######OpenITI# #META# URI: 1373AhmadAmin.ZucamaIslahFiCasrHadith.Hindawi35757396 #META# Tags: history #META# ID: 35757396 #META# Title: زعماء الإصلاح في العصر الحديث #META# AuthorID: 20953090 #META# Author: أحمد أمين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # محمد بن عبد الوهاب (1115-1206ه، 1703-1791م)‏ # علي باشا مبارك (1239-1311ه، 1823-1893م)‏ # عبد الله نديم باشا (1261-1313ه، 1845-1896م)‏ # السيد عبد الرحمن الكواكبي (1265-1320ه، 1848-1902م)‏ # محمد بن عبد الوهاب (1115-1206ه، 1703-1791م)‏ # علي باشا مبارك (1239-1311ه، 1823-1893م)‏ # عبد الله نديم باشا (1261-1313ه، 1845-1896م)‏ # السيد عبد الرحمن الكواكبي (1265-1320ه، 1848-1902م)‏ # | زعماء الإصلاح في العصر الحديث # | زعماء الإصلاح في العصر الحديث # تأليف # أحمد أمين # | محمد بن عبد الوهاب (1115-1206ه، 1703-1791م) # هو زعيم الفرقة التي تسمى الوهابية، وتعتنق مذهبه الحكومة الحاضرة في الحجاز. # نشأ في بلدة تسمى (العيينة) في نجد، وتعلم دروسه الأولى بها على رجال الدين من الحنابلة، ~~وسافر إلى المدينة ليتم تعليمه، ثم طوف في كثير من بلاد العالم الإسلامي، فأقام نحو أربع ~~سنين في البصرة، وخمس سنين في بغداد، وسنة في كردستان، وسنتين في همذان، ثم رحل إلى أصفهان ~~ودرس هناك فلسفة الإشراف والتصوف، ثم رحل إلى «قم»، ثم عاد إلى بلده واعتكف عن الناس نحو ~~ثمانية أشهر، ثم خرج عليهم بدعوته الجديدة. # وأهم مسألة شغلت ذهنه في درسه ورحلاته مسألة التوحيد التي هي عماد الإسلام، والتي تبلورت ~~في «لا إله إلا الله» والتي تميز الإسلام بها عما عداه، والتي دعا إليها «محمد» # صلى الله عليه وسلم # أصدق دعوة وأحرها، فلا أصنام ولا أوثان، ولا عبادة آباء وأجداد، ولا أحبار # 1 # ولا نحو ذلك، ومن أجل هذا سمي هو وأتباعه أنفسهم «بالموحدين»، أما اسم الوهابية ~~فهو اسم أطلقه عليهم خصومهم واستعمله الأوربيون، ثم جرى على الألسن. # وقد رأى أثناء إقامته في الحجاز ورحلاته إلى كثير من بلاد العالم الإسلامي؛ أن هذا ~~التوحيد الذي هو مزية الإسلام الكبرى قد ضاع، ودخله كثير من الفساد. # فالتوحيد أساسه الاعتقاد بأن الله وحده هو خالق هذا العالم، والمسيطر عليه، وواضع قوانينه ~~التي يسير عليها، والمشرع له، وليس في الخلق من يشاركه في خلقه ولا في حكمه، ولا من يعينه ~~على تصريف أموره، لأنه تعالى ليس في حاجة إلى عون أحد مهما كان من المقربين إليه، هو الذي ms01 ~~بيده الحكم وحده، وهو الذي بيده النفع والضر وحده لا شريك له، فمعنى لا إله إلا الله: ليس ~~في الوجود ذو سلطة حقيقية تسير العالم وفقا لما وضع من قوانين إلا هو، وليس في الوجود من ~~يستحق العبادة والتعظيم إلا هو، وهذا هو محرر القرآن: # قل يا أهل ~~الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد ~~إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا ~~أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا ~~مسلمون ~~. # إذا فما بال العالم الإسلامي اليوم يعدل عن هذا التوحيد المطلق الخالص من كل شائبة إلى أن ~~يشرك مع الله كثيرا من خلقه؟ فهؤلاء الأولياء يحج إليهم، وتقدم لهم النذور، ويعتقد أنهم ~~قادرون على النفع والضر. وهذه الأضرحة لا عدد لها، تقام في جميع أقطاره، يشد الناس إليها ~~رحالهم، ويتمسحون بها، ويتذللون لها، ويطلبون منها جلب الخير لهم ودفع الشر عنهم، ففي كل ~~بلدة ولي أو أولياء، وفي كل بلدة ضريح أو أضرحة تشرك مع الله تعالى في تصريف الأمور ودفع ~~الأذى وجلب الخير. كان الله سلطان من سلاطين الدنيا الغاشمين، يتقرب إليه بذوي الجاه عنده ~~وأهل الزلفى # 2 # لديه ويرجون في إفساد القوانين وإبطال العدل. أليس هذا كما كان يقول مشركو ~~العرب: # ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله # وقولهم: # هؤلاء شفعاؤنا عند الله ~~. # بل وا أسفاه؟ لم يكتف المسلمون بذلك بل أشركوا مع الله حتى النبات والجماد، فهؤلاء أهل ~~بلدة «منفوخة» باليمامة يعتقدون في نخلة هناك لها قدرة عجيبة، من قصدها من العوانس تزوجت ~~لعامها، وهذا الغار في «الدرعية» يحج إليه الناس للتبرك، وفي كل بلدة من البلاد الإسلامية ~~مثل هذا،؛ ففي مصر شجرة الحنفي، ونعل الكلشني، وبوابة المتولي # 3 # وفي كل قطر حجر وشجر. فكيف يخلص التوحيد مع كل هذه العقائد؟. # إنها تصد الناس عن الله الواحد، وتشرك معه غيره، وتسيء إلى النفوس، وتجعلها ذليلة وضيعة ~~مخرفة، وتجردها من فكرة التوحيد، وتفقدها التسامي. # وأساس آخر يتصل بهذا التوحيد كان يفكر فيه ms02 «محمد بن عبد الوهاب»، وهو أن الله وحده هو ~~مشرع العقائد، وهو وحده يحلل ويحرم، فليس كلام أحد حجة فن الدين إلا كلام الله وسيد ~~المرسلين، فالله يقول: # أم لهم شركاء شرعوا لهم من ~~الدين ما لم يأذن به الله ~~، فكلام المتكلمين في العقائد وكلام ~~الفقهاء في التحليل والتحريم ليس حجة علينا، إنما أمامنا الكتاب والسنة، وكل مستوف أدوات ~~الاجتهاد له الحق أن يجتهد، بل عليه أن يفعل ذلك ويستخرج من الأحكام - على حسب فهمه لنصوص ~~الكتاب وما صح من السنة - ما يؤديه إليه اجتهاده، وإقفال باب الاجتهاد كان نكبة على ~~المسلمين؛ إذ أضاع شخصيتهم وقوتهم على الفهم والحكم، وجعلهم جامدين مقلدين يبحثون وراء جملة ~~في كتاب أو فتوى من مقلد مثلهم، حتى انحط شأنهم وتفرقوا أحزابا يلعن بعضهم بعضا، ولا منجاة ~~من هذا الشر إلا بإبطال هذا كله، والرجوع إلى الدين في أصوله، والاستقاء من منبعه الأول. # وهكذا شغلت ذهنه فكرة التوحيد في العقيدة مجردة من كل شريك، وفكرة التوحيد في التشريع، ~~فلا مصدر له إلا الكتاب والسنة. # هذا هو أساس دعوة محمد بن عبد الوهاب، وعلى هذا الأساس بنيت الجزئيات. # اقتفى في دعوته وتعاليمه عالما كبيرا، ظهر في القرن السابع الهجري في عهد السلطان ~~الناصر هو «ابن تيمية». وهو - مع أنه حنبلي - كان يقول بالاجتهاد ولو خالف الحنابلة، وكان ~~حر التفكير في حدود الكتاب وصحيح السنة، ذلق اللسان، قوي الحجة، شجاع القلب، لا يخشى أحدا ~~إلا الله، ولا يعبأ بسجن مظلم، ولا تعذيب مرهق، فهاجم الفقهاء والمتصوفة، ودعا إلى عدم ~~زيارة القبور والأضرحة وهدمها، وألف في ذلك الرسائل الكثيرة، ولم يعبأ إلا بما ورد في ~~الكتاب والسنة، وخالف إمامه أحمد بن حنبل حين أداه اجتهاده إلى ذلك. # فيظهر أن «محمد بن عبد الوهاب» عرف ابن تيمية من طريق دراسته الحنبلية، فأعجب به، وعكف ~~على كتبه ورسائله يكتبها ويدرسها. وفي المتحف البريطاني بعض رسائل لابن تيمية مكتوبة بخط ~~ابن عبد الوهاب، فكان ابن تيمية إمامه ومرشده وباعث تفكيره، والموحي ms03 إليه بالاجتهاد والدعوة ~~إلى الإصلاح. # دعا مثله إلى رد البدع والتوجه بالعبادة والدعاء إلى الله وحده، لا إلى المشايخ والأولياء ~~والأضرحة ، ولا بواسطة توسل ولا شفاعة، وزيارة القبور إن كانت فللعظة والاعتبار، لا للتوسل ~~والاستشفاع، فهم لا يملكون شيئا بجانب الله وقوانينه الثابتة التي لا تتخلف والتي نظم الله ~~بها كونه، فالذبح للقبور والنذور لها والاستغاثة بها والسجود عندها شرك لا يرضاه الله، وهو ~~هدم للتوحيد - الذي جاء به الإسلام - من أساسه، ومثل ذلك تجصيص القبور # 4 # وبناية الأضرحة وتشييد الأبنية عليها، وكسوتها بالحرير المذهب وما إلى ذلك، فكل ~~هذه لا يعرفها الإسلام. # فكانت دعوة ابن عبد الوهاب حربا على كل ما ابتدع بعد الإسلام الأول من عادات وتقاليد، ~~فلا اجتماع لقراءة مولد، ولا احتفاء بزيارة قبور، ولا خروج للنساء وراء الجنازة، ولا إقامة ~~أذكار يغنى فيها ويرقص، ولا «محمل» يتبرك به ويتمسح، ويحتفل به هذا الاحتفال الضخم، وهو ليس ~~إلا أعوادا خشبية لا تضر ولا تنفع. # كل هذا مخالف للإسلام الصحيح يجب أن يزال، ويجب أن نعود إلى الإسلام في بساطته الأولى، ~~وطهارته ونقائه، ووحدانيته واتصال العبد بربه من غير واسطة ولا شريك. فلا إله إلا الله ~~معناها كل ذلك. والكتب المملوءة بالتوسلات كتب ضارة بالعقائد، كدلائل الخيرات، وما في ~~البردة من مثل قوله: # يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به # سواك عند حدوث الحادث العمم # 5 # وقوله: # إن لم تكن في معادي آخذا بيدي # فضلا وإلا فقل يا زلة القدم # وقوله: # فإن من جودك الدنيا وضرتها # ومن علومك علم اللوح والقلم # 6 # ونحو ذلك، أقوال فاسدة كاذبة. فلا التجاء إلا إلى الله، ولا اعتماد في الدنيا والآخرة إلا ~~عليه. # لقد كان محمد بن عبد الوهاب ومن نحا نحوه يرون أن ضعف المسلمين اليوم وسقوط نفسيتهم ليس ~~له سبب إلا العقيدة، فقد كانت العقيدة الإسلامية في أول عهدها صافية نقية من أي شرك، وكانت ~~لا إله إلا الله معناها السمو بالنفس من الأحجار والأوثان وعبادة العظماء وعدم الخوف ms04 من ~~الموت في سبيل الحق، وعدم الخوف من استنكار المنكر والأمر بالمعروف مهما تبع ذلك من عذاب، ~~ولا قيمة للحياة إلا إذا بذلت في رفع لواء الحق ودفع الظلم، وهذا هو الفرق الوحيد بين العرب ~~في الجاهلية والعرب في الإسلام، وبهذه العقيدة وحدها غزوا وفتحوا وحكموا. ثم ماذا؟ # ثم لم يتغير شيء إلا في العقيدة، فتدنوا من سمو التوحيد إلى حضيض الشرك، فتعددت آلهتهم من ~~حجر وشجر وأعواد خشب وقبور أولياء، وركنوا إلى ذلك في حياتهم العامة، فالزرع ينجح لرضا ولي ~~ويخيب لغضبه، والبقرة تحيا إذا نذرت للسيد البدوي أو مثله، وتموت إذا لم تنذر، وهكذا في ~~الأمراض والعلل والغنى والفقر! كلها لا ترجع إلى قوانين الله الطبيعية، وإنما ترجع إلى غضب ~~الأرواح ورضاها، ومثل هذه النفوس الضعيفة التي تذل للحجر والشجر والأرواح، لا تستطيع أن تقف ~~أمام الولاة والحكام الظالمين تأمرهم بمعروف أو تنهاهم عن منكر، فذلوا للحكام والأغنياء كما ~~ذلوا للخشب والأحجار. وما زال كل قرن يمر تزداد معه الآلهة عددا وتزداد النفوس ذلة، حتى ~~وصلت الحال بالأمة الإسلامية إلى فقد سيادتها، وانهيار عزتها. ولا يصلح آخر الإسلام إلا بما ~~يصلح به أوله، فلا بد من العودة إلى الحياة الإسلامية الأولى حيث التوحيد الصحيح والعزة ~~الحقة، ولا بد من هدم هذه البدع والخرافات باللين إن نجح، وبالقوة إن لم ينجح، والله ~~المستعان. # لم ينظر محمد بن عبد الوهاب إلى المدينة الحديثة وموقف المسلمين منها، ولم يتجه في إصلاحه ~~إلى الحياة المادية كما فعل معاصره محمد علي باشا، وإنما اتجه إلى العقيدة وحدها والروح ~~وحدها، فعنده أن العقيدة والروح هما الأساس وهما القلب إن صلحا صلح كل شيء، وإن فسدا فسد كل ~~شيء، وطبيعي أن يكون هذا هو الفرق بين رئيس الدين في نجد ورئيس الحكم في مصر. # أما بعد.. فإن التوحيد الصحيح المطلق المجرد عن شائبة كل تجسيم، المنزه عن كل تشخيص، الذي ~~يصل العبد بربه من غير وساطة ولا وسيلة، مطلب عسير لا يستطيعه إلا الخاصة أو ms05 خاصة الخاصة. ~~أما من عداهم فيشعرون بالتوحيد لحظات ثم سرعان ما يتدهورون، ويشوب عقيدتهم نوع من التشخيص، ~~وأسلوب من التجسيم على نحو ما، ثم يتخذون من الصالحين وسائل وزلفى - كان ذلك في الجاهلية، ~~وكان ذلك في الإسلام بعيد البعثة إلى الآن. # فالمؤرخون يروون أن أهل الطائف لما أسلموا كان لهم بنية على اللات، # 7 # فأمر النبي بهدمها، فطلبوا منه أن يترك هدمها شهرا لئلا يروعوا نساءهم ~~وصبيانهم حتى يدخلوهم في الدين، فأبى ذلك عليهم وأرسل معهم المغيرة بن شعبة وأبا سفيان بن ~~حرب وأمرهم بهدمها. # وفي الحديث أن العرب كانت لهم في الجاهلية شجرة تسمى «ذات أنواط» كانوا يعلقون بها سلاحهم ~~ويعكفون حولها ويعظمونها، فسأل بعض المسلمين رسول الله يجعل لهم كذلك «ذات أنواط» فنهاهم عن ~~ذلك. # ولما جاء عمر شعر أن بعض الناس أخذ يحن إلى العادات الجاهلية القديمة، فرآهم يأتون الشجرة ~~التي بايع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # تحتها بيعة الرضوان فيصلون عندها، فبلغ ذلك عمر فأمر بها ~~فقطعت. # ولما رأى عمر كعب الأحبار يخلع نعله ويلمس برجليه الصخرة عند فتح بيت المقدس، قال له: ~~«ضاهيت والله اليهود يا كعب». # وهكذا ما لبث بعض الناس حتى تراجع عن التوحيد المطلق الذي جاء به الإسلام؛ لأن التحرر من ~~المادة بأشكالها جميعا، والإفلات من قيود الحس، والتسامي إلى الله فوق المادة وفوق الحس ~~وفوق التشخيص، يتطلب منزلة رفيعة من السمو العقلي تعجز عنه الجماهير. # وقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «إن من كان من قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا ~~القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك». # ثم سرعان ما اتخذ المسلمون قبور الصالحين وغير الصالحين مساجد، ولم يكن الصحابة الأولون ~~يشدون الرجال إلى المشاهد، ثم كان ذلك، وهكذا كلما مضى زمن كثرت فيه أصناف التعظيم للقبور ~~والأضرحة وكثير من الأشجار والجماد. # وظهر الدعاة والمصلحون على توالي العصور يحاولون أن يردوا الناس عن هذا ويرجعوهما إلى ~~التوحيد وحده، وكلما دعا داع إلى ذلك عذب وأهين ورمي بالكفر والإلحاد ms06 كما فعل بابن تيمية، ~~فقد ألف الرسائل في هذا الموضوع، وانتقد حال المسلمين في استغاثتهم بالقبور ورحيلهم إليها، ~~وطوافهم بالصخرة في بيت المقدس، ورحيلهم إلى مشهد الخليل ومشاهد عسقلان، وتعظيمهم حتى بعض ~~آثار النصرانية فعذب وسجن، وأتى بعده بقرون محمد بن عبد الوهاب هذا، فدعا مثل هذه الدعوة ~~فرمى بالكفر. وأخيرا جاء الشيخ محمد عبده فدعا إلى العدول عن التوسل والشفاعة والزيارة ~~للقبور، وملأ دروسه في التفسير بمثل هذه الدعوة، فلقي من أهل زمنه ما لم يغب عن أذهاننا ~~بعد. # هذا هو جوهر الدعوة التي دعا بها محمد بن عبد الوهاب، فماذا كان شأنها ومصيرها؟ # 1 # كانت جزيرة العرب عندما دعا محمد بن عبد الوهاب دعوته - التي شرحناها فيما مضى - أشبه ~~شيء بحالتها في الجاهلية، كل قبيلة تسكن موضعا يرأسها أمير منها. هذا أمير في الإحساء، ~~وهذا أمير في العسير، وهؤلاء أمراء في نجد إلخ، ولا علاقة بين الأمير والأمير إلا علاقة ~~الخصومة غالبا. ثم تتوزعها - أيضا - الخصومة بين البدو والحضر، فمن قدر من البدو على ~~خطف شيء من الحضر فعل، ومن قدر من الحضر على التنكيل ببدو فعل، والطرق غير مأمونة، ~~والسلب والنهب على أشدهما، وسلطة الخلافة في الأستانة تكاد تكون سلطة اسمية، ومظهرها ~~تعيين الأشراف في مكة وإمدادهم ببعض الجنود وكفى. # لقد بدأ «محمد بن عبد الوهاب» يدعو دعوته - التي ذكرناها - في لين ورفق بين قومه، ثم ~~أخذ يرسل الدعوة لأمراء الحجاز والعلماء والأقطار الأخرى، حاثا لهم على استنهاض الهمم ~~في مكافحة البدع والرجوع إلى الإسلام الصحيح. # كم من المصلحين دعوا مثل هذه الدعوة، ولكنها مرت بسلام، وإن شابها شيء فسجن الداعي أو ~~التشهير به ورميه بالكفر أو الزندقة، ثم ينتهي الأمر ويعود الناس سيرتهم الأولى، بل نرى ~~من قام بمثل هذه الدعوة - فعلا - في المغرب كالشيخ أبي العباس التيجاني، فقد أمر بترك ~~البدع ونهى عن زيارة القبور، وكثرت أتباعه حتى بلغت مئات الألوف، ولكن لم يلفت الناس ~~والحكام أمره كما لفتهم محمد بن عبد الوهاب، وكذلك الشيخ ms07 محمد عبده دعا مثل هذه الدعوة، ~~فأجابه بعضهم، وأنكر عليهم بعضهم، ثم أسدل الستار. فما السبب في نجاح الدعوة الوهابية ~~دون الأخرى؟ # السبب في هذا ما أحاط بالدعوة الوهابية من ظروف لم تتهيئ لغيرها. # فقد اضطهد في بلده العيينة، واضطر أن يخرج منها إلى الدرعية مقر آل سعود، وهناك عرض ~~دعوته على أميرها محمد بن سعود فقبلها، وتعاهدا على الدفاع عن الدين الصحيح ومحاربة ~~البدع، ونشر الدعوة في جميع جزيرة العرب باللسان عند من يقبلها، وبالسيف عند من لم ~~يقبلها، وإذ ذاك دخلت الدعوة في دور خطير، وهو اجتماع السيف واللسان، وزاد الأمر خطورة ~~نجاح الدعوة شيئا فشيئا، ودخول الناس أفواجا فيها، وإخضاع بعض الأمراء بالقوة ~~لحكمها، وكلما دخلوا بلدة أزالوا البدع وأقاموا تعاليمهم، حتى هددت الحركة كل جزيرة ~~العرب، ولما مات الأمير ومات الشيخ تعاقد أبناء الأمير وأبناء الشيخ على أن يسيروا سيرة ~~أبويهم في نصرة الدعوة متكاتفين، وظلوا يعملون حتى غلبوا على مكة والمدينة. # وشعرت الدولة العثمانية بالخطر يهددها بخروج الحجاز من يدها، وهو موطن الحرمين ~~الشريفين اللذين يجعلان لها مركزا إسلاميا ممتازا، تفقد الكثير منه إذا فقدتهما. # فأرسل السلطان محمود إلى محمد علي باشا في مصر أن يسير جيوشه لمقاتلة الوهابيين، وكما ~~أرسلت الجيوش لمقاتلتهم أرسلت الدعاية من جميع الأقطار الإسلامية للنيل من هذه الدعوة ~~وتكفير مبتدعيها. وحمل علماء المسلمين عليها حملات منكرة وألفت الكتب الكثيرة في ~~التخويف منها والتشنيع عليها. # وهكذا حدثت الحرب بالسيف والحرب بالكلام، كل هذا خدم الدعوة الوهابية بلفت الأنظار ~~إليها ودورانها على كل لسان، وزاد في شأنها أن الوهابيين انتصروا على حملة محمد علي ~~باشا الأولى بقيادة الأمير طوسون. # ثم أعد محمد علي باشا العدة القوية الكبيرة، وسار بنفسه وحاربهم بخير سلاحه، فانتصر ~~عليهم، وأتم النصر ابنه إبراهيم باشا، وانهزمت قوة الوهابيين. # ولكن بقيت الدعوة إلى أن هيئ لها في العهد الحاضر المملكة السعودية الحاضرة في تاريخ ~~طويل لا يعنينا هنا، وإنما يهمنا الدعوة وما تم لها. # إن الدعاية التي أحكمت ضدها، ms08 وتعلق الناس بالدولة العثمانية، وميلهم الشديد أن تظل ~~بلادها وحدة لا ينفصل عنها جزء، جعلت عامة المسلمين في أقطار العالم الإسلامي يفرحون ~~بهزيمة الوهابية. ولو لم يفهموا جوهر دعوتها، وشيء آخر كان كبير الأثر في تنفير عامة ~~المسلمين من هذه الحركة، وهو أنها حيث استولت على بلد نفذت تعاليمها بالقوة ولم تنتظرها ~~حتى يؤمن الناس بدعوتها، فلما دخلوا مكة هدموا كثير من القباب الأثرية، كقبة السيدة ~~خديجة، وقبة مولد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ومولد أبي بكر وعلي، ولما دخلوا المدينة رفعوا بعض ~~الحلي والزينة التي كانت على قبر الرسول، فهذه كلها أثارت غضب كثير من الناس وجرحت ~~عواطفهم، فمنهم من حزن على ضياع معالم التاريخ، ومنهم من حزن على الفن الإسلامي، ومنهم ~~من حزن لأن مقبرة الرسول # صلى الله عليه وسلم # وفخامتها مظهر للعاطفة الإسلامية وقوة الدولة، وهكذا ~~اختلفت الأسباب واشتركوا في الغضب. والوهابيون لم يعبثوا إلا بإزالة البدع والرجوع ~~بالدين إلى أصله. # وقد اهتموا بالناحية الدينية وتقوية العقيدة وبالناحية الخلقية مما صورها الدين، ~~ولذلك حيث سادوا قلت السرقة والفجور وشرب الخمور وأمن الطريق وما إلى ذلك، ولكنهم لم ~~يمسوا الحياة العقلية، ولم يعملوا على ترقيتها إلا في دائرة التعليم الديني. ولم ينظروا ~~إلى مشاكل المدنية الحاضرة ومطالبها. وكان كثير منهم يرون أنا ما عدا قطرهم من الأقطار ~~الإسلامية التي تنشر فيها البدع ليست ممالك إسلامية، وأن دارهم دار جهاد، فلما تولت ~~حكومة ابن سعود الحاضرة كان لا بد أن تواجه هذه الظروف، وتقف أمام منطق الحوادث. ورأت ~~نفسها أمام قوتين قويتين لا معدى # 8 # لها عن مسايرتهما، قوة رجال الدين في نجد المتمسكين أشد التمسك بتعاليم ابن ~~عبد الوهاب والمتشددين أمام كل جديد، فكانوا يروا أن التلغراف السلكي واللاسلكي ~~والسيارات والعجلات من البدع التي لا يرضى عنها الدين، وقوة التيار المدني الذي يتطلب ~~نظام الحكم فيه كثيرا من وسائل المدنية الحديثة كما يتطلب المصانعة والمداراة، فاختطت ~~لنفسها طريقا وسطا شاقا بين القوتين، فقد عدلت نظرها إلى الأقطار الإسلامية ms09 الأخرى ~~وعدتهم مسلمين، وبدأت تنشر التعليم المدني بجانب التعليم الديني، وتنظيم الإدارة ~~الحكومية على شيء من النمط الحديث، وتسمح للسيارات والطيارات واللاسلكي بدخول البلاد ~~واستعمالها وما إلى ذلك، وما أشقه عملا، التوفيق بين علماء نجد ومقتضيات الزمن، وبين ~~طبائع البادية ومطالب الحضارة. # لم تقتصر الدعوة الوهابية على الحجاز والجزيرة العربية، بل تعدتها إلى غيرها من كثير ~~من الأقطار الإسلامية، وكان موسم الحج ميدانا صالحا وفرصة سانحة لعرض الدعوة على ~~أكابر الحجاج واستمالتهم إلى قبولها. فإذا عادوا إلى بلادهم دعوا إليها. فنرى في زنجبار ~~طائفة كبيرة من المسلمين يعتنقون هذا المذهب، ويدعون إلى ترك البدع، وعدم التقرب ~~بالأولياء. # وقام في الهند زعيم وهابي اسمه السيد أحمد. حج سنة 1822م. وهناك آمن بالمذهب الوهابي، ~~وعاد إلى بلاده، فنشر هذه الدعوة في بنجاب وأنشأ بها شبه دولة وهابية، وأخذ سلطانها ~~يمتد حتى هدد شمال الهند، وأقام حربا عوانا # 9 # على البدع والخرافات، وهاجم الوعاظ ورجال الدين هناك. وأعلن الجهاد ضد من ~~لم يعتنق مذهبه ويقبل دعوته، وأن الهند دار حرب، ولقيت الحكومة الإنجليزية متاعب كثيرة ~~شاقة من أتباعه، حتى استطاعت إخضاعهم. # وكذلك حضر الإمام السنوسي مكة حاجا، وسمع الدعوة الوهابية واعتنقها، وعاد إلى ~~الجزائر يبشر بها، ويؤسس طريقته الخاصة في بلاد المغرب كما سيأتي بيانه. # وفي اليمن ظهر أعلم علمائه، وإمام أئمته وهو الإمام الشوكاني المولود سنة 1172ه. ~~فسار على هذا النهج نفسه، وإن لم يتلقه عن ابن عبد الوهاب، وألف كتابه القيم «نيل ~~الأوطار» شارحا فيه كتاب ابن تيمية «منتقى الأخبار»، عارضا الأحاديث النبوية، مجتهدا ~~في فهمها، وفي استنباط الأحكام الشرعية منها ولو خالف المذاهب الأربعة كلها، وحارب ~~التقليد ودعا إلى الاجتهاد، وثارت من أجل ذلك حرب كلامية شعواء # 10 # بينه وبين علماء زمنه، كان أشدها في صنعاء. وألف في ذلك رسالة سماها «القول ~~المفيد في حكم التقليد»، ودعا في قوة إلى عدم زيارة القبور والتوسل بها، فقال في نيل ~~الأوطار # 11 ~~: «وكم سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي ms10 لها الإسلام، ~~(منها) اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب ~~النفع ودفع الضرر، فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجح المطالب، وسألوا منها ~~ما يسأل العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال وتمسحوا بها واستغاثوا. وبالجملة فإنهم لم ~~يدعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ~~«ومع هذا النكر الشنيع والكفر الفظيع، لا نجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف، ~~لا عالما ولا متعلما، ولا أميرا ولا وزيرا ولا ملكا، وقد توارد إلينا من الأخبار ~~ما لا يشك معه أن كثيرا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من قبل خصمه ~~حلف بالله فاجرا، فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وتلكأ، ~~وأبى واعترف بالحق، وهذا من أبين الأدلة الدالة على شركهم، قد بلغ فوق شرك من قال إنه ~~تعالى ثاني اثنين وثالث وثلاثة. ~~«فيا علماء الدين، ويا ملوك المسلمين، أي رزء للإسلام أشد من الكفر، وأي بلاء لهذا ~~الدين أضر عليه من عبادة غير الله، وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة، وأي ~~منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك المبين؟». # وقد مات الإمام الشوكاني سنة 1250 بعد أن أبلى في هذا بلاء عظيما، وخلف تلاميذ ~~كثيرين يدينون برأيه. # وفي مصر شب الشيخ محمد عبده فرأى تعاليم ابن عبد الوهاب تملأ الجو، فرجع إلى هذه ~~التعاليم في أصولها من عهد الرسول إلى عهد ابن تيمية، إلى عهد ابن عبد الوهاب، وكان ~~أكبر أمله أن يقوم في حياته للمسلمين بعمل صالح، فأداه اجتهاده وبحثه إلى هذين الأساسين ~~اللذين بني عليهما محمد بن عبد الوهاب تعاليمه، وهما: (1) محاربة البدع وما دخل على ~~العقيدة الإسلامية من فساد بإشراك الأولياء والقبور والأضرحة مع الله تعالى، و(2) فتح ~~باب الاجتهاد الذي أغلقه ضعاف العقول من المقلدين، وجرد نفسه لخدمة هذين الغرضين، ولكنه ~~امتاز بميزة كبرى عمن عداه، وهي ثقافته الواسعة الدينية والدنيوية، ومعرفته ms11 بشئون ~~الدنيا وأسسها وتياراتها، وذلك بتربيته الدينية الأولى المستمرة، ورحلاته إلى أوربا ~~يخالط علماءها وفلاسفتها وساستها. فلما تعرض لمثل ما تعرض له ابن عبد الوهاب فلسف ~~الدعوة وركزها على أسس نفسية واجتماعية، كما شارك في تركيزها على الأسس الدينية، ففي ~~دروسه في التفسير التي كان يلقيها في الرواق العباسي بالأزهر، كان ينتهز كل إشارة لآية ~~ولو من بعيد تندد بالشرك فيفيض في الحملة على عبادة الصالحين، وزيارة القبور والشفاعة ~~والتوسل وما إلى ذلك. فيطيل الوقوف - مثلا - عند قوله تعالى: # ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم ~~كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ~~ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن ~~الله شديد العذاب # فيقسم الشيخ الأنداد إلى قسمين: هؤلاء الشفعاء ~~الذين اتخذتهم الناس وسيلة للقرب من الله يستقصونهم في الحوائج، وهؤلاء الذين يقلدون في ~~الدين يتخذ قولهم شرعا من غير حجة ولا برهان. وتظهر فلسفته للمذهب في بيان الأضرار ~~النفسية من هذه العقائد، فهي تورث الذل وتخضع الناس للحكام الظالمين، تحط النفوس إلى ~~الدرك الأسفل، ثم هي تضر اجتماعيا باعتماد الناس على هؤلاء الأولياء بتركهم القوانين ~~الطبيعية التي جعلها الله أسبابا لا بد منها لحصول المسبب، فالزراعة إنما تنجح بالحرث ~~والتسميد والبذر والسقي، لا بالاستغاثة بولي، والحرب إنما تكسب باتخاذ سلاح مجهز على ~~آخر طراز كسلاح العدو، وإعداد العدة الكاملة كما يفعل العدو، لا بالاستعانة بأهل ~~القبور، وفضيلة المسلم أن يستعين بعد ذلك كله بالله وحده، يطلب منه أن يثبت قلبه، ~~ويلهمه التوفيق. وهكذا كان يفيض في هذين الأساسين مفندا آراء من يقول بالتوسل والشفاعة ~~والتقليد. # وينتهز فرصة وجود جماعة من العلماء عنده في يوم مولد النبي، ودعوته للعشاء عند أحد ~~المحتفلين، فيبين لهم أن هذه الموالد كلها منكرات، ويتمنى لو أنفق ما يصرف في الموالد ~~على تعليم الفقراء، ويناظرهم في ذلك مناظرة تنتهي بانصراف العلماء إلى العشاء في ~~المولد، وامتناع الشيخ وحده. # ويضع الشيخ تفسيرا لجزء «عم» للناشئة فيلتمس كل وسيلة للحملة ms12 على كل ما يشوب التوحيد ~~من شرك بعبادة المشايخ والقبور والأضرحة والتخريف، راجيا أن ينشأ الشباب نشأة دينية ~~صحيحة خيرا مما عليه آباؤهم - وأعانه في هذه السبيل تلميذه وصديقه السيد محمد رشيد رضا ~~في مجلة المنار، فقد ملأها كذلك بمثل هذه الدعوة ومثل هذه الحجج، يسمع بها المسلمين في ~~جميع الأقطار الإسلامية. # وفي تركيا قامت الحكومة التركية الكمالية بمحاربة هذه البدع والخرافات، فأغلقت ~~التكايا وكانت عش التدجيل، وطاردت المشايخ، واضطهدت المهرجين، ولكن الفرق بين هذه ~~الحركة وما قبلها أن كل الحركات السابقة كانت مؤسسة على الدين والإصلاح الديني، والرجوع ~~إلى الأصول الدينية، أما هذه الحركة فمؤسسة على العقل المطلق، وفكرة الإصلاح الاجتماعي ~~من غير أن يكون الدافع إليها الرغبة في الإصلاح الديني. # وأخيرا وقد مضى على هذه الدعوة الإصلاحية من عهد محمد بن عبد الوهاب إلى الآن عشرات ~~السنين، واشترك في تنظيم الغزوة عشرات من الأبطال، فماذا كانت النتيجة؟ # ظلت عامة المسلمين في جميع الأقطار الإسلامية - كما هم - من حيث الالتجاء في قضاء ~~الحوائج إلى المشايخ والقبور والأضرحة، وظلت على عادتها في الاحتفال بالموالد ونحوها ~~وإن قل بهاؤها ورونقها، وإنما تأثر بهذه الدعوة الخاصة أو خاصة الخاصة. كما تأثر بها ~~ناشئة الشباب المثقفين بحكم ثقافتهم ونمو عقليتهم، فلم يلجأوا إلى المزارات والمشايخ ~~كما كان يلجأ آباؤهم، ولكن أخشى أن يكون كثير منهم لا يلجأ إلى الله أيضا كما كان يلجأ ~~آباؤهم. # والآن ننتقل إلى نوع آخر من الإصلاح كان مظهره مدحت باشا في تركيا. # | علي باشا مبارك (1239-1311ه، 1823-1893م) # «برنبال» الجديدة قرية صغيرة كسائر قرى الفلاحين بمصر تابعة لمركز (دكرنس) من مديرية ~~(الدقهلية) تقع على البحر الصغير، بها أربع حارات، ومرافقها الاجتماعية. مسجد للصلاة، وكتاب ~~لتعليم القرآن، ودكان لعطار، ومعملان لتفريخ الدجاج، وأربعة أنوال يدوية لنسيج الصوف، ~~ودكانان لصبغ الثياب البيضاء صبغة زرقاء، وضريحان لوليين يستشفي بهما الأهالي لقضاء ~~الحوائج، وأربعة مضايف لكل حارة مضيفة، تقام فيها مآتم الحارة وأفراحها واحتفالاتها في ~~الأعياد والمواسم، وباعة صغار لبيع الخضر وما إليها، ms13 وبعض صناع يقومون بصناعة ساذجة كنجار ~~للسواقي ونوتي للمراكب تجري في البحر الصغير، وفي الجهة القبلية منها جبانة لدفن الموتى، ~~وحولها الأراضي الزراعية ليس فيها من الأشجار إلا نخلتان. # يسكن حارة من حاراتها أسرة تتكون من نحو مائتي شخص يعيش أفرادها كسائر الفلاحين ببهائمهم ~~ودواجنهم وأدواتهم الزراعية، وعلى رأسهم الشيخ مبارك، وكان يقوم بكل الشئون الدينية في ~~القرية، فهو إمام مسجدها وخطيبه وهو (مأذونها) يعقد عقود زواجها، ويسجل صيغ طلاقها، ويستفتي ~~في المسائل الدينية تعرض لأهلها، ورث ذلك عن أبيه وجده حتى سميت الأسرة بأسرة (المشايخ) ~~وتزوج الشيخ أكثر من زوجة، رزق منهن أولادا كثيرين، إحداهن رزقت سبع بنات واحدا سماه ~~عليا، وكلهم يعيش على الدخل التافه والرزق القليل. # في هذه البيئة ولد علي مبارك، ووقعت عينه أول ما وقعت على هذه المشاهد الطبيعية ~~والاجتماعية. ولعله يوم ولد بشر به أبوه وسلم له في يده ليبارك عليه وأذن في أذنه أمل فيه ~~أن يكون حلقة في سلسلة (المشايخ) يرث الإمامة والخطابة والإفتاء لأهل القرية عن أبيه، كما ~~ورثها أبوه عن جده وما ورثها جده الأدنى عن جده الأعلى. ولو جرت الأمور مجراها المألوف لكان ~~هذا، فما ظنك بطفل فقير من أسرة فقيرة في (برنبال) البعيدة عن مراكز المدينة والحضارة إلا ~~أن يسعده الحظ فيكون إمام مسجد؟! ولكن للقدر شئونه ولله تصرفه. # على هذا المنهج أرسله والده إلى كتاب (برنبال) وفقيهه إذ ذاك رجل أعمى شديد عنيف، وافق ~~اسمه مسماه، فكان يسمى أبا عسر، كان له الفضل في أن يكره (عليا) في التعليم والحفظ. # وشاء الله أن تنكب هذه الأسرة جميعها بما كانت تنكب به أسر كثيرة في البلاد إذ ذاك، ~~فكثيرا ما كان يهمل الفلاحون زراعة أرضهم شعورا منهم بأن غلتهم ليست لهم، وإنما هي مطمع ~~الحكام: يطمع الحاكم الأعلى في الحاكم الأدنى ويطمع الحاكم الأدنى فيمن دونه، وهكذا حتى يصل ~~إلى الفلاح، فإذا عجزت غلة الأرض عن أداء الضريبة أخذت الأرض منه وأعطيت لغيره، وكان هذا ~~العطاء مصيبة كبرى ms14 على من يعطى لشعوره بأنه يمط ليسخر، يسخر في الأرض وزراعتها لتكون غلتها ~~لغيره، ولذلك كانوا يعبرون عن إعطاء هذه الأرض تعبيرا صحيحا صادقا؛ إذ يقولون (رميت عليه ~~الأرض) وهذا ما أصاب أسرة الشيخ مبارك ، فقد رميت عليها أرض، فلما جاء المصلحون يحصلون ~~الضرائب لم تكف الزراعة فباعوا بهائمهم وأثاث منازلهم، ثم رأوا أن لا بد بعد ذلك أن يهجروا ~~البلد وتنقل الشيخ مبارك وأسرته في البلاد إلى أن نزل على عرب في (الشرقية) يسكنون الخيام، ~~يسمون عرب (السماعنة) فأقاموا له خيمة مثل خيامهم، ورأوا فيه ما يسد مطالبهم الدينية، فكان ~~مرجعهم في الفتيا وإمامهم في الصلاة، كما كان في بلدته (برنبال). فلما استقر به الحال فرغ ~~للتفكير في تعليم علي، فأرسله إلى كتاب في قرية قريبة من الخيام، ولكن لم يكن يتيسر له أن ~~يذهب كل يوم إلى الكتاب ويعود فكان يسكن مع سيدنا ويزور أباه مرة كل يوم جمعة. ولم يكن حال ~~هذا الفقيه خيرا من حال (أبي العسر) وإن كان اسمه (أبا الخضر) فكان علي يجتهد في إرشائه ~~بما يستطيع أن يحمله إليه كل أسبوع ليخفف عنه. فلما توالى عليه العنف كره الكتاب بتاتا بعد ~~أن كان قد حفظ القرآن. # هنا حدثت الأزمة، فعلي لا يريد الكتاب بتاتا. وماذا لقي منه إلا الضرب؟ ثم ماذا يكون ~~مصيره لو نجح في الكتاب؟ أليس إلا أن يكون كأبيه إمام مسجد ومفتي قرية؟ وهذا مطلب لا يقنعه ~~ولا يرضيه، وأبوه مصمم على الكتاب. واصطدمت الإرادتان فغلبت إرادة علي. # ولكن أفهمه أبوه وأخوته أنه لابد أن يتعلم شيئا ما، وكان إذ ذاك في البلاد طبقة من ~~الكتاب الصغار يكتبون للناس في مطالبهم وأغراضهم أو يمسحون # 1 # الأرض لهم، ففضل أن يكون صبيا لأحد هؤلاء ورضى أبوه بهذا الحل، فهو يلتحق ~~تلميذا لكاتب من هؤلاء ويتنقل بينهم ولم يكن حظه معهم خيرا من حظه في الكتاب، فالضرب هو ~~الضرب والبؤس هو البؤس. ومنهم من يأجره أجرا قليلا، ثم يأكل عليه أجره، ومنهم ms15 من يسأله: ~~كم الواحد في الواحد؟ فيقول: اثنان. فيرميه بأداة أمامه على رأسه فيشجه. فهذه أيضا حالة لا ~~تنفع. فيهرب من أمه وأبيه لضغطهما عليه في العمل بما لا يرضيه ويهيم على وجهه متنقلا في ~~البلاد ، وأبوه يلاحقه، ويتعرض أثناء ذلك للإصابة بالكوليرا أحيانا وللسجن بسبب وشاية ~~أحيانا. وأخيرا شاء القدر أن يسعى له السجان ليكون كاتبا صغيرا عند مأمور كبير، وشفع له ~~في ذلك حسن خلقه وجودة خطه، كان هذا الموظف الكبير «عنبر أفندي» مأمور زراعة القطن بأبي ~~كبير، فلما وقع عليه نظر علي مبارك وقع في حيرة شديدة، إذ رآه أسود حبشيا، وعهده بالحاكم ~~أن يكون أبيض تركيا، فما الذي أهله لهذا المنصب الكبير. وكبار الناس يخضعون له ويمتثلون ~~أمره ويجلون قدره؟ وإذا كان هذا الأسود قد بلغ هذا القدر.. فلم لا أبلغه وأنا على الأقل وسط ~~بين الحبشي والتركي؟ ولكن ما السر في بلوغ هذا الأسود هذا المنصب؟ لغز صعب عليه حله، وكلما ~~سأل عنه أحدا أجابه إجابة لا تقنعه، وقد سأل أباه يوما - بعد أن رضى عنه - عن السبب في ~~ذلك، فأجابه بالقضاء والقدر، وأن الله إذا أراد شيئا فلا راد لمشيئته، وقد شاء أن يكون هذا ~~العبد الأسود حاكما مطاعا فكان، ولكن هذا أيضا لم يقنعه. # وأخيرا أخذ يتحرى السبب من خدم المأمور، نعرف أن هذا العبد كان مملوكا لسيدة من كبرى ~~السيدات، وقد أدخلته مدرسة قصر العيني فتعلم فيها الخط والحساب واللغة التركية وغير ذلك، ~~وأن هذه المدرسة تخرج الحكام - إذ ذاك - وضع يده على سر الأمر، فهناك مدرسة لتخريج الحكام ~~وهي لا تقيد بالأتراك، فقد كان هذا العبد الأسود تلميذا فيها، فإذا استطاع أن يصل إلى ~~الدخول في هذه المدرسة أصبح حاكما كعنبر أفندي. ولكن كيف السبيل؟ - أصبحت هذه المدرسة شغله ~~الشاغل، وهمه بالليل والنهار، وسؤاله المتكرر ممن يأنس منهم المعرفة - أين مدرسة قصر ~~العيني؟ وما هو الطريق إليها؟ وما المسافة بين كل مرحلة وأخرى؟ وكيف يأخذون التلاميذ لها؟ ~~وهكذا، ثم يكتب كل ms16 هذا في ورقة معه، وقد صمم على أن يحتال للدخول في هذه المدرسة بأية ~~وسيلة. # وكان أهم ما عرفه عن هذه المدرسة أن مفتشا يمر على مكاتب القرى من حين إلى حين يختار ~~أنجب التلاميذ وأذكاهم ، فيلحقهم بمدرسة قصر العيني. # هذا هو علي مبارك يترك العمل عند عنبر أفندي ويلتحق بكتاب ينتظر المفتش، ويحاول أبوه ~~مرارا أن يصده عن ذلك فلا يفلح، ثم إذا بالمفتش يحضر ويختار علي مبارك فيمن يختارهم. وإذا ~~هو تلميذ بمدرسة قصر العيني يمني نفسه الأماني في أنه سيكون حاكما كعنبر أفندي، وعمره إذا ~~ذاك نحو اثنتي عشرة سنة كانت حافلة بالمغامرات الغريبة، والمفاجآت العجيبة، والصبر على ~~البؤس والفقر والغربة. # دخل علي مبارك مدرسة قصر العيني، ولكنه سرعان ما شعر بخيبة الأمل، فلم يجد المدرسة هي ~~الجنة التي وعد المتقون، وإنما هي النار التي يشقى بها المجرمون، وكانت المدارس المدنية إذ ~~ذاك في أول العهد بها، لم يستقر أمرها ولم تنظم شئونها، فلم تعجبه في علمها، إذا لم يجد ~~هندسة ولا حسابا كما قيل له، وإنما كان أكثر الوقت يصرف على تعليم المشي العسكري، ولم يجد ~~أكلا يرضيه - وهو الفقير القنوع - فكان يفضل عليه الجبن والزيتون يشتريهما من ماله الخاص، ~~ولم يجد نظافة يطمئن إليها، فنومه على حصير قذر، يلتحف ليلة بنسيج من الصوف الغليظ حتى أصيب ~~بالجرب وبكثير من الأمراض. وإذ ذاك تبخرت كل آماله، وزاره أبوه في مرضه، وحاول أن يسرقه، ~~وفكر هو أيضا في أن يفر معه، وما منعه إلا ما سمعه من أن من فر قبض عليه وعذب هو وأهله ~~عذابا شديدا، فسلم الأمر لله واستمر في المدرسة، ثم من الله عليه فنقل إلى مدرسة الهندسة ~~بأبي زعبل لتخلى مدرسة قصر العيني لتعليم الطب. # وكانت المدرسة الجديدة خيرا من القديمة، ففيها علم كثير يرضي نهمه، # 2 # ولكنه يقع في مشكلة عويصة، فعقله لا يستسيغ الهندسة ولا النحو بتاتا، ويسمع ~~للمدرس كأنه يسمع تعاويذ سحرية لا يفقه لها معنى، ثم تبين أن المشكلة ms17 مشكلة المعلم لا مشكلة ~~التلميذ، فكانت في نفسه عقدة منعته من فهم الهندسة؛ إذ سمعهم يسمون مثلثا أ ب ج وآخر ح د ~~ه، فاختلط عليه الأمر، ولم يدر لم سمي هذا المثلث بهذا الاسم دون ذاك ، حتى رزق بمعلم حسن ~~التدريس، جمع التلاميذ المتخلفين في فصل، وشرح لهم الهندسة من أولها شرحا جليا واضحا، ~~وأبان أن هذه التسمية للمثلثات وسائر الأشكال ليست إلا مواضعات # 3 # للشرح والتفسير، فالمثلث ا ب ج أو ح د ه أو أي حروف كانت ليست إلا أسماء ~~اصطلاحية يسمى بها الشكل، فانحلت عقدة علي مبارك، وتفوق على سائر التلاميذ في الهندسة، وكان ~~أول فرقته دائما. ولم يرزق في النحو ما رزق في الهندسة، فظل معمي عليه. # ثم اختاروا من مدرسة أبي زعبل خير التلاميذ وأدخلوهم مدرسة المهندسخانة ببولاق، فكان علي ~~مبارك أحدهم، درس فيها كل فروع الهندسة وما إليها حتى أتمها. # ولما اعتزم محمد علي باشا إرسال بعثة إلى فرنسا اختار المتفوقين من هذه المدرسة فوقع ~~الاختيار عليه فيمن اختير، فها هو ذا في باريس بعد برنبال والقاهرة، لا يعرف أي كلمة في ~~اللغة الفرنسية، والمدرسون فرنسيون لا يعرفون كلمة عربية، فضاق بالأمر ولم يجد حيلة إلا أن ~~يجمع الكتب الفرنسية الموضوعة للأطفال ويستعين بمن يعرف الفرنسية من زملائه، ويسهر على ~~حفظها ليلا، حتى تمكنت منه عادة السهر الطويل والنوم القليل، وهي عادة لازمته طول حياته، ~~وبعد ثلاثة أشهر استطاع أن يتابع الدروس تلقى باللغة الفرنسية، ويفهمها ويتفوق فيها. وتصل ~~سمعته الحسنة إلى أولي الأمر في مصر - لقد درس سنتين في باريس الهندسة المدنية، ودرس سنتين ~~في «متز» الهندسة الحربية، وتمرن في ذلك نحو سنة أخرى، فكانت إقامته في فرنسا نحو خمس سنين ~~رأى المدارس والجامعات ونظم التعليم وحالة البلاد الاجتماعية، وأخذ من كل ذلك على حسب ~~استعداده ودقة نظره، ولم ينس أبدا وهو في باريس ومتز أبويه في عرب السماعنة أو برنبال، فقد ~~رتب له مائتان وخمسون قرشا ليصرف منها على شئونه الخاصة ms18 غير مسكنه ومأكله وتعليمه، فنزل عن ~~نصفها لأبويه منذ فارق القاهرة إلى أن عاد .... # لقد سافر إلى فرنسا في عهد محمد على باشا وعاد في عهد عباس الأول، كان عهد عباس هذا عهد ~~انكماش في التعليم؛ إذ لم يكن يرضى عن الحركة العلمية في البلاد بل كان همه بناء القصور لا ~~فتح المدارس، بل ولا الاحتفاظ بالموجود فألغى الكثير منها، وخفض ميزانية التعليم حتى بلغت ~~خمسة آلاف جنيه، وكان أميل إلى تعليم أولاد الأتراك دون المصريين، فعهد إلى علي مبارك في ~~إدارة البقية الباقية القليلة من المدارس. # وكان طريفا أن يزور يوما أبويه في برنبال - بعد أن عاد إليها - وكان قد مضى عليه أربعة ~~عشر عاما لم ير أهله ولا بلده؛ إذ كانت المدرسة في مصر ثكنة عسكرية قاسية النظام، من كان ~~فيها لا يزور ولا يزار، فأمضى سني الدراسة في مصر كسنيه في فرنسا، لا يرى أهله، حتى أتيحت ~~له الفرصة فعرج على برنبال لابسا بزته # 4 # العكسرية على النمط الفرنسي، متقلدا سيفا. وكان وهو في الطريق يسترجع أحداث ~~الماضي: كيف كان في الكتاب، وكيف كان يضرب، وكيف كان يهرب، وكيف قسا عليه الكتبة الذين ~~التحق بخدمتهم، وماذا تحمل من المشاق حتى وصل إلى مدرسة قصر العيني، وكيف كانت حياته في ~~باريس ومتز؟ ودق الباب ليلا فأجابته أمه: من؟ فقال: علي مبارك، فلم تصدق ونظرت إليه من خرق ~~الباب، وسألته أسئلة تتعرف منها صدقه، حتى إذا فتحت الباب ورأته وقعت مغشيا عليها، ثم ~~أفاقت وهي تهذي، تبكي وتضحك وتزغرد، ثم يخرج من جيبه عشرة (بنتو) لتقيم الولائم وتدعو ~~معارفها من أهل البلد. وكلهم مغتبط بما أنجبت برنبال من حاكم من الحكام. # توالت على «علي مبارك» أيام بؤس وأيام نعيم، وكانت حالة في مصر غير مستقرة، وكل الموظفين ~~وخاصة كبارهم رهن بإشارة الحاكم ورهن بما يحاك حوله من دسائس، فيوما يرضى فيرفع إلى ~~السماء، ويوما يغضب فينزله إلى الحضيض، والبيت الحاكم منشق على نفسه. إذا تقرب أحد إلى ~~بعضه غضب ms19 عليه بعضه الآخر، يرضى محمد علي باشا وإبراهيم باشا عن الشيخ رفاعة الطهطاوي، فإذا ~~جاء عباس غضب عليه وأخرجه من إدارة مدرسة الألسن وعينه ناظرا لمدرسة ابتدائية تنشأ في ~~الخرطوم، ويرضى عباس الأول عن علي مبارك ويقربه إليه، ويعهد إليه في تنفيذ أمور كثيرة، فإذا ~~جاء سعيد باشا غضب على علي مبارك وأعاد الشيخ رفاعة الطهطاوي وقربه إليه. # ولما غضب سعيد باشا على «علي مبارك» ألحقه بالفرقة الحربية التي سافرت لمساعدة الدولة ~~العثمانية في حربها مع روسيا، فأقام ببلاد تركيا (الآستانة والأناضول) نحو سنتين لقي فيهما ~~عناء كبيرا وشقاء جما فاحتمله في صبر وثبات، ومع هذا فقد استطاع في هذه المدة أن يتعلم ~~اللغة التركية ويجيدها، وعاد إلى مصر يوظف حينا ويطرد حينا. فإذا طرد فكر في الأعمال ~~الحرة، فاشتغل تاجرا أحيانا، يشتري من «الزاد» بعض السلع المدرسية التي تبيعها الحكومة ~~بعد أن قللت من مدارسها ويبيعها بربح يكفل له رزقه، ويشتغل أحيانا مهندسا حرا، يضع ~~«تصميمات» منازل لمن شاء، وصمم أحيانا على أن يعود إلى أهله في برنبال يعمل عمل الفلاحين ~~ويعيش معيشتهم وعلى الله العوض فيما تعلم، وفي كل مرة لا يلبث طويلا حتى يستدعي لوظيفة، ~~ولا يلبث في وظيفة طويلا حتى يطرد. ولما جاء إسماعيل باشا أعيدت الحياة العلمية وتوسع ~~فيها، واستقر الحال بعلي مبارك في درجة ما، فكان هذا العهد أبرك عهوده، وأخصبها وأكثرها ~~إنتاجا - لقد عمل علي مبارك أعمالا كثيرة تتصل بما اختص به من هندسة مدنية وحربية، فقد ~~عهد إليه في «تصميم» شوارع وفتحها و«تصميم» ترع وإنشائها، وبناء جسور واستحكامات ومساجد ~~وغير ذلك من أعمال هندسية عظيمة، ولكن كل ذلك لم يكن سر عظمته وصحيفة خلوده، إنما كان ذلك ~~في شيء لم يتعلمه ولم يتلقه عن أستاذ، هو إصلاحه للتعليم في مصر بالوسائل المختلفة، وبناؤه ~~في ذلك بناء ضخما يعد دعامة النهضة التعليمية في مصر - لقد أريد له أن يهندس المباني ~~والاستحكامات فهندس هو طرق التربية والتعليم، ووضع تصميماتها، ووقف على تنفيذها في دقة ms20 ~~وأحكام، حتى عد من كبار المصلحين. # لم يتعلم في مصر ولا في فرنسا البيداجوجيا ولا السيكولوجيا على معلم مختص، وإنما تعلمها ~~من حسن استعداده وصدق نظره، ومن دروس في التربية الفاسدة تلقاها في الكتاب حين يضرب وفي ~~مدرسة قصر العيني حين يعذب، ومدرسة أبي زعبل حين يلقى عليه الدرس فلا يفهم، هذا إلى طبيعة ~~خيرة توحي إليه بالرحمة بالناس والإشفاق عليهم والألم من جهلهم. لقد وصف هو نفسه؛ إذ عهد ~~إليه مرة في إدارة مدرسة فقال: «كنت ألتفت للتلاميذ، في مأكلها ومشربهم وملبسهم وتعليمهم، ~~وكنت أباشر ذلك بنفسي، حتى أعلم التلميذ كيف يلبس وكيف يقرأ وكيف يكتب، وألاحظ المعلم كيف ~~يلقي الدرس وكيف يؤدب التلامذة، ولا يمضي يوم إلا وأدخل عند كل فرقة وأتفقد أحوالها، مع ~~التشديد على الضابط والخدمة حتى الفراشين في القيام بما عليهم، فامتنع بذلك عن التلامذة ~~مضار عمومية ومفاسد كثيرة، ولم أكتف بذلك بل رتبت على نفسي دروسا كنت ألقيها على التلامذة ~~... وكان ما يحصل للتلامذة ومعلميهم من المكافآت والثناء والتشويق والترغيب داعيا لهم لزيادة ~~الجد والاجتهاد، وجرت بين المعلمين المودة والألفة، وتربت الأطفال على الأخوة، وغرس فيهم حب ~~التقدم وشرف النفس والعفة، واكتفيت في تأديب من فرط منهم حب التقدم وشرف النفس والعفة، ~~واكتفيت في تأديب من فرط منهم بالنصيحة واللوم، وانقطع الشتم والسفه، وكاد يمتنع الضرب ~~والسجن، وبالجملة كانت أغراضي فيهم أبوية، أنظر للجميع من معلم ومتعلم نظر الأب لأولاده. ~~وإلى الآن أعتقد أن ذلك واجب على كل راع في رعيته، حتى يحصل الغرض من التربية. وقد تحقق لي ~~نتيجة ما صرف من الهمة في تربيتهم والشفقة عليهم، حتى أنه لما تولى سعيد باشا ودعيت للسفر ~~مع العساكر لمحاربة المكسوف مع الدولة العلية خرج جميع التلامذة كبيرهم وصغيرهم من المدرسة ~~قهرا عن ضباطهم لوداعي، وجعلوا يبكون وينتحبون انتحاب الولد على والده، حتى بكت عيني ~~لبكائهم، ولكن انشرح صدري لمشاهدة ثمرات غرسي، وآثار تربيتي، فحمد الله». # كان التعليم المدني الذي أنشأه محمد علي في مصر ms21 تعليم أساسه الجيش: فالمدارس الحربية ~~لتخريجه، ومدرسة الطب لطبيبه، والهندسة لتصميماته، والمدارس الصناعية لإمداده، والبعثات لسد ~~حاجات، فإن جاءت من كل ذلك فائدة لغير الجيش، فبالتبع لا بالقصد، حتى أن المدارس كانت ثكنات ~~عسكرية في نظامها ومأكلها وملبسها ، ورتب المعلمين والنظار والمديرين رتب عسكرية، فملازم ~~وصاغ وأميرالاي وميرمران إلخ، حتى الطلبة في البعثة في باريس لهم بيت يقيمون فيه يدار إدارة ~~عسكرية، كل أنواع التعليم على هذا الوجه في القاهرة والإسكندرية فقط، أما المدن الأخرى ~~والأرياف فليس لها حظ من هذا التعليم. وبجانب هذا التعليم تعليم آخر يبتدئ بالكتاب، وهو ~~منتشر في القاهرة والمدن والقرى وينتهي بالأزهر، وهذا التعليم لا تعني به الحكومة ولا تتدخل ~~فيه ولا يهمها أمره، وكل ما فعله عباس الأول وسعيد أن ضيقا التعليم المدني، حتى إذا جاء ~~إسماعيل بدأ يتغير هذا النظام وينظر إلى التعليم نظرة أخرى غير النظرة الحربية، وكان من ~~أكبر العاملين على هذا علي مبارك - فلو قلنا إنه حول التعليم من وجهة حربية إلى ثقافة ~~شعبية، كان ذلك وصفا مجملا صادقا. # رأى أن عماد التعليم الشعبي الكتاتيب في المدن والقرى، وهي حالة يرثى لها، # 5 # فكثير منها إما دكان أو «حاصل» أو في حجرة مظلمة بجانب مراحيض المسجد، ~~والتلامذة يختلط صحيحهم بمريضهم، وقد يكون المرض معديا، فأقرع وأبرص وأجرب ومحموم ينشرون ~~العدوى في الأصحاء. يجلسون على حصير بال ويشربون بكوز واحد من زير واحد ويأكلون في الظهر من ~~صحن واحد، وفقيه الكتاب كثيرا ما يكون أعمى لا يحسن أن يرعى التلاميذ، ولا أن يدير شئونهم، ~~وكل كفايته أن يحفظ القرآن ويحفظه من غير فهم، لا علم له بالدنيا ولا بالدين، ووسائل ~~التأديب عنده ليست إلا السب والضرب. # بدأ علي مبارك - وقد عهد إليه في إدارة التعليم في عهد الخديوي إسماعيل - يصلح هذه الحال ~~ويدخلها تحت الإشراف الحكومي، بعد أن كانت الحكومة لا تعني إلا بالمدارس الحربية، وما يعد ~~لها. فقبض بيديه عليها، وأرسل من يحصي كل كتاتيب القطر ويصف حالة كل كتاب ms22 من صلاحية بنائه ~~وعدم صلاحيته وعدد تلاميذه وحالة فقيهه وتبعيته لأوقاف أولا ونحو ذلك، وقسمها بحسب ذلك إلى ~~ثلاث درجات: جيدة ومتوسطة ورديئة، ووضع لها «لائحة» تسمى «لائحة رجب» - وهو تاريخ صدورها - ~~تعد بحق خطوة خطيرة في تاريخ التعليم في مصر، عالج فيها كل المشاكل التي صادفته من مراعاة ~~الأمور الصحية وتدبير المال اللازم ورفع مستوى الفقهاء - وقد سماهم «المؤدبين» - وبرامج ~~التعليم ووسائل تشجيعه وإشراف الأهالي والمديريات في حمل بعض الأعباء المالية والتعليمية ~~وتحويل بعض الكتاتيب الكبيرة الصالحة إلى مدارس ابتدائية، ووجه في تنفيذ ذلك كل قواه، ~~وكثيرا ما كان يعهد إليه - إلى إدارة المدارس - في إدارة الأشغال وإدارة الأوقاف، فيكون ~~ناظر هذه جميعها (وزيرها) فيسخر الأشغال لإصلاح مباني المدارس والكتاتيب، ويصرف من مال ~~الأوقاف على التعليم، حتى انتقل التعليم به نقلة جديدة. # نعم ليس كل الفصل في ذلك له وحده، فقد كانت البلاد تتوقف إلى إصلاح التعليم، وقد طالب به ~~مجلس الشورى، وكان هذا الإصلاح يتفق وما رسم الخديوي إسماعيل من رغبة في تمدين البلاد، ولكن ~~كان فضل علي مبارك أن يأخذه الفكرة الخيالية، فيحولها إلى حقائق واقعية، ويدرسها دراسة ~~علمية، ويضع خططها وتصميمها كما تعود ذلك في التصميم الهندسي، ويبرزها على الوجود ويرعاها ~~بعنايته. # إلى جانب الكتاتيب وفتحها وتنظيمها والمدارس وإنشائها شغلته مسألة المعلمين كيف يصلحهم، ~~فقد كان يقوم بتدريس اللغة العربية في المدارس رجال من الأزهر، والتعليم في الأزهر إذ ذاك ~~على أسلوبه في القرون الوسطى، يعلم الكتب ولا يعلم العلم وغاية النابغ منهم أن يحسن فهم ~~عبارة الكتاب لا فهم موضوع الكتاب، وهذا يؤدي إلى أنه لا يحسن تطبيق ما تعلم، فأكثرهم لا ~~يحسن قراءة صفحة ولا أن يكتب موضوعا، ولا أن يقيم وزنا لبيت من شعر، كما وصفهم بذلك عبد ~~الله باشا فكري في مقال كتبه، فكيف يصلحون بعد لتعليم الناشئة؟ # إذا ذاك فكر على مبارك في إنشاء مدرسة يؤخذ لها من خيرة طلبة الأزهر بامتحان، ويختار لها ~~خيرة العلماء من الأزهر وغيره، ويعلم طلبتها ms23 العلوم الدينية واللغوية وشيئا من علوم الدنيا ~~كالرياضة والجغرافيا والتاريخ والطبيعية والكيمياء، فكان من ذلك كله مدرسة دار العلوم. أما ~~معلمو المواد الأخرى كالهندسة والحساب واللغات، فقد رأى أن يأخذهم ممن أتموا دروسهم في ~~المدارس العالية كالمهندسخانة ومدرسة المحاسبة والإدارة بعد أن يقضوا مدة معيدين لأساتذتهم. # وفكر في الثقافة العامة بجانب التعليم في المدارس، فكان له من ذلك ثلاثة أشياء: ~~(1) # قاعة للمحاضرات يحضرها من شاء، يحاضر فيها كبار الأساتذة من مصريين وأجانب، ~~فيحاضر مثلا الشيخ حسين المرصفي في الأدب وإسماعيل بك الفلكي في الفلك والشيخ ~~عبد الرحمن البحراوي في الفقه، ومسيو بروكش في التاريخ العام وأحمد ندا في ~~النبات، فإذا حاضر محاضر باللغة الأجنبية ألقيت محاضرته بعد ذلك باللغة ~~العربية، وهذه المحاضرات يومية ما عدا أيام الجمع، وكل محاضرة ساعة ونصف ساعة، ~~وبعض الموضوعات محاضرتان كل أسبوع وبعضها محاضرة واحدة. ~~(2) # إنشاء مجلة سميت «روضة المدارس المصرية» رأس تحرير الشيخ رفاعة الطهطاوي، ~~وذكر في أول عدد منها أن مدير المدارس وهو علي باشا مبارك «جعلها ملحوظة بنظر ~~نظارته لا يندرج فيها شيء إلا بإشارته» وطلب من الأساتذة أن يمدوها بالمقالات، ~~وكان ينشر فيها بعض ما يلقى في قاعة المحاضرات وكان في العدد الأول منها مقال ~~لعلي مبارك موضوعه «إنشاء دار الكتب الخديوية». ~~(3) # إنشاء دار الكتب، وقد كانت الكتب قبل ذلك متفرقة في المساجد أو الأماكن ~~المهجورة عرضة للسرقة أو التلف، فجمعها في مكان واحد ورتبها وسهل الاستفادة ~~منها وجعل لها قاعة مطالعة. # فكان من ذلك كله حركة علمية شعبية ساعدت على النهضة المصرية. # وأعانه على نجاحه في خططه ما كان يلقي من عطف وتشجيع من الخديوي إسماعيل، فهو يقر ~~مقترحاته ويبذل المال لتنفيذ مشروعاته. # وناحية أخرى لها قيمتها في حياة علي باشا مبارك، وهي مجهوده الكبير في التأليف والتشجيع ~~عليه، فقد نهضت البلاد في التعليم كما بينا، فكان لا بد من حركة في التأليف والترجمة ~~تسايرها، وقد قام بقسط وافر في هذا الباب الشيخ رفاعة الطهطاوي، فقام علي باشا مبارك بنصيبه ms24 ~~الوافر أيضا، فألف في مهنته الخاصة، وهي الهندسة، كتبا للطلبة، وألف كتبا أخرى في ~~الثقافة العامة أهمها خططه لمصر المسماة «بالخطط التوفيقية» يصف فيها القاهرة وحاراتها ~~وشوارعها ومساجدها ومدارسها كما يصف مدن مصر وقرأها مرتبة على حروف الهجاء. وإذا ذكر قرية ~~ذكر ترجمة من نبغ منها أو كانت له شهرة في ناحية ما، وذكر في ذلك كله أقوال المتقدمين ~~والمتأخرين، فكان كتابا جليل النفع عظيم القدر أكمل به خطط المقريزي وما حدث للقاهرة ~~والمدن والقرى المصرية من تغيير بعده إلى يوم تأليفه، ووقع الكتاب في عشرين جزءا أو خمسة ~~مجلدات. كما ألف كتابا سماه «علم الدين» وهو قصة لشيخ تربي في الأزهر وتتلمذ له مستشرق ~~إنجليزي تعلم منه اللغة العربية ودعاه الإنجليزي أن يزور معه إنجلترا فلبى الدعوة، وكانا ~~كلما مرا على شيء من القاهرة إلى الإسكندرية سأل الإنجليزي الشيخ علم الدين فأجابه، وبعد ~~الإسكندرية انقلب الشيخ تلميذا والإنجليزي معلما، يسأل الشيخ عن كل ما يجهل فيجيب ~~الإنجليزي، وملأ الكتاب بمعلومات قيمة عن الشرق والغرب ومظاهر الحضارة الأوروبية، وكان غرضه ~~من هذا الكتاب تفتيح أذهان الشرق لما في الغرب، فالشيخ علم الدين في أول القصة رجل أزهري ~~جامد لا يعرف شيئا من شئون الدنيا، فلما ساح في أوربا اتسع ذهنه ومرن عقله ورقيت أحكامه ~~على الأشياء، ورأيناه يحضر دار التمثيل وينظر إلى المسرح بالمنظار. ومن طرائف علي مبارك أنه ~~وهو وزير المعارف الخطير لم يستنكف أن ينظر إلى الأطفال في بدء تعلمهم للقراءة والكتابة ولم ~~تعجبه طريقة تعليمهم، فأخذ نفسه بتأليف كتاب من جزأين، يعلم في أولهما حروف الهجاء وكيف ~~تتركب، ويضع ثانيهما للتمرين على المطالعة السهلة في موضوعات مفيدة، إلى غير ذلك من الكتب، ~~كما كان يستحث العلماء على التأليف في الموضوعات النافعة على أسلوب جديد يقرب المعلومات إلى ~~الأذهان، وكان من أكبر من ساعده في تحقيق أغراضه في التأليف عبد الله باشا فكري. # وكان بيته في الحلمية الجديدة ناديا عجيب الشأن، يجتمع فيه كل ليلة طلبة المدارس ~~وأساتذتها ms25 من كل نوع حتى تمتلئ بهم الدار، وينتقل هو بينهم يخاطب كل جماعة منهم في شأن من ~~شئون العلم يتناسب معهم، فيخاطب الطلبة في حالة مدارسهم ومقدار تحصيلهم للدرس، وما يتكون ~~منه من نظم التدريس وما يقترحون لإصلاحها، ويخاطب المدرسين في تدريسهم وانتقاداته عليهم، ~~ويستحثهم على التأليف في الموضوعات التي يقترحها، وما ينبغي أن تكون عليه الكتب في أيدي ~~الطلبة، ويلتمس الفرص ليشرح لهم الأخطاء التي يقع فيها الطلبة ويقع فيها الأساتذة وتأخر ~~الشرق وأسباب تأخره تقدم الغرب وأسباب تقدمه إلى غير ذلك. حدثني عبد العزيز باشا فهمي، قال: ~~«كنت يوما في بيت علي باشا مبارك، والناس تموج في بيته، الحجر مزدحمة بالزوار، ~~وعلي باشا يتصدر حجرة منها، فحضر مصطفى باشا رياض وكان ناظر النظار إذ ذاك، فأخذ ~~يخوض في الناس حتى وصل إلى علي باشا مبارك فقال له: «ما هذا يا باشا؟» فقال له: «يا ~~دولة الرئيس أنا في بلد يهاب الناس فيه أن يخاطبوا معاون إدارة أو مأمور مركز أو أي ~~موظف حكومي، فإذا نحن جرأناهم علينا وعلينا وخاطبناهم، وخاطبونا، وأمكنهم أن ~~يخاطبوا الموظفين في غير هيبة، وتعودوا أن يطالبوا بحقوقهم، وقالوا: أنا نجالس ~~الناظر (الوزير) ونخاطبه، فلم لا نخاطب من هو أقل منه منزلة؟». # لم تكن خطط علي باشا مبارك في التعليم في المثل الأعلى، ولا كانت خالية من العيوب، ولكنها ~~كانت خطوة مباركة صالحة لأن ترقى مع الزمان، ويصلح ما ظهر فيها عند التنفيذ من أخطاء، كما ~~حدث ذلك فعلا في وزارة رياض باشا من بعد، ولكن ساءت الحال في مصر بتدخل الأجنبي بدعوى ~~حماية الدين، كما أسلفنا في ترجمة جمال الدين الأفغاني وجاءت الثورة العرابية وأعقبها ~~الاحتلال الإنجليزي، فقبض الإنجليز على التعليم، وصبغوه الصبغة التي يريدونها. # لم يشترك علي مبارك في الثورة العرابية؛ إذ كان مزاجه ليس مزاجا ثوريا بحكم منشئه ~~وتربيته - عكس مزاج الشيخ جمال الدين، الثوري العنيف - وكان مبدؤه الطاعة التامة لولي ~~الأمر، مهما كان. أطاع عباس الأول وسعيد وإسماعيل وتوفيق، وخدمهم في ms26 إخلاص، ولعله - كبعض ~~المصلحين - يرى إن إصلاح التعليم خير أنواع الإصلاح، بل هو خير من الإصلاح السياسي، ويرى أن ~~الإصلاح السياسي ما لم يرتكز على الإصلاح التعليمي فلا بقاء له ولا قيمة - لذلك لا نرى له ~~إصبعا ما في الثورة العرابية. ولقد اتهم كثير من عقلاء الأمة بمشايعة عرابي باشا، كعبد ~~الله باشا فكري والشيخ محمد عبده، وغضب عليهما الخديوي توفيق، ولكن لم يتهم علي باشا مبارك ~~في شيء ما، ولم يفقد رضا توفيق باشا وعطفه، وإنما فقد رضا عرابي باشا وحزبه، وكل ما أثر عنه ~~في الثورة العرابية أنه تبرع يوما بشيء من ماله لهذه الحركة، ولكن لعل ذلك كان تحت تأثير ~~ضغط شديد عليه من الشبان المتحمسين. وزاده إيمانا بحياده أنه لم يكن يؤمن بنجاح الثورة ~~العرابية، على حسب ما كان يرى من ظروفه المحيطة به التي تمكنه من الاطلاع على شئون مصر ~~والشرق والغرب. وقد روى الشيخ محمد عبده أنه حضر مجلسا في بيت علي باشا مبارك كان فيه ~~سلطان باشا - وقد أخذ سلطان باشا يشيد بذكره قوة الجيش المصري وما يمكن من زيادة عدده - فرد ~~عليه علي باشا مبارك بأن حالة البلاد المالية لا تتحمل هذه الحرب ولا تساعد على النجاح ~~فيها، ثم رأيناه في أثناء الثورة يذهب إلى بلده ويعمل في إصلاح أرضه، وعلى كل حال فالإنسان ~~مطالب أن يعمل وفق ما يهديه إليه عقله وما يتناسب ومزاجه، وقد كان مزاج علي مبارك مزاجه ~~هادئا ناسبه أن يوجه أكثر قوته لإصلاح التعليم، ففعل. وربما كان أساس نجاحه شدة غيرته وقوة ~~إخلاصه وعمق رغبته في خدمة وطنه. # وبعد الاحتلال الإنجليزي لمصر ألفت وزارة مصطفى رياض باشا وعهد فيها إلى علي مبارك في ~~نظارة المعارف، ولكن ما أبعد الفرق بين الحالين، وما أشد الاختلاف بين العهدين - لقد كان في ~~العهد الأول قبل الاحتلال حرا طليقا يفكر كما يشاء ويفعل ما يشاء ويدبر المال لمشروعاته ~~كما يشاء، لا يقيده في ذلك كله إلا عرض العهد فليس حرا ولا ms27 طليقا ولا يفكر إلا إذا سمح له ~~المستشار الإنجليزي بالتفكير، ولا يفعل إلا في الدائرة المحددة التي خطها المحتلون، وقد عبر ~~هو عن ضيق صدره في ذلك بأسلوبه الناعم الهادئ، إذ يقول في هذه الحقبة: «وأنا الآن قائم بهذا ~~الأمر على حسب المصالح، بقدر الإمكان، والله المستعان». # اصطدم بعد ذلك بالقيود التي قيدت بها المصالح الحكومية، وخاصة القيود المالية التي وضعها ~~مستشار المالية ربما كان علي باشا مبارك والشيخ رفاعة الطهطاوي وعبد الله باشا فكري الفرسان ~~الثلاثة في ميدان العلم في مصر في ذلك العصر، وأركان النهضة العلمية المصرية، ولكن كان لكل ~~طابع ولكل ميزة، فعلي باشا مبارك يهتم بالمسائل الكلية في سياسة التعليم وتنظيمها وتخطيطها ~~وتنفيذها، وإذا نظر إلى الجزئيات فلتطبيق الكليات عليها، والشيخ رفاعة ينظر إلى المسائل ~~الجزئية ويعني بإصلاحها وتنفيذها، فإذا عهد إليه في إدارة مدرسة بث الروح فيها، ثم هو يؤلف ~~ويترجم ويبعث تلاميذه على التأليف والترجمة، وبهذا أمد البلاد هو وتلاميذه بطائفة من الكتب ~~النافعة كانت عماد النهضة، وعبد الله باشا فكري كاتب شاعر أديب مؤلف له قيمته في معرفة ما ~~يناسب عصره من التأليف فيؤلف فيه، كان تلاميذ المدارس يعلمون الأدب من مقامات الحريري ~~والنحو من كتاب شرح الشيخ خالد على الأجرومية، فألف كتبه على نمط جديد، وكان تلاميذ المدارس ~~الابتدائية، لا يجدون ما يطالعونه فألف لهم (الفوائد الفكرية) ثم كان أكبر عون لعلي باشا ~~مبارك فيما ألف من كتب - فلكل من الفرسان الثلاثة مزية، ولكل فضل. رحمهم الله جميعا. # | عبد الله نديم باشا (1261-1313ه، 1845-1896م) # إن كان يستحق الإعجاب من نبغ - والظروف له مواتية - من أسرة عريقة في المجد أو الغنى أو ~~الجاه ونحو ذلك مما ييسر للأبناء أن يتعلموا، ثم يشقوا لهم طريق الحياة وطريق المجد فأولى ~~بالإعجاب من ينبغ والظروف له معاكسة، لا حسب ولا نسب ولا غنى ولا جاه، بل ولا القوت الضروري ~~الذي يمكن الفتى من أن يجد له وقت فراغ يثقف فيه نفسه. # قد يدعو إلى شيء من ms28 الإعجاب منظر شجرة يانعة ضخمة مثمرة، تعهدها بستانيها بكل ما يصلحها، ~~ومن وضع في المكان المناسب والغذاء الكافي، ولري المتوافر في أوقاته، ولكن أدعى إلى الإعجاب ~~بذرة طرحت حيثما اتفق، فمدت جذورها بنفسها تجد في حصولها على غذائها، فقد تجده وقد لا تجده، ~~وتعاكسها الطبيعة فتكافحها وتتغلب عليها، ثم هي آخر الأمر تكون أينع ما كانت شجرة وأضخمها ~~وأوفرها إثمارا. كذلك كان من النوع الثاني «عبد الله نديم»، كل الدلائل تدل على أنه سيكون ~~نجارا أو خبازا، ولو تنبأ له متنبئ متفائل لقال إنه سيكون نجارا ماهرا ناجحا، فأما ~~أديب يملأ الدنيا ويقود الرأي العام ويحسب حسابه في كل ما يخطه قلمه أو تنطق به شفتاه، فلا ~~يدور بخلد أحد حتى فاتح الرمل والضارب بالحصى. # هذا أبوه أصله من الشرقية ورحل منها إلى الإسكندر ية وعمل فيها نجارا للسفن بدار الصناعة ~~(الترسانة)، ثم لم يعجبه هذا العمل فاتخذ مخبزا صغيرا يصنع فيه الخبز ويبيعه، ويحصل من ~~ذلك على الكفاف # 1 # من العيش. # فما بالك بأسرة من هذا القبيل، مسكن متواضع، وخبز إن توافر فإدام # 2 # غير متوافر، وصحة ترك البت فيها للقضاء والقدر. # ولكن «عم مصباح» والد عبد الله رجل جاد في عمله، قنوع بكسبه، مستقيم - بالضرورة - في ~~حياته، من بيته إلى مخبزه إلى مسجده. أرسل ابنه إلى الكتاب على باب حارته كما يفعل الناس من ~~مثل طبقته، يرسلون أولادهم إلى الكتاب زمنا ما، فإذا اشتد متنهم # 3 # وقوي جسمهم أخذوهم إلى دكاكينهم في مثل صاعتهم التي تتوارث كما يتوارث المال. # ولكن عبد الله تفوق في الكتاب، وظهرت عليه ملامح الذكاء، فأراد أن يستمر في تعلمه ولم ~~يمانعه أبوه، وكانت الطريقة المعبدة # 4 # لذلك أن يرسل الوالد ابنه إلى الأزهر، ولكن أين مال الأسرة الذي يحتمل ذلك؟! # على أنه في الإسكندرية - قريبا من بيتهم - مسجد هو صورة مصغرة من الأزهر، يدرس فيه ~~المشايخ ما يدرس في الأزهر وعلى نمطه، وذلك هو مسجد الشيخ إبراهيم باشا. # فدرس فيه عبد الله نديم ms29 ما شاء الله أن يدرس، ولكنه كان تلميذا خائبا في هذه الدراسة، ~~لا يصبر على جفافها، ولا يقدر على حل ألغازها، ولا يتحمل العناء في تفهم كتب نحوها وفقهها ~~فكان لا يواظب على درسه ولا يبدي به اهتماما. # وحبب إليه نوع من الدراسة غير منظم ، يوافق مزاجه، ويناسب استعداده، وهو أن يصاحب الناشئين ~~في الأدب ويغشى مجالسهم ومجالس أساتذتهم. وما كان للأدب درس منظم ولا هو يعد علما ولا ~~فنا، وإنما هو «هواية» كذي الصوت الجميل يهوى الغناء ويقلد فيه من سبقه، ولا درس، ولا فن، ~~ومثل هذا ينظر إليه من أهل العلم بالنحو والفقه نظرة استخفاف وازدراء، وقد عهدنا هذا في ~~أيام دراستنا بالأزهر، أيام كان الشيخ سيد المرصفي يحلق حلقة لدراسة الأدب، فكان هذا عجبا ~~من العجب، ينظر طلاب الفقه والنحو. ومشايخهم إلى حلقته شذرا. # 5 # كان عبد الله نديم يغشى هذه المجالس الأدبية التي ليس لها منهج، فيسمع شعر الشاعرين وزجل ~~الزجالين، ونوادر المتماجنين، وقصائد الراوين، فيصغى إلى كل ذلك في فهم كأنه كله آذان، ~~ويدرك من غير وعي أن هذا بابه وهذا فنه، وأنه إنما خلق لذلك لا للنحو ولا للصرف. فاشتاقت ~~نفسه أن يسلك هذا المسلك ويسير في هذا الطريق، وقد منح حافظة لا قطة، وقدرة على التقليد ~~فائقة فأخذ يحاكي بعد ما اختزن، ويغني بعد ما سمع، فطورا يوفق فيستدعي ذلك إعجاب أمثاله، ~~وطورا يخذل فيستخرج ضحك أقرانه، ومن كل ذلك كان يتعلم. # وإلى جانب هذا تعلم درسا في منتهى القيمة، درسا تعلمه «حافظ» ولم يتعلمه «شوقي» وتعلم ~~«بيرم التونسي» ولم يتعلمه «توفيق الحكيم»، درسا قل أن يفقهه الأدباء مع عظيم خطره وكبير ~~أثره، ذلك هو أن نشأته في صميم الأحياء الشعبية مع رهافة حسه، ويقظة نفسه، وفقره وبؤسه، ~~علمته أن يحيط إحاطة واسعة بلغة الشعب وأدبه، من أمثال وحكايات وجوه معاملات وصنوف تصرفات، ~~فرسم ذلك كله في نفسه لوحات كان لها أكبر الأثر في حياته الأدبية المستقلة، والنفس الحساسة ~~الفنانة تختزن حتى حفيف ms30 أوراق الأشجار، وهفهفة الأغصان، ودبيب النمال، وحلاوة البسمات، وأدق ~~مجالي الجمال والقبح، ثم تعرف كيف تستخدم ذلك في فنها متى آن أوانه. # ولكن مرصى # 6 # بذلك كله، تبا للحياة المادية. هل يكسب من ذلك «عبد الله نديم» قرشا، وهل ~~يستطيع «عم مصباح» أن يحتمل هذا الهذر طويلا ؟ لقد احتمل الإنفاق عليه في الكتاب، لأنه طفل ~~والكتاب خير من البيت، واحتمله يدرس في «جامع الشيخ» لأنه كان يرجو في ابنه أن يكون شيخا ~~معمما وعالما مفخما، يتقرب إلى الله بتقبيل يده والتمسح بثوبه. فأما هذا اللغو الفارغ ~~الذي يسمى شعرا ونثرا فهو عبادة الشيطان لا عبادة الله، ولست أتقرب إلى الله بالإنفاق على ~~عبدة الشياطين. # لقد نفض أبوه يده منه، فأخذ عبد الله نديم يبحث عن وجه للكسب، فاتجه اتجاها غريبا، هو ~~أن يتعلم فن الإشارات التلغرافية ثم يتكسب منه، وكذلك كان. فتعلمه واستخدم بمكتب التلغراف ~~ببنها. # ثم نقل إلى مكتب القصر العالي حيث تسكن والدة الخديوي إسماعيل، وقد كان قصرا من أفخم ~~القصور، يقع على النيل فيما يسمى الآن «جاردن سيتي» خدم وحشم وموسيقى وطرب، وما شئت من ~~ألوان النعيم والترف، وقد تعلم منه عبد الله نديم كيف يعيش الأمراء والسادة، كما تعلم في ~~بيته وحارته في الإسكندرية كيف يعيش الفقراء والعبيد. # وعاد إليه في القاهرة شوقه إلى الأدب ومجالس الأدباء، وكان حظ القاهرة في ذلك أوفى، ففيها ~~- مثلا - مجلس محمود سامي البارودي، وكان مجلسا عامرا يسمر فيه السمر اللذيذ: فأدب قديم ~~يعرض، وأدب حديثه ينشد؛ وعرض للمعنى الواحد صيغ صياغات مختلفة، ونقد قيم لهذا ولذاك، يتخلله ~~نوادر فكهة، وأحاديث في الأدب حلوة. اتصل عبد الله نديم بهذا المجلس وأمثاله، وتوثقت الصلة ~~بينه وبين كثير من أدباء مصر إذ ذاك، وأخصهم سبعة، أولع بهم واستفاد من معارفهم وأدبهم: ~~شاعر مصر محمود سامي البارودي، وشيخ الأدباء عبد الله باشا فكري والسيد علي أبو النصر ~~البليغ الشهير، ومحمود صفوت الساعاتي، الواسع الاطلاع، الكثير المحفوظ، المتفتن في الطرائف ~~الأدبية، والشيخ أحمد الزرقاني الكاتب ms31 الأديب، ومحمد بك سعيد بن جعفر باشا مظهر الشاعر ~~الناثر، وعبد العزيز بك حافظ عاشر الأدب والأدباء الأدب والأدباء الكريم الوفي. # وكان الذي أرشده إلى هؤلاء الأدباء وعرفه بهم، وأحكام الصلة بينه وبينهم، الشيخ أحمد وهبي ~~أحد المولعين بالشعر، الناظمين له، والمحرر بالوقائع المصرية في بعض أيامه . # فأتم على هؤلاء وأمثالهم دراسته، وشرب من منهلهم، وارتوى من ينابيعهم، فهو في النهار ~~تلغرافي، يتقبل الإشارات ويرسلها، وبالليل أديب يتقبل نماذج الأدب ويحاكيها. # ولكن لم يمهله الحظ، فقط غلط في عمله في القصر العالي غلطة سببت غضب خليل أغا عليه. ومن ~~خليل أغا؟ هو كبير أغوات الوالدة (أم إسماعيل)، وكان القصر مملوءا بالأغوات، يقومون بشئون ~~القصر، ويستقبلون المدعوات ويصحبونهن إلى باب الحريم، ونال كبيرهم خليل أغا من النفوذ ما لم ~~ينله ناظر النظار ولا الأمراء والوجهاء، ولحظوته عند الخديوي إسماعيل ووالدته، وإشارته حكم، ~~وطاعته غنم، يخضع له أكبر كبير، ويسعى لخدمته أعظم عظيم، رأيه نافذ في الدواوين والمصالح، ~~يتحكم في مصر والسودان، ويأتمر بأمره كبار الموظفين والأعيان، حاز الثروة الضخمة والجاه ~~العريض، كأنه كافور الأخشيدي في أيامه، حتى إنه لما عقد عقد زواج الأنجاب في القصر العالي ~~حضره النظار والعلماء وكبار الأعيان، فكان يرأس الجميع «خليل أغا». كان من خصاله أن يذبح ~~ويسبح، ويغصب ويبني مدرسة. # فما عبد الله نديم إذا غضب عليه خليل أغا العظيم؟! إذا غضب عليه خليل أغا فصل من وظيفته، ~~ولكن إذا غضب عليه خليل أغا ضرب وطرد، وضاقت عليه الأرض بما رحبت. # سدت في وجهه أبواب الرزق في القاهرة كما سدت في الإسكندرية، وانتهى به الأمر إلى أن ينزل ~~على عمدة من عمدة الدقهلية يقيم عنده ويعلم أولاده، ثم ما لبث أن تخاصم مع العمدة، فأما ~~العمدة فيرى أنه آكله وأسكنه مقابل تعليم أولاده، وأما عبد الله نديم فيرى أن هذا حق الضيف ~~ويبقى له أجر التعليم، واختلفت وجهة النظر، وتشادا ثم تسابا، وغلى مرجل عبد الله نديم؛ فكان ~~ذلك نعمة على أدبه إذا انفجر المرجل وتدفق ms32 عبد الله نديم يصوغ في هجاء العمدة أدبا لاذعا، ~~تدفعه عاطفة حادة، فعرف نفسه أديبا وعرفه من حوله لسنا يملك ناصية القول. # واتصل أمره بعين من أعيان المنصورة ذي مروءة فاستدعاه وأكرمه، وفتح له دكانا يبيع فيه ~~المناديل وما إليها، فاتخذ دكانه متجرا للمناديل ومجمعا للأدب، يجتمع فيه بعض أصحابه ~~يتذاكرون الأدب، ويتناشدون الأشعار، ويتبادلون النوادر. وبين هذا وذاك تأتي شارية لمنديل أو ~~شار لعصابة. # وكانت هذه العادة فاشية في المدن، فقد يكون التاجر ذا ثقافة فقهية وأدبية فيتخذ أصحابه من ~~دكانه مكانا للبحث في الفقه أو الحديث في الأدب، إذا لم تكن قد غزتنا المدنية الأوربية ~~فعلمتنا التخصص، وأن مكان التجارة للتجارة فقط، وأما الحديث في العلم والأدب فله مكان آخر. ~~وقد أدركنا أول زماننا شيئا من هذا، فكانت بعض الدكاكين مدارس، وخاصة في الأدب، لأن الأدب ~~لم يكن يدر رزقا، إنما هو فن للمتعة، وكثير من أدباء عصر عبد الله نديم كان من هذا الطراز، ~~فحسن أفندي عبد الباسط - الأديب الشاعر الهجاء - كان في بعض أيامه يفتح دكان عطارة في ~~الزقازيق، ويجتمع به في دكانه أدباء الزقازيق وظرفاؤها، والشيخ أحمد وهبي الشاعر الأديب كان ~~له دكان طرابيش بالغورية، وكانت مجتمع الأدباء والشعراء، ولكن أكثر هؤلاء لم ينجحوا في ~~تجارتهم فالأديب فنان، والفنان - في الغالب - سمح يقدر الذوق الفني أكثر مما يقدر الدرهم ~~والدينار؛ والتجارة تحتاج إلى الضبط والدقة، والعناية بالإيراد والصرف، والفنان - عادة - ~~طليق لا تطيق نفسه القيود والحدود. وعلى كل حال وجد عبد الله نديم بعد برهة دكانة وليس فيها ~~مناديل ولا جوارب، ولكن جماعة يتناشدون الأشعار، ويستهلكون ولا يغلون، فأغلق دكانه وطوف ~~بالبلاد ينزل ضيفا على هواة الأدب، إلى أن نزل بطنطا، وصادف مولد السيد، فكانت له حادثة ~~ظريفة لفتت إليه الأنظار وشهرته بين الناس. # وكانت البيوت أعظم شأنا من الدكاكين في أنها مجتمع الأصدقاء من ذوي العلم والفن يسمرون ~~فيها السمر اللذيذ ويتحدثون الحديث الظريف، هذا بيته منتدى الأدباء وهذا بيته مجموع ~~الفقهاء، وهكذا كل ms33 رجل يعرف مكانه من هذه البيوت على حسب ذوقه وميله، ويكثر ذلك في طبقة ~~الأوساط والأغنياء من ذوي الميل العلمي والفني. وأدركت في حارتنا المتواضعة ثلاث بيوت من ~~هذا القبيل، كان صاحب أحدها قاضيا شرعيا كبيرا، فكان بيته منتدى الفقهاء والعلماء ~~يتسامرون عنده في الدين والفقه، والثاني موظفا ظريفا يسمر عنده أصحابه بالأخبار ~~والفكاهات، ليلة يدعون قارئا جميل الصوت، وأحيانا فكها حسن الحديث؛ والثالث دفافا يضرب ~~على الدف في الأفراح، فكان عنده كثير من هواة الآلات الموسيقية، يحيون عنده الليالي الملاح ~~حتى الصباح. فما بالك بالموسرين إذا شغفوا بأدب أو علم أو فن، وكانوا كراما يفتحون بيوتهم ~~للهواة من أمثالهم، يجدون فيها الطعام الشهي والفن الشهي؟! # كان بيت شاهين باشا كنج بطنطا - وهو مفتش الوجه البحري إذا ذاك - من هذا القبيل، كرم ~~حاتمي، وذوق أدبي، وظرف نواسي، فتعرف به عبد الله نديم، فوجد فيه شاهين باشا قبح منظر، مع ~~طلاقة لسان، وخفة روح، وسرعة بديهة فغطى ذلك على قبح منظره، واتخذه له نديما. # 2 # كان مرة يجلس في قهوة أيام المولد الأحمدي سنة 1249ه ومعه طائفة من أصحابه، ومنهم ~~علي السيد علي أبو النصر الشاعر، والشيخ أحمد أبو الفرج الدمنهوري الأديب الماجن، قطع ~~عليهم اثنان من «الأدباتية». # والأدباتية طائفة من الشحاذين يستجدون بأدبهم العامي وطلاقة لسانهم في الشعر، وحضور ~~بديهتهم، عرفوا بالإلحاح في الطلب، فإذا رددتهم أي رد أخذوا كلمتك على البديهة، وصاغوا ~~منها شعرا يدل على استمرارهم في طلبهم، واستغواء ممدوحهم، وقد جمعوا إلى طلاقة لسانهم ~~وحضور بديهتهم منظرهم المضحك في ملبسهم وحركاتهم، فزرج خارج العمامة، وطبلة تحت الإبط، ~~وحركات يدور معها رز العمامة كأنه نحلة، وتحريك لعضلات وجوههم كأنهم قردة، وسموا ~~«أدباتية» جمع «أدباتي» وهي لفظ سخرية لأديب. فمر هذان الرجلان من طائفة «الأدباتية» ~~على الحاضرين حتى وصلا إلى عبد الله نديم، فقال أحدهما: # أنعم بقرشك يا جندي # وإلا اكسبنا أمال يا أفندي # أحسن أنا وحياتك عندي # بقى لي شهرين طوال جوعان # فأجابه عبد الله نديم على البديهة: ms34 # أما الفلوس أنا مديشي # وأنت تقول لي ما مشيشي # يطلع علي حشيشي # أقوم أملص لك لودان # فرد «الأدباتي»، ورد عبد الله نديم، وظلا كذلك نحو ساعة، غلب «الأدباتي» فانصرف ~~مهزوما. # ونقل السيد علي أبو النصر القصة إلى شاهين باشا كنج، فاستظرفها جدا، وخطرت له فكرة ~~طريفة أيضا أن يقيم حفلا عاما، يدعو فيه كبار «الأدباتية» والزجالين ويدخلون في ~~مساجلة مع عبد الله نديم، فيكون منظرا لطيفا، ومحفلا طريفا. ففعل ونصب سرادقا أمام ~~بيته، وأحضر رؤساء هذا الفن، وشرط عليهم أنهم إن غلبوا كافأهم، وإن غلبوا ضربهم، فرضوا، ~~واستمرت المساجلة نحو ثلاث ساعات، غلب فيهم النديم، فكانت الحادثة سبب شهرته بين ~~الأدباء والظرفاء. # لقد أخذ بعضهم عليه - فيما بعد - هذا الحادث وعيروه به، وقالوا إنه رضى أن يقف موقفا ~~يساجل فيه المستجدين، وأن يكون «أدباتيا» مثلهم، ينازلهم، ويغالبهم على ملأ # 7 # من الناس، فمثله مثل المصارعين أمام «الزفة» ولا يرضى لنفسه هذا الموقف إلا ~~وضيع النفس ساقط الهمة. # والحق أن وضع المسألة هذا الوضع فيه كثير من التزمت # 8 # والتعنت، كالذي تعرض على مسامعه الفكاهة الحلوة فينتقد فيها خطأ نحويا أو ~~لفظا لغويا، وكمن ينتقد الشيخ الوقور على ما كان منه أيام الصبا، والغني الواسع ~~الثراء على ما كان منه أيام البؤس والشقاء، فالمسألة لم تعد أن تكون طرفة لطيفة، وفكاهة ~~ظريفة، وقوانين الظرف تبيح من البحبحة في مجالسه ما لا تبيحه مجالس الجد والوقار. # أخيرا عاد إلى مسقط رأسه بالإسكندرية سنة 1879م في نحو الخامسة والثلاثين، وهو أكثر ~~خبرة بالدنيا فيما لقي من عظماء ووجهاء وأدباء، وفيما رأى وسمع وعمل في القصر العالي ~~أيام كان موظفا في تلغرافه، في التجارة أيام تاجر وأفلس، وبأخلاق الفلاحين أيام كان ~~يعلم أولاد أحد «عمدهم»، ولكنه دخلها كما خرج منها صفر # 9 ~~(اليدين). # عاد فرأى في الإسكندرية منظرا جديدا لم يكن أيام كان بها كانت المجالس الأدبية يوم ~~فارقها تتحدث في غزل أبي نواس، ووصف البحتري، وهجاء ابن الرومي، ومديح الشعراء في ~~إسماعيل، وفكاهات ms35 الشيخ الليثي، فإذا انتقلوا من ذلك فإلى من عارض شعر هؤلاء من ~~المحدثين، وما أنشأه الناشئون من سمار المجلس في مثل هذه الأغراض، ولما عاد إليها وجد ~~المجالس تتحدث في حالة البلاد ووقوعها في أسر الدين، وفي الدول وتدخلها، ورأى جمعية ~~سرية تسمى «مصر الفتاة» يجتمع أعضاؤها فينتقدون هذا كله في صراحة وحماسة ، والأدب يتحول ~~فيأخذ شكل الكلام في الأمة ومصالحها، وآلامها، ويحتل ذلك مكان غزل أبي نواس، وشعر صريع ~~الغوني، والنفوس بفضل تعاليم «جمال الدين الأفغاني»، وصحبة ثائرة تتطلع إلى نوع من ~~الأدب غير الذي كان، وتجد غذاءها في الصحف السياسية والمقالات النقدية، فيشتغل في ~~الصحافة من هذا النوع «أديب إسحاق» و«سليم نقاش» في جريدتهما «مصر» و«التجارة»، ويمدهما ~~جمال الدين وتلاميذه بمقالاتهم وإرشاداتهم. # فأعد عبد الله نديم نفسه للأدب الجديد والمطلب الجديد، وانغمس في هذا التيار، وحول ~~قلمه في هذا الاتجاه، يمد هذه الصحف بمقالاته في مثل هذه الموضوعات؛ فلقي من النجاح ما ~~لفت إليه الأنظار، وكان له فضل كبير في إدراك أن الكتابة في الموضوعات السياسية إنما ~~يتناسبها أسلوب متدفق سريع مرسل لا يقيده السجع إلا قليلا، لينسجم وحركات النفس ~~المتحمسة الثائرة. # وفكر مع بعض أصحابه من أعضاء جمعية «مصر الفتاة» أن يحولوها من جمعية سرية إلى جمعية ~~علنية، تعمل جهارا في الأعمال المشروعة، وجد هو وصحبه يجمعون المال لها من أعيان ~~الإسكندرية، وسموها الجمعية الخيرية الإسلامية (وهي غير الجمعية القائمة الآن بهذا ~~الاسم). وكان من أهم أغراضها إنشاء مدرسة تعلم الناشئة على نمط غير النمط الجاف الذي ~~تسير عليه مدارس الحكومة إذ ذاك، فيضيفون إلى تعليم مبادئ العلوم بث روح الوطنية ~~والشعور القومي في الأمة، وقد كان هذا غرضا جديدا دعا إليه الشعور القومي الذي كان في ~~طور التكون. # وتم ذلك كله فجمع المال، وأنشئت المدرسة وجعل عبد الله نديم مديرها، وافتتحها بخطبة ~~رن صداها في الثغر، وكان ذلك في أواخر أيام إسماعيل، وأقبل عليها كثير من أبناء الفقراء ~~والأيتام، ووضع لها برنامج يحقق الغرض، وتكفل هو ms36 بتعليم الإنشاء فيها والأدب، وأخذ يمرن ~~الطلبة على الخطابة والتمثيل، وعلى الجملة نفخ فيها من روحه، ولعلها أول جمعية مصرية ~~إسلامية في مصر أسست لمثل هذا الغرض. # ثم وثق الصلة بين المدرسة والقصر، وكان الخديوي إسماعيل قد عزل وحل محله الخديوي ~~توفيق، فتقرب النديم إليه واستزاره المدرسة فزارها، ورجا منه أن تنسب الرياسة لولي عهده ~~«عباس»، فقبل وأغرم بتعليم التلاميذ الخطابة، فكان ينتهز كل فرصة لإقامة الحفلات يخطب ~~فيها، ويحضر الخطب لتلاميذه ليخطبوها، ثم يمرنهم أن ينشئوا الخطب لأنفسهم، ويصلح خطأهم ~~ويرشدهم، فأسس بذلك نخبة يحسنون التحرير، ويحسنون القول. ولم يكتف بذلك، بل خرج ~~بالمدرسة على ميدان الحياة العامة، فكان يحضر بعض الروايات التمثيلية في نقد بعض العيوب ~~الاجتماعية، ويمثلها هو وتلاميذه في بعض الملاهي العامة، من ذلك أنه أنشأ روايتين ~~اسمهما «الوطن وطالع التوفيق» و«العرب» ومثلهما في «تياترو زيزينيا» حضرهما الخديوي ~~توفيق، ونجح فيهما نجاحه أعلى ذكره. # ولكن ظهر فساد في الجمعية نسبوه إليه، ففصل من المدرسة ومن الجمعية. # عند ذاك اتجه إلى إنشاء صحيفة، وحبب إليه ذلك سابقة اتصاله بصحيفتي أديب إسحاق وسليم ~~نقاش، ومرانته على الكتابة فيهما، وشعوره بأن الناس أعجبوا بما كتب، وأنه كان يكتب ~~فيستغل أصحاب الصحف مقالاته مادة ومعنى فلا يؤجرونه على ما كتب، وكثيرا ما يضنون عليه ~~حتى بذكر اسمه في ذيل مقالاته، بل يتركون القارئ يفهم أنها لهم ومن إنشائهم. # فأخرج صحيفة سماها «التنكيت والتبكيت» وفي هذا الاسم دلالة على غرضه وأسلوبه، فهو ~~يرمي إلى تأنيب المصريين على ما وصلوا إليه، في أسلوب قد يكون لاذعا وقد يكون مضحكا. # وظهر العدد الأول منها في 6 يونية سنة 1881، ودعا فيه الكتاب أن يوافوه بمقالاتهم ~~ونتاج قرائحهم على النهج الذي رسمه: كونوا معي في المشرب الذي التزمته، والمذهب الذي ~~انتحلته، أفكار تخيلية، وفوائد تاريخية، وأمثال أدبية، وتبكيت ينادي بقبح الجهالة، وذم ~~الخرافات، لنتعاون بهذه الخدمة على محو ما صرنا به مثله # 10 # في الوجود، من ركوب متن الغواية، واتباع الهوى اللذين أضلانا سواء السبيل. ms37 # وفي الحق أن هذه الصحيفة كانت عجبا في موضوعاتها وأسلوبها. # انظر العدد الأول: تجد تنكيتا وتبكيتا لأكبر المصائب التي كان يحسها ذلك العصر: مقال ~~عنوانه «مجلس طبي لمصاب بالإفرنجي»، وهي قصة شاب صحيح البنية، قوي الأعصاب، جميل ~~الصورة، لطيف الشكل، في رقة ألفاظ وعذوبة كلام، وفي عزة ومنعة لا يشاركه فيها مشارك ، ~~يلتف حوله أهله يعززونه ويؤازرونه حتى لا تمتد إليه يد عدو، ولا حيل محتال. وبينما هو ~~في ذلك تسلل إليه أحد الماكرين يتظاهر بالصلاح والتقوى، ويضمر الختل والغدر، فأسلمه ~~إليه أهله انخداعا به. فعرضه هذا الماكر على الأسواق يريه من الغواني من تعارض الشمس ~~بحسنها، وتكسف البدر بنورها، فمانع حينا، ولكنه رأى أهل بيته وقعوا في مثل هذه ~~الغواية، وانغمسوا في مثل هذه الضلالة، فسار سيرهم، وترك النفار والآباء، وسار في ~~الطريق الذي رسمه المنافق الخادع، فما سار فيه حتى أصيب بالداء الإفرنجي (الزهري) فاصفر ~~وجهه، وارتخت أعضاؤه، وذهبت بهجته، غارت عيناه، وتشوه وجهه، وتبدلت محاسنه بقبائح تنفر ~~منها الطباع، وتمكن الداء منه، وسرى في دمه وعروقه، فصار يقلب طرفه لعله يجد من قومه من ~~ينقذه من مرضه. # واجتمع الأطباء من قومه يفصحون الجسم، ويشخصون مرضه، ويقفون على أصله، ويركبون الدواء ~~ليقف سريان الدواء، ويتعلق بهم أهل المريض يسألونهم الإسراع في معالجته: والاجتهاد في ~~دفع مصابه، فطمأنهم الأطباء ونصحوا لهم بالهدوء والتحرر ممن كانوا السبب في الدواء. حتى ~~لا يفسدوا العلاج، وابتدءوا يعملون بمشورة الأطباء ويبذلون الجهد في معالجته. # وواضح أن هذه قصة رمزية، أرد أن يصور فيها شعور الناس في هذه الفترة بعد ما كان من ~~الإسراف، ووقوع مصر في الديون الباهظة، وتدخل الدول الأجنبية؛ من مراقبة ثنائية وإنشاء ~~صندوق الدين، وما إلى ذلك، كما يصور بها ألم الناس من هذا المرض الإفرنجي، وأملهم في ~~النجاة منه يسعى عقلائهم، وتفكير أولي الرأي فيهم، كل ذلك في أسلوب روائي مفهوم. # قد كانت هذه المسألة هي صميم المسألة المصرية، ومشكلتها الكبرى، فبدأ بها على هذا ~~النحو، وعالجها هذا العلاج، ms38 وكان بارعا في التورية بكلمة «الداء الإفرنجي». # ويلي ذلك مقال في «عربي تفرنج» يصف فيه شابا من صميم الفلاحين، تعلم في مصر، ثم في ~~أوربا، وعاد إلى بلاده يسفه أباه لما قابله على المحطة وقابله كيف يقبله، ويطالبه أن ~~يسلم عليه بيديه فقط، ويكتفي أن يقول له «بن أريفيه» وينسى لغته، حتى اسم البصل، فهو لا ~~يعرف إلا أن اسمه «أونيون» - ويختم هذا بالمغزى من القصة، وهو أن لا أمل في مثل هؤلاء ~~إلا إذا حافظوا على لغة قومهم وعاداتهم، وصرفوا علومهم في تقدم بلادهم. # ثم يقص قصة موسرين اجتمعوا في بيت أحدهم، دخل عليهم فوجدهم ساهمين # 11 # لا يتكلمون ولا يتحركون، فظنهم يفكرون في أمر خطير شغل أذهانهم، وعقد ~~لسانهم، كتفكيرهم في تقدم الصنائع في أوربا، وكيف يفعل ذلك في مصر، أو يفكرون فيما يزيد ~~ثروتهم، ويضمن التقدم في عملهم، ثم يتبين بعد ذلك أنهم إنما اجتمعوا لتعاطي ~~الكيف، # 12 # وقالوا ما لنا وللدنيا وما جرى فيها، وما لنا وللصحف والتلغرافات، ونحن ~~بحمد الله في غنى عظيم، عندنا الخدم الذين يقومون بأعمالنا، وخلف لنا آباؤنا من المال ~~ما لا تفنيه الأيام - فلا نخرج من بيوتنا إلا للمسامرات بالمضحكات والنكات اللطيفات. # ثم قصة ترمي إلى نقد ما كان يجري بين العامة من اجتماعهم في القهوة، وسماعهم للقصاص ~~(الشاعر)، انقسامهم إلى معسكرين، متعصب لعنترة، ومتعصب لزغبة، وما كان أحدهم - وقد ختم ~~القصاص الليلة بوقوع عنترة أسيرا - إذا ذهب إلى ابنه وأيقظه من نومه وأمره أن يقرأ في ~~الكتاب حتى يخلص عنترة من الأسر، وإلا مات كمدا، فلما لم يطعه ابنه، وأفهمه أن هذا ~~تخريف في تخريف، نزل عليه بعصاه حتى أدماه، والجنون فنون. # ويلي هذه قصة تمثل الفلاح الجاهل، المرابي الماكر؛ إذ أراد الفلاح أن يقترض منه مائة ~~جنيه، فأعطاه سبعين، وكتب عليه «كمبيالة» بمائة وعشرين وحسبها كما يأتي: المائة فائدتها ~~عشرون، تخصم في المائة فيكون فيه الباقي سبعين، وتضم الفائدة فيكون عليه مائة وعشرون، ~~ويقتنع الفلاح بذلك لجهله بأبسط مسائل ms39 الحساب؛ ثم يقدم الفلاح للمرابي قطنا وقمحا ~~ثمنها الحقيقي 125 جنيها، يحسبهما المرابي بأربعين، ويغالطه أغلاطا مضاعفة حتى يجعله ~~مدينا بمائتي جنيه وعشرة، كل ذلك والفلاح في غفلة لا يدري ما يصنع به - فإذا عوتب ~~المرابي على ذلك قال: ماذا أصنع! إن الفلاح حمار، وأنا أريد أن أكون غنيا كبيرا في ~~خمس سنين! # ثم قصة غني كبير بنى بيتا فخما، وأثثه أثاثا بديعا، وكان من أثاثه مكتبة كبيرة، ~~فلما أتم ذلك كله عرضه على الزائرين، فسأله أحدهم عن المكتبة وما يحوي، ليعرف أي نوع من ~~العلوم والفنون يهوى، فقال الغني صاحب البيت: لقد دخلت بيت فلان وفلان فرأيت في مضيفة ~~كل منهم خزامة كتب عليها ستارة خضراء وبجانبها منفضة من الريش؛ والخادم كل يوم ينفضها ~~ويسمح الزجاج الخزانة، فعلمت أن هذا طراز جديد في بناء البيوت وتأثيثها، فقلدتهم في ~~ذلك، ولا علم لي بعلم أو فن. «وهكذا أصبح الكل نائما في غفلة التقليد». ~~••• # نعم، هذا كله في العدد الأول من صحيفة «التنكيت والتبكيت»، نقد للسياسة العامة للبلد، ~~ونقد للعيوب الاجتماعية الخاصة. كل ذلك في أسلوب يسترعي الانتباه، فقد التزم اللغة ~~البسيطة السهلة عن تفكير وروية، فقال في فاتحتها: إنه لا يريد منها أن تكون منمقة ~~بمجارات واستعارات، مزخرفة بتورية واستخدام، ولا مفتخرة بخامة لفظ وبلاغة عبارة ولا ~~معربة عن غزارة علم وتوقد ذكاء، ولكن أحاديث تعودناها، ولغة ألفنا المسامرة بها لا تلجئ ~~إلى قاموس الفيروز أبادي، ولا تلزم مراجعة التاريخ، ولا نظر الجغرافيا، ولا تضطر ~~لترجمان، يعبر عن موضوعها، ولا شيخ يفسر معانيها، وإنما هي في مجلسك كصاحب يكلمك بما ~~تعلم، وفي بيت كخادم يطلب منك ما تقدر عليه، ونديم «يسامرك بما تحب وتهوى». # ثم هو يدرك أن في الناس خاصة وعامة، وكل يحب أن يقصد إلى تغذيته بالأدب، وأشعاره ~~بوجوه النقد، لذلك يختار موضوعات الخاصة فيكتبها باللغة الفصحى كموضوع «الداء الإفرنجي» ~~فهو موضوع دقيق لا يقدر قدره إلا الخاصة؛ أما الفلاح والمرابي وسماعوا القصاص فمكتوبة ~~للعامة، فيجب أن تكتب ms40 بلغتهم العامية، وهو في اللغة العامية ماهر كل المهارة، ويعرف ~~أمثالهم وأنواع كلامهم، ويضع على لسان الخادم والسيد والمرأة والرجل، والفقير والغني، ~~والماكر والمغفل، وما يليق به، في دقة أحكام وظرف. # ثم هو قد فطن لشيء جليل القدر، وهو أن التعليم والنقد من طريق القصص أجذب للنفس وأفعل ~~في النقد، فأكثر منه بل كاد يتلزمه . # لذلك كله نجح في صحيفته، ووصل نداؤها إلى أكبر عدد ممكن، فمن كان قارئا قرأ، ومن لم ~~يكن قارئا سمع ففهم. # ولم يكتف بذلك، بل نراه في عدد تال يلتفت التفاتة لها خطرها في الإصلاح السياسي ~~والاجتماعي، وهي أن من أهم بين أسباب غفلة الشرق ضعف الخطابة، واقتصارها - تقريبا - ~~على خطب المساجد، وهي خطب لا تمس الحياة الواقعة بحال من الأحوال، وإنما هي عبارة دينية ~~محفوظة، ومعان متكررة مألوفة، لا تحرك قلبا ولا تضيء حياة. # فكتب مقالا قويا في قيمة الخطابة وأثرها في تاريخ الإسلام، ودعا إلى أن يحضر خطب ~~المساجد أعرف الناس بشئون الحياة، وأقدرهم على التأثير، وأن تشرح هذه الخطب الموقف ~~الحاضر في وضوح، وتبين الأخطار المحيطة بالأمة في جلاء، وأن يتبرع القادرون بقدر من ~~المال يخصص لهذا الغرض، ويتفقوا مع ديوان الأوقاف ليسمح بإلقاء هذه الخطب في المساجد، ~~ثم تطبع وتنشر في أنحاء البلاد، ليصل صداها إلى كل قرية وبلدة، وأعلن استعداده للاشتراك ~~في إعدادها، ووضع خطبة نموذجية توضح غرضه، تتضمن المحافظة على حقوق البلاد والنهي على ~~الظلم والبغي، والدعوة إلى الائتلاف لمواجهة الأخطار التي تظهر دلائلها في الأفق، ~~والاتحاد مع المواطنين ما غير نظر إلى اختلاف الدين، والتذكير بمجد مصر السابق، ~~والالتفاف حول الخليفة والخديوي، والتحذير من تمكين الأجنبي من وضع يده على سياسة ~~البلاد، والتحرز من إتيان عمل يتخذه وسيلة لتدخله ومعاملة النزلاء الأجانب بالحسنى، ومن ~~حفظ حقوق تجارتهم وعدم الإساءة إليهم. # هذه هي المعاني التي رأى أن الحاجة ماسة إليها في ذلك الوقت (في أول حكم الخديوي ~~توفيق قبيل الثورة العرابية)، صاغها صياغة دينية تناسب صلاة الجمعة فبدأها بالحمد ms41 لله، ~~والثناء على رسوله، وختمها بالحديث الشريف: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا». - ~~وقد حقق «الراديو» أخيرا فكرة عبد الله نديم في إذاعة الخطبة شكلا، ولكن لما تتحقق ~~فكرية موضوعه. # وانتهت هذه الصحيفة على هذا الموضوع. # 3 # لم يكن في مصر إلى أواخر عهد الخديوي إسماعيل رأي عام يشعر بظلم، وإن شعر فلا ينطق، ~~لأن عنف الاستبداد أزمانا طويلة أمات الشعور وأخرس الألسن حتى تدخلت الدول الأجنبية في ~~شئون مصر المالية، فبدأ الشعور يتنبه، وغذاه الخديوي إسماعيل نفسه وجرأه، لإحساسه بثقل ~~التدخل وخشيته من عاقبته، فأول معارضة من مجلس شورى النواب للحكومة كانت بإيعاز منه، ~~ولولا ذلك لم يجرؤ ومظاهرة الضباط ومهاجمتهم لنظارة المالية لتأخير رواتبهم كانت ~~بتدبيره ليتخلص من وزارة نوبار التي تمالئ # 13 # الأجانب في هذا التدخل، واجتماع أعيان البلاد في دار السيد البكري، ووضعهم ~~للائحة الوطنية - التي تعهدوا فيها بوفاء ديون أوربا وضمانها وعدم تدخل ممثليها في شئون ~~البلاد - كانت فكرة بناها الخديوي في أذهانهم، وكان هذا أول ما شعر الناس بقوتهم وحاجة ~~الحاكم إليهم، ونبه الرأي العام إلى أنه يستطيع أن يقف الظلم ويطالب بالحقوق. وأن من ~~حقه مراقبة الولاة والحكام ورفع صوته بنقدهم، وهذا الشعور إذا وجد في أمة كان لا بد له ~~من قادة يشعرون شعور الناس، ويصوغونه صياغة قوية يلهبون بها شعور من شعر، وينبهرون بها ~~من لم يشعر، لكان ذلك في السيد جمال الدين ومدرسته، وجاء الخديوي توفيق ونواة الرأي ~~العام قد غرست، وتتابع الأحداث الخطيرة يعذبها وينميها والنفوس مستبشرة بتوليته، فقد ~~كان سمحا رحيما، وكان قبل عزل إسماعيل يتصل بالسيد جمال الدين ويحبذ آراءه في ~~الإصلاح، فلما تولى قربه إليه وقال له: أنت موضع أملي في مصر، ودعا شريف باشا لتشكيل ~~الوزارة، «وصرح برغبته في تحقيق آمال الأمة، وإخراجها من الحالة السيئة التي هي فيها ~~بالاقتصاد في نفقات الحكومة، والاستقامة في الوظائف العامة وإصلاح القضاء والإدارة، ~~وتوسع نظام شورى القوانين وإصلاح المحاكم والمجالس، والسعي لتعميم التربية والتعليم، ~~وتوسع دائرة الزراعة والتجارة، ms42 ومنح الحرية للعاملين في أعمالهم». # ففرح الناس وتهللوا لهذه الوعود القيمة وتفتحت آمالهم، ولكن الحكم الشورى لم يرض ~~طوائف كثيرة - لم يرض الحاشية، وكان السيد جمال الدين أشار على الخديوي توفيق بتغيير ~~حاشية إسماعيل، فأغضبهم عليه. قال الشيخ محمد عبده: «ووكيل دولة فرنسا أخذ يسعى في ~~إقامة الموانع دون إعطاء حق النظر في تصحيح الميزانية، وتقرير الأمور المالية، ودعا ~~وكيل إنجلترا إلى مساعدة في إقناع الخديوي بضرر هذه الأوضاع الجديدة» فتغير رأي الخديوي ~~توفيق في ذلك كله؛ فاستقال شريف باشا ونفي السيد جمال الدين، وأخذت الأمور مجرى آخر كان ~~سببا من أسباب الثورة. # ثم جاءت وزارة رياض باشات بعد وزارة شريف، وفي تاريخ مصر الحديثة كان شريف باشا ~~دائما رمز الحكم الشورى، ورياض باشا رمز الحكم الاستبدادي، وكلاهما كان يلتف حوله كثير ~~من الخاصة، فحول شريف جماعة ترى أن الحكم الشورى هو الوسيلة الوحيدة لإنقاذ البلاد من ~~الفوضى، والأمل الوحيد في وقف كل سلطة عند حدها، والباعث الوحيد للأمن والحرية في نفوس ~~الأفراد، وحول رياض جماعة ترى أن الحكم الشورى لا يصلح إلا إذا نضجت الأمة وعرفت شئونها ~~ومجاري السياسة حق معرفتها، ورزقت من الشجاعة في القول والجد في العمل قدرا صالحا، ~~وإلا كان الحكم الشورى نقمة، والأمة لم تبلغ هذا الحد؛ وكان الجدال والنزاع يدور على ~~الفكرتين في الصحف والمجالس، على كل حال؛ فقد كان هذا درسا لتنوير الرأي العام في ~~السياسة، وتفتيح الأذهان للنظر في المسائل العامة. # وكانت شخصية رياض شخصية معقدة - ذكي، خبير بالإدارة، قوي العزيمة صبور على العمل، ~~معتز بنفسه، لا يرى بجانب رأيه رأيا، إذا وثق بشخص لم يسمع فيه قول قائل، وإذا أساء ~~الظن بإنسان فإلى النهاية، نزيه، يحب الخير لمصر، ولكن حسبما يرى هو وبالطريقة التي ~~يراها، قليل الثقة بالمصريين ممتلئ عقيدة بأنهم مملئون عيوبا، كبير التعظيم للأجانب، ~~معتقد بقوتهم، يرى أنه لا يستطيع الحكم إلا بالاعتماد عليهم أو على أقواهم، لا يرى ~~بأسا من إغضاب الخديوي وإغضاب الأمة في سبيل إرضائهم، ومع ms43 ذلك يبذل أقصى جهده في أن ~~ينال منهم أقصى ما يستطيع لخير أمته - شديد الحب للحكم لا تعتزله إلا مكرها. فكانت ~~أخلاقه هذه من عوامل التمهيد للثورة العرابية. # ألغى السخرة العامة كإقامة الجسور على النيل، وحفر الترع من غير أجر والسخرة الخاصة، ~~كعمل الفلاحين في أرض سيدهم من غير مقابل، ونفذ ذلك في غير هوادة، فأغضب بذلك الأعيان، ~~وأعطى السلطة العامة للمديرين، فأساءوا السيرة، وضيق على الصحف، وعطل بعضها، فعامل ~~أصحابها سرا بعد أن كانوا يعملون جهدا، وسافر بعضهم إلى أوربا يصدر الجرائد في الطعن ~~عليه، وعارض الخديوي في أن يمنح الرتب والنياشيين لمن يراهم أهلا، كما عارضه في كثير ~~من رغباته فغضب الخديوي عليه، وعاقب «رياض» المدير الذي سخر الأهالي في حفر ترعة خاصة ~~بالخديوي. وتصرف ناظر الحربية في وزارته تصرفات أغضبت رجال الجيش المصريين، فطلب عرابي ~~وأصحابه تشكيل مجلس عسكري لتحقيق الشكايات، فمال رياض إلى إجابة مطلبهم، ولكن أشيع عنه ~~أنه هو الذي يمانع في ذلك فغضبوا عليه - كل ذلك وهو لا يريد أن يتخلى عن الحكم. # تبلبلت الأفكار واضطربت، وكلها تتفق في وجوب تغيير الحال، وإن اختلفت أسباب غضب كل ~~طائفة، فالأعيان يحبون رجوع سلطتهم في تسخير الناس، والضباط المصريون يريدون العدل ~~بينهم وبين الشراكسة، وبعض ذوي الرأي يرون أن هذا كله تأييد لوجهة نظرهم في أنه لا يصلح ~~الأمور إلا نظام الشورى والخديوي ناقم على رياض لخشونته، وبعض الأجانب لا يسرهم ما قام ~~به رياض من ضبط الأمور المالية. كل ذلك هيأ للثورة العربية. # وتطورت مطالب العرابيين من عدل بين الضباط، إلى تغيير شكل الحكومة من نظام استبدادي ~~إلى نظام شوري، إلى التهييج على الخديوي توفيق إلى المناداة بعزله لالتجائه إلى الدول ~~لحمايته، إلى الدعوة للجهاد في سبيل صد المغيرين. واتسعت الحركة، من حركة محصورة في ~~الجند والضباط، إلى حركة وطنية واسعة تشمل العلماء والأعيان والتجار والزراع وغيرهم، ~~واندس وسط الحركة من يعمل صالح أمير ليحل محل الخديوي توفيق، فجماعة تعمل لصالح الأمير ~~حليم ابن محمد ms44 علي، ومن هؤلاء صاحب جريدة «أبو نضارة» ومنهم من يعمل لحساب الخديوي ~~إسماعيل لإعادته، ومن هؤلاء راتب باشا السرادر، وهكذا. # في هذا الجو الذي صورناه صورة صغيرة جدا عمل عبد الله نديم، واحتضنه العرابيون، فكان ~~خطيب الثورة وكاتبها ومشعلها. # اتخذ جريدة «الطائف» بدل «التنكيت والتبكيت»، ونقل مكانها من الإسكندرية إلى القاهرة، ~~وبدأها عنيفة قوية، تنقد تصرفات الخديوي إسماعيل في جرأة بالغة، وتشرح بؤس الفلاحين في ~~السخرة والعذاب المهين الذي يلقونه من الرؤساء، وما شاهده بنفسه من أحداث، وكيف يخر ~~الناس قتلى من الجوع والبؤس، والإعياء والضرب، وكل رئيس يريد أن ينال حظوة من فوقه ~~بالمغالاة في التعذيب. # وكان عبد الله نديم في هذه الصحيفة يعبر عن آراء النواب في ضرورة الإصلاح عن طريق ~~الحكم النيابي؛ وقد كتب سلطان باشا رئيس النواب إلى إدارة المطبوعات أن تعتبر جريدة ~~«الطائف» لسان النواب المعبر عن أفكارهم، فاعترفت الإدارة بذلك، ونشر هذا رسميا بأمر ~~نظارة الداخلية، ولكن لما رأت إدارة المطبوعات عنفه وتهييجه عطلته شهرا. # أصبح «الطائف» في الثورة العرابية لسان الدعاية لها، يقدم من عاداها، ويشجع من ~~والاها، ويلقب «عرابي» بحامي حمى الديار المصرية، ويتطور بتطورها فينقد الأوروبين ~~وتصرفاتهم، وينقد الخديوي توفيق لارتمائه في أحضانهم، وفي أسلوب لاذع وتهكم ساخر، فإذا ~~كانت الحرب نقل جريدة «الطائف» إلى المعسكر يحرض الجنود على القتال، ويحرض الشعب على ~~تقديم المئونة، وينشر خبر التبرعات وكلما اشتد الأمر واشتد في تهييجه؛ وقد قلت صفحاتها ~~لاشتداد الظروف: من أربع إلى اثنتين إلى واحدة، وهو يهرج في أخبار الحرب، فيقلب أخبار ~~هزيمة المصريين إلى أخبار انتصار، وانتصار الإنجليز إلى أخبار هزيمة، وظل كذلك حتى تمت ~~الهزيمة، وتم التسليم. # هذا عمله في الصحافة، وإلى جانب ذلك كان عمله في الخطابة. # فقد طاف في كل مجتمع يخطب، وأعطى من ذلاقة اللسان ما يستدعي العجب، فما هو إلا أن ~~يحرك لسانه حتى يتدفق وتنهال عليه المعاني والألفاظ انهيالا، وقد نشر في البلاد فن ~~الخطابة، وعلم كثيرا من الناشئة أن يخطبوا في المحافل؛ وأعطى ms45 لهم المثل بمقدرته ~~وكفايته، وبدأ ذلك أيام كان يعلم الإنشاء والأدب، في مدرسة الجمعية الخيرية في ~~الإسكندرية. فلما أعلن الدستور في أول عهد توفيق (7 فبراير سنة 1882)، سرت في النفوس ~~هزة فرح لا تقدر، وأمل الناس أن الحكم النيابي سيصلح كل مفاسد الماضي، ويرسم كل وسائل ~~السعادة للحاضر والمستقبل - واشتاق الناس أن يسمعوا الكلام الكثير في هذا الموضوع ، فكان ~~عبد الله نديم وصحبه وتلاميذه الذين يغنون للناس بآمالهم، فأقيمت الحفلة تلو الحفلة ~~إليها النديم وفرقته ليخطبوا والنديم هو قطب الرحى. يخطب أولا، وكلما خطب خطيب وتناول ~~موضوعا قام النديم بعده يعقب عليه، ويتخذ من كلامه موضوعا يطنب فيه، وفي هذه الحفلات ~~يحضر النظار وكبار الضباط والعلماء والنواب والأعيان، فتطرب نفوسهم لهذا طربهم من عبده ~~الحمولي ومحمد عثمان. # هذه حفلة تقيمها جمعية المقاصد يفتتحها «النديم» بقصيدة، ثم يشكر الجمعية على ~~احتفالها بالدستور، ويتلوه إبراهيم اللقاني فيبين الفرق بين عهد الاستبداد وعهد الشورى، ~~فيعقبه النديم يكمل موضوع الفروق بين العهدين؛ ثم يقوم الشاب مصطفى ماهر - باشا فيما ~~بعد - فيتكلم في الحث على الاجتهاد في العلوم والفنون، ويستحث الأغنياء على إنشاء بنك ~~أهلي يحمي الأهالي من استغلال المرابين، ويختم ذلك بالدعوة إلى الألفة والاتحاد، فيقوم ~~بعده النديم يتكلم في هذا الموضوع، ثم يقوم الشيخ محمد عبده فيبين مزايا الحكومة ~~النيابية، ويطالب بوجوب أن يكون النواب من المتعلمين، ويحث على تعميم التعليم، وعلى ~~احترام حرية القول والكتابة، وسن القوانين المبينة لحقوق الأفراد وواجباتهم، ويقوم ~~«النديم» بعده معقبا على قوله، ثم يقوم أديب إسحاق فيتكلم في شعور النواب وتضامنهم مع ~~النظار في كل ما يجلب الخير للبلاد، ويتلوه النديم؛ ثم يقوم فتح الله أفندي صبري (فتحي ~~باشا زغلول) فيخطب في الحث على الاتحاد والثبات، وينتهي هذا الاجتماع. # وتتكرر أمثال هذه الاجتماعات، ويقال فيها مثل هذه الخطب، ويقوم بالدعوة إليها كبراء ~~البلد، وكلها على غرار الحفلات السابقة، عمادها عبد الله نديم وإن اختلفت بعض ~~الموضوعات، كدعوة إبراهيم اللقائي إلى التمسك بأسباب القوة والاتحاد، والحث على مجانبة ms46 ~~الخوف والجبن، وخطبة فتحي زغلول في الأخذ بالمبادئ التي تمدن البلاد، والدعوة إلى إنشاء ~~جمعية تفتح مدارس ليلية يتعلم فيها من لم يسمح له عمله بالتعلم. # ويدعى عبد الله نديم إلى حفلة في الإسكندرية على هذا الطراز، وكل هذه الحفلات توصف في ~~جريدة الوقائع المصرية، ويذكر فيها خلاصة ما دار فيها من خطب، فتنشر في البلاد. # فلما عطل الدستور؛ وتطورت الأمور، وكانت الثورة العرابية، تحولت خطب عبد الله نديم ~~إلى موضوع الثورة، وكان يخطب في كل مجتمع: في الأزهر وطلبته، والجيش وجنوده، وفي حفلات ~~«الأفراح»، فما يكون مجتمع لغرض من الأغراض إلا ويطلع عليهم عبد الله نديم، وجماعة من ~~ناشئته يعتلون المكان العالي ويخطبون في موضوعات الثورة، حتى كان إذا سئل محمد عثمان ~~«المغني»: أين تغني الليلة؟ يقول: «في الفرح الفلاني مع عبد الله نديم». وهو في هذا ~~الموقف لا يتحرج من التهريج، فيقول مثلا في بعض خطبه: إن طوابي الإسكندرية إذا أطلقت ~~مدافعها يبلغ مرماها جزيرة قبرص من هذا الجانب، ومدافع الآستانة إذا أطلقت تبلغ هذه ~~الجزيرة من الجانب الآخر. فكيفما جالت الأساطيل الإنجليزية فهي تحت رحمة مدافعنا، فيصفق ~~الناس؛ ويخطب «فتحي زغلول» فيقول النديم: ألا تعجبون لما أبدى هذا التلميذ في خطبه من ~~العلم والبيان والتفنن في المواضيع، مع أن جلادستون خطيب إنجلترا لا يتناول إلا موضوعا ~~واحدا؟! ويخطب مصطفى ماهر فيقول النديم: أشهدكم أيها الناس أن أمة يكون هذا مقدار ~~استعداد التلميذ فيها لا يغلبها أحد في أمرها. # على كل حال كان عبد الله نديم لسان الأمة في عهده بخطبه، وقلمها بصحفه، ينتقل في ~~الأقاليم ولا يكل ولا يمل، وينشر آراءه ومشاعره في أكبر عدد ممكن من الأمة؛ وبذلك كله ~~ساعد نمو رأي عام مصري يؤمن بالحكم الشورى، ويتطلع إلى الإصلاح في الأمور الاقتصادية ~~والاجتماعية والسياسية، فإن كان السيد جمال الدين رسول الخاصة في هذه المعاني، فعبد ~~الله نديم كان رسول العامة، قطر المعاني التي تدعو إليها جمال الدين إلى الشعب، وأوصلها ~~إلى التاجر في متجره، والفلاح ms47 في كوخه، والتلميذ في مدرسته؛ كان السيد جمال الدين بحكم ~~أرستقراطيته في نشأته وثقافته والبيئة التي تحيط به، ولغته في كلامه وكتابته، معلم ~~الخاصة، وكان عبد الله نديم بحكم ديمقراطيته في النشأة والعلم والبيئة واللغة معلم ~~العامة. # لسنا الآن بصدد الحكم على الثورة العرابية وما نفعت وما أضرت والمسئولين عنها، ~~والمآخذ عليها، وإنما كل ما يعنينا الآن أن نقول: إنه إذا تبخرت أقواله التي دعت إليها ~~فورة الثورة، وتبخرت أنواع تهريجه وتهويشه، بقى لنا جانب كبير من جوانب نفع عبد الله ~~نديم في هذه الحركة، وهو إيقاظ الشعور في الشعب بحقه في الشكوى من الظلم، والمطالبة ~~بالعدل، وإفهامه أن الحاكم يجب أن يكون مسئولا أمامه، وأن هناك نوعا جديدا من الحكم ~~غير الذي ألفه: من رجوع الأمور كلها إلى إرادة الحاكم يفعل ما يشاء، ولا يسأل عما يفعل، ~~وهذا النوع الجديد هو حكم البلاد نفسها بنفسها ممثلا في نوابها، وأن مصر للمصريين لا ~~للدولة العليا، ولا لأية دولة أجنبية؛ وهذه معان قد كانت عند خاصة الخاصة، فنشرتها ~~الثورة وعبدالله نديم في العامة. # ولئن أخفقت الثورة فيقظة الرأي العام - إلى حد ما - وشعوره بنفسه، وتنهيه لحالته ~~الاجتماعية والسياسية لم يخلق، ويتجلى ذلك على الأخص إذا قورن بينه وبين حالته من ~~قبل. # 4 # انتهت الثورة العرابية بالإخفاق والهزيمة المنكرة، وكانت الهزيمة الخلقية أقسى من ~~الهزيمة الحربية، فقد ذل أكثر قواد الحركة، وتنكر لهم أكثر من كان يناصرهم، وبدأت ~~السعايات # 14 # تدب، وكل من كانت له خصومة مالية أو عائلية سعى في الإ يقاع بخصمه، يتهمه ~~بعمل من أعمال الثورة، وامتلأت المجالس المشكلة للنظر في الدعاوى والتهم، وأخذ كثير ممن ~~اشتركوا في الحركة يتبرءون مما قالوا وما فعلوا. وإن استطاع كثير منهم أو حاول تبرئة ~~نفسه، فعبد الله نديم ليس مستطيع شيئا من ذلك، فخطبه لا ينساها أحد، وأقواله مسجلة ~~عليه في جريدة «الطائف»، فلابد إذا حوكم أن يحكم عليه بأشد العقوبات، وكان أغلب الظن ~~أنها الإعدام. # لقد فكر عرابي هو ومن معه ms48 أن يطلبوا العفو من الخديوي، وكتبوا رسالة وبعثوها مع وفد ~~إلى الإسكندرية لتقديمها إليه، ثم بدا لهم أن يغيروا بعض نصوصها، فبعثوا بصيغة أخرى مع ~~عبد الله نديم، فلما وصل إلى كفر الدوار علم أن الخديوي رفض العريضة الأولى وأمر بالقبض ~~على بعض رجالها، فعاد «النديم» إلى القاهرة، وأيقن بالهلاك، فأعد العدة للهرب ~~والاستخفاء، وإذا به «فص ملح وداب»، تجد الحكومة وتضع له الأرصاد # 15 # وتوجه كل قوة للبحث عنه، ويبعث كل من سلطان باشا ورياض باشا منشورا لرجال ~~الإدارة بالجد والنشاط للقبض عليه، وتعلن مكافأة ألف جنيه لمن يرشد عنه، والعقوبة ~~القصوى لمن يخفيه فيذهب كل ذلك سدى، مدى نحو عشرة أعوام، وهو في كل أموره يحتال حيلا ~~أين منها حبل أبي زيد السروحي في مقامات الحريري؟ ويمثل روايات أين منها الروايات ~~البوليسية المعروفة؟ # لقد أعيت الحكومة أمره، فأصدرت عليه حكما غيابيا بالنفي المؤبد من القطر ~~المصري. # ها هو ذا أول مرة يذهب إلى «بولاق» ويستخفي عند صديق له وفي أياما حتى يخف عنه ~~الطلب، فيخرج وقد لبس «زعبوطا» أحمر، واعتم بعمامة حمراء وربط عينيه بمنديل، وأطال ~~لحيته، وأمسك عكازا طويلا، وتصنع أنه من مشايخ الطرق، ونزل في سفينة مع خادمه إلى ~~بنها، فلم يفطن له أحد. # وجزع خادمه وكان أميا، وأراد أن يرجع إلى أهله، فأيقن «النديم» أنه إذا عاد انكشف ~~أمره، فأخذ يقرأ الجريدة يوما، ثم تصنع إلى الفزع وقال: «لا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم»، فسأله الخادم عما أفزعه، فقال «النديم»: إن الحكومة قد جعلت لمن يرشد ~~عني ألف جنيه، ولمن يأتيها برأسه خمسة آلاف؛ فخاف الخادم، وأخذ يبالغ في التنكر أكثر من ~~سيده، واستراح من هذا الباب، وظل معه طول مدة الاستخفاء. وقال هو عن نفسه في هذه ~~الفترة: «خرجت من مصر مستخفيا فدرت في البلاد متنكرا، أدخل كل بلد بلباس مخصوص، ~~وأتكلم في كل قرية بلسان يوافق دعواي التي أدعيها، من قولي إني مغربي أو يمني أو فيومي ~~أو شرقاوي أو نجدي، ms49 وأصلح لحيتي إصلاحا يوافق الدعوى أيضا، فأطيلها في مكان عند دعوى ~~المشيخة، وأقصرها في آخر عند دعوى السياحة - مثلا - وأبيضها في بلد، وأحمرها في قرية، ~~وأسودها في عزبة». فأحيانا كان اسمه الشيخ يوسف المدني، وأحيانا الشيخ محمد الفيومي، ~~وأحيانا سي الحاج علي المغربي، وهكذا، وأحيانا كان يجتمع بمن يعرفهم فيثير عجبهم، ~~لأن المقدرة مقدرة «النديم»، ولكن يختلف في الشكل والصوت واللهجة ، فيقولون: سبحان الله ~~جل من لا شبيه له. # وساعد على نجاحه في هذا الاستخفاء أمور، منها: مهارته في حيله، وإتقانه لما يدعي، ~~فإذا ادعي أنه مغربي تكلم مغربي محكم، أو مدني فكذلك ادعي مرة - وهو في القرشية - أنه ~~عالم يمني، وذاعت شهرته في العلم والأدب حتى بلغت القاهرة، فأرسل إليه رياض باشا «سعد ~~زغلول» ليسأله عن مثل ورد ذكره في بعض الجرائد ولم يفهم معناه، فقابله على أنه عالم ~~يمني وفسر له. # 16 # وكان من مهارته في استخفائه أنه رأى جد الحكومة في طلبه، فاستعان برجل من الفرنسيين ~~يعرفه ويثق به، فأشاع عنه أن النديم هرب إلى «ليفورنو» في إيطاليا، ونقلت هذا الخبر ~~جريدة «الأهرام» وصدق الناس ذلك، وعنفت الحكومة رجال الضبط على إهمالهم حتى تمكن من ~~الخروج، فخف عنه الطلب، ولم يكن كل ذلك إلا خدعة. وكتب صاحب جريدة «المحروسة» مرة بعد ~~استخفائه بسنتين: إنه «قد تعددت الأقوال في مقر عبد الله النديم، فمن قائل إنه التجأ ~~إلى البلاد الإيطالية، ومن قائل إنه فر إلى طرابلس الغرب، ومن زاعم أنه أتى السودان ~~واتصل بالمهدي وصار له نديما، وقال قوم إنه سارع في السفر إلى «سيلان» للاجتماع ~~بعرابي، والحقيقة فيما نعلم أنه أتى باريس في الأيام الأخيرة، ونشر فيها مقالة أتى فيها ~~على ذكر الحرب العرابية، وندد بالمصريين، ونسب إليهم الضعف والجبن» إلخ. # ومنها عطف بعض الناس عليه، وإيمانهم بأن المروءة تقضي عليهم - وقد تزل بساحتهم - أن ~~يخفوا أمره إذا علموا، وأن يساعدوه على الاستخفاء مهما أغروا بالمال، كالذي كان من عمدة ~~«العتوة» بمديرية الغربية، وهو الشيخ محمد الهمشري، ms50 فقد نزل عنده وعرفه بنفسه، فأكرم ~~مثواه، وأقامه في داره أكثر من ثلاث سنوات في مكان منعزل له باب خاص؛ وزوجه؛ وزوج ~~خادمه؛ فلما توفى دعت زوجته أكبر أولادها، وقالت له: هل نطمع في المكافأة أو تكون كأبيك ~~شهما تحفظ الجار وتحمي اللاجئ؟ فوعدها بأن يكون كأبيه في حفظه؛ ووفى بذلك؛ حتى أحس ~~«النديم» بوشاية واش، فخرج من عندهم حامدا مروءتهم. # وصادفه مرة مأمور مركز شركسي، والنديم في تنقله بين البلاد، فعرفه، فصرف جنده ثم ~~اختلى به، وقال: لا ضرورة لتنكرك فقد عرفتك، وأعطاه ما معه من نقود، ورسم له خطة السير ~~في طريقه حتى لا يضبط. # وكان في أول مرة أمره شديد الحنين لأبيه وأمه وأخيه. لا يعرف ما صاروا إليه؛ شديد ~~الشوق لمعرفة كتبه وتآليفه وأوراقه التي تركها في بيته بالإسكندرية، ثم وسط الصديق ~~الفرنسي أن يتعرف كل ذلك ويأتيه بالأخبار؛ فعرف الفرنسي أن أسرته تشتت والناس تنكروا ~~لهم، والأرصاد وضعت حولهم، وإن أباه يقيم عند قريبة له في الريف، وأن كتبه وتأليفه التي ~~أنفق فيها تسعة عشر عاما، عندما ضربت الإسكندرية وهاجر منها أهلها وضعها أبوه في ثلاثة ~~صناديق كبار شحن بها عربة من عربات السكر الحديدية، فلما وصلت إلى كفر الزيات ازدحم على ~~القطار المسافرون من المهاجرين ازدحاما هائلا، فلم يسع رجال المحطة إلا أن يرموا جميع ~~ما بالعربة في النيل، ومنها الصناديق ال ثلاثة وفيها كل ثروته العقلية. # ثم لما هدأت الأحوال وخف عنه الطلب كان يتصل بأبيه وأخيه اتصالا منظما. # وتأتي عليه أزمات ثم تنفرج، فهذا عيد الأضحى وهو في «برية المندرة» يسكن وسط الحقول، ~~لا يسكانه أحد إلا زوجته، ولا يجد القوت الضروري، ويأتيه خادمه الذي يسكن بعيدا عنه ~~يشكو له البؤس والفقر وعدم القوت في يوم العيد، فما هو إلا أن بعث له رجل من أهل البر ~~والمروءة بما يملأ بيته قمحا وعسلا وسمنا وثيابا، كما يبعث الأطلس والحرير للبس ~~زوجته، وشيئا من ذلك الخادم وزوجته، وأتيح له من الفراغ ما مكنه ms51 من إكمال نفسه ~~بالمدرسة والتأليف، فكان إذا اطمأن في قرية قرأ ما تصل إليه يده من الكتب، وكانت مكتبته ~~في هذه الأيام مكتبة خفيفة يسهل حملها إذا دعا داعي الرحيل السريع، فكانت تفسير القرآن ~~لأبي السعود، وقاموس الفيروز أبادي، و«الوافي» في المسألة الشرقية لأمين شميل، وجغرافية ~~ملطبرون الذي ترجمه الشيخ رفاعة؛ وألف فيما يعن له في الدين والتاريخ. فكان هذا نعمة ~~عليه لم يستطعها في أيامه الأولى. كتب لصديق له في هذه الفترة يقول: إن سالت عني فأنا ~~بخير وعافية، وحالة رائقة صافية، لا أشعل فكري بما يأتي به الليل إذا كنت بالنهار، ولا ~~أتعب ذهني بتوالي الخطوب والأكدار، ولا أتألم من طول المدة، ووقع الشدة، لاعتقادي أن ~~لكل شدة مدة، متى انتهت جفت الأوحال، وحسنت الحال، فتراني فكري كليمي، وقلمي نديمي - ~~تارة أشتغل بكتابة فصول في علم الأصول، وأجمع عقائد أهل السنة، بما تعظم به الله المنة، ~~وحينا أشتغل بنظم فرائده، في صورة قصائد، ووقتا أكتب رسائل مؤتلفة، في فنونها مختلفة، ~~وآونة أكتب في التصوف والسلوك وسير الأخبار والملوك، وزمنا أكتب في العادات والأخلاق، ~~وجغرافية الآفاق، ومرة أطوف الأكوان، على سفينة تاريخ الزمان، ويوما أشتغل بشرح أنواع ~~البديع، في مدح الشفيع ... وقد تم لي الآن عشرون مؤلفا بين صغير وكبير، فانظر إلى آثار ~~رحمة الله اللطيف الخبير، كيف جعل أيام المحنة، وسيلة للمنحة والمنة. أتراني كنت أكتب ~~هذه العلوم، في ذلك الوقت المعلوم، وقد كنت أشغل من مرضعة اثنين وفي حجرها ثالث وعلى ~~كتفها رابع، وأتعب من مربي عشرة وليس له تابع، أشتغل بعض النهار بتحرير الجورنال، وأقضي ~~ليلي في دراسة الأحوال، مشتغلا بمجالس الجمعيات الخيرية ومدارسها التعليمية، وزيارة ~~الإخوان، ومراقبة أبناء الزمان، وقد نسيت الأهل والعيلة، وربما نسيت الطعام يوما ~~وليلة، فكنت كآلة يحركها البخار، لا سكون لها ما دام الماء والنار. فمتى كنت أنظر ~~للمخلفات، وأكتب هذه المؤلفات؟ # ولو أن نار مصيبتي # في الغير أصلاه الزفير # لكنها في ساحة # من فوقها جو مطير # هو صدق إيماني و ms52 # صبري للقضاء بلا نكير # ووقوف جيش عزيمتي # في باب مولاي البصير # وكان في رحلته برا بخادمه «حسين» الذي غير اسمه فسماه «صالحا»، وزوجه، وعلمه ~~القراءة، والكتابة، وحفظه جملة سور من القرآن، وعلمه الفقه والتوحيد، واتخذه ~~صاحبا. # وتواردت عليه أيام بؤس ومحن يشيب منها الوليد، تغضب عليه زوجته وتلطمه على فمه، حتى ~~تكاد تسقط ثناياه، وربما رأى - مع هذه الحال - أن إظهار نفسه للحكومة أهون عليه، ثم ~~يرتضاها ويصالحها، وأحيانا تتخاصم زوجته مع زوجة خادمه وتشتد الشحناء، وتهدده كلتاهما ~~بأن تفضح أمره، فيتدارك كل ذلك بحيله، وأحيانا يشعر بالخطر يهدده فيشتد في الحذر ~~والاستخفاء، حتى لقد استخفى مرة في قاعة مظلمة لا يتوصل إليها إلا من سرداب طويل مظلم، ~~يرشح الماء أرضها لقربها من ترعة، ولا يتمكن من القراءة والكتابة إلا على مصباح صغير ~~يضاء بالجاز فيملأ الحجرة دخانا، ويستمر فيها نحو تسعة أشهر، وأحيانا يبلغ به سوء ~~الحال مع الرغبة الشديدة في الكتابة أن يصنع الحبر من هباب # 17 # الفرن، ويضيف إليه بعض قرط السنط، ويتخذ أقلامه من الحجناء. # 18 # وهو على كل ذلك صبور، يعزيه أن يجد من أهل المروءة ما يخفف كربه، ويضمد ~~جرحه «فمحمد معبد» الحلاق «بشباس الشهداء» يؤويه في بيته، ويغمره بفضله، وينفق عليه ما ~~يحرم منه أسرته. و«أحمد جوده» الفلاح يصاحبه في انتقالاته في الظلام الحالك، ويعرض نفسه ~~من أجله للمخاطر. # لشد ما أتعب نفسه في استخفائه، وأتعب الناس معه ولكن ما أكثر ما أمتعهم أيضا ~~بأحاديثه وفكاهاته، ووعظه وسمره. # وأخيرا نزل «بالجميزة» فعرفه عمدتها وكتم أمره، ولكن رجلا اسمه حسن الفرارجي - كان ~~جنديا ثم استخدم جاسوسا - عرفه فكتب إلى السراي وإلى الداخلية، فأمرت بالقبض عليه، ~~وذهب وكيل حكمدار الغربية ومعه قوة من الجند فالتفوا حول البلدة، وأراد «النديم» الهرب ~~بحيله القديمة فلم يستطع، فاستسلم. وكان من حسن حظه أنهم لم ينتبهوا إلى أوراقه. وكان ~~في بعضها هجاء شديد للخديوي توفيق لو اطلعوا عليه لتغير مجرى حياته. وكان القبض عليه في ~~صفر سنة 1309ه. واستخفاؤه ms53 في ذي القعدة سنة 1299ه. وأرسل إلى طنطا للتحقيق معه، وكان ~~وكيل النيابة إذا ذاك قاسم بك أمين، فأحسن معاملته، وأمر بأن ينظف مكانه في السجن، ~~ويضاء كما يريد، وأن يمكن من شرب القهوة والدخان كما يشاء، وأمده بالمال من عنده. وكان ~~هم التحقيق متجها إلى معرفة من آواه، وهل كانوا يعرفونه أو لا يعرفونه؟ ولكنه أنكر كل ~~الإنكار أن يكون أحد ممن آواه يعرف حقيقته؛ ثم صدر أمر الخديوي توفيق بالعفو عنه ~~وإبعاده عن مصر إلى أي جهة شاء؛ فاختار يافا ونزل بها، فأكرمه أهلها، واتخذ بها دارا ~~جعلها منتدى للأدباء والعلماء، وطوف في فلسطين يشاهد آثارها، ويحج إلى مزاراتها، ويجتلي ~~حسن طبيعتها. # ثم مات توفيق وتولى عباس، فعفا عنه، وسمح له بالعودة إلى مصر سنة 1892 فعاد وفكر ~~طويلا فيما يفعل وأين يتجه، وتردد بين مصر والإسكندرية، وأخيرا عين اتجاهه، وقرر أن ~~ينشئ بالقاهرة مجلة «الأستاذ» فكان صفحة جديدة في باب جهاده. # 5 # كانت الظروف التي تولى فيها الخديوي عباس ظروفا دقيقة، شاب ناشئ في الثامنة عشرة من ~~عمره، دعي من (فينا) حيث يتعلم ليتولى الحكم في مصر، ومصر قد انتهت ثورتها العرابية ~~واطمأن الإنجليز إلى احتلالها، ووضعوا أسس نظامها، وتمكنوا من وضع أيديهم على كل شأن من ~~شئونها، وعباس الشاب لقن آراء الاستقلال والشعور بالوطنية والعزم على العمل لتسترد مصر ~~ما فقدت، وهو يعيب على جده إسرافه، ويعيب على أبيه توفيق استسلامه، وعلى رجال المعية ~~ضعفهم، وشباب الأمة يبلغه هذا الشعور فيجاوبه، فيتوجه الخديوي لصلاة الجمعة في المسجد ~~الحسيني فيقابله الشعب في حماسة، «ويتقدم الطلبة وغيرهم من المحتشدين بالسكة الجديدة - ~~نحو العربة الخديوية ويقصون جيادها ويجرونها بأنفسهم»، ويغير الخديوي رجال المعية ~~بغيرهم ممن هم أقرب إلى نفسه ومبادئه. # وفي ذلك الوقت كانت فرنسا تشعر بخطئها في سياستها الماضية التي آلت إلى ضعف نفوذها في ~~مصر، فأخذت تبحث عن طريقة لاسترداد بعض ما فقدت فرأت أن يكون من هذه السبل الالتفاف حول ~~«عباس». # وتركيا كذلك تأسف هذا الأسف، ms54 وتتجه هذا الاتجاه - وكل هؤلاء وهؤلاء يطالبون بالوفاء ~~بوعد إنجلترا بالجلاء عند صلاح الأمور. # والحكومة الإنجليزية تلوح في البرلمان الإنجليزي من طرف خفي بالنصح لعباس أن يتبع ~~سياسة والده في مسألة الإنجليز والتحالف معهم. # وأخذ الخديوي عباس يتصل بالشعب ويوسع نفوذه عن طريق الرحلات في المديريات، ومقابلة ~~الأعيان، وزيارة المعاهد والمدارس، كما أخذ يميل إلى مباشرة الأعمال بنفسه بالاتصال ~~بالمديرين، وتكليفه المختصين كتابة التقارير عن نظم التعليم والجيش ونحو ذلك، فبدأ شيء ~~من الجفاء بينه وبين اللورد كرومر، وتسرب ذلك إلى الشعب. # عند ذلك بدأت تظهر في البلد تيارات مختلفة، وبدأت توضع بذور الأحزاب المختلفة، وبدأت ~~تتجلى بوضوح اتجاهات الصحف المختلفة. # هذه تؤيد الحركة الوطنية وتناصر الميول الخديوية، إما عن إخلاص، وإما رغبة في الكسب، ~~وإما خدمة للسياسة الفرنسية، وهذه تؤيد السياسة الإنجليزية، إما رغبة في الاستفادة، ~~وإما عن عقيدة أيضا. # وظهر أثر ذلك في الجدل في المجالس والمناظرة في الصحف. # في هذا الأفق المملوء بالسحب، ظهر «عبد الله نديم»، وقد سمح له الخديوي عباس بدخول ~~مصر، فمكث قليلا يتعرف الأحوال، ويدرس ما فاته من شئون مصر مدة غيابه، ثم صح عزمه على ~~تحديد الغرض وإنشاء جريدة «الأستاذ» قال عنها: «إنها جريدة علمية تهذيبية فكاهية»، تصدر ~~يوم الثلاثاء من كل أسبوع، وظهر العدد الأول منها في أول صفر سنة 1310ه-23 أغسطس سنة ~~1992م، يتولى هو تحريرها، ويتولى أخوه إدارتها، وقد كتب في أول عدد منها أنها لا تتعرض ~~للسياسة العملية الإدارية؛ أما السياسة من حيث هي فن فإنها تدخل في موضوعها ~~العلمي. # كانت أول أمرها تعد امتدادا لجريدته «التبكيت والتنكيت» من حيث موضوعها وأسلوبها، ~~فهي تعني أكثر ما تعني بنقد العيوب الاجتماعية في المجتمع المصري، وفيها مقال أو نحو ~~ذلك في شئون الإصلاح السياسي من وجهة عامة، ثم هي تحرر باللغة العربية الفصحى في ~~المقالات السياسية الإصلاحية، وباللغة العامية في الموضوعات الاجتماعية. # والمطلع على ما كتبه في هذا العهد يرى أنه بعد رجوعه من مخبئه قد فوجئ بموجة من ~~الانحلال ms55 الخلقي في البلاد. فإفراط لم يكن معهودا من قبل في شرب الخمور، وعدم اكتراث ~~الشاربين ينقد الناقدين، وانتشار للخمارات في المدن والبلاد والقوى، وابتزاز الأروام ~~للأموال عن طريقها - وشعور النساء بالحرية، فهن يكثرن من الخروج في الشوارع متبرجات ~~بزينتهن، ثم الحشيش والمعاجين والإفراط فيها والاحتفاء بمجالسها. ثم استعمال كلمة ~~الحرية وسيلة للانهماك في اللذات والشهوات؛ وأعجب من ذلك السقوط في تقليد المصري ~~للأوربي تقليدا أعمى في لي لسانه بالقول، والتشدق باستخدامه كلمات أجنبية أثناء حديثه ~~بالعربية، ولبس الضيق المحبوك من الثياب الإفرنجية؛ فنقد كل ذلك في أسلوب قوي جريء، ~~واتهم الأوربيين بتشجيعهم هذه الأمور حتى يسقط الشرق وتنحل أخلاقه؛ ونقد كذلك منهاج ~~التعليم في البلاد، وخلوها من بث الروح القومية والعصبية المصرية؛ وحث أبناء البلاد على ~~إنشاء الجمعيات الخيرية التي تسد هذا النقص، ونحو ذلك. # وعجب مما رأى من أن كثيرا من أولي الرأي في الأمة أصابتهم الدهشة والرعب من ~~الاحتلال، فانطووا على أنفسهم، ولزموا دورهم، فإن تكلموا في الشئون العامة فمن وراء ~~حجاب، وتركوا الناس مبلبلة أفكارهم، مضطربة نفوسهم، لا يعرفون أين يتجهون، فدعا إلى ~~خروج ذوي الرأي من عزلتهم؛ واختلاطهم بالرأي العام في المجامع العامة، ويخطبون فيهم، ~~ويشرحون ما حدث وما يحدث، حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم. # في كل ذلك كتب «عبد الله نديم» في الأعداد الأولى من «الأستاذ» - ووجد النفوس مستعدة ~~لهذه الدعوات كأنها حائرة تنتظر الدليل، ضالة تلتمس الهادي، فانتشر «الأستاذ» انتشارا ~~فاق ما كان يتوقع، فقد كان يطبع منه حول ثلاثة آلاف، كأكبر جريدة يومية إذ ذاك، وأعيد ~~طبع الأعداد الأولى منه. # وقد حاول مرة أن يحرر الجريدة كلها باللغة العربية الفصحى، فأتته رسائل الاحتجاج ~~الكثيرة تذكر له خطأه، لأن المرأة تسمع مقالاته في بيتها، والعامي يسمعها وهو في مصنعه ~~ومتجره، والفلاح في حقله، وكلهم يستفيد من نقده، وكثير يتعظ بنصحه؛ فنزل عند رأيهم، ~~وأعادها كما كانت عربية فصيحة في بعضها، عامية في بعضها. # ثم نرى نغمته تعلو شيئا فشيئا في الميدان السياسي، ومناصرة ms56 الحركة الوطنية، ومؤازرة ~~الخديوي عباس، ومناهضة الاحتلال، حتى بدا ذلك واضحا في العدد الصادر في 17 يناير سنة ~~1983، فيفتتح العدد بمقال جريء عنوانه: «لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا»، وهي كلمة كانت ~~تتردد على لسان بعض الأوربيين يخاطبون بها الشرقيين، ويقع المقال في ست وعشرين صفحة من ~~أقوى ما يكتب، يصف فيها حالة الغرب وحالة الشرق ووسائل الاستعمار، وما إلى ذلك، ويندد ~~بالغربيين في أساليبهم، وبالشرقيين في غفلتهم، ويشرح ما تفعله الحكومات الغربية لترقية ~~شعوبها، وما تنشره في أمم الشرق لانحلالها، وما يفعله المصريون في تخاذلهم ~~وتواكلهم، # 19 # ويدعو إلى الالتفاف حول الخديوي ومطالبته بالمحافظة على حقوقه الشرعية؛ ~~ويختم المقال بقوله: «وبالجملة فقد بلغ السيل الزبى. # 20 # فإن رفونا هذا الخرق، وشددنا آزر بعضنا، وجمعنا الكلمة الشرقية، مصرية ~~وشامية وعربية وتركية، أمكننا أن نقول أوربا: نحن نحن، وأنتم أنتم، وإن بقينا على هذا ~~التضاد والتخاذل واللياذ # 21 # بالأجنبي فريقا بعد فريق، حق لأوربا أن تطردنا من بلادنا، وتصدق في قولها: ~~«لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا». # واستمر على هذه النغمة كذلك في الأعداد التالية؛ والمطلع على الحوادث التي كانت تجري ~~في تلك الأيام يرى أن علو هذه النغمة كان صدى لما يحدث من أزمات؛ ففي هذه الأيام بعينها ~~اشتد الجفاء بين الخديوي عباس واللورد كرومر، ففي 15 يناير سنة 1893 أقال الخديوي مصطفى ~~باشا فهمي منتهزا فرصة مرضه، وعهد إلى حسين فخري باشا في تشكيل الوزارة، فعارض اللورد ~~كرومر في تعيين الوزارة من غير أخذ رأيه؛ واشتد الأخذ والرد، وأنذرت إنجلترا الخديوي ~~إنذارا شديدا، وانتهت المسألة باستقالة حسين فخري وتعيين رياض باشا حسبما أشار اللورد ~~كرومر. وانتشر الخبر في الشعب، فأقبلت الوفود على الخديوي في 18 يناير تلقى الخطب في ~~تأييده في موقفه، وظهر أثر ذلك واضحا في الجرائد التي تناصر الحركة الوطنية، فكان هذا ~~هو السبب فيما نرى من حرارة مقالات النديم في تلك الأيام وما بعدها، ومناصرته للخديوي، ~~ومنازلته للجرائد المخالفة في قوة ووضوح. # وهو - مع هذا - توسع في اقتراحات ms57 الإصلاحات الاجتماعية، فينقد علماء الأزهر في ~~انزوائهم وعدم معرفتهم بالدنيا وما يجري فيها، ويضع برنامجا واسعا لإصلاح الأزهر، كما ~~ينقد الزراعة في مصر وتأخرها، ووجوب إصلاحها على أساس علمي صحيح، وفوضى اللغة العربية، ~~ووجوب إنشاء مجمع يحفظ كيانها ويكمل نقصها، والخرافات والأوهام، والطرق الصوفية وما ~~يجري فيها من مخاز وعيوب.. إلخ. # ثم علت نغمته طبقة أخرى، فأخذ ينقد الإنجليز صراحة في سياستهم في الهند ومصر، ويسب من ~~يلوذ بهم ويهيج الناس على المبشرين وطرق التبشير . # ويقول: إن السياسة تؤيدهم وتلعب ألاعيبها من ورائهم، فتألبت عليه الجرائد المخالفة له ~~في مذهبه من إنجليزية وعربية وحذرت منه، وقالت إنه يعد البلاد لفتنة بين المسلمين ~~وغيرهم، وبين المصريين بعضهم وبعض، ويحرك الضغائن بين المصريين والأجانب، ويهيئ لثورة ~~كالثورة العرابية، ونصحت لأولي الأمر من الإنجليز أن يأخذوا حذرهم منه وإلا ساءت ~~العاقبة، وشهرت به بعض الجرائد الإنجليزية كالتيمس، والديلي نيوز، وقالت إنه متعصب ~~للدين، مقبع لجميع أعمال الأوربيين، وإنه ثوري مهيج، وأيدتها المقطم، ودافع عنه المؤيد ~~والأهرام والوطن، وبعض الجرائد الفرنسية، ولم يأل هو جهد في منازلة خصومه والتشهير بهم، ~~وإعلان عدم المبالاة بما يجري له، فقد لاقى العذاب ألوانا في أيام استخفائه، فكل ما ~~سيناله هين بالقياس إلى ما لقي، وأعاد نشر قصيدة له في ذلك كان قد أنشأها في مخبئه، ~~ومنها: # إذا ما الدهر صافانا مرضنا # فإن عدنا إلى خطب شفينا # لنا جلد على جلد يقينا # فإذا زاد البلا زدنا يقينا # إذا ما المجد نادانا أجبنا # فيظهر حين ينظرنا حينا # يغنينا فيلهينا التغني # عن الباكي وينسينا الحزينا # ولسنا الساخطين إذا رزئنا # نعم يلقي القضا قلبا رزينا # إذا طاش الزمان بنا حلمنا # ولكنا نهينا إن نهينا # وأخيرا طلب اللورد كرومر من الخديوي عباس نفيه فأطاع، ولم يستطع أن يحمي من كان ~~يحميه، وودع «الأستاذ». قراءه في آخر عدد منه صدر في 13 يونيه سنة 1893. فكان عمره أقل ~~من عام، ولم يذكر في وداعه السبب الحقيقي الذي من أجله أغلق «الأستاذ» ونفى صاحبه، بل ms58 ~~قال إن سبب ذلك المرض وحاجته إلى الاشتفاء، وقال في آخر وداعه: وما خلقت الرجال إلا ~~لمصابرة الأهوال، والعاقل يتلذذ بما يراه في فصول تاريخه من العظم والجلال، وعلى هذا ~~فإني أودع إخواني قائلا: # أودعكم والله يعلم أنني # أحب لقاكم والخلود إليكم # وما عن قلي كان الرحيل وإنما # دواع تعددت فالسلام عليكم # وكان ينشر ملحقا «للأستاذ» هو صفحات من كتاب ألفه وهو في المخبأ اسمه «كان ويكون» ~~جمع فيه بعد، ولم يتم نشره، كان يريد من تدوينه عرض خلاصة أفكاره الدينية واللغوية ~~والسياسية والأدبية والتاريخية والإنسانية، ملتزما فيه حرية الفكر، وعدم التعصب لدين ~~أو جنس، ذاكرا فيه ما شاهده في مصر من أحداث، مبينا ما وراءها من علل. # ووضعه على نمط قصصي، إذ كان له صديق فرنسي أتى من باريس قبل الثورة العرابية، وتعلم ~~العربية والتركية، وأقامه في مصر متتبعا حوادثها، وعرف عبد الله نديم في الإسكندرية ~~سنة 1292 هجرية، وتوثقت بينهما الصلة، وكانت له ضيعة قريبة من البلدة التي اختبأ فيها ~~«النديم» فاتصل به في مخبئه، وكان الفرنسي يزوره ويخدمه في قضاء أغراضه؛ وكثيرا ما ~~يدور الحديث بينهما في الدين والسياسة فبنى كتابه «كان ويكون» على هذا، ودون فيه ما كان ~~يدور بينهما من حديث وجدل، وأكثر ما نشر كان في أصول الأديان، وتاريخ اليهودية ~~والمسيحية والإسلام، يتخلل ذلك بعض أخبار عن أحواله في مخبئه، وبعض نظرات سياسية. ومما ~~يؤسف له أن إقفال جريدة «الأستاذ» حال بينه وبين نشر القسم السياسي والتاريخ المصري من ~~الكتاب، وما نشر منه يدل على نظر عميق واطلاع واسع وسماحة دينية لطيفة، وعاطفة جياشة ~~بحب الخير لمصر والشرقيين. # 6 # خرج «النديم» إلى يافا؛ حيث كان قبل العفو عنه، ورتبت له الحكومة المصرية خمسة وعشرين ~~جنيها شهريا يعيش بها، على شرط ألا يكتب شيئا في الجرائد يتصل بسياسة مصر. # وما لبث أربعة أشهر في يافا حتى وشى به الوشاة بأنه يطعن في سياسة الدولة العليا، ~~ويلمز السلطان، فصدر الأمر بإبعاده أيضا. # فأخذ يذرع الأرض لا ms59 يعرف أن يستقر، فلا مصر تقبله، ولا أي أرض من أراضي الدولة ~~العثمانية تحله، ونزل الإسكندرية أياما حتى تحل مشكلته. # وقد كان كثير من أحرار العثمانيين إذ ذاك قد سافروا إلى أوربا ومصر، وأنشأوا الجرائد ~~يطالبون بالدستور وبإصلاح الدولة، وينقدون السلطان نقدا مرا. فكان من سياسة عبد ~~الحميد في بعض الأوقات أن يسترضي هؤلاء الناقمين، ويحبب إليهم الإقامة في الآستانة تحت ~~سمعه وبصره، ويجري عليهم الرزق الواسع، ويسند إليهم بعض المناصب، فيتقي آذاهم، ويستجلب ~~رضاهم. فاحتشد في الآستانة من أرباب القلم واللسان عدد كبير، منهم السيد جمال الدين ~~الأفغاني وغيره من أدباء الترك وشعرائهم وساستهم، فكان أن الغازي مختار باشا أشار على ~~الدولة العليا أن تعامل عبد الله نديم هذه المعاملة فقبلت. وسافر إلى الآستانة، وصدرت ~~الإرادة السلطانية بتعيينه مفتشا للمطبوعات بالباب العالي بمرتب 45 جنيها مجيديا، ~~مضافة إلى الخمسة والعشرين التي يتقاضاها من مصر - ينفق كل ذلك على نفسه وإخوانه، ومن ~~يبره من أهله وأ قاربه، ومن أيام. المنصورة عرف بأنه صناع القلم واللسان، وأخرق ~~اليد. # 22 # دخل الآستانة، فدخل القفص الذي دخل في مثله جمال الدين الأفغاني، وغاية الأمر أن قفص ~~جمال الدين ضيق من ذهب، وقفص النديم واسع من حديد، يختلفان بمقدار الخطر من كل منهما ~~ومكانته وحسبه ونسبه، فالسيد جمال الدين يخصص له بيت فخم، ويجعل تحت أمره عربة وخدم ~~وحشم، ويجرى عليه 75 ليرة في الشهر، وتعرض عليه مشيخة الإسلام فيأبى، وعبد الله نديم ~~يعين مفتشا للمطبوعات بخمسة وأربعين ليرة، ولا بيت ولا خدم - ولا غرو فالسيد جمال ~~الدين سيد في طبعه وحسبه ونسبه، كان يعد نفسه قريبا للشاه والسلطان، لا يقل عنهما إلا ~~بما شاء القدر من تحليتهما بالملك وعطله منه، وعبد الله نديم يرى أنه من الشعب وابن ~~الشعب وخادمه، لا يمتاز إلا بما منحه الله من ذكاء ولسن. إذا دعا السيد جمال الدين إلى ~~الإصلاح شعر بأنه يخطب الناس من أعلى مكان يشرف عليهم، وهو غضوب وقور، وإذا دعا ~~«النديم» شعر بأنه ms60 واقف في وسطهم يضحك لهم ويضحك منهم ويصلحهم. ولهذا كان جمال الدين ~~جليلا يسمع لقوله في رهبة وخشية، وينصح الناس وكأنه يضربهم بالسياط، كأن النديم ~~محبوبا يقابل بالابتسام، ويقبل قوله في فرح، ولذلك كان أسف الناس في مصر على فراق ~~النديم أكثر من أسفهم على فراق جمال الدين، لأن سؤدد # 23 # جمال الدين في الخاصة وسؤدد النديم في العامة. # وعجيب أن يقبل «نديم» (وظيفة) مفتش للمطبوعات وهو الذي ينال الأذى دائما من إدارة ~~المطبوعات، وأن يرضى أن يتحكم في الصحف، وهو الذي كان يأبى أن يتحكم فيه أحد، وأن يكون ~~أداة لتقييد الحرية، بعد أن كان داعية لتأييد الحرية!! ولكن يخفف من هذا أن «الوظيفة» ~~كانت صورية محضة، وكان الغرض منها أن يمنح المكافأة في مظهر غير وضيع. # ها هو ذا في الآستانة قد عطلت كل مواهبه، فلا خطابة ولا كتابة، ولا تهييج ولا تحميس، ~~وهو في وسط يكاد يختنق منه، ولا يفرج عنه إلا مجلس السيد جمال الدين، يحادثه ويسامره، ~~وكل يشكو إلى صاحبه قفصه. # ولكن أنى لصاحب هذا اللسان أن يهدأ؟ # لقد وقع الخصومة مع أبي الهدي الصيادي كما وقع فيها معه السيد جمال الدين، ولكن السيد ~~عف اللسان في الخصومة الشخصية، أما «النديم» فويل لمن عاداه. # كان أبو الهدي عجبا من العجب، إذا أرخت الدولة العثمانية في عهد عبد الحميد احتل ~~كثيرا من صفحات تاريخها، وكان مستترا وراء الصفحات الباقية، يرن اسمه في كل أنحاء ~~المملكة من مصر وسورية والعراق وتونس والجزائر، ويتقرب إليه الولاة في حل كل عظيمة - ~~أثبت به القدر أنه على كل شيء قدير. # سوري من حلب، فقير المال والحسب، دفعته المقادير إلى الآستانة، وكان ماهرا ذكيا ~~وسيم المحيا، ماضي العزيمة، قادرا على معرفة نفوس الناس ومن أن تؤتي، فتغلب على عقل ~~السلطان عبد الحميد بأحلامه وتفسيراته، والطرق ومشيختها، فربط نسبه بأعلى نسب، فهو قرشي ~~هاشمي علوي، وهو في الطريقة رفاعي له الأتباع الكثيرون، لا يعبأ بالمال يأتيه على كثرته ~~فينفقه ويستدين، لأن عز ms61 الجاه والسلطة عنده أقوى من عز المال. # له أعين تأتي له بكل الأخبار، فيستغلها أمهر استغلال. لم يقف عند الدين والولاية ~~والصوفية، بل مد نفوذه إلى الشئون السياسية والإدارية والعسكرية؛ يحلم فلا حد لحلمه، ~~ويبطش فلا حد لبطشه سمي «مستشار الملك» و«حامي العثمانيين» و«سيد العرب»، استمال كثيرا ~~من الأمراء والوجهاء والأعيان والعلماء والأدباء فكانوا عونا له على كل ما أراد؛ يبطش ~~بهم حين يريد البطش، ويؤلف بهم الكتب حين يريد شهرة العلم، وينظم بهم القصائد حين يريد ~~الأدب والشعر، إلى كرم وسماحة وحسن حديث. # الدنيا كلها يجب أن تسخر لشخصه، وأن تخضع لأمره، الحق ما أتى من طريقه، والباطل ما ~~أتى من طريق غيره - عدو كل سلاح، وخصيم كل حر. كم له من ضحايا في السجون، وفي أعماق ~~البحار، وفي ذل الفقر، وفي بؤس المنفى. تتملقه الأمراء، وتهابه العظماء. # وكم أنفذ أمره وأبطل أمر السلطان، وكم تدلل على عبد الحميد فاسترضاه، وبالغ في الطلب ~~فأوفاه!! # 24 # هذا أبو الهدي الصيادي الذي لم يتحرز عبد الله نديم أن يخاصمه وينازله، ويطلق فيه ~~لسانه، ووضع فيه كتابا سماه «المسامير»، لم ينشر في حياته، وهو كتاب لا يشرف الصيادي ~~ولا عبد الله نديم، لأنه استعمل فيه أسلوبا وضيعا وهجاه فيه هجاء مقذعا. # وبلغ أبا الهدي أمر هذا الكتاب المخطوط، فأبلغ السلطان عبد الحميد أن فيه أيضا هجاء ~~له؛ فبحث عنه طويلا من غير جدوى، استطاع «جورج كرتشي» الذي كانت متصلا بالسيد جمال ~~الدين و«النديم» أن يحتفظ به ويخفيه ويفر به إلى مصر، ثم يطبعه. # لم تطل حياة «النديم» في الآستانة طويلا، فقد أصيب بالسل، واشتدت عليه العلة، فمات ~~في العاشر من أكتوبر سنة 1896، واحتفل بجنازته احتفالا كبيرا مشى فيه السيد جمال ~~الدين - الذي لحقه إلى ربه بعد أشهر - ودفن في مدفن يحيى أفندي في «باشكطاش». # وكانت أمه وأخوه قد علما بشدة مرضه، فسافرا إليه، ولكن لم يدركاه إلا ميتا، ووجدا ~~متاعه وأثاثه وكل شيء له قد نهب، فعادا وليس في يدهما إلا الحزن ms62 والأسى. # مات في نحو الرابعة والخمسين من عمره، فلم يكن بالعمر الطويل، ولكنه عمر عريض فطالما ~~غذى الناس بقلمه وهيجهم بأفكاره، وأضحكهم وأبكاهم، وحير رجال الشرطة. وأقلق بال رجال ~~السياسة، ونازل خصومه من رجال الصحافة، فنال منهم أكثر مما نالوا منه، ولم يهدأ له لسان ~~ولا قلم حيث حل، ولا على أي حال كان، حتى هدأه الموت الذي يهدئ كل ثائر. # مهما أخذ عليه فقد كان عظيما! # فتح للناس في جريدتيه «التبكيت والتنكيت» و«الأستاذ» أبوابا من الإصلاح الاجتماعي ~~كانت مغلقة، في التعليم والزراعة، واللغة والصناعة، والأخلاق وما إلى ذلك، فسار ~~المصلحون على أثره. # وكانت الجرائد المشهورة في عهده «المقطم» و«الأهرامات» و«المؤيد» و«النيل»، وكان لها ~~ثلاث اتجاهات: منها ما يسالم الاحتلال ويؤيده، ومنها ما يؤيد الحركة الوطنية ويؤيد من ~~ورائها السياسة الفرنسية، ومنها ما يؤيد الحركة الوطنية والنزعة الإسلامية والارتباط ~~بالدولة العثمانية، وكل منها يعرض وجهة نظره في شيء من الهدوء والرزانة والوقار. فلما ~~طلع «الأستاذ» دعا إلى أن مصر للمصريين، لا لتركيا ولا للأوربيين، وناصر الحركة الوطنية ~~والالتفاف حول الخديوي أمير البلاد، ودعا الذين غلبهم الخوف بعد الاحتلال أن يبرزوا من ~~مكامنهم، ويمسحوا الخوف عنهم، ويتصلوا بالجمهور ليوقظوه، ودعا إلى تأليف الأحزاب حتى ~~يكون كل جريدة حزبها، ولكل حزب برنامجه؛ ولم يسلك سبيل الهدوء كما سلكه معاصروه، بل كان ~~حادا عنيفا، والحدة منه استتبعت الحدة من الجرائد الأخرى، والغضب يبعث الغضب، والصوت ~~العالي يبعث في الرد عليه الصوت العالي، فتميزت الجرائد بعضها عن بعض في وضوح ~~وجلاء. # وكانت هذه الحدة وهذا الجدل المتتابع في المسائل العامة أكبر موقظ للرأي العام ~~النائم، يفهمه موقفه وما يضره وما ينفعه، وأي غاية يريد منه هؤلاء وهؤلاء، ومواطن ضعفه، ~~وكيف السبيل إلى قوته، وللنديم الفضل الكبير في ذلك. # وكانت جريدة «الأستاذ» هي الأستاذ لمصطفى كامل، تعلم منها الاتجاه والنغمة، وإن ~~اختلفا من حيث الثقافة والأسلوب بحكم الزمن والأحداث والظروف. # نعم كان في «النديم» شيء من التهريج كالذي رأيناه. وكان من تهريجه أنه كان في ms63 أول مرة ~~يرتدي الثياب الإفرنجية، فلما ظهر بعد الاستخفاء لبس الجبة والقفطان، واعتم بعمامة ~~خضراء، وادعى أنه شريف إدريسي ينتسب إلى الحسن بن علي، وكثير من الواقفين على الحقيقة ~~ينكر ذلك، وربما دعاه إلى هذا شعوره بمركب النقص، من حيث نشأته الفقيرة المتواضعة، وما ~~مرن عليه من التصنع أيام الاستخفاء، وحالة الوسط الذي عاش فيه من أنه لا يمجد إلا ذا ~~الثراء أو ذا الحسب - ومع هذا فالعظيم يقدر بكله لا ببعضه. # كانت عظمته في ذكائه وقوة لسنه. وقال فيه المرحوم أحمد باشا تيمور: «كان شهي الحديث، ~~حلو الفكاهة، إذا أوجز ود المحدث أنه لم يوجز، لقيته مرة في آخر إقامته بمصر فرأيت ~~رجلا في ذكاء إياس، وفصاحة سحبان، وقبح الجاحظ. أما شعره فأقل من نثره، ونثره أقل من ~~لسانه، ولسانه الغاية القصوى في عصرنا هذا». # كان السيد جمال الدين يعجب بقوة حجة النديم في؛ المناظرة والجدل، وسرعة بديهته، وشدة ~~عارضته، # 25 # ووضوح دليله، ووضعه الألفاظ وضعا محكما بإزاء معانيها إن خطب أو ~~كتب. # ثم هو شجاع لا يخاف، يلذه مواجهة العظماء ومنازلة الكبراء في غير خوف ولا وجل، إلى ~~تواضع مع العامة ومضحكاتهم ومؤانسته وملاطفتهم، لا يعبأ بالقول ولا يخاف البطش، فإذا ~~نزل أحد وسلط عليه لسانه كانت الكارثة، نازل الخديوي توفيق والاحتلال، وأبا الهدي ~~الصيادي، ولكل جاهه وسلطانه الذي أذل أعناق الكثيرين، كل ذلك وهو فقير يعيش من يده إلى ~~فمه، ما أتاه أتلفه، وما وصل إلى يده بدده، معتمدا على ربه الذي يرزقه كما يرزق الطير ~~تغدو خماصا وتروح بطانا. # ضعيف الجسم كثير العلل، وربما كان ذلك هو السبب في موت أولاده جميعا في طفولتهم، فقد ~~رزق قبل الاستخفاء بمحمد، وعثمان، وإلياس، وفاطمة، وعائشة، وسكينة، وخديجة. كما رزق ~~أيام الاستخفاء بحفصة وريا. وكلهم لم يعش طويلا. ومع هذا فهو - على مرضه - دائب العمل ~~دائم الحركة، لا يعتريه كلل ولا ملل؛ يود أن يخلد اسمه بالعمل، بعد أن حرم تخليد اسمه ~~بالمولد. # أعد نفسه إعدادا عظيما بكثرة الخبرة ms64 وسعة التجربة، فكان كما حدث عن نفسه: «أخذت عن ~~العلماء، وجالست الأدباء، وخالطت الأمراء، وداخلت الحكام، وعاشرت أعيان البلاد، وامتزجت ~~برجال الصناعة والفلاحين والمهن الصغيرة. وأدركت ما هم فيه من جهالة، ومم يتألمون، ~~وماذا يرجون، وخالطت كثيرا من متفرنجة الشرقيين، وألممت بما انطبع في صدورهم من أشعة ~~الغربيين. وصاحبت جما من أفاضل الشرقيين المتعلمين في الغرب، وعرفت كثيرا من ~~الغربيين، ورأيت أفكارهم - عالية أو سافلة - فيما يختص بالشرقيين، والغاية المقصودة ~~لهم، واختلطت بأكابر التجار، وسبرت ما هم عليه من السير في المعاملة أو السياسة. ~~وامتزجت بلفيف من الأجناس المتباينة جنسا ووطنا ودينا، واشتغلت بقراءة كتب الأديان ~~على اختلافها، والحكمة والتاريخ والأدب، وتعلقت بمطالعة الجرائد مدة، واستخدمت في ~~الحكومة المصرية زمنا، واتجرت برهة، وفلحت # 26 # حينا، وخدمت الأفكار بالتدريس وقتا، وبالخطابة والجرائد آونة - واتخذت هذه ~~المتاعب وسائل لهذا المقصد الذي وصلت إليه بعناء كسائي نحول الشيخوخة في زمن بضاضة ~~الصبا، وتوجني بتاج الهرم الأبيض بدل صبغة الشباب السوداء. فصورتي تريك هيئة أبناء ~~السبعين، وحقيقتي لم تشهد من الأعوام إلا تسعة وثلاثين». # وربما كان أعظم شيء فيه ثباته على مبدئه؛ باع نفسه لأمته حسبما يعتقد الخير لها، ولم ~~يتحول عن ذلك على كثرة من تحول في مثل مواقفه. هؤلاء زعماء الثورة العرابية حاولوا أول ~~أمرهم ينكروا ما فعلوا، فلما لم ينفعهم إنكارهم وعوقبوا عادوا وخضعوا، وعاشوا في مسألة ~~ومهاودة. أما هو فلم ينكر ما قال. ولقي في مخبئه الأهوال. وكان جديرا بمن لقي ذلك كله ~~أن يهدأ، وإذا هدأ فلا لوم عليه. ولكنه ظل يجاهد، وينفي فيجاهد، ويعفي عنه فيجاهد. ~~ويحذر فلا يحذر، ويطمع فلا يطمع، حتى لقى مولاه رحمه الله. # | السيد عبد الرحمن الكواكبي (1265-1320ه، 1848-1902م) # 1 # من بيت في «حلب» يعتز بنسبه وحسبه وعلمه وجاهه وماله، فأسرة الكواكبي كانت فيها نقابة ~~الأشراف في حلب، ولها مدرسة تسمى المدرسة الكواكبية، وأبوه أحد المدرسين في الجامع ~~الأموي بحلب والمدرسة الكواكبية فيها. # تعاون على تربية بيته وما في تقاليده من عزة وإباء وشمم ms65 وأنفة من الصغائر وخالة له ~~تعهدته بعد وفاة والدته وهو صغير. وكانت من نوادر النساء في الشرق، عرفت بالأدب ~~والكياسة وكبر العقل. فطرته التي فطر عليها ميل إلى الحق، وحب الخير والاستجابة للتربية ~~الصالحة. # كل هذا جعل منه رجلا يستعصي على ناقد الأخلاق نقده، مؤدب اللسان فلا تؤخذ عليه هفوة، ~~يزن الكلمة قبل أن ينطق بها وزنا دقيقا، حتى لو ألقى عليه السلام لفكر في الإجابة، ~~متزن في حديثه، إذا قاطعه أحد سكت وانتظر حتى يتم حديثه، ثم يصل ما انقطع من كلامه، ~~فيؤدب بذلك محدثه، نزيه النفس لا يخدعها مطمع ولا يغريها منصب، شجاع فيما يقول ويفعل، ~~مهما جرت عليه شجاعته من سجن وضياع مال وتشريد، وهو - مع أنفته وعزته وصلفه # 1 # على الكبراء - متواضع للبائسين والفقراء، يقف دائما بجانب الضعفاء، يشع ~~على من يجالسه الاتزان والتفكير الهادي، وحب الحق ونصرة المبدأ، والتضحية ~~للفضيلة. # تعلم كما كان يتعلم ناشئة زمانه الدينيون، لغة عربية ودين في مدرسة أسرته بحلب - ~~«المدرسة الكواكبية» - وكانت مدرسة تسير على الطريقة الأزهرية فيما يقرأ من كتب، وما ~~يتبع من منهج، ولكنه أكمل نفسه بقراءته بعض العلوم الرياضية والطبيعية، وأحضر له والده ~~من الفارسية والتركية، وطالع بنفسه كثيرا من الكتب التاريخية، وعنى بدراسة قوانين ~~الدولة العثمانية. # فلما أتم دراسته انغمس في الحياة العملية، وتنوعت أعماله، وتباينت اتجاهاته، فمن محرر ~~لجريدة رسمية، إلى رئيس كتاب المحكمة الشرعية، على قاض شرعي في بلدة من البلاد السورية، ~~إلى رئيس البلدية. ثم هو بين الحين والحين يعتزل الوظائف الحكومية فينشئ لنفسه جريدة في ~~«حلب» اسمها الشهباء، أو يشتغل بالأعمال التجارية، أو يقوم بمشروعات عمرانية، ومن كل ~~ذلك يستفيد خبرة وتجربة بالحياة. وفي كل الأعمال الحكومية والحرة يصطدم بنظام الدولة، ~~وباستبداد الحكام، وفساد رجال الإدارة، فينازلهم وينازلونه، ويحاربهم ويحاربونه، وينتصر ~~عليهم حينا، وينتصرون عليه حينا، وسلاحه دائما النزاهة والعدل والاستقامة، وسلاحهم ~~دائما الدسائس واتهامه بخروجه على النظام، ودعوته للشغب، وما شاكل ذلك مما هو عادة ~~الظالمين، وكانت البلاد التي يعيش فيها ms66 موبوءة بحكم «عبد الحميد» لا يستطيع أن يعيش ~~فيها حر صريح، ولا ينجح فيها تاجر نزيه، ولا موظف جريء مستقيم، وهذا النوع من الحكم عدو ~~كل كفاية، وقاتل كل نبوغ! # ارتفع شأنه في بلده، فكان يقصده أصحاب الحاجات لقضائها، والمشاكل لحلها، ورجال ~~الحكومة أنفسهم يستشيرونه فيما غمض عليهم، وهو في كل ذلك جريء فيما يقول، لا يقر ظالما ~~على ظلمه، ولا يسالم جائرا لمنصبه أو جاهه. من أجل هذا غاضب «عارف باشا» والي «حلب» ~~وأخذ يعدد سيئاته وينقم عليه تصرفاته، ويحرض الناس على رفع صوتهم معه بالشكوى منه ~~لرؤسائه في الآستانة، فانتقم «عارف باشا» لنفسه، فزور على «الكواكبي» أوراقا واتهمه ~~بأنه يسعى لتسليم «حلب» لدولة أجنبية، وحبسه وطلب محاكمته، فبذل الكواكبي ورجاله جهدا ~~كبيرا ليحاكم في ولاية غير ولاية «حلب»، وحوكم في بيروت، فحكم ببراءته، وظهرت خيانة ~~الوالي ومكايده فعزل. # وكان من أعداء «الكواكبي» أيضا «أبو الهدى الصيادي» الذي سبق وصفه في ترجمة «عبد ~~الله نديم» لأن «الكواكبي» أبى الاعتراف بصحة نسبه. ولاعتداء «أبي الهدى» على بيتهم ~~بأخذ نقابة الأشراف لنفسه منهم، فكان «أبو الهدى» أيضا يدس له، ويغري ولاة الأمر ~~به. # فكان من نتيجة محاكمته على التهمة التي اتهمه بها «عارف باشا»، ومن معاكسة «أبي ~~الهدى» وأعوانه له حتى في تجاربه، إن خسر ألوف الجنيهات من ماله، فاحتمل ذلك بنفس قوية ~~لا تجزع ولا تتحول. # وأنصع صفحة في تاريخ حياته قوة شعوره بفساد حال المسلمين، وتخصيص جزء كبير من حياته ~~في تعرف أحوالهم في جميع أقطار الأرض، وتشخيص أمراضهم وتلمس العلاج لهم؛ فعكف على ~~مطالعة تاريخهم في ماضيهم وحاضرهم، وما كتبه الكتاب المحدثون في ذلك في الكتب والمجلات ~~والجرائد، ودرس أحوال المسلمين في المملكة العثمانية. ثم رحلته إلى كثير من بلاد ~~المسلمين، فساح في سواحل إفريقيا الشرقية، وسواحل آسيا الغربية؛ ودخل بلاد العرب وجال ~~فيها، واجتمع برؤساء قبائلها، ونزل بالهند وعرف حالها، وفي كل بلد ينزلها يدرس حالتها ~~الاجتماعية والاقتصادية، وحالتها الزراعية، ونوع تربتها وما فيها من معادن ونحو ms67 ذلك، ~~دراسة دقيقة عميقة؛ ونزل مصر وأقام بها، وكان في نيته رحلة أخرى إلى بلاد المغرب يتم ~~فيها دراسته. ولكنه عاجلته منيته. # نشر نتيجة دراسته في مقالات كتبت في المجلات والجرائد، ثم جمعت في كتابين: اسم أحدهما ~~«طبائع الاستبداد»، والآخر «أم القرى»: الأول في نقد الحكومات الإسلامية، والثاني أغلبه ~~في نقد الشعوب الإسلامية. # لقد كان الحديث في مثل هذه الموضوعات التي مسها «الكواكبي» في «طبائع الاستبداد» و«أم ~~القرى» من الموضوعات المحرمة، لأنها تمس نظام الحكم من قريب، وتفهم الشعوب حقوقهم ~~وواجباتهم ، وتقفهم على مناحي الظلم والعدل، وتهيئتهم للمطالبة بالحقوق إذا سلبت، ~~والقيام بالواجبات إذا أهملت، وهذا أبغض شيء لدى الحاكم المستبد، لذلك رأينا الشرق من ~~بعد ابن خلدون أغلق هذا الباب، ولم يفتحه أي باحث بعده، وصار كتاب ابن خلدون مقدمة بلا ~~نتيجة. والعلوم التي حوفظ عليها واستمرت دراستها هي علم النحو والصرف واللغة والفقه، ~~لأنها لا تمس الحاكم من قريب ولا بعيد، ولا تفهم الناس أين هم من حاكمهم وأين حاكمهم ~~منهم. والأدب مداح للملوك والحكام، يجعل ظلمهم عدلا وفسادهم صلاحا، فإذا أعطاهم الحاكم ~~قليلا مما سلبه من أمتهم هللوا وكبروا، وعجبوا من كرمه الحاتمي، وسخائه الذي لا نظير ~~له. والمؤرخون لا يؤرخون إلا شخصه في حياته وأعماله وحروبه وزوجاته وأولاده، أما الشعب ~~فلا شيء إلا أن يكون مزرعة للحكام. وأحب علم إلى الحكام المستبدين وادعاهم لنصرته هو ما ~~لا يتصل بالحكم ونظامه، ورجال الدين المقربون هم الذين يدعون إلى التسليم بالقضاء ~~والقدر، ويستطيعون أن يولدوا المعاني من مثل «السلطان ظل الله في أرضه». أما علم ~~الاجتماع وعلم السياسة والاقتصاد فلم يعرفه الشرق بعد ابن خلدون بتاتا. # كان هذا في الشرق، على حين أن الغربيين بدأوا بعد ابن خلدون يبحثون في المجتمعات ~~بحثا واسعا، يتعرفون علل الجماعات وأمراضها وأنواع الحكومات ومزايا كل شكل وعيوبه، ~~ويتحررون من القيود، ولا يعبثون بالتضحيات في سبيل الحريات، ويبني لاحقهم على ما وصل ~~إليه سابقهم. # وبلغ الضيق في الشرق منتهاه في عهد السلطان عبد ms68 الحميد، ولكن شدة الضغط تولد ~~الانفجار، والقسوة تفتق الحيلة. وتوالي الاضطهاد يولد البغضاء، فكثرت في هذا العهد ~~الجمعيات السرية تعمل لتحرير البلاد العثمانية من الظلم، وتعمل لوضع نظام ديمقراطي لا ~~يكون فيه السلطان الحاكم بأمره، وفر كثير من العثمانيين إلى أوربا يدرسون نظم الحكم ~~الأوربي وما وصلت إليه أوربا من البحوث الاجتماعية، وأخذوا يكتبون ذلك في جرائدهم ~~ومجلاتهم التي يحررونها خارج الحدود العثمانية، ومنها تتسرب إلى البلاد نفسها. وأخذت ~~مصر بعد انفصالها من حكم العثمانيين تؤوي الأحرار، وتؤيد القول في نقد نظام الحكم، ~~وظهرت في الجرائد والمجلات مقالات بالعربية في تشريح أحوال الجماعات وأصول الحكومات، ~~وترجم إلى العربية «أصول النواميس والشرائع» لمنتسكيو. وبدأت موجات البحث الاجتماعي في ~~أوربا تصل إلى الشرق من طريق الترجمة وطريق المثقفين في أوربا. # في هذا الوسط طلع الكواكبي، وكان ظهوره بكتابيه جرأة كبيرة. لقد استفاد مما نقل عن ~~الغرب، ولم يكن يعرف لغة أوربية، إنما يعرف العربية والتركية والفارسية، فاستفاد مما ~~نقل إليها، ومما كان يترجم له في هذا الباب خاصة. وقد ظهر أثر هذا الاقتباس في كتابه ~~«طبائع الاستبداد». أما كتابه «أم القرى» فبحث مبتكر يدل على كبر عقله، وقوة تفكيره، ~~وسعة اطلاعه، وصدق غيرته على العالم الإسلامي. # أما كتاب «طبائع الاستبداد»، فقد نشر - أولا - مقالات في بعض الصحف عندما كان في مصر ~~سنة 1318ه، ثم جمعها في كتاب وقال في أوله: ~~«إني نشرت في بعض أبحاثا علمية سياسية في طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، ~~منها ما درسته، ومنها ما اقتبسته، غير قاصد بها ظالما بعينه، ولا حكومة مخصصة، ~~إنما أردت بذلك تنبيه الغافلين لمورد الداء الدفين، عسى أن يعرف الشرقيون أنهم ~~هم المتسببون لما هم فيه، فلا يعتبون على الأغيار، ولا على الأقدار، ثم أضفت ~~إليها بعض زيادات، وحولتها إلى هيئة هذا الكتاب». # وقد اقتبس فيه كثير من أقوال «الفيري» ولا أعرف كيف وصلت إليه وألفيري، كاتب إيطالي ~~عاش من سنة 1749-1803، من بيت نبيل وقد ساح في أوربا نحو سبع سنوات، ودرس كتب ms69 فولتير ~~وروسو ومنتسكيرو، وتشبع بآرائهم الحرة وتعشق الحرية وكره الاستبداد أشد الكره، ووجه ~~أدبه للتغني بالحرية ومناهضة الاستبداد، ينطق بذلك أبطال رواياته، ويبثه في كتاباته. ~~ولكن الكواكبي هضمها وعدلها بما يناسب البيئة الشرقية والعقلية الإسلامية، وزاد عليها ~~من تجاربه وآرائه. # 2 # وكتاب «طبائع الاستبداد» يدور حول تعريف الاستبداد بأنه «صفة للحكومة المطلقة العنان، ~~التي تتصرف في شئون الرعية كما تشاء، بلا خشية حساب ولا عقاب». ويأتي هذا من كون ~~الحكومة مطلقة التصرف، ولا يقيدها قانون ولا إرادة أمة أو أنها مقيدة بنوع من ذلك ~~ولكنها تملك بنفوذها إبطال هذه القيود والسير على ما تهوى؛ والحكومة ميالة بطبعها إلى ~~الاستبداد، لا يصدها عنه إلا وضعها تحت المراقبة الشديدة ومحاسبتها محاسبة لا تسامح ~~فيها، وإلا قوة الرأي العام وعظمة سلطانه. # والمستبد يتحكم في شئون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحكم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم ~~من نفسه أنه الغاصب المعتدي، فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس، يسدها عن ~~النطق بالحق ومطالبتها به. # والمستبد عدو الحق، وعدو الحرية وقاتلها. # والمستبد يود أن تكون رعيته بقرا تحلب، وكلابا تتذلل وتتملق، وعلى الرعية أن تدرك ~~ذلك فتعرف مقامها منه: هل خلقت خادمة له، أو هي جاءت به ليخدمها فاستخدمها؟ والرعية ~~العاقلة مستعدة أن تقف في وجه الظالم المستبد، تقول له أريد الشر، ثم هي مستعدة لأن ~~تتبع القول بالعمل، فإن الظالم إذا رأى المظلوم قويا لم يجرؤ ظلمه. # وقد بحث بحثا مستفيضا في علاقة الاستبداد بالدين، ونقل عن الإفرنج رأيهم في أن ~~الاستبداد في السياسة متولد من الاستبداد في الدين أو مساير له. فكثير من الأديان تبث ~~في نفوس الناس الخشية من قوة عظيمة لا تدرك كنهها العقول، وتهددهم بالعذاب بعد الممات ~~تهديدا ترتعد منه الفرائص، # 2 # ثم تفتح بابا للخلاص والنجاة بالالتجاء إلى الأحبار والقسس والمشايخ، ~~بالذلة لهم، والاعتراف أمامهم، وطلب الغفران منهم. والمستبدون السياسيون يتبعون هذه ~~الطريقة فيسترهبون الناس بالتعالي والتعاظم، ويذلونهم بالقهر والقوة وسلب الأموال، حتى ~~لا يجدوا ملجأ إلا التزلف لهم ms70 وتملقهم! وعوام الناس يختلط عليهم في أذهانهم الإله ~~المعبود والمستبدون من الحكم، فيتشابه عندهم استحقاق التعظيم، وينزهونهم عن سؤالهم عما ~~يفعلون ولا يرون لهم حقا في مراقبتهم على أعمالهم، كما أنه ليس لهم حق في مراقبة الله ~~فيما يفعل!! ولهذا خلعوا على المستبد صفات الله كولي النعم، والعظيم الشأن، والجليل ~~القدر، وما إلى ذلك! وما من مستبد سياسي إلا ويتخذ له صفة قدسية يشارك فيها الله أو ~~تربطه برباط مع الله ولا أقل من أن يتخذ بطانة من أهل الدين يعينونه على ظلم الناس باسم ~~الله!! # ولقد رأى «الكواكبي» أن الإسلام في جوهره الأصيل لا ينطبق عليه هذا القول، فهو مبني ~~على قواعد الحرية السياسية متوسطة بين الديمقراطية والأرستقراطية، فهو مؤسس على أصول ~~ديمقراطية (أي المراعاة التامة للمصلحة العامة)، وعلى شورى أرستقراطية، أي شورى الخواص، ~~وهم أهل الحل والعقد، فالقرآن مملوء بتعاليم تقضي بأمانة الاستبداد، والتمسك بالعدل، ~~والخضوع لنظام الشورى، من مثل: «وشاورهم في الأمر، وأمرهم شورى بينهم» حتى في القصص، من ~~مثل: «ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون». ومظهر هذا كان في أيام النبي # صلى الله عليه وسلم # والخلفاء ~~الراشدين. ثم لا يعرف الإسلام سلطة دينية، ولا اعترافا، ولا بيع غفران، ولا منزلة خاصة ~~لرجال الدين. ولكن دخل عليه من الفساد ما دخل على كل دين، فتفرقت كلمة المسلمين ~~وانقسموا شيعا، وتحول الحكم من نظام شورى إلى الاستبداد، فصغرت نفوس الناس وخفت صوتهم، ~~وأضاعوا مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو المبدأ الذي به يراقب أولو الأمر في ~~الأمة، فصار أمر المسلمين إلى ما نرى. # ولم يتعرض «المؤلف» للرد على الشطر الأول، وهو ما يوحيه تصوير الله بالقوة والعظمة ~~والسيطرة من خضوع النفوس للمستبد. وعندي أن الإسلام يجعل «لا إله إلا الله» محور الدين، ~~تتكرر في كل آذان وفي كل مناسبة، كان كفيلا أن يذكر النفوس دائما بأن العزة لله وحده، ~~وأن النفوس لا يصح أن تذل لأحد سواه، وأن هذه الكلمة توحي بالضعف أمام الله والقوة أمام ~~من ms71 سواه. ولكن بتوالي القرون؛ ودخول الدخيل من العقائد، أصبحت «لا إله إلا الله» عند ~~أكثر المسلمين كلمة جوفاء لا روح فيها، تبعث الضعف ولا تبعث القوة، وتبيح أن يشرك مع ~~الله الحاكم المستبد والرئيس المستبد، بل المال والجاه والمنصب، فكل هذه وأمثالها أصبحت ~~آلهة مع الله، وفقد المدلول الحق للا إله إلا الله!! # ثم أبان أن الحاكم المستبد يخشى العلم، لأن العلم نور، وهو يريد أن تعيش الرعية في ~~الظلام، لأن الجهل يمكنه من بسط سلطانه، (وروي أن حاكما مستبدا شرقيا كان له مرب ~~سويسري فقال له يوما بعد أن تأمر: # 3 ~~«ليتك تعني بتربية الشعب وتعليمه!» فقال الأ مير: «كلا! إني إن علمته صعب ~~علي حكمه»!). # والحاكم المستبد لا يخشى علوم اللغة والأدب، ولا علوم الدين المتعلقة ~~بالمعاد، # 4 # بل هو يستخدم العلماء من هذا القبيل لتأييده في استبداده، بسد أفواههم ~~بلقيمات من فتات مائدته، إنما ترتعد فرائصه من الفلسفة العقلية، ودراسة حقوق الأمم، ~~وعلوم السياسة والاجتماع، والتاريخ المفصل، والقدرة على الخطابة الأدبية، ونحو ذلك من ~~العلوم التي تنير الدنيا وتثير النفوس على الظالم، وتعرف الإنسان ما هو الإنسان، وما هي ~~حقوقه، وكيف يطلبها، وكيف ينالها، وكيف يحفظها، فإن المستبد سارق، والعلماء من هذا ~~القبيل يكشفون السرقة. # ولذلك يكون الحاكم المستبد وهؤلاء العلماء في صراع دائم، العلماء يحاولون الإنارة، ~~والمستبد يحاول إطفاءها، وكلاهما يحاول كسب عامة الشعب، فالمستبد يخفيهم ليستسلموا، ~~وهؤلاء العلماء ينيرونهم ليقولوا ويفعلوا. # والحاكم المستبد تسره غفلة الشعب لأنه يتمكن بغفلتهم من الصولة عليهم: يغصب أموالهم ~~فيحمدونه على إبقاء حياتهم ويضرب بعضهم ببعض فيصفونه بحسن السياسة والكياسة، ويسرف في ~~أموالهم فيقولون إنه كريم، ويقتلهم ولا يمثل بهم فيقولون إنه رحيم، وإن نقم عليه بعض ~~الأباة، # 5 # قاتلهم بهم كأنهم بغاة!!. # 6 # والحاكم المستبد يخاف رعيته كما تخافه رعيته، بل خوفه منهم أشد، لأنه يخافهم عن علم، ~~وهم يخافونه عن جهل. وقد اعتاد المؤرخون المحققون قياس درجة استبداد الحاكم بمقدار ~~حذره، ودرجة عدله بمقدار طمأنينته، كما يستدلون على ms72 أصالة الاستبداد في الأمة بترف ~~الحكام. وإمعانهم في البذخ، وكثرة الحجاب. ومن دلائل تغلل الاستبداد في الأمة استكناه ~~لغتها، فإن كثرت فيها ألفاظ التعظيم وعبارات الخضوع كاللغة الفارسية، دلت على تاريخها ~~القديم في الاستبداد. وإن قلت - كالعربية قبل امتزاجها بغيرها دلت على الحرية. # وعلى الجملة فأخوف ما يخاف المستبد من العلم، العلم الذي يعلم أن الحرية أفضل من ~~الحياة، والشرف أعز من المنصب والمال، والحقوق وكيف تحفظ، والظلم وكيف يرفع، والإنسانية ~~وقيمتها والعبودية وضررها. # وقد كان «الكواكبي» في كل هذا يقرأ نتائج القرائح التي كتبت في الاستبداد، وينظر إلى ~~الدولة العثمانية في عهده ويستملي منها آراءه وأحكامه. # ثم عرض للاستبداد والمجد، ويعني بالمجد رغبة الإنسان أن تكون له منزلة حب واحترام في ~~قلوب الناس، وهو مطلب طبيعي شريف، ويبلغ عند بعض الأفراد درجة تجعلهم يتساءلون: أيهما ~~أقوى، الحرص على المجد أم الحرص على الحياة؟ و«الكواكبي» من قبيل من يرى الحرص على ~~المجد أقوى وأوجب من الحرص على الحياة، ولذلك عاب على ابن خلدون رأيه في تقديم الحرص ~~على الحياة عندما نقد ابن خلدون الإمام الحسين بن علي وأمثاله، وقال إنهم يعرضون أنفسهم ~~للموت بخروجهم في فئة قليلة على الخليفة ذي السلطان والعدد والعدد، فيلقون بأنفسهم إلى ~~التهلكة. فقال الكواكبي: إنهم معذورون، لأنهم يفضلون الموت كراما على حياة الذل التي ~~كان يحياها ابن خلدون، وهم في ذلك ككرام سباع الطير والوحوش التي تأبى التناسل في أقفاص ~~الأسر، وتحاول الانتحار تخلصا من قيود الذل. وغضبة الكواكبي على ابن خلدون سببها ~~عصبيته لأهل البيت، إذ كان من الأشراف، وفيه نزعة لحب المجد ولو كان فيه فقد الحياة. ~~فابن خلدون يتحدث بالعقل، والكواكبي يتحدث بالعاطفة. # والمجد أنواع: «مجد الكرم» وهو بذل المال في سبيل المصلحة العامة، وهو أضعف أنواع ~~المجد، و«مجد العلم» وهو نشر العلم النافع برغم عوائق السلطات. و«مجد النبالة» وهو بذل ~~النفس بالتعرض للمشاق والأخطار في سبيل نصرة الحق، وهذا أعلى المجد ويقابل المجد ~~التمجد، أي المجد الكاذب، وهو أن يكون الإنسان ms73 مستبدا صغيرا في كنف المستبد الأعظم، ~~وهذا يزدهر في الحكومات المستبدة؛ لأن الحكومات الحرة تحافظ على التساوي بين الأفراد، ~~ولا تميز بعض الأفراد إلا بخدمة عامة للأمة أو عمل عظيم يوافق إليه. أما في الحكومات ~~المستبدة فالمتمجدون أعداء للعدل، أنصار للظلم، ينتخبهم المستبد الأعظم ليقوي بهم ~~سلطانه، ويختارهم من ضعاف النفوس ويستغويهم بالمناصب والمراتب، وأكثر ما يعتمد على ~~المعرقين في التمجد، الوارثين من آبائهم وأجدادهم مرض الاستبداد، ومن هنا ظهرت في الأمم ~~نغمة التمجد بالأصالة والأنساب. والحكومة المستبدة يظهر استبدادها في كل فروعها، ومن ~~المستبد الأعظم إلى الشرطي، إلى الفراش، إلى كناس الشارع؛ ولا يكون كل صنف من هؤلاء إلا ~~من أسفل طبقته، لأنه لا يهمهم المجد باستجلاب محبة الناس، إنما يهمهم التمجد باكتساب ~~ثقة رئيسهم المستبد؛ والوزير في الحكومة الاستبدادية وزير المستبد الأعظم لا وزير ~~الأمة، وكذلك من تحته من أعوانه، فالهيئة كلها تتمجد ولا تمجد، وكلهم شركاء في جريمة ~~الضغط على الأمة وظلمها. والاستبداد يقتل المجد ويحيي التمجد!! # وهذا حق، فالحكومة المستبدة تقتل في النفوس العزة الحقيقية بالمفاخرة بالأعمال ~~النافعة، وتخلق نوعا من السيادة الكاذبة وتجعل أولي الأمر سلسلة تبدأ من المستبد ~~الأعظم إلى الشرطي في الشارع، كل يخنع لمن فوقه ويستبد بمن تحته، وعلى العكس من ذلك ~~الحكومة الديمقراطية ديمقراطية صحيحة، فهي تشعر كل شخص في الدولة بالعزة التي يحميها ~~العدل، وبأن له نصيبا في حكم بلاده، وصوتا مسموعا فيما يجب أن يعمل وما يجب أن يترك ~~وأن حكومته ليست قائمة إلا برأيه ورأي أمثاله، إن شعروا يوما بجورها أسقطوها، سلطة ~~الرأي العام فيها فوق سلطان الحكومة والبرلمان وكل سلطان. # ثم عرض للاستبداد والمال، ويعني بذلك الحكومة الاستبدادية وأثرها في الثروة أو الحالة ~~الاقتصادية في البلاد. وهو في هذا الموضوع يرى الخير في نوع معتدل من الاشتراكية، نعم ~~لا ينبغي أن يتساوى العالم الذي أنفق زهرة حياته في تحصيل العلم النافع، أو الصانع ~~الماهر في صنعة مفيدة، وذلك الجاهل الخامل النائم في ظل الحائط، ولكن العدالة تقضي ms74 أن ~~يأخذ الراقي بيد السافل والغني بيد الفقير، فيقربه من منزلته، ويقاربه في معيشته؛ وقد ~~مال الإسلام إلى هذا النوع، ففرض الزكاة (2,5٪) من رءوس الأموال تعطي للفقراء وذي ~~الحاجة، وحرم الربا، لأنه وإن أجازه الاقتصاديون لأسباب معقولة اقتصاديا (للقيام ~~بالأعمال الكبيرة، ولأن الأموال المتداولة في السوق لا تكفي للتداول، فكيف إذا أمسك ~~المكتنزون قسما منها، ولأن كثيرا من القادرين على العمل لا يجدون رءوس المال) فإن ~~الدين ورجال الأخلاق ينظرون إليه من حيث ضرره الأخلاقي، لأنه متى انتشر قسم الناس إلى ~~عبيد وسادة، وكان سببا في ضياع استقلال الأمم الضعيفة. # والحكومة الاستبدادية سبب في اختلال نظام الثروة فهي تجعل رجال السياسة والدين ومن ~~يلحق بهم يتمتعون بحظ عظيم من مال الدولة، مع أن عددهم لا يتجاوز الواحد في المائة، وهي ~~تخصص المال الكثير لترف المستبد وسرفه، وتغدق على صنائعها، # 7 # ومن يستخدم لتحصيل شهواتها، ومن يعنيها على طغيانها، وسائر أفراد الشعب في ~~شقاء وبؤس؟ # ثم الحكومات المستبدة تيسر للسفلة طرق الغنى بالسرقة والتعدي على الحقوق العامة ويكفي ~~أحدهم أن يتصل بباب أحد المستبدين ويتقرب من أعتابه، ويتوسل إلى ذلك بالتملق وشهادة ~~الزور وخدمة الشهوات والتجسس، ليسهل له الحصول على الثروة الطائلة من دم الشعب. # 3 # عرض «الكواكبي» بعد ذلك لأثر الاستبداد في فساد الأخلاق، فالاستبداد يتصرف في أكثر ~~الميول الطبيعية والأخلاق الفاضلة فيضعفها أو يفسدها. فهو يفقد الإنسان عاطفة الحب، فهو ~~لا يحب قومه لأنهم عون الاستبداد عليه، ولا يحب وطنه لأنه يشقى فيه، وهو ضعيف الحب ~~لأسرته لأنه ليس سعيدا فيها، وهو لا يركن إلى صديقه لأنه قد يأتي عليه يوم يكون فيه ~~عونا على الاستبداد ومصدر شر له. # الإنسان في ظل الاستبداد لا ينعم بلذة العزة والشمم والرجولة، فلا يذوق إلا اللذة ~~البهيمية لأنه لا يعرف غيرها. # والاستبداد يلعب بالأخلاق، فيجعل من الفضائل رذائل، ومن الرذائل فضائل: فيسمي النصح ~~فضولا، والشهامة تجبرا، والحمية طيشا، والإنسانية حمقا، والرحمة مرضا، كما يسمي ~~النفاق سياسة، والتحايل كياسة، والدناءة لطفا، والنذالة ms75 دماثة وظرفا. # والاستبداد أفسد عقول المؤرخين، فسموا الجبابرة الفاتحين عظماء أجلاء، مع أنه لم يصدر ~~عنهم إلا الإسراف في القتل والتخريب، ثم أشادوا بذكر السلف تملقا للخلف. # والاستبداد يفقد الثبات في الخلق، فقد يكون الرجل شجاعا كريما، فيصبح بعوامل ~~الاستبداد جبانا بخيلا، ولا أخلاق ما لم تكن ثابتة مطردة! # وأقل ما يؤثر الاستبداد في أخلاق الناس أنه يرغم الأخيار منهم على ألفة الرياء ~~والنفاق، ويعين الأشرار على فجورهم، آمنين حتى من الانتقاد والفضيحة، لأن أكثر أعمالهم ~~تظل مستورة، لا يجرؤ الناس على قول الحق أمامهم خوف العقبى. # وأقوى ضابط للأخلاق النهي عن المنكر بالنصيحة والتوبيخ وما إلى ذلك، وهو عهد ~~الاستبداد غير مقدور لغير ذوي المتعة، وقليل ما هم، ويصبح الوعظ والإرشاد ملقا ~~ورياء. # في الحكومات التي نجت من الاستبداد أطلقت حرية الخطابة والتأليف والمطبوعات، ورئي أن ~~الفوضى في ذلك خير من تحديد الحرية، لأنه متى وضعت القيود نفذ منها الحكام، وتوسعوا ~~فيها حتى خلقوا منها سلسلة من حديد يخنقون بها الحرية. # والاستبداد يفقد الناس ثقة بعضهم ببعض، ويحل الخوف محل الثقة، فيقل التعاون بين ~~الأفراد، والتعاون حياة الأمم. # والأنبياء سلكوا في تكوين الأخلاق مسلكا خاصا، فبدءوا بفك العقول من تعظيم غير ~~الله، وذلك بتقوية الإيمان المفطور عليه الإنسان، ثم جهدوا في تنوير العقول بمبادئ ~~الحكمة وتعريف الإنسان كيف يملك إرادته وحريته في أفكاره، وبذلك هدموا حصون الاستبداد. ~~ثم أبانوا أنه مكلف بقانون الإنسانية، واتباع المبادئ التي ترقيه وترقي جنسه - وكذلك ~~فعل السياسيون الأقدمون من الحكماء. # أما الغربيون المحدثون فوضعوا الأخلاق غير مرتكزة على الدين، ولكن على ما أودع فطرة ~~الإنسان من ضمير وحب نظام، وساعدهم على ذلك انتشار العلم عندهم والرغبة في التقدم، ~~واستعانوا على ذلك بالوطنية. # ثم عرض للاستبداد والتربية - والتربية تنمية الاستعداد جسما ونفسا وعقلا وهي قادرة ~~أن تبلغ بالإنسان أعلى حد من الرقي لو صلحت. # والحكومة العادلة تعني بتربية الأمة من وقت تكون الجنين، بل قبله، بسن قوانين للزواج ~~الصالح، ثم بالعناية بالقابلات والأطباء، ثم بفتح ms76 بيوت اللقطاء ثم بإنشاء المكاتب ~~والمدارس وتنظيم خططها متدرجة إلى أعلى مرتبة؛ ثم تسهيل الاجتماعات، والإشراف على ~~المسارح، ثم تشجيع النوادي وإنشاء المكتبات، وإعلان شأن النوابغ بإقامة النصب ونحوها، ~~ثم بتنمية المشاعر القوية بشتى أنواعها وتيسير الأعمال وغير ذلك. # أما الحياة في الحكومات المستبدة فمجرد نماء يشبه نماء الأشجار الطبيعية في الغابات ~~والحرجات، # 8 # يسطو عليها الغرض والحرق، وتحطمها العواطف والأيدي والقواصف. # في الحكومة العادلة يعيش الإنسان حرا نشيطا يسره النجاح ولا تقبضه الخيبة، وفي ~~الحكومة المستبدة يعيش خاملا خامدا، ضائع القصد حائرا. # الأسير المعذب يسلي نفسه بالسعادة الأخروية، ويبعد عن فكره أن الدنيا عنوان الآخرة، ~~وقد جنى على المسلمين علماؤهم، فأفهموهم أن الدنيا سجن المؤمن، وأن المؤمن مصاب، وإذا ~~أحب الله عبدا ابتلاه، وهكذا مما ابتدعوه. ويتغافلون عن حديث: «اعمل لدنياك كأنك تعيش ~~أبدا» وحديث معناه: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم غرسة فليغرسها»! وكل هذه المثبطات ~~تحول الأذهان من معرفة أسباب الشقاء إلى إلقائها على عاتق القضاء والقدر. وقد أحكموا ~~هذه المكيدة باختراع الأحاديث التي تجعل الخضوع للحاكم المستبد دينا. # وعلى الجملة فالتربية الصحيحة لا تمكن من ظل الاستبداد! # ثم الاستبداد - على الإجمال - يمنع الترقي؛ والترقي الحيوي الذي يسعى إليه الإنسان هو ~~- أولا - الترقي في الجسم صحة وتلذذا، ثم الترقي في الاجتماع بالعائلة والعشيرة، ثم ~~الترقي في القوة بالعلم والمال، ثم الترقي في الملكات بالخصال والمفاخر. وهناك نوع آخر ~~من الترقي الروحي، وهو الاعتقاد بأن وراء هذه الحياة حياة أخرى يترقى إليها سلم الرحمة ~~والإحسان - والاستبداد بالأمة عدو ذلك كله، بل هو تحول الميل الطبيعي فيها إلى طلب ~~التعقل، حتى لو دفعت إلى الرفعة لأبت وتألمت كما يتألم الأجهر من النور! وعندئذ يكون ~~الاستبداد كالعلق يمتص دم الأمة فلا ينفك عنها حتى تموت ويموت هو بموتها، والاستبداد ~~يجعل الأمة منحطة في الإحساس، منحطة في الإدراك، منحطة في الأخلاق، وهو يضغط عليها ~~فتكون كدود تحت صخرة، والمشفقون عليها يجب أن يسعوا في رفع الصخرة ولو حتى بالأظافر ذرة ~~بعد ms77 ذرة!! # وهنا ضرب مثلا يصح أن يخطب به الخطباء في الناس ليستيقظوا، فوضع خطبة نموذجية لتنبيه ~~المشاعر. ثم قال: إن الرقي الذي ينشده في ظل العدل هو أن يكون الشخص أمينا على جسمه ~~وحياته بحراسة الحكومة التي لا تغفل عن المحافظة عليه، أمينا على ملذاته الجسمية ~~والفكرية باعتناء الحكومة بإيجاد أسبابها، أمينا على حريته فلا يعتدي عليها، أمينا ~~على نفوذه كأنه سلطان عزيز لا يمانع في تنفيذ مقاصده النافعة، أمينا على ماله وشرفه؛ ~~وما منحته الطبيعة من مزايا، فما لم تتحقق هذه فالحكومة مستبدة ليست بيئة لترقي ~~شعبها. # وأخيرا ما وسائل التخلص من الاستبداد؟ يرى هو أن الاستبداد لا يقاوم بالقوة، إنما ~~يقاوم باللين وبالتدريج، ببث الشعور بالظلم، وهذا يكون بالتعليم والتحميس، ذلك لأن ~~الاستبداد محفوف بأنواع القوات: كقوة الجند، وقوة المال، وقوة رجال الدين، وقوة ~~الأغنياء، فإذا قوبل بالقوة كانت فتنة تحصد الناس، وإنما الواجب المقاومة بالحكمة في ~~توجيه الأفكار نحو تأسيس العدالة. والاستبداد مع اعتماده على هذه القوات كلها يضعف أمام ~~الوسائل المحكمة في قلبه، كما قيل: كم من جبار عنيد جدله # 9 # ملوم صغير!! # ويجب قبل مقاومة الاستبداد تهيئة ما يحل محله؛ ومعرفة الغاية معرفة دقيقة واضحة؛ ومتى ~~وضحت الغاية المرسومة يجب السعي في إقناع الناس بها واستجلاب رضاهم عنها وحملهم على ~~النداء بها، ويجب أن ينشر ذلك في كل الطبقات حتى يصبح عقيدة، فيتلهفوا جميعا على نيل ~~الحرية وتحقيق المثل الذي ينشدونه: عندئذ لا يسع المستبد إلا الإجابة طوعا أو ~~كرها. # وقد حدد في ثنايا كتابه، ماذا يقصد بالحكومة المستبدة، فقال: إنها تشمل حكومة الحاكم ~~الفرد المطلق، كما تشمل حكومة الجميع لو منتخبا إذا استبد، بل قد يكون هذا الحكم أضر ~~من استبداد الفرد. ويدخل في أنواع الاستبداد أنواع الاستعمار، فالمستعمر تاجر لا يرى ~~إلا مصلحته؛ ولا عبرة بأسماء أنواع الحكومات إنما العبرة بحقيقتها، وكل أمة فيها لون من ~~ألوان الاستبداد، ولكنها تختلف فيه كمية وكيفية، فبعضها يمسه الاستبداد مسا خفيفا، ~~وبعضها تغرق فيه من قدمها ms78 إلى مفرق رأسها. والغرب سبق إلى تقدير معنى الحرية والعدالة؛ ~~ولكنه لا يأخذ بيد الشرق؛ بل يستغله لمصلحته، وواجب الغرب أن يرعى للشرق سابق فضله، ~~فيأخذ بيده ليخرجه إلى أرض الحياة، ويعامله معاملة الأخ لأخيه، لا السيد لعبده ليتعاونا ~~بعد على السير بالإنسانية. # وبهذا ينتهي الكتاب؛ وهو فيه قوي مخلص مملوء غيرة وأسفا وتلهفا على رفع نير ~~الاستبداد عن الشرق؛ وهو أن استمد الفكرة من العرب؛ فهو يبسطها ويعدلها ويعني بتطبيقها، ~~وقد يؤخذ عليه عصر نفسه في دائرة النظريات. وكان الكتاب يكون أوقع في النفس لو ملأه ~~بالشواهد وما رأى وسمع من أحداث وهو معروف بسعة الاطلاع، فلو قرن النظريات بالشواهد ~~لكان كتابه أكثر فائدة وأعم نفعا، ولكن يظهر أن قد منعه من ذلك أنه أراد أن يستتر ~~فأخفى اسمه ولم يضعه على الكتاب؛ وقال في مقدمة الكتاب: إنه لم يقصد ظالما بعينه ولا ~~حكومة مخصوصة، ولو أتى بالشواهد لدل على الحكومة التي قصدها، ودل بذلك على نفسه، وما ~~كان في ذلك من ضرر، بل كان فيه كل النفع؛ ولكن الأمور تقدر بأوقاتها وظروفها، وهو فيما ~~اكتنفه من ظروف كان في عرضه النظريات فقط شجاعا جريئا. # 4 # أما كتابه الثاني «أم القرى» فأدل على الابتكار وأوضح في إظهار الشخصية، يقف فيه من ~~المسلمين موقف الطبيب من المريض، يفحص داءه ويتعرف أسبابه، ويصف علاجه في أسلوب قصصي ~~جذاب، تحدث فيه عن جمعية من المسلمين عقدت في مكة حضرها ممثل أو أكثر لكل قطر إسلامي، ~~فعضو شامي، وعضو سكندري، ومصري ومقدسي ويمني وبصري ونجدي ومدني ومكي وتونسي وفاسي ~~وإنجليزي ورومي وكردي وتبريزي وتتري وقازاني وتركي وأفغاني وهندي وسندي وصيني، وأسندت ~~رياسة الجمعية للعضو المكي، والسكرتارية للسيد الفراتي - وعني به الكواكبي نفسه - ~~واجتمعوا كلهم قبيل الحج في مكان متطرف في مكة يتداولون في حال المسلمين؛ وكان أول ~~اجتماع لهم في 15 ذي القعدة سنة 1316ه. # فهل كانت هذه الجمعية حقيقة أو هي من نسيج خياله؟ يقول هو: إن لها أصلا من الحقيقة، ~~وإن ms79 الخيال تممها، فهل هذا صحيح، أو هو من قبيل تأييد الخيال كما يفعل كثير من ~~الروائيين؟ أرجح الرأي الثاني. # على كل حال انعقدت الجمعية - فيما يقول - ووضع الرئيس منهج البحث، وهو الكتمان، لأنه ~~أدعى إلى إفضاء كل ما في نفسه في صراحة، وتناسى الاختلاف في المذاهب، فلا سني وشيعي، ~~ولا شافعي وحنفي، فالكل مسلم. ثم التحرر من اليأس في الإصلاح، فهذه أمم كثيرة كالرومان ~~واليونان واليابان، استرجعت مجدها بعد تمام ضعفها، خصوصا وأن الظواهر كلها تدل على أن ~~الزمان قد استدار، وبدأت تظهر أعراض الصحة على المسلمين، ومن أعظم الظواهر انعقاد مثل ~~هذه الجمعية ووضع برنامج المؤتمر، يتلخص في بحث موضع الداء في المسلمين وأعراضه ~~وجراثيمه ودوائه وكيفية استعماله، إلخ. # قال الرئيس: إن أوضح عرض من أعراض مرض المسلمين فتورهم، وهو فتور عام شامل لجميع ~~المسلمين في جميع أقطار الأرض، لا يسلم منه إلا أفراد شذاذ، حتى لا يكاد يوجد إقليما ~~متجاوران، أو ناحيتان في إقليم، أو قريتان في ناحية، أو بيتان في قرية، أهل أحدهما ~~مسلمون وأهل الآخر غير مسلمين، إلا والمسلمون أقل من جيرانهم نشاطا وانتظاما، وأقل ~~إتقانا من نظرائهم في كل فن وصنعة - مع أن المسلمين في جميع الحواضر متميزون عن غيرهم ~~من جيرانهم في المزايا الخلقية مثل الأمانة والشجاعة والسخاء - حتى توهم كثير من ~~الحكماء أن الإسلام والنظام لا يجتمعان! فما هو السبب؟ # وقد لفت نظره العضو الهندي إلى أنه مع تسليمه بما قال الرئيس، يود أن يستثني بعض ~~حالات فيها المسلمون خير من جيرانهم، كبعض الوثنيين في الهند، والصابئة في العراق، ~~فوافقه الرئيس وشكره على ملاحظته. # ثم أخذوا - بعد التسليم بوجود العرض - يبحثون في الأسباب وذهبوا في ذلك كل مذهب، ~~فالشامي رأى أن سبب الفتور يرجع إلى ما أصاب المسلمين من عقيدة جبرية، فهذه العقيدة في ~~القضاء والقدر على هذا النحو آلت إلى الزهد في الدنيا، والقناعة باليسير والكفاف من ~~الرزق، وإماتة المطالبة النفسية كحب المجد والرياسة، والإقدام على عظائم الأمور، فأصبح ~~المسلم كميت قبل ms80 أن يموت. والعقيدة بهذا الشكل مثبطة معطلة لا يرضاها عقل، ولم يأت بها ~~شرع. # والمقدسي رأى السبب تحول نوع السياسة الإسلامية من ديمقراطية إلى استبدادية، فأفسدت ~~العقول وأماتت الأخلاق. # ورد التونسي بأن بعض الأمم الأوربية محكومة بحكومة استبدادية ولم يمنع ذلك من تقدمها، ~~وإنما السبب في نظره الأمراء المترفون الذين لم يرعوا للأمة حقوقها. # وقال الرومي: إن تحميل الأمراء التبعة كلها غير سديد، فما هم إلا نفر قليل من الأمة. ~~والسبب الحقيقي في نظره فقدان المسلمين الحرية بجميع أنواعها: من حرية التعليم، وحرية ~~الخطابة، وحرية البحث العلمي، فبفقد الحرية تفقد الآمال، وتبطل الأعمال، وتموت النفوس؛ ~~وتختل القوانين وتسأم الأمة حياتها فيستولي عليها الفتور. # ورأى التبريزي أن السبب ترك المسلمين أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فاسترسل ~~الأمراء في أهوائهم وشهواتهم، وعدمت المراقبة عليهم. # وقال الفاسي: إن السبب هو إهمال الناس الاهتمام بالدين، حتى لم يبقى له أثر إلا على ~~أطراف الألسن، وأمراؤهم مثلهم لا يتراءون بالدين إلا بقصد تمكين سلطانهم على البسطاء من ~~الأمة، هذا إلى ظلمهم وجورهم. وقد كان المسلمون أعزاء يوم توثقت بينهم الرابطة الدينية، ~~فلما انحلت ضاعت الأخلاق ففتروا وخمدوا. # وأجاب المدني بأن فقد الرابطة الدينية والوحدة الخلقية لا يكفي سببا لهذا الفتور ~~العام. وعنده أن السبب تدليس رجال الدين وغلاة المتصوفين الذين لونوا الدين بلون سيئ ~~فأضاعوه وأضاعوا أهله، وذلك أن العلماء العاملين أهل لكل تجلة واحترام، فلما حسدهم من ~~لا يستحق هذه المنزلة سلكوا مسلك الزاهدين. ومن العادة أن يلجأ ضعيف المقدرة إلى التصوف ~~كما يلجأ فاقد المجد إلى الكبر وقليل المال إلى التظاهر بزينة اللباس والأثاث، فأفسد ~~هؤلاء الدين بما أدخلوا فيه ما ليس منه، كالعلم اللدني، # 10 # وترتيب المقامات، ووراثة السر، والرهبنة، والتظاهر بالعفة، والتبرك ~~بالآثار، والكرامة على الله، والتصرف في القدر. فسحروا عقول الجهلاء، واختلبوا قلوب ~~الضعفاء كالنساء، والنساء بذرن هذه البذور الضارة في أبنائهن وبناتهن، فماتت النفوس ~~وخرفت العقول. وهؤلاء المدلسون وجدوا في بغداد ومصر والشام وغمرو السوق في الآستانة، ~~وسرى ms81 التدليس من هذه العواصم إلى جميع الآفاق فأصبح المرض عاما. # وانضم الرومي إلى هذا الرأي وزاده إيضاحا، فقال: إن داءنا الدفين دخول ديننا تحت ~~ولاية العلماء الرسميين والجهال المتعممين، وبلغ أمرهم في البلاد العثمانية أن صارت ~~الألقاب العلمية منحة رسمية تعطى للجهال، حتى للأميين والأطفال (كمشيخة الطرق عندنا). ~~فقد يكون طفلا ويمنح بالوراثة لقب «أعلم العلماء المحققين»، ثم «أفضل الفضلاء ~~المدققين»، ثم، وثم ... حتى يوصف بأنه «أعلم العلماء المتبحرين، وأفضل الفضلاء المتورعين، ~~وينبوع الفضل واليقين»، وأكثرهم لا يحسنون حتى قراءة ألقابهم. وطبيعي أن هؤلاء يقابلون ~~السلطان بالمثل، فهو صاحب العظمة والإجلال، المنزه عن النظير والمثال ، مهبط الإلهامات، ~~مصدر الكرامات، سلطان السلاطين، مالك رقاب العالمين. # وأصبح التدريس والإرشاد والوعظ والخطابة والإمامة وسائر الخدم الدينية سلعا تباع ~~وتشترى، وتوهب وتورث. وتسلط هؤلاء المتعممون على المجالس والإرادات، واتخذ الأمراء من ~~ذلك وسيلة يتعذرون بها عند الدولة الأجنبية بأن الرأي العام - وعلى رأسه المعممون لا ~~يقبلون الإصلاح المدني. # أجاب الكردي بأن هذا الداء خاص ببعض الولايات: ولكن عرض الفتور عام في الولايات ~~الإسلامية التي فيها هذا الشأن وغيره، فلا بد أن يكون السبب شيئا أعم من ذلك. وعندي أن ~~السبب هو أن المسلمين أصيبوا باقتصارهم على العلوم الدينية وإهمالهم العلوم الدنيوية، ~~كالرياضة والطبيعة والكيمياء، على حين أن هذه العلوم نمت في الغرب وترقت وظهر لها ثمرات ~~عظيمة في جميع الشئون المادية والأدبية، حتى صارت عندهم كالشمس، لا حياة لهم إلا ~~بنورها، وأصبح المسلمون في أشد الحاجة إليها في جميع أمورهم: من تربية الطفل إلى سياسة ~~الدولة. ومن عمل الإبرة إلى عمل المدافع والبوارج. ومن استخدام اليد إلى استخدام ~~الأسلاك والبخار - فابتعاد المسلمين إلى الآن عن هذه العلوم النافعة الحيوية. جعلهم أحط ~~من غيرهم من الأمم. وكلما تمادت الأيام بعدت النسبة بينهم وبين جيرانهم. # أجاب الإسكندري: إن هذا يصلح سببا، ولكن ليس كل السبب، لأن فقد العلوم لا يصلح سببا ~~لفقد الإحساس الشريف والأخلاق العالية، وإنما السبب نومنا ويأسنا. # قال التتري: إن هذا شكاية حال ms82 لا شرح أسباب؛ إنما السبب عندي فقدان القادة والزعماء؛ ~~فلا أمير حازم يسوق الأمة طوعا أو كرها إلى الرشاد؛ ولا زعيم مخلص تنقاد له الأمراء ~~والناس، ولا رأي عام يجمع الناس على غرض نبيل. # والأفغاني يرى أن سبب الفتور الفقر، وهو قائد كل شر، ورائد كل فساد، فمنه الجهل، ومنه ~~الانحطاط الخلقي، ومنه تتشتت الآراء حتى في الدين، فليس ينقصنا عن الأمم الحية إلا ~~القوة المالية؛ ولكن المال لا يأتي إلا بالعلوم والفنون العالية، وهذه لا تنتشر في ~~الأمة إلا بالمال؛ وبهذا تحدث مشكلة الدور، ويجب أن تبحث عن حلها. # أجاب المسلم الإنجليزي: إن الفقر في المملكة الإسلامية ليس طبيعيا، فهي بلاد غنية، ~~لو نفذت تعاليم الإسلام فيها من تحصيل الزكاة والكفارات وما إلى ذلك وصرفت في وجوهها ~~لخفت وطأة الفقر؛ وإنما سبب الفتور في نظره وفقد الاجتماعات والمفاوضات وتبادل الآراء ~~فنسى المسلمون حكمة تشريع الجمعة والجماعات والحج، وصارت الخطب التي تلقى تافهة لا قيمة ~~لها، وكان الغرض منها التحدث في الأحوال الطارئة. وبلغ من سوء رأيهم أنهم عدوا التحدث ~~في الأمور العامة فضولا، والكلام فيها في المساجد لغوا، فلما انعدم الكلام في المصالح ~~العامة أصبح كل شخص لا يهتم إلا بنفسه، ولا اهتمام له بالصالح العام ولا بغير ذلك من ~~الشئون، حتى لو بلغهم خبر تخريب الكعبة - لا قدر الله - ما زادوا على أن يقطبوا جبينهم ~~لحظة وينتهي الأمر. والأمم الحية في الوقت الحاضر تهيئ الفرص للاجتماعات ومبادلة الآراء ~~ما أمكن، بكثرة النوادي والمجتمعات، وتنظيم الرحلات والسياحات، وكثرة الخطب والمحاضرات ~~حتى في المتنزهات، وعقد المؤتمرات للمناسبات، وتذكيرهم بتاريخهم وأهم أحداثهم، وبثهم في ~~الأغاني والأناشيد ما يبعث على حب البلاد والحرية ويحمس للخير العام. # ورأى الصيني أن السبب هو تكبر الأمراء وميلهم للعلماء المتملقين المنافقين، الذين ~~يتصاغرون لديهم، ويتذللون لهم، ويحرفون أحكام الدين ليوفقوها على أهوائهم، فماذا يرجى ~~من علماء دين يسترون بدينهم دنياهم، ويقبلون يد الأمير لتقبل العامة أيديهم، ويحقرون ~~أنفسهم للعظماء ليتعاظموا على ألوف من الضعفاء، فأفضل الجهاد ms83 عند الله الحط من قدر ~~العلماء المنافقين عند العامة وتحويل وجهتهم لاحترام العلماء العاملين. وعندنا في الصين ~~رجال حكماء نبلاء لهم نوع من السيادة حتى على العلماء، وهؤلاء هم الذين يسمون في ~~الإسلام أهل الحل والعقد وهم خواص الطبقة العليا في الأمة الذين أمر الله نبيه ~~بمشاورتهم؛ وتاريخ المسلمين يدل على ارتباط القوة والضعف بمنزلة أهل الحل والعقد في ~~الأمة. والخلاصة أن سبب الفتور استحكام الاستبداد في الأمراء، وانعدام أهل الحل والعقد ~~من الأمة. # وقال النجدي: إن سبب فتور المسلمين الدين الحاضر نفسه، بدليل التلازم؛ فالدين الحاضر ~~ليس دين السلف: إن الدين الحاضر ترك إعداد القوة بالعلم والمال والجهاد، والأمر ~~بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، وإيتاء الزكاة إلى غير ذلك مما بينه ~~إخواننا. قد يقول قائل: إن كان دين دخل عليه التغيير ولم يؤثر في أهله الفتور؛ بل قال ~~كثير من رجال الغرب إنهم ما أخذوا في الترقي إلا بعد فصلهم الدين عن شئون الحياة ~~الدنيا. والجواب أن كل أمة لا بد لها من نظام ثابت تسير عليه، ويلائم نفسها وبيئتها ~~وعلاقاتها التجارية والسياسة، والقانون الطبيعي الذي يتفق والطبيعة البشرية هو إذعان ~~الإنسان لقوة غالبة هي الله الذي يوحي به الإلهام الفطري؛ ولهذه الفطرة علاقة عظمى ~~بتنظيم شئون حياته، وهي أقوى وأفضل وازع - وكل الأديان راجعة إلى أصل صحيح واحد، فإذا ~~تغير أو فسد؛ فسد الناس لاختلال هذا الوازع، قال تعالى: «ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ~~ضنكا»، «والأمة كلما قربت من الأصل الصحيح والمبادئ الصحيحة قربت من الكمال». # وهنا أعلن الرئيس أن البحث في أعراض الداء وأسبابه قد نضج أو كاد، فيكتفي فيه بهذا ~~القدر، ويجب نقل البحث إلى موضوع آخر، قال: وكلمة أخينا النجدي تلهمنا الموضوع الآتي ~~الذي نبحثه، وهو: ما هو الإسلام الصحيح؟ # 5 # بعد هذا انتقل بحث المؤتمر إلى تحديد «الإسلام الصحيح» وما دخل عليه من تغيير؛ وقد ~~أفاض في ذلك العضو النجدي، فقال: «إن الإيمان بالله أمر فطري في البشر، وحاجتهم إلى ~~الرسل ms84 لإرشادهم إلى كيفية الإيمان، ويختلف الناس في تصور الله، والعقول البشرية مهما ~~قويت واتسعت لا تتحمل إدراك صفات الله الأزلية المجردة عن المادة والزمان والمكان، ~~فاحتاجت إلى من يرشدها». # وأساس الإسلام جملتان: «لا إله إلا الله» و«محمد رسول الله»، وثمرة الإيمان بالأولى ~~عتق العقول من الأسر، وثمرة الثانية الاهتداء بمحمد في تعاليمه التي تحول بين المرء ~~ونزوعه إلى الشرك. # ولكن إدراك التوحيد والاحتفاظ به عسير على النفس، فسرعان ما يخرج منه إلى الشرك. ~~والشرك أنواع ثلاثة «شرك في الذات» وذلك في عقيدة الحلول، و«شرك في الملك» كاعتقاد ~~الناس في بعض المخلوقات المشاركة في تدبير شئون الكون، و«شرك في الصفات» بإسباغ صفات ~~الكمال على بعض المخلوقات. # وقد فشا في المسلمين هذا الشرك، كتعظيم القبور، وبناء المساجد والمشاهد عليها، ~~والطواف بها والإسراج لها # 11 # والتذلل، وكدعوى أن هناك علما علم الباطن خص به بعض الناس، واتخاذ الدين ~~لهوا ولعبا بالتغني والرقص، ولبس الأخضر والأحمر، واستخدام الجن والشياطين، فكل هذه ~~وأمثالها شرك محض أو مظنة إشراك. # وعرض للإسلام - غير الشرك - أمران خطيران: وهما التشدد في الدين بعد ما كان يسرا ~~سهلا، فكانت كل فرقة تأتي تزيد في هذا التشدد حتى صار عسرا صعبا، والأمر الثاني ~~تشويش الدين بكثرة المذاهب والشيع وطرق التصوف. # وقد لاحظ الرئيس أن عضوين من الأعضاء لم يتحدثا، فرغب أن يسمع صوتهما، وهم العضو ~~السندي والعضو القازاني، فأما السندي فقد تكلم في التصوف والذي دعا إليه، وما فيه من حق ~~وما فيه من باطل، وأما القازاني فقص عليهم قصة جرت بين مسيحي روسي أسلم ومفتي قازان، ~~تدور حول دعوة المفتي إلى تقليد السلف والاقتصار على ما قالوا، ودعوة الروسي المسلم إلى ~~ضرورة الاجتهاد وعدم التقليد، وحكى ما جرى بينهما من حجج وأدلة، وأخيرا انتصر المسلم ~~الروسي المستشرق على المفتي، فاقتنع بأن التقليد ضار حمل عليه الكسل، وأن الاجتهاد ~~واجب، ولكن يحتاج القيام به إلى جد وعناء. # ثم دعا الرئيس السيد الفراتي السكرتير، وهو «الكواكبي» لتلخيص المحاضر السابقة ~~للمؤتمر وتعداد أسباب ms85 فتور المسلمين، وكلفه أن يزيد عليها من الأسباب ما يراه إن وجد ~~غير ما ذكره الأعضاء، فلخص أسباب فتور المسلمين في: ~~(1) # أسباب دينية: # أهمها عقيدة الجبر، ونشر ما ~~يدعو إلى التزهيد في الدنيا، وترك السعي والعمل، واختلاف المسلمين فرقا ~~وشيعا، وإضاعة سماحة الدين، وتشديد الفقهاء المتأخرين، وإدخالهم في تعاليمه ~~الخرافات والأوهام، وعدم المطابقة بين القول والعمل في الدين، وتهوين غلالة ~~الصوفية شأن الدين وجعله لهوا ولعبا، والتوسع في تأويل النصوص، والتحايل على ~~التحرر من الواجبات، وإيهام الدجالين الناس أن في الدين أمورا سرية، واعتقاد ~~منافاة العلوم الحكمية والعقلية للدين، وتطرق الشرك إلى عقيدة التوحيد ، وتهاون ~~العلماء في تأييدها، والغفلة عن حكمة الجماعة والجمعة والحج. ~~(2) # وأسباب سياسية: # أهمها السياسة الخالية من ~~المسئولية، وحرمان الأمة حرية القول والعمل، وفقدانها الأمن والأمل وفقد العدل ~~والتساوي في الحقوق بين طبقات الأمة وميل الأمراء للعلماء المدلسين، واعتبار ~~العلم صدقة يحسن بها الأمراء على الخاصة، وإبعادهم للناصحين وتقريبهم ~~للمتملقين. ~~(3) # وأسباب خلقية: # من الاستغراق في الجهل ~~والارتياح إليه، واستيلاء اليأس على النفوس، والإخلاد # 12 # إلى الخمول، وفساد التعليم، وفساد النظام المالي، وإهمال طلب ~~الحقوق العامة جنبا، وتفضيل الوظائف على الصنائع، والتباعد عن المداولات في ~~الشئون العامة. # وقد زاد السكرتير أشياء على ما سبق، أهمها: الغفلة عن تنظيم شئون الحياة، وعدم توزيع ~~الأعمال توزيعا عادلا، وعدم العناية بتعليم النساء وتهذيبهن وانتشار داء ~~التواكل. # ولم يرض المؤتمر بالاكتفاء بالبحث في الأمراض وعلاجها، بل اقترح إنشاء جمعية دائمة ~~تعني بإصلاح المسلمين، ويشرف على تنفيذ برنامجها في الإصلاح وهذه الجمعية تؤلف من مائة ~~عضو: عشرة عاملين، وعشرة مستشارين، وثمانين فخريين ولا عدد للأعضاء المساعدين ~~المحتسبين، واشترط في الأعضاء العاملين شروطا دقيقة: من العفة والأمانة والإخلاص وسعة ~~العلم والقدرة على التأثير وإمكان التفرغ للعمل لأغراض المؤتمر، وجعل مركزها في مكة، ~~ولها شعب في الآستانة ومصر وعدن والشام وطهران وتفليس وكابل وكلكتا وسنغافورة وتونس ~~ومراكش وغيرها. والجمعية لا تكون تابعة لحكومة ما، ولا تتقيد بمذهب ديني خاص، ويكون ~~شعارها: «لا نعبد إلا الله»، ms86 ويكون من أهم أغراضها تعميم التعليم بين المسلمين، ~~والترغيب في العلوم والفنون النافعة، وإيجاد المدارس العالية يتخصص كل منها للتوسع في ~~فرع من فروع العلم، وتوحيد أصول التعليم، ووضع مناهج للرقي بالأخلاق وتنفيذها، وإنشاء ~~مجلة شهرية للجمعية لتأييد أغراضها إلخ إلخ. # وقد اتفقوا على أن يكون مركز الجمعية المؤقت هو مصر، لتقدمها في العلم والحرية، ~~ولأنها أسبق الأمم الإسلامية في ذلك. # وانقض المؤتمر بعد أن اجتمع اثني عشر اجتماعا وصل فيها إلى النتائج الآتية: ~~(1) # المسلمون في حالة فتور عام. ~~(2) # يجب تدارك هذا الفتور. ~~(3) # جرثومة الداء الجهل. ~~(4) # الدواء تنوير الأفكار بالتعليم، وإيقاظ الشوق للترقي، وخصوصا في ~~الناشئة. ~~(5) # تأسيس الجمعيات التي تقوم بهذا العلاج. ~~(6) # المكلفون بذلك كل قادر على عمل، وخاصة نجباء الأمة من السراة ~~والعلماء. # هذه نظرة الطائر إلى هذه الرواية العظيمة العميقة المفيدة، وهذا تفكير «الكواكبي» من ~~نحو نصف قرن يشف عن سعة اطلاع، وصدق إخلاص، وسمو فكر، وبعد نظر، وشجاعة وصراحة، فإذا ~~نحن اطلعنا على ما كان يكتب قبله في المجلات والصحف في مثل هذه الموضوعات رأيناها كانت ~~أقرب إلى موضوعات إنشائية جوفاء، فنقلها هو إلى بحوث علمية، عملية، يحلل ويذكر العرض ~~وسبب الداء وعلاجه في صبر وأناة واستقصاء. # كتاب «أم القرى» رواية جدية ليس فيها غرام وغزل، بل فيها غرام مؤلفه بالعالم ~~الإسلامي، يعاني في سبيله ما يعاني المحب الهائم، ويود من صميم قلبه أن يصل محبوبه إلى ~~أعلى درجات الكمال، ويضحي من أجله بماله الذي ضيعه عليه الظلمة لتمسكه بالحق، ويضحي ~~بوطنه فيهجره لأنه لم يستطع أن يجهر برأيه في حلب فجهر به في مصر؛ ولا بأس فكل بلد ~~إسلامي وطنه - كان يحب التخصص، وينادي بأن كل قادر يحصر نفسه في فرع من فروع العلم أو ~~الفن حتى يتقنه، وطبق ذلك على نفسه، فلم يتوزع بين فقه ولغة، وما إلى ذلك، إنما وهب ~~نفسه لإصلاح المسلمين، فدرس التاريخ الإسلامي في دقة وإمعان في البلاد الإسلامية سياحة ~~فاحصة منقبة، ودرس كل قطر إسلامي ومزاياه وعيوبه، حتى إنه لما ms87 وضع روايته «أم القرى» ~~أنطق كل عضو بعقلية قطره: وسلطة المتعممين؛ والإسكندري يشكو ضعف الأخلاق، والإنجليزي ~~ينعي على المسلمين عدم المجتمعات وتبادل الرأي بالخطب والمحاضرات ونحو ذلك. # اكتوى السيد جمال الدين الأفغاني من السياسة الأوربية ولعبها بالمسلمين، فصب عليها ~~جام غضبه، واستغرقت حملته على السياسة الإنجليزية أكبر قسم في العروة الوثقى، واكتوى ~~الكواكبي بالسياسة العثمانية فكانت موضع نقده. نظر الأفغاني إلى العوامل الخارجية ~~للمسلمين فدعاهم إلى أن يناهضوها، ونظر الكواكبي إلى المسلمين فدعاهم إلى إصلاحها، ~~فإنها إن صلحت لم تستطع السياسة الخارجية أن تلعب بهم؛ ولذلك كانت معالجة الأفغاني ~~للمسائل معالجة تأثر، تخرج من فمه الأقوال نارا حامية، ومعالجة «الكوكبي» معالجة طبيب ~~يفحص المرض في هدوء، ويكتب الدواء في أناة. الأفغاني غضوب، والكواكبي مشفق، الأفغاني ~~داع إلى السيف، والكواكبي داع إلى المدرسة. ولعل هذا يرجع أيضا إلى اختلاف المزاج، ~~فالأ فغاني حاد الذكاء حاد الطبع، الكواكبي رزين الذكاء هادئ الطبع، إذا وضعت أمامهما ~~عقبة تخطاها «الأفغاني» قبل، وتخطاها «الكواكبي» بعد. ولكن من خير نقطة تتخطى، فلا عجب ~~إن كان للأفغاني دوي المدافع، وكان للكواكبي خرير الماء يعمل في بطء حتى يفتت ~~الصخر!. # لو مكن له معرفة لغة أجنبية ووقف على ما وصلت إليه بحوث علم الاجتماع الحديث لكان له ~~منبع فياض إلى جانب غزارة فكره. # وبينما الناس يعجبون بما ينشر من مقالات إصلاحية في المجلات والجرائد، ومجالس الفضلاء ~~في مصر عامرة بحديثه وجدله ودفاعه المؤدب عن آرائه، إذا بالصحف المصرية تطلع بنبأ موته ~~الفجائي يوم 6 من ربيع الأول سنة 1320، فأسف عليه كل من كان محبا لإصلاح المسلمين، ~~وبكاه إخوانه الذين كانوا يرون فيه رجلا نبيل الخلق، سامي المقصد، عفي اللسان، نقي ~~الضمير. # فرحمه الله! ms88