######OpenITI# #META# URI: 1373AhmadAmin.SaclawaWaFutuwwaFiIslam.Hindawi52963131 #META# Tags: literary.criticism :: history #META# ID: 52963131 #META# Title: الصعلكة والفتوة في الإسلام #META# AuthorID: 20953090 #META# Author: أحمد أمين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفتوة في الجاهلية‏ # الفتوة في الجاهلية‏ # | الصعلكة والفتوة في الإسلام # | الصعلكة والفتوة في الإسلام # تأليف # الدكتور أحمد أمين # | مقدمة # بقلم أحمد أمين # 23 نوفمبر سنة 1951 # بسم الله الرحمن الرحيم # في حوالي سنة 1938م لفت نظري وأنا أقرأ الأغاني في ترجمة حنين بن إسحاق كلمة عن الفتوة، ~~فهمت منها أن لها نظاما خاصا، وأن للفتيان في كل بلد مكانا يجتمعون فيه ويسأل عنهم ~~الغريب ويقصدهم، فتتبعت في الأغاني وغيره الحديث عنها. ثم رجع ذهني إلى الجاهلية، فتصفحت ~~بعض كتب الأدب، وخصوصا ديوان الحماسة والمفضليات، وكيف استعملوا كلمة فتوة استعمالات ~~مختلفة. ثم رأيت أن الصوفيين وضعوا في أشهر كتبهم بابا للفتوة أبانوا فيه معناها. ثم كان ~~أن قرأت رحلة ابن بطوطة فرأيته أثناء رحلته في البلاد التركية يشيد بذكر الفتوة فيها ويبين ~~إكرامهم للضيوف ومعاملتهم بعضهم لبعض، ثم عرضت لكلمة الفتوة في العصر الحديث. # كل هذا دعاني إلى أن أبحث في الفتوة وأتتبع معانيها في العصور المختلفة من العصر الجاهلي ~~إلى اليوم؛ فكتبت في هذا الموضوع بعض ما حضرني، وألقيت إذ ذاك محاضرة في دار الجمعية ~~الجغرافية، ونشرتها عقب ذلك كلية الآداب في مجلتها بمجلدها السادس الصادر في مايو سنة ~~1942م، وأخيرا اتجهت إلى أن أزيد فيها بعض ما عثرت عليه وأضمنها رسالة صغيرة هي هذه التي ~~أقدمها للقراء. # ثم كان وأنا أبحث هذه الفتوة أن رأيت علاقة كبيرة - ولو علاقة تناقض - بين الفتوة ~~والصعلكة؛ فكلاهما يؤدي معنى إنسانيا، وإن كان «الفتيان» تدل على أولاد الذوات ~~و«الصعاليك» تدل على أولاد الفقراء. # وقد لفت نظري يوما ما ديوان سيد الصعاليك عروة بن الورد، فقرأته وأعجبت منه بالصعاليك ~~على العموم، حتى كتبت مقالا في مجلة الثقافة عن عروة بن الوارد هذا والصعاليك قبل سنة ~~1944م. ثم قرأت رسالة قيمة لطالب من طلبتي عن الصعاليك في العصر الجاهلي أعدها يوسف عبد ~~القادر خليف أفندي في الصعاليك عند الجاهلية، فأعجبتني وأعجبني موضوعها فقرأتها واستفدت ~~منها. وتتبعت موضوع الصعاليك في الإسلام وهداني التفكير إلى أن حلف ms01 الفضول كان نتيجة لهؤلاء ~~الصعاليك، ولولاهم لم يكن ما أبنت في الكتاب. # وعللت كيف وقفت الصعلقة في صدر الإسلام وأسباب وقوفها، وكيف ظهرت في العصر العباسي على ~~شكل آخر إلى اليوم أيضا، فكان من البحث في الفتوة والصعلكة هذه الرسالة، فأشكر كل من كتب ~~في هذين الموضوعين ووصلت إلى أبحاثهم واستفدت من مجهودهم والله المعين. # | الفتوة في الجاهلية # لكل كلمة تاريخ يشبه تاريخ البلاد، وتاريخ النظم السياسية، وتاريخ الأشخاص، وتاريخ ~~الكلمات قد يكون معقدا ملتويا غامضا، كما يحدث في غيره من أنواع التاريخ. ويجتهد الباحث ~~في استعراض النصوص الكثيرة في العصور المختلفة ليستخلص منها تقلبات الكلمة في أوضاعها ~~المختلفة. وهذا ما أحاوله في كلمة الفتى والفتوة والصعلكة والصعاليك. # الفتوة في الأصل معناها الشباب، قالوا فتي يفتى، أي صار شابا. وقالوا هو فتي السن، ~~بين الفتاء. # وقد ولد له في فتاء سنه أولاد أي في شبابه. وأصل ~~كلمة فتى مصدر فتي فتى، كمرح مرحا. ثم جعلت وصفا فقالوا: «هو فتى، أي شاب» وجمعوا ~~الفتى على فتيان وفتو وفتية. والاسم من ذلك كله «الفتوة»، ووصفوا بالفتوة الإنسان والحيوان. ~~فقالوا إن الأفتاء من الدواب خلاف المسان. وقالوا للشاب فتى، وللشابة فتاة. # ثم نراهم نقلوا الكلمة نقلة أخرى، فاستعملوها للدلالة على القوة لأن الشباب عنوان القوة؛ ~~قال ابن قتيبة: «ليس الفتى بمعنى الشباب والحدث، إنما هو بمعنى الكامل الجزل من الرجال.» ~~يدل على ذلك قول الشاعر: # إن الفتى حمال كل ملمة # ليس الفتى بمنعم الشبان # ويقول آخر: # يا عز هل لك في شيخ فتى أبدا # وقد يكون شباب غير فتيان # فالفتوة على هذا المعنى معناها القوة، لأن الشباب مصدرها عادة، ومن هذا ~~المعنى على ما يظهر تسميتهم الليل والنهار باسم الفتيان. # ومن أقوى من الليل والنهار في إذلال كل عزيز وإضعاف كل قوي؟ # ومنه قول الشاعر: # لم يلبث الفتيان أن عصفا بهم # ولكل قفل يسرا مفتاحا # ثم من أحق منهما بأن يسميا فتيين، وقد سميا قبل بالجديدين؟ # وفتوة الناس مرحلة قصيرة المدى، وفتوة الليل ms02 والنهار متجددة أبدا. # ثم رأيناهم نقلوا معنى الفتى نقلة ثالثة، كالذي قال الجوهري: «الفتى السخي الكريم.» ولكن ~~فاته أن يقيد ذلك بالشباب. ومثل ذلك ما قال الزمخشرى: «الفتوة هي الحرية والكرم.» # قال عبد الرحمن بن حسان: # إن الفتى لفتى المكارم والعلا # ليس الفتى بمعملج الصبيان # وكأنهم لما لاحظوا في الفتوة الشباب والقوة لاحظوا أن القوة أكثر ما ~~تستمد في وسطهم من الكرم والحرية. # ويظهر أن الكلمة أصبحت في هذا الطور خاضعة للبيئات المختلفة، فتلبسها كل بيئة ما تراه ~~المثل الأعلى للفتى، فطرفة مثلا يرسم لنا صورة للفتى كما يتصورها هو وبيئته فيقول: # إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني # عنيت فلم أكسل ولم أتبلد # أحلت عليها بالقطيع فأجذمت # وقد خب آل الأمعز المتوقد # فذالت كما ذالت وليدة مجلس # ترى ربها أذيال سحل مهدد # ولست بحلال التلاع مخافة # ولكن متى يسترفد القوم أرفد # فإن تبغني في حلقة القوم تلقني # وإن تلتمسني في الحوانيت تصطد # وإن يلتق الحي الجميع تلاقني # إلى ذروة البيت الشريف المصمد # فطرفة يعد نفسه مثلا أعلى للفتى لاتصافه بأوصاف لا بد منها لمن نصب نفسه ~~ليكون فتى، وهي أنه أولا: إذا ما سأل القوم عن الفتى ينجدهم في الملمات، لم يجدوا الفتوة ~~متوافرة في أحد توافرها فيه، لأنه سرعان ما يهوي إلى ناقته يضربها بالسياط لتسرع في السير ~~للاتجاه، فتتبختر في مشيتها، كما تتبختر جارية ترقص بين يدي سيدها. وثانيا: هو لا يلجأ إلى ~~التلاع مخافة حلول الأضياف، وهو واسع الرحب في قرى الضيوف كما هو سريع النجدة في قتال ~~الأعداء. وهو إلى ذلك في حياته جاد هازل، يدلي برأيه بين عظماء القوم عندما يجد الجد، لأنه ~~شريف النسب، علي الحسب. # فإذا فرغ من الجد ودعا داعي اللهو، فهو في الحانات يشرب، وندماؤه أحرار كرام، تتلألأ ~~ألوانهم، وتشرق وجوههم، وتغنيهم مغنية، لابسه بردا، أو ثوبا صبغ بالزعفران. # فالفتوة في نظره ونظر أمثاله شجاعة وكرم، وإتلاف للمال في الجد والهزل، وعدم الاعتداد ~~بالحياة في السلم والحرب. # وقد شرح هذه ms03 الخصال بعد في قوله : # ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى # وحقك لم أحفل متى قام عودي # ومثل هذا قول الخنساء ترثي أخاها صخرا: # أمطعمكم وحاميكم تركتم # لدى غبراء منهدم رجاها # ليبك عليك قومك للمعالي # وللهيجاء إنك ما فتاها # تقصد إنك فتاها، وما زائدة. # ومثل قول طرفة يدل على اعتقاده أن الحياة هي هذه الحياة ولا شيء وراءها، فليلتذ ما أمكن، ~~وليس هذا من الإسلام في شيء. فكما صبغ الصوفية فيما بعد الفتوة - كما سيأتي - بصبغة دينية ~~صبغت كل طائفة في الجاهلية الفتوة ببيئتهم ومزاجهم. وكأن الفتوة هي المثل الأعلى لكل فتى ~~يرسمه حسب خيالاته. # وزهير لما كان عاقلا فصيحا رزينا جعل أهم صفات الفتى الفصاحة في اللسان والحكمة في ~~الجنان فقال: # لسان الفتى نصف ونصف فؤاده # فلم يبق إلا صورة اللحم والدم # ومن ذلك نرى أن مسكينا الدارمي رسم الفتى رسما آخر، فجعل من أهم ميزات ~~الفتى حفظ السر إذ يقول: # وفتيان صدق لست مطلع بعضهم # على سر بعض غير أني جماعها # لكل امرئ شعب من القلب فارغ # وموضع نجوى لا يرام اطلاعها # يظنون شتى في البلاد وسرهم # إلى الصخرة أعيا الرجال انصداعها # فهو قد أضاف الفتيان إلى الصدق كما يقال فتيان خير وفتيان سوء، وكما يقال ~~رجل سوء ورجل خير. يقول: «رب فتيان صدق استناموا إلي واستودعوني أسرارهم، فكنت أنا حافظ ~~سرهم؛ قد أفردت كلا منهم بالوفاء وكتمان ما أودعني من سر، فكنت أنا كالعقد الذي يجمع ~~الحبات، ولكل رجل منهم جانب من قلبي منفرد له لا يطلع عليه الشعب الآخر، يودعونني سرهم ~~كأنهم أودعوا سرهم صخرة أعيا الرجال صدعها.» ومن غير شك هو أحد هؤلاء الفتيان، ومزيته ~~الكبرى عليهم أنه يحتفظ بأسرارهم، فهذه صفة جديدة في الفتوة، وهي حفظ السر، لم يتعرض لها ~~غيره، وربما كانت هناك صفات أخرى لم نطلع عليها تضاف إلى الفتوة، ويمكننا أن نستخلص من ذلك ~~أن الفتوة شباب وسلوك حميد. # ومن خير ما قيل في وصف الفتيان قول كعب بن زهير: # لعمرك ما ms04 خشيت على أبي # مصارع بين قو فالسلي # ولكنى خشيت على أبي # جريرة رمحه في كل حي # من الفتيان محلول ممر # وأمار بإرشاد وغي # ألا لهف الأرامل واليتامى # ولهف الباكيات على أبي # يقول: ما خشيت على هذا الرجل أن يصرع بين هذين الموضعين، أي إن يموت حتف ~~أنفه، وإنما أخشى عليه جرائره وطعنه في الأحياء، ومحل الشاهد في أنه وصفه بأنه فتى، سهل ~~الخلق وطي الجانب، يتناهى في الحلاوة، وإن استدعت الظروف، ويتناهى في المرارة إن استدعت ~~الظروف، وأنه نافذ الإرادة، يأمر أحيانا بالرشاد، وأحيانا بالغي، وهذا الوصف بالصعلوك ~~الخير أشبه. # غاية الأمر أن هذا السلوك يختلف باختلاف نظر الأشخاص، فبعضهم يرى هذا السلوك في العقل ~~والحكمة، وبعضهم يراه في التلذذ بالحياة ما أسعفته، وبعضهم يراه في حفظ السر، وكل إنسان في ~~الحياة يرى في نفسه المثل الأعلى في تصرفه. وهكذا كان يرى أبو نواس في تلذذه بالخمر ~~والغلمان. وهكذا كان يرى أبو العتاهية في الزهد وترك اللذات، وهكذا غيرهما. # ولذلك لا نستطيع أن ندعي أنه في بداء الأمر كان في الجاهلية جماعة يسمون الفتيان واحدهم ~~فتى، إنما كل ما في الأمر أن الكلمة تطلق على أفراد في كل قبيلة جمعوا مع الشباب صفة بينة ~~من الصفات، قد تكون الكرم والنجدة، وقد تكون العقل والفصاحة. وقد تكون كتمان السر وقد تكون ~~غير ذلك. وربما يجمعها أنها مجموعة صفات تحمدها قبيلة الفتى، فيتغنى بها ولا يخجل من ذكرها. ~~وقد يكون هذا الشيء الذي يتغنى به الفتى فضيلة مثل حفظ السر والكرم، وقد يكون غير فضيلة في ~~نظرنا كشرب الخمر والانغماس في اللذات، ولكن أقل ما تدلنا عليه أنها صفات محمودة من الشبان ~~في نظر قبيلتهم. # ويظهر أن المعنى الأول - وهو الذي قصده طرفة - كان أكثر شيوعا، وأن الذي قصده زهير أو ~~مسكين الدرامي كان أقل ذيوعا، لغلبة اللهو في الحياة الجاهلية العربية على حياة ~~الجد. # كما يظهر أنه لم يكن هناك في الجاهلية نظام يتبعه الشبان، وإنما كان نواة نظام. # وقد التفت ms05 أبو الريحان البيروني في كتابه «الجماهر في معرفة الجواهر» لفتة لطيفة ودقيقة ~~فقال: إن هناك فرقا بين الفتوة والمروءة. # فالمروءة تقتصر على الرجل في نفسه وذويه وماله، والفتوة تتعداه إلى غيره، والمرء لا يملك ~~إلا نفسه، فإذا احتمل مغارم الناس وتحمل المشاق في إراحتهم، ولم يضن بما أحل الله له، فهو ~~الفتى الذي اشتهر بالقدرة عليها. ولذلك عرف الفتوة بأنها بشر مقبول، ونائل مبذول، وعفاف ~~معروف، وأذى مكفوف. فالبيروني كالذي قبله لا يهتم بغنى أو فقر في تعريف الفتى، وإنما يجعل ~~عنصره شيئا واحدا وهو الإثار، وعلى هذا المعنى يكون الفتى والصعلوك من النوع الجيد ~~مترادفين. # ويخيل إلي أنه كان في الجاهلية طبقتان مختلفتان: الفتيان وهم أولاد الأغنياء من الشبان ~~كامرئ القيس وطرفة، يقابلهم أولاد الفقراء ويسمون الصعاليك. # فالصعلكة كما وردت في كتب اللغة تساوي الفقر، والصعاليك: شبان فقراء أمثال عروة بن الورد، ~~وتأبط شرا، والسليك بن السلكة، والشنفرى، ويسمون أيضا ذؤبان العرب، جمع ذئب، لأنهم ~~يختطفون المال كما تختطفه الذئاب، ويسمون أيضا العدائين لأنهم كانوا مشهورين بسرعة العدو ~~في السلب والنهب، ولكن كانوا مع فقرهم نبلاء. # ومن نبلهم أنهم كانوا لا يهجمون إلا على الأشحاء البخلاء من الأغنياء. فإذا وجدوا غنيا ~~كريما تركوه، وإن وجدوا غنيا شحيحا هاجموه، فهم لصوص شرفاء ونبلاء. # فكانوا بذلك خيرا من الأغنياء الأشحاء. ولذلك روي أن معاوية بن أبي سفيان تمنى أن يصاهر ~~عروة، وعبد الملك بن مروان تمنى أن يلده عروة وهما ما هما. وقد كان عروة هذا صعلوكا. ولذلك ~~يسمى عروة الصعاليك. فالظاهر أن كلمة الصعلوك لم تكن تدل على معنى سيئ، كالذي كان فيما بعد. ~~وكم للكلمات من تنقل من عز إلى ذل ككلمة حرامي، فقد كانت في الأصل تدل على النسبة إلى حرام، ~~وهي قبيلة تناهض قبيلة سعد، وكان الناس ينقسمون إلى قسمين: سعدي وحرامي، فلما ذل أصحاب حرام ~~ذلت الكلمة، فأصبحت تطلق على اللص. وكلفظ عتقي، فإنها كانت في الأصل تدل على نسبة إلى ~~قبيلة تسمى العتقاء، فذلت الكلمة، ms06 وأصبحت تدل على مصلح النعال القديمة. # وشيء آخر نبيل كان يفعله هؤلاء الصعاليك، وهو تكوينهم جمعية من فقراء قومهم يصرفون منها ~~ما كسبوه من الأغنياء الأشحاء عليهم بالتساوي، حتى ليحكون أن رئيسهم عروة بن الورد أغار ~~يوما، ونال خيرا كثيرا وسبى رجاله امرأة، فأراد عروة أن يختص بها، ويخصموا منه ثمنها، ~~فأبوا عليه ذلك تطبيقا للاشتراكية المطلقة، وقالوا نقومها بإبل فتكون سهما فمن شاء أخذه ~~ومن شاء تركه. ومن تعبيراته الجميلة قوله: # أقسم جسمي في جسوم كثيرة # وأحسو قراح الماء والماء بارد # ومعنى تفريق جسمه على أجسام كثيرة، أنه يفرق غذاءه الذي يكون جسمه على ~~أجسام كثيرة ليكونهم. ويصف نفسه بقوله: # ذريني أطوف في البلاد لعلني # أخليك أو أغنيك عن سوء محضر # فإن فاز سهم للمنية لم أكن # جزوعا وهل عن ذاك من متأخر # وإن فاز سهمي كفكم عن مقاعد # لكم خلف أدبار البيوت ومنظر # ولعروة هذا ديوان مطبوع يدل على نبله وفضله وأوصافه؛ فهو فقير يتحسس ~~أخبار الأغنياء، فمن وجده كريما سخيا خلاه، ومن وجده شحيحا بخيلا غزاه، وفرق ما جمعه ~~على زملائه بالعدالة لا يرضى بشيء لنفسه إلا برضاهم، فمثله مثل برناردشو في إحدى رواياته إذ ~~هاجم قوم سيارة فخمة يركبها أغنياء مرابون. فقال لهم الهاجمون: نحن سراق الأغنياء، وأنتم ~~سراق الفقراء. وكما فعل تولستوي إذ كان غنيا واسع الغنى، فوزع ثروته على فلاحيه وعاش ~~فقيرا. غاية الأمر أن عروة هذا سبقهما في النبل بنحو ألفي سنة. # والخلاصة أننا نرى في حياة الجاهلية البدوية نوعين ~~متميزين من الشبان: أبناء الذوات، قد يجتمعون ويتخذون لهم محلا مختارا، ويعيشون عيشة ~~إباحية، فيها خمر، وفيها غناء، وفيها نساء. وهم مع ذلك كرام، يضيفون من نزل بهم، ويغدقون ~~عليهم من خيرهم. وتقابلهم طائفة أخرى من أبناء الفقراء يسمون الصعاليك، يشاركونهم في الكرم ~~والاشتراكية، ويخالفونهم في أن حياتهم ليست حياة دعة واستمتاع، ولكن حياة غزو وسلب ونهب، ~~وتوزيع عادل على أمثالهم، يضاف إلى ذلك فرق آخر، وهو أن الفتيان يعطون ما يعطون وهم ms07 ~~مترفعون، والصعاليك يعطون ما يعطون وهم يعتقدون أنهم مع زملائهم الفقراء متساوون. وإن شئت ~~فقل إن الفتيان يعطون ما يعطون عطفا وتفضلا، والصعاليك يعطون ما يعطون أداء لما يرونه ~~واجبا. # وسنرى فيما بعد أن كل نواة من هاتين تطورت في الحياة الإسلامية، فأساس الصعلكة كان الكرم ~~مع النجدة، كما أن أساس الفتوة الكرم أيضا مع النجدة، ولكن قد تنعدم النجدة مع الصعلكة، ~~فيكون صاحبها صعلوكا رديئا، كما قال عروة بن الورد في التفرقة بين النوعين، فقال في النوع ~~الثاني: # لحى الله صعلوكا إذا جن ليله # مصافي المشاش آلفا كل مجزر # 1 # يعد الغنى من دهره كل ليلة # أصاب قراها من صديق ميسر # 2 # ينام عشاء، ثم يصبح طاويا # يحت الحصا عن جنبه المتعفر # 3 # قليل التماس الزاد إلا لنفسه # إذا هو أمسى كالعريش المجور # 4 # يعين نساء الحى ما يستعنه # فيضحى طليحا كالبعير المحسر # 5 # ووصف النوع الأول في قوله: # ولله صعلوك صحيفة وجهه # كضوء شهاب القابس المتنور # 6 # مطلا على أعدائه يزجرونه # بساحتهم زجر المنيح المشهر # 7 # فإن بعدوا لا يأمنون اقترابه # تشوف أهل الغائب المنتظر # 8 # فذلك إن يلق المنية يلقها # حميدا وان يستغن يوما فأجدر # 9 # فهو بذلك قد ميز بين النوعين من الصعاليك. صعلوك فقير خامل كسول بليد ~~ينتظر الصدقة من الناس، وصعلوك آخر فقير لكنه يسعى على رزقه ورزق غيره بالانتقام من أعدائه ~~وسلبهم أموالهم، ينفقها في إطعام الصعاليك مثله. # وفي هذا المعنى وتقسيم الصعلوك إلى قسمين قال حاتم الطائي: # لحى الله صعلوكا مناه وهمه # من العيش أن يلقى لبوسا ومطعما # ينام الضحى حتى إذا الليل جنه # تنبه مثلوج الفؤاد مورما # 10 # مقيما مع المثرين ليس ببارح # إذا نال جدوى من الطعام ومجثما # 11 # وقال في الصنف الآخر: # ولكن صعلوكا يساور همه # ويمضى على الهيجاء ليثا مصمما # 12 # إذا ما رأى يوما مكارم أعرضت # تيمم كبراهن ثمت صمما # 13 # فذلك إن يلق الكريهة يلقها # حميدا، وإن يستغن يوما فربما # 14 # وكان من الصنف الثاني عروة ms08 بن الورد، ولذلك تمنى معاوية أن يصاهره وعبد ~~الملك بن مروان أن يكون عروة أباه كما ذكرنا. وللصعاليك من النوع الثاني أقاصيص كثيرة ~~بديعة؛ من ذلك ما روي أن عروة بن الورد بلغه عن رجل من بني كنانة بن خزيمة أنه أبخل الناس، ~~وأكثرهم مالا، فبعث عليه عيونا فأتوه بخبره، فشد على إبله فاستاقها، ثم قسمها على ~~أصحابه. # وكان عروة هذا إذا أصابت الناس سنة جدبة ترك هو وأصحابه المريض والكبير الضعيف في دورهم، ~~ثم يأخذ الأقوياء من قومه معه ويخرج فيغير بهم، ويجعل لأصحابه ولهؤلاء المرضى والكبار ~~والضعاف نصيبهم. حتى إذا أخصب الناس وذهبت السنة ألحق كل إنسان بأهله، وقسم له نصيبه من ~~غنيمة إن كانوا غنموها. وربما أتى الإنسان منهم أهله وقد استغنى. ومثل هذه الأخبار والأشعار ~~نراها في أخبار تأبط شرا والسليك بن السلكة والشنفرى وأمثالهم من المشاهير ~~الصعاليك. ~~••• # نعود بعد ذلك للفتيان، فلعلهم كانوا كذلك قسمين، كلهم أغنياء وكلهم شبان ولكن يختلفون في ~~مقدار النجدة والكرم. # يقول الشاعر: # وليس فتى الفتيان من راح واغتدى # لشرب صبوح أو لشرب غبوق # ولكن فتى الفتيان من راح واغتدى # لضر عدو أو لنفع صديق # فهو يرى أن الغنى وحده واللهو والشراب لا تكفي لجعل الفتى فتى الفتيان، ~~وإنما الذي يجعله فتى الفتيان جده في الحياة، وأن يكون ضارا لعدوه نافعا لصديقه. # ويقول الآخر: # قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه # خلق وجيب قميصه مرفوع # فهذا لا يجعل الغنى والترف عنصرين من عناصر الفتوة، عكس ما هو مفهوم، بل ~~إن الفتى قد يكون فتى وهو فقير، رداؤه خلق، وقميصه مرفوع، وبذلك يلتقي الفتى مع الصعلوك ~~بهذا المعنى. # وقد اشتهر كثير من العرب بالصعلكة، وربما كان من أشهرهم عروة بن الورد، ويسمى عروة ~~الصعاليك، والشنفرى وتأبط شرا، وسليك بن السلكة، وهؤلاء على ما يظهر هم الزعماء منهم أو ~~من جمعوا بين الصعلكة والشاعرية التي أظهرتهم. # أما الصعاليك الآخرون فأكثرهم مغمورون أو جنود مجهولون. # وقد أنتجت الحالة الاجتماعية في جزيرة العرب هذه الصعلكة؛ لأن أكثرهم ms09 كان من الفقراء ولا ~~يجدون ما يأكلون، وإذا حصلوا على شيء من غارة أو نحوها فشيخ القبيلة هو الذي يأخذ من ~~الغنيمة حصة الأسد، وهم لا يأكلون إلا الفتات، ثم نتاج الأرض قليل محدود لا يكفي كلهم ~~ليعيشوا عيشة سعيدة، وتكاد تكون حالتهم في الغنى والفقر كحالتنا اليوم، شعب فقير ورؤساء ~~أغنياء، فماذا يصنعون؟ # لا سبيل للتحرر من هذا إلا الإغارة على الأغنياء، ولكن بشرطين ينفعان في العلاج؛ الأول: ~~أن يتركوا الأغنياء المحسنين لأن إحسانهم في الواقع حقق غرضهم وأسدى إلى فقرائهم خيرا ~~كثيرا. وإن المروءة تقتضي بأن الأغنياء متى أدوا الواجب عليهم فلا يستحقون ظلما ولا ~~عدوانا. فكانوا يتجسسون على الأغنياء؛ فمن علموا أنه كريم تركوه وشأنه، بل وحافظوا على ~~أمواله. ومن عرفوا أنه شحيح بخيل وجدوا أنه قصر في واجبه، فنفذوا هم بالتلصص واجبهم. # والأمر الثاني: أنهم تجنبوا أن يقعوا في الخطأ الذي ~~وقع فيه الأغنياء والأشحاء، وفرضوا على أنفسهم أنهم يفرقون بالسوية بينهم ما جمعوا حتى لا ~~يكون رئيس ومرؤوس ولا غنى ولا فقير. يدل على ذلك القصة التي حكيناها عن عروة الصعاليك ~~وأتباعه إذ أبوا عليه أن يختص بأي شيء. وبذلك يكونون مجتمعا خاصا داخل المجتمع الكبير ~~عماده كما نقول اليوم: الاشتراكية، بل هي أسمى من الاشتراكية لأنهم كانوا يحصلون المال ممن ~~لا يستحقه ثم ينفذون بالقوة هذه الاشتراكية. # وهم هم الرقباء على تنفيذها. وقد كثر عددهم بسبب أن أفرادا خرجوا على قبيلتهم بارتكاب ~~جريمة لا ترضاها القبيلة فخلعوهم. فلما خلعوا لم يجدوا أمامهم إلا الصعلكة يداوون بها خلعهم ~~وسموا الخلعاء. فيحدثنا مثلا صاحب الأغاني أن قيس بن الحدادية كان خليعا صعلوكا خلعته ~~قبيلته خزاعة؛ لأنه اشترك مع جماعة من أسرته في قتل أحد أفراد قبيلة وعجز هو ورفقاؤه عن دفع ~~الدية وفروا هاربين، ونزلوا على فراس بن غنم فآواهم وتصعلك مع صعاليكها، ومثله أبو الطمحان ~~القيني وغيرهما. ويظهر أنهم لما خلعوا من قبيلتهم - ولا حماية لأحد في هذه البيئة إلا ~~بقبيلته - اضطروا إلى الالتجاء إلى ms10 قبيلة أخرى يحتمون بها، ولم يجدوا خيرا من التصعلك؛ إذ ~~هو يتفق مع جنايتهم لأنه جناية أخرى. وجناية كريمة خير من جناية وضيعة. # ونعود إلى ذكر شيء من أخبار رؤساء هؤلاء الصعاليك لأنه يوضح لنا صورتهم، فعروة بن الورد ~~مثلا كان من المشاهير الصعاليك ومن شعرائهم. # يتغنى بالصعلكة وينهى امرأته عن التعرض لسيرته، فهو إذا خرج للقتال لا يصح أن تعترضه، ~~وإذا حصل مالا وأراد أن يفرق على الصعاليك أمثاله لا يصح أن تعترض عليه أيضا. # وأكبر ميزة لعروة أنه كان رجلا يشعر بالناس أكثر مما يشعر بنفسه، واخترع لذلك المعنى ~~التعبير الفني الجميل الذي ذكرناه وهو: ~~(أقسم جسمي في جسوم كثيرة) # ويقول: # إني امرؤ عافي إنائي شركة # وأنت امرؤ عافي إنائك واحد # 15 # أتهزأ مني إن سمنت وقد ترى # بجسمي مس الحق والحق جاهد # 16 # أقسم جسمي في جسوم كثيرة # وأحسوا قراح الماء والماء بارد # 17 # وقد جهد قومه جهدا شديدا ولاقوا عناء، وأحاطوا أنفسهم بسياج لما ~~أعوزتهم المكاسب، وقالوا: «نموت فيها جوعا خير من أن تأكلنا الذئاب.» # وكان عروة غائبا فأتاهم فنزع عنهم سياجهم وقال لهم: «هذه قلوصي فقددوا لحمها واحملوا ~~أسلحتكم عليها حتى أصيب لكم ما تعيشون به أو أموت.» # فخرج مع أتباعه فوجدوا في الطريق آثارا، فقال لهم: «هذه آثار من يرد الماء فاكمنوا.» ~~فجاءت الإبل بعد خمس، فوردت منها مائة معها فصلانها، ومعها فارس بسلاحه فخرج عليه عروة ~~وضربه بسهم أرداه. واستاق الإبل حتى أتى قومه فأحياهم، وفي ذلك يقول: # أليس ورائي أن أدب على العصا # فيأمن أعدائي ويسأمني أهلي # أقيموا بني لبني صدور ركابكم # فإن منايا القوم شر من الهزل # لعل انطلاقي في البلاد ورحلتي # وشدي حيازيم المطية بالرحل # سيدفعني يوما إلى رب هجمة # 18 # يدافع عنها بالعكوف وبالبخل # وكان يصحبه صعلوك آخر يسمى أشيم بن شرحبيل، وكان يسمى مأوى الصعاليك لأنه ~~كان يعولهم وينفق عليهم حتى يستغنوا. # وربما كان الصعلوك الثاني المشهور وهو الشنفرى. ~~وإذا كان عروة يصور لنا المعنى الإنساني في حركة ms11 الصعاليك كان الشنفرى يصور لنا معنى ~~الشجاعة والسلب والنهب ونحوها، أي إن عروة يمثل الغاية والشنفرى يمثل الوسيلة. وربما كانت ~~لفظة الشنفرى تدل على ذلك، فإن من معانيها الغليظ الشفتين. وقد فقد الشنفرى توازنه ~~الاجتماعي مع قبيلته حتى صار لا يقام له وزن. ويذكر في شعره فقره وهزاله ونعليه الممزقتين ~~وثيابه البالية المهلهلة وحمله قربة الماء وتشرده في الصحراء بين الوديان السخيفة حيث ~~تتجاوب الجن. فشعر عروة أكثره في غيره والشنفرى أكثر شعره في نفسه. # من مثل قوله: # خرجنا من الوادي الذي بين مشعل # وبين الجبا هيهات أنشأت سربتي # 19 # أمشي على أين الغزاة وبعدها # يقربني منها رواحي وغدوتي # 20 # وأم عيال قد شهدت تقوتهم # إذا أطعمتهم أوتحت وأقلت # 21 # تخاف علينا العيل إن هي أكثرت # ونحن جياع أي آل تألت # 22 # مصعلكة لا يقصر الستر دونها # ولا ترجى للبيت إن لم تبيت # 23 # ثم يقول: # شفينا بعبد الله بعض غليلنا # وعوف لدى المعدي أوان استهلت # 24 # إذا ما أتتني ميتتي لم أبالها # ولم تذر خالاتي الدموع وعمتي # 25 # وإني لحلو إن أريدت حلاوتي # ومر إذا نفسي العزوف استمرت # 26 # أبي لما آبي، سريع مباءتي # إلى كل نفس تنتحي في مسرتي # من أجل هذا كان شعر عروة رقيقا ~~لطيفا، وشعر الشنفرى جافا عنيفا، ومن خير ما ترك لنا لاميته المشهورة الخالدة التي ~~سموها لامية العرب ومطلعها: # أقيموا بني أمي صدور مطيكم # فإني إلى القوم سواكم لأميل # وقد عني بها الأدباء وشرحوها عدة شروح. وعارضها الطغرائي في لاميته ~~الأخرى وسماها لامية العجم. # ويقول في وصف نفسه: # قليل غرار النوم أكبر همه # دم الثار أو يلقى كميا مسفعا # قليل ادخار الزاد إلا تعلة # فقد نشز الشرسوف والتصق المعا # ومن يغر بالأعداء لا بد أنه # سيلقى بهم من مصرع الموت مصرعا # وإني وإن عمرت أعلم أنني # سألقى سنان الموت يبرق أصلعا # وللقتال الكلابي شعر كشعر الصعاليك فلعله منهم إذ يقول: # إذا هم هما لم ير الليل غمة # عليه ولم تصعب عليه المراكب # جليد ms12 كريم خيله وطباعه # على خير ما تبنى عليه الضرائب # 27 # إذا جاع لم يفرح بأكله ساعة # ولم يبتئس من فقدها وهو ساغب # وفي مثل هذا المعنى يقول حاتم طيئ: # غنينا زمانا بالتصعلك والغنى # فكلتاهما يسقي بكأسيهما الدهر # فما زادنا بغيا على ذي قرابة # غنانا، ولا أزرى بأحسابنا الفقر # وكان سحيم بن وئيل اليربوعي يتصعلك، وكان مخضرما، عاش طويلا في ~~الجاهلية والإسلام يقول: # إني إذا ما القوم كانوا أنجيه # 28 # واضطرب القوم اضطراب الأرشيه # 29 # وشد فوق بعضهم بالأرويه # هناك أوصيني ولا توصي بيه # ومن شعراء الصعاليك أيضا البراق. ~~وله شعر كثير، ورجز كثير، من شعره قوله: # لعمري لست أترك آل قومي # وأرحل عن غنائي أو أسير # بهم ذلي ما كنت فيهم # على رغم العدا شرف خطير # أأنزل بينهم إن كان يسر # وأرحل إن ألم بهم عسير # وأترك معشري وهم أناس # لهم طول على الدنيا يدور # فكف الكف عن قومي وذرهم # فسوف يرى فعالهم الضرير # ويقول: # إذا لم أقد خيلا إلى كل ضيغم # فآكل من لحم العداة وأشبع # فلا قدت من أقصى البلاد طلائعا # ولا عشت محمودا، وعيشي موسع # ويقول: # لأفرجن اليوم كل الغمم # من سيبهم في الليل بيض الحرم # صبرا إلى ما ينظرون مقدمي # إني أنا البراق فوق الأدهم # لأوجعن اليوم ذات المبسم # بنت لكيز الوائلي الأرقم # ويقول: # تولت رجالي بالغنائم والغنى # مزجين للأجمال من رملان # ونادوا نداء بالرحيل فلم أطل # إيابا، وصنوي في المعارك فاني # أأترك من لا يترك الدهر طاعتي # ملب لما أدعوا بكل لسان # أخي ومعيني في الخطوب وصاحبي # بكل إغاراتي بحد سناني # فلما دعاني يا ابن روحان لم أحم # وقومت عسالي وصدر حصاني # طعنت بنصل الرمح جبهة مالك # وغيبته فيه بغير توان # ومن الشعراء الصعاليك تأبط شرا، ومن شعره المشهور وفيه ما يدل على ~~نفسه: # إذا المرء لم يحتل وقد جد جده # أضاع وقاسى أمره وهو مدبر # ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلا # به الخطب إلا وهو للقصد مبصر # أقول للحيان # 30 # وقد صفرت لهم # وطابي ms13 ويومي ضيق الجحر معور # هما خطتا إما أسار ومنة # وإما دم والقتل بالحر أجدر # وقال أيضا قصيدته اللامية ومطلعها: # إن بالشعب الذي دون سلع # لقتيلا دمه ما يطل # ومنها يصف نفسه: # شامس في القر حتى يداني # ذكت الشعرى فبرد وظل # يابس الجنبين من غير بؤس # وندى الكفين شهم مدل # 31 # ظاعن بالحزم حتى إذا ما # حل حل الحزم حيث يحل # غيث مزن غامر حيث يجدي # وإذا يسطو فليث أبل # 32 # مسبل في الحي أحوى رفل # وإذا يغزو فسمع أزل # 33 # وله طعمان أري وشري # وكلا الطعمين قد ذاق كل # 34 # يركب الهول وحيدا ولا ي # صحبه إلا اليماني الأفل # ولعل في هذه الأبيات وصف كل صعلوك كبير ... # وقد أعجب بها جوته الشاعر الألماني فترجمها إلى الألمانية. واختار له المفضل الضبي في ~~كتابه المفضليات شعرا كثيرا، بل افتتح مختاراته بشعر تأبط شرا هذا بقصيدته ~~المشهورة: # يا عيد ما لك من شوق وإبراق # ومر طيف على الأهوال طراق # يقول فيها: # لا شيء أسرع مني ليس ذا عذر # وذا جناح بجنب الريد خفاق # 35 # ومنها: # ولا أقول إذا ما خلة صرمت # يا ويح نفسي من شوق وإشفاق # 36 # سباق غايات مجد في عشيرته # مرجع الصوت هدا بين أرفاق # 37 # حمال ألوية شهاد أندية # قوال محكمة، جواب آفاق # فذاك همي وغزوي أستغيث به # إذا استغثت بضافي الرأس نغاق # 38 # ثم يقول: # عازلتي إن بعض اللوم معنفة # وهل متاع وإن أبقيته باق # إني زعيم لئن لم تتركوا عذلي # أن يسأل الحي عني أهل آفاق # 39 # سدد خلالك من مال تجمعه # حتى تلاقي الذي كل امرئ لاقى # 40 # لتقرعن علي السن من الندم # إذا تذكرت يوما بعض أخلاقي # وهذا آخر القصيدة الجميلة القوية الدالة على بعض أخلاق الصعاليك ~~النبلاء. # وممن عرف من الصعاليك أبو خراش الهذلي وهو يهمنا ~~لأنه كان صعلوكا مخضرما، عاش بعض حياته في الجاهلية وبعضها في الإسلام، وليس بين الحياتين ~~فرق كبير، وقد امتاز أبو خراش بالرثاء كما اشتهر به قومه الهذليون، فرثى ms14 أصحابه في الجاهلية ~~وأصحابه في الإسلام بمعان مألوفة في الشعر الجاهلي مثل الكرم والشجاعة، وعجز الإنسان أمام ~~الموت. ومع ذلك يمكن تبين أثر الإسلام في شعره الإسلامي كأن يقول: # فليس كعهد الدار يا أم مالك # ولكن أطالت بالرقاب السلاسل # وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل # سوى العدل شيئا، فاستراح العوذل # فأصبح إخوان الصفاء كأنما # أهال عليهم جانب الترب هائل # فالتحدث عن العدل من طبيعة الإسلام لا من طبيعة الجاهلية. وله قصيدة ~~لطيفة يبكي فيها ابنه خراشا. وكان خراش هذا جنديا في جيش المسلمين أيام عمر بن الخطاب ~~فحز ذلك في نفس أبيه. وكانت قد تقدمت به السن، فلما سمع عمر لهذه الأبيات نهى أن يخرج إلى ~~الغزو من كان له أب شيخ كبير إلا بعد أن يأذن له. وفي ديوان الهذليين المطبوع قطع كثيرة من ~~شعر أبي خراش تقدم لنا صورا لطيفة من صعلكته. # وعلى الجملة فإن شعر الصعاليك كثير، بعضه في أشخاصهم وبؤسهم وبعضه في إنسانيتهم. وبما كان ~~بنوعيه يصور لنا جانبا كبيرا من جوانب الحياة العربية، وربما كان من الظواهر الغريبة أن ~~أكثر شعرهم مقطوعات لا قصائد. وهو ظل ينسجم مع طريقة خطفهم، فهم يخطفون في حروبهم ويخطفون ~~في شعرهم. # فإن رأينا قصيدة طويلة كلامية الشنفرى، فذلك استثناء، وربما أنشأها في حالة استقرار ~~تستدعي الطول. # ولهم في شعرهم خواص أخرى، من ذلك وحدة الموضوع - فشعرهم في التصعلك من جميع نواحيه. كما ~~كان شعراء الفروسية في الإسلام والنصرانية. وقد ألجأتهم حياة السلب والنهب والتوزيع إلى أن ~~يكون شعرهم واقعيا لأنهم يشعرون فيما يفعلون لا فيما يتخيلون. وقد نلاحظ أنهم يتجافون عن ~~الحب وقل أن نجده في شعرهم، إنما نجد في شعرهم مخاطبة زوجاتهم بعدم العتب عليهم في سيرتهم، ~~وربما كان سبب ذلك أن الحب يبنى على أساسين: حياة مترفة بعض الترف ليست كحياة الصعلكة من ~~بؤس وفقر، لأن الحب كالزهرة على المائدة لا ينتفع بها إلا بعد القوت، والثاني أن الحب يحتاج ~~في أول تكوينه إلى استقرار والصعاليك أبعد الناس ms15 عن الاستقرار. # كما نلاحظ في شعرهم التدفق والسرعة، إذ كانوا مشهورين باسم العدائين، فكأنهم يعدون ~~بأرجلهم ويعدون في شعرهم. # وعلى الجملة فقد كانوا في شعرهم خير مثال لتصوير حياتهم في بساطة وإخلاص. ولعل هذا ما ~~يفسر أن شعر كثير منهم كان رجزا، والرجز أسرع من البحور الأخرى. فيروون أن قيس بن الحدادية ~~كان يقاتل أعداءه وهو يرتجز. والشنفرى لما قطع أعداؤه يده رثاها بالرجز، ويروون أن لعمرو ذي ~~الكلب الصعلوك أرجوزة طريفة يقص فيها قصة طريفة، قصة ذئب فاتك أغار على غنم. ولعل الذئب في ~~هذه الأرجوزة رمز للصعاليك تستلب حقوق الفقراء، والغنم رمز للأغنياء البخلاء تفترسهم ~~الصعاليك. وهو يختم أرجوزته بأنه رمى الذئب بسهم من سهامه أرداه صريعا. ولئن كان كثير من ~~الشعراء في الجاهلية بدءوا شعرهم بالغزل أو بالبكاء على الأطلال ثم تخلصوا منه إلى المديح، ~~فهؤلاء تحرروا من ذلك كله، أما تحررهم من الغزل وبكاء الأطلال فقد أبنا سببه من قبل، وأما ~~تحررهم من المديح فلأنهم لم يعتادوا أن يستجدوا عن طريق المديح، وإنما اعتادوا أن يتكسبوا ~~بطريق القوة. ~~••• # فإذا نحن خطونا خطوة في التاريخ، وقاربنا الإسلام، وجدنا نوعا من الفتوة أو الصعلكة ~~الشريفة في التاريخ، وذلك ما عرف في التاريخ وفي كتاب السيرة «بحلف الفضول». فقد جاء في ~~الروض الأنف للسهيلي أنه «حلف عقدته قريش بينها على نصرة كل مظلوم بمكة» وقد قال ابن ~~قتيبة: إنه قد سبق قريشا إلى مثل هذا الحلف جرهم في الزمن الأول فتحالف منهم ثلاثة، أحدهم ~~الفضل بن فضالة، والثاني الفضل بن وداعة، والثالث فضيل بن الحارث. # ومن أجل تسميتهم كلهم بالفضل والفضيل، سمي حلف الفضول، وسمي الحلف الثاني بهذا الاسم ~~أيضا. وكان سببه أن رجلا من زبيد قدم مكة ببضاعة، فاشتراها منه العاصي بن وائل، وكان ذا ~~قدر بمكة وشرف، فحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الزبيدي عبد الدار ومخزوما وغيرهما، فأبوا أن ~~يعينوه وزجروه، فلما رأى الزبيدي الشر أوفى على أبي قبيس عند طلوع الشمس، وقريش في أنديتهم ~~حول الكعبة، ms16 فصاح بأعلى صوته: # يا آل فهر لمظلوم بضاعته # ببطن مكة نائي الدار والنفر # ومحرم أشعث لم يقض عمرته # يا للرجال، وبين الحجر والحجر # إن الحرام لمن تمت كرامته # ولا حرام لثوب الفاجر الغدر # فقام الزبير بن عبد المطلب، وقال: ما لهذا مترك. فاجتمعت هاشم وزهرة وتيم ~~بن مرة في دار عبد الله بن جدعان، فصنع لهم طعاما وتحالفوا في ذي القعدة في شهر حرام ~~قياما، فتعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكونن يدا واحدة مع المظلوم على الظالم، حتى يؤدى إليه ~~حقه «ما بل بحر صوفة، وما رسا حراء وثبير مكانهما، وعلى التأسي في المعاش» وسمت قريش ذلك ~~حلف الفضول، ثم مشوا إلى العاصي بن وائل فانتزعوا منه سلعة الزبيدي فدفعوها إليه. وقال ~~الزبير بن عبد المطلب: # إن الفضول تحالفوا وتعاقدوا # أن لا يقيم ببطن مكة ظالم # أمر عليه تعاهدوا وتواثقوا # فالجار والمعتر فيهم سالم # وذكروا أن رجلا من خثعم قدم مكة معتمرا ومعه بنت له يقال لها «القتول» ~~من أوضأ نساء العالمين، فاغتصبها منه نبيه بن الحجاج، وغيبها عنده، فقال الخثعمي: من يعديني ~~من هذا الرجل؟ فقيل له: عليك بحلف الفضول. فوقف عند الكعبة ونادى، فإذا هم يسرعون إليه من ~~كل جانب، وقد انتضوا أسيافهم يقولون: جاءك الغوث فما بالك؟ فقال: إن نبيها ظلمني في ابنتي ~~وانتزعها مني قسوة. فساروا معه حتى وقفوا على باب الدار، فخرج إليهم، فقالوا له: أخرج ~~الجارية ويحك، فقد علمت من نحن وما تعاقدنا عليه. فقال: أفعل، ولكن متعوني بها ليلة. ~~فقالوا: لا، لا والله. فأخرجها إليهم. # وفي الحديث أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب ~~أن لي به حمر النعم، ولو دعيت إليه في الإسلام لأجبت.» # والدليل على اتصال هذا الحلف ما ذكر السهيلي من أن عبد الله بن جدعان هذا - وهو الذي عقد ~~الحلف في بيته - كان من الصعاليك. # وكان معروفا بإطعام الطعام وتفريق الأكل على الناس، فعل خيار الصعاليك. # ثم إنهم في ms17 تحالفهم حلف الفضول ذكروا حين تحالفهم كما قال السهيلي التأسي في المعايش، أي ~~المساواة في العيش، فمن كان عنده أطعم من ليس عنده، وهذا فعل كرام الصعاليك، وهو مبدأ ~~اشتراكي سليم. # فأعتقد أنه لولا نظام الفتوة ونظام الصعاليك ما كان حلف الفضول، وهو مبدأ في غاية السمو، ~~إذ يقضي بتحقيق العدالة، والأخذ من الظالم للمظلوم، مهما كان الظالم قويا عزيز الجانب، ~~كما فعلوا مع العاصي ومع نبيه. # وهذا المعنى هو الذي أدركه أولو الأمر في الدولة العباسية، إذ رأوا أن القضاة قد يعز ~~عليهم أن يأخذوا الحق من الظالم إذا كان ملكا أو قريبا له أو ذا جاه، فأنشئوا لذلك ~~ديوانا يسمى ديوان المظاليم يرأسه الخليفة أو من ينوب منابه لأخذ الحق من ذي الجاه. ~~••• # فلما جاء الإسلام وجدنا القرآن يستعمل «فتى» وصفا لإبراهيم عليه السلام فيقول: # قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم # ورأيناه يستعمله وصفا لأهل الكهف فيقول: # إنهم فتية آمنوا ~~بربهم # و # إذ أوى الفتية إلى ~~الكهف # وقد فسر في الموضعين بالشباب، وجاء الإسلام أيضا باستعمال خاص لكلمة ~~«فتى» ذلك أن الإسلام لم يرض أن يسمى الرقيق المملوك عبد فلان وأمة فلان، وكره العبودية ~~تضاف لغير الله. فاختار لها اسما محبوبا وهو الفتى والفتاة، وجاء في الحديث: «لا يقولن ~~أحدكم عبدي وأمتي ولكن ليقل فتاي وفتاتي.» وعلى هذا المعنى جاء قوله تعالى # وإذ قال موسى لفتاه ~~. وجاء # ولا ~~تكرهوا فتياتكم على البغاء # وشاع استعمال الكلمة في الرقيق حتى ~~سئل أبو يوسف عمن قال، أنا فتى فلان، قال هو إقرار منه بالرق. فكأن الإسلام اختار خير ~~الألفاظ الدالة على الحرية فدل بها على الرق طلبا لحسن معاملة الرقيق. # ولكن ظلت الكلمة تستعمل في معناها الأول وهو الشجاعة والفروسية فقالوا: «لا سيف إلا ذو ~~الفقار، ولا فتى إلا علي.» إذ كان علي كما هو معروف فارسا شجاعا. ولما مات مخلد بن المهلب ~~وهو ابن سبع وعشرين سنة، وكان شهما نبيلا صلى عليه عمر بن عبد العزيز ثم قال: «اليوم ms18 مات ~~فتى العرب.» وقال يزيد بن المفرغ: # فالهول يركبه الفتى # حذر السآمة والمخازي # والعبد يقرع بالعصا # والحر تكفيه العلامة # غير أنا نجد في العهد الأموي أمرا يستوقف النظر، فقد ذكر الأغاني في ~~ترجمة حنين الحيري كلمات في الفتوة تستحق النظر. وكان حنين هذا مغنيا نصرانيا من الحيرة، ~~وكان في أيام هشام بن عبد الملك، ومن شعره الذي كان يغني به: # أنا حنين ومنزلي النجف # وما نديمي إلا الفتى القصف # أقرع بالكأس ثغر باطية # مترعة نارية وأغترف # من قهوة باكر التجار بها # بيت يهود قرارها الخزف # والعيش غض ومنزلي خصب # لم تغذني شقوة ولا عنف # وقال صاحب الأغاني: «كان حنين غلاما يحمل الفاكهة بالحيرة وكان لطيفا ~~في عمل التحيات، # 41 # فكان إذا حمل الرياحين إلى بيوت الفتيان ومياسير أهل الكوفة وأصحاب القيان، ~~ورأوا رشاقته وحسن قده وحلاوته وخفة روحه، استحلوه وأقام عندهم وخف لهم، فكان يسمع الغناء ~~ويشتهيه ويصغي إليه ويستمعه ويطيل الإصغاء إليه.» # وقال في موضع آخر عن حنين: «خرجت إلى حمص ألتمس الكسب بها وأرتاد من أستفيد منه شيئا، ~~فسألت عن الفتيان وأين يجتمعون فقيل لي: «عليك بالحمامات.» فجئت إلى أحدها فدخلته فإذا فيه ~~جماعة منهم، فأنست وانبسطت وأخبرتهم أني غريب، ثم خرجوا وخرجت معهم فذهبوا إلى منزل أحدهم، ~~فلما قعدنا أوتينا بالطعام فأكلنا وأوتينا بالشراب فشربنا، فقلت لهم: «هل لكم في مغن ~~يغنيكم؟ قالوا: ومن لنا بذلك!» # ويحدثوننا أيضا أن إبراهيم الموصلي نزل ضيفا على الفتيان في حمص فجعل يغنيهم فعرفه ~~المهدي من هناك، فلما تولى الخلافة استدعاه. # هذه القصص الثلاث تدل على أمور: # الأول: # أن هناك فئة تسمى الفتيان كانوا في الحيرة وكانوا في حمص، وربما كانوا ~~أيضا في غيرهما، ولكن لم نعثر على النصوص الدالة على ذلك. # الثاني: # أن هؤلاء الفتيان ليسوا كل الشباب، وإنما هم شباب من نوع خاص يظهر من ~~عبارته أنهم من المياسير، وممن لهم حظ في السماع والشراب. # ثالثا: # أنهم كانوا يضيفون ويطلبهم الغرباء لينزلوا عليهم ضيوفا. # رابعا: # أنه كانت لهم مجتمعات ms19 خاصة يعرفون فيها بالبلدة. # يضاف إلى ذلك أن أنواعا من الفروسية عني بها الفتيان في العهد الأموي كالصيد وتربية ~~الحيوانات المعلمة، يطلقونها على الصيد، فقد روى الفخري أن يزيد بن معاوية «وكان فتى ~~شابا» كان أشد الناس كلفا بالصيد، وكان لا يزال لاهيا به، وكان يلبس كلاب الصيد الأساور ~~من الذهب والجلال المنسوجة منها، ويهب لكل كلب عبدا يخدمه. # كما أخذوا عن الفرس اللعب بالبندق، وهو كرات صغيرة من طين أو حجر أو رصاص، يرمى بها عن ~~قوس لصيد الطير أو نحوه ثم حشيت بالبارود فيما بعد، ومن هذا سميت البندقية. # وليس ببعيد أن تتصل ألعاب الفروسية هذه بالفتوة خصوصا وأن الفخري يعبر عن يزيد بن معاوية ~~بأنه فتى. # ولكن لا تزال النصوص التي بين يدينا تحتاج إلى اكتشاف هذه الرابطة. وإذا انتقلنا بعد ذلك ~~إلى العصر العباسي وجدنا كلمة الفتوة استعملت في أربعة معان: ~~(1) # كانت تستعمل للدلالة على المروءة من نبل وكرم وشمم وعدم تكلف. من ذلك ما جاء ~~في كتاب أدب النديم لكشاجم أن رجلا من أصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر دعاه ~~للطعام عنده دعوة احتفل لها. فلما حضر محمد طالبه بالطعام، فمطله ليتكامل ~~ويتلاحق ما أحبه من الكثرة حتى تصرم أكثر النهار، ومس محمد الجوع، فتنغص عليه ~~يومه، وأراد محمد السفر فشيعه هذا الرجل حتى إذا دنا منه ليودعه، قال له: ~~«أيأمر الأمير بشيء؟» قال: «نعم، تجعل طريقك في عودتك على محمد بن الحارث ~~فاسأله أن يعلمك الفتوة.» # فمضى حتى دخل إلى محمد، فقال له: «بعثني إليك الأمير لتعلمني الفتوة.» وضحك ~~وقال: «يا غلام، هات ما حضر.» فأتى بطبق كبير عليه ثلاثة أرغفة من أنظف الخبز ~~وأنقاه، وسكرجات خل وملح من أجود ما يتخذ من هذه الأصناف، وابتدأ يأكل، فجاءته ~~فصيلة باردة من مطبخه وتداركها الطباخ، وأحدث له بعض فنجان جام حلو، فانتظم له ~~أكل خفيف ظريف في زمان يسير، وبغير احتشام وانتظار. # فهو يستعمل الفتوة في الكرم في سماحة من غير تكلف، ومن هذا ms20 القبيل ما قاله ~~أبو البلهاء في يزيد بن مزيد الشيباني يرثيه: # نعم الفتى فجعت به إخوانه # يوم البقيع حوادث الأيام # سهل الفناء إذا حللت بابه # طلق اليدين مؤدب الخدام # وإذا رأيت صديقه وشقيقه # لم تدر أيهما ذوي الأرحام ~~(2) # نرى الصوفية استحسنت كلمة الفتوة وما تدل عليه من معاني النبل والسماحة ~~وأدخلتها في معجم كلماتها وغذتها من فضائلها. وأول ما نجد ذلك في الرسالة ~~القشيرية، فقد عقد القشيري بابا سماه باب الفتوة بجانب باب الحياء والصدق، ~~وقال في تعريفها: «أصل الفتوة أن يكون العبد ساعيا أبدا في أمر غيره.» ونقل ~~عن الفضيل أنه قال: «الفتوة الصفح عن عثرات الإخوان.» # وقال بعضهم: «الفتوة ألا ترى لنفسك فضلا على غيرك.» وجروا على عادتهم في ~~الأدب الرمزي، فقالوا: «إن إبراهيم سمي في القرآن فتى لأنه كسر الصنم وصنم كل ~~إنسان نفسه.» فالفتى في الحقيقة من خالف هواه ونفسه، وهكذا أحيا الصوفية كلمة ~~فتوة. ونقلوا عن كبارهم كلمات فيها، فالحارث المحاسبي يقول: «الفتوة أن تنصف ~~ولا تنصف.» وغيره يقول: «الفتوة إظهار النعمة وإسرار المنة.» وسئل أحمد بن ~~حنبل: «ما الفتوة؟» قال: «ترك ما ترجو لما تخشى.» ولهم في ذلك الحكايات الظريفة ~~في الفتوة كعادتهم؛ من ذلك أن صوفيا تزوج امرأة ثم ظهر عليها الجدري قبل ~~الدخول بها، فتعامى الصوفي حتى لا يجرح شعورها، فلما ماتت فتح عينيه فقيل له في ~~ذلك فقال: «لم أعم ولكن تعاميت حذرا من أن تحزن.« فقيل له: «سبقت ~~الفتيان!» # ومن ذلك ما حكوه أن إنسانا يدعى الفتوة خرج من نيسابور إلى بلدة بخرسان، ~~فدنا منه رجل ومعه جماعة من الفتيان، فلما فرغوا من أكل الطعام خرجت جارية تصب ~~الماء على أيديهم فأبى الفتى النيسابوري: «ليس من الفتوة أن تصب النساء الماء ~~على أيدي الرجال.» # وحكوا أن جماعة من الفتيان زاروا فتى فدعا غلامه ليقدم الأكل لهم، فأبطأ ~~الغلام فسأله الرجل: «لم أبطأت؟!» فقال الغلام: «كان عليها نمل فلم يكن من ~~الأدب تقديم السفرة إلى الفتيان مع النمل، ولم يكن من ms21 الفتوة طرد النمل عن ~~السفرة، فلبثت حتى دب النمل.» فقال له صاحب البيت: «قد دققت يا غلام في ~~الفتوة.» وتجادل الصوفية بعد ذلك جدالا ظريفا في تفسير كلمة الشيخ، هل عاب ~~الغلام أو مدحه. وهل هذا العمل من الفتوة أو لا. وهل الخوف من إيذاء النمل ~~بالطرد يجب أن يراعى، أو لا يراعى الخوف عند إيذاء الضيوف بالانتظار ~~وهكذا. # وعقد الشيخ محي الدين بن العربي فصلا طويلا في الفتوة، في كتابه «الفتوحات ~~المكية» عنوانه معرفة مقام الفتوة وأسراره، قدمه كعادته بأبيات من الشعر ~~فيها: # إن الفتوة ما ينفك صاحبها # مقدما عند رب الناس والناس # إن الفتى من له الإيثار تحلية # فحيث كان فمحمول على الراس # ما إن تزلزله الأهواء بقوتها # لكونه ثابتا كالراس في الراس # لا حزن يحكمه، لا خوف يشغله # عن المكارم حال الحرب والباس # انظر إلى كسره الأصنام منفردا # بلا معين، فذاك اللين القاسي # وقد بناه على قصة إبراهيم وأنه جاد بنفسه للنار، إيثارا ~~للحق، وعلى الجملة فقد أدخلها الصوفية في مذهبهم، وصبغوها بصبغتهم، وجعلوها ~~مقاما من مقاماتهم، وملئت بها كتبهم، ونقلوها من المعنى الدنيوي إلى المعنى ~~الديني كالزهد والإيثار وضبط النفس، وحملها على الحق مهما استتبع ذلك من ~~المكاره. ~~(3) # وجدنا الناس يستعملون الكلمة في نوع من الناس هم الشبان الأشداء الذين ~~يتباهون بقوتهم. ثم يهددون الناس في أموالهم وفي أنفسهم، ومن هذا القبيل ما جاء ~~في الرسالة القشيرية، ومن أن شقيق بن إبراهيم البلخي كان يتغنى ويعاشر الفتيان، ~~وكان علي بن عيسى بن ماهان، أمير بلخ، وكان يحب كلاب الصيد، ففقد كلبا من ~~كلابه. فسعى برجل أنه عنده فطلب الرجل فهرب. فدخل دار شقيق مستجيرا، فمضى شقيق ~~إلى الأمير، وقال: خل سبيله، فإن الكلب عندي أرده إليكم إلى ثلاث أيام. فلما ~~كان اليوم الثالث كان رجل من أصدقائه غائبا من بلخ رجع إليها، فوجد في الطريق ~~كلبا عليه كلاب، فقال: أهديه إلى شقيق فإنه يشتغل بالتفتي، فنظر شقيق إليه ~~فإذا هو كلب الأمير، فسر به وحمله إليه ms22 وتخلص من الضمان، فرزق الله الرجل ~~الانتباه، وتاب مما كان فيه، وسلك طريق الزهد. # ومن ذلك ما جاء من أن أحمد بن خضرويه قال لامرأته: أريد أن أتخذ دعوة أدعو ~~فيها عيارا شاطرا كان بلدهم رأس الفتيان. والعيارون الشطار هم فئة ينطبق ~~عليهم ما ذكرنا من اعتزازهم بالقوة، واستخدامها في التهديد والسلب ~~والنهب. # ثم كان هناك نوع رابع تستعمل فيه الكلمة، هو نوع من الفروسية المنظمة، فقد اشتهرت ألعاب ~~الفروسية في العصر العباسي ونظمت، وكثر اللعب بالبندق والخروج به لرمي الصيد. فقد ذكر ~~الأغاني في سبب موت الشاعر أبي العبر أنه خرج إلى الكوفة ليرمي بالبندق مع الرماة من أهلها، ~~فسمعه بعضهم يقول قولا سيئا في علي فقتله. كما عنوا بلعب الكرة والصولجان وبالصيد والقنص، ~~وقال الفخري: إن المعتصم كان ألهج الناس بالصيد، وبنى في أرض دجيل حائطا طوله فراسخ كثيرة. ~~وكان إذا ضرب حلقة يضايقونها، ولا يزالون يحدون الصيد حتى يدخلوه وراء ذلك الحائط، فيصير ~~بين الحائط وبين دجلة، فلا يكون للصيد مجال، فإذا انحدر في ذلك الموضع دخل هو وأقاربه وخواص ~~حاشيته وتأنقوا في القتل، وتفرجوا، فقتلوا ما قتلوا، وأطلقوا الباقي. وكانوا يعدون هذه ~~الأنواع من صيد ورمي ونحوهما من قبيل الفتوة. # بل ربما كانت تنعقد أواصر الفتوة بين جماعة لمناسبة من المناسبات كغربة أو نحو ذلك، فتشتد ~~بينهم الصداقة، ويتعاونون على السراء والضراء، وإن لم تجمعهم جامعة من قبل، كالذي حكي أن ~~رجلين من بني أسد خرجا إلى أصبهان فآخيا دهقانا بها، وتعاقدوا جميعا على أن يكونوا فتية ~~صدق يضمن أحدهم للآخرين ما يحتاجون إليه، فمات أحد بني أسد في موضع يقال له راوند، فظل هو ~~والدهقان ينادمان قبره؛ يشربان كأسين ويصبان على قبره كأسا ثم مات الدهقان، فكان الأسدي ~~ينادم قبريهما، فيشرب قدحا ويصب على قبريهما قدحين، ويتغنى بهذه الأبيات: # خليلي هبا طالما قد رقدتما # أجدكما لا تقضيان كراكما؟ # ألم تعلما ما لي براوند كلها # ولا بخزاق من حبيب سواكما # أصب على قبريكما من مدامتي # فإلا ms23 تنالاها ترو ثراكما # أقيم على قبريكما لست بارحا # طوال الليالي أو يجيب صداكما # وأبكيكما حتى الممات وما الذي # يرد على ذي عولة إن بكاكما # جرى النوم بين اللحم والجلد منكما # كأنكما ساقي عقار سقاكما # فالفتوة هنا فتوة مصطنعة، نشأت عن غاية اشترك فيها الإخوان، فهؤلاء فتيان ~~من بني أسد، ورجل فارسي دهقان ألفت بين قلوبهم الغاية فتعاقدوا على أن يفي كل منهم لأخويه، ~~وأخيرا مات اثنان فوفى الثالث وبكاهما بكاء مرا. وربما كان المثل الأعلى لهذا النوع ~~الأخوة في الإسلام، فقد آخى رسول الله بين المهاجرين والأنصار، وكان هذا الإخاء له غاية، ~~وهي أن يؤوي الأنصار المهاجرين؛ لأن المهاجرين خرجوا من ديارهم وأموالهم واحتاجوا إلى ~~المعونة بالأنصار، وقد لاحظ رسول الله في هذه الأخوة تقارب عقلية المتآخيين وأمزجتهما ~~ونفسيتهما، فهذه أخوة لغاية شريفة، يتعاقد فيها أخوان على وفاء. وشدد رسول الله في الرباط ~~بينهما حتى كاد أن يورث بعضهما من بعض كأنهما أخوان حقيقيان، فهذا نوع من الأخوة أرقى من ~~إخوة بني أسد والدهقاني، وأعز منها غاية. # وليست الأخوة بهذا المعنى إلا نوعا من أنواع الفتوة كما سنرى بعد. ~~••• # على كل حال في العصر العباسي وبعده تمت الفتوة بمعانيها المختلفة وأهمها ~~نوعان: ~~(1) # فتوة يصح أن نسميها فتوة مدنية أو دنيوية. ~~(2) # وفتوة دينية أو صوفية. ويظهر أن النوعين كانا متميزين في نظمهما وتقاليدهما، ~~وهذا ما سنحاول أن نوضحه. # فالفتوة المدنية على ما يظهر وليدة الفروسية والشجاعة. ومن قديم عرف العرب بهما، وقالوا ~~في ذلك الأشعار الكثيرة من أمثال معلقة عمرو بن كلثوم وعنترة بن شداد، وخلفوا لنا أدبا ~~وافرا في كل ما ينطبق على الفروسية والشجاعة. وعني المؤلفون بعد في جمعها وتصنيفها ~~ككتاب حلية الفرسان وشعار الشجعان لابن هذيل الأندلسي، وقد ذكر فيه الخيل والمسابقة بها ~~والسيوف والرماح والقسي والنبل والدروع والترس، وما إلى ذلك، وما قيل فيها من أشعار. # ولما جاءت الدولة العباسية تسلط العنصر الفارسي أولا والتركي ثانيا، وكان لهم نظم في ~~الفروسية غير النظم العربية البسيطة البدوية، فتسربت ms24 منهم إلى المسلمين. ورأينا المؤرخين ~~يذكرون أن الرشيد أول خليفة لعب بالصولجان ورمى بالنشاب في البرجاس، والكرة والصولجان من ~~ألعاب الفرس، ويقولون في المعتصم إنه غلب عليه حب الفروسية، والتشبه بملوك الأعاجم. وإنه ~~قسم أصحابه للعب الكرة. ومعلوم أن المعتصم أول من استعان بالأتراك في أعماله، وقربهم إليه ~~وجعلهم جندا. واشتهر في عصره بالتفنن في الصيد والقنص. وعدوه من أعلام الفروسية. واقتبسوا ~~في ذلك من الفرس والأتراك. فعلموا الجوارح من الطير والكواسر من الفهود والكلاب. ووضعوا ~~الكتب في جودتها وصفاتها، وطرق تعليمها وأمراضها وما يصلح كل واحد منها. وسموا العلم الذي ~~يبحث في ذلك ب«البيزرة» وقال في ذلك الشعراء. # وأصبحنا نرى في كثير من دواوين الشعر بابا يسمى بالطرد وهو الصيد. ورويت القصص الكثيرة ~~في أحاديث الفروسية. وقارن الكتاب بين فروسية العرب وفروسية الفرس والترك وغيرهم مما ليس ~~هنا مجاله، ووضعوا القواعد لتعليم الفروسية وقالوا مثلا: «إنه يجب أن يبتدئ الصائد بالخفة ~~في الوثوب والنزول، ثم يتدرب على ركوب الفرس العربي العريان بلا عدة سوى الرسن. قال المتنبي ~~في وصف أمثالهم: # فكأنما خلقت قياما تحتهم # وكأنهم ولدوا على صهواتها # ثم يتعود الصائد ركوبها على اختلاف أنواع سيرهم ثم الصيد عليها وهكذا. ~~وكذلك وضعوا التعاليم للقسي والنشاب والتروس وما إليها. # وكانت الوقائع بين المسلمين والروم في الثغور منشأ لظهور ضروب من الفروسية تستدعي ~~الإعجاب، كما كانت الحروب الصليبية مصدرا كبيرا لذلك، ففي كتاب الاعتبار لأسامة بن منقذ، ~~والروضتين لأبي شامة، وسيرة صلاح الدين لابن شداد، أمثلة كثيرة من الفروسية. # كما اشتهر في هذه العصور الإسماعيلية جاء في كتاب «آثار الأول» بعد أن ذكر قصة من فروسية ~~بهرام: «ومثل هذا في المعنى رجال ببلاد الإسماعيلية ويسمون برجال الدعوة معدون لمثل هذا. ~~فإن الرجل منهم أو الرجلين يغني عن حركات الجيوش الكثيرة، ويقال لهم في بلاد الإسماعيلية ~~وفي بلاد الإفرنج «الحشيشية» وعند أهل الأقاليم «الفداوية» وهم قوم على دين الإسلام، وقد ~~كان للملوك الإسلامية عناية بهم كبيرة. # وفي زمننا هذا عني بهم الملك ms25 الظاهر وسيرهم للأشغال الكبار، فضوها مع الفرنج، وفي قلاع ~~الإسماعيلية في زمننا هذا ألف بهرام.» # ويظهر أن هذه الفتوة المدنية قد انقسمت إلى قسمين: فتوة عسكرية وفتوة كرمية، أو كما ~~يسميها بعضهم فتوة جودية. # فأما الفتوة العسكرية فيظهر أنها ترعرعت في العصر العباسي الأخير لسببين: ~~(1) # الحروب الصليبية وحاجتها إلى فرسان أبطال، يجدون في الحرب ضد الصليبيين، وقد ~~أخرجت هذه الحروب عددا كبيرا أمثال نور الدين محمود بن زنكي وصلاح الدين ~~وأسامة بن منقذ، وغيرهم. ~~(2) # وجود بقايا الفاطميين من الفدائيين الملقبين بالإسماعيلية الذين كانوا يمرنون ~~أبطالهم على قتل أعدائهم، أمثال الحسن بن الصباح وفتيانه. وربما كان عملهم هذا ~~مبعثا لخصومهم على الفتوة العسكرية التي ذكرناها. وربما كانت أيضا هذه الفتوة ~~العسكرية سببا في نظام الفروسية عند الإفرنج. وقد اشتهر بهذا النوع الخليفة ~~العباسي الناصر لدين الله. فإنه نظم الفروسية والفتوة وقال فيه أحد المؤرخين: ~~«إنه شيد بنيانها، ومهد أركانها، وألف أحزابها وأرشد طلابها، وأظهر أنوارها ~~وأوضح برهانها، فبطلت النظم إلا ما شيده وبناه، وتعطلت المعاقل إلا ما اختاره ~~واصطفاه، فهو شجرة الفتوة، وإمام الرحمة، فواصل وأوصل وأحسن وأجمل، وبه انتشر ~~علم الفتوة بعد أن كان منتكسا، وميزهم على من سواهم بعد أن كانوا فرقا.»، ~~وجاء في تاريخ ابن الفرات: «إن الناصر لدين الله كان يميل إلى رمي البندق، ~~والطيور المناسيب، ولبس سراويل الفتوة. وكان سائر ملوك الأطراف يسابقونه في رمي ~~البندق وفي الفتوة. فبطل الفتوة في البلاد جميعها إلا من لبس منه السراويل، ~~ورمى له، فلبس سائر ملوك الآفاق سراويلات الفتوة له، ودعوا له في رمي البندق، ~~ووصل رسول له على حماة في أيام المنصور الأيوبي صاحب حماة وأمره بأن يلبس ~~للخليفة ويلبس الأكابر له. # وكان قاضي حماة في ذلك الزمن القاضي برهان الدين أبا اليسر، فأمره الملك المنصور بلبس ~~سراويل الفتوة في المجلس، فلبسها، ولبسها جماعة له. وكذلك منع الدعوة بالبندق إلا له، ~~والطيور المناسيب في جميع البلاد إلا له. # وأجاب الناس بالعراق وسائر الأمصار ما خلا رجلا واحدا راميا ms26 بالبندق من أهل بغداد، ~~فإنه امتنع من إجابته وهرب من العراق وألحق بالشام. فأرسل إليه الخليفة يغريه بالأموال ~~الجزيلة فلم يرض، وقال: يكفيني فخرا أنه ليس في الأرض أحد لا يرمي عن الخليفة إلا ~~أنا. # وجاء في كشف الظنون: «إن الاحتفال بدخول الشاب في سلك الفتيان على عهد الناصر لدين الله ~~كان مصحوبا بشرب كأس الفتوة، كما أخذ الناصر جنده بالتدريب المتواصل على فنون الرياضة ~~البدنية المختلفة.» # وقال ابن تغري بردي في تاريخه: «إن الناصر لدين الله أرسل في سنة 622 رسلا إلى نور الدين ~~وإلى الملك العادل شقيق صلاح الدين وإلى ابنه الملك الصالح وإلى الملك شهاب الدين حاكم غزة، ~~ومعهم كأس الفتوة وسراويلها لكي ينتظموا في سلك فتيانه. وكأس الفتوة هذه ليست نبيذا ولا ~~خمرا، وإنما هي ماء وملح.» # وقد ادعوا أن للفتوة سندا يتصل إلى علي بن أبي طالب ونحن نثبته وإن لم نثق به: # علي بن أبي طالب # أبو الفضل بن الترهان # سلمان الفارسي # النعس سلمان # صفوان بن أمية # شبل # حذيفة بن اليمان # الفضل بن زياد الفارسي # المقداد بن الأسود # الفضل # أبو العز التوبي # الملك أبو كاليجار # الحسن البصري # الملا ميراوي # الحافظ الكندي # ناصر الدين بن أبي نعجة # عوف الكناني # أبو علي الصوفي # أبو مسلم الخراساني # مهني العلوي # الشريف أبو العز # نعمان # هلال النبهاني # أبو الحسن بن الشاربان # بهرام الديلمي # أبو بكر الجحيش # روزبة الفارسي # عمر الرهاض # الأمير حسان بن ربيعة المخزومي # علي بن دغيم # الأمير جوش الغزاري # عبد الجبار بن صالح # أبو الحسن النجار # الخليفة الناصر لدين الله ~~••• # على كل حال شاع نظام الفتوة العسكرية في هذا العصر، ووضعت له نظم كثيرة. ومما يدل على ~~انتشارها الفتوى التي أصدرها ابن تيمية، وهل هي حلال أم حرام؟ وهل للفتوة أصل في الشريعة أم ~~لا؟ وهل أحل أحد من الصحابة أو التابعين أو من بعدهم من أهل العلم هذه الفتوة؟ وقد أجاب ابن ~~تيمية عن هذه الأسئلة فقال: «إن لباس الفتوة وإسقاء الملح والماء باطل لا أصل ms27 له. ولم يفعل ~~هذا رسول الله ولا أحد من الصحابة، ولا علي بن أبي طالب ولا غيره من التابعين. والإسناد ~~الذي يذكرونه عن طريق الخليفة الناصر إلى عبد الجبار إلى تمامه إسناد لا تقوم به حجة. وفيه ~~من لا يعرف. وما ذكر من نزول هذا اللباس من السماء في صندوق هو من أظهر الكذب باتفاق ~~العارفين.» # وكذلك مما يدل على انتشارها أن ابن الوردي الشاعر المشهور علق على فتوى في الفتوة بقوله: ~~قد غاظني حتى هاضني، وحنقني حتى خنقني ما أحدثه أهل الجهل والابتداع، وسكت عنه العلماء حتى ~~شاع في الرعاع وذاع، وهي البدعة التي يجب إعفاء رسمها، والنكرة المعروفة بالفتوة. وهي ضد ~~اسمها، وكيف لا، وقد عكف عليها أتباع الضلال، ودعا إليها الجهال وأهل البطالة، يجمعون لها ~~الجموع من الأنباط، ويحضرها المرد وأهل اللواط. فمنهم من يتصابى على سنه، ومنهم من يمشي على ~~بطنه، وإن تنحنح ذو سطوة أجابوه بسكين وتكاثروا عليه، وإن أضمرت كلمة الحق ظهروا، ما أحقهم ~~بالنفي عن الجنس، وما أولاهم بالكبس، وجعلهم كأمس، كبيرهم العاص يزيد تيها على الفرات، وهو ~~عند الشريعة صغير. فيتصدر فيهم بغير علم ولا هدى، ولا كتاب منير. يلبسهم لباس شر، ولباس ~~التقوى ذلك خير. ويسقيهم ماء له بالملح المذاب، وبئس الشراب، فيشقيهم بما يسقيهم، ويطغيهم ~~بما يعطيهم، ويمد لهم خوانا، يجمع فساقا وخوانا، جمع ثمنه من القمار والدبر والحوك ~~والنجامة، والكنس والحجامة. واشترط شروطا ليست في كتاب الله. والشيطان بغرور دلاه. وكما ~~قال الشاعر: # ليس الفتى كل الفتى عندنا # إلا الذي ينهى عن الفحش # يأتي إلى الإسلام من بابه # ويتبع الحق بلا غش # ليس الفتى من ضرب بالسيف والسكين. الفتى من أطعم المسكين الضعيف ~~والمسكين، وليس الفتى من أقام الشنائع، وشهر على الأمة السلاح، فالفتى من جمع الكلمة ودعا ~~إلى الإصلاح. # فإن احتج للفتوة بأخذها عن الخليفة، قلنا: إن صح فبدعة أحدثت كتقبيل العتبة الشريفة، ~~وإنما يصح الاقتداء بالخلفاء الراشدين الذين أخذ عنهم العلماء الدين. # وكم أفتى بتحريم الفتوة عال ms28 وكم ولي، ولو صحت عن أمير المؤمنين لكانت في القوة كجلمود ~~صخر حطه السيل من عل، ولولا خوف التطويل لذكرت ما عليها من دليل، وقد سماها بعض شياطين ~~الإنسان فتوة، قصر الله عمره فلا حول ولا قوة. ~~••• # وقد ورث هذه الفتوة بهذا المعنى بعض المماليك في مصر، فإنهم كانوا يتعلمون الأعمال ~~الحربية ويتمرنون عليها، ويتخذون من الصيد وسيلة لتعلم الفروسية، وفي عصر من العصور كان ~~هؤلاء المماليك ينقسمون إلى قسمين: ذي الفقارية والقاسمية، واتخذوا لذلك شارات، فالفقارية ~~اتخذت شعارها البياض في الثياب والركاب، حتى أواني المأكولات والمشروبات، والقاسمية اتخذت ~~شعارها الحمرة في كل شيء من ذلك، وكان بين الفريقين من الفروسية والألعاب والقتال ما كثر ~~ذكره في الجبرتي وغيره. # ويقول الجبرتي أيضا: إن القرن الثاني عشر استهل وأمراء مصر فقارية وقاسمية، وكان هؤلاء ~~المماليك يشترون المماليك الصغار أو يأسرونهم ويعلمونهم حسب استعدادهم، ويقسمونهم أقساما، ~~قال المقريزي: أول ما يبدأ به تعليمه ما يحتاج إليه من القرآن، فكانت كل طائفة لها فقيه ~~يحضر إليها كل يوم، ويأخذ في تعليمها كتاب الله، ومعرفة الخط والتمرن بآداب الشريعة، ~~وملازمة الصلوات والأذكار. # فإذا شب الواحد من المماليك علمه الفقيه شيئا من الفقه، فإذا صار إلى سن البلوغ، أخذ في ~~تعليمه أنواع الحرب من رمي السهام ولعب الرمح ونحو ذلك. # فيتسلم كل طائفة معلم، حتى يبلغ الغاية في معرفة ما يحتاج إليه، وإذا ركبوا إلى لعب ~~الرمح، أو رمي النشاب، لا يجسر جندي ولا أمير أن يحدثهم أو يدنو منهم، وبعد ذلك ينقل إلى ~~الخدمة ويتنقل في أطوارها رتبة بعد رتبة، إلى أن يصير من الأمراء، فلا يبلغ هذه الرتبة إلا ~~وقد تهذبت أخلاقه وكثرت آدابه، وامتزج تعظيم الإسلام وأهله بقلبه، واشتد ساعده في رماية ~~النشاب، وحسن لعبه بالرمح، ومرن على ركوب الخيل. # ومنهم من يصير في مرتبة فقيه عارف، أو أديب شاعر، أو حاسب ماهر، وإذا اقترف ذنبا أو أخل ~~برسم، أو ترك أدبا من آداب الدين أو الدنيا عوقب عقوبة شديدة بقدر جرمه، ms29 ولذلك كانوا سادة ~~يدبرون الممالك، وقادة يجاهدون في سبيل الله. # وبلغت عدة المماليك السلطانية في أيام الملك المنصور قلاوون ستة آلاف وسبعمائة، فأراد ~~ابنه الأشرف خليل تكميل عدتها عشرة آلاف مملوك، وجعلهم طوائف، ثم شغف الملك الناصر بجلب ~~المماليك، وبعث في طلبهم من سائر البلاد وبذل الرغائب للتجار في حملهم إليه، ودفع فيهم ~~الأموال العظيمة، وبلغت نفقات المماليك كل شهر إلى سبعين ألف درهم، ثم تزايدت حتى صارت في ~~سنة 741 مائتين وعشرين ألف درهم. ~~••• # وانتقلت الفروسية في الحروب الصليبية إلى الغربيين، ~~وثار جدل طويل بين الباحثين، هل انتقلت الفروسية الغربية من الفروسية العربية مما شاهدوا من ~~مثل صلاح الدين ونور الدين وأسامة بن منقذ، أو هم أخذوها من التقاليد والعادات الألمانية؟ ~~ولا مجال هنا لسرد حجج كل فريق، وكل الذي نريد أن نقوله إن الفروسية سواء كانت عربية أو ~~غربية تتضمن الشجاعة والإتيان بأعمال البطولة والكرم والسماحة والعفو عند المقدرة، واحترام ~~المرأة، ووفاء العهد وحماية الضعفاء، وهذه كلها صفات الفتوة العسكرية. ~~••• # أما الفتوة الكرمية أو كما يسمونها الجودية، فتتجلى فيما حكاه ابن بطوطة في رحلته إذ قال: ~~إن هذا الإقليم المعروف بالأناضول من أحسن أقاليم الدنيا وقد جمع الله فيه ما قد فرق من ~~المحاسن في كل باب، فأهله أجمل الناس صورا وأنظفهم ملابس، وأطيبهم مطاعم، والفتيان بجميع ~~البلاد التركمانية الرومانية في كل مدينة وقرية. # ولا يوجد في الدنيا مثلها احتفالا بالغرباء وأسرع إلى إطعام الطعام وقضاء الحوائج. ~~والأخذ على أيدي الظلمة ومن لحق بهم من أهل الشر. ويسمون الفتى «أخي» فيقولون: أخي عز ~~الدين، وأخي علاء الدين، وأخي علي بك أي الفتى فلان. ويسمون الفتوة (أخية) على وزن شهية، ~~ويقول ابن بطوطة ما مفاده: إنه في كل بلد دخله في الأناضول وجد هؤلاء الفتيان وهم منقسمون ~~أقساما بحسب حرفهم، فالحلاقون والبزازون ... إلخ. ولهم شيخ عليهم، ولهم زاوية نظيفة في كل ~~بلدة، مفروشة بالبسط وهم يشتغلون في صناعتهم بالنهار، ثم يعطون ما كسبوه إلى شيخهم وهو يحضر ~~لهم الطعام ms30 والفاكهة والحلوى. وهم يفرحون بإضافة الضيوف والغرباء، فهم على هذا الوضع أشبه ~~ما يكونون بنقابة عمال يعيشون عيشة اشتراكية. وكان ابن بطوطة كلما دخل بلدة من بلاد ~~الأناضول سأل عن الأخية، وكثيرا ما حكى أن أهل هذه الأخية تنازعوا، وقد أشرف نزاعهم على ~~الحرب، من أجل تزاحمهم في طلب ضيافته. وقد عثر على وقفيات كثيرة تثبت أن الأغنياء كثيرا ~~ما وقفوا الأوقاف الكثيرة على هذه الأخيات. # فمثلا وجد في إحدى الوقفيات أن هذا الغني وقف أملاكه على أولاده، على أن يكون في قرب ~~مرقده زاوية، ولتلك الزاوية شيخ وناظر من أولاده الذكور ثم الإناث، وأن يصلي الشيخ فيها خمس ~~صلوات يدعو له في عقبها، ويذكر الله في ليلة الجمعة والاثنين، وبعد صلاة الصبح تقرأ سورة يس ~~وبعض الأوراد. وشرط الواقف أن يكون الشيخ صالحا متقيا متورعا، صاحب عزلة وقناعة وصاحب ~~أخلاق حميدة، ويجلس في الزاوية كل يوم، ويعطى له من الغلة في كل يوم درهم، وما بقي بعد ذلك ~~يصرف على المستشفيات، وبعضها على ضيافة الضيوف. وقد عثرت على ميزانية لأخية من هذه ~~الأخيات، صورتها ما يأتي: # الوارد # ج # 7650 # بدلات إيجار # 7900 # أرباح نقود # 550 # بدل حصة من الأوقاف # 110 # الفائض من العام الماضي # 500 # من الوصايا # 900 # بدلات إطعامية # 275 # دخوليات # 2700 # تبرعات الأصناف # 1250 # إعانات # 75 # أشجار # 21910 # المجموع # المنصرف # ج # 800 # للتعمير والترميم # 2050 # بدل الدكان المبتاع # 700 # أجرة الثلج في موسم الصيف # 600 # أجرة لقراءة المنقبة النبوية # 15500 # مصاريف الأيام الثلاث # 680 # فحم لفقراء البلدة وأهل الصناعة # 1200 # خبز للفقراء في رمضان # 600 # باصمة للأيتام والأرامل في العيدين # 350 # أجرة التداوي لفقراء أهل الحرف وعائلاتهم # 170 # للتجهيز والتكفين # 1100 # للمسافرين # 1800 # الصدقات اليومية # 250 # معاونة للواعظين في الشهور الثلاثة # 850 # لأدلاء الحرمين والشرفاء والشيوخ # 400 # لصرة الحرمين # 380 # لترميم طاش كوبري # 350 # معاونة لحسن أغا المحترق دكانه # 100 # أجرة القربان # 45 # لإيقاد القناديل في رمضان والليالي المباركة # 300 # للختم الشريف # 350 # لقراءة البخاري الشريف والشفا ms31 # 150 # لتعمير زقاق السوق # 250 # أجرة الحاكم للنظارة # 1200 # أجرة التولية # 1500 # لمعلمي مكاتب الصبيان # 500 # للفحم والحصر للمكاتب # 360 # الأجرة السنوية للمنادي # 450 # لناظر الماء # 240 # لحارس البدستان # 240 # أجرة للإطفائية # 600 # مصاريف اللاونجة # 20115 # المجموع # يؤخذ من هذا أن أكثرها مصاريف للخيرات ~~المختلفة حسب عقليتهم في زمانهم، ولا يستصغرن قارئ هذا المبلغ؛ لأن المال لا يقدر بالعدد ~~ولكن بقدرته على الشراء كما يقول الاقتصاديون، وقد كان هذا المبلغ في زمنه يساوي أضعافه في ~~زماننا، وهذا الوارد والصادر من أخية واحدة، ومثلها كثير. # والمؤرخون الأتراك ترجموا لبعض أصحاب الفتوة وسموا الفتى أخي فلان، ففي بعض كتبهم مثلا ~~أخي حسام الدين، وهو صاحب الفتوة والمروءة والمعروف بالسخاء والشجاعة والزهد والعبادة، ~~وإطعام الطعام للمساكين وإكرام العلماء والفقهاء، وحسن السيرة وصدق الحديث. قليل الكلام. لا ~~يسمع منه أحد كلمة كذب ولا غيبة. لا يخوض في كلام لا طائل تحته، آمر بالمعروف ناه عن ~~المنكر. لبس الفتوة من أبيه سيد شمس الدين. وأخذ منه الفتوة خلق كثير. مات في شوال سنة 695. ~~ويقولون أيضا: أخي كمال الدين، وهو صاحب الفتوة والمروءة، معروف بحسن الخلق والديانة ~~والتقوى، متواضع، خادم للفقراء، حمول، ساع في حوائج الناس، له الكلمة عند السلاطين والأمراء ~~والكبراء. محبوب الخلق والخلق، لبس الفتوة من أخيه «أخي حسام الدين» ... إلخ. # فنرى من هذا أن هذه الفتوة تشبه نقابات العمال، على شرط أن تكون اشتراكية. وقد كانوا ~~ينظمون هذه الصناعات من مبتدئ تلميذ وصانع ورئيس وهكذا. وهم يشترطون شروطا في كل مرحلة، ~~فالمبتدئ وإن شئت فسمه التلميذ، كان يبقى عدة سنين بلا أجرة، ويعلل أهله أنفسهم بأنه سوف ~~يكون عاملا ثم تدفع له أجرة كل أسبوع مناسبة لمهارته. ولكنه يستمر حاملا اسم أبيه إلى أن ~~يدخل في سن الرجولة، أو يصل في صنعته إلى حد الإتقان، فيسمى صانعا، ولكن لا يسمح له أن ~~يفتح محلا وحده لحسابه، إلى أن يدشن الصانع، ويعترف بأهليته وتسمى هذه العملية في لسان ~~الأتراك «عملية الشد»، ولا يشد إلا ms32 إذا كان مبتعدا عن المنكرات ملتحيا. وإذا استعد للشد ~~أعطى عرقا أخضر، ومعنى هذا أنه يجب عليه أن يولم وليمة لرفقائه. والغالب أن يكون العرق ~~الأخضر من الريحان. والعادة أن شاويش الحرفة يقطع أول عود من شجرة خضراء يراها إما ريحانة ~~أو غيرها، فيأخذ الصانع منه العرق ويقبله. ويضعه على رأسه فيأخذه الشاويش عند ذلك إلى شيخ ~~الحرفة ويخبره بأمره. فيقيدون اسمه مع زملائه الذين يستعدون للشد أيضا، فيدعو رفقاءه وشيوخ ~~الحرفة وشيخ المشايخ. والشد يكون في أحد البساتين ليلا أو نهارا ويتبادل معهم شيخ الحرفة ~~السلام ثم يقول النقيب: «يا إخواني» لنبدأ عملنا. فيصمت الجميع ويأخذه الشيخ إلى غرفة ثانية ~~ويشده بطريقة معينة، ذلك أن يحضر الطالب مكتوف اليدين، ويوقفه الشاويش في الوسط على بساط ~~أخضر ويجعل إبهام رجله اليمنى على إبهام رجله اليسرى، ثم يقول النقيب للشاويش: اجعله يقرأ ~~الفاتحة بصوت عال. ويكون جميع الحاضرين جالسين على ركبهم، مطرقي رؤوسهم، ثم يطلب النقيب من ~~العامل الفاتحة ثانية، ثم يذكر النبي # صلى الله عليه وسلم # ويصلي عليه، ثم يتلو الصانع الفاتحة مرة ~~ثالثة، فبعد أن يفرغ منها يسلم النقيب على الحاضرين من الزوار، ويسلم سبع سلامات، سلاما ~~على الحاضرين، وسلاما ثانيا على أهل الحرفة وشيوخها وسلاما ثالثا على أهل الميمنة ~~وسلاما رابعا على الميسرة، وسلاما خامسا على السادات، وسلاما سادسا على الإصلاح، ~~وسلاما سابعا على الأحباب ... ثم يلتفت إلى المشدود ويقول له: «أوصيك يا من تخاوي أو تعاهد ~~بأداء فروض رب العالمين، وأن ترعى عهدك وشدك وسيشهد عليك حفظة السماء، وستكتب من يضيعه من ~~المبعدين، وأختم كلمتي بمدح أحمد المختار أمام العالمين، آمين، يا رب العالمين.» # ثم يوثق النقيب بينهم ميثاق الأخوة، فيعتبر أهل الحرفة المشدود كأنه أحدهم، وأنه أخ لهم، ~~وربما فضلوه على الأخ الحقيقي، وبعد ذلك يعين أحد الحاضرين أبا للمشدود على حسب الصنعة ~~التي التحق بها، ويكون هذا أبا له والصانع ابنه، ثم يأخذ شيخ الحرفة في نصيحة المشدود، ~~ويقول: «يا بني، إن جميع الحرف أهلها ms33 أمناء على الأعراض والأرواح والأموال. والأمانة هي ~~الدين، فكن صادقا وأمينا. واعلم أن «كارك» مثل عرضك. حافظ عليه بكل ما تملك، وإذا استلمت ~~أموال الناس فلا تفرط فيها، وإياك أن تخون أهل الحرفة، والخائن مسئول أمام الله.» ثم يلتفت ~~إلى الحاضرين ويسألهم: هل هو يستحق الشد وأن يكون صانعا؟ فيقولون: نعم. وحينئذ يأخذ عليه ~~هذه العهود ويركع أحدهما إزاء الآخر نصف ركعة بحيث تمس الركبتان اليسريان الأرض، وتنثني ~~اليمنيان نصف ثنية، ويقترب بعضهما من بعض حتى يتلاصق الإبهامان اليمنيان، ويمسكان بيد بعض ~~مسكة خاصة معروفة ويتعاهدان على الإخاء. ثم توزع الهدايا الموضوعة في صينية، وهي للنقيب لوح ~~صابون، وقطعة من الشاش مطرزة، وخلة وعرق أخضر، ومنهم من يضيف إلى ذلك كيسا لوضع التنباك ~~ومسبحة. والصابونة رمز لتنظيف اليدين من السرقة، والشاشة لمسح الفم ووقاية الأثواب والخلة ~~لتنظيف الأسنان، والعرق الأخضر لتزال به رائحة الأكل من اليد. ثم يهنأ المشدود، وترتفع ~~الأصوات بالتهليل، ويقولون مرارا: صلوا على عيسى وموسى ومكحول العينين. وقد تعد لذلك وليمة ~~يعدها الصانع ويراعي فيها أن تكون بسيطة، ويسمون الأكل «التمليح» أي أكل الخبز والملح. ~~والملح من قدم رمز للتعاقد والوفاء بالعهد. # وللشد ضريبة تبلغ أربعين فرنكا إلى مائة فرنك. أما تولية الشيخ أو النقيب فلها شعائر ~~أخرى لا نطيل بذكرها. # وهناك مجلس أعلى يشرف على هذه العمال، ويسمى «المجلس الكبير»، فيجتمع الإخوان كل شهر، ~~وينتخبون منهم رئيسا من اختصاصه سماع الشكايات والفصل في المنازعات التي تقع بين أهل ~~الحرف، والنظر في مصالح أهل الحرفة. # ولهم اجتماع آخر سنوي يبتدئ في أول شهر مارس، يجتمع كل يوم من أهل صناعة خاصة وينظرون في ~~أمورهم، ثم يجتمع أهل الحرف جميعا ويعلن الاجتماع قبل 15 يوما ويحضر جدول الأعمال، ويحضر ~~فيه أهل أربع وعشرين صناعة، ويدعى من عداهم من عامة أهل البلد، ويقام مطبخ عظيم يعد الأكل ~~لجميع الحاضرين، فإذا جاء وقت الطعام يصطف كل أهل حرفة وحدهم. # وإذا أرادت الحكومة تكليف أهل الحرف بشيء أو النظر في أمر ms34 من أمورهم، دعت هذا المجلس ~~ليكون واسطة بينها وبين العمال. ولكل حرفة صندوق خاص يتولى المتولي، أي الأخي إدارته، ويسأل ~~عنه. ويوجد في كل صندوق ستة أكياس: كيس أطلس توضع فيه الحجج المبينة لأوقاف الصندوق، وكيس ~~أخضر تحفظ فيه مسائل الأخوة، وكيس منسوج تحفظ فيه نقود الأخية، وكيس أحمر تحفظ فيه سندات ~~النقود، وكيس أبيض تحفظ فيه سندات المصالح، وكيس أسود تحفظ فيه سندات النقود التي لم ~~تحصل. # ولهم رموز خاصة يتبادلونها عند تنصب الفتى صانعا وعند انتخاب النقيب قد بينها كتاب ~~«مفتاح الدقائق في بيان الفتوة والحقائق». ولما اطلع على هذه النظم - التي كانت قائمة في ~~بلاد الأتراك وفي ممتلكاتها كمصر ودمشق - كتب الأستاذ إلياس عبد الله قنصل هولندا بدمشق ~~يقرر أن هناك تشابها كبيرا بين هذه النظم والتقاليد ونظام الماسونية وتقاليدها، فتساءل: ~~ما هي العلاقة بين تلك النظم، وهل أخذت الماسونية نظامها من نظم الفتوة، وما الدليل على ~~ذلك؟ وإذا لم تأخذ الماسونية من الفتوة فكيف تشابهت التعاليم؟ # ورجا الباحثين أن يجيبوه عن أسئلة، ولكن لم أر بحثا يجيب على هذه الأسئلة. وربما كانت ~~هذه النظم ترجع إلى عهد الفاطميين؛ ففي صبح الأعشى أن الفاطميين ألفوا جماعة سموهم صبيان ~~الخاص، وجعلوهم من أخصاء الخليفة. وسموا في عهد المماليك بالخاصكية، وسموا في نظام الفتوة ~~بالفتيان الخاصكية. وفرقة أخرى تسمى صبيان الحجر، وهم جماعة من الشبان يناهزون خمسة آلاف ~~ويقيمون في حجر منفردة. ولكل حجرة اسم خاص، فبعضهم يسمون مماليك الطباق ويسمون في نظام ~~الفتوة فتيان الطباق. # وبعضهم يسمون طوائف الأجناد، تنسب كل جماعة منها إلى صاحبها كالحافظية والآمرية من بقايا ~~الحافظ والآمر. وكالجيوشية والأفضلية من بقايا أمير الجيوش وولده الأفضل. وبعضهم إلى ~~أجناسهم، كالأتراك والغز والديلم. ولكل طائفة قواد. وطائفة كانت تسمى الفداوية، تخصص لأعمال ~~الفداء كالإسماعيلية، فهذه الطوائف وضع ما يقابلها على ما يظهر عند السنية اتقاء لشرورها ~~كما فعل الناصر لدين الله. ومن هذه انتقلت إلى الأناضول وغيرها من البلاد التركية. ولكن ~~تغيرت أحوالها بتغير البيئة وتغير ms35 الزمان والمكان، وربما كان لجمعية إخوان الصفاء وهي جمعية ~~شيعية معروفة إيحاء بتسمية ما بعدها بالأخوة والله أعلم. ~~••• # وفي عصرنا هذا عرف في كل حي من أحياء القاهرة والإسكندرية بعض الناس الفتوة، فيقال فتوة ~~المنشية، وفتوة الجمالية، وفتوة الحسينية وهي تسمية بالمصدر، كما يقال رجل عدل. # والفتوة في العرف شاب شهم نبيل شجاع ذو مروءة يفضل إخوانه في كل هذه الصفات. # ومن قبيل ذلك ما حكاه الجبرتي عن حجاج الخضري، فقد كان له بوابة قرب السيدة عائشة تسمى ~~بوابة حجاج، وكان زعيم الخضرية، وكان فيه هذه الصفات التي ذكرناها في الفتوة. وكان أهل ~~حرفته يسمعون كلامه أكثر مما يسمعون كلام الوالي. ولذلك شنقه الوالي تأديبا لأتباعه من غير ~~أن يكون جنى جناية. وقد شاهدت ابنته في حارتنا العبادية بالمنشية، وفيها بعض صفاته، وفيها ~~أيضا قوة ممتازة في لسانها تغلب به في السباب أهل حارتها. # ومن ذلك ما حكاه الجبرتي أيضا في ترجمة الشيخ حسن الكفراوي، فقد كان صديقا للشيخ صامودا ~~المنجم؛ فرأى أحد المماليك على عضو زوجته كتابة، فسألها عنها فقالت له: قد كتبها الشيخ ~~صامودا ليحببك في. فقال لها: إنه إذا رضي أن يطلع على عضوك. ثم أمسكه وقتله وشهر به ~~وبالعلماء، وشهر بصديقه الشيخ الكفراوي، فاضطهد الشيخ اضطهادا كبيرا ألجأه إلى أن يحتمي ~~بفتوة حي الحسينية، إذ كان الشيخ يسكن فيه وهو الحاج عمر الجزار، ليمنع عنه أذى الناس، ~~وتزوج ببنته. # ويمتاز الفتوة بهذه الصفات التي ذكرناها وبأنه يتبجح بشجاعته، ويؤذي من لم يحتم به. وزفة ~~الحي لا تخرج إلا بحمايته وضمانته، فيتصدر زفة العريس أو المطاهر هو وأتباعه، ويمنع عنها أي ~~شخص من حي آخر يعمل عملا يفسدها. كما أن من أعماله أن يتعرض لزفات الأحياء الأخرى. ويوقفها ~~ويطلب من الزمارين والطبالين أن يطبلوا له ولزملائه، ويزمروا على حد تعبيراتهم «عشرة بلدي» ~~وهو يرقص على الزمارة، فإذا أجابوه إلى طلبه فبها، وإلا ضرب هو وزملاؤه الزفة وأفسد كيانها، ~~وقد يقع في المعركة بعض الجرحى. ومن أعماله أيضا ms36 أن يحمي صبيا في مدرسة من أن يعبث به أي ~~رجل آخر غيره، ويخالل امرأة يحميها، وقد يتزوجها، ويكون معروفا بين زملائه أنها في حمايته ~~لا يتعرض لها أحد، ولا يشاغلها أحد. وإذا قصده أحد في أمر قضاه له مروءة، وإذا اجتمع مع ~~زملائه في قهوة أو في خمارة صرف عليهم كل ما يطلبون وسمي هذا جبا فلان. # ومما يمتاز به هؤلاء الفتوات أيضا لغتهم، فلهم لغة خاصة كجمعهم تلميذ على تلاموذ، ~~فيقولون: عملنا اليوم مظاهرة مع التلاموذ. وكقولهم: أنا أضربه وأضرب اللي يشدد له. ومعنى ~~اللي يشدد له، الذي يحميه. # وهكذا في لغتهم الخاصة ويكثر في كلامهم كلمة الفتونة، ويرون أنه لا عار على الفتوة أن ~~يحبس ويسجن ويقتل؛ لأن هذه كلها زكاة ما وهبه الله من القوة، وقد سمعت أن فتوة من هؤلاء نصح ~~أن يترك هذه الأمور ويستقيم فقال: وما قيمة هذه الفتونة إذا، واستمر في طريقته، وسجن ~~وعذب. # وكثيرا ما يكونون حشاشين أو سكرية على حد تعبيرهم. وإذا لعب بهم السكر أفسدوا ما ~~شاءوا. وأكثر ما يظهرون أيام الأعياد وأيام شم النسيم، فيعيثون في الأرض فسادا. # وأحيانا يتواعد فتوات أهل حيين على المقاتلة في جبل الجيوشي بالقاهرة، فيطلعون الجبل ~~وينتصب الصفان، ويتضاربون بالنبابيت وبالحجارة. # وقد يخر بعضهم صريعا أو جريحا، وبعد انفضاض القتال يتصايحون، فيصيح أهل المنشية: نحن ~~غلبنا أهل الحسينية، نحن الجدعان، ونحو ذلك أو العكس، ثم يتواعدون على يوم آخر يتقابلون ~~فيه. وإذا لم يحضر أحد الفريقين كان إعلانا له بالهزيمة. # ثم ضجت الحكومة من هذه الأحوال خصوصا بعد أن دخلها الإنجليز واجتهدت في القضاء على ~~الفتوات كما قضى عليهم الخمر والحشيش. وكان هؤلاء الفتوات يسمون أيضا البلطجية. وفي ~~الإسكندرية يسمى كل واحد منهم «أبا أحمد» وفي سوريا «قبضايا». # وقد كان هذا آخر عهدنا بالفتوة والفتيان بعد أن كان لقبا جميلا. ولو استقبلنا من أمرنا ~~ما استدبرنا لسمينا فرق الكشافة بنظام الفتوة، لأنها به أليق، والاسم أجمل ولكن ما فات لن ~~يعود. # وهؤلاء الفتوات ms37 كان لهم أثر كبير في إقلاق راحة الفرنسيين أو الحملة الفرنسية على مصر، ~~فإنهم استطاعوا أن يقضوا مضاجعهم ويقلقوا راحتهم، ويفسدوا حكمهم، وقد جاء في الجبرتي أن ~~الفرنسيين أرادوا أن يفرضوا بعض الضرائب على الأملاك والعقارات، ونشروا إعلانا بذلك، فلما ~~أشيع ذلك كثر لغطهم واستعظموه، فتجمع الكثير من الغوغاء وعزموا على الجهاد وأبرزوا ما كانوا ~~أخفوه من السلاح، وخصوصا على حسب تعبيره «حشرات الحسينية» وزعر الحارات البرانية، وهم ~~يصيحون: «نصر الله الإسلام» (والزعر هم الفتوات أو الشطار فكلها مترادفة). وذهب نحو الألف ~~أو أكثر إلى بيت القاضي، وأوقفوا حجابه ورجموه بالحجارة والطوب، فلما بلغ الفرنسيين ذلك ذهب ~~قائد منهم بجنوده، وقد كان هؤلاء الفتوات قد حفروا المتاريس وتترسوا بها، وازداد الحال ~~سوءا، وامتدت يد الغوغاء إلى النهب والخطف والسلب، ونهبوا دور النصارى والشوام والأروام، ~~وسبوا النساء والبنات، واختطفوا الأمتعة وقتلوا كثيرا من الجنود الفرنسيين، فلما أصبح ~~الصباح أحضر الفرنسيون جميع الآلات من المدافع والقنابر والبومبات. ولما ضربوها صاح الناس: ~~يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف. وذعروا من المدافع لأن أهل هذا الحي لم يروها من قبل، ومع ~~ذلك ظل هؤلاء الفتوات يقاتلون الفرنسيين وينهبون ويسلبون حتى ضاق بهم الفرنسيون ذرعا. ~~وهجموا على الأزهر وداسوا بالنعال وربطوا أفراسهم في القبلة. وأضاعوا كثيرا من الأنفس ~~والأموال. ولم يستقر الأمر إلا بعد تعب كبير. وكان ممن اتهم بهذه التهمة رجل اسمه إبراهيم ~~أفندي، وتهمته كما يقول الجبرتي: «إنه كان قد جمع جمعا من الشطار وأعطاهم الأسلحة. وكان ~~عنده أيضا عدة من المماليك المخفيين والرجال المعدودين فقبضوا عليه وحبسوه.» # هذا ملخص عبارة الجبرتي بمعناها لا بنصها. وقد أطال في ذلك كثيرا. # وهذه حادثة من حوادث كثيرة خرجت فيها الفتوات أو الزعر أو الشطار أو الغوغاء على الفرنسين ~~وقتلوا منهم، وجعلوا حكمهم للبلاد عسيرا مما يطول شرحه. ولذلك تعلم الإنجليز من هذه ~~الحوادث، فكتموا أنفاس هؤلاء الفتوات وقتلوهم أو سجنوهم، وقلموا أظافرهم بأخذ الأسلحة منهم ~~حتى العصي والسكاكين. # ثم سلط عليهم الحشيش والخمر فذهب بأسهم. ms38 # وقد أكثر أهل العلم والأدب من الكتابة في نظام الفتوة. وهذا بيان بعض ما ألف فيهم. # من ذلك كتاب الفتوة لأخي أحمد الأردبيلي، وطرائف الطرف لمحمود بن محمد، وآداب الأخي لشهاب ~~الدين السهروردي، وفصول في كتاب نغمات الأنس للجاني في مادة أخي، وفصل في كتاب تاريخ أهل ~~المظفر، وبعض رسالات كتبت في الفتوة بالتركية، وفصل في كتاب الأوامر العلائية في مدائح ~~أصحاب الفتوة السياسية والأجواد، وكتاب للمبارك بن خليل الخازنداري المسمى آداب السياسة ~~بالعدل ... إلخ. # وفي العصور الأخيرة ألف بعضهم كتابا اسمه مذكرات فتوة. # وربما كان قريبا من نظام الفتوة في أيامنا هذه جمعية الإخوان المسلمين، وهي جمعية أكثر ~~أتباعها من الشبان المسلمين، بدءوا أمرهم بتعليم الشبان الفضائل عن طريق الدين، والحق أن ~~الناظر إليهم كان يراهم أميز من زملائهم من حيث الفتوة والرجولة والتخلق بالأخلاق الحسنة. ~~ثم دعتهم الظروف المحيطة بهم أن يتحزبوا كما تحزب الشبان والتابعون للأحزاب الأخرى، ~~فتظاهروا كما تظاهرت الأحزاب الأخرى. وأيدوا الحكومات أحيانا وعارضوها أحيانا تبعا ~~للظروف والتعليمات، ثم تطوروا تطورا آخر، فكان منهم محاربون، وكان منهم فدائيون؛ فبدءوا ~~يقتلون بعض من يخالفهم، كما فعلوا في القاضي الذي حكم على بعضهم، وبدءوا أيضا ينسفون بعض ~~بيوت الهيئات السياسية وبعض المحال التجارية الأجنبية، ثم جهزوا تجهيزا حسنا من قنابل ~~وآلات استقبال وإذاعة، ونحو ذلك. # وكونوا من بعضهم خلايا كخلايا الشيوعية، لا يعرف أعضاء الخلية أعضاء خلية أخرى، ثم اضطرت ~~الحكومة المصرية لحلهم، فكان من جزاء رئيس الوزارة الذي حلهم وهو النقراشي باشا أن يقتل، ~~فكان جزاء وفاقا أن يقتل رئيسهم أيضا، وهو الشيخ حسن البنا. وكان من شأنهم أن جاهد بعضهم ~~وأبلوا بلاء حسنا في حرب فلسطين، وفي حرب الإنجليز في قناة السويس. وبذلك انقلبت من جمعية ~~إصلاحية للأخلاق والنظام الاجتماعي من وعظ وإرشاد وتثقيف وتعليم، ومعاونة للفقراء إلى نوع ~~كالذي ذكرناه من قبل عن الفتوة العسكرية. # وفي نظرنا أنه قد أضعفها هذا التطور الأخير، وهو التطور العسكري، فإنها بذلك زاحمت ~~الأحزاب السياسية الأخرى وشاركتهم في ms39 الرغبة في الحكم، فقاتلوهم وحاربوهم وسجنوهم. وكان من ~~رأينا أن يبقوا بعيدين عن المغامرات السياسية، دعاة إصلاح أخلاقي واجتماعي. ولو استمروا على ~~ذلك لثبت بنيانهم، وامتد نفوذهم. ولكن لله في خلقه شئون. ووجه الشبه بينهم وبين نظام الفتوة ~~ظاهر حتى في تنظيمهم ودعوتهم للإصلاح الاجتماعي ومساعداتهم للفقراء والمساكين، ثم في تسلحهم ~~الذي يشبه الفتوة العسكرية، كالتي رأيناها عند الناصر لدين الله وأشباهه من رجال الحروب ~~الصليبية ورجال الفروسية. وقد كان لهذه الجمعية أتباع في الشام والحجاز والعراق، يأتمون ~~بإمامهم ويتبعون تعاليمهم. وهم لا يزالون إلى يومنا هذا، وقد عقد وكيل النيابة الذي ترافع ~~في قضية الخازندار مقارنة بين نظامهم ونظام الإسماعيلية وأطال في ذلك، والله بمستقبلهم ~~عليم. # هذا ما يتعلق بسلسلة الفتوة من الجاهلية إلى ~~الإسلام إلى اليوم. أما الكلام في الصعلكة فإنا نرى التصعلك خفت بعد ذلك لسببين؛ أولهما: أن ~~الإسلام بتعاليمه نهى عن السلب، وكان في الغزوات المشروعة غنية عنهما، فلم يمكن أن تكون ~~الصعلكة نظاما ثابتا منتشرا. # والثاني: أن الفتوحات الإسلامية أدرت عليهم الخير الكثير، فمن كان يمكن أن يكون صعلوكا ~~أصبح يمتلك الجواري والعبيد والدور والبساتين، فلم يكن له حاجة إلى التصعلك الذي هو نتيجة ~~الفقر والبؤس. # وربما كان الفقير الذي لا يملك شيئا يجد في الزكاة التي فرضها الإسلام ما يغنيه عن ~~التصعلك الذي عرفنا أساسه، وهذا لا يمنعنا من أن نرى هنا وهناك بعض اللصوص الصعاليك من ~~البدو يخطفون وينهبون ويسلبون ويقطعون الطرق، لكن في غير نظام. # ثم نرى إذا تقدمت الدولة العباسية جماعة سلابين نهابين يسمون العيارين أو الشطار، يعيثون ~~في الأرض فسادا، ويعملون عمل الصعاليك في الجاهلية. غاية الأمر أن الصعاليك كانوا يعيشون ~~في الأرض فسادا أيضا، ولكن يعوض فسادهم أنهم كانوا لا ينهبون إلا من ثبت شحه ودناءته، ~~وإذا نهبوا وزعوا ما نهبوه على أمثالهم بالتساوي. أما هؤلاء الشطار فكانوا ينهبون ما قدروا ~~عليه ويتعدون على الأغنياء من غير تفرقة بين كريم وليئم ثم لا يوزعون ما نهبوه. # يقول ابن جرير ms40 الطبري في حوادث سنة 201: «إن الشطار الذين كانوا ببغداد والكرخ آذوا الناس ~~أذى شديدا، وأظهروا الفسق وقطعوا الطريق وأخذ النساء والغلمان من الطرق، فكانوا يجتمعون ~~فيأتون الرجل فيأخذون ابنه فيذهبون به فلا يقدر أن يمتنع، وكانوا يسألون الرجل أن يقرضهم أو ~~يصلهم فلا يقدر أن يمتنع عليهم، وكانوا يجتمعون فيأتون القرى فيكاثرون أهلها ويأخذون ما ~~قدروا عليه من متاع وغير ذلك، لا سلطان يمنعهم، ولا يقدر على ذلك منهم؛ لأن السلطان كان ~~يعتز بهم، وكانوا بطانته، فلا يقدر أن يمنعهم من فسق يرتكبونه، وكانوا يجبون المارة في ~~الطرق وفي السفن ويأخذون الأجور على خفارة المساكن، ويقطعون الطرق علانية، ولا أحد يقدر ~~عليهم، وكان الناس منهم في بلاء عظيم، فلما رأى الناس ذلك وما قد أخذ منهم، من متاع الناس ~~في أسواقهم وما قد أظهروا من الفساد في الأرض والظلم والبغي وقطع الطريق، وأن السلطان لا ~~يغير عليهم، قام صلحاء كل ربض وكل درب، فمشى بعضهم على بعض وقالوا: «إنما في الدرب الفاسق ~~والفاسقان إلى العشرة، وقد غلبوكم وأنتم أكثر منهم، فلو اجتمعتم حتى يكون أمركم واحدا ~~لقومتم هؤلاء الفساق، وصاروا لا يفعلون ما يفعلون من إظهار الفسق بين أظهركم.» وقام رجل من ~~ناحية الأنبار يقال له خالد فدعا جيرانه وأهل بيته وأهل محلته على أن يعاونوه على الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، فأجابوه إلى ذلك، وشد على من يليه من الفساق والشطار، فمنعهم ~~مما كانوا يصنعون وقاتلهم وهزمهم وأخذ بعضهم فضربهم وحبسهم، وسمي هؤلاء الآخذون على يد ~~الفساق بالمتطوعة، فترى من هذا أن عمل هؤلاء الفساق أشبه بعمل الصعاليك، لولا أنه تنقصهم ~~المروءة والنبل، فعمل المتطوعة كعمل أهل حلف الفضول وقد ذكرنا قبل صلة حلف الفضول ~~بالصعلكة. # وربما عد ما يشبه الصعلكة عمل الزنوج في ثورتهم ~~المشهورة بثورة الزنج، فإنهم في الأصل كانوا زنوجا يعملون في الكسح في المراحيض. وقد سئموا ~~بؤسهم وفقرهم فدعاهم داع إلى أن يثوروا على سادتهم وأن يأنفوا الذل والفقر ويأخذوا من ~~أغنيائهم ما يستطيعون، وربما ms41 كانت هذه المروءة التي تنقصهم وتنقص الشطار سببها أن أكثر ~~الشطار والزنج قد فقدوا عنصر العروبة، فكانوا إما فرسا أو أتراكا أو زنجا، ومن المسلم به ~~أن العرب أميل إلى الكرم، وكانوا في حياتهم يكادون لا يعدون فضيلة إلا الشجاعة ~~والكرم. # أما العناصر الأخرى التي ذكرناها فليس لها مثل كرمهم. ولعل هذا هو السبب في أن الصعلكة ~~أخيرا فقدت الكرم والنبل. # وكانت كلمة الشاطر تطلق على الخبيث الفاجر وفي القاموس: «الشاطر: من أعيا أهله خبثا.» ثم ~~أطلقت كلمة الشاطر على الماهر في أي صنعة، وربما كان هذا المعنى قديما أيضا ؛ ففي ألف ليلة ~~وليلة من يسمى الشاطر حسن أي الماهر، وفي لساننا اليوم تطلق كلمة الشاطر بهذا المعنى. ~~فيقولون في أمثالهم: قيراط بخت ولا فدان شطارة (أي مهارة). ويقولون: ما يقع إلا الشاطر. ~~ويقولون على الفتاة: حلوة وشاطرة ولا لهاش بخت. وهكذا. # فترى في هذا أن العلاقة بين الفتوة والصعلكة كانت ~~في القديم. يجمع الفتيان والصعاليك جامعة الشباب والنجدة، غير أن الفتيان أولاد الأغنياء ~~والصعاليك أولاد الفقراء. # وقد ألف الجاحظ فيما يحكى عنه رسالة في لصوص العرب، ولكنها مع الأسف مفقودة، وعقد صاحب ~~محاضرات الأدباء فصلا في اللصوصية وما يجري مجراها، عدد فيه أنواع التلصص، ومما رواه من ~~شعرهم: # وإني لأستحي من الله أن أرى # أطوف بحبل ليس فيه بعير # وأسأل ذياك البخيل بعيره # وبعران ربي في البلاد كثير # ويقول آخر: # وكم بيت دخلت بغير إذن # وكم مال أكلت بغير حل # ويقول آخر: # وعيابة للجود لم تدر أنني # بإنهاب مال الباخلين موكل # غدوت على ما احتازه فحويته # وغادرته ذا حيرة يتململ # ولهم في هذا التلصص قوانين ظريفة مثل عدم سرقة الجيران، واتقاء الحرم، وإنما يسرقون مال ~~البخلاء والغشاشين والجاحدين للودائع ونحوهم. # ويقول بعضهم: # سأبغي الفتى إما جليس خليفة # يقوم سواء أو مخيف سبيل # وأسرق مال الله من كل فاجر # وذي بطنة للطيبات أكول # وكان أحد اللصوص ينصح زملاءه بالمران على السرقة، والصبر على الضرب، ~~ورواية أشعار الفرسان، والتحدث بمناقب الفتيان، ms42 وبأن يكون اللص جريئا، صاحب حركة وفطنة ~~وطمع وهم يقولون: إنهم أحسن حالا من الحاكم المرتشي، والقاضي الذي يأكل أموال ~~اليتامى. # والتلصص أعم من التصعلك، فكل متصعلق لص، وليس العكس فلا بد للمتصعلك من أن يكون ذا مروءة، ~~وألا يسرق إلا من الأشحاء البخلاء، ويعين الضعفاء كما ذكرنا قبل. # وأما في الإسلام فقد اختفت الصعلكة كفرقة، وظهرت فرقة تشبههم وهم الشطار. احتفظوا بوسائل ~~الصعاليك من سلب ونهب، ولم يحتفظوا بالغاية. # وظلت كلمة الصعلوك أيضا على الألسنة تدل على الفقر ومن أمثالهم: «تروح فين يا صعلوك بين ~~الملوك» وهكذا تتطور الكلمات كما تتطور الأحداث ويكون لها في كل عصر معنى. # وبعد ذلك كنا نتساءل: ماذا استفاد العالم العربي من الفتوة والصعلكة في عصوره المختلفة؟ ~~ونجيب عن هذا السؤال فنقول: إنه استفاد فوائد كثيرة: # أولا: # إنه استفاد من الفتوة تقوية الناحية الفنية، فقد كان للفتيان مجالس يلجأ ~~إليها المغنون، ويتعرفون عليها، ويحيون أوقاتهم فيها بالغناء، ويجدون فيها ~~مطعمهم ومشربهم، كالذي حكي لنا عن إبراهيم الموصلي، فقد قصد إليهم وهم في ~~حماة، وتعرف به إذ ذاك الخليفة المهدي، فكان هذا سبب نعمته، وشهرته الواسعة ~~فيما بعد. # ثانيا: # تأقلم معنى الفتوة في الإسلام، فكانت مصدرا لفضيلتين كبيرتين؛ إحداهما ~~الكرم، كما رأينا في زوايا الأتراك وحسن ضيافتهم كما حكى لنا ابن بطوطة. ~~والثانية الفروسية. # وهذه الفروسية أتت في العصر الجاهلي من أن الفتيان كانوا في الجاهلية يعيشون عيشة فخفخة ~~ووجاهة، ويودون السمعة الحسنة بالإغداق على الفقراء، وخصوصا الشعراء منهم، ويتطلبون الثناء ~~فكانوا يكرمون، وينحرون الجزور، ويشعلون النار للضيفان ونحو ذلك. # فلما جاء الإسلام كان في تعاليمه ما يشجع الفتوة، من مثل إعطاء الفقير، ورفع الظلم عن ~~المظلوم، وإعلاء شأن المرأة، والجنوح إلى السلم إذا جنح العدو إليه. ووصية أبي بكر لقواد ~~جيوشه مشهورة في أن لا يقتلوا شيخا ولا طفلا ولا امرأة، وأن يعاملوا أهل الذمة معاملتهم ~~لأنفسهم، وأن لا يحرقوا نخلا. واستمرت تعاليم الفروسية هذه حتى أزهرت أيام صلاح الدين في ~~الحرب الصليبية، ونرى ms43 أن المسيحيين عندما فتحوا بيت المقدس، نكلوا بالمسلمين كل التنكيل ~~وعذبوهم عذابا لا مزيد عليه. فلما استعادها صلاح الدين قبل الفداء، وأعتق من لم يقدر عليه، ~~وأطلق سراح كثير من النساء من غير مقابل، وزادوا في حرية المرأة واحترامها لأنه كان لهم في ~~الإسلام مثل حسن، وهم بنو عذرة الذين كانوا يحترمون النساء احتراما شديدا ويحبونهن حبا ~~أفلاطونيا، وهو المسمى بالحب العذري. # ومن قديم مجد العرب الخيل؛ أكرموها، واعتنوا بتربيتها، وإلى الآن تنسب إليهم الخيول ~~العربية. # فقد كانت أكبر الفضائل عندهم المروءة، وهي تمت بسبب قريب إلى الفروسية. وتقرأ في كتاب ~~الأغاني والعقد الفريد وأمثالهما، فتجد قصصا كثيرة عن المروءة، من مثل قصص زيد الخيل، ~~وعمرو بن معد يكرب والمهلهل. وليست قصة عنترة العبسي إلا نوعا من أنواع البطولة مملوءة ~~بالفروسية. حتى قصته نفسها من أنه كان ابن أمة، وكان منبوذا لذلك، فلما هوجم قومه أبى ~~القتال لأنه وضيع، فحرره أبوه، فأتى بالعجائب. # فلما أتت الحروب الصليبية رأينا أعمالا كبيرة من أعمال البطولة من مثل احترام النساء ~~والأطفال، وفك الأسير، كالذي يحكونه أن نصرانيا ادعى أنه عطشان، فلما أحضر له الماء زعم ~~أنه خائف أن يقتل، فلما حلف له أنه لا يقتل حتى يشرب، كب الماء على الأرض وطالب الحالف أن ~~يبر بوعده، فبر بوعده وأطلقه. كذلك لم يكن عمل المسلمين في الأندلس بأقل فروسية من أعمال ~~المسلمين في الشرق. وكذلك أعمال المماليك في القاهرة، وهم الذين حاربوا الحروب الصليبية ~~الأخيرة، كما تدل عليه قصص ألف ليلة وليلة. وليس ببعيد أن تكون الفروسية عند الأوربيين قد ~~استعيرت من الفروسية عند المسلمين، فإنها لم تظهر عندهم إلا زمن الحروب الصليبية، وقد أفادت ~~الأوربيين فائدة كبرى، فقد نقلت الجمعية الأوربية من ظلم الإقطاعيين وحروبهم المستمرة، إلى ~~مدينة قارة يسود فيها السلم. هذا إلى أنها قوت خصالا خاصة أهمها ثلاث: ~~(1) # النجدة في الحروب. ~~(2) # الدين. ~~(3) # احترام المرأة. # وأهم من ذلك كله معاونة من يستحق المعونة، وبامتزاج النجدة الحربية والدين نشأت الرحمة ~~ومعونة الفقراء والضعفاء، ms44 حتى الرحمة بالحيوانات، وأهمها الفرس. # وبامتزاج الدين واحترام النساء زاد تعلق المسيحيين بالسيدة مريم العذراء. وقد ظهر من ذلك ~~الحين في العالم المسيحي أعمال بطولة وآداب تتغنى بالفروسية، وسعة الصدر مع المخالفين في ~~العقيدة. # أضف إلى ذلك أن الصوفية تبنوا فكرة الفتوة وعدوها من الفضائل التي يحثون المريدين على ~~التمسك بها، كالذي نراه في الرسالة القشيرية، والفتوحات المكية وغيرهما. وجعلوا من مقررهم ~~احترام النساء، حتى ليأبون أن تصب امرأة على أيديهم، وحتى ليأبون أن يؤذوا النمل والحيوانات ~~الضعيفة أي إيذاء، وحتى يعدوا من أنواع الفتوة إزالة كل عائق يعوق وصول الخير إلى مستحقه، ~~فإذا وجدوا حجرا يعوق الماء أزالوه حتى يصل إلى النبات. وإذا وجدوا إنسانا تعوقه عن الخير ~~فكرة شريرة أزالوها عنه، وإذا وجدوا بؤسا يعوق الناس عن المعيشة عيشة راضية وكان في ~~استطاعتهم بذل المال بذلوه وهكذا. وظلت الفتوة في كتب الصوفية تنمو حتى بلغت الغاية في كتب ~~المتأخرين. # وحتى في أيامنا الأخيرة كان الفتوات الوضيعون مصدرا للشهامة والنجدة لمن يستنجد بهم، ~~وحماية المرأة والإغداق على الأصحاب إلى غير ذلك. بل كانوا هم الدعاة إلى الوطنية والحماة ~~للبلاد، فقد أقلقوا الفرنسيين مدة احتلالهم، وكانوا لهم مصدر قلق واضطراب كما ذكرنا قبل ~~وخصوصا حي الحسينية، فلما اجتمع عليهم الاضطراب في الداخل وحرب الإنجليز لهم في الخارج ~~اضطروا إلى الخروج، ولذلك تعلم الإنجليز هذا الدرس، فكان من برنامجهم القضاء على الفتوات، ~~حتى لا يكونوا مصدر قلق لهم، ولم يرضوا منهم أن يتسلحوا حتى بالسكاكين والحجارة، وضيقوا ~~عليهم كل المسالك، وأذلوهم بجميع أنواع الذل، حتى زالت هيبتهم. ~~••• # هذا شأن الفتوة. أما شأن الصعلكة فقد أفادت كثيرا من ناحية تخفيف ويلات الفقر في ~~الجاهلية. فقد كان الجاهليون ينقسمون إلى شيوخ قبائل ينعمون بالغنى والترف، هم ومن اتصل ~~بهم، والباقون هم رعاع لا يجدون ما يأكلون، وأفراد القبيلة يحاربون ويقاتلون ويقتلون ~~ويجرحون حتى إذا غنموا فخير الغنائم لشيخ القبيلة، ولها اسم خاص وهي الصفايا. أما أفراد ~~القبيلة فلهم فتات الموائد. وهي حال بائسة ms45 تعسة. وربما كان من أقرب الأمثلة لذلك اليوم ما ~~هو حادث في قبائل العراق. فقد وضع ثلاثة مشايخ أيديهم على نحو ثلاثة ملايين من الأفدنة، ~~يزرعها لهم أفراد القبيلة، ثم الثروة كلها لهم. وباقي القبيلة همج رعاع فقراء تعساء. قلما ~~يجدون ما يأكلون. ويقع هذا تحت سمع الإنجليز وبصرهم، فيرضون عن هذا النظام ويشجعون علما ~~منهم بأن وضع ثلاثة من الرءوس تحت أيديهم وإرضاءهم بالمال الوفير أسهل من إخضاع ملايين ~~الناس ممن لا يجدون ما يأكلون. # ولا تخلو جماعة من هذه الجماعات البدوية الجاهلية من رقة الشعور، خصوصا من سموا الشعراء ~~كعروة بن الورد، والشنفرى. فهؤلاء لما رأوا هذه الحال؛ حال منغمس في الترف لا إلى حد، ~~ومنغمس في الفقر لا إلى حد لم يرضوا عنها، وآلوا على أنفسهم أن يأخذوا من الظالم للمظلوم، ~~وأن يقربوا مسافة الخلف بين الطائفتين، ولذلك تركوا من كان غنيا كريما لأنه يؤدي ما عليه ~~للفقراء، ونقموا على الأغنياء الأشحاء، فكانوا يهجمون عليهم هم وأتباعهم من رجال الحرب ~~الشجعان، ويسلبونهم نوقهم وسائر أموالهم، ثم يقسمونها على الفقراء قسمة عادلة من غير ~~محاباة. # ويتمدحون بسلبهم أموال البخيل وإطعامهم الطعام للفقير. وماذا كانوا يفعلون غير هذا، وهم ~~يرون قوما في السماء، وقوما في الأرض، قوما يموتون تخمة، وقوما يموتون جوعا، ففعلوا ~~بذلك فعل الاشتراكية اليوم، وزادوا عليها أنهم كانوا يأخذون ما يأخذون بالقوة إذ ليس هناك ~~حكومة تنفذ ذلك بالضرائب. # وروى المؤرخون كثيرا من هذه الأحداث وخلقوا بجانب ذلك أدبا رائعا كالذي نراه في ديوان ~~عروة وديوان الشنفرى. ومن أجل ذلك لم يكن اسم الصعلوك منفرا ولا مكروها، بل كان الرجل ~~يفتخر بأنه صعلوك لأن معناه محقق العدل بالقوة، وكان عملهم في السلب والنهب ليس غريبا، لأن ~~السلب والنهب وإغارة القبيلة على القبيلة كان شائعا مألوفا، حتى قال قائلهم في ~~الإغارة: # وأحيانا على بكر أخينا # إذا ما لم نجد إلا أخانا # وقد ضعف شأن الصعلكة في الإسلام، ولم يكن شأنها في الإسلام شأن الفتوة ~~لسببين: # أولهما أن ms46 نظام الإسلام في أوله وزع الثروة بالزكاة أولا، والإحسان بما هو فوق الزكاة، ~~ثم بتوزيع الميراث على الأبناء والأقارب. حتى كان الميراث نصيب عدد كبير. وثانيا لوجود ~~الحكومة التي تأخذ بيدها على يدي الغاصب السالب والناهب، وقد جعلت عقوبة شديدة لمن يقطع ~~الطريق فقال القرآن الكريم: # إنما جزاء الذين يحاربون ~~الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو ~~يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا ~~من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب ~~عظيم # فقلت بذلك أعمال الصعلكة. # وليست الأعمال الاشتراكية التي تقوم بها إنجلترا وأمريكا اليوم إلا عملا منظما من أعمال ~~الصعلكة، تجمع المال الكثير من الأغنياء، ثم تصرفه فيما ينفع الجميع من بناء مستشفيات ~~وملاجئ ومدارس مما اقتضاه العقل الحديث في التنظيم. # فهي فكرة صعلكة متبلورة. # ومن حين لآخر كانت تظهر في الإسلام حركات تشبه حركات الصعلكة. كالذي فعله أبو ذر الغفاري ~~في الشام إذ نادى بالمساواة. وأنذر الذين يكنزون الذهب والفضة بالعذاب فتلا قوله تعالى: # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم # وألب الناس ~~على معاوية حتى شكاه لعثمان فنفاه عثمان إلى الربذة. # وكالذي قبض على عنق قريب للرشيد إذ كان دخله اليومي مائة ألف درهم في اليوم وقال له: إني ~~لا أجد نصف درهم في اليوم أقتات به، وأنت تقبض مائة ألف لا تدري كيف تصرفها. # وكان لهؤلاء الصعاليك فضيلة، وهي أنهم كانوا يأخذون ما يأخذون في عزة نفس وإباء وشمم، ~~علما منهم بأن هذا حق من حقوقهم، لا إحسان يصيبهم، ثم لا يستأثرون بما يأخذون، بل يؤثرون ~~به من كان بهم خصاصة، ولو أنصف العرب لاستولوا على هاتين الفكرتين ونظموهما وفلسفوهما، ~~وجعلوا منهما مؤسسات تؤدي أغراضهما، ولكن مع الأسف تركوهما فوضى، لا يخضعان لترتيب ولا ~~نظام. # لقد وزعت المدنية الحديثة فكرتي الفتوة والصعلكة على مؤسسات عجيبة، فمثلا أخذت من الفتوة ~~نجدتها، ومعونتها فوضعتها في نظام أطلقت عليه الكشاف، وجعلت للإحسان نظاما خاصا حتى لا ms47 ~~يعطى المال لمن لا يستحقه. ولم تكتف بالمال يصرف على الفقراء، بل أنشأت المستشفيات ~~والمدارس والجامعات، وأوجدت هيئات توجب عملا لأهل البطالة وهيئات أخرى للتدخل في النزاعات ~~التي تقوم بين العمال وأصحاب رءوس الأموال إلى غير ذلك. # ونظمت الصعلكة بضرب الضرائب، وزيادة الجمارك على الكماليات ونقصها على الحاجيات إلى غير ~~ذلك، وكلها داخلة في مفهوم الفتوة والصعلكة. ms48