######OpenITI# #META# URI: 1373AhmadAmin.YawmIslam.Hindawi38307359 #META# Tags: history #META# ID: 38307359 #META# Title: يوم الإسلام #META# AuthorID: 20953090 #META# Author: أحمد أمين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # يوم الإسلام‏ # مقدمة‏ # يوم الإسلام‏ # | يوم الإسلام # | يوم الإسلام # تأليف # أحمد أمين # | مقدمة # بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. # كان في نيتي أن أسير في سلسلة فجر الإسلام وضحاه وظهره، وكان تقديري أن يكون ظهر الإسلام ~~حول خمسة أجزاء؛ أي أربعة على ما ظهر منه إلى اليوم، ثم أسير فيه عصرا فعصرا إلى اليوم. ~~ولكن شاء القدر أن يحول بيني وبين تلك النية، فقد أصبت في نظري بما جعل الأطباء ~~يحرمون علي كثرة القراءة وخصوصا في الليل، والاستعانة بالغير لا تكفي؛ لأني كنت أستطيع ~~أن أتصفح الكتاب الكبير في ساعات، فأقف منه على ما يلزمني وما لا يلزمني. أما قراءة الغير ~~فلا تجزي هذا الأجزاء. لذلك وقفت عن العمل في تلك السلسلة، وجعلت أؤلف كتبا، إما أن تكون ~~قد ألفت من قبل ولا تحتاج إلا إلى صقل وترتيب، وإما مبنية على مطالعات سابقة، مما ~~ادخر في الذهن على توالي الأيام. # من هذا الأخير هذا الكتاب. أردت فيه أن أبين أصول الإسلام وما حدث له من أحداث، أفادته ~~أحيانا، وأضرته أحيانا. وأبين فيه كيف كان يعامل غيره من أهل الأديان أيام عزه وسطوته، ~~وكيف يعامله غيره أيام ضعفه ومحنته. فكان من ذلك هذا الكتاب. اعتمدت فيه أكثر ما يكون على ~~معلوماتي السابقة، وقليلا منه على قراءاتي الحاضرة، وترددت في تسميته، هل أسميه «الإسلام ~~ماضيه وحاضره»، أو أسميه «الجزء الثاني من فجر الإسلام»؟ ولكن منعني من هذه التسمية الأخيرة ~~أن الإسلام اقتصر على الحياة العقلية للمسلمين في العهد الأول، وهذا الكتاب يشتمل على عهده ~~كله إلى اليوم. # وأخيرا اقترح علي أن أسميه اسما يتناسب مع فجر الإسلام وضحاه، ففكرت طويلا، ثم ~~سميته «يوم الإسلام»؛ لاشتماله على الإسلام: أصوله وعوارضه في عصوره المختلفة إلى اليوم. ~~وأهم غرض منه شيئان؛ الأول: أن نتبين منه الإسلام في جوهره وأصوله، وكيف كان، والثاني: أن ~~كثيرا من زعماء المسلمين أتعبوا أنفسهم في بيان أسباب ضعف المسلمين؛ فرأيت أن خير وسيلة ~~لمعرفة أسباب هذا ms001 الضعف الرجوع إلى التاريخ؛ فهو الذي يبين لنا ما حدث مما سبب ضعفه، ~~وبذلك نضع أيدينا على الأسباب الحقيقية؛ حتى يمكن من يريد الإصلاح أن يعرف كيف يصلح. والله ~~المسئول أن ينفع به كما نفع بسابقه. # أحمد أمين # القاهرة في 4 فبراير سنة 1952 # | يوم الإسلام # كان مرور نحو 570 سنة على المسيح كافيا لفساد العقيدة النصرانية، كما حدث للإسلام فيما ~~بعد، وكما حدث للديانة الزرادشتية والبوذية فيما قبل؛ ذلك أن عقيدة الألوهية المجردة عن ~~المادة والأجسام عقيدة صعبة المنال لا يدركها إلا خاصة الخاصة، وإن أدركوها فسرعان ما ~~ينسونها ويميلون إلى الوثنية المألوفة الموروثة؛ لهذا أفسد العرب دين أبيهم إبراهيم ~~وملئوا الكعبة بالأصنام. وأفسد اليهود دين موسى فاتخذوا عجلا جسدا له خوار إلها لهم، ~~وقالوا لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة وهكذا. فالألوهية المجردة والاستمرار على ~~اعتقادها شاقة عسيرة. وقيل «إن الإنسان ميال دائما إلى التجسيد» لهذا فسد الدين في كل أمة ~~من الأمم، واحتاجت إلى نبي جديد. # فإذا نظرنا إلى مصر رأينا الديانة النصرانية فيها كانت قد تعفنت تحت سلطنة الدولة ~~الرومانية، قال بعضهم: «لقد أكرهت مصر على انتحال النصرانية، ولكنها هبطت بذلك إلى ~~حضيض الانحطاط الذي لم ينتشلها منه إلا الفتح العربي، وكان البؤس والشقاء مما كانت تعانيه ~~مصر التي كانت مسرحا للاختلافات الدينية الكثيرة في هذا الزمن، وكان أهل مصر يقتتلون بفعل ~~تلك الاختلافات، وكانت مصر التي أكلتها الانقسامات الدينية وأنهكها استبداد الحكام؛ تحقد ~~أشد الحقد على سادتها الروم، وتنتظر ساعة تحررها من براثن القراصنة الظالمين.» ويقول بتلر ~~في كتابه «فتح العرب لمصر»: «فالحق أن أمور الدين في القرن السابع كانت في مصر أكبر خطرا ~~عند الناس من أمور السياسة؛ فلم تكن أمور الحكم هي التي قامت عليها الأحزاب، واختلف بعضهم ~~عن بعض فيها، بل كان كل الخلاف على أمور العقائد والديانة، ولم يكن نظر الناس إلى الدين على ~~أنه المعين الذي يستمد منه الناس ما يعينهم على العمل، بل كان الدين في نظرهم هو ms002 الاعتقاد ~~المجرد في أصول معينة. وكان الروم يجبون على النفوس جزية وضرائب أخرى كثيرة العدد. ومما ~~لا شك فيه أن ضرائب الروم كانت فوق الطاقة، وكانت تجري بين الناس على غير عدل.» # ويقول آخر: «لم تكن المسيحية في يوم من الأيام من التفصيل ومعالجة الإنسان بحيث تقوم عليه ~~حضارة أو تسير في ضوئه دولة، ولكن كان فيها أثارة من تعاليم المسيح وعليها مسحة من دين ~~التوحيد البسيط، فجاء «بولس» فطمس نورها، وطعمها بخرافات الجاهلية التي انتقل منها، ~~والوثنية التي نشأ عليها، وقضى قسطنطين على البقية الباقية حتى أصبحت النصرانية مزيجا من ~~الخرافات اليونانية والوثنية الرومية، والأفلاطونية المصرية، واضمحلت في جنب الرهبانية ~~التعاليم المسيحية، وعادت أليافا جافة من معتقدات لا تغذي الروح، ولا تمد العقل، ولا تشعل ~~العاطفة، ولا تحل معضلات الحياة، ولا تنير السبيل، وأصبحت على تعاقب العصور ديانة وثنية، ~~وأسرف المسيحيون في عبادة القديسين والصور المسيحية حتى فاقوا في ذلك الوثنيين.» # ولم تكن فارس على عقيدتها الزرادشتية والبوذية بأحسن حالا، فكان الملوك يتزوجون بناتهم ~~وأخواتهم حتى يزدجرد الثاني جنى على بنته ثم قتلها، وبهرام جوبين كان متزوجا بأخته، وكانت ~~فارس مسرحا لمذهب ماني الزاهد المتنسك، ومزدك الإباحي المتهتك. # وكذلك كان الشأن في الهند؛ فكانوا يؤمنون بتفاوت الطبقات، فبيوت أرستقراطية عالية يراها ~~الناس فوق مستواهم، وبيوت دون ذلك، ومن التصق بحرفة لم يبح له أن يخرج عنها، ومن التصق ~~بنسب لزمه. وهكذا شأن الهنود والصينيين يغلب عليهم عناصر ثلاثة، وهي: الوثنية المتطرفة، ~~والشهوة الجنسية الجامحة، ونظام الطبقات. # والعرب في الجاهلية غرقوا في عبادة الأوثان. وكان الدين - كما يدل عليه شعرهم - شيئا ~~سطحيا غير متغلغل في أعماق صدورهم، فقدسوا الحجارة والغدران. ومن آثار ذلك بئر زمزم ~~والحجر الأسود، وكانوا لا يمجدون آلهتهم ... كما تدل عليه حادثة امرئ القيس؛ إذ مر على مكان ~~يقال له ذو الخلصة، وكان به صنم فاستقسم عنه بقداحه، وهي ثلاثة: الآمر والناهي والمتربص ~~وأجالها فخرج الناهي، ثم أجالها فخرج الناهي أيضا، ثم أجالها فخرج الناهي؛ فجمعها وكسرها ms003 ~~وضرب بها وجه الصنم. واعتقدوا أن في الأشياء المادية من جبل وريح أرواحا تعبد كما تعبد ~~الأصنام؛ فعبدوا الكواكب من شمس وقمر. واشتهر من أوثانهم العزى واللات ومناة، وكان اسم عبد ~~العزى كثير الشيوع بينهم، ومع ذلك كانوا يعتقدون في هذه الأحجار أنها دون الله، وأنهم ~~يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى. وامتلأ بالأصنام حتى جاء محمد # صلى الله عليه وسلم # بالإسلام فأمر ~~بكسرها. ~~••• # جاء الإسلام وعماده شيئان: القرآن والسنة؛ فأما القرآن فأتى بتعاليم مخالفة لتعاليم ~~الجاهلية. والقرآن ينقسم قسمين: مكي ومدني، وأساليبه متنوعة بين شدة ولين، وترغيب وترهيب، ~~ووعد ووعيد؛ مسايرة للسيرة النبوية، وموافقة لحال المسلمين والمشركين في أوقات نزول الآيات. ~~والآيات المكية نراها تتجه اتجاها قويا نحو الدعوة إلى عبادة إله واحد هو رب العالمين، ~~وبيده ملكوت كل شيء، ونحو الدعوة إلى الإيمان بيوم الحساب ومكافاة الخير بالخير والشر ~~بالشر، والاستدلال على الله بآثاره في العالم، وتقرير أن الأصنام عاجزة كل العجز عن أن تعمل ~~عملا في الكون، فهي لا تستطيع أن تجلب الخير لنفسها فكيف لغيرها؟! والآيات الأولى آيات ~~قصيرة لها رنين قوي تدعو إلى الله، وتقسم بالليل والنهار، والسماء والأرض، والشمس، والأماكن ~~المقدسة، والوالد وما ولد، والنفس وما سواها؛ إشعارا بعظمة الله خالقها. # وقد سالم المشركون محمدا أول الأمر، ثم ناصبوه العداء ورموه بالكذب والجنون، فنزلت آيات ~~القرآن شديدة على الكافرين، متوعدة أشد الوعيد، مصورة لكبريائهم صورة هزؤ وسخرية، وهو إلى ~~ذلك يوضح في قوة ما سيناله الكافرون من عذاب أليم، وما سيناله المؤمنون من نعيم مقيم. ولبث ~~القرآن في العهد المكي يحاج المخالفين ويقص العبرة من سيرة الأولين بعد المدة الأولى من ~~العهد المكي، في فواصل أطول وأسلوب أهدأ. وفي هذا العهد نزلت قصة الإسراء وكثير من قصص ~~الأنبياء، ويشير القرآن في أكثر من موضع إلى أن إبراهيم أبو العرب، ومنبع الإسلام، ومصدر ~~شعائر الحج، ولكن في هذا العهد لم يجادل القرآن اليهود ولا النصارى إلا قليلا لقلة اليهود ~~الذين كانوا بمكة ومسالمة النصارى. # فلما هاجر ms004 النبي إلى المدينة كان الشأن فيها غير الشأن في مكة، فأكثر سكان المدينة - من ~~الأوس والخزرج - فشا فيهم الإسلام وآمنوا به إيمانا صادقا، على العكس من أهل مكة الذين لم ~~يسلم منهم إلا القليل. واستراح الأنصار - من الأوس والخزرج - مما كان بينهم من حروب ~~ومحن، واستراح المهاجرون المسلمون مما كان يؤذيهم به صناديد قريش في دارهم، وكان المدنيون ~~أكثر ثقافة بالكتب المنزلة لما كان بينهم من يهود، وكان هذا من الأسباب التي دعتهم أن ~~يتقبلوا دعوة النبي، ويفهموا النبوة ومراميها أكثر مما تفهم قريش. وكان بجانب هؤلاء ~~المسلمين من الأنصار والمهاجرين قبائل يهودية لهم مزايا العرب في الحروب والقتال، ولكنهم - ~~كشأن اليهود عامة - شديدو المحافظة على تقاليدهم وأوضاعهم وشعائرهم؛ فأبوا أن يتركوا ~~شيئا من ذلك، وأبوا إلا الإصرار على دينهم وشعائرهم، وناصبوا النبي العداء. وأخذ الخلاف ~~يشتد بينهم وبين المسلمين كلما تقدم الزمان وحدثت الأحداث، وأخذت نغمة القرآن في خصومهم ~~تشتد بجانب ذلك. # وبجانب هؤلاء وهؤلاء كان قوم من الخزرج حقدوا على الإسلام، إما لأن الإسلام أفقدهم ~~رياستهم الدنيوية، وإما لأنهم أتباع هؤلاء اليهود أو نحو ذلك. ولكن التيار العام - تيار ~~المسلمين - جرفهم معه فتظاهروا بالإسلام وأبطنوا الكفر؛ فسموا بالمنافقين، وحمل عليهم ~~القرآن حملة شديدة كحملته على اليهود. وكان يرد دسائسهم ومكرهم، وينقض مؤامراتهم. وفي ~~هذا العهد كان القرآن يخاطب المسلمين: # يا أيها الذين ~~آمنوا ~~، بينما كان الخطاب في عهد مكة: # يا أيها ~~الناس ~~، ولما كان القتال بين المسلمين في المدينة والمشركين في مكة، وبين ~~المسلمين في المدينة واليهود فيها، كانت الآيات المدنية مبينة قوانين الجهاد، ومسجلة لأحداث ~~الغزو، فآيات في غزوة بدر، وآيات في غزوة أحد، وآيات في غزوة الأحزاب ... إلخ. وهي كلها شديدة ~~شدة الحرب حتى إذا تم فتح مكة نزلت سورة: # إذا جاء نصر الله ~~والفتح ~~، ويغلب على الأسلوب في الآيات المدنية الطول مع التزام الفواصل ومع ~~الهدوء الذي ينسجم مع التشريع. وليست الآيات وحدها هي التي تطول بل تطول السور كذلك؛ ولذلك ~~سميت بعض السور السبع ms005 الطوال. وفي القرآن سور أدبية رائعة من جمال تشبيه، وجمال أمثال، ~~وجمال استعارة، وجمال حجاج. # وأما السنة فهي أهم مصدر بعد القرآن. وقد تجرأ قوم فأنكروها، واكتفوا بالعمل ~~بالقرآن وحده، وهذا خطأ؛ ففي السنة تفسير كثير من النبي # صلى الله عليه وسلم # للقرآن، فقد كان يجيب ~~على أسئلة الصحابة فيما غمض عليهم، ويبين لهم ما اشتبه عليهم، وفيها تاريخ الإسلام، ~~وتاريخ أعمال الصحابة، وطريقة تنفيذهم لأحكام القرآن، وكيفية عملهم بها. فمن الحديث نعلم ~~كيف عمل الرسول وأصحابه بالقرآن، وكيف نجحوا في تأسيس حكومة مدنية على مبادئ الإسلام، ~~وفي الحديث أخبار الرسول وأصحابه ووقائعهم إلى غير ذلك. # وقسم من الأحاديث أخلاقي تهذيبي، يحتوي على الحكم والآداب والنصائح مثل: مدح الصدق ~~والعدل والإحسان، وذم الكذب والظلم والفسق والفساد. وقسم يشتمل على أصول العقائد المذكورة ~~في القرآن مثل: التوحيد، والصفات الإلهية، والرسالة، والبعث، وجزاء الأعمال. # وقسم آخر يشمل على أحكام، وقد اشترطوا في أحاديث الأحكام صحتها. وهناك فرق بين السنة ~~والحديث؛ فالحديث كل واقعة نسبت للنبي # صلى الله عليه وسلم # ولو كان فعلها مرة واحدة، ولو رواها عنه شخص ~~واحد، وأما السنة أصحابه والتابعون. وتدوين كتب الحديث بمنزلة تسجيل التاريخ لهذا العمل ~~المتواتر. والسنة مشتقة من معنى العادة والطريقة المستمرة كما قال الله - تعالى: # سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ~~، وقوله: # فقد مضت سنت الأولين ~~، وقوله: # فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت ~~الله تحويلا ~~، والمسلمون اقتبسوا هذه الكلمة من القرآن، واستعملوها للدلالة ~~على سنة النبي وأصحابه. # وقد جرت العادة أن يرسل رسول الله من يعلم أهل البلاد القرآن والسنة. وكان الصحابة ~~يكتبون هذه الأحاديث ويحفظونها؛ لأنهم كانوا يهتمون بكل ما يقوله النبي ويفعله. ومن الصحابة ~~من كان يكثر كتابة الحديث كابن عمر وأبي هريرة، وبعضهم يقل إما لقلة حفظهم أو لاشتغالهم ~~بأعمالهم. وروي عن أبي هريرة أنه قال: ما من أصحاب النبي أحد أكثر حديثا مني إلا ما كان من ~~عبد الله بن عمر؛ فإنه كان يكتب ولا أكتب. وكان ms006 الرسول ينهى عن كتابة الأحاديث أحيانا خشية ~~أن يخلط الحديث بالقرآن، والدين بعد غض جديد. وكثرت كتابة الحديث بعد وفاة رسول الله؛ ~~لأن الذاكرة وحدها لا تكفي للمحافظة على الحديث. وقد بدئ جمع الحديث في حياة الرسول ثم ~~كثر ذلك بعده خصوصا من أمثال أبي هريرة، فقد كان قوي الذاكرة، حاضر البديهة، يكاد يلازم ~~المسجد، وكالسيدة عائشة؛ فإنها كانت من حفظة الحديث عن زوجها. وكان لها ذاكرة واعية، معنية ~~بالتدقيق، لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه. وكعبد الله بن عمر، وعبد الله ~~بن عباس. # وكان المسلمون يرجعون في مسائلهم إلى القرآن والحديث، وبذلك ظهرت أهمية أحاديث الرسول. ~~فقد كان يسأل الصحابة عند اجتماعهم هل عند أحد حديث في هذه المسألة، وكذلك سار التابعون. ~~حتى كان الخلفاء أنفسهم يهتمون بجمع الحديث والحث على تدوينه. فقد أمر عمر بن عبد العزيز ~~أبا بكر بن حزم بقوله: «انظر ما كان من حديث رسول الله فاكتبه، فإني خفت دروس العلم، وذهاب ~~العلماء. ولا تقبل إلا حديث النبي، ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم ~~لا يهلك حتى يكون سرا.» # ثم بدئ في أواسط القرن الثاني من الهجرة في وضع مجاميع للسنة، وفي قصد الطلاب إلى ~~تعلم الحديث، كما فعل الإمام مالك في المدينة، وعبد الله بن وهب في مصر، وسفيان الثوري في ~~الكوفة، وعبد الله بن مبارك بخراسان. # وفي هذا الحين ألف الموطأ وأمثاله. وفي القرن الثالث الهجري تم جمع الحديث. وقد ~~عني الجامعون بالسند. فلم يذكروا حديثا إلا بسنده. وقد كثر الحديث في ذلك العهد حتى أن ~~مسند أحمد بن حنبل يحتوي على نحو ثلاثين ألف حديث. وقد توفي سنة 241ه. وكذلك فعل البخاري ~~ومسلم. وقد عرفت كتبهما بالصحيحين. وكان المحدثون لا يصححون الحديث إلا إذا صح سنده. ولكن ~~مع الأسف دخل في الحديث بعض الإسرائيليات، وبعض ما كان يرويه القصاص من غير ~~تدقيق. # ومن المؤسف أيضا أن العلماء عنوا بنقد السند أكثر مما عنوا بنقد ms007 المتن. وقد وضعت ~~قواعد للتحقق من صحة الحديث، فقالوا مثلا إنه يحكم بضعف الحديث إذا تعارض مع واقعة تاريخية ~~معروفة، أو إذا كان الراوي من الشيعة والحديث يطعن في أحد الصحابة، أو كان من الخوارج ~~والحديث يطعن في أهل البيت، أو كان الحديث مرويا عن واحد فقط، أو كان الحديث يخالف مبادئ ~~القرآن وتعاليمه، أو كان الحديث يتضمن عقوبة شديدة لشيء تافه، أو نحو ذلك. # والأحاديث المجموعة مختلفة في أسمائها، فمنها المتواتر، وهو: ما رواه جمع يؤمن تواطؤهم ~~على الكذب في كل قرن من القرون. ومنها الآحاد. وقد قسموا الأحاديث إلى ثلاثة أقسام؛ مشهور: ~~وهو ما رواه آحاد في القرن الأول، ثم ذاع بعد ذلك ورواه عدد كبير في القرن الثاني والثالث. ~~وحديث عزيز: وهو ما لم يرو عن أقل من طريقين، وحديث غريب: وهو ما كان في سلسلة سنده شخص ~~واحد. # وقد جد المسلمون جدا عجيبا في جمع الحديث وترتيبه وتبويبه. ولم يألوا جهدا في ~~الرحلات إلى أقصى البلاد لجمعه، ولم يقصروا في الاستفادة منه فيما يعرض لهم من ~~أحكام. # أهم ركن للإسلام # وقد أثبت الدكتور ماكس موللر مكتشف اللغة السنسكريتية أن الناس كانوا في أقدم عهودهم ~~على التوحيد الخالص، وأن الوثنية عرضت عليهم بفعل رؤسائهم الدينيين بغيا بينهم، وهذا ~~يخالف عقيدة النشوء والارتقاء التي تدعي أن الناس عبدوا الأصنام أولا وعددوها، ثم لم ~~يصلوا إلى التوحيد إلا أخيرا، وأن الوحدانية ارتقاء لنشوء الوثنية. # وعقيدة الوحدانية عقيدة صعبة لا يستطيعها إلا المجاهدون الراقبون. وكثيرا ما ينحدر ~~الناس عنها إلى شيء من الوثنية، ولذلك حارب الإسلام الوثنية في شتى مظاهرها من عبادة ~~آباء، أو عبادة أشجار وأحجار، أو عبادة أوثان، أو عبادة أموات وأضرحة، ومع هذا كله فقد ~~ظلت الوحدانية صعبة إلا على من هدى الله. # وعقيدة الوحدانية هذه هي أرقى ما وصلت إليه الإنسانية، ولكن تحقيقها كما قلنا عسير؛ ~~فهي تتطلب منهم اعتقاد أن الله وحده هو الذي يستحق العبادة؛ # إياك نعبد وإياك نستعين ~~، وأن ما عداه لا يصح ms008 أن ~~يؤله، ولكن الناس على توالي العصور ألهوا غير الله؛ فمنهم من أله الأشجار ~~والأحجار، ومنهم من أله الأضرحة والأولياء، ومنهم من أله الملوك والخلفاء، ومنهم ~~من أله المال والجاه غافلين عن حقيقة الدين، غافلين عن حقيقة الوحدانية. ولكن مع ~~الأسف كانت صعوبة الإيمان بإله واحد من عالم الغيب سببا في فتح الباب للعقول الضعيفة ~~في العصور المختلفة؛ فآمنت بالسحر والطلسمات وكثير من الخرافات، والعقيدة الصحيحة تقتضي ~~صاحبها نسبة السلطة لله وحده، والقدرة لله وحده. ومن قديم حارب عمر بن الخطاب الذين ~~بدءوا يعودون إلى الوثنية، فقطع الشجرة التي كان عندها بيعة الرضوان لما رأى الناس ~~يتمسحون بها ويعتقدون فيها. وقال للحجر الأسود: لولا أني رأيت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقبلك ما قبلتك، وتلاه ابن تيمية وأتباعه في إزالة الأضرحة ومشاهد القبور، وظل ~~العلماء والمخلصون على هذا المنوال يحاربون كل نوع من أنواع الوثنية في العصور ~~المختلفة، إلى الشيخ محمد عبده حديثا ومحمد بن عبد الوهاب وأتباعه قبله. # وعقيدة الوحدانية في الإسلام ليست مجرد نظرية فلسفية ميتافيزيقية كما يعتقد كثير من ~~الغربيين؛ إذ يعتقدون أن الله خلق العالم ثم عرج إلى السماء ولا شأن له به، بل يعتقد ~~المسلمون أن الله يعمل في العالم دائما فكل ما يصير وكل ما يتجدد من عمله المستمر: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ~~ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا ~~يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس ~~إلا في كتاب مبين ~~، والمسلم لا يكون متدينا إذا لم ينسب إليه ~~كل عمل من الأعمال، وحياة الإنسان وعلاقته بربه تستلزم عند المسلم الاستعانة بالله ~~دائما؛ لأنه هو الذي يغير الظروف التي حوله دائما بما يسره ويسوءه ويحرك قلوب الناس ~~بما يسرها وما يسوءها. والدين في نظر الإسلام ليس مسألة شخصية، ولا مسألة فردية، وإنما ~~هو مسألة شخصية واجتماعية. # والعلاقة بين الإنسان ومخلوقات الله علاقة متينة، فكلها من خلق رب العالمين: فبين ~~الإنسان وبين هذه المخلوقات وحدة ms009 نسب بربها إذ هو خالقها وخالقه، والعلاقة بين الإنسان ~~وهذه الطبيعة علاقة صداقة، يتحبب إليها لتفشي إليه بسرها. وهي أيضا دلالة على وجود ~~الله وعظمته: # أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ~~* وإلى السماء كيف رفعت * وإلى ~~الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف ~~سطحت ~~، والقوانين الطبيعية في نظر الإسلام تسيطر على العالم بكافة ~~مظاهره، وتؤلف سلسلة متصلة ومستمرة في العلاقات التي توافق الواحدة منها الأخرى ~~وتوائمها. # فحيث نجد طفلا لا سن له، نجد لبنا نرضعه فإذا نمت السن كان اللحم وما إليه، ~~وينمو التطور في الوقت نفسه من عدم الكمال إلى الكمال نفسه. وما القوانين سوى «سلطات ~~تنفيذية» ذات إرادة، لها هدف مقصود، ومن ثم فهي تعمل لحفظ النظام وصيانته. وتمثل ~~القوانين كذلك الإرادة المحققة. # والطبيعة هي ما تسمى الخليقة، لأن الطبيعة نشأت عن قوانين سبق إعدادها من قبل. ~~والطبيعة حادثة مؤقتة منذ خلقها ووجودها، وكلها تخضع لإرادة الله: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم ~~، والقوانين الطبيعية هي بعض ما يدعى «الملائكة» وهي ~~المبادئ التنفيذية لهذا العالم، والسلطات التنفيذة التي بواسطتها تتحقق المشيئة ~~السببية. # وامتثال أوامر الطبيعة هو امتثال وخضوع للمشيئة التي تسبب القوانين، وهو ما يدعى ~~الدين، أو الإسلام، أي الخضوع والامتثال لله. # وهذا الخضوع والامتثال هو المبدأ العالمي الحق. وبهذا وحده توجد الخلقية، ويبرر ~~الوجود، وخالق الكون، ومالك المشيئة السببية هو ما يدعى الله؛ فهو الذي خلق ~~المشروعات ودبر الخطط وأثر فيها، وتسبيحها هو خضوعها للقوانين التي بثها الله ~~فيها. # وكان رسول الله يقبل المولود الجديد، ويقول «إنه حديث عهد بربه.» # ولما هاجر إلى المدينة على ناقته أراد بعضهم على أبواب المدينة أن يبرك الناقة ~~عنده، فقال لهم رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~«دعوها فإنها مأمورة» وفي القرآن الكريم: # وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال ~~بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ~~. # والله يستطيع أن ينفذ القوانين الطبيعية، وأن ~~يقف عملها: # قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على ~~إبراهيم ~~، وهو بصفته الخالق لا حدود ms010 لقوته وهو ليس بحادث أو مخلوق، ~~ولما كانت أفكارنا المقصورة على الماديات والمحسوسات لا يمكن أن تتطور إلا على أساس من ~~التجارب الطبيعية والمظاهر الطبيعية؛ فليس في استطاعتنا أن نحيط بمعرفة الله وإدراكه ~~تمام الإدراك، وإنه من الغباء قطعا إثارة مناقشة حول الله نفسه، وإنما نحن نعرف فقط ~~شيئا عن مشيئته وإرادته ووجوده، نعرف ذلك كله عن طريق القوانين الطبيعية، وكلما ازدادت ~~معرفتنا بالقوانين الطبيعية ازددنا معرفة بمشيئته وإرادته أي بالله نفسه. # وتمثل الطبيعة غير العضوية أقل خطوات التطور الطبيعي، ويمثل الإنسان أوسع تلك ~~الخطوات. وتتدرج الأشياء في الكمال من جماد إلى نبات إلى حيوان إلى إنسان. ~~••• # ويلي عقيدة الوحدانية الإيمان برسالة محمد والنبيين من قبله: # إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس ~~بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما ~~، # يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ~~وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ~~، # قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد ~~القهار ~~، # قل يا أيها الناس إني ~~رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض ~~لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله ~~النبي الأمي ~~، # ويوم نبعث في كل ~~أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على ~~هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ~~ورحمة وبشرى للمسلمين ~~، # قل إنما ~~أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله ~~واحد ~~، # وما أرسلناك إلا مبشرا ~~ونذيرا ~~، # قل ما كنت بدعا من ~~الرسل ~~، # إن أتبع إلا ما يوحى إلي ~~وما أنا إلا نذير مبين ~~، # ما كان ~~محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم ~~النبيين ~~. # وهذه الرسالة مؤيدة بشهادة عيسى: # وإذ قال عيسى ابن ~~مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا ~~لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من ~~بعدي اسمه أحمد ~~، ولهذا كانت دعامتا الإسلام هما قول «لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله.» ~~••• # ويلي هاتين العقيدة باليوم الآخر: # إن إلى ربك ~~الرجعى ~~، # إنه هو يبدئ ~~ويعيد ~~، # ثم إلى ربكم ms011 مرجعكم ~~فينبئكم بما كنتم تعملون ~~، # وإلى ~~الله المصير ~~، # هو يحيي ويميت وإليه ~~ترجعون ~~، # أفغير دين الله يبغون وله ~~أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه ~~يرجعون ~~. # وكان لهذه العقيدة في اليوم الآخر سلطان كبير على عقول الناس، وردع للمجرمين عن ~~إجرامهم، وتشجيع للمحسنين على إحسانهم، ومراقبة الله سرا وعلنا، ومحاسبة الضمير على ~~كل عمل، والخوف من النار في الآخرة، وزادت هذه الحالة عند بعض الناس؛ فغلبوا جانب ~~الخوف كالحسن البصري الإمام الكبير، فيحكون عنه أنه كان يرى دائما كأنه عائد من ~~جنازة، وكان كثير التخويف بالنار وعذابها، وكذلك الغزالي ومن تبعه بالغوا في الترهيب ~~حتى خلعوا قلوب الناس، وكان الصوفية أعدل في حكمهم لسلطنة شعور الحب عليهم فكانت ~~رابعة العدوية تقول: # أحبك حبين حب الهوى # وحبا لأنك أهل لذاكا # والقرآن الكريم سلك طريقا وسطا بين الترغيب والترهيب. وقد دعا المسلمين إلى الإيمان ~~باليوم الآخر تيقنهم من أن كثيرا من أعمال الخير في الدنيا لا ينال صاحبها عليها ~~ثوابا، وكثيرا من أعمال الشر لا ينال صاحبها عليها عقابا، والعدل يقتضي أن يثاب ~~المحسن ويعاقب المسيء، وليس هذا - كما يقول الشيوعيون - ناتجا من سوء النظام؛ فكل ~~نظام اجتماعي لا يخلو من ظلم اجتماعي في الدنيا كما يقول الشيوعيون وأصحاب النشوء ~~والارتقاء. ~~••• # ثم يلي ما تقدم الإيمان بكتب الله الأخرى وملائكته ورسله: # لا ~~نفرق بين أحد من رسله ~~، ولم يكن في العقائد الأخرى تسامح ~~وإقرار بالنبيين الآخرين كالذي قرره القرآن من الاعتقاد بالله ورسله وكتبه، فيرى ~~الإسلام أن كثيرا من الكتب الدينية كالتوراة والإنجيل لم تحفظ كما نزلت، وإنما ~~دخل عليها التغيير والتبديل، كما يرى الإسلام أن كل أمة بعث فيها رسول: # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ~~، # منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص ~~عليك ~~، وأن القرآن آخر هذه الكتب، وأن محمدا آخر الرسل: # إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ~~والنبيين من بعده # الآية. ~~••• # كما يجب الاعتقاد بأن لله ملائكة، ولسنا نعلم من أمرهم كثيرا إلا أنهم مخلوقات ms012 روحية ~~منهم الموكلون بالعرش يحفظونه، ومنهم رسل الله إلى أنبيائه. # ومن الأسف أن كان لعقيدة الملائكة والشيطان في الإسلام أثر كبير خطير، وخصوصا في ~~الشياطين وما زادوا فيها من أوهام. # ويتصل بهذا عقيدة الإسلام في القضاء والقدر، والتوكل على الله، قال تعالى في القضاء ~~والقدر: # وكل شيء فعلوه في الزبر * ~~وكل صغير وكبير مستطر ~~، # وما كان ~~لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجل ~~، # قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب ~~عليهم القتل إلى مضاجعهم ~~، # قل لا ~~أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله ~~، # لكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ~~ساعة ولا يستقدمون ~~، # وما من دابة ~~في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ~~ومستودعها ~~، # لا يعزب عنه مثقال ~~ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا ~~أكبر إلا في كتاب مبين ~~، # وما تحمل ~~من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ~~، # وما ~~يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب ~~، # إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل ~~شيء قدرا ~~، # إن أجل الله إذا جاء لا ~~يؤخر ~~، # عالم الغيب فلا يظهر على ~~غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول ~~، # وما من غائبة في السماء والأرض إلا في ~~كتاب مبين ~~، # من يهد الله فهو ~~المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ~~، # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق ~~القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين ~~. # وفي التوكل على الله جاء: # ومن يتوكل على الله ~~فهو حسبه ~~، # وتوكل على العزيز ~~الرحيم ~~، # الله لا إله إلا هو وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون ~~، # وتوكل ~~على الله وكفى بالله وكيلا ~~. # وقد كانت عقيدة القضاء والقدر والتوكل سليمة في عهد الرسول وكبار الصحابة؛ فكانت لا ~~تمنعهم من غزو وحرب وفتوح بلدان وتغلب على أمم، وقد فهموها فهما لا يمنع من الأخذ ~~بالأسباب كما جاء في الحديث: «اعقلها وتوكل.» # فكانوا يؤمنون بارتباط الأسباب بمسبباتها؛ فالماء يروي والنار تحرق، وفي القرآن: # قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على ~~إبراهيم ms013 ~~، وفيه مئات من الآيات تدل على ارتباط الأسباب بالمسببات حتى ~~جاء الأشاعرة فلم يربطوا بين الأسباب ومسبباتها، فلا تأثير عندهم للماء في الري، ولا ~~للنار في الإحراق، قالوا وإنما المؤثر هو الله - تعالى - عند حدوث الأسباب لا بها. ~~وقالوا بتكفير من اعتقد أن الله - تعالى - أودع قوة الري في الماء، وقوة الإحراق في ~~النار، وإنما الإيمان والاعتقاد بأن الري جاء من جانب المبدأ الفياض بلا واسطة وصادف ~~مجيئه شرب الماء من غير أن يكون للماء دخل في ذلك، وبذلك فكوا الأسباب عن مسبباتها ~~فكان لهذا من الأثر البالغ ما جعل المسلمين فيما بعد يبالغون في عقيدة القضاء والقدر، ~~ويربطون الحوادث بالخرافات والأوهام لا بالأسباب والمسببات؛ فالزرع إنما ينجح بالقدر ~~ويفسد بالقدر، لا بما أثبته العلم وما يجره الإهمال. وهكذا أصبحت عقيدة القضاء فيما بعد ~~صادة عن العمل ... # وفرق كبير بين العقيدة في القضاء والقدر وبين الجبر، فالقضاء والقدر الصحيحان يؤمنان ~~بربط الأسباب بمسبباتها، ويحملان صاحبهما على العمل، ثم لتكن النتيجة بعد ما تكون، وعلى ~~هذه العقيدة كان أكبر الشجعان الفاتحين من أمثال خالد بن الوليد وتيمورلنك والإسكندر ~~ونحوهم، لا يهابون الموت؛ اعتمادا على أن ما قدر يكون. أما الجبر فيرى الإنسان ~~كالريشة في مهب الريح، وما قدر لا بد أن يكون عمل الإنسان أو لم يعمل، تشجع أو لم ~~يتشجع، وهذه العقيدة على هذا النحو دخيلة على الإسلام مما جعل كثيرا من الأوروبيين ~~يجعلون من عيوب الإسلام العقيدة في القضاء والقدر، والتوكل على الله، ولو أنصفوا ~~لعدوها بحالتها الحاضرة من عيوب المسلمين لا من عيوب الإسلام. ~~••• # وخطا الإسلام في الرق خطوة واسعة؛ فهو لم يجزه إلا لمن يؤسر في حرب شرعية، أما ~~اختطاف الولدان والبنات بشن الغارات على القبائل واتخاذهم عبيدا فعمل جاهلي لم ~~يجزه الإسلام، وقد سوى الإسلام بين ذوي الألوان المختلفة سودا وبيضا؛ فقال ~~الرسول: «ليس لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود فضل إلا بالتقوى أو بعمل صالح.» وقرر ~~للأرقاء الحقوق التي للأحرار، بل جعل للرقيق مزايا ms014 ليست للأحرار بإعفاء الأرقاء من ~~نصف العقوبات التي يحكم بها على الأحرار، وجعل العتق واجبا في كفارة اليمين، وكفارة ~~الفطر في رمضان إلى غير ذلك، وأوجب على المسلمين حسن معاملة الأرقاء، قال # صلى الله عليه وسلم ~~«اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم، أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ~~من العمل ما لا يطيقون، فما أحببتم فأمسكوا، وما كرهتم فبيعوا، فإن الله ملككم إياهم ~~ولو شاء لملكهم إياكم» وسأله رجل: كم أعفو عن الخادم؟ فصمت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ثم ~~قال: «اعف عنه في كل يوم سبعين مرة»، وضرب رجل من أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عبدا ~~له، فجعل العبد يقول: أسألك بوجه الله، فلم يعفه، فسمع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وانطلق ~~إليه، فلما رأى الرجل رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أمسك، فقال له الرسول: «سألك بوجه الله فلم ~~تعفه فلما رأيتني أمسكت يدك» قال الرجل: «فإنه حر لوجه الله» فقال النبي: «لو ~~لم تفعل لسفعت وجهك النار.» # وقال # صلى الله عليه وسلم ~~«أرقاؤكم إخوانكم استعينوهم على ما عليكم وأعينوهم على ما ~~عليهم.» وقال الإمام الزهري: متى قلت للمملوك أخزاك الله فهو حر. # وليس يصح قياس هذه الخطوة الواسعة بما فعلت الأمم في هذه الأيام، وإنما يقاس على ما ~~كان الرقيق عليه قبله في أيامه، فقد كان المصريون القدامى والبابليون والبراهمة والفرس ~~يتخذون الرقيق سلعة، ويعاملونهم معاملة وحشية، واتخذه اليونان أيضا وأقره كبار ~~فلاسفتهم كأرسطو وأفلاطون، بل زعم أرسطو أن أرواحهم كأرواح الحيوانات. وتوسع الرومانيون ~~في الاسترقاق إلى حد بعيد. وكان آباء الكنيسة النصرانية يكاثرون الكونتات في اقتناء ~~الأرقاء، فإذا علمنا هذا علمنا الخطوة الواسعة التي خطاها الإسلام في شأن ~~الأرقاء. ~~••• # وشرع الإسلام الجهاد، والجهاد كلمة إسلامية تستعمل بمعنى الحرب، وهي مصدر جاهد يجاهد ~~مجاهدة وجهادا، مأخوذة من الجهد وهو الطاقة والمشقة، فالجهاد كما قال الراغب ~~الأصفهاني: «استفراغ الوسع في مدافعة العدو، والجهاد ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو ~~الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس، وتدخل ms015 ثلاثتها في قوله - تعالى : # وجاهدوا في الله حق جهاده ~~، # وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ~~، # إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله # الآية، وقد شرع الجهاد في الإسلام في ~~ثلاثة مواضع: # الأول: # إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان. # الثاني: # إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم. # الثالث: # إذا استنفر الإمام قوما لزمهم النفير معه بدون ذكر ~~الأدلة. # وقد أثبتت التجارب أن الحرب سنة من سنن الاجتماع البشري، وأثر لسنة تنازع ~~البقاء، وتعارض المصالح والمنافع والأهواء، بل هي سنة من سنن بعض الحشرات التي تعيش ~~عيشة التعاون والاجتماع كالنمل، فهو يغزو ويبيد ويسترق ويستخدم رقيقه في خدمته ~~وترفيه معيشته. ويدل التاريخ أيضا على أن شعوب أوروبا أشد البشر ضراوة وقسوة في الحرب ~~في أطوار حياتهم كلها من همجية ووثنية ونصرانية وصليبية ومدنية مادية. ومن علمائهم ~~وفلاسفتهم من يرى منافع الحرب أكبر من مضارها، ولا تزال جميع دولهم تنفق على ~~الاستعداد لها فوق ما تنفق على غيرها من مصالح الدولة والأمة، وترهق شعوبها بالضرائب ~~الكثيرة، فإذا لم تجد استدانت. # وقد كان من تعاليم الإسلام منع جعل الحرب للإكراه على الدين، أو للإبادة، أو ~~للاستعباد الشخصي أو القومي، أو لسلب ثروة الأمم والتمتع بالشهوات، ومنع استعمال ~~القسوة في الحروب كالتمثيل بالأعداء، ومنع قتل من لا يقاتل كالنساء والأطفال ~~والعباد، ومنع التخريب والتدمير الذي لا ضرورة له. # ومع هذا قال بعض الأوروبيين: «إن الإسلام لم يمتد بهذه السرعة إلا بالسيف؛ فقد فتح ~~المسلمون ديار غيرهم والقرآن بإحدى اليدين والسيف بالأخرى.» وهو خطأ واضح؛ فهم لم ~~يستعملوا السيف إلا دفاعا عن أنفسهم، وكفا للعدوان عليهم، ثم توسعوا في الفتح بحكم ~~نشر الدعوة. # ثم ذهب جماهير الفقهاء إلى أن القتال لدفع الأعداء وصد الاعتداء على الدين أوالوطن ~~فرض عين، ويجب على المسلمين إذا فقد بلد من بلاد الإسلام أن يستعدوا لاستعادته مهما ~~كلفهم ذلك من نفوس وأموال إلى أن يظفروا بذلك، وإذا أعلن الإمام النفير العام وجب ~~على كل فرد أن يطيعه ms016 بما يقدر عليه من نفس أو مال كما تقدم، ويجب طاعته فيما دون ذلك ~~بالأولى. # وقد سمى فقهاء المسلمين كل البلاد التي فتحها المسلون، ويجب عليهم دفع العدوان عنها ~~دار الإسلام وما عداها دار الحرب. # ووضع الإسلام أسسا للنظام الاجتماعي، ووضع أساسا لذلك عقيدة أن كل شيء في السماء أو ~~في الأرض إنما خلق للإنسان: # هو الذي خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا ~~، # ألم تروا أن الله ~~سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم ~~نعمه ظاهرة وباطنة ~~، # وإذ قال ربك ~~للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ~~ساجدين ~~، # ولقد خلقنا الإنسان من ~~صلصال من حمإ مسنون * والجان خلقناه من ~~قبل من نار السموم ~~، # الله الذي ~~خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من ~~بعد قوة ضعفا وشيبة ~~، # هو الذي ~~خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن ~~إليها ~~. # وهو تعالى الذي أنشأ الأسرة: # والله جعل لكم من ~~بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا ~~تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ~~. # وسخر لنا الأنعام: # وإن لكم في الأنعام ~~لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع ~~كثيرة ومنها تأكلون ~~. # وخلق لنا الشمس والقمر والسحاب والمطر: # وخلقناكم ~~أزواجا * وجعلنا نومكم سباتا * ~~وجعلنا الليل لباسا * وجعلنا النهار معاشا ~~* وبنينا فوقكم سبعا شدادا * ~~وجعلنا سراجا وهاجا * وأنزلنا من ~~المعصرات ماء ثجاجا ~~. # وسخر لنا ما ملكته أيدينا من عبيد: # وقل للمؤمنات ~~يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين ~~زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على ~~جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن # إلى أن ~~يقول: # أو ما ملكت أيمانهن ~~. # وسخر النساء للرجال وسوى بينهم في المعاملة: # يا أيها ~~الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق ~~منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ~~، # ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ~~. # ونظم الزواج والطلاق: # هو الذي خلقكم من نفس ~~واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها ~~حملت حملا خفيفا ms017 فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ~~ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين ~~، # وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ~~فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن ~~خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ~~أيمانكم ~~. # وجعل لهن من الحقوق، وعليهن من الواجبات الاجتماعية ما للرجال وعليهم: # يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ~~على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ~~ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين ~~أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن ~~واستغفر لهن الله ~~. # وأجاز زواج المؤمنات والكتابيات دون المشركات: # ولا تنكحوا ~~المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ~~ولو أعجبتكم ~~. # وفي الطلاق وردت الآيات: # الطلاق مرتان فإمساك ~~بمعروف أو تسريح بإحسان ~~، # وإن ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن ~~فريضة فنصف ما فرضتم ~~، # وإن امرأة ~~خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن ~~يصلحا بينهما صلحا والصلح خير ~~، # وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله ~~وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله ~~بينهما ~~، # وإن عزموا الطلاق فإن ~~الله سميع عليم ~~، # وإن يتفرقا يغن ~~الله كلا من سعته ~~. # ويحرم على الرجل أو المرأة أن يقتلا أولادهما: # قد خسر ~~الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم ~~، # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن ~~نرزقهم وإياكم ~~، وألغى التبني: # ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ~~. # وأوجب العناية باليتامى: # ويسألونك عن اليتامى ~~قل إصلاح لهم خير ~~، # وبالوالدين ~~إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين ~~، # وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ~~آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ~~. # وأوجب البر بذي القربى: # وبالوالدين إحسانا ~~وذي القربى ~~، وأوجب إكرام الرقيق: # وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ~~إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع ~~عليم ~~. # وهذا النظام ربط العلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة وبين الأسر جميعا. وكان تعداد ~~الزوجات إلى أربع وإباحة التسري ضرورة من الضرورات؛ إذ كان الإسلام قد أمر بالجهاد: ~~والجهاد عادة يقضي على الرجال دون النساء، فنتج من ذلك كثرة ms018 عدد النساء عن الرجال ، ~~واقتضى ذلك اختصاص عدد من النساء برجل واحد، ولكن مع الأسف قل الجهاد أو بطل على ~~توالي الزمان، وظل التشريع كما هو فنتج عن ذلك انحلال الأسرة، فطبيعي أن البيت الواحد ~~إذا كان فيه حرائر متعددات وملك يمين متعدد أيضا كثر الخلاف بين الحرائر بعضهن وبعض، ~~وبين الحرائر والإماء، وبين الأولاد لتعدد أمهاتهم، خصوصا أن من طبيعة الرجل أن يفضل ~~بعضهن إما لجمالهن أو لأخلاقهن، أو لغير ذلك، فإذا فضل بعضهن دبت الغيرة في ~~الباقيات، وكثرت الشحناء والدسائس والمؤامرات، وعلى الجملة انحل البيت، وكان بين ~~الإخوة من أمهات مختلفة في العادة أشد أنواع العداء. # وفي التاريخ حوادث كثيرة من هذا القبيل؛ كالذي حدث بين الأمين والمأمون، فالأمين أمه ~~حرة عربية، والمأمون أمه أمة فارسية. # ويعلل ابن خلدون انحطاط المسلمين بكثرة الترف، ولكن لم يكن الترف حظ كل ~~المسلمين ولا أغلبهم، إنما هو حظ الخلفاء والأمراء وكبار التجار وأضرابهم، أما بقية ~~الشعب ففقيرة. # يضاف إلى ذلك أن الرجال - وقد قعدوا عن الجهاد - اتسع وقتهم فتفرغوا للشهوات، ~~والإفراط في الشهوات يضعف الهمة ويقصر العمر؛ ولذلك كان متوسط أعمار الخلفاء قصيرا ~~بالنسبة لغيرهم. # وشيء آخر هام وهو أن البيت إذا فسدت أخلاقه بما فيه من تفضيل بعض على بعض، وحسد، ~~وغيرة، ومنافسة، وعداء بين الأولاد، وعداء بين الأمهات؛ أصبح هؤلاء الأمهات غير قادرات ~~على تربية الأولاد تربية صحيحة، وخرج أبناؤهم إلى الأمة ضعاف العقول، ضعاف الأخلاق، ~~كثيري الدسائس والمؤامرات، ضعيفي الهمة، ولعل هذا من أهم أسباب انحطاط المسلمين. ~~ويضاف إلى ذلك أن بعض هؤلاء الإماء كن يعملن لخدمة أممهن؛ كما حدث لكثير من ~~زوجات الخلفاء والأمراء، فقد كن إسبانيات الأصل، فكن يعملن لخدمة إسبانيا، ~~وكن عيونا على المسلمين. وكذلك فعل بعض الفارسيات واليونانيات في المشرق. ~~••• # وقد ضغط الإسلام على تعاليم خاصة أهمها توحيد الله وعدم الإشراك به شيئا، وربما كان ~~ملخص تعاليم الإسلام التي تختلف عن التعاليم الجاهلية في آيتين؛ الأولى: # ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق ~~والمغرب ms019 ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ~~والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ~~ذوي القربى واليتامى والمساكين # الآية، والثانية: قوله - ~~تعالى: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ~~ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا # الآية. # وفي التوحيد يقول الله - تعالى: # قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد ~~، # وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن ~~الرحيم ~~، # الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ~~، # وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات ~~والأرض كل له قانتون ~~. # وهذا الإله الواحد صدرت عنه المخلوقات كلها: # الحمد لله ~~رب العالمين ~~، # الذي جعل لكم الأرض ~~فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به ~~من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم ~~تعلمون ~~، # ولله المشرق والمغرب ~~فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم ~~، # بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا ~~فإنما يقول له كن فيكون ~~، # إن في ~~خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك ~~التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من ~~السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها ~~من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين ~~السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ~~. # وهو يقر أن عقيدة الواحدانية أتى بها جميع الأنبياء من عهد آدم إلى عهد محمد، وأن ~~الناس هم الذين غيروا في هذه العقيدة وبدلوا، قال تعالى: # وما ~~كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ~~، # كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم ~~بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين ~~أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى ~~الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله ~~يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ~~. ~~••• # وأحاط الإسلام تعالميه التي ذكرنا بإطار قوي من الإشراف سماه «الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر»، ويعني به أن ما تعارف الناس عليه من فضائل، وما فطروا عليه ms020 يسمى ~~المعروف، وما أنكره الناس من رذائل بطبعهم يسمى المنكر. وجعل كل ذي قدرة وكفاية مسئولا ~~عن أعمال الجمعية الإسلامية خيرا كانت أو شرا. فيجب أن يحضوا على الخير وينهوا عن ~~الشر، والمسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم. ~~وعمل هؤلاء أشبه بعمل البرلمانات اليوم في الأمم المتحضرة؛ تنبه على ما يجب أن ~~يعمل بأسئلتها واستجواباتها. وجعل القرآن دليل رقي الأمة تمسكها بهذا ~~المبدأ فقال: # كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون ~~بالله ~~، ولعن اليهود؛ إذ أضاعوا هذا المبدأ، فقال: # لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود ~~وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما ~~كانوا يفعلون ~~، وجعل الإنسان في خسر إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر؛ فهو فرض على كل قادر ذي كفاية، وفيه علاج ~~للأمة من بعض أدوائها، وإذا تركته الأمة كان ذلك علامة على استفحال الداء في جسمها. ~~ومهما اشتد الأمر على المسلمين فالعلاج لا يزال ممكنا، وطريق السلامة لا يزال مفتوحا ~~آمنا، ولا يعوزنا إلا التمسك بهذا المبدأ؛ فهو يشعر الإنسان بالعزة، وأنه ليس ~~مسئولا عن نفسه فقط، ولكنه مسئول عن نفسه وعن الجمعية الإسلامية التي ينتسب إليها، ~~فإذا شعر بذلك أماط الأذى بكل قدرته، وكافح في سبيل نشر الخير ودفع الشر. وقد أتي ~~المسلمون أكبر ما أوتوا من شدة شعورهم بالفردية واعتقادهم أنهم ليسوا مسئولين إلا عن ~~أنفسهم، وفي الحديث: «مثلكم كمثل راكبي سفينة اقتسموها وأراد أحدهم أن يكسر ملكه، فإن ~~أخذوا على يده نجا ونجوا، وإلا هلك وهلكوا» وهذا المبدأ يكمل الشورى؛ فبعد أن يستبين ~~الأمر يجب الحض عليه والأمر بتنفيذه، وهذان ركنان قويان في الإسلام: شورى تبحث عن ~~الحق، وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر ينفذونه. ~~••• # ولم يضع الإسلام تعاليم اقتصادية وسياسية وأخلاقية ثابتة مستقرة؛ لأن هذه الأمور كلها ~~قابلة للتغيير بحسب تغيرات الأحوال، وإنما وضع بعض أسس اقتصادية يرى من المصلحة ~~تحقيقها، ms021 فقد حرم الربا، وأوجب الصدقات، وأحل البيع؛ لأنه يرى أن الربا كائنا ما كان ~~ينفع أصحاب رءوس الأموال لا الفقراء، والذي يهمه هو إيصال المال إلى الفقراء، فدعوى أن ~~الربا إنما حرم على الأفراد لا على البنوك والشركات دعوى يراد بها مسايرة الفكر ~~الأوروبي الحديث. # وكذلك جعل الله نظام الميراث موزعا توزيعا كبيرا على الأولاد والأخوات وذوي ~~الأرحام والعصبات وغيرهم؛ حتى لا تقع رءوس الأموال على يد فرد كما يفعل بعض البلاد ~~الأوروبية في قصرهم الإرث على الابن الأكبر، وفي هذا ضمان لأن المال بعد أجيال ثلاثة ~~يوزع توزيعا كبيرا. وبين مصارف الزكاة في قوله تعالى: # إنما ~~الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها ~~والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل ~~الله وابن السبيل ~~، ولم ينص من الأخلاق إلا على ما كان غير قابل ~~للتغير بتغير الزمان: كالعدل، والإحسان، والمحافظة على أموال اليتامى. ~~••• # وكل دين من الأديان لا بد له من شعائر تحيي القلب وتساعد على تنظيم المجتمع. ~~والإسلام أكد العمل كما أكد العقيدة، وأبان أن العقيدة لا بد أن تتبع بعمل، فهو ~~دائما في القرآن يتبع الذين آمنوا بقوله: # وعملوا ~~الصالحات ~~؛ لأن العقيدة إذا كانت صحيحة ولكنها أفلاطونية لا تترجم إلى ~~عمل كانت لا قيمة لها. وهذه الشعائر هي في الإسلام: الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج. ~~فالصلاة ليست أهميتها في مظاهرها وحركاتها وسكناتها، وإنما أهميتها في إحياء قلب ~~المسلم، وهي ترمي إلى ثلاثة أشياء: أن يخضع القلب لجلال الله وعظمته، ويعبر اللسان عن ~~تلك العظمة وذلك الخضوع أفصح عبارة بما يتلو ما تيسر من قرآن، وأن تؤدب الجوارح ~~حسب ذلك الخضوع، وأن يقوم الإنسان بين يدي الله - تعالى - مناجيا ويقبل عليه ~~مواجها، وأن يستشعر ذله وعزة ربه، وأتم ما يكون ذلك بالسجود، وهي وسيلة من وسائل ~~تجلي الله على العبد وطهارة قلبه، وفي الصلاة يقول الأستاذ وليم جيمس: «يبدو لي أن ~~الصلاة ستظل قائمة أبد الدهر على الرغم من كل ما أحدثه العلم إلا أن يحدث تغير في ~~الطبيعة العقلية عند الناس، ms022 فالدافع إلى الصلاة نتيجة حتمية لمحاولة الإنسان أن يثبت ~~وجوده الذاتي الداخلي في عالم مثالي، وفي صدر كل إنسان شوق إلى هذا العالم، وأكثرنا يرى ~~أن فقدان مثل هذا الملاذ الداخلي معناه التردي في هوة من الفزع، أقول: «أكثرنا»؛ لأن ~~الناس تختلف مواقفهم من هذا الهدف المثالي؛ فهو عند بعضهم أساس، وعند غيرهم أدنى من ~~ذلك، وأكثر الناس تدينا هم الفريق الذي اختص بقسط أوفر من هذا الشعور، ولكني واثق أن ~~من يدعون فقدانهم له إنما يخدعون أنفسهم.» # والصلاة سعي إلى الحقيقة من طريق غير طريق الفكر. وكل صلاة جماعية في روحها، حتى ~~الناسك يعتزل الناس ليجتمع بالله، وفي الاجتماع تكبر قوة الملاحظة عند الإنسان ~~وتعمق عاطفته. وقد رتب الإسلام للاجتماع درجات فجعل بعضه يوميا، وجعل بعضه سنويا، ~~إذن فالصلاة - فردية كانت أو جماعية - تعبير عن شوق الإنسان لاستجابة يحس بها ~~والعالم من حوله صامت، وفيها تؤكد الذات وجودها في لحظة فنائها، أما الوضع الذي يتخذه ~~المصلي فليس موطن نزاع: # ولله المشرق والمغرب # الآية، ولكن وجهة المصلي عامل هام في حصر تفكيره، ولذلك اتخذ الإسلام قبلة معينة ليضمن ~~وجود الوحدة في الشعور الجماعي. ~~••• # ويلي ذلك الزكاة، وهي اثنان ونصف في المائة يعطيها الغني للفقير؛ لتؤلف بين القلبين، ~~ويشعر الغني ببؤس الفقير وحاجته إلى المعونة. # ثم الصوم، وهو مكمل للزكاة؛ إذ يشعر الصائم بما يلاقيه الفقير من عناء يستحثه على ~~العطاء، ولذلك قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~«لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح ~~المسك»، ثم كان من شرائط صحة الصوم كف اللسان عن الرفث والفسوق. # وبعد ذلك يأتي الحج، وهو اجتماع جماعة عظيمة في مكان واحد وزمان واحد يذكرون حال ~~المنعم عليهم، ويتداولون فيما بينهم مشاكلهم، وكيفية تعاونهم فيستفيدون ويفيدون، خصوصا ~~وأن اجتماع المسلمين في صلاة الجمعة أو صلاة العيدين غير كاف لتحقيق هذه الفضيلة على ~~أكمل وجه. # هذه أهم الفرائض التي أتى بها الإسلام، وبعض الشرائع لإصلاح الفرد كالصلاة الفردية، ~~وبعضها لإصلاح المجتمع كالزكاة والصوم والحج، ms023 وفي كل خير، وليست لهذه الأعمال قيمة ~~إلا إذا مست القلب وهزته، وربطت بحبال متينة بين القلب وبين الله، وبين القلب وبين ~~الناس، فإذا تم للمرء صحة عقيدته وإقامة الشعائر التي شرحنا؛ تم إسلامه وإلا كان بناء ~~مبنيا على ركن دون ركن. # ومن مبدأ الإسلام أن الأعمال الصالحة ما لم تستند على إيمان بالله ورسله فلا قيمة ~~لها؛ ولذلك لما سأل رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عدي بن حاتم عن أبيه قال: إنه في النار؛ لأنه ~~وإن أتى بفضيلة كفضيلة الكرم، وأنقذ الموءودة من الموت فإن أعماله الطيبة هذه لم تصدر ~~عن إيمان بالله ولا عن حسن نية. وقد علق الإسلام أهمية كبرى على نية العمل؛ فقال رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~«إنما الأعمال بالنيات» وقال في موقف آخر: «نية المرء خير من عمله.» كذلك ~~إذا اعتقد العقائد الصحيحة، ولم يشفعها بعمل صالح كانت عقائد في الهواء لا قيمة لها إذ ~~لم تدعمها الأعمال الصالحة، فالإسلام دائما يربط بين العقيدة والعمل: # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم ~~جنات الفردوس نزلا # وهكذا. ~~••• # ووضع الإسلام نظاما للحكم ليس بالحكم الأرستقراطي، ولا الديموقراطي، ولا الشيوعي ~~حتى، ولا الثيوقراطي، فالثيوقراطية نظام الحكم فيها ديني، ينفذ القائم على رأسها تعاليم ~~إلهية معينة، ليس مسئولا عنها الحاكم إلا أمام الله وليس مسئولا أمام الشعب، والإرادة ~~الإلهية هي التي اختارت من بين الناس ملكا عليهم إما مباشرة أو بواسطة اختيار أفراد. ~~وتسمى النظرية الثانية نظرية العناية الإلهية. وعلى كلا الأمرين فالملك مؤيد بروح من ~~عند الله الذي اختاره، وعهد إليه بمراعاة صالح الشعب المملك عليه. وهذا الملك محاسب ~~أمام الله فقط لا أمام الشعب، وعلى هذا قال لويس الخامس عشر في مرسوم أصدره عام 1770: ~~«إننا تلقينا التاج من الله، وسلطة عمل القوانين من اختصاصنا وحدنا، دون تبعية أو ~~توزيع.» # وقال غليوم ملك ألمانيا في عام 1916: «إن الملك يستمد سلطانه من الله، ولا يقدم حسابه ~~إلا إليه، وإنني على هذا المبدأ أضع سياستي وأعمالي.» # فمن ms024 الخطأ أن يسمى النظام الإسلامي نظاما ثيوقراطيا؛ فالإسلام أرسل إلى الناس ~~كافة ودعا إلى أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، فكل الأرض وطن ~~المسلم، ووجب تناصر المسلمين مهما كانوا. # وأساس الحكم في الإسلام هو الشورى قال - تعالى: # وأمرهم ~~شورى بينهم ~~، وقد ثبت أن النبي # صلى الله عليه وسلم # استشار أصحابه في أمر أسارى ~~بدر، وفي غزوة الخندق، وفي صلح الحديبية، وعمل بما أشاروا به. ~~••• # ثم إن الإسلام لم يضع نظاما خاصا للخلافة بل تركه لاختيار أهل الحل والعقد، وترك ~~للمسلمين أن يختاروا تفاصيله في قانون مكتوب أو متعارف، وأن يراعوا البيئة التي نشأوا ~~فيها ليضعوا ما هو الصالح لهم، كل ما في الأمر أنه يجب أن يراعوا في دستورهم وأحكامهم ~~الأصول التي وضعها الله - تعالى - في التحليل والتحريم، فإذا قلنا إن الإسلام ترك الحكم ~~مؤسسا على نظام شورى مراعى فيه صالح الشعوب والظروف المحيطة بهم لم نبعد. ~~والخليفة أو الملك ليس مسئولا فقط أمام الله، بل مسئولا أيضا أمام أهل الحل والعقد، ~~بل أمام الشعب كله. وقد خاطب الله المسلمين في كل ما يتعلق بالحكم مثل: # فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح ~~عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا ~~تعتدوها ~~، # براءة من الله ورسوله ~~إلى الذين عاهدتم من المشركين ~~. # وعمر قبل أن تحاسبه عجوز، وحاجه مسلم صغير لما اطلع على عورة منه من ظهر ~~البيت لا من بابه؛ وفي هذا كله يخالف النظام الإسلامي النظام الثيوقراطي الذي يجعل ~~الملك مسئولا وحده أمام الله وحده. # وقد أراد الرسول # صلى الله عليه وسلم # في مرضه الذي مات فيه أن يعين من يلي الأمر من بعده، ففي ~~الصحيحين أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لما احتضر قال: «هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا ~~بعده» وكان في البيت رجال منهم عمر بن الخطاب، فقال عمر: إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قد غلب ~~عليه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله؛ فاختلف القوم واختصموا؛ فمنهم من ms025 يقول ~~قربوا إليه يكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول: القول ما قاله عمر، فلما ~~أكثروا اللغو والاختلاف عنده - عليه السلام - قال لهم: «قوموا» فقاموا. # وترك الأمر مفتوحا لمن شاء جعل المسلمين طوال عمرهم يختلفون على الخلافة حتى إلى ~~عصرنا هذا بين السعوديين والهاشميين. وقد ظل الإسلام قويا متينا مدة عهد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فلما مات بدأت معاول الهدم؛ فالعرب مع مزاياها المتعددة تتصف بعيوب أهمها؛ ~~عدم الطاعة: وهو دور تاريخي، يكاد يكون طبيعيا، فكل عربي يرى لنفسه حق السيادة وعدم ~~الخضوع. وقد كانوا يخضعون لرسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؛ لاعتقادهم بالسلطة الإلهية، فلما مات لم ~~يذعنوا لمن أتى بعده، كما كانوا يذعنون للرسول من قبل. ~~••• # وجعل الإسلام نظاما للميراث بينه في كتابه، وشدد بالمطالبة بالعدل، سواء في ذلك ~~عدل الفرد، أو العدل في المجتمع، قال - تعالى: # اعدلوا هو ~~أقرب للتقوى ~~، # وأقسطوا إن الله ~~يحب المقسطين ~~. # وبهذه التعاليم كلها امتاز الإسلام عما كان حوله من الأديان الأخرى، في الأمم الأخرى؛ ~~من روم وفرس وحبشة وغيرهم. # فقد كان أساس هذه الأديان صحيحا في أصله، ولكن اعتراها من الفساد والانحطاط وفقدان ~~الروح ما جعلها تحتاج إلى إصلاح كبير بشهادة مؤرخي الحالات الاجتماعية في هذه الأمم. ~~والإسلام يقرر أن تعاليمه لم يأت بها النبي من عنده، ولكنها وحي نزل عليه من ربه، ~~وهذا الوحي أنواع: # قال - تعالى: # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا ~~وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما ~~يشاء ~~. # وهذا الوحي أنواع، بعضه لا تختص به الرسل، بل ولا الإنسان، بل إن الحيوانات تعمل ~~بغرائزها بوحي من الله كما قال - تعالى: # وأوحى ربك إلى ~~النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما ~~يعرشون ~~، وكل خطرات نفس الإنسان والإيعاز إليه بعمل الخير إيحاء من ~~الله. أما الرسل فلهم شأن أرقى من هذا، بأن يرسل الله ملكا كجبريل يحمل رسالته إلى ~~النبي بآية قرآنية أو بحديث قدسي. وقد حدث النبي # صلى ms026 الله عليه وسلم # نفسه عن هذا فقال: إنه ~~كان يأتيه أحيانا على شكل إنسان كدحية الكلبي، وأحيانا يأتي على شكل صلصلة جرس فيفصم ~~عرقا في اليوم الشديد البرد، ثم ينفصل عنه وقد وعى عنه ما يقول. # على كل حال إن تعاليم القرآن ليست من عند محمد، وإنما هي من عند الله بواسطة ذلك ~~الوحي، وأسلوب القرآن نفسه دال على ذلك مثل: # قل أعوذ ~~برب الفلق # و # قل أعوذ برب ~~الناس # و # قل هو الله أحد # و # إنا أنزلناه قرآنا عربيا # و # قل أوحي إلي أنه استمع نفر من ~~الجن # وهكذا من الأساليب التي تدل على أنه كان النبي # صلى الله عليه وسلم # يتصل ~~بالملأ الأعلى بشكل لا نعرفه، ويتلقى العلم على الله بشكل لا نعرفه أيضا. # هذه النظرة التي ذكرناها من أن الإسلام وحي من الله على رسوله يمكن أن تؤدي إلى إحدى ~~نتيجتين: # النتيجة الأولى: # أن يطيع المسلمون هذه الأوامر فيما أتت به، وكلها تقريبا تعاليم ~~كلية، ثم يستعملوا عقولهم في تطبيق الجزئيات عليها، ويجتهدوا أيضا ~~فيما لم يأت فيه نص من الوحي تمشيا مع هذه النصوص الكلية. # والنتيجة الثانية: # أن يقف المسلمون عند هذه النصوص ولا يتعدوها إلى الاجتهاد فيما لم ~~تنص عليه، ونتيجة هذا الرأي إغلاق باب الاجتهاد. # فمن أجل هذا سمي القرآن تنزيلا، قال - تعالى: # وإنه ~~لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح ~~الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين ~~، وقال - تعالى: # قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على ~~قلبك بإذن الله ~~. # وقد نزل الله القرآن على قلب محمد بهذه الطريقة مقسما في ثلاث وعشرين سنة على ~~حسب ما كان يعرض من أحداث؛ فأحيانا تنزل الآية أو الآيتان في الموضوع، وأحيانا تنزل ~~السورة كلها مرة واحدة كما حكوا عن سورة الأنعام. وكانت الآيات إذا نزلت تكتب وتحفظ ~~إما في الصدور أو في السطور، ولذلك استنكر بعض المشركين هذه الحالة، فقالوا: # لولا نزل عليه القرآن جملة ~~واحدة ~~. # ويظهر أنه أبيح للقبائل المختلفة أن تتلوه بلهجاتها، ms027 ومن ذلك نشأت القراءات ~~المختلفة؛ وقد أجاز الرسول ذلك، وأجازه الصحابة من بعده. # والحق أن المسلمين الأولين انقسموا إلى قسمين: منهم من كان يرى الرأي الأول، ومنهم ~~من كان يرى الرأي الثاني. وخير مثال على ذلك: عمر بن الخطاب وابنه عبد الله بن عمر، فقد ~~كان عمر جريئا في الاجتهاد، جريئا في إعمال العقل، حتى أنه كان يفهم النص ويفهم علته؛ ~~فإذا انعدمت العلة قال بانعدام المعلول؛ كما فعل في آية «المؤلفة قلوبهم». وكان ابنه ~~عبد الله يمثل المحافظين. وربما أيد الرأي الأول أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أجاز ~~عمر في اجتهاده، وأجاز معاذ بن جبل في اجتهاده أيضا عندما لم يكن نص. وربما أيد ~~هذا الرأي أيضا ما ورد في القرآن الكريم من آية النسخ كقوله - تعالى: # ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها ~~، ففي الثلاث والعشرين سنة تغيرت الظروف التي استدعت بعض الأحكام، ~~ثم تغيرت الظروف فتغيرت بعض الأحكام. بل ربما كانت المسألة تحتاج إلى أمر، وتتغير ~~الظروف فتحتاج إلى نهي، كالذي قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~«كنت نهيتكم عن زيارة ~~القبور، ألا فزوروها»، وربما كان هذا هو السبب في أن بعض الآيات فيها حكم يخالف حكم ~~الآية الأخرى، وقد اضطر المفسرون إلى النص على أن بعض الآيات منسوخ وبعضها ناسخ، فإذا ~~حدث هذا في ظرف ثلاث وعشرين سنة في حياة النبي # صلى الله عليه وسلم # فما بالك إذا اختلفت السنون ~~ومر أكثر من ألف عام، وتغيرت الظروف بالفتح الواسع، وتغيرت البيئات من حارة إلى ~~باردة، ومن بداوة بسيطة إلى مدنية معقدة، وإلى معاملات لم تكن معروفة كالسلم ونحوه. ~~وواجه المسلمون في القديم مدنيات قديمة كمدنيات الفرس والروم والهند ومصر، وفي الحديث ~~المدنية الغربية معتقداتها وتراكيبها. ألا يظن الناظر أن النبي # صلى الله عليه وسلم # لو كان حيا ~~وواجه هذه الظروف لنزلت عليه آيات كثيرة من آيات النسخ، والله الكريم الرحيم لم يخل ~~الأمة الإسلامية من تشريع مرن يقابل هذه ms028 الحياة الجديدة بالاجتهاد المطلق . وكان من ~~نعم الله أن وجد المجتهدون المختلفون أمثال أبي حنيفة والشافعي؛ ليواجهوا هذه ~~المدنيات القديمة ويقابلوها بأحكامهم المستمدة من روح القرآن وتعاليمه. ولكن خلف ~~من بعدهم خلف ضيقوا واسعا، وأغلقوا بابا مفتوحا؛ # أفلا ~~يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ~~. # ولذلك رمى بعض المستشرقين الإسلام بالجمود، وعذرهم في ذلك ما رأوا من عدم ~~استعمال المسلمين عقلهم، ووقوفهم عند تقليد آبائهم، مع أن آيات الأحكام في القرآن، ~~التي جاءت في التشريع قصدا قد لا تتجاوز المائة، وأحداث الزمان التي تتجدد في كل عصر ~~وأوان تعد بالألوف. # ومما يؤيد ذلك دعوة القرآن الكريم إلى استعمال العقل مثل: # أفلا يتدبرون ~~، # أفلا ~~يعقلون ~~، # إن في ذلك لآيات لقوم ~~يعقلون ~~، # إن في ذلك لآيات لقوم ~~يتفكرون ~~، وشبه الذين لا يستعملون عقولهم بالأنعام، قال تعالى ~~عنهم إنهم: # صم بكم عمي # و # ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا ~~دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون ~~، وقال: # لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا ~~يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل # وقال: # إن شر ~~الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون # وقال: # أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو ~~يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل ~~سبيلا ~~. # ودعا إلى نوع من الغذاء يناسب العقل من النظر في آيات الله في السماء، وفي الأرض، وفي ~~الفلك التي تجري في البحار، وفي اختلاف الألسنة والألوان، ونحو ذلك، فالله الذي مجد ~~العقل هذا التمجيد لا يأتي بتعاليم تحجره وتجمده، بل كانت أفعال النبي # صلى الله عليه وسلم # في ~~جمعه كبار الصحابة، وسؤاله بعضهم في مسائل دينية تدل على صحة هذا الاجتهاد؛ كالذي فعل ~~مع عمر في استشارته في الأذان ونحو ذلك. # ولو بني الإسلام على أساس غير متين لطار كما طار غيره. نعم، إن الصين بقيت زمنا ~~أطول منه على وثنيتها. ولكن، يلاحظ أن الصين كانت في قارة واحدة بينما كان الإسلام في ~~ثلاث قارات، ms029 وأنها لم تحط بالأعداء من حولها كما أحيط هو، ففي وقت واحد كانت ضربات ~~التتار وضربات الصليبيين وغيرهم. # إن العلم الحديث مع تقدمه الباهر لم يستطع أن يفسر أسرار الحياة، إلا نتفا هنا ~~ونتفا هنالك، وعجز عجزا تاما عن تفسير الباقي. # أما الإسلام فقد استطاع أن يحيي في الإنسان الضمير الديني، ويحل به المشاكل كلها ~~بحذافيرها، واستطاع أن يفهم ضم الحياة الأخرى إلى الحياة الدنيا، فيفهم من ذلك أن ~~مجرما يسعد، ومستقيما يشقى؛ لأن هنالك ضميمة أخرى إلى الحياة الدنيا تحدث ~~التعادل بين حياة المجرم والمستقيم. لكل هذه الأسباب، نرجو أن إحساس الغربي بالشقاء ~~وبالعجز وبالحيرة عن فهم سر الحياة، يلجئه أخيرا إلى أن يرى المنقذ من كل ذلك، ولعله ~~لا يجد غير الإسلام. ~~••• # جاء بهذا الإسلام محمد # صلى الله عليه وسلم # وقد ولد في مكة عام 571م تقريبا، ومع أنه هو النبي ~~الذي أدركه التاريخ؛ فإن كثيرا من أحداثه في طفولته وشبابه مجهولة كل الجهل، ومات أبوه ~~قبل ولادته، وماتت أمه وهو في السادسة من عمره، ولما بلغ الثانية عشرة رحل مع عمه أبي ~~طالب إلى الشام، فقابل في أثناء رحلته راهبا مسيحيا اسمه «بحيرا»، وتزوج وهو في ~~الخامسة والعشرين من خديجة، وهي سيدة قرشية تناهز الأربعين من بني أسد، وكانت قد تزوجت ~~قبل النبي بزوجين، وكانت ذات ثروة وجاه، فكانت من أوفر أهل مكة غنى، وكانت تستخدم ~~رجالا من قريش كان آخرهم محمدا # صلى الله عليه وسلم # ولم يتزوج غيرها في أثناء حياتها فكفاه الله ~~مئونة اليتم والفقر. # ألم يجدك يتيما فآوى * ووجدك ~~ضالا فهدى * ووجدك عائلا فأغنى ~~، فلما ~~كفي مئونة الفقر استطاع أن يتفرغ للتأمل، فكان يخرج إلى غار حراء، ويقيم فيها ~~الليالي ذوات العدد، يتأمل فيما عليه العالم عامة، وقومه خاصة من ضلال مبين ولكن ~~أين الصواب؟! وفي ليلة سمع صوتا يقول: # اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق * خلق الإنسان من علق ~~، ثم تتابع ~~عليه الوحي، وذهب إلى بيته وقلبه يضطرب خوفا، حتى دخل على خديجة، وهو ms030 يقول: ~~«زملوني زملوني»، ودخل عليها مرة أخرى، وهو يقول: «دثروني دثروني»، ~~فآمنت به. وليس أدل على صدق الرجل من أن يؤمن به أقرب الناس إليه كخديجة وعلي بن ~~أبي طالب، وقد أمر أن يبلغ قومه رسالته فبلغهم، فاستخفوا به وقالوا: ساحر أو ~~مجنون، وما زال يدعوهم ويعذبونه، فلما ضاق صدره أمر بعض أصحابه أن يهاجر إلى الحبشة، ~~فخرجوا في هجرتين؛ كانوا في الأولى إحدى عشرة أسرة، ثم لحقت بهم ثلاث وثمانون أسرة أخرى ~~من بينهم أسرة عثمان بن عفان، فتلقاهم النجاشي بقبول حسن، ثم أسلم عمر بن الخطاب ~~فأعلن إسلامه فوجد الإسلام فيه ناصرا قويا، وفي هذه الأثناء كانت حادثة الإسراء ~~والمعراج. وفي سنة 620 قدم سوق عكاظ نفر معظمهم من الأوس والخزرج، فعرض عليهم ~~محمد الإسلام فقبلوا وبايعهم، ووفد إليه في سنة 622 خمسة وتسعون منهم امرأتان، ~~فبايعوه واحتكموا إليه في الخلاف الناشب بين الأوس والخزرج، فوفق بينهم، واتخذ يثرب ~~مسكنا له ولقومه. وقد أمر نحو مائتين من أصحابه أن يهاجروا إلى المدينة، وأعد ~~العدة بعد ذلك هو وأبو بكر للهجرة أيضا، وأوجد في المدينة لما هاجر إليها ~~توحيدا سياسيا نظاميا، وآخى بين المهاجرين والأنصار، ثم اعترضوا قافلة تجارية كانت ~~عائدة من رحلتها إلى الشام، فخاف أهل مكة؛ لأن هذا الطريق هو سبب معيشتهم، وانهزموا في ~~بدر، ولم تصبر قريش على عار بدر، فحاربت المسلمين من جديد في غزوة أحد، وجمعت جموعها ~~وعلى رأسهم أبو سفيان، وأصيب النبي # صلى الله عليه وسلم # في هذه الموقعة، فشج رأسه، وسال دمه، ~~وهزم المسلمون فقالت قريش إن هذه بتلك. وفي سنة 627 تألفت أحزاب كثيرة من قبائل ~~مختلفة توالي القرشيين، فنصح سلمان الفارسي بحفر خندق حول المدينة، فمكثت الأحزاب ~~شهرا تتناوش ثم انصرفت، وعاد محمد # صلى الله عليه وسلم # إلى المدينة، وناصب اليهود العداء؛ لأنهم ~~كانوا يتآمرون مع الأحزاب، عرض عليهم الإسلام فلم يقبل بنو قريظة، فحكم ~~الرسول بضرب أعناقهم، وأمر بني النضير بالجلاء. ونظمت حياة المسلمين بالمدينة ~~تنظيما اجتماعيا قويا، وفي ms031 سنة 628 سار محمد يصحبه 1400 من المؤمنين إلى مكة ، وجرت ~~بينه وبين القرشيين مفاوضات انتهت بتوقيع صلح الحديبية، وبعد سنتين من ذلك فتحت مكة، ~~فدخل محمد الكعبة، وأمر بأصنامها فحطمت، وطهر البيت الحرام منها، وكان عددها على ~~ما قيل يبلغ نحو 360 صنما، ولما أمكنه الله من قريش عفا عنهم وأطلق سراحهم. وفي السنة ~~التاسعة من الهجرة أقام محمد # صلى الله عليه وسلم # حامية في تبوك على حدود غسان، وكثرت الوفود على ~~المدينة حتى سميت: سنة الوفود، وفي السنة العاشرة للهجرة دخل محمد مكة ظافرا ~~منتصرا في موكب الحج. # هذا من ناحية الأحداث، أما من ناحية ما عمله من إصلاح؛ فإنه بتعاليمه وتنظيماته ~~استطاع - مع ما نشأ عليه من جو خانق وعبادات متعفنة - أن يوحد بين جزيرة العرب في ~~لغتها ودينها، وأن يجعل الأمة العربية أمة بعد أن كانت قبائل لا تعرف معنى «أمة»، ورفع ~~من شأن نصف المجتمع وهو المرأة، ولاقى في سبيل ذلك كثيرا فلم ييأس. وتعاليمه التي أتى ~~بها تعاليم إنسانية لا تخضع لظروف الزمان والمكان، ومن أجل هذا كانت تعاليمه خالدة؛ ~~فالإنسان أخو الإنسان والأبيض أخو الأسود، والملك أخو الرعية. وأوعز إلى المسلم أن يكون ~~قوة فعالة لاستئصال الشر، وتعميم الخير، وتمام الانسجام بينه وبين من يعيش معهم، وطالب ~~المسلم أن يحقق العدل، وأن يعيش لخير نفسه وخير من معه،ولأن تعاليمه إنسانية كانت دعوته ~~موجهة إلى الناس جميعا؛ لا فرق بين شرقي وغربي، فالاجتهاد الذي شرعه كاف في تعديل ~~التعاليم حسب البيئة والظروف، وهو بهذا مصلح لما فسد من الأديان، مقوم لما مال منها، ~~ومن أجل هذا استطاع الإسلام أن يبقى مع مثل هذه الهزات التي أصيب بها المسلمون في ~~مختلف العصور، وقد تعرض القرآن الكريم لبعض صفات الرسول مثل: # النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه ~~أمهاتهم ~~، # قل لا أملك لنفسي ضرا ~~ولا نفعا إلا ما شاء الله ~~، # قل إنما ~~أنا بشر مثلكم ~~، # قل إني لا أملك ~~لكم ضرا ولا رشدا ~~، # قل إني لن ~~يجيرني ms032 من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا * إلا بلاغا من الله ورسالاته ~~، # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم ~~بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ~~ويحرم عليهم الخبائث ~~، # هو الذي ~~بعث في الأميين رسولا منهم ~~، # ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن ~~يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم ~~، # فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم ~~بمصيطر ~~، # قل أطيعوا الله والرسول ~~فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين ~~، # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا ~~تولوا عنه وأنتم تسمعون ~~، # واخفض ~~جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ~~... إلخ الآيات. # كما وردت أحاديث صحيحة كثيرة لبيان بعض أخلاقه # صلى الله عليه وسلم # وربما كانت سيرته في المدينة ~~- التي تعرض لها القرآن والأحاديث - أوضح من سيرته في مكة، ومع ذلك فلم يبدأ في ~~تدوين سيرته إلا في أوائل القرن الثاني الهجرى حين كتب محمد بن إسحاق تاريخه، واختصره ~~ابن هشام في سيرته. والمتتبع للسير في العصور المختلفة يتجلى له أنها عظمت وكبرت على ~~مرور الزمان، حتى كأنها هرم مقلوب، وكل متأخر يجتهد في زيادة الأوصاف والأحداث عن ~~المتقدم. # ومع أن القرآن ينص على أنه ليس إلا بشرا كسائر الناس؛ فقد وصفوه بصفات الأنبياء ~~الذين جاءوا قبله حتى ما جاء في الكتب غير الوثيقة، كأنه عز عليهم أن ينسب إلى أحد ~~غيره من المعجزات ما لا ينسب إليه # صلى الله عليه وسلم ~~. ~~••• # مات رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من غير أن يوصي بالخلافة لأحد من بعده ... فقال قوم: إن أحق ~~الناس بالخلافة أبو بكر؛ لأن رسول الله رضيه لأمر الدين بإمامة المسلمين في الصلاة؛ ~~فليرضوه هم في أمر الدنيا، أعني الخلافة. وقال قوم: أحق الناس بالخلافة أهل بيته؛ ~~عبد الله بن عباس، أو علي بن أبى طالب ... ومن جهة أخرى قال قوم: إن أحق الناس بها هم ~~المهاجرون الأولون من قريش، وقال آخرون: إن أحق الناس بها هم الأنصار ... # كان مجال الخلاف الأول في بيت النبي ms033 # صلى الله عليه وسلم # قبل أن يدفن، والخلاف الثاني في سقيفة ~~بني ساعدة؛ حيث كان الأنصار يطالبون بالخلافة، وأخيرا تم الأمر لأبي بكر على مضض؛ فكان ~~من أول ما واجهه حروب الردة، وسببها أن كثيرا من العرب لما مات الرسول أبوا أن ~~يخضعوا لأحد غيره، وأبوا أن يدفعوا الزكاة؛ لأنهم عدوها إتاوة لا تليق بالأحرار، ~~وكان مظهر ذلك ما عبر الحطيئة عنه إذ يقول: # أطعنا رسول الله إذ كان بيننا # فيا لعباد الله ما لأبي بكر # ذلك أن العرب ليست تخضع عادة إلا لمن أتى بالسلطة الدينية، قال ابن خلدون في مقدمته: ~~«والسبب في ذلك أنهم لخلق التوحش الذي فيهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض؛ للغلظة، ~~والأنفة، وبعد الهمة، والمنافسة في الرياسة، فقلما تجتمع أهواؤهم، فإذا كان الدين ~~بالنبوة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم، وذهب خلق الكبر والمنافسة منهم ~~فسهل انقيادهم واجتماعهم، وذلك بما يشغلهم من الدين المذهب للغلظة والأنفة، ~~الرادع عن التحاسد والتنافس، فإذا كان فيهم النبي أو الولي الذي يبعثهم على القيام ~~بأمر الله، ويذهب عنهم مذمومات الأخلاق، ويأخذهم بمحمودها، ويؤلف كلمتهم لإظهار الحق ~~تم اجتماعهم، وحصل لهم التغلب والملك، وهم مع ذلك أسرع الناس قبولا للحق والهدى؛ ~~لسلامة طباعهم من عوج الملكات، وبراءتها من ذميم الأخلاق إلا ما كان من خلق التوحش ~~القريب المعاناة، المتهيئ لقبول الخير ببقائه على الفطرة الأولى، وبعده عما في ~~النفوس من قبيح العوائد وسوء الملكات.» # ومن مظاهر هذا ما كان من خلاف الصحابة على من يتولى الأمر بعد الرسول. وكان هذا ضعف ~~لياقة منهم؛ إذ اختلفوا قبل أن يدفن الرسول، ولكن كان عذرهم في ذلك العمل على ضم ~~الشمل، وجمع الكلمة. ~~••• # على كل حال اتسعت هوة الخلاف، فلما علم أبو بكر وعمر باجتماع الأنصار في سقيفة بني ~~ساعدة ذهبا إليها، وخطب أبو بكر خطبة موفقة أقنع فيها الأنصار بأولوية المهاجرين ~~الأولين، وبذلك كفي المهاجرون خلاف الأنصار، ثم كان أن كفي أبو بكر أمر علي، فقد كره ~~كثير من الصحابة أن ms034 يجمع بين النبوة والخلافة، ولعلمهم بشدة علي في الحق وعدم ~~تساهله. # وقد أقام الإسلام نظام الشورى: قال - تعالى: # وشاورهم في ~~الأمر ~~، ولكن المبدأ يمكن تفسيره تفسيرات مختلفة بحسب مقتضى الحال، ~~ويتسع حتى يشمل النظامات البرلمانية الحديثة، ولعل هذا هو السر في أن نظام الشورى لم ~~يحدد وترك للمسلمين. وقد أقام النبي هذا الركن في زمنه بحسب مقتضى الحال؛ فقد كان ~~المسلمون قلة وأولو الحل والعقد قليلون يسهل اجتماعهم في مسجد واحد، ويؤخذ رأيهم في ~~الأمور العارضة، فكان النبي لا يبرم أمرا هاما حتى يستشيرهم فقد استشارهم بالفعل في ~~غزوة بدر، ولم يغز قريشا حتى وافقوا على ذلك واستشارهم جميعا يوم أحد، وهكذا كان ~~يستشيرهم في كل أمر إلا حيث ينزل الوحي، فلما اتسع الإسلام بعد الفتح، وأسلم كثيرون من ~~الأماكن البعيدة عن المدينة، وكان في كل قرية أو قبيلة رجال من أهل المكانة يصح أن يؤخذ ~~رأيهم لم يكن من السهل استشارتهم، وترك الأمر مفتوحا؛ لأنه لو وضع قاعدة فيه ~~لاتخذها المسلمون دينا يتحجرون عليه. فلما مات النبي # صلى الله عليه وسلم # حصل هذا الاختلاف فبايع ~~عمر أبا بكر ثم بايعه الناس، وكان في هذا مخالفة لركن الشورى، ولذلك قال عمر إنها غلطة ~~وقى الله المسلمين شرها. وكذلك كانت غلطة بيعة أبي بكر لعمر، وإن كان قد استشار كبار ~~الصحابة في ذلك فبعضهم حمده، وبعضهم خاف من شدته، فقال أبو بكر إنه يراني ألين ~~فيشتد. # قال ابن خلدون: «سببه أن النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت متهيئة لقبول ما ~~يرد عليها، وينطبع فيها من خير أو شر، قال # صلى الله عليه وسلم ~~«كل مولود يولد على الفطرة، ~~فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» وبسبب ما سبق إليها من أحد الخلقين ~~يبتعد عن الآخر ويصب اكتسابه، فصاحب الخير إن سبقت إلى نفسه عوائد الخير، وحصلت له ~~ملكته بعد عن الشر، وصعب عليه طريقه، وكذا صاحب الشر إذا سبقت إليه أيضا عوائده. ~~وأهل الحضر لكثرة ما يعانون من فنون الملاذ، وعوائد ms035 الترف والإقبال على الدنيا، والعكوف ~~على شهواتهم قد تلونت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق والشر، وبعدت عليهم طرق الخير ~~ومسالكه بقدر ما حصل لهم من ذلك حتى لقد ذهبت عنهم مذاهب الحشمة في أحوالهم، وأهل البدو ~~وإن كانوا مقبلين على الدنيا مثلهم إلا أنه في المقدار الضروري لا في الترف، ولا في شيء ~~من الشهوات واللذات ودواعيها، وما يحصل فيهم من مذاهب السوء ومذمومات الخلق بالنسبة إلى ~~أهل الحضر أقل بكثير، فهم أقرب إلى الفطرة الأولى، وأبعد عما ينطبع في النفس من سوء ~~الملكات بكثرة العوائد المذمومة وقبحها، فيسهل علاجهم عن علاج الحضر، فلما جاء الأمويون ~~أبطلوا هذا الركن الأساسي، ووضعوا مبدأ الاستبداد، فلما جاء العباسيون أسس الخلفاء ~~سلطتهم على العظمة الشخصية فعل الأكاسرة، وبذلك انهار مبدأ الشورى.» # على كل حال كان توفيقا من الله بيعة أبي بكر؛ فقد كان صادقا مخلصا حازما، وكان ~~موفقا في عدم قبوله السكوت عن العرب الذين لم يشاءوا دفع الزكاة؛ إذ لو فعل مع نصيحة ~~عمر له بالإغضاء لتمادوا في البعد عن الإسلام شيئا فشيئا، ولذلك صمم أبو بكر على حرب ~~العرب الذين منعوا الزكاة، وسميت هذه حروب الردة، وهي ليست ردة بالمعنى الفقهي ~~المتعارف؛ فلم يرتد العرب إلى الشرك، بل اعترفوا بالوحدانية وبرسالة النبي، وإنما لم ~~يشاءوا أن يدفعوا الزكاة؛ لأنهم عدوها ضريبة تشعر بإذلالهم، خصوصا وأن بعض عمال ~~الزكاة كانوا يجبونها في شيء من القسوة، ومن جهة أخرى حقد بعض الزعماء على رسول ~~الله؛ إذ رأوه قد نجح في الدعوة الإسلامية، فظنوا أنهم يستطيعون أن يفعلوا ما فعل ~~فادعوا النبوة، وادعوا أنه أوحي إليهم بدين جديد ينهى عن الوثنية، وفي أول خلافة ~~أبي بكر واجه كما قلنا عن الخلاف على الخلافة كما واجه ارتداد البدو، فجرد أبو بكر نفسه ~~للقضاء على هذه الخلافات، ودحر دعاة الردة، وأعانه على ذلك يده المنفذة خالد بن ~~الوليد، فثار بنو حنيفة في اليمامة، ثم ثار غيرهم في غيرها. # وكانت قبيلة أسد وغطفان تنزلان قريبا من المدينة، ms036 وانتهزوا فرصة هياج جزيرة العرب، ~~وذهاب جيش المسلمين لمحاربة الروم ، وارتدوا أيضا، وهجموا على المدينة، فوجه أبو بكر ~~إليهم من يصدهم، واستمر في الدفاع نحو شهرين حتى رجع أسامة بجنوده من غزو الروم، فعهد ~~إذ ذاك إلى خالد بن الوليد بحربهم، فهزموا واضطروا إلى الاستسلام في الحال، ثم كان من ~~المرتدين أيضا من بلاد البحرين وعمان، وهي المنطقة الساحلية التي تمتد على طول الخليج ~~الفارسي، وكانت عاصمتها هجر، فسار خالد إليها، وأخضع أهلها بعد مقاومة طويلة عنيفة، ثم ~~انتقل إلى عمان، ومعظم أهلها من صيادي السمك وقرصان البحر، فأخضعهم عكرمة، ثم سار عكرمة ~~من عمان إلى حضرموت واليمن، فأطفأ عكرمة نارها بعد حروب طويلة، وهكذا استطاع أبو بكر أن ~~يخضع جزيرة العرب كلها، ويقضي على ثورة المرتدين. # ثم جاء بعده عمر، وكان لونا آخر من ألوان البطولة فكان قويا عادلا مهيبا، ينال ~~من نفسه ومن أولاده ومن الناس. والمسلمون يتصورون عمر رجلا طويل القامة، ضخم الجسم، ~~مهيب الطلعة، عادلا حتى في نفسه وولده، بيده هراوة يضرب بها أهله، ومن خرج من ~~المسلمين عن جادة الصواب في قليل أو كثير، وكان من أكثر ما عمله إخضاع الفرس، ~~وإزالة دولتهم، فكان من أهم الوقائع وقعة القادسية، وهي بلدة غربي النجف، وعلى مسافة ~~ثمانية عشر ميلا ونصف من الكوفة، وكانت وقعة حاسمة خاضها القائد المشهور المثنى بن ~~حارثة، وقد قتل في المعركة فخلفه سعد بن أبي وقاص، كذلك تم فتح الشام والجزيرة وفلسطين ~~ومصر على يده، وليست قيمة عمر الكبرى في فتح هذه البلاد، ولكن في وضع نظمها السياسية، ~~والمدنية، والاجتماعية، خصوصا وأنه لم ينشأ من قوم متمدينين، حتى إن أكثر الفقهاء ~~يعتمدون في تشريعهم الاجتماعي على التقاليد التي سنها عمر عند فتحه الفتوح. # ولما حضرت عمر بن الخطاب الوفاة عهد كما قيل إلى ستة يختار منهم خليفة، وهم: ~~صهر النبي # صلى الله عليه وسلم # علي، وعثمان، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن ~~عوف، وطلحة بن عبيد الله، وكان ms037 ينبغي أن يختاروا أكفأهم، ولو اختير علي أو الزبير بن ~~العوام لتغير وجه التاريخ، ولكنهم اختاروا ألينهم، ناظرين في اختياره إلى أن ~~العرب كانوا قد سئموا حكم عمر في شدته وهراوته، وقد سار عثمان فعلا في السنين ~~الست الأولى سيرة عادلة رحيمة، ولكنه في الست الأخيرة كانت قد كبرت سنه، وخضع ~~لأقاربه من الأمويين، فترك تصريف الأمور لرئيسهم مروان بن الحكم الأموي، وهذا عين ~~جميع الأمراء الرئيسيين من الأمويين، فأغضب ذلك كثيرا من الصحابة، وخصوصا عليا ~~والزبير وطلحة وغيرهم، فأرادوا أول الأمر أن يحرروا الخلافة من هذه السلطنة، فنصحوا ~~عثمان بالاعتزال فأبى، ولم تمض إلا فترة قصيرة حتى كان عثمان في المدينة وليس معه ~~إلا نفر قليل من الأصدقاء، وكان من أكبر الشخصيات البارزة في محاربته وتأليبه الناس ~~عليه عائشة بنت أبي بكر، واستطاع خصومه جميعا أن يثيروا الأمصار عليه، واجتمع أهل ~~المدينة حول بيته، ورفضوا أن يتزحزحوا عنه، وثار المصريون أيضا لما علموا أن كتابا ~~كتب باسم عثمان إلى عامله عبد الله بن أبي سرح يأمره فيه بالفتك بالزعماء عند ~~عودتهم. وأخيرا تقدم رجل من المصريين فقتله، وطالب الثائرون بتسلم القاتل فلم ~~يجابوا، وبويع بعده علي بن أبي طالب، وقام بطلب الثأر، وتسلم القتلة معاوية بن أبي ~~سفيان، ووقع النزاع بينه وبين علي، واختار معاوية دمشق مركزا، وكان العرب من قديم ~~يعرفون هذه البلاد وقد تعودوا الطاعة والخضوع للأمير والملك، وكان جيش معاوية أنظم ~~وأطوع من جيش علي الذي كان أكثره عربا لا يلتزمون طاعة ولا يؤمنون بنظام، وأخيرا ~~وبعد وقائع كثيرة هزم علي ثم قتل، واستتب الأمر لمعاوية. # وهنا نقف وقفة عند مقتل عثمان، فقد كان حادثة مروعة حقا، مؤثرة في حياة المسلمين ~~فيما بعد أكبر تأثير، وقد توقع بعيدو النظر السوء في المستقبل من هذه الحادثة، ~~وأكثر فيها الشعراء، قال حسان بن ثابت: # أتركتمو غزو الدروب وراءكم # وغزوتمونا عند قبر محمد # فلبئس هدي المسلمين هديتم # ولبئس أمر الفاجر المتعمد # وقال حباب بن يزيد الهاشمي: # لعمر أبيك فلا ms038 تجزعن # لقد ذهب الخير إلا قليلا # لقد سفه الناس في دينهم # وخلى ابن عفان شرا طويلا # أعاذل كل امرئ هالك # فسيري إلى الله سيرا جميلا # وكان من أهم ما نقم الناس على عثمان أن طلب منه عبد الله بن خالد بن أسيد الأموي ~~صلة، فأعطاه أربعمائة ألف درهم، وأعاد الحكم بن أبي العاص بعد أن نفاه رسول الله، ~~وأعطاه مائة ألف درهم، وتصدق رسول الله بموضع سوق المدينة على المسلمين فأقطعه ~~عثمان الحارث بن الحكم أخا مروان بن الحكم، وأقطع مروان فدك، وقد كانت فاطمة طلبتها ~~بعد وفاة أبيها، تارة بالميراث وتارة بالنحلة، فدفعت عنها. وحمى المراعي حول ~~المدينة كلها من مواشي المسلمين كلهم إلا عن بني أمية، وأعطى عبد الله بن أبي السرح ~~جميع ما أفاء الله عليه من فتح إفريقية بالمغرب، وهي من طرابلس إلى طنجة، من غير أن ~~يشركه فيه أحد من المسلمين. وأعطى أبا سفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال في اليوم ~~الذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمائة ألف، وقد كان زوجه ابنته أم أبان. فجاء زيد بن ~~أرقم صاحب المال بالمفاتيح، فوضعها بين يدي عثمان وبكى. فقال عثمان: أتبكي أن وصلت ~~رحمي؟ قال: لا، ولكن أبكي؛ لأني أظنك أخذت هذا المال عوضا عما كنت أنفقته في سبيل ~~الله في حياة رسول الله. والله لو أعطيت مروان مائة درهم لكان كثيرا. فقال: ألق ~~المفاتيح؛ فإنا سنجد غيرك، وأتاه أبو موسى الأشعري بأموال كثيرة من العراق، فقسمها كلها ~~في بني أمية، وزوج الحارث بن الحكم بنت عائشة فأعطاه مائة ألف من بيت المال أيضا، ~~ونفى أبا ذر - رحمه الله - إلى الربدة لمناهضته لمعاوية في الشام في كنز الذهب والفضة، ~~وضرب عبد الله بن مسعود حتى كسر أضلاعه، وعدل عن طريقة عمر في إقامة الحدود، ورد ~~المظالم، وكف الأيدي العادية، والانتصاب لسياسة الرعية، وختم ذلك كله بما وجدوه من ~~كتابه إلى عامله بمصر يأمره فيه بقتل قادة الثورة، # 1 # وقد أجاب بعض المعتزلة عن هذه ms039 المطاعن بأجوبة مشهورة، على أننا نرى أن هذه ~~الأحداث لم تبلغ المبلغ الذي يستباح به دمه، وكان يكفي أن يخلعوه من الخلافة ولا يعجلوا ~~بقتله، وكما قال علي: «استأثر «عثمان» فأساء الأثرة، وجزعتم فأسأتم الجزع، ولله حكم ~~واقع في المستأثر والجازع.» # وقد أكبر الصحابة قتل عثمان؛ قال سعيد بن زيد: لو أن أحدا انقض للذي صنعتموه بعثمان ~~لكان محقوقا أن ينقض. وقال عبد الله بن سلام: «لقد فتح الناس على أنفسهم بقتل عثمان ~~باب الفتنة، لا يغلق عنهم إلى قيام الساعة.» وقال ابن عباس: «لو اجتمع الناس على قتل ~~عثمان لرموا بالحجارة من السماء.» # وقالوا إن زياد بن أبيه أوفد ابن حصين على معاوية، فخلا به ليلة، فقال له: يا ابن ~~حصين قد بلغني أن عندك ذهنا وعقلا، فأخبرني عن شيء أسألك عنه، قال: سلني عما بدا ~~لك. قال: أخبرني ما الذي شتت أمر المسلمين وملأهم وخالف بينهم؟ قال: نعم، قتل الناس ~~عثمان. قال: ما صنعت شيئا. قال: فمسير علي إليك، وقتاله إياك. قال: ما صنعت ~~شيئا. قال: فمسير طلحة والزبير وعائشة، وقتال علي إياهم. قال: ما صنعت شيئا. قال: ~~ماعندي غير هذا يا أمير المؤمنين. قال: فأنا أخبرك: إنه لم يشتت بين المسلمين، ولا ~~فرق أهواءهم إلا الشورى التي جعلها عمر إلى ستة نفر، وذلك أن الله بعث محمدا بالهدى ~~ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فعمل بما أمر الله به ثم قبضه ~~الله إليه، وقدم أبا بكر للصلاة فرضوه لأمر دنياهم؛ إذ رضيه رسول الله لأمر دينهم، ~~فعمل بسنة رسول الله، وسار سيرته حتى قبضه الله، واستخلف عمر فعمل بمثل سيرته، ثم ~~جعلها شورى بين ستة نفر، فلم يكن رجل منهم إلا رجاها لنفسه ورجاها له قومه، وتطلعت إلى ~~ذلك نفسه، ولو أن عمر استخلف عليهم كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلك اختلاف. # والحق أن قتل الخليفة الثاني عمر، والخليفة الثالث عثمان، والخليفة الرابع علي فتح ~~على الناس فيما بعد باب شر كبير، ms040 وهذه الحوادث - وخاصة قتل عثمان - مسئولة عن قتل بعض ~~خلفاء بني أمية، وقتل كثير من خلفاء بني العباس، وقتل كثير من سلاطين المماليك، وهكذا. ~~مع الخلاف بين قتل عمر وعلي، وقتل عثمان؛ لأن قتلهما كان حادثة فردية أو مؤامرة جزئية، ~~أما مقتل عثمان فقد كان ثورة شعبية للأقطار الإسلامية. # زد على ذلك أن هذه الحادثة قسمت المسلمين إلى فرق أربع أو خمس، بعد أن كان أمرهم ~~واحدا ودينهم واحدا، فافترقوا إلى فرق: شيعة عثمان، وشيعة علي، والمرجئة، ومن لزم ~~الجماعة، والحرورية، فكان أهل الشام شيعة عثمان، وكذلك أهل البصرة، وقال أهل الشام: ليس ~~أحد أولى بطلب دم عثمان من أسرة عثمان وقرابته، ولا أقوى على ذلك من معاوية، وقال أهل ~~البصرة: ليس أحد أولى بطلب دم عثمان إلا طلحة والزبير؛ لأنهما أهل الشورى، وأما شيعة ~~علي؛ فإنهم أهل الكوفة، وأما المرجئة؛ فهم الشكاك الذين شكوا وكانوا في المغازي، فلما ~~قدموا المدينة بعد قتل عثمان كان عهدهم بالناس ورأيهم واحد، ليس بينهم اختلاف، فقالوا: ~~تركناكم وأمركم واحد، ليس بينكم اختلاف، وقدمنا عليكم وأنتم مختلفون؛ بعضكم يقول: قتل ~~عثمان مظلوما، وكان أولى بالعدل وأصحابه، وبعضكم يقول: كان علي أولى بالحق، وأصحابه ~~كلهم ثقة، وعندنا مصدق، فنحن لا نتبرأ منهما، ولا نلعنهما ولا نشهد عليهما ونرجئ أمرهما ~~إلى الله حتى يكون الله هو الذي يحكم بينهم، وأما من لزم الجماعة؛ فمنهم: سعد بن أبي ~~وقاص، وأبو أيوب الأنصاري، وأسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، في عشرة آلاف من أصحاب رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # والتابعين، قالوا جميعا: نتولى عثمان وعليا ولا نتبرأ منهما، ونشهد ~~عليهما، وعلى شيعتهما بإلايمان، ونرجو لهم ونخاف عليهم، وأما الحرورية؛ فقالوا: نشهد ~~على المرجئة بالصواب، ثم خلطوا بعد ذلك وكفروا كل من خالفهم. # وهكذا افترق المسلمون بعد أن كانوا مجتمعين بسبب قتل عثمان، ونمت هذه الفرق واختلفت ~~فيما بعد، حتى بلغت نحو سبعين فرقة كلها تنتحل الدين، وكلها فرق دينية بعد أن كانت ~~فرقا سياسية لمحض النزاع على ms041 الخلافة، يضاف إلى ذلك ما سببه هذا الحادث - من قيام ~~طلحة والزبير لمغالبة علي ومنازعته بدعوة الطلب بدم عثمان - ومكن ذلك معاوية من ~~الغلبة على الجميع. ولكن ما سبب هذه الفتنة؟ إن تعليل معاوية لهذه الفتنة هو أن عمر ~~وكل الأمر إلى ستة نفر؛ فكل تمناها لنفسه وتمناها له قومه، ويعلل ذلك ابن خلدون ~~في تاريخه بقوله: «لما استكمل الفتح، واستكمل للملة الملك، ونزل العرب بالأمصار في ~~حدود ما بينهم وبين الأمم من البصرة والكوفة والشام ومصر، وكان المختصون بصحابة الرسول # صلى الله عليه وسلم # والاقتداء بهديه وآدابه المهاجرون والأنصار من قريش وأهل الحجاز ومن ظفر بمثل ~~ذلك من غيرهم. وأما سائر العرب من بكر بن وائل، وعبد القيس، وسائر ربيعة، والأزد، ~~وكندة، وتميم، وقضاعة، وغيرهم؛ فلم يكونوا من تلك الصحبة بمكان إلا قليلا منهم، وكانت ~~لهم في الفتوحات قدم؛ فكانوا يرون ذلك لأنفسهم مع ما يدين به فضلاؤهم من تفضيل أهل ~~السابقة ومعرفة حقهم. فلما انحسر ذلك العباب، وزاد العدد، واستفحل الملك كانت عروق ~~الجاهلية تنبض، ووحدوا الرياسة عليهم للمجاهدين والأنصار من قريش وغيرهم، فأنفت ~~نفوسهم منها، ووافق أيام عثمان فكانوا يظهرون الطعن في ولائه بالأمصار، والملاحظة لهم ~~باللحظات، والخطرات، والاستبقاء عليهم في الطاعات، والتجني بسوء الاستبدال منهم، ~~والعزل، والفيض في النكير على عثمان، وفشت المقالة في ذلك في أتباعهم وتنادوا بالظلم من ~~الأمراء في جهاتهم، وانتهت الأخبار بذلك إلى الصحابة بالمدينة؛ فارتابوا لها، وأفاضوا ~~في عزل عثمان، وحمله على عزل أمرائه، وبعثوا إلى الأمصار من يأتيهم بصحيح الخبر (ثم ~~انتهى ذلك كله بقتل عثمان). # ومن رأي المرحوم الأستاذ عبد الحميد الزهراوي أن العرب كانت قبائل متفرقة متعادية، ~~يأكل القوي منها الضعيف، فما لبثوا حتى اجتمعت كلمتهم، واتحدت وجهتهم، ولانت منهم ~~قسوة. فلما مات رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يظهر أن القليلين من الذين كانوا لم يتخلوا عن ~~المساوئ، ولم يتحلوا بالمحاسن قد صاروا كثيرين بدليل ما حدث من حروب الردة، وهذا ~~يدعونا ألا نفسر الصحابة بالتفسير المشهور؛ ms042 وهو كل من رأى النبي وآمن به، بل نحن نفسر ~~الصحابة بما تساعد عليه اللغة فهم الذين صحبوا النبي # صلى الله عليه وسلم # صحبة حقيقية يصح أن ~~يطلق عليها لغة وعرفا اسم: «الصحابة»؛ فهؤلاء وأمثالهم هم الصحابة الحقيقيون، ~~وهؤلاء وأمثالهم الثقات العدول، وأما أولئك الأعراب الذين كانوا يفدون عليه ولم ~~يكونوا يلبثون عنده إلا عشية أو ضحاها؛ فيقال لهم مسلمون لمحمد، ولا يصح على هذا ~~التفسير الحقيقي أن يقال إنهم صحابة، وإذا ثبت هذا فالاختلاف الذي جرى بين الصحابة لا ~~شك أن جرثومته من فئة لم تأخذ بنصيب وافر من صحبة النبي، ولم تتضلع من التهذيب المحمدي. ~~من هذا استنتج: ~~(1) # أن القبائل البدوية كانت آلة بيد رجال من قريش، وأكثر أفرادها لم يكونوا ~~قد رأوا النبي # صلى الله عليه وسلم # فضلا عن أن يصحبوه. ~~(2) # والقبائل البدوية كانت متعادية في الجاهلية، ولما تآخت في الإسلام كان ~~عرق العداوة يضرب في بعضها أحيانا؛ فكانت كل قبيلة تشايع رئيسا من رؤساء ~~قريش، وتتمنى له الدولة؛ ابتغاء أن تتميز لديه على أعدائها ~~الأقدمين. ~~(3) # وهذه القبائل البدوية كان قد أضر بها جهد العيش، وكانت تتربص في البلاد ~~التي افتتحتها أن تتضلع من نعيمها، وكانت تتحين أن تنقلب رتبة الخلافة التي ~~معناها اقتفاء أثر النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى رتبة سلطنة وملك، ومعناها اقتفاء ~~آثار الملوك الذين كانوا يعرفون سيرهم وسير كبرائهم في البذخ ~~والاستئثار وتوارث المناصب بالأنساب والحيل لا بالمواهب والعمل. # إن الأمم العجمية من روم، وفرس، وسريان، وعبرانية، وغيرهم، من لم يدخل في الدين ~~منهم لا ظاهرا ولا باطنا، ومن دخلوا فيه ظاهرا فقط كانوا لا يألون جهدا ببث ~~الدسائس؛ ليهدموا ذلك المجد العربي الذي شادته تلك الدعوة المحمدية على أيدي أنصارها ~~الحقيقيين ومن دخل فيه ظاهرا وباطنا، كانوا جهلاء بهذا، ولم ينتزع من قلبهم حب ~~عادات سالفة لهم قومية أو دينية. # فاختل بعض الاختلال ذلك المحيط الذي كان بالأمس أصح محيط على وجه الأرض، ولم يكن ~~اختلاله في أيام أبي بكر ولا ms043 عمر إلا طفيفا، وأما في أواخر خلافة عمر فاشتد ذلك المرض ~~الذي حاق بذلك المحيط، وما برح يشتد فيما بعد حتى سقطت قبة الخلافة في أواخر أيام علي. ~~ويرى ولهاوزن أن من أسباب الفتنة قلة ما كان يوزع على المحاربين من الفيء، ولم ~~يعوض عن ذلك كثرة الغنائم في الفتوح؛ بحجة أن المال هو مال المسلمين لا مال الله. ~~وقد ابتدع عمر هذه الفكرة لتقوية مال الحكومة، ولكن أحدا لم يثر عليه لشدته ~~وحزمه، فلما استلانوا جانب عثمان كانت الفرصة سانحة للثورة ... # ويرى رفيق بك العظم أن المسلمين لم يتلافوا أمر هذه الفتنة لأمرين؛ الأول: عدم توفر ~~الشورى والاختيار في البيعة؛ بحيث أخذت الخلافة شكلا ترك ثغرة كبرى للولوج إليها من ~~طريق القوة والتغلب، فأوجد نزاعا مستمرا من أجلها في الأمة أفضى إلى مصير الأمر ليد ~~الغالب، والغالب لا يتقيد بالشورى ولا يجاري رغائب الأمة بالضرورة. والثاني: اصطباغ ~~الدولة منذ نشأتها بصيغة دينية مهدت السبيل لأولياء أمر الأمة بعد الخلفاء الراشدين ~~للأخذ على أيدي الرعية وأفواهها باسم الدين، وجعل الحياة السياسية للأمة حياة دينية ~~لا سبيل معها لنوابغ الأمة وعقلائها للتنقل بها في مدارج الرقي الطبيعي الذي تقتضيه ~~حالة كل عصر، سواء كان في حياة الأمم السياسية، أو حياتها الاجتماعية، لا سيما بعد أن ~~قالوا بحرمة الاجتهاد، ووقفوا عند حد محدود من الفروع. وهذا ما جعل ذلك الضعف الكامن ~~ينمو في جسم الأمة نموا جعلها تأنس بحياة السكون والاستسلام، وتعطي أزمتها إلى ~~الأمراء والحكام حتى في عصر زال فيه الاعتقاد بوجوب الطاعة العمياء للأمراء وجوبا ~~دينيا. # ومع هذا الخلاف الشديد بين المسلمين؛ فقد استطاع معاوية وأهل بيته من الأمويين أن ~~يقضوا على هذه الخلافات بشتى الوسائل، ويؤسسوا إمبراطورية من أوسع الإمبراطوريات، تعلو ~~فيها مآذن المساجد في الهواء، ويؤذن المؤذنون فيملئون الجو بأذانهم، وبذلك اتسعت ~~رقعة العالم الإسلامي، فاستولوا على أكثر الأندلس، وفتحوا عددا من المدن في جنوبي ~~فرنسا، وفي تمام المائة سنة بعد وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم # كان ms044 العرب يحكمون مملكة واسعة أكبر ~~من المملكة الرومانية، تمتد من حدود الصين إلى شلالات النيل السفلى، ومن الجنوب الغربي ~~في أوروبا حتى غربي آسيا وأواسطها، وعاصمة هذه المملكة دمشق. كما استطاعوا أن يغيروا ~~أكبر مظهرين من مظاهر المملكة، وهما: تحويل الدواوين إلى عربية، وتخلصهم من الدخلاء ~~الذين كانوا يضطرون إليهم في تدوين الدواوين. والثاني صك النقود. وقد ظلوا طوال هذه ~~العهود يتعاملون بالنقود الرومانية والفارسية، فلما اطمأنوا واتسع ملكهم بدءوا يصكون ~~نقودهم بأنفسهم، وبذلك أصبحت هذه المملكة الواسعة مملكة بمعنى الكلمة، وقد بلغت هذه ~~المملكة أقصى سعتها في هذا العصر الأموي ثم أخذت تنشق قليلا قليلا في العصر العباسي ~~وفيما بعد ذلك من عصور. # وبمعاوية انتقل الأمر من خلافة إلى ملك عضود. والفرق بينهما أن الخلافة أساسها اقتفاء ~~أثر الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، والاعتماد في حل المشاكل على شورى أهل الحل والعقد، واختيار ~~الخليفة منهم حسب ما يرون أنه الأصلح. أما الملك فيشبه الملوك الأقدمين من فرس وروم، ~~واستبداد بالرأي، وقصر الخلافة على الأبناء أو الأقرباء ولو لم يكونوا صالحين لذلك، ~~وهذا كله ما فعله معاوية. ونموذج الخلافة ما قاله الأعرابي لعمر: «لو رأينا فيك ~~اعوجاجا لقومناه بسيوفنا» ونموذج الملك ما قاله عبد الملك بن مروان: «من قال بلسانه ~~هكذا قلنا بسيفنا هكذا.» والحق أن معاوية ساد الناس بالغلبة لا بالاختيار، ثم استبد ~~بتسيير الأمور. # ثم عهد بالخلافة إلى ابنه يزيد ولو لم يكن أكفأ الناس، ثم ساس الناس سياسة ~~ميكيافيلية استبدادية لا عهد للناس بها من قبل، وجرى المسلمون بعد ذلك على أثره من ~~بيت عباسي بعد بيت أموي وهكذا. وضاع معنى الخلافة التي سار عليها الخلفاء ~~الراشدون، كما ضاع معنى العدل الذي تشدد الإسلام في العمل والتعامل به، وأصبح الأمر أمر ~~سياسة حسبما تتطلبه الغلبة، لا عدل حسبما يتطلبه الإسلام. # فلما جاء يزيد خرج الحسين بن علي عليه، واشتد الخلاف بينهما، وانتهى الأمر بقتل ~~الحسين، وما كان يظن أن القوم يجرءون على قتله، وهو سبط رسول الله، ms045 وكان قتله ~~فاتحة شر كبير على الإسلام؛ فقد قسم المسلمين: شيعة يلتهبون عاطفة لأهل البيت، ~~وسنية يرونهم خارجين على سياستهم يستحقون عليها التأديب والقتل، وبكى المسلمون ~~الحسين، ولا يزالون يبكونه ويتألمون بفجيعته إلى اليوم. وتعقد الشيعة في العاشر من ~~المحرم اجتماعات مؤثرة فيضربون صدورهم بأيديهم وبالسلاسل، ويشجون رءوسهم بالحديد، ~~فيهلك بعضهم. ومن ذلك الحين كان الشيعة ينصبون عليهم إماما من أهل البيت، والأمويون ~~والعباسيون ينصبون عليهم خليفة من البيت الأموي أو العباسي، وكل يرى أنه أحق ~~بالأمر، ويكون بين الإمامين صراع ينتهي بقتل الإمام الشيعي. وحسبك دليلا على شدة هذا ~~الصراع أن الأمويين قتلوا في عهدهم ستة وثلاثين من أهل البيت. وسار العباسيون سيرتهم ~~ففي عهد السفاح والمنصور قتل تسعة عشر رجلا من أهل البيت، وقد جمع أبو الفرج الأصفهاني ~~في كتابه الكبير «مقاتل الطالبين» - الذي يبلغ نحو ثمانمائة وخمسين صفحة - أسماء من ~~قتلوا من غير ذكر لتاريخهم، ولم يكن ذلك إلا إلى عهده، وقد توفي سنة 356. وبعد قليل ~~من مقتل الحسين كانت المأساة الأخرى، وهي قتل عبد الله بن الزبير في عهد عبد الملك بن ~~مروان، ولم يمض على وفاة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إلا ثلاث وستون سنة، وولى عبد الملك الحجاج ~~لمقاتلة ابن الزبير، فاستأذن في نصب المنجنيق على الكعبة، فنفر أخيارها، وهتك أستارها، ~~ورمى أحجارها، وقال الشاعر: # خرجنا لبيت الله نرمي ستوره # وأحجاره، زفن الولائد في العرس # دلفنا له يوم الثلاثاء من منى # بجيش كصدر الفيل ليس بذى رأس # وكانت حادثة فظيعة؛ إذ جرؤ فيها الحجاج وجنده على رمي الكعبة بالمنجنيق، وكانت مقدسة ~~مهيبة حتى قبل الإسلام، فكان الناس يتعجبون من الحجاج، ويقولون: «خذل في دينه.» ~~ولما رمى الكعبة بالمنجنيق ارتجت ووهنت، وارتفعت سحابة ذات برق ورعد فسقطت صاعقة على ~~المنجنيق وأحرقته، وقتلت من أصحابه اثني عشر رجلا، فذعر أهل الشام من ذلك، وكفوا ~~عن القتال، فقال الحجاج: أنا ابن تهامة، وهي بلاد كثيرة الصواعق فلا يروعنكم ما ~~ترون؛ فإن من قبلكم كانوا إذا قربوا ms046 قربانا بعثت نار فأكلته، فيكون ذلك علامة ~~تقبل القربان. وأتى بمنجنيق آخر وعاود الرمي، وفي ذلك قال ابن الزبير الأسدي: # أيها العائذ في مكة كم # من دم أجريته في غير دم # إنه عائذة معصمة # وبه يقتل من جاء الحرم # واستمر في قتاله ورميه الكعبة حتى قتل ابن الزبير؛ إذ أصابته جراح فمات منها بعد ~~أيام، وحمل رأسه إلى الحجاج، ثم إلى عبد الملك، وصلب جسمه في مكة، ولما مر عبد ~~الله بن عمر بجسمه قال: «رحمك الله أبا خبيب؛ فقد كنت صواما قواما، ولكنك رفعت ~~الدنيا فوق قدرها، وأعظمتها ولم تكن لذلك بأهل.» ثم إن الحجاج دخل المسجد ولم ~~شعثه، وجمع أشلاء القتلى، وغسل دمه. # وكان مما أخذ على الحجاج أنه كان ينوي أشد من ذلك، فلما خرج من مكة إلى المدينة ~~قال: «الحمد لله الذي أخرجني من أم الفتن، أهلها أخبث أهل، ولولا ما كان يأتيني من ~~كتب أمير المؤمنين فيهم لجعلتها مثل جوف الحمار أعوادا يعودون بها ورمة قد ~~بليت، يغولون منبر رسول الله وقبر رسول الله.» وانتهت المأساة بالجرأة على الكعبة ~~بعد تقديسها، وانتهاك المسجد الحرام، والشهر الحرام، والبلد الحرام، وتزلزل الدين في ~~نفوس المسلمين. # وكان من رجالات الدولة الأموية عبد الملك بن مروان، وكان شديدا قويا، استطاع أن ~~يقضي على الخلافات، وحكم بلاده حكما مطلقا، ودعا إلى بلاطه الأخطل الشاعر النصراني ~~من قبيلة تغلب. # وفي عهد ابنه الوليد اتسعت الفتوح التي حصلت على يد قتيبة بن مسلم، فقد فتح فتوحا ~~واسعة فيما وراء النهر، واجتاز العرب في الغرب في عهد الوليد جبل طارق، واستطاع أن ~~يتخلص من النصارى الذين كانوا يحتكرون الأعمال الإدارية في الدولة، مثل: أسرة سرحون بن ~~منصور التي كانت تسيطر على الشئون المالية من عهد معاوية إلى عهده، وبنى الجامع الأموي ~~في دمشق؛ إذ كان المسلمون إلى ذلك الحين يكتفون بمسجد صغير متواضع، وعظمت في أيامه ~~ثورة الخوارج، وثورة ابن الأشعث، وقاتلهم الحجاج حتى أخضعهم. ومن رجالات الأمويين ~~أيضا عمر بن عبد العزيز، ms047 وكان أمة وحده، خالف الأمويين في نزعتهم واستبدادهم، فأحاط ~~نفسه بفقهاء متضلعين في الإسلام يستشيرهم، ويعمل برأيهم، وكانت أمه تنسب إلى عمر بن ~~الخطاب فسمته عمر، وكان يعتز بهذا النسب ويشرئب أن يسير سيرته في العدل، ~~فلما بدأ خلافته رأى أن الإصلاح الداخلي للبلاد التي دخلت في الإسلام خير من الاستزادة ~~في الفتوح، ولذلك أمر قواده بالتراجع، واستمال العلويين الذين كانوا مضطهدين أشد ~~الاضطهاد من الأمويين، وصالحهم وأبطل سب علي الذي كان يجري على المنابر يوم الجمعة ~~باستمرار، ورد إليهم بلدة فدك التي احتفظ بها النبي لنفسه في حياته، ولم يورثها أبو ~~بكر وعمر فاطمة بنت النبي؛ استنادا على حديث: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا ~~صدقة.» # كذلك استمال النصارى فعوضهم عن كنيسة القديس يوحنا في دمشق، التي كان الوليد ~~وضع يده عليها، بكنيسة القديس توما في الغوطة، بعد أن كانت قد حولت إلى جامع، وخفف من ~~الجزية المفروضة على النصارى في قبرص وأيلة، وعامل الموالي المسلمين معاملة العرب ~~المسلمين؛ فرفع عنهم الجزية التي كان قد فرضها عليهم عمر بن الخطاب، وسمح للمسلمين أن ~~يتملكوا الأراضي في البلاد المفتوحة، بعد أن كان عمر بن الخطاب أبى تمليكهم إياها، ~~وجعلها ملكا للحكومة وهكذا؛ مما يدل على أن عمر بن عبد العزيز ليس مجرد مسلم صوفي ~~متأله كما يدعي بعض المستشرقين، بل هو مسلم يعرف دقائق الأمور، ويواجه بهمة مشاكل ~~الإصلاح، ولكن مع الأسف لم تطل مدته فمات. فخلفه يزيد الثاني ثالث أبناء عبد الملك، ~~والروايات الإسلامية تصوره رجلا مستهترا، انغمس في اللهو والموسيقى، وشغلته ~~القينات والمغنيات، وترك أمور الدولة، ومهامها إلى عملائه وأمراء الأقطار. وقد أسرف ~~العباسيون في نسبة هذه الأمور إليه مع أن تاريخه كان حافلا بالأعمال الجدية الصالحة، ~~فأصلح ديوان القبائل في مصر، وحاول أن يزيل المظالم التي كانت في عهد من قبله، وعامل ~~النصارى معاملة قاسية غير التي عاملهم بها عمر بن عبد العزيز، فاستولى على كثير من ~~كنائسهم، وحطم بعض تماثيلهم ... إلخ. # ومن أساطين الأمويين هشام ms048 بن عبد الملك، وقد ساعده على تنظيم الدولة والأخذ بزمامها ~~خالد بن عبد الله القسري، الذي كان لهشام كما كان الحجاج لعبد الملك، وزياد بن أبيه ~~لمعاوية من قبل. # وفي عهد هشام اندفع العرب في بلاد الغرب يتقدمون في الفتوح، فاستمرت الحرب تفتح في ~~أوروبا إلى أن اصطدم بشارل مارتل بين تور وبواتيه في فرنسا سنة 732. وكان يعاب على هشام ~~بخله وحمله ولاته على ابتزاز الأموال، وزيادة الخراج المفروض على نصارى قبرص، ~~ومضاعفة الخراج المفروض على نصارى مصر مما أغضب الأهالي. وكان آخرهم مروان بن محمد الذي ~~يلقب بمروان الحمار؛ لصبره ومقدرته على الاحتمال، وكان أميرا عظيما لولا أنه جاء ~~والدنيا مدبرة. وحكم الأمويون البلاد حكما قبليا عربيا؛ فكانوا يقربون بعض ~~القبائل، وينكلون بالأخرى، وولاتهم مثلهم. # وفي هذا العصر اشتد التمازج بين النزعة العربية والنزعة الإسلامية من جهة وتقاليد ~~الأمم المفتوحة كمصر وفارس، فكانت العادات القديمة ينظر إليها بعين الإسلام، فما وافق ~~منها قبلت وإلا رفضت، فانبثت بين المصريين مثلا عادات كثيرة رومانية، وانبث ~~في العراق عادات كثيرة فارسية، حتى الفقهاء أنفسهم كالشافعي في مصر، والأوزاعي في ~~بيروت، وأبي حنيفة في العراق تأثروا بالقوانين الرومانية والفارسية التي كانت معروفة ~~قبل الإسلام في تلك البلاد. # وأخيرا سقطت الدولة الأموية فكان سقوطها عبرة للمسلمين، ولعل من أهم أسباب سقوطها ~~أنه على أثر قتل يزيد بن معاوية للحسين طويت قلوب الشيعة على الإحن، وودوا لو ~~أتيحت فرصة للخروج على الأمويين، وظلوا يعملون في الخفاء في بذر الدسائس والمؤامرات، ~~فانتشرت الدعوة ضد الأمويين انتشارا عجيبا، وكان مما زاد كرههم قصر الأمويين من ~~عهد معاوية الخلافة وتولية العمل عليهم وعلى من يلوذ بهم. # والأمويون اعتبروا أنفسهم غاصبين للخلافة، فلم يتمكنوا منها إلا بالقوة والقسر، ~~والغاصب دائما خائف، والمغصوب دائما يسترعي عواطف الناس، حتى في أيامنا هذه إذا اضطهد ~~رجال السياسة أحدا حباه الرأي العام بعطفه. فاضطر ذلك الأمويين إلى التجسس على ~~العلويين، وإرهابهم، والتنكيل بهم، وهذا ما جعل عبد الملك بن مروان يستعمل منتهى القسوة ms049 ~~في إخماد هذه الفتن، ويده اليمنى في ذلك الحجاج، وتنسب إليه الخطبة التي يقول فيها: ~~«ألا وإني لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف، حتى تستقيم لي قناتكم. تكلفوننا أعمال ~~المهاجرين ولا تعملون مثل أعمالهم، فلا تزدادوا إلا عقوبة حتى يحكم السيف بيننا ~~وبينكم. هذا عمرو بن سعيد قرابته قرابته وموضعه موضعه، قال برأسه هكذا فقلنا بأسيافنا ~~هكذا. ألا وإنا نحمل منكم كل شيء إلا وثوبا على أمير أو نصب راية. ألا وإن الجامعة ~~«الغل» التي جعلتها في عنق عمرو بن سعيد عندي. والله لا يفعل أحد فعله إلا جعلتها ~~في عنقه. والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه.» ولئن شك بعض ~~الرواة في هذه الخطبة؛ فإنها تعبر تعبيرا صادقا عن عبد الملك، ثم إن أقارب الحسين ~~ونسله الذين كانوا أطفالا أيام مقتل الحسين قد كبروا فيما بعد، وصاروا رجالا قادرين ~~على العمل ضد الدولة الأموية إما بأيديهم، أو بدسهم، أو بقلبهم. # وسبب آخر في سقوط الدولة الأموية وهو أن بني أمية لم يرعوا جانب رجالهم العظام؛ ~~فاستغلوهم ثم سجنوهم أو أهلكوهم؛ فموسى بن نصير فاتح الأندلس، وخالد بن عبد الله ~~القسري، ويزيد بن المهلب، وقتيبة بن مسلم، وأمثالهم كلهم كانوا رجالا عظاما، ~~وخدموا الدولة خدمة كبرى، وكانوا أحق بالتبجيل والتعظيم، ولو كانوا في أوروبا اليوم ~~لأقيمت لهم التماثيل وأشيد بذكرهم كل الإشادة، ولكننا نرى موسى بن نصير قد زج ~~به في السجن، ثم مات أشنع موتة، ويزيد بن المهلب نكل به، وقتيبة بن مسلم فاتح ما ~~وراء النهر لم يكافأ على عمله أية مكافأة، بل عذب وأهين، وهذه الأعمال ~~وأمثالها تضعف من نفس المستعدين للنبوغ والعمل الباهر؛ فإذا وجدوا غيرهم من النابغين ~~قد كوفئوا شر مكافأة فت ذلك في عضدهم. # وسبب ثالث، وهو أن المملكة الإسلامية في العهد الأموي قد اتسعت رقعتها كثيرا، فكان ~~من الصعب ضبطها وحسن إدارتها، فتخلخلت إدارتها، ولم يكن كثير من الولاة من الخلفاء ~~بالعظمة التي يستطيعون بها وضع هذه ms050 الرقعة الواسعة في أيديهم؛ فدب فيها ~~الفساد. # وسبب رابع، وهو أن الخلفاء - كما روي عنهم - مالوا إلى الترف والنعيم ميلا ~~ازداد بالتدريج مع الأيام، فبعضهم في أول أمره أباح شرب الخمر في مجلسه، ثم تطور ~~الأمر إلى أن يشربوها هم أنفسهم. # وكان الشعر الأموي سجلا لما كان هنالك من أحداث. فالأحقاد القبلية قد عادت ~~واتخذت أشكالا جديدة أكثر عنفا، وكان الصراع بين قيس وكلب قد اشتد طوال عشرات السنين، ~~فظهر ذلك في العصر الأموي. وكان شاعر البلاط وهو الأخطل يختصم مع منافسيه جرير ~~والفرزدق في الهجاء المقذع، وانقسم الشعراء إلى الفرق السياسية، كما افترق الناس؛ ~~فكان عبد الله بن قيس الرقيات شاعر عبد الله بن الزبير، والكميت كان يناضل عن ~~حق آل النبي في الخلافة. # وبعد أن كان التشبيب بالنساء مقصورا على مقدمات القصائد ظهر عمر بن أبي ربيعة في مكة ~~في عهد عبد الملك يضع القصائد الطويلة في الغزل، وجعلها وقفا على التغزل بمليحات ~~النساء، وخصوصا الحاجات منهن من غير إعلان للجوى ولوعة الفراق كما كان الشأن ~~عند الجاهلين. وأمعن أهل مكة والمدينة في الترف لما نحوا عن السياسة، وفتح ~~الوليد الثاني الخليفة في دمشق بابا جديدا في الشعر العربي وهو القصيدة الخمرية، نعم ~~كان الأعشى يقول في الخمر ولكن لم يبلغ ما بلغه الوليد، فإن قلنا إن الوليد الثاني ~~مخترع فن الخمر في الإسلام حقا - وهو الفن الذي نما وازدهر في ظل العباسيين - لم ~~نبعد. وكان إمامه في ذلك عدي بن زيد النصراني الذي لمع نجمه في آخر عهد المناذرة في ~~الحيرة، وأسرف الوليد في الخمر والنساء، وترف الحياة ونعيمها، وأنفق كل ما كنزه هشام من ~~المال، فشدد على الولاة والعمال في إرسال الأموال لإرواء شهواته، ثم أخيرا قتل في ~~يوم كيوم عثمان، وفي يده مصحف كمصحف عثمان. # وقد اتخذ الأمويون جميعا الشعراء كما تتخذ الأحزاب اليوم الجرائد والمجلات للدعاية ~~لها والذود عنها، فاتخذ معاوية الأخطل، وكان هوى جرير في آل الزبير فاستقدمه الحجاج، ~~وأكرم وفادته واستماله بإحسانه ms051 إليه، فمدحه بقصائد عدة، ثم وفد جرير على عبد ~~الملك فأنشده القصيدة المشهورة في مدح بني أمية، وهي التي يقول فيها: # ألستم خير من ركب المطايا # وأندى العالمين بطون راح # وكان هوى الفرزدق مع علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وقال فيه: # هذا الذي تعرف البطحاء وطأته # والبيت يعرفه والحل والحرم # هذا ابن خير عباد الله كلهم # هذا التقي النقي الطاهر العلم # وكان هوى نصيب الشاعر الأسود مع بني أمية خصوصا عبد العزيز بن مروان وهشام بن عبد ~~الملك، وقد أحبه عبد العزيز فابتاعه ثم أعتقه. وكان من أشد الناس تعصبا للبيت ~~العلوي كثير عزة، وقد غالى في التشيع، وذهب مذهب الكيسانية، وقال بالرجعة ~~والتناسخ، وصرح بمذهبه وجادل فيه خصومه، ومع ذلك لم يضطهده الأمويون، بل عاملوه ~~معاملة حسنة وأجلوه حتى لا ينالهم أذاه. # وإلى جانب الشعر كان الغناء في الحجاز، وكانت الحجاز تصدر المغنين والمغنيات ~~لقصور الخلفاء، ومن أولهم معاوية، كان يهوى سماع حكمة الشعر تصدر مع جمال الألحان. ~~وذكر صاحب العقد أن بديحا المغني غناه شعرا في فتاة كانت تتولى خضابه فقال: # أليس عندك شكر للتي جعلت # ما ابيض من قائمات الشعر كالحمم # وجددت منك ما قد كان أخلفه # صرف الزمان وطول الدهر والقدم # فطرب معاوية طربا شديدا وقال كل كريم طروب. واشتهر من المغنيات في العصر الأموي ~~سلامة القس، وقد أخذت أصول الغناء عن معبد وابن عائشة وجميلة، وسميت بسلامة القس؛ لأن ~~عبد الرحمن بن أبي عمار الخثعمي - أحد قراء المدينة - شغف بها، وكان يلقب بالقس ~~لتقاه وورعه، وقد اشتراها يزيد بن عبد الملك حينما وفد إلى المدينة. وعرف بالمهارة ~~في الغناء طويس المغني، وكان يجيد النقر على الدف، وكان يميل لمجالسته والاستماع ~~لإنشاده أبان بن عثمان حاكم المدينة. # واتخذ الخلفاء مجالس السمر يتحدثون فيها عن الأدب، ويحضرها نخبة من كبار الشعراء، ~~وكانت هذه المجالس عارية عن الشراب أولا، ثم أباحوها ثم شربوها، واجتمع الشعراء بباب ~~معاوية وباب الحجاج، وغيره من الخلفاء والولاة والقواد وهكذا ms052 من كثير مما لا يعرفه ~~الإسلام. # كل هذه الأسباب تجمعت وكانت سببا في سقوط الدولة الأموية وقيام العباسيين بعدهم ~~ينكلون بهم ويفتكون بكل من عثروا عليه منهم. # وكان من رجالات الدولة العباسية أبو جعفر المنصور، وهو يشبه معاوية في الدولة ~~الأموية، قوي، حازم، وعلى يده تأسست الدولة، ثم هارون الرشيد، وقد كان حاد العاطفة ~~متقلبها: تتحرك عاطفته الدينية فيكثر الصلاة، ويحج ماشيا، ثم تثور عاطفة ~~الشهوية فيشرب ويمعن في الشراب ويحظى بالجواري الحسان. وربما عرفت أوروبا الإسلام عن ~~طريقه، وتصورته من صورته، بل ربما تصورت العالم الشرقي كله ممثلا فيه وفي ألف ~~ليلة وليلة الذي اشتهر صيته بينهم، وفيه صور كثيرة لا يرضى عنها الإسلام. ووزراؤه ~~البرامكة كانوا كزياد بن أبيه والحجاج في الدولة الأموية، إلا أن زيادا والحجاج ~~نزعتهما عربية والبرامكة كانت نزعتهم فارسية؛ فهم من أصل فارسي وثني يعبد النار، ~~فقد استعمل فيهم أيضا عاطفته، فمكن لهم في الأرض حتى كانت لهم كل السلطة، ثم ~~غضب عليهم فقتل منهم جعفرا وبعض أشياعه، فصلبه بعد أن حز رأسه. ثم كان خلفه ~~المأمون، وقد كان له عقل واسع حمله أن يخدم الثقافة من طريقة اهتمامه الشخصي بالعلوم ~~اليونانية خلال العشرين سنة التي حكمها، فكان يشتري الكتب اليونانية حيثما اتفق، ويشجع ~~على ترجمتها ثم التأليف منها، وحاول أن يجمع في مكتبته التي في بلاطه والتي ببيت الحكمة ~~كنوز العلوم اليونانية والفارسية والهندية، وعني بالعلوم الرياضية، ومنها علم الفلك، ~~فترجمت له مصنفات أقليدس، ونقلت كتب بطليموس في الفلك وتصويره للأرض، وقد ~~أمر المأمون بمراجعة جداول بطليموس هذا وأصلح منها، وكان ذا شغف بالمناظرات الكلامية - ~~كما حكت لنا كتب الجدل - فهو يقرب المتكلمين إليه، ويدخل في الجدل معهم كما كان أبوه ~~الرشيد يقرب الشعراء، وأيد المعتزلة ونصرهم على أهل السنة. ولما أمعن الفقهاء ~~في شكل العبادات دون روحها، واخترعوا العلل في الهروب منها أمعن الصوفية في تقديم ~~الجانب الروحي للعبادات، وفشا التصوف، حتى ظهر الحلاج يدعو إلى وحدة الوجود، فأفتى ~~العلماء بقتله فقتل، ms053 ولكن قتله كان إحياء؛ فانتشرت الفكرة، وكثر التصوف وفر ~~أتباعه إلى خراسان حيث ظهر فيما بعد الشعر الصوفي الفارسي والتركي. وكان على رأس هؤلاء ~~جلال الدين الرومي، الذي وضع كتاب المثنوي، على نظرية الحلاج في وحدة الوجود، وكان ذا ~~أثر كبير عند الفرس والأتراك حتى عدوه القرآن الثاني، وكان أساسا لطريقة المولوية ~~التي كثر أتباعها بين الفرس والأتراك. # وسار العباسيون سيرة الأمويين؛ من عصبية لبيت العباس ضد البيت الأموي، ومن فتك ~~بالأمويين، وقتل كل من ظهر من الطالبيين، ولئن كان المثل الأعلى للخلفاء الأمويين هم ~~الغساسنة، والمناذرة، ورؤساء القبائل في الجاهلية والإسلام؛ فقد كان المثل الأعلى ~~للعباسيين هم الأكاسرة؛ ولذلك نقلوا العاصمة من دمشق إلى بغداد التي أسسوها في العراق، ~~وكان البرامكة لهم كوزراء الفرس؛ إذ كانوا من أصل فارسي كهنوتي في نوبهار إحدى ~~الصوامع البوذية في بلخ، وقد زعم بعضهم فيما بعد أن هذه الأسرة كانت من كهنة الفرس ~~عبدة النار. # وكان اتساع المملكة الإسلامية في العهد العباسي سببا في تمزيقها إربا؛ فخرج كثير ~~من الولايات عنها، ولم تعد الوحدة الإسلامية كما كانت، فتوالت الانتقاضات على عمل ~~الخليفة، فانفصلت تونس والأندلس وابن طولون في مصر ... إلخ. # وتبع نشوء الولايات انحلال الخلافة على يد الأتراك، واستمرت عوامل الانحلال على توالى ~~الأيام. وكان الإسلام في الأندلس وشمالي إفريقية كالإسلام في الشرق؛ عصبية لا تزال تثير ~~القبائل إلى الحروب، غير أن عدو الشرقيين من الفرس والأتراك، وعدو الإسبانيين ~~المسلمين من النصارى والمولدين، كانوا يثيرون الاضطرابات والفتن من حين إلى آخر، ~~ولذلك ما لبثت الأمة الإسلامية أن ضعفت بعد القوة، فالموحدون الذين ضموا في ~~ملكهم الأندلس وإفريقية كلها إلى تخوم مصر، وكانت مملكة واسعة لم تجتمع لأي من الدول ~~الإسلامية من قبل ما لبثت أن أصابها الانحلال بسبب العوامل التي ذكرناها، وانتهى الأمر ~~بطردهم على يد الإسبان من الأندلس. # وأحاط العباسيون الخلافة بنوع من التقديس الديني على النمط الفارسي، وشجعوا من ~~الشعراء من أشاد بذكرهم، وأعلن أحقيتهم بالخلافة، وبذلوا العطاء لهم دون غيرهم. ms054 ويقول ~~بعض المستشرقين: إن مبدأ انهيار المملكة الإسلامية كان على عهد الرشيد، والسبب في ذلك - ~~على ما يظهر - أن الدولة الأموية قامت على العصبية العربية، فلما جاءت الدولة العباسية ~~أذلت العصبية العربية، وأعلت شأن العصبية الفارسية، وخاصة لما أعطيت السلطة ~~للبرامكة في عهد الرشيد. فلما جاء المعتصم أضعف العصبية العربية والفارسية معا بجلبه ~~الأتراك والتعصب لهم، ورأى الأتراك أن سلطان الخلفاء يحارب العصبيات فخافوا على أنفسهم ~~وأذلوهم، فمنهم من قتلوه ومنهم من سملوا عينيه حتى ضعفت الخلافة وزالت من الوجود. ~~وإنما تحمل الرشيد هذه المسئولية؛ لأنه على يديه ويد ابنه المأمون كانت تقوية الفرس ~~على العرب. # وكان أثر كثرة الفتوح وامتزاج العرب بالفرس وغيرهم من أهل الديانات الأخرى أن ~~وجدت طائفة لا تفقه حقيقة الإسلام، وتريد أن ترجع دينها السابق فسمي هؤلاء ~~الأخيرون «زنادقة». واجتهدت الدولة حفظا على عقيدة الإسلام أن تقتل وتسرف في القتل، ~~وظهر ذلك أثناء القرن الأول الإسلامي، ثم بلغ ذروته في القرن الثاني؛ حيث كان مبدأ ظهور ~~الدولة العباسية، وكان بطل هذا الميدان الخليفة المهدي ثالث الخلفاء العباسيين، وانتهز ~~هذه الفرصة لمحاربة التعصب الفارسي والشعوبية. وبلغ منه أن قتل في وقعة واحدة مئات، ~~وأحرق كتبهم، وكانت تدعو إلى مذهب ماني الذي يسمى أتباعه بالمانوية، وكان أكثر الزنادقة ~~من أصل فارسي يتعصب للفرس، وقد سمى أبو جعفر المنصور ابنه محمدا بالمهدي؛ لإيهام الناس ~~أنه المهدي المنتظر الذي يزعمه الشيعة، فتشدد المهدي في تقصي الزندقة والعقوبة عليها؛ ~~زعما بأنه يرجع إلى عقيدة الإسلام الأولى وسيرة السلف، وقتل من أجل ذلك كثيرين، ~~منهم: بشار بن برد، وصالح بن عبد القدوس، وغيرهما، وتسلح المهدي بهذا السلاح ليقتص ~~من أعداء العباسيين، والموالين للأمويين بحجة الزندقة؛ كسبا للرأي العام فكان في ذلك ~~إضعاف للإسلام، كما اتهم أكبر الناس عقلا، وأكثرهم حرية، وأصحهم تفكيرا بمثل ذلك، ~~كعبد الله بن المقفع وأضرابه، وصارت الدولة تحارب كل من اتسم بحرية في الفكر، وذكاء في ~~العقل، وطلب إصلاح للخليفة أو الدولة مما أضر الإسلام ضررا بليغا. ms055 # وأسرفوا في الترف والنعيم، وشرب الخمر، والنساء؛ تبعا للحالة الاجتماعية في زمنهم، ~~وكان يمثل هذه الحالة تمثيلا صادقا بشار بن برد، ولذلك عد مجددا، وقرن بالمهلهل ~~وامرئ القيس والنابغة الذبياني والأعشى وعمر بن أبي ربيعة. فأما المهلهل؛ فهو أول من ~~هلهل الشعر أي رققه وحسنه، وأما امرؤ القيس فقد ابتكر التشبيهات البديعة، ووصف ~~مجالسه مع النساء، وأما النابغة فقد ذكر أنه مخترع الاعتذارات، ووصف مجالس الملوك، ~~وأما عمر بن أبي ربيعة فقد ابتكر وصف أحوال النساء في مجالسهن، وأما بشار فقد جدد ~~الشعر مراعاة لزمنه مع جزالة ألفاظه ومتانة لغته، وذكره مفاخر القبائل وأيامها ~~وانتصارتها، وهو مجدد أيضا لأنه ملأ شعره بالمعاني الجديدة، والعادات الحضرية من نسيب ~~رقيق، وخمريات، وزهريات، وهجاء مقذع مع بعض العناية بالمحسنات اللفظية والمعاني ~~العلمية. وقد سن ذلك كله للمولدين فقلدوه، ولكنهم لم يبلغوا شأوه، بل كل منهم ~~اقتصر على ناحية واحدة من نواحيه؛ فسلم الخاسر وأبو نواس في جزالته، ومسلم بن الوليد في ~~نسائياته، وأبو تمام في معانيه. # ثم أتى أبو نواس فتوسع في باب النساء والخمر بما لم يسبق إليه، وابتكر فن الغزل ~~بالمذكر، فكان هذا كله خروجا على نمط الإسلام وتعاليمه في العفة وضبط النفس. وجرى ~~الشعراء على أثره فقلدوه في غزله بالمذكر، حتى الفقهاء والصالحون، وقلده الصوفية حتى ~~في خمرياته، وهذه نزعة جديدة لا يقرها الإسلام. # وقسم العباسيون بسياستهم الناس إلى أغنياء مترفين، وفقراء مدقعين، ولاهين لهوا ~~تاما، وجادين جدا تاما ليحصلوا على قوتهم، فنرى نظام الطبقات واضحا كل الوضوح، ~~فجنة ونار، ونعيم مفرط وبؤس مفرط، وإمعان في الترف للخلفاء والأمراء، ومن يلوذ بهم من ~~الأدباء والعلماء، وبعض التجار، وإمعان في البؤس والفقر والشقاء لأكثر الناس. وحتى أغنى ~~الأغنياء في كثير من الأحيان لم يكن محصنا بالأمان، بل هو عرضة لغضب الخلفاء والأمراء، ~~فهم يصادرون في أموالهم، فقصور الخلفاء والأمراء وأمثالهم واسعة كل السعة، مترفة كل ~~الترف، فابن المعتز يصف في ديوانه بنية للخليفة المعتضد اسمها «الثريا» ~~فيقول: # حللت الثريا خير دار ms056 ومنزل # فلا زال معمورا وبورك من قصر # فليس له فيما بنى الناس مشبه # ولا ما بناه الجن في سالف الدهر # إلى أن يقول: # جنان وأشجار تلاقت غصونها # فأورقن بالأثمار والورق الخضر # ترى الطير في أغصانهن هواتفا # تنقل من وكر لهن إلى وكر # إلى أن يقول: # وبنيان قصر قد علت شرفاته # كصف نساء قد تربعن في الأزر # وأنهار ماء كالسلاسل فجرت # لترضع أولاد الرياحين والزهر # وميدان وحش تركض الخيل وسطه # فيؤخذ منها ما يشاء على قدر # عطايا إله منعم كان عالما # بأنك أوفى الناس فيهن بالشكر # وقد وصف الخطيب البغدادي قصر المقتدر بالله الذي تولى من سنة 295-320ه بمناسبة زيارة ~~رسول الروم له قال: «إنه كان للمقتدر أحد عشر ألف خادم خصي من صقلبي ورومي وأسود، ~~وهذا جنس واحد ممن تضمه الدار، فدع الغلمان الحجرية والحواشي من الفحول، وقد أمر ~~المقتدر أن يطاف بالرسول في الدار، وفتحت الخزائن والآلات فيها مرتبة كما يفعل ~~بخزائن العروس، وقد علقت الستور ونظمت جواهر الخلافة في قلايات على درج وشيت ~~بالديباج الأسود. ولما دخل الرسول إلى دار الشجرة ورآها كثر تعجبه منها، وكانت ~~شجرة من الفضة وزنها خمسمائة ألف درهم عليها أطيار مصنوعة من الفضة تصفر بحركات قد جعلت ~~لها، فكان تعجب الرسول من ذلك أكثر من تعجبه من جميع ما شاهده، وكان عدد ما علق ~~في القصور من الستور الديباج المذهبة بالطرز الذهبية الجليلة المصورة بالجامات والفيلة ~~والخيل والجمال والسباع والطرد والستور الكبيرة البضغائية والأرمينية والواسطية ~~والبهنسية السواذج المنقوشة والديبقية المطرزة 38 ألف ستر ... وأدخل رسل صاحب الروم ~~إلى الدار المعروفة بخان الخيل، وهي دار أكثرها أروقة بأساطين رخام، وكان فيها من ~~الجانب الأيمن خمسمائة فرس، عليها خمسمائة مركب ذهبا وفضة بغير أغشية، ومن الجانب ~~الأيسر خمسمائة فرس عليها الجلال والديباج بالبراقع الطوال، وكل فرس في يد شاكري بالبزة ~~الجميلة، ثم أدخلوا دار الوحش، وكان فيها من أصناف الوحش التي أخرجت إليهم قطعان ~~تقرب الناس وتشممهم، وتأكل من أيديهم، ثم أخرجوا إلى دار فيها ms057 أربعة فيلة مزينة ~~بالديباج والوشي على كل فيل ثمانية نفر من السند والزراقين بالنار، فهال الرسل أمرها، ~~ثم أخرجوا إلى دار فيها مائة سبع: خمسون يمنة، وخمسون يسرة، ثم أخرجوا إلى ~~الجوسق المحدث، وهي دار بين بساتين في وسطها بركة رصاص قلعي، حواليها نهر رصاص ~~قلعي أحسن من الفضة المجلوة، طول البركة ثلاثون ذراعا في عشرين ذراعا، فيها ~~أربع طيارات لطاف بمجالس مذهبة، وحوالي هذه البركة بستان بميادين فيها نخل وعددها 400 ~~نخلة، وطول كل واحدة خمسة أذرع، وقد لبس جميعها ساجا منقوشا من أصلها إلى حد ~~الجمارة بحلق من شبه مذهبة ... وفي جانب الدار يمنة البركة تماثيل خمسة عشر ~~فارسا على خمسة عشر فرسا، قد ألبسوا الديباج وغيره، وفي أيديهم مطارد على رماح ~~يدورون على خط واحد جنبا وتقريبا، فيظن أن كل واحد منهم إلى صاحبه قاصد. وفي ~~الجانب الأيسر مثل ذلك. ثم أخرجوا بعد أن طيف بهم ثلاثة وعشرين قصرا إلى الصحن ~~التسعيني وفيه الغلمان الحجرية بالسلاح الكامل، ثم وصلوا بعد ذلك إلى حضرة المقتدر ~~بالله ... إلخ.» # وقد أنشأ عضد الدولة البويهي بستانا بلغت النفقة عليه وعلى سوق الماء خمسة آلاف ألف ~~درهم، وكان راتب أبي طاهر وزير عز الدولة من الثلج في كل يوم ألف رطل، وكان الوزير ~~المهلبي يبتاع له في ثلاثة أيام ورد بألف دينار يفرش به مجالسه. وانتشرت مجالس الشراب، ~~ووضعت بها القواعد والقوانين والآداب كالذي حكاه كشاجم في كتابه «أدب النديم». # وقد مات في سنة 301 أبو الحسين علي بن أحمد الراسي عن: # 445547 # دينارا ذهبا عينا # 323237 # درهما عينا # 43970 # مثقال وزن الأواني الذهبية # 1975 # رطل وزن الأواني الفضية # 4420 # مثقالا من العود المطرى # 5020 # مثقالا من العنبر # 860 # نافجة من نوافج المسك # 1600 # مثقال من المسك المنثور # 1399 # مثقالا من البرمكية # 366 # مثقالا من الغالية # 88 # ثوبا من الثياب المنسوجة من الذهب # 13 # سرجا # 2 # حجرين عظيمين من الياقوت # 70 # حبة من اللؤلؤ # 135 # رأسا من الخيل # 114 # من خدم السودان ms058 # 128 # من الغلمان البيض # 19 # خادما من الصقالبة والروم # 40 # غلاما بآلاتهم وسلاحهم ودوابهم # 20000 # دينار قيمة قماش من الكساء # 128 # من المهارى والبغال # 125 # خيمة من الخيام الكبار # 14 # هودجا # 14 # صندوقا من الغضائر الصيني والزجاج المحكم الفاخر # وخلف عضد الدولة البويهي 2875284 دينارا. ومن الورق والنقد والفضة 100860790 ~~درهما. # ومن الجواهر واليواقيت واللؤلؤ والماس والبلور والسلاح والمتاع شيئا كثيرا. وهكذا ~~كان الحال في مصر والأندلس والقيروان يقلد أمراؤها أمراء بغداد. # وبجانب ذلك فقر العلماء؛ فعبد الوهاب البغدادي المالكي أفقه العلماء في زمنه، ~~وصاحب المصنفات في الفقه كان فقيرا مدقعا. فلما وصل إلى مصر مات لأول ما وصلها ~~من أكلة اشتهاها فأكلها، فزعموا أنه قال وهو يتقلب: «لا إله إلا الله، إذا عشنا ~~متنا!» وهذا أبو حيان التوحيدي حاله ما حاله، وهذا أبو سليمان المنطقي لا يجد أجرة ~~مسكنه! إلى كثير من أمثال ذلك. # ولو نحن نظرنا إلى ذلك مقارنين حالهم بحال النبي # صلى الله عليه وسلم # والخلفاء الراشدين من بعده ~~لنالنا العجب كل العجب مما وصل إليه بعض المسلمين من الترف. # ولم يكن من مميزات الدولة العباسية اتساع رقعة المملكة الإسلامية، ولكن كان من طابعها ~~الخاص تقديس الخليفة العباسي تقديسا لم يعرف في عهد الخلفاء الراشدين، ولا الدولة ~~الأموية، واعتصام الخليفة العباسي بالبردة النبوية، ومن مميزاتها أيضا ظهور التصوف ~~والمتصوفة كفرقة دينية. نعم كان الزهد معروفا في أهل الصفة في عصر النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وفي بعض المسلمين في العصر الأموي كالحسن البصري، وكان التصوف ليس مستندا ~~إلا إلى الإسلام فلما جاءت الدولة العباسية ظهر التصوف في شكل آخر، وظهرت فرق التصوف، ~~بعضها نازع نزعة الفلسفة اليونانية، وبعضها آخذ عن النصرانية، وبعضها آخذ عن ~~الهندية. # كان الزهد قبل ذلك مأخوذا عن الإسلام، ليس له عنصر آخر غير القرآن والحديث، فأخذوا ~~الطريقة والمريد كما كان عند النصارى الكاهن والمهتدي، وأخذوا منهم نظام الرهبنة مع ~~أن القرآن يقول: # ورهبانية ابتدعوها ~~، وفي ~~الحديث: «لا رهبانية في الإسلام»، وأخذوا من النصارى ms059 أيضا حلقات الذكر ونظامها، وكان ~~اسم المتصوف أولا يطلق على الزهاد المتقشفين أمثال أحمد بن حنبل ثم أطلق على ~~هؤلاء المبتدعين المقلدين للأمم الأخرى، فأطلق على إبراهيم بن أدهم، وألصقت ~~بحياته قصص تشبه قصص بوذا، من هجر الملك، ولبسه جبة الراعي ، وأصبح يمكن تقسيم ~~التصوف وإرجاعه إلى عناصر مختلفة، بعضها نصراني، وبعضها يوناني، وبعضها هندي، ولكل فرقة ~~رئيس، كما ظهرت فرقة المعتزلة وعلى رأسها واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وقد كان من عملها ~~فلسفة الدعوة الإسلامية؛ ذلك أن الدعوة الإسلامية التي أتى بها محمد # صلى الله عليه وسلم # دعوة ~~بسيطة ساذجة، لا فلسفة فيها، تناسب حالة العرب وقت الدعوة، فجاء المعتزلة ورأوا ~~الأديان الأخرى من يهودية ونصرانية وبوذية وزرادشتية قد فلسفت أديانها، وتسلحت في ~~براهينها بالأسلحة الفلسفية، فكان لا بد للمعتزلة أن يقابلوهم بالمثل؛ فيحاجوهم ~~بالفلسفة، ثم عرضوا مبادئ الإسلام على الفلسفة كوحدة ذات الله وصفاته، ومثل وجوب العدل ~~على الله، ووجوب مكافأة المثيب بالثواب، والمجرم بالعقاب؛ اعتمادا على قوله - تعالى: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ~~، ثم ~~تمسكهم بالقول بخلق القرآن ونحو ذلك. # وقد كانت عقائدهم حرة، ولكن من الأسف أن اعتقنها بعض الخلفاء كالمأمون والواثق ~~والمعتصم، فحملوا الناس كرها عليها، واستمعوا للدسائس تقال أو تحاك حول مشاهير ~~العلماء، وامتحن الناس بخلق القرآن، والسلطة إذا تدخلت في شيء أفسدته، فكره الرأي ~~العام ذلك، وعدوا بطلا كل من وقف في وجه الحكام ثم عذب أو أهين، وأخيرا جنت ~~عليهم هذه القسوة؛ فاكتسح الرأي العام هذه العقيدة مع الأسف، وتملق المتوكل الرأي ~~العام، فقضى على الاعتزال ونصر المحدثين، وهكذا من ضروب الفرق التي شتتت الإسلام ~~وأهله، وأبعدته عن البساطة الأولى، وفرق كبير بين حجج القرآن وحجج اليونان؛ فحجج ~~القرآن مبنية على المشاهدة وإشعار القلب بقدرة الخالق من مثل قوله - تعالى: # أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * ~~وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف ~~نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت ~~، وحجج ~~اليونان مبنية على المنطق من ms060 مثل: هذا العالم حادث. وكل حادث لا بد له من محدث. # ونحو ذلك من ضروب الأقيسة المنطقية، وفعل الشعور في الإنسان أقوى من فعل العقل الذي ~~يعتمد عليه مذهب المعتزلة. وكما حورب المعتزلة بواسطة الخلفاء كالمتوكل حوربوا ~~أيضا من العلماء أمثال الأشعري، الذي تعلم على الجبائي المعتزلي، ثم رد على ~~المعتزلة وشنع عليهم حتى دحرهم. ومع الأسف كانوا يمتازون إذا قورنوا بمنهج أهل ~~الحديث بحرية العقل والتفكير، وعرض الإسلام على محك المنطق، ومن غير شك كان يكون ~~أمر المسلمين أحسن حالا وأكثر حرية لو انتصروا على المحدثين؛ فإن انتصار المحدثين كان ~~معناه - مع الأسف - الركود والاعتماد على النقل أكثر من الاعتماد على العقل، وعلى أقوال ~~المؤلفين أكثر من المبتكرين، ولهذا قل أن تجد في المؤلفين مبتكرا، فإن عددت ~~رجلا كابن خلدون أو جمال الدين الأفغاني عددت ندرة تقاوم وتحارب لا تؤيد ~~وتعضد. # وطريقة الإسلام الاعتماد على ال # Induction ~~، أعني ~~الاستقراء فهو يتتبع المسائل الجزئية ما أمكن، ثم يستنتج منها القاعدة الكلية، كما ~~فعلوا في النحو والصرف؛ فكانوا يتبعون الجزيئات المعروفة؛ ليستنتجوا منها قاعدة «الفاعل ~~مرفوع»، أما الفلسفة اليونانية أو فلسفة أرسطو فعمادها على ال # Deduction ~~؛ أي الاستنتاج، فهم يضعون القاعدة الكلية ~~ثم يستنتجون منها النتائج الجزئية كقولهم: إن الأجسام تتمدد بالحرارة، فالحديد جسم؛ إذن ~~فالحديد يتمدد بالحرارة ... وهكذا، وقد أدتهم طريقة الاستقراء هذه إلى الإمعان في الشك ~~والتجربة، فنرى كثيرا مما كتبه الجاحظ في كتاب «الحيوان» يبتدئ بالشك ثم يعرض على محك ~~التجربة، ولا بأس عنده أن يخطئ أرسطو فيما قاله، ويفضل عليه أعرابيا بدويا فيما ~~قاله. وسار النظام على هذا حتى في الأحاديث النبوية فكان يشك فيها أولا، ثم يعرضها على ~~مقتضى العقل ليعرف أصحيحة هي أم غير صحيحة؟ فكان الغزالي والجاحظ أسبق إلى الشك من ~~ديكارت، وكان مسكويه أسبق من داروين في تقريره مذهب النشوء والارتقاء في كتاب «تهذيب ~~الأخلاق»، وكان الطوسي أسبق من أينشتين في فهم الزمنية، غاية الأمر أن مواد العلم ~~الأولية كانت لهؤلاء المتأخرين أوفر، ms061 والزمن لهم أعون، والحقائق عندهم أكثر اتضاحا، ~~والتعبير أبين، ويسودهم مذهب التحليل أكثر من مذهب التركيب، فما يقوله علماء العرب ~~في جملة يقوله المتأخرون من الأوروبيين في كتاب وهكذا. وقد نسبوا إلى روجر بيكون أنه ~~أول من قال بالاستقراء في النهضة الأوروبية الحديثة ، مع أنه خريج الجامعات العربية في ~~إسبانيا. وعيب العرب أنهم لم يجدوا من يمجدهم، ومزية الأوروبيين أنهم يمجدون دائما ~~من يعلي شأنهم، وهكذا الشأن في ابن خلدون؛ فإنه سبق ديكارت في تأسيسه علم الاجتماع، ~~والفرق بين كتب الاثنين أنه أيضا بنى كتابه على مذهب الاستقراء الذي سار عليه العرب ~~أكثر مما سار على مذهب الاستنتاج الذي سار عليه الأوروبيون. ~~••• # والمنقصة الثانية للعرب منقصة العصبية القبلية، فقد حارب الإسلام هذه العصبية، ودعا ~~إلى الوحدة، وقال: ليس منا من دعا إلى عصبية أو قاتل عصبية، ومع ذلك ما لبث العرب أن ~~عادوا إلى عصبيتهم كما كانوا في الجاهلية. والتاريخ الإسلامي مملوء بحوادث العصبية في ~~الشرق والأندلس وحيث كان العرب. # قال ابن خلدون في أول الجزء الثالث مصدرا الكلام على الدولة الأموية: «كان لبني ~~عبد مناف في قريش جمل من العدد والشرف لا يناهضهم فيه أحد من سائر بطون قريش، وكان ~~فخذاهم - بنو أمية وبنو هاشم - حيا جميعا ينتمون لعبد مناف وينسبون إليه، وقريش تعرف ~~ذلك وتسأل لهم الرياسة عليهم، إلا أن بني أمية كانوا أكثر عددا من بني هاشم وأوفر ~~رجالا، والعزة إنما هي بالكثرة، وكان لهم قبيل الإسلام شرف معروف. ولما جاء الإسلام ~~ودهش الناس بما وقع من أمر النبوة والوحي وتنزل الملائكة وما وقع من خوارق الأمور؛ ~~نسي الناس أمر العصبية مسلمهم وكافرهم؛ أما المسلمون؛ فنهاهم الإسلام عن أمور الجاهلية ~~كما في الحديث: «إن الله أذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرها؛ لأننا وأنتم بنو آدم، ~~وآدم من تراب.» وأما المشركون فشغلهم ذلك الأمر العظيم عن شأن العصائب، ولذلك لما افترق ~~أمر بني أمية وبني هاشم بالإسلام إنما كان ذلك الافتراق بحصار بني هاشم في الشعب لا ~~غير، حتى ms062 كانت الهجرة، وشرع الجهاد، ولم يبق إلا العصبية الطبيعية التي لا تفارق ~~وهي نعرة الرجل على أخيه وجاره في القتل والعدوان عليه، فهذه لا يذهبها شيء ولا هي ~~محظورة، بل هي مطلوبة ونافعة في الجهاد. ثم إن شرف بني عبد مناف لم يزل في بني عبد شمس ~~وبني هاشم، فلما هلك أبو طالب وهاجر بنوه مع رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وحمزة كذلك، ثم من ~~بعده العباس، والكثير من بني عبد المطلب، وسائر بني هاشم خلا الجو حينئذ من مكان بني ~~هاشم بمكة، واستغلظت رياسة بني أمية في قريش، ثم استحكمتها مشيخة قريش من سائر البطون ~~في بدر، وهلك فيها عظماء بني عبد شمس: عتبة، وربيعة، والوليد، وعقبة بن أبي معيط، ~~وغيرهم. # فاستقل أبو سفيان بشرف بني أمية والتقدم في قريش، وكان رئيسهم في أحد وقائدهم في ~~الأحزاب وما بعدها. وقد من رسول الله # صلى الله عليه وسلم # على قريش بعد أن ملكهم. وشكت مشيخة ~~أمية بعد ذلك لأبي بكر ما وجدوه في أنفسهم من التخلف عن رتب المهاجرين الأولين، وما ~~بلغهم من كلام عمر في تركهم شوراهم. فاعتذر لهم أبو بكر، وقال: أدركوا إخوانكم بالجهاد، ~~وأنفذهم لحروب الردة فأحسنوا الغناء عن الإسلام. ثم جاء عمر فرمى بهم الروم، ~~وأرغب قريشا في النفير إلى الشام، فكان معظمهم هنالك، واستعمل يزيد بن أبي سفيان على ~~الشام، وطال أمد ولايته إلى أن هلك في طاعون عمواس، فولى مكانه أخاه معاوية، وأقره ~~عثمان من بعد عمر، فاتصلت رياستهم على قريش في الإسلام برياستهم قبل الفتح، وما زال ~~الناس يعرفون ذلك لبني أمية. ولما هلك عثمان واختلف الناس على علي كانت عساكر علي ~~أكثر عددا لمكان الخلافة والفضل، إلا أنها من سائر القبائل من ربيعة ويمن وغيرهم، ~~وجموع معاوية هي جند الشام من قريش شوكة مضر وبأسهم نزلوا بثغور الشام منذ الفتح، ~~فكانت عصبيته أشد وأمضى شوكة، ثم كسر من جناح علي ما كان من أمر الخوارج وشغله بهم إلى ~~أن ملك معاوية، ms063 وخلع الحسن نفسه، واتفقت الجماعة على بيعة معاوية عندما نسي الناس ~~شأن النبوة والخوارق، ورجعوا إلى أمر العصبية والتغالب، وتعين بنو أمية للغلب على مضر ~~وسائر العرب، ومعاوية يومئذ كبيرهم فاستوت قدمه، واستفحل شأنه، واستحكمت في أرض مصر ~~رياسته، وتوثق عقده، وأقام في سلطانه عشرين سنة ينفق من بضاعة السياسة التي لم يكن أحد ~~من قومه أوفر فيها منه يدا من أهل الترشيح من ولد فاطمة وبني هاشم وآل الزبير ~~وأمثالهم، ويصانع رءوس العرب وقروم مضر بالإغضاء والاحتمال والصبر على الأذى والمكروه، ~~وكانت غايته في الحلم لا تدرك، وعصابته فيها لا تنزع، ومرقاته فيها تزل عنها ~~الأقدام.» # وقد ألف المقريزي كتابا لطيف الحجم سماه: «النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني ~~هاشم»، وقد ذكر فيه ما يدل على أن النزاع بينهم قديم، فمثلا كانت المنافرة بين هاشم بن ~~عبد مناف بن قصي وبين ابن أخيه أمية بن عبد شمس، وسببها أن هاشما كانت إليه الرفادة مع ~~السقاية؛ لأن أخاه عبد شمس كان يسافر، وكان أمية يقيم بمكة، وكان أمية رجلا مقلا، ~~ولعبد شمس ولد كثير فاصطلحت قريش على أن يولى هاشم السقاية والرفادة، وكان هاشم ~~رجلا موسرا، وكان إذا حضر موسم الحج اعتبر الحجاج ضيوفه فأكرمهم وأطعمهم وسقاهم. وكان ~~أمية قد صنع في الجاهلية شيئا لم يصنعه أحد من العرب: زوج ابنه أبا عمرو بن أمية ~~امرأته في حياته وأبو معيط بن أبي عمرو بن أمية زاد في هذا المقت. ونافر حرب بن أمية ~~عبد المطلب بن هاشم من أجل يهودي كان في جوار عبد المطلب، فما زال أمية يغري به حتى قتل ~~وأخذ ماله في خبر طويل، وتمادت العداوة بين البيتين إلى أن بعث رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فقام ~~بمكة يدعو قريشا إلى توحيد الله - تعالى - وترك ما كانت تعبد من دون الله. فعاداه جمع ~~كبير من أمية، ثم كان الحكم بن أبي العاص بن أمية، وكان عارا على الإسلام. # وكان رسول الله # صلى الله عليه وسلم ms064 # بمكة يشتمه ويسمعه ما يكره، ثم أسلم يوم الفتح فلم يحسن ~~إسلامه، وكان مغموطا عليه في دينه. وما زال منفيا في زمن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وخلافة ~~أبي بكر وعمر، ثم أعاده عثمان، وكان ذلك مما أنكر الناس عليه، وكان أعظم الناس ~~شؤما على عثمان. وقد مات في خلافة عثمان، وضرب على قبره فسطاط، وقالت له عائشة ~~يوما: «أشهد أن رسول الله لعن أباك وأنت في صلبه.» وكان يقال له «طريد رسول الله»، ~~وهو والد مروان بن الحكم الذي صارت الخلافة إليه بالغلبة. ومن ولد مروان هذا عبد الملك ~~بن مروان، الذي يقول: «لست بالخليفة المداهن ولا بالخليفة المأفون.» يعني بالخليفة ~~المداهن معاوية، وبالخليفة المأفون يزيد بن معاوية. # ومنهم أبو سفيان: صخر بن حرب بن أمية، الذي قاد الأحزاب، وقاتل رسول الله يوم أحد، ~~وقتل كثيرا من خيار أصحابه؛ منهم حمزة بن عبد المطلب بن هاشم، وقاتل رسول الله يوم ~~الخندق. فلما تمكنوا من الخلافة حكموا الناس بهذه العصبية، ونكلوا بالهاشميين بما ~~كان بينهم منذ الجاهلية من عداوة. وظل الحال على هذا المنوال حتى زالت دولتهم، وكل هذا ~~يفسر ما كان من خلاف بين علي ومعاوية، وقتل يزيد للحسين، وتوالي القتل على ذرية علي. ~~ا.ه. # ثم انقسم المسلمون إلى فرق مختلفة تبلغ نحو السبعين؛ فرقة تتشيع لعلي وفرقة تتشيع ~~للعباسيين وهكذا، وانقسمت كل فرقة إلى فرق مختلفة فرعية، سميت باسم خاص كالكيسانية ~~والسبئية في التشيع، والنظامية والجاحظية في الاعتزال، وصبغوا أنفسهم بالصبغة الدينية ~~بعد أن كانوا أحزابا سياسية تتنازع على الحكم. # وقد كان أمر المسلمين واحدا في صدر الإسلام، وفي الحديث: «إن أهل الكتاب افترقوا في ~~دينهم على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة تفترق على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار ~~إلا واحدة وهي الجماعة» والمراد بعدد سبعين كثرة الخلاف كما في الآية: # إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله ~~لهم ~~، فالإسلام دين التوحيد، وما أمر المسلمون إلا ليعبدوا إلها واحدا، ~~ويكونوا أمة واحدة لا يفرقهم ms065 نسب ولا لغة ولا وطن، وقد نهوا عن التفرق كما نهوا عن ~~الكفر، ولكن ظهر الإسلام في الأميين فلم تكد الأمم والشعوب تتبين تعاليمه حتى ~~دخلوا فيه أفواجا، ثم جاء قوم مثقفون في أديانهم ودخلوا في الإسلام، وطبقوا بعض ما ~~عرفوا منه على ما كانوا يعرفون من أديانهم، وفلسفوا الدعوة؛ فكان هذا كله من أسباب تفرق ~~أهله شيعا ومذاهب ودولا، كل حزب بما لديهم فرحون، حتى عدوا على التوحيد نفسه بالتوجه ~~إلى غير الله ودعوة سواه. # وبجانب التفرق في العقائد تفرق في المذاهب، ولا يعرف الجمهور من هذه المذاهب إلا ~~أربعة. # وأما التفرق باختلاف اللغة والجنس والوطن، فله في العصر الحاضر دعاة من المتفرنجين هم ~~أشد آفة من دعاة التفرق للمذاهب؛ فمنهم من يفتخر بالفراعنة ومن يفتخر بالفينيقيين، وقد ~~كان هذا الخلاف يقبل ويحتمل لو صحبته الحرية والتسامح، ولكن مني قوم بالعصبية، ~~تعصبوا لفرقتهم ضد غيرهم، وأباحوا لأنفسهم ما لم يبيحوا لغيرهم؛ فكان الخلاف سببا ~~للنزاع والفرقة. # وكان على يد المتوكل التنكيل بالفئة الحرة التفكير المسماة بالمعتزلة، ونصرة أهل ~~الحديث وعلى رأسهم أحمد بن حنبل. # وكان طبيعيا بعد ذلك أن يسود العالم الإسلامي الجمود؛ فلا يستمعون لمصلحة ولا ~~يلبون دعوة إصلاح، ومبدؤهم القديم على قدمه، من أمثلة ذلك أن السلطان سليم ~~الثالث العثماني قد تولى منصب السلطنة، وقد اضطرب أمر الدولة العثمانية، وأشرفت على ~~السقوط لتغلغل الفساد في جسم الفرقة الإنكشارية، وانحلال قوى الدولة بانحلال قوى ~~الجندية العثمانية، وانحطاط نظامها إذا قيس بنظام الجند الأوروبي الذي ظهر يومئذ بمظهر ~~جديد مبني على الأصول العلمية والاختبارات الفنية، فخشي السلطان إن هو لم يأخذ بأصول ~~الجندية الجديدة ولم يرتب جيشه ترتيب الدول الأوروبية له؛ أن تكتسح هذه الدول مملكته ~~العظيمة؛ إذ ظهرت له بوادر الخطر يومئذ باحتلال نابليون لمصر، وتحفز الروس للوثوب على ~~القسطنطينية، ونزوع أهل المورة للثورة، فعزم عزما أكيدا على تنظيم الجندية العثمانية، ~~وقبول الإصلاحات الأوروبية في البحرية والعسكرية، وإلغاء الجندية الإنكشارية، ورأى أن ~~تعريض حياته الشخصية للخطر مع جنود ms066 الإنكشارية خير من تعريض المملكة لهجوم الدول ~~الأوروبية، ومصير الدولة العثمانية للزوال، فقاومه علماء الدين مقاومة شديدة، وفي ~~مقدمتهم عطا الله أفندي شيخ الإسلام في عصره، وحرضوا عليه العامة، وأثاروا عليه الضغائن ~~بحجة أنه يريد التشبه بالإفرنج، وما زالوا يكافحونه مع الإنكشارية ويكافحهم؛ حتى تغلبوا ~~عليه، وخلعوه ثم قتلوه. وجرت بعد ذلك أمور يطول شرحها على عهد خلفه السلطان مصطفى، ~~والذي يليه السلطان محمود. وقد تشجع السلطان محمود؛ فأهرق سيولا من الدماء في القضاء ~~على نظام الإنكشارية وأهلها شر قضاء، وكذلك ما أشيع من أن الخديوي إسماعيل في مصر ~~جمع طائفة العلماء ونصحهم بأن يختاروا من المذاهب الفقهية الأربعة ما يناسب الحالة ~~الحاضرة فأبوا إلا أن يكون الفقه فقه أبي حنيفة تقليدا للسلطنة العثمانية، فأعرض ~~عنهم، وأنشأ المحاكم الأهلية، والمحاكم المختلطة، وقصر عملهم على مسائل الأحوال ~~الشخصية، وسميت محاكمهم بالمحاكم الشرعية وهكذا. # ثم مني المسلمون بعد ذلك بالأتراك وحكمهم وسلطانهم، جلبهم المعتصم سنة 218، ~~واستقدم سنة 220 قوما من بخارى سمرقند وفرغانة وأشروسنة، وغيرها من البلاد التي نسميها ~~تركستان وما وراء النهر؛ لما عرف عنهم من الشجاعة في القتال، فأظهروا الشغب في بغداد ~~فبنى لهم «سر من رأى» ومكن لهم في الأرض، وكما كانوا قوة للدولة في أول أمرهم ~~كانوا آخر الأمر مصيبة كبرى على المسلمين، وبعد أن كان السلطان أول الأمر للعرب وحدهم ~~كما هو الشأن في عهد الأمويين. كان النزاع بين العرب والفرس في عهد العباسيين الأولين، ~~ثم كان بين الفرس والعرب والأتراك من عهد المعتصم، وهم عنصر شجاع في الحرب يصل الإسلام ~~إلى ظاهرهم وقلما يصل إلى قلوبهم، يعتزون بجنسيتهم ولا يقيمون وزنا لجنسية غيرهم؛ فلم ~~تمض اثنتا عشرة سنة حتى كان السلطان كله بيد إيتاخ التركي، فكان في يده الجيش كله من ~~مغاربة وأتراك وموال وبربر وعرب، ثم لعبوا بالخلفاء كلعبهم بالكرة، ثم كان من ~~أمرهم أن قتلوا المتوكل أول الأمر، ثم أمروا المنتصر أن يخلع أخويه المعتز والمؤيد، ~~وأمروا المستعين أن يخلع نفسه، واشتعلت الفتن، واختاروا ms067 من الخلفاء من كان ضعيف الإرادة ~~قليل الحيلة حتى ينعموا بالسلطان بجانبه، ومع ذلك قتلوا بعضهم، وسملوا أعين بعضهم، ~~وانتهكوا الحرمات، وصادروا الأموال، وكان الوالي منهم يسرف على نفسه ما يسرف ثم يبني ~~مسجدا أو سبيلا أو ضريحا أو نحو ذلك؛ ظنا منه أن هذا يغفر له كل ما تقدم. # ومني المسلمون منهم بالعسف والقسوة والجور والاستبداد، ولم يكن لهم شأن يذكر في ~~الناحية الفكرية إلا ما ندر؛ فإذا عنوا بشيء من الدين فظاهره لا باطنه، وقشوره لا ~~لبه، فإن رأيت تدهورا في العقيدة، وإيمانا بالخرافات والأوهام، وكثرة في السلب ~~والنهب، إلى جانب كثرة في الأضرحة والخانقاهات والسبل وما إلى ذلك فاعلم أنه صنيع ~~الأتراك. # وكانت الضربة القاسية للإسلام والمسلمين على يد المغول، قال الخميسي في تاريخه: # نهب التتر سواد آمد، وارزن، وميا فارقين، وقصدوا مدينة اسعرد فقاتلهم ~~أهلها، فبذل لهم التتر الأمان فوثقوا منهم واستسلموا، فلما تمكن التتر منهم ~~بذلوا فيهم السيف وقتلوهم، حتى كادوا يأتون عليهم فلم يسلم منهم إلا من اختفى، ~~وقليل ما هم ... وساروا في البلاد لا مانع لسيفهم، ولا أحد يقف بين أيديهم، ~~فوصلوا إلى ماردين، فنهبوا ما وجدوا من بلدها ... ثم وصلوا إلى نصيبين والجزيرة، ~~فأقاموا عليها بعض نهار، ونهبوا سوادها، وقتلوا من ظفروا به ... ومضى طائفة منهم ~~على طريق الموصل، فوصلوا إلى قرية تسمى المونسة فنهبوها، فلما فرغوا أخذوا ~~يلعبون على الخيل، ويضحكون ويغنون بلغتهم ... وقيل إن الرجل الواحد منهم ~~كان يدخل القرية أو العزبة أو الدرب وبه جمع كثير من الناس فلا يزال يقتلهم ~~واحدا بعد واحد، لا يتجاسر أحد أن يمد يده إلى ذلك الفارس. واستولوا على أربل، ~~ولم يقف في وجوههم فارس، وهذه مصائب وحوادث لم ير الناس من قديم الزمان ~~وحديثه ما يقاربها، انظر تاريخ الخميسي ص376. ~~«وفي سنة ست وخمسين وستمائة وصل الطاغية هولاكو بن تولي بن جنكيزخان إلى بغداد بجيوشه ~~وبالكرج وبعسكر الموصل، فانكسر المسلمون أمامه لقلتهم، ونزل قائده ياجونوس على بغداد ~~من غربيها وهولاكو من شرقيها، ms068 ثم خرج المستعصم لتلقيه في أعيان دولته وأكابر الوقت، ~~فضربت رقاب الجميع، وقتلوا الخليفة ورفسوه حتى مات، ودخلت التتار بغداد واقتسموها ~~وكل أخذ ناحية، وبقي السيف يعمل أربعة وثلاثين يوما وقل من سلم فبلغت القتلى ~~ألف ألف وثمانمائة ألف وزيادة، فعند ذلك نادوا بالأمان . وكان مجيء هولاكو فيما يقال ~~بدعوة الوزير ابن العلقمي الرافضي؛ إذ كان يعتقد أن هولاكو سيقتل المعتصم ويعود إلى حال ~~سبيله، وعندئذ يتمكن الوزير من نقل الخلافة إلى العلويين. وقد نهب المغول دار الخلافة ~~حتى لم يبق فيها لا ما قل ولا ما جل، ثم أحرقت بغداد بعد أن قتل أكثر أهلها، ~~ثم عدى هولاكو الفرات بجيوشه لمحاصرة حلب، فلما دخلوها وضع السيف يومين وأبادوا ~~الخلق، وقصد قلعة دمشق وحاصرها التتار وبالآخرة نزل أهلها وسكنها التتار، وسلموا قلعة ~~بعلبك، وأخذوا نابلس وغيرها بالسيف.» # وبعد أن كان العرب متجانسين في عاداتهم الساذجة البدوية ذابت فيهم العادات الرومية، ~~فعقدوا المجالس كما كان يعقدها القياصرة وتأنقوا في الملابس والسباق والزواج، ~~وأنشئوا الأعياد، فكانت مجالس الخلفاء فرشها الأثاث القطني في الصيف والصوفي في ~~الشتاء، على أتم أسلوب، وأفخم طريقة. ويروون عن هشام أنه خرج حاجا فجعل ثيابه على ظهر ~~ستمائة جمل، ورووا أنه لم يلبس ثوبا قط يوما وفاء إليه. ويروى عن سليمان بن عبد ~~الملك أنه قال لجارية له حجازية كيف ترين هيئتي، قالت: أنت أجمل الناس، قال: ~~أنشديني على ذلك، فقالت: # أنت خير المتاع لو كنت تبقى # غير أن لا بقاء للإنسان # أنت خلو من العيوب ومما # يكره الناس غير أنك فان # فلما جاء العباسيون نقلوا إليهم مدنية الفرس بشرابها، والتغزل بنسائها، وخمرها، ~~والغزل بالمذكر، والاحتفال بالنيروز، والاحتفال بالورود والرياحين، وإدخال الأطعمة ~~المختلفة كالفالوذج واللوزينج ونحوهما والتزيد فيما يقولون وهكذا. # ولما جاء الأتراك أدخلوا عاداتهم أيضا من فخفخة وعجرفة، وتعاظم بجنسهم واحتقار لغير ~~جنسهم، واهتمام بظواهر الإسلام لا بباطنه، وخشونة في المعاملة إلى غير ذلك، وهكذا أصبحت ~~الأمة الإسلامية مسرحا لكل هذه الأخلاق والعادات بعد أن كانوا عربا ms069 سذجا ~~فطريين. # وقد كان الصحابة والتابعون الأولون لا يعرفون فرقا كبيرا بين الظاهر والباطن، بل ~~يمزجون الظاهر بالباطن؛ فيقيمون الشعائر، ويقدرون النية، وفي الحديث: «إنما الأعمال ~~بالنيات» ولكن تغالى الفقهاء في أعمال الظاهر حتى اخترعوا الحيل للتخلص من أحكامها، ~~ونسي بعضهم الباطن نسيانا تاما ، فظهرت المتصوفة تغلو في الباطن كما غلا الفقهاء في ~~الظاهر، وساعد على وجود المتصوفة ظلم الحكام، ولجوء المتصوفة إلى الهرب من ظلمهم ~~والاعتماد على الآخرة؛ إذ لم تحسن الدنيا، واستغل الشيعة أمر الظاهر والباطن؛ ~~فادعوا أن القرآن له ظاهر وباطن، وأن الباطن إنما يصل إليه من الطريق اللدني ~~الأئمة المعصمون والعلماء الراسخون، وإنما العامة تفهم القشور فقط والظواهر فقط؛ ولذلك ~~سموا بالباطنية، والحق أن هذه النزعة الصوفية ظهرت في آخر أيام الدولة الأموية على ~~يد الحسن البصري في البصرة، ثم ظهرت في العهد العباسي على يد جابر بن حيان الكيميائي ~~الشيعي، وأبي العتاهية في الكوفة، ثم انضمت هذه الجماعات حلقات في بغداد، فهم يلقون ~~دروسهم في مساجدها وفي الأوساط الخاصة المختلفة، واستعاروا من رهبان النصارى أرديتهم ~~الصوفية البيضاء، ومن أجل ذلك سموا بالصوفية، وكان على رأس هؤلاء المحاسبي الذي ولد ~~في البصرة ثم نزل بغداد، وما زال الفقه يغلو في الظاهر ولا يتعرض للباطن حتى أصبح ~~قشورا، كما كان التصوف يغلو في الباطن وكان مرتعا خصبا للخرافات والأوهام والتحرر من ~~الشعائر وارتكاب الموبقات، واخترعوا بجانب التصوف الموسيقى، والذكر، والشطح، والرقص، ~~وغير ذلك. وكان لهم أثر كبير في النظام الاجتماعي المتهافت، وكان من نتائج هذا الصراع ~~الشديد بين الفقهاء والمتصوفة، وتقرب الفقهاء من السلاطين لخدمتهم وتوغير صدورهم على ~~الصوفية؛ أن آل الأمر إلى سجن بعضهم كما فعل بمحي الدين بن العربي، وقتل بعضهم كما ~~فعل بالحلاج والسهروردي. # وإذا قلنا إن الوحدانية الخالصة عقيدة صعبة، والتمسك بها عسير؛ فقد بدأ المسلمون ~~ينسونها، فبدءوا يعظمون الخلفاء الأمويين تعظيم قبائل العرب لشيوخها، وبدأ ~~العباسيون يعظمون الخلفاء تعظيم الفرس لأكاسرتها، ثم تعظيم أمراء الأتراك كتعظيم العباد ~~للسادة، وأداهم الترف إلى أن ms070 يعبدوا الشهوات والمال كعبادة الله، ثم يعبدوا الأولياء ~~والأضرحة كما كان الجاهليون يعبدون آباءهم، وانهارت وحدانية الإسلام العظيمة الجليلة ~~التي تبعث في نفوس أهلها العزة والسمو. # وكما تمزقت الدولة الإسلامية إلى دول صغيرة كذلك مزقتها الثورات الداخلية لما شاع ~~في الدولة من ظلم وفساد ، وكثرة تعيين الأمراء والحكام وعزلهم، من ذلك مثلا ثورة الزنج ~~في العراق؛ ذلك أن جماعة من شطار العبيد الهاربين من سادتهم الذين أصلهم من أفريقيا ~~الشرقية كانوا يعملون متعهدين لبعض البصريين في كسح السباخ قرب البصرة، فظهر رجل فارسي ~~يدعى علي بن محمد، وكان يزعم أنه ينتسب إلى علي بن أبي طالب وفاطمة من طريق زيد بن علي، ~~ودعا العبيد إلى خروجهم على سادتهم لتحسين حالهم وضمان حريتهم وكسب الثروة لهم، وجاهر ~~بعقيدة الخوارج التي ترفض كل تمييز جنسي، وألف جيشا عظيما لم يستطع أن يقف أمامه ~~سكان البصرة، وأسسوا بلدة تسمى المختارة، واستعمل اللبن في بنائها، فسير المعتمد ~~أخاه الموفق بن المتوكل لقتال الزنج، وقد أوقعوا بسكان البصرة وقت صلاة الجمعة، ونهبوا ~~المدينة، وأخيرا لم يوفق الموفق في ردعهم، فاضطر لمصالحتهم، ثم كانت ثورة الصفارية ~~والطاهرية في إيران، وكان الثوار من الخوارج، وقد أسسوا مقاطعة فيما بين إيران ~~وأفغانستان، واستعملوا اللصوصية والنهب في ذلك الإقليم، وكان في خدمة هذا الزعيم رجل ~~اشتغل في حداثته بعمل الصفر، يدعى يعقوب الصفار، وكان هذا من الشجاعة بحيث أوقع الرعب ~~في نفوس الناس، واستمر هو وصحبه حتى فتحوا مقاطعة سجستان وهراة، ثم هزمهم الموفق بعد ~~حروب طويلة، وقضى على تلك الجماعات الخارجة التي أفسدت أغنى جزء من أراضي ~~الخلافة. # كذلك كان من أكبر الثورات ثورة القرامطة في عهد الخليفة المعتضد، فسببوا هزة جديدة ~~للعالم الإسلامي، وكان زعيم هذه الحركة يدعى حمدان قرمط، ويظهر أن هذه الكلمة آرامية ~~معناها المعلم السري، أنشأ مركزا لأتباعه قرب واسط، وسماه دار الهجرة تقليدا لما فعله ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وكان من دعوته الشركة في الأموال، فكان المريدون يقيمون ولائم ~~يسمونها ولائم ms071 المحبة، يشتركون فيها متبعين في ذلك على الأرجح فرقة الصابئة الغنوسطية ~~التي كانت تسكن تلك الديار، ثم خلفه داعية أعظم هو ذكرويه الدنداني، وقد نجح في تحريك ~~الأعراب المقيمين في حدود سوريا، وتسمى بأمير المؤمنين، وأفسدت القرامطة جميع المدن ~~السورية، ولم يسلم من جيشهم إلا دمشق. وقام بعده أخوه أحمد بالخلافة ولكنه أسر ~~وقتل في بغداد، وما هي إلا فترة قصيرة حتى وفق القرامطة إلى مد سلطانهم في ~~بلاد العرب، وأنشئوا في منطقة البحرين مدينة جديدة عاصمة لهم سميت المؤمنية ~~بدلا من «هجر» العاصمة القديمة، وحكموا هذه البلاد بدعوى أنهم مفوضون من قبل ~~الإمام المستتر، وأخيرا استولوا على مكة، ونزعوا الحجر الأسود من الكعبة، وحملوه إلى ~~المؤمنية بالأحساء، وظلوا فيها حوالي ثلاثين سنة. وهكذا كانت الثورات المخربة في كل ~~قطر في العراق وفارس والشام ومصر وشمالي أفريقيا. # وجاء بعد ذلك الحشاشون، فكانوا ضغثا على إبالة، وجاءوا بعد أن ارتكب البويهيون ~~كثيرا من المفاسد، وقاتل بعضهم بعضا قتالا عنيفا، وهذه الفرقة كانت من أكبر الأعداء ~~الداخليين للبلاد الإسلامية، نشروا فيها الذعر سنوات طويلة، واتخذوا التشيع ستارا ~~لمناهضة الحكومات المختلفة. وكان من أكبر دعاتهم الحسن بن الصباح، ويذكرون أنه كان في ~~شبابه صديقا لنظام الملك وعمر الخيام، ورحل إلى مصر وتثقف ثقافة شيعية على يد ~~الفاطميين، وعرف أتباع الحسن بالنزارية؛ لأنهم انحازوا إلى نزار بن الخليفة المستنصر ~~الفاطمي، واتخذوا ملجأ لهم قلعة ألموت الجبلية على مسافة خمسين فرسخا شمالي قزوين، ~~ونظم جماعته على الطريقة السرية التي عرفت بها الفاطمية، وقسمهم إلى درجات أعلاها ~~المقربون، وعرفوا بالتعصب الشديد، ونشر في الأتباع أن في قتل رجل من أعداء ~~الإيمان الحق وهو الإيمان الفاطمي؛ الخير كل الخير، فلهم إذا ماتوا رضوان الله وجنات ~~النعيم، وسمي هؤلاء القتلة بالفدائيين، وكانوا يتعاطون الحشيش، ولذلك سموا ~~بالحشاشين، ومدوا نفوذهم إلى فارس وسوريا، ولم تستطع الدولة السلجوقية أن تقضي ~~عليهم، وقضوا هم على نظام الملك الوزير المشهور، وأوجدوا الرعب في نفوس الخلفاء ~~والأمراء. # واستطاعوا أن يقوضوا أركان الدول الإسلامية ms072 المتداعية، وبسببهم وسبب المظالم ~~والحروب القائمة بين الأسرة الواحدة انقضى حكم السلجوقيين في سرعة بالغة، وفقدوا ~~سلطانهم فقدا تاما. # وكان من نتاج الدولة السلجوقية ظهور عالمين كبيرين، كان لهما أثران متناقضان، ~~ولكنهما يتفقان في النتيجة، وهما: الغزالي وعمر الخيام. فأما الغزالي؛ فقد كان نهبا ~~مقسما بين الدين والعقل، وأخيرا جذبته الصوفية إليها، وقضى إحدى عشرة سنة في عزلة كان ~~معظمها في الشام، ألف في أثنائها كتاب إحياء علوم الدين، وقد ألف القلوب على الصوفية ~~بعد أن كانوا مضطهدين، وكان لسنا بليغا قوي التأثير؛ فحبب التصوف إلى الناس مما ~~شجعهم على التصوف وابتداع فرق متصوفة كثيرة، كما كان من آثاره الإيقاع كثيرا على نغمة ~~الترهيب تقليدا للحسن البصري، وتخويف الناس من الموت وما بعد الموت، وتعظيم سلطان ~~القضاء والقدر، وتفضيل الكشف على التجارب العقلية؛ فإن قلنا إن الإسلام الحاضر هو إسلام ~~أبي الحسن الأشعري والغزالي لم نكن بعيدين عن الحقيقة. # وأما عمر الخيام؛ فقد نسب إليه من الأشعار ما حبب للناس الإباحية والعكوف على ~~الخمر والنساء والأزهار، ويشك كثيرا في نسبة هذه الرباعيات إلى عمر لوجود بعضها في ~~شعر شعراء آخرين، وعدم مناسبتها لما اكتشف من مؤلفاته في الفقه وما وراء الطبيعة ~~وغيرهما. # وزاد الحال سوءا سوء الحالة الاقتصادية؛ فكانت هذه الحالة من أسوأ الحالات، يملك ~~الحاكم أو الملك الأراضي ويعطي من شاء الإقطاعات ليزرعها في حياته مع حفظ رقبتها مملوكة ~~للإمام كسنة عمر بن الخطاب، ثم أفرطوا في زيادة الضرائب وكثرة المصادرات والنهب والسلب ~~حتى لم يستطع أحد أن يكون آمنا على نفسه وماله، وكل ما تحصل ينفقه الملك أو الأمير ~~على شهواته من خمر ونساء وما إليها، حتى لا نستغرب من أول العهد الأموي إلى العباسي إلى ~~الفاطميين إلى الأتراك معدل الوفيات في الملوك؛ فهو نازل جدا يقل عن مستوى العمر ~~العادي لإفراطهم في شهواتهم. # والحياة الاقتصادية هي عماد الحياة الاجتماعية؛ فإن حسنت حسنت وإن ساءت ساءت، ولذلك ~~كانت الحياة الاجتماعية سيئة بسوء الحياة الاقتصادية، وكان العلماء إنما يجدون ms073 رزقهم في ~~الاتصال بالملوك والتملق إليهم، ومن لم يصل إلى بابهم كانت عيشته على وقف صغير وإلا ~~عاش عيشة فقيرة، فليس ببعيد أن نقول إن مصائب المسلمين أكثرها من سوء تصرف الحكام من ~~تملق العلماء، ولذلك كان الملوك غالبا يحتضنون العلماء، ويرتكزون عليهم، ويسخرونهم ~~في مصلحتهم من تهدئة للرعية، وأن الله قسم الأرزاق فالغني غني بالقدر، والفقير فقير ~~بالقدر، والسلطان ظل الله في أرضه، وظلم الملوك من ظلم الرعية، وهكذا من ~~التعاليم التي تخدم الملوك وتسيء إلى الرعية وتفسدها بالتذلل والتملق والنفاق. # وقد قلنا من قبل إن عقيدة الألوهية صعبة إلا على الخاصة، وإن المسلمين لم يلبثوا أن ~~نسوا الوحدانية، وعادوا إلى الوثنية، وكذلك كان؛ فقد عظمت القبور، وقدس ~~الأولياء، واتخذت الأضرحة معابد، وعبد الحكام والأمراء من دون الله، ولذلك كان ~~من دعاة الإصلاح مثل محمد بن عبد الوهاب، والشيخ محمد عبده، من هاجم القبور والأضرحة ~~والأولياء والاستشفاع بهم عند الله؛ لأنهم رأوا هذه كلها بدعا دخلت في الإسلام ~~فأفسدت العقيدة الصافية عقيدة الوحدانية التي تتمثل في «لا إله إلا الله محمد رسول ~~الله» وقد توسع المسلمون في هذا توسعا غريبا، فقدسوا باب المتولي وشجرة العذراء ونعل ~~الكلشني ونحو ذلك، حتى تدنوا من ذلك إلى الحضيض، ونسوا أساس الإسلام، وأقيمت ~~الموالد لإعظام شأن الأولياء وأصحاب الأضرحة، واخترعوا لكل شيخ مولدا تذبح الذبائح ~~عنده، وتقرب فيه القرابين، ونحو ذلك مما لا يتفق مع الإسلام في قليل ولا كثير. وقد ~~اهتم الإسلام بالعمل الصالح؛ فنجد القرآن دائما أو على الأقل في الغالب يقرن عمل ~~الصالحات بالإيمان بالله، وهو يقصد بالعمل الصالح «الجهاد - والعدل - والشجاعة - ونحو ~~ذلك من الفضائل» وبجانبها الشعائر الدينية من صلاة وصوم وزكاة وحج، فلما انهار المسلمون ~~فقدوا الاهتمام بالعمل الصالح،ووجدت النزعات الصوفية التي يرى بعضها أن الأعمال ~~الصالحة لا قيمة لها إذا تم الإيمان، بل وجد من الطوائف الصوفية طائفة الملامتية ~~التي ترى أن لا يوجه اللوم إلى مرتكبي الجرائم لعل بينهم وبين الله صلة، كما وجد في ~~الفلاسفة ms074 من نادوا بأن الايمان وحده يكفي المتفلسف، وإنما شرعت الأعمال للعامة لا ~~للفلاسفة والخاصة. حتى الشعائر الدينية فقدت صبغتها الروحية وأصبحت مجرد حركات ~~ميكانيكية لا تمت إلى القلب بسبب؛ فهي مجرد أعمال بهلوانية وحركات شيطانية. # ولما انحل العالم الإسلامي في الداخل انحلالا كبيرا بفضل الثورات بين شيعة ~~وسنية وخوارج، وبين المذاهب من شافعية وحنفية وحنبلية، وبين العناصر من عرب وفرس ~~وترك؛ أمكن العدو الخارجي أن يتقدم خطوات، وينال منهم، ويستولي على أراضيهم، فبعد أن ~~كانوا يغزون وينهزمون أمام المسلمين أصبحوا يغزون ويتقدمون؛ بدءوا ذلك في عهد سيف ~~الدولة الحمداني في حلب، وكان عهده أسوأ مثل للاستبداد من فرض ضرائب باهظة على ~~الناس، وضم كثير من البلاد إلى ممتلكاته الخاصة، فانتزع حلب سنة 945 من أيدي ~~الإخشيديين المتغلبين على مصر، وأراد أن يبسط سلطانه على دمشق ولكنه أخفق، غير أن ~~حسنته الكبرى موقفه أمام البيزنطيين، وكانت الحرب أولا غزوات صيفية ومناوشات حول ~~القلاع والحصون، وكان النصر فيها للعرب حينا وللبيزنطيين حينا، وقد سجل هذه الحروب في ~~الانتصارات والانهزامات المتنبي الشاعر الكبير، وأبو فراس ابن عم سيف الدولة الذي كان ~~عاملا على منبج ثم أسره الروم، وقال في ذلك قصائده الكثيرة المشهورة بالروميات ~~المثيرة للعواطف، وكان العداء شديدا في هذه الحروب بين الصليبيين والمسلمين كما تدل ~~على ذلك الكتب الإسلامية المؤلفة في الحض على الجهاد في ذلك العصر، وكما يدل على ~~ذلك أيضا تحمس النصارى وشدة قتالهم، والنصارى يكرهون المسلمين ويعادونهم أكثر من ~~عدائهم حتى لليهودية والوثنية، وما زال العداء مستمرا إلى اليوم بنصرتهم لليهود على ~~المسلمين وانتزاعهم فلسطين من أيديهم. # وقد وقعت الحرب حين ذلك لتعود بشكل أقسى، فإن هؤلاء الصليبيين ظهروا في سوريا بقيادة ~~جودفري دي بويون وجماعة من الزعماء الفرنسيين والنورمنديين، وانتهزوا فرصة التناحر بين ~~السلاجقة، وحاصروا أنطاكية، ثم سقطت في أيديهم بخيانة أحد الحراس، وكانت القدس تحت ~~سلطنة المصريين ولكن ما لبثت أن سقطت في يد الصليبيين، وقبل ذلك سقطت الرها في أيدي ~~بولدوين، وفي سنة 1101عهد إلى ms075 الكونت ريمون دي تولوز أن يفتح طرابلس الشام لتكون قاعدة ~~لإمارة جديدة، ثم سقطت بعد حصار دام ست سنوات، وقد احتفظ الصليبيون بها نحو عام، حتى ~~إذا جاء الربيع التالي من القرن الثاني عشر اعتز الإسلام بآل زنكي فناضلوا نضالا ~~شديدا ضد النصارى، فكان أولهم عماد الدين زنكي وكان جنديا بارعا وسياسيا لبقا ~~فوفق لهذه الصفات إلى توسيع رقعة سلطانه شيئا فشيئا، فلما توفي بكاه الناس بكاء ~~مرا؛ لعدالته ورأفته برعيته والعمل لصالحهم، وقد أمكنه أن يأخذ الرها من يد النصارى ~~بعد أن ظلت في أيديهم نحو نصف قرن، وقتل شهيدا وهو يحاصر عكبرة، ولما قتل اقتسم مملكته ~~ابناه سيف الدين غازي، وقد استولى على الموصل والجزيرة حتى الخابور، ونور الدين محمود ~~استولى على سوريا، وجعل قاعدته حلب، وهو الذي احتمل مسئولية محاربة الصليبيين، وكانوا ~~قد عادوا فاستولوا على الرها على يد الكونت جوسلين، وأثار المسيحيون في البلاد ~~الإسلامية ثورة داخلية لمساعدة الصليبيين فأخمدها نور الدين وقضى عليها. # وقد سبب سقوط الرها تحمس الأوروبيين من جديد، ووجد البابا أرجانيوس الثالث فرصة في ~~ذلك لتهييجه العواطف ضد المسلمين، وساعده على ذلك أنه كان داعيا بليغا وخطيبا ~~مؤثرا، ومع أن الحملة منيت بخسائر كثيرة بسبب الجوع والمرض، فلم يصل منها إلى ~~الأرض المقدسة إلا فلول هزيلة، فقد اتجهوا نحو دمشق معتزمين فتحها مهما كلفهم ذلك، فلما ~~ظهرت الجيوش الصليبية على أبواب دمشق استنجد الأمير الحاكم بنور الدين، ولكن الصليبيين ~~اضطروا إلى رفع الحصار قبل أن تتقدم جيوش نور الدين إلى دمشق ... إلخ. # حتى جاء صلاح الدين وكان يعمل في خدمة نور الدين، فأزال الدولة الفاطمية من مصر، وطرد ~~الصليبيين من بيت المقدس، بعد أن عاثوا فيها الفساد. وكان العداء الشديد بين الصليبيين ~~والمسلمين، حتى أن فلاسفة أوروبا ومفكريها وأدباءها قد وضعوا لغزو المسلمين وفتح بلادهم ~~نحو مائة مشروع قدموها للباباوات، وبعض هذه المشاريع تجارية ترى غزو المسلمين عن طريق ~~التجارة لا الحرب، وأكثرها حربي يضع الخطط للغزو إما عن طرق مختلفة أو ms076 عن طريق واحد ~~وهكذا. # وكما هدد الصليبيون الشرق بحملاتهم المتوالية عليه؛ فقد أفلحوا في طرد المسلمين من ~~الأندلس بعد أن أصيب المسلمون بالتفرق والانحلال، وانسحب الصليبيون من الشام ليعودوا ~~إليه في حملة أخرى إذا واتت الظروف؛ فإن عداءهم للمسلمين لا يفتر. قال صاحب مجلة ~~العالم الإسلامي الفرنساوية: «العالم النصراني على اختلاف أممه وشعوبه عرقا وجنسية ~~هو عدو مقاوم مناهض للشرق على العموم وللإسلام على الخصوص؛ فجميع الدول النصرانية متحدة ~~معا على دك الممالك الإسلامية ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، والروح الصليبية كامنة في ~~صدور النصارى كمون النار في الرماد، وروح التعصب لم تنفك حية معتلجة في قلوبهم حتى ~~اليوم كما كانت في قلب بطرس الناسك من قبل، فالنصرانية لم يزل التعصب مستقرا في ~~عناصرها، متغلغلا في أحشائها، متمشيا في كل عرق من عروقها، وهي أبدا ناظرة إلى ~~الإسلام نظرة العداء والحقد والتعصب الديني الممقوت، وحقيقة هذا الأمر ونتيجته واقعتان ~~في كثير من الشئون الخطيرة والمواضع الكبرى؛ حيث القوانين والشرائع الدولية لم تعامل ~~فيها الأمم الإسلامية معاملة السواء مع الأمم النصرانية. # تنتحل الدول النصرانية أعذارا لها في كرهها وهجومها وعدوانها على الممالك الإسلامية ~~وإذلالها وإكراهها بقولها إن الممالك الإسلامية هذه إنما هي من الانحطاط والتدلي بحيث ~~لا تستطيع أن تكون قوامة على شئون نفسها، وفوق جميع هذا فهذه الدول النصرانية عينها لم ~~تفتأ تعمل هذا من ناحية، وتتذرع بألوف الذرائع من نواح أخرى - حتى بالحرب والحديد ~~والنار - للقضاء على كل حركة حاولها المسلمون لبلادهم وديارهم في سبيل الإصلاح والنهضة، ~~وجميع الشعوب النصرانية مجمعة متفقة على عداء الإسلام، وروح هذا العداء متمثلة بجهد ~~جميع هذه الشعوب جهدا خفيا مستترا متواليا لسحق الإسلام سحقا. # وتأخذ النصرانية مشاعر كل مسلم وآماله ورغباته التي تجول في صدره، ثم تمثلها بصور ~~الهزء والسخرية والعبث والازدراء، وإن ما يدعوه الفرنجة عندنا في الشرق تعصبا ~~مذموما محرما هو عندهم في بلادهم وأوطانهم العصبية الجنسية المباركة، والقومية ~~المقدسة والوطنية المعبودة، وإن ما يدعونه عندهم في الغرب إباء للنفس، وشمما، ms077 وشرفا، ~~ووطنية، وعزة قومية يعدونه في الشرق غلوا مكروها وإفراطا في حب الوطن ضارا ومقتا ~~وشنآنا للأجنبي الغربي. # وجميع هذا يوضح أن العالم الإسلامي يجب عليه أن يتحد اتحادا دفاعيا عاما، ~~مستمسك الأطراف، وثيق العرى؛ ليستطيع بذلك كله الذياد عن كيانه ووقاية نفسه من ~~الفساد المطبق، وللوصول إلى هذه الغاية الكبرى يجب عليه اكتناه أسباب تقدم الغرب ~~والوقوف على تفوقه وقدرته.» # 2 # وجاء في النشيد الإيطالي: # أماه صلي ولاتبكي - بل اضحكي وتأملي - ألا تعلمين أن إيطاليا تدعوني ~~وأنا ذاهب إلى طرابلس فرحا مسرورا؛ لأبذل دمي في سبيل سحق الأمة الملعونة، ~~ولأحارب الديانة الإسلامية التي تميز البنات الأبكار للسلطان، سأقاتل بكل قوتي ~~لمحو القرآن. ليس للمجد من لم يمت لإيطاليا حقا، تحمسي أيتها الوالدة ... ~~تذكري كاروني التي جادت بأولادها في سبيل وطنها ... إن سألك أحد عن عدم حدادك ~~علي فأجيبيه: «إنه مات في محاربة الإسلام.» الطبل يقرع يا أماه، أنا ذاهب ~~أيضا ... ألا تسمعين هرج الحرب دعيني أعانقك وأذهب. # وسيق رجل من الثوار في حادثة بنجاب إلى مدفعية كان فيها بارود أكثر من المعتاد، فأطلق ~~عليه النار فطار جسمه ممزقا كل ممزق، وأشار الجنرال نيكلسون في كتاب له إلى إدوارد ~~قائلا: # يجب علينا أن نسن قانونا يبيح لنا أن نحرق أو نسلخ جلود الثوار وهم ~~أحياء؛ لأن نار الانتقام التي تتأجج في صدورنا لا تخمد بالشنق وحده، ثم إن ~~الأمم الشرقية اعتادت ألا تحسب للحكومات حسابا ولاتخاف جانبها إلا إذا كانت ~~ذات سطوة قاهرة. # وكتب مدير «أتسار» في ذلك العهد يقول: «كان جميع الضباط في البنجاب يبدءون بالفظائع؛ ~~لإيقاع الرعب في الأهالي لكيلا يتجرءوا على أخذ الثأر منهم.» وذكر لاممسون للسير هنري ~~كلتن عن بعض المسجونين المسلمين قال: «أتاني ذات ليلة عسكري، فقال - بعد التحية ~~العسكرية - أرجو أن ترى المسجونين، فقمت حالا إلى السجن فرأيتهم مربوطين على الأرض ~~يتنفسون آخر أنفاسهم، وكان على أجسامهم آثار الكي بالنحاس المحمي على النار، فرق ~~قلبي لحالتهم التعسة، فأخرجت المسدس وصرت أطلق النار عليهم واحدا ms078 بعد آخر لأخلصهم من ~~هذا العذاب الأليم.» # وقد ذكر اللفتنانت ماجدن حادثة قال: «رأيت ذات يوم الإنجليز والسيخ كانوا يطعنون ~~عسكريا هنديا بالحراب لكن طعنهم لم يقتله، فجمعوا الحطب وأشعلوا النار فيها، ~~فلما اشتدت النار ألقوا الهندي المسكين فيها، وصاروا ينظرون إليه بفرح وسرور ~~عظيمين.» # وقال مستر جلادستون من مشاهير الإنجليز: «بوجوب إعدام القرآن وتطهير أوروبا من ~~المسلمين.» وقال لورد سالسبري من عظماء الإنجليز أيضا: «بوجوب إعادة ما أخذه الهلال من ~~الصليب للصليب دون العكس.» وكان الفرنسيون يستنكفون من السفر مع المسلمين في عربات ~~السكة الحديدية في تونس والجزائر. ونادى كيجون اليوناني بنسف الكعبة، ونقل القبر ~~المعظم إلى متحف اللوفر. وحدث مرة أن أحد التجار الفرنسيين عامل أربعة رجال من أهالي ~~غربي أفريقيا بسلع تجارية، ولما استحق له عندهم مبلغ قليل من المال ذهب إلى هؤلاء، ~~وطالبهم بذلك، فاستمهلوه مدة ريثما يتم لهم جمع المال، فأبى وشدد عليهم النكير ~~بالطلب، وأخذ يؤنبهم ويشتمهم، ثم استل الفرنسي مسدسا، وأطلق رصاصة على أحد الأربعة ~~فقتله، ولما رأى الثلاثة صاحبهم يتخبط في دمه قبضوا على القاتل الفرنسي، ونزعوا المسدس ~~من يده وراموا وثاقه وتسليمه إلى الحكومة، فلم يستطيعوا ذلك؛ إذ فر من بينهم ~~بواسطة، وبلغ القاتل مقر الحكومة ما عمل، وشكا أولئك الثلاثة، فأرسلت الحكومة في طلبهم، ~~ولما حضر الثلاثة لدى المحكمة الفرنسية، وأحضر القاتل وأقر الفاعل بقتله حكمت ~~المحكمة الفرنسية بقتل الثلاثة الذين ضربوه لقتل رفيقهم، وفي اليوم التالي سيق هؤلاء ~~الثلاثة إلى فسحة خارج البلد، وربطوا بالأشجار، وأطلق عليهم الجندي الفرنساوي الرصاص ~~حتى فارقوا الحياة، وتركوا على حالتهم دون أن يواروا التراب وهكذا ... # وكانت فكرة الصليبيين في العداء للمسلمين مستمدة من الفكرة اليونانية، كما استمدوا ~~منهم أدبهم وفلسفتهم، وهي أن العالم ينقسم إلى يونانيين وبرابرة، فاعتقدوا هم أيضا أن ~~العالم ينقسم إلى سادة أوروبيين وعبيد من العالم الآخر. # وكان الظن أن يصحح المستشرقون من الأوروبيين هذا الموقف ببحثهم وعلمهم، ولكن تبين ~~أنهم من نفس البيئة التي كونت الصليبيين. # وكان من الأسف ms079 أن يكون في طليعة هؤلاء المستشرقين مستشرقون مبشرون فأخذوا يستخدمون ~~الإسلام في الطعن عليه أداة للتبشير، ويختارون الأشياء التي تثير الأروبيين على ~~المسلمين كفكرة تعدد الزوجات وملك اليمين وحديث الإفك ... إلخ. # وجاء من بعدهم من المستشرقين غير المبشرين، فسلكوا مسلكهم واحتذوا حذوهم، ولم ~~يسلكوا مسلك البحث النزيه المجرد بل كانوا يضعون الاتهام أولا، ثم يبحثون عن الأدلة ~~التي تقوي هذا الاتهام فيما عدا القليل النادر منهم. # وكانت نتيجة هذا كله مأساة فلسطين؛ إذ تخلى عنها الإنجليز من غير إنذار للعرب، ومع ~~تواطئهم مع الصهيونيين على ترك حيفا لهم وإنذارهم لهم بالاستعداد والمقاومة. # وزاد الخصومة شدة بين الأتراك والصليبيين توالي الفتوح، وتقدم الأتراك مدى نحو ~~ستة قرون، فالملك أورخان استطاع بجيوشه الكبيرة المنظمة تنظيما جديدا أن يواصل فتوحه ~~وحملاته في عنف متزايد على المدن الساحلية، وتوفي أورخان سنة 1362م وخلفه ابنه ~~مراد، فاتجه نحو شبه جزيرة البلقان، واستمر في فتحه حتى سقطت أدرنه في يده سنة 1366، ~~وحاول البابا أوروبانوس الخامس أن يدعو النصارى إلى حملة تنقذ أدرنه من يد المسلمين، ~~ولكنه لم ينجح، وظلت بلاد البلقان تسقط واحدة إثر الأخرى، وفقد الصربيون ~~استقلالهم، وحاولوا أن يشنوا غارة فانهزموا، واحتل العثمانيون بعد ذلك صوفيا ونيش ~~1385-1386 وأتم خير الدين باشا فتح مقدونية سنة 1385، وشيد الجامع الكبير المعروف ~~بإسكي جامع. # ثم استولى العثمانيون على سرى، ومن هناك فتحوا سالونيك، وفي عهد محمد الثاني سقطت ~~القسطنطينية سنة 1453، وحولوا كنيسة أياصوفيا إلى مسجد، ولم يقتض تكييفها إلا تعديلات ~~قليلة لتوافق الشعائر الإسلامية فغطيت روائع الفسيفساء الذهبية التي تزين العقود ~~وتمثل الفن البيزنطي أحسن تمثيل بطبقة من الكلس، وصنع محراب صغير في وسط جناح ~~الكنيسة الجنوبي، وإلى يمين المحراب أقيم المنبر بشبكاته الخشبية المذهبة، ~~وعلقت لوحات مستديرة كبيرة تنتظم اسم الله واسم الرسول وأسماء الخلفاء الراشدين ~~بماء الذهب، وأنشئت في الخارج أربع مآذن، وعهد السلطان محمد للمهندس اليوناني ~~خريستو دولوس بتشييد الجامع المعروف بجامع السلطان محمد الفاتح على أنقاض الكنيسة ~~الرسولية التي كانت فيما مضى مدفن ms080 الأباطرة، فأتم الجامع من سنة 1463-1469 وكان هذا ~~الانتصار من الأتراك المسلمين سببا في زيادة غضب النصارى عليهم وشركتهم في الانتقام ~~منهم. وأعقبت - مع الأسف - حركة المد هذه حركة جزر، فانهزم الأتراك البحرية في ~~لبانتى، وعقد السلطان سليم الثاني معاهدة صلح مع النمسا سنة 1568 وتعهد بدفع جزية سنوية ~~مقدارها ثلاثون ألف دوقة. # ومع هذا ظل للأتراك قوة استولوا بها على جزيرة كريت. ولما تولى مراد الثالث بن ~~سليم الثاني انغمس في الشهوات كأبيه، وترك لأمه وزوجته الإيطالية تصريف الأمور، وانصرف ~~هو إلى الحريم، وفي سنة 1570 توجه العثمانيون إلى القوقاز وفتحوا تفليس، وخلف مراد ~~الثالث على عرش السلطنة ابنه محمد الثالث، وأخيرا عقد الصلح مع الأتراك بمعاهدة ~~سنفاتورك التي عقدت بين الأتراك وآل هابسبورج، ورفعت الجزية التي كان يدفعها ~~الملوك العثمانيون، ثم شبت الثورات الداخلية بسبب أن جنود الإنكشارية فقدوا احترامهم ~~لسلطة السلطان، وأصبح الجيش العثماني في حال لا تدعو إلى الاطمئنان، فظلوا في انهزام ~~متواتر، وانتهز الفرصة فخر الدين الدرزي المعني في لبنان وجنبلاط الكردي في سوريا ~~وناديا بالاستقلال، وفي سنة 1617 مات السلطان أحمد، وخلفه أخوه مصطفى فتنازل بعد ~~ثلاثة أشهر لابن أخيه عثمان الثاني، ونشبت الحرب بين العثمانيين والبولنديين مما اضطر ~~السلطان إلى أن يشترك بنفسه في القتال، فاضطر السلطان عثمان إلى عقد صلح مع العدو، وما ~~انتهى القرن الثامن عشر حتى هزم الأتراك البحرية في لبانتى، وهزم الأتراك في فينا ~~وأخرجوا من المجر. # وجاء بطرس الأكبر فأشعل النار ضد الأتراك، وفتح أبواب البحر الأسود في وجه القيصر، ~~وكان إلى ذلك الحين بحيرة عثمانية. وعقدت معاهدة بازارو ويج، وخسر الأتراك ممتلكاتهم في ~~المورة وجزر الأرخبيل، ثم قامت الحرب الروسية التركية، فقد تقدم الروس سنة 1770 عبر ~~الجوردان والأفلاق إلى أن بلغوا نهر الدانوب، واحتلوا كيليا وبندر وإيرائيل، وظهر في ~~بحر إيجة لأول مرة أسطول روسي كبير لإشعال الثورة في الإيجيين، وأضرموا النار في ~~الأسطول العثماني في خليج جشمه على ساحل آسيا الصغرى، وخيف على إستنبول نفسها ms081 من هجوم ~~مفاجئ. وفي السنة التي تليها انتصر الروس انتصارا آخر؛ فاستولوا على بارقوم، وأخضعوا ~~شبه جزيرة القرم كلها، وتنازل الباب العالي عن جميع مطالبه في بولندة. # وهكذا كان الإسلام وسياسة الأتراك في أوروبا مثارا للصليبيين ليعتمدوا عليهما في ~~التنكيل بالمسلمين. # ثم كان القرن التاسع عشر فتجددت الحروب الصليبية، وكانت الفرصة للنصارى أسنح ؛ لأن ~~تركيا بدأت في الضعف بعد القوة حتى سموها «الرجل المريض»، واتفقت دول أوروبا على ~~تقسيم الشرق إلى مناطق نفوذ، وتطبيقا لهذه الخطة هجم نابليون على الشرق بتنظيماته ~~الجندية الجديدة يقابلها سوء حالة الجيش العثماني، ففي يوليو سنة 1798 جند نابليون ~~حملة على مصر بحجة واهية، وهي أن سوء إدارة المماليك كان يعرض ممتلكات الفرنسيين ~~للخطر، فقضى على المماليك مؤقتا بما تم له من نصر قرب الأهرام، ثم كان من نتائج ~~انتصار نلسن عند أبي قير أن جعل مركز الفرنسيين في مصر حرجا يتعذر الدفاع ~~عنه. # وفي صيف سنة 1798 وجه السلطان سليم الثالث بضع سفن حاملة جنودا إلى مصر، وساعد محمد ~~علي في المعارك التي تلت حتى أكره الفرنسيون على الجلاء، ولكن لم يكن للأتراك ~~العثمانيين يد كبيرة في طرد الفرنسيين من مصر. وزاد الطين بلة أن محمد علي باشا ~~أحس قوة جنده ونظامهم، وأنه أقوى من العثمانيين فهزم الأتراك في نصيبين، وانضمت فرق ~~تركية بكاملها إلى الجنود المصرية، وكانت هذه الكارثة عظيمة الأثر السيئ على الأتراك ~~والمسلمين جميعا؛ لأنه كشف ضعفهم وبين ما هم فيه من الفوضى وسوء الحال، فطمعت دول ~~أوروبا في الاستيلاء على المملكة العثمانية، فتقدم الإيطاليون إلى طرابلس واحتلوها ~~بعد أن كانت خاضغة لحكام إقليميين، ثم تقدم الفرنسيون إلى الجزائر وامتلكوها، ~~واحتل الفرنسيون تونس ثم مراكش، واحتل الإنجليز مصر، وذهبوا إلى السودان، وسعى غوردون ~~لتوطيد الحكم البريطاني المصري في السودان، وقضى كتشنر على إمبراطورية المهدي محمد بن ~~عبد الله حسن المهدي، ثم قصدت أوروبا إخضاع فارس وأفغانستان، واصطدم محمد شاه ~~بالبريطانيين في أفغانستان واقتسمت روسيا وبريطانيا النفوذ في فارس، وهكذا تقسمت ~~أوروبا ms082 الشرق وحطمته كل تحطيم، ولم تسمح بأي حركة إصلاحية؛ لأنها عدت الإصلاح عدوا ~~لها، فلما ساءت الحالة جدا بدأ الوعي القومي في البلاد الإسلامية كلها يتنبه بما ~~فيه من خطر، وإذ ذاك ظهر زعماء إصلاح في كل قطر تقريبا، يسودهم كلهم التفكير في موقف ~~قطرهم إزاء الغرب، وكيف الخلاص من هذا النفوذ الأجنبي. وكان كل زعيم ينادي بالإصلاح حسب ~~منهجه ومزاجه: فمحمد بن عبد الوهاب مثلا ظهر في الحجاز، وكان من قبيلة تميم، ظهر في ~~أواخر القرن الثامن عشر، وكان أهم مبادئ إصلاحه الرجوع إلى القرآن الكريم والسنة ~~النبوية، ودافع عن مبدأ الأخذ بالحديث، والاعتماد عليه كليا عكس ما فعل الفقهاء ~~السابقون من أخذهم بالرأي، واقتنع بمذهب أحمد بن حنبل في اعتماده على الحديث، ودرس ~~مؤلفات ابن تيمية، وكل هذا أقنعه بأن الإسلام لم يعد كما كان، وأن الأتراك شابوه بكثير ~~من المساوئ، وأعاد الرجم للزاني والزانية، واكتسبت تعاليمه أنصارا كثيرين ومريدين، ~~وأبطل الأضرحة وهدمها، وحرم لبس الحرير وأي زينة وزخرف في المساجد، كما تشدد في ~~تحريم المسكرات وتحريم التدخين، ولكن يؤخذ على حركته التشدد والقسوة اللذان هما ~~من طبيعة البدو. # وفي فارس ومصر ظهر جمال الدين الأفغاني يناهض استبداد الحكام، ويفهم الرعية حقوقها ~~وواجباتها، ويدعو إلى رفع نير الاستعمار، فنفته إنجلترا من البلاد. # وفي تركيا ظهر مدحت باشا يدعو إلى الأخذ من المدنية الغربية بقدر نافع، والاقتباس ~~منهم خير ما عندهم في نظم الحكم. ثم جاء مصطفى كمال، ودعا إلى الإصلاح من طريق آخر وهو ~~التخفف من العرب بلغتهم ودينهم كأن هذا ثقل عليه، وغمس الأمة كلها في الحضارة الغربية ~~بحذافيرها من غير تنقية ولا انتخال. # وكان من دعائم إصلاحه: إلغاء وزارة الأوقاف وجعل تدبيرها لرئيس الأمور الدينية وهيئة ~~علمية استشارية بجانبه، وإلغاء المحاكم الشرعية، والمدارس الدينية، وقصر التعليم الديني ~~على كلية اللاهوت التي تتبع الجامعة، وإلغاء الطرق الصوفية، وإغلاق الزوايا والتكايا، ~~وتحريم الألقاب الصوفية من درويش ومريد وأستاذ وسيد وشلبي ونقيب ... إلخ، وتحريم العرافة ~~والسحر والتنجيم وكتابة التعاويذ ms083 والأحجبة، وتحديد الزي الديني، وعدم السماح به إلا ~~لطائفة خاصة كرئيس الأمور الدينية والأئمة والخطباء والوعاظ. ومنع الإسراف في الجهاز ~~والزواج فلا ينقل جهاز علانية، ولا تقام مآدب عامة في الأفراح. وسن قانونا مدنيا بدل ~~مجلة الأحكام الشرعية حرم فيه تعدد الزوجات، وخول لكل من الزوجين الحق برفع ~~قضية الطلاق لأسباب معينة، وتحرير المرأة من حيث سفورها ومساواتها بالرجل سياسيا ~~واجتماعيا ومدنيا، ففتح لها مجال الكسب والتوظف في الوظائف. واعتبر الزواج شركة ~~تتألف من جزأين متساويين، وشرع للمرأة حق أن تنتخب وتنتخب، وفصل الدين عن الدولة؛ فلم ~~يستخدم في التشريع ولا في الحكم ولا في الإدارة. وغير كتابة اللغة التركية من ~~الحروف العربية إلى الحروف اللاتينية. # وهكذا كانت إصلاحاته مدنية لا دينية، بينما كان على النقيض من ذلك إصلاحات محمد بن ~~عبد الوهاب؛ فهي إصلاحات دينية لا دنيوية، وبين هذا وذاك كانت إصلاحات جمال الدين ~~الأفغاني ومدحت باشا وخير الدين باشا التونسي وأمثالهم، وفي تونس ظهر خير الدين باشا ~~التونسي يدعو كدعوة مدحت باشا. # وفي الهند ظهر السيد أحمد خان والسيد أمير علي يدعوان إلى إصلاح حال المسلمين بدعوة ~~تشبه دعوة مدحت باشا وخير الدين باشا التونسي. وهكذا كان في كل مصر مصلح ينبه ~~الوعي القومي ويحض على الثورة والإصلاح. ولما أحست الدول الأوروبية بكراهة ~~المسلمين ظنتهم أطفالا، فرفعت كلمة الاستعمار ووضعت موضعها كلمة الانتداب؛ ظنا منها ~~أن المسألة مسألة ألفاظ، ولكن لم يكن المسلمون مغفلين إلى هذه الدرجة. فلما قامت ~~الحرب العالمية الأولى وانتهت، كان قادة الأوروبيين والأمريكيين قد نادوا في أيام ~~الشدة بمبادئ العدالة والحرية وأحقية الشعوب المستضعفة في حكم نفسها بنفسها، فلما أرادت ~~أن تتراجع بعد انتهاء الحرب شبت الثورات في مصر وسوريا والعراق وغيرها ضد الاستعمار ~~تريد الاستقلال ففاز بعضها، ولما يفز بعضها، ولا تزال القلوب منطوية على ضغن، وفكرة ~~الحروب الصليبية تعمل عملها إلى اليوم. # الحق أن موقف الأوروبيين المسيحيين عجيب؛ فهم إذا علموا أن شعبا نصرانيا عذب ~~أو أهين ثارت ثورتهم، أما إذا علموا ms084 أن المسلمين عذبوا وأهينوا لم تتحرك شعرة ~~فيهم، خذ مثلا هذا الذي كان بين الأرمن والمسلمين؛ فقد تعدى الأرمن على المسلمين، ~~وعذبوهم وقتلوهم فلم يتحرك الأوروبيون لنصرتهم، وتعدى المسلمون على الأرمن وعذبوهم ~~وقتلوهم فثارت ثورة الأوروبيين. ولا يقل قائل إنهم لم يكونوا يعلمون؛ لأن هناك دلائل ~~تدل على علمهم. ولما شبت الحرب الريفية في مراكش أرسل الصليب الأحمر بعثة طبية ~~لمعالجة جرحى الفرنسويين وجرحى المسلمين تبعا. ولكنه لما أراد المسلمون أن يبعثوا بعثة ~~طبية لم يرضوا عن ذلك. وقد حموا نساطرة العراق؛ لأنهم نصارى وتآمروا معهم ضد المسلمين ~~فيه، واتخذتهم لها بطانة. وقال ملك إسبانيا عند حرب الريف: إن إسبانيا اشتهرت منذ القدم ~~بقتال المسلمين، وفي هذه النوبة هي مصممة على ألا تترك قتال المسلم للريف حتى تنصب ~~الصليب هناك محل الهلال. وقد بذلت حكومة هولندا الأموال الكثيرة في تغيير عقائد مسلمي ~~جاوة وسومطرة بواسطة رجال التبشير، ولكنها لم توفق إلى تغيير عدد كبير من المسلمين ~~يساوي المبالغ المصروفة، فعمد بعض رجالهم إلى القول بأنهم لا يعدون المسلمين ~~المحدثين مسلمين، إنما المسلمون من أسلموا منذ أربعة قرون فأكثر. ولم يمنع الحكومة ~~الهولندية أن تأخذ بهذا الرأي سوى تحذير بعض عقلائهم من السير في هذا السبيل؛ لأن ~~الجاويين لا يفرقون بين مسلم قديم ومسلم حديث. # ومالنا نذهب بعيدا وقد سمعنا في الأيام الأخيرة في القتال في فلسطين بين اليهود ~~والمسلمين أنه إذا انتصر المسلمون نادوا بوقف القتال، وإذا انتصر اليهود سكتوا. ويفعل ~~النصارى الأفاعيل في المسلمين فلا يقال إنهم متعصبون، ويفعل المسلمون جزءا صغيرا مما ~~فعله الأوروبيون فيرمونهم بالتعصب المقيت. والخلاصة أن فكرة الحروب الصليبية متغلغلة في ~~نفوسهم، فإن خفيت في عقولهم فهي كامنة في وعيهم الباطن لا يصدرون إلا عنها، ولا يغفرون ~~أبدا للمسلمين أنهم انتصروا عليهم يوما ما، كما لا يغفرون أيضا لهم نجاحهم في إدخال ~~الناس في دينهم حتى من غير تبشير، وعجزهم هم حتى مع التبشير. وقد اجتمعت مرة جمعية ~~الرابطة الشرقية، وأرادت إرسال بعثة طبية إلى ms085 جدة لمساعدة جرحى الحجاز في القتال بين ~~الشريف الحسين بن علي وابن سعود، فوافقت على ذلك؛ لأنها كانت تناصر الحسين بن علي. فلما ~~أرادت إرسال بعثة طبية أخرى لمساعدة الريفيين في مراكش أبت عليها ذلك؛ لأن المسلمين ~~في نفس الحرب يحاربون الفرنسيين المسيحيين. والأمثلة على ذلك لا تحصى. فمن الغفلة ~~أن نقول إن الحرب اليوم حرب سياسية لا دينية، لأن المظاهر كلها تدل على ما نقول، ولأن ~~النصرانية وعداءها للإسلام كامنة في نفوسهم لم يزلها أي عامل، غاية الأمر أنها تحت ~~ستار. وأوضح مثل لذلك أنهم عابوا على ملك إسبانيا قوله المتقدم؛ لأنهم يريدون أن ~~يعملوا من غير أن يقولوا، ويستتروا من غير أن يظهروا، وإنما هي فلتات ومقارنات تدل على ~~منحاهم، فليتعظ المسلمون. وإن ما يشيعونه من عدل وإخاء ومساواة ليس إلا فيما ~~بينهم. أما الأجناس المسلمة فليس واجبا عليهم فيهم عدل ولا إخاء ولا مساواة. والحوادث ~~ترينا أن المسلمين أكثر تسامحا وأقل تعصبا، فإذا تعصبوا فمقابلة للتعصب بالتعصب. ~~هذا تاريخ صلاح الدين مع الصليبية: أيهم أكثر تسامحا وأقل تعصبا؟ وهذا الشريف الحسين ~~بن علي، كان يقول القول ويحتفظ به، وكان الإنجليز يقولون القول في الظاهر، ويعملون ضده ~~في الخفاء، وهذا وهذا مما لا يعد ولا يحصى. # إن المسلمين إذا أنسوا من شخص صدقا ووفاء وسلما جروا وراءه اتباعا لقوله ~~- تعالى: # وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ~~، ~~والمسيحيون إذا أنسوا من واحد غفلة وقعوا عليه وقوع الحدأة على العصفور أو الصقر على ~~الحدأة. # لقد مر زمن كان المسلمون فيه هم الغالبين فحكموا النصارى واليهود حكما عادلا، لا ~~نعرف في التاريخ مثله، تبعا لتعاليم الإسلام. نعم إن عمر بن الخطاب في أول عهده انتدب ~~يعلى بن أمية لإجلاء النصارى من أهل نجران عن بلادهم، ولكن عذره في ذلك أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: «لا يجتمع في جزيرة العرب دينان»؛ لأن الإسلام يريد أن تكون جزيرة العرب ~~حصن المسلمين ومنبتهم، وتربية الدعاة للإسلام فيها، وعدم اختلاطهم باليهود والنصارى. ~~والدين ms086 غض طري. فأمر بإجلاء أهل نجران. # ومع ذلك فإنه لما أجلاهم عوضهم عن بلادهم بخير منها، وخيرهم في الجهات التي ~~يريدونها؛ لم يشأ رسول الله أن يكرههم على الإسلام فتركهم وشأنهم؛ عملا بقوله - تعالى: # لا إكراه في الدين ~~، وصالحهم على مال معلوم ~~يؤدونه كل سنة. وشرط عليهم ألا يأكلوا الربا ولا يتعاملوا به. ولما توفي رسول ~~الله أقرهم أبو بكر على الشروط التي اشترطها عليهم الرسول. ولما حضرت أبا بكر الوفاة ~~أوصى عمر بإجلائهم؛ لنقضهم العهد بتعاملهم بالربا، فكان أول عمل عمله أن يجليهم عن ~~أرضهم، وأمر العامل الذي أرسله أن يعاملهم بالرفق ويشتري أموالهم، ويخيرهم عن أرضهم بأي ~~أرض شاءوا من بلاد الإسلام. وكان مما أوصى به عامله: «ائتهم ولا تفتنهم عن دينهم، ثم ~~أجلهم من أقام منهم على دينه، وأقرر المسلم، وامسح أرض كل من تجلي منهم، ثم ~~خيرهم البلدان. وأعلمهم أننا نجليهم بأمر الله ورسوله»، وكتب لهم كتابا قال فيه: ~~«أما بعد، فمن وقعوا به من أهل الشام والعراق، فليوسعهم من حرف الأرض، وما احتملوا ~~من شيء فهو لهم، وكان أرضهم باليمن، فنزل بعضهم الشام، وبعضهم بناحية الكوفة.» وشكوا ~~لعثمان لما استخلف ضيق أرضهم، ومزاحمة الدهاقين لهم، فكتب عثمان إلى عامله بالكوفة ~~يوصيه بهم، ويأمره أن يضع عنهم مائتي حلة من جزيتهم. وكان قد فرض عليهم تقديم الحلل ~~كجزية، ولما ولي معاوية شكوا إليه تفرقهم وموت من مات منهم، وإسلام من أسلم. فوضع ~~عنهم مائتي حلة أيضا. فلما أتى الحجاج أعادهم إلى ما كانوا عليه، فلما ولي عمر بن عبد ~~العزيز شكوا إليه ظلم الحجاج ونقصهم، فأمر بإحصائهم، فبلغوا العشر، فألزمهم مائتي ~~حلة فقط. فلما ولي هارون الرشيد أعادوا الشكوى إليه من العمال فأمر أن يعفوا من ~~معاملة العمال لهم، وأمر أن تكون معاملتهم مع بيت المال في العاصمة الإسلامية ~~مباشرة. # فنرى من هذا أن خلفاء المسلمين لم يكرهوا أحدا على الدخول في الإسلام، بل تركوا ~~كلا ودينه. ثم التزامهم نحو هؤلاء النصارى بالوفاء بالعهود، ثم حرص ms087 الخلفاء على ~~التوالي على حمايتهم وإرضائهم ورفع الظلم عنهم. أرأيت معاملة للمخالفين خيرا من هذه ~~المعاملة؟! # وقد رأينا أنه لما غزا التتار بلاد الإسلام ووقع كثير من المسلمين والنصارى في أسرهم، ~~ثم عادت الغلبة للمسلمين ودان ملوكهم بالإسلام، خاطب شيخ الإسلام أمير التتار بإطلاق ~~الأسرى، فسمح له الأمير التتاري بفك الأسرى المسلمين، وأبى أن يسمح بأهل الذمة، فقال له ~~شيخ الإسلام لا بد من فك الأسرى من اليهود والنصارى لأنهم أهل ذمتنا، فأطلقهم ~~له. # ومما كتبه عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص عامله على مصر: «إن معك أهل ذمة وعهد، وقد ~~أوصى رسول الله بهم، وأوصى بالقبط فقال: «استوصوا بالقبط خيرا، فإن لهم ذمة ورحما» ~~وقال # صلى الله عليه وسلم ~~«من ظلم معاهدا أو كلفه فوق طاقته، فأنا خصمه يوم القيامة» فاحذر ياعمرو ~~أن يكون رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لك خصما، فإنه من خاصمه خصمه.» وكان آخر وصايا عمر ما كتبه ~~لمن يخلفه من بعده: «أوصيه بأهل ذمة الله، وذمة محمد # صلى الله عليه وسلم # أن يوفي بعهدهم، ولا ~~يكلفهم فوق طاقتهم، وأن يقاتل من ورائهم.» # نعم إن بعض اليهود والنصارى ظلموا على يد بعض الخلفاء والأمراء، وقسا بعض الأتراك عند ~~فتحهم لبعض البلاد الأوروبية، ولكن هذا كان من جهة قليلا، ومن جهة أخرى كان ظلم هؤلاء ~~الولاة والأمراء واقعا على المسلمين والنصارى على السواء، فكم لقي المسلمون من ظلم بعض ~~الولاة والأمراء. وعلى كل حال، فأين ظلم هؤلاء من الظلم الذي أوقعه الإسبانيون بمسلمي ~~الأندلس وفتنتهم عن دينهم، وطردهم لهم عن ملكهم، واغتصابهم تراثهم، وسفكهم دماءهم، حتى ~~لم يبق لهم بعد بضع سنين باقية، وانحطت بعد ذلك مدنية الإسبانيين. وأين تعنت الأوروبيين ~~مع المسلمين في كل العصور المتأخرة، على النحو الذي ذكرناه وسنذكره؟ الحق أن الفرق كبير ~~بين معاملة المسلمين للنصارى، ومعاملة النصارى للمسلمين. # وحتى في عهدنا هذا لا يتمتع المسلمون بين النصارى بما يتمتع به النصارى واليهود بين ~~المسلمين. ولكن على كل حال نرجو أن ms088 يثوب الأوروبيون إلى رشدهم، فيحققوا مبدأ الإخاء ~~والمساواة الذي يدعونه. # نعم توالت الضربات على المسلمين في مختلف العصور وعلى أشكال متنوعة، ولكن كلما ضعف ~~المسلمون رزقهم الله - من غير سعي منهم ولا قصد - بمن يجدد نشاطهم وينشط حياتهم، حتى ~~إذا ضعف هذا الجديد حل محله جديد آخر. ولما اقتتل المسلمون أول الأمر كانت الدولة ~~الأموية في أول أمرها قوة لا يستهان بها، فلما كان آخرها جاء العباسيون بقوتهم ثم ~~ضعفوا، فجاء المغول كتيمورلنك وهولاكو وجنكيزخان فخربوا ودمروا، ولكن الإسلام استولى ~~عليهم أكثر مما استولوا، فدخلوا في الإسلام أفواجا وكانوا في أول أمرهم قوة. وما زال ~~خلفاؤهم الأتراك العثمانيون يفتحون ويعمرون حتى ضعفوا أخيرا، وليس يدرى إلا الله ما هي ~~القوة الجديدة التي ستبعث في الإسلام والمسلمين روحا جديدة، ولكن الطوالع تدل على أن ~~المصلحين من المسلمين سيتغلبون آخر الأمر، ويعيدون للمسلمين شبابهم بتجنب ما كان من ~~غلطات في تاريخهم، ويكون شأنهم شأن الطبيب يعرف العلة وأسباب المرض ثم يضع العلاج. فإن ~~سألت: لم تأخر المسلمون وتقدم الأوروبيون؟ فاعلم أن المسلمين تأخروا لكل ~~الأسباب التي ذكرناها. لقد كان المسلمون الأولون مملوئين بالحماسة والروح وهذا سر ~~قوتهم، والإسلام حتى فيما حكي عن غيره من الديانات كانت مزيته أنه ملأها قوة. ~~فأصبحت تعاليم الإسلام بعد ذلك عبارة عن أشكال ظاهرة لا روح فيها؛ خلت الروح من الصيام ~~والصلاة والحج وصارت مجرد أشكال. # وقد استولى الصليبيون على المسلمين وجعلوهم خدما أذلاء، واغتصبوا حقوقهم لما ظهر ~~الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدى الناس، وأصبح المسلمون يفضلون آباءهم على الله ~~ورسوله. # ولما نظر الصليبيون للإصلاح الذي قام به محمد بن عبد الوهاب، وما فيه من شدة وجفوة، ~~وتقييد للحرية، وعدم تعامل بالربا اتهموا الإسلام بالتعصب الديني، مع أن هذا ليس نتيجة ~~للإسلام. إنما كان نتيجة للبيئة البدوية التي نشأ فيها محمد بن عبد الوهاب. # والحق أن دين كل أمة نتيجة أيضا للحالة الاجتماعية التي يحياها قومها. فالبروتستانية ~~حين نشأت كانت متعصبة تعصب محمد بن عبد ms089 الوهاب، فلما تغيرت حالة الأوروبيين الاجتماعية ~~تغيرت الديانة البروتستانية. # هذا إلى أن جهل العالم الإسلامي وخلوه من العلماء كان سببا أيضا لهذا التدهور. ~~ونعني بالعلماء، علماء العلم الحديث من طبيعة وكيمياء وغيرهما مما يساير العالم الحديث، ~~فلا نزال إما سائرين على النمط القديم في الري بالساقية والشادوف، والزرع بالثور ~~والجاموس، وإما مقلدين للأوروبيين فيما اخترعوا من غير تحسين أو ابتكار. وقد قيل: «إن ~~ابتلاء الأمة بمجنون خير من ابتلائها بنصف عالم» ونصف العالم هو الذي يقلد ولا ~~يخلق. # يضاف إلى ذلك إسراف المسلمين في الملذات والشهوات، ولا سيما الخمر والنساء وخاصة ~~الأمراء. فقد ثبت في ذهن هؤلاء الأمراء أن الشعب ملك لهم، يتصرفون فيه كما يشاءون، وأن ~~لهم أن يسخروهم في كسب ملذاتهم وشهواتهم. وعلماء المسلمين يتملقونهم ويغضون الطرف ~~عن فسادهم. # ولذلك لما كان الملك صالحا كعمر بن عبد العزيز أحاط نفسه بعشرة من العلماء الطيبين، ~~ينصحونه ويبصرونه بروح الإسلام ويسيرونه على الجادة. # ومن أهم أسباب ضعف المسلمين بخلهم عن التضحية، وهم يريدون النصر من غير إنفاق، ويعز ~~عليهم الإنفاق؛ لأنهم يئسوا من النصر أمام العدو القاهر، وشحوا بالمال في أن يبذل في ~~هذا السبيل. وإذا كانوا أشحاء بالمال فهم بنفوسهم أشح. وفي الحديث: «يوشك أن تداعى ~~عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها.» قال قائل: «ومن قلة نحن يومئذ؟» قال # صلى الله عليه وسلم ~~: «بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور ~~عدوكم المهابة منكم. وليقذفن في قلوبكم الوهن» قال: «يا رسول الله وما الوهن؟» قال # صلى الله عليه وسلم ~~: «حب الدنيا وكراهية الموت.» # وقد منع المسلمين من التضحية حب الدنيا وكراهية الموت. وقد رأينا في الحرب العالمية ~~الأولى والثانية أن كل أمة نصرانية حافظت على نفسها، وبذلت من التضحيات ما بذلت ~~للمحافظة على كيانها. حتى أن الأمة ولو كانت صغيرة أبت أن تنضم حتى إلى من كان من ~~جنسها، فقد لبثت روسيا من مائة سنة إلى ثلاثمائة سنة تحاول إدخال بولونيا في الجنس ~~الروسي، وحمل ms090 البولونيين على نسيان قوميتهم الخاصة بحجة أن الجنس السلافي يجمع بين ~~البولونيين والروس ففشلت جميع مساعيها، واحتفظوا بشخصيتهم وقاتلوا عنها قتال الأبطال ~~ولم يعجزوا عن المحافظة على استغلالهم. كما خاب الروس في إدماج أهل لتوانيا، وعجزوا هم ~~والألمان عن إدخالهم مع أنهم لا يبلغون أكثر من أربعة ملايين، وكذلك فعل الصربيون ~~والبلغاريون مع الأتراك. # وكانت الدماء في الحرب العالمية الأولى والثانية تجري أنهارا؛ حبا في الغلبة أو ~~محافظة على الاستقلال، فلا يكون نصر أو استقلال من غير تضحية، فطمع المسلمين في ~~النصر أو الاستقلال من غير تضحية بالأموال والأنفس طمع إبليس في الجنة، ولا يهولنك ما ~~يقول المتشائمون الملحدون الجامدون من أن المسلمين لا طاقة لهم بحرب الأوروبيين؛ لأنهم ~~يعجزون عن دفع ما عند الأوروبيين من مخترعات حديثة وآلات فتاكة ونحو ذلك. وليس عندهم من ~~العلماء من يبتكر ويخترع كما عند الأوروبيين، فهذا قول مردود بأن عدد المسلمين الذي لا ~~يقل عن أربعمائة مليون لو اتحدوا لأمكنهم أن يوجدوا علماء إذا صمموا، فلا ينقصهم ذكاء ~~وعقل ولكن ينقصهم إرادة وعزم. وأنهم إذا وجد العلماء ووجد المال؛ وجدت آلات القتال لا ~~محالة فدفعوا القوة بالقوة، ولهذا قال الله - تعالى: # وأعدوا ~~لهم ما استطعتم من قوة ~~، وقال: # وعد ~~الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم ~~في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ~~، وليس عمل ~~الصالحات مقصورا على الصلاة والصيام والحج، ولكن منها أيضا بذل الأنفس في القتال ~~ومقابلة القوة بالقوة، والاستعداد للعدو ما أمكن ونحو ذلك. # وقد بدأ العرب يدب فيهم الوعي القومي بعد أن جاءهم القرن التاسع عشر وهم في منتهى ~~الخمول، فربما لو قارنا حالهم اليوم بحالهم الأمس لم نستطع أن نرى الفرق كبيرا، ولكن ~~لو قارناهم بحالهم منذ مائة عام لبان الفرق واضحا. فلما زار الرحالة الفرنسي ~~فولنيه مصر في أواخر القرن الثامن عشر قال في وصفها: «إن الجهل فيها عام مثل سائر ~~تركيا، وهو يتناول كل الطبقات. ويتجلى في كل العوامل الأدبية والطبيعية والفنية حتى ~~الصنائع اليدوية في ms091 أبسط أحوالها، ويندر أن تجد في القاهرة من يصلح الساعة وإذا وجد ~~فهو إفرنجى.» ويقول عن سوريا: «إن الجهل سائد فيها كسائر تركيا، وليس في العرب أو ~~الأتراك الآن علماء في الرياضيات أو الفلك أو الموسيقى، ويندر فيهم من يحسن الفصد، وإذا ~~احتاجوا إلى الكي استخدموا له النار، وإذا عثروا على متطبب إفرنجي عدوه من آلهة الطب. ~~وأما علم النجوم فقد صار عندهم للنجامة واستطلاع الطوالع.» # ويقول بوركهارت في الملحق الثاني من كتاب رحلته في سوريا وفلسطين عما أصاب مدينة حلب، ~~فيصف الويلات التي فيها للتنازع الشديد بين العائلات صاحبة الحول والطول في الإقطاعات ~~المختلفة، وانقسام زعمائمهم بعضهم على بعض، وعدم طاعتهم للحاكم، وهتك الإنكشارية لحرمة ~~البلاد، وهم جنود لا يرعون الأنظمة ولا يعرفون من السلطة إلا جباية الأموال وقطع الطريق ~~وسلب الناس أشياءهم. أما الباشوات فكانوا لا يحافظون على راحة الأهلين إلا ما كان فيه ~~الصفقة الرابحة والتجارة غير الخاسرة لشخصياتهم. وولايتهم سنة فحسب، وفيها يكسبون ما ~~يستطيعون من الأموال؛ خيفة أن يصبحوا فقراء معدمين، ويسترضون عملاء السلطان في ~~الآستانة، كما يتنعمون في بلاد يصيرون فيها حكامها المطلقين لبعدها عن مركز الخلافة ~~وصعوبة المواصلات. # ولذلك كان نوم الشعب عميقا لم يستطع أن يصحو إلا على صوت المدافع، فلم ينتبه إلا ~~بصوت المدافع في تركيا حين غزتهم الجيوش الأوروبية، وفي مصر حين غزاهم نابليون ~~فهذا الغزو أفاقهم ونبههم. وكان في حملة نابليون كثيرون من خيرة العلماء الفرنسيين ~~المختص كل منهم بفرع من العلم من عاديات ودينيات واقتصاد وجغرافية ... إلخ. وكانت مقسمة ~~إلى أربع فرق: فرقة للرياضة، وفرقة للطبيعة، وثالثة للآداب، ورابعة للاقتصاد. ففقرقة ~~الرياضيات خططت القاهرة، وهيأت الرسوم لمشروع قنال السويس، وأحصت الضرائب التي جباها ~~المماليك من أهل البلاد. وفرقة الطبيعيات اهتمت بوضع إحصاء طبي لأمراض مصر، وجوها، ~~وتربتها، وطعامها، وإحصاء المواليد والوفيات، وشددت بوجوب الإخبار عن أي مرض في نواحي ~~كل بلدة. واشتغل العلماء الكيماويون في تصفية مياه النيل وتقطيرها، وتخليص الأملاح ~~المستخرجة من الأعشاب والنباتات، واهتمت فرقة الآداب ms092 بإنشاء مكتبة يؤمها رجال ~~العلم، ومن يريد المطالعة في ساعات معينة. ومما عنيت به من المسائل الاقتصادية جواز ~~السفر، ووجوب استخراجه، وإثبات ورثة الميت بأحقيتهم في الوراثة ... إلى آخر ذلك. # وجاء المصريون بعد فقلدوهم في أعمالهم وساروا على منوالهم. ثم قلدهم غيرهم من الممالك ~~المحيطة بهم كسوريا وغيرها. وكان هناك نوع آخر من الاحتكاك بالأوروبيين وهو إرسال ~~البعثات إلى أوروبا وخصوصا فرنسا وإنجلترا؛ لتعزيز الجيش وتنظيمه على نظام جديد، ولذلك ~~عني محمد علي بتأسيس كلية الطب؛ للمحافظة على أرواح الجنود، وأنشأ كثيرا من المدارس ~~لخدمة الجيش، وغرس الأشجار وخاصة القطن لإصلاح الثروة القومية. # والعامل الثاني كان إنشاء المطبعة، فقد كانت سببا في نشر الكتب القديمة، وترجمة ~~الكتب الحديثة، ووصولها إلى عدد كبير من الخاصة وتوسيع ثقافتهم، وقد انتشرت المطابع على ~~أساس المطبعة التي أتت بها حملة نابليون وسميت بالمطبعة الأهلية، ثم كان من أسباب ~~هذا الوعي القومي الوسائل الثلاث التي تكونه عادة، وهي: الصحافة، والسينما، ~~والإذاعة. # فالصحافة غذت الرأى العام كثيرا بما كانت تنشره من آراء ضد عسف الأمراء وجورهم، ~~وهي أيضا أسست على أنقاض جريدة حملة نابليون. وقد تطورت هذه الصحافة بتطور الرأي ~~العام، تغذيه كل يوم بآرائها وأفكارها وأخبارها. وأما السينما؛ فكانت وسيلة لنقل ~~الحياة الأوروبية بجدها ولهوها إلى الشعوب الإسلامية، وعرض الحياة الأوروبية في ~~المنازل والحروب وما إلى ذلك، فكانت عاملا كبيرا في نقل المدنية الغربية. وأما ~~الإذاعة؛ فإن كبار الكتاب والأدباء بما يلقون من محاضرات، وكبار الفنانين بما يعرضون ~~من فن قد رقوا الرأي العام وبلوروه، على أنه - والحق يقال - لا يزال الرأي ~~العام في البلاد الإسلامية في بدء نهضة، لم ينضج بعد النضج الكافي؛ فإنه لا يزال ~~يخدع بالترهات، ويستولي عليه المهوشون، ولا يستطيع التفرقة الدقيقة بين الحق ~~والباطل، وبين ما يجب وما لا يجب، وهو يهتم عادة بالمطالب أكثر مما يهتم بالمسئوليات، ~~ولا تزال الصحافة والإذاعة والسينما مقيدة الحرية اللازمة لتكوينه تكوينا تاما. ~~وهو لا ينضج حتى يعقله المصلحون، ويمرنوه على المنطق الصحيح والنظام ms093 والطاعة ~~والحرية. # ومن العجيب أن أعراض المرض في كل الأقطار الإسلامية تكاد تكون متماثلة؛ لأن ما جرى ~~عليها من أحداث متماثل، والمصلحون يتشابهون أيضا في جوهر إصلاحهم. غاية الأمر أن ~~الاختلاف بينهم إنما هو اختلاف في البيئات التي كونتهم، ومقتضيات كل بيئة، فإصلاح ~~محمد بن عبد الوهاب إصلاح مصبوغ بالصبغة البدوية لبيئته البدوية، وجرى على أثره السيد ~~جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده، وإن كانت آثار الحضارة ظاهرة في إصلاحهما، ~~وإصلاح مدحت باشا وخير الدين التونسي إصلاح مدني بتقليد الغربيين في نظام الحكم وإصلاح ~~الحكومة وما إلى ذلك، متأثرين بثقافتهما الأوروبية، وإصلاح تركيا الفتاة ومصطفى كمال ~~إصلاح أوروبي بحت لا ينظر إلا إلى ما فعلته أوروبا في قوانينها ونظمها وعلومها من غير ~~نظر إلى الإسلام وما يتطلبه وما لا يتطلبه تبعا أيضا لبيئتهم. # ولصعوبة الوحدانية، وميل العوام دائما إلى الوثنية، ودعوة الإسلام إلى الإيمان ~~بالمغيبات من جن وملائكة كثرت الخرفات والأوهام، وعاد الناس إلى وثنيتهم الأولى ~~يقدسون الأبطال والأضرحة والأولياء كما يقدسون أماكن خاصة وأزمنة خاصة، من مثل: نعل ~~الكولشني، وبوابة المتولي، وشجرة العذراء، وأمثالها. لذلك لم يعتمدوا كثيرا على ربط ~~الأسباب بالمسببات؛ فهم يدفعون الحروب بالدعوات، ويستجلبون الشفاء بطلب البركة، ويمنعون ~~الشرور بالتعاويذ، إلى أمثال ذلك. # وقد ظهرت آثار الوعي القومي في مناهضة الاستعمار ومناهضة من يلوذ به من أهل البلاد، ~~فجعلت الحكم الأجنبي صعبا عسيرا ليس بالسهل اليسير كما كان، ونبهت الخاصة إلى وجوب ~~تنشئة علماء ليسوا كالعلماء السابقين ممن يعنون بالطبيعة والكيمياء ونحوهما، ~~وأنهضت الصناعة بعد أن فهمت أن البلاد ليست حقلا زراعيا للمستعمر، وأن البلاد لا بد ~~أن تنهض على الصناعة والزراعة معا. وأصلحت ما أمكن إصلاحه من الشئون الاقتصادية؛ فزادت ~~ثروة البلاد، وقاربت بين الطبقات، ثم طالبت بالاستقلال التام، فمنها من نجح بفضل قوته ~~وانقسام الدول الأوروبية على نفسها في الاستعمار كسوريا ولبنان، ومنها من خطت خطوة ~~لا بأس بها في هذا الاستقلال وإن لم يتم بعد كمصر والعراق. # لقد قلت محاضرة وأنا في السنة ms094 الثالثة من مدرسة القضاء سنة 1910 بمناسبة افتتاح السنة ~~الهجرية، كان من رأيي إذ ذاك أن من أكبر أسباب انحطاط المسلمين الحكام ورجال الدين، ولا ~~يزال هذا القول صحيحا إلى اليوم؛ فالحكام بيدهم زمام الشعوب وقد قال الله - تعالى: # ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا ~~فأضلونا السبيل ~~، وقال: # وإذا أردنا ~~أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق ~~عليها القول فدمرناها تدميرا ~~، وقد أساءوا إلى المسلمين ~~من جهتين: فأولا من جهة تنازعهم على الخلافة أو الإمارة أو السلطة، وقد كان هذا العمل ~~سلسلة في تاريخ الإسلام لا تنقطع من عهد أن اختلف علي مع أبى بكر، ثم اختلف علي مع ~~عثمان ثم معاوية، ثم نكل السفاح بالأمويين وذبحهم وشردهم، ثم ما كان من الاختلاف ~~بين المأمون والأمين حتى قتل الأمين، ثم ما كان من الخلاف بين السلجوقيين وتنازعهم على ~~الملك، وتقاسمهم العلماء والأدباء، وتعريضهم للقتل أو النفي. ومن ناحية أخرى إمعانهم في ~~شهواتهم ولهوهم، وجباية الأموال بالقتل أو المصادرة أو كثرة الضرائب، وعكوفهم على الخمر ~~والنساء، وحسبك دليلا على ذلك أن كان يقدر ما يصرف على قصر يلدز في عهد السلطان عبد ~~الحميد بألف جنيه كل يوم، مع أن قدرة الجنيه على الشراء وقتئذ أكثر من ثلاثة أمثاله ~~اليوم. # أما العلماء؛ فمسئوليتهم من ناحيتين أيضا؛ الأولى: أنهم أذاعوا في عامة الشعب ~~الأحاديث والتعاليم التي تؤيد السلاطين في عصورهم من مثل: السلطان ظل الله في أرضه، ~~وأنه إنما يحكم بأمر الله وإرادته، وأنه إن ظلم فإنما يظلم بظلم الناس. ومن ناحية أخرى ~~استخدامهم في تخدير الشعب ورضاه بحالته من طريق خطب يوم الجمعة في المساجد أو الدروس ~~الدينية أو الوعظ والإرشاد وما إلى ذلك، قال الغزالى في الإحياء: «اعلم أن الخلافة بعد ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # تولاها الخلفاء الراشدون المهديون، وكانوا أئمة علماء بالله - ~~تعالى - فقهاء في أحكامه، وكانوا مستقلين بالفتاوى في الأقضية؛ فكانوا لا يستعينون ~~بالفقهاء إلا نادرا في وقائع لا يستغنى فيها عن المشاورة فتفرغ العلماء لعلم ~~الآخرة، ms095 وتجردوا لها، وكانوايتدافعون الفتاوى وما يتعلق بأحكام الخلق من الدنيا، ~~ويقبلون على الله - تعالى - بكنه اجتهادهم كما نقل من سيرهم، فلما أفضت الخلافة ~~بعدهم إلى أقوام تولوها بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام اضطروا إلى ~~الاستعانة بالفقهاء، وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم؛ لاستفتائهم في مجاري أحكامهم، ~~وكان قد بقي من علماء التابعين من هو مستمر على الطراز الأول، وملازم صفو الدين، ~~ومواظب على سمت علماء السلف؛ فكانوا إذا طلبوا هربوا وأعرضوا، فاضطر الخلفاء ~~إلى الإلحاح في طلبهم لتولية القضاء والحكومات، فرأى أهل تلك الأعصار عز العلماء ~~وإقبال الأئمة والولاة عليهم مع إعراضهم عنهم؛ فاشرأبوا لطلب العلم توصلا إلى نيل ~~العز ودرك الجاه قبل الولاة، فأكبوا على علم الفتاوى، وعرضوا أنفسهم على الولاة ~~فتعرفوا إليهم، وطلبوا منهم الولايات والصلات، فمنهم من حرم ومنهم من أنجح والمنجح لم ~~يخل من ذل الطلب ومهانة الابتذال، فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين، وبعد ~~أن كانوا أعزة بالإعراض عن السلاطين أذلة بالإقبال عليهم، إلا من وفقه الله - ~~تعالى - في كل عصر من علماء دين الله. # وقد أكثر الإقبال في تلك الأعصار على علم الفتاوى والأقضية؛ لشدة الحاجة إليهما في ~~الولايات والحكومات، ثم ظهر بعدهم من الصدور والأمراء من يستمع مقالات الناس في قواعد ~~العقائد، ومالت نفسه إلى سماع الحجج فيها فتغلبت رغبته إلى المناظرة والمجادلة في ~~الكلام، فأكب الناس على علم الكلام، وأكثروا فيه التصانيف، ورتبوا فيه طرق المجادلات، ~~واستخرجوا فنون المناقضات في المقالات، وزعموا أن غرضهم الذب عن دين الله، والنضال ~~عن السنة، وقمع المبتدعة، وكان زعم من قبلهم أن غرضهم الاشتغال بالفتاوى ~~الدينية، وتقلد أحكام المسلمين؛ إشفاقا على خلق الله ونصيحة لهم، ثم ظهر بعد ذلك من ~~الصدور من لم يستصوب الخوض في الكلام، وفتح باب المناظرة فيه؛ لما كان قد تولد من فتح ~~بابه من التعصبات الفاحشة والخصومات الفاشية المفضية إلى إهراق الدماء وتخريب البلاد، ~~ومالت نفسه إلى المناظرة في الفقه وبيان الأولى من مذهب الشافعي وأبي حنيفة - رضي ~~الله ms096 عنهما - على الخصوص، فترك الناس الكلام وفنون العلم، وانثالوا على المسائل ~~الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة على الخصوص، وتساهلوا في الخلاف مع مالك وسفيان وأحمد ~~- رحمهم الله تعالى - وغيرهم. وزعموا أن غرضهم استنباط دقائق الشرع، وتقرير علل ~~المذاهب، وتمهيد أصول الفتاوى، فأكثروا من التصانيف في الاستنباطات، ورتبوا فيها ~~أنواع المجادلات والتصنيفات، وهم مستمرون عليه إلى الآن ، ولسنا ندري ما الذي يجد ~~الله فيما بعدنا من الأعصار، فهذا هو الباعث على الإكباب على الخلاف والمناظرات لا غير، ~~ولو مالت نفوس أرباب الدنيا إلى الخلاف مع إمام آخر من الأئمة، أو إلى علم آخر من ~~العلوم لمالوا أيضا معه، ولم يسكتوا أيضا عن التعلل بأن ما اشتغلوا به هو علم الدين، ~~ولا مطلب لهم سوى التقرب من رب العالمين. ا.ه.» # أقول هذا ما قاله حجة الإسلام في جماهير علماء المسلمين إلى عهده في أواخر القرن ~~الخامس والقرون الخمسة الأولى خير زمن المسلمين علما وعملا وتمسكا بالدين، ثم كان ~~الأمر أمر من ذلك وأقسى من جهالة العلماء، ومزج الدين بالتصوف وبالخرافات، فازداد ~~تفرقهم إلى شيع، ثم احتاج إليهم الأمراء في تخدير الرعية، وإثارة الخلاف بين ~~السنية والشيعة، فعملوا بإشارتهم، وخدروا الرعية كما أمروا، وبالغوا في تعليم ~~الناس أن ما كان مقدرا لا بد أن يكون، وأن ما يحدث بقضاء الله وقدره، وأن الفقير ~~فقير لقضاء الله عليه بالفقر، والغني غني لقضاء الله له بغناه، والسلطان سلطان بقضاء ~~الله بسلطانه. وأن السلطان ليس مطلوبا منه عدل في رعية ولا نظر إلى مصالحها؛ فهو إنما ~~يفعل ما يفعل تحقيقا لمشيئة الله. # كل هذا أضعف من قيمتهم في نظر الملوك أنفسهم وفي نظر الشعوب إلا من عصم ربك، ومثل ~~علماء الدين مشايخ الطرق الصوفية، وقد خضعوا أيضا للسلطان، واستذلوا له وخدروا ~~الشعب من طريق تصوفهم تارة بأن الولاية يصح أن تجتمع مع مخالفة الدين، وتارة من جهة أن ~~السلطان خليفة الله، وإنما يأتي ما يأتي بأمر من الله وإطاعته، فتعاونوا مع الأمراء ~~تعاون العلماء معهم في ms097 خدمة مصالحهم الشخصية من طريق خدمتهم للسلاطين والكبراء. على أن ~~الدين في كل أمة ليس هو كل شيء ورقي الأمم وانحطاطها يرجع إلى أسباب كثيرة أحدها الدين. ~~يرجع إلى الحالة الاقتصادية في الشعوب، وإلى الحالة الاجتماعية، وإلى وجود العلماء ~~المخترعين، وإلى الدين أيضا، بل إن الدين يتلون بلون الأمة ولون عقيدتها، فالنصارى ~~أنفسهم دينهم اليوم ، وإن سمي بالنصرانية ليست هي النصرانية التي كانت في القرون ~~الوسطى، ولا النصرانية التي كانت في أول عهد البروتستنتية، لكنها نصرانية تغيرت بتغير ~~العقلية. وحسبنا دليلا على ذلك أن أمة اليابان وهي وثنية الدين لما حذت حذو أوروبا ~~وأمريكا في نهضتها؛ فأيدت علماء الطبيعة والكيمياء وعلمتهم التعليم الحديث، وشجعتهم ~~على الاختراع والابتكار ساروا سيرها، ووصلوا إلى ما وصلت إليه أوروبا وأمريكا، وحاربوا ~~روسيا وانتصروا عليها، ثم حاربوا أوروبا وأمريكا وانتصروا عليهم أولا وإن انهزموا ~~أخيرا. ولم تمنعهم وثنيتهم أولا من النهوض والتقدم، وكان تقدمهم في وسائل النهضة ~~الأخرى مغطيا لانحطاطهم الديني؛ فكيف لو صلح دينهم وسمت روحانيتهم؟! فقوانين النهوض ~~والانحطاط واحدة في جميع الأمم، وطبيعية كطبيعة الشمس تطلع على الكافر والمؤمن ~~وتنبت الزرع للكافر والمؤمن، ولم يجعل الله التقدم مقصورا على أمة دون أخرى، وعلى ~~أهل دين دون آخرين، إنما هي هذه القواعد الطبيعية التي من سار عليها تقدم؛ مسلما كان ~~أو كافرا أو وثنيا، ومن لم يسر عليها تأخر؛ مسلما كان أو كافرا أو وثنيا ~~والله - تعالى - يقول: # إن الأرض لله يورثها من ~~يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ~~، والمتقون هنا من ~~راعوا كل شروط التقدم، لا من أكثروا الصلاة والصوم والزكاة والحج فقط، فإذا استوفت ~~أمة كل هذه الشروط تقدمت لا محالة، وإذا كانت هذه الشروط عشرة فاستوفت تسعة أو ثمانية ~~كان تقدمها بمقدارها. والدين أحد هذه الشروط، لا كلها؛ فالمشركون لو توفرت لديهم كل ~~الشروط ما عدا الدين تقدموا تقدما ناقصا بقدر عامل الدين الصحيح. # وقد شاء الله أن يكون تقدم الأمم وانحطاطها. بشروط طبيعية، كشروط تمدد الأشياء ~~بالحرارة وانكماشها بالبرودة، وانجذابها وفقا ms098 لقانون الجاذبية، والكهربة وفقا لقوانين ~~الكهربة وهكذا، فإذا حصلت الأسباب حصلت المسببات، فإذا سار المسلمون سير غيرهم في ~~تقدمهم نهضوا نهضتهم، وبقدر ما يحققون من شروط يكون مقدار نهضتهم، ولا يعبأ الله ~~بالأسماء؛ مسلما كان أو نصرانيا أو وثنيا، إنما يعبأ بالأسباب. والمثل العربى يقول: ~~«ومن سار على الدرب وصل.» وأول هذه الشروط هو الوعي القومي الناضج ومعرفته هدفه. وقد ~~تقدم المسلمون بعض التقدم على قدر وعيهم القومي غير الناضج، وغير المحدد الهدف، فإذا ~~حدد هدفهم، ونضج وعيهم زاد تقدمهم وإلا لا. سنة الله التي خلق الناس عليها ولن ~~تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا، والله - تعالى - يقول: # إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم ~~، فتقدم المسلمين أولا وتأخرهم أخيرا ثم نهضتهم ثالثا لم ~~تكن مجرد حوادث ليس لها تعليل طبيعي، وإنما هي معللة تعليلا طبيعيا يدركه ذوو العقول ~~الراجحة. # لو نظرنا إلى حال المسلمين في عهد الرسالة وصدر الإسلام وجدناهم كتلة واحدة توحدت ~~غاياتها، وتوحدت عقيدتها، وتوحدت تقريبا جنسيتها، ولهذا كانوا قوة فتحت فأحسنت الفتح، ~~ونظمت فأحسنت التنظيم. وليس يقوم للعالم الإسلامي قائمة إلا بهذا التوحيد في العقيدة ~~وفي العمل، ولهذا دعا كثير من المصلحين إلى الجامعة الإسلامية ويعنون بها الرابطة ~~التي تربط بين المسلمين في مختلف الأقطار من فرس وترك وعرب، وقد كانت كلمة مفزعة ~~لأوروبا في القرن الماضي، وليس صحيحا ما قاله المرحوم سعد باشا زغلول: «إن صفرا ~~وصفرا يساوي صفرا»، بل الصحيح أن: «ناقص خمسة في ناقص خمسة يساوي زائد خمسة وعشرين» ~~فكل دولة وحدها قد لا تساوي شيئا، ولكنها جميعا تستطيع الوقوف أمام الاستعمار ~~الأوروبي، وإذا كان الأوروبيون يتكتلون على الباطل لمحق المسلمين، فأولى أن يتكتل ~~المسلمون على الحق لدفع كارثة الاستعمار، وقد كان أول من نادى بها في العصر الحديث ~~السيد جمال الدين الأفغاني، وخلفه الشيخ محمد عبده، والسيد عبد الرحمن الكواكبي، غير أن ~~طريقة السيد جمال الدين كانت قوية عنيفة؛ إذ كان يريد الثورة على الملوك والأمراء ms099 في ~~الداخل، وإشعال نار الشعوب ضد الخارج، أما الشيخ محمد عبده فكان في ذلك هينا لينا ~~يريد الجامعة الإسلامية من طريق التربية والتعليم، والسيد عبد الرحمن الكواكبي كان أقرب ~~إلى السيد جمال الدين، وكان أشد فى محاربة الأمراء، وألف فى ذلك العهد كتاب «طبائع ~~الاستبداد» ضد السلطان عبد الحميد، كما ألف أم القرى لرسم خطه الجامعه الإسلامية، ولم ~~تطق أوروبا صبرا على جريدة العروة الوثقى التي كان يصدرها السيد جمال الدين في ~~باريس، فأغلقتها بعد صدور العدد الثامن عشر، وكان السلطان عبد الحميد يحارب هذه ~~النزعة أولا، ثم أراد أن يحتضنها وأهلها أخيرا؛ لما تبين له هو نفسه من نفعها، وكان ~~الشيخ علي يوسف يبشر بهذه الدعوة في جريدة المؤيد؛ إذ كان ينشر فيها أخبار العالم ~~الإسلامي، والآراء في تكتله، وكذلك مجلة المنار؛ إذ كانت تعبر عن آراء الشيخ محمد عبده، ~~والسيد رضا، ثم خفتت الدعوة بوفاة السلطان عبد الحميد الذي كان يحميها. # وأيا ما كان؛ فقد أحس الأوروبيون بخطر هذه الدعوة، وحاربوها بكل قوتهم؛ بصحفهم ~~ومؤتمراتهم وكل قوة لديهم؛ لما تبين لهم من قوتها وخطرها إذا تحققت، واستنجد بعض ~~الأوروبيين الشعوب المسيحية طالبين إعانة سنوية، والنهضة بالمبشرين، وتعيين المبشرين ~~الكبار في الجهات التي يوجد فيها مسلمون، ونشر الرسائل، وإنشاء مجلة لمقاومة فكرة ~~الجامعة الإسلامية، ونشر جريدة لبيان الأفكار التي تطبع مؤيدة لها، وهكذا. وكان من ~~نتيجة ذلك أن اجتهد رئيس المبشرين وهو المستر «زويمر» في عقد مؤتمر للنظر في هذه ~~الحالة، فانعقد المؤتمر في سبتمبر سنة 1911م، وكان هذا الموضوع - موضوع الجامعة ~~الإسلامية، وكيفية مقاومتها - من أهم موضوعاته، وخصص لجنتان منه لهذا الغرض. وقد ~~افتتح الرئيس «زويمر» المؤتمر بأن بدأ يدعوه للبحث في الوسائل التي يمكن بها مقاومة ~~الإسلام، وكان يتبع المؤتمر غرفتان عرضت فيهما الغرائب المتعلقة بالإسلام مع مطبوعات ~~جمعية التوراة التبشيرية، واشترك في هذا المؤتمر 168 مندوبا و113 مدعوا عن أربع ~~وخمسين جمعية تبشيرية، وعلى رأس المؤتمرين القسيس زويمر الذي تصفه جريدة فرنسية بأنه لا ~~يهزم، وبأنه ms100 درس الإسلام في شعوبه، ومنع الصحفيون الإنجليز والأمريكان من شهود هذا ~~المؤتمر، ولم توزع عليهم النشرات إلا بعد تنقيحها. وقد قال الرئيس في مجلة العالم ~~الإسلامي: إن الإسلام تمخض في السنوات الخمس الأخيرة التي أعقبت مؤتمر مصر عن حوادث ~~خارقة لم يسبق لها نظير، ففيها حدث الانقلاب الفارسي، والانقلاب العثماني، وفيها انتبهت ~~مصر لحركتها الحاضرة، وعني المسلمون بمد السكة الحديدية، وتأسست في الهند مجالس ~~شورية، ودخلت الأمور الإسلامية في قالب يلائم العصر، ازداد به التمسك بمبادئ الإسلام، ~~وانتشر الإسلام في أفريقيا والهند الغربية والجزائر الجنوبية، وكل هذه الحوادث تحتم على ~~الكنيسة أن تعمل بحزم وجد، وتنظر في أمر التبشير والمبشرين بكل عناية، وعلى ذلك فسيوضع ~~برنامج للأمور الآتية: # درس الحالة الحاضرة. إنهاض الهمم لتوسيع نطاق تعليم المبشرين والتعليم النسائي. إعداد ~~القوات اللازمة ورفع شأنها. وقد حز في نفس الرئيس ما صارت إليه حالة المسلمين ~~وارتقاؤهم، وكان مما قاله: إن لفظة العالم الإسلامي ليست شيئا اخترعه المبشرون، وإنما ~~هو حقيقة موجودة، كلمة دقيقة تدل على موقف حقيقي، وقال: إن عدد المسلمين يزيد قليلا ~~على مائتي مليون، والتبشير فيهم يحتاج إلى نفقات طائلة، خصوصا وأن الإسلام ينتشر ~~بسرعة، والمبشرون المنتشرون على ضفتي النيل وشرقي أفريقيا وبلاد النيجر والكونغو يشكون ~~مر الشكوى من انتشار الإسلام بسرعة في هذه الأنحاء، ومع أن انتشار الإسلام في الهند قد ~~لقي موانع من مجهودات جمعيات التبشير الهولاندية والألمانية، فهو يتوطد هناك؛ لأن ~~المسلمين أخذوا يستبدلون بالتقاليد القديمة عقائد ثابتة وقوية، وانتقل الرئيس إلى وصف ~~الانقلابات التي حدثت في البلاد الإسلامية، وحمد الله عليها، وأثنى على احتلال الجيش ~~الفرنسي لمقاطعة واداي في أفريقيا، وقال: إنه لم يبق الآن إلا 37 مليونا و128 ألفا ~~و800 آحادا، تحت سلطة حكومة إسلامية، وقال: إن الإسلام بدأ يتنبه لحقيقة موقفه، ~~ويشعر بحاجته إلى تلافي الخطر، وهو يتمخض الآن عن ثلاث حركات إصلاحية؛ الأولى: إصلاح ~~الطرق الصوفية، والثانية: تقريب الأفكار من الجامعة الإسلامية، والثالثة: إفراغ العقائد ~~والتقاليد القديمة في قالب معقول. وأشار إلى ms101 قول الدكتور «و. شيد»: إن الإسلام يتحكك في ~~كل قطر بالمدنية العصرية ومبادئها، وقال: إنه ليس في الإمكان التقدم الاجتماعي والعقلي ~~إذا خلوا من كل صبغة دينية، وانتقل «زويمر» بعد ذلك إلى استنهاض الكنائس لمقاومة ~~المسلمين، ونشر التبشير بينهم، وختم القسيس كلامه بقوله: «إذا نظرنا إلى البلاد التي ~~يحكمها هذا الدين الكبير المخاصم لنا، وإلى البلاد التي يتهددها بحكمه، يظهر لنا أن كل ~~واحدة من هذه البلاد هي رمز لعنصر من المعضلة الكبرى، فمراكش في الإسلام مثال للانحطاط، ~~وفارس مثال للانحلال، وجزيرة العرب مثال للركود، ومصر مثال لمجهودات الإصلاح، والصين ~~مثال للإهمال، وجاوه مثال للتغير والانقلاب، والهند مركز للتحكك بالإسلام، وأفريقيا ~~الوسطى مكان للخطر الإسلامي، وهذه كلها مشاكل يحتاج الإسلام معها قبل كل شيء إلى ~~المسيح. ~~••• # ومن المؤسف أن حاجة المسلمين إلى الجامعة الإسلامية هي اليوم كما كانت ولم تتقدم ~~كثيرا، ولم تكف أوروبا عن مناهضتها، وكل حادثة من الحوادث الكبار تؤيد الرأي ~~القائل بأن المسلمين لا تقوم لهم قائمة إلا بهذه الجامعة، وآخر حادثة كانت هي حرب ~~فلسطين، فإن العالم العربي لم يتحد على مقاومة اليهود، كما اتحدت إنجلترا وأمريكا ~~على مناصرتهم، فضلا عن عدم اتحاد العالم الإسلامي، ولو ظل الأمر على هذا النحو فلم ~~يتعظوا بهذا ولم يلموا شملهم، فستضيع كل يوم بلاد إسلامية جديدة، فهل يتعلم ~~المسلمون اليوم هذا الدرس، بما أصابهم من فشل؟ أو سيبقون كما هم حتى يلدغوا من جحر واحد ~~مرتين وثلاثا لا قدر الله؟ إن الجواب عن هذا السؤال ملفوف بحجاب المستقبل. # وأدركت إنجلترا وفرنسا خطر الدعوة إلى الجامعة الإسلامية، فأوعزتا إلى السلطان عبد ~~الحميد بانتداب محمد علي لقتال الوهابيين، والقضاء عليهم، وأوعزت إنجلترا إلى فرنسا ~~بإغلاق جريدة العروة الوثقى للسيد جمال الدين الأفغاني، كما بثت الدعوة في أوروبا ~~كلها للفزع من هذه الجامعة الإسلامية واستبشاعها، وعلمت إنجلترا وفرنسا أن هذه الجامعة ~~لا تكون إلا بالتعصب للإسلام، فكرهتا في هذا التعصب، وعدتاه رذيلة من أكبر ~~الرذائل، وخوفتا المسلمين منه رجاء كرههم له وعدولهم ms102 عنه مع أن هذا التعصب فضيلة من ~~أكبر الفضائل يقابله تعصب النصارى ضد المسلمين، بل إن فرنسا كان من دعوتها محاربة اللغة ~~العربية؛ لأنها وسيلة للدين الإسلامي، والدين الإسلامي وسيلة للتعصب؛ فكل قطر لا يقوى ~~وحده بإصلاحه ودعوته على محاربة الاستعمار؛ لأن الاستعمار أقوى منه، ولكن العالم ~~الإسلامي كله بما فيه من ثلاثمائة مليون على الأقل قادر إذا أخلص النية وصحح العزم ~~على محاربة النصرانية مجتمعة، وقد كان من أهم مبادئ الإسلام الحج كل عام؛ ليكون مؤتمرا ~~يتذاكر فيه المسلمون شئون دينهم وحالتهم الاجتماعية، ويرسمون الخطط لهذا الإصلاح، كما ~~كان من مبادئ الإسلام أن يكون المسلمون كلهم تحت لواء خليفة واحد يرعى شئونهم، وينظر ~~إلى مصالحهم، فهذان المبدآن كانا يوحدان الغرض ويوحدان العمل. # لقد اختلف المصلحون؛ فكان مثلا مثل الشيخ محمد عبده يرى أن التربية الإسلامية ~~الصحيحة يجب أن تسبق الجلاء، وأنها إذا وجدت ألفت بين القلوب، وقضت على التنافر، ~~وجعلت المسلمين وحدة يرمون النصارى إلى خارج بلادهم، ووجد دعاة آخرون أمثال مصطفى ~~كامل كانوا يرون الجلاء أولا؛ لأن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يكون ناجحا في عهد ~~الاستعمار، وهو المسيطر على البلاد، القابض على زمام الأموال، المشرف على حركات التربية ~~والتعليم، ومهما كان فكلا الرأيين متفق على ضرورة وحدة العالم الإسلامي واجتماع قواه. ~~وكان من أكبر أسباب تخاذل المسلمين في الحرب الفلسطينية الأخيرة عدم توحد القوى، وعدم ~~وضوح الهدف أمام الجميع، فمصر تحارب، والعراق تنكمش، وشرق الأدرن تمالئ، وكل يدلي ~~بحجته في تبرير مسلكه، وهم جميعا متفقون على أن وحدتهم كانت قوة وتخاذلهم كان شرا ~~عظيما، وكان من نتيجة الفشل مهما قيل في أسباب التخاذل وعلله؛ ضياع فلسطين. # وفترت حدة بعض الدول الأوروبية في التشهير بالجامعة الإسلامية كما كانت في عهد ~~جمال الدين الأفغاني؛ لأنهم أدركوا أن في تكتل العالم الإسلامي وتوحده مصلحة لهم، على ~~شرط أن يكون هذا التكتل ضد روسيا وضد الشيوعية، وكان يصح أن يتخذ المسلمون هذه فرصة ~~سانحة لتكوين وحدتهم والعمل على تكتلهم كما كانت ms103 السلطنة العثمانية على عهد السلطان عبد ~~الحميد تنتهز الفرصة لوقوع الخلاف بين إنجلترا وروسيا لتشق الطريق بينهما، وما كانت ~~تستطيع أن تشقه إذا اجتمعتا. # ولقد كان المرحوم سعد باشا زغلول يرى أن يسبق الدعوة إلى الجامعة العربية أو الجامعة ~~الإسلامية انشغال كل قطر بتقوية نفسه حتى تكون هناك قيمة لائتلاف الأمم القوية لا ~~الأمم الضعيفة، فبعد أن تقوي الأمم نفسها يكون لها هناك جامعة عربية أو جامعة ~~إسلامية. على أنه فيما أظن لا ينكر أن وحدة العالم العربي أو العالم الإسلامي هو الهدف ~~الأخير، إنما يجب أن تسبقه مقدمات مثل أخذ كل قطر بتقوية نفسه. # وكان السلطان عبد الحميد على عيوبه التي منها الاستبداد والإمعان في الشهوات من أكبر ~~دعاة الجامعة الإسلامية، يرى أنه لا يمكن الاستغناء عن العنصر العربي بجانب العنصر ~~التركي، وأن اجتماع العنصرين قوة لا يستهان بها فإذا انفرد كل ضعف، واستغل في ~~ذلك سلطانه على الحرمين الشريفين مكة والمدينة، ولما أرادت إيطاليا الاستيلاء على ~~طرابلس الغرب وقف العرب بجانب الترك مستأسدين واستطاعوا أن يهزموا الطليان أولا هزيمة ~~منكرة. كل ذلك جعل الأوروبيين من إنجليز وفرنسيين يخشون بأس تركيا، ويحذرون قوتها ~~بهذه الجماعة الإسلامية. ولهذا لما قضى مصطفى كمال على الخلافة هب الهنود المسلمون ~~ورأوا فناءها كارثة على الإسلام والمسلمين ... وجاءت حركة مصطفى كمال ترى أن انضمام ~~العرب والترك كان كارثة على الترك، خصوصا بعد ما ظهر من تخلي العرب عن الترك في الحرب ~~العالمية الأولى فنادى بالتخلي عن العرب والاقتصار على العنصر التركي؛ لأن ذلك يسهل له ~~طريق النهوض من غير أن يحمل على ظهره أعباء النهوض بالعرب أيضا. ومن ناحية أخرى رأى ~~العرب أن الأتراك وحكمهم سبب تأخرهم وعدم نهوضهم فتخلوا عنهم، فكان هذا الانشقاق ~~كارثة على الجامعة الإسلامية كلها. ومن ذلك الحين لم تصف نفوس العرب ولا نفوس ~~الأتراك إلى اليوم، وظلت هناك كتلتان: كتلة عربية وكتلة تركية على غير وئام وانسجام، ~~وأصبحت نزعتاهما مختلفتين: نزعة للعرب، يدعو قادتها إلى الرجوع إلى الإسلام الأول ms104 مع ~~الأخذ من المدنية الغربية بأحسن ما وصلت إليه، وخاصة العلم، ونزعة تركية، تدعو إلى ~~التحرر من الماضي واتخاذ المدنية الغربية أما في كل شيء. ولكن الإسلام إذا دخل قلبا ~~صعب عليه أن يخرج منه، فرأينا الأتراك بعد موت مصطفى كمال يحنون إلى الإسلام من ~~جديد ويرجعون في نزعتهم بعض الشيء وخصوصا الأشياخ منهم. ومن الأسف أن فكرة الجامعة ~~الإسلامية مع ظهورها لم يتحد العرب والأتراك في اعتناقها، حتى لما رأت حكومتا أمريكا ~~وإنجلترا مصلحتهما في تكتل المسلمين كتلة واحدة معهما أشارتا على العرب والترك بالاتحاد ~~فكان ذلك خضوعا للإشارة، لا مراعاة للمصلحة. # ولما قامت الحرب العالمية الأولى أحست أوروبا بالقلق واحتمال الهزيمة؛ فاستنصرت ~~بالمبادئ الإنسانية الأخلاقية القويمة، من مثل حق الأمم الصغيرة في حكم نفسها بنفسها، ~~وإطلاق حريتها ونحو ذلك. وصرحت عشرات التصريحات في هذا المعنى فاعتقد العالم الإسلامي ~~صحة هذه الأقوال ومنوا أنفسهم أماني بعيدة، وتداول المسلمون في جميع الأقطار هذه ~~الأقوال بل حفظوها حفظا، فلما انعقد مؤتمر فرسايل تبخرت كل هذه الأقوال، وعاد ~~الأوروبيون إلى مسلكهم الأول، وانفجر العالم الإسلامي في كل مكان، واشتعلت الثورة في ~~مصر، وفي طرابلس، وفي المغرب، وفي الهند تطلب كلها إبرار الأوروبيين بوعودهم، وافتتح ~~العالم الإسلامي عهدا جديدا، عهدا مؤسسا على خيبة الأمل والانخداع بالوعود ~~الأوروبية مما حمل الأوروبيين على أن يغيروا موقفهم تجاه هذه الحركات العنيفة، ~~فغيروا كلمة الاستعمار بكلمة الانتداب، ومنحوا بعض الأقطار الاستقلال كاملا أو ~~ناقصا، وعلى العموم فقد خطت البلاد الإسلامية خطوة جديدة لم تكن معروفة للعالم ~~الأوروبي من قبل. ولما جاءت الحرب العالمية الثانية تكررت نفس المأساة؛ فكان بعض ~~العقلاء يرون أن وعود الأوروبيين والأمريكيين وعود خلابة لا تثبت في السلم، وأن ~~السلم إذا جاء يبخرها، ولكن أكثر الشعوب الإسلامية انخدع في المرة الثانية كما انخدع ~~في المرة الأولى، وإذا كانت الشعوب الإسلامية قد لدغت مرة من قبل، فإنها لم تتألم من ~~اللدغة الثانية تألمها من اللدغة الأولى، ولكن ظل حنقها كمينا. # وحين جاءت الحرب العالمية الثانية ms105 شفى العالم الإسلامي غليله لوقوع القتال بين ~~الدول النصرانية؛ علما منهم بأن الخاسر في هذه الحرب هو الغالب والمغلوب معا، وأملت ~~أن يكون في هذه الحرب الساحقة ما يخفف الأثقال عن كاهلها. # ولا يدري إلا الله ماذا سيكون لو وقعت حرب ثالثة، فربما أمل العالم الإسلامي ~~خيرا من النزاع الشديد بين الدول الديموقراطية، أو بعبارة أخرى الرأسمالية، وبين روسيا ~~الشيوعية، فإن الاختلاف بين الدول النصرانية يفسح المجال أمام العالم الإسلامي، ~~ويجعله يشق طريقه بين المذهبين، ويستطيع أن يكسب من الخصمين إذا أحكم النظر ~~وأعمل الفكر. ولكن فت في عضد المسلمين داخليا ما رأوه من تخاذل المسلمين ~~وكذبهم في سبيل النصرة ضد الصهيونيين، وخارجيا بما رأوه من اتفاق الكتلتين ~~الديموقراطية والشيوعية على مناصرة الصهيونيين، وإخراج المسلمين من ديارهم، ومساعدتهم ~~بكل ما أمكنهم؛ فكان التخاذل مع الحق أمام الاتحاد على الباطل، ولكن ربما كان هذا نارا ~~تلهب قلوب العالم الإسلامي من جديد، وتنكأ جروحهم القديمة، وتجعلهم يؤمنون بأن ~~الأمل في الاعتماد على فريق منهم أمل ضائع، وألا أمل إلا في الاعتماد على الله وعلى ~~أنفسهم. # وهذا الوعي القومي الذي حدث في العالم الإسلامي من جراء هجوم الأوروبيين عليهم ~~واستعمارهم؛ سبب ثورة في كل قطر من الأقطار الإسلامية، فشبت في الجزائر ثورة سنة ~~1871، وهب رجال الدين في كل بلد من بلاد إفريقية الشمالية يستثيرون المسلمين، ~~ويستنفرونهم للحرب والجهاد، وكانت ثورة المهدي في السودان المصري، وهي ثورة دامت ~~طويلا، وكلفت الإنجليز خسارات كبيرة، ولم تخمد حتى استطاع كتشنر أن يستولي على ~~الخرطوم، وانفجر في أفغانستان بركان حقد وعداء للغرب، وطارت شرارة منه إلى مسلمي الهند ~~فألهبت صدورهم، فهبوا يشقون الطاعة ضد الإنجليز، وثارت أواسط آسيا على يد الطريقة ~~النقشبندية، فأخذت تمتد، وتنتشر شرقا حتى بلغت الأقطار الصينية، فثار مسلمو الصين ~~ثورتهم الكبرى في تركستان، وأشعلت جزائر الهند الشرقية الهولندية ثورات متوالية. ولكن ~~هذه الثورات كلها كانت محلية متقطعة يعوزها التنظيم والاتحاد، وتوحيد قوة القيادة، ~~والإيمان بأنه لا يصد الأوروبيين مجتمعين إلا الجامعة الإسلامية. وقد ms106 أدرك هذا بعض ~~القادة مثل محمد ابن عبد الوهاب في الحجاز، والسنوسي في الصحراء، والسيد جمال الدين ~~الأفغاني، ولكن كان هناك حركة معاكسة؛ لهذا ترى أنه لا يمكن الإصلاح إلا إذا قوت ~~أولا كل أمة نفسها، وحذت حذو أوروبا في جميع مناهجها في النهضة، كحركة مصطفى كمال في ~~تركيا، ومحمد علي في مصر، وأمان الله خان في الأفغانستان. فكل هذه الحركات كانت حركات ~~لا دينية لا تؤمن بالجامعة الإسلامية. ولذلك تخلى مصطفى كمال عن العرب. بينما كان ~~محمد بن عبد الوهاب والسيد جمال الدين والسنوسي ينظرون دائما إلى عهد الإسلام الأول، ~~وقدرة نظامه على الإصلاح التام، وضرورة اجتماع كلمة المسلمين كما كانوا مجتمعين من قبل ~~أن تفرقهم السياسة والمذاهب الدينية. # فالنزعتان مختلفتان، والطريقان أيضا مختلفان. وإذا قلنا إن حركة مصطفى كمال ومحمد ~~علي حركة لا دينية فلم يكن هذا بمعنى واحد؛ فإصلاحات مصطفى كمال ترمي إلى التهور في ~~تقليد الأوروبيين، أما محمد علي فحركته - وإن كانت لا دينية - فترمي إلى شيء من ~~الاعتدال في تقليد الأوروبيين. ولئن كانت حركة مصطفى كمال ومحمد علي مناسبة ~~لشعبيهما، قد تقبلها الشعب التركي والمصرى بقبول حسن؛ فإن الشعب الأفغاني لم يستطع ~~- لتأخره - أن يهضم حركة الإصلاح التي قام بها أمان الله خان يقلد فيها حركة مصطفى ~~كمال، بينما مجد الشعب التركي مصطفى كمال، والشعب المصري محمد علي. # أما حركة مصطفى كمال؛ فإنه بعد انتصاره على اليونان أخذ يفكر في الأسباب التي أدت ~~إلى انهيار تركيا هذا الانهيار، ومحوه لهذه الأسباب وتقليده للأوروبيين في كل تصرفاتهم، ~~فوطن مصطفى كمال نفسه على أن يسير في الطريق الذي سار فيه الأوروبيون لتكوين نهضتهم ~~وتدعيمها، واتخذ الحضارة الأوروبية إماما له - ولو خالفت الإسلام - غير ناظر مطلقا ~~إلى المبادئ الإسلامية، بل لا يأنف أن يهاجمها إذا تعارضت مع الحضارة الأوروبية. # ونفخ مصطفى كمال في الأمة روحا جديدة ترمي إلى الاعتزاز بقوميتهم بدل الاعتزاز ~~بدينهم، وبث في قومه العزة والفخار بوصفهم أحفاد الطورانيين، كما كان بعض الدعاة في ~~مصر يدعون ms107 للاعتزاز بأنهم أحفاد الفراعنة. وأيد الفكرة الضعيفة التي قال بها بعض ~~علماء قليلين من الأوروبيين التي تذهب إلى أن لغة السومريين منشئي الحضارة البابلية ~~القديمة كانت ذات صلة بالتركية والقائلة بأن اكتشافات حدثت في الأناضول تدل على أن شعوب ~~آسيا الصغرى اقتبست من حضارة الحيثيين التي أخذت من البابليين، ثم أخذتها شعوب آسيا ~~الصغرى، وعنها أخذ الجنس الأوروبي، فأصل الحضارات كلها إذن في زعمهم هي الحضارة ~~التركية. # ثم صفيت اللغة التركية من كثير من الكلمات العربية والفارسية، وبحث مكانها عن ~~كلمات طورانية قديمة، حتى الأعلام، مثل: مصطفى كمال غيرت بكلمات أخرى مثل أتاتورك. ~~وفي سنة 1928 دعا مصطفى كمال مؤلفا موسيقيا نمسويا للتدريس في المعهد الموسيقي ~~بإستنبول لإدخال العنصر الأوروبي في الموسيقى على العنصر التركي. # وكان طبيعيا أن يساير الأدب هذه النهضة، من مثل: الأديبة التركية خالدة أديب التي ~~لحقت مصطفى كمال إلى الأناضول، وشاركت بنفسها في معارك التحرير، وصورتها تصويرا ~~رائعا في روايتها «قميص النار». # ورعى مصطفى كمال الفنون والآداب رعاية تامة؛ علما منه بأنها تخدمه خدمة كبرى في ~~نزعاته الجديدة، فشجع المعماريين الأتراك على أن ينشئوا العمارات الكبيرة وفقا لأحدث ~~الطرز الأوروبية الحديثة. وشجع النحاتين الألمان أن ينحتوا تماثيل كالتماثيل ~~الأوروبية، وفي مقدمتها تمثال أتاتورك. واستقدم رسامين فرنسيين؛ ليعلموا الأتراك أصول ~~فن الرسم الحديث، كما استقدم بعض مشاهير الموسيقيين، وألحقهم بمعهد إستنبول. وشجع ~~الأدباء الذين ينهجون في أدبهم منهجا يوافق نهضتها، من مثل: الشاعر الغنائي الكبير عبد ~~الحق حامد، والشاعر أحمد هاشم، والقصصي الروائي يعقوب قدري، الذي وضع القصة على أساس فن ~~روائي حديث. # أما محمد علي في مصر؛ فقد كان أكبر اهتمامه بالجيش وإصلاحه، وتدعيم وسائل هذا الإصلاح ~~من غير هزة عنيفة كالتي عملها في تركيا مصطفى كمال، وقد أنشأ الجديد مع محافظته على ~~القديم. فالمدارس المدنية بجانب الأزهر، والقضاء الأهلي بجانب المحاكم الشرعية، والكتب ~~الأدبية المترجمة بجانب الكتب التركية والعربية القديمة، وهكذا. # كانت حركة مصطفى كمال في تركيا، ومحمد علي في مصر، وأمان الله خان في ms108 أفغانستان حركات ~~لا دينية بالمعاني التي ذكرناها قبل، ولم تكن تنظر إلى الجامعة الإسلامية، ولم ينظروا ~~إلى المبادئ الإسلامية في قليل أو كثير، وإن كان محمد علي كان يريد التوسع في مملكته ~~بقدر الإمكان لا لإنشاء جامعة إسلامية، ولكن لإنشائه دولة واسعة علوية تشمل العراق ~~وسوريا والأناضول ومصر. # يقابل هذه الحركة حركات أخرى تريد الجامعة الإسلامية وتريد النظر إلى الإسلام في ~~حالته الأولى، مثل: محمد بن عبد الوهاب في الحجاز، والسيد جمال الدين الأفغاني في مصر، ~~والسنوسي في ليبيا. # وأيا ما كان؛ فالعمل لتكوين هذه الجامعة الإسلامية لم يتحقق بعد، فقد ثارت كل ~~أمة، وحاربت، وجاهدت، وأعلنت مبادئها من غير أن يكون لها قيادة واحدة تنظم حركاتها، ~~وتوجهها وجهة واحدة. # بقيت هناك طائفة في كل أمة من الأمم الإسلامية تشمل أفئدة طلاب المدارس الثانوية ~~والعالية والجامعة. وهؤلاء إن عدوا مسلمين فمسلمون جغرافيون ليس إلا. لا يعنيهم ~~الإسلام في قليل ولا كثير، ولا يؤدون شعائره، ولا يلتفتون إليه، إنما هم مقلدون ~~للأوروبيين في منهجهم وسلوكهم، قد يرجى منهم الخير من الناحية الوطنية والقومية لا من ~~الناحية الإسلامية، لا يفهمون تمام الفهم حقيقة للإسلام، ولا علم لهم بمبادئه، بل لا ~~علم لهم بكثير من شعائره. # دخل سعد باشا زغلول يوما مدرسة المعلمين قبيل العيد، فسأل طلبة الفصل عن صلاة ~~العيد وكيفيتها، فلم يعرف أحد منهم كيف يصليها. وقد سألني بالأمس مستشرق هولندي الأسئلة ~~الثلاثة الآتية: قال هل عندك أمل في الأزهر؟ فقلت: لا؛ لأن حركة الإصلاح التي يطالب بها ~~الشبان يستطيع أن يخمدها الشيوخ بقوتهم وسلطانهم، إلى أسباب أخرى لا محل لذكرها. ~~وإنما يصلح الأزهر إذا بدأ بجعل نفسه كلية دينية، فالطلبة كلهم يتعلمون في المدارس ~~الثانوية على السواء، وبعد التعليم الثانوي ينوع الطلبة ... هذا قوي في الأعمال اليدوية ~~فيوجه إلى ذلك، وهذا قوي في الأعمال العلمية فيوجه إلى الجامعة، وهذا قوي في الناحية ~~الدينية فيتوسع معه في اللغة العربية والتاريخ الإسلامي والدين، فإذا حاز ~~البكالوريا التحق بالكلية الدينية التي هي الأزهر، ms109 فيتوسع ويتعمق في دراسة ~~الدين والفقه وما إلى ذلك. # وكان السؤال الثاني: هل عندك أمل في الجامعة المصرية؟ فقلت: «لا» أيضا. قال: لم؟ ~~قلت: إنك بالضرورة تسألني عن أثر ذلك في الإسلام، والجامعة لا تأبه بالإسلام، وإنما ~~تؤسس علومها ومناهجها على النمط الأوروبي، فقد يكون لها أثر كبير في الوعي القومي ~~والحركة الوطنية، أما حركة إسلامية فلا. # وسألني السؤال الثالث: هل توافق على نظرية الأستاذ علي عبد الرازق في كتابه: «الإسلام ~~وأصول الحكم» من أن رسالة الإسلام رسالة روحانية فقط، وليس لها دخل في الشئون المدنية ~~ولا الدنيوية؟ قلت له: «لا» أيضا؛ لأن الإسلام جاء بنظام ديني ودنيوي معا، أما الديني ~~فظاهر، وأما الدنيوي فدليلنا على ذلك أنه جعل نظاما كاملا شاملا للشئون المالية ~~كالبيع والإجارة والرهن ونحو ذلك، وكتحريم الربا وتحليل البيع. وفي الشئون الاجتماعية، ~~كنظام الزواج، والطلاق، والميراث، والوقف، ونحو ذلك. غاية الأمر أن المسلمين أجادوا في ~~التوسع في هذه المسائل حتى لم يتركوا صغيرة ولا كبيرة، ولكنهم قصروا في وضع القانون ~~الدستوري، كمن يتولى الخلافة، ومن هم أهل الحل والعقد. # على كل حال وجدت في السنين الأخيرة حركة إسلامية تدعو إلى الرجوع للإسلام والأخذ ~~بشعائره على يد الإخوان المسلمين، وتناهض الحركة ما انتشر بين طلبة المدارس ~~الثانوية والجامعة من عدم اهتمامهم بأمور الدين. وكانت تعاليمهم كما في قانونهم: العمل ~~على تكوين جيل جديد، يفهم الإسلام فهما صحيحا، ويعمل بتعاليمه، ويوجه النهضة إليه، ~~حتى تكون مظاهر حياة الأمة كلها مستمدة من روحه، مرتكزة على أصوله، وذلك أولا: ~~(أ) # بتقوية الفضائل الخلقية، وإحياء الشعور بكرامة الأمة، وتحرير النفوس من ~~الضعف واليأس والرذيلة، واتباع القرآن في قوله: # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون ~~بالله ~~. ~~(ب) # التحذير من الاندفاع في حياة المتعة والترف، والمادة، وتقليد الغرب في ~~ذلك؛ إعجابا بحضارته المادية، والتذكير بأصول الحضارة الإسلامية الفاضلة ~~المجيدة: # يا أيها الذين آمنوا إن ~~تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم ~~فتنقلبوا خاسرين * بل الله مولاكم ~~وهو خير الناصرين ms110 ~~. ~~(ج) # نشر الثقافة والتعليم، والمحافظة على القرآن الكريم، ومحاربة الأمية ~~بإنشاء المدارس والأندية والأقسام الليلية، والنشرات الدورية، والمحاضرات، ~~وغير ذلك من الوسائل العلمية النافعة؛ # إنما ~~يخشى الله من عباده العلماء ~~. ~~(د) # تأسيس المنشآت النافعة للأمة روحيا واقتصاديا، ما أمكن ذلك، كالمشاغل ~~والمستوصفات الطبية، والعيادات الخيرية، والمساجد، وإصلاحها وترميمها، ~~والإنفاق عليها، والإشراف على إدارتها، وإحياء الشعائر فيها، # في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها ~~اسمه ~~. ~~(ه) # علاج الآفات الاجتماعية كالمخدرات، والمسكرات، والمقامرة، ~~والبغاء، ونشر الدعايات الصحية، خصوصا في القرى والأرياف، وإرشاد ~~الشباب إلى الاستقامة الصحيحة: # وأن لو ~~استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء ~~غدقا ~~. ~~(و) # تشجيع أعمال الخير والبر، وتنظيمها، ومساعدة الفقراء والبائسين، ~~والمصالحات بين الأفراد والأسر، حتى يقوم التحاكم إلى الحب والإخاء مقام ~~التحاكم إلى القانون والقضاء. ~~(ز) # تقوية روابط التعارف والإخاء بين الشعوب الإسلامية كأمة واحدة؛ ألف بين ~~قلوبهم الإسلام، والعمل الدائب على إزالة الفرقة والانقسام عن صفوف ~~المسلمين: # إنما المؤمنون ~~إخوة ~~. ~~(ح) # تنمية روح التعاون الاقتصادي، والتعامل بين أعضاء الجماعة، بتشجيع ~~المشروعات الاقتصادية، وتكوينها، والنهوض بها: # وتعاونوا على البر والتقوى ~~. ~~(ط) # الدفاع عن الإسلام ومقاومة كل عدوان يراد به: # وجاهدوا في الله حق جهاده ~~. ~~(ي) # تقوية الروح الرياضية الصحيحة في نفوس الشباب: # وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ~~ملكه من يشاء والله واسع عليم ~~. # هذه أهم تعاليم الإخوان المسلمين ومبادئهم، وهي مبادئ سليمة ترمي إلى إحياء الحياة ~~الروحية وتغلغلها في الحياة المادية والاقتصادية. وقد نجحت في نشر تعاليمها؛ لأنها - ~~والحق يقال - وجدت في زمن ضل فيه الشباب، وحار، واحتاج إلى زعيم ~~يرشده. # وقد لمست صلاح دعوتهم لما كنت عميدا في كلية الآداب سنة 1940؛ فكنت أرى الشباب ~~المنضم إلى هذه الجمعية شبابا يتحلى بالفضيلة، وتظهر فيه علامات الرجولة. ولكن مع ~~الأسف أراد زعماؤه السيطرة والحكم، وهذا أمر شائك. وأرادوا تنفيذ مبادئهم بالقوة لا ~~بالإقناع، فاستخدموا القنابل وسفك الدماء، وكانت النتيجة مأساة ضاع فيها رئيس حكومة ~~ورئيس حزب. # وكان الأولى في نظري ألا يتعجلوا، وأن يستمروا طويلا في الإصلاح ms111 الخلقي ~~والاجتماعي، ولكن كان عذرهم أن الإسلام دين وحكم، وأن الإصلاحات المختلفة المتنوعة لا ~~يمكن تحقيقها تحقيقا كاملا إلا بحكومة منها، لا بحكومة تؤيدها وتشرف عليها، مع أن ~~السياسة مملوءة بالأشواك، وكذلك كان. فقد اصطدم الحزب بهذه الأشواك، وليس يدري إلا الله ~~ماذا سيكون ... وليس من الضروري محاولة الإصلاح الكامل الشامل ابتداء، بل يمكن البدء ~~بإصلاح ناحية إذا تعذرت ناحية. والإصلاح الإسلامي نفسه جاء أول أمره خطوة خطوة، ~~وحرمت الخمر عند الصلاة أولا ثم حرمت إطلاقا ثانيا. # وحتى المحايدون من المسيحيين اعترضتهم شبهات كثيرة على الإسلام، منها: أنهم رأوا ~~خلافا بين القرآن والتوراة من جهة، وأحيانا نقصا في القرآن عما ورد في التوراة من ~~جهة أخرى. والجواب عن المسألة الأولى أن المسلمين يعتقدون أن التوراة حدث فيها بعض ~~التحريف، وقد أيد ذلك الباحثون من العلماء في الكتاب المقدس، وإذا كان هناك اختلاف بين ~~القرآن والتوراة؛ فلم يكون الصحيح هو التوراة والخطأ هو القرآن ولا يكون العكس؟! ~~وأما المسألة الثانية؛ فالتوراة تعرضت لكثير من المسائل التي هي من صميم التاريخ، على ~~حين أن القرآن لم يتعرض إلا للمسائل التي هي موضع العظة والاعتبار فقط، فلا يهمهم إن ~~كان النبي عمر كم سنة أو نحو ذلك. على هذا كان أسلوب القرآن أوقع؛ لأنه كتاب دين لا ~~كتاب تاريخ. # ومن شبهاتهم تعدد الزوجات، وهم إنما يشتبهون فيها لنظرهم العصري، أما إذا نظروا إلى ~~المسألة في زمن النبي # صلى الله عليه وسلم # وجدوا أنه خطا في هذه المسألة خطوة جريئة نحو الإصلاح ~~وتوحيد الزوجة، فحرم القرآن الزيادة عن أربع بعد أن كان التزوج مباحا لا إلى حصر، ~~واشترط للتعدد العدل والقدرة عليه؛ فقال: # فإن خفتم ألا ~~تعدلوا فواحدة ~~، والإسلام لا يمنع الخطوة الثانية، وهي قصر الزواج ~~على واحدة، وهو متروك للاجتهاد ينظر فيه المجتهدون إلى حال الزمان والمكان والمصلحة ~~العامة. # بقي بعد ذلك من شبهاتهم الرقيق، ونقول فيه ما قلناه في تعدد الزوجات، وحديث الإفك ~~وحديث الغرانيق، وقد كتب عنهما المرحوم الشيخ محمد عبده ms112 في الإسلام والنصرانية ما فيه ~~الكفاية. # ولم يقتصر غزو النصارى للأقطار الشرقية والإسلامية على السيف والحديد والنار، بل لقد ~~غزوها أيضا بمدنيتهم، وتشرب كل قطر من هذه المدنية بمقدار استعداده، وكان ~~الأقباط في مصر والنصارى في لبنان أكثر امتصاصا لهذه الحضارة من إخوانهم المسلمين، ~~ولكن على كل حال أخذ الجميع بقدر وافر من هذه الحضارة، فأصبح كل بيت من بيوت المسلمين ~~يأخذ بقسط منها، فيضاء بالكهرباء ويفرش بالسجاد الإفرنجي، ويسمع فيه الراديو ~~الأوروبي، ونحو ذلك، ولم يقتصر على مسائل الحضارة المادية بل أيضا غزتها ~~بالأفكار والمعاني، فكما أن الأقطار اقتبست عربات الترام، وقطارات السكك الحديدية، ~~ونظام البريد، وآلات الحرث، ونحو ذلك، اقتبست أيضا من الحضارة الأوروبية نظم التعليم، ~~وآراء الأوروبيين في علم النفس وعلم الاجتماع والأخلاق وما إلى ذلك. وإذ كان المسلمون ~~ذوي حضارة قديمة مأخوذة من حضارة العرب، وما تتابع عليهم من فرس وأتراك ونحوهما، وما ~~اقتبسوه من فلسفة يونانية ورومانية؛ فقد اضطربت في أذهانهم وحياتهم المادية الحضارة ~~القديمة التي عاشوا عليها قرونا مع الحضارة الحديثة اضطرابا شديدا يختلف باختلاف ~~الأمم والأفراد في الأمة الواحدة؛ فقد يغلب ذاك وقد يغلب هذا، وربما ظهر هذا بأجلى ~~مظاهره في الأدباء الشرقيين، فمنهم من إمامه الشاعر الجاهلي والمتنبي وغيرهما من أصحاب ~~الأدب القديم، وفي النثر إمامهم الجاحظ وأبو الفرج الأصفهاني وابن خلدون ونحوهم، ومنهم ~~من إمامهم شعراء أوروبا وناثروهم وروائيوهم وقصاصوهم ... إلخ، وهؤلاء أيضا يضطربون فيما ~~بينهم اضطراب الحضارة القديمة بالحضارة الحديثة. وإذ كانت الحضارة الأوروبية مسيحية في ~~جوهرها كان الأقباط في مصر والمسيحيون في لبنان أقرب إلى تقليدها والأخذ عنها، وكان ~~اقتباس القسم المادي من الحضارة أكبر من اقتباس القسم المعنوي. وإذ كان هذا الاضطراب ~~حادا كان السير على المدنية الغربية سيرا أعوج؛ كما يقول اللورد كرومر في مناصري ~~المدنية الغربية: «إنهم مسلمون، وليس فيهم خواص إسلامية، وأوروبيون وليس فيهم خواص ~~أوروبية»، ودليلنا على ذلك ما تحمله إلينا البواخر كل يوم من نتاج المدنية الغربية، ~~مما له تأثير كبير في الشرق، ms113 ويظهر مدى تأثيره في الانقلاب الفظيع الذي حدث للمسلمين في ~~منتصف القرن التاسع عشر والعشرين، فإنك لو قارنت بين تغيرهم في هذا القرن وتغيرهم في ~~العشرين قرنا الماضية، لوجدت التغير الحادث في القرن الأخير يكاد يكون مساويا ~~للقرون العشرين الماضية، بل لقد أصبح مقياس المفكرين من المسلمين والمثقفين ثقافة عالية ~~في كل نظام يضعونه، ومشروع يقومون به، وفكرة يدعون إليها؛ تساؤلهم السؤال الآتي: ما هو ~~رأي علماء أوروبا في ذلك، ومن ابتكره، وبم أيدوه، وبم عارضوه؟ وقلما يتساءلون: ما ~~رأي الحضارة الإسلامية القديمة في ذلك، وهل يتفق مع مبادئها أو يخالفها؟ # نعم كانت هذه الحضارة الغربية ذات أثر تقدمي كبير في العالم الإسلامي، ولولاها لظل ~~يرسف في قيوده التي كان يرسف فيها، ولكنها لا تخلو من عيوب؛ فقد باعدت بينه وبين ~~الحضارة الإسلامية القديمة، ولم تكن ناتجة من نفس المسلمين كما كانت الحضارة الغربية ~~ناتجة من نفس الغربيين، بل هي دخيلة عليهم دخول الأجنبي بلادهم، ومثلها مثل شجرة ~~أريد تضخيمها بأوراق شجرة أخرى من الخارج، لا بنموها الطبيعي لها من الداخل. إن ~~الحضارة الغربية قد نشأت ولها من ذاتها غالب عناصرها وخواصها وصفاتها نشوءا طبيعيا ~~متدرجا، مجتازة الأدوار المختلفة على مقتضى سنة النشوء، أما الشرق؛ فهو في كثير من ~~مواضع الانقلاب يطفر في تحوله طفورا؛ إذ إن ما يأخذه عن الغرب ويقتبسه منه ~~دفعة واحدة قد تقضت على تكامله عند الغربيين الأجيال والقرون، فكانت النتيجة أن ~~غلبت صفة الطفرة لا صفة النشوء المترقي على تطور الشرق هذا التطور السياسي والاقتصادي ~~والاجتماعي والديني وغير ذلك. ولذلك كثيرا ما ترى في الشرق المحراث القديم الذي كان في ~~عهد «مينا» بجانب أحدث طراز من المحراث الإنجليزي أو الأمريكي، وترى منهج الدراسة ~~الأزهرية في القرون الوسطى بجانب الدراسة الجامعية التي تسير على نمط جامعات أوروبا ~~وأمريكا. # وأيا ما كان؛ فما هو مستقبل الإسلام؟ يدور هذا السؤال في الخاطر والجواب عنه صعب ~~عسير؛ لأنه خاضع لعوامل كثيرة في المستقبل سياسية واجتماعية واقتصادية ودينية. إن مما ms114 ~~لا شك فيه أن الأمم الإسلامية سترتقي ارتقاء تدريجيا في الشئون الاجتماعية ~~والاقتصادية وخاصة في العلوم الدنيوية، وكل يوم يدل على أن الأمم الإسلامية سائرة إلى ~~الأمام في هذه الأبواب. ولكن ما هو مصير الإسلام كدين وهو أحد العوامل في رقي الأمم؟ ~~يتوقف هذا على الحرب القادمة، فكل الدلائل تدل على أنه في الأرجح أن تقوم الحرب في ~~العشر السنوات القادمة بين المعسكر الشيوعي والمعسكر الديموقراطي، وسيكون العالم ~~الإسلامي أحد الميادين لهذه الحرب، وسيكون ميدانا يقع فيه المد والجزر أولا، ثم قد ~~تنتصر الشيوعية وقد تنتصر الديموقراطية، فإذا انتصرت الشيوعية؛ فليس هناك أمل كبير في ~~الحالة الدينية وقيام الإسلام من جديد إلا إذا عادت الشيوعية الى التدين، أما إذا ~~انتصرت الديموقراطية؛ فسيكون هنا مجال للدين الإسلامي كالمجال للدين النصراني، ولكن في ~~هذه الحالة يحتاج المسلمون مع نشاطهم العلمي إلى إصلاح ديني جريء شامل، وأهم ما يحتاجون ~~إليه الاجتهاد المطلق الذي شرحناه من قبل والذي ينظر إلى الإسلام وتعاليمه من جهة وإلى ~~حالة كل قطر اجتماعية وما يلزمها من جهة أخرى. # فنحن محتاجون إلى اجتهاد كاجتهاد عمر الذي أوقف الإعطاء للمؤلفة قلوبهم مع أن الله ~~عدهم ممن يأخذون الصدقات، وعلل ذلك بأن الدين إذ ذاك كان قلا فكثر، ومثل إيقاع ~~الطلاق الثلاث ثلاثا مع أن الآية تقول الطلاق مرتان والطلاق الثلاث ليس إلا ~~مرة. # ولئن كان الاجتهاد المطلق عسيرا في الأيام الماضية فهو أسهل اليوم؛ إذ كان المجتهد ~~يرحل من بغداد إلى مصر لأخذ حديث واحد أو تصحيحه، فالكتب اليوم والمطابع يسرت الأمر ~~على من أراد الاجتهاد. وكل زمن محتاج إلى مجتهد، بل مجتهدين في كل قطر، يعرفون مطالبه ~~والحالة الاجتماعية التي تدعو إلى نوع من هذا الاجتهاد، وما قد يصلح في قطر قد لا ~~يصلح في آخر، وما يحتاج إليه قطر قد لا يحتاج إليه الآخر، وما يحتاج إليه القطر في عصر ~~قد لا يحتاج إليه القطر في عصر سابق. # وقد لاحظ المصلح الشهير سراج علي الهندي أن آيات الأحكام ms115 التي وردت في القرآن نحو ~~مائتي آية من آلاف الآيات، ورأى أن جزءا كبيرا من هذه الآيات لم يرد في الأحكام ~~قصدا، وإنما استنبط الفقهاء منه أحكاما شرعية، مع أنها وردت للوعظ والإرشاد أو بنحو ~~ذلك، وقد روي من هذا القبيل نحو ثلاثة أرباع هذه الآيات فلم يبق إلا ربع هذه الآيات ~~وهو خمسون آية يضاف إليها نحو سبعة عشر حديثا في الأحكام هي التي صحت عند أبى حنيفة ~~النعمان، كما قال ذلك ابن خلدون في مقدمته. فآيات الأحكام وأحاديث الأحكام تجعل باب ~~الاجتهاد مفتوحا أمام المجتهدين. ورأينا في هذا الاجتهاد بهذا المعنى الواسع ~~يعتمد فيه على سنة عمر ومن سلك مسلكه، فأمد هذا الباب بآراء كثيرة اجتهد فيها. ~~••• # ومما يؤسف له أن المدنية الغربية غزت الشرق تحت دوي المدافع وصليل السيوف، ~~فاستقبلت استقبالا سيئا، واعتقد المسلمون فيها أنها مدنية نصرانية لا عالمية، ولذلك ~~كان الأقباط في مصر أقرب إلى قبولها والانتفاع بها من المسلمين. # على كل حال زاد ضغط الأمم الغربية على الشرق، وعاملوه معاملة قاسية كالتي ذكرناها، ~~فزاد كره المسلمين للمسيحيين الفاتحين، وتمنوا الفرصة التي تسنح للتخلص منهم، وساعد ~~على ذلك أن الطبقة الثانية من الحاكمين المستعمرين لم يكونوا كالأولين، مثل: اللورد ~~كرومر في مصر؛ فقد كان أحكم وأحزم، وخلفه مثل: غورست وكتشنر فلم يكونا في حكمته ~~ومهارته. وزادهم طموحا أن المصلحين الأولين، مثل: محمد بن عبد الوهاب، والسيد جمال ~~الدين الأفغاني كانت قد نضجت تعاليمهما، وأثرت في المسلمين أثرا كبيرا، ثم كانت ~~حركة تركيا الفتاة ودعوتها إلى الحكم الشوري وخلع نير الاستبداد. فطمح المسلمون في ~~الأقطار الأخرى إلى أن ينالوا مثلما نالوا، فثارت مصر على الإنجليز، وثار المغاربة على ~~الفرنسيين، وثار الهنود على الإنجليز، وثار العجم على روسيا وإنجلترا، وهكذا. فلما جاءت ~~الحرب العالمية الأولى تنفس المسلمون الصعداء، وفرحوا لوقوع الدول الغربية بعضها في ~~بعض، وعلموا أن المحاربين جميعا سيخرجون منهزمين سواء منهم الغالب والمغلوب. وجاءت ~~تعاليم ولسن فقوت طموحهم وأملهم في المستقبل، فلما خاب رجاؤهم ثاروا ms116 ثورة أخرى، ~~وغلوا ثالثة لما أعاد الدعاة مبادئ ولسن في الحرب العالمية الثانية ثم لم تحقق، ولكن ~~كان المستعمرون مختلفين في السياسة الاستعمارية. ومن عادات الإنجليز أنهم يتنسمون ~~الريح، ويبنون سياستهم على الحالة الجديدة، فإذا رأوا اتجاه شعبهم مثلا إلى الشيوعية ~~توسعوا في الاشتراكية وفي الضمان الاجتماعي وأمثال ذلك، فلما أدركوا حالة الهند ~~واستعدادهم للثورة انسحبوا منها، وساعدوا حركة الانفصال بين المسلمين في الباكستان ~~والوثنيين في الهندستان، ولما رأوا شدة الحركة في مصر غيروا الألفاظ من احتلال إلى ~~انتداب إلى مشاركة في الدفاع، وانسحبوا من المدن الكبيرة كالقاهرة والإسكندرية، ولما ~~رأوا حرج موقفهم في فارس تخلوا عنها بعض الشيء، وكان من هزيمة فرنسا في الحروب ~~واختلافها مع إنجلترا أن ألجئت إلى الانسحاب من سوريا ولبنان، فقوى ذلك من عزيمة ~~المسلمين في البلاد الأخرى وتمنوا ما نالوا، ولا يزال الصراع قويا، والمطالبة ~~بالاستقلال تزداد، ولا يدرى إلا الله ماذا سيكون بعد. # وكان من سياسة أمريكا وإنجلترا أن تكتلت الأمم الإسلامية لتجعل منها قوة لدفاع ~~الشيوعية، فبدأت بتشجيع الجامعة العربية على الوجود، ولكن عملت هناك عوامل لم تجعل ~~الجامعة العربية هي المثل الأعلى، وأهم ذلك سببان؛ السبب الأول: أنها كانت وليدة رغبة ~~الإنجليز وتحت سيطرتهم؛ يصرفونها كيف يشاءون، فلم تفعل بوحي ضميرها ما ينبغي أن تفعله. ~~والثاني: الخلاف بين رؤساء الشعوب، وخصوصا الخلاف بين البيت الهاشمي - وعلى رأسه ملك ~~العراق وملك شرق الأردن - وبين السعوديين الذين يعتبرون في نظر الهاشميين مغتصبين، وقد ~~أيدت مصر الحجاز فأوسعت بذلك شقة الخلاف. وليست تؤدي الجامعة العربية رسالتها كاملة ~~إلا إذا تحررت من الإنجليز والأمريكان أولا، وبطل الخلاف بين البيوت المالكة ~~ثانيا. # وكان مما فتح عيون العرب، وأقض مضجعهم ما رأوا من تعاقد إنجلترا وفرنسا سنة ~~1904 على تقاسم النفوذ؛ فتطلق يد إنجلترا في مصر، وتطلق يد فرنسا في المغرب، ففهم ~~العرب من ذلك أن المسألة هي تفاهم الغرب على السيطرة على الشرق. # وتكرر مثل ذلك بشكل أخس في الحرب العالمية الأولى؛ فقد اتفقت إنجلترا مع ms117 قادة ~~العرب أن ينضموا إلى جانبهم، ويثوروا على الدولة العثمانية في نظير تعهد إنجلترا بالرضا ~~عن إنشاء دولة عربية في الشرق. # وبينما هي تتفق مع العرب على ذلك كانت تتعاهد مع فرنسا على تقسيم النفوذ بينها وبين ~~فرنسا على البلاد العربية، واستطاعت إنجلترا بمكرها ودهائها أن تخدع العرب بذكر عبارة ~~مطاطة تخفي ما وراءها. فقد نصت في المعاهدة على أن ذلك الاتفاق يسري فيما عدا جنوب ~~العراق حيث المصالح البريطانية تقتضي اتخاذ تدابير مخصوصة، وأيضا فيما عدا المناطق ~~التي ليست بريطانيا العظمى حرة في التصرف بشئونها تصرفا منافيا لمصالح فرنسا، ففهم ~~العرب من ذلك أن هذه العبارة في صك عهد السيد هنري مكماهون إنما يعني بها منطقة ~~لبنان الضيقة. ففرحوا وانتشوا سرورا، بينما كان يقصد منها أبعد من لبنان بحيث تشمل ~~سوريا وتضع العراقيل في سبيل إنشاء دولة عربية. فبينما كانت إنجلترا تعطي العرب باليمين ~~كانت تتفق مع فرنسا لضعضعة حالة المسلمين والعرب باليسار. # وهكذا تكشفت المسألة بعد الحرب عن خديعة كبيرة ومؤامرة قاسية جرحت العرب في أعماق ~~نفوسهم جرحا لا يندمل، وحتى كان من لورانس الضابط الكبير الإنجليزي الذي اشترك في ~~الثورة العربية وسمي ملك العرب غير المتوج أن ثار على الإنجليز ثورة عنيفة، ورفض ~~النياشين الإنجليزية التي عرضت عليه، والوظيفة التي أرادتها إنجلترا له، ولولا أن ~~الملك فيصل هدأ الثورة العربية لاعتقاده أن العرب لا يستطيعون حربيا أن يتفوقوا على ~~إنجلترا وفرنسا، وأنه يستطيع أن ينال بالمناورات السياسية السلمية ما لا يناله بالحرب، ~~وأن ينفذ من بين الخلافات الناشبة بين فرنسا وإنجلترا ما يكسبه للعرب، أقول لولا ذلك ~~لهبت نار الثورة في البلاد العربية غضبا على الإنجليز والفرنسيين واندلع لهيبها حتى ~~لا يعلم إلا الله منتهاها. # ومع ذلك فقد عقد مؤتمر في سوريا أعلنوا فيه استقلالها، وشبت ثورة في العراق على ~~الإنجليز مما جعل السلم والهدوء عسيرين. # وكانت معاهدة سيفر التي كان بمقتضاها احتلال القسطنطينية، والقضاء على الترك، كما ~~قضوا على العرب من قبل؛ سبب ثورات تركية تحت ms118 قيادة مصطفى كمال وتنكيله باليونان ~~أعظم تنكيل، وإلجاء فرنسا وإنجلترا إلى الاعتراف به، وبذلك ثار الترك والعرب معا ثورات ~~عنيفة مملوءة بالحقد والغضب. # وليس هناك إلا أمل واحد وهو أن إنجلترا وفرنسا تبدلان موقفهما بعد أن أدركتا ~~متاعبهما، فتريان أن استعمار البلاد الإسلامية لم يعد سهلا يسيرا كما كان من قبل، ~~فتحولان وجهتيهما إلى جهة أخرى، وتغيران شعورهما العدائي إلى شعور مبني على ~~الإخاء والمساواة، وتعتقدان أن من الخير مصادقة المسلمين، والأخذ بيدهم، وإشراكهم في ~~بناء الحضارة معهم. والمسلمون من ناحيتهم يبادلونهم ودا بود، ويرقون أنفسهم، ~~ويساهمون في بناء الحضارة معهم. ومن غير هذا تتسع الهوة، ويزداد النفور والشقاق، ~~وتئول الحالة إلى أسوأ حال. # وواجب إيطاليا أيضا أن تعدل موقفها إزاء المسلمين، فلم تكن إيطاليا المشهورة ~~بذوقها الفني وعبادتها للجمال بأحسن من الفرنسيين والإنجليز مع المسلمين؛ فقد ارتكبوا ~~من الفظائع ما تقشعر منه الأبدان. فمثلا زج الجنرال «جراتسياني» زعماء ليبيا في ~~السجون، وألحق بهم من الإهانات ما لا يوصف، وألقى ببعضهم من الطيارات على بعد ~~أربعمائة متر على مشهد من أهلهم، وقال أحد جنودهم - وقد رأى هذا المنظر: «فليأت ~~نبيكم محمد البدوي الذي أغراكم بالجهاد لينقذكم من أيدينا.» ثم صادر سكان برقة ~~الغربية في نقودهم ومواشيهم، وساقهم محوطين بفرسان وسيارات مصفحة، ولم يسمح لهم ~~بالانحراف عن الطريق ولو للاستقاء. ومن حوادثهم الغريبة أن بعض الجنود الطليان دخلوا ~~خيمة شيخ، فقابلتهم بنت له في الثانية والعشرين، أخذت تتوسل إليهم أن يبقوا عليه، ~~والتجأت إلى أحد الضباط فلم يسمع لها، فلما رأته على هذه الحال اختطفت مسدسا وأطلقته ~~عليه فخر صريعا، فأحاط بها الجنود، وحضر القائد فأمر بقتلها وقتل أبيها وجميع ~~أقاربها رميا بالرصاص، حتى ضج المراسلون الصحفيون الأجانب من هذه المناظر، فقال ~~صحفي دنمركي: «قصدت في شهر يناير سنة 1930م حدود بني غازي فأحاط بي الجنود المدججون ~~بالسلاح والمدافع الرشاشة وأرادوا البطش بي لولا أني عرفتهم من أنا. ومع ذلك اكتفوا ~~بسجني قيد التحقيق؛ فلما أفرجوا عني صادفت في طريقي مشهدا ms119 من أفجع المشاهد: عشرين ~~عربيا يرسفون في القيود والأغلال، يقادون إلى المجزرة كما تقاد الأغنام حيث نصبت لهم ~~المشانق. فشنقوا بلا محاكمة.» وقد ألف هذا الصحفي كتابا سماه «الصحراء تلتهب» ملأه ~~بحوادث من هذا القبيل. وعلى الجملة فقد تفنن الإيطاليون في أعمال الإبادة والتشتيت. ~~ولو سئل أي رجل: أيهما المتمدنون إيطاليا ورثة الرومان ورائدة الفن، أم أهل المغرب ~~البدويون الذين لم يتذوقوا فنا ولا علما؟! لكان الجواب: إنها إيطاليا ولا شك! فهل ~~يصح بعد ذلك أن تكون الحضارة مقياس الإنسانية! # وليس حال المسلمين بأسوأ من حال الوثنيين، وحتى من بعض الدول الأوروبية في نهضتها ~~واستعدادها للرقي. فدينهم «الإسلام» لا يمنعهم مطلقا من أن يسايروا العالم، وينهضوا مع ~~الناهضين، ويبنوا مع البانين، وإنما ساءهم الحقد والضغن مجاوبة للحقد والضغن ~~الأوروبيين؛ فإذا عدل الأوروبيون موقفهم عدل المسلمون موقفهم أيضا جزاء ~~وفاقا. أما زيادة الحقد من أوروبا والتنكيل بالمسلمين والمبالغة في تنفيذ الاستعمار ~~فليس من شأنه إلا زيادة الحقد في نفوس المسلمين، وشدة المقاومة، والأخذ بوسائل الحرب ~~لدفع الحرب ونحو ذلك، وليس في هذا أية مصلحة للطرفين، فلعل تقدم الأوروبيين في فهم ~~الإنسانية، والإخاء والمساواة، وحرية الأديان، وحق كل أمة في حكم نفسها بنفسها يتغلب ~~على النزعة الاستعمارية. # وأظن أن ذلك هو ما سيكون مهما بعد الزمن؛ فالعالم لا محالة سائر إلى استبدال الروح ~~القومي الوطني البغيض الناشئ عن ضيق في الأفق وفساد في الشعور، وهو أسوأ ما أنتجته ~~المدنية الأوروبية الحديثة بالروح الإنسانية المتسامحة الواسعة الأفق. وكل يوم تدل ~~الدلائل على أن هذه الروح الوطنية القومية تسبب من البلاء أضعاف ما تكسب. # وكان مما أتت به المدنية الغربية النعرة القومية، فكل أمة تتعصب لجنسها، وسرت هذه ~~الروح إلى العالم الشرقي مع المدنية الحديثة، وقد كانوا لا يعرفون إلا قسمة العالم إلى ~~قسمين: دار الإسلام ودار الحرب، فالمسلم داره العالم الإسلامي كله، لذلك سهلت عليه ~~الرحلات، من مثل: ابن بطوطة، وابن جبير وغيرهما، وتنقل رجال الحديث من قطر إلى قطر ~~يجمعون ما انتثر ms120 من الحديث وكأنهم بين أهليهم، حتى كانت لعنة الوطنية التي ابتدعتها ~~أوروبا وأسرفت فيها. والقانون الطبيعي يقتضي تدرج العالم من نظرة جزئية لا ينظر ~~الإنسان فيها إلا إلى نفسه كالطفل في مهده، ثم يرتقي فينظر إلى عائلته، ثم يرتقي فينظر ~~إلى قومه، ثم يرتقي فينظر إلى الإنسانية كلها، وربما كان الإنسان في هذا الطور لا ينظر ~~إلا إلى قومه، ولما يصل من الرقي إلى حد أن ينظر إلى الإنسان كله. على أنا نرى تباشير ~~النظرة الإنسانية في التقرب في السكك الحديدية، ونظام البريد، وكثرة المؤتمرات التي ~~تبحث في المسائل العالمية، مما يظن أن سيكون وراءه الارتباط العالمي والنزعة ~~الإنسانية؛ وإذ ذاك يقل الاضطراب وتتآلف القلوب. # هذه هي النزعة القومية التي أدت إلى الاستعمار، وتبعها أو كان أساسها التعصب ~~الاقتصادي، فإن أوروبا قد ضاقت بأهلها وأعوزتهم المادة الخامة؛ فقصدوا إلى الشرق ~~يستغلون ويأخذون منه موادهم الخامة المحتاجين إليها، ويصنعونها في مصانعهم ثم ~~يبيعونها على الشرق، ويربحون من وراء ذلك الفرق بين المادة الخامة والمادة المصنوعة، ~~ولذلك كانت كل أمة تستعمر أمة شرقية تضرب نطاقا عليها لاستغلالها اقتصاديا. فمصر ~~والعراق والهند مثلا لإنجلترا تأخذ منها خاماتها وتصرف فيها سلعها ولها في ذلك ~~المقام الأول. وفرنسا تفرض سيطرتها على بلاد المغرب وسوريا فاعلة ذلك أيضا. وربما كان ~~من أهم أسباب الاستعمار الشئون الاقتصادية، ولذلك تحارب كل أمة مستعمرة انتشار الصناعة ~~وتقدمها في الأمم المستعمرة، وتحاول أن تفهمها أنها أمة زراعية بحتة؛ حتى تعتمد ~~الأمم المستعمرة على الأمم المستعمرة في صناعاتها. # وقد تفوق الأوروبيون في الأدوات الحربية والوسائل الاقتصادية معا، فكم من الفرق ~~بين الجمل والقطر الحديدية، وبين المحراث والآلات الميكانيكية الزراعية وهكذا. فغلب ~~الغربيون في ميدان الاقتصاد كما غلبوا في ميدان الحروب. # وأوهم الغربيون المسلمين أنهم ليسوا أهلا للصناعة، وإنما هم أهل زراعة، وفرضوا ضرائب ~~كثيرة على المنتجات المحلية حتى يميتوها، ولكن بدأ المسلمون يقلدون الغربيين في ~~الصناعة؛ فلما جاءت الحرب العالمية الثانية، وامتنع ورود كثير من السلع، وغلا بعضها ~~الآخر غلوا فاحشا؛ ms121 تشجع الشرق على أن يتقدم في الصناعة ولا يزال المدى أمامهم ~~فسيحا. # على كل حال كل ما نرجوه أن يتنبه الغرب؛ فيعدل عن النعرة الوطنية إلى الإنسانية، ~~وينظر إلى المسلمين كما ينظر إلى غيرهم من الناس، ولكن هناك مطلبا آخر يطالب به ~~المسلمون، وهو تكييفهم أنفسهم التكييف المناسب للعصر الحاضر. # نعم إن هناك فروقا اجتماعية كبيرة بين العالم الأوروبي والعالم الإسلامي؛ فالعالم ~~الأوروبي يبني حياته على العلم والنتائج العلمية، والاستقلال، والحرية، والابتكار، ونحو ~~ذلك، والعالم الإسلامي ينظم حياته على أساس الاتكال والخمول والاعتقاد الذي ساء في ~~القضاء والقدر، ويطربه جدا سماع قصص تروى عن غني افتقر أو فقير اغتنى، وشيخ ~~استولى ونحو ذلك. ونحن لا نريد أن يحذو المسلمون حذو الأوروبيين في كل شيء بل نريد أن ~~يحذوا حذو الأوروبيين في العلوم والصناعات بحذافيرها من غير قيد ولا شرط، ولكن يحتفظون ~~بروحانيتهم ونظرتهم إلى العالم نظرة غير النظرة الأوروبية. فالأوروبي ينظر إلى الطبيعة ~~كأنها عدو يكافحه ليفشي سره، ولكن النظرة الإسلامية تنظر إلى الطبيعة على أنها صديق، ~~وأنها من نتاج الرب الذي أنتجه. # والأوروبيون يضعون الله كما توضع الصورة الجميلة على الرف، لا دخل لها فيما يحدث ~~حولها، والمسلمون يرون الله في كل شيء، في الأمور الدينية والدنيوية معا، فإذا ~~باعوا أو اشتروا أو أجروا أو رهنوا راقبوا الله، وحتى في أصغر الأعمال كالاستياك ~~والاغتسال، وعندهم أن النية الصادقة أقوم من العمل نفسه، وفي حديث رسولهم # صلى الله عليه وسلم ~~«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى.» وفرق بين رجلين يعملان عملا واحدا، ~~أحدهما نوى الخير فيما يعمل، والآخر لم ينو شيئا أو نوى الشر. فهم يسيرون في حياتهم ~~الدنيوية متأثرين بالدين، وليس الدين مقصورا على العبادات. وهذا ما ينقص الغرب، فإن ~~وجب على المسلمين أن يقلدوا الغربيين في العلم والصناعات تقليدا تاما، ويسايروهم ~~ويجروا معهم وجب أن يحتفظوا بنظرتهم الدينية إلى الحياة، وهي النظرة التي يتميزون بها ~~عن الغربيين، لكن موضع السوء أن كثيرا من المسلمين - وخاصة المتنورين ms122 منهم - يريدون أن ~~يقلدوهم تقليدا تاما في كل شيء، حتى في نظرتهم إلى الطبيعة ونظرتهم إلى الحياة. ~~ويدعوهم إلى ذلك خطأ كبير وقعوا فيه، وهو ما عندهم من مركب النقص؛ إذ ظنوا أن ~~الغربيين متى فاقوهم في العلم وجب أن يقلدوهم في كل شيء، وفاتهم أن المهارة في ناحية لا ~~تقتضي المهارة في النواحي الأخرى، وأن روحانيتهم ونظرتهم إلى العالم خير من نظرة ~~الأوروبيين ، ولا يمكن أن يفيقوا من غفلتهم إلا إذا اعتقدوا أن روحانيتهم خير للعالم ~~كله، وأنهم إذا كانوا انحطوا في العلم والصناعة فقد سموا بالفطرة الروحانية، وأنهم إذا ~~وجب أن يقلدوا في العلم وجب أن يقلدهم الأوروبيون في النظرة الروحانية، وليس الأوروبيون ~~متسامين في كل شيء. ومن المؤسف أنهم حذوا حذو الأوروبيين في تعليمهم ونمط تربيتهم، ~~فأسسوا المدارس المدنية على النمط الأوروبي، ولم يشذ عن ذلك إلا الأزهر، وقد قال أبو ~~العلاء المعري: # اثنان أهل الأرض ذو عقل بلا # دين وآخر دين لا عقل له # فالمدارس المدنية محرومة من التربية الدينية والأدبية. نعم يسوغ لنا أن نقلدهم ~~تمام التقليد في العلوم ومعامل التجارب ونحو ذلك فقط، ولكن لا نقلدهم في الناحية ~~الأدبية، فهم يدرسون التاريخ على أن أوروبا سيدة العالم، وعلى أن رجلها الأبيض هو ~~المسئول عن الأسود والأصفر، وأن الله خلق العالم قسمين: قسما أوروبيا ساميا، وقسما ~~غير أوروبي منحطا، ومن أجل ذلك يؤرخون أوروبا كأنها المركز وما حولها نقط على ~~المحيط، وإذا جاءوا للتاريخ الإسلامي اقتضبوه أو حرفوه، فوجب على المسلمين أن يفرقوا ~~بين ما هو علمي يقلد، وما هو أدبي لا يقلد. وهذه المدارس لا تأبه بالدين إلا ~~شكليا، ولذلك يجهلون أصول الدين كل الجهل، ويتبعون الأوروبي في منهجهم كل الاتباع، ~~ورأس هذه الحركة الجامعة المصرية التي تقود المدراس الثانوية والابتدائية، وليسوا ~~يسألون في كل أمر عرض: ماذا رأى الإسلام؟ ولكن يسألون: ماذا يرى الأوروبيون؟ كأن الله ~~اصطفى الأوروبيين وحدهم، وجعل غيرهم ذيلا لهم. # وإن كان في كل من الشرق والغرب عيوب ففيه أيضا ms123 محامد؛ فالغرب أصح رأسا، ~~وأعظم علما، وأصبر على الشدائد وعلى البحث العلمي، وله مهارته في الذكاء، وله اليد ~~المفكرة، والشرق له سماحة صدر، وله روحانية يعترف بها حتى الأقدمون؛ فقد قال فندلبند ~~عند كلامه على الإسكندرية: إنه قد التقت فيها مادية الغرب بروحانية الشرق. ولكن ماذا ~~نعني بالمادية والروحانية ومن قديم والكتاب والفلاسفة قد تعارفوا على وصف الشرق ~~بالروحانية والغرب بالمادية، فما معنى هذا ؟ # لقد سمعت كثيرا من المثقفين ثقافة واسعة ينكرون هذا، ويقولون إن الغرب غني ~~بماديته وروحانيته، والشرق فقير في ماديته وروحانيته. أما أن الغرب غني بماديته فليس ~~يحتاج إلى دليل ولا برهان؛ فالصناعات والاختراعات والآلات ونحوها كلها من الغرب وليس ~~الشرق إلا عالة عليه. أما روحانية الغرب فتتجلى في سمو عواطفه، وحبه الخير لأمته، ~~وأحيانا للإنسانية كلها، وهو في هذا يفوق الشرق أيضا. إن شئت فانظر لتبرعات الأغنياء ~~من الغربيين ببناء المستشفيات والمؤسسات العلمية والأعمال الخيرية مما لا يبلغ عشر ~~معشاره الشرقيون؛ فأغنياء الشرق لا يفكرون إلا في لهوهم وملذاتهم، فإن ارتقوا قليلا ~~ففي أسرتهم وأقاربهم، ولذلك لا نرى منهم تبرعا لعمل خيري إلا أن يكون ملقا لوزير أو ~~مدير، أو رغبة في رتبة أو نياشين، وكثيرا ما نسمع عن غربي خرج عن ماله أو أكثره لعمل ~~ينفع قومه، وقلما نسمع ذلك عن شرقي، ولكن نسمع الكثير عن شرقيين ابتزوا أموال غيرهم، ~~أو اغتصبوا عملاءهم الفقراء، أو غشوا في المعاملة، أو ارتشوا لقضاء مصلحة أو نحو ~~ذلك! فأين هي روحانية الشرق ومادية الغرب! # وإن كانت روحانية الشرق عبادة وصلاة وصياما ونحو ذلك؛ فما قيمتها إذا لم تؤثر في عمل ~~المؤمن؟! ما قيمة صلاة يتبعها نهب وسلب؟! وما قيمة صيام لا يمنع صاحبه من جشع وطمع! إن ~~العبادة إذا كانت على هذا النحو كانت حركات ميكانيكية أو ألعابا بهلوانية، وكانت هي ~~والعدم سواء. # ولكن يظهر لى - رغم كل ذلك - أن للشرق روحانية ليست للغرب، وأن من الواجب إذا نظرنا ~~للشرق ألا ننظر إليه فقط في عصر تدهوره وانحطاطه، ms124 وألا ننظر إليه في شكله الأخير الذي ~~ساء، بل في جوهره الحقيقي، وقيمته الذاتية، وتعاليمه ومبادئه غير مقيدة بعصر، ولا ~~مرتبطة بزمن. # إن الغرب من غير شك يحيا حياة مادية بحتة؛ بمعنى أن حياته حياة عمل في مصنع أو شركة ~~أو وظيفة يحسب حسابها المادي فقط بمرتب وأجر، وكيف يناله على خير وجه، وكيف ينفقه على ~~خير وجه، وكيف ينعم بهذه الحياة، وكيف يكسب خير كسب، وينفقه خير إنفاق، وكيف يعيش في ~~أسرته، وكيف يحظى بالنعيم المادي ... إلخ. وكل الأخلاق الحسنة المرسومة له أخلاق تجارية، ~~تعلمه كيف ينجح في التجارة، وكيف ينجح في العمل، وكيف يسعد في الحياة، ولذلك كان أهم ~~قوائم الفضائل عنده المحافظة على المواعيد، والنظام، والترتيب، والصدق في القول والعمل ~~إلخ ... والذي يسيطر على هذه الحياة، ويرسم خططها، ويخترع آلاتها هو العلم، والعلم نتيجة ~~العقل والقضايا المنطقية، وهي أمور كذلك مادية بالمعنى الواسع. # أما الشرق فعماده قديما وحديثا القلب، فإن كان ولا بد فالقلب أولا والعقل ثانيا. ~~هو يدخل في حسابه دائما الحياة الآخرة بعد الموت، ويضمها دائما إلى حساب الدنيا، وهو ~~دائما يتساءل هل هذه الأعمال يكافئ الله عليها في الآخرة بالثواب أو العقاب. وأخلاقه ~~التي يسير عليها مبنية على حساب هذه الآخرة أيضا، وهو كثير السؤال عن غاية هذا العالم ~~ومصيره، وأنه مسير بقوة عظيمة هي قوة خالقه، وأنه سيحاسب الإنسان في الآخرة على ما ~~قدمت يداه في دنياه، وهذه الصورة مركزة في ذهن الشرقي وموروثة له أبا عن جد، وهو في ~~أشد أوقات النعيم في الدنيا يشعر بحافز يحفزه إلى أن يسأل: ما عاقبة هذه اللذة بعد ~~الموت؟! أثاب عليها أو أعاقب؟ وماذا سيكون موقفي أمام الله إذا سألني عنها؟! وهكذا. ~~وهو يبني أخلاقه على أساس الدين، ويبني أعماله على أساس القلب، ولهذه الطبيعة الشرقية ~~والاستعداد الفطري الخاص كان الشرق منبع النبوات، والفلسفة الإشراقية، ومذاهب ~~المتصوفة، وإطالة التأمل، ونحو ذلك من مظاهر الحياة الروحية! فإن ظهرت نفحات من ذلك في ~~الغرب فمصدرها غالبا الشرق، ms125 واليهودية والنصرانية والإسلام والتصوف في الغرب ليس إلا ~~موجة من موجات الشرق. # يكاد يكون للشرقيين عنصر خاص ينقص غيرهم وهو الإحساس الديني العميق الذي يلازمهم حتى ~~في أوقات خروجهم عن الدين، ولذلك كثيرا ما يعقب المعصية تنبه الضمير الديني ~~والمبالغة في التوبة والندم. إنهم يؤمنون في كل حركاتهم وسكناتهم وتصرفاتهم بإله ~~يسيرهم وقدر يتحكم فيهم. # قد يأتي على الشرق زمن تفسد فيه عقيدته، ويسوء تصرفه، وتنحط مشاعره؛ فتصدر عنه أعمال ~~خسيسة لا تصدر عن الغرب المادي، ولكن هل يصح أن نعد هذا العارض إفسادا للذاتية ~~وفقدا للخاصية، أو نعده حاسة أصيبت بآفة مع الرجاء في شفائها، أو جسما أصابه المرض ~~وفيه حصانة تبشر بالشفاء؟ ولو حكمنا بالظاهر لقلنا إن مادية سليمة تخضع للعقل، وتنجح في ~~الحياة، وتسيطر على العالم خير من روحانية فسدت، ومبادئ قوية تعفنت، ولكن ليس هذا ~~إنصافا في الحكم؛ فما نتيجة هذه المادية الناجحة؟! إنها مدنية روعت العالم، وجعلته ~~على بركان يوشك أن ينفجر، وهو كل يوم في اختراع جديد يهدد العالم بالفناء، فما نتيجة ~~القوة إذا كانت محطمة، وما قيمة القصر المزوق إذا ساد سكانه الفزع؟! ولو أنك ~~سألت أسرة أوروبية: هل تفضل أن تعيش عيشة بذخ وترف وتفقد أبناءها في الحروب، أو تعيش ~~عيشة وسطا ولا يهلك أحد منها في حرب فما الذي كانت تفضل؟! إنى لفي شك من قيمة المدنية ~~الغربية إذا نحن قسنا ما أنتجته للعالم من شرور بما أنتجته للعالم من خيرات. فما قيمة ~~آلات وأدوات ومخترعات بجانب أرواح تحصد، وطمأنينة تفقد، واستغلال قليل من الناس ~~للكثرة الغالبة من العالم، يرهقونهم ويسومونهم سوء العذاب؛ وذلك لأنهم قالوا: # إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ~~وما نحن بمبعوثين ~~. # ولو آمنوا بالبعث، وضمنوا إلى دنياهم آخرتهم، وقدروا أنهم سيقفون أمام الله يسألهم ~~عن أعمالهم؛ لكانت المدنية غير المدنية، ولكانت مدنية مادية روحانية معا، وهذا ما ~~ينقصها، ولا يصلح العالم إلا بها، وإذ ذاك يكمل الغرب نقصه فيزيد في روحانيته، ~~ويكمل الشرق نقصه فيزيد في ms126 ماديته، ويسير الركبان جنبا إلى جنب لخير العالم ~~وإسعاده. # ما الغاية من هذا العالم؟! ما سر الحياة؟! لماذا نعيش ولماذا نموت؟ ما موقفنا بعد ~~الموت؟! # كل هذه ونحوها من عشرات الأسئلة لا يستطيع العلم أن يجيب عنها؛ إذ ليست من الأمور ~~المادية وأشباهها التي تدخل في اختصاص العلم، إنما هي من الروحانيات التي لا يستطيع ~~الإجابة عنها إلا الدين. لقد بلغ العلم درجة كبيرة في المدنية الغربية، ولكنه لم يفعل ~~أكثر من تحسين وسائل الحياة، أما صبغ الحياة لتتفق مع الغاية التي يجب أن تنشد فوظيفة ~~الدين، وكلما اقتصرت المدنية الحديثة على الوسائل دون الغايات ضلت السبيل، ووقعت في ~~الحيرة والاضطراب، وسببت هذا الشقاء المفضض بالنعيم. # لقد جرب العالم الأوروبي التقدم المادي بل والتقدم العقلي من علم ومخترعات، حتى ~~توجت هذه بالقنبلة الذرية، ولكنهم مع ذلك التفتوا فرأوا أن النتيجة قلق، واضطراب، ~~وخوف من المستقبل، وتوقع لقيام حرب عالمية تأكل الأخضر واليابس، فلم يبق إلا أن ~~يجربوا التجربة الأخيرة، وهي الدين الصحيح بما يبعث من روحانية، وأن يحيوا القلب ~~كما أحيوا العقل، وأن يتوجهوا إلى الله كما توجهوا إلى المخترعات؛ فإذ ذاك فقط تسود ~~الطمأنينة، ويسود الأمن، وتنقشع الحيرة والاضطراب. بل ربما عدمت الحروب أيضا؛ إنهم ~~إذا آمنوا هذا الإيمان التفتوا فوجدوا زعماءهم الحاضرين غير صالحين؛ لأنهم عباد مادة ~~فقط، وهم يحتاجون إلى زعماء من جنس آخر، تسيرهم المادة والروحانية معا؛ وإذ ذاك ~~أيضا تفنى نظرتهم الاستعمارية، وينظرون إلى الشرق نظرة الأخ الكبير إلى الأخ الصغير، ~~يربيه أحسن تربية، ويأخذ بيده ويحفظ عليه ماله حتى يرشد، ثم يتعاون معه على ~~الخير. # وخالق العالم خلقه مادة وروحا، فكان من الطبيعي ألا يسعد إلا إذا غذي ~~العنصران واكتمل المنهجان. # وقد اتهم الإسلام أنه يحمل أصحابه على عدم مسايرة المدنية الحديثة والتقدم ~~الاجتماعي، ولكن أي شيء فيه يمنع التقدم؟! # كتب كاتب إنجليزي وهو مستر د. ج. كوريت مقالا في بعض الجرائد الإنجليزية عربته ~~جريدة المؤيد، قال فيه: إن إنجلترا أكبر دولة إسلامية؛ لأن ms127 المسلمين الذين تحكمهم ~~الدولة العثمانية ستة عشر مليونا ونيفا - وذلك حسب إحصاء سنة1891، وهم الآن أكثر من ~~ذلك - تحكم الصين منهم 32 مليونا، وتحكم روسيا ستة ملايين، وتحكم إنجلترا ~~107760804. # ويقول الكاتب إن المسلمين يتمتعون في المستعمرات الإنجليزية بالحرية الدينية، وستكون ~~الهند مصدرا لمدنية آسيا، ومصر منبعا لحياة ما يجاورها من آسيا وأفريقيا، وهو مع هذا ~~ينسب إلى قومه الإنجليز التقصير في القيام بمصالح المسلمين، ويثبت لهم أن مستقبل ~~بريطانيا مرتبط بمستقبل المسلمين، ومصالحهم مقرونة بمصالحهم. ويقول إن الإنجليز ارتكبوا ~~هفوات مع المسلمين جهلا وغرورا، وقال إن الواسطة الوحيدة لتمكين سلطتنا في آسيا ~~وأفريقيا هي أن نبذل جهدنا في إفهام المسلمين أن مصالحهم الدينية والسياسية مرتبطة ~~بمصالحنا، ويجب إفهامهم أن كثيرا من معتقداتهم التي يحسبونها من الدين ليست منه، ولا ~~جاء بها كتابهم. ويقول السيد أمير علي أحد نبهاء المسلمين في الهند: إن سبب تأخر ~~المسلمين وبقائهم على ما هم عليه من التأخر يرجع في الغالب إلى ما رسخ في أذهانهم من ~~أنهم لا حق لهم في استعمال عقولهم في فهم دينهم؛ لأن ذلك قد انتهى بانقراض المجتهدين ~~الأولين، وصار الاجتهاد بعدهم محرما، وأن المسلم لا يكون مسلما صادقا إلا إذا كان ~~مقلدا لمذهب من المذاهب المعروفة، فيترك المسلم ما يعتقد وما يفهم، ويتمسك بتفسير أهل ~~القرن التاسع من الفقهاء، غير ملتفت إلى الآراء والأفكار التي وصل إليها العالم في ~~القرن التاسع عشر. وختم مقاله بالثناء على الإسلام، ونقل أقوال ثقات الحكماء والعلماء ~~الغربيين في مدحه، وأجاب عن الاعتراضات المشهورة عليه بأجوبة حسنة. # وفي الحق ماذا يمنع الإسلام من ترقية أهله وأخذهم بأسباب المدنية الحديثة؟ وإن أركان ~~الإسلام خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء ~~الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا، فأي من هذه الأركان تعوق تقدم ~~المسلمين؟! إن شهادة «لا إله إلا الله» تكسبهم العزة كما بينا، وإقامة الصلاة تطهر ~~قلوبهم، وإيتاء الزكاة يقرب بين الفقراء والأغنياء. وصوم رمضان يفهمهم ms128 آلام البؤساء، ~~وحج البيت مؤتمر عام للمسلمين يمكن قادتهم من أن يتداولوا المشاكل الحاضرة للمسلمين، ~~وكيف يحلونها. # إن الإسلام يأمر بالنظر العقلي، ويوفق بين العقل والنقل، ويأمر أتباعه بالنظر في ~~سنن الله في الكون، بينما النصرانية بعيدة عن هذا كله؛ فأركانها هي: الإيمان بالمعجزات، ~~بينما المعتزلة من المسلمين مثلا أنكرت كل المعجزات ما عدا إعجاز القرآن، ومع ذلك بقيت ~~على إسلامها، واعتمدت الأناجيل على صدق المسيح بخوارق العادات من إحياء الموتى، وإبراء ~~الأكمة والأبرص، ونحو ذلك. والركن الثاني سلطة الرؤساء؛ فما يربطونه في الأرض يربط في ~~السماء، وما يحلونه في الأرض يحل في السماء. قال أحد مطارنة «رانس» أيام القرون ~~الوسطى: «أيها التبع، الزموا - كما قال الرسول - الخضوع في كل حين لأسيادكم، ولا ~~تنتحلوا الأعذار من قسوتهم أو بخلهم. الزموا الخضوع - كما قال الرسول - لا للخيرين ~~ولا للمعتدلين من الأسياد فحسب، بل ولأولئك الذين ليسوا كذلك. إن الكنيسة لتصب ~~اللعنة على أولئك الذين يدفعون التبع إلى عدم الطاعة واصطناع وسائل التحايل، وهي ~~تصبها من باب أولى على أولئك الذين يعلمونهم المقاومة السافرة.» ~~«إن الله نفسه قد أراد أن يكون بين البشر سادة وتبع؛ حتى يلزم الأسياد تبجيل الإله ~~وحبهم له، ويلزم التبع تمجيد أسيادهم وحبهم لهم»، وذلك وفقا لما قال الرسول عندما صاح: ~~«أيها التبع، أطيعوا أسيادكم الزمنيين في خوف ورعب.» بينما الإسلام لا يجعل واسطة بين ~~العبد وربه فالرؤساء كباقي الأفراد لا ميزة لهم ولا زلفى عند الله. والركن الثالث في ~~النصرانية التجرد من الدنيا والزهد فيها، وكلما كان الإنسان أزهد في الدنيا كان أقرب ~~إلى الله، فالمدنية الحديثة إذا ليست مسيحية في هذا المعنى بل هي مدنية ضد المسيحية. ~~على أن الإسلام يأمر بمراعاة الدين والدنيا جميعا، فيقول القرآن: # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات ~~من الرزق ~~. # والأصل الرابع في النصرانية الإيمان بما هو فوق العقل. قال القديس أنسلم: يجب أن ~~تعتقد أولا بما يعرض على قلبك بدون نظر ثم اجتهد بعد ذلك. # واعترض قوم ms129 على الإسلام بأنه متعصب لا يتسامح، مع أن التسامح فيه أكثر من النصرانية؛ ~~فلم يعرف في الإسلام محكمة كمحكمة التفتيش ولا نحو ذلك. ونعني بالتسامح الديني أن ~~يكون لكل فرد في الأمة حق في أن يعتقد ما يراه حقا، وأن تكون له الحرية في تأدية ~~شعائر دينه كما يشاء، وأن يكون أهل الأديان المختلفة أمام قوانين الدولة سواء. ولننظر ~~إلى الإسلام في ضوء هذا التعريف؛ نجد أنه من حيث مبادؤه وتعاليمه الأصلية هو أرقى ~~الأديان في تحقيق هذه المبادئ. والباحث في التسامح الديني في الإسلام مضطر أن ينظر إليه ~~من ناحيتين: ناحية المذاهب المختلفة في الإسلام نفسه، وناحية نظرة الإسلام لأهل الأديان ~~الأخرى. # فأما الناحية الأولى؛ فالمسلمون في عهد نزول القرآن - أي عهد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~- لم ~~يكونوا إلا مذهبا واحدا، ولذلك لا تتوقع أن يكون في القرآن نفسه نص على التعامل بين ~~المذاهب الإسلامية المختلفة. قد يكون هناك بينهم اختلاف في الاجتهاد أو اختلاف في تطبيق ~~المبادئ الإسلامية، ولكن لم يتعد هذا أن يكون في مسائل جزئية لا ينطبق عليها كلمة ~~مذهب. وهناك أقوال مأثورة تدعو إلى التسامح مثل ما شاع بين المسلمين: اختلاف أمتي رحمة؛ ~~وكان هذا سببا في سعة الصدر بين أهل المذاهب المختلفة من حنفي وشافعي ومالكي إلخ. ومثل ~~ما روي عن الشافعي من قوله: «مذهبي صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيري خطأ يحتمل الصواب» وهو ~~قول لطيف يدل أيضا على قدر كبير من التسامح. ومن هذا القبيل أيضا ما شاع بين المسلمين ~~من قولهم: «لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب غير مستحل» أي لا يكفر مسلم بارتكابه ~~ذنبا ما دام غير مستحل له، وأولى من ذلك أنه مهما اختلف المسلمون في المذاهب ~~والآراء والأقوال فيما هو محل للاجتهاد والنظر فلا يصح أن يكفر أحد منهم. # أما نظر الإسلام إلى الأديان الأخرى فهو نظر سمح، فقد سمى اليهود والنصارى أهل كتاب، ~~وسماهم أهل ذمة، وهما تسميتان في منتهى اللطف. والآيات التي وردت في القرآن ms130 في أهل ~~الكتاب تدل على قدر كبير من التسامح خصوصا في العهد المكي، فيظهر أن اليهود والنصارى ~~قابلوا الإسلام في العهد المكي بشيء من حسن الاستقبال؛ فكان القرآن في ذلك العهد سمحا ~~كريما، وقد بني في أساسه على أن القرآن يؤيد الكتب السماوية الأخرى، ويتفق معها في ~~أغراضها، وأن الشريعة الإسلامية وارثة لما قبلها ومكملة لتعاليمها: # والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما ~~بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير ~~، # ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء ~~وهدى ورحمة لقوم يؤمنون # والإسلام يعترف بنبوة الأنبياء ~~السابقين؛ فنوح وإبراهيم إسحاق ويعقوب وداود وسليمان ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى ~~وعيسى وإلياس أنبياء مصدقون. ويقرر أن أساس تعاليمهم واحد، وكلها من عند الله؛ فلا ~~غرو بعد ذلك كله أن يكون الإسلام سمحا مسالما، حتى لقد نصح أتباعه بأنهم إذا دخلوا في ~~جدال مع اليهود والنصارى بشأن الدين جادلوهم بالحسنى: # ولا ~~تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ~~ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل ~~إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ~~، ~~بل نرى في العهد المدني في أول الأمر مثل قوله - تعالى: # فإن ~~حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين ~~أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد ~~اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير ~~بالعباد ~~، وقوله: # قل يا أهل الكتاب ~~تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا ~~الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا ~~من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا ~~مسلمون ~~، ولكن يظهر أن اليهود والنصارى في العهد المدني بعد ذلك وقفوا ~~أمام الدعوة الإسلامية، يهاجمونها، ويضعون الخطط لخنقها، ويتحالفون مع الوثنيين في ~~الكيد لها، والنيل منها، فاضطر الإسلام أن يقابل الشدة بالشدة والكيد بالكيد؛ فعلت ~~نغمة القرآن في التنديد بأهل الكتاب، ووصف أساليبهم القديمة، وخاصة اليهود وما فعلوه مع ~~أنبيائهم، فكان موقف المسلمين منهم موقف الدفاع لا الهجوم، ومع ذلك فقد سمح لليهود ~~والنصارى أن يؤدوا ms131 شعائرهم في المدينة، ونصح الرسول معاذ بن جبل حين أرسله إلى اليمن ~~بألا يكره يهوديا على الإسلام، وفي كتابه إلى نصارى نجران سمح لهم أن يؤدوا شعائرهم، ~~وأن يتبعوا دينهم، وأن تحفظ لهم كنائسهم، وألا يتدخل في شئونهم ما وفوا ~~بعهودهم. # وسار الفقهاء من المسلمين على هذه التعاليم في فقههم من حسن معاملة أهل الكتاب، وأن ~~يكون لهم ما لنا وعليهم ما علينا، بل لما فتحت فارس عومل أتباع زرادشت معاملة أهل ~~الكتاب، ولئن قسا الإسلام بعض الشيء على الوثنيين دون أهل الكتاب؛ فلأنه يرى أن الوثنية ~~انحطاط في الإنسانية يجب علاجها، وانتشال الإنسانية من حضيضها، وعلى هذا سار المسلمون ~~في أكثر تاريخهم، على حسن معاملة أهل الكتاب، يحمونهم ما دفعوا الجزية، ويسمحون لهم ~~بالعبادة في بيعهم وكنائسهم، وهذه الجزية إنما شرعت بدل تجنيدهم؛ لأنهم لا يأمنون ~~جانبهم إذا جندوا، ولا يثقون بغيرتهم الحربية، فليدفعوا بدل القتال شيئا من ~~المال لحمايتهم. ولو قرنت معاملة المسلمين في دولهم لليهود والنصارى بمعاملة النصارى ~~للمسلمين في دولهم لتبين إلى أي حد كان التسامح عند المسلمين وفقدانه عند ~~النصارى، حتى ليصح للمسلمين أن يفخروا بتشريع الفقهاء الأولين في معاملة أهل الذمة، ~~وبتطبيق ذلك عليهم في مختلف العصور. # نعم حدثت في التاريخ أحداث كثيرة لا تتفق وهذا التسامح الكريم، ولكن إذا دققنا النظر ~~فيها وجدناها ترجع إلى أسباب أكثرها غير ديني، سواء في ذلك الاضطهاد الذي حدث بين ~~المذاهب الإسلامية بعضها وبعض، أو بين المسلمين وغيرهم من اليهود والنصارى. من أهم هذه ~~الأسباب السياسية؛ فالنزاع بين الحكومة الإسلامية والخوارج في العهد الأموي وصدر ~~العباسيين سببه أن الخوارج بتعاليمهم يريدون أن يتولى الحكم أصلح الناس ولو كان ~~عبدا حبشيا، ولا يعترفون ببيت أموي ولا بيت عباسي، ويريدون أن يصلوا إلى مبدئهم ~~بالقوة، فاضطرت الحكومة الأموية والحكومة العباسية أن تحفظ كيانها وتحمي بيتها في ~~الخلافة بمحاربة الخوارج والقضاء عليهم، وهذا سياسة لا دين. # وانظر إلى النزاع الحاد والدماء المسفوكة بين السنية والشيعة طول العهد ~~الأموي والعباسي وبعد ms132 ذلك، وما جرى بسببه من دماء تجري أنهارا؛ تجد سببه أن أهل السنة ~~من أمويين وعباسيين وغيرهم يرون الحق في خلافتهم، ويرى الشيعة أن لا حق لهؤلاء في ~~الخلافة، وإنما الحق لأهل البيت وكل يعمل على أن يصل إلى حقه بقوة السلاح، فالنزاع ~~إذن نزاع على من يتولى الحكم وهذه سياسة لا دين. وأحيانا يقوم بالدعوة الدينية رجال ~~يدعون إلى مذاهب هدامة، ويتسترون باسم الدين، وتخشى الحكومة إن سادت تعاليمهم أن ~~تنهار قوتها فتضطر إلى محاربتهم، وشكل الحرب شكل ديني وحقيقته سياسية. وكثير ممن خرجوا ~~على الدولة العباسية كانت حقيقة أمرهم الرغبة في إعادة الحكم للفرس، ككثير ممن قتلوا ~~تحت ستار الزندقة في عهد المهدي العباسي وبتهمة المانوية. وقد يستثنى من ذلك الاضطهاد ~~الذي حدث من المأمون والواثق لمن لم يقولوا بخلق القرآن، فقد كانت هذه نظرة دينية خاطئة ~~من المأمون والواثق؛ إذ ظنا أن من لم يقل بالاعتزال وبخلق القرآن؛ فقد أفسد دينه ~~فهما يريدان إصلاح العقيدة قسرا وجهرا كما فعل المسلمون الأولون إزاء الوثنيين، وهذا ~~خطأ كبير في التفكير نتج عنه أضرار جسيمة للمسلمين. # ومن العداء السياسي ما كان بين الدولة العثمانية والدولة الإيرانية، فالعداء بينهما ~~عداء سياسي اتخذ شكلا دينيا؛ يريد العثمانيون الأولون أن يمدوا سلطانهم على الفرس، ~~ويأبى الفرس إلا أن يحتفظوا باستقلالهم، فيئول ذلك إلى البغض الذي بلغ مداه في عهد ~~السلطان سليم الأول، حتى كان اضطهاده للشيعة في مملكته أن قتل وسجن ما يقرب من أربعين ~~ألفا. ولكن من الخطأ تحميل الدين جرائر السياسة، بدليل أن كثيرا من هذه الخصومات ~~السياسية حدثت بين أمم إسلامية مختلفة تعتنق عقيدة واحدة سنية أو شيعية، وإنما ~~كان الخلاف بينها على السلطان وسعة الحكم ونحو ذلك. # ولسنا ننكر أن كثيرا مما حدث في التاريخ من اضطهاد المسلمين للنصارى واليهود كان ~~ناشئا عن كراهية دينية وغيرة إسلامية، ولكنها كانت غيرة عمياء من بعض من أصيبوا ~~بضيق النظر وفهم الدين فهما خاطئا، أو كان ردا لما يبلغهم عن اضطهاد المسيحيين ms133 ~~للمسلمين، فيضطرون أن يعاملوهم معاملة المثل جزاء وفاقا، ولكن من الظلم أن نحمل الدين ~~الإسلامي هذه الأخطاء أيضا. # وأحيانا كان يكون السبب في اضطهاد المسلمين لليهود والنصارى سببا اقتصاديا، ~~فكثيرا ما كان يحدث أن تولي الحكومات الإسلامية بعض اليهود والنصارى زمام الأمور ~~المالية في الدولة، فيسرفون في تعيين أقاربهم وأصهارهم في الوظائف المالية، كما يسرفون ~~في بذل المال لهم، وبعد قليل ينظر المسلمون فيرون أن الغنى والترف وحياة الفخفخة ~~والأبهة والعظمة في جانب اليهود والنصارى، وحياة البؤس والفقر في جانب المسلمين، فيثور ~~ثائرهم ويحطمون هذا الوضع الاقتصادي الظالم، كما حدث ذلك في العهد الفاطمي. وقد كانت ~~الدولة العثمانية في أول أمرها من أكثر الدول تسامحا لرعاياها من اليهود والنصارى، ~~ومنحتهم من الامتيازات ما لم يعهد له نظير في الدول الأخرى، ولكن انقلبت هذه ~~الامتيازات معاول لهدم الدولة العثمانية، واتخذت الدول الأجنبية من روسيا ~~وإنجلترا وفرنسا وغيرها هذه الامتيازات التي لرعاياها وسيلة لنشر الدسائس، وتدبير ~~المؤامرات، وخلق الفتن، فاضطرت الدولة بعد إلى استعمال كثير من العنف؛ دفاعا عن ~~كيانها، ومواجهة لنقض الدسائس التي تحاك حولها، وكل هذا سياسة لا دين. وأحيانا يكون ~~سبب القتال والخصام تجارة رؤساء الدين، فيرون أن قوة مركزهم وبسطة نفوذهم متوقفة على ~~تعصب عوامهم، فهم يستغلون ضيق نظر أتباعهم ويبثون فيهم روح التعصب؛ حفظا ~~لمركزهم ونفوذهم وسيطرتهم، علما منهم بأنه إذا ساد التسامح، وكان الناس إخوانا فقدوا ~~عزتهم ومكاسبهم الفانية، والأمثلة على ذلك كثيرة. ~~••• # وبعد فإن أوروبا مع تقدمها في فهم الحرية، وجدها المتواصل في بناء حياتها على ~~العلم لا على العواطف ما زالت بعيدة عن تحقيق التسامح الديني بالمعنى الذي شرحناه قبل. ~~فبالأمس قرأنا كيف فعل هتلر بيهود ألمانيا، وقرأنا كيف اضطهد الشيوعيون الدين، وحاربوا ~~شعائره، ونقرأ في الصفحات الأخيرة كيف حاربت أوروبا المسلمين العرب في فلسطين، ونصرت ~~اليهود عليهم، وعرفنا كيف تخلط أوروبا المنفعة السياسية بالعواطف الدينية في معاملتها ~~للمسلمين. # وأخيرا فهل للمسلمين أن يشتد وعيهم الديني، ويفهموا بعد طول هذه التجارب التي ~~ذكرناها أنه ms134 لم يعد هناك وجه للخلاف بين سني وشيعي وزيدي وغير ذلك من المذاهب؛ ~~لأنهم لو رجعوا إلى أصل دينهم ما وجدوا لهذا الخلاف محلا، ولوجدوا أنه خلاف مصطنع ~~لا خلاف أصيل، وأن الأمم الإسلامية في موقفها الحاضر أحوج ما تكون إلى لم شعثها، ~~وإصلاح ذات بينها، وتوحيد كلمتها، وهي ترى كيف تهاجم من كل جانب وكيف يتخذ إسلامها ~~وسيلة من وسائل الكيد لها، وإذا اتحد أهل الباطل على باطلهم فأولى أن يتحد أصحاب ~~الحق على حقهم! # واعترض قوم آخرون على الإسلام - وخصوصا المستشرقين الإنجليز في الهند - بأن الإسلام ~~جامد، والدين لايصلح إلا إذا كان فيه عناصر ثبات وعناصر تحول على حسب مقتضى الظروف ~~والأحوال. وهذا عيب في المسلمين لا في الإسلام، فالإسلام سن بابي الإجماع ~~والاجتهاد ليكون مرنا. وكان من أكبر قادة المسلمين عمر بن الخطاب، وكان يجتهد حتى ~~فيما يقابل النص. وسار معاذ بن جبل، ثم عبد الله بن مسعود، ثم أبو حنيفة النعمان على ~~هذه الطريقة، طريقة إعمال العقل فيما يروى، والاجتهاد فيما يجد من الأحداث. وإنما ~~المسلمون آخر الأمر هم الذين أغلقوا باب الاجتهاد، وحرموه عليهم، وكلفوا المسلمين ~~شططا في أنهم يسيرون في الظروف الحادثة سيرهم في الظروف القديمة. وظهروا أمام العالم ~~الغربي بمظهر الجامدين، واتخذ هؤلاء المستشرقون عمل المسلمين حجة على الإسلام نفسه، ~~والإسلام نفسه من ذلك براء. # وتبع هذا غلو في الدين وتشدد فيه بعد أن كان الإسلام سمحا وسهلا، وذلك ~~بسبب تأثير الفلسفة اليونانية على المسلمين. فالإسلام يأمر بغسل الوجه عند الوضوء، ~~فتأتي الفلسفة وتحدد معنى الوجه وما تنطبق عليه كلمة الوجه، كأن المتوضئ مهندس مساح ~~يريد تحديد الوجه بالمساحة. والدين يندب إلى السواك، فيأتي الجامدون المغالون ~~ويبحثون في السواك: بم يكون؟ ومتى يكون؟ وما حجم القشرة المنزوعة من عود الأراك؟ وكيف ~~يستاك؟ وبعد أن يستاك كيف يضع السواك؟ إلى آخر ما هناك. فهذا تشديد في الدين تأثر فيه ~~الإسلام بالعقل الفلسفي اليوناني الذي يتعمق ويتعمق. وقد كان الإسلام يأمر بغسل الوجه، ~~ويندب إلى ms135 السواك على الفطرة من غير بحث ولا تعمق، وهكذا في سائر شئون الدين ~~وتعاليمه، حتى خرجوا من ذلك إلى الحيل الشرعية التي يحتالون بها للهروب من الواجبات، ~~فألفوا في ذلك الكتب في الحيل الشرعية. وكانت هذه الفلسفة أيضا سببا من أسباب التفريق ~~بين المسلمين فرقا مختلفة حتى انقسموا فيما بينهم كانقسام الأمم قبلهم. # وتسألني كيف يكون تقرب الأوروبيين من المسلمين؟ وكيف يصلح المسلمون حالهم؟ فأقول: ~~أما تقرب الأوروبيين من المسلمين؛ فله دواع كثيرة. أولها: أن النعرة الوطنية كانت أشد ~~من العصبية الدينية؛ فحاربت أمريكا وإنجلترا النصرانيتين روسيا النصرانية، وانقسم ~~العالم الآن إلى معسكرين كل منهما نصراني، ودعتهما العصبية القومية أن يستعينا بغيرهما ~~من المسلمين، فكان في هذا التقرب إليهم. وثانيا: وجد هناك أبطال من العلماء ~~المسلمين ومن العلماء المسيحيين، رفعوا الصوت عاليا ضد الجهلاء السابقين. من هؤلاء ~~المنصفين «كارليل» في كتابه «الأبطال»، وإسحاق تيلر في خطبه في «مجمع القسيسين»، ~~و«أرنولد» في كتابه «الإسلام»، وغيرهم. وهؤلاء من غير شك مسحوا شيئا غير قليل من عداء ~~الماضي، وأسسوا نزعة جديدة للتحبب والتقرب. ومن هذه الدواعي أن العالم الآن يسير نحو ~~الإنسانية متخطيا القومية والوطنية، ولا بد أن سيصل يوما إلى هذه الغاية. # ومنها أن المخترعات الحديثة من طيارات وما إليها أزالت الفوارق بين الشعوب، وجعلت ~~العالم كله وحدة، وقربت الاتصال بين أوروبا والشرق، وسهلت نقل الأفكار والمعاني إلى ~~الشرقيين، فدب فيهم الوعي القومي، ونال بعضهم الاستقلال؛ تلبية لهذه الأفكار التي ~~يسمعونها والصحف التي يقرءونها، والبعض الآخر في طريقه إلى ذلك. # وأما إصلاح حال المسلمين فيكون بشيئين: أحدهما فصل العلم عن الدين، والتوسع في العلم ~~إلى أقصى قدر مستطاع؛ فليس العلم ملكا لمذهب دون مذهب، وليس الإسلام مما يناهض العلم. ~~وفصل العلم عن الدين شيء ميسور ومحبوب. وأما فصل الدين عن السياسة كما فعلت أوروبا ~~المسيحية، وكما فعل مصطفى كمال؛ فشيء لا يقتضيه الإسلام؛ لأنه لا بد أن يدخل الدين في ~~السياسة؛ لينقحها، ويهذبها ويحسن من نيات ولاة الأمور، ويوجههم نحو ما ينفع ms136 ~~رعيتهم، ولم تقع أوروبا في الحروب المتتالية إلا لفصل السياسة عن الدين؛ فبانفصالها عن ~~الدين انفصلت عن الأخلاق أيضا. # والأمر الثاني هو الاجتهاد. والاجتهاد في اصطلاح الأصوليين بذل الفقيه الوسع في تحصيل ~~ظن بحكم شرعي. وقد اشترطوا في المجتهد شرطين؛ الأول: معرفة الله - تعالى - وصفاته، ~~وتصديق النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، والثاني: أن يكون عالما بمدارك الأحكام، وأقسامها، وطرق ~~إثباتها، ووجوه دلالتها، وأنواع العلوم العربية من اللغة والصرف والنحو وغير ذلك. وقد ~~أصيب المسلمون بحكمهم على أنفسهم بالعجز، وقولهم بإقفال باب الاجتهاد؛ لأن معناه أنه ~~لم يبق في الناس من تتوفر فيه شروط المجتهد، ولا يرجى أن يكون ذلك في المستقبل. ~~وإنما قال هذا القول بعض المقلدين؛ لضعف ثقتهم بأنفسهم، وسوء ظنهم بالناس، وزعمهم عكس ~~ما يقول أصحاب النشوء والارتقاء من دعواهم أن العقل دائما في تدن وانحطاط، وغلوهم ~~في تعظيم السابقين. # وإنما أصيب المسلمون بقولهم بسد باب الاجتهاد؛ لأسباب ثلاثة، أولها: كارثة ~~المسلمين بضياع المعتزلة، وهم الفرقة العقلية في الإسلام، وانتصار أهل الحديث عليهم. ~~والثاني: مهاجمة أهل التصوف للفقهاء بأنهم شكليون، ويعنون بالشكل أكثر مما يعنون ~~بالروح، فاتفقوا مع المعتزلة في مناهضة الفقهاء، وكان على رأسهم سفيان الثوري الذي ~~توغل في الروحانية مع اطلاعه الواسع في الفقهيات. والسبب الثالث: سقوط بغداد على يد ~~التتر، وقد كانت بغداد إذ ذاك مركز الحضارة والثقافة الإسلاميتين، فأصيب العلماء بالفزع ~~من جراء هذا السقوط، وغلبهم التشاؤم وودوا أن لو استطاعوا فقط حتى المحافظة على ~~القديم من غير تجديد، وهم في ذلك معذورون بعض العذر. فانحبس الناس في التقليد. ~~والاجتهاد الذي نريده هو الاجتهاد المطلق لا المقيد بمذهب. وهذا الاجتهاد المطلق هو ~~الذي فعله معاذ بن جبل، وعلي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وأبو حنيفة، ومالك، ~~والشافعي، وابن حنبل، وداود الظاهري، والطبري، وابن تيمية، وأمثالهم. وليس المسلمون ~~مقيدين بالمذاهب الأربعة، فغيرهم من عشرات الأئمة لم يتقيد بمذهبهم. # والاجتهاد في عصرنا أسهل من الاجتهاد في عصرهم، فالمطابع نشرت عشرات التفسيرات ~~للقرآن الكريم، وعشرات الكتب ms137 في جمع الحديث؛ وأصبحت المطالعة في الكتاب تغني عن ~~الرحلات المختلفة إلى مصر والأندلس والحجاز، فقد كفانا المحدثون مئونة ذلك. # هذا إلى أن الله لم يخل الأمم الإسلامية في كل عصر من مسلمين أذكياء عقلاء، عارفين ~~بكليات الشريعة الإسلامية ومقاصدها، قادرين على تطبيقها على الجزئيات. ثم إن المدنية ~~الحديثة قابلت المسلمين بجزئيات لا عداد لها؛ فقد أصبحت طرق المعاهدات الجديدة تخالف في ~~كثير من الأحيان طرق المعاملات القديمة، وتطور العالم الإسلامي في العشرين سنة ~~الأخيرة ما لم يتطوره في مئات السنين الماضية؛ تدل على ذلك الأسئلة الكثيرة التي ترد ~~على العلماء من كل قطر، في حل بعض الأمور وحرمتها. فما لم نواجه هذه المسائل ~~بالاجتهاد المطلق تخلفنا كثيرا في الحياة، ولو واجهت هذه المسائل الأئمة الأربعة ~~لأفتوا فيها فتاوى يضعون فيها إحدى عينيهم على كليات القرآن، والعين الأخرى ~~على المدنية الحديثة؛ والله - تعالى - ينهى عن الغلو في الدين، والرسول يقول: «إن ~~الإسلام يسر لا عسر» فهذه المشاكل لا تحل إلا باجتهاد مطلق؛ ولسنا نعني بالاجتهاد ~~المطلق إعمال العقل وحده، والتقليد للأجنبي تقليدا أعمى، وإنما نعني اجتهادا من أهل ~~الاجتهاد، اجتهادا يفهم الإسلام ومراميه، ويفهم المدنية الغربية ومراميها، ثم يحلل أو ~~يحرم على مقتضى هاتين النظريتين. # فكل المجتهدين السابقين فعلوا مثل هذا؛ ونحن لسنا أقل منهم في مواجهة الصعاب، وقدرتنا ~~على حلها، وفي التاريخ أمثلة كثيرة من هذا القبيل، وإن الذين أغلقوا باب الاجتهاد، أو ~~فتحوا فقط باب الاجتهاد الضيق ضرونا ضررا بليغا، وجمدونا جمودا متحجرا، ~~فأصبحنا كالنعامة تغمض عينيها عما سيؤذيها؛ وليس يحيا دين على ممر الأزمان إلا إذا ~~كانت فيه صفه المرونة. نعم إن جماعة كالبابية والبهائية والقاديانية قالوا بهذا ~~الاجتهاد، ولكنهم أفرطوا في الحرية بعض الأحيان إفراطا لا يرتضيه الإسلام، كالقول بأن ~~الأنبياء لم يختموا بمحمد مخالفين النص القرآني: # وخاتم ~~النبيين ~~، وغير هذا من أمور ليس هذا موضعها، فنحن محتاجون إلى نوع خاص ~~من المجتهدين. # نوع يفهم الدين فهما دقيقا، ويفهم المدنية فهما عميقا، ثم يطبق تلك على ms138 الدين، ~~مراعيا المصلحة العامة والعقل الواسع. أما أن يفهم الدين وحده كبعض علمائنا، أو أن ~~يفهم الحضارة الغربية وحدها كبعض المتمدنين؛ فنظر بعين واحدة وهو لا يكفي. إنا لا ~~نريد الاجتهاد لكل أحد، ولكن نريده بشروط كالتي قالها الأقدمون، وكل ما نخالفهم فيه ~~أننا نثق بأنفسنا، ولا نقبل مركب النقص فينا، ونؤمن بفضل الله وسابغ عطاياه، وأن ~~الأمة الإسلامية لم تصب بالعقم، فالأمهات اللاتي كن يلدن عباقرة حتى في الدين ~~يلدن حتى اليوم هؤلاء العباقرة # 3 ~~... ومما يؤسف له أن كثيرا من علمائنا الدينيين لم يتعبوا أنفسهم في فهم ~~المدنية الحديثة كما أتعب علماء المسيحية أنفسهم في فهمها؛ فقل أن تجد عالما ~~فاهما للمدنية الغربية، وربما كان السبب في كرهنا للمدنية الغربية أنها نشأت في ~~أحضان النصرانية لا الإسلام، ولكن لا يمنعنا هذا - وقد تسلطت المدنية الغربية على ~~العالم كله حتى الأمم الإسلامية - من فهم المدنية الغربية وأسرارها، وتحديد موقفنا ~~أمامها. # لو كانت تعيش المدنية الغربية في بلاد غير بلادنا لاحتملنا ذلك؛ أما وهي تعيش في ~~بلادنا بماديتها ومعنويتها فلا يصح أن نغمض النظر عنها، إن العلماء يلبسون من صنعها ~~ويحلون بيوتهم بأثاثها، وآلات إذاعتها وتليفوناتها، ويزرعون بآلاتها، فلماذا لا ~~يوسعون فهمهم لها، ويفتحون الطريق أمام خيراتها، ويغلقونه أمام شرورها، ويبصرون ~~الناس بموقفهم منها؟ # هذا هو الفرق العظيم بين رجال ديننا ورجال دينهم. يظهر ذلك في علمهم الواسع بأساليب ~~سياستهم وتكوين رأيهم فيها، ويظهر ذلك أيضا في وعظهم ووعظنا، في كنائسهم ومساجدنا. ~~فهم يتحدثون بل ويؤلفون بلغة العصر وروح العصر. وأشهد أني قرأت دائرة معارف ~~بالإنجليزية للأطفال، فكان رجال الدين في كل عدد يعرضون لأحاديث التوراة والإنجيل وقصص ~~الأنبياء بلغة فيها علم نفس، وفيها فهم لعلم الطبيعة والكيمياء، وفيها لغة تناسب عقول ~~الأطفال والشبان وتستهويهم، وتوافق لغتهم التي يألفونها في كتب العلوم والآداب. ~~أما نحن فمن أسباب انصراف ناشئتنا عن الدين أننا لا نعرف أن نخاطبهم بلغتهم التي ~~يفهمونها، ثم هم إذا حدثت حوادث كغرق مركب كبير، وقيام حرب كبيرة، ms139 وحدوث أحداث سماوية ~~صغيرة انتهزوا الفرصة فتكلموا بلغة الدين فيها؛ فكان كلامهم مقبولا. ونحن لا نتكلم ~~إلا عن الماضي، وبلغة الماضي؛ فلا يكون كلامنا مقبولا. إن زعماء الإصلاح الذين نجحوا ~~كان نجاحهم بمقدار فهمهم للمدنية الغربية وفهمهم للإسلام معا، كالسيد جمال الدين ~~الأفغاني، والشيخ محمد عبده، ومدحت باشا، والسيد أمير علي. أما من تخلف منهم، ولم ~~يناسب إلا جزيرة العرب وأمثالها، كمحمد بن عبد الوهاب، فسبب عدم شيوع تعاليمه هو أنه ~~اقتصر على فهم الإسلام دون الجانب الآخر من الحياة، حتى فهمه للإسلام كان فهما ~~مقيدا بظروف الحياة في الجزيرة العربية قبل تطوره التطور الذي جاء بعد؛ فهو أشبه ~~بابن عمر من عمر. # إن عمر بن الخطاب بعقله الواسع واجتهاده المعقول استطاع أن يشرع للفرس والروم، وهو ~~البدوي وهم الممدنون: ووقف حد الشرب على أبي محجن الثقفي؛ لأنه أبلى في الحروب ~~بلاء حسنا، ووقف حد القطع على من سرق ناقة؛ لأنه كان جائعا، ووقف الحدود في ~~الحروب لما رأى أن بعض المحاربين إذا وقع عليهم الحد فروا إلى الأعداء، وهكذا ... ~~وأباح أبو حنيفة قراءة الفاتحة بالفارسية لما رأى أن بعض من أسلم من الفرس لا يحسن ~~العربية، وقال مالك بالمصالح المرسلة، وقال أبو حنيفة بالاستحسان؛ فلماذا لا نسير سيرهم ~~ولا نعمل عملهم؟ إن حياة المسلمين كلها تغيرت بالمدنية الحديثة، من راديو يقرأ القرآن، ~~وصناديق توفير مفتحة الأبواب، ولبس قبعة وغير ذلك من الماديات، وتغيرت أساليب الزواج، ~~ووسائل السفر، وغير ذلك من العلوم والمعارف، فلماذا نقف أمامها ولا نبين رأي الإسلام ~~فيها؟ الحق أنا في أشد الحاجة إلى ذلك، وإلا كان ما حدث لبعض الزعماء كمصطفى كمال ~~وغيره من القادة، رأوا الجمود فكفروا بالدين، ونقلوا المدنية الغربية بحذافيرها من ~~غير تفرقة بين نافع وضار، وما يناسب المسلمين وما لا يناسبهم. لو كان وقوف العلماء ~~مغمضي العين عن المدنية الحديثة يقف سيرها لهان الأمر، ولكن المدنية ~~الغربية تسير بسرعة سير الطائرات، رضيناها أم أبيناها، فلنحلل منها ما حلل ~~الله. ولنحرم ما حرم، ms140 ولنستعمل عقولنا التي رزقنا الله مراعين ديننا الذي ~~شرعه الله. # إن مما يؤسف له أن حفنة من المسلمين نادوا ببعض إصلاحات كنداء عبد الله بن المقفع ~~بتوحيد القوانين ونشرها على الناس؛ ليعرف المتقاضي وجه الحكم له أو عليه، ونداء ~~المعتزلة بتحكيم العقل في الحديث، ونداء الشيخ محمد عبده في السنين الأخيرة بتنقية ~~الدين من الخرافات والأوهام، والاستغاثة بالله وحده، دون الاستغاثة بأضرحة وأولياء، ~~فرمي كل هؤلاء بالزندقة. # ومن المؤسف أيضا أن العالم الإسلامي كله خلط بين بقايا من المدنية الإسلامية القديمة ~~وأشياء من المدنية الحديثة حتى لتجد الرجل في ملابسه بين شرقي وغربي، وأثاث المنازل ~~بين شرقي وغربي، والعلوم التي تدرس في المدارس بين نحو سيبويه مبسطا، وطبيعة وكيمياء ~~المدنية الغربية، ومحاكم شرعية تقضي بأحكام الفقهاء، ومحاكم وطنية تقضي بقوانين فرنسا ~~أو ألمانيا؛ وكذلك كل مرفق من مرافق الحياة، زراعة قديمة بجانب الزراعات الحديثة، ~~وتجارة قديمة بجانب التجارات الحديثة؛ بل تقرأ الجريدة الواحدة نفسها فترى أفكارا ~~قديمة لكاتب وأفكارا حديثة لكاتب آخر؛ وكادت تكون هذه الأمور مقبولة لو أنها وضعت على ~~أسس معقولة، وفرزت فرزا دقيقا، ولكنها كومت كلها حيثما اتفق، فكان مثلها مثل ~~رجل يلبس بدلة على آخر طراز من النمط الغربي، ويلبس في رجله حذاء من نوع ملابس القرون ~~الوسطى، وهذا ضرر في العقلية، وضرر في التكوين الخلقي، وضرر حتى في الدين نفسه. ~~وكانت نتيجة هذا ما نشاهده في العالم الإسلامي كله من انحلال وعدم تماسك، حتى يكون ~~العقل بذلك مهوشا مشوشا، لا يبنى على قواعد منطقية سليمة، ولا على ذوق سليم. ~~ومن آثار هذا أيضا كثرة الجدال حين يجتمع قوم من الناس ذوي عقليات مختلفة، لا كما ترى ~~في جمعيات إنجليزية أو ألمانية؛ لأنهم وحدوا أسس التعليم الابتدائي والثانوي، فتقاربت ~~العقليات، فإذا كان خلاف فخلاف في نوع التعليم العالي، مع توحيد أسس ~~مناهجه. # والاجتهاد في الإسلام مبني على أصول أربعة: القرآن، والحديث، والإجماع، والقياس. فأما ~~القرآن؛ فأريد به أن يكون تنظيما تشريعيا مبنيا على دعائم ثابتة تعتمد ms141 على ~~الإيمان بالله واليوم الآخر. وأما السنة فقد شرحناها من قبل، ورغم أن الأستاذ جولد ~~زيهر نقدها نقدا علميا حديثا، وأبان أن كثيرا منها مزيف مأخوذ من شرائع أخرى ~~دست في الإسلام؛ فإنها أصل من أصول التشريع الإسلامي، نعم إن كثيرا من الأحكام ~~الشرعية أسست على تقاليد كانت جاهلية، وأقرها الإسلام؛ لأنها لا تزال وفق بيئته ~~فإذا تغيرت البيئة لم يعد للعمل بهذه الأحاديث محل، وربما كان هذا هو الداعي لفرقة من ~~الفرق الإسلامية أن تنكر الحديث، وحكى خبرها الإمام الشافعى في الأم ولم يستنكر قولهم، ~~وربما كان هو الداعي أيضا إلى تحرج الإمام أبي حنيفة من الأحاديث والعمل بها، واقتصاره ~~على نحو سبعة عشر حديثا، وإنما اعتمد أكثر ما اعتمد على الاستحسان، كما اعتمد الإمام ~~مالك على المصالح المرسلة، وكلاهما يعتمد على العدالة التي يفهمها العقل الفطري، والذي ~~يسميها القرآن «المعروف»، ويسمي ضدها «المنكر». # وأما الإجماع: فهو مبدأ هام من مبائ التشريع الإسلامي، وربما طبق تطبيقا وافيا ~~في النظام الشوري عند الأمم الحديثة؛ إذ تنتخب أظهر الرجال وأبرزهم، وهم من كانوا ~~يسمون في العهد القديم أهل الحل والعقد، فإذا اجتمعوا على الرأي كان ذلك تشريعا. ~~وأما القياس: فقد قال به أبو حنيفة، وأنكره عليه مالك، وقد توسع أبو حنيفة فيه، ولكن مع ~~الأسف طبقه تطبيقا أرسططاليسيا يعتمد على طريقة الاستنتاج لا طريقة الاستقراء، ويهتم ~~بالناحية النظرية أكثر من اهتمامه بالناحية العملية، وتوسع في التشريع للفروض، حتى ما ~~لم ينبن عليها عمل، كما توسع أصحابه في الحيل الشرعية التي ترفع العمل، وتصور ~~كيفية الفرار من الفرائض، ونحو ذلك. على حين أن الإمام مالكا اتبع سنة أهل المدينة ~~في الاعتماد على العمل دون الفروض، وعلى ما يقع من الأحداث دون النظريات. والاجتهاد ~~الحق يتطلب أن ينظر المجتهد في تطبيق كليات الدين على ما يحدث من مسائل جزئية. ونعني ~~بكليات الدين القواعد الكلية التي تطبق عليها جزئيات كثيرة، مثل: «لاضرر ولا ضرار» ~~ومثل: # أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ~~وأنتم تتلون الكتاب أفلا ms142 تعقلون ~~، ومثل # إن الذين آمنوا والذين هادوا # الآية. فهي ~~تتضمن أن أسس الدين هي الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، وقوله - تعالى: # ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى ~~تتبع ملتهم ~~، فهي تكشف عن حالة اليهود والنصارى في عصر النبي، ~~ولا تزال مطردة في أهل الملتين إلى اليوم، وكالاستعانة على النهوض بمهمات ~~الأمور بالصبر والصلاة: # واستعينوا بالصبر والصلاة ~~وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ~~، وكبطلان التقليد ~~للآباء والأجداد والمشايخ والمعلمين والرؤساء، وهي مبثوثة في القرآن، وكإباحة جميع ~~طيبات المطعم، وامتناع التحريم الديني لما لم يحرم الله منها: # يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ~~، # إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير وما أهل به لغير الله ~~، وكإباحة المحرمات المضطر ~~إليها: # فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم ~~عليه إن الله غفور رحيم ~~، وكبناء الدين على اليسر: # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر ~~، وكحظر التعرض للهلكة: # ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة ~~، وكحرية الدين والاعتقاد، ومنع الاضطهاد ~~الديني: # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون ~~الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على ~~الظالمين ~~، # لا إكراه في الدين ~~، ~~وكبناء الأمور الزوجية والبيوت، وتربية الأولاد على دعائم أربع: # أولا: # قيام النساء بالأمور التي تقتضيها وظيفتهن كالرضاعة وغيرها من أمور ~~تربية الأطفال، ووجوب النفقة كلها على الزوج. # ثانيا: # ألا يكلف أحد من الزوجين ما ليس في وسعه. # ثالثا: # لا يضار والد بولده، ولا مولود له بولده. # رابعا: # إبرام الأمور بالتراضي والتشاور. # وكجعل ذرائع درء الفساد والشر مناطا للتشريع وأصلا من أصول الأحكام الاجتهادية، ~~وكتحريم أكل مال الناس بالباطل، وكالاعتقاد بأن عمل كل إنسان له أو عليه لا يجزى إلا به ~~فلا يجزى به سواه # لها ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت ~~، وكبناء التشريع على حفظ الفرد والنوع والمال. ولنا على صحة ~~الاجتهاد ووجوهه أمثلة كثيرة؛ منها: # أولا: # عمل كثير من الصحابة - وخصوصا عمر - في مقابلة هذه الحوادث ~~الفياضة التي واجهها من جراء الفتوح. # ثانيا: # قوله - تعالى: # لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم ~~، وليس الاستنباط ms143 إلا ~~اجتهادا. # ثالثا: # ما فعله أبو بكر؛ فقد كان إذا نزل الأمر يجمع إليه كبار الصحابة، ~~ويسألهم: هل في هذا نص من القرآن؛ فإن لم يجد سألهم: هل يروي أحد في ~~هذا حديثا، فإن وجد عمل به، وإن لم يجد شاورهم الرأي. # رابعا: # أن الإجماع نفسه وقد أجمعت الأمة عليه هو معنى من الاجتهاد؛ حجة بأن ~~يجمع الأئمة في كل عصر أو الأئمة كلهم في قطر فيكون رأيهم حجة، وليس ~~هذا إلا ضربا من الاجتهاد. # خامسا: # أن الاجتهاد لو لم يكن لوقف المسلمون جامدين؛ لأن المدنية - ~~وخصوصا المدنية الحديثة - تخلق حوداث جديدة، وما لم تقابل بالاجتهاد ~~وقفنا أمامها حيارى، وقد اخترعت في المدنية الحديثة آلاف من الأشياء ~~من طيارات وغواصات وغيرهما، كلها تتطلب تشريعات جديدة. وكذلك الاقتصاد ~~الحديث أوجد معاملات لا عداد لها تتطلب أن يعرف المسلمون أهي حلال أم ~~حرام. ولا بد أن نساير الزمن. # سادسا: # كل عصر تتغير ظروفه؛ فلا تكاد تمر عشر سنين أو عشرون سنة حتى ~~يحدث ما يغير النظر؛ فكيف إذا مر ألف عام؟! وهذا - كما قلنا - هو ~~حكمة النسخ، والحكمة أيضا في أن الشافعي كان قد أسس مذهبه في العراق، ~~فلما جاء مصر رأى من البيئات ما يخالف بيئة العراق؛ فغير مذهبه، وسمى ~~مذهبه في مصر المذهب الجديد، ومذهبه في العراق المذهب القديم. وقليل من ~~البحث يرينا أن الفرق بين القديم والجديد فرق بيئة، أو فرق ~~نشأ من علم ما لم يعلم. # سابعا: # أن المجتهدين الكبار أمثال أبي حنيفة ومالك والشافعي اجتهدوا، وهم ~~أنفسهم لم يغلقوا باب الاجتهاد وراءهم، بل رأوا أنهم قد يخطئون في ~~اجتهادهم؛ كما قال الشافعي - رضي الله عنه - وإنما أغلق باب الاجتهاد ~~من هم أقل منهم شأنا، وأضعف شجاعة، ولو كان إغلاق باب الاجتهاد دينا ~~لأغلقوه هم ومنعوا غيرهم. # ثامنا: # أننا إذا نظرنا إلى ما بيننا من قوانين مدنية رأيناها تتغير بتغير ~~العصور؛ لأن هذا التغير من طبيعة القانون ومن طبيعة الحياة الاجتماعية، ~~والله - تعالى - العالم بما يحدث في الأزمان ms144 المختلفة لم يشأ أن يقرر ~~للنبي # صلى الله عليه وسلم # حكم المستقبل في جزئيات؛ لأن قيمة الحكم تابعة لعصره، ~~فإذا لم يوافق العصر كان نابيا ولو كان صحيحا. # هذا وقد قسم الأصوليون الاجتهاد إلى ثلاثة أنواع: اجتهاد مطلق كالذي فعله أبو حنيفة ~~والشافعي، واجتهاد مذهب وهو تطبيق قواعد المذهب على المسائل الجزئية، واجتهاد مسألة وهو ~~تطبيق مسألة جزئية لا مسائل عامة على مذهب من المذاهب. # والذي ينفعنا الآن وندعو إليه هو الاجتهاد المطلق؛ لأنه هو الذي نستطيع به أن نواجه ~~هذه المسائل. ولسنا من دعاة الاجتهاد لكل فرد، إنما ندعو إلى الاجتهاد ممن قدر عليه ~~واستكمل شروطه، وأهمها معرفة روح الإسلام وما يرتضيه وما يرفضه. # ومن طريف ما في تاريخ الإسلام أن وظيفة الحسبة، وكان القائم بها من العلم والقدرة ~~بحيث يمنع المتعرض لشيء لا يتقنه من عمله، كأن يحجر على طبيب لم يتعلم صناعته كما ~~ينبغي، واليوم تقوم وزارة الداخلية بهذا العمل فيمكنها أن تكف يد من أراد الاجتهاد ~~ولم تتوافر له أدواته. # إن نظرة المسلمين إلى العالم الأوروبي على أنه مثال الكمال نظرة خاطئة تبعث في النفس ~~اليأس والحنق، وإنه وإن كان في المدنية الشرقية عيوب ففي المدنية الغربية عيوب، وإن كان ~~العالم الشرقي ينقصه العلم والصناعة فإن العالم الأوروبي ينقصه الروح، والمدنية الصحيحة ~~هي التي تؤسس على عناصر ثلاثة: رفع لقيمة الفرد وعمله في المجتمع، وبناء الحياة على ~~ما يقتضيه العلم، وإحياء القلب بالشعور بالخير للإنسانية. وفقدان هذه العناصر الثلاثة ~~أو بعضها هو الذي سبب هذه الحروب الفظيعة المتتالية، وقد كان قادة الأوروبيين يقولون ~~بهذه العناصر الثلاثة على أنها المثل الأعلى للجمعية البشرية، ولكن عيبها كان أنها لم ~~تستند إلى وحي يقدسها ويجعل الناس يطيعونها ففقدت روحها، وعلى العكس من ذلك كان ~~الإسلام؛ إذ سند هذه المبادئ بالوحي من الله، وما يستتبع ذلك من تقديس. إن المسلمين ~~اليوم مطالبون بأن يحاربوا ما عندهم من مركب النقص، فليس ما عندهم أقل مما عند غيرهم، ~~وفي استطاعتهم أن يواجهوا ms145 الزمان والمشاكل التي تعتريهم بروح إسلامية قوية وحماسة ~~نارية؛ فيستردوا مكانتهم ويستطيعوا أن يبنوا مع البانين. # بل إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # نفسه كان بعض تشريعه عن طريق الوحي، وبعضه عن طريق ~~الاجتهاد. غاية الأمر أن اجتهاده كان أقوى؛ لأنه كان أعلم بمقاصد الشريعة ومراميها. ثم ~~اجتهاده على نوعين: نوع يتعلق بالأحكام الكلية وهذه واجب اتباعها، ونوع كان يتعلق ~~بأمور جزئية تتعلق بحادثة لها ظروفها الخاصة من زمان ومكان، فإذا تغيرت الظروف تغير ~~الحكم. ومنها أمور تتعلق بالدنيا، واجتهاد النبي فيها غير ملزم؛ لأنه كسائر القادة ~~واجتهاده لا يتعلق بأمور شرعية، وفي هذا قال # صلى الله عليه وسلم ~~«إنما أنا بشر مثلكم إذا أمرتكم ~~بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر»، وقوله # صلى الله عليه وسلم # لما ~~أمر الناس بأن يتركوا النخل من غير تأبير فلم ينجح: «إنما ظننت ظنا ولا تؤاخذوني ~~بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به؛ فإني لم أكذب على الله»، ومن هذه ~~المسائل مثلا: مسائل الطب، ومسائل الطعام، وما يحبه رسول الله وما لا يحبه من الملابس ~~مثلا، وقد خفي هذا التفريق بين النوعين على كثير من الناس فسووا بينهما، والتزموا ~~بهما، وأمروا الناس بالالتزام بهما على حد سواء، حتى في المسائل الشخصية البحتة؛ كحبه # صلى الله عليه وسلم # للدباء، وكرهه الشخصي لبعض الطعام، حتى لقد روي عن أحمد بن حنبل أنه ~~امتنع عن أكل البطيخ؛ لأنه لم يعرف عن النبي # صلى الله عليه وسلم # كيف كان يقطعه، وهو تزمت ~~شديد، وربما كان الحامل عليه عاطفة الحب لا قوة العقل. فالنبي # صلى الله عليه وسلم # يريد أن يكون ~~اجتهاده هو في أمور الدنيا ليس ملزما للناس، ومن ذلك النظريات العلمية، فإذا كان الناس ~~في زمنه يسلكون مسلكا تبعا لنظرية علمية فإذا تغير الزمان واكتشفت نظرية أخرى ~~أضاءت الحقيقة وجب على الناس أن يعملوا بالنظرية الأخيرة، ويتركوا الأولى، وهذا ينطبق ~~عليه أيضا اجتهاد النبي # صلى الله عليه ms146 وسلم # فالعلم الحديث يوضح أن تأبير النخل لا بد منه حتى ~~يحمل، فما لم يؤبر لا يحمل، كما أن المرأة ما لم تلقح لا تحمل، فإذا اجتهد النبي # صلى الله عليه وسلم # وقال إذا تركتم النخل من غير تأبير حمل، فشأن اجتهاده في ذلك كشأن اجتهاد سائر ~~الأفراد، ولم يكن مصدر كلامه وحيا من الله حتى يجب تصديقه؛ ولذلك قال: «إنما هو ظن ~~ظننته وأنتم أعلم بأمور دنياكم.» # وكذلك الشأن في كل ما يتعلق بأمور لباسه # صلى الله عليه وسلم # فقد اتبع في لباسه لباس قومه ~~وتقاليدهم وبيئتهم؛ فليست هذه بملزمة أبدا وهو # صلى الله عليه وسلم # لا يرى أنها ملزمة، ~~فإذا كان يلبس العباءة والقباء، ويحلق شعره، ويلبس العقال، ويركب البعير، فهذه كلها ~~شئون زمانه # صلى الله عليه وسلم # ولا يمنع هو أن يلبس غيره البذلة أو الطربوش أو القبعة إذا كانت ~~عوائد الناس وتقاليدهم تدعو إلى ذلك. # والاجتهاد على العموم في بلد بارد غير الاجتهاد في بلد حار، والاجتهاد للحضريين الذين ~~فشت بينهم نظريات العلم غير الاجتهاد في قوم بدويين لم يتحضروا، أو تحضروا حضارة ~~قليلة؛ ولذلك كانت معاملته # صلى الله عليه وسلم # لسكان البدو غير معاملته لسكان الحضر، ومعاهداته ~~للبدويين غير معاهداته للحضريين؛ لعلمه بالفروق بينهما، فإذا تغير الزمان والمكان ~~تغير طبعا الاجتهاد. # وكان النبي # صلى الله عليه وسلم # أعلم بذلك وأشدهم تطبيقا له، وهو مبدأ سليم، ولولا فساد الزمان، ~~وضيق العقول، لأبدع المسلمون في الاجتهاد أيما إبداع، ولكن لله في خلقه شئون، ~~وما أنت بمسمع من في القبور. # وكذلك اجتهد الصحابة والتابعون فيما عرض لهم من شئون الحياة، واختلفوا في آرائهم، ~~كما اختلف الساسة في سياستهم، والسبب في اختلافهم يرجع إلى أمور، منها: أن بعضهم قد ~~يجتهد برأيه، ولم يبلغه الحديث الذي ورد في المسألة، فيعمل الآخرون بالحديث، ويعمل هو ~~بالرأي فيكون الخلاف. ومنها أن تكون المسألة ذات وجهين، فيقيسها أحد المجتهدين على ~~مسألة، ويقيسها الآخرون على مسألة أخرى، ونحو ذلك، ومنها أن بعضهم يكون قد ms147 رأى النبي # صلى الله عليه وسلم # عمل عملا على وجه خاص فأفتى في ذلك، ويكون الآخر لم يره فيفتي برأي آخر، ~~وأيا ما كان فقد كان اجتهادهم ساذجا بسيطا، ليس فيه تعقيد كذلك الذي نشأ عن علم ~~أصول الفقه، وليس فيه فرض فروض لما لم يحدث، كالذي فعله الحنفية فيما بعد، وعلى العكس ~~من ذلك كان المالكية؛ فقد كانوا لا يفتون إلا فيما وقع من أحداث ، فلما جاء الفقهاء ~~العراقيون فيما بعد عقدوا الأمور، وجعلوا لها أصولا، وفرضوا الفروض، وتخيلوا ~~الخيالات، وكثر بينهم الاختلاف، ومنهم من صح عنده الحديث، ومنهم من لم يصح، وقد ~~كان تفرق الصحابة والتابعين في الأمصار المختلفة كبيرا، وكل طائفة تحمل إلى المصر ~~الذي نزلت فيه ما سمعته من الأحاديث، أو ما رأت من الأحداث، فكان مصر يعرف حديثا لا ~~يعرفه مصر آخر وهكذا، ولهذا زاد الاختلاف ولكل عذره. # ومن أسباب الخلاف أيضا أن بعض الفقهاء يكثرون من الحديث، ويعتمدون عليه كل الاعتماد، ~~ولا يرون للرأي ولا للقياس قيمة، وقسم يقل من الحديث، ويشترط فيه شروطا قاسية ~~كالذي فعل أبو حنيفة. واعتمد فيما وراء الكتاب والسنة على الرأي والقياس وهكذا. ولكن ~~على العموم كانت هناك ظاهرة طيبة وهي حسن ظن كل مجتهد بالآخرين، ولكن خلف من بعدهم ~~خلف تعصب فيه كل ذي مذهب لمذهبه، ثم اشتد النزاع حتى سفكت الدماء، وخربت ~~بعض البلدان من جراء ذلك كالذي كان بين الحنفية والشافعية، وكثيرا ما يقول ياقوت في ~~معجمه: «إن بلدة كذا خربت بسبب الخلاف بين الشافعية والحنفية.» وبالأمس قرأت في كتاب ~~الهوامل لأبي حيان التوحيدي من أعيان القرن الرابع - أي قبل إغلاق باب الاجتهاد - ~~سؤالا في هذا الموضوع وجهه لمسكويه، يقول فيه: «لماذا كان أحد الفقهاء يقضي في مسألة ~~بحلها بينما يقضي فقيه آخر بحرمتها؟» فأجابه مسكويه بأن ذلك قد يكون لاختلاف الزمان ~~والمكان؛ فقد يكون الشيء حلالا في زمن وفي مكان حراما في آخر، وأجاب إجابة بديعة، وهي ~~أن الاجتهاد قد يكون مطلوبا لذاته؛ أي أن ms148 يكون غاية لا وسيلة؛ فإن الاجتهاد يمرن ~~العقل، ويكسب التجربة كالاجتهاد في حل النظريات والتمرينات الهندسية، فلو أن ملكا ~~لعب بالكرة والصولجان سواء نجح في اللعب أو أخفق فقد نجح في تمرين أعضائه. وكالحكيم ~~يأمر بدفن شيء ثم يأمر بالبحث عنه نظير مكافأة. وسواء وجد أم لم يوجد فقد حصلت الغاية. ~~والفقهاء أنفسهم اختلفوا في هذا الاجتهاد؛ فمنهم من اكتفى بالاجتهاد في المذهب أو ~~المذاهب، ومنهم من أجاز الاجتهاد المطلق محتجا بأنه لا معنى للنسخ في القرآن إلا هذا ~~فآية تنسخ آية لتغير حكمها حسب الزمان والمكان. # وقد سأل أبو حيان مسكويه سؤالا آخر، وهو: هل الأحكام الشرعية متفقة مع مصالح العباد ~~لا تخرج عنها؟ فأجابه مسكويه بالإيجاب وخصوصا في المعاملات؛ فإذا تبين أن نوعا من ~~المعاملات لا يحقق مصلحة العباد في وقت من الأوقات أجاز الاجتهاد تغيير الحكم. ومصالح ~~العباد كلمة تشتمل المحافظة على النفس والدين والمال كما نص على ذلك الشاطبي في ~~الموافقات، وهذا واضح كل الوضوح في المعاملات المدنية، أما في العبادات فوجب أن نفعل ~~بما أمر الله به إذا لم نفهم علته ما دام رضاء الله في ذلك، كما قال علي بن أبى طالب لو ~~كان الدين بالعقل لكان المسح على باطن الخفين خيرا من المسح على ظاهرهما، أما إذا ~~نص على العلة فيها؛ فإن الحكم يدور معها وجودا وعدما. # وقد كان الإسلام مرنا بتشريعه نظرية التجديد؛ ذلك أن البشر في تغير مستمر؛ فقد ~~بشر النبي بأن الله يبعث بعد عصر النبوة مجددين مصلحين، يرثون الأنبياء بالدعوة إلى ~~إصلاح ما أفسده الظالمون، ويكونون حجة الله على الخلق، وقد بشر النبى بأن الله - ~~تعالى - يبعث في الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها، وكان المجددون ~~يبعثون بحسب الحاجة إلى التجديد، فكان الإمام عمر بن عبد العزيز مجددا في القرن الثاني ~~لما بلي بنو أمية وأخلقوا، وما مزقوا بالشقاق وفرقوا. وكان الإمام أحمد بن حنبل ~~مجددا في القرن الثالث لما أخلق بعض بني العباس ms149 من لباس السنة باتباع ما تشابه من ~~الكتاب؛ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وقالوا كان الأشعري مجددا في القرن الرابع بهذا ~~المعنى، والغزالي مجددا في أواخر القرن الرابع وأول الخامس لما بزغت نزغات الفلاسفة ~~وزندقة الباطنية، وكان ابن حزم مجددا في القرن السادس لما طغت الآراء على النصوص ~~الشعرية، وكان ابن تيمية وابن القيم مجددين في آخر القرن السابع وأول الثامن لما ~~مزقت البدع الفلسفية والكلامية والتصوفية والإلحادية تعاليم الإسلام، ثم ظهر مجددون ~~آخرون في كل قرن، وكان تجديدهم منحصرا في قطر أو شعب؛ كالشاطبي صاحب الموافقات ~~والاعتصام بالكتاب والسنة بالأندلس، وولي الله الدهلوي، والسيد محمد صديق خان في الهند، ~~والمولى محمد بن بير علي البركوي في الترك، ومحمد بن عبد الوهاب في نجد، والشوكاني في ~~اليمن. وقد كان المجددون أنواعا؛ منهم المجدد في العقائد الدينية، والمجدد في ~~الأمور الحربية، والمجدد في الأمور السياسية كدعوة الشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ ~~محمد عبده إلى الجامعة العربية. والسر في التجديد أن العوامل الطبيعية والاجتماعية ~~والسياسية تتغير كلما تغير الزمان، بل المسائل الاقتصادية من طرق البيع والشراء ونحوهما ~~تتغير كلما تقدمت الإنسانية فلا بد من مواجهة هذه الأمور الجديدة بتشريع جديد، وهذا ~~ما يفعله المجددون في كل زمان، وإلا ركدت الأمور وتعذر السير. والعادات والتقاليد ~~تتغير بين جيل وآخر؛ كالذي نراه في الفروق بيننا وبين أولادنا، وبيننا وبين آبائنا وهذا ~~أمر طبيعي. غاية الأمر أن التغير قد يكون عنيفا كالذي حدث في العصور الأخيرة، فإن ~~المدنية الأوروبية قلبت الأوضاع رأسا على عقب، وقد يكون بطيئا كالفرق بين جيل في ~~العصور الوسطى وجيل آخر. وقد أدرك الفقهاء ذلك وألف ابن عابدين رسالة في العرف والعمل ~~به، وهي رسالة قيمة، كالذي قال: إنه في عصر من العصور كانت رؤية غرفة واحدة في البيت ~~كافية لسقوط خيار الرؤية ممن رأى. فلما بنيت البيوت في المدنية الحديثة مختلفة الغرف ~~كانت رؤية غرفة واحدة لا تسقط خيار الرؤية وأمثال ذلك كثيرة. وقد اضطر الشيخ محمد عبده ~~أن يواجه مشاكل ms150 جديدة كان يستفتى فيها، ويضطر للإجابة عنها، كلبس البرنيطة، ~~وأكل ذبائح أهل الكتاب، والتأمين على الحياة، وإيداع المال في صناديق التوفير، ونحو ذلك ~~مما لم يكن معروفا قبل زمنه، وهكذا لكل عصر مقياس، وكل حدث يحتاج إلى فتوى. بل إن أهل ~~عصر النبي # صلى الله عليه وسلم # وهو عصر واحد وأصحابه جيل واحد كان في زمانهم النسخ فقال الله - ~~تعالى: # ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير ~~منها أو مثلها ~~. # إن الإسلام يدعو إلى تحرير العقل؛ وكم نعي على العرب الذين لا يستخدمون عقولهم، ~~فلا يفقهون ولا يعقلون، وكم نعي أيضا على العرب تقليدهم لآبائهم وقولهم: # إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون ~~، ومدح معاذ بن جبل في استعماله عقله عند عدم النص، وكم كان ~~يستشير أبا بكر وعمر بن الخطاب في رأيهما ويوازن بين هذه الآراء. ويقول عمر بن الخطاب: ~~«كيف استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.» وكان عمر بن الخطاب كبير العقل راعي ~~غنم، لم يتثقف إلا بالإسلام؛ ومع ذلك استطاع أن يسوس فارس والروم - وهما الأمتان ~~المتحضرتان - سياسة خيرا من سياستهما، وذلك بفضل عقله وفهمه الإسلام الصحيح وكلياته، ~~وكتب الفقه في باب السير والحروب مملوءة بآراء عمر، فلا يمنع الإسلام والعقل من ~~البحث واكتشاف المجهول، والسير وراء العلم وإخضاع الحياة للعلم والعقل إلى آخر حد. ولم ~~يخرج المعتزلة عن الدين بسيرهم سيرا واسعا مع العلم، فكانوا لا يؤمنون بظهور الجن، ~~ويحكمون العقل في الحديث، ويقولون بخلق القرآن، وينكرون الخرافات والأوهام، ومع ذلك ~~فالرأي اتفق على إسلامهم، غاية الأمر أنهم نادوا بأن هناك دائرة للعلم ودائرة أخرى ~~للدين لا يمكن للعلم فيها أن يثبت أو ينفي، لأنه لا قدرة له عليها، فكل مملكة ~~الغيب من ملائكة، وجن، ويوم آخر، ووحي، ونحو ذلك لا يقدر العلم على نفيها أو ~~إثباتها؛ فهذه هي وظيفة الدين لا العلم، والإيمان بها من جهة الدين لا ينافي العلم ولا ~~يقيده، والعلم عاجز كل العجز عن إبداء رأي فيها. فكيف يستطيع ms151 العلم أن ينفي جنا أو ~~أن يقول به، أو أن ينفي الحساب يوم القيامة أو يدلل عليه؟! إن هذه كلها أمور غيبية ~~ترك للدين الحكم فيها، كما ترك للعلم الحكم في دائرته؛ ولذلك قالوا: إن الدين يبدأ ~~حيث ينتهي العلم. فالإسلام يؤمن بالعلم، ويترك له حريته في دائرته، ويدعو إلى الدين ~~والإيمان بعقائده في دائرته أيضا، والاكتفاء بأحدهما تقصير ضار. وكان المسلمون الأولون ~~يؤمنون بهما معا ، ثم كفروا بالعلم فضلوا. والغربيون يؤمنون بالعلم فنجحوا في حياتهم ~~الدنيا، وكفروا بالدين فضلوا، ولا منجى من الضلال إلا بالإيمان بهما معا؛ ففي ~~الإيمان بالعلم حياة العقل، وفي الإيمان بالدين حياة القلب، ولا خير للإنسانية إلا ~~بحياة العقل والقلب معا، ولا تصادم بين العلم والدين كما لا تصادم بين حاستي ~~السمع والبصر، فلكل اختصاصه. ولا أمل في النجاح إلا بالرجوع إلى تعاليم الإسلام ~~وسير المسلمين الأولين باستخدام العقل والقلب. وآية ذلك أن الغربيين في اعتمادهم ~~الكلي على العقل وحده لم يسعدوا كما كان ينتظر، وكانت نهاية العلم ويلات الحرب ~~والفزع والرعب والأسلحة النارية والقنبلة الذرية. وليس العلم هو الذي سبب الفزع والرعب، ~~ولكن الذي سببهما هو أن العلم لم يدعم بالدين، والعقل لم يدعم بالقلب، وفي الإنسان عقل ~~وقلب لا بد أن يغذيا، وما لم يغذ عضو هام كالقلب يشعر الإنسان بالسآمة والملل. ~~ويعجبنى في ذلك تقسيم الأشياء إلى ثلاثة أقسام: ما يعلم، وما يمكن أن يعلم، وما لا ~~يمكن أن يعلم. فما يعلم هو دائرة العقل أو الشهادة، وما يمكن أن يعلم هو دائرة ~~الغيب، وما لا يمكن أن يعلم هو دائرة المستحيل. وفي الحق أن الإسلام وقف موقفا وسطا ~~بين منكري العلم ومنكري القلب. ودعا إلى الإيمان بهما جميعا بحيث لا يطغى أحدهما على ~~الآخر؛ والعقل رمز إلى العلم، والقلب رمز للشعور. وما الإنسان من غير عقل أو ~~شعور؟! # إنه إذا فقد العقل غرق في الخرافات والأوهام، فبنى تربيته وزراعته وتجارته على ~~أوهام؛ وإذا ترك شعوره كان حجرا جامدا كقطعة الثلج. # إن ms152 العالم الإسلامي والعالم الأوروبي الآن متدينان دينا جغرافيا أكثر منه دينا ~~حقيقيا؛ فكلاهما فقد في تدينه الروح واحتفظ بالنظر. غاية الأمر أن العالم ~~الأوروبي آمن بالعلم واتخذه إلها، والعالم الإسلامي آمن بالخرافات والأوهام ~~واتخذها إلها، فلا بد لصلاحهم من دين يعنى فيه بالروح أكثر مما يعنى بالنظر، والعالم ~~الأوروبي الآن إذا هدي إلى التدين أفاده المنهج العلمي في عرضه العقائد والديانات ~~على محك النظر، فيكون دينه دين عقل وشعور معا، وهذا هو الدين الراقي والذي يتطلبه ~~الإسلام؛ فكم من آيات القرآن ختمت بقوله - تعالى: # أفلا ~~تعقلون ~~، وتعيير الكفار بأنهم: # لا ~~يفقهون ~~، والدين الصحيح يتطلب أن يعرض الانسان العقائد الشائعة بما ~~فيها من خرافات وأوهام على محك العقل؛ ليجد لها أساسا واحدا يؤلف بينها، فينفي ~~ما بطل، ويثبت ما صح، وهذا ما فعله محمد # صلى الله عليه وسلم # عند تعبده في غار حراء بعد ~~أن رأى العرب وما يدينون به، والنصارى في الشام وما يدينون به، وسمع من سلمان الفارسي ~~أخبار الفرس وما يدينون به، فكل هذه مجموعة من العقائد تستلفت النظر؛ ليعرف الصحيح ~~منها والفاسد، وأخيرا هداه الله إلى أن العقيدة في الأصنام ليست عقيدة صحيحة، والعقيدة ~~في اتخاذ الملوك والأحبار والرهبان آلهة ليست عقيدة صحيحة، وأن العقيدة الصحيحة التي ~~تبقى على محك النظر الاعتقاد بإله واحد فوق المادة وفوق البشر، يأمر بالعدل والصدق، ~~وينهى عن الفحشاء والمنكر. # وشيء آخر لا بد منه للمسلمين وهو اجتماع كلمتهم وتوحيد خطتهم، # 4 # وليس الأمر كما قال المرحوم سعد زغلول: إن صفرا + صفرا يساوي صفرا، بل ~~إنه −5 × −5 = 25 ... وقد أدرك هذا القادة السابقون في العصور الحديثة، وسموها ~~الجامعة الإسلامية، ونادى بها محمد بن عبد الوهاب، ولكن هزم حربيا، ثم نادى بها على ~~أثره السيد جمال الدين الأفغاني، وتلميذه الشيخ محمد عبده، والسيد عبد الرحمن الكواكبي، ~~وإن كانت طرقهم مختلفة؛ فالسيد جمال الدين كان يرى تنفيذ الجامعة بثورة الشعوب على ~~الأمراء وعلى المستعمرين، والشيخ محمد عبده يرى تنفيذها عن طريق التربية والتعليم، ms153 ~~والكواكبي ثار على الأمراء أكثر مما ثار على الاستعمار في كتابه: «طبائع الاستبداد»، ~~ورسم طريقة تنفيذ الجامعة الإسلامية في كتابه «أم القرى»، وكان يساعد هذه الحركة الشيخ ~~علي يوسف في جريدته «المؤيد»؛ إذ ينشر فيها مقترحات المفكرين وأخبارا عن أنحاء العالم ~~الإسلامي، والسلطان عبد الحميد كان يناهض الحركة أولا، ثم أيدها أخيرا، ~~والأوروبيون رعبوا من هذه الدعوة إلى الجامعة الإسلامية؛ لأنها ستقف سدا منيعا ضد ~~استعمارهم؛ ولذلك تحفزوا ضدها، وشهروا بها، وكرهوا المسلمين المثقفين في اعتناقها ~~بدعوى أنها تثير التعصب الإسلامي البغيض. ولا ضير من هذا التعصب إنما الضير من تعصبهم ~~هم؛ لذلك نفر عدد من المثقفين المسلمين من هذه الفكرة، وقد اجتهد رئيس المبشرين المستر ~~زويمر في عقد مؤتمر للنظر في هذه الكارثة، كارثة اجتماع المسلمين على رأي واحد، ومما ~~قاله الرئيس في ذلك: «إن المبشرين المنتشرين على ضفتي النيل، وشرقي أفريقيا، وبلاد ~~النيجر، والكونغو يشكون مر الشكوى من انتشار الإسلام بسرعة في هذه الأنحاء. ~~وبالرغم من أن انتشاره في الهند الهولندية قد لقي الموانع من مجهودات جمعيات التبشير ~~الهولندية والألمانية؛ فهو يتوطد ويثبت هناك؛ لأن المسلمين أخذوا يستبدلون التقاليد ~~الخرافية بعقائد ثابتة قويمة، وفي أمريكا عدد كبير من المسلمين لا يستهان به؛ إذ ~~بلغ «56» ألفا.» # ثم قال: «إن العصر الأخير امتاز بالانقلابات السياسية التي حدثت أخيرا في العالم ~~الإسلامي، فشكرا لله على حدوث هذه الانقلابات؛ لأنها أقامت الحرية على أنقاض ~~الاستبداد، وصار التجول في البلاد العثمانية والعربية والفارسية مسموحا به، وأن ~~الإسلام قد بدأ يتنبه لحقيقة موقفه، ويشعر بحاجته إلى تلافي الخطر، وهو يتمخض الآن عن ~~ثلاث نهضات: الأولى: إصلاح الطرق الصوفية. والثانية: تقريب الأفكار، من الجامعات ~~الإسلامية. والثالثة: إفراغ العقائد والتقاليد القديمة في قالب معقول. # ومصدر هذا الشعور بالحاجة إلى إصلاح واحد وهو التغير الذي حدث في الإسلام عندما ~~اكتسحت أهله الأفكار العصرية والحضارة الإفرنجية، ولا يمنع هذا أن يكون الشعور راجعا ~~لعاطفة الخوف والحذر من الحضارة الغربية، أو التوفيق بين مبادئ الإسلام والمدنية ~~الغربية، وكلاهما يؤدي ms154 إلى غاية واحدة وهي جعل الإسلام متمشيا مع الأفكار ~~العصرية.» # وختم كلمته بقوله: «إذا نظرنا إلى البلاد التي يحكمها هذا الدين الكبير المخاصم لنا، ~~وإلى البلاد التي يتهددها بحكمه إياها ظهر لنا أن كل واحدة من هذه البلاد رمز لمشكلة ~~من المشاكل الكبرى؛ فمراكش في الإسلام مثال للانحطاط، وفارس مثال للانحلال، وجزيرة ~~العرب مثال للرقود، ومصر مثال لمجهودات الإصلاح، والصين مثال للإهمال، وجاوه مثال ~~للتغير والانقلاب، والهند مركز للاحتكاك الإسلامي ، وأفريقيا الوسطى مكان للخطر ~~الإسلامي، وعلى كل فالإسلام يحتاج قبل كل شيء إلى المسيح.» # ومن المؤسف حقا أن الحاجة إلى الجامعة الإسلامية اليوم لا تزال كما كانت بل أشد مما ~~كانت؛ لأن المسلمين لا يزالون متفرقين رغم توالي الضربات عليهم، ورغم اتحاد السياسة ~~الأوروبية ضدهم، ومع محاولة أوروبا خنقهم. وقد قال أحد الأوروبيين: «إن هذه النهضة ~~الإسلامية حاولت الاتفاق مع البوذيين ومع الصينيين، ولم يبق أمامها إلا عدو واحد هو ~~أوروبا، أي أن الشرق ناهض، وعلى الغرب أن يستعد لمقابلته في ساحة العراك، وأمام أوروبا ~~اليوم مسألة هامة، هي هذه الجامعة الإسلامية ... أليس من الحكمة أن تدبر ضربة قوية ~~قاضية تخمد هذه الحركة الإسلامية ... أما رأيي أنا؛ فهو: اقطفوا البرعم قبل أن ~~يزهر فيثمر.» وهذا كان تعبيرا صادقا لما في نفس كل أوروبي. # والحوادث الأخيرة ترجح هذا، وهو أن تفوق الصين الشيوعية على الأمريكيين في حرب ~~كوريا، واتفاقهم مع روسيا، واتفاق الهند معهم، وميول بعض المسلمين إليهم تجعل من ~~المحتمل القريب أن يكون الشرق - مع توسع في معناه حتى تدخل فيه روسيا واليابان - سيقف ~~كتلة واحدة ضد الغرب، وستكون مناداته إذا انتصر آسيا للأسيويين لا للأوروبيين، وفي هذه ~~الحالة تنطوي الأمور، وتنبعث النهضة من الشرق بعد أن انبعثت من الغرب، ويشهد العالم ~~صراعا جديدا ومدنية جديدة ... والعلم عند الله. # وكما ينقص العالم الإسلامي الاجتهاد ينقصه بناء الحياة على العلم؛ فهو يبني حياته ~~الزراعية على نفس الطريقة التي كان يتبعها آباؤه في العصور القديمة، ويبني حياته ~~الزراعية على نفس الطريقة التي ms155 كان يتبعها آباؤه في العصور الوسطى، فإن شذ أفراد ~~فساروا في حياتهم الزراعية والتجارية والتربوية على العلم فشيء نادر لا يعول عليه، ~~ولا يمكن أن ينهض العالم الإسلامي إلا إذا أسس حياته عامة على العلم. # قال الأستاذ رينان الفيلسوف الفرنسي المعروف: إنني أخشى أن يثبت الدين الإسلامي وحده ~~في وجه هذا التسامح العام في العقائد، ولكنني عرفت أن في نفوس بعض الرجال المتمسكين ~~بآداب الدين الإسلامي القديمة، وفي بضعة من رجال الآستانة وبلاد الفرس جراثيم جيدة تدل ~~على فكر واسع وعقل ميال للمسالمة، إلا أنني أخشى أن تختنق هذه الجراثيم بتعصب بعض ~~الفقهاء، فإذا اختنقت قضي على الدين الإسلامي؛ ذلك لأنه من الثابت الآن أمران؛ الأول: ~~أن التمدن الحديث لا يريد إماتة الأديان بالمرة؛ لأنها تصلح أن تكون وسيلة إليه. ~~والثاني: أنه لا يطيق أن تكون الأديان عثرة في سبيله، فعلى هذه الأديان أن تسالم ~~وتلين، وإلا كان موتها «ضربة لازب». وما أظن أن لتخوف الأستاذ رينان محلا من الدين ~~الإسلامي، وقد عهدنا أنه أوسع الأديان صدرا، وأقبلها للمدنية الحديثة. # نعم، إن كل محاولة للتوفيق بين الإسلام والمدنية الحديثة قد فشلت إلى اليوم، ولكن ~~فشلها لا يعود إلى تعاليم الإسلام نفسه، بل إلى أسباب أخرى؛ أهمها: أن المدنية الحديثة ~~تقدمت إليهم أول ما تقدمت بالسيف والنار، لا بالإقناع والإحساس بالمنفعة، ثم إن ~~المدنية هذه تقدمت وهي تحمل في إحدى يديها المخترعات الحديثة، ونتاجها في العلوم ~~والفنون، وفي الأخرى وسائل الاستغلال والاستعمار، فلذلك قبلها المسلمون كارهين ~~مكرهين، ولو تقدمت إليهم على غير هذا الوجه لقبلوها قبولا حسنا كما قبلوا ~~المدنية اليونانية والفارسية والتركية من قبل، والثالث: أنها جاءتهم على يد النصارى ~~المتعصبين الذين اكتووا بنارهم من أيام الحروب الصليبية إلى اليوم، والرابع: أن ~~المسلمين لضعفهم أصابهم ما يسمى في علم النفس بمركب النقص فقبلوها ضعفاء متهافتين، ~~ينظرون إليها على أنهم ضعفاء مغلوبون على أمرهم لا حيلة لهم في رفضهم، ومع ذلك ~~فقبولهم للأشياء المادية من المخترعات الحديثة كان أسهل عليهم من ms156 قبولهم للمعاني، وإن ~~أخذوا من كل بحظ. # وكما ينقص العالم الإسلامي الاجتهاد والعلم فإن العالم الأوروبي ينقصه القلب أو ~~بعبارة أخرى الروح. # وقد ألف الأستاذ چود أستاذ الفلسفة الإنجليزي كتابا قيما، سماه «سخافات المدنية ~~الحديثة»، قال فيه: «إن المدنية الحديثة ليس فيها توازن بين القوة والأخلاق؛ فالأخلاق ~~متأخرة جدا عن العلم، ومنذ النهضة ظل العلم في ارتقاء والأخلاق في انحطاط حتى بعدت ~~المسافة بينهما. وبينما يتراءى الجيل الجديد للناظر فتعجبه خوارقه الصناعية، وتسخيره ~~المادة والقوى الطبيعية لمصالحه وأغراضه إذا هو لا يمتاز في أخلاقه، في شرهه وطمعه، وفي ~~طيشه ونزقه، وفي قسوته وظلمه عن غيره، وبينما هو قد ملك جميع وسائل الحياة إذا هو ~~لا يدري كيف يعيش، وتوالي الحروب الفظيعة الهائلة دليل على إفلاسه، وأنه يربي نشأة ~~لتموت. وقد خولت له العلوم الطبيعية قوة قاهرة، ولكنه لم يحسن استعمالها؛ فكان كطفل ~~صغير، أو سفيه، أو مجنون يملكون زمام الأمور، ويؤتون مفاتيح الخزائن، فهم لا يزيدون عن ~~أن يلعبوا بما فيها من جواهر.» # وقال في موضع آخر: «إن فيلسوفا هنديا سمعني أطري حضارتنا، وأقول إن أحد سائقي ~~السيارات قطع ثلاثمائة أو أربعمائة ميل في ساعة واحدة على الرمال، وطارت طائرة من موسكو ~~إلى نيويورك في عشرين أو خمسين ساعة فقال ذلك الفيلسوف الهندي: إنكم تستطيعون أن تطيروا ~~في الهواء كالطير، وأن تسبحوا في الماء كالسمك، ولكنكم إلى الآن لا تعرفون كيف تمشون ~~على الأرض.» # وقال في موضع ثالث من هذا الكتاب: «انظر إلى الطيارة التي تحلق في السماء، يخيل ~~إليك أن صانعيها في علمهم ولباقتهم فوق البشر، والذين طاروا عليها أولا كانوا في ~~علو عزمهم وجرأتهم أبطالا، ولكن انظر الآن إلى المقاصد السيئة التي استخدمت لها ~~الطيارة وتستعمل لها في المستقبل ... إنما هي قذف قنابل وخصوصا الذرية، وتمزيق جثث ~~الإنسان، وخنق الأحياء، وإحراق الأجساد، وإلقاء الغازات السامة، وتقطيع المستضعفين ~~الذين لا عاصم لهم من هذا الشر إربا إربا. وهذه إما مقاصد الحمقى أو مقاصد ~~الشياطين.» # وقال في موضع رابع: «ماذا ms157 سيقول المؤرخ غدا إذا وصف كيف كنا نستعمل الذهب. سيذكر ~~أننا توصلنا إلى أن نخبر عن الذهب باللاسلكي، وسيصف الصور التي كان أصحاب المصارف ~~يزنون بها الذهب ويعدونه في لباقة ومهارة، وكيف تحدينا قانون الجاذبية في ~~نقله من عاصمة إلى عاصمة، وسيسجل أن أشباه الوحوش الذين كانوا ماهرين وفي غاية الجرأة ~~في فتوحهم الصناعية كانوا عاجزين عن التعاون الدولي الذي كان يتطلبه ضبط الذهب والتقسيم ~~الصحيح، وكانوا لا يعنون إلا بأن يدفنوا المعادن بالسرعة الممكنة، وكانوا يستخرجون ~~الذهب والمعادن من بطون الأرض في جنوب أفريقيا ويدفنونها في مصارف لندن ونيويورك ~~وباريس.» # إن أهل الغرب الذين فقدوا قلوبهم قد مقتوا الحضارة، وأصبحوا يتبرمون بها؛ لأنها ~~خلقت في كل ناحية مشاكل وأحقادا، لا يطفئون إحداها إلا إذا ظهرت أخرى أعقد منها، ولا ~~يقطعون فرعا إلا وتطلع فروع كثيرة ذات أشواك. فلا الحضارة الإسلامية في شكلها الحاضر ~~نافعة للعالم ولا الحضارة الأوروبية. إنما يرشد العالم يوم يتخلى كل عن معايبه ~~ويقتبس من الآخر فضائله، فيحيي الغربيون قلبهم من الشرق، ويستعير الشرقيون العلم من ~~الغرب، وحينئذ يتعادل العقل والقلب، وإلا فسيظل العالم مائجا مضطربا يقع كل يوم في ~~مشاكل جديدة، ويعالج الداء بالداء، ويستغيث من مصائب الرأسمالية لينغمس في الشيوعية، ~~ويستغيث من مصائب الدكتاتورية فيقع في مشاكل الديموقراطية، وهكذا لا ينتهي من شر إلا ~~إلى شر، ولا من فساد إلا إلى فساد. # إن في الناس حاسة دينية لا يسعدون إلا باستعمالها فإذا فقدوها كانوا كمن فقد السمع أو ~~البصر. # وإن المتفائل يسر من تطور العالم إلى هذه الغاية المنشودة، فيجد العالم الإسلامي ~~وخصوصا مصر تخطو خطوات موفقة نحو العلم الأوروبي، وأوروبا التي كانت كافرة وطاعنة في ~~الدين تقبل على الدين، وهذان الاتجاهان يبشران بالخير! إنه إذا كان ذلك لم يكن ~~العالم قسمين: غرب يستعمر الشرق ويستذله، وشرق يستعمر ويستذل، بل يكون العالم كله ~~وحدة يبني شرقه مع غربه، ويتعاون كل أبنائه، ويستغل كل ما عند الآخر من المواد ~~الخامة. # إن كلا من الشرق والغرب ms158 تنقصه زعامة صادقة مخلصة؛ فقد تبين إلى الآن أن الشعوب ~~خير من قادتها، وكان الطبيعي أن يكون القادة خيرا من الشعوب، وإلا ما كانوا قادة؛ فإن ~~طبيعة الزعامة أن يكون القائد بصيرا بما لم يبصر به الناس، شاعرا بما لم يشعروا به، ~~سائرا أمامهم، هاديا لطريقهم لا جاريا وراءهم، ولا متتبعا لهم. # يجب أن يكون للعالم فلسفة واحدة تسيره لا فلسفتان. والذي يقود العالم الآن الفلسفة ~~الأوروبية في عقائدها ونظرياتها ونظام حياتها، وهي فلسفة ناقصة تعتمد على المادة والقوة ~~... وفلسفة الشرق ناقصة تعتمد على الروح ولا عقل لها، واعتمادها على الروح البحت جعلها ~~عرضة للخرافات والأوهام، وإن كان الإنسان جسما وروحا وجب أن تجاوب فلسفته هذين ~~العنصرين، فإن أجابت عنصرا وأهملت الآخر وقعت في النقص كما هو حاصل اليوم. وليست هذه ~~العيوب مما يمكن إزالته في يوم أو يومين؛ فإنها عيوب تأصلت في العالم من يوم أن كان إلى ~~اليوم، ولا بد أن يمر زمن كالذي مضى أو قريب منه حتى يفيق من مرضه، ويسترد ~~قوته، ويمشي على الجادة، بل علمتنا الأحداث أن المرض قد يأتي بغتة ولا ينصرف إلا في ~~بطء، وعلى ألسنة العامة المرض يأتى كالجبل ويذهب كالحبة. # ولا ينقص المسلمين في الوقت الحاضر إلا شيء واحد، وهو مدرسة جديدة ذات منهج جديد، ~~مدرسة لا شرقية ولا غربية، فإن المدرسة الشرقية - أعني مدرسة العصور الوسطى - لم تعد ~~صالحة للعصر الحاضر؛ لأنها تعفنت بمرور الزمان، والمدرسة الغربية معيبة في بلدانها، ~~فكيف إذا قلدت في غير بلادها؟! إننا نريد مدرسة تضع منهج العلوم كمنهج البلاد ~~الأوروبية مع خلاف بسيط، وهو أن يطعم منهج العلوم بالنية الحسنة، نية خير الإنسانية ~~لا تدميرها، فإذا فعلنا ذلك لم نستخدم تحليل الذرة في قنبلة تدمر، ولكن في تحليل ~~ذرة يعمر، وبعد ذلك نستخدم نتائج العلوم الأوروبية لا إلى حد، بل نحن متسامحون إذا ~~قلنا العلم الأوروبي؛ لأن العلم لا وطن له، ولا يقتصر على خدمة دين دون دين. أما في ~~الأدب والتاريخ؛ فمنهج مدرستنا ms159 غير منهج مدرستهم. إنهم سممونا بأشياء كثيرة، سممونا ~~بقولهم: إن الفن للفن، وبقولهم: إن الأديب حر يقول ما يشاء، وسممونا بمنهجهم التاريخي ~~الذي يقضي بأن مركز العالم الرجل الأبيض، ومن عداه فعلى هامشه إلى غير ذلك. # فنحن نريد برنامجا عماده الحب للإنسانية كلها، وعمل الأديب لخدمتها، لا للتغني ~~بالجمال وحده، ولا لخدمة الشهوات، ولا لكسب المال وحده. إنما نقيس الأدب بمقدار نفعه ~~للناس، فهو يحب الإنسانية حبا ينسي الأديب نفسه ومتاعبه وبريق المادة؛ حبا يكون ~~سحرا كعصا موسى، لا يمس شيئا إلا ألهبه، ولا يمس حجرا إلا أحياه، كالإيمان ~~الذي مس الحجارة وجعل منها المساجد والآثار الفنية الخالدة. # كذب الذين يقولون: إن العلماء والأدباء يتفاضلون بقوة العلم وكثرة المعلومات، وقوة ~~الذكاء، وقوة الشاعرية، وانسباك اللفظ، ودقة المعنى، وأن الباحثين يتفاضلون بالعمق ~~والصبر على البحث؛ إنما هم يتفاضلون في مناهجنا بالحب للإنسانية والإخلاص لها. # ومع الأسف جنت المدنية الحديثة على العلوم والآداب، فاستأصلت هذه العاطفة ~~الإنسانية، ووضعت مكانها العاطفة الجامحة الوطنية، كما ملأتها بحب النفع المادي. ولم ~~تعبأ بحب المعاني السامية، والأخلاق الراقية، والجمال المعنوي؛ ولذلك أخرجت شبابا في ~~شكل إنسان، وحقيقة أحجار؛ لا قلب له ولا شعور، ولا أمل عنده ولا ألم، سواء في ذلك ~~الشباب الأوروبي والشباب الشرقي، وسواء في ذلك الفتيان والفتيات. # إن برنامجنا الذي نريده يخرج شبابا حيا جمع بين متناقضين لخصهما الله في قوله ~~يصف المؤمنين: # أشداء على الكفار رحماء ~~بينهم ~~، شباب يحطم السلاسل، ويفك الأغلال، ويتمرد على المجتمع ~~الفاسد، وهو في الوقت عينه محب للخير وديع، يسيل عذوبة ورقة إذا دعا داعي الخير، ومن ~~أجل الخير. # إننا لا نقوم العلم والأدب إلا بمقدار خدمتهما للإنسانية. وأكبر عيب في المدنية ~~الغربية أنها جعلت الشباب كالإنسان المصاب بالسرطان، تتضخم ناحية منه، ولا تتضخم ~~الأخرى، فتضخم عقله، وضمر قلبه، فاختل توازنه. # إن المدنية الحديثة جعلت قلبه فارغا ظمآن، صقيل الوجه، كاسف الروح، مستنير العقل، ~~كليل البصر، ضعيف اليقين، كثير اليأس، قد حاز كل أسباب السعادة إلا سعادة قلبه، ms160 قد ~~نزعت منه عاطفة الدين، فساءت حياته في الدنيا. والشباب الشرقي على الخصوص شغفته ~~الحضارة الغربية؛ فمد يده إلى الأجانب ليتصدقوا عليه بفتات الموائد. قد باع روحه ~~بثمن رخيص جدا، وهي أعز شيء في الوجود، فاشترى من الغربيين عبادة المادة، وعبادة ~~الشهوات والجاه، وأعطاهم قلبه. لقد كانت - والحق يقال - المدنية الغربية في نعومتها ~~وبرامجها وأفكارها أقسى على الشرق من مدافعها وكل آلات قتالها، فما فعلته هذه الآلات ~~أفسدت الناس بكل سهولة. # وكان من نتيجة تعاليمهم جبن هذا الجيل، وضعفه الخلقي، وبرودة القلب، وجفاف ~~العين. # إن شباب اليوم قد يكون لبقا، حسن الحديث، ناصع الوجه، براق العينين، ولكن مع كل ~~هذا ليس له قلب. # لقد كنت في الحجاز فرأيت بعض سواقي السيارات يسوقونها بعقلية الجمال، فكذلك ~~المعلمون اليوم يربون الصقور تربية الحدأة، وأشبال الأسود تربية الغنم. # إن الإنسان إذا قوي عقله، ولم يقو قلبه؛ ثبط عن المغامرة، وفكر طويلا في ~~العواقب، ولم يكن عنده إلا الوظيفة والعلاوات والترقيات، يحب السرور والملذات، ولا يحب ~~احتمال المسئوليات، ويأنف التضحية التي توصله إلى غرضه، هو غمد بغير سيف، وقبة بلا ~~شيخ، لأنه لم يعرف نفسه؛ فلم يعرف ربه. إن التربية التي نحن سائرون عليها جعلت الشباب ~~رخوا ناعما، كأنه غادة. فأما تربيتنا على هذا النهج الذي وضعناه فيجعلهم يشقون ~~الصخور، ويدكون الجبال. # قد كانت هذه التربية العتيقة الفارغة القلب كافية لموت الشرقيين في جيل، فكيف إذا ~~ربوا على منهجها أجيالا وأجيالا؟! لقد كان الأدب مادة لكسب المال من الأمراء، أو الحث ~~على لذة وضيعة، وأرقاه ما دعا إلى تذوق الجمال، ولم يعبأ بحياة القلب والروح. # ولأمر ما بعث الله رسوله محمدا أميا؛ حتى لا ينحبس نظره في الحروف والكلمات، ~~ولاينحبس عقله في الفلسفة والمنطق. وإن رسالته لإحياء القلب أكثر منها لإحياء العقل، ~~ويمثل ذلك قوله - تعالى: # أفلا ينظرون إلى الإبل ~~كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى ~~الأرض كيف سطحت ~~، وقوله - تعالى: # إن في ~~خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ms161 والفلك ~~التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من ~~السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها ~~من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين ~~السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ~~، ويمثل ذلك أيضا ~~التفرقة بين العلم والحكمة، فالعلم هو مثل الذي تأتي به المدنية الحديثة، أما الحكمة ~~فهي تصريف الأمور ووضعها في مواضعها اللائقة بها، وحكمة مع أمية خير من علم مع ~~قراءة. وكثيرا ما نرى أخا متعلما على آخر طراز، فهذا عالم، ونرى أخاه غير المتعلم ~~إلا الزراعة أو الصناعة أحكم منه وأحسن تصرفا فهو خير منه. والناس يبالغون في ~~تقدير القراءة والكتابة كأنها كل شيء، والله - تعالى - يقول: # ومن ~~يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ~~. # أما برنامجنا فهو أن الأديب لا بد أن تكون له رسالة لنفع العالم، ويكون مداد قلمه ~~نارا ملتهبة، لا إرضاء للأغنياء، ولا أداة للهو والتسلية. والأديب الذي يسير على هذا ~~المنهج الأخير أديب منكس، أو أديب ممسوخ. إن الأدب اليوم في الشرق والغرب جعل المرأة ~~إلها معبودا في الشعر والنثر والرواية، يغني لها، ويطيل في وصف جمالها، ويضعها في ~~موضع القداسة، ومثل ذلك الفن، فهو يمثلها أشكالا وألوانا في الجرائد والمجلات والكتب، ~~كأن لا موجود إلا المرأة، وهو تصوير صادق للاتجاه الحديث. كذلك الشأن في الفلسفة ~~«انحطت حتى صارت مجرد خيالات فيما وراء المادة» والفلسفة الحقة هي التي تدخل في ~~صميم الحياة، ليترتب عليها عمل، والتي تكتب بدم القلب وعصير الروح. # إن التربية الحديثة في الشرق - مع الأسف - جعلت المسلمين في باطن الأمر يخجلون من ~~أنهم مسلمون، ودعاة الإصلاح فيهم يخجلون من دعوة الدين، لسببين؛ أولهما: أنهم يضعون ~~قضية فاسدة، وهي أن المسلمين إذا كانوا متأخرين على هذا الشكل؛ فكيف ندعو غيرهم إلى ~~الإسلام، وفساد هذه القضية ناشئ من أنهم يظنون أن سبب تأخرهم هو الإسلام، وما دروا ~~أن الإسلام عامل من العوامل لا كل عامل؛ إذ أن اليابانيين ارتقوا حتى حاذوا ~~الغربيين مع وثنيتهم، ولو أصلحت العوامل ms162 الأخرى لكان الإسلام - وقد نقي من شوائبه - ~~أحد عوامل الترقية. والثاني: أنهم يقلدون الغربيين في نسبة ضعف المسلمين وتأخرهم ~~لدينهم، فهم لا يدعون إلى الدين هربا من هذه الوصمة. وقد سبب هذا مركب النقص في ~~نفوس المسلمين؛ فهم إذا ذكروا أنهم مسلمون ذكروا ذلك على استحياء، ولكن منهجنا يجعل ~~المسلمين يعتزون بدينهم، ويفخرون حقيقة بأنهم مسلمون. # وقد عودنا الله أنه إذا أفلت شمس الإسلام في ناحية طلعت من ناحية أخرى ؛ فقد سقطت ~~الأندلس في يد الإسبان فطلعت شمس الأتراك في الوقت عينه، وكانت في أول نشأتها فتية ~~قوية. ونكبت بغداد بغزوة التتار فعوضهم الله عنها بانتشار الإسلام في الهند، وضاعت ~~فلسطين من أيديهم، فحرك ذلك العالم العربي في سوريا والعراق ومصر وأندونيسيا والشام ~~للسعي للاستقلال في الحياة؛ ولذلك نرجو أن تطلع شمس جديدة على العالم الإسلامي فتكسبه ~~عزة، كالذي كان من ضعف الهند فنبتت عنها دولة الباكستان القوية. # فالمسلمون إذا استعادوا نفوذهم، واعتزوا بنسبتهم إلى الإسلام، ولم تبهرهم مباهج ~~المدنية الحديثة وزخارفها، واعتقدوا في أنفسهم كما قال الله - تعالى: # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ~~، لكان ~~لهم في العالم الحاضر شأن آخر. # وهنا نتساءل عن مستقبل العالم: هل سينتقل الأوروبيون إلى الإسلام، أو يكون المسلمون ~~أوروبيين؟ قد فكر بعض المسلمين كثيرا في ذلك، فذهب بعضهم إلى أنه لا بد من الرجوع ~~إلى الإسلام الأول في شكله وجوهره، وإذا كان هذا لا يمكن إلا إذا أبعد القادة ~~والزعماء من بيئتهم وظروفهم التي يعيشون فيها. فقد رأوا إنشاء مدرسة داخلية يعلمون ~~فيها التعليم الديني الصحيح، ويبعدون فيها عن الاختلاط بالأوساط الموبوءة. وعلى ذلك ~~اقترحوا إنشاء مدرسة لهؤلاء القادة، وأسست مدرسة الدعوة والإرشاد التي قام بإنشائها ~~السيد رشيد رضا صاحب مجلة المنار. وفي هذه الحالة يرضى الأوروبيون عن عقلية المسلمين ~~فيفضلون الإسلام. # ورأى آخرون أن أسباب انحطاط المسلمين ترجع إلى الجهل، فأرادوا أن يزيلوا الجهل عن ~~الأمم الإسلامية فترتفع. قال الفيلسوف ليبنتز: «لو كان أمر التعليم بيدى ms163 لغيرت وجه ~~أوروبا في أقل من قرن.» وقال ديديرو الأديب الفرنسي: «إن علة العلل في ارتقاء الأمم ~~وانحطاطها هو العلم أو الجهل، وما عدا ذلك فأسباب جزئية ترجع إلى تلك العلة الأصلية، بل ~~إن العلم هو الذي تقاس به الأمم في ارتقائها وانحطاطها وعند الحروب، بل وفي السلم أيضا ~~وكما تتقاتل الأمم بأشكال مختلفة؛ كالجنود تقاتل الجنود، والتجار تقاتل التجار، فكذلك ~~نستطيع أن نحكم لمن تكون الغلبة؛ فالجندي الذي يقاتل بالدبابات والطائرات يغلب الذي ~~يقاتل بالرمح لامحالة، والتاجر الذي ينزل الحرب بالأساليب الحديثة في التجارة يغلب الذي ~~ينزل بالأساليب العتيقة وهكذا.» وقال ڤولتير: «الظلم الواقع على الأمة عقاب لها على ~~جهلها، وليس المراد بالعلم هذه الأبواب المحفوظة التي يتسمى محصلوها بالعلماء على ~~الإطلاق، وإنما العلم هو معرفة حقائق الكون المبثوثة فيه علما بقدر الإمكان كالعلم ~~الطبيعي والرياضي ونحوهما من علم السياسة والاجتماع.» # ولإيجاد العلم بين المسلمين طريقتان؛ الأولى: ترجمة العلم بين المسلمين بلغاتهم ~~المختلفة، كما نقل العرب المسلمون علوم السريان والكلدان وغيرها، وكما فعل الإفرنج ~~أنفسهم في نقل علوم المسلمين أيام سلطان العرب. والثانية: تعليم طائفة من المتنورين ~~من المسلمين اللغات المختلفة من إنجليزية وفرنسية، وهؤلاء يتعلمون ثم يرشدون أممهم. ~~والطريقة الأولى أقرب وأوسع وأعم، وفي ذلك يقول المصلح الهندي الكبير السيد أحمد خان - ~~وقد كان يطالب بنقل العلوم الأوروبية إلى اللغة الوطنية: «لو استطعت لكتبت بحروف من نور ~~على أعالي جبال الهملايا وجوب نقل العلوم الغربية إلى اللغة الوطنية، ويجب تعميم هذا ~~التعليم للمبتدئين في المدارس الابتدائية، ثم التدرج إلى التعليم العالي.» كل ما في ~~الأمر أنه يجب أن يكون تعليم العلوم بجانبه التعليم الديني الذي يبث روح الإسلام في ~~النفوس، وهذا ما نقصر الآن عنه، وليس هناك تنافر بين الإسلام والعلم؛ فالعلم جسم ~~والدين روحه، وبذلك يحيا العلم ويحيا الإسلام، أما الذين ينذرون بفناء الإسلام في ~~المستقبل؛ فلا تسمع لهم، وهو لا يكون - إن شاء الله - إلا إذا سادت الشيوعية بما فيها ~~من إلحاد. # وعيب المسلمين هذه النزعة ms164 الروحانية من غير علم، كما أن عيب الأوروبيين النزعة ~~العلمية من غير الروحانية، ولا بد من الجمع بينهما - كما قدمنا - والمصلحون من المسلمين ~~يعتقدون أن لهم نزعة روحانية يتسامى معها التقدم المادي، بل إن العلم نفسه إذا أمد ~~بالنظرة الروحانية كان أقوم وأنفع للبشرية؛ فلو كان عند الأمم الغربية روحانية ~~مع اكتشاف الذرة لكانت النتيجة التي يصل إليها استخدام الذرة في تقدم الصناعة ~~والزراعة لا في عمل القنبلة الذرية، فلما فقدوا الروحانية سلكوا مسلك القنبلة الذرية، ~~فإن وجدت الروحانية سلكوا مسلك التقدمات الصناعية والزراعية. # وهذا هو ما أوجد الهوة السحيقة بين الشرق والغرب، هنا دين بلا علم، وهناك علم ~~بلا دين، ولا بد منهما معا مع الزمان فهل يتدين العلم فتسرع أوروبا إلى مد يدها إلى ~~الشرق، أو يتعلم الدين فيسرع الشرق إلى الغرب؟ # سؤال صعب، ولكن الظنون والدلائل تدل على أن العلم سيتدين؛ فانقسام الذرة وتكوينها ~~والبحث فيها والوصول إلى أن المادة عبارة عن كهربائية سالبة وموجبة ونحو ذلك قاربت بين ~~العلم والدين، وسيزيد هذا التقارب ولأن أوروبا إذا فشلت كانت أقرب إلى تحوير نفسها بما ~~يتلاءم معها، وقد فشلت في حروبها فلجأت إلى الدين، وموجة الدين اليوم أشد مما كانت عليه ~~في الأعوام الماضية، حتى موجة الدين هذه أصابت الشرق أيضا فالمساجد عمرت بالمصلين ~~والمصليات، وفي موسم الحج يحج عدد كبير من النساء الأرستقراطيات. بقي أن نتساءل: هل ~~سيلجأ أهل أوروبا وأمريكا إلى الإسلام، أو إلى دين منتخب بالعقل من سائر الأديان، ~~كاختيار الوحدانية من الإسلام، وحب الله والتضحية من النصرانية؟ هذا سؤال من الصعب ~~التكهن بالجواب عليه، وإنما كل الذي نستطيع أن نقوله: إن ذلك يحتاج إلى أجيال كثيرة؛ ~~لأن الأمم لا تنقلب من عداوة حادة إلى حب بين طرفة عين وانتباهتها، فلا بد من زمن ~~تقل فيه هذه العداوة، ثم من زمن تنقلب فيه العداوة إلى حياد، ثم من زمن ينقلب فيه ~~الحياد إلى محبة، وعلى كل حال فسواء انقلب الأوروبيون من النصرانية إلى الإسلام، أو ms165 إلى ~~دين منتخب فموقفهم نحو الإسلام سيتغير لا محالة. # وهناك رأي يرى أن لا أمل في الإسلام والمسلمين بحكم بيئتهم الحارة التي تدعو إلى ~~الخمول والكسل، وهو قول سخيف؛ لأن البيئة هي البيئة، والإسلام نشأ فيها ونهض وارتقى ثم ~~انحط المسلمون مع أن البيئة واحدة، والأوروبيون في بيئتهم كانوا في القرون الوسطي أقل ~~حالا من المسلمين ثم ارتقوا، والبيئة هي البيئة، ولو كانت البيئة لها كل هذا العمل ~~ما تخلفت النتائج لأن ما بالطبع لا يتخلف، فهو قول وإن ارتآه المقريزي وابن سعيد ~~المغربي وابن خلدون وأحزابهم لايستقيم مع البرهان الصحيح. # أي مانع يمنع المسلمين من انتشار دينهم وقد دعا إلى المساواة؟! فعنده لا فرق بين ~~أسود وأبيض، ولا بين عربي وعجمي. وقد كان هذا سببا من أسباب انتشار الإسلام. كل ما ~~يعوز المسلمين هو الحاجة الشديدة إلى الاجتهاد حتى يواجهوا المشاكل الحديثة بنظر جديد، ~~وهذا عيب المسلمين لا عيب الإسلام؛ فالإسلام لم يحرم الاجتهاد بل حث عليه، وليس ~~بصحيح ما يرمي به الأوروبيون الإسلام بالجمود، وكل عصر له مشاكله ومسائله الجديدة التي ~~تتطلب حلا جديدا، وقد كان من ضمن وسائل التشريع الإسلامي قول الفقهاء: «العرف قاض ~~والعادة محكمة، والأحكام تتبدل بتبدل الأزمان، والضرورات تبيح المحظورات، وما رآه ~~المسلمون حسنا فهو عند الله حسن إلخ ...» ~~••• # ومن قديم تحير المفكرون في مظهر العالم من امتزاج خيره بشره امتزاجا غريبا، ~~وماديته بروحانيته امتزاجا عجيبا. فأما الإسلام والأديان الكبيرة، فقد حلت هذه ~~المشكلة بالجمع بين الحياتين المادية والروحانية، وتقويم كل منهما، واعتبار الحياة ~~الدنيا حياة لها قيمتها من غير غلو فيها، والحياة الروحية حياة لها قيمتها من غير ~~إفراط أيضا. # إن أهم الفروق بين الإسلام والنصرانية، أن الإسلام رعا الدنيا حق رعايتها وجعل من ~~الممكن الاحتفاظ بالحياة الروحية مع الاستمتاع بالدنيا، بينما النصرانية رأت ألا ~~ينفتح باب السماء إلا إذا انغلق باب الأرض. ولعل سبب ذلك أن الإسلام جعل الإنسان ~~مسئولا فقط عن عمله: # وأن ليس للإنسان إلا ما ~~سعى # و # لها ما ms166 كسبت وعليها ما ~~اكتسبت ~~، على حين أن النصرانية حملت الإنسان خطيئة آدم، وجعلته يؤمن ~~بشر النفس الإنسانية لا بخيرها كما فعل الإسلام. وفرق آخر وهو أن المدنية الغربية جعلت ~~من الممكن أن يرقى الإنسان بالحياة المادية فقط، من اقتصاديات وصناعات واختراعات ~~وفلسفات، بينما الإسلام يرى أنه لا يمكن رقيه إلا بالاعتماد على الركنين جميعا: أعني ~~الجسم والروح. # والفرق الثالث أن المسلم يعتمد في حياته على ربه، ويعتقد أن قوته هو لا تكفي ما لم ~~تدعم بسند متين وركن شديد هو «الله» مدبر هذا العالم. أما الغربي، فيرى «الله» قد ~~كف يده عن العالم منذ خلقه، وتركه يتطور كما يشاء وبقي في السماء، والأرض تعمل ~~عملها. والمسلم يرى أن خالق الأرض يضع يده في كل شيء، طبقا لخطة مرسومة، معروف له ~~هدفها، وأن المسلم مجبر على اتباع هذه القوانين شاء أو أبى. # والفرق الرابع أن إمام المدنية الإسلامية القرآن وتعاليمه التي أبناها، أما ~~المدنية الغربية فإمامها المدنية الرومانية من جملة نواح: ~~(1) # الاعتزاز بشخصها، واحتقار ما عداها، حتى أن العدل واجب على الروماني ~~للروماني، لا لغيره. ~~(2) # حب الفتح والاستعمار والاستعلاء، واستغلال البلاد المفتوحة للمصلحة ~~الرومانية لا للمفتوحين، بينما الإسلام يرى أن البلاد المفتوحة لها ما له، ~~وعليها ما عليه. ~~(3) # الاهتمام بالحياة الفردية والحياة الجتماعية على السواء، وتشريعه ~~للناحيتين على السواء. أما في المدنية الغربية، فتشجيع للحياة المادية لا ~~إلى حد، وإهمال للحياة الروحانية لا إلى حد كذلك. # ولأن الإسلام أسس النظام الاجتماعي لأهله على أساس متين من تفضيل صلاة الجماعة على ~~صلاة الفرد، وزكاة يعطي فيها الغني للفقير، وحج تجتمع فيه الأفراد المختلفة من الأقطار ~~المختلفة، ونحو ذلك، استطاع أن يثبت ثلاثة عشر قرنا مع الزلازل القوية، ومن أكبرها ~~غزوة التتار؛ فقد هزت الإسلام هزا عنيفا، ومع ذلك هضمهم الإسلام ولم يهضموه، في حين ~~أن كثيرا من المدنيات لم تستطع أن تقف في وجه التيارات الجارفة التي كانت أقل من ~~التتار. # ثم هذا الإسلام مع ضعف أهله في التبشير قد انتشر في ms167 أفريقيا مثلا انتشارا لم تنله ~~النصرانية المدججة بالسلاح، المدعمة بالأساطيل، ولذلك أسباب أهمها بساطة العقيدة ~~الإسلامية التي تنحصر في كلمة «لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» مما يقبله عقل ~~الزنجي بدون عناء كبير، ثم انعدام الطبقات، وليس هناك الهوة السحيقة بين الغني والفقير؛ ~~فالفقير يرى أن له حقا في مال الغني، والغني يفسح صدره للفقير، ثم الجنة التي رسمها ~~الإسلام رسما بديعا مشوقا، وكل من أنصف يرى أن الوثنيين الذين أسلموا كانوا أحسن ~~حالا منهم قبل إسلامهم فقد رقيت نفوسهم، وحسنت أخلاقهم، وأدركتهم العزة ~~بالإسلام. # وبعد فقد تعب المصلحون كثيرا في التفكير في انحطاط المسلمين اليوم، وأظنه يتضح ~~بعد الآن أسباب تدهورهم وانحطاطهم وانهدام بنيانهم، فإذا أردنا الإصلاح فكما في الحديث: ~~«إن هذا الدين لايصلح آخره إلا بما صلح به أوله» فلننظر شيئا فشيئا في هذا ~~التدهور، ولنقم الأساس من جديد يرجع البنيان متينا كما كان، ونختم قولنا هذا بقول ~~شوقى بك: # يا رب هبت شعوب من منيتها # واستيقظت أمم من رقدة العدم # سعد ونحس وملك أنت مالكه # تديل من نعم فيه ومن نقم # رأى قضاؤك فينا رأي حكمته # أكرم بوجهك من قاض ومنتقم # فالطف لأجل رسول العالمين بنا # ولا تزد قومه ضعفا ولا تسم # يارب أحسنت بدء المسلمين به # فتمم الفضل وامنح حسن مختتم # جدول بأهم الأحداث التي حدثت للمسلمين # 622 م # الهجرة النبوية وبدء التاريخ الإسلامي # 624 # وقعة بدر وانتصار المسلمين # 625 # وقعة أحد وانكسار المسلمين # 628 # إخضاع اليهود في الجزيرة العربية # 629 # وقعة مؤتة وانتصار البيزنطيين على المسلمين # 630 # فتح مكة # 632 # حجة الوداع ووفاة النبي # صلى الله عليه وسلم # 632-634 # خلافة أبي بكر: حروب الردة وإخضاع الجزيرة العربية # 633 # فتح العراق الجنوبي # 634 # وقعة أجنادين ضد البيزنطيين في فلسطين # 635 # فتح دمشق وهزيمة الفرس في القادسية # 636 # وقعة اليرموك وانهزام البيزنطيين # 637 # انهزام الفرس - مؤتمر الجابية # 639 # فتح مصر # 640 # فتح فارس # 644-656 # خلافة عثمان # 647 # فتح طرابلس الغرب # 649 # خروج معاوية ضد البيزنطيين ms168 في البحر. احتلال قبرص # 651 # اغتيال يزدجرد في خراسان # 653 # جمع القرآن على يد عثمان # 656-661 # خلافة علي # 656 # وقعة الجمل # 658 # وقعة صفين # 658 # حادثة التحكيم # 661-750 # الدولة الأموية # 661-680 # خلافة معاوية # 662-675 # ولاية زياد بن أبيه على العراق # 670 # فتح إفريقية على يد عقبة بن نافع # 674-679 # حصار القسطنطينية # 680-683 # خلافة يزيد بن معاوية # 680 # مقتل الحسين في كربلاء # 683-692 # خروج عبد الله بن الزبير في مكة # 683 # الصراع بين الكلبية والقيسية في الشام # 684-685 # خلافة مروان بن الحكم # 685-705 # خلافة عبد الملك بن مروان # 685-687 # ثورة المختار في العراق # 691 # مصرع مصعب بن الزبير وخضوع العراق لعبد الملك # 692 # الحجاج بن يوسف يفتح مكة # 694-711 # ولاية الحجاج بن يوسف # 705-715 # خلافة الوليد بن عبد الملك # 711 # فتح الأندلس # 711-712 # غزو السند وما وراء النهر # 715-717 # خلافة سليمان بن عبد الملك # 717-720 # خلافة عمر بن عبد العزيز # 720-724 # خلافة يزيد بن عبد الملك # 724-743 # خلافة هشام بن عبد الملك # 741 # الحروب ضد البيزنطيين في آسيا الصغرى # 743-744 # خلافة الوليد بن يزيد # 744-750 # خلافة مروان الثاني # 746 # ثورات الكلبية في سوريا، والخوارج في العراق، ودعوة أبي مسلم للعباسية. # 750 # اندحار مروان الثاني في معركة الزاب # 750-754 # خلافة السفاح # 754-775 # خلافة أبى جعفر المنصور # 767 # وفاة أبي حنيفة # 775-785 # خلافة المهدي والصراع ضد المانوية # 778-780 # ثورة المقنع في خراسان # 785-786 # خلافة الهادي # 786-809 # خلافة هارون الرشيد # 803 # نكبة البرامكة # 809-813 # خلافة الأمين # 813-833 # خلافة المأمون. المعتزلة واشتداد النزاع في مسألة خلق القرآن # 819 # استقلال طاهر بن الحسين في خراسان # 833-842 # خلافة المعتصم. تغلب السنة على المعتزلة # 837 # القضاء على بابل وحركته الشيوعية # 842-747 # خلافة الواثق # 847-861 # خلافة المتوكل # 852-886 # إمارة عبد الرحمن الأول في الأندلس. النصارى والمولدون يثيرون ~~الاضطرابات # 861-862 # خلافة المنتصر # 862-866 # خلافة المعتز # 866-869 # خلافة المهتدي # 869 # ثورة الزنج في البصرة # 868-906 # الدولة الطولونية في مصر # 869-892 # خلافة المعتمد # 871-879 # يعقوب بن الليث الصفار يستولي على فارس # 883 ms169 # القضاء على ثورة الزنج # 890 # ظهور القرامطة في العراق # 892-902 # خلافة المعتضد # 900 # ظهور الزيدية في جنوبي بلاد العرب # 902-908 # خلافة المكتفي # 908-932 # خلافة المقتدر # 910 # عبيد الله المهدي وبدء الدولة الفاطمية # 923 # وفاة المؤرخ الطبري # 928 # القرامطة يدخلون مكة ويحملون الحجر الأسود منها # 932-934 # خلافة الظاهر # 932-940 # خلافة الراضي # 940-943 # خلافة المتقي # 943-946 # المستكفي # 944-968 # سيف الدولة: حروبه ضد البيزنطيين # 945 # البويهيون في بغداد # 969 # جوهر يستولي على مصر باسم الفاطميين. تأسيس القاهرة # 996-1021 # خلافة الحاكم الفاطمي في مصر. ظهور الدعوة الدرزية # 1023-1091 # بنو عباد في إشبيلية # 1027-1031 # هشام الثالث آخر الأمويين في قرطبة # 1037 # طغرل بك السلجوقي وأخوه داود يستوليان على خراسان # 1055 # دخول طغرل بك بغداد واستيلاؤه على أمور الخلافة من القائم # 1062 # قيام دولة المرابطين، واستيلاء يوسف بن تاشفين على مراكش # 1072-1092 # ملكشاه السلجوقي. وزير نظام الملك، حجة الإسلام الغزالي (ت1111). عمر ~~الخيام. الحريري # 1072-1107 # سليمان السلجوقي في آسيا الصغرى # 1107-1300 # دولة السلاجقة من نسل سليمان في قونية # 1083 # ألفونس السادس ملك قشتالة يهزم المعتمد صاحب إشبيلية # 1086 # يوسف بن تاشفين يهزم النصارى في الزلاقة # 1090 # حملة يوسف بن تاشفين الثانية على الأندلس، وعزله ملوك الطوائف # 1099 # الصليبيون يستولون على القدس # 1107-1130 # محمد بن تومرت يؤسس دولة الموحدين # 1132-1163 # عبد المؤمن بن علي خليفة ابن تومرت # 1137 # انحلال دولة السلاجقة على أيدي الأتابك # 1154 # نور الدين زنكي يستولي على دمشق # 1171 # صلاح الدين يقضي على الدولة الفاطمية # 1180-1225 # الناصر العباسي آخر الدهاة من بني العباس # 1187 # وقعة حطين # 1193 # وفاة صلاح الدين واقتسام أبنائه ملكه # 1225 # الموحدون يجلون عن الأندلس # 1227 # وفاة جنكيزخان # 1232-1492 # بنو الأحمر في غرناطة # 1248 # لويس التاسع في دمياط # 1254-1517 # المماليك في مصر # 1258 # هولاكو يستولي على بغداد # 1260 # عين جالوت وهزيمة المغول # 1273 # وفاة جلال الدين الرومي # 1337 # إخفاق أورخان في هجومه على بيزنطة # 1369 # تيمور لنك يخضع خراسان وما وراء النهر # 1385-1386 # احتلال العثمانيين نيش وصوفيا # 1389 # معركة قوصوه # 1389-1402 ms170 # بايزيد الأول # 1391-1393 # الأمراء السلاجقة يخضعون للعثمانيين # 1405 # وفاة تيمور لنك واقتسام إمبراطوريته # 1430 # استيلاء العثمانين على سالونيك # 1433 # يوحنا هنيادي يقهر العثمانيين # 1451-1481 # محمد الثاني الفاتح # 1453 # فتح القسطنطينية # 1468 # إخضاع الألبانيين # 1492 # سقوط غرناطة، ونهاية العرب في الأندلس # 1497-1503 # بناء مسجد بايزيد في القسطنطينية # 1502 # إسماعيل الصفوي يجعل التشيع دين الدولة الفارسية # 1512-1520 # سليم الأول العثماني. اضطهاد الشيعة # 1514 # انتصار سليم الأول على إسماعيل الصفوي # 1516 # انتصار السلطان سليم على قانصوه الغوري # 1517 # العثمانيون يفتحون مصر # 1520-1566 # سليمان القانوني # 1522 # فتح رودس # 1534 # استيلاء العثمانيين على تبريز وبغداد # 1543 # إخضاع المجر # 1550 # بناء جامع السلطان سليمان في القسطنطينية # 1566 # وفاة السلطان سليمان # 1566-1574 # سليم الثاني # 1570 # استيلاء العثمانيين على قبرص # 1574-1595 # مراد الثالث # 1577-1585 # الحرب ضد فارس. استيلاء العثمانين على تفليس وقبرص # 1651 # انتصار الأسطول البندقي على العثمانيين قرب بادوس # 1665 # الأسطول الفرنسي يقصف الجزائر وتونس # 1681 # العثمانيون يتخلون عن كييف للروس # 1683 # العثانيون يخسرون المجر # 1688 # النمساويون يستولون على بلغراد # 1689 # هزيمة العثمانيين في بنش # 1690 # العثمانيون يستردون بلغراد # 1696 # بطرس يستولي على آزوف # 1697 # هزيمة الأتراك # 1711 # هزيمة بطرس الأكبر عند نهر البروث # 1735-1739 # انتصار العثمانيين على النمسا والروسيا # 1740 # ظهور محمد بن عبد الوهاب في الدرعية # 1757 # الوهابيون يستولون على الأحساء # 1761 # معاهدة صداقة بين العثمانيين وفردريك الأكبر # 1770 # الحرب ضد الروس وتدمير الأسطول العثماني # 1773-1789 # عبد الحميد الأول # 1783 # الإمبراطورة كاترين تخضع تتار القرم # 1789 # نابليون في مصر # 1789-1807 # سليم الثالث وأولى محاولات الإصلاح على النمط الفرنسي # 1801 # الوهابيون يغيرون على كربلاء # 1803-1804 # الوهابيون يستولون على مكة والمدينة # 1811 # محمد علي باشا يفتك بالمماليك # 1812 # استخلاص طوسون مكة والمدينة من أيدي الوهابيين # 1818 # إبراهيم باشا يخضع الوهابيين # 1821-1829 # الثورة اليونانية على الدولة العثمانية # 1826 # محمود الثاني يبيد الإنكشارية # 1830 # احتلال فرنسا للجزائر # 1832 # إبراهيم باشا يهزم العثمانيين قرب قونية # 1835 # عبد القادر الجزائري يهزم الفرنسيين # 1836 # استرداد السلطان طرابلس الغرب # 1839 # الحرب العثمانية المصرية. ms171 هزيمة العثمانيين في نصيبين # 1839-1861 # عبد المجيد الأول # 1840 # مؤتمر لندن لتسوية العلاقات العثمانية المصرية # 1842 # ثورة الدروز # 1843 # تأسيس السنوسية في طرابلس # 1848 # وفاة محمد علي # 1849 # إخراج المصريين من الحجاز # 1853 # حرب القرم # 1854-1863 # سعيد باشا صاحب مصر # 1856 # بدء الأدب التركي الحديث # 1860 # بدء العمل في فتح قناة السويس # 1863-1880 # إسماعيل باشا يلقب بالخديوي 1866 # 1869 # افتتاح ترعة السويس رسميا # 1870 # ظهور المهدي في السودان # 1857 # المحاكم المختلطة في مصر # 1876 # مؤامرة مدحت باشا على السلطان عبد العزيز # 1876-1909 # عبد الحميد الثاني # 1876 # إعلان الدستور # 1878 # مؤتمر برلين # 1880-1892 # توفيق باشا خديو مصر # 1881 # فرنسا تحتل تونس. هزيمة عرابي # 1882 # المهدي يخرج المصريين من السودان # 1885 # الهجوم على الخرطوم. مقتل غوردون # 1896 # كتشنر يقضي على المهديين في أم درمان # 1906 # حادثة دنشواي. استقالة كرومر # 1908 # ثورة رجال تركيا الفتاة # 1911-1912 # إيطاليا تستولي على طرابلس الغرب # 1912 # حرب البلقان # 1914 # الدولة العثمانية تحارب إلى جانب ألمانيا. حسين كامل سلطان مصر # 1915 # الهجوم على ترعة السويس # 1917 # البريطانيون يحتلون بغداد. فتح القدس. فؤاد سلطان مصر # 1918 # فيصل ولورنس يحتلان دمشق. بدء حركة الوفد في مصر # 1919 # مصطفى كمال في الأناضول. الميثاق الوطني. الاضطرابات الوطنية في مصر. # 1920 # الخلفاء يعودون إلى الأستانة. بعثة ملنر في مصر. الفرنسيون يخرجون فيصل ~~من سوريا # 1921 # الغازي مصطفى كمال يهزم اليونانيين. نفي زغلول إلى سيشل. فيصل ملك ~~العراق. ثورة عبد الكريم في الريف المراكشي # 1922 # طرد اليونان من آسيا الصغرى. السلطان فؤاد يصبح ملك مصر. وضع الدستور ~~الفلسطيني # 1923 # إعلان الجمهورية التركية وإلغاء السلطنة # 1924 # إلغاء الخلافة. فؤاد يحل البرلمان المصري. زغلول رئيس الوزراء. ابن ~~سعود يستولي على الحجاز # 1925 # الثورة السورية # 1926 # زغلول يعود إلى رئاسة الوزارة. الجمهورية اللبنانية. المؤتمر الإسلامي ~~العام في مكة. القضاء على ثورة عبد الكريم # 1927 # وفاة زغلول # 1928 # استبدال الأحرف اللاتينية بالعربية في تركيا # 1929 # الاضطرابات في فلسطين # 1930 # تحديد عدد المساجد في تركيا # 1932 # فتنة الأشوريين في ms172 العراق # 1933 # الاضطرابات في فلسطين. وفاة الملك فيصل. غازي ملك العراق # 1934 # الحرب بين ابن سعود والإمام يحيى # 1935 # اشتداد المقاومة العربية في فلسطين. تحرير المرأة في إيران # 1936 # عقد المعاهدة البريطانية المصرية. وفاة الملك فؤاد. فاروق ملك مصر. ~~اللجنة الملكية في فلسطين. الانقلاب العراقي على يد بكير صدقي # 1937 # تركيا تنتزع لواء الإسكندرونة. وزارة محمد محمود باشا في مصر. هرب ~~المفتي من فلسطين # 1938 # وفاة أتاتورك. عصمت إينونو يخلفه في رئاسة الجمهورية. حل البرلمان ~~المصري. اللجنة الملكية في فلسطين تقدم أول مشروع للتنظيم # 1939 # مؤتمر الدائرة المستديرة في لندن لدرس القضية الفلسطينية. الكتاب ~~الأبيض. وفاة الملك غازي. فيصل الثاني ملك العراق # الدول الإسلامية في عهد الخلافة من سنة 661 إلى سنة 1258 «معربة عن خريطة وضعها ~~الأستاذ ستانلي لين بول» ms173