######OpenITI# #META# URI: 1373AhmadAmin.KitabAkhlaq.Hindawi74719294 #META# Tags: philosophy #META# ID: 74719294 #META# Title: كتاب الأخلاق #META# AuthorID: 20953090 #META# Author: أحمد أمين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # 1 - علم الأخلاق‏ # 2 - الضمير‏ # 3 - الحكم الأخلاقي‏ # 4 - مذاهب علم الأخلاق ونظرياته‏ # 5 - الخير والشر‏ # 6 - علاقة الفرد بالمجتمع‏ # 7 - الحقوق والواجبات‏ # 8 - معنى الواجب وأهم الواجبات‏ # 9 - المثل الأعلى‏ # 10 - الفضيلة‏ # مقدمة‏ # 1 - علم الأخلاق‏ # 2 - الضمير‏ # 3 - الحكم الأخلاقي‏ # 4 - مذاهب علم الأخلاق ونظرياته‏ # 5 - الخير والشر‏ # 6 - علاقة الفرد بالمجتمع‏ # 7 - الحقوق والواجبات‏ # 8 - معنى الواجب وأهم الواجبات‏ # 9 - المثل الأعلى‏ # 10 - الفضيلة‏ # | كتاب الأخلاق # | كتاب الأخلاق # تأليف # أحمد أمين # | مقدمة # | بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله # الغرض من هذا الكتاب أن يكون مرشدا للطلبة في حياتهم الأخلاقية، يلفتهم إلى نفوسهم، ~~ويبين لهم أهم نظريات الأخلاق، ويوسع نظرهم فيما يعرض عليهم من الأعمال اليومية، ويشحذ ~~إرادتهم لتأدية الواجب وإكتساب الفضيلة. # راعيت فيه الجهة العملية أكثر مما راعيت الجهة النظرية، لأن التعمق في النظريات حظ ~~الفلاسفة، والعمل وفق ما تتطلبه الأخلاق واجب الناس جميعا؛ والحياة الأخلاقية تعتمد على ~~الروح الذي يبعث على العمل أكثر مما تعتمد على قواعد العلم. # وقد كنت ألفت كتابا في الأخلاق نشر مرات، فلما وضعت الوزارة برنامجها الجديد للأخلاق ~~في المدارس الثانوية عمدت إلى كتابي هذا فصغته صياغة جديدة - بسطت موضوعاته حتى تناسب ~~الطلبة في دورهم هذا، وحذفت منه ما زاد عن حاجتهم، وزدت فيه فصولا لم تكن من ~~قبل. # والله المسئول أن ينفع به كما نفع بأصله، # أحمد أمين # سبتمبر سنة 1929 # الفصل الأول # | علم الأخلاق # (1) ماهية علم الأخلاق ومسائله # كلنا يحكم على بعض الأعمال بأنها خير، وعلى بعضها بأنها شر، فنقول: العدل خير، والظلم ~~شر، وأداء الدين إلى صاحبه خير، وإنكار المدين ما عليه شر، وهذا الحكم متداول بين ~~الناس رفيعهم ووضيعهم، عالمهم وجاهلهم، على لسان الفيلسوف في بحثه عن أعمال الإنسان، ~~وعلى ألسنة الصناع في صناعتهم، بل والأطفال في ألعابهم، فما معنى الخير والشر؟ وبأي ~~مقياس أقيس العمل فأحكم عليه بأنه خير أو شر؟ # كذلك نرى الناس يعملون أعمالا لغاية يطلبون تحقيقها، والناس يختلفون ms001 إختلافا كبيرا في ~~هذه الغايات التي ينشدونها، فبعضهم يطلب المال، وآخر يطلب الجاه، وآخر يطلب العلم وفريق ~~يزهد في كل ذلك ويطلب رضا الله بالعمل الصالح، ويأمل النعيم المقيم في الدار الآخرة، ~~ولكن كثير من هذه الغايات التي يطلبونها ليست هي الغاية الأخيرة، فلو سألت إنسانا لم ~~يعمل هذا العمل؟ لقال: إنه يعمله طلبا للمال، ولو سألته لم يطلب المال؟ لقال: إنه يطلبه ~~ليبني قصرا ويكون أسرة، ولو سايرته في آماله وسألته لم يريد القصر والأسرة؟ لقال: إنه ~~يرغب أن يكون في الحياة سعيدا - إذن - المال والقصر والأسرة ليست غايات أخيرة، إنما ~~الغاية الأخيرة له أن يكون سعيدا - فهل للناس جميعا غاية أخيرة واحدة يطلبونها أو ~~بعبارة أخرى ينبغي أن يطلبوها؟ وما هي؟ # عن كل هذا يبحث علم الأخلاق. # فهو علم يوضح معنى الخير والشر، ويبين ما ينبغي أن تكون عليه معاملة الناس بعضهم ~~بعضا، ويشرح الغاية التي ينبغي أن يقصدها الناس في أعمالهم، وينير السبيل لعمل ما ~~ينبغي. ~~(2) موضوعه ومسائله والأعمال الإرادية وغير الإرادية # يؤخذ مما ذكرنا أن علم الأخلاق يبحث عن أعمال الناس فيحكم عليها بالخير أو الشر، ولكن ~~ليست كل الأعمال صالحة لأن يحكم عليها هذا الحكم، فكثير من الأعمال لا يصح أن يقال: ~~إنها خير ولا شر، ولبيان ذلك نقول: تصدر من الإنسان أعمال غير إرادية كالتنفس ونبض ~~القلب ورمش العين عند الإنتقال فجأة من ظلمة إلى نور، فهذه الأعمال تسمى (أعمالا غير ~~إرادية)، وهي ليست من موضوع علم الأخلاق، فلا نحكم عليها بخير ولا شر، ولا يقال: إن ~~الإنسان خير لأن قلبه ينبض نبضا حسنا، أو معدته تهضم هضما جيدا، كما لا يقال: إنه شرير ~~لأن قلبه لا ينبض كما ينبغي، ومعدته لا تهضم هضما حسنا، لأنه لا دخل لإرادة الإنسان في ~~ذلك، وكل إنسان يريد أن ينبض قلبه وتهضم معدته على أحسن وجه ولكن إرادته لا أثر لها في ~~ذلك. # وتصدر من الإنسان أعمال بعد التفكير في نتائجها وإرادة عملها، كمن يرى أن بناء ms002 مستشفى ~~في بلده ينفع قومه ويخفف مصائبهم فيتبرع بالمال لبنائه وإدارته، وكمن يقدم على قتل عدوه ~~فيفكر في وسائل ذلك ثم ينفذ ما عزم عليه، فهذه الأعمال تسمى «أعمالإ إرادية» وهي موضوع ~~علم الأخلاق، فيحكم عليها بأنها خير أو شر، وعلى فاعلها بأنه خير أو شرير. # وهناك نوع من الأعمال بين الاثنين، فله شبه بالأعمال الإرادية وله شبه بالأعمال غير ~~الإرادية، فهل هو من موضوع علم الأخلاق؟ كما في الأمثلة الآتية: ~~(1) # من الناس من يأتي أعمالإ وهو نائم، فلو أن أحدهم أشعل نارا بمنزله وهو في ~~هذه الحالة، أو أطفأ نارا كادت تحرق المنزل، فهل هذا عمل إرادي يحكم عليه ~~بأنه خير في الحالة الأولى وشر في الثانية؟ ~~(2) # قد يصاب إنسان بداء النسيان فيترك عملا كان يجب عليه عمله في وقته، أو ~~يخلف موعدا وعده. ~~(3) # قد يستغرق الفكر عمل، كمن يشتغل بحل مسألة هندسية، أو يقرأ في رواية ~~لذيذة، فيلهيه ذلك عن درس واجب أو عمل مفروض. # هذه الأعمال كلها - بالتأمل فيها - نرى أنها أعمال غير إرادية، فليس النائم في المثال ~~الأول قد تعمد إحراق المنزل وقدر نتائجه، لذلك لا يحكم على عمله هذا بأنه خير أو شر، ~~لأنه لا إرادة له، ولا يسأل عنه، وإنما يسأل عنه ويحاسب عليه إذا كان يعلم أنه مصاب ~~بهذا المرض وأنه يأتي أعمالا خطرة وهو نائم، ثم لم يحتط وقت صحوه وانتباهه لما قد يحصل ~~عند نومه، بأن يحول بين نفسه والنار وأدواتها، فهو مسئول خلقيا عن عدم الإحتياط وقت ~~الإنتباه، لأنه شيء إرادي، كان في مكنته أن يحتاط له ثم لم يفعل، وكذلك الشأن في ~~الأمثلة التي ذكرناها ونحوها، فلو أنك نمت وتركت النار مشتعلة في موقد ثم طارت شرارة ~~أحرقت المنزل لا يسمع لقولك: «إن هذه ليست خطيئتي ولست قادرا أن أمنع النار أن ترمي ~~بالشرر وأنا نائم» إذ يقال لك: «إنك عالم أن ستنام، وقد أردت النوم، وعالم أن النار ~~مشتعلة، وكان في إمكانك أن تحتاط وقت انتباهك باطفائها، وعالم ms003 أنك ستكون في حالة عدم ~~شعور، فكان ينبغي أن تستعد وقت شعورك لما قد يطرأ وقت عدم شعورك، وذلك باطفاء النار ، ~~فنحن إنما نحكم عليك بالخطأ والصواب بالنظر إلى عدم الإحتياط، وهو شىء إرادي». # ومثل ذلك الإتيان بعمل مع الإعتذار بجهل النتائج التي تصدر عنه - وكمن كان يعلم من ~~نفسه أنه حاد الطبع غضوب، لا يضبط نفسه عند سماع كلمة تؤلمه، فيسب أو يضرب من غير ~~شعور، فلو أنه غشى الجمعيات التي هي مظنة لإثارة غضبه وأتى بما يستنكر كان مسئولا عن ~~عمله، - لما ذكرناه - وكذلك الأعمال التي أعتيدت حتى صار صاحبها يأتيها من غير إرادة، ~~فإنه يسأل عنها، لأن الإعتياد نتيجة عمل إرادي متكرر، فلا يعذر طالب بأنه إنما يدخن لأن ~~التدخين أصبح عادة متمكنة منه، لأنه - على فرض تمكنه كما يدعي - إنما إنغمس في هذه ~~العادة بعد أن دخن جملة مرات وهو حر مختار مريد حتى صارت عادة، وهكذا. # والخلاصة: # أن موضوع علم الأخلاق هي الأعمال التي ~~صدرت من العامل عن عمد وإختيار، يعلم صاحبها وقت عملها ماذا يعمل، وكذلك الأعمال التي ~~صدرت لا عن إرادة ولكن كان يمكن تجنب وقوعها عندما كان مريدا مختارا، فهذان النوعان ~~يحكم عليهما بالخير أو الشر - وأما ما يصدر لا عن إرادة وشعور، ولا يمكن تجنبه في حالة ~~الإختيار، فليس من موضوع علم الأخلاق. ~~(3) التبعة الأخلاقية (المسئولية الأخلاقية) # مما تقدم نفهم أن التبعة لا تكون إلا إذا وجدت الإرادة، فما لا دخل لإرادة الإنسان ~~فيه لا يسأل عنه، ولا يلام عليه، ولا يمدح أو يذم من أجله، فلا يمدح الشخص لطوله، ولا ~~يذم لقصره، من الناحية الأخلاقية، ولا يقال: إنه خير لأنه جميل الوجه ولا شرير لأنه ~~قبيحه، لأن هذه الأشياء وأشباهها لا عمل لإرادة الإنسان فيها. وليس يلام الإنسان على ~~سوء صحته، ولا يمدح على حسنها إلا بمقدار ماله من أعمال إرادية في ذلك، كسيره في حياته ~~في نظام صحي أو إهماله ذلك. # كذلك لا يسأل الإنسان عما لم يمنح من ms004 ملكات عقلية أو فنيه، فالناس لم يخلقوا جميعا ~~وعندهم استعداد بقدر واحد للرياضة أو للفنون الجميلة، فمن لم يخلق رياضيا لا يكون ~~مسئولا عن ضعفه الرياضي، إنما يكون مسئولا إذا كان عنده الإستعداد الكافي وكان ينقصه ~~المران والجد ثم لم يمرن ولم يجد وهكذا. # والطفل الرضيع إذا بكى وأسهر أمه طول الليل لا يسأل عن عمله لأنه لا إرادة له، ~~والصيدلي إذا أخطأ فأعطى الممرضة دواء غير المكتوب في تذكرة الطبيب فناولته الممرضة ~~للمريض وهي جاهله به فمات منه كان المسئول هو الصيدلي لا الممرضة، لأنها لا إرادة لها ~~في ذلك، والصيدلي هو المسئول لإهماله في عمله. # فمتى وجدت الإرادة وجدت المسئولية، وما لم توجد الإرادة فلا مسئولية، فالأعمال التي ~~ليس في طاقة الإنسان التحرز عنها والتي غلب فيها على نفسه لا يسأل عنها، كأعمال ~~المجنون والمغمى عليه، وكذلك أعمال المكره، فمن أمسك بيد آخر واضطره لارتكاب جريمة ولم ~~يستطع المكره بحال أن يقاومه لم يكن مسئولا، إنما المسئول من أكرهه على العمل. # وهنا كثيرا ما يعرض هذا السؤال وهو: هل إرادة الإنسان حرة حتى يكون مسئولا عن عمله؟ ~~هذه المسألة من المسائل المشكلة التي طال فيها الجدل قديما وحديثا، فيذهب بعض الباحثين ~~إلى أن الإنسان مجبر ليس حر الإرادة؛ ذلك لأن إرادة الإنسان تتأثر بشيئين: الوراثة ~~والبيئة، فهو يرث من أبويه ميولا خيره وميولا شريرة، وكذلك تؤثر فيه البيئة التي حوله ~~من بيت ومدرسة وأصدقاء وكتب ونحو ذلك، فمن نشأ من أبوين مجرمين، وورث منهما الميل إلى ~~الإجرام، وشب بين مجرمين وسمع أحاديثهم كان مجرما لا محالة، ولم يكن حر الإرادة فيما ~~يفعل، وليس في استطاعته إلا أن يكون مجرما، وإذا أردت إصلاحه فأصلح البيئة التي يعيش ~~فيها، وأنقله من بيئته السيئة إلى بيئة خيرة، ولكن في هذا الرأي غلوا، فإن الإرادة - ~~وإن كانت تتأثر بالوراثة والبيئة إلى درجة كبيرة - فإنها لا تفقد حريتها، وأوضح دليل ~~على ذلك ما نشعر به في أنفسنا من أننا أحرار في الإختيار، وأننا ms005 نستطيع أن نعمل الشىء ~~وألا نعمله، فمن كذب شعر من نفسه بأنه كان يستطيع ألا يكذب، ومن أجل هذا يندم على ~~كذبته، ولو كان كذبه محتما عليه ما ندم - ولولا أن إرادة الإنسان حره في اختيار الخير ~~والشر لما كان هناك معنى للتعاليم الأخلاقية - ولكان الأمر بفعل الخير والنهي عن الشر ~~ضربا من العبث، ولما كان هناك معنى للثواب والعقاب والمدح والذم. # وهناك نوعان من المسئولية: مسئولية قانونية، ومسئولية أخلاقية، فالإنسان إذا خالف ~~قانون البلاد كان مسئولا أمام القضاء، وعوقب من أجل مخالفته، وإذا خالف أوامر الأخلاق ~~كان مسئولا أمام الله وأمام ضميره، والمسئولية الأخلاقية أوسع دائرة من المسئولية ~~القانونية: ذلك لأن القانون لا يأمر ولا ينهي إلا إذا استطاع أن يعاقب من يخالف أمره ~~ونهيه بالعقوبات التي نص عليها، أما الأخلاق فسلطانها أوسع، لأن من يتولى لها المثوبة ~~والعقوبة هو الله والضمير، وكلاهما يشرف على الأعمال الظاهرة والباطنة - فالقانون لا ~~يستطيع أن ينهى عن الكذب والحسد لأنه لا يستطيع أن «يسأل» من يرتكبهما، ولو حاول أن ~~يعاقب الكاذب أو الحاسد لارتكب من إضرار الناس بالوشاية والتجسس أكثر مما يصلح، أما ~~الأخلاق فتنهى عن الكذب والحسد وتنهى عن أكثر من ذلك. فتسأل الإنسان عن نياته التي في ~~أعماق نفسه ولو لم يصدر عنها عمل، وتكل مكافأته على نياته الحسنة ومعاقبته على نياته ~~السيئة إلى الله وإلى ضميره. # الفصل الثاني # | الضمير # (1) ماهية الضمير # يلاحظ الإنسان أن في أعماق نفسه قوة تحذره فعل الشر إذا أغرى به، وتحاول أن تمنعه من ~~فعله، فإذا هو أصر على عمله أحس بانقباض نفسه أثناء العمل لعصيانه تلك القوة، حتى إذا ~~أتم العمل أخذت هذه القوة توبخه على الإتيان به، وبدأ يندم على ما فعل، كالطالب يحاول ~~الغش في الإمتحان فيحس صوتا باطنيا يناديه ألا يفعل، فإذا لم يسمع لهذا الصوت وبدأ يغش ~~أحس أن هذه القوة تثبطه، فإذا استمر في عمله أنبته وندم وعزم ألا يعود. # كذلك يحس أن هذه القوة تأمره بفعل الواجب، فإذا ms006 بدأ في عمله شجعته على الإستمرار فيه، ~~فإذا انتهى منه شعر بارتياح وسرور، وبرفعة نفسه وعظمتها، كالطالب يرى آخر مشرفا على ~~الغرق فينقذه، فحين إنقاذه يشعر بتشجيع نفسه على المضي في عمله فإذا أتم ذلك شعر بغبطة ~~وسعادة. # هذه القوة الآمرة الناهية تسمى «الضمير»، وهى - كما رأيت - تسبق العمل وتقارنه ~~وتلحقه، فتسبقه بالإرشاد إلى عمل الواجب، والنهي عن الرذيلة، وتقارنه بالتشجيع على ~~الخير، والتثبيط عن الشر، وتلحقه بالإرتياح والسرور عند الطاعة والشعور بالألم والوخز ~~عند العصيان. # هذا الضمير نشعر به كأنه صوت ينبعث من أعماق صدورنا يأمرنا بالخير وينهانا عن الشر ~~ولو لم نرج مكافأة أو نخش عقوبة، نرى البائس الفقير يجد مالا أو متاعا وهو أشد ما يكون ~~حاجة إلى مثله، ولم يكن رآه أحد إلا ربه، ثم هو يتعفف عنه ويؤديه إلى صاحبه، فما الذي ~~حمله على ذلك! لا شىء إلا الضمير يأمر صاحبه بعمل الواجب لا لمثوبة ولا عقوبة إلا مثوبة ~~نفسه بارتياحها، وعقوبة نفسه بالندم والتأنيب. # وهذا الضمير طبيعي حتى في الحيوانات الراقية، فنرى الكلب مثلا عنده نوع إدراك طبيعي ~~للواجب، ويرقى هذا الإدراك بمخالطته للإنسان، حتى نراه أحيانا يفعل في الخفاء جرما كأن ~~يسرق شيئا من سيده، أو يخالفه في أمر أمره به، فيظهر على الكلب حينئذ نوع من الإضطراب ~~والقلق يعد جرثومه للضمير. # ونلاحظ كذلك جرثومة الضمير في الطفل الصغير، يعلوه الخجل أحيانا لخطأ ارتكبه فتتبينه ~~في نظرته، ويدلنا اضطرابه وقلقه على أنه ارتكب خطأ - وينمو هذا الشعور بنمو الإنسان حتى ~~يصل به إلى حد أن يملأه الفرح والغبطة إذا هو أدى الواجب، ويذوب أسفا وندما إذا عصى أمر ~~الضمير، وهذا الشعور تجده يتبع حالة الإنسان، فهو في حالة سذاجه عند المتوحش، كشأنه في ~~حديثه وعرفه وحالته الإجتماعية، فإذا رقى الإنسان رقى ضميره، حتى قد يدفعه إلى بذل نفسه ~~دفاعا عن رأيه أو في سبيل إصلاح قومه. ~~(2) اختلاف الضمير # ليس الضمير هاديا معصوما يأمر بالخير دائما، وينهى عن الشر دائما، ولا هو يأمر ~~الأفراد ms007 في الأمم المختلفة أوامر واحدة متساوية في القوة، فإنا نرى أن الأمة التي تقدر ~~النظام في الحياة تقديرا كبيرا يكون أبناؤها أشد إحساسا به، وضمائرهم أقوى في المطالبة ~~باتباعه، وعلى العكس من ذلك الأمة التي لا تؤمن بفضيلة النظام هذا الإيمان. # وأفراد الأمة التي لا تسترذل الكسل لدرجة كبيرة لا يؤنبهم ضميرهم تأنيبا شديدا إذا ~~استسلموا للكسل. # بل الأمة الواحدة يختلف ما يأمر به ضميرها باختلاف العصور، فقد رأينا مثلا منذ سنين ~~قلائل أن كثيرا من المصريين كانوا يوسعون مجال الخلف بين المسلمين والأقباط، وتستحثهم ~~ضمائرهم على الدعوة إلى ذلك، ويرتاح كل فريق بما يلقي من الخطب، ويكتب من المقالات، في ~~تأييد فريقه والطعن على الفريق الآخر، واليوم نرى أن هذه الدعوة من أكبر الجرائم وأعظم ~~الشرور، ولا تطاوعنا ضمائرنا إذا أردنا أن نمس هذه الوحدة بسوء. # بل الفرد الواحد قد يأمره ضميره بشىء في زمن ويأمره بعكس ذلك في زمن آخر، كالطالب ~~يأمره ضميره أن ينهمك في القراءة والدرس من غير أن يراعي جسمه وصحته، فإذا درس قانون ~~الصحة أو شعر بمرض فهم أن لجسمه عليه حقا ولعقله عليه حقا، وطالبه ضميره بأن يرعى صحته ~~وعقله جميعا. # والسبب في اختلاف أوامره أن الضمير يتأثر بعاملين كبيرين: # أولا: # يتأثر بالحالة الإجتماعية للأمة وعرفها ودرجة رقيها، فالإنسان ينشأ ~~في أسرة تستحسن أعمالا وتستقبح أخرى فيتبعها في استحسانها واستقباحها، ~~ثم هو إذا خرج إلى الحياة العامة تبادل مع الناس الأخذ والعطاء فيلتقط ~~آراءهم في الخير والشر، ويقلدهم في ذلك، ويسايرهم فيما يستحسنون وما ~~يستقبحون، ويأمره ضميره أن يفعل كما يفعلون. # ثانيا: # يتأثر ضمير كل إنسان بدرجة عقله وعلمه، فكلما زاد علم الإنسان ونما ~~عقله ارتقى ضميره، ذلك أن الخبرة والتجربة ومعرفته بنتائج الأشياء ~~النافعة والضارة توسع عقله، فيتبع ذلك ارتقاء ضميره، حتى قد يأمره ~~ضميره بعد هذه التجارب بما كان ينهاه عنه من قبل، وينهاه عما كان يأمره ~~به، لأن عقله عرف من الحقائق ما كان يجهله، بل هو إذا وصل إلى ms008 درجة ~~كبيرة من رقي العقل كان ضميره تابعا لعقله أكثر من تبعيته لتقاليد ~~قومه، واستطاع - إذا هو رزق وسائل الزعامة - أن يغير ما يستنكره من ~~عادات قومه. ~~••• # ومع أن الضمير يختلف باختلاف الأمم واختلاف العصور وأنه قد يخطئ أحيانا في أمره ونهيه ~~- كما رأيت - فإن كل إنسان ملزم باطاعة ضميره، لأنه مأمور بعمل ما يعتقد أنه الحق لا ~~بعمل ما هو حق في الواقع، فالذي يعتقد شيئا حقا ويأمره ضميره بعمله ملزم أن يطيعه، وليس ~~هناك مسئولية أخلاقية عليه إذا تبين خطأ ما أمره به ضميره، غاية الأمر أنه يجب عليه أن ~~يضيء السبيل أمام ضميره بتوسيع عقله وتقوية فكره وتحريه الصواب، فإن هو فعل ذلك كان ~~الضمير هاديا مرشدا، وكان له العذر إذا تبين خطأ ما أمر به ضميره. ~~(3) الضمير والإرادة # لا قيمة للضمير يأمر وينهى إذا لم يدعم بإرادة تنفذ أمره ونهيه، فقد يشعر الإنسان ~~بالواجب ويتأكد من أنه واجب ويأمره ضميره به ولكن يذهب كل ذلك هباء إذا لم يمنح إرادة ~~قوية تخرج هذا الأمر إلى الوجود، فالإرادة هي القوة الفاعلة في الإنسان وبدونها تكون ~~أوامر الضمير أحلاما وأماني لا قيمة لها، ولذلك يقول بعضهم: «إن جهنم مرصوفة بالأماني ~~الطيبة» يريد بذلك أن الأماني الطيبة إذا لم تبرزها الإرادة إلى الوجود فأولى بها ~~الجحيم لا الجنة، إنما يصلح للجنة الأماني الطيبة التي حولتها الإرادة إلى عمل ويقول ~~الشاعر العربي: # من كان مرعى عزمه وهمومه # روض الأماني لم يزل مهزولا # قد تعترض أمام ما يأمر به الضمير عقبات، فالإرادة القوية تذللها وتشعر بارتياح من ~~تذليلها والتغلب عليها. # وكما تحتاج إلى الإرادة في تنفيذ أوامر الضمير نحتاج إليها في تنفيذ نهيه، وذلك ~~بمقاومة الميل إلى الشر وصده والوقوف في سبيله حتى لا يخرج إلى الوجود. # والإرادة القوية سر النجاح في الحياة - وفضائل الإنسان وملكاته تظل في سبات حتى ~~توقظها الإرادة، فمهارة الصانع، وقوة عقل المفكر، والشعور بالواجب ومعرفة ما ينبغي وما ~~لا ينبغي، كل هذا لا أثر له في ms009 الحياة ما لم تحوله قوة الإرادة إلى عمل. ~~(4) تربية الضمير # الضمير ككل - ملكات الإنسان وقواه - تنمو بالتربية وتضعف بالإهمال، فبعصيان الضمير ~~يضعف أو يموت، شأنه في ذلك شأن أديب يتذوق الشعر والأدب، فإذا هو أهمل قراءة الأدب ~~واشتغل «بالرياضة» ضعف ذوقه الأدبي حتى قد يصل إلى درجة لا يدرك معها ما في الأدب من ~~جمال، كذلك يعصى الإنسان ضميره مرة فيحس بلذع شديد من جراء عصيانه، فإذا تكرر منه ~~العصيان أحس بلذع دون ما كان يشعر به عند أول مخالفة، ولا يزال الإنسان يتبع السيئة ~~السيئة حتى لا يشعر بأي نوع من اللوم والتأنيب، لأن صوت ضميره قد خفت وسلطانه قد ضعف. ~~وكما يضعف الضمير بالعصيان يضعف بصحبة الأشرار وإطالة القراءة في الكتب الساقطة، فكلا ~~الأمرين يكرر منظر الشر أمام النفس حتى تعتاده، وكلاهما يتحدث عن الشر حديث المستحسن ~~فيتخدر الضمير ويخمد صوته. # ويحيا الضمير بمداومة طاعته، وباستخدام الإرادة في تنفيذ أمره ونهيه وصحبة الأخيار ~~وقراءة الكتب التي تدعو إلى الفضيلة، ومما يساعد على نموه قوانين البلاد، فإنها إن كانت ~~صالحة شاركت الأخلاق في الأمر بالخير، فتساعد على حياة الضمير وتزيد في سلطانه. # خير شيء في الإنسان ضميره، فهو «الدليل» الذي يهدي سبيل السلام. # الفصل الثالث # | الحكم الأخلاقي # (1) معنى الحكم الأخلاقي # تصدر من الإنسان أحكام كثيرة متنوعة، فإذا قال: «المبتدأ مرفوع» فهذا حكم نحوي لا ~~أخلاقي، وإذا قال: «الأجسام تتمدد بالحرارة» فهذا حكم طبيعي لا أخلاقي، إنما الحكم ~~الأخلاقي هو أن تحكم على الشيء بأنه خير أو شر، فالصدق خير حكم أخلاقي، والكذب شر ~~كذلك. # وقد علمنا مما تقدم أن الحكم الأخلاقي لا يصدر إلا على الأعمال الإرادية، فما لم تكن ~~إرادة لا يصدر حكم أخلاقي، فلو فاض النيل فأغرق كثيرا من البلدان، أو هبت عاصفة فدمرت ~~بلادا، أو هاجت الأمواج فأغرقت سفنا، لا نحكم على هذه الأعمال بأنها شر، إذ لا إرادة، ~~ولو فاض النيل في اعتدال فروى للأرض وأفادها، وهب نسيم عليل فأزهر النبات وأنعش النفوس ~~لم نحكم ms010 على ذلك بأنه خير، كذلك إذا جمح حصان فأوقع راكبه، أو سار سيرا حسنا فأوصل ~~صاحبه إلى غايته لا نحكم على عمله بأنه شر في الأولى ولا خير في الثانية ما دمنا لا ~~نعترف للحصان بإرادة - وكذلك أعمال الإنسان غير الإرادية كالتي سبق شرحها. ~~(2) هل يصدر الحكم باعتبار الغرض أو النتيجة # والآن نريد أن نسأل: قد عرفنا ما نحكم عليه من الأعمال بأنه خير أو شر وما لا نحكم، ~~ولكن إذا أردنا أن نحكم فهل نحكم على العمل باعتبار نتائجه أو باعتبار الغرض الذي أراده ~~العامل من عمله؟ ولتوضيح ذلك نقول: إن هناك غرضا للعامل من عمله، وهذا يسبق العمل، ~~وهناك نتائج تحصل من العمل وهذه تلحقه، فمثلا قد يقرر جماعة من الأطباء بعد الفحص اجراء ~~عملية لمريض، ثم يتبين بعد اجرائها أن الفكرة كانت خطأ، وأنه كان الأولى ألا تعمل، ثم ~~يموت المريض منها، فغرض الأطباء أن يشفى المريض، ولأجل هذا أقدموا على ما عملوا، ولكن ~~النتيجة أنه مات، وهذا الغرض كان قبل العمل، وهو غرض حسن، والنتيجة حصلت بعد العمل، وهي ~~سيئة، فهل نحكم على الأطباء باعتبار غرضهم أو باعتبار نتيجة عملهم؟ وهكذا كثير من ~~الأعمال، كرجال حكومة أعلنوا الحرب على أمه أخرى لأنهم رأوا خير أمتهم في ذلك، وقد رأوا ~~قوتهم أكبر من قوة عدوهم، وحسبوا أن ما يغنمون من الفوائد أكبر مما يفقدون من جنودهم ~~وأموالهم، ولكن خاب ما أملوا، فهزموا وسلبوا بعض الولايات، فغرضهم كان الخير لأمتهم، ~~والنتيجة كانت شرا لها، فعلى أي اعتبار نحكم؟ وكذلك العكس، فقد يريد الإنسان شرا ثم ~~تكون النتيجة خيرا، كمن يريد أن يغش آخر فيغريه بشراء شيء يظن فيه الخسارة له، فيغنم ~~الشاري من وراء ذلك ربحا كبيرا، فالغرض شر والنتيجة خير، فهل نحكم على العمل بأنه شر ~~تبعا للغرض أو خير تبعا للنتيجة؟ # الحق أن العمل يجب أن يحكم عليه بأنه خير أو شر نظرا لغرض العامل منه لا نظرا ~~لنتيجته، فالعمل الذي قصد به الخير خير مهما ms011 استتبع من النتائج، والذي أريد به الشر شر ~~ولو استتبع نتائج حسنة، فقبل الحكم على عمل ينبغي أن نعرف غرض العامل منه، أما العمل في ~~ذاته من غير نظر إلى الغرض منه فليس بخير ولا بشر، فلو سألتني هل إحراق أوراق مالية ~~قيمتها ألف جنيه خير أو شر؟ لأجبتك: لا يمكن ذلك حتى أتبين غرض العامل من عمله، فقد ~~يكون شرا إذا أراد من إحراقها الإنتقام من مالكها، وقد يكون خيرا كما إذا قدمت رشوة ~~لقاض ورأى القاضي أن لا سبيل إلى تأديب الراشي إلا إحراقها. # ولما كان الحكم الأخلاقي يعتمد على معرفة غرض العامل من عمله لم يجز لنا أن نصدر ~~الحكم بالخير أو الشر إلا على أنفسنا أو على من نتحقق غرضهم من أعمالهم، إما بإخبارهم، ~~أو بقيام القرائن على أغراضهم، فإذا رأينا من إنسان عملا فلا نعجل بالحكم عليه، بل يجب ~~أن نتريث حتى نعرف غرضه منه. # نعم هناك أحكام أخرى نصدرها على العمل باعتبار نتائجه لا باعتبار الغرض منه، وذلك ~~كالحكم على العمل بأنه نافع أو ضار، فإنه إنما يصدر باعتبار نتيجته، والحكم على الشيء ~~بأنه نافع أو ضار غير الحكم عليه بأنه خير أو شر، كلاهما ينظر إلى الشيء من جهة غير ~~التي ينظر إليها الآخر، فعمل الأطباء في المثال السابق خير ضار، خير لأنهم قصدوا إلى ~~شفاء المريض، وضار لأن النتيجة كانت وفاته، وهكذا، ولكن يجب أن نعلم أن الحكم على الفعل ~~بأنه نافع أو ضار تبعا لنتائجه ليس حكما أخلاقيا، إنما الحكم الأخلاقي هو الحكم بأنه ~~خير أو شر تبعا للغرض منه. # والإنسان لا يلام على عمل عمله يريد منه الخير مهما ساءت نتائجه، بشرط أن يكون قد بذل ~~جهده في معرفة ما ينتج من عمله، وإنما يلام إذا كان في استطاعته أن يرى النتائج إذا دقق ~~في البحث وأنعم النظر ثم لم يفعل، فموضع اللوم هو التقصير عند اختيار العمل، وعدم الدقة ~~في حساب نتائجه، وليس موضع اللوم هو إرادة العمل الصالح، ms012 ففي مثل الأطباء السابق لا لوم ~~عليهم إذا كانوا بذلوا أقصى جهدهم في فحصهم وأتت النتيجة بما ليس في حسبانهم، إنما ~~يلامون إذا قصروا في الحكم وبنوا حكمهم على نظر سطحي غير دقيق. ~~••• # في جميع ما تقدم كان الحكم الأخلاقي يصدر على العمل، ولكن نرى أحيانا أن الحكم ~~الأخلاقي يصدر على العامل، فيقال: إن فلانا طيب وفلانا خبيث أو أنه خير أو شرير، فما ~~الذي نلحظه عند حكمنا هذا الحكم؟ # عندما نحكم على العامل نلاحظ «حاصل الجمع» لما يأتي به من أعمال. فقد عرفنا - قبل - ~~ما هو العمل الخير، وما هو العمل الشر، فالآن نذكر لك أن الرجل الخير أو الطيب هو الذي ~~يصدر عنه من الأعمال الخيرة أكثر مما يصدر عنه من الشر، والرجل الشرير هو الذي يكثر منه ~~صدور الأعمال الشريرة، ومن هذا نستنتج أن الرجل الخير قد يأتي بعمل شر ولكن يكون الغالب ~~عليه عمل الخير، لأنا في حكمنا على العمل إنما نلاحظ الغرض من عمله وفي حكمنا على ~~العامل نلاحظ مجموع أعماله في حياته. ~~(3) مقياس الحكم الأخلاقي # ولكن بأي مقياس أقيس الشيء فأحكم عليه بالخير أو الشر؟ إن الناس كثيرا ما يختلفون في ~~نظرهم إلى الشيء الواحد فمنهم من يراه خيرا ومنهم من يراه شرا، بل الشخص الواحد قد يرى ~~الشيء خيرا في آن ثم يراه شرا في آن آخر، فما هذا المقياس الذي بمراعاته نصدر هذا ~~الحكم؟ وأى شيء يراعيه الناس فيقولون: إنه خير أو شر؟ # للاجابة على هذا السؤال نستعرض المقاييس التي يستعملها الناس، وقد رأى الباحثون أن ~~الحكم الأخلاقي تدرج في الرقي بتدرج الناس، فهم في حالة سذاجتهم ينظرون إلى الأشياء ~~ويحكمون عليها بمقياس، ثم إذا ارتقوا قليلا تغير مقياسهم وحكمهم، وهكذا حتى يصلوا إلى ~~درجة كبيرة من الرقي فيسمو كذلك حكمهم الأخلاقي؛ ولنتتبع الآن الأدوار التي مر بها ~~لناس. ~~(3-1) العرف # فأول دور سلكوه في معرفة الخير والشر «العرف». ونعنى بالعرف «عادة الأمة» فإذا ~~اعتادت أمة عملا وكان فاشيا فيهم فذلك عرف، ms013 فزيارة القبور في الأعياد عادة ~~للمصريين، فهذا عرف، وعادة كل أمة في ملبسها ونظام معيشتها ونحو ذلك يسمى ~~عرفا. # ولكل أمة عرف خاص تعد خيرها في اتباعه، وتؤدب الأطفال به، وتشعرهم بأن فيه شيئا ~~من التقديس، وإذا خالفه أحد استهجنت عمله وعدته خروجا عليها، فمن الصعب الخروج على ~~المألوف من عرف في الملبس والمأكل ونظام الأفراح والمآتم وطرق التحية ونحو ~~ذلك. # والناس منساقون إلى تنفيذ ما يقضى به العرف، وذلك بتأثير الرأي العام، فالناس - ~~عادة - يمدحون متبعي العرف، ويسخرون من مخالفه، فلو خرج أحد على عادة الأمة في زيها ~~أو أفراحها ومآتمها أو طرق تحياتها كان موضعا للنقد القاسي. # وفي أيام سذاجة الناس وبداوتهم لم يكن لهم مقياس يقيسون به العمل إلا العرف، فهم ~~يحكمون على العمل بأنه خير لموافقته للعرف وشر لمخالفته له، ولا يزال كثير من الناس ~~في كل أمة مهما بلغت من الحضارة يعملون ما يعملون لا لسبب إلا أنه يتفق وعادات ~~قومهم، ويجتنبون ما يجتنبون لأن قومهم لا يعملون - فمقياس الخير والشر في نظرهم هو ~~العرف، وبه يصدرون أحكامهم على الأشياء. # فلما أرتقى الناس تبين لهم أن العرف لا يصح أن يتخذ مقياسا، فبعض أوامره غير ~~معقول، وبعضها ضار، فوأد البنات كان عرفا لبعض قبائل العرب في الجاهلية، وهو عرف ~~ضار نهاهم الإسلام عنه وأبان ما فيه من خطأ، وعند الرومان كان الأب له الحق في ~~إماتة أولاده وإحيائهم، والرق مع ما كان فيه من معاملة قاسية كان فاشيا في كثير من ~~الأمم، وعادات المصريين في أفراحهم ومآتمهم عرف ضار وهكذا. # وإذا كان العرف قد يخطئ ويتبين الخلف سوء ما كان عليه السلف لم يصح أن يكون ~~مقياسا صحيحا نقيس به الأعمال فنحكم عليها بالخير أو الشر. # ولو أن الناس جروا على مبدأ العرف لم يتقدم العالم عما كان عليه من قديم، لأنه ~~إنما يتقدم بأولئك الذين يرون خطأ العرف فيجاهرون بمخالفته، ويدعون قومهم للخروج ~~عليه، فيلتف حولهم كثير من الناس، ويأخذ رأيهم في الإنتشار حتى ms014 يحل الجديد الحق محل ~~القديم الخطأ. # ومع هذا فإن جرى الناس على هذا المقياس كان له بعض الفائدة، فقد حمل كثيرا أن ~~يأتوا بالعادات الصالحة ويمتنعوا عن السيئة جريا مع العرف ورجاء لمدح الناس وخوفا ~~من ذمهم. ~~(3-2) الرأي الشخصي # يلاحظ الذين يدرسون القبائل في حالتها الأولى من البداوة أن الفرد من القبيلة لا ~~يحس إحساسا قويا أنه فرد مستقل بذاته، وإنما يغلب عليه الإحساس بأنه جزء من قبيلة، ~~يحيا بحياتها ويموت بموتها، ويظهر هذا ظهورا بينا حين تقرأ الشعر الجاهلي فترى ~~فيه أن شخصية الشاعر اندمجت في قبيلته حتى كأنه لم يشعر لنفسه بوجود خاص، وتتبين ~~ذلك بجلاء في معلقة عمرو بن كلثوم، وقل أن تعثر على شعر من أشعار الجاهلية ظهرت فيه ~~شخصية الشاعر، ووصف ما يشعر به وجدانه، إنما هو كثير التحدث عن قبيلته وأخبارها ~~وأفعالها. # وفي هذا الدور لا يكون للأخلاق مقياس إلا العرف، فليس للفرد رأي شخصي يقوم به ~~الشيء ليحكم عليه بأنه خير أو شر بل ليس له إلا أن يستحسن ما استحسن قومه ويستقبح ~~ما استقبحوا، فهو لا يأتي بعمل أو يتجنب عملا بناء على تفكير منه ووزن له، بل لأن ~~قومه يأتونه أو يجتنبونه. # فإذا ارتقى الناس عن هذا الدور شعر الفرد بأنه - وإن كان عضوا في مجتمع - فله ~~شخصيته، وأن نفسه مستقلة عن قومه، وأن له مصالح شخصية كما أن لقومه مصالح، وأن عقله ~~من الإستقلال بحيث يستطيع ألا يخضع للعرف خضوعا أعمى، بل في قدرته أن يزن الأعمال ~~فيحكم عليها بالخير أو الشر وإن خالف العرف. # نرى هذا في التاريخ دائما، فعند نهوض كل قوم وأخذهم بحظ كبير من الرقي يظهر أفراد ~~يخرجون على التقاليد الموروثة المتعارفة إذا رأوها ضارة، ويزنون الأشياء وزنا ~~جديدا، فيعلنون استحسانهم لأشياء يستهجنها عرفهم، ويستقبحون أشياء يستحسنها العرف؛ ~~وينتشر رأيهم شيئا فشيئا حتى يميل الناس إليه، ويقتنعوا به، وبهذا تنكسر قوة العرف. ~~حصل هذا في عصر السوفسطائيين في اليونان، وفي عصر النهضة في روما، وفي ms015 أيام الثورة ~~الفرنسية في فرنسا وهكذا. # في هذا الدور يشعر الإنسان أن العرف غير صالح لأن يكون مقياسا، وأن له من القوة ~~ما يمكنه من تقويم الأشياء والحكم عليها، ولكن يتساءل بم يقومها؟ كيف يعرف الخير ~~والشر؟ ما الذي يضعه محل العرف ليعرف الحق من الباطل؟ وعند ذاك يأتي دور البحث ~~العلمي. ~~(3-3) الوجدان # أجاب قوم عن هذه الأسئلة المتقدمة بأن في كل إنسان قوة غريزية يميز بها بين الحق ~~والباطل، فكل إنسان إذا عرض عليه عمل تلهمه هذه القوة أنه خير أو شر، وهذه القوة ~~منحناها لنميز بها بين الخير والشر كما منحنا العين لنبصر بها، والأذن لنسمع بها، ~~والحكم الأخلاقي يعتمد على هذه القوة فيصدر بالإستحسان أو الإستقباح، وقد ذهب بعض ~~العلماء إلى أن أساس هذا الحكم هو «الوجدان» ويعنون به شعور الإنسان الطبيعي ~~بالإرتياح من العمل أو النفور منه كالإرتياح والنفور الذي يشعر به الإنسان عند ~~رؤيته شيئا جميلا أو قبيحا، فعندما توسوس له نفسه بكذب أو بسرقة يشعر باشمئزاز ~~طبيعي من إتيان ذلك فيحكم عليه بأنه شر، وكذلك عندما يسمع خبرا باغاثة ملهوف أو ~~إحسان إلى فقير أو عدل في حكم يشعر بارتياح طبيعي فيحكم على ذلك بأنه خير. # وقد تصاب هذ القوة الوجدانية بمرض فترى الخير شرا والشر خيرا كما تصاب كل حاسة ~~بالمرض، وكما تخطئ القوة العقلية، فكما أنا لو أعطينا عددا من التلاميذ مسائل ~~حسابية فبعضهم يخطئ في حلها وبعضهم يصيب ولكنا نعرف أن هؤلاء أصابوا وهؤلاء أخطؤا ~~كذلك يختلف الناس في صحة الوجدان ومرضه، فبعضهم يحكم بالشر على ما يحكم عليه الآخر ~~بالخير، ويمكن أن نعرف المخطئ من المصيب، وسيأتي توضيح ذلك عند الكلام على مذهب ~~اللقانة. ~~(3-4) العقل والإستدلال # ويرى علماء آخرون أن ليس في الإنسان قوة طبيعية يحكم بها على الأعمال، إنما نحكم ~~عليها بالعقل والإستدلال، فليس في الإنسان حاسة غريزية يدرك بها الخير والشر، ولكن ~~يحكم عليها بمقتضى تجاربه، فالناس عملوا أعمالا، ولاحظوا ما ينتج عنها، فرأوا ~~نتائجها حسنة ms016 فحكموا بخيريتها، وعملوا أعمالا رأوا نتائجها سيئة فحكموا عليها ~~بالشر، وليست القوة الأخلاقية التي نعرف بها الخير والشر إلا عقلنا وتجاربنا، ~~واستمرار الأمة في تجاربها يفضي بها إلى تعديل آرائها في الأشياء، والسبب في تغير ~~آراء الأمم والأفراد في الحكم على الأشياء هو اتساع مداركها بكثرة تجاربها ~~وملاحظاتها واستدلالها، وسيتضح ذلك عند الكلام على المذاهب الأخلاقية. # من هذا ترى أن الحكم الأخلاقي تدرج بتدرج الناس في الرقي، فكانوا أول أمرهم لا ~~مقياس لهم إلا العرف ثم فهموا أن العرف لا يصح أن يكون مقياسا، فجاء بعد ذلك دور ~~البحث والتفكير العلمي. # وكذلك ترى أن العرف - أولا - كان هو المقياس ولكنه مقياس خاص بالأمة وحدها، إذ كل ~~أمة لها عرفها، فلما جاء دور البحث العلمي أصبح الحكم الأخلاقي ينبني على أسس ~~عالمية، وبعبارة أخرى أصبح ينبني على مبادئ عامة تصلح لكل أمة في كل عصر، وسنوضح ~~تلك المبادىء والمذاهب المشهور التي أدى إليها البحث في الفصل التالي. ~~(4) تربية الحكم الأخلاقي # قوة الحكم الأخلاقي ترقى برقي الإنسان، فهو يولد وعنده جرثومة الحكم الأخلاقي، تولد ~~معه حسب قانون الوراثة. # ثم ينشأ في أسرته فيراهم يمدحون أشياء ويذمون أخرى ويكافئون على أعمال ويعاقبون على ~~أخرى، فينمو عنده الحكم الأخلاقي بذلك، ويتبع أسرته في مدحها وذمها، ويستحسن من الأشياء ~~ما مدح عليه، ويستهجن ما ذم من أجله، ثم إذا نما شعر بأنه مضطر أن يتبادل مع إخوته ~~وأخواته الأخذ والعطاء، فيوجد عنده الشعور بضرورة تبادل المنافع، فهو يعطيهم مما يناله ~~ليعطوه مما ينالون، فيرقى عنده بذلك الحكم الأخلاقي. # فإذا خرج إلى العالم وتبادل مع الناس المعاملة ورأى حاجته إلى معونتهم وأدرك أنه لا ~~يعيش سعيدا بينهم إلا بمراعاة قوانين وتقاليد اتسع عنده مجال الحكم الأخلاقي، فإذا هو ~~تقدم في العلم ساعده علمه على إضاءة السبيل له ليميز بين الحق والباطل، فكثير من ~~الأعمال الضارة أو الخرافية سببه الجهل بالقوانين الطبيعية، فاستقبال العامة للخسوف ~~والكسوف بالضرب على الأواني النحاسية أو الحديدية مثلا سببه الجهل بأسباب الخسوف ms017 ~~والكسوف، ومعرفتنا بشيء من الجغرافيا الطبيعية أو الهيئة يبين أن هذا العمل وأمثاله ~~خرافة لا أساس لها، ومعرفتنا بشيء من قوانين الصحة يغير نظرنا إلى كثير من الأعمال، ~~وانتشار العلم عن النبات والحيوان والمرض والصحة في أية أمة يجعل كثيرا من أفرادها ~~يخرجون على العرف المألوف الذي لا يتفق ونظريات العلوم، والعلم يزيد الإنسان شعورا ~~بشخصيته وبأن له قوة على الحكم على الأشياء، وأنه ليس أسيرا للعرف والتقاليد. # كذلك دراسة علم الأخلاق، واستعراض النظريات التي ينبني عليها الحكم الأخلاقي، ونقدها، ~~وبيان ما يصح منها وما لا يصح، وبيان ما كان الناس عليه أيام بداوتهم في عرفهم ~~وتقاليدهم، وكيف كانوا يحكمون على الأشياء، وما وصلوا إليه من الرقي، وكيف تغير نظرهم ~~إلى الأشياء برقيهم. كل هذا يجعل الإنسان أصح حكما وأصدق نظرا. # الفصل الرابع # | مذاهب علم الأخلاق ونظرياته # أشرنا في الفصل الماضي إلى أن الناس في أحكامهم على الأشياء يراعون مقياسا خاصا، فيحكمون ~~على الشيء بأنه طويل أو قصير ويحتكمون في ذلك إلى «المتر» مثلا، ويحكمون على الشيء بأنه ~~خفيف أو ثقيل ويحتكمون في ذلك إلى «الأقة» أو «الرطل» أو نحوهما، فما الذي نراعيه في ~~أحكامنا الأخلاقية؟ إنا نقول: الصدق خير والكذب شر فما هو المقياس الذي عرفت به ذلك؟ وإذا ~~عرض موقف حرج وأردت أن أعرف أأصدق فيه أم أكذب، وتجادل المتجادلون فيه بين محبذ للصدق ومحبذ ~~للكذب فإلى أي المقاييس نحتكم؟ والناس يقولون: إن الصدق والعدل والشجاعة والعفة فضائل، ~~وأضدادها رذائل، فما الشيء الذي فيها حتى جعلها فضائل أو رذائل؟ وبأي مقياس قاس الناس حتى ~~حكموا هذا الحكم؟ # هذا الموضوع هو الذي يسمى «المقياس الأخلاقي» ولم يتفق الباحثون فيه ولم يجيبوا عن ~~الأسئلة الماضية جوابا واحدا، بل تعددت فيه المذاهب، ونحن نذكر أهمها: ~~(1) مذهب السعادة # 1 # لما بحث العلماء في مقياس الخير والشر بحثا علميا ذهب كثير منهم إلى أن هذا المقياس ~~هو «السعادة» وقالوا: إن السعادة هي الغاية الأخيرة للحياة، وهي التي تحرك جميع الناس ~~للعمل، فإذا حللت ms018 عمل أي إنسان رأيت أنه إنما يطلب بعمله «السعادة» فالطالب يتعلم، ومحب ~~المال يجمع، والرجل يتزوج، والعالم يؤلف، والكاتب يكتب، والقاضي يقضي، والصانع يصنع، ~~وكل هؤلاء لو حللت أغراضهم من أعمالهم وجدت أن الغاية الأخيرة التي يرمون إليها هي ~~تحصيل السعادة. # ولكن السعادة كلمة غامضة، وإنما يعني بها أصحاب هذا المذهب «تحصيل اللذة وتجنب الألم» ~~فهم يقولون: إن الإنسان في أعماله: من سعى لتحصيل الرزق، وتحصيل العلم، ومداواة مرض، ~~وأكل وشرب، وتأليف، ونوم، ورياضة، إنما يطلب أحد شيئين: إما تحصيل لذه، أو تجنب ألم، ~~ولا يمكن أن يخرج عمل يعمله عن هذين الغرضين. # واللذة هي مقياس العمل، فالعمل يقوم بحسب كمية اللذة التي ينتجها، فيقال: إن هذا ~~العمل خير وذاك شر لأن الأول ينتج من اللذة أكثر من الألم، والثاني ينتج ألما أكثر من ~~اللذة. # وليس مذهب السعادة يقول: ينبغي أن يطلب الإنسان السعادة (اللذة) فحسب، لأن ذلك من ~~طبيعة الإنسان، وكل الناس إنما يبحثون وراء اللذة، وكل عمل لا يخلو من لذة، وإنما يقول: ~~ينبغي أن يطلب أكبر سعادة، أو بعبارة أخرى أكبر لذة، فإذا خير بين جملة أعمال ينبغي أن ~~يطلب أكبرها لذة، والإنسان المفرط في شهواته لا يلام لأنه يطلب اللذة، فكلنا يطلب ذلك، ~~ولكن يلام لأن إفراطه في الشهوات يسبب من الآلام أكبر مما يسبب من اللذائذ، والذى كذب ~~إنما يلام لأنه حصل بكذبته لذة صغيرة وأنتج ألما كبيرا وهكذا. # وقال أصحاب هذا المذهب: إن اللذائذ يمكن أن تقارن، ويجب عند تفضيل لذة على لذة مراعاة ~~الشدة والمدة، وكذلك الألم، لأنه يعتبر لذة سالبة، فإذا سئلت عن عملين أيهما أفضل: بناء ~~مستشفى مثلا، أو التصدق على الفقراء بالمال؟ فاحسب حساب ما ينتج عن كل من اللذائذ، ومدة ~~هذه اللذائذ، فإذا كان الأول ينتج لذة بمقدار 80 مثلا في مدة عشر سنوات، والثاني ينتج ~~200 في مدة سنتين، كان العمل الأول هو الواجب، لأن لذته مع مراعاة مدتها أكثر ~~وهكذا. # ولكن إذا قلنا: إن السعادة هي الغاية ms019 الوحيدة للإنسان ولا شيء غيرها، وأنها هي ~~المقياس الذى نقيس به العمل لنعرف أخير هو أم شر، فسعادة من نريد؟ # هل ينبغي أن يطلب الإنسان أكبر سعادة لشخصه هو، فالعمل خير إذا كان يسبب للعامل نفسه ~~لذة أكبر من الألم، وشر إذا كان ينتج لنفسه ألما أكثر من اللذة؟ # أو ينبغي للإنسان أن يطلب اللذة للعالم الذى يعيش فيه، فالعمل خير إذا كان ينتج لذة ~~للناس أكبر مما ينتج من الألم - ولو كان ينتج للعامل نفسه ألما أكبر - وشر إذا كان ينتج ~~للناس ألما أكبر؟ هذان مذهبان للقائلين بالسعادة: ~~(أ) # مذهب السعادة الشخصية. ~~(ب) # مذهب السعادة العامة، ويسمى أيضا مذهب المنفعة. ~~(أ) مذهب السعادة الشخصية # 2 # هو المذهب القائل: إن الإنسان ينبغي أن يطلب أكبر لذة لشخصه، ويجب أن يوجه أعماله ~~للحصول عليها. # فعلى هذا المذهب إذا تردد إنسان بين عملين، أو تردد في عمل أيعمله أم يتركه، ~~فليحسب ما فيه من اللذائذ والآلام لشخصه ويوازن بينهما، فما رجحت لذائذه فخير، ~~وينبغي فعله، وما رجحت آلامه فشر وينبغي تركه، وما تساوت فيه اللذائذ والآلام كان ~~فيه مخيرا. # وقال أصحاب هذا المذهب: إن كل إنسان يجب أن يبحث وراء لذائذه هو وسعادته، ويعمل ~~ما يوصله إلى ذلك، والعمل الذي يوصل إلى تلك الغاية أو يقربه منها يكون ~~خيرا. # ومن أكبر زعماء هذا المذهب في العصور القديمة «أبيقور» # 3 # ويرى أن ليست تقاس الأعمال باللذات والآلام الوقتية فحسب، بل الواجب أن ~~يرمي الإنسان بنظره على جميع حياته، ويحسب ما يستتبعه العمل من لذة وألم في الحياة، ~~فشرب الدواء المر يسبب ألما ولكن لأنه قد يذهب ألما أكبر منه - وهو ألم المرض - ~~يكون خيرا، والعاقل ينبغي أن يرفض لذة حالة للحصول على لذة أكبر منها مؤجلة، ومن ~~أجل هذا فضل «أبيقور» اللذة العقلية على اللذة الجسمية، فإن اللذائذ الجسمية سريعة ~~الزوال لا تعد شيئا إذا قيست بتلك اللذة الباقية - لذة العقل وتحصيل العلم - التي ~~بها تطمئن النفس، ومنها يتخذ الإنسان عدة لحوادث الدهر، ms020 وصروف الزمان. # وقال: إن خير اللذائذ هدو البال وطمأنينة النفس، وأن سعادة الإنسان تعتمد على ~~حالته النفسية أكثر مما تعتمد على الظروف الخارجية، فليس المال الكثير والجاه ~~الكبير ونحو ذلك يعين على السعادة أكثر مما تعين صفات الإنسان الخلقية والعقلية، ~~ومع ذلك فقد قال «أبيقور»: إن اللذائذ الجسمية الطاهرة ليست محرمة، ولا مرذولة، ولا ~~ضرر على العاقل من أخذ حظه منها من غير إفراط. # وعلى هذا المذهب إنما كانت الفضائل فضائل لأنها تسبب للعامل لذة كبرى، فالعفة ~~مثلا فضيلة، والفجور رذيلة، لأنه لو دقق في حساب ما يجده العفيف من اللذة في رضائه ~~عن نفسه، وبعده عن الآلام التي ينتجها الفجور، واحترام الناس له، وثقتهم به، لوجد ~~أنه يرجح ما يجده الفاجر من لذة وقتية، يتبعها ألم النفس، وفقد الثقة، وتعريض الصحة ~~والمال والشرف للضياع، وهكذا القول في الصدق والكذب، والأمانة والخيانة. # وقد غلط بعض الناس ففهموا أن مذهب «أبيقور» يدعو إلى الإنهماك في اللذات الجسمية ~~والجرى وراء الشهوات، حتى أطلقوا كلمة «أبيقوري» على الفاجر المنهمك في شهواته، مع ~~أن تعاليم أبيقور بعيدة عن ذلك، وقد ندد هو نفسه في بعض كتبه بمن يفهم من قوله هذا ~~الفهم السقيم. ~~[وفي العصور الحديثة قال بهذا المذهب «هوبز» الفيلسوف الإنجليزي (1588-1679م) ~~وبنى مذهبه الأخلاقي على أبحاث نفسية، فكان يرى أن الإنسان مخلوق وفي طبيعته حبه ~~نفسه، والعمل لإسعادها، وأن أساس أعماله الأثرة، (حب الذات) وليس يعمل عملا إلا من ~~أجل نفسه، وليس حبه جاره أو صديقه إلا ضربا خفيا من ضروب حب النفس. نعم إنه قد يعمل ~~الخير لغيره، ولكن الباعث الحقيقي له على عمله هو حبه نفسه، وطلبه اللذة لها أو دفع ~~الألم عنها، وكل ما يسمى «إيثارا» أو نفعا للناس ليس - بعد الفحص الدقيق - إلا ~~نتيجة رغبة في منفعة شخصية يراد تحصيلها عاجلا أو آجلا، ومن أجل هذا قال: يجب أن ~~نساير طبيعة الإنسان فلا نكلفه ما ليس من طبعه، بل نأمره أن يأتي من الأعمال ما فيه ~~أكبر لذه ms021 له ويتجنب ما فيه أكبر ألم له]. # وعيب هذا المذهب (مذهب السعادة الشخصية) أنه يجعل صاحبه أثرا (أنانيا) لا ينظر في ~~أعماله إلا لنفسه، مات الناس أو عاشوا. انتفعوا أو تضرروا ، إذا رغب في وصول منفعة ~~للناس فإنما ذلك لأنها تجر المنفعة إليه، وإذا تألم من شر نال أحدا فإنما يكون لأن ~~جزءا من الشر يناله هو، وفي الناس في كل زمان قوم يسيرون في حياتهم العملية على هذا ~~المذهب وإن لم يسمعوا به ولم يعرفوا شيئا عنه، تراهم في كل طبقة من طبقات الناس، في ~~الأغنياء والصناع والعمال والموظفين والتجار، أولئك لا يلاحظون في أعمالهم إلا ~~أنفسهم، ينظرون إلى غيرهم من الناس كما ينظرون إلى متاع يستخدمونه لمصلحتهم، عندهم ~~الإنسانية والوطنية والتضحية ونحوها سخافات، إنما الفضيلة في نظرهم أن يبحثوا وراء ~~لذتهم وينشدوا مع الشاعر: # إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر # وقد رد كثير من العلماء على «هوبز» فقالوا: إن في الإنسان عاطفة حب الناس بجانب ~~عاطفة حبه النفس، وإن نفوسنا تهتز عطفا على الناس، ورحمة بالمنكوبين، وغضبا على ~~المجرمين، ويحن الوالدان على أولادهم حنينا قد يصل إلى حد أن يتمنوا أن يفدوهم ~~بأنفسهم، فليس من الصواب - إذن - أن يكون مقياس الأخلاق لذة العامل وحده، وأن ~~تكليفنا له بمراعاة الناس والعمل لخيرهم لا ينافي طبيعته. # وقد جاءت الأديان من نصرانية وإسلام فأوجبت التضحية عند الحاجة، وحببت إلى الناس ~~الإيثار والإحسان، فكان في انتشار هذه التعاليم ما عاق هذا المذهب عن الإنتشار، فإن ~~الشرف والتضحية والإيثار لا تتفق مع الأثرة وحب النفس. # وقد اعترض على مذهب السعادة الشخصية هذا بجملة اعتراضات: ~~(1) # إذا كانت اللذة الشخصية هي المقياس فمن الصعب إن لم يكن من المستحيل، ~~عد الإحسان فضيلة، مع إجماع الناس على عده كذلك. ~~(2) # هذا المذهب يستلزم احتقار من ضحوا بلذتهم وحياتهم لمنفعة الناس، ~~وتكريم من ضحى بسعادة الناس وحياتهم لمصلحته هو - ولا قائل بهذا ~~- ~~(ب) مذهب السعادة العامة # 4 # أو مذهب المنفعة # هذا المذهب يقول: إن ما ينبغي أن يطلبه ms022 الإنسان في الحياة ليس سعادته الشخصية، ~~وإنما ينبغي أن يطلب أكبر سعادة للناس، بل لكل حساس، ولتوضيح ذلك نقول: عندما نريد ~~الحكم على عمل بأنه خير أو شر يجب أن ننظر فيما ينتجه العمل من اللذائذ والآلام لا ~~للعامل نفسه - كما يقول المذهب الأول - بل لكل الناس، بل ولكل حيوان يتلذذ أو يتألم ~~من هذا العمل، ثم نجمع ما ينتجه العمل من اللذائذ وما ينتجه من الآلام، # 5 # فإن رجحت لذاته آلامه فخير وإن رجحت آلامه لذاته فشر، فإذا سئلت - مثلا ~~- هل يحسن أن تتعلم البنات مع البنين في مدارس واحدة أو لا، فاحسب حساب ما ينتجه ~~ذلك من الفوائد والمضار للأمة جميعها، وقارن بينهما، فما رجح فاحكم بمقتضاه، وإذا ~~سئلت هل من الحق أن تذبح الحيوان لتأكله فاحسب حساب ألم الحيوان من ذبحه، وتلذذ ~~الآكلين من أكله، وما يستفيده الآكلون صحيا، وما تستفيده الأمة من صحة أبنائها ~~وهكذا، وقارن بين اللذائذ والآلام، ثم احكم على العمل بأنه خير أو شر وهكذا. # وإذا خيرت بين جملة أعمال فاحسب حساب ما ينتج كل من اللذائذ والآلام، فأيها زاد ~~رجحان لذائذه على آلامه فهو الخير، وهو الذي ينبغي أن يعمل. # وسعادة الجميع يجب أن تكون مطمح نظر كل إنسان، لا سعادته هو وحده - والفضائل إنما ~~عدت فضائل لأنها تنتج للناس لذة أكثر من الآلام - فهي فضائل ولو آلمت بعض الأفراد، ~~بل ولو آلمت العامل نفسه، وكذلك كانت الرذائل رذائل لأن آلامها للناس ترجح لذائذها، ~~فهي رذائل ولو أفادت العامل نفسه. # فالصدق - مثلا - إنما كان فضيلة لأنه يزيد سعادة المجتمع وبه يرقى ويبقى، ذلك ~~لأننا محتاجون في الحياة إلى طبيب يرشدنا إلى ما فيه حفظ الصحة، وإلى مهندسين نعتمد ~~على أقوالهم في بناء الجسور ونحوها، وإلى كيمائي يبين لنا خواص الأجسام، وإلى مدرس ~~يثقف عقول المتعلمين بما ينفعهم، ولولا الصدق ما كان لنا أن نثق بأقوال هؤلاء ولا ~~ننتفع بآرائهم، فلما رأينا ما ينجم عنه من السعادة للمجتمع حكمنا بأنه فضيلة، ~~وأوجبنا على ms023 الأفراد أن يصدقوا، وإن كان في الصدق ألم لبعض الناس. # ورشوة القاضي - مثلا - إنما كانت رذيلة لأن القاضي إذا ارتشى أطلق سراح المجرم، ~~وهذا يشجعه هو وأمثاله على ارتكاب الجرائم، لاعتقاده أنه يستطيع الفرار من العقوبة ~~بالرشوة، وبذلك تكثر المظالم، ويضيع كثير من الحقوق. وفي هذا آلام كثيرة للمجتمع، ~~فحرمت وإن انتفع بها القاضي المرتشى. # وهكذا الشأن في جميع الأعمال، فإن أردت الحكم على عمل بأنه خير أو شر فابحث عما ~~يجلبه من اللذائذ والآلام للمجتمع، مع بعد النظر، ودقة البحث، وتجردك من الهوى ومن ~~تحيزك لنفسك، ثم وازن بين لذائذه وآلامه. # ووزن الأعمال بهذا الميزان بطيء، لأنه يتطلب حسابا دقيقا، ونظرا بعيدا، إلا أن ~~النتيجة موثوق بصحتها، على أن مما يسهل عملية الوزن والمقياس أن أصول الفضائل ~~والرذائل قد وزنت بهذا الميزان وحكم عليها بالخير أو الشر مثل الكرم فضيلة، والبخل ~~رذيلة، والصدق خير، والكذب شر، فإن أردنا أن نحكم على جزئية من جزئياتها فلنرجع إلى ~~أصل من تلك الأصول التي حكم عليها، كأن يكون العمل من قبيل الصدق أو الكذب، ولا ~~حاجة حينئذ إلى هذا المقياس، وإنما نحتاج إليه فيما لا يرجع إلى تلك الأصول، ~~كالعادات التي اختلف الناس في استحسانها واستقباحها، وكالمسائل التي لا ترجع إلى ~~هذه الأصول، فإن أداك بحثك الدقيق إلى أن آلام العمل أكثر من لذائذه فاحكم بشره وإن ~~حكم الناس عليه بالخير، وإن رأيت من الأعمال ما لا ضرر فيه أو ما آلامه أقل من ~~لذائذه فاحكم بأنه خير وإن عده الناس جريمة، ويسمى هذا المذهب «مذهب المنفعة» ومن ~~أكبر دعاته الفيلسوف الإنجليزي بنتام (1748-1832م) # 6 # وجون ستوارت ميل (1806-1873م). # 7 # واللذة التي يريدها أصحاب مذهب المنفعة تشمل اللذات الحسية والمعنوية، الجسمية ~~والعقلية، بل قد صرحوا بأن اللذات النفسية أفضل من اللذات الجسمية، وكلما رقى ~~الإنسان طمح إلى أشرف اللذات وأرقاها، فكما أن سعادة الإنسان تختلف عن سعادة ~~الحيوان كذلك تختلف سعادة العاقل عن سعادة الجاهل، واللذائذ الوضيعة سهلة المنال ~~ولذلك كان حصول ms024 الجاهل على لذاته أيسر: # وإذا كانت النفوس كبارا # تعبت في مرادها الأجسام # قالوا: والواجب ألا يبحث الإنسان عن أكبر لذة بل عن أشرف لذة، وعن خير أنواعها، ~~ولا يتيسر ذلك له إلا بأن يوسع فكره، وأن يكون عنده من حب الخير للناس ما عنده ~~لنفسه. # هذه هي خلاصة هذا المذهب، وقد وجهت إليه اعتراضات كثيرة أهمها: ~~(1) # أنا لو اتبعنا هذا المذهب وجب ألا نحكم على عمل بأنه خير أو شر إلا ~~بعد أن نحسب كل ما ينشأ عن العمل من لذة وألم لكل إنسان، ولكل كائن ~~حساس، وبعبارة أخرى نحسب حساب ما يناله الأقارب والأباعد من اللذائذ ~~والآلام، وما يناله الأحياء وأعقابهم وهكذا، وإذا كان كذلك فمن الصعب ~~الوقوف على نتائج العمل وحسابها، فقد نرى عملا ينفع أمتنا ويضر ~~الأجانب، وقد ينفع معاصرينا ويضر الأجيال المستقبلة، والأجيال ~~المستقبلة كثيرة العدد، من أجل هذا ونحوه يصعب الحساب ويدق البحث حتى ~~لا نستطيع أن نحكم على بعض الأعمال بأنها خير أو شر، فمثلا هل تنتفع ~~الأمة الآن بما عندها من مناجم إذا كان ذلك يضر أبناءها؟ وهل تستدين ~~الحكومة إذا خيف أن يكون الدين حملا ثقيلا على الخلف؟ كل ذلك من الصعب ~~تصفية حسابه على هذا المذهب. ~~(2) # إن هذا المذهب يدور حول اللذة والألم ويتخذ لذائذ الناس وآلامهم ~~مقياسا، ولكنا نرى أن اللذة والألم تختلف باختلاف الأشخاص، فقد يرى أحد ~~في عمل لذة كبيرة ويرى فيه آخر لذة أكبر أو أقل، فيترتب على ذلك اختلاف ~~الناس في الحكم بالخير أو الشر، كما يترتب عليه ارتباك في حساب مقدار ~~اللذة والألم، فمثلا قد يسمع جمع من الناس أصواتا موسيقية فيطرب منها ~~بعضهم طربا كبيرا بينا نجد بجانبهم من لم يأبه لها ولم ينفعل بها أي ~~انفعال، فكيف بعد ذلك نستطيع تقدير اللذائذ والآلام ونتخذها مقياسا ~~تقاس به الأعمال. ~~(3) # إن هذا المذهب يجعل الناس باردين لا ينظرون في الأعمال إلى جمالها ~~وشرفها، والباعث الشريف الذي بعث عليها، بل لا ينظرون إلا إلى لذاتها ~~وآلامها، ms025 فضلا عن أن القول بأن الحياة لا غاية لها إلا اللذة والآلم ~~يحط من شرف الإنسان، ولا يليق إلا بالعجماوات. # وقد أجاب أنصار هذا المذهب عن هذه الإعتراضات، وطال بين الباحثين فيها الجدال، ~~مما لا يتسع له هذا المقام. # ومع هذا فإنا نستطيع أن نذكر هنا أن هذا المذهب من أكثر المذاهب انتشارا في ~~العصور الحديثة، وهو أرقى من مذهب السعادة الشخصية، وكان له فضل كبير في إيقاظ ~~العقول، ومطالبتها أن تكون غير متحيزة في أحكامها، فقد طلب من الشخص أن ينظر إلى ~~لذائذ الناس كما ينظر إلى لذاته هو، وطالب المتشرعين ألا ينظروا عند تشريعهم إلى ~~طبقة خاصة وأفراد معينة، بل ينظروا إلى خير الناس كافة، فما يعد جرائم يعاقب عليها ~~القانون وما لا يعد إنما يلاحظ فيه لذائذ المجموع وآلامه، والعقوبات التي توضع ~~بإزاء الجريمة يجب أن يلاحظ فيها أنها تأتي بلذائذ للناس أكبر مما تسبب من الآلام ~~وهكذا. ~~(2) مذهب اللقانة # 8 ~~(البصيرة) # رأى قوم أن مذاهب السعادة أو مذاهب اللذة غير صحيحة، وأن اللذة وإن كانت أحيانا دليل ~~الخير فإنها في كثير من الأحيان باعث على الشر، فلا يصح - بعد - أن تكون غاية نطلبها ~~ونقيس الأعمال بها، وإنه لمن الضعة أن تسير الإنسان في الحياة اللذة فقط وألا يسير في ~~أعماله إلا طلبا للذة أو تجنبا لألم، وألا يبعثه على فعل الخير الا توقعه ما فيه من ~~لذة، وألا يجنبه الشر إلا حسبانه ما فيه من ألم. # وقالوا: إن الحق أننا نعرف الخير والشر من غير أن نقيسه باللذة والألم، وأننا نحكم ~~على الصدق والعدل والشجاعة بأنها خير وعلى أضدادها بأنها شر لا بالنظر إلى نتائجها وما ~~يتبعها من نفع وضر، ولكن لصفات ذاتية فيها، فالصدق خير في ذاته، والكذب شر في ذاته، من ~~غير أن نحسب حساب ما ينتج عنهما. # وأن في كل إنسان قوة غريزية باطنة، بها يميز بين الخير والشر بمجرد النظر، منحناها ~~كما منحنا العين لنبصر بها والأذن لنسمع بها، فكما نستطيع إذا ms026 نظرنا إلى شيء أن نقول: ~~إنه أبيض أو أسود (من غير تعليل) وأنه طويل أو قصير، وإذا سمعنا صوت موسيقى أن نقول: ~~إنه جميل أو قبيح، كذلك نستطيع إذا رأينا عملا من الأعمال أن نقول: إنه خير أو ~~شر. # وقد تختلف هذه القوة اختلافا قليلا باختلاف العصور والبيئات، ولكنها متأصلة في نفس كل ~~إنسان، فهو إذا نظر إلى شيء حصل عنده نوع من الإلهام يعرفه قيمته فيحكم عليه بأنه خير ~~أو شر، ومن أجل هذا اتفق أكثر الناس على عد الصدق والكرم والشجاعة والعدل فضائل، كما ~~اتفقوا على عد أضدادها رذائل، ألا ترى إلى الأطفال يحكمون على الكذب بأنه شر من غير ~~إعمال فكر، ويحتقرون السارق، ويعدون السرقة جريمة ولو لم يكن لهم من النظر البعيد ما ~~يرون به الآلام التي تحيق بالمجتمع من وراء الكذب أو السرقة، وكذلك القبائل التي لم ~~تأخذ بحظ من المدنية، وليس عندهم نظر دقيق يقيسون به ما ينتج من اللذائذ والآلام يكادون ~~يتفقون على الفضائل والرذائل. # هذه القوة التي في طبائعنا نسميها «اللقانة» ونسمي المذهب القائل بها «مذهب ~~اللقانة». # وقد تصاب هذه القوة بالمرض فترى الخير شرا والشر خيرا، كما تصاب العين فلا تدرك بعض ~~الألوان، أو تحكم على الواحد بأنه اثنان، وكما تصاب القوة العقلية فتحكم أحكاما خطأ ~~ولكن العين السليمة والعقل السليم يصححان هذا الخطأ كذلك اللقانة قد تخطئ ولكن اللقانة ~~السليمة تدرك هذا الخطأ وتصححه. # ويمتاز هذا المذهب عن مذهب السعادة بنوعيه بأنه: ~~(1) # يرى الفضائل فضائل في جميع الظروف، وفي كل زمان ومكان، وليس كونها فضيلة ~~تابعا لغاية إذا وصلت إليها كان خيرا وإن لم توصل كانت شرا. ~~(2) # إن الفضائل أمور بديهية ليست في حاجة إلى البرهنة على صحتها. ~~(3) # وأنها ليست محلا للشك، فمن المحال أن نرى يوما ما أن ضدها هو الخير وأنها ~~هي الشر. # وهذه القوة في طبيعة كل الأنواع البشرية، العالي منها والسافل، ولسنا نعني أنها على ~~درجة واحدة من الرقي، وإنما نعني أنها طبيعية في الناس جميعا ms027 كحاسة السمع والنظر، وإن ~~اختلفت قوة وضعفا، وأنها ككل ملكات الإنسان قابلة للترقية بالتربية. # وعلى الجملة فهذا المذهب يرى أن الإنسان يجب أن يكون أرقى من أن تسيره اللذة والألم، ~~وليس قانون الأخلاق وأوامره خاضعة لنتائج العمل، ولا لما فيه من اللذائذ والآلام، وإنما ~~ركب في أنفسنا ضمير يناجي الإنسان ويأمره بالخير وبالواجب، ثم إن هذا الخير أو الواجب ~~قد يثمر لذة وسعادة، وقد تسير الإنسان إلى حد ما رغبته في اللذة وفراره من الألم، ولكن ~~هذا الضمير لا يخضع لذلك، بل قد يتطلب أحيانا أن يضحي باللذة والسعادة والحياة نفسها ~~للواجب، والواجب واجب ولو منع لذة واستتبع ألما، والخير خير في ذاته مهما كلف من ~~المشاق، وإنه لحط من كرامة الإنسان أن يمسك دائما ميزانا يزن به كل عمل قبل أن يعمل ~~ليرى ما ينتجه من لذائذ وآلام، فإن هذا عمل التجار. أما الأخلاقي فيجب أن يكون أشرف من ~~ذلك، يصغى لصوت ضميره، ويسمع لما يوحى إليه من أوامر ونواه، وهذا هو ما يشرفه ويضعه في ~~أسمى مكان يليق به. # وممن ذهب هذا المذهب طائفة من الفلاسفة الأقدمين يسمون (الرواقيين) وهم أتباع زينون، ~~فيلسوف يوناني (342-270ق.م) كان يعلم أصحابه في رواق مزخرف في أثينا، ومن ثم سمي أصحابه ~~بالرواقيين ~~(Stoics) # وقد كان زينون معاصرا لأبيقور ~~ومعارضا له في تعاليمه. فبينا يرى أبيقور أن الغاية من الحياة هي الوصول إلى أكبر لذة ~~ممكنة للعامل، وأنه يجب إحياء الشهوة وإرواؤها، كان زينون يرى أنه يجب ضبط النفس وقمع ~~الشهوات وعمل الواجب للواجب. # كان هؤلاء الرواقيون يرون أن اللذة ليست هي الغاية للإنسان، ولا هي بالخير دائما، ~~وإنما الغاية نيل الفضيلة لأنها فضيلة. وطلبوا من الناس أن يكفوا عن اتباع الشهوات وأن ~~يمرنوا أنفسهم على تحمل الآلام في سبيل الفضيلة. # والرواقي لا يجعل أكبر همه أن يكون غنيا ولا متلذذا، إنما أكبر همه أن يعيش حكيما ~~فاضلا، في أى حال كان، في فقر أو غنى، وأن يستعمل ما حوله من الأشياء خير ms028 استعمال، ~~ومثلوا الناس في الدنيا بالممثلين على مراسح التمثيل، قالوا: إن منهم من يمثل الملك، ~~ومنهم من يمثل السائل الفقير، ولسنا نثنى على الأول لأنه مثل دور الملك ولسنا نعيب ~~الثاني لأنه مثل دور الفقير، إنما نثني على من أجاد دوره ملكا أو فقيرا ونعيب من لم يجد ~~ملكا أو فقيرا، كذلك الشأن في الحياة، فالإنسان يجب أن يمدح أو يذم لإجادته في عمله أو ~~عدمها، لا لمنصبه الذي يشغله وماله الذي يملكه. # وضرب أحد رؤساء هذا المذهب وهو «إبيكتيتس» (50-115م) مثلا لذلك من لاعبي الكرة، قال: ~~إنهم لا يلعبون للكرة نفسها ولا يهمهم ملكها ولا من ملكها، وإنما يمدح اللاعب لأنه يعرف ~~كيف يلعبها وكيف يجيد رميها، يريد بذلك أن الأشياء الخارجية لا قيمة لها في أنفسها، ~~وإنما يمدح الإنسان على حسن استعمالها لا على ملكها. # والغربيون الآن يطلقون «رواقي» على من اعتاد أن يقابل الأشياء بهدوء وطمأنينة على ~~الرغم مما يحيط بها من خطر وآلام. # ومن القائلين باللقانة في العصور الحديثة «كانت» # 9 # فقد كان يرى «أن عقل الإنسان هو أساس الأخلاق. وليس الإنسان في حاجة إلى أن ~~يتعلم أن العمل خير أو شر بواسطة الملاحظة أو التجربة، أو قياس ما ينتج عنه من لذائذ ~~وآلام، ولكن العقل بطبيعته يرينا الخير والشر، فإذا عرض أمامنا عمل ما فعقلنا يرشدنا إن ~~كان خيرا أو شرا من غير عمليات حسابية، والعقل يأمرنا دائما أن نعمل ما نحب أن الناس ~~يعملونه، فيأمرنا بالصدق لأننا نحب أن الناس يصدقون، وبتجنب الكذب لأننا نحب أن الناس ~~لا يكذبون. ويجب أن نخضع لصوت العقل وأن نجعل إرادتنا تنفذ ما يأمر به وما ينهى عنه، ~~وإذا جرينا على هذا المبدأ دائما ولو خالف ميولنا وشهواتنا فقد أدينا ما علينا من ~~الواجب وسرنا سيرا أخلاقيا». # وقد اعترض على هذا المذهب (اللقانة)، القائل بوجود غريزة في الإنسان يميز بها الخير ~~من الشر، كالحاسة التي يميز بها بين الألوان والأصوات: ~~(1) # بأن الناس يختلفون في الحكم على الأشياء اختلافا ms029 كبيرا حتى في البديهات، ~~ففي «سبارطة» كانت تعد السرقة عملا ممدوحا، ويعد القتل في «داهومي» واجبا ~~من الواجبات فكيف يقال بعد: إن الناس منحوا غريزة لإدراك الخير والشر؟ مع ~~أنا نراهم لا يختلفون هذا الإختلاف فيما يدرك بالحواس، فلا يقول قوم على ~~الأسود أبيض، ولا يقول آخرون: إن الاثنين أكبر من الأربعة. ~~(2) # وبأنا نشاهد أنا في كثير من الأعمال نتوقف عند الحكم عليها بأنها خير أو ~~شر، ونحس أننا نحتاج فيها إلى إمعان النظر واستعمال الروية، ولو كان الحكم ~~يرجع إلى حاسة فينا ما احتجنا إلى ذلك، كما لا نحتاج إلى إمعان النظر في ~~إدراك الأسود والأبيض والجميل والقبيح. ~~(3) نظرة عامة إلى هذه المذاهب # رأينا أن العلماء مختلفون فيما بينهم في معرفة المقياس الأخلاقي، وأن كل مذهب من ~~المذاهب لم يسلم من اعتراضات ترد عليه، ولم يخل كذلك من وجهة نظر صحيحة. # وإذا ألقينا عليها الآن نظرة عامة رأينا أن من الخطأ الواضح الجري على مذهب السعادة ~~الشخصية، لأن الإنسان لا يعيش وحده في هذا العالم، وهو مضطر في معيشته إلى التعاون مع ~~أبناء جنسه، فليس من الحق إذن أن يبحث فقط وراء سعادته هو، فضلا عن أنا إذا رجعنا إلى ~~الطبيعة الإنسانية رأيناها تدعو إلى عمل الخير للناس كما تدعو لعمل الخير لنفسه، فكثير ~~مما يعمله الآباء والأمهات لأولادهم لا يعملونها لأنفسهم، بل هم قد يبذلون أنفسهم لخير ~~أولادهم، وكأعمال الخيرين الذين يقصدون إلى إيصال الخير إلى الناس مهما نالهم من الأذى، ~~بل نحن في أعمالنا اليومية نشعر بميل إلى إغاثة الملهوف، وإنقاذ المشرف على الخطر، ~~ومساعدة المنكوبين ونحو ذلك ولو لم يعد علينا من ذلك منفعة خاصة، مما يدل على تأصل ~~عاطفة الخير فينا، وحب الناس، وأن ليس شخصنا هو المحور الوحيد الذي تدور عليه ~~الأخلاق. # وقد جاءت الأديان المختلفة لمحاربة «الأثرة» والتفاني في حب النفس، وحببت إلى الناس ~~«الإيثار» والعمل لخير الناس، ووضعت المبادئ العامة لذلك نحو: «عامل الناس بما تحب أن ~~يعاملوك به» و«أحب لأخيك ما ms030 تحب لنفسك» ومدح الله قوما بقوله تعالى: # ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم ~~خصاصة ~~، نعم إن الطبيعة ركبت فينا حب ذاتنا ولكنها ركبت فينا أيضا حب ~~غيرنا، وجعلت في استطاعتنا ألا نغلو في ذلك، وأن نحب الخير لنفسنا وللناس، ومن شاء أن ~~يكون عظيما فليحب الخير أكثر مما يحب نفسه ويتبعه حيث كان. # ويقول «سبنسر»: إن الواجب ألا نبالغ في الأثرة ولا في الإيثار، لأنا إذا بالغنا في ~~أيهما أضعنا المقصود منه، فلو أن كل إنسان يبحث عن لذة نفسه فقط لكان ذلك شر طريق لحصول ~~الإنسان على لذائذه الشخصية، لاحتياج كل إنسان إلى الآخرين، فلو قصر كل إنسان في جمعية ~~نظره على نفسه لتضرر الجميع، وكذلك الإيثار، فلو قصد كل إنسان بكل عمل نفع الآخرين ~~وأهمل نفسه لم يكن ذلك في مصلحة الناس، لأنه باهمال نفسه يضعف ويقعد عن عمل الخير ~~للناس، وليس يستطيع غيره أن يقوم بمصالحه هو، لأنه أدرى بها - والنتيجة التي وصل إليها ~~«سبنسر» أنه يجب أن نوفق بين الأثرة والإيثار، وكلما رقيت أمة مالت لديها الأثرة ~~والإيثار إلى الإتحاد وتكوين عنصر واحد - فالإنسان في الجمعية الراقية لا تتعارض في ~~نفسه الأثرة والإيثار، بل يرى خيره في حبه للناس ويرى نفسه عضوا من جسم، فائدة العضو ~~تفيد الجسم وفائدة الجسم تفيد العضو. ~~- إذن - لا يصح أن نتبع المذهب القائل: بأن المقياس سعادة الشخص. كذلك لا نرى من الحق ~~اتباع مذهب السعادة العامة وإن كان أرقى مما قبله وأشرف، لأن هذا المذهب يجعل الناس لا ~~يحكمون على عمل إلا بعد حساب لذائذه وآلامه، فهو يجعل الحكم الأخلاقي عملية حسابية، ~~والفضيلة ليست فضيلة في ذاتها، وإنما هي فضيلة لأنها تنتج لذة أكبر، وهذا يفقدها ما ~~فيها من جمال وتقديس، واتباع هذا المذهب يجعل الناس جامدين ليس لديهم الشعور القوى نحو ~~الفضيلة، إنما ينظرون إلى النتائج الجافة للأعمال، فضلا عن أنه يترك تقدير ما ينتج عن ~~العمل من اللذائذ والآلام إلى الشخص نفسه، والشخص عرضة لأن يخطئ في الحساب، ms031 خصوصا وهذا ~~المذهب يتطلب بعد النظر وحساب النتائج القريبة والبعيدة معا، وكثيرا ما يخدع الإنسان ~~نفسه في حساب اللذائذ والآلام إذا رأى في العمل مصلحته الشخصية، فيوهم نفسه أن في العمل ~~منفعة عامة، وبذلك يتعرض لخطأ شنيع. # ونحن أميل إلى نوع من أنواع اللقانة، وهو أن الإنسان خلق وفي أعماق نفسه قوة تريه بعض ~~الأعمال خيرا وأخرى شرا، لا بالنظر إلى ما ينتج عنها من لذائذ وآلام ولكن لأنها نفسها ~~كذلك، فهو يحس بطبعه بفضيلة ورذيلة، ويشعر أنه مأمور من نفسه بأن يعمل الفضيلة ويتجنب ~~الرذيلة، وهو مكلف أن يطيع هذا الأمر مهما كانت نتائجه، وأن يضحى لذلك بكل اللذائذ التي ~~يتوقعها، فهو يرى الصدق فضيلة، وشعوره أو عقله يريه ذلك كما تريه عينه الأسود أسود ~~والأبيض أبيض، وكما أنا لا نحكم على الأسود بأنه أسود نظرا لنتائجه فكذلك لا نحكم على ~~الصدق بأنه خير لنتائجه، ولكن لأن نفسي تريني أنه فضيلة وأني ملزم بالعمل على وفقه، ~~وإذا كذبت شكلت لي محكمة في باطن نفسي تحكم علي بالإساءة، وتوقع علي عقوبة التأنيب، تلك ~~طبيعتنا التي خلقنا عليها. # والقانون الأخلاقي الذي يرينا الخير والشر ويأمرنا وينهانا جزء من طبيعتنا، وهو - وإن ~~اختلف عند الناس حسب بيئتهم وتربيتهم فأساسه موجود فيهم، في المتوحش والمتمدين، وفي ~~الراقي وغير الراقي - ففي باطن الإنسان شعور بالواجب، وأمر بعمله، وعقوبة على مخالفته، ~~ومكافأة على طاعته، وكل إنسان يشعر بذلك من غير أن ينتظر حساب ما في العمل من لذائذ ~~وآلام، وأمعن الناس في الإجرام وأشدهم قسوة يضطرب إذا أجرم، لا خوفا من العقاب فقط ولكن ~~لأنه خالف أيضا قانون الأخلاق، وكل إنسان مسئول أمام ضميره عن إطاعة هذا القانون ~~الأخلاقي، ومسئول كذلك أمام الله، فقد ربط الله الثواب والعقاب بهذا القانون، وجعل ~~الجنة جزاء العدل والصدق والشجاعة ونحوها من الفضائل، كما جعل النار عقابا لأضدادها من ~~ظلم وكذب وجبن، وأن هذا القانون الأخلاقي الذي في نفوس الناس هو الرابطة بينهم جميعا، ~~على أساسه يمدحون ويذمون، ويكافئون ms032 ويعاقبون. # فنحن ندرك الخير والشر بطبعنا، ونحس الواجب، ويكلفنا ضميرنا أن نعمله من غير نظر إلى ~~اللذائذ والآلام، بل يأمرنا أحيانا أن نضحي باللذائذ والسعادة للخير والواجب. # هذا المذهب هو الذي يليق بشرف الإنسان ومنزلته في العالم، فليس هو بهيمة يبحث عن لذته ~~أو لذة غيره، إنما هو مخلوق راق يبحث عن الفضيلة حيث كانت، ويأمره ضميره بالعمل بها، ~~وليس يعوقه عن الوصول إلى الدرجة الرفيعة الخلقية إلا تغاليه في حب ذاته، وإغضاؤه عن ~~صوت الضمير إرضاء لشهواته، والمثل الأعلى إنسان يحب الخير للخير، ويتطلب الفضيلة لأنها ~~فضيلة، ويؤدي الواجب لأنه واجب، ويسمع صوت ضميره في أداء ذلك دائما، يجعل ذلك مبدأه في ~~حياته، وقانونه الذي يسير عليه أبدا. # الفصل الخامس # | الخير والشر # ما معنى الخير والشر؟ متى أسمي العمل خيرا ومتى أسميه شرا؟ ما هو الخير الأخير الذي نقصد ~~إليه من أعمالنا؟ وبعبارة أخرى ما غاية الغايات التي ينبغي أن أسعى للوصول إليها؟ إننا نقصد ~~في حياتنا إلى أشياء كثيرة من مال أو جاه أو صحة أو منصب أو نحو ذلك فلم نقصد إليها؟ وهل هي ~~مقصودة لنفسها أو لشيء وراءها يعد هو الأساس؟ وإذا كان كذلك فما هو هذا الأساس الذي نسميه ~~الخير الأخير أو غاية الغايات؟ هذا هو موضوع بحثنا في هذا الفصل. # وإنه لمن السهل استنتاج الأجوبة على هذه الأسئلة مما قرأناه في الفصل السابق، فإن كل مذهب ~~من المذاهب الثلاثة الماضية يجيب بأجوبة تخالف ما يجيب به الآخر، تبعا لمسلكهم الذى سلكوه ~~في مقياس الخير والشر. # فالمذهبان الأولان «مذهب السعادة الشخصية ومذهب السعادة العامة» قالا: ليس هناك عمل خير ~~في ذاته، ولا شر في ذاته، وإنما العمل يحكم عليه بأنه خير أو شر تبعا لنتائجه، فالعمل الذي ~~ترجح لذائذه آلامه خير، والذى ترجح آلامه لذائذه شر، والذى تتساوى لذائذه وآلامه لا خير ولا ~~شر، فإذا سئلت عن عمل أخير هو أم شر حسبت نتائجه لأصدر حكمي عليه، والعمل في ذاته ليس خيرا ~~ولا شرا، بل ms033 العمل الواحد قد يحكم عليه في بعض الأحيان بأنه خير، ويحكم عليه في أحيان أخرى ~~بأنه شر، وذلك لما يحيط به من ظروف تجعله ينتج لذائذ أكثر من الآلام أحيانا، وآلاما أكثر من ~~اللذائذ أحيانا، ويجب على الإنسان إذا خير بين أعمال أن يختار خيرها، وخير الأعمال ما أنتج ~~أكبر لذة وأقل ألم. # يتفق المذهبان الأولان في هذا القول وإن اختلفا في التفصيل، فالأول يرى أنه عند الحكم ~~بالخير والشر لا ننظر إلا إلى العامل، والثاني ينظر إلى العالم أجمع كما سبق تفصيله. # والغاية الأخيرة التي يقصد إليها المذهبان هي «السعادة» فكل عمل قرب منها كان خيرا، وكل ~~عمل أبعد عنها كان شرا، والمذهب الأول يقصد إلى سعادة العامل، ويعد ذلك هو الغاية الأخيرة ~~للحياة، وهو مذهب ظاهر البطلان كما قدمنا. # أما مذهب السعادة العامة فيرى أن الغاية الأخيرة التي ينبغي أن يسعى إليها الإنسان هي ~~تحقيق السعادة للناس، وأن العمل خير كلما قرب من إسعاد الناس، وشر كلما أبعد من ذلك، وأن ~~الإنسان الخير هو من راض نفسه على العمل لخير الناس، وربط منفعته الشخصية بمنفعتهم، وتألم ~~من الأذى يصيبهم كما يتألم من الأذى يصيب نفسه، ويحب لهم من الخير ما يحب لنفسه. # أما مذهب «اللقانة» فيرى أن هناك أشياء هي خير في ذاتها، وهي التي اصطلحنا على تسميتها ~~فضائل، من صدق وعدل وشجاعة وعفة ونحوها، وهناك أشياء شر في ذاتها وهي التي تسمى الرذائل من ~~ظلم وكذب وجبن ونحوها، ولسنا نحكم على هذه الأعمال بأنها خير أو شر تبعا لنتائجها، ولا في ~~بعض الأحوال دون بعض، وإنما نحكم عليها حكما عاما مطلقا مهما كانت نتائجها، فالصدق والعدل ~~والعفة خير دائما سواء أنتجت لذة أو ألما، والكذب والظلم والشره شر دائما سواء أنتجت لذة أو ~~ألما، والإنسان الخير من وجه إرادته للعمل حسب ما تهديه نفسه للخير، والغاية الأخيرة التي ~~ينبغي أن يسعى إليها هي أن يكون فاضلا، يتبع الفضيلة حيث كانت، ويلزم نفسه بالعمل على وفقها ~~ولو تحمل ms034 في سبيل ذلك الآلام الجسام، وليست الغاية هي السعادة كما يقول المذهبان السابقان، ~~ولكن الغاية أداء الواجب، والتمسك بالفضيلة، وإن ضحى لذلك باللذة والسعادة بل وبالحياة إذا ~~دعت الحال، وليس للسعادة قيمة إذا قيست بالواجب، واللائق بشرف الإنسان أن يسمع لوحي الضمير ~~من غير أن ينتظر حساب اللذائذ والآلام، وأن يفعل الواجب للواجب لا لشيء وراءه. # الفصل السادس # | علاقة الفرد بالمجتمع # نرى الإنسان يصيب عضوا من أعضائه مرض فيتألم له سائر الجسد، ولا يقتصر الألم على العضو ~~المريض، وقد ينتهي ذلك بالموت، فتسلب الأعضاء كلها ما فيها من حياة، فأعضاء الجسم كلها ~~متضامنة، يتأثر سائرها بما يصيب أحدها، وقد حكوا أن معدة الإنسان قالت مرة: إني أهضم الغذاء ~~كله، وأتعب في ذلك، ولا يصيبني منه إلا القليل، وقال القلب: إني أوزع الدم على سائر الجسد، ~~ولا ينالني منه إلا قطرات، وقالت الرجل: إني أسعى في الأرض شرقا وغربا لكسب القوت، مع أن ~~حظي من ذلك العناء قليل، وهكذا، فأضربت الأعضاء عن العمل، فبعد مدة أحست المعدة بألم الجوع، ~~وأحس القلب بالضعف، وأدرك كل عضو أن خيره في أن يعمل له ولغيره، فعادت جميعها إلى ~~العمل. # على العكس من ذلك نرى المجموعة من الحجارة لا رابطة بين أفرادها، ولا يحس سائر الحجارة ما ~~يقع على حجر منها، فلو أنا أخذنا أحدها وحطمناه لم يتعد ذلك الأثر غيره. # فما كان من الصنف الأول فهو (جسم عضوي) كالإنسان والحيوان والنبات، وما كان من الصنف ~~الثاني - ككل مجموعة من أحجار وأخشاب ونحوها - سمي (جسما غير عضوي). # فمن أى الصنفين الجمعية من الناس، كالأسرة والحزب والأمة؟ # إنا بقليل من النظر نرى أنها (جسم عضوي)، ولنأخذ مجتمعا صغيرا نحلله تحليلا دقيقا لنبين ~~منه كيف يعتمد المجموع على أجزائه والأجزاء على المجموع، ونتدرج في النظر من المجتمع الصغير ~~إلى المجتمع الكبير. # فأصغر المجتمعات الأسرة، وهي تتكون عادة من أب وأم وأولاد وأقرب الناس إليهم، وفيها يعتمد ~~كل فرد على الباقين، الكل يخدم الفرد، والفرد يخدم الكل، فاعتماد ms035 الأولاد على الآباء في ~~مأكلهم وملبسهم ومسكنهم ونظافتهم وغير ذلك واضح جلي، أما الآباء فقد يعتمدون على أولادهم ~~إذا كبروا ومست الحاجة، ولكن أهم من هذا وأكبر قيمة في نظرهم ما يشعر به الآباء من السعادة ~~بما يرون من حب أبنائهم لهم، وحنانهم إليهم، وأن كلمة شكر صادرة من قلب أو عملا يدل على ~~الاعتراف بالجميل من الابن لأبيه أو أمه ليدخل على قلبهما من السرور ما لا يقدر. # وانظر إلى علاقة الأولاد أنفسهم بعضهم مع بعض تر أن كل طفل في الأسرة يؤثر في الباقين ~~ويتأثر بهم، ولو عاش الإنسان من مبدئه عيشة عزلة وانفراد لنشأ كالحيوان الأعجم، فكل طفل ~~يتعلم من إخوانه وأخواته المشاركة في العواطف، فيشاركهم في فرحهم، ويشعر بالحزن لحزنهم، ~~ويتعلم درس الأخذ والعطاء، فيعرف أنه يجب أن يعطي كما يأخذ، وأن يتنازل عن بعض ما يحب، ~~ويتعلم تبادل المعونة مع الآخرين. # وفي الأسرة يتجلى ما قدمناه عن مميزات الجسم العضوي من أن الضرر الذي يصيب عضوا يتأثر به ~~سائر الأعضاء، فالولد سيئ الخلق يحرم الأسرة كلها سعادتها، والأب السكير أو المقامر يؤثر ~~سلوكه في معيشة أسرته فيضايقها بما يصرف من مال، وما يتبع سكره أو لعبه من إهمال لشؤون ~~بيته، والأم الجاهلة يؤثر جهلها في حال الأسرة، فكم من ولد أصابته آفة، أو شوهت خلقته عاهة ~~أو أدركه الموت من جراء جهل أمه، وهكذا. # كذلك الشأن في الجمعيات التي هي أكبر من الأسرة كالمدرسة، فطلبة المدرسة ومدرسوها ~~وخريجوها جسم عضوى، يستطيع كل فرد منهم بعمله الشخصي أن يرفع من شأن المدرسة، أو يحط من ~~قدرها، والصورة التي في أذهان الناس وقيمتها عندهم نتيجة سيرة طلبتها. # والحزب من الأحزاب يأتي فرد من أفراده عملا مجيدا فيمجد الحزب ويعلي مقامه، وكذا العكس، ~~وقيمة الحزب أو المدرسة حاصل جمع ما يأتي به الأفراد من الأعمال. # والأمة أسرة كبيرة، فهي جسم عضوى تتحد في اللغة والدين غالبا، يحكمها قانون واحد، ويشترك ~~أفرادها في المنافع والمضار، كالأمة المصرية، يفيض نيلها ms036 باعتدال فينتفع بذلك كل المصريين، ~~وتحسن زراعة القطن فيها سنة وترتفع أثمانه فيكون القطر كله في رخاء، تاجر يبيع للفلاح ما ~~يحتاجه ومؤجرون يسهل عليهم تحصيل إجارتهم، وحكومة تحصل الخراج من غير عناء، وتتيسر ~~المعاملات بين الناس، فالملاك بقبضهم أجور أملاكهم يعمرون ويبنون، فينتفع البناءون ~~والنجارون ومنهم ينتفع غيرهم وهكذا. # وأوضح المثل لاشتراك الأمة في المنافع والمضار المثل الجغرافية، فخزان أسوان - مثلا - ~~بقعة من بقاع القطر المصري؛ يؤثر في سعادة مصر جميعها، فيصرف المياه بقدر حسب الحاجة إليها، ~~ولو تهدم ولم يؤد عمله لتضرر القطر المصري جميعه لا أسوان وحدها. # والمدارس العليا في القاهرة لم تنشأ لمنفعة القاهرة فحسب، بل أنشئت لمصلحة مصر كلها، ~~يتعلم فيها أبناؤها من مختلف الأنحاء. # بل تأمل في كل طائفة من طوائف العمال كعمال السكك الحديدية وعجلات النقل ترى أن أعمالهم ~~مرتبطة ارتباطا وثيقا بأعمال غيرهم، واعتبر ذلك في أوقات اعتصابهم، كيف يعطل كثير من ~~الأعمال، ويتأذى كثير من الناس. # وعلى مثال ما قدمنا يمكن القول بأن الأمة كلها يلحقها ضرر بليغ من وجود عدد كبير من ~~أفرادها يشتغلون في معامل غير صحية، ويسكنون في أزقة قذرة، لا يصل إليها هواء نقي، ولا تطهر ~~مساكنها أشعة الشمس، فتضعف صحتهم، وتقصر آجالهم، ويكثر العجز فيهم، فلا يستطيعون أداء ~~أعمالهم حق أداء، ويصبح كثير منهم عالة على الأمة، يأكلون من عمل غيرهم، فهم عضو مريض عاجز ~~في جسم حي، وكذلك الشأن في الأمة إذا كثر فيها عدد الجاهلين أو السكيرين، ومحال أن يكون جسم ~~الأمة صحيحا وفيها يكثر المقامرون أو المدمنون. # وكما أن كل عضو في الجسم ينفع سائر الأعضاء وينتفع منها، ويضر سائر الأعضاء ويتضرر منها، ~~كذلك الحال في جسم الأمة، فالمتعلمون مثلا ينتفعون من الأمة بمالها وسعيها لتنتفع الأمة ~~منهم بعد بعلمهم وعملهم، وهكذا كل طائفة من طوائف العمال، فالمعلمون والنجارون والمزارعون ~~والتجار وغيرهم أعضاء يكونون جسم الأمة، وكل فرد عضو في أمته، يؤثر فيها أثرا صالحا أو ~~سيئا، فالمدرس الصالح يبث في روح تلاميذه ms037 أخلاقا صالحة، ويجعلهم أقرب إلى الخير، وغيرهم ~~يقتدى بهم، والقاضي العادل يعدل بين الناس فيأمنون على حقوقهم، ويثق ذو الحق بأنه سيصل إلى ~~حقه ويخاف المجرم من عقوبة الإجرام فيبتعد عنه، ويجد العامل في عمله لأنه يعلم أن نتيجة ~~سعيه له، وأنه إن اغتصب حقه فالقضاء كفيل برده إليه، وعلى العكس من ذلك القاضي ~~المرتشي. # ولا يخلو إنسان من أثر في الأمة وإن لم تره عيوننا، كالشعرة لها ظل وإن لم تدركه أبصارنا، ~~فإذا ضم إليها شعرات كان الظل جليا واضحا، وهذا الأثر يختلف تبعا لاختلاف درجات الناس في ~~الصلاح والفساد، ومقياس رقي الأمة وانحطاطها مجموع عمل أفرادها. # بل قد تجلى للباحثين في الأيام الأخيرة أن الناس كلهم على اختلاف أجناسهم وألوانهم ~~ولغاتهم ودينهم جسم عضوى واحد، فكل أمة تؤثر في الأمم الأخرى وتتأثر بها في صنائعها وعلومها ~~وأخلاقها، فليست أمة من الأمم غنية بمعادنها وصنائعها وعلومها عما حولها، بل ترى أن الله قد ~~قسم الخيرات على العالم، فأمة غنية بالحبوب ولكنها في حاجة إلى المعادن، وأخرى على العكس ~~منها وهكذا، وكل ينفع وينتفع. # الناس للناس من بدو وحاضرة # بعض لبعض - وإن لم يشعروا - خدم # اعتبر ذلك في أيام الحرب العظمى تر أن كل أمة - محايدة كانت أو محاربة - قد أصابها الضنك ~~بسبب حاجتها إلى أشياء كانت تجلبها من الأمم الأخرى، فأصبح نيلها عسيرا. # وقد جرت هذه الحقيقة - أعني اعتبار الجنس البشري جميعه جسما واحدا وكل أمة عضوا من أعضائه ~~- بعض الباحثين إلى النظر في الحروب التي تقع بين الأمم، وذهبوا إلى أنها ليست بسائغة، كما ~~لا يسوغ أن يعمل عضو في جسم على إضعاف عضو آخر، وتمنوا أن لو زال مثار الخلاف بين الأمم حتى ~~لا يكون مساغ للحرب، واقترحوا لذلك إنشاء محكمة تحكم بين الأمم، كما تحكم المحاكم بين ~~الأفراد المتنازعين، وهذه هي المسماة «بعصبة الأمم» وقال هؤلاء: إن الخلاف الطبيعي بين ~~الأمم في الأخلاق والعادات لا يحيل إمكان التآلف بينها، كما أن الاختلاف بين أفراد الأسرة ~~بالذكورة ms038 والأنوثة والشدة واللين، لم يمنع من توحدها واعتبارها جسما واحدا، ولكنهم مع هذا ~~دعوا إلى «الوطنية» والمحافظة على «القومية» ما دامت الأمم الأخرى تدعو إليها، لأن انعدام ~~«الوطنية» في أمة مع بقائها في الأمم الأخرى مؤذنة بزوال تلك الأمة. # وقد تقدم الناس في فهم هذه «الأخوية العامة» فاشتدت الرابطة بين الأمم، وكثر انتفاع بعضها ~~ببعض، فامتدت السكك الحديدية بين أمة وأخرى، وكثر انتفاع بعضها ببعض، فامتدت السكك الحديدية ~~بين أمة وأخرى، وعبرت البواخر البحار، فارتبطت الأمم برا وبحرا، وعقدت محالفات كثيرة بين ~~الأمم المختلفة لمصلحة الناس، كالإتفاق العام على البريد والتلغراف والسكك الحديدية، ومن ~~الأدلة على ذلك ما نراه من ميل كثير من الناس إلى توحيد المقاييس والموازين في العالم ~~جميعه، وعقد مؤتمرات عامة تمثل فيها الأمم المختلفة للبحث في شؤون شتى علمية وصحية، إلى ~~كثير من أمثال ذلك. # هذا هو شأن المجتمعات والأفراد، وكل فرد فيها عضو من أعضائها، ولا يخلو إنسان من ارتباطه ~~بمجتمعات كثيرة، فكل إنسان عضو في أسرة، وفي مدينة، أو قرية، وفي أمة، وفي العالم ~~بأسره. # ومن المجتمع يستمد الفرد كل شيء من مأكل وملبس ومسكن وعلم وخلق، ولو جرد الإنسان من كل شيء ~~ناله من المجتمع ما بقي له شيء، فجسمه وعقله وخلقه منحة من منح المجتمع. # وكما أن العضو إذا انفصل من الجسم مات ولم تعد له حياة كاليد تفارق الجسم، والورقة تفارق ~~الشجرة، فكذلك الإنسان إذا انفصل من مجتمعه أدركه الفناء، ولم تكن له قيمة، لأن أعمال ~~الإنسان وأغراضه وعاداته لا تقوم إلا بالنظر إلى المجتمع، فليس الصدق خيرا ولا الكذب شرا ~~إلا لإنسان يعيش في مجتمع، ولولا ذلك لم يكن أحدهما خيرا والآخر شرا. # الفصل السابع # | الحقوق والواجبات # (1) معنى الحق والواجب # ما للإنسان يسمى «حقا»، وما عليه يسمى «واجبا»، فإذا كان لي مائة جنيه على آخر يقال: ~~إن لي حقا أن آخذ منه مائة جنيه، وواجب عليه أن يدفع لي هذا المبلغ. # والحق والواجب متلازمان، فمتى كان لشخص حق كان هناك ms039 واجب، بل الواقع أن كل حق يستلزم ~~واجبين: واجبا على الناس أن يحترموا حق ذى الحق ولا يتعرضوا له أثناء فعله، وواجبا على ~~ذى الحق نفسه، وهو أن يستعمل حقه في خيره وخير الناس، فمثلا إذا كان لي بيت فهو حق لي، ~~وذلك يستلزم واجبين: واجبا على الناس ألا يتعدوا على هذا البيت بضرر، وأن يحترموا حقي ~~في ملكيته وواجبا علي وهو أن أستعمل البيت في خيري وخير الناس، فإذا أشعلت فيه نارا ~~أريد إحراقه أو آذيت الناس بايجاره لعمل مقلق للراحة لم أكن أديت ما وجب علي، ~~وهكذا. # ولكن جهة التنفيذ في الواجبين ليست واحدة - فالذي ينفذ الواجب الأول هو القانون ~~الوضعي - غالبا - فإذا تعدى أحد على بيتي فغصبه متى كان القانون الوضعي هو الذى يحمينى، ~~فأستطيع أن أرفع الأمر إلى المحاكم، والقاضي يلزمه بمراعاة حقي وينفذ ما يجب عليه، أما ~~الواجب الثاني - وهو الواجب علي في استعمال حقي على أحسن وجه - فليس الذى ينفذه هو ~~القانون الوضعي - غالبا - وإنما يأمر به القانون الأخلاقي، ويترك تنفيذه إلى ذى الحق ~~نفسه، وإلى الرأي العام، فلو أني هدمت بيتي وهو عامر، أو أتلفت هندسته، أو تركته مهجورا ~~لا أسكنه ولا أسكنه لم يتدخل القانون الوضعي في ذلك، وإنما يتدخل القانون الأخلاقي، ~~فيأمرني أن أعمل الواجب علي من استعمال بيتي لخيري وخير الناس، ويلومني إذا لم أتبع ~~ذلك، وكذلك يلومني الرأي العام، فإذا قال القانون الوضعي: «لكل مالك أن يتصرف في ملكه ~~كيف يشاء» فإن الأخلاق تقول: «ليس للمالك أن يتصرف في ملكه إلا بما فيه الخير له ~~وللناس». ~~(2) أساس الحق والواجب # لم كان لي حقوق وعلي واجبات؟ يقولون مثلا: إن لي حقا في أن أتعلم، وحقا في أن أكون ~~حرا، وأن علي واجبا أن أرعى حقوق الناس، وأن أؤدى ما علي من الواجبات، فما الذي رتب هذه ~~الحقوق وهذه الواجبات؟ وهلا يمكن الناس أن يعيشوا من غير حقوق وواجبات؟ # أساس الحقوق والواجبات هو المعيشة الاجتماعية، فالإتصال الوثيق بين الفرد ومجتمعه ~~الذى ms040 شرحناه في الفصل السابق هو أساس فكرة الحق والواجب، فلو أن الفرد يعيش وحده ما كان ~~هناك معنى لحق ولا واجب، بل كان له أن يفعل ما يشاء بلا قيد ولا شرط، ولكنه لما كان ~~عضوا في مجتمع، وكان المجتمع ككل جسم حي لا بد من أعمال للمحافظة عليه، وإذا لم تعمل ~~تعرض المجتمع للخطر والفناء أو التدهور نشأت من ذلك فكرة الحق والواجب، فالأشياء ~~الضرورية لبقاء المجتمع كالمحافظة على الأرواح والأموال سميناها حقوقا للأفراد في ~~المرتبة الأولى وأوجبنا على كل فرد أن يحترمها، وأوقعنا العقوبات الشديدة على من ينتهك ~~حرمتها، صونا للمجتمع من الفناء، والأشياء التي هي سبب في رفاهية المجتمع وكماله ~~كالتعليم جعلناها حقوقا في المرتبة الثانية وأوجبناها وجوبا أقل من المسائل ~~الأولى. # ولنذكر الآن بعض تلك الحقوق وما يجب بإزائها. ~~(2-1) حق الحياة # لكل إنسان الحق أن يحيا، ولكن لما كانت معيشة الإنسان معيشة اجتماعية وكانت ~~الحقوق التي له مستفادة من قبل المجتمع كان عدلا أن يضحي الفرد بحياته لحفظ حياة ~~المجتمع إذا اقتضى الحال ذلك، كما إذا هوجمت الأمة من أمة أخرى قصد الإستيلاء عليها ~~فتجند من أبنائها من يدافع عنها، وهذه أحوال نادرة، أما فيما عداها فحق الحياة حق ~~مقدس لا يسمح به لأي شيء آخر. # وهذا الحق مع وضوحه قد جهلته بعض الأمم في بداوتها، فبعض قبائل العرب في جاهليتها ~~كانت تئد البنات خوفا من العار، وتئد الأولاد خشية الفقر، وكثير من الأمم كانت تقتل ~~أسرى الحرب متى ظفرت بهم - وفي بعض الأمم الآخذة بحظ وافر من المدنية لا يزال حق ~~الحياة عندهم معرضا للخطر أحيانا، كما هو الشأن عند الأمم التي تبيح المبارزة، ولو ~~أن الناس قدروا الحياة حق قدرها وتقدموا في فهم حقها لما تحاربوا، وحق الحياة لا ~~يمكن أن يوفر لكل أفراد الأمة ما لم تتوافر لهم وسائل المحافظة على الحياة، وذلك ~~بسهر الحكومة على المحافظة على الأمن والقبض على المجرمين ونحو ذلك، كما أنه لا ~~يمكن أن يوفر حق الحياة ms041 إلا بتوفير وسائل المعيشة، حتى لا تقع الأمة في مجاعة، أو ~~يكثر فيها العاطلون الذين لا يجدون ما يقيم أودهم، ويحفظ حياتهم. # وحق الحياة ككل الحقوق يستلزم واجبين: واجبا على ذي الحق وهو أن يحفظ حياته، ~~ويقضيها في أحسن الوجوه التي تنفع نفسه والناس، فالمنتحر مضيع لحقه في الحياة، مخل ~~بالواجب عليه، كذلك واجب على الناس أن يحترموا هذا الحق للفرد فلا يتعدوا عليه - ~~وإذا كان هذا الحق أقدس الحقوق كان من تعدى عليه بقتل أو نحوه مستوجبا أشد ~~العقوبات، وربما كان من الحق أن نسلبه أيضا حقه في الحياة. ~~(2-2) حق الحرية # كلمة الحرية من الكلمات الغامضة التي تستعمل في معان مختلفة، ولذلك نبدأ ~~بتحديدها. # الحرية المطلقة هي «أن يريد الإنسان ويعمل ما يريد من غير أن يكون لأي شيء آخر ~~سلطان على إرادته أو عمله» وهى بهذا المعنى لا تكون إلا لله، فليس ثمة من لا تتأثر ~~إرادته بأي مؤثر خارجي وعنده من القوة ما ينفذ به ما يريد إلا هو، وإذ كنا إنما ~~نبحث عن حرية الإنسان لم يكن هذا المعنى المطلق بصالح. # إنما يصلح للناس حرية مقيدة، وقد جاء تعريفها في «إعلان حقوق الإنسان» الصادر في ~~فرنسا سنة 1789م بأنها «القدرة على عمل كل شيء لا يضر بالغير» وقريب منه ما قاله ~~«هربرت سبنسر»: «كل إنسان حر أن يفعل ما يريد، بشرط ألا يتعدى على ما لغيره من مثل ~~حريته» ومعنى قوله: إن الناس كلهم متساوون في حق الحرية، ولكل إنسان الحق أن يعمل ~~ما يريد ما لم ينقص ذلك من حرية الآخرين. # وعرفها بعض الأخلاقيين «بأن يكون للإنسان الحق في ترقية نفسه بما يشاء من غير أن ~~يتدخل أحد شؤونه، إلا إذا وجدت ضرورة تدعو إلى ذلك، أو كان التدخل لترقية من يتدخل ~~في شؤونه، كما في الحجر على السفيه» وعلى الجملة إن هذا الحق يتطلب أن يعامل كل فرد ~~معاملة إنسان لا معاملة متاع، ومن أجل هذا حرم الرق والإستبداد والتسخير ونحوها مما ~~يعامل ms042 فيه الإنسان كأنه متاع يستخدم لغاية آخر. # ولفهم الحرية فهما صحيحا يجب أن نذكر أنواعها، ثم نبين كل نوع على حدته، فأهم ما ~~نستعمل فيه الحرية ما يأتي: ~~(1) # الحرية التي هي ضد الإسترقاق، فيقال حر ورقيق. ~~(2) # حرية الأمم، ويعنون بها الإستقلال وعدم الخضوع لحكم الأجنبي. ~~(3) # الحرية المدنية، وهي أن يكون الشخص آمنا من التعدي عليه وعلى ملكه ~~ظلما، وهذه الحرية تشمل حرية الرأي وحرية الخطابة وحرية التصرف في ~~الملك الخ. ~~(4) # الحرية السياسية وهي أن يكون للإنسان الحق في أن يأخذ نصيبا في حكومة ~~بلاده بالتصويت في الإنتخابات ونحو ذلك. # النوع الأول: # لا يحتاج هذا النوع إلى شرح طويل، فالفرق بين الحر والرقيق واضح جلي، ~~وقد كان الاسترقاق فاشيا في العصور الماضية، ولم يكن ينظر إليه بعين ~~المقت التي ينظر إليه بها اليوم، حتى إن أرسطو - أكبر فلاسفة اليونان - ~~كان يرى أن بعض الناس بفطرته غير قادر على أن يتصرف في شؤون نفسه فخير ~~له أن يكون رقيقا يدبر غيره أمره - وفي العصور الحديثة ساد القول بأن ~~الحرية حق طبيعي لكل إنسان، وبعبارة أخرى حق منحه الله للإنسان منذ ~~ولد. # وإنما منح الناس جميعا الحرية لسببين: أولهما أن حب الحرية متأصل في ~~نفس كل إنسان، فمن الظلم أن نسلبه هذه الرغبة، وثانيهما أن الإنسان لا ~~يستطيع أن يقرر شؤونه بنفسه إلا إذا كان حرا، أى أنه لا يمكن أن يكون ~~مسئولا إلا إذا كان حرا، أعني أنه لا يكون إنسانا إلا إذا كان ~~حرا. # قد ينعم بعض الناس في ظل العبودية أكثر مما ينعمون في ظل الحرية، ~~وبعض الأرقاء كانوا أسعد حالا من بعض العمال اليوم، ولكن قل أن يرضى ~~هؤلاء العمال بحريتهم بديلا، قد تكون الحرية مدرسة شاقة متعبة، ولكنها ~~المدرسة الوحيدة التي يتعلم فيها الإنسان أن يكون إنسانا حقا. # النوع الثاني: # حرية الأمم أي استقلالها. والأمة تحب أن تتمتع بحريتها وتحكم نفسها، ~~كما يحب الفرد أن يكون سيد نفسه، وتحس الضعة والمذلة إذا حكمها ~~غيرها. # فإن قلت: ما الفائدة ms043 التي تعود على الأمة من استقلالها، قلنا: إن ~~فائدتها من ذلك كفائدة من يفك الحجر عنه، فإنا إذا منحنا المحجور عليه ~~حرية التصرف فقد يخطئ، ولكن هذا هو خير طريق ليعتني بشؤونه وليكون ~~مسئولا، وأنه إذا كان حر التصرف زاد طموحه لتكميل نفسه ، وشعر بأنه ~~إنسان حقا، وكذلك الشأن في الأمم، إذا منحت استقلالها شعرت بمسئوليتها، ~~وطمحت ببصرها لتكون خيرا مما هي، واعتقدت أن نتيجة مجهودها لها لا ~~لغيرها فضاعف ذلك في جدها. # ووجه آخر، وهو أن الأمة إذا كانت محكومة بأخرى فكثيرا ما يحدث أن ~~تتعارض مصالح الأمتين فيحدث الإحتكاك ويكثر التصادم وفي ذلك ما يعوق ~~الأمة عن التقدم. # وعلى الجملة فلا تحس الأمة شخصيتها إلا إذا نالت حريتها، ولا تنهض ~~وتجد في نيل كمالها إلا إذا كانت تدير شؤون نفسها بنفسها، وهذا النوع ~~من الحرية هو الخطوة الأولى في كثير من الأحيان لتحقيق الأنواع الأخرى ~~كالحرية المدنية والسياسية. # النوع الثالث: # الحرية المدنية. لا يتمتع الفرد بهذا النوع من الحرية إلا إذا كان في ~~أمة قد بلغت حظا من المدنية، فالأمم المتبدية - حيث لا يأمن الفرد فيها ~~على نفسه من القتل أو السرقة أو مصادرة أملاكه - لا تتمتع بالحرية ~~المدنية، فإذا تقدم الناس في الحضارة أصبح لكل فرد في الأمة الحق أن ~~يدافع عن نفسه أمام القضاء، وأمن أن يسجن أو يحبس أو يعاقب أية عقوبة ~~إلا إذا حكم عليه بمقتضى قانون البلاد، ولا يصح أن يتعدى عليه في غير ~~هذه الحالة، ولا أن يكون ضحية لطمع كبير، أو انتقام حاكم كما كان الشأن ~~قبل رقي الإنسان، وهذا النوع من الحرية يشمل: # حرية الرأي: # ونعني بها أن يكون كل إنسان حرا في الحكم على الأشياء ~~بما يعتقد أنه الحق، فليس الإجتهاد والتفكير والحكم على ~~الاشياء بأنها صواب أو خطأ من حق طائفة خاصة، بل من حق كل ~~فرد أن يقول أو يكتب ما يراه صوابا - في أدب من القول، بعد ~~أن يتثبت منه ويقوم عنده البرهان على صحته - وإن ms044 خالف ~~العظماء والعلماء، ذلك لأنه لا يعرف أحد من الناس كل الحق، ~~ونحن إذا منعنا الناس من أن يقولوا ما يعتقدون حرمنا ما قد ~~يكون في قولهم من رأي صائب أو فكرة حقه، ولهذا يجب أن نسمح ~~لكل فرد أن يكتب أو يقول ما يراه حقا ثم تتطاحن الآراء ~~صحيحها وفاسدها حتى يتغلب الحق ويتجلى للناس. # النوع الرابع: # الحرية السياسية. ونعني بها أن يكون للإنسان نصيب في حكم بلاده، ~~فالأمة إذا كان ممثلوها هم المشرعين لها والمديرين لشؤونها قيل: إنها ~~تعمل حسب ارادتها، وهذا هو معنى الحرية، أما إن كان يشرع لها ويأمرها ~~من لم يمثلها لم تكن تعمل حسب ارادتها بل هي مضطرة مجبرة، والجبر ينافي ~~الحرية. # وقد ثبت هذا الحق «حق الحرية» للإنسان لأنه لا يستطيع أن يكمل نفسه ويرقي أخلاقه ~~ويصل إلى غايته إلا إذا كان حرا. ~~••• # وقد تأخر الناس في فهم هذا الحق حتى بعد أن فهموا حق الحياة، فقد ظل الرق فاشيا ~~بعد أن كف الناس عن قتل أسرى الحرب ووأد البنات، ولم يبطل الرق إلا في القرن ~~الماضي، والآن بعد أن ألغي الرق لم يتمتع العالم بأنواع الحرية الأخرى كما ينبغي، ~~فأمم عدة لا تزال تجاهد لنيل استقلالها، وكذلك النوعان الآخران من الحرية أعني ~~الحرية المدنية والسياسية فهما، مع اختلاف الأمم في درجة التمتع بهما لم يبلغا ~~الدرجة القصوى المنشودة لهما. # وهذا الحق أيضا يستلزم واجبين: واجبا على الناس والحكومات أن يحترموا حق الفرد في ~~الحرية، فلا يتدخلوا في شؤونه إلا للمصلحة العامة وعند الضرورة، فالحكومات لا تقوم ~~بواجبها إن كانت تحجر على الصحف والكتب أن تطبع حتى يجيزها الرقيب إلا في أحوال ~~استثنائية كحالة الحرب، والأفراد لا يؤدون واجبهم إذا كانوا لا يسمحون لخطيب أن ~~يخطب إلا إذا كان يرى رأيهم، ويقول بلسانهم، ولا يبيحون لكاتب أن يكتب ولا صحيفة أن ~~تنشر إلا ما يوافق مذهبهم، إنما يؤدون واجبهم يوم يكون القول حرا؛ والنقد المؤدب ~~حرا، والحجة وحدها هي وسيلة الاقناع. # يجب أن ms045 يستشعر المرء أنه حر، وأن الناس أيضا أحرار، فكما أن له حقا أن يكون حرا ~~عليه واجب أن يحترم حرية الآخرين، يجب أن ينضم إلى شعور الشخص بأنه حر وأنه سيد ~~نفسه شعور بأنه ليس يعيش وحده، ولكنه عضو في جمعية، وأنه مسئول عن حرية هذه ~~الجمعية، ومن مميزات الأمم الراقية نماء هذين الشعورين في أفرادها وتعادلهما، أعني ~~الشعور بالحرية والشعور بالمسئولية. والواجب الآخر واجب على ذي الحق نفسه وهو أن ~~يستعمل حريته في خيره وخير الناس، ومن أساء استعمالها كان خليقا أن يسلبها، قال ~~ملتن: «من يتعشق الحرية يجب أن يكون قبل طيبا حكيما» فليست الحرية تشرى أو تمنح، ~~ولكن تكسب بالعمل لنيلها وحسن الإستعداد لها. ~~(2-3) حق الملك # يكاد يكون حق الملك جزءا مكملا لحق الحرية، فإن الإنسان لا يستطيع أن يرقي نفسه ~~كما يشاء إلا بملك الوسائل. # وقد دعا إلى هذا الملك أن وسائل الحياة لا تكفي لسد رغبات كل الناس، فتزاحموا على ~~طلبها، ودعاهم حب الذات إلى الإستئثار بها فكان الملك. # الملك الخاص والملك العام # وإنا بالملاحظة نرى شكلين للملك، فتارة يكون ملكا خاصا كملك شخص كتابا أو ~~منزلا أو ثيابا، وتارة يكون عاما كالسكك الحديدية والمتاحف ودار الكتب ودار ~~الآثار. # وإنما جعلت بعض الأشياء ملكا خاصا وأخرى ملكا عاما لأنا رأينا أن الملك الخاص ~~أدعى إلى عدم التبذير وإلى العناية، وهو في هذين يفضل الملك العام، ورأينا ~~الملك العام يحمي من الإحتكار ومن استبداد المالك. # فالملك الخاص خير عندما تكون ملكيته أدعى إلى العناية والتدبير، والملك العام ~~خير عندما تكون ملكيته أنفى للاحتكار واستبداد فرد أو أفراد قليلين بها، ~~فالثياب التي يلبسها الإنسان وما يأكله والمسكن الذى يسكنه خير أن تكون ملكا ~~خاصا له، لأنه بها أكثر عناية، ولا خوف فيها من احتكار واستبداد، أما المتحف أو ~~الشارع فلو كان في ملك فرد لاستبد بالناس وفرض عليهم من الرسوم ما يضر بهم فكان ~~من الخير أن يكون ملكا عاما. # وهناك أشياء كان من الواضح فيها ms046 أن تكون ملكا عاما لانطباقها على القاعدة ~~المتقدمة في الملك العام ولكن أعطيت للشركات تديرها كشركة المياه وشركة النور، ~~ومنعا لاستبدادها بالأمة عقدت الحكومة معها شروطا تجعل حدا أقصى لثمن الوحدات ~~منها. # وليلاحظ أن الأشياء التي نقول: إنها ملك عام هي التي يعبر عنها بأملاك ~~الحكومة، ذلك لأن الحكومة نائبة عن الأمة، فهي تدير هذه الأملاك وتتصرف فيها ~~نيابة عن الأمة. # وحق الملك يستلزم واجبين: واجبا على الناس وهو أن يحترموا ملك المالك فلا ~~يتعدوا عليه بسرقة أو غصب أو نحو ذلك، وواجبا على المالك نفسه وهو أن يستعمل ما ~~يملك أحسن استعمال. # وإذا كان من الناس من هم أحوج منا إلى ما نملكه وكانوا محتاجين إليه ~~لاستعماله في حاجة أكثر ضرورة من حاجتنا وجب علينا أن نبيح لهم استعماله، فإذا ~~كنا نملك عجلة أو سيارة وكان جار لنا مريضا واحتيج إلى العجلة للاسراع في إحضار ~~الطبيب وجب علينا أن نبيح لهم استعمالها، لأن استعمالها في حفظ الحياة يفضل أي ~~استعمال آخر كالتروض، ولو أن بيتا لغني احتيج إليه في أيام الحرب ليكون مستشفى ~~يعالج فيه الجرحى الذين دافعوا عن أوطانهم وجب على المالك أن يبيح لهم ذلك، ~~وواجب أن تعطف على البائس الفقير الذي لا يجد ما يسد رمقه فتمنحه شيئا مما زاد ~~عن حاجتك، وقد صدق الشاعر إذ يقول: # وحسبك داء أن تبيت ببطنة # وحولك أكاد تحن إلى القدر # وكل إنسان منا عند اصطدام قطارين أو ترامين واجب عليه أن يقدم ما يستطيع من ~~منديل وعصا ودواء لاسعاف المنكوبين، لأن هذا خير ما يستعمل فيه المتاع ~~وهكذا. ~~(2-4) حق التربي # لكل إنسان الحق أن يتربى ويتعلم حسب كفاءته واستعداده، فله الحق أن يتعلم القراءة ~~والكتابة وأن يرقي ملكاته في الفنون والعلوم حسب ما يسمح له استعداده، وأن يتهذب ~~بأنواع التهذيب المختلفة. # وإنما كان له هذا الحق لأن التربي وسيلة من وسائل الحرية، ومن وسائل الحياة ~~الراقية، فالجهل إذا فشا في أمة أثر فيها أثرا سيئا في جميع مرافقها ms047 سواء في ذلك ~~الشؤون الاقتصادية والصحية والاجتماعية والسياسية، فالمتعلم يستطيع أن يتكسب ويدير ~~أمور معيشته وينظم حياته أكثر مما يستطيع الجاهل، والأسرة المتعلمة أقدر على مراعاة ~~الأمور الصحية من الأسرة الجاهلة، وإذا كثر الجهل في أمة كثر فيها الفقر والتشرد ~~والإجرام، والمتعلمون أصوب حكما إذا انتخبوا من ينوب عنهم، وأصدق نظرا وأقوم ~~رأيا إذا انتخبوا، والمرأة المتعلمة أقدر على تربية أبنائها وتنظيم بيتها ~~وإدارة شؤونها وهكذا، والعلم باب للأخلاق القويمة والدين الصحيح، به يشعر الإنسان ~~بنفسه، وبه يدرك الحياة العالية، وبه ترقى شخصيته. # وواجب على الحكومات إزاء هذا الحق إعداد الوسائل لكل فرد من أفراد الأمة لينال ~~درجة من التربية تؤهله لأن يكون عضوا صالحا في الجمعية يعرف حقوقه وواجباته، ويجب ~~ألا يحول بينها وبين القيام به فقر الأب أو نحو ذلك، وبعبارة أخرى يجب أن يجد كل ~~طفل فقير مكانا يتعلم فيه، وأن يكون التعليم يؤهل الناشئين لأن يفتحوا لهم طريقا في ~~الحياة حسب كفاءتهم وميولهم، ويبعث فيهم الرغبة في أن يعيشوا عيشة أخلاقية صالحة، ~~وعليها إعداد المعلمين الصالحين للقيام بهذه المهمة، وواجب على الأغنياء والجمعيات ~~مساعدة الحكومات في نشر التعليم لنيل هذا الغرض. # وهذا الحق لم تقومه الأمم التقويم الذي يستحقه حتى أعلى الأمم حضارة، وهم يسيرون ~~بجد في سبيل تحقيقه، نعم إن أكثر الأمم الممدنة خطت خطوات واسعة في تسهيل التعليم ~~الأولي وتعميمه وجعله إجباريا، ولكن لا تزال هذه الأمم مقصرة في التعليم العالي، ~~ففيها تجد كثيرا من الراغبين في تتميم علومهم قد سدت الطرق في وجوههم، إما للنفقات ~~التي تفرض عليهم، وإما لاشتراط شروط أخرى لم تتوافر فيهم، والمثل الأعلى للأمة أمة ~~يجد فيها كل فرد وسائل رقيه وتعلمه ممهدة موفورة. # الفصل الثامن # | معنى الواجب وأهم الواجبات # (1) معنى الواجب وأقسامه # تستعمل كلمة «الواجب» فيما يقابل «الحق» فما لغيرنا علينا فحق لهم وواجب علينا، وفي ~~هذا المعنى استعملنا الكلمة في الفصل السابق، وكثيرا ما نستعملها ولا نلاحظ فيها ~~مقابلتها للحق. فنقول: «قد أدى الواجب» و«الواجب يقضي بكذا» ms048 ولسنا نلاحظ فيها أنها في ~~مقابلة «حق» وإن كان التحليل الدقيق قد يؤدي إلى ذلك. # وقد عرفه بعض الأخلاقيين بأنه العمل الأخلاقي الذي يبعث على الإتيان به ~~الضمير. # وقد اختلف علماء الأخلاق في الطريقة التي يتبعونها في تقسيم الواجب، فمنهم من قسمه ~~إلى: ~~(1) # واجبات شخصية، أعني واجبات على الشخص لنفسه كالنظافة والعفة. ~~(2) # واجبات اجتماعية، أعني واجبات على الشخص لمجتمعه، كالعدل ~~والإحسان. ~~(3) # واجبات إلهية، كالطاعة وأداء العبادات. # وهذا التقسيم غير محدود، فكل واجب يمكن رجوعه إلى أي قسم من هذه الأقسام الثلاثة تبعا ~~لاختلاف النظر، فالنظافة مثلا واجب شخصي من حيث ما يترتب عليها من صحة بدن الإنسان ~~وراحته، واجتماعي إذا لاحظنا أن صحته تؤثر في حالة المجتمع، وإلهي إذا نظرنا إليها من ~~جهة أنها تنفيذ لأمر إلهي. # وقسم آخرون الواجب إلى قسمين: ~~(1) # واجبات محدودة يمكن أن يكلف بها الأشخاص على السواء من غير تنويع، ويمكن ~~أن توضع في قانون الأمة، مثل لا تقتل ولا تسرق، ويمكن أن توضع بجانبها ~~عقوبات لمنتهكها، وهذه يشترك في طلبها القانون والأخلاق. ~~(2) # واجبات غير محدودة، وهذه لا يمكن أن توضع في قانون الأمة، وإذا وضعت سببت ~~ضررا أكبر، ولا يمكن أن يعين المقدار المطلوب منها، كالإحسان فإنه يختلف ~~المقدار الواجب منه باختلاف الزمان والمكان والظروف المحيطة بالشخص. # والقسم الأول يشمل الواجبات الأساسية التي يتوقف عليها بقاء المجتمع وبإهمالها لا ~~يصلح حاله، والقسم الثاني يشمل الواجبات التي عليها رقي المجتمع ورفاهيته، ومن أجل هذا ~~قيل: إن النوع الثاني أرقى من الأول وأعلى منه شأنا، لأن الأول ينفذه القانون والثاني ~~ينفذه الضمير، كالعدل والإحسان، فالعدل من القسم الأول وعليه يتوقف المجتمع، والإحسان ~~من النوع الثاني وهو لا يكون حتى يكون العدل، فالعدل الدعامة والإحسان مشيد ~~فوقه. # 1 # والواجبات على الناس مختلفة متنوعة، فكل حالة من حالات الحياة تقتضي واجبا معينا، ~~والناس في هذه الدنيا كبحارة السفينة، وكجنود الجيش، لكل عمل وعلى كل واجب، على اختلاف ~~بينهم فيما يجب عليهم، ذلك لأن الناس مختلفون من وجوه عدة: ~~(1) # بحسب ms049 الثروة فمنهم غني وفقير وبين ذلك. ~~(2) # وبحسب الرتب فخاصة وعامة. ~~(3) # وبحسب العمل، فمنهم من عمله عقلي كالقاضي والمدرس، ومنهم من عمله يدوى ~~كالنجار والحداد إلى كثير من أمثال ذلك - وهذا ينتج خلافا في الواجبات، فما ~~يجب على حاكم غير ما يجب على أحد الرعية، وما يجب على غني غير ما يجب على ~~فقير. وعلى كل إنسان كائنا ما كان أن يؤدي واجبه. ولا يستصغرن أحد ما يجب ~~عليه. فكثيرا ما تتوقف كبار الواجبات على صغارها، فمثلا لا يصح أن نعد عمل ~~الكناسين في الشوارع والأزقة واجبا تافها حقيرا، فإن عليه تتوقف حياة كثير ~~من الناس وحسن صحتهم، وليس هذا بالأمر الهين، وأن كسر قطعة صغيرة في سفينة ~~قد تؤدي إلى غرقها كما قد يؤدي إلى ذلك فقد سكانها (دفتها) وضياع مسمار ~~صغير في ساعة قد يؤدي إلى وقوفها كضياع «الزمبلك». ~~(2) التضحية لأداء الواجب # على كل إنسان أن يؤدي واجبه، ذلك لأن الإنسان في هذه الحياة لا يعيش لنفسه فحسب، بل ~~يعيش له وللناس، وأداء الواجب يؤدي إلى هذه السعادة، فالتلميذ الذي يؤدي واجبه لأسرته ~~ومدرسته يسعد والديه، والأغنياء بتأديتهم ما عليهم من بناء للمستشفيات وتبرع للجامعات ~~ونحوها يزيدون في سعادة الأمة، وعلى العكس من ذلك السارقون والسكيرون، فإنهم بإهمالهم ~~الواجب عليهم وعدم إطاعتهم قوانين بلادهم يزيدون في شقاء الناس وتعاستهم - ولا يبقى ~~العالم ويرقى إلا بأداء الواجب، ولو أن مجتمعا قصر في أداء كل واجباته أياما لفنى، فلو ~~أن المدينين لم يؤدوا ديونهم، ورفض طلبة المدارس أن يتعلموا، ولم يؤد أفراد الأسرة ~~واجبهم، ورفض كل ذي عمل أن يؤدي عمله لحاق بالمجتمع الفناء العاجل - وبقدر قيام الأفراد ~~بواجبهم يقاس رقي الأمة. # يجب أن نؤدي الواجب لأنه واجب، نؤديه إطاعة لضميرنا، لا طمعا في ربح نناله، ولا رغبة ~~في شهرة نحصلها، إن الذين يفعلون لك الخير لما يرجون منك من الخير تجار يبيعون اليوم ما ~~يقبضون ثمنه غدا - إنما مثلنا الأعلى أن نصل من الرقي إلى حد أن نتلذذ من أداء ms050 الواجب ~~ووصول الخير إلى الناس كما نتلذذ من وصول الخير إلينا، ونردد مع أبي العلاء ~~قوله: # فلا هطلت علي ولا بأرضي # سحائب ليس تنتظم البلادا # بل مع البارودي قوله: # أدعو إلى الدار بالسقيا وبي ظمأ # أحق بالري لكنى أخو كرم # وكثيرا ما يكلفنا القيام بالواجب مشقات ينبغي أن نتحملها، ويتطلب منا تضحية يلزمنا ~~تقديمها، فالقاضي العادل قد يضطر إلى الحكم على صديقه أو قريبه فيؤلمه ذلك، وقد يحمله ~~حب العدل على إغضاب أفراد أو هيئات مختلفة فيعرض بذلك نفسه لأنواع شتى من الآلام، ~~والجندى يقدم حياته عند الخطر فداء لأمته، ورئيس السفينة إذا عطبت يجب أن يبقى في ~~السفينة حتى ينتقل جميع من فيها إلى قوارب النجاة، وإعلان الإنسان رأيه وتمسكه بمبدئه ~~قد يبعده عن منصب ويحرمه من فائدة، وفي جميع ذلك يجب أن نتحمل التضحية - مهما آلمت - عن ~~رضا وارتياح، ويجب أن نعد مكافأة الضمير فوق كل مكافأة. # ولكن يجب هنا أن ننبه إلى أمرين كثيرا ما يخطئ الناس فيهما: # الأول: # أن التضحية ليست مقصودة لذاتها، ولا يصح أن تكون غرضا يريد الإنسان ~~تحصيله، فهي ليست إلا ألما محضا ينبغي الفرار منه إلا إذا استتبع خيرا، ~~فما يفعله بعض الزهاد - من الإمتناع عن الأكل إلا النزر اليسير، وحرمان ~~النفس من التمتع بما أحله الله، ولبس الخشن من الثياب لا لغرض إلا طلب ~~المثوبة بهذا الشقاء - خطأ لا يرضى عنه عقل ولا دين، وقد عاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من نذر أن يصوم قائما في الشمس فأمره بإتمام صيامه ونهاه عن ~~القيام في الشمس، لأن الله لم يضع تعذيب النفوس سببا للتقرب إليه، ~~وليست المشقة نفسها سببا في رضا الله، وإنما رضاه في عمل صالح قد ~~يستلزم المشقة، وليس بصحيح قول الناس: «الثواب على قدر المشقة» إذا أخذ ~~على عمومه، إنما يكون صحيحا إذا كان العمل المقصود عملا خيرا لا يمكن ~~أن ينال إلا بمشقة، فالتضحية ليست خيرا في نفسها، ولكن إذا كان الواجب ~~لا يمكن أداؤه إلا ms051 بالتضحية وجبت التضحية. # الثاني: # ليس لأداء أي واجب تقدم أية تضحية، بل لا بد أن يوازن بين الواجب ~~والتضحية، فليس صوابا أن يضحي الإنسان بحياته ليرتاح من ألم أسنانه، ~~ولكن خيرا أن يقلم أشجاره ليزيد ذلك في ثمارها، فمتى كان الخير الذى ~~نناله من العمل يرجح التضحية وجبت التضحية، كالطبيب يهجر نومه ويتعرض ~~للتعب والبرد، لإسعاف مريض وإدخال السرور عليه وعلى أسرته، وكالعالم ~~يهجر راحته ولذته لتأليف كتاب يفيد الناس، أو لاستكشاف يزيد في خيرهم، ~~والجندي يضحي بنفسه لتحيا أمته، والأمثلة على ذلك كثيرة. # ومتى اقتنع الإنسان بخيرية التضحية وجبت عليه، ذلك لأنه عضو من جسم كما بينا، فليس من ~~الحق أن يستأثر باللذائذ ويتمتع بالراحة التامة والناس من حوله ألمون متعبون، كما لا ~~يستأثر عضو بكل الغذاء ويترك سائر الأعضاء تتضور جوعا. # وسير عظماء الرجال مملوءة بالشواهد على التضحية، ولا تكاد تجد عظيما لم يضح ~~كثيرا، إما لنشر مبدأ يخالف فيه الرأي العام أو لانقاذ أمته من ضرر يلحقها، أو لتخليص ~~عقائد دينية مما دخل عليها من التغيير، أو لتحقيق مسألة علمية كثر فيها البحث والجدال، ~~أو لاستكشاف نافع يزيد في سعادة الناس. وهذه التضحية هي التي تكونهم، وهي سر عظمتهم، ~~فإن ما يبذلون في حياتهم من الجهد لتذليل الصعاب التي تعترضهم، وما يتحملونه من العناء ~~للتغلب عليها ينمي ملكاتهم ويعودهم الصبر على المشاق لنيل أغراضهم، أما من يستسلم ~~للنعيم ويخلد إلى الراحة فمحال أن يكون عظيما. # ولنذكر الآن أهم الواجبات: ~~(2-1) الواجبات على الإنسان لله # في العالم قوة خفية تحركه، وتدير شؤونه، هي علة وجوده وبقائه، وهي سر ما نشاهد من ~~نظام دقيق وقوانين لا تتخلف، وظواهر تتتابع بانتظام، نجوم قد دق نظام سيرها # لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا ~~الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون # وفصول ~~تتعاقب بدقة تستخرج العجب، ونباتات وحيوانات جلت حياتها عن الوصف - هذه القوة هي ~~لله رب العالمين. # لهذه القوة نحن مدينون بكل شيء لنا، بحياتنا وبصحتنا وبحواسنا وبكل ملاذ ms052 الحياة ~~وصنوف النعيم. # فواجب علينا حبه وإجلاله وشكره، نحبه لأنه مصدر كل خير لنا، وهو الذي يمدنا من ~~قدرته بكل ما لنا من وجود وقدرة، ونحبه لأنه الموجود الكامل الذى لا حد لكماله، ~~ونحبه لأن من طبيعتنا أن نحبه، فكل إنسان على الفطرة يشعر بحنين إلى إله يفزع إليه ~~عند الشدائد، ويتضرع إليه في كشف السوء عنه، ويجد في الإلتجاء إليه سلوة وأسى عند ~~المصائب، ومشجعا على العمل وباعثا على التضحية إذا دعا الواجب. # ومن آثار حبه التعبد بأشكال العبادات المختلفة، فإنها خير ما تكون إذا دعت إليها ~~حرارة الحب وكانت مظهرا من مظاهر الإخلاص لله والطاعة له، وإلا كانت مجرد حركات ~~وصور وأشكال لا روح لها. # وإن من أحسن أنواع الشكر لله الخضوع لقوانين الأخلاق والعمل بما تقتضيه، ذلك لأن ~~الله خلق هذا العالم وجعل سعادته مرتبطة بأشياء من صدق وعدل وأمانة ونحوها، وشقاءه ~~وفناءه في أضدادها، ثم أمر بما يوصل إلى السعادة وسماه خيرا، ونهى عما يجلب الشقاء ~~وسماه شرا، وتلك الأمور التي توصل إلى السعادة هي بعينها قوانين الأخلاق، فمخالفها ~~عاص لأمر الله جاحد لنعمه، ومطيعها مطيع لأمره مؤد لواجبه. # إذا امتلات النفس عقيدة بما قدمنا - من أن قوانين الأخلاق هي أوامر الله - صدرت ~~الأعمال عنها ممزوجة بقوة تجعلها أقوى أثرا وأكثر نفعا، ولذا ترى أن أكثر من ~~اندفعوا لنصرة الحق وتشددوا في التمسك به أو قدموا أنفسهم فداء للفضيلة كانوا ~~ممتلئين عقيدة بالله ووجوب طاعته، ألهبتهم حماسة رغبة في رضاه وشوق إلى ~~لقائه. ~~(2-2) واجب الإنسان نحو نفسه # يجب على الإنسان نحو نفسه أن يكمل ذاته جسميا وعقليا وخلقيا، فهو مكلف أن يرعى ~~هذه الأمور الثلاثة (جسمه وعقله وخلقه) وأن يبلغ بها ما يستطيع من كمال، ولنذكر ~~كلمة نوضح بها ما يجب في كل ناحية من هذه النواحي الثلاث. # الناحية الجسمية: # كان الإنسان أول أمره يعيش ~~عيشة ساذجة، يخرج إلى الجبال أو يتجول في الغابات يجمع ما يقتاته في يومه، ولم يكن ~~إذ ذاك مكلفا بهذه ms053 الفروض الكثيرة التي قيدته بها المدنية، فلا زراعة ولا تجارة ولا ~~تخصص في عمل، فلما أرتقى وعاش عيشة المدنية سببت له ضعفا في صحته، لأنه حرم الإقامة ~~طويلا في الهواء الطلق، وعوض عنها عيشته في منازل لاتستوفي شرائطها الصحية، وبالغ ~~في أسباب الترف والرفاهية، واعتاد كثيرا من العبث كالتدخين ونحوه، وأجهد نفسه في ~~العمل رغبة في جمع المال ليسد به المطالب الكثيرة للمدنية، كل هذا ونحوه أثر في صحة ~~المتحضر فكان أضعف جسما وأقل احتمالا للجهد، اعتبر ذلك في الحيوانات، فإن الطيور ~~وأنواع الحيوان التي تغلب عليها الإنسان فحبسها في قفص أو في منزل واستخدمها في ~~شؤونه أسرع إليها الذبول وكانت عرضة لكثير من الأمراض. # إن جسم الإنسان آلة كسائر الآلات يجب لبقائها وقدرتها على أداء العمل أن تغذى ~~الغذاء الصالح لها وأن يعنى بها، يجب للجسم الهواء النقي والغذاء الصالح والرياضة ~~والإعتدال في العمل. # وإن سوء الصحة أكبر تلف يصيب الإنسان، فهو يضعف قدرته على العمل، ويختصر حياته، ~~ويفسد شعوره، وفي كثير من الأحيان يكون ضعف البدن سببا في سوء الخلق وملل العقل ~~وعدم قدرته على الإنتاج. # إن صحة البدن هي أساس كل ما له قيمة في الحياة من مال وحياة ومتاع، ومما يستوجب ~~الأسف أن هذه الصحة لا تقدر تقديرا صحيحا إلا بعد ضياعها أو تعرضها للخطر، وأن ~~كثيرا من الناس لا يراعون قوانين الصحة إلا إذا ألجئوا إلى ذلك بسبب ضعفهم، وكان ~~أسهل أن يقوا أنفسهم من الضعف قبل حصوله. # لا يستطيع الإنسان أن يكون إنسانا كاملا ناجحا في الحياة نجاحا حقا إذا كان مريضا ~~أو ضعيف الجسم، وأقدر الناس على الإنتاج أطولهم عمرا في صحة، نعم إن كثيرا من عظماء ~~الرجال كانوا مرضى، ولكنهم من غير شك كانوا يكونون أكثر إنتاجا وأصح نظرا وأعظم ~~خيرا لأمتهم وللعالم لو كانوا أحسن صحة، ونجاح هؤلاء مع مرضهم دليل على أن قوتهم ~~العقلية أو الخلقية غير عادية حتى استطاعوا أن يأتوا بما أتوا به على الرغم من ~~مرضهم. # مرض ms054 البدن أو ضعفه ذو أثر كبير في الخلق، فمن العسير أن يكون إنسان كامل الخلق ~~وهو ممعود أو مكبود أو ضعيف الأعصاب، إنك تراه غالبا ضيق الخلق غضوبا يائسا متبرما ~~بالحياة، وكثيرا ما يسائل نفسه: هل هذه الدنيا تساوي شيئا، وينشد مع أبي العلاء ~~قوله: # تعب كلها الحيا # ة فما أعجب إلا من راغب في ازدياد # فخير إجابة لهذا أن يقال له: أصلح معدتك أو كبدك أو أعصابك تر أن في الدنيا ما ~~يسر، وأن فيها ما يحبب الحياة. # إن تضخما قليلا في بعض غدد المخ يجعل من الصعب على الإنسان أن يعبر عن فكره، ~~وصدمة لموضع من مواضع المخ تجعل الإنسان معتوها، واختمارا في المعدة يحول كل جميل ~~سار في الحياة إلى قبيح مؤلم، وأخذ ملعقة من دواء يزيل هذا الإختمار يحول العالم في ~~نظره إلى ما كان عليه من بهجة وسرور. # كان «كارليل» ممعودا، فقال صديق له مساء يوم مشيرا إلى السماء: ما أجمل هذا ~~المنظر! إنه يبعث الحكمة إلى نفس الإنسان، فأجابه «كارليل»: إنه لا يبعث عندى إلا ~~الأسف والحزن وقال مرة: «إن تسعة أعشار بؤسي وأكثر من تسعة أعشار أخطائي يرجع إلى ~~اضطراب معدتي» ومثل ذلك كثير، مما يدل على ما لحالة البدن من تأثير كبير في العقل ~~والخلق. # إزاء هذا كان واجبا على الإنسان السعي في أن يكون صحيحا وقويا، وذلك بأن يتخير من ~~العادات في أكله وشربه وتنفسه واستحمامه وعمله ما يؤثر أثرا حسنا في صحته، وألا ~~يفرط في غذاء عقله على حساب جسمه. # يقول بعضهم: «من مرض فقد أجرم» وهذا صحيح في كثير من الأحيان، لأن كثيرا من ~~الأمراض يمكن اتقاؤه باعتياد النظافة والإعتدال في المأكل وانتظام المعيشة ونحوها، ~~كما أن كثيرا من الأمراض يمكن الوقوع فيها باعتياد أضدادها. # الناحية العقلية: # يخرج الإنسان إلى هذا العالم ~~جاهلا بكل شيء ثم يتعلم ما استفادته الأجيال قبله بتجاربهم وممارستهم للعالم الذي ~~حولهم، وأمام كل إنسان طائفة كبيرة من الحقائق ينبغي أن يتعلمها. # وأول ما ينبغي ms055 أن يتعلمه تمرين حواسه حتى يكون ما تدركه صحيحا، فإن المواد الأولى ~~للمعلومات إنما تأتي من طريق الحواس - السمع والبصر والشم والذوق واللمس ونحوها - ~~فيجب أن يكون إدراكنا الذي ينشأ عنها صحيحا، ولا يكون ذلك إلا بتمرينها وتعويدها أن ~~تكسبنا المعلومات الحقة من نفسها لا من طريق التلقين - يجب أن يمرن الإنسان حواسه ~~حتى يعرف بالتقريب طول الحجرة إذا نظر إليها، ووزن الشيء إذا وضعه في يده، وكم ميلا ~~مشى، وما منزلة الصوت في القوة والضعف، وأن يكون دقيق الملاحظة فيعتاد إذا نظر إلى ~~شيء ثم غاب عنه أن يعرف أوصافه حتى يستطيع أن يحدثك عنه في جلاء ووضوح - كل هذه ~~الأمور تفيد عقله فائدة كبيرة، لأن كثيرا من الأخطاء العقلية ناشئ من الخطأ في ~~المعلومات الحسية، وهذه ناشئة من إهمال الحواس وعدم تمرينها في مبدأ الحياة. # إن كسب الإنسان معلوماته بنفسه من طريق حواسه أولا ثم من طريق عقله ثانيا خير من ~~معلومات يجمعها من الكتب من غير اختبار شخصي. # ولا يمكن النجاح العلمي إلا بصفات خلقية لا بد من توافرها: ~~(1) # تحمل الصعاب والصبر عليها، فالوصول إلى الحق يحتاج إلى عناء ومكابدة ~~في جمع الحقائق وامتحانها، واستخراج النتائج الصحيحة منها، فمن لم ~~يتسلح بالصبر لا يمكنه أن يكون عالما، وكما قيل: «إن العلم لا يعطيك ~~بعضه إلا إذا أعطيته كلك» ليس مجرد الحفظ والإستظهار بل ولا مجرد الفهم ~~مما يصح أن يسمى علما، إنما العلم أن تمتحن الحقائق بنفسك وتبحثها ~~لتتبين صحيحها من فاسدها. ~~(2) # حب الحقيقة، فلا نندفع وراء عواطفنا في اعتقاد شيء أو عدم اعتقاده ما ~~لم يثبت لدينا بالبرهان صحته، نتوقف في صدور الحكم إذا كانت البراهين ~~لم تتوافر عليه، لا نخدع بحسن المظهر أو العبارات المنمقة حتى نصل إلى ~~كنه الشيء ونزنه وزنا دقيقا، نلتزم الصدق في العلم فلا نصبغ الحقيقة ~~بميلنا الشخصي ولا بشهواتنا وأهوائنا، ويدعونا حب الحقيقة إلى أن نوسع ~~صدرنا للنقد يصدر على آرائنا وأفكارنا، نشغف بالقراءة فلا يكون كل ~~غرضنا من العلم ms056 امتحانا ننجح فيه أو شهادة نحصل عليها، وإنما نقرأ لأن ~~القراءة غذاء عقولنا، ولكن بجانب هذا يجب أن نتعلم كيف نقرأ، قال رسكن: ~~«قد تقرأ كل ما في دار الكتب الإنجليزية ثم تصبح بعد - كما كنت - ~~إنسانا غير متعلم، ولكن إذا أنت قرأت عشر صفحات بإمعان في كتاب جيد كنت ~~إلى درجة ما إنسانا متعلما» وقال آخر: «لا تعمل القراءة أكثر من تزويد ~~العقل بالمعرفة، أما التفكير فهو الذي يجعل ما نقرأ جزءا من أنفسنا، ~~يجب أن ننعم النظر ونطيل الفكر فيما نقرأ، وليس يكفي أن نثقل أنفسنا ~~بالمعلومات الكثيرة نكدسها، فما لم نمضغه ونهضمه لا يغذينا ولا يكسبنا ~~قوة». # الناحية الخلقية: # أهم أسباب الوقوع في الرذائل ~~شيئان: ~~(1) # الأثرة أو التغالي في حب النفس. ~~(2) # الجهل. # فالأثرة نوع من أنواع الضعف متأصل في الإنسان، فكل امرئ يتحزب لنفسه ويفكر فيها ~~أكثر مما يفكر في غيره، ويدعوه ذلك في كثير من الأحيان أن يضحي بمصالح غيره ~~وسعادتهم لمنفعته الشخصية، ذلك هو ما نسميه الأثرة. # حارب المصلحون هذه الأثرة كثيرا ونجحت تعاليمهم، ففرق كبير بين أثرة المتوحشين ~~وأثرة الممدنين، ولكنها لا تزال باقية، ولا يزال الطريق طويلا أمام الناس حتى ~~يستطيعوا أن يعاملوا غيرهم كما يعاملون أنفسهم، ولا تزال هناك عوامل تحيي في النفوس ~~هذه الأثرة كالحرب وتزاحم الناس على وسائل العيش. # وهذه الأثرة أصل كبير من أصول الشر، فلو بحثت عن أكثر ما يرتكب من الجرائم لرأيت ~~أن سببها التغالي في حب النفس، وأن المجرم لم يستطع أن يتصور أن يضع نفسه موضع من ~~أجرم معه، ولو وضع نفسه وغيره في مستو واحد ما استباح لنفسه الإجرام. # والسبب الثاني: الجهل؛ ونعني به الجهل بأن الناس مثلنا، يحسون إحساسنا، ولهم من ~~الحقوق مالنا، وعلينا من الواجبات ما عليهم، فالإنسان يتخيل أن ليس لغيره مثل ~~إحساسه، وأنهم لا يتألمون من الشر كما نتألم، وأن ليس لهم من الحق في الحياة ~~والسعادة ماله، ومن أجل ذلك يتخذهم وسائل لمنفعته الشخصية، وقد حمله على هذا ~~التفكير ms057 السيئ السبب الأول وهو الأثرة. # إذا زال هذا الجهل واتسع مجال الفكر وعرف الإنسان حقا أن الناس مثله سواء بسواء ~~في شعورهم وحقوقهم وواجباتهم حقق القواعد الذهبية التي وضعها الأنبياء والمصلحون ~~مثل «عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به» و«أحب لأخيك ما تحب لنفسك» و«اليد العليا ~~خير من اليد السفلى» وفي ذلك تحقيق المثل الأعلى للأخلاق. ~~••• # مراعاتك جسمك حتى يكون صحيحا قويا، وعقلك حتى يكون صحيحا قويا، وخلقك حتى يكون ~~صحيحا قويا، هو ما يجب عليك نحو نفسك، وهذا وحده السبيل لسعادتك وسعادة أمتك ~~بك. ~~(2-3) واجب الإنسان نحو أسرته # لكل الحيوانات - تقريبا - مأوى تأوى إليه، فللطائر وكره، وللسبع عرينه، وللنحل ~~خلاياه، ويكاد يكون هذا المأوى أعز شيء عندها، فما أسعد الطائر يرفرف بجناحيه يروح ~~ليلا إلى وكره، وما أخوفه إذا اقترب أحد منه فهدد بيضه أو فرخه، وما أضرى السبع إذا ~~قصد أحد عرينه، لا شىء يثير الخوف والغضب عند هذه المخلوقات أكثر من أن يمس بسوء ~~مأواها. # كذلك الإنسان يجب أن يكون بيته أعز بقعة على الأرض عنده، إن علاقة الإنسان ببيته ~~أقوى من علاقة الحيوان بمأواه، ذلك لأن حاجة الحيوان الصغير إلى أبويه قليلة إذا ~~قيست بحاجة الطفل، فصغار الطيور مثلا بعد أسابيع قليلة تقوى وتطير، وتفارق عشها ~~وتستقل بنفسها، وتبني لها عشا خاصا بها، وتضعف علاقتها بآبائها إن كان ثم علاقة. ~~أما الطفل فلا بد له من سنين طويلة حتى يستطيع أن يستقل بنفسه، وإذا استقل فلا تزال ~~العلاقة بينه وبين أسرته قوية متينة، وسبب ذلك أن بناء الإنسان أكثر تركبا، ومطالب ~~الحياة لديه أكثر تعقدا، فهو محتاج إلى زمن أطول حتى يتسلح للكفاح في هذا العالم ~~ويؤدي واجبه. # في هذا البيت يتعلم الطفل أهم دروس الحياة، ولو خرج إلى العالم قبل أن يستكمل ~~تربيته المنزلية لكان متوحشا، فالبيت في الحقيقة هو أكبر ممدن له. # في هذا البيت يتعلم كثيرا من الدروس، فمن حبه لإخوته وأخواته ووالديه يتعلم درس ~~حب الناس وحب الوطن، ومن طاعته لوالديه ms058 يتعلم طاعة قوانين البلاد وقوانين ~~الأخلاق. # وإذا كان للبيت من المنزلة ما بينا كان علينا نحوه واجبات نجملها فيما ~~يأتي: # يجب على كل فرد في الأسرة أن يعمل على أن يكون بيته أسعد مكان، فخشونة المعاملة ~~وخشونة القول والإساءة وإثارة الشحناء ونحو ذلك كل هذه إذا كانت خارج البيت رذيلة ~~فهي في البيت أرذل. # ومما يؤسف له أن كثيرا من الناس يتجملون في أخلاقهم مع أصدقائهم ومن يتعاملون ~~معهم فإذا حلوا في بيتهم تبدلت أخلاقهم إلى قسوة وخشونة وفظاظة وانقلب ذلك الصوت ~~الهادئ المؤدب إلى هجر في القول وسوء في الأدب، والحق أن أدل شيء على الأخلاق ~~الحقيقية هو خلق البيت لا خلق الشارع، فخلق الشارع خلق التصنع، والإختلاف في ~~المعاملة بين أهل بيته ومن في الخارج يدل على أن الخلق الجميل ليس شيئا في نفسه، ~~وإنما هو كالثوب الجميل يلبسه إذا خرج ويخلعه إذا عاد. # كذلك يجب أن نشعر أن منزل الأسرة للأسرة جميعها، فليس من الحق أن يستأثر أحد ~~الأبناء بخير ما فيه، ولا يرعى إلا نفسه، ولا يهتم إلا بما يعود على شخصه. # أول واجب على الأبناء الطاعة للأبوين إلا في أحوال نادرة يأمر فيها الأبوان ~~بالخطأ الواضح. # يجب أن يشعر كل فرد أنه مسئول - بقدر ما يستطيع - عما يحفظ للبيت سعادته ونظامه ~~ونظافته وحسن العلاقة بين أفراده، وإن خطأة يخطئها أحد منهم تهدد سعادة المنزل ~~وتعرضه للشقاء. # ليست الأمة إلا عدة أسرات، وليست المدينة إلا عدة بيوت، والسلوك الذى يسلكه ~~الناشئ في بيته ليس إلا صورة مصغرة لسلوكه بعد في أمته، وإذا كان منبع النهر ملوثا ~~تلوث النهر، فصلاح الأمة وصلاح البلاد دائما هو بصلاح الأسرة. ~~(2-4) واجب الإنسان نحو وطنه ~~(الوطنية) # الوطنية حب الإنسان لبلاده، أرض آبائه وأجداده، وإنما نحب وطننا لما بيننا وبينه ~~من الصلات المتينة، فقد تربينا في جوه وبين قومه، وصرنا منه بمنزلة الفرع من ~~الشجرة، كون هواؤه وتربته أجسامنا، وصارت قوانينه وعرفه عاداتنا، وأصبحت طريقة أهله ~~في مأكلهم وملبسهم وكلامهم طريقتنا، ms059 نحن إليه إذا نزحنا عنه، ويهيج أشجاننا إليه ~~ذاكرنا له، ونأنس بقربه، ونعتز بعزته، ونهون بهوانه. # على أن حب الوطنية يكاد يكون طبيعيا في كل إنسان، حتى لنرى بعض الحيوانات تحن إلى ~~أوطانها كما تحن الطيور إلى أوكارها، ولقد ينشأ البدوى في بلد جدب، ومكان قفر، وهو ~~مع ذلك يسعد بوطنه ويقنع به ويفضله على كل مصر «وترى الحضرى يولد بأرض وباء وموتان ~~وقلة خصب، فإذا وقع ببلاد أريف من بلاده وجناب أخصب من جنابه، واستفاد غنى حن إلى ~~وطنه ومستقره» # 2 # هذا هو السر في أنك ترى البلد تفشو فيه أنواع الحميات، أو يكون مثارا ~~للبراكين من حين إلى حين، أو عرضة لطغيان الماء أو عصف الرياح، ثم لا يبرحه أهله، ~~ولا يعدلون به بلدا سواه «قيل لأعرابي: كيف تصنع في البادية إذا اشتد القيظ وانتعل ~~كل شىء ظله؟ قال: وهل العيش إلا ذاك، يمشى أحدنا ميلا فيرفض عرقا، ثم ينصب عصاه، ~~ويلقي عليها كساءه، ويجلس في فيئه يكتال الريح، فكأنه في إيوان كسرى». # ويكون حب الوطن عند أكثر الناس في حالة كمون إلى أن يدهم وطنهم خطر، أو توجد دواع ~~تنبهم، فتتنبه مشاعرهم، ويظهر حبهم لوطنهم بأجلى مظاهره، ويدعوهم للعمل على خدمته، ~~فيبذلون نفوسهم وأموالهم في سبيل نصرته، والذود عن مجده وحريته. # مظاهر الوطنية: # يستطيع الإنسان أن يخدم وطنه من ~~طرق عدة: ~~(1) # الدفاع عن البلاد إذا هوجمت أو أريد التعدى على حريتها، وهذه هي ~~وطنية الجنود، وقد ظهر هذا النوع من الوطنية بأجلى مظاهره في الحرب ~~العظمى، فقد بذلت فيها الدماء من كل فريق من المتحاربين بسخاء حفظا على ~~البلاد من التعدي عليها أو على حريتها. ~~(2) # وقف الحياة على خدمة الوطن، وهذه وطنية السياسيين والمصلحين، ~~فالسياسيون يديرون دفة البلاد نحو ما يرقيها ويعلي شأنها، ويقودون ~~الرأي العام إلى ما فيه مصلحة الوطن، فإن رأوا رأيا لم يرضه عامة الناس ~~عملوا ما يرونه حقا، ولم يثنهم من عزمهم تهمة يتهمون بها ولا نقد يوجه ~~إليهم، يفضلون عمل الحق ولو ms060 أهينوا على عمل خطأ يرضي الجمهور وإن ~~كرموا، عمادهم إخلاصهم ومرشدهم وجدانهم، وأما المصلحون فإنهم يرون ~~موضوع الداء فيعالجونه، وكثيرا ما يحدث أن الداء يتأصل فيها حتى تألفه ~~وتظنه السلامة، فإذا دعاها المصلح إلى العمل على الخلاص منه قامت في ~~وجهه وعارضته وحسبته خارجا عليها، كما قال الله تعالى: # أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى ~~أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا ~~تقتلون # ولكن المصلح يزيده الإضطهاد تمسكا برأيه ~~ودفاعا عنه، ولا يزال الناس يلتفون حول رأيه شيئا فشيئا حتى يصبح ~~المذهب المقرر والرأي السائد، ويعجب الناس إذا نظروا إلى ماضيهم كيف ~~كانوا يعتنقون هذا المذهب الفاسد، وكيف لم يدركوا فساده بمجرد الدعوة ~~إليه. ~~(3) # أداء الواجب: وهذه وطنية الناس كلهم، فأداء كل واجبه اليومي في عمله ~~وفي بيته ومع أولاده وأصحابه ومن يعاملونه وانتخابه خير الناس إذا ~~انتخب، ومساعدته المشروعات النافعة بماله وعمله وجاهه.. كل هذه وطنية ~~صادقة صحيحة ترفع شأن الوطن وتعلي مكانته. ~~(4) # تشجيع المصنوعات الوطنية والحاصلات البلدية وتفضيلها على غيرها ما ~~أمكن، كما أن وطنية الصانع والمنتج تقضي عليهما أن يبذلا الجهد لجعل ~~المصنوع والمنتج في حالة لا تقل عن أمثالها مما يرد من الخارج، وعلى ~~الحكومة مساعدة ما تنتجه البلاد نفسها بما تضع من نظام الضرائب ~~ونحوهما، وإن الأمة إذا ساعدت المصنوعات والحاصلات البلدية تكون قد ~~ساعدت على حفظ الثروة في بلادها وجعلتها تنتقل من يدها إلى يدها ~~الأخرى. # وبعد، فكل إنسان يستطيع بعمله ولو حقيرا أن يخدم وطنه، وليست خدمة الوطن مقصورة ~~على العظماء، بل إن العظماء لا يكون لهم أثر كبير ما لم تؤيدهم الأمة، فالقائد ~~الكبير إنما فخره نتيجة عمله وعمل الجنود الصغار، بل وعمل من صنع للجنود نعالهم ~~وملابسهم ونحو ذلك، والسياسي العظيم لا يصل إلى غرضه إلا بمعونة كتاب يعينونه في ~~فروع من العمل مختلفة، وأفراد يبذلون ما يحتاج إليه من المال وهكذا، الأمة كالساعة، ~~كل آلة لها عمل، ولا بد من أداء كل آلة عملها لينتظم سيرها، وإن كان يختلف عمل ~~الآلات أهمية، ms061 وسير هذه الآلات وانتظامها لا تقع عليه العين عادة، وإنما مظهر هذا ~~الانتظام سير العقارب، فإذا دلت على الأوقات بالضبط دلنا ذلك على أداء كل آلة ~~وظيفتها وإلا لا، كذلك الحوادث العظيمة في الأمة والنجاح الكبير لها مظهره عظماء ~~الرجال والمصلحون، ولكن ما كان يتم ذلك في الحقيقة لولا أعمال آلاف من الناس لم ~~يعرفهم التاريخ، فهؤلاء الآلاف منزلتهم منزلة آلات الساعة الخفية، والعظماء بمنزلة ~~عقربي الساعة هما مظهران لأعمال عدة دقيقة، غير أن الشأن في الساعة أنه إذا تعطلت ~~آلة منها وقفت الساعة جميعا أما في الأمة فإذا تعطل أحد أفرادها عن السير حملت ~~الأمة عبأه وسارت، فالجندي في الجيش إذا خر صريعا سار الجيش وتحمل عبء الجندي، وكان ~~الأولى للجيش ألا يخر أحد منه صريعا، وأن يحمل كل واحد عبأه فقط. # فالفلاح في زرعه الأرض وعنايته بالبقر والغنم، والنجار في صناعته، والتاجر ببيعه ~~وشرائه، والجندى بمحاربته، والكناس في الشوارع يكنس الأقذار، والأم تربي بنيها ~~وتعني بالبيت وشؤونه والخادم بخدمتها، والأطباء بمحاربتهم الأمراض ومعالجتهم ~~المرضى، ورجال الحريق بإطفائهم النار، ورجال العلم الذين ينشرون العلم ويحاربون ~~الجهل، ورجال السياسة الذين ينصرون الحق ويخذلون الباطل بأقوالهم وأعمالهم، ~~والشعراء والموسيقيون وجميع رجال الفن الذين يمدون الحياة بالسعادة، ويشعرون الناس ~~بالجمال، كل هؤلاء يخدمون وطنهم بعملهم، وكل هذه الأعمال لا بد منها لسير الأمة إلى ~~الأمام، وكل هؤلاء إذا أدوا أعمالهم باتقان ولم يراعوا فيها مصلحتهم الشخصية فحسب ~~بل راعوا فيها خيرهم وخير الناس فهم وطنيون صادقون يفخر الوطن بهم، ويشرف ~~بعملهم. ~~(2-5) واجب الإنسان نحو الإنسانية عامة # النوع الإنساني مؤلف من أمم وقبائل مختلفة لكل منها ميزات وخصائص، وهى مع كثرتها ~~جسما واحدا، كل أمة وكل قبيلة عضو من أعضائه، يستفيد كل عضو من سلامة باقي الأعضاء ~~ويتضرر بما يصيبها، فالحي في المدينة إذا كان قذرا غير صحي هدد جميع أجزاء المدينة ~~بالخطر، وانتشار الوباء في جزء من مملكة يعرض المملكة جميعها للضرر، والمخترع يخترع ~~آلة جديدة فيستفيد من اختراعها عدد كثير، ms062 والعالم يستكشف حقيقة علمية فيشترك في ~~الإستفادة منها سائر العلماء في أنحاء الأرض، والأمة تجني جناية كأن تشهر حربا ~~فيتضرر العالم كله منها ضررا بليغا، وهكذا. # يجب أن يشعر الفرد أنه عضو في الهيئة الإنسانية، يحب الخير للناس جميعا من أي جنس ~~كانوا، وبأية لغة تكلموا، وفي أى صقع سكنوا، ويشعر نفسه بالشفقة والرحمة على ~~البائسين أيا كانوا، ليس النوع الإنساني إلا أسرة كبيرة تقوم الأمم فيها والقبائل ~~مقام الأفراد في الأسرة، فيجب أن يكونوا جميعا متعاونين على ترقية نوعهم وتحقيق ~~الخير للإنسانية عامة. # إن الإنسانية مصابة بمواضع ضعف كثيرة، فكثير من بقاع الأرض حرمت ضروريات الحياة، ~~يعيش أهلها عيشة بؤس وشقاء، تفتك بهم الأمراض وتكتسحهم الأوبئة، ويفسد حياتهم ~~الجهل، واجب علينا إزاء هؤلاء أن نرقيهم ما استطعنا وأن نرسل إليهم أشعة النور ~~والعلم ونمدهم بوسائل العيش، كذلك تحدث كل يوم كوارث مزعجة، فإصابة عمال، وحوادث ~~اصطدام، وغرق وحريق، ونكبات زلزال، وثوران بركان، ونحو ذلك من مصائب الحياة، ~~فالإنسانية توجب إعانة هؤلاء المنكوبين بكل الوسائل، كالذي ترى من جمعيات الإسعاف ~~والهلال الأحمر والصليب الأحمر والجمعيات الخيرية، كل هذه تحتاج إلى مال ينفق منه ~~على أغراضها ومساعدات تقدم لها. # كثير من المرضى حرموا وسائل العلاج، فقر مدقع، وبيوت قذرة، ومعيشة تعين المرض على ~~الفتك، فهؤلاء لا بد لهم من مستشفيات تنفسح لهم، وأطباء يتولون علاجهم، وهذه لا بد ~~لها من مال ورجال. # آباء مجرمون حكم عليهم بالسجن فحرم أولادهم العائل الذى يعولهم، أو تجار أفلسوا ~~أو قعد بهم المرض عن مواصلة السعي فحرمت أسرهم ما يقيم أودهم، وأفراد نكبوا بعمى أو ~~صمم أو عاهة جعلتهم من العاطلين لا يجدون ما يأكلون، كل هؤلاء وهؤلاء لا بد أن ~~ترحمهم الإنسانية فتزيل كربهم، وتأخذ بيدهم، بإنشاء المعاهد والمستشفيات وجميع ~~المرافق، يجب أن يتساند القادرون لحمل العبء عمن ضعفوا عن مواصلة السير في الحياة، ~~وتخفيف ويلاتهم، ولذلك وسائل كثيرة كالإشتراك في الجمعيات التي أشرنا إليها قبل، ~~والإحسان إلى البائسين ونحو ذلك من ضروب الخير. ms063 ~~••• # قد كانت أخلاق الناس الأولين قبلية، # 3 # لا يرون الخير إلا ما فيه نفع قبيلتهم، وليس عليهم حرج في أن يسلبوا ~~مال غيرهم، ويستبيحوا دماءهم، فما يرتكب نحو قبيلة غير قبيلتهم لا يعد جريمة، وإنما ~~الجريمة أن يتعدى أحد أفراد القبيلة على مثله، وليس للفضيلة ولا الرذيلة قيمة ذاتية ~~أو نظر لنتائجها عامة إنما هي فضيلة أو رذيلة تبعا لمن تقع عليهم، وفي بعض القبائل ~~إلى الآن من يعاقب بالموت من يسرق من قبيلته، ويكافئ ويشجع من يسرق من غيرها، وكثير ~~من السائحين والمستكشفين يقتلون أو يعذبون إذا وقعوا في أيدي هذه القبائل، ولا يشعر ~~القاتلون بحرج من ذلك لأنهم لا يرون قتلهم إثما، فلما ارتقي الناس قليلا اتسع نظرهم ~~وكانت أحكامهم الأخلاقية أقرب إلى الصواب، فكانوا ينظرون إلى الأمة المكونة من جملة ~~قبائل كأنها جسم واحد، ولكنهم كانوا ينظرون إلى الأمم الأخرى نظرة العداء كما كان ~~الشأن عند اليونان قديما، كان العالم الإنساني عندهم ينقسم إلى قسمين: يونانيين ~~ومتوحشين، يعتقدون في جبلهم (أوليمبوس) الذي لا يبلغ ارتفاعه إلا 9700 قدم أنه أعلى ~~جبل على وجه الأرض، وأنه مسكن الآلهة، ويستبيحون الإسترقاق من غيرهم، حتى أن أرسطو ~~كان يقول: «إن الأرقاء حيوانات مستأنسة لها عقل» ولهذا النظر لم يكن اليونان يعدلون ~~في غيرهم. # ارتقى الناس فيما بعد فكانوا في حكمهم بالخيرية والشرية والحسن والقبح أوسع نظرا، ~~تبودلت التجارات بين الأمم، وحسنت الصلات، ووجدت القوانين الدولية، والأخلاق ~~الدولية، ولم ينظر الفرد من أمة إلى الفرد من أمة أخرى نظرة العدو لعدوه، وإن كانت ~~لا تزال عند الأمم وفي النفوس بقية موروثة من آبائنا المتوحشين، ومن أفظع هذه ~~الآثار الحروب بين الأمم، والناس سائرون إلى الكمال، وستتغلب حتما فكرة الإنسانية ~~فينظر الإنسان إلى الإنسان من أى جنس كان كأنه أخوه، لا يظلمه ولا يخونه، يعدل معه ~~كما يعدل مع أفراد أسرته، وسيضمحل النظر الشخصي أو الجنسى خضوعا لسنة النشوء ~~والإرتقاء، ويحل محله النظر العالمي، فينظر كل فرد إلى النوع الإنساني كأنه جسم ms064 ~~واحد، يعمل على ترقيته، وتتعاون الأمم وتتبادل المنافع، وترمي كلها إلى غرض واحد هو ~~كمال النوع. # وهذا النظر لا يتنافى مع الوطنية، فكما أن الفرد في الأسرة يعمل لخيره وخير أسرته ~~كذلك الفرد في الأسرة الكبيرة - وهي الجنس البشري - يعمل لخير وطنه وخير ~~الإنسانية. # الفصل التاسع # | المثل الأعلى # (1) معنى المثل الأعلى # قبل أن نشرع في بناء بيت يضع المهندس له رسما، وقبل أن يضع هذا الرسم كانت في ذهنه ~~صورة كاملة للبيت يستملي منها صورته التي يرسمها. وكذلك الشأن في واضع الرواية، قبل أن ~~يخرجها إلى الوجود كانت مرسومة في ذهنه، وكل إنسان يجب أن تكون عنده صورة كاملة لما يود ~~أن تكون عليه حياته المستقبلة، وكثيرا ما يسائل الإنسان نفسه: ماذا أكون؟ ما الذي أطمح ~~أن أكونه في مستقبل حياتي؟ ما الإنسان الكامل الذي أسعى لأن أتمثله يوما ما؟ فالصورة ~~التي في ذهننا نود تحقيقها ونستملي منها لنجيب على هذه الأسئلة تسمى في عرف الكتاب ~~الحديثين «المثل الأعلى». # وهو يميز الإنسان عن غيره من الحيوان، فإنا نرى الحيوانات تعيش على نمط واحد، ليست في ~~رقي مستمر، فمعيشة القط قديما هي معيشته اليوم، وكان النحل يبني خلاياه على أشكال ~~سداسية كما يبنيها الآن، أما الإنسان فدائم الرقي، هو اليوم غيره في القرن الماضي بل ~~غيره بالأمس، لأن أمامه «مثلا أعلى» يجد في الوصول إليه، وكلما قرب منه سبقه ~~المثل. # ويجب أن يكون لكل إنسان «مثل أعلى» يسعى لتحقيقه ويوجه أعماله للوصول إليه، ذلك لأن ~~الإنسان في هذه الحياة كقائد السفينة في البحر المتلاطم الأمواج، لا يمكنه أن يصل إلى ~~المرفأ حتى يعرف أين المرفأ، ويرسم خطة للوصول إليه، وإلا تنكب، وكانت سفينته عرضة ~~للارتطام، وكذلك يحيط بالإنسان قوى مختلفة: شهوات تتجاذبه، وصعوبات تعترضه، ومؤثرات ~~متباينة، فإن لم يحدد غرضه ويعين مثله الأعلى تقسمته هذه القوى واضطربت مسالكه. # وللمثل الأعلى تأثير في النفوس، فهو دائم الشخوص أمام نظر الإنسان يجذبه نحوه ويدعوه ~~لأن يحققه. وإن أعمال الإنسان وطريقته في الحياة تدل ms065 على مثله الأعلى «ما هو»، وكل ~~المؤثرات في الأخلاق من بيئة ومنزل وتعليم إنما تصلح الإنسان بواسطة إصلاح المثل ~~الأعلى، أما المؤثر الوحيد مباشرة فهو ذلك «المثل». ~~(2) اختلاف المثل الأعلى # تختلف المثل العليا عند الناس اختلافا يكاد يكون بعدد رءوسهم، فهذا مثله الأعلى رجل ~~غني متمتع بكل ملذات الحياة، وذلك مثله إنسان كامل العقل، قد تفوق في العلوم وتضلع من ~~المعارف، وآخر مثله وطني يدافع عن حقوق وطنه ويرفع مستوى أمته، كذلك يختلف سذاجة وتركبا ~~فقد يكون مثل شخص صورة ساذجة رسمها مما يسمعه من والديه، وقد يكون مثل آخر صورة مركبة ~~قد رسمها بعد أن بحث في الأخلاق بحثا علميا، وعرف الفضائل ورتبها حسب ما صح عنده من ~~مقياس الخير والشر. # والإنسان الواحد يختلف مثله من حين لآخر، والأمة الواحدة تختلف مثلها كلما تدرجت في ~~معارج الرقي، وليست الصعوبة أن يجد الإنسان أو الأمة مثلا أعلى، فالمثل كثيرة لا عداد ~~لها، وإنما الصعوبة اختيار أحسنها وأنسبها. # وليس في وسع الأخلاقي ولا الفيلسوف أن يرسم مثلا أعلى دقيقا يوافق كل إنسان وكل أمة، ~~فالمثل الذي يتفق مع غرائز إنسان ودرجة عقله من الرقي والبيئة التي تحيط به ربما لا ~~يوافق الآخر، لاختلافه فيما ذكرنا، اللهم إلا إذا رسم الأخلاقي أو الفيلسوف صورة عامة ~~اقتصر في رسمها على ما يوافق سواد الناس، كالخياط يعمل ثوبا واسعا يصح أن يلبسه كثيرون ~~مع تعديل بسيط. # وكل الذي نستطيع أن نقوله: إنه ينبغي أن يكون المثل الأعلى للشخص صورة كاملة تمثل خير ~~إنسان يستطيع الشخص أن يكونه في كل شأن من شؤون حياته، ففي عمله مثله أن يكون أحسن ما ~~يستطيع: من جد وأمانة وإتقان ومهارة، وفي سياسته لنفسه مثله أن يكون ضابطا لنفسه، يعمل ~~بإرشاد عقله، وفي معاملته للناس مثله أن يعاملهم كما يحب أن يعامل، وأن يحب الخير لهم ~~كما يحبه لنفسه. ~~(3) مم يتكون المثل الأعلى # أهم عامل في تكون المثل المنزل والمدرسة والدين، فتربية الناشئ المنزلية، وما يسمعه ~~من أبويه، والنظام ms066 الذي يسير عليه بيته وما يراه في المدرسة، وما يسمعه من مدرسيه، وما ~~يلزمونه بقراءته من الكتب، وما يحببونه إليه من عظماء الرجال، والدين الذي يتدين به، ~~وما يحويه من نظام، وما يرسمه من شكل الحياة الأخرى، كل ذلك له أكبر الأثر في تكوين ~~المثل الأعلى، وكذلك غرائز الإنسان الطبيعية لها أثر كبير في انتخاب الصورة التي تتخذ ~~مثلا، فالميول الموروثة من شجاعة وهمة أو جبن وخمول تعين على تحديد المثل الأعلى، وهى ~~عامل قوي في تكوينه. ~~(4) نمو المثل الأعلى (رقيه وانحطاطه) # يكاد يكون لكل إنسان مثل أعلى ولكن لا يشعر به من أين أتاه، وسبب ذلك أن المثل يتكون ~~مع الإنسان في نشأته وينمو بنموه، فلم يكن شيئا جديدا منفصلا عنه حتى يشعر به، ويعرف ~~متى أتاه، ومن أين جاءه، يتكون المثل جرثومة في أثناء التربية المنزلية، ويكون لما ~~يسمعه من القصص - ولو خرافية - دخل في تكوينة، ثم يتوارد عليه التغير كلما وجد مؤثر ~~جديد، من رواية يقرؤها أو حكاية يسمعها أو تمجيد لعمل عظيم، أو ذم لعمل حقير، وإن في ~~طبيعة الناشئين في أول حياتهم ميلا إلى سماع قصص الأبطال وكبار الأعمال وعجائب الحوادث، ~~وذلك - ولا شك - مما يساعد على تنمية المثل عندهم، فإذا خرج الشاب إلى معترك الحياة كان ~~لتجاربه في عمله، وتبادل الأخذ والعطاء مع الناس ما يحدد غايته في الحياة وينير أمله ~~ويوضح مثله، وباتساع نظر الإنسان في الحياة وكبر عقله، يكمل المثل وتتم أجزاؤه. # وكما أن المثل عرضة للكمال والإتساع كما بينا كذلك هو عرضة للنقص والضيق، فالعمال ~~الذين يقضون حياتهم في عمل يدوي محدود، ثم لا يصادفون بعد قضاء نهارهم ما يفيد عقلهم، ~~أو يوسع نظرهم، يضيق مثلهم، ويتحدد أملهم، وذلك شأن طائفة كبيرة من العمال وكتبة ~~الدواوين الذين لا يؤدون في الحياة غير عملهم الآلي، فلا يرقون مداركهم، ولا يوسعون ~~أنظارهم، وحياتهم ليست إلا يوما واحدا متكررا. # وفي ضيق المثل خطر عظيم، فالمثل هو الذى يبعث في الإنسان روح العمل، ويزيد في ms067 نشاطه ~~وقوته، وهو الذى يصحح حكمه على الأشياء، فالإنسان عادة عند الحكم على شىء أو نقده يقيسه ~~بمثله، ثم يحكم بالخطأ أو الصواب، وبالخير أو الشر، فإذا تحدد المثل وضاق قل نشاطه وساء ~~حكمه، وعلى العكس من ذلك إذا ترقى مثله. # الفصل العاشر # | الفضيلة # (1) معنى الفضيلة # الفضيلة هي الخلق الطيب، والخلق هو «عادة الإرادة» فإذا اعتادت الإرادة شيئا طيبا ~~سميت هذه الصفة فضيلة، والإنسان الفاضل هو ذو الخلق الطيب الذي اعتاد أن يختار أن يعمل ~~وفق ما تأمر به الأخلاق، وبذلك يكون الفرق بين الفضيلة والواجب واضحا، فالفضيلة صفة ~~نفسية، والواجب عمل خارجي، وعلى هذا يقال: فلان أدى الواجب ولا يقال: أدى الفضيلة بل ~~حاز الفضيلة. # وقد تطلق الفضيلة على العمل نفسه فيقال: «فضائل الأعمال» وليس يعنى بها كل عمل أخلاقي ~~بل الأعمال العظيمة التي يستحق فاعلها الثناء الجزيل، فلا نسمي دفع ثمن ما اشترى فضيلة، ~~إنما يسمى الإتيان بالعمل الكبير مع تحمل المشاق في سبيله فضيلة، ويشهد لهذا المعنى ~~اشتقاق الكلمة نفسها، فإنها مأخوذة من الفضل وهو الزيادة، وعلى هذا المعنى تكون ~~«الفضيلة» أخص من «الواجب». ~~(2) اختلاف الفضائل # تختلف قيمة الفضائل في الأمم اختلافا كبيرا، فلو أنا وضعنا لأمة قائمة تتضمن الفضائل ~~مرتبة حسب أهميتها لها لوجدناها تخالف ما يجب أن يوضع لأمة أخرى، ذلك لأن ترتيب الفضائل ~~في كل أمة يجب أن يتبع مركزها الإجتماعي وظروفها المحيطة بها، وما يفشو فيها من أمراض ~~أخلاقية، وما اعتورها من أشكال حكومات ونحو ذلك، فترتيب الفضائل في الأمة المحكومة غيره ~~في الأمة الحاكمة، وفي الأمة الآخذة بحظ وافر من المدنية غيره في الأمة البدوية، وفي ~~الأمة البحرية غيره في الأمة ساكنة الصحراء وهكذا، فالأمة المهددة بالحروب ترى الشجاعة ~~أهم فضيلة، والأمة الآمنة المطمئنة ترى العدل خير فضيلة، والأمة التي تحيا على الصناعة ~~ترى الأمانة والإستقامة عماد الفضائل، وهكذا. # ويختلف أيضا مفهوم الفضيلة الواحدة باختلاف العصور، فما كان يفهم من الشجاعة عند ~~اليونان غير ما يفهم منه في العصور الحديثة، قد كادوا ms068 لا يفهمون منها إلا الصبر على ~~تحمل الآلام الجسمية، واليوم نفهم منها ما هو أعم من ذلك، حتى إنها تشمل تعبير الإنسان ~~عن رأيه من غير خشية لمن حوله، والعدل تطور مفهومة تطورات عدة حسب تطور الأمم في حالتها ~~العقلية والإجتماعية، والإحسان إلى الفرد بالتصدق عليه قد كان يعد من أهم الفضائل في ~~القرون الوسطى حتى وضع موضع النقد في العصور الحديثة، واعترض عليه بأنه لا يميز فيه بين ~~المستحق للإحسان وغير المستحق تمييزا يوثق به، وبأنه يشل المحسن إليهم، ويقعد بهم عن ~~العمل ويميت ما في نفوسهم من شرف وإباء، واستحسن المحدثون إنشاء جمعيات للإحسان تحسن ~~إليها الأفراد وهي التي تتولى الإنفاق على المعوزين بعد أن تدرس حالتهم وتعرف فقرهم، ~~ولا تكتفي هذه الجمعيات بإعطاء المال إلى المحتاجين، بل توجد عملا لمن لا عمل له، وتنقذ ~~أولاد البائسين من آبائهم حتى لا ينشئوا نشأتهم. ولا يصابوا بمرضهم، فتنشئ المدراس ~~الصناعية، وتعلمهم علما عمليا يكتسبون منه أقواتهم، وقد اهتم كثير من الأمم الممدنة ~~بإنشاء هذه الجمعيات، وحرمت إحسان الفرد للفرد، وحضت على إحسان الفرد للجمعيات. # وهكذا الشأن في كثير من الفضائل، قد هذبها رقي العقل وتقدم المدنية. # كذلك تختلف قيمة الفضائل باختلاف حالة الأفراد وأعمالهم، ففضيلة الكرم بالنسبة للفقير ~~ليست من الأهمية بالدرجة التي لها بالنسبة للغني، ولا الفضائل التي في الدرجة الأولى ~~للمسن هي بعينها الفضائل التي في الدرجة الأولى للشاب، ولا فضائل المرأة مرتبة ترتيب ~~فضائل الرجل، ولا فضائل التاجر هي نفسها فضائل العالم وهكذا. ومن الصعب على الأخلاقي ~~التعمق في التفصيلات، وبيان الإختلافات الدقيقة بين الأشخاص التي يترتب عليها اختلاف في ~~قيمة الفضائل. # وكل الذي نستطيع أن نقوله إن الناس جميعا - مهما اختلفوا - مطالبون بفضائل عامة من ~~صدق وعدل ونحوهما يجب أن يتصفوا بها، وأنهم على اختلاف طبقاتهم ودرجاتهم يستوون في شيء ~~واحد، وهو أن كلا منهم مطالب أن يضع في الدرجة الأولى من الأخلاق ما يناسب حالته ويتفق ~~مع مركزه الإجتماعي وعمله الذى يؤديه، وإن اختلف ms069 تطبيق ذلك. ~~(3) أقسام الفضيلة # بعض الفضائل يمكن أن تدخل في فضائل أشمل منها، كالأمانة، فإنها تدخل في مفهوم العدل. ~~وكالقناعة فإنها تدخل تحت العفة، وبعض الفضائل يكون مولدا من فضيلتين أو أكثر، كالصبر ~~فإنه ينتج من العفة والشجاعة، وكالحذر، من العفة والحكمة، فما أصول الفضائل التي هي ~~أساس لغيرها؟ # قد ذهب «سقراط» # 1 # إلى أنه «لا فضيلة إلا المعرفة» يرى بذلك أن معرفة الإنسان الخير والشر ~~تكفي وحدها لعمل الخير وتجنب الشر، وإقدام الإنسان على الشر ليس له من سبب إلا الجهل ~~بنتائجه، ألا ترى الإنسان إذا رأى سبعا ضاريا لا يقدم على عرينه، وإذا رأى هوة سحيقة لا ~~يتردى فيها وهكذا، فلو علم الإنسان نتائج الشر علما جازما صحيحا لم يقدم عليه، فكل ~~الشرور ناشئة من الجهل، ولو علم المرء أين الخير لعمله حتما، وعلل ذلك بأن كل إنسان ~~بطبيعته يقصد الخير لنفسه ويكره لها الشر، فمحال أن يفعل ما يضرها وهو عالم بضرره، فما ~~يصدر عن إنسان من الخطأ إنما منشؤه الجهل بما يعقب العمل من نتائج أو الشك فيها، وعلاج ~~الشرير أن يعلم نتائج الأعمال السيئة التي تصدر عنه علما صحيحا، ولتعويد إنسان الخير ~~وجعله مصدرا للفضيلة يعلم نتائج الأعمال الحسنة. # وهذا خطأ واضح فكثيرا ما نعلم الخير ونتجنبه، ونعلم الشر ونأتيه، فمعرفة الخير ليست ~~كافية في الحمل على فعله، بل لا بد أن ينضم إليها إرادة قوية حتى يعمل على وفق ما ~~علم. # وعلى رأي «سقراط» ليست هناك في الحقيقة إلا فضيلة واحدة وهي «المعرفة» وإن شئت فسمها ~~«الحكمة»، وليس غيرها من الفضائل كالشجاعة والعفة والعدل إلا مظهرا من مظاهرها وصادرا ~~عنها. # ورأى «أفلاطون» # 2 # أن في الإنسان قوى ثلاثا إذا اعتدلت نشأت عنها الفضائل، وهذه القوى هي: ~~القوة العاقلة، وهذه إذا إعتدلت نشأ عنها فضيلة الحكمة، والقوة الغضبية، وهي إذا إعتدلت ~~نشأ عنها الشجاعة، والقوة الشهوية أو البهيمية وهي إذا إعتدلت نشأ عنها العفة وهذه ~~الفضائل الثلاث باعتدالها جميعا ينشأ عنها العدل، فالعدل تتصف به ms070 النفس عند أداء هذه ~~القوى الثلاث وظائفها باعتدال، وعندما تكون متساندة بحيث تتعاون كل قوة مع أخرى. فأصول ~~الفضائل عنده أربعة: الحكمة والشجاعة والعفة والعدل. # أما «أرسطو» # 3 # فكان يذهب إلى أن أساس الفضائل «خضوع الشهوات لحكم العقل» وبعبارة أخرى ~~«تسليم زمام الشهوات للعقل يقودها» وهناك طرفان ينبغي تجنبهما، الطرف الأول محاولة ~~استئصال الشهوات ، والطرف الثاني إرخاء العنان لها والإنهماك فيها، إنما الفضيلة ~~الإعتدال، فلا يطغى أحدهما على الآخر. # وقد جر هذا القول «أرسطو» إلى وضع «نظرية الأوساط» أى أن كل فضيلة وسط بين رذيلتين، ~~الإفراط والتفريط، فالشجاعة وسط بين التهور والجبن، والكرم وسط بين الشرف والبخل، ~~والعفة بين الفجور والخمود إلخ. وهناك فضائل لم تضع اللغة أسماء لطرفيها الرذيلين، ولكن ~~هذا لا ينفي أن الفضيلة في هذه الحالة أيضا وسط بين رذيلتين. # وقد اعترض على هذه النظرية بأن هناك كثيرا من الفضائل لا يظهر فيها أنها وسط بين ~~رذيلتين كالصدق والعدل، فليس هناك إلا صدق وكذب، وظلم وعدل. # وبأن بعض الفضائل ليس وسط الرذيلتين، فإن الشجاعة ليست على بعدين متساويين من التهور ~~والجبن، بل هي أقرب إلى التهور، وكذلك الكرم أقرب إلى الإسراف منه إلى البخل. # واتبع بعض المحدثين طريقة أخرى في تقسيم الفضائل، فقالوا: إن الفضائل إما فضائل ~~شخصية، كضبط النفس وتهذيبها، وإما فضائل اجتماعية كالعدل، فالفضائل الشخصية هي الفضائل ~~التي تنظم حياة الفرد، وتجعل ملكاته وقواه في حالة تعادل ورقي، وأما الفضائل الإجتماعية ~~فهي الفضائل التي تجعل الإنسان في وفاق مع من حوله من الناس وترقي شؤونهم، نعم إن ~~النوعين من الفضائل يتوقف كل منهما على الآخر، فإنه إذا انعدمت الفضائل الشخصية لا يمكن ~~تحصيل الخير للمجتمع، ولا سيره في طريق رقيه، ولا إيصال الحقوق للناس، وإذا انعدمت ~~الفضائل الإجتماعية ساءت أخلاق الفرد، ولم يستطع أن يرقي نفسه ترقية تامة، ولكن يمكن ~~التمييز بين النوعين بسهولة. ~~(4) طرق غرس الفضائل # للفضائل وسائل مختلفة تعين على غرسها، نذكر هنا أهما: ~~(1) # فأول ذلك تكوين العادات الصالحة في الطفل منذ صغره، ms071 وذلك عمل الآباء في ~~بيوتهم، والمدرسين في المدارس، وخصوصا المدارس الأولى، فهم بإلزامهم الطفل ~~أن يكرر عملا صالحا يصبح عادة له، كتعويده النظافة وقول الصدق والطاعة ونحو ~~ذلك، وإذا تأصلت هذه العادات أصبح لها من السلطان عليه ما يقرب من الطبيعة ~~التي خلق عليها الإنسان، ولذلك قالوا: «العادة طبيعة ثانية» وبعد أن ينشأ ~~الناشئ وينمو عقله يصبح تكوين العادات الصالحة موكولا إليه هو، وهو المكلف ~~بها والمسئول عنها، فإذا عني بنا آباؤنا ومربونا في صغرنا، وعنينا بأنفسنا ~~في شبابنا بتكوين العادات الصالحة عنيت هذه العادات بنا في بقية حياتنا، ~~وجنينا من ورائها ربحا عظيما، فنحن كالمصور يعمل صورة من جبس لين لا يلبث ~~بعد أن يتصلب، فإن اعتنى بالصورة وجملها كانت - مدة بقائها - زينة تسر ~~الناظرين، وإن لم يعن بها وخرجت مشوهة جمدت على شكلها وكانت غصة ~~للرائين. # والإنسان يكاد يكون مجموع عادات تمشي على الأرض، فطريقته في معيشته تعتمد ~~على عاداته، بل هو سعيد أو شقي بالعادة، أمين أو خائن بالعادة، شجاع أو ~~جبان بالعادة، فإذا عني بنا في صغرنا ربحنا كثيرا في حياتنا. ~~(2) # ومما يعين على غرس الفضائل «القدوة الصالحة»، لأنها تثير الشعور، وتحي ~~الضمير، وتكون القدوة بأمور: ~~(أ) # الصداقة، فالإنسان يقترب جد القرب من أخلاق من يصادق، وكما ~~قال بعضهم: «خبرني من تصادق أخبرك من أنت» وتقليد الصديق ~~لصديقه ظاهر في نواح مختلفة - في القول - فنحن نبدأ نتكلم ~~بالألفاظ التي يتكلم بها الصديق، فإذا كانت سيئة بذيئة شعرنا ~~في أول الأمر بكراهيتها والإشمئزاز منها، ثم نتعود سماعها ~~بتكررها على آذاننا، ولا نشعر بما كنا نشعر به من اشمئزاز، ثم ~~لا نلبث أن ننطق بها كما ينطق صديقنا، كذلك - في الفعل - فنحن ~~نعمل أعمال أصدقائنا بحكم ما فينا من ميل إلى التقليد، ننسخها ~~كما ننسخ صفحة أمامنا، بل نحن نقلد أصدقاءنا في كثير من ~~أعمالهم من غير شعورنا، فالكلمات التي نسمعها منهم والأعمال ~~التي تصدر عنهم تحفظ في أذهاننا، ثم تبعثنا على العمل على ~~وفقها ولو لم نتعمد ms072 ذلك. # والصديق يؤثر في صديقه خيرا كان أو شرا، فالصديق السيئ ينضح ~~أفكارا سيئة وأقوالا سيئة وذوقا سيئا يتشربها صديقه، والصديق ~~الصالح ينضح أفكارا صالحة وأقوالا نقية وذوقا طاهرا يتأثر بها ~~صديقه. # كل هذا يوجب علينا أن نعني كل العناية بتخير الأصدقاء، وأن ~~نفر من الصديق السيئ كما نفر من المحموم خشية العدوى، ونعده ~~خطرا يتهدد أخلاقنا، نهرب من مجلسه، ونهرب من سماع قوله، ونهرب ~~من رؤية عمله، لأن الشر الذى يصدر منه يعلق بنا. ~~(ب) # كذلك، من القدوة الصالحة التي تعين على الفضيلة سير الأبطال ~~ورجال الأخلاق، فالقراءة في كتب تراجم العظماء وقصصهم وأعمالهم ~~في حياتهم يودع في أذهاننا ذخيرة نقلدها في أعمالنا، وكما أن ~~كثيرين ممن أجرموا كان سبب إجرامهم قراءة رواية لص أو مشهد ~~سينما أو نحو ذلك، كذلك كثير من العظماء إنما كانوا عظماء ~~برؤيتهم القدوة الصالحة وتتبعهم لسيرة بطل رأوه أقرب إلى ~~نفوسهم، فعرفوا تفاصيل حياته، فكانت منبعا لعظمتهم. # الحياة الأخلاقية حياة تأثر وتأثير، فكل إنسان يتأثر بمن ~~حوله ويؤثر فيمن حوله، كالشيء الحار والبارد، فإنهما إذا تلامسا ~~اكتسب الحار برودة والبادر حرارة، فيجب أن نعني بهاتين ~~الناحيتين، فمن ناحية التأثر يجب ألا نختلط إلا بمن يفيدنا ~~التأثر بهم، ومن ناحية التأثير يجب أن نكون قدوة صالحة ~~لأصدقائنا والذين يعاملوننا، ونعلم أن عملنا الشر ليس مقصورا ~~علينا، بل سيسهل لآخرين أن يعملوا الشر مثلنا، وأن يكون مثلنا ~~الأعلى أن لو عرضت حياتنا بجميع دخائلها لم يجد الناس فيها إلا ~~خيرا يحتذى. ~~(3) # كذلك مما يعين على غرس الفضائل دراسة علم الأخلاق، فكل علم يمنح دراسة ~~عينا ناقدة في دائرة الأشياء التي يبحث عنها، وكذلك الشأن في علم الأخلاق، ~~فدارسه أقدر على نقد الأعمال التي تعرض عليه وتقويمها تقويما مستقلا غير ~~خاضع إلى إلف الناس وتقاليدهم، بل هو يستمد آراءه من نظريات العلم وقواعده ~~ومقاييسه، وهذا يعينه على أن يكون فاضلا. # وكثير من العلوم كالرياضة والطبيعة وتقويم البلدان الغرض منها مقصور على معرفة ~~نظرياتها وقواعدها، أما علم ms073 الأخلاق فله غرض أسمى وهو التأثير في إرادتنا وهدايتها، ~~وحملنا على أن نشكل حياتنا ونصبغ أعمالنا حتى نحقق المثل الأعلى للحياة، ونحصل خيرنا ~~وكمالنا، ومنفعة الناس وخيرهم، فهو ينير السبيل أمام الإرادة، ويشجعها على عمل الخير ~~ويثبطها عن فعل الشر. # فعلم الأخلاق لا يفيدنا ما لم تكن لنا إرادة تنفذ أوامره وتجنبنا نواهيه. ~~••• # عادات صالحة نعتادها من صغرنا. وقدوة حسنة تحيي ضمائرنا، من أصدقاء منتقين، وكتب ~~مختارة تشرح سير الأبطال وعمل الصالحين، ودراسة لعلم الأخلاق تشحذ ذهننا لمعرفة الخير ~~والشر، وتستحث إرادتنا للعمل على وفقه، كل هذه أكبر ما يعين على غرس الفضائل في ~~النفوس. # ولسنا نستطيع عد الفضائل جميعها، والكلام على كل منها تفصيلا، لذلك نختار بعض الفضائل ~~الهامة ونشرحها. ~~(5) الصدق ~~(5-1) معناه # هو أن يخبر الإنسان بما يعتقد أنه الحق، وليس الإخبار مقصورا على القول، بل قد ~~يكون بالفعل، كالإشارة باليد وهز الرأس ونحوهما، وقد يكون بالسكوت من غير قول ولا ~~فعل، فمن ارتكب جريمة ورأى غيره يؤنب على ارتكابها ثم سكت فقد كذب، ومن الكذب ~~المبالغة في القول مبالغة تجعل السامع يفهم منه أكثر من الحقيقة، كما إذا بالغ ~~إنسان في وصف شيء بالعظم أو الكبر أو الصغر حتى أفهم السامع أكثر من حقيقته. # ومن الكذب أن يحذف المتكلم بعض الحقيقة ويذكر بعضها إذا كان ذكر ما حذف يجعل لما ~~ذكر لونا خاصا. # وهناك طريقة واحدة للصدق وهو «أن يقول الإنسان الحق كل الحق، لا شيء غير ~~الحق». # وإنما كان الصدق فضيلة لأنه أهم الأسس التي تبنى عليها المجتمعات، ولولاه ما بقى ~~مجتمع، ذلك لأنه لا بد للمجتمع من أن يتفاهم أفراده بعضهم مع بعض، ومن غير التفاهم ~~لا يمكن أن يتعاونوا، وقد وضعت اللغات لهذا التفاهم الذي لا يمكن أن يعيشوا بدونه، ~~ومعنى الإفهام أن يوصل الإنسان ما في نفسه من الحقائق إلى الآخرين، وهذا هو ~~الصدق. # يتجلى لك ذلك في المجتمعات الصغيرة كالأسرة والمدرسة، فكلاهما لا يبقى إلا ~~بالصدق، فلو كذب الطلبة في كل ما ms074 يتكلمون، وكذب عليهم مدرسوهم في كل ما يعلمونهم ~~ويحدثونهم ما بقيت المدرسة، وكذلك البيت. وإذا كان المجتمع لا يمكن أن يبقى إذا كان ~~كل ما يتكلم فيه كذبا كان من الواضح أن يتضرر بقدر ما فيه من الكذب، فقد يبقى إذا ~~غلب فيه الصدق على الكذب ولكنه يكون فاسدا منحطا. # ويدلك على ضرورة الصدق أن أغلب المعلومات التي وصلت إلينا بالسماع أو القراءة ~~مبناها الصدق، وعليها يعتمد الإنسان في معاملاته وتصرفاته، فلو كانت كذبا لكانت ~~الأعمال المبنية عليها خطأ وضلالا، ولما وصل إلينا من العلم إلا شيء قليل، وهو ما ~~يمكننا أن نجر به بأنفسنا، وهو لا يغني في الحياة. # ومن أجل هذا عد الصدق أساسا من أسس الفضائل، وجعل عنوانا لرقي الأمم ~~وانحطاطها. # ومما يشاهد في شأن الكذب أن الكذبة الواحدة قد تستوجب عدة كذبات لتغطيها، ذلك لأن ~~الكاذب يخلق في الدنيا بكذبه ما لم يكن، يخلق خيالا لا يتفق مع الواقع، وقد يضطره ~~هذا الخيال الذي خلقه أن يكذب كثيرا ليوفق بين الواقع والخيال ومحال ذلك. # ولا يزال الإنسان يكذب حتى يفقد ثقة الناس به وتصديقهم له حتى فيما هو صادق فيه، ~~كما روى عن «أرسطو» أنه سئل ما ضرر الكذب قال: (ألا يثق الناس بقولك حين تصدق) وكل ~~إنسان في هذه الدنيا في حاجة شديدة إلى ثقة الناس به سواء كان تاجرا أو طبيبا أو ~~مدرسا أو محترفا حرفة، فمن فقد ثقة الناس به فقد حرم خيرا عظيما. # وكما يكذب الإنسان على غيره كصاحبه وأخيه يكذب على نفسه، وكثيرا ما يكون ذلك، كمن ~~يحاول أن يقنع نفسه بأنه بذل ما في وسعه لأداء ما يجب عليه، وهو في الحقيقة لم يفعل ~~ذلك، وكما يحصل كثيرا من محاولة المرء أن يخلق لنفسه الأعذار عن كسله أو بخله أو ~~قسوته أو جبنه غشا لنفسه وخداعا، وصرفا لها عن الحق، وقد يغلو المرء في هذا الأمر ~~حتى يصير عادة له، وحتى لا يستطيع أن يفرق بين الحق والباطل والصدق والكذب. ms075 ~~(5-2) أنواعه # وهناك أنواع من الكذب قد وضعت لها أسماء خاصة كالنفاق، وهو أن يظهر الإنسان غير ~~ما يبطن، اشتقته العرب من النافقاء وهو إحدى حجرة اليربوع، يخفيها ويظهر غيرها ~~ليلجأ إليها عند الحاجة، ومن هذا سمي الرجل الذي يظهر الإيمان ويبطن الكفر منافقا، ~~فهو كذب عملي، ومن هذا النوع أيضا من يظهر الصداقة ويبطن العداء ، وكل من يظهر بمظهر ~~ينافي حقيقته منافق مذموم. # وكالملق أو التملق وهو أن تمدح آخر بما لا تعتقده فيه لتدخل على قلبه السرور رجاء ~~أن تنال منه منفعة أو نحو ذلك. # وضد النفاق والملق الصراحة، وهي أن نفتح قلوبنا لمن نخاطبهم، وأن نصدق في التعبير ~~عما تكنه ضمائرنا، والكلمة مأخوذة من قولهم: «لبن صريح» إذا ذهبت رغوته وكان خالصا، ~~فالصريح من الناس من يخلص من الغش ويظهر لمن يحدثه حقيقة ما في نفسه. # وقد يخطئ قوم في فهم الصراحة فيظنون أنها تقتضي أن يقول الإنسان كل حق لكل إنسان. ~~وهذا ليس بصحيح، فهناك مجال للقول ومجال للسكوت. وليس من الصراحة أن تجرح إحساس ~~الناس وتؤلم مشاعرهم من غير حاجة تدعو إلى ذلك، أو أن يحدث الطبيب الناس بأمراض من ~~يعالجهم من الأسر إذا كان ذكر ذلك يسيئهم، كما أنه ليس من الصراحة أن تفخر بأعمالك، ~~أو تفشي ما تعرفه من أسرار نفسك أو بيتك، أو جيرانك أو أصدقائك، ولو كان ما تحدث به ~~حقا، وإنما الصراحة ألا تقول - إذا قلت - إلا الحق، ولكن لا تقوله إلا لمن له الحق ~~أن يعرفه. # ومن ضروب الكذب الممقوت «خلف الوعد» فمن وعد آخر وعدا وفي نيته عند وعده ألا يفي ~~فقد كذب، وكذلك من كان في نيته الوفاء ثم أخلف لا لعذر أو لعذر يستطيع التغلب عليه، ~~في خلف الوعد إضرار بالموعود كاضاعة وقته أو إيجاد أمل كاذب عنده أو نحو ذلك.. ~~والوعد دين، فكما يجب وفاء الديون يجب وفاء الوعود، ويجب الإقتصاد فيها حتى لا يعد ~~الإنسان وعدا إلا وفى. ~~(5-3) هل يباح في أية حالة ms076 من الأحوال؟ # ولا يحق لإنسان بحال من الأحوال أن يفتح على نفسه باب الكذب، بل ينبغي أن يلتزم ~~الصدق في جميع أقواله وأعماله. ولسنا ننكر أن التزام الإنسان الصدق في كل ما يقول ~~ويفعل يستلزم مشقة كبيرة، ويحتاج إلى عناء ورياضة نفس وصبر وشجاعة، ذلك لأنه قد ~~يعرض للإنسان في حياته اليومية مسائل دقيقة يرى فيها قصار النظر أن الكذب أنفع، ~~وأنه لا مفر منه، ونحن نورد لك أمثلة من أقواها ونبين حجتهم في الكذب ثم نبين وجه ~~الخطأ فيها. ~~(1) ناشئ ابتدأ يتعلم فن الشعر عرض عليك قصيدة له لم تستحسنها. فهل ~~تصدق وتقول: إنها قصيدة سقيمة المعاني، ظاهر فيها التكلف سخيفة ~~النسج، وحينئذ تكون قد آلمته وجبهته، وقد يكون قولك سببا في تركه ~~الشعر مع أنه لو شجع لصار شاعرا مجيدا، أو خير أن تكذب وتقول: إنها ~~قصيدة جميلة فتدخل على قلبه السرور، وتشجعه على السير في طريقه حتى ~~يبلغ غايته؟ # والجواب أن هناك مندوحة عن الكذب، فإن المسئول إذا كان لا يجيد ~~الشعر ولا يستطيع الحكم عليه يمكنه أن يقول بحق «لست من الشعر ~~بالمنزلة التي تخول لي الحكم» فإن كان يجيد أو يستطيع أن يميز بين ~~جيده ورديئه فليستحسن من الأبيات ما هو حسن في نظره، ولينتقد بلطف ~~وأدب مواضع النقد عنده، ويرشده إلى طريقة التخلص من عيوبه، فهذا ~~صدق لا يؤلم، وفيه من الفائدة ما ليس للمدح الصرف الكاذب، إنما ~~يؤلم النفس احتقار الشيء جملة، وأن يقال الصدق بخشونة وفظاظة، أما ~~النقد المؤدب فأشهى إلى نفس طالب الحقيقة من القول الكاذب ~~المزوق. ~~(2) الكذب في الحروب، فقد ترى أمة محاربة لأخرى أن تكذب عليها ~~للإيقاع بها، كأن تقول: إنها ستهاجمها من جهة لا تريدها، أو تشرع ~~بالفعل في الهجوم من ناحية وفي عزمها الهجوم من ناحية أخرى، تريد ~~بذلك التعمية عليها، فهل يصح أن نلزمها الصدق فنضيع عليها النصر مع ~~أن الحرب خدعة؟ # والجواب أن الكذب في الحروب ليس كذبا في الحقيقة، لأن الأمة ~~باعلانها الحرب على ms077 أمة أخرى قد أعلنتها بألا تفاهم بينهما، وحيث ~~لا تفاهم لا كذب، لأن معنى إعلانها الحرب أنها ستفعل معها ما ~~تستطيع من الإيقاع بها ولو بالخديعة، فمثلها مثل من قال لآخر: ~~«سأقص عليك خبرا كاذبا» ثم قصه عليه، فليس هذا بكذب لأنه لم يخبره ~~بغير ما يعتقد، فإن اعتقد السامع صدق الخبر فاللوم عليه. ~~(3) وأدق من هذا وأصعب ما يحدث كثيرا، يكون لأم ولد مرض بالسل مثلا، ~~وهي التي تمرضه وتعنى بشؤونه، وكان قد مرض لها ولد من قبل بذلك ~~المرض ومات، استدعت الطبيب ففحصه وعرف مرضه فسألته: هل هو مصاب ~~بالسل؟ سألته وهي مرتبكة مرتجفة تخشى أن يكون الجواب نعم، أفليس من ~~الحكمة أن يقول الطبيب: إنها «نزلة شعبية» حتى تسترد قوتها وتعني ~~بالولد. وهو أشد ما يكون حاجة إلى عنايتها. أو يقول الحق فتفقد ~~قواها، وترتبك في تمريض ابنها، فيثقل المرض عليه ويسرع ذلك إلى ~~موته؟ # والجواب أن الناظر إذا قصر نظره على هذه الحادثة في وقتها رأى أن ~~الكذب قد يكون واجبا، ولكنه إذا وسع نظره رأى أن الأم ستعلم أن مرض ~~الولد كان السل لا النزلة الشعبية، وأن الطبيب قد كذب عليها رحمة ~~بها، وسيعلم الناس ذلك فلا يثقون بقوله مهما أكد لهم عن المرض، ولو ~~علم الناس أن الأطباء جميعا يتبعون هذه الطريقة لفقدوا الثقة بهم، ~~فهذا الكذب قد أضاع معانى اللغة، وأزال الثقة بين الناس، وينبغي ~~للإنسان عند الحكم على شيء أن يوسع نظره ليرى ما يترتب عليه من ~~الإضرار في المستقبل القريب والبعيد. # ومع هذا فإنا نوجب على الطبيب أن يتخير الألفاظ التي يستعملها ~~لأداء الخير. وأن يفتح على المريض وأهله باب الأمل بالقدر الذي ~~يعتقد، ولكن لا يحيد عن الصدق. # على أنه إذا كان الصدق قد يودي بحياة بعض الأفراد، والكذب ينجيهم - وإن كنا لم ~~نعثر في حياتنا اليومية على شىء من هذا - فلم لا نضحي بهذه الأنفس القليلة في سبيل ~~الحق، وفي سبيل المحافظة على معاني اللغة، وثقة الناس بعضهم ببعض، ms078 وهي كلها ركن ~~عظيم من أركان العمران؟ إذا كان من الصواب أن نضحي بآلاف النفوس للمحافظة على مملكة ~~أفلا يكون من الحق أن نضحي بنفوس معدودة، ونحتمل أضرارا محدودة، للمحافظة على ~~الحق؟ # فلندع هذا النوع من الجدل، ولنلزم أنفسنا بقول الحق، كل الحق، في كل حال. ~~(6) الشجاعة ~~(6-1) معناها # الشجاعة هي مواجهة الآلام أو الخطر عند الحاجة في ثبات، وليست مرادفة لعدم الخوف ~~كما يظن بعض الناس، فالذي يرى النتائج ويخاف من وقوعها ثم يواجهها في ثبات رجل ~~شجاع، وما دام الإنسان يعمل في موقفه خير ما يعمل فهو شجاع، فالقائد الذي يقف في خط ~~النار فيرتعش، ويخاف أن ينزل به الموت، ثم يضبط نفسه، ويؤدي عمله كما ينبغي قائد ~~شجاع، بل هو شجاع أيضا إذا رأى أن خير عمل يعمله أن يتجنب الخطر، وأن الواجب يقضي ~~عليه أن ينسحب بجنوده حيث لا خطر، فإن هو أضاع في موقفه رشده، أو ترك موقفا يجب أن ~~يقفه، أو فر بجنوده من خطر كان عليه أن يواجهه، فهو جبان. # فليست الشجاعة تعتمد على الإقدام والإحجام، ولا على الخوف وعدمه، إنما تعتمد على ~~ضبط النفس وعمل ما ينبغي، فإن ضبط الشخص نفسه، وعمل ما يجب أن يعمل في مثل موقفه ~~رغم خطر أمامه، ورغم ما يشعر به من خوف، فهو شجاع، وإلا فلا. # وليس بالمحمود أن يتجرد الإنسان من كل خوف، فقد يكون الخوف فضيلة وعدمه رذيلة، ~~فالخوف عند إمضاء عقد سياسي مثلا أو إنهاء أمر خطير فضيلة، إذ هو يحمله على الروية ~~حتى يختمر رأيه، وفضيلة أن يخاف الإنسان من ثلم عرضه وشرفه، فليس بشجاع من يدخل ~~الحانة ويشرب جهارا، أو يقامر على ملأ من الناس غير هياب ولا وجل، فذلك ضعف في ~~الشعور لا شجاعة. # إنما الجبن المذموم والخوف المرذول أن يبالغ الإنسان في الخوف، أو يهول في الشيء ~~المخوف، فمثلا كل إنسان عرضه لكلب كلب يعضه، أو سلك ترام يصعقه، أو سيارة أو قطار ~~يدهمه، أو نار تشب في بيته، ms079 أو مكروه ينال منه، كل هذه الأشياء تخيف، ولكن الجبان ~~يبالغ في الخوف منها، ويخشى جد الخشية من وقوعها، ثم يحمله خوفه على اجتناب العمل، ~~فلا يركب مركبا - مثلا - خوف أن يغرق به، ولا يرحل عن وطنه إذا لم يجد عملا خوف أن ~~يدركه الموت، ولكن الشجاع لا يفكر كثيرا في احتمال الشر، ثم إذا وقع لم يطر قلبه ~~شعاعا، بل يصبر له، ويتحمله في ثبات، إن مرض لا يضاعف مرضه بوهمه، وإذا نزل به ~~مكروه قابله بجأش رابط فخفف من شدته. # وعلى الجملة فالشجاع ليس بالمتهور الطائش الذي لا يخاف مما ينبغي أن يخاف منه، ~~ولا بالجبان الذي يخاف مما لا يخاف منه. # وليست الشجاعة مقصورة على حمل السلاح ومشاهدة الحروب، بل إن كثيرا من الأعمال ~~اليومية يحتاج إلى شجاعة لا تقل عن شجاعة الجنود، فرجال المطافئ، والأطباء، وعمال ~~المناجم، وصيادو الأسماك في البحار عند اشتداد الرياح وتلاطم الأمواج، والممرضات ~~اللائي يتعرضن للأخطار بتمريض المصابين بالأمراض المعدية، وربانو السفن التجارية، ~~كل هؤلاء وأمثالهم شجعان يتحملون الأخطار كما يتحمل الجنود، ويقابلون الشدائد في ~~صبر وثبات. # ومن أكبر مظاهر الشجاعة حضور الذهن عند الشدائد، فشجاع من إذا عراه خطب لم يذهب ~~برشده، بل يقابله برزانة وثبات، ويتصرف فيه بذهن حاضر، وعقل غير مشتت، قد يرى إنسان ~~نارا تلتهم بيته، أو لصا يغشى منزله، أو قطارا يكاد يهشم رجلا، أو سفينة أشرفت على ~~الغرق، فإن فقد رشده، وأضاع صوابه، وحار طرفه، ودله عقله، ولم يدر ماذا يفعل، كان ~~جبانا. وإن هو ملك نفسه، وثبت قلبه، وتصرف في الأمر على أحسن وجه، كان شجاعا حقا. ~~كالذي حكى عن عبد الملك بن مروان أنه أتاه في يوم واحد خبر مقتل ابن زياد، وهزيمة ~~جيشه، ودخول ابن الزبير فلسطين، وثوران ثورة في دمشق، ومسير ملك الروم إلى الشام، ~~فما تزعزع ولا طاش، وقد رؤي في هذا اليوم ثابت الجنان، غير مقطب الوجه، ثم شغل ملك ~~الروم بمال يؤديه إليه، ووجه جيشا إلى فلسطين فاستردها، وسار ms080 إلى دمشق فأسكن ~~فتنتها. ~~(6-2) الشجاعة الأدبية # لما تقدم الناس في المدنية لم يكونوا في حاجة كبرى إلى الشجاعة البدنية كما كانوا ~~يحتاجون إليها أيام بداوتهم، فظهر للشجاعة معنى جديد يسمونه الشجاعة الأدبية، يعنون ~~بها أن يبدي الإنسان رأيه وما يعتقد أنه الحق مهما ظن الناس به، أو تقولوا عليه، ~~ومهما جر ذلك عليه من غضب عظيم، لا يخاف من تحمل ألم يصيبه في سبيل قول حق يقوله، ~~أو مبدأ هام ينشره، فلو رأى في مسألة غير ما يراه علماء وقته أو من حوله من الناس، ~~أو خالف حاكما أو عظيما، جاهر برأيه غاضا عما يناله من الأذى، يقول الحق بأدب وإن ~~تألم منه الناس، ويعترف بالخطأ وإن نالته عقوبة، ويرفض العمل بما لا يراه صوابا ولو ~~لم يقع رفضه موقعا حسنا. # والتاريخ مملوء بكثير من الناس ضحوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل قول الحق ونصرته، ~~وصبروا على الآلام عشقا للحق وهياما به، واستعذبوا طعم الرزايا تنزل بهم لأنهم ~~يحبون الحق أكثر مما يحبون أنفسهم، ومنهم الأنبياء والمرسلون والشهداء ونوابغ ~~العلماء، فقد أوذوا في الحق فتحملوا الأذى، وباعوا أنفسهم وأموالهم مرضاة له، كالذي ~~حكى عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وقد جاء إليه عمه أبو طالب ينصحه بالعدول عن دعوة الناس ~~فقال له: «يا عم! والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا ~~الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته». # ومن هؤلاء «سقراط» الفيلسوف اليوناني، فقد علم شبان أثينا ما وصل إليه علمه، وبذل ~~جهده في تثقيف عقولهم وتقويم أخلاقهم، فلما بلغ سن السبعين أتهم بأنه يجحد آلهة ~~اليونان، ويضلل الشبان، فحكم عليه بالإعدام، وكان في استطاعته أن ينجو بنفسه إذا هو ~~تعهد أن ينقطع عن التعليم، ولكنه أصر على قول الحق وأضاع نفسه. # وفي تاريخ العرب كثير من أمثال ذلك «فابن رشد» الفيلسوف الشهير المتوفى في سنة ~~595ه اضطهد من أجل اشتغاله بالفلسفة، وسجن ونفى فلم يعبأ بذلك كله. ~~«وابن تيمية» أحد ms081 الفقهاء المشهورين المتوفي سنة 728ه أداه اجتهاده إلى مخالفة ~~فقهاء عصره في بعض المسائل فوشوا به إلى السلطان فسجنه، فظل يكتب الرسائل في سجنه ~~يؤيد بها مذهبه، ويدحض بها حجج معارضيه. # وفي العصور الحديثة لولا أن قوما من العلماء ضحوا كثيرا في قول الحق ما تقدم ~~العلم والمدنية إلى الحد الذى نراه «فجاليليو» الفلكي الإيطالي (1564-1643م) اخترع ~~التلسكوب فرأى به أن المجرة ليست إلآ نجوما كثيرة، وأن في القمر جبالا وأودية كالتي ~~في الأرض، ورأى به كلف الشمس، وكان يعلم أن الأرض تدور حول الشمس مخالفا لتعاليم ~~«بطليموس» القائلة بأن الأرض هي مركز الكون، فاضطهده من أجل ذلك بعض القسيسين، ~~وأمروه بالكف عن تعاليمه، فلم يستطع الصبر عن الحق، فأخذ وسجن وعذب كثيرا من أجل ~~تعاليم يعرفها كل تلاميذ المدارس اليوم. ~~«ودارون» الفليسوف الإنجليزي (1809-1882م) لم يعذب كما عذب من قبله بسجن أو نفي ~~أو قتل، ولكنه عذب بالإنتقاد المر من رجال عصره فتحمله، وأبان الطريقة التي اتبعها ~~النبات والحيوان في نشوئه وارتقائه، ولم يقعد به ضعف صحته عن البحث وراء الحقيقة، ~~فكان على الرغم من مرضه وألمه يجري التجارب ويجتهد أن يتعلم دائما أشياء جديدة عن ~~الدنيا التي يعيش فيها، «وكامبانلا» الفيلسوف الإيطالي (1568-1639م) قد أغضب بعض ~~القسيسين والأمراء بتعاليمه الجديدة، فقد كان يقول: إننا نستطيع أن نتعلم من امتحان ~~الأشياء التي حولنا كالأشجار والأزهار والجبال والأنهار أكثر مما نتعمله من كتب ~~الفلاسفة القدماء أمثال «أرسطو» وكان يقول: إن هناك نظاما للحكم خيرا من النظام ~~الحاضر لا يستبد فيه الحكام بالشعب، وقد سجن من أجل أقواله هذه، وعذب عذابا شديدا، ~~واستمر في الحبس خمسا وعشرين سنة، ثم أفرج عنه. # فواجب أن نقف بازاء الحق نصرح به وندافع عنه ونعشقه، ونتحمل الآلام في سبيله، ~~ونتخذ من ذكرنا مثلا صالحا في حياتنا. # ومن هذا النوع من الشجعان من يهجر لذته وراحته، ويتحمل الآلام، لخير الناس ~~وإسعادهم، كمن يرى مرضا اجتماعيا في أمته فيخصص حياته لدراسته ومعرفة أسبابه، ثم ~~يتحمل المتاعب في ms082 سبيل إصلاحه، وكأن يرى الأطفال الذين لم يتجاوزوا العاشرة يعملون ~~في المعامل ساعات طويلة في أماكن غير صحية بأجر قليل، لا يرحمهم ولا يشفق عليهم ~~أصحاب المعامل ورءوس الأموال، فيشبون ضعفاء جهلاء يقسون على من دونهم كما قسى ~~عليهم، أو يرى أولاد الشوارع ينشئون ولا علم ولا عمل فيكونون بعد مجرمين يعبثون ~~بالأمن ويعثون في الأرض فسادا، أو يرى فقراء يألمون في الحياة آلاما جسيمة يقضون ~~أطول زمن في العمل وينالون أقل أجر، تشتد مزاحمتهم على العمل، ويخضعون لنظم شاقة، ~~يسكنون مساكن غير صحية وهم مع ذلك يستأجرونها بأجرة باهظة إذا قيست بمساكن الأوساط ~~والأغنياء، أثمان طعامهم ووقودهم وحاجاتهم أغلى مما يدفعه الأغنياء لأنهم مضطرون ~~إلى شراء كميات قليلة في أوقات يقل فيها الصنف، تكثر بينهم الأمراض والوفيات، ويشتد ~~بهم الضيق بمجرد قعودهم عن العمل لأنهم لم يستطيعوا أن يوفروا شيئا من أجورهم وقت ~~عملهم، بيوتهم وحاراتهم تشمئز منها النفس قذارة، اضطرهم الفقر إلى الإزدحام في ~~الحجرة الواحدة مع ما يفشو فيهم من الأمراض، تنشأ بينهم أبناؤهم وبناتهم فيجدون ~~حولهم جوا خانقا من سكر وعربدة وتسول ومسكنة وكذب جر إليها الفقر وسوء الحال، ~~فيخضعون لذلك مضطرين، ويسيرون سير آبائهم وهم في ذلك مجبرون لا مخيرون، فمن رأى ~~شيئا من ذلك أو نحوه من الأمراض فخصص حياته لمعالجته، وضحى بكثير من مصلحته لمصلحة ~~أمته، وصبر على ما يناله من الشدائد، وتغلب على ما يصادفه من العقبات، كان أشجع من ~~جندي في خط النار. ~~(6-3) علاج الجبن # الشجاعة والجبن ونحوهما من الفضائل والرذائل تعتمد على الوراثة والتربية معا، ~~فنحن نرث من آبائنا بذور شجاعتهم أو جبنهم، ولكن يجب ألا ننسى أن للتربية أثرا ~~كبيرا، فهي إذا كانت صالحة زادت الشجاع شجاعة، وقللت من جبن الجبان، وإذا عولج ~~الجبان علاجا ناجعا فقد يبرأ من مرضه، وليس للجبن علاج واحد، بل ينبغي أن ينظر إلى ~~سببه، ثم يتخذ له العلاج اللائق به، شأن جميع الأدواء، فقد يكون سببه الجهل بالشيء، ~~فالعلاج إذا العلم به، ms083 كالذي يرى شبحا في الظلام فينزعج منه وترتعد فرائصه، فإذا ~~علم أنه حجر أو متاع أنس به وزال خوفه، ومن هذا النوع أكثر ما يخيف في الظلام من ~~عفاريت ونحوها. # ويتصل بهذا عدم الإلف، فكثيرا ما يكون سبب الجبن، فالإنسان إذا لم يأنس بالشيء ~~ويألفه يجبن أمامه، كالطالب الذى لم يتعود الخطابة فإذا هو حاولها تهدج صوته، وجف ~~ريقه، وارتعشت أطرافه، ومن لم يتعود غشيان المجالس ومخالطة الناس يخاف منهم ويلجئه ~~الجبن إلى حب العزلة، فإن هو اضطر يوما إلى الإجتماع بهم علاه الخجل، واضطربت ~~حركاته، وزاد ارتباكه، وثقل على الناس وثقلوا عليه، وعلاج هذا الإلف والتعود، فلا ~~يزال الرجل يتكلف الخطابة حتى يصير خطيبا، والجرأة حتى يصير جريئا. # ومما يفيد في هذا الباب أن يفرض وقوع النتائج التي تكون إن وقع المكروه ثم يهونها ~~على نفسه، فلو تصور أنه خطب فلم يجد وانتقده السامعون ثم صغر هذه النتيجة وهونها ~~تشجع ولم يجبن، ولو قرر الأطباء أن تعمل له عملية جراحية فقدر الموت واستصغره قابل ~~العملية بثبات وهكذا. # ومن العلاج أن ينظر إلى نتائج كل من الجبن والشجاعة فإذا ظهر له أن ما يصل إليه ~~من الخير إذا هو تشجع أكبر مما يصل إليه من الجبن استحثه ذلك على الشجاعة، فمن جبن ~~عن أن يرحل عن بلده لطلب رزق أو علم فلينظر ير أن من المحتمل أن يصيبه مرض في رحلته ~~أو يموت في غربته، ولكن من المؤكد أنه إن لم يرحل ضاق رزقه، أو قل علمه وكان جبانا ~~حتما، فإن ذلك النظر قد يحمله على أن يكون شجاعا، لا سيما إن علم أن ليست الحياة أن ~~ينبض قلبه، ويأكل في اليوم ثلاثا، إنما الحياة أن يعمل وينفع، ويستفيد ~~ويفيد. # تذكر وقت جبنك سير الأبطال، وأكثر من مطالعة تاريخ حياتهم تستشعر الشجاعة، ~~وتمتلىء حماسة، وتحس بقوة تدفعك إلى العمل على مثالهم، والسير في طريقهم. ~~(7) العفة أو الإعتدال أو ضبط النفس ~~(7-1) معناها # ضبط النفس - أو العفة بأوسع معانيها - هو اعتدال ms084 الميل إلى اللذائذ، وخضوعه لحكم ~~العقل، وليس ذلك مقصورا على اللذائذ الجسمية بل يشمل أيضا اللذات النفسية، ~~كالإنفعالات والعواطف، فلا يسمى الشخص «ضابطا لنفسه» إلا إذا اعتدل في لذاته ~~الجسمية من مأكل ونحوه، واعتدل أيضا في انفعالاته فلم يغضب لأي داع، ولم يندفع في ~~السير وراء عواطفه، كأن يحن حنينا شديدا إلى وطنه إذا نزح عنه، أو يفرط في حزن لفقد ~~عزيز عليه، وكثير من الرذائل يرجع سببه إلى عدم القدرة على ضبط النفس كالشراهة ~~والدعارة والطمع والإسراف والغضب والسخط والثرثرة والإدمان. # تتضمن هذه الفضيلة أن يكون الإنسان سيد نفسه لا عبدا لشهوات تسيره كما ~~تشاء. ~~(7-2) الزهد وآراء الناس فيه # والناس إزاء الملذات أصناف، فمنهم من ذهب إلى الزهد وقمع الشهوات، وقالوا: «إن ~~شهوات النفس غير متناهية، فإذا أعطاها المراد من شهوات وقتها تعدتها إلى شهوات قد ~~استحدثتها، فيصير الإنسان أسير شهوات لا تنقضي، وعبد هوى لا ينتهي، ومن كان بهذه ~~الحال لم يرج له صلاح، ولم يوجد فيه فضل» هؤلاء يرون أن أرقى أنواع الحياة ~~الأخلاقية محاربة الشهوات، فلا يتزوجون - مثلا - ولا يأكلون اللحوم، ولا يمكنون ~~النفس من مأكل أنيق، أو مقعد وثير، أو ملبس جميل، وقد شنع «سنيكا» # 4 # على من يشرب الماء مثلجا في أيام الحر، وقال: «قد انتزع الترف من ~~القلوب ما كان بها من موارد الشفقة وأسباب العطف حتى صارت أشد بردا وقسوة من الثلج ~~والجليد» وبالغ بعض الزهاد فلم يكتف بقمع الشهوات بل تعداها إلى تعذيب النفس ~~بالقيام في الشمس في أشد ساعات الحر، والتمرغ على الرخام في الشتاء، وهكذا، وهذا ~~مذهب أكثر المعتنقين له من الناقمين على الحياة، المتشائمين من كل شيء في الوجود، ~~المصابين بفقر الدم، الذين ضعفت شهواتهم لضعف جسمهم، وقد يرى هذا الرأي أيضا من ~~قويت صحته وكمل جسمه، واشتدت شهواته، ولكن كانت إرادته أشد وسلطانه على نفسه أقوى، ~~وأقوى ما يكون ذلك إذا أتى من ناحية العقيدة الدينية. # والزاهدون أنواع: فمنهم من يرفض أن ينعم في الحياة بالمأكل ms085 الشهي ونحوه لأنه يرى ~~أن الإستمرار في طلب اللذائذ يسبب ألما، فتصبح النفس شرهة، أطماعها كثيرة، وآمالها ~~واسعة، وكلما نالت منها الكثير طمعت فيما هو أكثر منه، ثم هي تتألم الآلام الشديدة ~~لما حرمت، وتتجرع مع ما تنال غصصا من الآلام، أضف إلى ذلك أن كثرة التمتع باللذة ~~يفقدها قيمتها، فمن يأكل كل يوم طعاما شهيا يصبح بعد مدة وهذا النوع من الأكل عنده ~~عادي، حتى تكون مقدار لذته منه تعادل لذة من قنع بالقليل، يرى هؤلاء أن شعور ~~الإنسان بأنه قادر على حرمان نفسه يرفعه فوق حوادث الزمان، ويجعله يرى أن لا قدرة ~~للحوادث ولا للدهر على إخضاعه، وهذا الشعور يحرر الإنسان من ربقة الخوف - وهو شعور ~~فيه من اللذة ما ليس في الملذات الجسمية - فهم في الحقيقة يفرون من لذة للذة أخرى ~~أكبر منها، هي لذة الراحة والطمأنينة وعلو النفس. # هؤلاء نظرهم شخصي أكثر منه اجتماعيا، فهم يبغون لذة أنفسهم، غاية الأمر أنهم ~~وجدوها في الراحة وعدم الإنغماس في الشهوات. # ومن الزاهدين نوع آخر أرقى من هؤلاء، زهدوا في اللذائذ لأن ذلك وسيلة إلى إسعاد ~~الناس وراحتهم، كما فعل عمر بن الخطاب، لم يشأ أن يمتع نفسه بالملذات لأنه رأى أنه ~~إن فعل ذلك توسع الولاة ومن بيدهم أمر الأمة في البذخ والنعيم حتى يرهقوا الرعية، ~~فزهد ليسعد الناس، ومن هذا الصنف كثير من المصلحين والعلماء الباحثين، يهجرون ~~راحتهم ليستكشفوا ما يوفر الراحة على الناس، وهؤلاء - أيضا - في الحقيقة لم يضحوا ~~بلذتهم، بل هم من صنف راق، يجدون - في شعورهم بأنهم مصدر لإسعاد الناس - لذة قلما ~~تعادلها لذة. # ومن الزهاد صنف يتزهد تدينا، يتقربون إلى الله بالإمتناع عن التمتع بملذات ~~الحياة، ولهؤلاء نقول: أن الله تعالى شرع الشرائع لإسعاد الناس، وقد رضى عمن اتبعها ~~لأنه عمل لإسعادهم، فمن هجر لذته هو في عمل صالح يرضي الله - وبعبارة أخرى يسعد ~~الناس - كان عمله مقبولا، وكان من الصنف الثاني، ولكن من ظن أن الله يرضى عن الزهد ~~لأنه زهد فقد ms086 أخطأ، لأنه تعالى لم يجعل تعذيب النفوس سبيلا لرضاه، وماذا ينال الله ~~والناس ممن انقطع للعبادة وزهد في الحياة! مدح رجل عند رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بأنه ~~يقوم الليل ويصوم النهار وينقطع للعبادة فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «فمن يقوم ~~بشأنه»؟ قالوا: كلنا قال: «كلكم خير منه»، وحقا ليس يصح لأحد أن يستحل أن يأكل من ~~عمل الناس ولا يعمل هو في الحياة للناس شيئا، إنما يرضى الله عمن هجر لذته ليسعد ~~قومه، وليس من العقل تحمل الألم لأنه ألم. ~~(7-3) الإفراط في الشهوات # ومن الناس من يرى - على عكس هؤلاء الزهاد - أن يطلق لنفسه العنان، ويمكنها من كل ~~ملذات الحياة، يرون أن الإنسان في هذه الحياة إنما خلق ليتنعم، ولم يمنح العقل إلا ~~ليبحث له عن وسائل النعيم، فهو لذلك يعب اللذائذ عبا، وينهمك فيها ما استطاع، وهذا ~~ضار بالفرد وبالمجموع معا، فلو أبحنا لكل فرد أن يتلذذ كما يشاء ما انتظم شأن ~~مجتمع، ولتعارضت شهوات الأفراد، وكانت الفوضى المطلقة، وإن جمعية أفرادها ليسوا ~~أعفاء - أعنى أنه لا تحكمهم إلا شهواتهم الجسمية - لتحمل معها بذور الإنحلال ~~والإنحطاط. ~~(7-4) الاعتدال # وفضيلة العفة تتطلب من الإنسان القصد في اللذائذ، فإن هو أفرط فانهمك في شهواته، ~~أو فرط فأماتها، وبالغ في الزهد، فقد حاد عن سواء السبيل، خير طريق في الحياة أن ~~ينيل الإنسان نفسه ملذاتها الطيبة، ويعطيها مشتهياتها ما لم تخرج عن حدود الأخلاق، ~~فذلك أدعى إلى نشاطها وأقرب إلى طبيعتها، إنما يجب ألا تتجاوز الحدود الشرعية، ففي ~~داخلها من الملذات ما هو أضمن لسعادة الفرد والمجموع # قل من ~~حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من ~~الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة ~~يوم القيامة # وكثيرا ما يكون من المصلحة أن يمنع الإنسان نفسه ~~مما لا بأس به حذرا مما به بأس، كالذي حكى عن بعضهم أنه أشعل لفافة فأحس منها بلذة ~~شديدة فكان ذلك حاملا له على ألا يدخن، وسبب ذلك - على ما ms087 يظهر - أنه تخوف من نمو ~~الرغبة عنده في التدخين، وخشي شدة تسيطر العادة عليه فيما بعد، وكان إحساسه اللذة ~~علامة هذا الخطر فتركه. # وأشير هنا إلى مبدأ الأستاذ «جيمس» القائل: بأنه يجب أن نحافظ على قوة المقاومة، ~~ونتبرع بعمل صغير كل يوم، لا لسبب إلا مخالفة النفس والهوى، فإن ذلك يعيننا على ~~مقاومة المصائب إذا حان حينها. # فليس يقتضي ضبط النفس القضاء على الرغبات والشهوات، وإنما يقتضي تهذيبها ~~واعتدالها، وجعلها خاضعة لحكم العقل، ففي القضاء على الشهوات قضاء على الشخص وعلى ~~النوع، وفي اعتدالها سعادتهما جميعا. # أهم أنواع ضبط النفس ~~(1) # ضبط النفس عن الغضب: # فمذموم أن يكون ~~الإنسان سريع الغضب يخرج عن عقله للكلمة الصغيرة والسبب الحقير، وليس الغضب ~~بالخطأ دائما، فهناك حالات يمدح فيها، فلو رأيت شابا يعذب صغيرا لم يجن ~~جناية، أو ضعيفا لا يستحق عذابا، أو حيوانا لا حول له ولا حيلة، فحق أن ~~تغضب، كذلك طبيعي أن يغضب الإنسان إذا عومل معاملة لا تتفق وشرفه أو نحو ~~ذلك، فلا بد له من الغضب ليدرأ عن نفسه أو غيره الظلم. # ولكن هذه الحالات قليلة إذا قيست بغيرها من حالات الغضب، فأكثر حالاته ~~رذيلة مذمومة، ولذلك عد رذيلة، وعد ضبط النفس عنه فضيلة. # وأكثر ما يدفع الإنسان إلى الغضب أثرته وحبه الشديد لنفسه، وكثرة التفكير ~~في حقوقه، فيتخيل فيما لا يغضب احتقارا له ونيلا منه، وكثيرا ما يستسلم ~~لغضبه فلا يعي ما يقول، ولا يعقل ما يفعل، ويظن أنه بذلك يظهر بمظهر ~~المحترم لنفسه، المحافظ على كرامتها، وهو إنما يظهر بمظهر الطائش ~~الأحمق. # والإنسان في غضبه حاكم غير منصف، يبالغ في الشيء ويسوئه، فهو كواضع على ~~عينيه منظارا يكبر ويشوه، وهو لا يرى وقت غضبه إلا الأغلاط، ولذلك تراه ~~يحكم حتى على أعز الناس عليه أحكاما قاسية، والواجب أن نتريث ونسائل أنفسنا ~~هل نحن محقون في غضبنا؟ أو ليس لما عمل أو قيل محمل حسن؟ هل الشىء يغضب ~~حقيقة بالقدر الذي أرى؟ أو ليس لمن أغضبني حسنات كثيرة ms088 بجانب هذه ~~الإساءة؟ # واجب ألا نستسلم للغضب، وأن نسلم زمام انفعالاتنا لعقلنا. ~~(2) # ضبط النفس عن الإسترسال في الإنقباض ~~والسخط: # لأن ذلك يكدر صفو الحياة، وفي الناس كثير من هؤلاء ~~المتشائمين الساخطين الذين يرون أن لا أسوأ من هذا العالم، وأن لذائذه لا ~~تكاد تذكر بجانب آلامه، وحامل لواء هذا المذهب في العصور الحديثة «شو ~~بنهور» الفيلسوف الألماني (1788-1860م) كان يرى أن حياة الإنسان سلسلة ~~آلام ونزاع وكفاح، وأن هذا العالم أسوأ ما يكون، فيه من الآلام والشرور ~~أكثر مما فيه من اللذائذ. # وأغلب ما يكون هذا النظر عند من ضعفت صحتهم، أو ساءت أعصابهم، أو توالت ~~عليهم المصائب من موت أو فقر أو نحوهما، فتظلم الدنيا في أعينهم، ولا يرون ~~فيها إلا ما يؤلم، أحب الشعر إليهم أمثال شعر أبي العلاء، وخير نغمات ~~الموسيقى عندهم ما يبعث على البكاء. # ويظهر أن هؤلاء قد قصرت مشاعرهم عن إدراك ما في العالم من ملذات، فمثلهم ~~كمثل عمي الألوان، الذين يدركون بعضها دون بعض، والحق أن الدنيا مملوءة ~~بالمسرات والمؤلمات جميعا «ولولا سوء النظم الإجتماعية الحالية وفساد ~~التربية الموجودة لكانت السعادة حظ أكثر الناس إن لم أقل كلهم». # إن الناس يخطئون في اعتقادهم أن ما يحيط بالإنسان من الأمور الخارجية هي ~~التي تجعله ساخطا أو راضيا، بائسا أو منعما، نعم إن الإنسان قد يكون أقدر ~~على السعادة في بعض الظروف دون بعض، ولكن الظروف نفسها لا تجعله سعيدا، ~~فكثيرا ما تتوافر وسائل السعادة عند قوم وهم مع ذلك أشقياء بأنفسهم، لأنهم ~~يخلقون من كل شىء ما يستوجب السخط، ويلونون كل ما يرون باللون ~~الأسود. # إن السعادة أو المسرة تعتمد على أنفسنا أكثر مما تعتمد على الظروف ~~الخارجية، ويجب أن يتعلم الإنسان «فن المعيشة» وكيف يكون راضيا ولو لم يكن ~~كل شيء حوله وفق ما يتمنى. ~~(3) # ضبط النفس عن الإسترسال في الشهوات ~~الجسمية: # ولا سيما الخمر والنساء، فهما شر ما يقع فيه ~~الإنسان، ويفسد عليه حياته، ويضعف من روحانيته، ويقلل من حريته، ويسوقه إلى ms089 ~~أسوأ حياة، وطريق الإحتياط لذلك عدم التعرض للمغريات، فلا يجالس المستهترين ~~الذين لا يتحرجون من قول الهجر والحض عليه، ولا يقرأ الروايات المثيرة، ولا ~~يغشى أماكن اللهو غير المؤدب، يصحب من قويت شخصيتهم ونظف لسانهم، وطهر ~~روحهم، وأوجب ما يكون ذلك في السن بين الخامسة عشر والخامسة والعشرين، ~~ففيها تنمو الشهوات وتبعث على الشرور، فلو لم يحصن الشاب بوسط صالح ورفقة ~~مؤدبة، ويعن بما يوضع في يده من كتب، وما يشاهد من تمثيل، وما يغشى من ~~مجتمعات كان عرضة لأحط أنواع الشرور، في هذه السن يكون المرء عرضة للتحول، ~~وأكثر ما ساءت حالهم وفسدت أخلاقهم كان فسادهم في هذا الدور، وقل أن يسقط ~~أحد بعد أن ينجو منه. ~~(4) # ضبط الفكر # فلا يتركه يهيم في كل واد، ~~ويتجول في كل مجال، فالفكر إذا حام حول الشرور يوشك أن يقع فيها. # وعلى الجملة فضابط نفسه كراكب الفرس الذلول، يقصد حيث أراد، فيوجهها كما يشاء، ~~ومن لم يضبط نفسه كراكب الصعبة، لا يسيرها كما يهوى، ولا يصل إلى غرضه بالسير كما ~~تهوى. # في ضبط النفس حفظ الصحة، وطمأنينة العقل، والسعادة، والحرية، وسلطان كسلطان ~~القائد على جنده، أو الربان الماهر على سفينته. ~~(8) العدل ~~(8-1) معناه # العدل نوعان: نوع يوصف به الفرد فيقال إنسان عادل، ونوع يوصف به المجتمع أو ~~الحكومة، ولنتكلم على كل قسم. ~~(8-2) العدل بين الأفراد # فالعدل في الأفراد إعطاء كل ذي حق حقه، ذلك أن كل إنسان لما كان عضوا من أعضاء ~~الجمعية كان له الحق في التمتع بنصيب من الخير الذى ينال المجتمع، فأخذ الإنسان ~~نصيبه لا أكثر، واعطاؤه الناس حقوقهم لا أقل، هو العدل، فالغضب والسرقة ظلم لأن في ~~كليهما أخذ ما للغير ومنعه عن حقه، والبائع الذى يكيل للمشتري أو يزن أقل مما اتفقا ~~عليه ظالم لأنه لم يعطه حقه وهكذا. # ومن أعدى أعداء العدل «التحيز» وهو ميل الإنسان لأحد المتساويين ميلا يجعله يعطيه ~~أكثر من حقه، وينقص الآخر حقه، فالقاضي مثلا يجب ألا يفرق في سيره مع ms090 الخصوم بين ~~غنى وفقير، وأسود وأبيض، وذى جاه وعديم الجاه، لأن عمله إنما هو أن يطبق القانون ~~على الأفراد، والناس أمام القانون سواء، فيجب ألا يجعل مجالا لحبه أو كرهه، ولا ~~لغنى الخصم أو فقره، ونحو ذلك. # وكثيرا ما يتحيز الإنسان لآخر ويخطئ في أحكامه لتحيزه، وهو مع ذلك غير شاعر بأنه ~~متحيز، ومعتقد الإنصاف فيما يرى، ومن أجل هذا يجب على الإنسان شدة مراقبته نفسه، ~~وحذره من الوقوع في الخطأ. # ويحمل على التحيز أمور: ~~(1) # الحب، فمن يحب إنسانا يتحيز له، كالوالدين قلما يريان الخطأ في عمل ~~أولادهما. ~~(2) # المنفعة الشخصية، فاحساس المرء بأن أحد الجانبين يكسبه منفعة لا تكون ~~في الجانب الآخر يجعله يتحيز لأحد الجانبين. ~~(3) # المظهر الخارجي، فحسن منظر شخص، وجمال هندامه، وفصاحة قوله، وآدابه ~~في الحديث كثيرا ما تبعث على التحيز وتبعد عن العدل. # وواجب يقظة الإنسان في حكمه واجتهاده ألا يتغلب عليه هوى أو ميل يصده عن ~~العدل. # وقد كان قدماء الرومانيين يمثلون إلهة العدل بامرأة معصوبة العينين، ممسكة ميزانا ~~ذا كفتين بإحدى يديها، وسيفا باليد الأخرى، ويرمزون بعصب عينيها إلى أن العادل ~~ينبغي أن يعمى عن الإعتبارات التي تجعله يتحيز من غير حق كغنى وجاه، وبالميزان إلى ~~أنه يجب أن يزن لكل إنسان حقه بالقسط، وبالسيف إلى أنه يجب أن يلجأ إلى القوة في ~~تحقيق العدل عند الحاجة إليها، وفي ذلك يقول الله تعالى: # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا ~~الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ~~. # ويحمل على العدل: ~~(1) # عدم التحيز، فالذي ينظر إلى الشيء مجردا عن الهوى أقرب إلى تحقيق ~~العدل. ~~(2) # توسيع النظر ورؤية المسألة من وجوهها المتعددة، فعند الخلاف في أمر ~~يجب على كل من المتنازعين أن ينظر إلى محل النزاع من الجهة التي ينظر ~~إليها خصمه أيضا، والقاضي عند فصله في الخصومة يجب أن ينظر إلى وجهة كل ~~خصم. ~~(3) # أن يجعل مدار الحكم على الباعث للعامل على عمله لا على مظهره ~~الخارجي، فقد يكون ظاهر العمل سيئا، ms091 ومستفزا للغضب، ولكنه صادر عن باعث ~~شريف ونية حسنة، كالذي يقسو على ولده ليربيه. ~~(8-3) العدل في المجتمع # والمجتمع العادل هو المجتمع الذي له من النظم والقوانين ما يسهل لكل فرد من ~~أفراده أن يرقي نفسه على قدر استعداده، فلا يكون المجتمع عادلا حتى تتوافر لكل ~~طائفة من الناس وسائل رقيهم، ففي الأمة مثلا طائفة من التجار يحتاجون في تجارتهم ~~إلى تلغراف وبريد وسكك حديدية وهكذا، وطائفة من الناشئين يحتاجون إلى مدارس يتعلم ~~فيها كل من أراد أن يتعلم، وفيها من النظم والعلوم ما يسد حاجة كل طالب، وطائفة من ~~المتخاصمين يحتاجون إلى قضاة وقوانين تردع الجناة وتحفظ حقوق الناس وهكذا، فإذا ~~قامت الأمة بكل هذا حق لها أن تسمى مجتمعا عادلا، وإلا فهي مجتمع ظالم. # والمطالب بتحقيق العدل في المجتمع كل فرد من أفراده، فكل إنسان مطالب أن يعمل ~~لتحقيق العدل في مجتمعه على قدر استطاعته، فإذا احتاجت مدينة إلى مستشفيات مثلا ~~فعلى الخطيب أن يخطب حاثا على إنشائها، وعلى كتاب الجرائد أن يكتبوا، وعلى الشعراء ~~أن يشعروا، وعلى الأغنياء أن يتبرعوا، وعلى كل ذي قدرة وجاه أن يستعمل قدرته وجاهه ~~في مساعدة المشروع، ثم على من في يدهم تنفيذه أن ينفذوا، فإذا لم يعمل كل فرد ما ~~عليه فالأمة كلها آثمة ظالمة، يقع عليها ضرر تقصيرها، حتى الأفراد الذين أدوا ما ~~عليهم، لأن المجتمع كما قدمنا جسم عضوي، وذلك هو شأن الجسم العضوي، فلو أن القلب ~~أدى ما عليه ولكن المعدة لم تؤده عوقب كل عضو في الجسم حتى القلب. # وإذ كانت حكومة كل مجتمع هي القائمة بالأمر فيه فهي لا تعد عادلة إلا إذا قامت ~~بواجبها خير قيام، وليس واجبها أن تحصل الخير لنفسها، ولكن أن تحصل للمجتمع الذى ~~تحكمه أقصى ما تستطيع أن تحصله، وقد عبر أفلاطون عن هذا بقوله: «إن خير حكومة هي ~~التي تضع كل فرد من الأمة في خير مكان يليق به، ويستطيع أن تظهر فيه مواهبه، ثم ~~تمده بما يحتاجه لأداء ما ms092 عهد إليه» وعلى هذا لا تكون الحكومة عادلة إلا إذا قامت ~~بهذه الوظيفة، وهو تكليف للحكومة شاق، من المشكوك فيه أن يتحقق يوما ما، مهما صغر ~~المجتمع ورقيت حكومته. # وأقل من هذا تكليفا ما قاله بعضهم من أن الحكومة تعد عادلة ما دامت لا تضع ~~العراقيل في سبيل أفرادها، وتتركهم أحرارا يعملون ما يشاءون لترقية قواهم وملكاتهم ~~وأعمالهم، حسب استعدادهم، إلا عند الضرورة القصوى، أما إذا كان بعض أفراد الشعب ~~يريد مثلا أن يتعلم فيجد السبيل قد سدت أمامه، أو التاجر لا يستطيع أن يرقي تجارته ~~للعقبات التي تضعها الحكومة في سبيله، فإذ ذاك لا يمكن أن توصف حكومة هذا الشعب ~~بالعدل. ~~(8-4) العدل والمساواة # كثيرا ما يقرن العدل بالمساواة، ويعتقد كثير من الناس أن العدل في المساواة، ~~والظلم في عدمها، وقد أخذت هذه الكلمة محلا كبيرا في العقول من عهد الثورة ~~الفرنسية، فقد كان شعارها «الحرية، المساواة، الإخاء»، «كل الناس أحرار، كل الناس ~~متساوون، كل الناس إخوان». # في الدنيا وسائل كثيرة من وسائل الحياة الطيبة كالثروة التي لا بد منها للأكل ~~الطيب والملبس الطيب والمسكن الصالح واقتناء الكتب النافعة، والقدرة على الرياضة ~~البدنية والعقلية، ونحو ذلك، وهذه الثروة لا تكفي لسد مطالب كل الناس، فهل من الحق ~~والعدل أن يتساوى الناس في هذه الوسائل الموجودة أو الحق والعدل في عدم المساواة؟ ~~هل من العدل أن توزع الثروة من أراض ومناجم ومتاع على الناس بالسواء فلا يكون غنى ~~وفقير ولا أرباب أموال وعمال؟ # تغالى قوم في ذلك، فطلبوا المساواة في وسائل الحياة كالمال ونحوه، وذكروا لذلك ~~حججا لا يتسع هذا الكتاب لذكرها. # والحق أن المساواة التامة لا تمكن لأسباب، أهمها: ~~(1) # أن الناس مختلفون بطبيعتهم في قواهم وملكاتهم، فمنهم الذكي والغبي، ~~والحاذق والأبله، والكفء وغير الكفء، هكذا خلقهم الله، وهكذا ولدوا، ~~فمن الخرق أن نمكن الأغبياء والبله وغير الأكفاء من إدارة الأعمال ~~الواسعة، وأن نمنحهم منحا كبيرة لا يستطيعون أن يتمتعوا بها، فإنا إذا ~~منحناهم ذلك أساءوا استعمالها، ولم ينتفعوا بثمرتها، ms093 مع أنا لو ~~أعطيناهم ضروريات العيش فحسب، وأعطينا ما زاد للكفء القادر سعد ~~الجميع. ~~(2) # أن الإختلاف بين الناس يبعثهم على الجد، فالفقير إذا رأى الغني يتمتع ~~بأكثر مما يتمتع به هو جد في العمل ليكون مثله، وحامل الشهادة الثانوية ~~إذا رأى حامل الشهادة العالية يمتاز بميزات أكثر منه رغب وعمل ليكون ~~مثله، وتمتع بعض الناس بالملبس الجميل والمسكن العظيم والسيارات الفخمة ~~يثير في النفس حب العمل لتصل إلى النتيجة المنشودة، ويبعث على الإختراع ~~ويرغب المتزاحمين في استكشاف خير الطرق لنجاح عملهم، وفي ذلك خير ~~للإنسانية على العموم، أما إن نحن سوينا بين الناس لم نجد ما يحملهم ~~على الجد، وقد فطر الناس - متوحشهم ومتمدينهم - على أن الأمل يسيرهم، ~~والرغبة في عيش خير من عيشتهم هي التي تشجعهم. # ومع أن دعاة المساواة لم يصلوا إلى غرضهم فقد كان لهم أثر كبير في تحسين حالة ~~العمال، وترقية طبقة الفقراء، بزيادة أجورهم، وتقليل ساعات عملهم، وإنشاء المساكن ~~الصحية لهم، ونحو ذلك. # فالحق أن المساواة المطلقة في كل شيء لا تمكن، وليست من العدل، خصوصا بعد ظهور أن ~~الناس مختلون بالطبيعة، إنما هناك أشياء تعقل فيها المساواة وهى عدل وعدمها ظلم، من ~~ذلك: ~~(1) # المساواة أمام القانون، بمعنى أنه لا فرق أمامه بين غني وفقير، وشريف ~~وغير شريف، كل يعاقب على جريمته إذا أجرم، وعند وضع القانون ينبغي ألا ~~تفضل طبقة على طبقة. ~~(2) # المساواة في الحقوق، فكل إنسان له من حق الحرية وحق الحياة ونحو ذلك ~~ما للآخر، ليس لأحد الحق في أن يخطب أو ينشر رأيه دون الآخر، بل الكل ~~في ذلك سواء، للأمير من الحق ما لأحد الرعية، وللغني ما للفقير. ~~(3) # المساواة في المناصب، أعني أنه ليست المناصب مقصورة على فئة خاصة، بل ~~كل من تتوافر فيه الصلاحية للمنصب له الحق فيه، وليس للاعتبارات الأخرى ~~كالغنى والجاه دخل في التفضيل. ~~(4) # المساواة في التصويت في الإنتخاب، فليس ذلك حق الأغنياء دون الفقراء، ~~وهذا النوع موضع خلاف بين العلماء، ولم تتبع الأمم نمطا واحدا في ms094 السير ~~عليه. ~~(8-5) العدل والرحمة # كثيرا ما يقول الناس: «الرحمة فوق العدل» يعنون بذلك أن العمل حسب ما تقتضيه ~~الرحمة أفضل من العمل حسب ما يقتضيه العدل، وهذا ليس بصحيح على عمومه، بل قد يكون ~~صوابا وقد يكون خطأ، ونحن نذكر أمثلة مما تستعمل فيه هذه الجملة: ~~(1) # موظف ليس كفئا، لا يحسن عمله، ولا يفيد الناس، أريد الإستغناء عنه من ~~أجل ذلك لكنه كبير في السن، ورب أسرة وفقير، فيقال: «الرحمة فوق العدل» ~~أى أن العدل يقضي بالإستغناء عنه، والرحمة تقضي ببقائه في عمله، ولكن ~~يجب أن نطبق في هذه المسألة العدل لا الرحمة، فالعدل هنا فوق الرحمة، ~~وليست الرحمة فوق العدل، ذلك لأن الضرر الذي ينال الناس من إهماله في ~~عمله، وعجزه عن القيام به يفوق الضرر الذى ينال الموظف وأسرته، ولأن ~~«المصلحة» التي يشتغل فيها ليست ملجأ للإحسان يرتزق منها مع عدم ~~كفايته، بل هو يأخذ أجره في مقابل عمله، فمن لم يحسن عمله لم يستحق ~~أجره، وكونه رب أسرة وفقيرا يجعله يستحق الإحسان لا من «المصلحة» ولكن ~~من معاهد الإحسان. ~~(2) # عامل ترام «كمساري» تريد أن تشفق عليه فتعطيه ثمن التذكرة ولا تأخذها ~~منه «لأن الرحمة فوق العدل» وهذا أيضا خطأ، لأن ثمن التذكرة ليس ملكك، ~~ولكن ملك الشركة ولا يصح أن تحسن من مال غيرك إلا برضاه، فإذا أردت ~~الإحسان فأعطه من مالك الخاص بعد أن تدفع ثمن التذكرة. ~~(3) # لص قبض عليه وهو ينتشل «محفظة» فأخذ يستعطف الناس ويبكي ليفرج عنه ~~فيقولون: «الرحمة فوق العدل» وليس ذلك بصحيح، لأن معاقبة السارق من حق ~~الأمة، فلا يملك العفو عنه بعض الأفراد. ~~(4) # مسجون سجن ظلما وعدوانا يراد العفو عنه، فيقال: «الرحمة فوق العدل» ~~وهو خطأ أيضا لأن العدل يقتضي كذلك ألا يسجن، فالرحمة والعدل يتفقان في ~~المطلب، وليست الرحمة فوق العدل. # نعم في بعض المواضع يكون استعمال الجملة صحيحا، كما إذا كان لك دين على آخر ~~فرحمته وتركت دينك، أو أجلته حتى يوسر، فالعدل أن تأخذه والرحمة أن تتركه ms095 أو تؤجله، ~~والرحمة فوق العدل. # وجملة القول أن الجملة صحيحة إذا كان الذى يرحم هو الذى يملك حق العدل، ثم هو ~~يتنازل عن حقه في العدل ويرحم، أما الرحمة حيث يكون العدل من حق غيره فخطأ بين كما ~~مثلنا. ~~(8-6) العدل والإحسان # كذلك كثيرا ما يقرن العدل بالإحسان، ونعني بالعدل أداء الواجب من غير تحيز، ~~وبالإحسان الفضل في أداء الواجب والزيادة عليه، ولنضرب لذلك مثالا يتجلى فيه معنى ~~الإحسان. # هب أن اثنين اشتركا في عمل، وكان أحدهما قويا والآخر ضعيفا، فموقف القوي مع ~~الضعيف لا يعدو أحوالا ثلاثة: # الأول: # أن يستغل القوي مركزه، ويقول: إنني أقوى منه، فلأنتهز فرصة ضعفه ~~وأكلفه عمله وجزءا من عملي، فإذا لم يعمل أجبرته واتخذت ما أستطيع ~~من الوسائل لإرغامه، وهذا موقف يمثل المبدأ المشهور «الحق للقوة» ~~وهو مبدأ سار عليه الناس في حالة بداوتهم وهمجيتهم. ولا يزال يطبق ~~بين المتمدينين وإن كان أقل من قبل، وهذا هو «الظلم» بعينه. # الثاني: # أن يقول القوي: إن علي نصيبا من العمل، وعلى زميلي نصيبا، ولست ~~أستغل قوتي فأحمل زميلي فوق نصيبه، ولا أطبق مبدأ «الحق للقوة» ~~ولكن أعمل واجبي لا أكثر ولا أقل، وليعمل هو نصيبه لا أكثر ولا ~~أقل. # وهذا الموقف هو العدل، يتساوى فيه العاملان بأن يعمل كل ~~واجبه. # الثالث: # أن يقول القوي: إني أستطيع بحكم قوتي أن أرغم زميلي على أن يعمل ~~أكثر من نصيبه، وأستطيع أن أعدل معه فأكلفه نصيبه فقط، ولكن سأعمل ~~فوق ذلك، سأعمل نصيبي وأعينه على نصيبه، سأساعده في نصيبه لأنه ~~أخي، ولأني لو كنت مكانه لتمنيت أن يعينني زميلي، فلأعاملة بما أحب ~~أن أعامل به لو كنت مكانه، ولو كنت أنا الضعيف لتمنيت أن القوي ~~يحمل عني بعض العبء، فلأحمل الآن بعض عبئه جريا مع القاعدة الذهبية ~~«أحب لأخيك ما تحب لنفسك». # هذا هو «الإحسان» وهو موقف أشرف من العدل، وأعلى منه شأنا. ~~(9) الإعتماد على النفس ~~(9-1) معناه # من أهم الفضائل الإعتماد على النفس، ويمكن الإنسان أن يعودها من ms096 صغره، فلو أن ~~الوالدين أفهما أطفالهما وجوب عنايتهم بأنفسهم في نظافة ملابسهم وانتظامها وأنهم هم ~~المسئولون عن ذلك كان هذا بذرة للاعتماد على النفس. # ويستطيع الوالدان أن ينميا هذه الفضيلة بالإصغاء إلى ما يبديه الطفل من الأسئلة ~~والإجابة عليها، وإظهارهما احترام آرائه ومناقشتها، وإبداء ما فيها من ضعف، في لطف، ~~مهما كانت الأسئلة والآراء سخفية. # إذا سلك الوالدان هذا المسلك شعر الطفل بأن له شخصية محترمة، فنما عنده حب ~~السؤال، وحب تكوين الآراء، ولم يصبح ببغاء يردد فقط ما يسمع ويرى، وزاد عنده الشعور ~~كذلك باحترام ما لغيره من شخصية، فهو يعامل اصدقاءه وزملاءه بالطريقة التي يعامله ~~بها أبواه، فيصغي للآراء المخالفة لرأيه، وينقدها في أدب، فيزيد ذلك في نمو شخصيته ~~واستقلاله. # كذلك مما يعين على نمو هذه الفضيلة أن يجعل الوالدان لأولادهم «مالية خاصة» ~~يستولون عليها، ويتصرفون فيها بحريتهم، ثم يصحح الوالدان ما ارتكب الأطفال من أخطاء ~~فيها، وهذا هو الطريق الوحيد لتدريبهم على تحمل المسؤولية، وشعورهم بالشخصية، فبيع ~~الأطفال وشراؤهم، ونجاحهم أحيانا وغبنهم أحيانا، يجنبهم الخطأ في المستقبل، وأكبر ~~برهان على ما نقول ما نرى من شبان حرموا المال في صغرهم ثم أعطوه دفعة واحدة في ~~شبابهم فأساءوا التصرف، ووقعوا في أضرار جسيمة، لأنهم لم يدربوا التدريب الكافي منذ ~~نشأتهم. # فإذا ذهب الطفل إلى المدرسة، وعوده المعلمون الإستقلال بنفسه في بعض أعماله، كحل ~~بعض المسائل الحسابية، والكشف في المعاجم عن الكلمات التي لم يفهمها، وتركوه ونفسه ~~يفكر في المعضلات، ويتفهم بعض الجمل الصعبة التي تعترضه نمت عنده هذه ~~الفضيلة. # إن من اعتاد ألا يتحمل شيئا من العبء بل ترك غيره يحمل عنه عبأه لا يستطيع بعد ~~السير في الحياة، فالتلميذ الذي ينتظر جاره حتى يحل المسائل ثم ينقلها منه، أو ~~ينتظر المدرس دائما حتى يشرح له ما غمض عليه لا يمكن أن يأتي يوم يكون فيه متعلما ~~حقا، فالشجرة التي تسندها دائما على حائط لا تحمل نفسها، إنما الشجرة التي نمت ~~بنفسها، واعتمدت على ذاتها هي التي تقاوم ms097 العواصف، وتكون أصلح للبقاء. # والإعتماد على النفس وسيلة من وسائل الإقتصاد، فالأم التي تعتمد في كثير من شؤون ~~بيتها على نفسها تقتصد كثيرا، والرجل الذي عود نفسه أن يصلح الأشياء الصغيرة في ~~بيته يوفر كثيرا، وهكذا. # كذلك هو الوسيلة الوحيدة للتعلم، فالطفل لا يستطيع أن يتعلم المشي إلا إذا اعتمد ~~على نفسه وسقط ثم قام، ولا يستطيع أحد أن يتعلم السباحة بقراءة كتاب فيها، إنما ~~يتعلم ذلك باعتماده على نفسه وفشله مرة ونجاحه أخرى، وإنما نتعلم القراءة والكتابة ~~بمحاولاتنا، فإذا اقتصرنا على أن نسمع غيرنا يقرأ، ونظرنا غيرنا يكتب، فمحال أن ~~نقرأ أو نكتب، وهكذا الشأن في كل علم. # وليس يمكن أن يدوم الزمن الذى يحمل عنا عبأنا فيه آباؤنا، بل لا بد من يوم نحمل ~~فيه عبأنا وعبء غيرنا، فكان حتما أن نتسلح من صغرنا بالإعتماد على النفس حتى إذا ~~جاء ذلك اليوم كنا على استعداد لمواجهته، سيأتي اليوم الذي نكلف فيه أن نحصل المال ~~ننفق منه على أنفسنا ومن نعولهم، فلا بد أن نمرن من صغرنا على العمل الذي نعد ~~أنفسنا له من تجاره أو منصب أو حرفة، وهب أننا أغنياء ولسنا في حاجة إلى منصب أو ~~عمل فليس من الحق أن نعيش عالة على العاملين، بل الحياة نفسها عبء ثقيل إذا لم تلطف ~~بالعمل. # وطريقة إعدادنا لذلك أن نتسلح بالعلم وبالخلق، فكل تجارة وكل منصب وكل حرفة لا ~~يفلح صاحبها إلا إذا علم ما يتصل بها وتخلق بما يلزمها. ~~(9-2) كيف نربي فضيلة الإعتماد على النفس؟ # من خير الوسائل لذلك أن يعود المعلمون الطلبة أن يواجهوا العقبات بأنفسهم، وأن ~~يطلبوا منهم بذل الجهد في حلها، ولا يلقوا إليهم بالمعلومات إلا بعد أن يعمل الطلبة ~~أذهانهم فيها، وكلما أجهد الطالب نفسه في الإستفادة كان أقرب إلى النجاح، فليس أعلم ~~الناس من كان لديه أحسن مكتبة، لأن هذه المكتبة لا تفيده إلا بقدر ما يهضم منها. ~~وهذا هو السبب في أن أبناء الفقراء وأوساط الناس - عادة - أقرب إلى النجاح ms098 من أبناء ~~الأغنياء، لأن الأولين تدعوهم قلة المال إلى بذل الجهد، ومحاسبتهم أنفسهم على ما ~~ينفقه عليهم آباؤهم، ويعملون لأنفسهم حيث يرتكن أولاد الأغنياء في كثير من شؤونهم ~~على غيرهم. # إن الصعوبات التي يلقاها الإنسان في حياته هي التي تصقل ملكاته، والإنهماك في ~~الترف والنعيم يورث الخمول، وليس يجلى الذهب إلا في البوتقة، اعتبر في ذلك بالنبات، ~~فإن النبات الذى تربى في حديقة المنزل وبين جدرانه، ولم يعتد العطش، ولم يقابل ~~العواصف، يكون نباتا رقيق الحال لا يعيش إذا تعرض للجو الخارجي، وعلى العكس من ذلك ~~ما نبت في الصحراء بين الشمس القاسية، والريح العاتية، كذلك الناشئ إذا نشأ في مهد ~~النعيم وعود أن يرى كل شيء حسب ما يطلب لا يستطيع أن يكون رجلا يواجه ~~الحياة. # يجب أن نتعود الإستقلال في الرأي فلا نقتصر على أن نكرر ما نسمع، ونعني ~~بالإستقلال في الرأي أن نكون فكرنا من أنفسنا، ندرس الشيء ثم نعتقد ما يؤدينا إليه ~~بحثنا ولو خالفنا في ذلك غيرنا، وقد كان ذلك دائما عمل المصلحين وكبار الرجال، ~~يفكرون بعقولهم لا بعقول غيرهم، ولا يتبعون رأي غيرهم إلا إذا قام البرهان على ~~صحته، ثم إذا رأوا حقا قالوا به مهما كانت نتائج قول الحق. # للاعتماد على النفس لذة يشعر بها الإنسان وإن قلت نتائج ما يصدر عنه، فكلنا يسر ~~من ربح قليل أتى ببذل الجهد، ولا يرضى عن كثير قدم إليه احسانا، والرجل يسر ببيته ~~وإن قل متاعه، لأنه نتيجة مجهوده العزيز عليه. # النضال في الحياة هو الذي يكون المرء، والعقبات التي يصادفها في طريقه فيبذل ~~الجهد في تخطيها هي التي تربي نفسه، وتعده لأن يكون عظيما، والإنسان قد يتعلم من ~~فشله أكثر مما يتعلم من نجاحه، فلا خوف من بذل الجهد أن يعقبه فشل ما دام يفتح ~~عينيه ويدرس التجارب التي عاناها، ويتجنب الأخطاء في مستقبل حياته، فقائد الجيش ~~يتعلم كثيرا من الوقائع التي هزم فيها، والسياسي يتعلم كثيرا من مواقف فشله، ~~والعالم في دراسته يستفيد كثيرا ms099 مما ارتكب من أغلاط، والخطيب الماهر ما كان كذلك ~~إلا بعد أن خطب مرارا وسخر الناس منه، وكذلك الكاتب والشاعر والفنان. # فإن أردت النجاح فاعتمد على نفسك في تعلمك وفي تجارتك وفي منصبك، وتعلم مما ~~أخطأت، فإن هذا هو السبيل الوحيد للنجاح. ~~(10) الطاعة # رأينا فيما سبق أن الإنسان عضو في جمعيات كثيرة: عضو في جمعية الأسرة، وعضو في جمعية ~~المدرسة، وعضو في جميعة الأمة، وهكذا. # لكل جمعية من هذه الجمعيات قوانين لا بد أن تتبع وإلا لا يمكن بقاؤها ، ففي الأسرة - ~~مثلا - يجب على الوالدين أن يطعموا أولادهم ويربوهم، وعلى الأولاد أن يتبعوا أوامر ~~والديهم، وإلا لما بقيت الأسرة، فلو أن كل طفل في الأسرة فعل كما يهوى، ولم يخضع لأي ~~أمر، ولم يعن الوالدان أية عناية بأطفالهما، لصارت معيشة الأسرة مستحيلة. ولو أن كل ~~تلميذ في مدرسة سار كما يشتهي، حضر أو لم يحضر، وإذا حضر فعل ما يشاء، ولم يفعل ما ~~يشاء، وفعل كذلك المعلمون في المدرسة، لم تعش المدرسة أياما، ولو أن كل جندي في الجيش ~~اعتبر نفسه مساويا للقائد، وعمل برأيه فسار يمينا إذا أمره القائد أن يسير شمالا، لم ~~يكن هذا جيشا صالحا، وكان نصيبه الفشل لا محالة. # من هذا يتضح أن لكل جمعية من بيت ومدرسة وجيش قوانين لا يمكن أن تبقى هذه الجمعيات ~~بدونها، وأن صلاحها بطاعة قوانينها. # والعصيان في كل مجتمع يجر إلى الفوضى، لأن معنى العصيان إنعدام القانون، وإقامة الفرد ~~شهوته وهواه مقام القانون، ومعنى هذا أنه يريد أن يتخذ الناس إرادته وهواه قانونا بدل ~~القانون الأخلاقي، وإرادة الفرد لا يمكن أن تقهر القانون الأخلاقي كما لا يمكن أن تقهر ~~القانون الطبيعي، فلو اجتمع الناس أن يغيروا طبيعة الماء وقوانين الجذب ما أمكنهم، كذلك ~~لا يمكنهم أن يغيروا طبائع المجتمعات وتغيير ما يصلحها وما يفسدها، فخير وسيلة لاصلاحها ~~الجرى حسب القوانين التي تبقيها وترقيها. # بعض هذه القوانين الأخلاقية التي لا بد منها للمجتمع وضعت في القوانين الوضعية كتحريم ~~السرقة والقتل، وبعض ms100 القوانين كترك الحسد والكذب ترك للأفراد وضمائرهم، وكلها قوانين ~~أخلاقية يجب إطاعتها، فإن إطاعتها مجلبة للخير والسعادة، ومعصيتها مجلبة الشر ~~والشقاء. # قد يشعر الإنسان أن في إطاعة الأمر ذلة، وأن في العصيان حرية، وهذا خطأ في التفكير، ~~فإن في الطاعة الحرية، وفي العصيان ضياعها، قد يتخيل الطالب أن المعلم إنما يأمره حبا ~~في الأمر، ورغبة في إظهار السلطة، وليس كذلك، فإن الآمر العاقل إنما يأمر مراعيا ~~المصلحة العامة، وهو مثلك خاضع لها، وكل الفرق أنه بحكم مركزه وتجاربه تعود أن ينظر إلى ~~الخير بأحسن مما تنظر، فالحق أن الآمر والمأمور كلاهما يطيع، يجب ألا يأمر الآمر إلا ~~بما فيه خير المأمورين، أفرادا ومجتمعين، فالمأمور لا يطيع لأجل الطاعة نفسها، ولا ~~الآمر يأمر لذة في الأمر، وإنما نأمر ونطيع ليصل كل منا إلى سعادته وفلاحه. # وهناك مواقف يجب ألا نطيع فيها، كما إذا أمرنا من صديق بسرقة شيء، أو غش في امتحان، أو ~~تزوير في ورق، أو انتخاب من لا يصلح، هنالك يكون العصيان فضيلة لأن في إطاعة هذه ~~الأوامر وأمثالها خروجا على الأخلاق ومخالفة للضمير، ونحن ملزمون باتباع قوانين الأخلاق ~~وسماع صوت الضمير، وإنما أمرنا بالطاعة للوالدين والمعلمين وأمثالهم لأن ثقتنا بهم ~~جعلتنا نعتقد أنهم أوسع منا نظرا، وأصح رأيا، فهم إذا أمرونا فإنما يأمرون بما يتفق ~~والأخلاق، وإذا نهوا فإنما ينهون عن المنكر والإثم، وهم - بحكم صلتهم ومركزهم - لا ~~يودون لنا إلا الخير. # والحق أن الطاعة هي الفضيلة البارزة التي تميز بين المتمدينين والمتوحشين، في الأمة ~~الممدنة يطيع الطفل أوامر أبويه علما منه بأن لا سعادة للأسرة إلا بالطاعة، والأطفال ~~يتعلمون الطاعة في البيت فيطيعون في المدرسة، لأنهم يشعرون أن الحياة المدرسية لا تكون ~~سعيدة إلا بالطاعة، ولا قيمة للمدرسة إلا بالطاعة، وإذا خرج من المدرسة إلى الحياة ~~العامة فهو مطيع لقوانين البلاد، مطيع لقوانين الجمعيات التي ينتسب إليها. وعلى العكس ~~من ذلك الأمة التي لم تأخذ بحظ وافر من المدنية، ففي كل مجتمع عصيان، في البيت، وفي ~~المدرسة، ms101 وفي محال اللهو، وفي سماع المحاضرات، وفي الشارع، ومظهر هذا العصيان عدم ~~النظام، فإن النظام إنما يكون بمراعاة القوانين الموضوعة والقوانين المتعارفة، والسير ~~على وفقها من غير انتظار رقيب، ولا محاسبة إلا محاسبة الضمير. # وخير الطاعة ما صدرت عن قلب لا خوفا من عقوبة أو رغبة في مثوبة. ~~(11) الإنتفاع بالزمن # الزمن كالمال، كلاهما يجب الإقتصاد فيه وتدبيره، وإن كان المال يمكن جمعه وادخاره ~~لوقت الحاجة بخلاف الزمن. # قيمة كل من الزمن والمال في جودة إنفاقه وحسن استعماله، فالبخيل الذي لا ينفق من ماله ~~إلا فيما يسد رمقه فقير، كمن كانت أمواله مزيفة، كذلك من لم ينفق زمنه فيما يزيد في ~~سعادته وسعادة الناس فعمره مزيف. # إنا نعيش في زمن محدود، ليل ونهار يتعاقبان بانتظام، ليس يطغى أحدهما على الآخر، ~~وحياة مقسمة تقسيما محدودا، صبا فشباب فكهولة فشيخوخة، ولكل قسم عمل خاص لا يليق أن ~~يعمل في غيره، كالزرع إذا فات أوانه لم يصح أن يزرع في غيره، وحياة محدودة، فإذا جاء ~~الأجل فلا مفر من الموت. # وما فات من الزمن لا يعود، فالصبا إذا فات فات أبدا، والشباب إذا مر مر أبدا، والزمن ~~المفقود لا يعود أبدا. # وإذا كان محدودا وكان لا يمكن أن يمد فيه أو يقصر، وكانت قيمته في حسن إنفاقه، وجب أن ~~نحافظ عليه ونستعمله أحسن استعمال. # وليس للانتفاع بالزمن والمحافظة عليه إلا طريق واحد، هو أن يكون لك غرض في الحياة ~~ترضى عنه الأخلاق فتنظم زمنك للوصول إليه. # وإنما يضيع الزمن بأمرين: # الأول: # ألا يكون للإنسان غرض يسعى إليه، قال عمر بن الخطاب: «إني لأكره أن ~~أرى أحدكم سبهللا، لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة» - فما أضيع زمن ~~قارئ يقرأ ما يقع في يده من الكتب من غير أن يكون له غرض معين، كبحث ~~موضوع خاص أو دراسة مسألة خاصة - وما أتعب من يمشى في الطريق لا لغرض، ~~يسير من شارع لشارع ويتنقل من حانوت لآخر لا لغرض معين - وتحديد الغرض ~~يوفر من الزمن ms102 الشيء الكثير، ويسير الإنسان في الحياة على هدى، كلما ~~صادفته أمور عرف كيف ينتخب منها ما يغذي غرضه، ويتجنب ما لا يتفق معه، ~~إن الذين لا يحددون أغراضهم ويتركون الزمن يمر عليهم كما يمر على ~~الجماد قلما يصدر عنهم خير كبير أو يأتون بعمل عظيم، والإنسان بلا غرض ~~كالسفينة في البحر بلا مقصد. # ويلاحظ أن أكثر الناس عملا أوسعهم زمنا، ذلك لأنهم محدودو الغرض، فهم ~~يوجهون أعمالهم لنيله، ولا يصرفون زمنهم في التردد والإختيار، ولا ~~يكونون كرة في يد الظروف تلعب بهم كما تشاء، بل هم الذين يخلقون الظروف ~~ويتصرفون فيها حسب أغراضهم في الحياة. # الثاني: # مما يضيع الزمن أن يكون للإنسان غرض محدود ولكنه لا يخلص لغرضه، فلا ~~يجد للوصول إليه، ولا يعمل ما يتفق معه. # عدم الغرض وعدم الإخلاص له هما اللصان اللذان يسرقان الزمن ويضيعان ~~فائدته. # ومن نتائج هذين العدوين التأجيل، وعدم الدقة في مراعاة الوقت المحدود للعمل، وعدم ~~المواظبة - فتأخر دقائق عن البدء المحدد معناه ضياع دقائق من وقت العمل، وذلك يؤدي إلى ~~إحدى نتيجتين: إما الإسراع في العمل وعدم الدقة فيه ليعوض الزمن الفائت، وإما التعدي ~~على أوقات خصصت لواجبات أخرى - ومن هذا النحو تأجيل العمل إلى وقت غير وقته، فالعمل ~~المؤجل قلما يعمل، وإذا عمل فقلما يعمل بإتقان كما إذا كان في وقته. # وليس يتطلب الإنتفاع بالزمن أن نعمل باستمرار، وألا نترك وقتا للراحة، وإنما يتطلب أن ~~نستعمل أوقات الراحة والفراغ استعمالا يجعلنا أقدر على العمل، فإذا صرفنا وقت الفراغ في ~~كسل وخمول لم ننتفع به ولم يفدنا في العمل، وإذا نحن صرفناه في لعب مفيد أو في رياضة ~~بدنية أفادنا ذلك في عملنا، وأنالنا من القوة ما نستطيع أن نخدم بها غرضنا، وكان هذا ~~تدبيرا واقتصادا. # الزمن هو المادة الخام للإنسان، كالخشب الخام في يد النجار والحديد في يد الحداد، فكل ~~يستطيع أن يصوغ منه حياة طيبة بجده، وحياة سيئة بإهماله، ولأجل أن نجعل لحياتنا قيمة ~~يجب أن نقضي أوقاتنا فيما يتفق وأغراضنا. ms103 # ومما يعين على الإنتفاع بالزمن أن نعرف - بعد تحديد الغرض - هاتين المسألتين: ~~(1) # كيف نبتدئ العمل. ~~(2) # وكيف نستمر فيه حتى ننتهي منه. # لعل من أشق الأشياء معرفة الإنسان كيف يبتدئ عمله، وكثير من الزمن يذهب سدى في ~~التفكير في ذلك - ترى الطالب يريد مذاكرة دروسه فيفكر بم يبدأ، فيرى أن يبدأ بالعلوم ~~الرياضية مثلا، ويشرع في ذلك ثم يستصعبها فيشرع في غيرها وهكذا، فهو يصرف زمنا طويلا ~~قبل أن يبدأ بجد - أضف إلى ذلك أن بدء الشيء صعب عادة لعدم المران، أو لأنه انتقال من ~~راحة لذيذة إلى عمل يشق عمله. # وعلاج الأمر الأول - وهو بم يبدأ - أن يفكر - قبل العمل - في أولى الأشياء بالبدء، ~~ويدرس وجوه الترجيح ثم يرتب ما يليه وهكذا، ثم يعزم عزما قويا لا يشوبه تردد، ولا يسمح ~~لنفسه بتغيير ما عزم عليه مهما صادفه من الصعوبات، أما من يرى أن البدء صعب عليه ويرى ~~نفسه منصرفة عن العمل فما يفيده في ذلك أن يقرأ فصلا من كتاب يشجعه على العمل، أو قطعة ~~من الشعر تثير ميله إلى الجد وتعيد إليه نشاطه، أو يستحضر في ذهنه نتائج الكسل والجد، ~~أو يتذكر أشخاصا جدوا فنبغوا في الحياة. # فإذا بدأ فقد قطع شوطا بعيدا للنجاح، بعد ذلك يجب أن يستمر، وإنما يستمر بالعزم القوي ~~الثابت، ويشجعه على ذلك أن يكون العمل الذى يختاره في الحياة عملا يتفق ونفسه، أعني أن ~~يكون عنده استعداد له وميل إليه، يشعر منه بفائدة ولذة، فأكثر أسباب الملل، يرجع إلى ~~سوء اختيار العمل. ~~(11-1) أوقات الفراغ # إن استعمال أوقات الفراغ استعمالا حسنا من أهم مسائل الحياة التي يجب العناية بها ~~والتفكير فيها، فإن أكثر أعمارنا تذهب سدى لأنا لا نعرف كيف نستعمل أوقات الفراغ، ~~يقضيها الأطفال في الحارات والشوارع بلا فائدة، ويقضيها الشبان والشيوخ على ~~«القهوات» حيث لا هواء نقيا ولا منظرا حسنا ولا رياضة بدنية ولا فكرية - أوقات ~~طويلة تذهب في كلام لا قيمة له، أو لعب لا يفيد، ولا يقصد منه إلا ms104 «قتل الوقت» - ~~وأثر ذلك في أوقات العمل كبير، فمن لم يعرف كيف يلهو لم يعرف كيف يجد. # لعل من أهم الأسباب لذلك قلة الأندية للرياضة البدنية في الأحياء المختلفة، ففي ~~أكثر الأحياء لا تجد مكانا يرتاض فيه إلا الشارع «والقهوة». يجب أن تكون أندية ~~اللعب والحدائق والمكاتب في كل حي من الأحياء. # أضف إلى ذلك أن جهل الأمة وعدم تربيتها تربية صحيحة يفسد ذوقها، وهذا هو السبب في ~~أنك تجد «القهوة» والروضة والمكتبة والملعب في حي واحد ثم تجد «القهوة » وحدها هي ~~العامرة بالزائرين. # وسبب ثالث وهو أن فقدان السعادة المنزلية في بيوتنا جعلنا نفر من البيوت - التي ~~كان يجب أن تكون أعز شيء عندنا - إلى الأندية العامة نمضي فيها أنفس أوقاتنا. وسبب ~~فقدان السعادة المنزلية يرجع في الأغلب إلى انتشار الفقر وجهل الزوجين، وعدم ~~معرفتهما «فن الحياة». ~~(12) التعاون # التعاون نوعان: تعاون بين أفراد الأمة الواحدة، وتعاون بين الأمم ~~(12-1) التعاون بين أفراد الأمة الواحدة # الإنسان مدين بحياته ووجوده للمجتمع، فلولا اجتماع أبويه وتعاونهما ما وجد ولا ~~تربى، وليس يستطيع بعد أن ينقطع عن العالم ويتجرد من كل ما كسبه منه، فهو حتى لو ~~عاش في جزيرة وحده، إنما يستعمل - في تحصيل رزقه وصيد الحيوانات التي حوله - الآلات ~~التي علمه إياها المجتمع، بل هو لو لم يتخذ معه آلات ولا كساء فإنما يجمع ما يقتاته ~~وينسج ما يلبسه بمعلومات هو مدين بها لمجتمعه، فالتعاون بين الأفراد لا بد منه ~~للحياة، وكلما تقدم الناس في الحضارة كانت حاجتهم إلى التعاون أشد، ويظهر ذلك جليا ~~إذا قارنت بين سكان القرى وسكان المدن، فالفلاح يزرع، وهو يطحن ويخبز، ولا يستعين ~~على ذلك إلا بأهل بيته، وقد ينسج ملابسه بنفسه من صوف غنمه، ويربى أولاده في حقله، ~~وعلى الجملة فمطالب الحياة لديه بسيطة قليلة، يقوم في أكثرها بنفسه وأهله، أما ساكن ~~المدن فمحتاج إلى مخبز يعد له الخبز، ولبان يحضر له اللبن، وفي ملابسه يحتاج إلى ~~مراكب تستورد له ملابسه من الخارج، وخياط يخيطها ms105 له، ومدارس تربي أولاده، وترام أو ~~سيارات ينتقل عليها، وجرائد يقرؤها، ونحو ذلك من المطالب التي يستغني القروي عن ~~كثير منها. # وكثرة الحاجات والمطالب، وشدة الحاجة إلى التعاون، ألجأت الناس إلى توزيع ~~الأعمال، وتخصيص كل طائفة لعمل، وتعاون كل طائفة من العمال مع الأخرى. # أنظر - مثلا - إلى الكتاب الذى تقرؤه، فقد اشترك فيه ألوف من العمال قبل أن يصل ~~إلى يدك، وتعاون عليه طوائف من الصناع كل طائفة تخصصت لعمل، فطوائف لصنع الورق قد ~~تخصصت كل جماعة لنوع من صناعته، هؤلاء لعجينته، وهؤلاء لصقله وهكذا، والمؤلف الذى ~~ألف الكتاب قد اشترك في إعداده للتأليف جماعة كثيرون، ربوه وأعانوه وعلموه حتى ~~استطاع أن يؤلف، وإذا نظرت إلى المطابع التي طبعت الكتاب اتسع مجال النظر، فكم من ~~الصناع اشتركوا في صنع آلات الطباعة! وصنع الحبر، وصنع الحروف! وكم من العمال صفوا ~~الحروف ثم طبعوها! وهكذا، ولولا هذا التعاون بين طوائف العمال ما وصل الكتاب إلى ~~يدك. # وتوزيع العمل على الناس، وتخصيص كل طائفة بعمل ساعد على الإتقان، كالذي ترى في ~~لاعبي الكرة، فلو أنك رتبت اللاعبين، وكلفت كل لاعب عملا خاصا، انتظم اللعب، وكان ~~أوفى بالغرض، وعلى العكس من ذلك إذا أنت سمحت لكل لاعب أن يأتي بكل أعمال اللعب من ~~غير تحديد. # كذلك كان هذا التوزيع من وسائل توفير الزمن وتوفير المال، فالقمح لو اشتغل أفراد ~~في حصاده، وآخرون في طحنه، وطائفة ثالثة في خبزه، أخذ زمنا أقل في إعداده، وكان ~~أرخص مما إذا اشتغلت طائفة واحدة بالحصاد والطحن والخبز معا. # لعلك نظرت إلى آلة من الآلات الكبيرة كآلة الطباعة، أو آلة رفع المياه، أو توليد ~~الكهرباء، وكيف رأيت أن كل آلة مركبة من أجزاء مختلفة، كل جزء له عمل خاص، فعجلات ~~ومكابس ونحوها تتحرك حركات مختلفة، وكل جزء يتحرك حركة مناسبة للآخر، ومؤدية لتحصيل ~~الغرض من الآلة، كذلك الناس والحياة، هم آلة كبيرة، كل يؤدي عملا جزئيا، وكل يتعاون ~~مع الجزء الآخر في عمله، ولو قعد جزء هام من العمال ms106 عن العمل لوقف سير العمل جميعه، ~~كما إذا وقف جزء هام من آلة الطباعة، وكل جماعة من الناس صالحون لنوع من العمل قد ~~لا يصلحون لغيره، فالواجب أن يعملوا ما صلحوا له وأن يؤدوا عملهم على أحسن وجه، ~~علما بأن بقية أجزاء الأمة يتوقف عملها على عملهم، وإن لم تر ذلك عيونهم. # كثيرا ما تقرأ أو تسمع أن بعض المؤلفين وعظماء الرجال ماتوا غرقا من إهمال ربان ~~سفينة، أو سقط عليهم البيت من إهمال مهندس، أو نحو ذلك، كل هذا يدلنا على أن كل ~~إنسان في أمة يتعدى عمله غيره من الناس، وقد يصل أثر ذلك إلى حياتهم، وهذا يجعلنا ~~نشعر بالمسئولية الملقاة على عاتقنا، ويوجب علينا أن نخرج العمل الذى عهد إلينا ~~كأحسن ما نستطيع، كما يوجب علينا ألا نحتقر من يعمل غير عملنا، كل يؤدي واجبا، وكل ~~لا بد من عمله لسير الأمة، فالمؤلف إنما يستطيع أن يتفرغ للتأليف لأن غيره من الناس ~~يشتغل له في إعداد مأكله ومشربه وملبسه، وأنت إنما تتعلم وتتفرغ لتحصيل علمك لأن ~~غيرك قد كفاك مؤونة السعي لتحصيل العيش، وهكذا الناس، كل خادم وكل مخدوم، وخير ~~الناس أنفعهم للناس. # ولا يصح أن يسمح بالتعاون بين الأفراد أو الشركات إذا كان في ذلك ضرر بالأمة، كما ~~يحدث في الإحتكار، فلو اتحدت شركات المياه والنور على رفع السعر حتى أرهقوا الشعب ~~كان هذا ضربا من التعاون بين هذه الشركات، ولكنه تعاون ضار لا ترضى عنه الأخلاق، ~~إنما ترضى الأخلاق عن أنواع من التعاون تزيد في رقي الأمة، كالتعاون على حماية ~~العمال من أرباب رءوس الأموال، وكجمعيات التأليف، ونوادي الفنون والألعاب الرياضية، ~~وجميعات البر والإحسان، وجمعيات التعليم، فإن التعاون بين هذه الجمعيات والنقابات ~~يزيد في سعادة الأمة ويعين على نهوضها. ~~(12-2) التعاون بين الأمم # هناك نوع آخر من التعاون هو التعاون بين الأمم، وذلك على ضروب شتى. # من ذلك التعاون التجاري، فخيرات هذه الأرض قد وزعت على العالم، فالبن والقطن ~~والأرز والفاكهة والفضة والذهب والحديد ونحوها ms107 ليست مجموعة في بقعة واحدة، وإنما ~~يكثر في أمة بعض الأشياء ويقل البعض الآخر وهكذا، فتحتاج الأمم إلى التعاون وتبادل ~~ما بينهم من الخيرات، ولو أن كل أمة قصرت حياتها على ما عندها من خيرات لا تخمت في ~~بعض الأنواع، وأحست بالجدب والفقر في البعض الآخر، ولم تستطع - على العموم - أن ~~تعيش عيشة سعيدة، فبهذا التبادل تتعاون الأمم على السعادة، ولذلك كان من السخافة أن ~~تعمد أمة إلى إفناء أمة أخرى إذ يكون مثلها مثل تاجر يعمد إلى إحراق منزل ~~عميله. # كذلك تتعاون الأمم في نشر الحضارة، ولعل أوضح مثل لذلك اليابان، فقد رأت حاجتها ~~إلى اقتباس المدنية الغربية فأرسلت البعثات إلى الممالك المختلفة لتدرس نظمها، ~~وكانت النتيجة أن نظمت بحريتها على نمط البحرية الإنجليزية، وجيشها على النمط ~~الألماني واقتسبت آلاتها من النمط الأمريكي أحيانا والإنجليزي أحيانا وهكذا. # وكذلك تتعاون الأمم في الإختراع والإستكشاف فالإنجليز أمدوا العالم بالآلات ~~البخارية، وأمريكا وصلت إلى درجة عظيمة في استعمال الكهرباء، وعنها أخذ العالم، ~~والكيمائيون الألمان اخترعوا كثيرا من عجائب الكيمياء، والفرنسيون استكشفوا كثيرا ~~من ميكروبات الأمراض، ونجحوا في وصف علاجها، ولما اتجهت الأذهان لترقية الطيران ~~تسابقت الأمم المختلفة، كل يدخل عليه نوعا من التحسين، وكل يريد الفوز والغلبة، وكل ~~يستفيد مما يدخله الآخر من الإصلاح. # كذلك الشأن في العلوم والآداب والفنون، يظهر فيلسوف كبير في أمة فتنتفع الأمم ~~الأخرى بعلمه، وتظهر رواية جميلة أو قطعة موسيقية ممتعة فتمثل أو توقع في الممالك ~~الأخرى، حتى يكاد يكون العالم أو الأديب أو الفنان عالميا، نتاجه للأمم كلها لا ~~لأمته. # وتبادل الآراء نوع من التعاون، فالأمة ترسل بعثاتها إلى الأمة الأخرى تدرس آراءها ~~وتستفيد منها، كالذي ترى في المؤتمرات، تعقد لمختلف الموضوعات، كمؤتمر التربية، ~~ومؤتمر التاريخ، ومؤتمر الجغرافيا، ونحو ذلك، يجتمعون من عدة أمم فيتبادلون ~~الأفكار، ويستفيد كل مما وصل إليه بحث الآخرين. # وتتعاون الأمم على ما يصيب إحداها من الكوارث، فزلزال مسينا، وثوران البراكين، ~~ونحو ذلك يحل بالأمم أعظم المصائب، فتتعاون الأمم على درء الشر، ms108 وإغاثة المنكوبين، ~~بما يتبرعون به من مال ورجال. # ومن مظاهر هذا التعاون ما كان بين الحكومات، فالمعاهدات بين الأمم في تبادل ~~البريد والتلغرافات ونحو ذلك أثر من آثاره، وكذلك تعاقد حكومات الأمم المختلفة على ~~منع تجارة الرقيق، ومحاولتهم الآن التعاون على نقص التسليح، والعمل على منع الحرب، ~~وإحلال عصبة الأمم محل تحكيم السلاح، وإن كان ذلك مما لا يزال أملا يرتجى. ~~(13) خلاصة # وبعد، فهذه الفضائل وأمثالها لا يرقى الإنسان في اكتسابها إلا بأمرين: # الأول: # محاسبة النفس وسؤالها من حين إلى حين في أية فضيلة ارتقيت وفي أيتها ~~ضعفت، هل أنا اليوم أصدق منى أمس، وإلى أية درجة نجحت في إلتزامي ~~الصدق، بهذا الإمتحان ونحوه يستطيع الإنسان أن يتتبع نفسه ويراقبها في ~~سيرها. # إذا رأيت نفسك تغضب كل يوم فاجتهد أن يمر يوم لا تغضب فيه، ثم اجتهد ~~أن يمر يومان فثلاثة، فإذا نجحت في مرور أيام لم تغضب فيها فتصدق بصدقة ~~شكرا لله على تقدمك في النجاح في كسب هذه الفضيلة، وانتقل إلى غيرها ~~وهكذا. # الثاني: # الإرادة القوية المسيطرة على النفس، فالإرادة قابلة للتمرن، ومثلها ~~مثل من يبتدئ في ركوب دراجة (بسكليت) فهو في أول أمره يختل توازنه، ولا ~~يستطيع أن يسيطر عليها، يعلم ما يريد ولكن لا يستطيع أن يصرفها كما ~~يريد، وبالتدريج والمرانة تطيعه الدراجة، وتنتظم حركته، وتصبح تحت ~~سلطته، ويسير في سهولته سيرا آليا. # وهذا هو ما ينبغي في سيطرة الإنسان على نفسه، يكون لإرادته من القوة ~~ما تستطيع به أن توجه النفس إلى ما تعتقد من خير وصواب. ms109