعية أو فلسفية. ويخيل إلي أن ~~كثيرا من الأطباء ينقصهم المنطق مثلا، فلو تعلموا شيئا من المنطق لاستطاعوا أن ~~يحددوا بالضبط نوع المرض ونوع العلاج، وخاصة في الأمراض التي تتشابه أعراضها، وتتقارب ~~أوصافها؛ فالمنطق وحده هو الذي يستطيع أن يقول - بناء على هذه الأعراض المتشابهة - إن ~~هذا المرض كذا دون كذا، والطبيب الناجح هو الذي منح ملكة منطقية بالفطرة، ولو نميت هذه ~~الملكة الفطرية بشيء من الفلسفة والمنطق التعليمي لكان صاحبها أنبغ وأعظم. # أي بني! # مفتاح هذه المشكلة أن تجتهد أول أمرك أن تكون لك هواية في فرع من فروع الثقافة ~~العامة، كنوع من دراسة التاريخ، أو نوع من الأدب، أو نوع من الدراسة النفسية أو ~~الاجتماعية بجانب دراستك الخاصة ... تبدأ فيه على مهل، وتحبب نفسك فيه رويدا رويدا، كما ~~يفعل من يريد أن يمرن نفسه على هواية الزهور أو جمع أوراق البريد أو الرسم أو نحو ذلك، ~~فإذا صبرت على هذا قليلا قليلا، وجدت أن لذتك تنمو شيئا فشيئا، ولا تزال كذلك حتى ~~تصبح هذه الهواية «كيفا» لا تصبر عنه ولا تستطيع العيش بدونه، ولكنه «كيف» راق سام ~~نبيل نافع. فإذا وصلت إلى هذه الدرجة استسخفت من يضيعون أوقات فراغهم في الحديث التافه ~~واللعب السخيف والقراءة الرخيصة، وأحببت أن تصادق من قويت ثقافته ونضج تفكيره، ونعمت ~~هذه الصداقة. # أليس عجيبا أن تسمع من زملائك أنهم يريدون قتل الوقت بلعب الورق، أو قتل الوقت ~~بالحديث التافه، أو قتل الوقت بالكلام في أعراض الناس أو نحو ذلك ...؟ كأن الوقت عدو ~~يقاتل، مع أنه المادة الخامة للحياة، وهو أجدر بأن يصادق لا أن يقاتل، ولكن كم يجني ~~الإنسان على نفسه بمعاداة أحق شيء بالصداقة! # أي بني! # تصور أنك ستعيش بعد ذلك أربعين أو خمسين عاما، وتصور ماذا تجني في هذه ms30 السنين ~~الطوال إذا أنت صرفت جزءا كبيرا منها في تقويم نفسك وتثقيف عقلك ، وتصور كيف تخسر إذا ~~أنت صرفتها أو أكثرها فيما يضر ولا ينفع. بل أنت إذا حسبت ذلك بحساب اللذة الشخصية ~~فحسب، وجدتك تتلذذ أضعافا مضاعفة من لذائذك العقلية أكثر من لذائذك الجسمية. # والسلام عليك ورحمة الله. # | رسالة إلى أبي # 1 # أبي! # قرأت رسائلك إلي، وأشكر لك عنايتك بي، واهتمامك بأمري. # وكل ما أرجوه أن تستمع إلي في رسالتي هذه كما استمعت إليك من قبل في رسائلك ~~وتوجيهاتك، وأن تفتح قلبك لكلماتي كما فتحت قلبي لكلماتك، وكما يجب على الحكام أن ~~يفتحوا قلوبهم لكلمات الشعوب، حتى تتلاشى الدكتاتوريات البغيضة، ويصبح للشعب حرية ~~الكلام والتعبير عن رأيه. # أبي! # إن أشد ما يثيرني ويؤلمني هو نسيانك أنني شاب، فتطالبني بأكثر مما يطيقه الشباب، حين ~~تقيسني بسنك، وحين تفترض أن لي من التجارب والعلم ما لك، ثم تحاول أن تحصي عيوبي، ~~وتغمرني بالنصائح والأوامر والتوجيهات، آملا أن يكون عقلي مثل عقلك، وتدبيري للأمور ~~مثل تدبيرك، ناسيا أن ابنك ما زال شابا، له من الحيوية والنشاط ما يدفعه دائما ~~لمواجهة الحياة ليستمد منها خبرته وتجاربه، وناسيا أن للشباب الحق أن يسير في طريق ~~مخالف للطريق الذي سار فيه آباؤهم من قبل، وأن يجربوا حياة غير الحياة التي خاضها ~~آباؤهم في شبابهم. # لقد قرأت مرة قولا للطفي باشا السيد: «دعوا الشباب ينعم بحريته، دعوه يجرب فتفيده ~~تجاربه، ويخطئ فيعرف أسباب خطئه، أما النصح والإرشاد فهو كثير في الكتب ~~السماوية.» # حقا، إن أهم ما يحتاج إليه الشباب المصري هو أن يترك ليجرب الحياة بنفسه، إنه ~~سيخطئ بلا شك، ولكن هذا الخطأ لن يكون شيئا إذا ما قيس بتلك المصائب الناتجة من فقد ~~الشباب لحريته، وانحلال شخصيته، وفقده الثقة بالنفس. # ليترك الآباء أبناءهم يجربون ويخطئون، فهذا مما يقوي شخصيتهم، ويزيدهم ثقة بأنفسهم، ~~ويجعلهم جديرين بتحمل المسئولية الملقاة على أعناقهم. # إن هذا الضعف في الشخصية، والهرب من تحمل المسئولية، نجده في الطالب الذي يقوم والداه ~~بجميع ms31 أعبائه، ويحرمانه من كل تجربة. ونجده في الطالب الذي يقوم أساتذته بتحضير ~~محاضراته وإملائها لها، ويحرمونه من البحث والدراسة، فيصبح هم الجميع أن ينال الطالب ~~شهادته، ويصبح موظفا في الحكومة، ولا يهم مطلقا ما يصاب به من ضعف في الشخصية، ~~وانحلال في الخلق، وغيرهما من الأخلاق التي تنتقل مع الشباب من المدارس والجامعات إلى ~~دور أعمالهم، فيفقدون كل ثقة بأنفسهم، ويهربون من كل مسئولية تلقى على عاتقهم، في الوقت ~~الذي يتعلم فيه الشاب الأوروبي والأمريكي كيف يعتمد على نفسه في البحث والدراسة، وفي ~~مواجهة الحياة العملية ليستمد منها خلاصة تجاربه ومعلوماته. # أبي! # ليس أسهل على الآباء من توجيه النصائح، وإحصاء الأخطاء على أبنائهم، ولكن الحديث في ~~الأخطاء وتوجيه النصائح لا يمكن أن يؤدي إلى تغيير مجد، أو إلى تحسين ظاهر، بل وربما ~~أدى إلى عكس ذلك؛ لأن النفس من طبيعتها تكره النصائح والتوجيه؛ إنما المجدي حقا أن ~~يعلم الآباء كيف تكونت أخطاء أبنائهم، وما هي الظروف التي اضطرتهم إلى أن يخطئوا، ثم ~~يبدأوا في إزاحة هذه الظروف عن طريق الأبناء، وتوفير ظروف أخرى صالحة. وليس هذا بالشيء ~~الهين، ولا بالأمر اليسير، وإنما يحتاج إلى صبر طويل، وتضحيات عديدة من الآباء، حتى ~~يهيئوا جوا ملائما للتربية الصحيحة. # أبي! # لقد دلتنا المشاهدات على أن مسئولية التربية تقع معظمها على عاتق الآباء، فهم أكثر ~~الناس قدرة على إخراج أبناء صالحين، وهم أكثر الناس قدرة على توفير الجو الصالح لتكوين ~~أسرة سعيدة صالحة، فإن عجزوا عن عمل هذا فالذنب ليس ذنب الأبناء، ولا داعي مطلقا ~~لزجرهم وتأنيبهم ونقدهم نقدا جارحا، ولا داعي مطلقا لاستعمال ألفاظ الضجر والشكوى، ~~وإنما الذنب يقع على الآباء الذين فشلوا في تهيئة الظروف الملائمة لإخراج شباب ~~صالح. # إن إخراج الأطفال إلى العالم أمر خطير، يتطلب قوة على تحمل المسئولية، وبعدا عن ~~الأنانية، وعلما بقواعد التربية الصحيحة، وخلقا متينا، وتضحية عظيمة. # إن مصر لا تسعى إلى الإكثار من عدد سكانها مهما تكن النتيجة، وإنما تسعى إلى أن يصل ~~هذا العدد إلى ms32 مستوى راق عظيم؛ وعلى ذلك فإن إخراج الأطفال إلى العالم من غير أن يراعي ~~مخرجوهم هل في استطاعتهم تربيتهم تربية صحيحة، وتوفير حياة صالحة لهم، لهو الجهل ~~المطبق، والأنانية المطلقة. # لقد رأينا في الأمم الناهضة كيف استطاع الآباء توفير البيئة الصالحة للتربية الصحيحة ~~والحياة العائلية السعيدة، وكيف استطاع الآباء اتخاذ أبنائهم أصدقاء لهم، يحسون ~~إحساساتهم، ويفكرون فيما يفكرون فيه، يصحبونهم في نزهاتهم ورحلاتهم، ويعودونهم ~~التفكير المستقل، والقول الحر الصادق، فلا يستخدمون سلطتهم في إخضاع الأبناء لهم ~~ولتفكيرهم، ولا يستغلون نفوذهم في إرهاق أبنائهم بما لا يتفق وشبابهم وحيويتهم، ورأينا ~~كيف يسود الحب والألفة بينهم، وكيف نشأت بين الأسرة علاقة روحية جميلة، عمادها التعاون ~~والتضحية والإخاء! # أبي! # لست أرجو إلا أن تدعو الشباب يعيش، ويخط لنفسه الطريق، طريقا لا تكتنفه النصائح ~~والتوجيهات الجافة التي تدفعه في طريقه كالآلة لا يدري من أمره شيئا، وإنما تكتنفه ~~الحياة نفسها، تدفع به يوما إلى يمينه، ويوما إلى يساره ولكنه يستطيع حينئذ أن يعيش ~~كإنسان. # شاهدت مرة فيلما سينمائيا لطيفا عماده أن رب الأسرة لا ينصح مطلقا، وإنما إذا ~~أراد شيئا غير الظروف التي تسببه، فإذا تغيرت الأسباب تغيرت المسببات، وإذا رأى ابنه ~~غضب مرة من المرات بحث عن سبب غضبه، ثم أزال ما يزيل غضبه، وهكذا فكان طبيبا ~~ناجحا. # وقد رأيت في إنجلترا أن القوم يعلمون أبناءهم الاستقلال، بتركهم أبناءهم يعتمدون على ~~أنفسهم في نفقات الجامعات وفي الحياة، فيكونون بذلك مستقلين في أعمالهم، معتمدين على ~~أنفسهم، يربون أنفسهم بأنفسهم، فمنهم موزعو الألبان، وموزعو البريد، وكناسو ~~المدرسة، وما إلى ذلك، فيشبون رجالا يعتمد عليهم لا أطفالا يقادون كما يقاد ~~البعير! # أرجو ألا تفهم من خطابي أني أكره نصحك، أو أمل توجيهاتك، ولكن خير نصح ما كان في ~~تغيير الظروف وتهيئة الجو الملائم، وأرجو أن أجد في خطاباتك القادمة هذه الخطة الناجحة، ~~والرأي لك والسلام. # | رسالة إلى ولدي # 1 # أي بني! # قرأت خطابك وأعجبني منك الدقة في النظام، واستقلالك بنفسك في تصرفك، واستفادتك من كل ~~ما ms33 ترى، وأكتب إليك اليوم فأخبرك: # بأنه كان لك قريب من أعيان المنوفية ورث عن أبيه ثروة كبيرة تقدر بنحو ثلاثمائة فدان، ~~ولكنه وقع في عادة سيئة هي لعب القمار، وكان مغفلا فكان يشتريه اللاعبون بعضهم من ~~بعض، وما زال به القمار حتى خسر كل أطيانه، وكان يستجدي أخته فلا تعطيه وتقول له إن ~~ثروتك كانت ضعف ثروتي فأضعتها، ثم كان يستجدي قريبة له ولك فكانت تعطيه الجنيه أو ~~الجنيهين شفقة به حتى مات بائسا! # وكان أحد معارفنا رجل قانون كبيرا وذا عقلية جبارة؛ كان إذا حدثك عن القمار شرحه ~~شرحا وافيا وفلسفه فلسفة دقيقة، ومع ذلك وقع في هذه العادة السيئة، فكان يسهر ليله ~~كله على مائدة القمار حتى أضاع ثروته، ثم اضطر آخر الأمر أن يبيع بيته ويصرف ثمنه في ~~الميسر، ثم اضطر أن يبيع أثاث بيته حتى أضاع كل شيء، ثم مد يده لأقاربه الأغنياء فأعطوه ~~مرة ثم كفوا أيديهم عنه، وركبه الهم الثقيل فانفجر شريان في مخه فمات، ولا يزال بيته ~~يذكرني بمأساته. رحمه الله. # أعرف مصلحا اجتماعيا كبيرا، وعاقلا دقيقا لبقا، هوى اللعب في البورصة فكسب نحو ~~مائة ألف جنيه في لعبة، وابتنى منزلا فخما، وأثثه أثاثا فخما، ثم خسرها في لعبة ~~أيضا، وباع بيته الذي بناه، وأثاث بيته، وركبه الهم أيضا، فالتجأ إلى الخمر يسري ~~بها عن همه. فما زال كذلك حتى وقع في عادة الخمر كما وقع في عادة الميسر، وأفرط في ~~الشرب حتى انفجر مخه فمات! # أي بني! # إني أحذرك أن تكون كأحد هؤلاء تستهويهم المائدة فيلتفون حولها، وللشيطان مداخل في ~~ذلك، فهو يستهوي أولا بالجلوس على المائدة من غير لعب للتفرج على اللاعبين، ثم يستهويك ~~باللعب من غير نقود، ثم يجرك إلى اللعب بالنقود، فإذا أنت مقامر، أعاذك الله. # أي بني! # وأعرف طبيبا كبيرا ماهرا في صناعته، جره أصدقاؤه إلى اللعب فقضى ليله لاعبا يكسب ~~كثيرا ويخسر كثيرا، ثم ضجت زوجته من طول سهره، ومن كثرة خسارته، فطلبت منه الطلاق ~~فطلقها، وسعدت، ms34 وندم. # أي بني! # يجب أن تكون لك ميزانية كميزانية الدولة المنظمة تعرف مقدار دخلك وخرجك ، ولا تصرف ~~قرشا أكثر من دخلك. # بل لا يصح أن تصرف كل دخلك، فالليالي من الزمان حبالى، لا تدري، ماذا يحدث، وكم من ~~المال تحتاج، وقاك الله شر السوء. # أي بني! # وكان لنا أستاذ كبير في مدرسة القضاء يتقاضى خمسة وثلاثين جنيها في الشهر، كما ~~يتقاضى مائتي جنيه في السنة من الجامعة المصرية ولكنه كان مسرفا في بيته، يقيم كل ~~أسبوع حفلات استقبال، وحفلات رقص وموسيقى، ويستدين كل شهر ما يحتاج إليه بيته من خبز ~~ولحم ولبن وغير ذلك. فإذا جاء أول الشهر اصطف الدائنون على باب المدرسة حتى يقبض ~~الأستاذ مرتبه ويخرج فيوزع عليهم أكثر مرتبه، ولا يبقي منه إلا ما يكفي ثلاثة أيام، ~~فكان يقول: لعن الله السبعة والعشرين يوما آخر الشهر، وكان يمد يده إلى زملائه في ~~المدرسة فيقترض منهم. # أي بني! # حذار أيضا من أن تكون مثل هذا، بل لا بد أن تعيش عيشة اقتصادية لا إسراف فيها ولا ~~تقتير، وأن تكون معيشتك منظمة وبمقدار ما تكسب، بل أقل مما تكسب: لا حرمان ولا بهرجة، ~~واعلم أن اضطرابك وفساد ميزانيتك شهرا واحدا يجر عليك فساد العمر كله، وإذا فسدت ~~ميزانيتك وأنت لم تتزوج بعد فأولى أن تفسد بعد الزواج، وقاك الله شر الدين. # واعلم أن ليست الأخلاق صدقا وعدلا وشجاعة فقط، بل إن من أهم الأخلاق تنظيم الحياة ~~أيضا، وسيرك في الحياة المالية بنظام وإتقان، ولأن يمد الناس أيديهم إليك يقترضون منك ~~خير من أن تمد يدك تقترض منهم. # وفي الحديث: اليد العليا خير من اليد السفلى. # حفظك الله من هذه الشرور، وجعل يدك العليا دائما، والسلام عليك ورحمة الله. # 2 # فلنرحم العامل المسكين! # أي بني! # وصلتني رسالتك التي تقص علي فيها ذلك الحادث المؤلم الذي حدث في الورشة التي تعمل ~~فيها، ولشد ما تألمت لوفاة ذلك العامل الكهربائي الذي كان يحاول إيقاف المولد الكهربائي ~~فسرت الكهرباء في جسمه، ثم وقع ms35 صريعا على الأرض، ولشد ما آلمني وصفك لهذه الحادثة ~~الأليمة التي حدثت أثناء انهماككم في العمل ... ورجائي ألا يمر عليكم مثل هذا الحادث من ~~غير أن تخرجوا منه بدرس نافع، وعبرة مفيدة لكم ولمن حولكم من الناس. # لقد سرني ما فعلتموه إزاء أسرة الفقيد التي كانت يعولها، وما قدمتموه من مال وخدمات، ~~وسرتني محاولاتكم العديدة في أن تلاشوا كل ما يمكن أن يؤدي إلى أن تتكرر مثل هذه ~~الحادثة ... ولكن هناك درسا آخر قويا يجب ألا يفوتكم حين تنظرون إلى هذا الحادث، وهناك ~~عبرة يجب أن يعيها الجميع. # أي بني! # هذا العامل هو أحد العمال الملايين الذين يعملون في تلك الأجهزة والآلات، ووفاته - ~~بصرف النظر عن المسئول في هذه الحادثة - تدل على تلك المصائب والكوارث والمتاعب التي ~~يلاقيها العمال وأسرهم من جراء القيام بأعمالهم القاسية المتعبة المملة المتكررة، ولست ~~أريد في مثل هذا الموقف أن أعيد تلك الكلمات والجمل التي قيلت في مثل هذه الأحداث من ~~أنه يجب علينا أن نضمن سلامة العامل، وأن نهيئ له أعمالا أقل قسوة وأقل جهدا، إلى آخر ~~ما قيل في مثل هذه المواقف ... ولكنني أريد الآن أن أخاطب فئة أخرى غير فئة العمال ورجال ~~المصانع، أريد أن أخاطب الفئة التي يعمل من أجلها العمال، والتي تفوز في النهاية بهذه ~~الأجهزة التي دفع ثمنها من راحة العامل وأعصابه وحياته! أريد أن أخاطب كل من يركب سيارة ~~وكل من يستخدم تليفونا، أريد أن أقول له إن عليه أن يعلم تمام العلم ويحس كل الإحساس ~~بأن سيارته هذه قد تعذب أثناء صناعتها عمال كثيرون، وأن تليفونه هذا قد هلك وقت عمله ~~صناع عديدون، حتى أخرج له بهذه الصورة التي يراها. # أريد أن يصل هذا الرأي إلى عقولهم حتى يفهموه تمام الفهم، وأن يشعروا به كل الشعور ... ~~حتى إذا ركبوا سياراتهم لم يفعلوا بها ما يفعله كثيرون من الشبان المراهقين هذه الأيام، ~~وحتى إذا ما شاهدوا آلة التليفون أمامهم، وحثتهم أنفسهم أن يقتلوا بها أوقات فراغهم، ~~وأن يقتلوا ms36 بها أعصاب الناس كما قتلوا بها قبل ذلك العمال والصناع، كان لهم من ضميرهم ~~ما يردعهم ويوقفهم عند حدودهم. # أي بني! # لقد انتاب البعض شعور قوي في بعض الأوقات بما للآلات والمصانع من أضرار كثيرة على ~~المجتمع ... فرأوا أنها تفقد العامل حريته، وتضيق من نطاق تفكيره، وتفسد إنسانيته، وتجعله ~~جزءا من آلته، فكأنه ترس أو عمود فيها، ولكن سرعان ما رأوا ما تخرجه الآلات من أجهزة ~~تساعد في تقدم الإنسانية ونهضة البشر، ورأوا أن إخراجها إلى الناس قد يوازي ما يقدمه ~~العمال من مجهود وتضحيات، وما يبذلون من تعب ومشقة. # والآن أرجو أن يساعدنا هؤلاء الذين يعمل لهم العمال على الاحتفاظ بهذا الرأي، فلا ~~يحاولون استغلال ما ينتجه هؤلاء الملايين من الصناع المساكين في قتل أوقات فراغهم على ~~حساب أرواح البشر. # أي بني! # نصيحتي لك - استنتاجا من هذا الحادث - أن يمتلئ قلبك رحمة على العامل الفقير الذي ~~يتعرض لهذه الأخطار، وعلى البائس المسكين الذي لا يجد قوت يومه، وعلى المريض المسكين ~~الذي لا يجد صحته، وعلى الجندي المسكين الذي يضحي بحياته في ميادين القتال. # أي بني! # بل إني لأرجو أن تتسع رحمتك فترثي للمجرم الذي وقع في إجرامه، وللغني الذي يبتز أموال ~~الناس ... بل وللعاهرة التي اضطرتها حاجتها إلى أن تبيع جسمها، ولرجال السياسة الذين قست ~~قلوبهم فدفعوا بالملايين من الناس إلى مجزرة القتال! فكل إنسان في الوجود - فقيرا أو ~~غنيا - يستحق الرحمة إذا اتسع أفقك وبعد نظرك. # أي بني! # ارحم ترحم، وليس يضيع حادث اتخذته درسا وانتفعت به، وفقك الله وأصلح حالك، ~~والسلام. # 3 # كتبت إلي تسألني عن عزمك ترك لندن، بعد حصولك على الدكتوراه، والسفر إلى سويسرا ~~للتمرين العملي، فلا بأس من ذلك، وإن كنت أعتقد أن الوسط الإنجليزي خير من الوسط ~~السويسري لسببين: # الأول أن الوسط الإنجليزي أجد، وأقل لهوا وعبثا. # والثاني أنك كنت تحضر الدكتوراه، وكنت مشغولا برسالتك عن اللهو والعبث، فإذا أنت ~~ذهبت إلى سويسرا بعد الدكتوراه اتسع زمنك ووجدت ما يدعو إلى اللهو والعبث. ms37 # ومع ذلك فلا بأس من سفرك بشرط المحافظة على ضبط نفسك، واعتدال الميل إلى اللذائذ ~~وخضوعه لحكم العقل، فكن سيد نفسك ولا تكن عبدا لشهواتك، وضبط النفس يتطلب منك ألا تسرف ~~في الشراهة والدعارة والطمع والغضب والسخط والثرثرة والإدمان، وقاك الله شرها جميعا، ~~ولست أريد أن تكون زاهدا فأمنعك عن كل متعة، وإنما أريد أن تكون معتدلا مقتصدا في ~~اللذائذ، لا تفريط ولا إفراط، ولا دعارة ولا رهبانية، وأحذرك على الخصوص من أشياء ~~ثلاثة، الخمر والنساء والقمار، فهي شر ما يبلى به الإنسان ويفسد عليه حياته، ويضعف ~~روحانيته، ويقل من حريته، ويسوقه إلى أسوأ حال. # وسألتني هل تتزوج من إنجليزية أو لا، فأقول لك إني مع اعتقادي بمزايا الفتاة ~~الأوروبية من نظافة ونظام، وعناية كبرى بشئون الزوج، أرى أكثر من حولي من المتزوجين ~~بأوروبيات غير سعداء؛ لأنهم رأوا أن زوجاتهم الأوروبيات قد ساءهن ما شاهدن من الأمور في ~~مصر فهن ينغصن على أزواجهن إذا رأين فقراء مدقعين بجانب أغنياء مترفين، ويسوءهن أن يرين ~~فوضى وقذارة وما إلى ذلك، وظهر أنهن كن يتصنعن التأكيد بسرورهن من الإقامة في ~~مصر. # ومع كل هذا فسلطان الحب فوق كل سلطان، فأنا أترك لك وزن هذه الأمور، وأترك لك ~~الاختيار بعد أن أبديت رأيي. # وأيضا فالرجل إذا تزوج بأجنبية رأى نفسه مضطرا أن يؤنسها بسينما وتمثيل وهواء طلق ~~ونحو ذلك، فكان ذلك مثار الشقاق المتصل. # ولكن حذار أن تنخدع بما تفعله الفتاة الأوروبية من تصنع وإظهار ود متعمل، وإعجاب ~~بموسيقى تعجبك، وفن يروقك، حتى توقعك في أحبولتها، فميز بين الطبيعي والمصطنع، والسليقي ~~والمفتعل. # كل إخوتك بخير، وجارتك فلانة حملت في الرابع، ولكن تربية الأولاد وكثرة النفقات ~~اضطراها إلى الذهاب لطبيب للتخلص من هذا الحمل البغيض، ولكن ذلك من غير علم أهلها، فأنا ~~أعلم الخطر الشديد الذي تتعرض له الفتاة، ولكن الله سلم فنجت وفرحت بهذه النتيجة، فمن ~~أبى قلة الأولاد فذلك أحسن لتربيتهم وأصح بجسم أمهم، وأكثر تمكينا للآباء من أن يحسنوا ~~تربية أولادهم، ولكني ms38 نصحتها بألا تعود إلى مثل هذه العملية الخطرة، فالوقاية بادئ ذي ~~بدء خير من العلاج بعد فوات الأوان. # أرجو أن تخبرني بما استقر عليه رأيك والسلام. # زارني اليوم فنان مصري قال إنه اتخذ من بيته في الضواحي معبدا لفنه، ويتقن ما يرسم ~~في بطء ولا يسأل عن الزمن، ولكن يسأل عن الإتقان، وقال إنه يحتفظ في رسمه بروح مصرية ~~صميمة، ويؤلف بين النزعات المصرية القديمة ومقتضيات الوقت الحاضر، وأنه نجح في عمله ~~وعرض ما صوره على الإنجليز فأعجبوا به، وقالوا إنهم لا يستطيعون تقليد هذا الرسم ~~الشرقي، لأنه وسط بين الفن الشرقي القديم والفن الغربي الحديث، وقالوا إنها تشبه عمل ~~الآلات الميكانيكية إتقانا وجودة، وأوصوه بالاستمرار في العمل وتمنوا له ~~النجاح. # وقال هذا الفنان إنه استطاع أن ينشئ مدرسة على مذهبه التحق بها سبعة عشر فنانا ~~مصريا، وقال إنه يشترط فيمن يتقدم إليه ألا ينظر مطلقا إلى الناحية المادية، ومن أجل ~~ذلك حرم عليهم بيع اللوحات أو المطالبة بترقيات وعلاوات. فحمدت الله أن يكون في مصر ~~ثمانية عشر راهبا فنيا. وأتمنى لك عند رجوعك أن تكون راهبا علميا والسلام. # 4 # يا بني! # اعتادت أمك وأنت في مصر أن تشملك بعطفها، وتغمرك برحمتها، فتوفر لك كل ما تحتاجه من ~~طعام وشراب ومنام، فاعتمدت عليها في كل ذلك لا على نفسك. ثم هي تسخر الخدم في غسل ~~الصحون وما إلى ذلك، فاعتدت الراحة واستسلمت إلى الترف، وفررت من تحمل أي مسئولية. فلما ~~سافرت إلى لندن شعرت بعيب هذه التربية وأنها أفقدتك الاستقلال، وتعودت عادات جديدة لم ~~تكن لك من قبل، فعهد إليك أن تغسل الصحون لنفسك، وأن تحافظ على مواعيد الأكل في دقة ~~ونحو ذلك، ثم رأيت عادات جديدة لأمة جديدة، فأنصحك أن تتحرى وتدقق التحري في عادات ~~القوم الذين نزلت بينهم، وتختار منها أحسنها، وقد قرأت كتابا في النظم الاجتماعية في ~~إنجلترا لم أذكر مؤلفه اليوم، فإذا ذكرته أرسلته إليك فاقرأه وكرر قراءته، وتعرف ~~عادات القوم واجتهد في أن تعتاد ما ms39 هو خير منها، فالإنسان هو العادة، والعادة تكون ~~المخ تكوينا خاصا، ولو أن خبرتنا بالمخ كافية لاستطعنا إذا نحن نظرنا إلى مخ إنسان ~~لم نره من قبل أن نخبره بواسطة تركيبه وحجمه وشكله بصفات كثيرة من صفاته، وأن من خصائص ~~المجموعة العصبية الذي أهمها المخ قابلية التشكل. ومعنى أن الجسم قابل للتشكل أنه إذا ~~اتخذ شكلا جديدا احتفظ به واستمر عليه، كالورقة تثنيها فتحس شيئا من مقاومتها، فإذا ~~ضغطت عليها اتخذت شكلا جديدا واستمرت عليه حتى لا تعود إليه إذا بسطت وهكذا. وكذلك ~~الشأن في الأعصاب فكل عمل وكل فكر يشكلها بشكل خاص، حتى إذا أريد منها أن تعمل العمل ~~ثانية أو تفكر التفكير ثانية كان ذلك أسهل؛ لأن الأعصاب استعدت للعمل وتشكلت به، ~~كراكب الدراجة يجد صعوبة في ركوبها أول الأمر، ويجد صعوبة في حفظ التوازن عليها، فإذا ~~استمر عليها واعتادها كان ذلك من أسهل الأمور، ومن أراد التأليف صعب عليه التفكير أول ~~الأمر، فإذا اعتاده كان ذلك فيما بعد سهلا عليه. # فمن خصائص العادة سهولة العمل المعتاد كتعلم المشي للطفل، فكم يقاسي في سبيل ذلك، ~~وكلما مشى وقع، وقد يستغرق تعلمه المشي شهورا، يتعلم أولا كيف يقف، ثم يتعلم الارتكاز ~~على رجل واحدة عند اتجاه الأخرى إلى الأمام، ثم يتعلم تغيير الارتكاز من رجل إلى رجل ~~حتى إذا اعتاد هذا كله كان يسيرا عليه. وكالكلام فقد تقتضينا الكلمة استعمال عضلات ~~الحلق والشفة واللسان، وقد تقتضينا الكلمة الواحدة استعمال كل هذه العضلات، فإذا ~~اعتدناها وتمرنا عليها سهل علينا النطق، وتكلمنا من غير شعور بصعوبة ما. واعتبر ذلك ~~بنطق الإنجليزي أو الفرنسي بالعين العربية أو الضاد العربية، كيف يجد صعوبة في ذلك عند ~~النطق بهما حتى يعتادوها. # ثم إن العادة توفر الزمن والانتباه، فعند تعلم الشيء قبل اعتياده يكلف انتباها ~~شديدا وزمنا طويلا، كالكتابة عندما نتعلمها قد تحتاج كتابة سطر واحد إلى زمن طويل ~~وانتباه تام واستحضار للفكر كله، فإذا صارت عادة استطاع الإنسان أن يكتب صفحات في زمن ~~كان ms40 يكتب فيه سطرا، كما استطاع أن يكتب وفكره مشغول بشيء آخر. وهذا هو الفرق بين صاحب ~~المهنة وغيره ، فصاحب المهنة ألف الشيء وسهل عليه من طول ما اعتاده. واعتبر في ذلك ~~الفرق بين اليد اليمنى واليد اليسرى، فمن طول ما اعتادت اليد اليمنى الكتابة ونحوها سهل ~~عليها العمل وقصر الزمن، ولا كذلك اليسرى. وقد يكون أسهل عليك أن تعتاد عادات القوم من ~~أن تعتاد العادات المصرية، لأن الرأي العام هناك شديد والتيار قوي، فمتى انغمست في ~~التيار جرفك وسرت في سبيله. ثم اعلم أن للعادة قوة كقوة الطبيعة؛ ولذلك يقولون إن ~~العادة طبيعة ثانية، فاصبر على الأمر في أول الأمر إذا وجدت مشقة قبل اعتياده، فأنت إذا ~~اعتدته سهل عليك، ثم إذا اعتدته فحذار أن يجرفك التيار المصري بعد رجوعك فتنسى عادتك ~~وتغيرها إلى أسوأ منها، فالمحافظة على الزمن وضبط المواعيد وصدق القول عادات حسنة في ~~إنجلترا ومصر على السواء، فليست هي محمودة في إنجلترا غير محمودة في مصر، ولكن ربما ~~كلفك المحافظة عليها في مصر مشقة أكثر مما اعتدتها في إنجلترا، لضعف التيار وضعف الرأي ~~العام، ولكن المهارة الكبرى أن تقف في عاداتك التي تعودتها موقف الشجاعة والحزم، ولو ~~كان ذلك ضد التيار وضد الرأي العام، ومن غير ذلك لا يمكن أن تتقدم مصر جيلا عن جيل ~~وزمنا عن زمن، وقد يكلفك ذلك مشقة ولكن كما قلت لك من قبل، إن الصبر عند الصدمة ~~الأولى. # أي بني! # لو قلت إن الإنسان هو مجموعة عادات لم تكن بعيدا عن الصواب، فالعادة هي التي تكسب كل ~~ذي حرفة سحنة خاصة، حتى لتدرك إن كان هذا مدرسا أو طبيبا أو خياطا إذا أنت دققت ~~النظر في شكله. وقوة العادة هي التي تجعل المسنين كأبيك يرفضون الآراء الجديدة برغم ~~ما عند بعضهم من المرونة، وتجعل الشبان أمثالك يسرعون في اعتناقها؛ ولذلك قل أن تجد ~~عندنا شيوعيا شيخا؛ لأن الشيوخ ألفوا من صغرهم آراء معينة اعتادوها، وأما أمثالك من ~~الشبان فلم يألفوا نوعا خاصا ms41 من الآراء، فكانوا لذلك على استعداد لقبول ما تقوم ~~البراهين على صحته، ومن أجل هذا قامت النصرانية والإسلام على أكتاف الشبان، أمثال فتية ~~أهل الكهف، وأمثال عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وأمثالهما، لأنه لهم من المرونة ما ~~يجعلهم يقبلون الدعوة الجديدة، بينما كان أمثال دريد بن الصمة الشيخ، والأعشى الشيخ ~~أيضا وأمثالهما لا يألفون الإسلام لأنهم شبوا على غيره. قال جان جاك روسو: «يولد ~~الإنسان ويموت وهو مسترق مستعبد، يشد عليه القماط يوم يولد والكفن يوم يموت.» وهو يقصد ~~بذلك إلى تقيده بالعادات من يوم أن يولد إلى يوم أن يموت، فهو من حين كان في بطن أمه ~~مقيد بعادات موروثة من أبويه، ثم بعادات تعودها مدى الحياة منذ أن كان طفلا إلى أن ~~صار شيخا. # ومن نعم الله عليك وعلى أمثالك أن كانت العادة سهلة التغيير، فيمكنك تغيير العادات ~~السيئة التي ورثتها عن آبائك وبيئتك في مصر إلى عادات أحسن منها وجدتها في إنجلترا؛ ~~فيجب لذلك اتباع القواعد الآتية التي وضعها الأستاذان بين وجيمس وهي: ~~(1) # اعزم عزما قويا لا يشوبه تردد، وضع نفسك في المواضع التي لا تلائم ~~العادة القديمة، وارتبط ارتباطات كثيرة منافية لها، وإذا رأيت أن إعلان ~~عزمك على تركها مما يبعدك عن العودة إليها، فافعل. فمثلا إذا أحببت أن ~~تترك التدخين فتعمد جلوسك مع أصحاب لا يدخنون واعلن بين أصدقائك أنك تركت ~~التدخين، فهذا مما يعينك عليه. ~~(2) # لا تسمح لنفسك بمخالفة العادة الجديدة، إلا بعد أن تتمكن جذورها من نفسك ~~وحياتك، فإنك إذا سمحت لنفسك ولو مرة بالتدخين انفلت العيار، كالبكرة تلف ~~خيطا عليها، فإذا سقطت البكرة ولو مرة واحدة انحل من الخيط ما يحتاج ~~لإعادة طيه إلى عشرات من اللفات؛ ولذلك كان العزم على ترك العادة السيئة ~~مرة واحدة خيرا من تركها بالتدريج، لأن التدريج يشوقك إليها ~~باستمرار. ~~(3) # انتهز أول فرصة لتنفيذ ما عزمت عليه، فإن الصعوبة ليست في العزم، وإنما ~~هي في تنفيذه. ~~(4) # حافظ على قوات المقاومة واحفظها حية في نفسك، وذلك بأن ms42 تتبرع كل يوم بعمل ~~صغير لا تقصد منه إلا مخالفة نفسك وآرائك؛ لأن هذا يعينك على مقاومة ~~المصائب إذا حان حينها، وأرجو الله لك التوفيق دائما. # حاشية: # مرضت أمك مرضا شديدا، ألزمها الفراش، ~~وارتفاع الحرارة، وألححت عليها استدعاء الطبيب فلم تقبل بحجتين: # الأولى: # الاعتقاد في القدر، وأن ما كتب على الجبين تراه العيون، وما قدر على ~~الإنسان فلا بد أن يراه. # الثانية: # أن كثيرا من الأطباء قد أخطأوا فأماتوا المريض، ألم تسمع ما فعلوا ~~بفلان إذ عالجوه فمات، وبفلانة إذ عالجوها فماتت أيضا؟ فماذا يغني ~~الأطباء؟ وما زلت أقنعها في الحجتين، فقلت: لها: إن المسلمين الأولين ~~كانوا يعتقدون في ربط الأسباب بالمسببات، والأرض إنما تنبت الزرع ~~بالبذر والغيث، فما لم تزرع وتبذر وتروى لا تنبت شيئا؛ ولذلك حاربوا ~~بكل ما استطاعوا من قوى حتى نجحوا، ثم غلوا في الاعتقاد بالقدر فلم ~~يربطوا الأسباب بمسبباتها فضلوا في عقيدتهم. وأما من الناحية الثانية ~~فإن بجانب الأطباء القليلين الذين أخطأوا، أطباء كثيرين نجحوا، وإني لا ~~أزال أعتقد أن الذين يكذبون لا يزال صدقهم أكثر من كذبهم، والذين ~~يظلمون يعدلون أكثر مما يظلمون، والأطباء الذين يخطئون أقل ممن يصيبون، ~~وهناك أشياء لا يخطئون فيها إلا نادرا، كتحليل البول ومقياس درجة ~~الحرارة، ونحو ذلك. وما زلت بها حتى اقتنعت، فاستدعيت الطبيب، وقد ~~عالجها، فشفيت ولله الحمد. # | رسالة إلى ابنتي # 1 # أي ابنتي! # شاءت الظروف أن ترحلي إلى إنجلترا، وقد كنت في مصر مهدمة الأعصاب شديدة الانفعال، ~~تبكين لأتفه سبب، وتضحكين لأتفه سبب، وترضين وتغضبين وتحزنين وتفرحين، والآن أصبحت في ~~ثلاجة، فتعلمي أن تثلج أعصابك وتبرد عواطفك، ثم إن كل شيء حولك يدعو إلى الهدوء، جو ~~بارد، ونظام دقيق، ومعاملة حسنة. # وقد كنت في مصر تعتمدين على الخدم في قضاء الحوائج من الخارج، وعمل ما يلزم في ~~الداخل، واليوم أنت في إنجلترا لا تجدين خدما فتقضين حوائجك بنفسك، وتغسلين صحونك ~~بنفسك، وتطبخين وتكنسين بنفسك، ولكن ثقي أن هذا يعلمك الاستقلال، ويبعثك على النشاط، ~~ويملأ فراغك ووقتك، ms43 وفي ذلك خير عظيم. # أي بنيتي! # ثقي أنك تحملين - شئت أو أبيت - اسم والدك، فعملك لاصق به، وخيرك وشرك هو مسئول عنه، ~~فاحفظي اسمك واسم والدك، وعلى الإجمال كوني شريفة، فإن لم يكن شرفك لنفسك فاشرفي ~~لأبيك. # نصيحتي لك ألا تكثري من الأولاد، فيكفيك ولد وبنت، أو ابنان أو بنتان، وقد جربت ~~قبلك كثرة الأولاد فإذا هم كما قال الأعرابي: «إن عاشوا كدوا، وإن ماتوا هدوا»، ~~وذلك أعون لك على حسن تربيتهم، وسعة الإنفاق عليهم، وهو أجدى على أعصابك، وأنفع في ~~انفعالاتك؛ ثم لا كثير خير يرجى منهم، ولا حسن معونة ينتظر منهم، فهم إذا تزوجوا فكروا ~~في زوجاتهم قبل أن يفكروا في آبائهم، والمثوبة عند الله. # وسعي عينيك ودققي النظر في عادات القوم، وخذي ما تستحسنين وتجنبي ما تكرهين، ولا ~~يغرنك أنهم إنجليز، فكل قوم لهم خيرهم ولهم شرهم، ولهم محاسنهم ومساويهم، لعل ما شهروا ~~به من المرح وعدم التفكير في المستقبل، وأن لهم يومهم الذي هم فيه، ثم ليكن غد ما يكون ~~من ألطف عوائدهم، وأنت ينقصك الكثير من الفرح وشدة المرح فتخلقي بذلك ما أمكن. # وكم تمنيت أن يكون جونا باردا ليكون لنا مدافئ نتجمع حولها ونسمر بجانبها، فهي تجمع ~~شملنا وتجري دمنا، ويصلح حديثنا، ولكن فقدناها لقلة البرد، ولم نستعض عنها شيئا ~~فحرمنا الخير الكثير. # زرت مرة أوروبا فدققت النظر في رقيهم وانحطاطنا، فقلت: إن رقيهم سببه ميمان، المرأة ~~والمطر؛ فالمرأة برقيها رقت أمتها، وعرفت كيف تربي رجالها ونساءها، والمطر ألطف الجو، ~~وكسا الجبال والأشجار والزرع وخلق الغابات التي حرمناها. فكوني امرأة من هذا القبيل، ~~تربي فتسحن التربية، وتسعد من حولها فتحسن الإسعاد. # أي بنيتي! # كوني مصدر خير لزوجك وبناتك، فيجد حاجاته موفورة، وسعادته مهيأة، ويجدن فيك خير أم ~~لخير بنت. # وتحملي الغربة فإنها بغيضة ثقيلة، ولكن هوني على نفسك، واعلمي أن الغربة إلى قرب، ~~والبعد إلى نهاية، واجتهدي أن تجعلي غربتك أحسن درس وأفيد علم، فترجعي إلى وطنك خيرا ~~مما كنت، وتكوني مصدر إصلاح لمن ms44 حولك ولقومك، وأرجو أن أراك قريبا وقد زال حزنك، وجمدت ~~أعصابك، وتحسنت عاداتك، فتحمدي السفر، وتشكري الغربة. وحذار أن تغيري عاداتك الطيبة ~~التي كسبتها، فلا من إقامة أقمنا، ولا من غربة استفدنا، وإنما احتفظي بشخصيتك، وأصلحي ~~ما فسد من قومك، ولا تفسدي ما صلح من نفسك، واجتهدي أن تتركي بلاد القوم، وقد خلفت ~~سيرة حسنة، وذكريات حميدة، ولا تكوني كما قال القائل: # وكنت إذا نزلت بدار قوم # رحلت بخزية وتركت عارا # ولكن اجعلي من حولك يبكون عليك لا يبكون لك، ويشعرون بفراغ لفقدك ووحشة لفرقتك، ~~وفقك الله. # اجتهدي في أن تملئي فراغك بالقراءة النافعة من قصص ممتع وتاريخ مفيد، وإن استطعت أن ~~تستمعي لبعض محاضرات في إحدى الجامعات فافعلي، فلا خير في حياة جافة فارغة ليس فيها ~~غذاء للعقل. # | رسالة إلى ولدي # 1 # أي بني! # احرص على أن يكون لك مثل أعلى تنشده، وترمي إليه في حياتك، وليكن هذا المثل الأعلى ~~مشتقا من شخصية عظيمة مصلحة تتفق ونفسك ومزاجك، فإني أعرف فيك الجد، والإفراط في عزة ~~النفس، وقلة المجاملة، فليكن مثلك مناسبا لهذا كله، إن تحديدك للمثل الأعلى يحدد سيرك، ~~ويعين ما يقرب منها وما يبعد، فأنت إذا قصدت إلى الهرم أمكنك أن تعرف منه الطريق ~~المقرب والطريق المبعد، أما إذا أنت سرت سبهللا ولم تحدد لك غاية، تخبطت في السير ولم ~~تعرف ما يحسن وما لا يحسن. # والمثل الأعلى كثير التأثير، مريح للنفس من عناء التفكير في كل لحظة، فهو دائم الشخوص ~~أمام الإنسان يجذبه نحوه، ويدعوه لأن يحققه. وإن أعمال الإنسان وطريقة سلوكه تدل على أن ~~له مثلا أو ليس له، وإذا كان، فماذا هو؟ وكل ما جرى من إصلاح للأفراد والأمم وتأليف ~~لليوتوبيا أو المدينة الفاضلة، فمنشؤه المثل الأعلى، وبدونه يكون الإنسان كالحيوان يعيش ~~- دائما - على وتيرة واحدة لا تتحسن، وكل ما أستطيع أن أقوله لك إنه يحسن أن يكون مثلك ~~وطنيا مصلحا، وقد شاهدت ولله الحمد أمثلة صالحة في مصر، ثم شاهدت أمثلة خيرا منها ~~في ms45 إنجلترا، وستشاهد أمثلة أخرى في سويسرا والسويد، فيمكنك أن تشتق منها جميعا المثل ~~الأعلى الذي يصلح لك ويصلح لبلدك وأمتك ، فكثيرا ما يصلح الشيء لبلد ولا يصلح لآخر، ~~وكثيرا ما يصلح لزمن ولا يصلح لآخر، وقد يصلح مع مزاج ولا يصلح مع آخر. فليكن لك في ~~اختيار المثل عينان: عين تنظر بها إلى أوروبا، وعين تنظر بها إلى مصر، ثم تختار المثل ~~بالعينين، ولتكن مرنا في اختيار المثل فكونه مما شاهدته في مصر وإنجلترا، ثم عدله ~~بما ستشاهده في سويسرا، ثم عدله أيضا بما ستشاهده في السويد، وهكذا. ولا تحتقر شيئا ~~تقع عليه عينك، فقد تستفيد الكثير من الأمر الصغير. # حاشية: # يؤسفني أن أذكر لك أن فلانا جارنا قد مات ~~فجأة، وكان كثير السؤال عني وعن صحتي، ثم مات الصحيح وبقي المريض، وقد حزنت عليه كثيرا ~~لأنه كان جادا في الحياة أكبر جد، ناجحا أكبر نجاح، وقد كان محظوظا في ماله، فكل ~~شيء يشتريه تتضاعف أثمانه، ومر مرة في شارع من شوارع الإسكندرية فرأى في المحكمة ~~المختلطة إعلانا عن قطعة أرض فاشتراها من غير أن يراها، فإذا هي جنة، وإذا ثمنها أضعف ~~مما اشترى. واشترى أيضا ورقة يانصيب فربحت، واشترى أيضا بيتا في حلوان بأرخص ثمن؛ ~~لأن الناس أشاعوا عنه أن به عفاريت. # ومع غناه وثروته التي تقدر بنحو ربع مليون كان شحيحا على نفسه، فهو يذهب إلى عزبه ~~إما بعربة الحكومة أو في شركة كافوري، وتحت إبطه رغيف وقطعة جبن يأكلهما إذا جاع، ولا ~~يحدث نفسه بركوب جيد، أو أكل فاخر. # وهو مع إيمانه بالعلم مرض بالسكر، فلم يسمع للأطباء بالحمية والاستقرار، فمات بعد ~~أيام رحمه الله. # وقاك الله شر المرض، وشر الشح، وشر الجهل مع العلم، أو ضعف الإرادة مع قوة العقل، ~~والسلام. # 2 # أي بني! # قرأت خطابك الذي تنكر فيه علي كثرة نصحي، ولا زلت أعتقد أني محق كل الحق، فكما ~~يتأثر المرء بالبيئة التي حوله كما ذكرت، يتأثر بالنصيحة أيضا؛ ولذلك لا أزال أنصح لك، ~~قبلت ms46 أو كرهت، وأنت حر في قبول النصيحة أو كرهها، وأحيانا تجد النصيحة محلها فتعمل ~~عملها، ولولا ذلك ما نصح القرآن ولا النبي المؤمنين، فأمرهم بالعدل والصدق والعفة وما ~~إلى ذلك. وقد أذكرني ذلك ما كنت أقرأه بالأمس في رسالة خطية لابن خلدون في التصوف، فقد ~~عقد فصلا في الحوار بين رجل يرى ألا فائدة من الشيخ، بل يكفي القراءة في الكتب، وبين ~~شيخ يرى الاعتماد على المشايخ، وحجة الأولين أن كل شيء موجود في كتب التصوف، وحجة ~~الآخرين أن الشيخ الحقيق بلقب الشيخ يستطيع أن يدرك نفسية السامع ومزالقه فيوجهه الوجهة ~~الصالحة التي قد تخفى على المريد نفسه، فما ينفع لأحد قد لا ينفع الآخر بل يضره؛ ولذلك ~~لما كان كل يسأل الشيخ الماهر عن أحسن خلق كان يجيب إجابات مختلفة: أحيانا الصدق، ~~وأحيانا العدل، وأحيانا غير ذلك، باعتبار السائل. # ولأمر ما اتفقت الأمم وحكماؤها على العناية بالنصائح، فالحكيم قس بن ساعدة له نصيحته ~~المشكورة، ولقمان الحكيم نصح ابنه كما هو مذكور في القرآن، وملوك الفرس نصحوا الناس ~~بنصائحهم المسماة «جويدان خرد». ولست أذهب بعيدا، ففي القصص العربي أن عبد الله بن ~~الزبير ومصعب بن الزبير وأبا جعفر المنصور تذكروا أبياتا من الشعر، فتشجعوا ورموا ~~بأنفسهم في حومة القتال بعد إنشادها. وأنا نفسي قد جربت وقد قرأت نصائح من وصايا الإمام ~~علي بن أبي طالب، ومن كتاب مرشد المتعلم، ومن كتاب سر النجاح والأخلاق لسمايلز، فوقفت ~~عند بعض النصائح لهم كان لها الأثر الكبير في نفسي. فقولك إن البيئة كل شيء مغالطة، بل ~~هي شيء من أشياء، بل إن النصيحة التي أذكرها لك هي نفسها بيئة من البيئات؛ ولذلك فلن ~~أعتمد على قولك، وسوف أستمر في النصيحة ما دمت ابنا وما دمت أبا، ولك الخيار في أن ~~تقبل ما تقبل وترفض ما ترفض. # حاشية 1: # بلغني أن فلانا جارنا صديقك الذي تعرفه ~~قد تورط في صحبة أصدقاء، كانوا أصدقاء سوء، وما زالوا به حتى علموه الكيوف الضارة، فأخذ ~~مأخذهم وسار على ms47 منوالهم، وترك دروسه، وتعود السهر معهم كل ليلة إلى منتصف الليل، فلما ~~تيقظ أبوه لذلك نصحه بكل الوسائل فلم ينجح، ثم استعاض بأصدقائه أصدقاء آخرين خيرين ~~خلقهم خلقا، فساروا معه سيرا حسنا، وأرشدوه إلى طريق الخير، حتى استقام والتفت إلى ~~دروسه؛ فإن عددت هذا إصلاحا للبيئة فعلت، وإن عددته نصيحة جاءت على نمط مقبول وفي شكل ~~مقبول فعلت. # حاشية 2: # وبلغني أن فلانا الذي تعرفه أيضا قد سقط ~~في امتحانه بسبب ما تورط في أصدقائه، ثم عن طريق المصادفة شهد رواية سينمائية لفت نظره ~~منها جملة خلقية قوية، فأتى وكتبها بخطه، وعلقها في حجرة نومه، فكان يقرؤها إذا نام ~~وإذا صحا من نومه حتى استقام أمره. أفلا تعد هذه نصيحة من النصائح القوية ~~الفعالة؟ # 3 # أي بني! # سادت عند أمثالك من الشبان فكرة خاطئة، وهي شدة المطالبة بالحقوق، من غير ~~التفات إلى أداء الواجبات مع تلازمها، فهما معا ككفة الميزان، إن رجحت إحداهما ~~خفت الأخرى، وهم يلجأون إلى كل الوسائل للمطالبة بحقوقهم: من إضراب، إلى اعتصام، إلى ~~تخريب، إلى غير ذلك، ولا نسمع منهم أبدا شيئا عن فكرة أداء الواجب! فحذار من الوقوع ~~في هذا الخطأ. فعلى كل إنسان أن يؤدي واجبه دائما كما يطالب بحقوقه. والإنسان في ~~هذه الحياة لا يعيش لنفسه فحسب وإنما يعيش له وللناس، ولسعادته ولسعادة الناس. وأداء ~~الواجب، يؤدي إلى تحقيق السعادة: فالطالب الذي يؤدي واجبه لأسرته يسعدها، والأغنياء ~~بتأديتهم ما عليهم من بناء للمستشفيات، وتبرع للخيرات، يزيدون في راحة الناس ~~ورفاهيتهم. وعلى العكس من ذلك السارقون والسكيرون، فإنهم بإهمالهم الواجب عليهم وعدم ~~إطاعتهم قوانين البلاد، يزيدون في شقاء الناس وتعاستهم، ومقياس رقي الأمة إنما هو في ~~أداء أفرادها ما عليهم من واجبات. فالذي يتقي الله في صناعته يسعد الناس بإتقانه، ولا ~~يبقى العالم ويرقى إلا بأداء الواجب. ولو أن مجتمعا قصر في أداء كل واجباته ~~لفني في الحال. والأمة المتأخرة إنما بقيت لأن أفرادها قاموا بأداء أكثر الواجبات ~~وتأخرت بالقسم الذي لم يؤد. ويجب أن ms48 يؤدي الواجب لأنه واجب، لا طمعا في ربح ~~ولا هربا من خسارة، إنما نؤديه راحة لوجداننا. والذين يؤدون واجبهم رغبة أو رهبة ، ~~إنما هم تجار يبيعون اليوم ما يقبضون ثمنه غدا. ومثلنا الأعلى أن نتلذذ من أداء ~~الواجب كما نتلذذ من خير ينالنا وشر يزول عنا، ويجب أن ننشد مع أبي العلاء ~~قوله: # فلا هطلت علي ولا بأرضي # سحائب ليس تنتظم البلادا # وتقول كما قول رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في صهيب: # نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه. # ونقول مع البارودي: # أدعو إلى الدار بالسقيا وبي ظمأ # وأحق بالري لكني أخو كرم # وكثيرا ما يكلفنا القيام بأداء الواجب مشقات كثيرة ينبغي أن نتحملها، أو يتطلب منا ~~تضحية يلزمنا تقديمها؛ فالقاضي العادل قد يضطر إلى الحكم على صديقه أو قريبه فيؤلمه ~~ذلك، وقد يحمله حب العدل على إغضاب أفراد عظام أو هيئات مختلفة، فيعرض بذلك نفسه ~~لشتى الآلام، ومع ذلك يجب أن يتحملها بابتسام. بل أكثر من ذلك، الجندي، فقد يقف في ~~ميدان القتال موقفا قد يعرض فيه نفسه للموت، فيفعل ذلك على طيب خاطر فداء لأمته. ~~ورئيس السفينة إذا عطبت يجب أن يبقى فيها حتى ينتقل ركابها إلى قوارب النجاة، ثم يكون ~~آخر من ينزل، وكثيرا ما يكون إعلان الإنسان رأيه وتمسكه بمبدئه قد يبعده عن منصب ~~ويحرمه من فائدة، ومع ذلك يجب أن يتحمل التضحية مهما آلمت عن رضا وارتياح، ويجب أن ~~يعد مكافأة الضمير فوق كل مكافأة، ولكن يجب أن ننبه هنا إلى أمرين خطيرين، ~~كثيرا ما يخطئ الناس فيهما: # أولهما: إن بعض الناس يفهم أن التضحية واجبة لذاتها، مع أنها لا تستحب إلا حين ~~يطلبها الواجب. فما يفعله بعض زهاد الهنود من إيلامهم أنفسهم ولو من غير مقابل عمل ~~لا يستحب. وكذلك من يحرم نفسه من التمتع بلذات الحياة، لا لغرض يرتجى من ورائه ~~إلا المثوبة عمل خاطئ، وقد نهى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من نذر أن يصوم قائما في الشمس، ms49 ~~فأمره بالصيام ونهاه عن القيام في الشمس، لأنه تعذيب لا مسوغ له. ومن الخطأ ما ~~يدور على ألسنة الناس من قولهم الثواب على قدر المشقة، فهو ليس صحيحا إطلاقا، إنما ~~يصح حين تتحمل المشقة لعمل خير لا يمكن أن ينال إلا بهذه المشقة. # والثاني، أن ليس لأداء أي واجب تبذل أية تضحية، بل لا بد من الموازنة بين الواجب ~~والتضحية، فمن تألم من أسنانه مثلا لا يصح أن يفر من الألم بتضحيته بحياته، ولكن ~~يصح أن يقلم أشجاره ليزيد في إثمارها. كالطبيب يهجر نومه ويتعرض للتعب لإنقاذ مريض، ~~والعالم يهجر راحته من أجل إخراج كتاب أو فكرة أو استكشاف ينفع الناس، ومتى اقتنع ~~الإنسان بخيرية التضحية بعد هذه الموازنة وجبت عليه، إلا كان الفرار منها جبن، ~~وكلما عظم الواجب عظمت التضحية، كالذي نشاهده في الحروب الدفاعية: نبذل الكثير من ~~الأرواح في المحافظة على سلامة الوطن. # وسيرة عظماء الرجال مملوءة بالشواهد على هذه التضحية، فلا نكاد نجد عظيما لم ~~يضح كثيرا، والله يهديك ويوفقك، فهذه التضحية هي التي تكونك كما كونت من ~~قبلك. واحذر أن تستسلم للنعيم، وتخلد للراحة، فمن استسلم للنعيم وأخلد للراحة لم ~~يرج منه خير، ورحم الله شوقي بك إذ يقول في وصف زملائك: # شباب قنع لا خير فيهم # وبورك في الشباب الطامحينا # 2 # أي بني، أقتصر في كتابي هذا على نصائحك في التعليم الجامعي. ليكن أهم ما تصبو إليه ~~حب الحقيقة فلا تقدس القديم لقدمه ولا الجديد لجدته، واطلب الحقيقة لذاتها، صادفت ~~القديم أو الجديد، أعجب الناس بك أو كرهوك ومقتوك، وكن ذا شعور علمي دقيق، فإن ~~الطبيعة لا توحي بحقائقها إلا لمن دق حسه وتنبه عقله، وقد أعجبني ما ذكرت من أنهم ~~في الجامعة يعلمونك العلم ويعلمونك بجانبه الصبر، فالصبر حقيقة هو مفتاح العلم، فلا ~~تمل منه ولا تستكبر أي صبر يوصل إلى أية حقيقة. # عود نفسك النظام في العمل، والدقة فيه، وحسن الترتيب، ولأقص عليك شيئا من ~~تجاربي في هذا الباب. # فقد بدأت حياتي في ms50 ترجمة كتاب مبادئ الفلسفة الذي تعرفه، فكنت أفهم معنى الجملة وأبحث ~~لها عن ترجمة عربية، حتى إذا عثرت على الجملة أجلتها في نفسي ، وقد أجيلها على لساني ~~لأعلم مبلغ دقتها في أداء المعنى، وهل يحسن وقعها على القارئ والسامع، وقد أضطر في ~~سبيل ذلك إلى رفضها بتاتا أو تغييرها أو إحلال لفظة محل لفظة فيها، فلما بدأت أؤلف ~~فجر الإسلام كنت أعمد إلى مظان البحث في الكتب التي أظن أنها تتعرض للموضوع الذي ~~أريده، فإذا قرأتها أعملت فكري فيها ثم كتبت الموضوع؛ فلما ترقيت بعض الشيء في ضحى ~~الإسلام عمدت إلى طريقة أنظم، وهي أني فكرت في موضوع الكتاب وقسمته إلى فصول، وأعددت ~~لكل فصل «دوسيها» وقرأت أمهات الكتب، وكلما عثرت على فكرة قيمة لخصتها ووضعت ~~التلخيص في «الدوسيه» المناسب وأشرت إلى الصحيفة والكتاب. فلما فرغت من ذلك بدأت في ~~التأليف فاستخرجت «دوسيه» كل موضوع وقرأت ما فيه من وريقات ورتبتها وهضمتها ثم أخرجتها ~~تأليفا، وانتقلت: بعد ذلك إلى الذي يليه ثم الذي يليه وهكذا إلى نهاية الكتاب، ووجدت ~~أن مثل هذه الطريقة أنظم وأفضل، فاعمد إلى مثل هذه الطريقة في بحثك. # ولخير لك أن تختار نقطة صغيرة تلقي عليها أضواء كثيرة حتى تتجلى للقارئ، من أن تعمد ~~إلى مسألة كبيرة تلقي عليها أضواء قليلة تتشعع فيها نفسك ويتشعب فيها عقلك. # وأعود فأقول لك الصبر الصبر فيما تلجلج في صدرك، فإذا شككت في أمر فابحث عنه في كل ~~مظانه واستفت أساتذتك فيه، وإذا كان لك جهاز أو أجهزة فجربها عمليا عليها لتعرف مقدار ~~صدقها من كذبها، ولا تكتب إلا وأنت واثق مما تقول، مالئ يدك من البرهان عليه والحجة ~~المقنعة لك ولمن يناقشك. # إن كثيرا من إخوانك لا يرغبون في البحث للبحث، ولكن يرغبون في البحث للشهادة، ~~فخالفهم واطلب البحث للبحث، والفرق بينك وبينهم إذا أنهم إذا حصلوا على الشهادة ناموا ~~وأنت إذا حصلت على الشهادة داومت بحثك وعشت طول عمرك باحثا منقبا متعلما. # إني أعلم أن استعدادك للنظريات كبير، ms51 واستعدادك للأعمال اليدوية من رسم وتصوير ونحو ~~ذلك صغير فلا يغرينك حسن استعدادك للنظريات أن تمعن فيها حبا لها واستسهالا لشأنها ~~فتهمل الجانب الآخر، بل الأمر بالعكس، لا تعمد إلى الملكة القوية فتزيد في قوتها، وإلى ~~الملكة الضعيفة فتهملها، بل اعمد إلى موضع نقصك فقوه، وليس يمكن مهندسا أن يكون ~~نظريا محضا من غير إجادة رسم، فخير لك أن تكمل نقصك وتقوي ملكاتك جميعا، من أن ~~تقوي ملكة على حساب أخرى، كالذي يقوي إحدى يديه فيضعف الأخرى وهكذا. # ثم لا تكن مغرورا تعتقد أنك على حق مطلق، وأن غيرك إن خالفك على باطل مطلق، بل وسع ~~صدرك فاجعل حقك يحتمل الخطأ وباطل غيرك يحتمل الصواب، وقلما يعرف أحد الحق كل الحق ~~ويقع أخوه في الباطل كل الباطل، فحقك مشوب بباطل كثير، وباطل غيرك مشوب بحق كثير؛ ~~فاصغ إلى رأيه وأعمل عقلك فيه، واستخرج منه خير ما فيه، وإن أداك ذلك إلى أن تعدل عن ~~رأيك إلى رأيه فافعل، ولا تشمئز من ذلك فالحق يعلو ولا يعلى عليه. إنك إن فعلت ذلك نجحت ~~وأتتك أعراض الدنيا بعد ذلك تبعا، والصوفية يقولون في أمثالهم: صاحب الخصوصية لا بد أن ~~يظهر يوما ما، فلا تتعجل المكافأة، ولا تغضب من عرض يفوتك، فتلذذك من الحقيقة والبحث ~~عنها محسوب عليك، وهي أكبر لذة في الحياة، أتتك بعدها أعراض الدنيا أم لم ~~تأت. # وكنت أعرف صديقا، رحمه الله، ملأه في عيني صغر الدنيا في عينه، كان وطنيا مخلصا ~~ومحبا للعلم مخلصا، يفرغ من عمله فيكمل نفسه بحضور الدروس على الشيخ محمد عبده رحمه ~~الله، ثم على الشيخ محمد رشيد رضا وغيرهما من العلماء، ويستفهم عما لا يفهم، ويعلم من ~~يجهل، وضم إلى العلم الوطنية، وكانت وطنيته أرفع من أن تنغمس في حزب فكان فوق الأحزاب. ~~وكان يعمل أكثر مما يقول، ويتبع قول المرحوم قاسم بك أمين: «إن الوطنية الصادقة تعمل في ~~صمت». وجد في تربية زوجه وأولاده على مبادئه، فكان يصلي بهم الفجر حاضرا، ويلزمهم ~~الصدق ms52 في كل ما يقولون والعدل في كل ما يفعلون، سواء عليه في ذلك بنته أو ابنه، فعوضه ~~الله عن مجهوده بصلاح أبنائه وبناته ونجاحهم جميعا في الحياة. كان إذا عذب أو أهين ~~احتمل ذلك في ثبات، ومن الأسف أن استقامته أغضبت كثيرا من إخوانه ورؤسائه فكانوا ~~ينقلونه من القاهرة إلى أقصى الصعيد، ولكنه مع ذلك يحتمل ويحتمل، ويصلح ما فسد في أي ~~مكان رحل إليه، فيزيدهم ذلك غيظا وهو لا يبالي، حتى مات، رحمه الله، راضيا عن نفسه ~~مطيعا ربه، ومثل ذلك قليل. فاعمل لتكون مثله، وفقك الله وأيدك وأمدك بروح منه ~~والسلام. # حاشية: # أتذكر فلانا صديقك؟ إنه كان يعمل في كلية ~~الهندسة في مصر فأدار آلة ميكانيكية كبيرة ولم يحتط الاحتياط الكافي، ولم يلتفت إلى ~~الآلة الالتفات الضروري، فمس سلكا كهربائيا فيها فصعق ومات، رحمه الله، وإني لا أقص ~~عليك هذه القصة لأزعجك ولكن لأحذرك، فاتق شر ما عمل، وأعط كل عقلك وانتباهك إلى ~~العمل الذي تعمله، وكن جادا كل الجد في أوقات الجد، ولا بأس أن تكون هازلا بعد في ~~أوقات الهزل. وقد ذكرت لي في إحدى خطاباتك أن آلة مكهربة كاد يمسها تلميذك والعامل ~~عندك، وهو إذا مسها صعق لكثرة ما فيها من شحنة كهربائية، فصرخت في وجهه صرخة قوية، وظلت ~~أسبوعا لا تجد أعصابك، فحمدت لك ذلك، وأردت أن أنبهك على غلطة زميلك، والسلام عليك من ~~والد يريد الخير لك دائما. ms53