######OpenITI# #META# URI: 1373AhmadAmin.MabadiFalsafa.Hindawi19179686 #META# Tags: philosophy #META# ID: 19179686 #META# Title: مبادئ الفلسفة #META# AuthorID: 75352418 #META# Author: أ. س. رابوبرت #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 20953090 #META# Translator: أحمد أمين #META# Related_books: 1428AnatolRapoport.MabadiFalsafa (TRANSL) #META#Header#End# # مقدمة المترجم للطبعة الأولى‏ # مقدمة المؤلف‏ # الكتاب الأول: في الفلسفة وفروعها‏ # 1 - تمهيد في معنى الفلسفة وفروعها‏ # 2 - ما بعد الطبيعة أو ما وراء المادة‏ # 3 - الفلسفة الطبيعية‏ # 4 - علم النفس (سيكولوجيا)‏ # 5 - علم المنطق‏ # 6 - علم الجمال‏ # 7 - علم الأخلاق‏ # 8 - علم الاجتماع (سسيولوجيا)‏ # 9 - مجمل تاريخ الفلسفة أو تاريخ ترقي الفلسفة‏ # 10 - فصل في تاريخ الفلسفة الإسلامية‏ # الكتاب الثاني: مسائل الفلسفة ومذاهبها‏ # 1 - مقدمة المؤلف‏ # 2 - مسائل ما بعد الطبيعة‏ # 3 - مسائل علم الأخلاق‏ # 4 - نظرية المعرفة‏ # الخاتمة‏ # مقدمة المترجم للطبعة الأولى‏ # مقدمة المؤلف‏ # الكتاب الأول: في الفلسفة وفروعها‏ # 1 - تمهيد في معنى الفلسفة وفروعها‏ # 2 - ما بعد الطبيعة أو ما وراء المادة‏ # 3 - الفلسفة الطبيعية‏ # 4 - علم النفس (سيكولوجيا)‏ # 5 - علم المنطق‏ # 6 - علم الجمال‏ # 7 - علم الأخلاق‏ # 8 - علم الاجتماع (سسيولوجيا)‏ # 9 - مجمل تاريخ الفلسفة أو تاريخ ترقي الفلسفة‏ # 10 - فصل في تاريخ الفلسفة الإسلامية‏ # الكتاب الثاني: مسائل الفلسفة ومذاهبها‏ # 1 - مقدمة المؤلف‏ # 2 - مسائل ما بعد الطبيعة‏ # 3 - مسائل علم الأخلاق‏ # 4 - نظرية المعرفة‏ # الخاتمة‏ # | مبادئ الفلسفة # | مبادئ الفلسفة # تأليف # أ. س. رابوبرت # ترجمة # أحمد أمين # | مقدمة المترجم للطبعة الأولى # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه ~~أجمعين. # أتى على العرب حين من الدهر كانت لغتهم تكفي لحاجتهم؛ فلهم منها أسماء ما يأكلون وما ~~يشربون وما يلبسون وما يفكرون، فإن لم يجدوا نقلوا عن غيرهم أو خلقوا خلقا جديدا، ~~ساروا مع زمانهم في تشريعهم وفي علومهم وفي لسانهم وفي نظمهم؛ إن أحسوا أن أمة سبقتهم ~~في علم أنفوا أن يروا لغتهم عاطلة من حليه، فأسرعوا في ترجمته، وسدوا نقصا شعروا ~~به، وإن رأوا معنى جديدا أو مخترعا جديدا وضعوا له لفظا جديدا، وأدخلوه في ~~معاجمهم، وذكره العلماء في كتبهم، وإن أنتجت حالتهم الاجتماعية أنواعا من المعاملات ~~جديدة، وأنماطا من الجرائم لم يكونوا يعرفونها شرعوا لها تشريعا جديدا يتفق مع ~~الحوادث، وقالوا كما قال عمر بن عبد ms001 العزيز: «يحدث للناس من الأقضية بقدر ما يحدث لهم ~~من الفجور.» وكما قال زياد: «وقد أحدثتم أحداثا لم تكن، وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة.» ~~فكانوا والزمان فرسي رهان يعدوان جنبا لجنب؛ علما منهم بأن لا نجاح لأمة في الحياة ما ~~لم تعدل حياتها على وفق ما يحيط بها. # ثم وقفوا واستمر الزمن يعدو، وكلما طال وقوفهم زاد البعد وبعدت مسافة الخلف، وقفوا ~~سبعة قرون أو تزيد، تغير فيها مفهوم الكلمات، وزادت المعاني والمخترعات، ولا تزال معاجم ~~لغتهم مما وضع منذ قرون أمثال قاموس «الفيروزآبادي» و«لسان العرب» مما ألف لزمن غير ~~زمانهم، في موقف غير موقفهم، والأمم الحية لا ترضى أن يكون لها في نصف قرنها الحالي ~~معجم ألف في نصف قرنها الماضي! # اختلفت أنواع المعيشة وأصبح بعض ما كان يعد حسنا قبيحا والعكس، وتغيرت أشكال ~~المعاملات وهم أمام ذلك جامدون، اخترعت علوم جديدة وأبطلت نظريات قديمة، واستكشفت قضايا ~~وقوانين غيرت وجه العلم وحولت مجرى الحياة وهم يأبون إلا أن تكون الكتب كتب الأقدمين، ~~والنظريات نظريات الأقدمين، والرأي رأي الأقدمين! نعم، ينبغي أن ننظر في القديم، ولكن ~~ليس إلا لنتخذ منه دعامة للجديد. # فما أحوجنا إلى نهضة تنبهنا من سباتنا العميق، وتغير مجرى حياتنا، وتفتح عيوننا للبحث ~~والنظر، وتطلق الفكر من عنانه، فيبحث ويعتقد ما يراه الحق، وتمدنا بما وصل إليه الغرب ~~فنستأنس ببحثه، ونستعين به على وضع ما يتفق مع بيئتنا وديننا ونظمنا الاجتماعية وحالتنا ~~العقلية. # وقد عثرت على كتاب في «مبادئ الفلسفة» قسمه المؤلف إلى قسمين: أبان في القسم الأول ~~منه موضع الفلسفة وفروعها، وذكر كلمة عن كل فرع، وختمه بفصل في تاريخ الفلسفة؛ مبدأ ~~نشأتها إلى الآن، وذكر في القسم الثاني النظريات الفلسفية المعروضة على بساط البحث، ~~وحكى باختصار المذاهب المختلفة. # والكتاب يقدم للقارئ صورة مصغرة للآراء الفلسفية؛ قديمها والحديث، ويحدد معنى الفلسفة ~~وموضوعها - تلك الكلمة التي يكاد يتخلف الناس عندنا في فهم معانيها بقدر عدد رءوسهم - ~~ولم يأل جهدا في تبسيط الموضوع والتغلب على صعوباته؛ ليكون سهل ms002 التناول لجمهور ~~المتعلمين. # رأيت أن أنقله إلى العربية، وأغراني على ذلك صغر حجمه، وطرافة موضوعه عند قراء ~~العربية، وبذل المؤلف جهده لتسهيل الموضوع، حتى إذا بدأت في ترجمته أحسست بصعوبته، وقد ~~لا يعلم قدر ما لاقيت من عناء إلا من حاول ترجمة كتاب كهذا في موضوع دقيق مليء ~~بالاصطلاحات الفنية لا يجد لها مقابلا في العربية. # راعيت الأمانة في النقل المستطاع، فحافظت على ترتيب المؤلف ومعانيه وتسلسلها، ولم ~~أتصرف إلا عند الضرورة القصوى، وقد استعملت في الترجمة الاصطلاحات العربية ما وجدت إلى ~~ذلك سبيلا، فإن لم أعثر بعد البحث على اصطلاح عربي يقابل الاصطلاح الإنجليزي وضعت كلمة ~~من عندي رأيت أنها أقرب للدلالة على المعنى. # ولست أنكر أن في بعض ما ترجمت غموضا - وأرجو ألا يكون كثيرا - وسبب ذلك إما صعوبة ~~الموضوع وغموض الأصل، أو التغالي في المحافظة على معاني المؤلف، أو أن الاصطلاحات التي ~~استعملتها لم تؤلف إلفها في لغة الأصل. # وقد رأيت أن المؤلف لم يذكر كلمة ما عن الفلسفة العربية وتاريخها، فرأيت - إتماما ~~للفائدة - أن أذكر كلمة في ذلك أقرنها بما كتبه المؤلف عن تاريخ الفلسفة، ووضعت على ما ~~كتب المؤلف كلمات في ذيل الصحيفة قد أشرح بها غامضا أو أبين مصطلحا. # وذيلت الكتاب بترجمة صغيرة لأشهر من ورد ذكرهم في الكتاب؛ أبين فيها جنسه وتاريخ ~~حياته، وربما ذكرت بعض مبادئه، وختمت ذلك بقائمة للألفاظ الإنجليزية وما يقابلها من ~~العربية. # وهنا أتقدم بالشكر للجنتنا المباركة «لجنة التأليف والترجمة والنشر» على ما بذلت من ~~المساعدة في إخراج الكتاب، وأخص بالذكر صديقي أمين مرسي قنديل، وعبد الحميد أفندي ~~العبادي، فإليهما يرجع الفضل في مراجعة الكتاب وتنقيحه، وإرشادي إلى ما غمض من معانيه. # وإني أشكر كل من يتنبه لخطأ في الكتاب فيرشدني إليه، والله أسأل أن ينفع به، ويجعله ~~طليعة كتب واسعة تظهر في هذا الموضوع النافع. # أحمد أمين # مايو سنة 1918 # | مقدمة المؤلف # الغرض من هذا الكتاب أن يكون بين أيدي المبتدئين في الفلسفة شبه دليل مدرسي يقفون منه ms003 على ~~مسائل الفلسفة وما وضع لها من حل، وقد كان مجرد عرض المسائل الفلسفية أهم في نظري من ~~مراعاة تاريخها، ولكن لما كان تتابع المذاهب في المسائل متمشيا مع تدرج الفكر في الرقي صار ~~من الطبيعي مراعاة الترتيب الزمني لأقسام الموضوع، وبالضرورة قد اكتفينا في هذا الموجز الذي ~~يستغرق أقل من 128 صفحة بمجرد ذكر كثير من المسائل يمكن أن تبسط في رسائل خاصة، غير أنا ~~نرجو أن نكون قد ذكرنا كل ما هو ضروري في كتاب كهذا يعد «مقدمة للفلسفة» يجمع إلى صغر الحجم ~~ودقة العبارة الوضوح والإلمام بأطراف الموضوع، هذا مع الإخلاص للحق وهو آخر دروس الفلسفة ~~وخيرها. # أ. س. ر. # فبراير سنة 1904 # الكتاب الأول # | في الفلسفة وفروعها # الفصل الأول # | تمهيد في معنى الفلسفة وفروعها # شاع بين الناس أن الفلسفة موضوع لا تتناوله إلا عقول خاصة، وأنها لا تلذ إلا لقوم ~~نظريين لم يروا في الحياة خيرا من أن يجهدوا عقولهم في حل مسائل هي إلى الخيال أقرب ~~منها إلى الحقيقة، وأنها تبحث في خيالات عقيمة لا ينبني عليها في الحياة عمل؛ وإنهم في ~~زعمهم لمخطئون. # لم يرفع الإنسان عن مستوى الحيوان إلا فكره وقوته العاقلة، فالحيوان يرى ويسمع بل ~~ويتذكر، ولكنه لا يستخدم هذه القوى إلا في حاجاته الوقتية؛ أما الإنسان فيرى ظواهر ~~الكون على اختلاف أنواعها فيتصورها ويكون له فيها رأيا، ثم يجتهد في تعرف عللها ~~وعلاقة حقائق الكون بظواهره؛ وهذا طريق فهم الشيء فهما واضحا، فإن فعل هذا قلنا: إنه ~~يتفلسف، ولا نعني بهذه الكلمة إلا أنه يفكر في شيء خاص - ذاتا كان أو معنى - ويحاول ~~الإجابة على هذه الأسئلة: ~~(1) # ما هذا الشيء الذي يبحث فيه عقلنا؟ ~~(2) # ما أصله؟ ~~(3) # ما علاقته بغيره من الذوات أو المعاني؟ # وبعبارة أخرى معنى «يتفلسف» أنه يبحث في ماهية الأشياء وأصولها وعلاقة ~~بعضها ببعض، وليس يخلو إنسان من هذا العمل وقتا ما، فساغ لنا أن نقول: إن كل إنسان ~~متوسط الفكر يتفلسف، وإن كل الناس فيلسوف إلى حد ما، ms004 مع تفاوت فيما بينهم، إلا من ~~استعبدته شهواته وانغمس في اللذائذ المادية، إلا أن كلمة «فيلسوف» إذا استعملت بدقة لا ~~تطلق على من ينظر إلى الشيء أحيانا فيتأمله ويفحصه أو يشك فيه، ثم يرى فيه رأيا ~~يعتقده ويتمسك به، بل كما أنا لا نسمي زجاجا ولا قفالا من أصلح في بيته لوح ~~زجاج كسر، أو عالج قفلا فسد، إنما الزجاج أو القفال من اتخذ ذلك العمل حرفة ~~في حياته، ولم يقتصر على التعليم الصحيح، بل أكسبته المثابرة على العمل مرانة وبراعة، ~~وعرف كيف يصل إلى نتيجة خير مما يصل إليها غير المتمرن بجهد أقل من جهده، فكذلك لا ~~نسمي فيلسوفا إلا من كان أهم أغراضه في حياته درس طبائع الأشياء وتعقلها، وعدته في ~~ذلك فكره، وكان له بمزاولة ذلك قدرة على إدراك الأشياء بسرعة، وكما أن الصناع على ~~اختلاف أنواعهم يعرفون دقائق عملهم، وإن شئت فقل ينبغي أن يعرفوا ذلك، وأن يكونوا على ~~علم بأحدث ما اخترع مما يتعلق بعملهم، كذلك الفيلسوف المتخصص للفلسفة يجب أن يعرف ما ~~وصل إليه من قبله، وما قالوه في المسائل التي تشغل فكره. # ولكن ما الحامل على التفلسف؟ وماذا يجني من ورائه؟ يقول أرسططاليس: «إن الدهشة أول ~~باعث على الفلسفة.» برز الإنسان إلى هذا الوجود فرأى نفسه في عالم مختلف في ظواهره، ~~وواجهه الزمان بظروفه فراعه ذلك واستخرج منه العجب، فبدأ يسأل: لماذا؟ ومن أين؟ وإلى ~~أين؟ رأى هذا العالم أمامه لغزا فحاول حله، وتلك المحاولة هي الفلسفة. وقد كان أول ~~حامل له على حله ما يرجوه من المنفعة من وراء ذلك، ولهذا قيل: إن المصريين هم واضعو ~~أساس علم الهندسة لما ألجأتهم الحاجة إلى تحديد ما يمتلكه الأفراد إثر فيضان النيل ~~السنوي، وقبائل البدو من الكلدانيين نظروا في النجوم ليهتدوا بها في السير بقطعانهم. ~~وعلى الجملة فقد حاول الإنسان كشف معميات الحياة ليكون أقدر على تحصيل مصالحه ورعايتها؛ ~~جسمانية كانت أو روحية، وقد ظل العقل الإنساني يتلمس السبيل للوصول إلى فهم العالم ~~والحياة ms005 فهما جليا ثابتا صادقا، ويحل ما يعترضه من ألغازهما، وتنوعت أمامه ~~المسائل؛ فمن أرض ذات فجاج إلى سماء ذات أبراج زينت بالنجوم للناظرين، فما أكثر ~~متناول العقل! وما أوسع بيداء الجهل! حيث يجوب العقل البشري فيها يرتاد «واحة» ويجد ~~في البحث لينفذ إلى أسرار الطبيعة ينشرها بين الناس؛ لينتفعوا بها، وبينا هو يتطلب ~~معرفة الأشياء فرارا من الجهل إذ انبعثت فيه رغبة في المعرفة نفسها، وصار يتطلب ~~المعرفة للمعرفة لا قصدا للفائدة العملية. والإنسان مفطور على حب الاستطلاع، وهذه ~~الرغبة المتأصلة في أعماق نفسه لا تستأصل، وهي دافع قوي يقوى بنمو العقل، ويحمل على ~~تطلب معرفة الحقائق الكبرى الأساسية لهذا الوجود وتلك الحياة، وعلى البحث في علل ~~الأشياء وعلاقة بعضها ببعض، وهذا ما دعا الإنسان أن يتفلسف، أحس من نفسه الجهل بالشيء ~~فشك فنظر ففكر؛ فاعتقد الحق فيما رأى، وليس ما يعتقده الإنسان بعد البحث حقا مقصورا ~~على التأمل العقيم، بل غاية هذا التأمل أن يستخدم في الحياة العملية؛ فالفلسفة إذا ~~شوق وجد وراء معرفة الأسباب الخفية للأشياء للتوفيق بين آرائنا وأعمالنا، وهذا هو ~~قصدنا في الحياة، فليس ثمة غرض إلا الفرار من الجهل، والوقوف على الحق، وكشف النقاب عن ~~باطل تقنع بحجاب سخيف يوهم أنه حق. # وأصل كلمة فلسفة وتاريخها يدلان على ما ذكرنا؛ فقد روى المؤرخ اليوناني «هيرودوت» أن ~~«كريسس» قال «لسولون»: «لقد سمعت أنك جبت كثيرا من البلدان متفلسفا.» أي متطلبا ~~للمعرفة، واستعمل «بركليس» كلمة «الفلسفة» يريد بها «الجد وراء التهذب» ومهما يكن من ~~شيء فمنشأ الكلمة يشعر بالاعتراف بالجهل والشوق إلى المعرفة، قال «فيثاغورس» والأصح ~~نسبته إلى سقراط: «الحكمة لله وحده، وإنما للإنسان أن يجد ليعرف، وفي استطاعته أن ~~يكون محبا للحكمة، تواقا إلى المعرفة، باحثا عن الحقيقة.» وهذا ما يدل عليه ~~اشتقاق كلمتي فلسفة وفيلسوف؛ فإنهما مأخوذتان من «فيلوس» ومعناها «محب» و«سوفيا» ~~ومعناها «الحكمة» فمعنى فيلسوف: محب الحكمة، ومعنى «سوفوس»: الحكيم. وقد كانت كلمة ~~«سوفوس» في الأصل تطلق على كل من كمل في شيء - عقليا ms006 كان أو ماديا - فأطلقوها على ~~الموسيقي والطاهي والبحار والنجار، ثم قصرت بعد على من منح عقلا راقيا، فلما جاء ~~سقراط سمى نفسه فيلسوفا أي محبا للحكمة؛ تواضعا وتمييزا له عن السوفسطائيين ~~(المتجرين بالحكمة) الذين يطوفون البلاد يعرضون على الناس ما عرفوه بالثمن - كما يفعل ~~بعض الباعة - وما كان المشترون ليشتروها أيضا إلا رغبة في الفائدة العملية. # فالفلسفة إذا تبحث عن كل مسألة يمكن البحث فيها، وإن شئت فقل: عن العالم، ونحن نقسم ~~مسائلها إلى ثلاثة أنواع تبعا لموضوع البحث: ~~(1) # مسألة الوحدة: أعني علة العلل القادرة على كل شيء، الخالقة لكل شيء، ~~مفيضة الحياة على العالم. وهذا القسم يسمى ما بعد الطبيعة أو ما وراء ~~المادة. ~~(2) # مسألة الكثرة: أعني مظاهر هذا العالم المتنوعة. وهذا النوع يسمى «الفلسفة ~~الطبيعية». ~~(3) # مسألة أفراد المخلوقات التي أهمها لنا الإنسان، # 1 # ويشمل هذا النوع ما يأتي: علم النفس، أي علم الحياة العقلية ~~للإنسان، ويبحث في: ~~(أ) # الطرق التي يتبعها العقل للوصول إلى نتيجة صحيحة. وهذا يسمى ~~المنطق وغايته ترقية فكرة الحق. ~~(ب) # في العاطفة. وهذا هو علم الجمال وغايته ترقية فكرة ~~الجمال. ~~(ج) # في الرغبة أو الميل. وهذا موضوع علم الأخلاق، وهو يدور حول ~~فكرة الخير. # قال الأستاذ سلي: «إن تحليل الإدراك أساس علم المنطق، وهو يقصد إلى وضع قواعد بها ~~نعرف أن نفكر أو نستنتج استنتاجا صحيحا، وتحليل الشعور أساس علم الجمال، وهو علم ~~الغرض منه الاهتداء إلى مقياس صحيح يقاس به الجميل وما يستحق الإعجاب.» # ولما كان سلوك الإنسان قد نظم ببيان ما يجب وما لا يجب قصدا للوصول إلى الخير، ~~وكان بيان هذه الواجبات قد مهد السبيل للقانون، والقانون إما طبيعي وإما وضعي، كان لنا ~~من ذلك فلسفة تسمى «فلسفة القانون»، وهناك مسائل تدور حول البحث في علاقة الأشخاص بعضهم ~~ببعض تكون علما خاصا يسمى «علم الاجتماع» وهذا يشمل أيضا فلسفة التاريخ. # فموضوعات الفلسفة إذا ما يأتي: ~~(1) # ما بعد الطبيعة. ~~(2) # فلسفة الطبيعة. ~~(3) # علم النفس. # 2 ~~(4) # المنطق ~~(5) # علم الجمال. ~~(6) # الأخلاق. ~~(7) # فلسفة القانون. ~~(8) # علم الاجتماع ms007 وفلسفة التاريخ. # | هوامش # الفصل الثاني # | ما بعد الطبيعة أو ما وراء المادة # يمكن أن ينظر إلى هذا العالم بكل مظاهره نظرا علميا من جهتين مختلفتين؛ إحداهما: ~~النظر إليه وفحصه من حيث أشكاله التي يتجلى لنا فيها، وعليها تقع حواسنا، مغفلين البحث ~~عن علله المجهولة التي لا يمكن أن تعرف، والجهة الأخرى: النظر في روح هذه الظواهر من ~~غير أن نلحظ تأثيرها في حواسنا؛ فالجهة الأولى موضوع العلوم الوضعية، والأخرى موضوع ما ~~بعد الطبيعة. # لكل علم مدركات كعدة له وآلات لا يبحث هذا العالم في قيمتها، وإنما يجدها مهيأة ~~من قبل فيستخدمها في أغراضه، ويكتفي بها، فهي موجودة وكفى، مثل المكان والزمان والكم ~~والكيف والعلة والمعلول والحركة والقوة والهيولي والصورة # 1 ~~- وهي مدركات توصف بها الموجودات - رأت العلوم أن علة الحقيقة ليست إلا ~~حقيقة أخرى، وأن سبب الحركة ليس إلا حركة أخرى، فسبب الصوت مثلا حركة الهواء، وليس ذلك ~~السبب إلا حالة أخرى، جاء العلماء فبحثوا في الظواهر المتنوعة (كل في فرعه الخاص) ~~ونظروا في أشكال المادة وتغيراتها كما يتراءى لهم، ولم ينظروا فيما هي المادة، ولا لم ~~كانت كذلك، وإنما وجهوا كل همتهم نحو معرفة كيفيتها، فكانت دائرة علمهم مقصورة على ~~الأشياء المتناهية، والتي أساسها التجربة والاختبار. لم تقنع بهذا نفس الإنسان - وهي ~~الشغوفة بالبحث والاستقصاء - فرأت أن هذه المظاهر الزائلة للحياة المادية لا تقوم ~~بنفسها، وإنما يجب أن تكون وراءها قوة خفية أزلية أبدية، هي للعالم كإرادتنا فينا، ~~عندما نعمل عملا أو نتحرك بإرادتنا حركة، شيء مطلق لا يحده حد وليست له نهاية، هو ~~علة الموجودات، وهو الذي تسميه لغة الدين «الله» - لهذا كانت الحاجة ماسة إلى علم يبحث ~~عن هذه المدركات المتقدمة التي تنتفع بها العلوم الأخرى، ولا ترى أنها في حاجة إلى ~~الشرح، وهذا العلم هو «ما بعد الطبيعة» وهو لا يبحث عن حقائق العالم المادي كما يتجلى ~~لحواسنا، وإنما يبحث في الحواس من حيث مقدار الثقة بإدراكها كما يبحث عن ماهية الأشياء ~~وعلة العلل، لا يكتفي ms008 بالحقائق حسب ما يوضحها الحس المشترك وحده، بل يتطلب الشيء ~~المجهول الذي قامت عليه العلوم الأخرى من غير أن تبحث فيها، فهذا العلم غرضه الوصول إلى ~~ما وراء هذه الظواهر الطبيعية، غير قانع بمعرفة الأشياء التي قد تظهر لنا على غير ~~حقيقتها. # إن شئت فقل: إن هذا العلم يحاول أن يقف على المحرك الخفي لهذا العالم، ويتوق إلى أن ~~يخترق هذا العماء ليحس بنبضه. # وإن هذا الشوق لإدراك هذه القوة الخفية المجهولة الذي أفضى بالسذج إلى الخرافات ~~والأوهام هو الذي حمل الفلاسفة على البحث عما وراء الطبيعة، فعلم ما بعد الطبيعة هو ~~علم «واجب الوجود» علم يبحث عن العلة الأولى للأشياء، وهو فرع من الفلسفة ينظر في أوسع ~~المسائل مجالا للبحث الفلسفي. # وهل علم ما بعد الطبيعة سينال غرضه يوما ما، أو سيظل صاغرا متسولا أمام ساحة تلك ~~القوة الخفية الكبرى لا يستطيع أن يطأ حماها، عاجزا إلا عن تخيل ما فيها، محاربا ~~للصعاب التي تعترضه في سبيل كشف النقاب عن ألغاز هذا العالم الكثيرة؟ وهل يستطيع العقل ~~البشري أن يحل هذه المسائل حلا مرضيا، أو سيظهر له أن البحث فيها بحث في مستحيل؟ كل ~~هذه الأسئلة كانت ولا تزال عبئا ثقيلا على العلم والفلسفة، ولقد قيل: «إن علم ما بعد ~~الطبيعة والشعر الرفيع السامي يلتقيان فيمتزجان، وإن عالم ما بعد الطبيعة عالم ~~درج في غير عشه، ببحثه عن شيء فوق الحقائق، فإذا هو شاعر» وقال فولتير: «إن علم ~~ما بعد الطبيعة بستان يرتاض فيه العقل، وإنه لألذ من علم الهندسة، فلا نعاني فيه ما ~~نعانيه فيها من الحساب والقياس، بل فيه نحلم حلما لذيذا.» # وقال «بكل» في كتابه «المدنية في إنجلترا»: «إن كل باحث في علم ما بعد الطبيعة إنما ~~يبحث أعمال عقله، ولم يكن من وراء ذلك البحث استكشاف في أي فرع من فروع العلم.» وقال ~~«بخنر» مؤلف كتاب «القوة والمادة» في أحد مؤلفاته الأخيرة المسمى «بجانب قرن ~~يحتضر»: «بينا نرى علم النفس والمنطق والجمال والأخلاق وفلسفة القانون ms009 وتاريخ ~~الفلسفة تستحق البقاء، وينبغي أن يدرسها العقل البشري؛ إذ نرى ما بعد الطبيعة علما ~~مستحيلا، وراء الطبيعة، وراء حواسنا، فيجب أن يترك بمضيعة ويعد من سقط ~~المتاع.» # وقد كان البحث في قضايا هذا العلم سابقا لاسمه؛ ففي قضاياه بحث الأيونيون، # 2 # وفيها بحث كذلك أفلاطون، وسمى هذه الأبحاث «الجدليات» أو علم الكلام، واسم ~~العلم يدل على أنه يبحث فيما وراء الطبيعة، وقد جمع أصحاب أرسطو وتلاميذه أبحاثه ~~المتعلقة بأصل الأشياء، والتي تسمى «الفلسفة المبدئية» ووضعوها بعد أبحاثه المتعلقة ~~بالطبيعيات، ومن هذا نشأ اسم ما بعد الطبيعة علما على ذلك العلم - ولم يكن الحد ~~الفاصل بين مسائل الطبيعة وما بعد الطبيعة واضحا جليا في الفلسفة اليونانية؛ فقد ~~أطلق اليونان اسم الطبيعيات على ما نسميه اليوم ما وراء الطبيعة، ومن ذلك العهد إلى ~~الآن سمي هذا العلم بأسماء شتى، فسماه «ولف» الفيلسوف الألماني: أنتولوجيا، أو ~~«علم الموجود حقا» تمييزا له عن الظواهر التي تدرك بالحواس، وبحث «إدور هرتمان» في ~~مسائل هذا العلم وسماها «ما لا يحس»، وكان «كانت» يقول: «إن عقل الإنسان مركب تركيبا ~~يؤسف له، فإنه مع شغفه بالبحث في مسائل لا تدركها حواسنا، لم يستطع أن يكشف ~~معمياتها.» لذلك نصح في كتابه المسمى «نقد العقل المجرد» بنقد عقولنا وقوانا قبل أن ~~ننقد نظريات هذا العلم. أما في إنجلترا أرض الذوق الفطري # 3 # فلم ينل هذا العلم حظا وافرا، ولم يشتغل به منهم إلا القليل أشهرهم ~~«بركلي». # وسنتعرض في فصل تال لذكر مسائل هذا العلم والمذاهب التي قامت حولها. # | هوامش # الفصل الثالث # | الفلسفة الطبيعية # إن موضوع بحث الإنسان إما أن يكون هو الطبيعة بأضيق معانيها، ونعني بها مجموعة ~~الأشياء المرئية المدلول عليها بكلمة «العالم»، وإما «العقل» ونعني به القوة التي بها ~~ندرك ونعلم ونتأمل ذلك العالم، وقد شوهد أن ما تقع عليه حواسنا أكثر استرعاء لنظرنا من ~~المدركات العقلية المجردة؛ فإن الأخيرة نتيجة تأمل ناضج لا يكون إلا متى كان للعقل قدرة ~~على التأمل في نفسه، فالطفل أول ما يتذكر ms010 إنما يتذكر أسماء الأشياء التي تتميز بلونها ~~أو ثقلها أو صوتها أو نحو ذلك؛ وعلى الجملة فهو إنما يتذكر ما يسترعي حواسه، وما أشبه ~~الأمم في أول حالتها العقلية بالطفل، فإنه يتدرج فكرها في الرقي كما يتدرج فكر الفرد في ~~النمو، ودليلنا على ذلك اللغة، فاللغة تضع أسماء وحدودا لما تدركه حواسنا، وما تدركه ~~قوانا العاقلة، وقد أثبت علم اللغة أن أسماء الجوامد التي تدرك بالحواس أسبق في الوجود ~~من الألفاظ الدالة على عمل الحواس نفسها من نظر وسمع ونحوهما، لهذا كانت المباحث ~~الفلسفية الأولى تدور حول المرئيات؛ أعني مجموعة الأشياء التي نسميها «العالم»، فكانت ~~أهم مسائلهم البحث عن كل المظاهر التي تقع عليها حواسنا، والتي يطرأ عليها التغير ~~الكثير، وعن العنصر أو مادة الشيء التي تبقى مع ما يطرأ عليها من التغيرات، تلك المسائل ~~هي موضوع ما يسمى «فلسفة الطبيعة» ويقابلها «فلسفة العقل». # وقد دون أفلاطون آراءه في هذا الموضوع في رسالة سميت «تيمايس»، وأوضح الفرق بين ~~الطبيعيات وما وراء الطبيعة بأن الطبيعة «معرض التغير»، وأما ما وراءها «فمعرض الثبات»، ~~وجمع أرسططاليس آراءه في الطبيعة وفلسفته فيها في كتابه «علم الطبيعة». وفي العصور ~~الحديثة سمي هذا الجزء من الفلسفة قسمولوجيا - علم الكون - وجعل علم الطبيعة فرعا ~~منها، وقد وجه العقل البشري نظره في طور نشوئه الأول - أي قبل أن يفكر في نفسه - نحو ~~العالم الخارجي؛ أعني نحو الطبيعة ودراستها، والطبيعة وحدة تتجلى في أشكال متعددة. وقد ~~ظل الإنسان من أيام نشأته يجد في البحث وراء معرفة القانون الثابت للتغير المستمر، ~~ويريد أن يعرف ذلك العنصر الذي تنتابه التغيرات وتجري عليه الظواهر المتنوعة، وذلك ما ~~ترمي إليه فلسفة الطبيعة، وكان ممن بحث في هذا الموضوع فلاسفة اليونان الأولون مثل ~~«طاليس» و«أنكسيمندر» و«انسكيمينيز»، وقد ذهب بعضهم إلى أن ذلك العنصر الأساسي الذي ~~تجري عليه التغيرات هو الماء، وآخرون أنه الهواء، ومن أجل هذا سمي فلاسفة اليونان ~~الأولون «الفلاسفة الطبيعيين»، أي الذين بحثوا في المادة - ما ظهر منها للحواس وما خفي ~~- وهم ms011 أول من تكبدوا مشاق السير للوصول إلى الحقيقة، وقد كان سيرهم بالطبع بطيئا يصحبه ~~التردد والحيرة، وحاولوا إيضاح الظواهر المتعددة ليدركوا منها وحدة العالم، وليشرفوا ~~على ما شاع من غلط الحواس. وقد نشأ علم ما بعد الطبيعة عند الفلاسفة الأيونيين من ~~الطبيعيات كما نشأ هو (علم ما بعد الطبيعة) عند الفيثاغوريين من العلوم الرياضية؛ ~~فالأولون كان يهمهم البحث في الهيولي (المادة) وحركتها الأبدية، والآخرون ~~(الفيثاغوريون) في النظام الذي يسود العالم - في الوحدة والنسبة، وتوافق المتضادات، ~~والعلاقات الرياضية الكامنة في كل الأشياء - ذاهبين إلى أن كل شيء في علم الهندسة ~~والهيئة والموسيقى مآله العدد، وأن العدد أساس العالم وروحه، وأن الأشياء ليست إلا ~~أعدادا محسوسة، وكما أن العدد روح الأشياء فالوحدة روح العدد. # 1 # وقد أهمل البحث في الطبيعة في العصور الوسطى، تلك العصور التي سادت فيها ~~الكثلكة، وغلب على الناس التدين الأعمى والخضوع المطلق، فلم يفكروا إلا في أنفسهم ~~وعلاقتها بالله، بل كانوا يستخفون بهذه المباحث، فقل النظر فيها حتى جاءت ~~البروتستانتية فحررت العقول من أغلالها، فهبت من رقدتها للبحث، وساعد على نهضتها ~~استكشاف ممالك لم تكن تعرف، فانبعثت الفلسفة القديمة، ووجه الفلاسفة مثال «جاليليو» ~~و«كبلر» و«برنو» وغيرهم أنظارهم نحو العالم والكون، فأداهم النظر إلى استكشافات كبرى ~~(وتبين أن ذلك الكوكب الذي نعيش فيه ليس إلا هنة تدور حول شمس من شموس عديدة انتثرت ~~في الفضاء نثر الرمال في الصحراء)، ولم يكن العلم الطبيعي (الفلسفة الطبيعية) متميزا ~~عن فلسفة الطبيعة حتى في أيام الفلاسفة «ديكارت» و«ولف» و«نيوتن» إلى أن ظهر سنة 1770م ~~الكتاب المشهور المسمى «نظام الطبيعة» لمؤلفه «بارون هلباخ» وإن كان الكتاب ظهر باسم ~~«ميرابو»، وجاء «كانت» و«شلنج» فأوضحا الفرق بين فلسفة الطبيعة والفلسفة الطبيعية، ومن ~~ثم سارت العلوم الطبيعية شوطا بعيدا، وقد حصرت فلسفة الطبيعة في مسائل (ما وراء ~~المادة) أو ما بعد الطبيعة، وفي البحث في أشياء كانت سببا في استكشاف العلوم ~~الطبيعية، فيبحث في: القوة والهيولي والحركة والحياة ونحوها مما هو موضوع العلوم ~~الطبيعية. # | هوامش # الفصل ms012 الرابع # | علم النفس (سيكولوجيا) # كان مما لفت نظر الإنسان وأيقظ رأيه واسترعى بحثه ومرن فكره - كما ذكرنا - هذا ~~العالم الذي تنوعت أشكاله وتغيرت ظواهره، الحافل بمناظره، المحير بألغازه، الذي بهر ~~العقول بجماله وروائه، وقد كان أول باعث على أن يفكر فيه تفكيرا فلسفيا رغبته في ~~فهمه وإخضاعه لأمره، وما اعتراه من الدهشة التي أخذت بحواسه، لذلك بدأ الإنسان بالفلسفة ~~الطبيعية التي تميل بالمرء إلى حل معميات هذا العالم، وتلا النظر في العالم المادي ما ~~هو أهم للإنسان؛ وهو النظر في نفسه. # أثبت العلم أن الأرض ليست إلا كوكبا صغيرا سيارا يدور في فضاء غير متناه، ومع هذا ~~فالإنسان من قديم الزمان إلى الآن لا يزال يرى نفسه خير موجود في الدنيا، ومهما اقتنع ~~بأن القبة الزرقاء التي تتلألأ بالنجوم لم تخلق من أجله، وأن السيارات غير الأرض مسكونة ~~كأرضه، فلن يعدل على أن يعتقد في نفسه أنه أرقى مخلوق، والسبب في هذا أن ارتقاء عقله ~~جعله يشعر تدريجيا بوجوده وبعلمه - أو بحاجته إلى العلم - وبشعوره ورغباته وأفكاره، ~~وبأن له قدرة على أن يبدي أفكاره، وأن يفضي بها إلى غيره، وعلى الجملة جعله يدرك أنه ~~وحده عالم في عالم. # دعته دواع لأن يعرف فاجتهد في تعرف ما حير عقله، وكانت تلوح منه التفاتة نحو نفسه ~~فيأخذه العجب من تلك القوة التي فيه، بها يتحرك وينطق، بها يريد ويرغب، بها يشعر ~~ويشتهي. قيل: إن سقراط استنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض، أي إلى الإنسان، # 1 # ونعني بذلك أن هذا الفيلسوف اليوناني العظيم أول من بدأ بالتفكير في ~~الإنسان وما يتعلق به، وفضل ذلك على النظر فيما يحيط به من العالم المادي، وقد نسب ~~إليه أنه أول من قال: «اعرف نفسك»، ولكن الحقيقة أن «طاليس» قالها من قبله، ومن ذلك ~~الوقت والإنسان حيران في تلك الأسئلة التي وردت على لسان الشاب الحزين في شعر «هيني»، ~~سألها نفسه في جنح من الليل وقد هدأت الأصوات وهو واقف أمام البحر المحيط الموحش: «ما ~~الإنسان؟ من ms013 أين أتى؟ وإلى أين يذهب؟» تلك أسئلة تركت المفكرين في كل العصور حيارى، ~~أيام كان النوع الإنساني في همجيته، وأيام أن ابتدأ يرقى عقله، وأيام أن بلغ في المدنية ~~والنمو العقلي شأوا بعيدا، قال «سوفوكليز» الروائي اليوناني: «ما أكثر العجائب! ~~وأعجبها الإنسان.» إن هذه الأسئلة: «ما الإنسان؟ وما منزلته في العالم؟ وما علاقته ~~بالأشياء التي تحيط به؟» هي التي قال فيها هكسلي: «إنها أساس كل ما عداها من الأسئلة، ~~وإنها أحب للإنسان مما سواها.» هي التي شغلت الرءوس على اختلاف أنواعها: من ذوات ~~القلانس من قدماء المصريين، إلى حملة العمائم، إلى لابسي القبعات السود، إلى أرباب ~~الضفائر، إلى ألوف من رءوس تصببت عرقا من البحث، كل سأل هذه الأسئلة، وكل أجاب ~~واختلفت إجابتهم باختلاف روح العصر الذي كانوا فيه. # وتسمى المباحث التي تتعلق بالنفس أو العقل: علم النفس أو سيكولوجيا؛ من «سيكي» نفس ~~و«لوجوس» علم، وهو يبحث في الإنسان من الجهة الخلقية والعقلية لا من الجهة ~~الجسمية. # ولسنا نتعرض هنا للبحث فيما إذا كان العقل أو النفس شيئا غير الجسم مستقلا عنه، أو ~~كانت قوة التفكير التي ميزت الإنسان عن غيره من الحيوان، والتي أخذت في النمو شيئا ~~فشيئا برقي النوع الإنساني من حالة البداوة إلى حالة المدنية، تابعة لحالات الإنسان ~~الجسمية؛ فإن رسالة تؤلف سواد الناس لا يتسع المجال فيها لهذا البحث؛ ويكفينا هنا أن ~~نذكر أن العلاقة بين العقل والبدن، وإن شئت فقل بين أعضاء البدن الظاهرة والأخرى التي ~~يظهر أنها خفية، كانت موضع اهتمام عظيم في العصور الحديثة أدى إلى كثير من النتائج ~~العلمية الهامة، ومن أشهر رجال هذا العلم «هكسلي» و«بخنر» وغيرهما. # إن هذه الرسالة التي لم يكن من غرضها إلا النظر في الفلسفة من جهة تاريخية وعرض ~~مسائلها تتجنب البحث فيما إذا كان النظام العقلي والبدني شيئا واحدا أو شيئين، وفيما ~~إذا كان العقل قوة غريزية أو مكتسبة، بل ولا تتعرض لما «إذا كان الرقي العقلي للإنسان - ~~كما يقول هكسلي - يشبه السرفة # 2 # في تحولها، ms014 تنزع عنها جلدها وتتحول إلى فراشة، وأن العقل الإنساني في ~~أكبر مظاهره ثمرة القوى الطبيعية، وأنه مركب من مواد كما تتركب الشمس والسيارات، أو ~~أن الفكر منبعث عن النفس التي هي شرارة إلهية» كلا، بل ولا تخوض فيما إذا كامن الروح ~~عندما يلفظ النفس الأخير يرد إلى عالم الأرواح غير المعروف كما يقول رجال الدين، فيرجع ~~الجسم إلى الأرض ويلحق الروح بالله، أو أنه يفنى فناء الجسم ويشتركان في الفناء كما ~~اشتركا في البقاء ويختفي الإنسان كما يختفي النبات؛ تلك كلها مسائل نذكرها ولا ~~نناقشها. # من المحتمل أن يكون الفكر شيئا روحانيا، وأن يكون مجرد قوة بدنية هي وظيفة المخ ~~المنظم عند الإنسان أكثر منه عند الحيوانات اللبونة، # 3 # والذي يهمنا هنا هو أن نذكر أن المخ - على أي حال كان - هو عضو التفكير، ~~وهو يفنى مع مادة الجسم، ويصبح الرأس بعد الموت وقد زال عنه كل ما كان له من حيل ودهاء ~~ومغالطة وسفسطة. # وما دامت العلاقة بين الفكر والبدن قائمة، وما دام المخ يؤدي وظائفه، فإننا نعرف، ~~ونفكر، ونريد، ونرغب، ونحس، ونشعر بصدور هذا عنا. # وعلم النفس ينظر في الأعمال التي نعملها والطريق التي نتبعها للوصول إلى ذلك الشعور، ~~ويبحث في حقيقة القوى التي تفعل ذلك؛ أعني قوة المعرفة، وقوة الشعور، وحدود الفكر، ~~ومقدار الثقة بصحة التفكر، ووظائف العقل المختلفة التي بها ندرك ونحكم ونتخيل. # فعلم النفس إذا يبحث في عمل العقل. # قال الأستاذ «سلي» في كتابه (العقل البشري): «إن أهم ما يقصده هذا العلم أن يشرح ~~ظواهر الشعور الراقي في الإنسان، وهذا الشرح العلمي يقتضي ترتيبا وتبويبا للعوامل ~~المختلفة في الحياة العقلية، وشرحا لمنشئها وارتقائها، فليس الغرض من هذا العلم أن ~~يصف الظواهر العقلية فقط، بل وأن يتتبع أصلها وتاريخها.» # علم النفس يبحث في قوى الالتفات، والإحساس، والإدراك، وقوة الحافظة، والذاكرة، ~~والإرادة وحريتها، والخيال، والوهم، وفي الشعور والعواطف، وفي اللذة والألم، وفي الشم ~~والذوق. # فهو يبحث في أعمال العقل ليستكشف قوانينه وطرقه التي عنها تصدر الظواهر المتقدمة، ms015 كما ~~أنه يبحث في طبيعة العقل وحقيقته وجريه على سنن واحد، وروحانيته، وعلاقته بأعضاء ~~الجسم واعتماده عليها، وتبادل الفعل والانفعال بينه وبينها. # قال الأستاذ «هكسلي»: «إن مثل الباحث في النفس «السيكولوجي» مثل المشرح، فكما ~~أن المشرح يفصل الأعضاء إلى أنسجة، والأنسجة إلى خلايا، فكذلك السيكولوجي يرجع ~~الظواهر العقلية إلى حالات الشعور الأولية.» فالعالم في وظائف الأعضاء يبحث في الطرق ~~التي بها يؤدي البدن وظائفه، وعالم النفس يبحث في قوى العقل، وكما أن العلوم الطبيعية ~~تبحث في العالم المادي الخارجي بواسطة الحواس، كذلك علم النفس يلاحظ ويبحث بواسطة قوة ~~خاصة تسمى «الحس الباطني». # وعلى الجملة فعلم النفس يبحث الحياة العقلية، قابلة أو فاعلة، وفي الشعور بكل مظاهره، ~~وما يبحث عنه علم النفس من ظواهر وحقائق مستمد إما من الشعور وإما من الإدراك ~~بالحس. # إن فكرنا ومعرفتنا وإحساسنا إما نتيجة قوة إدراك باطنية، وإما نتيجة انعكاس ما ندركه ~~من الخارج بواسطة الحواس؛ فنحن تارة نوجه نظرنا إلى عمل ذهننا عندما نعمل أو نفكر أو ~~نحس، وتارة نبحث الظواهر العقلية في غيرنا، فندرس نظراتهم وإشاراتهم وأعمالهم وأقوالهم، ~~ونستنتج ما تدل عليه تلك المظاهر من الفكر والحس قياسا على ما يبدو علينا عندما نفكر ~~مثلهم أو نحس كإحساسهم. # قال الأستاذ سلي: «إن لدرس ظواهر العقل طريقتين؛ إحداهما: توجيه عنايتنا إلى ~~الأعمال العقلية عند حدوثها في ذهننا، أو عقب ذلك مباشرة، كما ألاحظ نفسي عند الغضب ~~مثلا فأرى تسلسل الأفكار وتلونها بألوان خاصة، وما ينشأ عن الغضب من تحيز وميل عن ~~الحق، وتسمى هذه الطريقة «ملاحظة الباطن»، والطريقة الأخرى: أن ندرس أعمال العقل في ~~غيرنا بما يظهر عليهم، فنلحظ الارتباط بين أفكارهم مما نسمع من كلامهم، ونعرف الباعث ~~على أعمالهم، وتسمى هذه الطريقة «ملاحظة الظاهر»؛ لأننا نتوصل إلى معرفة الحقائق ~~العقلية بواسطة الظواهر الخارجية التي تدرك بالحواس من مثل: كلمة تقال، أو صرخة تسمع، ~~أو حركة ترى، أو لون يتغير.» # والبحث في علم النفس (سيكولوجيا) سابق على وضع اسم له؛ فإن هذا الاسم لم يستعمل ms016 إلا ~~في آخر القرن السادس عشر للميلاد، مع أنا ذكرنا فيما قبل أن «سقراط» أو «طاليس» قال: ~~«اعرف نفسك»، وألف «أرسطو» كتابا يحتوي ثلاث مقالات عنوانه (في النفس)، بحث فيه في ~~القوى العقلية للإنسان وعدها عين النفس والحياة. # ثم جاء الفيلسوف الفرنسي رنيه ديكارت 1596-1650 فوجه هذا العلم وجهة جديدة، ومما ~~يؤثر عنه أنه أجاب من سأل: «كيف أعرف أني موجود؟» بقوله المشهور: «إني أعرف أني أفكر، ~~وأشعر بتفكيري، فأنا أعرف أني موجود.» # والمنابع التي يستقى منها هذا العلم اثنان كما أسلفنا؛ وهي: ملاحظة أعمال عقله، وما ~~يجرى من التجارب على غيره. وجاء الفيلسوف الإنجليزي جون لوك 1632-1704م فألف رسالة في ~~العقل البشري بحث فيها في الإدراك الغريزي بالحس - باطنا كان أو ظاهرا - وذهب إلى أن ~~العقل البشري صحيفة بيضاء تدخل إليها التجارب من أبواب الحواس فتترك فيها نقوشا ~~وأثرا، فنحن نحصل معارفنا إما بواسطة الحواس وإما بواسطة التأمل. # 4 # وفي القرن الماضي بدأ الناس - بعدما استكشف من الحقائق اليقينية - يميلون ~~إلى فصل علم النفس عن الفلسفة وجعله علما مستقلا كعلم وظائف الأعضاء - الفسيولوجيا - ~~إذ كان لا علاقة بينه وبين نظريات ما بعد الطبيعة. # ولما كان علم النفس يبحث في أعمال العقل بحثا عاما اجتهد في تعرف القوانين ~~والقواعد التي تهدي الفكر وتعصمه من الخطأ، وأخذ يبحث في النظام الذي يسير عليه الفكر ~~ليصل إلى نتيجة صحيحة؛ فنشأ من ذلك فرع من علم النفس انفصل عنه وسمي بعلم المنطق. # | هوامش # الفصل الخامس # | علم المنطق # جاء في إحدى روايات «موليير» أن أحد أغنياء التجار رأى أن ينزع عن جهله ويعود إلى ~~التعلم، فما كان أعجبه حين علمه معلم اللغة أن الكلام إما نظم أو نثر، وأن كل ما ليس ~~بشعر نثر، ودعاه العجب أن يسأل: فمن أي نوع أنا أتكلم؟ قال: إنك تتكلم نثرا، قال: فأنا ~~أتكلم نثرا طول حياتي ولا أعرف! ثم ذهب إلى أهله وجمع عشيرته ليخبرهم بالاستكشاف ~~الجديد. كذلك كثير من الناس يرعبون إذا ذكر اسم المنطق أو ms017 اقترح عليهم أن يقرءوا ~~كتابا في المنطق، ولو علموا أنهم في محادثتهم اليومية وما يدور بينهم من مناقشة وما ~~يشرحون من معتقدات ومسائل دينية وسياسية يسيرون على مقتضى المنطق لاعتراهم من الدهش ~~ما اعترى ذلك التاجر. # إذا شرحت نظرية أو قيل قول أو ذكر رأي؛ فإنا نصغي إليه ونفهمه، ولكنه لا ينطبع في ~~عقولنا حتى يبرهن عليه؛ فإن نحن حللناه وامتحناه وتبينت لنا صحته انطبعت في عقولنا ~~نتائج لا نشك في صحتها، وإننا إن سرنا على هذه الطريقة قيل: إننا نفكر تفكيرا ~~منطقيا أو تفكيرا صحيحا؛ فالمنطق إذا علم التفكير الصحيح، وهو يبحث في القوانين ~~والشروط الضرورية للوصول إلى حكم صحيح يقبله كل مفكر عادي. # ما الشروط التي تجعل الحكم صحيحا؟ كيف نمتحن الحكم ونتأكد من صحته؟ هذه مسائل يبحث ~~عنها علم المنطق، وهو لا يعلمنا كيف نفكر أو ماذا يعمل عقلنا عند التفكير فحسب، بل ~~يعلمنا أيضا كيف ينبغي أن نفكر، فهو يحلل التفكير الصحيح، وما نعمله لنصل إلى نتيجة ~~صحيحة، ويرينا خطأ الفكر عندما ينحرف عن القواعد. هذا وكثير من الناس يستخفون بالمنطق ~~ويستهزئون به وما دروا أنهم مناطقة إلى درجة ما، تتبع عقولهم ما يرسمه المنطق وإن ~~لم يعلموا، ويلاحظون قوانين التفكير الصحيح على غير علم منهم بها حتى ولا بوجودها. # إذا نحن امتحنا التفكير وجدناه يتركب من ثلاثة أعمال يعملها العقل: إحساس بالشيء أو ~~المعنى، وتأثر العقل بهذا الشيء أو المعنى وإدراكه، وهذا هو الفهم في أبسط أحواله، بعد ~~ذلك نبتدئ نؤلف بين فكرتين؛ فإما أن نقرن بعضهما ببعض، أو نفرق بينهما، أي إما أن نثبت ~~وإما أن ننفي، وبذلك يتكون الحكم على الأشياء، وهذه الأحكام يظهر لنا بعضها صحيحا ~~والبعض الآخر خطأ، وإذ كنا نحاول دائما الوصول إلى أحكام مقبولة عند غيرنا كما هي ~~مقبولة عندنا، حاولنا أن نستكشف عللا وأسبابا تتبين منها وجوه خطأ الحكم وصحته، ~~فقارنا الأحكام بعضها ببعض، ونظرنا في العلاقات التي بينها، وبحثنا فيما يقال مبتدئين ~~من الجمل الأولى التي تسمى ms018 «المقدمات»، ومنتهين بما يسمى «بالنتيجة». # ولا حاجة بنا هنا إلى البحث فيما إذا كان الإدراك يمكن أن يقوم بنفسه من غير ألفاظ أو ~~لا، وإذا كان فإلى أي حد يكون ذلك؟ فإن هذه المسألة كانت ولا تزال موضع بحث علماء النفس ~~والمناطقة، فمنهم من يؤيد القول بأنه من الممكن التفكير بدون الاستعانة باللغة، ومنهم ~~من يذهب إلى أن ذلك غير ممكن، وأن التفكير من غير ألفاظ ضرب من الوهم الكاذب، وقد قرر ~~«مكس ملر» مرارا أن الفكر واللغة حقيقة واحدة. # شبه ذلك بالنقد # 1 # فقال: «ليس ما نسميه بالفكر إلا وجها من وجهي النقد، والوجه الآخر هو ~~الصوت المسموع، والنقد شيء واحد لا يقسم، فليس ثم فكر ولا صوت، ولكن كلمات.» وقد ~~نوقشت نظرياته وعورضت. ومهما يكن فإن من المسلم به أننا عندما نتعقل شيئا أو نستنتجه ~~نستعمل الألفاظ في الدلالة على عمليات العقل، ومن المتفق عليه أننا نشرح أفكارنا ~~بالألفاظ والكلمات الخارجية؛ فقد وضعنا للشيء الذي في عقلنا اسما، ودللنا عليه بكلمة ~~خاصة سميناها «اللفظ»، وبانضمام لفظين أو أكثر مع رابطة نستطيع أن نشرح رأيا أو ~~حكما، وهذا هو ما يسمى «القضية»؛ ولأجل أن نبرر أقوالنا ونبرهن على صحتها ونوضح وجه ~~قبول قول أو رفضه نضع القضايا ونستنتج منها نتائج، وهذه الأدلة المكونة من القضايا ~~تسمى «الأقيسة»، فالمنطق - وهو علم التفكير الصحيح - يبحث في الألفاظ والقضايا ~~والأقيسة. # هذا ولا يخفى ما في تحديد معاني الألفاظ من الفائدة، فكثيرا ما يثور الخلاف بيننا في ~~مسألة ويشتد الجدال في موضوع، ويظهر أن المتجادلين على خلاف فيما بينهم، وهم في الواقع ~~على اتفاق، ولو حددت ألفاظهم لتجلى لهم أنهم على رأي واحد، وليس منشأ الخطأ في الفهم ~~إلا الغلط في تحديد الألفاظ أو غموضها وتعقيدها والتباسها؛ لذلك كان «فولتير» يبدأ ~~المناقشة دائما بقوله: «حدد ألفاظك»؛ فالعلم بمعاني الألفاظ علما صحيحا لا يستغنى ~~عنه للتفكير الصحيح ولا للحكم الصحيح. # وعندما نستخلص حقيقة من حقيقة أخرى نسمي ذلك «استنتاجا»، وليكون الاستنتاج صحيحا ~~يجب أن ms019 نسير على مقتضى قوانين تعصمنا من الخطأ، وتمنعنا من الوصول إلى نتيجة باطلة. # والقوانين الأولية للفكر ثلاثة؛ وهي: ~~(1) # قانون الذاتية: وهو أن كل شيء هو هو، وبعبارة أخرى: كل شيء هو ~~نفسه. ~~(2) # قانون التناقض : وهو أن لا شيء يمكن أن يكون هو وليس هو. ~~(3) # قانون الامتناع: وهو أن الشيء إما أن يكون أو لا يكون، أو: الشيء إما أن ~~يكون كذا أو غيره، وبعبارة أخرى: الشيء إما أن يجاب عنه بنعم أو ~~بلا. # وإذا نحن أهملنا قوانين الفكر الصحيح فلا بد من الوقوع في الخطأ مع عجزنا عن معرفة ~~موقعه، ولا بد لنا غالبا من الرجوع إلى القول من مبدئه لاستكشاف الموضع الذي انحرفنا ~~فيه عن الصواب، والذي بسببه نصل إلى غير ما قصدنا، وتسمى هذه الأغلاط «بالمغالطات». # ونحن في بحثنا لا نقصد الوصول إلى نتيجة صحيحة فحسب، وإنما نقصد الوصول إليها من أقرب ~~طرقها، وللوصول إلى ذلك نستعمل نظما متنوعة يظهر لنا أنها أنسب لغرضنا، وتسمى هذه ~~النظم «بالطرق». ويستخدم المنطق في كل العلوم على اختلاف أنواعها. # وهذه الطرق متنوعة؛ فمنها: ~~(1) # طريقة الاستقراء: وهي فحص أمثلة ومعلومات ثم محاولة الوصول منها إلى ~~قاعدة عامة، وتسمى هذه الطريقة طريقة «التحليل» لأنها تحلل الكل إلى ~~أجزاء. ~~(2) # طريقة الاستنتاج: وهي على العكس من الأولى، ففيها يبتدأ بذكر قضايا ~~عامة، ووضع بعضها بجانب بعض، واستنتاج النتائج منها، وتسمى «طريقة التركيب» ~~لأن بها تركب من الأجزاء قضايا عامة. # ففي الطريقة الأولى - وقد تسمى أيضا «الطريقة العكسية» - نبتدئ من ~~الجزئيات ونستقريها، ثم نستنتج منها قضية عامة، وفي الثانية - وتسمى ~~«الطريقة الطردية» - نبتدئ من القاعدة العامة ثم نطبقها على الجزئيات التي ~~نعرفها من قبل بالاختبار. # 2 # | هوامش # الفصل السادس # | علم الجمال # هناك فرع آخر من فروع علم النفس يبحث في الشعور الذي ينبعث عن الشيء الجميل، والذي ~~يستحق الإعجاب، أو عكسهما؛ أعني القبيح والمزدرى. # إن في حواسنا - ولا سيما حاستي السمع والبصر - أليافا بها نشعر باللذة إذا سمعنا بعض ~~الأوصاف أو رأينا بعض المناظر، وإن المناظر ms020 الطبيعية العديدة في بهائها وجمالها وعظمها، ~~وتوقيع الموسيقيين في تناسقه، وصور المصورين وتماثيلهم، # 1 # وقراءة الشعر الجميل وسماعه؛ ليحدث في نفوسنا أريحية ويبعث في قلوبنا ~~هزة طرب؛ فطورا نلفظ بما يدل على شعورنا فنهتف: «ما أجمله وما أبدعه! إنه لمنسق ~~وإنه لرشيق.» وطورا نتدرع بالصمت إذ لم نجد قولا يعبر عن شعورنا، وإنا لنسر برؤية ~~الشيء ونعجب به ولو كنا لا نملكه، بل قد: # يزيدك وجهه حسنا # إذا ما زدته نظرا # إن الجميل ترتاح له النفس، وينشرح له الصدر، أما القبيح فينشأ عنه شعور بألم أو نفور، ~~قال «نيتشه»: «كل ما كان قبيحا يضعف الإنسان ويقبض صدره؛ إذ يذكره بالانحطاط والخطر ~~والوهن.» # فإحساس الإنسان بشيء من الضيق يؤذن بحدوث شيء «قبيح»، وقد ذكرنا أن الجميل ترتاح له ~~النفس، ولكن ليس كل ما ترتاح له النفس جميلا؛ ذلك لأن اللذة التي تحدث من الجمال نتيجة ~~تأثير في العقل بواسطة الحواس، ولست أعني كل الحواس، وإنما أعني الحواس الراقية، وهي ~~حاستا السمع والبصر، فليس كل ما يلذ لحاستي اللمس والشم دائما جميلا، فلا شيء من ~~الجمال في فاكهة لذيذة عند أكلها، ولا في مطعوم عندما نطعمه؛ إذ لا يوصف ذوق تفاحة ولا ~~شم مشموم بأنه جميل، وإنما يقال: طعام مستطاب، ورائحة طيبة. # والجميل أيضا يغاير النافع؛ فإن الشيء الجميل حقا الذي يمنحك لذة لا تكافئها لذة ~~بالتأمل في محاسنه، أو بالإصغاء إلى تناسق نغماته، ليس بنافع عادة - أعني أنه ليس بنافع ~~ماديا وإن كان من المحتمل أن يكون نافعا من الوجهة الأدبية - وما يحدث من اللذة ~~والسرور عند التأمل في الجمال مقصود لذاته لا لشيء آخر وراءه يرغب فيه، وقد كان ~~الفيلسوف الألماني «كانت» أول من أبان أنه مقصد لا وسيلة لغيره. # والسمع والبصر اللذان يعدان أعظم الطرق في العقل هما العضوان اللذان يوصلان إلى المخ ~~أو إلى المركز العصبي كل التأثرات التي تحدث من التأمل في اللون والشكل والهيئة ~~والحركة، أو من سماع أصوات خاصة، وهذه التأثرات تكون مصحوبة عادة بشعور ms021 بلذة أو ألم، ~~وتسمى اللذة التي تحدث من التأمل في الجمال «لذة الجمال»؛ وهي أثر الجمال يخاطب عواطفنا ~~وعقولنا وخيالنا بواسطة الحواس، فيذكي نفوسنا ويرقيها ويزكيها، ومن مميزات هذه ~~اللذة خلوها من رغبة في الملك تسبب إحساسا بالألم لا محالة؛ ففرع الفلسفة أو علم النفس ~~الذي يبحث في هذه العواطف وتلك اللذائذ هو «علم الجمال». والإنسان كثيرا ما يحس بسرور ~~ولكنه لا يعرف علته، وقلما يبحث في السبب ويحلله، والغرض الفلسفي من علم الجمال أن يبحث ~~وينقب ويحدد ذلك. نعم، إن الفيلسوف والعامي يشتركان في أن كلا يشعر، ولكن الثاني لا ~~يستطيع أن يوضح شعوره بقول أو فعل كما يستطيع الفيلسوف والفنان؛ # 2 # فالعامي يشعر فقط، والفيلسوف يشعر ويتأمل. في العامي غريزة ساذجة وعاطفة ~~وإلهام يشاركه فيها الحيوان إلى حد ما، وفي الفيلسوف تبصر وإمعان وفكر. # علم الجمال - وإن شئت فقل: «علم الجميل» - هو علم يبحث في الشعور والإحساس واللذائذ ~~التي تبعثها مناظر الأشياء الجميلة. وهذا التعريف لا يسلم من النقد إن لم يكن خطأ ~~محضا؛ فإن هذا العلم لا يبحث في الجميل فقط، بل يبحث في القبيح أيضا، كما أنا إذا ~~تكلمنا عن «علم الحروب» فلسنا نعني علم النصر، وإنما نعني علم الحركات الحربية التي ~~ينبغي أن تؤدي إلى النصر، وربما أدت إلى الهزيمة. # الجميل يبعث في النفس الشعور بالحب والجاذبية واللذة والسرور، والقبيح يبعث الشعور ~~بالكراهية والنفور، ولكن نرى جمال الطبيعة الرائع، والنجوم التي لا عداد لها سابحة في ~~الفضاء منثورة نثر الرمال في الصحراء، والجبال الشامخة، والبحار الشاسعة، وشروق الشمس ~~وغروبها فنطلق عليها اسم «الجميل»، وهي مع ذلك تحدث في النفوس حزنا عند التأمل فيها، ~~وتبعث نوعا من الكآبة - أو الوجد - يصح لنا أن نسميه ألما لذيذا، وسبب هذا أننا ~~نراع أمام هذه الأشياء باللانهاية، ويعلونا الشعور بأنا لم نعد في حضرة «جميل»، بل ~~في حضرة «جليل»، وهذا يحدث في النفس أولا شعورا بالضعة، ثم يتلوه شعور بالرفعة. # ويقابل الجليل «الفكه»، # 3 # وهو ينشأ من تضاد أو ms022 عدم ملاءمة أو ظهور الشيء بغير مظهره، كالوقار المصطنع ~~والصلاح المفتعل، قال الأستاذ «سلي» في آخر كتاب له واسمه (رسالة في الضحك): «إن لفظي ~~المضحك والفكه يمكن استعمال أحدهما مكان الآخر إلى حد ما مع أمن اللبس، ومع ذلك فيحسن ~~أن يلاحظ أن اللفظ الثاني يستعمل عادة في معنى أدق من الأول؛ إذ الظاهر أن لفظ ~~(الفكه) لا يدل على ما يضحك منه فحسب، بل يدل أيضا على ذلك النوع من المجون العقلي ~~الذي يتضمن ملاحظة ما بين الأشياء من الروابط والنسب ملاحظة واضحة، ويتصل تمام الاتصال ~~بما ذكرنا من دلالة كلمة (الفكه) على الجانب العقلي أنه يلاحظ فيها أيضا الدلالة على ~~المثل الأعلى لما يستحق أن يضحك منه، وفيها - كما في كل ما يثير عاطفة الجمال - إشارة ~~شبه خفية إلى قواعد الفن المنظمة للعمل.» # والمناظر المحزنة تبعث في النفس لذة مشوبة برحمة، لذة يخالطها شيء يشبه الألم، وسبب ~~هذه اللذة أن للعواطف الأخلاقية عملا في هذه الأشياء، وعلم الجمال يبحث في كل هذه ~~الإحساسات، فهو علم الشعور والعواطف والانفعالات. # علم الجمال يحد الجميل والقبيح والجليل والهزلي والفكه، ويبحث في السبب الذي من أجله ~~يظهر الشيء جميلا أو قبيحا، يبحث في الجمال المطبوع كما يبحث في الجمال المصنوع؛ أعني ~~أنه يبحث في الفنون # 4 # وفي جمال الذات وجمال المعنى، فهو بذلك حلقة الاتصال بين الفلسفة والفن، ~~وهو - فلسفيا - جزء من علم النفس. # عم ينبعث الشعور بالجمال؟ هل هناك جمال قائم بنفسه، أو أن الشعور بالجمال يعتمد ~~على ما نجده من أنفسنا في الشيء، وعلى ما يظهر به الشيء أمام أعيننا، ومن ثم كان الصوت ~~أو المنظر يسر إنسانا ولا يسر آخر بل ربما يسوءه؟ ما خواص الحركات والأشياء التي ~~يكون بها الصوت جميلا منسقا يلذ السامعين؟ هل هناك عنصر مشترك في كل ما هو جميل؟ هذه ~~المباحث وأمثالها هي التي يشتغل علم الجمال بدرسها. # قال الأستاذ «بين» في كتابه (الانفعالات والإرادة): «إن الفكرة الأولى في الجمال تنشأ ~~عن الألوان، فالطفل ms023 قبل أن يشعر بلذة من جمال شكل أو جمال حركة تأخذ ببصره الألوان ~~الزاهية والصور البديعة، وإني أميل إلى تقرير ذلك عند القرويين؛ فإنه تغلب عليهم هذه ~~الفكرة في الجمال حتى في تقدير جمال النساء.» # ويوضح هذه الفكرة أن الأجناس البشرية الأولى والأشخاص الذين لا يزالون في طور ~~الانحطاط ينجذبون نحو الألوان الزاهية في الجماد والحيوان. # إن من أخذوا بحظ قليل من الرقي ولم يصلوا إلى حد أن يوجهوا نظرهم نحو أنفسهم يميلون ~~إما إلى الألوان القوية (كالأحمر والأصفر) أو الألوان المتنوعة، أما الراقون المهذبون ~~فيميلون إلى الألوان المتلائمة والخفيفة، تعجبهم وحدة الفكرة التي تنسق الألوان ~~المختلفة والمظاهر المتعددة. # والقوة التي بها نميز الجمال ونقومه هي التي نسميها بالذوق، وهي ملكة في الإنسان بها ~~يشعر بلذة الجمال، منحها الناس على تفاوت فيما بينهم، يرقيها التهذيب والمدنية في ~~الفرد والمجتمع إلى درجات متفاوتة. # إنا لنرى أن الصوت الواحد أو المنظر الواحد لا يؤثر في السامعين والناظرين أثرا ~~واحدا، وسبب ذلك: # أولا: # أن الخيوط العصبية ليست سواء في التركيب عند الناس، وأن الاختلاف ~~بينهم في المزاج والتربية والعادات كبير. # وثانيا: # أن الناس مختلفون في درجة الرقي العقلي - وليست الحواس وحدها تكفي في ~~إدراك الجمال، بل لا بد معها من العقل - فالحواس وحدها تستطيع أن تدرك ~~الحركات والأشكال والأصوات والألوان على انفرادها، ولكن لا بد معها من ~~الفكر والشعور ليربطا بعضها ببعض، ويكونا منها مجموعة واحدة متناسقة ~~الأجزاء، وبهذا أيضا يختلف الإنسان عن الحيوان؛ فالحيوان يستطيع أن ~~يدرك ألوان صورة ذات ألوان كصورة العذراء لروفائيل، ويسمع الشعر، ولكن ~~لا يدرك ما يدل عليه ذلك من عشق، ولا يشعر بما يمثل من ~~عواطف. # هذا هو السر في أنك ترى إنسانا يلقف # 5 # الجمال ويفهمه في الطبيعة والصناعة، وفي تناسق الأصوات والصور، على حين أنك ~~ترى الآخر لا يأبه لكل هذا، هو السر في أنك ترى الشخص مفتونا بالشيء لهجا بذكره، ~~بينا ترى الآخر ضجرا به متبرما منه، ترى جماعة يلذ لهم سماع رواية راقية ms024 مهذبة، وترى ~~الآخرين إنما يلذ لهم أن يروا منظرا مضحكا في ملعب، هذا هو السر في ميل السيدة من ~~الأشراف إلى الألوان الخفيفة والقاتمة أو - على الأقل - الألوان المتناسبة، بينا نرى ~~خادمتها السوداء تميل إلى الأحمر والأصفر؛ ذلك لأن إحداهما لها ذوق، والأخرى ليس لها، ~~أو لها ذوق لم يرق بعد. # ولذة الجمال تعلن عن نفسها غالبا بإيجاد عمل من الأعمال، ففي الإنسان رغبة متأصلة في ~~أعماق نفسه تدعوه لأن يوضح ما يشعر به، إما بخط أو صوت أو تصوير، فهو لا بد أن يتكلم ~~ويصور ما في نفسه، ومن لم يستطع أن يتكلم أو يكتب أو يؤلف يحاول أن يفعل، فيفكر ويشعر ~~بأنه في حاجة إلى ذلك، ولكنه لا يجد عنده القوة عليه، أما من استطاع فلا بد أن يستخدم ~~قواه، قال «كارليل»: «لا يمكن أن يوجد ملتن صامت غير مجيد.» ونزيد عليه فنقول: لا ~~يمكن أن يوجد «بيتهوفن» أو «موزارت» صامت لا يطرب، بل ولا يوجد «ميخائيل أنجلو» أو ~~«روفائيل» يرى ولا يصور. # 6 # والتأثر - طبيعيا كان أو عقليا أو أخلاقيا - إذا شرح بخط أو كلام أو صوت أو ~~تصوير أو حفر أو بناء أو شعر أو موسيقى سمي فنا؛ فالفن ملكة يقتدر بها على إظهار ~~العواطف والشعور في مظهر خارجي؛ لذلك كان الشعور بالجمال الذي هو صفة قابلة عند الإنسان ~~العادي قوة فاعلة عند الفنان؛ فإن القوة إذا زادت حملت على الفعل وكان صداها العمل - ~~والفنان يستطيع بواسطة الأحجار والألوان واللغة والصوت أن يشرح ما لا نراه، فيستطيع أن ~~يشرح لنا المثل الأعلى فيرقي بذلك نفوسنا ويزكيها ويهيج فينا أسمى العواطف، ويستخرج ~~منا خير الأفعال، والفن يخاطب العقل كما يخاطب القلب، وعلى الجملة يخاطب أعماق النفس ~~الباطنة وكل قوة فينا. الفنان يجمع خواص كل عاطفة وفكرة وملامح، ويوضح لنا منها ما لم ~~نكن نفهمه من قبل، وهو يرى ما لا يراه غيره، فيرى المثل الأعلى للشيء ويمثله - وهنا ~~تعرض لنا أسئلة؛ وهي: هل الفن مقلد فقط فيمثل ms025 بأمانة المناظر المحسوسة؟ وهل للفن غرض ~~يرمي إليه، أو أن الفن للفن؟ هل هو مستقل عن الحاسة الأخلاقية أو يجب أن يكون على وفاق ~~معها؟ هذه مسائل شغلت عقول الفلاسفة ونشأت منها نظريات مختلفة منها «مذهب الواقع» ~~و«مذهب الكمال». # فمذهب الواقع يرى أن الفن يرمي إلى تقليد الطبيعة كما هي، وعلى الأقل إلى القرب منها ~~جهد المستطاع، ومذهب الكمال يرى أن الفنان إذا أراد أن يقلد الطبيعة يجب ألا يقلدها ~~تقليدا تاما، بل يتصور الكمال فيها ويخرجها إلى الوجود مازجا فيها الواقع بتصوراته ~~وعواطفه، يحاكي الطبيعة ومع ذلك يعدلها، يختار من الأشياء ويوفق بينها ويخرجها ~~للناس مترجما عما في نفسه؛ فهذا المذهب يرى أن عمل الفن أن يمثل المناظر الأصلية أو ~~الأخلاق الفاضلة أو الآراء العظيمة بخير مما هي في الواقع، ويجعلها أعظم تأثيرا في ~~العقول من حقيقتها، يرى أن الفنان تتملكه العاطفة فيحولها إلى قوة عاملة، فيمثل الشيء ~~لا كما هو ولكن كما يدركه. # والموضوع الآخر هو: هل الفن يجب أن يخضع للغرض الذي يرمي إليه علم الأخلاق أو أنه فوق ~~ذلك؟ ذهب قوم ومنهم «رسكن» إلى أن الفن يجب أن يكون أخلاقيا، وأن أهم ما يجب على ~~الفنان أن يشرك الناس معه في عواطفه الشريفة، وليس هناك شيء وراء الأخلاق يصح أن يقصد ~~من الفن، وذهب آخرون إلى أن الفن إنما يبحث عن الجميل لا عن شيء وراءه، إنما يهم الفن ~~جمال الشكل، أما الموضوع فليكن ما يكون؛ ليكن رذيلة أو جريمة، وذهب بعض علماء الجمال ~~إلى أبعد من هذا فقرروا أن «علم الجمال أعلى شأنا من علم الأخلاق»، وأن النظر في ~~الجمال والبحث فيه أرقى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان، وأن ذوق الألوان أهم في رقي ~~الإنسان من الحاسة التي تدرك الخير والشر. # والبحث عن الجمال أقدم من اسم العلم (علم الجمال) أو (الاسثتيقي)؛ # 7 # فقد بحث فلاسفة اليونان في الجمال، وقد غلبت على سقراط الآراء الأخلاقية - ~~كما حكى عنه زينفون - فعد الجميل مرادفا للنافع، # 8 ms026 # ورأى أفلاطون في كتابه (هبياس الأكبر) # 9 # أن الجمال شيء إلهي يرادف الخير، وأنه معنى مطلق مجرد غير قابل للتغير، ~~وقرر أن روح الإنسان قد تمتعت بالجمال الأزلي في الحياة الأولى قبل أن تحل بالأجسام في ~~هذا العالم، ومن أجل هذا إذا رأى شيئا فيه نفحة من الجمال أخذته الروعة لتذكر ما كان ~~فيه، ومن رأي أفلاطون أن الجمال معنى في الشيء مستقل عن حواسنا، ولكن العلماء العصريين ~~- ولا سيما من يوم أن ظهر مذهب النشوء والارتقاء - ذهبوا إلى أن الجمال ليس معنى في ~~الشيء نفسه، بل معنى يوجده إحساسنا وحواسنا، وعلى رأي أفلاطون يكون هناك جمال مطلق ~~تشترك فيه كل الأشياء الجميلة، كذلك أرسطو ألف كتابا في الشعر وبحث فيه في ~~«الفنون». # أما في القرون الوسطى فلم يوجهوا أي التفات إلى «علم الجمال»، ثم كان لما اشتهر به ~~الإنجليز من الذوق الفطري أثر في الفلسفة الإنجليزية وفي نظريات علم الجمال؛ ففي ~~الفلسفة كانت همة فلاسفتهم موجهة إلى التجارب ولم يكونوا يمعنون النظر في الأشياء ~~نفسها، وإنما في تأثير هذه الأشياء في حواس الإنسان وطابعه وطبيعته، وكان علم الجمال ~~عندهم فرعا من فروع الفلسفة التي اهتموا بها، وفي علم الجمال كان أول بحث علمائهم في ~~التأثير الذي يحدثه التأمل في الجمال، ثم انتقلوا منه إلى البحث في الصفات التي يجب أن ~~يتصف بها الشيء ليكون له ذلك التأثير. # ومن الفلاسفة الذين رقوا نظريات هذا الفرع من الفلسفة: «لوك» و«كدورث» و«هوم» ~~و«هوجارت» و«برك» و«شافتسبري» و«هتشسون» و«ريد»، ومن الألمان: «فنكلمان» و«لسنج» ~~و«هردر» و«كانت». و«كانت» هو القائل في كتابه (نقد العقل المجرد): «يجب ألا نبحث أولا ~~في الجميل نفسه، بل في حكمنا الشخصي وذوقنا.» وهو الذي قرر - كما ذكرنا قبل - أن لذة ~~الجمال يجب أن تكون مقصودة لذاتها لا لغاية وراءها، وجاء الشاعر «شلر» فرقى نظريات ~~«كانت»، وكان يرى أن حاسة الجمال ليست إلا عند الإنسان، وقد تبين خطأ هذه بواسطة «علم ~~النشوء والارتقاء»، ومن آراء شلر أن أصل الفن هو ميل الإنسان ms027 إلى اللعب، وقد بحثت هذه ~~النظرية بعد بحثا أوسع مما ذكره شلر. وهنا يحسن بنا أن نذكر من الفلاسفة - غير من ~~ذكرنا - «هجل» و«شلنج» و«شوبنهور» و«فخنر» الألمانيين، و«تين » الفرنسي، و«رسكن» ~~الإنجليزي، و«هيبرج» الدانيمركي، و«بيلنسكي» الروسي إلى غيرهم ممن لا تسعه هذه ~~الرسالة. # | هوامش # الفصل السابع # | علم الأخلاق # إذا كان علم النفس يبحث في الإنسان كما هو وفي أفكاره وأعماله كما هي، فعلم الأخلاق ~~يبحث فيما ينبغي أن يكون عليه الإنسان، وماذا ينبغي أن يعمل، وبأي شكل يشكل حياته. منح ~~الإنسان كثيرا من القوى والملكات، وله ميول كثيرة ورغبات وحاجات عديدة، وهو ليس بمخلوق ~~قد رسم له نوع من العمل يعمل فيه باستمرار فحسب، بل هو مخلوق حر له السلطان التام على ~~أعماله، ففي استطاعته أن يوجه إرادته وأعماله إلى أي جهة أراد، وأن يعامل بني نوعه كما ~~يشاء؛ ينفعهم أو يضرهم، وفي حق نفسه يستطيع أن يكون مجدا أو كسولا، عاملا أو ~~لاهيا، وإرادة الإنسان وأعماله لا بد معها من مقصد، ويستحيل إرادة عمل من غير غرض أو ~~مقصد يقصده بعمله، وعلم الأخلاق يبحث في المقصد والغرض الذي ينبغي أن يكون، والذي يحاول ~~الإنسان أن يناله بأعماله، وإليه يوجه إرادته، وأن ما منحه الإنسان من قوة الفكر ~~العجيبة - التي بها يستطيع أن يبحث في ماهية نفسه - يؤهله للنظر فيما هو الغرض من ~~وجوده، ووضع قوانين وقواعد لسلوكه وأعماله، وعد بعضها حسنا والآخر قبيحا، ولا بد له ~~من إعمال الفكر لمعرفة تلك القواعد، ومجموع هذه الأفكار يسمى علم الأخلاق، فهو يبحث في ~~مصدر الأعمال والباعث عليها والمقصد منها وقوانينها، يبحث في أعمال الإنسان الاختيارية ~~ومصدرها، وفي الحكم الأخلاقي والعواطف ومظاهرها في الحياة. # ما البواعث التي تدفعنا إلى الإتيان بعمل معين في ظروف خاصة دون أن تدفعنا إلى غيره ~~من الأعمال؟ من أين نعرف الخير والشر؟ وإلى أين توصلنا هذه المعرفة؟ تلك أسئلة يتكفل ~~بالإجابة عنها علم الأخلاق. # يظهر أن في الإنسان صوتا باطنا يوحي إليه بما ينبغي أن يفعل، ويميز به ms028 بين الحق ~~والباطل، والحسن والسيئ، والنافع والضار، والأخلاقي # 1 # وغيره، ويسمى هذا الصوت بالوجدان، وهو نوع من الشعور الباطني ليس يخضع ~~لسلطان خارجي، وهذا الشعور هو الذي كان يحمل الناس على السير في طرق خاصة قبل أن تبحث ~~النظريات الأخلاقية بحثا فلسفيا بأزمان طويلة؛ وهو ناشئ إما من غزيرة في الإنسان، ~~وإما من المعتقدات الدينية، وإما من أحكام تواضع بعض الناس عليها وقرروا العمل بها لما ~~رأوا فيها من الخير والمنفعة العملية لهم، وتأكدت هذه الأحكام بالجري عليها، ثم أجبر ~~الناس على العمل بمقتضاها، وصارت فيما بعد عرفا وعادات، وأصبح العمل على وفقها ~~أخلاقيا، وانتهاك حرمتها مخالفا للأخلاق، قال زجلر: «العرف مجموعة أعمال محدودة ~~تواضع الناس عليها اعتباطا، ونمت في أوساط خاصة سيما في المجتمعات الطبيعية والجنسية ~~كالعشيرة والقبيلة، ثم صار يعد انتهاكها تعديا على الآداب، واتباعها فضيلة.» # وبعد أن جمع علم الأخلاق عادات الأمم وخصالها ورتبها وقسمها لم يقنع بحقائقها ~~مجردة، بل أخذ يبحث في «من أين؟» و«لم؟» و«إلى أين؟» # ابتدأ هذا العلم ببيان عادات الأمم ونظمها، واستحسن بعضها واستقبح بعضا، # 2 # وكما كانت اللغة سابقة على قواعد النحو كذلك موضوع الأخلاق كان قبل أن يبحث ~~فيه علم الأخلاق، ثم جاء هذا العلم فاجتهد في استنباط قواعد يهتدي بها الإنسان في ~~أفعاله. # لهذا كان علم الأخلاق يمتاز عن الفلسفة النظرية بأن بحثها مقصور على ما كان وما هو ~~كائن وما سيكون، أما علم الأخلاق فيزيد على ذلك أنه فلسفة عملية، يجتهد في تقرير ما ~~ينبغي أن يكون، فهو علم سلوك الإنسان وعاداته. # إن قليلا من الخبرة يكفي في إرشادنا إلى أن الإنسان ليس مطالبا بأن يعمل كما يشاء ~~حينما يشاء، ولا أن يعمل كل ما يستطيع أن يعمل، بل هو على العكس من ذلك؛ فكثيرا ما ~~يطالب أن يتجنب عمل ما يسره، و«أن يخضع إرادته لإرادة غيره»، وأن ينظم إرادته ~~ويشكلها على حسب ظروف الأحوال. # وتاريخ الأمم كذلك يرينا أن الناس اختلفوا - ولا يزالون مختلفين - فيما هو الحسن ~~والسيئ، ms029 والأخلاقي وغيره، وأن العمل الواحد قد يكون في حالة حسنا وفي حالة قبيحا، ~~ويكون أخلاقيا في مكان أو زمان، ومستهجنا في مكان أو زمان آخرين؛ لذلك كان من عمل ~~علم الأخلاق أن يحدد لنا الحسن والسيئ، ويبين لنا إن كانا يتغيران بتغير الأزمان أو هما ~~ثابتان لا يتغيران مع تغير العصر والإنسان. # وعلى الجملة فعلم الأخلاق يوضح لنا الحياة الأخلاقية، ويعين الوسائل لامتحان الآراء ~~الأخلاقية التي تظهر في شكل عرف وعادات، ويعيننا على معرفة الغاية الأخيرة للحياة، ~~ويساعدنا على النظر في النظم لإبقاء ما يصح منها للبقاء، وإصلاح الفاسد، ونبذ ما لا ~~يصلح، ويبين المقياس الأخلاقي الذي به نحكم على الأعمال، وبه نهتدي في ميولنا وأفعالنا. ~~وليس غرض هذا العلم مقصورا على معرفة مجهودات الإنسان وأشكال المعاملات وتأثيرها في ~~حياتنا، بل من غرضه أيضا التأثير في إرادتنا وهدايتها، واستكشاف علة الحياة الأخلاقية، ~~وتقويم الأشياء على قدر اعتمادها على إرادتنا وإرشادنا، إلى كيف نشكل حياتنا ونصبغ ~~أعمالنا حتى نحقق المثل الأعلى للحياة، ونحصل خيرنا وكمالنا ومنفعة الناس وخيرهم. ~~ويتذكر القارئ أنا ذكرنا في تمهيد الفصل الأول أن الحق الذي يكتسب من النظر الفلسفي ليس ~~مقصورا على التأمل العقيم، بل نهاية هذا التأمل أن يستخدم في الحياة العملية، ونزيد ~~هنا ما قاله الأستاذ «بولسن» في كتابه (نظام علم الأخلاق): «إن المقصد الأخير الذي دفع ~~الناس إلى التأمل في طبيعة العالم سيظل دائما هو الرغبة للوصول إلى نتائج ترتبط بمعنى ~~حياتنا ومنبعها والغرض منها، فأصل الفلسفة كلها والغرض منها يجب أن يتطلب إذا من ~~علم الأخلاق.» # ذكرنا قبل أن سقراط وجه فكر اليونان إلى البحث في الإنسان، وكانت الفلسفة قبله ~~منصرفة إلى العالم المادي، ومع أن سقراط فعل ذلك فقد كانت الأفكار الأخلاقية منثورة في ~~أقوال الشعراء على شكل حكم وأمثال - ولم يكن ثم علم خاص بها - ولذلك كان أول ظهور ~~الشعور الأخلاقي # 3 # عند اليونان إنما هو في شعرهم، وكان كما قال الفيلسوف الفرنسي «بول جانيه»: ~~«إن الشعراء كانوا أول لاهوتي # 4 ms030 # عند اليونان، كما كانوا أول واعظ.» أما البحث الحقيقي في الحقائق الأخلاقية ~~فأول من بدأ به عند الغربيين أفلاطون وأرسطو، ولا سيما أرسطو، ولكن أحدا منهما لم ~~يخترع الحكم الأخلاقي على الأشياء؛ فقد كان الناس قبلهما بأزمان طويلة يحكمون على عمل ~~بحكم وعلى غيره بآخر، ويميزون بين الحسن والسيئ، والأخلاقي وغيره، وإنما البحث العلمي ~~يجمع الحقائق، ويبحث في البواعث والعلل، فيبحث مثلا في: لماذا كان القتل أو السرقة ~~رذيلة؟ ولم كان الكذب غير أخلاقي والصدق أخلاقيا؟ # ابتدأت الفلسفة الأخلاقية عند اليونان بقولها: إن هناك خيرا عظيما يجد الإنسان ~~للوصول إليه، ويقصد الحصول عليه لذاته لا لأنه وسيلة إلى شيء غيره، ويمكن تحصيل ذلك ~~الخير بالعمل، ويجب أن تنظم أعمال الإنسان بملاحظة ذلك الخير، وهذا الخير هو السعادة، ~~وهي الغاية القصوى لأعمالنا، وكل غاية غيرها تابعة لها، ولنسم هذه النظرية «نظرية ~~السعادة» وهي تقول: «إن السعادة أعظم خير للإنسان، والغاية الأخلاقية من سلوكه.» وبعد ~~أن سلم بهذه النظرية، أي إن أعظم سعادة للشخص هي أعظم الخير له، تساءل فلاسفة الأخلاق ~~اليونانيون: ما أعظم سعادة للشخص؟ وما خير الوسائل التي عساها توصل إليها؟ على هذين ~~السؤالين أجيبت أجوبة مختلفة: رأى سقراط - ذلك الفيلسوف الذي لم يشأ أن يشغل نفسه ~~بالبحث في أصل العالم وتكوينه، بل وجه عنايته نحو الإنسان وما يتعلق به - أن أعظم سعادة ~~هي معرفة الحق، وأن المعرفة هي الفضيلة، ويمكن أن تكتسب بالبحث، وقرر أن لا أحد يعمل ~~غير الحق بإرادته، أو يختار الباطل إذا هو علم الحق، وعندما يرتكب الإنسان خطأ ~~فإنما يكون ذلك لجهله بالخير له، والحكيم العارف هو وحده السعيد الفاضل، وافق الرأي ~~العام والمأثور والعرف أو خالف؛ لأن المعرفة هي الغاية القصوى للإنسان، وهي بعينها ~~الخير والفضيلة، أما العدل والفضيلة الناشئان عن محض الاعتياد والتربية - إذا لم يعتمدا ~~على المعرفة والنظر - فتلمس في الظلماء قد يؤدي عفوا إلى الحق، ولكن ليس فيه مقنع، ~~وإنما ما فيه المقنع أن تجد في البحث للوصول إلى معرفة الخير ms031 وتحديده. # وقد ذكر أفلاطون في كتابيه (جورجياس) و(الجمهورية) أن «كليكليس وترازيماخوس» قالا: إن ~~الخير ما يسرنا، والعدل ما استطعنا الحصول عليه. ولكن أفلاطون - الذي يدعي أنه ليس ~~إلا معيدا لتعاليم سقراط - أنكر رأيهما، وذهب إلى أن الخير والعدل معنيان إلهيان ~~قائمان بأنفسهما مستقلان عن الفكر، وكانت طريقته في البحث الأخلاقي طريقة لا ~~مادية، # 5 # ومن تعاليمه أن فن السلوك إنما يحصل بالجد في جعل الحياة الخاصة والعامة ~~بحيث يسود فيها الوفاق والجمال والنظام، وهي الصفات الأساسية التي هي من خصائص العالم ~~الأعلى، وفي تقليد الخير المطلق الذي كانت النفس - التي هي جزء من النفس الكبرى للعالم ~~- تنظر إليه وجها لوجه قبل أن تحل في الجسم # 6 # ويمكن نيل هذا بالمران على فضائل أربع: الشجاعة والعفة، وأهم من هذين: ~~الحكمة والعدل، ويبلغ العدل منتهى الكمال في نظام الحكومة. وقد أوضح أفلاطون المثل ~~الأعلى لهذا النظام على وجه الإجمال في كتابيه: (الجمهورية)، و(القوانين). # أما أرسططاليس - سيد المفكرين على الإطلاق كما لقبه بذلك «أوجست كومت» في أحد كتبه - ~~فابتدأ بحثه في الأخلاق بما ابتدأ به أفلاطون، فبحث في «ما هو أعظم خير للإنسان؟» «وما ~~غايته القصوى وما غرضه؟» وكان من تعاليمه أن الإنسان من بين سائر الموجودات هو الذي جمع ~~إلى قوة الشعور والرغبة قوة العقل، وهو بحسه وإدراكه يشبه الحيوان، وبعقله يشبه الله، ~~وباتحاد تلك القوتين فيه كان كائنا أخلاقيا؛ فإن الأخلاقية هي الاتفاق بين عناصر ~~الحيوان والعقل، واستعمال كل قوى الإنسان تحت سلطة العقل، وليس الذي يخضع لهذه ~~الأخلاقية هو من يعيش في عالم الفكر فحسب، بل الذي يشغل بالعمل ويكون لرغبته وانفعالاته ~~عليه سلطان، ولأجل أن يختار الإنسان طريق الحق وينهج النهج القويم يجب أن يستعمل قوة ~~الحكم عنده قوة عقله، ويستخدم إرادته الحرة. # هذا الاتفاق بين إرادة الإنسان وعقله ينتج الفضائل الأخلاقية أو السعادة أو أعظم خير، ~~وهذا هو غرض الإنسان في الحياة. وبينا سقراط يرى أن الفضيلة نتيجة العقل وحده، وليست ~~نتيجة التربية ولا العادة، وإنما هي ثمرة ms032 الحكمة وبعد النظر الأخلاقي، إذ بأرسطو يرى ~~أن التربية والمران والعادة ضرورية أيضا في تكوين الفضيلة، ويحدد الفضيلة بأنها «عادة ~~ثابتة مقررة ينتجها المران، ويكونها تغلب العقل وهدايته». # خلف من بعد هؤلاء الفلاسفة العظام خلف كان لهم أثر في ترقية ما قرره سلفهم، ولا بد ~~أن نخص بالذكر منهم «الرواقيين» و«الأبيقوريين». # فمذهب الرواقيين أسسه «زينون»، وكان يعلم تلاميذه في رواق منقوش من بناء في ~~«أثينا»، ومن أجل هذا سمي هو وأصحابه بالرواقيين، وقد بنى «زينون» تعاليمه على قول ~~سقراط بعدم الاعتداد بالمأثور والرأي العام، وعلى القول بسلطان العقل على الشهوة، فكان ~~يرى أن الفضيلة فيها الغناء عن كل شيء، وأن الحكيم يقضي حياته في وفاق مع الطبيعة ~~مستقلا حرا، بين جنبيه نفس تعتز عزة ملك وإن التحف ببردة فقير، رأى الحكيم أنه ~~لا يستطيع أن يغير الطبيعة ففضل أن يخضع لها عن رضا، ولم يفعل كما يفعل الأخرق ينازل ~~الطبيعة ويكافحها حتى يفقد قوته ويدركه الإعياء فيخر صريعا. والرواقي مستسلم لا يهيجه ~~شيء؛ # 7 # لأنه يعتقد أن كل شيء قدرته الطبيعة، وهي رحيمة عادلة تريد الخير. # أما أبيقور (337 أو 341-270ق.م) فكان يعلم أن لا خير للإنسان إلا اللذة، والعقل ~~يساعده على تحصيلها، وكان أبيقور كسائر فلاسفة اليونان يسلم بأن الأخلاقية # 8 # والسعادة مترادفان، وأن فن السلوك # 9 # فن يعلم الإنسان كيف يروي نفسه باللذائذ، وعنده أن لا معنى للأخلاقية ~~إلا الفهم الصحيح لفائدة الإنسان الشخصية، وبعبارة أخرى الأثرة (الأنانية) المهذبة، ~~وإذا ضحى الإنسان بنفسه أو آثر غيره بشيء فليس معنى ذلك أنه يعمل على خلاف طبيعته أو ~~يعاكس رغبته في اللذة المتأصلة في أعماق نفسه، بل إنه إنما يفعل ذلك لما عنده من قوة ~~التفكير؛ ذلك لأنه لما كان عاقلا كان في استطاعته أن يرفض لذة وقتية عاجلة للحصول على ~~لذة أكبر منها آجلة، وأن اللذائذ السريعة الزوال والانهماك في الترف لا تعد شيئا إذا ~~قيست بتلك اللذة الباقية - لذة العقل - التي بها تطمئن النفس، ومنها تتخذ عدة لحوادث ms033 ~~الدهر وصروف الزمان. # وإذا كان بعض اللذائذ يعقب ألما كان لا بد من تنظيم رغبتنا في اللذة بالحزم؛ ومن ذلك ~~تنتج جميع الفضائل؛ فإن صحة البدن واطمئنان العقل أعظم سعادة في الحياة، وهما نتيجة ما ~~ذكرنا؛ «ونحن لا نستطيع أن نحيا حياة لذة ما لم تكن حياة حزم وشرف وعدل، كما أنه لا ~~نستطيع أن نحيا حياة حزم وشرف وعدل ما لم تكن حياة لذة.» وقد نضطر أحيانا إلى تحمل ~~ألم وقتي للحصول على لذة مستمرة. وليس يعني أبيقور باللذة الإحساسات الوقتية التي تفنى ~~بفناء ظرفها، وإنما يعني السكينة والعيشة الراضية التي فيها نأمن عواصف ~~الحياة. # 10 # ولما لم يكن من طبيعة نفس الإنسان الاقتناع بالفلسفة طويلا جاء الدين فحل محلها، ~~وقام الأولياء والقديسون مقام الشعراء والفلاسفة اليونانيين، وأثارت النصرانية ثورة لم ~~يشهد الإنسان قبلها مثلها، فغيرت الأفكار تغييرا تاما حتى لم تستطع عقائد اليونان أن ~~تقف أمام سلطانها، ونبذت أكثر التعاليم الأخلاقية التي وضعها قدماء الوثنيين، فكانت ~~النصرانية كما قال «نيتشه»: «مقومة للأشياء من جديد.» # وقد عممت النصرانية - إلى حد ما - تعاليم اليهودية، ونشرت في المغرب أصول الأخلاق ~~التي وردت في التوراة، والأخلاق عند اليهود إلهية المنشأ، فالمبادئ الأساسية فيها ~~دينية، وليست الأخلاقية إلا نتيجة أمر الله ومن فيضه، وبعبارة أخرى هي تنفيذ أمر الله. ~~نعم، إن الإنسان محتاج إلى قواعد وقوانين تنظم سلوكه، ولكن لا يشرع هذه القوانين ~~والقواعد إلا الله، وهم يرون أن الخير الأخلاقي وإرضاء الله لا ينفصلان، وأن فروض الله ~~والقوانين الأخلاقية متلازمان، وليس الشيء أخلاقيا لأن الله أمر به، بل الله أمر به ~~لأنه أخلاقي؛ فإن الأخلاقية هي المركز الأساسي ومطمح نظر العالم، قال «هرمن لوتز» ~~الفيلسوف الألماني العصري في كتابه الشهير (العالم الصغير): «إن العبرانيين - على ما ~~يظهر لنا الآن - كانوا بين الأمم الشرقية المحكومة بحكومة دينية كالصاحي بين قوم دبت ~~فيهم الكأس، ونال منهم الشراب، وإن كانوا في القديم قد عدوا كالحالمين بين العاملين، ~~وإن التعهدات والالتزامات الأخلاقية التي يرقي الشعور بها ms034 الأعمال الاجتماعية ~~كانت في اليهودية تنحصر في إرادة الله، وإرادة الله يجب أن ينفذها الشخص ويمجدها في سره ~~وجهره، بل كذلك الأمة - من حيث هي أمة - يجب أن تنفذها وتمجدها بخضوعها في حياتها ~~لحكومة ونظم دينية.» # من أهم المبادئ حب الله وإطاعته، وحب الإنسان، وهي مبادئ تتطلب التحلي بفضائل كالعدل ~~والإحسان، وبينا نرى علم الأخلاق عند اليونان يعد الغاية القصوى للإنسان كمال شخصه؛ ~~باستعمال كل قواه وملكاته الطبيعية حتى يصل إلى السعادة، إذ نرى الأخلاق النصرانية تطلب ~~من الإنسان السعي وراء طهارة النفس في الفكر والعمل، وتجعل للروح سلطة مطلقة على البدن ~~وعلى الشهوات الطبيعية، وهذه الروحانية أدت إلى إنكار حقوق البدن، واعتزال هذا العالم، ~~ونبذ الحياة الطبيعية واحتقارها، كما أدت إلى الزهد والتنسك والرهبانية، ومحالفة الفقر، ~~وتحمل الآلام البدنية، وعلى الجملة فقد أدت إلى «حياة غير طبيعية»، وشيء آخر جديد وهو ~~عقيدة «النجاة بالغفران»، وهي مبنية على أن الإنسان آثم بطبيعته، وليس في استطاعته ~~الوصول إلى النجاة بقوته وجده، وإنما ينال النجاة بالغفران، وذلك الغفران تمنحه ~~الكنيسة بطريقة استبدادية محضة، وبذلك انهارت أصول التعاليم والعقائد التي وضعها مؤسس ~~المسيحية بالأغلاط التي ارتكبها أتباعه، وأصبحت الآن الرسوم والمظاهر الدينية في ~~النصرانية واليهودية أهم بكثير من الأخلاق وطهارة الحياة في الفكر والعمل، وقد كان إنما ~~يقصد من هذه الرسوم والمظاهر في الأصل أن تكون رمزا. # أما الأفكار الأخلاقية الحديثة فيرجع أصلها إلى «مارتن لوثر»؛ ذلك الراهب الشجاع ~~الذي ظهر في «وتنبرج»، # 11 # وتمتاز بميلها إلى «الواقع» والحقيقة لا الخيال، وترى أن غرض الإنسان هو ~~إظهار كل ما فيه من قوى وملكات بالحياة العملية في هذا العالم؛ وعلى هذا بنيت الفلسفة ~~الأخلاقية الحديثة ولا سيما المذهب الإنجليزي فيها، وانفصلت الأخلاق بالتدريج عن الدين ~~وصارت علما فلسفيا، ومن أكبر من بحث في هذا الفرع من الفلسفة لوك وهوبز وشافتسبري ~~وهتشسون وهيوم وآدم سمث في إنجلترا وإسكتلندا، وسبينوزا وليبنتز وولف في ألمانيا. ~~وسنذكر الموضوعات التي أثاروها والمسائل التي بحثوها في فصل تال يبحث في ms035 المذاهب ~~الأخلاقية. وقد جاء «كانت» بكتابه (نقد العقل المجرد) سنة 1788م فوجه البحث الأخلاقي ~~وجهة جديدة، ذلك أنه قرر أن الإنسان يحمل بين جنبيه وفي نفسه منبع القانون وروح ~~الأخلاق، وهذا الروح الأخلاقي مستقل عن التشريع، ولا يستمد أي شيء من الخارج، ويسمى هذا ~~المبدأ الأخلاقي المستقل «بالآمر المطلق»، # 12 # ونحن إذا أخضعنا إرادتنا لهذا الروح الأخلاقي الذي فينا، ولذلك الآمر ~~المطلق ولو خالف ميولنا؛ فقد أدينا ما علينا من الواجب، وسرنا سيرا أخلاقيا. وخلف ~~«كانت» «فخته»، وجاء «هجل» و«شلرماخر» وشوبنهور، وفريدريك نيتشه، ودارون، ~~وجون ستوارت مل، وهربرت سبنسر، فظلوا يعملون على ترقية المسائل الأخلاقية، ~~ويضعون نظريات جديدة من عندهم. # | هوامش # الفصل الثامن # | علم الاجتماع (سسيولوجيا) # «ليس خيرا للإنسان أن يعيش وحده» ولا نعيم الجنة نفسه يلطف وحشة الوحدة، بل ومعيشة ~~الإنسان وحده ضد طبيعته، وهو محتاج إلى بني جنسه لسد حاجاته الطبيعية، ومعاونته على ~~ضروريات الحياة؛ ولهذا اجتمع معهم وتعارف بهم وحالفهم، وإنا إذا تتبعنا تاريخ الإنسان ~~من أقدم عصوره لوجدناه في أي زمان ومكان يتجنب الوحدة ويألف الاجتماع، فيعيش في جملة ~~جمعيات: في أسرة، وفي فصيلة، وفي عشيرة، وفي قبيلة أو أمة، ويشترك مع غيره في أنواع شتى ~~من العمل. # وبعد، فما ظروف الأحوال التي اقتضت اجتماع الناس؟ وبأي شكل كان اجتماعهم؟ ما أنواع ~~الأعمال التي يشترك فيها الإنسان مع غيره؟ كيف يؤثر الناس بعضهم في بعض؟ ما أنواع ~~العلاقات التي بينهم؟ وأخيرا ما القوانين التي بها ترقى الحياة الاجتماعية؟ هذه ~~الأبحاث التي تفيد الإنسان أعظم فائدة - كما قال «كومت» - هي التي تسمى «علم الاجتماع»، ~~ولئن كان من فروع الفلسفة ما يبحث في أصل الكائنات وعللها ومبادئها (كعلم ما بعد ~~الطبيعة)، وما يبحث في الإنسان من حيث شخصه، فيبحث في أصله وعلاقته بسائر الحيوانات ~~(كعلم الإنسان - الأنثربولوجيا)، وما يبحث في أعمال روح الإنسان من حيث هو كائن ذو ~~شعور، وفي سعيه وراء معرفة نفسه (وهو علم الأخلاق والنفس)، فهناك ما يبحث في الإنسان من ~~حيث علاقته بالمجتمع الذي ms036 فيه ولد، كما يبحث في الظواهر التي نشأت عنها المعيشة ~~الاجتماعية (وهذا هو علم الاجتماع)، فهو ذلك النوع من البحث الذي يشمل علم الجمعية ~~والاجتماع أو الإنسانية مجتمعة، وإن شئت فقل: الإنسانية موحدة أو مؤلفة من وحدات ~~الأفراد الذين توثقت الرابطة بينهم على نحو ما، وهو ينظر إلى مجموع النوع الإنساني على ~~ما هو عليه، وكما كان، وكما سيكون، ويوضح أعمال الجمعية البشرية وتفاعل القوى ~~الاجتماعية، وبعد أن يستكشف القوانين التي بها ترقى تلك القوى يجتهد في تنظيمهما لخير ~~المستقبل، ويمكننا الآن أن نقول: إن علم الاجتماع يحاول استكشاف القوانين والمبادئ وسر ~~الظواهر الاجتماعية، ويستخدم ذلك في خير الإنسان. # وأول من استعمل كلمة «سسيولوجيا» للدلالة على علم الاجتماع «أوجست كومت»، وهي مركبة ~~من «سوسيس» كلمة لاتينية معناها الجمعية، و«لوجوس» كلمة يونانية معناها علم، وقد كان ~~علم الاجتماع سابقا على اسمه # 1 # هذا، ولم يكن علم الاجتماع - كما هو الشأن في العلوم الأخرى في طورها الأول ~~- علما نظريا محضا، بل كان يبحث أيضا في مسائل عملية عرفت باسم «علم السياسة»، ~~وقد قيد أفلاطون آراءه في الحكومة وأشكالها، وأوضح المثال الأعلى # 2 # لها في كتابيه (القوانين) و(الجمهورية)، وحدد الغرض الأخلاقي للحكومة كما ~~ارتآه، وجاء أرسطو فلم يعتقد بالمثل الأعلى للحكومة ولا بالعصر الذهبي الذي حلم به ~~أفلاطون، واجتهد في كتابه (علم السياسة) أن يحلل أشكال الحكومة التي كانت في عهده، ~~وقسمها من حيث عدد حكامها إلى ثلاثة أقسام: حكومة ملكية، وحكومة أرستقراطية، وحكومة ~~شورية. # 3 # وتدرج أرسطو من القول بأن «الإنسان مدني بالطبع أو حيوان سياسي» - أعني أنه ~~في طوري سذاجته ورقيه لا يستطيع أن يعيش وحده، بل لا بد له من الاجتماع - إلى القول بأن ~~النظام الحكومي للأمة نتاج طبيعي، قال «كومت»: «إن ما فند به أرسطو ما لأفلاطون ~~ومقلديه من أوهام باطلة في موضوع الاشتراك في الملكية برهن على ما لأرسطو من سداد في ~~الرأي وذكاء وقوة لا تسبق، وقلما تبارى.» # ولم يزد فلاسفة الرومان شيئا في النظريات السياسية عما ms037 كان لليونان، وفي القرون ~~الوسطى كان للدين على النفوس نفوذ عظيم، وشغل الناس بالقضايا الدينية حتى لم يبق لهم ~~زمن للنظر في الموضوعات الاجتماعية، إلى أن جاء زمن «النهضة» فكان للناس بعد عناية ~~خاصة بالمسائل الاجتماعية (وبحثوا فيما وصل إليه من قبلهم وزادوا عليه)؛ فمسائل ~~«الحقوق الطبيعية» مثلا بحث فيها قدماء الفلاسفة والمشرعين، ومما جاء في قول شيشرون - ~~الخطيب الروماني: «إن السلوك العام هو قانون الطبيعة.» أي إن اتفاق كل الناس على شيء ~~يجب أن يعد قانون طبيعة، وفرق «ألبيان» المشرع الروماني مثلا بين «الحق الطبيعي» ~~و«الحق المكتسب من القانون»؛ قانون الأمة، فلما جاءت النهضة خطت هذه القضايا خطوة ~~خرجت بها من دائرة النظر إلى السياسة العملية، وكان «هوجو جروتيس» أول من بدأ ~~بالبحث في «الحقوق الطبيعية والوضعية»؛ # 4 # ولذلك يعد مؤسس «فلسفة القانون». # جاء بعده «توماس هوبز» وكان مما كتبه «رسالة في الجبر والاختيار» بحث فيها أبحاثا ~~أخلاقية، وأبحاثا فيما وراء المادة، وقرر فيها أن الإنسان - كسائر المخلوقات - مجبور ~~خاضع للقدر، وبعبارة أخرى لإرادة الله، وأن المصلحة أو الفائدة الشخصية أعلى قاض ~~يفصل في الأخلاق وفي أي شيء آخر، وقد طبق نظرياته هذه على السياسة، فعنده أن نظام ~~الطبيعة نظام حرب عام، كل يحارب كلا ليبقى، «والحق» «للقوة». ولمحافظة الإنسان على ~~نفسه، ووضع حد لهذا النزاع، وتلطيف نظام الطبيعة بالاجتماع؛ تعاقد الناس فيما بينهم ~~نوع تعاقد على إنشاء «حكومة»، وليس القصد منها إلا حماية حياة الأفراد وملكيتهم، فيجب ~~على الأفراد أن يعدوا إرادة الحكومة أسمى قانون، ولا تستطيع الحكومة الوصول إلى تحقيق ~~غرضها إلا بخضوع الرعية خضوعا تاما، ومن أجل هذا يعد «هوبز» مؤسس نظرية «العقد». # وذهب «مونتسكيو» في كتابيه: (عظمة الرومان وانحطاطهم)، و(روح القانون) إلى أن الظواهر ~~السياسية - كسائر الظواهر الطبيعية - خاضعة لقوانين لا تتغير، قال «كومت»: «إن مونتسكيو ~~كان يرى أن الأبحاث والأعمال الاجتماعية مبنية على قوانين طبيعية، على حين أن غيره من ~~كبار الرجال كانوا يرون أن في استطاعة المشرعين أن يعدلوا نظام الحكومة كما يريدون، ms038 وأن ~~عندهم على ذلك قدرة مطلقة غير محدودة متى أعانتهم السلطة على ذلك.» ووافق «جان جاك ~~روسو» في كتابه (العقد الاجتماعي) ما ذهب إليه «هوبز» من أن الحكومة نتيجة تعاقد الناس ~~فيما بينهم. # | هوامش # الفصل التاسع # | مجمل تاريخ الفلسفة أو تاريخ ترقي الفلسفة # ليس من غرضنا في هذا الكتاب أن نذكر قضايا الفلسفة في شكل تاريخ، وإنما غرضنا أن نقدم ~~للقارئ المهذب معلومات عامة عن أصول الفلسفة وقضاياها، وإنا لا نبعد عن الغرض إذا نحن ~~زدنا تاريخا إجماليا يوضح الرقي التدريجي لقضايا الفلسفة من زمن الفلاسفة الأيونيين ~~إلى القرن العشرين بعد الميلاد، وسيكون هذا التاريخ الإجمالي مختصرا جهد الطاقة فلا ~~نتعرض لتفاصيل المسائل الفلسفية التي ناقشها وبحث فيها كثير من المفكرين، وإنما سنستعرض ~~بالإجمال المميزات الخاصة للعصور المختلفة، ونعين الروح الغالبة عليها، وإنه لمن ~~المستحيل أن نبين بالتفصيل كل النظم والآراء الفلسفية، بل ولا ما هم منها، ولا أن نسرد ~~كل المذاهب ومؤسسيها؛ فإن الموضوع واسع الأطراف، ومسائله في غاية التعقيد، حتى إن ~~محاولة تفصيلها تفوت الغرض من هذا التاريخ الإجمالي، وهو أن نقدم للقارئ صورة عامة عن ~~نظام الفلسفة، مع ما في ذلك الموضوع من سعة تحير الألباب، ولا يصح أن يقارن تاريخ ~~الفلسفة بغيره من تواريخ العلوم الأخرى لسببين: # أولهما: # أن مدار البحث في العلوم الأخرى محدود، فلا تعترض صعوبات غير عادية ~~في تتبع الرقي التدريجي، وكذلك بناء العلم على بعض القواعد الأساسية ~~واضح في كل العلوم، وليس كذلك الشأن في الفلسفة؛ فقضاياها - على كثرتها ~~- متنوعة، وليس موضوعها واحدا في كل العصور، ومما يزيد الأمر صعوبة أن ~~كل مفكر يأتي لا يبني على ما وصل إليه من سبقه، بل يبتدئ في حل قضيته ~~من جديد كأن لم تكن قبله نظم ولا وضع قبله أساس (انظر فندلبند صفحة ~~9). # وثانيهما: # أن ترقية الأفكار وتأسيس العقائد إنما يكون على يد مفكرين ذوي شخصية، ~~وهؤلاء وإن كانوا مرتبطين بأفكارهم بأفكار من تقدمهم يزيدون عناصر خاصة ~~من عندهم متأثرة بشخصياتهم. وهذا في الفلسفة ms039 أهم منه في العلوم الوضعية ~~الأخرى؛ فمن البديهي أن أخلاق الشخص وتجاربه وأعماله في الحياة ومنشأه ~~وتربيته تؤثر أثرا كبيرا فيما يضع من القضايا المعنوية المجردة، وفي ~~فكرته العامة نحو العالم، وتطبع ما يرى وما يفكر فيه بطابع خاص. # من هذا كله ينتج أن تاريخ الفلسفة ليس إلا جمعا متسلسلا لكل الآراء الأساسية التي ~~وضعها هؤلاء الأفراد ذوو الشخصية، وأنظارهم إلى العالم، وأحكامهم على الحياة، مع بيان ~~ما زاده كل من عند نفسه. ويجب ألا يقتصر في تاريخ الفلسفة على شرح نظام الفلسفة ~~والتئام أجزائها بعضها ببعض، بل يجب أن يشمل أيضا شرح نموها وتدرجها في الرقي. # وواضح أنه كلما ترقى الفكر وتقدم الإنسان واتسعت دائرة المعارف كانت الآراء أغزر، ~~هذا إلى أنه قد تعرض قضايا على بساط البحث مرة، ثم تعرض هي بنفسها مرات أخرى، وفي كل ~~مرة تبحث بطريقة جديدة تخالف الطريقة التي بحثت بها من قبل. # ومن حين إلى حين تزيد دائرة العقل الإنساني اتساعا، فتنهض موضوعات جديدة، وتقرر ~~قضايا جديدة، وتجاب أجوبة جديدة، ويستكشف الخلف حلا لمسائل مفيدة لم يهتد لحلها ~~السلف، مع ما لكل عصر من عصور التاريخ من طابع خاص لا يشاركه فيه غيره. وإن نظرة سطحية ~~لتكفي في إقناع القارئ بأن القضايا تزداد تركبا وتعقيدا كلما تقدمت المدنية والتهذيب ~~بتقدم العقل البشري. # ويمكننا أن نقسم تاريخ الفلسفة إلى العصور الكبرى الآتية، ولكل عصر منها - كما قدمنا ~~- مميزات خاصة، وطابع خاص: ~~(1) # الفلسفة اليونانية. ~~(2) # الفلسفة الرومانية اليونانية. ~~(3) # الفلسفة في القرون الوسطى. ~~(4) # الفلسفة الحديثة. # إن اليونانيين وإن كانوا يعزون فلسفتهم في كثير من الأحيان إلى حكمة كهنة المصريين، ~~وإنه وإن كان أيضا في كثير من فروع العلم كالرياضة والهيئة والطب لمدنية الشرقيين - ~~وخاصة مصر - أثر في العقل اليوناني؛ فإنا لا يعترينا شك في أن أصل الفلسفة هو نتيجة ~~عقل اليونانيين ومطبوع بطابعهم. نعم، إن التفكير في هذا العالم وظواهره وفي أصل الإنسان ~~والغرض من وجوده قديم العهد قدم الفكر الإنساني نفسه، وإن الإنسان أخذ يفكر في ms040 معاني ~~الأشياء قبل اليونان بزمن طويل، وإن جملة من مسائل العلم التفصيلية لا يستهان بها قد ~~جمعت في عهد المصريين والبابليين قبل اليونان، ولم يكن يعوز هؤلاء القدماء علم غزير ~~بالموضوعات المفردة ولا بالنظر العام للعالم، ولكن اليونان استخدموا معارف من قبلهم، ~~وكما قال «جومبرز»: «إن النبوغ اليوناني استطاع أن ينهض من على عاتق المصريين ~~والبابليين ويطير حتى يصل إلى أسمى مكان يمكن الوصول إليه من غير أن يصده عن ذلك صاد.» ~~قد كان للأمم الشرقية علم بما يتعلق بحاجاتهم العملية، ولكن ذلك العلم كان بقدر ما يسمح ~~به قصور العقل الشرقي، فإنه يعوزه النشاط العقلي الذي يحمل على الابتكار، حتى أتى ~~اليونان فرقوا النظر العلمي وبحثوا في العلم بحثا منظما مستقلا، وطلبوا العلم للعلم ~~لا لشيء وراءه (انظر فندلبند ص23). زار فيثاغورس وديمقرطيس وأفلاطون وغيرهم مصر وآسيا ~~الصغرى وانتفعوا بعلم أهلهما، ولكن رقي الفلسفة رقيا علميا كان من عمل العقل ~~اليوناني، وقد قال أفلاطون: «إن ميزة اليونان حب البحث، أما ميزة المصريين والفينقيين ~~فحب الكسب.» ونوه بما لهما من مقدرة في الصناعة وحذق في النظم السياسية، ولكن لم يعترف ~~لهما بشيء من ذلك في المذاهب الفلسفية (انظر الفصل الأول من تاريخ نشوء الفلسفة ~~اليونانية لمؤلفه برنديس ص13). # تتجلى للإنسان في فلسفة اليونان ثلاثة عصور يسهل تمييز بعضها عن بعض، وهذه العصور ~~توضح لنا الرقي التدريجي الذي يتبعه العقل في طور الحضارة، ولست أعني الحضارة الإغريقية ~~فحسب، بل كل حضارة بشرية، وهذه العصور هي: ~~(1) # النظر في الكون. ~~(2) # النظر في الإنسان نفسه. ~~(3) # البحث المنظم. # فأول بحث شغلت به الفلسفة اليونانية الأولى كان البحث في العالم كما يظهر أمام ~~الإنسان، أعني عالم الطبيعة. # كان فلاسفة اليونان الأولون علماء في الطبيعة يضعون فروضا لتفهم تصرفات الطبيعة وسنة ~~الكون في الرقي، بدءوا يبحثون فيما يتعلق بحياتهم العملية، فأداهم ذلك إلى الرغبة في ~~معرفة الطبيعة نفسها، قال «فندلبند»: «إن علم اليونان خصص حياته الأولى وما لها من قوة ~~شباب لدرس قضايا الطبيعة، وأغفل البحث في ms041 أعمال الفكر، واكتفى بالبحث في العالم ~~الخارجي.» فكان أهم ما اهتمت به تلك الفلسفة مسائل الطبيعة والفلك والجغرافيا، وعلى ~~الخصوص الظواهر الأساسية العظمى، ثم تدرجوا بعد ذلك في البحث، فلم يقصروا نظرهم على ~~الأعمال الطبيعية المادية، بل حاولوا معرفة الأساس الذي يطرأ عليه التغير - والبحث في ~~التغير ومعرفة أساسه هو المحور الذي تدور حوله النظريات الفلسفية، ويشمل أعظم القضايا ~~الأساسية التي يبحث عنها علم ما بعد الطبيعة. وهذا التغير - أعني أن الأشياء يتحول ~~بعضها إلى بعض - هو الذي بعث على التأمل والنظر، وحمل فلاسفة اليونان على الجد في ~~تقرير قواعد لهذا العالم القلب الحول الذي قد تتغير فيه الأشياء فجأة إلى ~~أضدادها. (فندلبند ص31). # بحثت الفلسفة عن الأساس الذي تطرأ عليه التغيرات، وتعتريه التقلبات، والذي منه تخلق ~~أشخاص الأشياء وإليه تعود (ص32)، وصيغ هذا المعنى بوضوح في الأسئلة الآتية: «ما أساس ~~الأشياء الذي يبقى مع كل التغيرات العارضة؟ وكيف يتحول ذلك الأساس إلى تلك الأشياء؟ ~~وكيف تتحول الأشياء إليه؟ ولحل هذه المسألة وتقرير طبيعة أساس الدنيا أو هيولي العالم ~~أو مادته قامت نظريات عديدة وضعها فلاسفة اليونان الأولون؛ مثل: طاليس، وأنكسمندر، ~~وأنكسمينيس، وهرقليطس، والإيليون # 1 # والفيثاغوريون، وظهرت أنظار عديدة تتعلق بذلك الوجود وما يصير إليه، وبمادة ~~العالم ونحو ذلك.» # بعد هذا تحول الفكر اليوناني والأبحاث الفلسفية عند اليونان تدريجا إلى الإنسان ~~نفسه، فكانت أعماله موضع البحث، وأغفلوا البحث في العلم الطبيعي الذي كان قبل موضوع ~~الفلسفة، واتجهت أبحاثهم نحو قوى الإنسان الباطنة، فبحثوا في القوة المفكرة والقوة ~~المريدة وعمل هاتين القوتين، أعني التفكير والإرادة، وكيف تنشأ الفكرة والإرادة؟ وفي ~~ذلك الحين ظهرت في عالم البحث مسألة جديدة؛ وهي: هل حقائق الأشياء ثابتة؟ وهل هناك شيء ~~حق أو صواب أو خير قائم بنفسه لا علاقة له بآرائنا الشخصية؟ وفي هذا العصر أيضا - الذي ~~يسمى العصر الإنساني أو الأنثروبولوجي نظرا لاتجاه بحثه نحو الإنسان، وتمييزا له عن ~~العصر الذي قبله - عصر النظر إلى العالم ظهرت مبادئ القضايا الأخلاقية والمنطقية ~~والنفسية «السيكولوجية»، ومن ms042 رجال هذا العصر: سقراط، والسوفسطائيون الذين من أشهرهم: ~~بروتاغوراس وهبياس وبروديكوس، وقد وافق سقراط السوفسطائيين في توجيه بحثه نحو الإنسان، ~~وخالفهم بقولهم: إن حقائق الأشياء ثابتة؛ إذ كانوا ينكرون ذلك، وحاول - بالبحث العلمي - ~~تقرير مبادئ ثابتة يؤسس عليها سلوك الناس ومعاملتهم الأخلاقية. وقد أسست على مبادئ ~~سقراط مذاهب ظهرت بعد أشهرها مذهب الميغاريين # 2 # أسسه إقليدس ومذهب الكلبيين # 3 # أسسه أنتسثنيس، ومذهب القورينائيين # 4 # أو مذهب السعادة أسسه أرسطبس. # وقد كان هذان النوعان من البحث الفلسفي - أعني البحث في العالم والبحث في الإنسان - ~~مقدمة لأعظم رقي للفكر اليوناني، وقد ظهر ذلك الرقي في عصر البحث المنظم، وبلغ أوجه في ~~النظم الفلسفية التي وضعها ديمقريطس وأفلاطون وأرسطو، ففي الدورين الأولين - دوري البحث ~~في الكون والإنسان - كان مدار بحث الفلاسفة مقصورا على عدد محدود من المسائل، أما في ~~دور البحث المنظم فقد كان مدار البحث أوسع، وشمل القضايا الطبيعية والنفسية، وقد استعمل ~~عظماء هذا الدور مثل ديمقريطس وأفلاطون وأرسطو - ولا سيما الأخير - معارف من قبلهم، ~~وبحثوا الأشياء من جميع جهاتها بحثا علميا، ووجهوا نظرهم إلى البحث في كل المسائل ~~العلمية، فأخرجوا للناس علما منظما شاملا كاملا، قال فندلبند: إن تنظيم العلم ~~وتوسيع نطاقه حتى يشمل كل النظريات الفلسفية منزلة أمكن لديمقريطس وأفلاطون وأرسطو أن ~~ينجحوا في الوصول إليها، وكان الأخير منهم أول من قسم العلوم وجعل لكل علم دائرة بحث ~~خاصة، ومن أجل هذا يعد أرسطو خاتمة عصر نشوء الفلسفة اليونانية، وفاتحة عصر العلوم ~~المتميزة، # 5 # وأرسطو هو الذي لخص الأفكار اليونانية وصفاها، وأخرج للناس نظاما ~~للفلسفة كاملا، وبحث في كل فروعها - أعني ما وراء المادة والمنطق وعلم النفس والأخلاق ~~والسياسة والجمال. # العصر الثاني العظيم من عصور الفلسفة عصر الفلسفة الرومانية اليونانية، # 6 # وبهذا العصر انتهى دور البحث المنظم، وابتدأ الميل إلى وضع الشروح المطولة، ~~وأهم مميزات هذا العصر أنه عصر تحصيل للعلوم وسعة في الاطلاع أكثر منه عصر بحث ونظر، ~~وأنه عصر إقبال على العلوم المتميزة، وإذا كانت الفلسفة فيه قد ms043 اتخذت شكلا جديدا ~~استمرت فيه بضعة قرون، فذلك ناشئ من حالة الرقي العامة ومن التغير الذي أحدثته الحياة ~~السياسية والاجتماعية اليونانية. # كان اليونان قد نضجت عندهم الآداب والفنون لما أن وصل الإسكندر الأكبر الشرق بالغرب، ~~وأزاح الفواصل بينهما، وأقام جسرا عبرت عليه المدنية والعلوم والمعارف من بلاد اليونان ~~إلى آسيا وانتشرت فيها، ولكي يخلد اسمه أنشأ مدينة (الإسكندرية)، واختار لها ببعد نظره ~~الفائق موضعا على أحد شواطئ النيل # 7 # أصبح لحسن موقعه الجغرافي محطة بين آسيا وأوروبا، ومركزا للتجارة بين ~~الأمم، كما كان مركزا كذلك للعلوم والمعارف. # انتشرت المدنية والفلسفة اليونانية في كل العالم، وصارت أثينا وبعض بلدان أخرى في ~~مملكة الإسكندر - وفي الإمبراطورية الرومانية من بعد - مركزا للمدنية والعلوم ~~والمعارف. # بعد سقوط بلاد اليونان في أيدي الرومان اعترى البلاد تغير تام لا في السياسة وحدها ~~بل في السياسة والعلوم معا؛ فإن الفتح الروماني الذي أزال كل الفروق السياسية ومحا ~~الخلافات القومية، ووحد الأمم المختلفة بإخضاعها للحكم الروماني، وأتم بذلك العمل الذي ~~بدأ به الفاتح المقدوني - لم يخل من تأثير في الأفكار والعقول، فالنظام السياسي للحياة ~~اليونانية أخذ ينهار، وأدرك الوهن تلك المبادئ الأخلاقية التي وضعت لهداية الناس، والتي ~~كان يمدها بالحياة الشعور بالواجبات الوطنية وحب الجمهورية، وخلي الإنسان ونفسه ~~يبحث عن مبادئ لنفسه يتبعها في سلوكه، واهتزت الديانة اليونانية والأخلاق القومية من ~~أساسهما، وتقوض أساس الاعتقاد بالآلهة الأولى وبالدين، فقامت الفلسفة تحاول أن تحوز ~~المكان الذي خلا بسقوط دين الأمة، وابتدأ الإنسان يبحث عما يهديه في حياته فاعتقد - أو ~~تخيل - أن الفلسفة هي الهادي الأمين، فكانت مهمة الفلسفة كما قال «فندلبند»: # 8 ~~«أن تسد مسد الاعتقاد الديني»، وأصبحت القضية الهامة التي يدور حولها البحث ~~الفلسفي سلوك الإنسان للإنسان، وبذلك تشكلت الفلسفة بشكل عملي؛ إذ أصبح مقصدها وضع فن ~~للحياة، وغلب عليها البحث الأخلاقي، وصارت بعد منافسة للدين ومعارضة له، ويتجلى لك ~~هذا في ميول الرواقيين والأبيقوريين، وشجعت الدولة الرومانية هذه الأفكار؛ ذلك لأن ~~الرومان كانوا أمة عملية لا تأبه ms044 للقضايا النظرية المحضة ولا تعيرها التفاتا، وإنما ~~كانت تتطلب العلوم العملية أبحاث الفلسفة التي تهدي الناس في الحياة، وبهذا يظهر أن ~~الميل إلى الحكمة العملية في هذا الزمن جعل البحث الفلسفي يتجه جهة خاصة. # أتى بعد ذلك حين تملك الناس فيه إحساس بالسخط ملأ قلوبهم، وكان ذلك أيام مجد ~~الدولة الرومانية؛ فإن تلك الدولة مع اتساعها والتحام أجزائها حتى تكونت منها مملكة ~~واحدة قوية لم تستطع أن تعوض على الناس ما أفقدتهم من استقلال، ولم يكن في قدرتها ~~إرضاؤهم باطنا ولا إسعادهم ظاهرا، وكانت مدنية العالم الروماني اليوناني إذ ذاك ~~متنافرة غير ملتئمة، فكنت ترى تناقضا تاما في الحياة الاجتماعية، فترف ورخاء بجانب ~~سغب وشقاء، وكنت ترى ملايين من الناس قد حرموا حتى ما يحفظ حياتهم بين جنوبهم، ~~فاستولى على الناس إحساس بظلم جائر وشعور بوجوب ثورة على النظام الاجتماعي الذي لا يسوي ~~بين الناس، وظهر عليهم إذ ذاك أيضا أمل في حياة مستقبلة - آخرة - يجزى فيها الإنسان ~~جزاء عادلا، ويعوض عما لقي من ظلم، فوجهت تلك الملايين التي حرمت كل شيء في ~~العالم وجهتها نحو عالم أعلى، وتحولت الأفكار - بشوق - إلى عالم وراء عالمنا، إلى ~~العالم العلوي لا العالم السفلي - إلى الحياة الأخرى لا الحياة الدنيا - وعجزت الفلسفة ~~عن أن ترضي الناس، واعترف الإنسان بعجزه التام عن معرفة نفسه إذا هو اعتمد على قواه ~~فحسب، ويئس من تحصيله هذه المعرفة إذا لم تعنه قوة علوية، وأعتقد أن السعادة الأبدية لا ~~توجد في هذا العالم المحسوس، بل في عالم آخر وراء حياتنا الأولى، ولم يعد في وسع ~~الفلسفة إقناع الرجل المهذب بما تقدمه من نموذج أخلاقي للحياة، كلا ولا بما تتعهد به من ~~سعادة، فحولت وجهها نحو الدين تستمده المعونة. # غير أن الناس في ذلك العهد أظلمت أفكارهم، واشتد شعورهم بنقصان ما عندهم من العلم ~~وحاجتهم إليه، فطمع الدين أن يكون مقنعا لهم في شعورهم وعقولهم معا، وطمح أن يحول ~~الحياة كلها إلى عقيدة دينية؛ لذلك نرى أنه بينما كانت ms045 الفلسفة تحاول حل مسائلها ~~وقضاياها بمعونة الدين، وهي مع ذلك لا تهتدي إلى حل، كان الدين يبحث عن الفلسفة ونظمها ~~ليجد له أساسا علميا يبني عليه عقائده، ويجعلها أكثر قبولا لقوم راقين، قال ~~«فندلبند»: «إن الفلسفة استخدمت نظريات علوم اليونان لتهذب الآراء الدينية وترتبها ، ~~ولتقدم إلى الشعور الديني اللجوج فكرة في العالم تقنعه، فأوجدت نظم دينية من قبيل ~~ما وراء المادة تتفق مع الأديان المتضادة اتفاقا يختلف قلة وكثرة» (ص158). # لهذا كان امتزاج الدين بالفلسفة - الذي هو من خصائص التطور العقلي قبيل النصرانية ~~وبعدها - ملموحا في الرأي العام وفي المدنية أيام الحكم الروماني؛ وكان من جراء هذا ~~الامتزاج انحلال أخلاقي يشعر بالحاجة إلى الإصلاح. # كان الانقلاب في النظم السياسية والاجتماعية واختلاط الأمم المختلفة الأصل، والتغيرات ~~التي شملت العوائد والدين سببا في ظهور روح جديد تغلب على الفلسفة ووجهها وجهة جديدة؛ ~~ذلك أن أفكار اليونان ومدنيتهم لما عدت قوميتهم وتخطت حدود بلادهم أصبحت تميل إلى ~~عد كل العالم - لا اليونان وحدها - وطنا لها، وصارت الفلسفة اليونانية - من جهة - ~~تحاول أن ترضي الإنسان وتقنعه، لا من حيث إنه عضو في مجتمع أو أحد أفراد حكومة جمهورية، ~~بل من حيث إنه فرد ما، يونانيا كان أو شرقيا أو رومانيا، وثنيا أو يهوديا، ~~ومن جهة أخرى تحاول أن تملأ المكان الذي أخلاه دين الأمة بعد أن فقد برقي الناس ما ~~كان له من قوة. # كانت نتيجة تلك الحالة العامة أن صارت الحكمة الرومانية اليونانية تنظر إلى الإنسان ~~في سلوكه ومعاملاته كأنه فرد مستقل عن غيره، # 9 # وكانت الفلسفة التي تبحث في هذا السلوك مطبوعة بطابع أخلاقي أو ديني، ولم ~~يكن للمسائل السياسية العامة شأن يذكر، إنما كان الشأن للقضايا التي تتعلق بالإنسان ~~نفسه، ويتجلى هذا الميل في مذهب الرواقيين والأبيقوريين والشكاك ومحدثي الأفلاطونيين، ~~وفي الفلسفة اليونانية اليهودية وفي الغنوسطية. # 10 # وكانت الإسكندرية هي المركز الجغرافي لمزج الدين بالفلسفة، فبعد أن كانت مدينة المتحف ~~والمكتبة، والمدينة المعروف عن أهلها النقد وسعة الاطلاع، أصبحت مجمع المذاهب ms046 الفلسفية ~~والطوائف الدينية، فسهل الاتصال والامتزاج، والتقى على ضفاف النيل رجال مختلفة آراؤهم، ~~متباينة مذاهبهم، تبادلوا فيها الآراء كما كانت تتبادل فيها السلع، فاتسعت دائرة الفكر ~~وقورن بين الآراء المختلفة، وكان من نتيجة ذلك ظهور روح جديد أسس على مبدأين متناقضين ~~ممتزجين؛ أحدهما: الشك والنقد، والثاني: سرعة التصديق بالأشياء على علاتها. تقابلت في ~~الإسكندرية آراء الشرقيين والغربيين (اليونان) فامتزجت روح اليونان بروح المشارقة، ~~فأنتجتا عقائد ونظما دينية متأثرة بتأمل الأولين وإلهام الآخرين، بما لليونان من علم ~~وما للمشارقة من أساطير. جاءت الروح اليونانية بما لها من ذكاء ودقة وقدرة على الشرح ~~المبين فأصابتها شرارة من الشرق أشعلتها وأحيتها، كذلك أخرجت الروح الشرقية التي من ~~خصائصها الطموح إلى ما وراء عالم الشهادة نظاما ملتئما ونظريات مرتبة لم تكن لتخرجها ~~لولا مساعدة العلم اليوناني لها؛ فإنه رتب مأثور الشرقيين وحل من عقدة لسانهم، ~~فاستخرجوا العقائد الدينية والنظم الفلسفية التي بلغت الذروة في مذاهب الغنوسطية ~~والأفلاطونية الحديثة ويهودية «فيلون» ومذهب الإشراك الذي وضعه يولبان الصابي. # إن الشرقي بما له من ميل إلى الغيب وخوارق العادات، وما في طبيعته من تصوف وتدين، ~~واليوناني بما له من فحص دقيق وبحث عميق، وإن شئت فقل: إن ما للأول من شعور، وما للثاني ~~من تحليل منطقي امتزجا ونتج منهما فكر خاص انتشر في الإسكندرية في القرون الأولى ~~للميلاد، وقد صبغ ذلك الفكر بصبغتين مختلفتين: صبغة الكماليين والصوفيين، وصبغة أهل ~~البحث العلمي؛ ولذا امتاز هذا العصر بميل الفلسفة إلى الدين، وميل الدين إلى الفلسفة. # قال «بلدوين» في كتابه (معجم الفلسفة) عند كلامه على مادتي «فن» و«مدرسة الإسكندرية»: ~~إن الشرق والغرب اختلطا في الإسكندرية، وامتزجت آراء رومة واليونان والشام في المدنية ~~والعلوم والدين بآراء الشرق الأقصى في ذلك، فنشأت قضية جديدة عمل على إيجادها بحث الغرب ~~وإلهام الشرق، واتصل الدين بالفلسفة اتصالا وثيقا كان من نتائجه ظهور عقائد لا هي من ~~الفلسفة المحضة ولا من الدين الخالص، بل أخذت بطرف من كل، وجاء ذلك من عاملين: # أحدهما: # ميل اليهود ms047 إلى التوفيق بين معتقداتهم الدينية والعلم الغربي الذي ~~كان متأثرا بالعلم اليوناني. # وثانيهما: # أن المفكرين الذين استمدوا آراءهم من الفلسفة اليونانية رأوا أن ~~يوفقوا بين معتقداتهم الفلسفية والقضايا الدينية المحضة التي جاء بها ~~المشارقة، ومن أي الجهتين نظرنا رأينا أن النتيجة كانت فلسفية دينية، ~~لا هي فلسفة محضة ولا هي دين خالص. # العصر الثالث من عصور الفلسفة عصر القرون الوسطى، وبعبارة أدق الفلسفة ~~النصرانية. # سقطت الدولة الرومانية في أيدي أمم الشمال المتبربرة فقوضت الحضارة الرومانية ~~اليونانية القديمة، وطغى سيل القوط والبرجنديين والوندال والسويفيين والألنيين ~~والكلتيين والسكسونيين، ولا سيما قبائل المغول والهون على الدولة الرومانية العتيقة ~~الواسعة، وكانت قد بلغت من ضعفها الناتج من انحلالها الأخلاقي وانحطاطها الاجتماعي ~~حدا أصبحت لا تستطيع معه مقاومة هذه الأمم القوية المتبدية. # وجاءت هذه الأمم المتبربرة بخصائص قومية وأفكار ونظم كانت شريفة راقية - وإن صدرت ~~عن قوم بدو - استطاعت فيما بعد أن تنافس المدنية الراقية، وتسير معها جنبا إلى جنب، ~~غير أنهم ما برحوا جفاة غلاظا سذجا، ومضت قرون طويلة قبل أن يأخذوا عن اليونان ~~والرومان مدنيتهم ويمزجوها بأفكارهم ويكونوا منها المدنية الحديثة، لم يكن لهم لأول ~~عهدهم علم بفنون اليونان ونظمها الفلسفية المحكمة، فكان عصرهم الأول عصر جهل وخشونة، ~~أعقب عصر المدنية والحضارة والآداب ونضارة الفنون والعلوم التي كانت من مميزات العقول ~~أيام الدولة اليونانية الرومانية، وقد كادت آثار العقل الإغريقي تضيع لولا أفراد قليلون ~~من العلماء المسيحيين حفظوا بقايا المدنية القديمة - مع محاربة الكنيسة لهم - حتى وصل ~~هؤلاء المتبربرون إلى درجة من الرقي العقلي أمكنهم معها أن ينتفعوا بتلك البقايا شاكرين ~~لمن حفظها لهم. # كانت الكنيسة على العموم تضطهد آداب اليونان والرومان وعلومها، وتحارب من اشتغل بها، ~~وتعارض نشر الحياة العقلية والمدنية القديمتين، وتحدد دائرة يجول فيها الفكر؛ ذلك لأنها ~~اعتقدت أن الحقيقة قد وصلت إليها من الوحي المعصوم، فلا معنى بعد أن تسمح للناس بالبحث ~~عنها؛ لذلك كانت الكنيسة عدوة الفلسفة والعلم فجمدت الحياة العقلية، ولم تسترد نشاطها ~~إلا بعناء لما أن ms048 انبعثت أشعة «النهضة» ممتزجة بأشعة من الشرق؛ فأضاءت سماء القرون ~~الوسطى المظلمة. # وإذا كان قد بقي شيء من الاحترام للعلم نشأ عنه المحافظة على شيء من الفلسفة القديمة، ~~فإنما كان ذلك مقصورا على الجزء من المدنية القديمة الذي يندمج في تعاليم النصرانية، ~~أما ما عدا هذا ، وخصوصا ما يعارض النصرانية، فقد كان ينبذ نبذا؛ وبذلك ظلت الفلسفة ~~الغربية خادمة للدين جملة قرون، وكان غرضها الرئيسي تأييد العقائد الدينية وتحديدها ~~وتنظيمها، وإظهار أن تلك العقائد التي نزلت من السماء تتفق أيضا مع العقل. # ويمكننا تقسيم سبيل النشوء الذي سلكته الفلسفة المسيحية إلى عصرين كبيرين؛ أولهما: ~~ابتدأ من العصور المسيحية الأولى، وفيه كان كثير من آباء الكنيسة فلاسفة قبل أن يكونوا ~~رجال دين، فرأوا من الضروري أن يؤيدوا أنفسهم وعقائدهم أمام الوثنيين، وقد ختم هذا ~~العصر عمليا في الحقيقة بالأب أوغسطينوس 354-430م، غير أن بعض الكتاب الكنائسيين - ~~الذين هم في المرتبة الثانية بعد الأولين - ساروا على هذا النمط إلى القرن التاسع، ~~ويلقب هذا العصر «بعصر الآباء»، والعصر الثاني: يمتد من القرن التاسع إلى القرن الخامس ~~عشر، ويلقب «بالعصر المدرسي»؛ لأن التعليم كان يقوم به جمعية الرهبان في مدارس الكنائس ~~- وقد أنشأ شارلمان كثيرا من هذه المدارس في جميع أنحاء فرنسا - وكان مدرسوها من رجال ~~الكنيسة، وكانوا يرمون إلى إلباس مآرب الكنيسة لباسا فلسفيا، ويطلق هذا الاسم على ~~ذلك العصر من القرون الوسطى الذي كانت الفلسفة فيه تدرس تحت سلطان الدين، وكان القصد من ~~دراستها تطبيق التعاليم المسيحية على العقل، وقد استمر هذا العصر من القرن التاسع إلى ~~ظهور النهضة في القرن الخامس عشر. # قال «هجل» في كتابه المسمى (محاضرات في تاريخ الفلسفة): «إن الفلسفة المدرسية - في ~~العصر المدرسي - لم تكن مذهبا محدودا كمذهب الأفلاطونيين أو الشكاك، بل كانت مجرد اسم ~~مبهم يطلق على كل مباحث المسيحيين الفلسفية في أكثر من خمسمائة عام.» «فليست الفلسفة في ~~العصر المدرسي إلا لاهوتا، ولا اللاهوت إلا فلسفة، والفيلسوف المدرسي هو من يبحث في ~~اللاهوت بحثا علميا ms049 منظما.» ففلسفة العصر المدرسي هي فلسفة أوروبا التي انتشرت بين ~~الكنائس في شكل لاهوتي، وكانت الفلسفة والدين فيه شيئا واحدا، وانفصال أحدهما عن ~~الآخر إنما كان عند انتقال الناس إلى العصور الحديثة لما رأوا أن بعض ما قد يراه العقل ~~حقا قد يراه الدين باطلا، وكانوا من قبل يرون أن ليس هناك إلا حق واحد؛ وهو ما أقره ~~الدين، قال «هجل» في ذلك الكتاب: «إن اللاهوت في العصر المدرسي لم يكن مقصورا على ما ~~يختص الله من العقائد - كما هو الشأن عندنا - بل كان يشمل أدق الأفكار في فلسفة أرسطو ~~والأفلاطونية الحديثة.» كانت الفلسفة في العصر المدرسي توفق بين العقل والدين، بين ~~الطبيعة وقدرة الله، من قبل كانت هذه الأشياء متعادية، ومؤسس هذه الفلسفة «سكوتس ~~إريجينا»، وأكبر ممثليها القديس أنسلمس وأبيلرد والقديس توماس ودنس سكوتس. وتنقسم ~~الفلسفة في العصر المدرسي إلى قسمين: أفلاطونية، وأرسططاليسية أو مشائية، فكانت أولا ~~متأثرة بآراء أفلاطون، ثم أخذت تخضع لنفوذ أرسطو في القرن الثالث عشر، وقد نشأت آراء ~~آباء الكنيسة - العصر الأول - من آراء اليونان والرومان، أما فلسفة العصر المدرسي فنبتت ~~في أرض الجرمان والعالم اللاتيني الحديث، وكانت ثمرة حضارة جديدة. # العصر الرابع من عصور الفلسفة عصر الفلسفة الحديثة، وهو يبتدئ «بالنهضة» ويستمر إلى ~~يومنا هذا. # يرجع قيام الفلسفة الحديثة إلى حركتين تاريخيتين عظيمتين: # إحداهما: # النهضة أو إحياء العلوم وآثار اليونان والرومان في الفنون ~~والعلوم. # والثانية: # الإصلاح الديني، ففي نحو منتصف القرن الخامس عشر ابتدأت المدنية ~~اليونانية تؤثر في عقول الغربيين، وانبعثت من إيطاليا لغة اليونانيين ~~القدماء وشعرهم وفلسفتهم، وسارت سير الفاتح الفائز إلى أن شمل فتحها ~~أوروبا بأجمعها. # نعم، إن الأسباب التي أنتجت هذه الحركات العظيمة كانت تعمل من قبل هذا التاريخ، ولكن ~~لم يتم تكوين النهضة إلا في النصف الأخير من القرن الخامس عشر، عندما سقطت المملكة ~~الشرقية وعاصمتها القسطنطينية في يد الأتراك، فهجر علماء اليونان بلادهم والتجئوا إلى ~~إيطاليا؛ ابتدأت تلك الأسباب تعمل على إيجاد النهضة من أيام الحروب الصليبية - إن لم ms050 ~~يكن قبل ذلك - ولم تكن النهضة طفرة، ولا كانت روح العلم القديم ميتة أو في سبات عميق ~~فانتبهت دفعة واحدة، فجداول المدنية والعلم الثلاثة؛ وهي: اليونانية والسامية ~~والرومانية كانت قد تقابلت في الإسكندرية وامتزجت وتكون منها مجرى واحد جديد، ثم عاد ~~ذلك المجرى فتفرع إلى ثلاثة جداول سارت في سبل متفرقة لتمنح العالم خصبا، وهي ~~النصرانية اليونانية، والنصرانية الرومانية، والعربية، ويزاد عليها ما يعد كرافد لها ~~وهو اليهودية، واستمرت هذه الجداول تفيض بهدوء مدة قرون من غير أن تتقابل، وكانت ~~مراكزها العقلية على الترتيب: القسطنطينية، وباريس، وبغداد، ومدارس الأندلس، وقد تقابلت ~~هذه الجداول في بلاط فردريك الثاني، # 11 # وظهر من اجتماعها مدنية وثنية تكونت من امتزاج هذه المدنيات الثلاث بعضها ~~ببعض، وابتدأت روح الثورة والاستقلال تظهر من ذلك الحين، ولكنها كانت قبل أوانها، ~~فالكنيسة كان لها السلطان الأكبر، وكانت العقول لا تزال تخضع للدين خضوعا تاما، ~~فكانت النتيجة أن تحولت هذه الحركة إلى التيار الديني ثانية، حتى أتت سنة 1453م فكملت ~~النهضة ووصلت بعد السير البطيء المستمر إلى الذروة، وقدر للجداول الثلاثة التي ترفعت في ~~أرض مصر الخصبة أن تتقابل ثانية في رياض الأسرة الميديسية # 12 # في فلورنسا، ولكن مضى عليها عدة قرون من يوم أن فارقت مدينة النيل ~~(الإسكندرية) وهي تسير في ثلاث شعب متوازية إلى أن صبت مياهها الزاخرة كلها في مدينة ~~نهر الأر (فلورنسا) مركز النهضة، فهناك تقابلت الروح الغربية والبيزنطية والمدنيات ~~اللاتينية النصرانية، وسال بها الوادي ففاض على أوروبا بأجمعها. # قال ج. ب. أدمس في كتابه (المدنية في القرون الوسطى): «إن الأحوال السيئة التي سادت ~~في أوروبا في القرون الوسطى الأولى من جراء غارات التيوتونيين فأخمدت نور العلم الذي ~~كان عند الأقدمين صارت إلى الزوال ... وجرت حوادث عظيمة وظهرت أفكار جديدة في التجارة ~~والاستكشاف وفي السياسة انتشرت بين الناس بالعدوى، فكانت تزيد في نمو العقل البشري ~~يوما بعد يوم.» وابتدأ الإنسان يتحقق من أن وراءه تاريخا هاما يستطيع أن يتعلم منه ~~مسائل كثيرة؛ وذلك أن العقل ms051 لما أدركه الإعياء من التقاليد الجافة التي كانت في القرون ~~الوسطى، وأحس بثقل أغلال الكنيسة التي كانت تمنعه من أن يفكر لنفسه، ولى وجهه شطر ~~الأفكار والعلوم اليونانية يدرسها، وفعل ما فعله المشارقة في الإسكندرية لما أن شغفوا ~~بالآداب اليونانية، وابتهج المتعلم في القرون الوسطى برفع النقاب عن عالم الفكر ~~اليوناني لما رأى فيه من غنى وجمال، فجاء عصر جديد وثني أكثر منه نصرانيا يناهض ~~المدنية النصرانية في القرون الوسطى، حييت فيه المذاهب الفلسفية القديمة، وعادت الفلسفة ~~الأفلاطونية فبزغت في سماء إيطاليا بعد أن مر على غروبها في الإسكندرية عدة قرون وهي ~~محتجبة في خبايا الأديرة، وبعثت أكاديمية أثينا # 13 # في رياض فلورنسا (انظر: «دريبر» في كتابه الرقي العقلي)، وأخذ الفلاسفة ~~ينظرون بشوق إلى الأزمان الوثنية الجليلة! # سار الإصلاح الديني جنبا لجنب مع الحمية لمدنية اليونان والرومان في الفنون والعلوم، ~~وجاء المجرى الجديد الذي سال من بيزنطية - القسطنطينية - فمر بإيطاليا، ثم غمر أوروبا ~~كلها فحول مجرى الأفكار الغربية، ولم تقتصر نهضة الإنسان على إحيائه علوم الأولين ~~واستكشاف ما كانوا يعرفونه، بل تهيجت فيه عواطف وقوى طال زمن إهمالها، واستيقظ من ~~غفلته فشعر شعورا جديدا بالحياة وبالعالم الذي فيه يعيش، وبما يعرض له من المسائل ~~التي تتطلب حلا، وأحس بقدرة عقله على اكتناه أسرار الطبيعة، وحل ما يعرض عليه من هذه ~~المسائل (أدمس ص365). # قال «برك هارت» في كتابه الممتع (مدنية إيطاليا أيام النهضة ص131): في القرون الوسطى ~~كان النظر إلى باطن الإنسان وما حوله من الأشياء الخارجية بين النوم واليقظة قد سدل ~~عليه ستار نسجه الدين والوهم والتعصب الأعمى، منع الإنسان أن يرى العالم على ما هو ~~عليه، وما كان يحس الإنسان بنفسه إلا كفرد من جيل أو شعب أو حزب أو أسرة أو طائفة، وما ~~كان يحس لنفسه بشيء من الشخصية، ورفع ذلك الستار أيام النهضة فرأى من الممكن أن يفكر ~~فيما حوله من الأشياء سواء كان حكومة أو أي شيء في العالم، كما رأى من الممكن أن يفكر ms052 ~~في نفسه، وأعتقد أنه فرد ذو روح حساسة. وامتاز ذلك العصر بشعور الإنسان فيه بشخصيته ~~المطلقة، وبمعارضته للسلطة وذويها، وذهابه شوطا بعيدا في اعتبار العالم كله وطنا له، ~~وهذه دلائل أعظم رقي يصل إليه الناس في تقدمهم العقلي. وقد أعلت النهضة شأن الطبيعة ~~الإنسانية والحياة الدنيوية مخالفة في ذلك طريقة التفكير في القرون الوسطى، ولذلك يسمى ~~العلماء الذين خصصوا أنفسهم لدراسة آداب اليونان والرومان والعلوم عند القدماء ~~«الإنسانيين»، كما تسمى عقائدهم ومثلهم العليا «الإنسانية». وكان من خير ما أحدثه ~~هؤلاء الإنسانيون «نمو الفردية» - أعني الرأي القائل بأن الإنسان ينبغي أن يفكر بنفسه ~~لنفسه، وهو رأي كان قد أهمل في عصر عبودية العقل، وهذا الرأي هو ما كان يجد وراءه ~~علماء إيطاليا منذ زمان. # وأول ما بدت بشائر تقرير ما للإنسان من شخصية كان زمن النهضة، وتم ذلك على يد ~~«العلماء المتبحرين» الذين جاءوا بعد فرددوا تعاليم النهضة وأيدوها، أمثال: ديديرو، ~~وروسو، وفنكلمان، وهامان، وهردر. # قال فندلبند: «إن الفلسفة في أيام النهضة لم تعد من عمل الجماعات - كما كانت في ~~القرون الوسطى - بل أصبحت من عمل أفراد أحرار مستقلين.» وقد كان من أهم أغراض النهضة ~~تقرير الحرية الفردية، وبعبارة أخرى إنماء الشخصية، وجاء الإصلاح الديني فساعدها على ~~ذلك. # فهم الناس على عهد الإصلاح الديني أن لهم حق الحكم الشخصي على الأشياء، وتحررت ~~أفكارهم من قيود قيدها بها رجال الدين، وقد كان هذا كامنا في نفوس الناس من قبل، ولأن ~~يعد هذا سببا في حركة الإصلاح أقرب من أن يعد نتيجة. (انظر فندت ص176). فمبادئ ~~الإصلاح الديني كانت الثورة على سلطة الكنيسة، وإعطاء الإنسان حق الحكم الشخصي، وكان من ~~آثار هذا الإصلاح تحرير العقول من العبودية التي وضع نيرها رجال اللاهوت، وفصل الفلسفة ~~عن الدين وجعلها علما دنيويا مستقلا، # 14 # وهاتان الحركتان - أعني النهضة العلمية والإصلاح الديني - بتعاونهما أنتجا ~~عاملا ثالثا كان له أثر في تلوين الأفكار الحديثة بلون جديد، وتحويل فلسفة القرون ~~الوسطى إلى الفلسفة الحديثة، وذلك العامل هو «العلوم الطبيعية»، ms053 فالعلوم الطبيعية هي ~~التي هدت الفلسفة إلى الاستقلال في العمل، ودليلنا على ذلك أن الاستكشافات العظيمة ~~الحديثة التي وسعت نطاق الجغرافيا - من رحل كولمبس وفاسكوده جاما وماجلان، وما أبانه ~~كوبرنيكس من نظام العالم، والبحث العلمي الذي بحثه ستيفينس وتيكوده براهي وجليلو وكبلر ~~وجلبرت لما كانت تصحب رقي الفلسفة الحديثة، كان لا بد من أن يكون للعلوم الطبيعية - ~~التي تختلف اختلافا كبيرا عما كانت عليه في العصور القديمة - أثر كبير في هداية الفكر ~~في العصور الحديثة. # قال فندلبند: «كلما انفصلت الفلسفة عن الدين وكانت علما كونيا مستقلا كانت ~~مهمتها التي يجب أن تؤديها هي أن تبحث في علوم الطبيعة، وإلى هذه الغاية كانت تتجه كل ~~أبحاث الفلسفة زمن النهضة حتى إن شعارها كان «لتكونن الفلسفة علما طبيعيا».» # من هذا نرى أن النهضة والإصلاح الديني أطلعا فجر الفلسفة الحديثة، وهي - مع مخالفتها ~~لفلسفة القرون الوسطى مخالفة كبرى - تشبه تاريخ تطور العقل عند القدماء مشابهة كبرى، ~~وتسير في نفس الطريق الذي سلكه؛ فإن الفلسفة الحديثة من أيام النهضة فما بعد تتبع سنة ~~النشوء والارتقاء، وتنتقل من طور الإيمان والاعتقاد إلى طور التعقل، وذلك كان الشأن عند ~~القدماء. # أول ما أخذ الفكر يفيق من سباته الطويل بدأ يعرض الدين والنظم التي بنيت عليه ~~للبحث والنقد الهادم، ومن مميزات عصور الانتقال حدوث النزاع بين الآراء المتنوعة ~~والنظريات المختلفة بين القديم والجديد، ويتلو ذلك عادة عدم الرضاء عن الماضي لفساده، ~~والرغبة في نظام جديد خير مما سبقه، فبينما ترى القديم آخذا في التداعي إذا بالجديد لا ~~يزال في طور التكون ولم يستقر بعد على شكل، وإذ ذاك ترى العقل يتراوح بين تعطش لمثل ~~جديدة وآراء جديدة ووضع نظريات للعالم جديدة، وبين البحث في القديم يتخذ منه دعامة ~~للجديد، وترى العقل - إذا قوي شعوره بقوته ونزع إلى الثورة - يتحرر من قيود الدين، ~~ويبعث من نوم عميق سببه الدين؛ لأنه ظل يستدرج الإنسان بما يهمسه في أذنه همسا خفيفا ~~حتى نام واستغرق، ويبتدئ نمطا في الحياة جديدا، وهو ms054 مع كل هذا لا يزال يتعلق بالماضي ~~ويتشبث به، فتتمشى الآراء القديمة مع النظام الجديد، وتستخدم الأشكال القديمة في البناء ~~الجديد. # وهذا بعينه ما كان عندما انبثق فجر الفلسفة الحديثة؛ فقد كانت وجهة الفكر في القرون ~~الوسطى دينية محضة، وكان الدين هو الذي يحدد أغراض العلم، ويسن نظم البحث، ولم يكن ~~عنوان الرقي العقلي إلا صلاة طويلة مستمرة، وكان البحث الفلسفي إنما يدور حول الآخرة ~~وعالم الغيب، حتى إذا كانت الأسباب التي ذكرنا من قبل دعا داعي الثورة والانقلاب، فاشتد ~~الهياج على النظام الموجود والمبادئ القائمة، وزاد سخط الناس على ما لديهم من عقائد ~~عتيقة، «فأعلنت الحرب على كل نوع من أنواع السلطات وطولب بحرية الفكر»، # 15 # وكان موقف الفلسفة الحديثة في عالم الفكر كموقف البروتستانتية في عالم ~~الدين «كل طالب بالإصلاح وكل دعا إلى التغيير»، «وأصبح الحق في نظر الناس ليس ما ~~اعتبر حقا منذ قرون، ولا ما قال عليه فلان: إنه حق، سواء كان القائل أرسطو أو توماس ~~أكويناس أو غيرهما؛ إنما الحق ما برهن لي عليه واقتنعت بكونه حقا.» # 16 # ويتميز هذا العصر بحرية الفكر واستقلاله، وبكسر القيود التي غله بها رجال ~~الدين # 17 # فتداعت عقائد القرون الوسطى الجافة، ونبذت آراؤها، وأهمل الجدال في عالم ~~الغيب، ولكن لم تكن الآراء الجديدة قد استقرت بعد، بل كانت في طور التكون. وقد كانت ~~الفلسفة في طور تكونها تنظر إلى الماضي، ولست أعني ذلك الماضي القريب الذي كانت هي على ~~وشك أن تفارقه، وإنما أعني الماضي البعيد وعهده القديم - عهد الإغريق والرومان - ~~واعتاضت بما وجدته في ذلك العهد من عقائد القرون الوسطى، «وبذلك جرت الفلسفة في مجرى ~~النهضة ومذهب الإنسانية، وسار ذلك المجرى من إيطاليا فعم العالم المتمدن كله» # 18 # وقد ذكرنا قبل أن الفلسفة الحديثة من عهد النهضة كانت أميل إلى الاتجاه نحو ~~الطبيعة، وكان الفكر الحديث - بدافع الروح اليونانية - منصرفا إلى الطبيعة وعلومها ~~ينظر فيها نظرا غير متحيز، كما كانت الحال عند الإغريق، وبعثت الأفكار اليونانية على ~~الرغبة ms055 في تعرف العالم من جديد، وحق ما قيل: «إن الذي يقصد إلى الفلسفة الطبيعية أو ~~الفنون والآداب كذلك لا بد أن يعرج على اليونان.» هذا ولم تكن الفلسفة الحديثة طبيعية ~~فحسب، بل كانت فردية أيضا؛ فقد كان من خواصها لفت عقل الفرد وتحريره من رق الإيمان، ~~وكان من أغراض الحركة الحديثة تقرير حق الأفراد في الحكم على الأشياء، والترخيص لكل فرد ~~أن يبحث أي شيء وينتقده، غير مقيد في ذلك بأية سلطة خارجية، وعلى الجملة فقد تقرر أن ~~يكون لعقل الفرد القول الفصل في الحكم على الأشياء، وبذلك فشا الاعتقاد بأن العقل قادر ~~أن يحل كل ألغاز العالم ويصل إلى أبعد أسرارها، وعلى هذا الأساس بنى ديكارت وسبينوزا ~~وليبنتز نظمهم الكبرى «فيما بعد الطبيعة»، ويسمى مذهبهم مذهب «العقليين». # وهذا الميل إلى إخضاع كل شيء لبحث العقل أدى إلى وضع العقل نفسه تحت البحث، فصار كل ~~من العالم المادي والعقلي خاضعا للنظر والامتحان، وكان الشأن في العصور الحديثة كالشأن ~~عند اليونان؛ ففي كليهما جاء أولا عصر النظر في الكون، ثم شفعه عصر النظر في الإنسان ~~نفسه، فتوجه النظر في البحث في أصل معرفة الأشياء، وتحول مجرى الفكر إلى الأبحاث ~~النفسية - السيكولوجية - وأخذ الإنسان يسأل: ما أصل المعرفة والإدراك؟ وما منبعهما؟ ~~آلعقل أم التجربة؟ بحث في هذه المسائل وأمثالها «جون لوك» الذي نهج منهج «ديكارت» ~~واختار كسلفه «بيكون» أن أصل المعرفة التجربة لا العقل، وانتشرت نظرية «التجريبيين» ~~القائلة بأن المعرفة مستقاة من التجربة في إنجلترا، كما انتشرت نظرية «العقليين» ~~القائلة بأن أساس المعرفة العقل فيما عدا إنجلترا من ممالك أوروبا. # وقد قارن «فلكنبرج» بين خصائص العقل في الممالك الثلاث الكبرى التي كان لها الحظ في ~~الفلسفة من عهد «ديكارت» إلى عهد «كانت» فقال: «إن الفرنسي تغلب عليه حدة الذهن، ~~والإنجليزي البساطة والوضوح، والألماني التعمق والتفكير، ففرنسا منبت الرياضيين، ~~وإنجلترا منبت العمليين، وألمانيا منبت المفكرين النظريين، فالأولى موطن الشكاك ~~المرتابين، كما أنها موطن المتحمسين، والثانية موطن العمليين الواقعيين، والثالثة معهد ~~المثاليين.» # وقد جاء ms056 بعد «لوك» «دافيد هيوم» - وهو من أكبر من يتجلى فيه مظهر الفكر الإنجليزي من ~~حيث العمق والثبات - فرقى ما قاله «لوك» في التجربة، وأوصله إلى فلسفة الشك # 19 # والفلسفة الوضعية، # 20 # وهذا النحو من التطور يشبه التطور العقلي عند اليونان، ونظرية الشك هذه ~~التي أسسها «هيوم» أثارت في إسكتلندا الميل إلى استعمال العقل في البحث، «كما أنها ~~ساعدت عالما ألمانيا يشبه «هيوم» بل أعظم منه نفسا على الخلاص من قيود الاستسلام، ~~ومن قبول المسائل من غير بحث، وشجعته على وضع نظامه الانتقادي، وذلك العالم هو «عمانويل ~~كانت».» # من ذلك نرى أن الفلسفة الحديثة اتبعت في تطورها الطريقة التي جرى عليها الفكر عند ~~اليونان، فالفلسفة اليونانية كانت أيام طفولتها فلسفة طبيعية تبحث في عالم الطبيعة، ثم ~~تحول البحث إلى الإنسان وقواه الباطنة، فبعد أن كانت الفلسفة فلسفة نظر في الكون صارت ~~فلسفة إنسان (فلسفة أنثروبولوجية)، ثم آلت الحركة التي قام بها السوفسطائيون إلى الشك ~~في الحقائق، وهذا بعينه هو الطريق الذي سلكه الفكر الحديث؛ فقد كان مجرى الفكر متجها ~~نحو الطبيعيات عندما فارق منبع النهضة، ثم اتجه نحو الإنسان عند اجتيازه هولندا ~~وألمانيا وفرنسا، ثم ارتقى فاتجه إلى البحث في «نظرية المعرفة» عند وصوله إلى إنجلترا، ~~ثم وصل في النهاية إلى الشك والارتياب، وكما مهد السوفسطائيون بشكهم الطريق للإصلاح ~~الذي قام به سقراط ولنظام أفلاطون «المثالي»، فكذلك الشك الذي أسسه «هيوم» مهد السبيل ~~للإصلاح الذي قام به «كانت»، والذي كان منه «مذهب المثال الألماني»، # 21 # وحقا إن «هيوم» قوض ما قاله «لوك» من أساسه. # وانبعثت من أقوال «هيوم» شرارة كادت تشعل ما حولها لو أنه قدر لها أن تقع على مادة ~~سريعة الالتهاب، ولو أنه روح على ما أصابت، وكان لأقواله أثر في «كانت»؛ فإنها جعلته ~~ينتبه من سنته وينبذ طريقة التسليم من غير بحث. # 22 # وقد سار مذهب العقليين مع مذهب التجريبيين جنبا إلى جنب، وإن كانت كل فرقة ~~منقسمة على نفسها وهي في حرب عوان مع الأخرى، حتى جاء ms057 «كانت» فحاول أن يوفق بين ~~المذهبين ويزيل الخلاف بينهما بتحديد دائرة لكل من العقل والتجربة، وتقويم كل باعتبار ~~ما يوصل إليه من الحقائق. وقد بحث كل من العقليين والتجريبيين في أصل المعرفة، ولكنهما ~~كليهما وثقا بالعقل البشري، واعتقدا بقدرته على معرفة الأشياء، فلم يتعرض أحد منهما ~~لموضوع «إمكان معرفة الأشياء» # 23 # حتى أتى «كانت» فوجه بحثه نحو المعرفة نفسها، وأثار البحث في إمكان ~~المعرفة ، وأخضع العقل البشري نفسه للبحث، وقد سمي النظام الذي وضعه هذا العالم «بالنظام ~~الانتقادي» تمييزا له عن الطريقة التي كانت متبعة من قبل، والتي لقبها هو «بطريقة ~~التسليم». بحث «كانت» في أصل المعرفة وفي وجودها، في منبعها وحدودها، في أساسها وفي ~~صحتها، وبعد أبحاث «كانت» في منبع المعرفة وشرح شروطها استطاع الإنسان أن يحدد دائرتها ~~ومجالها، وما كان يستطيع ذلك من قبل، وبذلك وجه «كانت» الفلسفة الحديثة وجهة جديدة ظلت ~~متجهة إليها إلى اليوم، وإليه يرجع الفضل في مذهب المثال الألماني الذي وضعه «فخته» ~~و«شلنج» و«هجل». وقد أضاف التقدم الحديث في العلوم الطبيعية إلى تعاليم «كانت» ~~ومذهب المثال الألماني مسائل كثيرة جديدة، وكان هذا المذهب يوجه أكبر اهتمامه للبحث في ~~أعمال العقل، ولكن ما لبث أن التفت الإنسان ثانية - ولا سيما في إنجلترا - للبحث في ~~تاريخ الإنسانية وفي الأشياء الخارجية والعلوم الطبيعية، وأصبح أهم نظريات العصر الجديد ~~نظرية النشوء والارتقاء التي تشغل الآن أنظار أكبر الباحثين. # | هوامش # الفصل العاشر # | فصل في تاريخ الفلسفة الإسلامية # يقول معرب هذا الكتاب: لم يذكر المؤلف كلمة واحدة عن الفلسفة الإسلامية، وبعبارة ~~أخرى «الفلسفة عند العرب»، كأنهم لم يشتغلوا بالفلسفة ولم يعنوا بها! ولعل عذره في ذلك ~~أنه إنما ألف كتابا مختصرا لمبتدئين أوروبيين لا يهمهم كثيرا إلا فلسفة بلادهم، وإذ ~~كنا قد نقلنا كتابه إلى العربية رأينا من تمام الفائدة أن نزيد كلمة إجمالية عن الفلسفة ~~العربية وتاريخها؛ حتى نكون قد أتممنا للقارئ العربي الصورة التي ينبغي أن يرسمها فصل ~~«تاريخ الفلسفة» فنقول: # كانت العرب في جاهليتها أمة أمية ندر ms058 فيهم القارئ والكاتب، ولم يعرف عنهم أنهم بحثوا ~~في علم ودونوه، وهذا طبيعي في الأمم المتبدية، وإنما كانت لهم معارف أرشدتهم إليها ~~التجارب والنظر ونوع المعيشة؛ فمعيشة كثير منهم مثلا في الصحراء؛ حيث السماء صافية، ~~والجو مفتوح، وحاجتهم إلى الأمطار وهبوب الرياح، لفت نظرهم إلى السماء فعرفوا شيئا عن ~~النجوم، وربطوا بها كثيرا من ظواهر الجو؛ يدل على ذلك ما وضعوا من أسماء النجوم ~~والمنازل والأنواء، ولكنهم لم يبحثوا في ذلك بحثا علميا ولا دونوه كما تدون العلوم، ~~ولم يكن لهم بالضرورة فلاسفة يدعون إلى مذاهب معينة، ولا يضعون مبادئ للسير عليها في ~~الحياة كالذي رأيناه عند اليونان؛ ذلك لأن العلم والفلسفة لا يكونان إلا حيث تعظم ~~المدنية، فيسهل تحصيل المعاش وتتوافر أسباب العلم، إنما كان عند العرب حكماء وشعراء ~~قاموا فيهم مقام الفلاسفة في الأمم المتحضرة؛ يفوهون بالحكم وتعد أقوالهم أمثالا تؤثر ~~في نمط الحياة، كالذي حكي عن لقمان الحكيم وأكثم بن صيفي وزهير بن أبي سلمى، وقد أثر ~~في حياتهم وعقولهم ما وصل إليهم من تعاليم الأديان السابقة ولا سيما دين إبراهيم - عليه ~~السلام - واليهودية والنصرانية. فشت اليهودية في حمير وبني كنانة وكندة، وفشت النصرانية ~~في ربيعة وغسان، وكذلك كان له الأثر فيهم ما نقلوه عن الفرس والروم والهند من القصص ~~المشتملة على المواعظ والحكم، وقد كانت التجارة واسطة النقل، وكان العرب يكثرون التردد ~~إلى بلاد هؤلاء للتجارة. # ثم جاء الإسلام 610م فوحد دينهم ولغتهم وأميالهم وقد كانت متعددة، وملك الدين عليهم ~~نفوسهم، فكانت الحياة حياة دينية، وسياسة الحكومة سياسة دينية، والتشريع تشريعا ~~دينيا؛ لذلك كان البحث في عصر الخلفاء الراشدين والدولة الأموية إلى سنة 132ه إنما ~~كان بحثا في الأمور الدينية أو ما يتعلق بها، والسبب في ذلك: ~~(1) # أن المسلمين رأوا ما صارت إليه دولة الإسلام من العز وكثرة الفتوح، وهم ~~يعلمون أن لا سبب لذلك إلا دينهم الجديد، فزادهم ذلك اتجاها نحوه. ~~(2) # أن كثرة الفتوح واتساع المملكة يستدعي حدوث أمور لم تكن في عهد المشروع، ~~وليس ms059 لهم أن يحكموا فيها بمجرد الرأي، بل يعتقدون وجوب الاستعانة بقواعد ~~الدين، ولا يمكنهم ذلك إلا إذا اشتغلوا بالدين. ~~(3) # أن القرآن ملك عليهم نفوسهم من نواحي كثيرة: من ناحية البلاغة، وحسن ~~القصص، ولفت النظر، فدعاهم ذلك إلى الانكباب عليه. # من أجل هذا كله كان مدار البحث في هذا العصر هو الدين، ومن نقل خبرهم من علماء هذا ~~العصر هم علماء دين إلا قوما ترجم لهم صاحب كتاب (عيون الأنباء في طبقات الأطباء)، ~~والظاهر أن هؤلاء كانوا يمارسون الطب على أنه صناعة لا علم، وإلا ما حكاه ابن خلكان ~~في ترجمة خالد بن يزيد - توفي سنة 85ه - من أن له كلاما في الكيمياء والطب ورسائل دالة ~~على معرفته وبراعته، وفي ترجمة جعفر الصادق 80-148 أن له كلاما في صناعة الكيمياء. ~~والكيمياء التي اشتغل بها جعفر - إن سلم أنها علم كان يشتغل به - لا يطعن فيما نقول من ~~أن العلم الشائع لهذا العصر هو علم الدين. # وفي آخر الدولة الأموية كانت لهم أبحاث دينية مما هو من أبحاث علم الكلام أو ما بعد ~~الطبيعة، فبحثوا في حرية الإرادة وأن الإنسان مجبور أو مختار، وفي مرتكب الكبائر أمؤمن ~~أم كافر، وفي خلق القرآن ونحو ذلك، وانحاز المسلمون إلى فرق وتجادلوا وكل يدلي ~~بالحجة، وبحثوا كذلك بحثا سياسيا مصبوغا بالصبغة الدينية فيمن يكون خليفة المسلمين، ~~وما ينبغي أن يستوفيه من الشروط، وكان للخوارج الفضل في إثارة الأذهان للبحث في هذه ~~المسائل السياسية، ولكن شيئا من ذلك لم يدون كأنه علم. # فلما جاءت الدولة العباسية 132-656ه عظمت حضارة المسلمين، وهضموا ما أخذوه بالفتح عن ~~الفرس والروم والهند، ونقلوا علوم الأمم التي سبقتهم في المدنية ولا سيما الهند ~~واليونان، وفي زمن أبي جعفر المنصور والرشيد والمأمون ومن بعدهم - ولا سيما المأمون - ~~توسع الناس - وخاصة السريانيين - في ترجمة علوم اليونان على اختلاف أنواعها: من طب ~~وهندسة وهيئة وتقويم بلدان، وفلسفة بفروعها المختلفة من طبيعيات وإلهيات ومنطق ونفس ~~وسياسة وأخلاق - إلى اللغة العربية، فترجموا في القرن الثاني والثالث ms060 للهجرة كتب ~~أفلاطون وأرسطو وإقليدس وبطليموس وجالينوس وغيرهم، وبحثوا فيها وتداولوها يشرحونها مرة ~~ويختصرونها أخرى، وخصص كثير من المسلمين حياتهم لدراسة الفلسفة وتفهمها؛ فكانوا بعد ~~فلاسفة. # وكان أغلب مؤسسي الفلسفة عند العرب ومؤيديها أطباء وعلماء في الطبيعيات أكثر منهم ~~رجال دين، وعلى العكس من ذلك فلاسفة الغرب في القرون الوسطى، فقد كان أكثرهم قساوسة؛ ~~ولهذا لم يقصر المسلمون نظرهم على الإلهيات، بل كان البحث في الطب القديم والعلوم ~~الطبيعية عندهم يسير جنبا لجنب مع البحث في الإلهيات وما وراء الطبيعة، وترجموا كلام ~~جالينوس في الطب وإقليدس في الهندسة كما ترجموا كلام أرسطو في الإلهيات. # 1 # غير أنه يظهر أن ما ابتكروه من عند أنفسهم قليل إذا قيس بما نقلوه من اليونان، نعم ~~إنهم في بعض فروع العلم كالكيمياء وعلم المعادن والطب وعلم وظائف الأعضاء كان لهم أثر ~~ظاهر، واستكشفوا من القوانين ما لم يصل إليها اليونان قبلهم، ولكنهم في غير ذلك من فروع ~~العلم كالمنطق والنفس والأخلاق كانوا نقلة أكثر منهم مبتكرين، وكانوا في طريقتهم ~~العلمية ونظامهم في البحث، وأنظارهم إلى العالم، وترتيب فلسفتهم وقواعدهم متأثرين ~~تأثرا عظيما بفلسفة أرسطو والأفلاطونية الحديثة. # ولهم الفضل على الغرب بكل ما نقلوا أو ابتكروا، فكثير من كتب اليونان وأبحاثهم ما كان ~~يصل إليها الغربيون لولا حفظ العرب لها ودراستهم إياها، كما أن كثيرا من مبتكراتهم ~~واختراعاتهم تعد - بحق - من أسس المدنية الغربية. # ابتدأ المسلمون لأول عهدهم بالفلسفة يدرسون الفلسفة «الأفلاطونية الحديثة» (وهي مذهب ~~مزيج من الفلسفة والدين، ظهر في أواخر القرن الثاني للميلاد، وكان مقره الأصلي ~~الإسكندرية، حاول مؤسسوه التأليف بين الدين المسيحي والمذاهب الشرقية ومذاهب اليونان ~~ولا سيما أفلاطون، وأطلق عليه «فلسفة أفلاطون الحديثة»، من أشهر دعاته أفلوطين، ولد في ~~مصر سنة 204م، قيل: إنه رحل إلى فارس ودرس الفلسفة الشرقية وعلم في رومة من سنة 244م، ~~ومات نحو سنة 264م، وكانت تعاليمه مزيجا من الفلسفة العلمية والتصوف الديني)، والذي ~~دعا المسلمين إلى اعتناقهم هذا الضرب من الفلسفة أنها كانت فاشية لعهدهم ms061 في الشام، ~~وأنها مصبوغة بالصبغة الدينية، ثم ارتقوا منها إلى النظر في فلسفة أفلاطون وأرسطو، ولكن ~~كانت قد غلبت عليهم فلسفة أفلاطون الحديثة، فلما أن نظروا بعد في فلسفة أفلاطون وأرسطو ~~نظروا إليها بعيون متأثرة بالأفلاطونية الحديثة. # وأول من اشتهر من المسلمين بالفلسفة يعقوب الكندي، ويلقب «بفيلسوف العرب» لأنه عربي ~~صميم تبحر في الفلسفة، وقد كان تابعا للأفلاطونية الحديثة وتعاليم أرسطو أكثر منه ~~فيلسوفا مستقلا، وأكثر ما له من الفضل جاء ما ناحية الترجمة والنقل، وقد ظهر له في ~~عهد المأمون والمعتصم كتب كثيرة بعضها ترجمة، وبعضها تأليف، وصل إلينا من أسمائها نحو ~~256 كتابا عدها صاحب أخبار الحكماء وفهرست ابن النديم، ومات نحو سنة 260ه. # وجاء بعده أبو نصر الفارابي المتوفى سنة 334ه، عاش تحت كنف سيف الدولة بن حمدان، وكان ~~يعرف لغات كثيرة، وبرز في الموسيقى والرياضيات وعلم اللغة والفلسفة، درس فلسفة اليونان ~~ومهر فيها، وقد كان كالكندي تابعا للأفلاطونية الحديثة (وإن لم يعرف هو هذا الاسم) ~~وتعاليم أرسطو، وكان معشوقه من فلاسفة اليونان أرسطو حتى قيل: إنه وجد «كتاب النفس» ~~لأرسطو وعليه بخط الفارابي: «إني قرأت هذا الكتاب مائة مرة!» وقد لقب بالمعلم الثاني - ~~والمعلم الأول هو أرسطو - لحله معميات الفلسفة اليونانية، وكان الفارابي كسائر فلاسفة ~~المسلمين يرون أن الإسلام من قرآن وسنة حق، وأن الفلسفة حق، والحق لا يتعدد، فوجب أن ~~تكون الفلسفة والإسلام متفقين! غير أنه يؤخذ على فلاسفة الإسلام أنهم لم ينظروا إلى ~~الفلسفة اليونانية كما كان ينبغي أن ينظروا إليها؛ من أنها مجموعة أقوال ومذاهب قد ~~يناقض بعضها بعضا، وأن ما يذهب إليه أرسطو في مسألة قد يكون مناقضا لما يذهب إليه ~~أفلاطون فيها، بل نظروا إليها كأنها حقيقة واحدة ملتئمة، وقالوا: إن أفلاطون قد يختلف ~~مع أرسطو في طريقة البحث أو التعبير عن المقصد، ولكن آراءهما في الفلسفة ~~واحدة. # 2 # وصلت إليها تعاليم أفلاطون كما حكاها فورفريوس - وهو من أصحاب مذهب ~~الأفلاطونية الحديثة - وتعاليم أرسطو كما حكاها متأخرو المشائين، ودخل عليهم فيما ms062 نقل ~~إليهم من فلسفة اليونان ولا سيما فلسفة أرسطو خلط وتشويش، يدل على ذلك أنه في زمن ~~المعتصم ترجم أحد نصارى لبنان جزءا من أنيدة # 3 # أفلوطين إلى العربية وسماه «لاهوت أرسطو»! وتلقى المسلمون كل ذلك ~~بالقبول، وعدوا أقوال الفلاسفة المختلفة شرحا لحقيقة واحدة، فبذلوا جهدا عظيما في ~~التوفيق بين أقوال أفلاطون وأرسطو، وزاد عليهما المتدينون «القرآن»، وهذا ما فعل ~~الفارابي؛ فقد كان مؤمنا بأقوال أرسطو وأفلاطون منزها للقرآن عن الخطأ، فمزج اللوح ~~والقلم والكرسي والعرش والملائكة والسموات السبع بتعاليم اليونانيين الوثنيين مع ما بين ~~أجزائها من التناقض، ومحاولة ذلك تستدعي ذكاء نادرا وتصوفا و«كشفا» وغموضا ~~وسبحا في الخيال. # وبحث الفارابي كذلك في السياسة في كتابه (آراء أهل المدينة الفاضلة)، واختار من أشكال ~~الحكومة الملكية الدينية، ومزج في هذا الكتاب بين آراء أفلاطون في «الجمهورية» وبين ~~أقوال الشيعة في الإمام المعصوم؛ إذ كان سيف الدولة بن حمدان مقرب الفارابي وحاميه ~~شيعيا. # 4 # وممن لهم أثر كبير في الفلسفة الإسلامية جمعية شبه سرية تسمى «إخوان الصفا» اجتمعت في ~~البصرة نحو منتصف القرن الرابع للهجرة، ودعاهم إلى جعلها سرية كره عامة الناس وعامة ~~المتدينين للفلسفة ومن اشتغل بها، ومحاولتهم إيقاع الأذى بالفلاسفة، وقد عد القفطي في ~~أخبار الحكماء أسماء خمسة من أعضائها، وكان قصدهم نشر المعارف بين المتعلمين في جميع ~~الأقطار الإسلامية، وتغيير أفكارهم الدينية والعلمية، قالوا: «إن الشريعة قد دنست ~~بالجهالات، واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة؛ لأنها حاوية ~~للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية»، «وزعموا أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية ~~والشريعة العربية فقد حصل الكمال.» # 5 # فألفوا إحدى وخمسين رسالة ضمنوها خلاصة أنواع العلوم المعروفة لعهدهم، فهي ~~«دائرة معارف» تشتمل على معارف العرب إذ ذاك باختصار، قالوا في أول هذه الرسائل: «إن ~~الحكماء والفلاسفة الذين كانوا قبل الإسلام تكلموا في علم النفس، ولكنهم لما طولوا ~~الخطب فيها، ونقلها من لغة إلى لغة من لم يكن قد فهم معانيها؛ حرفها وغيرها حتى ~~انغلق على الناظر فيها فهم معانيها، ونحن قد ms063 أخذنا لب معانيها، وأقصى أغراضهم فيها، ~~وأوردناها بأوجز ما يمكن من الألفاظ وبالاختصار في إحدى وخمسين رسالة.» ا.ه. # وكانت تعاليمهم فيها كذلك مزيجا من أبحاث «الأفلاطونية الحديثة» والتصوف وما قاله ~~أرسطو في العلوم الطبيعية وما قاله الفيثاغوريون في العدد «الرياضة»، وقد كان لها أثر ~~كبير في العقول بانتشارها بين الناس، ولكن فيها من الخلط والتشويش ما ذكر قبل، وقد ظن ~~بعض الباحثين أن هذه الجمعية جمعية باطنية «إسماعيلية» لما بين ما يجيء فيها أحيانا ~~وبين تعاليم الباطنية من التطابق، وقد عثر المغول عند فتحهم قلعة «ألموت» - وكانت في يد ~~الإسماعيلية - على كثير من نسخ الكتاب. # 6 # وكان لأبي علي بن سينا البخاري 370-428ه شهرة فائقة في الفلسفة، وفلسفته تقرب من ~~الفلسفة الأرسطاطاليسية الصرفة، وربما كانت أقرب فلسفات المسلمين إليها، وكتابه ~~(القانون) كان العمدة في الطب في القرون الوسطى عند الشرقيين والغربيين معا، # 7 # وله فضل كبير في نشر الفلسفة بين الناس بمؤلفاته العديدة ولا سيما الإلهيات ~~والمنطق، هذا إلى كثير من أمثال هؤلاء الفلاسفة؛ كالبيروني، وابن مسكويه، وابن الهيثم. # وقد كان انتشار الفلسفة بين المسلمين في القرن الثالث والرابع والخامس للهجرة سببا ~~في حركة جديدة قام بها المتكلمون - علماء الكلام - يريدون بها مقاومة تعاليم أرسطو ~~وأفلاطون والأفلاطونية الحديثة المتعلقة بالإلهيات، أو الرد عليها ودحضها، فنشأ من ذلك ~~أبحاث كلامية كثيرة، فبحثوا في العلة والمعلول والزمان والمكان والحركة والسكون، ~~والجوهر الفرد والدور والتسلل ونحوها، ولم تكن ردودهم موجهة إلى الفلاسفة فحسب، بل إلى ~~كل من خالف سنتهم من معتزلة وزنادقة وفلاسفة وظاهرية وحنابلة، ومن أعلام هذه الطريقة: ~~أبو الحسن الأشعري، وإمام الحرمين، والباقلاني، ولكن أحدا منهم لم يخص الفلسفة بالطعن ~~ولا رد عليها من جميع جهاتها حتى جاء الغزالي 450-505ه، فدرس الفلسفة اليونانية درسا ~~دقيقا - كما حدث هو نفسه - ثم حمل عليها حملة شديدة من جميع جهاتها، وألف في ذلك ~~كتابه المشهور (تهافت الفلاسفة)، وكفر الفلاسفة لبعض تعاليمهم، وأظهر منافاة الفلسفة ~~لتعاليم الدين، ودعا الناس إلى الرجوع إلى دينهم الصحيح الخالي ms064 من الفلسفة، ورغب في ~~التصوف، وأبان أنه الطريق الحق إلى الله، وكان بليغا في قوله، مخلصا في حديثه، سهل ~~العبارة، قوي الحجة، فأثر ذلك في المسلمين أثرا كبيرا، وكان من آثاره أن حول الناس عن ~~الاشتغال بالفلسفة، ورجعهم إلى الكتاب والسنة، وأعلى شأن التصوف والصوفية وحبب ذلك إلى ~~الناس، وسار على طريقة الغزالي كثيرون من بعده. # هذا مجمل حال الفلسفة في الشرق، أما في المغرب - أعني في الأندلس وشمالي إفريقية - ~~فقد أزهرت الفلسفة حينا أكثر من إزهارها في الشرق، وكان فلاسفة الأندلس والمغرب أكثر ~~ابتكارا من فلاسفة المشرق، وكان يندر بين مسلمي الأندلس الخلاف في العقائد والمذاهب ~~كالذي كان عند المشارقة، فكلهم - إلا القليل - مالكي سني، أخذوا الفلسفة عن أهل ~~المشرق؛ فقد كان منهم رحل إليه، رحلوا عن طريق القاهرة وأمعنوا في الرحلة حتى إلى ~~فارس وانتفعوا بعلومهم، وجاء الحكم الثاني 350-366ه فبعث في شراء الكتب إلى الأقطار ~~رجالا من التجار، فجمعوا إليه كتبا جمة، فاشتغل الأندلسيون بالرياضة والعلوم ~~الطبيعية والتنجيم والطب بعد أن نقلت إليهم كتب الفارابي ورسائل إخوان الصفا وطب ابن ~~سينا. وقد تعاون المسلمون واليهود معا على الاشتغال بالفلسفة في الأندلس، ولم يلبث أن ~~نبغ منهم كثيرون، مع مقاومة العامة وأشياعهم مقاومة أشد من مقاومة المشارقة. # ومن أشهرهم: ~~(1) # ابن باجة، وقد اتبع تعاليم الفارابي. ~~(2) # وأبو بكر بن طفيل، مات سنة 531ه، وصل إلينا من تآليفه رواية (حي بن ~~يقظان)، وكان بطلها «حي» يعيش في جزيرة لا يسكنها أحد من الناس، وليس له ~~علاقة بأحد من أهل الجزائر الأخرى، بحث بعقله بحثا منطقيا متدرجا من ~~البسيط إلى المركب حتى وصل إلى الاعتقاد بالله، وغرضه فيها أن يبين أن ~~الشرع يتفق مع العقل. وقد ترجمت إلى اللاتينية وظهرت سنة 1671م وسنة 1700، ~~ولم يمض على ظهورها عشرون سنة حتى ظهرت رواية روبنصن كروسو. # 8 ~~(3) # ابن رشد، وهو أشهر فلاسفة الأندلس على الإطلاق 520-595ه، كان يعد أرسطو ~~أكبر الفلاسفة، وقد شرح تعاليمه حسبما وصلت إليه، ودافع عن الفلسفة وألف ~~كتابه (تهافت ms065 التهافت) ردا على الغزالي في طعنه على الفلسفة، وأبان في ~~كتب أخرى أن الفلسفة لا تناقض الدين، وألف في ذلك كتابا صغيرا سماه (فصل ~~المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال)، وأكثر مؤلفاته لا توجد ~~بالعربية، وإنما موجود ترجمتها، من ذلك شرح أقوال أرسطو مع الرد على ~~الغزالي، رتبت وطبعت باللاتينية في البندقية سنة 1560م، في أحد عشر مجلدا، ~~وترجم له كتاب في الطب طبع كذلك في البندقية، وله كثير من المؤلفات مترجم ~~إلى اللغة العبرانية، وكان لفلسفته شهرة في الكنائس والمدارس الأوروبية منذ ~~القرن الثالث عشر الميلادي - السابع الهجري. # وبانتهاء القرن السادس الهجري تقريبا وقف المسلمون عن البحث الفلسفي والنظر في ~~العلوم الكونية، ولم يكن العلم إلا نقلا، فالمؤلف ينقل عمن قبله فحسب، حتى لا تكاد ~~تجد في كتاب جملة ذات معنى جديد، والمعلم إنما يعلم ما سمع من أساتذته، والاختلاف ~~الذي يظهر بينهم إنما هو اختلاف في الشكل لا في الجوهر - وليس ثمة مجال للبحث في أسباب ~~ذلك - ولم ينبغ منهم نابغ مبتكر ذو شخصية ظاهرة إلا ابن خلدون المتوفى سنة 808ه؛ فإنه ~~بإجماع الشرقيين وكثير من الغربيين مخترع فلسفة التاريخ أو علم الاجتماع، وأكبر ~~الباحثين فيه في الشرق والغرب إلى القرن التاسع عشر الميلادي، فبحث في «أحوال العمران»؛ ~~في الملك والكسب والعلوم والصنائع بوجوه برهانية، وكما قال هو في مقدمة كتابه: «إن ~~كثيرا قبله حوموا على الغرض ولم يصادفوه ولا تحققوا قصده ولا استوفوا مسائله.» ~~وأمل ممن يأتي بعده أن يستمروا في البحث ويضعوا ما فاته من المسائل، وقد تحققت أغراض ~~ابن خلدون، ولكن لم يكن الذي حققها هم المسلمون، بل أوجست كومت وسبنسر وأمثالهما، «وكما ~~كان ابن خلدون في هذا الموضوع هو السابق، فلم يكن له بين المسلمين لاحق.» # 9 # وأما من عداه فداروا في دائرة ضيقة كانت عنايتهم بالمسائل اللفظية تفوق العقلية، ~~قصروا نظرهم على كتب للمتأخرين محدودة لا تبعث شوقا إلى علم، ولا تهيج العقل إلى بحث، ~~قد ألغزوا في معانيها وركزوا ألفاظها، فوجه ms066 المتعلمون أعظم جهدهم إلى حل معمياتها ~~وتفسير أغراضها، وقليلا من الجهد - إن كان - إلى نفس الموضوع. # وكان العلم والفلسفة قد صار شوطا بعيدا في الغرب، والشرق جامد في مكانه، وبدأ الشرق ~~يغالب النوم والنوم يغلبه، ويصارع الكسل والكسل يصرعه، حتى أزعجته الحوادث، وأقلقت ~~راحته ضوضاء احتكاك الشرق بالغرب، فانتبه متأخرا وأحس بتأخره ونقصان علمه وضرورة ~~التعلم حتى يستطيع مشاركة غيره في شئون الحياة، وما أحوجه اليوم إلى هداة يضيئون له ~~السبيل، ويأخذون بيده في هذا المعترك اللجب، وينقلون إليه زبدة ما وصل إليه الغرب فيمعن ~~النظر فيها ويهضمها بعقله الشرقي، ويكون له مدنية وعلما تتفق مع ذوقه وجوه ودينه، ~~والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. # | هوامش # الكتاب الثاني # | مسائل الفلسفة ومذاهبها # الفصل الأول # | مقدمة المؤلف # إن الموضوعات التي تبحث فيها الفلسفة والمسائل التي تحاول حلها لعديدة؛ فكل ما هو ~~علمي محض أو يترتب عليه فائدة عملية للإنسان داخل في نطاقها، ونحن نرتب تلك الموضوعات ~~والمسائل على حسب الإجابة عن ثلاثة أسئلة كبرى: ما، وكيف، ولماذا؟ # ما حقيقة الموجود؟ وكيف وجد؟ تلك معميات نيط بحلها «علم ما بعد الطبيعة»، ماذا ~~نعرف عن الأشياء الموجودة؟ وكيف نعرف؟ أسئلة تشتغل بالبحث عنها فلسفة المعرفة، ماذا ~~ينبغي أن نعمل؟ ولم نعمل في طريق خاص دون غيره؟ أسئلة يجيب عنها علم الأخلاق، وعند ~~الإجابة عن هذه الموضوعات كلها نشأت مذاهب ونظم فلسفية متنوعة، فكل إنسان وكل فيلسوف ~~أجاب عنها حسب رأيه وأخلاقه - وربما زدنا - وحسب الظروف المحيطة به، وحسب تربيته وروح ~~العصر الذي هو فيه. وقد لاحظ «فخته» ملاحظة صحيحة أن نوع الفلسفة الذي يختاره الإنسان ~~مرتبط ارتباطا كبيرا بطبيعة الإنسان نفسه، ويجب أن يزاد على ذلك أنه مرتبط كذلك بروح ~~العصر. # وليس للفلاسفة من الزمن ما يكفي للبحث في كل المسائل، فالحياة قصيرة، والعقل البشري ~~محدود ومحصور مهما كان متوقد الذكاء واسع النظر، ولهذا شغل كل طائفة من الفلاسفة بالبحث ~~في طائفة من المسائل، فتنوعت النظم الفلسفية، ولم يكن التنوع مقصورا على أن ms067 كل جماعة ~~خصصوا أنفسهم لدراسة نوع خاص من المسائل فحسب، بل هم قد يختلفون في المسألة الواحدة ~~وتتنوع إجابتهم عليها، ويمكننا مما تقدم أن نقسم المسائل الفلسفية إلى ثلاثة أقسام: ~~(1) # مسائل ما بعد الطبيعة أو علم الوجود. ~~(2) # المسائل الأخلاقية. ~~(3) # المسائل المتعلقة بنظرية المعرفة. # الفصل الثاني # | مسائل ما بعد الطبيعة # على هرم في هيكل «إيزيس» # Isis # بصا الحجر # Lais # 1 # نقش قديم يتضمن الكلمات الآتية: # أنا كل شيء كان، وكل شيء كائن، وكل شيء سيكون، ومحال على من يفنى أن يزيل ~~النقاب الذي تنقب به من لا يفنى. # أما العلم الحديث فيعتقد أنه كشف هذا الحجاب، وأن «القوة» و«المادة» هما كل شيء كان ~~وسيكون! وليس هذا موضع البحث فيما إذا كان ما يزعمه العلم حقا أو باطلا، وإنما الذي ~~نريد أن نقوله: إن العقل البشري بذل جهده في رفع النقاب، وحاول معرفة هذا السر المحتجب ~~بحمية وغيرة، ولكن لا نتعرض للحكم بنجاحه أو خيبته. # طالع العقل البشري لغز هذا العالم من وجوه عديدة وشرحه، وكان السؤال الأول من بين ~~الأسئلة الثلاثة التي لا ينفك يحاول الإجابة عنها - وأعني بها: ~~(1) # ما حقيقة الموجود الذي هو من اختصاص ما بعد الطبيعة؟ ~~(2) # وما حقيقة المعرفة؟ ~~(3) # وماذا ينبغي للإنسان أن يعمل؟ - هو أهم ما هيج في الإنسان الميل إلى حب ~~الاستطلاع، واختلف الفلاسفة في الإجابة عنه في العصور المختلفة، ونشأ عن ~~ذلك مذاهب فيما بعد الطبيعة. # ولو أنا سألنا إنسانا عاديا عمليا: «ما الموجود؟» أجابك من غير تردد بقوله: كل ~~شيء حولي موجود، وكثيرة هي الأشياء، فكل ما أرى وأسمع، وكل ما أمسك وألمس، والسماء ~~والأرض، والأشجار والأنهار، والشمس والنجوم، والطير والهواء، والسمك في الماء، والوحوش ~~في الغابات، وعلى الجملة كل ما أرى وأمسك وألمس كائن موجود، ولكن يرى الإنسان بين هذه ~~الموجودات فروقا واختلافا؛ «فمنهم من يمشي على بطنه، ومنهم من يمشي على رجلين، ومنهم ~~من يمشي على أربع.» طائر وغير طائر، متحرك وغير متحرك، والمتحرك حي، وغيره فاقد الحياة، ~~والحي إذا لمسه الموت ms068 فقد الحركة. # أنى لنا هذه الأعضاء وتلك القوة العاصفة التي فينا، ودم الحياة وما يبعث من شهوات، ~~ثم بعد قليل يصير ذلك كله ترابا، ويذهب التراب هباء كأن لم يغن بالأمس؟ هنا يتساءل ~~عن علة هذا التغير وتلك التقلبات. # وقد وضع الشاعر «بيرون» الأبيات الآتية على لسان قابيل وقد رأى أخاه «هابيل» ميتا ~~ولم يكن رأى الموت قط: # أخي ما دهاك وكنت صباحا # قوي الفؤاد قوي البدن؟! # على العشب ملقى فماذا عراك؟ # أنوم وما الوقت وقت الوسن؟! # سكنت وأمسك منك اللسان # وهل مات حي إذا ما سكن؟ # ألا ما هلكت ، وإن كان في # شحوبك معنى يهيج الحزن # وصل العقل البشري إلى نتيجة وهي أن هناك شيئا لا يدركه النظر، ندركه بعقولنا ولا ~~ندركه بعيوننا، ليس بمادة ولكن يسكن الأجسام الحية، وذلك هو الروح أو النفس، وهي التي ~~تمنح ما تحل فيه حركة وحياة، فإذا انسلت منه فلا حياة ولا حركة. وترى الأمم مجمعة على ~~الاعتقاد بالروح حتى إن علم اللغة أثبت أنه لم تخل لغة من لفظ يدل عليها؛ فالإنسان من ~~مبدأ أمره يميز بين المادة والروح حتى من قبل أن يتفلسف، فالمادة تفنى والروح تبقى، قال ~~بيرون: # وهيهات لا تفنى جميعا وإنما # لديك من الأسرار باق مخلد # ولما يقنع الفيلسوف بهذه الأقوال المبهمة الساذجة حاول أن يضع مبدأ أساسيا يحيط بكل ~~موجود، وعنه يصدر كل شيء، قال قائلون: «لا شيء غير الروح، وليست المادة إلا ظاهرة من ~~ظواهرها.» ويسمى هؤلاء بالروحانيين، وقال آخرون: «لا شيء غير المادة، وليست الحياة ~~والحركة إلا وظيفة من وظائف المادة أو صفة من صفاتها، حتى إذا عرا المادة الانحلال ~~فلا حياة.» ويسمى هؤلاء بالماديين، وذهبت طائفة ثالثة إلى أن هناك أساسين متحدين امتزج ~~بعضهما ببعض؛ وهما: المادة والروح، ويسمى هذا المذهب «بالاثنينية» تمييزا له عن ~~القولين الأولين الذاهبين إلى أن هناك أساسا واحدا؛ إما المادة أو الروح، ويسمى مذهب ~~هؤلاء «بالواحدية». ~~(1) المادية والروحانية # في إحدى حجر الفاتيكان صورة شهيرة في حائط صورها «روفائيل» تسمى ms069 مدرسة أثينا، ~~مركز هذه الصورة أرسطو وأفلاطون يحيط بهما أتباعهما وتلاميذهما، وفيها يشير أفلاطون ~~بإصبعه إلى السماء، وأرسطو يصغي إلى قوله في فتور مشيرا بيده اليمنى إلى الأرض. ~~هذه الصورة تمثل تاريخ المذاهب في أثينا، بل وتمثل تاريخ الفكر الإنساني والنظريات ~~الفلسفية في كل العصور، تمثل المادية والروحانية اللتين ثارت الحرب بينهما من ذلك ~~العهد إلى الآن، فالروحانية تشير إلى السماء، والمادية إلى الأرض. # المادية # تطلق «المادية» على المذهب القائل بأن الظواهر المتعددة للأشياء ترجع إلى أساس ~~واحد (هو المادة)، ويرى أن العالم مجموعة مكونة من شيء واحد، ويذهب إلى أن المادة ~~أساس كل شيء، وينكر وجود روح قائمة بنفسها قد تتصل بالمادة وقد تنفصل عنها «كالحصان ~~يربط في العجلة ويحل منها»، قال موليشت: «مضى الزمن الذي كان يقال فيه بوجود روح ~~مستقلة عن المادة.» # فالماديون يرون أن لا شيء غير المادة، مخالفين في ذلك الروحانيين، كما أنهم ~~يخالفون الاثنينيين القائلين بأن الظواهر لا ترجع إلى شيء واحد، بل إلى أصلين: ~~المادة، والروح أو العقل، ويرى هؤلاء الماديون أن ما نسميه العقل ليس إلا شكلا من ~~أشكال المادة الدائمة التغير والتنوع، وليست المادة كتلة عديمة الحياة لا حراك بها، ~~تأتي إليها الروح وهي منفصلة عنها فتنفخ فيها وتنتج حياة، وإنما القوة ملازمة ~~للمادة ومظهر من مظاهر المادة المتنوعة، والحياة والفكر ليستا إلا صفتين غريزيتين ~~للمادة ونتيجة لامتزاج جزئيات المادة مزجا معقدا. # وليس القول بوجود قوة وروح وإله منفصل عن المادة يسبح فوقها يدفعها ويسخرها إلا ~~قولا خاملا هراء في نظر المادي العنصري «موليشت»، ومن السخف عنده القول بوجود روح ~~مجردة وقوة خالقة مغايرة للمادة. # نكرر القول - على مذهبهم - بأن كل الظواهر النفسية ليست إلا وظيفة لأحد أعضائنا - ~~وهو المخ - فالأفكار والإرادات والعواطف تتوقف على قوة المخ وعمله وحجمه وتركيبه، ~~وعلم النفس إنما هو فرع من علم وظائف الأعضاء يبحث في المخ، وليس الفكر إلا حركة ~~للمادة ينعدم بانعدامها، وأعمال العقل مظهر خاص لقوة حية نشأ عن تركب المخ تركبا ~~خاصا، ms070 والإنسان يفكر بواسطة المخ كما يهضم بواسطة المعدة، وليس القول بوجود نفس ~~منفصلة عن الجسم مستقلة عن المادة إلا لغوا اختلقه فلاسفة علم النفس ليس له قيمة ~~علمية، وعلى الإجمال فكل شيء إما مادة أو مظهر من مظاهر المادة، والمادة لا تحد ~~ولا تفنى، وقوانينها أبدية لا تتغير، وهذه المادة لم يخلقها الله ولا الإنسان، بل ~~هي قديمة أزلية أبدية لا تتغير ولا تفنى، وليس في هذا العالم شيء يعتريه الفناء ولا ~~ذرة واحدة، وإنما تتغير الأشكال: # خفف الوطء ما أظن أديم ال # أرض إلا من هذه الأجساد # وقبيح بنا وإن قدم العه # د هوان الآباء والأجداد # قال شكسبير: # يعتري قيصر العظيم حمام # وتحيل الوجود أيدي الفناء # فإذا قيصر المعظم طين # سد في ثلمة ممر الهواء # وقد ذهب الأستاذ «كارل فخت» إلى أبعد من هذا في تعريفه للفكر فقال: إن المخ يفرز ~~الفكر بعين الطريقة التي يفرز بها الكبد الصفراء والكلية البول. # والنفس والحياة والفكر والوجدان كلها ثمرة المادة، وكلها كائنة في كل ذرة من ~~المادة، وإنما تظهر إذا تركبت الذرات، وكلما كانت مادة العضو أكثر تركبا كانت ~~وظائفه أكثر تعقدا، والمخ من أعجب الأعضاء وأدقها وأجملها تركبا، ووظيفته الفكر، ~~فليست المادة كتلة صلبة جامدة خالية من الحركة الذاتية عقيمة لا تنتج مظاهر الحياة ~~والعقل والشعور إلا بمعونة قوة أخرى، وليست المادة دائما محسوسة منظورة، وإنما ~~المادة تحتوي ملايين لا تحصى من الجزيئات على حالة عادية غير منتظمة ولا منظورة، ~~وبتحرك هذه الجزيئات حركات متناسقة تتخذ المادة أشكالا متنوعة، وينشأ عنها ظواهر ~~متعددة من خشونة ونعومة ولون وحركة وامتداد وحجم إلى ما عدا ذلك مما ليس إلا نتيجة ~~عمل المادة، والحياة والفكر مظهران كذلك من تلك المظاهر، ولسنا ندعي أنهما أنفسهما ~~مادة، وإنما هما كما قال «بخنر» في كتابه (القول الفصل في المادية): «ليسا مادة ~~وإنما هما ما فعلت المادة.» # وهذه المادة المركبة من ذرات وقتية ليست موزعة على الفضاء بنسبة واحدة، بل هي ~~مجتمعة في بعض المواضع دون الأخرى ms071 كتلا كتلا من سديم وسحاب وشموس ونجوم وأجرام ~~أخرى سماوية، وكما تختلف المادة من حيث توزعها على الفضاء، كذلك تختلف من حيث ~~الحركة وتركب الجزيئات، فبعض أجزاء المادة في منتهى النشاط وسرعة الحركة، وبعضها ~~بطيء خامد، وقد تقلبت المادة في أطوار متعددة جارية على سنن النشوء والارتقاء حتى ~~تشكلت بشكل أرضنا؛ ذلك الشكل المكثف الجامد المستقل، وكذلك مر الإنسان في أدوار ~~النشوء حتى وصل مخه - وهو عضو التفكير - إلى درجة عالية من الرقي، وعند ذلك نشأت ~~المدنية الحديثة. # أما الموت فقد رأى فيه بخنر ما يأتي، قال: «ذهب كثير من الفلاسفة إلى أن الموت هو ~~السبب الأساسي الذي حمل على الفلسفة، وإذا صح هذا كانت الفلسفة التجريبية (القائلة ~~بأن التجربة أساس العلم بالأشياء) في عهدنا هذا قد حلت أكبر لغز في الفلسفة؛ فقد ~~أبانت منطقيا وتجريبا أن لا موت، وأن الموت - وهو أكبر سر غامض - ليس إلا تغيرا ~~مطردا من حال إلى حال، وأن كل شيء في هذا العالم لا يفنى ولا يزول، من أصغر دويبة ~~إلى أكبر جرم سماوي، من حبة رمل أو قطرة ماء إلى أعظم موجود في الخليقة؛ أعني ~~الإنسان وأفكاره. نعم، يتغير شكل الموجود، أما الموجود نفسه فدائم لا يلحقه الفناء، ~~فإذا نحن متنا فليس معنى ذلك أننا فقدنا، وإنما فقدنا شعورنا الشخصي أو شكلنا ~~العارض الذي لبسته حقيقتنا الأبدية وقتا قصيرا، وسنبقى أبدا في العالم وفي جنسنا ~~وفي ذريتنا وأعمالنا وأفكارنا، وعلى الجملة فسنبقى فيما قدمناه من عمل - مادي أو ~~نفسي - وما خلفناه من أثر لبني جنسنا أو للعالم أجمع في الأيام القصيرة التي عاشتها ~~أشخاصنا.» والمادية مع كونها من المذاهب الواحدية إلا أنها بالضرورة مذهب إلحادي؛ ~~لأنه ينكر وجود شيء غير المادة، فلا يعترف بآلهة ولا بأرواح ولا بملائكة ولا ~~بشياطين، قال أحد الكتاب الماديين: «إن الطبيعة تقوم بشئونها ولا شيء فوق ~~الطبيعة، وليست الحوادث التي يسميها بعضهم خوارق للعادة ووراء الطبيعة إلا هراء من ~~القول، وخطأ في الملاحظة منشؤه اختلاط في العقل وإضلال ms072 رجال الدين.» # وليس مثل هذه الرسالة المؤلفة للجمهور يسمح لنا بذكر تفاصيل عن مذهب المادة، ~~ولكنا سنذكر لها تاريخا إجماليا يبين أصلها وما وصلت إليه من رقي، قال «لنج» في ~~كتابه (تاريخ المادية): إنها قديمة قدم الفلسفة وليست أقدم منها، فقديما حاول ~~الناس أن يدركوا العالم كأنه شيء واحد، وأن يدركوا خطأ الحواس الشائع ويتغلبوا ~~عليه، وترجع المادية لأول عهد الناس بالفكر والنظر، فتراها في البوذية عند قدماء ~~الهنود، وفي النظم الدينية عند الصينيين، وعند أعظم الأمم القديمة مدنية - أعني ~~المصريين - ونجدها في شكل منظم عند اليونان الأولين؛ فقد كان فلاسفتهم الأقدمون ~~ماديين، بحثوا في أصل المادة التي منها تتكون الأشياء، وقد رقى مذهب المادية علماء ~~الجوهر الفرد؛ أعني ليوسيبس وصاحبه ديقريطس 420ق.م الذي يعد رأس الماديين، وقد ~~وضع ديمقريطس هذا - وهو أحد علماء الطبيعة الأيونيين - نظرية الجوهر الفرد، فقرر أن ~~المادة تتركب من جزيئات صغيرة لا نهاية لها «جواهر فردة» تتجمع وتتفرق فتتكون منها ~~الأجسام، وتلك الجزيئات قد منحت الحركة ولم تستمد حركتها من أية قوة أخرى أو أصل ~~آخر، وإنما ذلك من طبيعتها. # وجاء بعده أبيقور 340ق.م، فرقى نظرية ديمقريطس وقرر أن المادة قوام العالم، وأن ~~النفس والفكر والعقل والشعور أعراض للمادة، وربما عد من أتباع أبيقور: ليوكريتوس ~~كاروس 99ق.م المؤلف الروماني الشهير والفيلسوف الشاعر، وقد أوضح آراءه في كتاب له ~~منظوم لقبه (طبيعة الأشياء)، وهذا الشعور المشهور - كما قال «لنج» - هو الذي جعل ~~لعقيدة أبيقور قوة في العصور الحديثة. # وفي القرون الوسطى كان للمعتقدات الدينية والتصديق الأعمى الغلبة والسلطة على ~~عقل الإنسان، فخضعت المادية للنصرانية الاثنينية؛ أعني القائلة بالروح والمادة، ولم ~~يخل ذلك العصر من أصوات ضعيفة قالت بالمادية، مثل: جسندي الفرنسي، وجيوردانو ~~برونو الإيطالي، ولكن لم تلبث أصواتهم أن أخمدت، وأحرق الأخير برومية في 17 فبراير ~~سنة 1600م. أما في العصور الحديثة فقد انتعشت المادية في إنجلترا بفضل توماس هوبز ~~1588-1679، وقد ذهب إلى أن كل مظاهر العالم الحقيقية نتيجة الحركة، وأن ليس هناك ~~أرواح غير ms073 مجسدة، وفسر الروح بأنها أجسام طبيعية رقيت حتى لم تستطع حواسنا إدراكها. # وقد انتقل مذهب المادية من إنجلترا إلى فرنسا، فظهر لامتريه 1709-1751 وبارون ~~هلبك فأوضحا مذهب المادية، وجاء كاباني أيام الثورة الفرنسية 1757-1808 فأيد مبادئ ~~الماديين. # وفي ألمانيا كان سيل مذهب المثال الذي وضع نظامه (فخته وشلنج وهجل) طاغيا على ~~المادية، ولكن انتعاش العلوم الطبيعية جدد للمادية حياتها، وجاء مولشت فبحث في روح ~~العلوم الوضعية - اليقينية - حتى صار في القرن الماضي ناشر مذهب مادي قوي جديد، ~~وقرر في أحد كتبه مبدأ «أن لا قوة بلا مادة ولا مادة بلا قوة»، وتبعه «كارل فجت» ~~الطبيعي الشهير، فأظهر في كتاب له # 2 # ميله إلى المادية، وجاء «لدويج بخنر» فتأثر بتعاليم مولشت حتى صار ~~اللسان القوي المبين لمذهب الماديين العصريين، ولقب كتابه (القوة والمادة) ~~بالكتاب المقدس للمادية. # الروحانية # على العكس من مذهب المادية - القائل بأن المادة أصل كل الأشياء من حياة وفكر ~~وشعور ومظاهر عقلية - مذهب الروحانية، وقد أخطأ بعض الناس فهم «الروحانية» فلقبوها ~~«مذهب المثال» # Idealism ~~، مع أن مذهب المثال هذا ~~إنما يقابله «مذهب الواقع» لا «مذهب الماديين» كما ستعلم ذلك عند الكلام على «نظرية ~~المعرفة». وقد نشأ من عدم تحديد معاني الكلمات أن بعض الناس فهموا خطأ كذلك أن ~~المادية تدعو إلى الأنانية (الأثرة) والأميال السافلة حتى استعملوا كلمة ~~«الماديين» للذم والتعيير؛ لهذا كان من المستحسن أن نميز بين المادية والروحانية ~~تمييزا صحيحا، فمذهب المادية يرى أن أساس كل الأشياء هو المادة، وهي في أول أمرها ~~تكون مادة لا حراك بها ولا شعور لها، ثم ترتقي حتى تصل إلى مادة حية شاعرة، وتصدر ~~عنها الأعمال النفسية في أرقى مظاهرها، وأما مذهب الروحانية فيرى أن أساس هذا ~~الوجود الذي يعمل وراء هذه المظاهر إنما هي الروح التي لا مادة لها. # ولسنا نحاول هنا شرح المذاهب المختلفة للروحانية، وإنما يكفينا أن نقول: إن هذا ~~المذهب يرى أن «الفكر» وإن كان له ارتباط بالمخ ليس نتيجة المخ، وبعبارة فلسفية ~~نقول: إن العلاقة بين ms074 المخ والفكر ليست علاقة علة بمعلول. نعم، إن المخ آلة لا بد ~~منها للتفكير، ولكنها ليست نتيجة للتفكير؛ إذ ليس يمكن أن يكون فكر الإنسان الذي ~~يشعر بشخصيته وبحرية إرادته نتيجة لمادة جامدة لا تحس ولا تشعر مهما كانت حالتها من ~~رقي تركيبها وحسن نظامها. # المادة لا يمكن أن تفكر ولا أن تشعر؛ لأن ما يفكر فيه أو يشعر به (وهو المادة) لا ~~يمكن أن يكون هو بعينه المفكر الشاعر في الوقت نفسه، وفي ذلك يقول شاعر فرنسي ما ~~معناه: «لا أظن أن الفكر وهو ذلك الشعاع الساطع ينبعث من مادة كثيفة مظلمة.» # فماهية الأشياء على هذا المذهب ليست قوة مادية، بل روحا تشعر بنفسها وتحس ~~بشخصيتها؛ ذلك لأنه ليس في استطاعتنا أن ندرك حقائق الأشياء بحواسنا، بل بعقلنا ~~المجرد، فكان لا بد إذن أن تكون حقيقة الأشياء المدركة بالعقل المجرد شيئا روحيا ~~مجردا. # وقد ظهر المذهب الروحاني بعد المذهب المادي، فالعقل البشري الشغوف بالغيب ~~وبالأسرار وبما لا تعرف له علة، وبعبارة أخرى بكل ما لا يصل إليه علمنا، لا يقنع ~~طويلا بمذهب المادية الذي يجرد الحياة من الأسرار، وهذا هو السر في أن الإنسان من ~~حين لآخر يعدل عن العلم إلى الدين، بعدما عدل عن الدين إلى العلم. # وقد كانت المادية والروحانية في جميع أدوار تاريخ الفكر الإنساني - ولا تزالان ~~إلى اليوم - في حرب عوان، كل يطلب الغلبة والسيادة في عالم الفلسفة؛ فقد أوضح ~~أفلاطون نظرية الروحانية وقرر أن «المثل» لها وجود حقيقي، وأنها هي النماذج التي ~~تحتذيها الظواهر، وفي العصور الحديثة جاء «رينه ديكارت» فأحيا عقيدة الروحانية، ثم ~~جاء ليبنتز 1646-1716 وإليه يرجع الفضل في ضبطها وإحكامها، ومذهبه أن أساس ~~الموجودات شيء وهو الروح، وهي تنقسم إلى نقط روحية لا عداد لها، وكل نقطة من هذه ~~النقط تسمى «الذرة الروحية»، # 3 # وهذه الذرة يخلقها الله، وكل جوهر فرد مركب من مجموعة من هذه ~~الذرات، وعدم قبول الجواهر الفردة للانقسام ليس إلا في الظاهر فقط، أما في الواقع ~~فهي ms075 قابلة للانقسام؛ إذ إنها مركبة من ذرات روحية، وكل جسم مركب من جواهر فردة فهو ~~إذن مركب من ذرات روحية، وما يرى للجسم من الامتداد فليس حقيقيا، بل هو ناشئ من ~~اجتماع ذرات روحية بعضها مع بعض. # وحقائق الأشياء ليست المادة، بل القوة أو الذرات الروحية، وقد خلق الله تلك ~~الذرات وجعلها مراكز للقوة، ومنحها قوة إدراك، وفاوت فيما بينها في ذلك، فالذرة ~~الروحية قوة روحية تتجلى فيما تتخذه من الأشكال المتغيرة على الدوام، وهذه الذرات ~~«هي مرآة العالم الحية الباقية»، وفيها قوة تحاول التحول من حالة اللاشعور إلى حالة ~~الشعور، والشعور هو تيار من الأفكار والإحساسات يتدفق من حقيقة الذرة الروحية، ~~والمادة هي مجموعة من الذرات الروحية، وقد تكون تلك الذرات في حالة اللاشعور فتكون ~~منها المادة الميتة. # والجسم هو امتداد المادية # Materiality ~~، ولكن ما ~~حقيقة تلك المادية؟ قال ليبنتز: إنها القوة - أو الذرة - وهي ليست بمادة، وليست ~~قابلة للامتداد ولا للتجزئة ولا للفناء؛ وللذرات الروحية تدرج في الرقي يصل إلى حد ~~الكمال، وما بلغ منها منتهى الكمال يحكم ما لم يبلغ، وما لم يبلغ حد الكمال يطيع، ~~والمادة الميتة هي مجموعة ذرات روحية لم تبلغ الكمال، وليس معها ذرات حاكمة، وليست ~~الذرات الروحية في أي حال من أحوالها فائدة الحياة؛ لأن كل ذرة لها جسم وروح، ~~فالروح ماهية المادة والجسم مظهره المحسوس. # ولئن كان ليبنتز قد رأى للمادة وجودا ما، فإن «بركلي» قد ذهب إلى أبعد منه ~~وتغالى في الروحانية - وهو جورج بركلي قسيس «كلوين» 1685-1753م الملقب «بمحب ~~الإنسانية الكبير والفيلسوف الصغير»، لقبه به مؤلف جرماني حديث، وربما كان غير عادل ~~في تلقيبه بذلك - وقد ذهب بركلي إلى أن المادة لا وجود لها في الخارج، وإنما يخيل ~~إلينا أنها موجودة، ولا وجود إلا للروح والعقل، ولا فرق بين ما نسميه شيئا ~~حقيقيا وبعبارة أخرى (ما ندعي وجوده في الخارج)، وبين آرائنا في الشيء أو تصورنا ~~له، بل العقل يتصور شيئا وفي الوقت عينه ينتج الشيء نفسه، وليس هناك ms076 شيء خارج ~~العقل، فترى من هذا أن ليبنتز سلم بوجود الأشياء الخارجة، وأما بركلي فأنكر وجود ~~شيء وراء العقل، فالشمس والقمر والأشجار عند بركلي لا وجود لها إذا لم يوجد عقل ~~يدركها، والعقل عنده - وقد رأى بركلي تعدد العقول - لا يدرك الأشياء بنفسه ولا بقوة ~~إرادته، ولكنه يستمد الإدراك من الله القادر، فهو سبحانه يطبع الصور في عقولنا، ~~ونحن نسمي تلك الصور عادة أشياء حقيقية. # وقد قال في كتابه المسمى (السلسلة) الذي ابتدأه بالكلام على منافع «ماء القطران» ~~وختمه بالكلام على «الموجود المطلق»: «ليست الآراء والأفكار خيالات باطلة يتخيلها ~~العقل، بل هي الموجودات الحقيقية التي لا تقبل التغير، ولذلك كان وجودها أكثر ~~تحققا من الأشياء الخارجية الزائلة التي تقع عليها حواسنا والتي لا ثبات لها، ولا ~~يمكن أن تكون موضوعا للعلوم فضلا عن أن يدركها العقل.» # وفي العصور الحديثة جاء «هرمان لوتز» فشرح في كتابه (العالم الصغير) مذهب ~~الروحانيين، وكذلك «شوبنهور» الذي ذهب إلى أن الإرادة هي حقيقة الأشياء، و«فخنر» ~~الذي يقول: «إن كل شيء في الوجود حي.» يعدان من الروحانيين. ~~(2) الواحدية والاثنينية # ذهب بعض الفلاسفة إلى أن أساس الأشياء شيء واحد، إما المادة وإما الروح، وآخرون ~~إلى أن العالم والإنسان يتركبان من أصلين قائمين جنبا لجنب على وفاق، وهما المادة ~~والروح، فالأولون وهم القائلون بوجود أساس واحد إليه ترجع كل الظواهر المختلفة ~~يسمون «الواحديين»، ومذهبهم يسمى «الواحدية»، قال ولف: «الواحديون هم الفلاسفة ~~الذين يقولون بعنصر واحد.» وهم إما ماديون إذا رأوا أن المادة هي الأصل، أو ~~روحانيون إذا قالوا بأن الروح هي أساس الأشياء. # وقد رأى «إدوارد هارتمان» في كتابه (فلسفة اللاشاعر) أن الميل إلى «الواحدية» كان ~~سائدا بين النظم الأساسية التي وضعها الأولون دينية كانت أو فلسفية، وأما ~~«الاثنينية»؛ أعني المذهب القائل بوجود أساسين متعاونين: المادة والروح، فليس ~~مذهبا يسود بين السذج فحسب، بل قد دافع عنه أيضا فلاسفة عظام من طلوع فجر المدنية ~~إلى اليوم، قال ولف في تعريفهم: «الاثنينيون هم الذين يقولون بوجود عنصرين: مادي ~~وروحي.» ms077 # وقد كان أنكساغوراس وأرسططاليس والرواقيون اثنينيين، وفي العصور الحديثة جاء ~~«ديكارت» فأيد مذهب الاثنينية، ثم عدله جهلنكس إلى مذهب «الاتفاقيين» # Occasionalists ~~، # 4 # وربما عد من «الاثنينيين» أيضا هربارت ولوتز وفخته. # رأى أنكساغوراس 450ق.م وجود مبدأ عاقل هو سبب الحركة، وهو غير العنصر المادي لا ~~يتحرك ولا يشعر، والعنصر المادي لا شعور له، وليس في قدرته أن يسبب حركة بنفسه، ~~وإنما العنصر الروحي الذي وهب الشعور والتأثير والقوة والعقل، وهو الذي ينتج الحركة ~~والحياة في هذا العالم. # ويعد الفيلسوفان العظيمان القديمان أفلاطون وتلميذه الشهير أرسطو «اثنينيين»؛ فقد ~~سلم أفلاطون بوجود المبدأ المثالي والمبدأ المادي، وبعبارة أخرى سلم بوجود عالم ~~الحواس وعالم المثال، ويرى أن عالم المثال نموذج يحتذيه عالم الحواس، وكذلك أرسطو ~~قال بوجود مبدأين: المادة (الهيولي) - وهي الشيء القابل - (والصورة) وهي التي منحت ~~القوة، فهو أيضا اثنيني، ولكن ما ذهب إليه من أن الصورة أو المثال والمادة لا ~~ينفصل أحدهما عن الآخر، وأن لكل موجود صورة وهيولي، مثالا ومادة، روحا وجسما، ~~يجعل مذهبه أقرب إلى «الواحدية»، أو على الأقل يجعل الاثنينية مصبوغة بصبغة ~~الواحدية. # وقد ظلت الاثنينية ذات السلطان في القرون الوسطى لاتفاقها مع التعاليم الدينية، ~~ويعد «ديكارت» مؤسس الاثنينية في العصور الحديثة، وقد فرق بين ما يقبل الامتداد - ~~وهو المادة - وبين العقل وقال: إنهما عنصران مختلفان يضاد كل منهما الآخر على خط ~~مستقيم، وكل منهما يطارد الآخر. # والعقل أو الروح ليس ماديا ولا امتداد له، وهو فاعل حر، أما الجسم أو المادة ~~فلها امتداد ولا روح لها، والإنسان مكون من الجسم والروح معا، وحركات الجسم تنشأ ~~عن النفس، والنفس مستقلة عن البدن وغير قابلة للفناء، وتلتقي النفس مع البدن في ~~الغدة الصنوبرية (القلب). # وجاء سبينوزا فرأى أن الامتداد والفكر إنما هما صفتان مختلفتان لعنصر واحد يتكون ~~منه كل شيء، الطبيعة أو الله، وليسا ناشئين من عنصرين مختلفين؛ لأن العنصرين ~~المختلفين المتضادين تمام التضاد لا يمكن أن يتحدا، ولهذا يعد سبينوزا «واحديا». # وفي العصور الحديثة يمكن أن يعد لوتز وفخته ms078 اثنينيين. ~~«والاثنينية العقيدة التي تعتنقها العقول الساذجة، وهي أساس الأديان كلها.» # قال هيكل في رسالته «الواحدية»: كل الأديان الغابرة والمذاهب الفلسفية القديمة ~~«اثنينية» تعتقد أن الله والعالم، الخالق والمخلوق، الروح والمادة، عنصران منفصل ~~بعضهما عن بعض تمام الانفصال، وإنا نجد الاثنينية في أنقى الأديان ولا سيما في ~~ديانات التوحيد الثلاث التي جاء بها أنبياء ثلاثة ظهروا شرقي البحر الأبيض وذاع ~~صيتهم؛ وهم: موسى، وعيسى، ومحمد. ~~(3) قضية العالم الدينية # مما يتصل بالبحث في حقيقة الموجود مسألة شغلت عقول الناس منذ أن ابتدءوا يفكرون؛ ~~وهي: كيف وجد العالم؟ وبعبارة أخرى كيف برز هذا العالم إلى الوجود؟ فقديما تنبه ~~الإنسان - حتى الإنسان العادي - إلى أن هناك وحدة تشترك فيها أشياء العالم ~~المتنوعة، أي إن العالم كله كالشيء الواحد يتصل بعضه ببعض، سواء في ذلك ما يدرك ~~بالعين وما لا يدرك، وسرعان ما أدرك أن ظواهر العالم تحصل بنظام دقيق، وأنها خاضعة ~~لقوانين لا تنتهك في كل أطوار الإنسان؛ من أيام طفولته إلى عصر تقدمه يرى أن كل شيء ~~حوله من أرض تقله وسماء تظله تسير على قانون ونظام يستخرجان منه العجب، فكان فيما ~~شاهده من نظام في الطبيعة وترتيب في الظواهر الطبيعية المتنوعة ما أثر فيه، وحمله ~~على أن يسأل عم نشأ نظام هذا العالم؟ وكيف وجد؟ # ظن فلاسفة اليونان الأولون أنهم حلوا المسألة بقولهم بوجود أصل واحد للأشياء مثل ~~الماء كما قال طاليس، أو الجو - أنكسمندر - أو الهواء - أنكسمينيس - أو النار - ~~هرقليطس - وأن كل موجود على قولهم يستمد وجوده من ذلك الأصل وإليه المآب. # ولكن كيف نشأ هذا النظام، ووجدت الأشياء من ذلك العماء؟ إلى الآن لم يجب عن ~~هذا السؤال، وقد أفحم الطفل الذكي أبيقور أستاذه - وقد كان يقرر له أن العالم نشأ ~~من العماء - بسؤاله: «ومن أين نشأ هذا العماء؟!» إن العنصر أو العناصر التي يظن أنه ~~ينبثق منها كل موجود، وينظم هذا النظام التام لا بد أن يكون لها علة، وقد ذهب بعض ~~الفلاسفة مثل ديمقريطس وهيرقليطس إلى أن ms079 ~~وحدة # Unity # العالم ليست إلا مظهرا فقط، والحقيقة أن هناك عددا لا ~~نهاية له من جزيئات لا عداد لها (جواهر فردة) تتحرك في الفراغ لا لغرض ولا مقصد، ~~فتجتمع تارة وتتفرق أخرى، وليس تجمعها أو تفرقها يرجع إلى سبب علوي، ولكن تبعا ~~للحركة الوقتية التي هي جزء من حقيقتها، وليس عندهم ما يسمى بعلة العلل، وإنما ~~تتحرك الجواهر الفردة في فضاء لا نهاية له، وفي زمن لا نهاية له، فيجتمع منها ما ~~يمكن أن يتجمع، ويحصل ذلك ويتكرر، ويسمى هذا المذهب مذهب الجوهر الفرد. # مثل هذا الشرح لا يقنع الإنسان طويلا؛ فإن عادته التي لا تفتأ تسأل عن العلة ~~الأخيرة لهذه الظواهر، وما فيه من مشاعر غامضة قوية أهمها شعوره بضرورة اعتماده على ~~قوة، وحاجته إلى واق يقيه، حملته على الاعتقاد بوجود قوة علوية لا تدركها الأبصار، ~~قوة شاعرة بأن لها إرادة «ولها بعض الشبه البعيد بعقل الإنسان»، وهذه القوة هي سبب ~~نظام العالم، هي سر كل شيء، إياها يستعين الإنسان على ما يطلب من حماية وسعادة. ~~وذلك العماء # 5 # الذي ذكرناه لا بد أن يكون له مدبر يضبط أموره، وهذا المدبر هو ما يعلل ~~به نظام العالم، وهو مفتاح يحل به أعظم الألغاز المعقدة، ويشرح لنا الغرض من هذا ~~العالم، قال مكس مولر: «إن النظر في الظواهر الطبيعية قاد الإنسان إلى إدراك خالق ~~وراء هذه الظواهر.» # تلك القوة العلوية هي الله، ومن قبل أن طلعت شمس المدنية والناس يقرون بوجوده، ~~وكل جنس وجيل تقريبا سماه باسم خاص مثل: يهوه، وجوبتر، والسيد المالك، وما لا يحد ~~وما لا يعرف، والإرادة المطلقة، ومسخر العالم إلخ. # وإن السماء لدليل على عظمته. # وكما قال «تنيسن»: # كلا، ليس الشمس والقمر والنجوم والسهل والحزن إلا منظرا من مناظر رب ~~العالمين. # والاعتقاد بالله متأصل في نفوس الناس ينبع حينا بعد آخر حتى من أجدب النفوس ~~وأقحلها، وكانت فكرة الاعتقاد بالله فكرة ساذجة في أول أمرها، درجت بين ما كان عند ~~الإنسان الأول من أثرة وحب نفس ms080 ثم ترقت بمرور الأزمان، وكانت مجالا لنظريات مختلفة ~~وآراء متباينة، نشأت فكرة سخيفة في عصر الهمجية اعتنقها المتوحشون الذين صاغوا ~~معبودهم بأيديهم، وترقت إلى أن وصلت إلى شكل اعتنقه أمثال هجل ورنان ومكس مولر ~~وغيرهم. # والمذهب القائل بوجود خالق لهذا العالم مدبر لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ~~يسمى بمذهب المؤلهة (القائلين بإله)، وهذا المذهب يرى وجود إلهة أو آلهة علويين فوق ~~الطبيعة وفوق العالم، وهذا الاعتقاد أساس كل المعتقدات الدينية من عقيدة المتبربرين ~~الذين لم يأخذوا من المدنية بحظ وافر إلى العقيدة الأثيرية التي وضعها شلر ماكر. # ومذهب المؤلهة إما أن يقول بإلهين أو آلهة عدة، وهذا هو أساس ديانات كثيرة - ~~شرقية قديمة وحديثة - ويسمى مذهب الشرك، وإما أن يقول بإله واحد ويسمى مذهب ~~التوحيد، وهذا أساس الديانات الثلاث العظمى: اليهودية، والنصرانية، والإسلام، ويقول ~~مذهب المؤلهة: إنه لما كان العقل وحده لا يستطيع أن يدرك الاعتقاد بالله حق ~~الإدراك، جاء الوحي لتفهيم الناس هذه الحقيقة. # ومذهب المؤلهة مذهب مشبه (يشبه الله بالإنسان) فينسب إلى الله فكرا ورأيا ~~وصفات وأميالا وصورة كما للإنسان ذلك، إلا أنه يقر بأنه ما له من ذلك أكمل مما ~~للإنسان. # وهناك مذهب يخالف مذهب المؤلهة فيقول أيضا بوجود إله علوي قوي عالم، إلا أنه لا ~~يقول بوحي، ويسمى هذا المذهب مذهب العقليين، وهذا المذهب يؤيد القول بإله، ويرد على ~~الملحدين المنكرين له، ولكنه ينكر أن الله هو الفعال على الدوام في حكم العالم وفي ~~تدبيره، وفي إسعاد الناس وإشقائهم، ويرى أن العقل وحده لا بمعونة وحي وخوارق للعادة ~~يستطيع أن يصل إلى معرفة الله، أو إلى علة العلل الذي نظم العماء، وأن هذه القوة ~~(الله) ليست في حاجة إلى نظام ديني خاص، ولا إلى شكل من أشكال الصلاة، ولا إلى ~~شعائر عبادة. # وتغالى أصحاب هذا المذهب في آرائهم، وتعمقوا في خيالاتهم، حتى ذهبوا إلى أن كل ~~العقائد والأديان ستفقد خواصها المميزة لها بعد أمد مديد، وأن النصرانية واليهودية ~~والإسلام ومذاهب الإشراك والتوحيد ليست إلا أمواجا ms081 قصيرة الأمد سائرة إلى الزوال ~~في بحر الألوهية المحيط، وليست البوذية والزرادشتية والمانوية أشياء يعتد بها في ~~الأفق الفسيح للمثل الإنسانية العليا. والعقليون ينكرون أيضا القول بأن الله خالق ~~العالم من لا شيء، ويرون أن الله إنما نظم حالة المادة المشوشة وأخرجها من حالة ~~العماء، أما المادة نفسها فقديمة، وكثيرا ما يسمى العقليون لهذا «ملحدين»، وقد ~~سماهم بوشوت «الملحدين المتنكرين». # ويتفق مذهب المؤلهة ومذهب العقليين في القول بإله علوي فوق العالم يحكم العالم من ~~عل، كأنه من منفصل عنه، ويذهب المؤلهون إلى أبعد من ذلك، فيعتقدون الله مستويا ~~على العرش بيده الخير والشر، يثيب الناس ويعاقبهم جزاء بما كانوا يعملون، تهمه ~~أعمال الإنسان، وتسره التضحية، وتسكن ثورة غضبه الصلاة، ويرى أيضا أن الله تعالى ~~أعلى من أن تفهم عقولنا أعماله. # وتضاد هذه العقائد القائلة بأن لله وجودا مستقلا وأنه أعلى من مخلوقاته ~~عقيدة أخرى ترى مذهب الحلول؛ أي إن الله في هذا العالم، وأنه كل شيء في كل شيء، ~~وأن الله والقوة الداخلية الفاعلة في هذا العالم مترادفان؛ وإنه لمن الصعب تحديد ~~مذهب الحلول حتى قال جوتيه: «لم أر إلى الآن من يفهم ما تدل عليه كلمة الحلول فهما ~~صحيحا.» وتدل الكلمة على أن هذا المذهب يرى أن الله هو كل شيء، وأن كل شيء هو ~~الله، وليس الله والعالم منفصلا بعضهما عن بعض، بل شيئا واحدا من عنصر واحد، ولا ~~يرى أن الله قائم بذاته منفصل عن العالم كما يرى مذهب المؤلهة - المشبهين - ومذهب ~~العقليين، بل ينزه الله عن كل أوصاف البشر، وينكر أن يكون الله مشخصا قائما ~~بذاته، ويقول: لا فرق بين الله والعالم، وأن الله هو الخالق المدبر والعلة الفاعلة ~~على الدوام، وهو روح فكرتها العالم، والعالم عندهم مظهر الله، والطبيعة شعاره؛ ذلك ~~لأنه لو كان هناك شيء غير الله لكان محدودا ولما وجد في كل مكان، ولما كان قادرا ~~على كل شيء، وعندهم أن الله حال في كل ذرة من ذرات العالم، وفي كل حبة من ms082 رمال ~~الصحراء، وفي كل نبتة من نبات الحقول، وفي كل ورقة من أوراق الأشجار يلاعبها ~~الهواء، وفي كل دابة تدب على الغبراء، قال شلي يخاطب الله: # إن أصغر ورقة من أوراق الأشجار التي يلاعبها النسيم ليست إلا بضعة منك ~~(جزءا من أجزائك)، كلا ولا أحقر دودة تسكن القبور وتسمن من لحوم الموتى ~~أقل مشاركة لك في حياتك السرمدية. # وقال: «إن هذه الروح التي توجد في كل مكان بها يحيا كل موجود، وهي هو.» # وقد حدد هنريك هيني في كتابه الممتع (الدين والفلسفة في جرمانيا) مذهب الحلول ~~الذي قال عنه: «إنه دين ألمانيا المختفي في نفوسهم.» فقال: إن الله هو العالم، وقد ~~تجلى الله في النبات بنوع حياة؛ حياة مغناطيسية لا تنبهية، وتجلى في الحيوان بحياة ~~تشبه حياة النائم، فهو يحس نوع إحساس بأن له وجودا، ثم تجلى أعظم تجل في ~~الإنسان، فهو يشعر ويفكر، ظهر الله في الإنسان بمظهر الشاعر بنفسه، ولست أعني فردا ~~من أفراد الإنسان، وإنما أعني النوع الإنساني كله، فيحق لنا أن نقول: «إن الله قد ~~تجسد في ذلك النوع الإنساني.» # وإذا نحن حاولنا أن نذكر تاريخا كاملا لقضية العالم الدينية، فمعنى ذلك أننا ~~نريد ذكر تاريخ الفلسفة كلها، وليس في وسعنا ذلك؛ ولذلك سأقتصر على ذكر أسماء قليلة ~~من هؤلاء الذين قالوا بالمذاهب الأربعة التي تقدم ذكرها؛ وأعني بها مذهب الجوهر ~~الفرد، ومذهب المؤلهة، ومذهب العقليين، ومذهب الحلول. # أسس مذهب الجوهر الفرد «ليوسيبس» وتلميذه ديمقريطس، وجاء أنكساغوراس فرأى أنه ~~لا بد من قوة أو عقل مدبر هو السبب في نظام العالم، ومن أجل ذلك قال بوجود عنصر قد ~~منح القوة والحياة والعقل والعمل والحرية، وهو منبع نظام العالم وحياته وحركته، ~~وسمى هذه القوة نوس # Nous ~~«العقل»، وهذا العقل ~~هو الروح التي أخرجت من العماء نظاما، وهو المحرك الأول للمادة، ولكنه ليس الخالق ~~لها؛ فإنها أزلية. ويخالف هذا المذهب مذهب المؤلهة؛ فإنه يرى أن الله خالق المادة ~~من العدم، وهذه العقيدة هي أساس كل العقائد الدينية، وقد ms083 اتبع مذهب المؤلهة ~~«أفلاطون» و«أرسطو» و«ليبنتز» و«كانت»، واعتقدوا أن الله هو العلة الأولى لهذا ~~العالم. # ومذهب العقليين يقول بوجود إله يشرف على الكائنات ويحكم العالم، ولكن لا عن إرادة ~~حرة، بل يحكمها متبعا قوانين لا تقبل التغير؛ وقد ظهر هذا المذهب أولا في إنجلترا ~~في القرن الثامن عشر، وكان «تولاندوم. تندال» وشافتسبري أشهر المدافعين عنه. # أما مذهب الحلول فقد كان يدعو إليه ريك ~~فيدا # Rig Veda ~~(كتاب الهنود المقدس) وقدماء فلاسفة اليونان الإيليون، وكان ~~القديس بولس نفسه يدعو إلى الحلول لما قال: «في الله نحيا، وفيه نتحرك، وفيه نكون.» ~~وكان «زينو فانيس» يعلم أن ليس إلا إله واحد، وأنه هو والعالم شيء واحد. # ونحو آخر القرن السادس عشر، قام «جيوردانو برونو» ولم يعبأ بتهديدات محكمة ~~التفتيش ورفع صوته بتأييد الحلول، والطعن على مذهب المؤلهة الذي يشبه الله ~~بالإنسان، وعنده أن الله الذي لا يحده حد والعالم شيء واحد، وأن هؤلاء الذين ~~يتخيلون أن الله موجود بجانب الموجودات الأخرى إنما يجعلونه محدودا، وأن ليس الله ~~خالق العالم ولا المحرك الأول له، بل هو الروح العالم. # وجاء «سبينوزا» الأمستردامي 1632-1677 ونظم مذهب الحلول، ولذلك يعد أبا الحلول ~~الحديث، وأصبحت كلمتا الاسبينوزية ومذهب الحلول مترادفتين، ويمكن تلخيص مذهب ~~سبينوزا فيما يأتي: إن في العالم جوهرا واحدا وهو الله، وهو مطلق لا يحد، وكل ~~الجواهر الأخرى المحدودة منبعثة منه ومظروفة فيه، وليس لها إلا وجود زائل سائر إلى ~~الفناء، ولله صفتان يظهر بهما لنا نفسه: الامتداد والفكر، فبالامتداد المتنوع ~~تتكون الأجسام، وبالفكر المتنوع تتكون العقول، وهاتان الصفتان ثوبان لله نسجتهما ~~«المكوكات الدائمة الحركة في نول الزمن العاصف». # ولما أعلن سبينوزا حكيم «أمستردام» الأوحد عقيدته هذه ثار عليه أنصار الدين ~~واتهموه بالإلحاد، وما كان أبعده عن الإلحاد؛ فقد كان مملوءا بحب الله حبا جاءه ~~عبر الطبيعة، فمن كأس الطبيعة الطافحة قد شرب الألوهية حتى ثمل، وحتى أصبح لا يرى ~~أمامه إلا الله، وبالرغم مما وجه إلى سبينوزا من الضربات القاسية كان له تأثير عظيم ~~في ms084 أكبر العقول في أوروبا، «فشلر» و«جوتيه» و«لسنج» و«هردر» و«شلر ماكر» و«هيني» ~~و«شلي» كانوا حلوليين، وإن شئت فقل: سبينوزيين. # وقد أوضح جوتيه عقيدته في الحلول في قوله: # كلا، ليس يرضى الله أن يهيمن على العالم من فوق فحسب، بل يود أن يكون في ~~باطن الكائنات، وأن يرى الطبيعة متجلية فيه، ويرى نفسه متجليا في الطبيعة، ~~فما يخلقه الله والله وحياته وقوته شيء واحد! # 6 # | هوامش # الفصل الثالث # | مسائل علم الأخلاق # من بين المسائل الأخلاقية التي اجتهد فلاسفة كل عصر في حلها، وخصصوا أفكارهم للبحث ~~فيها المسائل الآتية: ~~(1) # أصل شعورنا الأخلاقي. ~~(2) # الباعث الباطني الذي يحملنا على إطاعة ما يمليه علينا شعورنا الأخلاقي ، ~~والذي يشكل سلوكنا بشكل خاص. ~~(3) # المقاصد أو الأغراض أو النتيجة الأخيرة التي نحاول أن نصل إليها بأعمالنا ~~الأخلاقية. ~~(4) # المقياس الذي به نقيس أعمالنا فنحكم عليها بأنها خير أو شر. # المسألة الأولى: أصل الشعور الأخلاقي؛ أعني كيف نعرف أن عملا من الأعمال أخلاقي وآخر ~~غير أخلاقي؟ كيف يدرك وجدان الإنسان الخير والشر، أو الحق والباطل ويميز بينهما؟ ألسنا ~~نرى العمل الذي يعده بعض الناس خيرا وحقا وأخلاقيا في عصر من العصور أو عند بعض ~~الأمم، قد يعد هو بنفسه في عصر آخر أو عند أمة أخرى شرا وباطلا وغير أخلاقي؟! فما ~~أصل ذلك؟ انقسم الفلاسفة في الإجابة عن هذا إلى قسمين: ففريق يرى أن في كل إنسان قوة ~~غريزية يميز بها بين الحق والباطل، والخير والشر، والأخلاقي وغير الأخلاقي، وقد تختلف ~~هذه القوة اختلافا قليلا باختلاف العصور والبيئات «الأوساط»، ولكنها متأصلة في كل ~~إنسان، فكل يحصل عنده نوع من الإلهام يعرفه قيمة الأشياء؛ خيرها وشرها، وهذا الإلهام ~~يحصل للإنسان بمجرد النظر، ولهذا نشعر - ولو لم نعلم - بأن شيئا خير وشيئا شر، ويسمى ~~هذا المذهب «مذهب اللقانة»، # 1 # وكان «كارليل» من أتباع هذا المبدأ لقوله: «إن الشعور بالواجب - وهو معنى ~~أبدي - جزء من طبيعتنا، ونقطة المركز في نفوسنا الفانية، ومثل ذلك مثل الأبدية الخالدة؛ ~~فإنها معنى أبدي مظاهره الليل والنهار، والنعيم والشقاء، ms085 والموت والحياة، وهي أشياء ~~فانية.» وهذه القوة ليست نتيجة بيئة ولا زمان ولا تربية، بل هي غريزية لا مكتسبة، وهي ~~جزء من طبيعتنا منحناها لنميز بها الخير من الشر، كما منحنا العين لنبصر بها، والأذن ~~لنسمع بها، وكان «بطلر» يعد الوجدان جزءا أساسيا من طبيعتنا، ويعرفه بأنه «قوة بها ~~نستحسن العمل أو نستقبحه»، فهو إذن من أتباع هذا المذهب. وممن ذهب هذا المذهب من ~~الجرمان «فخته» و«كانت» وهو أكبرهم. # وفريق آخر من الفلاسفة خالف الأولين ورأى أن معرفتنا بالخير والشر مثل معرفتنا بأي ~~شيء آخر تعتمد على التجربة، وتنمو بتقدم الزمان وترقي الفكر، ويقول أصحابه: إن الشعور ~~الأخلاقي ليس غريزيا في الإنسان، بل هو نتيجة التجربة، وهي التي علمته الحكم على بعض ~~الأعمال بأنه خير أو حق، وعلى بعضها بأنه شر أو باطل، ويسمى هذا المذهب مذهب التجربة، ~~وأشهر من ذلك تسميته باسم النشوء والارتقاء # Evolution ~~، وقد أسس هذا المذهب على نظرية النشوء التي وضعها «دارون» و«والاس» ~~القائلة بأن الأجسام الحية العالية «نشأت» وترقت من الأجسام الحية السافلة، وأن عقل ~~الإنسان «نشأ» وترقى من أبسط نوع من الإدراك، فأخذ فلاسفة كثيرون نظرية دارون هذه في ~~النشوء وطبقوا عليها قانون الأخلاق وعلم الأخلاق، وقد كان «كارنري» و«مل» و«بين» وخاصة ~~«هربرت سبنسر» من معلمي هذا المذهب، قال أهل هذا المذهب: كما أن الجسم العضوي نتيجة ~~الوراثة ونتيجة عملية انتخاب ورفض دامت مدة عصور، كذلك عقل الإنسان تدرج في الرقي من ~~أحط الأحوال، وليست القوة الأخلاقية التي نعرف بها الخير والشر إلا التجربة، فمنها ~~نستخرج الحكم على الأشياء بأنها خير أو شر، واستمرار الأمة في التجارب يفضي إلى تعديل ~~الآراء في الأخلاق من وقت لآخر. ويرى هذا المذهب أن ليس عند الإنسان قوة أخلاقية خاصة، ~~ولسنا نحتاج للاهتداء في أعمالنا إلا إلى إعمال عقولنا، وأن أحكامنا على الأعمال تصدر ~~بملاحظة الغاية التي نقصدها من أعمالنا والباعث عليها، لا بملاحظة ملكة فينا أو قوة ~~أخلاقية في نفوسنا، وليس الشعور الأخلاقي إلا نتيجة من خير ms086 نتائج «النشوء والارتقاء»، ~~وقد تدرج في الرقي من تخيل المتوحشين إلى آراء المتمدنين المهذبين، ولا يزال إلى الآن ~~يرقى بترقي الأمم. # المسألة الثانية من المسائل التي وجه إليها فلاسفة الأخلاق نظرهم، وذهبوا في الإجابة ~~عنها مذاهب: مسألة الغاية أو الغرض من أعمال الإنسان الأخلاقية؛ إن الأعمال الاختيارية ~~يعملها الإنسان وأمام نظره غاية من أجلها يعمل العمل؛ وذلك أن الإنسان لما كان حيوانا ~~ناطقا (مفكرا) قد منح قوة الفكر - بها يستطيع أن يدرك العلاقة بين الأعمال وبين ما ~~تؤدي إليه من النتائج - لم يكن ملجأ إلى العمل بمجرد الدوافع (كما هو الشأن في ~~الحيوان)، وإنما هو منقاد ومتأثر برغبة في غاية يريد تحصيلها، فالأعمال الأخلاقية أو ~~السلوك الأخلاقي إذن وسيلة يحاول بها الإنسان أن يصل إلى غاية؛ فما هذه الغاية الأخيرة ~~والخير النهائي الذي يشتاق الإنسان للوصول إليه، ويجد في البحث عنه؟ # ذهب فلاسفة اليونان الأقدمون كسقراط وأفلاطون إلى أن كل إنسان بطبيعته وبالضرورة إنما ~~يبحث وراء خيره، فالخير الأخير وغاية الغايات هو السعادة أو اللذة، وتسمى هذه النظرية ~~نظرية السعادة. وقد نشر هذه النظرية فلاسفة اليونان، وظهرت في تاريخ البحث الأخلاقي ~~لابسة أثوابا مختلفة، ونظرية السعادة هذه تضاد نظرية اللقانية وتقول: إن الإنسان إنما ~~صار أخلاقيا بعقله وتجاربه وبحثه وراء سعادة يريد تحصيلها، وقد حللها وشرحها في ~~العصور الحديثة جمع من فلاسفة الإنجليز أشهرهم بالي وجرمي بنتام ومل، ويعرف المذهب ~~الآن «بمذهب المنفعة» # 2 # وإن كان مؤسسا على نظرية السعادة. # قال «جون ستوارت ميل» في رسالته في مذهب المنفعة: «إن جميع القائلين بمذهب المنفعة من ~~أبيقور إلى بنتام لم يريدوا بالمنفعة شيئا يخالف اللذة، بل أرادوا اللذة نفسها والخلو ~~من الألم، وإنهم لم يقولوا: إن الشيء النافع يضاد اللذيذ وما هو حلية وزينة، بل قالوا: ~~إنه يشملهما ويشمل غيرهما.» وعرف مذهب المنفعة بقوله: «إن المذهب الذي يتخذ أساس ~~الأخلاق المنفعة أو أكبر سعادة مذهب يرى أن الأعمال خير بقدر ما تدعو إلى الزيادة في ~~السعادة، وشر بقدر ما تدعو إلى ms087 الزيادة في ضدها، والمراد بالسعادة اللذة والخلو من ~~الألم، وبضدها الألم والخلو من اللذة.» من هذا نستنتج أن هذه النظرية القائلة «بأن ~~الأعمال ليست لها قيمة ذاتية وإنما قيمتها بقدر ما تحصل من السعادة» تسمى نظرية ~~المنفعة. # وخالف في هذا القول بعض الفلاسفة فقالوا: إن الأعمال الأخلاقية، ليست وسائل (كما يقول ~~مذهب السعادة) بل هي أنفسها غايات، وبسيرنا على مقتضى قانون الأخلاق نؤدي الغرض الذي من ~~أجله خلقنا، وبسلوكنا الأخلاقي نرقي قوانا التي منحناها؛ لنحصل بها العلم، ونعرف ما هو ~~حق وما هو خير، وبسلوكنا الأخلاقي أيضا نستعمل قوانا الأخلاقية ونرقيها، وبترقيتنا ~~لقوانا العقلية والأخلاقية نصل إلى كمالنا، وهو مقصدنا في الحياة، وهذا الرأي هو أساس ~~الأخلاقية المسيحية. # ولكن على مذهب السعادة، سعادة من نقصد؟ قال قوم: إننا نقصد تحصيل سعادتنا الشخصية، ~~وقال آخرون: نقصد تحصيل السعادة لغيرنا أو السعادة لأكبر عدد، ولخص «جرمي بنتام» رأيه ~~في ذلك في قوله: «أكبر سعادة لأكبر عدد.» # ويتصل بمسألة الغاية والمقصد البحث في الباعث النفسي على العمل أو منبع السلوك ~~الأخلاقي، وبيان ذلك أن الإنسان لم يمنح العقل والفكر فقط، بل منح أيضا الشعور، ~~وللشعور سلطان على طريقته في التفكير، وبواسطة ذلك يكون للشعور أيضا سلطان على أعماله، ~~فكثيرا ما نرى الإنسان يتجه - اتجاها ينطبق على العقل - نحو سلوك أخلاقي ثم يتغلب ~~عليه طبعه؛ أعني دوافع ليست دائما متفقة مع العقل، بل كثيرا ما تحيد بالإنسان عن ~~الصواب في الحكم، فالشعور بما له من التأثير الشديد في عزمنا الاختياري يجعلنا نميل إلى ~~عمل أكثر مما نميل إلى آخر؛ فحالة العقل الباطنة مع تأثيرها في العامل تعتمد - إلى درجة ~~كبيرة - على الطبع والمزاج والبيئة، وأيضا قد يكون الدافع فينا أقوى من العقل، فيتغلب ~~على عقلنا في لحظة ما من لحظات الحياة، ويقودنا إلى أعمال نراها فيما بعد على خلاف ما ~~نراها وقت الدافع، ويجعلنا نتردد في الإتيان بعمل، ونسرع إلى الإتيان بآخر، فظهر من هذا ~~أن غرضنا الاختياري وسلوكنا الأخلاقي وإن كانا وسيلة لتحصيل ms088 غاية إلا أنهما كذلك ~~يعتمدان على الدافع الطبيعي، وعلى باعث يستميلنا للسعي وراء هذه الغاية، وليس الغاية ~~متفقة مع الباعث فحسب، بل هي إلى درجة كبيرة تعتمد عليه أيضا، ولسنا نعرف بعقولنا فحسب ~~أنه ينبغي أن نسير في طريق خاص دون غيره، بل نشعر بذلك أيضا، وليس نظرنا إلى المصلحة ~~أو المنفعة وحده هو الذي يوجهنا وجهة خاصة، ويشكل أعمالنا بشكل خاص، بل العاطفة والشعور ~~أيضا يعملان ذلك. # واستكشاف الدافع العام للناس جميعا، والمحرك العالم للسلوك الإنساني، والعاطفة ~~الأخلاقية أو الشعور الأخلاقي الذي هو بمعزل عن العقل، والذي يؤثر في عزمنا، والذي هو ~~متأصل في أعماق أعمالنا - مسألة من المسائل الهامة التي اجتهد فلاسفة الأخلاق في حلها، ~~واختلفوا في الإجابة عنها، فذهب قوم مثل «هوبز» إلى أن الإنسان إنما يعنى بسعادته هو، ~~وأن كل إنسان إنما يحارب من أجل نفسه، وأن أساس أعماله الأثرة - الأنانية - وقاعدة ~~سلوكه رغبته في نفع نفسه، وليس حبه الظاهري لجاره إلا ضربا خفيا من ضروب حب نفسه. ~~نعم، إنه قد يفعل خيرا لغيره، ولكن ليس إلا لأن فعله يسبب له لذة أو يوصله إلى غرض له، ~~والسبب النهائي في إطاعة الإنسان للقوانين الأخلاقية من صدق وكرم ونحوهما ليس إلا ~~أنانيته، وكل ما يسمى إيثارا أو عملا ليس فيه مصلحة شخصية تجده بعد الفحص الدقيق ~~نتيجة رغبة في منفعة شخصية يراد تحصيلها عاجلا أو آجلا. # وذهب آخرون مثل «هيوم» و«آدم سمث» إلى أن في الإنسان أيضا عاطفة حب للناس، وأن في ~~نفس الإنسان عاطفة تدعوه للإتيان بأعمال يريد بها أن يزيد في سعادة بني جنسه، وأن سعادة ~~الناس وبؤسهم لا حب النفس ومراعاة لذتنا نحن هو المتأصل في طبيعتنا، وهو الأساس العام ~~لسلوكنا الأخلاقي، أعني أنه هو الأساس الذي ينبني عليه المدح والذم، وتسمى هذه النظرية ~~نظرية الإيثار، وهي ضد نظرية الأثرة، ومن أتباعها آدم سمث وهيوم، وهي تقول: إن في ~~طبيعتنا شيئا نقومه أكثر من تقويمنا لسعادتنا الشخصية، وذلك الشيء هو ما يحس به العامل ms089 ~~عملا أخلاقيا من مشاركته لمن ينالهم بره في السرور والعواطف والسعادة، وذلك الشيء ~~أيضا هو العنصر الأخير الذي نحلل فيه عواطفنا وانفعالاتنا. إن نفوسنا لتهتز عطفا على ~~الناس ورحمة بالمنكوبين وغضبا على الخاطئين، وإنا لنحس رغبة شديدة تنبعث من نفوسنا ~~تحملنا على العمل لخير الناس وسعادتهم، وهذا الشعور بأنواعه التي ذكرنا يكون قوة كبيرة ~~صادرة من طبيعتنا، ومؤثرة في سلوكنا الأخلاقي، تارة يحملنا على بعض الأعمال، وطورا ~~يمنعنا من ارتكاب بعض آخر. وإلى المذهب الأول؛ أعني مذهب الأثرة، ذهب فلاسفة اليونان ~~الأقدمون والفلاسفة الذين كانوا في عصر الثورة الفرنسية، وذهب هذا المذهب في العصور ~~الحديثة «ماكس سترنر» و «نيتشه»، وإلى المذهب الثاني؛ أعني مذهب الإيثار، ذهب «كانت» ~~و«فخته» و«شوبنهور»، وذهب «آدم سمث» و«جون ستوارت ميل» إلى أكثر من ذلك؛ فطلبا من ~~العامل الأخلاقي تضحية النفس، «ولكن لا تبذل هذه التضحية ما لم تكن سببا في سعادة ~~الآخرين.» # قال «ميل»: «إن من نقص الدنيا واختلال نظامها أن أحسن طريق يمكن للإنسان أن يسلكه في ~~مساعدة غيره على تحصيل السعادة هو تضحية سعادته تضحية تامة، ولكن ما دامت الدنيا على ~~هذا الحال من النقص؛ فإنني أقر أن الاستعداد لتلك التضحية أكبر فضيلة يمكن أن يتصف بها ~~الإنسان.» «إن أصحاب مذهب المنفعة يقولون: إن النوع الإنساني يمكنه أن يضحي أكبر خيراته ~~من أجل خير الآخرين، ولكن لا يقولون بأن هذه التضحية في نفسها خير، بل يقولون: إن كل ~~تضحية لا تزيد فعلا في مقدار الخير في العالم، ولا تدعو إلى ذلك، ولا يعتد بها وتذهب ~~هباء، وليس عندهم تعفف محمود إلا ما كان موصلا إلى خير الآخرين، ويشترط أن يزيد في ~~مقدار الخير العام أكثر مما ينقص منه.» # وهناك مسألة أخرى شغلت عقول فلاسفة الأخلاق، وهي مسألة المقياس الأخلاقي وما له من ~~سلطان، وبعبارة أخرى: مسألة أساس الأخلاق وعلاقته بإرادة الإنسان، أي القانون الأخلاقي ~~وما له من قوة ملزمة تحمل الإرادة على العمل بموجبه. # 3 # قال «ميل» في رسالته «مذهب المنفعة»: «إنني أشعر ms090 بأنني ملزم بألا أسرق ولا أقتل، ~~وبألا أخون ولا أخدع، ولكن لم ألزم بالعمل للسعادة العامة؟ وإذا كانت سعادتي الشخصية ~~في شيء؛ فلماذا لا أفضله على غيره؟» وأيضا إن الواجبات على الناس والأحكام التي تصدر ~~على الأعمال لتختلف باختلاف الأشخاص وأخلاقهم، وإن ما نحمل الأشخاص من المسئولية ~~ليختلف باختلاف الأحوال، أليس من الجائز إذا أن نكون في أحكامنا مخطئين؟ أوليس من ~~المحتمل أن نكون في عملنا مبطلين ونحن نظن أنا محقون؟ فأين نجد مقياس الأخلاق؟ وما ~~الذي له من سلطان؟ على هذا السؤال أجيب بجوابين: # فقال قوم: إن المقياس الأخلاقي في أنفسنا، وإنه لصوت فينا يخبرنا كيف نميز بين الحق ~~والباطل، وإن القانون الأخلاقي مستمد من نفوسنا تشرعه قوة فينا، وهو مقيم في أعماق ~~نفوسنا - يساعدان على إزاحة حجب المظاهر حتى نصل إلى إدراك الواجب، وهذا القانون ~~الأخلاقي - المقياس - يهدينا في أعمالنا، وله سلطان قوي على كل مصادر السلطان الأخرى، ~~وتسمى هذه النظرية نظرية «القانون الذاتي» # Autonomous ~~؛ لقولها بوجود القانون الأخلاقي في طبيعة الإنسان، وبعض هؤلاء ~~الفلاسفة اعتبر هذا الصوت الباطني هو صوت العقل، ويسمون بالعقليين. وقد كان قدماء ~~الفلاسفة والفلاسفة الذين في عصر الثورة الفرنسية الكبرى عقليين بهذا المعنى، وهم ~~يجعلون للعقل القول الفصل في الحكم على الأعمال، وله سلطان قوي على سلوك الإنسان، وفي ~~طليعة القائلين بهذه النظرية «كانت». # وقال قوم: يجب أن يفسح العقل مجالا للشعور، وأن السلطان الذي يحمل على إطاعة القانون ~~الأخلاقي إنما هو في أنفسنا كما قال «هيوم» و«شوبنهور» و«آدم سمث» وغيرهم، ولكن ليس ~~مركزه العقل بل الشعور، فسلطان القانون الأخلاقي شعور باطني مغروس في نفوسنا، «وهذا ~~الشعور ألم مختلف الشدة يعقب مخالفة الواجب، ويحمل - في الأحوال الهامة عند من صلحت ~~تربيتهم - على النفور من المخالفة حتى يخيل لهم أنها مستحيلة.» # 4 # وعلى الضد من نظرية «القانون الذاتي» نظرية «القانون الخارجي» # Heteronomous ~~، وهي تضع المقياس الأخلاقي وسلطانه في يد سلطة ~~خارجية، فهي تقول: إن الخوف من الله رب العالمين والخوف من المخلوقين، والرغبة في ms091 تحصيل ~~الثواب من الله والاستحسان من الناس هي أساس الواجبات الأخلاقية، وهي السلطان الحامل ~~على إطاعة القانون الأخلاقي، وإن القانون الأخلاقي والقواعد التي تبين السلوك الأخلاقي ~~(المقياس) تستمد من قوة خارجية لا من قوة فينا كإرادة الله أو الملك أو قانون المجتمع. # ومما يتصل أشد اتصال بهذه المسائل الأخلاقية مسألة حرية الإرادة، ولتوضيح ذلك نقول: ~~هل إرادتنا حرة فنحن نطيع القانون الأخلاقي ونخضع له اختيارا؟ وهل إطاعتنا للقانون ~~الأخلاقي تشعر بأن لنا اختيارا، وأن العامل حر في اختيار العمل، وحر في تشكيل عمله بما ~~يشاء، وحر في استعمال القانون الأخلاقي حسب ما يحيط به من الظروف؟ أو أنا مضطرون بمقتضى ~~الطبيعة أن نعمل في الحالة المعينة عملا خاصا بحيث لا نستطيع أن نعمل غيره، وأن ~~إرادتنا معلولة بعلل، فإذا حصلت العلل حصل المعلول، وأن عزمنا على إتيان عمل وإن كنا ~~نشعر بأننا أحرار فيه ليس إلا نتيجة لازمة لأسباب تسبقه وتستلزمه؟ # انقسم الفلاسفة في الإجابة على هذا إلى قسمين تحاجا ولا يزالان يتحاجان إلى اليوم؛ ~~فمذهب يرى أن الإرادة حرة حرية مطلقة لا يضطرها أي سبب ولا أية علة، ويعرف هذا المذهب ~~بمذهب الاختيار، ومذهب يرى أن إرادة العامل واختياره نتيجة لازمة لأسباب سابقة، ويسمى ~~مذهب الجبر، ومسألة الجبر والاختيار من المسائل الهامة التي حاول حلها كل من الدين ~~والفلسفة. # | هوامش # الفصل الرابع # | نظرية المعرفة # كثيرا ما تعرف الفلسفة بأنها نظرية «الكون والمعرفة»، فعلم ما بعد الطبيعة يبحث في ~~حقيقة الكون وأصله، أما ما يبحث في المعرفة نفسها (العلم بالشيء)؛ أعني حقيقتها ومنبعها ~~وحدودها التي تقف عندها، فيكون فرعا آخر من الفلسفة يسمى «نظرية المعرفة» أو ~~«إبستمولوجيا». وقد وجه فلاسفة اليونان الأولون نظرهم للبحث في حقائق الأشياء ~~وطبائعها، وهذا التفلسف والنظر الذي يفوق أنظار السذج والعامة وآراءهم تدرج بالمفكرين ~~الذين يبحثون عن الحقائق إلى البحث في مسألة أخرى؛ وهي: لماذا يختلف نظري إلى الأشياء ~~عن أنظار غيري من الناس؟ ولماذا تختلف نظرياتي المبنية على البحث عن الأفكار الشائعة ~~بين العامة؟ ms092 إني أعرف أن الناس على باطل وأني على حق، وأن هناك عالما من الأشياء ~~خارجا عني يعرفه عقلي، فكيف تدخل المعرفة بهذه الأشياء في عقلي فتثير أفكارا تولد ~~عالما من الأشياء في داخله؟ كيف حصلت هذه المعرفة؟ ولم يفكر الناس على خلاف ما أفكر؟ ~~أين منبع الحقيقة التي حصلتها؟ أين أصل المعرفة وحدودها التي تقف عندها؟ وما حقيقتها ~~وطبيعتها؟ هذه الأبحاث أدت إلى الشك في صحة المعرفة وفي الوثوق بها، وجاش في النفس هذا ~~السؤال: هل يمكن بحال أن نعرف الحقيقة، وأن نجد مقياسا صحيحا عاما نقيس به الأشياء ~~لنعرف صحيحها من باطلها؟ قد كان العقل البشري في أول الأمر يميل إلى العمل والسير في ~~الحياة من غير أن يسأل نفسه سؤالا كهذا، حتى إذا وقع في الخطأ ورأى آراء تناقض آراءه ~~اعتراه الشك ولم يعد يثق بما يرى، وبعد أن كان الفكر يشتغل بالأشياء الخارجية توجه ~~للبحث في نفسه هو، باحثا عن نصيبه من الصحة فسأل: ما المعرفة؟ وما علاقتها بالحقيقة؟ ~~هل المعرفة ممكنة؟ وهل يستطيع العقل البشري الوصول إليها؟ وإذا كان كذلك فكيف الوصول؟ ~~هذه أسئلة وأبحاث توجه إليها العقل الإنساني الشائق إلى أن يعرف، بعد أن بحث أبحاثه ~~فيما بعد الطبيعة. # قال «بولسن»: إن الفلسفة ابتدأت في جميع أماكنها بالبحث فيما بعد الطبيعة، فكان البحث ~~في شكل العالم وتكونه وأصله، وفي طبيعة الكون، وماهية الروح وعلاقتها بالبدن؛ هو ~~موضوع الفلسفة الأولى، وبعد أن استغرقت هذه الأبحاث زمنا طويلا اتجه الفكر للبحث في ~~المعرفة وإمكانها، ورأى العقل البشري ضرورة النظر فيما إذا كان من الممكن بحال حل هذه ~~المسائل، ومن هذا النظر نتجت «نظرية المعرفة»، من هذا يفهم أن البحث في صحة معرفة ~~الأشياء وحدودها وعلاقتها بحقائق الأشياء هو موضوع ما يسمى نظرية المعرفة، أو ~~إبستمولوجيا. # فيمكننا أن نجمل الغرض من نظرية المعرفة ومسائلها في أسئلة ثلاثة هامة؛ وهي: ~~(1) # ما المعرفة؟ وهو سؤال عن نفس المعرفة. ~~(2) # بم أحصل المعرفة؟ وهو سؤال عن أصل المعرفة ومنبعها. ~~(3) # هل يمكن تحصيل ms093 المعرفة؟ وهو سؤال عن صحة المعرفة وحدودها. # وقد أجاب العلماء عن هذه الأسئلة إجابات وردت ضمنا في تاريخ الفكر، وكانت مختلفة ~~تبعا للاختلاف في المذاهب الفلسفية، فذهب قوم من الفلاسفة إلى أن معرفة الأشياء نسخة ~~طبق الأصل لحقائق أشياء، وصورة دقيقة في عقولنا لما في الخارج، وأن الأشياء في الحقيقة ~~والواقع مطابقة لمظاهرها التي ندركها بواسطة القوى المدركة، وأن العالم الخارجي في ~~الحقيقة كما ندركه، وهو مستقل في الوجود عن إدراكنا، وأن مظاهر الأشياء وحقائقها ~~متطابقة، وإدراكنا للأشياء كما هي في الواقع هو المعرفة. وهذه العقيدة؛ أعني أن الأشياء ~~المحققة لها وجود في الخارج مستقل عما يماثلها في الذهن، تسمى «مذهب الواقع»، وهذا ~~المذهب يرى أن ما ندركه بالحواس سواء كان إدراكا يقينيا أو ظنيا، وما نعرفه ~~بالتأمل بالفكر # 1 ~~- وهما اللذان بهما تحصل المعرفة بالأشياء - نتيجة شيء حقيقي موجود في ~~الخارج مستقل عن ذهننا؛ فالمعرفة على هذا المذهب هي إدراك الأشياء كما هي في الواقع ~~بواسطة آلات البدن والنفس، فالشيء أسود وأحمر لأن به صفة جعلته أسود أو أحمر، فإذا ~~انعكس على أعيننا أدركنا سواده أو حمرته، وهذه الصفة موجودة محققة سواء انعكس الشيء على ~~عين الإنسان أو لا، ويقابل هذا المذهب مذهب الظواهر أو مذهب المثال، وهو يرى أن «إدراك ~~الأشياء»، و«الأشياء في أنفسها»، وبعبارة أخرى «ما في الفكر» و«ما في الخارج» مختلف ~~اختلافا كبيرا، وعلى هذا المذهب ليست المعرفة إدراك الأشياء كما هي في الواقع، ولا هي ~~- كما يقول الواقعيون - نسخة طبق الأصل، ولا صورة دقيقة للأشياء نفسها، بل المعرفة ~~إدراك الأشياء حسب ما يظهر لنا؛ إذ لا يمكن أن يكون بين المعرفة - التي هي عملية نفسية ~~- والأشياء الخارجية تشابه، وليس العالم الذي حولنا إلا نتيجة أنتجها عقلنا، وكل ما ~~نعرف من العالم والأشياء الخارجية سواء كان طريق المعرفة حواسنا أو تأملنا الفكري ليس ~~إلا خيالا يولده العقل، وبينا يرى الواقعي «أن الإدراك بواسطة الحواس يحدث عندنا ~~يقينا بها، وأن في ذلك الإدراك ضمانة لحقائق الوجود؛ إذا ms094 بالمثالي يرى أن حقائق الوجود ~~الخارجي ليست إلا قابليتها لأن تدرك». # أما السؤال الثاني؛ وأعني به السؤال عن أصل المعرفة ومنبعها، فقد أجيب عنه بجوابين: ~~أما الحاسيون أو التجربيون فقالوا: إن كل معرفة إنما سببها الإدراك بالحواس، وبعبارة ~~أخرى إن منبع معرفتنا هو الإدراك الأول، أعني الإدراك بالحواس باطنة أو ظاهرة، فباجتماع ~~هذه الإدراكات وتركيبها وإتقانها تحصل التجارب، وبجمع التجارب وترقيتها تحصل المعرفة، ~~فمنبع المعرفة إذن عمل الحواس، أي «الإدراك بالحس» و«التجربة»، وهما يقابلان عند أصحاب ~~النظرية الأخرى الآتي شرحها «التفكير» و«الفكر». # 2 # وعلى هذا المذهب تكون كل معرفة - ولو كانت فكرا عميقا أو «لقانة » - ترجع إلى ~~الإدراك الحسي، فمذهب الحاسيين أو التجربيين إذا هو المذهب القائل بأن التجربة هي ~~المنبع الوحيد للمعرفة، أو على الأقل أساسها، وأن كل معرفة تنبع من التجربة، والتجربة ~~نوعان: فإما أن تكون مستقاة من الحواس الظاهرة، وإما من الباطنة، فإدراك الأشياء ~~الخارجية يسمى إحساسا، وإدراك الأشياء الباطنية يسمى تأملا، والإدراك بنوعيه باب ينفذ ~~منه ضوء المعرفة «إلى حجرة الفهم المظلمة». # قال «لوك» في رسالته (العقل البشري): «لنفرض أن العقل صحيفة بيضاء خالية من أية كتابة ~~وأي معنى، فكيف استعدت لأن تتلقى ما يلقى إليها؟ ومن أين لها ذلك المستودع العظيم ~~الذي نقشه عليها خيال الإنسان الواسع نقشا متنوعا إلى أنواع لا تحد؟ ومن أين لها كل ~~مواد الفهم والمعرفة؟ عن كل هذه الأسئلة أجيب بكلمة واحدة وهي: «من التجربة»؛ فمنها ~~استقينا كل ما عرفنا، ومنها نستمد المعرفة؛ فملاحظتنا - سواء كانت ملاحظة محسوسات ~~خارجية أو ملاحظة عمليات العقل الباطنية، وبعبارة أخرى سواء أكانت إدراكا بالحس ~~الخارجي أو تأملا فكريا - هي التي تزود عقلنا بكل أدوات التفكير، ومن هذين الينبوعين ~~تنبع كل أفكارنا ... وكل أفكار يمكن أن تكون ... وهما - على ما أعرف - المنفذان اللذان ينفذ ~~منهما الضوء إلى تلك الحجرة المظلمة؛ إذ يظهر لي أن العقل كحجرة صغيرة حرمت من كل ~~النوافذ إلا فتحات صغيرة تدخل منها صور المحسوسات الخارجية أو الآراء المتعلقة بها.» ~~وقال: «لهذا ms095 كان أول مقدرة للعقل هو أن يكون صالحا للانفعال؛ إما بواسطة الحواس التي ~~تدرك الأشياء الخارجية، وإما بالعمليات التي يعملها العقل عند التأمل في هذه الأشياء، ~~وهذه أول خطوة يخطوها الإنسان لاستكشاف أي شيء، والأساس الذي تنبني عليه كل الآراء التي ~~يحصلها في هذا العالم، فكل الأفكار الراقية الجليلة التي تفوق السحاب رفعة وتعلو علو ~~السماء إنما أصلها الحواس، يسبح العقل مسافات بعيدة ويفكر ويتأمل تأملات رفيعة، وهو في ~~كل هذا لا يخرج قيد ذرة عما أمدته به الحواس أو التأمل (الفصل الأول من الجزء ~~الثاني).» من هذا يعلم أن الحاسيين أو التجربيين يرون أن ما يمكن أن يجرب هو وحده الذي ~~يمكن أن يعرف، وأن أداة المعرفة الصحيحة هو الإدراك بالحس، ومدركاتنا عند التجربيين ~~ناشئة من قوة الإدراك بالحس، أما قوة الفكر فقابلة في الغالب لما يرد عليها لا فاعلة. ~~(انظر فلكنبرج ص318). # ويعارض نظرية الحاسيين أو التجربيين نظرية الذهنيين أو العقليين، وهؤلاء يقولون: إن ~~التجربة التي تحصل بواسطة الحواس مضلة موهمة، وإن الحواس لخداعة كذابة مخطئة، فإذا كانت ~~كل معارفنا بواسطة الإدراك بالحس فالمعرفة مستحيلة؛ ذلك لأن الإدراك والتجربة إنما ~~يخبراننا بما يتعلق بحالة واحدة من أحوال الشيء، ولا يستطيعان أن يتناولا كل الأحوال، ~~فلو كان الأمر مقصورا عليهما لما عرفنا حقيقة عامة، وإذ كان من الثابت أن المعرفة ~~ممكنة وجب أن نقول: إن بعض المدركات التي تكون المعرفة ليس أساسها الحواس - ولأن ~~تعد الحواس عدوا للمعرفة الحقة أقرب من أن تعد خادمة لها - وإن ما يظهر للعقل ~~بواسطة الحواس إنما هو مظهر الأشياء الخارجي الخداع لا ماهيتها الحقة التي لا تحس. ~~(انظر فلكنبرج ص219). فالمعرفة إذا إنما تحصل بالفكر، وبالتفكير وحده يمكننا أن (نشرف ~~على مملكة الظواهر المتغيرة)، وبينا التجربي يرى أن كل الحواس والتأمل منبع المعرفة إذا ~~بالعقلي يرى أن التفهم والتعقل هو المنبع الوحيد للمعرفة، ويستدل العقليون بأن العلم ~~والفلسفة يميلان إلى العموم والضرورة # 3 # كما يظهر ذلك في العلوم الرياضية التي هي أهم مظهر ms096 للمعرفة العلمية. والعلم ~~والفلسفة لا يمكن أن يحصلا بالتجربة لأنها محدودة، وإنما يحصلان من طريق العقل الذي به ~~الإدراك، وهو وحده المدرك، ثم كيف يفهم ما لا يحس؛ كالله والأبدية ومجموع العالم إذا ~~نحن اعتبرنا التجربة لا العقل منبعا لمعرفتنا وآرائنا؟ الحق أنه بواسطة التفكير المحض ~~وحده يمكننا فهم حقائق الأشياء، وقد غلا بعضهم في معارضة التجربيين «فذهب إلى أنه لا ~~يصل شيء إلى النفس من الخارج، ولا يمكن للنفس أن تبتكر شيئا إذا لم يكن من الأصل ~~فيها». # إنما شغل العقليون والتجربيون أنفسهم بمسألة المعرفة، فذهب الأولون إلى أنها تحصل ~~بواسطة العقل المحض، وبه وحده يحصل العلم بالأشياء، أما بواسطة الإدراك بالحس فمستحيل ~~أن يحصل ذلك، والتجربيون ينكرون تحصيل المعرفة بالعقل المحض، ولكن لم يتعرض أحد ~~المذهبين لمسألة إمكان المعرفة، فكلاهما وثق بالعقل البشري ثقة تامة واعتقد بقدرته على ~~معرفة الأشياء. # ولكن لما كان هذا الموثوق بالعقل وبقدرته على تحصيل الحقائق قد تزلزل بنظرية ~~التجربيين؛ كانت النتيجة أن ضعفت الثقة بالعقل أولا، وتلا ذلك تعريضه للنقد والامتحان، ~~وظهرت هذه المسألة: هل تمكن المعرفة؟ وإذا أمكنت فإلى أي نقطة تمتد؟ وما حدودها؟ ~~والعقليون والتجربيون لم يبحثا في هذه المسألة، بل آمنا بأن لنا قدرة على معرفة ~~الأشياء؛ إما بواسطة الإدراك بالحس، وإما بواسطة التفكير، وبأن الأشياء في الحقيقة هي ~~كما ندركها، ويسمى هذان المذهبان مذهب اليقين؛ نظرا لتيقنهما بإمكان المعرفة. # ويعارض مذهب اليقين مذهبان آخران يكونان نظامين من نظم الفلسفة، ويتعلقان بمسألة ~~إمكان المعرفة وحدودها: أحدهما مذهب الشك، والآخر مذهب النقد، فمذهب الشك يشك فحسب، ~~وينكر إمكان المعرفة وقدرة الإنسان عليها، ويمسك عن إبداء أي رأي، ويقابله مذهب النقد؛ ~~فهو لا بد من أن ينكر ببساطة، ويشك من غير تعليل، ينقد ويبحث في كيف نشأت المعرفة كما ~~يبحث في حدودها. # رأى النقاد - أصحاب مذهب النقد - أنفسهم أمام مسألتين لا تحل ثانيتهما إلا بحل ~~أولاهما، فقبل أن يبحثوا في منبع المعرفة وأصلها قالوا: يجب أن نبحث في حدود المعرفة ~~ويقام البرهان ms097 على إمكانها، وبعد أن تعرف الشروط التي بها تحصل المعرفة يمكن للإنسان أن ~~يعرف ما يمكن إدراكه بهذه الشروط. (فلكنبرج 322). # وإنا نذكر كلمة مجملة في تاريخ نشوء نظرية المعرفة (إبستمولوجيا)، ففي عصر الفلسفة ~~القديمة كان السوفسطائيون أول من أثار البحث في المعرفة، ومهدوا السبيل للعقليين ~~والتجربيين، وفيها بحث الإيليون وأفلاطون وأرسطو، وفيها بحث الرواقيون والشكاك ~~والأبيقوريون، وفي العصور الحديثة كانت هذه المسألة في مقدمة المسائل عند البريطانيين ~~وغيرهم من الممالك الأوروبية في القرن السابع عشر، فكان للعقليين نفوذ كبير في ممالك ~~أوروبا غير بريطانيا بما وضعه ديكارت 1650، وسبينوزا 1677، وليبنتز 1716، وولف 1754. ~~أما الباحثون البريطانيون: بيكون 1626، وهوبز 1679، ولا سيما جون لوك 1632-1704 فكانوا ~~تجربيين، وقد أدت أبحاث لوك التجربية إلى مذهب الشك الذي وضعه هيوم 1776 في إنجلترا، ~~كما أن بحث هيوم كان باعثا قويا «لكانت» على أن يرقى مذهبه النقدي، وكما قيل: «ينبهه ~~من نومه اليقيني.» # | هوامش # | الخاتمة # هذا باختصار تام هو موضوع الفلسفة ومجالها بجميع فروعها، وإنه لمن الصعب أن نحيط ~~بموضوع كهذا - كتبت فيه مجلدات - في رسالة صغيرة كهذه ألفت لسواد الناس، ومما يزيد ~~الأمر صعوبة أن يكون موضوع البحث مما اختلفت فيه الآراء اختلافا كبيرا كما هو الشأن ~~في الفلسفة، حتى لقد وصل الجدال وامتد الخلاف إلى تعريف الموضوع وماهيته، وإني لآمل أن ~~أكون قد أوضحت للقارئ شيئين: ~~(1) # أن الفلسفة تحاول أن تجيب عن هذه الأسئلة الباقية أبدا؛ وهي: كيف؟ وما؟ ~~ولم؟ ما حقيقة الشيء الموجود؟ كيف ظهر إلى الوجود؟ ماذا نعرف؟ ماذا يجب ~~أن نعمل؟ لم يجب أن نعمل بهذه الطريقة دون غيرها؟ ~~(2) # أن الفلسفة ليست شيئا بعيدا عن الحياة الحقيقية، بل إنها شيء مرتبط ~~بمسائل الحياة اليومية؛ مدرستها العالم، وموضوعها ظواهر الكون، وكتبها ~~العقل الإنساني، هي الفكر موجها إلى العالم الذي حولنا وإلى كل مظاهره، ~~وإلى حياة العالم الفسيح الذي كل منا جزء منه، وإلى نفسنا التي بين جنبينا، ~~وبالإجمال إلى العالم الكبير والعالم الصغير (الإنسان). كل هذا شيء معروض ~~على الوضيع والرفيع، على العالم والجاهل، ms098 فكل إنسان - باعتبار ما في بعض ~~لحظات حياته - فيلسوف، وستدوم الفلسفة ما دام الفكر البشري. نعم، ليست ~~مسائل الفلسفة في كل العصور سواء، ولا يمكن أن يكون ذلك كذلك؛ فإن الفكر ~~الإنساني في تقدم ورقي مشاهد في كل مكان، فكم من مسائل اختفت وحل محلها ~~مسائل جديدة، وكما أن الكهل يبتسم عندما يلقي بنظرة على آرائه أيام صباه، ~~فيرى أن أهم شيء كان يراه في أمسه أصبح تافها في يومه، كذلك النوع البشري ~~في سيره قدما يغير مزاعمه وآراءه ومثله العليا، وينبذ عقائد ويعتقد ~~أخرى، ولا يكاد العقل البشري يجد حلا لمعضلة قديمة حتى تظهر أخرى جديدة، ~~ويكاد في نفس الوقت الذي وفق فيه إلى حل ظاهرة غامضة وإيضاحها تظهر مشكلة ~~جديدة في أفق الفكر البشري، وأن حب المعرفة والشوق إليها والرغبة في كشف ~~الحجاب عن الطبيعة والنفوذ إلى أسرارها لمعرفة الحقيقة ستظل خالدة في أعماق ~~صدر الإنسان. نعم، إن الثورات العظيمة التي تقوم في مملكة الفكر ستحل ~~الألغاز القديمة، وتقلب الأفكار العميقة المتأصلة رأسا على عقب، وتبدد ~~العقائد القديمة والمثل العليا العتيقة، ولكن لا بد أن يكون للإنسان جديد ~~يقوم مقامها. وإن حل الألغاز المتشعبة التي لا تفتأ تظهر، والعمل على إيجاد ~~مثل عليا جديدة، ووضع الحقيقة الجديدة محل القديمة واعتناقها، وبناء ~~الإنسان أعماله وسلوكه عليها، كان ولا يزال وسيكون غرض الفلسفة. # معجم لأشهر الرجال الذين ورد ذكرهم في الكتاب # أرسطو أو أرسططاليس # Aristotle ~~: # 384-322ق.م أعظم فلاسفة اليونان الأقدمين، رحل إلى أثينا ولازم ~~أفلاطون يأخذ عنه العلم حتى مات أفلاطون، وأسس بأثينا مذهبا يسمى ~~أتباعه بالمشائين؛ لأنه كان يعلم في مماش مظللة، ويلقب بالمعلم الأول ~~لأنه أول من جمع علم المنطق ورتبه واخترع فيه، وقد دعاه فيلبس لتعليم ~~ابنه الإسكندر المقدوني، فعلمه نحو ثلاث سنوات، وله كتب كثيرة في فروع ~~العلم المختلفة. # ألبيان # Ulpian ~~: # 170-228م مشرع روماني ألف كتبا كثيرة في التشريع. # أنكساغوراس # Anaxagoras ~~: # فيلسوف أيوني مات سنة 428ق.م، اتهم سنة 424ق.م بالإلحاد، وحكم عليه ~~بالإعدام، ثم استبدل بالنفي ms099 من أثينا بعد أن أسس بها مدرسة، وتبنى ~~فلسفته على أصلين؛ الأول: أنه لا يوجد شيء من العدم، والثاني: أنه لا ~~بد للعالم من علة مدبرة. ولم تصل إلينا فلسفته واضحة، بل كل ما وصلنا ~~قطع متفرقة ناقصة. # أنكسيمنس # Anaximenes ~~: # فيلسوف يوناني مشكوك في تاريخ حياته، إلا أنه يظن أنه عاش من ~~560-500ق.م، ولم يبق شيء مما كتب، ويعرف عنه أنه كان يقول بأن الهواء ~~مبدأ للأشياء كلها، وأن العالم موجود بحركتي التكاثف والتمدد، أي ~~انقباض الهواء وانبساطه، وأرجع العناصر الأخرى إليه فقال: إن النار ~~هواء متمدد غاية التمدد، والماء هواء متكاثف بعض التكاثف؛ فإن زاد ~~التكاثف كان التراب والحجارة وسائر الجوامد. # أوغسطينوس هو القديس أوريليوس أوغسطينوس # Augustine ~~: # 354-430م، ولد في إفريقيا في بلدة قريبة من قرطاجنة، وتعلم في مدارس ~~مادوره وقرطاجنة، وطالع شيئا من الفلسفة، وصار أسقفا لكنيسة هبو ~~فاجتهد في توحيد الكنائس النصرانية، وله تآليف كثيرة جمع فيها بين ~~الفلسفة والدين. # إقليدس # Euclid ~~: # فيلسوف يوناني رياضي قيل: إنه ولد في الإسكندرية وتوطن إغريقية قبل ~~الميلاد بثلاثمائة سنة، ثم جاء إلى الإسكندرية وفتح مدرسة لتعليم ~~الرياضيات صارت أشهر مدرسة في مصر، وأشهر كتبه كتابه المعروف بأصول ~~إقليدس، منه قسم في الهندسة لا يزال يعتمد عليه في مدارس إنجلترا، ~~واشتغل به العرب وشرحوه، وممن شرحه نصير الدين الطوسي، وله تآليف أخرى ~~عديدة. # بالي Paley ~~: # باحث إنجليزي 1743-1805م كتب في الأخلاق والسياسة. # بخنر # Buechner ~~: # فيلسوف مادي وطبيب ألماني 1824-1899م، وهو من أتباع دارون، وقد ذكر ~~مذهبه الدكتور شميل في كتابه النشوء والارتقاء من صفحة 288-296 ومن ~~322-342 فارجع إليه. # برك # Broke ~~: # هو سياسي وخطيب وكاتب إنجليزي 1729-1797م، كتب في الفلسفة والسياسة، ~~ولم يرض عن الثورة الفرنسية وانتقدها نقدا شديدا. # بركلي # Berkely ~~: # هو جورج بركلي 1685-1753م، أسقف وفيلسوف إنجليزي بحث في نظرية ~~المعرفة، وذهب إلى أن لا وجود للمادة، وليس إلا العقل والروح، وكان له ~~قدرة على التعبير عن الآراء الفلسفية بعبارة واضحة ظريفة. # بروديكوس Prodicus ~~: # فيلسوف يوناني سوفسطائي كان في زمن ms100 سقراط. # بطلر # Butler ~~: # يوسف بطلر فيلسوف إنجليزي 1692-1752م، اشتهر ببحثه في علم الأخلاق ~~ما وراء المادة، وكان يرى أن في طبيعة الإنسان دافعين رفيعين: حب ~~النفس، والوجدان، وهما الرئيسان على كل ما عداهما من الدوافع، وتوسع في ~~نظرية الوجدان، وكان يرى أن كل إنسان يجد في أعماق نفسه أساس الخير، ~~ويحس بأنه ملزم باتباعه. # بنتام # Bentham ~~: # هو جرمي بنتام، عالم إنجليزي 1748-1832م، اشتهر ببحثه في الأخلاق ~~والقانون، وهو من أكبر دعاة مذهب المنفعة؛ وربما عد مؤسسه، وهو القائل ~~بأن «مقياس الخير والشر أكبر لذة لأكبر عدد»، وألف في أصول القوانين ~~كتابه المشهور (أصول القوانين) الذي عربه المرحوم فتحي زغلول باشا. # بولس: القديس بولس # St. Paul ~~: # أحد الحواريين، قتل في رومة سنة 66م. # بيكون # Bacon ~~: # هو فرنسيس بيكون، فيلسوف إنجليزي 1561-1626م تعلم في كمبردج، ثم ~~سافر إلى فرنسا فجال فيها، وفي سنة 1588 عينته الملكة أليصابات وكيلا ~~للدعاوى في ديوانها، ثم عين مدعيا عموميا، ثم جعل لوردا، إلخ، وفي ~~سنة 1621 اتهم بأخذ الرشوة، وحوكم وحكم عليه بغرامة وبالعزل من منصبه ~~وبالحبس، ثم عفا عنه الملك. # لم يقنع بيكون بفلسفة أرسطو، ولم يرض عن نظام الفلسفة في القرون ~~الوسطى؛ فقد كان الفلاسفة يضيعون جهدهم في مناقشات قليلة الفائدة، ~~ويتلاعبون بالألفاظ، ويقنعون بالحقائق المجردة التي لا يبنى عليها عمل؛ ~~ولكن بيكون وجه همته وفلسفته نحو المسائل العملية وما يسعد الناس، ~~وبهذا كان له الفضل على الفلسفة. ألح بيكون في طلب الملاحظة ودقة ~~النظر والتجربة، وأن النتائج يجب أن يتوصل إليها من الاستقراء والعناية ~~بالمعلومات وترتيبها، وقال بضرورة تطبق هذا المبدأ على علم الأخلاق ~~والسياسة. ويعد بيكون مؤسس الفلسفة التجربية. # بيرون # Byron ~~: # هو اللورد بيرون، شاعر إنجليزي مشهور 1788-1824م. # بين Pain ~~: # عالم إنجليزي 1818-1903م، كاتب في النفس والأخلاق والمنطق. # تندال # Tindal ~~: # 1656-1733م كاتب إنجليزي كان من العقليين؛ يقول بالإله وينكر الوحي. # تينيسن # Tennyson ~~: # 1809-1892م شاعر إنجليزي شهير. # تولاند # Toland ~~: # 1670-1722م، كان على رأي تندال فيما ذكرنا من الوحي. # تين # Tane ~~: # 1828-1893م مؤرخ فرنسي، ms101 كتب في آداب اللغة الإنجليزية، وبحث في علم ~~الجمال. # جانيه: بول جانيه Paul ~~Janet ~~: # 1823-1899م فيلسوف فرنسي كان مثاليا من أتباع هجل. # جسندي # Gassenndi ~~: # 1592-1655م فيلسوف فرنسي فتح مدرسة في فرنسا أحيا فيها تعاليم ~~أبيقور، وتخرج منها موليير وفولتير. # جوتيه # Goethe ~~: # 1749-1832م أديب ألماني كبير كان كاتبا وشاعرا وروائيا ~~وفيلسوفا وعالما، وكان يقول بالحلول، وكانت حياته مثارا للعواطف. # دارون # Darwin ~~: # 1809-1882م فيلسوف إنجليزي غير وجه العلم بأبحاثه، خالف رأي ~~الأولين القائلين بأن كل نوع من المخلوقات له خصائص ثابتة منذ البدء لا ~~تتغير؛ فكل نوع مستقل عن غيره، وقال هو بالتحول؛ أي إن هذه الخصائص ~~تتغير على تمادي الزمان فتحول الأنواع إلى أنواع أخرى جديدة، وهكذا، ~~وأن الأنواع لم تخلق كلها في زمن معين، ولكن على التعاقب خلف بعضها ~~بعضا، وشرح علة هذا التغير فقال: إنه ناشئ من تأثير البيئة ومن ~~التربية، وهو القائل بنظرية «تنازع البقاء، وبقاء الأصلح» أي إن أنواع ~~الموجودات في تنازع وعراك شديد من أجل البقاء، والفوز في هذا التنازع ~~إنما هو للأنواع القوية، أما غيرها فهو إلى التلاشي والفناء. # دنس سكوتس # Duns ~~Scotus ~~: # فيلسوف إنجليزي من فلاسفة القرون الوسطى، ولد نحو سنة 1274 إلى سنة ~~1308، اشتهر بمزجه الفلسفة بالدين. # ديكارت # Descaret ~~: # رياضي وفيلسوف فرنسي، يعد مؤسس الفلسفة الحديثة 1596-1650م، تعلم ~~الأدب ولم يقنع به فاشتغل بالفلسفة، ولم يرض عن فلسفة أرسطو التي كانت ~~شائعة في عصره، والتي كانت تؤخذ قضايا مسلمة من غير بحث، فجاء ~~ديكارت ووضع مبادئ جديدة؛ أهمها: ~~(1) # عدم التسليم بشيء ما لم يفحصه العقل ويتحقق من وجوده، ~~فما كان مبنيا على الحدس والتخمين وما كان منشؤه العرف ~~والعادة يجب أن يرفض. ~~(2) # طريقة البحث يجب أن تكون هكذا: نبتدئ بأبسط الأشياء ~~وأسهلها، ثم نتوصل منها إلى ما هو أكثر تركبا وأغمض فهما ~~حتى نصل إلى المقصود، ولا يحكم بصحة مقدمة حتى يتحقق منها ~~بالامتحان - وكان يؤمن بالله وبخلود الروح - وقد أثارت ~~تعاليمه رجال الدين في عصره فحاربوه، وله استكشافات في ~~الطبيعة والرياضة. # ديمقريطس ms102 # Democritus ~~: # فيلسوف يوناني ولد سنة 470ق.م، ولا تعرف سيرة حياته ولا تصانيفه ~~معرفة دقيقة، ويعرف بالفيلسوف الضاحك؛ لأنه لم يكن يرى إلا ضاحكا، ~~يضحكه منظر العالم وأحواله؛ ويناقضه في ذلك هرقليطس. (انظر: هرقليطس). # رسكن # Ruskin ~~: # أديب ومصلح اجتماعي إنجليزي 1819-1900م، كتب في الفن وفي الاقتصاد ~~السياسي، ويتجلى في كتبه النبوغ والإخلاص، وكان يرى أن الفن وعلم ~~الجمال يجب أن يخضعا للأخلاق. # رنان # Renan ~~: # إرنست رنان فيلسوف فرنسي 1823-1892م تربى في أول أمره تربية دينية ~~ودرس الفلسفة واللاهوت وتاريخ الأديان واللغات القديمة، وعدل بعد بحثه ~~العلمي عن الانخراط في سلك رجال الدين، وألف كتبا كثيرة النفع؛ منها: ~~كتاب (مستقبل العلم)، وكتاب (ابن رشد ومبادئه)، وأشهر كتبه (تاريخ ~~الديانة المسيحية)؛ ومنه قسم في تاريخ المسيح ترجم إلى العربية، وكان ~~يرى أن المسيح إنسان راق لا إله، فقام عليه رجال الدين وحرموه من ~~الكنيسة، ولعنوا من يقرأ كتبه. # روسو: جان جاك روسو # Rousseau ~~: # كاتب وفيلسوف فرنسي 1712-1778م، ربي في أول أمره تربية خاملة، ولم ~~يكن له من المال ما يكفيه، ووظف كاتبا عند أحد أصحاب الأملاك ، ثم ظهر ~~نبوغه في الكتابة والتفكير، فانقطع إليهما وألف جملة كتب مفيدة؛ ~~أشهرها: (أميل) في التربية، رأى فيه أن التربية الصحيحة إنما تكون بترك ~~الولد للطبيعة تربيه! وله كتاب (الاعترافات) ذكر فيه تاريخ حياته، وله ~~مبادئ في السياسة والآداب سامية كانت من عوامل الثورة الفرنسية. # ريد # Reid ~~: # توماس ريد فيلسوف إنجليزي 1710-1796م، كان أستاذا للفلسفة في جامعة ~~غلاسكو. # زينون # Zeno ~~: # فيلوس يوناني 342-270ق.م مؤسس مذهب الرواقيين، كان يعلم أصحابه في ~~رواق مزخرف، فسمي أصحابه بالرواقيين، وكانوا يرون أن الغاية ليست هي ~~السعادة ولا تحصيل اللذة؛ بل نيل الفضيلة. # زينوفون # Zenophon ~~: # مؤرخ يوناني 430-355ق.م. # سبنسر: هربرت سبنسر # Spencer ~~: # فيلسوف إنجليزي 1820-1903م حاول أن يضع العلوم كلها في نظام عام، ~~وكانت فلسفته مؤسسة على مذهب النشوء، رقى الأبحاث الأخلاقية ~~والاجتماعية والتربية، وألف كتبا كثيرة مفيدة في النفس والأخلاق ~~والاجتماع والتربية والسياسة، ويعد من أقطاب العلم الحديث. # سبينوزا # Spinoza ~~: # فيلسوف ms103 هولاندي 1632-1677م، ولد من أب يهودي برتغالي، واضطهده ~~اليهود لما ظهر منه من الريبة في تعاليم اليهودية فطردوه، درس فلسفة ~~ديكارت، ثم وضع طريقة جديدة خاصة به، ونشر مذهب الحلول، وقد حكم فلاسفة ~~القرن السابع عشر بكفره، وكتب عدة مؤلفات فلسفية وسياسية. # سقراط # Socrates ~~: # فيلسوف يوناني شهير 469-399ق.م وجه البحث الفلسفي إلى الإنسان، وكان ~~قبله موجها إلى العالم والأجرام؛ ولذلك قيل: إنه استنزل الفلسفة من ~~السماء إلى الأرض! ويعد سقراط مؤسس علم الأخلاق لأنه أول من حاول أن ~~يبني معاملات الناس على أساس علمي، وكان يدعي أن صوتا داخليا يرافقه ~~على الدوام، ويمنعه من ارتكاب بعض الأعمال، اتهم بأنه يحتقر آلهة ~~اليونان وبإفساد الشبان بتعاليمه، وحوكم وحكم عليه بالإعدام، وسقي كأس ~~السم فمات، وهو أستاذ أفلاطون. # سلي # Sully ~~: # فيلسوف إنجليزي ولد 1842م، وفي سنة 1892م عين أستاذا للفلسفة في ~~جامعة لندن، ألف كتبا كثيرة قيمة في علم النفس. # سوفوكليز # Sophocles ~~: # شاعر وروائي من أشهر الروائيين اليونانيين 495-406ق.م، كتب أكثر من ~~مائة كتاب أكثرها روايات تمثيلية. # شافتسبري # Shaftesbury ~~: # فيلسوف إنجليزي في الأخلاق 1671-1713م، كان يعارض نظرية هوبز التي ~~ترجع كل عمل إلى الأثرة وحب النفس بنظريته التي يقول فيها : إن الإنسان ~~مفطور على حب الناس كما هو مفطور على حب نفسه، والفضيلة إنما هي بتوازن ~~الغريزتين. # شلر # Schiller ~~: # شاعر وروائي ألماني شهير 1759-1805م. # شلر ماكر # Scheilermacher ~~: # فيلسوف لاهوتي ألماني 1768-1834م، درس فلسفة أفلاطون وسبينوزا، ~~وكانت له أبحاث في نظرية المعرفة وفي الدين، وكان يؤمن بالله، ~~وبالنصرانية. # شلنج # Schelling ~~: # فيلسوف ألماني 1775-1854م، كان أستاذ الفلسفة في مونيخ وبرلين، ~~وكانت آراؤه متأثرة بالفلسفة الأفلاطونية الحديثة وفلسفة برونو، وفي ~~فلسفته ضرب من التصوف. # شلي # Shelly ~~: # شاعر إنجليزي 1792-1822م، شعره مملوء بعاطف الحب للإنسانية. # شوبنهور # Schopenhaure ~~: # فيلسوف ألماني 1788-1860م، مؤسس فلسفة التشاؤم، كان يرى أن هذا ~~العالم شر عالم يمكن أن يكون؛ وأن ما فيه من الآلام تفوق ما فيه من ~~اللذائذ، وأن السعادة إنما تكون بالزهد وقمع الشهوات وبالحياة الفكرية، ~~وأن الشيء الأساسي فينا ms104 هو الإرادة. # شيشرون # Cicero ~~: # خطيب وسياسي روماني 107-43ق.م، كان له الفضل في إخراج الفلسفة ~~اليونانية في ثوب روماني. # فجت # Vogt ~~: # عالم طبيعي 1817-1895م، تعلم في برن وعين أستاذا في جامعة جسن ثم ~~حرم المنصب لأنه كان من دعاة الثورة، وكان ماديا محضا. # فخته # Fichte ~~: # فيلسوف ألماني 1762-1814م، كان أستاذا للفلسفة في جامعة جينا ~~بألمانيا، واتهم بالزندقة. # فخنر # Fechner ~~: # فيلسوف ألماني 1801-1887م، كان أستاذا للطبيعيات في ليبزج، وجه ~~أكثر جهده في البحث في الكهرباء ونظريات اللون، ثم ترك البحث في هذا ~~لمرض اعتراه في عينه، واشتغل بالبحث في العلاقة بين الفسيولوجيا ~~والسيكولوجيا - علم وظائف الأعضاء والنفس - وكتب بعض كتب في الاعتقاد ~~والنفس. # فندت # Wundt ~~: # فيلسوف ألماني 1832م كتب في المنطق وعلم وظائف الأعضاء والنفس ~~والأخلاق. # فنكلمان # Winckelmann ~~: # فنان نقاد ألماني 1717-1768م، كتب في تاريخ الفن القديم. # فولتير # Voltaire ~~: # فيلسوف وشاعر فرنسي 1694-1778م، كتب روايات كثيرة، وله شهرة فائقة ~~في الأدب والروايات التمثيلية، وكان لكتاباته أثر عظيم في أفكار ~~الأوروبيين. # فيثاغورس Pythagoras ~~: # فيلسوف يوناني كان في القرن السادس قبل الميلاد، لم يعرف عن حياته ~~إلا القليل، وتعاليمه التي نقلت إلينا موضع شك، ولكن مما لا شك فيه أنه ~~كان يقول بتناسخ الأرواح، وينسب إليه القول بأن نهاية الأشياء كلها ~~العدد. # كارليل # Karlyle ~~: # توماس كارليل مؤرخ وأديب إنجليزي 1795-1881م، ألف تآليف كثيرة نافعة ~~أشهرها: تاريخ الثورة الفرنسية ، وكتاب الأبطال؛ وفيه فصل عن محمد رسول ~~الله كأحسن ما يكتب غربي عن شرقي، تغير به رأي الإنجليز في الرسول، ~~فبعد أن كان كثير منهم يهجونه جهلا أصبحوا يعترفون بفضله ونبوغه. # كانت: عمانويل كانت # Immanuel ~~Kant ~~: # من أشهر فلاسفة الألمان 1724-1804م، ومؤسس فلسفة النقد، وكان أستاذ ~~الفلسفة في جامعة كونسبرج، وكان يعيش عيشة منظمة أدق نظام، حتى كان أهل ~~قريته يضبطون ساعاتهم على خروجه من بيته. مر في ثلاثة أطوار؛ فكان في ~~أول أمره على مذهب ولف وليبنتز، ثم تأثر بمذهب التجربيين الإنجليزي، ثم ~~انتقل إلى الفلسفة النقدية من سنة 1770م. # كمت: أوجست كمت # Comte ~~: # فيلسوف ms105 فرنسي 1798-1857م، مؤسس الفلسفة الوضعية، وهذا النوع من ~~الفلسفة يرى ضرورة تنظيم معلومات الإنسان عن العالم وعن الإنسان وعن ~~الجمعية، وجعلها كلها مجموعا يلائم بعضه بعضا، وأنه لا يصح تأسيس علم ~~ما إلا على المشاهدات الخارجية، ولكمت اليد الطولى على علم الاجتماع، ~~وكان غرضه في الحياة أن يكون مصلحا للفكر ليصلح العمل. # لامتري # Lamettrie ~~: # عالم فرنسي في علم وظائف الأعضاء 1709-1751م، كان ماديا يعد ~~الإنسان آلة من الآلات، وأن النفس وظيفة المخ. # لسنج # Lessing ~~: # نقاد وروائي ألماني 1729-1781م، قضى مدة في برلين صحفيا ظهرت فيها ~~مقدرته على النقد. # لوثر: مارتن لوثر # Martin ~~Luther ~~: # زعيم المصلحين الدينيين، وهو راهب ألماني 1483-1546م، وكان الإصلاح ~~الذي يدعو إليه هو الرجوع إلى الكتاب المقدس وحده، ونبذ تقاليد الكنيسة ~~وما وضعه الآباء من الشروح، وأن للإنسان الحق في انتقاد ما تصدره ~~الكنيسة، وأن كل إنسان مسئول أمام الله، وليس للآباء ولا للبابا سلطة ~~العفو عن الذنوب والتطهير من الآثام. # لوتز # Lotze ~~: # فيلسوف ألماني 1817-1881م، كان أستاذا للفلسفة في ليبزج سنة 1842، ~~صرف جزءا كبيرا من حياته للبحث في علاقة علم النفس بعلم الحياة، وله ~~أبحاث أخلاقية. # لوك: جون لوك # Locke ~~: # فيلسوف إنجليزي 1632-1704م، كان متأثرا بتعاليم ديكارت، وكانت ~~أبحاثه الفلسفية متضمنة لاهوتا وسياسة واقتصادا وتربية، ألف ~~رسالة سماها (العقل البشري) كان يرى فيها أن العقل يجب أن يترك حرا ~~لينقد أي شيء، ويجب ألا يوضع له أي حد بواسطة أية سلطة، وكان تجريبيا ~~يرى أن مصدر معلوماتنا إنما هو التجربة، وبحث في سلطة الحكومة ورأى ~~ضرورة تنازل الناس عن بعض حريتهم للسلطة العامة، وعلى الملك المحافظة ~~على حقوق الناس؛ فإذا لم يحافظ فلا حق له في الملك. # ليبينتز # Leibniz ~~: # فيلسوف ألماني 1646-1716م، درس الفلسفة والرياضيات والقانون، ثم ~~اشتغل بالأمور السياسية واخترع الآلة العادة، وله مذهب في الفلسفة ~~وفي تكون العالم شرح في ثنايا الكتاب، وكان له فضل على العلماء الذين ~~أتوا بعده بطريقته العلمية، وبتوجيه النظر إلى علم النفس. # ليوسبس # Leucippus ~~: # كان نحو 500ق.م، فيلسوف يوناني ms106 مؤسس مذهب الجوهر الفرد، وممهد السبيل ~~في ذلك لديمقريطس. # ليوكريتوس كاروس # Lucretius ~~Carus ~~: # شاعر روماني 99-55ق.م، قد يعد من أتباع أبيقور. # مكس ملر # Max ~~Muller ~~: # لغوي ألماني إنجليزي 1813-1900م، كان مستشرقا، درس اللغة ~~السنسكريتية، وكان أستاذ اللغات الحديثة في أكسفورد، ونشر كتبا كثيرة ~~في علم اللغة. # مولشت # Moleschott ~~: # عالم في علم وظائف الأعضاء ولد في هولندا 1822-1893م، وكان ماديا ~~في تعاليمه وكتبه. # مونتسكيو # Montesquieu ~~: # مؤرخ واجتماعي وفيلسوف فرنسي 1689-1755م، ألف كتابه المشهور في عظمة ~~الدولة الرومانية وسقوطها. # ميل: جون ستوارت ميل # John Stuart ~~Mill ~~: # فيلسوف إنجليزي 1806-1873م كان متأثرا بتعاليم هيون وأوجست كمت، ~~كتب في المنطق وفي الاقتصاد السياسي وفي السياسة، وكتب رسالة في الحرية ~~ورسالة في مذهب المنفعة ألفها سنة 1863، وهو من أكبر مؤسسي مذهب ~~المنفعة والداعين إليه. # نيتشه: فردريك نيتشه # Neizsche ~~: # فيلسوف ألماني 1844-1900م، كان أديبا وكاتبا في الأخلاق، وكان ~~يؤمن بمذهب النشوء والارتقاء، وكان من آرائه في الأخلاق أن آراءنا في ~~الفضائل والواجبات يجب أن تنقح من آن لآخر على حسب تغير الأحوال ~~المحيطة بالناس، وقال: إن الفضائل النصرانية كالوداعة والتواضع ~~والإحسان قومت بأكثر مما تستحق، ولقب الأخلاقية النصرانية بأخلاقية ~~العبيد، وقال: يجب أن تعوض هذه الأخلاقية بأخلاقية السادة، وهذه ~~الأخلاقية العالية يجب أن تكون فوق القانون، والمثل الأعلى للإنسان ~~عنده إنسان له الحرية التامة في الكفاح ليبقى، يبحث عن لذته وما به ~~قوته ولا يعرف الشفقة. # نيوتن: إسحاق نيوتن # Neuton ~~: # فيلسوف إنجليزي في الطبيعيات 1642-1727م، له استكشافات كثيرة في ~~الطبيعة أشهرها قانون الجذب العام 1665. # هتشسون # Hutcheson ~~: # عالم إنجليزي لاهوتي وأخلاقي 1694-1746م، وكان أستاذ علم الأخلاق في ~~جامعة جلاسكو، وكان متبعا للوك في كثير من نظرياته، ومعارضا لهوبز. # هجل # Hegel ~~: # هو جورج وليام فردريك هجل فيلسوف جرماني 1870-1831م، كان من ~~الفلاسفة المثاليين، وكان حامل لواء الفلاسفة في عصره في ألمانيا. # هرتمان # Hartman ~~: # فيلسوف ألماني 1842-1906م، كان ينظر إلى العالم بعين السخط، ولكنه ~~يرى أنه بالتقدم الاجتماعي ربما نال الناس بعض السعادة. # هردر # Herder ~~: # مؤلف ألماني 1744-1803م، كان ms107 له أثر في ترقية علم الجمال، وكان ~~صديقا لجوتيه. # هرقليطس # Heraclitus ~~: # فيلسوف يوناني ولد في أفسوس بآسيا الصغرى، نبغ حوالي سنة 500ق.م، ~~ويلقب بالفيلسوف الباكي لأنه كان يبكيه ما يراه من شقاء الناس، على ~~العكس من ديمقريطس، ويرى الناس أساس عنصر الموجودات. # هلباخ أو هلبك # Holback ~~: # هو بارون هلبك فيلسوف فرنسي 1723-1789م، كان ملحدا، وكان يتهم ~~النصرانية بأنها منبع كل مرض. # هكسلي # Huxley ~~: # عالم من أكبر علماء الإنجليز في علم الحياة والحيوان 1825-1895، وقد ~~كتب في نظرية النشوء وعلم الأخلاق. # هوبز: توماس هوبز # Hobbes ~~: # فيلسوف إنجليزي 1588-1679م، اشتهر بأبحاثه السياسية ونظريته في ~~السياسة مذكورة في هذا الكتاب، وكذلك بحث في الأخلاق، وعد أساس ~~الأخلاق المصلحة الشخصية. # هوجارث: وليام هوجارث # Hogarth ~~: # 1697-1724م، يعد من أكبر فناني الإنجليز. # هوجو جروتيس # Hugo Grotius ~~: # 1582-1685 فقيه هولاندي كتب في القانون الدولي. # هيوم: دافيد أو داود هيوم # David ~~Hume ~~: # مؤرخ وفيلسوف إنجليزي 1711-1776م، وكانت فلسفته تجربية، أي إنه كان ~~يقول: إن كل معارفنا إنما نحصلها من التجربة. # هوم: جون هوم # Home ~~: # شاعر إنجليزي 1722-1808م. # هيبرج # Heiberg ~~: # شاعر دانماركي 1791-1860م. # هيكل: إرنست هيكل # Haeckel ~~: # 1834-1919م، عالم ألماني مشهور له أبحاث هامة في علم الحياة. # هيني # Heine ~~: # شاعر ألماني يمثل العواطف 1799-1856م. # والاس # Wallace ~~: # سائح وطبيعي إنجليزي 1822، صرف حياته في البحث في الحيوان والنبات ~~وطبقات الأرض، وقرر نظرية الانتخاب الطبيعي وبقاء الأصلح. # ولف # Wolff ~~: # فيلسوف ورياضي ألماني 1679-1854م، نظم تعاليم ليبنتز وعدلها. # يوليان الصابي # Gulian the ~~apostate ~~: # إمبراطور روماني 331-363م، أعلن حرية التدين، وكان هو نفسه يفضل ~~الوثنية على النصرانية. ms108