######OpenITI# #META# URI: 1373AhmadAmin.ZuhrIslam.Hindawi92963020 #META# Tags: history #META# ID: 92963020 #META# Title: ظهر الإسلام #META# AuthorID: 20953090 #META# Author: أحمد أمين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الجزء الأول‏ # في الحياة الاجتماعية من عهد المتوكل إلى آخر القرن الرابع الهجري‏ # 1 - سكان المملكة الإسلامية‏ # 2 - أهم المظاهر الاجتماعية والسياسية في ذلك العصر‏ # مراكز الحياة العقلية في ذلك العصر‏ # 1 - مصر والشام‏ # 2 - العراق وجنوبي فارس‏ # 3 - خراسان وما وراء النهر‏ # 4 - السند وأفغانستان‏ # 5 - بلاد المغرب‏ # 6 - جزيرة العرب‏ # الجزء الثاني‏ # البيئة الاجتماعية في القرن الرابع الهجري‏ # حركة العلوم تفصيلا‏ # 1 - التفسير والحديث وعلم الكلام‏ # 2 - الفقه والتصوف‏ # 3 - اللغة والأدب‏ # 4 - النحو والصرف والبلاغة‏ # 5 - الفلسفة‏ # 6 - الأخلاق‏ # 7 - في العلوم‏ # 8 - التاريخ والجغرافيا‏ # 9 - وسائل العلوم‏ # 10 - الفن‏ # 11 - التجارة، والصناعة، والزراعة‏ # 12 - القضاء والإدارة‏ # خاتمة‏ # المراجع‏ # الجزء الثالث‏ # الحياة العقلية في الأندلس‏ # 1 - الحياة الاجتماعية في الأندلس‏ # 2 - الحركة الدينية‏ # 3 - الحركة النحوية واللغوية والتأليف الأدبي‏ # 4 - الحركة الأدبية‏ # 5 - الحركة الفلسفية والعلمية‏ # 6 - التاريخ والجغرافيا‏ # 7 - الحركة الفنية‏ # خاتمة‏ # الجزء الرابع‏ # مقدمة‏ # تمهيد‏ # المعتزلة‏ # 1 - ظهور المعتزلة‏ # 2 - تطور المعتزلة‏ # 3 - بين الشيعة والمعتزلة‏ # 4 - رجال المعتزلة في دور الضعف‏ # 5 - القاضي عبد الجبار‏ # 6 - الزمخشري‏ # 7 - أدب المعتزلة‏ # أهل السنة‏ # 1 - الأشاعرة‏ # 2 - الماتريدية‏ # 3 - السنة تصبح مذهبا رسميا‏ # الشيعة‏ # 1 - الشيعة1‏ # 2 - الإمامة‏ # 3 - اتفاق الشيعة والمعتزلة‏ # 4 - تأييد الحكومات للشيعة‏ # 5 - عواطف أهل الشيعة‏ # 6 - بعض فرق للشيعة‏ # 7 - الدولة الفاطمية‏ # 8 - الأدب الشيعي‏ # الصوفية‏ # 1 - نشأة التصوف‏ # 2 - ما هو التصوف؟‏ # 3 - تطور الصوفية‏ # 4 - ذو النون المصري‏ # 5 - وحدة الوجود‏ # 6 - التسامح الديني‏ # 7 - الغزالي‏ # 8 - القطب‏ # 9 - الأدب الصوفي‏ # 10 - أطوار الأدب الصوفي‏ # 11 - الأدعية والابتهالات‏ # 12 - من الشعر الصوفي‏ # تذييل‏ # الجزء الأول‏ # في الحياة الاجتماعية من عهد المتوكل إلى آخر القرن الرابع الهجري‏ # 1 - سكان المملكة الإسلامية‏ # 2 - أهم المظاهر الاجتماعية والسياسية في ذلك العصر‏ # مراكز الحياة العقلية في ذلك العصر‏ # 1 - مصر والشام‏ # 2 - العراق وجنوبي فارس‏ # 3 - خراسان وما وراء النهر‏ # 4 - السند وأفغانستان‏ # 5 - بلاد المغرب‏ # 6 - جزيرة العرب‏ # الجزء الثاني‏ # البيئة الاجتماعية ms001 في القرن الرابع الهجري‏ # حركة العلوم تفصيلا‏ # 1 - التفسير والحديث وعلم الكلام‏ # 2 - الفقه والتصوف‏ # 3 - اللغة والأدب‏ # 4 - النحو والصرف والبلاغة‏ # 5 - الفلسفة‏ # 6 - الأخلاق‏ # 7 - في العلوم‏ # 8 - التاريخ والجغرافيا‏ # 9 - وسائل العلوم‏ # 10 - الفن‏ # 11 - التجارة، والصناعة، والزراعة‏ # 12 - القضاء والإدارة‏ # خاتمة‏ # المراجع‏ # الجزء الثالث‏ # الحياة العقلية في الأندلس‏ # 1 - الحياة الاجتماعية في الأندلس‏ # 2 - الحركة الدينية‏ # 3 - الحركة النحوية واللغوية والتأليف الأدبي‏ # 4 - الحركة الأدبية‏ # 5 - الحركة الفلسفية والعلمية‏ # 6 - التاريخ والجغرافيا‏ # 7 - الحركة الفنية‏ # خاتمة‏ # الجزء الرابع‏ # مقدمة‏ # تمهيد‏ # المعتزلة ‏ # 1 - ظهور المعتزلة‏ # 2 - تطور المعتزلة‏ # 3 - بين الشيعة والمعتزلة‏ # 4 - رجال المعتزلة في دور الضعف‏ # 5 - القاضي عبد الجبار‏ # 6 - الزمخشري‏ # 7 - أدب المعتزلة‏ # أهل السنة‏ # 1 - الأشاعرة‏ # 2 - الماتريدية‏ # 3 - السنة تصبح مذهبا رسميا‏ # الشيعة‏ # 1 - الشيعة1‏ # 2 - الإمامة‏ # 3 - اتفاق الشيعة والمعتزلة‏ # 4 - تأييد الحكومات للشيعة‏ # 5 - عواطف أهل الشيعة‏ # 6 - بعض فرق للشيعة‏ # 7 - الدولة الفاطمية‏ # 8 - الأدب الشيعي‏ # الصوفية‏ # 1 - نشأة التصوف‏ # 2 - ما هو التصوف؟‏ # 3 - تطور الصوفية‏ # 4 - ذو النون المصري‏ # 5 - وحدة الوجود‏ # 6 - التسامح الديني‏ # 7 - الغزالي‏ # 8 - القطب‏ # 9 - الأدب الصوفي‏ # 10 - أطوار الأدب الصوفي‏ # 11 - الأدعية والابتهالات‏ # 12 - من الشعر الصوفي‏ # تذييل‏ # | ظهر الإسلام # | ظهر الإسلام # تأليف # أحمد أمين‏ # | الجزء الأول # | مقدمة # بقلم أحمد أمين # الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. # وهذه هي المرحلة الثالثة بعد «فجر الإسلام وضحاه». # ومعذرة إلى القارئ الكريم من طول الفترة بين ظهور هذا الجزء، وآخر جزء من «ضحى ~~الإسلام»، فإن ما كلفته من عمادة كلية الآداب لم يترك لي زمنا صالحا للسير في هذه ~~السلسلة، فلما تخليت عنها احتجت إلى زمن آخر أروض فيه عقلي ونفسي على العودة إلى ~~معاناة البحث، والصبر على الدرس. # واليوم فرغت من إعداد هذا الجزء، وقد قصدت به أن يكون مقدمة لدراسة واسعة للحركة ~~العقلية في النصف الأخير من القرن الثالث وفي القرن الرابع، وهي أوسع حركة وأخصبها ~~وأعمقها في تاريخ المسلمين ms002 إلى اليوم. وقد حزرت أن يستغرق وصفها خمسة أجزاء، أحدها ~~للأندلس. # عنيت في هذا الجزء بناحيتين: ~~(1) # وصف للحياة الاجتماعية في هذا العصر، فليس يمكن فهم الحياة العقلية إلا ~~بفهم بيئتها التي نشأت فيها، والعوامل التي ساعدت عليها، وطبيعة الناس ~~الذين أنتجوها ونحو ذلك. ~~(2) # ووصف لمراكز الحياة العقلية، ونوع الحركات العلمية والأدبية التي ظهرت في ~~كل إقليم وخصائصها، وأشهر رجالها، وهو وصف موجز ونظرة شاملة خاطفة، أردت ~~منها أن تكون نقطة ارتكاز يتبعها تفصيلها والتوسع فيها فيما يأتي بعد من ~~أجزاء إن شاء الله. # وفي سبيل الله ما لقيت من عناء، وخاصة في القسم الأخير؛ فقد تجاهل مؤلفو تاريخ ~~العلوم ومؤلفو كتب التراجم - غالبا - الناحية الإقليمية والزمنية، فأرخوا الحركة ~~العلمية على أنها وحدة، وترجموا للمؤلفين من غير مراعاة لأزمتهم ولا أمكنتهم، وكل ما ~~راعوا هو ترتيب أسمائهم على حروف الهجاء، فأحمد في القرن الثاني في العراق بجانب «أحمد» ~~في القرن السادس أو السابع في مصر، وهكذا؛ فمن أراد أن يفرز علماء كل عصر وحدهم، وفي كل ~~قطر على حدة تحمل من العناء ما لا يقدر. ولم يحملني على سلوك هذا المسلك في التأليف ~~مجرد الرغبة في إيضاح الحركة العلمية والأدبية وزمانها ومكانها؛ بل إن تحديد زمانها ~~ومكانها يعين على تفهم أسباب وجودها وطبيعة تكوينها، فالموشحات والأزجال لم توجد في ~~الأندلس دون غيرها اعتباطا، ولا المقامات نشأت في إقليم خراسان مصادفة، ولا الحركة ~~الفلسفية أزهرت في العراق أول الأمر اتفاقا. وإنما ذلك كله يرجع إلى أسباب طبيعية ~~حتمية، وما كان يمكن أن يكون غير ذلك، فتعيين زمن الحركة ومكانها معين على فهمها ~~فهما علميا صحيحا، وهذا ما قصدت إليه. # والله أسأل أن ينفع به كما نفع بسابقه، وأن يعين على إتمامه. # مصر الجديدة - الجمعة # 16 ربيع الثاني سنة 1364ه # 30 مارس سنة 1945م # | في الحياة الاجتماعية من عهد المتوكل إلى آخر القرن الرابع الهجري # الفصل الأول # | سكان المملكة الإسلامية # عنصر الأتراك - في هذا العصر الذي نؤرخه، ظهر في المملكة الإسلامية عنصر كبير ms003 ~~بجانب العنصرين العظيمين - الفرس والعرب - وهو عنصر الأتراك، وكان له أثر كبير في ~~تاريخ الأمة الإسلامية وحياتها السياسية والاجتماعية. # ذلك أن المعتصم الذي تولى الخلافة سنة 218ه استقدم سنة 220ه قوما من بخارى ~~وسمرقند وفرغنة وأشروسنة وغيرها من البلاد التي نسيمها «تركستان»، وما وراء النهر، ~~«اشتراهم وبذل فيهم الأموال، وألبسهم أنواع الديباج ومناطق الذهب، وأمعن في شرائهم ~~حتى بلغت عدتهم ثمانية آلاف مملوك، وقيل ثمانية عشر ألفا» وهو الأشهر. # 1 # وسبب اتجاه المعتصم إلى الأتراك يرجع إلى أمور: ~~(1) # إن أهم عنصر في الجند كانوا إلى عهد المعتصم هم الخراسانين، وهو فرس ~~من خراسان، وكانوا عماد الدولة العباسية نحو قرن، من عهد إنشاء الدولة ~~إلى المعتصم، كما كانوا حرس الخلفاء؛ وكان بجانب هؤلاء الجنود من الفرس ~~جنود من العرب، من مضر واليمن وربيعة، ولكن هؤلاء العرب كانوا أقل ~~شأنا وأقل حظوة، وأقل عددا من الفرس. # ضعفت ثقة الخلفاء بالعرب على ممر الأيام؛ إذ رأوهم لا يتحمسون ~~للقتال لهم تحمس الفرس. وقد تقدم أن رجلا تعرض للمأمون بالشام وقال ~~له: «يا أمير المؤمنين، انظر لعرب الشام كما نظرت لعجم أهل خراسان!» ~~ولكن المعتصم بدأ يشعر أيضا بضعف ثقته بالفرس؛ وذلك أن كثيرا من ~~الجند لما مات المأمون كان هواهم مع ابنه العباس؛ لأن أم المأمون ~~فارسية، فدعتهم عصبيتهم للمأمون - نصف الفارسي - أن يتعصبوا لابنه ~~العباس أيضا. # وذكر «الطبري» أن الجند شغبوا لما بويع لأبي إسحاق - المعتصم - ~~بالخلافة، فطلبوا العباس ونادوه باسم الخلافة، فأرسل أبو إسحاق إلى ~~العباس فأحضروه فبايعه العباس ثم خرج العباس إلى الجند فقال: ما هذا ~~الحب البارد؟! قد بايعت عمي، وسلمت الخلافة إليه. فسكن الجند. # 2 # لم تمر هذه الحادثة على المعتصم من غير أن تدعوه إلى التفكير العميق؛ ~~حتى لا يتكرر مثل هذا الحادث، ففكر أن يستعين بقوم غير الفرس وغير ~~العرب، فهداه تفكيره إلى الترك، وظل لا يصفو للعباس ولا العباس يصفو له ~~حتى اتهم العباس بأنه يدبر مؤامرة لاغتيال المعتصم، فقبض على العباس ~~وسجن ومنع عنه ms004 الماء حتى مات. ~~(2) # وسبب آخر لاستدعاء المعتصم للترك، وهو أن أم المعتصم أصلها من هذه ~~الأصقاع التركية، فقد كانت من السغد، واسمها ماردة، وكان في طباعه ~~كثير من طباع هؤلاء الأتراك، من القوة والشجاعة والاعتداد بقوة الجسم؛ ~~«كان يجعل زند الرجل بين إصبعيه فيكسره». ويقول أحمد بن أبي دؤاد: ~~«كان المعتصم يخرج ساعده إلي ويقول: عض ساعدي بأكثر قوتك. فأمتنع، ~~فيقول: إنه لا يضرني! فأورم ذلك فإذا هو لا تعمل فيه الأسنة فضلا عن ~~الأسنان!» # 3 # فدعته العصبية التركية والتشابه الخلقي أن يفكر في استدعاء ~~الأتراك ففعل. # استكثر المعتصم من الأتراك حتى ملئوا بغداد وضايقوا أهلها، قال ~~المسعودي: «كانت الأتراك تؤذي العوام بمدينة السلام بجريها بالخيول في ~~الأسواق وما ينال الضعفاء والصبيان من ذلك، فكان أهل بغداد ربما ثاروا ~~ببعضهم فقتلوه عند صدمه لامرأة أو شيخ كبير، أو صبي أو ضرير؛ فعزم ~~المعتصم على النقلة معهم ... فانتهى إلى موضع سامرا، فأحضر الفعلة ~~والصناع وأهل المهن من سائر الأمصار، ونقل إليها من سائر البقاع أنواع ~~الغروس والأشجار، فجعل للأتراك مواضع متميزة، وجاورهم بالفراغنة ~~والأشروسنية ... وأقطع أشناس التركي وأصحابه من الأتراك الموضع المعروف ~~بكرخ سامرا ... إلخ». # 4 # كان من هؤلاء الأتراك مسلمون أسلموا على أثر فتح المسلمين ~~لبلادهم في العصر الأموي، ومنهم مجوس وثنيون أخذوا يسلمون عند استقدام ~~المعتصم لهم، وكانوا يتكلمون التركية، فأخذوا يتعلمون العربية، وقد ~~عرفوا بالشجاعة والصبر على القتال كما عرفوا بخشونة البداوة وقسوة ~~الطبيعة؛ وحافظ المعتصم على دمائهم أن تبقى متميزة، فجلب لهم نساء من ~~جنسهم زوجهن لهم، ومنعهم أن يتزوجوا من غيرهم. # مكن المعتصم للأتراك في الأرض، وكانوا في أول أمرهم قوة للدولة، وبسببهم - على ~~الأكثر - يرجع انتصارهم على الروم في وقعة عمورية سنة 223ه، فكانت القيادة العليا ~~في يد الأتراك وعلى رأسهم أشناس. # من ذلك التاريخ دخل في نزاع العصبية عنصر قوي جديد، فقد كان النزاع قبل بين ~~الفرس والعرب، فأصبح بين العرب والفرس والترك؛ وكان العرب قد ضعف أمرهم في نزاعهم ~~مع الفرس، فجاءت قوة ms005 الترك ضغثا على إبالة، وتوجهت قوة الترك أولا - لإضعاف ~~شأن هؤلاء الفرس المستبدين بالسلطان. وأخذ التاريخ الإسلامي يصطبغ بالصبغة التركية، ~~وبعد أن كانت الأحداث تتصل بأعلام الفرس، كأبي مسلم الخراساني والبرامكة والحسن بن ~~سهل والفضل بن سهل، وعبد الله بن طاهر وأمثالهم؛ ظهر التاريخ مرتبطة أحداثه بأشناس، ~~وإيتاخ، وبغا الكبير، وبغا الصغير، وابن طولون وأمثالهم من الأتراك؛ إذ كانوا ~~القابضين على زمام الدولة والمتصرفين في شئونها. # وبدأت العصبية ضد الأتراك من عهد دخولهم بغداد، فقد شكا أهل بغداد للمعتصم وقالوا ~~له: تحول عنا وإلا قاتلنا! قال: وكيف تقاتلونني وفي عسكري ثمانون ألف دارع؟! ~~قالوا: نقاتلك بسهام الليل - يعنون الدعاء - فقال المعتصم: والله ما لي بها طاقة! ~~فبنى لذلك سر من رأى وسكنها. # 5 # وهجا دعبل الخزاعي المعتصم لتعصبه للأتراك وحمايته إياهم فقال: # لقد ضاع أمر الناس حيث يسوسهم # وصيف وأشناس وقد عظم الخطب # وإني لأرجو أن ترى من مغيبها # مطالع شمس قد يغص بها الشرب # وهمك تركي عليه مهانة # فأنت له أم وأنت له أب # بل يظهر أن المعتصم نفسه - وهو جالب الأتراك - قارن بين خدمة الفرس للخلفاء قبله ~~وخدمة الترك له، فحمد الأولى وذم الثانية؛ فقد روى الطبري أن المعتصم، دعا أبا ~~الحسين إسحاق بن إبراهيم، # 6 # وبعد حديث طويل، قال المعتصم: يا إسحاق! في قلبي شيء أنا مفكر فيه منذ ~~مدة طويلة. فقال إسحاق: قل يا سيدي فأنا عبدك وابن عبدك. قال المعتصم: نظرت إلى أخي ~~المأمون وقد اصطنع أربعة أنجبوا، واصطنعت أنا أربعة لم يفلح أحد منهم! قال إسحاق: ~~ومن الذي اصطنعهم أخوك؟ قال: طاهر بن الحسين؛ فقد رأيت وسمعت، وعبد الله بن ~~طاهر؛ فهو الرجل الذي لم ير مثله، وأنت؛ فأنت والله الذي لا يعتاض السلطان منك ~~أبدا، وأخوك محمد بن إبراهيم؛ وأين مثل محمد؟! وأنا فاصطنعت الأفشين؛ فقد رأيت ~~إلى ما صار أمره، وأشناس؛ ففشل أيه! وإيتاخ؛ فلا شيء، ووصيف؛ فلا مغنى فيه! فقال ~~إسحاق: أجيب يا أمير المؤمنين على أمان من غضب؟ قال: قل. ms006 قال إسحاق: يا أمير ~~المؤمنين، نظر أخوك إلى الأصول فاستعملها فأنجبت فروعها، واستعمل أمير المؤمنين ~~فروعا لم تنجب، إذ لا أصول لها! قال: يا إسحاق لمقاساة ما مر بي في طول هذه ~~المدة أسهل علي من هذا الجواب. # 7 # وكره أهل بغداد مجيئهم إذ كانوا شؤما عليهم في حلهم وترحالهم، فلما أقاموا ~~بينهم كانت خيولهم تصيب الضعفاء والمرضى، ولما رحلوا عنهم إلى القاطول # 8 # ثم سامرا أثر ذلك أثرا سيئا في بغداد من حيث تجارتها وحضارتها، ~~فقال بعضهم في ذلك يعير المعتصم: # أيا ساكن القاطول بين الجرامقة # تركت ببغداد الكباش البطارقة # وأخذ المحدثون يضعون الأحاديث في ذم الترك تعبيرا عن شعورهم وشعور الناس، ~~فرووا أن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: «الترك أول من يسلب أمتي ما خولوا.» وعن ابن ~~عباس أنه قال: «ليكونن الملك - أو قال الخلافة - في ولدي حتى يغلب على عزهم الحمر ~~الوجوه، الذين كأن وجوههم المجان المطرقة.» وعن أبي هريرة أنه قال: «لا تقوم ~~الساعة حتى يجيء قوم عراض الوجوه صغار الأعين، فطس الأنوف، حتى يربطوا خيولهم ~~بشاطئ دجلة.» # 9 # زاد نفوذ الأتراك شيئا فشيئا، بكثرة ما كان يرد على عاصمة الخلافة من بلادهم، ~~وبما أبدوا من بسالة في حروبهم، وبما تزاوجوا وتناسلوا، وبتأييد الخلفاء لهم؛ ~~فالواثق بعد المعتصم «استخلف سنة 228ه على السلطنة أشناس التركي، وألبسه وشاحين ~~مجوهرين وتاجا مجوهرا. وأظنه أول خليفة استخلف سلطانا، فإن الترك إنما كثروا ~~في أيام أبيه». # 10 # وفي أيامه نكل قواد الأتراك بكثير من الأعراب في مواضع مختلفة من جزيرة العرب، ~~فمرة حول «المدينة»، ومرة باليمامة، وكان على رأس الجيش بغا الكبير التركي. ~~واحتقر الأعراب أول أمرهم هؤلاء الترك وقالوا لمن استنجد بهم: ما هؤلاء العبيد ~~والعلوج؟ تقاتلنا بهم؟! والله لنرينك العبر!» ولكن هؤلاء العبيد والعلوج انتصروا ~~عليهم، وكان بغا يحضر الواحد من أسرى بني نمير ويضربه ما بين الأربعمائة إلى ~~الخمسمائة وأقل من ذلك وأكثر. وعاد بغا ومعه الأسرى من قبائل مختلفة من ~~العرب، # 11 # ولهذه الحادثة وأمثالها ms007 أثر في ضعف نفسية العرب أمام الترك. # وكان مما فعله المعتصم متمما لاعتماده على الأتراك أن كتب إلى واليه على مصر ~~كيدر، واسمه نصر بن عبد الله، يأمره بإسقاط من في الديوان من العرب # 12 # وقطع أعطياتهم. فلما قطع العطاء عنهم خرج يحيى بن الوزير الجروي في ~~جمع لخم وجذام وقال: «هذا أمر لا نقوم في أفضل منه؛ # 13 # لأنه منعنا حقنا وفيئنا.» واجتمع إليه نحو من خمسمائة رجل. فتوجه إليهم ~~مظفر بن كيدر في بحيرة تنيس، فأسر يحيى بن الوزير وتفرق عن أصحابه، فانقرضت ~~دولة العرب من مصر وصار جندها العجم والموالي من عهد المعتصم، إلى أن ولي أحمد بن ~~طولون التركي، فاستكثر من العبيد وبلغت عدتهم زيادة على أربعة وعشرين ألف غلام ~~تركي، وأربعين ألف أسود وسبعة آلاف حر مرتزق. # 14 # ولا شك أن هذه الحادثة أيضا أضعفت من شأن العرب وخاصة في مصر. # وتولى المتوكل سنة 232ه، فكان قد مضى على مجيء الأتراك اثنتا عشرة سنة تمكنوا ~~فيها من الأرض وعرفوا الناس والبلاد، وخدمتهم الحوادث في إعلاء سلطانهم؛ فرأينا ~~إيتاخ التركي هو الذي بيده معظم الأمور. # وإيتاخ هذا غلام تركي كان طباخا فاشتراه المعتصم، وكان ذا رجولة وبأس «فرفعه ~~المعتصم ومن بعده الواثق حتى ضم إليه من أعمال السلطان أعمالا كثيرة، وكان من أراد ~~المعتصم أو الواثق قتله، فعند إيتاخ يقتل وبيده يحبس، منهم محمد بن عبد الملك ~~الزيات، وأولاد المأمون». فلما ولي المتوكل كان إيتاخ في أعلى مرتبته، إليه الجيش ~~والمغاربة والأتراك والموالي والبربر والحجابة ودار الخلافة، # 15 # حتى لقد خرج المتوكل مرة متنزها إلى ناحية القاطول وشرب وعربد على ~~إيتاخ، فهم إتياخ بقتله، فلما أصبح أخبر المتوكل بذلك فاعتذر إلى إيتاخ وقال له: ~~«أنت أبي وربيتني.» # 16 # نعم إن المتوكل دبر له مكيدة فقتله، ولكن هذا لم يضعف شأن الأتراك في ~~شيء، بل أوغر صدرهم على المتوكل. # أصبحت أمور الدولة في يد الأتراك، وأصبحوا مصدر قلق واضطراب، فهم يكرهون الفرس ~~والعرب، وهم أنفسهم ليسوا في ms008 وفاق بعضهم مع بعض، وهم لا ينقطعون عن المؤامرات ~~والدسائس، وتعصب كل فريق لقائد منهم، وهم كثيرو الطمع في الأموال لا يشبعون، وعلى ~~الجملة فقد أصبحت «دار السلام» وما حولها ليست دار سلام. # لا بد أن يكون المتوكل قد شعر بهذا الجو الحائق بما يثيره الأتراك من شرور، ولا ~~بد أن يكون قد أحس الخطر على حياته منهم، ففكر أن ينقل عاصمة الخلافة من العراق إلى ~~دمشق، وأن يعود إلى عاصمة الأمويين لعله يجد فيها من العنصر العربي من يغنيه عن ~~العنصر التركي؛ ففي سنة 243ه؛ أي بعد خلافته بإحدى عشرة سنة، رحل إلى دمشق، ولكنه ~~لم يطل مقامه بها، فلم يستطب جوها كما قالوا. وهو مع هذا لم يسلم من شغب جنود ~~الشام عليه، «فاجتمعوا وضجوا يطلبون الأعطية، ثم خرجوا إلى تجريد السلاح والرمي ~~بالنشاب»، # 17 # فعاد إلى سامرا، وكان بين خروجه منها وعودته إليها ثلاثة أشهر وسبعة ~~أيام، وبعد أربع سنوات من عودته قتله الأتراك. # لقد رأى المتوكل أن يتخلص من الأتراك ويعيد الدولة سيرتها الأولى، ولكن كان ابنه ~~المنتصر يشايعهم، «فعزم المتوكل أن يفتك بالمنتصر، ويقتل وصيفا وبغا وغيرهما من ~~قواد الأتراك ووجوههم»، # 18 # وعزموا على الفتك به؛ فكان ذلك مفترق الطرق، فإن نجح زالت دولة ~~الأتراك وعادت غلبة الفرس، ورجعت الأمور إلى ما كانت عليه، ولكن شاء القدر أن ~~ينجحوا هم، فتقدم باغر التركي حارس المتوكل ينفذ مؤامرة من القواد الأتراك على ~~رأسهم بغا الصغير، ومعه عشرة غلمان من الأتراك وهم متلثمون والسيوف في أيديهم، ~~وصعدوا على سرير الملك، وضرب باغر «المتوكل» بالسيف فقده إلى خاصرته، ثم ثناه على ~~جانبه الأيسر ففعل مثل ذلك، وأقبل الفتح «بن خاقان» يمانعهم فبعجه واحد منهم بالسيف ~~في بطنه فأخرجه من متنه، فلفا في البساط الذي قتلا فيه، وطرحا ناحية، فلم يزالا ~~على حالتهما في ليلتهما وعامة نهارهما، حتى استقرت الخلافة للمنتصر فأمر بهما ~~فدفنا. # كان قتل المتوكل أول حادثة اعتداء على الخلفاء العباسيين، فكل من كان قبله مات ~~حتف ms009 أنفه «إلا الأمين فقد قتل بعد هزيمته في الحرب». ولم يكن قتل المتوكل اعتداء ~~على المتوكل وحده، بل هو قتل لسلطان كل خليفة بعده، ولم يكن قتله بيد باغر وحده بل ~~بيد الأتراك. وكان في قتله حياة الأتراك وسلطانهم، وإنذار عام للبيت المالك أن من ~~أراد أن يلي الخلافة فليذعن إذعانا تاما للأتراك، ومن حدثته نفسه - من الخليفة ~~فمن دونه - أن يناوئهم فليوطن نفسه على القتل. # وهكذا كانت هذه الحادثة مصرع الخلافة، ومجد الأتراك، فكان الخليفة بعده خاتما ~~في أصبعهم أو أقل من ذلك، حتى قنع بالسكة والخطبة، «وصار يضرب ذلك مثلا لمن له ~~ظاهر الأمر، وليس له من باطنه شيء، فيقال: قنع فلان من الأمر الفلاني بالسكة ~~والخطبة، يعني قنع منه بالاسم دون الحقيقة»، # 19 # وفي هذا المعنى يقول بعضهم في الخليفة المستعين: # خليفة في قفص # بين وصيف وبغا # يقول ما قالا له # كما يقول الببغا # لقد شهد البحتري مقتل المتوكل وكان نديمه وجليسه ، وفزع لذلك، ووصف مقتله في ~~قصيدته الرائية المشهورة، يقول فيها: # ولم أنس وحش القصر إذ ريع سربه # وإذ ذعرت أطلاؤه وجآذره # وإذ صيح فيه بالرحيل فهتكت # على عجل أستاره وستائره # وفيها: # حلوم أضلتها الأماني ومدة # تناهت وحتف أوشكته مقادره # ومغتصب للقتل لم يخش رهطه # ولم تحتشم أسبابه وأواصره # صريع تقاضاه السيوف حشاشة # يجود بها والموت حمر أظافره # أدافع عنه باليدين ولم يكن # ليثني الأعادي أعزل الليل حاسره # ولو كان سيفي ساعة الفتك في يدي # درى الفاتك العجلان كيف أساوره # حرام علي الراح بعدك أو أرى # دما بدم يجري على الأرض مائره # وهل أرتجي أن يطلب الدم واتر # يد الدهر والموتور بالدم واتره؟ ~~... إلخ. # بل يخيل إلي أن البحتري هاله ما فعله الأتراك بسيده المتوكل وهو الذي ~~مجده في كثير من قصائده، وأسبغ عليه فيها نوعا من التقديس. # وشبيه النبي خلقا وخلقا # ونسيب النبي جدا فجدا # يا ابن عم النبي حقا ويا أز # كى قريش دينا ونفسا وعرضا # بنت بالفضل والعلو فأصبح # ت سماء وأصبح الناس ms010 أرضا # ولم يستطع أن يهجو الأتراك في صراحة وإقذاع، وهم الذين بيدهم السلطان، وآلمه ما ~~آل إليه أمر الدولة وقد غلب عليها الأتراك، وما كانت عليه الدولة أيام كان السلطان ~~سلطان الفرس، فحنق على الأولى، وحمد الأخرى. فيخيل إلي أنه قال «بمظاهرة» طريفة ~~يرضي بها شعوره، وهي أنه حج إلى إيوان كسرى رمز سلطان الفرس، ووقف أمامه شاكيا ~~باكيا، وقال سينيته البديعة المشهورة يندب حظه ويبكي أمسه: # حضرت رحلي الهموم فوجه # ت إلى أبيض المدائن عنسي # أتسلى عن الحظوظ وآسى # لمحل من آل ساسان درس # ذكرتنيهم الخطوب التوالي # ولقد تذكر الخطوب وتنسي ~~••• # وهو ينبيك عن عجائب قوم # لا يشاب البيان فيهم بلبس ~~••• # ليس يدرى أصنع إنس لجن # سكنوه أم صنع جن لإنس # غير أني أراه يشهد أن لم # يك بانيه في الملوك بنكس # بل هو يصرح بعد ذلك أن الفرس ليسوا قومه، ولكن لهم فضل على العرب بما أيدوا من ~~ملكهم، وما خدموا في دولتهم (أي وليس كذلك الترك). وفضلا عن ذلك فإنه يألف الأشراف ~~من كل جنس، ويحب الأصول من كل قوم: # ذاك عندي وليست الدار داري # باقتراب منها ولا الجنس جنسي # غير نعمى لأهلها عند أهلي # غرسوا من ذكائها خير غرس # أيدوا ملكنا وشدوا قواه # بكماة تحت السنور حمس # وأراني من بعد أكلف بالأشرا # ف طرا من كل سنخ وأس # فهذه القصيدة ليست نزعة شعوبية من البحتري كما يرى بعضهم، ولكنها - فيما أرى - ~~حسرة على عهد الفرس بعد أن رأى عهد الأتراك، وبكاء على عصر كان الفرس فيه يحتفظون ~~بأبهة الخليفة وعظمته، ويعملون ما عملوا في خدمته، وألم من عصر الأتراك الذي ~~محوا فيه سلطة الخليفة وسلبوه سلطانه، وأخضعوه لإشارتهم، وجعلوه تابعا لأمرهم ~~ونهيهم، وأخيرا فعلوا فعلتهم الشنعاء فقتلوه أشنع قتلة، ولم يرعوا له ولا للخلافة ~~أية حرمة. # وقد خلف لنا الجاحظ رسالة في موضوع العصبية عند مجيء الترك، وهي رسالة كتبها ~~للفتح بن خاقان التركي في مناقب الترك، تمثل لنا أصدق تصوير العصبية بين الجنود ~~المختلفة لما ms011 جند الأتراك، وما يقال عن الجنود يصح أن يقال عن غيرهم. وقد ذكر في ~~هذه الرسالة أنه ألفها أيام المعتصم جالب الأتراك، وأنه أراد أن يوصلها إليه فلم ~~تصل، لأسباب يطول ذكرها، ولم يبين لنا شيئا من هذه الأسباب، والظاهر أنها لم تصل ~~إليه؛ لأن من كان في قصر المعتصم من الفرس والعرب عملوا على ألا تقع في يده فتعظم ~~عصبيته للترك. # ويظهر أنه أعاد كتابتها من جديد على ضوء ما كان من عظمة الترك، وقدمها للفتح بن ~~خاقان وزير المتوكل، وكل قوم من الجند في ذلك العصر كان لهم أدباء وعلماء ومتحدثون، ~~يتكلمون في مناقب قومهم وميزتهم عن غيرهم. أما الأتراك فلم يكن لهم شيء من ذلك، ~~فتعاون الفتح بن خاقان والجاحظ على أن يسدا هذا النقص، ويبينا مناقب الترك؛ ~~فكتب الجاحظ رسالته في ذلك وحكى فيها بعض أقوال الفتح. وقد استعمل الجاحظ عقله ~~وقلمه وفلسفته في إعلاء شأن الترك؛ تقربا لذوي النفوذ، وإظهارا لمزيته البلاغية، ~~بقطع النظر عن كونه يعتقد ما يقول أو لا يعتقد. # والرسالة قيمة جدا من ناحية حكاية ما كان يجول بخاطر الجند على اختلاف ~~أنواعهم ونوع عصبيتهم. ويقول فيها إنه لا يريد أن يذكر مناقب الأتراك ويتبعه بمعايب ~~غيرهم، بل يكتفي بذكر المناقب قصدا إلى الألفة وتوحيد القلوب، ولكنه بسط مناقب ~~الترك وبالغ في إعلاء شأنهم، وأسبغ عليهم، بقلمه السيال وأسلوبه الواسع؛ عظمة ~~وأبهة تكفيان في إشعار القارئ أن الترك أعظم جند، وأشجع قوم؛ فهو بهذا الأسلوب ~~الماكر رفع من شأن الترك، ووضع من غيرهم تحت ستار الدعوة إلى الألفة. # حكى في صدر الرسالة حكاية الفتح بن خاقان من أنه سمع رجلا يقسم الجند في عهد ~~المتوكل إلى أقسام: خراساني، وتركي، ومولي، وعربي، وبنوي. # 20 # فاعترض عليه الفتح وأبى هذا التقسيم، ودعا إلى أن ينظر إلى الجند كوحدة ~~لا كأجناس، وأن هذا الجند مع اختلاف أجناسه متقارب الأنساب، فالخراساني والتركي ~~متقاربان في الشبه والصقع، وأن القرب بينهما أكثر مما بين العدنانيين والقحطانيين ~~مع أن ms012 كلهم عرب، وأن البنويين خراسانيون؛ لأن نسب الأبناء نسب الآباء، وأن الموالي ~~أشبه بالعرب وأقرب إليهم، وهو عرب في المدعى وفي العاقلة وفي الراية، وقد جاء: ~~«مولى القوم منهم»، و«الولاء كلحمة النسب»، وأن الأتراك صاروا من العرب لهذا ~~المعنى؛ لأن الأتراك موالي الخلفاء، فهم موالي لباب قريش. وحكي عن الفتح، أن هذه ~~الأجناس بهذا المعنى يجب أن يكونوا متوازرين متكاتفين محبين للخلفاء ... إلخ ~~إلخ. # وهو كلام جيد نظريا، ولم يكن واقعا عمليا، فالدعوة الجنسية كانت بالغة ~~أشدها، والعداوة بينهم متغلغلة في أعماق صدورهم. # ثم حكى الجاحظ عن «الفتح» أن هذا القائل ذكر مناقب لكل جنس من الجنود وألغى ذكر ~~الأتراك، فذكر أن الخراسانيين يفخرون ويقولون: إنا دعاة الدولة العباسية ونحن ~~النقباء والنجباء وأبناء النجباء، وبنا زال ملك بني أمية، ونحن الذين تحملوا العذاب ~~وبضعوا بالسيوف الحداد، ندين بالطاعة ونقتل فيها، ونموت عليها؛ ونحن قوم لنا أجسام ~~وأجرام، وشعور وهام، ومناكب عظام، وجباه عراض، وسواعد طوال ، وأبداننا أحمل للسلاح، ~~ونحن أكثر مادة ونحن أكثر عددا وعدة، ومتى رأيت مواكبنا وفرساننا وبنودنا التي لا ~~يحملها غيرنا علمت أنا لم نخلق إلا لقلب الدول وطاعة الخلفاء وتأييد السلطان؛ ~~ونحن أرباب النهى وأهل الحلم والحجى؛ وأهل النجابة في الرأي، والبعد من الطيش، وليس ~~في الأرض صناعة عراقية ولا حجازية، من أدب وحكمة، وحساب وهندسة وارتفاع بناء، وفقه ~~ورواية، نظرت فيها الخراسانية إلا فرعت فيها الرؤساء وبذت فيها العلماء ... إلخ ~~إلخ. # والعرب يفخرون بالأنساب وبالشعر الموزون الذي يبقى بقاء الدهر، ويلوح ما لاح نجم، ~~وبالكلام المنثور والقول المأثور وتقييد المآثر، إذ لم يكن ذلك من عادة العجم - ~~قالوا - ونحن أصحاب التفاخر والتنافر، والتنازع في الشرف والتحاكم إلى كل حكم ~~مقنع، وكاهن شجاع، ونحن أصحاب التعاير بالمثالب والتفاخر بالمناقب، نقاتل رغبة لا ~~رهبة. ثم ردوا على الخراسانيين بأن أكثر النقباء في الدعوة العباسية كانوا من ~~العرب ... إلخ. # وفخر الموالي بأنهم موضع الثقة عند الشدة، وأن شرف السادة راجع إليهم، إذ هم ~~منهم، ثم لهم الطاعة والخدمة ms013 والإخلاص وحسن النية - قالوا - ونحن أشكل بالرعية، ~~وأقرب إلى طباع الدهم، وهم بنا آنس، وإلينا أسكن، وإلى لقائنا أحن، ونحن بهم ~~أرحم، وعليهم أعطف ... إلخ. # وقال البنوي: إنا أصلنا خرساني وهو مخرج الدولة، ومطلع الدعوة، ولنا بعد في ~~أنفسنا ما لا ينكر، من الصبر تحت ظلال السيوف القصار، والرماح الطوال، ولنا معانقة ~~الأبطال عند تحطم القنا وانقطاع الصفائح، ونحن أهل الثبات عند الجولة، والمعرفة عند ~~الخبرة، مع حسن القد، وجودة الخرط، ثم لنا الخط والكتابة، والفقه والرواية، ~~ولنا بغداد بأسرها تسكن ما سكنا وتتحرك ما تحركنا؛ ونحن تربية الخلفاء وجيران ~~الوزراء، ولدنا في أفنية ملوكنا، ونحن أجنحة خلفائنا، أخذنا بآدابهم، واحتذينا ~~على مثالهم. # فأخذ الجاحظ بعد يشيد بفضل الترك، فيزعم أن كل الأجناد يرجعون إلى شيء واحد كما ~~قال «الفتح»؛ فالبنوي خراساني، والخراساني مولي، والمولي عربي بالولاء، والأتراك ~~خراسانية (أي بحكم القرب والجوار)، فصار البنوي والخرساني والمولي والعربي والتركي ~~شيئا واحدا، فصار فضل التركي إلى الجميع راجعا، وصار شرفهم زائدا في شرفهم، ~~ورجا أنه إذا عرف سائر الأجناد ذلك تسامحت النفوس، ومات الضغن وانقطع سبب ~~الاستثقال. # بدأ الجاحظ دفاعه عن الأتراك بحكاية قصها عن قوم أيام المأمون تذاكروا أي ~~الاثنين أشجع: الخارجي أم التركي؟ وكان الخوارج معروفين بين الناس إذ ذاك بأنهم ~~أشجع جند وأصبر الناس على قتال، وانتهى من هذه القصة بنتيجة هي أن التركي أشجع من ~~الخارجي؛ لأن الخوارج عرفوا بعشر مزايا في القتال، والتركي يفضلهم فيها جميعا؛ ~~لأنه أثبت عزما حتى لقد عود برذونه ألا ينثني، وهو أصدق رماية؛ فالتركي يرمي ~~الوحش والطير والناس في سرعة وإصابة، والخوارج إذا ولوا فقد ولوا، ولكن ~~التركي إذا ولى فهو السم الناقع؛ لأنه يصيب بسهمه وهو مدبر كما يصيب بسهمه وهو ~~مقبل. # والتركي في حال شدته معه كل شيء يحتاج إليه لنفسه ولسلاحه ولدابته، والتركي هو ~~الراعي وهو السائس، وهو الرائض وهو النخاس وهو البيطار، وهو الفارس، وهو أصبر على ~~السير وعلى الصعود في ذرى الجبال، والتركي في بلاده لا ms014 يقاتل على دين، ولا على ~~تأويل، ولا على ملك، ولا على خراج، ولا على عداوة، ولا على وطن، وإنما يقاتل على ~~السلب، فكيف إذا انضم إلى ذلك غضب أو تدين، أو عرض له بعض ما يصحب القاتل من ~~العلل والأسباب، والأتراك قوم وضع بنيتهم على الحركة وليس للسكون فيهم نصيب، وهم ~~أصحاب توقد واشتعال وفطنة، وهم يرون الاكتفاء بالقليل عجزا، وطول المقام بلادة، ~~والراحة غفلة، والقناعة من قصر الهمة. # ويقول بعد: إن كل أمة امتازت بشيء، فأهل الصين في الصناعات، واليونان في الحكم ~~والآداب، والفرس في الملك والسياسة؛ والعرب لم يكونوا تجارا ولا صناعا ولا ~~أطباء ولا حسابا، ولا طلبوا المعاش من ألسنة المكاييل والموازين، ولم يحتملوا ~~ذلا قط فيميت قلوبهم، ويصغر عندهم أنفسهم، وكانوا سكان فياف، وتربية عراء، ~~فوجهوا قواهم إلى قول الشعر، وبلاغة المنطق، وتثقيف اللغة، وتصريف الكلام، وحفظ ~~النسب، والاهتداء بالنجوم، والاستدلال بالآثار، والبصر بالخيل والسلاح، والحفظ لكل ~~مسموع، والاعتبار بكل محسوس ، وإحكام شأن المناقب والمثالب ومزية الأتراك في الحروب، ~~وهم كذلك أصحاب عمد، وسكان فياف، وأرباب مواش، وهم أعراب العجم، كما أن هذيلا ~~أكراد العرب، لم تشغلهم الصناعات ولا التجارات، ولا الطب والفلاحة والهندسة، ولا ~~غراس ولا بنيان، ولا شق أنهار، ولا جباية غلات، ولم يكن همهم غير الغزو ~~والغارة والصيد، وركوب الخيل، ومقارعة الأبطال، وطلب الغنائم، وتدويخ البلاد، ~~لذتهم في الحرب، وهي فخرهم وحديثهم وسمرهم، وقد اتصفوا بالصفات التي تستتبع ~~النجدة والفروسية، من الكرم وبعد الهمة وطلب الغاية، والحزم والعزم ~~والصبر. # وبذلك انتهت رسالته الطويلة التي أوجزناها إيجازا تاما. # ومنها نستدل على أن العصبية في هذا العصر كانت شديدة قوية؛ كل عنصر يعدد ~~مزاياه، ويدل بها على من سواه؛ فعربي يفخر بلسانه وسيفه، وفارسي يفخر بسياسته ~~وملكه ... إلخ؛ وأن الأتراك كانت مزيتهم حسن القتال وما يستتبعه من صفات، فلم يفخروا ~~بعلم ولا سياسة ولا بسابقة دين ولا شيء من ذلك، فلما كان هذا شأنهم في قوة القتال، ~~غلبوا على كل سلطان. # أراد الفتح بن خاقان ms015 والجاحظ أن ينشرا عقيدة الوحدة بين الجنود وتناسي الأجناس، ~~ولكن أنى لهما ذلك، والدين نفسه لم يستطع أن يمحو هذه العصبية، وعمل الأتراك ~~أنفسهم باستبدادهم وطغيانهم يحيي العصبية ويجعلها وسيلة للدفاع عن النفس، بل وطريقة ~~الجاحظ التي سلكها في مناقب الأتراك من شأنها أن تقوي العصبية لا أن ~~تضعفها؟! # كان طبيعيا أن يزداد نفوذ الأتراك بقتلهم المتوكل وتنصيبهم المنتصر. وقد حكى ~~الطبري «أن المنتصر عزم على أن يغزي وصيفا التركي؛ الثغر الشامي، فقال أحمد بن ~~الخصيب للمنتصر: «ومن يجترئ على الموالي - الأتراك - حتى تأمر وصيفا ~~بالشخوص؟!»» # 21 # وأمر الأتراك المنتصر أن يخلع أخويه المعتز والمؤيد من الخلافة خوفا ~~أن ينتقما - إذا وليا - من قتلة المتوكل، وكان لذلك كارها، فدعاهما المنتصر، ~~والأتراك وقوف وقال: «أترياني خلعتكما طمعا في أن أعيش حتى يكبر ولدي وأبايع له؟ ~~والله ما طمعت في ذلك ساعة قط، وإذا لم يكن في ذلك طمع، فوالله لأن يليها بنو أبي ~~أحب إلي من أن يليها بنو عمي، ولكن هؤلاء - وأومأ إلى سائر الموالي؛ يريد ~~الأتراك - ألحوا علي في خلعكما، فخفت إن لم أفعل أن يعترضكما بعضهم بحديدة ~~فيأتي عليكما.» # 22 # فلما مات المنتصر بعد خلافته بستة أشهر، وقبل أن يستخلف خليفة بعده، استحلف ~~القواد الأتراك والمغاربة والأشروسنية على أن يرضوا بمن يرضى به بغا الكبير وبغا ~~الصغير وأتامش، وجميعهم أتراك، وهؤلاء قد اختاروا أحمد بن محمد المعتصم، ولقبوه ~~المستعين فبايعه سائر الناس. # ضايق الأتراك المستعين بعد ذلك، وضايقوا الناس حتى ضج وضجوا، ودبروا ~~المؤامرات لاغتياله، فهرب من سامرا إلى بغداد، فذهبوا إليه يعتذرون، فقال لهم: ~~«أنتم أهل بغي وفساد واستقلال للنعم، ألم ترفعوا إلي في أولادكم فألحقتهم بكم، ~~وهو نحو من ألفي غلام؟! وفي بناتكم، فأمرت بتصييرهن في عداد المتزوجات، وهن نحو ~~أربعة آلاف امرأة؟! وفي المدركين والمولودين، وكل هذا قد أجبتكم إليه، وأدررت لكم ~~الأرزاق حتى سبكت لكم آنية الذهب والفضة، ومنعت نفسي لذتها وشهوتها؛ كل ذلك إرادة ~~لصلاحكم ورضاكم، وأنتم تزدادون بغيا وفسادا، وتهددا وإبعادا.» # 23 ms016 # وهاج أهل بغداد «لما بلغهم مقتل عمر بن عبيد الله الأقطع، وعلي بن يحيى الأرمني، ~~وكانا نابين من أنياب المسلمين، شديدا بأسهما، عظيما غناؤهما عنهم، في الثغور ~~التي هما بها، وقرب مقتل أحدهما من مقتل الآخر، مع ما لحقهم من استفظاعهم من ~~الأتراك قتل المتوكل واستيلائهم على أمور المسلمين، وقتلهم من أرادوا قتله من ~~الخلفاء، واستخلافهم من أحبوا استخلافه، من غير رجوع منهم إلى ديانة، ولا نظر ~~للمسلمين، فاجتمعت العامة ببغداد بالصراخ والنداء بالنفير». # 24 # هذا إلى أن الأتراك أنفسهم انشق بعضهم على بعضهم، وتكونوا أحزابا: هذا حزب داغر، ~~وهذا حزب بغا ووصيف ... إلخ، وقتلوا داغرا، وحارب بعضهم بعضا. # فلما لم يذعن لهم المستعين، بايعوا المعتز بالله، وانضم إليه أغلب الأتراك، وكان ~~مركزه سامرا؛ وظل أهل بغداد على ولائهم للمستعين وبيعتهم له، ومعه ابن طاهر الفارسي ~~الأصل وقليل من الأتراك، وكانت سنة شديدة على الناس عذبوا فيها عذابا شديدا من ~~السلب والنهب والقتال. # وكان من حسن حظ الترك أن غلبوا أخيرا، ودخلوا بغداد منتصرين، وخلعوا المستعين ~~ثم قتلوه، فكانت هذه خطوة أخرى في سبيل سيادة الأتراك، وفي ذلك يقول رجل من أهل ~~سامرا - وقيل إنها للبحتري: # لله در عصابة تركية # ردوا نوائب دهرهم بالسيف # قتلوا الخليفة أحمد بن محمد # وكسوا جميع الناس ثوب الخوف # وطغوا فأصبح ملكنا متقسما # وإمامنا فيه شبيه الضيف # ومع هذا سرعان ما ضيقوا على المعتز، وشعر منهم بالشر، فكان لا يلتذ بالنوم، ~~ولا يخلع سلاحه لا في ليل ولا في نهار خوفا من بغا، وقال: «لا أزال على هذه الحالة ~~حتى أعلم لبغا رأسي أو رأسه لي.» وكان يقول: «إني لأخاف أن ينزل علي بغا من ~~السماء أو يخرج علي من الأرض.» # 25 # ومن ناحية أخرى عزم المعتز على قتل رؤسائهم، وأعمل الحيلة في فنائهم، ~~فخلعوه وقتلوه. # وقد أكثر الشعراء في ذلك العصر من وصف ما أصاب البلاد من سوء الحال، وتحكم ~~الأتراك في الخلفاء، وما عم الناس من الفوضى والاضطراب، فقال في ذلك بعض شعراء ms017 ~~العصر في مقتل المعتز: # بكر الترك ناقمين عليه # خلعته، أفديه من مخلوع # قتلوه ظلما وجورا فألفو # ه كريم الأخلاق غير جزوع # لم يهابوا جيشا ولا رهبوا السي # ف فلهفي على القتيل الخليع # أصبح الترك مالكي الأمر، والعا # لم ما بين سامع ومطيع # ونرى الله فيهم مالك الأم # ر سيجزيهم بقتل ذريع # وقال آخر: # قتلوه ظلما وجورا وغدرا # حين أهدوا إليه حتفا مريحا # نضر الله ذلك الوجه وجها # وسقى الله ذلك الروح روحا # أيها الترك تلقون للدهر # سيوفا لا تستبل الجريحا # فاستعدوا للسيف عاقبة الأم # ر فقد جئتم فعالا قبيحا # وقال آخر: # ألزموه ذنبا على غير جرم # فثوى فيهم قتيلا صريعا # وبنو عمه وعم أبيه # أظهروا ذلة وأبدوا خضوعا # ما بهذا يصح ملك ولا يغ # زى عدو ولا يكون جميعا # ويقول: عبد الله بن المعتز في أرجوزته التاريخية المشهورة: # وكل يوم ملك مقتول # أو خائف مروع ذليل # أو خالع للعقد كيما يغنى # وذاك أدنى للردى وأدنى # وكم أمير كان رأس جيش # قد نغصوا عليه كل عيش # وكم فتاة خرجت من منزل # فغصبوها نفسها في المحفل ~~••• # ويطلبون كل يوم رزقا # يرونه دينا لهم وحقا # كذاك حتى أفقروا الخلافة # وعودوها الرعب والمخافة # شعر الناس بسوء الحالة العامة من سلطة الأتراك، وحاولوا التخلص من سلطانهم، ~~وقويت هذه الفكرة عند الخليفة المهتدي، وقد كان شجاعا قويا، مثله الأعلى عمر بن ~~الخطاب؛ فظن أنه يستطيع القضاء على سلطة الأتراك، وأن الشعب يؤيده، ولكنه لم ~~ينجح. # لقد أكثر الترك من مصادرة الناس في أموالهم، وكان من مصائب الرجل أن يكون غنيا؛ ~~صادروا الكتاب وصادروا الأمراء الكبار، وأخيرا صادروا زوجة المتوكل وهي أم ~~المعتز بعد أن قتلوا ابنها، وكان المتوكل سماها قبيحة لحسنها وجمالها كما يسمى ~~الأسود كافورا، وكان لها أموال كثيرة، وهربت على مكة، وسمعت وهي تدعو بصوت عال ~~تقول: اللهم أخز صالحا # 26 # كما هتك ستري، وقتل ولدي، وشتت شملي، وأخذ مالي، وغربني عن بلدي ~~وركب الفاحشة مني. # 27 # دبر الأتراك مؤامرة لقتل المهتدي؛ لأنه لم ms018 يعجبهم في نزعته. وانتشر الخبر في ~~العامة أنهم قد اتفقوا على خلع المهتدي والفتك به، وأنهم قد أرهقوه، فكتب العامة ~~الرقاع ورموها في الطرق والمساجد مكتوبا فيها: «يا معشر المسلمين ادعوا الله ~~لخليفتكم العدل الرضا المضاهي لعمر بن الخطاب أن ينصره الله على عدوه، ويكفيه مؤنة ~~ظالمه، ويتم النعمة عليه وعلى هذه الأمة ببقائه، فإن الأتراك قد أخذوه بأن يخلع ~~نفسه.» # ولما وصل خبر المؤامرة إلى المهتدي تحول من مجلسه متقلدا سيفا، وقد لبس ثيابا ~~نظافا وتطيب، ثم أمر بإدخال هؤلاء الأتراك المتآمرين عليه، فقال لهم: «بلغني ما ~~أنتم عليه ولست كمن تقدمني مثل المستعين والمعتز، والله ما خرجت إليكم إلا وأنا ~~متحنط، وقد أوصيت إلى أخي بولدي، وهذا سيفي، والله لأضربن به ما استمسك قائمه ~~بيدي، والله لئن سقطت مني شعرة ليهلكن وليذهبن أكثركم، أما دين! أما حياء! أما ~~رعية! كم يكون هذا الخلاف على الخلفاء والإقدام والجرأة على الله، سواء عليكم من ~~قصد الإبقاء عليكم، ومن كان إذا بلغه هذا عنكم دعا بإرطال الشراب فشربها مسرورا ~~بمكروهكم وحبا لبواركم، خبروني عنكم هل تعلمون أنه وصل إلي من دنياكم هذه ~~شيء؟ أما أنك تعلم يا بايكباك أن بعض المتصلين بك أيسر من جماعة إخوتي وولدي؟! ~~تعرف ذلك فانظر هل ترى في منازلهم فرشا، أو وصائف أو خدما أو جواري أو لهم ~~ضياغ أو غلات؟ سوأة لكم!» # 28 # ولكن ماذا يغني إشهار سيفه، والتهديد خطبته، وقد أراد أن يضرب الأتراك ~~بعضهم ببعض حتى يخلص منهم جميعا، ولكنه لم ينجح في هذا أيضا، ودارت الدائرة عليه ~~فقتلوه. # ومع هذا فقد كانت لحركة المهتدي أثر في استرداد البيت العباسي بعض سلطانه، وكان ~~من أسباب ذلك أيضا انتقال الخليفة من سامرا - وهي حصن الأتراك - إلى بغداد، وفيها ~~عناصر كثيرة تريد أن تحمي الخلافة من شرورهم؛ ولذلك رأينا سلسلة من الخلفاء بعده ~~يقبضون على كثير من السلطان، ويموتون حتف أنوفهم، فقد تولى بعد المهتدي المعتمد؛ ~~نعم إنه كان مسلوب السلطان محجورا عليه، وقال في ms019 ذلك أبياته المشهورة: # أليس من العجائب أن مثلي # يرى ما قل ممتنعا عليه # وتوكل باسمه الدنيا جميعا # وما من ذاك شيء في يديه # إليه تحمل الأموال طرا # ويمنع بعض ما يجبى إليه # ولكن الذي كان يحجر عليه هذه المرة هو أخوه الموفق، لانصراف المعتمد إلى لهوه ~~وملذاته، والموفق في أيامه كان بطلا، ترك لأخيه المعتمد الخطبة والسكة والتسمي ~~بإمرة المؤمنين، وأمسك هو بزمام الأمر والنهي، وقود العساكر، ومحاربة الأعداء؛ ~~ومرابطة الثغور، وترتيب الوزراء والأمراء، وكبح غير قليل من جماح الأتراك. # فلما جاء المعتضد بن الموفق سار سيرة أبيه، وزاد في رفع شأن الخلافة، والأخذ على ~~يد الأتراك بقدر ما يستطيع، قال الفخري: «كان المعتضد شهما عاقلا فاضلا، حمدت ~~سيرته، ولي والدنيا خراب، والثغور مهملة، فقام قياما مرضيا حتى عمرت مملكته، ~~وكثرت الأموال، وضبطت الثغور، وكان قوي السياسة شديدا على أهل الفساد، حاسما ~~لمواد أطماع عساكره عن أذى رعيته، محسنا إلى بني عمه من آل أبي طالب.» # 29 # وقد كثرت الفتن والأحداث في أيامه نتيجة للفساد الذي كان قبل أيامه، ~~فجاهد فيها ما استطاع. # وقد نظم فيه «ابن المعتز» ابن عمه قصيدة طويلة هي صورة مصغرة لنمط الملاحم ~~كالإلياذة والشاهنامه، سدت بعض النقص في الشعر العربي في هذا النوع، بدأها بذم ~~الأتراك وما جنوا على البلاد، ذكرنا طرفا منه فيما سبق، ثم عدد أعمال المعتضد، ~~وما قام به من حروب وما أتى به من إصلاح. وهي تعد بجانب مزيتها الأدبية وثيقة ~~تاريخية هامة للأحداث في عهد المعتضد. # واستبشر الشعراء بهمته، فقال ابن الرومي: # هنيئا بني العباس إن إمامكم # إمام الهدى والناس والجود أحمد # كما بأبي العباس أنشئ ملككم # كذا بأبي العباس أيضا يجدد # وقال ابن المعتز: # أما ترى ملك بني هاشم # عاد عزيزا بعدما ذللا # يا طالبا للملك كن مثله # تستوجب الملك وإلا فلا # وعلى الجملة، فقد مات بعد نحو عشر سنوات من حكمه، خلف فيها الخلافة على حال أحسن ~~بكثير مما كانت منذ وفاة الواثق. # وسار ابنه المكتفي بسيرة أبيه، ms020 ولكن الفتن التي بدأت في عهد أسلافه استفحلت، وعظم ~~أمرها، من إسماعيلية، وقرامطة، وفاطمية، وانتهى القرن الثالث الهجري والفتن قائمة، ~~والثورات مشتعلة، وعلى الخلافة المقتدر بن المعتضد، فعادت الخلافة إلى ضعفها الأول، ~~وعاد الأتراك إلى قوتهم. # ويظهر أن الأتراك والوزراء سئموا من اختيار الخلفاء القادرين الأكفاء، أمثال ~~المهتدي، والمعتضد، والمكتفي، فأرادوا أن يعدلوا عن هذه السنة ويولوا عديم ~~الكفاية؛ ولذلك طال اجتماعهم وتفكيرهم بعد موت المكتفي، وكان من أول المرشحين ~~للخلافة عبد الله بن المعتز، وهو كفء عالم أديب قادر، فانصرفوا عنه إلى المقتدر، ~~وهو طفل عاجز، فولوه حتى تتم لهم الرياسة. حكى مسكويه أن وزير المكتفي العباس بن ~~الحسن استشار ابن الفرات فيمن يلي الخلافة، فقال له: «اتق الله ولا تنصب في هذا ~~الأمر من قد عرف دار هذا، ونعمة هذا، وبستان هذا، وجارية هذا، وفرس هذا، ومن لقي ~~الناس ولقوه، وعرف الأمور، وتحنك وحسب حساب نعم الناس. # 30 # قال الوزير: فبمن تشير؟ قال ابن الفرات: بجعفر بن المعتضد (هو ~~المقتدر). فقال الوزير: جعفر صبي! قال ابن الفرات: إلا أنه ابن المعتضد، ولم تجيء ~~برجل يأمر وينهى، ويعرف ما لنا، وبمن يباشر التدبير بنفسه ويرى أنه مستقل؟ ولم لا ~~تسلم هذا الأمر إلى من يدعك تدبره أنت؟» # وحكى الصولي «أنه عهد إليه بتربية الراضي بالله وأخيه هارون، فكان يلقاهما ~~مرتين في الأسبوع وقد رآهما فطنين عاقلين، إلا أنهما خاليان من العلوم. قال ~~الصولي: «فحببت العلم إليهما، واشتريت لهما من كتب الفقه والشعر واللغة والأخبار ~~قطعة حسنة، فتنافسا في ذلك، وعمل كل واحد منهما خزانة لكتبه، وقرآ علي الأخبار ~~والأشعار.» فكان مما قرأه لهما الصولي كتاب «خلق الإنسان» للأصمعي، فوشى الخدم، ~~وقالوا: «إن الصولي يعلمهما أسماء الفرج والذكر.» فاجتهد الصولي في نفي هذه ~~التهمة، وأراهم الكتاب. # ثم لما تقدم الصولي في تعليمهما، وتطلع إلى مكافأته على ما عمل، قيل له على لسان ~~أهل القصر: «ما نريد أن يكون أولادنا أدباء ولا علماء، وهذا أبوهما قد رأينا كل ما ~~نحب فيه، ms021 وليس بعالم.» فلما سمع الصولي أتى نصرا الحاجب وأخبره بما قيل، فبكى، ~~وقال: كيف نفلح من قوم هذه نياتهم؟!» # 31 # وحكى في موضع آخر، أن الراضي بالله، قبل أن يلي الخلافة، كان يقرأ عليه - على ~~الصولي - شيئا من شعر بشار، وبين يديه كتب لغة، فجاء خدم من خدم جدته، فأخذوا جميع ~~ما بين يديه من الكتب، فجعلوه في منديل، فغضب الراضي، فسكنت غضبه وقلت: ليس ينبغي ~~أن ينكر الأمير هذا؛ فإنه يقال لهم إن الأمير ينظر في كتب لا ينبغي أن ينظر في ~~مثلها. فقال لهم الراضي: قولوا لمن أمركم: إن هذه الكتب إنما هي حديث وفقه وشعر ~~ولغة وأخبار، وليست من كتبكم التي تبالغون فيها مثل عجائب البحر، وحديث سندباد، ~~والسنور والفار. # 32 # فترى من هذا كيف كانوا يريدون الحجر على من يرشح للخلافة لينشأ جاهلا غرا، ~~فينصرف إلى لهوه ولذته، ويترك لهم زمام الأمور والتصرف في شئون الدولة. # وكان من المؤيدين لتولية هذا الطفل مؤنس الخادم، ومؤنس الخازن، وغيرهما من ~~الأتراك. # نعم كان مع ابن المعتز بعض الأتراك، ولكن الغلبة والقوة كانتا في جانب الذين مع ~~المقتدر، فتم الأمر للمقتدر، وقتل ابن المعتز. # 33 # روي أنه لما اختلف أمر الناس، وبايع بعضهم لابن المعتز، سأل ابن جرير المؤرخ ~~الكبير، وكان في آخر أيامه: ما الخبر؟ قالوا: بويع ابن المعتز. قال: فمن رشح ~~للوزارة؟ قالوا: محمد بن داود. قال: فمن ذكر للقضاء؟ قالوا: أبو المثنى. فأطرق ~~ثم قال: هذا الأمر لا يتم. قيل له: وكيف؟ قال: كل واحد ممن سميتموهم متقدم في ~~معناه، عالي الرتبة، والزمان مدبر، والدنيا مولية، وما أرى هذا إلا إلى اضمحلال، ~~وما أرى لمدته طولا. # 34 # كان المقتدر صبيا في الثالثة عشرة من عمره لا يعرف من أمور الدنيا شيئا، ومع ~~ذلك لقبوه بالمقتدر! ولما شب عكف على لذائذه، وتوفر على المغنين والنساء، ~~وترك أمور الدولة لغيره وعلى رأسهم مؤنس التركي، فبلغت الحال من بله الخليفة وسوء ~~رجاله أقصى حد. # وأخيرا بعد حكم فاسد دام ms022 نحو خمس وعشرين سنة، قتل المقتدر رجل من أصحاب مؤنس، ~~أضجعه فذبحه وسلب ثيابه حتى سراويله، وتركه مكشوف العورة، إلى أن مر به رجل من ~~الأكرة فستر عورته بحشيش، ثم حفر له في الموضع، ودفن حتى عفا أثره. # 35 # قال المسعودي في المقتدر: «أفضت الخلافة إليه وهو صغير غر ترف، لم يعان ~~الأمور ولا وقف على أحوال الملك، فكان الأمراء والوزراء والكتاب يدبرون الأمور ~~ليس له في ذلك حل ولا عقد، ولا يوصف بتدبير ولا سياسة، وغلب على الأمر النساء ~~والخدم وغيرهم، فذهب ما كان في خزائن الخلافة من الأموال والعدد بسوء التدبير ~~الواقع في المملكة فأداه ذلك إلى سفك دمه؛ واضطربت الأمور بعده، وزال كثير من رسوم ~~الخلافة # 36 ~~... وكانت في أيامه أمور لم يكن مثلها في الإسلام: منها أنه ولي الخلافة ~~ولم يل أحد قبله من الخلفاء وملوك الإسلام في مثل سنه؛ لأن الأمر أفضي إليه وله ~~ثلاث عشرة سنة وشهران وثلاثة أيام، ومنها أنه ملك خمسا وعشرين سنة إلا خمسة عشر ~~يوما، ولم يملك هذا أحد من الخلفاء وملوك الإسلام قبله، ومنها أنه استوزر اثني عشر ~~وزيرا، فيهم من وزر له المرتين والثلاث، ولم يعرف فيما قبله أحد استوزر هذه العدة، ~~ومنها غلبة النساء على الملك والتدبير، حتى إن جارية لأمه تعرف بثمل القهرمانة ~~كانت تجلس للنظر في مظالم الخاصة والعامة، ويحضرها الوزير والكاتب والقضاة وأهل ~~العلم. # 37 # ولم تكن خلافة القاهر خيرا من خلال ~~المقتدر. وأخيرا اجتمع بعض قواد الجند وقبضوا على القاهر وهو سكران، واستحضروا ~~بختيشوع بن يحيى المتطبب وسألوه أن يدلهم على من يحسن أن يسمل، فذكر لهم ~~رجلا، فأحضر وسمل # 38 # عيني القاهر، ولم يسمل قبله أحد من الخلفاء، وقد سملوا بعده الخليفة ~~المتقي واسمه إبراهيم، فقال القاهر: # صرت وإبراهيم شيخي عمى # لا بد للشيخين من مصدر # ما دام تورون له إمرة # مطاعة فالميل في المجمر # وقد وقف القاهر يوما - بعد أن سمل وحبس وبويع غيره ثم أطلق - في جامع المنصور ~~بين الصفوف ms023 وعليه مبطنة بيضا، وقال: تصرفوا علي فأنا من قد عرفتم. # 39 # وحدث أبو الحسن العروضي مؤدب الخليفة الراضي، قال: اجتزت في يوم مهرجان بدجلة ~~بدار بجكم # 40 # التركي، فرأيت من الهرج والملاهي واللعب والفرح والسرور ما لم أر مثله، ~~ثم دخلت إلى الراضي بالله، فوجدته خاليا بنفسه قد اعتراه هم، فوقفت بين يديه، ~~فقال لي: ادن. فدنوت، فإذا بيده دينار ودرهم، في الدينار نحو من مثاقيل، وفي ~~الدرهم كذلك، عليه صورة «بجكم» شاك في سلاحه، وحوله مكتوب: # إنما العز فاعلم، للأمير المعظم # سيد الناس بجكم # ومن الجانب الآخر الصورة بعينها، جالس في مجلسه كالمفكر المطرق. فقال الراضي: ~~أما ترى صنع هذا الإنسان وما تسمو إليه همته، وما تحدثه به نفسه؟! فلم أجبه بشيء، ~~وأخذت به في أخبار من مضى من ملوك الفرس وغيرها، وما كانت تلقى من أتباعها، وصبرهم ~~عليهم، وحسن سياستهم لذلك حتى تصلح أمورهم، وتستقيم أحوالهم، فسلا عما عرض لنفسه، ~~ثم قلت: يمتع الله أمير المؤمنين أن يكون كالمأمون في هذا الوقت حيث يقول: # صل الندمان يوم المهرجان # بصاف من معتقة الدنان # بكاس خسرواني عتيق # فإن العيد عيد خسرواني # وجنبني الزبيبيين طرا # فشأن ذوي الزبيب خلاف شاني # فأشربها وأزعمها حراما # وأرجو عفو رب ذي امتنان # ويشربها ويزعمها حلالا # وتلك على الشقي خطيئتان # فطرب وأخذته أريحية وقال لي: صدقت، ترك الفرح في مثل هذا اليوم عجز! # وأمر بإحضار الجلساء، وقعد في مجلس التاج على دجلة، فلم أر يوما كان أحسن منه في ~~الفرح والسرور. # 41 # هذا في إيجاز تام حال الأتراك من حيث علاقتهم بالخليفة والخلافة وشئونها. # وللأتراك في هذا العصر ناحية أخرى اجتماعية لها أثر كبير في حياة المسلمين، فقد ~~كان لقبض الأتراك على زمام الحكم أثر في دخول كثير منهم في الإسلام، وانتشارهم في ~~المملكة الإسلامية، فمسكويه يذكر في حوادث سنة 349ه أنه في هذه السنة أسلم من ~~الأتراك نحو مائتي ألف خركاه، # 42 # والخركاه هي الخيمة التي تسكنها الأسرة؛ أي أن من أسلم نحو مائتي ألف ms024 ~~أسرة، فإذا كان متوسط الأسرة خمسة أشخاص كان مجموع ذلك نحو ألف ألف شخص، ولا شك أن ~~هذا العدد، ومن أسلم قبله، ومن أسلم بعده، في اندماجهم في المسلمين؛ يؤثر أثرا ~~كبيرا. # كان هؤلاء الأتراك أقوياء أشداء أصحاء كما تستلزمه طبيعة بلادهم، وبداوة ~~معيشتهم. وقد ذكر لنا الجاحظ فيما سبق أن أطلق على الأتراك «أعراب العجم»، ويعني ~~بالأعرابية البداوة، وهذه البداوة تكسبهم قوة في البدن وخشونة في الطبع، وقد تجلى ~~هذا في معاملتهم الناس، فضج منهم أهل بغداد في عصر المعتصم. ولكن مرور الأزمان ~~عليهم، واستيلاءهم على البلاد المنعمة المترفة، وكثرة الأموال في أيديهم، حضرهم، ~~وعلمهم النعيم والبذخ، وحمل بعضهم على العبث بالأخلاق. حكى التنوخي أن شيخا من ~~التجار كان له على بعض القواد مال جليل يماطله به، ولم يستطع الظلامة إلى الخليفة ~~المعتضد؛ لأنه كان إذا جاء حجبه القائد واستخف به غلمانه، فدلوه على خياط في سوق ~~الثلاثاء، فأمر الخياط القائد بدفع ما عليه للتاجر ففعل؛ فعجب التاجر من هذا الذي ~~رأى، وألح عليه في السؤال عن سبب خضوع القائد! فقص عليه أنه مر مرة في الطريق ~~فرأى تركيا على داره، وقد اجتازت امرأة جميلة عليه فتعلق بها وهو سكران ليدخلها ~~داره، وهي ممتنعة تستغيث، وليس أحد يغيثها، وتقول: إن زوجي قد حلف بالطلاق ألا أبيت ~~خارج بيته، فإن بيتني هذا، أخرب بيتي مع ما يرتكبه مني من المعصية، ويلحقه بي من ~~العار. # قال الخياط: فجئت إلى التركي ورفقت به وسألت تركها، فضرب رأسي بدبوس كان في يده ~~فشجني وآلمني، وأدخل المرأة داره، فجمعت جمعا وجئنا فضججنا على بابه، فخرج إلينا ~~في عدة من غلمانه فأوقع بنا الضرب، وذهبت إلى بيتي ولم أزل أفكر في هذه المرأة حتى ~~انتصف الليل، فقلت: هذا التركي قد شرب طول ليلته ولا يعرف الأوقات، فإن أذنت ~~لوقع له أن الفجر قد طلع، فيطلق المرأة فتلحق بيتها قبل الفجر فتسلم من أحد ~~المكروهين، ولا يخرب بيتها مع ما قد جرى عليها. # فخرجت إلى المسجد ms025 وصعدت المنارة فأذنت، وجعلت أتطلع منها إلى الطريق أترقب ~~خروج المرأة فلم تخرج، وإذا الشارع امتلأ خيلا ورجالا ومشاعل، وهم يقولون: من هذا ~~الذي أذن الساعة؟! ففزعت، ثم صحت من المنارة: أنا أذنت. فقالوا لي: انزل، ~~فأجب أمير المؤمنين. ثم ذهب بي إلى المعتضد، وقص عليه القصة، فأحضر التركي ~~والمرأة، فلما تحقق من صحة قولي أمر برد المرأة إلى زوجها، وأن يتمسك بها ويحسن ~~إليها. # وقال للتركي: كم عطاؤك؟ قال: كذا وكذا. وكم وظائفك؟ قال: كذا وكذا. وجعل المعتضد ~~يعدد ما يصل إليه، والتركي يقر بشيء عظيم، ثم قال له: فكم جارية لك؟ قال: كذا ~~وكذا. قال: أفما كان فيهن وفي هذه النعمة العريضة كفاية عن ارتكاب معاصي الله، وخرق ~~هيبة السلطان؟! ثم أمر به فقتل. قال الخياط: وأمرني المعتضد إذا رأيت مثل هذا ~~العمل أن أؤذن. وانتشر الخبر، فما سألنا أحدا منهم بعدها إنصافا إلا ~~فعل. # 43 # ورأينا كثيرا من قواد الأتراك - عند استيلائهم على الدولة - شرهين، وكان مظهر ~~شرههم كثرة مطالبتهم للخلفاء بالأموال من حين لحين؛ فإذا نصبوا خليفة فسرعان ما ~~ينقلبون عليه يطالبونه بالأموال، فإن أعطاهم سكتوا قليلا ثم عادوا إلى المطالبة ~~وإلا قتلوه؛ ومن أجل ذلك كثر إخفاء المال في سرداب أو حفرة في الأرض، أو بناء حوائط ~~عليه أو نحو ذلك؛ خوفا من إلحاحهم. نسوق مثلا لذلك ما فعلوه مع المعتز، «فقد هجم ~~قوادهم عليه وقالوا: أعطنا أرزاقنا، فطلب من أمه مالا فأبت عليه، ولم يكن في بيوت ~~المال شيء، فاجتمع الأتراك حينئذ على خلعه». # ومظهر آخر من إفراطهم في حب المال، وهو ما نقرأ في تاريخ ذلك العصر من كثرة ~~المصادرة للأموال، نعم كان قبل ذلك في العصر العباسي الأول شيء من هذا القبيل، ~~ولكنه قليل، أما في هذا العصر فأصبح العادة المتبعة، وكان أول مظهر لهذه الكثرة في ~~عهد المتوكل، وهو أول عهد استيلاء الأتراك؛ فقد صادر محمد بن عبد الملك الزيات، ~~وأخذ ما في منزله من متاع ودواب وجوار وغلمان، وكذلك فعل ms026 مع أهل بيته، وقبض على ~~عمر بن فرج الرخجي، وكتب في قبض ضياعه وأمواله، وغضب على أبي الوزير وأخذ منه ~~ستين ألف دينار، وضرب إبراهيم بن الجنيد النصراني حتى أقر بسبعين ألف دينار ~~فأخذها منه؛ وعزل يحيى بن أكثم وقبض منه ما كان له ببغداد، ومبلغه خمسة وسبعون ألف ~~دينار، وغضب على بختيشوع وقبض ماله، وصادر أموال أحمد بن أبي دؤاد، مع أنه سبب ~~خلافته، واستصفى أمواله وأموال أبنائه، فحمل إليه من ذلك مائة ألف درهم، وعشرون ~~ألف دينار، وجواهر بقيمة عشرين ألف دينار. # 44 # وهكذا افتتح عهد الأتراك بكثرة المصادرات، واستمرت طوال هذا العصر، حتى ~~لم يرحموا قبيحة أم المعتز فسلبوها كل مالها، وكانت خبأته، وكان الخليفة أحيانا ~~يضطر إلى كثرة المصادرات لتلبية مطالب القواد. # وكان كثير من أمراء البلدان في هذا العصر من الأتراك، كما هو الشأن في مصر؛ فمن ~~سنة 242 هجرية وحكام مصر أتراك، وذلك منذ ولي على مصر يزيد بن عبد الله بن دينار ~~التركي، وقبل ذلك بنحو عشرين عاما كانت مصر تمنح لحاكم تركي في الغالب يقيم في ~~بغداد، ويستخلف عنه أميرا يقيم في مصر ويديرها نيابة عنه كأشناس وإيتاخ، واستمرت ~~سيادة الأتراك في مصر طول مدة الطولونيين الأتراك والإخشيديين الأتراك أيضا، فكان ~~بيد هؤلاء الولاة الأتراك السلطان والقوة والمال. # وهناك لون آخر مما لونوا به الحياة الاجتماعية، وهو ما عرف عنهم من جمال ونظافة ~~فكان ذلك سببا في كثرة الجواري المماليك الأتراك في قصور الخلفاء والعظماء ~~والأغنياء، حتى إن بعض الخلفاء أنفسهم في هذا العصر كانت أمه جارية تركية؛ فالمعتصم ~~أمه تركية، والمتوكل كذلك أمه خوارزمية، والمكتفي بالله أمه تركية اسمها چيچك، ~~والمقتدر بالله أمه أم ولد، قيل تركية، وقيل رومية ... إلخ. # كما اشتهر في بيوت الأمراء جوار تركيات، واشتهرت سمرقند بأنها مركز هام لتجارة ~~الرقيق الأبيض، وقد وصف ابن بطلان في رسالته في الرقيق الجواري التركيات فقال: إن ~~«التركيات قد جمعن الحسن والبياض، ووجوههن مائلة إلى الجهامة، وعيونهن مع صغرها ذات ~~حلاوة، ms027 وقد يوجد فيهن السمراء الأسيلة، وقدودهن ما بين الربع والقصر، والطول فيهن ~~قليل؛ ومليحتهن غاية، وقبيحتهن آية؛ وهن كنوز الأولاد، ومعادن النسل، قلما يتفق في ~~أولادهن وحش ولا رديء التركيب، فيهن نظافة ولباقة ... لا يكاد يوجد فيهن نكهة متغيرة ~~... وفيهن أخلاق سمجة، وقلة وفاء». # وتغزل الشعراء في ذلك بغلمان من الأتراك، وكان منهم في القصور ودور العظماء ~~كثيرون، فرووا أنه في وقعة بين عز الدولة وعضد الدولة البويهيين أسر غلام ~~تركي لعز الدولة، فجن عليه واشتد حزنه وامتنع من الأكل، وأخذ في البكاء واحتجب ~~عن الناس، وكتب إلى عضد الدولة يسأله أن يرد الغلام إليه، فصار ضحكة بين الناس، ~~وعوتب فما ارعوى لذلك، وبذل في فداء الغلام جاريتين عوديتين كان قد بذل له في ~~الواحدة مائة ألف، وقال للرسول: إن توقف عليك في رده، فزد ما رأيت ولا تفكر، فقد ~~رضيت أن آخذه وأذهب إلى أقصى الأرض! فرده عضد الدولة عليه. # 45 # وروى أبو إسحاق الصابي أنه كان لمعز الدولة غلام تركي يدعى تكيز الجامدار، أمرد ~~رومي الوجه، منهمك في الشرب لا يعرف الصحو ولا يفارق اللعب واللهو، ولفرط ميل معز ~~الدولة إليه وشدة إعجابه به، جعله رئيس سرية جردها لحرب بني حمدان، وكان ~~المهلبي يستظرفه ويستحسن صورته، ويرى أنه من عدد الهوى لا من عدد الوغى، فقال ~~فيه: # ظبي يرق الماء في # وجناته ويروق عوده # ويكاد من شبه العذا # رى فيه أن تبدو نهوده # ناطوا بمعقد خصره # سيفا ومنطقة تؤوده # جعلوه قائد عسكر # ضاع الرعيل ومن يقوده # فما أسرع أن كانت الدائرة على هذا القائد. # 46 # وكان لسيف الدولة الحمداني مملوك تركي جندي اسمه يماك، مات بحلب سنة 340ه فحزن ~~عليه حزنا شديدا، وقال المتنبي قصيدة يعزيه فيها، مطلعها: # لا يحزن الله الأمير فإنني # سآخذ من حالاته بنصيب # وفيها: # لأبقى يماك في حشاي صبابة # إلى كل تركي النجار جليب # وما كل وجه أبيض بمبارك # ولا كل جفن ضيق بنجيب # وفيها: # وإن الذي أمست نزار عبيده # غني عن استعباده لغريب ms028 # وقال أبو تمام، وقد أهدى له الحسن بن وهب غلاما خزريا: # قد جاءنا الرشأ الذي أهديته # خرقا # 47 # ولو شئنا لقلنا المركب # لدن البنان له لسان أعجم # خرس معانيه ووجه معرب # يرنو فيثلم في القلوب بطرفه # ويعن للنظر الحرون فيصحب # 48 # قد صرف الرابون خمرة خده # وأظنها بالريق منه ستقطب # 49 # وأحب مهذب الدين الطرابلسي غلاما مملوكا له اسمه «تتر»، فبعث مرة هدايا إلى ~~الشريف المرتضى نقيب الأشراف مع هذا الغلام، فتوهم الشريف أنه من جملة الهدايا، ~~فأخذه، فساءت حال مهذب الدين وكان شيعيا، فقال قصيدته المشهورة التي ~~مطلعها: # عذبت طرفي بالسهر # وأذبت قلبي بالفكر # ومزجت صفو مودتي # من بعد بعدك بالكدر # وفيها: # نفسي الفداء لشادن # أنا من هواه على خطر # عذل العذول وما رآ # ه فحين عاينه عذر # وقد كان مهذب الدين هذا شيعيا، فهدد الشريف بأنه إن لم يرسل الغلام يهجر ~~التشيع، ويدخل في مذهب أهل السنة، وفي ذلك يقول: # لئن الشريف الموسو # ي ابن الشريف أبي مضر # أبدى الجحود ولم ير # د إلي مملوكي تتر # واليت آل أمية الط # هر الميامين الغرر # وجحدت بيعة حيدر # وعدلت عنه إلى عمر # 50 # وأخيرا قال الشاعر: # الله أكبر ليس الحسن في العرب # كم تحت لمة ذا التركي من عجب # أما من الناحية العقلية - وهي التي تهمنا هنا - فإنا نرى أن ابتداء سلطان الأتراك ~~- وكان ذلك في عهد المتوكل - مصحوب بمظاهر جديدة تخالف كل المخالفة ما كان من قبل، ~~أهمها ثلاثة: ~~(1) # إلغاء سلطان المعتزلة وإعلاء شأن المحدثين، فنهى المتوكل عن القول ~~بخلق القرآن والجدال في الكلام، «وأظهر الميل إلى السنة ونصر أهلها، ~~ورفع المحنة، وكتب بذلك إلى الآفاق، وذلك في سنة 234ه، واستقدم ~~المحدثين إلى سامرا، وأجزل عطاياهم وأكرمهم، وأمرهم بأن يحدثوا ~~بأحاديث الصفات والرؤية». # 51 # وكتب كتابا على الأمصار يأمر بترك الجدال في القرآن، واضطهد رؤساء ~~المعتزلة وضيق عليهم؛ فرئيس الاعتزال في مصر وهو محمد بن أبي الليث، ~~جاء كتاب المتوكل بحلق رأسه ولحيته وضربه بالسوط، وحمله على حمار ~~بإكاف ms029 وتطوافه الفسطاط، ثم أخرج إلى العراق، # 52 # وأحمد بن أبي دؤاد رأس الاعتزال في العراق قد غضب عليه ~~المتوكل، وعلى ابنه محمد وصادر أموالهما - وما أظن أن الجاحظ المعتزلي ~~نجا من النكبة إلا لأنه مرن، وقد دفع عنه الشر بمرونته، وبما قدم من ~~رسالته في إعلاء شأن الأتراك، واتصال بالفتح بن خاقان - وفي الوقت نفسه ~~أعلى المتوكل شأن المحدثين، فكرم أحمد بن حنبل، وفي عهده جلس أبو ~~بكر بن أبي شيبة في جامع الرصافة يحدث الناس، فاجتمع إليه نحو من ~~ثلاثين ألف نفس، وجلس أخوه عثمان في جامع المنصور، فاجتمع إليه أيضا ~~نحو من ثلاثين ألف نفس. # 53 # وتبلور عداء الناس للمعتزلة في أبي الحسن الأشعري، فقد ولد بعد ~~المتوكل بنحو اثني عشر عاما، وتثقف ثقافة المعتزلة، ثم عاداهم وأعلن ~~الحرب عليهم، ودعا إلى مذهب كلامي اعتنقه جمهور كبير من المسلمين، كما ~~سيأتي، فالأشعري يمثل الموجة الحديثة التي أتت في عهد المتوكل تهاجم ~~المعتزلة وتنصر المحدثين وأهل السنة، وهو ليس إلا معبرا عن ميول ~~عصره، وصدى لصوت زمانه. رجع عن الاعتزال «ورقي كرسيا في المسجد ~~الجامع بالبصرة، ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني ~~فأنا أعرفه بنفسي، أنا فلان بن فلان، كنت أقول بخلق القرآن، وأن الله ~~لا تراه الأبصار، وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع، معتقد ~~للرد على المعتزلة، مخرج لفضائحهم ومعايبهم». # 54 # وقال أبو بكر الصيرفي: «كانت المعتزلة قد رفعوا رءوسهم حتى ~~أظهر الله الأشعري فجحرهم في أقماع السمسم.» ولكن الحق أنه ما كان له ~~هذا لولا ما كان من المتوكل من الحجر عليهم، والتنكيل بهم، وتأييد ~~الجمهور - بتأثير المحدثين - لهذه الحركة. # والواقع أن هذه الحركة، وأعني بها اضطهاد المعتزلة ونصرة المحدثين، ~~كان لها أثر كبير في حياة المسلمين من ذلك العهد إلى اليوم، فقد لونت ~~حياتهم بلون خاص، ظلوا يحافظون عليه طوال العصور المختلفة. # كانت طبيعة الاعتزال تدعو إلى التفلسف واتجاه العقل في مناح شتى من ~~الحياة، وتحريره من كثير من القيود ms030 بعد الإيمان بالله ورسوله، والإيمان ~~بالقرآن، وحصر الحديث في دائرة ضيقة - كما تقدم - وإشعار الإنسان ~~بالمسئولية؛ لأن أعماله صادرة عنه، ولكنهم - مع الأسف - آمنوا بهذه ~~الحرية وأرادوا أن ينفذوا الحرية بالقوة والسلطان، فكانت حرية ~~بالإكراه. # وطبيعة المحدثين تدعو إلى الوقوف عند النصوص والتزامها، وتضييق ~~دائرة العقل، واحترام الرواية إلى أقصى حد، والبحث وراء ألفاظ الحديث ~~ومعانيه وأسانيده؛ وهذا - مع اعترافنا بما له من مزايا - يستتبع نمطا ~~في التفكير خاصا يسود فيه تقديس النقل أكثر من تقديس العقل، والتقليد ~~دون الاجتهاد، والوقوف عند النصوص دون التعمق في مغازيها ومراميها، ~~والنظر إلى الفلسفة والبحث العقلي في الكليات نظر البغض والكراهة، ~~وعد المفكر على هذا النمط ملحدا أو زنديقا ... إلخ. # وهذا هو الذي ساد عقول كثير من المسلمين منذ خنق الاعتزال، فاحترمت ~~نصوص الكتب أكثر مما احترم نقد العقل، واحترم العالم واسع الاطلاع ~~بالنصوص الدينية واللغوية، أكثر مما احترم قليل الحفظ واسع أفق العقل، ~~وأكرم العالم المقلد أكثر مما أكرم العالم المجتهد، ونظر إلى المحدث ~~والفقيه بخير مما نظر إلى الفيلسوف والمفكر الناقد، وضاقت دائرة ~~التفلسف إذا قيست بدوائر العلم في الفروع الأخرى. # كل هذا وأكثر منه كان نتيجة لهذه الحركة، وأعتقد أن الأتراك في ذلك ~~العصر مسئولون لدرجة كبيرة عن هذا؛ فطبيعة عامتهم لا تقبل الجدل ~~الكلامي، ولا كثرة المذاهب الدينية؛ فالأتراك في جميع عصورهم قل أن ~~نرى منهم من اعتنق مذهبا في الأصول غير مذهب أهل السنة، وفي الفروع ~~غير مذهب أبي حنيفة، وقل أن نرى بين علمائهم خصومة في المذاهب كالتي ~~كنا نراها في العراق من خوارج وشيعة ومرجئة ومعتزلة ونحو ذلك، إنما هو ~~مذهب واحد يسود - غالبا - ويتوارث، ومع هذا فلسنا ننكر أن فيهم ~~أفذاذا في سعة النظر وقوة التفكير - كما سيأتي بيانه - ولكن هذا هو ~~النظر العام. ~~(2) # الإيقاع بالشيعة إيقاعا بالغا؛ ففي سنة 236ه «أمر المتوكل بهدم قبر ~~الحسين بن علي، وهدم ما حوله من المنازل والدور، وأن يبذر ويسقى ~~موضع قبره، وأن يمنع الناس من إتيانه؛ فنادى ms031 بالناس في تلك الناحية: من ~~وجدناه عند قبره بعد ثلاثة حبسناه في المطبق. فهرب الناس وتركوا ~~زيارته، وخرب وزرع. وكان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب ولأهل ~~بيته، وكان يقصد من يبلغه عنه أن يتولى عليا وأهله بأخذ المال ~~والدم، وكان من جملة ندمائه عبادة المخنث، وكان يشد على بطنه تحت ~~ثيابه مخدة، ويكشف رأسه وهو أصلع، ويرقص بين يدي المتوكل والمغنون ~~يغنون: قد أقبل الأصلع البطين، خليفة المسلمين. يحكي بذلك علي - عليه ~~السلام - والمتوكل يشرب ويضحك»، # 55 ~~«وقيل: إن المتوكل كان يبغض من تقدمه من الخلفاء - المأمون ~~والمعتصم والواثق - في محبة علي وأهل بيته، وإنما كان ينادمه ويجالسه ~~جماعة قد اشتهروا بالنصب والبغض لعلي، منهم علي بن الجهم الشاعر ~~الشامي ... وعمرو بن فرج الرخجي، وأبو السمط من ولد مروان بن أبي ~~حفصة ... وابن أترجة، وكانوا يخوفونه من العلويين، ويشيرون عليه ~~بإبعادهم والإعراض عنهم والإساءة إليهم، ثم حسنوا له الوقيعة في ~~أسلافهم الذي يعتقد الناس علو منزلتهم في الدين، ولم يبرحوا به حتى ~~ظهر منه ما كان، فغطت هذه السيئة جميع حسناته». # 56 # ورووا أن المتوكل كان قد اتصل به يعقوب بن إسحاق النحوي المعروف بابن ~~السكيت، فسأله المتوكل: أيما أحب إليك، المعتز والمؤيد - ابنا ~~المتوكل - أو الحسن والحسين؟ فتنقص ابنيه، وذكر الحسن والحسين - عليهما ~~السلام - بما هما أهل له، فأمر الأتراك فداسوا بطنه، فحمل إلى داره ~~فمات. # 57 # وهذه الحوادث وأمثالها في التنكيل بالشيعة قد كان لها مثيل من قبل في ~~العهدين الأموي والعباسي الأول، إلا أنا نريد أن نثبت هنا أن سلطان ~~الأتراك لما ظهر صحبه عودة التنكيل بالشيعة، وكان قد هدأ في عهد ~~المأمون والمعتصم والواثق. # وهذه الظاهرة أيضا لازمت الأتراك طول عهدهم، فكل تاريخهم مملوء ~~بكراهيتهم للتشيع والشيعة، وبالحروب المتصلة بينهم - وهم سنيون ~~- وبين الفرس - وهم شيعة. # وكان تصرف المتوكل مع الشيعة سببا كبيرا من أسباب تدبير الشيعة ~~للمؤامرات والدسائس، والفتن للخروج على الدولة العباسية في بغداد، ~~وإقامة حكومات شيعية مستقلة عن خلفاء العراق كما ms032 سيأتي. ~~(3) # المظهر الثالث: اضطهاد اليهود والنصارى؛ فقد «أمر المتوكل بأخذ ~~النصارى وأهل الذمة كلهم بلبس الطيالسة العسلية والزنانير، وركوب ~~السروج بركب الخشب، وبتصيير زرين على قلانس من لبس منهم قلنسوة ~~مخالفة لون القلنسوة التي يلبسها المسلمون، وبتصيير رقعتين على ما ظهر ~~من لباس مماليكهم مخالف لونهما الثوب الظاهر عليه، وأن تكون إحدى ~~الرقعتين بين يديه عند صدره، والأخرى منهما خلف ظهره، وتكون كل واحدة ~~من الرقعتين قدر أربع أصابع ولونها عسليا، ومن لبس منهم عمامة فكذلك ~~يكون لونها لون العسل، ومن خرج من نسائهم فبرزت فلا تبرز إلا في إزار ~~عسلي ... وأمر بهدم بيعهم المحدثة، وبأخذ العشر من منازلهم، وإن كان ~~الموضع واسعا صير مسجدا، وإن كان لا يصلح أن يكون مسجدا، صير ~~فضاء، وأمر بأن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب مسمورة، ~~تفريقا بين منازلهم وبين منازل المسلمين، ونهى أن يستعان بهم في ~~الدواوين وأعمال السلطان التي تجري فيها أحكامهم على المسلمين، ونهى أن ~~يتعلم أولادهم في مكاتب المسلمين، ولا يعلمهم مسلم، وأمر بتسوية ~~قبورهم مع الأرض؛ لئلا تشبه قبور المسلمين وكتب إلى عماله في الآفاق ~~بذلك». # 58 # وقد علل عمله هذا في كتابه بأنه يريد إعزاز الإسلام، ~~وإذلال الكفر، وليجعل الله الفوز والعاقبة للمتقين ، والخزي في الدنيا ~~والآخرة على الكافرين، وقال علي بن الجهم في ذلك: # العسليات التي فرقت # بين ذوي الرشدة والغي # وما على العاقل إن يكثروا # فإنه أكثر للفي # 59 # نعم، ربما كان هذا نتيجة لسوء العلاقة بين المسلمين والروم، ومهاجمة ~~الروم لبلاد المسلمين من حين لحين، ولكن مهما كان الأمر فهي حالة سيئة ~~تدل على ضيق العقل، ومخالفته للنظر الواسع الحكيم الذي أمر به ~~الإسلام، ونفذه خلفاء المسلمين الأولون، وعلى رأسهم عمر بن الخطاب في ~~حكمة ورفق! وكان هذا أيضا مما أفسد قلوب عدد كبير من الرعية كان ~~يستخدم من قبل في مصلحة الدولة، وحرك عددا منهم للثورة، كثورة ~~نصارى أرمينية على محمد بن يوسف عامل المتوكل على أرمينية وأذربيجان، ~~وقتلهم إياه # 60 ms033 # ونحو ذلك. # وقد أراد بعض من أتى بعد المتوكل من الخلفاء أن يزيلوا هذه المظاهر أو بعضها، ~~كالذي فعل المنتصر، فقد أراد أن يعيد الاعتزال إلى سلطانه، وأراد أن يحسن صلته ~~بالبيت العلوي، ولكن لم تطل مدته، ولم يمكنه الزمان ولا حالة الناس من تنفيذ ما ~~أراد. # لم يكن لهذا النوع من الأتراك مدنية وحضارة قديمة؛ إذ كانوا بدوا أو أشبه ~~بالبدو، فلم يكن شأنهم عندما اندمجوا في المملكة الإسلامية شأن الفرس؛ فالفرس عندما ~~فتحت بلادهم، وأسلم كثير منهم واندمجوا في المملكة الإسلامية، أعطوا وأخذوا، وانتفع ~~بهم المسلمون من ناحية الثقافة: بمثل الكتب التي نقلت من الفارسية إلى العربية، ~~ومثل الألفاظ الفارسية التي نقلت إلى العربية، ومثل نظم الحكم التي أتقنوها في ~~مملكتهم، إلى غير ذلك مما شرحناه قبل، كما أخذوا هم عن العرب اللغة والدين، وكان من ~~الفرس رجال مثقفون ثقافات واسعة كالبرامكة، والفضل بن سهل، والحسن بن سهل، وابن ~~المقفع، فأثروا في الثقافة الإسلامية أثرا كبيرا بما مزجوا من الثقافتين ~~الفارسية والعربية. أما الأتراك فجاؤوا بشجاعتهم وقوة أبدانهم، وبعاداتهم وتقاليدهم ~~لا بحضارتهم وثقافتهم، فكانوا من ناحية الحضارة والثقافة قابلين لا فاعلين، جاؤوا ~~لا يعرفون اللغة العربية فتعلموها في بطء، ولم يتقنها بعضهم إلا بعد ذهاب الجيل ~~الأول منهم ، فكانوا يتخاطبون بترجمان. # ويحدثنا الصولي أن «بجكم» أمير الأمراء في عهد الراضي والمتقي كان يحسن العربية ~~فهما ولا يحسنها كلاما، «وكان يقول: أخاف أن أتكلم العربية فأخطئ في لفظي، والخطأ ~~من الرئيس قبيح؛ فلذلك أدع الكلام». # 61 # ولم يتقنوها في سرعة ومهارة كما فعل الفرس، فما أتى الجيل الثاني والثالث على ~~الفرس حتى رأيناهم قد أمسكوا بزمام الأدب شعرا وكتابة وتأليفا علميا، وليس كذلك ~~الأتراك، فقل أن نرى منهم شاعرا أو ناثرا بالعربية، وعلى الأخص في الأجيال ~~الأولى من إسلامهم، وأسلم الأتراك الأولون فكان إسلامهم ذا لون خاص، فيه نواحي قوة ~~ونواحي ضعف، فهو دين شديد لا يقبل جدالا ولا مناقشة، ولا يقبل مذاهب مختلفة، وعلى ~~العكس من ذلك الفرس، ms034 فكان إسلامهم فيه الجدل الشيعي وغير الشيعي، وفيه المقارنة ~~بينه وبين المانوية والزرادشتية والمزدكية، وفي التزندق أحيانا والتفلسف أحيانا، ~~وفيه المذاهب المختلفة التي ظهر أثرها في العراق أيام سلطانهم، أما مؤرخ الإسلام ~~عند هؤلاء الأتراك فلا يرى مجال القول فسيحا كما يراه عند الفرس، ولكل من هذين ~~النوعين من التدين مزاياه ومضاره، كالفرق بين إيمان العجائز وإيمان ~~الفلاسفة. # أخذت طائفة من الأتراك يتعلمون اللغة العربية والدين، وربما كان من خير مثل ~~لتعلم الطبقة الممتازة من الأتراك ما كان من أحمد بن طولون، فقد أخذ يتعلم على ~~حين أن كثيرا من أمثاله لا يعنون بالتعلم. قال المقريزي: «نشأ أحمد بن طولون ~~نشئا جميلا غير نشء أولاد العجم (يريد الترك)، فوصف بعلو الهمة، وحسن الأدب، ~~والذهاب بنفسه عما كان يترامى إليه أهل طبقته.» # 62 # فدرس العربية، وحفظ القرآن، وتفقه على مذهب أبي حنيفة، وكان ذلك كله ~~وهو في بغداد، ثم خرج إلى طرسوس مرارا، وأخذ الحديث عن كبار المحدثين فيها، «فظهر ~~فضله واشتهر عند الأولياء، وتميز عن الأتراك». # 63 # فكان في هذا من خير الأتراك، بل كان هو نفسه «شديد الإزراء على الأتراك ~~وأولادهم لما يرتكبونه في أمر الخلفاء، غير راض بذلك، ويستقل عقولهم، ويقول: حرمة ~~الدين عندهم منهوكة». # 64 # فإذا كانت ثقافة أحمد بن طولون هذه تعد ثقافة ممتازة بين الأتراك، استطعنا أن ~~نستنتج ضيق ثقافة الأتراك عامة في هذا العصر. # ومع هذا فإنا نرى بعض الأتراك من أوائل هذا العصر، وبعده نبغوا في فنون مختلفة ~~على قلة فيهم. # فنرى مثلا «الفتح بن خاقان» التركي قال فيه ابن النديم: «كان في نهاية الذكاء ~~والفطنة وحسن الأدب، وكان من أولاد الملوك، واتخذه المتوكل أخا، وكان يقدمه على ~~جميع أولاده، قتل مع المتوكل ليلة قتل بالسيوف لأربع خلون من شوال سنة 247ه.» وكانت ~~له خزانة كتب لم ير أعظم منها كثرة وحسنا، وكان يحضر داره فصحاء العرب وعلماء ~~الكوفيين والبصريين؛ وروى المبرد شيئا من شعره، وكان يتعشق غلاما له اسمه ~~شاهك، وله فيه ms035 أشعار، منها: # أشاهك، ليلي مذ هجرت طويل # وعيني دما بعد الدموع تسيل # وبي منك - والرحمن - ما لا أطيقه # وليس إلى شكوى إليك سبيل # أشاهك لو يجزى المحب بوده # جريت ولكن الوفاء قليل # ويروى له: # وإني وإياها لكالخمر، والفتى # متى يستطع منها الزيادة يزدد # إذا ازددت منها ازددت وجدا بقربها # فكيف احتراسي من هوى متجدد # وقد روي له في كتب الأدب أبيات من هذا القبيل، وجمل ظريفة وأجوبة سديدة تدل على ~~منزلته في الأدب. # 65 # وهو الذي قدم له الجاحظ رسالته في مدح الأتراك التي تقدم وصفها. # ونبغ من الأتراك أبو نصر الفارابي الفيلسوف الإسلامي الكبير، وأستاذ كل فيلسوف ~~إسلامي بعده، فإنه من فاراب، وهي مدينة من مدن الترك نبغ منها جماعة كثيرة من ~~العلماء. ونبوغ الفارابي من بين الأتراك مفخرة كبيرة لهم، فقد عني بفلسفة أرسطو، ~~وأخرجها للمسلمين في شكل جديد، وكان له فضل على كل من اشتغل بالفلسفة من المسلمين ~~بعده؛ فظهوره من الترك رجح من كفتهم وكانت شائلة، وأثقل ميزانهم وكان ~~خفيفا. وسيأتي بسط لقيمته وفلسفته في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله، وقد مات ~~بدمشق سنة 339ه. # كما نبغ من الأتراك في القرن الرابع إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي أيضا، ~~صاحب كتاب «الصحاح» من أهم كتب اللغة وأصولها، كان إماما في علم اللغة والأدب، كما ~~كان يضرب به المثل في جودة الخط. # أخذ علم العربية عن أشهر علماء العراق، مثل أبي علي الفارسي، وأبي سعيد السيرافي، ~~ثم سافر إلى الحجاز يأخذ اللغة عن أهلها بالسماع والمشافهة، وطوف في بلاد ربيعة ~~مضر، وحقق ما يشك فيه مما يرويه العلماء، فيقول مثلا: سألت أعرابيا بنجد من بني ~~تميم، وهو يستقي، وبكرته نخيس، فوضعت إصبعي على النخاس # 66 # فقلت: ما هذا؟ وأردت أن أتعرف منه الخاء من الحاء، فقال: نخاس بخاء ~~معجمة، فقلت: أليس قال الشاعر: # وبكرة نحاسها نحاس # فقال: ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين. # فلما استكمل دراسته ومشافهته وضع في اللغة كتابه «الصحاح» الذي يعد - بحق - من ms036 ~~أسس كتب اللغة. # وكما اجتهد في تصحيح الألفاظ وضبطها كان له الفضل في اختراع الطريقة التي ألف ~~عليها كتابه، وحذا حذوه فيها صاحب «القاموس» و«لسان العرب» وغيرهما من حصر الكلمات ~~في أبواب حسب أواخرها، وتقسيم الأبواب إلى فصول حسب أوائلها، وكانت كتب اللغة قبله ~~ترتب ترتيبا مهوشا، فتذكر الكلمة ثم يذكر مقلوبها، كما فعل صاحب كتاب «العين» ~~«والجمرة»، وقد مات نحو سنة 400ه. # 67 # وعلى الجملة، فلئن كان أكثر العنصر التركي في المملكة الإسلامية إنما يمتاز ~~بالجندية والخشونة مع ضعف الثقافة؛ فقد نبغ منهم علماء في فروع مختلفة حصلوا ما ~~كان من الثقافة في عصرهم، وابتكروا بعقولهم. # العنصر الفارسي # لم يهدأ الفرس منذ رأوا الأتراك تحتل مراكزهم في الدولة العباسية وتستبد ~~بالسلطان دونهم، وتقصيهم عن أماكنهم. لقد كان الفرس في العصر العباسي الأول هم ~~عماد الدولة، وبيدهم تصريف شئونها، وكان الخليفة يعتمد عليهم في أهم الأمور، ~~وهم يحتفظون له بمظهر الأبهة والجلالة، ثم ينشرون سلطانهم، فإذا أحس ~~الخليفة منهم استبدادا أوقع بهم، كما فعل الرشيد بالبرامكة، والمأمون بابن ~~سهل، ولكنهم سرعان ما يستردون نفوذهم، فلما جاء الأتراك أبعدوهم عن منزلتهم، ~~وغلبوا على الخليفة دونهم، فانكمش الفرس على حنق، ولعبت بهم العصبية الفارسية، ~~وأخذوا يدسون الدسائس ويدبرون المؤامرات، ويحصنون أنفسهم بالرجال ~~والسلاح، ويرمون إلى اقتطاع البلاد والاستيلاء عليها - وخصوصا بلادهم الفارسية ~~- والاستقلال بها عن خلفاء بغداد، فإذا سنحت لهم فرصة بعد فليستولوا على ~~العراق وعلى الخليفة، وليتسلطوا هم عليه، ويقضوا على سلطة الأتراك، وكذلك ~~كان. # كانت هذه العصبيات تلعب في عقول الفرس والترك، كل يريد الغلبة ويريد القضاء ~~على صاحبه؛ وكانت بغداد ساحة في كثير من الأوقات للقتال بين الديالمة والأتراك، ~~ولعل خير ما يمثل هذا ما روى الصولي في حوادث سنة 323 من أن «مرداويج ~~الفارسي الأصل (أمير الري وطبرستان، ومؤسس الدولة الزيارية) جعل عسكره ~~صنفين: صنف منهم جيل وديلم، # 68 # وهم خواصه، وأهل بلده الذين فتح بهم الري ونواحيها، ومنهم صنف ~~أتراك وأهل خراسان، ثم استخص نفرا من الأتراك، ms037 فوجد الديلم من ذلك، ~~وعاتبوه عليه، فقال: إنما اتخذت الأتراك لأقيكم بهم، وأقدمهم يحاربون بين ~~أيديكم، وأنتم خاصتي وأنا بكم ولكم. فبلغ ذلك الأتراك، فأجمع رأيهم على قتله، ~~فأوصوا الغلمان الصغار الذين في خدمته، ووكدوا عليهم بالتركية أن يفتكوا به، ~~فقتلوه في حمام، وجاءهم الذين واطئوهم على ذلك وأخرجوهم من الدار. وركبوا دوابه ~~وساروا فاضطربوا، فقالوا: نجعل علينا رئيسا. فرضوا ببجكم، وأخذوا من داره ~~مالا عظيما، وآنية فضة وذهب. وكان (أي مرداويج) قد تكبر وتجبر، ووضع ~~التاج على رأسه مكللا بأحسن الحب والياقوت، وجلس على سرير فضة حواليه ~~ذهب، وكان مرصعا بجوهر، وقال: «أنا أرد دولة العجم، وأبطل دولة ~~العرب.» # 69 # نجح الفرس إلى حد كبير في اقتطاع أجزاء من الدولة والاستيلاء عليها، ~~واستبدادهم بها، وقصر سلطة الخليفة على المظهر الاسمي؛ فمن قديم استولى ~~الطاهرية على خراسان (205-259)، والصفارية على فارس (254-290)، والسامانية ~~على فارس وما وراء النهر(261-389)، والزيارية على جرجان (316-434)، ثم دولة ~~بني بويه الفارسية أيضا (320-447)، فقد استولوا على فارس ثم على العراق، ~~وأخضعوا الخليفة لأمرهم، وأزالوا ولاية الترك عليه، وأقاموا سلطانهم، فكان شأن ~~الخليفة منهم شأنه مع الترك قبلهم، مظهر ولا عمل، ولقب ولا أمر ولا نهي. # والواقع أن سلوك البويهيين الفرس مع الخلفاء لم يكن كسلوك آبائهم الفرس مع ~~الخلفاء في العصر العباسي الأول. لقد كان الأولون من الفرس يأتمرون بأمر ~~الخليفة، ويرعون ولاءهم له وطاعتهم إياه، فلما جاء خلفهم من بني بويه لم يرعوا ~~ولاء ولا قلدوا سلفهم، إنما قلدوا الأتراك في التنكيل بالخليفة والاستهانة ~~به، واستقلوا ضعفه فلم يعلوا شأنه بل زادوه ضعفا. # ففي سنة 334ه سار معز الدولة بن بويه من الأهواز إلى بغداد في خلافة المستكفي ~~فملكها، ومنحه المستكفي إمرة الأمراء، «وأعطاه الطوق والسوار وآلة السلطنة، ~~وعقد له لواء، ولقبه معز الدولة، ولقب أخاه ركن الدولة، ولقب أخاه الآخر عماد ~~الدولة، وأمر أن تضرب ألقابهم على الدينار والدرهم». # 70 # فما أن استتب أمر معز الدولة ببغداد وقوي أمره حتى حجر على ms038 الخليفة ~~المستكفي، وقدر له كل يوم خمسة آلاف درهم لنفقته. # وأوجس معز الدولة خيفة من المستكفي، فدخل معز الدولة عليه فوقف والناس وقوف ~~على مراتبهم، فتقدم اثنان من الديلم إلى الخليفة فمد يده إليهما ظنا أنهما ~~يريدان تقبيلها، فجذباه من السرير حتى طرحاه إلى الأرض وجراه بعمامته، وهجم ~~الديلم على دار الخلافة إلى الحرم ونهبوها فلم يبق منها شيء. ومضى معز الدولة ~~إلى منزله، وساقوا المستكفي ماشيا إليه وخلع وسملت عيناه، وولوا المطيع لله ~~خليفة، وقرر له معز الدولة كل يوم مائة دينار فقط لنفقته. # كان معز الدولة يخرج للقتال ومعه المطيع - كأسير - ولما ماتت أخت معز الدولة ~~نزل المطيع إلى داره يعزيه. # ومات معز الدولة فأقيم ابنه باختيار مكانه، فكان مع المطيع كأبيه، وزاد على ~~ذلك أنه صادر المطيع، فقال المطيع: أنا ليس لي غير الخطبة، فإن أحببتم اعتزلت، ~~فشدد عليه باختيار حتى باع قماشه، وأخذ منه أربعمائة ألف درهم. وأخيرا خلع ~~المطيع نفسه، وولي ابنه الطائع. # فاستجمع الأتراك قوتهم، وتجمعوا حول سبكتكين التركي، وتجمع الديلم ~~والفرس حول معز الدولة، فقدم عضد الدولة البويهي بغداد لنصرة عز الدولة على ~~سبكتكين، فتم لعضد الدولة النصر، وملك بغداد. وأخيرا خلع الطائع على عضد ~~الدولة خلعة السلطنة، وتوجه بتاج مجوهر، وطوقه وسوره وقلده سيفا، وعقد ~~له لواءين بيده: أحدهما مفضض على رسم الأمراء، والآخر مذهب على رسم ولاة ~~العهود، ولم يعقد هذا اللواء الثاني لغيره قبله، وكتب له عهدا وقرئ ~~بحضرته. # وفي سنة 368ه أمر الطائع أن يضرب الدبادب # 71 # على باب عضد الدولة في وقت الصبح والمغرب والعشاء، وأن يخطب له على ~~منابر الحضرة # 72 # وزاد في ألقابه. # وجمع الطائع رجال الدولة ودخل عضد الدولة على الطائع وقبل الأرض بين يديه، ~~ثم قبل وجل الطائع، ثم أعلن الطائع إسناد الأمور كلها إلى عضد الدولة، فقال ~~له: «قد رأيت أن أفوض إليك ما وكل الله إلي من أمور الرعية في شرق الأرض ~~وغربها، وتدبيرها في جميع جهاتها سوى خاصتي وأسبابي.» فقال عضد ms039 الدولة: ~~«يعينني الله على طاعة مولانا أمير المؤمنين وخدمته.» # وفي سنة 370ه خرج عضد الدولة من همذان يريد بغداد، فخرج الخليفة الطائع ~~للقائه ولم تجر العادة بذلك. # بل قد جرى خلاف بين الطائع وعضد الدولة، فقطع عضد الدولة الخطبة للطائع في ~~بغداد وغيرها، واستمر ذلك نحو شهرين، ثم سوي الخلاف وأعيدت الخطبة ~~للطائع. # بل طمع عضد الدولة في الخلافة لنسله، فزوج الطائع ابنته وعقد العقد بحضرة ~~الطائع لله وبمشهد من أعيان الدولة، وكان الوكيل عند عضد الدولة أبا علي ~~الفارسي النحوي، والذي خطب خطبة الزواج القاضي أبا علي المحسن التنوخي، وكان ~~المهر مائة ألف دينار؛ ورمى عضد الدولة بذلك أن يرزق الطائع ولدا من ابنته ~~فيولى العهد وتصير الخلافة في بيت بني بويه، ويصير الملك والخلافة في الدولة ~~الديلمية. # 73 # وأخيرا بعد كل هذا لم يرض البويهيون عن الطائع، فإن بهاء الدولة البويهي ~~احتاج إلى مال فدبر خلع الطائع وأخد أمواله، فأرسل إلى الطائع يسأله الإذن ~~في الحضور ليجدد العهد به، فأذن له في ذلك وجلس له كما جرت العادة، فدخل بهاء ~~الدولة ومعه جمع كثير، فلما دخل قبل الأرض وأجلس على كرسي، فدخل بعض الديلم ~~كأنه يريد تقبيل يد الخليفة فجذبوه وأنزلوه عن سريره وهو يستغيث ولا يلتفت إليه ~~أحد، وأخذوا ما في داره، ونهب الناس بعضهم بعضا، ثم أمروه أن يخلع نفسه ففعل ~~بعد أن نزل للبويهيين عن كل شيء. # وقد كان الشريف الرضي حاضرا في المجلس الذي قبض فيه على الطائع، وقد خاف أن ~~يعيد الفرس تمثيل دور الترك مع المتوكل فأسرع في الخروج، وكان أول خارج من ~~الدار، ومكث من مكث من القضاة والأشراف فسلبوا ثيابهم وامتهنوا، وفي ذلك يقول ~~قصيدته التي مطلعها: # لواعد الشوق تخطيهم وتصميني # واللوم في الحب ينهاهم ويغريني # وفيها يقول: # اعجب لمسكة نفسي بعدما رميت # من النوائب بالأبكار والعون # ومن نجائي يوم الدار حين هوى # غيري ولم أخل من حزم ينجيني # مرقت منها مروق النجم منكدرا # وقد تلاقت مصاريع الردى دوني # وكنت ms040 أول طلاع ثنيتها # ومن ورائي شر غير مأمون # من بعدما كان رب الملك # 74 # مبتسما # إلي أدنوه في النجوى ويدنيني # أمسيت أرحم من أصبحت أغبطه # لقد تقارب بين العز والهون # ومنظر كان بالسراء يضحكني # يا قرب ما عاد بالضراء يبكيني! # هيهات أغتر بالسلطان ثانية # قد ضل ولاج أبواب السلاطين # وجاء القادر بالله بعد الطائع فظل سلطان بني بويه على الخليفة كما كان، قال ~~الذهبي: «في سنة ولايته عقد مجلس عظيم حلف فيه القادر وبهاء الدولة (البويهي) ~~كل منهما لصاحبه بالوفاء، وقلده القادر ما وراء بابه مما تقام فيه ~~الدعوة.» # من كل هذا نرى أن البويهيين من الفرس سلكوا مع الخلفاء ما سلكه الأتراك من ~~قبلهم، بل زادوا عليه أحيانا، ولكن أكبر التبعة تقع على الترك، فإنهم هم ~~البادئون بانتهاك حرمة الخلافة، فلم يكن من اليسير بعد إعادة ما لها من ~~جلال. # وزاد الأمر سوءا في عهد البويهيين النزاع بين الشيعة والسنة؛ فقد كان ~~الخليفة سنيا، والبويهيون شيعيين، فاختلفت المظاهر وكثر النزاع. ففي سنة 351ه ~~في عهد المطيع - مثلا - كتبت الشيعة ببغداد على أبواب المساجد بلعن معاوية، ~~ولعن من غصب فاطمة حقها من فدك، ومن منع الحسن أن يدفن مع جده، ولعن من ~~نفى أبا ذر، فمحاه أهل السنة بالليل فأراد معز الدولة أن يعيده فأشار عليه ~~الوزير المهلبي أن يكتب مكان ما محي: لعن الله الظالمين لآل رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. وصرحوا بلعن معاوية فقط. # وفي سنة 352ه ألزم معز الدولة الناس يوم عاشوراء بغلق الأسواق، ومنع الطباخين ~~من الطبخ، ونصبوا القباب في الأسواق، وعلقوا عليها المسوح، وأخرجوا نساء ~~منتشرات الشعور يلطمن في الشوارع ويقمن المأتم على الحسين، وهذه أول مرة نيح ~~فيها على الحسين ببغداد، واستمر هذا سنين، وفي ثاني عشر ذي الحجة من هذه السنة ~~عمل عيد غدير خم، وضربت الدبادب. # وفي سنة 398ه، وقعت فتنة بين الشيعة وأهل السنة في بغداد، فأرسل الخليفة ~~القادر الفرسان الذين على بابه لمعاونة أهل السنة وهكذا. # وتعصب بعض شعراء ms041 الفرس في ذلك العهد لفارسيتهم، ومن أشهر هؤلاء مهيار ~~الديلمي، فترى ديوانه قد ملئ بالتهنئة بيوم النيروز، ويوم المهرجان، وبمراسلة ~~بعض البويهيين لقدوم بغداد والاستيلاء عليها، والعصبية الفارسية من مثل ~~قوله: # أعجبت بي بين نادي قومها ~~«أم سعد» فمضت تسأل بي # سرها ما علمت من خلقي # فأرادت علمها ما حسبي # لا تخالي نسبا يخفضني # أنا من يرضيك عند النسب # قومي استولوا على الدهر فتى # ومشوا فوق رءوس الحقب # عمموا بالشمس هاماتهم # وبنوا أبياتهم بالشهب # وأبي كسرى على إيوانه # أين في الناس أب مثل أبي؟ # قد قبست المجد من خير أب # وقبست الدين من خير نبي # وضممت الفخر من أطرافه # سؤدد الفرس ودين العرب # وقد شرحنا أثر الفرس الاجتماعي في «ضحى الإسلام»، غير أننا نذكر هنا أن هذه ~~الحروب بين الترك والبويهيين الفرس، وبين البويهيين بعضهم مع بعض، أثرت ~~كثيرا من الخراب في العراق وما حولها، حتى جاء عضد الدولة فاستقرت الأمور بعض ~~الاستقرار، ومكنه ذلك وحبه للعمران أن يصلح بعض ما خرب. # قال مسكويه: «وكان ببغداد أنهار كثيرة ... وكان منها مرافق للناس لسقي البساتين ~~ولشرب الشفة في الأطراف البعيدة من دجلة، فاندفنت مجاريها، وعفت رسومها، ~~ونشأ قرن بعد قرن من الناس لا يعرفونها، واضطر الضعفاء إلى أن يشربوا مياه ~~الآبار الثقيلة، أو يتكلفوا حمل الماء من دجلة في المسافة الطويلة، فأمر (عضد ~~الدولة) بحفر عمدانها ورواضعها، وقد كانت على عمدانها الكبار قناطر قد تهدمت ~~وأهمل أمرها، وقل الفكر فيها، فربما انقطعت بها السبل، وربما عمرتها ~~الرعية عمارة ضعيفة على حسب أحوالهم، فلم تكن تخلو من أن تجتاز عليها البهائم ~~والنساء والأطفال والضعفاء فيسقطون، فبنيت كلها جديدة وثيقة، وعملت عملا ~~محكما. وكذلك جرى أمر الجسر ببغداد، فإنه كان لا يجتاز عليه إلا المخاطر ~~بنفسه، لا سيما الراكب لشدة ضيقه وضعفه، وتزاحم الناس عليه، فاختيرت له السفن ~~الكبار المتقنة، وعرض حتى صار كالشوارع الفسيحة، وحصن بالدرابزينات، ووكل ~~به الحفظة والحراس!» # 75 # كما أعاد الاطمئنان إلى أهل الذمة، وأذن للوزير نصر بن هارون ms042 في عمارة ~~البيع والديرة، وإطلاق الأموال لفقرائهم. # كما أنشأ في بغداد سنة 371ه، بيمارستانا للمرضى سمي بعده البيمارستان ~~العضدي، وأحضر له كل ما يلزم من الأدوية والآلات، ورتب له أربعة وعشرين طبيبا، ~~منهم الجراحون والكحالون والمجبرون، وكان فيه دراسة للطب أيضا، وممن كان ~~يدرس فيه إبراهيم بن بكس. # 76 # وبعد نحو مائتي سنة من بنائه زاره ابن جبير الرحالة، وقال: إنه على نهر ~~دجلة، وتتفقده الأطباء كل يوم اثنين وخميس، ويطالعون أحوال المرضى به، ~~ويرتبون لهم أخذ ما يحتاجون إليه، وبين أيديهم قومة يتناولون طبخ الأدوية ~~والأغذية، وهو قصر كبير فيه المقاصير والبيوت، وجميع مرافق المساكن الملوكية، ~~والماء يدخل إليه من «دجلة»، وعلى الجملة فكان مستشفى كبيرا ومدرسة للطب، ولكن ~~عاد الأمر بعده إلى الفساد والخراب. # أما الحركة العقلية والأدبية في دولة بني بويه، فبلغت الغاية في التحصيل ~~والإنتاج، وسنتكلم فيها في محلها من هذا الكتاب إن شاء الله. # عنصر العرب # بجانب هذا النفوذ التركي والنفوذ الفارسي، كان هناك النفوذ العربي، وأظهر ما ~~كان ذلك في الشام والجزيرة، فالعرب الذين هاجروا من جزيرة العرب إلى الشام ~~والعراق كانوا - دائما - قوة سياسية تحسب الخلفاء حسابها. نعم إنهم كانوا كل ~~شيء في العهد الأموي، وضعف سلطانهم في العهد العباسي، ولكنهم كانوا في كل ~~الأحوال قوة لا يستهان بها، ولما ضعفت القوة المركزية في بغداد شرعت هذه ~~القبائل الهائمة في صحراء الشام ووادي الفرات تحط رحالها، وتنشئ مستعمرات ~~ثابتة، وتحتل المدن والقلاع، وتكون دويلات؛ فكونت قبيلة تغلب دولة ~~الحمدانيين في الموصل وحلب (317ه-394ه)، وكونت قبيلة كلاب دولة ~~المرداسيين في حلب (414-472)، وكون بنو عقيل العقيليين في ديار بكر ~~والجزيرة (386ه-489ه)، وكون بنو أسد دولة المزيديين في الحلة ~~(403ه-545ه). # وهؤلاء العرب مع استيلائهم على المدن والقلاع لم ينبذوا عاداتهم القومية من ~~البداوة وما إليها، واعتزازهم ببداوتهم واحتقارهم لأهل الحضر، ومن طريف ما يروى ~~في ذلك أن قرواشا العقيلي صاحب الموصل (من الدولة العقيلية) قال مرة: «ما في ~~رقبتي غير خمسة أو ستة من البادية ms043 قتلتهم، وأما الحاضرة فلا يعبأ الله ~~بهم.» # وأهم هذه الدول العربية التي تجلت فيها العصبية العربية، واشتبكت مع ~~العصبية التركية والفارسية هي دولة بني حمدان التغلبية؛ فقد عظم نفوذها بالموصل ~~وحلب، وأرادت الاستيلاء على بغداد وطرد النفوذ التركي والفارسي، واستخلاص ~~الخليفة لهم، وجرت في ذلك سلسلة حروب طويلة. # فالخليفة المتقي بالله، احتمى بناصر الدولة بن حمدان وقلده إمرة الأمراء، ~~وخلع عليه وعلى أخيه سيف الدولة بن حمدان، ودخل ناصر الدولة بغداد باحتفال ~~عظيم، ولكن ثورة الأتراك - على رأسهم «توزون» - تغلبت على ابن حمدان، وولي ~~الخليفة إمرة الأمراء لتوزون، واستمر العداء والقتال بين العرب وعلى رأسهم ابن ~~حمدان، وبين الترك وعلى رأسهم توزون. # فلما استولى البويهيون الفرس على بغداد لم ينقطع الخلاف والقتال بين ~~الحمدانيين والبويهيين، ولما رأى ناصر الدولة بن حمدان استيلاء معز الدولة على ~~بغداد، وسلبهم جميع حقوق الخليفة، جهز جيشا لقتال البويهيين، وساعده على ذلك ~~فرق من الجيش التركي، ودام القتال طويلا، وتقدم الحمدانيون إلي بغداد واستولوا ~~على جانبها الشرقي، وأخيرا انهزم ناصر الدولة الحمداني وعاد إلى ~~مقره. # وكذلك اشتبك الحمدانيون في قتال مع البويهيين أيام عضد الدولة، فهزم ~~الحمدانيون أيضا. # وكانت حياة بني حمدان مظهرا من مظاهر الحياة البدوية المتحضرة: حب للحرب، ~~واستبداد السادة بالرعية، وكرم ومروءة، وشهامة ونجدة، وعصبية للعربية ضد الفرس ~~والترك، وعصبية للقبيلة ضد بني كلاب وبني عقيل، وعصبية للإسلام ضد الروم، وصف ~~الأزدي سيف الدولة الحمداني فقال: «كان معجبا برأيه، محبا للفخر والبذخ، ~~مفرطا في السخاء والكرم ، شديد الاحتمال لمناظريه، والعجب بآرائه، سعيدا ~~مظفرا في حروبه، جائرا على رعيته، اشتد بكاء الناس عليه ومنه.» # ظهرت عصبية الحمدانيين لعربيتهم في قتالهم المتواصل للترك وللفرس في العراق، ~~وتغني شعرائهم كالمتنبي في الاعتزاز بعربيته وعربيتهم، فيقول - وقد تساءلوا ~~عن أيهم أفضل: العرب أم الأكراد: # إن كنت عن خير الأنام سائلا # فخيرهم أكثرهم فضائلا # من أنت منهم يا همام وائلا # الطاعنين في الوغى أوائلا # والعاذلين في الندى العواذلا # قد فضلوا بفضلك القبائلا # ويقول ويأسف لحكم غير العرب ms044 العرب: # وإنما الناس بالملوك وما # تفتح عرب ملوكها عجم # لا أدب عندهم ولا حسب # ولا عهود لهم ولا ذمم # بكل أرض وطنتها أمم # ترعى بعبد كأنها غنم # ويدل على عصبيتهم القبلية ما فعله سيف الدولة من إيقاعه ببني كلاب وبني ~~عقيل، وقشير وبني عجلان، وبطشه ببني حبيب حتى خرجوا بذراريهم إلى الروم في ~~اثني عشر ألف فارس وتنصروا بأجمعهم، ووقوف المتنبي بجانبه يشيد بذكره في ~~حروبه هذه، فيقول حينما أوقع ببني كلاب قصيدته المشهورة التي مطلعها: # بغيرك راعيا عبث الذئاب # وغيرك صارما ثلم الضراب # ويذكر إيقاعه ببنى عقيل وقشير، وبني العجلان في قصيدته التي مطلعها: # تذكرت ما بين العذيب وبارق # مجر عوالينا ومجرى السوابق # ويدل على عصبيتهم الإسلامية قتالهم للروم، وصدهم عن بلاد الإسلام وحمايتهم ~~للثغور، حتى غزا سيف الدولة الروم أربعين غزوة، ولولاه لاستولوا على الشام في ~~غفلة العباسيين، وقد رووا أنه جمع من الغبار الذي أصابه في غزواته ما صنع منه ~~لبنة بقدر الكف أوصى أن يوضع خده عليها في لحده. # بين هذه العصبيات الثلاث التركية والفارسية والعربية تقسمت المملكة ~~الإسلامية؛ ولأجلها وقعت الحروب وسادت الفتن، فلا تكاد تخلو سنة من حروب بين ~~فرس وترك وعرب، وأحيانا ينضم بعض إلى بعض؛ فقد كان في جيش بني حمدان أحيانا ~~فرق من الجيش التركي، كما كان مع بعض بني بويه بعض الأتراك، والبلاد تخرب من ~~القتال، والروم ينتهزون فرصة اشتباك أمراء المسلمين بعضهم مع بعض للإغارة على ~~الثغور الإسلامية والتنكيل بها. # وقد اتخذت العصبيات في هذا العصر شكلا واضحا غير الذي كان في العصر العباسي ~~الأول، فقد كان قبل عصبية فارسية وعصبية عربية، ولكنها كانت تعمل في الخفاء ~~غالبا، وكانت قوة الخلفاء تحول دون الطغيان، فإذا أحس الخليفة طغيانا من ~~الفرس نكل بهم، وردهم إلى حدودهم، فلما ضعفت الخلافة، وقتل المتوكل بيد ~~الأتراك، لم يكن للخليفة من النفوذ ما يستطيع أن يصد به هذا الطغيان، فانكشف ~~العصبيات وأصبحت تعمل جهارا، ووسيلتها الحروب. # وكان من نتيجة هذه العصبيات الثلاث، واستعمالها السيف ms045 في بسط نفوذها، وضعف ~~الخلفاء عن كبح جماحها؛ انقسام المملكة إلى مناطق نفوذ، فلو نظرنا إلى المملكة ~~الإسلامية في النصف الثاني من القرن الثالث وفي القرن الرابع الهجري، رأينا ~~الأندلس يحكمها الأمويون وهم عرب، وبلاد المغرب يحكم بعضها الأدارسة وهم عرب، ~~وبعض قبائل البربر، والفاطمية وهم عرب، ومصر والشام يحكمها الطولونيون ~~والإخشيديون، وهم أتراك، ثم الفاطميون وهم عرب، والحمدانيون في الموصل وحلب وهم ~~عرب، والعراق يحكمه الأتراك باسم الخليفة العباسي، وينازعهم السلطان عليه ~~الحمدانيون وهم عرب، ثم يستولي عليه البويهيون وهم فرس، وفارس تتقسمها دول ~~مختلفة: الدلفية في كردستان وهم عرب، والصفارية في فارس كلها وهم فرس، ~~والسامانية في فارس وما وراء النهر وهم فرس، والزيارية في جرجان وهم فرس، ~~والحسنوية في كردستان وهم أكراد، والبويهية في جنوبي فارس وهم فرس، والغزنوية ~~بأفغانستان والهند وهم أتراك. # وكان كل جنس من هذه الأجناس يطبع البلاد التي يحكمها بطابعه الخاص، فطابع ~~التركية حب للجندية والفروسية، والاستكثار من الجنود من جنسهم لتقوية حكمهم، ثم ~~كثرة الخلافة فيما بينهم، وتعصب كل فريق لقائد كالبدو في تعصبهم للقبائل ~~واعتزازهم بقبيلتهم، ونظرهم في شيء من الاحتقار إلى أهل البلاد المحكومة بهم، ~~وانتصارهم لمذهب أهل السنة، وعدم ميلهم إلى الفلسفة والجدل في الدين، وتقريبهم ~~علماء الدين وخاصة علماء التفسير والحديث، وحبهم للأموال يأخذونها من الرعية ~~في غير حكمة وأناة ونظر بعيد، فبدل أن يعنوا بموارد المال من ري، ونظام ~~ضرائب، وإصلاح أراض، وتنظيم تجارة، واستغلال منابع الثروة يجيلون أبصارهم في ~~الناس ، ويتعرفون ذوي الثروة، فينتهزون الفرصة لمصادرتهم أو التنكيل بهم أو ~~نحو ذلك، ثم ينفقون ما تصل إليه أيديهم في الترف والنعيم، فإذا أسرفوا وخلت ~~أيديهم من جديد ثاروا على من لديه المال، ترى تاريخهم في العراق في ذلك العهد ~~سلسلة مطالبات للخليفة بالأموال، فإذا لم يعطهم خلعوه، وإن أعطاهم سكتوا عنه أن ~~يفرغ مالهم، ثم أعادوا الكرة، وهكذا فعلوا في الوزراء والكبراء والتجار، وهم ~~مع كل هذا لا ينظرون إلى وسائل المال ليصلحوها؛ ولذلك سرعان ما ms046 ينضب معين ~~الدولة لقد كان لدى الخلفاء ثروة هائلة تقدر بالملايين، فما زالوا يلحون ~~عليهم في طلب المال، والخلفاء يفتدون أرواحهم بالعطاء حتى تركوهم ولا شيء في ~~أيديهم، ومن أجل هذا نقرأ كثيرا في تاريخ هذه العصور دفن الأموال في الأرض، ~~وبناء الحوائط عليها، وتظاهر الأغنياء بالفقر، ونحو ذلك. # وطابع الفرس حب الفخفخة والظهور، قد ورثوا مدينة قديمة مملوءة بالتقاليد ~~والأوضاع، فطبعوا عليها بمحاسنها ومساويها؛ فلهم قدرة على تنظيم الحكم، ومعرفة ~~واسعة بما يزيد الثروة ويضعفها، ولهم عقول مثقفة تتذوق الأدب والعلم وتهتز ~~لهما، فهم يشجعون العلم لا بالمعنى الضيق الذي يشجعه التركي، ولكن بمعناه ~~الواسع الذي يشمل الفلسفة بفروعها المختلفة، قد كثرت المذاهب الدينية القديمة ~~عندهم من مانوية وزرادشتية ومزدكية، فكثرت في الإسلام مذاهبهم من زيدية واثني ~~عشرية وسبعية وغير ذلك، وورثوا ما يرثه أبناء كل أمة تحضرت وهرمت من ميل إلى ~~الترف والنعيم، وانهماك في اللذائذ، وأورثهم ضغط الدولة الأموية عليهم وتحقيرهم ~~ميلا كامنا إلى الانتقام من العرب والأخذ بالثأر منهم في لين وهوادة، ~~وعلمهم التشيع التقية، فمكروا وعملوا في الخفاء وتستروا، وأسسوا المؤامرات ~~للقضاء على خصومهم بالثورات أحيانا، وبالدعوة المقنعة بالعلم أحيانا، إلى ~~غير ذلك. # وطابع العرب ميل إلى البداوة، وحكم بالقبلية، واعتزاز بدمهم، واحتقار لغير ~~جنسهم، وزهوهم بسيفهم ولسانهم، وقلقهم واضطرابهم، فإذا أحسوا ضعف رئيسهم فما ~~أسرع ثورتهم! ثم هم أسرع ما يكون قبولا للتأقلم والتحضر، فإذا تحضروا انغمسوا ~~في النعيم، ومالوا إلى خصب العيش، وتأنقوا في المأكل والملبس والمشرب ، كما ~~كان شأن الفاطميين بعد انتقالهم من المغرب إلى مصر، وكما كان شأن من نزل من ~~العرب في الأندلس، وكما كان شأن العرب الفاتحين لبلاد فارس والروم، وهم في أول ~~أمرهم شجعان صرحاء بسطاء، فإذا انغمسوا في النعيم، وقعوا في سيئات الحضارة، ~~ففقدوا صراحتهم وبساطتهم، أحب إليهم الأدب والشعر لا الفلسفة والعلم، إلا أن ~~يستعينوا بغيرهم من الموالي في تجميل دولتهم بالفلسفة والعلم. # وكثيرا ما كان يتعاقب على القطر الواحد هذه الأجناس الثلاثة أو جنسان منها، ms047 ~~فتعاقب على العراق العرب والفرس والترك، وعلى مصر العرب والترك، وإذ ذاك يسقيه ~~كل جنس بكأسه، ويتكون لكل قطر مزاج هو نتيجة طبع الأمة مع من تعاقب عليها من ~~الأجناس. # وهناك عنصران آخران كان لهما أثر في الحياة الاجتماعية في هذا العصر، وإن كان ~~هذا الأثر في المنزلة الثانية، وأعني بهما الروم والزنج. # الروم # كان العرب يطلقون على المملكة البيزنطية «بلاد الروم»، ومن ثم أطلقوا على ~~البحر الأبيض المتوسط «بحر الروم»، وعلى مر الزمان كان أكثر ما يطلق اسم ~~الروم على بلاد النصارى المتاخمين للمملكة الإسلامية؛ ولهذا كان أكثر ما يطلق ~~على بلاد النصارى في آسيا الصغرى، وكانت تسمى الحدود التي بين الدولة الإسلامية ~~والدولة البيزنطية «الثغور» ممتدة من ملطية إلى أعلى الفرات وإلى طرسوس، وكانت ~~هذه الثغور محصنة من الجانبين، ومنقسمة إلى قسمين: ثغور الجزيرة، وثغور ~~الشام، فمن الأول ملطية، وزبطرة، وحصن منصور، والحدث، ومرعش، ~~والهارونية، والكنيسة، وعين زربة، ومن الثاني: المصيصة، وأذنة، ~~وطرسوس. # ومنذ فتح الشام ومصر في عهد عمر بن الخطاب، والحروب قائمة بين المسلمين ~~والروم، والذي نريد أن نعرض له الآن ما كان بين الروم والمسلمين في العصر الذي ~~نؤرخه؛ فقد كثرت الحروب بين الفريقين، وكانت هذه الثغور بين حركتي مد وجزر ~~باستمرار، فمن ابتداء هذا العصر حدثت وقعة عمورية المشهورة في عهد المعتصم، ~~واستمرت بعد ذلك واشتدت بين الروم والحمدانيين، وعلى الأخص أيام سيف الدولة ~~الحمداني. # وليس يهمنا هنا تاريخ هذه الحروب، ولا جانبها السياسي، وإنما يهمنا ما كان ~~لها من أثر اجتماعي أو عقلي. # فقد كانت هذه الحروب سببا في أسر عدد كبير من الروم، واسترقاق كثير منهم؛ ~~ففي وقعة عمورية «أقبل الناس بالأسرى والسبي من كل وجه، فأمر المعتصم أن يعزل ~~منهم أهل الشرف، وقتل من سواهم، وأمر ببيع المغانم في عدة مواضع ... وكان لا ~~ينادي على شيء أكثر من ثلاثة أصوات ثم يوجب بيعه طلبا للسرعة، وكان ينادي على ~~الرقيق خمسة خمسة، عشرة عشرة، طلبا للسرعة». # 77 # وكانت حرب بين الروم والمسلمين ms048 في صقلية سنة 353ه، فتقدم المسلمون ~~إلى «رمطة» وملكوها عنوة وقتلوا من فيها، وسبوا الحرم والصغار وغنموا ما ~~فيها، وكان شيئا كثيرا عظيما». # 78 # وفي سنة 343ه غزا سيف الدولة الروم «فقتل وأسر وسبى وغنم»، ~~فانهزم الروم وقتل منهم وممن معهم خلق عظيم، وأسر صهر الدمستق وابن ابنته ~~وكثير من بطارقته». # 79 # ومثل هذا كثير فالحروب تكاد تكون متصلة، والأسر من الجانبين ~~متتابع. أنتجت هذه الوقائع نتائج كثيرة: # فمنها أنها خلفت لنا أدبا عربيا حربيا قويا، كقصيدة أبي تمام في فتح ~~عمورية: «السيف أصدق أنباء من الكتب»، وقصائد المتنبي في حروب سيف الدولة ~~للروم، كقصيدته يذكر الوقعة التي نكب فيها المسلمون بالقرب من بحيرة الحدث: ~~«غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»، وقصيدته لما سار سيف الدولة يريد الدمستق: «نزور ~~ديارا ما نحب لها مغنى» ... إلخ إلخ، وكالقصائد الروميات لأبي فراس، وهي قصائد ~~من غرر شعره، قالها - لما أسره الروم - في الحنين إلى أهله وأصحابه، والتبرم ~~بحاله من أسر ومرض وغربة إلى غير ذلك. # ومنها ما كان من انتشار الروم من رجال ونساء وغلمان في بيوت الناس والخلفاء ~~والأغنياء كمماليك، حتى إن بعض الخلفاء في هذا العصر كانت أمهم رومية؛ فالمنتصر ~~بالله ابن المتوكل أمه رومية، والمعتز بالله أمه رومية اسمها «قبيحة»، وقد ~~اشتهرت في التاريخ بغناها وثروتها وتغلبها على عقل المتوكل، والمعتمد على ~~الله أمه رومية اسمها «فتيان»، والمقتدر بالله أمه رومية على بعض الأقوال، وكان ~~لها في أيام ابنها سلطان في تدبير الأمور، حتى أمرت قهرمانتها أن تجلس للمظالم ~~وتنظر في رقاع الناس، وأم الراضي بالله رومية اسمها ظلوم ... إلخ. # واستكثر الخليفة المقتدر من الخدم والمماليك من الروم والسودان، حتى قالوا ~~إنه بلغ عددهم أحد عشر ألفا، وكانوا في أول عهده ألفا ومائة. # وفي المقريزي أن أحمد بن طولون - لما ولي مصر - اشترى العبيد من الروم ~~والسودان ... وصار من كثرة العبيد والرجال والآلآت بحال يضيق بها داره ولا يتسع ~~له ... فبنى القصر والميدان، «وتقدم إلى أصحابه وغلمانه وأتباعه أن يختطوا ms049 لنفسهم ~~حوله، فاختطوا ... ثم قطعت القطائع، فكان للنوبة قطعية مفردة تعرف بهم، وللروم ~~قطيعة مفردة تعرف بهم». # 80 ~~«وكانت كل قطيعة لسكنى جماعات بمنزلة الحارات التي في ~~القاهرة». # 81 # ولما اختطت القاهرة اختطت الروم حارتين. «وفي سنة 399ه أمر الخليفة ~~الحاكم بأمر الله بهدم حارة الروم فهدمت ونهبت». # 82 # كما كان في بغداد دار تسمى دار الروم بالشماسية، وكان لهم بهذا الحي كنيسة ~~على مذهب النسطورية، ودير يسمى دير الروم. # وانتشرت الجواري الروميات في القصور، وكانت لهن ميزات. قال ابن بطلان: ~~«الروميات بيض شقر، سباط الشعور، زرق العيون، عبيد طاعة وموافقة وخدمة، ومناصحة ~~ووفاء وأمانة ومحافظة، يصلحن للخزن لضبطهن وقلة سماحتهن، لا يخلو أن يكون ~~بأكفهن صنائع دقيقة.» # وتعشق بعض الشعراء الغلمان الروم، فكان للبحتري غلام رومي اسمه «نسيم»، «كان ~~قد جعله بابا من أبواب الحيل على الناس، فكان يبيعه ويعتمد أن يصير إلى ملك ~~بعض أهل المروءات ومن ينفق عنده الأدب، فإذا حصل في ملكه شبب به وتشوق ~~ومدح مولاه، حتى يهبه له، فلم يزل ذلك دأبه حتى مات «نسيم» فكفى الناس ~~أمره». # 83 # وفي «نسيم» يقول البحتري: # دعا عبرتي تجري على الجور والقصد # أظن نسيما قارف الهجر من بعدي # خلا ناظري من طيفه بعد شخصه # فوا عجبا للدهر فقدا على فقد! # وقد أنجب هذا العنصر الرومي أدباء وعلماء، كان لهم في فنهم وعلمهم طابع خاص ~~لم يكن مألوفا في العقلية العربية والفارسية، من أشهر هؤلاء ابن الرومي ~~الشاعر، وابن جني النحوي. # فابن الرومي من أصل رومي كما يدل عليه اسمه، فهو علي بن العباس بن جريج، وله ~~في الشعر ميزات قلما اجتمعت لغيره من شعراء العربية، هي أشبه شيء بالروح ~~الرومي؛ فهو طويل النفس في قصائده طولا قلما يجارى، وهو يقع على المعنى فلا ~~يزال يستقصي فيه حتى لا يدع فيه فضلة ولا بقية، وهو كثير التعليل لما يقول كما ~~يفعل بالنظرية الهندسية والبرهان عليها من مثل قوله: # لما تؤذن الدنيا به من صروفها # يكون بكاء الطفل ساعة ms050 يولد # وإلا فما يبكيه منها وإنها # لأفسح مما كان فيه وأرغد # إذا أبصر الدنيا استهل كأنه # بما سوف يلقى من أذاها يهدد # وقوله في مليح رمدت عيناه: # قالوا اشتكت عينه فقلت لهم # من كثرة القتل مسها الوصب # حمرتها من دماء من قتلت # والدم في النصل شاهد عجب # ومثل ذلك كثير لا نطيل به. # وهو يصور المهجو صورة فنية تستخرج عجبك وتستثير ضحكك، كقوله في ~~بخيل: # يقتر عيسى على نفسه # وليس بباق ولا خالد # فلو يستطيع لتقتيره # تنفس من منخر واحد # وقوله في ثقيل: # إذا بدا وجهه لقوم # لاذت بأجفانها العيون # كأنه عندهم غريم # حلت عليهم له ديون # وقوله: # معشر فيهم نكول إن نووا # فعل خير، وعلى الشر مرود # ليتهم كانوا قرودا فحكوا # شيم الناس كما تحكي القرود # أما ابن جني، فهو كذلك رومي، أبوه جني كان مملوكا روميا لسليمان بن فهد ~~الأزدي، ولعل أصل «جني» # Jonah # 84 # فعربها العرب إلى جني. وكان ابن جني هذا غريبا في تصوره النحو ~~والصرف، فهو ماهر في التصريف ماهر في التعليل والقياس. قال الباخرزي في دمية ~~القصر: «ليس لأحد من أئمة الأدب في فتح المقفلات وشرح المشكلات ما له وسيما ~~في علم الإعراب.» وكان المتنبي يقول فيه: «هذا رجل لا يعرف قدره كثير من ~~الناس.» # وقد قال هو نفسه في خصائصه: # وحلو شمائل الأدب # منيف مراتب الحسب # له كلف بما كلفت # به العلماء ملعرب # يبيت يفاتش الأنقا # ب عن أسرارها الغيب # 85 # فمن جدد إلى جلد # إلى صعد إلى صبب # ويفرع فكره الأبكا # ر منها من حمى الحجب # فيبردها كأن لها # وإن خفيت سنى لهب ~~••• # يجد بها وتحسبه # للطف الفكر في لعب # سباطة # 86 # مذهب سبكت # عليه ماءة الذهب ~~••• # وطردا للفروع على # أصول وطد رتب # إذا ما انحط غائرها # سما فرعا على الرتب # قياسا مثل ما وقدت # بليل برزة الشهب # ومنها في أصله الرومي: # فإن أصبح بلا نسب # فعلمي في الورى نسبي # على أني أؤول إلى # فروم سادة نجب # قياصرة إذا نطقوا # أرم # 87 ms051 # الدهر ذو الخطب # فابن الرومي وابن جني وأمثالهما كانوا عربا في المنشأ والمربى، وكانوا ~~روما بعقلهم الموروث، فجمعوا بين مزايا العقل المطبوع والعقل المصنوع، وأنتجوا ~~منهما نتاجا صالحا ذا طعم خاص. # السود # ومن العناصر التي كثرت في هذا العصر، وكان لها أثر كبير؛ الزنج الذين كانوا ~~يجلبون في الأكثر من سواحل إفريقيا الشرقية، ولا أدل على كثرتهم وخطرهم من ~~ثورتهم التي قاموا بها قرب البصرة، وهددوا بها الدولة العباسية، ودوخوها ~~أربعة عشر عاما وأربعة أشهر (من 255ه إلى 270ه)، وكانت حربا بين الأجناس، بين ~~السود والبيض، دعا إليها رجل ادعى نسبته إلى علي بن أبى طالب، فزعم أنه علي ~~بن محمد بن أحمد بن علي بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. ~~وأكثر المؤرخين يرون أنه دعي وأن أصله عربي من عبد القيس، وقد توجه هذا الرجل ~~إلى البصرة وحرض الزنوج «الذين كانوا يكسحون السباخ» في أراضيها، فإن ملاك ~~هذه الأرضي كانوا يملكون سودا من السودان يعملون لهم في أرضهم فيعزقونها ~~ويرفعون عنها الطبقة المالحة؛ ليصلوا إلى الأرض الخالية من الأملاح الصالحة ~~للزراعة، وهو عمل شاق جدا في هذه المنطقة، فاستطاع هذ الذي لقب بعد بصاحب ~~الزنج أن يؤلب هؤلاء العمال الزنوج بعد أن درس حالتهم وبؤسهم وأجورهم ~~ونفسيتهم فأتاهم من الناحية الدينية فهي أفعل في نفوسهم، فادعى أنه متصل ~~بالله على نحو ما، فاجتمع إليه خلق كثير، فوصف لهم بؤسهم وظلم سادتهم لهم، ورثى ~~لعيشهم على السويق والتمر، ودعاهم إلى الخروج على هؤلاء الظالمين، «ومناهم ~~ووعدهم أن يقودهم ويرئسهم، ويملكهم الأموال، وحلف لهم الأيمان الغلاظ ألا ~~يغدر بهم ولا يخذلهم ولا يدع شيئا من الإحسان إلا أتى إليهم». # من وقع في يده من هؤلاء السادة مالكي العبيد كان يسلمه لغلمانه ويأمر بضربه، ~~فكانت حركته الأولى حركة ضد الملاك، ثم تطورت فصارت حركة ضد الدولة، وأن ~~الخلفاء والولاة ظالمون ينتهكون حرمة الله، ودعا إلى مذهب الخوارج. قال ~~المسعودي: «إنه كان يرى رأي الأزارقة من ms052 الخوارج؛ لأن أفعاله في قتل النساء ~~والأطفال وغيرهم من الشيخ الفاني وغيره ممن لا يستحق القتل يشهد بذلك عليه؛ وله ~~خطبة يقول في أولها: «الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، ألا لا ~~حكم إلا لله.» وكان يرى الذنوب كلها شركا.» # 88 # وكان عدد هؤلاء الزنوج كثيرا، وفيهم شجاعة نادرة ومران على ~~القتال. وفي بعض الوقائع الحربية انضمت الفرقة السودانية في الجيش العباسي إلى ~~إخوانهم الزنوج فزادوهم قوة. وقد تملكوا في بعض الأحيان «الأبلة» ~~و«عبادان»، والأهواز ثم البصرة، وواسط والنعمانة ورامهرمز. # وكانوا يهزمون الجيوش العباسية المرة بعد المرة، واغتنوا، وأصبح الزنوج ~~يملكون البيض بل خير من البيض. يقول المسعودي: «وقد بلغ من أمر عسكره - أي عسكر ~~صاحب الزنج - أنه كان ينادى فيه على المرأة من ولد الحسن والحسين والعباس من ~~ولد هاشم وقريش وغيرهم من سائر العرب، وأبناء الناس، تباع الجارية منهن ~~بالدرهمين والثلاثة، وينادى عليها بنسبها هذه ابنة فلان الفلاني، لكل زنجي منهم ~~العشرة والعشرون والثلاثون، يطؤهن الزنج ويخدمن النساء الزنجيات كما تخدم ~~الوصائف. ولقد استغاثت إلى علي بن محمد - صاحب الزنج - امرأة من ولد الحسن بن ~~علي بن أبي طالب كانت عند بعض الزنج، وسألته أن ينقلها منه إلى غيره من الزنج ~~أو يعتقها مما هي فيه، فقال: هو مولاك وأولى بك من غيره.» # 89 # وأخيرا تغلب عليهم الموفق - أخو الخليفة المعتمد على الله - وابنه أبو ~~العباس - الذي صار فيما بعد خليفة ولقب بالمعتضد - وقتل صاحب الزنج بعد أن خرب ~~الزنج كثيرا من البلاد، وأفنوا كثيرا من الناس. وقد قتلوا من أهل البصرة ~~وحدها في وقعة واحدة ثلاثمائة ألف. «وقد تكلم الناس في قدر ما قتل - على يد ~~الزنج - في هذه السنين - الأربع عشرة - من الناس فمكثر ومقل، فأما المكثر فإنه ~~يقول: أفنى من الناس ما لا يدركه العد، ولا يقع عليه الإحصاء، ولا يعلم ذلك إلا ~~عالم الغيب ... والمقل يقول: أفنى من الناس خمسمائة ألف، وكلا الفريقين يقول في ~~ذلك ظنا وحدسا إذا كان ms053 شيئا لا يدرك ولا يضبط». # 90 # وقد سقنا هذا كله للدلالة على قوة هذا العنصر الزنجي وخطره في ذلك العصر، ~~وبجانب هذا كانت لهم ناحية اجتماعية لها قيمتها ... وكانوا يطلقون كلمة السودان ~~على ما يشمل الأحباش، وقديما اتصل هؤلاء السودان بالعرب فكان منهم بلال الحبشي ~~مؤذن رسول الله، ومنهم سعيد بن جبير سيد التابعين الذي قتله الحجاج، وكان من ~~أشعر شعرائهم في العصر الأموي الحيقطان، وقد هجا جريرا وفخر عليه ~~بالزنج، فقال: # والزنج لو لاقيتهم في صفهم # لاقيت ثم جحاجحا أبطالا # وكان الزنج يفخرون بطلاقة اللسان، وكثرة الكلام، وشدة الأبدان، والسخاء، وقلة ~~الأذى، وطيب النفس، وضحك السن، وحسن الظن. # 91 # وقد عيروا بصغر عقولهم، وضعف ذكائهم، وقلة علمهم، فأجابوا ~~بأنكم لم تروا الزنج الحقيقيين، وإنما رأيتم السبي يجيء من السواحل هؤلاء ليس ~~لهم جمال ولا عقول، ولو رأيتم كرام الزنج لرأيتم الجمال والكمال والعقل. قالوا: ~~واعتبروا في ذلك بمن تسبونهم من أهل السند والهند، فإنه لم يتفق لكم واحد ~~ممن سبيتموهم له عقل وعلم مع ما اشتهر به أهل السند والهند من العلم بالحساب ~~والنجوم، وأسرار الطب، والتصاوير والصناعات العجيبة. # 92 # وكانت طائفة من الجند من الزنج كما رأينا قبل، وكان منهم الكثير في خدمة ~~القصر. وقد نبغ منهم كافور الإخشيدي الذي ملك مصر والشام، وخطب له على المنابر ~~بمكة والحجاز، وكان عبدا أسود أتي به من بلاد السودان واشتراه الإخشيد بثمانية ~~عشر دينارا، وقد مدح المتنبي سواده فقال: # فجاءت به إنسان عين زمانه # وخلت بياضا خلفها ومآقيا # ثم ذم سواده حين هجاه فقال: # من علم الأسود المخصي مكرمة # أقومه البيض أم آباؤه الصيد # أم أذنه في يد النخاس دامية # أم قدره وهو بالفلسين مردود # وذاك أن الفحول البيض عاجزة # عن الجميل فكيف الخصية السود # ومن قديم كان للبيض نساء من السود، فأعشى سليم كانت له «دنانير» بنت كعبوية ~~الزنجي، وكانت زنجية، وقد رآها تكتحل فقال: # كأنها والكحل في مرودها # تكحل عينيها ببعض جلدها # وقد تزوج الفرزدق أم مكية الزنجية، ms054 وترك ما عنده من النساء من أجلها. وقال ~~فيها: # يا رب خود من بنات الزنج # 93 # وكثر ذلك في العصر العباسي، فامتلأت بهن القصور وبيوت الأوساط والفقراء؛ فقد ~~كانت الجواري البيض أغلى ثمنا، فكانت ما تكون في بيوت الأغنياء، أما السود ~~فكثيرات ورخيصات. # وقد ذكر ابن بطلان خصائص السود فقال: # الزنجيات مساويهن كثيرة، وكلما زاد سوادهن قبحت صورهن، وتحددت ~~أسنانهن، وقل الانتفاع بهن، وخيفت المضرة منهن، والغالب عليهن سوء ~~الأخلاق، وكثرة الهرب، وليس في خلقهن الغم، والرقص والإيقاع فطرة لهن، ~~وطبع فيهن ... ويقال: لو وقع الزنجي من السماء إلى الأرض ما وقع إلا ~~بالإيقاع. وهم أنقى الناس ثغورا لكثرة الريق، وكثرة الريق لفساد ~~الهضوم؛ وفيهن جلد على الكد، فالزنجي إذا شبع فصب العذاب عليه ~~صبا فإنه لا يتألم له. وليس فيهن متعة لصنانهن وخشونة أجسامهن. أما ~~الحبشيات فالغالب عليهن نعومة الأجسام ولينها وضعفها، يعتادهن السل، ~~ولا يصلحن للغناء ولا للرقص، دقاق لا يوافقهن غير البلاد التي نشأن ~~فيها، وفيهن خيرية، ومياسرة وسلاسة انقياد، يصلحن للائتمان على النفوس ~~... قصار الأعمار لسوء الهضم. # وكما تقاسمت المملكة الإسلامية العناصر الجنسية المختلفة، كذلك تقاسمتها ~~المذاهب الإسلامية المختلفة والديانات المختلفة، ولنذكر في ذلك كلمة مجملة ~~تصور هذه الحال: # فقد كان الخلفاء سنيين، والأتراك سنيين غالبا، والفرس شيعيين غالبا، والعرب ~~بين سني وشيعي؛ فالفاطميون شيعة، والحمدانيون يغلب عليهم التشيع، فمن آثارهم ~~التي وصلت إلينا درهم لناصر الدولة الحمداني على أحد وجهيه: # لا إله إلا الله # المطيع لله # ناصر الدولة # وعلى الآخر: # محمد # رسول الله # علي ولي الله # ويروي المؤرخون أن سيف الدولة عثر في حلب على قبر للمحسن بن الحسين فبنى ~~عليه ، وكتب على حجره: # عمر هذا المشهد المبارك؛ ابتغاء لوجه الله وقربة إليه على اسم ~~مولانا المحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب - الأمير الأجل سيف ~~الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان. # ورووا أن سيف الدولة زوج ابنته ست الناس لأبي تغلب الحمداني، وضرب لهذا ~~الحادث دنانير على أحد وجهيها: # محمد ms055 رسول الله، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فاطمة الزهراء، ~~الحسن، والحسين، جبريل. # وعلى الآخر: # أمير المؤمنين المطيع لله، الأميران الفاضلان ناصر الدولة وسيف ~~الدولة، الأميران أبو تغلب، وأبو المكارم. # فهذا يرجح أن دولة الحمدانيين كانت شيعية. # فكانت المملكة الإسلامية مسرحا للعصبيات الجنسية والعصبيات المذهبية. وأوضح ~~الأمثلة لذلك حالة العراق في عهد الدولة البويهية؛ فقد كان مملوءا بالأتراك ~~والديلم، والأولون سنيون، والآخرون فرس شيعيون، والحروب والفتن والمصادرات ~~وكبس البيوت لا تنقطع بينهما. وقد ذهب في سبيل ذلك ضحايا كثيرة من الوزراء ~~والكتاب والعلماء، حتى حكى مسكويه في حوادث سنة 360ه أن بختيار البويهي «رأى ~~لمعالجة هذه الفتن أن يعقد بين رؤساء الأتراك ورؤساء الديلم مصاهرات لتزول ~~العداوات التي نشأت بينهم، فابتدأ بعقد مصاهرة بين المرزبان بن عز الدولة ~~«البويهي»، وبين بختكين «التركي»، وفعل مثل ذلك بجماعة، وأصلح بين الديلم ~~والأتراك، واستحلف كل فريق منهما لصاحبه، فحلفوا جميعا ... فزال الظاهر ولم يزل ~~الباطن». # 94 # وقال ابن الأثير في حوادث سنة 443ه: «في هذه السنة تجددت الفتنة ~~بين السنة والشيعة، وعظمت أضعاف ما كانت قديما؛ وسببها أن أهل الكرخ عملوا ~~أبراجا كتبوا عليها بالذهب: «محمد وعلي خير البشر.» وأنكر السنية ذلك، ~~وادعوا أن المكتوب محمد وعلي خير البشر، فمن رضي فقد شكر ومن أبى فقد كفر. ~~وأنكر أهل الكرخ الزيادة؛ فانتدب الخليفة القائم بأمر الله من حقق، فكتبوا ~~بتصديق أهل الكرخ. وحمل الحنابلة العامة على الإغراق في الفتنة، وتشدد رئيس ~~الرؤساء على الشيعة فمحوا «خير البشر» فقالت السنية: لا نرضى إلا أن يقلع ~~الآجر الذي عليه «محمد وعلي»، وألا يؤذن «حي على خير العمل»، وامتنع الشيعة ~~عن ذلك. وقتل رجل هاشمي من السنية، فحمله أهله على نعش وطافوا به في ~~الحربية وباب البصرة وسائر محلة السنية، واستنفروا الناس للأخذ بثأره، ثم ~~دفنوه عند أحمد بن حنبل، فلما رجعوا من دفنه قصدوا المشهد فدخلوه، ونهبوا ما ~~فيه من قناديل ومحاريب من ذهب وفضة، فلما كان الغد اجتمعوا وأضرموا حريقا، ~~فاحترق كثير من قبور ms056 الأئمة وما يجاورها من قبور بني بويه، وقصد أهل الكرخ ~~الشيعيون إلى خان الفقهاء الحنفيين فنهبوه، وقتلوا مدرس الحنفية أبا سعد ~~السرخسي وأحرقوا الخان ودور الفقهاء، وامتدت الفتنة إلى الجانب ~~الشرقي.» # 95 # وقال في سنة 444ه: «في هذه السنة زادت الفتنة بين أهل الكرخ وغيرهم ~~من السنية، وكان ابتداؤها أواخر سنة 444ه، فلما كان الآن عظم الشر واطرحت ~~المراقبة للسلطان، واختلط بالفريقين طائفة من الأتراك، فلما اشتد الأمر اجتمع ~~القواد، واتفقوا على الركوب إلى المحال، وإقامة السياسة بأهل الشر والفساد، ~~وأخذوا من الكرخ إنسانا علويا وقتلوه، فثار نساؤه ونشرن شعورهن واستغثن، ~~فتبعهن العامة من أهل الكرخ، وجرى بينهم وبين القواد ومن معهم من العامة قتال ~~شديد، وطرح الأتراك النار في أسواق الكرخ فاحترق كثير منها وألحقتها ~~بالأرض.» # وقد اشتهرت الكوفة بالتشيع والبصرة بالتسنن، # 96 # فقال الجاحظ: إن الكوفة علوية، والبصرة عثمانية، ثم انتشر بعد ~~الجاحظ التشيع في البصرة حتى كان فيها في القرن الخامس ما لا يقل عن ثلاثة ~~عشر مشهدا للعلويين، أما الشام فمن قديم عرفت بالسنية، ويقول النسائي المتوفى ~~سنة 303ه: «دخلت دمشق والمنحرف عن علي - رضي الله عنه - كثير، فأردت أن يهديهم ~~الله بهذا الكتاب.» يعني كتاب «الخصائص» في فضل علي بن أبي طالب، وسئل وهو ~~بدمشق عن معاوية وما روي من فضائله، فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج رأسا برأس ~~حتى يفضل؟! فما زال أهل دمشق يدفعون في حضنه حتى أخرجوه من المسجد، ثم حمل إلى ~~الرملة فمات بها. # 97 # وتقسمت البلاد الشيعة والسنية، بل تقسم البلد الواحد التشيع والتسنن: ~~فبلدة نابلس في النصف الثاني من القرن الرابع كان نصفها سنيين ونصفها شيعيين، ~~قال المقدسي المتوفى سنة 375ه: «ونصف نابلس وأكثر عمان شيعة.» # وجزيرة العرب نفسها كذلك، «فمذاهبهم في مكة وتهامة وصنعاء وقرح سنية، وسواد ~~صنعاء ونواحيها مع سواد عمان شراة غالية، وبقية الحجاز وأهل الري بعمان وهجر ~~وصعدة شيعة»، # 98 ~~«ونصف الأهواز شيعة»، # 99 ~~«وأهل قم شيعة غالية قد تركوا الجماعات وعطلوا الجامع إلى أن ms057 ~~ألزمهم ركن الدولة عمارته ولزومه». # 100 # وحكى ياقوت أنه ولي عليهم رجل سني متشدد، فبلغه أن أهل «قم» لبغضهم ~~الصحابة لا يوجد فيهم من اسمه أبو بكر أو عمر، فجمع رؤساءهم وقال لهم: إن لم ~~تأتوني برجل منكم اسمه أبو بكر أو عمر لأفعلن بكم ولأصنعن. فاستمهلوه ثلاثة ~~أيام، وفتشوا فلم يجدوا إلا رجلا صعلوكا حافيا عاريا أحول أقبح خلق الله ~~منظرا اسمه أبو بكر؛ لأن أباه كان غريبا استوطنها فسماه بذلك، فجاؤوا به ~~فشتمهم ... إلخ. # 101 # وهكذا سادت العالم الإسلامي هاتان النزعتان - السنية والشيعة - تتعاديان ~~وتتقاتلان، هذا عدا ما قام به الشيعة من مؤامرات لقلب الدول والاستيلاء عليها، ~~وسياتي الكلام على ذلك في حينه. # وهناك نزاع آخر، وهو النزاع بين المذاهب الفقية قد كان الخلاف أيام أصحاب ~~المذاهب، كأبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل، خلافا في الرأي والبرهان؛ غاية ~~التعصب أن يعتقد أن مذهبه حق يحتمل الخطأ، ومذهب غيره خطأ يحتمل الصواب، ~~وقل أن نرى بين أئمة المذاهب عداء حادا إلا قرع الحجة بالحجة والبرهان ~~بالبرهان، وازداد بعض الشيء أيام أتباعهم، ولكنه قل أن يتعدى ذلك إلى ضرب أو ~~قتال، فلما انتهى هذا الطور أخذت العصبية تتزايد إلى أن بلغت القتال؛ ففي القرن ~~الثالث والرابع نرى أن الحنابلة من حين لآخر يقومون بالثورات الكبيرة. # من أمثلة ذلك ما رواه ابن الأثير في حوادث سنة 323ه إذ قال: «وفيها عظم أمر ~~الحنابلة «ببغداد» وقويت شوكتهم، وصاروا يكبسون دور القواد والعامة، وإن وجدوا ~~نبيذا أراقوه، وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء، واعترضوا في البيع ~~والشراء ومشي الرجل مع النساء والصبيان، فإذا رأوا ذلك سألوه عن الذي معه من ~~هو، فإن أخبرهم وإلا ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة وشهدوا عليه بالفاحشة، ~~فأرهجوا بغداد. # 102 # وركب صاحب الشرطة ونادى في جانبي بغداد لا يجتمع من الحنابلة ~~اثنان، ولا يناظرون في مذهبهم، ولا يصلي منهم إمام إلا إذا جهر ب «بسم الله ~~الرحمن الرحيم» في صلاة الصبح والعشاءين، فلم يفد فيهم، وزاد شرهم ms058 وفتنتهم، ~~واستظهروا بالعميان الذين كانوا يأوون المساجد. # وكانوا إذا مر بهم شافعي المذهب أغروا به العميان حتى يكاد يموت؛ فخرج توقيع ~~الخليفة الراضي بما يقرأ على الحنابلة، ينكر عليهم فعلهم ويوبخهم باعتقاد ~~التشبيه وغيره، [فمما جاء في هذا التوقيع]: تارة تزعمون أن صورة وجوهكم القبيحة ~~السمجة على مثال رب العالمين، وهيئتكم الرذلة على هيئته، وتذكرون الكف والأصابع ~~والرجلين والنعلين المذهبين، والشعر القطط، والصعود إلى السماء، والنزول إلى ~~الدنيا، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا، ثم طعنكم على ~~خيار الأمة ونسبتكم شيعة آل محمد # صلى الله عليه وسلم # إلى الكفر والضلال، ثم استدعاؤكم ~~المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة، والمذاهب الفاجرة التي لا يشهد بها القرآن، ~~وإنكاركم زيارة قبور الأئمة وتشنيعكم على زوارها بالابتداع، وأنتم مع ذلك ~~تجتمعون على زيارة قبر رجل من العوام ليس بذي شرف ولا نسب ولا سبب برسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وتأمرون بزيارته وتدعون له معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء؛ فلعن ~~الله شيطانا زين لكم هذه المنكرات وما أغواه! وأمير المؤمنين يقسم بالله ~~قسما جهرا يلزمه الوفاء به، لئن لم تنتهوا عن مذموم مذهبكم ومعوج طريقتكم ~~ليوسعنكم ضربا وتشديدا، وقتلا وتبديدا، وليستعلمن السيف في رقابكم، ~~والنار في منازلكم ومحالكم.» # 103 # وأمثال هذه الحادثة كثير في كتب التاريخ. # ثم الخلاف الشديد بين الحنفية والشافعية، حتى كان يؤول الأمر في بعض الأحيان ~~إلى خراب البلد من جراء هذا الخلاف. يقول «ياقوت» عند الكلام على «أصفهان» ~~بعد أن ذكر مجدها القديم: «وقد فشا فيها الخراب في هذا الوقت وقبله في نواحيها ~~لكثرة الفتن والتعصب بين الشافعية والحنفية، والحروب المتصلة بين الحزبين، ~~فكلما ظهرت طائفة نهبت محلة الأخرى وأحرقتها وخربتها، لا يأخذهم في ذلك إل، ~~ولا ذمة؛ ومع ذلك فقل أن تدوم بها دولة سلطان أو يقيم بها فيصلح فاسدها، ~~وكذلك الأمر في رساتيقها وقراها التي كل واحدة منها كالمدينة.» # ويقول عند الكلام على «الري»: كان أهل المدينة ثلاث طوائف: شافعية وهم ~~الأقل، وحنفية وهم الأكثر، وشيعة وهم السواد ms059 الأعظم؛ لأن أهل البلد كان نصفهم ~~شيعة، وأما أهل الرستاق فليس فيهم إلا شيعة وقليل من الحنفية، ولم يكن فيهم من ~~الشافعية أحد فوقعت العصبية بين السنة والشيعة فتظافر عليهم الحنفية والشافعية، ~~وتطاولت بينهم الحروب، حتى لم يتركوا من الشيعة من يعرف، فلما أفنوهم وقعت ~~العصبية بين الحنفية والشافعية، ووقعت بينهم حروب كان الظفر في جميعها ~~للشافعية؛ هذا مع قلة عدد الشافعية، إلا أن الله نصرهم عليهم. وكان أهل ~~الرستاق - وهم حنفية - يجيئون إلى البلد بالسلاح الشاك ويساعدون أهل نحلتهم، ~~فلم يغنهم ذلك شيئا حتى أفنوهم # 104 # إلى غير ذلك. # اليهود والنصارى # وربما كانت الدولة الإسلامية في هذا العصر أكثر الأمم تسامحا مع المخالفين ~~لها في الأديان، وخاصة أهل الكتاب من اليهود والنصارى، رغم ما كان يبدو بعض ~~الأحيان من ظلم وعسف كالذي كان في عصر المتوكل، وقد سبق ذكره؛ وربما وقع على ~~المسلمين من هذا الظلم ما وقع على غيرهم. # وقديما كان الامتزاج بين المسلمين واليهود والنصارى حتى في الأسرة الواحدة ~~بما أباح الله للمسلمين أن يتزوجوا بالكتابيات. # ونرى في هذا العصر حركة اليهود والنصارى قد اتسعت عما كانت بسبب كثرة الاتصال ~~التجاري والحربي والعلمي والمسلمون في كثير من مواقفهم يعدلون بينهم ويقربون ~~بضعهم، حتى لقد عفوا عن المال الذي يتركه النصراني من غير وارث وردوه إلى أهل ~~ملته؛ فالخليفة المعتضد «أمر أن يرد تركة من مات من أهل الذمة ولم يخلف ~~وارثا على أهل ملته»، استنادا إلى ما أفتى به يوسف بن يعقوب وعبد الحميد بن ~~عبد العزيز القاضيان كانا بمدينة السلام من أن السنة جرت بأن أهل كل ملة ~~يورثون من هو منهم إذا لم يكن له وارث من ذي رحمه. # 105 # وانتشر اليهود والنصارى في نواحي المملكة الإسلامية وأطرافها وداخلها، فبلغ ~~عدد اليهود في العراق وحدها حول سنة 1185م/سنة 581ه على حسب تعداد بعض ~~المؤرخين ستمائة ألف، وانتشروا في دمشق وحلب، وعلى شاطئ دجلة والفرات، وفي ~~جزيرة ابن عمر والموصل والجلة والكوفة والبصرة وهمذان وأصفهان وشيراز ms060 ~~وسمرقند. ويقول المقدسي: في خراسان يهود كثيرة، ونصارى قليلة. وكذلك يقول في ~~همذان. # ويقول الرحالة بنيامين الذي رحل سنة 1165م/سنة 561ه: إن في القاهرة سبعة ~~آلاف يهودي، وفي الإسكندرية ثلاثة آلاف، وفي الوجه البحري ثلاثة آلاف، وفي ~~الوجه القبلي ستمائة. # 106 # وفي أوائل القرن الرابع كان في بغداد وحدها نحو من خمسين ألفا من النصارى. ~~ويقول المقدسي في الشام: «إن أكثر الجهابذة والصياغين والصيارفة والدباغين ~~بهذا الإقليم يهود، وأكثر الأطباء والكتبة نصارى.» # 107 # وانتشرت أديار النصارى في أنحاء المملكة، وكانت غنية ببساتينها وخمورها، ~~واتصل الأدباء بها وأكثروا من القول فيها. # وكان لليهود والنصارى نفوذ كبير في بعض الدول في هذا العصر. وكان المسلمون في ~~أول أمرهم لا يرضون باستخدامهم في شئون الدولة؛ فقد روي أنه ذكر لعمر بن الخطاب ~~غلام كاتب حافظ من الحيرة، وكان نصرانيا، فقيل له: لو اتخذته كاتبا؟ فقال: ~~«لقد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين.» # 108 # فعمر بن الخطاب كان يحسن معاملتهم ولا يستعين بهم في الأعمال، ولكن ذلك لم ~~يدم طويلا، فاستخدموا في الأعمال من عهد معاوية. وفي عصرنا هذا الذي نؤرخه ~~كثر استخدامهم، وزاد سلطانهم؛ فيقول المقدسي: «وقلما ترى به (الشام) فقيها ~~له بدعة أو مسلما له كتابة، إلا بطبرية فإنها ما زالت تخرج الكتاب، وإنما ~~الكتبة به وبمصر نصارى.» # 109 # وفي القرن الثالث ولي في بعض الأحيان ديوان الجيش نصراني، وكان ~~المسلمون يقبلون يده، قال الصابي في كتابه الوزراء: «إن علي بن عيسى قال لابن ~~الفرات: ما اتقيت الله في تقليدك ديوان جيش المسلمين رجلا نصرانيا، وجعلت ~~أنصار الدين وحماة البيضة يقبلون يده ويمتثلون أمره؟! فقال له ابن الفرات: ما ~~هذا شيء ابتدأته ولا ابتدعته، وقد كان الناصر لدين الله قلد الجيش إسرائيل ~~النصراني كاتبه، وقلد المعتضد ملك بن الوليد النصراني كاتب بدر!! فقال علي بن ~~عيسى: ما فعلا صوابا. فقال ابن الفرات: حسبي الأسوة بهما وإن أخطآ على ~~زعمك.» # 110 # وذكر «عريب» في كتابه «صلة تاريخ الطبري» في حوادث سنة 320ه أن ms061 «أبا الجمال ~~الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب كان يسعى دهره في طلب ~~الوزارة، ويتقرب إلى مؤنس وحاشيته ويصانعهم، حتى جاز عندهم وملأ عيونهم، وكان ~~يتقرب إلى النصارى الكتاب بأن يقول لهم: إن أهلي منكم، وأجدادي من كباركم، ~~وإن صليبا سقط من يد عبيد الله بن سليمان جده في أيام المعتضد، فلما رآه ~~الناس قال: هذا شيء تتبرك به عجائزنا فتجعله في ثيابنا من حيث لا نعلم - ~~تقربا إليهم بهذا وشبهه - يعني إلى مؤنس وأصحابه». # 111 # وكان لعضد الدولة البويهي في بغداد وزير نصراني اسمه نصر بن هارون، وقد أذن ~~له عضد الدولة في عمارة البيع والديرة وإطلاق الأموال لفقراء النصارى. # 112 # وثارت لذلك مسألة فقهية، وهي: هل يجوز أن يكون الوزير من أهل الذمة أم لا؟ ~~فقال صاحب «العقد الفريد للملك السعيد»: «وهل يشترط في هذا الوزير - أي وزير ~~التنفيذ ولا وزير التفويض «الإسلام»، حتى لو أقام السلطان وزير تنفيذ من أهل ~~الذمة كان جائزا أم لا؟ اختلفت آراء الأثمة في ذلك؛ فذهب عالم العراق الإمام ~~أبو الحسن علي بن حبيب البصري - رحمه الله - إلى جوازه، وذهب عالم خراسان إمام ~~الحرمين أبو المعالي الجويني إلى منعه، وعد تجويز ذلك من عالم العراق عثرة ~~لن تقال، وخطأ فيما قال؛ وهذا بخلاف وزارة التفويض فإن هذه الشروط معتبرة من ~~جملة ما تقدم بيانه من الأوصاف في حق المباشر لها». # 113 # واتسعت سلطة اليهود والنصارى في أيام الفاطميين بمصر، فمن أشهرهم ~~يعقوب بن كلس. قال ابن عساكر: «إنه كان يهوديا من أهل بغداد خبيثا ذا ~~مكر، وله حيل ودهاء، وفيه فطنة وذكاء. ونزل مصر أيام كافور الإخشيدي فرأى منه ~~فطنة وسياسة ومعرفة بأمر الضياع؛ فقال: لو كان مسلما لصلح أن يكون وزيرا! ~~فطمع في الوزارة فأسلم ... ثم هرب إلى المغرب واتصل بيهود كانوا مع المعز وخرج ~~معه إلى مصر.» «وولي الوزارة للعزيز نزار بن المعز وعظمت منزلته عنده، وأقبلت ~~عليه الدنيا، وانثال الناس عليه ولازموا بابه؛ ومهد قواعد ms062 الدولة وساس أمرها ~~أحسن سياسة، ولم يبق لأحد معه كلام.» # 114 # وكان ابن كلس يأخذ من العزيز في كل سنة مائة ألف دينار، ووجد له من العبيد ~~والمماليك أربعة آلاف غلام، ووجد له جوهر بأربعمائة ألف دينار، وبز من كل صنف ~~بخمسمائة دينار. # 115 # وأكثر الشعراء مدائحه، قال ابن خلكان: ولقد نظرت في ديوان أبي ~~الرقعمق الشاعر فوجدت أكثر مديحه في الوزير المذكور، وفيه يقول من ~~قصيدة: # كل يوم له على نوب الده # ر وكر الخطوب بالبذل غاره # ذو يد شأنها الفرار من البخ # ل وفي حومة الندى كراره # فاستجره فليس يأمن إلا # من تفيا ظلاله واستجاره # وإذا ما رأيته مطرقا يع # مل فيما يريده أفكاره # لم يدع بالذكاء والذهن شيئا # في ضمير الغيوب إلا أثاره # لا ولا موضعا من الأرض إلا # كان بالرأي مدركا أقطاره # زاده الله بسطة وكفاه # خوفه من زمانه وحذاره ~~«وفي أيام العزيز نزار كان بمصر شاعر اسمه الحسن بن بشر الدمشقي، وكان كثير ~~الهجاء، فهجا يعقوب بن كلس وزير العزيز وكاتب الإنشاء من جهته أبا نصر عبد ~~لله بن الحسين القيرواني: # قل لأبي نصر صاحب القصر # والمتأتي: لنقض ذا الأمر # انقض عرا الملك للوزير تفز # منه بحسن الثناء والذكر # وأعط وامنع ولا تخف أحدا # فصاحب القصر ليس في القصر # وليس يدري ماذا يراد به # وهو إذا ما درى فما يدري # ثم قال أيضا وعرض بالفضل القائد: # تنصر فالتنصر دين حق # عليه زماننا هذا يدل # وقل بثلاثة عزوا وجلوا # وعطل ما سواهم فهو عطل # فيعقوب الوزير أب وهذا ال # عزيز ابن وروح القدس فضل» # 116 # وقد ولى العزيز نزار أيضا عيسى بن نسطورس النصراني كتابته، واستناب ~~بالشام يهوديا اسمه منشا، فاعتز بهما النصارى واليهود وآذوا المسلمين، ~~فعمد أهل مصر وكتبوا قصة وجعلوها في صورة عملوها من قراطيس، فيها: «بالذي أعز ~~اليهود بمنشا، والنصارى بعيسى بن نسطورس، وأذل المسلمين بك إلا كشفت ظلامتي، ~~وأقعدوا تلك الصورة على طريق العزيز والرقعة بيدها، فلما رآها أمر بأخذها، فلما ~~قرأ ms063 ما فيها ورأى الصورة من قراطيس علم ما أريد بذلك فقبض عليهما، وأخذ من عيسى ~~ثلاثماثة ألف دينار، ومن اليهود شيئا كثيرا». # 117 # ولكن الحاكم بأمر الله اضطهد النصارى واليهود في بعض نزواته، ~~فأمرهم بشد الزنار ولبس الغيار، «وألبس اليهود العمائم السود، وأمر ألا ~~يركبوا مع المسلمين في سفينة، وألا يستخدموا غلاما مسلما، ولا يركبوا حمار ~~مسلم، ولا يدخلوا مع المسلمين حماما، وجعل لهم حمامات على حدة؛ ولم يبق في ~~ولايته ديرا ولا كينسة إلا هدمها»، # 118 ~~«وأمر النصارى بأن تعلق في أعناقهم الصلبان، وأن يكون طول الصليب ~~ذراعا وزنته خمسة أرطال بالمصري؛ وأمر اليهود أن يحملوا في أعناقهم قرامي ~~الخشب في زنة الصلبان»، # 119 ~~«ومنع النصارى من ركوب الخيل، وأن يكون ركوبهم البغال والحمير ~~بسروج الخشب، والسيور السود بغير حلية، وأن يشدوا الزنانير، ولا يستخدموا ~~مسلما، ولا يشتروا عبدا ولا أمة، وتتبعت آثارهم في ذلك فأسلم منهم ~~عدة». # 120 # ومع هذا فكان الكتاب والأطباء في قصره من النصارى. # وتولى الوزارة سنة 436ه للمستنصر بمصر «صدقة بن يوسف»، وكان يهوديا ~~فأسلم، وكان معه أبو سعد التستري اليهودي يدبر الدولة، فقال بعض ~~الشعراء: # يهود هذا الزمان قد بلغوا # غاية آمالهم وقد ملكوا # العز فيهم والمال عندهم # ومنهم المستشار والملك # يا أهل مصر إني نصحت لكم # تهودوا قد تهود الفلك # 121 # هذه العناصر الجنسية من أتراك وفرس وعرب وروم وزنج وغيرهم، وما تستلزم من ~~عصبيات؛ وهذه العصبيات المذهبية والطائفية من تسنن وتشيع، ومن حنابلة ~~وشافعية وحنفية، ومن مسلمين ويهود ونصارى، وغير ذلك كانت كلها حركات تموج بها ~~المملكة الإسلامية، تتعاون حينا، وتتفاعل حينا، وتؤثر في السياسة وفي الدين ~~وفي العلم، وتنشأ عنها المؤامرات السرية أحيانا؛ والقتال الصريح أحيانا، وكان ~~لها كلها أثر واضح في كل ناحية من النواحي الاجتماعية: # قد أثرت في الحالة المالية إما مباشرة وإما من طريق الحكم والسياسة، ~~فعمرت في ناحية وخربت في أخرى ، وعدلت في ناحية وظلمت في أخرى. # وأثرت في اللغة والأدب بدخول الأعاجم يتكلمون بلغاتهم، ويتعلمون ms064 اللغة ~~العربية ويحملونها أفكارهم وآدابهم. # وأثرت في المرأة بكثرة الأجناس المختلفة ذوات الخصائص المختلفة، وقد حمل ~~النساء من هذه الأجناس خصائص الجمال والقبح في المظهر وفي الأخلاق وفي ~~العادات، وغزون البيوت بما كان يعرضه النخاسون منهن في سوق الرقيق، وبما كان ~~يحمله الغزاة معهم في حروبهم مع الروم ومع الترك ومع الفرس ومع الزنج، وما ~~كانوا يوزعونه على الجنود وعلى الأهل والأقارب، وما كانوا يتخلون عنه ~~فيعرضونه في الأسواق. # وأثرت في الدين من كثرة الجدل بين الفقهاء، ومن إثارة مسائل يدعو إليها هذا ~~الجدل لم تكن معروفة من قبل، ومن تدخل السياسة في الأمور الدينية والالتجاء ~~إلى الفقهاء يسألونهم الحلول الفقهية فيما يعرض لهم من مشاكل سياسية واجتماعية، ~~وبما أثاره النزاع الشديد بين السنية والشيعة، وغلبة التشيع في بعض الأماكن ~~وتكوين دول شيعية لم تكن في العصور الماضية، فدعاها ذلك إلى أن تبلور التشيع ~~وتستعمل عقولها في إيجاد نظام الحكم والدعوة التي تتفق وأصول الشيعة كما حصل ~~ذلك في الدولة الفاطمية، وبما كان من الاحتكاك الشديد بين المسلمين واليهود ~~والنصارى، وما كان بينهم من تسامح أحيانا، وخصومة أحيانا، وما كان من جدل ~~ديني بين هذه الطوائف، وما أثارته هذه الظروف المختلفة من مسائل طائفية تعرض ~~على الفقهاء، فيبدون فيها آراءهم في ضوء الحوادث الجديدة. # وأثرت في العلم بما كان يحمله النصارى واليهود والفرس والهنود من علوم ~~آبائهم، وجدهم في تقديم هذه الذخائر إلى الأمة الإسلامية باللغة العربية مما ~~مكن الناطقين باللسان العربي أن يأخذ كل منهم حظه منها، ويهضمه ما استطاع ~~ويزيد عليه ما استطاع، وتتعاون على الاستفادة منها وترقيتها العقول العربية ~~والتركية والفارسية والرومية والهندية، ويؤلف بينها العلم بعد أن فرقت بينها ~~العصبيات الجنسية والمذهبية؛ فيأخذ اليهودي والنصراني من العالم المسلم، ويأخذ ~~المسلم من العالم اليهودي والنصراني، ويجلس الفارسي والتركي والهندي في حلقة ~~العربي، ويتعاون الجميع في بناء الدولة العلمية غير آبهين بما كان من الساسة في ~~تهديم الدولة من ناحيتها السياسية. # كل هذا وأمثاله كان من آثار هذه ms065 الحركات المختلفة، وكل ما ذكرته إشارة خاطفة ~~لما كان لها من أثر قوي فعال سنحاول بعد شرح بعضه. # | هوامش # الفصل الثاني # | أهم المظاهر الاجتماعية والسياسية في ذلك العصر # (1) المظاهر الاجتماعية والسياسية ~~(1-1) انقسام الدولة # أهم مظهر يأخذ بالأبصار في ذلك العصر ما حصل للدولة الإسلامية من ~~الانقسام؛ فقد كانت المملكة الإسلامية كلها في العصر العباسي الأول إذا ~~استثنينا الأندلس وبعض بلاد المغرب تكون كتلة واحدة، وتخضع خضوعا ~~تاما للخليفة في بغداد، هو الذي يعين ولاتها، وإليه يجبى خراجها، وإليه ~~ترجع في إدارتها وقضائها وجندها وحل مشاكلها، وتدعو له على المنابر وتضرب ~~السكة باسمه، ونحو ذلك من مظاهر السلطان. ثم أخذ هذا السلطان يقل شيئا ~~فشيئا بضعف الخلافة حتى تمزقت المملكة كل ممزق. # وأخذت الأقطار الإسلامية تستقل عن بغداد شيئا فشيئا، وأخذ يخشى ولاتها ~~وأمراؤها بعضهم بأس بعض، ويضرب بعضهم بعضا؛ فصارت المملكة الإسلامية عبارة ~~عن دول متعددة مستقلة، علاقة بعضها مع بعض علاقة محالفة أحيانا وعداء ~~غالبا، وأصبح لكل دولة مالها وجندها وإدارتها وقضاؤها وسكتها وأميرها، إن ~~اعترف بعضها بالخليفة في بغداد حينا من الزمن، فاعتراف ظاهري ليس له أثر ~~فعلي! وسودت صحف التاريخ بالقتال المستمر بين هذه الدول، وشغلوا بقتال ~~أنفسهم عن قتال عدوهم؛ ومن أجل هذا طمع فيهم الروم يغزونهم كل حين ويستولون ~~على بلادهم شيئا فشيئا، حتى الزنج والحبشة كانوا يغيرون على الدولة ~~الفينة بعد الفينة فينهبون ويسلبون، ولم تعد المملكة الإسلامية مخشية ~~الجانب كما كانت أيام وحدتها. # ففي سنة 324ه كانت البصرة في يد ابن رائق، وفارس في يد علي بن بويه، ~~وأصبهان والري والجيل في يد أبي علي الحسن بن بويه، والموصل وديار بكر ~~وربيعة في أيدي بني حمدان، ومصر والشام في يد الإخشيديين؛ وإفريقية في يد ~~الفاطميين، وخراسان وما وراء النهر في يد السامانيين، وطبرستان وجرجان في ~~يد الديلم، وخوزستان بيد البريدي، والبحرين واليمامة وهجر بيد القرامطة، ~~ولم يبق للخليفة إلا بغداد وما حولها، وحتى هذه لم يكن له فيها إلا ~~الاسم. # وقد أجاد ms066 المسعودي في ملاحظته وجه الشبه بين حالة المملكة الإسلامية بعد ~~هذا الانقسام، ومملكة الإسكندر المقدوني بعد وفاته فقال: «ولم نعرض لوصف ~~أخلاق المتقي والمستكفي والمطيع ومذاهبهم؛ إذ كانوا كالمولى عليهم، لا ~~أمر ينفذ لهم، أما ما نأى عنهم من البلدان فتغلب على أكثرها المتغلبون، ~~واستظهروا بكثرة الرجال والأموال، واقتصروا على مكاتبتهم بإمرة المؤمنين ~~والدعاء لهم، وأما بالحضرة - بغداد - فتفرد بالأمور غيرهم فصاروا مقهورين ~~خائفين، قد قنعوا باسم الخلافة ورضوا بالسلامة. وما أشبه أمور الناس في ~~الوقت إلا بما كانت عليه ملوك الطوائف بعد قتل الملك الإسكندر بن فيلبس ~~دارا ملك بابل إلى ظهور أردشير بن بابك، كل قد غلب على صقعه يحامي عنه، ~~ويطلب الازدياد إليه مع قلة العمارة وانقطاع السبل، وخراب كثير من البلاد، ~~وذهاب الأطراف، وغلبة الروم وغيرهم من الممالك على كثير من ثغور الإسلام ~~ومدنه.» # 1 # كان كثير من الدول يعترف بالخلافة وسلطتها الدينية، فهي إذا استقلت ~~سياسيا ومدنيا رأت مما يزيدها سلطة وقوة اعترافها بالخليفة واعتراف ~~الخليفة بها، كما فعل عضد الدولة بن بويه مثلا لما فتح كرمان، فقد استرضى ~~الخليفة فأنفذ إليه الخليفة عهده وخلعه من الطوق والسوارين. # 2 # ومع مضي الزمن وضعف الخلافة قطعوا هذه الصلة أيضا وتلقبوا بإمرة ~~المؤمنين أو بالخلفاء. وأول من فعل ذلك الفاطميون، فبعد أن فتحوا القيروان ~~سنة 297ه تلقبوا بالخلافة، وشجعهم على ذلك أنهم شيعيون يقولون باغتصاب ~~الأمويين والعباسيين حقهم في الخلافة، فلما تملكوا حققوا نظريتهم في ~~أحقيتهم؛ فتسموا بالخلفاء، فلما رأى الأندلسيون ذلك قلدوهم مع أنهم سنيون، ~~فتلقب عبد الرحمن الناصر أمير الأندلس بأمير المؤمنين نحو سنة 350، وكانوا ~~يلقبون من قبل بالأمراء، وببني الخلفاء. قال المقري: «هو أول من تسمى ~~منهم بالأندلس بأمير المؤمنين عندما التاث أمر الخلافة بالمشرق، واستبد ~~موالي الترك على بني العباس، وبلغه أن المقتدر قتله مؤنس المظفر مولاه سنة ~~317ه، فتلقب بألقاب الخلافة.» # 3 # وهنا يصح لنا أن نتساءل سؤالين: الأول: هل كان انقسام المملكة الإسلامية ~~إلى أقسام على النحو الذي أبنا في مصلحة ms067 الأقطار الإسلامية أو في غير ~~مصلحتها؟ قد يبدو هذا السؤال غريبا؛ لأن الناس اعتادوا أن يقيسوا رقي ~~المملكة الإسلامية بوحدتها وضعفها بانقسامها، وبعبارة أخرى ربطوا رقي ~~المملكة الإسلامية بحال الخليفة؛ فإذا كان الخليفة قويا باسطا سلطانه ~~على الأقطار كلها، فالدولة قوية، وإلا فهي ضعيفة. # وفي رأيي أن هذا مقياس غير صحيح؛ فقد يضعف الخليفة وتصلح الأقطار والعكس. ~~وهذا ما حدث فعلا، ففي رأيي أن كثيرا من الأقطار الإسلامية كانت بعد ~~استقلالها عن الخلافة في بغداد خيرا منها قبله؛ فيظهر لي أن مصر تحت حكم ~~الطولونيين والإخشيديين والفاطميين كانت حالتها أسعد منها أيام ولاة بغداد ~~قبل الطولونيين، وكذلك حكم السامانيين لفارس وما وراء النهر كان خيرا من ~~حكم من سبقهم من ولاة العباسي، وربما كان شر أيام بغداد هو هذه الأيام التي ~~كانت تخضع فيها للخلفاء، وما حولها مستقل عنها. # فإذا قسنا الأمور بمصلحة المحكومين لا الخلفاء - وهو في نظري أصح مقياس - ~~كان هذا الانقسام في مصلحة الأقطار المستقلة في أغلب الأحوال، وعلى الأقل ~~كان في مصلحتهم نسبيا؛ أعني بالنسبة للحالة السيئة التي كانوا عليها قبل ~~استقلالهم؛ فالإدارة وانتفاع كل قطر بماله يصرفه في مصالحه والعدالة ~~النسبية في توزيع الثروة ونحو ذلك؛ كلها كانت خيرا منها أيام سلطة الخلفاء ~~الضعفاء ومن يتولاهم من الأتراك الأقوياء. # والأندلس لما أتيح لها الاستقلال في بدء العصر العباسي، ومنعتها قوتها ~~وبعدها من أن يخضعها العباسيون لحكمهم، أزهرت وتمدنت وساهمت في بناء ~~المدينة، في العلم والأدب والحضارة، وما أظن أنها كانت تبلغ هذا المبلغ لو ~~عاشت في أحضان الدولة العباسية. # نعم! إنهم - وقد تفرقوا - أصبحوا أضعف أمام العدو الخارجي كالروم، وصار ~~يحمل العبء كله دويلة مستقلة كدولة الحمدانيين، وكان يحمل العبء قبل ~~المملكة الإسلامية كلها، فمن هذه الناحية كان هذا مظهر ضعف للدولة، خصوصا ~~والدول المستقلة لم تستطع أن تتفاهم، وترتب بينها نظاما مشتركا يضمن دفع ~~غارة الأعداء الخارجي؛ لأن هذا النظام يتطلب رقيا في الفكر، وضبطا ~~للعواطف ، وتقديما للمصلحة العامة على الخاصة؛ وهي درجة لم ms068 يستطع المسلمون ~~الوصول إليها حتى الآن! إنما كان علاقة كل دولة مسلمة بجارتها المسلمة ~~علاقة عداء غالبا، فلم يتمكنوا من التفاهم على مصالحهم الداخلية فضلا عن ~~المصالح الخارجية، ولو استطاعوا - مع استقلالهم - أن ينظموا شئونهم مع من ~~بجوارهم، وينظموا صفوفهم أمام عدوهم الخارجي لبلغوا الغاية. ولكني مع هذه ~~الشرور كلها أرى أن حالة كثير من البلدان الإسلامية نالت باستقلالها من ~~الطمأنينة والرخاء ما لم تنعم به في الأيام الأخيرة لتبعتها بغداد. # والسؤال الثاني: ما موقف العلم والأدب بعد هذا الانقسام؟ هل أثر فيهما ~~أثرا حسنا أو سيئا؟ وهل انحط العلم والأدب بانحطاط خلفاء بغداد أو ~~رقيا باستقلال الأقطار؟ # أرى أن العلم والأدب رقيا عما كانا عليه قبل، وأنه لم يؤثر فيهما كثيرا ~~ضعف خلفاء بغداد؛ ذلك أن حركة الترجمة التي نقلت ذخائر الأمم المختلفة ~~وخصوصا الأمة اليونانية، وضعت أمام أعين المسلمين ثروة علمية هائلة ~~باللسان العربي، فكانت الخطوة الثانية أن تتوجه إليها الأفكار العربية ~~تفهمها وتشرحها وتهضمها وتبتكر فيها وتزيد عليها؛ وهذا ما فعله عصرنا هذا ~~كما سيأتي بيانه. ومن جهة أخرى كان وضع السلطة كلها في يد الخليفة يجعل ~~بغداد المركز العلمي الوحيد، أو على الأقل المركز العلمي والأدبي الهام، ~~وما عداه فاتر ضعيف؛ فكان من تفوق في علم أو أدب فلا أمل في شهرته ونبوغه، ~~وذيوع صيته وثروته، إلا إذا رحل إلى بغداد وتقرب بعلمه وأدبه إلى خلفائها ~~وأمرائها. # فلما استقلت الأقطار أصبحت كل عاصمة قطر مركزا هاما لحركة علمية ~~وأدبية، فأمراء القطر يعطون عطاء خلفاء بغداد، ويحلون عاصمتهم بالعلماء ~~والأدباء، ويفاخرون أمراء الأقطار الأخرى في الثروة العلمية والأدبية، كما ~~يتفاخرون بعظمة الجند وعظمة المباني. فبدل أن كان للعلم والأدب مركز واحد ~~هام أصبحت لهما مراكز هامة متعددة، وأصبح علماء مصر - مثلا - يساجلون ~~علماء بغداد، وأدباء الشام يفخرون على أدباء العراق، وهذا من غير شك يشجع ~~الحركة العلمية والأدبية ويقويها ويرقيها. # وحتى نرى الأمراء الأتراك الذين لا يحسنون العربية يحبون أن تزين ~~قصورهم بالعلماء والأدباء. # ومن ظريف ما ms069 يحكى في ذلك أن بجكم التركي كان بواسط، وكان من المقربين ~~إليه أبو محمد بن يحيى الصولي؛ وكان بجكم لا يحسن العربية، فاستدعى يوما ~~الصولي وقال له: إن أصحاب الأخبار رفعوا إلي أني لما طلبتك من المسجد - ~~وكان الصولي يقرأ درسا في المسجد - قال الناس: أعجله الأمير ولم يتم ~~مجلسنا، أفتراه يقرأ عليه شعرا أو نحوا أو يسمع من الحديث؟ - يقولون ذلك ~~تهكما ببجكم لأنه لا يحسن العربية - ثم قال بجكم ردا على هذا: «أنا ~~إنسان، وإن كنت لا أحسن العلوم والآداب أحب ألا يكون في الأرض أديب ولا ~~عالم ولا رأس في صناعة إلا كان في جنبتي وتحت اصطناعي وبين يدي لا ~~يفارقني.» # 4 # ولعله بهذا القول يعبر عما في نفس كل أمير في كل إقليم. # ومن أجل هذا كان مؤرخ العلم والأدب قبل الاستقلال يجد نفسه أمام ثروة ~~كبيرة علمية وأدبية في العراق، ثم لا يجد إلا نتفا قليلة منها في تاريخ ~~غيره، أما بعد الانقسام فلكل إقليم شخصية متميزة في علمها وأدبها. # على أنا إن سلمنا فرضا أن الحياة السياسية بعد الانقسام كانت شرا ~~منها قبله، فلا نسلم ذلك في العلم والأدب. والتاريخ يرينا أن الحالة ~~العلمية لا تتبع الحالة السياسية ضعفا وقوة؛ فقد تسوء الحالة السياسية إلى ~~حد ما وتزهر بجانبها الحياة العلمية؛ ذلك لأن الحياة السياسية إنما تحسن ~~بتحقيق العدل ونشر الطمأنينة بين الناس، ومع هذا فقد يحمل الظلم كثيرا من ~~عظماء الرجال وذوي العقول الراجحة أن يفروا من العمل السياسي إلى العمل ~~العلمي؛ لأنهم يجدون العمل السياسي يعرضهم لمصادرة أموالهم، وأحيانا إلى ~~إزهاق أرواحهم، على حين أن العمل العلمي يحيطهم بجو خاص هادئ مطمئن، ولو ~~كان الجو العام مائجا مضطربا، وكذلك كان الحال في تاريخ كثير من علماء ~~المسلمين، جربوا الوزارة وولاية الأعمال فتعرضوا للخطر فهربوا إلى ~~العلم فنجحوا. # وأيضا فقد وقر في نفوس الخلفاء والأمراء حرمة العلماء، متى لم يتعرضوا ~~للسياسة من قريب ولا بعيد، وهذا يمكنهم من بحثهم العلمي في هدوء وطمأنينة ms070 ~~على الرغم مما يحيط بهم من فوضى واضطراب. لقد كان الفارابي مثلا في جو ~~سياسي مضطرب سواء كان في حلب بين الحمدانيين، أو في بغداد في حكم الأتراك، ~~ومع ذلك خلق لنفسه، ولمن حوله من تلاميذه حمى يرقى فيه علمه وبحثه، وإذا ~~عصفت العواصف كانت حول حماه ولا تغشاه، لا يهمه في حياته إلا علمه، أما ما ~~عداه من أفانين السياسة وألاعيبها، وشئون الدنيا وشهواتها فلا يأبه بها ~~ويقول: # أخي خل حيز ذي باطل # وكن للحقيقة في حيز # فما الدار دار مقام لنا # وما المرء في الأرض بالمعجز # ينافس هذا لهذا على # أقل من الكلم الموجز # محيط السماوات أولى بنا # فماذا التنافس في مركز؟! # وأبو العلاء المعري يترك الدنيا مضطربة في المعرة وما حولها، وفي بغداد ~~وما حولها، ويخلق لنفسه جوا علميا فكريا هادئا لا نزاع فيه إلا على ~~مسأله علمية أو مشكلة لغوية أو فكرة فلسفية، لا علاقة له بأمير إلا أن ~~يتشفع عنده في بلده فيشفع، ولا علاقة له بوزير إلا أن يستفتيه في مسألة ~~علمية فيجيب، وهكذا سيرة كثير من العلماء، فلم لا يرقى العلم في هذه ~~الأجواء الهادئة مهما أحاط بها من ظروف عاصفة؟! # وحتى الذين اكتووا بالسياسة من قرب أو بعد، كالصولي والصابي وابن ~~العميد، قد أفادوا العلم والأدب بانغماسهم في الحياة السياسية، وإن احترقوا ~~بنارها. # وما لنا نذهب بعيدا، وهذا عصر النهضة العلمية والأدبية في أوروبا، كانت ~~الأفكار فيه تبحث وتنتج وتبتكر، والجو السياسي حولها أسوأ ما يكون نزاعا ~~وفسادا وظلما، فلما خطت الأفكار العلمية والأدبية خطواتها كانت هي التي ~~تصلح الجو السياسي، لا أن الجو السياسي يخنقها. # والخلاصة أن الحالة العلمية في أواخر القرن الثالث وفي القرن الرابع، ~~كانت أنضج منها في العصر الذي قبله: أخذ علماء هذا العصر ما نقله المترجمون ~~قبلهم فشرحوه وهضموه، وأخذوا النظريات المبعثرة فرتبوها؛ وورثوا ثروة من ~~قبلهم في كل فرع من فروع العلم فاستغلوها، وسيأتي بيان ذلك إن شاء ~~لله . ~~(1-2) الترف والبؤس # واللهو والجد حيثما نظرنا ms071 إلى كل قطر من أقطار العالم الإسلامي في ذلك ~~العصر رأينا الثروة غير موزعة توزيعا عادلا ولا متقاربا، ورأينا الحدود ~~بين الطبقات واضحة كل الوضوح، فجنة ونار، ونعيم مفرط، وبؤس مفرط، وإمعان في ~~الترف يقابله فقدان القوت. # وهذا الترف والنعيم حظ عدد قليل، هم الخلفاء والأمراء ومن يلوذ بهم من ~~الأدباء والعلماء، وبعض التجار، ثم البؤس والشقاء والفقر لأكثر الناس. وحتى ~~غنى الأغنياء في كثير من الأحيان ليس محصنا بالأمان، فهو عرضة لغضب ~~الأقران أو غضب ذي السلطان الأعلى، فيصادرون في أموالهم، ويصبح حالهم ~~أشد بؤسا من فقير نشأ في الفقر، وقد مرت بنا أمثلة من هذا ~~القبيل. # والآن نصور بعض صور توضح الحالين. # فقصور الخلفاء والأمراء وأمثالهم واسعة كل السعة، مترفة كل الترف؛ فابن ~~المعتز يصف في ديوانه أبنية للخليفة المعتضد اسمها الثريا فيقول: # حللت «الثريا» خير دار ومنزل # فلا زال معمورا وبورك من قصر # فليس له فيما بنى الناس مشبه # ولا ما بناه الجن في سالف الدهر ~~••• # جنان وأشجار تلاقت غصونها # فأورقن بالأثمار والورق الخضر # ترى الطير في أغصانهن هواتفا # تنقل من وكر لهن إلى وكر ~~••• # وبنيان قصر قد علت شرفاته # كصف نساء قد تربعن في الأزر # وأنهار ماء كالسلاسل فجرت # لترضع أولاد الرياحين والزهر # وميدان وحش تركض الخيل وسطه # فيؤخذ منها ما يشاء على قدر # عطايا إله منعم كان عالما # بأنك أوفى الناس فيهن بالشكر # واشتهر من الأبنية كذلك قصر «التاج» ابتدأ في بنائه المعتضد أيضا، ثم ~~عدل عنه وبنى «الثريا»، فلما تولى ابنه المكتفي أتم بناء «التاج»، ~~واستعمل في بنائه الآجر من قصر كسرى الذي بقي منه إلى الآن إيوانه. وكانت ~~وجهة التاج مبنية على خمسة عقود كل عقد على عشرة أساطين، وكانت غاية في ~~السعة والضخامة. # وكلا البناءين - التاج والثريا - كانا في الجانب الشرقي من ~~بغداد. # 5 # وقبل ذلك عظم البناء في سامرا، وبنى المتوكل فيها الأبنية ~~الضخمة، حتى ليذكر ياقوت ثبتا ببيان ما بناه ونفقاته فيقول: # ولم يبن أحد من الخلفاء بسر من رأى ms072 من الأبنية الجليلة مثل ~~ما بناه المتوكل، فمن ذلك القصر المعروف بالعروس أنفق عليه ثلاثين ~~ألف ألف درهم؛ والجعفري عشرة آلاف ألف درهم، والغريب عشرة آلاف ألف ~~درهم، والشيدان عشرة آلاف ألف درهم، والبرج عشرة آلاف ألف درهم، ~~والصبح خمسة آلاف ألف درهم، والمليح خمسة آلاف ألف درهم، وقصر ~~بستان الإيتاخية عشرة آلاف ألف درهم. # إلى آخر ما ذكر، إلى أن قال: فذلك الجميع مائتا ألف ألف وأربعة وتسعون ~~ألف درهم. وقد قال علي بن الجهم في وصف الجعفري أحد قصور المتوكل: # وما زلت أسمع أن الملو # ك تبني على قدر أقدارها # وأعلم أن عقول الرجا # ل تقضى عليها بآثارها # فلما رأينا بناء الإمام # رأينا الخلافة في دارها # بدائع لم ترها فارس # ولا الروم في طول أعمارها # وللروم ما شيد الأولون # وللفرس آثار أحرارها # وكنا نحس لها نخوة # فطامنت نخوة جبارها # وأنشأت تحتج للمسلمين # على ملحديها وكفارها # صحون تسافر فيها العيون # إذا ما تجلت لأبصارها # وقبة ملك كأن النجوم # تضيء إليها بأسرارها # نظمن الفسافس نظم الحلي # لعون النساء وأبكارها # لو ان سليمان أدت له # شياطينه بعض أخبارها # لأيقن أن بني هاشم # تقدمها فصل أخطارها # وللبحتري قصائد في وصف بركتها ومحاسنها. # وبلغت سامرا في الحضارة شأوا بعيدا حتى أفسدها وخربها الخلاف ~~والعصبية بين أمراء الأتراك، وتحول عنها الخلفاء إلى بغداد، وكان أول من ~~فعل ذلك المعتضد بالله، فقد حول العمران إلى بغداد وبنى بها الثريا ~~والتاج. # وقد وصف الخطيب البغدادي قصر المقتدر بالله، الذي تولى من (295ه-320ه)، ~~بمناسبة زيارة رسول من الروم له، فقال: إنه كان للمقتدر أحد عشر ألف خادم ~~خصي، وكذا من صقلبي ورومي وأسود - وهذا جنس واحد ممن تضمه الدار، فدع الآن ~~الغلمان الحجرية وهم ألوف كثيرة والحواشي من الفحول. وقد أمر المقتدر أن ~~يطاف بالرسول في الدار ... وفتحت الخزائن، والآلات فيها مرتبة كما يفعل ~~لخزائن العروس. وقد علقت الستور، ونظم جوهر الخلافة في قلايات على درج ~~غشيت بالديباج الأسود، ولما دخل الرسول إلى دار الشجرة ورآها كثر ms073 تعجبه ~~منها؛ وكانت شجرة من الفضة وزنها خمسمائة ألف درهم، عليها أطيار مصنوعة من ~~الفضة تصفر بحركات قد جعلت لها فكان تعجب الرسول من ذلك أكثر من تعجبه ~~من جميع ما شاهده ... # وكان عدد ما علق في القصور من الستور الديباج المذهبة بالطرز الذهبية ~~الجليلة، المصورة بالجامات والفيلة والخيل والجمال والسباع والطرد، والستور ~~الكبار البضغائية والأرمنية والواسطية والبهنسية السواذج والمنقوشة ~~والديبقية المطرزة ثمانية وثلاثين ألف ستر ... # وأدخل رسل صاحب الروم إلى الدار المعروفة بخان الخيل، وهي دار أكثرها ~~أروقة بأساطين رخام، وكان فيها من الجانب الأيمن خمسمائة فرس عليها خمسمائة ~~مركب ذهبا وفضة بغير أغشية، ومن الجانب الأيسر خمسمائة فرس عليها الجلال ~~الديباج بالبراقع الطوال، وكل فرس في يد شاكري بالبزة الجميلة، ثم أدخلوا ~~دار الوحش، وكان فيها من أصناف الوحش التي أخرجت إليهم قطعان تقرب من الناس ~~وتتشممهم وتأكل من أيديهم، ثم أخرجوا إلى دار فيها أربعة فيلة مزينة ~~بالديباج والوشي، على كل فيل ثمانية نفر من السند والزراقين بالنار، فهال ~~الرسل أمرها؛ ثم أخرجوا إلى دار فيها مائة سبع: خمسون يمنة وخمسون يسرة ~~... # ثم أخرجوا إلى الجوسق المحدث، وهي دار بين بساتين، في وسطها بركة رصاص ~~قلعي، # 6 # حواليها نهر رصاص قلعي أحسن من الفضة المجلوة، طول البركة ~~ثلاثون ذراعا في عشرين ذراعا، فيها أربع طيارات لطاف بمجالس مذهبة ... ~~وحوالي هذه البركة بستان بميادين فيها نخل، وعدده أربعمائة نخلة، وطول كل ~~واحدة خمسة أذرع، قد لبس جميعها ساجا منقوشا من أصلها إلى حد الجمارة ~~بحلق من شبه مذهبة ... وفي جانب الدار يمنة البركة تماثيل خمسة عشر فارسا ~~على خمسة عشر فرسا، قد ألبسوا الديباج وغيره، وفي أيديهم مطارد على رماح ~~يدورون على خط واحد في الناورد جنبا وتقريبا، فيظن أن كل واحد منهم إلى ~~صاحبه قاصد، وفي الجانب الأيسر مثل ذلك. # ثم أخرجوا - بعد أن طيف بهم ثلاثة وعشرين قصرا - إلى الصحن التسعيني، ~~وفيه الغلمان الحجرية بالسلاح الكامل. # ثم وصلوا إلى حضرة المقتدر بالله وهو جالس في «التاج» ms074 مما يلي دجلة، بعد ~~أن لبس بالثياب الديبقية المطرزة بالذهب، على سرير آبنوس قد فرس ~~بالديبقي المطرز بالذهب، وعلى رأسه الطويلة، ومن يمنة السرير تسعة عقود مثل ~~السبح معلقة، ومن بسرته تسعة أخرى من أفخر الجواهر وأعظمها قيمة غالبة ~~الضوء على ضوء النهار، وبين يديه خمسة من ولده: ثلاثة يمنة، واثنان ~~يسرة. # 7 # ولعل هذه الصورة خير وصف لقصور الخلفاء في ذلك العصر. # والخلفاء من أول العصر العباسي يعلو كل خليفة ما قبل درجة أو درجات في ~~الترف والنعيم والإمعان في فنون الحضارة، والأغنياء يتبعونهم في ذلك على ~~قدر مواردهم، سائرين على حكم الزمان. # ولذلك لما جاء المهتدي بالله (255ه-256ه)، ونزع نزعته إلى الزهد استغرب ~~منه ذلك، ولم يطاوعه الناس وسئموا سيرته، وأدى الأمر إلى قتله. # ذلك أنه جعل مثله الذي يجب أن يحتذى عمر بن عبد العزيز، فحرم الشراب ~~ونهى عن القيان، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وقرب العلماء ورفع من منازل ~~الفقهاء، وأحسن معاملة الطالبيين، وقلل من اللباس والفرش والمطعم والمشرب، ~~وأخرج آنية الذهب والفضة من خزائن الخلفاء فكسرت وضربت دنانير ودراهم، وعمد ~~إلى الصور التي كانت في المجالس فمحيت، وذبح الكباش التي كان يناطح بها بين ~~يدي الخلفاء، وكذلك فعل في الديوك، وكانت الخلفاء قبله تنفق على موائدها كل ~~يوم عشرة آلاف درهم، فأزال ذلك، وجعل لمائدته وسائر مؤنه في كل يوم نحو ~~مائة درهم. # وكان يتهجد في الليل ويطيل الصلاة، ويلبس جبة من شعر. # قال المسعودي: «فثقلت وطأته على العامة والخاصة بحمله إياهم على الطريقة ~~الواضحة، فاستطالوا خلافته وسئموا أيامه، وعملوا الحيلة عليه حتى ~~قتلوه.» # لما قبضوا عليه قالوا له: أتريد أن تحمل الناس على سيرة عظيمة لم ~~يعرفوها؟ فقال: أريد أن أحملهم على سيرة الرسول # صلى الله عليه وسلم # وأهل بيته ~~والخلفاء الراشدين! فقيل له: إن الرسول كان مع قوم قد زهدوا في الدنيا ~~ورغبوا في الآخرة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، وأنت إنما رجالك تركي ~~وخزري ومغربي وغير ذلك من أنواع الأعاجم لا ms075 يعلمون ما يجب عليهم من أمر ~~آخرتهم، وإنما غرضهم ما استعجلوه من الدنيا، فكيف تحملهم على ما ذكرت من ~~الواضحة؟!» # 8 # ولم يدم في خلافته إلا أحد عشر شهرا. # وهكذا كان تيار الترف شديدا جارفا حتى ليكتسح من وقف في سبيله. # وقد أنشأ عضد الدولة البويهي بستانا بلغت النفقة عليه وعلى سوق الماء ~~إليه خمسة آلاف ألف درهم. # 9 # والوزير ابن مقلة يربي الحيوانات في قصره ويعنى بها أكثر عناية، «فكان له ~~بستان عظيم عدة أجربة، شجر بلا نخل، عمل له شبكة إبريسم، وكان يفرخ فيه ~~الطيور التي لا تفرخ إلا في الشجر، كالقماري والدباس والهزار والببغ ~~والبلابل والقبج، وكان فيه من الغزلان والنعام والأيل وحمر الوحش، ~~وبشر مرة بأن طائرا بحريا وقع على طائر بري، فباض وفقس، فأعطى من بشره ~~بذلك مائة دينار». # 10 ~~«والوزير ابن الفرات كان يملك أموالا كثيرة تزيد على عشرة آلاف ألف ~~دينار، وكان يستغل من ضياعه في كل سنة ألفي ألف دينار وينفقها، وكانت في ~~داره حجرة شراب يوجه الناس على اختلاف طبقاتهم إليها غلمانهم يأخذون ~~الأشربة والفقاع والجلاب إلى دورهم»، # 11 # وكان ابن الفرات لا يأكل إلا بملاعق البلور، وما كان يأكل ~~بالمعلقة إلا لقمة واحدة، فكان يوضع له على المائدة أكثر من ثلاثين ~~معلقة. # وكان راتب أبي طاهر وزير عز الدولة من الثلج في كل يوم ألف رطل، وكانت أم ~~المقتدر يشترى لها ثياب ديبقية يسمونها ثياب النعال، وذلك أنها كانت صفاقا ~~تقطع على مقدار النعال المحذوة، وتطلى بالمسك والعنبر المذاب وتجمده، ~~ويجعل بين كل طبقتين من الثياب من ذلك المطيب ما له قوام ... وكانت نعال ~~السيدة من هذا المتاع، لا تلبس النعل إلا عشرة أيام أو حواليها حتى تخلق ~~وتتفتق وترمى، فتأخذها الخزان وغيرهم، فيستخرجون من ذلك العنبر ~~والمسك». # 12 ~~«وكان الوزير المهلبي كثير الشغف بالورد؛ روى من شاهده قال: «شاهدت أبا ~~محمد المهلبي قد ابتيع له في ثلاثة أيام ورد بألف دينار، فرش به مجالسه ~~وطرحه في بركة عظيمة كانت ms076 في داره، ولها فوارات عجيبة، يطرح الورد في مائها ~~فتنفضه على المجلس فيقع على رؤوس الجالسين؛ وبعد شرابه عليه، وبلوغه ما ~~أراد منه، أنهبه». # 13 # وانتشرت مجالس الشراب، ووضعت لها القواعد والقوانين والآداب، كالذي فعله ~~«كشاجم» في تأليف كتابه «أدب النديم»، وتفننوا فيما يكتب من الشعر على ~~القناني والكاسات. # 14 # واعتاد الخلفاء والوزراء والأمراء مجالس الشراب وبالغوا في ~~الإسراف فيها؛ «يحكى أنه كان للوزير المهلبي ندماء يجتمعون عنده في الأسبوع ~~ليلتين على اطراح الحشمة والتبسط في القصف والخلاعة، وهم: ابن قريعة، وابن ~~معروف، والقاضي التنوخي، وغيرهم، وما منهم إلا أبيض اللحية طويلها؛ وكذلك ~~كان الوزير المهلبي، فإذا تكامل الأنس وطاب المجلس، ولذ السماع وأخذ الطرب ~~منهم مأخذه، وهبوا ثوب الوقار للعقار، وتقلبوا في أعطاف العيش بين الخفة ~~والطيش، ووضع في يد كل واحد منهم كأس ذهب من ألف مثقال إلى ما دونها مملوء ~~شرابا قطربليا أو عكبريا، فيغمس لحيته فيها بل ينقعها حتى تتشرب ~~أكثره، ويرش بها بعضهم على بعض، ويرقصون أجمعهم ... فإذا أصبحوا عادوا ~~لعادتهم في التزمت والوقار». # 15 # ونذكر هنا ثروة أحد الولاة لدلالتها على مقدار الثروة ونوعها؛ فقد مات في ~~سنة 301ه أبو الحسين على بن أحمد الراسبي عن سن كبيرة، وكان يتقلد ~~جنديسابور والسوس وماذاريا، ومات أولاده قبله، وكان له حفدة، فخلف: # 445547 # دينارا ذهبا عينا # 320237 # درهما عينا # 43970 # مثقالا وزن الأواني الذهبية # 1975 # رطلا وزن الأواني الفضية # 4420 # مثقالا من العود المطرى # 5020 # مثقالا من العنبر # 860 # نافجة من نوافج المسك # 1600 # مثقال من المسك المنثور # 1399 # مثقالا من البرمكية (نوع من الطيب) # 366 # مثقالا من الغالية (نوع من الطيب) # 88 # ثوبا من الثياب المنسوجة من الذهب # 13 # سرجا # 2 # حجرين عظيمين من الياقوت # 70 # حبة من اللؤلؤ # 135 # رأسا من الخيل # 114 # من خدم السوادن # 128 # من الغلمان البيض # 19 # خادما من الصقالبة والروم # 40 # غلاما بآلاتهم وسلاحهم ودوابهم # 20000 # دينار قيمة أصناف من الكسوة # 128 # رأسا من المهاري والبغال # 125 # خيمة من ms077 الخيام الكبار # 14 # هودجا # 14 # صندوقا من الغضائر الصيني والزجاج المحكم الفاخر # وخلف عضد الدولة البويهي 2875284 دينارا، ومن الورق والنقد والفضة ~~100860790 درهما، ومن الجواهر واليواقيت واللؤلؤ والماس والبلور والسلاح ~~والمتاع شيئا كثيرا . # 16 # وتفننوا في الصناعات الجميلة من أنواع الحلي والدقة في النسج وزركشة ~~الثياب وأنواع العطور، والنقش والتصوير، وأصناف الأزياء والمأكول والمشروب، ~~والحدائق والبساتين، والغناء والموسيقى مما يطول شرحه، وكلها يستمتع بها ~~طبقة الأشراف والموسرين. # وبلغوا من الأناقة في المعيشة أن جعلوا للظرف والظرفاء قوانين متعارفة من ~~خرج عليها كان غير ظريف، وألفوا في ذلك الكتب ك «الموشى» للوشاء، ~~و«حدود الظرف» له أيضا، و«ما يقدم من الأطعمة وما يؤخر» للرازي، و«ترتيب ~~أكل الفواكه» له أيضا، و«آداب الحمام» له أيضا، و«الزينة» لحنين بن ~~إسحاق، و«الهدايا والسنة فيها» لإبراهيم الحربي، و«النبيذ وشربه في ~~الولائم» لقسطا بن لوقا ... إلخ، فقال الموشي: «اعلم أن من كمال أدب الأدباء، ~~وحسن تظرف الظرفاء، صبرهم على ما تولدت به المكارم، واجتنابهم لخسيس ~~المآثم، فهم لا يداخلون أحدا في حديثه، ولا يتطلعون على قارئ في كتابه، ~~ولا يقطعون على متكلم كلامه، ولا يستمعون على مسر سره، ولا يسألون عما ~~وري عنهم علمه، ولا يتكلمون فيما حجب عنهم فهمه.» ... إلخ. ووضعوا قوانين ~~الظرف تفصيلا كما وضعوها إجمالا، فقوانين الظرف في الزي، وفي التعطر، وفي ~~الشراب، وما هو ظرف في الرجال لا في النساء، وما هو ظرف في النساء لا في ~~الرجال، وهكذا. # فإذا نحن جاوزنا العراق إلى غيره من الأقطار رأينا في الشام مثلا آل ~~حمدان، وعلى رأسهم سيف الدولة مترفين ممعنين في الترف. ~~«فيحكى أن سيف الدولة لما ورد إلى بغداد وقت توزون اجتاز وهو راكب فرسه ~~وبيده رمحه، وبين يديه عبد له صغير، وقصد الفرجة وألا يعرف؛ فاجتاز بشارع ~~دار الرقيق على دور بني خاقان وفيها فتيان فدخل وسمع وشرب معهم وهم لا ~~يعرفونه وخدموه، ثم استدعى عند خروجه الدواة فكتب رقعة وتركها فيها، ثم ~~انصرف؛ ففتحوا الدواة فإذا في الرقعة ألف دينار على ms078 بعض الصيارف، فتعجبوا، ~~وحملوا الرقعة وهم يظنونها ساذجة، فأعطاهم الصيرفي الدنانير في الحال ~~والوقت # 17 ~~(وهذا هو نظام الحوالات)؛ فسألوه عن الرجل، فقال: ذلك سيف ~~الدولة بن حمدان». # 18 # وضرب للصلات خاصة دنانير في كل دينار منها عشرة مثاقيل وعليه اسمه ~~وصورته. # 19 # ودخل عليه شاعر وطرح من كمه كيسا فارغا ودرجا فيه شعر استأذنه في ~~إنشاده فأذن له، فأنشده قصيدة أولها: # جباؤك معتاد وأمرك نافذ # وعبدك محتاج إلى ألف درهم # فلما فرغ من إنشاده ضحك سيف الدولة ضحكا شديدا، وأمر له بألف دينار، ~~فجعلت في الكيس الفارغ الذي كان معه. # 20 # وقصوره كانت ملأى بالجواري وخاصة من أسرى الروم، «وكانت له جارية من ~~بنات ملوك الروم لا يرى الدنيا إلا بها، ويشفق من الريح الهابة عليها، ~~فحسدتها سائر حظاياه على لطف محلها منه» ... إلخ. # 21 # وكان يركب في خمسة آلاف من الجند، وألفين من غلمانه ليزور قبر ~~والدته. # 22 # وكان الملوك والأمراء في مصر في منتهى الترف والنعيم؛ ففي العهد الطولوني ~~كان الحي الذي فيه الآن جامع ابن طولون وما حوله من القلعة إلى «زين ~~العابدين» يزخر بالمباني الضخمة، وفيها هذا المسجد الفخم والمستشفى الكبير، ~~والقصور الشامخة، والميادين الفسيحة، وآيات الفن؛ فقد كان بجوار جامع ابن ~~طولون ميدان فسيح، فجعله خمارويه بن أحمد بن طولون كله بستانا بديعا، زرع ~~فيه أنواع الرياحين وأصناف الشجر، وحمل إليه من البلدان المختلفة كل صنف من ~~الشجر المطعم وأنواع الورد. # وكان من بدعه أنه كسا أجسام النخل نحاسا مذهبا، وجعل بين النحاس ~~والنخل مواسير من الرصاص يجري فيها الماء، فكان الماء يخرج من النحاس ~~الملبس في النخل فينحدر إلى فساقي، ويفيض الماء من الفساقي إلى مجار تسقي ~~سائر البستان. # وهندس البستان هندسة بديعة، فعمل من الرياحين كتابة مكتوبة في البستان ~~يتعاهدها البستاني بالمقاريض حتى لا تزيد ورقة على ورقة، وعمل في البستان ~~برجا من خشب الساج منقوشا ومطعما، وسرح فيه أصناف الحمام وأصناف ~~الطيور المغردة، وجعل في البرج أوكارا لأفراخها، وعيدانا مثبتة في ms079 ~~جوانبه لتقف عليها إذا تطايرت، حتى يجاوب بعضها بعضا بالمناغاة، وسرح في ~~البستان الطواويس والدجاج الحبشي ونحو ذلك، وعمل فيه مجلسا سماه دار ~~الذهب، طلى حيطانه كلها بالذهب واللازورد، وجعل في حيطانه مقدار قامة ونصف ~~من خشب صورت فيه صورته، والمغنيات التي تغنيه في أحسن تصوير وأبهج ~~تزويق، ولونت أجسامها بألوان تشبه ألوان الثياب من الأصباغ العجيبة، فكان ~~هذا القصر من أعجب ما بني في الدنيا. # وعمل فيه فسقية ملئت من الزئبق، وطرح عليه فرش ملئ بالهواء وشد ~~بزنانير من حرير في حلق من الفضة؛ فينام أحيانا عليه فيرتج ارتجاجا ~~ناعما، وكان يرى له في الليالي المقمرة منظر عجيب إذا ائتلف نور القمر ~~بنور الزئبق. # وجعل في ناحية من نواحي القصر دارا للسباع، لكل سبع بيت، ولكل بيت باب ~~يفتح من أعلاه، ولكل بيت طاقة صغيرة يدخل منها الرجل الموكل به، وفرش بيوت ~~السباع وما حولها بالرمل يجدد من حين إلى حين. # وأكثر من الخدم، ودرب كثيرا منهم على التفنن في الطهي وتنويعه، واشتهر ~~عبيد مصر إذ ذاك بحسن الطهي كما عودهم خمارويه؛ فكان الناس يأتون من مختلف ~~الأقطار لشرائهم لحسن سمعتهم في هذا الباب. # ولعل أكبر ما يوضح هذا الترف والنعيم زواج «قطر الندى» بنت خمارويه، ~~وقد خطبها خليفة المسلمين في بغداد المعتضد بالله العباسي، فتفنن خمارويه ~~وأنفق خزائن الدولة في جهازها يحمله من مصر إلى بغداد، حتى تضعضعت حالة مصر ~~المالية بعد ذلك الإسراف. # فكان من بين هذا الجهاز دكة تتألف من أربع قطع من الذهب، عليها قبة من ~~ذهب مشبك، في كل عين من التشبيك قرط معلق فيه حبة من جوهر لا يعرف لها ~~قيمة، وكان في الجهاز مائة هاون من ذهب، وقد عمل حساب نفقات الجهاز، فكانت ~~دفعة من نفقاته أربعمائة ألف دينار. # وانتقلت العروس من مصر إلى بغداد، والشقة بينهما بعيدة، فأمر خمارويه ~~فبنى على رأس كل مرحلة من مصر إلى بغداد قصرا تنزل فيه قطر الندى، ~~وكانوا يسيرون بها سير الطفل في المهد، فإذا ms080 أتمت مرحلة وجدت قصرا قد ~~فرش، وأعد بكل أنواع المعدات، فكأنها في هذه الرحلة الطويلة في قصر ~~أبيها حتى قدمت بغداد في أول المحرم سنة 282ه. # 23 # وثروة آل الجصاص في العهد الطولوني كانت تقدر بملايين الدنانير، ويحكي ~~أحدهم وهو الحسين بن عبد الله الجصاص - وكان من أعيان التجار في الجواهر ~~- سبب ثروته فيقول: «كان بدء يساري أني كنت في دهليز أبي الجيش خمارويه بن ~~أحمد بن طولون، وكنت وكيله في ابتياع الجوهر وغيره مما يحتاجون إليه، وما ~~كنت أفارق الدهليز لاختصاصي به، فخرجت إلي قهرمانة لهم في بعض الأيام ~~ومعها عقد جوهر فيه مائة حبة لم أر قبله ولا بعده أفخر ولا أحسن منه، كل ~~حبة تساوي مائة ألف دينار عندي؛ قالت: نحتاج أن تخرط هذه حتى تصغر فنجعلها ~~في آذان اللعب وفي قلائدها، فكدت أطير، وأخذتها وقد قلت: السمع والطاعة، ~~وخرجت في الحال وجمعت التجار، واشتريت مائة حبة من النوع الذي طلبته ... ~~وقامت علي المائة حبة بدون المائة ألف درهم، وأخذت منهم جوهرا بمائتي ~~ألف دينار.» # 24 # وفي العهد الفاطمي كان الترف أنعم وأضخم وأفخم، تقرأ في «خطط المقريزي» ~~وصف خزائن الفاطميين وحياتهم في القصور، وتفننهم في أدوات الترف والنعيم ~~فيأخذك العجب العجاب، فيقول: «إنه كان للخليفة خزانتان: ظاهرة؛ وفيها ~~الملابس التي ينعم بها على الناس، وباطنة؛ وهي الخاصة بلباس الخليفة، ~~ويتولاها امرأة تنعت بزين الخزان، وبين يديها ثلاثون جارية، فلا يغير ~~الخليفة أبدا ثيابه إلا عندها ... وكان برسم هذه الخزانة بستان من أملاك ~~الخليفة على شاطئ الخليج يعنى أبدا فيه بالنسرين والياسمين، فيحمل في يوم ~~منه شيء في الصيف والشتاء لا ينقطع أبدا برسم الثياب والصناديق. # ولما كشف حاصل الخزائن الخاصة للعاضد بالقصر كان الموجود فيها مائة صندوق ~~كسوة فاخرة من موشى ومرصع، وعقود ثمينة وجواهر نفيسة، وغير ذلك من ~~ذخائر عظيمة الخطر.» # 25 # وفي أيام شدة المستنصر أخرج من بعض خزائن القصر صندوق كيل منه سبعة ~~أمداد زمرد؛ فسأل بعض من حضر من الوزراء الجوهريين: كم ms081 قيمة هذا الزمرد؟ ~~فقالوا: إنما نعرف قيمة الشيء إذا كان مثله موجودا، ومثل هذا لا قيمة له! ~~... وأخرج عقد جوهر قيمته على الأقل من ثمانية آلاف دينار فصاعدا، وأخرج ~~ألف ومائتا خاتم ذهبا وفضة من سائر أنواع الجواهر المختلف الألوان والقيم ~~والأثمان ... وأحضرت خريطة فيها نحو ويبة جواهر، وأحضر الخبراء من الجوهريين ~~فذكروا أن لا قيمة لها ولا يشتري مثلها إلا الملوك، فقومت بعشرين ألف ~~دينار، وأخرج طاووس ذهب مرصع بنفيس الجواهر، عيناه من ياقوت أحمر، وريشه ~~من الزجاج المينا المجري بالذهب، على ألوان ريش الطاووس، وديك من الذهب له ~~عرف مفروق كأكبر ما يكون من أعراف الديوك من الياقوت الأحمر، مرصع بسائر ~~الدرر والجوهر، وعيناه ياقوت، وغزال مرصع بنفيس الدر والجوهر، وبطنه أبيض ~~قد نظم من در رائع ... إلخ إلخ. # 26 # ونحو هذا ذكر المقريزي في خزائن العرش والأمتعة، وخزائن السلاح ~~والسروج والخيم والشراب والتوابل والبنود. # ورووا أن المعز لدين الله فاتح مصر لما خرج من بلاد المغرب أخرج معه ~~أموالا كانت له بها، وأمر بسبكها أرحية كأرحية الطواحين، وكان معه مائة ~~جمل عليها هذه الطواحين من الذهب، وأمر المعز بها حين دخل إلى مصر فألقيت ~~على باب قصره، ولم تزل على باب القصر إلى أن كان زمن الغلاء في أيام ~~المستنصر، فلما ضاق الناس بالأمر أذن لهم أن يبردوا منها بمبارد، وغرهم ~~الطمع حتى ذهبوا بأكثرها، فأمر بحمل الباقي إلى القصر، فلم تر بعد ~~ذلك. # وقد عمل المعز عضادتي باب من أبواب قصره من تلك الأرحية، واحدة فوق أخرى، ~~فسمي باب الذهب، وسميت القاعة التي يدخل إليها من هذا الباب قاعة ~~الذهب. # 27 # ولما دخل صلاح الدين القصر الكبير للخلفاء الفاطميين، وجد فيه اثني عشر ~~ألف نسمة ليس فيهم فحل إلا الخليفة وأهله وولده. # 28 # ومهما بالغ المقريزي ومن نقل عنهم في وصف غناهم، فإن الأساس صحيح وهو غنى ~~القوم، وإمعانهم في الترف إمعانا يزيد عما وصل إليه العباسيون أيام ~~الرشيد. ~~«وكان إقطاع الوزير ابن كلس «وزير العزيز ms082 بالله» مائة ألف دينار في ~~السنة، ووجد للوزير المذكور من العبيد والمماليك أربعة آلاف غلام، ووجد له ~~جوهر بأربعمائة ألف دينار، وبز من كل صنف بخمسمائة دينار». # 29 # ويصف لنا عمارة اليمني دارا بناها ابن رزيك الوزير الفاطمي ~~فيقول: # فتمل دارا شيدتها همة # يغدو العسير ببابها متيسرا # جملتها وتجملت مصر بها # لما علت بك عزة وتكبرا # وسقيت من ذوب النضار سقوفها # حتى لكاد نضارها أن يقطرا # لم يبد فيها الروض إلا مزهرا # والنخل والرمان إلا مثمرا # وبها من الحيوان كل مشهر # لبس الوشيج العبقري مشهرا # وكأن صولتك المخوفة أمنت # أسرابها ألا تراع وتذعرا # أنشأت فيها للعيون بدائعا # زفت فأذهل حسنها من أبصرا # فمن الرخام مسيرا ومسهما # ومنمنما ومدرهما ومدنرا # والعاج بين الآبنوس كأنه # أرض من الكافور تنبت عنبرا ~~••• # قد كان منظرها بهيا رائقا # فجعلتها بالوشي أبهى منظرا # ألبستها بيض الستور وحمرها # فأتت كزهر الورد أبيض أحمرا # فمجالس كسيت رقيما أبيضا # ومجالس كسيت طميما أصفرا # لم يبق نوع صامت أو ناطق # إلا غدا فيها الجميع مصورا ~~... إلخ. # وبعد؛ فقد كان المال وفيرا كثيرا، والترف والنعيم بالغا أقصاه في بلاط ~~الخلفاء وقصور الأمراء والخاصة، أما الشعب فأكثره بائس فقير. # قد كان هناك طبقتان متميزتان كل التميز، فالخليفة ورجال دولته وأهلوهم ~~وأتباعهم طبقة الخاصة، وهم عدد قليل بالنسبة لمجموع الأمة، وبقية الناس - ~~وهم الأكثر - طبقة العامة من علماء وتجار وصناع ومزارعين ورعاع، وأغلب ~~هؤلاء فقراء إلا من اتصل منهم بالخلفاء والأمراء. # ذلك أن أكبر مصدر للمال هو الجزية والخراج، وهذه تدخل في بيت المال تحت ~~سلطة الخلفاء ومن إليهم، وينفق منها على مصالح الدولة، وما بقي - وهو كبير ~~- يصرف في رغبات الخلفاء والأمراء: من هبات للشعراء والمداح، وشراء ما ~~يعرضه تجار الجواهر، وتجار الجواري والتحف، وجوائز للمضحكين. والكريم منهم ~~يمد الموائد لفقراء الشعب ويطعمهم ويكسوهم، فألوف الناس تأكل على الموائد ~~وتنال صدقاتهم؛ فلؤلؤ الحاجب في أيام الفاطميين يفرق في اليوم اثني عشر الف ~~رغيف مع قدر الطعام، فإذا دخل رمضان أضعف ذلك، ووقف ms083 هو بنفسه ~~ليفرقه، # 30 # وكان علي بن عيسى - وزير المقتدر - يعطي الطالبيين ~~والعباسيين وأبناء الأنصار، # 31 # وكان ابن الفرات يعطي الفقهاء والعلماء والفقراء وأهل ~~البيوتات؛ أكثرهم مائة دينار في الشهر، وأقلهم خمسة دراهم وما بين ~~ذلك. # 32 # لهذا كله كانت كل أنظار الناس موجهة إلى الخلفاء والأمراء، فالعلماء إن ~~أرادوا الغنى لم يجدوه إلا في خدمتهم، والشعراء إن أرادوا العيش لم يجدوه ~~إلا في مديحهم، والتجار إن وقع شيء ثمين في يدهم من جوهر أو جوار لا يجدون ~~نفاقا لها إلا في قصورهم، والصناع إذا أحسنوا صناعة شيء فهم مقدصهم، أما ~~سائر الشعب ففقير بائس قل أن يجد الكفاف! فالعلماء إذا بعدوا عن القصور ~~عز قوتهم، والشعراء لا يشعرون لأنفسهم ولا لعواطفهم، وإنما يشعرون للمال ~~ينشدونه من يد الخلفاء والأمراء؛ ولهذا كان أكثر شعرهم مديحا، والفنانون ~~والتجار كذلك. وكان أكثر مديح الخلفاء والأمراء بالكرم والسخاء، لا بالعدل ~~والحزم وضبط الأمور. # فإذا نفد مال الخلفاء والأمراء صادروا الأغنياء ليسلبوهم مالهم، ثم ~~يوزعونه على شهواتهم وأتباعهم. فنشأ عن هذا إخفاء الأموال والتظاهر ~~بالفقر، وهرب بعيدي النظر من التقرب من الخلفاء وذويهم، ونشأ في الأدب ~~العربي كثير من الشعر والنثر يحمد الفقر والبعد عن البلاط، # 33 # كما نشأ شيوع التصوف والميل إليه. # كان بجانب هذا الغنى المفرط، والإمعان في اللذائذ، فقر مدقع يقع فيه ~~العلماء وعامة الشعب ممن لم يتصلوا بالخلفاء والأمراء ومن إليهم. # هذا «عبد الوهاب البغدادي المالكي» فقيه أديب شاعر له المصنفات ~~الرائعة في الفقه، لم يكن في المالكيين أفقه منه في زمنه، ولما نزل معرة ~~النعمان في رحلته أضافه أبو العلاء وقال فيه: # والمالكي ابن نصر زار في سفر # بلادنا فحمدنا النأي والسفرا # إذا تفقه أحيا مالكا جدلا # وينشر الملك الضليل إن شعرا # هذا كله تضيق به المعيشة في بغداد حتى لا يجد قوت يومه، ويخرج عنها ~~طالبا للرزق، ولما شيعه أكابرها قال لهم: «لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين ~~كل غداة ما عدلت عن بلدكم.» ثم أنشأ يقول: # سلام على ms084 بغداد في كل موطن # وحق لها مني سلام مضاعف # فوالله ما فارقتها عن قلى لها # وإني بشطي جانبيها لعارف # ولكنها ضاقت علي بأسرها # ولم تكن الأرزاق فيها تساعف # وكانت كخل كنت أهوى دنوه # وأخلاقه تنأى به وتخالف # فلما وصل إلى مصر، مات لأول ما وصلها من أكلة اشتهاها فأكلها، فزعموا أنه ~~قال وهو يتقلب: «لا إله إلا الله، إذا عشنا متنا.» # 34 # وهذا أبو حيان التوحيدي البغدادي، وهو ما هو في علمه الواسع وأدبه ~~الفياض، وفلسفته، وبلاغته، وتصوفه، واتصاله بالوزراء والعلماء، وكده في ~~الحياة البوراقة ونسخ الكتاب، وتآليفه الكثيرة، كل هذا ويقول محدثا عن ~~نفسه: «ولقد اضطررت بينهم بعد العشرة والمعرفة في أوقات كثيرة إلى أكل ~~الخضر في الصحراء، وإلى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة، وإلى بيع ~~الدين والمروءة، وإلى تعاطي الرياء بالسمعة والنفاق، وإلى ما لا يحسن ~~بالحر أن يرسمه بالقلم، ويطرح في قلب صاحبه الألم.» # 35 # ولما أعيته الحيل تحول طلبه وملقه ورياؤه ونفاقه إلى غيظ من الناس وحقد ~~عليهم، فأحرق في آخر أيامه كتبه، وقال: «إني جمعت أكثرها للناس ولطلب ~~المثالة منهم، ولعقد الرياسة عندهم، ولمد الجاه عندهم، فحرمت ذلك ~~كله.» # وقد ملأ كتابه «الإمتاع والمؤانسة» شكوى من الفقر ومن سوء الحال، ورفع ~~صوته إلى الوزراء والأغنياء، فعاد من ذلك كله صفر اليدين. # وهذا أبو سليمان المنطقي، أعقل عقلاء بغداد وأوسعهم نظرا، وأعمقهم ~~فكرا، ومن اطلع على الفلسفة اليونانية، فأدرك أسرارها، وعرف مراميها ~~وأغراضها، مع استقلال في الفكر، وشخصية ممتازة في الحكم، وكان أعور، وكان ~~به برص منعه من الاتصال بالناس، وحمله على لزومه منزله، فلم يتصل به إلا ~~تلاميذه الذين عرفوا قدره، ولم يجدوا بغيتهم عند غيره - كان فقيرا، وقال ~~فيه أبو حيان، وهو من تلاميذه: «إن حاجته ماسة إلى رغيف، وحوله وقوته قد ~~عجزا عن أجرة مسكن، وعن وجبة غدائه وعشائه.» فلما من عليه الوزير ابن ~~سعدان بمائة دينار، سره ذلك غاية السرور، وترفل وتحنك. # وهذا أبو علي القالي البغدادي، ضاقت به الحال قبل أن ms085 يرحل إلى الأندلس، ~~حتى اضطر أن يبيع بعض كتبه، وهي أعز شيء عنده، فباع نسخته من كتاب ~~«الجمهرة» وكان كلفا بها، فاشتراها الشريف المرتضى، فوجد عليها بخط أبي ~~علي: # أنست بها عشرين حولا وبعتها # فقد طال وجدي بعدها وحنيني # وما كان ظني أنني سأبيعها # ولو خلدتني في السجون ديوني # ولكن لضعف وافتقار وصبية # صغار عليهم تستهل جفوني # فقلت ولم أملك سوابق عبرة # مقالة مكوي الفؤاد حزين ~~«وقد تخرج الحاجات يا أم مالك # ودائع من رب بهن ضنين» # وهذا أبو العباس المعروف بابن الخباز الموصلي، كان من كبار النحويين ~~والأدباء، قال في خطبة كتابه المسمى «بالفريدة في شرح القصيدة»: «ومن علم ~~حقيقة حالي عذرني إذا قصرت، فإن عندي من الهموم ما يزع الجنان عن حفظه، ~~ويكف اللسان عن لفظه: # ولو أن ما بي بالجبال لهدها # وبالنار أطفاها وبالماء لم يجر # وبالناس لم يحيوا وبالدهر لم يكن # وبالشمس لم تطلع وبالنجم لم يسر # وأنا أسأل الله العظيم أن يكفيني شر شكواي، وألا يزيدني على بلواي، فإني ~~كلما أردت خفض العيش صار مرفوعا، وعاد بالحزن سبب المسرة مقطوعا، والله ~~المستعان في كل حال، ومنه المبدأ وإليه المآل.» # وهذا الزمخشري يقول: # ومما شجاني أن غر مناقبي # يغني بها الركبان بين القوافل # وطارت إلى أقصى البلاد قصائدي # وسارت مسير النيرات رسائلي # وكم من أمال لي وكم من مصنف # أصاب بها ذهني محز المفاصل # غني من الآداب لكنني إذا # نظرت فما في الكف غير الأنامل # فيا ليتني أصبحت مستغنيا ولم # أكن في خوارزم رئيس الأفاضل # ويا ليتني مرض صديقي ومسخط # عدوي وأني في فهاهة باقل # وما حق مثلي أن يكون مضيقا # وقد عظمت عند الوزير وسائلي # فلا تجعلوني مثل همزة واصل # فيسقطني حذف ولا راء واصل # فكل امرئ أمثاله عدد الحصا # وهات نظيري في جميع المحافل # وهذا الأبيوردي الشاعر الفقيه، حكى الخطيب البغدادي عنه أنه مكث سنتين لا ~~يقدر على جبة يلبسها في الشتاء، ويقول لأصحابه: «بي علة تمنعني لبس ~~المحشو.» يريد بالعلة: علة الفقر. # وهذا ms086 الخطيب التبريزي كان له نسخة من كتاب «التهذيب في اللغة» للأزهري في ~~عدة مجلدات أراد تحقيق ما فيها، وسماعها على عالم باللغة، فدل على أبي ~~العلاء المعري، فجعل الكتاب في مخلاة وحملها على كتفه من تبريز إلى معرة ~~النعمان، ولم يكن له من المال ما يستأجر به ما يركبه، فنفذ العرق من ظهره ~~إليها فأثر فيها البلل، ومن شعره: # فمن يسأم من الأسفار يوما # فإني قد سئمت من المقام # أقمنا بالعراق على رجال # لئام ينتمون إلى لئام # وحكى لنا أبو حيان التوحيدي حادثة انتحار فظيعة فقال: «شاهدنا في هذه ~~الأيام شيخا من أهل العلم ساءت حاله، وضاق رزقه، واشتد نفور الناس عنه، ~~ومقت معارفه له، فلما توالى عليه هذا دخل يوما منزله، ومد حبلا إلى ~~سقف البيت واختنق به، فلما عرفنا حاله جزعنا وتوجعنا وتناقلنا حديثه ~~وتصرفنا فيه كل متصرف.» # وأخذ أبو حيان وأصحابه يتجادلون في أن له الحق في الانتحار أو ~~لا. # 36 # هذا شأن العلماء، وعامة الشعب كانوا أسوأ حالا؛ ذلك لأن ~~النظام المالي للدولة كان نظاما سيئا، فنفقات البلاد قد بلغت حدا لا ~~يطاق من الإسراف والبذخ وصنوف الترف، وجباية الخراج وسائر الضرائب تباع ~~لأشخاص على سبيل الالتزام، فيعسفون بالناس حتى يبتزوا منهم أضعاف ما دفعوا، ~~والقضاء قد اختل بتدخل الحكام وانتشار الرشوة، والجيش قد انقسم إلى شعب ~~مختلفة من ترك وديلم ومغاربة وغيرهم، وكل فرقة تتعصب لجنسها، وتضمر ~~العداء لغيرها، والسلطة مضطرة لإنفاق المال الكثير لاسترضاء هؤلاء وهؤلاء، ~~والمناصب الحكومية ليست في استقرار؛ فاليوم يولى وزير، وغدا يصادر، ~~ولكل وزير أعوانه يحظون بتوليته ويعسف بهم بعزله، وغير الوزراء شأنهم ~~أهون. # كل هذا سبب فساد النظام المالي، واستتبع فقر الشعب واضطرابه وكثرة ~~ثوراته. # وظاهرة أخرى نراها في الفنون، وهي أنها كانت لا تنمو إلا في بلاط الخلفاء ~~والأمراء، فلم يكن الشاهر يشعر لنفسه إلا قليلا، ولا الفنان يتفنن لنفسه ~~إلا نادرا، فكلهم يقصد خليفة أو أميرا يعرض عليه سلعته من شعر أو فن؛ ~~ولذلك تلون الشعر والنثر ms087 والفن بلون الاستجداء كثيرا؛ لأن العصر لم يكن ~~عصرا ديمقراطيا يستطيع فيه أن يعيش الفنان لنفسه أو للشعب، كما هو الشأن ~~في العصور الحديثة، بل كان عصرا أرستقراطيا لا ينعم فيه إلا ~~الأرستقراطيون ومن شاء أن يعيش على موائدهم، بل من شاءوا هم أن يؤكلوه من ~~موائدهم؛ ولذلك إذا أحصيت الأدب الذي قيل في المديح، رجحت كفته جدا على ~~الأدب الذي قيل لباعث نفساني. # وكذلك العلماء كانوا قسمين: قسما يتصل بالخلفاء والأمراء أو يشتغلون في ~~مناصب الدولة كالخطابة والقضاء، وهؤلاء ميسورون نسبيا؛ ولذلك نرى كثيرا ~~من تآليف العلماء في هذا العصر إنما ألفت بأمر وزير أو أمير أو نحوه، ~~وصدره باسمه، ونوه فيه بذكره، وأما من بعدوا عن القصور فكانوا فقراء ~~غالبا لا يكادون يجدون ما يسد رمقهم كما رأينا. # نشأ عن هذه الحالة الاجتماعية مظاهر متعددة: ترف لا حد له في بيوت ~~الخلفاء والأمراء وذوي المناصب، وفقر لا حد له في عامة الشعب والعلماء ~~والأدباء الذين لم يتصلوا بالأغنياء، ثم المظاهر التي تنتج عادة من ~~الإفراط في الترف كالتفنن في اللذائذ والاستهتار والنعومة وفساد النفس، وكل ~~المظاهر التي تنشأ عن الفقر كالحقد والحسد والكذب والخبث والخديعة. وكان من ~~أثر هذا الفقر أيضا انتشار نزعة التصوف، فالفشل في الحياة قد يسلم صاحبه ~~إلى الزهد، وإقناع النفس بأن نعيم الدنيا زائل، وإذا حرم الدنيا فليطلب ~~الآخرة. كما كان من آثاره انتشار الدجل والتخريف، وتعلق الناس بالأسباب ~~الموهومة في الحصول على الغنى لعجزهم عن تحصيله بالوسائل المعقولة؛ فتنجيم ~~واعتقاد في الطوالع التي تسعد وتشقي، وانصراف إلى الكيمياء التي تقلب ~~النحاس والقصدير ذهبا، والالتجاء إلى دعوات الأولياء لعل دعوتهم تتحقق ~~فينقلب فقرهم غنى، وهذا إلى الاعتقاد في السحر والطلسمات، والبحث عن ~~الكنوز المخبوءة، ونحو ذلك. # وعلى الجملة فالحياة المالية مضطربة أشد الاضطراب، فمع سوء التوزيع ~~والاختلاف الشديد بين درجة الغنى والفقر، والبذخ وشدة الحجة، نرى عدم ~~الطمأنينة على المال من عدم احترام الملكية؛ وذلك بسبب شهوات الحكام ~~وطمعهم فيما في أيدي الناس؛ فالوزير ms088 إذا عزل صادر أمواله من يخلفه، ~~والتاجر الكبير الثري عرضة لمصادرة الوالي له طمعا في ماله، والغني إذا ~~مات كانت أمواله عرضة للسلب والنهب، إما بادعاء أن ليس له ورثة معروفون ~~ووضع العقبات في سبيل إثبات الوراثة، أو المجابهة بالمصادرة من غير ذلك ~~أسباب. فالإخشيد في مصر كان إذا توفي قائد من قواده أو كاتب من كتابه ~~تعرض لورثته، وأخذ منهم وصادرهم، وكذلك كان يفعل مع التجار ~~المياسير. # والوزير المهلبي لما مات قبض معز الدلة تركته وصادر عياله، وكذلك فعل ~~بابن العميد، وهكذا. ثم إن اضطراب الحالة المالية وعدم أمن الناس على ~~أموالهم ينتج حتما عدم انتظام الدخل والخرج فتسوء حالة الدولة، ~~فيعالجونها بفرض الضرائب القاسية، والإمعان في المصادرات والنهب لكثرة ما ~~يطلب من نفقات الجيوش وأمثالها، فيكون ذلك علاجا يضاعف المرض، وهو ما حدث ~~فعلا، وكلما ساءت الحال كثر العزل والتولية، وقرب إلى الخلفاء ~~والسلاطين من ضمن تعادل الميزانية، وإنما يضمن ذلك بالعسف الذي يئول إلى ~~الخراب. # كان الناس طبقات مختلفة: طبقة تعتز بشرفها نسبها ودمها، من ذلك العلويون ~~والعباسيون، وكلاهما معتز بالقرابة لرسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؛ فالأولون يعتزون ~~بالنسبة لأولاد علي من فاطمة؛ والآخرون للعباس، وبينهما حزازات ~~غالبا. # ويفخر الأولون بأنهم أقرب نسبا ويعتز الآخرون بالخلافة في أيديهم؛ وكان ~~ذلك كله - على كل حال - مصدرا للاعتزاز ومبعثا لتقدير الناس، وكانت ~~تجرى عليهم أرزاق خاصة، وتسند إليهم بعض المناصب الرفيعة كنقابة ~~الأشراف. # ومن المعتزين بالنسب من كان يعتز بأصله من أنه من البيوتات القديمة، ~~كأولاد المهلب بن أبي صفرة الأمير الأموي الكبير، وكانت لهم في هذا العصر ~~العباسي دور بالبصرة، وتولى الوزارة منهم لعضد الدولة البويهي الوزير ~~المهلبي، وسيأتي ذكره، وكأولاد البنويين وهم أبناء الخراسانيين الذي ~~حاربوا لإسناد الدولة إلى بني العباس، ومنهم من كان يعتز بنسبه الفارسي إلى ~~بيت من بيوت الملك أو البيوتات العظيمة في الفرس كآل بويه، وقد يكون من هذه ~~الطبقة الأغنياء، وقد يكون منهم من أخنى عليه الدهر بعد العز، فكان ~~فقيرا ms089 يكتفي بالاعتزاز بالنسب. # وهناك طبقة تعتز بمناصب الدولة كالوزراء ورؤساء الدواوين ونحو ذلك، ويعتز ~~بذلك أسرهم وأقاربهم، وهؤلاء في هذا العهد كان اعتزازهم وقتيا، فيكونون ~~في القمة حينا، ثم لا يلبثون أن يكونوا في الحضيض حينا آخر لكثرة ما يعرض ~~لهم من عزل ومصادرة أموال وقتل وتشريد، ثم طبقة الأغنياء من الإرث والتجارة ~~والأعمال، وقد كانوا نسبيا عددا محدودا. # وهؤلاء المعتزون بالمنصب يعيشون في ترف مفرط، وهم الذين نعثر في كتب ~~الأدب والتاريخ على وصف بذخهم وترفهم وإسرافهم، ولكنهم لا يمثلون الشعب، ~~ويتبعهم الأوساط يقلدونهم على قدر استطاعتهم، ويطمحون إلى أن يحذوا حذوهم ~~ما أمكنهم دخلهم. # وبجانب ذلك اعتزاز بالعلم أو الدين، ولكنه اعتزاز في أوساط خاصة؛ ~~فالعلماء يعتز بهم أمثالهم وتلاميذهم ووسطهم المحدود، وهم يتعزون عن فقرهم ~~بهذا الاعتزاز الأدبي. ورجال الدين من الصوفية والوعاظ والفقهاء كذلك ~~يعتزون في أوساطهم الخاصة، وعند العامة الذين يلتمسون منهم البركة. ثم سائر ~~الشعب بعد ذلك فقير لا يعتز بمال ولا نسب ولا جاه، ويصفهم ابن الفقيه بأنهم ~~«زبد جفاء، وسيل غثاء، لكع ولكاع، وربيطة اتضاع، هم أحدهم طعامه ~~ونومه». # وليسوا كما قال، بل هم عماد الأمة وسوادها الأعظم، ومقياس الرقي الحقيقي ~~لها، وما ذنبهم أن همهم طعامهم ونومهم وهم يجدون ثم لا يجدون! لقد ~~كان التوازن الاجتماعي في هذا العصر مختلا من الناحية المالية، فلا ~~تقارب، وما نجده من وصف الإمعان في الحضارة والإسراف في الترف والتفنن في ~~النعيم، إنما هو وصف فئة قليلة العدد، وهي قد أسرفت في الترف على حساب ~~إمعان السواد الأعظم في البؤس، وفي الناحية الخلقية انحلال بين الأغنياء، ~~وتكبر وتجبر من الساسة وأولي الأمر، وذلة وضعة في الفقراء البائسين، ~~وما يروى لنا من عزة وإباء، وتمسك بالحق وبالفضيلة، فصفات الأقلين ~~النادرين. ~~(1-3) الرقيق # كثر الرقيق في هذا العصر كثرة بالغة، وامتلأت القصور به، وكان له أثر ~~كبير في الحياة الاجتماعية، فكثر نسل الجواري واختلطت الدماء حتى الخلفاء ~~أنفسهم كانوا في هذا العصر من نسل السراري، قال ابن ms090 حزم في «نقط العروس»: ~~«لم يل الخلافة في الصدر الأول من أمه أمة حاشا يزيد وإبراهيم ابني ~~الوليد، ولا وليها من بني العباس من أمه حرة حاشا السفاح والمهدي والأمين، ~~ولم يلها من بنى أمية بالأندلس من أمه حرة أصلا.» # وكثر تعليم الجواري الغناء، واتخذ أصحابهن لهن بيوتا معدة للسماع في ~~الأحياء المختلفة، وكثرت هذه البيوت في بغداد في هذا العصر، حتى قال أبو ~~حيان التوحيدي: «وقد أحصينا - ونحن جماعة في الكرخ - أربعمائة وستين جارية ~~في الجانبين - جانبي بغداد - ومائة وعشرين حرة، وخمسة وتسعين من الصبيان ~~البدور، يجمعون بين الحذف والحسن والظرف والعشرة، هذا سوى من كنا لا نظفر ~~به ولا نصل إليه لعزته وحرسه ورقبائه، وسوى ما كنا نسمعه ممن لا يتظاهر ~~بالغناء وبالضرب إلا إذا نشط في وقت، أو ثمل في حال، أو خلع العذار في هوى ~~قد حالفه وأضناه.» # 37 # وهذه المحال العامة للمغنيات كان يتردد عليها الناس للسماع، ولم ~~يتحرج منها حتى العلماء والأدباء والقضاة والأعيان والصوفية، فابن فهم ~~الصوفي يسمع مغنية اسمها «نهاية» جارية ابن المغني، وابن غيلان التاجر يسمع ~~غناء «بلور» جارية ابن اليزيدي، وأبو الحسن الجراحي القاضي يسمع غناء ~~«شعلة»، وأبو سليمان المنطقي الفيلسوف الكبير وشيخ أبي حيان يسمع غناء صبي ~~موصلي فتن الناس في عصره، وهكذا. # والظاهر من قولهم أن محال الغناء كان منها المتهتك الذي يناسب ~~المعربدين، ومنها المتحفظ بعض الشيء الذي يناسب المتحفظين. # وما روي لنا يدل على أن الغناء في هذا العصر كان بالشعر العربي السهل ~~القريب المعنى السائغ اللفظ والوزن؛ فقد روي أن قنوة البصرية كانت تغني ~~مثلا: # يا ليتني أحيا بقربهمو # فإذا فقدتهم انقضى عمري # و«سندس» تغني: # مجلس صبين عميدين # ليسا من الحب بخلوين # قد صيروا روحيهما واحدا # واقتسماه بين جسمين # تنازعا كأسا على لذة # قد مزجاها بين دمعين # الكأس لا تحسن إلا إذا # أدرتها بين محبين # و«درة» تغني: # لست أنسى تلك الزيادة لما # طرقتنا وأقبلت تتثنى # طرقت «ظبية» الرصافة ليلا # فهي أحلى من جس عودا وغنى ms091 # كم ليال بتنا نلذ ونلهو # ونسقى شرابنا ونغنى # هجرتنا فما إليها سبيل # غير أنا نقول كانت وكنا! # وإذا بلغت: «كانت وكنا» زلزلت الأرض «فرأيت الجيب مشقوقا والدمع ~~منهملا، ومكتوم السر باديا». # و«علوة» تغني في «درب السلق» ببغداد: # بالورد في وجنتيك! من لطمك # ومن سقاك المدام، لم ظلمك # خلاك لا تستفيق من سكر # توسع شتما وجفوة خدمك # معقرب الصدغ! قد ثملت فما # يمنع من لثم عاشقيك فمك # أظل من حيرة ومن دهش # أقول لما رأيت مبتسمك # بالله يا أقحوان مضحكة # على قضيب العقيق من نظمك؟ # و«روعة» جارية ابن الرضى تغني في الرصافة: # وحق محل ذكرك من لساني # وقلبي حين أخلو بالأماني # لقد أصبحت أغبط كل عين # تعانيها فتسعد بالعيان # وهكذا شعر سهل ومعان قريبة كلها تدور حول العشق والغرام والهجر ~~والوصال. # وكانوا في هذه المجالس يطربون طربا صاخبا، فمنهم من يشق إزاره، ومن ~~يضرب بنفسه الأرض، ومن يحملق عينيه، ومن يستغيث، ومن يحوقل # 38 ~~... إلخ، وكانت هذه البيوت تسمى «بيوت القيان»، والقينة في ~~اللغة: الأمة مغنية كانت أو غير مغنية، ولكنها في العرف لا تطلق إلا على ~~الأمة المغنية. # ومن هؤلاء القيان من كن يتاجرن بالعشق والغناء، فيوقعن في أحبالهن الشبان ~~الموسرين حتى يستنزفن مالهم ثم يلفظنهم. وقد وصف واصف هذه الحالة أدق وصف ~~فقال: «إن القينة منهن إذا رأت في مجلس فتى له غنى وكثرة مال ويسار وحسن ~~حال مالت إليه لتخدعه ... ومنحته نظرها وأشارت إليه بكفها، وغمزته بطرفها، ~~وغنت على كاساته، ومالت إلى مرضاته، حتى توقع المسكين في حبالها، وتحويه ~~بلطف تملقها، وتستعين بالمكر والخداع، ثم ترسل إليه من يخبره عن سهرها ~~وقلقها، وتعبث إليه بخاتمها، وخصلة من شعرها، وكتاب قد نمقته بظرفها، ~~ونقطت عليه قطرات من دمعها، وختمته بالغالية والعنبر ... حتى إذا حوت عقله، ~~وسلبت قلبه، أخذت في طلب الهدايا من ثياب وحلي، وشكت من غير ألم؛ لتتوالى ~~عليها هداياه، حتى إذا نفد اليسار، وتلق المال، وأحست بالإفلاس أظهرت ~~الملل، وأعلنت البدل، وتبرمت بكلامه، وضجرت بسلامه، وأخذت في ms092 الجفاء ~~والعتاب، وصرفت عنها هواه، ومالت إلى سواه.» # وقد قال أحد الشعراء في مثل هذا الوصف: # صحوت فأبصرت الغواية من رشدي # وأيقنت أني كنت جرت عن القصد # فلا يعشقن من كان يعشق قينة # فما هو منها في سعيد ولا سعد # تودك ما دامت هداياك جمة # وترفدك عشقا ما بقيت أخا رفد # إذا ما رأت في مجلس من تخاله # غنيا حبته بالتحية والود # فذا دأبها حتى يعود من الهوى # سقيم فؤاد ما يعيد ولا يبدي # فتفصد لا من حاجة لفصادها # ولكن لتكليف الهدية في الفصد # فمن بين خلخال يصاغ وخاتم # ومن دملج يهدى على أثر العقد # فذا فعلها حتى إذا عاد مفلسا # تجنت وأبدت جانب الهجر والصد # فقولا لمن يهوى القيان تفهموا # مقالي فإني قد نصحت لكم جهدي # 39 # ونشأ عن هذا جدل في أيهما خير: عشق القيان أو عشق الحرائر؟ فيقول بعض ~~الظرفاء: # ليس عشق الإماء من شكل مثلي # إنما يعشق الإماء العبيد # صل إذا ما وصلت حرة قوم # قد حماها آباؤها والجدود # ويقول غيره: «عليك بالقيان فإن لهن فطنا وعقولا ليست لكثير من ~~النساء.» # وقد كان من أثر الطابع العلمي الذي طبع هذا العصر أن تعرض العلم لهؤلاء ~~الإماء يؤلف فيهن الكتب، فألف ابن بطلان كتابه العلمي في تجارة ~~الرقيق. # 40 # وتبعه غيره، فذكروا أجناس العالم وأوصاف الرقيق من كل جنس، وما ~~يمتزن به، وما يعاب عليهن، والأعضاء وأوصاف الحسن فيها وأوصاف عيوبها، ~~ودلائل الفراسة على حال الغلام أو الجارية، وحيل النخاسين، وكيف يسترون ~~العيوب ... إلخ. # كما فلسفوا الكلام في الحسن، وحاولوا وضع قواعد للجمال، ووجد من يسمى ~~«جهابذة النقد» وهم الخبراء في الجمال، قال أبو الفرج: «أكثر البصراء ~~بجواهر النساء الذين هم جهابذة النقد، يقدمون المجدولة التي تكون بين ~~السمينة والممشوقة، ولا بد أن تكون كاسية العظام ...» إلخ. # وتكلموا في الألوان وحسنها، وقال أبو الفرج الأصفهاني: # 41 ~~«يمازج البياض لونان يزيدانه حسنا: الحمرة والصفرة، فأما ~~الحمرة فتعتري البياض من رقة اللون وصحة الدم، وأما الصفرة فتعتري البيض ~~لاستهتارهن ms093 وملازمتهن الكن والنعمة والخفض والدعة، وتعتريهن أيضا ~~لملازمتهن التضمخ بالطيب، ويقال إن المرأة إذا كانت عتيقة الحسن ناعمة ~~البدن فإن لونها يكون من أول النهار إلى ابتداء العشية يضرب إلى الحمرة، ~~ومن ابتداء العشية إلى آخر الليل يضرب إلى الصفرة.» وأفاضوا في ذكر محاسن ~~كل عضو وعيوبه من الشعر والجبين والحواجب والعيون والأنوف والخدود ~~والشفاه والثغور والأعناق والمعاصم والأعضاء، والأنامل وتطريفها بالحمرة ~~والسواد، والنحور والصدور والثدي، واختلاف الأذواق في كبرها أو صغرها، ~~والخصور والسوق والأقدام، ومزجوا ما قيل في كل ذلك من التعبير الدقيق في ~~اللغة بما قيل من عيون الأدب بما قاله جهابذة النقد. # كما تفننوا في دقة الفروق بين المغنيات، وفلسفة الغناء، «فعلوة» ~~أحسن ما تكون إذا رفعت عقيرتها، و«نهاية» إذا اندفعت في شدوها، و«بلور» ~~إذا رجعت، و«قلم» إذا تنوأت في استهلالها، وتضاجرت على ضجرتها، وتذكرت ~~شجوها الذي قد أضناها وأنضاها، و«سندس» إذا تشاجت وتدللت وتفتلت ~~وتقتلت وتكسرت. # وتفلسفوا هل الغناء لذة الحس أو لذة العقل؟ ولم يكون الغناء ألذ ~~وأطيب إذا سند المغني آخر؟ وهكذا. # 42 # وكان الرقيق صنفين متميزين: صنف أبيض، وصنف أسود ويشمل الحبشان؛ فالصنف ~~الأبيض كان من الترك والصقالبة، والأرمن واليونان، وكانت أكثر أسواقه سوق ~~سمرقند ويأتي إليها رقيق تركستان وما وراء النهر والبلغار، وسوق شرق أوروبا ~~وهو يخترق ألمانيا إلى الأندلس، وإلى موانئ إيطاليا وفرنسا إلى الشرق، ~~والصنف الأسود كان يجلب من السودان والحبشة وما إليهما. # وكان الرقيق الأبيض أغلى ثمنا وأكثر قابلية لتعلم الفن والموسيقى، ~~وكلما مهرت في فنها بولغ في ثمنها، وكانت هناك أسواق في كل مدينة كبيرة ~~للرقيق، سوق كبيرة فيها حجر يسكنها الرقيق المعرض للبيع، وهذا شأن ~~الرقيق الشعبي، أما الرقيق الخاص الممتاز فيعرضه التجار على الأمراء ~~والأغنياء، أو يعرضونه في بيوتهم الخاصة، كما كان أصنافا من نساء وفتيان ~~ورجال. # وقد قام هذا الرقيق على اختلاف أنواعه بأعمال كثيرة، وتغلغل في الحياة ~~الاجتماعية؛ فمنهم من كانوا جنودا وقوادا تستعين بهم الدولة في حروبها، ~~حتى لقد بلغ بعضهم أرقى المناصب، ms094 مثل مؤنس في العراق، وجوهر الصقلي في ~~المغرب ومصر، وكافور الإخشيدي بمصر، وسبكتكين في الأفغان. # ومنهن القيان في محال الغناء العامة، ومنهن أمهات الأولاد، وملك اليمين، ~~يتغلغلن في بيوت الخلفاء والأمراء، والأغنياء والأواسط، ومنهن من يقمن في ~~الخدمة في البيت، وقد يبلغن منزلة عالية. # ومن الرجال الأرقاء من يقوم بالأعمال الصناعية والتجارية لسادته، ومنهم ~~طبقة الخصيان، وقد انتشرت في هذا العصر انتشارا كبيرا. # وقد كثر الخصاء في عهد الأمين، فقد قالوا: إنه بلغ من كلفه بالخصيان ~~أنه «طلبهم وابتاعهم، وغالى بهم، وصيرهم لخلوته في ليله ونهاره، وقوام ~~طعامه وشرابه، وأمره ونهيه». # 43 # وقد عقد الجاحظ فصلا ممتعا في كتابه «الحيوان» للخصاء وتأثيره في الجسم ~~والصوت والشعر والأعصاب، وفي الذكاء، كما عرض لأصناف الخصيان من السند ~~والحبشة والنوبة والسودان. ويقول: إن الروم أول من ابتدع الخصاء ... ~~إلخ. # 44 # وكان الخصاء في البيض والسود، وقل أن كان المسلمون يقومون بالخصاء، ~~ولكنهم يشترونهم بعد أن يخصوا، وقد ارتفعت أثمانهم لتعرضهم للموت من ~~هذا العمل. # وكثر في عصرنا الذي نؤرخه استخدامهم في بيوت الخلفاء والأغنياء، حرصا ~~على النساء، ومنهم من نبغ في القيادة الحربية، كمؤنس القائد، وفائق قائد ~~السامانيين، وبلغ بعضهم منزلة عالية في الإشراف على القصور والحظوة عند ~~الأمراء، كشكر غلام عضد الدولة. # ثم الغلمان في الأوساط المستهترة، حتى وعند بعض الأدباء والعلماء، ونلاحظ ~~ندرة هذا أيام سلطة العنصر العربي في صدر الإسلام. ويحكي الجاحظ أن هذا ~~الولع بالغلمان نشأ في الخراسانيين؛ إذ كانوا يخرجون في البعوث مع الغلمان، ~~وذلك حين سن أبو مسلم الخراساني ألا يخرج النساء مع الجند، خلافا لبني ~~أمية الذين كانوا يسمحون بخروج النساء مع العسكر. # 45 # فلما جاء هذا العصر نجد الكثير من أحاديث الغلمان في كتب الأدب، وتراجم ~~الرجال والأدباء. ويحدثنا أبو حيان التوحيدي أنه كان في بغداد خمسة وتسعون ~~غلاما جميلا يغنون للناس، وأنه كان بها صبي موصلي مغن، ملأ الدنيا عيارة ~~وخسارة، وافتضح أصحاب النسك والوقار، وأصناف الناس من الصغار والكبار، ~~بوجهه الحسن، وثغره المبتسم، ms095 وحديثه الساحر، وطرفه الفاتر، وقده المديد، ~~ولفظه الحلو، ودله الخلوب ... يسرقك منك، ويردك عليك ... فحاله حالات، ~~وهدايته ضلالات، وهو فتنة الحاضر والبادي. # 46 # كما يحدثنا عن علوان غلام ابن عرس؛ فإنه إذا حضر وألقى ~~إزاره، وحل أزراره، وقال لأهل المجلس: اقترحوا واستفتحوا فإني ولدكم، بل ~~عبدكم لأخدمكم بغنائي وأتقرب إليكم بولائي ... لا يبقى أحد من الجماعة إلا ~~وينبض عرقه، ويهش فؤاده ويذكو طبعه، ويفكه قلبه، ويتحرك ساكنه، ويتدغدغ ~~روحه ... إلخ. # 47 # وتفننوا في أسماء الغلمان بما يدل على مقصدهم، فسموا ب «فاتن»، و«رائق»، ~~و«نسيم»، و«وصيف»، و«ريحان»، و«جميلة» - هكذا بأداة التأنيث - ~~و«بشرى». # ومن هذا نرى كيف أثر الرقيق أثرا كبيرا من الناحية الاجتماعية ~~والحربية والمالية والأخلاقية. ~~(2) الأدب وتصوير الحياة الاجتماعية # كان النتاج الأدبي في هذا العصر من نظم ونثر صورة صحيحة للحياة الاجتماعية في ~~غناها وترفها من جانب، وفقرها وبؤسها من جانب، وفي اضطراب الشئون السياسية ~~والحياة الاجتماعية، وفي حياة اللهو وحياة الجد، وفي انحلال الأخلاق، وانغماس ~~الأدباء فيها، ونعي بعضهم عليها، إلى غير ذلك من المظاهر، ولعل خير ما يمثل أدب ~~هذا العصر كتاب «يتيمة الدهر» للثعالبي. # وربما كان أكبر من يمثل كتاب النثر: ابن العميد، وابن عباد، والخوارزمي، ~~وبديع الزمان الهمذاني، وأبو حيان التوحيدي، كما كان أكبر من يمثل الشعر: ~~المتنبي، وابن حجاج، والشريف الرضي، وأبو العلاء المعري، والصنوبري. # لقد كان من أعلام الكتاب من هم من الطبقة العليا في المجتمع، كابن العميد، ~~وابن عباد، والوزير المهلبي، والخصيبي، والإسكافي وزير السامانيين، ويلحق بهم ~~أمثال إبراهيم بن هلال الصابي الذي كاد يكون وزيرا. # فهؤلاء - بحكم جاههم وعزهم وترفهم - كان نتاجهم الأدبي مترفا يتأنق في ~~فنه؛ فأناقة الملبس والمأكل والمعيشة جديرة بأن تحمل أصحابها على التأنق في ~~الأدب، فأدب هذا العصر تقدم خطوات في السجع والمحسنات اللفظية، والمبالغة ~~البلاغية، فالصابي وابن عباد أفرطا في السجع، وكادا يلتزمانه، وغيرهما يسجع وإن ~~كان لا يلتزم، هذا إلى الإمعان في الاستعارات والمجازات والتشبيهات، وتفننوا في ~~تزيين الكتابة تفنن أصحاب الطرف فيما يصنعون من حلي ms096 وأدوات زينة، وإذ كانوا ~~في مركز رئيسي في الحياة الاجتماعية كان طبيعيا أن يكون نتاجهم هو المثل ~~يقلد ويحتذى، فمن كان أديبا فقيرا تشبه بهم وحذا حذوهم، وهم بذلك قد خلقوا ~~ذوقا عاما في الأدب يستحسن طريقتهم، فجارى الأدباء هذا الذوق، كما تراه عند ~~الثعالبي في كتبه فيما ينشئ وفيما يروي. # وأبو حيان يصف الصاحب ابن عباد بقوله: «كان كلفه بالسجع في الكلام والقلم، ~~عند الجد والهزل، يزيد على كلف كل من رأيناه في هذه البلاد. قلت لابن ~~المسيبي: أين يبلغ ابن عباد في عشقه للسجع؟ قال: يبلغ به ذلك لو أنه رأى سجعة ~~ينحل بموقعها عروة الملك، ويضطرب لها حبل الدولة، ويحتاج من أجلها إلى غرم ~~ثقيل، وكلفة صعبة، وتجشم أمور، وركوب أهوال، لما كان يخف عليه أن يفرج عنها ~~ويخليها، بل يأتي بها ويستعملها، ولا يعبأ بجميع ما وصفت من عاقبتها.» # هذا إلى الإمعان في المبالغة كقول الصابي: «وصل كتاب قاضي القضاة بالألفاظ ~~التي لو مازجت البحر لأعذبته، والمعاني التي لو واجهت دجى الليل لأزاحته ~~وأذهبته.» # ويقول بديع الزمان الهمذاني لرجل طلب إليه نسخة من رسائله: «ولو قدرت جعلت ~~الورق من جلدي، بل من صحن خدي، والقلم من بناني، والمداد من أجفاني.» # وإلى السجع والمبالغة ضروب من التزاويق، ككثرة التشبيه والاستعارة من مثل قول ~~الصاحب في وصف مجلس: «قد تفتحت فيه عيون النرجس، وتوردت فيه خدود البنفسج وفاحت ~~مجامر الأترج، وفتقت فارت النارنج، وانطلقت ألسنة العيدان، وهبت رياح ~~الأقداح، ونفقت سوق الأنس، وامتدت سماء الند.» # هذا إلى مثل عمل قطع أدبية خالية من بعض حروف الهجاء، أو تقرأ طردا وعكسا ... ~~إلخ. # فهذه التزاويق اللفظية صدى للتزاويق في الحياة الاجتماعية، ونرى كثيرا من ~~الأدب في هذا العصر شكلا تنقصه الروح، كما كانت الحياة الاجتماعية المترفة ~~كذلك شكلا بلا روح. # ويتصل بهذا شيوع المقطوعات الشعرية القصيرة بجانب القصائد الطويلة، ويقابله ~~في الموسيقى الميل إلى ما نسميه «الطقاطيق» بجانب «الأدوار». # ولعل هذا نشأ من كثرة المجالس الأدبية غير الرسمية في منازل ms097 الأصدقاء ~~والأغنياء والأدباء، وحبهم للملح والتنادر ووصف ما يعرض، فأبيات قصيرة في ~~الغزل تحوي معنى واحدا رشيقا، وأبيات فيما يعرض من النوادر، كأبيات في إنسان ~~ساقط يلبس عمامة سرية، # 48 # وفي إنسان شريف الأصل وضيع النفس، # 49 # وإنسان تولى أقطاعا فوجدها خربة، وفي المهاداة بالنبيذ وفي وصف ~~مجلس أنس ، وفي شكر على هدية، وفي هجاء بخيل أو ثقيل، وفي صف زهر أو ~~تمر، # 50 # وفي معنى عرض، أو حادث حدث # 51 # ونحو ذلك. وقد أكثروا من هذه المقطوعات حتى زاحمت ~~القصائد. # 52 # هذه ناحية، وناحية أخرى وهي قوة أثر الرقيق في الناحية الاجتماعية، وانعكاس ~~صورتها في الأدب؛ فقد ملئ أدب ذلك العصر بوصف القيان والجواري البيض والسود ~~والغلمان، حتى لا نكاد نجد شاعرا إلا وله شعر في هذا الباب. # فقيل الكثير في وصف الجواري البيض وحسنهن، وكان هذا شيئا مألوفا، وسموا ~~النساء البيض الحسان الحمر، وقال شاعرهم: # هجان عليها حمرة في بياضها # يروق بها العينين والحسن أحمر # وشبهوهن بالنار من أجل ذلك، ولكن هام بعض الشعراء بالجواري السود ودافعوا ~~عن حبهن، فأكثر من ذلك الشريف الرضي، فقال من قصيدة: # أحبك يا لون الشباب فإنني # رأيتكما في العين والقلب توأما # سواد يود البدر لو كان رقعة # بجبهته أو شق في وجهه فما # سكنت سواد القلب إذ كنت مثله # فلم أدر من عز من القلب منكما # وما كان سهم العين لولا سواده # ليبلغ حبات القلوب إذا رمى # إذا كنت تهوى الظبي ألمى فلا تلم # جنوني عن الظبي الذي كله لمى # وله قصيدة أخرى في هذا المعنى منها: # لاموا ولو وجدوا وجدي لقد عذروا # وذنب من لام ذنب غير مغتفر # لما تمادوا على عذلي أجبتهمو # بعز معترف لا ذل معتذر # أهوى السواد برأسي ثم أمقته # فكيف يختلف اللونان في نظري؟! # إني علقت سواد اللون بعدكمو # علاقة تشمت الظلماء بالقمر # لو لم يكن فوق لون البيض ما رقمت # صبغ الليالي على الأجياد والعذر # والليل أستر للخالي بلذته # والصبح أفضح للساري على غرر # وللفتى في ms098 ضلال الليل معذرة # وما له في الضحى إن ضل من عذر # وكيف يذهب عن قلبي وعن بصري # من كان مثل سواد القلب والبصر # وقبله استوفى هذه المعاني ابن الرومي في قصيدة طويلة منها: # أكسبها الحسن أنها صبغت # صبغة حب القلوب والحدق # يفتر ذاك السواد عن يقق # من ثغرها كالآلئ النسق # كأنها والمزاح يضحكها # ليل تفرى دجاه عن فلق # وقال السلامي: # يا رب غانية بيضاء # 53 # تصحبني # من العتاب كئوسا ليس تنساغ # أشتاق طرتها أم صدغها ومعي # من كلها طرر سود وأصداغ # وقد قالوا: إن ابن سكرة الشاعر قال في قينة سوداء اسمها «خمرة» عشرة آلاف بيت ~~... إلخ إلخ. # كما تفننوا في وصف القيان وغنائهن وأكثروا، وزعيمهم في ذلك ابن الرومي، ~~كقصيدته في «وحيد» المغنية: # ظبية تسكن القلوب وترعا # ها وقمرية لها تغريد # حسنها في العيون حسن جديد # فلها في القلوب حب جديد # تتغنى كأنها لا تغني # من سكون الأوصال وهي تجيد # مد في شأو صوتها نفس كا # ف كأنفاس عاشقيها مديد ~~... إلخ. # ويقول في وصف قينة مغنية وراقصة: # فتاة من الأتراك ترمي بأسهم # يصبن الحشا في السلم لا في المعارك # ظللنا لها نصبا تشك قلوبنا # بذاك الشجا الفتان لا بالنيازك # تطامن عن قد الطوال قوامها # وأربى على قد القصار الحواتك # إذا هي قامت في الشفوف أضاءها # سناها فشفت عن سبيكة سابك # وتبعه الشعراء في هذا العصر الذي نؤرخه، وتفننوا في وصف القينات، فقال ابن ~~زريق الكوفي في قينة تسمى «دبسية» حسنة الغناء قبيحة المنظر: # أبا سعيد أصخ لي # يا سيدي ونديمي # منيت أمس بأمر # من الأمور عظيم # حصلت عند صديق # حر ظريف كريم # أسقى على شدو «دبس # ية» فتنفي همومي # فكنت حين تغني # لدى جنان النعيم # وإن نظرت إليها # ففي العذاب الأليم # وإن شربت بصوت # فالراح بالتسنيم # وإن شربت بلحظ # فالمهل بالزقوم # فكان سمعي بخير # ومقلتي في الجحيم ~~... إلخ إلخ. # والطامة الكبرى ما غشي المجتمع من حب للغلمان ظهر صداه في الأدب. # لقد كان أبو نواس يغني في هذا الباب ms099 وحده أو مع فئة قليلة، فلما جاء هذا ~~العصر كان أكثر الشعراء يطرقون هذا الباب، ويفيضون فيه في تحفظ حينا، وفي ~~استهتار أحيانا، كأبي تمام والبحتري والصنوبري، وكشاجم وأبي الفتح البستي ~~وابن حجاج، وابن سكرة، والقاضي التنوخي، والثعالبي، وأبي فراس، والصابي كلهم له ~~أشعار كثيرة في هذا الباب تفننوا فيها، حتى الوزير المهلبي لم يمنعه منصبه أن ~~يقول في مملوك تركي جميل قاد جيشا لمحاربة بني حمدان: # ظبي يرق الماء في # وجناته ويروق عوده # ويكاد من شبه العذا # رى فيه أن تبدو نهوده # ناطوا بمعقد خصره # سيفا ومنطقة تئوده # جعلوه قائد عسكر # ضاع الرعيل ومن يقوده # وكان هؤلاء الغلمان مملوكين كما تملك الجواري، يقومون بالخدمة في البيوت وفي ~~الأعمال التجارية، وهؤلاء الشعراء يتغزلون فيمن يملكون أو يملكه غيرهم. ومن ~~أشهر قصائد ذلك العصر قصيدة سعيد الخالدي التي يصف فيها غلامه بأنه معشوقه، ~~وخازن داره، ومدبر ماله، وناقد شعره، وطاهيه ونديمه، وغدت القصيدة مضرب المثل ~~في هذا الباب: # ما هو عبد لكنه ولد # خولينه المهيمن الصمد # شد أزري بحسن خدمته # فهو يدي والذراع والعضد # صغير سن كبير منفعة # تمازج الضعف فيه والجلد ~~••• # أنسي ولهوي وكل مأربتي # مجتمع له فيه ومنفرد # خازن ما في داري وحافظه # فليس شيء لديه يفتقد # ومنفق مشفق إذا أنا أس # رفت وبذرت فهو مقتصد # ويعرف الشعر مثل معرفتي # وهو على أن يزيد مجتهد # وصيرفي القريض وزان دي # نار المعاني الرقاق منتقد # يصون كتبي فكلها حسن # يطوي ثيابي فكلها جدد # وأبصر الناس بالطبيخ فكال # مسك القلايا والعنبر الثرد ~~... إلخ. # بل نرى من هذا ظاهرة غريبة، وهي عدم تحرج ذوي المناصب الكبيرة كالوزراء ~~والقضاة من كثرة القول في هذا الباب، مما يدل على أن الرأي العام قد فتر ~~استنكاره له، وعده من باب الظرافة والمجون إلا في الأوساط المتشددة، كالذي ذكر ~~أبو حيان التوحيدي من أن أبا عبد الله البصري كان يسمع غلاما يغني: # أنسيت الوصل إذ بت # نا على مرقد ورد # واعتنقنا كوشاح # وانتظمنا نظم عقد # وتعطفنا كغصني ms100 # ن فقدانا كقد # فطرب أبو عبد الله طربا شديدا، فعابوه على ذلك، وقدحوا في دينه وألصقوا به ~~الريبة. # 54 # وظاهرة أخرى وهي أن كثرة المجون، والخلاعة، واللهو واللعب في هذه الأوساط ~~الاجتماعية أنتجت شاعرين يمثلان هذا أشنع تمثيل، وهما: ابن حجاج وابن سكرة؛ ~~فابن حجاج قال فيه الثعالبي: «إنه في شعره لا يستتر من العقل بسجف، ولايبني ~~جل قوله إلا على سخف ... يمد يد المجون فيعرك بها أذن الحزم، ويفتح جراب السخف ~~فيصفع بها قفا العقل.» وقد استعمل في شعره بعض ألفاظ العوام، وشبه أفظع ~~التشبيهات وأشنعها، ومع هذا كله راج شعره رواجا كثيرا، فكان يباع ديوان شعره ~~من خمسين دينارا إلى سبعين، ونفق شعره عند العامة والخاصة «فكانت تتفكه ~~الفضلاء بثمار شعره، وتستملح الكبراء ببنات طبعه، وتستخف الأدباء أرواح ~~نظمه، ويحتمل المحتشمون فرط رفثه وقذعه ... ولقد مدح الملوك والأمراء والوزراء ~~والرؤساء، فلم يخل قصيدة فيهم من سفاتج هزله، ونتائج فحشه، وهو عندهم مقبول ~~الجملة، غالي مهر الكلام، موفور الحظ من الإكرام والإنعام». # ومثله ابن سكرة، قال فيه الثعالبي أيضا: «فائق في قول الملح والظرف، أحد ~~الفحول الأفراد، جار في ميدان المجون والسخف ما أراد.» # ولم يتحرجا من أن يقولا أقبح المعاني في أصرح لفظ، ومع ذلك جرى شعرهما في ~~الناس، واختار الثعالبي منه أخفه، وهذا الأخف مقذع شنيع؛ فرواج هذا الشعر ~~أكبر دليل على ما وصل إليه الانحلال الخلقي في هذا المجتمع. # هذه الصورة للأدب تصور الحياة الاجتماعية في نعيمها وترفها، ولهوها ومجونها. ~~وثم وجه آخر هو الفقر والبؤس والتحايل على كسب العيش انعكست صورته على الأدب ~~أيضا. # من ذلك أن جماعة رأوا حياة الأغنياء والتجار والأدباء والعلماء في حرج ~~وشدة، فالأغنياء يصادرون، والتجار ترهقهم الضرائب، والأدباء والعلماء لا ~~يجدون ما يأكلون إلا إذا اتصلوا بأمير، فاتخذوا وسيلتهم في كسب العيش التسول عن ~~طريق الأدب الشعبي أحيانا، والنصب والاحتيال أحيانا، ووجدت طائفة كبيرة من ~~هذا القبيل سموا الساسانيين أو بني ساسان، أو أهل الكدية. # وساسان هذا قد رووا فيه ms101 أقوالا مختلفة، فمن قائل إنه ساسان بن أسفندريار، ~~كان من حديثه أنه لما حضر أباه الوفاة فوض أمر الحكم إلى ابنته، فأنف ساسان ~~من ذلك، واشترى غنما وجعل يرعاها، وعير بأنه راعي الغنم، فقيل ساسان الراعي، ~~وساسان الكردي، ثم نسب إليه كل من تكد «تسول» فيقال فلان بن بني ساسان. ~~وقيل كان ساسان ملكا من ملوك العجم حاربه دارا ملك الفرس، ونهب كل ما كان له، ~~واستولى على ملكه فصار رجلا فقيرا يتردد في الأحياء ويستعطي، فضرب به المثل. ~~وقيل إنه كان رجلا فقيرا بصيرا في استعطاء الناس والاحتيال، فنسبوا ~~إليه. # وكانت طائفة يتجول أفرادها في البلاد يستجدون ويحتالون، وكان عند بعضهم مقدرة ~~أدبية يحتالون بها على الناس كشأن ما نسميهم في مصر «الأدباتية»، وعند بعضهم ~~دهاء وحيل لابتزاز المال. # هذه الطائفة كان من صداها في هذا العصر ظهور نوع من الأدب جديد هو مقامات ~~بديع الزمان الهمذاني، ثم الحريري، وكلها حكايات قصيرة تدور كل منها حول حيلة ~~يحتالها رجل لكسب شيء من المال عن طريق التكدي، صيغت في أسلوب أدبي. وكل مقامات ~~البديع بطلها أبو الفتح الإسكندري، وكل مقامات الحريري بطلها أبو زيد السروجي، ~~والبطل يحتال لقنص المال في كل مقامة. # وقد ورد ذكر الساسانيين في مقامات بديع الزمان، وأوضح لنا الحريري في مقامته ~~المسماة بالمقامة الساسانية كثيرا من البواعث الدافعة على التسول، فقال: «سمعت ~~أن المعايش إمارة، وتجارة، وزراعة، وصناعة، فمارست هذه الأربع؛ لأنظر أيها أوفق ~~وأنفع، فما أحمدت منها معيشة، ولا استرغدت عيشة، أما فرص الولايات، وخلس ~~الإمارات، فكأضغاث الأحلام، والفيء المنتسخ بالظلام، وناهيك غصة بمرارة ~~الفطام، وأما بضائع التجارات فعرضة للمخاطرات، وطعمة للغارات، وما أشبهها ~~بالطيور الطائرات، وأما اتخاذ الضياع، والتصدي للازدراع، فمنهكة للأغراض، ~~وقيود عاتقة عن الارتكاض، وقلما خلا ربها عن إذلال، أو رزق روح بال، وأما ~~حرف أولي الصناعات فغير فاضلة عن الأقوات، ولا نافقة في جميع الأوقات ... ولم ~~أر ما هو بارد المغنم، لذيذ المطعم، وافي المكسب، صافي المشرب؛ إلا الحرفة التي ~~وضع ms102 ساسان أساسها، ونوع أجناسها، وأضرم في الخافقين نارها، وأوضح لبني غبراء ~~منارها ... إذ كانت المتجر الذي لا يبور، والمنهل الذي لا يغور ... وكان أهلها أعز ~~قبيل، وأسعد جيل، لا يرهقهم مس حيف، ولا يقلقهم سل سيف ... ولا يرهبون ممن ~~برق ورعد، ولا يحفلون بمن قام وقعد ... أينما سقطوا لقطوا، وحينما انخرطوا خرطوا، ~~لا يتخذون أوطانا، ولا يتقون سلطانا.» # ثم بين شروط النجاح فيها، وقال: إنها تحتاج إلى النشاط والحركة، وإلى ~~الفطنة، وإلى القحة، وإلى المكر والحيلة، وروى أنه كان مكتوبا على عصا شيخنا ~~ساسان: «من طلب جلب، ومن جال نال.» كما أنها تحتاج إلى الخلب بصوغ ~~اللسان، وسحر البيان، والصبر، وعدم اليأس، وتفضيل الذرة المنقودة على الدرة ~~الموعودة ... إلخ. # واشتهر من شعراء بني ساسان في القرن الرابع شاعران كبيران يعاصران البديع، ~~ويسبقان الحريري، وهما الأحنف العكبري، وأبو دلف الخزرجي. فالأحنف كان آدب بني ~~ساسان ببغداد، وقد اشتهر بالظرف والشعر الرقيق في الحرفة الساسانية، ~~كقوله: # قد قسم الله رزقي في البلاد فما # يكاد يدرك إلا بالتفاريق # ولست مكتسبا رزقا بفلسفة # ولا بشعر ولكن بالمخاريق # والناس قد علموا أني أخو حيل # فلست أنفق إلا في الرساتيق # ووضع قصيدة دالية في هذه الحرفة يقول فيها: # على أني بحمد الله # في بيت من المجد # بإخواني بني ساسا # ن أهل الجد والجد # لهم أرض خراسان # فقاشان إلى الهند # إلى الروم إلى الزنج # إلى البلغار والسند # إذا ما أعوز الطرق # على الطراق والجند # حذارا من أعاديهم # من الأعراب والكرد # قطعنا ذلك النهج # بلا سيف ولا غمد # ومن خاف أعاديه # بنا في الروع يستعدي # 55 # وأبو دلف كان من الواردين على الصاحب بن عباد في الري، وقد طوف البلاد ~~مكديا، وحاكى الأحنف العكبري في داليته الساسانية برائية مثلها ~~مطلعها: # جفون دمعها يجري # لطول الصد والهجر # ومنها: # على أني من القوم ال # بهاليل بني الغر # بني ساسان والحامي # الحمى في سالف العصر # فنحن الناس كل النا # س في البر وفي البحر # أخذنا جزية الخلق # من الصين إلى مصر ms103 # إلى طنجة بل في ك # ل أرض خيلنا تسري # لنا الدنيا بما فيها # من الإسلام والكفر # فنصطاف على الثلج # ونشتو بلد التمر ~~... إلخ. # وقد استعمل في هذه القصيدة الألفاظ الاصطلاحية لبني ساسان، وأبان كثيرا من ~~أنواع حيلهم، وطريقة ابتزازهم أموال الناس، فمن باب استعمال الألفاظ - مثلا - ~~استعماله دور إذا دار على السكك والدروب وسخر بالنساء ، ورعس بمعنى طاف ~~على حوانيت الباعة، فأخذ من هنا جوزة ومن هنا لوزة؛ «والكذابات» بمعنى ~~العصابات يشدونها على جباههم يوهمون بها أنهم مرضى ... إلخ. # واستعمال الحيل مثل إيهام الناس أنه يجمع الصدقة للخروج إلى الغزو، أو يحتال ~~على من أصيب بوجع الضرس فيجعل دود الجبن فيما بين أسنانه ثم يخرجه ويوهم أنه ~~أخرجه بالرقية، أو يتعامى وهو بصير، أو ينظر في الفال والزجر والنجوم، أو يعطي ~~قوما دراهم حتى يأتوا ويسألوا عن نجمهم تحميسا للناس أن يحذوا حذوهم ... ~~إلخ. # ولهم لغة خاصة وأدب خاص واصطلاحات لا يكاد يفهمها غيرهم، وتسمى «مناكاة بني ~~ساسان». # قال الثعالبي في وصف الصاحب بن عباد: «وكان الصاحب يحفظ مناكاة بني ساسان ~~حفظا عجيبا، ويعجبه من أبي دلف وفور حظه منها، وكانا يتجاذبان أهدابها، ~~ويجريان فيما لا يفطن له حاضرهما.» # 56 # ولعل المناكاة مفاعلة من نكى بمعنى أتى عملا لإغضاب الغير وقهره، ومنه ~~«ضعيف النكاية أعداءه»، فيظهر أنه كان من حيلهم أنهم يتهاجون ويتسابون ~~ويتخاصمون تصنعا حتى يستلبوا مال الناس؛ ولعل المقامة الدينارية في مقامات ~~البديع - التي تمثل رجلين يتسابان بأقبح السباب من هذا الضرب - وقد جمع فيها ~~كل سب كان في عصره من مثل: يا برد العجوز، يا وسخ الكوز، يا درهما لا يجوز، يا ~~سنة البوس، يا كوكب النحوس ... إلخ. فرد عليه الآخر بقوله: يا قراد ~~القرود، يا لبود اليهود، يا عدما في وجود ... إلخ. وقد ذكر البديع في هذه ~~المقامة أنهما كانا من بني ساسان. # فترى من هذا أن الضرب من الحفاة الذي جر إليه سوء الحالة الاقتصادية، وعدم ~~التوازن الاجتماعي، والإفراط في البؤس بجانب الإفراط في الترف، ms104 قد انعكست صورته ~~على الأدب، فأخرج المقامات وغيرها من أدب التكدي، كما أخرج شعرا كثيرا في ~~شكوى الزمان وسوء الحال، من مثل ما نراه في شعر ابن لنكك البصري ~~كقوله: # يا زمانا ألبس الأح # رار ذلا ومهانه # لست عندى بزمان # إنما أنت رمانه # كيف نرجو منك خيرا # والعلا فيك مهانه # أجنون ما نراه # منك يبدو أم مجانه # وقوله: # جار الزمان علينا في تصرفه # وأي دهر على الأحرار لم يجر # عندي من الدهر ما لو أن أيسره # يلقى على الفلك الدوار لم يدر # وقوله: # نحن والله في زمان غشوم # لو رأيناه في المنام فزعنا # يصبح الناس فيه من سوء حال # حق من مات منهم أن يهنا ~~... إلخ إلخ. # وله في ذلك الشيء الكثير بين جد وهزل. ~~••• # وكانت في هذا العصر مجموعة من الشعراء تمثل صور الحياة الاجتماعية المختلفة؛ ~~فالصنوبري الحلبي يمثل الترف والنعيم والعيش الرغد، ينعم بالقصر الفخم ~~والحديقة الغناء، ويتغنى بجمال الأزهار وجمال الطبيعة، فله شعر في الورد، وشعر ~~في حديقة يعتز بها ويقول فيها: # لو كنت أملك للرياض صيانة # يوما لمل وطئ اللئام ترابها # وقطع في وصف الورد والنرجس والأقحوان والنمام والسوسن والشقيق والبنفسج ~~والياسمين ... إلخ، ثم غزل قليل. # ويقيم مناظرة بين الورد والنرجس فيقول: # زعم الورد أنه هو أبهى # من جميع الأنوار والريحان # فأجابته أعين النرجس الغ # ض بذل من فوقها وهوان # أيهما أحسن التورد أم مق # لة ريم من فضة الأجفان؟ # أم فماذا يرجو بحمرته الخ # د إذا لم يكن له عينان؟! # فزها الورد ثم قال مجيبا # بقياس مستحسن وبيان # إن ورد الخدود أحسن من عي # ن بها صفرة من اليرقان # والذي مكن له في هذا غناه؛ فقد كان له بمدينة حلب قصر فخم حوله الغروس ~~والرياحين وشجر النارنج، إلى ذوق فني يغني في جمال الأزهار. # يقابله الشاعر ابن لنكك الذي يصور البؤس والفقر وعبث الأقدار، وقد قال فيه ~~الثعالبي: «كانت حرفة الأدب تمسه وتجمشه، ومحنة الفضل تدركه فتخدشه، ونفسه ~~ترفعه، ودهره يضعه.» فأفاض في شكوى الزمان، ms105 وجوده، وعجائبه: # نحن من الدهر في أعاجيب # فنسأل الله صبر أيوب # أقفرت الأرض من محاسنها # فابك عليها بكاء يعقوب # وقد سبق أن ذكرنا بعض شعره في هذا الباب. # وإذا كانت الحياة الاجتماعية بين بائس ومجدود، غنى ذلك نغمة مرحة في ترفه ~~ونعيمه وزهوره، وغنى هذا نغمة حزينة في بؤسه وفقره وخذلان زمانه له. # والمتنبي يمثل في مجتمعه ما كان من أحداث في الحروب بين الحمدانيين والروم؛ ~~فقد كان شاعر سيف الدولة، وكان شاعرا فارسا يغشى الحروب مع سيف الدولة، ويسجل ~~حوادثها تسجيلا أدبيا في النصر والهزيمة، والضرب والطعان والأسر والسبي، ~~فشعره في هذا لمعمعة القتال والمعيشة الحربية. # ثم هو يمثل الأدب الأرستقراطي، فهو يمثل الأدب الذي يعيش على موائد الملوك، ~~فلم يكن يمدح إلا ملكا أو شبه ملك، وقد ترفع عن مدح الصاحب بن عباد وهو ما هو ~~في منزلته وجاهه. فشعره ينقسم إلى سيفيات في سيف الدولة، وكافوريات في كافور، ~~وعضديات في عضد الدولة؛ ولكنه في مديحه هذا يرفع نفسه إلى مرتبة من يمدحه، ~~فيكون صديقا أو حبيبا لا عبدا مستجديا؛ فيقول في كافور: # وما أنا بالباغي على الحب رشوة # ضعيف هوى يبغى عليه ثواب # وما شئت إلا أن أدل عواذلي # على أن رأيي في هواك صواب # إذا نلت منك الود فالمال هين # وكل الذي فوق التراب تراب # ويقول في ابن العميد: # تفضلت الأيام بالجمع بيننا # فلما حمدنا لم تدمنا على الحمد # فجد لي بقلب إن رحلت فإنني # مخلف قلبي عند من فضله عندي # وفي سيف الدولة: # يا أعدل الناس إلا في معاملتي # فيك الخصام وأنت الخصم والحكم ~~••• # سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا # بأنني خير من تسعى به قدم # أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي # وأسمعت كلماتي من به صمم # أنام ملء جفوني عن شواردها # ويسهر الخلق جراها ويختصم # ونقد المجتمع نقدا مرا؛ ولكن لا من ناحية أنه لم يجد ما يأكل كابن لنكك، ~~ولا من ناحية أن مجتمعه في نفسه فاسد كأبي العلاء، ولكن من ناحية أنه وازن ms106 بين ~~نفسه وكفايتها في الحرب والأدب وطلب المجد، وبين ملوك زمانه وأمرائه، فرأى أنه ~~أحق بالملك أو بالإمارة منهم، فهجا المكان والزمان والدنيا: # لحا الله ذي الدنيا مناخا لراكب # فكل بعيد الهم فيها معذب ~~••• # ودهر ناسه ناس صغار # وإن كانت لهم جثث ضخام # وما أنا منهمو بالعيش فيهم # ولكن معدن الذهب الرغام # فشبه الشيء منجذب إليه # وأشبهنا بدنيانا الطغام ~~••• # إذا ما الناس جربهم لبيب # فإني قد أكلتهمو وذاقا # فلم أر ودهم إلا خداعا # ولم أر دينهم إلا نفاقا ~~••• # يقولون لي: ما أنت في كل بلدة # وما تبتغي؟ ما أبتغي جل أن يسمى # 57 # كأن بنيه عالمون بأنني # جلوب إليهم من معادنه اليتما # وما الجمع بين الماء والنار في يدي # بأصعب من أن أجمع الجد والفهما ~~••• # وإني لمن قوم كأن نفوسهم # بها أنف أن تسكن اللحم والعظما # ويرى علة فساد المجتمع فساد ملوكه، ولا يصلح للعرب إلا ملوك من العرب، وهو ~~يرشح بذلك لنفسه: # سادات كل أناس من نفوسهم # وسادة المسلمين الأعبد القزم # أغاية الدين أن تحفوا شواربكم # يا أمة ضحكت من جهلها الأمم # ألا فتى يورد الهندي هامته # كيما تزول شكوك الناس والتهم ~~••• # ردي حياض الردى يا نفس واتركي # حياض خوف الردي للشاء والنعم # إن لم أذرك على الأرماح سائلة # فلا دعيت ابن أم المجد والكرم # أيملك الملك والأسياف ظامئة # والطير جائعة لحم على وضم؟ # ميعاد كل رقيق الشفرتين غدا # ومن عصى من ملوك العرب والعجم # فهو بذلك كله ينقد المجتمع ويذم الدهر من ناحيته الشخصية، وهو أنه لم ينله ~~مقصده. # كما أنه يمثل مجتمعه من ناحية أخرى دقيقة؛ فقد كان في الشام والعراق ومصر بدو ~~وحضر، وتثقف المتنبي ثقافة بدوية وحضرية، وأقام في البدو حينا وعاش عيشتهم ~~واستفاد من ألفاظهم وأساليبهم، ثم خالط سيف الدولة وكافورا وعضد الدولة، وأكل ~~على موائدهم، ورأى ترفهم نعيمهم، فكان لذلك صدى في شعره؛ فهو بدوي حضري: بدوي ~~في لفظه وأسلوبه وقوته وجزالته، وفي كثير من معانيه وأوصافه كوصف الخيل ~~والسلاح، حضري في بعض ms107 معانيه كوصف الفازة من الديباج عليها صورة ملك الروم وصور ~~وحش وحيوان، ويصف بطيخة من الند في غشاء من خيزران عليها قلادة لؤلؤ وعلى رأسها ~~عنبر قد أدير حولها ... إلخ. # ويحن إلى الأعرابيات، ويتشبب بهن، ويفضلهن على الحضريات: # من الجآذر في زي الأعاريب # حمر الحلى والمطايا والجلابيب ~~••• # ما أوجه الحضر المستحسنات به # كأوجه البدويات الرعابيب # حسن الحضارة مجلوب بتطرية # وفي البداوة حسن غير مجلوب # أين المعيز من الآرام ناظرة # وغير ناظرة في الحسن والطيب # أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها # مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب # لا برزن من الحمام مائلة # أوراكهن صقيلات العراقيب # ومن هوى كل من ليست مموهة # تركت لون مشيبي غير مخضوب # ومن هوى الصدق في قولي وعادته # رغبت عن شعر في الرأس مكذوب # فهو يمثل أيضا ما كان في عصره من بداوة وحضارة، وبساطة في العيش ~~وتركيب. # وابن حجاج، وابن سكرة يمثلان الأدب الشعبي، وحالة العصر في مجونه وهزله، ~~وفساده وانحطاطه، وأدبه المكشوف الذي لا يرعى خلقا ولا ذوقا، فكل لفظة مهما ~~تعرت وسقطت صالحة لأن تكون في الشعر، وأن تقال في حضرة الملوك والوزراء ~~والقضاة، وتختار فيما يختار للمتأدبين، كما فعل الثعالبي في اليتيمة، وقد سبق ~~بعض القول فيهما. # والشريف الرضي يمثل طبقة الأشراف المثقفة الواسعة العلم، المعتزة بجاهها ~~ونسبها ومنصبها، تعيش عيشة الترف، وتجالس الخلفاء والوزراء من ناحية، وتتصل ~~بحكم منصبها بالشعب - إذ كان نقيب الأشراف - من ناحية أخرى. # فيقول الشعر اعتزازا بالجاه والنسب، ويخاطب الخليفة القادر: # عطفا أمير المؤمنين فإننا # في دوحة العلياء لا نتفرق # ما بيننا يوم الفخار تفاوت # أبدا كلانا في العلاء معرق # إلا الخلافة ميزتك فإنني # أنا عامل منها وأنت مطوق # وهو لمركزه يقيد كثيرا من أحداث التاريخ العظمى التي شاهدها، وقد شاء القدر ~~أن يكون في مجلس الخليفة الطائع يوم فتك الفرس به، كما كان البحتري في مجلس ~~المتوكل يوم فتك الترك به، وخرج هذا - كما خرج ذاك - هائما، وقال «الشريف» في ~~ذلك قصيدته التي مطلعها: «لواعج الشوق تخطيهم وتصميني» ms108 وقد تقدمت نبذة منها. ~~وله في ذلك قصيدة أخرى منها: # إن كان ذاك الطود خ # ر فبعد ما استعلى طويلا ~~••• # لهفي على ماض قضي # ألا ترى منه بديلا # وزوال ملك لم يكن # يوما يقدر أن يزولا # وقال قصيدته الأخرى: # أي طود دك من أي جبال # لقحت أرض به بعد حيال # ما رأى حي نزار قبلها # جبلا سار على أيدي رجال # عقروا ليثا ولو هاهوا به # كان بعد العقر أرجي للصيال ~~••• # وكأني خلل الغيب أرى # نغرة من جرحها بعد اندمال # وإذا الأعداء عدوك لها # سلموا فضلك من غير جدال # لا أضاعوا رابئا في قلة # كلأ المجد وقد نام الكوالي # 58 # يوم للشعب دهان من دم # والمواضي للمقاديم # 59 # فوالي ~~••• # فاتني منك انتصار بيميني # فتلافيت انتصارا بمقالي ~~... إلخ. # وقد كانت ثورة البحتري أقوى وأصرح وأعنف، إذ لم تكن النفوس اعتادت «التقية» ~~من كثرة ما أصابها من ظلم. # هذا إلى ما يسجله من أحداث كثيرة من رجال الدولة البويهية. # كما أنه كان شاعر الشيعة يشكو الزمان لعدم إنصافهم، ويعدد مزاياهم واستحاقهم، ~~ويرثي لما أصابهم، ويرثي الحسين ... إلخ، فهو لسان العلويين والطالبيين، وباعث ~~الأمل فيهم في استرداد حقوقهم، ونيل ما فاتهم. # ثم له الناحية الخاصة في حياته، التي يمثل في شعره فيها حياة الأدباء ~~والظرفاء الموسرين من غزل في الحرائر والإماء، من مثل قوله: # وتميس بين مزعفر ومعصفر # ومعنبر وممسك ومصندل # وإذا سألت الوصل قال جمالها # جودي، وقال دلالها لا تفعلي # وفي الغلمان على عادة عصره، مثل قوله في غلام لا يحسن التكلم ~~بالعربية: # حبيبي ما أزرى بحبك في الحشا # ولا غض عندي منك أنك أعجم # بنفسي من يستدرج اللفظ عجمة # كما يمضغ الظبي الأراك ويبغم # وله الأبيات الكثيرة في وصف الزهور، والسماء والنجوم، وحمامة وفرخيها، والبرق ~~والفجر ... إلخ. # ويظهر أنه كان ضعيف الصحة، مصابا بالأمراض، ومعرضا للأخطار، فارتاع من ~~الشيب وأكثر من وصفه، وأجاد في مراثي أصدقائه وأقربائه إجادة فائقة، وقد كان ~~صديقا لكثير من علماء عصره وأدبائهم سبقوه إلى الموت، فخلد عواطفه ms109 نحوهم في ~~شعر رقيق. # وأبو العلاء المعري في لزومياته ناقد للمجتمع لا لما جناه المجتمع على شخصه ~~كما فعل المتنبي، ولكن لما جناه المجمتع على نفسه. # فالملوك في وضعهم الحقيقي خدام الرعية، ولكنهم بالفعل ظالموها ~~ومستغلوها: # مل المقام فكم أعاشر أمة # أمرت بغير صلاحها أمراؤها # ظلموا الرعية واستجازوا كيدها # وعدوا مصالحها وهم أجراؤها # وهؤلاء الولاة المسيطرون على الناس لا عقل لهم، ولا عدل عندهم، شياطين في ~~ثياب ولاة، لا يهمهم جوع الناس إذا ملئت بطونهم، وخمرت رؤوسهم: # ساس الأنام شياطين مسلطة # في كل مصر من الوالين شيطان # من ليس يحفل خمص الناس كلهم # إن بات يشرب خمرا وهو مبطان # وحول هؤلاء الولاة بطانة قد جمدت عواطفهم كأنها الحجارة أو أشد قسوة، لا ~~يرحمون دمعة مظلوم، ولا يجيبون صرخة مستغيث: # يجور فينفي الملك عن مستحقه # فتسكب أسراب العيون الدوامع # ومن حوله قوم كأن وجوههم # صفا لم يلين بالغيوث الهوامع # والقضاة لا عقل ولا عدل: # وأي امرئ في الناس ألفي قاضيا # فلم يمض أحكاما كحكم سدوم # وفقهاء، صناعتهم الكلام ولا روح ولا أحلام: # كأن نفوس الناس والله شاهد # نفوس فراش ما لهن حلوم # وقالوا فقيه والفقيه مموه # وحلف جدال والكلام كلوم # ووعاظ، يقولون ما لا يفعلون، ويأتون ما ينكرون: # رويدك قد غررت وأنت حر # بصاحب حيلة يعظ النساء # يحرم فيكم الصهباء صبحا # ويشربها على عمد مساء # وشعراء، ليسوا إلا لصوصا يعدون على من قبلهم في سرقة أقوالهم، ويعدون على ~~الأغنياء بمديحهم لسلب أموالهم: # وما شعراؤكم إلا ذئاب # تلصص في المدائح والشباب # أضر - لمن تود - من الأعادي # وأسرق للمقال من الزباب # 60 # وقوم تسودهم الخرافة فيلجئون إلى المنجمين والعرافين والمعزمين، وما ~~لهؤلاء من علم، ولكنها شباك تنصب لاستدرار الأموال من المغفلين ~~والمغفلات: # متكهن ومنجم ومعزم # وجميع ذاك تحيل لمعاش ~~••• # لقد بكرت في خفها وإزارها # لتسأل بالأمر الضرير المنجما # وما عنده علم فيخبرها به # ولا هو من أهل الحجا فيرجما # ويوهم جهال المحلة أنه # يظل لأسرار الغيوب مترجما # ولو سألوه بالذي فوق صدره # لجاء ms110 بمين أو أرم وجمجما ~~••• # سألت منجمها عن الطفل الذي # في المهد كم هو عائش من دهره # فأجابها مائة ليأخذ درهما # وأتى الحمام وليدها في شهره # وبعد أن نقدهم طبقات، من الملوك إلى القضاة إلى الوعاظ إلى التجار إلى ~~النساء، نقدهم جملة، فكل الناس في كل زمان ومكان لا يصلحون إلا للفناء: # وهكذا كان أهل الأرض مذ فطروا # فلا يظن جهول أنهم فسدوا ~~••• # لو غربل الناس كيما يعدموا سقطا # لما تحصل شيء في الغرابيل # أو قيل للنار: خصي من جنى، أكلت # أجسادهم وأبت أكل السرابيل ~~••• # يحسن مرأى لبني آدم # وكلهم في الذوق لا يعذب # ما فيهم بر ولا ناسك # إلا إلى نفع له يجذب # أفضل من أفضلهم صخرة # لا تظلم الناس ولا تكذب # وسبب فسادهم أنهم منحوا العقل فلم يصغوا إليه ولم يلتفتوا له، وتجاذبهم ~~عقل يرشد وطبع يغوي، فجروا وراء طبعهم وأهملوا عقلهم: # فأوسع بني حواء هجرا فإنهم # يسيرون في نهج من الغدر لاحب # وإن غير الإثم الوجوه فما ترى # لدى الحشر إلا كل أسود شاحب # إذا ما أشار العقل بالرشد جرهم # إلى الغي طبع أخذه أخذ ساحب ~~••• # واللب حاول أن يهذب أهله # فإذا البرية ما لها تهذيب # من رام إنقاء الغراب لكي يرى # وضح الجناح أصابه تعذيب ~~••• # إلى الله أشكو مهجة لا تطيعني # وعالم سوء ليس فيه رشيد # حجى مثل مهجور المنازل داثر # وجهل كمسكون الديار مشيد ~~••• # العقل إن يضعف يكن مع هذه ال # دنيا كعاشق مومس تغويه # أو يقو فهي له كحرة عاقل # حسناء يهواها ولا تهويه ~~••• # فطبعك سلطان لعقلك غالب # تداوله أهواؤه بالتشصص # سقيت شرابا لم تهنأ ببرده # فعنيت من بعد الصدى بالتغصص # وهكذا أفاض في نقد المجتمع ومظاهره ونظمه وأخلاقه، وكان في كل ذلك موفقا كل ~~التوفيق، ومظهر توفيقه أنه استطاع في مهارة أن يدرك عيوب المجتمع في جملتها ~~وتفصيلها، ويعالج ظواهرها، ويعمق في النفس الإنسانية في دقة وتحليل، فيصل إلى ~~دخائلها. # وأبو حيان التوحيدي يمثل في أدبه وكتابته علاقة الأدباء والعلماء بالولاة ~~والوزراء والأغنياء، فإن ms111 أعطوا حسنت حالهم، وإلا ساء عيشهم، إذ لا مورد آخر ~~لهم. وقد كان أبو حيان غير موفق في استجدائه؛ ولعل سبب ذلك أنه لم يكن لبقا ~~ولا ماكرا إلى طول لسان، وإقذاع في الهجو لمن لا يعطيه، فعاش بائسا فقيرا، ~~ومثل ذلك في أدبه فيقول: «فقدت كل مؤنس وصاحب، ومرفق ومشفق، ووالله لربما ~~صليت في المسجد، فلا أرى إلى جنبي من يصلي معي، فإن اتفق فبقال أو عصار أو نداف ~~أو قصاب، ومن إذا وقف إلى جانبي أسدرني بصنانه، وأسكرني بنتنه؛ فقد أمسيت غريب ~~الحال، غريب النحلة، غريب الخلق، مستأنسا بالوحشة، قانعا بالوحدة، معتادا ~~للصمت، ملازما للحيرة، محتملا للأذى، بائسا من جميع ما ترى، متوقعا ما لا ~~بد من حلوله، فشمس العمر على شفا، وماء الحياة إلى نضوب، ونجم العيش إلى ~~أفول.» # وقد خاب ظنه فيمن أملهم من مثل ابن العميد، وابن عباد، وابن سعدان، وأبي ~~الوفاء البوزنجاني، فملأ كتبه: «الصداقة والصديق»، و«الإمتاع والمؤانسة»، ~~و«المقابسات» بالشكوى منهم، ثم لم يحظ بطائل. # هذا هو الأدب في ذلك العصر يصور المجتمع في شتى نواحيه. # | هوامش # | مراكز الحياة العقلية في ذلك العصر # الفصل الأول # | مصر والشام # توالى على مصر والشام في هذا العهد الدولة الطولونية (245ه-292ه)، ثم الإخشيدية ~~(323ه-358ه)، والدولة الحمدانية في حلب والموصل (317ه-394ه)، والفاطمية من (سنة ~~362ه-567ه). # وكانت الحركة العلمية فيها تنمو تبعا لسنة النشوء والارتقاء. # وأظهر الحركات العلمية فيهما الحركة الدينية من تفسير وحديث وفقه وقراءات؛ إذ ~~كانت هي الحركة العلمية الغالبة في المملكة الإسلامية، وكان رجالها أنشط العلماء، ~~وأميلهم إلى الرحلة للإفادة والاستفادة؛ للوازع الديني القوي عندهم، فكان يرد على ~~مصر والشام كثيرون من العلماء الدينيين من العراق وفارس والحجاز والمغرب، فينشرون ~~علمهم ويأخذون ما ليس عندهم، فكان مسجد عمرو بن العاص في الفسطاط، ومسجد أحمد بن ~~طولون، والأزهر فيما بعد مصدرا لثقافة دينية واسعة. كما كان المصريون والشاميون ~~يرحلون إلى الأقطار الأخرى لأخذ العلم من علمائها. # فكان من أشهر المحدثين والفقهاء في العهد الطولوني وقبله: الربيع بين سليمان ms112 ~~المرادي بالولاء، وقد امتاز بسعة الحفظ وجمع الرواية، وإن لم يمتز بالذكاء، له ~~الفضل الأكبر في حفظ مذهب الشافعي وروايته؛ فقد كان تلميذه، وكان مقربا إليه، ~~وقد نفعته قلة ذكائه في اعتماده على الضبط والتثبت أكثر مما يعتمد على الذكاء ~~والاستنتاج، وأدرك الشافعي هذه الميزة فيه فقربه إليه، وعني بتحميله علمه، وأفاد ~~مصر كثيرا فإنه عمر طويلا، إذ عاش نحو ست وتسعين سنة (174ه-270ه)، فيكون قد ~~عمر في العهد الطولوني نحو ستة عشر عاما. وكان يدرس في جامع الفسطاط، ثم استدعاه ~~أحمد بن طولون إلى التدريس في مسجده لما بناه، وقد نشر في مصر أحاديث الشافعي ~~وفقهه، كما روى أحاديث كثيرة رواها عن غير الشافعي كعبد الله بن وهب، ويحيى بن ~~حسان، وأسد بن موسى، وكان قبلة أنظار المحدثين من الأقطار المختلفة، فيرحلون إلى ~~مصر يأخذون عنه وعن أمثاله، فروى عنه من جامعي الكتب الصحيحة أبو داود، والنسائي، ~~وابن ماجة، وغيرهم، وعلى الجملة فكان الربيع بن سليمان مصدر حركة علمية دينية ~~كبيرة. # وكما كان الربيع بن سليمان إمام الشافعية في مصر، كان أبو جعفر الطحاوي إمام ~~الحنفية فيها، وكان من طحا وهي بلدة قديمة كانت في الوجه القبلي من أعمال «المنيا». ~~كان الطحاوي من عرب الأزد الذين نزلوا بها، وتفقه على خاله المزني صاحب الشافعي، ثم ~~تحول إلى مذهب أبي حنيفة، وتعلم على من كان بمصر من العلماء، ومن دخلها من الغرباء، ~~وكان مجتهدا في المذهب يضارع أبا يوسف ومحمدا، استفاد من جمعه بين فقه الشافعية ~~والحنفية، فكان يجتهد، ويخالف أبا حنيفة عند قيام الدليل، وينقد الحديث نقد معنى ~~وإن صح السند في نظر المحدثين، فكانت شخصيته غير شخصية الربيع بين سيلمان، إذ كان ~~هذا عمدة في الرواية، وذاك عمدة في الدراية. وكان من أسبق المؤلفين المصريين في ~~فنون مختلفة: ألف «معاني القرآن»، و«مشكل الآثار»، وشرح بعض كتب محمد بن الحسن، ~~وألف في التاريخ والنوادر الفقهية. عاش من سنة 229ه-321ه، فعاصر الدولة الطولونية ~~كلها، وترك في مصر حركة حنفية تساير ms113 حركة الربيع الشافعية، وتمتاز بإعمال العقل في ~~التشريع بجانب النقل. # كما اشتهر من المالكية روح بن الفرج أبو الزنباع الزبيري المتوفى سنة 282ه، وأحمد ~~بن الحارث بن مسكين المتوفى سنة 311ه. وأمثال هؤلاء كثيرون لا نطيل بذكرهم. # وهذه الدراسة كانت تعتمد على تفهم معاني القرآن ورواية الحديث، وأقوال الأئمة، ~~واستنباط الأحكام، كل على أصول مذهبه، وكانت على نمط الدراسة في العراق موضوعا ~~ومنهجا؛ إذ كانت رحلة العلماء في حركة مستمرة كأن المملكة الإسلامية كلها على ~~اتساع رقعتها بقعة واحدة. # وكان النابغون في مصر من علماء الدين إما من أصل عربي يرجع نسبه على القبائل ~~العربية الفاتحة أو الوافدة، أو من أصل مصري أصله قبطي وأسلم هو أو أسلم أجداده، ~~كما نرى في عثمان بن سعيد الملقب بورش أحد القراء المشهورين؛ فأصله قبطي، وانتهت ~~إليه رياسة الإقراء بالديار المصرية، وقد مات بمصر سنة 197ه، وخلف من حمل علم ~~القراءة بعده، واستمرت حركته إلى هذا العصر الذي نؤرخه. # وربما كان أكبر من يمثل الثقافة الدينية في هذا العصر أيضا أبو بكر بن الحداد، ~~فقد وصفوه بأنه عالم بالقرآن والحديث، والأسماء والكنى، والنحو واللغة، وسير ~~الجاهلية، والشعر والنسب، واختلاف الفقهاء، وكان أعلم أهل وقته، وولي القضاء ~~للإخشيد، وعاش تسعا وسبعين سنة، ومات سنة 344ه، وكان يلقب بفقيه مصر وفصيحها ~~وعابدها، وكان يدرس في جامع عمرو، وأخذ عنه أعلام الجيل الذي بعده. # ويصف ابن زولاق سيبويه المصري، فيقول: «كانت فيه صفات تشبه المتصدرين: يحفظ ~~القرآن، ويعلم كثيرا من معانيه وقراءاته، وغريبه وإعرابه وأحكامه، عالما بالحديث ~~وبغريبه ومعانيه وبالرواة، ويعرف من النحو، والغريب ما لقب بسببه سيبويه، ~~ويعرف صدرا من أيام الناس، والنوادر والأشعار، وتفقه على قول الشافعي.» # فيكاد يكون هذا برنامجا عاما لهذا النوع من الثقافة الدينية. # ولم تكن هناك مدارس في العهد الطولوني والإخشيدي، إنما تلقى الدروس في المساجد ~~كمسجد عمرو، وابن طولون، وفي بيوت الأمراء والوزراء والعلماء، وكانت هناك سوق تسمى ~~«سوق الوراقين» تباع فيها الكتب، وأحيانا تدور في دكاكينها المناظرات. # 1 ms114 # وكان بجانب الحركة الدينية حركة تعنى بتدوين أحداث مصر وتاريخها، وتسلك في منهجها ~~مسلك المحدثين، غاية الفرق أن المحدثين يجمعون ما روي عن رسول الله والصحابة ~~والتابعين فيما يتعلق بالأحكام الدينية ونحوها، وهؤلاء يروون ما قيل في أحداث ~~التاريخ، إنما الأسلوب واحد في الرواية؛ رجلا عن رجل «حدثنا فلان عن فلان قال»، ~~وقد لا يدققون في هذا الباب دقتهم في باب الأحاديث الدينية؛ ولذلك نرى من تخصص ~~في التاريخ أيضا ممن كانت دراستهم أساسها الحديث والفقه، ولنسق مثلا لذلك: ~~«حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار، قال: حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب ~~قال: كان عمر بن الخطاب قد أشفق على عمرو بن العاص عند فتحه لمصر فأرسل الزبير في ~~أثره في اثني عشر ألفا، فشهد معه الفتح.» # 2 # والمؤرخون من هذا النوع أوثق فيما نقلوه عن الفتح الإسلامي وبعده؛ ~~منهم فيما نقلوه عن تاريخ قبل الفتح، فهذا مملوء بالخرافات لجهلهم بالمصادر الصحيحة ~~في تاريخ اليونان والرومان ومن قبلهم إلى قدماء المصريين. # وقد اشتهر من هؤلاء ثلاثة مؤرخين في هذا العصر: ~~(1) # ابن يونس: # وهو أبو سعيد عبد الرحمن ~~بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى من بيت عرف بالحديث والفقه، عربي الأصل ~~من قبيلة الصدف، كان جده من أصحاب الشافعي، وقد قال فيه الشافعي: ~~«ما رأيت بمصر أعقل من يونس.» وانتهت إليه رياسة العلم بمصر، فجاء ~~حفيده هذا يعنى بتاريخ مصر بعد أن تثقف بالفقه والحديث، وقرأ ما كتبه ~~مؤرخو مصر قبله كابن عبد الحكم وغيره، وقد عاش في العهد الطولوني ~~والإخشيدي، عاش من (281ه-347ه)، ووجدت عنده العصبية لمصر يؤرخها ~~ويعنى بحوادثها ورجالها، وقد جمع لها تاريخين: أحدهما - وهو الأكبر - ~~يختص بالمصريين منشأ، والآخر صغير فيمن ورد على مصر من الغرباء، وقد ~~عني بجمع أحوال الناس، مطلعا على ما ألف فيها لعصره، واشتهر بين ~~المصريين بذلك، فقد قال أحد شعرائهم في رثائه: # ما زلت تلهج بالتاريخ تكتبه # حتى رأيناك في التاريخ مكتوبا # نشرت عن مصر من سكانها علما ms115 # مبجلا بجمال القوم منصوبا # كشفت عن فخرهم للناس ما سجعت # ورق الحمام على الأغصان تطريبا # أعربت عن عرب، نقبت عن نخب # سارت مناقبهم في الناس تنقيبا # أنشرت ميتهم حيا بنسبته # حتى كأن لم يمت إذ كان منسوبا # ومهما كان هذا الشعر ضعيفا، ففيه دلالة على تقدير هذا المؤرخ ~~واتجاهه في نشر مفاخر مصر ورجالها. ~~(2) # الكندي: # محمد بن يوسف من كندة، كان ~~من أعلم الناس بتاريخ مصر، وأهلها وأعمالها وثغورها، وهو مصري نشأ بمصر ~~ومات بها (283ه-350ه). # وقد ثقف ثقافة محدثين، وكان أشهر أساتذته ابن قديد، والنسائي ~~أحد مؤلفي الصحاح، وقد زار النسائي مصر إذ كان عمر الكندي سبعة عشر ~~عاما، وأقام بها زمنا فأخذ عنه الكندي، ثم عني بتاريخ مصر، وألف في ~~ذلك كتبا كثيرة، فألف في ولاة مصر وقضاتها - وقد وصل إلينا هذا ~~الكتاب - وألف في خطط مصر، وكتابا في موالي مصر، وقد كانت هذه الكتب ~~مما اعتمد عليها المقريزي في خططه. وكتابه الذي وصل إلينا عن قضاة ~~مصر وولاتها يلقي لنا ضوءا كبيرا على حالة مصر السياسية والاجتماعية ~~والأدبية، إذ يعرض للأحداث التي حدثت في عهد كل وال، وكيف تصرف فيها، ~~وما قيل فيها من الشعر. ~~(3) # ابن زولاق: # وهو الحسن بن إبراهيم ~~الليثي بالولاء. عني كذلك بتاريخ مصر، فأكمل أخبار قضاة مصر للكندي إلى ~~سنة 386ه؛ أي قبل وفاته بسنة، فقد مات سنة 387، وعني بخطط مصر فألف ~~فيها، وكانت خططه أساسا لمن أتى بعده من مؤلفي الخطط كالقضاعي، وابن ~~بركات، ثم المقريزي. # كما ألف لنا كتابا في أخبار سيبويه المصري أحد عقلاء المجانين، فروى ~~لنا طرفا من جيد أقواله، وغريب أحداثه، وأفادنا به فوائد كثيرة عن ~~الحالة الاجتماعية في العهد الإخشيدي. # وجاء مصر في العصر الإخشيدي المؤرخ المشهور «المسعودي» بعد أن رحل ~~إلى فارس والهند، وسيلان والصين، وطاف المحيط الهندي، ورحل رحلة أخرى ~~إلى ما وراء أذربيجان وجرجان، ثم إلى الشام، ثم إلى مصر، ونزل الفسطاط ~~وأقام بمصر نحو سنتين إلى أن توفي سنة 346ه، وكان مؤرخا ممتازا ms116 على ~~من سبقه بكثرة تجاربه من رحلاته ومشاهداته، ودقة نظره، وسعة اطلاعه، ~~والتفاته إلى آفاق واسعة في التاريخ، كالحياة الاجتماعية والاقتصادية، ~~والمذاهب الدينية، وأصول الحضارة، وغير ذلك، وقد بعد في التاريخ عن ~~أسلوب المحدثين، فانتقل به خطوة أخرى، ولا شك أن وجوده بمصر ونشر كتبه ~~فيها كان له أثر كبير في الثقافة التاريخية. # وانتقلت من العراق إلى مصر صورة من خلافات المتكلمين، وذلك على أثر أمر المأمون ~~بأخذ العلماء والقضاة بالقول بخلق القرآن ، وإرسال منشور لولاة الأمصار بتنفيذ ذلك، ~~فجاء المنشور مصر في جمادى الثانية سنة 218ه، فامتحن والي مصر قاضيها، فقال بخلق ~~القرآن، وامتحن الشهود والمحدثين، وكانت الحركة عنيفة عذب فيها خلق كثير، وخاصة ~~في عهد الواثق. قال الكندي: «إن أمر المحنة - محنة خلق القرآن في مصر - كان سهلا ~~في ولاية المعتصم، لم يكن الناس يؤاخذون بها شاءوا أو أبوا حتى مات المعتصم، وقام ~~الواثق سنة 227ه فأمر أن يؤخذ الناس بها، وورد كتابه على محمد بن أبي الليث - قاضي ~~مصر - بذلك، وكأنها نار أضرمت ... فلم يبق أحد من فقيه ولا محدث، ولا مؤذن ولا معلم، ~~حتى أخذ بالمحنة، فهرب كثير من الناس، وملئت السجون ممن أنكر المحنة. وأمر ابن أبي ~~الليث بأن يكتب على المساجد: «لا إله إلا الله رب القرآن المخلوق»، فكتب ذلك على ~~المساجد بفسطاط مصر، ومنع الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي من الجلوس في المسجد، ~~وأمرهم ألا يقربوه.» # وكان طبيعيا أن تثير هذه المسألة في الجو المصري الجدل في الاعتزال وأصوله، ~~واعتنقه قوم ورفضه آخرون. ولما جاء المتوكل وأغلق هذا الباب ظل قوم يعتنقون مذهب ~~الاعتزال، ويدعون إليه في العصر الطولوني والإخشيدي، ولكن في شيء من الخفية، فيذكر ~~ابن زولاق أن أبا علي محمد بن موسى القاضي الواسطي كان وجه المتكلمين بمصر، وكان ~~يعلم الاعتزال، وأنه كان بها أبو عمران موسى بن رباح الفارسي أحد شيوخ ~~المعتزلة، # 3 # وأن سيبويه المصري كان معتزليا، وكان يتكلم على أصول المعتزلة، ويقول ~~بخلق القرآن، والناس يحتملون منه ما ms117 لا يحتملونه من سواه للوثة كانت فيه. # وكل ذلك في العهد الإخشيدي. # ثم ظهر في جو مصر مظهر ديني من نوع جديد على يد ذي النون المصري أحد مؤسسي ~~التصوف، والذي أحدث ضربا من الكلام لم يعرف قبل في مصر، أصله من إخميم من صعيد ~~مصر من أبوين نوبيين، وأخذ العلم المعروف في مصر من حديث وفقه، ووصف بأنه كان ~~يعرف الكيمياء، ويقرأ الخط الهيروغليفي على البرابي، ورحل إلى بلاد كثيرة كتاهرت ~~بالمغرب، وبيت المقدس وأنطاكية ، واليمن وبغداد، ومكة والمدينة، وقابل الرهبان وتحدث ~~إليهم، ثم طلع على الناس في مصر بكلام لم يألفوه، من الكلام في الأحوال والمقامات ~~والحب الإلهي، وأن مصادر المعرفة العقل والنقل، وشيء آخر زاده هو وهو الكشف، وأن ~~هناك علما ظاهرا، وعلما باطنا، ويعرض هذه الأقوال في أسلوب شعري جذاب. # وطبيعي أن تلاقي هذه التعاليم معارضة من الفقهاء الذين لا يؤمنون إلا بالنقل فإن ~~تجاوزوه فبالعقل، أما الكشف وعلم الباطن والحب والفناء فشيء لم يسمعوا به فعارضوه، ~~وكان على رأس المعارضين عبد الله بن الحكم شيخ المالكية، وابن أبي الليث قاضي مصر ~~الحنفي القوي الجبار، فكلاهما لم يرض عن ذي النون وتعاليمه، فاضطهد واتهم بالزندقة، ~~وأخيرا أرسل إلى دار الخلافة ببغداد فسجن في المطبق، ولكن مساعي الصوفية ببغداد ~~واتاصلهم برجال المتوكل جعلت المتوكل يستدعيه ويسمع منه ويتأثر بمواعظه، فيرسله إلى ~~مصر مكرما، ويعيش بعد ذلك تسع سنوات ينشر فيها تعاليمه آمنا مطمئنا حتى يموت ~~سنة 245ه. # ومن ذلك الحين وجدت بمصر الحركة الصوفية، وقويت حتى كان لها دخل في عزل بعض ~~الولاة. وتتابع في مصر بعد ذي النون أقطاب الصوفية، مثل أبي الحسن بنان بن محمد بن ~~حمدان بن سعيد الجمال، أصله من واسط، وصحب الجنيد ووفد على مصر، ورأس الحركة ~~الصوفية، وأنكر على ابن طولون تصرفاته، وأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر في غير ~~مبالاة، فرووا أنه قدمه لأسد فلم يؤذه فشاع ذكره في مصر، ولما مات خرج في تشييع ~~جنازته أكثر أهلها. ومن كلامه: «أجل ms118 أحوال الصوفية الثقة بالمضمون، والقيام ~~بالأمر، والمراعاة للسر، والتخلي من الكونين، والتعلق بالحق.» مات بمصر سنة ~~316ه. # هذه هي الحركة الدينية في مظاهرها المختلفة، وبجانبها كانت حركة لغوية ونحوية عني ~~بها؛ لأنها مفتاح لفهم القرآن والسنة، وأداة لفهم الأحكام، وقد نبغ في هذا العصر ~~ابن ولاد، وأبو جعفر النحاس. # فأما ابن ولاد أحمد بن محمد بن الوليد فمصري أصله من تميم، وكان من أسرة عرفت ~~بالنحو هو وأبوه وجده، وقال عنه المبرد: إنه شيخ الديار المصرية في العربية ، وقد ~~درس النحو ببغداد على الزجاج، ثم أتى مصر ينشر النحو على طريقة العراق، وألف كتاب ~~«الانتصار لسيبويه»، وكتاب «المقصور والممدود»، وهو يذكر فيه ما ورد من الكلام ~~مقصورا وممدودا، فيقول - مثلا: الأنى: واحد ساعات الليل، مقصور يكتب بالياء ... ~~وإنى الشيء: بلوغه وإدراكه، كذلك مقصور، قال تعالى: # إلى ~~طعام غير ناظرين إناه ~~؛ أي بلوغه وإدراكه ... وأما الأناء ~~بفتح أوله فممدود، وهو الانتظار والتأخير، قال الحطيئة: # وآنيت العشاء إلى سهيل # أو الشعرى فطال بي الأناء # والأناء: واحد الآنية، والأناة: من قولهم: رجل ذو أناة. وهي التؤدة، قال النابغة: ~~«الرفق يمن والأناة سعادة.» # ويقال: امرأة أناة، وهي التي فيها فتور عند القيام، والأصل: وناة؛ لأنها من ونى ~~يني، قال تعالى: # ولا تنيا في ذكري ~~. # وهكذا يأتي بكل الكلمات اللغوية التي ورد فيها القصر والمد، ويشرحها ويستشهد له ~~ويصرفها، وهو اتجاه لغوي طريف. # مات سنة 332ه في الدولة الإخشيدية. # وأما أبو جعفر النحاس فمصري عربي الأصل من مراد، وقد تعلم النحو كذلك في ~~العراق، وأخذ عن الأخفش الصغير والمبرد والزجاج، وكان هو وابن ولاد متعاصرين، ~~زميلين في التعلم ببغداد وفي التعليم بمصر. وقد ألف «إعراب القرآن»، و«معاني ~~القرآن»، و«المبهج في اختلاف البصريين والكوفيين»، و«وشرح المعلقات»، و«شرح ~~المفضليات»، و«شرح أبيات الكتاب» - كتاب سيبويه - و«الاشتقاق»، و«أدب الكتاب» ... ~~إلخ. # فكانا بعلمهما مصدرا لحركة قوية لغوية ونحوية في مصر، وتعلم عليهما كثيرون. ~~وقد مات النحاس سنة 338ه بعد ابن ولاد بست سنوات. # وقد ذكر لنا المتنبي في شعره في ms119 كافور أنه كان يدرس بمصر فن «الأنساب»، وعد ~~من مضحكات مصر أن الذي كان يدرس أنساب العرب نبطي من أهل العراق، فقال: # بها نبطي من أهل السواد # يدرس أنساب أهل الفلا # وقد ذكروا أنه يريد ابن حنزابه، وهو متحامل عليه، فابن حنزابه هذا من أفضل ~~الناس وعلمائهم، وهو ابن وزير العراق الخطير ابن الفرات. وكان ابن حنزابه وزيرا ~~للدولة الإخشيدية، وكان عالما محبا للعلماء يقربهم ويشجعهم ويصلهم بماله، حتى ~~قصده من علماء الأقطار الأخرى كثيرون، وكان يملي الحديث بمصر وهو وزير، ويقصد إليه ~~المحدثون يسمعون روايته، وله تآليف في أسماء الرجال والأنساب. وقد أراد المتنبي ~~أن يمدحه فعمل فيه قصيدته «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»، ولكنه لم ينشدها، فلما غضب ~~على كافور، وغضب على وزيره وخرج من مصر حولها في مدح ابن العميد، وعرض بابن ~~حنزابه. # أما الحركة الأدبية فقد كان الشعر فيها هزيلا، ومنذ الفتح الإسلامي إلى هذا ~~العهد الطولوني والإخشيدي لم تخرج مصر شاعرا كبيرا يضاهي شعراء العراق أمثال أبي ~~تمام والبحتري وابن الرومي، وهي ظاهرة تستحق النظر، فقد كانت الفنون راقية، كما ~~يتجلى ذلك في عمارة الفسطاط ومسجد ابن طولون، وكما كان فن الغناء لا بأس به، كما ~~يتجلى في وصف القيان في العهد الطولوني، وكانت هناك العناية بالبساتين والأزهار، ~~ولكن مع هذا كله لم تنبغ الشاعرية لا في العرب الذين وفدوا إلى مصر وأبنائهم، ولا ~~في المصريين الصميمين ممن تعلموا العربية؛ فنجد الفقيه المصري الذي يضاهي أئمة ~~العراق كالليث بن سعد، ونجد المحدث الذي يشابه أكبر محدثي العراق كابن لهيعة، ~~والنحوي الذي يضاهي نحويي البصرة والكوفة كابن ولاد، ونجد أتباع الأئمة في هذه ~~العلوم يشبهون الأتباع في العراق، ولكن لا نجد الشاعر النابغ هنا الذي يساوي الشاعر ~~النابغ هناك؛ فهل هذا لأن الشعر كان لا يرقى إلا في بلاط الخلفاء؟ أو أن نبوغ ~~الشعراء كنبوغ العظماء والزعماء خاضع لقوانين لم تستكشف بعد؟ أو لغير ذلك من ~~أسباب؟ # على كل حال كان أشهر شعراء مصر في ms120 العهد الطولوني الحسين بن عبد السلام المعروف ~~بالجمل، لم يصلنا شعره كاملا، وإنما هي نتف هنا وهناك، في مديح أحمد بن ~~طولون: # له يد كم خلدت من يد # سحابة عمت بأنوائها # وهو لدى الهيجاء ليث إذا # ما ثقلت قامت بأعبائها # انظر إلى مصر بسلطانه # تر الهدى فاض بأرجائها # وربما تظهر مصريته في ميله إلى الفكاهة، كقوله في ابن المدبر صاحب خراج مصر، ~~وكان الشاعر إذا مدحه ولم يرتض شعره أمر من يحمله إلى المسجد، ويفرض عليه أن يصلي ~~عددا معلوما من الصلاة، فقال الجمل: # قصدنا في أبي حسن مديحا # كما بالمدح تنتجع الولاة # فقالوا يقبل المدحات لكن # جوائزه عليهن الصلاة # فقلت لهم وما تغني صلاتي # عيالي؟ إنما الشأن الزكاة # فيأمر لي بكسر الصاد منها # فتصبح لي الصلاة هي الصلات # وله شعر رواه الكندي في أخبار القضاة، كان يقوله في المناسبات عندما يحدث في مصر ~~بعض الأحداث. # كما كان هناك شعراء آخرون في العهد الطولوني والإخشيدي في مثل منزلة الجمل؛ ولذلك ~~لما جاء المتنبي مصر في عهد كافور ابتلعهم كما يبتلع الحوت الكبير السمك الصغير، ~~ولم يستطع أن يجاريه منهم أحد. # وربما كان حظ النثر الفني أكبر من حظ الشعر، كما يتجلى ذلك فيما بقي لنا من ~~رسائل «ابن عبد كان» ككتابه الذي كتبه على لسان أحمد بن طولون لابنه لما خرج عليه، ~~ففيه المسحة العراقية، جمعت بين طول نفس الجاحظ، وجزالة عمرو بن مسعدة، مع ميل ~~إلى السجع كثيرا، والمزاوجة دائما، وإطناب في اللفظ، وتكرار للمعنى من مثل قوله: ~~«واعلم أن البلاء بإذن الله قد أظلك، والمكروه إن شاء الله قد أحاط بك، والعساكر ~~بحمد الله قد أتتك كالسيل في الليل، تؤذن بحرب وويل، فإننا نقسم، ونرجو ألا نجور ~~ونظلم، ألا نثني عنك عنانا، ولا نؤثر على شأنك شانا، ... منفقين كل مال خطير، ~~ومستصغرين بسببك كل خطب جليل، حتى تستمر من طعم العيش ما استحليت، وتستدفع من ~~البلايا ما استدعيت ... إلخ.» # 4 # وكما يتجلى في كتاب «المكافأة» لأحمد بن يوسف ms121 المعروف بابن الداية، فقد ألفه في ~~العهد الطولوني، وبناء على قصص لمن عملوا الجميل فكوفئوا عليه بالجميل، فموضوعه ~~طريف، وعرضه في أسلوب قوي جزل متين. # إلى جانب هاتين الحركتين الدينية والأدبية، كانت حركة العلوم الفلسفية التي تشمل ~~الطب والنجوم والإلهيات وما إليها، وهي بقية من بقايا مدرسة الإسكندرية، وقد كانت ~~لا تزال باقية في مصر، وإن ضعفت بالفتح الإسلامي، وإقبال الناس على الثقافة العربية ~~يتعلمون لغتها، ويبحثون فيما أتت به من دين، فاتجهت أكثر الثقافة إلى الاشتغال ~~بالدين الإسلامي وعلومه، واللغة العربية وعلومها، وبقيت بقية قليلة للفلسفة وما ~~إليها، كان أكثرها من رجال الدين النصارى لامتزاج النصرانية بالأفلاطونية الحديثة، ~~عندما اختلف النصارى في عقائدهم، وتجادلوا في مذاهبهم، والتجأ كل مذهب إلى ~~الاستعانة بالفلسفة اليونانية في تأييد رأيه. # وكان أمراء مصر وولاتها يحتاجون إلى الأطباء والمنجمين، وقل أن يجدوهم إلا في ~~النصارى، والطب والتنجيم فرعان من فروع الفلسلفة اليونانية، كان من اشتغل بهما ~~مضطرا أن يقرأ الفلسفة اليونانية في إلهياتها وطبيعتها وكيميائها. # فاشتهر من هؤلاء سعيد بن نوفل النصراني طبيب ابن طولون، كما اشتهر سعيد بن ~~البطريق، «وكان طبيبا نصرانيا من أطباء فسطاط مصر، وكانت له دراية بعلوم النصارى ~~ومذاهبهم ... وقد عين بطريركا على الإسكندرية، ومات سنة 328ه، وله كتب في الطب، ~~والجدل بين المخالف والنصراني ... إلخ». # 5 # وقد ترجم كتاب «الحيوان» لأرسطو، وكتاب «السماء والعالم» لأرسطو أيضا. # على أن بعض علماء المسلمين المصريين كان يتصل بهذه الحركة ويتصل برجالها ويقرأ ~~كتبها، فابن الداية الذي سبق ذكره كان - كما يقول ياقوت - «أحد وجوه الكتاب ~~الفصحاء والحساب والمنجمين، مجسطي، إقليدسي، حسن المجالسة، حسن الشعر». ونجده ~~ينقل في كتابه «المكافأة» عن أفلاطون، ونجد ذا النون المصري الصوفي المشهور يتحدث ~~عن الرهبان، ويروون في ترجمته أنه كان يعرف: السحر، والطلسمات، والكيمياء. ويعقد ~~الأستاذ نيكلسون ما في بعض أقواله من شبه بينها وبين أقوال «الأفلاطونية ~~الحديثة». # من هذا نفهم أنه كانت هناك حركة فلسفية في مصر من أثر مدرسة الإسكندرية، ومن أثر ~~الوافدين من العراق، ms122 بما ترجموا من كتب، وأن بعض العلماء المصريين اشتغل بها وتأثر ~~وتثقف، وإن كان ذلك في دائرة ضيقة إذا قيست بدائرة علوم الدين واللغة. # وكانت الحركة العلمية في الشام في العهد الطولوني والإخشيدي صورة للحركة في مصر، ~~وربما كانت أصغر منها؛ لأن مركز الولاة الطولونيين والإخشيديين في مصر؛ ولأن مصر ~~كانت أغنى، وكثيرا ما كان يزدهر العلم في ظل البلاط وتشجيع الأمراء وكثرة المال، ~~إلا فن الشعر فقد كانت في الشام أرقى منه في مصر، كما سيأتي. # فكان في الشام طائفة كبيرة من المحدثين والفقهاء والصوفية والقراء - أمثال ~~إخوانهم في مصر، فالإمام الأوزاعي البيروتي المتوفى سنة 157ه كان له من الأثر في ~~الشام في الحديث والفقه ما لليث بن سعد والشافعي بمصر، واشتهر بها كثير من المحدثين ~~والفقهاء في هذا العصر كزكريا بن يحيى السجري المتوفى سنة 289ه، وكان يعرف ~~بخياط السنة، ومحمد بن عوف الطائي الحمصي المتوفى سنة 269ه، وكان أعرف الناس ~~بالأحاديث التي رويت في الشام، وأبي بكر محمد بن بركة الحميري اليحصبي القنسريني ~~وأمثالهم كثير. # وانتشرت حركة التصوف من مصر إلى الشام عن طريق ذي النون المصري وأصحابه، فظهر في ~~الشام طاهر المقدسي، أخذ التصوف عن ذي النون المصري وغيره، وسماه الشبلي «حبر ~~الشام»، ورويت عنه أقوال كثيرة في التصوف كقوله: «المفاوز إليه منقطعة، والطرق إليه ~~منطمسة، والعاقل من وقف حيث وقف العوام.» كما ظهر أبو عمرو الدمشقي أخذ التصوف عن ~~أصحاب ذي النون وغيرهم، مات سنة 320ه، وكان يقول: التصوف غض الطرف عن كل ناقص؛ ~~ليشاهد من هو منزه عن كل نقص. وأبو إسحاق الرقي كان من أكبر مشايخ الشام ~~ومتصوفيها، مات سنة 326ه ... إلخ. # ويكاد يكون الطابع لحركة الحديث والفقه والتصوف في مصر والشام، طابعا واحدا ~~لقرب القطرين، وتبادل العلماء الزيارة والرحلة، حتى كان كثير منهم يصعب عده ~~مصريا أو شاميا لتوزع عمره وحياته العلمية بين القطرين. ~~••• # وكما كان لمصر فضل في اتجاه بعض العلماء لتدوين تاريخها وخططها على يد ابن عبد ~~الحكم ثم ابن ms123 يونس ثم الكندي ثم ابن زولاق، وكان للشام فضل من نوع آخر على يد أبي ~~عبد الله محمد بن أحمد المقدسي (336ه إلى نحو سنة 380ه)، فقد رأى أن المملكة ~~الإسلامية في القرن الرابع الهجري لم توصف وصفا كافيا لا من ناحيتها الجغرافية، ~~كوصف المفاوز والبحار والبحيرات والأنهار والمدن والأمصار والنبات والحيوان، ولا من ~~الناحية الاجتماعية كاللغات والألوان والمذاهب والنقود والمزايا والعيوب، والسعة ~~والخصب والضيق والجدب، ولم يعجبه ما كتبه من قبله، وشعر بقصور المؤلفات في ذلك ~~فجرد نفسه لهذا وطاف أكثر البلاد الإسلامية، وكتب كتابه «أحسن التقاسيم في معرفة ~~الأقاليم»، وكان فيه من أصدق الرحالين ملاحظة، وأدقهم نظرا، وأحسنهم لموضوعه ~~ترتيبا، وقد عمل كل حيلة والتحق بكل صناعة وتحمل كل مشقة، وأنفق فوق عشرة آلاف ~~درهم، وعرض نفسه لكل خطر في سبيل الحصول على المعرفة، وجاءته فكرة «الخرائط» فعملها ~~في كتابه هذا، بل جاءته فكرة الخرائط الملونة، واختيار الألوان المناسبة؛ فالحدود ~~والطرق بالحمرة، والرمال بالصفرة، وبالبحار بالخضرة، والأنهار بالزرقة، والجبال ~~بالغبرة. # وقد ساح في جزيرة العرب والعراق والشام ومصر والمغرب، ثم بلاد فارس والسند ~~والهند، وألف كتابه هذا بعد هذه الرحلة سنة 375ه، فكان له الفضل الأكبر في هذا ~~الباب. # ولكن لعل أكبر حركة في الشام وأعظمها في الأدب واللغة وعلومها، كانت في ذلك العصر ~~في بلاط الأمراء الحمدانيين في حلب، وخاصة أيام سيف الدولة؛ فقد فاقت حركة الشعر ~~واللغة والنحو ما إليه نظيرتها في مصر، وربما في العراق أيضا، قال الثعالبي: «لم ~~يزل شعراء عرب الشام وما يقاربها أشعر من شعراء عرب العراق وما يجاورها - في ~~الجاهلية والإسلام - والكلام يطول في ذكر المتقدمين منهم، فأما المحدثون فخذ ~~إليك منهم: العتابي، ومنهور النمري، والأشجع السلمي، ومحمد بن زرعة ~~الدمشقي، وربيعة الرقي، على أن في الطائيين - يعني أبا تمام والبحتري - ~~اللذين انتهت إليهما الرياسة في هذه الصناعة كفاية، وهما هما، فأما العصريون ففيما ~~أسوقه من غرر أشعارهم أعدل الشهادات على تقدم أقدامهم والسبب في تبريز القوم قديما ~~وحديثا في الشعر ms124 قربهم من خطط العرب، ولا سيما أهل الحجاز، وبعدهم عن بلاد العجم، ~~وسلامة ألسنتهم من الفساد العارض لألسنة أهل العراق بمجاورة الفرس والنبط ومداخلتهم ~~إياهم. # ولما جمع شعراء العصر من أهل الشام بين فصاحة البداوة، وحلاوة الحضارة، ورزقوا ~~ملوكا وأمراء من آل حمدان وبني ورقاء، هم بقية العرب والمشغوفون بالأدب، ~~والمشهورون بالمجد والكرم، والجمع بين آداب السيف والقلم، وما منهم إلا أديب جواد ~~يحب الشعر وينقد، ويثيب على الجيد منه فيجزل ويفضل، انبعثت قرائحهم في الإجادة ~~فقادوا محاسن الكلام بألين زمام، وأحسنوا وأبدعوا ما شاءوا. # وأخبرني جماعة من أصحاب الصاحب ابن عباد أنه كان يعجب بطريقتهم المثلى ~~التي هي طريقة البحتري في الجزالة والعذوبة، والفصاحة والسلاسة، ويحرص على تحصيل ~~الجديد من أشعارهم، ويستملي الطارئين عليه من تلك البلاد ما يحفظونه من تلك البدائع ~~واللطائف حتى كتب دفترا ضخم الحجم عليها، وكان لا يفارق مجلسه، ولا يملأ أحد منه ~~عينه غيره، وصار ما جمعه فيه على طرف لسانه، وفي سن قلمه، فطورا يحاضر به في ~~مخاطباته ومحاوراته، وتارة يحله أو يورده كما هو في رسائله. # 6 # وقد ذكر أنه تخرج في هذه المدرسة الحلبية الحمدانية أبو بكر الخوارزمي، ~~والقاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني مؤلف «الوساطة بين المتنبي ~~وخصومه». # كانت ميزات سيف الدولة - وإن شئت فقل: وعيوبه أيضا - مشجعة على النهوض بالشعر ~~والأدب والعلم إلى غاية بعيدة؛ فهو عربي من تغلب يعتز بنسبه ومجد بيته، وفيه الطباع ~~العربية التي في البيوتات الكبيرة، يطمح كل الطموح لحسن الأحدوثة؛ ولذلك كان يهمه ~~أن يكون حوله أعاظم الشعراء يشيدون بذكره ويسير شعرهم في الآفاق مدحا فيه، ثم هو ~~فارس فيه صفات الفروسية من إباء وفخر ونصرة للضعيف، ومعونة للبائس والفقير، يرى ~~المجد والمروءة في الزهادة في المال للاعتزاز بالمجد، والإغداق على الأصدقاء ~~والشعراء وسيلة للمطمح؛ يهمه جانب الإنفاق كيف يغدق أكثر مما يهمه جانب العدل في ~~تحصيل المال كيف يجمع، ولهذا يوم مات كثر البكاء منه والبكاء عليه، كما وصفه بعضهم: ~~الصفتان ms125 البارزتان فيه هما مجد العرب؛ الشجاعة والكرم، وهما عنصر المروءة التي كثر ~~تمدح العرب بها، إلى ملكة جيدة في تقدير الشعر وتذوقه، والإعجاب بجيده إعجابا لا ~~قيمة للمال بجانبه. # عرف الشعراء والأدباء والعلماء ذلك كله منه فقصدوه من كل جانب، وبالغوا في تحسين ~~بضاعتهم وتجويد فنهم، وإحسان عرضهم، فنالوا منه ما تمنوا، وكان ذلك نعمة على ~~الفنون والعلوم، وثروة بقيت على الزمان، وإن ضاعت به ثروة آل حمدان. # فهو يصوغ دنانير خاصة للصلات وزن كل دينار عشرة مثاقيل، عليها اسمه وصورته، ويعطي ~~منها الببغاء الشاعر فيقول: # نحن بجود الأمير في حرم # نرتع بين السعود والنعم # أبدع من هذه الدنانير لم # يجر قديما في خاطر الكرم # فقد غدت باسمه وصورته # في دهرنا عوذة من العدم # فيعطيه سيف الدولة عشرة أخرى. # ولما عزم أبو إسحاق الصابي على الرحيل من حلب طلب إليه أن يقول شيئا في سيف ~~الدولة، فقال ثلاثة أبيات، فأعطاه كيسا مختوما بختم سيف الدولة فيه ثلاثمائة ~~دينار، # 7 # وجاء إليه القاضي أبو نصر محمد النيسابوري، فطرح من كمه كيسا فارغا ~~ودرجا فيه شعر استأذنه في إنشاده فإذن له، فأنشد قصيدة أولها: # حباؤك معتاد وأمرك نافذ # وعبدك محتاج إلى ألف درهم # فأمر له بألف دينار فجعلت في الكيس الفارغ الذي كان معه. # 8 # ولما أنشده المتنبي قصيدته التي يقول فيها: # يا أيها المحسن المشكور من جهتي # والشكر من قبل الإحسان لا قبلي # أقل أنل أقطع أجمل عل سل أعد # زد هش بش تفضل أدن سر صل # وقع سيف الدولة تحت كل كلمة من هذه، فوقع تحت أنل: نحمل إليك من الدراهم ما ~~تحب. وتحت «أقطع»: أقطعناك ضيعة كذا بباب حلب. وتحت سر: قد سررناك. فقال المتنبي: ~~إنما أردت من التسري، فأمر له بجارية # 9 ~~... إلخ. # وذاع صيته بالعطاء والجود في سائر الأقطار الإسلامية، فقصده الفقراء ~~والمعوزون، فكان يكتب إليه في حوائج المحتاجين من العلماء ومن نكبهم الدهر بعد ~~عزة. ووضع بديع الزمان الهمذاني مقامة من مقاماته سماها المقامة الحمدانية، أسسها ms126 ~~على أن سيف الدولة قد حضر مجلسه جماعة من الأدباء. وقد عرض عليه فرس جميل، فقال سيف ~~الدولة للأدباء: «أيكم أحسن صفته جعلته صلته.» فوصفه أبو الفتح الإسكندري - بطل ~~مقامات البديع - فأعطاه له، والقصة بالضرورة خيالية، ولكنها تمثل صورة سيف الدولة ~~في أذهان الأدباء. # ثم كان مجلسه مجلسا ممتازا؛ فقد منح ذوقا وقدرة على فهم الأدب وإدارة الحديث ~~في المجالس، واستخراج أفضل ما عند العلماء والأدباء بالعطاء والتنافس، فأحيانا ~~يقول البيت ويطلب من الشعراء أن يجيزوه، فيقول مرة: من يجيز هذا البيت: # لك جسمي تعله # فدمي لم تحله ؟ # فيجيزه أبو فراس: # أنا إن كنت مالكا # فلي الأمر كله # وينقد المتنبي مرة في قوله: # وقفت وما في الموت شك لواقف # كأنك في جفن الردى وهو نائم # تمر بك الأبطال كلمى هزيمة # ووجهك وضاح وثغرك باسم # ويفضل سيف الدولة أن يكون نظام البيتين هكذا: # وقفت وما في الموت شك لواقف # ووجهك وضاح وثغرك باسم # تمر بك الأبطال كلمى هزيمة # كأنك في جفن الردى وهو نائم # ثم يتجادلان في ذلك، كل يؤيد وجهة نظره. # 10 # وسأل جماعة من العلماء بحضرته يوما، هل تعرفون اسما ممدودا وجمعه مقصور؟ فقال ~~ابن خالويه: إني أعرف اسمين لا أقولهما إلا بألف درهم؛ لئلا يؤخذا بلا شكر، وهما: ~~صحراء وصحارى، وعذراء وعذارى. # وكتب الأدب فيها الكثير مما دار في مجلس سيف الدولة بين المتنبي وخصومه مما سبب ~~رحيله. # فلا عجب أن يكون بلاطه أزهى بلاط في عصره. يقول الخوارزمي؛ حنينا لأيام قضاها ~~فيه: «وقد رأيت في هذه الحضرة - حضرة أبي محمد العلوي بأصبهان - أقواما كنت ~~شاهدتهم على باب سيف الدولة ومنهل الصفا عذب، وعود الشباب رطب، وذكرت بهم مآرب ~~هنالك، وأياما سلبتها سلبا، ونزعت من يدي غصبا، ودهرا كأني كنت أقطعه ~~وثبا.» # 11 # فالمتنبى قال فيه أحسن شعره وأقواه وأصدقه عاطفة؛ لأن سيف الدولة كريم يغدق على ~~الشعراء كما قال الشاعر: # لئن جاد شعر ابن الحسين فإنما # لأجل العطايا، واللها تفتح اللها # ولأن أبا الطيب وجد في سيف ms127 الدولة إلى جانب كرمه فروسية واعتزازا بالعربية وحياة ~~حربية، وطموحا إلى المجد، وكلها صفات ينزع إليها المتنبي ويراها مثله، فكان ~~المتنبي يتغنى بمثله محققا في سيف الدولة، ولو لم يكن سيف الدولة لكان المتنبي ~~شيئا آخر. وشعره بعد أن فارقه شعر صناعة إلا ما كان من عتبه على الزمان وحديثه عن ~~نفسه، وقد صدق إذ قال بعد أن مدح سيف الدولة: # لا تطلبن كريما بعد رؤيته # إن الكرام بأسخاهم يدا ختموا # وهذا أبو فراس ابن عم سيف الدولة والذي يصغره بنحو عشرين عاما، قد نشأ في حضانة ~~سيف الدولة ورعايته بعد أن قتل أبوه، وتعلم في ساحته وغزا معه بعض غزواته ولقد قال ~~أبو فراس: «غزونا مع سيف الدولة وفتحنا حصن العيون في سنة 339ه، وسني إذ ذاك ~~تسعة عشر عاما.» وقد أخذ أسيرا في إحدى غزواته للروم وأرسل إلى القسطنطينية، وبقي ~~فيها أربع سنوات قال فيها أحسن شعره، وقد أرسل أكثره إلى سيف الدولة طالبا منه أن ~~يفديه، عاتبا أحيانا، شاكيا أحيانا، وإنما كان أحسن شعره لأن وقوعه في الأسر ~~وبعده عن وطنه أهاج شاعريته ورقق عاطفته، فامتلأ شعره برقة الحنين، وحلاوة الحب، ~~وذل الأسر: # دعوتك للجفن القريح المسهد # لدي وللنوم القليل المشرد # وما ذاك بخلا بالحياة وإنها # لأول مبذول لأول مجتدي # ولكني أختار موت بني أبي # على سروات الخيل غير موسد # وآبى وتأبى أن أموت موسدا # بأيدي النصارى موت أكمد أكبد ~~••• # فلا تقعدن عني وقد سيم فديتي # فلست عن الفعل الكريم بمقعد # فكم لك عندي من أياد وأنعم # رفعت بها قدري وأكثرت حسدي ~~••• # أقلني أقلني عثرة الدهر إنه # رماني بنصل صائب النحر مقصد # ولو لم تنل نفسي ولاءك لم أكن # لأوردها في نصره كل مورد # ولا كنت ألقى الألف زرقا عيونها # بسبعين، فيها كل أشام أنكد # وإنك للمولى الذي بك أقتدي # وإنك للنجم الذي بك أهتدي # وأنت الذي عرفتني طرق العلا # وأنت الذي أهديتني كل مقصد ~~... إلخ. # ويرثي لحال أمه في قصيدته: # مصابي جليل والعزاء جليل # وظني بأن ms128 الله سوف يزيل # ويبكي وطنه: # ومن مذهبي حب الديار وأهلها # وللناس فيما يعشقون مذاهب ~~... إلخ إلخ. # فإن استخرج سيف الدولة من المتنبي مديحا رائعا، فقد استخرج من أبي فراس أسى ~~رائعا. # وكان في بلاط سيف الدولة أبو العباس النامي، وكان من خير الشعراء، وكانت منزلته ~~عند سيف الدولة تلو منزلة المتنبي، يقول في سيف الدولة: # إذا ما علي أمطرتك سماؤه # رأيت العلا، أنواؤها تتحلب # يرجى ويخشى ضره وهو نافع # كذا البحر في أزاته متهيب # يروع ويبدو الأنس منه كأنه ال # هوى لذعه بين الجوانح يعذب # وأزهر يبيض الندى منه في الرضا # وتحمر أطراف القنا حين يغضب # ثم كذلك أبو الفرج الببغاء أمضى شبابه وزهرة عمره في بلاط سيف الدولة، ثم آخر ~~عمره في بغداد. # كذلك كان من شعرائه الوأواء الدمشقي، وهو شارع مطبوع، عذب العبارة حسن الاستعارة، ~~جيد التشبيه. # ومن شعره في سيف الدولة: # من قاس جدواك بالغمام فما # أنصف في الحكم بين الاثنين # أنت إذا جدت ضاحك أبدا # وهو إذا جاد باكي العين # ومن شعرائه «الخالديان» # 12 # أبو بكر محمد بن هاشم، وأبو عثمان سعيد بن هاشم، وهما أخوان، وقد كانا ~~قيمين على مكتبة سيف الدولة، قال ابن النديم: «قال أبو بكر - وهو أحد ~~الخالديين - وقد تعجبت من كثرة حفظه وسرعة بديهته ومذاكراته: إني أحفظ ألف سمر، ~~كل سمر في نحو مائة ورقة. وكانا مع ذلك إذا استحسنا شيئا غصباه صاحبه حيا أو ~~ميتا، لا عجزا منهما عن قول الشعر، ولكن كذا كانت طباعهما.» # 13 # وقد ألفا في اختيار شعر بشار، وابن الرومي، والبحتري، ومسلم بن ~~الوليد. # كما كان من شعرائه ابن نباته السعدي، وله فيه مدائح كثيرة. # ويطول بنا القول لو عددنا كل ما كان في بلاطه من شعراء، وحسبنا أن نقول: إن هذا ~~الجو الذي خلقه سيف الدولة حث كل من كان عنده شاعرية على قول الشعر والإجادة فيه، ~~فقيما المكتبة - وهما الخالديان - صارا شاعرين، وبائع البطيخ - وهو الوأواء ~~الدمشقي - صار شاعرا كبيرا، وكشاجم - «وهي كلمة مركبة ms129 من: الكاف من كاتب، والشين ~~من شاعر، والألف من أديب، والجيم من جواد، والميم من منجم» - قالوا: إنه كان طباخ ~~سيف الدولة، ومع هذا كان شاعرا ظريفا، له ديوان، وله كتاب «أدب النديم»، و«خصائص ~~الطرب»، و«المصايد والمطارد». # ثم كان من أشهر خطباء سيف الدولة ابن نباتة الفارقي صاحب الخطب المشهورة - وهو ~~غير ابن نباتة السعدي الذي تقدم ذكره - وامتلأت خطبه بالدعوة إلى الجهاد ليحث الناس ~~على نصرة سيف الدولة في غزواته للروم. # ثم كان في بلاطه من يعد من أشهر اللغويين والنحويين في زمانه، أبو علي الفارسي، ~~وابن خالويه، وابن جني ، فأما أبو علي الفارسي فكان أكبر نحوي عالم بالعربية في ~~زمنه، عاش في حلب مدة وفي العراق مدة، ويعد هو وتلميذه ابن جني مؤسسي مدرسة في ~~النحو الصرف تستخدم القياس إلى أقصى حد ولا تقف عند النص، فالفرق بينها وبين غيرها ~~كالفرق بين الحنفية في اعتمادهم الكبير على القياس، والمالكية في الاعتماد على ~~الحديث. # لقد رحل أبو علي إلى حلب سنة 341ه، ونزل في ساحة سيف الدولة وشارك في اجتماعاته ~~الأدبية، وكان بينه وبين المتنبي مناظرات في مسائل نحوية ولغوية. # وابن جني تلميذ أبي علي الفارسي، وموسع مبادئه النحوية والصرفية، وإذا عبرنا في ~~النحو والصرف تعبيرنا في الفقه، قلنا: إنه مجتهد فيهما، له آراء مبتكرة واتجاهات ~~انفرد بها. # 14 # وقد توثقت الصلة بين ابن جني والمتنبي في بلاط سيف الدولة، فكان يناظره فيما يرد ~~في شعره «المتنبي» مما يشبه أن يكون خروجا على النحو أو اللغة، حتى قال فيه ~~المتنبي: «هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس.» وقد شرح ديوان المتنبي شرحا ~~استفاد منه كل من شرح الديوان بعده؛ لاتصاله بالمتنبي ومعرفته بظروف شعره التي ~~كثيرا ما تحدد المعنى، وتمنع التأويلات. # وابن خاوليه من أكبر الأئمة في زمنه في اللغة والنحو والأدب وعلوم القرآن، وقد ~~دخل حلب في أيام سيف الدولة، وكان إمام مجلسه، وله مع المتنبي مناظرات كانت في ~~بعضها حادة، ولم تكن العلاقة بينهما حسنة، فالمتنبي ms130 لم يقدر علمه التقدير الجليل، ~~وابن خالويه لم يقدر شعره التقدير الواجب، ثم كان يتحاسدان ويتغايران على قرب ~~المنزلة من سيف الدولة، فكان في القصر حزبان: حزب للمتنبي منه ابن جني النحوي وأبو ~~الفرج الببغاء الشاعر، وحزب عليه منه ابن خالويه اللغوي وأبو فراس الشاعر. # ثم كان في بلاط سيف الدولة الفيلسوف الكبير الفارابي، درس في بغداد، ثم جذبته ~~شهرة بلاط سيف الدولة في حلب، فرحل إليه، وأقام في كنفه لا يأخذ منه من المال إلا ~~ما يسد رمقه «أربعة دراهم في اليوم» ويعيش عيشة التصوف، ويعلم طلابه في الحدائق ~~التي حول حلب ، ويكتب كتبه في المنطق والإلهيات والسياسة والرياضة والكيمياء ~~والموسيقى، وقد بقي في الشام إلى أن مات سنة 339ه. # وكان حوله أطباء يعنون بالطب والفلسفة، إذ كان الطب فرعا من فروعها، ويذكر ابن ~~أبي أصيبعة في «طبقات الأطباء» أن سيف الدولة كان له أربعة وعشرون طبيبا منهم عيسى ~~الرقي، وكان سيف الدولة يعطي عطاء لكل عمل، وكان عيسى الرقي يأخذ أربعة أرزاق، ~~رزقا بسبب الطب، ورزقا بسبب ترجمة الكتب من السرياني إلى العربي، ورزقين بسبب ~~علمين آخرين. # 15 ~~••• # هذا بلاط سيف الدولة يزخر بالشعر والمناظرات اللغوية والنحوية، ويزينه الفارابي ~~بفلسفته، ويشع هذا النتاج في المملكة الإسلامية كلها وخاصة الشام. # ومنه يستنشق أبو العلاء المعري أول عهده بالدراسة؛ فقد ولد بالمعرة سنة 363ه ~~وهي بلدة تابعة لحلب، ولئن كان سيف الدولة قد مات قبل ولادة أبي العلاء بثماني ~~سنين، فإن الحركة العلمية والأدبية بها لم تكن ماتت، فشعر الشعراء يروى، وتلاميذ ~~ابن خالويه وابن جني يروون علمهما باللغة والأدب والنحو والصرف، وتلاميذ الفارابي ~~يروون فلسفته، فلما انتقل أبو العلاء من المعرة إلى حلب للدرس وجد لكل ذلك مهيأ ~~فاستفاد منه، وجد الناس يروون شعر أبي الطيب ويعجبون به فسمع منهم، وسمع محمد بن ~~عبد الله بن سعد النحوي راوية أبي الطيب، وسمع من تلاميذ ابن خالويه، فيقول في بعض ~~رسائله: «حدثني أبو القاسم المبارك عن ابن خالويه.» ولا بد ms131 أن يكون لقي بعض ~~تلاميذ الفارابي وأخذ عنهم. # وقد أقام أبو العلاء في حلب نحو عشر سنوات ينهل من موارد العلم، فحركة الأدب ~~واللغة والفلسفة التي أحياها سيف الدولة لها فضل على أبي العلاء وغيره من العلماء ~~والأدباء. ~~••• # ثم جاءت الدولة الفاطمية فبسطت سلطانها على مصر والشام، والحق أنها أتت بحركة ~~علمية عظيمة نشيطة، وقدمت العلم والأدب والفن في مصر والشام خطوات، حتى لا يعد ~~شيئا بجانبها ما كان في العهد الطولوني والإخشيدي، ويصح أن تقارن وتساوى بما كان ~~في العراق، وخاصة العلوم العقلية والفلسفية فإنها نبغت فيها، ويرجع ذلك إلى ~~أمور: # أولها: أن الفاطميين جاءوا بمذهب شيعي له أسس ودعائم تخالف ما كان عليه أهل السنة ~~في مصر والعراق، كعصمة الأئمة ونحو ذلك، وتأتي بشعائر ظاهرة مخالفة لشعائر السنيين ~~كذلك، كالأذان: بحي على خير العمل، والاحتفاء بعاشوراء وعيد الغدير، فإتيان ~~الفاطميين بهذا أوجد حركة عنيفة للتأييد من جهة والتفنيد من جهة، فهب علماء من مصر ~~يفندون هذه الآراء، وكان العراقيون أجرأ لأنهم غير خاضعين لسلطانهم كالمصريين ~~والشاميين، ولجأ الخليفة العباسي إلى العلماء يستحثهم على القول بفساد النسب ~~الباطني، كما لجأ إلى الغزالي يستدعيه لتأليف كتاب «فضائح الباطنية»، وهكذا كل هذه ~~العقول تتحرك وتجتهد وتؤلف وتجادل وتناضل، فكان من هذا النشاط العقلي الكبير، ~~واستتبع ذلك نشاط الفاطميين في إيجاد المكاتب ومجالس الدعاة في القصر والمساجد ~~وبيوت العظماء وتأليف الكتب، وتنظيم الدعوة وغير ذلك. # وكان أن التجأ الفاطميون إلى الفلسفة اليونانية يستعينون بها على تأييد الدعوة ~~الشيعية، ويستمدون الآراء من أقوال أفلاطون وأرسطو، وسائر حكماء اليونان، كما فعلت ~~الأديان الأخرى عند اشتداد الجدل، كالنصارى واليهود عند افتراقهم فرقا، وكما فعل ~~المعتزلة عند جدالهم مع اليهود والنصارى، وهذا سبب من أسباب تشجيع الفاطميين ~~للفلسفة. # ثم كان أن رأينا عهد الفاطميين في مصر والشام مصحوبا بتسامح شديد مع اليهود ~~والنصارى، واستخدامهم في أدق شئون الدولة، وتسلطهم على كثير من أمورها، ولعل أس ~~دعوتهم كان توحيد العالم الإسلامي تحت سلطانهم من غير مراعاة عصبية ms132 دينية ولا ~~جنسية، فكانوا يخاطبون كل قوم بما يقربهم إلى الدعوة، وكان من ذلك تسامحهم مع ~~اليهود والنصارى واستخدامهم، وإطلاق الحرية لهم إلا إذا أحسوا ثورة من الشعب لهذا ~~التسامح فيتراجعون؛ كل هذا لأن أغراضهم السياسية والاجتماعية كانت أقوى من أغراضهم ~~الدينية، فيعقوب بن كلس يهودي الأصل، ماهر ماكر، مثقف ثقافة واسعة، حسن التدبير، ~~واسع الحيلة، باذل للمال، راغب في الجاه، لمع اسمه في العهد الإخشيدي، وأسلم وتعلم ~~القرآن والحديث والأدب العربي، وسافر إلى المغرب واتصل بجوهر القائد مولى المعز ~~لدين الله، وبذل له علمه عن مصر، وأعانه بآرائه في وسائل فتحها، ورجع بصحبة الجيش ~~الفاتح ، وخدم المعز وارتقى حتى كان وزيرا للعزيز بن المعز، وهو الذي وضع قواعد ~~الدولة ونظمها، وكان له إلى هذا الجانب السياسي الإداري جانب علمي، فشجع العلماء، ~~ورتب المجالس، وبذل العطاء لكل فروع العلم، وربط بين العلم والتشيع، وبين التشيع ~~والفلسفة، وله مجالس لعامة العلماء ومجالس لخاصة من العلماء وهؤلاء هم الذين ~~يفلسفون هذه الأمور، ووضع كتابا في فقه الشيعة يقول: إنه مما سمعه من المعز ~~والعزيز، كان يقرؤه في المسجد، ويقرؤه العلماء ويفتون منه، وكان يكون كل شيء في ~~الدولة، يوجه سياستها وإدارتها، ولما مات صلى عليه العزيز بنفسه، وألحده بيده، ~~وأمر بغلق الدواوين أياما بعده. # 16 # فيظهر لي أنه كان له دخل كبير في تأسيس الحركة العلمية على هذا النمط، وإدماج ~~الفلسفة فيها وتوجيهها الجهة التي توجهتها، وتشجيعه اليهود والنصارى على الاشتغال ~~العلمي والمشاركة في الإدارة وفلسفة الدعوة. # وكانت زوجة «العزيز» نصرانية على مذهب الملكية، وكان لها أخوان أحدهما اسمه ~~«أرميس» صيره بطركا على بيت المقدس، والآخر «أرسانيس» صيره بطركا للملكية على ~~القاهرة ومصر، وكان لهما من العزيز جانب لأنهما أخولة ابنته. # 17 # وكان لهذه السيدة نفوذ عظيم على العزيز في تسامحه مع النصارى والسماح بإعادة بعض ~~الكنائس. # وقد ولدت هذه الزوجة النصرانية من العزيز بنتا هي المسماة بست الملك، وكانت - ~~كما يصفها النويري - قوية العزم بصيرة بالأمور، وكان لها أثر كبير في ms133 أبيها، وفي ~~توجيهه نحو سياسة التسامح مع النصارى، كما كانت في عهد أخيها الحاكم بأمر الله ذات ~~أثر فعال فيما وقع من أحداث. # وقد سمح العزيز هذا لبطريرك الأشمونيين أن يناظر رجال الدين مثل القاضي ابن ~~النعمان في العقائد الدينية. # وفي السنتين الأخيرتين لحكم العزيز تولى الوزارة بعد يعقوب بن كلس عيسى بن ~~نسطورس النصراني. # ثم مما شجع على اشتغال الفاطميين بالفلسفة ما كان لهم من رأي في أن للدين ظاهرا ~~وباطنا، ومعنى صريحا ومعنى مؤولا، فهذا يترك للخيال المجال، ويجعل الفكر يسبح في ~~الفلسفة يأخذ منها ويلصقها بالدين، كما نرى ذلك بوضوح في رسائل إخوان الصفا - وهم ~~شيعيون باطنيون - ولذلك كانت الفلسفة ألصق بالتشيع منها بالتسنن، نرى ذلك في العهد ~~الفاطمي، والعهد البويهي؛ وحتى في العصور الأخيرة كانت فارس أكثر الأقطار عناية ~~بدراسة الفلسفة الإسلامية ونشر كتبها، ولما جاء جمال الدين الأفغاني مصر في عصرنا ~~الحديث - وكان فيه نزغة تشيع، وقد تعلم الفلسفة الإسلامية بهذه الأقطار الفارسية - ~~كان هو الذي نشر هذه الحركة في مصر. # ثم إن المقريزي يقول: كان الفاطميون يتدرجون في دعوتهم؛ فإذا تمكن المدعو من ~~التعاليم الأولى «أحالوه على ما تقرر في كتب الفلاسفة من علم الطبيعيات وما بعد ~~الطبيعة والعلم الإلهي وغير ذلك من أقسام العلوم الفلسفية؛ حتى إذا تمكن المدعو من ~~معرفة ذلك كشف الداعي قناعه، وقال: إن ما ذكر من الحدوث والأصول رموز إلى معاني ~~المبادئ، وتقلب الجواهر، وإن الوحي إنما هو صفاء النفس، فيجد النبي في فهمه ما ~~يلقى إليه ويتنزل عليه فيبرزه إلى الناس، ويعبر عنه بكلام الله الذي ينظم به ~~النبي شريعته بحسب ما يراه من الملصلحة في سياسة الكافة، ولا يجب حينئذ العمل بها ~~إلا بحسب الحاجة من رعاية مصالح الدهماء ... ثم قال: ومن جملة المعرفة عندهم أن ~~الأنبياء النطقاء أصحاب الشرائع إنما هم لسياسة العامة، وأن الفلاسفة أنبياء حكمة ~~الخاصة ... ثم يقول: إن لهم في هذا مصنفات كثيرة اختصرت منها ما تقدم ذكره». # 18 # ويروي صاحب «الفرق بين ms134 الفرق» أن عبيد الله بن الحسن القيرواني أحد زعماء ~~الإسماعيلية، كتب إلى أحد دعاة المذهب سليمان بن الحسن أبي سعيد الجنابني يقول: ~~«وإذا ظفرت بالفلسفي فاحتفظ به، فعلى الفلاسفة معولنا.» ويقول الشهرستاني: «إن ~~الباطنية القديمة قد خلطوا كلامهم ببعض كلام الفلاسفة، وصنفوا كتبهم على هذا ~~المنهاج.» ويفيض في بيان ذلك، ويقول دوزي: «إن ابن ميمون - وهو واضع الأساس ~~للتعاليم الباطنية والإسماعيلية - لم يكن يبحث في أنصاره المخلصين بين الشيعة ~~الخلص، إنما كان يبحث عنهم بين الثنوية والوثنيين، وتلاميذ الفلسفة اليونانية، ~~وخاصة الأخيرين، فإليهم وحدهم أفضى بسره، وكنه عقيدته، وهو أن الأئمة والأديان ~~والأخلاق ليست إلا ضلالا وهزؤا، وأن العامة ليسوا أهلا لفهم هذه المبادئ، إلا ~~أنه كان يستعين بهم، ولا يصدمهم، وكان دعاته يظهرون في أثواب مختلفة، ويحادثون كل ~~طبقة باللغة التي يفهمونها. # والواجب ألا يلصق هذا بكل الشيعة، ولا كل الفاطمية، ولا كل قواد الحركة، وإنما ~~يصح أن يلصق بفئة من زعمائهم استغلت التشيع لأغراض في أنفسهم، وعلى كل حال كان ~~هذا سببا آخر لاشتغال الخاصة بالفلسفة وتعليل انتشارها في العهد الفاطمي مع ضعف ~~الاشتعال بها قبلهم في العهد الطولوني والإخشيدي وبعدهم في العهد الأيوبي، ثم كثرة ~~المال في العهد الفاطمي؛ وميل الخلفاء إلى الإمعان في الترف والنعيم، شجعت الفنون ~~على الرقي، فما خلفه الفاطميون من صناعة راقية، وفن دقيق، قل أن ~~يبارى. # على كل حال نشطت الحركة العقلية في العصر الفاطمي في مصر والشام نشاطا كبيرا، ~~وكان أهم الحركات الحركة الدينية؛ إذ أراد الفاطميون تشييع المصريين والشاميين، ~~وكان هؤلاء يريدون أن يتمسكوا بالسنية، فجد الفاطميون في دعوتهم جدا ~~كبيرا. # لقد حرص المصريون أول الأمر على البقاء على سنيتهم، واشترطوا عند المفاوضة في ~~تسليم القطر المصري هذا الشرط، وكتب لهم جوهر بأمر المعز كتابا يتضمن التزام حرية ~~العقيدة، فلا يجبرون على التشيع، وجاء فيه: «ثم إنكم ذكرتم وجوها التمستم ذكرها في ~~كتاب أمانكم، فذكرتها إجابة لكم وتطمينا لأنفسكم، فلم يكن لذكرها معنى، ولا في ~~نشرها فائدة، إذ كان الإسلام ms135 سنة واحدة، وشريعة متينة، وهي إقامتكم على مذهبكم، ~~وأن تتركوا على ما كنتم عليه من أداء المفروض في العلم، والاجتماع عليه في جوامعكم ~~ومساجدكم، وثباتكم على ما كان عليه سلف الأمة من الصحابة - رضي الله عنهم - ~~والتابعين بعدهم، وفقهاء الأمصار الذين جرت الأحكام بمذاهبهم وفتواهم، وأن يجري ~~الأذان والصلاة، وصيام شهر رمضان وفطره وقيام لياليه، والزكاة والحج والجهاد، على ~~ما أمر الله في كتابه، ونصه نبيه في سننه.» ... إلخ. # 19 # ولكن لما دخل الجيش وتمكن من مصر، وانتقل المعز إلى القاهرة، لم يعمل بهذا ~~العهد، وجد الفاطميون في تشييع المصريين، فزيد في خطبة الجمعة: «اللهم صل على ~~محمد النبي المصطفى ، وعلى علي المرتضى، وعلى فاطمة البتول وعلى الحسن والحسين ~~سبطي الرسول، الذي أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا، اللهم صل على ~~الأئمة الراشدين آباء أمير المؤمنين الهادين المهديين.» # 20 ~~«وفي يوم الجمعة لثمان خلون من جمادى الأولى سنة 359ه، صلى جوهر الجمعة في جامع ~~ابن طولون، وأذن المؤذن حي على خير العمل، وهو أول ما أذن به في ~~مصر». # 21 ~~«ولما وصل المعز إلى القصر خر ساجدا، ثم صلى ركعتين وصلى بصلاته كل من دخل معه ~~- وكان ذلك سنة 362ه - وفي غد هذا اليوم خرج جماعة الأشراف والقضاة والعلماء ~~والشهود ووجوه أهل البلد وسائر الرعية؛ لتهنئة المعز، وأمر المعز بالكتاب على ~~المشايخ في سائر مدينة مصر: خير الناس بعد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب عليه السلام». # 22 ~~«ولثماني عشرة من ذي الحجة من هذه السنة وهو يوم «غدير خم» # 23 # تجمع خلق من أهل مصر والمغاربة للدعاء، فأعجب المعز ذلك، وكان هذا ~~أول ما عمل عيد الغدير بمصر». # 24 # ثم اتخذوا يوم عاشوراء يوم بكاء على الحسين، وكانوا يجتمعون عند قبر كلثوم بنت ~~محمد بن جعفر بن محمد الصادق، وقبر نفيسة. # وضربت الدنانير في أيام المعز، وعلى أحد وجهيها «لا إله إلا الله محمد رسول الله ~~أرسله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله ms136 ولو كره المشركون. علي أفضل ~~الوصيين، وزير خير المرسلين.» وفي أيام العزيز أبطل سنة 363ه صلاة التراويح من جميع ~~مساجد مصر. # وكانت تحدث فتن ومصادمات بين المصريين السنيين والشيعة في المناسبات ~~المختلفة. # فقد روي أنه قطعوا لسان من احتج على منع صلاة التراويح، وفي سنة 381ه ضرب رجل ~~من أهل مصر، وطيف به في المدينة؛ لأنهم وجدوا عنده كتاب «الموطأ» لمالك بن ~~أنس. # 25 # وفي سنة 393ه عوقب رجل بدمشق وطيف به في المدينة، ونادوا عليه: «هذا جزاء من يحب ~~أبا بكر وعمر.» # 26 # ولكن هذه السياسة لم تكن ثابتة مطردة، بل كانت قلقة مضطربة كاضطراب سياسة ~~الفاطميين؛ فأحيانا يبالغون في اضطهاد أهل السنة، وأحيانا يسمحون لهم بحريتهم، ~~كما كانوا أحيانا يضطهدون اليهود والنصارى إلى أقصى حد، وأحيانا يبالغون في ~~إكرامهم إلى أقصى حد. # وقد رتب الفاطميون الدعوة، وقووها وأحكموها وجعلوا عليها رئيسا سموه «داعي ~~الدعاة»، ومنزلته تلي قاضي القضاة، ويتزيا بزيه، واشترطوا فيه أن يكون عالما ~~بجميع مذاهب أهل البيت، وتحته اثنا عشر نقيبا، وله نواب كنواب الحكم في سائر ~~البلاد، ويحضر ما يقال في الدعوة ويقره داعي الدعاة، ثم يقره الخليفة، ويتلى ما ~~يحضر يوم الاثنين والخميس على الرجال في مكان، وعلى النساء في مكان. وهناك مجالس ~~للعامة، ومجالس للخاصة، وكانت تسمى مجالس الدعوة، مجالس الحكمة. # 27 # واتخذت المساجد الكبيرة مركزا لهذه الدعاية كمسجد عمرو في الفسطاط، ومسجد ابن ~~طولون، والأزهر، والمساجد الكبري في البلدان. # وبجانب هذه الدعوات الظاهرة دعوات سرية لا تقال إلا لخاصة المخلصين، يقول الخليفة ~~لداعي الدعاة في كتاب له: «واتل مجالس الحكم التي تخرج إليك في الحضرة على المؤمنين ~~والمؤمنات، والمستجيبين والمستجيبات في قصور الخلافة الزاهرة، والمسجد الجامع ~~بالمعزية القاهرة، وصن أسرار الحكم إلا عن أهلها، ولا تبذلها إلا لمستحقها ولا تكشف ~~للمستضعفين ما يعجزون عن تحمله، ولا تستقل أفهامهم بتقبله.» ويقول: «ولا تلق ~~الوديعة إلا لحفاظ الودائع، ولا تلق الحب إلا في مزرعة لا تكدي على المزارع، ~~وتوخ لغرسك أجل المغارس.» ... إلخ. # 28 ms137 # وجاء قوم من العلماء المغاربة في ركب المعز، وهم ماهرون في الدعوة، واقفون على ~~أسرار تعاليم أهل البيت، لعل من أشهرهم النعمان بن محمد بن حيون الذي تولى ~~القضاء في مصر على مذهب أهل البيت هو وأولاده وأسرته عهدا طويلا في الحكم ~~الفاطمي؛ وكانت هذه الأسرة تقوم بالقضاء وبالدعوة وبالتأليف في المذهب الشيعي. وكان ~~النعمان هذا مالكى المذهب، ثم انتقل إلى مذهب الإمامية، وألف فيه تصانيف كثيرة، قال ~~ابن زولاق: إنه ألف لأهل البيت من الكتب آلاف أوراق بأحسن تأليف وأملح سجع، وكان ~~في غاية الفضل من أهل القرآن والعلم بمعانيه، وعالما بوجوه الفقه، وعلم اختلاف ~~الفقهاء، واللغة والشعر والمعرفة بأيام الناس، مع عقل وإنصاف، وله ردود على ~~المخالفين له، رد على أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن سريج. # 29 # ثم إن محمد بن النعمان قاضي المعز والعزيز، وكان واسع العلم في الفقه ~~والتاريخ والنجوم، يقضي بين الناس، ويقرأ في القصر علوم آل البيت، ويزدحم الناس على ~~سماعه حتى يموت بعضهم من الزحام، كما كان من أشهرهم عبد العزيز بن محمد بن النعمان، ~~كان من أعلم الناس بفقه الإمامية. قال ابن كثير: إنه ألف في العقائد الشيعية الكتاب ~~المسمى «البلاغ الأكبر والناموس الأعظم». وقد رد على هذا الكتاب أبو بكر ~~الباقلاني. # كان في مصر والشام كثير من الفقهاء الشافعية والمالكية والحنفية، وكانوا لا يرون ~~التشيع، فكانوا يستنكرون تعاليمهم، ولكن في تحفظ؛ لأن الدولة للتشيع. # ولهذا نرى قلة الفقهاء المالكية والشافعية والحنفية في مصر والشام في هذا العصر، ~~- وخاصة في أول عهد الفاطميين أيام قوتهم - ومع هذا نرى أمثال أبي بكر محمد ~~النعالي المالكي إمام المالكيين في عهده، كانت حلقته في جامع الفسطاط تدور على ~~سبعة عشر عمودا لكثرة من يحضرها، توفي سنة 380ه. ولا بد أن يكون ذلك في فترة فترت ~~فيها حدة التشيع. # ولكن على كل حال أنتجت هذه الحركة حياة فكرية نشيطة. وكما ذكرنا كانت الحركة ~~الفلسفية تشايع التشيع، فامتزجت الفلسفة بالدعوة الشيعية. # واستتبعت الدعوة للتشيع تنظيم وسائل الدعاية ms138 من إنشاء المساجد ودور الكتب. ~~فالمساجد كانت لهذا العهد هي المدارس وهي المحاريب، وهي أمكنة العبادة وهي مكان ~~الخطب السياسية فيما يجد من الأحداث، فكانت تقوم بوظائف اجتماعية أكثر جدا مما ~~تقوم به الآن. # فلما كان المسجدان الكبيران في مصر - مسجد الفسطاط ومسجد ابن طولون، وكانا مركزي ~~التعليم السني من قبل الفاطميين - دعا الأمر عند إنشاء القاهرة إلى إنشاء ~~مساجد تقام فيها الصلوات، وتنشر منها الدعوة الشيعية بجانب تلوين مسجدي مصر بالتشيع ~~أيضا، وتكون أيضا مركزا لنشر المبادئ السياسية والاجتماية التي يراد نشرها، ~~فأسس الأزهر لهذا الغرض؛ بناه جوهر قائد المعز، وأقيمت فيه أول جمعة في شهر ~~رمضان سنة 361ه، وكان الخليفة الفاطمي يخطب فيه بنفسه كل جمعة إلى أن أنشأ الحاكم ~~جامعه سنة 380ه، فوزعت الخطبة على المساجد الأربعة؛ وكان الخليفة يخطب في الجامع ~~الحاكمي خطبة، وفي الأزهر خطبة، وفي جامع ابن طولون خطبة، وفي جامع عمرو بن العاص ~~خطبة، محفوفا بالوزير والقاضي وداعي الدعاة. # واتخذ الأزهر كغيره مدرسة لدراسة المذهب الشيعي، قال المقريزي: «إن أول ما درس ~~بالأزهر الفقه الفاطمي على مذهب الشيعة، فإنه في شهر صفر سنة 365ه جلس علي بن ~~النعمان القاضي بجامع القاهرة المعروف بالجامع الأزهر، وأملى مختصر أبيه في الفقه ~~عن أهل البيت، ويعرف هذا المختصر «بالاقتصار» وكان جمعا عظيما، وأثبت أسماء ~~الحاضرين.» وألف يعقوب بن كلس الوزير السابق الذكر كتابا في الفقه يتضمن ما سمعه ~~من المعز، وهو مبوب على أبواب الفقه يشتمل على فقه الطائفة الإسماعيلية، وكان له ~~مجلس في يوم الثلاثاء يجتمع فيه الفقهاء وجماعة من المتكلمين وأهل الجدل، وكان يجلس ~~أيضا في يوم الجمعة فيقرأ مصنفاته على الناس بنفسه، وأجرى العزيز بالله الأرزاق ~~لجماعة من الفقهاء يحضرون مجلس الوزير، وأمر العزيز أيضا لهؤلاء الفقهاء ببناء دار ~~إلى جانب الجامع الأزهر؛ فإذا كان يوم الجمعة تحلقوا فيه بعد الصلاة إلى أن تصلى ~~صلاة العصر، وكان عدتهم خمسة وثلاثين رجلا. # وبقي الأزهر مركز الفاطمي إلى أن بنى الحاكم جامعه، فتحلق فيه الفقهاء ms139 الذين ~~يتحلقون في الجامع الأزهر. # ووقف الحاكم الأوقاف على الأزهر، وعلى جامع راشدة، وجامع المقس، وعلى دار ~~الحكمة، من عقار وكتب. # ثم عنيت الدولة الفاطمية بالكتب عناية كبيرة، فكان من أشهر خزائن القصور الفاطمية ~~خزانة الكتب، وقد نقل المقريزي عن المسبحي - مؤرخ الدولة الفاطمية، والذي عاش في ~~كنفها - أنه كان بخزانة العزيز نيف وثلاثون نسخة من كتاب «العين» للخليل بن أحمد، ~~وما ينيف على عشرين نسخة من «تاريخ الطبري»، ومائة نسخة من «الجمهرة» لابن دريد - ~~ثم قال: إنه كان في سائر العلوم بالقصر أربعون خزانة من جملتها خزانة فيها ثمانية ~~عشر ألف كتاب من العلوم القديمة - يعني: الفلسفة والطب والإلهيات وما إليها - هذا ~~إلى العناية بالناحية الأثرية من اقتناء الكتب بخطوط المؤلفين، وما عني فيها بحسن ~~الخط والتجليد، وينقل المقريزي أيضا عن ابن الطوير أن كل خزانة تحتوي على عدة ~~رفوف، والرفوف مقطعة بحواجز، وعلى كل حاجز باب مقفل بمفصلات وقفل، وفيها من أصناف ~~الكتب ما يزيد على مائتي ألف كتاب من المجلدات ويسير من المجردات، فمنها الفقه ~~على سائر المذاهب، والنحو واللغة، وكتب الحديث، والتواريخ وسير الملوك، والنجامة ~~والروحانية والكيمياء - من كل صنف النسخ - ومنها النواقص التي ما تممت - كل ذلك ~~بورقة مترجمة ملصقة على كل باب خزانة. # 30 # وقد ذكر المقريزي أيضا أنه دخل هذه المكتبة «مكتبة الفاطميين» أحد السياح، فرأى ~~فيها مقطعا من الحرير الأزرق غريب الصنعة فيها صورة أقاليم الأرض وجبالها وبحارها ~~ومدنها وأنهارها ومساكنها، وجميع المواطن المقدسة مبينة للناظر، مكتوبة أسماء ~~طرائقها ومدنها وجبالها وبلادها وأنهارها وبحارها بالذهب، وغيرها بالفضة ~~والحرير. # ثم أسس الحاكم بأمر الله دار الحكمة سنة 395ه، وقد اختار هذا الاسم رمزا إلى ~~الدعوة الشيعية؛ لأن مجالس الدعوة كانت تسمى مجالس الحكمة، # 31 # وكانت تسمى هذه الدار أيضا دار العلم، وصفها المسبحي فقال: «فتحت ~~الدار الملقبة بدار الحكمة بالقاهرة، وجلس فيها الفقهاء، وحملت إليها الكتب من ~~خزائن القصور المعمورة، ودخل الناس إليها، ونسخ كل من التمس نسخ شيء مما فيها ما ~~التمسه، ms140 وكذلك من رأى قراءة شيء مما فيها، وجلس فيها القراء والمنجمون وأصحاب ~~النحو واللغة والأطباء، بعد أن فرشت هذه الدار وزخرفت، وعلقت على جميع أبوابها ~~الستور، وأقيم قوام وخدام وفراشون وغيرهم وسموا بخدمتها، وحصل في هذه الدار من ~~خزائن أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله من الكتب التي أمر بحملها إليها من سائر ~~العلوم والآداب والخطوط المنسوبة ما لم ير مثله مجتمعا لأحد قط من الملوك، وأباح ~~ذلك كله لسائر الناس على طبقاتهم ممن يؤثر قراءة الكتب والنظر فيها ... وحضرها الناس ~~على طبقاتهم؛ فمنهم من يحضر لقراءة الكتب، ومنهم من يحضر للنسخ، ومنهم من يحضر ~~للتعلم، وجعل فيها ما يحتاج الناس إليه من الحبر والأقلام والورق والمحابر ... وفي ~~سنة 403ه أحضر «الحاكم» جماعة من دار العلم من أهل الحساب والمنطق وجماعة من ~~الأطباء إلى حضرته، وكانت كل طائفة تحضر على انفراد للمناظرة بين يديه، ثم خلع على ~~الجمع وصرفهم ... ووقف الحاكم بأمر الله أماكن في فسطاط مصر عليها، وقد استمرت على ~~هذا الوضع إلى سنة 516ه؛ حيث كثرت فيها المناقشات الدينية التي سببت فتنا، فأغلقت ~~ثم أعيد فتحها.» # 32 # فهي بهذا الوصف مكتبة قيمة، ومدرسة تدرس فيها العلوم المختلفة وقاعة ~~مناظرات. # كان بجانب الحركة الدينية من سنية وشيعة حركات أخرى مدنية، من ذلك حركة تاريخية، ~~فقد نبغ من مؤرخي هذا العصر الشابشتي، وهو أبو الحسن علي بن محمد، وكان في عهد ~~العزيز بن المعز، وكان نديمه وجليسه، والقيم على خزانة كتبه، اشتهر بكتابه ~~«الديارات»، ذكر فيه كل دير بالعراق والموصل والشام والجزيرة ومصر، وجميع الأشعار ~~التي قيلت في كل دير وما جرى فيه، وكان من حسن الحظ بقاء هذا الكتاب إلى عصرنا هذا ~~مخطوطا ينتظر من ينشره. توفي سنة 388ه. # كما نبغ من المؤرخين في العصر الفاطمي «المسبحي»، وهو عز الملك محمد بن عبد ~~الله بن أحمد بن إسماعيل بن عبد العزيز الحراني الأصل، المصري المولد، وكان من ~~أقطاب مصر في العلم والسياسة والإدارة؛ تولى للحاكم بأمر الله بعض ولايات الصعيد ms141 ~~ثم تولى ديوان الترتيب، وعني بتاريخ مصر، وألف فيها تاريخه الكبير، قال هو فيه: ~~«إنه التاريخ الجليل قدره، الذي يستغنى بمضمونه عن غيره من الكتب الواردة في ~~معانيه، وهو أخبار مصر ومن حلها من الولاة والأمراء والأئمة والخلفاء، وما بها من ~~العجائب والأبنية، واختلاف أصناف الأطعمة، وذكر نيلها، وأحوال من حل بها إلى ~~الوقت الذي كتبنا فيه تعليق هذه الترجمة، وأشعار الشعراء، وأخبار المغنين، ومجالس ~~القضاة والحكام والمعدلين «الشهود»، والأدباء والمتغزلين وغيرهم، وهو ثلاثة عشر ~~ألف ورقة.» # 33 # فكان ينظر إلى التاريخ نظرة اجتماعية، ومن الأسف أن لم يصلنا من هذا ~~الكتاب إلا قطعة مخطوطة، وفقد مع ما فقد من آثار الفاطميين الجليلة ويدلنا ما نقله ~~المقريزي و«النجوم الزاهرة» عن هذا الكتاب أنه جليل القدر، دقيق النظر، مفيض في ~~الوصف، جميل التعبير. # وله كتب أخرى كثيرة ، منها: كتاب «درك البغية» في وصف الأديان والعبادات 3500 ~~ورقة، وكتاب «الأمثلة للدول المقبلة» يتعلق بالنجوم والحساب في 500 ورقة. # إلى كثير من الكتب الأدبية في النوادر والغزل، والأغاني ومعانيها وغير ذلك، عاش ~~المسبحي من (366ه-420ه). # ثم القضاعي؛ أبو عبد الله محمد بن سلامة تولى القضاء بمصر، وقد اشتهر بوضعه ~~كتابا في خطط مصر سماه «المختار في ذكر الخطط والآثار» كان عونا للمقريزي على ~~خططه، وقد أوفده المستنصر الخليفة الفاطمي إلى تيودورا إمبراطورة القسطنطينية سنة ~~447ه ليتحدث في الصلح بينهما، وقد مات سنة 454ه. # ثم كانت حركة أخرى طبية فلسفية رياضية علمية؛ اشتهر فيها محمد بن أحمد بن سعيد ~~التميمي، أصله من بيت المقدس، ودخل مصر في العهد الفاطمي، واشتهر بالطب وخاصة في ~~خواص العقاقير وتركيب الأدوية؛ وصحب يعقوب بن كلس والخليفة العزيز، وصنف له ~~كتابا كبيرا في عدة مجلدات سماه «مادة البقاء بإصلاح فساد الهواء، والتحرز من ضرر ~~الأوباء»، ولقي الأطباء بمصر وحاضرهم وناظرهم، واختلط بأطباء الخاص القادمين من أرض ~~المغرب في صحبة المعز عند قدومه، والمقيمين بمصر من أهلها، وكان منصفا في مذكراته، ~~غير راد على أحد إلا بطريق الحقيقة، وكان التميمي ms142 هذا موجودا بمصر في حدود سنة ~~370ه. # 34 # ثم أبو الفتح منصور بن سهلان بن مقشر، كان نصرانيا، وكان طبيب الحاكم بأمر ~~الله، ومن الخواص عنده، وكان متقدما في الدولة، وتوفي في أيام الحاكم، فاستطب بعده ~~إسحاق بن إبراهيم بن نسطاس. # 35 # وعلي بن سليمان، وكان طبيبا للعزيز بالله وولده الحاكم، وقد نقل بعض الكتب في ~~الطب لأبقراط وجالينوس، كما ألف فيما بعد الطبيعة. # وأبو علي بن الهيثم، وأصله من البصرة، ثم انتقل إلى مصر في أيام الحاكم بأمر الله ~~وأقام بها إلى آخر عمره، برع في الرياضيات والطبيعيات، وله مشاركة في الطب، وقد أتى ~~مصر باستدعاء الحاكم لما بلغه أن له نظرية هامة في توزيع مياه النيل، ولكنه لما حضر ~~وسافر إلى الشلال وخبر النيل هناك ودرسه أدرك خطأ نظريته، واعتذر للحاكم، ولكنه كان ~~مصدر حركة فلسفية كبيرة وخاصة في الطبيعيات والرياضيات، وكان لا يهمه المال والجاه ~~بجانب ما يهمه العلم والوقوف على الحقيقة، قال في كتبه: «إني لم أزل منذ عهد الصبا ~~مرويا في اعتقادات الناس المختلفة، وتمسك كل فرقة منهم بما تعقتده من الرأي، ~~فكت متشككا في جميعه، موقنا بأن الحق واحد، وأن الاختلاف فيه إنما هو من جهة ~~السلوك إليه، فلما كملت لإدراك الأمور العقلية انقطعت إلى طلب معدن الحق، ووجهت ~~رغبتي وحرصي إلى إدراك ما به تنكشف تمويهات الظنون وتنقشع غيابات المتشكك المفتون.» ~~... إلخ. # وقد ألف نحو مائتي كتاب في الرياضيات والطبيعة والفلسفة ظلت عماد الناس في ~~الشرق والغرب، وخاصة كتاب «المناظر» - وما زال يؤلف ويلخص ويشرح في حركة دائبة ~~مستمرة، وفي كل مرحلة من عمره يقيد أسماء ما ألف، ويقول: «وإن أطال الله لي في ~~مدة الحياة، وفسح في العمر، صنفت وشرحت ولخصت من هذه العلوم أشياء كثيرة تتردد ~~في نفسي، ويبعثني ويحثني على إخراجها إلى الوجود فكري.» وظل وفيا لهذا العهد ~~حتى مات حول سنة 430ه بعدما ملأ الدنيا تآليف في الهندسة والحساب والفلك والمساحة، ~~ومنطق أرسطو، وكتابه في الشعر والنفس، وفي الطب، ms143 وفي البصر، ووقوع الإبصار به، ~~والضوء، والبصريات، والمرايا المحرقة ... إلخ، يعكف على عمله هذا في قبة على باب ~~الجامع الأزهر. # 36 # وكان للمبشر بن فاتك؛ وهو أمير من أمراء مصر في العهد الفاطمي، ولع بالعلوم ~~الفلسفية يقتني كثيرا من كتبها، ويتبحر فيها؛ ويستفيد ابن الهيثم من علمه في ~~الهيئة والرياضة. # واشتهر من هذه الطائفة علي بن رضوان رئيس أطباء الحاكم، وهو مصري الأصل من ~~الجيزة، وكان أبوه فرانا، ولاقى في تعلمه أهوالا حتى برع في الطب، وصار له ~~الذكر والسمعة العظيمة، والثراء الواسع، وقد قامت بسببه حركة فكرية نافعة تحركت بها ~~الأفكار في مصر وبغداد؛ إذ دخل ابن رضوان المصري في مناظرة حادة مع ابن بطلان ~~الطبيب النصراني البغدادي، وتبودلت بينهما الرسائل «ولم يكن أحد منهما يؤلف ~~كتابا، ولا يبتدع رأيا إلا ويرد الآخر عليه»، وكان ابن رضوان طويل اللسان يكثر ~~التشنيع على من يخالفه، وتعدت المناظرة من المسائل العلمية إلى التعبير بقبح ~~الشكل، وكان ابن رضوان قبيح الشكل، فتناظرا أيضا في أيهما خير أن يكون الطبيب ~~جميلا أو لا، ولما طالت المناظرات سافر ابن بطلان من بغداد إلى مصر ليرى مناظره، ~~وأقام بها ثلاث سنين، واستمرت بينهما المناظرات. ويقول ابن أبي أصيبعة في المقارنة ~~بينهما: كان ابن بطلان أعذب ألفاظا، وأكثر ظرفا، وأميز في الأدب وما يتعلق به، ~~وكان ابن رضوان أطب وأعلم بالعلوم الحكمية وما يتعلق بها، وقد ألف ابن رضوان كتبا ~~كثيرة في الطب والفلسفة. # وكانت في مصر أيضا حركة في النحو، من أشهر رجالها أبو بكر الأدفوي تلميذ أبي ~~جعفر النحاس الذي تقدم ذكره، برع في علوم القرآن والنحو، له كتاب في علوم القرآن في ~~مائة وعشرين مجلدا مات، سنة 388ه. # ثم ابن بابشاذ، أحد أئمة النحو والأعلام في فنون العربية وفصاحة اللسان، ورد ~~العراق تاجرا في اللؤلؤ، وأخذ عن علمائها ورجع مصر، واستخدام في ديوان الإنشاء ~~والرسائل مراجعا يراجع ما يخرج من الديوان من الإنشاء، ويصلح ما يراه من الخطأ في ~~الهجاء والنحو واللغة، ثم ms144 تزهد، وقد ألف شرحا على كتاب «الجمل» للزجاجي، ~~و«المحتسب في النحو»، وتعليق في النحو يقارب خمسة عشر مجلدا. مات سنة 469ه. # ثم كانت الحركة الأدبية؛ وفي الحق أن الشعر في العهد الفاطمي في مصر كان أول شعر ~~مصري قيم من عهد فتح العرب لمصر؛ إذ كان قبل ذلك ليس له من قيمة إلا للوافدين على ~~مصر من الخارج، أما شعر المصريين أنفسهم فكان محاولات أولية، حتى إذا جاء ~~الفاطميون جاء الشعر وجاد، ويرجع ذلك إلى أمور: # الأول: # أن العصر الأول لفتح مصر كان عصر دهشة أعقبت الفتح، فلما ~~استقرت الأمور وبدأ الشعر ينهض، تولى الحكم أتراك من مثل ~~الطولونيين والإخشيديين، وليس لهم من الذوق العربي الراقي ما ~~يستسيغون به الشعر، والشعر العربي بطبيعة موضوعاته التي كانت من ~~مديح ونحوه لم يكن يزهر إلا على باب قصور الخلفاء والأمراء، فإن ~~تذوقوه وشجعوه نما وازدهر، وإلا ضعف وانحدر، فلما جاء الفاطميون - ~~وهم عرب لهم الذوق العربي، والثقافة العربية، وخاصة في أول عهدهم؛ ~~إذ كان فيهم أيضا الذوق البدوي - نما الشعر على بابهم، ولما جاءوا ~~مصر جاءوا بذوقهم وشعرائهم، وتتابعت الموجات. # والثاني: # أن الدولة الفاطمية كان أساسها الدعوة والدعاية بأوسع ما تدل ~~عليه هذه الكلمة، حتى قل أن نرى لها مثيلا في تنظيم دعوتها ~~سرا وجهرا، والدقة في اختيار الأساليب المختلفة التي تناسب ~~العامة والخاصة، والجاهل والعالم، والمتدين والملحد، والغبي ~~والفيلسوف؛ فرأت بصائب نظرها أن الشعراء من أصلح الدعاة لمذهبهم؛ ~~إذ هم يقومون في زمنهم مقام الجرائد السيارة في عصرنا، فاحتضن ~~الخلفاء الفاطميون ووزراؤهم وأمراؤهم الشعراء ينفحونهم بالمال ~~الكثير، والعطاء الوفير؛ ليطلقوا ألسنتهم بالقول في مدحهم ومدح ~~مذهبهم. # وقد وضع ابن هانئ الأندلسي أول خطة لذلك وهو بالمغرب عندما اتصل بالمعز فاتح مصر ~~ومؤسس القاهرة، فمدحه بغرر المدائح وعيون الشعر، وبالغ المعز في الإنعام عليه، ولم ~~يكن هناك ممدوح أعز شاعره كما أعز المعز ابن هانئ، فلما أنشده بالقيروان قصيدته ~~التي أولها: # هل من أعقة عالج يبرين # أم منهما بقر الحدوج العين # أمر ms145 له بدست قيمته ستة آلاف دينار، فقال له: يا أمير المؤمنين! ما لي موضع يسع ~~الدست إذا بسط، فأمر له ببناء قصر غرم عليه ستة آلاف دينار، وحمل إليه آلة تشاكل ~~القصر والدست قيمتها ثلاثة آلاف دينار. ولما بلغه خبر وفاته وهو بمصر تأسف عليه ~~كثيرا، وقال: «لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا الرجل كنا نرجو أن نفاخر به شعراء ~~المشرق فلم يقدر لنا ذلك.» # 37 # وقد أسس ابن هانئ في شعره عقائد الإسماعيلية، وصاغها صياغة شعرية، وعلم الشعراء ~~كيف يمدحون الخلفاء الفاطميين من ناحية عقائدهم، كما يمدحونهم من ناحية خلائقهم، ~~فيقول مثلا: # أنت الورى فاعمر حياة الورى # باسم من الدعوة مشتق # 38 # ويقول: # قد كان ينذر بالوعيد لطول ما # أصغى إليك ويعلم التأويلا # 39 ~~••• # أهل النبوة والرسالة والهدى # في البينات وسادة أطهار # والوحي والتأويل والتحليل والت # حريم لا خلف ولا إنكار # ويقول: # ماذا تريد من الكتاب نواصب # وله ظهور دونها وبطون # وهو بذلك يؤكد عقيدة الشيعة في أن للشريعة ظاهرا وباطنا، وأن التأويل لا يعلمه ~~إلا الله ورسوله وخلفاؤه المنصوبون من قبله، إماما بعد إمام إلى آخر الأئمة ~~المعصومين، يعلم الماضي منهم من يأتي بعده، وسائر الناس يستفيدون علم التأويل ~~منهم بقدر استعدادهم. # ويقول مؤيدا لهذه التعاليم: # إذا كان أمن يشمل الأرض كلها # فلا بد فيها من دليل مقدم # ويقول: # لولاك لم يكن التفكر واعظا # والعقل رشدا والقياس دليلا # لو لم تكن سكن البلاد تضعضعت # وتزايلت أركانها تزييلا # وهكذا يؤسس في شعره الدعوة، ونظرية الإمامة وعصمة الأئمة، وعلم الإمام بالحقائق، ~~وأنه مظهر نور الله، فعلم الشعراء كيف يمدحون، وكيف يقولون. # 40 # فلحاجة الفاطميين للدعوة قربوا الشعراء، فكثر الشعر وحسن وجاد، فرأينا شعراء ~~ممتازين في هذا العصر لم يكن مثلهم في مصر، شعراء أتوا من المغرب مع المعز وبعده، ~~وشعراء وافدون من العراق والشام واليمن، وشعراء من المصريين أنفسهم، وراج الشعر ~~لكثرة الدوافع وقوتها، فنوع الشعر الغالب على الأدب العربي - وهو شعر المديح - إنما ~~يكثر ويزدهر على باب القصور ms146 السخية، والفاطميون كانوا من أسخى الناس في هذا الباب ~~ثم هم أكثروا من الحفلات العامة، مما لم يكن له نظير في مصر لا قبلهم ولا بعدهم، ~~وهذه الحفلات والأعياد كانت في غاية من الفخامة والضخامة، قد أقروا الأعياد التي ~~كانت قبلهم، وزادوا عليها: فموسم رأس السنة، ويوم عاشوراء، ومولد النبي، ومولد علي، ~~ومولد الحسن، ومولد الحسين، ومولد فاطمة، ومولد الخليفة الحاضر، وليلة أول رجب، ~~وأول شعبان ونصفه، وغرة رمضان، وسماط رمضان، وليلة الختم، وعيد الفطر، وعيد النحر، ~~وعيد الغدير، وكسوة الشتاء، وكسوة الصيف، وفتح الخليج، ويوم النيروز، ويوم الغطاس، ~~ويوم الميلاد، وخميس العدس ... إلخ، مما بقي أثر بعضه عند المصريين إلى اليوم. # وكان في كثير من هذه الأعياد، يركب الخليفة بزيه المفخم، وهيئته المعظمة، وتوزع ~~الخلع والجوائز، وتمد الأسمطة، فتكون كل هذه المظاهر حافزة للشعراء على أن يقولوا ~~ويكثروا ويجيدوا في هذا الباب من القول الذي يعده الفاطميون دعاية لهم لا بد ~~منها. # روى المقريزي عن الشريف أبي عبد الله الجواني، أن الخليفة الآمر بأحكام الله بنى ~~منظرة من خشب مدهونة، فيها طاقات تشرف على خضرة بركة الحبش، وصور فيها الشعراء كل ~~شاعر وبلده، واستدعى من كل واحد منهم قطعة من الشعر في المدح، وكتب ذلك عند رأس كل ~~شاعر، وبجانب صورة كل منهم رف لطيف مذهب، فلما دخل الآمر وقرأ الأشعار، أمر أن ~~يحط على كل رف صرة مختومة فيها خمسون دينارا، وأن يدخل كل شاعر ويأخذ صرته ~~بيده، ففعلوا ذلك، وأخذوا صررهم، وكانوا عدة شعراء. # 41 # وقد أسس هذه الخطة - خطة الاحتفاء بسماع الشعر ورعايته والمكافأة العظيمة عليه - ~~الخليفة المعز ووزيره يعقوب بن كلس، ثم صارت تقليدا فاطميا متبعا بالمعز أسس ~~له ابن هانئ منهج الشعراء في المديح، ويعقوب بن كلس قرب الشعراء وشجعهم وأغناهم، ~~وكان من أولهم في ذلك الشاعر أبو حامد الأنطاكي المعروف بأبي الرقعمق، وأكثر ~~شعره وقف على مدح المعز والعزيز والحاكم بأمر الله، وجوهر القائد، وخاصة الوزير ابن ~~كلس من مثل قوله فيه: # كل ms147 يوم له على نوب الده # ر وكر الخطوب بالبذل غاره # ذو يد شأنها الفرار من البخ # ل وفي حومة الندى كراره # هي فلت عن العزيز عداه # بالعطايا وكثرت أنصاره # هكذا كل فاضل يده تم # سي وتضحي نفاعة ضراره # فاستجره فليس يأمن إلا # من تفيا ظلاله واستجاره # وإذا ما رأيته مطرقا يع # مل فيما يريده أفكاره # لم يدع بالذكاء والذهن شيئا # في ضمير الغيوب إلا آثاره # لا ولا موضعا من الأرض إلا # كان بالرأي مدركا أقطاره # زاده الله بسطة وكفاه # خوفه من زمانه وحذاره # وقد أفرد العماد الأصفهاني في كتابه «خريدة القصر وجريدة العصر» جزءا خاصا ~~لشعراء مصر، بلغ عددهم نحو المائة، ترجم لكل منهم وذكر شيئا من شعره. # 42 # ويمكننا أن نقسم الشعر المصري الفاطمي أقساما ثلاثة: قسم في المديح وهو أكبر ~~الأقسام كعادة الشعر العربي، وكما رأيت في شعر أبي الرقعمق، ويمتاز عما قبله من ~~شعر مصر بالجزالة والقوة للأسباب التي ذكرناها ، ومن أشهر هؤلاء المهذب بن الزبير، ~~وكان أكثر مديحه في الصالح بن رزيك، ومن أشهر قصائده فيه قصيدة نونية يمدحه بها ~~بعد انتصار أسطول مصر على أسطول الروم، مطلعها: # أعلمت حين تجاور الحيان # أن القلوب مواقد النيران # ومثل المهذب الموصلي، وعمارة اليمني. # ويصح أن نلاحظ أن هذا الشعر الذي قيل في مديح الفاطميين شعر فرح مغتبط؛ إذ كان ~~الشيعة لأول أمرهم قد نجحوا في تأسيس دولة ضخمة، وتبوءوا فيها كرسي الخلافة بعد أن ~~طال أمدهم في اضطهاد وتعذيب على يد الأمويين والعباسيين، فكان شعر شعرائهم حزينا ~~آسفا كشعر السيد الحميري، والكميت ودعبل الخزاعي. # ثم شعر تعليمي في الدعوة، وقد بدأه ابن هانئ الأندلسي في بعض شعره، وقد عرضنا ~~قبل نماذج منه، وبلغ قمته المؤيد الشيرازي داعي الدعاة، فأكثر من الشعر في هذا ~~الباب وأفاض، وله ديوان في ذلك، منه في تأييد علم الباطن. # ورب معنى ضمه كلام # كمثل نور ضمه ظلام # باق بقاء الحب في السنابل # في معقل من أحرز المعاقل # وإنما باب المعاني مقفل # وأكثر الأنام ms148 عنه غفل # مفتاحه أضحى بأيدي خزنه # بهم إلهي علمه قد خزنه # كما يلوذ الخلق طرا بهم # خصوا لهذا العلم من ربهمو # فما أبو حنيفة والشافعي ~~- حيث هم قد نفقوا - بنافع # أولئك الأبرار آل المصطفى # ومن بهم مروة عزت والصفا # هم البدور والنجوم اللمع # وللهدى وللعلوم المنبع # هم الثقات والنفاة للشبه # والمنقذون الناس من كل عمه # لهم سمعنا ولهم أطعنا # فبدلونا بعد خوف أمنا # فما علينا مشكل بمشكل # بهم كفينا كل خط معضل # وأرشدونا سبل الصواب # وعلمونا علم ذا الكتاب # مبرأ من هجنه التناقض # مسلما من خوض كل خائض # وهكذا كل ديوانه في الدعوة وما إليها. # 43 # ثم شعر هو أرقى أنواع الشعر وأصدقه، ينبع من مشاعر الشاعر، ويتدفق في رقة ~~وسلاسة، وكان على رأس الشعراء من هذا النوع شاعران فاطميان: تميم بن المعز، ~~والعقيلي. # فأما تميم، فهو ابن الخليفة المعز فاتح مصر؛ ولم يل الخلافة لأن المعز جعل ولاية ~~عهده لابنه العزيز نزار دون تميم، فحرم الخلافة، ولكنه تبوأ عرش الأدب فكان شاعرا ~~ماهرا لطيفا ظريفا، يشعر بخلجات نفسه، ونبضات قلبه، ولم تر مصر شاعرا من هذا ~~القبيل قبله مثله، يصف حياته اللاهية من حبه وعشقه وليالي غرامه ونحو ذلك في قول ~~عذب، وفي أعماقه شعور بالحزن؛ إما لطبيعة مزاجه ورقة جسمه، أو لخروج الخلافة من يده ~~وهو يرى أنه أولى بالفضل، أو لأنه عذبه الحب فأضناه، أو لكل ذلك مجتمعا، فمن ~~قوله: # أما والذي لا يملك الأمر غيره # ومن هو بالسر المكتم أعلم # لئن كان كتمان المصائب مؤلما # لإعلانها عندي أشد وآلم # وبي كل ما يبكي العيون أقله # وإن كنت منه دائما أتبسم # وتميم بن المعز أشبه شيء بابن المعتز في قرابة الكنية، والنشأة في بيت الملك، ~~وقوة الشاعرية، وسوء الحظ في دنيا المناصب، وإن تخالفا في أن ابن المعتز سني عباسي ~~يدعو للعباسيين ويرد على الشيعة، فيرد عليه ابن المعز في مثل قوله وعلى روي ~~قصيدته. يقول ابن المعتز في الإشادة بالعباسيين ورد دعوة الشيعة قصيدة ~~مطلعها: # أي ms149 رسم لآل هند ودار # درسا غير ملعب ومنار # يقول فيها: # هاشمي إذا نسبت ومخصو # ص ببيت من هاشم، غير عار # أخزن الغيظ في قلوب الأعادي # وأحل الجبار دار الصغار # أنا جيش إذا غدوت وحيدا # ووحيد في الجحفل الجرار ~~... إلخ. # فيرد تميم بن المعز بقصيدته: # يا بني هاشم ولسنا سواء # في صغار من العلا وكبار # إن نكن ننتمى لجد فإنا # قد سبقناكمو لكل فخار # ليس عباسكم كمثل علي # هل تقاس النجوم بالأقمار؟! ~~... إلخ. # ولكن دعنا من هذا، فمزية تميم الكبرى في رقة شعره، وصدق شعوره وسلاسته، فكان في ~~ذلك أستاذ البهاء زهير بعده، كقوله: # يا دهر ما أقساك من متلون # في حالتيك وما أقلك منصفا # أتروح للنكس الجهول ممهدا # وعلى اللبيب الحر سيفا مرهفا # فإذا صفوت كدرت شيمة باخل # وإذا وفيت نقضت أسباب الوفا # لا أرتضيك وإن صفوت لأنني # أدري بأنك لا تدوم على الصفا # زمن إذا أعطى استرد عطاءه # وإذا استقر بدا له فتحرفا # ما قام خيرك يا زمان بشره # أولى بنا ما قل منك وما كفى # وقوله: # قالت وقد نالها للبين أوجعه # والبين صعب على الأحباب موقعه # أجعل يديك على قلبي فقد ضعفت # قواه عن حمل ما فيه وأضلعه # كأنني يوم ولت حسرة وأسى # غريق بحر يرى الشاطي ويمنعه # وله الأوزان الشعرية الظريفة كقوله: # دم العشاق مطلول # ودين الحب ممطول # وسيف اللحظ مسلول # ومبدي الحب معذول # وإن لم يصغ للائم # وأحور ساحر الطرف # يفوق جوامع الوصف # مليح الدل والظرف # جنت ألحاظه حتفي # فمن يعدي على الظالم؟ # يعنفني على حبي # ويهجرني بلا ذنب # كأني لست بالصب # لقهوة ريقه العذب # أما في الحب من راحم؟ ~~... إلخ. # وقد مات سنة 374ه في خلافة أخيه، ولم يعمر طويلا؛ إذ كان عمره يوم وفاته نحوا ~~من سبع وثلاثين سنة، وهذه سنة القلب المحترق. # 44 # وأما العقيلي، فهو أبو الحسن علي بن الحسن بن حيدرة العقيلي، كان في المائة ~~الخامسة، وكان من الأشراف، وكان له متنزهات بجزيرة الفسطاط، ولم يغن لخليفة أو ~~أمير، بل غنى ms150 لنفسه في حبه ومتنزهاته، وكان يعد من أئمة المدرسة التي تعنى ~~بالتشبيه وتجيده، أمثال ذي الرمة أولا، وابن المعتز أخيرا، ثم سلك مسلك أبي نواس ~~في الخمر وتوليد المغاني منها، وأولع بالطبيعة الجميلة يستجليها ويستمتع بها، ~~كقوله: # الروض في ديباجة خضراء # والجو في فرجية دكناء # والأرض قد نظم الربيع لجيدها # عقدا من الصفراء والحمراء # والراح ينثر في مذاب عقيقها # درر الفواقع جوهري الماء # فاقصد رضا رضوانها بالشرب إن # أحببت سكنى جنة السراء # وقوله في وصف صديق: # ظللني بظله الظليل # أخ نداه واضح السبيل # يسير في المجد بلا دليل # مهذب الجملة والتفصيل # أخلاقه تنضح بالجميل # كأنه عافية العليل ~~••• # لأحسن من مصافحة الصفاح # ومن وقع الرماح على الرماح # بقاع ترقص الأمواج فيها # على النغمات من رمي الرماح # وأغصان يذهبها بهار # وغيطان يفضضها أقاح # وإن جنح الشباب إلى التصابي # فخل عنانه طوع الجماح # فصبح العيش سوف يعود ليلا # إذا ما الليل نغص بالصباح # 45 # أتطمع بعد شيبك في سرور # محال أن تطير بلا جناح # 46 # ثم ما بقي لنا من النثر الفني الفاطمي ولو كان قليلا، كبعض الكتب الرسمية التي ~~ذكرها القلقشندي في «صبح الأعشى»، ورسالة ابن القارح لأبي العلاء - وقد عاش ابن ~~القارح في زمن الحاكم - ورد عليها أبو العلاء ب «رسالة الغفران»، وكرسالة داعي ~~الدعاة إلى أبي العلاء، وجداله معه في ذبح الحيوان، إلى غير ذلك من رسائل منثورة ~~هنا وهناك، كل هذا على قلته يدل على تقدم النثر الفني، وميله إلى الزينة من سجع ~~وبديع واقتباس، مما هو ظل لحياة الترف في قصور الخلفاء، كما يدل على تأثر بسعة ~~الثفافة التي عظمت في هذا العصر. # | هوامش # الفصل الثاني # | العراق وجنوبي فارس # ظلت هذه البلاد محكومة بالخلفاء اسما، وبسلطة الأتراك فعلا، من عهد المتوكل إلى ~~أن جاءت البويهية الفارسية فبسطت نفوذها على جنوبي فارس والعراق من سنة 321ه إلى ~~سنة 447ه، ولما تغلبوا على بغداد لم يكن للخليفة العباسي معهم إلا الاسم، والدعاء ~~له على المنابر، وكتابة اسمه على سكة الدراهم ms151 والدنانير. وأما جباية الأموال وتجييش ~~الجيوش وأمور الدولة كلها ففي أيديهم، قد جعلوا للخليفة مرتبا ثم تصرفوا كل مالية ~~الدولة، وكان لقبهم «أمير الأمراء» لقبهم به الخلفاء، وقد كان البويهيون شيعة، وقد ~~فكر معز الدولة البويهي عندما فتح بغداد أن يعزل الخليفة وهو سني، ويقيم مكانه أحد ~~الأئمة العلويين، كما فعل الفاطميون، وكان ذلك هينا عليه، ولكن نصحه بعض خاصته ألا ~~يفعل، وقال: «ليس هذا برأي فإنك اليوم مع خليفة تعتقد أنت وأصحابك أنه ليس من أهل ~~الخلافة، ولو أمرتهم بقتله قتلوه مستحلين دمه، ومتى أجلست بعض العلويين خليفة كان ~~معك من تعتقد أنت وأصحابك صحة خلافته، فلو أمرهم بقتلك لفعلوه، فأعرض عن رأيه، ~~وأقام المطيع لله خليفة بدل المستكفي المخلوع.» # وقد كانوا فرسا متشيعين يقولون إنهم من نسل ملوك فارس، وقد تقسموا العراق وجنوبي ~~فارس فيما بينهم، وامتد نفوذ بعضهم أحيانا، وانكمش نفوذ بعضهم، فمنهم من حكم ~~العراق والأهواز وكرمان، ومنهم من حكم كرمان وحدها، ومنهم من حكم فارس وحدها، ومنهم ~~من حكم الري وهمذان وأصفهان، ومنهم من مد سلطانه على ذلك جميعا كعضد الدولة، وكان ~~بين بعضهم وبعض خصومات ومنازعات ليس هنا موضع شرحها. # إنما نستطيع أن نقول: إنهم مع فارسيتهم شجعوا الأدب العربي، واللسان العربي، ~~والعلوم العربية، وكان ممن نبغ من العلماء والأدباء والفلاسفة في عهدهم من يعد ~~بحق فخر المملكة الإسلامية في العصور المختلفة. # وقد كانت هناك مدن كثيرة في هذا الإقليم أثناء هذا العهد وقبله تميزت بقوة ~~الحركات العلمية والأدبية مثل بغداد والبصرة والكوفة في العراق، والري وأصبهان في ~~فارس. # وقد زار المقدسي هذه البلاد كلها في العهد البويهي، وملخص ما قال من الناحية ~~العلمية: «إن إقليم العراق إقليم الظرفاء، ومنبع العلماء، لطيف الماء عجيب الهواء، ~~مختار الخلفاء، أخرج أبا حنيفة فقيه الفقهاء، وسفيان سيد القراء، ومنه كان أبو ~~عبيدة والفراء، وحمزة والكسائي، وكل فقيه ومقرئ وأديب، وسري وحكيم وداه وزاهد ~~ونجيب، وظريف ولبيب - أليس به البصرة التي قوبلت بالدنيا، وبغداد الممدوحة في ~~الورى، والكوفة ms152 الجليلة وسامرا.» # 1 ~~«والكوفة قصبة جليلة حسنة البناء جليلة الأسواق كثيرة الخيرات ... وهو بلد مختل قد ~~خرب أطرافه، وكان نظير بغداد.» # 2 ~~«والبصرة قصبة سرية ... والبلد أعجب إلي من بغداد لرفعتها، وكثرة الصالحين بها، ~~وكنت بمجلس جمع فقهاء بغداد ومشايخها، فتذاكروا بغداد والبصرة فتفرقوا على أنه إذا ~~جمعت عمارات بغداد، وأندر خراجها لم تكن أكبر من البصرة.» # 3 ~~«وبغداد - لأهلها - الخصائص والظرافة، والقرائح واللطافة، هواء رقيق، وعلم دقيق، ~~كل جيد بها، وكل حسن فيها، وكل حاذق ممنها، وكل قلب إليها، وكل حرب عليها، وهي أشهر ~~من أن توصف، وأحسن من أن تنعت، وأعلى من أن تمدح.» # 4 # ولكنه في موضع آخر قال: «واعلم أن بغداد كانت جليلة في القديم، وقد تداعت الآن ~~للخراب، واختلت وذهب بهاؤها، ولم أستطبها، ولا أعجبت بها، وإن مدحناها فللمتعارف؛ ~~وفسطاط مصر اليوم كبغداد، ولا أعلم في الإسلام بلدا أجل منه.» # 5 # والعراق «كثيرة الفقهاء والقراء والأدباء والأئمة والملوك، بخاصة بغداد والبصرة ... ~~وبه مجوس كثيرة، وذمته نصارى ويهود ... وقد حصل به عدة من المذاهب، والغلبة ببغداد ~~للحنابلة والشيعة، وبه مالكية وأشعرية ومعتزلة ونجارية، وبالكوفة الشيعة إلا ~~الكناسة فإنه سنة ... وبالبصرة مجالس وعوام السالمية، وهم قوم يدعون الكلام ~~والزهد، وسالم كان غلام سهل بن عبد الله التستري الصوفي ... وأكثر أهل البصرة قدرية ~~وشيعة، وثم حنابلة وببغداد غالية يفرطون في حب معاوية، ومشبهة ... والقراءات السبع ~~مستعملة في العراق ... ولغاتهم مختلفة أصحها الكوفية لقربهم من البادية، وبعدهم عن ~~النبط، ثم هي بعد ذلك خشنة وفاسدة بخاصة في بغداد، وأما البطائح فنبط لا لسان ولا ~~عقل». # 6 ~~«وتقع عصبيات وحشة بالبصرة بين الربعيين وهم شيعة، وبين السعديين وهم سنة، ~~ويدخل فيها أهل الرساتيق، وقل بلد إلا وبه عصبيات على غير المذاهب.» ~~«وأما القسم من إيران الذي يحكمه البويهيون فقسمه الشمالي كان يسمى بلاد الجبال، ~~وأهم مدنه أربع: كرمنشاه - وكانت تسمى في ذلك العهد قرمسين - والري، وهمذان، ~~وأصفهان - وسمي هذا الإقليم في العهد السجلوقي بالعراق العجمي - وكانت عاصمة هذا ~~العهد البويهي ms153 هي «الري»، قال الإصطخري: «و«الري» مدينة ليس بعد بغداد في المشرق ~~أعمر منها.» وقال الأصمعي: «الري عروس الدنيا وإليه متجر الناس، وهو أحد بلدان ~~الأرض.» والنسبة إليها رازي. وقد خرجت كثيرا من العلماء المعروفين بهذه النسبة كما ~~سيجيء، وموقعها على بعد أميال من طهران، ومحلها الآن خرائب، ولما وصف المقدسي هذا ~~الإقليم في العهد البويهي قال: «إن به الري الجليلة، وهمذان، والكورة النفسية ~~أصبهان.» # 7 ~~«فأما الري فإنها كورة نزيهة كثيرة المياه، جليلة القرى، حسنة الفواكه، واسعة ~~الأرض، خطيرة الرساتيق # 8 ~~... علماء سراة، وعوام دهاة، ونسوان مدبرات، لهم جمال وعقل وآيين، وبه ~~مجالس ومدارس، وقرائح وصنائع وخصائص، لا يخلو المذكر من فقه، ولا الرئيس من علم، ~~ولا المحتسب من صيت، ولا الخطيب من أدب، هو أحد مفاخر الإسلام، وأمهات البلدان، به ~~مشايخ وأجلة، وقراء وأئمة وزهاد وغزاة ... وأئمة الجوامع فيها مختلفة، يوم للحنفيين، ~~ويوم للشفعويين.» # 9 ~~«وأما همذان فهي إقليم كبير حسن قديم ... والري أطيب وآهل وأعمر منها، قد انجلى ~~أهلهان، وقل العلماء بها، وأذهبت الري دولتها.» ~~«وأما أصفهان، فأخذت بحظ من فارس، وحظ من الجبال، وقصبتها «اليهودية»، وهي كبيرة ~~عامرة آهلة كثيرة الخيرات، أهل سنة وجماعة، وأدب وبلاغة، كما أخرجت من مقرئ وأديب، ~~وفقيه ولبيب.» # 10 ~~«ومذاهب هذا الإقليم مختلفة أما بالري فالغلبة للحنفيين، وبها حنابلة كثيرون ~~لهم جلبة، والعوام قد تابعوا الفقهاء في خلق القرآن، وأهل «قم» شيعة غالية ... ~~وهمذان وأجنادها أصحاب حديث إلا الدينور، فإن بها جلبة لمذهب سفيان الثوري، ~~والإمامة في الجامع مثنى - يوم لمذهب ويوم لمذهب - وعلى ذلك كان أهل أصفهان في ~~القديم.» # 11 # ويقع بالري عصبيات في خلق القرآن، # 12 # وفي أهل أصفهان بله وغلو في معاوية. # 13 # وقد اشتهر من بلاد الجبل في العلم والأدب «دينور» التي ينسب إليها ابن قتيبة ~~الدينوري، وأبو حنيفة الدينوري، وغيرهما من فحول العلماء والأدباء. # وإلى الجنوب من إقليم الجبال كان إقليم «فارس»، وكان اسما لإقليم خاص، ثم أطلق ~~على إيران كلها، وقد اشتهر من هذا الإقليم في ms154 العلم والأدب إصطخر، وسيراف، وشيراز، ~~وأرجان، وشعب بوان، وشهرستان، وقد حازت شيراز مركزا ممتازا في العهد البويهي، ~~وخاصة في عهد عضد الدولة، وكانت هي قصبة إقليم فارس ينزل بها ملوك البويهيين، قال ~~المقدسي: «وهذا الإقليم - إقليم فارس - العمل فيه على مذهب أصحاب الحديث، وأصحاب ~~أبي حنفية كثيرون، وللداوودية - أهل الظاهر - دروس ومجالس وغلبة، ويتقلدون القضاء ~~والأعمال. # 14 # والصوفية بشيراز كثيرون، وكما يرفع بالمشرف العلماء ترفع هنا ~~الكتبة.» # 15 # تعود إلى وصف الحركة العلمية في العراق، ثم في الجزء الجنوبي من بلاد الفرس، ~~فالعراق من عهد المتوكل إلى آخر الدولة البويهية لم تزل لها الصدارة في العلم ~~والأدب والفلسفة. # ويدل ما جمعه الخطيب البغدادي من تراجم علماء بغداد على ثروة واسعة في العلم ~~والعلماء من جميع الفروع كالتفسير والحديث والفقه والشعر والأدب. # نعم إن المتوكل نصر أهل الحديث على المعتزلة واضطهدهم، وكان في هذا خسارة كبيرة ~~على الحركة الفكرية؛ ولكن مع ذلك ظل الجدل في علم الكلام قويا. # فقد نبغ أبو علي الجبائي (235ه-303ه)، وكان إمام المعتزلة في بغداد، وتتلمذ له ~~أبو الحسن الأشعري (270ه-330ه)، وكان مولده بالبصرة، وانتقل إلى بغداد، وأخذ مذهب ~~الاعتزال على الجبائي، ثم خرج على الاعتزال وحاربه وألف في ذلك الكتب الكثيرة، ~~وخالف المعتزلة في كثير من أصولهم لقولهم بالاختيار المطلق ووجوب العدل على الله، ~~وأن القرآن مخلوق، وكون مذهبا له دعا إليه، وناصر مذهبه جماعة من أكبر العلماء ~~من أشهرهم الباقلاني، وابن فورك، والإسفرائيني، والقشيري، وإمام الحرمين الجويني، ~~ثم الغزالي فأبو حامد الإسفرائيني كان يحضر إليه أكثر من ثلاثمائة فقيه، وانتهت ~~إليه الرياسة في بغداد، وكان شافعيا كأبي الحسن الأشعري، وما زال يدرس ببغداد ~~من سنة 370ه إلى وفاته سنة 406ه. # والباقلاني كذلك كان من أنصار الأشعري في بغداد، وصنف التصانيف الكثيرة في علم ~~الكلام، وكان موصوفا بالإطناب وقوة الجدل، مات سنة 403ه ... إلخ إلخ. # واشتد الجدل بين الأشعرية والمعتزلة، وإن خفت بعض الشيء صوت المعتزلة؛ لقوة ~~المحدثين، ونصرة ذوي السلطان لهم. # واستمر المعتزلة في العراق ms155 يعلمون ويدرسون ويدعون، وقد اشتهر منهم أئمة عظماء ~~كأبي علي الجبائي الذي مر ذكره، ثم تلميذه في الاعتزال محمد بن عمر الصيمري، ثم ~~قاضي القضاة عبد الجبال، كان أشعريا ثم تحول إلى الاعتزال ونبغ فيه، قالوا: ~~«وهو أول من فتق علم الكلام ونشر بروده، ووضع فيه الكتب الجليلة التي بلغت المشرق ~~والمغرب، وضمنها من دقيق الكلام وجليله ما لم يتفق لأحد مثله، وطال عمره مواظبا ~~على التدريس والإملاء - ببغداد - حتى طبق الأرض بكتبه وأصحابه، وبعد صوته، وإليه ~~انتهت الرياسة في المعتزلة حتى صار شيخها وعالمها غير مدافع، وصار الاعتماد على ~~كتبه ومسائله، واستدعاه الصاحب بن عباد إلى الري سنة 360ه فبقي فيها مواظبا على ~~التدريس إلى أن توفي سنة 415ه أو سنة 416ه.» # 16 # وهو الذي يلقبه المعتزلة بقاضي القضاة. # وهكذا ظلت حركة الاعتزال في العراق يناهضها الأشاعرة وغيرهم، ويؤسسون بذلك علم ~~الكلام ويوسعونه. # كما نمت الحركة الفقهية في العراق نموا كبيرا، وظهر كثير من المجتهدين وكبار ~~أتباع المذاهب المختلفة. # فكان من المجتهدين داود الظاهري الأصفهاني الأصل البغدادي الدار، وقد أسس مذهبا ~~عماده إنكار القياس، وأن في الكتاب والسنة من العمومات ما يفي بمعرفة الواجبات ~~والمحرمات، وتقديم ظواهر آيات القرآن والحديث على التعليل العقلي للأحكام، وقد كثر ~~أتباع هذا المذهب في العراق وفارس والأندلس، وقد انقرضوا بعد المائة الخامسة، وقد ~~مات داود صاحب المذهب سنة 270ه ببغداد، ونشر مذهبه بعده ابنه محمد المتوفى سنة ~~297ه. # ثم من أشهر الأئمة المجتهدين محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ، ومن ~~أعلم الناس بفقه المذاهب المختلفة، وألف في اختلاف الفقهاء، وكان من أكثر العلماء ~~تأليفا، وكان مجتهدا في مذهبه لم يقلد أحدا، توفي سنة 310ه ببغداد، وكان له ~~أتباع على مذهبه انقطعوا بعد المائة الرابعة. # وقد نبغ في هذا العصر كثير من علماء المذاهب المختلفة كذلك. # فاشتهر من الحنفية في العراق أبو الحسن عبيد الله الكرخي رئيس الحنفية في العراق ~~في عصره، توفي سنة 340ه، وقد أصابه الفالج، فكتب أصحابه إلى سيف الدولة ms156 الحمداني ~~يستمنحونه ما ينفق عليه، فلما علم الكرخي بذلك بكى، وقال: اللهم لا تجعل رزقي إلا ~~من حيث عودتني. ومات قبل أن تصل إليه صلة سيف الدولة. # وكان من أكبر تلاميذ الكرخي هذا أبو بكر الجصاص البغدادي رأس المذهب بعد الكرخي، ~~وألف الكتب الكثيرة على مذهب أبي حنيفة، مات سنة 370ه، وقد وصل إلينا من تآليفه ~~كتابه العظيم المطبوع، «أحكام القرآن». # ثم أبو الحسين القدوري رئيس الحنفية في العراق في زمنه، وقد ألف كتبا وصل ~~إلينا بعضها منها المختصر، وكان يناظر الإسفرائيني الفقيه الشافعي المشهور، مات سنة ~~428ه. # واشتهر من فقهاء المالكية العراقيين أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن حماد، تفقه ~~عليه أهل العراق من المالكية، وألف الكتب الكثيرة في الفقه المالكي وعلوم القرآن ~~وكان من نظراء المبرد في النحو، وولي قضاء بغداد، وعنه انتشر مذهب مالك في العراق، ~~وأقام على القضاء نيفا وخمسين سنة، «وكان بيت آل حماد أشهر بيت في العراق؛ لكثرة ~~رجاله المشهورين بالعلم والثراء، أئمة الفقه ومشيخة الحديث، رؤساء نبهاء أصحاب سنة ~~وهدي ودين، روى عنهم علماء انتشروا في أقطار الأرض، فانتشر ذكرهم في المشرق ~~والمغرب، وبقي العلم في بيتهم نحو مائة عام»، مات إسماعيل بن حماد هذا سنة ~~282ه. # ثم أبو الحسن علي بن أحمد البغدادي المشهور بابن القصار، كتب كتاب مسائل الخلاف ~~المشهور عند المالكية، وقد تولى أيضا قضاء بغداد، ومات سنة 398ه. # واشتهر من رجال الشافعية، أبو علي الكرابيسي البغدادي، رئيس الشافعية ببغداد، ~~المتوفى سنة 245ه، وأبو علي الزعفراني البغدادي المتوفى سنة 260ه، وأبو علي الحسن ~~بن القاسم الطبري البغدادي، له كتاب المحرر في النظر، وهو من أوائل الكتب في الخلاف ~~بين الفقهاء، وله كتاب الإفصاح في الفقه، وكتاب في الأصول، وكتاب في الجدل، توفي ~~سنة 305ه. # ثم أحمد بن عمر بن سريج القاضي بشيراز ثم ببغداد، أحد عظماء الشافعية ألف نحو ~~أربعمائة كتاب، توفي سنة 306ه. # وأبو إسحاق المروزي أمام عصره في العراق بعد ابن سريج، أقام بالعراق دهرا طويلا ~~ينشر مذهب ms157 الشافعي، توفي سنة 340ه. # وأبو الحسن علي بن عمر البغدادي الدارقطني، المحدث الكبير، وكان فقيها ~~شافعيا، عارفا باختلاف الفقهاء، رحل إلى مصر، ونزل ضيفا على ابن حنزابة وزير ~~كافور الإخشيدي، ثم عاد إلى بغداد، وألف كتبا كثيرة، ومات ببغداد سنة 385ه، ونسبته ~~إلى دار قطن محلة ببغداد. # ثم أبو الحسن الماوردي علي بن محمد بن حبيب البصري من أكبر فقهاء الشافعية، تولى ~~القضاء في بلدان كثيرة، واستوطن بغداد، وألف «الحاوي» وهو من أهم الكتب في الفقه ~~الشافعي، وله الكتاب المشهور المفيد كتاب «الأحكام السلطانية» شرح فيه مناصب الدولة ~~من الناحية الدينية كالإمامة وشروطها، والوزارة وأقسامها، والقضاء والحسبة وولاية ~~الخراج، إلى آخره، وكان عمدة كل من تعرض لهذا الموضوع من بعده، وله كتاب آخر في ~~قانون الوزارة وسياسة الملك. # وله كتاب «أدب الدنيا والدين» في الأخلاق على الأصول الدينية لا كتهذيب الأخلاق ~~لمسكويه، فإنه كتاب أخلاق على الأصول الفلسفية. # مات ببغداد سنة 450ه. # وكان للحنابلة سلطان كبير في العراق، واشتهر من علمائهم عبد الله ابن الإمام أحمد ~~بن حنبل، روى عن أبيه المسند والتفسير توفي سنة 290ه. # وأبو بكر أحمد بن هانئ الطائي البغدادي أحد الأعلام في الفقه على مذهب ابن حنبل، ~~مات بعد السبعين ومائتين. # وأبو إسحاق إبراهيم الحربي إمام كبير في الحديث مات سنة 285ه. # وأبو بكر عبد الله بن داود الأزدي السجستاني من أكابر حفاظ الحديث ببغداد، ~~وانتهت إليه رياسة الحنابلة بها، مات سنة 316ه. # وأبو القاسم عمر بن الحسين الخرقي صاحب المختصر في فقه الحنابلة، خرج من بغداد ~~لما ظهر بها سب السلف، وتوفي سنة 334ه. # وقد أتعب الحنابلة الحكومات المتعاقبة أكثر من غيرهم من أهل المذاهب الأخرى لشدة ~~عصبيتهم والميل إلى تنفيذ آرائهم بالقوة، من إراقة الخمور ومحاربة المنكرات، ~~والتعدي على خصومهم من أهل المذاهب، وصبرهم على ما يلقون من محن تقليدا لأستاذهم ~~الأكبر أحمد بن حنبل. # وفي هذا العصر نما في العراق التصوف، والدعوة إلى الاهتمام بباطن النفس لا ~~بالظواهر، وحقيقة الشريعة لا مجرد أعمال ms158 الجوارح، ورياضة النفس عن طريق الزهد ~~والعبادة، والوصول إلى المعرفة عن طريق الوحي والإلهام، وإدراك العالم العلوي ~~بالذوق والشعور، لا بما يدركه العقل بالمنطق والتجارب والقياس، وقد ظهر التصوف في ~~العراق في القرن الثاني، واشتهر من أعلامه رابعة العدوية المتوفاة سنة 135ه، وهي ~~القائلة: استغفارنا يحتاج إلى استغفار. والقائلة: إلهي، أتحرق بالنار قلبا ~~يحبك؟! # ثم إبراهيم بن أدهم (162ه)، وشقيق البلخي (195ه)، ومعروف الكرخي (200ه)، وهو ~~القائل: التصوف الأخذ بالحقائق، واليأس مما في أيدي الناس. ثم بشر الحافي (226ه)، ~~وهو القائل للمحدثين: أدوا زكاة هذا الحديث. قالوا: وما زكاته؟ قال: أن تعملوا ~~بخمسة أحاديث من كل مائتين. # وفي أواسط القرن الثالث تفلسف التصوف، واستمد من الفلسفة اليونانية والفلسفة ~~الهندية، فظهر بالعراق الحارث المحاسبي وهو بصري الأصل، وأستاذ أكثر البغداديين، ~~ومفلسف التصوف، ألف كتبا كثيرة؛ وكان يقول: خيار هذه الأمة هم الذين لا تشغلهم ~~آخرتهم عن دنياهم، ولا دنياهم عن آخرتهم. وكانت تآليفه من الأصول التي اعتمد عليها ~~الغزالي في كتبه، توفي سنة 243ه. # ثم سهل بن عبد الله التستري البصري المتوفى سنة 283ه. # ثم أبو سعيد أحمد بن عيسى البغدادي الخزار المتوفى سنة 286ه، وهو أول من تكلم ~~في الفناء والبقاء. # ثم ظهر إمام الصوفية الجنيد، أصله من نهاوند، ومولده ومنشؤه بالعراق، توفي سنة ~~297ه ببغداد، ومن قوله: «التصوف صفاء المعاملة مع الله.» «إن الله يخلص إلى القلوب ~~من بره على حسب ما تخلص إليه القلوب من ذكره، فانظر ماذا خالط قلبك.» ~~«المريد الصادق غني عن علم العلماء.» «التصوف أن تكون مع الله بلا علاقة.» # ومن تلاميذ الجنيد أبو منصور الحلاج الذي نقلت عنه مقالات في الحلول أفتى فيها ~~العلماء بإباحة دمه، فقتل ببغداد سنة 309ه. # وأخذ المتصوفة يضعون الكتب في التصوف محاذاة لكتب الفقهاء، ومن أشهر هذه الكتب ~~«قوت القلوب» لأبي طالب المكي، أصله من إقليم الجبل وسكن مكة فنسب إليها، وأقام ~~ببغداد مدة وبالبصرة مدة، وشطح في كلامه، وقد مات ببغداد سنة 386ه. # وكان طبيعيا أن يثور الخلاف ms159 بين الفقهاء والمتصوفة لاختلاف النزعتين، فالمتصوف ~~يعتمد على القلب وعلى الذوق وعلى المعرفة من طريق الإلهام وعلى الباطن، والفقهاء ~~يعتمدون على ظاهر القرآن والسنة، وعلى الاستنباط منهما من طريق المنطق والعقل، وليس ~~عندهم باطن ولا حقيقة وراء ظاهر النصوص وفهم معانيها، والصوفي يعنى بالروح والنفس، ~~والفقيه يعني بالجانب الظاهري والعملي، والصوفي روحاني نفساني، والفقيه قانوني، ~~والصوفي يعنى بالحب الإلهي، ولا يعنيه كثيرا أمر الثواب والعقاب، والفقيه يعني ~~بأداء العبادات، ويعتمد كثيرا على الثواب والعقاب ... إلخ. # فلا عجب إذن إذا اصطدمت الطائفتان، ولا عجب إن كان أكبر اصطدام لهما في العراق إذ ~~كانت الموطن الأكبر للمتصوفة، وخصوصا في البصرة حيث كانت منزل الهنود القادمين إلى ~~العراق، وبغداد حيث تلتقي الثقافات. # وكانت الخصومة أشد ما يكون بين الحنابلة والصوفية لشدة تمسك الحنابلة بظاهر ~~النصوص، ولأثر أحمد بن حنبل نفسه في ذلك، فقد أنكر أحمد بن حنبل على الحارث ~~المحاسبي الصوفي كلامه في التصوف حتى اختفى المحاسبي، ولما مات لم يحضر جنازته إلا ~~أربعة، وعاب عليه ابن حنبل وتلاميذه كلامه في الخواطر والوساوس، وقال إن هذه بدعة، ~~ورمى الحنابلة الصوفية بالزندقة وأثاروا الناس عليهم، وكان من أشهر الحوادث في ذلك ~~المحنة المعروفة بمحنة «غلام الخليل»، وكان ذلك سنة 262ه، إذ جاء «غلام الخليل»، ~~وكان حنبليا معروفا بالحديث والفقه والوعظ، وقد وصفه أبو داود السجستاني بأنه ~~دجال بغداد ، واتهم الصوفية بالزندقة، وشغب عليهم العامة، وسعى عند الخليفة، وعند ~~والدة الموفق، فأمر بالقبض على عدد كبير من الصوفية بلغوا نيفا وسبعين، وانتهت ~~المحنة بقتل بعضهم، وهرب بعضهم وتبرئة بعضهم. # ثم كانت فتنة الحلاج الكبرى فاتهم بالكفر ودعوى الألوهية، ورصدت فتوى من محمد بن ~~داود الظاهري بتكفيره سنه 297ه، ثم قبض عليه وحوكم؛ وصدرت الفتوى بإباحة دمه من ~~أبي عمر بن يوسف الأزدي وأبي الحسين بن الأشناني، ووقع الخليفة بموته، فقتل ~~الحلاج وصلب وقطعت أطرافه، وأحرق سنة 309ه. # فنرى من هذا شدة ما كان بين الصوفية والفقهاء في العراق من نزاع. # ونشطت حركة الفلسفة والنقل في ms160 العراق في العهد البويهي نشاطا كبيرا، فكان من ~~أكبر فلاسفة بغداد أبو سليمان المنطقي محمد بن طاهر بن بهرام السجستاني، شيخ رجال ~~الفكر في بغداد، وقد وصفه تلميذه أبو حيان بأنه «أدق العلماء نظرا، وأقعرهم غوصا، ~~وأصفاهم فكرا، وأظفرهم بالدرر، وأوقفهم على الغرر، مع تقطع في العبارة، ولكنة ~~ناشئة من العجمة، وقلة نظر في الكتب، وفرط استبداد بالخاطر، وحسن استنباط للعويص، ~~وجرأة على تفسير الرمز، وبخل بما عنده من هذا الكنز». # 17 # وكان مجلسه في بيته مدرسة فكرية تثار فيها أدق المسائل، ويدلي فيها كبار العلماء ~~بآرائهم، ولأبي سليمان الكلمة الأخيرة فيما يعرضون. # فيجتمع عنده أمثال أبي زكريا الصيمري، وأبي حيان التوحيدي، والنوشجاني ~~والقومسي، وغلام زحل، ويتجادلون - مثلا - في هل هناك تأثير للنجوم في الحوادث ~~الأرضية، وفي أفعال الله هل هي ضرورة أو اختيار، وفي السماع والغناء. ولم يؤثران ~~في النفس، والعلاقة بين المنطق والنحو، ونعيم أهل الجنة وكيف يكون، والفرق بين ~~طريقة المتكلمين والفلاسفة، والحظوظ والأرزاق، والدهر وحقيقته. # فكان بيته مدرسة تنشط فيها الحركات الفكرية، وتثار فيه أعقد المسائل أحيانا ~~ارتجالا، وأحيانا بقراءة رتيبة؛ فقد درس في بيته - مثلا - كتاب النفس لأرسطو ~~وحضره عليه أبو حيان التوحيدي. # ويطلعنا أبو حيان التوحيدي في كتابه «المقابسات» و«الإمتاع والمؤانسة» على محاضر ~~لهذه الجلسات وغيرها مما كان يدور بين العلماء في بغداد، فيدلنا على نشاط ذهني ~~فلسفي عجيب، وحرية في التفكير عظيمة، وثروة في رجال الفكر والنشاط العقلي كبيرة، ~~فيروي لنا - مثلا - مناظرة كبرى بين أبي سعيد السيرافي النحوي وبين متى بن يونس ~~القنائي في المنطق اليوناني والنحو العربي سنة 320ه، وكانت في بغداد، واحتشد ~~لهذه المناظرة كثير من العلماء ورسول للإخشيديين بمصر ورسول للسامانيين، وكان أساس ~~المناظرة أن متى يقول: لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل، والصدق من الكذب، ~~والخير من الشر، والحجة من الشبهة، والشك من اليقين؛ إلا بالمنطق حسبما رسمه أرسطو. ~~وكان أبو سعيد يرى أن هذه الأمور تعرف بالعقل الفطري من غير حاجة إلى المنطق، وليس ~~علم المنطق ms161 إلا أشكالا، فهب أن الأشكال صحيحة فبم تعرف جوهر الأشياء وحقيقتها؟ ~~أليس من طريق العقل؟! وتحورت المناقشة بعد ذلك إلى مسائل فرعية لا نطيل بها، كدعوى ~~أنه لا حاجة بالمنطقي إلى النحو، وبالنحوي حاجة إلى المنطق ... إلخ. # ويحكي مجلسا عند الوزير ابن سعدان حضره جماعة من متفلسفة النصارى جرى فيه البحث ~~في الإصلاح الخلقي وتقسيمه إلى سهل وعسير كالإصلاح البدني. # ومحضر جلسة أخرى عند عيسى بن علي بن عيسى الوزير في السبب الذي من أجله يولع كل ~~ذي علم بعلمه. # ومناظرة بين ماني المجوسي وأبي الحسن محمد بن يوسف العامري في النفس بعد الموت هل ~~تبقى أو لا تبقى. # ومناقشة في أن معرفة الله هل هي ضرورية أم استدلالية، إلى أكثر من أمثال ذلك مما ~~يدل على جو مملوء بالأفكار الفلسفية، وميل عقلي إلى فلسفة الأشياء والعمق في ~~التفكير فيها. # واشتهر بالطب والفلسفة في بغداد ابن بطلان وهو أبو الحسن المختار بن الحسن بن ~~عبدون النصراني، وهو الذي كان له المساجلات الطويلة المفيدة مع ابن رضوان المصري، ~~فلما طالت سافر على مصر لزيارة منافسه سنة 439ه وعرج على حلب، ثم وصل مصر سنة 441ه ~~وأقام بها ثلاث سنين، ثم عاد إلى بغداد، وقد تقدم طرف مما كانت تدور حوله المناظرة ~~عند ترجمة ابن رضوان، وقد وصل إلينا من كتبه كتاب شراء العبيد وكتاب دعوة الأطباء، ~~وقد صنف أيضا في تقويم الصحة، وكيفية دخول الغذاء في البدن وهضمه، والمدخل إلى ~~الطب ... إلخ. # وكان من أشهر المشتغلين بالفلسفة في بغداد يحيى بن عدي النصراني، وكان رئيس ~~المناطقة في زمانه، أخذ العلم عن بشر بن متى وعن الفارابي، وكان كثير الإنتاج بما ~~ينقل من السريانية إلى العربية وبما يؤلف وبما ينسخ، وقد عمر إحدى وثمانين سنة ~~كان فيها حركة دائبة، ألف مقالات كثيرة في المنطق وفي الإلهيات، ومات ببغداد سنة ~~364ه، وصفه أبو حيان التوحيدي بأنه «كان شيخا لين العريكة، مشوه الترجمة رديء ~~العبارة، وكان مبارك المجلس، وكان ينبهر في الإلهيات ويضل فيها». ms162 # وممن اشتهر بالفلسفة أيضا أبو علي بن زرعة النصراني، اشتهر بالمنطق وعلوم ~~الفلسفة، والنقل إلى العربية، اختصر كتاب أرسطو في المعمور من الأرض، وألف كتاب ~~أغراض كتب أرسطو المنطقية، ومقالة في العقل ... إلخ. مات ببغداد سنة 398ه، وقد فضله ~~أبو حيان على يحيى بن عدي فقال: «إنه كان حسن الترجمة صحيح النقل، كثير الرجوع إلى ~~الكتب، محمود النقل إلى العربية ... ولولا توزع فكره في التجارة ومحبته في الربح ~~وحرصه على الجمع لكانت قريحته تستجيب له.» وهو يشير على أنه كان مفتونا بالتجارة ~~مع القسطنطينية فاغتنى، ولكن صودرت أمواله ووقع في محن حتى أصيب بالفالج. # كما اشتهر نظيف القسي الرومي، وكان خبيرا باللغات، ينقل من اليوناني إلى العربي، ~~واستخدمه عضد الدولة البويهي في البيمارستان الذي أنشأه ببغداد، قال أبو حيان: «إن ~~نظيفا كانت يده في الطب أطول، ولسانه في المجالس أجول، ومعه وفق وحذق في ~~الجدل.» # وغير هؤلاء كثيرون عنوا بالفلسفة في بغداد كابن السمح، وأبي بكر القوسي، وابن ~~الخمار، وأبي الوفاء البزجاني الرياضي المشهور، قال فيه ابن خلكان: إنه أحد الأئمة ~~المشاهير في علم الهندسة، وله فيه استخراجات غريبة لم يسبق بها، قدم العراق سنة ~~348ه، ومات به سنة 387ه. # ومن هذه الطبقة أبو علي أحمد بن محمد مسكويه، كان خازنا لكتب عضد الدولة، ~~واختص من الفلسفة بالناحية الخلقية، فألف تهذيب الأخلاق، كما ألف في التاريخ كتابه ~~تجارب الأمم جرى فيه على نسق خاص، وهو الاهتمام بمواضع العبرة في الأحداث ~~التاريخية، والتعليق عليها تعليق الحكيم المجرب. # وظهر بالبصرة في القرن الرابع للهجرة جماعة إخوان الصفا، وكان منهم - كما حدث أبو ~~حيان التوحيدي - زيد بن رفاعة، وأبو سليمان محمد بن معشر البستي المعروف ~~بالمقدسي، وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، وأبو أحمد المهرجاني، والعوفي، ~~وغيرهم، «وكانت هذه الجماعة قد تألفت بالعشرة، وتصافت بالصداقة، واجتمعت على القدس ~~والطهارة والنصيحة، فوضعوا بينهم مذهبا زعموا أنهم قربوا به الطريق إلى الفوز ~~برضوان الله، وذلك أنهم قالوا: إن الشريعة قد دنست بالجهالات، واختلطت بالضلالات، ~~ولا ms163 سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة؛ لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة ~~الاجتهادية، وزعموا أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية، فقد حصل ~~الكمال، وصنفوا خمسين رسالة في جميع أجزاء الفلسفة علمها وعملها، وأفردوا لها ~~فهرستا وسموها رسائل إخوان الصفا، وكتموا فيها أسماءهم، وبثوها في الوراقين ~~ورهبوها للناس». # 18 # وعلى الجملة فقد كانت الحركة الفلسفية في العراق من أرقى الحركات الفلسفية في ~~المملكة الإسلامية. # وقد نبغ في العراق في ذلك العصر كثير من الشعراء والأدباء، من أشهرهم في بغداد ~~ابن نباتة السعدي مداح الملوك والرؤساء والوزراء، مدح سيف الدولة في حلب كما ~~تقدم، ومدح عضد الدولة والوزير المهلبي في العراق، وابن العميد في الري؛ وله ~~مقطوعات كثيرة في الغزل وشكوى الزمان، وأكثر من الوصف وأجاد، فوصف كماة الحرب وأسرى ~~الروم، والفرس، والمغنى، والسكين، وطيب الهواء، وخوالج نفسه ... إلخ. وقد جمع ~~شعره بين الرقة والسهولة وحسن السبك، ومات سنة 405ه ببغداد. # ثم أبو الحسن السلامي نسبة على دار السلام، شاعر عربي الأصل من بني مخزوم، ولد في ~~كرخ بغداد، مدح الصاحب بن عباد بأصفهان، وابن العميد في الري، وعضد الدولة بشيراز، ~~وسلك مسلك أبي نواس في التشبيب بالغلمان، وجرى على سنة عصره في الإكثار من ~~المقطوعات، ووصف ما يعرض من الأشياء، وقد وصف شعب بوان وصفا لم يستطع الوصول ~~فيه إلى ما وصل له المتنبي في وصفه، ويفحش أحيانا فيفرط في الفحش، ويهجو فيقذع في ~~الهجاء، على عادة كثير من شعراء هذا العصر. # ثم ابن سكرة، وابن حجاج، وقد سبق طرف من الكلام عليهما. # وقد وصف أبو حيان التوحيدي بعض المشهورين من الشعراء في وقته ببغداد، فكان مما ~~قال: «إن ابن نباتة شاعر الوقت، لا يدفع ما أقول إلا حاسد أو جاهل أو معاند، قد لحق ~~عصابة سيف الدولة وعدا معهم ووراءهم، حسن الحذو على مثال سكان البادية، لطيف ~~الائتمام بهم، خفي المغاص في واديهم، ظاهر الإطلال على ناديهم، هذا مع شعبة من ~~الجنون وطائف من الوسواس. # وأما ابن حجاج فسخيف الطريقة، ms164 بعيد عن المجد، قريع في الهزل، ليس للعقل من شعره ~~منال، ولا له في قرضه مثال، على أنه قويم اللفظ، سهل الكلام ... وهو شريك ابن سكرة في ~~هذه الغرامة - الخسارة - وإذا جد أقعى، وإذا هزل حكى الأفعى. # وأما السلامي فهو حلو الكلام، متسق النظام، كأنما يبسم عن ثغر الغمام، خفي ~~السرقة، لطيف الأخذ، واسع المذهب، لطيف المغارس، جميل الملابس، لكلامه ليطة بالقلب، ~~وعبث بالروح، وبرد على الكبد. # وأما الحاتمي، # 19 # فغليظ اللفظ، كثير العقد، يحب أن يكون بدويا قحا، وهو لم يتم ~~حضريا، غزير المحفوظ، جامع بين النظم والنثر على تشابه بينهما في الجفوة، وقلة ~~السلاسة. # وأما ابن جلبات # 20 # فمجنون الشعر، متفاوت اللفظ، قليل البديع، واسع الحيلة كثير الزوق، ~~التزويق، قصير الرشاء، كثير الغثاء. # وأما الخالع # 21 # فأديب الشعر، صحيح النحت، كثير البديع، مستوي الطريقة، متشابه الصناعة، ~~بعيد من طفرة المتحير، قريب من فرصة المتخير. # وأما مسكويه # 22 # فلطيف اللفظ رطب الأطراف، رقيق الحواشي، سهل المأخذ، قليل السكب، بطيء ~~السبك، مشهور المعاني، كثير التواني، شديد التوقي، ضعيف الترقي، يرد أكثر مما ~~يصدر، ويتطاول جهده ثم يقصر.» # 23 # كما كان من أكبر شعراء هذا العصر في بغداد الشريف الرضي، وقد تقدم القول ~~فيه. # واشتهر من شعراء البصرة في هذا العصر البويهي ابن لنكك البصري، وقد رأى غيره ~~من الشعراء ينفق سوقه وهو خامل، مع أدبه وظرفه، فأكثر من ذم الدهر، وشكوى ~~الزمان، وهجاء من نجح من الشعراء، وهو في المقطوعات القصيرة أجود منه في القصائد ~~الطويلة. # ونبغ في العهد البويهي أربعة من كبار الكتاب، اثنان في الجزء الفارسي الجنوبي، ~~وهما، ابن العميد، والصاحب بن عباد، وسيأتي الكلام فيهما، واثنان في العراق، وهما: ~~أبو إسحاق الصابي، وأبو القاسم عبد العزيز بن يوسف. # فأما الصابي فهو إبراهيم بن هلال الحراني الصابي، صاحب الرسائل المشهورة ~~المطبوعة، كان كاتب الإنشاء ببغداد عن الخليفة وعن عز الدولة البويهي، وتقلد ديوان ~~الرسائل سنة 349ه، وقد ظل محافظا على دينه الوثني، رغم ما خوطب ومني ووعد ~~بالوزارة ms165 إذا هو أسلم، في ملاطفة للمسلمين ومجاراتهم والاحتفال بشعائرهم، فكان يصوم ~~رمضان، ويحفظ القرآن كان مع صابئيته محبوبا من عظماء المسلمين، مقربا إليهم، ~~مبجلا موقرا كالصاحب ابن عباد، والزير المهلبي، وقد حكى ياقوت عنه أنه قال: ~~«راسلت المتنبي في أن يمدحني بقصيدتين وأعطيه خمسة آلاف درهم، ووسطت بيني وبينه ~~رجلا من وجوه التجار، فقال المتنبي للوسيط: قل له والله ما رأيت بالعراق من يستحق ~~المدح غيرك، ولكن إن مدحتك تنكر لك الوزير - يعني الوزير المهلبي - وتغير عليك؛ ~~لأني لم أمدحه، فإن كنت لا تبالي هذه الحال فأنا أجيبك إلى ما التمست وما أريد عن ~~شعري عوضا.» # وقد كان الصابي يناصر عز الدولة على عضد الدولة، فلما انتصر عضد الدولة وقتل عز ~~الدولة قبض على الصابي وحبسه وأراد إلقاءه تحت أرجل الفيلة، فتشفعوا له فشفع، ولكن ~~لم يزل في نفسه منه، وأمره عضد الدولة أن يؤلف له كتابا في أخبار الدولة البويهية، ~~فعمل له الكتاب «التاجي»، وقد وشى بعض الناس إلى عضد الدولة أن الصابي سئل وهو يكتب ~~هذا التاريخ: ماذا تصنع؟ فقال: «أباطيل أنمقها وأكاذيب ألفقها.» فقبض عليه، وحبس ~~أربع سنين، ثم خرج وقد ساء حاله، ومات ببغداد سنة 384ه عن إحدى وسبعين سنة. # وقد كان يعد من أعظم كتاب عصره، وأسلوبه - كما تدل عليه رسائله - فقرات متساوية، ~~مسجوعة أحيانا، مزدوجة أحيانا، وقد وصفه ابن الأثير أنه إمام الكتاب في عصره، ~~وأنه يجيد في الكتابة الرسمية - السلطانيات - ويقصر في الإخوانيات، وأخذ عليه ~~تكراره في معنى واحد كقوله: «لا تخلقه العصور بمرورها، ولا تهرمه الدهور ~~بكرورها.» # ولما مات رثاه الشعراء، ومنهم الشريف الرضي في قصيدته المشهورة: # أرأيت من حملوا على الأعواد # أرأيت كيف خبا ضياء النادي # يقول فيها: # ثكلتك أرض لم تلد لك ثانيا # أنى ومثلك معوز الميلاد # من للممالك لا يزال يلمها # بسداد أمر ضائع وسداد # من للجحافل يستزل رماحها # ويرد رعلتها # 24 # بغير جلاد # وصحائف فيها الأراقم كمن # مرهوبة الإصدار والإيراد # حمر على نظر العدو كأنما # بدم يخط بهن ms166 لا بمداد # يقدمن إقدام الجيوش وباطل # أن ينهزمن هزائم الأجناد # إن الدموع عليك غير بخيلة # والقلب بالسلوان غير جواد # وأما أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف، فكان يعد من أكبر كتاب عصره، تقلد ديوان ~~الرسائل لعضد الدولة، وتقلد الوزارة بعد عدة مرات لأولاده، وهو في أسلوبه أقل ~~التزاما للسجع وإن كان يزاوج، وفي إخوانياته يمزج شعره بنثره. # 25 # ومن أشهر الكتاب البويهيين أبو حيان التوحيدي، وقد كان من نوع آخر، فكتابته يعنى ~~فيها بالموضوع كما يعنى بالشكل، وهو غزير العقل واسع العلم حسن الصياغة، جيد السبك ~~وبحق لقبوه بالجاحظ الثاني، وقد وصل إلينا من كتبه «الإمتاع والمؤانسة»، ~~و«المقابسات» و«البصائر»، ورسالة في الصداقة، وأسلوبه فيها أسلوب أدبي راق يحب ~~الازدواج ويطيل البيان، ويولد المعاني حتى لا يدع لقائل بعده قولا، كثير المحفوظ، ~~واسع المعرفة، له اتصال تام بالفلسفة، والتصوف والأدب من شعر ونثر، والتاريخ ~~والسير، خبير بأحوال الزمان، حمله البؤس على أن يتنقل في الأمصار، ويتصل بالعامة، ~~ومكنه أدبه أن يتصل بالوزراء كابن العميد، وابن عباد، وابن سعدان، فعرف من أخلاق ~~الناس على اختلاف طبقاتهم الشيء الكثير، ودون ذلك في كتبه، وفي أسلوبه بعض الغموض ~~إذا تعرض للمسائل الفلسفية لطبيعية الموضوع وعمقه، واضح كل الوضوح إذا تعرض للمسائل ~~الأدبية والاجتماعية، وقد اتجه اتجاها لطيفا في تدوينه في كتاب «الإمتاع ~~والمؤانسة» ما دار في المجلس بينه وبين الوزير ابن سعدان وزير صمصام الدولة ~~البويهي، كما دون في كتابه «المقابسات» محاضر جلسات لكثير من العلماء وخاصة أبا ~~سليمان المنطقي. # ونبغ في الأدب واللغة أبو بكر محمد بن دريد الأزدي، ولد بالبصرة سنة 223ه، ثم مكث ~~بعمان اثنتي عشرة سنة، ثم عاد إلى البصرة، ثم ذهب إلى فارس وصحب ابني ميكال، وكانا ~~واليين على فارس، ثم عاد إلى بغداد سنة 308ه، وظل بها إلى أن مات سنة 321ه، وهي ~~السنة التي تسلط فيها البويهيون على العراق. # وكان من أكبر علماء العربي، مقدما في اللغة والأدب، ونبغ من تلاميذه كثيرون ~~أشهرهم أبو علي القالي وأبو ms167 سعيد السيرافي. # وعنه يروي أبو علي القالي في أماليه قصصا أدبية رائعة، وهي أشبه أن تكون من وضع ~~ابن دريد، ويعدها «الحصري» أساسا لمقامات بديع الزمان. # وله كتاب «الجمهرة في اللغة»، و«المقصورة»، وكتاب «الاشتقاق» ... إلخ، وتفوق في ~~نواح كثيرة في الأدب - فهو شاعر قصاص - وفي اللغة، وفي النحو والصرف ~~والأنساب. # وقد انطبعت صورته العلمية في مؤلفين كبيرين تتلمذا له، وهما أبو علي القالي ~~صاحب الأمالي ناشر علم اللغة والأدب في الأندلس، وأبو الفرج الأصفهاني صاحب ~~الأغاني، وكان من خاصة تلاميذه. # ثم أبو بكر بن الأنباري كان من أعلم البغداديين لغة وأدبا، وأكثر الناس حفظا ~~للشعر والشواهد، كما يعد من علماء القرآن والسنة، وألف في ذلك كله الكتب الكثيرة في ~~علوم القرآن وغريب الحديث، والوقف والابتداء، وفي اللغة كتاب الأضداد، وقد وصل ~~إلينا من كتبه الدالة على غزارة علمه بالأدب واللغة شرحه للمفضليات، مات سنة 328ه، ~~وكان كذلك شيخا من أكبر الشيوخ الذين استفاد منهم أبو الفرج الأصفهاني. # وقد نبغ من مؤلفي الأدب في العصر البويهي في العراق أبو الفرج الأصفهاني مؤلف ~~كتاب الأغاني، متعة الأدباء على اختلاف العصور، ينتهي نسبه إلى آخر خلفاء الأمويين ~~مروان بن محمد، وقد ولد بأصبهان سنة 284ه، ونشأ ببغداد، وأخذ العلم والأدب والتاريخ ~~عن ابن دريد، وابن الأنباري، وابن جرير الطبري وغيرهم، وامتاز باطلاعه الواسع على ~~الشعر والأغاني، والأخبار والنسب، كما كان ملما بآلات الطرب، وطرف من الطب ~~والنجوم والأشربة، ويقرأ الكتب المخطوطة، ويأخذ عنها فيقول: نقلت من كتاب ~~كذا. # وقد اتصل بالوزير المهلبي، وحظى عنده، وألف كتبا كثيرة منها كتاب «الأغاني» ~~وهو أمتعها وقد قال إنه ألفه في خمسين سنة، وكتاب «القيان»، «ومقاتل الطالبيين»، ~~و«الإماء الشواعر»، و«الديارات» ... إلخ، ومات في بغداد سنة 356ه أو بعد ذلك. # وقد حظي كتابه «الأغاني» في عصره وبعده إلى اليوم؛ فقد أهدى أول نسخة منه إلى سيف ~~الدولة فأجازه بألف دينار، وأعجب به الصاحب بن عباد، وكان يستصحبه في أسفاره، وقال ~~أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف: «لم يكن ms168 كتاب الأغاني يفارق عضد الدولة في سفره ولا ~~حضره.» # كما كان من كبار رجال الأدب القاضي التنوخي، وهو أبو القاسم علي بن محمد التنوخي ~~من أعيان أهل العلم والأدب، تولى قضاء البصرة والأهواز بضع سنين، وكان على فقهه ~~أدبيا وشاعرا ظريفا، وكان من ندماء الوزير المهلبي وسماره، «وكان الوزير المهلبي ~~وغيره من رؤساء العراق يميلون إليه، ويتعصبون له، ويعدونه ريحانة الندماء وتاريخ ~~الظرفاء، وكان في جملة الفقهاء والقضاة الذين ينادمون الوزير المهلبي، ويجتمعون ~~عنده في الأسبوع ليلتين على اطراح الحشمة والتبسط في القصف والخلاعة» ... ~~إلخ، # 26 # وكان فقيها على مذهب أبي حنيفة معتزليا له شعر كثير، ومنه مقصورة ~~عارض بها مقصورة ابن دريد، ومات بالبصرة سنة 342ه. # وقد أنجب ابنه أبا علي المحسن التنوخي، وكان أدبيا شاعرا أخباريا؛ وهو صاحب ~~كتاب «نشوار المحاضرة»، أراد به أن يحقق فكرة لطيفة وهي أن يدون تاريخ الأحداث التي ~~تدور في المجالس وعلى ألسنة الرواة ولم تدون في الكتب، كما أنه ألف كتاب «الفرج بعد ~~الشدة» وكتاب «المستجاد من فعلات الأجواد»، وقد مات ببغداد سنة 384ه. # وقد أنجب هذا أيضا أبا القاسم علي بن المحسن التنوخي، وكان مثل أبيه وجده ~~فقيها شاعرا أديبا؛ وكان هو والخطيب التبريزي يصبحان أبا العلاء المعري ~~ويأخذان عنه، تولى علي بن المحسن القضاء في عدة نواح، وإليه كتب أبو العلاء ~~قصيدته التي أولها: # هات الحديث عن الزوراء أو هيتا # مات سنة 447ه. # فأسرة التنوخي من خير الأسر العراقية علما وأدبا وتأليفا. # ثم الشريف المرتضى علي بن الطاهر، كان نقيب الطالبيين في بغداد، وهو أخو الشريف ~~الرضي، وكان إماما في علم الكلام والأدب والشعر، وقد وصل إلينا من أهم تآليفه كتاب ~~«أمالي المرتضى»، وهو ستة وخمسون مجلسا، مملوء بالفوائد القيمة في التفسير والحديث ~~وعلم الكلام والأدب ممزوج بعضها ببعض، ناح فيه منحى الاعتزال والتشيع معا، ~~ويستطرد لذكر تراجم لرجال المعتزلة وبعض الشعراء والأدباء؛ ويظهر أنها دروس أملاها ~~على بعض تلاميذه، وهي تفيدنا فائدة كبرى في مناهج الدروس في ذلك العصر. ms169 # وقد توفي ببغداد سنة 436ه. # ثم أبو سعيد السيرافي، وكان من أوسع العلماء ثقافة في علوم القرآن والحديث والنحو ~~واللغة والفقه والفرائض والحساب والكلام والشعر. # كان أبوه مجوسيا فأسلم وكان أبو سعيد هذا من أعلم الناس بالعربية مع زهد وصلاح ~~وعفة، وصنف تصانيف كثيرة أكبرها شرح كتاب سيبويه، وكثر تلاميذه والأخذ منه ~~والانتفاع به في فروع العلم المختلفة، وكان يميل إلى مذهب الاعتزال، «وكان بينه ~~وبين أبي الفرج الأصفهاني ما جرت العادة بمثله بين الفضلاء من التنافس»، # 27 # ومات ببغداد سنة 368ه، وتتلمذ له أبو حيان التوحيدي وهو يحكي عنه في ~~كتابه «الإمتاع والمؤانسة» بعض علمه في اللغة والنحو، ويروي ما يرويه عنه في إجلال ~~وتوثيق. # وقد كان أبو سعيد وهو في بغداد مقصد الأمراء والعظماء في الأمصار المختلفة يبعثون ~~إليه يسألونه عما أشكل عليهم، فكتب إليه نوح بن نصر الساماني سنة 340ه كتابا خاطبه ~~فيه بالإمام، وسأله عن مسائل تزيد على أربعمائة أغلبها ألفاظ لغوية، وأمثال يسأله ~~فيها عن صحة نسبتها إلى العرب، وكتب إليه الوزير البلعمي كتابا خاطبه فيها بإمام ~~المسلمين سأله فيه عن مسائل في القرآن، وكتب إليه المرزبان بن محمد ملك الديلم من ~~أذربيجان كتابا خاطبه فيه بشيخ الإسلام سأله فيه عن مائة وعشرين مسألة أكثرها في ~~القرآن والحديث. # وكتب إليه ابن حنزابة الوزير المصري كتابا خاطبه فيه بالشيخ الجليل، سأله فيه عن ~~ثلاثمائة كلمة من فنون الحديث. # وكتب إليه أبو جعفر ملك سجستان كتابا يخاطبه فيه بالشيخ الفرد، سأله عن سبعين ~~مسألة في القرآن، ومائة كلمة في العربية ، وثلاثمائة بيت من الشعر، وأربعين مسألة في ~~الأحكام، وثلاثين مسألة في الأصول على طريق المتكلمين، فأجاب عنها كلها، وتقع ~~الأسئلة والأجوبة في نحو ألف وخمسمائة ورقة. # ثم هو صاحب المناظرة الكبرى التي جرت بينه وبين أبي بشر متى في المفاضلة بين ~~النحو والمنطق، وقد حكاها كلها أبو حيان التوحيدي في الجزء الأول من الإمتاع، وقد ~~وصل إلينا من كتبه كتاب أخبار النحويين البصريين. # وكان نظير أبي سعيد ms170 السيرافي وقرينه في النحو والصرف أبو علي الفارسي وهو من ~~أعلام الدولة البويهية، ولد بفارس وأتى بغداد سنة 307ه، وأقام بها يشتغل بالعلم، ثم ~~رحل إلى حلب وأقام عند سيف الدولة في حلبته، وله مع المتنبي مناظرات، ثم انتقل إلى ~~فارس وصحب عضد الدولة وعلت منزلته عنده، وألف أبو علي له كتاب الإيضاح والتكملة في ~~النحو، وله كتاب الحجة في القراءات، ومنه نسخة مخطوطة في دار الكتب، وله كتب أخرى ~~كثيرة، وقد رحل إلى بلاد كثيرة، وكان يدون في كتاب ما يجري له من مناظرات في كل ~~بلد، فكتاب المسائل الحلبيات، والبغداديات، والشيرازيات ... إلخ. # وقد وازن أبو حيان التوحيدي بينه وبين أستاذه أبي سعيد السيرافي، ففضل السيرافي ~~لسعة علمه ودينه وتقواه، وقال: إن أبا علي كان يشرب ويتخالع ويفارق هدي أهل ~~العلم. # وفي الحق أن السيرافي كان أشبه بالمحافظين، يروي ما يسمع، ويحفظ ما يروي على كثرة ~~ما يروى وما يحفظ في ثقة وأمانة، وأن أبا علي كان حرا مبتكرا قياسا، فتح ~~للناس هو وتلميذه ابن جني أبوابا جديدة في النحو والتصريف لم يسبقا إليها كما ~~تقدم، وقد توفي أبو علي الفارسي في بغداد سنة 377ه. # وثالث الثلاثة المشهورين في هذا الباب أبو الحسن الرماني جمع بين النبوغ في ~~النحو وعلم الكلام، وهو تلميذ ابن دريد أيضا في الأدب، وقد قال فيه أبو حيان عند ~~الموازنة: إنه عالي الرتبة في النحو واللغة والكلام والعروض، والمنطق، وعيب به، ~~إلا أنه لم يسلك طريق واضع المنطق، بل أفراد صناعة وأظهر براعة. وقد عمل في القرآن ~~كتابا نفيسا ، هذا مع الدين والعقل الرزين، توفي سنة 384ه. # ومن خير ما أخرجته بغداد في هذا العصر ابن النديم - وهو محمد بن إسحاق النديم - ~~كان وراقا، وكان عالما، فاستخدم علمه وصناعته في ناحية لم نعرف أن التفت إليها ~~أحد قبله، وهي أن يحصي جميع الكتب العربية المنقولة من الأمم المختلفة، والمؤلفة في ~~جميع أنواع العلوم، ويصفها ويبين مترجميها أو مؤلفيها، ويذكر طرفا من تاريخ ~~حياتهم، ويعين ms171 تاريخ وفاتهم؛ فكان الكتاب على هذا النمط أجمع كتاب لإحصاء ما ألف ~~الناس إلى قريب من نهاية القرن الرابع، وأشمل وثيقة تبين ما وصل إليه المسلمون في ~~حياتهم العقلية والعلمية في ذلك العصر، وأكثر هذه الكتب التي وصفها قد ضاعت بتوالي ~~النكبات المختلفة على المملكة الإسلامية، ولا سيما في غزو التتار لبغداد، ولولا ~~كتاب «الفهرست» لضاعت أسماؤها وأوصافها أيضا كما ضاعت معالمها. # والناظر في كتاب «الفهرست» يعجب لهذا النشاط العلمي الذي قام به المسلمون في هذه ~~العصور، وكثرة المؤلفين والمترجمين في جميع نواحي العلم، كما يعجب بسعة اطلاع ابن ~~النديم وحبه للوقوف على كل شيء حتى في أدق مسائل الأديان المختلفة، والمذاهب ~~المتنوعة، ويستقصي البحث عن أحوال الصين والهند، كما يستقصي البحث عن الشام ~~والعراق، وهو في كل ذلك يقابل أصحاب النحل المختلفة، ويسائلهم ويدقق في أخبارهم، ~~ثم يدون ما يصل إليه علمه. # وأسلوبه في كتابته أسلوب موجز يكره اللغو والمقدمات، ويحب أن يهجم على موضوعه من ~~غير مواربة ولا تمهيد، حتى لا تستطيع أن تحذف جملة؛ لأن معناها مكرر أو عباراتها ~~مترادفة، ثم هو يتحرى الصدق، ويميز بين ما رأى وما لم ير، وينقل ذلك إلى القارئ ~~في أمانة. # وقد نص المؤلف على أنه ألف كتابه هذا سنة 377ه، وفي الكتاب ذكر لعلماء ماتوا ~~بعد الأربعمائة كابن نباتة التميمي، فلا بد أن بعض العلماء زادوا في نسخته؛ لأنه ~~مات سنة 385ه كما ذكر ابن النجار، أو سنة 378ه كما ذكر المرزباني. # 28 # فإذا نحن انتقلنا من العراق إلى الجزء الجنوبي من فارس، وهو الجزء الذي حكمه ~~البويهيون أيضا، وجدنا ثروة كبيرة في العلم في جميع فروعه، وفي الأدب والشعر؛ ~~فشيراز في الجنوب والري في الشمال، كانا من أهم العواصم السياسية والعلمية ~~والأدبية، واشتهر من بلاد الجنوب سيراف، وفيروزاباد، وأرزنجان، وإصطخر، وعاصمتها ~~شيراز، كما اشتهر من بلاد الشمال وهي بلاد الجبل أصبهان ونهاوند، وهمذان، ~~ودينور، وقومس، وبسطام وعاصمتها الري، وأخرجت هذه البلاد من المحدثين والفقهاء ~~والنحاة والفلاسفة والصوفية والأدباء ما ms172 لا يحصى كثرة. # فاشتهر من المحدثين والفقهاء أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد الدولابي الرازي - ~~نسبة إلى دولاب قرية بالري - له تآليف في الحديث والتاريخ اعتمد عليها المحدثون، ~~وتوفي سنة 320ه. # وأبو محمد عبد الله بن حيان الأصفهاني محدث أصفهان، وهو إمام في الحديث، له ~~كتاب «السنة وفضائل الأعمال»، توفي سنة 367ه. # وأبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده الأصفهاني، كان يلقب ~~بمحدث الشرق؛ توفي سنة 395ه. # وأبو محمد بن عبد الرحمن بن أبي حاتم بن إدريس الحنظلي حافظ الري له المصنفات ~~الكثيرة في الحديث والفقه، توفي سنة 327ه. # والقاضي يوسف بن أحمد بن كج الدينوري أحد أئمة الشافعية، قدم إليه أبو علي ~~السنجي بعد أن رأى أبا حامد الإسفرائيني في بغداد؛ فقال له أبو علي: إن الاسم لأبي ~~حامد، والعلم لك. فقال له: ذاك رفعته بغداد وحطتني الدينور. قتل بها سنة ~~405ه. # ويطول بنا القول لو عددنا مشاهير المحدثين والفقهاء في هذا الإقليم، ثم كان ~~لعضد الدولة قبل انتقاله إلى بغداد، وابن العميد في إقامته بالري وزيرا، وابن ~~عباد كاتبا ووزيرا في أصفهان والري - أثر كبير في نشاط الحركة الأدبية ~~والعلمية نشاطا عجيبا. # لقد تقسم الأمراء الثلاثة البويهيون مملكتهم: فكان عماد الدولة صاحب بلاد فارس ~~والأهواز، وركن الدولة صاحب بلاد الري والجبل، ومعز الدولة صاحب العراق. وجاء ~~عضد الدولة بن ركن الدولة فضم العراق إلى ملكه، كما ضم إليه ملك البويهيين ~~جميعا تقريبا، وضم إليه الموصل وبلاد الجزيرة وسمي بالملك، وهو أول من سمي ~~بذلك في الإسلام، وكان يقيم أحيانا في الري، وأحيانا في شيراز، فلما فتح العراق ~~كانت عاصمة ملكه بغداد. # وابن العميد كان وزيرا لركن الدولة صاحب بلاد الري والجبل، وكان ابن العميد ~~مركزه الري، واستمر وزيرا نحو اثنتين وثلاثين سنة حتى مات سنة 360ه. # وابن عباد كان كاتبا عند ابن العميد، ولأجل تلمذته لابن العميد وصحبته له سمي ~~الصاحب، وظل الصاحب يكتب لابن العميد في الري، ثم اختاره ابن العميد ms173 ليكون مربيا ~~لمؤيد الدولة ابن ركن الدولة وولي عهده، وكانت إقامته في أصفهان، ثم أصبح وزيرا ~~لمؤيد الدولة إلى سنة 373ه، ثم وزيرا لأخيه فخر الدولة إلى أن توفي سنة 385ه، ~~وخلف ابن العميد في مركزه في الوزارة وفي إقامته في الري. # فهؤلاء الأعلام الثلاثة: عضد الدولة البويهي، والوزيران ابن العميد، وابن عباد، ~~جعلوا هذا القسم من فارس في منتهى الخصب العلمي والأدبي؛ إذ كان كل منهم على إمارته ~~أو وزارته عالما أديبا، يرى أول ما يجب عليه أن يزين بلاطه ومجلسه بالعلماء ~~والأدباء. # فعضد الدولة كان إلى ملكه الواسع مثقفا ثقافة واسعة، يأخذ علم النحو واللغة عن ~~أبي علي الفارسي، وهذا يؤلف له كتاب «الإيضاح والتكملة في النحو»، وله معه مناقشات ~~طريفة، ويقصده الشعراء فيجيدون الشعر لمعرفتهم بتذوقه له، فقصده المتنبي أيام كان ~~عضد الدولة بشيراز، وقال فيه: # وقد رأيت الملوك قاطبة # وسرت حتى رأيت مولاها # ومن مناياهم براحته # يأمرها فيهم وينهاها # أيام شجاع بفارس عضد # الدولة فناخسرو شهنشاها # أساميا لم تزده معرفة # وإنما لذة ذكرناها # ثم أنشده قصيدة نونية ذكر فيها شعب بوان، وهو موضع نزه قرب شيراز: # يقول بشعب بوان حصاني # أعن هذا يسار إلى الطعان # أبوكم آدم سن المعاصي # وعلمكم مفارقة الجنان # فقلت: إذا رأيت أبا شجاع # سلوت عن العباد وذا المكان # فإن الناس والدنيا طريق # إلى من ما له في الناس ثان # ثم مدحه بقصائد أخرى، وآخر شعره أيضا كافيته التي يقول فيها: # أروح وقد ختمت على فؤادي # بحبك أن يحل به سواكا # ومدحه غير المتنبي كثير من الشعراء. # وعضد الدولة هو الذي بنى البيمارستان العضدي ببغداد، وغرم عليه المال الكثير، ~~وأعد له من الآلات ما يقصر الشرح عن وصفه. # 29 # وابن العميد تفوق في علوم كثيرة منها الهندسة والمنطق، وعلوم الفلسفة والإلهيات ~~والطبيعة والتصوير، وكان أديبا واسع الرواية لأشعار العرب. # قال مسكويه في كتابه «تجارب الأمم»، وكان قيم دار كتب ابن العميد في بعض وقته: ~~«كان هذا الرجل - ابن العميد - أكتب أهل عصره، وأجمعهم ms174 لآلات الكتابة حفظا للغة ~~والغريب، وتوسعا في النحو والعروض، واهتداء إلى الاشتقاق والاستعارات، وحفظا ~~للدواوين من شعراء الجاهلية والإسلام ... فأما تأويل القرآن، وحفظ مشكله وتشابهه، ~~والمعرفة باختلاف فقهاء الأمصار، فكان منه في أرفع درجة، وأعلى رتبة، ثم إذا ترك ~~هذه العلوم، وأخذ في الهندسة والتعاليم لم يكن يدانيه فيها أحد، فأما المنطق، وعلوم ~~الفلسفة والإلهيات منها خاصة، فما جسر أحد في زمانه أن يدعيها بحضرته ... ثم كان يختص ~~بغرائب من العلوم الغامضة كعلوم الحيل - الميكانيكا - التي يحتاج إليها في أواخر ~~علوم الهندسة والطبيعة، والحركات الغريبة، وجر الأثقال، وعمل آلات غريبة لفتح ~~القلاع، والحيل على الحصون ... ثم معرفته بدقائق علم التصاوير، ولقد رأيته يتناول من ~~مجلسه - الذي يخلو فيه بثقاته وأهل أنسه - التفاحة وما يجري مجراها فيعبث بها ساعة، ~~ثم يدحرجها، وعليها صورة وجه قد خطها بظفره لو تعمد لها غيره بالآلات المعدة، ~~وفي الأيام الكثيرة ما استوفى دقائقها، ولا تأتى له مثلها.» # وقد قصده المتنبي أيضا، ومدحه وقال فيه: # من مبلغ الأعراب أني بعدهم # شاهدت رسطاليس والإسكندرا # وسمعت بطليموس دارس كتبه # متملكا متبديا متحضرا # ولقيت كل الفاضلين كأنما # رد الإله نفوسهم والأعصرا # نسقوا لنا نسق الحساب مقدما # وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا # بأبي وأمي ناطق في لفظه # ثمن تباع به القلوب وتشترى # قطف الرجال القول وقت نباته # وقطفت أنت القول لما نورا # والصاحب بن عباد كان يعتقد مذهب الاعتزال وينصره، وبذلك اعتنق كثير من أهل هذه ~~البلاد الاعتزال، ولم يكن كأستاذه ابن العميد في حبه للفلسفة وأهلها، إنما كان ~~متبحرا في العلوم الشرعية واللسانية والأدبية. تعلم الحديث كأهل الحديث، وكان ~~عالما بالتوحيد والأصول وألف فيهما، وكان علمه باللغة واسعا . قالوا: إنه ألف ~~فيها كتاب المحيط في عشرة مجلدات. # وكان له المنزلة العظمى في الوجاهة والصدارة، فاجتمع له من الأدباء ما قل أن ~~يجتمع لغيره، قال الثعالبي: «احتف به من نجوم الأرض وأفراد العصر وأبناء الفضل ~~وفرسان الشعر من يربي عددهم على شعراء الرشيد، ولا يقصرون عنه في الأخذ برقاب ~~القوافي ms175 وملك رق المعاني.» # أنجبت هذه البلاد بتشجيع هؤلاء وأمثالهم نوابغ من العلماء والأدباء. # ففي الفلسفة كان على رأس الفلاسفة أبو بكر محمد بن زكريا الرازي - نسبة على ~~الري - مولده ومنشؤه بالري ولذلك عددناه منها، وإن تنقل في بلاد كثيرة، وهو ~~من أكبر فلاسفة المسلمين ومتفوقيهم في الطب النظري والعملي والإلهيات والكيمياء ~~والأخلاق. # وقد ألف في كل ذلك كتبا كثيرة أوصلها بعضهم إلى ما يقرب من مائتين، وله فضل ~~اكتشاف الكحول وريت الزاج - حامض الكبريتيك - أثناء بحثه في إمكان تحويل المعادن ~~إلى ذهب؛ كما ألف في الطب كتاب الحاوي والطب المنصوري ... إلخ. # 30 # وكانت كتبه عمدة من تعلم بعده، وكانت أكثر إقامته في الري وأقام زمنا عند ~~السامانيين، كما عهد إليه في الإشراف على البيمارستانات وتنظيمها، وقد اشتهر بين ~~أهل زمانه بالإتيان بالعجائب في الطب. # وقد بقي لنا من كتبه نحو سبعة عشر كتابا، وأخيرا نشر الأستاذ كراوس مجموعة ~~رسائل فلسفية تدل على جانب آخر من جوانبه العلمية؛ فمنها رسالة في الطب الروحاني، ~~ويعني به تهذيب الأخلاق، وهو لا شك كان من أكبر ما اعتمد عليه مسكويه في كتابه ~~«تهذيب الأخلاق»، وقد قال في صدره: إنه سماه بالطب الروحاني ليكون قرينا للكتاب ~~المنصوري الذي غرضه في الطب الجسماني، وقد قسمه إلى عشرين فصلا منها فصل في فضل ~~العقل وقمع الهوى وردعه، وتحليل لبعض الرذائل: كالحسد والغضب والبخل، وختمه بفصل في ~~رسم السيرة الفاضلة، ثم في الخوف من الموت. # ومن رسائله هذه القيمة رسالة في اللذة وتحليلها معتمدا في ذلك على ما كتبه ~~فلاسفة اليونان فيها. # ومن هذه الرسائل رسالة في مناظرة بين الرازيين وهما: أبو بكر الرازي هذا وأبو ~~حاتم الرازي ، وكلاهما من الري، ولكن كانت طبيعة أبي بكر الرازي طبيعة فلسفية حرة ~~التفكير مؤمنة بسلطان العقل، وكان أبو حاتم الرازي من كبار دعاة فرقة الإسماعيلية ~~الشيعية، «واشتهر بدعوته إلى المذهب الفاطمي، ولعب دورا عظيما في الشؤون السياسية ~~في طبرستان وأذربيجان وفي الديلم، ولا سيما في أصفهان والري حتى استجاب له ms176 جماعة ~~من كبار الدولة». # وقد ألف أبو حاتم الرازي كتابا أسماه «أعلام النبوة» للرد على أبي بكر ~~الرازي، وقد رماه فيه بالإلحاد؛ وكانت المناظرة تدور حول النبوة، وهل هي ضرورية - ~~هذا في أحد المجالس - وفي مجلس آخر كانت المناظرة تدور حول ما ذهب إليه أبو بكر ~~الرازي من قدم الأشياء الخمسة: الباري، والنفس، والهيولى، والمكان، والزمان، فرد ~~عليه أبو حاتم في ذلك ... إلخ إلخ. # وقد كانت هذه المناظرات في مجالس بالري. # وعلى الجملة فقد كان أبو بكر الرازي شخصية ممتازة قل نظراؤها، وقد اختلف في سنة ~~وفاته على أقوال متباينة أقربها سنة 320ه، وقال ابن خلكان: إنه مات سنة ~~311ه. # كما اشتهر من الفلاسفة في هذه البلاد أبو الخير الحسن بن سوار المعروف بابن ~~الخمار، وكان نصرانيا، وقد نقل كتبا كثيرة من السريانية إلى العربية، واشتهر ~~بالطب، كما ألف في المنطق والطب والإلهيات. # ثم الفيلسوف الأديب أبو الفرج علي بن الحسين بن هندو، كان من تلاميذ ابن ~~الخمار، ألف في الطب، وألف المدخل في علم الفلسفة، ووصل إلينا من كتبه «الكلم ~~الروحانية»، وهي مجموعة لطيفة من الحكم اليونانية، كما كان شاعرا معدودا من رجال ~~البلاغة الممتازين. # ثم إن ابن العميد وابن عباد أوجدا في هذا الإقليم حركة أدبية رائعة؛ فقد جمع بين ~~وجاهة المنصب ووجاهة الأدب، فهما وزيران خطيران وسياسيان كبيران، وأديبان عظيمان، ~~فاستخدما كل ذلك في إعلاء شأن الأدب. # فكان ابن العميد مولعا بالأدب، وله مذهب في الكتابة أخذ عنه وقلد فيه، عماده ~~التأنق في اختيار الألفاظ، والتكلف في البديع، ومحاربة التطبع بالتصنع؛ ~~وهذا النوع من الأسلوب قد يحسن في الجمل القصار، والقول الموجز، ولكن ابن العميد ~~كان يطنب، والإطناب مع التصنع يستوجب الملل، فالإسهاب في الجاحظ حلو سائغ؛ لأنه ~~يجري مع النفس، ولكنه عند ابن العميد يتجرع لأنه يتصنع؛ ومع هذا فالناس في زمنه ~~وبعد زمنه كانوا يعدون هذا الأسلوب هو المثل الأعلى؛ لأن حياتهم الاجتماعية كما ~~أسلفنا حياة مصطنعة متكلفة، ولأن الرياسة والعظمة السياسية والمنصب الكبير يسبغ ms177 ~~على الأدب الذي يصدر من رجالها ثوبا من الأبهة والعظمة، فلا يستطيعون التمييز في ~~دقة بين قيمة الأدب الذاتية، وقيمته المستمدة من وجاهة صاحبها، وهذا يصدق على ابن ~~العميد، والصاحب ابن عباد، ثم من بعد على القاضي الفاضل، ولهذه العظمة المزدوجة ~~قالوا: «بدأت الكتابة بعبد الحميد، وختمت بابن العميد.» والناس بعد قلدوا هذا ~~الأسلوب، وعدوه المثل الذي يحتذى. # ومهما يكن؛ فقد كان ابن العميد مصدر خير على الحركة الأدبية، فكان كريما يغدق ~~على الأدباء والشعراء، ويقترح موضوعات الأدب عليهم، وينافس بينهم، ويجزل العطاء لمن ~~أحسن منهم، فيجتمع في مجلسه بالري أبو الحسين بن فارس، وأبو عبد الله الطبري، وأبو ~~الحسن البديهي، ويعرض في المجلس أترجة حسنة، فيعرض عليهم ابن العميد أن يتباروا في ~~وصفها، ويشترك معهم في ذلك، وهكذا. # ويقصد المتنبي، وابن نباتة السعدي، وغيرهما من الشعراء بمدائحهم. # وينشئ مكتبة عظيمة كانت أعز شيء عليه، يجعل عليها قيما عالما كبيرا هو ~~مسكويه. # كذلك كان الصاحب بن عباد، نصر الاعتزال، وقرب إليه المعتزلة؛ إذ كان معتزليا، ~~ومن شعره: # تعرفت بالعدل في مذهبي # ودان بحسن جدالي العراق # فكلفت في الحب ما لم أطق # فقلت بتكليف ما لا يطاق # وكان يكتب إلى البلاد التابعة له يدعو فيها إلى الاعتزال. # هذه ناحية، وناحيته الأخرى الناحية الأدبية، وكان عرى طريقة أستاذه ابن العميد في ~~أسلوبه، وفي كرمه وإغداقه على الأدباء، فاجتمع له من الشعراء أبو الحسن السلامي، ~~والبديهي، وأبو سعيد الرستمي، وأبو حسن الجوهري، وابن القاشاني ... إلخ، وكذلك يقترح ~~عليهم ما يعرض من موضوعات، فيغنم في موقعة حربية فيلا فيجمع الشعراء ويطلب إليهم ~~أن يقولوا القصائد في وصفه على وزن وقافية عمرو بن معديكرب: # أعددت للحدثان سا # بغة وعداء علندى # فيكون من ذلك شعر كثير في الفيل، كما يقترح بعض الموضوعات الهزلية؛ فقد مات برذون ~~أبي عيسى بن المنجم، فاقترح على الشعراء القول فيها، فكان من ذلك مجموعة سميت ~~البرذونيات. # 31 # واشتهر في هذه البلاد من علماء اللغة والنحو أبو الحسين أحمد بن فارس الرازي، ms178 كان ~~إماما في اللغة، وله كتاب «المحمل»، وكتاب «حلية الفقهاء»، وله مسائل في اللغة ~~تغايى بها الفقهاء «كألغاز»، ومنها اقتبس الحريري أسلوبه فيما وضع من المسائل ~~الفقهية في المقامة الطيبية، # 32 # وأقام مدة بالري، ومدة بهمذان، وهو أستاذ بديع الزمان، ومات بالري سنة ~~390ه، وكان من رجالات ابن العميد. وقد وصل إلينا من كتبه كتاب «الصاحبي»، نسبة إلى ~~الصاحب بن عباد، وهو كتاب يحتوي بحوثا قيمة في أصل اللغة العربية وخصائصها، ~~واختلاف لغاتها باختلاف القبائل إلى غير ذلك. # كما كان من رجال البلاغة والأدب في هذا الإقليم أبو الحسن علي بن عبد العزيز ~~الجرجاني، أصله من جرجان، وطوف في صباه في كثير من البلاد، واقتبس العلوم ~~والآداب، قال فيه الثعالبي: «هو حسنة جرجان، وفرد الزمان ... يجمع خط ابن مقلة إلى ~~نثر الجاحظ ونظم البحتري.» وبعد أن طوف في بلاد العراق والشام وغيرهما يأخذ من علوم ~~أهلها نزل في ساحة الصاحب بن عباد، فقلده قضاء جرجان، ثم قضاء الري، فلم يزل قاضي ~~الري حتى مات. # ولما أعرض الصاحب بن عباد عن المتنبي؛ لأنه أبى أن يمدحه كما مدح عضد الدولة وابن ~~العميد، وعمل الصاحب رسالته في إظهار مساوئ المتنبي؛ ألف أبو الحسن الجرجاني هذا ~~كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه، كان فيه قاضيا عادلا، وأديبا فاضلا، وناقدا ~~بارعا. # ومن أكبر حسنات علي بن عبد العزيز هذا تلميذه ومواطنه عبد القاهر الجرجاني صاحب ~~كتاب «دلائل الإعجاز»، و«أسرار البلاغة»، وهو مؤسس علم البلاغة في هذين الكتابين ~~على نمط لم يعرف قبله. وقد استفاد من أستاذه علي بن عبد العزيز قوة الأسلوب ~~وجوالته، وبصره بضروب النقد؛ قال ياقوت: «وكان «عبد القاهر» إذا ذكر أستاذه في ~~كتبه تبخبخ به، وشمخ بأنفه بالانتماء إليه.» # وكذلك كان من هذا الإقليم أبو هلال العسكري (نسبة إلى عسكر مكرم)، وهي بلد من ~~بلاد (خوزستان) قريبة من أصفهان. وقد أخذ عنه العلم في الري حينا وفي الأهواز ~~حينا وفي العسكر حينا، وله التآليف القيمة: ككتاب «الصناعتين»، و«ديوان المعاني». ~~و«جمهرة الأمثال»، و«الأوائل»، ms179 و«التفضيل بين بلاغة العرب والعجم» ... إلخ، مات نحو ~~سنة 395ه. # وعلى الجملة فقد خدمت الدولة البويهية العلم والأدب خدمة كبرى، ومع أنهم فرس ~~الأصل وأكثر وزرائهم كابن العميد وابن عباد من الفرس، فقد كانوا يتعصبون في العلم ~~والأدب للسان العربي. # وكان كثير من البويهيين أدباء مثقفين ثقافة واسعة، أشهرهم في ذلك عضد الدولة؛ ~~فكان يشارك في عدة فنون منها الأدب، وكذلك عز الدولة أبو منصور بختيار، وتاج الدولة ~~ابن عضد الدولة، ولهم أشعار أورد بعضها الثعالبي في اليتيمة. ثم نجد ظاهرة في هذه ~~الدولة واضحة، وهي أن أساس الاختيار للوزارة كان عماده شيئين: القدرة الإدراكية، ~~والقدرة البلاغية، فكان الوزراء فحول أدب أيضا، فكان من أهم وزراء هذه الدولة ابن ~~العميد، وابن عباد، والوزير المهلبي، وسابور بن أردشير، وابن سعدان، وكل من هؤلاء ~~كان عمادا عظيما للأدب والأدباء والعلماء، وكانت لهم مجالس تموج بالعلم والأدب؛ ~~فابن العميد وابن عباد قد رأينا أدبهما ومجالسهما ومن كان يحتف بهما من العلماء ~~والأدباء. # والوزير المهلبي كان وزيرا لمعز الدولة وهو من نسل المهلب بن أبي صفرة، «وكان من ~~ارتفاع القدر واتساع الصدر وعلو الهمة وفيض الكف على ما هو مشهور به، وكان غاية في ~~الأدب والمحبة لأهله»، # 33 # وله مجالس تروى في كتب الأدب فيها الشراب وفيها الشعر وفيها التفنن في ~~الأناقة والترف، وحسبه فخرا أن كان من رجاله أبو الفرج الأصفهاني صاحب «الأغاني»، ~~والقاضي التنوخي. # وابن سعدان وزير صمصام الدولة، كان له مجلس يجمع ابن زرعة الفيلسوف ومسكويه صاحب ~~«تهذيب الأخلاق»، وأبا الوفاء المهندس الرياضي الكبير، وابن حجاج الشاعر الماجن، ~~وأبا حيان التوحيدي، الذي كان له من السمر مع هذا الوزير ما جمعه في كتابه «الإمتاع ~~والمؤانسة»، وله ألف رسالة «الصداقة والصديق»، وكان ابن سعدان يباهي بمجلسه هذا ~~ويفخر به على مجالس الكبراء الآخرين، أمثال المهلبي وابن العميد وابن عباد، فيقول ~~في أصحابه هؤلاء: «ما لهذه الجماعة بالعراق شكل ولا نظير ... وإن جميع ندماء المهلبي ~~لا يفون بواحد منهم، وإن جميع أصحاب ابن ms180 العميد يشتهون أقل من فيهم، وإن ابن عباد ~~ليس عنده إلا أصحاب الجدل.» ومن هذا ترى أن هؤلاء الوزراء كانوا يتنافسون في اختيار ~~خيرة العلماء والأدباء ليكونوا حولهم، وحسبنا ما في كتاب «الإمتاع والمؤانسة»، ~~لنعرف منه مقدار ثقافة الوزراء وما يشغلهم من مسائل العلم والأدب. # وسابور بن أردشير كان وزيرا لبهاء الدولة بن عضد الدولة، فكان هو نفسه أديبا ~~شاعرا، وقصده الشعراء أمثال أبي الفرج الببغاء، وأبي إسحاق الصابي، وقد أنشأ ~~ببغداد دار كتب قيمة، قال فيها ياقوت: «لم يكن في الدنيا أحسن كتبا منها، كانت ~~كلها بخطوط الأئمة المعتبرة وأصولها المحررة، وهذه الدار هي التي أشار إليها أبو ~~العلاء المعري بقوله في قصيدته: # وغنت لنا في دار سابور قينة # من الورق مطراب الأصائل مهياب # ففضل البويهيين ملوكهم ووزرائهم على الحركة العلمية والأدبية لا يقدر، لولا أن ~~ما كان بين بعضهم وبعض من خصومات وحروب قسم العلماء والأدباء كذلك، والتجأ كل فريق ~~إلى رئيس، فكان إذا انهزم نكل الغالب بأتباع المغلوب، فلقي كثير من أهل الفضل ~~والأدب من المصادرة والتعذيب والقتل ما يطول ذكره. ~~••• # وكان على حدود الدولة البويهية في فارس الدولة الزيارية، أول ملوكها مردويج بن ~~زيار، ملكت جرجان وطبرستان، وكانت في خصومة مع البويهيين، واشتهر من رجالها في خدمة ~~الأدب أمير كان كابن العميد وابن عباد في أنه أديب كبير، ومثقف واسع الثقافة، ومشجع ~~بمنصبه وجاهه للعلماء والأدباء، وهو الأمير قابوس بن وشمكير؛ وكان أميرا ~~كبيرا، أبوه وشمكير وعمه مرداويج كانا ملوك الري وأصبهان قبل بني بويه، ثم كان ~~قابوس واليا على جرجان وطبرستان، وأنفذ إليه الخليفة الطائع العهد، ولقبه شمس ~~المعالي، وكان جبارا قويا يسرف في القتل ويتجاوز الحد ، سفاكا للدماء وخاصة في ~~حاشيته وجنوده، فكان لا يسمع شكوى في أحد منهم إلا قتله. فملوه وعزلوه، ومع هذا كان ~~يحب العلماء والأدباء ويشجعهم، وكان فيه فضيلة لم نسمع مثلها عن ملوك عصره وأمرائه، ~~وهي أنه لم يكن يجيز إنشاد المدائح في وجهه وبين يديه؛ فكان يجتمع الشعراء ms181 على بابه ~~في النيروز والمهرجان، فكان يقول لأبي الليث الطبري: «وزع عليهم الهدايا بحسب ~~رتبهم، لكني لا أستطيع سماع أكاذيبهم التي أعرف من نفسي خلافها.» # 34 # وقد طبع في مصر «كمال البلاغة» وهي جملة رسائل أدبية له، وهو فيها متأنق، كل كلمة ~~فيها توزن قبل أن توضع، وكل جملة تقاس بالقياس الدقيق لتكون لفق أختها، وروحه عندي ~~أقرب إلى روح بديع الزمان منها إلى ابن العميد وابن عباد، وله المقطعات الشعرية ~~الرقيقة كقوله: # خطرات ذكرك تستثير صبابتي # فأحس منها في الفؤاد دبيبا # لا عضو لي إلا وفيه صبابة # فكأن أعضائي خلقن قلوبا # وألف رسالة في الأسطرلاب. # وقد مات محصورا في قلعة، وحمل تابوته إلى جرجان، ودفن في مشهد عظيم كان بناه ~~لنفسه، وذلك سنة 403ه. # | هوامش # الفصل الثالث # | خراسان وما وراء النهر # ازدهرت هذه البلاد في عهد الدولة السامانية التي حكمت من سنة 261 إلى 389ه، فمدة ~~ملكهم 128سنة. # والملوك السامانيون أصلهم فرس من بلخ من أسرة نبيلة تنتسب إلى بهرام جور. وقد ~~عرف المأمون منزلتهم ونبلهم فاصطنعهم، وكان رأسهم أسد بن سامان. وقد خلف أسد هذا ~~أربعة أبناء كلهم كانوا في خدمة المأمون وحكامه في هذه البلاد؛ فكان نوح على ~~سمرقند، وأحمد على فرغانة، ويحيى على بلاد الشاش، وإسماعيل على هراة، ثم عظم ملكهم ~~حتى امتد من الصحراء الكبرى إلى الخليج الفارسي، ومن حدود الهند إلى العراق، وأهم ~~ملكهم خراسان وما وراء النهر - وقد اشتهرت دولتهم بالعدل والصلاح وتشجيع ~~العلم. # وخراسان كانت تطلق على الإقليم الواسع الذي ينقسم إلى أربعة أرباع: ربع عاصمته ~~نيسابور، وربع عاصمته مرو، وثالث عاصمته هراة، ورابع بلخ. # ومن أشهر مدن خراسان نيسابور، وبوشنج، وبست، وسجستان، وهراة، ومرو، وسرخس، ~~وننسا، وطوس، وأبيورد ... إلخ. # والقسم الثاني من ملك السامانيين ما وراء النهر؛ أي ما وراء النهر جيحون، وكان ~~هذا الإقليم ينقسم إلى خمسة أقسام: (1) الصعد، وله عاصمتان: بخارى وسمرقند. (2) ~~وإلى الغرب من الصغد خوارزم المسماة اليوم خيوه أو كيوه. (3) صغانيان. (4) ~~فرغانة. (5) الشاش المسماة اليوم طشنقد. # ومن ms182 أشهر بلاد ما وراء النهر فرغانة، واسبيجان، والشاش، وأشروسنة، وسمرقند، ~~وبخارى، وفاراب، وترمذ، وصغانيان وقاشان، ثم خوارزم، وفيها زمخشر ~~والجرجانية. # والمقدسي يسمي إقليم خراسان وما وراء النهر «إقليم المشرق». وقد رحل إلى هذه ~~البلاد في هذا العهد الساماني، ونحن ننقل بعض ما يهمنا الآن منه. قال: إنه أجل ~~الأقاليم وأكثرها أجلة وعلماء، وهو معدن الخير ومستقر العلم وركن الإسلام المحكم ~~وحصنه الأعظم، ملكه خير الملوك، وجنده خير الجنود، فيه يبلغ الفقهاء درجة الملوك. ~~وقد قال محمد بن عبد الله لدعاته: «عليكم بخراسان فإن هناك العدد الكثير والجلد ~~الظاهر، وهناك صدور سليمة وقلوب فارغة لم تتقسمها الأهواء، ولم تتوزعها النحل ~~ولم يقدح فيها فساد، وهم جند لهم أبدان وأجسام، ومناكب وكواهل، وهامات ولحى وشوارب، ~~وأصوات هائلة، ولغات فخمة.» وهم كانوا عدة الانقلاب والثورة على الأمويين، ونقل ~~الخلافة إلى العباسيين. # ويقول المقدسي: قرأت في كتاب بخزانة عضد الدولة «خراسان في غذاء الهواء، وطيب ~~الماء، وصحة التربة، وإحكام الصنعة، وتمام الخلقة، وجودة السلاح والتجارة والعلم ~~والعفة والدراية ترس في وجه الترك»؛ وأهل خراسان أشد الناس تفقها، وبالحق ~~تمسكا، وهم بالخير والشر أعلم، وإلى إقليم العرب ورسومهم أقرب، وإقليمهم أكثر ~~أجلة وعقلاء، مع العلم الكثير، والحفظ العجيب، والمال المديد، والرأي الرشيد، به ~~مرو التي قامت بها الدنيا، وبلخ وإليها المنتهى، ونيسابور فلا تنسى. # 1 # ثم قال: وهو أكثر الأقاليم علما وفقها، وللمذكرين به صيت عجيب، ولهم أموال ~~جمة؛ وبه يهود كثيرة ونصارى قليلة، وأولاد علي - رضي الله عنه - فيه على غاية ~~الرفعة، ولا ترى به هاشميا إلا غريبا، ومذاهبهم مستقيمة، غير أن الخوارج بسجستان ~~ونواحي هراة كثيرة، وللمعتزلة بنيسابور ظهور بلا غلبة، وللشيعة والكرامية بها ~~جلبة، والغلبة في الإقليم لأصحاب أبي حنيفة إلا في كورة الشاش، وطوس، ونسا، وأبيورد ~~... فإنهم شفعوية، ولهم جلبة بهراة وسجستان وسرخس. # ورسومهم تخالف رسوم أقاليم العرب في أكثر الأشياء، فللمؤذنين سرير قدام ~~المنبر يؤذنون عليه بتطريب وألحان، ويذكرون بلا دفاتر # 2 ~~... وبنيسابور رسوم حسنة، منها مجالس المظالم في كل ms183 يوم أحد وأربعاء ~~بحضرة صاحب الجيش أو وزيره، فكل من رفع قصة قدم إليه فأنصفه، وحوله القاضي ~~والرئيس والعلماء والأشراف، ومجلس الحكم كل اثنين وخميس في مسجد «رجاء» لا ترى في ~~الإسلام مثله. # وألسنتهم مختلفة؛ أما لسان نيسابور ففصيح مفهوم غير أنهم يكسرون أوائل الكلم، ~~وفيه رخاوة، وأهل طوس ونسا أحسن لسانا، وفي كلام سجستان تحامل وخصومة يخرجونه من ~~صدورهم، ويجهرون فيه، ولسان بست أحسن؛ ولسان هراة وحش، تراهم يتكلفون ويتحاملون، ~~ولسان بلخ أحسن الألسن إلا أن لهم فيه كلمات تستقبح ... إلخ. # وبهذا الإقليم عصبيات بين الشيعة والكرامية، وبين الشافعية والحنفية، وقد ~~يهراق في هذه العصبيات الدماء، ويدخل بينهم السلطان. # والولايات والخطبة في هذا الإقليم كله لآل سامان ... وهم من أحسن الملوك سيرة ~~ونظرا وإجلالا للعلم وأهله؛ ومن أمثال الناس: «لو أن شجرة خرجت على آل سامان ~~ليبست.» ألا ترى إلى عضد الدولة وتجبره وتمكنه، وكمال دولته وفتوة أمره، وخطب ~~له باليمن وبالسند، وفتح عمان، وملك ما ملك؛ فلما تعرض لآل سامان، وطلب خراسان ~~أهلكه الله، وشتت جمعه، وفرق جيوشه ... وهم لا يكلفون تقبيل الأرض لهم، ولهم مجالس ~~عشيات جمع شهر رمضان للمناظرة بين يدي السلطان، فيبدأ هو فيسأل مسألة ثم يتكلمون ~~عليها ... وميلهم إلى مذهب أبي حنيفة، وليس من رسمهم الانبساط إلى الرعية. ~~ا.ه. # وقد أخرجت هذه البلاد ما لا يحصى من رجال الحديث والفقه، خدموا العلم خدمة كبرى ~~بجدهم وصبرهم على البحث ورحلتهم إلى أقاصي البلدان، يأخذون العلم من أهله حيث ~~كان؛ فعلى رأس المحدثين الإمام البخاري، وهو من بخارى، كما تدل عليه نسبته، ~~ورحل إلى الجبال ومدن العراق، والحجاز والشام ومصر يجمع الأحاديث بالأسانيد، ويعنى ~~بالمتن وبالسند، وبرجال الحديث وتاريخهم، ومعرفة درجة الثقة بكل منهم مع الحفظ ~~التام، والدقة العجيبة ... يحكي عن نفسه أنه عني بحفظ الحديث وهو في العاشرة، فلما ~~بلغ السادسة عشرة أخذ يحفظ كتب الحديث، ويتعرف رجاله، ثم خرج مع أمه وأخيه إلى ~~مكة ورجعا هما وبقي هو يطلب الحديث من محدثي مكة والمدينة، ms184 ثم طوف في سائر ~~البلدان، واستخلص من كل ما سمع ما صح عنده، فاستخرج صحيحه من زهاء ستمائة ألف ~~حديث، وظل يعمل في تأليف صحيحه هذا ست عشرة سنة. وقد نشر الحديث في بقاع الأرض، ~~فعقد مجالسه في البصرة، وبغداد، والري وخراسان، وما وراء النهر، ونيسابور، وأخذ ~~عنه الألوف، وقد أصابته محنة خلق القرآن فكان يقول: إن القرآن غير مخلوق ولكن لفظي ~~به مخلوق. وشنعوا عليه بذلك بعد أن عاد إلى بلاده، فأخرج من بخارى إلى خزتنك ~~(وهي قرية من قرى سمرقند) فمات بها سنة 256ه. # كما أخرجت نياسبور مسلم بن الحجاج النيسابوري مؤلف الصحيح المنسوب إليه «صحيح ~~مسلم» وهو كذلك رحل إلى الحجاز والعراق والشام ومصر، وروى عن أهلها، وجمع الحديث ~~واستخرج صحيحه من ثلاثمائة ألف حديث، و«بعض المحدثين يفضل صحيحه على صحيح ~~البخاري؛ لما اختص به من جمع الطرق، وجودة السياق، والمحافظة على أداء الألفاظ ~~كما هي من غير تقطيع ولا رواية بمعنى». # 3 # وكان كتابه مصدرا لحركة كبيرة في الحديث بين النيسابوريين، وانتفع به ~~خلق كثير، ومات سنة 261ه بنيسابور، وقد ناصر البخاري في قوله في القرآن، وخاصمهما ~~في ذلك شيخهما المحدث الكبير أيضا أبو عبد الله محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري؛ ~~فكان يقول بأن القرآن حتى لفظنا له غير مخلوق. # ويطول بنا القول لو عددنا أسماء كبار المحدثين الذين أنجبتهم هذه البلاد؛ ~~فالبخاري ومسلم كانا سببا في حركة الحديث قوية ظلت تعمل في هذه البلاد أجيالا، ~~وحسبنا دلالة على كثرة من خرجتهم هذه البلاد أننا نقرأ أسماء المحدثين، فنجد ~~الكثيرين المنسوبين إلى بلاد هذا الإقليم، وخصوصا نيسابور. # كما أخرجت البلاد كثيرا ممن بلغوا مبلغ الاجتهاد في الفقه مثل أبي حاتم محمد بن ~~حبان التميمي السمرقندي، إمام كبير له تصانيف كثيرة في الحديث والجرح والتعديل، ~~وطوف في البلاد وقال: «لعلنا أخذنا عن ألف شيخ بين الشاش والإسكندرية.» وقد ولي ~~قضاء سمرفند، ورحل إليه الناس لأخذ العلم عنه، وإليه مرجع كثير من المحدثين في ~~حكمه على رجال الحديث ms185 بالجرح والتعديل، مات سنة 354ه. # وأبو بكر محمد بن المنذر النيسابوري، وكان إماما مجتهدا، قال الذهبي: كان على ~~نهاية من معرفة الحديث والأخلاق، وكان مجتهدا فلا يقلد أحدا، توفي سنة ~~316ه. # ثم كان بهذه الأقاليم كثير من عظماء الشافعية والحنفية. # فمن أكبر رجال الشافعية محمد علي القفال الشاشي، كان يعد إمام عصره فيما وراء ~~النهر، وناشر مذهب الشافعية فيه، وكان يقول بالاعتزال، وله كتب في الفقه والأصول، ~~وخرج غازيا في الحروب بين المسلمين والروم، وأخذ أسيرا إلى القسطنطينية، ثم عاد ~~إلى بلاده، ومات بالشاش سنة 365ه. # وأبو بكر بن فورك الأصفهاني الأصل، الأصولي المتكلم، ناصر الأشعري، اضطهد ~~بالري لكثرة الاعتزال بها، فطلبه أهل نيسابور، وبنوا له مدرسة يعلم فيها، وألف ~~مصنفات كثيرة نحو المائة، ومات سنة 406ه بنيسابور. # وأبو بكر أحمد بن الحسن البيهقي الحافظ الشافعي، رحل إلى كثير من البلاد، ثم عاد ~~إلى بلده، وأخذ في التصنيف، وأكثر منها حتى قالوا: إنها تبلغ نحو ألف جزء، وهو أول ~~من جمع نصوص الإمام الشافعي في عشرة مجلدات، ومن تأليفه السنن الكبير والسنن ~~الصغير، ودلائل النبوة، ومناقب الشافعي، ومناقب ابن حنبل، وطلب إلى نيسابور لنشر ~~العلم بها فأجاب، وتوفي بها سنة 458ه، ونسبته إلى بيهق بالقرب من نيسابور. # كما اشتهر من الحنفية الإمام أبو منصور الماتريدي، وهو للحنفية في علم الكلام ~~كالأشعري للشافعيين، كتب كتاب التوحيد، وأوهام المعتزلة، ومآخذ الشرائع في الفقه، ~~والجدل في أصول الفقه وغير ذلك، مات سنة 333ه، والنسبة إلى ماتريد أو ماتوريد محلة ~~بسمرقند. # ثم أبو الليث نصر بن محمد السمرقندي الملقب بإمام الهدى توفي سنة 373ه. # وهذا نموذج صغير جدا لما أخرجته هذه البلاد من المحدثين والفقهاء، فحيثما ~~قرأت في كتب المحدثين والفقهاء راعتك كثرة ما ترى منهم، ودلالة نسبتهم عليهم ~~كالبلخي، والسرخسي ، والخوارزمي، والسمرقندي، والفارابي، والبخاري، والترمذي، ~~والصاغاني، والأبيوردي، والقاشاني، والشاشي، والنيسابوري، والمروزي (نسبته إلى ~~مرو والزاي زائدة كالرازي نسبة إلى الري، وبعضهم ينسبها مروروزي نسبة على مرو ~~الروز)، والهروي نسبة إلى هراة، والفرغاني، والزمخشري، ms186 والصغدي، والبيهقي، ~~والبستي ... إلخ. # وظهر التصوف في هذه البلاد كما ظهر في مصر، وفي العراق؛ فكان من أولهم في هذا ~~الإقليم شقيق البلخي، قيل: إنه أول من تكلم في علم الأحوال بخراسان. كان يقول: قرأت ~~القرآن عشرين سنة حتى ميزت الدنيا من الآخرة، فأصبته في حرفين، وهو قوله تعالى: # وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة ~~الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى ~~، ومات ~~سنة 153ه. # ثم تتابع التصوف من بعده من هذه البلاد كأبي حفص عمر بن سالم الحداد النيسابوري ~~المتوفى سنة 270ه، وأبو تراب النخشبي من متصوفة خراسان المشهورين بالعلم ~~والفتوة والزهد، وأبو بكر محمد بن عمر الحكيم الوراق أصله من ترمذ وأقام ببلخ، ~~وأبو عبد الله محمد بن منازل النيسابوري شيخ طريقة الملامتية مات بنيسابور سنة ~~329ه، وأبو العباس بن القاسم بن مهدي من أهل مرو، وهو أول من تكلم عندهم في حقائق ~~الأحوال، مات سنة 342ه. # وكانت في هذه البلاد حركة فلسفية قوية يرجع الفضل فيها أولا إلى شخصيتين من أقوى ~~الشخصيات، وهما: أبو زيد البلخي، وأبو القاسم الكعبي. # فأما أبو زيد فهو أحمد بن سهل البلخي، جمع بين الفلسفة والعلوم الشرعية والأدب، ~~قال أبو حيان التوحيدي: «الذي أقوله وأعتقده أني لم أجد في جميع من تقدم وتأخر ~~ثلاثة لو اجتمع الثقلان على تقريظهم ومدحهم ونشر فضائلهم في أخلاقهم وعلمهم ~~ومصنفاتهم ورسائلهم مدى الدنيا لما بلغوا آخر ما يستحقه كل واحد منهم، أحدهم أبو ~~عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ... والثاني أبو حنيفة الدينوري، فإنه من نوادر الرجال، جمع ~~بين حكمة الفلاسفة وبيان العرب، له في كل فن ساق وقدم، ورواء وحكم ... والثالث أبو ~~زيد أحمد بن سهل البلخي، فإنه لم يتقدم له شبيه في الأعصر الأول، ولا يظن أنه يوجد ~~له نظير في مستأنف الدهر، ومن تصفح كلامه في كتاب أقسام العلوم، وفي كتاب أخلاق ~~الأمم، وفي كتاب نظم القرآن، وكتاب اختيار السيرة، وفي رسائله على إخوانه، وجوابه ~~عما يسأل عنه ويبده به - علم أنه بحر البحور، ms187 وأنه عالم العلماء، وما رثي ~~في الناس من جمع بين الحكمة والشريعة سواه، وإن القول فيه لكثير.» # 4 # ولد ببلخ، ورحل إلى العراق، وأقام به ثماني سنين يأخذ علمه وفلسفته، ثم عاد إلى ~~بلاده ينشر فيها علمه، وكان يقال له: «جاحظ خراسان» - وألف نحو ستين كتابا في ~~علوم مختلفة، منها كتاب في نظم القرآن، قال أبو حيان: «لم أر كتابا في القرآن أحسن ~~منه؛ تكلم فيه بكلام لطيف دقيق، وأخرج أسراره، ولم يأت على جميع المعاني فيه.» وكان ~~يتنزه عن الجدل في القرآن، ويتحرج عن تفضيل بعض الصحابة على بعض، وعن المفاخرة ~~بين العرب والعجم، ويقول: ليس في هذه المناظرات الثلاث ما يجدي طائلا. ومن تآليفه ~~كتاب «أقسام العلوم»، و«شرائع الأديان»، و«كتاب السياسة الكبير والصغير»، و«حدود ~~الفلسفة»، و«ما يصح من أحكام النجوم»، وكتاب «الرد على عبدة الأوثان»، وكتاب ~~«أخلاق الأمم» ... إلخ. ويعد أيضا من أكبر جغرافيي العرب، وقد ألف «صور ~~الأقاليم»، وهو خرائط ملونة موضحة ببعض الشروح. وينسب إليه كتاب «البدء ~~والتاريخ» المطبوع، وليس له، مات ببلخ سنة 322ه. # والثاني أبو القاسم عبد الله بن أحمد الكعبي كان من بلخ أيضا، وكان معاصرا لأبي ~~زيد وصديقا له، واشتهر بتبحره في علم الكلام، وأنه رأس من رؤوس المعتزلة، له ~~مذهب خاص وأتباع يقال لهم الكعبية، مات سنة 317ه. # هذان العلمان نشرا في هذا الإقليم حركة فلسفية وعقلية كبيرة توجت بالفيلسوف ~~الكبير ابن سينا درة الدولة السامانية. # وهو أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا، ولعل خير ما يمثل ~~الحركة الفلسفية في العهد الساماني ما حكاه ابن سينا نفسه في ترجمة حياته، كما رواه ~~عند تلميذه أبو عبيد الجوزجاني، قال ابن سينا: «إن أبي كان رجلا من أهل بلخ، ~~وانتقل منها إلى بخارى في أيام نوح بن منصور (الساماني)، واشتغل بالتصوف وتولى ~~العمل بقرية هناك ... ثم انتقلنا إلى بخارى، وأحضرت معلم القرآن، ومعلم الأدب ... وكان ~~أبي ممن أجاب داعي المصريين (الفاطميين)، ويعد من الإسماعيلية، وقد سمع منهم ms188 ذكر ~~النفس والعقل على الوجه الذي يقولونه، وكذلك أخي، وكانوا ربما تذاكروا بينهم وأنا ~~أسمعهم وأدرك ما يقولونه، ولا تقبله نفسي، وابتدؤوا يدعونني إليه أيضا، ويجرون على ~~ألسنتهم ذكر الفلسفة والهندسة وحساب الهيئة، وقبل قدومه كنت أشتغل بالفقه ... # ثم جاء إلى بخارى أبو عبد الله الناتلي، وكان يدعى المتفلسف، وأنزله أبي دارنا ~~رجاء تعلمي منه ... فابتدأت بكتاب إيساغوجي على الناتلي ... وكان أي مسألة قالها لي ~~أتورها خيرا منه ... ثم أخذت أقرأ الكتب على نفسي، وأطالع الشروح حتى أحكمت علم ~~المنطق، وكذلك كتاب أقليدس، فقرأت من أول خمسة أشكال أو ستة عليه، ثم توليت بنفسي ~~حل بقية الكتاب بأسره، ثم انتقلت إلى المجسطي ... ثم فارقني الناتلي، واشتغلت أنا ~~بتحصيل الكتب من النصوص والشروح من الطبيعي والإلهي، وصارت أبواب العلم تتفتح ~~علي. # ثم رغبت في علم الطب ... وتعهدت المرضى، فانفتح علي من أبواب المعالجات ~~المقتبسة من التجربة ما لا يوصف، وأنا مع ذلك أختلف إلى الفقه وأناظر فيه ... وقرأت ~~كتاب ما بعد الطبيعة (لأرسطو)، فما كنت أفهم ما فيه، وأيست من نفسي حتى أعدت قراءته ~~أربعين مرة، وصار لي محفوظا، وقلت: هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه. وإذا أنا في يوم من ~~الأيام في الوراقين، وبيد دلال مجلد، فقال لي: اشتر مني هذا فإنه رخيص ... فاشتريته ~~بثلاثة دراهم، فإذا هو كتاب لأبي نصر الفارابي في أغراض كتاب ما بعد الطبيعة، ورجعت ~~إلى بيتي، وأسرعت قراءته فانفتح علي في الوقت أغراض ذلك الكتاب؛ بسبب أنه كان ~~محفوظا على ظهر القلب ... # وكان سلطان بخارى في ذلك الوقت نوح بن منصور (الساماني)، واتفق له مرض، فاستدعيت ~~لمشاركة الأطباء في معالجته، وتوسمت بخدمته، فسألته يوما الإذن لي في دخول دار ~~كتبهم ومطالعتها وقراءة ما فيها من كتب الطب، فأذن لي، فدخلت دارا ذات بيوت كثيرة، ~~في كل بيت صناديق كتب، منضدة بعضها على بعض، في بيت منها كتب العربية والشرع، ~~وفي آخر الفقه، وكذلك في كل بيت كتب علم مفرد، فطالعت فهرست كتب الأوائل، وطلبت ما ms189 ~~احتجت إليه منها، ورأيت من الكتب ما لم يقع اسمه إلى كثير من الناس قط، وما كنت ~~رأيته من قبل، ولا رأيته أيضا من بعد، فقرأت تلك الكتب، وظفرت بفوائدها، وعرفت ~~مرتبة كل رجل في علمه» ... إلخ إلخ. # 5 # وقد شاهد ابن سينا سقوط بخارى في يد أمير غزنة محمود بن سبكتكين، وسافر على الري ~~وهمذان. # واتصل بكثير من علماء وقته كالبيروني، وأبي الخير بن الخمار، وأبي القاسم ~~الكرماني، وأخذ اسمه وتآليفه شهرة ومكانة لم ينلها أحد غيره من فلاسفة الشرق، وظل ~~كتابه «القانون في الطب» يدرس في الشرق وفي الغرب على عهد قريب، وكتبه الشفاء ~~والإشارات والنجاة مرجع كل من درس الفلسفة الإسلامية، عاش ابن سينا من سنة 370ه إلى ~~سنة 438ه. # وكان في هذا الإقليم حركة أدبية قوية من شعر ونثر فني. # ففي الشعر جروا على أساليب العراق وفارس من إكثارهم من المقطوعات في المناسبات، ~~والتفنن في التخيل، والإغراق في المبالغة، والإمعان في التشبيه، وشجع الملوك ~~السامانيون الحركة الأدبية، كما شجعها وزيران كبيران لهذه الدولة، فكانا صورة ~~مصغرة لابن العميد، وابن عباد، وهما: الوزير البلعمي، وأبو عبد الله ~~الجيهاني. # فالوزير البلعمي هو أبو الفضل محمد بن عبد الله البلعمي، أصل أجداده عرب من تميم ~~استوطن فرعهم في بخارى وكان وزيرا لنصر بن أحمد الساماني، قال السمعاني: «وكان ~~واحد عصره في العقل والرأي وإجلال العلم وأهله، ولقبه ابن حوقل بالشيخ الجليل، وقد ~~قام بترجمة تاريخ الطبري إلى اللغة الفارسية.» # والجيهاني هو أبو عبد الله محمد بن أحمد الجيهاني؛ قال فيه ياقوت: «وكان أديبا ~~فاضلا شهما جسورا، وكان حسن النظر لمن أمله وقصده - معينا لمن أمله واعتمده، ~~وله تآليف، وقد استوزر أيضا لنصر بن أحمد.» # فكلاهما شجع الحركة العلمية والأدبية في بخارى، كما شجعها ابن العميد وابن ~~عباد في الري. # وقد نبغ في الدولة السامانية من الشعراء كثيرون عدهم الثعالبي في «اليتيمة»، ونقل ~~طرفا من أشعارهم؛ ولعل من أحقهم بالذكر محمد بن موسى الحدادي البلخي، وكان ~~يقال: «أخرجت بلخ أربعة: ms190 أبا القاسم الكعبي في علم الكلام، وأبا زيد البلخي في ~~البلاغة والتأليف، وسهل بن الحسن في شعر الفارسية، ومحمد بن موسى في شعر ~~العربية.» # 6 # ومما امتاز به أنه كان مولعا بنقل الأمثال الفارسية إلى العربية ~~نظما، وله في ذلك مزدوجة طويلة كقوله: # من مثل الفرس ذوي الأبصار # الثوب رهن في يد القصار ~~••• # نال الحمار بالسقوط في الوحل # ما كان يهوى ونجا من العمل ~~••• # البحر غمر الماء في العيان # والكلب يروى منه باللسان ~~... إلخ. # وسار في ذلك على منهجه أبو عبد الله الضرير الأبيوردي، وقد وضع قصيدة في أمثال ~~الفرس كذلك أولها: # صيامي إذا أفطرت بالسحت ضلة # وعلمي إذا لم يجد ضرب من الجهل # وتزكيتي مالا جمعت من الربا # رياء، وبعض الجود أخزى من البخل # كسارقة الرمان من كرم جارها # تعود به المرضى وتطمع في الفضل # وقد قال الثعالبي: «كانت بخارى في الدولة السامانية مثابة المجد، وكعبة الملك، ~~ومجمع أفراد الزمان، ومطلع نجوم أدباء الأرض، وموسم فضلاء الدهر.» # 7 # وأنتج هذا الإقليم من أعلام النثر الأديبين الكبيرين الشهيرين أبا بكر الخوارزمي، ~~وبديع الزمان الهمذاني. # فالخوارزمي محمد بن العباس أصله من خوارزم، وطوف في الشام، ونزل ضيفا على سيف ~~الدولة في حلب، وعلى الصاحب بن عباد في الري، ثم عاد إلى نيسابور. # وكان يتعصب لبني بويه، ويغض من سلطان خراسان، ونكل به مرة من أجل ذلك، ثم علت ~~منزلته ثانية، ونظر إليه أهل نيسابور بعين الإكرام والإعظام، وعد إمام الأدباء ~~حتى رمي ببديع الزمان الهمذاني، وبلي بمساجلته، وأعان البديع شبابه ولباقته، ~~ومساعدة خصوم الخوارزمي السياسيين للبديع، «فانخزل الخوارزمي انخزالا شديدا، وكسف ~~باله، وانخفض طرفه، ولم يحل عليه الحول حتى خانه عمره، ومات سنة 383ه». # 8 # وقد خلف لنا رسائله الأدبية القيمة، على ما فيها من تكلف أحيانا جر إليه ~~الغرام بالسجع والبديع. # ثم أتى بديع الزمان الهمذاني، وهو أبو الفضل أحمد بن الحسن، ولد بهمذان، وتوفي ~~بهراة سنة 398ه، وقد أربى على الأربعين، قد اتصل بالأمير محمد بن منصور فأكرمه، ~~ونزل ms191 نيسابور سنة 382ه، فأملى بها مقاماته المشهورة، وكانت الخصومة بينه وبين أبي ~~بكر الخوارزمي أيام إقامتهما في نيسابور. وقد قص البديع هذه الخصومة في رسائله، ~~ولا بد أن يكون قد بالغ فيها تحيزا لنفسه، ومع هذا فهي تدل على ما عرف عن ~~البديع من جودة حفظ، وحضور بديهة، وقوة بيان. # وله الفضل الكبير في مقاماته التي حذا حذوها الحريري فيما بعد، وله رسائله، وهذه ~~وتلك تدل على خفة روح وحسن خيال، وقدرة على الابتكار، ووقوف على أحوال الزمان مما ~~يجعلها مصدرا كبيرا لدراسة الحياة الاجتماعية في زمنه. # ونبغ في هذا العصر، وفي هذا الإقليم من الأدباء والمؤلفين في الأدب أبو منصور ~~عبد الملك الثعالبي النيسابوري، كان أديبا بليغا على أسلوب أهل زمانه في السجع ~~والاستعارة والتشبيه، وكان واسع العلم باللغة والأدب والأدباء وتاريخهم، وألف في ~~ذلك كله؛ فله «فقه اللغة» أراد فيه أن يجعله معجما على نمط جديد، وهو جمع الكلمات ~~في الموضوع الواحد في موضع واحد، وأتت هذه الفكرة للثعالبي في نيسابور، وابن سيده ~~في الأندلس في وقت واحد تقريبا؛ فقد مات الثعالبي سنة 429ه، ومات ابن سيده سنة ~~458ه، وألف الأول «فقه اللغة»، والثاني «المخصص»، كما ألف الثعالبي «يتيمية ~~الدهر في محاسن أهل العصر»، ذكر فيه تراجم الأدباء في المائة الرابعة، ومختارا من ~~أدبهم مقسما إلى الدول المختلفة، والأمصار المتباينة، وقد عني بالمختارات أكثر مما ~~عني بتراجم الحياة. # وله كتب أخرى كثيرة قيمة وصلت إلينا «كالإعجاز والإيجاز»، و«خاص الخاص»، و«ثمار ~~القلوب في المضاف والمنسوب»، و«من غاب عنه المطرب» و«نثر النظم»، و«حل العقد» ... ~~إلخ. وله كتاب «غرر أخبار ملوك الفرس»، وكلها كتب قيمة مفيدة. # كما كان من هذه البلاد من أئمة اللغة؛ الأزهري أبو منصور محمد بن أحمد الأزهر، ~~أصله من هراة، ولد بها ومات بها، ورحل إلى العراق وأخذ عنه أئمة علمائه كابن دريد ، ~~وطاف في أرض العرب يجمع اللغة منهم، فوقع أسيرا في يد القرامطة، قال: «وكان القوم ~~الذين وقعت في سهمهم عربا نشئوا في البادية يتتبعون ms192 مساقط الغيث أيام النجع، ~~ويرجعون إلى إعداد المياه في محاضرهم زمان القيظ، ويرعون ويعيشون بألبانها، ~~ويتكلمون بطباعهم البدوية، ولا يكاد يوجد في منطقهم لحن أو خطأ فاحش، فبقيت في ~~أسرهم دهرا طويلا ... واستفدت من مجاورتهم ومخاطبة بعضهم بعضا ألفاظا جمة ~~ونوادر كثيرة أودعت أكثرها في كتابي.» # وقد صنف في اللغة كتاب «التهذيب» في عشرة مجلدات، وهو من الكتب التي فرغها ~~ابن منظور في كتابه «لسان العرب» وقال في مقدمته: «ولم أجد في كتب اللغة أجمل من ~~تهذيب اللغة لأبي منصور الأزهري، ولا أكمل من المحكم لابن سيده، وهما من أمهات ~~كتب اللغة على التحقيق، وما عداهما بالنسبة إليهما ثنيات للطريق.» # وقد توفي الأزهري سنة 370ه. # وكذلك الجوهري صاحب «الصحاح»، ومبتكر طريقة للمعاجم جرى عليها صاحب «القاموس» ~~و«لسان العرب» وغيرهما. وهو إسماعيل بن حماد، أصله من فاراب، سافر إلى بلاد العرب، ~~ودخل ديار ربيعة ومضر، وجمع ما استطاع من اللغة، وعاد إلى نيسابور فدرس فيها، ثم ~~وضع كتاب «الصحاح»، وهو يعد من أمهات كتب اللغة اهتم به علماء اللغة اهتماما ~~كبيرا استفادة ونقدا، وقد تقدم ذكره. مات سنة 398ه. # ومن هذا الإقليم من علماء اللغة والأدب الزوزني # 9 # أبو عمرو أحمد بن محمد بن إبراهيم نسبة إلى زوزن، وهي بلدة واسعة بين ~~نيسابور وهراة، وكانت زوزن تسمى بالبصرة الصغرى؛ لكثرة من أخرجت من الفضلاء ~~والأدباء وأهل العلم، وإليها ينتسب كثير من أهل الأدب والعلم، منهم صاحبنا ~~هذا. # وقد خلف لنا شرحا على المعلقات السبع، وهو شرح مختصر مفيد يدل على سعة علم ~~باللغة والنحو والتصريف وحسن الذوق والفهم، مات بزوزن سنة 374ه. # وكان في هذا الإقليم أمراء جمعوا إلى الإمارة وجاهة الأدب، ورعاية أهله، فأحاطوا ~~أنفسهم بجو أدبي رائع، كان ينتج أكثر مما أنتج لولا ما انغمسوا فيه من السياسة ~~وفتنها وألاعيبها. # فكان فيه طائفة كبيرة من نسل الخلفاء العباسيين ، أتوا إليه من العراق لما كان ~~يعرفون من الرابطة القوية بين آبائهم العباسيين والخرسانيين؛ إذ كان الخراسانيون ~~عماد الدولة العباسية. فلما ms193 ذهب إلى خراسان أبناء هؤلاء الخلفاء أكرمهم الخراسانيون ~~وأغدقوا عليهم النعم، وأحلوهم محل الإجلال، ولعبت ببعض هؤلاء الذين من نسل ~~الخلفاء فكرة أن يعيدوا الأمر جذعة، فيبثوا الدعوة لأنفسهم، ويكونوا جيشا من ~~الخراسانيين يفتحون به العراق من جديد ويؤسسون ملكا جديدا، وأصاب بعضهم بعض ~~النجاح أولا وفشلوا أخيرا. # وكان من أشهر هؤلاء أبو طالب عبد السلام بن الحسين المأموني من نسل المأمون، قال ~~الثعالبي: «وقد رأيت المأموني ببخارى سنة 382ه، وعاشرت منه فاضلا ملء ثوبه، وذاكرت ~~أديبا شاعرا بحقه وصدقه، وسمعت منه قطعة من شعره، ونقلت أكثره من خطه، وكان ~~يسمو بهمته إلى الخلافة، ويمني نفسه قصد بغداد في جيوش تنضم إليه من خراسان ~~لفتحها، فاقتطعته المنية دون الأمنية، ولم يكن بلغ الأربعين، وذلك سنة ~~383ه.» # 10 # وكذلك كان أبو محمد عبد الله بن عثمان الواثقي من أولاد الخليفة الواثق، ذهب كذلك ~~بأهله إلى خراسان، ودبر أن يستعين بالأتراك لإزالة دولة بني سامان حتى هاجموا ~~بخارى وأزالوا الساماني عنها، ثم فشلت الحركة، وكان كالمأموني شاعرا ~~أديبا. # ومن الأمراء غير العباسيين الذين كانوا من الأدباء آل ميكال الذين اشتهر من بينهم ~~أبو الفضل عبيد الله بن أحمد الميكالي، وأبو محمد عبد الله بن إسماعيل الميكالي، ~~وآل ميكال أسرة كبيرة من سادة خرسان، وأولي الفضل والنبل والرياسة فيها، جمعوا إلى ~~إنشاء الأدب حماية الأدب. # هؤلاء الأمراء الأدباء من نسل العباسيين وغيرهم بهذا الإقليم شجعوا حركة أدبية ~~عظيمة بما بذلوا من مال، وما وجهوا من رأي، وما ضربوا المثل بما أنشئوا من أدب، ~~فقصدهم المؤلفون يهدون إليهم تآليفهم وقصائدهم؛ فيقصد ابن دريد - مثلا - أبا ~~الفضل الميكالي في نيسابور، ويؤلف له كتاب «الجمهرة»، وينشئ له قصيدته المقصورة - ~~يا ظبية أشبه شيء بالمها - والتي يقول فيها في مدح آل ميكال: # إن ابن ميكال الأمير انتاشني # من بعدما قد كنت كالشيء اللقا # ويقول في ابني ميكال بعد أن ذكر العراق وأهله، وأنه لا يدانيهم في فضلهم ~~أحد: # حاشا الأميرين اللذين أوفدا # علي ظلا من نعيم قد ms194 ضفا # هما اللذان أثبتا لي أملا # قد وقف اليأس به على شفا # تلافيا العيش الذي رنقه # صرف الزمان فاستساغ وصفا # وأجريا ماء الحيا لي رغدا # فاهتز غصني بعدما كان ذوى # هما اللذان سموا بناظري # من بعد إغضائي على لذع القذى # هما اللذان عمرا لي جانبا # من الرجاء كان قدما قد عفا # وقلداني منه لو قرنت # بشكر أهل الأرض عني ما وفى # ونرى مثلا أبا منصور الثعالبي يؤلف كتابه «لطائف المعارف» للصاحب بن عباد، ~~و«المبهج» لشمس المعالي قابوس بن وشمكير، و«فقه اللغة»، و«سحر البلاغة» لأبي الفضل ~~الميكالي، و«النهاية في الكناية» لمأمون بن مأمون صاحب خوارزم ... إلخ. # وعلى الجملة فهاتان الدولتان - البويهية والسامانية - مع فارسية ملوكهما وأعجمية ~~لغاتهما الأصلية قد خدمتا اللغة العربية، والأدب العربي، والعلوم الإسلامية ~~العربية، والفلسفة الإسلامية العربية خدمة لا تقدر. # | هوامش # الفصل الرابع # | السند وأفغانستان # تولى هذا الإقليم الدولة الغزنوية، وتسمى أيضا دولة بني سبكتكين. وقد قامت ~~هذه الدولة من سنة 351ه إلى سنة 582ه. # وهي دولة تركية، والنزاع بين الأتراك والفرس قديم، والحرب بينهم سجال؛ فقد ساد ~~الفرس في الدولة العباسية الأولى إلى أن جاء المعتصم فقوي سلطان الترك، وضعف سلطان ~~الفرس، وظل الحال كذلك حتى أتى بنو بويه، وهم فرس، فاستردوا سلطانهم، وأضعفوا سلطان ~~الترك. # وكذلك الأمر هنا؛ فقد ساد السامانيون الفرس في خراسان وما وراء النهر حتى جاء آل ~~سبكتكين الأتراك، فأنزلوهم عن مكانتهم، وحلوا محلهم في السيادة. # نشأ الأمراء الأولون من الدولة الغزنوية في أحضان الدولة السامانية؛ فقد كان ~~ألبتكين مملوكا تركيا حاكما لهراة من قبل السامانيين، وقد فتح غزنة سنة ~~352ه؛ وقد خلفه ابن إسحاق، وهذا لم يعقب فآل أمر ما بيده إلى غلامه سبكتكين، وإليه ~~تنسب الدولة. وقد وسع سبكتكين ملكه في ناحيتين: في ناحية الهند، وأنشأ بها حكومة في ~~«بشاور»، وفي ناحية فارس باستيلائه على خراسان وما إليها. ومن أشهر رجال هذه الدولة ~~- بل من أشهر أعلام الإسلام - محمود بن سبكتكين الذي وطد ملكه ووسعه، فوسع فتوحه في ~~الهند إلى ما ms195 وراء كشمير وبنجاب، واستولى من ناحية أخرى على بخارى وما وراء النهر، ~~وأخذ إقليم الري وأصفهان من البويهيين إلى العراق، فامتدت مملكته من لاهور إلى ~~سمرقند إلى أصفهان إلى العراق، واستمر الملك في عقبه إلى أن خلفتها الدولة ~~الغورية. # والذي يهمنا هنا الناحية العقلية؛ فقد كانت هذه البلاد في هذه الدولة مركزا ~~عقليا نبغ فيه كثير من رجال العلم والأدب والفلسفة. # وكان من أهم بلاد هذه الدولة ولاية سجستان «وعاصمتها زرنج، وفي أهل سجستان عظم ~~خلق وجلادة، وأغلب أهلها على مذهب الحنفية لا ترى من غيرهم إلا القليل، وكان فيها ~~كثير من الخوارج يظهرون مذهبهم، ولا يتحاشون منه، ويفتخرون به عند المعاملة، يقول ~~الرجل عند مماكسته: «أنا من الخوارج لا تجد عندي إلا الحق.» واشتهر أهل سجستان - ~~على العموم - بصحة المعاملة، وقلة المخاتلة، ومسارعتهم إلى إغاثة الملهوف ومداركة ~~الضعيف، ثم أمرهم بالمعروف». # 1 # وقد ينسب إليها فيقال: السجستاني، وقد تختصر النسبة فيقال: السجزي. وكثير من ~~العلماء ينسب إليها، منهم أبو سعيد السجزي القاضي الحنفي، رحل إلى الشام والعراق ~~وخراسان، ثم عاد إلى بلاده وولي القضاء بعدة نواح، ومات بفرغانة سنة 383ه. وأبو ~~أحمد خلف بن أحمد السجزي كان ملكا بسجستان، وكان من أهل العلم والفضل والسياسة ~~والملك، سمع الحديث بخراسان والعراق، وقد سلب ملكه سنة 399ه محمود بن سبكتكين، ~~وتوفي في الهند محبوسا. # وكان من أعماله العظيمة أن جمع العلماء بسجستان وحملهم على تصنيف كتاب في ~~التفسير، لا يغادرون فيه حرفا من أقاويل المفسرين وتأويل المتأولين، ونكت ~~المذكرين، ويتبعون ذلك بوجوه القرارات وعلل النحو والتصريف، ويوشحونه بما رواه ~~الثقات الأثبات من الحديث. وقد أنفق على العلماء مدة اشتغالهم فيه عشرين ألف دينار، ~~وتم هذا العمل الضخم في مائة مجلد تستغرق عمر الكاتب، وتستنفد حبر الناسخ. # 2 # ومن مدن سجستان المشهورة الرخج، وإليها ينسب كثير من العلماء ~~والأدباء. # ثم من أهم مدن هذه الدولة غزنة، وكانت عاصمة ملكها، وقد ملأها محمود بن سبكتكين ~~بأجمل ما وصلت إليه يده عند فتحه للهند. ms196 وقد دفن بها السلطان محمود هذا، ولا يزال ~~بها قبره عليه قبة عظيمة، وأبواب المدفن من خشب الصندل، قيل: إنه أتى بها من أحد ~~هياكل الهند. # وقد وصف العتبي بعض ما عمله السلطان محمود في غزنة، فذكر - مثلا - أنه بنى فيها ~~مسجدا، وقال: «لما عاد السلطان يمين الدولة إلى دار الملك بغزنة أحب أن ينفق ما ~~أفاء الله عليه في عمل بر يشيع جدواه، وكان قد أوعز باختطاط صعيد من ساحة غزنة ~~للمسجد الجامع، إذ كان ما اختط قديما على قدر أهلها، فوافق عوده حصول المراد من ~~تقطيعه وتوسيعه، وإقامة الجدران على ترابيعه، فصب بدر المال على الصناع، كما صب ~~دماء الأبطال يوم القراع ... ونقل إليه من أقطار الهند والسند جذوع توافقت قدودا ~~ورصانة، وتناسبت تدويرا وثخانة. وقد فرشت ساحتها بالمرمر منقولا من كل فج عميق، ~~ومضرب سحيق ... أشد ملاسة من راحة الفتاة وصفحة المرآة. فأما الأصباغ فروضة الربيع ~~ضاحكة الثغور تستوقف الأبصار، وتقيد النظار. وأما التهيب فهو صبات الذهب الأحمر ~~أفرغت عن صور الأصنام المجذوذة، والبددة المأخوذة، # 3 # فطفقت تعرض على النار بعد أن كانت آلهة للكفار ...» إلخ. # وقد أفرد السلطان لخاصته بيتا في المسجد مشرفا عليه، فرشه وإزاره من الرخام، قد ~~أحيط بكل رخامة مربعة محراب من الذهب الأحمر مكللا باللازورد، في تعاريج من ألوان ~~المنثور والورد. # وأمام هذا البيت مقصورة بتعاريج عليها منصوبة # 4 # تسع ثلاثة آلاف غلام، متى شهدوا للفرض أخذوا أماكنهم منها صفوفا، ~~وأقبلوا على انتظار الأذان عكوفا. # وأضيف إلى المسجد مدرسة فيحاء، تشتمل بيوتها من بساط الأرض إلى مناط السقوف على ~~تصانيف الأئمة الماضين، من علوم الأولين والآخرين، منقولة من خزائن الملوك، نقروا ~~عن ديار العراق، ورباع الآفاق، حتى اقتنوها بخطوط كفرائد سموط، مصححة بشهادات ~~التقييد، وعلامات التخفيف والتشديد، ينتابها فقهاء دار الملك وعلماؤها للتدريس، ~~والنظر في علوم الدين، على كفاية ذوي الحاجة منهم ما يهمهم، جراية وافرة، ومعيشة ~~حاضرة. # وناهيك من بلد يحتوي على مرابض ألف فيل، يشغل كل منها بساسته ومارته # 5 ms197 # دارا كبيرة، وخطة وسيعة، إن الله تعالى إذا أراد عمر البلاد وكثر ~~العباد، # 6 # وقال ياقوت: «وقد نسب إلى هذه المدينة من لا يعد ولا يحصى من العلماء.» ~~وقال السمعاني: «الغزنوي نسبة إلى غزنة، وهي بلدة من بلاد الهند، خرج منها جماعة من ~~العلماء في كل فن.» # ثم أفغانستان، ومن أشهر مدنها قندهار، وكابل، وقد نسب إليها جمع من ~~المحدثين. # ثم السند، وكانوا يطلقونها على البلاد الواقعة بين الهند ومكران وسجستان. وكانت ~~عاصمتها «المنصورة»، وقد قال المقدسي في وصف السند عندما زارها: «إنه إقليم الذهب ~~والتجارات والعقاقير والآلات والفانيذ والخيرات ... به عدل وإنصاف وسياسات ... العلماء ~~به قليلون، والمنصورة قصبتها وهي مثل دمشق، لأهلها مروءة، وللإسلام عندهم طراوة، ~~والعلم وأهله كثير، ولهم ذكاء وفطنة ... ومن مدن السند ديبل، وكل أهلها تجار، ~~وكلامهم سندي وعربي - والملتان، وهي مثل المنصورة، وأهلها لا يكذبون في بيع، ولا ~~يبخسون في كيل، يحبون الغرباء، وأكثرهم عرب.» # 7 # ثم قال: «إن إقليم السند أكثر أهله مذاهبهم أصحاب حديث، ورأيت القاضي أبا محمد ~~المنصوري داوديا إماما في مذهبه، وله تدريس وتصانيف، قد صنف كتبا عدة حسنة. ~~وأهل الملتان شيعة، ولا تخلو القصبات من فقهاء على مذهب أبي حنيفة، وليس به مالكية ~~ولا معتزلة، ولا عمل للحنابلة؛ قد أراحهم الله من الغلو والعصبية والهرج والفتنة» ... ~~إلخ. # ونعود إلى وصف الحركة العلمية والأدبية في هذه البلاد. # كان طبيعيا أن تكون الحركة العلمية والأدبية في البلاد الجديدة التي فتحتها ~~الدولة الغزنوية في الهند ضعيفة؛ فقد بدأت تنشر فيها الإسلام والعربية، فليس من ~~الطبيعي أن تخرج علماء، أما القسم الذي استولت عليه من الدولة السامانية وغيرهما ~~مما تأصل فيه الإسلام من عهد بعيد، فقد استمرت فيه الحركة في العهد الغزنوي كما ~~كان في العهد الساماني. # وكان من الغزنويين من شجع الحركة الدينية والعلمية والأدبية تشجيعا عظيما، ~~وخاصة محمود بن سبكتكين؛ فقد سار على أسلوب العصر في أن يزين مملكته بالعلماء ~~والأدباء، كما يزين تاجه باللآلئ. # وقد احتاط به كثير من علماء الدين، ms198 وجد أهل المذاهب الدينية والفقهية في كسبه، ~~علما منهم بأنه إذا اعتنق مذهبا ساد في الأقاليم الواسعة التي فتحها فالفاطمية في ~~مصر وجهوا إليه «التاهرتي» الداعي ليدعوه إلى مذهب الفاطمية، فوقف السلطان محمود ~~على سر ما دعا إليه، وعلم بطلان ما ندب إليه، وأمر بقتل التاهرتي، وأهدى بغلته ~~التي كان يركبها إلى القاضي أبي منصور محمد بن محمد الأزدي شيخ هراة، وقال: «كان ~~يركبها رأس الملحدين، فليركبها رأس الموحدين.» # 8 ~~«وذكر إمام الحرمين أبو المعالي الجويني أن السلطان المذكور كان على مذهب أبي ~~حنيفة، وكان مولعا بعلم الحديث، وكانوا يسمعون الحديث من الشيوخ بين يديه وهو ~~يسمع، وكان يستفسر الأحاديث، فوجد أكثرها موافقا لمذهب الشافعي، فوقع في خلده ~~حكمه، فجمع الفقهاء من الفريقين في مرو والتمس منهم الكلام في ترجيح أحد المذهبين ~~على الآخر، فوقع الاتفاق على أن يصلوا بين يديه ركعتين على مذهب الإمام الشافعي، ~~وركعتين على مذهب الإمام أبي حنيفة لينظر فيه السلطان، ويتفكر ويختار ما هو ~~أحسنهما، وتولى الإمام القفال المروزي الشافعي ذلك، فتحول السلطان من المذهب الحنفي ~~إلى المذهب الشافعي.» # 9 # ولما فتح إقليم خراسان، وسائر إيران وما وراء النهر وسجستان، وجه أدباؤها ~~مديحهم إليه كما كانوا يوجهونه إلى السامانيين؛ فبديع الزمان الهمذاني ينشئ القصائد ~~في مدح محمود بن سبكتكين، كالتي يقول فيها: # تعالى الله ما شاء # وزاد الله إيماني # أأفريدون في التاج # أم الإسكندر الثاني # أم الرجعة قد عادت # إلينا بسليمان # أظلت شمس محمود # على أنجم سامان # وأمسى آل بهرام # عبيدا لابن خاقان # 10 # إذا ما ركب الفيل # لحرب أو لميدان # رأت عيناك سلطانا # على منكب شيطان # 11 # فمن واسطة الهند # إلى ساحة جرجان # ومن قاصية السند # إلى أقصى خراسان # على مقتبل العمر # وفي مفتتح الشان # فيوما رسل الشاه # ويوما رسل الخان # 12 # فما يعزب بالمغر # ب عن طاعتك اثنان # أيا والي بغداد # ويا صاحب همدان # تأمل مائتي فيل # على سبعة أركان # 13 # يقلبن أساطين # ويلعبن بثعبان # 14 # ويأجوج ومأجوج # من الجند تموجان # وكذلك أنشأ ms199 أبو منصور الثعالبي القصائد في مدحه كقوله: # يا خاتم الملك ويا قاهر ال # أملاك بين الأخذ والصفح # عليك عين الله من فاتح # للأرض مستول على النجح # راياته تنطق بالنصر بل # تكاد تملا كتب الفتح # فاسعد بأيامك واستغرق ال # أعداء بالكبح وبالذبح # إلى كثير غيرهما من الشعراء. # واختص به أديبان كبيران ناثر وشاعر، وأولهما أبو القاسم أحمد بن حسن الميمندي، ~~وثانيهما كاتبه أبو الفتح البستي. # فالأول «الميمندي»: «كان وزير محمود بن سبكتكين، واشتهر بفصاحة العلم، وعلو ~~الهمم، وسعة النظر، وحسن السياسة، وكان الوزير الذي قبله «أبو العباس» قليل البضاعة ~~في الصناعة، فانتقلت المخاطبات مدة أيامه من العربية إلى الفارسية حتى كسدت سوق ~~البيان، وبارت بضاعة الإجادة والإحسان، ولما سعدت الوزارة بأبي القاسم رفع ألوية ~~الكتاب، وعمر أفنية الآداب، فأمر الكتاب أن يتحاشوا الفارسية إلا عن ضرورة من ~~جهل من يكتب إليه، وعجزه عن فهم ما يتعرب به إليه. # 15 # فطارت توقيعاته في البلاد ولا شوارد الأمثال، وأبيات المعاني من ~~القصائد الطوال، ففي كل ناد نداء بألحانها، وفي كل مشهد شهادة باستحسانها ... ~~إلخ.» # 16 # وأما أبو الفتح البستي، فكان كاتب محمود بن سبكتكين وموضع سره، ومستشاره في ~~أمره، وهو أديب كبير له شعر جيد، ونثر جيد؛ فأما شعره فأكثره مقطوعات يعمد فيها إلى ~~المعنى الدقيق، فيصوغه في لفظ رشيق، وأما نثره فواضح جميل فيه السجع والازدواج على ~~طريقة عصره، وهو في نثره يكثر من الأمثال، وفي نظمه يكثر من الحكم. وقد قال ~~الثعالبي: إن له طريقة خاصة به، فهو «صاحب الطريقة الأنيقة في التجنيس الأنيس، ~~البديع التأسيس، وكان يسميه المتشابه، ويأتي فيه بكل طريقة لطيفة»، تتجلى هذه ~~الطريقة في أمثاله من مثل قوله: «عادات السادات، سادات العادات - الخيبة تهتك ~~الهيبة - من كان عبد الحق فهو حر - المنية تضحك من الأمنية - معنى المعاشرة ترك ~~المعاسرة ... إلخ.» وله في هذا الباب الشيء الكثير. # كذلك تظهر طريقته في شعره من دقة المعنى وأناقة اللفظ، مثل قوله: # لا يغرنك أني لين الم # س فغربي إذا انتضيت ms200 حسام # أنا كالورد فيه راحة قوم # ثم فيه لآخرين زكام # وقوله: # وقد يلبس المرء خز الثياب # ومن دونها حالة مضنيه # كمن يكتسي خده حمرة # وعلتها ورم في الريه # وقوله: # تحمل أخاك على ما به # فما في استقامته مطمع # وأنى له خلق واحد # وفيه طبائعه الأربع؟! # ويظهر أن له ثقافة واسعة في علم النجوم استخدمها كثيرا في شعره. # وعلى الجملة فشعره ونثره يدلان على رقة ذوقه، وسعة ثقافته في فروع من العلم ~~مختلفة، إلى استفادة كبيرة من مزاولته الكتابة للسلاطين والأمراء، واحتكاكه ~~بالأحداث السياسية، والمشاكل الاجتماعية، وأكثر ما يتجلى ذلك في أمثاله ~~وحكمه. # وقد غضب عليه ابن سبكتكين أخيرا فنفاه إلى بلاد الترك، ومات بها سنة ~~400ه. # ثم كان مؤرخ الدولة الغزنوية الكبير، وهو أبو النصر محمد بن عبد الجبار العتبي، ~~وقد سمى كتابه «اليميني» نسبة إلى لقب محمود بن سبكتكين؛ فقد لقبه الخليفة القادر ~~بالله «يمين الدولة وأمين الملة». وقد ألف العتبي كتابه هذا في تاريخ الدولة ~~الغزنوية ترجم فيه لسبكتكين، وكيف أسس مملكته، ثم تاريخ ابنه محمود، والوقائع التي ~~حدثت في أيامه ... إلخ. # ولا يزال الكتاب يعد أكبر مصدر لتاريخ هذه الدولة. وقد صاغه في أسلوب أدبي مسجوع ~~على نحو ما فعله معاصره أبو منصور الثعالبي؛ ولذلك وقع بين الكتب الأدبية ~~والتاريخية، ولو كان نثرا مرسلا لكان أجدى على التاريخ، ومع هذا فقد حاز شهرة ~~كبيرة في عالم الأدب، وخاصة في الأقاليم الفارسية، قال السبكي: «وكان أهل خوارزم ~~وما والاها يعتنون بهذا الكتاب، ويضبطون ألفاظه أشد من اعتناء أهل بلادنا بمقامات ~~الحريري.» # 17 # وعني بشرحه كثير من الأدباء، وطبع له في مصر شرح للمنيني ~~الدمشقي. # وقد حكى الأستاذ براون في كتابه «التاريخ الأدبي للفرس» أن السلطان محمود علم أن ~~في مجلس مأمون بن مأمون جماعة من رجال العلم والفلسفة منهم ابن سينا والبيروني، ~~وأبو سهل المسيحي، وابن الخمار، وأبو نصر العراق، فكتب إليه أن أرسلهم ليشرفوا ~~بمجلسي ونستفيد من علمهم. فجمعهم مأمون بن مأمون، وقرأ عليهم كتاب السلطان، فأبى ms201 ~~ابن سينا وفر، وقبل البيروني، وابن الخمار، والعراق. # 18 # وكان ذهاب البيروني إليه نعمة لا تقدر، فهو الذي استغل فتوح السلطان محمود في ~~الهند أحسن استغلال علمي وجعل ثروة الهند في الرياضة والفلسفة والإلهيات في يد ~~العرب والفرنج، ولا تزال كتبه التي ألفها العمدة الصادقة لكل من كتب عن الهند من ~~شرقيين وغربيين، وكان البيروني هذا درة في تاج الدولة الغزنوية كابن سينا في الدولة ~~السامانية. # وهو أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني، نسبة على بيرون مدينة في السند، ولد سنة ~~362ه، ونبغ في كثير من العلوم، وخاصة الرياضة والفلك، وأزهر في الأوساط العلمية، ~~وكانت - إذ ذاك - قصور الخلفاء والأمراء ومجالسهم تقوم مقام الجامعات اليوم، وقد ~~عدد في إحدى قصائده الذين أكرموه لعلمه، فقال: # مضى أكثر الأيام في ظل نعمة # على رتب فيها علوت كراسيا # فآل عراق قد غذوني بدرهم # ومنصور منهم قد تولى غراسيا # وشمس المعالي كان يرتاد خدمتي # على نفرة مني وقد كان قاسيا # 19 # وأولاد مأمون ومنهم عليهم # تبدى بصنع صار للحال آسيا # وآخرهم مأمون رفه حالتي # ونوه باسمي ثم رأس راسيا # 20 # ولم ينقبض محمود عني بنعمة # فأغنى وأقنى مغضيا عن مكاسيا # 21 ~~••• # أبو الفتح في دنياي مالك ربقتي # فهات بذكراه الحميدة كاسيا # 22 # فلا زال للدنيا وللدين عامرا # ولا زال فيها للغواة مواسيا # ويعده «سخاو» المستشرق الكبير - ناشر كتبه - أكبر عقلية علمية ظهرت، وكذلك رأى ~~محمد بن محمود النيسابوري، إذ قال: «إن له في الرياضيات السبق الذي لم يشق ~~المحضرون غباره، ولم يلحق المضمرون المجيدون مضماره.» # وفي الحق أنه كان من خير الأمثال العليا للعالم المخلص للعلم، الواهب له حياته، ~~يزهد في المال إلا ما يكفيه حاجته، صنف القانون المسعودي للسلطان مسعود؛ فوصله ~~السلطان بأموال طائلة فردها بعذر الاستغناء عنها. # 23 ~~«ولا يكاد يفارق يده القلم، وعينه النظر، وقلبه الفكر؛ إلا في يومي النيروز ~~والمهرجان من السنة لإعداد ما تمس إليه الحاجة في المعاش»، لا يمل الاستزادة من ~~العلم حتى حين يجود بنفسه. دخل عليه ms202 الفقيه أبو الحسن الولوالجي، وهو يجود بنفسه ~~فسأله عن مسألة توريث ذوي الأرحام؛ فقال له الفقيه؛ إشفاقا عليه: أفي هذه الحالة؟ ~~قال البيروني: أودع الدنيا وأنا عالم بها خير من أن أخليها وأنا جاهل بها! قال ~~الفقيه: فلما خرجت من عنده سمعت الصراخ عليه. # 24 # ويقول عنه نفسه: «خصصت في غريزتي منذ حداثتي بفرط الحرص على اقتناء ~~المعارف بحسب السن والحال.» ويتعلم لغات مختلفة؛ ففي كتبه عن العقاقير والجواهر ~~يذكر اسم الشيء بالعربية واليونانية والسريانية والفارسية والتركية؛ ويقارن بين ~~اللغات مقارنة دقيقة، فيمدح اللغة العربية بحسن أدائها للمعاني، ويفضلها على ~~الفارسية، وينقد الكتابة الفارسية، كما ينقدها مفكرو اليوم نقدا دقيقا فيقول: «إن ~~كل أمة تستحلي لغتها التي ألفتها واعتادتها، واستعملتها في مآربها ... وأنا نفسي قد ~~طبعت على لغة - يريد بها لغته الأصلية الخوارزمية - لو خلد بها علم لاستغرب ~~استغراب البعير على الميزاب، والزرافة في الأكواب، ثم انتقلت إلى العربية ~~والفارسية، وأنا في كل واحدة دخيل ولها متكلف، والهجو بالعربية أحب إلي من المدح ~~بالفارسية، وسيعرف مصداق قولي من تأمل كتاب علم نقل إلى الفارسية كيف ذهب ~~رونقه، وكسف باله واسود وجهه، وزال الانتفاع به؛ إذ لا تصلح هذه اللغة إلا للأخبار ~~الكسروية، والأسمار الليلية.» # ثم ينقد الكتابة العربية فيقول: «وقد حل بأرضنا رومي، فكنت أجيء بالحبوب والبذور ~~والثمار وغيرها، وأسأله عن أسمائها بلغته وأحررها؛ لأن للكتابة العربية آفة عظيمة، ~~وهي تشابه صور الحروف المزدوجة فيها، واضطرارها في التمايز إلى نقط المعجم، وعلامات ~~الإعراب التي إذا تركت استبهم المفهوم منها؛ فإذا انضاف إليها إغفال المعارضة، ~~وإهمال التصحيح بالمقابلة - وذلك بالفعل عام في قومنا - تساوى وجود الكتاب وعدمه، ~~بل علم ما فيه وجهله؛ ولولا هذه الآفة لكفى نقل ما في كتاب ديسقوريدس المنقولة ~~إلى العربي من الأسامي اليونانية إلا أنا لا نثق بها ... إلخ.» # 25 # لقد اتصل البيروني بشمس المعالي قابوس بن وشمكير، وألف له «الآثار الباقية»، وهو ~~يبحث في التواريخ التي كانت تستعملها الأمم، والاختلاف في الشهور والسنين، ~~والتقاويم عند الأمم ms203 وأسسها، إلى غير ذلك مما يسميه الفرنج الآن علم ~~الكرونولوجيا . # فلما اتصل بمحمود بن سبكتكين فاتح الهند، وقف من الفتوح موقفا عجيبا يذكرنا ~~بالجمعية العلمية الفرنسية في حملة نابليون على مصر، ولكن البيروني كان جمعية وحده، ~~فعكف على الهند يدرسها من جميع نواحيها: جغرافيتها وعلومها ودينها؛ بل وجواهرها، ~~وألف في ذلك الكتب الكثيرة مثل «تاريخ الهند»، و«الجماهر في معرفة الجواهر» ... إلخ، ~~وتعلم اللغة السنسكريتية، وأخذ ينقل منها إلى العربية، ومن العربية إليها، فنقل إلى ~~السنسكريتية «نظريات إقليدس»، و«المجسطي» في الفلك، ونقل إلى العربية من ~~السنسكريتية «باتا نجالي». # وربما كان أعظم كتبه «القانون المسعودي» الذي ألفه للسلطان مسعود بن محمود بن ~~سبكتكين. وهذا الكتاب يبحث في الرياضة والفلك وفلسفة الهند، ولما ينشر ~~بعد. # وقد عمر «البيروني» عمرا طويلا مباركا ألف فيه كتبا كثيرة نشرت في رسالة له ~~في أول كتاب «الآثار الباقية» تدل على سعة آفاقه العلمية وعمقه فيها، وقد مات بغزنة ~~نحو 440ه عن خمسة وسبعين عاما. # كما كان من رجال الفلسفة في بلاط السلطان محمود، ابن الخمار، وكان نصرانيا، ~~وقد تقدم طرف من خبره. # كما كان في بلاط من أدباء الفرس: الفردوسي، والعنصري، والعسجدي، والفرخي، وقد ~~نظم له الفردوسي قسما من الشاهنامة، كما نظم له الآخرون، وموضع ذلك الأدب ~~الفارسي. # 26 # | هوامش # الفصل الخامس # | بلاد المغرب # لما فتح المسلمون بلاد المغرب كلها كانوا يقسمونها إلى ثلاثة أقسام: مملكة ~~إفريقية، وهي المغرب الأدنى، وقاعدتها القيروان؛ وسمي أدنى لأنه أدنى إلى بلاد ~~العرب ومركز الخلافة، والمغرب الأوسط، وقاعدته تلمسان والجزائر، والمغرب الأقصى، ~~وقاعدته فاس في مراكش. # وكان العرب يطلقون على سكان كل هذه البلاد البربر. # وقد افتتحها المسلمون من أوائل عهد الفتح، ولقوا في فتحها عناء كبيرا، وبذلوا ~~في ذلك ضحايا كثيرة من سنة 26ه إلى سنة 81ه. # وكان أهل هذه البلاد لسذاجتهم مرتعا خصيبا للدعاة الخارجين على الدولة. ولكل ~~داع بمذهب ديني جديد، قال ياقوت: «البربر أجفى خلق الله، وأكثرهم طيشا، وأسرعهم ~~إلى الفتنة، وأطوعهم لداعية الضلالة، وأصغاهم لنمق الجهالة، ms204 ولم تخل أجيالهم من ~~الفتن وسفك الدماء قط ... وكم من ادعى فيهم النبوة فقبلوا، وكم زاعم فيهم أنه المهدي ~~الموعود به فأجابوا دعوته ولمذهبه انحلوا، وكم ادعي فيهم مذهب الخوارج فإلى مذهبه ~~بعد الإسلام انتقلوا.» وقامت به دول مختلفة متعاقبة؛ فقد خرج على المغرب الأقصى ~~إدريس بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب سنة 169ه، ~~ونشر الدعوة به، وأسلم على يده خلق كثير، فبويع له بالخلافة سنة 172ه، وأسس دولة ~~تسمت دولة الأدارسة استمرت إلى سنة 375ه فاكتسحتها دولة العبيديين «الدولة ~~الفاطمية». # وقام بنو الأغلب بتونس ودولتهم تنسب إلى إبراهيم بن الأغلب التميمي، حكمت من سنة ~~184ه. وقد عظمت دولتهم وأنشئوا أسطولا قويا في البحر الأبيض فتحوا به صقلية ~~ومالطة وسردينيا، وكان عهدهم عصر سيطرة قوية على البحر، واستمروا في الحكم إلى ~~296ه، حيث استولى عليهم العبيديون أيضا. # ثم جاءت الدولة الفاطمية، وكان منشؤها بالمغرب، فبسطت سلطانها على جميع بلاد ~~المغرب من حدود مصر إلى المحيط الأطلنطي مضافا إليها صقلية وسردينيا، وقد بدأ ~~ملكهم على يد أبي محمد عبيد الله المهدي سنة 296ه، واستمر الملك في أولاده حتى ~~تولى منهم المعز، فلما انتقل إلى مصر سنة 362ه، وتتابعت فتوحهم في الشام والحجاز ~~واليمن، وقوي سلطانهم فيها، ضعف سلطانهم في الغرب. # فجاء بنو زيري الصنهاجيون بتونس والجزائر، وأصلهم من البربر، وكانوا عمالا ~~للفاطميين، ولما سار المعز إلى مصر استعمل على تونس يوسف بن بلكين، ثم استفحل أمر ~~يوسف واستقل بمملكته، وأسس دولة نسبت إليه استمرت من سنة 361ه-542ه، واشتهر من ~~رجالها باديس بن يوسف، وابنه المعز، وهو أول من حمل الناس بإفريقية على مذهب مالك، ~~وكانوا قبل على مذهب أبي حنيفة، ثم ابنه تميم بن المعز الشاعر الكبير، وسيأتي ~~ذلك. # ومن أول الفتح والمسلمون يعملون أقصى ما وفي وسعهم لإدخال البربر في الإسلام، ~~وتفقيههم وتحضيرهم، وتوالى على بلاد المغرب أمراء عظام عملوا في هذه السبيل أعمالا ~~جليلة، فحسان بن النعمان الغساني عامل عبد الملك ms205 بن مروان على إفريقية هو الذي دون ~~الدواوين بها باللغة العربية، وغزا موسى بن نصير المغرب، وكان معه سبعة وعشرون ~~ألفا من العرب، واثنا عشر ألفا من البربر، وأمر موسى العرب أن يعلموا البربر ~~القرآن والفقه ... ثم أسلم بقية البربر على يد إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر ~~سنة 101ه أيام عمر بن عبد العزيز # 1 ~~... وقد أرسل عمر بن عبد العزيز عشرة من التابعين يفقهون أهل المغرب في ~~الدين. # وفي أيام هشام بن عبد الملك فر قوم من خوارج العراق إلى المغرب، وبثوا فيه ~~مبادئهم، فسرت دعوتهم في البربر، وأعجبهم من تعاليمهم أن الخليفة ليس يجب أن يكون ~~قرشيا، فانتفض البربر على العرب يريدون أن تكون لهم دولة من أنفسهم، وساعد على ~~ذلك ما لقيه البربر أيام ولاية عبد الله بن الحبحاب من الظلم والفساد، وكان خوارج ~~المغرب على مذهب الإباضية والصفرية، وكان لدعوة الخوارج أثر كبير في المغرب في ~~إيجاد عصبية بربرية ضد العصبية العربية، وكثر عدد الخوارج من البربر حتى بلغوا في ~~الثورة أيام عمر بن حفص - عامل الخليفة المنصور - أكثر من أربعين ألفا من الصفرية، ~~وخمسة وعشرين ألفا من الإباضية. # 2 # وفي أيام هارون الرشيد ولي على المغرب يزيد بن حاتم بن المهلب بن أبي صفرة. قال ~~ابن خلدون: «وفي أيامه انخضدت شوكة البربر، واستكانوا للغلب وطاعوا للدين، فضرب ~~الإسلام بجرانه، وألقت الدولة المضرية على البربر بكلكلها.» # وفي عهد العباسيين أخذ أهل المغرب بمذهب أهل العراق «مذهب أبي حنيفة» في الأصول ~~والفروع؛ لأن ذلك المذهب يومئذ هو مذهب الخلفاء بالمشرق، والناس على دين ملوكهم، ~~قال القاضي عياض: «ظهر مذهب أبي حنيفة بإفريقية ظهورا كبيرا إلى قرب سنة أربعمائة ~~ثم انقطع منها.» وللمعز بن باديس الصنهاجي المتوفى في أواسط المائة الخامسة أثر ~~كبير في ذلك؛ فقد كان هو وأصحابه على مذهب الشيعة أخذا من أسلافهم الفاطميين أيام ~~استيلائهم على المغرب، ثم قطع المعز دعوة الشيعة، ودعا لبني العباس وحمل الناس على ~~التمسك بمذهب مالك، وكان مذهب ms206 مالك معروفا في هذه البلاد من قبل، ولكن أهله كانوا ~~في محنة حتى نصرهم المعز هذا. # 3 # وانتشر مذهب أهل السنة يزاحم الشيعة والخوارج . # هذه الأحداث العظمى من دخول العدد الكبير من العرب، وفتح البلاد، ونشر الإسلام ~~واللغة العربية فيها، وتثقيف الناس بالدين الإسلامي والأدب العربي، وجعل البلاد ~~جزءا من المملكة الإسلامية يدخلها التجار من جميع الأجناس، ويتبادلون مع أهلها ~~المعاملات والسلع، واختلاط العرب وغيرهم من المسلمين بأهل البلاد بالتزاوج ~~والتوالد، ووقوعها بين البلاد المتحضرة، وخاصة بين مصر والأندلس، وكثرة العلاقات ~~والرحلات بين هذه البلاد بعضها وبعض، كل هذا نقل بلاد المغرب من برابرة جفاة - كما ~~يعبر ياقوت - إلى أمة لها مدنية ولها حضارة ولها ثقافة، فلا عجب بعد إذا رأينا في ~~البلاد حركة عقلية تؤرخ، ويكون لها شأن يذكر. # وقد اشتهرت بلدان في المغرب بتقدمها في الحضارة والعمران والعلم والأدب، ~~كالقيروان والمهدية وتاهرت وسجلماسة وفاس. # فأما «القيروان»؛ فقد أسسها عقبة بن نافع سنة خمسين، قال ابن خلدون: «اختط عقبة ~~القيروان، وبنى بها المسجد الجامع، وبنى الناس مساكنهم ومساجدهم، وكان دورها ثلاثة ~~آلاف وستمائة باع، وكملت في خمس سنين، وكان يغزو ويبعث السرايا للإغارة والنهب، ~~ودخل أكثر البربر في الإسلام، واتسعت خطة المسلمين، ورسخ الدين.» وهي عاصمة ~~إفريقية. # 4 # وفي القرن الرابع كانت «مصرا بهيا عظيما قد جمع أضداد الفواكه، ~~والسهل والجبل، مع علم كثير، لا ترى أرفق من أهلها، ليس بينهم غير حنفي ومالكي مع ~~ألفة عجيبة، لا شغب بينهم ولا عصبية، فهي مفخرة المغرب، ومركز السلطان، وأحد ~~الأركان، أرفق من نيسابور، وأكبر من دمشق، وأجل من أصبهان ... جامعها بموضع يسمى ~~السماط الكبير ... وهو أكبر من جامع ابن طولون بأعمدة من الرخام، ومفروش ~~بالرخام. # 5 # والمهدية؛ وهي مدينة من أعمال تونس اختطها المهدي رأس الفاطميين، وبينها وبين ~~القيروان مرحلتان، أسسها سنة 300ه، وفرغ منها سنة 305ه، وهي على ساحل البحر الأبيض ~~داخلة فيه كهيئة كف متصلة بزند، وسورها سورا محكما بأبواب من الحديد المصمت، ~~وجلب إليها الماء من قرية ms207 على مقربة من المهدية، وجعل لها مرسى يسع ثلاثين ~~مركبا. # وبنى على المرسى برجين بينهما سلسلة من حديد، فإذا أريد إدخال سفينة أرسل الحراس ~~أحد طرفي السلسلة حتى تدخل ثم يمدونها كما كانت، ولما أتم ذلك قال المهدي: «اليوم ~~أمنت على الفاطميات.» - يعني بناته - وارتحل إليها وأقام بها، ثم عمر فيها ~~الدكاكين، ورتب فيها أرباب المهن، كل طائفة في سوق، فنقلوا إليها أموالهم ... وينسب ~~إلى المهدية جماعة وافرة من العلماء في كل فن، # 6 # وكان من إحدى قرى المهدية هانئ أبو ابن هانئ الأندلسي، وفي المهدية هذه ~~ولد المعز فاتح مصر، ومؤسس القاهرة. # وتاهرت؛ بلد كبير من أعمال الجزائر قد أحدقت بها الأنهار، والتفت بها الأشجار، ~~ينتعش فيها الغريب، ويستطيبها اللبيب، رشيق الأسواق، جيد الأهل، قديم الوضع، محكم ~~الرصف، عجيب الوصف # 7 ~~... وكانت قديما عش الإباضية، وقد أخرجت كثيرا من حفاظ الحديث، وثقات ~~المحدثين. # 8 # وسجلماسة؛ قصبة جليلة على نهر بمعزل عنها، شديدة الحر والبرد جميعا، صحيحة ~~الهواء، كثيرة التمور والأعناب والفواكه والحبوب، كثيرة الغرباء ... وهم أهل سنة ... ~~بها علماء وعقلاء # 9 ~~... ولنسائهم يد صناع في غزل الصوف؛ فهن يعملن منه كل حسن عجيب من ~~الأزر تفوق القصب الذي بمصر ... وأهلها من أغنى الناس وأكثرهم مالا؛ لأنها على ~~طريق من يريد «غابة» التي هي معدن الذهب، ولأهلها جرأة على دخولها. # 10 # وفاس؛ بلدان جليلان كبيران، كل واحد منهما محصن، بينهما واد جرار عليه بساتين ~~وأرحية، قد استولى على أحدهما الفاطمي، وعلى الآخر الأموي، وكم ثم من حروب وقتال ~~وغلبة، كثير الخيرات، قليل العلماء، كثير الغوغاء. # 11 # وقال أبو عبيد البكري: «مدينة فاس مدينتان: عدوة القرويين، وعدوة ~~الأندلسيين، وعلى باب دار الرجل، رحاه وبستانه بأنواع الثمر ... وهي أكثر بلاد المغرب ~~يهودا يختلفون منها إلى جميع الآفاق.» # 12 # ولما وصف المقدسي إقليم المغرب جملة عند زيارته فيما يهمنا من الناحية العلمية، ~~قال: «إنه إقليم كبير طويل ... أهله لا يعرفون مذهب الشافعي إنما هو أبو حنيفة ومالك، ~~وكنت يوما أذاكر بعضهم في مسألة، ms208 فذكرت قول الشافعي فقال: اسكت، من هو الشافعي؟! ~~إنما كانا بحرين أبو حنيفة لأهل المشرق، ومالك لأهل المغرب أفنتركهما ونشتغل ~~بالساقية؟ ... وما رأيت فريقين أحسن اتفاقا وأقل تعصبا منهم ... # وسألت بعضهم: كيف وقع مذهب أبي حنيفة إليكم، ولم يكن على سابلتكم؟ قالوا: لما قدم ~~وهب بن وهب من عند مالك، وقد حاز من الفقه والعلوم ما حاز، استنكف أسد بن عبد الله ~~أن يدرس عليه؛ لجلالته وكبر نفسه، فرحل إلى المدينة ليدرس على مالك فوجده عليلا، ~~فلما طال مقامه عنده قال له: ارجع إلى ابن وهب فقد أودعته علمي، وكفيتكم به الزحلة. ~~فصعب ذلك على أسد، ثم سأل: هل يعرف لمالك نظير؟ فدل على محمد بن الحسن صاحب أبي ~~حنيفة، فرحل إليه، وأقبل محمد عليه إقبالا لم يقبله على أحد لما رأى منه من فهم ~~وحرص، فلما رأى محمد أنه قد بلغ مراده سيبه إلى المغرب، فلما دخلها اختلف إليه ~~الفتيان ورأوا فروعا حيرتهم، ودقائق عجبتهم، ومسائل ما طنت على أذن ابن وهب، ففشا ~~مذهب أبي حنيفة بالمغرب ... # وهناك القسم الثالث المذهب الفاطمي ... ولهم تصانيف يدرسونها، ونظرت في كتاب ~~الدعائم، فإذا هم يوافقون المعتزلة في أكثر الأصول، ويقولون بمذهب الإسماعيلية، ~~ولهم فيه سر لا يعلمونه لكل أحد إلا من وثقوا به بعد أن يحلفوه ويعاهدوه؛ وإنما ~~سموا باطنية لأنهم يصرفون ظاهر القرآن إلى بواطن وتفاسير غريبة، ومعان دقيقة، وهذه ~~الأصول مذاهب الإدريسية وغلبتهم بكورة السوس الأقصى. # 13 # وقد اشتهرت بلاد المغرب بالعناية بالحديث والفقه، وتقصيرها في العلوم النظرية من ~~الفلسفة وفروعها؛ قال المقري التلمساني: «وأما ملكة العلوم النظرية فهي قاصرة على ~~البلاد المشرقية، ولا عناية لحذاق القرويين والإفريقيين إلا بتحقيق الفقه فقط، ولم ~~يزل الحال كذلك إلى أن رحل الفقيه ابن زيتون # 14 # إلى المشرق، فلقي تلاميذ الفخر بن الخطيب، ولازمهم زمانا حتى تمكن من ~~ملكة التعليم، وقدم إلى تونس فانتفع به أهلها.» # 15 # وقد اشتهر من المغرب كثير من الفقهاء وخاصة في الفقه المالكي من أشهرهم وأولهم ~~أسد بن ms209 الفرات، وهو نيسابوري الأصل، قيرواني الدار، أخذ عن مالك موطأه في المدينة، ~~ورحل إلى العراق فأخذ من أبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة، وأخذ عن أبي يوسف الأسئلة ~~التي كان يثيرها الحنفية، ويضعون لها الأحكام على مقتضى مذهبهم ، فجردها أسد بن ~~الفرات من أحكامها، وعرضها على ابن القاسم، وتلقى منه أحكامها على مذهب مالك، أو ~~اجتهاد ابن القاسم نفسه، أو اجتهاد أشهب، ودون ذلك كله في الكتاب المشهور المسمى ~~«بالمدونة»، فالمسائل المجردة مسائل الحنفية، والأحكام أحكام مالك وصحبه، ~~وتشتمل على نحو ستة وثلاثين ألف مسألة. # وقد حمل أسد بن الفرات ذلك كله إلى القيروان ونشره بالمغرب، وتولى القضاء بها ~~زمنا، كما تولى قيادة الجيش الذي فتح صقلية لبني الأغلب، وقد قتل وهو محاصر ~~لسرقوسة سنة 213ه. # ثم سحنون؛ وهو عبد السلام بن سعيد، عربي من تنوخ، كان أبوه من العرب الذين ~~نزلوا القيروان، تعلم على علماء القيروان، ورحل فأخذ العلم عن ابن القاسم وأشهب ~~وابن وهب وغيرهم. # وقد أخذ مدونة أسد بن الفرات التي ذكرنا، وأعاد قراءتها علي بن القاسم وصححها ~~عليه، وعاد بها إلى القيروان، فأقبل عليها الناس في المغرب والأندلس وتولى قضاء ~~إفريقية، وجد في نشر مذهب مالك، وتعلم عليه كثيرون حتى عد العلماء الذين تخرجوا ~~عليه بنحو سبعمائة. # قال ابن حارث: «قدم سحنون «إفريقية» بمذهب مالك، واجتمع له في ذلك فضل الدين ~~والورع والعفاف والانقباض، فبارك الله فيه للمسلمين، ومالت إليه الوجوه، وأحبته ~~القلوب، وصار زمانه كأنه مبتدأ قد انمحى ما قبله، فكان أصحابه سرج أهل القيروان ... ~~ابنه عالمها وأكثرهم تأليفا، وابن عبدوس فقيهها، وابن غافق عاقلها، وابن عمر ~~حافظها، وابن جبلة زاهدها، وحمديس أصلبهم في السنة وأعداهم للبدعة، وسعيد بن الحداد ~~لسانها وفصيحها، وابن مسكين أرواهم للكتب والحديث، وأشدهم وقارا وتصاونا - كل هذه ~~الصفات مقصورة على وقتهم. # 16 # وتوفي سنة 240ه عن ثمانين عاما، ولما مات رجت القيروان لموته. واشتهر ابنه محمد ~~بن سحنون بالتآليف الكثيرة في الحديث والفقه، ومات سنة 256ه. # ثم أبو بكر محمد ms210 بن محمد المعروف بابن اللباد اشتهر بالحفظ والإتقان وسعة العلم، ~~وسعيه لنشر المذهب المالكي في المغرب، وتكوين علماء حملوا علمهم وأفادوا به الناس. ~~وقد اضطهده الفاطميون أيام سطوتهم؛ لأنه لم يتابعهم في آرائهم فسجنوه ومات سنة ~~333ه. # ثم أبو ميمونة دراس بن إسماعيل الحراوي الفاسي، وهو الذي أدخل فقه مالك في المغرب ~~الأقصى بعد أن كان أهله على مذهب أبي حنيفة، وكان من الحفاظ المعدودين، والفقهاء ~~المشهورين مات بفاس سنة 357ه. # ثم أبو محمد عبد الله بن أبي زيد النفزي القيرواني، إمام المالكية في زمنه، كثير ~~التأليف واسع الفقه حتى سمي «مالك الصغير». رحل إليه العلماء للرواية عنه والتفقه ~~به، له كتاب «الزيادات على المدونة»، وله «مختصر المدونة» توفي سنة 386ه. # وأبو عبد الله بن محمد بن محمود الهواري، قاضي فاس وإمامها، يضرب به المثل في ~~عدله وورعه، له تعليقات على «المدونة» مات سنة 401ه ... إلخ. # والقابسي علي بن محمد المعروف بابن القابسي، كان واسع الرواية، عالما بالحديث ~~ورجاله، فقيها مالكيا أصوليا متكلما مؤلفا مجيدا، له كتاب «الممهد في ~~الفقه»، و«المنقذ من شبه التأويل»، وكتاب «المعلمين والمتعلمين»، وكتاب «رتب العلم ~~وأحوال أهله» ... إلخ. مات بالقيروان سنة 403ه. # واشتهر من فقهاء الحنفية محمد بن عبدون، ولي القيروان بعد سحنون، فاضطهد المالكية ~~... إلخ. # ولما تغلبت الدولة الفاطمية نشرت فقهها الشيعي ودعوتها الشيعية في المغرب، كما ~~نشرتهما بعد في مصر، واضطهدت الفقهاء السنيين، وقد عرضوا التشيع على كثيرين منهم ~~فأبوا فعذبوهم «وقد قتلوا في وقعة أبي يزيد مخلد بن كيداد خمسة وثمانين من نخبة ~~علماء القيروان». # 17 # على الجملة فقد كانت الحركة الدينية الفقهية في المغرب حركة قوية نشيطة، أكثر ما ~~خدمت فقه الإمام مالك. ~~••• # والعلم النظري أو الفلسفة - وإن لم ينم كثيرا في بلاد المغرب - لم يخل ممن عكف ~~عليه، فيذكر ابن أبي أصيبعة أن إسحاق بن عمران، كان بغدادي الأصل، مسلم النحلة، ~~ودخل إفريقية في دولة زيادة الله بن الأغلب، وكان قد استجلبه؛ «وإنما دعاه لحاجته ~~على الطب، والطب كان دائما ms211 مقرونا بالفلسفة»، وبه ظهر الطب بالمغرب، وعرفت ~~الفلسفة، وكان طبيبا حاذقا متميزا بتأليف الأدوية، بصيرا بتفرقة العلل، أشبه ~~الأوائل في علمه، وجودة قريحته، استوطن القيروان حينا. وقد ألف كتبا كثيرة كلها ~~في الطب. وقد تتلمذ له في القيروان إسحاق بن سليمان الإسرائيلي، وأصله من مصر. ثم ~~سكن القيروان، ولازم إسحاق بن عمران، وكان إسحاق بن سليمان مع فضله في صناعة الطب ~~بصيرا بالمنطق، متصرفا في ضروب المعارف، وعمر عمرا طويلا إلى أن نيف على مائة ~~سنة، وقد ألف في الطب والحكمة والمنطق، وقد خدم الأغالبة والفاطميين ومات نحو سنة ~~320ه. # وأنجب هؤلاء الوافدون من الأطباء أطباء من أهل البلاد نفسها، مثل أحمد بن ~~إبراهيم، المعروف بابن الجزار من أهل القيروان، وقد اشتهر بالطب وخدمة العامة به. ~~قالوا: وكان عنده نحو خمسة وعشرين قنطارا من كتب طبية وغيرها، وكان إلى اشتغاله ~~بالطب وتأليفه فيه مؤلفا في التاريخ، فألف في علماء زمانه، وفي أخبار الدولة ~~الفاطمية ... إلخ. ~~••• # ثم كان حظهم من الأدب كبيرا، وقد مر المغرب بالدور الذي مرت به مصر عند اختلاط ~~العرب بسكان البلاد، من وقوف الشعر إلا القليل الضعيف حتى إذا زالت روعة الفتح وكثر ~~دخول العرب واتصالهم بالبربر، وانتشرت اللغة العربية، ووجد جيل نشأ في المربى ~~العربي أخذ الشعر يجود، وربما كان خير موطن له دولة الأغالبة، ودولة الفاطميين، ~~ودولة الصنهاجيين «بني زيري»؛ ففي دولة الأغالبة كان كثير من أمرائهم أدباء؛ ~~فإبراهيم بن الأغلب نفسه كان شاعرا، فمن شعره يفخر بانتصاره: # ما سار عزمي إلى قوم وإن كثروا # إلا رمى شعبهم بالحزم فانصدعا # ولا أقول إذا ما الأمر نازلني: # يا ليته كان مصروفا وقد وقعا # حتى أجليه قهرا بمعتزم # 18 # كما يجلي الدجى بدر إذا طلعا # قوما قتلت وقوما قد نفيتهم # ساموا الخلاف بأرض الغرب والبدعا # كلا جزيتهم صدعا بصدعهم # وكل ذي عمل يجزى بما صنعا # وكذلك حفيده أبو العباس بن أبي عقال بن إبراهيم، وهو الذي ولى سحنونا الفقيه ~~قيادة الجيش الذي فتح صقلية، ومن شعره يقول ms212 في الفخر أيضا: # أنا الملك الذي أسمو بنفسي # فأبلغ بالسمو بها السحابا ~~••• # أظل عشريتي بجناح عزي # وأمنحها الكرامة والثوابا # وأصطنع الرجال وأصطفيهم # وأغفر للمسيء إذا أنابا ~~••• # أنا ابن الحرب ربتني وليدا # إلى أن صرت ممتلئا شبابا # لعمر أبيك ما إن عبت قومي # وما أخشى بقومي أن أعابا # بنيت لهم مكارم باقيات # إذا ما صارت الدنيا خرابا # وقد اشتهر من شعراء هذه الدولة بكر بن حماد الزناتي، وقد رحل إلى المشرق فدخل ~~البصرة والكوفة وبغداد، ولقي بعض كبار شعرائها كدعبل الخزاعي وأبي تمام، وعاد إلى ~~القيروان، وغلب على شعره الوعظ والزهد كقوله: # قف بالقبور فناد الهامدين بها # من أعظم بليت فيها وأجساد ~~••• # أين البقاء وهذا الموت يطلبنا # هيهات هيهات يا بكر بن حماد! # بينا ترى المرء في لهو وفي لعب # حتى تراه على نعش وأعواد ~~••• # فكلنا واقف منها على سفر # وكلنا ظاعن يحدو به الحادي # في كل يوم ترى نعشا نشيعه # فرائح فارق الأحباب أو غاد # 19 # أما الدولة العبيدية فكان فيها الشعر أرقى وأضخم للأسباب التي ذكرناها عند الكلام ~~في الأدب الفاطمي في مصر، وحسبها أن أنجبت في الشعر ابن هانئ الأندلسي، وقد نسب إلى ~~الأندلس لإقامته هناك بعض الوقت وإلا فهو إفريقي من قرية من قرى المهدية، وكان في ~~شعره للمعز، كما كان أبو الطيب لسيف الدولة يصف حروبه وأسطوله، ويدون وقائعه، وينشر ~~دعوته، ويمجد خلاله، وقد تقدم ذكر طرف عنه، وكان كذلك حوله شعراء ابتلعهم كما ابتلع ~~المتنبي من حوله، فكان في بلاط المعز بالمهدية من الشعراء أبو الحسن علي بن محمد بن ~~الأيادي التونسي، وقد كان شاعرا كبيرا اتصل بالفاطميين أيام القائم والمنصور ~~والمعز. وكذلك علي بن عبد الله التونسي، ومقداد بن الحسن الكتامي، وابن هانئ نفسه ~~يفخر على هؤلاء الشعراء وأمثالهم، ويستصغر منزلتهم منه فيقول: # أرى شعراء الملك تنحت جانبي # وتنبو عن الليث المخاض الأوارك # 20 # تخب إلى ميدان سبقي بطاؤها # وتلك الظنون الكاذبات الأوافك # رأتني حماما فاقشعرت جلودها # وإني زعيم أن تلين العرائك # تسيء قوافيها ms213 وجودك محسن # وتنشد إرنانا ومجدك ضاحك # 21 # وتجدى وأكدي والمناديح جمة # فمالي غني البال وهي الصعالك # 22 # أبت لي سبيل القوم في الشعر همة # طموح ونفس للدنية فارك # 23 # وفي الدولة الصنهاجية كان العمران قد استحكم، والصلة بين المغرب وبين الأندلس ~~ومصر والعالم الإسلامي كله قد تمكنت، والحضارة قد ازدهرت. # قال ابن خلدون: «كان ملكهم أضخم ملك عرف للبربر بإفريقية وأترفه وأبذخه.» فرقيت ~~العلوم والفنون، ومنها الأدب. # ومن أشهر ملوكهم المعز بن باديس قالوا: «إنه اجتمع بحضرته من أفاضل الشعراء ما لم ~~يجتمع إلا بباب الصاحب بن عباد.» وذكر أكثرهم ابن رشيق في كتابه «أنموذج الزمان في ~~شعراء قيروان». # وكان من الأمراء الصنهاجيين شعراء مجيدون من أشهرهم تميم بن المعز بن باديس - وهو ~~غير تميم بن المعز المصري - ملك إفريقية وما والاها، وكان محبا للعلماء ~~والشعراء مقربا لهم، ومن شعره: # إن نظرت مقلتي لمقلتها # تعلم مما أريد نجواه # كأنها في الفؤاد ناظرة # تكشف أسراره وفحواه # وكان من شعرائه الحسن بن رشيق وغيره. # وقد نبغ في هذه الدولة كثير من الشعراء والأدباء مثل عبد الكريم النهشلي، وكان ~~شاعرا أديبا ناقدا، عارفا باللغة خبيرا بأيام العرب وأشعارها. مات سنة 405ه، ~~وقد أكثر ابن رشيق من النقل عنه في العمدة، وذكر أن له كتابا في الشعر. # ومثل علي بن أبي الرجال رئيس ديوان الإنشاء في الدولة الصنهاجية، واشتهر بالكرم ~~وتشجيع الأدب، وهو الذي ربى المعز بن باديس وحبب إليه الأدب، وهو الذي ألف له ابن ~~رشيق كتاب «العمدة»، وألف له ابن شرف «رسائل الانتقاد». مات سنة 425ه. # ومثل أبي عبد الله محمد بن جعفر القزاز القيرواني كان إماما في اللغة، ألف كتاب ~~«الجامع» في اللغة، وهو يقارب «التهذيب» للأزهري، وهو شيخ ابن رشيق، وهو ينقل في ~~كتابه العمدة أقواله وما جرى له في مجلسه من أدب، وكان يطرح على تلاميذه عويصات ~~المسائل ويكلفهم حلها. مات سنة 412ه. # 24 # وأبو عبد الله عبد العزيز بن أبي سهل الخشني الضرير، وهو كذلك من شيوخ ابن ms214 رشيق ~~في الأدب. قال عنه: «كان مشهورا بالنحو واللغة جدا، مفتقرا إليه فيهما، بصيرا ~~بغيرهما من العلوم. وكان شاعرا مطبوعا سلك طريقة أبي العتاهية في سهولة الطبع ~~ولطف التركيب، ولا غناء لأحد من الشعراء الحذاق عن العرض عليه والجلوس بين يديه. ~~مات سنة 406ه، وقد زاد على السبعين.» # 25 # ومن كبار المؤلفين في الأدب إبراهيم بن علي الحصري القيرواني، وهو صاحب كتاب «زهر ~~الآداب» وكتاب «المصون في سر الهوى المكنون»؛ قال فيه ابن رشيق: «كان شبان القيروان ~~يجتمعون عنده ويأخذون عنه، ورؤس عندهم، وشرف لديهم، وسارت تأليفاته، وانثالت ~~عليه الصلات من الجهات وله ديوان شعر.» # 26 # مات سنة 413ه. # وكتابه «زهر الآداب» يدل على ذوق في الأدب رقيق، واطلاع واسع على ما أنتجه ~~الأدباء من الجمل الروائع، والرسائل البليغة. # وله ابن خالة هو أبو الحسن علي بن عبد الغني الحصري القيرواني، كان عالما ~~بالقراءات، وشاعرا ظريفا، وهو صاحب القصيدة المشهورة: # يا ليل الصب متى غده # أقيام الساعة موعده # رقد السمار فأرقه # أسف للبين يردده # وقد حازت شهرة كبيرة، وعارضها كثير من الشعراء في مختلف الأمصار إلى عصرنا ~~هذا. # وظهرت في المغرب حركة جيدة في النقد الأدبي، وردت أول الأمر نتفا في كتب الأدب ~~عندهم كقول عبد الكريم النهشلي: «قد تختلف المقامات والأزمنة والبلاد، فيحسن في وقت ~~ما لا يحسن في آخر، ويستحسن عند أهل بلد ما لا يستحسن عند أهل غيره، ونجد الشعراء ~~الحذاق تقابل كل زمان بما استجيد فيه وكثر استعماله عند أهله، بعد ألا تخرج من حسن ~~الاستواء وجد الاعتدال وجودة الصنعة، وربما استعملت في بلد ألفاظ لا تستعمل كثيرا ~~في غيره، كاستعمال أهل البصرة بعض كلام أهل فارس في أشعارهم ونوادر حكاياتهم ... ~~إلخ.» # ومثل قول إبراهيم الحصري: «الشعر مطبوع ومصنوع: فالمطبوع الجيد الطبع مقبول في ~~السمع، قريب المثال، بعيد المنال، أنيق الديباجة، رقيق الزجاجة ... يطرد ماء البديع ~~على جنباته، ويجول رونق الحسن في صفحاته ... وحمل الصانع شعره على الإكراه في التعمل ~~بتنقيح المباني دون إصلاح المعاني، يعفي ms215 آثار الصنعة، ويطفي أنوار الصبغة، ويخرجه ~~إلى فساد التعسف، وقبح التكلف ... وأحسن ما أجري إليه، وأعول عليه هو التوسط بين ~~الحالين، والمنزلة بين المنزلتين من الطبع والصنعة.» # ثم ارتقى هذا حتى صار موضوعا قائما بنفسه، وتوجت هذه الحركة بكتاب «العمدة» ~~لابن رشيق، و«أعلام الكلام» لابن شرف، # 27 # وهما من خير الكتب في النقد الأدبي. # وقد نقل ابن رشيق في كتابه «العمدة» فن النقد من نقد شاعر خاص أو شعراء معينين - ~~كما فعل صاحب الموازنة والوساطة - إلى نقد للشعر عامة، وقد قال فيه ابن خلدون: «وهو ~~الكتاب الذي انفرد بهذه الصناعة وأعطاها حقها، ولم يكتب فيها أحد قبله ولا بعده ~~مثله.» # وبعد العمدة ألف ابن رشيق كتابه «قراضة الذهب»، وأكثر ما يتعرض فيه للسرقات ~~الشعرية، ومتى تجوز، ومتى لا تجوز، وأين تحسن وأين لا تحسن، # 28 # كما وضع ابن شرف كتابه «أعلام الكلام»، وموضوعه مقامة طويلة كمقامات ~~الحرير، تعرض بطلها لمشهوري الشعراء من المتقدمين والمحدثين يصفه في قول قصير، ~~ويبين مزاياه وعيوبه في إيجاز. # 29 # وقد كان كلاهما من القيروان، وكانا من ندماء المعز بن باديس وشعرائه وجلسائه، ~~ولما أغار الهلالية القادمون من مصر على القيروان فرا وقالا القصائد في رثاء ~~القيروان، وذهب ابن رشيق إلى صقلية حيث مات بها سنة 453ه، وذهب ابن شرف على الأندلس ~~ومات بها سنة 460ه. # وقد كانا صديقين ثم دبت بينهما الخصومة فتساجلا في الأدب كتلك المساجلة التي كانت ~~بين الخوارزمي، وبديع الزمان الهمذاني. # وعجيب أمر المسلمين في هذه العصور، فما استقر فرارهم في المغرب حتى أنشئوا ~~أسطولا قويا في البحر الأبيض فتحوا به صقلية وسائر الجزائر حولها، وكان فتح ~~صقلية على يد الأغالبة، وقد كان بها ثلاثمائة ونيف وعشرون قلعة، ولكنها لم تثبت ~~أمام قوة المسلمين. # قال ابن خلدون: «كان فتح صقلية أيام زيادة الله الأول بن إبراهيم بن الأغلب على ~~يد أسد بن الفرات شيخ الفتيا ... ثم قال: وكان المسلمون لعهد الدولة الإسلامية قد ~~غلبوا على بحر الروم «البحر الأبيض» من جميع جوانبه ms216 وعظمت صولتهم وسلطانهم فيه، فلم ~~يكن للأمم النصرانية قبل بأساطيلهم بشيء من جوانبه، وامتطوا ظهره للفتح سائر ~~أيامهم؛ فكانت لهم المقامات المعلومات من الفتح والغنائم، وملكوا سائر الجزائر ~~المنقطعة عن السواحل مثل: ميورقة ومنورقة وسردانية وصقلية ومالطة وأقريطش وقبرص ... ~~والمسلمون خلال ذلك قد تغلبوا على الأكثر من لجة هذا البحر، وسارت أساطيلهم فيه ~~جائية وذاهبة، والعساكر الإسلامية تجيز البحر في أساطيلهم من صقلية إلى البر الكبير ~~المقابل لها ... وانحازت أمم النصرانية بأساطيلهم إلى الجانب الشمالي الشرقي منه من ~~سواحل الإفرنجة والصقالبة لا يعدونها - وأساطيل المسلمين قد ضربت عليهم ضراء الأسد ~~بفريسته.» # ولما فتحوا صقلية فسرعان ما نشروا دينهم وعلمهم ولغتهم، بل إن قائد الجيش في ~~الفتح كان هو أسد بن الفرات العالم المالكي المشهور ومعه جماعة من وجوه أهل العلم ~~في تسعمائة فارس وعشرة آلاف راجل، وما زال يفتح في قلاعها حتى أصيب بجروح بالغة مات ~~متأثرا بها، فأتم خلفاؤه الفتح. ثم «صار أكثر أهلها مسلمين، وبنوا بها الجوامع ~~والمساجد»، # 30 # وانتشر بها العلم، وأصبحنا نسمع عن كثير من العلماء ينسبون إليها؛ ~~فيقولون: فلان الصقلي. يرحل إليها علماء المسلمون يعلمون الدين واللغة، والأدباء ~~يشعرون، والخليعون يقولون في الخمر ورهبان الأديار وبناتها. فتجد المقريزي - مثلا ~~- يقول: محمد بن الحسن بن علي الكركنتي الفقيه المالكي تفقه بصقلية وإفريقية، وقدم ~~الإسكندرية - وكركنت مدينة بصقلية. # والعماد الأصفهاني يعقد بابا طويلا في القسم الثاني من الجزء الحادي عشر في ذكر ~~محاسن فضلاء جزيرة صقلية، ويروي فيه شعرا صقليا بعضه على أوزان جديدة، كقول أبي ~~الحسن بن أبي البشر في راقصة: # وغزال مشنف # قد رثى لي بعد بعدي # لما رأى ما لقيت # مثل روض مفوف # لا أبالي وهو عندي # في حبه إذا ضنيت # وجهه البدر طالعا # تاه لما حاز ودي # فإنني قد سقيت ~~... إلخ. # ولا ننسى القائد الكبير جوهر الصقلي فاتح مصر، وباني الأزهر، ومدوخ المغرب كله ~~لمولاه المعز، وهو غلام رومي الأصل من مواليد صقلية، صار مولى للمنصور ثم للمعز، ~~وكان من أكفأ القواد الذين ms217 عرفهم التاريخ. بل نجد من النحاة محمد بن خراسان الصقلي، ~~كان مولى لبني الأغلب، ورحل إلى مصر، وتعلم النحو على أبي جعفر النحاس، وروى عنه ~~مصنفاته، وعاد إلى صقلية يدرس النحو، ومات بها سنة 386ه عن ست وسبعين سنة. # 31 # ومحمد بن علي بن الحسن بن عبد البر الصقلي التميمي اللغوي، ولد بصقلية، ورحل عنها ~~في طلب العلم ثم عاد إليها، وكان موجودا سنة 450ه، وهو أستاذ ابن القطاع ~~الصقلي . # وفي العصر المتأخر عن عصرنا هذا أخرجت صقلية ابن حمديس الصقلي الشاعر المشهور، ~~والإمام المازري المحدث الكبير صاحب كتاب «المعلم بفوائد كتاب مسلم»، وهو منسوب إلى ~~مازر # Mazzard # بلدة بصقلية، والإدريسي الجغرافي ~~الشهير، وابن ظفر الأديب مؤلف كتاب «سلوان المطاع»، وابن القطاع أحد أئمة الأدب ~~واللغة والنحو والعروض، ومؤلف «الدرة الخطيرة»، و«المختار من شعراء الجزيرة» ... ~~إلخ. # | هوامش # الفصل السادس # | جزيرة العرب # أسلفنا في «فجر الإسلام» ما كان في الحجاز من علم وفن وأسباب ذلك. # والحجاز قطر قلما يعتمد على نفسه في العيش لقلة زرعه ونتاجه. فلما كان موطن ~~الخلافة أيام الخلفاء الراشدين كانت تأتيه الأرزاق من البلاد المفتوحة كمصر ~~والعراق، ولما انتقلت الخلافة إلى دمشق في العهد الأموي ظلت الخيرات تنهال على ~~الحجاز لكثرة الفتوح وكثرة الغنائم، وكانت عصبية الأمويين عصبية عربية تقر بالسيادة ~~للعرب، فكانت ترعى جزيرة العرب وسكانها، وكان الفاتحون من العرب، وكثير من غنمائهم ~~يتسرب إلى بلادهم، ولهم ديوان تقيد فيه أسماؤهم وعطاياهم؛ لذلك سعدت الجزيرة ~~وأنتجت علما وفنا. # فلما جاءت الدولة العباسية تغير الوضع فأصبح زمام الأمور أكثره في يد الفرس، ~~والعمال أكثرهم من الفرس. # وزاد الأمر سوءا في الحجاز خروج العلويين به والتفاف الناس حولهم، وإرسال ~~الخلفاء العباسيين من ينكل بهم؛ ففي عهد المنصور خرج محمد بن عبد الله بن الحسن بن ~~الحسن بن علي بن أبي طالب ومعه أشراف بني هاشم وأعيان «المدينة» فعزل عاملها من قبل ~~المنصور، وولى عليها عاملا من قبله، فبعث إليه المنصور جيشا كبيرا كبيرا قاتله ~~وقتله، وقتل كثيرا ممن ms218 معه. # وفي أيام الهادي خرج الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، واجتمع ~~حوله آل أبي طالب وكثير غيرهم، وأرسل الهادي جيشا فكانت وقعة «فخ» بين مكة ~~والمدينة، ثم قتل الحسين وكثير ممن معه. # وهكذا تتابعت حوادث خروج العلويين، وثورات الحجاز، وفي كل مرة ينكل العباسيون بهم ~~وتزيد كراهيتهم وقبض يدهم عنهم. # فأخذت جزيرة العرب يقل شأنها شيئا فشيئا بغلبة العنصر الفارسي، وإبعاد العنصر ~~العربي وقلة المدد الذي يرسل إلى الجزيرة. # ولما جاء المعتصم وتغلب العنصر التركي كان الأمر أسوأ، فقد كتب إلى عماله في ~~الأطراف بإسقاط من في دواوينهم من العرب وقطع العطاء عنهم، ففعلوا، وانحط شأن العرب ~~من ذلك الحين. # واستمر هذا العبث بالجزيرة؛ ففي خلافة المستعين أحمد بن المعتصم تغلب إسماعيل بن ~~يوسف من أولاد علي بن أبي طالب على مكة، فهرب عاملها من قبل الخليفة، وقتل إسماعيل ~~هذا الجند وجماعة من أهل مكة ونهب منزل العامل، ومنازل أصحاب السلطان، وأخذ من ~~الناس نحو مائتي ألف دينار وأخذ كسوة الكعبة وما في الكعبة وخزائنها من الأموال، ~~ونهبت مكة وأحرق بعضها، ثم خرج منها إلى المدينة فتوارى عنه عاملها، ثم رجع إلى ~~مكة فحصرها حتى مات أهلها جوعا وعطشا، وبلغ الخبز ثلاث أواق بدرهم، ولقي أهل مكة ~~منه كل بلاء، ثم سار إلى جدة فحبس عن الناس الطعام، وأخذ الأموال التي للتجار ~~وأصحاب المراكب، ثم وافى الموقف بعرفة فأفسد فيه كثيرا، وكان ذلك سنة ~~251ه. # 1 # وجاء القرامطة فأفسدوا في البلاد، وزحفوا على مكة واستولوا عليها وارتكبوا أشنع ~~الفظائع، ونهبوا الحجاج ومنعوهم من زيارة البيت الحرام. وفي سنة 312ه نكلوا ~~بالحجاج أعظم تنكيل، ونكبوا العرب أعظم نكبة شهدتها الجزيرة، وكان عدد الذين قتلهم ~~القرامطة في تلك السنة من الحجاج، وفي بيت الله وشوارع مكة وضواحيها، ثلاثة آلاف، ~~غير الذين ماتوا جوعا، ونهبوا من الأموال آلاف الآلاف. # وفي سنة 314ه وسنة 315ه وسنة 316ه لم يحج إلى مكة من العراق أحد للخوف من ~~القرامطة، ms219 # 2 # وكان أبو طاهر القرمطي يقول: # أنا بالله وبالله أنا # يخلق الخلق وأفنيهم أنا # ونزعوا الحجر الأسود، وبقي في إحدى زوايا «الإحساء» إلى سنة 339ه، حيث رده ~~القرامطة بأمر المنصور الفاطمي - والخلافة في بغداد عاجزة عن إخضاعهم. # كل هذه الأحداث وأمثالها أضعفت شأن جزيرة العرب، وجعلتها في شبه عزلة وأخرتها ~~ماديا وعلميا، حتى إن المقدسي لما زارها في القرن الرابع وصفها بالفقر وقلة ~~العلم، ووصف مذاهبهم الدينية فقال: «إن مذاهبهم بمكة وتهامة وصنعاء سنة، ونواحي ~~صنعاء ونواحيها مع سواد عمان شراة «خوارج» غالبة، وهجر وصعدة شيعة ... وشيعة عمان ~~وصعدة وأهل السروات وسواحل الحرمين معتزلة ... والغالب على صنعاء وصعدة أصحاب أبي ~~حنيفة، والجوامع في أيديهم، وفي نواحي نجد اليمن مذهب سفيان ... والعمل بهجر على مذهب ~~القرامطة، وبعمان داودية «على مذهب أهل الظاهر» لهم مجالس. # ووصف لغتهم فقال: وأهل هذا الإقليم لغتهم العربية إلا بصحار، فإن نداءهم وكلامهم ~~بالفارسية، وأكثر أهل عدن وجدة فرس ... وأهل عدن يقولون لرجليه: رجلينه، ويديه: ~~يدينه، وقس عليه ... وجمع لغات العرب موجودة في بوادي هذه الجزيرة، إلا أن أصح لغة ~~بها لغة هذيل، ثم النجديين، ثم بقية الحجاز إلا الأحقاف فإن لسانهم وحش.» # 3 # ومع هذا فقد كان في الحجاز حركة دينية في الفقه والحديث لا بأس بها بفضل تتابع ~~المحدثين الذين كانوا يروون أقوال النبي وأعماله محدثا عن محدث، وقد كان هذا ~~الإقليم أخصب الأقاليم في هذا الموضوع فظل علمه يتوارث، ثم كانت هذه البلاد المقدسة ~~تهوي إليها أفئدة كثير من العلماء يحصلون العلم ويفيدونه ويعتزون بجوار الحرم ~~المكي أو قبر الرسول، ويفضلون الإقامة فيهما فيكونون مصدر علم. وقد رأينا في تراجم ~~كثير من المحدثين أن كان في برنامجهم الرحلة إلى الحجاز ورواية الحديث عن ساكنيه، ~~وإطالتهم الإقامة فيه، وكان للإمام مالك وتلاميذه من بعده فضل كبير في الحركة ~~الفقهية. # فكان في مكة أمثال أبي بكر عبد الله بن الزبير الحميدي الأسدي المكي أحد شيوخ ~~البخاري الذين أخذ عنهم في مكة. قال يعقوب بن سفيان فيه: ms220 ما لقيت أنصح للإسلام ~~وأهله منه. مات بمكة سنة 219ه، وكثر تلاميذه في مكة ممن رووا عنه وأخذوا ~~علمه. # كما نبغ بالمدينة أبو إسحاق إبراهيم بن المنذر بن عبد الله الأسدي، أحد كبار ~~علماء المدينة ومجتهديها، مات سنة 236ه. وتتابع بعده تلاميذه. ويطول بنا القول لو ~~عددنا المحدثين المكيين والمدنيين في القرن الثالث والرابع الهجري فهم كثير، منهم ~~من كان من الحجاز نفسه ومنهم الراحل إليه المتوطن فيه. # ثم انتشر في اليمن فقه الزيدية، وهم أتباع زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن ~~علي بن أبي طالب، ومذهبهم في الأصول قريب من مذهب الاعتزال، فهم يقولون بالعدل ~~والتوحيد كالمعتزلة، وبوجوب الخروج على الظلمة كالخوارج، ولهم في الفقه اجتهاد ~~يخالفون في بعض الأحكام المذاهب الأربعة، وقد اشتهر منهم أئمة في اليمن، اجتهدوا ~~على أصول مذهبهم كالإمام يحيى بن الحسين الزاهد الرسي المتوفى سنة 298ه، والإمام ~~الناصر للحق، ألف كتبا على مذهب الزيدية والقاسم بن إبراهيم العلوي صاحب صعدة ~~المتوفى سنة 280ه، وأبو الحسن الصليحي ملك اليمن سنة 455ه، وكان فقيها زيديا ~~كبيرا، وقتل سنة 473ه. وعلى الجملة فهم من قديم كان كثيرا ما يجمع ملكهم بين تولي ~~أمور الدولة والاجتهاد الديني على المذهب الزيدي. # وقد بقيت الأندلس، وسنفرد لها جزءا خاصا بها إن شاء الله. # وقد كان من أهم مظاهر الحركة العلمية التي تدعو إلى الإعجاب في هذا العصر ~~الرحلات، فقد أصبح تقليدا للعالم أن يرحل ويلاقي العلماء، ويأخذ منهم ويروي عنهم ~~مع عناء الأسفار وفقر العلماء غالبا. # وقد بلغ الغاية في ذلك المحدثون، فقد كانوا حركة دائمة يرحلون من أقصى الأرض إلى ~~أقصاها لطلب الحديث وجمعه. وما يشتهر عالم في بلدة بالحديث وضبطه وجمعه حتى يرحل ~~إليه العلماء من كل صوب. خذ لذلك - مثلا - محمد بن إسماعيل البخاري يرحل من بخارى ~~إلى مدن خراسان، إلى الجبال إلى العراق ومدنه كلها، إلى الحجاز إلى الشام إلى مصر، ~~وفي كل مدينة يتحرى حالة علمائها، ويأخذ عمن وثق بهم، وليس البخاري إلا ms221 مثلا ~~واحدا من أمثلة كثيرة لا تحصى، فقل أن تجد محدثا كبيرا إلا رحل هذه الرحلات ~~وأمثالها حتى قد يقطع المحدث المسافات الواسعة لرواية حديث واحد وضبطه. وتقرأ تراجم ~~العلماء في كتاب ك «تاريخ بغداد»، فيأخذك العجب من نشاط العلماء ورحلاتهم واحتقارهم ~~لمشاق السفر ومتاعب الفقر في سبيل العلم، ومعرفتهم كل مصر وكل بلدة ومن فيها من ~~العلماء وما فيها من حديث. # وليس الأمر مقصورا على المحدثين؛ فهكذا كان الشأن في كل علم وكل فن؛ فأبو جعفر ~~النحاس يذهب من مصر إلى العراق ليأخذ النحو عن أهلها، وابن بابشاذ المصري يذهب على ~~بغداد في تجارة الجواهر، ويأخذ النحو عن رجالها، ومن بالقيروان يذهب إلى المدينة ~~ليأخذ عن تلاميذ مالك، وإلى العراق ليأخذ عن تلاميذ محمد بن الحسن، ويسمع الأدباء ~~والشعراء بسيف الدولة فيكون في بلاطه الخوارزمي وأبو علي الفارسي وابن جني الموصلي، ~~والمتنبي يوما بحلب ويوما بمصر ويوما بالعراق ويوما بشيراز، وابن بطلان الطبيب ~~البغدادي يناظر ابن رضوان المصري، فإذا طالت المناظرة رحل إليه من بغداد إلى ~~مصر. # وإذا فتحت بلدة فسرعان ما يذهب إليها العلماء في الفقه والأدب يعلمون أهلها الدين ~~واللغة والأدب، حتى تصبح بعد قليل مركزا من مراكز الإنتاج العلمي، كالذي رأينا في ~~صقلية، تفتح فيرجل إليها العلماء وتدوي فيها حركة العلم، وبعد قليل نراها مركز ~~إنتاج علمي وأدبي عجيب. # والحكومات من جانبها تنشئ الطرق، وتقيم الرباطات والمخافر لحاجتها الشديدة إلى ~~تنظيم البريد، وتسهيل التجارة؛ فكان العلماء في رحلاتهم ينتفعون بهذه المزايا، كما ~~ينتهزون الفرص لخروج القوافل إلى الحج، فينتظمون في سلك الحجاج، ويرحلون إلى ~~البلدان التي يريدونها. # وكانت الرباطات كثيرة في مراحل المسافرين، ويذكر الإصطخري أنه كان في بلاد ما ~~وراء النهر ما يزيد على عشرة آلاف رباط، في كثير منها إذا نزل النازل قدم له طعامه، ~~وعلف دابته إن احتاج لذلك. # وقد زودت هذه الرباطات بالماء لحاجة المسافر إليه، وعدة إقامة الرباطات وتزويدها ~~من الأعمال الخيرية التي يقف عليها المسلمون بعض أوقافهم. # وفي بعض المراحل ms222 تقوم الأديار مقام الرباطات، فينزلها بعض الراحلين، ويجدون فيها ~~راحتهم ومطالبهم، وأكثر ما استغلها الأدباء لمرحهم وشغفهم بخمورها المعتقة، وولوعهم ~~بالجمال. # كل هذا جعل المملكة الإسلامية من مشرقها إلى مغربها كأنها وحدة مهما تعدد ملوكها ~~وحكوماتها، فالعالم والأديب والفنان والتاجر لا يعبئون بالحدود التي ترسمها ~~السياسة، ويرون أن اللغة والدين تكسر حواجز السياسة. # وكان لهذا أثره الكبير في العلم والأدب، ومن أوضح هذه الآثار ضعف الشخصية ~~الإقليمية، فليس علم مصر وأدبها متميزا كثيرا عن علم العراق وأدبه، ولا عن علم ~~خراسان وما وراء النهر والسند وأدبها، كلها متقاربة؛ لأن رحلة العلماء وشدة الاتصال ~~قربت بين الفروق، وما يظهر امتياز في ناحية إلا استمدته الناحية الأخرى وحذقته ~~واستغلته؛ فالفقه المالكي في المدينة، والفقه الحنفي في العراق يؤلف بينهما أمثال ~~محمد بن إدريس الشافعي، وأسد بن الفرات المالكي، والنحو العراقي يحمله إلى مصر وإلى ~~المغرب الراحلون إلى العراق والمتعلمون على أساتذته، والعائدون بعد ذلك منه، ~~والشعراء على أبواب الملوك والأمراء يتنقلون من بلاط إلى بلاط، فيوحدون مناهج ~~النظم، والوراقون وتجار الكتب يحملون كتاب «الأغاني» و«رسائل إخوان الصفا» من ~~العراق إلى الأندلس، ومكاتب مصر ومكاتب الأندلس، والقيروان، والمهدية، وفاس، ~~وخراسان، وغزنة تضم في خزائنها أهم ما أنتجه العالم الإسلامي بقطع النظر عن ~~إقليمه. # بل والعلماء أنفسهم نرى شطرا من عمرهم قضوه في بلد وشطرا في بلد آخر: شطر في ~~مصر وشطر في الشام، أو شطر في الشام وشطر في العراق، أو شطر في العراق وشطر في ~~فارس، وهكذا حتى ليصعب في كثير من الأحيان عد العالم مصريا أو شاميا، ~~وعراقيا أم فارسيا. # ومؤلفو التراجم أدركوا هذا المعنى فجمع أكثرهم علماء العالم الإسلامي على اعتبار ~~أنهم نتاج مملكة واحدة كقطر واحد. # نعم توجد شخصية لنتاج كل إقليم كالأدب المصري والشامي والعراقي والفارسي، والطب ~~المصري والشامي والعراقي والفارسي وهكذا، ولكنها شخصية غامضة خفية لا ترى إلا ~~بالمنظار الدقيق والبحث الطويل. وأكثر ما يظهر هذا في منبع الظاهرة العلمية ~~والأدبية حين تظهر، فظهورها في إقليم خاضع ms223 ولا بد لمؤثرات اجتماعية في هذا الإقليم، ~~كظهور المقامات في إقليم فارس والموشحات بالأندلس، والأسلوب المسجوع المحلى بالبديع ~~في الري وما حولها، والرسائل الشاملة لفروع الفلسفة - كرسائل إخوان الصفا - في ~~البصرة؛ كل ذلك له علل اجتماعية وتاريخية وإقليمية مرتبطة بهذه الظواهر ارتباط ~~السبب بالمسبب، ولكن لا تلبث بعد ظهورها أن تقلد في سائر الأمصار، ولو لم تكن ~~العلة الأصلية موجودة، وتقوم علة التقليد مقام علة الابتكار، وتختفي الشخصية الأولى ~~وراء المظهر العام للوحدة المشتركة. # وبعد؛ فهذا عرض سريع للحركة العلمية والأدبية، يتلوه - إن شاء الله - البحث ~~التفصيلي في تاريخ كل علم ومدى تقدمه، ومركز هذا التقدم، وهذا هو موضوع الجزء ~~الثاني من «ظهر الإسلام» أعاننا الله على إتمامه. # | هوامش # | الجزء الثاني # | مقدمة # بقلم أحمد أمين # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. # هذا هو الجزء الثاني من ظهر الإسلام، وهو على نمط «ضحى الإسلام»، يبحث في تاريخ ~~العلوم والآداب والفنون في القرن الرابع الهجري. وإذا كان في الأجل متسع: ألفت ~~الجزء الثالث في الأندلس، ثم الجزء الرابع في العقائد. ففي هذا العصر نضجت الحياة ~~العلمية في الأندلس، وحق لها أن تسجل. ولعل القارئ يأخذ علينا أننا لم ~~نستخدم النصوص كما استخدمناها في «فجر الإسلام وضحاه»، فقد اعتدنا أن ننقل النص ~~بحروفه، ثم نستنتج منه ما أمكننا الاستنتاج. أما في هذا الجزء، فقد هضمنا ما قرأنا، ~~ثم حكينا ما خلص لنا من غير ذكر نص؛ إلا في القليل النادر، واكتفينا بذكر المراجع ~~عقب كل باب. # وعذرنا في ذلك ضعف الصحة، وعدم قدرتنا على إثبات النصوص كما قرأناها أو سمعناها، ~~على أن هذه الطريقة إنما اتبعت لكي يصدق القارئ المؤلف في تأليفه، فإذا كان ~~قراؤنا لم يصدقونا مما سبق، فعلينا العفاء، وإذا صدقونا اكتفوا منا بمسلكنا في ~~هذا الجزء، وربما كررت بعض أشياء في هذا الجزء والذي قبله، فعذرنا في ذلك أن ~~الإنسان موضع النسيان. # ولا يدري إلا الله ماذا لقينا من عناء في بعض الأبواب، كالكلام على ms224 إخوان الصفاء، ~~فبعضهم يرى أنهم شيعة، وبعضهم يرى أنهم ليسوا بشيعة، فاضطررنا إلى مراجعة أربعة ~~أجزاء كبار؛ لنقف على موضوعات الكتاب أولا، ومعرفة منحى المؤلفين: هل هم شيعة أو ~~غير شيعة ثانيا، حتى استخلصنا الرأي في ذلك، وكالخلاف بين الصوفية والفقهاء، فقد ~~كانت مسألة دقيقة تحتاج إلى دراسة عميقة، إلى غير ذلك. # هذا مع نهي الأطباء لنا عن النظر في الكتب، ولكنا اعتدنا أن نعتمد في الحياة على ~~القراءة والتأليف، وما قيمة الحياة من غير ذلك؟ # ولسنا نطلب جزاء على ما بذلنا من جهد إلا من الله، والله يوفقنا في هذا الجزء وما ~~بعده، كالذي وفقنا فيما قبله. # القاهرة في 3 / 11 / 1952م # | البيئة الاجتماعية في القرن الرابع الهجري # في نحو سنة 324ه (935م) أصيب العالم الإسلامي بانقسام كبير، حتى كأنه عقد انفرط، أو ~~صخرة تفتتت. # نعم، كان قد انفصل قبل ذلك عن العالم الإسلامي خراسان والمغرب، ولكن لم يتمزق هذا ~~التمزق إلا في نحو هذا العام، فكأن المماليك قد لاحظت هذه الفرقة فقلدتها، وربما ~~دعاهم إلى ذلك أيضا أنهم رأوا بغداد قد صارت في يد الأتراك الظالمين، يظلمون ويعسفون، ~~فكيف يخضعون لهم، ويسلمون أنفسهم لظلمهم، فاستقلوا؛ فصارت فارس والري، وأصبهان والجبل ~~في أيدي بني بويه، وكرمان في يد محمد بن إلياس، والموصل وديار بني ربيعة، وديار بكر ~~وديار مضر في أيدي بني حمدان، ومصر والشام في يد محمد بن محمد بن طغج الإخشيد، والمغرب ~~وإفريقيا في يد الفاطميين، والأندلس في يد عبد الرحمن الناصر، وخراسان في يد نصر بن ~~أحمد الساماني، والأهواز وواسط والبصرة في يد البريديين، واليمامة والبحرين في يد ~~القرامطة، وطبرستان وجرجان في يد الديلم، ولم يبق للخلافة العباسية إلا بغداد، ولكن ما ~~أسسه أبو جعفر المنصور والمهدي من خلق وسائل تحمل الناس على تقديس الخلافة العباسية ~~جعل كثيرا من ولاة هذه الأقطار المستقلة يطلبون مسالمة الخليفة العباسي، والطاعة ~~الاسمية له؛ مع أنهم أقدر منه. # ولكن - والحق يقال - كانت المملكة الإسلامية كلها وطنا للمسلمين جميعا يرحب بهم ms225 ~~حيثما رحلوا، وكان العالم ينقسم عندهم إلى قسمين: دار إسلام، ودار حرب. فالعلماء ~~والمحدثون، والجغرافيون يرحلون في البلاد الإسلامية بسهولة كما يشاءون، كالذي نرى في ~~رحلة ابن بطوطة، وابن جبير في القرون الوسطى، وبين الأقطار الإسلامية المختلفة من صلة ~~وثيقة، وكلها وطن للمسلم. # ولئن عد هذا ضعفا من الناحية السياسية، فإنه لا يعد ضعفا من الناحية العلمية، ~~فالمملكة الإسلامية في القرن الرابع الهجري كانت أعلى شأنا في العلم من القرون التي ~~كانت قبلها، ولئن كانت الثمار السياسية قد تساقطت في القرن الرابع، فالثمار العلمية قد ~~نضجت فيه، والسبب في ذلك أن الإمارات الإسلامية المختلفة كانت تتبارى في تجميل موطنها ~~بالعلماء والأدباء، وتتفاخر بهم، وهذا أكسبهم التحبب إلى العلماء، والإغداق عليهم. وسبب ~~آخر، وهو أن انفصال هذه الإمارات عن الدولة العباسية جعلها مستقلة في مالها لا ترسله ~~إلى بغداد؛ بل تغدقه على أهلها، والعلم دائما متأثر بالمال؛ فهذا جعل كثيرا من ~~العلماء ينعمون في ظل هذا الاستقلال أكثر مما كانوا ينعمون في ظل الوحدة؛ فقد كان ~~الشاعر مثلا لا يظهر اسمه إلا إذا رحل إلى بغداد، فصار يلمع اسمه في بلده، أو على ~~العموم خارج بغداد، كالمتنبي ونحوه، بل كان علماء بغداد أنفسهم يرحلون إلى مصر وغيرها ~~كما فعل عبد الوهاب المالكي، وكما فعل أبو نواس وأبو تمام. # وفي هذا العصر نبتت فكرة جديدة ظل المسلمون يعتنقونها قرونا طويلة، وهي أنه من ~~ملك مكة والمدينة - أو بعبارة أخرى الحرمين الشريفين - فهذا أحق الناس بالخلافة. # فنحن نستنتج من هذا أن العلم والسياسة لا يتمشيان جنبا إلى جنب، حتى إذا ارتقى هذا ~~ارتقى ذاك، بل قد يكون الأمر على العكس، قد يكون الضعف السياسي متمشيا مع زهو العلم؛ ~~وهذا يسلمنا إلى أن القول بتقسيم تاريخ المملكة الإسلامية إلى عصور، يجعل لكل عصر ~~مميزات من قوة أو ضعف، لا ينطبق تمام الانطباق على الحياة العلمية؛ فقد تنتهي دولة ما ~~سياسيا، وتبدأ دولة جديدة، على حين أن الحياة العلمية مستمرة، لم تنته ولم تذبل، ~~فالتقسيم ms226 التاريخي إلى دولة أموية، ودولة عباسية أولى، ودولة عباسية ثانية لا ينطبق إلا ~~على السياسة؛ وهذا الانقسام كان له أثر حسن في إمكان المسلمين صد غارات الصليبيين، ولو ~~أتى الصليبيون والبلاد كلها في يد العباسيين الضعفاء ما استطاعوا ردهم، ولكنهم أتوا ~~والدولة الحمدانية في قوتها، والدولة الصلاحية في ذروتها، فاستطاعوا ردهم. ~~••• # أما بغداد، فكانت في يد الخلفاء العباسيين اسما، وفي يد جبابرة الأتراك فعلا، ~~فكان هؤلاء الأتراك يختارون من بني العباس من أنسوا منه صغر السن، أو ضعف الشخصية، ~~فيجعلونه خليفة حتى لا يشاركهم في سلطانهم، وأحيانا يخيب ظنهم فيشاركهم في سلطانهم، ~~أو يتمرد عليهم، فينكلون به، وينقمون منه. # وعلى الجملة، فقد كان الخلفاء العباسيون آخر الأمر بالنسبة لأبي جعفر المنصور مثلا، ~~وعبد الملك بن مروان، ومعاوية كأقزام بجوار عمالقة. وفي هذا العهد مثلا قد تولى ~~الخلافة المقتدر، وكانت أمه رومية، وفيها المهارة الرومية، فوضعت يدها على الدولة، ~~ودبرت أمور البلاد بقوة وحزم؛ تولي وتعزل، وتربي ابنها تربية طيبة، وتمنع مؤنسا ~~التركي من التدخل، فلما ضاق ذرعا بذلك دبر مؤامرة لقتل المقتدر؛ فذبح بالسيف، ~~ونزعت عنه ثيابه حتى سراويله، حتى مر عليه رجل من العامة، فستر عورته بالحشيش، ثم ~~تولى أخوه من أبيه القادر، وتحروا أن يختاروه ممن ليس له أم قوية كأم المقتدر. ومع ذلك ~~قامت ثورة أريد بها خلع القادر، فلم تنجح، فقضى القادر على مؤنس، فطلب أصحاب مؤنس منه ~~أن يخلع نفسه فأبى، فخلع، وسملت عينه لأول مرة في تاريخ الإسلام، وشوهد بعد ذلك يسأل ~~الصدقة على باب الجامع، ثم عين الراضي ابن أخي القادر، وكان أديبا معروفا. # ثم ارتقى عرش الخلافة بعده أخوه المتقي، فغدر به توزون التركي، وسمل عينه أيضا، ثم ~~خلفه المستكفي - وكانت أمه رومية أيضا - فأراد البويهيون أن يخلعوه، فخلع نفسه؛ ~~ولكنه اشترط عليهم ألا يقطعوا شيئا من أعضائه، ولكن أخاه المطيع أبى إلا أن تسمل ~~عينه أيضا. # وانتهي الأمر أخيرا إلى أن يتخلى الخلفاء عن السلطة الفعلية، ويكتفوا ~~بالمظهر. ~~••• # ومن مظاهر هذا ms227 العصر الخلاف الشديد بين الفقهاء بعضهم مع بعض، وبين السنية والشيعة، ~~حتى جروا البلاد إلى الخراب، فكل مملكة تقسمتها المذاهب المختلفة، وكان النزاع شديدا ~~بين بعضهم وبعض، وكان الشافعية مشهورين بالشغب، والتألب على خصومهم؛ ومن مثل ذلك ما حكى ~~بعض المؤرخين من أن الحنابلة قد بنوا مسجدا ببغداد، واستعانوا بالعميان الذين كانوا ~~يأوون في هذا المسجد، فإذا مر بهم شافعي ضربوه بعصيهم حتى يكاد يموت. # وانتشر مذهب الشافعي في مكة والمدينة، واشتهر مذهب أبي حنيفة في العراق، وكان أكثر ~~الفقهاء في مصر من أتباع مالك، وكذلك انتشر مذهب مالك في المغرب والأندلس. ويحكون أنه ~~لما توفي ابن جرير الطبري - المؤرخ الكبير - دفن بداره ليلا سرا؛ لأن العامة ~~اجتمعت، ومنعت دفنه نهارا؛ لتألب الحنابلة عليه؛ إذ ألف كتابا في اختلاف الفقهاء: ~~مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، ولم يذكر فيه خلاف الحنابلة، فلما سئل عن أحمد ابن حنبل ~~قال: إنه محدث لا فقيه. # ويحكي لنا ياقوت في «معجم البلدان» أن بلادا كثيرة خربت بسبب الخلاف في المذاهب، ~~وتعصب كل لمذهبه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان الخلاف شديدا بين الشيعة والسنية، ~~فالخلفاء العباسيون، ومن تبعهم سنيون يتعصبون للسنية، والفاطميون في مصر والشام ~~والمغرب، والحمدانيون في ديار ربيعة وبكر ومضر، وبنو بويه في العراق، وغيرهم ~~يتشيعون، وكانت الكوفة وبها قبر علي أكبر مركز للشيعة، حتى قال بعضهم: «من أراد ~~الشهادة فليدخل دار البطيخ بالكوفة، وليقل: رحم الله عثمان». وروي أن أبا بكر الثوري ~~المتوفى سنة 330ه روى خبرا يمس الإمام عليا، فطلب ليقتل فاستتر. واشتهرت «قم» ~~في إيران بالغلو في التشيع، حتى ليحكون أن واليا سنيا ولي عليهم، فعجب من أنه ~~لا يسمى فيهم أحد أبا بكر أو عمر، وكان يناهضهم أهل أصبهان؛ إذ يتعصبون للسنية، فثارت ~~مرة فتنة بين أهل أصبهان وأهل قم؛ لأن رجلا من أهل قم سب الصحابة إلخ. # وعلى العموم، فقد كان الخلاف بينه السنية والشيعة خلافا شديدا، والسبب فيها ~~اختلافهم في النظر إلى الخلافة، وهي مسألة سياسية صبغت ms228 باللون الديني، فالشيعة يرون أن ~~عليا ونسله لهم الحق في الخلافة دون غيرهم، فخلافة الأمويين والعباسيين خلافة باطلة. ~~والخليفة رئيس المسلمين، وله وظيفة أخرى؛ وهي أنه معلم المسلمين؛ لأنه معصوم، ~~ويتلقى العلم بطريق الوراثة، وما أودع فيه من الروحانية. وقد خصهم الله بمزايا غير ~~مزايا الإنسان، وأن الخلافة لهم وراثة، تنقلت من آدم إلى أن وصلت إليهم، وأن النور ~~انقسم إلى قسمين: قسم نزل على عبد الله والد النبي، وقسم نزل على عبد المطلب، ثم انتقل ~~إلى أبي طالب، ثم إلى علي، ومن علي إلى ذريته. وهذا النور الموروث يجعل إمام كل عصره ~~معصوما، فتجعل له قوة روحانية لا نظير لها في البشر، ومن أجل ذلك أنكروا الخلافة لغير ~~هؤلاء. # فهذا الخلاف بين أتباع المذاهب من جهة، وبين الشيعة والسنة جعل البلاد الإسلامية ~~نارا مشتعلة؛ فكل يوم نسمع هياجا من السنيين؛ لأن شيعيا سب الصحابة، ونسمع ~~هياجا من الشيعة؛ لأن أحدا مس عليا أو أحد الأئمة، حتى إن بعض العلماء الكبار - ~~من علماء بغداد - حرم على نفسه المشي بالكرخ؛ لأنه كان يسمع فيها سب الصحابة، وعاقب ~~أحد الفاطميين رجلا أشد عقوبة؛ لأنه وجد عنده كتاب «الموطأ» للإمام مالك، وهذا مما كان ~~سببه ضيق العقل. # وأراد الفاطميون أن يمدوا ملكهم إلى العراق وما حولها، فكان القتال الشديد، والخصومة ~~الشديدة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # وليس بعجيب أن يكون الخلاف بين الشيعة والسنية، والمذاهب المختلفة في تلك العصور ~~المظلمة، إنما العجيب أن يبقى هذا الخلاف على مدى التاريخ إلى اليوم. ~~••• # وكان من أكبر مظاهر هذا العصر القول بسد باب الاجتهاد، ولم يكن سده بناء على مجلس ~~اجتمع فيه الفقهاء، وقرروا فيه إقفال باب الاجتهاد، وعمل بذلك محضر وزع على الأمصار، ~~إنما كان شعورا عاما بالضعف والنقص، ونوعا من التقديس للفقهاء السابقين، ومن ذلك ~~الحين - أعني القرن الرابع الهجري - وقف سير التشريع الإسلامي، ومضى عصر الابتكار، وبدأ ~~عصر التحجر، وأصبح أصحاب المذاهب الأولون كأنهم معصومون، وأصبح الفقيه لا يستطيع ~~الحكم ms229 في مسألة إلا إذا كانت مسألة جزئية تطبيقا على قاعدة كلية، قالها إمامه من قبله، ~~وهذا هو الذي يسمى اجتهاد مذهب، أما قبل ذلك فكان الاجتهاد مباحا، ولم يكن مقصورا على ~~المذاهب الأربعة: فكان هناك مذهب سفيان الثوري، ومذهب الأوزاعي، ومذهب الظاهرية، وغيرها ~~من عشرات المذاهب، بل حكي أن بعض العلماء كان لا يرضى أن يتبع مذهبا من المذاهب، بل ~~يجتهد لنفسه، ففي أوائل القرن الرابع تجمدت المذاهب، واقتصر فيها على المذاهب الأربعة، ~~وأبطل كما قيل نحو خمسمائة مذهب؛ ولذلك وقف التشريع تقريبا من هذا التاريخ، ورمي ~~الإسلام بالجمود. # بل إن ذلك أعدى العلوم والفنون الأخرى؛ حتى كأن الاجتهاد الذي منع هو الاجتهاد في كل ~~علم وفن، فلم يكن أدب غير الأدب القديم، ولا لغة غير الألفاظ القديمة، حتى كأن العالم ~~الإسلامي كله أصيب بالعقم. # وعد من ينتقل من مذهب إلى مذهب مرتكبا لجريمة، ومن يرى رأيا غير رأي إمامه ~~خارجا عن المألوف، حتى طلب أخيرا مرة من العلماء أن يتخيروا مذهبا من المذاهب ~~المختلفة للقضاء بمقتضاه، فرفضوا، فكانت النتيجة اللجوء إلى القانون الفرنسي. # ثم كانت الحالة الاقتصادية على أسوأ ما يكون، فثروة الأمة ليست موزعة توزيعا ~~عادلا، ولا شبه عادل، أموال تتدفق على الملوك والأمراء، ومن يلوذ بهم؛ وفقر مدقع ~~لباقي أفراد الشعب. # وكل دخل الدولة هو الجزية تؤخذ على رءوس أهل الذمة ومن الزكاة، ومما يؤخذ على ~~الأراضي الزراعية، ومما يفرض من ضرائب جديدة غير هذه. وكثرت المصادرات عند احتياج ~~الخلفاء والأمراء للأموال؛ ولذلك شاعت عادة خزن الأموال، وإخفائها في غير مظانها، ~~كالدفن في الأرض، ونحو ذلك، حتى حكوا أنه من حسن حظ أمير من بويه أن احتاج إلى مال ~~كثير يصرفه على الجند، وإلا شغبوا، فصادف أن رأى ثعبانا يختبئ في السقف، فأمر بالبحث ~~عنه، فوجدت غرفة فوق السقف، وفوقها دور آخر علوي، ووجدت هذه الغرفة مملوءة بالذهب ~~المخزون في الخفاء؛ ففرج ذلك كربه، وأزال شدته، وكم وجد في الحيطان وتحت الأرض من ~~أموال مخزونة في القدور! ms230 # وقد ألف أحد الظرفاء كتابا سماه «الفلاكة والمفلوكين»، أي: الفقر والفقراء، حكى ~~فيه أمثلة لكثير من العلماء الذين أصيبوا بالفقر، من ذلك ما حكاه عن التبريذي الأديب ~~المشهور من أنه أراد عالما يشرح له كتابا معجما، فوصف له أبو العلاء المعري - وكان ~~بعيدا عنه - فحمل الكتاب في خرج على ظهره، ومشى طويلا، حتى بلل العرق الكتاب ~~وأتلفه، وكان يظن بعد ذلك أنه أصابه مطر، ووجدت أشعار كثيرة في هذا العصر من جراء هذا ~~يذكرون فيها: أن الفقر يلازم العقل، والغنى يلازم الجهل، مثل الذي يقول: # أني رأيت الدهر في حكمه # يمنح حظ العاقل الجاهلا # وما أراني نائلا ثروة # كأنه يحسبني عاقلا # ومثل قوله: # وقائلة ما بال مثلك خاملا # أأنت ضعيف الرأي أم أنت عاجز # فقلت لها: ذنبي إلى القوم أنني # لما لم يحوزوه من المجد حائز # وما فاتني شيء سوى الحظ وحده # وأما المعالي فهي عندي غرائز # إلى كثير من أمثال ذلك. # وشاع بين الناس في ذلك العصر مصادرة المواريث، فقال ابن المعتز في أرجوزته: # وويل من مات أبوه موسرا # أليس هذا محكما مشهرا # وطال في دار البلاء سجنه # وقيل من يدري بأنك ابنه # فقال: جيراني ومن يعرفني # فنتفوا سباله حتى فني # وأسرفوا في لكمه ودفعه # وانطلقت أكفهم في صفعه # ولم يزل في أضيق الحبوس # حتى رمى لهم بالكيس # وعين أبو حسين الرقي قاضيا على حلب، فكان يصادر التركات، ويقول: التركة لسيف ~~الدولة؛ وليس لأبي الحسين إلا أخذ الجعالة. # وشاع بين الناس: «من هلك، فلسيف الدولة ما ملك»؛ ولذلك اجتهد الحكام أن ينكروا ~~الوراثة، ويجعلوا من مات مات عن غير وارث؛ ليستولي على تركته. # وكثيرا ما كان يدعي على التجار الكبار أن عندهم ودائع للسلطان، حتى قال ابن المعتز ~~في هذه الأرجوزة: # وتاجر ذي جواهر ومال # كان من الله بأحسن حال # قيل له عندك للسلطان # ودائع غالية الأثمان # فقال: لا والله ما عندي له # صغيرة من ذا ولا جليلة # وإنما ربحت في التجارة # ولم أكن في المال ذا خسارة # فدخنوه ms231 بدخان التبن # وأوقدوه بثفال اللبن # 1 # حتى إذا مل الحياة وضجر # وقال ليت المال جمعا في سقر # أعطاهم ما طلبوا فأطلقا # يستعمل المشي ويمشي العنقا # 2 # ويحكون أن الإخشيد صاحب مصر كان يصادر خاصته، وعماله، وأصحابه في هدوء وبرود، وكان ~~يأخذ غلمانهم بسلاحهم، ودوائهم، وثيابهم، فإذا سلم أحد من مصادرته حيا أخذ ماله ~~بعد وفاته. # وقد توفي عفان بن سليمان - أكبر تاجر في مصر في زمانه - فأخذ الإخشيد من تركته مائة ~~ألف دينار، ولما مات الصاحب بن عباد بعد أن خدم فخر الدولة البويهي أرسل الأمير من ~~أحاط بتركته، ومن ذلك كان كثير من الأغنياء يودعون أموالهم خفية عند الفقراء؛ حتى يجدوا ~~ما يعيشون به إذا صودروا، وبعضهم كان يدفن المال في الصحراء، وبعضهم كان يستعمل حيلة ~~لطيفة؛ فكان يضع الرجال في صناديق على البغال، ويخرج إلى الصحراء، ثم يفتح الصناديق، ~~ويخرج من فيها، ويأمرهم بالحفر، ويضع في الحفر الذهب، ثم يدخلهم في الصناديق، ويعود ~~بهم لئلا يعلموا موضع الذهب فيسرقوه، وبعض الحكام كان يستعمل العسف في الجمارك، وفي مال ~~الخراج إلى غير ذلك من وسائل ظالمة؛ حتى إن صمصام الدولة سنة 375ه أراد أن يفرض ضريبة ~~قدرها عشر الثمن على الثياب الحريرية، فاجتمع الناس في جامع المنصور، وعزموا على قطع ~~الصلاة، وكاد البلد يفتتن، فأعفوا من ذلك، ولم يقتصروا في الضرائب على الكماليات، بل ~~أرادوا أن يفرضوها على الضروريات كالملح. # ومن سوء هذه الحالة الاقتصادية فشا في الناس أمران متناقضان: الأمر الأول: التصوف؛ ~~فإن كثيرا من الناس لما عز عليهم أن ينالوا ما يطلبون قللوا مطالبهم فتصوفوا، ~~وعلموا أنفسهم الزهد، والورع، والكبت، فكثر التصوف من هذا الباب جريا على قولهم: ~~«إذا لم يكن ما تريد، فأرد ما يكون». # والأمر الثاني: ما شاع في هذا العصر من لصوص سموا «الشطار» كانوا يقطعون الطريق على ~~الناس، ويفرضون ضرائب معينة على البيوت، من لم يدفعها هوجم، وأخذ ماله، وحكى لنا الطبري ~~كثيرا من ذلك، وأن فرقة سميت «المتطوعة» ندبت نفسها للقضاء على ms232 هؤلاء الشطار. # أما من الناحية العقلية وانتشار الثقافة، فقد كان العصر متقدما حقا، تم فيه ~~امتزاج الثقافات، هؤلاء الفرس والهنود يتثقفون الثقافة العربية، وينتجون فيها، وهؤلاء ~~وثنيو حران، والسوريانيون يغرقون البلاد بالثقافة اليونانية، وهؤلاء الخلفاء يشجعون ~~الطب والتنجيم أولا لحاجتهم إليهما، ثم ينفذ العلماء منهما إلى أبواب الفلسفة ~~الأخرى؛ من طبيعيات، ورياضيات، وإلهيات، ويعكف العالم الإسلامي على دراستها في صدق ~~وإخلاص، ويقتبس علماء كل علم من الفلسفة اليونانية ليفلسفوه من دين، ونحو، وصرف، ~~وبلاغة، وغير ذلك، هذا عدا الفلسفة نفسها، ونشطت حركة الترجمة من اليونانية إلى ~~السريانية، ومن السريانية إلى العربية نشاطا غريبا ، حتى إن ثبت الكتب المترجمة عن ~~اللغات المختلفة، وعن اليونانية خصوصا، وهو الذي قدمه لنا ابن النديم في «الفهرست»، ~~وصاحب كتاب «التمدن الإسلامي»؛ ليأخذ عجبنا، هذا ابن المقفع وأمثاله يقدم لنا بلغة ~~عربية فصيحة الثروة الفارسية، وهذا حنين بن إسحاق مثلا يقدم لنا الثروة اليونانية، ~~وهذه كلها كانت بدائية في العصر الأموي، والعباسي الأول، ثم نضجت في القرن الرابع، وأخذ ~~العلماء يقتبسون منها ما حلا لهم؛ ومما زاد الحاجة إلى الفلسفة اليونانية أن النصارى في ~~تلك البقاع كانوا ينقسمون إلى جملة طوائف: يعاقبة، ونساطرة، وملكانية، وكان هناك جدل ~~في هذه المذاهب حول طبيعة المسيح، وحول القضاء والقدر، وهل الإنسان مجبور أو مختار؟ وكل ~~طائفة تسلحت بالفلسفة اليونانية لدعم مذهبها، وكان هذا سببا في انتشار الفلسفة ~~اليونانية، ثم كان من طبيعة بعض الأفراد أن تفلسفوا أولا لغرض من الأغراض، ثم أبوا إلا ~~أن يتفلسفوا للفلسفة ذاتها، كما قال الغزالي: «طلبنا العلم لغير الله، فأبى إلا أن يكون ~~لله». ولما جاءت الدولة الشيعية نصرت الفلسفة - والحق يقال - نصرا مؤزرا، أكثر من ~~أهل السنة؛ لأنها أعانتهم على فكرتهم في مسألة الظاهر والباطن، ولأن المتفلسف عادة ~~أطوع للاقتناع بالحجة الفلسفية، ولأن الفلسفة تلين الجمود، وتفتح الذهن لقبول ~~الجديد؛ ولذلك كثيرا ما نرى فلاسفة هذا العصر يحتضنهم الشيعة: كالفرابي، وإخوان ~~الصفاء، وابن سينا، وغيرهم. فإذا قلنا: إن الفلسفة لم تزهر في عصر، ms233 ولم تستثمر في عصر ~~كهذا العصر، لم نكن بعيدين عن الصواب. # وكان الناس في هذا القرن ثلاث طبقات متميزة: الطبقة الأولى: طبقة الأرستقراطيين من ~~خلفاء، ووزراء، وتجار كبار، وأشراف، والطبقة الوسطى: من تجار متوسطين، وملاك ~~متوسطين، ونحوهم، وطبقة فقيرة، وهي عامة الشعب من صغار الفلاحين، وصغار العمال، ~~والعلماء الذين بعدوا عن الخلفاء والأمراء. فأما الطبقة الأولى، فكان المال يتدفق ~~عليهم، وهم ينفقونه في إسراف، هم ونساؤهم وأتباعهم، هذه ميزانية الدولة في هذا العصر ~~بلغت حدا كبيرا، فالخليفة مع ضعفه كان يعد الرئيس الديني حتى للبلاد المفصولة، فكان ~~يجبي خراجا من هذه البلاد، ثم يسرف فيه هو ونساؤه، يحكون أنه كان بين رياش أم الخليفة ~~المستعين بساط أنفقت على صنعه 130 مليون درهم، فيه نقوش على أشكال الحيوانات والطيور، ~~أجسامها من الذهب، وعيونها من الأحجار الكريمة. ومدح شاعر امرأة من البيت المالك؛ فحشت ~~فمه درا باعه بعشرين ألف دينار، وامتلأت بيوت هذه الطبقة بالجواري، والغلمان من سود ~~وبيض، حتى قالوا: إنه بلغ عدد خدم المقتدر أحد عشر ألف خصي من الروم والسودان، إلى غير ~~ذلك من القصور الفسيحة، والغرف العديدة، حتى إن المعز بنى دارا في بغداد أنفق عليها ~~ثلاثة عشر مليون درهم، ثم كان هذا الترف يستتبع عددا كثيرا من المغنين والمغنيات، ~~تصرف عليهم الأموال الكثيرة؛ ومع ما كان يجبى إليهم من الأموال الكثيرة، كانوا يضطرون ~~أحيانا إلى الصرف على الجند، فلا يجدون ما ينفقون، فيضطرون إلى مصادرة الأموال بكل ~~طريق، وأكثر ما يصادرون كان الأغنياء، وقد حكوا أن ابن الجصاص كان تاجرا للجواهر ~~كبيرا في مصر، فصودرت أمواله كلها، حتى إنه وجدت عنده الدراهم بالكلية، وهذا مثل من ~~أمثلة التجار الكبار الذين يعدون من الأغنياء. # زد على ذلك كثرة النفقة على العمال، وعلى القضاء والكتاب، فقد حكوا أن راتب أحد ~~الكبار في هذا العهد كان ثلاثة وثلاثين دينارا وثلثا في اليوم؛ أي ما يقرب من ألف ~~دينار في السنة، وهو ما يساوي خمسة آلاف جنيه اليوم. # وحكوا أن الحسين ms234 بن علي المادراني العامل على مصر في أوائل القرن الرابع الهجري كان ~~مرتبه ثلاثة آلاف دينار في الشهر، وحكوا أن كاتبا من كتاب مصر في عهد الدولة الفاطمية ~~كان يقدم له في اليوم الواحد من البقول، والحلوى، والأثمار، والفاكهة، والعطريات، ومن ~~الألبسة والأفرشة، ما يستغرق تعداده صفحتين أو ثلاثا من القطع الكبير، وكان الوزراء ~~يتقاضون أكثر من ذلك، فقد حكوا أن راتب الوزير في العهد الفاطمي كان خمسة آلاف دينار في ~~الشهر، عدا ما يجري عليه، وعلى أهله من مأكولات وملبوسات، فأين يأتون بهذه الأموال كلها ~~من غير المظالم التي ذكرناها؟ وكان الاعتقاد السائد أن الغنى والفقر من السماء، عكس ما ~~نعتقد الآن أنه نتيجة للنظام الاجتماعي، وعلى هذا الاعتقاد وضع قانون تحديد الملكية، ~~ونظام الضرائب التصاعدية؛ ولذلك نجد في هذا العصر الأتراك في بغداد، والبويهيين يعسفون ~~بالناس ويظلمون، ورأينا سيف الدولة ابن حمدان ينهب كثيرا، ويهب كثيرا، فيهب المال ~~الكثير للمتنبي؛ لأنه يمدحه، ويبخل على ابن عمه أبي فراس بفدائه من الأسر؛ إذ كان ~~أسيرا في القسطنطينية. ونرى خمارويه بن أحمد بن طولون يخرب مصر عندما زوج بنته قطر ~~الندى للخليفة العباسي، ويصنع الهواوين من الذهب الخالص، ويبني لها دارا من مصر إلى ~~بغداد في كل مرحلة، ويأتي بعد الحاكم بأمر الله، فينفق المال بالهيل والهيلمان على من ~~يريد، ويمنع من يريد، فالفرق بين الطبقة العليا والدنيا فرق كبير. هذا أبو حيان ~~التوحيدي على علمه وفضله يضطر إلى أن يأكل الحشائش من الصحراء، وهذا أستاذه أبو سليمان ~~المنطقي لا يجد أجرة مسكنه، حتى يعطيه عضد الدولة البويهي مائة دينار، وهذا الميداني ~~صاحب كتاب «الأمثال» مع علمه، وفضله، ونبله مقتر عليه في رزقه بسبب عفته. ومن أجل هذه ~~المظالم اضطر الفلاحون على أن يسلكوا سبيلا اسمه «الالتجاء»، وهو أن يكتبوا أملاكهم ~~صوريا للأمراء والأعيان، حتى يخفف عنهم الخراج بمقدار النصف أو الربع؛ لأن الضريبة ~~لم تكن عادلة، وكثيرا ما ضاعت أملاكهم من هذا الطريق، فادعى الأغنياء ملكيتها، أو ~~ادعاها ورثتهم ms235 من بعدهم، ومثل هذا ما يحدث اليوم من بيع الشركات بعض الأراضي لأصحاب ~~الجاه بثمن بخس، حتى يمد إليها الماء والكهرباء بسبب جاههم، فترتفع الأثمان أضعافا ~~مضاعفة، وسميت هذه الطريقة بالالتجاء؛ لالتجاء الفلاحين إلى الأغنياء. ~~••• # من أجل هذا كله انحلت الأخلاق، فقل أن تجد رجلا نبيلا فاضلا؛ لأن الذي يكون ~~الأخلاق البيئة الخارجية، والبيئة الداخلية، وكلتاهما كانت فاسدة، فقد رأيت البيئة ~~الخارجية - وأعني بها الحكام - وما كان يجري على أيديهم من المظالم عن طريق المصادرات ~~والرشا. # فقد حكوا أن واليا عين في يوم واحد سبعة عشر عاملا على بلد واحد في يوم واحد؛ ~~لأنه كان يأخذ من العامل الجديد كل مرة أكثر مما يأخذه من العامل المعزول، فاجتمع هؤلاء ~~العمال السبعة عشر، وتشاوروا فيما بينهم ماذا يفعلون، وبعد التفكير استقر رأيهم على أن ~~العامل الأخير لم يعزل بعامل غيره، وله السلطان الشرعي، فطلب الآخرون منه أن يعين كل ~~واحد منهم واليا على ناحية من نواحيه، ففعل وحلت المشكلة. # فلما رأى الناس هذه المفاسد، فسدوا هم أيضا؛ لأنهم رأوا المثل من رؤسائهم، والسبب ~~الأهم من ذلك البيئة الداخلية - وأعني بها البيت - وما يجري فيه، فقد كان في البيت ~~الواحد عدد من النساء الحرائر، ومئات من الجواري ملك اليمين، والرجل يحق له أن يصل على ~~هؤلاء وهؤلاء، وينسل من هؤلاء وهؤلاء، وقد كان هذا معقولا يوم كثرة حروب المسلمين مع ~~غيرهم، ولكن لم يعد معقولا، وقد قلت الحروب فتفرغ الرجال للشهوات الجنسية، وأنسلوا ~~من هؤلاء وهؤلاء. ولا يخفى أن بيتا كهذا يكون مملوءا بالدسائس والمؤامرات، وينسل ~~أولادا يعادي بعضهم بعضا؛ لأن أمهاتهم أرضعتهم الغيرة والكراهية، فكثيرا ما كانت ~~خصومة بعضهم مع بعض، فإذا كانت المفاسد داخلية وخارجية، فكيف يصلح الشعب؟ # وقد سببت الحروب الصليبية من عهدها الأول كثرة الجواري البيض المأسورات في الحروب، ~~فكانت توزع على البيوت، ومن أجل هذا كثر العنصر الفرنجي فيها، وهن عادة يثرن على تعدد ~~الزوجات، وعلى ملك اليمين؛ ولذلك يجعلن البيت جحيما. # وإذا كانت الصناعات الجيدة لا ms236 تروج إلا عند هؤلاء الأغنياء، ولا يدفع ثمنها العالي ~~إلا منهم، كانت الصناعات قسمين فقط: قسما فاخرا لبيوت الأغنياء، وقسما وضيعا للشعب، ~~وانصرف العمال عن الصناعات الوسطى، فكنت تجد العمال الماهرين يصنعون الملابس الجميلة ~~جدا المزركشة في مصانع تنيس، وما إليها، والخزف الجيد، والصدف، والطرف الباهرة، ~~وصناع الشعب يصنعون الأشياء العادية، وربما كان ذلك متسلسلا إلى اليوم. # وشجع على هذه الفكرة أنه كان يرسل إلى الخلفاء والأمراء مع أموال الخراج بعض الهدايا ~~الثمينة المصنوعة صناعة فائقة تسترعي النظر، وربما كانت المدن أحسن حالا من القرى؛ فإن ~~المدن بما يصب فيها من مال الأمراء والولاة كانت أكثر ترفا ونعيما، فهذا جوهري ~~بالكرخ، يساومه أحد البرامكة على سقط من الجوهر بمبلغ سبعة ملايين من الدراهم فيأبى، ~~وهاك ابن الجصاص - تاجر الجواهر في مصر - يصادر على مال تزيد قيمته على عشرين مليونا ~~من الدنانير كما ذكرنا. وكان في بغداد شريف يسمى محمد بن عمر، بلغت غلة أملاكه ~~مليونين ونصفا من الدراهم، وكان في إصطخر بيت ينتسب إلى آل حنظلة ابتاع بمبلغ مليوني ~~درهم مصاحف فرقها على الفقراء. أما القرى فيعملون في الأرض، ويبتز أموالهم الملاك، ~~ويقتنعون بالحصول على ما يسد أودهم، وربما كان إذا عثر أحدهم على مال كثير مات من ~~الفرح، كالذي يحكي أن صيادا وهب مالا في أيام أحمد بن طولون، فلما عاد ابن طولون بعد ~~ما مر عليه وجده ميتا، وابنه يبكيه، فقال له: خذ مال أبيك، فقال: إن أخذته مت ~~موتته، فأشار بأن يشتري له بيت بخمسمائة دينار، وقال: إن الغنى يحتاج إلى تدريج، وإلا ~~قتل صاحبه، وكان يجب أن يدفع إلى مثل هذا دينار إلى دينار. # وقد اشتهر من هذه الطبقة العليا جماعة كانوا أرستقراطيي النسب، كانتسابهم إلى علي ~~وفاطمة، أو كالبكريين والعمريين، أو انتسابهم إلى بيوت اشتهرت بالمجد، كانتسابهم إلى ~~الأبناء، ويعنون بالأبناء من كانوا من أبناء الجند الذين أسسوا الدولة العباسية، ~~وهكذا، فهؤلاء كانوا أرستقراطيين في نسبهم، وإن لم يكونوا أرستقراطيين في ~~أموالهم. ~~••• # وقد اشتهر في ms237 هذا القرن الرابع عدد كبير من الأرستقراطيين، نذكر من بينهم على اختلاف ~~أنواع أرستقراطيتهم إبراهيم بن هلال الصابي، معز الدولة بن بويه، جحظة البرمكي، ~~المتنبي، بديع الزمان الهمذاني، أحمد بن طباطبة، الصاحب بن عباد، أبا علي القالي، عز ~~الدولة بن بويه، جوهر الصقلي، أبا علي الفارسي، ابن خالويه، ابن الحجاج، ابن نباته، ~~عبيد الله المهدي الفاطمي، الأشعري، عماد الدولة بن بويه، سيف الدولة، فاتكا الرومي، ~~عضد الدولة، كافورا الإخشيدي، الوزير ابن بقية، ابن جرير الطبري، ابن دريد، ابن ~~العميد، ابن سكرة، الجبائي، الصولي، ابن الأنباري، العزيز بالله بن المعز، ابن جني، ~~وغيرهم، ولكن إن أكثرنا من الكلام في ظلم الحكام وعسفهم، فلن يفوتنا أن قليلا منهم كان ~~عادلا: كعلي بن عيسى، وقليل غيره. # وشاعت كثرة المجالس، فكان بعض الأمراء والوزراء يعقدون مجالس يجري فيها الأدب والعلم، ~~وأحيانا الشراب، وأحيانا هما معا. ويروي لنا التاريخ مجالس كثيرة من هذا القبيل، ~~وربما تنافس الأمراء في ذلك بعد استقلالهم؛ فخرا بسلطتهم، ومن يتصلون بهم، فكم روي ~~لنا عن الوزير المهلبي من مجالس عظيمة فيها شعر، وفيها قصص أدبية، كان من نتيجتها كتاب ~~«الأغاني»، ويحكى لنا أن سيف الدولة كان له من الشعراء وغيرهم مثل ما كان للرشيد، ومن ~~خريج مجالسه المتنبي، وأبو فراس، والفيلسوف الفارابي، وابن خالويه النحوي، وغيرهم. ~~وكذلك في مصر كان يعقوب بن كلس وغيره. # هذا عدا مجالس العلماء أنفسهم، كمجلس أبي سليمان المنطقي، وابن أبي عامر، وغيرهما، كل ~~هذه كانت مراد الناس، يستنشقون منها العلم والأدب، ويتسامرون فيها السمر اللذيذ، وإذا ~~راجعنا الكتب المؤلفة التي كانت نتيجة هذه المجالس استكثرناها. # ومن مظاهر هذا العصر فشو اللحن، وخصوصا في البيوت والشوارع؛ وذلك لكثرة الجواري ~~الأعجميات، وغلبة الأتراك حتى على القصور، فانتشرت الياء في آخر الكلمات، وأبدلوا جمع ~~فعاليل بفعالل، وقالوا: أخير وأشر، بدل: خير وشر. ولم يفرقوا بين فعلة للمرة، ~~وفعلة للهيئة، ولم يفرقوا تفرقة تامة بين الفعل المتعدي، والفعل اللازم، وقالوا: إن ~~لغة البحتري أحط من لغة أستاذه أبي تمام، ms238 وقد قال عنه أحد معاصريه: إنه لاحن جاهل، ~~فقال مثلا: # يا مادح الفتح ويا آمله # لست امرأ خاب ولا مثن كذب # بدل مثنيا. # وعابوه في قوله: # ولو أنصف الحساد يوما أملوا # مساعيك هل كانت بغيرك أليقا # بدل مساعيك. # فإذا وصلنا إلى عصرنا كان اللحن أفشى حتى بين العلماء، وحتى عدوا من يتكلم باللغة ~~الفصحى متكلما على النمط البدوي القديم، وقالوا: إن ثعلبا النحوي الشهير كان يتكلم في ~~مجالسه فيلحن، ويقول قدامة بن جعفر: إن الفصاحة الكاملة، وصحة الإعراب لا تتم إلا ~~لأعرابي بدوي نشأ حيث لا يسمع إلا الفصاحة؛ بل يرى أنه يجب استعمال اللحن، وأن يتعمد ~~له عند الرؤساء والملوك الذين يلحنون، فإن الرئيس أو الملك لا يجب أن يرى أحدا من ~~أتباعه فوقه. # ومتى رأى أن أحدا منهم قد فضله في حال من الأحوال نافسه وعاداه؛ كالذي روي أن ~~رجلا تكلم في مجلس بعض الخلفاء الذين كانوا يلحنون فلحن، فعوتب على ذلك، فقال: لو ~~كان الإعراب فضيلة لكان أمير المؤمنين إليها أسبق. وقال: إن اللحن قد يستملح من ~~الجواري والإماء، وذوات الحداثة من النساء؛ لأنه يجري مجرى الغرارة منهن، وقلة ~~التجربة. # وربما كان هذا هو السبب الذي دعا بعض العلماء المتزمتين إلى وضع كتب في ألحان ~~العوام كما فعل الحريري وغيره، ومثل كتاب «فعلت وأفعلت» الذي حوى كثيرا من أغلاط ~~العامة، وبهذا أيضا تكونت اللهجات العامية في الأقطار المختلفة، وأصبح لكل قطر لغة ~~عامية، ومن أجل هذا أيضا نشأ الخلاف بين الأحرار الذين لا يتبعون قواعد النحو بدقة، ~~وبين المتزمتين من النحويين، وفي ذلك يقول الشاعر: # ماذا لقيت من المستعمرين ومن # قياس نحوهم هذا الذي ابتدعوا # إن قلت قافية بكرا يكون بها # بيت خلاف الذي قاسوه أو ذرعوا # قالوا لحنت، وهذا ليس منتصبا # وذاك خفض، وهذا ليس يرتفع # وحرضوا بين عبد الله من حمق # وبين زيد، فطال الضرب والوجع # وطعن الصاحب بن عباد على المتنبي؛ لتفاصحه، واستعماله الألفاظ النادرة الشاذة؛ فيجمع ~~مثلا ركب الإبل على صيغة ركبات. # ولا ms239 ننكر أن هؤلاء المتزمتين كان لهم فضل كبير في المحافظة على اللغة الفصحى على ~~مدى الأزمان. # وجاء ابن حجاج، وابن سكرة فاستعملا كثيرا من الألفاظ العامية، والأساليب العامية، ~~والعادات العامية، فكثيرا ما نجد ابن حجاج يستعمل كلمات فارسية مثل: كلمة «هم» ~~الفارسية بمعنى «أيضا»، وكان يستعمل «شوش» بمعنى «أزعج»، و«رأسمال» إلى غير ~~ذلك. # ولا يقل ابن سكرة شيئا عنه في ذلك، وظلت اللغة العامية تنفصل عن اللغة الفصحى، ~~وتتسع بينهما هوة الخلف على مر الأزمان، وفي كل الأقطار، حتى كونت اللغة العامية لها ~~أدبا خاصا من موشحات، وأزجال، وأمثال، وجرؤت فيما بعد حتى هزأت النحو على النحو الذي ~~ذكره الشربيني في كتابه «هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف»، وتبعه في ذلك ~~غيره. # وفي العصر الحاضر رقيت اللغة العامية، وقربت من الفصحى بفضل الإذاعات والجرائد ~~والمجلات، ولم يعقهما عن الاتصال ثانية إلا ما في اللغة العامية أحيانا من الحرفشة - ~~على حد تعبير ابن خلدون - وما في اللغة العامية من وقف، وعدم إعراب. # 3 # وكانت المعيشة في الأوساط الفقيرة تتطلب نحوا من ثلاثمائة درهم، أي نحو مائة ~~وعشرين جنيها في السنة لرجل متزوج وله ولد، أما المعيشة العالية، فلا حد لنهايتها. ~~ويحدثنا كتاب «الفرج بعد الشدة» أن رجلا كان يغني لسيدة؛ فأورث ابنا له أربعين ألف ~~دينار، ولما بلغ رشده صرف منها ألف دينار، اشترى بها بيته القديم، وسبعة آلاف أصلح بها ~~أثاثا فخما للبيت، من سجاجيد وملابس، وإماء، وعبيد، وغير ذلك. وخصص ألفين لتكون رأس ~~مال للتجارة، ودفن عشرة آلاف ليوم الحاجة، وخصص عشرين ألفا لشراء ضيعة يستعين بها على ~~الأيام. # وكان من مظاهر نعمة الأغنياء السكنى في السراديب صيفا، والثلج لشرب الماء البارد ~~يستحضرونه حتى من الأماكن البعيدة، كما استعملوا في البيوت المراوح المبلولة بالماء من ~~الخيش، يحركها بعض الخدم، وكان هذا هو النظام المتبع للتبريد في ذلك العصر. # واتخذوا في بيوتهم الأماكن الواسعة توضع فيها الأرائك يجلسون عليها ليلا لسماع ~~الغناء، وللشراب، وللحديث اللذيذ. # وبعضهم يعني بالأزهار، يشتريها ms240 بالمال الوفير، ويستحضرها في المجالس، كل زهور في ~~مواسمها، وإذا قرأنا ما خلفته الدولة الفاطمية في القاهرة، رأينا مقدار الترف الذي ~~كانوا يعيشون فيه. # وقد عني الأغنياء بالبرك، وبالأشجار في قصورهم، وبالصناعة الخشبية، كالمشربيات، ~~وتزيين الأبواب والحمامات؛ كما عنوا بإنشاء الحمامات العامة للشعب، أخذا من العادات ~~الفارسية، وعرفوا «الإسفلت»، وأخذوه من مكان بين الكوفة والبصرة، وقالوا: إنهم مهروا ~~في صناعته، فكانوا يجعلونه كأنه مرمر أسود، ويغطون به بعض الحيطان. # وبالغ المترفون في كل شيء في الحياة وفي الممات، حتى إن قريبا من أقرباء سيف الدولة ~~الحمداني مات فغسل تسع مرات، بأنواع مختلفة من العطور السائلة، وبهذه المناسبة ~~نذكر أنه كان من المعتاد في هذا العصر المبالغة في مظاهر الحزن على الميت، وكان بعض ~~العلماء يسمح لأهلهم أن يدفنوا في بيوتهم. # وانتشرت مجالس الشراب، وأسرف أهلها في الاستعداد لها، من أزهار، وفاكهة، وصحاف، ~~وأنوار، حتى كان بعضهم من إسرافهم يأكل بملعقة، ويغيرها في كل لعقة كما يحكى عن ~~الوزير المهلبي، واعتادوا غسل أيديهم قبل الأكل وبعد الأكل. # ووجدت بيوت النخاسين يبيعون فيها القيان، وأحيانا تقام فيها حفلات الرقص والغناء، ~~ويصب فيها أولاد الأغنياء أموالهم، ويبتز فيها الشابات المغنيات أموال الأغنياء، كالحال ~~اليوم، كما يحكي صاحب «الظرف والظرفاء». # وانتشر للتسلية ألعاب النرد والشطرنج، ولابن الرومي وصف بديع للاعب شطرنج ماهر، ~~وكثرت الضرائب، وتنوعت لما احتاج الخلفاء إلى المال، فضربوا الضرائب على المغنيات، ~~وعلى الحوانيت، وعلى السفن، وغير ذلك. # واختلفت المدن، وتنوع نمطها إلى أربعة أنواع: مدن يغلب عليها الطابع ~~اليوناني، كمدن البحر الأبيض المتوسط؛ ومدن يغلب عليها الطابع العربي كمدن الحجاز، ومدن ~~اليمن؛ ومدن يغلب عليها الطابع الفارسي كمدن العراق؛ ومدن يغلب عليها الطابع الروماني ~~كبعض مدن الشام. # وكل مدينة لا بد أن يشوبها بعض من الأنماط الأخرى. ~~••• # وقد حلى الشعب عيشته بالأعياد الكثيرة تقام من حين إلى حين، وانتهزوا هذه الفرص ~~ليتمتعوا بملاذ الحياة، لا يمنعهم عن ذلك ما إذا كانت الأعياد نصرانية الأصل، أو ~~فارسية الأصل، فيكاد كل دير الأديار ms241 يقام لقديسه عيد ميلاد، يستمتعون فيه بشرب ~~النبيذ المعتق، والنساء، والعزف، ونحو ذلك. # ويحدثنا الشابشتي في كتابه عن الأديار، وابن المعتز في بعض قصائده عن كثير من هذه ~~الأعياد، كما ورد كثير من ذكر «عيد الشعانين»، وقد اتخذوه عيدا عاما، وكانوا ~~يسمونه في مصر «عيد الزيتون»، ويحمل كل من الشبان والأطفال خوص النخل، ويسيرون به في ~~الشوارع، كذلك كانوا يحتفلون كما نفعل اليوم بيوم السبت الذي قبل شم النسيم، بأكل ~~البيض، وصبغته ألوانا، وكانوا يحتفلون في بغداد مسلمهم ونصرانيهم بآخر سبت في سبتمبر ~~عند دير يسمونه دير الثعالب. وفي الثالث من أكتوبر كانوا يحتفلون في دير يسمى «دير ~~أشمونة»، وكان عيدا كبيرا من أعياد البغداديين، وهكذا، وهكذا مما يطول شرحه. # وفي هذه الأعياد كانوا يحتفلون في البحر، كما يحتفلون في البر، فيركبون مراكب تسمى ~~السمريات، تحمل فتيات ونبيذا، ويفرحون ويصيحون؛ فترى من هذا كثرة الأعياد التي ~~ينتهزونها فرصة للأفراح. ومن الأعياد الفارسية المشهورة كان عيد النيروز، وهو عيد السنة ~~الجديدة، فكانت تهدى فيه الهدايا، ويخرج إلى المتنزهات، هذا عدا الأعياد الإسلامية، ~~كاحتفالهم في رمضان، وإطعامهم الفقراء، والتصدق على المساكين، وعيد الفطر، وعيد ~~الأضحى. # وعلى الجملة فكانت هذه الأعياد - النصرانية، والفارسية، والإسلامية، والطبيعية التي ~~يشترك فيها الكافة - متنفسا للشعب يجدون فيها راحتهم، وينسون فيها غمومهم وهمومهم من ~~ظلم الحكام، ومصائب الزمان. # ولدينا وثيقتان تدلان على فساد هذا العصر وحواشيه؛ إحداهما أرجوزة الخليفة عبد الله ~~ابن المعتز، نظمها في وصف دهره، وقد ذكرنا منها وصف اغتيال المواريث، ومنها: # والعلوي قائد الفساق # وبائع الأحرار في الأسواق # ويقول في الشيعة: # يدعون للإمام كل جمعة # ولا يردون إليه قطعة # وهم يجورون على الرعية # فساد دين وفساد نية # ويأخذون مالهم صراحا # ويخضبون # 4 # منهم السلاحا # ويقول في نبيل عذب: # فكم وكم من رجل نبيل # ذي هيبة ومركب جليل # رأيته يعتل بالأعوان # إلى الحبوس وإلى الديوان # وجعلوا في يده حبالا # من قنب يقطع الأوصالا # وعلقوه في عرى الجدار # كأنه برادة في الدار # وصفقوا قفاه صفق الطبل # نصبا ms242 بعين شامت وخل # وحمروا نقرته بين النقر # كأنها قد خجلت ممن نظر # إذا استغاث من سعير الشمس # أجابه مستخرج برفس # وصب سجان عليه الزيتا # فصار بعد بزة كميتا # حتى إذا طال عليه الجهد # ولم يكن مما أراد بد # قال ائذنوا لي أسأل التجارا # قرضا وإلا بعتهم عقارا # وأجلوني خمسة أياما # وطوقوني منكم إنعاما # فضايقوا وجعلوها أربعة # ولم يؤمل في الكلام منفعه # وجاءه المعينون الفجره # وأقرضوه واحدا بعشره # وكتبوا صكا بيع الضيعة # وحلفوه بيمين البيعه # ثم تأدى ما عليه وخرج # ولم يكن يطمع في قرب الفرج # ويصف نهب الأعراب في الطرقات فيقول: # وتاجر مع حجه وعمرته # يطلب ربح ماله في سفرته # مقدر في الربح أضعاف الثمن # من قاصد صنعا إلى أرض عدن # فهم كذاك سائرون ظهرا # أو تحت ليل أو ضحى أو عصرا # إذ قال قد جاءكم الأعراب # وكثر الطعان والضراب # وصار في حجهم جهاد # واحمرت السيوف الصعاد # 5 # ويقول في وصف الكوفة: # واستمع الآن حديث الكوفة # مدينة بعينها معروفة # كثيرة الأديان والأئمة # وهمها تشتيت أمر الأمة # وهم بنوا للجور صرحا محكما # فاتخذوا إلى السماء سلما # أخذوا وقتلوا عليا # العادل البر التقي الزكيا # وقتلوا الحسين عند ذاكا # فأهلكوا أنفسهم إهلاكا # وجحدوا كتابهم إليه # وحرفوا قرآنهم عليه # ثم بكوا من بعده وناحوا # جهلا كذاك يفعل التمساح ~~••• # ويصف بعض الناس يتفلسف ولا يتعرب فيقول: # ثم إذا ما قام عن غذائه # وفرغت قهوته بمائه # تناول الريشة والطنبورا # فأضحك الصغير والكبيرا # وضاعت الأمور عند ذاكا # وأظهر التعطيل والإشراكا # ومدح أفلاطون والفلاسفة # وساعدته في هواه طائفة # وذكر السعود والنحوسا # والجوهر المعقود والمحسوسا # وذرع طول الأرض والأفلاك # وكم بلاد الصين والأتراك # واستثقلوا من قام للصلاة # فكيف من طول في القراة # وطعنوا في الفقه والحديث # وعجبوا من ميت مبعوث # ويقول في المشاغين من الجند: # وكل يوم ملك مقتول # أو خائف مروع ذليل # أو خالع للعقد كيما يغنى # وذاك أدنى للردى وأدنى # وكم أمير كان رأس جيش # قد نغصوا عليه كل عيش # وكل يوم شغب وغصب # وأنفس مقتولة وحرب ms243 # وكم فتى قد راح نهبا راكبا # إما جليس ملك أو كاتبا # فوضعوا في رأسه السياطا # وجعلوا يردونه شطاطا # وكم فتاة خرجت من منزل # فغصبوها نفسها في المحفل # وفضحوها عند من يعرفها # وصدقوا العشيق كي يقرفها # وحصل الزوج لضعف صلته # على نواحه ونتف لحيته # ويطلبون كل يوم رزقا # يرونه دينا لهم وحقا # كذاك حتى أفقروا الخلافه # وعودوها الرعب والمخافه # وهذه أرجوزة طويلة مملوءة بالفضائح ووسائل الفساد، وهي مثبتة في ديوان ابن ~~المعتز. # والثانية لزوميات أبي العلاء، وفيها العجب العجاب من وصف فساد ذاك الزمان. # فأمراء: # ظلموا الرعية واستجازوا كيدها # فعدوا مصالحها، وهم أجراؤها ~~••• # يسوسون الأنام بغير عقل # فينفذ أمرهم ويقال ساسه # فأف من الحياة وأف مني # ومن زمن رئاسته خساسه ~~••• # واخش الملوك وياسرها بطاعتها # فالملك للأرض مثل الماطر الساني # إن يظلموا فلهم نفع يعاش به # وكم حموك برجل أو بفرسان # وهل خلت قبل من جور ومظلمة # أرباب فارس أو أرباب غسان ~~••• # يكفيك حزنا ذهاب الصالحين معا # ونحن بعدهم في الأرض قطان # إن العراق وإن الشام مذ زمن # صفران ما بهما للملك سلطان # ساس الأنام شياطين مسلطة # في كل مصر من الوالين شيطان # من يحفل حمض الناس كلهم # إن بات يشرب خمرا وهو مبطان ~~••• # لعمرك ما في عالم الأرض زاهد # يقينا، ولا الرهبان أهل الصوامع # أرى أمراء الناس يمسون شرهم # إذا خطفوا خطف البزاة اللوامع # وفي كل مصر حاكم فموفق # وطاغ يحابي، في أخس المطامع # يجور فينفي الملك عن مستحقه # فتسكب أسراب العيون الدوامع # ومن حوله قوم كأن وجوههم # صفا لم يلين بالغيوث الهوامع # وسواء في ذلك ملوك أهل السنة، والإمام الذي يدعى معصوما عند الشيعة: # يرتجي الناس أن يقوم إمام # ناطق في الكتيبة الخرساء # كذب الظن لا إمام سوى العق # ل مشيرا في صبحه والمساء ~~••• # وما صح للمرء المحصل أنه # بكوفان قبر للإمام يزار # أخو الدين من عادى القبيح وأصبحت # له حجزية من عفة وإزار # والشعراء لا ينصحون الأمراء، ولكن يتملقون: # وما شعراؤكم إلا ذئاب # تلصص في المدائح والشباب # أضر لمن ms244 تود من الأعادي # وأسرق للمقال من الزباب # والوعاظ ينافقون، فيقولون ما لا يفعلون: # رويدك قد غررت وأنت حر # بصاحب حيلة يعظ النساءا # يحرم فيكم الصهباء صبحا # ويشربها على عمد مساءا ~~••• # لعل أناسا في المحاريب خوفوا # بآي كناس في المشارب أطربوا # إذا رام كيدا بالصلاة مقيمها # فتاركها عمدا إلى الله أقرب # طلب الخسائس وارتقى في منبر # يصف الحساب لأمة ليهولها # ويكون غير مصدق بقيامة # أمسى يمثل في النفوس ذهولها # والمنجمون يضحكون على عقول النساء: # سألت منجمها عن الطفل الذي # في المهد كم هو عائش من دهره # فأجابها مائة ليأخذ درهما # وأتى الحمام وليدها في شهره ~~••• # لقد بكرت في خفها وإزارها # لتسأل بالأمر الضرير المنجما # وما عنده علم فيخبرها به # ولا هو من أهل الحجا فيرجما # ويوهم جهال المحلة أنما # يظل لأسرار الغيوب مترجما # ولو سألوه بالذي فوق صدره # لجاء بمين أو أرم وجمجما # وقد ذكر في اللزوميات أيضا النساء وتبرجهن، وغشيانهن الحمامات للهو ~~والفساد. # وعلى الجملة، فالناس كلهم أجناس، وهم كلهم أنجاس: # لو غربل الناس كيما يعدموا سقطا # لما تحصل شيء في الغرابيل # أو قيل للنار خصي من جنى أكلت # أجسادهم وأبت أكل السرابيل # أغشى الأنام تقي من ذرى جبل # يرضى القليل ويأبى الوشي والتاجا # وأفقر الناس في دنياهم ملك # يضحي إلى اللجب الجرار محتاجا # وهكذا وهكذا من فساد جعله يصب جام غضبه على أهل زمنه، ويصرخ فيقول: # الناس صنفان: ذو دين بلا # عقل، وآخر دين لا عقل له # وقد صور لنا أبو حيان التوحيدي مجالس العلماء، وموضوعات أبحاثهم في كتبه، فحكى ~~لنا المجلس الذي كان يعقد في بيت أبي سليمان المنطقي من بحث كل يوم في مسألة تارة ~~لغوية، وتارة أدبية، وكثيرا ما تكون فلسفية. # وكان يحضر المجلس أبو الحسن العامري، وغلام زحل وغيرهما، ودون محاضر الجلسات في ~~كتابه المسمى «بالمقابسات»، كما حكى لنا نوع المشاكل التي كانت تجري في زمنه، في ~~كتابه «الهوامل والشوامل»، وصور لنا أيضا ما كان يدور بينه وبين الوزير ابن سعدان من ~~مسائل كثيرة؛ ألف ms245 له من أجلها رسائل كثيرة، ووصف لنا وصفا شنيعا قبيحا الوزيرين ~~ابن العميد، وابن عباد في كتابه «مثالب الوزيرين»، الذي ذكر منه نبذة ياقوت الحموي في ~~«معجم الأدباء». # ومما يؤسف له أن علماء الدين والأدباء لم يرفعوا صوتا لاستنكار هذه الأحداث، بل ~~كانوا يؤيدونهم في ظلمهم؛ فهذا قاضي سيف الدولة يجمع له مال الرعية ظلما وعدوانا. ~~وهذا أبو الطيب المتنبي يمدحه حتى تقرأ، فكأن سيف الدولة ملك كريم، وعادل رحيم؛ عكس ~~تاريخه. ويأتي المتنبي إلى كافور، فيعلي شأنه، ويرفع من مقامه، ولا يغضب عليه، ولا ~~ينقده، إلا لأنه لم يمنحه ضيعة أو ولاية، فإن كان قد منحها، كان قد أضفى عليه من ~~الألقاب والصفات ما لا قول بعده لقائل. # نعم، إن بعض الطوائف أرادت أن تمحو الظلم كالفدائية، وهم المسمون بالإسماعيلية، أو ~~الحشيشية، وعلى رأسهم كان الحسن الصباغ، فهؤلاء تعاقدوا على قتل الظلمة، وتحت تأثير ~~هذه الدعوة قد شنعوا على الخلفاء والحكام، وكبروا مظالمهم، واغتالوا نظام الملك ~~الوزير السلجوقي المشهور مؤسس المدرسة النظامية، ألفوا مؤامرات دقيقة لوضع نظم ~~القتل، ولكن مع الأسف كانت طائفة فاطمية حزبية، تقتل السنيين، ولا تقتل العلويين، وحتى ~~في قتلها السنيين لم تكن موفقة، فنظام الملك هذا من أحسن الرجال عدلا وعطفا على ~~العلماء، وتشجيعا للعلم، ولم يقتلوا أحدا ظاهرا من الفاطميين، بينما كان فيهم من لا ~~يقل فسادا عن السنيين، وإنما كان المسلمون في حاجة على فدائيين ليسوا متعصبين لمذهب ~~دون مذهب، على أن الفدائيين أنفسهم لم يكونوا حسني السيرة، ولا طاهري ~~الأخلاق. # يضاف على هذا الفساد نوع آخر منشؤه ضعف العقلية، وانتشار الخرافات والأوهام، فكم من ~~الناس من أضاعوا ثرواتهم في قلب المعادن ذهبا، حتى مسكويه العالم المشهور وقع في هذا ~~الخطأ، والإيمان بالمغيبات، والاعتقاد في النجوم والمنجمين، وتدجيل بعض الصوفية، وغير ~~ذلك مما أشار إليه أبو العلاء في اللزوميات، هذا إلى انقسام الناس إلى عصبيات كثيرة ~~كفيلة بأن تتلف أي أمة، فعصبيات الدم، كالفرس، والأتراك، والعرب، والأكراد، وعصبيات ~~للبلاد كبصريين، وكوفيين، ودمشقيين، ومصريين ms246 إلخ. هذا عدا عصبيات دينية كشافعية، ~~ومالكية، وحنفية، وسنية، وشيعة، وكل منها يتفرع إلى جملة مذاهب، إلى إسراف في الشهوات ~~بسبب ما أغدق على السكان من رقيق مختلف الأنواع، سود وبيض. # وقد كان النحاسون يجعلون بيوتهم مواخير يقصدها الشبان، فقد حكى لنا الوشاء في ~~كتابه «الظرفاء» صفة هذه المواخير، وكيف أن الشبان تتحبب الفتيات إليهم استنزافا ~~لأموالهم، حتى إذا أتلفوها أعرضن عنهم، وكيف كان تتدفق فيها الخمور، ويلعب القواد ~~دورالوسيط، إلى كثير من أمثال ذلك. # ويصف لنا أبو المطهر الأزدي منافقا كان يجلس بين أدبيين، فيلتفت إلى اليمين ليستمع ~~من صاحبه شعرا، ويقسم الأقسام المغلظة أنه شعر بديع لم يقل قائل مثله في بلاغته، ~~وروعته، وألفاظه، ومعانيه؛ ويلتفت إلى من بيساره فيذم له هذا الشعر الذي سمعه، ويسمع ~~منه شعره هو فيطريه أيما إطراء، ويقسم على ذلك أيما قسم، ثم يلتفت إلى من باليمين ~~ثانية فيذم له من باليسار، وهكذا دواليك. ولعل هذا المنافق لم يكن إلا واحدا من ~~المنافقين الكثيرين، وهل مداح الخلفاء والأمراء مع علمهم بظلمهم إلا من هذا ~~القبيل؟ # فليس عجيبا أن تتدهور البلاد وتنحط الأخلاق؛ إنما قد يكون عجيبا أن تبقى بعد ذلك ~~وهذه حالها. ~~••• # نتعرض بعد ذلك إلى بعض أشياء أخرى كانت في المملكة الإسلامية في هذا العصر، من هذا ~~العيارون، فهم قوم من اللصوص كانوا يتخذون لهم لبسا خاصا، ويقول فيهم ~~الشاعر: # خرجت هذه الحروب رجالا # لا لقحطان ولا لنزار # معشر في جواشن المصر يعدو # ن إلى الحرب كالليوث الضواري # ليس يدرون ما الفراد إذ الأ # بطال عاروا في القنا للفرار # واحد منهم يشد على ألفي # ن، عريان ما له من إزار # ويقول الفت إذا طعن الطع # نة خذها من الفتى العيار ~~••• # ويقول ابن الأثير: إن العيارين ظهروا في سائر المدن الإسلامية، وعظم شأنهم، وكثيرا ~~ما كان الوزراء، وغيرهم من أرباب الحل والعقد يقاسمونهم، ويسكتون عنهم، وقد يسمون ~~أحيانا شطارا، وكانوا يمتازون أيضا بملابس خاصة، وسماهم ابن بطوطة في أيامه ~~بالفتاك، وبعضهم كان يزعم ms247 أن الأغنياء لما امتنعوا عن دفع الزكاة أخذوها هم ~~قسرا. # وكان من محاسنهم - ولا شك - الكرم، وخصوصا تحبب الخلفاء والأمراء للعامة بأساليب ~~السخاء كالضيافة، ونصبهم الموائد للطعام، يتجمع عليها الألوف من الناس، ثم إنهم ~~تفننوا في الأثاث والرياش والمجوهرات، وشاعت بينهم المسكرات، وزادت بعد أبي نواس من ~~طول ما تغزل بها، وكانوا يشربون النبيذ بالأرطال، وانتشر الشراب في العامة، وقد حكي ~~عن الحاكم بأمر الله الفاطمي، أنه أمر بإراقة الخمور، وبإراقة العسل حتى لا تصنع ~~منه. # وكان من عادة الخلفاء والأمراء اهتمامهم بالخروج للصيد، وعده من الرياضة ~~البدنية. # ويحكى عن السلطان مسعود السلجوقي أنه بالغ في ترفيه كلاب الصيد حتى ألبسها الجلال ~~الموشاة، وسورها بالأساور من الذهب. وكان من عادة الخلفاء جمع السباع، وتربية ~~الحيوانات الداجنة، وتأنيس الغزلان، وقالوا: إنه اجتمع عند العزيز الفاطمي صاحب مصر من ~~غرائب الحيوان ما لم يجتمع عند غيره. # هذه صورة حاولنا بها توضيح هذا العصر بقدر الإمكان؛ اعتقادا منا بأنها ذات أثر كبير ~~في حالة العلوم والآداب والفنون في ذلك العصر. # وقد كان صحيحا ما ذهب إليه «تين» الفرنسي من أن كل هذه الأشياء متأثرة لدرجة كبيرة ~~بالبيئة؛ وقد عنى بالبيئة ما يشمل البيئة الاجتماعية. # ونعتقد أنه لولا هذه البيئة ما كان التصوف بهذا الشكل، ولا نبعت المقامات في الأدب، ~~ولا غرق الأدب العربي في المديح. ولولا انتشار الشيعة في هذا الزمان ما كانت رسائل ~~إخوان الصفاء على هذا النحو، ولا كان ما يحكى لنا من تحف نفيسة رائعة، ولا مبان ضخمة، ~~ولا عمارات فخمة، ولولا هذه البيئة التي وصفنا ما كان إخفاء الكنوز، ولا كثرة الصعلكة ~~في جانب، والترف والنعيم الكبيران في جانب آخر، ولا كان أبو العلاء يصرخ صرخته المعروفة ~~في «اللزوميات». # وإذ قد فهمنا هذه البيئة كما وصفنا وتكلمنا في الجزء الأول من «ظهر الإسلام» عن ~~حركة العلوم إجمالا، أمكننا الآن أن نبدأ في الكلام عنها في هذا العصر تفصيلا، والله ~~الموفق. # | هوامش # | حركة العلوم تفصيلا # الفصل الأول # | التفسير والحديث وعلم ms248 الكلام # التفسير # رأينا فيما مضى أن التفسير كان تفسيرا بالمأثور، ونعني بالمأثور ما روي عن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # والصحابة والتابعين في التفسير من مثل الأحاديث التي في صحيح ~~البخاري ومسلم. # وكان كثير من الصحابة يتحرجون جدا أن يفسروا شيئا من القرآن خوف الزلل، ~~وخوف الهجوم على تفسير قد يكون خطأ؛ كالذي روي أن أحد أصحاب ابن مسعود سئل عن ~~سبب نزول آية من القرآن، فقال: عليك باتقاء الله والسداد، فقد ذهب الذين كانوا ~~يعلمون فيم أنزل القرآن. وسئل سعيد بن جبير عن تفسير آية، فقال: لأن تقع ~~جوانبي خير لي من ذلك. # ولكن كان من أجرأ الناس في التفسير عبد الله بن عباس ابن عم النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وجد الخلفاء العباسيين، فقد رويت عنه تفسيرات كثيرة لآيات كثيرة، ~~حتى روي عنه تفسير شامل. # نعم، إن بضعها موضوع؛ ولكن ما صح بعد ذلك كثير، وقد اعتمد في التفسير على ~~مصادر ثلاثة: أحاديث النبي # صلى الله عليه وسلم # في التفسير، والشعر الجاهلي والإسلام، وما ~~كان يرويه اليهود الذين أسلموا، وخصوصا كعب الأحبار، وعبد الله بن سلام، ويكثر ~~منه ذلك في قصص الأنبياء، وما يتصل بالتوراة. # وكان له تلاميذ كثيرون يأخذون عنه، من ~~أشهرهم مولاه عكرمة، ولم يكن عكرمة هذا صادقا كل الصدق، وقد روي عنه بعض ~~المتناقضات، كالذبيح؛ فقد روي عنه عن ابن عباس مرة أنه إسماعيل، ومرة أنه ~~إسحاق. وقد لاحظ بعض النقاد أن ابن عباس نفسه يروي أحداثا حدثت وهو طفل، ~~وأحيانا يروي أحداثا عن عهد لم يكن ولد فيه بعد؛ فقد كان اتصاله بالنبي # صلى الله عليه وسلم # وهو دون سن البلوغ، ومع ذلك عظم تعظيما جليلا. وربما كان من أسباب ~~ذلك وجود الخلفاء العباسيين من ولده، وتملق الناس لهم. # وكان في العصور الأولى من يتثقف ثقافة يهودية واسعة، تسرب منها الكثير ~~إلى المفسرين، كالذي يحكى عن رجل يقال له: أبو الجلد؛ كان يقرأ القرآن في كل ~~سبعة أيام، ويختم التوراة في ستة أيام، ورأى ms249 الناس في اليهود علما بمسائل ~~كثيرة تتصل بالقرآن، ثم كان ابن عباس ذا علم بالشعر القديم والحديث؛ كل ذلك ~~مكنه من تفسير كثير من الآيات. # والناس من طبيعتهم حب السؤال عما يجهلون، يقول القرآن: # اضربوه ببعضها ~~، فيسألون ما هو البعض الذي ضرب به، ويقول ~~الله تعالى: # واضرب لهم مثلا أصحاب ~~القرية ~~، فيسألون: أي قرية؟ ومن أصحابها؟ وهكذا. # فكان ابن عباس يجيب عن هذه الأسئلة، وقد روى الكثير عن ابن عباس عكرمة هذا، ~~ومجاهد، ومقاتل بن سليمان، فما جاء عصرنا الذي نؤرخه بلغ هذا النوع من التفسير ~~أوجه في تفسير ابن جرير الطبري المتوفى سنة 310ه، وهو صاحب الكتاب العظيم في ~~التاريخ، وكتابه العظيم الآخر في التفسير، وكان مجتهدا أيضا في الفقه، ولكن ~~طوى اجتهاده، وكان - رحمه الله - ذا عقل جبار في كل ناحية بحث فيها، ومنهجه ~~في التفسير أن يجمع في كل آية التفسير بالمأثور، وفي الغالب يفضل أحد ~~الأقوال، ولا يروي من الإسرائيليات والنصرانيات إلا بقدر، وينص في كثير من ~~الأحيان على أن هذه أشياء لا قيمة لها، والجهل بها ليس ضارا، كالسؤال عن ~~المائدة التي نزلت من السماء على عيسى، هل كان عليها طعام أم لا؟ وإذا كان ~~عليها طعام فما هو؟ وهكذا، فيقول: العلم بذلك غير نافع. # وكذلك يقول مثلا في إخوة يوسف الذين باعوه بدراهم معدودة: بكم باعوه؟ فيقول: ~~إن الله لم يحدد لنا مبلغ ذلك، ولا ورد لنا خبر من رسول الله، وليس للعلم بذلك ~~فائدة تقع في دين، ولا في الجهل به ضرر، والإيمان بظاهر التنزيل فرض، وما عداه ~~فموضوع عنا تكلف علمه، كثير من أمثال ذلك مما يدل على حسن عقله. وكان ذا علم ~~كبير باللغة، فيفضل شرح معنى لفظ على شرح معنى آخر، بفضل علمه الواسع باللغة، ~~كذلك كون له عقيدة مثل الاختيار لا الجبر، ثم رجح التفسير الذي يؤيد هذا ~~الاعتقاد، وجادل المعتزلة في بعض أقوالهم من غير أن يسميهم، وقد كانوا في هذا ~~الوقت ظاهرين، فمثلا: يقول في قوله تعالى: ms250 # وقالت ~~اليهود يد الله مغلولة # إن بعضهم يفسر اليد بالنعمة، ~~ولو كان كذلك لم يقل تعالى: # بل يداه ~~مبسوطتان ~~؛ لأن نعمة الله لا تحصى، ولو كانتا نعمتين كانتا ~~محصاتين، وهكذا وهكذا. # تعرض للنزاع الذي وقع بين الفرق، وأدلى فيه برأيه، ومع هذا الفضل الكبير له، ~~فقد هوجم من المحدثين، وخصوصا من الحنابلة، وناله الضرر منهم، وهو في درسه، ~~فلما احتجب في بيته رموه بالحجارة حتى صارت أمام بيته أكواما، وذهب آلاف من ~~الجند ليحموه، فلما مات لم يحتفل بجنازته، والله تعالى لا يعبأ بكل ذلك؛ فقد ~~أكرمه الله بخير من هذه المظاهر جزاء جده وفضله. # ومع هذا فقد كان في العصور الأولى قوم ~~يستعملون العقل أيضا في التفسير، وربما كان من أشهرهم مجاهد؛ فقد كان مطلعا ~~يميل إلى الآراء العقلية، فيقول مثلا في قصة مسخ أهل السبت قردة: إن الله لم ~~يمسخهم في أجسامهم، بل في قلوبهم، ويفسر بعض الأحاديث التي ورد فيها اهتزاز عرش ~~الرحمن بالرضا، ثم ظهر على توالي الأزمان نواة التفسير العقلي على يد المعتزلة، ~~ونجد مصداق ذلك في مثل الآيات التي فسرها الجاحظ في كتابه «الحيوان»، والآيات ~~والأحاديث التي روي تفسيرها عن النظام، وبلغت هذه الحركة أيضا ذروتها في عصرنا ~~هذا الذي نؤرخه على يد الزمخشري في «الكشاف». # فقد ألف كثير من المعتزلة كتب تفسير كثيرة، تبلغ المئات، ولكن لم يصلنا منها ~~شيء، إنما وصلنا منها كتاب مجالس الشريف المرتضى، فقد كان يعقد مجالس يفسر فيها ~~القرآن، والحديث، واللغة على طريقة المعتزلة؛ إذ كان هو نفسه شيعيا ~~معتزليا، وقد وصلت إلينا هذه المجموعة، وطبعت في مصر باسم «أمالي المرتضى»، ~~فالآيات التي ذكرها فسرها تفسيرا يوافق الأصول الخمسة للمعتزلة التي ذكرناها ~~عند الكلام على المعتزلة، كقوله تعالى: # واعلموا أن ~~الله يحول بين المرء وقلبه ~~، فظاهر هذه الآية يخالف ~~ما يذهب إليه المعتزلة من حرية إرادة الإنسان، فأولها حتى لا يخرج عن مذهبهم، ~~ومثل قوله تعالى: # خلق الإنسان من عجل ~~؛ ~~لأن العجلة فعل من أفعال الإنسان، فكيف تكون ms251 مخلوقة فيه لغيره؟ ولو كان كذلك ما ~~جاز أن ينهاهم عن الاستعجال في قوله تعالى: # سأريكم ~~آياتي فلا تستعجلون ~~، فكيف ينهاهم عما خلقه فيهم؟ وأفاض ~~في اللغة لعلمه الواسع بها، فأول مثلا # واتخذ الله ~~إبراهيم خليلا # بأن الخليل ~~معناه الفقير إلى رحمة الله من الخلة؛ ~~استيحاشا من أن الله يكون خليلا لأحد من خلقه، مستدلا بقول زهير: # وإن أتاه خليل يوم مسغبة # يقول لا غائب مالي ولا حرن # أي: إن أتاه فقير. # ولكن على كل حال تعطينا هذه المدارس تفسيرا لبعض الآيات لا كلها على مذهب ~~المعتزلة. # أما الذي يعطينا صورة كاملة، فهو تفسير الزمخشري المسمى ب «الكشاف»، فإن بلغ ~~تفسير ابن جرير الذروة في التفسير بالمأثور، فقد بلغ الزمخشري الذروة في ~~التفسير بالرأي. # ويمتاز تفسير الزمخشري ببيان أساليب القرآن وبلاغته، ودلاله إعجازه، وقد ~~استطاع الزمخشري أن يفعل ذلك لتمكنه العظيم من اللغة، والأساليب العربية كما ~~يدل عليه في كتابه «الأساس»، وتفرقته فيه بين الحقيقة والمجاز، وساعده على ذلك ~~مكثه مدة في الحجاز، وسماعه بعض الأساليب العربية التي أثبتها في التفسير، وطال ~~مكثه فيه، لقب «بجار الله». وكما كان متمكنا من اللغة كان متمكنا أيضا من ~~مذهب الاعتزال؛ فأول كل الآيات التي تتصل بالأصول الخمسة كحرية إرادة الإنسان، ~~ووجوب العدل، وتحقيق الوعد والوعيد، ووحدة الذات والصفات، إلى آخر ما يذهب إليه ~~المعتزلة. # فمثلا يفسر قوله تعالى: # وجوه يومئذ ناضرة ~~* إلى ربها ناظرة # بأن الرؤية ~~بالفؤاد لا بالأبصار، وإذ قال القرآن: # وإذا أردنا ~~أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق ~~عليها القول فدمرناها تدميرا ~~، فظاهر الآية يدل ~~على أن الإنسان مجبر أن يفعل المعصية، وهذا مخالف لمذهبهم، فهو يئول الآية حتى ~~تلتئم مع مذهبهم، ومفتاح «الكشاف» قوله تعالى: # هو ~~الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ~~أم الكتاب وأخر متشابهات ~~، فالمحكمة هي آيات ~~الأصول الواضحة المعنى، مثل قوله تعالى: # لا تدركه ~~الأبصار وهو يدرك الأبصار ~~، فإذا أتت آية أو آيات ~~تدل على خلاف ذلك وجب أن تئول، فقوله تعالى: ms252 # وجوه ~~يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # يفسر برضا الله، وتوقع العبد للنعمة جريا مع الآية الأولى. وقوله تعالى: # إن الله لا يأمر بالفحشاء # محكمة، فيجب أن يفسر مثل قوله تعالى: # أمرنا ~~مترفيها ففسقوا فيها # بما ينطبق معها، حتى لا تكون هناك ~~مناقضة. وعلى هذا النحو سار في كل تفسير، من مثل قوله تعالى: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين ~~الإنس والجن # فيقول: إن جعل بمعنى بين؛ لا بمعنى فعل، كقول ~~الشاعر: # جعلنا لهم نهج الطريق فأصبحوا # على ثبت من أمرهم حيث يمموا # ويذهب الزمخشري في كثير من الآيات إلى اللجوء إلى اعتبار الآيات من قبيل ~~المجاز، أو الاستعارة، أو التشبيه، كقوله تعالى: # إنا ~~عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال ~~فأبين أن يحملنها # إلخ، فيذهب إلى أن عرض الأمانة من ~~قبيل المجاز، والأمانة هي الطاعة، وكقوله تعالى: # لو ~~أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا ~~متصدعا من خشية الله ~~، فهو يقول: هذا تمثيل ~~وتخييل. # وكذلك سلك هذا المسلك في قوله تعالى: # ثم استوى ~~إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا ~~طوعا أو كرها ~~، فيقول: إن أمر السماء والأرض بالإتيان، ~~وامتثالهما أنه تعالى أراد تكوينهما فلم يمتنعا عليه، ووجدتا كما أرادهما، ~~وكانتا في ذلك كالمأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الآمر المطاع إلخ إلخ. # وكذلك فعل في كل ما يدل على تجسيم الله كاليد، والوجه، والعرش، والاستواء، ~~ونحو ذلك، فكلها عنده مجاز، أو استعارة لا حقيقة؛ لأن الله منزه عنها. # وكان - رحمه الله - في طبيعته قاسيا، فلم يكتف بالتفسير الذي يريده، بل قسا ~~على مخالفيه، ورماهم بالجهل، وأحيانا بالفسق، مما ألبهم عليه، حتى لم يسلم ~~من لسانه أحيانا أصحابه من الرد عليهم، والتسفيه لبعض آرائهم. # ومن ألطف ما فيه أنه كان لا يؤمن بالسحر، والخرافات كرؤية الجن، فلما أتت ~~الآيات يدل ظاهرها على السحر والعين، مثل قوله تعالى: # يا ~~بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب ~~متفرقة ~~، وسورة الفلق، أول # ومن ~~شر النفاثات في العقد # بمن يطعم شيئا ضارا، ms253 أو ~~يسقيه، أو يشمه، أو يجوز أن يراد بهن النساء الكيادات، أو اللاتي يفتن ~~الرجال بتعرضهن لهم، وعرضهن محاسنهن كأنهن يسحرنهم بذلك، ونفى نفيا باتا ما ~~يزعمه العوام من رؤية الجن، مستندا على قوله تعالى: # إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم # إلخ إلخ. # فالحق أنه بذل في هذا التفسير مجهودا جبارا يدل على عقل كبير، ومقدرة ~~هائلة. # ولذلك كان موضع تقدير المعتزلة، والشيعة، والسنية على السواء، غاية الأمر أن ~~غير المعتزلة كانوا يتحرجون فقط من موضع الاعتزال التي لا تتفق ومذهبهم. # ولذلك كان ابن جرير الطبري، والزمخشري عمادي كل من أتى بعدهما من المفسرين ~~كالبيضاوي ، وأبو السعود، والفخر الرازي، وغيرهم. # ولئن شنع عليه قوم فإنهم مع تشنيعهم يقرون بفضله اللغوي، والبلاغي، وتبيين ~~وجوه الإعجاز. # كان بجانب هؤلاء المفسرين بالمأثور، والمفسرين بالرأي على مذهب الاعتزال قوم ~~يفسرون بالرأي على مذهب الشيعة، من تمجيد علي ونسله، وتحقير أبي بكر وعمر ~~وأمثالهما، ويؤولون التأويلات البعيدة في ذلك، كقولهم: إن البقرة التي أمر قوم ~~موسى بذبحها هي عائشة، وأن الجبت والطاغوت هما معاوية، وعمرو بن العاص، إلى آخر ~~أقوالهم من ترهات. # وذهب قوم آخرون على تفسير القرآن بالتفسير الذي يتفق مع العقل المطلق؛ فكل ما ~~ورد في القرآن مما قد يخالف العقل أولوه، حتى ذهبوا في ذلك مذاهب غريبة، فلما ~~رأوا مثلا أن الأطفال الذين غرقوا في الطوفان مع آبائهم لم يكونوا مذنبين ~~قالوا: إن الله أعقم النساء قبل الطوفان، فلم تحمل منهن واحدة خمس عشرة سنة. ~~ولما استبعدوا أن يلبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما قالوا: إن المراد ~~بذلك شريعته لا شخصه، وفسروا خروج ناقة صالح بالحجة الدامغة، وشربها ماء العين ~~بإبطال تلك الحجة جميع ما خالفها. وقالوا في معجزة إبراهيم - عليه السلام: إن ~~إبراهيم سحر أعين الناس الذين أوقدوا له النار، وطرحوه فيها، وطلا جسمه ببعض ~~الأدوية التي يبطل معها عمل النار. # وقالوا في أصحاب الفيل الذين أهلكهم الله بحجارة من سجيل: إنه أصبهم الوباء ~~من الماء ms254 والهواء، فحصبوا، وجدروا، وأهلكوا. # وقالوا في الهدهد الذي لم يره سليمان: إنه رجل، والنمل الذي جاء في # أتوا على واد النمل # قوم ضعاف خافوا من ~~عسكر سليمان، والجن والشياطين الذين سخروا لسليمان هم عتاة الناس وأشداؤهم، ~~وحذاقهم، وعرفاؤهم بالأمور الغامضة، وكذلك في جميع معجزات الأنبياء، ولم ~~يقروا لمحمد # صلى الله عليه وسلم # إلا بمعجزة القرآن. # وربما دعاهم إلى ذلك ما ذهب إليه القصاص من ولعهم بالغرائب، كالذين قال ~~فيهم القائل: «الحديث لهم عن جمل طار أشهى إليهم من الحديث عن جمل سار، ~~ورؤيا مرية آثر عندهم من رواية مروية» في المعجزات، وفي قصص الأنبياء، ~~ونحو ذلك، كالذي نراه في كتاب الثعلبي النيسابوري، وتفسيره المسمى «العرائس في ~~قصص الأنبياء»، والذي نرى مثله فيما بين أيدينا في تفسير الخازن. # وفي هذا العصر ذهب قوم إلى القول في التفسير بالوقف، قالوا: إنا رأينا في ~~القرآن آيات تدل على الجبر، وآيات تدل على الاختيار، ولا ندري كيف يؤول بعضهم ~~إلى الآخر، فلنقف عند حدود ذلك، وندع علمها لله تعالى، وكثير من الآيات دلت ~~على وجهين مختلفين، واحتملت معنيين متضادين. وكان من أشهر القائلين بهذا الرأي ~~عبيد الله بن الحسن الأنباري، وقد سئل عن أهل القدر، وأهل الجبر، فقال: كل ~~مصيب؛ هؤلاء قوم عظموا الله، وهؤلاء قوم نزهوا الله. # وكذلك القول في الأسماء، فمن سمى الزاني مؤمنا فقد أصاب، ومن سماه كافرا ~~فقد أصاب، ومن سماه فاسقا فقد أصاب، ومن قال منافقا فقد أصاب؛ لأن القرآن دل ~~على كل هذه المعاني، وسميت هذه الطائفة بالوقوف، جمع واقف، كالقعود والجلوس، ~~جمع قاعد وجالس. # وذهب قوم إلى تفسير القرآن تفسيرا صوفيا، فهم يفسرون الآيات التي تدل على ~~مظاهر الأشياء تفسيرا يدل على النفس، أو الشيطان، أو الملائكة، أو نحو ذلك من ~~مثل ما يذهب إليه الجنيد، وسفيان الثوري، وهكذا تشعبت الآراء، واختلفت ~~المذاهب، وأصبحوا يخضعون القرآن للمذهب، بعد أن كانت تخضع المذاهب ~~للقرآن. # الحديث # تضخم الحديث حين بلغ عصرنا هذا الذي نؤرخه، ودونت كتب كبيرة كالبخاري ~~ومسلم، ms255 وأكثر منهما مسند ابن حنبل؛ وبلغ مجموع أحاديثه نحو 60000 ألفا، وهذا ~~التضخم يرجع فيه إلى سببين: الأول: كثرة الوضع؛ فقد دخل في الحديث كثير من حكم ~~الأمم المختلفة، واندس فيه بعض عقائد الأمم القديمة. والثاني: اجتهاد العلماء ~~في الجمع؛ فقد كان علماء الحديث يرحلون إلى الجهات المختلفة، ويزاحمون التجار ~~في الخانات. # وبجانب جمع الحديث نشأ حوله كثير من العلوم مثل: علم الناسخ والمنسوخ من ~~الأحاديث، فإذا رأوا حديثا يناقض حديثا آخر، وعرف المتأخر منهما، دل ذلك على ~~أن المتأخر ناسخ للمتقدم، ومثل علم الجرح والتعديل؛ يذكرون فيه الصفات التي ~~تلزم المحدث حتى يكون عدلا، فإذا نقصها، أو نقص صفة منها لم يحز صفة العدل، ~~إلى غير ذلك من العلوم. # وفي هذا القرن الرابع ظهرت فكرة أنه يجوز الاكتفاء في رواية الحديث بما في ~~الكتب، وقد ذكروا أن ابن منده كان خاتمة الرحالين، وعدوا ابن يونس الصفدي ~~المتوفى سنة 347ه إماما حافظا للحديث وإن لم يرحل، وكان المحدثون يعدون ~~أكبر العلماء شأنا، فيبجلون ويعظمون، ويغدق المال عليهم أكثر من الفقهاء ~~والنحاة وغيرهم. # وكان لرواية الحديث مزية، وهي تقوية ذاكرة المحدثين، فكان بعضهم يحفظ الآلاف ~~من الأحاديث بسندها مع صعوبة السند، وتشابهه، فيروون أن ابن ميسر المتوفى سنة ~~401ه كان عنده درج طويل طوله سبعة وثمانون ذراعا مملوء الوجهين، فيه أوائل ما ~~يحفظه من الأحاديث، وكان قاضي الموصل المتوفى سنة 355ه يحفظ مائتي ألف حديث عن ~~ظهر قلب، وكان بعضهم يتعبد بقراءة الحديث، فيروون أن الخطيب البغدادي قرأ صحيح ~~البخاري على كريمة بنت أحمد المروزي في خمسة أيام، وكان أكبر محدثي القرن ~~الرابع أبا الحسن الدارقطني، والحاكم النيسابوري، وربما كان الحاكم هذا ~~أعظمهما، فقد وضع مصطلحات الحديث من صحيح وحسن وضعيف، وجعل لها أصولا، ووضع ~~لذلك أساسا بقي معمولا به إلى اليوم، وقسم الرواة إلى أنواع، وجعل الجرح ~~والتعديل أنواعا، ولكل نوع لفظا: فأعلاها ثقة، أو متقن، أو ثبت، أو حجة، ~~أو عدل، أو حافظ، أو ضابط؛ والثانية: صدوق، أو محله ms256 الصدق، أو لا بأس به، ~~ويقال: إنه سبقه إلى ذلك ابن أبي حاتم المتوفى سنة 327ه، وقام العلماء بنقد ~~الحديث، ونقد السند، وتأريخ المحدثين، والحكم عليهم أو لهم، وأصبح الجرح ~~والتعديل مبنيين على أصول من مثل كتاب التاريخ للبخاري، ووصلوا في ذلك إلى غاية ~~بعيدة؛ فالخطيب البغدادي المتوفى في القرن الذي بعد قرننا يحكون عنه أنه كان ~~عالما بالرجال علما واسعا، حتى إنه ألف كتابا في رواية الآباء عن ~~الأبناء، وآخر في رواية الصحابة عن التابعين، وربما كانت كتاب السير، والعناية ~~بالتاريخ منشؤها عناية المحدثين برجال الحديث، حتى إن الأدباء والمؤرخين ~~قلدوا المحدثين في ذكر السند، كما فعل أبو الفرج الأصفهاني في «الأغاني»، ~~والطبري في تاريخه، فإنهما يذكران السند مع أن السند في الأدب ليست له قيمة ~~كبرى، فإن الخبر الأدبي، أو القطعة الأدبية لها قيمة ذاتية، ولو لم يصح ~~سندها. # وقد قالوا: إن الخطيب البغدادي أبان دقة فائقة على نقد الوثائق المكتوبة؛ ~~وإثباته تزويرها، ومعرفته تواريخ حياة الرجال الذين يذكرون فيها. # ولئن كان للمحدثين محامد من ناحية الجد في الجمع والنقد، وعدم الاكتراث ~~بالمتاعب، والصبر على الفقر، ونحو ذلك، فقد كان لهم - والحق يقال - بعض الأثر ~~السيئ في المبالغة في الاعتماد على المنقول دون المعقول، خصوصا بعد ما مات ~~المعتزلة؛ فقد كان المعتزلة هؤلاء حاملي لواء العقل، والمحدثون حاملي لواء ~~النقل، وكان عقل المعتزلة يلطف من نقل المحدثين. فلما نكل بالمعتزلة على يد ~~المتوكل، علا منهج المحدثين، وكاد العلم كله يصبح رواية، وكان نتيجة هذا ~~ما نرى من قلة الابتكار، وتقديس عبارات المؤلفين، وإصابة المسلمين غالبا ~~بالسقم، حتى لا تجد كتابا جديدا، أو رأيا جديدا بمعنى الكلمة، بل تكاد ~~العقول كلها تصب في قالب واحد جامد. # واتخذت التراجم شكل تراجم المحدثين من ذكر وقائع وأحداث من غير تجديد، ~~كالذي تراه في «الأغاني». ومن الأسف أن منهجهم ساد منهج المعتزلة وغلبهم، وكان ~~منهج المعتزلة منهجا متينا دقيقا حتى لم يستطع أن يفر منه إلا ~~القليل. # كما يؤخذ عليهم أنهم عنوا ms257 بالسند أكثر من عنايتهم بالمتن: فقد يكون السند ~~مدلسا تدليسا متقنا فيقبلونه، مع أن العقل والواقع يأبيانه، مثل: «من أكل ~~سبع بلحات عجوة، لم يصبه في ذلك اليوم سم»، ومثل: «لا يفلح قوم ولوا أمرهم ~~امرأة» إلخ. # بل قد يعده بعض المحدثين صحيحا؛ لأنهم لم يجدوا فيه جرحا، ولم يسلم ~~البخاري، ولا مسلم من ذلك، وربما لو امتحن الحديث بمحك أصول الإسلام، لم يتفق ~~معها، وإن صح سنده. # وقد كان من بعض المحدثين من تدخل عليهم أساليب الدهاة المكرة الوضاعين؛ ولذلك ~~قال بعضهم في بعض المحدثين: «إننا نطلب دعوته، ولا نقبل حديثه». وقد جنى منهج ~~الحديث على كل علم آخر، فقل الابتكار في اللغة والأدب، والنحو والصرف؛ فكانت ~~عبارة عن حكاية أقوال المتقدمين، وإن اختلفت في شيء فيما بينها، ففي التعبير ~~الصعب أو السهل فقط، وفي الاختصار أو التطويل فقط. # وإذا كانت للمحدثين سلطة كبرى كان من خرج على منهجهم قيد شعرة، شغب عليه، ~~ورمي بالزندقة. # وفي التاريخ أمثلة كثيرة من هذا القبيل؛ من أولها ما ذكرنا قبل من اضطهاد ~~المحدثين لابن جرير الطبري، وأسوأ ما في هذا أن الأمر لم يقتصر على العداء بين ~~العلماء بعضهم مع بعض، بل اجتهد كل فريق أن يدخل العامة في الموضوع؛ ليستعين ~~بهم في التنكيل بخصومه. # ولكن مع هذا كله لا ننسى أنه بفضلهم نقدت الوثائق الدينية نقدا دقيقا، يشبه ~~ما يضعه علماء التاريخ اليوم. # علم الكلام # نشأ علم الكلام من الحاجة إلى الدفاع عن الإسلام أولا دفاعا مسلحا ~~بالفلسفة، كما كان المهاجمون مسلحين بها. وثانيا: لأن المسائل كلها حتى ~~الدين تحولت إلى علوم بعد أن كانت سائرة على الفطرة. # ولم يعدم بعض العقول أن يثيروا مسائل كانت تثار في عهد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~والصحابة، والتابعين فتكبت، ثم نجمت فيما بعد ولم تكبت، مثل: هل صفات الله غير ~~ذاته، أو هي هي؟ وهل الإنسان مجبور أم مختار؟ وهل مرتكب الذنوب فاسق، أو مؤمن، ~~أو كافر؟ ونحو ذلك. # وقد دعت إثارة هذه ms258 المسائل، والتبحر فيها إلى إثارة مسائل أخرى عويصة، ~~كالطفرة، والذرة، ونحوهما، وقد ساعد على هذا التوسع أن أمثال هذه المباحث ~~كانت أثيرت عند اليونان، ثم نقلت إلى العربية. # وكان للمعتزلة الفضل الأكبر في علم الكلام؛ لأنهم كانوا أكبر المدافعين عن ~~الإسلام لما كان يثيره اليهود والنصارى الوثنيون من هبوب، حتى لقد كانوا فيما ~~روي يرسلون أتباعهم الكثيرين إلى البلدان الأخرى لرد هذا الهجوم ردا ~~عقليا. # وذاع صيتهم، وعلا شأنهم بوجود طائفة ممتازة منهم، مثل: واصل بن عطاء، وأبي ~~هذيل العلاف، والنظام، والجاحظ، وغيرهم، بسبب ما أثير من مسألة خلق القرآن، ~~فقد نشأت عنه مسألة كلامية، وهي أن أهل السنة يقولون: إن لله صفات غير ذاته، ~~ويقول المعتزلة: إن صفات الله عين ذاته، ونشأ عن ذلك أن أهل السنة يقولون: إن ~~لله صفة الكلام غير ذاته، وهي صفة متصلة به، والقرآن قديم بمعنى أنه كلام الله ~~القديم، الذي كان من آثره القرآن المقروء الذي أنزل على محمد، ولم يقولوا في ~~الأصل: إن القرآن الذي هو في المصحف قديم، وإنما القديم هو كلام الله، وإذ كان ~~المعتزلة ينكرون أن لله كلاما غير ذاته نتج عن ذاته قولهم بخلق القرآن، ودار ~~الجدل الطويل في ذلك على النحو الذي ذكرناه من قبل في «ضحى الإسلام». # وكانت المسائل الكلامية تدور بين الفرق الخمس التي شاعت في هذا الوقت، وهي: ~~أهل السنة، والمعتزلة، والمرجئة، والخوارج، والشيعة، وكانت كل فرقة من هذه ~~الفرق تنقسم إلى طوائف قد تختلف فيما بينها كثيرا أو قليلا، فإذا كان الخلاف ~~على العقائد، وما يتصل بها فذلك علم الكلام، وإذا كان الخلاف على الفروع، وما ~~يتصل بها، فذلك علم الفقه. # ونلاحظ أن علم الكلام أولا كان مختلطا بالفقه، وكانت هناك مسائل فقهية في ~~ثنايا علم الكلام، ثم تحرر علم الكلام عن الفقه بفضل المعتزلة. # وأضافوا إلى المسائل الأولى التي كانت تثار مسألة الإمامة، وربما كان للشيعة ~~أكبر دخل في ذلك؛ لأنهم كان لهم منهج مخصوص يخالف مذهب أهل السنة. ومن أهم ~~مسائلهم ms259 مسألة القدر، وهي مأخوذة عن مذهب زاردشت؛ ولذلك يقال لهم: الثنوية، ~~ويقول ابن حزم: «إن المعتزلة هم الذين اخترعوا لفظ الصفات»، ثم تكلم بها ~~فيما بعد، ويصف المعتزلة بأنهم يمتازون بخصال أربع: «وهي: اللطافة، والدراية، ~~والفسق، والسخرية»، وكانوا مولعين بالجدل، كما اشتهر بذلك الجاحظ، ومن أجل هذا ~~سمي هذا العلم علم الكلام. # ويظهر منهجهم في الوصف الذي وصفناه للمنهج الذي اتبعه في التفسير الزمخشري ~~كما بينا. # وكان عدوهم اللدود أهل السنة. # وكان أبو الحسن الأشعري معتزليا أولا، ثم خرج عليهم، وحاربهم بمثل سلاحهم، ~~وأخذ من مذهبهم بعض الأشياء، ومن مذهب خصومهم بعض الأشياء، فكان مذهبا ~~مختارا، حاول فيه أن يوفق بين العقل والنقل. # ويقول في بعض كتبه: «قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسك ~~بكتاب الله، وسنة نبيه، وما روي عن الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، وبما ~~عليه أحمد بن حنبل، ونحن بأقواله قائلون، ولمن خالف قوله قوله مجانبون»، ولكن ~~بعض كبار أهل السنة لم يرضوا عنه كل الرضا، ورأوا أن في بعض تعاليمه دسائس من ~~أصول المعتزلة. # وقد شنع عليه في الأندلس الإمام ابن حزم، وسلقه بلسان حاد في كتابه ~~«الملل والنحل». # الفصل الثاني # | الفقه والتصوف # ذكرنا في «فجر الإسلام» وضحاه تاريخ الفقه في العصور المتقدمة، حتى إذا جاء عصرنا ~~هذا تحول الفقه تحولا جديدا، وأكبر مظاهر هذا التحول سد باب الاجتهاد، فقد وصل ~~الفقه إلى ذروة مجده في القرون السابقة، فلما جاء القرن أقفل العلماء باب الاجتهاد، ~~وكان ذلك طبيعيا لحالة العصر، قال سعيد بن الحداد الفقيه القيرواني: «إن الذي ~~أدخل كثيرا من الناس في التقليد نقص العقول، ودناءة الهمم»، وكانت وفاته سنة 330ه، ~~وكان من نتيجة ذلك: # أولا: # اقتصارهم على النقل عمن تقدم، وانصرافهم لشرح كتب المتقدمين، ~~وتفهمها، ثم اختصارها. # ثانيا: # جمع الفروع الكثيرة في اللفظ القليل؛ مما جنى على الفقه، وسائر ~~العلوم. # ثالثا: # اقتصارهم على التحشية والقشور. # رابعا: # كثرة الفروض في المسائل. # وكانت هذه الحال نتيجة طبيعية للتاريخ السياسي والاجتماعي؛ فالخلفاء كانوا تحت ~~سيطرة الأتراك ms260 حينا، وتحت سيطرة الديلم من بني بويه حينا آخر، وهؤلاء الديلم ~~والأتراك لم يكونوا يحسنون اللغة العربية إحسان من قبلهم، وأتت بعد ذلك غارة التتار ~~فقضت على البقية الباقية من المدنية والحضارة، وعلو الهمة. # وقد كان نشاط الفقهاء من قبل نشاطا غير محدود، فلما أغلقوا باب الاجتهاد توجه ~~نشاطهم إلى المسائل التي ذكرناها، من اختصار لما مضى، ووقوف على أقوال الأئمة ~~السابقين، وفرض الفروض، وخصوصا في بابي العتق والطلاق. # والسبب في ذلك أن الرقيق كان قد كثر في البيوت من نساء ورجال وأطفال، وحدثت حوادث ~~للرقيق كثيرة، من إباق ومكاتبة، وغير ذلك، فتوسع الفقهاء في هذا الباب كثيرا، وأما ~~الطلاق فيظهر أنه قد كثر في ذلك العصر بسبب تعداد الزوجات، وكثرة الإماء، وغيرة ~~الحرائر من الإماء، والإماء بعضهن من بعض، فكثرت الفروض، والأحكام في هذا ~~الباب. # وكان اللغويون أيضا يفرضون الفروض الكثيرة للتعليم، فيقولون: كيف تشتق من كذا ~~على وزن كذا؟ فقلدهم في ذلك لفراغ ذهنهم من المسائل الكلية، مثل أن يقولوا: ما ~~حكم من قال: أنت طالق واحدة قبلها واحدة، بعدها واحدة؟ وما حكم من قال: أنت طالق ~~نصف تطليقة، أو ربع تطليقة؟ وهكذا من الفروض السخيفة. # ومن مظاهر الفقه في هذا العصر أيضا شيوع التعصبات المذهبية، فقد كان الأئمة ~~أنفسهم متسامحين، وكانوا لا يعيبون اجتهاد زملائهم، وقد فهموا تمام الفهم حرية ~~الرأي كالذي نراه في رسالة الليث بن سعد إلى مالك بن أنس، ومع ما كان يبديه الشافعي ~~من نقد أبي حنيفة كان يقول: «الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة»، ويقول: «مذهبنا ~~صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيرنا خطأ يحتمل الصواب»، ويجتهدون في التدليل عليه، ونقد ~~أقوال خصومهم، وكل ما فعلوه أن اجتهدوا النوع الاجتهادي الوضيع الذي يسمى اجتهاد ~~مذهب، وذلك يقضي فقط بأنه إذا روى عن الإمام روايتان، رجح الفقيه رواية أو ~~رأيا. # ولنقص طرفا من أمثال هؤلاء، فمن أمثال ذلك: أن أبا الحسن الكرخي رئيس الحنفية ~~بالعراق، والمتوفى سنة 340ه صنف المختصر، وشرح الجامع الصغير، والجامع ms261 الكبير ~~لمحمد بن الحسن، أما أن يكون له رأي في مسائل جديدة يجتهد فيها، فلا، ومثل أبي ~~الحسن القدوري، ألف المختصر المشهور، وشرح مختصر الكرخي، وصنف كتاب «التجريد»، ~~وهو يشتمل على الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي. # ومن شدة خلافاتهم، وتعصبهم لمذهبهم، وكثرة جدالهم، نشأ علم يسمى آداب البحث ~~والمناظرة، يقصدون منه الشروط التي يتبعها المجادل في جدله، إذا أصبح فوضى. # وقد جعل الغزالي المثل الأعلى لها في شروط ثمانية: ~~(1) # ألا يمعن في البحث، ولا يشتغل به ما أمكن. ~~(2) # أن الجدل فرض كفاية، فإذا رأى فرض كفاية آخر أهم منه اتجه ~~إليه. ~~(3) # أن يكون المناظر مجتهدا يفتي برأيه، إلا بمذهب معين، حتى إذا ظهر له ~~الحق من مذهب أيا كان ذهب إليه. ~~(4) # ألا يناظر إلا في مسائل واقعية، أو قريبة الوقوع. ~~(5) # أن تكون المناظرة إليه في الخلوة أحب إليه من المحافل، وبين الأكابر ~~والسلاطين. ~~(6) # أن يكون في طلب الحق، كناشد ضالة، لا يفرق بين أن تظهر الضالة على ~~يده، أو على يد غيره. ~~(7) # ألا يمنع خصمه من الانتقال من دليل إلى دليل، فلا يقول: إن هذا يناقض ~~كلامك الأول، فلا يقبل منك، فإن الرجوع إلى الحق يجب قبوله. ~~(8) # أن يناقش من يتوقع الاستفادة منه، ولا يقصد الضعيف ليتغلب ~~عليه. # وقال: «إن من آفة المناظرة في عصره الحسد والتكبر، والترفع على الناس، والغيبة ~~والتجسس، والنفاق، والإصرار على الرأي مهما ظهر بطلانه» إلخ. # وربما كانت كثرة المناظرات، وتظاهر العلماء بالغلبة، وحبهم للتقرب من العظماء ~~من الأمور التي أوجبت على الغزالي تركه لمنصبه كمدرس في المدرسة النظامية، وتزهده ~~في دمشق. # وكان من مظاهر هذا العصر التزام مذهب بأكمله كالشافعي والحنفي في كل المسائل، ~~وتحريم انتقاله من مذهب إلى مذهب، كأنه انتقال من دين إلى دين، كذلك من مظاهر هذا ~~العصر ظهور مذهب الشيعة في المغرب ومصر والشام، ومحاربته للمذاهب السنية كمالك ~~والشافعي في قسوة وجبروت، وفرض المذهب الشيعي على الناس بالقوة، وقد عاقبوا بالقتل ~~رجلا رأوا عنده كتاب «الموطأ» لمالك، وهكذا فعلوا في المغرب، ms262 فيحكي لنا القاضي ~~عياض في «المدارك» كيف أسرف الفاطميون في فرض المذهب الشيعي، وقتل من أباه، فيقول ~~في ترجمة أبي بكر بن هذيل، وأبي إسحاق بن البرذون كيف سجنا وربطا في أذناب الدواب ~~حتى ماتا لعدم إفتائهما بمذهب أهل البيت، وكذلك فهل أهل السنة فيما بعد لما ~~تمكنوا من الشيعة، فقد قضوا على مذهبهم، وكل هذا سببه السياسة مغطاة بغطاء ~~الدين. # ونكبة النكبات، والمصيبة العظمى ما كان من الخلاف بين الفقهاء والصوفية، فالإسلام ~~في جوهره لم يكن يفرق بين الاثنين، بل يأمر بالأعمال الظاهرة، ويطلب إصلاح الباطن، ~~ومراقبة الله في أدائها، يدل على ذلك قوله تعالى: # قد ~~أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون ~~، فهو يطلب الصلاة، ويطلب خشوع النفس فيها، وكذلك كان يفعل ~~الصحابة والتابعون، يؤدون الشعائر، ويحسنون النية، فلما كثر الفقهاء، وتغلغلوا في ~~الفقه، رأيناهم يغالون في مراعاة الشعائر الظاهرة من وضوء وصلاة وزكاة، ومتى تصح، ~~ومتى لا تصح، من غير تعرض كثير للنية، ومحاسبة الروح، ونحو ذلك من الأعمال الباطنية ~~النفسية. ومن ناحية أخرى تغالى الصوفية في الأعمال النفسية الروحية، ولم يضغطوا ~~ضغطا كافيا على الأعمال الظاهرة، فكان هناك فقهاء وصوفية، وعداء بين الفقه ~~والتصوف؛ الصوفية يرمون الفقهاء بأنهم لا يعبأون إلا بالقشور من مظاهر الأمور، ~~والفقهاء يرمون الصوفية بأنهم غلوا في أحوال الروح أكثر مما كان يعرفه الإسلام، ~~وسموهم أهل الباطن. # هذه ناحية ومن ناحية أخرى، فقد كان هناك في مبدأ الإسلام بعض الناس يميلون إلى ~~الزهد، إما لأنهم فشلوا في الحياة فتزهدوا، وإما لأنهم لم يجدوا ما يغتنون به ~~فتزهدوا، وإما لأن لهم مزاجا خاصا يكره الدنيا ونعيمها، والحياة وزخرفها، ~~فتزهدوا، وإما لأن إحساسهم رقيق، ملأ الخوف من النار نفوسهم، وخافوا أن يحاسبوا يوم ~~القيامة حسابا عسيرا على مالهم ونعيمهم، وسمعوا قوله تعالى: # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ~~سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم # فتزهدوا. # وقد حكى لنا التاريخ أمثلة كثيرة من المتزهدين في صدر الإسلام، فمنهم من كان يأبى ~~على نفسه أي نعيم، ms263 ويتمسك بقوله تعالى: # قل متاع ~~الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتق ~~، فكانوا يزهدون ~~في الأكل، والنوم، والاختلاط بالناس، وسائر اللذات البدنية، كما قال القشيري: «من ~~كان له رداء واحد خير عند الله ممن له رداءان». وكانوا يتبتلون، ويكثرون من الصبر، ~~ويتناظرون في أيهما خير عند الله: الغني أم الفقير؟ ومنهم من تزهدوا بأشكال أخرى ~~حتى فيما أحل الله، وقد فسر بعضهم قوله تعالى: # ثم ~~لتسألن يومئذ عن النعيم # بشرب الماء البارد، فامتنعوا ~~عنه خوف السؤال ... فلما جاء المتصوفة فلسفوا الزهد، وجعلوه مقامات وأقساما، فكان من ~~زهدهم لبس الصوف الخشن كما يفعل رهبان النصارى؛ فسموا من أجل ذلك بالصوفية، وهذه ~~النسبة هي الصحيحة، وهي التي تتفق مع اللغة، ثم إن التصوف لما كان مختلطا مع الفقه ~~في العصر الأول كان إسلاميا بحتا، وكان الزهد طوعا للأوامر الإسلامية، وظل ~~كذلك طول العهد الأموي، وفاتحة هذا النوع الحسن البصري، فلما دخل في الإسلام كثير ~~من الأمم الأخرى أصحاب الديانات الأخرى كالنصارى، واليهود، والفرس، والهنود، ~~وانتشرت الفلسفة اليونانية، والأفلاطونية الحديثة، استمد التصوف من كل هذه ~~المنابع، فلون عند بعض الناس بالزرادشتية الفارسية، وبالمذاهب الهندية، ولون عند ~~بعض الناس بالنصرانية، وعند بعضهم بالأفلاطونية الحديثة، ثم اختلطت هذه العناصر ~~كلها بعضها ببعض، فكانت نزعات مختلفة، وطرق مختلفة على مدى العصور؛ فترى مثلا أن ~~أبا يزيد البسطامي - وكان فارسي الأصل - يدخل على التصوف فكرة الفناء في الله، ~~وأفكارا أخرى لم تكن معروفة عند المسلمين من قبل، ومعروفا الكرخي المتوفى سنة ~~200ه كان من أصل مسيحي فارسي، وعاش في بغداد في حي كرخ الذي ينسب إليه، يقول ~~مثلا أقوالا لم تكن مألوفة من قبل مثل: «إن محبة الله شيء لا يكتسب بالتعلم، ~~وإنما هي هبة من الله وفضل»، وقوله: «يعرف أولياء الله بأموال ثلاثة: أن يكون ~~فكرهم في الله، وأن يقوموا بالله، وأن يكون شغلهم بالله»، ومما ينسب إليه أنه قال ~~يوما لتلميذه سري السقطي: «إذا كانت لك حاجة على الله فأقسم عليه بي»، ورابعة ~~العدوية التي يدل ms264 اسمها على أنها عربية ملأت التصوف بحب الله، وأبا سليمان الداراني ~~المتوفى سنة 215ه يقول: «لو تمثلت المعرفة رجلا لهلك كل من نظر إليها لفرط ~~جمالها، وحسنها، ولطفها، ولبدا كل نور ظلاما إلى بهائها»، وهكذا كان كل كبير ~~من كبراء التصوف يدخل عليه لونا جديدا، ويصبغه صبغة جديدة، حتى لتشعبت العناصر ~~التي تكونت منها الصوفية الإسلامية، وغمضت حتى على كبار الباحثين. # وناحية أخرى، وهي أن الفقه وسائر العلوم تعتمد أكثر ما تعتمد على العقل، وقضايا ~~المنطق، والبراهين العقلية، أما التصوف فيعتمد على الذوق والكشف، ولا يخضع للمنطق، ~~ولا للعقل، شأنه شأن الحب كالذي قال: # ليس يستحسن في شرع الهوى # عاشق يحسن تأليف الحجج # بني الحب على الجور فلو # أنصف المحبوب فيه لسمج # ونرى في الطبيعة أصنافا ثلاثة من الناس: قوم قويت عقولهم؛ وهم أميل إلى بحث ~~النظريات العقلية، وهؤلاء إلى العلم أقرب، والتعلم في الجامعات أنسب، وقوم اعتمادهم ~~على قلبهم، وإن شئت فقل على عاطفتهم أو ذوقهم، وهؤلاء للفنون الجميلة من أدب وشعر، ~~وموسيقى، وتصوير أنسب، وقوم مزيتهم في أيديهم، وهؤلاء للصناعات أنسب، والأمة ~~الحكيمة من تتخذ وسائل لمعرفة أبنائها، لأي شيء هم أكثر استعدادا، فتوجههم إلى ما ~~خلقوا له. # والصوفية من النوع الثاني يعتمدون على الذوق، وعلى الكشف والإلهام، ولا يصح أن ~~تسألهم عن الحجة العقلية فيما يقولون، بل قد تغمرهم العاطفة فيشطحون، ويتكلمون بما ~~لا يفهمون، حتى كأنهم شعور بلا جسم ولا عقل، وعاطفة بلا تفكير، وهياج بلا رزانة، ~~فمن عندهم هذا الاستعداد يصلحون للتصوف، وينبغون فيه بمقدار استعدادهم، أما من كبر ~~عقله، وسار في حياته على القضايا المنطقية، فقد يكون فيلسوفا، وقد يكون طبيعيا، ~~وقد يكون فقيها، وقد يكون كل شيء إلا أن يكون متصوفا. # ومن أجل ذلك لم أفهم إلى الآن أن يكون ابن سينا فيلسوفا ومتصوفا، فالفلسفة ~~تعاند التصوف، وهو يعاندها، وقد قرأت رسالة لابن خلدون - العاقل في التصوف - وهي ~~رسالة مخطوطة فلم أستحسنها، إلا لأن كاتبها ابن خلدون، ورأيت أحسن ما فيها البحث في ms265 ~~أن سالك سبيل التصوف هل لا بد له من شيخ يأخذ عنه التصوف أو لا؟ وهو بحث عقلي لا ~~صوفي، ومن أجل ذلك يسمي الفقهاء إدراكاتهم معرفة، ويقولون: إن ما يعلمه الفقيه ~~والفيلسوف بالعقل نراه نحن بالكشف. # وناحية أخرى، وهي أن هناك فكرتين: فكرة يصح أن نسميها بالأثنينية، وهي تعتقد في ~~الله أنه مستقل عن الخلق، يشرف عليه من فوق، ويمد كل مخلوق بإمداداته، ويدبر نظام ~~الكون من أصغره إلى أكبره، وهو فوق الأرض، وفوق السماء، وفوق كل شيء، وأن في الكون ~~موجودين متميزين عن بعضهما كل التميز، مخلوق وخالق، ومدبر ومدبر، ومحكوم ~~وحاكم. # أما الفكرة الثانية، فترى الواحدية - أو بعبارة أخرى - وحدة الوجود، وأن الله ~~والخلق واحد، والحاكم والمحكوم شيء واحد، كما قال الحلاج: # أنا من أهوى ومن أهوى أنا # نحن روحان حللنا بدنا # فإذا أبصرته أبصرتني # وإذا أبصرتني أبصرتنا # وكقوله: «ما في الجبة إلا الله»، أي أن الله في كل شيء، وهو كل شيء، يظهر في ~~المخلوقات حسب تدرجها في الرقي، فالله في الإنسان أرقى منه في الحيوان، وهو في ~~الحيوان أرقى منه في النبات، وهكذا، وعند الأولين أن الإنسان يدرك الله بالعلم؛ ~~وقضايا المنطق، وغاية الرقي في ذلك الفلسفة. أما عند أهل الفكرة الثانية، فإدراك ~~الله بالمعرفة، والمعرفة تحصل بالتروض، فإذا تم التروض صفت النفس، وانطبع فيها ~~الله. ويروى أن أبا سعيد بن أبي الخير الصوفي المشهور اجتمع بابن سينا، فلما فرغا ~~سئل أبو سعيد عن ابن سينا فقال: ما أراه يعلمه، وسئل ابن سينا عن أبي سعيد، فقال: ~~ما أعلمه يراه. والحكاية وإن كانت موضوعة، فإنها تدل على معنى صحيح، والناظر في ~~القرآن يرى فيه طرفا من هذا، وطرفا من ذاك، وفي كثير منه تفرقة بين الخالق ~~والمخلوق، وفي بعضه توحيد لهما، مثل: # وما رميت إذ ~~رميت ولكن الله رمى ~~، والذي عني بالفكرة الأولى الفقهاء، ~~والذي اعتقد الثانية أغلب المتصوفة، وعلى رأسهم محيي الدين بن العربي، وسموا اجتهاد ~~الأولين شريعة، واجتهاد الآخرين حقيقة، وسمي الفقهاء أهل ms266 شريعة، وسمي المتصوفة أهل ~~حقيقة. # والمسلمون الأولون كانوا كالقرآن على وفاق وامتزاج بين الفكرة الأولى والثانية؛ ~~ولكنهم فيما بعد غالى كل منهم في فكرة، فكان العداء بين الفقهاء والمتصوفة، غالى ~~الفقهاء في أعمال الظاهر، وغالى المتصوفة في أعمال الباطن، فالفقهاء ينظرون إلى ~~المتصوفة نظرة شذوذ وانحراف عن الدين الحق، وكذلك نظر المتصوفة إلى الفقهاء. # ونرى في التاريخ أن الأمراء كانوا ينصرون عادة الفقهاء على المتصوفة لسببين: ~~الأول: أن التعاليم الصوفية تدعو إلى الزهد، وعدم الاهتمام بالدنيا، ولو عمت ~~الفكرة الناس ما صلح ملك، ولا وجد من يعمل. والثاني: أن الصوفية الحقيقيين إنما ~~يخضعون لله وحده، ويؤمنون تمام الإيمان بأن لا إله إلا الله، فلا خضوع لملك أو ~~أمير، وهذا يغضب ذوي السلطان عادة، ففي كل موقعة ثارت بين الفقهاء والمتصوفين كان ~~الأمراء بجانب الفقهاء، لا الصوفية، إلا من تسموا الصوفية في هذا العصر، فإنهم ~~كانوا كالفقهاء ألعوبة في أيدي الأمراء. # وعلى العموم، فقد كانت الفكرتان متميزتين، وحاول الغزالي في أواخر القرن الخامس ~~أن يجمع بينهما، وعلى هذا الأساس ألف كتاب «إحياء العلوم»، فدعا فيه إلى المحافظة ~~على الشريعة الظاهرة، من صوم وصلاة وزكاة وحج، كما دعا إلى أنها لا قيمة لها ما لم ~~تدعم بالنية الحسنة، وواجب تطهير الظاهر كما يجب تطهير الباطن، وكان له فضل كبير في ~~إزالة العداء بين الفقهاء والصوفية. وطريقة أهل العقيدة الأولى أنهم يصلون إلى الله ~~عن طريق الاتساع في العلم من فقه، وتفسير، وحديث، وأصول، وغير ذلك، وطريقة أهل ~~العقيدة الثانية أنهم يصلون إلى الله عن طريق الرياضة من جوع، وأعمال شاقة، ونحو ~~ذلك. # فإذا فعلوا هذا حدث لهم ما يسمونه الكشف، وهذا الكشف يرون به الحق، ويحدث لهم من ~~اللذة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ تفنى نفوسهم في الله، ~~ويتحدون بالله، وفي أول أمرهم يكون هذا الكشف عبارة عن لحظات لذيذة على فترات، ثم ~~إنهم بالمران يسهل عليهم هذا الفناء، ومع ذلك لا يستطيعون أن يفنوا ms267 فناء تاما، ~~ولا دائما، ما داموا على قيد الحياة، إنما يحدث ذلك لهم بالموت، وهنا نتساءل: أي ~~الطائفتين كان أقرب إلى الدين الحق؟ وأيهما كان أنفع في الحياة الاجتماعية؟ وهو ~~سؤال يعسر الجواب عنه، ففي الفقهاء من بلغوا الذروة في الصدق، والإخلاص، والتشريع ~~الذي ينفع الناس كمالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، والطبري، وداود ~~الظاهري، وغيرهم. ومن المتصوفة من كانوا كذلك مخلصين كالقشيري، وأبي يزيد البسطامي، ~~ومحيي الدين بن العربي، وقد نفعوا الناس من ناحية أنهم قللوا تكالبهم على الدنيا، ~~وضبطوا نفوسهم، وكبتوا شهواتهم، ولكن مع الأسف وجد بين هؤلاء وهؤلاء دجالون؛ فقهاء ~~حرصوا على المظاهر، وقلوبهم هواء، إذا وضع الفقهاء المخلصون تشريعهم الجميل، وضع ~~هؤلاء كتب الحيل للتخلص من الواجبات، كما وجد من تعمقوا في المظاهر حتى تفهوا. وبين ~~الصوفية أيضا من كانوا دجالين؛ همهم اللعب بالمظاهر، وانغماسهم في الذكر ~~ومظاهره، والخرافات والأوهام. وفي الحق أن الدجل في التصوف كان أكثر من الدجل في ~~الفقه؛ وذلك لأن طبيعة الحياة الصوفية تفتح المجال كثيرا للتخريف، فدخلوا من هذا ~~الباب إلى التعاويذ، والأحجبة، والخرافات، واللعب بالنار، والدوسة، وغير ذلك من ~~أوهام، وكان في دجل هؤلاء وهؤلاء شر عظيم على المسلمين، وبعد كبير عن ~~الدين. # وقد آن الآوان لأن يتنبه المسلمون فيقضوا على الدجالين من الصنفين، ويؤيدوا ~~المخلصين من الفريقين، إن المجتمع في حاجة إلى تشريع يواجه مشاكل الجيل الحاضر، ~~وهذا عمل الفقهاء، وإلى ملطفين من الشر، والطمع، والتكالب على الدنيا، وهذا عمل ~~المتصوفين، وبدون ذلك لا تقوم للمسلمين قائمة، لا قدر الله. # على كل حال كان هناك خلاف شديد بين الفقهاء والصوفية ظل يتسع قرونا، نلخصه ~~للقارئ فيما يلي: ~~(1) # تغلغل الفقهاء في الشعائر الظاهرة، وتغلغل الصوفية في الأعمال ~~الباطنة. ~~(2) # اختيار الصوفية كل حين ضربا من القول يضايق الفقهاء؛ فأبو يزيد ~~البسطامي اخترع الفناء في الله، مما لم يدركه الفقهاء وأنكروه، ورابعة ~~العدوية اخترعت حب الله، والفقهاء لم يرضوا عنه، وقالوا: إن الحب إنما ~~يكون من إنسان لإنسان لا من إنسان ms268 لله، إنما الإنسان يطيع ولا يحب. وذو ~~النون المصري اخترع المقامات والأحوال، مما كان غريبا على ~~الفقهاء. ~~(3) # بعض الصوفية لم يلتزموا تماما الشعائر الدينية، بل قالوا: إن من ~~بلغ درجة الولاية تحرر من المظاهر - قد كان الصوفية الأولون يلتزمون ~~الشريعة، ويحضون على العمل بها، ولكن أتى بعضهم أخيرا، وأراد التحرر ~~منها، بل أشاعوا أن المعصية لا تمنع الولاية، حتى رأينا الحلاج ~~يتهم بأنه دعا إلى عدم الحج، والاكتفاء بالحج إلى غرفة في بيته، ~~ورأينا أبا حيان التوحيدي يؤلف رسالة يسميها «الحج العقلي»، وإن لم ~~نرها، مع تعبنا في الحصول عليها. # وكثر من ذلك أن بعض الصوفية كانت لهم آراء غريبة، مثل: العطف على ~~إبليس، والاعتذار عنه بأنه أبى السجود لآدم؛ لأنه كان يعلم أن السجود ~~لغير الله لا يجوز، وأن فرعون معذور؛ لأن الله لو أراد إيمانه لآمن، ~~فهو إذا منفذ لما أراد الله. ~~(4) # ادعاء الصوفية أن من اتصل بالله، وبلغ الغاية في الفناء، خضع له ~~الكون وقوانينه، وجرى على يديه خرق العادة بما يسمى «الكرامات»، ~~مقابل ما كان للأنبياء من معجزات، والفقهاء ينكرون عليهم ذلك، ويعتقدون ~~أن قوانين الله لا تتخلف إلا لنبي. # والذي نلاحظه أن بعض كبار الصوفية كان يأتي من الأعمال بما يعد عجائب، خصوصا في ~~تلك الأزمان، فكان بعضهم - لرياضتهم، وحدة عواطفهم - يأتي بما نسميه نحن الآن ~~«التنويم المغناطيسي»، وتحضير الأرواح، والتيليباتي، وغير ذلك مما سيكشف عنه العلم ~~الحديث، ويأتي بما يأتي به بعض الناس، من إحضار الذهب من الخزائن، وفاكهة الصيف في ~~الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، إلى غير ذلك من الأشياء الخارقة للعادة. # وكانت في تلك الأيام أعجب الأعاجيب، خصوصا وأن كثيرا منهم كانوا يشتغلون بعلم ~~الكيمياء، فيدلهم هذا العلم على أشياء تعتبر في نظر الناس إذ ذاك كرامات، مثل: دهن ~~الجسم بمادة تمنع تأثير النار، وابتلاع النار بعد ذلك، فلا يمسهم أذى؛ ومثل مخلوطات ~~كيماوية كانوا يخلطونها فتأتي بالعجائب، كالذي يحكى عن جابر بن حيان الملقب ~~«بجابر الصوفي»، وكالذي يحكى عن ذي النون ms269 المصري، وعن الحلاج، بل ما يدرينا ~~لعل بعض الكيماويين القدماء، ومنهم هؤلاء استطاعوا أن يحولوا المعادن إلى ذهب، ~~فكانوا ينفقون على أتباعهم من غير حساب، وربما كان العلم الحديث يؤيد هذه النظرية، ~~بعد أن ثبت أن الفرق بين ذرات الحديد، وذرات الرصاص، وذرات الذهب ليس إلا ~~خلافا في الشحنة الكهربائية التي في كل منها؛ أما جوهر الشحنة فواحد، فإذا ~~استطعنا أن نزيد ذرات الرصاص بما يسوي بينها وبين ذرات الذهب صار ذهبا. # والفقهاء ينكرون على الصوفية كل ذلك، ويعتقدون أن الصوفية يسيرون وراء الأوهام، ~~ويأتون بالمخاريق، والصوفية يعتقدون في الفقهاء أنهم أهل ظاهر فقط، ويسمونهم أهل ~~الدنيا، فاتحد الخلاف بينهم، بل من أسباب الخلاف أيضا أن الصوفية كانوا بحكم ~~صوفيتهم متسامحين، واسعي الصدر، يرون أن النصارى واليهود، وأهل كل دين، سواء أكانوا ~~كتابيين أو وثنيين، إنما يعبدون الله مهما اتجهوا، والمتدين منهم محب الله، وكل ~~الأديان ليست إلا طرقا توصل إلى غاية واحدة، والخلاف بينها خلاف في الأسماء، وقد ~~عبر عن ذلك أجمل تعبير ابن العربي في قوله: # لقد صار قلبي قابلا كل صورة # فمرعى لغزلان ودير لرهبان # وبيت لأوثان وكعبة طائف # وألواح توراة ومصحف قرآن # أدين بدين الحب أنى توجهت # ركائبه فالحب ديني وإيماني # ويعبر عنه جلال الدين الرومي في شعر صوفي فارسي ترجمته بالعربية: # نفسي: أيها النور المشرق. # لا تنأ عني، لا تنأ عني. # حبي: أيها المنظر اللامع. # لا تنأ عني، لا تنأ عني. # انظر إلى العمامة أحكمتها فوق رأسي، بل انظر إلى زنار زرادشت حول خصري، ~~أحمل الزنار، وأحمل المخلاة، بل أحمل النور. # فلا تنأ عني، لا تنأ عني. # مسلم أنا؛ ولكني نصراني، وبرهمي، وزرادشتي، توكلت عليك. # أيها الحق الأعلى. # فلا تنأ عني، فلا تنأ عني. # ليس لي سوى معبد واحد، مسجدا، أو كنيسة، أو بيت أصنام. # ووجهك الكريم فيه غاية نعمتي. # فلا تنأ عني، لا تنأ عني، إلخ إلخ. # وللصوفية شعر جميل مملوء بالحب والغناء، وحدة العاطفة، وقوة الوجدان، ومن الأسف ~~أنه لم يستغله الأدباء في ms270 مختاراتهم، وقد استعملوا فيه التعبيرات الدنيوية على سبيل ~~الرمز من خمر، ونساء، وبكاء أطلال، وحب وهيام، وقطيعة ووصال إلخ. يعنون بذلك ~~أحوالهم مع ربهم، كالذي نراه في ديوان ابن العربي «ترجمان الأشواق»، وديوان ابن ~~الفارض. # على كل حال، اتسعت مسافة الخلاف بين الفقهاء والصوفية في كل مصر، وشنع هؤلاء على ~~هؤلاء، وهؤلاء على هؤلاء، وربما ظهرت حدة الخلاف في ثلاثة مواقف: في ذي النون ~~المصري، وغلام الخليل، والحلاج. وسنلخص لك حالة كل موقف من هذه المواقف، فأما ذو ~~النون فمصري من أخميم، عرف بالزهد والورع، والعزلة عن الناس في البرابي، وكان في ~~أخميم برابي من بناء قدماء المصريين، عليها نقوش، وكتابات هيروغليفية، فكان يتجول ~~في هذه البرابي، ويمعن في هذه الكتابة، ويزعم أنه يقرؤها، وأنه يستطيع أن يترجمها، ~~وقد روي عنه ترجمات فعلا لبعض هذه الكتابات، ولكن لم يترجمها بناء على استكشاف حجر ~~رشيد، ولا معرفة بالحروف الهيروغليفية، وإنما هي ترجمة ظن أو إلهام؛ ولذلك خرجت ~~الترجمة لا تنطبق على الأصل في قليل أو كثير، ونطق بكلمات غريبة على أهل أخميم، ~~لعلها مستمدة هي أو بضعها من آراء بلديه الصعيدي الأسيوطي أفلوطين، فمن قارنوا ~~بعض تعاليمه بأقوال أفلوطين وجدوا بينهما شبها؛ فاتهمه أهل أخميم بالزندقة، ~~وسافر قوم إلى الفسطاط يشكونه إلى الوالي، وكان سيد فقهاء المالكية إذ ذاك محمد بن ~~عبد الحكم، فاستحضره، وسأله عما يقول؛ فتبينت له زندقته. ورووا عنه أنه استطاع ~~بكيميائه أن يحول الحصى إلى أحجار كريمة، وأن يأتي بكثير من المخاريق، وكان يزعم ~~أن ملوك مصر خافوا ذهاب العلم بالطوفان، فبنوا البرابي، وصوروا فيها كل الصناعات ~~وصانعيها، وصوروا جميع آلات الصناعات، وأنهم أودعوا فيها كل أسرارهم، وأنه استطاع ~~أن يعرف تلك الأسرار، ومما تعلمه ما كان عند المصريين من سحر. # على كل حال، إن ابن عبد الحكم اعتبر ذا النون زنديقا، فلما رأى ذو النون أنه قد ~~أسيء إلى سمعته رحل إلى بلاد عديدة، ثم عاد وقد مات ابن الحكم، وحل محله غيره، وعاد ~~الناس يتهمونه ms271 بالزندقة، وساعدهم على ذلك أن أصله قبطي نصراني، فعاد القاضي الجديد ~~الذي حل محل ابن الحكم، وهو ابن أبي الليث يتهمه بالزندقة من جديد، ويرسله إلى ~~الخليفة في بغداد، مكبلا بالحديد، ولكن كان هناك طائفة من المتصوفة في مصر ~~تجمعها رابطة التصوف، وطائفة من المتصوفة في بغداد بينهم بعض موظفي بلاط الخليفة ~~البغدادي المتوكل على الله، فاستدعاه وسمع قوله، فأعجب به، وأعاده على مصر معززا ~~مكرما، فلم يلبث بعد ذلك أن مات. وكل هذه المتاعب كانت بسبب أعمال الفقهاء، ولو ~~قلنا: إنه رأس كبير من رءوس المتصوفة، وأن الصوفية في بعض نواحيها مدينة كلها في ~~مصر لتعاليم ذي النون المصري لم نبعد، فهو - كما قلنا - مبتدع المقامات والأحوال، ~~وله أقوال كثيرة في المعرفة، وكان له تعبيرات أخذت في التعبيرات الصوفية، ككأس ~~المحبة، وهو أول من عرف التوحيد بالمعنى الصوفي، وملأ التصوف حكما من نوع خاص ~~ذكرها القشيري في رسالته، وفريد الدين العطار في «تذكرة الأولياء». ومن أقواله: ~~«إن المعرفة ثلاثة أقسام: الأول: حظ مشترك بين عامة المسلمين، والثاني: معرفة خاصة ~~بالفلاسفة والعلماء، والثالث: وهو العلم بصفات التوحيد خاص بالأولياء الذين يرون ~~الله في قلوبهم». ولما سئل: كيف عرفت ربك؟ قال: «عرفت ربي بربي، ولولا ربي ما ~~عرفت ربي». # وعلى الجملة فذو النون المصري شخصية كبيرة، لم تزل غامضة حتى اليوم. # وأما غلام الخليل، فكان محنة أخرى، ومظهرا آخر من مظاهر الخلاف بين الفقهاء ~~والصوفية. # وكانت محنة عامة للصوفية، قتل فيها عدد كبير منهم، اتهم فيها الصوفية بالزندقة، ~~وثارت العامة عليهم. والكلام على غلام الخليل، وشخصيته غامض، لم نجد فيه ما يشبع، ~~وقد نشأ غلام الخليل هذا ببغداد، وتعلم الحديث، وكان من المتشددين فيه، يرى ~~الوقوف في التشريع عند النقل، ولا يبيح القياس، يعظ في المساجد، ويعرف بالورع ~~والزهد، ولم يرو عنه من الأقوال القيمة مثل ما روي عن ذي النون وأمثاله، وكل ما عرف ~~عنه أنه كان فصيح اللسان في الوعظ، وقد يرميه بعضهم بالرياء. # وقد حرك العامة على الصوفية، ms272 فكان من أمره وأمرهم ما ذكرنا، وقتل منهم نحو نيف ~~وسبعين صوفيا، وسيق كثير منهم إلى السجون كالجنيد، وسحنون، ويظن أن غلام ~~الخليل نفسه هو الذي حرك العامة والسلطة عليهم، ويتهمه الصوفية بأنه حسدهم، وخاف ~~على منزلته منهم، بل يتهمونه بأنه حرض امرأة على سحنون، وادعت أنه راودها عن ~~نفسها، وساعد غلام الخليل في ذلك ما كان له من اتصالات شخصية برجال البلاط، وأنه ~~كان مهرجا. # وأما الحلاج، فله قصة طويلة، ومحنة كبيرة ~~نلخصها فيما يلي: # كان الحلاج فارسي الأصل، من بلدة في فارس تسمى البيضاء، نسب إليها البيضاوي ~~المشهور صاحب التفسير، واسمه الحسين بن منصور الحلاج، وقد ولد سنة 244ه، ونشأ ~~بواسط في العراق، ويظهر أنه كان حاد المزاج، غريب الأطوار، يشبه الناس الذين عندهم ~~«هستيريا». # بدأ في التصوف وعمره ستة عشر عاما، وتتلمذ على سهل التستري. ثم رحل إلى بغداد، ~~وأقام بها ثمانية عشر شهرا، ثم تتلمذ على الجنيد الصوفي المشهور، ثم حج، وأقام ~~بمكة نحو سنة. # وهناك اتهمه عمرو المكي بأنه يعارض القرآن، فلعنه، وود قتله؛ ففر من مكة، ~~وتجرد من لباس الصوفية، ولبس المرقعة والقباء، ورحل إلى خراسان، وما وراء النهر، ~~وظل في رحلته هذه نحو خمس سنين، ثم حج مرة ثانية، وعاد إلى بغداد، وبنى له فيها ~~دارا، ثم رحل إلى الهند، وقال: إنه يقصد من رحلته هذه دعوة أهل الشرك إلى التوحيد، ~~وتعلم السحر الهندي، ثم حج للمرة الثالثة، وأقام سنتين، ثم عاد إلى بغداد، ثم زار ~~فارس، وزار بها «قم» مركز الإمامية، وادعى أنه وكيل الإمام. # وفي سنة 297ه أفتى ابن أبي داود الظاهري بكفره؛ لكلامه في الحب، ففر إلى ~~الأهواز، واختفى بها، واتهم فيها بدعوى الألوهية، ثم تنقل بين السجون المختلفة سبع ~~سنوات، ومع ذلك استمر في الدعوة حتى آمن به بعض شخصيات البلاد، وأخيرا استجوب، ~~وحكم عليه بالإعدام، والتمثيل به، وإحراقه، وإلقاء ما بقي من جسده من رماد في نهر ~~الفرات. # هذا ملخص حياته، ومنها نعلم أنه كان حيث حل يتهم ms273 بالزندقة، وكان شيعيا ~~إماميا، ورجل رحلات كثيرة لبث الدعوة، وتبعه كثيرون يؤمنون به وبمذهبه، حتى وصلت ~~دعوته إلى بلاط الخليفة، ولنصور للقارئ طريقة محاكمته، كما وصلت إلينا. # لقد قبض عليه أخيرا وحبس، ولكن لم يكن مضيقا عليه في الحبس، فيسمح له بأن ~~يزار، وأن يرسل الخطابات إلى من يشاء. # وكانت محاكمته أيام الوزير حامد بن العباس، وهو الذي أوعز بمحاكمته، وكانت الدولة ~~في أيامه مقسمة الإدارة والصبغة بين سلطات ثلاث: فالدواوين، والكتابة في يد الفرس، ~~والخلافة، والقضاء في يد العرب، والجند، وما إليها في يد الترك، وهذه السلطات ~~الثلاث تتعارض وتتآمر، وكل فرقة تدس لغيرها الدسائس. # على كل حال، عهد حامد بن العباس الوزير إلى أبي عمر القاضي ، وأبي جعفر بن ~~البهلول، وغيرهما من وجوه الفقهاء بمحاكمته؛ فانعقدت الجلسة برياسة أبي عمر القاضي، ~~ونودي على المتهم؛ وسئل الحلاج عما اتهم به من أنه إله، وأنه يحيي الموتى، وأن ~~الجن يخدمونه، وأنه يعمل ما أحب عن طريق المعجزات، فأنكر التهم، وقال: أعوذ بالله ~~أن أدعي الربوبية أو النبوة؛ وإنما أنا رجل أعبد الله، وأكثر الصلاة والصوم، وفعل ~~الخير، ولا غير، فاستحضرت الشهود. # الشاهد الأول: هل تعرف الحلاج؟ نعم، وأعرف أصحابه، وأنهم متفرقون في البلاد ~~يدعون إليه، وإني شخصيا كنت ممن استجاب له، ثم تبين لي مخرقته ففارقته، وخرجت عن ~~جماعته، وتقربت إلى الله بكشف أمره، وانتهت هذه الشهادة. # الشاهد الثاني امرأة يقال لها: بنت السمري، نودي عليها فظهرت امرأة حسنة ~~العبارة، عذبة الألفاظ، جميلة الصورة، سئلت: هل تعرفين الحلاج؟ # قالت: نعم! ~~- ماذا تعرفين عنه؟ ~~- قابلته فقال لي: قد زوجتك من سليمان ابني وهو أعز أولادي، وهو بنيسابور، وليس ~~يخلو أن يقع بين المرأة والرجل كلام، فقد وصيته بك، فإن حدث منه شيء تنكرينه، ~~فصومي يومك، واصعدي آخر النهار إلى السطح، وقومي على الرماد والملح الجريش، واجعلي ~~فطرك عليهما، واستقبليني بوجهك، واذكري ما تنكرينه منه، فإني أسمع وأرى. # رئيس الجلسة ~~: # هل شيء آخر؟ # هي ~~: # نعم، كنت نائمة ليلة، وهو قريب منى، فما ms274 أحسست إلا وقد غشيني، فانتبهت ~~فزعة فقلت: ما هذا؟ قال: إنما جئت لأوقظك للصلاة. # رئيس الجلسة ~~: # هل شيء آخر؟ # قالت: نعم، أصبحت يوما وأنا أنزل من السطح إلى الدار، ومعي ابنته، فلما نزلنا ~~إلى تحت حيث يرانا ونراه، قالت لي ابنته: اسجدي له، فقلت لها: أو يسجد أحد لغير ~~الله؟ فسمع كلامي لها فقال: نعم، إله في السماء، وإله في الأرض، ودعاني إليه، وأدخل ~~يده في كمه، وأخرجها مملوءة مسكا، فدفعه إلي، وفعل ذلك مرات؛ ثم قال: اجعلي هذا ~~في طيبك، فإن المرأة إذا حصلت عند الرجل، احتاجت إلى الطيب، ثم أمرني أن أخلع بلاطة ~~في زاوية الدار، فوجدت تحتها دنانير كثيرة ملء البيت، فأخذت منه شيئا. # رئيس الجلسة ~~: # هل عندك شيء آخر؟ # هي ~~: # لا، هذا كل ما عندي، وخرجت. # أبو جعفر بن البهلول ~~: # قاض آخر، يأمر الجنود بكبس بيته ~~وبيوت أصحابه، فيجدون ورقا كثيرا من تعليمات، ودعوات لمذهبه لأصحابه، ورد ~~من أصحابه عليه، وكتابات بالشفرة لا يفهمها إلا هو، ومن أرسلها إليه، ~~وكتابات تثبت أنه يدعو إلى نوع من الحج آخر، فيكفي الرجل أن يخصص غرفة في ~~بيته لا تلحقها النجاسات، ولا يتطرقها أحد، فإذا حضرت أيام الحج طاف حولها، ~~وقضى من المناسك ما يقضي بمكة، وجمع ثلاثين يتيما، وأطعمهم أفخم الطعام، ~~وتولى خدمتهم بنفسه، ثم غسل أيديهم، وكسا كل واحد قميصا؛ ودفع لكل واحد ~~منهم سبعة دراهم، فذلك يقوم مقام الحج. # تليت هذه الورقة على الحلاج، فقال له رئيس الجلسة: من أين لك هذا؟ قال: من ~~كتاب «الإخلاص» للحسن البصري. قال له القاضي: كذبت يا حلال الدم، قد سمعنا كتاب ~~«الإخلاص»، وليس فيه شيء مما ذكرت، فلما سمع الوزير من القاضي: يا حلال الدم، قال: ~~اكتبها. فتلكأ، فألح عليه، فكتب بإحلال دمه، ومررت الورقة على سائر القضاة، ~~فأخذوا يوقعونها، فلما رأى الحلاج ذلك قال: «ظهري حمى ودمي حرام، وما يحل لكم أن ~~تتهموني بما يخالف عقيدتي، ومذهبي السنة، ولي كتب في الوراقين تدل على سنتي، ~~فالله الله في ms275 دمي». ولم يزل يردد هذا القول والقضاة يوقعون، حتى كمل الكتاب، ~~فأرسله الوزير حامد إلى الخليفة المقتدر مع رسول، وأمره بالسرعة، وعاد الجواب، ~~وعليه توقيع من الخليفة: «إذا كانت فتوى القضاة فيه بما عرضت، فأحضره مجلس الشرطة، ~~واضربه ألف سوط، فإن لم يمت فاقطع يديه ورجليه، ثم اضرب رقبته، وانصب رأسه، وحرق ~~جثته». # فلما أصبح الصباح، نفذ في الحلاج كل ذلك، وحضر كثير من العامة ينظرون هذا المنظر، ~~والحق أن الحلاج قابل هذا التعذيب كله بكل شجاعة، فلم يتأوه، ودعا بالسجادة فصلى، ~~ورئي باشا مبتسما؛ لأنه سيقابل ربه. # وادعى بعض أصحابه أن الحلاج لم يقتل، وإنما شبه لهم، وادعى آخرون - وقد زاد ~~الفرات هذا العام - أنه إنما زاد لإلقاء رماد الحلاج فيه. # وقد قال الحلواني: حضرت يوم قتل، وقد أخرج من ~~السجن مقيدا مسلسلا، وهو يضحك وينشد: # نديمي غير منسوب # إلى شيء من الحيف # سقاني مثل ما يشر # ب كفعل الضيف بالضيف # فلما دارت الكأس # دعا بالنطع والسيف # كذا من يشرب الرا # ح مع التنين في الصيف # ومن أقوال الحلاج: «اللهم إنك المتجلي عن كل جهة، المتخلي من كل جهة، بحق ~~قيامك بحقي، وبحق قيامي بحقك، وقيامي بحقك يخالف قيامك بحقي، فإن قيامي بحقك ~~ناسوتية، وقيامك بحقي لاهوتية، وكما أن ناسوتيتي مستهلكة في لاهوتيتك، فلاهوتيتك ~~مسئولية على ناسوتيتي، غير مماسة لها؛ وبحق قدمك على حدثي، وحق حدثي تحت ~~قدمك أن ترزقني شكر هذه النعمة، التي أنعمت بها على، حيث غيبت أغيابي، كما ~~كشفت لي من مطالع وجهك، وحرمت على غيري ما أبحت لي من النظر في مكنونات سرك، ~~وهؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصبا لدينك، وتقربا إليك، فاغفر لهم، فإنك لو ~~كشفت لهم ما كشفت لي لما فعلوا ما فعلوا، ولو سترت عني ما سترت عنهم، لما ابتليت ~~بما ابتليت، فلك الحمد فيما تفعل، ولك الحمد فيما تريد». ومن قوله: «اللهم أنت ~~الواحد الذي لا يتم به عدد ناقص، والأحد الذي لا تدركه فطنة غائب، أنت في السماء ~~إله، وفي ms276 الأرض إله، أسألك بنور وجهك الذي أضاءت به قلوب العارفين، وأظلمت منه ~~أرواح المتمردين، وأسألك بقدسك الذي تخصصت به عن غيرك، وتفردت به عمن سواك، ألا ~~تسرحني في ميادين الحيرة، وتنجيني من غمرات التفكر، وتوحشني عن العالم، وتؤنسني ~~بمناجاتك، يا أرحم الراحمين، يا من استهلك المحبون فيه، واغتر الظالمون بأياديه، لا ~~تبلغ كنه ذاتك أوهام العباد، ولا يصل إلى غاية معرفتك أهل البلاد، ولا فرق بيني ~~وبينك إلا الإلهية والربوبية». # ووجد مرة في سوق القطيعة ببغداد باكيا يقول: «أغيثوني من الله، فإنه اختطفني ~~مني، وليس يردني عليه، ولا أطيق مراعاة تلك الحضرة، وأخاف الهجران، والويل لمن يغيب ~~بعد الحضور، ويهجر بعد الوصول». # وهو وإن قتل، فلم تقتل آراؤه وأفكاره، بل زادت انتشارا، وزاد هو تعظيما. # واختلف الناس فيه اختلافا كبيرا بين مصدق ومكذب. وكان مقتله سنه 309ه. # وترك لنا كتابا غريب الاسم، غريب الموضوع، اسمه «الطواسين»، اقتبسنا منه بعض ~~الشيء فيما مضى، والظاهر من كل هذا أن الرجل والمرأة اللذين شهدا عليه كان موعزا ~~إليهما بالشهادة، وأن القضاة تلكئوا في الحكم عليه، فاستعجلهم الوزير حامد، ويظهر ~~أن أكبر تهمة وجهت إليه، وسببت قتله هي تهمة «القرمطية»، فقد ثبت من أنه كان ~~وكيلا للإمام، وغير ذلك أنه قرمطي. # والقرمطية قوم كانوا من شيعة أهل البيت، يريدون أن ينحوا الخلفاء العباسيين ومن ~~إليهم، ويوسعوا دائرة خلافة أهل البيت، فانتشرت دعوتهم في العراق، وخراسان، وجزيرة ~~العرب، وغير ذلك. وكم سفكوا الدماء، وخربوا البلاد من أجل ذلك، وأنشئوا لهم عاصمة ~~في هجر، وحملوا إليها الحجر الأسود، فظل فيها نحو ثلاثين عاما، وكان مذهبهم ~~الاقتصادي اشتراكية متطرفة، بل شيوعية، يوزعون ما حصلوا عليه من الأموال بينهم ~~بالسوية؛ ومذهبهم السياسي الدعوة إلى المهدي والإمام المنتظر، ولا يؤمنون بخلفاء ~~بني العباس، ودولتهم، ويستحلون دم المخالفين. فنعتقد أن هذا هو سر قتله لا غير ذلك؛ ~~فدعوة كهذه تقض مضجع خلفاء بني العباس ووزرائهم، فلا يبعد أن يكون الخليفة العباسي، ~~ووزيره حامد قد رتبا هذه المؤامؤة ضده، وزورا الشهود، ms277 واستحثا القضاة على قتله، ~~وإلا فما بالهم قد تركوا الصوفية الآخرين، كالجنيد، وأبي يزيد البسطامي، وذي النون ~~المصري من غير قتل، فهي مسألة سياسية بحتة، اتخذت شكلا دينيا لعلمهم أن الدين ~~أفعل في الشعوب من السياسة، فكم من صوفية ادعوا وحدة الوجود فلم يلتفت إليهم، ~~وتركوا وشأنهم، ومما لفت عامة المسلمين إليه ما تواتر عن الحلاج من إتيانه ~~بالأعاجيب، فيظهر أنه كان له قدرة كبعض الأشخاص اليوم على استحضار ما يريد من ~~الأشياء من أماكنها، كالذهب، والمسك، والفاكهة، وأنه كان له قدرة على التنويم ~~المغناطيسي، وقدرة أخرى كيماوية بهر الناس بها لجهلهم بالكيمياء. # وعلى العموم، فهو شخصية قوية، كشخصية ذي النون، أو أشد منها، كان له أثر كبير ~~في المسلمين. # وعلى الجملة، كانت هذه الحادثة مظهرا كبيرا من مظاهر الخلاف بين الفقهاء ~~والصوفية، لقد أراد الفقهاء - وخصوصا الحنابلة - أن يقضوا على الصوفية، كما قضوا ~~على المعتزلة من قبل، ولكن لم ينجحوا في هذه كما نجحوا في تلك لسببين: # الأول: # أن العامة انقسموا إلى قسمين: قسم يشايع الصوفية، وقسم يشغب ~~عليهم، فلما لم يكن إجماع من العامة سلمت الصوفية. # والسبب الثاني: # أن المعتزلة أصحاب دعوة شعوبية، والعامة أبعد ما يكونون عن ~~العقل، فناصروا أضداده، ولكن لهم مشاعر فياضة، فعطف بعضهم على ~~الصوفية فسلموا. # وأخيرا، جاء الغزالي فأراد أن يوفق بين الفقهاء والصوفية، ويفهم الناس أن ~~كلا منهم ضروري في الدولة، وكان هو نفسه فقيها وصوفيا، وألف في ذلك كتابه ~~«الإحياء» كما ذكرنا، فاستطاع أن يؤلف بين القلوب، ويعطف الناس على التصوف، وهو ~~نفسه صرح في بعض كتبه بأن الحلاج مؤمن صوفي، ولكن غلب عليه حال المتصوفة ~~فشطح، وتكلم بكلام لم يفهمه الفقهاء المتزمتون، والله بالأسرار عليم. # وظل الصوفية يشغلون الناس بأعمالهم، وزهدهم، وذكرهم، ورقصهم، واصطلاحاتهم، من ~~فناء في الله، وحب له، وادعاء للولاية، والتوسع فيها كل عصورهم، وكان منهم ~~المخلصون والدجالون، واستفادت الأمة منهم، وبليت بهم. # وقد اعتزوا بشعورهم، كما اعتز الفقهاء بعلمهم، وهم لم يأنفوا من هذا الجهل، بل ~~كان ms278 بعضهم ينصح أتباعه ومريديه بألا يقرئوا في صحيفة، وقال بعضهم: # فلو طالبوني بعلم الورق # برزت عليهم بعلم الخرق # ويقصدون بعلم الورق الذي في الكتب، وبعلم الخرق الشعور الذي يرمز إليه بلبس ~~الصوف. # نعم، إن قليلا منهم كانوا علماء متبحرين في العلم، ولكنهم قليلون إذا قيسوا ~~بغيرهم من الصوفية، واعتقدوا أن تصوفهم خير من فقه الفقهاء، فما هذا الفقه الذي ~~يفرض الفروض غير الواقعية، ويستعمل الحيل للخروج من الأحكام؟ أليس النبي # صلى الله عليه وسلم # كان أميا؟ لم يتعلم من صحيفة ولا كتاب، وإنما تعلم بانفتاح قلبه، ونور ~~بصيرته. # وكذلك كان كثير من الصحابة والتابعين، حتى كان كثير من الصوفية يكره تأليف الكتب ~~في التصوف؛ لأن الكتابة أداة العقل، لا أداة الشعور، ومع ذلك ألف بعض المتصوفة ~~كتبا قيمة، بقي لنا منها كتاب «قوت القلوب» لأبي طالب المكي سنة 386ه، نوه فيه ~~بمذهب التصوف وفضله، ووصل إلينا أيضا من الكتب التي ألفت في القرن الرابع كتاب ~~السلمي المسمى كتاب «السنن»، الذي ذهب فيه كما ذهب أبو طالب المكي إلى تأييد ~~التصوف وفضله. # والحق أنه حول تأليف التصوف توجد عقدة لا تحل، فمن بلغ مبلغا كبيرا في التصوف ~~صعب عليه أن يتقيد بكتابة أو كتاب، ومن تعلم واحترف الكتب لم تقو مشاعره، ونحن ~~محتاجون إلى ذي مشاعر قوية، يصف لنا مشاعره في كتابه؛ ولذلك نرى أن كثيرا من ~~الباحثين في التصوف، والمؤلفين فيه ينقصهم التصوف العملي، والمتصوفين البارعين في ~~التصوف تنقصهم الكتابة فيه، والله أعلم. # وبعد: فأركان التصوف كما رأينا ثلاثة: وحدة الوجود، والفناء في الله، وحب الله؛ ~~فأما وحدة الوجود، فحامل لوائها الحلاج، ثم محيي الدين بن العربي، ثم السهروردي، ~~وابن الفارض، وأما الفناء في الله، فحامل لوائه أبو يزيد البسطامي، وأما حب الله، ~~فحامل لوائه رابعة العدوية. # فأما وحدة الوجود فتتضح من قول الحلاج في «الطواسين»: ~~«تجلى الحق لنفسه في الأزل، قبل أن يخلق الخلق، وقبل أن يعلم الخلق، وجرى له ~~في حضرة أحديته مع نفسه حديث لا كلام فيه، ms279 ولا حروف، وشاهد سبوحات ذاته في ذاته، ~~وفي الأزل حيث كان الحق، ولا شيء معه، نظر إلى ذاته فأحبها، وأثنى على نفسه، فكان ~~هذا تجليا لذاته في ذاته، في صورة المحبة المنزهة عن كل وصف، وكل حد، وكانت هذه ~~المحبة علة الوجود، والسبب في الكثرة الوجودية، ثم شاء الحق سبحانه أن يرى ذلك الحب ~~الذاتي ماثلا في صورة خارجية، يشاهدها ويخاطبها، فنظر في الأزل، وأخرج من العدم ~~صورة من نفسه لها كل صفاته وأسمائه، وهي آدم الذي جعله الله على صورته أبد الدهر، ~~ولما خلق الله آدم على هذا النحو، عظمه ومجده، واختاره لنفسه وكان من حيث ظهور ~~الحق في صورته فيه وبه، هو هو: # سبحان من أظهر ناسوته # سر سنا لاهوته الثاقب # ثم بدا لخلقه ظاهرا # في صورة الآكل والشارب # حتى لقد عاينه خلقه # كلحظة الحاجب بالحاجب # وأما الفناء، فيقصدون به الحال التي تتجرد فيها النفس عن رغباتها وميولها ~~وبواعثها، بحيث تتعطل إرادتها وتموت، فإذا ماتت الإرادة الإنسانية، أصبحت النفس طوع ~~الإرادة الإلهية، تحركها كيف تشاء، وهذا هو حب الله لها، ~~ولكن الحب والمحبوب شيء واحد، هو جوهر النفس ~~وباطنها، وهكذا نجد العابد والمعبود، والعاشق والمعشوق، متحدين في شخصية واحدة، ~~يقول ابن الفارض: # كلانا مصل واحد ساجد إلى # حقيقته بالجمع فى كل سجدة # وما كان لي صلى سواي ولم تكن # صلاتي لغيري فى أدى كل ركعة # قال السراج: معنى الفناء فناء صفة النفس، وأيضا الفناء هو فناء رؤيا العبد ~~في أفعاله لأفعاله بقيام الله له في ذلك، ويقول في موضع آخر: «هو ذهاب القلب عن حس ~~المحسوسات، وهو يحصل تدريجا على مراحل خمس؛ الأولى: ذهاب حظه من الدنيا والآخرة ~~بورود ذكر الله. الثانية: ذهاب حظه عن ذكر الله تعالى عند حظه بذكر الله تعالى ~~له. الثالثة: فناء رؤية الله تعالى له حتى يبقى حظه بالله. الرابعة: ذهاب حظه من ~~الله تعالى برؤية حظه، أي حظ الله. الخامسة: ذهاب حظه برؤية حظه لفناء ~~الفناء، وبقاء البقاء ... إلخ إلخ». # وأما الحب، ms280 فقد روي عن رابعة العدوية أنها كانت تتوسل إلى الله ألا يحرمها ~~مشاهدة وجهه الكريم، وجماله الأزلي، ويقول معروف الكرخي: «إن الحب منحة إلهية لا ~~تكتسب بالتعلم»، وكان ذو النون المصري يرى أن المحبة الإلهية سر من أسرار الله، يجب ~~ألا يذاع بين العامة، واستعملوا في الحب والفناء عبارة الشكر والوصال والهجر، ونحو ~~ذلك. # وقد وضع متصوف هندي حديث مبادئ التصوف في عشرة أصول: ~~(1) # لا يوجد إلا إله واحد، وهو أبدى أزلي لا إله غيره؛ ومهما تعددت ~~الأسماء باختلاف اللغات فهو هو، يراه الصوفيون في الشمس، والنار، وفي ~~الأصنام، وفي كل ما يعبد، بل يرونه في أشكال العالم، ومع ذلك فهم يرونه ~~وراء هذه الأشكال «الله في كل شيء، وكل شيء في الله»، ليس الله في ~~عقيدة تعبد، بل هو المثل الأعلى لأكمل ما يتصوره العقل، والصوفي ينسى ~~نفسه، ويريد أن يتصل بهذا المثل. ~~(2) # لا يوجد إلا حاكم واحد للعالم وهو الله، وهو الهادي لكل نفس، وهو ~~الذي يخرج أصحابه من الظلمات إلى النور، وهو منبع لكل المعارف. ~~(3) # ليس هناك إلا كتاب واحد وهو الكتاب المقدس، وهو الطبيعة المفتوحة، ~~وهو الكتاب الذي ينير قارئه، وهو الكتاب المستغني عن اللغة، وعقلاء كل ~~أمة في كل العصور يوقرون هذا الكتاب ويجلونه، ويعدون أنفسهم ~~للاستفادة منهم. # وكل الكتب المقدسة من إنجيل، وتوراة، وقرآن تدل عليه، وتوجه إلى ~~الاهتمام به. # والصوفي يرى في كل ورقة من شجرة صحيفة من ذلك الكتاب، ويراها تشتمل ~~على نوع من الوحي إذا قرأها الإنسان، وفهمها تفتح قلبه. ~~(4) # الأديان كلها طرق إلى الله، بعضها أرقى من بعض حسب رقي الزمان، وكلها ~~تقود الإنسان إلى المثل الأعلى وهو الله، والأديان وإن اختلفت في ~~الشعائر، فالغرض منها جميعها الوصول إلى الله، والصوفي كما قال ابن ~~عربي: يرى الله في الكعبة، وفي المسجد، وفي الدير، وفي الوثن. ~~(5) # لا يوجد إلا قانون واحد يراه الإنسان إذا أنكر ذاته، وتطلب ~~الحق. ~~(6) # لا توجد إلا أخوة واحدة تضم الإنسانية كلها، فليس على الأرض إلا حياة ms281 ~~واحدة مشتركة، إن اختلفت فإنما تختلف في النظر، والإنسان متحد بغيره، ~~في علاقات الأسرة ثم في الأمة، ثم في الإنسانية كلها، والإنسان الكامل ~~من تخطى حدود الوطنية، وارتقى إلى الإنسانية، بل ربط نفسه بالإنسانية ~~في الماضي، والإنسانية في الحاضر، والإنسانية في المستقبل. والصوفي ~~يحتقر من ينظر إلى أمة غير أمته بنوع من الاحتقار؛ لأنه شريك له في ~~الإنسانية. ~~(7) # لا يوجد إلا قانون أخلاقي واحد، هو قانون الحب العام الذي ينبع من ~~إنكار الذات، ويزهر بالإحسان، قد تكون هناك مبادئ أخلاقية كثيرة، ولكن ~~أساسها واحد، هو الحب، وهذا الحب مبعث الأمل، والصبر، والاحتمال، ~~والتسامح، وكل الفضائل، والكرم، والسماحة، والإحسان، كلها صادرة من ~~الحب، وكل الرذائل والجرائم تنشأ عن نقص في الحب . يقولون: إن الحب ~~أعمى، وهذا خطأ فالحب ضوء النظر؛ العين ترى ما على السطح، ولكن الحب ~~يرى العمق. # إن النار التي لم تشتغل تماما لا ينشأ عنها إلا الدخان، ولكنها إذا ~~اشتعلت كان منها النار والضوء، فكذلك القلب إذا أحب، أو لم يحب. ~~(8) # لا يوجد إلا شيء واحد يستحق الثناء، وهو الجمال الذي يرفع القلب من ~~الحضيض إلى أن يبلغ أعلى السماء، والإنسان من تحلى بنفس جميلة تحب ~~الجميل، وهو يبتدئ بحب المادة، وينتهي بحب المعنى، يبتدئ بحب المنظور، ~~وينتهي بحب غير المنظور. ~~(9) # ليس هناك إلا حقيقة واحدة هي: معرفتك نفسك، كما قال الإمام علي: ~~«اعرف نفسك تعرف ربك». ~~(10) # إذا كانت هناك طلاق عديدة توصل إلى الله، فهناك طريق مستقيم واحد، ~~وهو الطريق الذي تمحي فيه الأنانية والأثرة، وتسكن فيه الفضيلة ~~والكمال، وهو الطريق الذي تمحي منه الرغبات الجسمية، والأوهام ~~العقلية. # هذه هي المبادئ العشرة الصوفية كما شرحها أحد المتصوفة المحدثين، ترجمناها عن ~~الإنجليزية، وإن اختلف الصوفية في شيء، ففي إمعان بعضهم في بعض المبادئ دون بعضها، ~~وهي تعبر عن روح التصوف الحقيقي في العصور المختلفة، ولكن يعرض لنا سؤال صعب، وهو: ~~هل المتصوف برياضته وتمرنه يرى حقائق خارجية، أو يرى أوهاما داخلية، جلبها إليه ~~التعود، وانحراف الذهن؟ # سؤال صعب، ms282 ومما يجعله أكثر صعوبة أن أغلب من تصوف لم يستطع أن يكتب، ومن لم يتصوف ~~لم يذق، حتى يستطيع أن يصف. والذي يجعلنا أقرب إلى أن نقول: إن الصوفي يرى أشياء ~~خارجية، إن المتصوفين في جميع الأقطار والعصور يصفون مناظر متشابهة، أو كالمتشابهة، ~~ولو كانت الأمور قاصرة على مجرد خيالات وأوهام، لرآها كل متصوف بعينه وخده، ولم ~~يشترك معه غيره كما هو الحال في أصحاب الكيوف. # ولذلك يفهم الصوفية بعضهم بعضا، في المشرق والمغرب، وكلهم يقول: إن اللغات تعجز ~~عن الوصف بعد الوصول إلى حد من المعرفة، وهم يتداولون العبارة المأثورة وهي: ~~«وهناك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». # ومن الأدلة على ذلك أن هناك بعض الصوفية الصادقين أمثال الغزالي، ومحيي الدين ابن ~~العربي - وكانوا في حياتهم العادية صاحين واعين - يؤلفون في المسائل العلمية، كما ~~يؤلفون في التصوف، فإذا ألفوا في الحياة العلمية كانوا صاحين متنبهين دقيقين، ~~وإذا ألفوا في التصوف غلبهم العشق، والهيام، والرمز؛ ولو كانوا قد جنوا ما ~~استطاعوا أن يؤلفوا في العلم، فالعقل لا يتجزأ. # على أنه والحق يقال، قد بدأ علماء النفس في العصور الحديثة يدرسون التصوف على أنه ~~ظاهرة نفسية لها خصائصها؛ ولكن بدءوا دراستهم من عهد قريب، ولما يقطعوا أمدا ~~بعيدا في ذلك. # الفصل الثالث # | اللغة والأدب # في هذا العصر تحولت معاجم اللغة إلى جهة جديدة، على يد الجوهري صاحب «الصحاح»، ~~ذلك أن المعاجم التي قبله كانت صعبة التناول؛ لأنها كانت مثلا ككتاب «العين»، ~~ترتب الكلمات على حسب مخارج الحروف، مبتدئة بالعين، ولذلك سمي الخليل كتابه ~~«العين»، ثم يذكر الكلمة، ويذكر مقلوباتها، وينص على أن هذه الكلمة مهملة لم ~~تستعمل أو مستعملة. # وجرى ابن دريد هذا المجرى في «جمهرته»، فكان الكشف على الكلمات صعبا جدا، فأتى ~~الجوهري صاحب «الصحاح» فرتبه على حسب حروف الهجاء، تاركا المهملات، جاعلا الحرف ~~الأخير بابا، والحرف الأول فصلا، فسهل على الناس الكشف عن الكلمات. وجرى بعده ~~كثير ممن ألف في معاجم اللغة مثل: ms283 «القاموس»، و«لسان العرب»، و«مختار الصحاح»، ~~وغيرها، وأكمل الجوهري بعض ما فات بمشافهة العرب، وسماعه منهم؛ وبذلك فتح في القرن ~~الرابع الهجري فتحا جديدا، وزاد على علماء اللغة السابقين في تحديد معنى الكلمات، ~~والإمعان في الاشتقاق. # وقد تضخمت معاجم اللغة في هذا العصر، وما بعده لأسباب كثيرة؛ منها أن جامعي اللغة ~~قيدوا في معاجمهم اللهجات، ولم يكتفوا بلهجة واحدة، مثل: أن يؤلف عالم معجما للغة ~~الشعبية المصرية، فيقيد قال، وجال، وآل، كل في بابه وفصله، وكلها في الأصل كلمة ~~واحدة، اختلف النطق بها، فقد تنطق قبيلة بكلمة، وتنطقها قبيلة أخرى بلهجة أخرى؛ ~~فيقيدون ذلك كله. # فمثلا قبيلة تقول: أن وأخرى تقلب الهمزة عينا، فتقول في أن، عن، وفي أن ، عن، ~~وبعض القبائل يقول شجرة، والبعض الآخر يقول: شيرة، وهكذا المعاجم مملوءة بهذا ~~الضرب. # ومنها أن بعض القبائل كان ينطق بالكلمة مقلوبة، أو متغيرة حروفها، فيقولون في ~~جذب، جبذ، ومنها أن الجامعين الأولين للغة كانوا يجمعون حيثما اتفق، غير منبهين في ~~الغالب على أن هذه الكلمة تستعملها القبيلة الفلانية، والكلمة الأخرى تستعملها ~~القبيلة الفلانية، وجرى من بعدهم على أثرهم، فبعض القبائل يستعمل كلمة البر، ~~والبعض الآخر يستعمل كلمة القمح، وبعضهم يستعمل كلمة بئر، وبعضهم يستعمل كلمة قليب، ~~ومن استعمل كلمة منهما لم يستعمل الأخرى، فأتى الجامعون، فجمعوا كل ذلك، مما كان ~~نتيجته كثرة المترادفات. # ومن الأسباب توسع بعض الأعراب في المجاز، فمثلا: سموا الثياب القصار مقطعات، ~~بل سموا كل ما يفصل ويخاط من قميص، وجباب، وسراويل مقطعات. # ثم تجوزوا فسموا الحديد المتخذ دروعا، أو سلاحا مقطعا، وقالوا: قطعت ~~الحديد، أي صنعته دروعا، وغيرها من السلاح، كأنه ثياب، ثم تجوزوا، فسموا الأشعار ~~القصيرة، مقطعات وهكذا، ومنها أن بعض جامعي اللغة لم يكن يتحرى في جمعه؛ بل كان ~~يدور كل ما سمع، سواء سمع من ثقة أو غير ثقة، ولم يكونوا يتحرون تحري المحدثين، ~~فكان بعضهم يسمع امرأة تقول قولا، وقد تكون هازلة أو غير ثقة، فيدون ما سمع، ثم ~~يثبت ذلك في معجمه، ms284 كالذي يروي أن امرأة سئلت: كيف مطركم؟ فقال: غثنا ما شئنا: أي ~~أنزل الله علينا من الغيث بقدر ما نشاء، ولم يسمع من غيرها غثنا بهذا المعنى، فدون ~~ذلك في المعجم، بل قد يسمعون من صبي يلعب، أو من صبي يلثغ، فيدونون ما سمعوا، كما ~~روي أن بعض الصبيان كانوا يلعبون بالزحلوقة وينشدون: # لمن زحلوقة زل # بها العينان تنهل # ينادي الآخر الأل # ألا حلوا ألا حلوا # فكلمة الأل بمعنى الأول، لم تسمع إلا من هؤلاء الصبيان، ومع ذلك دونت في المعاجم، ~~بل قد عقد اللغويون بحثا فى هل يأخذون اللغة عن المجانين أو لا، فرووا أن مجنونا ~~كان يرقص ابنته ويقول: # محكوكة العين معطاء القفا # كأنما قدت على متن الصفا # تمشي على متن شراك أعجفا # كأنما تنشر فيه مصحفا # وقد سئل فيهما الأصمعي فقال: أحسب أن ناظم البيتين نفسه لا يعرف معناهما، وسئل ~~أبو زيد الأنصاري عنهما، فقال: إنهما لمجنون، ولا يعرف كلام المجانين إلا مجنون. ~~وزاد الطين بلة أن بعضهم كان يأخذ اللغة من الصحف، فيصحفها، ومن أدلة ذلك مثلا: ~~أننا نجد في القاموس المحيط كلمة: بجد، كعصفور: بزر قاطونا، ونجدها في لسان العرب ~~بخدق، وفي المزهر بحدق، وفي أقرب الموارد يحذف، وهكذا كلمات كثيرة من هذا ~~الطريق. # ومن غريب الأمر أن بعض جامعي اللغة يدون الأصل والتصحيف معا، فكان هذا أيضا ~~سببا من أسباب التضخيم، ومن الأسباب كذلك تعرض المتأخرين من رجال اللغة لما ليس ~~لهم به علم، ثم يطيلون فى ذلك، فيقول صاحب القاموس مثلا: إن الهرمين بناءان أزليان ~~بمصر، بناهما إدريس - عليه السلام -؛ لحفظ العلوم فيهما من الطوفان، أو بناء سنان ~~بن المشلشل، وهكذا في كثير من الأحيان يقفون موقف المؤرخ، أو الفلكي، أو النباتي، ~~أو عالم الحيوان، أو غير ذلك، كأنهم يدعون أنهم يعلمون كل شيء، وليس هناك ~~اختصاص. # ومما زاد تضخم معاجم اللغة انتقال اللغة من البداوة إلى الحضارة، فالحضارة غيرت ~~معاني بعض الكلمات، ومكنت علماء اللغة من زيادة الشرح، ومن زيادة بعض الأوصاف ms285 على ~~تعريف بعض الكلمات. # هذا إلى أن الحضارة، واتساع المملكة الإسلامية جعلهم يقفون على أنواع من النبات، ~~والحيوان، والطعوم، وسائر مرافق العمران، وأدخل اللغويون كل ذلك في معاجمهم؛ فالعرب ~~في الجزيرة لم يكونوا يعرفون الهرم ولا البرابي، ثم إن كل بلد مفتوح أدخل على اللغة ~~كلمات استعملها العرب الفاتحون، وأدخلوها في لغاتهم، بل واشتقوا منها، فمثلا: لما ~~فتح العرب مصر، عربوا كثيرا من أسماء البلدان كبنها، والفيوم، ودمنهور، ~~والإسكندرية، وغير ذلك، وأدخلوا في اللغة من مصر كلمة بطاقة، وهي يونانية الأصل، ~~واستعملوا منها منشار، وهي مصرية الأصل، واشتقوا منها نشر ينشر نشرا إلخ. ثم كان ~~العلماء القياسيون كأبي علي الفارسي، وابن جني توسع في الاشتقاق كبير أدخل كلمات ~~كثيرة لم تكن ينطق بها إلى غير ذلك. # وكان من مظاهر هذا العصر انتشار اللغة العامية بجانب اللغة الفصحى، فكان لكل ~~إقليم إسلامي لغته، ولهجته الدارجتان. # وتميزت اللغة العامية عن الفصحى، وجرتا جنبا إلى جنب، يتكلم أكثر الناس العامية، ~~وأقلهم اللغة الفصحى، وكان هذا التمييز واضحا في أشياء. # قلب أكثر الكلمات التي تحتوي على الصاد سينا، كصراط وسراط، وأهمها إسكان آخر ~~الكلمات؛ لأن الإعراب الصحيح لا يتقنه إلا سكان البوادي من الأعراب، والمتمرنون على ~~الإعراب تمرنا كبيرا، ثم من مميزاتها عدم التفريق الدقيق بين المثنى وجمع المذكر، ~~وجمع المؤنث، ومنها قلب الضاد ظاء أحيانا، ودالا ثخينة أحيانا. وبلغ من غرابة ~~اللغة الفصحى عندهم أنهم كانوا يدعون أمثال المتنبي متقعرا، وكان يعد فصيحا من ~~سلم من الخطأ في مراعاة الإعراب والتصريف، وتجنب العبارات الدارجة؛ وحتى اللغة ~~العامية ظهرت في أشعار القرن الرابع الهجري، وخصوصا لغة بغداد، لكثرة لغتها ~~الفارسية مثل كلمة لقلق، وصوابها لقلاق، ونرى كثيرا من ذلك في شعر ابن حجاج. ~~وساعد على انتشار اللحن عهد السلجوقيين، فإنهم لم يكونوا يحسنون الثقافة العربية، ~~ولا الأدب العربي كما كان يحسه الأمويون من قبل. # وظاهرة أخرى أشرنا إليها من قبل، وهي: توسيع اللغة عن طريق القياس، والتوسع في ~~الاشتقاق قياسا، وكان رافع علم هذه ms286 المدرسة أبا علي الفارسي، وتلميذه ابن جني، ~~فكان موقفهما من اللغة موقف أبي حنيفة، ومدرسته في الفقه، وقد كان كل منهما ~~معتزليا؛ فمكنهما اعتزالهما - كما نعلم من مدرسة المعتزلة - من التحرر، وإخضاع ~~اللغة لحكم العقل. # خرج هذان العالمان الجليلان على الناس بطريقة جديدة، تخالف طريقة الآخرين ~~المحافظين: فقد كان المحافظون يميلون إلى السير على القديم من غير تفكير في تغييره، ~~ولا الخروج عليه؛ يدعوهم إلى ذلك، إما خمودهم الذهني وإما حب السلامة، وما يستدعيه ~~التجديد من التعرض للنقد، وإما إخلاصهم للقديم، وإجلالهم له عن عقيدة، وذلك شأن ~~الحياة كلها: أحرار، ومحافظون؛ وأهل نقل، وأهل رأي، وهؤلاء أهل الرأي، من طبيعتهم ~~أن يردوا ما لم يرد فيه نص على ما ورد فيه نص، كما فعل الفقهاء الحنيفة ~~تماما. # وكذلك فعل الشعراء؛ فمنهم من لا يستعمل الكلمة إلا إذا ثبتت عنده في اللغة، ومنهم ~~من يجرؤ فيبتكر الكلمة، أو يقيسها على غيرها، هذا رؤبة يخلق ~~بعض الكلمات، كما حدثوا، وهذا بشار بن برد يرى ~~أن العرب تصوغ فعلى من الفعل للدلالة على السرعة، فقالوا مثلا: حجلى دلالة ~~على سرعة السير، فقال هو: # والآن أقصر عن سمية باطلي # وأشار بالوجلى علي مشير # وقال: # على الغزلى مني السلام، فربما # لهوت بها في ظل مخضلة زهر # فعابه المحافظون على ذلك، لم يسمع من العرب لا وجلى، ولا غزلى، فلم يعبأ بهما. ~~وحكى ابن قتيبة قال: قال الخليل بن أحمد: أنشدني رجل: ترافع العز بنا فارفنععا ... ~~فقلت: ليس هذا شيئا. فقال: كيف جاز للعجاج أن يقول: تقاعس العز بنا فاقعنسسا، ~~ولا يجوز لي ذلك؟ # على كل حال جد العلماء مشكورين في جمع اللغة من أفواه العرب؛ فوقف من بعدهم ~~فريقين: قوم يقفون عندما قال العرب، وقوم يجتهدون، فيقولون مثلا: إن العرب أحيانا ~~كانت تخطئ، فلا يصح أن نجاريهم في خطئهم. فمثلا: إنهم عدوا بعض الحيوانات من صنف ~~السمك لما رأوه يشبهه، ولكن علماء الحيوان بفصحهم له رأوه من ذوات الثدي، فعدوه من ~~قبيل الخيل، لا من ms287 قبيل السمك، فكيف نجاري العرب في ذلك مع خطئهم؟ وعدوا الأجرام ~~السماوية أجساما حية لها نفس كنفس الإنسان لما رأوا من تحركها من غير محرك؛ فلما ~~اكتشف قانون الجذب، وتقدم العلم كشف أنها ليست بذات نفس، وإنما هي مادة جامدة ~~كالأرض، وكانوا يعتقدون في بناء الأهرام عقائد خرافية، في من بناها ... إلخ. # وأثبتوا ذلك في معاجمهم؛ حتى أتى العلم الحديث فأبان خطأهم، وأحيانا يخطئون ~~فيصفون الناقة بصفات الجمل حتى نقدهم بعضهم فقال: «استنوق الجمل»، وهكذا، فلماذا ~~نقدس القديم لأنه قديم، ولا نعمل عقولنا فنصححه؟ بل ذهبوا إلى أن اللغة توقيفية، ~~فاستنتجوا من ذلك عدم التعرض لها مهما كانت مخطئة؛ ومن هذا القبيل ما حكي عن ~~الأصمعي، وابن الأعرابي ، وأبي زيد، فلم يكونوا يستبيحون لأنفسهم أن يقولوا كلمة أو ~~يشتقوا اشتقاقا إلا عن سماع به؛ حتى جاء أبو علي الفارسي، فأعلن القياس، والثورة ~~على القديم، ولعل ذلك لأنه فارسي الأب والأم، ولأنه معتزلي. # وعاصره في ذلك أبو سعيد السيرافي، وكان أبو سعيد زعيم المحافظين، وأبو علي زعيم ~~الأحرار في اللغة؛ فكان الناس يقولون: أبو سعيد أكثر رواية، وأبو علي أكثر دراية. ~~ومن أقوال أبي علي: لأن أخطئ في خمسين مسألة مما بابه الرواية أحب إلي من أن ~~أخطئ في مسألة واحدة قياسية. وكان يقول: ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب، ~~فإذا عربت كلمة أعجمية أجريت عليها أحكام الإعراب، وعددتها من كلام العرب، وأجزت ~~الاشتقاق منها، كما عرب العرب لفظة الدرهم، واشتقوا منها درهمت الخبازي، أي صارت ~~كالدراهم، وقالوا: رجل مدرهم: أي أكثرت دراهمه. وكان يقول: لو شاء شاعر أو ساجع ~~أن يبني من كلمة اسما وفعلا وصفة لجاز له، ولكان ذلك من كلام العرب، وذلك نحو ~~قولك: خرجج أكثر من دخلل، فقال له تلميذه ابن جني: أفترتجل اللغة ارتجالا؟ قال: ~~ليس بارتجال، لكنه مقيس على كلامهم، فهو إذن من كلامهم، ثم قال: ألا ترى أنك تقول: ~~طاب الخشكنان، فتجعله من كلام العرب، وإن لم تكن العرب تكلمت به؟ ms288 فرفعك إياه ~~دليل على أنك أخضعته لكلام العرب. # وكان من رأيه أن الألف اللينة في الكلمة الثلاثية تكتب ألفا مطلقا، سواء كان ~~أصلها واوا أو ياء؛ حملا للخط على اللفظ. # وجاء بعده تلميذه ابن جني فرفع لواء هذا المذهب، وكان أيضا من نسب رومي، وفاق ~~أستاذه في الاشتقاق، وقال فيه المتنبي: هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس، ~~وكتابه «الخصائص» يدل على جرأته وقياسه، كما يدل على تذوقه للغة، وفهم أسرارها، ~~ومحاولة فلسفتها؛ وقد صحب أستاذه أبا علي أربعين سنة، واستوعب علمه، وزاده تفصيلا ~~وتعليلا وتذليلا. وقد رأى أن الفقهاء قبله وضعوا للفقه أصولا، وأن المتكلمين ~~وضعوا لكلامهم أصولا؛ فأراد أن يضع للغة والنحو كذلك أصولا، ونجد بعض هذه الأصول ~~في كتابه «الخصائص»؛ وكان مما وضعه أيضا الاشتقاق الكبير، وهو الذي سماه بهذا ~~الاسم، وكان أصل الفكرة لأستاذه أبي علي، فجاء ابن جني فوسعها، وقال: إن أبا ~~علي - رحمه الله - كان يستعين بالاشتقاق الكبير، ويخلد إليه وسماه؛ وكان يعتاده ~~عند الضرورة، ويستريح إليه. # ويعني بالاشتقاق الكبير: حصر أصول الكلم، وتقليبها على وجوهها المختلفة، واستخراج ~~التباديل والتوافيق منها، والمقارنة بينها في المعاني، مثل كلمة (كلم)، فتحولها ~~إلى كمل، مكل، ملك، لكم؛ ونمعن النظر فيها لنعرف وجه الشبه بينهما، فنستخرج مثلا ~~أن هذه الحروف إذا اجتمعت دلت على القوة؛ ونستخرج معنى القوة من كل هذه ~~الألفاظ. # ومما يؤسف له أن مدرسة القياس هذه لم تستمر تؤتي أكلها، فذهبت مع ذهاب المعتزلة؛ ~~لأن مدرسة المعتزلة كانت تحث على البحث، والتجربة والشك، والاستدلال العقلي، فلما ~~ذهبت ذهبت آثارها؛ ولذلك ذهبوا إلى أن اللغة ليست توقيفية، وإنما هي اصطلاحية؛ ~~ليحرروا أنفسهم إذا قالوا إنها توقيفية، وربما كان لاعتزال الزمخشري أيضا أثر ~~كبير في قدرته الفائقة في البلاغة، ودراسة الأساليب، والتحرر من المنقول. # وإذا نحن سرنا على أثر هذه المدرسة استطعنا أن نكمل ما نجده من نقص في اللغة، ~~فإذا وجدنا مصدرا لم يذكر فعله ذكرناه بالقياس، وإذا وجدنا مذكرا لم يذكر مؤنثه ~~فكذلك؛ وإذا ms289 وجدنا فعلا لم يذكر بابه اجتهدنا في ذكر ذلك قياسا، كذلك إذا وجناهم ~~يشتقون وزنا خاصا للدلالة على شيء، أمكننا أن نقيس عليه، فإذا وجدناهم مثلا ~~يصوغون «فعال» للدلالة على محترم الحرفة، كنجار، وخباز، وحداد، وقفال؛ أمكننا ~~أن نقيس عليه من أسماء أصحاب المهن التي لم يذكرها العرب، كذلك يمكننا إذا تذوقنا ~~الذوق العربي تذوقا تاما، وعرفنا كيف كانوا يضعون الألفاظ أمكننا أن يضع العلماء ~~مثلهم فيما هم في حاجة إليه» ... إلخ. # وعلى كل حال، فمدرسة القياس ترى أن اللغة ليست مقدسة، وأنها ملك للناس لا أن ~~الناس ملكها، ويمكننا أن نصحح ما فيها من أخطاء، ونبين ما حصل فيها من تصحيف، ~~ونصحح الأخطاء التي وردت في معاجم اللغة، مما ورد خطأ من تصحيف، أو من لثغة ألثغ، ~~أو نحو ذلك. # ومن خير ما ألف في اللغة أيضا في ذلك العصر كتاب «مقاييس اللغة» لابن فارس ~~المتوفى سنة 395ه، وقد نحا فيه نحوا جديدا، فقد استخلص من معاني الكلمة المختلفة ~~معنى واحدا، أو معنيين، جعله أساسا للكلمة، ونص عليه، وبين أن الاشتقاقات ~~المختلفة تدور حوله، مثال ذلك: «وجب»، قال: الواو والجيم والباء أصل واحد يدل على ~~سقوط الشيء، ووقوعه، ثم يتفرع، يقال: وجب البيع وجوبا، حق ووقع، ووجب الميت سقط، ~~والقتيل واجب؛ وفي الحديث: «إذا وجب فلا تبكين باكية»، إي إذا سقط. # وقال الله في النسك: «فإذا وجبت جنوبها»، قال قيس: # أطاعت بنو عوف أميرا نهاهم # عن السلم حتى كان أول واجب # ووجب الحائط: سقط. ~~«وجبة»: يقولون الوجب الجبان. قال ~~الشاعر: # طلوب الأعادي لا سلوم ولا وجب # سمي به لأنه كالساقط، ويقولون: الموجب، للناقة لا تنبعث من كثرة لحقها، وأما ~~وجيب القلب فمن الإبدال، أصله وجيف، وهكذا، فهو كما ترى يؤول المعاني كلها إلى ~~معنى واحد. # ونلاحظ عليه الصفاء والإيجاز، وعدم السفسطة، ولم يكتفوا بجمع الألفاظ، بل جمعوا ~~أيضا الأساليب، كالذي نرى في كتاب «كفاية المتحفظ»، وكتاب «الألفاظ الكتابية» ~~للهمداني، مثل: الأساليب التي تقال في لم الشعث، والتي تقال في ms290 الدلالة على ~~الشجاعة، أو الجبن، أو نحو ذلك. # ومما فعلوه أيضا جمع الأمثال، وترتيبها حسب الحروف الأبجدية، كما فعل الميداني ~~في كتابه «مجمع الأمثال»، وقد أخذ كل كتابه تقريبا من كتاب في الأمثال لحمزة ~~الأصفهاني، لم يزد عليه في كل باب إلا مثلا أو ثلاثة، ولكن حظ كتابه كان أكبر من ~~حظ حمزة. # الأدب # لو رجعنا إلى الفصل الذي كتبناه عن الحالة الاجتماعية في العصر العباسي أول ~~هذا الكتاب، وجدنا الأدب كله بأنواعه صدى لهذه الحياة الاجتماعية، فلما أفرط ~~الأمراء في الظلم، والاستبداد، ومصادرة الأموال، كان طبيعيا أن ينقسم الشعراء ~~إلى قسمين: قسم يلهو معهم، وينتفع بما لهم، فيمدحهم، ويقلب سيئاتهم حسنات، وهذا ~~هو الكثير، كالمتنبي، وأبي فراس، والناشئ ، والخالديين، وغيرهم. وقسم تمنعه ~~نفسه من الملق، وطبعه من التقرب كأبي العلاء الكفيف، فيتخذ خطة أخرى، وهي ~~الذم والقدح؛ وكذلك انقسم الشعر والشعراء. # وإذا كانت الحالة الاجتماعية تنقسم إلى طبقات كالتي ذكرنا، طبقة غنية كل ~~الغنى، وطبقة فقيرة كل الفقر، وجد المستجدون الكثيرون؛ وكان منهم أدباء، ولهم ~~لغة وطريقة، كلغة الأدباتية اليوم؛ حكاها لنا الثعالبي في «اليتيمة»، الذي له ~~الفضل الأكبر في تاريخ أدب المائة الرابعة، ومن أظهرهم في ذلك رجل يسمى أبا ~~دلف، كانت له طريقة خاصة في الاستجداء، وقد ذكره البديع في مقاماته؛ فكان هذا ~~الضرب من الحياة الاجتماعية مبعثا لوجود مقامات البديع، ومقامات الحريري؛ ~~ووجود الجواري الجميلات، وكثرة ملك اليمين، وكثرة الغلمان الأرقاء في يد الناس ~~أوجد الغزل في المذكر والمؤنث؛ وكثرة الشراب كانت سببا لكثرة القول ~~فيه. # وإذا كانت بيوت الأغنياء يعنى فيها بالأثاث الجميل، والرياض الفاخرة، غني ~~الأدباء بتجميل أدبهم، بالسجع والمزواجة، وغيرهما من أنواع البديع ... إلخ ~~إلخ. # لقد زها الأدب في هذا العصر، وانقسم الأدب إلى قسمين: نثر، وشعر، وقد قسم ~~النثر في ذلك العصر إلى قسمين واضحين: سمي أحدهما السلطانيات، وهي المكاتبات ~~الرسمية التي تصدر من عامل إلى عامل، أو من وزير إلى عامل، أو من خليفة إلى ~~عمال، وهكذا؛ وقسم يسمى الإخوانيات، وهو ms291 ما يصدر من صديق إلى صديق، أو من ~~أستاذ إلى تلميذ، أو من تلميذ في المسائل الخاصة، وقد نبغ في النوعين أول الأمر ~~رجلان كبيران: أحدهما: أبو هلال الصابي، والثاني: أبو بكر الخوارزمي، فكلاهما ~~كان شيخا لهذه الصناعة، وقد التزما السجع تقريبا، لسببين: الأول: دخول ~~النصارى في الإسلام، وقد كانوا يستعملون السجع في الكنائس؛ والثاني: حبهم ~~للطريف من الأشياء. ولا شك أن السجع أطرف من الكلام المرسل، يضاف إلى ذلك ما ~~حدث في تاريخ كل أنواع البديع، فقد بدأ العرب في الجاهلية يستعملونه كالملح في ~~الطعام، ثم زاد في العصر العباسي شيئا ما، ثم عم في الكتابات في عصرنا ~~هذا. # ومن حسن الحظ أن لدينا الآن مجموعة من رسائل الصابي، والخوارزمي تقرؤها، ~~فكأنك تنظر إلى قطعة من الزجاج المموه، أو الخشب المخروط، فأما الصابي، ~~المتوفى سنة 384ه، فكان صابئا كلقبه، وعرضت عليه الوزارة إن أسلم فأبى، وكان ~~يفتخر بقدرته الفائقة على الكتابة، ويقول: # وقد علم السلطان أني أمينه # وكاتبه الكافي السديد الموفق # فيمناي يمناه، ولفظي لفظه # وعيني له عين بها الدهر يرمق # ولي فقر تضحي الملوك فقيرة # إليها لدى أحداثها حين تطرق # وكل كتاباته مسجوعة، سواء كانت رسائل سلطانية أو إخوانية. # وأنا شخصيا أستسمج كتاباته، وكتابة الخوارزمي، ومن نحا نحوهما، وأرى أنها ~~جعجعة ولا طحن، وألفاظ جوفاء، ولا معنى. # وأما الخوارزمي، فقد رحل كثيرا إلى الأقطار، وعد شيخ الأدباء، واعترفت له ~~الأقطار المختلفة بالفضل والبلاغة، حتى جاء بديع الزمان الهمذاني، وكان شابا ~~حدثا، والخوارزمي شيخا، فنازل الشيخ نزولا عنيفا، فانقسم الناس فريقين: ~~فريق يحترم الخوارزمي وشيخوخته، وفريق يناصر بديع الزمان وجدته. # وأخيرا، مات الخوارزمي محزونا، وقد استطاع البديع أن يطلع على الناس بأشياء ~~جديدة لم يكن يحسنها الخوارزمي، كالمقامات، وكتابة الرسائل التي كل حروفها ~~معجمة أو مهملة، أو رسائل إذا قرئت من أولها إلى آخرها كانت سؤالا، وإذا قرئت ~~من آخرها إلى أولها كانت جوابا، أو رسالة لا يوجد فيها حرف منفصل كالراء ~~والدال، أو رسالة كل سطورها مبدوءة بالميم، ms292 أو أبيات إذا فسرت بطريقة خاصة كانت ~~مدحا، وإذا فسرت بطريقة أخرى كانت ذما، وهكذا مما تجده في رسائله ~~ومقاماته. # ولم يكن الشيخ الخوارزمي يعرف شيئا من ذلك، إنما كان يعرف الرسائل المألوفة ~~المعتادة، فهزمه البديع لشبوبيته، وتفننه. # وأسوق إليك مثلا أو مثلين من الرسائل التي كانت تعجب هذا العصر، وتملؤه ~~فخرا، مثل ما كتب الخوارزمي يصف بؤسه، وتغير الناس عليه، «وأصابني البؤس حتى ~~لقد ركبت غير دابتي، وأكلت غير نفقتي، ونزلت بيتا بالكرا، وأكلت خبزا بسرا، ~~ولبست الصوف في الصيف، والبردي في الخريف، وكوتبت مواجهة، وخوطبت بالكاف ~~مشافهة، وأجلست في صف النعال، أعني أخريات الرجال، وناظرني من كان يدرس علي، ~~وخالفني من كان يختلف إلي، وحتى لقد نشزت علي جاريتي، وحزنت علي دابتي، ~~وتقدمني في المسير رفيقي، الذي جمعني وإياه طريقي، وحتى أني أخذت الدرهم الجيد، ~~فصار في يدي ستوقا، وقطعت الثوب المشترى، فصار على بدني مسروقا، وسافرت في ~~حزيران فعصفت الريح، وسد الأفق الضباب، وفقدت كل شيء ملكته غيرعرضي، الذي عهده ~~الشيخ معي، وصبري الذي عرفه مني». # ويقول الخوارزمي أيضا وهو قول مملوء بالمبالغة، والتكرار، والحشو، ويقصد ~~إليها على أنها طريقة متينة في الكتابة، في إحدى رسائله: «فلان أبطأ علي، فليت ~~شعري الريح قلعته، أم الأرض ابتلعته، أم الأفعى نهشته، أم السباع افترسته، أم ~~الغول أغوته، أم الشياطين استهوته، أم أصابته بائقة، أم أحرقته صاعقة، أم رفسته ~~الجمال، أم اغتاله الجمال، أم انتكس من على ظهر جمل، أم تدحرج من رأس جبل، أم ~~وقع في بير، أم انهار عليه جرف شفير، أم شلت يداه، أم قعدت رجلاه، أم ضربه ~~الجذام، أم أصابه البرسام، أم تاه في البر، أم أغرق في البحر، أم مات من ~~الحر، أم سال به سيل زاعب، أم وقع فيه سهم من سهام الآجال صائب، أم عمل عمل ~~أهل لوط، فأرسلت عليه حجارة من طين منضود، مسومة عند ربك، وما هي من الظالمين ~~ببعيد». # فهذه عبارات جوفاء كلها مع طولها، يريد منها أن يقول: إنه ms293 غابت عنه رسائله، ~~وهذا خذلان من الله، لا يكون إلا مع الفراغ في الفؤاد. # والصابي والخوارزمي أثقل من البديع، وهو أخف منهما روحا، وهكذا أقرأ هذه ~~الرسائل كلها فينقبض صدري، ولا ينطلق لساني، وأصرف في الرسالة ساعة أو ساعتين، ~~ثم لا أخرج منها بشيء في اليدين، وزاد الطين بلة الصاحب بن عباد المعاصر لهم، ~~فقد كان يعزل الوالي أو يوليه؛ ليحصل من ذلك على سجعة، فلما أتى بعد ذلك القاضي ~~الفاضل، والعماد الأصفهاني تمت هذه الكارثة، كارثة التقيد بالسجع، وأنواع ~~البديع، وأثرت هذه المدرسة في كل كتاب القرون التي أتت بعد إلى النهضة ~~الحديثة، اتجاه كلي إلى السجع والبديع، وفراغ كلي من معنى بديع. # وهذا من غير شك أصاب العقول فلم تأت بمعنى جديد، وقلما تأتي برأي ~~سديد. # وربما كان أرقاهم في ذلك أبا حيان التوحيدي، فقد كان يجمع إلى السجع ~~المزاوجة، وكانت غزارة معانيه، تلطف من طريقة عصره؛ ولذلك هو في نظري آدب أهل ~~زمانه، بل ربما كان آدب من شيخه الجاحظ؛ لأن علوم زمانه التي استوعبها كانت ~~أكثر من علوم الجاحظ. # ولكنه مع ذلك عاش هو وأستاذه أبو سليمان المنطقي فقيرين، أما أبو سليمان فكان ~~عوره وبرصه مانعين له من الاختلاط بالأمراء، ومساعدتهم له، إلا أعطيات ~~قليلة، كان يمنحها إياه عضد الدولة بن بويه، لما يستنجد به في دفع أجر بيته، ~~وما استدانه لغذائه. وكذلك فعل الوزير ابن سعدان معه. وأما أبو حيان، فيظهر أنه ~~كان مع فضله ثقيل الروح في محضره، وإن لم يظهر ثقله في كتابته، كان يعلم مقدار ~~فضله وعلمه، ثم يرى نفسه بائسا، ويرى تفاهة من حوله وغفلتهم، وهم متبحبحون في ~~معيشتهم، فيأبى إلا أن يشمخ عليهم، ويقدح بلسانه الحاد في أعراضهم، فحرم من ~~أجل ذلك، حتى كان يأكل الحشيش من الصحراء، وحتى أنه كان إذا صلى في المسجد، ~~ابتعد عنه الناس فلا يصلون بجانبه، إلا بقالا، أو زياتا، او ~~إسكافيا. # وفيما عداه قد عمت طريقة الخوارزمي، والصابي، وبديع الزمان، فعمت بذلك ~~البلوى. # ومما ms294 يلاحظ في هذا العصر ما ذهب إليه الكتاب مما يشبه الكتابة اليونانية من ~~تضمين كتبهم قصصا كثيرة، أو إشارات إلى أحداث تاريخية، كإشارة البديع إلى ~~حكاية التاجر مع ولده، وإشارته إلى قصص أخرى مشهورة في زمنه. # ومما يلاحظ أيضا أن اللغة العامية أصبح معترفا بها، يبحث في ألفاظها ~~وأساليبها، وينتقي منها خيرها، إلا بعض علماء كأبي العلاء المعري، فقد كان ~~واسع الاطلاع على اللغة، مولعا بالغريب، حتى إذا كان المعنى الواحد يمكن ~~أداؤه بعبارات واضحة، وبعبارات غامضة ذات ألفاظ غريبة اختار الثانية، كما نرى ~~في «رسالة الغفران»، كقوله: «وا أسفي لفراق سيدي الشيخ - أدام الله عزه - أسف ~~ساق حر، ساقه الطرب إلى الحر، توارى بالوريقة من حر الوديقة، كأنه قينة وراء ~~ستر، أو كبير حجب من الهتر، في عنقه طوق، كرب يفصمه الشوق، لو قدر لانتزعه ~~باليد، من المقلد، أسفا على إلف، غادره للكمد أي حلف، أرسله فهلك نوح، ~~فالحمائم عليه تنوح، يسمعك بالفناء، أصناف الغناء، ويظهر في الغصون، جني ~~الوجد المصون»، وهكذا اعتادوا البدء بالكلام عن الشوق للمرسل إليه، وكتابته على ~~هذا النوع سمجة أيضا كالنوع الأول؛ غير أنه إذا كانت سماجة أبي العلاء ~~كلاسيكية، فسماجة البديع سماجة رومانتيكية، ولا يعذر أبو العلاء في ذلك، إلا إن ~~كان يرمي لتعليم اللغة. # كذلك انتشر في هذا العصر كثير من القصص، فزادت ألف ليلة قصصا جديدة، ويحكون ~~أن الجهشياري قام بتأليف كتاب على نسق ألف ليلة وليلة، اختار فيه ألف سمر من ~~سمر العرب، وغيرهم، وكتب فيه أربعمائة وثمانين سمرة، وكان ينوي أن يجعلها ~~ألفا، ولكن المنية عاجلته. # ومسكويه ألف كتابا في القصص اسمه «أنس الفريد»، وشاعت نوادر وحكايات كحكايات ~~جحا، وقصة عاشق البقرة إلخ إلخ. # ومن الأسف أن طابع السجع والبديع الذي ابتلى به في الأدب في ذلك العصر ظل هو ~~طابع الأدب العربي في العصور المتأخرة في كل فرع من فروعه إلى أن جاءت النهضة ~~الحديثة، فقل أن نجد مبتكرا، أو داعيا إلى جديد. # ومع أنه ظهر كتاب آخرون ms295 على غير هذه الطريقة مثل: أحمد بن يوسف المعروف ~~بابن الداية، ألف كتاب «المكافأة»، وهو على نمط خير من هذا النمط، راعى فيه ~~جزالة التعبير، وقوة التفكير، أكثر مما راعى السجع، فإن طريقته المصرية لم ~~تقلد، وإنما قلدت الطريقة العراقية كابن العميد، وابن عباد. # الشعر # كان للشعر في هذا العصر جولة عظيمة، ونلاحظ أنه كثرت عادة المقطوعات الصغيرة ~~في وصف طرف صغيرة، كالذي نلاحظه في ديوان المتنبي، ففيه القصائد الفخمة على ~~النمط القديم، وفيه المقطوعات الصغيرة في وصف مزهر، أو خيمة، أو تفاحة من عنبر، ~~أو نحو ذلك، ونقرأ «يتيمة الدهر» للثعالبي المؤلفة في هذا العصر فنجدها مملوءة ~~بالمقطوعات، والكتاب مملوء بتراجم الشعراء في كل مصر، ولكنه مع الأسف غني ~~بالبديع اللفظي أكثر من عنايته بالتحليل النفسي، فغلبت عليه طريقة ابن عباد، ~~والخوارزمي، والصابي، أكثر من طريقة أحمد بن يوسف، وأبي حيان. # وهو مملوء بمثل هذه المقطعات من مثل الرجل الذي يرثي قطته في ~~قوله: # يا هر فارقتنا ولم تعد # وأنت عندي بمنزل الولد ~~••• # وقد اختلفوا في أنها قيلت في القط حقيقة، أو في رثاء من يخاف ~~رثاؤه. # على كل حال، عني شعراء هذا العصر بالتشبيهات، والاستعارات أكثر مما عنوا ~~بجدة المعنى. # وظاهرة أخرى، وهي نبوغ الصنوبري الشاعر في وصف الطبيعية، وهو أيضا من نتاج ~~مجلس سيف الدولة، وقد توفي سنة 334ه وتغنى بذكر حلب والرقة، وكانت له بمدينة ~~حلب حديقة حول قصر فخم غرست فيها الأزهار، فكثر تغزله فيها مثل قوله: # يا ريم قومي الآن ويحك فانظري # ما للربى قد أظهرت إعجابها # كانت محاسن وجهها محجوبة # فالآن قد كشف الربيع حجابها # ورد بدا يحكي الخدود ونرجس # يحكي العيون إذا رأت أحبابها # والسرو تحبه العيون غوانيا # قد شمرت عن سوقها أثوابها # وكأن إحداهن من نفح الصبا # خود تلاعب موهنا أترابها # لو كنت أملك للرياض صيانة # يوما، لما وطئ اللئام ترابها # وكان يعتبر النرجس ملكا للأزهار، فمن ~~قوله: # أرأيت أحسن من عيون النرجس # أم من تلاحظهن وسط المجلس ~~••• # وله قصائد في ms296 وصف معارك بين الأزهار. # وربما عد الصنوبري نمطا غربيا في إكثاره من وصف الطبيعة من أزهار، ~~وسماء، وضياء، وهواء. # وثار بعض الشعراء ككشاجم على طريقته، وأتى بعده من قلده. # وكان هناك قسمان من الشعر، قسم كلاسيكي كالذي ذهب إليه المتنبي، وأبو نواس، ~~والشريف الرضي، وقسم شعبي، وذلك مثل بعض الشعراء المكدين الطوافين كالأحنف ~~العكبري القائل: # على أني بحمد الله # في بيت من المجد # بإخواني بني ساسا # ن أهل الجد والجد # لهم أرض خراسا # ن فقاشان إلى الهند # إلى الروم والزن # ج إلى البلغار والسند # جذارا من أعاد لهم # من الأعراب والكرد # قطعنا ذلك النه # ج بلا سيف ولا عمد # ويقول: # العنكبوت بنت بيتا على وهن # تأوي إليه وما لي مثله وطن # والخنفساء لها من جنسها سكن # وليس لي مثلها إلف ولا سكن # ومثل الشاعرين الشهيرين ابن الحجاج، وابن سكرة، فقد أكثرا من الأوراق ~~الشعبية في صراحة من غير كناية، أو تورية في العلاقات الجنسية، والفضلات ~~البدنية بأقبح لفظ، وأسوأ تعبير، ولا نريد أن نمثل لهما، وكان ميل الناس في ذلك ~~العصر إلى السخافة والشهوات سببا في نتاج هذا النوع من الشعر، والإقبال ~~عليه. # ويطول بنا القول لو أننا عددنا الشعراء الذين نبغوا في هذا العصر مع تعدد ~~نواحيهم ونبوغهم، وربما كان أدلهم على عصره أبو العلاء، والصنوبري، والمتنبي، ~~وابن الحجاج، والشريف الرضي، فأبو العلاء ميزته أنه متشائم مسجل لرذائل قومه ~~وزمنه، والصنوبري ميزته إعجابه بالطبيعة، والمتنبي قوي جبار، فارس في حياته، ~~وفارس في شعره، معتد بنفسه، طموح مسجل لأكثر أحداث زمانه، وخاصة الحروب بين ~~الصليبين وبين سيف الدولة، والشريف الرضي يمثل العظمة الأرستقراطية، والاعتداد ~~بالنفس، والفخر بالنسب، يقول الشعر، ويتجاهل فيه أنه عائش في المدن، فيشعر في ~~الفروسية، والحرب، والجمال، وكرام الخيل من مثل قصيدته المشهورة التي ~~مطلعها: # لمن الحدوب تهزهن الأينق # والركب يطفو في الشراب ويغرق # وابتكر في هذا العصر الموشحات، وخاصة في الأندلس، وهي تتكون من أدوار، كل ~~دور منها ذو أبيات مجزأة، توحد صدورها قافية، وتوحد أعجازها ms297 قافية أخرى، مع ~~استقلال كل دور عن الآخر في قوافي صدوره، وأعجازه، ثم يختم كل دور بالقفل ~~مثل: # رشيقة المعاطف # كالغصن في القوام # شهدية المراشف # كالدر في النظام # دعصية الروادف # والخصر ذو انهضام # حسنها أبدع # من حسن ذياك الغزال # أكحل المدمع ~~... ... ... ... ... إلخ # والموشحات نتيجة لحب الأندلسيين للسمر والموسيقى، وقد ساعد على ذلك ما ~~للطبيعة من جمال، وقد تحرر فيها أصحابها من التزام القافية؛ وللمستشرقين أبحاث ~~كثيرة في: هل أخدت من النوع المعروف عند الإسبان «بالطروبادور»، أو الإسبان ~~أخذوها عن العرب؟ # ولم يوصل إلى كلمة نهائية بعد في هذا الموضوع، ويقول ابن خلدون: «إن أول من ~~اخترع الموشحات رجل اسمه «مقدم بن معافر الفريري، وكان من شعراء الأمير عبد ~~الله بن محمد المرواني، الذي عاش من سنة 507ه إلى 595ه»، ولكن رويت موشحات قبل ~~هذا التاريخ. # ولم توضع قواعد للموشحات دقيقة، بل كان ناظموها يفهمون تقاليدها فهما ~~عاما، حتى أتى ابن سناء الملك المصري، المولود سنة 550ه في القاهرة، وألف ~~كتابه «دار الطراز في عمل الموشحات»، فوضح خصائصها، وعرفها بقوله: «الموشح ~~كلام موزون على وزن مخصوص، وهو يتألف في الأكثر من سنة أقفال وخمسة أبيات، وفي ~~الأقل من خمسة أقفال، وخمسة أبيات، والنوع الأول يقال له التام، والثاني يقال ~~له الأقرع» مثل: # ضاق عنه الزمان # وحواه صدري # ضاحك عن جمان # سافر عن بدر # آه مما أجد # شفني ما أجد # قام بي وقعد # باطش متئد # كلما قلت قد # قال لي أين قد # ويلزم أن تكون الأقفال كلها متفقة في وزنها وقوافيها، وعدد أجزائها، وكل ~~قافية في الموشح تسمى فقرة، وكل قفل مع البيت الذي يليه يسمى سمطا، وآخر ~~قفل من الموشح يسمى «خرجة». ويفضل الوشاحون أن تكون الخرجة عامية؛ لأنها ~~أظرف إلا في المديح. والموشحات صنفان: منها ما جاء على أوزان أشعار العرب، ~~ومنها ما لم يكن على وزنها، فالأول كالموشحة التي مطلعها: # أيها الشاكي إليك المشتكى # قد دعوناك وإن لم تسمع # فإنها من بحر الرمل. والقسم الثاني: ما ليس على وزن ms298 أشعار العرب، وهم ~~يفضلون القسم الثاني على الأول. وتمتاز الموشحة باللطف، وخفة الروح، وبعضها ~~عميق المعنى، وعند ظهورها قوبلت باستحسان في الأوساط المختلفة، واعتمد عليها في ~~الغناء، وتمتار بالتحرر من الوزن والقافية. # فالشعر كالنثر ظل للبيئة الاجتماعية، وإن اختلف الشعراء فيها بينهم، ~~فاختلاف يرجع إلى طبيعتهم ومزاجهم، ولكن كلا يمثل عصره أصدق تمثيل. # وقد عني بعض الأدباء بتأريخ الأدب عن طريق تراجم الأدباء في الجاهلية ~~والإسلام، وجمعها في كل العصور، وأشهر من فعل ذلك أبو الفرج الأصفهاني في كتاب ~~«الأغاني»، وهو كتاب حافل، لم يؤلف مثله قبله ولا بعده، جمع فيه من الكلام ~~على تراجم الشعراء الجاهليين، والإسلاميين، والعباسيين ما لم يجمع من قبل؛ ~~ولذلك استغنى به بعضهم في رحلاته وانتقالاته عن كثير من الكتب، غير أنه لم ~~يرتبه حسب تاريخ الزمن، ولا حسب الحروف الأبجدية، وإنما رتبه حسب الأصوات، ~~فإذا جاء صوت ترجم لصاحبه، وبين نغمته، وطريقة غنائه، وأصل الكتاب أن الأغاني ~~كانت قد جمعت، فأمر الرشيد باختيار مائة صوت منها، أي مائة دور، فجمعت له، فلما ~~جاء الواثق أمر أن يختار له منها خيرها، وأن يبدل ما لم يستحسن بما هو أعلى ~~منه، وأولى بالاختيار، وجاء من بعده ففعلوا هذا الفعل، فجمع أبو الفرج كل ذلك ~~مبتدئا بأصوات الرشيد، وقد استرد في الأخبار حسب عادة المؤلفين في هذا العصر، ~~وكان عالما بالغناء من بيت أدب وغناء، عالما بأيام العرب وأخبارهم، مما روي ~~عن كثير من الثقات، ومما قرأ الكتب الموثوق بها، وقد كان قراء للكتب. # وأسند كل خبر لصاحبه ممن روى عنهم، أو من الكتب التي أخذ منها، ويظهر أنه كان ~~ثقة فيما ينقل، يتحرى الأخبار، ولا يأخذ إلا ما صح عنده، وفي الكتاب نقد لكثير ~~من الروايات مما يدل على علمه بالنقد، إما لأن الراوي ليس بثقة، وإما لأن ~~الأحداث التي رويت لا تتناسب مع الزمان والمكان والبيئة. وكان قوي النقد ~~صحيحه، فليس يضع من شأن الشاعر عنده أن يكون سيئ السيرة، فاسد الخلق، وضيع ~~النسب، بل ms299 يقيسه بالمقياس الفني وحده، وليس يؤثر عليه تشيعه، ولا أمويته، ~~بل لا يمنعه ذلك من أن يقول الحق كل الحق، سواء كان القائل سنيا أو شيعيا؛ ~~ولذلك كان الكتاب مصدرا تاريخيا يستدل منه على الأحوال الاجتماعية فى ~~الجاهلية والإسلام، بل هو فى هذه الناحية أحسن من كتب التاريخ؛ إذ هي تعتمد على ~~أخبار الخلفاء والأمراء الرسمية فقط، أما حالتهم الاجتماعية، وحالة الشعب من ~~لهو وترف وغناء، وما إلى ذلك، فنستنبطها من «الأغانى» وأخباره، لا من كتب ~~التاريخ. # وقد ذكر أنه ألفه لرئيس من رؤسائه، والظاهر أن هذا الرئيس هو الوزير ~~المهلبي: فإنه كان يتصل به، ويؤاكله، ويحادثه، ويسمر عنده، ويروي الأخبار ~~الأدبية له. # وعلى كل حال، فهذا الكتاب الذى ألف في القرن الرابع الهجري كان مصدرا لكل ~~المؤلفين الذين جاءوا بعده، وقد بذل المعاصرون جهودا جبارة في تعرف النغمات ~~التي ينص عليها في كتابه، ويحكي هيئاتها ليمكن ينتفع بالأصوات التي وردت ~~فيها. # واعتمد عليه المستشرقون والشرقيون على السواء، وعلى الإجمال فهو نعمة من نعم ~~القرن الرابع على الأدب. # وهناك نوع من الأدب لا بد أن نشير إليه ~~مما نما فى هذا العصر، وهو النقد الأدبي. # وربما يمثله خير تمثيل أبو هلال العسكري، وقدامه، وابن رشيق، فأما أبو هلال ~~العسكري فقد خلف لنا كتاب «الصناعتين»، ويعني بالصناعتين: صناعة النظم، والنثر، ~~وقد سبقه إلى ذلك من غير شك بعض الكتاب، كابن سلام، وابن قتيبة. # وربما عدت كتابته في نقده من أحسن الأساليب وأرقاها، يسجع، ولكن لا يلتزم ~~السجع، ويمتاز بالوضوح، ولكنه قد يجور في أحكامه النقدية؛ فهو يتحامل على ~~المتنبي، ويفحص بإمعان عن مساويه، ولا يعلن محامده. # ومما ساعده على نقده معرفته الشعر، ومعالجته له؛ فهو كتاب أدب ونقد معا، ~~وربما عد من عيوبه جنوحه إلى أن البلاغة في اللفظ دون المعنى، متبعا في ذلك ~~نظرية الجاحظ؛ وهم يعللون ذلك تعليلا سخيفا بأن المعاني ملقاة في الطريق، ~~كتشبيه الشجاع بالليث، والكريم بالغيث، أو نحو ذلك، كأن هذه هي كل المعاني، مع ~~أن ms300 المشاهد أن المعاني يصعب العثور عليها، ويختلف الناس فيها، وربما كان ~~متأثرا في ذلك بأساليب أهل زمانه، ككلام الصابئ، وابن عباد، ~~والخوارزمي. # وعلى العموم، فقد تقدم النقد خطوة جديدة، فقد كان له لفتات طيبة مثل التفاته ~~إلى التفرقة بين السهولة والليونة، فقد يكون الكلام جزلا، وهو مع ذلك ساحر، ~~على كثير من مثل هذه النظرات؛ وهو فى نظراته يطبقها بأمثلة عديدة تركز المعنى ~~الذي يريده. # وأما قدامة، فقد ألف كتابا في نقد الشعر، وكتابا آخر في نقد النثر؛ وهو ~~يرينا فيهما مقدار تأثر علماء الأدب في ذلك العصر بالفلسفة اليونانية، والأدب ~~اليوناني، وكثيرا ما ينحو منحاهم، في التقسيم والتجويف والتحديد، ولكنه دون ~~أبي هلال العسكري في حسن التعبير، ورشاقة الأسلوب، وتغلب عليه عجمة الفلسفة ، ~~وقد يكون أغزر علما، ولكنه أردأ تعبيرا. # وأما ابن رشيق، فهو مغربي الأصل، ألف كتابه «العمدة» يصف فيه الشعر، وأصول ~~جودته، ويخالف أبا الهلال والجاحظ في أن عمدة البلاغة على اللفظ دون المعنى، بل ~~يجعل البلاغة في إجادتهما معا، ويجدد فصولا، ويشعب البلاغة إلى نواح، لا نعلم ~~أن أحدا سبقه إليها من قبل. # وهناك كتب أخرى في النقد، كالوساطة بين المتنبي وخصومه، والآمدي والمرزباني، ~~لا نطيل في وصفها. # على كل حال، كان هذا العصر غنيا - كما ~~ترى - بالأدب الخالص، وبالنقد الأدبي؛ وربما لم يساوه في ذلك عصر من ~~العصور. # ومما يلاحظ أن النقد كان يتبع الأدب، ولم يفتح له أبوابا جديدة؛ فالأدب إن ~~كان قد غرق في المحسنات اللفظية، فإنا نرى النقد يشيد بهذه المحسنات، ولم ينصحه ~~بأن يقلل منها. والأدب اتجه إلى العناية بالألفاظ أكثر من العناية بالمعاني، ~~فوجدنا النقد يخدم هذه الفكرة، وكان على النقاد ألا يقيسوا الأدب بمقياس عصرهم، ~~بل يسمو عن عصرهم، بتصور المثل الأعلى للأدب. # وعلى الجملة، فقد كان النقاد مسوقين بالأدب لا قادة له، وربما كان ذلك في ~~أكثر العصور شرقا وغربا، وكان من أحسن ما عملوه، واتجهوا إليه الوقوف عند كل ~~بيت أو قصيدة، وذكر من قال هذا المعنى ms301 قبل الشعر، ومن كان أجود، ومن كان أردأ، ~~ومن أين أتت الجودة، ومن أين أتت الرداءة؛ ولذلك كان من أكبر موضوعاتهم السرقات ~~الشعرية، وادعاء أن فلانا سرق المعنى من فلان، وهو تهجم فظيع؛ لأن ادعاء سرعة ~~المعاني صعب إثباته، فقد يكون هناك توارد في الأفكار. # نعم، إذا كان لفظ البيت كلفظ البيت، أو الشطر كالشطر سهل ادعاء السرقة، أما ~~إذا اختلفت الألفاظ فمن الصعب ادعاء ذلك، والذي يلاحظ أيضا أن النقاد في أكثر ~~ما اتجهوا إليه نظروا إلى الجزئيات دون الكليات، شأنهم في الفقه، فهم بدل أن ~~يقرروا قاعدة في البيع مثلا، يذكرون صفة بيع جزئي لتستنتج منه القاعدة، ~~وكذلك في الأدب، يذكرون بيتا وأقرانه، أما تعرضهم مثلا لأصول الأدب، وبم ~~يرقى أدب عن أدب؟ وأنواع النثر، وأنواع الشعر، والشروط اللازمة في كل نوع، ~~فقليل نادر في كتبهم، وحتى إذا أرادوا أن يقارنوا بين شاعر وشاعر كما فعل ~~الآمدي في الموازنة بين أبي تمام والبحتري، فالمنهج الصحيح أن يقوم كل شاعر ~~في شعره، ومزاياه على العموم وعيوبه، أما أن يقارن بين بيت من هذا وبيت من ذاك ~~في معنى واحد، أو قصيدة لهذا أو قصيدة لذاك فنظرة جزئية، لا تسلم إلى الحكم ~~الصحيح. # ونوع آخر من الأدب يقدمه لنا قابوس بن وشمكير، ذلك أنه كان ملكا لجرجان ~~وطبرستان، ولئن كان سيف الدولة ملكا بدويا عربيا فقابوس هذا ملك فارسي ~~متحضر، وكما أن الملك تعجبه الطرف، والأشياء الأنيقة، فكذلك كان قابوس تعجبه ~~الطرف الأدبية، ويهديه الشعراء من طرفهم، وينشد هو طرفا. # كان كما ذكرنا ملكا، فأزاله عضد الدولة ~~عن ملكه، فبكى ملكه كثيرا، كما بكى ملكه ابن عباد، لما زال ملكه عن الأندلس، ~~ومن قول قابوس: # لئن زال أملاكي وفات ذخائري # وأصبح جمعي في ضمان التفرق # فقد بقيت لي همة ما وراءها # منال لراج أو بلوغ لمرتقي # ولي نفس حر تكره الضيم مركبا # وتكره ورد المنهل المترنق # فإن تلفت نفسي فلله درها # وإن بلغت ما أرتجيه فأخلق # وكذلك له النثر البديع ms302 المصنوع صنعة دقيقة، وقد قال القول البديع بالفارسية ~~والعربية، وله نصائح غالية لابنه. ومن قوله: «أمن صخر تدمر قلبه، فليس يلينه ~~العتاب، أم من الحديد جانبه، فلا يميله الإعتاب، أم من صفاقة الدهر مجن ~~نبوه، فقد نبا عنه غرب كل حجاج، أم من قساوته مزاج إبائه، فقد أبى على كل ~~علاج»، وهو أسلوب مبالغ في زينته على نمط كلام ابن عباد، وابن العميد، فإن كان ~~له شيء جديد، فهو تقدمه في البلاغة خطوة بالإمعان في السجع، والاستعارات، ~~والمجازات، وقد طبعت له رسائل في مصر تدل على ما نقول. # وظهر في هذا العصر ابن نباتة، وكانت له الخطب الرنانة، ولكن من المؤسف أنه ~~كان متجها إلى الخطابة الدينية السياسية والاجتماعية؛ ذلك لأن العصر ثارت فيه ~~العواطف الدينية أكثر من غيره، فقد كانت الحروب الصليبية على أشدها بين سيف ~~الدولة والصليبيين، ورجال الدين من الجانبين يشعلون نيران العواطف، فكان ابن ~~نباتة من هذا القبيل. # لئن قال المتنبي، وأبو فراس، وغيرهما في وصف هذه الحروب وصفا أدبيا، فقد ~~كان ابن نباته يجعل وظيفته إثارة البواعث للقيام بهذه الحروب، ودفع إغارة ~~الصليبيين. # أما الخطابة السياسية والاجتماعية فلم تثر الخطباء، إنما تبادل الأدباء ~~الرسائل أكثر مما تبادلوا الخطب، فنجد الرسائل المتبادلة بين المعري، وداعي ~~الدعاة، وبين كثير من رجال الشيعة والسنية، ولعل سبب ذلك أن النزاع بين هذه ~~الطوائف من شيعة وسنية، ومن فقهاء وصوفية، ومن معتزلة كلها تحتاج إلى عقل ~~كبير؛ وهذه أنسب لها الرسائل، أما العاطفية الدينية، وإثارتها فأنسب لها ~~الخطب. # الفصل الرابع # | النحو والصرف والبلاغة # شهد القرن الثاني معركة كبيرة في النحو والصرف بين مذهب البصريين والكوفيين. ~~ويرجع أكثر الخلاف إلى البيئة التي كانت حول البصرة والكوفة، ثم شهد القرن الثالث ~~الهجري امتزاج المذهب البصري بالمذهب الكوفي، وظهور منتخب من المذهبين، وشهد القرن ~~الرابع تمام هذا الامتزاج. # والحق أن كتاب سيبويه في النحو والصرف كان من القوة بحيث كان المرجع في العالم ~~الإسلامي من تاريخ تأليفه إلى اليوم، وكل ما فعله الناس ms303 أنهم شرحوا غامضا أو ~~اختصروا مطولا، أو بسطوا معضلا، أما الأسس التي بني عليها الكتاب فبقيت كما هي ~~في النحو والصرف إلى اليوم، من عهد شرح الصيرافي لكتاب سيبويه، إلى النحو الواضح ~~للمرحوم الجارم بك، فمثلا: ظل النحو طول حياته متأثرا بنظرية العامل، فالفاعل ~~مرفوع بالفعل، والمفعول به منصوب بالفعل، وإذا لم يكن هناك عامل ظاهر قدر هناك ~~عامل مستتر، مثل: «إذا السماء انشقت»، وألجأهم إلى ذلك ادعاؤهم أن الفاعل لا يتقدم ~~الفعل، فلا يمكن أن يكون السماء فاعلا لانشقت الآتية، وادعاؤهم أيضا أن إذا لا ~~تدخل إلا على جملة فعلية. # ولم يشذ عن ذلك فيما نعلم إلا ابن مضاء الأندلسي الذي أنكر نظرية العامل. # وكان من أوائل النحويين الذين لهم أثر كبير في النحو بمعنى الشرح والتفسير ~~الزجاج، وكانت حياته صورة مصغرة لعصره؛ فمثلا: كان يخرط الزجاج، ومن أجل ذلك ~~سمي بالزجاج، وكان يكسب في اليوم دينارا، وكسرا من دينار، فحبب إليه النحو، ~~واتصل بالمبرد؛ وكان المبرد هذا لا يعلم النحو إلا بأجر، ولا يعلم بالأجر إلا ~~بمقداره؛ فمن أعطاه درهما علمه بدرهم، ومن اعطاه درهمين علمه بهما، ~~وهكذا. # فاتصل به الزجاج، وقاوله على أن يعلمه كل يوم بدرهم، ووفى له بذلك، فكل يوم ~~يعطيه درهما، وكل يووم يتعلم منه بمقداره، فلما شدا في ذلك طلب هو أن يعلم أيضا، ~~فأراد أن يحصل ما صرف. وكان المبرد يرشحه لذلك أيضا، وشاء القدر أن يعلم شابا ~~اسمه القاسم ابن عبيد الله، فرأى فيه مخايل الأرستقراطية، فقال له: أتنذر إن أصبحت ~~وزيرا أن تعطيني عشرين ألف دينار؟ فوعده بذلك. # ثم شاء القدر أن يصبح وزيرا للمعتضد؛ ولكن عز عليه أن يعطيه المبلغ من جيبه، ~~فعينه آخذا لعرائض الناس، وعرضها عليه، ومعنى ذلك: أن العرائض التي تقدم للوزير ~~يأخذها الزجاج، وهو الذي يعرضها على الوزير، وجعل له من الطالبين أو مقدمي العرائض ~~مبلغا بنسبة ما يكسبه صاحب الشأن من كل عريضة؛ فهذا يدفع مائة، وهذا يدفع ألفا، ~~ومعنى ذلك: أن القاسم بن ms304 عبيد الله أباح له الرشوة الرسمية، وعرف من أجل ذلك ~~بالجاه، وقربه من الوزير؛ فأخذ الناس يقبلون عليه لقضاء حوائجهم في نظير «جعل»، ~~حتى حصل بذلك أكثر من العشرين ألفا، ولما امتنع بعد ذلك طلب منه أن يستمر في عمله، ~~ولا بأس أن يكسب أكثر مما كسب، وهي حادثة تدل على فساد العصر. # وإلى ذلك العصر لم تكن العلوم - وخصوصا اللغوية - متميزة التميز الدقيق على ~~النحو الذي نراه في كتاب «الكامل» للمبرد؛ فنحو وصرف بجانب بلاغة، بجانب كلام في ~~إعجاز القرآن إلخ، ولذلك نراهم يؤلفون في معاني القرآن، والاشتقاق ككتاب «فعلت ~~وأفعلت»، وكتاب «خلق الإنسان»، و«خلق الفرس»، و«شرح أبيات سيبويه»، و«كتاب ~~النوادر». # ومن أكبر حسنات الزجاج أنه أنجب العالم المشهور أبا علي الفارسي، وهو من علمت في ~~التوسع في القياس، والتوسع في الاشتقاق. # وأبو علي الفارسي هو الذي أنجب ابن جني الذي سار على مذهب أستاذه، وتوسع فيه، ~~وكان له ولأستاذه الفضل الكبير في علم الصرف، وفيما يعرف بفقه اللغة. # ومن لفتات ابن جني الجليلة فهمه أن النحو القديم مؤسس على العامل كما ذكرنا، فإذا ~~قلت: ضرب زيد عمرا، فالرفع في زيد، والنصب في عمرو، إنما أحدثه ضرب. وقد جرهم ~~ذلك إلى تأويلات كثيرة متكلفة، فقالوا مثلا في «إذا السماء انشقت»: إن تقديرها: ~~إذا انشقت السماء انشقت، ونحو ذلك في مواطن كثيرة تكلفوا فيها تكلفا سخيفا، فهدم ~~ابن جني هذه القضية، وقال في خصائصه: «وأما في الحقيقة، ومحصول الحديث، فالحركات من ~~الرفع والنصب والجر والجزم، إنما هي للمتكلم نفسه، لا لشيء غيره، وعلل ذلك ~~تعليلا فلسفيا يشبه تعليل النحويين، إذ يقول: إن ضرب انتهت بمجرد النطق بها، فلا ~~يمكن أن تكون عاملا في زيد أو عمرو، فليس الفعل عاملا في الفاعل، ولا المفعول، ~~وليست إن تنصب المبتدأ وترفع الخبر، ولا كان ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، وليس ~~المبتدأ مرفوعا بالابتداء، فهذا كلام لا معنى له، وليس الخبر مرفوعا بالمبتدأ ~~كذلك». # والناظر في نحو الخليل وسيبويه يرى أنه موضوع على أساس العامل، ms305 وظل كذلك إلى ~~عصرنا الذي نؤرخه، وجاء ابن جني يريد تأسيس نحو آخر، ولكن مع الأسف لم يجد سميعا، ~~فظل النحو معتمدا على العامل، فإذا لم يجدوه تأولوه، واستمر النحاة لا يزيدون ~~شيئا إلا نادرا، وكان نحاة عصرنا الذي نؤرخه سائرين على هذا المنوال. وأخيرا، ~~جاء ابن مضاء - كما أشرنا - من قبل قاضي القضاة في قرطبة في عصر المؤرخين، فألف ~~كتابا سماه «الرد على النحاة» أسسه على الجملة التي رويناها عن ابن جني في ~~الخصائص، وقد نشر حديثا. # وكان ابن مضاء هذا ظاهري المذهب، لا يؤمن بالتأويل والقياس، فجرى في النحو مجراه ~~في الفقه، فلا تأويل لعامل، ولا عمل له. # ولكن ذهبت دعوته أدراج الرياح، كما ذهبت دعوة ابن جني من قبل، وكما ذهبت دعوة أبي ~~نواس في الشعر إلى التجديد، وظل النحاة في القرون المختلفة إلى اليوم يؤمنون ~~بالعامل. # ومن مظاهر هذا العصر أيضا ما ابتدعه الثعالبي في تأليفه كتاب «فقه اللغة»، جمع ~~فيه الألفاظ المتقاربة في موضوع واحد، كالمائدة والخوان، مع بيان الفرق بينهما، كما ~~تعمد أن يؤلف كتابا في أسرار اللغة، يتعمق فيه في معاني الأسلوب. وقد توسع فيه ابن ~~سيده في «الخصائص»، فجعله في سبعة عشر جزءا، أسسه على المعاني لا على الألفاظ، ~~فكان هذا فتحا جديدا في بابه. # وقد تركت هذه المدرسة - وهي المدرسة المتسلسلة من المبرد إلى الزجاج إلى أبي علي ~~الفارسي إلى ابن جني - أثرا كبيرا في اللغة والنحو والصرف، ومن قديم وعلماء اللغة ~~والنحو والصرف ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: محافظين لا يرون الخروج عن القديم بحال من ~~الأحوال، حتى في الأدب لا يريدون أن ينشئوا أدبا إلا ما كان على نمط الشعر ~~الجاهلي، فإن تسامحوا في شيء فإنهم يقلدون الشعر الأموي، ومن هؤلاء كان ابن ~~الأعرابي الذي لم يشأ أن يعترف بشعر أبي تمام لحداثته، حتى كان يعرض عليه الشعر من ~~غير أن يذكر قائله، فيستحسنه، فإذا قيل له: إنه لأبي تمام، أو لأبي نواس؛ ~~استبرده. # وأحرار في الأدب يرون أن القدماء ms306 والمحدثين خاضعون لمقاييس واحدة، فقد يسمج ~~المتقدم، ويأتي المحدث بالروائع، والعكس، وقد رأى هذا الرأي قديما ابن قتيبة في ~~«طبقات الشعراء»، وسار على هذا النمط كثيرون من أبرزهم أبو نواس إذ عاب العرب ~~الأولين في البكاء على الأطلال، وبكاء الدمن، ودعا إلى التجديد في الغزل في ~~المذكر، والغزل في الخمر، ولكنه مع الأسف لم يستمر طويلا على مذهبه. # وفي اللغة والنحو والصرف كان أبو علي الفارسي، وتلميذه ابن جني من هذا الصنف، ~~وربما عد ابن فارس من الذين وقفوا موقفا وسطا بين القديم والجديد، يدل على ذلك ~~كتابه المسمى ب «الصاحبي» نسبة إلى الصاحب بن عباد، وكان الصاحب هذا تلميذا لابن ~~فارس، فهو في هذا الكتاب يعرض آراء متحفظة متزمتة حينا ، وآراء حرة حينا، فمن ~~تزمتاته جعله علم العروض أفضل من الفلسفة، فيقول: «علم العروض الذي يربي بحسنه ~~ودقته واستقامته على كل ما بتبجح به الناسبون أنفسهم إلى التي يقال لها ~~الفلسفة». # ومعنى هذا التعبير - كما ترى - سخيف، وهو يرى أن الفلاسفة لا يستطيعون أن يؤلفوا ~~في النحو والصرف، فإن ألفوا فيهما فشيء تافه، وما عيب الفيلسوف إذا لم يكن يحسن ~~إلا الفلسفة؟ # ثم من مظاهر تزمته اعتقاده أن اللغة العربية لا وضعية، وقد كان المعتزلة الأحرار ~~يرون أنها وضعية لا توقيفية، وعلى ذلك جرى أبو علي الفارسي، وابن جني، وبينما كان ~~ابن فارس رجعيا في هذه المسائل إذا هو تقدمي في مسائل أخرى؛ من ذلك رسالته إلى ~~صاحب له هو محمد بن سعيد، يعتب عليه تحريمه على بعض المعاصرين تأليف كتاب في ~~مختارات بعد كتاب أبي تمام، وهو «الحماسة»، فيقول له: «لعله يستدرك من جيد الشعر، ~~ونقيه، ومختاره، ورضيه كثيرا مما فات الأول، فما هذا الإنكار، ولم الاعتراض؟ ومن ~~ذا حظر على المتأخر سبق المتقدم؟ ولم تأخذ بقول من قال: ما ترك الأول للآخر شيئا، ~~وتدع قول القائل: كم ترك الأول للآخر؛ وهل الدنيا إلا أزمان؟ فلكل زمان رجال، وهل ~~العلوم بعد الأصول المحفوظة إلا خطرات الأفهام، ونتائج العقول؟ ms307 ومن قصر الآداب على ~~زمان معلوم، ووقفها على وقت محدود؟!»، فهذه نظرة تقدمية من غير شك. # ثم هو يفيدنا من ناحية أخرى، وهي شكواه من غلبة اللحن حتى على الفقهاء ~~والمتعلمين، ويقول: «أما الآن، فنرى المحدث يحدث فيلحن، والفقيه يؤلف فيلحن، ~~فإذا نبها قالا: ما ندري ما الإعراب؛ وإنما نحن محدثون وفقهاء». # ونلاحظ في هذا العصر ظاهرة أخرى، وهي العناية بما يسمى فقه اللغة، فنرى ابن فارس ~~هذا يملأ كتابه «الصاحبي» بمسائل يسميها فقه اللغة، والثعالبي يؤلف كتابا في فقه ~~اللغة، وهو يذكر في صدر كتابه هذا أنه إنما سمى هذا العلم بهذا الاسم وفقا ~~لاختيار الأمير الذي أهداه إليه؛ وهذا يدل على أن هذا الاسم مخترع في هذا العصر، ~~ويقصدون به بيان الفروق الدقيقة بين الكلمات التي يظن أنها مترادفة، وليست في ~~الحقيقة مترادفة؛ ومن اللغويين من سمى هذا النوع بالفروق كأبي هلال العسكري. # وفي العصور الحديثة نراهم قد سموا ما يسمى عند الإفرنج بالفيلولوجي «فقه ~~اللغة»، مع أن مدلوله عند الإفرنج - فيما يظهر - مخالف لمفهومه عندنا؛ فمفهومه عند ~~أكثر اللغويين من الإفرنج مقابلة الكلمات في اللغات المختلفة، وتاريخ اللغات، وغير ~~ذلك. ولعلهم أخذوا هذا الاسم مما كان شائعا في تسميتهم «علم الفقه»، فربما رأوا أن ~~ذلك الفقه فقه الأحكام، فسموا هذا فقه اللغة؛ والفيلولوجي عند الإفرنج أوسع مدلولا ~~من فقه اللغة عند العرب. # وقد قال ابن فارس: إن هذا الكتاب وهو «الصاحبي» في فقه اللغة العربية، وفي سنن ~~العرب في كلامهم؛ ولا أدري هل سبق الثعالبي، وابن فارس في هذا الاسم أحد أو هما ~~واضعاه! والغالب في نظرنا هو الأول؛ لأن الثعالبي يذكر أن هذا الاسم ابتكره من ~~ألف له الكتاب؛ ولعله أبو الفضل الميكالي. # ومما يؤسف له أن ابن فارس في كتابه هذا زعم أن اللغة العربية أغنى اللغات في ~~تعبيراتها، وأساليبها، وأمثالها، وهي مسألة نرى العلماء في هذا العصر يتباحثون ~~فيها، وربما كان ذلك أثرا من آثار الشعوبية، فنرى سائلا يسأل أبا سليمان المنطقي ~~هذا السؤال، ms308 ولكن أبا سليمان كان أعقل من ابن فارس، فقد أجاب بأن الإجابة عنه تقتضي ~~معرفة بلغات العالم، ومقارنات عديدة بينها مما لا يتيسر الآن، وهي إجابة تدل على ~~سعة نظر، وبعد تفكير، وشعور بتبعة الجواب على مثل هذا السؤال، وذلك خير مما قال ~~ابن فارس. # فمهاجمة الشعوبية للعرب جعلت العرب يتعصبون للعربية، ويبالغون في تقديس ~~لغتهم. # على كل حال، كان علماء اللغة والنحو والصرف في ذلك العصر يحملون تبعات كثيرة، ~~فيعتقدون أن في عنقهم رد اللغات العامية إلى أوكارها، ونزعات الشعوبية إلى مكامنها، ~~وإحياء اللغة الفصحى، وتوسيعها في أكثر ما يمكنهم من ميادين. # وكان من أكبر من خدم اللغة والأدب في ذلك العصر الثعالبي؛ فقد ألف كتبا كثيرة ~~في نواح كثيرة : في فقه اللغة، وفي شعراء القرن الرابع عرض نماذج من شعرهم، وقد سلك ~~في ذلك مسلكا لطيفا، وهو جعل باب معين لشعراء كل قطر، كما ألف في طرف لطيفة ~~ككتاب «من غاب عنه المطرب»، ونحو ذلك من كتب لا عداد لها، وإن أخذ عليه شيء في ~~أعظم كتبه وهو «اليتيمة»، فهو عنايته في ترجمة الشعراء بالعبارات الرنانة أكثر من ~~عنايته بالتحليل النفسي للشاعر، وتحليل شعره، حتى إن ترجمة الشاعر يمكن رفعها من ~~مكانها، ووضعها في ترجمة شاعر آخر، ومع ذلك فله فضل التعريف بشعراء يمكن رفعها من ~~مكانها ووضعها في ترجمة شاعر آخر. ومع ذلك فله فضل التعريف بشعراء كثيرين لولاه ما ~~عرف عنهم شيء، وكانت العادة المتبعة أن ترسل البعثات من جميع الأقطار الإسلامية ~~إلى العراق - وخاصة إلى بغداد - كما نرسلها اليوم إلى أوروبا، فحدث أن أرسلت مصر ~~شابين مصريين ليتعلما النحو واللغة، وما إليهما في بغداد، فلما وصلا وجدا أن ألمع ~~اسم في بغداد هو الزجاج الذي أشرنا إليه من قبل. # كان هذان الشابان هما ابن ولاد، وابن النحاس، فدرسا عليه وعلى غيره ما شاء ~~الله أن يدرسا، ثم عادا إلى مصر، فملآها نحوا وصرفا؛ ولكن من غير ابتكار، وإنما ~~علمهما اقتباس من على البغداديين، وكان ابن ms309 ولاد أحب إلى قلب الزجاج من ابن ~~النحاس، فكان يسأل عنه من قدم بغداد من المصريين، وكونا مدرسة في القاهرة تشبه ~~مدرسة الزجاج في بغداد فيها تفسير، وفيها نحو وصرف إلى غير ذلك، ولكن كان بينها من ~~التنافس ما بين المتعاصرين عادة، كل منهما يرمي صاحبه بالجهل، فجمع بينهما بعض ~~أمراء مصر، وأمرهما أن يتناظرا أمامه، فعلى طريقة البغداديين قال ابن النحاس: كيف ~~تبني مثال افعلوت من رمى. قال له ابن ولاد: ارمييت، فخطأه ابن النحاس في ذلك، ~~وقال: ليس في كلام العرب افعلوت. فقال: إني أجبت على السؤال، وإن لم يكن له أصل ~~صحيح، ولم أقل ارمويت؛ لأن الفعل يائي، وهكذا كان التهريج من ابن النحاس على عادة ~~البغداديين، ولا يقال: إن ذلك شبيه بارعويت؛ لأن ارعويت على وزن افعللت، لا ~~افعلوت، وكان ابن ولاد أحب إلى المصريين؛ لأنه كان نبيلا كريما سمحا؛ على ~~العكس من ابن النحاس، وألف ابن ولاد كتاب «الانتصار لسيبوبه»، و«المقصود ~~والممدود»، و«معاني القرآن»، وألف ابن النحاس «تفسير أبيات كتاب سيبويه»، و«كتاب ~~الكتاب»، و«الكافي في النحو» إلخ، فكلاهما ملأ مصر علما وتأليفا على نمط علم ~~العراق وتأليفه. # ويذكرون لنا أن الرماني في هذا العصر أول من مزج النحو بالمنطق، يعنون بذلك أنه ~~راعى في النحو التقسيمات المنطقية، وعلل الأحكام تعليلا منطقيا، وسبب ذلك أن ~~الفلسفة اليونانية كانت قد انتشرت في هذه البقاع، وعرف حتى النحو اليوناني، وتناقش ~~العلماء أيهما أفضل: النحو العربي، أو النحو اليوناني؟ كما حكى لنا أبو حيان ~~التوحيدي في «المقابسات». # علم البلاغة # فإذا نحن وصلنا إلى علم البلاغة وجدناه قد تكون حول البحث في أسباب إعجاز ~~القرآن، بدأ نتفا قصيرة، وما زال يزيد على توالي الأزمان، حتى وصل إلى أبي ~~هلال العسكري المتوفى سنة 395ه، فجعله أحق العلوم بالتعلم؛ إذ بدونه لا ~~تفهم أسباب إعجاز القرآن. # وملأ كتابه بمباحث تدور حول النواحي التي ترفع قدر الكلام، وتكسوه جمالا ~~وجلالا، والعيوب التي تحط من قدر القول، وتكسبه قبحا وسخافة. # وكانت علوم البلاغة تسمى ms310 علم البيان، حتى جاء عبد القاهر الجرجاني في العصر ~~الذي يلي عصرنا، فأخرج للناس علما دقيقا ذا قواعد وأصول، في كتابين جليلين، ~~اسم أحدهما «دلائل الإعجاز»، واسم الثاني «أسرار البلاغة». # بحث الأول عن الوجوه التي تكسب القول شرفا، وتكسوه جلالا من حيث اشتماله ~~على استعارة مستحسنة، أو كناية لطيفة، أو تمثيل جليل، أو تشبيه طريف، وتعرض في ~~كثير من المواضع إلى ما عد بعد من علم المعاني، وما عد من علم البيان. # وأما الذي قسم هذه المباحث إلى شطرين، علم يتعلق بالنظم، وسماه علم ~~المعاني، وعلم يتعلق بالمجاز، والتشبيه، والاستعارة، والكناية، وسماه علم ~~البيان، فهو السكاكي المتوفى سنة 626ه. # وكان ممن له فضل كبير في علم البلاغة الزمخشري في كتابه «الكشاف»، ولكنها ~~كانت مباحث متفرقة هنا وهناك، فلم يعد من ضمن مؤلفي البلاغة. # وحدث أن أفرد بعض الأدباء أنواع البديع بالتأليف، وكان أول من فعل ذلك عبد ~~الله بن المعتز في كتاب له سماه «علم البديع»، جمع فيه سبعة عشر نوعا من أنواع ~~البديع، فجاء بعده قدامة بن جعفر، وأوصلها إلى عشرين، ثم جاء أبو هلال العسكري ~~- الذي ذكرناه سابقا - وأوصلها إلى سبعة وعشرين. ولا زال يزيد من يأتي بعد، ~~حتى أوصلها زكي الدين بن أبي الإصبع في كتاب له اسمه «التحرير» إلى ~~تسعين. # ولم تزد البلاغة كثيرا، ولا النحو، ولا الصرف، ولا اللغة عما تكون في هذا ~~العصر الذي نؤرخه، وكل ما فعله المتأخرون إنما هو جمع لمتفرق، أو تفريق لمجموع، ~~أو شرح لغامض، أو تحديد لمتشتت، وفي آخر الأمر فقدت هذه العلوم روحها، وأصبحت ~~أدوات جافة لا طعم لها. # وعلى الجملة، فإن العلماء جدوا في هذه الفروع كلها، وتحمسوا لها، بداعي خدمة ~~القرآن، وتبيين ما فيه؛ فالنحويون - مثلا - اجتهدوا في إعراب القرآن، ومن ~~هؤلاء الكسائي، والفراء، والزجاج، وكان نحوهم مشتملا على أشياء بيانية، كأسباب ~~الذكر والحذف، والتقديم والتأخير، وبعضهم اشتغل بمجاز القرآن، ككتاب أبي عبيدة ~~المسمى «مجاز القرآن»، وقد أخذ منه البخاري كثيرا في صحيحه في باب التفسير، ms311 ~~والبيانيون جدوا في معرفة أساليبه التي سببت الإعجاز، حتى إن عبد القاهر ~~الجرجاني سمى كتابه «دلائل الإعجاز»، وألف أبو بكر الباقلاني كتابه المشهور ~~في أسباب الإعجاز، فإن قلنا: إن هذه العلوم كلها كانت لخدمة القرآن، ومن أجله ~~نمت وترعرعت لم نكن بعيدين عن الصواب. # الفصل الخامس # | الفلسفة # لم يكن العرب يعرفون الفلسفة؛ لأنها ليست من طبيعتهم، فقد اشتهروا بأنهم أهل لسن، ~~لا أهل فلسفة عميقة، وهم أقرب إلى الحكمة منهم إلى الفلسفة، ولكل منهما ميزة، إنما ~~عرفوا الفلسفة بعد أن اختلطوا باليونان، والفرس، والهند، والروم، ونقلوا إليهم ~~كتبهم الفلسفية، وقد تنقلت الفلسفة الإسلامية في أدوار ثلاثة: # الدور الأول: # نقل نتف فلسفية من هنا، ومن هنا، كالذي يحكي عن خالد بن يزيد ~~الأموي ونحوه. # والثاني: # النقل المنظم من كتب فلسفية منسوبة إلى مؤلفيها، كالذي كان في ~~عصر المأمون ومن بعده. # والدور الثالث: # هو الدور الذي توضحت فيه هذه العلوم، وبدأ فلاسفة الإسلام ~~يتفهمونها، ويعلقون عليها، ويزيدون فيها. # وقد جاء عصرنا هذا، وقد تم النقل تقريبا، وبدأ المسلمون يستغلونها كما يظهر ~~ذلك في مؤلفات محمد بن أبي بكر الرازي، ثم الفارابي، ثم ابن سينا. # وقد كان موضوع الفلسفة إذ ذاك أوسع من موضوع الفلسفة اليوم، فقد كانت تشمل ~~المنطق، والطبيعيات، والكيميائيات، والإلهيات، والرياضيات، والنفس والاجتماع إلخ. ~~ولكن على توالي العصور، بدأت علوم كثيرة تنفصل عن الفلسفة، وتستقل عنها، كالمنطق، ~~وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وربما انفصلت علوم أخرى عنها واستقلت. # وأول ما بدأت الفلسفة في الإسلام بدأت النواحي العملية منها، كالطب والتنجيم ~~لحاجة الملوك، والشعوب إليها، كالذي قال الغزالي: «أردنا العلم لغير الله فأبى إلا ~~أن يكون لله»، وهكذا بدأت الفلسفة لسد الحاجة من طب وتنجيم، وانتهت بحب البحث ~~المجرد. # لقد بدأت الفلسفة شبه خرافية، بدأ علم الفلك بالتنجيم، وبدأ الطب بالوصفات ~~الشائعة، ثم تحول كل ذلك إلى بحث منظم، لا يراد به إلا الحق، فعلم التنجيم صار فيما ~~بعد علم النجوم، وتحويل المعادن إلى ذهب أدى عندهم إلى علم الكيمياء، وهكذا. # وكلما ms312 تقدم الزمان كانت تتبلور الفلسفة، وصاروا يقصدون من علم الطبيعة معرفة ~~العناصر التي تتألف منها المادة، والكيمياء تدرس القوانين التي تتركب بموجبها عناصر ~~المادة، وتبين لنا مقدار العناصر الموجودة في الكون، وعلاقة بعضها ببعض، ونحو ~~ذلك. # وأهم من ذلك كله أن الفلسفة تتجاوز هذه الموضوعات المختلفة من مادة وتكوينها، ~~وتريد أن تجمع نتائج العلوم كلها، وتنسق بينها كالذي يرى معارك مختلفة فينظر إليها ~~من طائرة، أو كجذور الشجرة بالنسبة إليها، فكل طائفة من العلماء تبحث في علمها، ~~وتأخذ الفلسفة نتائجهم، وتؤلف بينها، وتتعمق فيها. # والفيلسوف الحق من استطاع أن يضيف إلى ذلك تجربته الخاصة، وقد استفاد فلاسفة ~~عصرنا هذا مما سبقهم، ومن الثقافات المختلفة التي نقلت إليهم، فعدولها، ووفقوا ~~بينها، ووصلوا من ذلك كله إلى نتائج باهرة، كانت معول الفلاسفة الأوروبيين في أول ~~نهضتهم، وقد كان قائدهم ابن سينا في طبه، والرازي في أبحاثه، والغزالي في ~~إلهياته. # نعم، إن الأوروبيين بعد أن اعتمدوا على أكتاف الفلاسفة الإسلاميين طاروا من ~~فوقهم، ووصلوا إلى أشياء لم تصل إليها الفلسفة الإسلامية. ومن الأسف أن فلاسفتنا ~~المسلمين لم يطيروا كما طار الغربيون، بل ظلوا يكرر الخلف ما قاله السلف، ولا ~~يخرجون عما قالوه إلا في قليل. # وأول ما ظهرت الفلسفة الإسلامية ظهرت في علم الكلام؛ ذلك أن الأمم غير الإسلامية ~~من يهود أو نصارى أو وثنيين، أثاروا مسائل لم تكن تثار من قبل كالجبر والاختيار، ~~وعدل الله. # ووجدوا في الفلسفة منهلا عذبا لإرواء غليلهم، فتسلحت كل أمة بها، ولم يكتفوا ~~ببحث المسائل، بل هاجموا الإسلام في بعض مسائله؛ فاضطرت طائفة من المسلمين أن تتسلح ~~بسلاحها وتدفع عدوانها، فكان هذا سببا في وجود علم الكلام. # وكان المتكلمون أول من قام بهذه المهمة، وهؤلاء المتكلمون كان منهم بعض أهل ~~السنة، لكن كان أقواهم وأشدهم بأسا، وأكثرهم دفاعا عن الإسلام المعتزلة، حتى إن ~~المعتزلة جعلوا المناظرة والمجادلة، وهذا النوع من الثقافة ركنا كبيرا من أركان ~~الإسلام. # وهذا الموقف من المتكلمين، وأهل الأديان أثار في الجو مسائل كثيرة ms313 مثل: هل الشر ~~يصدر عن الله؟ وما فائدة الشر في هذا العالم؟ وهل الله يقدر على فعل الظلم؟ ~~إلخ. # وكان علم الكلام هذا إرهاصا للفلسفة، وأهم فرق بين علم الكلام والفلسفة أن ~~المتكلم يؤمن أولا بدينه، ثم يتلمس الدلائل والبراهين الفلسفية لتقويته، والدفاع ~~عنه، والرد على مخالفيه. # أما الفيلسوف فيدخل في هذه المسائل مجردا عن كل اعتبار، وهو طوع الدليل حيثما ~~يكن، فكان طبيعيا أيضا أن تكون الكراهية سائدة بين المتكلمين والفلاسفة، كما فعل ~~الجاحظ المعتزلي مع الكندي أول فيلسوف؛ إذ هزأه في كتاب «الحيوان»، وسخر منه، وشهر ~~به. # ولا بد أن تكون هناك أمثلة كثيرة من هذا القبيل لم نقف عليها. # وكان من أشهر الفلاسفة في عصرنا هذا الفارابي، وإخوان الصفا، والبيروني، وابن ~~سينا، فأما الفارابي فكان من أصل تركي، وكان فلاسفة الإسلام على العموم يسلكون ~~مذهبين؛ يعرف أحدهما عند المناطقة بمذهب الاستنتاج، والآخر بمذهب الاستقراء، ~~فالأولون يقررون القواعد الكلية، ثم يستنتجون منها الجزئيات، كما تقول: الفاعل ~~مرفوع، والمفعول منصوب، تطبق الأمثلة الجزئية على هذه القواعد، والآخرون يستقرون ~~الجزئيات، ثم يستنتجون منها القاعدة. # وكان المتكلمون أميل إلى طريق الاستقراء، والفلاسفة الأولون أميل إلى طريق ~~الاستنتاج. # وكان الفارابي من فلاسفة الاستنتاج، ويسميهم «ديبور» الطبيعيين بهذا ~~المعنى. # ولا يهمنا كثيرا تاريخ حياته الشخصي بالتفصيل، وإنما يهمنا أمره الفلسفي، فقد ~~ذكروا أنه تعلم الفلسفة على معلم مسيحي هو يوحنا بن هيلان، وتعبيراته غامضة، ككل ~~علم في أول أمره، حتى إن ابن سينا على عظمته اضطر - كما يقولون - إلى قراءة كتابه ~~«ما بعد الطبيعة» أربعين مرة ليفهمه، والتحق بمجلس سيف الدولة، ولازمه حتى ~~مات. # ومن الأسف أن فلسفة اليونان نقلت إلى العربية من غير تمحيص للمذاهب، ومعرفة ~~نظريات كل فيلسوف على حدة، بل نسب إلى أرسطو ما ليس على مذهبه، وإلى أفلاطون ما ~~ليس على مذهبه، حتى اضطر الفارابي أخيرا إلى تأليف كتاب للجمع بين نظريات أفلاطون ~~وأرسطو؛ مع أن الجمع بينهما غير ممكن، كأنه يعتقد أن الفلاسفة الكبار منزهون عن ~~الخلاف، ولم ms314 يكن يعبأ بالجزئيات كما ذكرنا، ولا يطيل الوقوف عندها. # وكان يعتقد أنه كل شيء فهو طبيب جسماني، وطبيب روحاني، وموسيقي بارع، وكان له فضل ~~كبير في تقسيم العلوم وحصرها. # والفارابي أول فيلسوف إسلامي نظر إلى الفلسفة نظرة شاملة كاملة - كان الكندي قبله ~~فيلسوف - وتحدث المعتزلة كالنظام، والجاحظ، وأبي هذيل العلاف في مسائل من صميم ~~الفلسفة، ولكن أحدا منهم لم يعرض الفلسفة عرضا وافيا قبل الفارابي، وأتى من بعده ~~كابن سينا وابن رشد، فحذا حذوه، وقد قلد في هذا الشمول والتنظيم أرسطو من قبل، ~~فلئن قالوا عن الكندي: إنه المعلم الثاني، فالأولى بهذا اللقب الفارابي. # ومن مزاياه نظرته الفلسفية إلى المجتمع، متأثرا بقول أرسطو المشهور: «الإنسان ~~مدني بطبعه»، فعنده أن المجتمع كالفرد، إذا تألم منه عضو تأثر بهذا الألم سائر ~~الأعضاء، وكذلك إذا تلذذ عضو تلذذ سائر الأعضاء. # وقد كان للفارابي ثلاثة منابع يستمد منها فلسفته؛ فالفلسفة اليونانية، وخاصة مذهب ~~أفلاطون وأرسطو، والديانة الإسلامية، والعقل الذي يوفق بين الفلسفة اليونانية بعضها ~~مع بعض من جهة، وكلها مع الإسلام من جهة أخرى، وهذا التوفيق يحتاج إلى عقل قوي ~~كبير؛ لأن للفلسفة اليونانية مذاهب مختلفة جدا، يصعب التوفيق بينها، ولأن عماد ~~الفلسفة العقل المطلق، وعماد الدين القلب. ومن أظهر أمثلة ذلك من النوع الأول ~~كتابه: «الجمع بين رأيي الحكيمين»، يعني: أفلاطون، وأرسطو، ومن النوع الثاني أنه ~~ألف كتابه: «آراء أهل المدينة الفاضلة»، فحاكى في أجزاء كثيرة منها أفلاطون في ~~جمهوريته، وأبعد منها ما لا يتفق مع الإسلام اتفاقا واضحا، وزاد عليه أشياء كثيرة ~~من تعاليم الإسلام، مثال ذلك: الشروط التي شرطها في الإمام الذي يسيطر على مدينته ~~الفاضلة، فقال: «ينبغي أن يكون هذا الرئيس سليم البنية، قوي الأعضاء تامها، جيد ~~الفهم والتصور، قوي الذاكرة، كبير الفطنة، سريع البديهة، حسن العبارة، محبا للعلم ~~والاستفادة، متحليا بالصدق والأمانة، نصيرا للعدالة، عظيم الإرادة، ماضي العزيمة، ~~قانعا، متجنبا للذاته الجسمية»، وهذه كلها مأخوذة من جمهورية أفلاطون. # وزاد عليها شرطا استمده من الدين، وهو أنه لا بد لرئيس ms315 المدينة أن يسمو إلى درجة ~~العقل الفعال، الذي يستمد منه الوحي والإلهام، والعقل الفعال هو الله تعالى. # وعند الفارابي أن الوجود ينقسم إلى واجب الوجود، وممكن الوجود، وليس هناك غيرهما ~~من الوجود، وطريق معرفتنا لله هو الموجودات التي تصدر عنه، فمن الله الواحد يصدر ~~الكل، وعند الله منذ الأزل صور الأشياء ومثلها، ويفيض عنه الوجود الثاني، أو العقل ~~الأول، وهو الذي يحرك الفلك الأكبر. # وتأتي بعد هذا العقل عقول الأفلاك الثمانية تباعا، يصدر بعضها عن بعض، وهذه ~~العقول هي التي تصدر عنها الأجرام السماوية، والعقول التسعة هي التي تسمى ملائكة ~~السماء. # وفي المرتبة الثالثة يوجد العقل الفعال، وهو المسمى أيضا روح القدس، وهو الذي ~~يصل العالم العلوي بالعالم السفلي . # وفي المرتبة الرابعة النفس، وكل من العقل والنفس لا تكون على حالة واحدة، بل ~~تتكثر بتكثر أفراد الإنسان. وفي المرتبة الخامسة توجد الصورة، وفي السادسة المادي ~~أو الهيولا، وبهاتين تنتهي سلسلة الموجودات. # والمراتب الثلاث الأولى: الله، وعقول الأفلاك، والعقل الفعال، ليست أجساما، أما ~~المراتب الثلاث الأخيرة، وهي: النفس، والصورة، والمادة، فهي تلابس الأجسام، وإن لم ~~تكن ذواتها أجساما. # 1 # والفارابي لا يقر ما يقال من أحكام النجوم، وأن الإنسان يتلقى المعرفة عن هذه ~~العقول، وهو لا يدرك ما يدركه إلا بمساعدتها، والعقول يؤثر كل منها في الذي يليه، ~~بمعنى أن كلا منها يقبل فعل ما فوقه، ويؤثر فيما دونه. وقد سبق أنه قال: إن العقل ~~الفعال في الإنسان؛ ولكنه في موضع آخر يقول: إن العقل الفعال هو عقل الفلك ~~الأدنى؛ وهو فعال في العقل الإنساني، والعقل الإنساني منفعل به، ومفارقة النفس ~~للبدن تعطيها كل ما للعقل من حرية. # وعنده أنه لا تبلغ الأخلاق كمالها إلا في مدينة فاضلة؛ لأن الإنسان مدني بطبعه ~~كما ذكرنا. ونفوس أهل المدينة الجاهلة تكون خلوا من العقل، وهي تعود إلى العناصر ~~لتتحد من جديد بكائنات أخرى من الناس، أو الحيوانات الدنيا، «وهذا القول أشبه ما ~~يكون بالقول بالتناسخ»، والنفوس الضالة تلقى ما تلقاه النفوس الجاهلة، أما ms316 النفوس ~~الخيرة فهي وحدها التى تبقى بعد مفارقتها الجسد، وتدخل العالم العقلي، وكلما زادت ~~درجتها في المعرفة علا مقامها بعد الموت بين النفوس، وزاد حظها من السعادة ~~الروحية. # وأدى تعمق الفارابي في التوفيق بين الفلسفة والدين أن يضع نظرية في النبوة، ذلك ~~أن الكلام في النبوة كان شائعا بين مثبت لها ومنكر؛ ولذلك ألفوا كثيرا كتبا ~~سموها: «دلائل النبوة»، أو «أعلام النبوة» كما فعل الجاحظ، والقاضي عبد الجبار، ~~وغيرهما. # وألف آخرون في نفيها، كما فعل ابن الراوندي، وأبو بكر الرازي، وغيرهما، فجاء ~~الفارابي يدعي في النبوة أمرا جديدا، يثبته بالعقل الفلسفي؛ ذلك أنه ربط النبوة ~~بالأحلام، ولذلك عقد في بعض كتبه فصلين متتاليين، أحدهما في الأحلام، والثاني في ~~النبوة، وجعلهما راجعين إلى القوة المخيلة في الإنسان، وربما أوحى إليه بذلك ~~الإسلام نفسه، فقد جعل الإسلام الأحلام الصحيحة إرهاصا للنبوة، وفي الحديث: «أول ~~ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان النبي إذا رأى الرؤيا جاءت مثل فلق ~~الصبح واضحة صحيحة». وهو يرى أن الأحلام تابعة لأحوال النائم العضوية والنفسية، ~~وإحساساته في اليقظة، فهي تختلف فيما بينهما؛ لاختلاف العوامل المؤثرة فيها، ~~فالجائع يحلم أنه يأكل، والعطشان يحلم أنه يسبح في الماء، «وقد يتحرك الإنسان أثناء ~~نومه تلبية لنداء عاطفته الخاصة، أو يجاوز مرقده، ويضرب شخصا لا يعرفه، أو يجري ~~وراءه». # فإذا ارتقى الإنسان وإحساساته وتخيلاته، استطاعت مخيلته أن تشكل أحلامه بشكل ~~العالم الروحاني، فيرى النائم السماوات وما فيها، ويشعر بما فيها من لذة وبهجة، وقد ~~تصعد المخيلة إلى هذا العالم، وتتصل بالعقل الفعال، وتتقبل منه الأحكام المتعلقة ~~بالأعمال الجزئية، والحوادث الفردية؛ وبذا يكون التنبؤ، وبه تفسر النبوة، ويقول ~~الفارابي أيضا: «إن القوة المتخيلة إذا كانت في إنسان ما قوية كاملة جدا، وكانت ~~المحسوسات الواردة عليها من خارج، لا تستولي عليها استيلاء يستغرقها بأسرها، ولا ~~يستخدمها للقوة الناطقة، بل كان فيها مع اشتغالها بهذين، فضل كثير تفعل به أيضا ~~أفعالها التي تخصها، وكانت حالها عند اشتغالها بهذين في وقت اليقظة مثل حالها ms317 عند ~~تحللها منها في وقت النوم، اتصلت بالعقل الفعال، وانعكست عليها منه صور في نهاية ~~الجمال والكمال. وقال الذي يرى ذلك: إن لله عظمة جليلة عجيبة، ورأى أشياء عجيبة لا ~~يمكن وجود واحد منها في سائر الموجودات أصلا، ولا يمتنع إذا بلغت قوة الإنسان ~~المتخيلة نهاية الكمال أن يقبل في يقظته عن العقل الفعال الجزئيات الحاضرة ~~والمستقبلة، وسائر الموجودات الشريفة، فيكون له بما قبله من المعقولات نبوءة ~~بالأشياء الإلهية وهذا هو أكمل المراتب التي تنتهي إليها القوة المتخيلة، والتي ~~يبلغها الإنسان بهذه القوة». # وعيب هذه النظرية ربط النبوة بالخيال، كأن ما يراه النبي متخيل، وربما عد ~~أيضا من عيوبها، وإن كان غير واضح عد ما يراه النبي، وما يعدو إليه من قبيل الخيال ~~لا من قبيل رؤية الواقع، وهذا يضعف من شأن النبوة، ولكن من مزاياها ميلها إلى جعل ~~النبوة مرتبطة بالمواهب التي لبعض الناس، وهذا يوافق ما يقوله رجال الدين من أن ~~النبوة منحة من الله لا مكتسبة. # ومع ذلك جرى على نظرية الفارابي هذه ابن سينا، وابن رشد، وبعض الشيعة في رسائلهم، ~~وإخوان الصفا، والمتصوفة، وقد نشأ من اعتقاد المتصوفة بهذه النظرية إعلاء شأن ~~الأولياء حتى قاربوا الأنبياء، فلما لم يكن الغزالي فيلسوفا، وكان سنيا لم يرض ~~عن نظرية الفارابي، وفندها في كتابه «تهافت الفلاسفة»، فقال: «إن النبي ~~يستطيع الاتصال بالله مباشرة، أو بواسطة ملك من الملائكة دون حاجة إلى قوة متخيلة ~~خاصة، أو أي فرض آخر من الفروض التي يفترضها الفلاسفة». # وعلى كل حال، كان لنظرية الفارابي هذه في النبوة أثر كبير في المسلمين قلدوها، ~~وأعادوها، وشرحوها، أو ردوا عليها وفندوها. # فنحن إن قلنا: إن الفلسفة الإسلامية وضعت أصولها على يد الفارابي في القرن ~~الرابع، ولم يكن ما جاء بعدها في القرن الخامس وما بعده إلا شرحا وتفسيرا، ~~وتعليقا لم نبعد. # وقد بحث الفارابي فيما بحث نظرية السعادة، وهي نظرية اهتم بها أرسطو من قبل، وظل ~~الفلاسفة يزيدونها شرحا وتوسيعا إلى يومنا هذا، ما هي السعادة؟ وما ms318 علاقتها ~~باللذة؟ وهل السعادة إلا اللذة؟ حتى إن بنتام، وجون استوارد مل ألفا كتابين ~~عظيمين في السعادة، وأنها هي اللذة، وأن لا شيء يسبب السعادة إلا اللذة، وكل شيء ~~تزيد لذائذه عن آلامه سمي فضيلة، وكل شيء تزيد آلامه عن لذائذه سمي رذيلة، وما ~~مقياس الأخلاق الفاضلة، والرذائل، والجرائم إلا ما يتبع العمل من لذة أو ~~ألم. # وكان ممن أدلوا بدلوهم في هذا الموضوع الفارابي في كتبه؛ فبحث السعادة، وشروطها، ~~ودرجاتها، وأبان كما أبان بعده الفلاسفة المحدثون أن اللذة العقلية والروحانية خير ~~من اللذات المادية الجسمية. # ونظرة الفارابي إلى السعادة نظرة صوفية متأثرة بطرق معيشته، فإذا كان العقل أرقى ~~من الجسم، كانت السعادة الناشئة عن العقل خيرا من السعادة التي تنشأ عن الجسم، ~~يقول في بعض كتبه: «والسعادة هي أن تصير نفس الإنسان من الكمال في الوجود بحيث لا ~~تحتاج في قوامها إلى مادة، وذلك أن تصير في جملة الأشياء البريئة عن الأجسام، وفي ~~جملة الجواهر المفارقة للمواد ... والسعادة هي الخير المطلوب لذاته، وليست تطلب أصلا ~~ولا في وقت من الأوقات لينال بها شيء آخر، وليس وراءها شيء آخر أعظم منها، يمكن أن ~~يناله الإنسان، والأفعال الإرادية التي تنفع في بلوغ السعادة هي الأفعال الجميلة، ~~والهيئات، والملكات التي تصدر عنها هذه الأفعال هي النقائض، والرذائل، ~~والخسائس». # وعلى الجملة، فلو جمعت كتب الفارابي، ورتبت وبوبت لكان منها دائرة معارف فلسفية ~~واسعة، فما وضعه الفارابي من أسس فلسفية أكثر مما وضعه ابن سينا، وابن رشد، ~~وأمثالهما. # ثم كان هناك عالم آخر من طراز آخر غير الفارابي، وهو أبو الريحان البيروني، وهو ~~وإن توفي في القرن الخامس إلا أنه أزهر في القرن الرابع، فقد كانت ولادته سنة 362ه، ~~وهو ينسب إلى بيرون، إحدى ضواحي مدينة خوارزم، وقلنا: إنه من طراز آخر؛ لأنه لم ~~يشغل بالإلهيات، والنظريات المنطقية كما شغل الفارابي، ولكنه شغل بالجغرافيا ~~والفلك، وأحوال الأمم، فهو عملي أكثر منه نظريا، وميزته الكبرى أنه وجه همه ~~إلى دراسة الهند - ديانتها، ورياضياتها، ~~وفلسفاتها، وعقائدها، ms319 وتقاليدها - ومكث في هذه ~~الدراسة أربعين عاما منذ صحب محمودا الغزناوي فاتح الهند، واضطرته الرغبة في تعرف ~~الهند إلى تعلم لغاتها السنسكريتية، وألف في ذلك كتبا لا يزال يعتمد عليها في ~~معرفة الهند إلى اليوم، من أهمها كتاب «تحقيق ما للهند من مقولة، مقبولة في العقل ~~أو مرزولة»، قارن فيه بين رياضيات الهند، ورياضيات اليونان، وفضل الثانية على ~~الأولى، كما قارن بين فلسفة الهند وفلسفة اليونان، وبادل الهنود معرفة بمعرفة، وكان ~~من مزاياه أيضا عمق نظره، وسعة أفقه، وكثرة علمه بأحوال الأمم، وعدم تعصبه، لا ~~يمنعه اعتقاده عن إنصاف مخالفه، فهو مثال للعالم الصحيح في الشرق والغرب. # وقد راسل ابن سينا، وراسله ابن سينا رسائل تدل على قدرته، وتمكنه من الفلسفة ، أما ~~رسائل ابن سينا إليه فهي بين أيدينا؛ وأما رسائل البيروني إليه فموجودة في فارس لم ~~نطلع عليها. # وللبيروني في الفلك كتابه الهام، وهو «القانون المسعودي في الهيئة والتنجيم»، ~~يقول: إنه يشتمل على كل نواحي الفلك، على نحو لم يسبق إليه، وفيه كثير من علم ~~الجغرافيا، ولم يخل علم لم يؤلف فيه حتى المختارات من الأدب العربي، وقد صرح في ~~بعض كتبه أنه يفضل العربية على الفارسية؛ لأن العربية أكثر طواعية للعلم، ومصطلحاته ~~من الفارسية. ويروى عنه أنه قال: «لأن أهجى بالعربية خير من أن أمدح بالفارسية»، ~~وألف أيضا في طبيعة الأحجار الكريمة كتابا سماه «الجماهر في الجواهر»، وهو ~~يحكم العقل في التاريخ، فلا يقبل منه إلا ما وافق العقل، كما فعل ابن خلدون فيما ~~بعد، ويؤمن بأن للطبيعة قوانين ثابتة لا تتغير، ويحكي ابن خلكان أنه وهو يحتضر دخل ~~عليه عالم فقيه يعوده، فسأله البيروني: عن مسألة مشكلة عليه من ميراث ذوي الأرحام، ~~فقال له الفقيه: أفي مثل هذا الوقت؟ فقال له البيروني: «لأن ألقى الله عالما بها ~~خير من أن ألقاه جاهلا بها». قال الفقيه: فما وصلت إلى الباب حتى فاضت روحه، وهو ~~يدل على عقل جبار ينفر من الجهل بأي شيء. # ومنهجه في البحث العملي يشبه ms320 ما ذهب إليه مسكويه فيما بعد، مع الفرق بينهما في ~~قوة العقل عند البيروني أكثر من مسكويه. # وعلى الجملة، فقد كان البيروني علما من أعلام العلماء الذين جاد بهم القرن ~~الرابع، وقل أن يجود الزمان بمثله. # وبلغت الفلسفة الإسلامية ذروتها في عهد ابن سينا، وقد ولد ونشأ في عصرنا هذا؛ إذ ~~قد ولد في سنة 370ه، وكان له عدة اتجاهات، فهو قصصي قصصا فلسفية، كقصة حي بن ~~يقظان، ورسالة الطير، وقصة سلامان وأبسال، وهو شاعر كما يتجلى في أرجوزته ~~الطبية: # للزنج حر غير الأجسادا # حتى كسى جلودها سوادا # وكما يتجلى في قصيدة النفس المنسوبة إليه، ~~ومطلعها: # هبطت إليك من المحل الأرفع # إلخ. # وهو متصوف في بعض رسائله، ولكن قوة عقله، وقوة مزاجه منعتاه من التقدم الكبير في ~~التصوف، وإنما قيمته الحقيقية في فلسفته، وقد بذل جهدا كبيرا في التوفيق بين ~~فلسفة أرسطو، والأفلاطونية الحديثة، والإسلام، وهو يدور في فلسفته كثيرا على نظرية ~~السعادة، وهو يعتقد أن الخير يفيض على العالم من المبدع الأول، وكل الموجودات سابحة ~~في بحر من الخير، وكل منها ينال من الخير ما هو جدير به، وما هو موافق له، وهذا ~~النظام الذي في الكون هو أحسن نظام يمكن أن يكون عليه الوجود، وهذا العالم هو أحسن ~~العوالم التي يمكن أن يتصورها العقل، وبحث في: كيف وجد الشر في هذا العالم؟ وما هي ~~حكمة الله من وجوده؟ وكيف فاض الشر عن المبدع الأول، وهو خير مطلق؟ وهل تتولد ~~الظلمة من النور، أم ينشأ النقص عن الكمال؟ أليس من الشر أن يحرق بالنار ثوب الفقير ~~المعدم؟ أليس من الشر أن يموت الطفل، وليس لأبويه ولد غيره؟ أليس من الشر أن يحرم ~~الإنسان ما يستطيع إدراكه من الكمال؟ ألم يكن في وسع المبدع الأول أن يوجد خيرا ~~مطلقا مبرأ من الشر، وأن يبدع اللذة، ولا يخلق الألم، وأن يبدع النور، ولا يخلق ~~الظلمة؟! وبنى إجاباته على أن هذا العالم الذي نحن فيه عالم كون وفساد، وهو يقتضي ~~وجود الخير ms321 مع الشر، وعنده أن الخير من طبيعة الوجود، والشر من طبيعة العدم، وهو ~~يرى أن كل شيء جميل، كالذي يقول ابن المعتز: # قلبي وثاب إلى ذا وذا # ليس يرى شيئا فيأباه # يهيم بالحسن كما ينبغي # ويرحم القبح فيهواه # وعنده أن اللذات تنقسم إلى عالية وخسيسة، فهو يقول: «لا يجب أن يتوهم العاقل أن ~~كل لذة كلذة الحمار». # نعم، إن للبهائم حالة طيبة ولذيذة، ولكن أية قيمة لهذه الحالات الطيبة الخسيسة ~~إذا نسبت إلى اللذات العالية، فالجاهل الذي لا يدرك اللذات العالية، ولا يشعر بها ~~أشبه بالأصم الذي لا يدرك الألحان اللذيذة، فعنده أن اللذات المعنوية أفضل من ~~اللذات المادية، ولذلك كان في قصصه الثلاث المتقدمة يرى أن كمال الإنسان في تحرره ~~من الشهوات البهيمية؛ لأن اشتغال النفس بالشهوات، واتصالها بالمادة يمنعانها من ~~الالتفات للملأ العالي، وعنده أن النفوس تنقسم إلى مراتب، وخيرها النفوس التي تترفع ~~عن الأمور المحسوسة، وتتطلع إلى المثل العليا؛ فتدرك من السعادة ما لا يخطر على قلب ~~من ينزع إلى المادة، وقد وصف الرجل الراقي بأنه: «هش بش بسام، يبجل الصغير من ~~تواضعه، كما يبجل الكبير، وينبسط من الخامل كما ينبسط من النبيه، ولا فرق عنده بين ~~الكبير والصغير؛ لأنه يعرف الحق في كل منهما، ولا يعرف الطمع سبيلا إلى قلبه، ~~وهو لا يفرح لوجود الشيء، ولا يحزن على فواته، وهو لا يعنيه التجسس، ولا التحسس، ~~وهو لا يستهويه الغضب عند مشاهدة المنكر، وإذا أمر بالمعروف أمر برفق الناصح، لا ~~بعنف المعير، وهو شجاع، لا يخاف الموت، جواد، صفاح للذنوب، نفسه أكبر من أن ~~تجرحها ذلة بشر، نساء للأحقاد، يفضل التقشف على الترف»، فهو كأنه يصف بذلك ~~الإنسان الكامل. «وإذا أمعن المريد في رياضة نفسه بلغ مبلغا يصير فيه المخطوف ~~مألوفا، والوميض شهابا، وإذا ارتقى أكثر من ذلك قرب من الله، فيتمثل فيه جمال ~~المبدع، وتفيض عليه اللذات الحقيقية، ويغيب عن نفسه، فلا يرى إلا المعبود المبدع، ~~ولا يلحظ إلا جمال الحق، وينسى نفسه، وإن لحظ نفسه، ms322 فمن حيث هي لاحظة، لا من حيث هي ~~ذات زينة. وهناك درجات يضيق عنها العاقل، ولا يحاول أن يعبر عنها، بل الذي لابسته ~~تلك الحالة لا ينبغي أن يزيد على أن يقول: # وكان ما كان مما لست أذكره # فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر». # وفي هذا - كما ترى - أسس من الأسس التي بني عليها ابن طفيل قصته «حي بن يقظان»، ~~وفلسفته ممزوجة بالتصوف والتقشف، وبالحياة الروحية، وهو متفائل مؤمن بالإنسان، ~~ويكتب وصية في كتابه «الإشارات» يقول فيها: «إنه يجب صون هذا العلم - أي الفلسفة - ~~وحفظه، وعدم إذاعته بين الناس»، ويقول: «إني قد مخضت لك في هذه الإشارات عن زبدة ~~الحق، وألقمتك الحكم في لطائف الكلم، فصنه عن الجاهلين والمبتذلين، فإن أذعت هذا ~~العلم أو أضعته، فالله بيني وبينك، وكفى بالله وكيلا». # وكان ابن سينا سياسيا عمليا، وفيلسوفا نظريا، وكان ناجحا في الفلسفة، ~~فاشلا في السياسة، وهو يؤمن بخلود النفوس الفردية، وقد ألم بكل معارف عصره، ~~وكتبه إذا رتبت كان منها دائرة معارف فلسفية. ولمع اسمه في الطب بصفة خاصة، وكان ~~كتابه «القانون في الطب» معول الغربيين في جامعاتهم إلى عهد قريب، حتى إنه طبع ~~باللاتينية ست عشرة مرة في القرن الخامس عشر، وعشرين مرة في القرن السادس عشر، ~~وحلت كتبه في المشرق والمغرب محل كتب أرسطو، وقد اختلفت فلسفته عن فلسفة أرسطو في ~~مسائل كثيرة، خصوصا ما لا يتفق من فلسفة أرسطو مع الإسلام، فإله أرسطو لا يعقل إلا ~~ذاته؛ أما إله ابن سينا فيعقل ذاته، ويعقل الماهيات الكلية، كما يدرك الجزئيات، ~~ولكن من حيث هي كلية، كذلك ألف في المنطق كتاب «منطق المشرقيين»، وخالف فيه ~~أحيانا منطق أرسطو، ورد عليه، وهو يتبع الفارابي في المنطق، وفي نظرية المعرفة، ~~وفي مسألة الكليات. # وعنده أن الأحداث الأرضية تتأثر بالأجرام السماوية، لا عن طريق الحرارة المنبعثة ~~منها، وإنما عن طريق ما تشعه من الضوء، وهو في ذلك يقول ما تقول به الأفلاطونية ~~الحديثة، وظل ابن سينا مؤثرا في الفلسفة في القرون التي ms323 بعده في الشرق والغرب ~~على السواء، والنابغة النابه هو من يفهم فلسفته، ولا يزال العلم ينتظر من يحقق لنا: ~~أي النظريات أخذها عن اليونان أو الهنود، وأيها خالصة له، ومن مبتكراته. # ومات ابن سينا سنة 428ه، فأغلب نتاجه كان في عصرنا الذي نؤرخه، وقد شل العقول ~~الإسلامية بفلسفته، فلم تبتكر إلا القليل. # وقد أقيم قريبا مهرجان في بغداد لابن سينا لمرور ألف سنة على ميلاده، وقبله ~~أقيم مهرجان في تركيا، وتزمع فارس على إقامة مهرجان له، وتدعيه روسيا؛ لأنه من ~~تركستان الداخلة في نطاقها. والحق أن العالم ينبغي ألا تقتصر نسبته على قطر معين؛ ~~بل هو ملك شائع للأمم كلها، كما هو شأن العلم والفلسفة نفسهما، وهو له نواح متشعبة؛ ~~فولادته في تركستان ، وثقافته عربية إسلامية، وقد ألف بالعربية والفارسية، فله ~~جوانب متعددة، فيجب ألا تقتصر نسبته على أمة بعينها. # إخوان الصفاء # وأما إخوان الصفاء، فهي جمعية سرية نشأت في البصرة، وكان لها فروع في أكثر ~~البلاد كما جاء في الرسائل، فالبصرة قديما من عهد الحسن البصري كانت منشأ ~~لمذاهب متعددة؛ فأول الصوفية تلاميذ الحسن البصري الذي كان يقيم في البصرة، ~~والمعتزلة نشأت من تلاميذ الحسن البصري، ونشأت فيها مدرسة كبيرة نحوية تسمى ~~مذهب البصريين، وهي تضارع مذهب الكوفيين. وهذه هي إخوان الصفاء، تنشأ في ~~البصرة، والمصدر الوحيد الذي عرفنا منه مؤسسيها، هو قول أبي حيان في كتابيه، ~~«الإمتاع والمؤانسة»، و«المقابسات» الذي نقله عنه القفطي؛ إذ سأل وزير صمصام ~~الدولة أبا حيان في حدود سنة 373ه، فأجاب أبو حيان: إن زيد بن رفاعة أقام في ~~البصرة زمنا طويلا، وصادف بها جماعة «جامعين لأصناف العلم، وأنواع الصناعة، ~~منهم أبو سليمان البستي، ويعرف بالمقدسي، وأبو الحسن الزنجاني، وأبو أحمد ~~المهرجاني، والعوفي، وغيرهم، وكانت هذه العصابة قد تألفت بالعشرة، وتصافت ~~بالصداقة، واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة، فوضعوا بينهم مذهبا زعموا ~~أنهم قربوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله، وذلك أنهم قالوا: إن الشريعة قد ~~دنست بالجهالات، واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها ms324 إلا ~~بالفلسفة؛ لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية، والمصلحة الاجتهادية، وصنفوا خمسين ~~رسالة في جميع أجزاء الفلسفة علمها وعملها، وسموها «رسائل إخوان الصفاء»، ~~وكتبوا فيها أسماءهم، وبثوها في الوراقين، ووهبوها للناس. # قال الوزير: هل رأيت هذه الرسائل؟ قال: قد رأيت جملة منها، وهي مبثوثة من ~~كل فن، بلا إشباع، ولا كفاية، وهي خرافات، وكنايات وتلفيقات، حملت عدة منها إلى ~~شيخنا أبي سليمان المنطقي، وعرضتها عليه، فنظر فيها أياما، وتبحرها طويلا، ثم ~~ردها علي وقال: نقبوا وما أغنوا، ونصبوا وما أجروا، وحاموا وما وردوا، ظنوا ~~أنه يمكنهم أن يدسوا الفلسفة «التي هي علم النجوم، والأفلاك، والمقادير، وآثار ~~الطبيعة، والموسيقى، والمنطق في الشريعة، وأن يربطوا الشريعة بالفلسفة، وهذا ~~مرام دونه سدد، وقد تورك على هذا قبل هؤلاء قوم كانوا أحد أنيابا، وأحضر ~~أسبابا، وأعظم أقدارا، وأرفع أقطارا، وأوسع قوى، وأوثق عرى، فلم يتم لهم ما ~~أرادوه، ولا بلغوا ما أملوه، وحصلوا على لوثات قبيحة، ولطخات موحشة، وعواقب ~~مخزية»، فيفهم من هذا النص: ~~(1) # أن منهجهم ربط الفلسفة بالدين، وهو منهج لم يرتضه أبو سليمان؛ ~~لأن للدين منطقه، وللفلسفة منطقها. ~~(2) ~~«أن قوما كانوا أحد منهم أنيابا، وأوسع منهم عقلا حاموا حول ~~هذه الطريقة، ولم يفلحوا»، فلعله أراد بهم فحول المعتزلة، أمثال ~~أبي هذيل العلاف، والنظام، والجاحظ، وأمثالهم. ~~(3) ~~«أنهم فشلوا كما فشل من قبلهم». # فعنده أن للدين منهجا، وللفلسفة منهجا آخر مخالفا له، فمنهج الدين مخاطبة ~~المشاعر، مثل قوله تعالى: # أفلا ينظرون إلى ~~الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف ~~رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت ~~. # أما منهج الفلاسفة، فيعتمد على المقدمات، والنتائج المنطقية، من مثل قولهم: ~~العالم حادث، وكل حادث لا بد له من محدث، فالعالم لا بد له من محدث، فما ~~أبعد الفرق بين المنهجين، والتوفيق بينهما هو الذي قصد إليه إخوان ~~الصفاء. # ومن أكبر هذه الجماعة زيد بن رفاعة كما ذكرنا، وقد سئل عنه أبو حيان فقال: ~~«هناك ذكاء غالب، وذهن وقاد، ومتسع في قول النظم والنثر، مع الكتابة البارعة في ~~الحساب ms325 والبلاغة، وحفظ أيام الناس، وسماع المقالات، وتبصر في الآراء والديانات، ~~وتصرف في كل فن». وقد سئل أبو حيان عن مذهب زيد بن رفاعة هذا فقال: «لا ينسب ~~إلى شيء، ولا يعرف برهط؛ لجيشانه بكل شيء، وغليانه بكل باب، ولاختلاف ما يبدو ~~من بسطته ببيانه، وسطوته بلسانه، وقد أقام بالبصرة زمانا طويلا، وصادف بها ~~جماعة جامعة لأصناف العلم، وأنواع الصناعة». وهذا القول يبين مهارة إخوان ~~الصفاء، وتبحرهم في علومهم، وعدم اقتصارهم على مذهب معين. # وقد ظن قوم أن من بين إخوان الصفاء هؤلاء أبا العلاء المعري، وأبا حيان ~~التوحيدي، وابن الراوندي. # أما أبو العلاء فلأنه لما ذهب إلى بغداد رأى هناك مجمعا فلسفيا خاصا، ~~يجتمع يوم الجمعة من كل أسبوع بدار عبد السلام البصري ، أمين مكتبة سابور بن ~~أردشير. وهذا هو النظام الموضوع لإخوان الصفاء، فإن أتباعهم مأمورون أن يجتمعوا ~~كل أسبوع للمدارسة والمذاكرة، فالمعقول أن يكون المجتمعون هم أتباع إخوان ~~الصفاء، وقد قال أبوالعلاء نفسه: # تهيج أشواقي عروبة: # 2 # إنها # إليك زوتني عن حضور بمجمع # ويقول في موضع آخر: # كم بلدة فارقتها ومعاشر # يذرون من أسف علي دموعا # وإذا أضاعتني الخطوب فلن أرى # لوداد إخوان الصفاء مضيعا # خاللت توديع الأصادق للنوى # فمتى أودع خلي التوديعا # غير أننا نرى كلمة إخوان الصفاء هنا في أبيات أبي العلاء ليست تنطبق تماما ~~على هؤلاء الجماعة؛ ولكنه وصف عام لكل أصدقائه وإخوانه، أما المجمع فلا ~~نستبعد أنه هو مجمع فرع إخوان الصفاء، غير أننا نرى أن أبا العلاء قد قطع صلته ~~بالعالم، وبالجمعيات منذ عاد إلى بغداد كسير النفس، كاسف البال، رهين المحبسين، ~~وتدل عيشته بالمعرة بعد ذلك على نوع من المعيشة الانفرادية القاسية التي لا ~~تسمح بأن يكون عضوا في جماعة. # وأما أبو حيان، فقد كان الظن أنه من هذه الجماعة؛ لأنه عرف بعض أسماء ~~الجماعة الأصلية، وعرفنا بهم، ولأنه كإخوان الصفاء يؤلف في الصداقة، ويشيد ~~بذكرها، شأن إخوان الصفاء، لولا أنه - كما رأينا - يعيب رسائل إخوان الصفاء ~~بالتقصير والتلفيق، فهل هو يقول ms326 ذلك تقية، أو بناء على اعتقاد؟ ... لم نتأكد بعد ~~من ذلك. # وأما ابن الراوندي فلشهرته بالجرأة والزندقة. # وهذه الجمعية السرية وضعت لنفسها منهجا دقيقا، فكانت ترسل رسلها إلى من ~~تتوسم فيهم الخير من كل البلاد، وتدعوهم إلى الدخول في جماعتهم، وتوجه اهتماما ~~كبيرا إلى الشبان؛ لعلمهم أن الشبان أقرب إلى قبول الدعوة من الشيوخ، وأنهم ~~بجانب ذلك أشد سواعد، وأقوى منة. # وهم يطلبون من أتباعهم في أي قطر يعينوا وقتا دوريا يجتمعون فيه، ~~ويتذاكرون العلم، وشئون الإخوان، يقولون: «ينبغي لإخواننا - أيدهم الله - حيث ~~كانوا من البلاد أن يكون لهم مجلس خاص يجتمعون فيه في أوقات معلومة، لا يداخلهم ~~فيه غيرهم، يتذاكرون فيه علومهم، ويتحاورون فيه أسرارهم، وينبغي أن تكون ~~مذاكراتهم أكثرها في علم النفس ، والحس والمحسوس، والعقل والمعقول، والنظر ~~والبحث عن أسرار الكتب الإلهية، والتنزيلات النبوية، ومعاني ما تضمنتها موضوعات ~~الشريعة، وينبغي أيضا أن يتذاكروا العلوم والرياضيات الأربع، أعني: العدد، ~~والهندسة، والتنجيم، والتأليف «الموسيقى». # 3 # وكانوا يرتبون أعضاء الجماعة مراتب أربعا حسب تفرقهم في القوى العقلية ~~والسن، فالمرتبة الأولى هم الذين أتموا خمس عشرة سنة من العمر، فتنبهت فيهم ~~القوة العاقلة، وهم يتميزون بصفاء جوهر النفس، وجودة القبول، وسرعة الميل إلى ~~التصوف. والثانية: الإخوان الأخيار الفضلاء، وهم الذين بلغوا ثلاثين سنة، ~~وميزتهم مراعاة الإخوان، وسخاء النفس، وإعطاء الفيض، والشفقة والرحمة، والتحنن ~~على الإخوان. والطبقة الثالثة: الإخوان الفضلاء الكرام، وهم الذين بلغوا أشدهم، ~~وبلغوا أربعين سنة، فتنبهت فيهم القوة الناموسية، الواردة بعد مولد الجسد ~~بأربعين سنة. # والطبقة الرابعة: هم الذين بلغوا الخمسين، والمقصود من هذه الدرجة هو المقصود ~~من جميع رياضات النفس، وفيها تبلغ النفس من القوة منزلة تشاهد فيها الحق ~~عيانا، وتتصل بملكوت السماوات، وتدرك حقائق القيامة والبعث والحساب، ومجاورة ~~الرحمن. # وهم ينصحون الرسل بنصائح دقيقة فيقولون: «ينبغي لإخواننا - ~~أيدهم الله - حيث كانوا في البلاد إذا أراد ~~أحدهم أن يتخذ صديقا مجددا، أو أخا مستأنفا أن يعتبر أحواله، ويتعرف ~~أخباره، ويجرب أخلاقه، ويسأله عن مذهبه واعتقاده؛ ليعلم هل يصلح للصداقة، ms327 وصفاء ~~المودة، وحقيقة الأخوة أم لا؟ ... وأن ينتقده كما ينتقد الدراهم والدنانير، ~~والأرضين الطيبة التربة، للزرع والغرس، وكما ينتقد أبناء الدنيا في أمر ~~التزويج، وشراء المماليك». # 4 # وكان أمامهم في تأليف هذه الرسائل منهجان: الأول: أن يكلفوا الأخصائيين بأن ~~يجمع كل أخصائييهم مادة رسالته ومعلوماتها، ثم يكون المحرر واحدا، ولكن عيب ~~هذه الطريقة أن المحرر ما لم يكن أخصائيا في العلم الذي يحرره لا يحسنه، فكيف ~~يكتب في النجوم من لم يكن فلكيا. والمنهج الثاني: أن يكثر المحررون، فيكتب كل ~~محرر رسالة أو أكثر في اختصاصه، ونرجح أن يكون المنهج الثاني هو الذي اتبعوه، ~~بدليل اختلاف الأساليب، وبدليل تعدد الحكايات والإشارات، ولو كان المؤلف واحدا ~~لأحال عليها ولم يعددها. # نقول هذا وإن كان الشهرزوري في كتابه «نزهة الأرواح» يقول: «إن ألفاظ ~~رسائل إخوان الصفاء هي للمقدسي، فلا نظن ذلك صحيحا، فلو كانت لمؤلف واحد لم ~~يكن فيها هذا التكرار المعيب». # ثم بنوا رسائلهم على الرموز، فالصلاة والزكاة، والصوم والحج، والبعث ويوم ~~القيامة، ومحمد وعلي، وغير ذلك كلها رموز إلى أشياء معنوية. # وحملهم على كتابة هذه الرسائل أن لهم أتباعا متفرقين في البلاد يحتاجون إلى ~~تعليمهم، ولو كانوا كلهم بينهم ما احتاجوا إلى ذلك، وألفوا على هذا النمط إحدى ~~وخمسين رسالة، في الرياضيات، والإلهيات، والأخلاق، وغير ذلك، وكانوا عادة ~~يتعاطفون مع القارئ، ويخاطبونه في رفق ودعة، ويخاطبونه دائما: بيا أيها الأخ، ~~أو أيها الأخ الفاضل، ويدعون له، ويحببونه في المطالعة. # وهم عادة عندما يختمون رسالة يبشرون بموضوع الرسالة التي تليها، وفي أول كل ~~رسالة ينوهون بالرسالة التي قبلها. # وذكروا أنهم بعد أن يتموا هذه الرسائل، سيذكرون رسالة ثانية وخمسين يضعون ~~فيها خلاصة كل الرسائل، ويحلون فيها رموزها، ولكنها ليست مطبوعة في هذه ~~الرسائل؛ إنما طبعت رسالة في الشام اسمها «الرسالة الجامعة»، # 5 # وقد نسبت إلى المجريطي الأندلسي، وقد وصلني منها الجزء الأول، ~~ولما يصلني الثاني، وبقراءتي له تبينت أن هذه الرسالة الجامعة ليست للمجريطي ~~هذا، وإنما هي الرسالة التي يعد بها ms328 إخوان الصفاء، فقد لخصوا فيها رسائلهم؛ ~~وحلوا فيها رموزهم؛ وربما يتضح ذلك أكثر إذا قرأت الجزء الثاني. # ما الغرض من هذه الرسائل؟ أسياسي هو، أم شيعي إمامي، أم شيعي قرمطي، أم غير ~~ذلك؟ احتار الباحثون عند إجابتهم على هذا السؤال - نعم: إن في بعض مواضعها ~~إشارات إلى التشيع، ولذلك نسبها بعضهم إلى جعفر الصادق الإمام المعروف. # وقال الإمام ابن تيمية - في فتاويه عند الكلام على الباطنية الإسماعيلية: ~~«إنهم يبنون قولهم على مذهب المتفلسفة، كما فعل أصحاب رسائل إخوان الصفاء»، ~~ونرى فيها شواهد على هذا التشيع، مثل قولهم في أهل البيت: «وهذه الولاية ~~المخصوصة لأهل بيت الرسالة، لا يحتاجون فيها إلى مدبرين غيرهم، وإلى علماء ~~سواهم، ولا يطلع الناس على أسرارهم». # 6 # ويقولون في موضع آخر: «واعلم يا أخي أن البيت الذي فيه سر الخلافة، وعلم ~~النبوة، هو البيت الذي وسموا أهله بالسحر العظيم؛ لما يظهر منه من الآيات، ~~ويعلمونه من المعجزات، فلم يجد أعداؤهم حالا يضعون بها من منازلهم، لما عجزوا ~~عن العمل بمثل ما يعملونه، وجهلوا العلم الذي يعلمونه، إلا أن قالوا: إنهم ~~سحرة، وإن لهم أعوانا من الجن يمدونهم بذلك، وهيهات؛ حيل بينهم وبين ما ~~يشتهون، إن هو إلا علم إلهي، وتأييد رباني، تنزل به ملائكه كرام كاتبون، وحفظة ~~حاسبون، يلقونه بأمر الله، على من اصطفاه من خلقه، وارتضاه لخلافته في ~~أرضه». # 7 # وفي موضع آخر أوردوا حديثا فيه تشيع مثل: «قيل: يا رسول الله، من قال لا إله ~~إلا الله دخل الجنة، فقال: نعم، من قالها مخلصا دخل الجنة. قيل له: وما ~~إخلاصها؟ قال: معرفة حدودها، وأداء حقوقها. فقيل: يا رسول الله، ما معرفة ~~حدودها، وأداء حقوقها؟ فقال: نعم، أنا مدينة العلم، وعلي بابها، فمن أراد ما ~~في المدينة، فليأت الباب فيرشدهم إلى من يشرح لهم ذلك». # 8 # إلى كثير من أمثال ذلك، فكل من يقرأ مثل هذه النصوص، يفهم أنهم من الشيعة، ~~خصوصا وأنهم قسموا أتباعهم طبقات كطبقات الشيعة، وأمروا دعاتهم أن يتلطفوا مع ~~المدعو، وأن ms329 يخاطبوا كل مدعو بحسب ظروفه، شأن دعاة الشيعة. # ولكن نراهم في موضع آخر، ينكرون نظرية المهدي المنتظر، مع العلم بأنها أساس ~~من أسس الشيعة، فكيف يكونون شيعة، وهم ينكرون ذلك؟ وقد عدوا من الآراء الفاسدة ~~من يعتقد أن إمامه مختف خوف مخالفيه، قالوا: «واعلم أن صاحب هذا الرأي يبقى طول ~~عمره منتظرا لخروج إمامه، متمنيا لمجيئه، مستعجلا لظهوره، ثم يفني عمره، ~~ويموت بحسرة وغصة، لا يرى إمامه». # 9 # فهذا يقضي أنهم ليسوا بشيعة صرف. # ويؤيد ذلك أن الأستاذ السيد محسن العاملي صاحب أعيان الشيعة مع اجتهاده في ~~ترجمة من ينسب إلى التشيع، قال عند الكلام عليهم: «وكيفما كان فلم يتحقق انتساب ~~إخوان الصفاء إلى التشيع، ولا أنهم من موضوع كتابنا، وإنما ذكرناهم لنسبة بعض ~~الناس لهم إلى ذلك». # ونستخلص من كل ذلك أنهم جماعة متخيرون، يتخيرون من كل دين ومذهب ما يناسب ~~عقليتهم، لا يتورعون من اقتباس من النصرانية، واليهودية، ووثنيي اليونان، ~~والفرس، والهند، وما يرون أنه معقول، فمن قال: إنهم سنيون سنية تامة فقد أخطأ، ~~ومن قال: إنهم شيعة شيعة تامة فقد أخطأ، ولكنهم من غير شك ميولهم شيعية. # ثم هل لهم غاية سياسية؟ # الذي يظهر لي أنهم أومأوا إلى انحلال الدولة العباسية، وعدم صلاحيتها، إذ ~~قالوا في إحدى رسائلهم: «إن كل دولة لها وقت منه تبتدئ، وغاية إليها ترتقي، وحد ~~إليه تنتهي، فإذا بلغت إلى أقصى غاياتها، ومنتهي نهاياتها، تسارع إليها ~~الانحطاط والنقصان، وبدا في أهلها الشؤم والخذلان، واستأنف الآخرون «المعارضون» ~~القوة والنشاط، والظهور والانبساط ... هكذا حكم الزمان في دولة أهل الخير، ودولة ~~أهل الشر، تارة تكون الدولة والقوة، وظهور الأفعال في العالم لأهل الخير، وتارة ~~تكون لأهل الشر، وقد نرى أنه قد تناهت دولة أهل الشر، وظهرت قوتهم، وكثرت ~~أفعالهم في هذا الزمان. # وليس بعد الزيادة إلا الانحطاط والنقصان، واعلم يا أخي أن دولة أهل الخير ~~يبدأ أولها من قوم علماء، حكماء، خيار، فضلاء، يجمعون على رأي واحد، ويتفقون ~~على مذهب واحد، ودين واحد، ويعقدون بينهم عهدا ms330 وميثاقا ألا يتجادلوا، ولا ~~يتقاعدوا عن نصرة بعضهم بعضا، بل يكونون كرجل واحد في جميع أمورهم، وكنفس ~~واحدة في جميع تدبيرهم، فيما يقصدون من نصرة الدين، وطلب الآخرة، لا يبتغون سوى ~~وجه الله، فهل لك في أن ترغب في صحبة إخوان لك نصحاء هذه صفتهم؟». # 10 # وقد حكوا مرة أنهم يؤملون «تجديد ملك في المملكة، وانتقال الدولة من أمة إلى ~~أمة، ويشيرون إلى أنه وقع اختيارهم على رجل تتحقق فيه الشروط، ولكن لم يتم ~~مرادهم». # 11 # وأظن أنهم يشيرون بذلك إلى عضد الدولة ابن بويه، فقد اتسع ملكه في زمان إخوان ~~الصفاء، وارتقب الناس زيادة سلطانه، فلا يبعد أن يكون هو أملهم، وهو يحقق ~~غرضهم، من نواح متعددة، فهو شيعي معتدل، لا كالفاطميين في مصر، فإنهم شيعة ~~متطرفون، وهو واسع الاطلاع في اللغة والأدب والفلك، حتى كان يناقش أستاذه أبا ~~علي الفارسي في النحو، فيفحمه، وهو يشارك في العلوم الأخرى، وهو رجل فيه جوانب ~~خير كثيرة، بنى مستشفى، وأنفق عليه أموالا طائلة، وهو الذي يقول فيه المتنبي ~~لما قصده: # وقد رأيت الملوك قاطبة # وسرت حتى رأيت مولاها # ومن مناياهم براحته # يأمرها فيهم وينهاها # وفيه يقول: # فقلت إذا رأيت أبا شجاع # سلوت عن العباد وذا المكان # فإن الناس والدنيا طريق # إلى من ماله في الناس فاني # ويقول فيه آخر: # لقيته فرأيت الناس في رجل # والدهر في ساعة والأرض في دار ~~... إلخ. # ولكن مع هذا المجد كله كانت له هنوات ربما جعلته في نظر إخوان الصفاء أخيرا ~~ليس المثل الأعلى للملوك. # من كل ذلك نستنتج: ~~(1) # أنهم يعتقدون أن دولة زمانهم آخذة في الانحطاط، وأنها صائرة إلى ~~الزوال، وهي الدولة العباسية التي تسيطر في زمنهم على البصرة وما ~~حولها. ~~(2) # أنهم يرتقبون حكومة تشبه الحكومة التي دعا إليها أفلاطون فيما ~~مضى، من تولية الفلاسفة، فهم عقلاء الأمة، ويجب أن يكونوا ~~حكامها. ~~(3) # يظهر أيضا أنهم ليسوا راضين عن حكومة الشيعة الفاطميين؛ لأن لهم ~~بعض عقائد فاسدة في نظرهم، كالإمام المختفي، ولجور بعضهم كبعض ~~الخلفاء العباسيين. ms331 # يستنتج من كل ذلك أنهم يريدون حكومة عادلة كل العدل، يكون على رأسها علماء ~~صلحاء، أخيار، يتخذون العدل فيها عليهم وعلى أتباعهم، وهم في كل مناسبة يشيدون ~~بذكر العلم والمعرفة «والنظر في جميع الموجودات، والبحث عن مبادئها، وعلة ~~وجدانها، ومراتب نظامها، والكشف عن كيفية ارتباط معلولاتها»، # 12 ~~«وأن عبادة الله ليس كلها صلاة وصوما، بل عمارة الدين ~~والدنيا»، # 13 ~~«بل العبادة الشرعية ليست مقصودة لذاتها، بل هي إشارات إلى غاية ~~قصوى»، # 14 ~~«والنجاة لا تكون بالعبادة والأخلاق فقط؛ بل بالإحاطة بالعلوم ~~والمعارف أيضا». # 15 # فهم يتشددون في كل مناسبة في المطالبة بالعلم والمعرفة، فمذهبهم الأساسي ~~العلم والمعرفة أولا؛ لأنهم على مذهب سقراط في أن الفضيلة هي المعرفة، وهذه ~~المعرفة ينشأ عنها جودة الأخلاق، وصلاح الدين والدنيا ... إلخ. # هذه على ما يظهر هي غايتهم، نشر علم ومعرفة لا حدود لهما، والعمل على ذلك بكل ~~الوسائل، ثم إقامة حكومة على رأسها صفوة هؤلاء العلماء، ثم تطبيق هذا العلم ~~والمعرفة على الحياة الفردية والاجتماعية العملية. # ثم للوصول إلى ذلك لا بد من سرية حتى يقووا، وتقية كتقية الشيعة، حتى لا ~~يضطهدوا إلى أن يكون لهم السلطان، وفي يدهم الأمر. # وكان لهم الحق في ذلك، فمع سريتهم وتقيتهم، نقم عليهم، ورموا الزندقة من ~~العلماء المتزمتين، وأحرقت رسائلهم في بغداد، ولكن علمنا الزمان أن اضطهاد ~~الأفكار إرهاص للخلود. # ولنذكر الآن بعض آرائهم في فروع مختلفة، لقد أرادوا أن يلفقوا مذهبهم من كل ~~المذاهب، إسلامية كانت أو نصرانية، أو وثنية، ولذلك كان من أنبيائهم نوح ~~وإبراهيم، وسقراط وأفلاطون، وزرادشت وعيسى، ومحمد، وعلي ... إلخ. وهم يعتقدون أن ~~الفلسفة أرقى من الدين، فقد حكى أبو حيان أنه ألح على المقدس أحد جماعة إخوان ~~الصفاء في مسألة، فلما أحرج قال: «إن الشريعة طب المرضى، والفلسفة طب ~~الأصحاء»، # 16 # يريد بذلك أن الأنبياء يطبون المرضى حتى لا يزيد مرضهم، وحتى يزول ~~المرض بالعافية، أما الفلاسفة فإنهم يحفظون الصحة على أصحابها حتى لا يعتريهم ~~مرض، ولا شك أن مدبر الصحيح خير ms332 من مدبر المريض، وبعبارة أخرى: إن ظاهر الشريعة ~~إنما يصلح للعامة، أما الغذاء للنفوس القوية، فيكون بالنظر الفلسفي ~~العميق. # وقالوا: «إن الجسم غايته الموت»، # 17 # ومعنى الموت عروج نفس الإنسان إلى الحياة الروحية الخالصة، وهذا ~~إنما يكون لمن تفلسف في حياته الأرضية، أما من عاشوا في الأساطير والخرافات، ~~فشأنهم شأن البهائم، وقد أخذوا هذا المعنى عن متأخري اليونان، وعن اليهود ~~والنصارى، وعن مذاهب الفرس والهنود. # وهم يقسمون النشاط العقلي إلى علوم وصناعات، والعلم هو صورة المعلوم في نفس ~~العالم، وأما الصناعة فهي إخراج الصانع الصورة التي في فكره، ووضعها في ~~الهيولي، وعندهم أن المعرفة تأتي من طرق ثلاث: ~~(1) # طريق الحواس الخمس، وهو أول الطرق، ومنه تنشأ جمهرة علوم ~~الإنسان، وفي ذلك يشترك الناس كلهم. ~~(2) # طريق العقل، وبه يتميز الإنسان عن سائر الحيوانات. ~~(3) # طريق البرهان الذي ينفرد به قوم من العلماء دون قوم. # 18 # وعندهم أن النفس عند ولادتها لم تكن تعرف شيئا ألبتة؛ لقوله تعالى: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا ~~تعلمون شيئا ~~، ولا تعرف النفس شيئا إلا بتوسط الجسد، وهي ~~نظرية تخالف نظرية أفلاطون التي تقول: «إن النفس كانت تعرف كل الأشياء قبل ~~حلولها في الجسد، وإنما معرفتها في الدنيا تذكرها، فإذا رأت شيئا في عالمنا، ~~تذكرت ما رأته في عالمها الأعلى قبل هبوطها إلى الأرض، واتصالها بالجسد». وعلى ~~هذه النظرية جاءت عينية ابن سينا: # هبطت إليك من المحل الأرفع # ورقاء ذات تدلل وتمنع # ويجب على الإنسان في نظرهم ألا يحصل المعارف مرة واحدة، بل على دفعات؛ لأن ~~بعض المعارف أصعب من بعض، والنفس لا تستطيع الارتقاء في مدارج معرفة الله، ~~معرفة صحيحة، إلا بالزهد، والانصراف عن الدنيا، والقيام بالأعمال ~~الصالحة. # وعندهم أن يبتدئ المعلم بعلوم اللغة واللسان والأدب فتلك أسهل، ثم يتلقى علوم ~~الدين، ومذاهب الكلام، فإذا أتقن ذلك درس الفلسفة مبتدئا بالرياضيات، وأصحاب ~~إخوان الصفاء يعرضون للرياضيات على طريقة الهنود تارة، وعلى مذهب فيثاغورس ~~الجديد مرة أخرى، مع الإمعان في الرموز، وتقديس بعض الأعداد، كعدد 7، ومن أجل ms333 ~~ذلك كانت حروف الهجاء ثمانية وعشرين؛ لأنها حاصل ضرب 4 × 7. # واعتقدوا في الكواكب أنها أجسام نورانية عاقلة كمذهب اليونانيين القدماء، ~~وأنها أرقى في عقلها من الإنسان، وأن للنجوم تأثيرات قوية في العالم الأرضي، ~~وهذه النجوم تؤثر أحيانا بالسعد، وأحيانا بالنحس، فالمشترى والزهرة والشمس ~~تؤثر أحيانا بالسعد، وأحيانا بالنحس، فالمشترى والزهرة والشمس تؤثر بالسعد، ~~وزحل والمريخ والقمر تؤثر بالنحس، وعطارد يؤثر بالنحس والسعد جميعا، وطول ~~أعمار الناس، أو قصرها خاضع لهذه التأثيرات إلخ إلخ. وهذه هي عقائد القرون ~~الوسطى، طال فيها الجدل إلى يومنا هذا. # وفي المنطق ساروا على مذهب فورفوريوس مؤلف إيساغوجي، وقلما زادوا فيه شيئا ~~من عندهم، فعندهم الألفاظ الخمسة التي وضعها، وهي: الجنس، والنوع، والفصل، ~~والخاص، والعرض العام، غير أنهم زادوا عليها لفظا سادسا وهو الشخص، وقالوا: ~~إن الجنس والنوع والشخص تدل على الأعيان، وأما الفصل والخاصة والعرض فتدل على ~~المعاني، وعرضوا في المنطق للمقولات العشر، أولها الجوهر، والتسعة الأخرى أعراض ~~له، وقالوا: إن هناك مناهج منطقية، وهي: التحليل، والحد، والبرهان، فالتحليل ~~منهج المبتدئين؛ لأنه يوضح الأمور الجزئية المحسوسة، أما الحد والبرهان، فبهما ~~تعرف الأشياء المعقولة، وقالوا: إن كل شيء في هذا العالم إما أن يكون هيولي أو ~~صورة، وهيولي الأشياء كلها واحدة، وإنما تختلف بالصورة، وهذا الكلام أشبه بما ~~يقوله العلماء المحدثون من أن ذرات الأشياء كلها واحدة، وأنها عبارة عن ~~كهربائية موجبة وسالبة، وأن الخلاف بينها خلاف في الكمية لا في الكيفية، فذرات ~~النحاس مثل ذرات الحديد، مثل ذرات الذهب، فلو أضفنا إلى ذرات النحاس ما ينقصها ~~عن ذرات الذهب كانت ذهبا، ولذلك قال إخوان الصفاء بإمكان تحويل المعادن إلى ~~الذهب، وهو الذي يسمونه كيمياء. # وأفاضوا طويلا في النفس الإنسانية، لأنهم كانوا يعتمدون عليها، وقالوا: إنها ~~فيض صادر عن النفس الكلية، ونفس الطفل في أول أمرها كصحيفة بيضاء، تتناول ~~المعلومات عن طريق الحواس الخمس، وتجمعها، فإذا كبر دفع هذه المعلومات إلى ~~القوى المفكرة، ثم إلى الحافظة، والقوة التي تعبر عن النفس بالألفاظ تسمى القوة ~~الناطقة، وللإنسان ms334 قوى خمس باطنة تساوي قوى الجسم الخمس الظاهرة، وهي المتخيلة ~~في الأمام، ثم المفكرة وسط الدماغ، ثم الحافظة في مؤخرة الدماغ، ثم الذاكرة، ثم ~~القوة الناطقة. # وقد أكدوا أنهم متدينون؛ ولكن غايتهم فلسفة الدين، وتحصيل كل المعاني، قالوا: ~~«وبالجملة، ينبغي لإخواننا - أيدهم الله - ألا يعادوا علما من العلوم، أو ~~يهجروا كتابا من الكتب، ولا يتعصبوا على مذهب من المذاهب؛ لأن رأينا ومذهبنا ~~يستغرق المذاهب كلها، ويجمع العلوم كلها». # 19 # ولذلك يصح أن تعدهم مسلمين؛ ولكنهم مسلمون متسامحون لا بأس أن يأخذوا من ~~اليهودية والنصرانية والوثنية، كما يصح أن يأخذوا من السنية والشيعة، وكلما ~~قدر الإنسان على مزج العلم بالفلسفة بالدين كان أرقى، فإذا بلغت النفس منتهاها، ~~كانت في مصاف الملائكة المقربين، وصار مقامها فوق دين العامة الموروث، وفوق ~~الرسوم، والصور الحسية، وهم يرون أن الصور الحسية التي صورها القرآن من نعيم ~~في الجنة، وما فيها من حور عين، وأنهار من عسل مصفى، وأن أهلها على الأرائك ~~متكئون، وما في النار من عذاب، كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها، ونحو ~~ذلك، إنما هي صورة رمزية، وأن هناك دينا عقليا فوق الأديان كلها، وأن ~~الاعتقاد أن الله يغضب ويعذب بالنار أمور لا يقبلها العقل، وأن النفس الجاهلة ~~تلقى جهنمها في هذه الدنيا، وأن النفس العاقلة تلقى جنتها في هذه الدنيا أيضا، ~~وأن البعث هو مفارقة النفس للجسم، والقيامة هي مفارقة النفس الكلية للعالم، ~~ورجوعها إلى الله. # 20 # وهم في الأخلاق يرون الدعوة إلى الروحانية، والزهد، والعمل يكون فاضلا إذا ~~صدر عن الروية العقلية، وهم كالمتصوفة يرون أن أرقى أنواع الفضائل هي المحبة، ~~وإذا بلغت غايتها فنيت في الله المحبوب الأول. # وتظهر على صورة الصبر والرضا عن جميع الخلق، وهذا الحب يطمئن النفس، ويحرر ~~القلب، ويبعث على الرضا بكل ما في هذه الدنيا. # وهم يقولون كأرسطو بنظرية الأوساط؛ أي أن كل فضيلة وسط بين رذيلتين، فالشجاعة ~~وسط بين الجبن والتهور، والاقتصاد المالي وسط بين البخل والإسراف، والعدل وسط ~~بين الظلم والانظلام. # وهم يبخسون ms335 الجسم حقه، ويقولون: إن الإنسان في الحقيقة هو النفس، أما الجسم ~~فثوب ظاهري، والمثل الأعلى للرجل الكامل أن يكون «فارسي النسب، عربي الدين، ~~عراقي الأدب، عبراني المخبر، مسيحي المنهج، شامي النسك، يوناني العلم، هندي ~~البصيرة، صوفي السيرة، ملكي الأخلاق، رباني الرأي، إلهي المعرفة». # 21 # ورأوا أن البيئة الطبيعية والاجتماعية تؤثر في الإنسان، فاختلاف ~~لغات الإنسان، وألوانهم، وأخلاقهم، وصورهم متأثرة ببيئتهم، وأن الأجرام ~~السماوية من ضمن البيئة، فهي تؤثر في الأقطار المختلفة تأثيرا مختلفا، ~~وخصوصا الشمس، ومن أجل هذا كان بعض الأقاليم، وهو الإقليم الرابع الأوسط هو ~~إقليم الأنبياء والحكماء؛ لأنه وسط بين الثلاثة الجنوبية، والثلاثة الشمالية، ~~وأهل الأقاليم الأخرى ناقصون عن طبيعة الأفضل. # ولهم في المرأة رأي سيئ، وأن لهن وظيفتين فقط، الإنسال، وأن يكن أزواجا ~~للذين لا يستطيعون التعفف، وعلى الجملة وظيفة المرأة أن تطيع زوجها، وتقر في ~~بيتها وتتعفف، وهي لا تصلح للنظر في العلوم، ولا للتفكير في أمر الدين، وقالوا: ~~«اعلم يا أخي أن هذا الرأي والاعتقاد جيد للنساء والصبيان، والجهال والعوام، ~~ومن لا ينظر في حقائق العلوم لا يعرفها». # 22 # ويقولون في موضع آخر: «ولا يليق بالعقلاء أن يعتقدوا هذه العقائد ~~فضلا عن الحكماء، بل النساء والجهال والصبيان»، وربما كان ما نراه في لزوميات ~~أبي العلاء من الحملة على المرأة وفسادها، وطلب قصرها على منزلها دون القراءة ~~والكتابة، ورميها بالاعتقاد في الخرافات والأوهام؛ نتيجة للقسم الأول من حياة ~~أبي العلاء، حينما كان على الأرجح يدين بتعاليم إخوان الصفاء. # ثم إنه من أروع رسائلهم رسالة «الحيوان والإنسان»، فقد استغلوا الرمزية على ~~نمط كتاب «كليلة ودمنة»، وكالوا للإنسان الشتائم أشكالا وألوانا، وخلاصة هذه ~~الرسالة أنه انعقدت محكمة لمحاكمة الإنسان أمام محكمة الجن، اتهم فيها ~~الإنسان ببطشه وظلمه، فالإنسان أول أمره كان يأوي في رءوس الجبال والتلال، وفي ~~المغارات والكهوف؛ خوفا من كثرة السباع والوحوش، وكان يأكل من ثمر الأشجار، ~~وبقول الأرض، وحبوب النبات، ويستتر بأوراق الشجر من الحر والبرد، ثم تحضر ~~فبنى المدن والقرى والقصور، ثم أخذ يسخر ms336 الأنعام من البقر والغنم والجمال، ~~ومن الخيل والبغال والحمير، وقيدها وألجمها، وصرفها في مآربها من الركوب ~~والحمل، وأتعبها في استخدامها، وكلفها أكثر من طاقتها، ومنعها من التصرف في ~~مآربها؛ بعد أن كانت حرة في الجبال والآجام والغياط، تذهب وتجيء حيثما أرادت في ~~طلب مراعيها، ومشاربها، ومصالحها. # وشمر ابن آدم في طلبها بأنواع من الحيل، والقنص، والشباك، والفخاخ، واعتقد ~~أنها عبيد له، هربت منه، وخلعت الطاعة وعصته. # واتفق أن ولي أمر المسلمين من الجن يقال له: بيراشست الحكيم، وحدث أن طرحت ~~العاصفة في وقت من الأوقات مركبا من سفن البحر إلى ساحل الجزيرة التي يسكنها ~~هذا الملك، وكان في المركب قوم من التجار والصناع وأغنياء الناس، فخرجوا إلى ~~تلك الجزيرة، وفتنوا بما فيها من الفواكه والبقول والرياحين، وصادقوا ما فيها ~~من البهائم والطيور، والسباع والوحوش، والهوام والحشرات، في ألفة لا يشوبها ~~تنافر ولا شقاق. # واستطاب الناس المقام في تلك الجزيرة، وأخذوا يتعرضون لما فيها من الحيوانات؛ ~~ليسخروها فيركوبها، ويحملوا عليها أثقالهم، فنفرت منهم وهربت، فخرج الناس في ~~طلبها لاعتقادهم أنها عبيد خرجت عن طاعتهم، فلما رأت الحيوانات رغبة الإنسان في ~~استبعادها، جمعت زعماءها وخطباءها، وذهبت إلى ملك الجن، وشكت إليه ما لقيت من ~~جور بني آدم، فعقدت المحاكمة، وتكلم زعيم كل صنف من أصناف الحيوانات، باتهام ~~الإنسان بظلمه وعنته، فدافع الإنسان أول الأمر بأن الله تعالى أباح له ذلك، ~~فقال: # والأنعام خلقها لكم فيها دفء ~~ومنافع ومنها تأكلون * ولكم فيها ~~جمال حين تريحون وحين تسرحون # وقال: # والخيل والبغال والحمير لتركبوها ~~وزينة ~~. وقال: # لتستووا على ~~ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم ~~عليه ~~. فقال زعيم البغال: أيها الملك، ليس في شيء مما قرأ هذا ~~الإنسي دلالة على ما زعموا أنهم أرباب ونحن عبيد؛ إنما هي آيات تذكار بنعمة ~~الله عليهم، فقال: سخرها لكم، كما قال سخر الشمس والقمر، والسحاب والرياح. ووقف ~~الثعبان يتحدث عن الحشرات والهوام، وقال: إن أكثرها صم بكم عمي، بلا يدين ~~ولا رجلين، ولا جناحين، ولا منقار ولا مخلب، ms337 ولا ريش على أبدانها، ولا شعر ولا ~~وبر ولا صوف، وإن أكثرها عراة حفاة، ضعفاء فقراء مساكين، بلا حيلة ولا حول ولا ~~قوة؛ ومع ذلك فالإنسان هاجمها حيث كانت، وقتلها أينما وجدها. ورق قلب ~~الثعبان، فدمعت عيناه من الحزن ... وهكذا أنطق مؤلف الرسالة قول زعيم كل صنف ~~باتهام الإنسان بالظلم والعنت. # وكان قد حضر في المحاكمة وفود من الأمم، وتطرق من هذا بإنطاق زعيم كل أمة، ~~ويجعل الجني يعقب على قول زعيم الأمة بما في تعداد مفاخرها بتعداد معايبها، ~~ويندمج في ثنايا هذه المحاكمة طرف لطيفة في الفلسفة، وطبائع الحيوان. # ومن الأسف أن المحاكمة لم تنته إلى حكم، بل كانت مفاوضات لا نتيجة لها، ~~واتهامات لا غاية لها ... وهي تستحق القراءة لما فيها من المتعة الفنية ~~والفكرية. # 23 # وقد ألف إخوان الصفاء رسائلهم كلها بالعربية، وإن كان بعضهم فارسيا ~~صميما، شأنهم في ذلك شأن ابن سينا الفارسي، والفارابي التركي، وعلي بن رين من ~~مازندران بطبرستان، وكما فعل محمد بن زكريا الرازي، وهو من الري قرب طهران، ~~والسبب في ذلك أن العربية أصبحت لغة العلم، والفلسفة كاللاتينية، بالنسبة للغات ~~الأوروبية الحديثة، ولأن اللغة العربية أطوع في الصياغة، وأكثر مرونة في ~~الاشتقاق، وأقدر على الاصطلاحات، كما أوضح ذلك البيروني في بعض كتبه. # وهناك جماعة أخرى كانت في بغداد أيضا، كان على رأسها الأستاذ الكبير أبو ~~سليمان المنطقي، وكانت في بغداد بجانب فرع إخوان الصفاء، ولم يكن منهجها كمنهج ~~إخوان الصفاء، فلم يكونوا رجال دعوة وتبشير، ولا ذوي مطامع ومطامح، وإن لم ~~يكونوا يؤلفون رسائل أو كتبا، إنما كل همهم أن يجتمعوا في بيت رئيسهم للمتعة ~~العقلية وكفى. ويجتمع في بيت الرئيس كثير ممن ينتسب من أهل الحكمة والفلسفة من ~~مسلمين، ووثنيين، ونصارى، ويهود، مثل: ابن زرعة، وابن الخمار، وابن السمح، ~~والقومسي، ومسكويه، ويحيى بن عدي، وعيسى بن علي، وأبي حيان التوحيدي، ~~وغيرهم. # وكان أبو سليمان هذا رئيسهم، وجامع شملهم، يثيرون المسائل في مجلسه حيثما ~~اتفق من سياسية، واجتماعية، ولغوية، ودينية، وكل يبدي ms338 رأيه، والكلمة الأخيرة ~~لأبي سليمان. # وقد دون أبو حيان محاضر بعض هذه المجالس في كتابه «المقابسات»، ويصف أبو ~~حيان هذا الرئيس بقوله: «كان أبو سليمان أدقهم نظرا، وأقعرهم غوصا، وأصفاهم ~~فكرا، وأظفرهم بالدرر، وأوقفهم على الغرر، مع تقطع في العبارة؛ ولكنه ناشئة من ~~العجمة، وقلة نظر في الكتب، وفرط استبداد بالخاطر، وحسن استنباط للعويص، وجرأة ~~على تفسير الرمز، وبخل بما عنده من هذا الكنز». وهذا تحليل دقيق من أبي حيان ~~لشخصية أبي سليمان؛ فهو قوي الفكر، ألكن العبارة، وهو يعتمد على قوة عقله، أكثر ~~مما يعتمد على النقل من المؤلفات، وهو واثق بصدق رأيه، أكثر مما يثق بما يقول ~~غيره، وهو بخيل بعلمه، لا يذكر بعضه إلا للخاصة إذا دعت الدواعي، ولعل من بخله ~~بعلمه قلة تأليفه، وقد دعته الدواعي أن يقيم رهين بيته، فهو أعور العين، مصاب ~~بالبرص، مشوه الخلق، يقول فيه الشاعر: # أبو سليمان عالم فطن # ما هو في علمه بمنتقص # لكن تطيرت عند رؤيته # من عور موحش ومن برص # وبابنه مثل ما بوالده # وهذه قصة من القصص # وكان فقيرا يمده عضد الدولة من الحين بعد الحين بنفحة قليلة مالية يسد بها ~~رمقه، وكان مما يثار في مجلسه مثلا موقف الناس من الوحي ومن العقل، فيقول: «إن ~~أساس الأديان أن الله تعالى شاء أن يتصل بخلقه عن طريق رسله، فأوحى إليهم ~~بتعاليم الدين، علما منه بقصور العقل البشري، وضيق مجاله، فالعقل يستطيع إدراك ~~المادة وقوانينها، ولكن لا يستطيع إدراك ما وراء ذلك من عالم الغيب، وهذا هو ما ~~بينه الأنبياء». # وكان في أيام أبي سليمان أربع نزعات حول هذا الموضوع؛ نزعة تحكم العقل في ~~الدين، كما فعل زيد بن رفاعة، ومحمد بن أبي بكر الرازي، وإخوان الصفاء، ونزعة ~~تحكم الدين في العقل والفلسفة، فيعرضون نظريات الفلسفة على الدين، فما وافق ~~منها الدين قبل، وإلا رد، وذلك شأن كبار المتكلمين، ونزعة ثالثة آمنت بالفلسفة، ~~وأرادت أن تؤمن بالدين، فأولت الدين على وفق الفلسفة، كالكندي والفارابي، ~~ونزعة رابعة تفصل بين ms339 الدين والفلسفة، فلكل منطق ونفوذ، مثل: أبي سليمان هذا، ~~فقد قال: إن منهج الدين يخالف منهج الفلسفة ... إلى آخر ما قال، وكثيرا ما كانت ~~تثار في مجلس أبي سليمان مسائل نفسية، كالبحث في النفس، وأن الإنسان جسم ونفس، ~~وهما عنصران متباينان، فالجسم له أبعاد ثلاثة، والنفس لا أبعاد لها، وهي جوهر ~~بسيط لا يجزأ، ولا يدرك بحاسة من الحواس الخمس، ولا يعتريه فتور، ولا ملال، وهي ~~تخالف الجسم في قبولها للصور المختلفة من جنس واحد في وقت واحد، والإنسان يريد ~~أن يعرف النفس، ولكن لا يعرف النفس إلا بالنفس. # ويقول أبو حيان: إن أبا سليمان كان إذا تكلم في النفس أفاض، وأتى بالعجب ~~العجاب، ويتكلم أحيانا في الأخلاق بانيا تحديدها وموضوعاتها على معرفته ~~الواسعة بالنفس، ويتكلم أحيانا في السياسة، ككلامه عندما شكا ابن سعد أن ~~الوزير البويهي شكا من كثر كلام الناس في السياسة، ومحاولتهم معرفة كل صغيرة ~~وكبيرة يضعها الوزراء والأمراء، فرد على ذلك ردا لطيفا، ومن مثل ما حكى ~~أمامه من أن كسرى لما تقلد الملك عكف على الصبوح والغبوق، فكتب إليه وزيره رقعة ~~يقول فيها: «إن في إدمان الملك ضررا على الرعية، ونرجو تخفيف ذلك، والنظر في ~~أمر المملكة»؛ فوقع كسرى على نفس الرقعة: «إذا كانت سبلنا آمنة، وسيرتنا ~~عادلة، والدنيا باستقامتنا عامرة، وعمالنا بالحق عاملون، فلم نمنع فرحة ~~عاجلة؟»، فعلق أبو سليمان على هذا الخبر: لقد أخطأ كسرى من وجوه، أولا: أن ~~الإدمان إفراط، والإفراط مذموم. ثانيا: أنه جهل أن أمن السبل، وعدل السيرة، ~~وعمارة الدنيا، والعمل بالحق ما لم يوكل بها الطرف الساهر، ولم تحط بالعناية ~~التامة، ولم تحفظ بالاهتمام الجالب لدوام النظام، دب إليها النقص. وثالثا: ~~أن الزمان أعز من أن يبذل في الأكل والشرب، والتلذذ والتمتع، فإن في تكميل ~~النفس الناطقة باكتساب الرشد لها، ما يستوعب أضعاف العمر، فكيف إذا كان العمر ~~قصيرا. ورابعا: أن الخاصة والعامة إذا وقف على استهتاره باللذات، وانهماكه في ~~طلب الشهوات، قلدته وقلت هيبتها وحشمتها منه، وارتفاع الحشمة ms340 باعث على ~~الوثبة، والوثبة غير مأمونة من الهلكة، وما خلا الملك من طامع راصد قط». يقول ~~أبو حيان: وكان أبو سليمان إذا تكلم في السياسة عجب سامعوه منه، وسألوه أن يؤلف ~~لهم فيها. # وقد حلل في «المقابسات» أخلاق عضد الدولة تحليلا دقيقا، يدل على العلم ~~والجرأة، ويقول أيضا: «إنه كان يأتيه أصحابه بالصفحة من كلام الصوفية أو كلام ~~اليونان، ثم يملي من عنده خيرا منها، ومع هذا كله فكان مشغوفا بسماع الغناء، ~~وكان يخرج بعض أيام الربيع إلى البساتين مع بعض أصحابه، ومعهم مطرب أو ~~مطربة». # على كل حال، كان أبو سليمان شخصية ممتازة تركت دويا كبيرا في محيطه، وفي ~~زمنه، وكان بيته مقصد العلماء ليلا ونهارا، يقرأ عليه أبو حيان كتاب «النفس» ~~لأرسطو، ويعرض عليه علماء آخرون ما غمض عليهم، وفي ظني أنه أقدر من ابن سينا، ~~والفارابي، وابن رشد، وأمثالهم، وأن له ميزة عليهم ، هي اعتماده على تفكيره أكثر ~~من اعتماده على النقل، ولكن كان ينقصه أمران: ~~(1) # تأليفاته الكثيرة التي تخلد ذكره. ~~(2) # عنايته بتقعيد القواعد، ووضع الكليات التي تبين مذهبه، ولعل بؤسه ~~وفقره كانا يمنعانه من القدرة على العلم والتأليف، فهو لم يجد ~~رواجا لبضاعته فأتلفها. # هذا عضد الدولة يحن عليه بمائة دينار، وماذا تفعل المائة في أكل وشرب وأجرة ~~بيت تجمعت عليه منذ شهور؟ ويوسط أبا حيان عند ابن سعدان لعطفه عليه، فيعد ثم ~~يتلكأ، على أن الأمر شأنه كشأننا في زماننا، بعض الناس ليست له قدرة على ~~التأليف، ولكن له قدرة على تكوين الرجال بحسن أحاديثه، وبعض الرجال يربي ~~الأجيال القادمة بحسن تأليفه، ولله في خلقه شئون. # يقول الأستاذ مدكور: «وقد عرض الباحثون في القرن الرابع الهجري، وعدوه العصر ~~الذهبي في تاريخ الدراسات العقلية الإسلامية، فاستقام لعلم الكلام أمره، بعد ~~محنة خلق القرآن، واسترد اعتباره على يدي الأشعري، وسما التصوف إلى القمة، ~~فانتقل من النسك والزهادة، إلى شرح أحوال النفس، ومقامات العارفين، والقول ~~بالاتحاد، ونزول اللاهوت في الناسوت، كما كان يذهب الحلاج، وأخذت الفلسفة ~~الإسلامية تستكمل ms341 أسسها ومبادئها بما أضافه إليها الفارابي من عمق وتحديد، ~~وتوفيق وتنسيق، وبلغ الطب غايته، فلم يقف عند ما دونه بقراط وجالينوس، بل شاء ~~الرازي أن يغذيه بتجاربه الشخصية، ودرسه المستقل، وخطا الفلك والرياضة خطوات ~~فسيحة، ويكفي أن يذكر البيروني ومؤلفاته للتدليل عليهما». # ويمكن أن يقال بوجه عام: إذا كان المسلمون في القرنين الثاني والثالث للهجرة، ~~قد شغلوا بنقل العلوم الأجنبية وتفهمها، فإنهم كانوا في القرن الرابع يدرسون ~~بأنفسهم لأنفسهم، وانتقلوا من الجمع والتحصيل إلى الإنتاج الشخصي، وقد استوعبت ~~ترجمتهم آثار الثقافات الأخرى، الفلسفية، والعلمية الهامة، على اختلافها؛ من ~~يونانية، وفارسية، وهندية، وإذا قصرنا حديثنا على الفلسفة، أمكننا أن نلاحظ أن ~~العرب إلى جانب ما وصلهم من شذرات عن الفلاسفة السابقين لسقراط، ترجموا أهم ~~المحاورات الأفلاطونية، وهي الجمهورية والنواميس، وطيماوس، والسوفيسط، ~~وبولوطيقي، وفادن، ودفاع سقراط، وكانت العناية بأرسطو بالغة، فبحثوا عن ~~مؤلفاته، وترجموها في عناية تامة، وتوفر لهم بها عدد غير قليل، وخلط بها بعض ~~مؤلفات موضوعة نسبت إليه خطأ. # ولكي يفهم المعلم الأول فهما حقا، كان لا بد لهم أن يستعينوا بشراح من ~~المشائين الأول، كفاوفراسطس، والإسكندر الإفروديسي، وقد ترجم لهما أكثر من شرح، ~~وخاصة الثاني الذي كان له أثر واضح في بعض النظريات الفلسفية الإسلامية، وكان ~~ابن سينا يعتد بآرائه اعتدادا كبيرا، ويسميه «فاضل المتأخرين»، وإلى جانب ~~الإسكندر هذا ينبغي أن نضع شراح مدرسة الإسكندرية، وفي مقدمتهم فورفوريوس، ~~وساميسقيوس، وسميليقيوس، ويحيى النحوي، فترجم كثير من شروحهم، وكان أكثرهم في ~~العالم الإسلامي أشد عمقا، أحيانا من أثر المشائين الأول. # نقلت هذه الكتب والشروح إلى العربية، وتداولها مفكرو الإسلام فيما بينهم، ~~وكثر تداولها، ومناقشاتها، والتعليق عليها في القرن الرابع الهجري» ا.ه. # وأزيد على ذلك فأقول: إن عنايتهم في القرن الرابع بالعلوم الدينية واللغوية ~~كانت أقوى من عنايتهم بالعلوم الرياضية، والفلسفية لسببين: # الأول: # أن الباعث على العلوم الدينية كان دينيا، وهو أقوى من ~~الباعث على الفلسفة، وعنايتهم بالعلوم اللغوية؛ لأنها تخدم ~~الدين أولا، ولأنها أثر من آثار أسلافهم، ونتيجة ~~لبيئاتهم. # والثاني: # أن ms342 المستعدين للتفلسف، والصبر على لغة الفلسفة، وفهم ~~غوامضها، والتفكير في موضوعاتها أقل في كل أمة من الباحثين في ~~اللغة والدين؛ لأن الفلسفة لا تناسب إلا الخاصة. # وهنا يصح لنا أن نتساءل: هل الفلسفة الإسلامية أصيلة، أم هي ترديد للفلسفة ~~اليونانية؟ لقد اختلف المستشرقون في هذا اختلافا كبيرا، فذهب بعضهم إلى الرأي ~~الأول، منهم الفيلسوف «تنمان»، فقد قال: «يكاد يكون أرسطو مع شراحه هو الذي ~~استرعى أنظار العرب، وقد تلقوا جملة ما ألفه أرسطو، ولكنهم تلقوها على ~~الحقيقة عن تراجم ناقصة جدا، بواسطة خادعة هي المذهب الأفلاطوني الحديث؛ ولكن ~~وقفت في سبيل تقدمهم في الفلسفة عدة عقبات، وهي: ~~(1) # كتابهم المقدس الذي يعوق النظر الحر. ~~(2) # حزب أهل السنة، وهو حزب قوي متمسك بالنصوص. ~~(3) # أنهم لم يلبثوا أن جعلوا لأرسطو سلطانا مستبدا على ~~عقولهم. ~~(4) # ما في طبيعتهم القومية من ميل إلى التأثر بالأوهام. # من أجل ذلك لم يستطيعوا أن يصنعوا أكثر من شرحهم لمذهب أرسطو، وتطبيقه على ~~قواعد دينهم الذي يتطلب إيمانا أعمى، وكثيرا ما أضعفوا مذهب ~~أرسطو وشوهوه ... على أن الآثار الفلسفية ~~العربية لما تدرس إلا دراسة ضئيلة جدا، لا تجعل علمنا بها مستكملا، بينما ~~يرى بعضهم كديبور أن الفلسفة الإسلامية أصيلة، وإن كانت استمدت فيما استمدت ~~من اليونان، أو من الفلسفة اليونانية، ويرى رينان أن الفلسفة إنما يصلح لها ~~العقل الآري لا السامي. # وكل هذا خلط، فليس كتاب الله يقيد حرية المسلمين في التفكير، كما أنه ليس ~~هناك حدود فاصلة أثبتها العلم بين الآريين والساميين كما قال رينان. # ولئن كانت الفلسفة الإسلامية متأثرة بالفلسفة اليونانية قليلا أو كثيرا على ~~اختلاف الأقوال، فإن الأصالة ظاهرة عند المسلمين في شيئين واضحين: في أصول ~~الفقه، وفي علم الكلام، فأصول الفقه يحتوي على أفكار أصيلة في اللغات، ودلالة ~~الكلام، وفلسفة التشريع، وقد وضعه الشافعي، وألف فيه كتابا سماه «الرسالة»، ~~تكلم فيه على منزلة القرآن من الدين، فالقرآن هو تبيان لكل شئون الدين، وقد ~~أوضح في الرسالة المراتب الخمس للبيان في القرآن، مع التطبيق عليها، ثم ms343 أبان أن ~~السنة تخصص الكتاب، ثم عقد عنوانا سماه «العلل في الاحاديث»، ذكر فيه ما ~~يكون بين الأحاديث من خلاف بسبب أن بعضها ناسخ ومنسوخ، وبسبب الغلط في ~~الأحاديث، وبين منشأ الغلط، ثم تكلم عن الناسخ والمنسوخ من الأحاديث، ثم تكلم ~~عن النهي وأقسامه إلخ. # وقد توسع الفقهاء فيما بعد في علم الأصول هذا، وأدخلوا عليه أبوابا لم تكن، ~~فكان بذلك فلسفة إسلامية أصيلة رائعة، وعلم الكلام مملوء بالإلهيات. # نعم، إنه أخذ بعض أصوله من الفلسفة اليونانية، ولكن حورها بما يتفق ~~والإسلام، وزاد عليها كثيرا، فيكاد يعد فلسفة أصيلة. # نعم، إن أصول الفقه، وعلم الكلام لم تشتمل على الرياضيات والطبيعيات؛ فهذه ~~يصح أن تنسب في جوهرها لا في تفاصيلها إلى الفلسفة اليونانية. # ومهما اختلف الناس في أصالة العرب في الفلسفة الإسلامية، ومقدار تجديدهم في ~~الفلسفة اليونانية، فلن ينكر أحد أصالة العرب في الحكم، فإن لهم حكما أصيلة ~~منذ جاهليتهم، والفرق بين الحكم والفلسفة أن الحكم عبارة عن تركيز التجارب ~~اليومية في جملة أو جمل، وهي أنسب لذوقهم، فقد شغف العرب بحب الإيجاز، وصوغ ~~التجارب في «برشامة»، ونلاحظ أن الذي يقوله الأوروبيون في رواية طويلة في مئات ~~من الصفحات يقوله العربي في حكمة وجيزة. # فقد قرأت لبرنارد شو رواية طويلة، مضمونها أن جماعة من قطاع الطريق خرجوا ~~على سيارة، فقال قطاع الطريق: من أنتم؟ قالوا: نحن سراق الفقراء. فقال قطاع ~~الطريق: ونحن سراق الأغنياء. وقرأت لرجل عباسي شاهد حاكما يقطع يد سارق فقال: ~~«سارق السر يقطع سارق العلانية». # ومن قديم عرف العرب حكم لقمان، وحكاها القرآن الكريم، واشتهر في الجاهلية ~~بالحكم أكثم بن صيفي، وزهير بن أبي سلمى في قوله: ومن ومن إلخ. ورويت عن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # في الإسلام حكم كثيرة مثل: «اليد العليا خير من اليد السفلى ~~- وما أملق تاجر صدوق - خير المال عين ساهرة لعين نائمة - رأس العقل بعد ~~الإيمان مداواة الناس» إلخ ... كما اشتهر في الإسلام الأحنف بن قيس، والحسن ~~البصري، فلهما حكم كثيرة مشهورة. ms344 # ولما نقلت الثقافات الأجنبية إلى العرب نقلوا الحكم أيضا، وعنوا بها، ~~واستساغوها أكثر مما استساغوا الفلسفة؛ لأنها أقرب إلى عقول الأوساط، وهي أشبه ~~ما تكون بالأمثال التي اعتادوها، كالذي نرى في كتاب «جاويدان خرد»، الذي نشر ~~حديثا باسم «الحكمة الخالدة»، والذي عربه قديما الحسن بن سهل، وأبو علي ~~مسكويه، وقد اشتهر بعد الذين ذكرناهم بالحكم عبد الله بن المقفع في كتبه «الأدب ~~الصغير، والأدب الكبير، والدرة اليتيمة». # كما اشتهر بعد ذلك في الحكم الجاحظ في بعض كتبه، مثل قوله: «احذر كل الحذر أن ~~يختدعك الشيطان عن الحزم، فيمثل لك التواني في صورة التوكل، ويسلبك الحذر، ~~بإحالتك على القدر، فإن الله - عز وجل - إنما أمرنا بالتوكل عند انقطاع ~~الحيل، والتسليم للقضاء بعد الإعذار». كما اشتهر بالحكم الفارابي، فله وصايا ~~كثيرة أوضح من فلسفته الغامضة، مثل قوله: «كل واحد من الناس متى رجع إلى نفسه، ~~وتأمل أحواله ، وأحوال غيره من أفناء الناس، وجد نفسه في رتبة يشركه فيها طائفة ~~منهم، ووجد فوق رتبته طائفة هم أعلى منه منزلة، ووجد طائفة دونها هم أوضع منه؛ ~~لأن الملك الأعظم، وإن وجد نفسه في محل لا يرى لأحد من الناس في زمانه منزلة ~~أعلى من منزلته، فإنه إذا تأمل حاله، وجد فيهم من يفضل عليه بنوع من الفضيلة؛ ~~إذ ليس في أجزاء العالم ما هو كامل من جميع الجهات، وكذلك الوضيع الخامل الذكر، ~~يجد من هو دونه بنوع من الضعف». ويقول: «إن لكل شخص من أشخاص الناس قوتين: ~~إحداهما عاقلة، والأخرى بهيمية، ولكل واحدة منهما إرادة واختيار، وهو كالواقف ~~بينهما، ولكل واحدة منهما نزاع غالب» إلخ إلخ. # وقد حكى له جاويدان خرد هذا نحو عشرين صفحة من الحكم، كما اشتهرت بالحكم ~~مدرسة أبي سليمان المنطقي من مثل ما حكاه أبو حيان التوحيدي في كتابه ~~«المقابسات»، وما حكاه أبو حيان لنفسه في كتبه الكثيرة، ومن مثل ما كتبه ~~جاويدان خرد أيضا لأبي الحسن العامري، إذ روى له نحو خمس وعشرين صفحة من ~~الحكم، والعامري هذا هو ms345 أبو الحسن محمد بن يوسف العامري، فيلسوف مشهور، حدثنا ~~عنه كثيرا أبو حيان التوحيدي في كتبه، مثل قوله: «سل واهب العقل إضاءة العقل، ~~وابدأ بالأول في إيثار الأولى، واعرف الأولى بإيثار الأول - أشرف أبواب النظر، ~~ما أفاد تمييز الفناء من البقاء - من لم يعقل العقل، ويستضئ بنوره فقد صيره حجة ~~عليه لا له - ليس الكمال في اقتناء النعم؛ بل ~~الكمال في إضافة النعم - الجهل مع العفة خير من العلم مع الفسوق - لن يسعد ~~العبد بالعيش الفاضل، إلا أن يكون مستنكفا من أن يكون سكونه إلى المال الممهد، ~~والمجد المؤثل أقوى من سكونه إلى واهب المال، ومؤثل المجد» إلخ. # وربما كان هذا النوع أعني الحكمة ظل ينمو على مر السنين، فقد زاد عن نتاج ~~القرن الرابع، فكل عصر يزيد هذه الثروة - يزيدها بعض الشعراء كالمتنبي، وأبي ~~فراس في شعرهما، وحتى العوام كانوا قادرين على إنتاجه بأمثالهم العامية، وقصصهم ~~الحكيمة. فلنا الحق فيما يظهر أن نستثني هذا النوع من أنواع العلوم التي وقفت ~~عند القرن الرابع الهجري. # | هوامش # الفصل السادس # | الأخلاق # كانت الأخلاق من أول عهد الإسلام مبنية على الدين، فالصبر حميد؛ لأن الله تعالى ~~يقول: # إن الله مع الصابرين ~~، # اصبروا وصابروا ~~، والعدل مطلوب؛ لقوله تعالى: # اعدلوا هو أقرب للتقوى ~~، # ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا ~~تعدلوا ~~، وكان بجانب ذلك حكم وأمثال وصلت إلى العرب من تجارب ~~الزمان. # فلما دخل كثير من الفرس في الإسلام، وكانت لهم ثروة كبيرة من الحكم والأمثال في ~~جميع مرافق الحياة نقلوها إلى العربية، وكان على رأس هؤلاء ابن المقفع، فقد نقل حكم ~~الفرس وأمثالهم، وقصصهم، والقصص الرمزية التي تشير إلى الأخلاق ككليلة ودمنة، وملأ ~~اللغة العربية بهذه الجمل اللطيفة الرشيقة التي تدل على عقل واسع، وتجربة ناضجة، ~~هذه حكم في الأخلاق الفردية، وهذه حكم في الأخلاق الاجتماعية، وهذه حكم في السياسة، ~~وفي الملك، وما يلزمهما، وفي البلاط، وما يتصل به كرسالة الصحابة التي يعنى بها ~~صحابة الملك أو الخليفة، أو بعبارة أخرى بلاطه. # ثم حدث بعد ms346 ذلك أن نقلت كتب اليونان إلى اللغة العربية، فتدوولت فيما بين ~~المسلمين، وكان من هذه الكتب كتب في الأخلاق ككتاب «الأخلاق» لأرسطو وغيره، فهضمها ~~المسلمون، وأرادوا بعد ذلك أن ينقلوها، أو يحذوا حذوها، ويفلسفوا الأخلاق، ومنهم من ~~من يعمل في الأخلاق ما عمل بعض الفلاسفة في الفلسفة؛ إذ عرضوا علم الأخلاق هذا على ~~الإسلام، فما لم يقبله الإسلام رفضوه، وما قبله تقبلوه، ومزجوا ذلك بالدين. # ولعل أشهر المؤلفين في الأخلاق في عصرنا هذا ابن مسكويه، ومحمد بن أبي بكر ~~الرازي، وإخوان الصفاء، فابن مسكويه - أو مسكويه فقط كما يرجحه أكثرهم - هو أحمد بن ~~محمد بن يعقوب، وهو أصل مجوسي، وقد تبحر في الأخلاق الفارسية لفارسيته، وفي الأخلاق ~~اليونانية لثقافته بها، صحب أولا الوزير المهلبي في أيام شبابه ولازمه. # وقد مكنته هذه الصحبة من معرفته بالطبقة الأرستقراطية، وطبقة بعض الأدباء، ~~ومعرفته بالناس، ثم اتصل بخدمة الملك عضد الدولة، وكان خازنا لمكتبته، كاتما ~~لأسراره، رسولا إلى نظرائه، ويظهر أنه عني من الفلسفة اليونانية بالناحية العملية ~~من الأخلاق، وما إليها، وقصر في الإلهيات، ومن أجل ذلك وصفه أبو حيان في «الإمتاع ~~والمؤانسة» بأنه «فقير بين أغنياء، وعيي بين أبيناء لأنه شاذ؛ وإنما أعطيته فيه هذه ~~الأيام صفو الشرح لإيساغوجي، وقاطيغورياس، فلم يكن له فيهما حظ؛ لأنه كان مشغولا ~~بطلب الكيمياء، مفتونا بكتب أبي زكريا، وجابر بن حيان»، وقد عاب عليه أنه كان في ~~الري مع أبي الحسن العامري، وهو ما هو علما وفلسفة، فلم ينتفع منه، وعابه ابن سينا ~~في بعض كتبه بأنه شرح له مسألة فلسفية، ثم أعادها عليه، فلم يفهمها، ودفع إليه مرة ~~جوزة كانت في يده، وقال له: امسح هذه، أي أخرج مساحتها، فألقى إليه مسكويه أوراقا، ~~وقال له: أصلح بهذه أخلاقك؛ مما يدل على أن مسكويه كان متجها إلى الناحية الخلقية ~~لا الإلهية، فعابوه على ذلك من غير حق. # وشاء الله أن ينبغ في الأشياء التي هو مستعد لها، وقد ألف في الأخلاق كتبا ~~كثيرة مثل: «تهذيب الأخلاق»، و«الفوز ms347 الأصغر»، وكتاب «جاويدان خرد» بمعنى العقل ~~الخالد، إلى غير ذلك من كتب تدور كلها حول الأخلاق. # وكانت مصادره في الأخلاق: ~~(1) # الفلسفة اليونانية. ~~(2) # الكتاب والسنة. ~~(3) # تعاليم الفرس، وحكمهم. ~~(4) # تجاربه الشخصية؛ فقد عمر طويلا، وكان في شبابه منغمسا في الحياة، ~~مستمتعا بها، ثم كان صديقا للوزير المهلبي، ومن جلسائه، والوزير ~~المهلبي هو ما هو في ترفه ونعيمه، ينفق ما يشاء على الثلج، والورد، ~~والشراب، ثم كان من أتباع عضد الدولة، ومصاحبا له في سفره وإقامته، ~~ومشتغلا بالكيمياء، يخالط المشتغلين بها من صادقين ودجالين، ثم عمر ~~طويلا حتى بلغ نحو المائة، كل هذا مزجه مزجا غريبا، وأخرج من هذا ~~المزيج كتبه في الأخلاق. # وكان أيضا قد اطلع على فلسفة الكندي والفارابي، ففلسف الأخلاق بعد أن كانت ~~حكما؛ وعني بمعرفة النفس، وقرأ فيها كثيرا، وحللها كثيرا، وبنى فلسفته ~~الأخلاقية على العلم بالأمور النفسية أيضا، واطلع في الأخلاق على آراء أفلاطون، ~~وأرسطو، وجالينوس، واتبع مذهب أرسطو في نظرية «الأوساط» أيضا التي شرحناها في ~~إخوان الصفاء. # وبدأ بالكلام في ماهية النفس؛ وعنده أن ~~النفس جوهر بسيط غير محسوس لحاسة من الحواس، تدرك وجود ذاتها بذاتها، وتعلم أنها ~~تعلم، وأنها تعمل، وهي ليست جسما، والدليل على ذلك أنها تقبل صور الأشياء ~~المتضادة، فتقبل معنى الأبيض والأسود، ومعنى الشجاعة والجبن، مع أن الجسم لا يقبل ~~في وقت واحد إلا شيئا واحدا كالسواد أو البياض، والنفس بطبيعتها تواقة إلى ~~المعرفة، بل هي تكذب الحواس، وتميز منها الصادق والكاذب، وهي وحدة يكون فيها العقل ~~والعاقل والمعقول شيئا واحدا، ويعرف الخير بأنه ما به يبلغ الكائن المريد غاية ~~وجوده، والناس مختلفون في الاستعداد للأخلاق؛ فمن الناس من هم أخيار بطبعهم، وهم ~~قليل، ولا يتقبلون الشر بحال. # ومن الناس من هم أشرار بطبعهم، وهم كثير، ولا يستطيعون أن يصدر عنهم الخير ألبتة، ~~وقوم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، مستعدون لأن ينتقلوا إلى الخير أو الشر بالتربية، ~~وله نظرة صوفية: أن الله هو الخير المطلق، والأخيار جميعا يسعون في الوصول إليه، ~~وهو ms348 يفرق بين الخير والسعادة، فالخير هو الذي يقصده الكل للشوق إليه، وهو الخير ~~العام للناس من حيث هم ناس، أما السعادة فهي خير ما لواحد ما، والإنسان يكون سعيدا ~~إذا تحققت مقتضيات طبيعته. # ويرى أن أساس الفضائل هي محبة الإنسان كافة، وبدون هذه المحبة لا تقوم جماعة قط، ~~والإنسان لا يبلغ كماله إلا مع أبناء جنسه، وبمعونتهم. # وهذه المحبة لا تظهر آثارها إلا في جماعة أو مدينة، فإذا كان الرجل معتزلا أو ~~راهبا ناسكا لا نستطيع أن نحكم على أعماله بالخير أو الشر، وهو في هذا يقول كما ~~قال إخوان الصفاء، وله كلام طويل في تحليل المحبة، وتقسيمها إلى صداقة، ومودة، ~~وعشق، ويبين أسبابها ودرجاتها، ومدة بقائها، وهي أنواع: أرقاها محبة العبد لخالقه، ~~ثم محبة الحكماء بعضهم لبعض، ثم محبة عامة الناس. وكان الكلام في المحبة شائعا في ~~هذا العصر، يتداوله الصوفية، والفلاسفة، والأدباء ، ويؤلف فيه أبو حيان «الصداقة ~~والصديق» إلى غير ذلك. # واجتهد في أن يوفق بين المذاهب اليونانية ~~المختلفة، ودين الإسلام، وهو من حين لآخر يعرج على النفس، ويزيدها إيضاحا، مما يدل ~~على تبحره في علم النفس، وله أحيانا كلام في الأخلاق يشبه كلام ابن المقفع؛ ولذلك ~~عني بكتاب «جاويدان خرد» الذي ترجم بعضه الحسن بن سهل، وترجم بعضه الآخر مسكويه، ~~مثل قوله: «إذا آنستك السلامة فاستوحش من العطب، وإذا فرحت للعافية فاحزن للبلاء؛ ~~وإذا بسطك الأمل فاقبض نفسك بقرب الأجل، الحيلة خير من الشدة، والتأني أفضل من ~~العجلة، والجهل في الحرب خير من العقل، والتفكير هناك في العاقبة مادة الجزع ... إلخ ~~إلخ». # وله مع أبي حيان كتاب «الهوامل والشوامل»، وهو عبارة عن أسئلة من أبي حيان، ~~وأجوبة من مسكويه، وهو إذا تعرض لمسألة خلقية أو نفسية أفاض فيها؛ وكان شيعيا ~~بحكم خدمته للوزراء والملوك الشيعيين؛ ولذلك نرى في ثنايا كلامه في الكتاب آثارا ~~شيعية، وإن كانت مختفية وراء المظاهر. ومما يدل على كثرة تجاربه الخاصة والعامة، أو ~~بعبارة أخرى الفردية والجماعية، أنه في الفردية ألف كتاب «تهذيب ms349 الأخلاق»، وفي ~~الجماعية ألف كتاب «تجارب الأمم» الذي سيأتي ذكره، وقد كان على ما يظهر رجلا ~~فاضلا نبيلا، خصوصا في آخر أيامه. وقد أثرت عنه وصية أوصى بها من يأتي بعده، تعد ~~من خير الوصايا، تدل على أنه كان حي الضمير، يحاسب نفسه، ويتمنى الخير والتهذيب لمن ~~يأتي بعده. جرى فيها على وصية قس بن ساعدة ولقمان، وغير ذلك مما أثر عن الحكماء، ~~ولا نطيل بذكرها؛ فهي مبثوثة في الكتب؛ وروي له شعر كان فيه متأثرا بمبادئه ~~الخلقية، وكتابته في الأخلاق، مثل: # لا يعجبنك حسن القصر تنزله # فضيلة الشمس ليست في منازلها # لو زيدت الشمس في أبراجها مائة # ما زاد ذلك شيئا في فضائلها # ويقول: # والناس في العين أشباه وبينهم # ما بين عامر بيت الله والخرب # في العود ما يقرن المسك الذكي به # طيبا، وفيه لقى ملقى مع الحطب # لا تطيلوا المال من حول ومن حيل # فربما جاء مطلوب بلا طلب # ويقول: # ولقد نفضت بهذه الدني # يدي وحسمت دائي # ماذا يغرني الزما # ن وقد قضيت به قضائي # ويعتب على أبي العباس الغني فيقول: # ما كان أغنى أبا العباس عن شره # إلى لحوم سباع كن في الأجم # إني وإن كنت لا أرضى الخنا لفمي # ولا أحط لقول فاحش هممي # لا يستريح إلي القول أحوجه # حر السكوت إلى الترويح بالنسم ~~... إلخ. # وعلى الجملة، فقد نقل الأخلاق نقلة جديرة بفلسفتها؛ وإن كان شاركه في ذلك العمل ~~غيره، مثل: محمد بن أبي بكر الرازي، وإخوان الصفا - لقد بدأ قبله الجاحظ في فلسفة ~~الأخلاق، كما فعل في رسالة «الحاسد والمحسود»، وكما فعل في تحليل نفس أحمد بن عبد ~~الوهاب، وكالذي نجده من حين إلى حين في بعض رسائله، وفي كتاب «الحيوان»، ولكن مزية ~~مسكويه أنه وضع للأخلاق نظاما شاملا، وفلسفة كلية، أما الجاحظ وأمثاله فنتف هنا، ~~ونتف هناك من غير تبويب، ولا ترتيب. # ولقد كان مسكويه - على ما يظهر - متدينا يحافظ على العقائد الإسلامية في أثناء ~~كتابته، ولا يقبل من الفلسفة اليونانية، والفلسفة الوثنية على ms350 العموم إلا ما يتفق ~~والإسلام. # والرازي هذا من الرجال المعدودين في قوة العقل، وكبر الأثر، ولد في الري، ويقول ~~الشهرزوري: «إنه اشتغل بالكيمياء حتى أثرت العقاقير المستعملة في عينيه، وذهب إلى ~~طبيب ليعالجهما، ففرض عليه خمسمائة دينار، فدفعها إليه، وأدرك ما في الطب من مكسب، ~~فقال: «هذا هو الكيمياء لا ما ذهبت إليه». # ثم اشتغل بالطب حتى تقدم على من سبقه من الأطباء، وبلغ الغاية في فحص البول، ~~ومرضى الجدري والحصبة، قالوا: إنه كان شيخا كبير الرأس، مسفط الوجه، وكان يجلس ~~للتعليم بعظمة، ودونه التلاميذ، وكان كريما متفضلا بارا بالفقراء، وكان يجري ~~عليهم الجرايات الواسعة، وقد ألف للمنصور كتابا في الطب الجسماني، ثم ألف على ~~نمطه كتابا في الطب الروحاني، ويعني بالطب الروحاني، الأخلاق، واعتمد الفرنج ~~كثيرا على كتابه في الطب المسمى ب «الحاوي»، وترجم له بالفرنسية رسالة في الحصوة ~~في المثانة والكليتين، وترجم له إلى الألمانية رسائل كثيرة، وله شعر عليه طابع ~~الفلسفة، كشعر أبي العلاء، وابن الشبل البغدادي، مثل قوله: # لعمري ما أدري وقد أذن البلا # بعاجل ترحالي إلى أين ترحالي # وأين محل الروح بعد خروجه # من الهيكل المنحل والجسد البالي # وكان يعتقد في النشوء، والارتقاء العلمي، وأنه أرقى من أرسطو وجالينوس، وسيخلفه ~~من يكون أرقى منه على مر الزمان. # وقد قالوا: إنه اعتقد بعض العقائد الشاذة من أستاذيه البلخي، وعلي بن رين، ~~وقالوا: إن الحلاج قد اعتقد بعض آراء فلسفية له، وقد نقده الفارابي، وابن الهيثم في ~~بعض آرائه، وقد ترجم له البيروني ترجمة وافية. # ويظهر أنه كان من العقليين الذين يؤمنون بالله، وينكرون النبوة، فقد رويت لنا ~~مناقشة حادة بينه وبين أبي حاتم الرازي، يستفاد منها إنكاره للنبوة، ورد أبي حاتم ~~عليه، ولذلك نرى أن مسكويه يدعم نظرياته في الأخلاق بالآيات القرآنية، والأحاديث ~~النبوية؛ على حين أن الرازي هذا يعتمد في كتابته في الأخلاق على العقل البحت، وربما ~~كان لهذا السبب بدأ مسكويه في كتابه «تهذيب الأخلاق» في بحث في النفس وقيمتها، ~~بينما بدأ الرازي في ms351 البحث في العقل وقيمته. # وإذ كانت أبحاثه عقلية محضة، وأبحاث المعتزلة عقلية دينية، فقد نقدهم كثيرا، كما ~~لم يرض عن إخوان الصفاء؛ لأنهم فلاسفة دينيون أيضا، وهو فيلسوف محض، وقد غذت ~~أقواله المتطرفة في النبوة، القرامطة من المسلمين، والملاحدة من النصارى، وقالوا: ~~إنه ألف كتاب اسمه «نقض النبوة» يذكر فيه أن النبوات أضرت الناس، في كسلهم، ~~وعاداتهم السيئة، وضيق عقولهم، وأنها هي السبب في العداوة بين الناس، وإثارة الحروب ~~بينهم. # ومن أجل ذلك كان المتدينون أعداء للفلسفة، وأن أمثال أفلاطون، وأرسطو، وإقليدس ~~أفادوا الإنسانية أكثر من الأنبياء إلخ إلخ. # والذي يهمنا هنا نظراته الخلقية، فقد أسس الأخلاق على العلم كمسكويه، وزاد عليه ~~أنه في كتابه - كما قلنا - عقلي لا نقلي. # ومن أحسن ما في كتابه بحث طويل عميق في اللذة والألم، وهو يرى أنهما أساس الفضائل ~~والرذائل، وقد سبق بمئات السنين في ذلك بنتام ، وجون استوارت مل في تأسيس مذهب ~~المنفعة على اللذة والألم. # فعندهما وعنده أن الفضيلة إنما عدت فضيلة لرجحان منافعها على مضارها، أو بعبارة ~~أخرى رجحان ما ينتج عنها من اللذائذ، على ما ينتج عنها من الآلام، والرذيلة بالعكس، ~~وفضيلة تفضل فضيلة لكثرة لذائذها، وعمل يفضل عملا، بما ينتج عنه من لذائذه. # وليست للفضيلة، ولا للرذيلة قيمة ذاتية، وعند الرازي أنه ليس هناك لذة إيجابية، ~~وإنما اللذة عدم الألم، فالجوع مثلا مؤلم، والأكل لذيذ؛ لأنه يضيع ألم الجوع، ~~وهكذا: إذا نحن حللنا كل لذة، وجدناها عبارة عن دفع ألم. # وله في العادات رأى لطيف أيضا، فيقول: «ينبغي أن يحتفظ بالعادات، ويجري مجازيها، ~~إلا أن تكون مفرطة في الرداءة، فإذا كانت كذلك، فلينتقل عنها قليلا قليلا بالتدرج ~~منها، وليحذر أن تجري العادة، وتتأكد بلزوم طعام أو شراب أو اجتنابهما، أو بنوم، أو ~~بحركة، فإنها إذا تأكدت هذا التأكد، عظم الضرر من الإخلال بها، وليعتد الإنسان أن ~~يمرن نفسه على لقاء الحر والبرد، والحركة والأغذية التي لا بد له منها، وتبديل ~~أوقات النوم واليقظة» إلخ إلخ. # وبعد أن ذكر ms352 مجمل الأخلاق ذكر تفاصيلها، عاقدا فصلا لكل فضيلة أو رذيلة، ~~فمثلا: فصل في قمع الهوى، وفي تعرف الرجل عيوب نفسه، وفي دفع العشق والإلف، وفي ~~دفع العجب والحسد والغضب، وفي إطراح الكذب، وفي إطراخ البخل، إلخ. ولعلمه بالجسم، ~~وتشريحه استطاع أن يشرح أثر الرذيلة في الجسم فيقول مثلا في قمع الهوى: «إن أول ~~فضل للناس على البهائم هو ملكة الإرادة، وإطلاق الفعل بعد الروية؛ وذلك أن البهائم ~~واقفة عند ما تدعوها إليه الطباع، وذلك أنك لا تجد بهيمة تمسك عن أن تتناول ما ~~تغتذي به مع حاجتها إليه، وفضل الإنسان في ذم الطبع، فمن أراد أن يزين نفسه، ويكمل ~~لها هذه القضية، فقد رام أمرا صعبا شديدا، ويحتاج أن يوطن نفسه على مجاهدة ~~الهوى، ومجادلته، ومخالفته. # والهوى والطباع يدعوان أبدا إلى اتباع اللذات الحاضرة، وإيثارها من غير فكر، ولا ~~روية في عاقبة؛ لأنهما لا يريان إلا حالتهما التي هما فيها لا غير» إلخ. # ويقول مثلا في تعرف الإنسان عيوب نفسه: «إن كل واحد منا لا يمكنه مع الهوى، ~~ومحبة نفسه أن ينظر بعين العقل الخالصة المحضة إلى خلائقه وسيرته، وينبغي أن يسند ~~الرجل أمره إلى رجل عاقل كثير اللزوم له، والكون معه، ويسأله ويضرع إليه، ويؤكد ~~عليه أن يخبره بكل ما يعرف فيه من المعايب، ويعلمه أن ذلك أحب الأشياء إليه، فإذا ~~أخذ الرجل المشرف يخبره، ولم يظهر له اغتماما، بل أظهر له سرورا بما يستمع، ~~وتشوقا إلى ما لم يستمع، وينبغي أن يستخير، ويتحسس ما يقوله فيه جيرانه، ومعاملوه، ~~وإخوانه، وبماذا يمدحونه، وبماذا يعيبونه». وقد كتب في هذا المعنى جاكينوس كتابا ~~عنوانه: أن الأخيار ينتفعون بأعدائهم، ويعيب العشق، والمبالغة فيه، فإن العقلاء إذا ~~رأوا آلام العشاق نفروا منه، وأنه لا يغرق فيه إلا الخنثون من الرجال، والرذلون، ~~والفرار، والمترفون، ولا سيما إن أكثروا النظر في قصص العشاق، ورواية الرفيق الغزل ~~من الشعر، وسماع الشجي من الغناء والألحان، واللذة التي يتصورها العشاق، وسائر من ~~كلف بشيء، وغرم به، كالعشاق للرياسة، ms353 والتملك، وهي أن ينالوا المطلوب مع عظم ذلك في ~~أنفسهم، ولو فكروا في وعورة هذا الطريق وخشونته، ومهاويه ومهالكه، لمر عليهم ما ~~حلا، وصغر عندهم ما يحتاجون في جنب مقاساته ومكافحته. # والعشاق يجاوزون البهائم في عدم ضبط النفس، وذم الهوى، وهم لا ينالون من ملاذهم ~~شيئا إلا بعد أن يمسهم الهم والجهل، ويأخذ منهم، وأما احتجاجهم بكثرة من عشق من ~~الأدباء والشعراء، فحجة واهية؛ لأن الشعر والفصاحة والأدب، ليست أشياء لا تكون إلا ~~مع كمال العقل والحكمة، بل قد تكون مع نقصهما، فالعشاق قد يكونون من أهل النفس في ~~عقولهم وحكمتهم، وأما قولهم: إن العشق يدعو إلى النظافة واللباقة، والهيئة والزينة، ~~فما يسمح بجمال الجسد، مع قبح النفس، وهل يحتاج إلى الجمال الجسماني، ويجتهد فيه ~~إلا النساء، وذوو الحنف من الرجال»، ويقول في الحسد: «إن الحسد يتولد من اجتماع ~~البخل والشره؛ والحاسد هو من اغتم من خير يناله غيره؛ من حيث لا مضرة عليه منه ~~ألبتة، ومن الغريب أنا نرى الرجل الغريب يملك أهل بلد ما، ولا يكادون يجدون في ~~أنفسهم كراهة لذلك، ثم يملكهم رجل من بلدهم، فلا يكاد أن يتخلص ولا واحد منهم من ~~كراهته، وقد كان الرجل المالك القريب لهم أرأف بهم، وأنظر إليهم من المالك الغريب. ~~وإنما يؤتى الناس في هذا الباب من فرط محبتهم لأنفسهم، فمن أجل حب الرجل لنفسه يجب ~~أن يكون سابقا لا مسبوقا، فإذا هو رأى من كان بالأمس معه سابقا له اليوم، مقدما ~~عليه، اغتم لذلك، واشتد عليه سبقه إياه، ولذلك يكثر التحاسد بين الأقرباء ~~والمعاشرين والمعارف». ويعقد فصلا للاتصال الجنسي يرى فيه أنه يضعف البصر، ويهد ~~البدن، ويقلقه، ويسرع بالشيخوخة والهرم، ويضر بالدماغ والأعصاب، ويسقط القوة ~~ويوهنها، «وهو كلام طبيب»، وله ضراوة شديدة كضراوة سائر الملاذ، بل أقوى وأشد منها، ~~والإقلال منها يحفظ على الجسد رطوبته، فتطول مدة النشوء والنماء، وتبطئ الشيخوخة ~~والجفاف، فينبغي للعاقل أن يذم نفسه عنها، ويمنعها منه، ويجاهدها على ذلك؛ لئلا ~~تغرى به، وتضرى عليه إلخ. ms354 # ويختم الكتاب بالكلام على فلسفة الموت، والخوف منه، فيقول: إن علاج الخوف منه، هي ~~أن تقنع النفس أنها تصير بعد الموت إلى ما أصلح لها مما كانت فيه؛ لأن الإنسان لا ~~يناله بعد الموت شيء من الأذى ألبتة؛ لأن الأذى حسي، والحس ليس إلا للحي، وهو في ~~حال حياته مغمور بالأذى، فالحالة التي لا أذى فيها أصلح من الحالة التي فيها الأذى، ~~فالموت إذا أصلح للإنسان من الحياة، فإن قيل: «إن الإنسان وإن كان يصيبه الأذى في ~~الحياة، فإنه يناله من اللذات ما ليس يناله في حال موته، فنقول له: إن الميت ليس ~~بضره ألا ينال اللذت؛ لأن الحي هو الذي يحتاج إلى اللذة، دون الميت»، وقد أطال في ~~ذلك. # وقد سقنا هذه الأمثلة لنبين منها منهجه في التأليف، وأسلوبه في التعبير، ومنحاه ~~في الإدلاء بالحجج. # وقد وضع رسالة سماها «السيرة الفلسفية»، رسم فيها المثل الأعلى لأخلاق ~~الفيلسوف. # وأما إخوان الصفاء فتكاد الأخلاق عندهم تشبه الأخلاق عند مسكويه، وعند الرازي، ~~وعندهم أن الأخلاق نوعان: أخلاق فردية، وأخلاق جماعية، فالأخلاق الفردية يقولون: ~~إنها تعرف بالعقل، فما أمرنا الله به فهو خير، وما نهانا عنه فهو شر، ويرون أن لبعض ~~الناس عقولا يعرفون بها الخير ويأتونه، والقبيح ويبعدون عنه، وهؤلاء هم الحكماء ~~والفلاسفة، أما غيرهم فقد يرى الخير ولا يفعله، والشر ويأتي به، وأرقى أنواع ~~الأخلاق عندهم فعل الخير للخير، لا من أجل أي نفع عاجل أو آجل، كما يقول الصوفية، ~~قالوا: أما الأخيار، فهم الذين يعملون ما رسم لهم في النواميس الإلهية، ويفعلون ما ~~أوجبته العقول السليمة، ولا يطلبون على ذلك عوضا، من جر منفعة إلى أجسادهم، أو دفع ~~مضرة عنها، فعند ذلك يقال لهم: أخيار على الإطلاق، وأنهم من أبناء الآخرة، ويقولون ~~في العادة: «يجب أن تعود نفسك عمل الخير؛ لأنه خير لا تريد بفعلك عوضا، ولا يحملك ~~على فعله خوف، فمتى فعلت لطلب المكافأة، لم يكن عملك خيرا، وكذلك إذا أردت من عمل ~~الخير، الذكر والاسم، كنت منافقا، والمنافق ms355 لا يستأهل أن يكون في جوار ~~الروحانيين». # ويقولون كما أشرنا قبل: «إن الفضيلة وسط بين الإفراط والتفريط، وإن الفضائل من ~~مواهب، هي من أخلاق الملائكة»، ويجعلون للإرادة والرياضة قسطا كبيرا في نيل ~~الفضائل، أما الأخلاق الاجتماعية، فعمادها البيئة، والمجتمع، وقد قالوا: إن من ~~البيئة الأجرام السماوية، فلها تأثير كبير في الإنسان وأعماله، وبعض هذه التأثيرات ~~خير أو شر، وقد قسموا الأقاليم إلى أقسام، وجعلوا كل إقليم له أثر في طباع الناس ~~وأخلاقهم، وخير الناس من كان إقليمه أعدل إقليم، والناس يحتفلون من يوم الولادة، ~~فأولاد ملوك، وأولاد تجار، وأولاد الفقراء والمساكين، وكل هؤلاء يتأثرون تأثرا ~~كبيرا بطبقتهم. # والناس محتاجون إلى التعاون، ولذلك شاع بين الناس: الإنسان مدني بالطبع، والإنسان ~~مشتق من الأنس، لا من النسيان، قالوا: إن الإنسان الواحد لا يقدر أن يعيش وحده، إلا ~~عيشا نكدا؛ لأنه محتاج إلى طيب العيش، مع إحكام صنائع شتى، ولا يمكن الإنسان ~~الواحد أن يبلغها كلها؛ لأن العمر قصير، والصنائع كثيرة، فمن أجل هذا، اجتمع في كل ~~مدينة، أو قرية أناس كثيرون لمعاونة بعضهم بعضا، وقد أوجبت الحكمة الإلهية، ~~والعناية الربانية، أن يشتغل جماعة منهم بإحكام الصناعات، وجماعة في التجارب، ~~وجماعة في تدبير السياسات إلخ. # ومما يؤثر في الأخلاق الاجتماعية الدولة، وقد ذكرنا قبل رأيهم في الدولة، وأن لكل ~~دولة عمرا محدودا، وأنها تنهار في آخر أيامها، وتؤثر في أهلها أثرا سيئا، وأنهم ~~يؤملون قيام دولة رؤساؤها أهل خير، حتى ينصلح الشعب بهم، ويرون أن الدين والدولة لا ~~يفترقان، والناس محتاجون في صلاح أمرهم إلى ملك، ولا بد لهم من سلطان يملكهم ~~ويرأسهم، ويحكم بينهم فيما يختلفون فيه ويتنازعون، ويمنع الظالم القوي من التعدي ~~على الضعيف المظلوم، وتأمن من خوفه السبل. # 1 # وقد يكون الملك نفسه جائرا، ومع ذلك فلا مندوحة عن قبول حكمه، ولكن عمره يكون ~~عادة قصيرا؛ لأن الله قاصم كل جبار عنيد، ومهلك كل مارد معتد، وهو ينصف المظلوم من ~~الظالم # 2 # والسياسات أنواع؛ سياسة خاصة، وهي معرفة كل إنسان ms356 كيفية تدبير منزله، ~~أو أمر معيشته إلخ، وسياسة ذاتية، وهي معرفة كل إنسان نفسه وأخلاقه، وتفقد أفعاله ~~وأقاويله في حال شهوته وغضبه ورضاه، والنظر في جميع أموره، ثم تنقسم إلى قسمين: ~~سياسة جسمانية، وهي تدبير الجسم، وحفظ العافية عليه، وسياسة نفسانية، وهي السياسة ~~التي يحتاج إليها في معاشرة الناس، ومراقبة نفسه إلخ إلخ. # فترى من هذا أنهم نقلوا الأخلاق أيضا إلى علم ذي أبواب وفصول، ونراهم في الحقيقة ~~أيضا قد مزجوا بين العقل والدين، وبين الأخلاق، والنفس، والاجتماع، والاقتصاد، ~~شأنهم في ذلك شأن أهل القرون الوسطى جميعا، وكانت كلها فروعا من فروع الفلسفة، ~~حتى الطب كان أحد فروعها، ثم أخذت العلوم تنفصل عن الفلسفة، فعلم خاص بالنفس، وعلم ~~خاص بالاجتماع، وعلم خاص بالأخلاق. # وعلى الجملة، كان لمسكويه، والرازي، وإخوان الصفاء فضل في نقل الأخلاق من نصائح ~~أدبية إلى علم بأصول، كما فعل الفرنج اليوم، ولكن الفروق بين هؤلاء الثلاثة فروق ~~دقيقة، لا نري فيها مذاهب، كالذي نراه اليوم بين مذهب المنفعة، ومذهب اللقانة، ~~ومذهب النشوء والارتقاء إلخ. فقد كان مصدرهم كله الفلسفة اليونانية، غاية الأمر أن ~~منهم من مزجها بالدين كإخوان الصفاء ومسكويه، ومنهم من حكم فيها العقل فقط غير ~~ناظر إلى الدين كالرازي. # وعلى الجملة، فهناك منحيان للأخلاق: أحدهما الجمل الخلقية، والأمثال والقصص، كقصص ~~كليلة ودمنة، وقد مهر في هذا النوع الأحنف بن قيس، والحسن البصري، وابن المقفع، ~~وغيرهم، ونوع أسس على العلم خصوصا بعد نقل الفلسفة اليونانية، ك «تهذيب الأخلاق» ~~لمسكويه، وقد شاهدت في حياتي هذين النوعين، فكان يدرس لنا الأخلاق أستاذ من دار ~~العلوم يدرس لنا «أدب الدنيا والدين»، وهو على نمط الحكم والأمثال، ثم درس لنا ~~أستاذ متشبع بالثقافة الإنجليزية، فدرس لنا كتاب الأخلاق لماكنزي، وهو يعرض ~~النظريات المختلفة في الأخلاق وأسسها، ثم يبني عليها دراسة الفضائل مفصلة، ودرس لنا ~~أيضا كتاب «مذهب المنفعة» لجون استوارت مل، ومذهب «النشوء والارتقاء» لسبنسر، ونحو ~~ذلك، فهذان المنحيان ظلا يعملان في العصور المختلفة، وربما كان الغزالي جامعا بين ~~المذهبين ms357 في كتابه «الإحياء»، فهو يبدأ الكلام في كل فضيلة أو رذيلة بالآيات ~~والأحاديث، وما روي عن كبار الصحابة والتابعين، ثم يتبع ذلك بالتحليل النفسي ~~للفضائل والرذائل. # وقد جمع بين المذهبين، كما حاول الجمع بين الفقه والتصوف، وبين الفلسفة والدين، ~~وكثير من الأخلاق من النوع الأول عبرت عنه أشعار، كما فعل المتنبي وأبو نواس في ~~حكمهما، وسايرهما من جاء بعدهما. # ومن الملاحظ أن المنحى الأول يسير إلى المنحى الثاني، ومن ظواهر المنحى الأول ~~اعتماده على الدين كثيرا، وعلى الحكم الدينية، وأما المنحى الثاني فيميل إلى ~~الاعتماد على العقل كثيرا، ولكل فضل؛ فالمنحى الأول يستقبل من الجماهير استقبالا ~~حسنا لاعتماده على الدين ... والدين في أعماق كل نفس تقريبا، والمنحى الثاني يستقبل ~~استقبالا حسنا من الفلاسفة وأمثالهم؛ لأنهم يميلون إلى استناد كل شيء على المبرر ~~العقلي ... # | هوامش # الفصل السابع # | في العلوم # ونعني بالعلوم ما يسمى عند الفرنج # SCIENCES # كالرياضيات، والطبيعيات ، والكيمياء، ونحوها، وقد عنيت طائفة بها، وتقدمت تقدما ~~كبيرا في هذا القرن الرابع، وتفاخر الملوك والأمراء بها، وزينوا أقطارهم بها، ~~فجبريل بن بختيشوع في العراق، وابن الهيثم في العراق ومصر، وعلي بن رضوان في مصر، ~~وابن البيطار النباتي وغيرهم، وألفوا في ذلك الكتب الكثيرة للأمراء، كما فعل الرازي ~~في كتابه «المنصوري» باسم المنصور بن إسحاق، و«التاجي»، وكما فعل سعيد بن هبة الله ~~الذي ألف كتابه «المغني في الطب» للمقتدي بأمر الله، ونقرأ كتاب «الفهرست» لابن ~~النديم، و«كشف الظنون»، فترى فيهما مئات الكتب في العلوم. وكانت الرقعة الإسلامية ~~مجالا للعلماء من كل جنس ودين، من نصارى ويهود ووثنيين، وكان بعض الأطباء مثلا ~~ذوي اختصاص كالكحالين، والجراحين، والفاصدين، ومن يعالج النساء، إلخ، حتى كان بعضهم ~~من النساء، وكانوا كاليوم يعنون بفحص البول، وجس النبض، والاستدلال منهما على نوع ~~المرض، واستفاد الأطباء المسلمون من اليونان، والفرس، والهنود، والكلدان، واخترع ~~بعضهم ما خالف به أطباء اليونان كمعالجتهم الفالج والاسترخاء بالأدوية الباردة بدل ~~ما كان يستعمل عند اليونان من الأدوية الحارة، واستخدم أطباء المسلمين المرقد ~~«البنج» في الطب، ms358 وتوسعوا في الكي، واستعملوا صب الماء البارد في أحوال النزيف، ~~وكانوا أول من نظم الصيدلة، وتوسع فيها، واستجلبوا العقاقير من مختلف البلاد، ~~وأنشئوا الحوانيت لها، وكان اشتغالهم بتحويل المعادن إلى ذهب سببا في وقوفهم على ~~كثير من المواد الكيماوية، فاستحضروا ماء الفضة المسمى «حامض النتريك»، وزيت الزاج، ~~المسمى «حامض الكبريتيك»، واكتشفوا البوتاسا، وروح النوشادر وملحه، وحجر جهم المسمى ~~«نترات الفضة»، والسليماني المسمى «كلوريد الزئبق»، وغير ذلك من المركبات والعناصر، ~~واكتشفوا مادة إذا طلي بها الخشب لم يحترق، وعرفوا الترشيح، والتقطير، والتصعيد، ~~والبلورة، والتذويب، واستخدم مثلا ابن الهيثم علمه بالكيمياء، والطبيعة في ~~المخترعات الميكانيكية، واشتغلوا بعلم الفلك، وبدءوا فيه بالتنجيم، ثم قلبوه إلى ~~علم، فصنع الخوارزمي مثلا زيجا جمع فيه بين مذاهب الهند والفرس والروم، وزاد في ~~ذلك أبوابا. وجاء البتاني فصنع زيجا آخر، عرف بالزيج الصابي، وجاء بعد ذلك في ~~القرن الرابع والخامس أبو الوفاء البوزجاني والبيروني، فاخترعا كثيرا من الآلات ~~الفلكية، استخدموها في المراصد، وفي مصر أنشئ مرصد على جبل المقطم عرف بالمرصد ~~الحاكمي؛ نسبة إلى الحاكم بأمر الله. # واشتغلوا بالحساب، والجبر، والهندسة، بعدما نقلوا عن اليونانية بعض كتبها، ~~واشتهرت كتب الخوارزمي في الجبر والمقابلة، حتى يظن بعضهم كلمة «اللوغارتم» محرفة ~~عن الخوارزمي، وألف أبو حنيفة الدينوري كتابا عظيما في النباتات، وصفها وصفا ~~دقيقا - ولكن والحق يقال - كان اشتغالهم بالعلوم أقل من اشتغالهم بالآداب، كما ~~سنفصل ذلك في الخاتمة - إن شاء الله. # فأما ابن الهيثم فهو نموذج للعالم الإسلامي في القرون الوسطى، كما أنه نموذج لما ~~زاد فلاسفة المسلمين على اليونانيين، وهو الحسن أبو علي بن الحسن بن الهيثم، ولد ~~حوالي سنة 354ه، وكان أول أمره بالبصرة، وعني بتحصيل العلم والفلسفة في عصره من ~~هندسة، ومخروطات، وجبر، وحساب مثلثات، وأرتماطيقا، وما يتصل بها من نظريات هندسية، ~~وميكانيكا، ومراكز الأثقال، ورفع الأثقال، وأخذ يدرس كل ما وقعت عليه يداه من كتب ~~متقدمة، ولم يكتف بقراءة الكتب الفلسفية، بل عني بتلخيصها، والتصنيف فيها، ويقول: ~~«أنا ما مدت لي الحياة باذلا جهدي، ms359 فمستفرغا قوتي، إلا متوخيا أمورا ثلاثة: ~~إفادة من يطلب الحق، ويؤثره في حياتي، وبعد مماتي، والارتياض بهذه الأمور، وجعله ~~ذخيرة وعدة لزمان الشيخوخة، وأوان الهرم». وقد ألف في هذه المواضيع العلمية عشرات ~~من الكتب، بلغ ما يتعلق منها بموضوعات الفلسفة، والعلم الطبيعي ثلاثة وأربعين ~~كتابا، وما يتعلق منها بالرياضة والعلم التعليمي خمسة وعشرين، أورد أسماءها ابن ~~أبي أصيبعة في كتابه «طبقات الأطباء». # ولم يكتف بالتلخيص، بل تحرر من التقيد بآراء السابقين، فأدلى بآرائه الشخصية، ~~فألف مثلا كتابا في الرد على يحيى النحوي، واستقل أيضا في الرياضة، وزاد في ~~برهانها وتصحيحها، ورد الخطأ فيها، واستخدم علمه في أمور إسلامية في كتابه «في سمت ~~القبلة». # وأهم ما امتاز به معرفة نظريات الرياضة، ومن أهم مميزاته تطبيق علمه الرياضي ~~والهندسي على العمل، فيروي ابن القفطي أن الحاكم بأمر الله الفاطمي بلغه نبأ ابن ~~الهيثم، وعلو مقامه في العلم التعليمي ، وما يقوله ابن الهيثم من أنه لو كان بمصر ~~لعمل في نيلها عملا يحصل به النفع في كل حالة من حالاته، فقد بلغني أنه ينحدر من ~~موضع عال، وهو في طرف الإقليم المصري، فاستدعاه الحاكم، وأرسل إليه أموالا وهدايا. ~~وخرج الحاكم نفسه لاستقباله خارج مدينة القاهرة، وأكرم وفادته، وأمر بإكرام مثواه، ~~فلما استراح طالبه بما قال في أمر النيل، وأرسله إلى أعلى النيل مع جماعة من ~~الصناع، فلما وصل إلى الشلال، لم يجده، كما بلغه من قبل، موضعا عاليا ينحدر منه ~~الماء، ولم يجد الأمر متفقا وفكرته التي خطرت له، فعاد إلى القاهرة وهو في أشد ~~حالات الخجل والانخذال، واعتذر إلى الحاكم، فقبل الحاكم عذره، وولاه منصبا من ~~مناصب الدولة، فتولاه وهو كاره له؛ لأنه لم يكن يحب المناصب، ثم ادعى الجنون، حتى ~~مات الحاكم، وتوفي بالقاهرة في أواخر سنة ثلاثين وأربعمائة، واستفاد الناس منه ~~كثيرا، وكان - رحمه الله - متين الخلق، جميل ~~التواضع، مع علمه وفضله، يقول ابن أبي أصيبعة: «إنه كان فاضل النفس، وافر التزهد، ~~محبا للخير». # 1 # وابن الهيثم يبحث في مسائل ms360 قد نظن أنها لم تبحث في عصره، مثل وصوله إلى نتائج ~~باهرة في علم الضوء، وامتداد الضوء على السماوات المستقيمة، وفي الأضواء العرضية ~~والمنعكسة، وامتزاج الألوان، وانعكاس الضوء وانعطافه إلخ. # وأما البوزجاني فقد اشتهر بالرياضة، وله فضل في تقدم العلوم الرياضية، وهو محمد ~~بن محمد بن يحيى بن إسماعيل، ولد في بوزجان سنة 328ه، وانتقل إلى بغداد في سن ~~العشرين، وتوفي سنة 376ه، وقد اشتهر كثيرا في علمي الفلك والرياضيات، وله فيها ~~مؤلفات، يقول بعض الإفرنج: «إن له في الهندسة استخراجات غريبة، لم يسبق إليها، وله ~~كذلك مبتكرات في الأوتار». وكتب في الجبر، وزاد على بحوث الخوارزمي، وكتب في ~~العلاقة بين الهندسة والجبر، وله بحوث قيمة في المثلثات، وأدخل تجديدات على القطاع، ~~وعلى يده تقدمت نظريات المثلثات. # ويظهر لي أنه هو الذي أورده أبو حيان التوحيدي في كتابه «الإمتاع والمؤانسة»، وأن ~~أبا الوفاء طلب منه أن يؤلف له كتابا يذكر له فيه ما دار بينه وبين ابن سعدون من ~~أحاديث وسمر؛ فألفه له. # واشتهر في أوائل القرن الرابع أيضا الخازن، وهو محمد بن حسن أبو جعفر. ويقولون: ~~إنه أول من حول المعادلات التكعيبية بواسطة قطوع المخروط، وله بحوث كثيرة في ~~المثلثات. # واشتهر في هذا العصر أبو عبد الله البتاني في الفلك والرياضيات، وكان من أقدر ~~علماء الرصد، ولد في بتان من ناحية حران سنة 240ه، وتوفي سنة 317ه، وكان له باع ~~طويل في الهندسة، وهيئة الأفلاك، وحساب النجوم، وله مؤلفات عدة أهمها زيجه المسمى ~~«زيج الصابي»، وهو أصح الأزياج، وقد ترجم إلى اللاتينية، وطبع بروما سنة 1799م، ~~وفيه بعض صور قيمة. # 2 # وأما الخازن، فقد غمر، ولم يعرف كثيرا؛ لأنه اختلط اسمه بابن الهيثم لقرب ~~التشابه بين اسميهما بالحروف اللاتينية، فاسم الأول: الهازم، واسم الثاني: ~~الكازن. # واشتهر أيضا في العلم أمية بن أبي الصلت، كما اشتهر بالشعر، وقد حكى عنه ابن أبي ~~أصيبعة في «طبقات الأطباء» شيئا كنا نظنه من أفكار العصر الحديث، وهي فكرة رفع ~~المراكب الغارقة من قعر ms361 البحار، فقد حكى عنه أن مركبا مملوءا بالنحاس غرق قريبا ~~من الإسكندرية، فعزم أبو الصلت على رفعه، فاجتمع بالأفضل أمير الجيوش - ملك ~~الإسكندرية - وباحثه بما جال في خاطره، وطلب منه أن يهيئ له ما أراد، فأحضر الأفضل ~~لأبي الصلت الآلات اللازمة، ولما تهيأت وضعها في مركب عظيم، هي موازاة المركب الذي ~~غرق، وأرسى إليه حبالا مبرومة من الإبريسم؛ إذ لم تكن الحبال القوية المصنوعة من ~~الأسلاك المعدنية معروفة، فأمر قوما لهم خبرة في البحر أن يغوصوا، ويوثقوا ربط ~~الحبال بالمركب الغارق، وكان قد صنع آلات بأشكال هندسية؛ لرفع الأثقال في المركب ~~الذي هم فيه، وأمر الجماعة بما يفعلونه في تلك الآلات، ولم يزل شأنهم ذلك، والحبال ~~ترتفع إليهم أولا فأولا، وتنطوي على دواليب بين أيديهم، حتى بان لهم المركب ~~الذي كان قد غرق، وارتفع إلى قريب من سطح الماء، ثم عند ذلك انقطعت الحبال، وهبط ~~راجعا إلى قعر البحر، ولقد تلطف أبو الصلت جدا فيما صنعه، وفي التحيل لرفع ~~المركب، إلا أن القدر لم يساعده، وحنق عليه الملك لما غرقه من الآلات، وأمر بحبسه، ~~وبقي في الاعتقال إلى أن شفع فيه بعض الأعيان، فأطلق، وكان إلى علمه شاعرا رقيقا، ~~شعر في الهيئة التي مهر فيها. # كذلك اشتهر في الرياضيات عمر الخيام الأديب المعروف، وقد انعزل عن الناس، ~~وانعكف على البحث بالدراسة، وألف في الجبر والفلك، واستعمل كثيرا من المعادلات ~~التي لم تكن معروفة من قبل، وربط بين الجبر والهندسة، وقسم المعادلات إلى أقسام ~~متنوعة، وحصرها. # ووجد في كتب الخيام قانون لحل المعادلة ذات الدرجة الثانية، وله براعة أيضا في ~~الفلك، حتى إن السلطان ملك شاه دعاه لمساعدته في تعديل التقويم السنوي. # ومما ساعد العرب على التوسع في العلوم أنهم حينما فتحوا بلاد فارس والشام، رأوا ~~فيها خزائن من العلوم اليونانية، قد نقلت إلى اللغة السريانية، فنقلوها إلى اللغة ~~العربية، وخاصة ما لم يكن نقل من قبل، ثم أخذوا يدرسونها، وساروا بها إلى الأمام، ~~بل لم يكتفوا بالنقل عن السريانية، فتعلم ms362 بعضهم اللغة اليونانية، والدليل على ذلك ~~المعاجم للغة اليونانية والعربية. # وكانوا في كل مدينة كبيرة يحلونها ينشئون فيها المكتبات والمختبرات والآلات، ~~وزادوا على العلوم اليونانية تجاربهم الشخصية من استخراج المجهول من المعلوم، ~~والعلل من المعلول، وعدم التسليم لما لا يثبت من غير تجربة، كما نجد ذلك من قديم في ~~كتاب «الحيوان» للجاحظ، فهو يخطئ أرسطو في مسائل كثيرة، وربما فضل عليه عربيا ~~بدويا. # وعرف العرب تركيب النار اليونانية واستخدموها، وقذفوا بها في شتى الطرق، وألقوا ~~بها الرعب في قلوب الصليبيين، وربما كانوا هم مخترعي البارود، كما قال ذلك كثير من ~~المستشرقين. # فقد ذكر بعض المؤرخين أن أول معركة استعمل فيها البارود كانت على يد الأمير يعقوب ~~حين حاصر مدينة المهدية سنة 1205م. قالوا: «فضرب أسوارها بمختلف الآلات والقنابل، ~~وضربها بآلات لم يرها الناس من قبل، فكانت كل واحدة منها ترمي قذائف كبيرة من ~~الحجارة، وقنابل من الحديد، وتسقط في وسط المدينة»، وقد روي أن بعض الإنجليز شاهد ~~ذلك، فنقل هذا الاختراع إلى بلادهم فورا. # هذا إلى كتب العرب الكثيرة في النباتات، وفي المعادن، واستخدموا النباتات في ~~الطب، وزرعوا النباتات الطبية، وترجمت اكثر كتب الرازي إلى اللغة اللاتينية، وكانت ~~كتبه مع كتب ابن سينا أساسا للتدريس في الجامعات الأوروبية، واشتهر أبو القاسم ~~القرطبي بالجراحة، ووصف عملية سحق الحصاة في المثانة وإخراجها. # وأنشأ العرب في ذلك العصر وقبله كثيرا من المارستانات، واكتشف الأطباء كثيرا من ~~النباتات التي في بلادهم لم يكن يعرفها اليونان، وعرفوا الكاويات والفتائل، والبنج ~~الذي سموه «المرقد»، وقالوا: «إن هناك عمليات جراحية، تحتاج لتنويم المريض؛ حتى ~~يفقد وعيه وحواسه». # وعلى الجملة، فقد مهر العرب في العلوم من حساب وجبر وهندسة، وفلك، وميكانيكا، ~~وأخذوا علوم اليونان والهنود، ودلتهم تجربة حياتهم الخاصة على اكتشاف أشياء لم تكن ~~معروفة عند اليونان، وقد اعترف كثير من المستشرقين العدول بابتكاراتهم أشياء كثيرة، ~~لم يعرفها اليونان ولا الهنود؛ أما الذين غمطوهم حقهم فقد حملهم على ذلك تعصبهم ~~ضدهم. # ثم أصاب العلماء من بعد، ما أصاب ms363 الأدب، فلم ينبغ بعد هذا القرن إلا القليل ~~النادر، مثل: الطوسي الذي مهر في الفلك، وشهر بالرصد، وإدخاله بعض الأعمال الهندسية ~~التي لم تعرف من قبله، وأوضح الطوسي كثيرا من النظريات الفلكية، وأصلح كتاب ~~المجسطي، وحرره، وكتاب «الأكر»، ومثل ابن الهائم الذي اشتهر بالرياضيات، وشاع اسمه ~~في مصر والشام، وألف في الجبر، وفي ضرب أعداد خاصة في أعداد أخرى، من غير إجراء ~~عمليات الضرب، كقوله: «إن كل عدد يضرب في خمسة عشر أو مائة وخمسين، أو ألف ~~وخمسمائة، يضاف عليه مثل نصفه، ويضرب حاصل الجمع في عشرة في الأول، ومائة في ~~الثاني، وألف في الثالث». وقد بعثهم على المهارة في الرياضة حل مسائل معقدة في ~~الميراث، ومهارتهم في الفلك حاجة الامراء إلى الرصد، عدا ما يجد الرياضي والفلكي من ~~اللذة الذاتية، فالقول بأن العرب لم يخرجوا عما رسمه لهم اليونان والهنود والفرس ~~قول جائر، والله لم يعقم العقل العربي، ولم يقصر الإنتاج على العقل اليوناني أو ~~الهندي؛ بل جعل الأمر مشتركا كخيرات البلاد، وجمال أهلها، وحسن مقدرتها. # غاية الأمر، أن الخلف لم يحسن استخدام ما تركه السلف؛ إنما أحسنه الغربيون فكانوا ~~ينقبون عن كتب العرب، ويترجمها من أتقن العربية، ويبنون عليها كما اعترف بذلك ~~كثير ممن استفاد منهم، ولما جاءت النهضة الحديثة، اقتبسنا منها على أنها من صنع ~~الأوروبيين، وأن آباءنا لا دخل لهم فيها، وهكذا الشأن في كل نوع من الثقافة. # | هوامش # الفصل الثامن # | التاريخ والجغرافيا # التاريخ # من قديم والعرب تعنى بالتاريخ، لا تاريخها وحدها؛ بل بتاريخ الأمم قبلها، ~~فيحدثوننا أنهم كانوا يقرءون أخبار الفرس، وبعد مجيء الإسلام شجع ما في ~~القرآن من قصص على تتبع ما في القرآن من قصص الأنبياء، كآدم ونوح - عليهما ~~السلام - كما أن القرآن روى أحاديث كثيرة تاريخية، كقصة حرب الفرس مع الروم، ~~فاشتاقت نفوسهم للتوسع في فهم هذه الآيات، وقد اتجهوا في التاريخ إلى جمع ~~الأخبار، فحققوا الأماكن والأحوال التي كتبت بها الآيات، أو قيلت فيها ~~الأحاديث، وحملتهم أيضا مسألة ضرب الخراج على ms364 البلاد، واختلاف المؤرخين في ~~شأنها: هل فتحت عنوة أو صلحا، كما فعل البلاذري المتوفى سنة 279ه، وعني ~~الخلفاء برواية تواريخ الملوك في الأمم المختلفة، وعدوا قراءتها عظة، واكتساب ~~تجربة، وشاع بين الناس «علم الملوك والنسب والخبر، وعلم أصحاب الحروب، وكتب ~~الأيام والسير، وعلم الكتاب والحساب»؛ وإذ كانوا يرون أن التاريخ يفيد الفطنة، ~~وحسن التجربة، حكى صاحب كتاب «تجارب الأمم» أن الخليفة المكتفي طلب من وزيره ~~كتبا يلهو بها، ويقطع بمطالعتها زمانه، فتقدم الوزير إلى النواب بتحصيل ذلك، ~~وعرضه عليه، قبل حمله إلى الخليفة، فجاءوه ببعض الكتب، وفيها شيء مما جرى في ~~الأيام السالفة من وقائع الملوك، وأخبار الوزراء، ومعرفة التحيل في استخراج ~~الأموال، فلما رآها الوزير غضب، وقال: لنوابه: «والله إنكم أشد الناس عداوة لي، ~~أنا قلت لكم: حصلوا له كتبا يلهو بها، ويشتغل بها عني وعن غيري، فقد حصلتم له ~~ما يعرفه مصارع الوزراء، ويوجد له الطريق إلى استخراج الأموال، ويعرفه خراب ~~البلاد من عمارتها. ردوها، وحصلوا له كتبا فيها حكايات تلهيه، وأشعار ~~تطربه». # ولا تخلو كتب التاريخ من تملق للخلفاء المعاصرين، ففي الدولة العباسية تملق ~~المؤرخون للعباسيين، وبالغوا في عظمة عبد الله بن عباس وهكذا، روى أبو إسحاق ~~الصابي «أن عضد الدولة بن بويه أمره أن يؤلف له كتابا في أخبار الدولة ~~الديلمية، فألف له تاريخا سماه «التاجي»، فاتفق وهو يؤلفه أن دخل عليه صديق ~~له، فسأله عما يعمله، فقال: أباطيل أنمقها، وأكاذيب ألفقها». # وإذا كان المؤرخ ذا مذهب ديني معروف ظهر ذلك في تاريخه، كما فعل صاحب الفخري ~~في كتابه، إذ كان شيعيا، وإذا كان سنيا تحامل على الشيعة، والعكس؛ اللهم ~~إلا القليل النادر الذي يحكمه الدين والضمير، كالبلاذري والطبري. # ثم كثير من هؤلاء المؤرخين يؤخذ عليهم عدم تحرجهم من الألفاظ البذيئة، ~~والأقوال الجارحة إلا القليل منهم كابن خلكان. # وفي هذا العصر تقدم التاريخ، وأصبح له منهج مرسوم بعد أن كان خبرا هنا ~~وخبرا هناك، والمؤرخون في هذا العصر كثيرون، نكتفي منهم بثلاثة عظام: محمد بن ~~جرير ms365 الطبري، والمسعودي، ومسكويه، وكلهم كتبوا حسب السنين، لا حسب الموضوع، ~~فإذا حدثت جملة حوادث مختلفة في أماكن مختلفة، كان الذي يجمع بينها سنة ~~حدوثها، لا موضوعها، وهو من غير شك نظر بدائي، مرت به الأمم المختلفة من شرقية ~~وغربية. # فأما ابن جرير، فقد مضت ترجمته كمفسر، ونتعرض له الآن كمؤرخ، ولد في آمل، ~~إحدى قرى طبرستان، وبدأ دراسته مبكرا، حتى قالوا: إنه حفظ القرآن وهو ابن سبع، ~~ثم بعد أن تعلم على أبيه رحل إلى الري، ثم إلى بغداد. # وكان ينوي الأخذ عن أحمد بن حنبل، لولا أن ابن حنبل مات قبل وصوله إلى بغداد، ~~وعزم على السفر إلى مصر، ولكن عرج في طريقه على إحدى بلاد الشام، ودرس بها ~~الحديث، ثم سافر بعد ذلك إلى مصر، ثم رجع إلى بغداد. # والحق إنه كان مثقفا ثقافة واسعة وعميقة، هو في التفسير حجة، وفي التاريخ ~~حجة، وفي الفقه حجة، وهو مع علمه الواسع قوي الخلق، لا يحيد عن قول ما يعتقده ~~حقا، ولو رجم بالحجارة، ولو تألب الناس عليه جميعا. # والإنسان يعجب من برنامج تفسيره الذي يبلغ ثلاثين جزءا، وتاريخه الذي يبلغ ~~ثلاثة عشر جزءا: كيف وجد الزمن، وكيف استطاع التأليف، ولكن يفسر ذلك حبه ~~الأصيل للعلم، وعزوفه عن الدنيا ومباهجها، وهو يرفض وظيفة تعرض عليه، ومالا ~~يقدم له، وحتى الشعر كان فيه أدبيا كبيرا، وكان - كما قالوا - نحويا ~~صرفيا رياضيا، دارسا للطب. # ولم يقبل عقله الواسع أن يتبع مذهبا معينا، فاجتهد أن يكون له مذهب خاص، ~~ولو عادى فقهاء المذاهب الأخرى، وخصوصا الحنابلة. # جمع الطبري مواده من الأحاديث، وأقوال من قبله من المؤرخين، مع التحري الشديد ~~لصدق ما يجمع، وقد مكنته فارسيته الأصلية من أن يطلع اطلاعا واسعا على أخبار ~~الأمم. # نعم، إن كثيرا من تاريخ الأمم القديمة ليس إلا خرافات وأوهاما، ولكن عذره ~~في ذلك أن هذا هو ما كان معدودا في وقته، وليس له من الوثائق ما يستطيع أن ~~يذكر به التاريخ الصحيح، وقد وصل إلينا كتابه «تاريخ ms366 الرسل والملوك»، فقد ~~قالوا: إنه كان طويلا، ولكنه رأى الناس لا يصبرون على قراءته، فاختصره في هذا ~~الذي بين أيدينا، وقد وصله إلى آخر حياته سنة 310ه، وهو أحسن ما يكون إذا ~~تعرض لتاريخ الفرس، وتاريخ الإسلام؛ لأن المواد عنده غزيرة، ثم أكمله بعض ~~تلاميذه. # والطبري يروي عن الحادثة الواحدة آراء كثيرة فيها، متأثرا بمنهجه التفسيري، ~~فهو في كل آية ينقل آراء الصحابة والتابعين فيها، ولكنه كان ذا رأي ناضج، فهو ~~يستطيع أن يرجح بعض الآراء على بعض، وقد عني الناس بتاريخه كثيرا، حتى ليكاد ~~يكون عماد كل مؤرخ بعده، ودليل العناية به أنه ترجم من قديم إلى اللغة ~~الفارسية، ووضع له ذيول مختلفة. وله كتاب آخر في تاريخ الرجال الذين ورد ذكرهم ~~في أحاديثه، وكما اعتمد على كتب من قبله، اعتمد أيضا على الأحاديث الشفوية من ~~الناس الذين يوثق بهم كأبي محنف، وعمر بن شبة، وسيف بن عمر، وابن طيفور، ~~وغيرهم. ويظهر أنه بعد جمعه هذه الوثائق والأخبار رتبها وألفها، وكتابه هذا ~~مع أنه تاريخي في أصله، فالقارئ له يقف على ثروة كبيرة في الأدب؛ لأنه في ~~حكايته للروايات المختلفة يقصها في لغة رصينة، بليغة، غاية في القوة. # وهو جريء في قول الحق، يتعرض لذكر أشياء قد لايرضى عنها العباسيون أنفسهم، ~~وهم الخلفاء ذوو السلطة، وإن أخذنا عليه شيئا فهو أنه يكثر من ذكر الحروب، ~~والوقائع الحربية، وسير الخلفاء، ولا يعرض إلا لماما لذكر الأحاديث ~~الاجتماعية، والمسائل الاقتصادية. # وقد طمح كثير قبله إلى كتاب في التاريخ العام، ولكن ذلك لم يتسن لأحد غير ~~الطبري، فقد ألف بعضهم كتبا في التاريخ الخاص، كما فعل وهب بن منبه في تاريخ ~~اليمن، وكما فعل حمزة الأصفهاني في تاريخ الفرس، وكما فعل بعضهم في تاريخ ~~السيرة النبوية، وكما فعلوا في تاريخ قبائل العرب فيما سموه «الأيام». # أما التأليف في التاريخ العام، فلم يقدر أحد عليه، وجرد الطبري نفسه ~~لذلك، فنظر إلى التاريخ نظرة عامة منذ الخليقة إلى آخر حياته، وقد ساعده على ~~ذلك ms367 ما كتبه محمد بن إسحاق؛ فكان واسع العلم بالسيرة، وبالمغازي، واعتمد في ~~كثير من أقواله على كثير من العبريين كوهب بن منبه، كما اعتمد على السيرة التي ~~وضعها أبان بن عثمان بن عفان، وعاصم بن عمر بن قتادة، وابن شهاب الزهري، ~~وغيرهم، كما ساعده وجوده في العراق، وكانت الثقافة فيه واسعة، وكان لعلماء ~~الحديث فضل كبير في تدوين الأحاديث المتعلقة بالمغازي والسيرة. وكان لابن شهاب ~~الزهري الفضل في المقارنة والتوفيق بينهما، ووضعها في نسق واحد. # وقد غلبت على الطبري طريقة المحدثين، فهو يروي الحادثة عن جملة من الرواة، ~~ويترك للقارئ اختيار أحسن الآراء كما فعل في التفسير، وكان ممن أخذ عنهم الإمام ~~الشافعي؛ نقل عنه بواسطة تلاميذه كيونس بن عبد الأعلى المصري المتوفى سنة ~~264ه. # وهذه الطريقة التي اتبعها الطبري في التاريخ بالرواية عن مالك بن أنس، كما ~~روى عن الأوزاعي هي نفس الطريقة التي اتبعها في التفسير، وأخذ فقه الشافعي عن ~~الربيع بن سليمان المرادي المصري المتوفى سنة 270ه، كما أخذ فقه الإمام أبي ~~حنيفة وأصحابه من كبار رجال المذهب كالحسن بن زياد اللؤلؤي، وكما اعتمد في ~~كتابة التاريخ على الصحف، والمؤلفات قبله، اعتمد أيضا على الروايات التي أخذها ~~عن شيوخه، وخصوصا في السنين الأخيرة من كتابه، فيقول مثلا: ذكر لي بعض ~~أصحابي، أو ذكر لي جماعة من أصحابنا، أو أخبرني جماعة من أهل الخبرة، أو ذكر ~~هذه القصة بعض أصحابنا عمن حدثه أنه حضر. # وإذا ذكر روايات كثيرة عن حادثة أتبعها بمثل قوله: قال أبو جعفر: «واختلف ~~السلف من أهل العلم فيه - ذكر من قال ذلك - فقال بعضهم ... وقال آخرون ... وأحيانا ~~يقول: والصحيح عندنا ذلك ... أو: وأنا أشك في ذلك»، وإذ كان الطبري محدثا ~~وفقيها، فقد أثر ذلك في كتابه. # وأما المسعودي، فكان ذا منحى آخر يغاير منحى الطبري، ولكل فضل، فألف لنا ~~المسعودي كتابي «مروج الذهب»، و«التنبيه والإشراف»، وضاعت له كتب كثيرة، وهو ~~ليس مؤرخا فقط؛ بل هو مؤرخ وجغرافي معا، فهو رحالة سائح، ولد في بغداد ms368 من ~~عائلة عربية، ورحل وهو شاب إلى فارس، ثم إلى الهند، وزار «ملتان»، والمنصورة، ~~وصحب بعض التجار في سفرهم في بحر الصين، ورجع إلى زنجبار، ثم رجع إلى عمان، ثم ~~سافر إلى قزوين، وطبريا، وفلسطين، ثم زار أنطاكيا، وساح في بعض بلاد سورية، ثم ~~عاد إلى البصرة، ثم عاد إلى سوريا، ورئي بعد ذلك في الفسطاط، وهكذا كان لا ~~يستريح من الأسفار. # ولم تكن أسفاره للنزهة؛ بل كانت لمعرفة الأقطار وأخبارها، وإذا قارنا بينه ~~وبين المقدسي والبيروني وجدناهما أدق وأعمق. # ويدل كتابه على معرفة واسعة باللغة، والعادات، والتقاليد، والأدب، والأخلاق، ~~والسياسة، يقول في أول كتابه «مروج الذهب»: «إننا صنفنا كتابنا في أخبار ~~الزمان، وقدمنا القول فيه في هيئة الأرض، ومدنها، وعجائبها، وبحارها، ~~وأغوارها، وجبالها، وأنهارها، وبدائع معادنها ... ثم أتبعنا ذلك بأخبار الملوك ~~الغابرة، والأمم الدائرة ... ثم أتبعناه بكتابنا الأوسط في الأخبار على التاريخ، ~~ومن درج في السنين الماضية ... ونعتذر من تقصير إن كان، ونتنصل من إغفال، أو عرض ~~لما قد شاب خواطرنا، وغمر قلوبنا من تقاذف الأسفار، وقطع القفار، تارة على متن ~~البحر، وتارة على ظهر البر، مستعملين بدائع الأمم بالمشاهدة، عارفين خواص ~~الأقاليم بالمعاينة، فتارة بأقصى خراسان، وتارة بأواسط أرمينيا، وأذربيجان، ~~وطورا بالعراق، وطورا بالشام، فسيري في الآفاق سرى الشمس في الإشراق كما ~~قال بعضهم: # تيمم أقطار البلاد فتارة # لدى شرقها الأقصى وطورا إلى الغرب # سرى الشمس لا ينفك تقذفه النوى # إلى أفق ناء يقصر بالركب # وفاوضنا أصناف الملوك على تغاير أخلاقهم، وتباين هممهم، وتباعد ~~دارهم». # وهكذا يصف متاعبه في رحلاته، ودقته في أخلاقه، واطلاعه الواسع على ما ألف ~~من قبله، وتعديد كتبه التاريخية والجغرافية. # ويمتاز المسعودي في كتبه بالتفاته الكثير إلى الأمور الاجتماعية، كبحثه في ~~ديانات العرب، وآرائها في الكيمياء، والهواتف، والقيان، والزجر، والسانح، ~~والبارح، ومقارنته بين العجم والعرب إلخ إلخ. # وعند كل ملك يذكر طرفا من أخباره الخاصة، وسيرته الداخلية، وملامحه، وتقاطيع ~~وجهه إلخ؛ مما لا نجد له نظيرا في الكتب الأخرى، فهو مؤرخ مسلح من الوثائق ms369 ~~التي تلزم المؤرخ. # وأما مسكويه - أو ابن مسكويه - فلم يعن بالرحلات، كما عني الطبري ~~والمسعودي؛ ولكن نوع معيشته، وتقلباته في حياته، وفارسيته الأصيلة، ودراسته ~~للفلسفة اليونانية، واشتغاله بالكيمياء، ومعاشرته للوزير المهلبي، ومخالطته ~~لعضد الدولة، وابن العميد، وما حصل له من أزمات سياسية؛ كل ذلك جعل منه رجلا ~~مجربا حقا، وقد خلف لنا من ذلك كتابه «تجارب الأمم»، يقصد منه إلى أن ما ~~جرى على الأمم التي قبلنا، والملوك، والناس عبارة عن درس وعظ وإرشاد؛ ولذلك ~~يلتفت إلى ما لا يلتفت إليه غيره، ويقف عند أمير صغير قد يكون منه درس كبير؛ ~~كالذي يحكي لنا أن الأتراك كانوا يتعمدون أن يتخيروا من الخلفاء العباسيين ~~حديثي السن، أو من فيهم بله وغفلة، أو من يعكفون على الملاهي، ثم يتعمدون ألا ~~يطلعوه على كتاب جدي؛ حتى لا يحاسبهم على أعمالهم، ونحو ذلك من طرف ~~لطيفة. # ولذلك كان له منحى خاص غير منحى الطبري والمسعودي، والقارئ له يستفيد منه ~~فوائد كثيرة . # وكان ذا شغف بالأمور السياسية والاجتماعية، ومن آثاره التي وصلت إلينا كتاب ~~«جاويدان خرد»، ومعناه العقل الأزلي، وهو كتاب ألفه العلماء القدماء ~~بالفارسية، يشتمل على حكم وآداب، عني به مسكويه، فأتم ترجمته التي بدأ بها ~~الحسن بن سهل، ولخصه. # وقد أعجب به لأن فيه نظرات دقيقة في السياسة والاجتماع، كتوصية أحد ملوك ~~الفرس لولده، وللملوك من خلفه: «أخرج الطمع عن قلبك تحل القيد من رجلك، الظالم ~~نادم وإن مدحه قومه، والمظلوم سالم وإن ذمه، والمقتنع غني وإن جاع وعري، ~~والحريص فقير وإن ملك الدنيا، من ظلم من الملوك فقد خرج من كرم الملك والحرية، ~~وصار إلى دناءة الشره والنقيصة، والشبه بالعبيد والرعية، استظهرعلى من دونك ~~بالفضل، وعلى نظرائك بالإنصاف، وعلى من فوقك بالإجلال، يقول المسيح - عليه ~~السلام: بماذا نفع امرؤ نفسه؟ باعها بجمع ما في الدنيا، ثم ترك ما باعها به ~~ميراثا لغيره». # وقد اختار فيه: حكما للفرس، وحكما لليونان، وحكما للعرب، إلى غير ذلك، ~~فالظاهر أن مسكويه كان شغوفا بالفضائل، شديد البحث ms370 عن خفايا السياسة، يرى أنه ~~محتاج إلى ذلك لمعونة من حوله من الملوك والوزراء، وليكمل نفسه إذا كان يريد أن ~~يحلي نفسه بكل فضيلة يعرفها، ولا أظن ابن حيان وقد ذمه إلا حاقدا عليه؛ إذ ~~كان يرى نفسه عالما فاضلا، وهو مع ذلك محروم حتى من الرزق الضروري، فهو ينقم ~~على كل من ناله خير، وخصوصا إذا كان من ينقم عليه دونه علما. # على كل حال، إن التاريخ وإن تقدم في هذا العصر، فقد كان لا يزال فيه عيبان ~~كبيران: # الأول: # سيره في الأكثر حسب السنين لا حسب الموضوع. # الثاني: # الاعتماد على الجزئيات لا على الكليات؛ يضاف إلى ذلك أنه كان ~~في نظرهم سير الحروب والملوك والانتصارات، أهم من سير الشعوب ~~والحياة الاجتماعية؛ ولذلك يتعب المؤرخ الحديث كثيرا إذا أراد ~~أن يؤرخ مسألة اجتماعية، فهو مضطر أن يغربل كثيرا ليعثر في ~~آخر أمره على درر. # الجغرافيا # في هذا العصر حبب إلى الناس الهجرة من بلادهم، والاطلاع على البلاد ~~الأخرى، شأن الأمم القوية في أيام عزها، أما الأمم الضعيفة فتحب مكانها، وتلتصق ~~بأرضها، ولا تهتم بحياة غير حياتها، وكان يحمل على حب الهجرة شيئان: التجارة، ~~والعلم؛ أما التجارة، فقد راجت في هذا القرن، وقام علماء الرحلات يضعون كتب ~~الدليل لهذه الرحلات، وقامت الحكومات لبناء رباطات ينزل فيها المسافرون، ~~ويتزودون منها، وكانت في أصل وضعها نقطا عسكرية لحفظ الحدود، من أن يتسرب ~~إليها الأعداء، أو نقطا بريدية، ثم أضافوا إليها غرضا آخر، وهو معونة التجار، ~~وكتب الدليل هذه ككتب الدليل اليوم، تبين المسافات بين البلاد، وأخلاق الأمم ~~وعاداتهم، واعتقاداتهم، وما عندهم من أنواع السلع والمصنوعات، والحاصلات ~~الزراعية، وما اعتادوه من مكاييل، ومقاييس، وأوزان، وأسماء المشهورين من الناس ~~في كل قطر. # ومن أحسن ما ألف في هذا العصر كتاب «أحسن التقاسيم في معرفة أحوال الأقاليم» ~~للبشاري المشهور بالمقدسي، فقد قطع - كما يقول - ألفي فرسخ، وسافر إلى الصين ~~وسرانديب، وككتاب «الأعلاق النفسية» لابن رسته، «والمسالك والممالك» ~~للإصطخري، و«الممالك» للبكري، و«المسالك والممالك» لابن خرداذبة، ~~و«البلدان» ms371 لابن الفقيه، إلى غير ذلك. # وأسس المسلمون في أيام عزهم مراكز تجارية يحضر إليها التجار بسلعهم وأموالهم ~~من مختلف الأقطار، وبها السماسرة يبيعون ويشترون في مختلف الأقطار، وكان هناك ~~صيارفة المال، ولهم وكلاء، يصرفون الصكوك، ويحررون الحوالات لوكلائهم في ~~الأقطار الأخرى، وكان من أهم تلك المراكز جاوة، وكانت مركزا للبضائع الصينية، ~~وعدن، وكازرون، والعريش. # وذهبوا إلى بلاد روسيا، وبلغوا كوتاهية، وذهبوا إلى أقصى السودان، وذهبوا إلى ~~التتر لجلب جلود السمور، ووصلوا إلى كانتون، وحيثما وصلوا إلى بلد تعلموا ~~لغتها وعاداتها، ونشروا لغتهم ودينهم، واختلطوا مع أهلها بالزواج. # وحكى لنا المسعودي في تاريخه قصصا كثيرة عن حال هؤلاء الرحالة، كابن وهبان، ~~الذي كان غنيا كبيرا، وتاجرا عظيما، وكان من أهل البصرة، فرحل إلى سيراف، ~~ورحل منها إلى الهند، ومنها إلى بلاد الصين، وأعمل الحيلة حتى قابل ملكها، وقد ~~عاد فحدث أهلها بما رأى، وحث أهله على الرحلات، وتنظيم التجارات، وقد كانت لهم ~~رحلات بحرية كالرحلات البرية، فأنشئوا المراكب الكبيرة للملاحة في البحر ~~الأبيض، وكانت مراكبهم شراعية. # ويحدثوننا أن المركب تحمل بضعة آلاف راكب، وفيها حوانيت للبيع، وكانوا ~~أحيانا يستحضرون أخشاب السفن من البندقية، وفيها غواصون لسد الثقوب من الحبشة، ~~وبحارون لتنظيف السفن، والمحافظة عليها وخدمتها، وفيها الحمام الزاجل لإرسال ~~الأخبار. # وقال المسعودي: إنه قد ركب عدة من البحار، كبحر الصين والروم، وأصابه فيها من ~~الأهوال ما لا يحصى كثرة، فلم يجد أهول من بحر الزنج، وكانت أقصى ما تصل إليه ~~المراكب في هذا البحر موزنبيه. # ومع أهوال البحار والبر تحملوا المشقات، حكى الإدريسي أنه في القرن الرابع ~~«خرج جماعة من مدينة لشبونة، كلهم أبناء عم، وأنشئوا مركبا، وتزودوا فيه، ثم ~~ركبوا بحر الظلمات واقتحموه؛ ليعرفوا ما فيه من الأخبار والعجائب، وليعرفوا إلى ~~أين انتهاؤه، وهم يسمون المغررين». # ويظهر أنهم وصلوا إلى أمريكا؛ لأنها نهاية بحر الظلمات هذا، وهو المحيط ~~الأطلنطي. # وأما العلم، فلم تكن كتب الحديث قد تم تكوينها، فكان العلماء يرحلون إلى ~~الأقطار المختلفة يتلقون الحديث من أهلها، حتى ربما ms372 رحلوا المسافات البعيدة ~~لرواية حديث واحد، وكان لا يعتد بعالم محدث أخذ حديثه من الكتب، ويسمونه ~~الصحفي، أي أنه أخذ حديثه عن الصحف، ويفتخر العالم بكثرة مشايخه. # وهذا البيروني أصله خوارزم، وكان أهل بلده يسمونه الغريب؛ لطول غربته، بعد أن ~~مهر في علوم اليونان الرياضية والهندسية، ثم أكب على ما للهند من تلك العلوم، ~~وقارن ما عند الهنود بما عند اليونان، وأبان عيوب هؤلاء وهؤلاء، كما درس حالة ~~الهند الاجتماعية، وألف فيها ... إلخ. # وكان المقدسي أعجوبة الأعاجيب، كما يحدثنا هو عن نفسه، دعاه إلى التأليف في ~~الجغرافيا أنه عز عليه أن يرى غيره قد اخترع في العلوم وهو لم يخترع، فاتجه إلى ~~جهة لم يتجهها أحد من قبله، قال: «رأيت أن أقصد علما أغفلوه، وأتفرد بفن لم ~~يذكروه». ويعني بذلك: أن ينص على اختلاف أهل البلدان في كلامهم، وأصواتهم، ~~وألسنتهم، وألوانهم، ومذاهبهم، ومكاييلهم وموازينهم، ونفوذهم، وصفة طعامهم ~~وشرابهم، ومعرفة مفاخرهم وعيوبهم، ومراكز السعة والخصب ، ومواضع الضيق والجدب، ~~وقال: «إن هذا علم لا بد منه للتاجر والمسافر، والملوك والكبراء، والقضاة ~~والفقهاء». # نعم، إن بعضهم سبقه إلى ذلك، ولكنهم قصروا فكتبوا ما سمعوا، ومنهم من اقتصر ~~على المدن المشهورة، ووضع لنفسه خطة: أن يرحل إلى الأقطار الإسلامية، ويشاهدها ~~بنفسه، فإذا دخل بلدة، درسها أتم درس، وعلى حد تعبير: ذاق هواءها، ووزن ماءها، ~~ولقي علماءها، وخدم ملوكها، وجالس القضاة والفقهاء، واختلف إلى الأدباء ~~والقراء، وخالط الزهاد والمتصوفين، وحضر مجالس القصاصين، وتاجر فيها، وعاشر ~~أهلها، ومسح إقليمها، ودار على تخومها، وفتش عن مذاهب سكانها، ودقق النظر في ~~ألسنتهم وألوانهم». # وعلى الجملة، فلم يأل الرجل جهدا أن يحقق أغراضه النبيلة، قال: «ولم أترك ~~شيئا مما يلحق المسافرين، إلا وقد أخذت منه نصيبي، فتفقهت وتأدبت، وتزهدت ~~وتعبدت، وفقهت وأدبت، وخطبت على المنابر، وأذنت على المنائر، وأممت في المساجد، ~~واختلفت إلى المدارس، وتكلمت في المجالس، وأكلت مع الصوفية الهرائس، ومع ~~الخانقائيين الثرائد، ومع النواتي العصائد، وطردت في الليالي من المساجد، وتهت ~~في الصحاري، وسحت في البراري، وصدقت ms373 في الورع زمانا، وأكلت الحرام عيانا، ~~وصحبت عباد جبال لبنان، وخالطت حينا السلطان، وملكت العبيد، وحملت على رأسي ~~بالزنبيل، وأشرفت مرارا على الغرق، وقطع على قوافلنا الطرق، وصاحبت في الطرق ~~الفساق، وبعت البضائع في الأسواق، وسجنت في الحبوس، وأخذت على أني جاسوس، وكم ~~نلت العز والرفعة، ودبر في قتلي غير مرة، ورميت بالبدع، واتهمت بالطمع، وذهب لي ~~في هذه الأسفار فوق عشرة آلاف درهم، ولم تبق رخصة مذهب إلا وقد استعملتها، وما ~~سرت في جادة، وبيني وبين مدينة عشرة فراسخ، إلا فارقت القافلة، وانفلت إليها ~~لأنظرها، فكم بين من قاسى من الألباب، وبين من صنف كتابه في الرفاهية، ووضعه ~~على السماع؟». # أما ما لم يشاهده، فكان برنامجه فيه كما قال: «أن يسأل ذوي العقول من الناس، ~~ومن لم يعرف بالغفلة والالتباس، وأن يسأل عن الشيء الواحد جماعة مختلفة، فما ~~اتفقوا عليه أخذه، وما اختلفوا فيه نبذه، وما حكوه ولم يقبله عقله أسنده إلى من ~~رواه، أو قال فيه زعموا، وحلاه بالخرائط الملونة. وقد ساح في جزيرة العرب، ~~والعراق، والشام، ومصر، والمغرب، ثم في بلاد فارس، والسند، والهند، ولخص آراءه ~~في هذه البلاد كلها، فقال: أظرف الأقاليم العراق، وهو أخف على القلب، وأحد ~~للذهن، وبه تكون النفس أطيب، والخاطر أدق، وأغزرها فواكه، وأكثرها علماء، ~~وأجلة المشرق «الدولة السامانية»، وأكثرها صوفا وقزا الديلم «جرجان ~~وطبرستان»، وأجودها ألبانا وأعسالا، وألذها أخبازا، وأمكنها زعفرانا الجبال ~~«إقليم يشمل الري، وهمذان، وأصفهان، وقاشان»، وأسفلها قوما، وشرهم أصلا ~~وفصلا خوزستان، وأحلاها ثمورا، وأوطؤها قوما كرمان، وأكثرها فانيدا، ~~وأغزازا، ومسكا السند، وأكيسها قوما وتجارا فارس، وأشدها حرا وقحطا ~~جزيرة العرب، وأكثرها بركات، وصالحين، وزهادا، ومشاهد الشام، وأكثرها عبادا، ~~وقراء، وأموالا، ومتجرا، وحبوبا مصر. # ولم أر أطمع من أهل مكة، ولا أفقه من أهل يثرب، ولا أعف من أهل بيت المقدس، ~~ولا آدب من أهل هراة، ولا أذهن من أهل الري، ولا أصح موازين من أهل الكوفة، ولا ~~أحسن من أهل حمص، ولا أشرب للخمور من أهل بعلبك ومصر». ms374 # ولما جاء مصر أعجب بالفسطاط، وقال: إنه لم ير في الأمصار آهل منه، وليس في ~~الإسلام أكبر مجالس من جامعه، وقد أعجب بأطعمتها وحلواها، وكثرة بقولها، ~~وفواكهها، ونغمة أهلها بالقرآن، ودهش من كثرة المراكب في النيل، ومن كثرة ~~المصلين في المساجد، ولكن لم تعجبه كثرة البراغيث فيها، وعدم عناية المسلمين ~~بالنظافة، وازدحام مساكنهم بالسكان، وكثرة اختلافهم، وشرب الخمور، وانتشار ~~الفجور، وكثرة السباب، وقال: «إن أهل الشام يعيبون على أهل مصر ثلاثة أشياء: أن ~~مطرهم الندا، وطيرهم الحدا، وكلامهم رخو مثل النسا». # ومن أكثر ما امتاز به التفاته في جميع ما دخله من البلاد إلى اللهجات واللغات ~~والأساليب، واختلاف الأقاليم في استعمال بعض الكلمات في قطر دون آخر. # وحكي عن قصة بعض ملوك خراسان إذ جمع رجالا من خمس كور خراسان، فلما حضروا ~~تكلموا جميعا، فقال عن السجستاني: هذا لسان يصلح للقتال، والنيسابوري يصلح ~~للتقاضي، والماروزي يصلح للوزارة، والبلخي يصلح لكتابة الرسائل، أما لسان هراة ~~فيصلح للكنيف. # ويحكى أن كل بلد تغير أسماء الأعلام على شكل خاص، ففي فارس يقولون بدلا من ~~علي: علكا، ومن حسن: حسكا، ومن أحمد: حمكا، للتلميح، وفي همدان يقولون: بدلا ~~من أحمد: أحمدلا، ومن محمد: محمدلا، ومن عائشة: عشلا. وفي ساوة يقولون في أبي ~~العباس: أبو العباسان، وفي حسن: حسنان، وفي جعفر: جعفران، وهكذا. # وعلى الجملة، فقد كان دقيق الوصف، حسن الالتفات إلى دقائق الأمور، ومن أجل ~~ذلك أفادنا فوائد كثيرة، ونكتفي به عن أمثاله فهو خيرهم. # والعرب منذ اتصلوا بالعالم الخارجي أثبتوا أنهم مرنون قابلون لمسايرة ~~الحضارات المختلفة، وأقلمتها، وأنهم أذكياء ذوو حيوية، وخيال فسيح، وقد كان ~~العرب في هذا العصر في غاية من النشاط، وحسن الرحلات، كونوا علائق تجارية في ~~أقصى الأرض، فكونوا علائق بالصين، وبعض البقاع الروسية، وبعض مجاهل إفريقيا، ~~ولم تمنعهم صعوبة المواصلات، وسوء الاستعدادات من الرحلات إلى أقصى البلاد، ~~فسياحة التاجر سليمان لبلاد الصين، ورحلته من سيراف الواقعة على الخليج ~~الفارسي، وقطعه المحيط الهندي، حتى يبلغ شواطئ الصين معروفة مشهورة، وقد ms375 قضى ~~المسعودي خمسا وعشرين سنة من حياته يطوف في أرجاء الأرض، وهو وصاف للآفاق، يصف ~~أحوال الأمم في عهده، ويذكر نحلهم، وعوائدهم، ويصف البلدان، والجبال، ~~والبحار، والممالك، والدول. وجاء ابن حوقل بعد أن تمت رحلات المسعودي، فعمل ~~رحلات أخرى، وقال: «قد عملت كتابي هذا في صفة أشكال الأرض، ومقدارها في الطول ~~والعرض، وأقاليم البلدان، ومحل الغامر منها والعمران، من جميع بلاد الإسلام، ~~بتفصيل مدنها، وتقسيم ما تفرد بالأعمال المجموعة إليها، وقد جلعت لكل قطعة ~~أفردتها تصويرا، وشكلا يحكي موضع ذلك الإقليم، ثم ذكرت ما يحيط به من الأماكن ~~والبقاع، وما في أضعافها من المدن والأصقاع، وما لها من القوانين والارتفاع، ~~وما فيها من الأنهار والبحار، وما يشتمل عليه ذلك الإقليم من وجوه الأموال ~~والجبايات، والأعشار والخراجات، والمسافات في الطرقات ... إلخ». # وقد رافق البيروني الذي سبق ذكره السلطان محمود الغزنوي في حملته على الهند، ~~فنشر ما شاهده في بلاد السند، وشمال الهند، وحاول أن يصحح طريقة تلك البلاد، ~~مستندا على حسابه الفلكي، وجاء بعده أبو الحسن، فجاب الأرض من شمال إفريقيا ~~إلى مصر، وعين مواضع واحد وأربعين مركزا تعيينا فلكيا، فهم وإن اتخذوا ~~اليونان والرومان أدلاء لهم في علم الجغرافيا فقد فاقوا أساتذتهم، وزادوا ~~عليهم، وصححوا لبطليموس مواضع المدن الكبيرة التي كانت قد غلط في تعيينها، مع ~~صعوبة التحديد؛ إذ لم يكن عندهم آلات كافية، فلم تزد أغلاطهم على درجتين، بينما ~~بطليموس كان يغلط أحيانا نحو 18 درجة. # وجاء الإصطخري، وكان معاصرا للمسعودي، فألف كتابا في إحصاء ما في ~~الولايات من أنهار، ومدن، وجبال، وغير ذلك. # وغامر الإدريسي مغامرات خطيرة، واشتهر بخريطته التي تحتوي على منابع النيل، ~~والبحيرات الاستوائية، إلى كثير غيرهم، حتى إن أبا الفداء ذكر أسماء ستين ~~عالما جغرافيا من الذين ظهروا قبله، وأبدع ما كان لهم ربطهم الجغرافيا ~~بالفلك، وهي نظرة كان يظن أنها نظرة حديثة. # الفصل التاسع # | وسائل العلوم # نريد بوسائل العلوم الوساطات التي كانت تتخذ لنشر العلم، وتعين عليه، وأهم ذلك ~~المكتبات، ومناهج الدراسة، والرحلات، والوراقة، ms376 والخط، وسنتكلم كلمة عن كل ~~منها. # فأما المكتبات، فإن الدولة الإسلامية لما تقسمت أقساما كثيرة، واستقل كل قسم ~~تنافس أمراء هذه الدول في كل ما من شأنه تجميل دولهم، من الحرف الدقيقة، ونتائج ~~الفنون الجميلة، والشعراء، والعلماء، والفلاسفة، وغير ذلك، حتى إذا ظهرت حرفة جميلة ~~تسابق هؤلاء الأمراء في اقتنائها، وتاريخ المتنبي مثلا يدلنا على هذه ~~المسابقة. # فسيف الدولة يحرص عليه؛ لأنه له بمثابة جريدة اليوم تشيد بذكره، ولما وصل إلى ~~كافور بمصر حرص عليه، ولما وصل إلى عضد الدولة اعتز به، وكان من موضوع هذه ~~المسابقات المكتبات، فكل أمير كان له مكتبة عظيمة يفتخر بها، ويسعى في تنميتها، ~~ويحدثوننا أن الحكم صاحب الأندلس بعث رجالا إلى جميع بلاد الشرق؛ ليشتروا له الكتب ~~عند أول ظهورها، فقالوا: إن فهرس مكتبته كان يتألف من أربعة وعشرين كراسة، كل ~~كراسة عشرون ورقة، ولم يكن في تلك الكراسات إلا أسماء الكتب. # وفي الدولة الفاطمية كان الخليفة العزيز بالله ، المتوفى سنة 386ه يقتني الكتب، ~~ويحفظها في مكتبته، وذكر عنده كتاب «العين» للخليل بن أحمد، فأمر خزان دفاتره ~~فأخرجوا من خزائنه نيفا وثلاثين نسخة؛ منها نسخة بخط المؤلف، وحمل إليه رجل نسخة ~~من تاريخ الطبري اشتراها بمائة دينار، فأمر العزيز الخزان فأخرجوا ما ينيف على ~~عشرين نسخة، منها نسخة بخط الطبري، وذكر عنده كتاب «الجمهرة» لابن دريد، فأخرجوا من ~~الخزانة مائة نسخة. # 1 # وصف المقدسي خزانة كتب عضد الدولة، فقال: ~~«إنها حجرة على حدة، عليها وكيل، وخازن، ومشرف من عدول البلد، ولم يبق كتاب صنف إلى ~~وقت عضد الدولة من أنواع العلوم إلا وحصله فيها، وهي أزج طويل، في صفة كبيرة، فيه ~~خزائن من كل وجه، وقد ألصق إلى جميع حيطان الأزج والخزائن بيوتا طولها قامة، في ~~عرض ثلاثة أذرع من الخشب المزوق، عليها أبواب تنحدر من فوق، والدفاتر منضدة على ~~الرفوف، لكل نوع بيوت، وفهرستات، فيها أسامي الكتب، لا يدخلها إلا كل ~~وجيه». # 2 # ونحن نعلم أن خازن هذه الخزانة كان ابن مسكويه، وهو ms377 ما هو في العلم، وسعة ~~الاطلاع. # وكان لسيف الدولة خزانة كتب كبيرة، عليها الخالديان، وهما الشاعران ~~المشهوران. # ويحدثنا المعري في «رسالة الغفران» أنه وهو ~~في بغداد كان يزور مكتبة أردشير، وكان على المكتبة فتاة سوداء تعير الكتب، وتحضرها ~~إلى كثير من أمثال ذلك، وهذا إلى أن كثيرا من الأغنياء والوزراء كانت لهم مكتبات ~~خاصة كابن العميد وزير عضد الدولة، كان له مكتبة، فلما نكب حمد الله كثيرا على أنه ~~بقيت له مكتبته؛ لأنها أهم شيء عنده. # وكان ابن مسكويه في بعض الأوقات خازنا لمكتبته، وكان فيها كل علم، وكل نوع من ~~أنواع الحكم والآداب، يحمل على مائة وقر، وكان كذلك للصاحب بن عباد مكتبة، حتى إنه ~~لما استدعاه السلطان نوح بن منصور الساماني ليوليه وزارته، كان مما اعتذر به أن ~~عنده من كتب العلم ما يحمل على أربعمائة جمل أو أكثر، وكان فهرس كتبه يقع في عشرة ~~مجلدات. # وحكوا أن علي بن يحيى المنجم كان ممن جالس الخلفاء ، وكانت له خزانة كتب عظيمة في ~~ضيعته، وسماها خزانة الحكمة، وكان يقصدها الناس من كل بلد، فيقيمون فيها ويتعلمون، ~~والكتب مبذولة لهم، والصيانة مشتملة عليهم، والنفقة في ذلك من مال علي بن ~~يحيى. # وحكوا أن أبا معشر المنجم المشهور قدم من خراسان يريد الحكمة، وهو لا يحسن كبير ~~شيء من النجوم، فلما وصفت له هذه الخزانة ورآها، هاله أمرها، وأقام بها، وأضرب عن ~~الحج، وتعلم فيها علم النجوم، وقالوا: إن القاضي أبا مطرف الأندلسي جمع من الكتب ~~ما لم يجمعه أحد من أهل عصره في الأندلس، وكان له ستة وراقين ينسخون له دائما، ~~وكان متى علم بكتاب حسن عند أحد من الناس، طلبه ليشتريه منه، وبالغ في ثمنه، وكان ~~لا يعير كتابا من أصوله ألبتة، فإذا سأله أحد ذلك، وألحف عليه، أعطاه للناسخ ~~فنسخه، وقابله، ودفعه إلى المستعير. # فيستفاد من هذا وأمثاله أنه كان هناك مكتبات كثيرة في جميع الأقطار يغشاها الناس، ~~ويتعلمون منها، حتى كان من العادات المأثورة أن كل جامع ms378 كبير يكون من مكملاته مكتبة ~~كبيرة. # وإذا نحن علمنا أنه لم يكن في ذلك العصر مطابع، وإنما هناك مؤلفون يؤلفون، ~~ونساخ ينسخون، أدركنا ما يقتضيه عمل مكتبة من الجهد العظيم، والمال ~~الوفير. # ولم تكن المكتبة مقصورة على الكتب، بل كانت أحيانا مجتمعا يجتمع فيه طلاب ~~العلم والعلماء، ويتداولون فيما بينهم المسائل العلمية ... وهذا ما جعل هذا العصر ~~يزخر بالعلم والعلماء. # وكان بجانب هذه المكتبات العامة مكتبات خاصة لكل عالم تشمل على الكتب التي يحتاج ~~إليها، فالغني منهم يطلب من النساخين أن ينسخوا له الكتب التي يريدها؛ والفقير ينسخ ~~بنفسه. # ورووا عن السجستاني المحدث أنه كان له كم واسع، وكم ضيق، فسئل عن ذلك، فقال: ~~«الواسع للكتب، والآخر لا أحتاج إليه». # وروي عن أحد علماء أصبهان الأغنياء، أنه أنفق في شراء كتبه ثلاثمائة ألف درهم، ~~وقالوا: إن أبا يوسف القزويني المعتزلي دخل بغداد، ومعه عشرة جمال عليها كتب، وتفنن ~~بعضهم في تجليد الكتب، وزخرفتها، والعناية بخطها، وأحيانا تحلى بالذهب . ويتنافس ~~رواة الكتب فيما كتبه كبار الخطاطين كابن مقلة، وابن البواب، ومن ذلك الحين ظهرت ~~وقفيات على المكتبات، وعلى من يغشاها من فقراء القراء، كما فعل العزيز بالله ~~الخليفة الفاطمي؛ إذ أجرى ألف دينار كل شهر على جماعة من أهل العلم، والوراقين، ~~والمجلدين. # وكاتب المكتبات على وجه العموم تزود بالحبر والورق، وبعض الأغنياء يتبرع بذلك ~~حسبة لوجه الله، حتى يحكي ابن خلكان أنه في إحدى مدارس نيسابور ~~كان يوجد خمسمائة دواة معدة لمن يريد أن يكتب في ~~المكتبة، ووجدت وثيقة مما ينفق على مكتبة في القاهرة، وهي دار العلم التي انشأها ~~الحاكم بأمر الله، فإذا فيها: # دينار # 90 # للورق # 48 # للخازن # 15 # للفراشين # 12 # للناظر في الورق، والحبر، والأقلام # 12 # لمرمة الكتب # 12 # ثمن ماء # 10 # حصر # 5 # لبود للفرش في الشتاء # 4 # طنافس # 1 # لمرمة الستارة # أما طرق التعليم، فكانت مختلفة، منها مكاتب، أو كتاتيب للتعليم الابتدائي، وقد ~~عقد ابن خلدون فصلا في تعليم الأطفال، واختلاف مذاهب الأمصار الإسلامية في طرقه، ms379 ~~يستفاد منه أن المشارقة كانوا يبدءون بتعليم القرآن، حتى يرسخ في قلوبهم أول ما ~~يرسخ ويجعلون عماد تعليمهم القرآن والكتابة. # أما أهل الأندلس، فمذهبهم تعليم القرآن والكتابة، ثم يخلطون في تعليمهم للولدان ~~رواية الشعر في الغالب، والترسل، وأخذهم بقوانين العربية وحفظها، وتجويد الخط ~~والكتابة، إلى أن يخرج الولد من عمر البلوغ إلى الشبيبة، وقد شدا بعض الشيء في ~~العربية، والشعر، والبصر بهما، فبعد ذلك يعيدون النظر في القرآن ~~ويتفهمونه. # وقد روى ابن خلدون عن أبي بكر بن العربي في رحلته أنه يرى رأيا يذهب فيه إلى ~~البدء في تعليم الحساب، واللغة، والشعر، ثم بعد أن يتقدم في ذلك يبدأ في تعليم ~~القرآن لتكون قراءته لهم على فهم، ثم يقول: «ويا غفلة أهل بلادنا، في أن يؤخذ ~~الصغير بكتاب الله في أول أمره، ويتعب في أمر غيره أهم منه»، ونهى أن يخلط في ~~التعليم علمان إلا أن يكون المتعلم قابلا لذلك لجودة الفهم والنشاط، ومنها مدارس، ~~ومجالس للتعليم العالي. # وقد ذكر المقدسي أنه أحصى في المسجد الجامع بالقاهرة وقت العشاء مائة وعشرين ~~مجلسا من مجالس العلم، وربما كانت هذه المجالس أشبه ما تكون بحلقات الدراسة في ~~الجامع الأزهر لكل شيخ عمود، وكان جامع المنصور ببغداد أشهر مركز للتعليم في ~~المملكة الإسلامية، لا يمنع الناس حر ولا برد، حتى حكوا في سنة 314ه أن الهواء برد ~~بردا شديدا ببغداد، وتساقط الثلج، فجلس أبو ذكرة في وسط دجلة على الجليد، ~~وأملى الحديث. # وكان من أكبر العلماء على مذهب داود الظاهري إبراهيم بن محمد نفطويه، وكان يجلس ~~إلى أسطوانة بجامع المنصور، خمسين سنة لم يغير محله منها، وبعض هذه الحلقات كان ~~للفقه، وبعضها للنحو والصرف، وبعضها للغة، وبعضها للتاريخ، قالوا: وكان الفقهاء ~~أكثر العلماء تلاميذ؛ لأن الفقه يؤهل أصحابه لتولي مناصب يتعيشون منها، وكانت ~~أشهر الطرق طريقة الإملاء؛ ولذلك سمي بعض الكتب بالأمالي، كأمالي القالي، وأمالي ~~الزجاج، وأمالي المرتضى. # يجلس الأستاذ وحوله الطلبة فيملي عليهم من علمه، ورووا أن الجبائي المعتزلي أملى ~~مائة ألف ms380 ورقة وخمسين، وما رئي ينظر في كتاب، وكان للمشايخ طرق مختلفة، فمنهم من ~~يملي من عقله، وهو الذي يتحكم فيما يمليه، وما لا يمليه، كأمالي القالي، ومنهم من ~~وثق بنفسه لدرجة أنه يترك الدرس للظروف، فالطلبة هم الذين يسألون، وهو يجيب على ~~أسئلتهم، وكان المستملي يكتب أول الدرس: «مجلس أملاه شيخنا فلان، في جامع كذا، يوم ~~كذا». # وشاعت هذه الطريقة في مجالس المتكلمين، فلما جاء القرن الرابع غلبت طريقة ثالثة، ~~وهي قراءة الكتب القديمة وشرحها، فهذا يقرأ كتاب سيبويه، وهذا يقرأ كتابا في تفسير ~~القرآن للفراء، وهذا يقرأ مجموعة من أشعار الهذليين، وهذا يقرأ كتابا في الحديث، ~~وهكذا. ومن طريف ما يروى لنا أن أبا عمرو المطرف ألف كتابا في اللغة اسمه ~~«الياقوت»، قال: إنه ابتدأه يوم الخميس لليلة بقيت من المحرم سنة 326ه، أملاه على ~~الطلبة في جامع المنصور ببغداد ارتجالا من غير كتاب ولا دستور، ومضى في الإملاء ~~مجلسا مجلسا إلى أن انتهى إلى آخره، ثم رأى الزيادة فيه، فزاد أضعاف ما أملى، ~~وكتب هذه الزيادة أحد تلاميذه ، ثم قرأه عليه أبو إسحاق الطبري، وسمعه الناس، ثم زاد ~~فيه بعد ذلك، وقرئ عليه بالزيادة يوم الثلاثاء لثلاث بقين من ذي القعدة سنة 329ه، ~~وفرغ منه في ربيع الثاني سنة 331ه، وأحضر جميع النسخ التي كتبت فقورنت، ثم زاد ~~المؤلف بعد ذلك أشياء أخرى، كتبها محمد بن وهب، ثم جمع الناس، ووعدهم بعرض الكتاب ~~وتقريره، وألا يكون بعدها زيادة. # وعلى الجملة، فقد كانت المساجد والمكتبات والمكاتب هي أمكنة الدراسة. # هذا عدا المجالس الخاصة في بيوت العلماء والوزراء، كمجلس أبي سليمان المنطقي في ~~بيته، والوزير المهلبي في بيته، والوزير ابن سعدان في بيته، يجتمع العلماء أو ~~الأدباء مع رئيسهم، ويفتتح الرئيس المجلس بمسألة حيثما اتفق لغوية أو أدبية، أو ~~نفسية، أو اجتماعية، فيجيب من حضر من العلماء، ثم يتركون الحديث على سجيته يتشعب ~~إلى أن ينتهي المجلس، ويعلمنا أبو حيان في ذلك العصر طريقة أخرى للاستفادة، كالتي ~~اتبعها أبو حيان ms381 مع ابن مسكويه، فقد بعث أبو حيان إلى ابن مسكويه بكتاب يشتمل على ~~جملة أسئلة، مما احتار فيها: بعضها لغوي، وبعضها ديني، وبعضها أخلاقي، وبعضها ~~اجتماعي، ووضع هذه الأسئلة في كتاب سماه «الهوامل»، والهوامل: هي الإبل المهملة ~~السائمة، فرد عليه ابن مسكويه بكتاب يجيب فيه على أسئلته سؤالا سؤالا، وسماه: ~~«الشوامل»، كأنه شمل الهوامل وضبطها، فهذه طريقة أيضا في التعليم، تدل على اهتمام ~~المعلمين بأسئلة طلبتهم، وإعداد الأجوبة على أسئلتهم، كالدروس التي تلقى في المسجد، ~~كما يدلنا ابن مسكويه على أنه كان يهتم بهؤلاء الطلبة. # ويستطرد أحيانا بالتنبيه على ضعف خلق الطالب، ومعالجته حسبما يراه، ويدلنا أبو ~~حيان أيضا في كتابه «المقابسات» على ما كان يثار في مجلس أبي سليمان من مناظرات، ~~ومجادلات في أنواع المشاكل التي كانت تعرض لهم، وكان يغلب على كل أستاذ ناحيته ~~الخاصة، فتغلب على أبي سليمان الناحية الفقهية، وتغلب على الوزير المهلبي الناحية ~~الفنية والأدبية، وتغلب على الفقهاء الناحية الفقهية، وعلى المحدثين ناحية الحديث، ~~وعلى مجالس الصوفية ناحية التصوف، وهكذا من ثروة زاخرة متنوعة، يصورها لنا ~~«المقابسات »، وما روي في ترجمة الوزير المهلبي، وما يروي من مجالس الصوفية ... ~~إلخ. # وأحيانا يكون العلم بطريق المراسلة، فيشتهر عالم بفن، أو فنون في الأقطار ~~الإسلامية، فتأتيه الرسائل من جميع الأقطار، تسأله في مسائل هامة، في التفسير، أو ~~النحو، أو الفقه، فيجيب الأستاذ بأجوبة مختلفة، كالذي روي لنا عن أسئلة عديدة وردت ~~على السيرافي من ملوك الأقطار، يسأل فيها عن مسائل في النحو، والصرف، والتفسير، ~~وكما روي لنا عن أسئلة وردت من داعي الدعاة من مصر على أبي العلاء المعري، تسأله: ~~لم كان نباتيا، وحرم على نفسه أكل الحيوان، وقد أحله الله؟ ... إلخ. فأسئلة ~~وأجوبة، ومجالس خاصة، وحلقات العلماء في المساجد، وكتاتيب ومكتبات مفتوحة يتلاقى ~~فيها العلماء والطلاب، ويتساءلون ويتجاوبون، كل هذه كونت حركات شديدة عنيفة في نشر ~~العلم، وإخراج عدد كبير من العلماء، وربما لم يساوهم عصر آخر من العصور، ويتصل بذلك ~~ما شاع في هذا العصر، والذي ms382 قبله من نمط «الإجازة العلمية»، وربما كان أول من اتبع ~~ذلك المحدثون؛ للدلالة على ثقتهم، وهي أن يجيز ثقة من الثقات لغيره بأن يروي عنه ~~حديثا أو كتابا، ثم يعطيه مستندا كتابيا على ذلك. وتسابق علماء الحديث في أخذ ~~هذه الإجازات عن شيوخهم، فكان الطلبة إذا سمعوا حديثا استكتبوا الشيخ إجازة، وكان ~~الناس ينتهزون فرصة اجتماعهم بالعلماء ليقرءوا عليهم تصانيفهم، أو تصانيف غيرهم، ~~ويفتخرون بأخذ كتابة منه، وكان العلماء قسمين: قسما يتشدد فلا يعطي إجازة إلا من ~~سمع عليه، ووثق به. وقسما متساهلا يجيز كل من أراد الإجازة، ولو لم يسمع منه، حتى ~~كان بعض العلماء قبل وفاته يجيز جميع مسلمي عصره في رواية الأحاديث التي كان ~~يعرفها، وتفننوا في الإجازة حتى جعلوها شعرا، كالذي ورد في ديوان صفي الدين الحلي، ~~واستمر هذا إلى عهد قريب منا، فقد روي أن السلطان عبد الحميد أخذ إجازات في الحديث ~~من المرتضى الزبيري صاحب كتاب «تاج العروس». # وكانت العلاقة بين الأستاذ وتلاميذه علاقة الأب بابنه، فكان الطالب يخدم أستاذه، ~~وقد سمعنا في عهدنا ممن شاهدناهم ان الطالب يغسل يد أستاذه، بل ويعد له حماره عند ~~ركوبه، ويجري وراء الحمار، فكذلك كانت العلاقة في العصر الذي نؤرخه. # وكثيرا ما كانت تحدث علاقات مصاهرة بين الأستاذ وتلميذه، وربما زاد ذلك الصوفية، ~~فقد طلبوا من المريد أن يكون بين أستاذه كالريشة في مهاب الريح، وفي كتاب «وفيات ~~الأعيان» قصص كثيرة من هذا القبيل. # وقد رووا أن أبا الزناد كان يذهب إلى مسجد المدينة محاطا بتلاميذه كأنه ملك، ~~ويؤخذ من مجموع ما روي أنه لم يكن هناك منهج خاص، بل كان للأستاذ مطلق الحرية يتكلم ~~كما يشاء في أي موضوع شاء. # وكان أكثر المعلمين يعلمون بأجر، وقد رأينا قبل أن المبرد كان يتقاضى أجرا على ~~تعليمه، وأن الزجاج كان يعطيه درهما كل يوم، وربما كان علماء اللغة والنحو أكثر ~~الناس استحلالا للأجر، أما المحدثون فكثيرا ما كانوا يحدثون لوجه الله، وكان ~~الفلاح الذي يعطي ابنه لمعلم يضمن ms383 لمعلمه قوته. # على كل حال، انتشرت المجالس على اختلاف أنواعها - في البيوت، وفي المساجد - في ~~الأدب، وفي الفلسفة، وكان بعض الأمراء والوزراء ذا ولع شديد بالعلم ومدارسته؛ ~~فأحيوا هذه العادة وشجعوها، وساعد على انتشارها الخلاف الذي كان بين المذاهب ~~المختلفة من شيعة وسنية، فرأوا أن هذه المجالس تقوم مقام الجرائد اليوم في نشر ~~الدعوة، فما أكثر ما عقد الفاطميون مجالس للدعوة، وما أكثر مما رد عليهم السنيون. ~~مثال ذلك: ما كان من الوزير الفاطمي يعقوب بن كلس، فقد عقد مجلسا للمناظرة في ~~الفقه، والأدب، والشعر، وعلم الكلام، وكان أصله يهوديا، ومثقفا ثقافة واسعة، ~~كثير المال، يصرفه في خدمة العلم، ونشطت حركة المناظرة والجدل حتى وضع لذلك علم ~~سمي علم آداب البحث والمناظرة، وكان يحضر هذه المجالس بعض أهل الأديان الأخرى، ~~فنرى في مجلس أبي سليمان المنطقي يحيى بن عدي النصراني، وغيره من أهل الأديان، ~~ورووا أن يوحنا بن ماسويه كان يعقد مجلسا في بغداد، فيحضره العلماء على اختلاف ~~مذاهبهم من فلاسفة، وأطباء، وأدباء، ومتكلمين، وكان لأبي حامد الإسفرائيني مجلس، ~~قالوا: إنه يحضره ثلاثمائة فقيه، هذا غير مجالس الطرب مما كانت تتداول فيها الخمور، ~~وتتناشد فيها الأشعار، وتغمر بالأزهار، ويستحضر فيها الثلج بكثرة للشراب، كالذي ~~روي عن الوزير المهلبي؛ إذ كان يحضر فيه مثل أبي الفرج الأصفهاني، وابن مسكويه ~~أيام استهتاره وشبابه؛ وغيرهما، وقد ذكرنا قبل ما كان من إخوان الصفاء، وانتشارهم ~~في البلاد، ونصح الرؤساء لأتباعهم أن يعقدوا مجالس خاصة كل أسبوع مرة، أو كل اثني ~~عشر يوما مرة، يتذاكرون فيها شئون العلم، ويتدارسون فيها مراحل الدعوة. # ويظهر لما كثرت المناظرات والجدل لم تخل المناظرة من نزاع وهجاء وسباب، مما يجب ~~أن تتنزه عنه المساجد، ففكروا في أبنية خاصة تقام فيها هذه المناظرات، وتنتقل إليها ~~حركة التعليم، فكانت المدارس. # نعم، كانت الكتاتيب منتشرة في المدن والقرى حتى من عهد الرسالة؛ ولكن الدراسة ~~العالية هي التي لم يكن لها مدارس خاصة؛ وإنما كانت تقام في الجوامع - كما ذكرنا - ~~إلى هذا العصر، ms384 وقد ذكر بعضهم أن أول من بنى مدرسة للعلماء هو نظام الملك في النصف ~~الثاني من القرن الخامس، ولكن ثبت أنه قبل ذلك وجدت مدارس كان من أولها مدارس ~~نيسابور، يقول الحاكم النيسابوري المؤرخ: إن أول مدرسة هي التي بنيت لمعاصري أبو ~~إسحاق الإسفرائيني المتوفى سنة 418ه في نيسابور، وبنيت مدرسة أخرى لابن فورك، ~~ويقولون: إن أبا بكر البستي المتوفى سنة 429ه بنى لأهل العلم مدرسة على باب داره، ~~ووقف عليها جملة من ماله الكثير؛ وكان هذا الرجل من كبار المدرسين والمناظرين ~~بنيسابور، وكان في المجالس الكبيرة يجلس الأستاذ على مقعد مرتفع ليسمع المحاضرين، ~~ثم إن المعيد يعيد كلام الأستاذ حتى يسمعه من كان بعيدا عنه، كل هذا حدث قبل نظام ~~الملك، أما مدرسة نظام الملك قد ضمت الكثيرين من كبار العلماء، كالغزالي وغيره، ~~ويحكي الغزالي أن من أسباب اعتزاله التدريس ما غلب على أهل عصره من حب الجدل ~~والمناظرة، وأنهم لا يقصدون من هذه المناظرة وجه الله والوصول إلى الحق، وإنما ~~يرومون التعاظم، وحب الغلبة، والسيطرة على نظرائهم؛ مما بعثه على هجر المدرسة ، ~~واللجوء إلى التصوف ... ثم تتابعت المدارس على هذا المنوال ... # ومن الخطأ أن نظن أن حالة العلماء في ذلك ~~العصر كحالة عصرنا اليوم، فإن المطبعة في عصرنا قد قلبت الأوضاع، وجعلت العلم ~~ديموقراطيا، وجعلت الشعوب هي التي تكافئ العلماء؛ أما في ذلك العصر فلم تكن ~~مطابع، وإنما الكتاب العظيم ينسخ الوراقون منه عشر نسخ، أو خمسين، أو مائة، لا تسمن ~~ولا تغني من جوع، فلم يكن التأليف مصدر ثروة، إنما مصدر ثروة العلماء والأدباء هو ~~اتصالهم بالخلفاء والأمراء، أما من لم يتصل بهم، وبعد عنهم، فمصيره الفقر، إلا أن ~~يكون ذا ثروة موروثة. # هذا أبو العلاء المعري يعيش طول السنة على ~~ثلاثين دينارا كانت وقفا عليه، وينتدب بعضهم للتعليم الخاص، ولكن هذا لا يجزئ ~~... فالذين اتصلوا بالخلفاء والأمراء سعدوا واطمأنوا على رزقهم، كابن دريد المتوفى ~~سنة 321ه، إذ أجرى الخليفة المقتدر عليه خمسين دينارا في كل شهر، ms385 وسيف الدولة بن ~~حمدان أجرى على الفارابي أربعة دراهم في كل يوم؛ لأنه فيلسوف، أما المتنبي فمنح ~~الآلاف ... ويحكون أن أبا بكر البصري كان يبيع الصبغ بنفسه، أو يعمله في الحانوت ~~ليستطيع أن يتعيش، وكان حانوته مجمع الحفاظ والمحدثين، وأن أبا العباس الخياط ~~الفقيه الشافعي المصري المتوفى سنة 373ه كان واسع المعرفة بالفقه، وكان قوته وكسبه ~~من خياطته، فكان يخيط قميصا في جمعة بدرهم، ودانقين، ينفقها في طعامه وكسوته، ~~وكان هناك عالم آخر في مصر أيضا يقتات مما يبيع ~~من الخلع. ويقول ابن فارس اللغوي المشهور: # إذا كلفت في حاجة مرسلا # وأنت بها كلف مغرم # فأرسل حكيما ولا توصه # وذاك الحكيم هو الدرهم # وكان فقيرا فيقول: # يا ليت لي ألف دينار موجهة # وأن حظي منها فلس فلاس # قالوا: فما لك منها؟ قلت: يخدمني # لها ومن أجلها الحمقى من الناس # على كل حال، فلم يكن من العلماء والأدباء من يستطيع العيش الرغد إلا من موائد ~~الأغنياء، وإلا من كان يتكسب من غير علمه وأدبه كتجارته أو صناعته، ومن عدا ذلك ~~فقير مدقع، خصوصا إذا كان عزيز النفس ، أو لا يحسن الملق كأبي حيان ~~التوحيدي. # وساعد على انتشار العلم ما أدخل على الخط من تحسينات، فقد كان الناس قبل هذا ~~العصر يكتبون الخط الكوفي، وهو خط صعب معقد مؤسس على زوايا قائمة، وكان زيادة على ~~ذلك غامضا، فالألف إذا جاءت حرف مد في وسط الكلمة حذفت ولم تكتب، كالكتاب، تكتب ~~هكذا «الكتب»، حتى جاء ابن مقلة المتوفى سنة 327ه فنقل الخط نقلة جديدة، وغير ~~الخط الكوفي إلى الخط النسخي، ووضع للخط النسخي قاعدة جميلة. # وربما كان هذا سببا في سهولة النسخ، وكثرة كتبه. # وساعد أيضا على انتشار الكتابة كثرة الورق، ويسمونه «الكاغد»، فقد كانوا يكتبون ~~على الجلود والقراطيس، والورق الصيني، حتى جاء جعفر بن يحيى البرمكي، فشجع صناعة ~~الورق، وكثر في عصرنا هذا كثرة جعلته رخيصا، فكان يستجلب الورق من مصر، ومن ~~سمرقند، وغيرهما؛ مما مكن العلماء والوراقين من كثرة الكتابة، وحرفة ms386 الوراقة كانت ~~منتشرة، إذ كانت تقوم مقام المطابع اليوم، وأحيانا يكون بعض الوراقين علماء، دعاهم ~~الفقر إلى احتراف الوراقة، كياقوت الحموي، وأبي حيان التوحيدي. وكانت حرفة شاقة، ~~تذهب فيها الأعين، وكان مما سبب الخصومة بين الصاحب ابن عباد وأبي حيان التوحيدي أن ~~الصاحب كلفه أن ينسخ له كتبا كثيرة، استكثرها أبو حيان، ولحفظ المحدثين صحة ~~الأحاديث المنسوخة كانوا ينسخون كتب الأحاديث بأنفسهم. # وكان الفقر يضطر بعض الناس إلى احتراف الوراقة على كره منهم، وكان أبو بكر الدقاق ~~يعول والدته وزوجته، وبنتا من الوراقة. # وحكي عن أبي زكريا يحيى بن عدي المتوفى سنة 264ه وهو نصراني على المذهب اليعقوبي ~~أنه نسخ بخطه نسختين من تفسير الطبري، وأنه كان يكتب في اليوم والليلة مائة ورقة، ~~وكان بنيسابور وراق اسمه أبو حاتم، ورق بها خمسين سنة، وهو القائل: # إن الوراقة حرفة مذمومة # محرومة عيشي بها زمن # إن عشت وليس لي أكل # أو مت مت وليس لي كفن # ومن الطريف أن حكى وراق أنه نام ليلة فرأى في المنام كأن القيامة قامت، وحوسب، ~~وأدخل الجنة، فلما دخل الباب استلقى على قفاه، ووضع إحدى رجليه على الأخرى، وقال: ~~«آه، والله استرحت من النسخ». # | هوامش # الفصل العاشر # | الفن # إن فن كل أمة يتأثر بأمور: ~~(1) # الذوق العام للأمة. ~~(2) # التقليد للأمم المختلفة، خصوصا الأمم التي حكمتها كفرس، أو روم، أو ~~غير ذلك. ~~(3) # الدين الذي تعتنقه الأمة، فبعض الأديان تميل إلى شيء، وتنصرف عن ~~شيء. # وكان العرب في جاهليتهم بدائيين في ثقافتهم، منتقلين في حياتهم، وهذا التنقل ~~والبدائية جعلاهم غير مترفين في حياتهم وأدواتهم، وغير ملتفتين إلى الجمال الفني، ~~فكانت حتى معبوداتهم من اللات والعزى، وغيرهما معبودات بسيطة الشكل، بل قد يعبدون ~~حجرا على طبيعته الأصلية، وما كان عندهم من فن فهو - حتى اسمه - مستعار من الأمم ~~الأخرى، فكلمة نجار، وأسلحة، وصانع مأخوذة من اللغة الآرامية، وكلمة مصحف، وشباك، ~~وسوار، وحداد مأخوذة من اللغة الحبشية، وما ورد من الفن في الشعر فبدائي أيضا، ~~كتشبيه عمرو بن كلثوم في معلقته ms387 أرجل امرأة جميلة بأعمدة من الرخام، وصدرها بقطعة ~~من العاج، وحتى لما احتاجوا إلى إصلاح الكعبة، اعتمدوا على أناس من الأمم الأخرى، ~~فقالوا: إنهم اعتمدوا في إصلاحها على نجار رومي صادف أن كان على ظهر سفينة مارة ~~بجدة، ساعده صانع قبطي، فلما جاء الإسلام، وفتح المسلمون البلاد المتحضرة من فرس ~~وروم رأوا ما عندهم من الفنون فتأثروا بها، ~~ودعاهم الترف إلى أن يتذوقوها، ويقلدوها، حتى الشعر تأثر بهذا الفن، كقول رجل في ~~العهد الأموي على ما أظن: # بيضاء باكرها النعيم فصاغها # بلباقة فأدقها وأجلها # وكان من أثر هذه الفتوح، وغنى الدولة الإسلامية، ووضع المسلمين أيديهم على ~~القصور الفخمة، والمعابد العظيمة، والتحف النادرة، أن تحضروا هم أيضا، وأخذوا ~~ينشئون الفنون الجميلة، كالمسجد الأموي، وما فيه من زينة تدل على استعانة الأمويين ~~بغيرهم ممن سبقوهم إلى هذه الفنون، وكالقصور الجميلة التي بناها الخلفاء الأمويون ~~في صحراء الشام، واكتشفت حديثا، فدلت على تقدم كبير في الفن، حتى إذا جاءت الدولة ~~العباسية عظم غناها، وغنم تأثرها بالفن، فبنيت بغداد بناء فنيا، وبنيت فيها ~~القصور الفخمة للخلفاء والأمراء والأعيان. # وكان أثاثها من فراش ، ورياش جميلا فخما، يناسب جمال القصور وفخامتها. ويحدثنا ~~ابن بشار عن كأس صورت عليه تصاوير لكسرى، يعلم من هذه التصاوير مقدار ما يوضع في ~~الكأس من الخمر، وما يمزج بها من الماء ... إلخ. # ومن الحق أن نقول: إن الإسلام حارب الأصنام والتماثيل، وأمعن في محاربتها، وشنع ~~على عبادها، وكسر ما كان منها في الكعبة، وكره في التصوير والمصورين، فلم ينم ~~التصوير والتمثيل في الإسلام نموا كافيا، ولكن الطبيعة البشرية، وحبها الشديد ~~للفن، حاولت دائما أن تجد لها منفذا، فرأينا المسلمين يجودون ما شاءوا في ~~الخط، لما حرموا التصوير، وفي الزار والذكر، لما حرموا الرقص، وفي الغناء ~~بالقرآن لما حرموا الغناء، وهكذا. # ولذلك نراهم يصورون الأشجار والحيوانات، ويتحرجون من رسم الأشخاص، وبجانب ذلك ~~اجتهدوا في الفنون الأخرى، كالصياغة، والحرف الأخرى. # ولما دخل الإسلام كثير من المتحضرين من الفرس والروم، وكان لهم ذوق نام ms388 في ~~الفنون، ابتدءوا يقلدون ماضيهم القديم في الإسلام الجديد. وفي القرن الرابع ظهرت ~~الصورة المجسمة للحيوانات، ولكنها كانت بعيدة عن الطبيعة. وربما منع المسلمين من ~~التقدم في التصوير الشخصي نهي الإسلام عن التصوير، محافظة على عقيدة الوحدانية ~~المطلقة، والناس لا يزالون حديثي عهد بالوثنية، خصوصا وقد كان منتشرا فيهم عبادة ~~الأبطال والصالحين. # وجاء في الحديث عن عائشة «أن النبي # صلى الله عليه وسلم # لم يكن يترك في بيته شيئا فيه ~~تصاليب إلا نقضه». # 1 # وروى البخاري «أن النبي # صلى الله عليه وسلم # لما رأى الصور التي في البيت، لم يدخل ~~حتى أمر بها فمحيت، ورأى صورة إبراهيم وإسماعيل بأيديهما الأزلام فقال: قاتلهم ~~الله، والله إن استقسما بالأزلام قط». # وقال النووي: قال أصحابنا، وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد ~~التحريم، وهو من الكبائر؛ لأنه متوعد عليه بالوعيد الشديد، سواء ما كان في ثوب، أو ~~بساط، أو درهم، أو دينار، أو إناء، أو حائط. # وأما تصوير صورة الشجر، وجبال الأرض، وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان، فليس ~~بحرام، وقال بعضهم: إنما ينهى عن تصوير ما كان له ظل ، ولا بأس بالصورة التي ليس لها ~~ظل. وعن عائشة: «أنها نصبت سترا وفيه تصاوير، فدخل رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فنزعها، ~~قالت: فقطعته وسادتين، فكان يرتفق عليهما»؛ كأنه كان يجيز ذلك إذا امتهن الشيء ~~الذي فيه تصاوير، كأن استخدم في سجادة أو نحوها. وقال رسول الله: «أتاني جبريل ~~فقال: إني كنت أتيتك الليلة، فلم يمنعني أن أدخل البيت الذي أنت فيه، إلا أنه كان ~~فيه تمثال رجل»، وعن ابن عمر أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: «الذين يصنعون هذه الصور ~~يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم». # وإنما كان يباح تصوير الشجر، وما لا نفس له، وفي الحديث أيضا: «لا تدخل الملائكة ~~بيتا فيه كلب ولا تمثال». والغرض من كل هذا الخوف من عبادة التصاوير، والأوثان، ~~والتماثيل، والأبطال والصالحين، خصوصا والناس قريبو عهد بهذه العبادة، وقد اختلف ms389 ~~العلماء في ذلك، فقالوا: إن التحريم على الإطلاق، وقال آخرون: إنه تحريم لعلة، ~~وإذا زالت العلة زال التحريم. # وعلى كل حال، أثر هذا في المسلمين، فامتنعوا إلا قليلا عن تصوير الإنسان ~~والحيوان، وأباحوا تصوير الأشجار، والمناظر الطبيعية، ولذلك نبغوا في فن العمارة، ~~وتفننوا في الجمادات كدواة وأبواب، ومشربيات، ونحو ذلك، ومع ذلك فقد مهر قوم من ~~المسلمين في تصوير الأشخاص والحيوان، كما فعل بعض الفرس، حتى لقد سمعت محاضرة ~~ألقاها بعض المستشرقين عن مصحف فارسي مصور صورت فيه مثلا صورة يوسف وزليخا ... ~~إلخ. # ونما في هذا القرن تطعيم الأدوات والأواني المختلفة مثل: الخزف، والقاشاني، ~~والنحاس، والخشب، بمواد ثمينة كالعاج، والصدف، وتزيينها برسوم مختلفة. # ورأى المسلمون ان يحوروا الرسوم المحرمة إلى نقوش غير محرمة، كرسوم هندسية ~~ونباتية، وكثر ذلك في الدولة السلجوقية. # ووجدت عمائر كثيرة قد دخل فيها فن الزخرف، وإذا كان القرآن مقدسا مبجلا معظما، ~~دار كثير من الفن حول المصاحف، من كتابة جميلة للمصحف، على ورق جميل، وتجليده ~~بالجلد الفاخر، وتذهيبه وتحليته، كذلك بعث الدين على الإشادة بالحياة الأخرى، فكان ~~من أثر ذلك بناء المقابر، وزخرفتها، وبناء الأضرحة فوقها ... إلخ. # وقد زين المسلمون المحاريب بالنقش بالجص، وكلما أمعنوا في الترف أمعنوا في الزينة ~~الفنية بعد أن كانوا يعيشون في الصدر الأول عيشة بسيطة ساذجة، ووجدناهم يستخدمون ~~الذهب المذاب في طلاء الأواني الخزفية، وفي النحاس؛ ولكن على العموم لم يبلغوا في ~~تزيين المساجد ما بلغه المسيحيون من الأرثوذكس، والكاثوليك في تزيين ~~كنائسهم. # وبعد أن تحرر العرب من المؤثرات الأجنبية، وهضموا فنونها، صار لنقوشهم وعمارتهم ~~طابع خاص، حتى لا يمكن نسبتها لغيرهم، فابتدعوا فنا جديدا. # حتى في التحف الصغيرة كالدواة، والخنجر، ونقوش الغمد، وجلد القرآن، وأصبح لها ~~طابع خاص، غير ما كان عند غيرهم، وليس يضرهم اقتباس فنها من الأمم الأخرى، إنما ~~يضرهم وقوفهم عند تقليدهم المحض، وهو ما لم يفعلوه، فالعرب أنشئوا في سرعة حضارة ~~جديدة، وفنا جديدا، مختلفين عن الحضارات والفنون التي قبلهما، حتى إن الحكام ~~الذين قهروا العرب، ms390 وأرغموهم لحكمهم، كالتتار وغيرهم، اعتنقوا دينهم، وأسسوا ~~حضارتهم عليها، وكانت الحضارة الإسلامية، والفنون الإسلامية ذات أثر عظيم في العالم ~~غربية وشرقية، ولا فرق بين أن يكون منشئو الحضارة عربا، أو فرسا، أو مغاربة، ~~فكلها حضارة إسلامية، فليس يعود فضل العرب إلى أنهم نقلوا الفنون والعلوم ~~اليونانية، بل إنهم زادوا عليها من مخترعاتهم ومبتكراتهم. # | هوامش # الفصل الحادي عشر # | التجارة، والصناعة، والزراعة # نشطت الحركة التجارية في القرن الرابع الهجري نشاطا عجيبا، سواء في البر، أو في ~~البحر، وهذا ما وسع أفق الناس الجغرافي، وحسنت سمعة التجار المسلمين في ~~المعاملات، وضرب بهم المثل، حتى النساء اشتركن في هذه الحركة التجارية، فقد ذكروا ~~أنه في بلاد فارس الشمالية كانت حركة البيع في المنازل، وكان اللائي يبعن هن ~~النساء. # وكانت بغداد والإسكندرية تتحكم في الأسواق والأسعار، وكان اليهود مشتهرين ببيع ~~الرقيق، وكانوا يستحضرونه من النواحي الشمالية، ويتاجرون فيه، وكان التجار - على ~~العموم - يركبون الجمال إلى السويس، ويعدون البحر الأحمر، ثم يعبرون الصحراء ~~ثانية إلى جدة، أو يبحرون إلى الخليج الفارسي، والهند، والصين، أو يرحلون إلى ~~أنطاكية، إلى الفرات، إلى بغداد، إلى فارس، واضطرتهم التجارة إلى معرفة لغات كثيرة ~~من فارسية، وإسبانية، وصينية، وكانوا يستحضرون من كل بلد خير ما فيه، ويبيعونه في ~~البلاد الفقيرة إليه، وبعض التجار الكبار كانوا يعملون الحيل في الاتصال بملوك ~~الأقطار، وإنشاء علاقات معهم لتسهيل الشئون التجارية، فيحكى أن بعض التجار المسلمين ~~اتصلوا بملوك الصين، وأن بعض تجار اليونان والفرس اتصلوا بملك سيلان. # ولكثرة الأعمال التجارية، وصعوبة نقل الأموال، وخطورتها عرفوا الحوالات المالية، ~~وسموها «السوفتجة»، وناصر خسرو تسلم صكا من تاجر بأسوان بخمسة آلاف درهم، ~~معنونا بوكيل تاجر في عيذاب ليتسلمه منه، وكان في الصك: «أعط ناصرا كل ما ~~يطلبه، وقيد الحساب عليه». # ويحكي ابن حوقل أنه رأى صكا باثنين وأربعين ألف دينار لتاجر في سدنماسة؛ ~~مما يدل على اهتدائهم إلى المعاملات التجارية بطريق الصكوك، وكان الصرافون ~~والوكلاء يقومون مقام البنوك. # وقد عدت في ذلك الوقت أسماء كثيرة من التجار المشهورين ms391 بالغنى، واشتهر كل قطر ~~ببعض السلع، وكان التجار الماهرون ينقلون السلع من مكان إلى مكان، حسب المهارة ~~التجارية، ومن أجل هذه الحركة وجدت أماكن للمبيت والاستراحة في كل مرحلة تجارية، ~~وكانت هذه الأماكن تستخدم لمبيت التجار، ورباطات للمجاهدين، وأمكنة لعمال البريد، ~~وهكذا. # ولم يكن نشاطهم في البحر بأقل من نشاطهم في البر، ومن هذه الحركات نشأت أسطورة ~~«السندباد البحري»، وكان أهم بحار المسلمين في التجارة هو البحر الأبيض المتوسط، ~~والمحيط الهندي، فكانوا ينقلون التجارة على الجمال إلى السويس، ثم إلى الحجاز، ثم ~~إلى المحيط الهندي؛ وكانوا يقطعون على الجمال الصحراء من الخرما، إلى القلزم، ~~أو البحر الأحمر في سبعة أيام، واستخدموا لهذه الرحلات البحرية المراكب الشراعية ~~الكبيرة، حتى حكوا أن بعض المراكب كانت تعمل آلافا من الناس، ومعهم كثير من السلع ~~التجارية، وقالوا: إن سفن البحر الأبيض كانت أكبر من سفن المحيط، وكانت البصرة ~~أهم ميناء يبحر منه التجار إلى أنحاء العالم، وكان نجاح هؤلاء التجار مشجعا ~~لأمثالهم على أن يشتغلوا في التجارة، ويربحوا منها. وكتاب «ألف ليلة وليلة» مملوء ~~بالقصص عن هؤلاء التجار، وغيابهم وطول أسفارهم، وكانت الصين وروسيا ميدانا فسيحا ~~لهذه التجارات. # وقد أثرت حركة التجار الواسعة هذه في الحياة العامة للشعب، سواء في الحركة ~~الاقتصادية أو الاجتماعية، فمن الناحية الاقتصادية كانت التجارة مصدر ثروة لعدد ~~كبير من الناس، وأتباعهم، وأتباع أتباعهم، ومن الناحية الاجتماعية ملأت التجارة ~~البيوت بالرقيق من مختلف الأصناف، وتأثير الرقيق في الحالة الاجتماعية لا يخفى، ~~وربطت التجارة بين الأقطار الإسلامية ربطا محكما، وقلما كان يخلو ركب من التجار ~~من أن يصحبهم بعض العلماء يطلبون العلم، وخصوصا الحديث، وحببت التجارة إلى الناس ~~كثرة المغامرات، واكتساب اللذائذ من المخاطرات، وكانوا كلما اجتازوا مخاطرة، ~~واطمأنوا عن لهم أن يبدءوا مخاطرة جديدة، كالذي يصوره لنا «السندباد البحري»، بل ~~إن هذه التجارة كانت تغذي الفقهاء بالمسائل الكثيرة التي تعرض للتجار، ولم تكن ~~معروفة من قبل، كالذي نرى في كتب الفقه من الكلام على السوفتجة، والسلم، ~~والمزارعة، ونحو ذلك. # وكان ms392 بعض الأرقاء يأبقون مع ركب التجارة، فكثر قول الفقهاء في إباق العبيد، ~~وهكذا. فأعمال التجار، وما يصادفونه في حياتهم كانت مبعث أسئلة توجه للفقهاء ~~ليبحثوها، ويجيبوا عنها؛ بل تعرضت رحلة التجار لإثارة مسائل تتعلق بالعبادات، فإنهم ~~لما رحلوا إلى الشمال البعيد، ورأوا مدنا تستمر الشمس طالعة فيها أشهرا، وتغيب ~~أشهرا، سألوا عن حكم الصيام في هذه البلاد، وأوقات الصلوات، وهكذا، ولكن مع الأسف ~~لم يتعرض الفقهاء لتاريخ الحوادث التي أثارت هذه الأبحاث، بل تكلموا عنها مجردة ~~عن أي اعتبار آخر، ومن غير ربطها بما كان يحدث، ولذلك كانت جافة، ولو ربطت بهذه ~~الأحداث لكانت لطيفة مستساغة. # وهذه التجارة أشاعت في الناس خلق الاستقلال، وجعلتهم أفضل من العلماء والأدباء ~~الذين لا يجدون رزقهم، إلا من فتات الأمراء، فالتاجر كان ينشأ صغيرا، ويغامر حتى ~~يكسب الكثير، وبعضهم كان يكسب مائة وعشرين ألف دينار، أو أكثر. # هذا هو الكسب المادي، أما الكسب المعنوي فاللذة الحادثة من رؤية بلاد قد يخالف ~~دينها دينه، وتخالف عوائدها عوائده، ولا بأس أن تغرق المركب يوما ببضاعته، فيحمد ~~الله على السلامة، ويبدأ من جديد، وهكذا. # وأما الصناعة ، فقد ازدهرت في هذا العصر، وذلك بفضل تقدم العلوم كما شرحنا، ~~فاستخدموا ما اكتشفوا من العلوم، وما عرفوه من علوم اليونان، وما اقتبسوه من الأمم ~~الأخرى في ترقية صناعتهم، وكانت المدن الكبرى في البلاد الإسلامية تنقسم الصناعات ~~الكبرى، كصناعة المنسوجات، والورق في مصر، وصناعة الورق أيضا في سمرقند، والبسط ~~والسجاجيد في فارس ... إلخ. واشتهرت صناعة النسيج في مصر في تنيس، وكانت تصنع من ~~الكتان والحرير، وكانت الأقمشة التنيسية بيضاء، أما اليمنية فمنقوشة كأزهار ~~الربيع. # واشتهرت في تنيس مدينة تسمى «الديبق»، وإليها ينسب القماش المسمى بالديبقي، ~~وربما بلغ الثوب الديبقي مائة دينار، وفيها كانت تصنع المنسوجات للخليفة البغدادي، ~~ولا يدخل فيه من الغزل غير أوقيتين، وينسج باقيه بالذهب بصناعة محكمة، لا تحوج إلى ~~تفصيل، ولا خياطة، وتبلغ قيمته نحو ألف دينار، وكانت تنيس وحدها سنة 360ه تصدر ~~إلى العراق من الأقمشة ما ms393 يبلغ 20 ألف دينار إلى 30، وكانت تصدر تنيس أيضا ثيابا ~~رقيقة جيدة، كأنها المنخل، يسمى بالقصب، وكان هذا القصب يلون، ويعمل عمائم للرجال، ~~وكان النساء في مصر يغزلن الكتان في منزلهن، كما يفعل أهل سويسرا في صناعة الساعات، ~~وقلدت فارس مصر في صنع ثياب الكتان، وخصوصا مدينة كازارون، فكانوا يبلون ~~الكتان في البرك، ويغسلون خيوطه في نهر يسمى نهر الرهبان، وكان من خصائص هذا النهر ~~تبييض خيوط الكتان، ولا يغسل فيه إلا بتصريح من الأمير. ولم يشتهر القطن كثيرا ~~في هذا الزمان، واشتهرت مرو بصناعة نسيج القطن، فكانت تنتج ملابس ثقيلة؛ حتى إن ~~المتنبي يسميها «لباس القرود». # وانتشرت صناعة الحرير، وأعظم مصانع الحرير في ذلك العصر كانت بفارس، أخذها الفرس ~~عن الروم، واشتهرت خوزستان بذلك، وكانت الطنافس التي تفرش على الأرض تصنع بالعراق ~~في مدينة الحيرة، وقد استمدت صناعتها من الروم، واشتهرت صناعة الحصر في كل البلاد ~~الإسلامية. # وكان المصريون يصنعونها من البرد، كما اشتهرت صناعة ماء الورد، وأهم ما تصنع فيه ~~مدينة «جور» لشهرتها بالورد الجوري، وينقل من جور إلى سائر البلدان كالمغرب، ~~والأندلس، ومصر، واليمن، وبلاد الهند، والصين، ومما قدم الصناعة في القرن الرابع ~~اكتشافهم قوة المياه، واستخدامهم لها في إدارة الطواحين؛ كما أن أهل البصرة ~~استخدموا حركة المد والجزر، فأنشئوا عليها الأرحية؛ ذلك أن الجزر والمد يحدثان ~~عندهم مرتين في كل يوم وليلة، ففي أثناء المد يدخل الماء الأنهار، وفي أثناء الجزر ~~ينحسر الماء، فعمدوا إلى أرحية أقاموها على أفواه الأنهار، أما الجهات التي ليس بها ~~أنهار، فكانوا يستعملون الدواب في إدارة الطواحين. # وقد اشتهرت مطاحن الموصل، فكانت تصنع من الخشب والحديد، وتسمى الواحدة منها عربة، ~~وبعض الطواحين يستخدم فيه شدة هبوب الريح، حتى كان من دقتهم تنظيم سرعتها بواسطة ~~منافذ تغلق وتفتح. # وقد نقل المصريون صناعة الورق عن الصين، ولكن تقدموا فيها بواسطة تنقيته مما كان ~~يعلق به من ورق التوت ونحوه، وانتشرت صناعته في دمشق، وطبرية، وطرابلس، وسمرقند، ~~ولولا كثرته ما انتشرت العلوم انتشارها في ms394 هذا العصر، واشتهرت حران بصناعة آلات ~~الفلك، كالإصطرلاب، وبصناعة الموازين الصحيحة؛ واشتهرت المقدس بصناعة السبح؛ لكثرة ~~الزوار. # وأما الزراعة، فاشتهرت في هذا العصر، حتى ربما أمكن العالم الإسلامي أن يكفي ~~نفسه، فكانت العراق تكثر من زراعة الحنطة، والهند من الأرز، وفلسطين ومصر من ~~القلقاس، واشتهرت في البلدان كلها زراعة الكروم، واشتهرت زراعة العنب في اليمن، وهو ~~كثير الأصناف، يجود كل صنف منه في بلد. واشتهرت في هذا العصر فاكهتان، وهما: ~~الأترج، والنارنج، وكانت هاتان الفاكهتان نادرتين في هذا العصر، وقد جلبتا من ~~الهند إلى عمان، والبصرة، والعراق، والشام، واشتهرت زراعة البطيخ، واشتهر شمال فارس ~~بجودة الفاكهة، حتى بلغ أن كان البطيخ يقدد، ويحمل إلى العراق، وعلا شأن الرمان؛ ~~وكان أحسن التفاح في ذلك العصر تفاح الشام، حتى كان مضرب المثل في الحسن، ويحدثنا ~~الثعالبي في «لطائف المعارف» بأنه كان يحمل إلى الخلفاء في كل سنة منه ثلاثون ألف ~~تفاحة. # واشتهر في العراق، والحجاز، ومصر تصدير مقادير كبيرة من الثمر، وكان الناس في مصر ~~يستخدمون زيت المصابيح، من جذور البنجر واللفت، ويسمونه الزيت الحار، ولحاجتهم إلى ~~السكر كان يزرع في كثير من البلدان، وعملوا المربات، والفواكه المحفوظة، وملحوا ~~السمك، وأكلوا نوعا من الطين الأخضر كالسلق، كانوا يستعملونه بعد الأكل، يجلب من ~~نيسابور، ويسمى بالنقل، وكان الرطل منه ربما يباع في مصر بدينار. # وعلى الجملة، كانت الزراعة والصناعة والتجارة متعاونة، يمد بعضها بعضا، ولكثرة ~~عدد الأهالي نمت هذه العناصر الثلاثة في ذلك العصر، حتى ليحكي بعضهم أشياء عنها قد ~~لا يصدقها العقل، وربما كانت الزراعة هي العنصر الوحيد الذي لم يتغير في الشرق إلى ~~اليوم، فلا يزالون يستعملون آلات الزرع العتيقة من ساقية، وشادوف، وطمبور، ونحو ذلك ~~مما كان يستعمله قدماء المصريين. # قد تغيرت التجارة والصناعة كثيرا عن قبل، ولكن الزراعة لم تتغير كثيرا عما ~~كانت، إلا عند القليل الذين استعملوا الآلات الحديثة. # الفصل الثاني عشر # | القضاء والإدارة # من قديم وكبار الفقهاء يكرهون تولي القضاء، كالذي روي عن مالك، وأبي حنيفة من ms395 ~~كراهية تحمل المسئولية، وخوفا من الحيد ولو قيد شعرة عن العدل، إنما يتولاها من ~~أكره عليها، أو كان شرها يحب المال، ويقوي ضميره على تحمل المسئولية، وكانت أكبر ~~مشكلة في زماننا، وقبله اختلاط الاختصاص بين الوالي والقاضي، فكلاهما يرجو توسيع ~~الاختصاص، وكثيرا ما اصطدما، فمثلا: تزوجت امرأة رجلا ليس بكفء لها، كحادثة ~~الشيخ علي مع بنت السادات، وأنكر وليها الزواج، وطلب من القاضي فسخه، فامتنع، فذهب ~~أهلها إلى الأمير، فأمر القاضي بالفسخ، فامتنع أيضا، ثم فرق الأمير بينهما، وسبب ~~ذلك الاختلاط بين سلطة القضاء، وسلطة التنفيذ. وكان القاضي يتولى سلطانه من قبل ~~الخليفة، وكان كثير من القضاة ذوي عظمة وجلال، حتى يحضروا الولاة في مجالسهم إذا ~~احتاج الأمر، ويحكون عن القاضي ابن حربويه الذي توفى سنة 329ه أنه كان آخر من ركب ~~إليه الأمراء، وكان لا يقوم للأمير إذا حضر، وكان عزيز النفس، عدلا، حتى إن مؤنسا ~~الوالي الكبير مرض، فأرسل إلى القاضي يطلب شهودا، يشعرهم أنه أوصى بوقف على جهة من ~~جهات الخير، فقال القاضي: لا أفعل حتى يثبت عندي أنه حر، وكتب إلى الخليفة المقتدر ~~يسأله إذا كان قد أعتقه ، ولما وصل الكتاب أبى القاضي إلا أن يشهد عدلان أنه كتاب ~~أمير المؤمنين، وكان ابن حربويه هذا مثلا عاليا للقاضي، فلا يفعل أمام الجمهور ما ~~يحط من كرامته، وكان لا يتقيد بمذهب من المذاهب، بل يجتهد. ومن القضاة العظام في ~~هذا العصر أبو حامد الإسفرائيني قاضي بغداد المتوفى سنة 406ه، كتب إلى الخليفة يقول ~~له: «اعلم أنك لست بقادر على عزلي عن ولايتي التي ولانيها الله تعالى، وأنا أقدر أن ~~أكتب إلى خراسان بكلمتين أو ثلاث، أعزلك عن خلافتك»، حتى لقد كان بعضهم من القوة، ~~بحيث يستطيع أن يأمر بسجن أمير أو وزير، وكان من أعظم القضاة في ذلك العصر أبو ~~الحسن بن أبي الشوارب، فكان قاضيا عادلا مهيبا، وكان قاضي البصرة سنة ~~399ه. # ولم تكن عرفت المحكمة، ولكن عرفوا أن القضاء يجب أن يكون مباحا للجمهور، فكان ms396 ~~القضاة يجلسون في المسجد، أو على بابه، أو في دار القاضي، ويتقدم المتقاضون برقاع ~~فيها اسم المدعي، والمدعى عليه، وهي المسماة اليوم «عريضة الدعوى»، ويعطونها ~~للكاتب، وإذا حضر القاضي دفعها إليه، فيفصل فيها كلها أو بعضها، وإذا لم يستطع ~~أجل ما لم يستطعه إلى الغد، ويحكون أن إبراهيم بن الجراح كان مكروها من ~~المصريين، فكان يقضي في داره، ولما ولي هارون بن عبد الله قضاء مصر جعل مجلسه في ~~الشتاء في مقدم المسجد، واستدبر القبلة، وأسنده ظهره بالجدار، واتخذ مجلسه في الصيف ~~في صحن المسجد، واستمر الحال على ذلك إلى منتصف القرن الثالث الهجري، فمنع ~~الخليفة المعتضد من جلوس القاضي في المسجد، ولكن هذا النهي لم ينفذ، وكره أبو ~~العلاء المعري في عصره سيرة القضاة، والشهود المسمون بالعدول، فقال: # في البدو خراب أذواد مسومة # وفي الجوامع والأسواق خراب # فهؤلاء تسموا بالعدول أو التج # ار واسم أولاك القوم أعراب # ويعني بمن في الجوامع: القضاة، والشهود، ويقول في موضع آخر: # عدول لهم ظلم الضعيف سجية # يسمون أعراب القرى والجوامع # وكان الفقهاء أولا يكرهون أن يأخذوا أجرا في نظير قضائهم، ثم عين لهم أجر قليل، ~~فكان ابن حجيرة في مصر يتقاضى مائتي دينار في السنة، وكان عبد الرحمن بن سالم قاضي ~~مصر أيضا يتقاضى عشرين دنيارا في الشهر. # وكان بعض القضاة يتجر بجانب منصبه ليعيش عيشة محترمة، وقد رفع العباسيون ماهية ~~القضاة، فكان مرتب عبد الله بن لهيعة ثلاثين دينارا في الشهر، وفي عصر المأمون، ~~جعل للفضل بن غانم مائة وثمانية وستين دينارا في الشهر، ويقول الرحالة ناصر خسرو: ~~«إن مرتب قاضي القضاة في مصر ألفا دينار في الشهر» ... إلخ. # وقد انحط القضاء على توالي الأزمان، فقل أن ترى قاضيا محترما مهيبا ~~وقورا، كالذي كنت تراه من قبل. # أما الإدارة، فكان على رأسها الخلفاء، وقد رأيت من قبل كيف انحطت رتبهم، واستبد ~~بهم الوزراء، كما انحطت ثقافتهم؛ لأن الوزراء كانوا يكرهون خليفة مثقفا. # ويحكي صاحب كتاب العلوم أن الوزير أبا أحمد العباس بن ms397 الحسن كان راكبا، ومعه أحد ~~الكتاب الأربعة الذين يتولون الدواوين، فشاوره فيمن يرشح للخلافة بعد المعتضد، ~~وكان الوزير يميل إلى ابن المعتز، فأجابه الكاتب: إنه يجب ألا يولى في هذا الأمر ~~من عرف دار هذا، ونعمة هذا، وبستان هذا، ومن لقي الناس ولقوه، وعرف الأمور، ~~وحنكته التجارب. قال له الوزير: صدقت، فمن نقلد؟ فأشار الكاتب عليه بجعفر بن ~~المعتضد، وقال: إنه صغير، لا يدري أين هو، وعامة سروره أن يصرف من المكتب، فعمل ~~الوزير على تقليده، وكان صبيا في الثالثة عشرة من عمره، وهكذا حتى كانوا يفتشون ~~الكتب التي يقرؤها المرشح للخلافة؛ لئلا تكون فيها منفعة، بل تكون لهوا صرفا، ~~كالسندباد البحري، وألف ليلة وليلة، فما أكره الوزراء للخلفاء المتعلمين، ولذلك ضعف ~~شأن متولي الإدارة، وكانت دواوين كثيرة، لكل ولاية ديوان يدير شئونها، حتى وحد ~~المعتضد هذه الدواوين، وجعل منها ديوانا واحدا أسماه «ديوان الدار» له ثلاثة ~~فروع: ديوان المشرق، وديوان المغرب، وديوان السواد، أي العراق، ولم تكن العدالة ~~مرعية، فكثرت المصادرات، بل كثر التعدي على الأرواح، ولم يعد أحد يأمن على نفسه، ~~وعلى ماله حتى الخليفة، فكم صودر، وكم سلبت أمواله، أو سلمت عينه، وفشا في هذا ~~العصر أخذ المسائل الإدارية كالقضاء التزاما يلتزمون المرفق العام للخليفة، ثم ~~يستبدون بمن يليهم. يقول ابن المعتز: # أفما ترى بلدا أقمت به # أعلى مساكن أهله خص # وولاته نبط زنادقة # ملأى البطون، وأهله حمص # وتهافت أرباب الدواوين على الألقاب، وقد كانت العادة من قبل أن يكتب للناس من ~~فلان إلى فلان، ففي أول القرن الرابع كان يخاطب الوزراء والكبراء بيا سيدنا ~~ومولانا، وكان ابن سعدان يخاطب الوزير ابن عباد، بالصاحب الجليل، ويخاطب الصاحب ابن ~~سعدان بالأستاذ مولاي ورئيسي، ثم زادت الألقاب، حتى قال الخوارزمي: # ما لي رأيت بني العباس قد فتحوا # من الكنى ومن الألقاب أبوابا # ولقبوا رجالا، لو عاش أولهم # ما كان يرضى به للحش بوابا # قل الدراهم في كفي خليفتنا # هذا، فأنفق في الأقوام ألقابا # ولقبوا المارودي القاضي بلقب «أقضى القضاة»، ms398 وزادت الألقاب فيما بعد زيادة ~~كبيرة، وتشكلت بالشكل التركي، وزادت حتى فقدت قيمتها. # وكانت الإدارة المالية سيئة جدا؛ لأنها شديدة الحساسية، يحلها مليم، ويعدلها ~~مليم؛ وذلك لأنها كانت سيئة في دخلها، تعتمد كثيرا على المصادرات التي شرحناها من ~~قبل، وفي خرجها إذ كثرت النفقات للإسراف في الترف، كما بينا، وكانت جباية الأموال ~~غير عادلة، ولا دقيقة. # ويروي لنا المؤرخون أن بعض الملاك يبيعون أرضهم بيعا صوريا لأولاد الأمراء ~~ليقل الخراج عليهم، وبدأت ميزانية الدولة تنحط، ويزيد الخرج على الدخل، فكان مقدار ~~الميزانية حسب ما وصلنا في عهد المقتدر على حسب تقدير الوزير المشهور علي بن عيسى ~~نحو 1904ه 1450 دينارا، أضاعها كلها الخليفة المقتدر، كما أضاع ما تجمع عنده من ~~الخلفاء قبله؛ وذلك بسبب كثرة الجند، وشغبهم، ومطالبتهم بالزيادة، حتى اضطر أن يبيع ~~دياره، وفرشه، وآنية الذهب التي عنده، وبلغ من فقر بيت المال في أيام المطيع لله ~~سنة 361ه أن باع ثيابه، وأنقاض داره؛ ليدفع 400 ألف درهم طلبت منه للجند في أثناء ~~الفتنة ببغداد. # والسبب في قلة الدخل أن كثيرا من الممالك انفصلت عن الدولة العباسية واستقلت، ~~كإفريقيا، وخراسان، ومصر، وفارس، وما وراء النهر، وكلها كانت تدر مالا كثيرا على ~~الدولة في بغداد. وتململ الناس في عصرنا هذا من كثرة الضرائب، فبدأ الخلفاء ~~يخفضونها من عهد المأمون، ونقصت الجزية، وكانت موردا كبيرا للمال بسبب اندفاع ~~الناس إلى الدخول في الإسلام، وكان العهد عهد إقطاع، وهو عهد ظالم، كالذي شاهدناه ~~في عصرنا، وزاد الطين بلة إفراط الخلفاء، ومن إليهم في أسباب الترف، فانغمسوا في ~~اقتناء الجواري من كل الأصناف، واتخذوا الفرش من الخز والديباج والحرير، والمسامير ~~من الفضة، وأكثروا من المتنزهات، والقصور، والمدن، ومجالس البيوت، وتأنقوا في ~~الطعام واللباس تقليدا للفرس، وتحول الغنى من الخلفاء إلى النساء والخدم ~~والقواد، حتى حكى صاحب المستطرف أنه كان بين رياش أم المستعين بساط أنفقت على صنعه ~~130 مليون دينار - على ما يقولون - فيه نقوش على أشكال الحيوانات والطيور، أجساما ~~من الذهب، وعيونها ms399 من الجواهر، حتى ليذكروا أن شاعرا مدح امرأة فأعطته درا قوم ~~بعشرين ألف دينار، وكثر الإعطاء للمداح من الشعراء، كما يحدثنا صاحب الأغاني، حتى ~~لا يكاد الإنسان يصدق ما يحكيه من العطاء لكثرته. # وكثر الإعطاء من المال للوزراء والقضاة والقواد، حتى بلغت ماهية الحسين بن علي ~~الماذراني والي مصر في أول القرن الرابع 3000 دينار في الشهر؛ هذا عدا ما يفرضه ~~الخلفاء لأنفسهم وأهليهم، خصوصا وقد منعوا السلطة، فصارت في يد وزرائهم من ~~الأتراك. # والحق أن الإدراة المالية إذا اختلت اختل تبعا لها كل شيء، من علم، وتجارة، ~~وزراعة، وصناعة، فعجيب أن يزهر العلم في هذا العصر، حتى يبلغ ذروته، ويختل النظام ~~المالي، وهذا يدلنا على أنه قد تختل السياسة، ويختل المال، ويزهر العلم؛ لأن اختلال ~~السياسة، واختلال المال لا يظهران إلا بعد عهد طويل. # وكان من أهم المصالح الإدارية مصلحة البريد، وقد عني بها المسلمون من العهد ~~الأموي، كما عني به العباسيون، وكانت مصلحة البريد تقوم بوظائف أكثر مما تقوم به ~~مصلحة البريد اليوم، فكانت تقوم بما تقوم به اليوم مصلحة المخابرات؛ إذ كان رجال ~~البريد مكلفين بإخبار الخلفاء بكل حركة يقوم بها كبار العمال؛ حتى يتأهبوا لها، ~~ولذلك يروى أن طاهرا أمير خراسان، وأول من انفصل عن الدول، وأسس الدولة الطاهرية ~~قطع الخطبة للمأمون على المنبر؛ وكلمه في ذلك صاحب البريد، فاعتذر بأنه نسيان منه، ~~وتقدم إليه ألا يكتب للخليفة، وتكرر منه ذلك ثلاث مرات، فقال له صاحب البريد: إن ~~كتب التجار لا تنقطع عن بغداد، وإن اتصل هذا الخبر بأمير المؤمنين من غيري لم آمن ~~أن يكون سبب زوال نعمتي، فقال: اكتب إليه. وكان الخلفاء لا يحجبون صاحب البريد، ولو ~~جاء في نصف الليل، علما منهم بأن مبادرة الأمور في أوائلها خير من الانتظار ~~عليها. # ولذلك قال المنصور: «ما أحوجني أن يكون على بابي أربعة نفر، لا يكون على بابي أعف ~~منهم، أما أحدهم فقاض لا تأخذه في الله لومة لائم، والثاني: صاحب شرطة ينصف الضعيف ~~من ms400 القوي، والثالث: صاحب خراج يستقصي، ولا يظلم الرعية، والرابع: صاحب بريد يكتب ~~خبر هؤلاء على الصحة». ولذلك كان العمال يخافون من صاحب البريد، ويعتبرونه جاسوسا ~~عليهم عند الخليفة، وأحيانا يجعل الخلفاء بينهم وبين أصحاب البريد رموزا، أشبه ما ~~تكون بالشفرة اليوم، حتى لا تقع في يد العامل، فيعرف محتوياتها، هذا ما يتعلق ~~بالخلفاء، يضاف إلى ذلك مكاتبات الناس، وأحيانا ينتهز بعض الناس فرصة البريد، ~~فيركبون معه؛ لأن ذلك آمن لهم، وفي بعض الأحيان كانت ميزانية البريد 159100 دينار ~~في السنة. # أما وسائل البريد، فكانت أمورا كثيرة: ~~(1) # الجمال والأفراس، وربما كان المقصود بالجمال هو ما يسمى الآن ~~«الهجين»؛ لسرعة سيره، وربما بلغت قافلة البريد أربعين أو خمسين جملا، ~~وقد أعدت للبريد شبكة من الطرق، تشبه شبكة القطارات اليوم. ~~(2) # السفن في البحار، وقد يستعملان معا. ~~(3) # الرجال العداءون، وخاصة في المدن الكبيرة كبغداد. ~~(4) # الحمام الزاجل؛ فيربطون ورقة، ويعلقونها بعد تمرين الحمام على السير ~~على مواقع يعلمونها. ~~(5) # أحيانا يستعملون سهما يضعون فيها قصبة فيها ورق، ثم يطلقونها، ~~فيستلمها آخر، ويفعل بها مثل ذلك. ~~(6) # وأحيانا يستعملون ماء النهر فيضعون فيه الخرائط من الجلد، مكتوبا ~~عليها اسم صاحبها. # وأحيانا يستعمل البريد لحمل بعض الناس الذين يأمر الخليفة بإحضارهم، وكانت توضع ~~في أعناق الدواب سلاسل وأجراس تسمعها المدينة، فتعرف أن البريد حضر، ويسمونها عادة ~~«قعقعة البريد»، وكانت تقسم الطرق إلى مراحل، وفي كل مرحلة فندق كبير ينزل فيه عمال ~~البريد ليرتبوا شئونهم فيه، وهكذا إلى أقصى المملكة الإسلامية. # وقد أدت مصلحة البريد هذه خدمات كبيرة إلى المملكة الإسلامية من مثل قمع الفتن، ~~ومنع المشاكل من الحدوث بسبب التأهب لها، وكثيرا ما حملت العلماء من مكان إلى مكان ~~ليحصلوا العلم، والتاريخ مملوء بذلك. # وهناك عمال آخرون لحفظ طرق البريد، وإمدادها بالأفراس، أو الإبل الملاح، وحماة ~~يحمونها من القطاع والسراق. # | خاتمة # من هذا نرى أن الحركة العلمية في القرن الرابع كانت على أشد ما يكون، وأنه لم ~~يشهد مثلها القرن الذي قبلها، ولا الذي بعدها، وأنه لم يخل فرع ms401 من فروع العلم ~~المعروفة في زمنهم من علماء يبحثون فيه ويوسعونه، وأن الفقر كان نصيب العلماء إلا ~~من اتصل بالقصور، وأنه رغم انحطاط السياسة لم يتأثر العلم بها، فكان العلم والسياسة ~~في ذلك الزمان ككفتي ميزان رجحت إحداهما، وهي كفة العلم، وشالت الأخرى، وهي كفة ~~السياسة، وربما كان السبب في ذلك أن السياسة تحتاج إلى زمن طويل، حتى يظهر أثر ~~ضعفها في الحياة العامة، وهذا ما كان لأنها أثرت في العلم أثرا سيئا في القرون ~~التي بعد هذا القرن، بل ربما كانت السياسة في قرننا هذا سببا غير مباشر لرقي العلم ~~من جهتين: الأولى: أن العلماء لما رأوا سوء السياسة، وظلمها، وعنتها، واضطرابها، ~~كرهوها، وانصرفوا إلى العلم، وهو الملجأ الآمن المطمئن، حتى كان بعضهم يأنف كل ~~الأنفة أن يتصل بأمير أو وزير، ويتعفف عن زيارة السلطان وأعوانه، ويفضل العيش ~~النكد مع السلامة، على العيش الرغد مع الخوف، والثانية: اتخاذ الأمراء، والوزراء ~~العلماء زينة يزينون بها مملكتهم، فلفت ذلك نظر بعض الناس أن يتعلموا ليتصلوا ~~بهم، وينتفعوا مما في أيديهم، فكان هذا السبب سببا في كثرة العلم، سواء المعرضون ~~عن الولاة، أو المقربون إليهم. # ونرى أنه في هذا العصر زاد التصوف، ونما وازدهر، وذلك لجملة أسباب: ~~(1) # الارتقاء الطبيعي مع مرور الزمن. ~~(2) # فساد الدنيا، فحمل بعض الناس على أن يتركوها لأصحابها، ويطلبوا الله ~~والآخرة. ~~(3) # ما كان من قيام الفقهاء على الصوفية، وتحريض الأمراء على التنكيل ~~بهم، كالذي رأينا من قصة غلام الخليل والحلاج، فدعا إلى ذلك إلى اضطهاد ~~الصوفية، والناس دائما أعطف ما يكونون على المضطهد، والفكرة إذا ~~اضطهدت كان اضطهادها علامة حياتها. # ورأينا في هذا العصر كثرة المذاهب، وكثرة الاحتكاكات بينها، كالاحتكاك بين ~~المذاهب الفقهية المختلفة، والاحتكاك بين الشيعة والسنية، والاحتكاك بين الفقهاء ~~والصوفية، والاحتكاك بين المحدثين والفلاسفة، وهذه الاحتكاكات المختلفة سببت نشاطا ~~عجيبا في الحركة العلمية؛ إذ كان كل فريق يرى أن يتسلح أمام الخصوم بكل الوسائل ~~ليتغلب عليهم. # ولعل ذلك كان من الأسباب التي روجت الفلسفة اليونانية بين المسلمين؛ ms402 لأن منطقها ~~أقوى سلاح يتسلح به. # وربما كان هذا العصر خاتمة العلم الإسلامي، نعم كان بعده علم، ولكن ليس إلا ~~ترديدا لعلم القرن الرابع. # وربما كان السبب في ذلك إقفال باب الاجتهاد في هذا العصر، فشمل الخمود والجمود كل ~~علم، وكل أدب، وانتشر في العلماء قلة الثقة بأنفسهم، وزعمهم أن ليس للآخرين ما كان ~~للأولين، وربما كان من الأسباب أيضا السياسة الفاسدة بعد أن طال زمنها، ووصل ~~تأثيرها السيئ إلى العلم، ثم جاءت نكبة التتار، فذهبت بالبقية الباقية من هذه ~~الحركة العلمية. # ومما يؤسف له أن نرى العلماء في ذلك العصر الزاهر انطووا على أنفسهم، وتركوا ~~الظالمين من غير أن يقفوا في سبيلهم، ولم يستطيعوا أن يضحوا، فيجهروا بالحق أمام ~~الظالمين، والأدباء الذين ارتفع صوتهم ارتفعوا بمدح الظالم لا بردعه، وتحريضه لا ~~قمعه، ولم يكن عندهم شعور بأنهم مسئولون عن ظلم الظالم، والصوفية الذين كانوا مظنة ~~الجهر بالحق انطووا أيضا على أنفسهم، وغسلوا أيديهم من هذا العالم، والوعاظ الذين ~~كانوا يعظون، كانوا يعظون الشعب بتحمل الظلم، ولا يعظون الظالم بالارتداع عن الظلم ~~...! # وكان إحساس الناس بالظلم والعدل ليس إحساسا مرهفا، بل قد يعدون الظلم فضيلة، ~~فنحن نرى أن الزجاج النحوي المشهور كان يفرض جعلا على أصحاب المظالم؛ ليرفع الرقاع ~~إلى الوزير، والوزير هو الذي مكنه من ذلك، والناس يصفونه بالصلاح والتقوى، والشعراء ~~يمدحون إذا أعطوا، ويهجون إذا لم يعطوا، وقل أن يمدحوا أميرا بالعدل، أو يهجوه ~~للظلم، والقصيدة في المدح أو الهجاء يصلح أن تنطبق على كل أحد سواء من استحق المدح ~~أو الذم، وليس فيها تحليل دقيق لنفسية الممدوح أو المهجو. # والناس يحترمون العالم ويوقرونه؛ لأنه زهد فيما في أيديهم، لا لأنه سعى في خيرهم ~~أو كشف الغمة عنهم. # على كل حال، لو سار العلم على طول الخط، كما سار في القرن الرابع الهجري؛ لكان ~~شأننا غير شأننا اليوم، ولكان منا المخترعون المبتكرون، ولكن الجمود من جانب، ~~والظلم من جانب؛ أماتا النفوس، وجعلا اليقظة صعبة. # ثم من الأسف أيضا ms403 أن أقبل الناس كثيرا على النظريات المجردة، أكثر من إقبالهم ~~على العمليات المجربة، مما نرى في مثل فلسفة الفارابي، والإمعان فيما وراء الطبيعة ~~التي هي عبارة عن خيال في خيال، فأما نمط أمثال ابن الهيثم في ابتكاراته، فقد مات ~~تقريبا. # وانصب الأدب في قوالب هي عبارة عن زينة لفظية، لا معنى غزير، ووقفوا عند المنهج ~~الذي رسمه من قبلهم، فلا وزن يخترع، ولا نوع يبتكر، إلا أنواعا سخيفة كالغزل ~~بالمذكر الذي اخترعه أبو نواس، او الفحش الفاجر الذي أفاض فيه ابن حجاج، وابن سكرة، ~~أو استجداء وحيل لكسب، كالذي اخترعه بديع الزمان، والحريري. # وغلب منهج المحدثين في كل شيء، بما فيه من خير أو شر، فما فيه من الخير، هو الدقة ~~في الرواية، ونقد الرواة، والحرص على السند والإجازة، والشر في الاعتماد على النقل ~~دون العقل، وتقديس ما في الكتب، وتخريج عبارات المؤلفين، وإن كانت تصرخ بالخطأ إلى ~~غير ذلك، وظل هذا المنهج يعمل به في الأوساط الشرقية، وأخيرا فقد ظل العالم ~~الإسلامي طوال القرون العديدة يتغذى بعلم القرن الرابع، وأدبه، ومنهج علمائه إلى ~~اليوم. # ونرى من كل هذا العلم العربي، وإن شئت فقل الإسلامي، بلغ في هذا العصر ذروته، ~~وكان مظهره مصداقا لما قلنا من قبل، من أن العلم ليس بضروري أن يلازم السياسة في ~~رقيها وانحطاطها، فقد ترتقي السياسة، وينحط العلم، وقد يكون العكس كما ذكرنا، ~~والسبب في الارتقاء يعود إلى: ~~(1) # امتزاج العلوم والثقافات لم يكن تم نضجه إلا في عصرنا هذا. ~~(2) # أن العلماء المسلمين وجدوا أساسا صالحا، فكان من نشاطهم أن بنوا ~~عليه. ~~(3) # أن المعتزلة كانت فرقة جادة مفكرة، أثمرت ثمارها في هذا العصر، ولكن ~~مع الأسف لم يمض هذا العصر حتى أخذ نجمهم في الأفول، وبحر العلوم في ~~الانحسار. # ولذلك أيضا أسباب عكسية: # أولا: # غزوة التتار، وما أعقبته من تخريب ودمار، حتى أهلكت الأنفس، ~~وأغرقت الكتب. # وثانيا: # سد باب الاجتهاد لما رأى العلماء أنهم عاجزون عن بلوغ شأو من ~~قبلهم، وكان كل ما يأملون أن يسيروا ms404 على منهجهم، ويجروا على ~~منوالهم. # وثالثا: # اضطهاد المعتزلة على يد المتوكل ومن بعده، حتى خفت صوتهم، وقد ~~كانوا دعاة الحرية والتفكير، والتحذير من الخرافات والأوهام، ~~وغلبهم المحدثون، وهم دعاة النقل، والرواية، والوقوف عند ~~النص. # ورابعا: # غلبة الأتراك، وهم - والحق يقال - عنصر لم يكن مثقفا ثقافة ~~تامة، ولا مشجعا للثقافة، وقد كانت العصور الماضية على العموم ~~يعتمد علماؤها وأدباؤها على الولاة والأمراء الذين يفهمون علمهم ~~وأدبهم، فلما عز من يفهم، لم يتشجع العلماء على أن يظهروا علمهم، ~~فظللنا من آخر القرن الرابع تقريبا، ونحن في عماء، ومصداق ذلك ما ~~نراه من الموسوعات «كالمسالك والممالك»، و«صبح الأعشى»، و«نهاية ~~الأدب»، فكلها تقريبا ليست إلا جمعا لأشتات المتشابهات من غير ~~تجديد. # ومن ملاحظتنا أن الأدب قد نما وترعرع أكثر من العلم بالمعنى الدقيق، فقد بلغ ~~الأدب ذروته، وكانت الفوضى السياسية التي بدأت من قديم تعمل عملها، وتظهر نتائجها؛ ~~وكان الأدب في الجاهلية أسلوبا أكثر منه موضوعا، وكان في العصر الأموي أدب أحزاب ~~أكثر منه أدب أمة، وجاء العصر العباسي الأول ثم الثاني، فانتقلت معاني الفرس، ~~والهنود، وفلسفة اليونان إلى اللغة العربية، وكانت غذاء صالحا للأدب، وجاء أمثال ~~ابن المقفع، والجاحظ، وجعلوا للأدب موضوعا ، وجعلوا له أسلوبا، وجاء بشار وأبو ~~نواس، فعبرا التعبير الصادق عن الحياة الاجتماعية الجميلة، لا الحياة الجاهلية ~~القديمة، وجرى الشعراء على أثرهما، فلما جاء القرن الرابع، كان قد نضج كل ذلك، وأخذ ~~الكتاب والشعراء يدخلون المعاني الجديدة في الأدب الجديد، فكان النثر والشعر يعبران ~~تعبيرا صادقا عنه في الغالب. هذا إلى أن كثرة الأموال في الدولة، وعيشة الترف ~~والنعيم عدت الأدب، فأخذ هو الآخر، يتزين ليعجب المترفين، وأخذ ما كان يبنى على ~~الذوق الفطري من نقد يتحول إلى علم ذي قوانين، وكان القرن الرابع نهاية ~~المطاف. # إنك لتقرأ تاريخ كثير من الأدباء فتراهم نكبوا؛ لأنهم ناصروا بعض البويهيين، فلما ~~انتصر عليهم خصومهم، أهينو أشد أنواع الإهانة، وابن سينا الفيلسوف الكبير لعبت به ~~السياسة لعبا كبيرا حتى فر أحيانا، وإذا كان الخلفاء ms405 والأمراء يقتلون أحيانا، ~~وتسمل أعينهم أحيانا، ويستجدون الناس على أبواب المساجد أحيانا، فما بالك ~~بالعلماء والأدباء؟ إن هؤلاء كلهم لو عاشوا في جو هادئ لأنتجوا خيرا مما أنتجوا، ~~ولاستفاد الناس منهم أكثر مما استفادوا، فسلسلة الاضطرابات السياسية قطعت سلسلة ~~العلم والأدب، فقد ظلا نائمين خادمين إلى النهضة الحديثة، حتى لو أننا فقدنا نتاج ~~القرون الماضية من القرن الخامس إلى عصر النهضة لم نكن فقدنا كثيرا. # والعلم والأدب عادة في أشد الحاجة إلى هدوء بال، وطمأنينة نفس، وراحة في الرزق، ~~فما لم توجد هذه الثلاثة لا يستوي لهما طريق، ولا يؤمل لهما نجاح، شأنهما شأن ~~الزهرة الناعمة؛ إذا عصفت بها العواصف، ولم ترو في أوقاتها ذبلت، أو ضعفت. # وقد أخرج هذا العصر كثيرا من الأمراء والوزراء الذين شجعوا الحركة العلمية، إما ~~لرغبتهم في العلم، وإما لتزيين مجالسهم بالعلماء، كما تزين بالتحف الطريفة؛ ذلك ~~أنهم فيما مضى من العصور العباسية، كانت بغداد وحدها هي مقصد العلماء، والشعراء، ~~والأدباء؛ لأنها عاصمة المملكة الإسلامية كلها، فلم يك ينبغ نابغ في أي قطر، ويحب ~~أن يشتهر إلا ويقصد بغداد لينال هذه الشهرة. # فلما انقسمت الدولة الإسلامية إلى دول ودويلات صغيرة، تعددت العواصم، وتعددت ~~رحلات العلماء والأدباء، فمنهم من كان يقصد القاهرة، ومنهم من كان يقصد حلب، ومنهم ~~من كان يقصد الري، أو شيراز، أو بغداد، أو غيرها من البلاد، وكانت هذه المدن تتنافس ~~في اجتذابها للعلماء، واشتهر في هذا العصر من الأمراء البويهيون في العراق، ~~والفاطميون في القاهرة، والحمدانيون في حلب والجزيرة، والسامانيون فيما وراء النهر، ~~وكل هؤلاء قربوا العلماء والأدباء إليهم، وأنفقوا على العلوم العربية، والآداب ~~العربية، حتى إن بني بويه مع فارسيتهم، شجعوا اللغة العربية، والأدب العربي أكثر ~~مما شجعوا الأدب الفارسي، واللغة الفارسية. ومن غريب أمرهم أنهم عدوا البلاغة وسيلة ~~الوزارة؛ ذلك لأن الأدباء كانوا هم السياسيين، يتثقفون في السياسة ثقافة عامة مع ~~الأدب، ولم تكن السياسة قد أصبحت علما كما هو اليوم، إنما كانت تدرك بالذوق ~~الفطري، وتستفاد من التجارب، ومن ms406 كتب التاريخ؛ لهذا رأينا من أشهر الوزراء ابن ~~العميد، والوزير المهلبي، والصاحب ابن عباد، وفي القاهرة يعقوب بن كلس، وغيرهم، ~~وكلهم علماء أدباء، ولذلك تجد في كتبهم ورسائلهم كثيرا من المعلومات السياسية ~~العامة، فابن العميد كان أديبا كبيرا، وله مذهب في الأدب معروف، مؤسس على السجع ~~والجناس، وسائر أنواع البديع، وله كذلك شهرة كبيرة في السياسة، وقصده الناس ~~والعلماء من كل ناحية، فهو يملي عليهم، ويقترح على الأدباء موضوعات يقولون فيها ~~الشعر. وهذا الوزير المهلبي كان فقيرا وبائسا، وكان من قوله: # ألا موت يباع فأشتريه # فهذا العيش ما لا خير فيه # ألا موت لذيذ الطعم يأتي # يخلصني من العيش الكريه # إذا أبصرت قبرا من بعيد # وددت لو أنني مما يليه # ألا رحم المهيمن نفس حر # تصدق بالوفاة على أخيه # فلما ظهر أدبه استوزر، وعاش عيشة مترفة ناعمة، وكان يجلس الأدباء والشعراء في ~~مجلسه، ومن جلسائه أبو الفرج الأصفهاني، وهذا الصاحب ابن عباد يقول الشعر وينقده، ~~ويقود حركة فكرية رائعة، ومن حبه للعلم والأدب أنه كان يرسل إلى بغداد كل عام خمسة ~~آلاف دينار تفرق في الأدباء والفقهاء، وكان يطمح أن يتملك العراق، فيستكتب أبا ~~إسحاق الصابي. # وهذا ابن سعدان ، كان وزير صمصام الدولة، وكان يأنس بالفلسفة أكثر مما يأنس ~~بالأدب، وكان من جلسائه أبو حيان التوحيدي، وتدل أسئلته التي كان يسألها أبا حيان ~~في النفس وخلودها، ونحو ذلك على أنه ذو عقلية فلسفية، وكان يعتز بجلسائه، ويفتخر ~~بأنهم خير من ندماء المهلبي، فكان من جلسائه عيسى بن زرعة النصراني المتفلسف، وابن ~~عبيد الكاتب، وابن حجاج الشاعر، وأبو الوفاء المهندس، ومسكويه، وأبو القاسم ~~الأهوازي، وبهرام بن أردشير، وكان يقول: «ما لهذه الجماعة بالعراق شكل ولا نظير، ~~وإنهم لأعيان أهل الفضل، وسادة ذوي العقل، وإذا خلا العراق منهم خلا من الحكمة ~~المروية، والأدب الغزير، وهل عند ابن عباد إلا صاحب الجدل الذين يشغبون ~~ويحمقون؟» # 1 # وهذا سابور بن أردشير، وزير بهاء الدولة البويهي، كان كاتبا سديدا، ~~جمع كثيرا من الشعراء كغيره من ms407 الوزراء كالسلامي، والببغاء، والنامي، ~~والحاتمي. # ومن العجيب أن آل بويه هؤلاء شهروا بالظلم، وكثرة المصادرة للأموال، والنهب من ~~الأغنياء، حتى إنا نجد بعض الرسائل التي وصلت إلينا من هذا العهد البويهي مملوءة ~~بالشكوى من الظلم، فيقول الصابي مثلا في بختيار البويهي: «فما زال بختيار يسيء ~~الاختيار، ويتنكب الصواب، ويتجنب الإصلاح، ويمزق الأموال، ويعرض الدولة للزوال، ~~ويهرج الأولياء أشد الإهراج، ويحملهم على أعوج المنهاج، ويخرب الأوطان، ويشتت ~~الأقران، ويقتل الكفاة، ويستكفي الغواة؛ إلى أن بلغ من فاسد سيرته، وضال طريقته، ~~أن استكتب محمد بن بقية، المحيط بكل خلة دنية»، وربما كان هذا الوصف ينطبق على أكثر ~~البويهيين وعمالهم. # ويقول أبو بكر الخوارزمي في وصف سيرة حاكم: «فما زال يفتح علينا أبواب المظالم، ~~ويحتلب فينا ضرع الدنانير والدراهم، ويسير في بلادنا سيرة لا يسيرها السنور في ~~الغار، ولا يستجيزها المسلمون في الكفار، حتى افتقر الأغنياء، وانكشف الفقراء، وحتى ~~ترك الدهقان ضيعته، وجحد صاحب الغلة غلته، وحتى نشف الزرع والضرع، وأهلك ~~الحرث والنسل، وحتى أخرب البلاد، بل أخرب العباد، وحتى شوق إلى الآخرة أهل ~~الدنيا، وحبب الفقر إلى أهل الغنى ... والله ما الذئب في الغنم بالقياس إليه إلا من ~~المصلحين، ولا السوس في الخز في الصيف عنده إلا من المحسنين»، ويصف بديع الزمان ~~الهمذاني أحد قضاتهم فيقول: «يا للرجال، وأين الرجال؟ ولي القضاء من لا يملك من ~~آلاته غير السباب، ولا يعرب من أدواته غير الاختذال، وما رأيك في سوس لا يقع إلا في ~~صوف الأيتام، وجراد لا يسقط إلا على الزرع الحرام، ولص لا ينتقب إلا على خزانة ~~الأوقاف». ويقول بعض الشعراء: # إن شئت أن تبصر أعجوبة # من جور أحكام أبي السائب # فاعمد من الليل إلى صرة # وقرر الأمر مع الحاجب # حتى ترى مروان يقضي له # على علي بن أبي طالب # ومع ذلك؛ كانوا يغدقون على العلماء إغداقا كبيرا، فهم على الجملة نهابون ~~وهابون. # فإن نحن تجاوزنا بني بويه في العراق، وما حوله وجدنا في القاهرة الفاطميين الذين ~~شجعوا العلم والأدب أكبر ms408 تشجيع، فهذا الحاكم بأمر الله ينشئ «دار الحكمة»، وهؤلاء ~~العلماء يجتهدون في كل أنواع العلوم، وهذا وزيرهم - مثلا - يعقوب بن كلس الذي كان ~~من أصل يهودي وأسلم، قال فيه ابن خلكان: «كان يحب أهل العلم، ويجمع عنده العلماء، ~~ورتب لنفسه مجلسا في كل ليلة جمعة، يقرأ فيه مصنفاته على الناس، ويحضره القراء ~~والفقهاء، والنحاة، وغيرهم من وجوه الدولة، فإذا فرغ من مجلسه قام الشعراء ينشدونه ~~المدائح، وكان في داره قوم يكتبون القرآن، وآخرون يكتبون كتب الحديث، والفقه، ~~والأدب، حتى الطب، وكان يقيم كل يوم خوانا لخاصته من أهل العلم والكتابة، وخاصة ~~أتباعه»، ولعل خير ما يمثل ميلهم إلى العلم بناؤهم للأزهر الخالد إلى اليوم. # وهذا سيف الدولة في حلب والجزيرة، كان مجلسه مملوءا بالشعراء والأدباء، وفيه بعض ~~الفلاسفة كالفارابي، وبعض النحويين كابن خالويه. # وكان أيضا حاكما ظالما كالبويهيين، سهل له قاضيه كل مظلمة، حتى قال القاضي ~~يوما: «من هلك فلسيف الدولة ما ملك»، فكان سيف الدولة أيضا نهابا وهابا، ~~يصادر الناس في أموالهم، ليمنحها للمتنبي وأمثاله، فيصوغون له قلائد المدح؛ وينطبق ~~عليه الحديث: «ليتها ما زنت، ولا تصدقت». # لهذا كله أنتج القرن الرابع هذا كثيرا من العلماء في كل علم ، مثل: إبراهيم ~~المروزي، والقدوري، والطحاوي، وابن السريج في الفقه، والدارقطني، والنيسابوري، ~~وغيرهما في الحديث؛ وأبي على الفارسي، وابن دريد، والنحاس، وابن فارس، وابن جني، ~~والزجاج، وابن درستويه، وابن السراج في النحو واللغة؛ والمتنبي، وأبي فراس، ~~والناشئ، والنامي، وابن حجاج، وابن سكرة، وابن طباطبا، والخالديين في الشعر، وأبي ~~هلال الصابي، والخوارزمي، وجحظة البرمكي، وبديع الزمان الهمذاني، وعلي بن عبد ~~العزيز الجرجاني في الأدب؛ والطبري وابن زولاق، والشابشتي، والمسبحي في التاريخ، ~~وابن جنزابة، والإصطخري، وغيرهما في الجغرافية، وابن مقلة في الخط، والجبائي، ~~والحسن الأشعري، والكعبي، والبلخي في علم الكلام، وابن نباتة في الخطابة، فكل هؤلاء ~~نشطت حركتهم، وكثر علمهم وأدبهم، مما لا أظن أن عصرا من العصور أخرج مثلهم، حتى ~~جاءت الحركة الحديثة التي نشأت من الاحتكاك بالأجانب، والاقتباس من مدينة تغاير ms409 ~~المدينة الإسلامية في كل ناحية من نواحي العلم والفن والحضارة، فأخذنا عنهم، وسرنا ~~سيرهم، وتفتحت عيوننا بعض الشيء، فأخذنا نغربل القديم وننقده بأعيننا الجديدة، ~~وصار أمامنا مدينتان مختلفتان: لعل المدينة الغربية منهما أوفر علما بمعنى العلم ~~الحديث، وعلى أثر ذلك بدأت الحياة العلمية في الشرق تدب من جديد، وأمامها مادة ~~وفيرة من المدنية الإسلامية، ومادة وفيرة من المدنية الغربية. # والمتأمل فيما يجري يرى أننا متجهون إلى اقتباس العلم والمخترعات بقدر كبير من ~~المدنية الغربية، ومقتبسون الروحانية، والتصوف، والأسلوب، ونحو ذلك من المدنية ~~الإسلامية؛ فنحن نمثل في الحقيقة الإسكندرية أيام كانت تقتبس من الشرق دينه، ~~وروحانيته، وإلهامه، ومن اليونانية طبيعتها، وكيمياءها، وطبها، ونحو ذلك، أو كما ~~فعل المسلمون في العصر العباسي الأول؛ إذ أخذوا الثقافة الهندية، والفارسية، ~~واليونانية، والرومانية، ومزجوها بعضها ببعض، وكونوا ثقافة هي مزيج من كل ذلك، ~~وصدق التعبير المشهور: «التاريخ يعيد نفسه»، ولكن قد يختلف شكل الإعادة حسب اختلاف ~~الهيئات والظروف، وحقيقة الجوهر لا تختلف. # ونحن نؤمل أن العالم يسير إلى الأمام على العموم، قد تختلف بعض الأمم فتموت، وقد ~~تتخلف بعض الأمم في بعض النواحي؛ ولكن العالم في جملته يسير إلى الأمام دائما؛ ~~فعالم اليوم خير من عالم الأمس، قد كان العالم محكوما بحفنة من الملوك المستبدين، ~~لا يرعون للشعوب حقا، وكانت تكفي الكلمة لقتل من شاءوا، ومصادرة ~~من شاءوا - كما رأينا - ثم أصبح للشعوب حقوق، ~~وللشعوب قوة، تعزل بها، وتولي، وتشرع، ولم يصل العالم إلى منتهاه بعد، فلا تزال ~~فيه حفنة من قادة السياسة تقوم مقام الملوك، تعلن الحرب، وتخرب الممالك، ونحو ذلك، ~~من أفعال سيئة، ولكن العالم سيتقدم، والعلم سيتقدم، والنظريات الغامضة ستتضح، ويفهم ~~العالم في المستقبل القوانين التي تحكم العالم، والحقوق التي لهم على رؤسائهم، ~~وستكون الشعوب هي التي تتحكم في أمورها، وترعى مصالحها ... قد يكون ذلك قريبا، وقد ~~يكون بعيدا، ولكنه سيحدث على كل حال. # وهناك مسألة أخرى، وهي النظر إلى نوع ما شاع بين المسلمين كما رأينا من عظمة ~~الثقافة الأدبية، دون ms410 العلمية، ونعني بالثقافة الأدبية، الأدبية بالمعنى الواسع ~~الذي استعملت فيه كلمة الآداب، فتشمل الدراسة الأدبية، الشعر والنثر، والجغرافيا ~~والتاريخ، وآداب اللغات؛ كما نعني بالثقافة العلمية المعنى الذي استعملت فيه كلمة ~~كلية العلوم، من طبيعة وكيمياء، ورياضة، وجيولوجيا، ونحوها. # والناظر في هذا العصر الذي نؤرخه، والذي قبله وبعده، يرى طغيان الثقافة الأدبية ~~على الثقافة العلمية، وعناية الشعوب بالآداب أكثر من العلوم، ومصداق ذلك أننا لو ~~دخلنا مكتبة عربية رأينا ما يساوي واحدا في المائة منها علما، والباقي أدبا، فلو ~~حصرنا كتب التراجم مثل ابن خلكان، وجدنا أن أكثره أدباء، بالمعنى الواسع، وأقله ~~علماء، خصوصا إذا ضممنا المفسرين، والمحدثين، والفقهاء إلى باب الأدب، فنجد مئات ~~الأدباء، بينهم قليل من أمثال ابن الهيثم، وأبي الوفاء البوزجاني. # نعم، إن لكل نوع من هذين النوعين مزايا وعيوبا، فمن ميزات الثقافة الأدبية توسيع ~~الذهن، وتربية العواطف، وفهم الحياة الاجتماعية على وجهها، ومن أضرارها عمومها، ~~وعدم دقتها، واستعداد من يتثقف بها الجدل، وقدرته عليه، واستطاعته إقامة البرهان ~~على الشيء ونقيضه. # ومزية الثقافة العلمية التحديد والدقة، إذ كلها تقريبا مثل: 1 + 1 = 2، أو ~~مضاعفات ذلك. ومن ميزاتها أن أصحابها لا يقبلون الجدل الكثير، فالمسألة إما صحيحة، ~~وإما خطأ، وليس هنالك وسط، ومن عيوبها خلوها من العواطف، واقتصار أصحابها على دائرة ~~معينة لا يسبحون في غيرها إلا إذا تثقفوا ثقافة أدبية، ولذلك ترى أنه إذا تزحزحوا ~~عنها قيد شعرة، كانوا أشبه بالعوام. # والثقافتان معا لازمتان لكل أمة؛ إذ لا يمكن أن تخلو أمة حية من ثقافة أدبية ~~تغذي العواطف، وثقافة علمية تغذي العقل. # وقد حرصت كل الأمم تقريبا على أن يكون لها كلية آداب، وكلية علوم، كلية آداب ~~تحيي النثر والشعر، وتدرس التاريخ اتعاظا بالماضي، والجغرافيا لمعرفة شئون ~~العالم؛ وكلية علوم تضبط الذهن، وتقوي العقل. # وربما كان السبب في غلبة الميل إلى الأدب أكثر من العلم أن الأدباء بطبيعة أدبهم، ~~وبطبيعة طول لسانهم كانوا أقرب إلى قلوب الملوك والأمراء، يمدحونهم، ويتزلفون ~~إليهم، بينما رجال العلم لا يستطيعون أن يفعلوا ms411 شيئا من ذلك، إذ هم قصيرو اللسان ~~لا يتكلمون إلا بقدر ... هذا إلى أن الأدباء عادة أقدر على السمر اللطيف، والحديث ~~الممتع، والنكت الطريفة، على حين أن العلماء متزمتون، غير قادرين على المرح ~~والنكت. # وكان ذلك تقريبا ظاهرا في كل العصور الإسلامية من مبدأ عصر الإسلام إلى قرب ~~عهدنا بقليل، فلما جاءت المدنية الحديثة، وكانت قد أسست أكبر ما يكون على العلم، ~~وعلى الاختراعات والصناعات اقتبسنا منها، ونحونا نحوها. # نعم، إن المدنية الحديثة لم تهمل الأدب، ولكنها مع ذلك قومت العلوم تقويما ~~كبيرا، فأخذنا نؤسس حياتنا على العلم أيضا، حتى لا يكون عالة على غيرهم، وكان من ~~نتيجة كثرة عنايتهم بالأدب كثرة كلامهم، وكثرة جدلهم، حتى لا يتناسب محصول فعلهم مع ~~محصول كلامهم، ومجالسهم مملوءة بالجدل والمناقشة، ومشروعاتهم مملوءة بالبحث النظري ~~من غير نتيجة. # بل نرى أن اتجاه الغربيين إلى العلوم، وتوسعهم فيها جعلهم يلونون أدبهم بلون ~~العلم، وكان دائما لأدبهم موضوع، على عكس ما نرى، ما نرى عند الخوارزمي، والعماد ~~الأصفهاني، والقاضي الفاضل من كلام كثير لا موضوع له. # بل أظن أن الثقافة الأدبية تجعل صاحبها أقدر على الميوعة في الأخلاق، والقدرة على ~~التأويل، وكما قال البوصيري في إحدى قصائده: # وما أخشى على أموال مصر # سوى من معشر يتأولونا # ونحن لو درسنا الشرق لرأينا فيه من الكفايات ما يكفي العلم والأدب جميعا، فالجو ~~الذي أخرج ابن الهيثم يستطيع أن يخرج أمثاله من العلماء لولا أن الشعب لظروفه وجه ~~ناشئيه إلى الأدب، ولو وجهوا إلى العلم، لكانوا بحسن استعدادهم نابغين، فعلى ~~الشرق الآن عبء ثقيل هو أن يعوض عن القصور في العلم فيما مضى، النهوض بالعلم في ~~الحاضر، ونحن إن فعلنا ذلك ملئت كتب تراجمنا بالعلماء والأدباء على السواء، والله ~~الموفق. # | هوامش # | المراجع # نفح الطيب. # دائرة المعارف الإسلامية. # المكتبة الأندلسية. # بغية الوعاة في أخبار النحاة: السيوطي. # مقدمة ابن خلدون. # المغرب: لابن سعيد. # العقد الفريد وما إليه: لجبريل جبور. # الأمالي لأبي علي القالي. # الشعر الأندلسي: للأستاذ نيكل. # مطمح الأنفس. # قلائد العقيان: ms412 للفتح بن خاقان. # تاريخ ابن عذارى. # المعجب في أخبار المغرب: لعبد الواحد المراكشي. # أخبار الحكماء: للقفطي. # طبقات الأطباء: لابن أبي أصيبعة. # ابن رشد وفلسفته: للأستاذ فرح أنطون. # الأغاني: لأبي الفرج الأصفهاني. # العقد الفريد: لابن عبد ربه. # بحوث في تاريخ إسبانيا: لدوزي. # الفصل في الملل والنحل: لابن حزم. # الملل والنحل: للشهرستاني. # الفتوحات المكية: لابن عربي. # العواصم من القواصم: لأبي بكر بن العربي. # تاريخ الموسيقى العربية: لريبيرا. # بداية المجتهد ونهاية المقتصد: لابن رشد. # الفكر السامي في الفقه الإسلامي: الحجوي. # تاريخ الفقه الإسلامي: للشيخ الخضري. # تهافت الفلاسفة: للغزالي. # تهافت التهافت: لابن رشد. # فصل المقال فيما بين الشريعة والفلسفة من الاتصال: لابن رشد. # الإمتاع والمؤانسة: لأبي حيان التوحيدي. # الجمهورية: لأفلاطون. # حي بن يقظان: لابن طفيل. # رحلة ابن جبير. # رحلة ابن بطوطة. # روبنسن كروسو. # الزهرة: لابن داود. # طوق الحمامة: لابن حزم. # تراث الإسلام: ترجمة لجنة الجامعيين. # الحلل السندسية: لشكيب أرسلان. # شرح المقامات للحريري: للشريعتي. # سراج الملوك: الطرطوشي. # وفيات الأعيان: لابن خلكان. # فوات الوفيات. # بلاغة العرب في الأندلس: للدكتور أحمد ضيف. # النثر الفني: للدكتور زكي مبارك. # المخصص: لابن سيده. # تاريخ الفلسفة في الإسلام: ترجمة الأستاذ أبي ريدة. # ديوان ابن زيدون. # ديوان ابن هانئ. # الإحاطة في أخبار غرناطة: للسان الدين بن الخطيب. # معجم الأنساب والأسرات الحاكمة: لزانباور، ترجمة للدكتور زكي حسن ~~وآخرين. # الذخيرة: لابن بسام. # الجامعة: لمسلمة المجريطي. # التوابع والزوابع: لابن شهيد. # تاريخ العرب: لبروكلمان. # الأخلاق والسير: لابن حزم. # ابن حزم: للأستاذ سعيد الأفغاني، ومعه كتاب فضائل الصحابة لابن حزم ~~أيضا. # الرسالة الهزلية، والرسالة الجدية: لابن زيدون. # شرح قصيدة ابن بدرون: لابن عبدون. # أطلس فني: لآثار الحمراء. # سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون. # قصة الأندلس: للين بول. # رسائل مخطوطة: لابن سبعين. # رسالة الشعوبية: لابن غرسية. # تاريخ الآداب الأندلسية: للمؤلف آسين بلاثيوس، ترجمة الدكتور حسين ~~مؤنس. # رواية آخر بني سراج وذيلها: لشكيب أرسلان. # الإحكام في أصول الأحكام: لابن حزم. # المكتبة الجغرافية. # جذوة المقتبس: للحميدي. # أزهار الرياض: للمقري. # الروض المعطار. # نهاية الأندلس: للأستاذ محمد عبد الله عنان. # تاريخ ms413 إسبانيا المسلمة: لدوزي بالإنجليزية. # | الجزء الثالث # | الحياة العقلية في الأندلس # | مقدمة # بقلم أحمد أمين # بسم الله الرحمن الرحيم # من أول ظهور الجزء الأول من «ضحى الإسلام»، وعدت القراء بتخصيص جزء ~~«للأندلس»، وانتهى ضحى الإسلام من غير أن يكون فيه شيء عنها؛ لأنها لم تكن ~~ازدهرت في عصر ضحى الإسلام، فلما جاء ظهر الإسلام يؤرخ القرن الرابع الهجري، ~~رأيت الفرصة سانحة لتأريخ الحياة العقلية في الأندلس، ولكن لم أكتف بتأريخها ~~في القرن الرابع وحده، بل رأيت أن حضارتها وحياتها العقلية تكاد تكون وحدة، ~~ففضلت في شأنها أن أنهج منهجا جديدا، فلا ألتزم القرن الرابع، بل أؤرخ حياتها ~~العقلية متسلسلة من وقت فتح المسلمين لها إلى وقت خروجهم منها؛ أي: نحو ثمانية ~~قرون، حتى تكون كلها مربوطة برباط واحد، معروضة عرضا واحدا. # وكان أمامي أن أؤرخها تأريخا أفقيا، أو تأريخا رأسيا؛ بمعنى أن أؤرخ ~~الحياة العقلية في كل عصر، ثم أتبع ذلك بالعصر الذي بعده وهكذا، أو أن أؤرخ كل ~~علم من مبدأ ظهوره في الأندلس وكيف تدرج، حتى آخر أمره فيها، ففضلت الطريق ~~الثاني؛ لأنه أنسب. # ولم يكن قصدي أن أؤرخ الحياة السياسية؛ لأن مهنتي هي الحياة العقلية لا ~~السياسية، وذلك شأني في كل أجزاء السلسلة، فلم أتعرض لشرح الحياة السياسية ~~والاجتماعية إلا بالقدر الذي يلقي ضوءا على الحياة العقلية، خصوصا وأن أكثر ~~ما رأيت من الكتب التي ألفت في الأندلس عربية أو إفرنجية كانت تدور حول ~~السياسة، فإن زادت شيئا ففصل أو فصلان فقط في شرح الحياة الفكرية، فكانت ~~الحاجة إلى شرح الحياة العقلية أمس، والعناية بها أوجب. # فأقدم الكتاب على هذا النحو للقراء راجيا منهم - لا كما كان يقول السابقون - ~~أن يغضوا الطرف عما فيه من عيوب، بل أن يقيدوها ويشرحوها ويبينوها لي حتى ~~أتدارك ما لا يخلو منه مؤلف من خطأ. فالحياة العلمية في كل فرع إنما تحيا ~~بالنقد، وتتقدم بتمحيص الآراء، وإظهار العيوب، وحسن التوجيه. # وهذا رجاء أرجوه في كتابي هذا، وفي كل كتبي، فما أردت إلا ms414 الحق. # ويبقى علي من هذه السلسلة في القرن الرابع الهجري، وهو الذي عنونته ب «ظهر ~~الإسلام» الجزء الرابع والأخير من المذاهب الدينية وتطورها. # والله أسأل أن يعينني عليه كما أعانني على سوابقه. # القاهرة # 14 ربيع الثاني سنة 1373ه # 21 ديسمبر سنة 1953م # الفصل الأول # | الحياة الاجتماعية في الأندلس # في سنة (91ه) أرسل موسى بن نصير عاملا على إفريقيا فعزم على فتح الأندلس، وأرسل ~~طارق بن زياد البربري الأصل لمباشرة الفتح أول الأمر، فعبر طارق البحر بقصد فتح ~~الأندلس، وكان حسن سمعة العرب في الفتح وشجاعتهم واستماتتهم في نشر الدعوة سببا ~~في انتصارهم، يضاف إلى ذلك سوء حكم الإسبانيين وما بين ولاتهم من ضغائن وإحن، ~~وتمم موسى بن نصير ما بدأه طارق. # وقد كان الفاتحون من قبائل العرب المختلفة، فمنهم العدنانيون من هاشميين وأمويين، ~~ومنهم اليمنيون كقبيلة كهلان والأزد، وانضم إلى هؤلاء في الفتح مصريون وشاميون ~~وعراقيون وجمع كبير من البربر. وقد امتزج هؤلاء جميعا ببعض أهل البلاد من قوط ~~وإسبانيين وغيرهم إما بالمصادفة أو بالمصاهرة، ولكن مع الأسف أنه ما لبثت العصبية ~~القديمة التي كانت ظاهرة في المشرق أن عملت عملها في المغرب، فكان إذا ولي الأمر ~~قيسي نكل باليمنيين وقرب المضريين، وإذا ولي الأمر يمني نكل بالقيسيين وأعلى ~~شأن اليمنيين، حتى سالت الدماء في كل مقاطعة، وحتى اصطلحوا أخيرا على أن تكون ~~الولاية في القيسية سنة، وفي اليمنية سنة. # وكل يوم نسمع واليا هزم وواليا نصب حتى بلغ عدد الولاة نحو أربعين واليا في ~~مدة وجيرة. # على كل حال كانت العناصر التي سادت الأندلس أربعة: ~~(1) # العرب: وكانوا يحسون إحساسا قويا بأرستقراطيتهم لغلبتهم على ~~الإسبانيين والبربر وإدخالهم في الإسلام، وبلغتهم التي تفوق ~~غيرها. ~~(2) # البربر: وهم يشاركون العرب في البداوة والإسلام والعصبية القبلية ~~والشجاعة؛ ولذلك وجد منهم العرب الأمرين عند فتحهم للمغرب. ~~(3) # الإسبان: وهم مسيحيون كاثوليك، يرون أن البربر والعرب دخلاء عليهم ~~وأنهم أحق بملك بلادهم. ~~(4) # المسلمون المولدون من تزاوج العرب بالبربر، أو العرب بالإسبانيات ~~والصقالبة، وكان لذلك سبب كبير، وهو ms415 أن الجيش الفاتح كان من الرجال ~~النازحين من الشرق الذين قطعوا مسافات بعيدة حتى وصلوا إلى الأندلس، ~~فكان طبيعيا ألا يرحل معهم عدد كبير من النساء، فاضطرتهم الحاجة إلى ~~أن يتزوجوا من الإسبانيات أو من البربر ويستولدوهن. وقد خرج من هذا ~~الازدواج بين عربي وبربرية، أو عربي وإسبانية جيل جديد مولد، يشبه ما ~~كان في الشرق من تزاوج بين عربي وفارسية، وقد عرف المولدون من النساء ~~الإسبانيات بالذكاء والشجاعة والجمال، وكان لهم في تاريخ الأندلس تاريخ ~~طويل. # وقد حبب العرب في هذا الزواج ما عرف عن الإسبانيات والبربريات من جمال وبياض ~~بشرة، واصفرار شعر وزرقة عيون، وهي صفات يحبها العربي كثيرا؛ لأنها جديدة ~~عليه. # وقد دخل كثير من أهل البلاد في الإسلام وتكلموا العربية، وتعصبوا لها ضد لغتهم ~~وديانتهم، ولما رأى العرب والبرابرة الأندلس أعجبوا بها، وافتتنوا بمحاسنها حتى قال ~~قائلهم: # إن للجنة بالأندلس # مجتلى مرأى وريا نفس # فسنا صبحتها من شنب # ودجى ظلمتها من لعس # فإذا ما هبت الريح صبا # صحت وا شوقي إلى الأندلس # ويقول آخر: # وليس في غيرها بالعيش منتفع # ولا تقوم بحق الأنس صهباء # وكيف لا يذهب الأبصار رؤيتها # وكل روض بها في الوشي صنعاء # أنهارها فضة والمسك تربتها # والخز روضتها والدر حصباء # وللهواء بها لطف يرق به # من لا يرق وتبدو منه أهواء # فيها خلعت عذاري ما بها عوض # فهي الرياض وكل الأرض صهباء # وقد وصف لسان الدين بن الخطيب عرب غرناطة وبرابرها وصفا ينطبق على جميع عرب ~~الأندلس تقريبا وبرابرتهم، خصوصا بعد مضي زمن من بدء الفتح، فقال: «أحوال هذا ~~القطر في الدين وصلاح العقائد أحوال سنة ... صورهم حسنة، وأنوفهم معدلة غير حادة، ~~وشعورهم سود مرسلة، وقدودهم متوسطة معتدلة إلى القصر، وألوانهم زهر مشربة بحمرة، ~~وألسنتهم فصيحة عربية، يتخللها إعراب كثير، وتغلب عليهم الإمالة ... ولباسهم الغالب ~~على طرقاتهم الفاشي بينهم الملف المصبوغ شتاء ... فتبصرهم في المساجد أيام الجمع ~~كأنهم الأزهار المفتحة في البطاح الكريمة، وأنسابهم العربية ظاهرة، يكثر فيها ~~القرشي، والفهري، والأموي، والأنصاري، والأوسي، ms416 والقحطاني، والحميري، والمخزومي، ~~والتنوخي، والغساني، والأزدي، والقيسي ... إلخ. # وجندهم صنفان: أندلسي وبربري، والأندلسي منهم يقودهم رئيس من القرابة، وحصي من ~~شيوخ # 1 # المماليك ... وزيهم في القديم شبه زي أقيالهم وأضدادهم من جيرانهم ~~الفرنج، إسباغ الدروع، وتعليق الترس، واتخاذ عراض الأسنة ... إلخ، والبربري يرجع إلى ~~قبائله المرينية، والزنانية ... إلخ، والعمائم تقل في زي هذه الحضرة، إلا ما شذ في ~~شيوخهم وقضاتهم وعلمائهم ... ومواسمهم متوسطة، وأعيادهم حسنة، مائلة إلى الاقتصاد، ~~والغنى بمدينتهم فاش، وقوتهم الغالب البر الطيب عامة العام، وربما اقتات في ~~فصل الشتاء الضعفة والبوادي والفعلة في الفلاحة والذرة العربية، وفواكههم اليابسة ~~متعددة، يدخرون العنب سليما من الفساد إلى شطر العام، إلى غير ذلك من التين ~~والزبيب والتفاح والرمان والقسطل # 2 # والجوز واللوز إلى غير ذلك مما لا ينفد ولا ينقطع إلا مدة. وصرفهم فضة ~~خالصة وذهب إبريز ... وعلى عهدنا في شق - يعني من النقود الفضية: لا إله إلا الله، ~~محمد رسول الله، وفي شق: لا غالب إلا الله ... ودينارهم في شق منه: # قل اللهم مالك الملك ~~، إلى # بيدك الخير ~~؛ ويستدير به قوله تعالى: # وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم ~~(البقرة: 163). وفي شق اسم الأمير، ويستدير ~~به: لا غالب إلا الله. # وعادة أهل المدينة البروز إلى الفحوص # 3 # بأولادهم وعيالهم، معولين في ذلك على شهامتهم وأسلحتهم ... وحريمهم ~~حريم جميل، موصوف بالحسن، وتنعم الجسوم، واسترسال الشعور، ونقاء الثغور، وطيب ~~النشر، وخفة الحركات، ونبل الكلام، وحسن المجاورة، إلا أن الطول يندر فيهن. وقد ~~يبلغن في التفنن في الزينة، والمظاهرة بين المصبغات، والتنافس بالذهبيات ~~والديباجيات، والتماجن في أشكال الحلي إلى غاية». # لهذا اختلف أهل الأندلس عن أهل الشرق، فبيئة الأندلس الطبيعية والاجتماعية مختلفة ~~عن بيئة الشرق في كثير من الشئون، وبذلك اختلف النتاج الأندلسي عن النتاج ~~المشرقي. # على كل حال ظلت ولاية الأندلس ولاية تابعة للخلافة الأموية في دمشق، يرسل الخلفاء ~~الأمويون الوالي على الأندلس من قبلهم، أو يرسل والي إفريقيا واليا تابعا لهم ~~إلى الأندلس، وظل الحال كذلك حتى سقطت ms417 الدولة الأموية، وتتبع الخليفة العباسي ~~السفاح بني أمية يقتلهم وينكل بهم، ففر حفيد لهشام بن عبد الملك، وهو عبد الرحمن ~~الملقب بالداخل وبصقر قريش إلى الأندلس، وانتهز فرصة الخلاف بين القيسية واليمنية ~~فتغلب على الولاة، وبايعه الناس بالإمارة وجعل قرطبة عاصمة إمارته، ولم يسلم من ~~ثورة عدد كبير عليه، من عرب وبربر، حتى شارلمان مؤسس الإمبراطورية الفرنجية ~~الكبيرة، أراد أن يتقرب إلى هارون الرشيد بالتنكيل بعبد الرحمن، وبالفعل بعث جنده ~~غازيا الأندلس ولكنه لم ينجح، فرد عبد الرحمن جنوده، ونزلت بشارلمان هزيمة كبيرة ~~في عودته، وشاء الحظ أن تطول مدة عبد الرحمن الداخل فاستطاع أن يؤسس دولته على أسس ~~متينة ثابتة الأركان، كما فعل أبو جعفر المنصور في الدولة العباسية، وخدم بهذا ~~أبناءه من بعده، فلما مات سلم لابنه هشام دولة قوية يؤيدها جيش قوي، ولكن لم ~~يستطع عبد الرحمن الداخل، ولا أبناؤه من بعده، أن يقضوا قضاء تاما على ~~الإسبانيين في جزء من الشمال، فظلوا شوكة في جنب المسلمين، يتحركون ويحاربون كلما ~~سنحت لهم الفرصة، ينهزمون مرة وينتصرون مرة، حتى تم لهم النصر أخيرا. وظلت الإمارة ~~الأموية في الأندلس حتى جاء عبد الرحمن الناصر، فتجرأ ولقب نفسه أمير المؤمنين، ~~ونقل عبد الرحمن هذا مظاهر الترف والنعيم التي كانت في الدولة العباسية إلى ~~الأندلس، وتبعه بعد ذلك في تدعيم الترف أبناؤه خصوصا على يد زرياب، واستطاع عبد ~~الرحمن الناصر أن يصبح أعظم الأمراء الأمويين في إسبانيا، وشاء له الحظ أن يحكم ~~خمسين سنة، أمكنه فيها أن ينشر السلام في البلاد، ويرضي الخاصة والعامة، وفي عهده ~~حاول الفاطميون أن ينشروا تعاليمهم، ويثيروا البلاد لينشروا مذهبهم الفاطمي، فلم ~~يمكنهم من ذلك، وقضى على مؤامرتهم. # وقلد عبد الرحمن الناصر الخليفة العباسي المعتصم، فإن المعتصم أنشأ جيشا من ~~الأتراك يعتمد عليه لما تعب من العرب، فكذلك أنشأ عبد الرحمن الناصر جيشا من ~~المماليك يوطد به سلطته، ولكن المماليك هنا كانوا يسمون الصقالبة، وهو اسم كانوا ~~يطلقونه على أسرى الحرب من جميع البلاد الأوربية، وعلى ms418 من وقع من أيدي المسلمين من ~~الرقيق، وذلك أن تجارة الرقيق كانت منتشرة، وكان بعض البيزنطيين يقدمون للمسلمين في ~~الأندلس أنواعا أخرى من الرقيق من غزواتهم لشواطئ البحر الأسود، وكانت هناك إلى ~~ذلك كله مراكب لقرصان إسبانيين يغزون السواحل، ويصيدون بعض الناس، ويبيعونهم في سوق ~~الرقيق بالأندلس، وكان اليهود أهم من يقوم بتجارة الرقيق هذه. # وعظمت منزلة الصقالبة كثيرا، كما عظم الأتراك في عهد المعتصم ومن بعده، حتى كان ~~كثير منهم من الأرستقراطيين في المال والجاه، وكان عبد الرحمن الناصر يثق بهم أكثر ~~مما يثق بالعرب والبربر، حتى لقد يعهد بقيادة جيش كبير إلى صقلبي. ومن أجل هدوء ~~البلاد وطمأنينتها وطول عهد عبد الرحمن استطاعت الحضارة الأندلسية أن تزهو وتزدهر، ~~حتى كانت قرطبة تفوق كثيرا من مدن أوربا، وازدهرت التجارة والزراعة، حتى بلغ دخل ~~الدولة السنوي من طريق الضرائب والمكوس في عهد عبد الرحمن الناصر 20 مليون دينار، ~~ويقول الأستاذ بروفنسال: إنها بلغت فيما بعد 40 مليونا، والدينار لا يصح أن يقارن ~~بالجنيه اليوم؛ لأن قيمة كل منهما إنما هي في قدرته على الشراء، وكانت قدرة الدينار ~~إذ ذاك أكبر، وربما كان وصف العمارة التي أنشئت في عهد عبد الرحمن من أكبر الدلائل ~~على حضارته، كالأوصاف البديعية التي وصفوا بها مدينة الزهراء التي بناها عبد الرحمن ~~هذا، وأسماها باسم جارية حظية عنده. قالوا: إنه عمل في بنائها عشرة آلاف عامل ~~في خمس وعشرين سنة. وبني فيها قصر للخليفة ومنازل للموظفين، إلى البساتين والقاعات ~~من الذهب والرخام ذي الألوان المتعددة، وبجانب هذه الحضارة المادية كانت الحضارة ~~الفكرية من شعر وفلسفة وتصوف وحركات دينية وعلمية، وسيأتي وصفها فيما بعد. # وبعد أن ضعفت الدولة الأموية في الأندلس جاءت الدولية العامرية، فزلزلت البيت ~~الأموي، ولولا قوة شخصية ابن أبي عامر، وطفولة الأموي المرشح للخلافة، وألاعيب ~~أمه لظل الناس متمسكين بالبيت الأموي مدة طويلة. # ثم تفتتت الدولة الأندلسية وتغلب عليها ملوك الطوائف، فكل ملك ثار في بلد، ~~واستولى عليها، فتعددت الملوك، وتفرق أهل البلاد، وأصبح ms419 في كل بلد أمير ومنبر، حتى ~~أهل البيت الواحد انقسموا فيما بينهم، ولم يمكنوا الحاكم من الاستمرار، فبعضهم ينزل ~~الأمير عن عرشه، ويستولي هو، وبعضهم يحالف ملوك إسبانيا ضد الأمراء من أهل بيته، ~~حتى انتهى كل هذا إلى خروجهم جميعا من الأندلس، وسقوطها في يد الإسبانيين بعد حكم ~~دام نحو ثمانية قرون. # وقد حاول أمراء المغرب من مرابطين وموحدين أن يعيدوا الأندلس إلى الوحدة ~~والترابط، ولكن مع الأسف سرعان ما ضعفوا أيضا. ولم يكونوا من سعة الأفق والعراقة ~~في المدنية والحضارة، بحيث يستطيعون أن يحكموا الأندلس طويلا، فزلزلت الأرض من ~~تحتهم، فسقطوا وزال ملكهم سريعا، وخلفهم دويلات صغيرة كانت أعجز من أن تقاوم ~~الإسبانيين وتقف أمامهم، فانهزموا تباعا إلى أن رحلوا أخيرا من غرناطة، وتركوا ~~الديار تنعي من بناها. # نعود إلى ما كنا فيه فنقول: إن العرب والبربر الفاتحين تغلبوا على الإسبانيين ولم ~~يتغلبوا بالسيف وحده، بل كذلك تغلبوا أيضا بروحهم ولغتهم ودينهم، حتى دخل كثير من ~~الإسبانيين في الإسلام، وتقمصوا النفسية العربية، ونسوا لغتهم اللاتينية، ~~وتعاليمهم النصرانية، وتعددت شكوى القسيسين من أن الإسبانيين ينسون دينهم ولغتهم، ~~ويقبلون على الإسلام ولغته. ولعل من أسباب ذلك أن اللغة العربية كانت فضلا عن أنها ~~لغة الفاتحين تزخر بالعلوم والمعارف التي افتقرت إليها لغتهم. # وعرفت للأندلسيين صفات خاصة، فمثلا اشتهروا بالنظافة، حتى إن بعضهم ليفضل أن ~~يكون نظيفا في ملبسه ومأكله ولو بسيطا، عن أن يأكل أكلا فخما قذرا، وقد ~~اعتادوا أن يسيروا في الشوارع ورءوسهم عارية، حتى لقد ترى القاضي أو المفتي وهو ~~عاري الرأس، ويندر أن يتعمم، واعتادوا أيضا أن يلبسوا البياض عند الحداد، وقال ~~القائل: # يقولون: البياض لباس حزن # بأندلس فقلت: من الصواب # ألم ترني لبست بياض شعري # لأني قد حزنت على الشباب # وكان الأندلسيون شديدي التعصب لبلادهم، تلحظ ذلك في تراجم علمائهم، فهذا يلقب ~~بالمالقي، وهذا بالبلنسي، وهذا بالغرناطي، أو بالشاطبي، أو الجيني، أو نحو ذلك، ~~كما كان الحال في الشرق مثل: البغدادي، والبخاري، والهمذاني، والبصري، والواسطي، ~~وكانوا يميلون ms420 في كلامهم إلى الإمالة، حتى ليقولون في كتاب: كتيب تقريبا، كلغة ~~أهل حماة وحلب. # ويحدثنا ابن خلدون وأبو بكر بن العربي أن للأندلسيين طريقة في التعليم غير طريقة ~~أهل الشرق، فإنهم في المشرق يحفظون القرآن أولا قبل أن يستطيع الصبي فهم معناه، ثم ~~يعلمون اللغة العربية، وعيب هذه الطريقة أن الحافظ للقرآن من غير معنى عرضة لفهم ~~المعاني الخاطئة التي قد تبقى في ذهنه على مر الأيام، أما في الأندلس فيعلمون اللغة ~~أولا، ثم يحفظون القرآن بعد القدرة على الفهم، وعيب هذه الطريقة التعرض لأن يتخلف ~~بعض المتعلمين عن حفظ القرآن أو يتعلمون العلوم العربية، ثم ينقطعون عن التعلم؛ ~~ولذلك نصح بعضهم أن يحفظ الطفل القرآن أول الأمر ولو من غير فهم ثم يتعلم العلوم ~~العربية، ثم يعود إلى القرآن ثانية وقد استطاع الفهم. # وشهروا بعلو الهمة حتى لقد يفرطون في ذلك فيطمح كثير منهم أن يكونوا ملوكا فتنشب ~~الفوضى في البلاد، كما اشتهروا بالرغبة في العلم، حتى لقد وضع ابن حزم رسالة فضل ~~علماء الأندلس، وعاب على أهل الأندلس تقصيرهم في تخليد أخبار علمائهم ومآثر فضائلهم ~~مع كثرتهم، ووفور أدبائهم، وجلالة ملوكهم، وقد تدورك هذا فألف بعده كثير من كتب ~~تراجم علماء الأندلس وأدبائها، وما أكثرهم، وقد عد في رساله هذه الكتب المؤلفة في ~~الحديث وفي الناسخ والمنسوخ، وكتب الفقه المؤلفة على مذهب الإمام مالك، وفي اللغة ~~ككتاب «البارع» و«المقصور والمهموز»، وكتاب «الأفعال» لابن القوطية، وفضل كتاب ~~«الأمالي» على كتاب «الكامل» للمبرد؛ لأنه أكثر لغة وشعرا، وكتاب «الحدائق» لأبي ~~عمر أحمد بن فرج على كتاب «الزهرة» لابن داود، وكتاب «التشبيهات»، وكتب ألفت مقصورة ~~على شعراء الأندلس، كالكتب التي ألفت مقصورة على شعراء المشرق، كما ألفوا كتبا ~~كثيرة في التاريخ. # وقال ابن حزم أيضا: «إنه رأى كتبا في الفلسفة لسعيد بن فتحون السرقسطي، ~~ولأبي عبد الله المذحجي، وفي الطب لابن الهيثم في الخواص والسموم والعقاقير ما لا ~~يقل عن كتب المشرق». وقد اعترف بأن الأندلسيين في الحساب والهندسة لم يجاروا ms421 ~~المشرقيين. قال: «وأما علم الكلام فإن بلادنا وإن كانت لم تتجاذب فيها الفصل، ولا ~~اختلفت فيها النحل؛ لذلك قل تصرفهم في هذا الباب. وقد كان فيهم قوم يذهبون إلى ~~الاعتزال ويؤلفون على أصوله». وقال: «وبلدنا هذا على بعده من ينبوع العلم ونأيه من ~~محلة العلماء، فإن له من تآليف أهله، ما إن طلب مثلها بفارس والأهواز وديار مضر، ~~لم يوجد، ولو لم يكن لنا من فحول الشعراء إلا ابن دراج القسطلي، لما تأخر عن ~~شأو بشار وحبيب والمتنبي، وكيف ولنا معه فحول آخرون؟» وعلى كل حال فصاحب البيت ~~أدرى بما فيه، وابن حزم رجل واسع الاطلاع، صادق الحكم. # وخلاصة رأي ابن حزم: أن الأندلسيين لا يقلون عن المشرقيين في سائر العلوم، ما عدا ~~علم الكلام، لقصر نفسهم في الجدل، وإلا في الحساب والهندسة. والضعف في علم الكلام ~~لا يضيرهم؛ لأنه في المشرق ملأ العقول آراء لا طائل تحتها، وعلم الناس السفسطة، ~~ولعل سبب انتشاره في المشرق دون الأندلس أن المشارقة من قديم ورثوا آراء قديمة عن ~~زرادشت، ومزدك وغيرهما، وعن فلاسفة الهند والصين والفرس، حتى وصل بهم الجدل إلى ~~آراء غريبة. أما الأندلسيون فلم يكن لديهم هذا الميراث الثقيل، وأما قصورهم في ~~الحساب والهندسة، فقلة استعداد في الغالب، كالذي نراه عند أرسطو، والجاحظ، وابن ~~سينا، وأخيرا السيوطي، فقد اعترف السيوطي بأنه لا يحسن حل المسائل الحسابية ولو ~~كانت بسيطة. # وأما الشقندي فله رسالة أخرى تعصب فيها للأندلسيين على طول الخط في كل علم وفن، ~~فقال: «إن الإجماع حصل على فضل الأندلس، وقد نشأ فيهم من الفضلاء والأدباء والشعراء ~~ما اشتهر في الآفاق إلى أن ذهبوا، وذهبت أخبارهم، ودرسوا ودرست آثارهم. # جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم # بعد الممات جمال الكتب والسير # وليس منهم إلا من بذل وسعه في المكارم، وكان من ملوكهم العلماء: المنصور بن أبي ~~عامر، وبنو عباد، وبنو صمادح، وبنو الأفطس، وبنو ذي النون، وبنو هود. ومن أعظم ~~ما يحكى عنهم أن أبا غالب اللغوي ألف كتابا ms422 فبذل له فيه ألف دينار فقال: «كتاب ~~ألفته لينتفع به الناس، لا يصح أن آخذ عليه أجرا» ... وكان لبني عباد من الحنو ~~على الأدب ما لم يقم به بنو حمدان في حلب، وكانوا هم وبنوهم ووزراؤهم صدورا في ~~بلاغتي النظم والنثر، مشاركين في فنون العلم، ولم يكن لغيرهم في الفقه مثل: عبد ~~الملك بن حبيب، وأبي الوليد الباجي، وأبي بكر بن العرب، وأبي الوليد بن رشد؛ وليس ~~في المشرق في الحفظ مثل ابن حزم الذي زهد في الوزارة ومال إلى رتبة العلم، ورآها ~~فوق كل رتبة، ولا مثل ابن عبد البر، وليس في حفاظ اللغة كابن سيده، صاحب كتاب ~~المحكم، ولا في النحو مثل: أبي محمد بن السيد، وأبي علي الشلوبيني، ولا في علم ~~الفلسفة كابن باجة، ولا في علم النجوم كالمقتدر بن هود، ولا في الطب مثل ابن طفيل، ~~ومثل بني زهر، ولا في الأدب كابن عبد ربه صاحب العقد، ولا في تخليد مآثر قومه كابن ~~بسام صاحب الذخيرة، ولا في بلاغة النثر كالفتح بن عبيد الله بن خاقان الذي إن مدح ~~رفع، وإن ذم وضع؛ وقد ظهر له من ذلك كتاب القلائد، ولا في الشعر مثل المعتمد بن ~~عباد، وقد ألف المظفر بن الأفطس ملك بطليوس كتابا في نحو مائة مجلد، ولم تشغله ~~الحروب ولا المملكة عن همة الأدب. وليس في الوزراء مثل ابن زيدون، ولا في الشعر ~~مثل ابن دراج الذي قال فيه الثعالبي في اليتيمة: «إنه في الأندلس كالمتنبي في ~~الشام»، ثم عدد المعاني اللطيفة التي وردت على لسان الشعراء، ثم قال: «وهل في ~~النساء من برعن في الأدب مثل ولادة صاحبة ابن زيدون، وزينب بنت زيادة؟» ثم عدد ~~فضائل البلاد الأندلسية، كإشبيلية، وقد قارن بين نهرها وبين نيل مصر، فقال: «هي ~~غابة بلا أسد، ونهرها نيل بلا تمساح، وليس لمثلها ما لها من أدوات الطرب، نعم في ~~البلاد الأخرى مثلها، ولكن إشبيلية تفوقها، وأما قرطبة فكرسي المملكة في القديم، ~~ومركز العلم، ومنار التقى، ومحل التعظيم ms423 والتقدير. وبلاد جيان أكثر البلاد زرعا، ~~وأصرمها أبطالا، وأعظمها متعة؛ وأما غرناطة، فإنها دمشق بلاد الأندلس، ومسرح ~~الأبصار، ومطمح الأنفس، ولم تخل من أشراف أماثل، وعلماء أكابر، وشعراء أفاضل، نبغ ~~فيها من الشواعر ما لا يحصى. وأما «مالقة» فقد جمعت بين منظر البر والبحر، وكثرة ~~المراكب البحرية، وقد خصت بطيب الشراب، حتى قيل لأحد الخلفاء، وقد أشرف على الموت: ~~اسأل ربك المغفرة، فرفع يديه، وقال: رب، أسألك من جميع ما في الجنة، خمر مالقة، ~~وزبيب إشبيلية. # واشتهر أهل «المرية» باعتدال المزاج، ورقة البشرة، وحسن الوجوه والأخلاق، ~~والحصى الملون العجيب الذي يتزين به. واشتهر أهل «مرسيه» بالصرامة والإباء ~~والنواعير المطربة الألحان، والأطيار المغردة، والأزهار المنضدة، وكان أهل الأندلس ~~يقصدونها لتجهيز العروس. واشتهرت «بلنسيه» بكثرة بساتينها، وأن أهلها أصلح الناس ~~مذهبا، وأمتنهم دينا ... إلخ إلخ». # وعلى كل حال اشتهر أهل الأندلس بالعلم في كل ميدان، وكانوا يعجبون ببلادهم، ~~ويفتخرون بها، كما اشتهروا بالجد في التحصيل، والرغبة في التفوق. # ومما لا شك فيه أن المنهج الذي سلكه ابن حزم، والشقندي، ليس منهجا علميا ~~دقيقا، إنما هو كلام يقال، فمن الصعب جدا الحكم بأن فردا أذكى من فرد، فكيف ~~الحكم بأن أمة أذكى من أمة، بل إنها أذكى من الأمم، ومسلكهما الذي سلكاه هما ~~وغيرهما أنهما يحكمان حكما كليا، ثم يستدلان عليه بمسألة جزئية، فيقولون: إن أهل ~~الأندلس عرفوا بعلو الهمة، أو الاعتناء بالنظافة أو شدة الحفظ والذكاء، ويستدلون ~~على ذلك بحادثة حدثت لرجل أو من رجل، فكيف يصح هذا في العقل؟ إنما المنهج الصحيح هو ~~مثلا في توزيع مقياس الذكاء على الناشئين، وعمل ذلك في أمة أخرى، والمقارنة ~~بينهما، ونحو ذلك؛ وبذا تطمئن النفس بعض الشيء عند النتيجة. أما القول جزافا بأن ~~أمة أذكى والاستدلال بأن فلانا ألف كتابا قيما، فبرهان قاصر؛ ومحال أن تكون ~~أمة كبيرة العدد، كالأمة الأندلسية لا ينتج منها علماء أعلام، وأدباء فطاحل. كل ما ~~في الأمر أنهما لم يأتيا ببرهان واضح حازم، وإنما أتيا بشيء أصح أن يستأنس ms424 به ~~فقط. # وقد وصف المقدسي سيد الجغرافيين الأندلس في كتابه «أحسن التقاسيم في معرفة ~~الأقاليم»، ولكنه لم يذهب إليها، وإنما اعتمد في وصفه على السماع من أهلها، ويقول ~~عن الأندلس: «إنه إقليم جليل، كبير طويل، كثير النخل والزيتون، به مواضع الحر، ~~ومعادن البرد، كثير اليهود، جيد الهواء والماء ... وأهل الأندلس على مذهب مالك، ~~وقراءة نافع، وهم يقولون: لا نعرف إلا كتاب الله، وموطأ مالك، فإن ظهروا على حنفي ~~أو شافعي نفوه، وإن عثروا على معتزلي أو شيعي ربما قتلوه ... يدخلون الحمامات بلا ~~مآزر إلا القليل، وكل مصاحفهم ودفاترهم في رقوق ... وأهل الأندلس أحذق الناس في ~~الوراقة، خطوطهم مدورة ... وبه تجارات تحمل من برقة ومن صقلية ومن فاس. وبالأندلس ~~السفن # 4 # يتخذ منه مقابض للسيوف، ويقع إليهم من البحر المحيط عنبر كثير في وقت ~~من السنة» ... إلخ إلخ. # وقال الحجاري: «كانت قرطبة في الدولة المروانية قبة الإسلام، ومجتمع أعلام ~~الأنام، بها استقر سرير الخلافة المروانية، وفيها تمخضت خلاصة القبائل المعدية ~~واليمانية، وإليها كانت الرحلة في الرواية، إذ كانت مركز الكرماء، ومعدن العلماء، ~~وهي من الأندلس بمكان الرأس من الجسد، ونهرها من أحسن الأنهار، مكتنف بديباج ~~المروج، مطرز بالأزهار، تصدح في جنباته الأطيار، وتنعر النواعر ... وإن كان قد أخنى ~~عليها الزمان، وغير بهجة أوجهها الحسان ... وسل الخورنق والسدير وغمدان». # ولما دخل الأندلس أمير الموحدين يوسف بن تاشفين، وأمعن النظر فيها وتأمل وصفها ~~وحالها: قال: «إنها تشبه عقابا مخالبه طليطلة، وصدره قلعة رباح، ورأسه جيان، ~~ومنقاره غرناطة، وجناحه الأيمن باسط إلى المغرب، وجناحه الأيسر باسط إلى ~~المشرق». # وقد وصف الشريف الإدريسي الأندلس وصفا مطولا نختصره فيما يأتي: قال: «إن ~~الأندلس في ذاتها شكل مثلث بها يحيط بها البحر من جميع جهاتها الثلاث ... والأندلس ~~طولها ألف ومائة ميل، وعرضها ستمائة ميل، وجزيرة الأندلس مقسومة من وسطها في الطول ~~بجبل طويل ... وفي جنوب هذا الجبل تأتي مدينة طليطلة، وهي مركز لجميع بلاد الأندلس، ~~وكانت في أيام الروم مدينة الملك، ومدارا لولاتها ... وما خلف الجبل في ms425 جهة الشمال ~~يسمى قشتالة». # وقد عدد هنا المدن، وذكر مواقعها، ومزايا كل مدينة، والبعد بين كل مدينة وأخرى ~~بالمراحل أو الأيام، وأبدع ما وصف وصفه لمسجد قرطبة إذ قال: «وفيها - أي: قرطبة - ~~المسجد الجامع الذي ليس بمساجد المسلمين مثله بنية وتنميقا، وطولا وعرضا، ~~وطول هذا الجامع مائة باع مرسلة، وعرضه ثمانون باعا، ونصف مسقف، ونصفه صحن للهواء، ~~وعدد قسي مسقفه تسعة عشر قوسا، وفيه من السواري ألف سارية، وفيه 113 ثريا ~~للوقيد أكبرها واحدة تحمل ألف مصباح، وأقلها تحمل 12 مصباحا ... وجميع خشب هذا ~~المسجد من عيدان الصنوبر الطرطوشي ... وبين العمود والعمود 15 شبرا، ولكل عمود منها ~~رأس رخام، وقاعدة رخام ... ولهذا المسجد الجامع قبلة يعجز الواصفين وصفها، وفيها ~~إتقان يبهر العقول تنميقها، وكل ذلك من الفسيفساء والمذهب والملون، مما بعث ~~صاحب القسطنطينية إلى عبد الرحمن الناصر، وعلى وجه المحراب أنواع كثيرة من التزيين ~~والنقش، وفي عضادتي المحراب أربعة أعمدة، اثنان أخضران، واثنان لازورديان لا ~~تقوم بمال، وعلى رأس المحراب خصة رخام قطعة واحدة مشبوكة محفورة، منمقة ~~بأبدع التنميق، ومن الذهب واللازورد وسائر الألوان، وعلى وجه المحراب مما استدار به ~~حظيرة خشب بها من أنواع النقش كل غريبة، وعن يمين المحراب المنير الذي ليس بمعمور ~~الأرض مثله ... صنع في نجارته ونقشه سبع سنين. وكان عدد صناعه ستة رجال غير من ~~يخدمهم، وعن شمال المحراب بيت فيه عدد وطشوت ذهب وفضة، ومسك لوقيد الشمع، في ليلة ~~سبع وعشرين من رمضان. وفي هذا المخزن مصحف يرفعه رجلان لثقله فيه أربع أوراق من ~~مصحف عثمان وفيه نقط من دمه، وهذا المصحف يخرج في صبيحة كل يوم جمعة ... # وفضائل أهل قرطبة أشهر من أن تذكر، ومناقبهم أظهر من أن تسطر، وإليهم الانتهاء ~~في الثناء والبهاء، بل هم أعم البلاد، وأعيان العباد، ذكروا بصحة المذهب، وطيب ~~المكسب، وحسن الزي في الملابس والمراكب، وعلو الهمة في المجالس والمراتب، وجميل ~~التخصص في المطاعم والمشارب ... ولم تخل قرطبة قط من أعلام العلماء، وسادات ~~الفضلاء، وتجارها مياسير لهم أموال ms426 كثيرة وأحوال واسعة، ولهم مراتب سنية، وهمم ~~علية، وهي في ذاتها مدن خمس يتلو بعضها بعضا. بين المدينة والمدينة سور حاجز، وفي ~~كل مدينة ما يكفيها من الأسواق والفنادق، والحمامات، وسائر الصناعات». وكل هذه ~~الأخبار تعطينا صورة من صور الأندلس؛ مما يدل على حضارتها وثروتها، وجميل ~~موقعها. # وإذا كانت البيئة الاجتماعية في الأندلس تتفق مع المشرق من نواح غير النواحي ~~التي تختلف فيها، ظهرت الشعوبية هنا وهناك، والسبب فيها واحد وهو أن العرب تخلقوا ~~بالأخلاق الأرستقراطية وشمخوا بأنوفهم على من عداهم؛ لأنهم ناشرو الدين وأصحاب ~~اللسن، وزعموا أنهم خير الأمم، فاضطرت الأمم الأخرى أن تدافع عن نفسها بقولهم: ~~إن لكل أمة مزايا وعيوبا، وليست الفضائل كلها مقصورة على العرب، بل فيهم بعضها، ~~وفي غيرهم بعضها. وكان من ذلك في المشرق حركة جدال عنيف بين العلماء، ووجهت الأسئلة ~~الكثيرة إليهم أي الأمم أفضل؟ فوجهت مثلا إلى ابن المقفع، وإلى أبي سليمان المنطقي ~~وغيرهما، ووجد في الأندلس من يقول بالشعوبية من أشهرهم ابن غرسية، واسمه يدل على ~~أنه من أصل أجنبي. # وما لبث الأندلسيون بعد أن اختلط العرب بالإسبانيين وظهر نشء مولد بسبب التزاوج ~~أن وجدت لهم لغة عامية بحكم صعوبة الإعراب، وأثر البيئة في الألسنة والحناجر. ~~فيحدثوننا أن أبا علي الشلوبيني كان نحويا كبيرا، طبقت شهرته الآفاق في النحو ~~ومع ذلك كان لحانا، وكان لا يكاد يبين. # واشتهرت بعض البلاد بأنواع من الفواكه والصناعات، فقالوا: التين المالقي والزبيب ~~المنكبي، ونحو ذلك. وبالأندلس مقاطع للرخام الأبيض الناصع اللون والخمري، وفي ~~البلدة المسماة (ناشرة) مقطع للعمد، واشتهرت المرية بحصاها الذي يشبه الدر في ~~رونقه؛ وله ألوان عجيبة. قال ابن سعيد: «اختصت المرية ومالقة ومرسيه بالموشى ~~المذهب الذي يتعجب من صنعته أهل المشرق. و... وبالمرية ومالقة الزجاج الغريب ~~العجيب، وفخار مزجج مذهب، ويصنع بالأندلس نوع من المفضض المعروف بالمشرق ~~بالفسيفساء، ونوع يبسط به في قاعات ديارهم يعرف بالزليجي، يشبه المفضض، وهو ذو ~~ألوان عديدة، يقيمونه مقام الرخام الملون، وفي إشبيلية من دقائق الصنائع ما ms427 يطول ~~ذكره، واشتهرت المرية أيضا بأنها كانت مرسى للأسطول الإسلامي في الأندلس، وفيها ~~دار للصناعة. قالوا: وكان في المرية ألف إلا ثلاثين فندقا مقيدة في ديوان ~~الخراج». # وذكر ابن سعيد أيضا أن الأرض الشمالية الغربية فيها المعادن السبعة، وأن أعظم ~~معادن للذهب في الأندلس في جهة شنت ياقوب قاعدة الجلالقة على البحر المحيط، وفي جهة ~~قرطبة الفضة والنحاس في شمال الأندلس كثير، والصفر الذي يكاد يشبه الذهب، وغير ذلك ~~من المعادن المتفرقة في أماكنها ... إلخ ... إلخ. # وقد اعتاد الأندلسيون والشرق أيضا ألا يحكموا أنفسهم بأنفسهم، ولا يعتمدوا على ~~أنفسهم في النظام وتدبير الشئون، وإنما اعتادوا الاعتماد على رجل قوي حازم يحكمهم ~~ويقودهم. هذا في الأندلس، ومثله في الشرق؛ ولذلك نرى أن الأمور تستقيم ما دام على ~~رأس المملكة رجل قوي حازم، فإذا زال كان الاضطراب والفوضى، وكان هذا في الأندلس ~~أقوى؛ لأن سكانها ذوو عناصر مختلفة، فهؤلاء العرب بقبائلها، وهؤلاء البربر، وهؤلاء ~~الصقالبة، وهؤلاء الإسبان، فما لم يثبت الحاكم كفايته للضغط على هذه العناصر ~~المتباينة أخرجت هذه الشعوب كلها أنيابها للفتنة والاضطراب، فضلا عن اختلاف بعضهم ~~وبعض في الدين بين نصراني كاثوليكي في الشمال ومسلم في الجنوب؛ ولهذا كان تاريخ ~~الأندلس حوادث متعاقبة تختلف في النظام والفوضى، فتستقر عند وجود الحاكم الحازم ~~وتضطرب عند عدمه ، والقارئ لتاريخهم يعجب من ازدهار الحضارة والعلم في وسط هذا ~~الاضطراب، ويفسر هذا شيئان: # الأول: # أن بعض الأمراء الحازمين حكموا مدة طويلة كخمسين سنة، أو نحو ذلك ~~استقامت فيها الأمور وازدهرت فيها الحضارة والعلم؛ كعبد الرحمن ~~الداخل، وعبد الرحمن الناصر، والمنصور بن أبي عامر ونحو ~~ذلك. # والثاني: # أنه يظهر أن العملاء أو بعضهم كانوا يكونون لأنفسهم جوا ~~هادئا يسود فيه العلم، ويبتعدون فيه ما أمكن عن السياسة رغم الفتن ~~والقلاقل التي حولهم، وربما شهدت الأندلس أكثر من غيرها تحاسد ~~الزعماء، ووجود عدد كبير من العتاة من البربر والعرب والصقالبة ~~والإسبان، وقليل من الأمراء من استطاع أن يصون وحدة المملكة مدة ~~طويلة، فإذا هدأت البلاد قليلا ms428 كانت ثورة إما من زعيم يريد أن ~~يتغلب، وإما من النصارى في الشمال يريدون أن يسترجعوا بلادهم، وإما ~~من بربر يحز في نفوسهم غلبة العرب، إلى غير ذلك. # وكان للأندلسيين خطط لتنظيم أعمال الحكومة وهي التي نسميها التنظيم الإداري، ~~فوظيفة القضاء عندهم أكبر الوظائف وأسماها لتعلقها بالدين؛ ولأن القضاة كانت لهم ~~سلطة كبيرة، حتى ليستطيع القاضي إحضار الخليفة أو الأمير ليسمع كلامه، وعلى رأس ~~القضاء قاض كبير كان يسمى قاضي الجماعة، وله الحق أن يأمر بالقتل على من استحق ~~القتل من غير رجوع إلى السلطان، وهو الذي يحد على الزنا وشرب الخمر، وكان بجانب ~~وظيفة القضاء وظيفة (الحسبة) يتولاها عالم وجيه فطن، وكان صاحب هذه الوظيفة يمر على ~~الأسواق راكبا، ومعه موازينه وأعوانه، فيزن الخبز، ويمتحن الأسعار، ويراقب ~~البطاقات على السلع إذ كانت البطاقات توضع على الخبز واللحم، وقد يرسل المحتسب إلى ~~البائع من يمتحنه سرا فإن عهدت عليه خيانة ضرب أولا وجرس، فإن لم يرتدع نفي ~~من البلد، وكان في كل بلد محافظ يطوف بالليل، وكان المحافظون يسمون بالدرابين؛ ~~لأن بلاد الأندلس لها دروب بأقفال تقفل عليها، ولكل زقاق خفير يخفره وسراج يعلق على ~~باب الزقاق، وكلب يحرسه وسلاح معد لوقت الحاجة ... وأهل الأندلس من أكثر الناس محافظة ~~على الشعائر الدينية والاستنكار لمن يعطلها ، وهم أكره ما يكونون للتسول، فإذا رأوا ~~شخصا صحيح الجسم قادرا على العمل وهو يتسول، سبوه ونصحوه بأن يبحث له عن صناعة ~~يرتزق منها ... إلخ. # وكانت هناك وظائف كتابية، والكتابة عندهم على ضربين: كاتب الرسائل وكاتب الزمام. ~~فكاتب الرسائل كاتب أديب، يتولى كتابة الرسائل الرسمية وغير الرسمية. وأما كاتب ~~الزمام فهو كاتب حسابي. وكانوا يلاحظون ألا يكون كاتب الزمام يهوديا ولا ~~نصرانيا؛ لأن عظماء الناس ووجوههم يحتاجون إليهم، وهم يأنفون أن يحتاج المسلم لمن ~~ليس من دينه. # والشعر عندهم له حظ عظيم، والشعراء من ملوكهم وجاهة، والمجيدون منهم ينشدون في ~~مجالس عظماء ملوكهم، ويوقع لهم بالصلات على أقدارهم ... وإذا كان الشخص بالأندلس ~~نحويا أو شاعرا، ms429 فإنه يعظم في نفسه لا محالة ويسخف، ويظهر العجب، عادة قد جبلوا ~~عليها». # 5 # وكانت لهم عناية كبرى بالشرطة (البوليس) ورئيسهم يعرف بصاحب المدينة أو صاحب ~~الليل. قالوا: وإذا كان عظيم القدر عند السلطان كان له القتل لمن وجب عليه دون ~~استئذان، كالذي للقاضي ولا يكون ذلك إلا نادرا. # ومن الصعب تحديد عدد سكان الأندلس في العصور المختلفة. ويروي بعض المؤرخين أنهم ~~كانوا في أيام الرومان بين ثلاثين وأربعين مليونا، ولكن ليس هناك وثائق تاريخية ~~تؤكد ذلك، ولم نقف على عددهم في أيام العرب. وقالوا: «إن هذه السكة لدار ضربها ~~ثلاثة آلاف درهم وأربعمائة دينار»، وأيا ما كان فإن عدد السكان قد قل لما انتصر ~~الإسبانيون على المسلمين، وتفرق كثير منهم ورحلوا إلى المغرب والمشرق، وسبب آخر ~~لهبوط العدد، وهو اكتشاف أمريكا على يد الإسبان والبرتغال وهجرة كثير منهم إليها؛ ~~حتى إنه في سنة (1768ه) كان عدد السكان تسعة ملايين ومائة وستين ألفا، وفي أوائل ~~القرن الثامن عشر كانوا نحو عشرة ملايين، وبلغوا الآن اثنين وعشرين مليونا ~~وثلاثمائة وثلاثين ألفا. ومعدل كثافة السكان بالنسبة إلى مساحة الأرض هو أربعون ~~نسمة في الكيلو متر المربع الواحد. وعلى الجملة فهذا يعطينا فكرة ولو ساذجة عن سكان ~~العرب في إسبانيا. # وتمتاز الأندلس بأنها كانت بدخول العرب والمغاربة فيها مسكن كثير من الأوربيين ~~والأسيويين. فقد تجمع فيها العرب والبربر، كما تجمع فيها الإسبانيون والفرنسيون ~~ويهود أمم مختلفة؛ وبعبارة أخرى تجمع فيها العنصر السامي والعنصر الآري. وإسبانيا ~~هي كذلك إلى الآن، ولا عبرة بخروج العرب والبربر من بينهم، فإن دم العرب سرى في ~~عروق الإسبان إلى الآن مما جعلهم أمة فيها العنصر الشرقي والعنصر الغربي، ويظهر ذلك ~~في لغتهم وموسيقاهم وعاداتهم وتقاليدهم. وقد يعلل السائحون ذلك بأنها أمة منعزلة عن ~~سائر الأمم، ولكن التعليل الصحيح أن في دمهم بقايا العرب والبربر، حتى إن المقاطعات ~~البعيدة كأهل قشتالة لا يزال فيهم أثر الدم العربي والعادات العربية. # وقد تلاقى في الأندلس جملة أمم: الإيبيريون، والسلتيون، واللاتينيون، واليونانيون ms430 ~~من العنصر الأوربي، والقرطاجنيون، والفينيقيون، واليهود من العنصر الأسيوي؛ وطرأت ~~على إسبانيا أمم جرمانية مثل: الفندال، والقوط، وهؤلاء القوط كانوا هم الطبقة ~~السائدة عندما فتحها العرب. # ولما جاء العرب دخلها آلاف منهم ومن البربر، وبذلك اختلطت فيها أوربا، وآسيا ~~وإفريقيا وامتزجوا امتزاجا غربيا؛ وهذا هو ما يمثلها حتى الآن. والعنصر الأوربي، ~~أو السلالة الآرية، هو العنصر الغالب على القسم الشمالي الغربي من الأندلس، ~~وأجسامهم قوية وعضلاتهم صلبة، وكانوا هم الشوكة الكبرى في جنب المسلمين أيام ~~دولتهم، ومن هؤلاء القشتاليون الذين يعدون أنفسهم محرري البلاد، وفيهم حمية شديدة، ~~وتعصب قوي؛ ويشبههم في هذه الحمية أهل أراغون؛ ولذلك لما تزوج ملك قشتالة بملكة ~~أرغون - أي: تزوج فرديناند بإيزابلا - كان أهل المملكتين قوة كبيرة اجتاحت ~~المسلمين، أما سكان جنوب الأندلس فيقول جوسه صاحب كتاب جغرافية إسبانيا والبرتغال: ~~«إنهم أهل ذكاء وجمال ومرح وترف، وبلاد الأندلس تتصل بأوربا ببرزخ، وهو جبال ~~البرانس، وكثيرا ما ذكر هذا الاسم في تاريخهم». # ويظهر أن نشأة العلوم في البيئات كلها كانت متشابهة أو متقاربة، فتبدأ الأرض ~~جرداء لا نبات فيها، ثم تمهد الأرض، ثم توضع البذرة، وتسمد بالغذاء الصالح، وتتعاهد ~~بالسقي حتى تنمو، وبعد ذلك تثمر. هذا ما حدث للعلم في المشرق، وهذا بعينه ما حدث ~~للعلم في الأندلس. # لقد جاء الإسلام في المشرق، فمهد الأرض للنبات، ثم وضعت بذور العلوم الدينية من ~~تفسير، وحديث، وسيرة، وتاريخ، ومضى على ذلك زمن طويل، تتطور فيه هذه العلوم، ثم ~~زادت الحضارة، وأتي بالكتب من كل مكان، وترجم غير العربي إلى العربية، فعكف أهلها ~~عليها يتفهمونها، ثم هضموها، وأخرجوا نتاجا عظيما، حتى في العلوم التي لم يكن لهم ~~بها عهد، ومثل ذلك حدث في الأندلس، فقد دخل المسلمون الأندلس واصطدموا بالإسبان، ~~وكانت صدمة عنيفة أذهلت العقول من البحث في العلوم، وكثر بين المسلمين الخلاف بسبب ~~العصبيات من يمنية ومضرية، وانقسم اليمنيون أنفسهم إلى عصبيات، وكذلك المضريون. ~~وكان الخلاف بين العرب والبرابرة، وبين العرب والإسبان مما لا يجعل للعلم مكانا، ~~حتى إذا ms431 بدأت الأمور تهدأ، بدءوا يفكرون في العلم، وأول ما فكروا فيه الدين، وتلا ~~ذلك بعد زمان العلوم الداخلية كالفلسفة والرياضيات. # ولما هدءوا وفكروا في العلم كان لذلك وسائل كثيرة: ~~(1) # أن يدعى قوم من المشرق إلى الأندلس فيملئوها أدبا ولغة، كما فعل ~~أبو علي القالي، فقد كان مشرقيا، ورحل إلى الأندلس بدعوة من أميرها، ~~وكان قد تثقف ثقافة واسعة في المشرق، وأخذ كثيرا عن شيوخه، وخاصة ابن ~~دريد، وكانت لابن دريد أخبار طريفة بعضها صحيح، وبعضها مصطنع، مثل ~~وصايا الأعراب لأبنائهم وبناتهم، وما قيل فيها من كلام لطيف، خلقه ابن ~~دريد على الأرجح؛ ولذلك ينسب إليه أنه واضع أصول المقامات قبل بديع ~~الزمان، وكان المشرقيون قد قطعوا شوطا بعيدا في جمع اللغة، وجمع ~~الأشعار، وأخذوا ينتقون منها المختارات المختلفة، كما فعل الأصمعي، ~~والمفضل الضبي، فحوى ذلك كله أبو علي القالي، وسافر بعلمه إلى الأندلس، ~~وكان رجلا عالما، وقورا، حافظا، فنشر ما شاء الله أن ينشر في ~~الأندلس، وأخذ يروي مختارات حيثما اتفق، ثم يشرح ما احتاج إلى الشرح ~~نظما كان أو نثرا. # نعم إنه روي عنه أنه أرتج عليه حينما حاول أن يخطب أول أمره، كما ~~أخذ عليه أنه روى أول أمره بيتا غير مستقيم الوزن، ولكن يظهر أن ~~اختصاصه كان في رواية ما تعلمه عن شيوخه في المشرق، ويكفي العالم نبوغه ~~في ناحية واحدة من النواحي لا في كل النواحي، كالذي روى عن صاعد وقد ~~رحل من المشرق إلى الأندلس، أيضا أنه أخطأ في وزن كلمة عويصة، وأخطأ ~~في فهم مسألة من كتاب سيبويه، وقد يكون ذلك صحيحا، ولكن مهارته ونبوغه ~~كانا في حسن بديهته الأدبية، ورواياته الشعرية. # وانتشر علم أبي علي القالي وصاعد، بين تلاميذهما، ومن تلاميذهما إلى ~~تلاميذهم، وهكذا، وكانا من أول من وضعا أساس الثقافة المشرقية في ~~الأندلس في اللغة والأدب. # ثم نشأت طائفة من أهل الأندلس نفسها تؤلف كما ألفا، كابن عبد ربه ~~المالقي في العقد، فقد اختار زبدة أدب المشرقيين واعتمد على كتبهم، ~~وخصوصا كتاب ms432 ابن قتيبة المسمى «عيون الأخبار» وبوبه تبويبا أشبه ~~بتبويبه، إلا أنه سمى كل باب بنوع من الأحجار الكريمة، وجعله كالقلادة، ~~وكان قصده منه أن ينقل إلى الأندلسيين أدب الشرقيين. وقد قال الصاحب بن ~~عباد لما قرأه: «إن بضاعتنا ردت إلينا»؛ لأنه رأى فيه علوم المشرق ~~التي يعرفها، وابن عبد ربه معذور، والصاحب مخطئ، فإنه لم يرد جمع ~~مختارات أدباء الأندلسيين كما فعل ابن بسام في الذخيرة، وإنما أراد ~~تعريف الأندلسيين بعلوم المشارقة. ~~(2) # أما الوسيلة الثانية: فقد رحل بعض الأندلسيين إلى المشرق، وندبوا ~~أنفسهم لتحصيل علم من علومه، والتبحر فيه، ثم الرجوع إلى الأندلس لنشر ~~ذلك العلم بين أهله. ومن خير الأمثلة على ذلك: يحيى بن يحيى الليثي، ~~فقد رحل إلى المدينة، وتتلمذ للإمام مالك، وأخذ عنه الموطأ، ولازمه، ~~وخدمه كما سافر إلى مصر وأخذ من الليث بن سعد. وعبد الله بن وهب، وعبد ~~الرحمن بن القاسم، وكان يحيى معروفا بالأمانة والدين، معظما عند ~~الأمراء، متعففا عن الولايات، ثم نشر علمه في الأندلس، ومع تعففه عن ~~القضاء أسند إليه اختيار القضاة، فكان يختار من كان على مذهب مالك، ~~وألف حوله مجلسا يسمى مجلس الشورى، عين أعضاءه، ووكل إليهم أمر ~~الفتيا، وإن كنا لم نعرف الكثير عن نظام مجلس الشورى؛ لأنه لم يذكر في ~~كتاب التاريخ إلا لماما. وكان عظيم الجاه، حتى قال أحد مؤرخيهم: «إنه ~~لم يعط أحد من أهل الأندلس منذ دخلها الإسلام ما أعطي يحيى من ~~الحظوة، وعظم القدر، وجلالة الذكر، هذا إلى صراحة في التزام الحق، وفي ~~تنفيذ الحقوق، وإقامة الحدود». # ومثل ذلك كثير، فمنهم من رحل لتعلم الفقه، ومنهم من تعلم النحو، ~~والصرف، والتفسير، والحديث والقراءات ... إلخ. ويجد القارئ في النفح ~~ثبتا طويلا بأسماء من رحلوا من الأندلس إلى الشرق للتزود بالعلم، ~~وبلغ من إقبالهم على ذلك أن كان الشخص يعاب بأنه لم يرحل إلى ~~الشرق. # ومن هؤلاء جميعا ظهرت بعد ذلك طبقة من الأندلسيين أنفسهم يتقنون ~~العلم، ويحملون عبء نشره، حتى نرى فيهم مثل ابن القوطية، ms433 وكنيته تدل ~~على أنه قوطي الأصل، وفي الحقيقة كانت جدته أميرة قوطية، وقد نبغ في ~~اللغة حتى فاق كثيرا من المشرقيين، وألف لنا كتاب «الأفعال» وغيره من ~~الكتب التي تدل على علمه وفضله، وأمثاله كثيرون في كل فرع من فروع ~~العلم كما سيأتي بيانه. ~~(3) # جمع الكتب: ذلك أن الكتب أيضا من أهم وسائل الحركة العلمية، وقد روي ~~عن الأندلسيين أنهم أدركوا ذلك كل الإدراك، ومن أبرزهم في ذلك الخليفة ~~الحكم الثاني المعروف بالمستنصر من خلفاء بني أمية في الأندلس، ملك من ~~سنة 350 إلى سنة 366ه، فقد انتدب نفسه للعناية بالعلوم (واستجلب من ~~بغداد ومصر وغيرهما من ديار المشرق والمغرب عيون التأليف والمصنفات ~~الغربية في العلوم القديمة والحديثة، وجمع منها ما كاد يضاهي ما جمعته ~~ملوك بني العباس في الأزمان الطويلة، وتهيأ له ذلك لفرط محبته في ~~العلم، وبعد همته في اكتساب الفضائل، وسمو نفسه إلى التشبه بأهل ~~الحكمة من الملوك، فكثر تحرك الناس في زمانه إلى قراءة كتب الأوائل، ~~وتعلم مذاهبهم، حتى بلغت مكتبته الآلاف من الكتب). # على كل حال، كانت الأندلس والمشرق أشبه برقعة واحدة يسير فيها النمل ذهابا ~~وجيئة، وتتقابل النمال فتتسار، علماء يضيق بهم الشرق من الفاقة فيرحلون إلى الغرب، ~~وعلماء من الغرب يعوزهم العلم فيرحلون إلى الشرق، منهم من تقصر رحلته، فيكتفي ~~بالرحلة إلى المغرب، فإذا زاد شيئا رحل إلى مصر، ومنهم من له جرأة ومقدرة على ~~الرحلة الطويلة، فيرحلون إلى المغرب، ومصر، والشام، والعراق وما إلى ذلك، وهؤلاء ~~الرحالون كانوا يتبحرون في علوم مختلفة، فمنهم من يقصد في رحلته الفقه، والتفسير، ~~والحديث، والقراءات وهم العدد الكثير، أمثال عبد الملك بن حبيب السلمي، وقد كان ~~فقيها مشهورا، رحل إلى المشرق وجمع من الأحاديث ما شاء الله أن يجمع، وطوف في ~~البلاد ما شاء الله أن يطوف، ثم عاد وألف نحو ألف كتاب، وسمي عالم الأندلس، وكان ~~علمه بحرا يزخر، وألف في الفقه كتابا مشهورا اسمه «الواضحة»، وربما قورن بيحيى ~~بن يحيى الليثي الذي مر ذكره؛ ms434 ومثل القاضي أبي عبد الله محمد بن عيسى، ولي ~~القضاء بقرطبة بعد رحلة رحلها إلى المشرق، وكان يتغنى بالعراق، إذ حمد المقام به ~~أيام طلبه للعلم؛ ومنهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي، وكان لا يخاف في الله لومة ~~لائم، وقد وقف وقفة مشهورة، وهي وقفته أمام عبد الرحمن الناصر، لما أراد أن يشتري ~~بيتا لأيتام ليوسع به قصره، فما زال يمانعه، حتى دفع فيه الناصر مبلغا كبيرا؛ ~~وكالقاضي أبي بكر بن العربي، وبقي بن مخلد، وقاسم بن أصبغ. # ومنهم من طلب الفقه والكلام، كابن حزم العالم المشهور، ويرجح بعض المستشرقين أن ~~أصله من جهة الأم إسباني، وقد كان واسع العلم، غلب عليه المذهب الظاهري، فكان يدعو ~~إليه ويدافع عنه، وله في الكلام باع واسع، ونفس طويل في الجدل، وكان أرستقراطي ~~الأصل، إذ كان أبوه وزيرا، وكان هو نفسه وزيرا فلم يعبأ بذلك، ولم يعبأ بالاضطهاد ~~ممن اضطهده، ولا بنفيه، ويقولون: إنه خلف نحو أربعمائة مؤلف. ولما أحرق المعتضد بن ~~عباد كتبه بإشبيلية قال: # فإن تحرقوا القرطاس لم تحرقوا الذي # تضمنه القرطاس بل هو في صدري # يسير معي حيث استقلت ركائبي # وينزل إن أنزل ويدفن في قبري # وكان إلى علمه في الفقه والكلام أديبا، قوي العاطفة، حسن التعبير عما في نفسه ~~كالذي يدل عليه كتابه «طوق الحمامة». # ومنهم من رحل يطلب الأخلاق، وعلم السياسة، كابن أبي رندقة الطرطوشي، صاحب كتاب ~~«سراج الملوك»، ومنهم من رحل في طلب الأدب كالشريشي وابن عبد ربه صاحب العقد، ومنهم ~~من رحل للتبحر في النحو والصرف كابن مالك صاحب الألفية، ومنهم من رحل للتصوف كمحيي ~~الدين بن عربي، وأبي العباس المرسي، وياقوت العرشي، ومنهم من رحل لطلب الفلسفة ~~والعلوم الدخيلة كابن زهر. # وبعض هؤلاء الرحالين استقر في البلد الذي رحل إليه، فقد أعجبه فلم يعد إلى بلاده، ~~ولكن الأكثر عاد إلى بلاده، وتحلى بصفة المعلم، ووضعوا أيديهم في أيدي من رحل إليهم ~~من المشرق، وكونوا مدرسة واسعة، حدودها حدود الأندلس، فأخذوا يدرسون، ويؤلفون، ~~ويترجمون، وكانت هذه ms435 هي النواة الأولى التي أنتجت العلماء في الأندلس من كل صنف، ~~وكانت هذه الرحلات منها وإليها، لها منفعة ومضرة؛ فمنفعتها أنها نشرت العلم ما شاء ~~أن ينشر، وكونت علماء نابغين، ووسعت الثقافة بين الشعب الأندلسي، ولكن مضرتها ~~أنها صبت العلم الأندلسي في قالب يشبه القالب الشرقي، ولو نشأ بعيدا عن التأثر ~~الشرقي لرأينا علما مبتكرا له منحى خاص، وهذا مع الأسف لم نره، فالجداول التي مر ~~بها العلم في المشرق، هي بعينها الجداول التي مر بها العلم في الأندلس، ولا نعثر ~~على ابتكار إلا قليلا، وكانت هذه القوالب المشرقية أقوى من البيئة الأندلسية، فمع ~~اختلاف بيئة الأندلس عن بيئة المشرق، سواء كانت بيئة طبيعية أو اجتماعية، كانت ~~قوالب المشرق العلمية أقوى من البيئة الأندلسية. وكما قلد علماء المشرق الأقدمين ~~منهم، فساروا في نفس طريقهم، قلد الأندلسيون علماء المشرق، فساروا في نفس الطريق؛ ~~ولذلك نقرأ الكتب المؤلفة في الأندلس فكأنك تقرأ كتب المشرق في لغتها وأبوابها ~~وفصولها. # وربما كان الأدب مع تأثره أيضا بالأدب المشرقي أميز من سائر العلوم في الابتكار؛ ~~لأن الأدب يتأثر بالعواطف الشخصية، والحوادث المحلية أكثر من تأثر العلم، ولكن حتى ~~هذا مع الأسف كان الاختلاف فيه في الشكل لا في الجوهر، مثل شكل الموشحات، واللعب ~~بالتشبيهات، أما موضوعات شعرية أو نثرية لم تعرف عند المشرقيين، فهذا لم نره، وشأن ~~العلم الأندلسي في ذلك شأن العلم والأدب في مصر، والمغرب، والشام، فكلها قلدت ~~العراق في علمه، وأدبه؛ حتى إنه لما عهد إلينا تدريس الأدب المصري في الجامعة، ~~صرفنا زمنا طويلا في تعرف الشخصية المصرية الأدبية، وما تمتاز به عن غيرها من ~~الآداب. فلم نعثر إلا بعد جهد، ولم نعثر بعد الجهد إلا على القليل. فإن قلت: إن ~~العلم الإسلامي سار في طريق واحدة، وأهمل البيئات المختلفة لم تبعد عن الصواب؛ ~~وربما كان السبب في ذلك أن الحياة الدينية من فقه وتفسير وحديث اعتمدت على القرآن، ~~فكان طبيعيا وقد اتحد المصدر، أن تتحد النتيجة أو تتقارب، فإذا وصلنا إلى ms436 العلوم ~~الدخيلة من فلسفة، وطب وتنجيم، وطبيعة، وكيمياء، وإلهيات، رأينا أنها اعتمدت هي ~~الأخرى في الأندلس على الفلسفة اليونانية، والتعاليم الهندية، وما إلى ذلك، إما عن ~~الترجمات اليونانية إلى العربية مباشرة، وإما عن طريق ما ترجمه المشارقة، فاتحدت ~~النتيجة في العلوم الدخيلة أيضا، ولو كانت الأصول التي اعتمد عليها مختلفة لاختلفت ~~النتائج. # ثم كان من أسباب هذا الاتحاد أن العالم الإسلامي كله كان معتبرا دارا واحدة، ~~فالعالم كله كما قال الفقهاء: «دار حرب ودار إسلام»، ودار الإسلام كلها مشرقا ~~ومغربا معتبرة وطنا واحدا للعلماء، فإذا رحل الأندلسيون إلى المشرق، أو رحل ~~المشارقة إلى الأندلس فإنما يرحلون في دارهم، وتحت جو واحد مشبع بالروح الإسلامية. ~~وسواء من دخل من الفرس والهند في الإسلام، ومن دخل من الإسبان في الإسلام، فهم إنما ~~يستنشقون هواء إسلاميا واحدا، ويتكونون تحت تأثير لغة عربية واحدة. # إن العلماء المحدثين يجعلون أكبر المؤثرات في تكوين الأمم دينها ولغتها، ونظامها ~~الاجتماعي الاقتصادي، وكانت هذه كلها في العالم الإسلامي متقاربة، فلا بد أن تكون ~~الحياة العقلية والعلمية والنفسية متقاربة. وتعجبني حكاية قرأتها أن الغزال الشاعر ~~الأندلسي، والسفير الأندلسي لدى بعض الأمم الأجنبية، لما رحل إلى العراق، وأسمع ~~العراقيين شعره، فضلوا عليه شاعرهم أبا نواس مع أنهم فهموه حق الفهم، ولكنهم ~~قالوا: إنه وأمثاله من الأندلسيين لم يبلغوا في الشعر مبلغ أبي نواس فرد عليهم، وفي ~~يوم من الأيام أتاهم بقطعة من شعره، وقد نسبها إلى أبي نواس، فاستحسنوها، فقال لهم: ~~إنما هي لي. # 6 # فهذه قصة تدل على تعصب كل من المشارقة والمغاربة لشعره، كما تدل على أن ما يقوله ~~الأندلسي يفهمه المشرقي ويتذوقه، وما ينسب إلى المغربي قد ينسب إلى المشرقي فتجوز ~~نسبته. # وما دام المؤذنون يؤذنون في المساجد بألفاظ واحدة، فالصدى يكون واحدا، وكذلك ~~العلم والأدب. # وقد كان الأندلسيون يدينون بمذهب الأوزاعي، متأثرين في ذلك بالشاميين الذين كانوا ~~في الجند الذي فتح الأندلس، إذ كان الأوزاعي بيروتيا، وكان إماما كبيرا، ~~وفقيها معدودا، ثم انتقلوا إلى مذهب الإمام ms437 مالك كما ذكرنا، ويظهر أن السبب في ~~ذلك أمور: ~~(1) # أن مذهب مالك أقرب لمزاجهم، فهو يعتمد على الحديث وعلى إجماع أهل ~~المدينة، أكثر مما يعتمد على القياس والعقل وهذا المنهج أكثر ملاءمة ~~وأوفق لعقلية الأندلسيين. ~~(2) # أن رجالا عظاما كيحيى بن يحيى الليثي الذي ذكرناه من قبل تتلمذ ~~لمالك في المدينة، وأخذ عنه، ومنحه الله من القوة والسلطان ما مكنه ~~من نشر مذهب مالك، وعهد إليه في اختيار القضاة فكان يختارهم على ~~مذهبه. # وقد تأثر الأندلسيون بمذهب مالك في الشدة والعصبية، ووقاهم الله ما كان في العراق ~~وغيره من البلاد المشرقية في الخلاف المذهبي، كالذي كان بين الشافعية والحنفية، ~~والذي كان بين الشافعية والحنابلة. وربما كان هذا أيضا سببا في قلة الفرق ~~الدينية، فلم يكن بين الأندلسيين ما كان لأهل العراق من مذاهب مختلفة في العقائد ~~كشيعة وخوارج، وغير ذلك، والسبب الأول في هذا أن العراق كان حتى قبل الإسلام ~~مملوءا بالمذاهب المختلفة؛ كالمزدكية، والزرادشتية، ومذاهب الهنود في التناسخ ~~ونحوه. فلما جاء الإسلام واستقر في العراق ظهرت هذه المذاهب بلونها الأصلي أو بلون ~~معدل، وتفرق من أجلها الناس إلى فرق كثيرة، ولعل من أسباب عدم ظهورها أيضا في ~~الأندلس اتحادهم في اعتناق مذهب مالك، وهو مذهب سني يعتمد على الحديث، فلا حاجة ~~للأمة التي تعتنقه إلى اعتناق غيره. نعم إنه ظهر في الأندلس بعض الناس يعتنقون ~~الاعتزال، وبعضهم يتشيعون، وبعضهم يعتنق مذهب الظاهرية، ولكن كان كل هؤلاء قليلين ~~بالنسبة لمن يعتنق مذهب مالك. # وكانت نساؤهم على العموم أشبه بنساء المشرق أكثرهن أميات، وفيهن الجواري اللائي ~~يحسن الغناء والموسيقى، ويبعن بعد أن يتعلمن بأثمان غالية. # وكان يغلب على الحرائر من النساء الحجاب، كأهل المشرق، بل ربما كان حجابهن أعنف، ~~ولكن يتسامح في الحجاب مع الإماء والسراري؛ ولذلك لما سفرت ولادة بنت المستكفي ~~وجلست في مجلس الرجال، وشاركت في الشعر والأدب، وكانت أرستقراطية من البيت المالك، ~~قوبل سفورها بشيء من الاستغراب، وما حدث في المشرق حدث نظيره في المغرب، فقد رحلت ~~إلى الأندلس ms438 فرقة من الجواري المشرقيات اللائي أخذن من إبراهيم الموصلي، واتخذن ~~إمامهن زريابا الذي سبقهن إلى الأندلس، فكون نواة لمجالس الغناء في الأندلس، ~~وعلمن الفتيات الأندلسيات الغناء والموسيقى والرقص، كما علم أبو علي القالي اللغة ~~والنحو؛ ولذلك لم يخل عصر من عصور الأندلس فيما بعد من مغنيات أندلسيات وموسيقيات، ~~وراقصات، وكان هذا يشبه أن يكون تقليدا في البيوت الأرستقراطية، وحتى في بيوت ~~الأوساط، وتدل الحكايات الكثيرة الأندلسية على أن الأندلسيين كانوا شغوفين بالسماع، ~~حتى ليفضلون الضروري من العيش مع السماع، على العيش المترف مع الحرمان. # وكانت البيوت الأندلسية حتى القصور الملكية مملوءة بالحرائر والإماء من ~~الإسبانيات وغيرهن، والبيت يتعدد فيه الأولاد من هؤلاء وهؤلاء، والبيوت مملوءة ~~بالحقد والنزاع بين الأحرار والإماء، ثم يسري ذلك إلى أولادهن، بل كثيرا ما تدخلت ~~النساء في السياسة، فكان أهلهن إسبانيات مسيحيات، وتظاهرن بحب العروبة والإسلام، ~~ولكنهن في الحقيقة لم ينسين نصرانيتهن، ولا إسبانيتهن، فكان بعضهن جاسوسات على ~~الخلفاء، ينقلن لقومهن دقائق الأمور، ويوقعن المسلمين في أشد أنواع الحرج. # وهن كالمشرقيات نبغ منهن عدد محصور في الأدب، مثل ولادة مع ابن زيدون، وأم ~~الكرام بنت المعتصم، وحفصة بنت الحاج، واعتماد جارية المعتمد، ونحوهن، فكان يعد في ~~كل مدينة أندلسية أديبات مشهورات، يعددن شذوذا في الحياة الاجتماعية ~~العامة. # وبلغ من تأثيرهن أن قال بعض مؤرخي الإفرنج: إن عبد العزيز بن موسى بن نصير الذي ~~استخلفه أبوه على الأندلس، قد تنصر من أجل امرأة، ولكن الذي ذكره مؤرخو العرب يدل ~~على أن عبد العزيز لم يتنصر، وبعيد ذلك حقا؛ لأن واليا كبيرا وابن فاتح عظيم ~~يبعد أن يغير دينه من أجل امرأة. وقد اشتهر المسلمون بالأندلس بعصبيتهم لدينهم، ~~وصعوبة تحولهم إلى غيره، وهذا في العامة فضلا عن الخاصة، والذي ذكره المسلمون أن ~~عبد العزيز تزوج زوجة الأمير لذريق، وهو الذي فتح العرب في أيامه بلاد الأندلس، ~~وقد صالحت على نفسها، وأقامت على دينها إلى أن تزوجها عبد العزيز، فتمكنت منه ~~تمكنا كبيرا، وتكنت بأم عاصم. ويقال: إنه سكن ms439 معها في كنيسة بإشبيلية، وهذا ~~بعيد أيضا. ويقال: إنها قالت له: لم لا يسجد لك أهل مملكتك، كما كان يسجد للذريق ~~أهل مملكته؟ فقال لها: إن هذا حرام في ديننا. فلم تقتنع منه بذلك، وفهم أنه إن لم ~~يفعل ذلك نزل قدره عندها، مع أنه يحبها حبا جما، فاتخذ بابا صغيرا قبالة ~~مجلسه، فإذا دخل عليه الناس اضطروا إلى الانحناء، وأفهمها أن ذلك كالسجود، ويقال: ~~إنها قالت له: إن الملوك إذا لم يتوجوا فلا ملك لهم، فهل أعمل لك ما بقي عني من ~~الجواهر والذهب تاجا؟ فقال لها: ليس هذا في ديننا. فقالت له: من أين يعرف أهل بيتك ~~ما أنت عليه في خلوتك؟ فلم تزل به حتى فعل فرآه خلسة ومصادفة بعض الجند، فقالوا: ~~تنصر. ثم هجموا عليه فقتلوه. # وعلى كل حال، فهذا يدل على تأثير الإسبانيات في أزواجهن من الأمراء، فكيف بمن ~~دونهم؟ ومن الأدلة على ذلك ما حكي عن عبد الرحمن الناصر أنه بنى الزهراء على اسم ~~حظية له، وأنفق فيها أموالا لا تحصى، وتفنن فيها ما شاء أن يتفنن، وقالوا: إن ~~المعتمد بن عباد تلقب بهذا اللقب من أجل جارية له إسبانية الأصل كانت تسمى ~~اعتماد. # وقد حكى عبد الواحد المراكشي في كتابه «المعجب» أنه كان بمدينة قرطبة نحو 150 ~~امرأة تكتب القرآن بالخط الكوفي، فكيف بغيرها ؟ # وكما عني الأندلسيون بالعلوم عنوا أيضا بالفنون؛ ولقربهم من الفنون الإيطالية، ~~والفنون الإسبانية والفرنسية، طبعت عمارتهم بطابع خاص غير طابع الفنون المشرقية. ~~وآثارهم الباقية في جميع مدن الأندلس تدل على عظمة ذوقهم، في قرطبة، وغرناطة، ~~وطليطلة، وغيرها. وقد بنى عبد الرحمن الناصر لجاريته الزهراء مدينة سماها كما ذكرنا ~~باسمها، وجعلها متنزها ومسكنا له ولحاشيته، ونقش صورتها على الباب، وكان ~~الأندلسيون يجلبون الصور والتماثيل من البلاد الأخرى كالقسطنطينية، وقلدوا بعض ~~النقوش التي رأوها في كنائس إسبانيا وصقلية، وروى بعض المؤرخين أن ثلاثة أعمدة في ~~مسجد قرطبة كانت عليها نقوش وصور، كان على أحدها صورة عصا موسى، وعلى الثاني صورة ~~أهل ms440 الكهف، وعلى الثالث غراب نوح، وأكثروا من عمل الآنية والأثاث، ورسم الأشكال ~~الهندسية العجيبة على الأبواب، وفي السقوف، مما لا تزال آثاره باقية حتى اليوم، مع ~~تفننهم العظيم في الموسيقى، والغناء، وربما كان الفضل الأول في ذلك لزرياب الذي قدم ~~من المشرق سنة (206ه)، فأجزل الخليفة عبد الرحمن بن الحكم العطاء له، وأسكنه، وأجرى ~~عليه في كل شهر مائة دينار، وعلى من حضر معه عشرين دينارا لكل شخص. وقد زاد زرياب ~~في العود وترا خامسا، وكان يحفظ الأصوات التي قبله، فقالوا: إنه كان يحفظ عشرة ~~آلاف صوت، وكان له جارية اسمها متعة، أدبها وعلمها، فصارت تحسن أغانيه، ومن ~~رغبته الشديدة في الغناء والأصوات أنه كان يحلم بالصوت، وكيفية توقيعه، فكان يقوم ~~في الليل بعد أحلامه يسمعها لجواريه، حتى إذا حفظنها نام، ولم يكتف بتعليم الغناء، ~~بل كان له حظ عظيم من آداب اللياقة في مأكله وملبسه وعوائده، بثها في الأندلسيين، ~~وأعجبوا بها حتى قلدوها، وإلى الآن ينسب نوع من الحلوى إليه في الشرق ويسمونه ~~«زلابيا»، والغالب أنه تحريف عن «زريابيا»، وقد عرف عنه أنه كان يقيم الولائم ~~العظيمة يتفنن في ترتيبها، وكان ذاك كله هو النواة الأولى في فخامة قصور الأمراء ~~الأندلسيين وبيوت الأغنياء وأناقتهم. # وكان زرياب إلى ذلك كله مثقفا ثقافة واسعة، فهو عالم في النجوم والجغرافيا ~~والطبيعة والسياسة، وكان له خصوم أقوياء خصوصا من الفقهاء، وكان من خصومه المقتدر ~~بن يحيى الغزال، فقد هجاه هجاء مقذعا، فنفاه عبد الرحمن الأوسط إلى العراق، ولولا ~~أن خلفاء زمانه أخذوا بيده ونصروه على خصومه لذهب ضحيتهم. ولرقة عواطف الأندلسيين ~~أغرموا بالغزل، واستعانوا عليه بالموسيقى، والغناء والرقص، فكنت تسمع في كثير من ~~الأحياء حين تمر بالليل صوت الغناء والموسيقى في كثير من البيوت. # وكثر بجانب مجالس الغناء مجالس الأدب، وربما حضرها النساء أيضا ... قال بعضهم يصف ~~مجلسا: # وفتية كالنجوم حسنا # كلهم شاعر نبيل # منفذ الجانبين ماض # كأنه الصارم الثقيل # في مجلسه زانه التصابي # وطاردت وصفه العقول # ومن أعجب العجب ما رووه في ms441 صنعة الأندلسيين وفنهم عن عباس بن فرناس، فقد اخترع فن ~~الطيران، وقالوا: إنه عمل آلة لها جناحان، فطار بها مسافة لا بأس بها، وسقط عند ~~النزول؛ لأنه لم يحسن تصميم الذيل عند النزول. # وقد أثرت الأندلس في العالم الأوربي بعلومها وفنونها أكثر مما أثر المشرق؛ لأنها ~~قريبة من أوربا؛ ولأنه كان يقصدها كثير من الأوربيين، فيتثقفون على العرب، ويتعلمون ~~منهم، ويشاهدون حركاتهم، ويقلدونها في بلادهم. وكان كثير من اليهود يتعلمون العربية ~~والعلوم والآداب وينقلونها إلى أوساط أخرى؛ ولأن الأندلسيين غزوا جنوب فرنسا، ~~وفتحوه إلى بلدة «بواتييه»، والأفكار سريعة الانتقال سرعة البرق، فلو قلنا: إن ~~الحضارة الأوربية طارت من على أكتاف الحضارة الإسلامية، وخاصة الأندلس، لم نكن ~~بعيدين عن الصواب. # والتاريخ كل يوم يبين سلسلة من الأحداث يتشابه نتاجها مع نتاج العرب، ولا يجعل ~~مجالا للشك في أن أصولها مستمدة من العرب، في اللاهوت، وفي القصص، وفي الطبيعة، ~~والكيمياء، وفي الرياضة والهندسة، وغير ذلك. والعصبية الأوربية تحول كثيرا بين ~~الاعتراف بالحق، ولكن التاريخ كفيل بكشف الحقيقة. # وكانت المدة الطويلة التي عاشتها الحضارة الأندلسية، إذ بلغت ثمانية قرون كفيلة ~~بقوة الاحتكاك بين الشرق والغرب، واستفادة الغرب منها. هذا مع ما عرف عن الأندلسيين ~~من نزاع شديد على الخلافة وغيرها، وكثرة الثورات، والثوار، ولو أنه أتيح لها ~~الاستقرار، وقل هجوم الإسبانيين عليها كل حين، وخروجهم هم على أنفسهم لأتت ~~بأضعاف ما أتت، واستفاد العالم من حضارتها أضعاف ما استفاد، ولكن لله في خلقه ~~شئون. # وفي الحق أن الأندلسيين كالمشرقيين أنتجوا في الأدب أكثر مما أنتجوا في العلوم، ~~سواء النثر أو الشعر، وأكثروا من وصف الحياة الاجتماعية، وما تستدعيه مجالس اللهو ~~والغناء والشراب، والعلاقة بالنساء، والحروب، والقول في ألم الفراق، والرقص، ~~والراقصات، والمناظر الطبيعية، والملاحم في تاريخ الأندلس، وغير ذلك؛ ولكل هذا مع ~~ما عرف من طبيعة العرب من كثرة القول وطواعية اللسان، مما جعلهم ينتجون من الأدب ~~أكثر مما ينتجون في العلوم الرياضية والطبيعية، وتقرأ تراجم علمائهم فترى كأن كل ~~عالم شاعر، حتى ms442 الفلاسفة والفقهاء. والطبيعة العربية في الأندلس كالطبيعة العربية ~~في المشرق، ما هو إلا أن يتجه الذهن إلى شيء، حتى يدر القول، وينساب الكلام. # ولقد كانت واقعة «شارل مارتل» وقعة فاصلة بين المسلمين في الأندلس، والنصارى في ~~أوربا. إذ لولا هزيمة المسلمين لتقدموا حتى فتحوا أوربا كلها، واستفاد الفاتحون مما ~~يرون من أخلاق وعادات وفنون، ولاستفاد الأوربيون من دين العرب ولغتهم وعلمهم، ولكان ~~العالم أشبه ما يكون بوحدة، ولكن شاء الله أن يقفوا عند هذا الحد؛ ورأى النصارى ~~تمجيد «شارل مارتل»؛ لأنه حماهم من غزو العرب، واعتقدوا أنه لو غلبهم المسلمون لما ~~كانت نهضتهم، ولا استقلالهم، ولا علمهم، ولا فنهم. # ومن يدرينا؟ فالعالم كله ليس يتسع لسلطة واحدة، ولا لجنس واحد، واختلاف الناس إلى ~~أجناس وشعوب وأديان يجعل الاحتكاك أتم، والصراع أشد، والتسابق إلى الفضائل أقوى. ~~ومن كل ذلك يكسب العالم رقيا وتقدما، ألا ترى أن الحروب على شدتها وويلاتها ~~وكوارثها تسفر آخر الأمر عن تقدم عظيم في العلوم والفنون، كما أسفرت الحرب الأخيرة ~~عن تقدم في الطيران، والعقاقير الطبية، والعمليات الجراحية، والشئون الاقتصادية، بل ~~وفي كل مرفق من مرافق الحياة. والتجارب علمتنا أن ليس هناك خير محض، ولا شر محض، ~~وأن الشر الكثير قد يأتي بخير كثير. # ولما تقسمت الدولة الأندلسية إلى طوائف، كانت ملوك كل مدينة تزهى بالعلماء، ~~وتقربهم، وتعتقد أنهم أحسن دعاية لهم؛ وقد ساعد على ذلك أن البلاغة، وإتقان الأدب، ~~كانا أيضا وسيلة للوزارة، كذلك كان الخلفاء في الأندلس في حاجة شديدة إلى الطب ~~والتنجيم، فقربوا الأطباء والمنجمين، وكان الطب والتنجيم المدخل إلى ~~الفلسفة. # واشترك اليهود في الحياة الثقافية مشاركة فعالة، وكانوا منبثين في طول البلاد ~~وعرضها، ومنهم من اشتغل بالطب، ومنهم من أمسك مالية الدولة مثل «حسداي بن ~~شبروط» الذي كان يسيطر على مالية الدولة في عهد عبد الرحمن الناصر، ومنهم من ~~ارتقى إلى منزلة الوزارة مثل «إسماعيل بن نغزلة» في ظل الأمير البربري «حبوس» ~~في غرناطة، وكان لليهود تأثير كبير في مساعدة بعض الأمراء، وخذل ms443 بعضهم. # وأحيانا يضيق المسلمون ذرعا بسوء تصرفهم، وتعسفهم، فيضطهدونهم، وينكلون ~~بهم. # وكانت المملكة الإسلامية بالنسبة للعلماء والرحالين كرقعة شطرنج، يذهبون فيها ~~ويجيئون من غير مراقبة أو تشديد؛ لذلك سرعان ما رأينا علماء من المشرق يذهبون إلى ~~الأندلس، وعلماء من الأندلس يذهبون إلى المشرق، وهم لا يستقرون على حال واحدة وهم ~~كلما حلوا في بلدة استفادوا وأفادوا؛ ولذلك تجد في تراجم كثير من العلماء الرحلة من ~~هنا إلى هناك، وبالعكس. # ولما ضعف شأن أمراء الأندلس بتفرقهم، وكثرة حروبهم، وغلبة النصارى عليهم، ~~استنجدوا بأهل المغرب، فأولا: استنجدوا بالمرابطين فكان في المغرب قبيلة اسمها ~~«لمتونة» إحدى قبائل صنهاجة، وهي قبيلة ضاربة في الجنوب، حتى بلاد السنغال، ~~ومسيطرة على الشعوب الزنجية المجاورة، حتى آل أمر هذه القبيلة «ليوسف بن تاشفين»، ~~فلما استدعي لمعاونة الأندلسيين عدى البحر بجنوده، وصار إلى إشبيلية، فحارب ~~الإسبان وغلبهم، وتغلب على أكثر بلاد الأندلس، حتى لقد عزل الملوك المسلمين لضعفهم، ~~وعدم قدرتهم على الدفاع عن بلادهم. وكان يوسف بن تاشفين ذا نزعة دينية تخالف نزعة ~~الغزالي، وكره منه إفراطه في الدعوة إلى محاسبة النفس، فأصدر قاضي قرطبة وزملاؤه ~~فتوى بأن الغزالي مبتدع زنديق، وعلى ذلك أحرقوا كتابه «إحياء علوم الدين» في قرطبة ~~على مرأى من الشعب، وفرضت عقوبة الإعدام على كل من يقرؤه، واضطهدوا اليهود حتى ~~فر كثير منهم، ودعوا إلى تفسير جميع الآيات المجسمة للذات العلية، كوجه ربك، ~~ويداه مبسوطتان، تفسيرا حرفيا، وسفهوا رأي المعتزلة في تأويل كل هذه ~~الآيات. # ثم حدث أن رحل إلى بغداد رجل اسمه «محمد بن تومرت» من قبيلة (مصمودة) البربرية، ~~ومن أبناء جبل السوس في الجنوب الغربي من مراكش، بعد أن قضى مدة في قرطبة، شهد فيها ~~إحراق كتب الغزالي، وقرأ فيها كتب ابن حزم، وفي بغداد وقف على تعاليم الأشعري ~~واعتنقها، فلما رجع إلى المغرب، أعلن حربا شعواء على مذهب المرابطين في التجسيم، ~~ودعا إلى التأويل والتنزيه، وقد عرف أتباعه بالموحدين، كما عرف أتباع يوسف بن ~~تاشفين بالمرابطين. واستولى هو على الأندلس، ونشر ms444 تعاليمه بين أفرادها. # قال في المعجب: «وفي عهد المرابطين عظم أمر الفقهاء؛ لأن أمراءهم لم يكونوا ~~يقطعون أمرا، ولا يبتون في صغير من الأمور ولا كبير، إلا بمحضر أربعة من الفقهاء، ~~فبلغ الفقهاء في أيامهم مبلغا عظيما لم يبلغوا مثله في الصدر الأول من فتح ~~الأندلس ... فكثرت لذلك أموالهم، واتسعت مكاسبهم. وفي ذلك يقول بعض الشعراء: # أهل الرياء لبستمو ناموسكم # كالذئب أدلج في الظلام العاتم # فملكتم الدنيا بمذهب مالك # وقسمتم الأموال بابن القاسم # وركبتم شهب الدواب بأشهب # وبأصبغ صبغت لكم في العالم» # 7 # وفيه أيضا: «أن الفقهاء قرروا في مجالس أمراء الموحدين تقبيح علم الكلام، وكراهة ~~السلف له، وهجرهم من ظهر عليه شيء منه، وأنه بدعة من الدين، وربما أدى أكثره إلى ~~اختلال في العقائد، وكتبوا إلى البلاد بالتشديد في نبذ الخوض في شيء منه، وتوعد من ~~وجد عنده شيء من كتبه. ولما دخلت كتب الغزالي المغرب، أمر أمير المسلمين بإحراقها، ~~وتقدم بالوعيد الشديد من سفك الدم واستئصال المال إلى من وجد عنده شيء ~~منها». # 8 ~~«ثم اختلت أحوالهم اختلالا شديدا، فظهرت في البلاد مناكير كثيرة، ~~واستولى النساء على الأحوال وأسندت إليهن الأمور، وصارت كل امرأة من أكابر لمتونة ~~مشتملة على كل مفسد وشرير، وقاطع سبيل، وصاحب خمر وماخور. وأمير المسلمين في ذلك ~~يتزيد تغافله، ويقوى ضعفه، ويقنع باسم إمرة المسلمين». # 9 ~~«ولما رأى أعيان بلاد الأندلس ما ذكرناه من ضعف أحوال المرابطين، أخرجوا من كان ~~عندهم من الولاة، وكادت الأندلس تعود إلى سيرتها الأولى، وقام بغرب الأندلس دعاة ~~فتن واستفزوا عقول الجهال واستمالوا قلوب العامة»، # 10 # فكان ذلك سببا في دخول الموحدين، وحلولهم محل المرابطين، وكان زعيم ~~الموحدين محمد بن تومرت، وفي أيامه انتشر الصالحون والمتبتلون وأهل علم الحديث ~~فقامت لهم سوق ... وفي أيامه انقطع علم الفروع وخافه الفقهاء، وأمر بإحراق كتب المذهب ~~... فأحرق منها جملة في سائر البلاد. قال صاحب المعجب: «وقد شهدت ذلك وأنا بمدينة ~~فاس، يؤتى منها بالأحمال، فتوضع ويطلق فيها النار، وتقدم إلى الناس في ms445 ترك الأشغال ~~بعلم الرأي، والخوض في شيء منه، وأمر جماعة ممن كانوا عنده من علماء المدينة بجمع ~~أحاديث من المصنفات المشهورة في الأحاديث، كالبخاري ومسلم، فجمعوا ما أمرهم بجمعه، ~~فكان يمليه بنفسه على الناس، ويأخذهم بحفظه». # 11 # وفي عهد دولة الموحدين هذه ظهر ابن طفيل وابن رشد الفيلسوفان الكبيران، ولكن دولة ~~الموحدين التي انتظمت الأندلس والمغرب إلى تخوم مصر، واتسعت اتساعا لم يكن له نظير ~~من قبل أصابها الانحلال، وانغمس خلفاؤها في الترف، بينما كان الإسبان يقوون شيئا ~~فشيئا، ويتسلطون على البلاد شيئا فشيئا. وأعقب المرابطين والموحدين في السيادة ~~على غرناطة (بنو نصر) ويسمون بني الأحمر، وكان أجداد بني الأحمر هؤلاء من قبل ~~ملوكا على سرقسطة، فتصدروا بعد خروج الموحدين لجهاد الإسبانيين، ولم يكونوا ~~يقاومون النصارى وحدهم، بل كانوا يقاوموا أيضا بعض الملوك المسلمين الذين ~~يهاجموهم، حتى اضطروا أخيرا إلى أن يكونوا في حماية فردينند الثالث ملك قشتالة. ~~وازدهرت العلوم والآداب في عهد بني الأحمر، ومن أشهر رجالهم، وأكبر أدبائهم «لسان ~~الدين بن الخطيب» الذي ألف فيه المقري نفح الطيب، وكان ابن الخطيب وزيرا لأحد ملوك ~~بني الأحمر، وقد ألف كتبا كثيرة، وهو الذي كانت بينه وبين ابن خلدون مكاتبات ~~وصداقة، عكرها التنافس بينهما؛ إذ كان ابن خلدون قد سفر لبني الأحمر إلى صاحب ~~قشتالة ونجح في سفارته، فلما أحس بتغير قلب ابن الخطيب هاجر ابن خلدون إلى إفريقيا ~~ثم مصر. هذا إلى غير ابن الخطيب من العلماء والخطباء. # ثم كان من مفاخر بني الأحمر ظهور النابغتين المشهورين وهما: ابن بطوطة، وابن ~~جبير. فابن جبير أبحر من جزيرة طريف إلى الإسكندرية ومكة، ولما فرغ من حجه انقلب ~~إلى العراق، فالموصل، فحلب، فدمشق، فعكه؛ ومن ثم ركب البحر إلى صقلية، وكان في ~~القاهرة أيام صلاح الدين، فوصف ما شاهده وصفا دقيقا، وكان من توفيق الله له أن ~~طاف هذه البلاد والحضارة الإسلامية في أشد ازدهارها، فوصفه بحق يعد وصفا دقيقا ~~للحضارة الإسلامية في عهدها. # وابن بطوطة رحل، واستغرقت رحلته نحوا من ms446 خمس وعشرين سنة، وطاف في أمصار فارس، ~~وآسيا الصغرى، وشبه جزيرة القرم، ثم القسطنطينية، ثم الهند، وشغل سنين منصب قاض في ~~دلهي، ووفق بعد إلى رحلة أخرى إلى الصين، فزار سوتنج وكانتون، ثم قفل إلى جزيرة ~~العرب من طريق سومطرا، حتى بلغ فارس، ثم رحل رحلة أخرى إلى بلاد الزنوج، واستقر ~~بعدها في مراكش، وربما عد زعيم الرحالين إذ لم يبلغ أحد مبلغه. # وبعد أن ازدهر بنو الأحمر في حروبهم وعلومهم وفنونهم، عدا عليهم الزمان، فأنزل ~~أواخرهم من عروشهم، وأفقدهم سلطانهم، وماتوا في حسرة على عزهم، وسطوتهم، وأبهتهم، ~~وعظمتهم، وكانوا آخر من ملك بالأندلس. وذلك أنه لما فتح المسلمون الأندلس، تركوا ~~جزءا منها في الشمال، في جبال البرانس، وكان جزءا وعرا، يسكنه بعض النصارى البدو ~~الأجلاف، فتركهم المسلمون، ولم يعبئوا بهم، ولكن ظلوا يقوون شيئا فشيئا، واستطاع ~~هذا العدد القليل أن يضم حوله كثيرا من نصارى إسبانيا، وفرنسا، وغيرهما، وكانوا ~~يحمسونهم بإثارة العاطفة الدينية، فكانوا شوكة دائما في جنب المسلمين، يخرجون ~~عليهم من حين لآخر، وكانوا ينكمشون إذا أحسوا من الأمير الأندلسي قوة، كعبد الرحمن ~~الداخل، وعبد الرحمن الناصر، والمنصور بن أبي عامر، أما إذا شموا أية رائحة ضعف، ~~فإنهم يعيثون في الأرض فسادا، وظلوا يقوون شيئا فشيئا، والمسلمون يضعفون شيئا ~~فشيئا بتخاذلهم، وكل يوم تسقط في أيديهم إحدى المدن، حتى وقعت الأندلس كلها في ~~قبضة أيديهم . فهذا القسم الصغير الذي تركه المسلمون في الشمال استصغارا لشأنه، ~~ووعورة مسلكه، جر على المسلمين فيما بعد الوبال. # فالدولة الأندلسية كانت أشبه ما تكون بشجرة مقلوبة فروعها في الأرض، وجذورها في ~~السماء، فجذورها أول ما عرفت الأندلس المسلمين هم الجنود والولاة الذين كان يرسلهم ~~الخلفاء الأمويون من بعد الفتح إلى دخول عبد الرحمن، وذلك من سنة 92 إلى سنة 138ه. ~~وفي هذه الفترة لم يكن تقررت في الأندلس قواعد الملك، ولا ثبتت جذوره، ولا وضع ~~للثقافة منهج معروف، بل كانت نتفا هنا أو هناك. وكانت تكثر الخلافات بين العرب ~~أنفسهم من يمنية ومضرية، ms447 وبين العرب والبربر من ناحية، والمولدين من ناحية أخرى؛ ~~ولذلك كانت الإمارة مقلقة مضطربة. # وجذع الشجرة هو الخلافة الأموية من عهد عبد الرحمن الداخل إلى سقوط الأمويين، ~~ومجيء عصر الطوائف، والأمويون هم الذين وضعوا دعائم الدولة، ووضعوا لها نظما ~~ثابتة، ساروا عليها حياتهم، من أهمها وحدة البلاد، فلا يصح لداخلي ولا خارجي أن ~~يقتطع جزءا منها إلا ما يضطرون إليه بحكم الانهزام في الحرب. ولما استقلوا عن ~~العباسيين حافظوا على استقلال البلاد من أي تدخل داخلي أو أجنبي، ثم كان أمامهم ~~مطمح سعوا إليه، وهو أن تكون البلاد كلها مسلمة أولا، مالكية المذهب ثانيا. ثم ~~لما كانوا من نسل الأمويين في الشرق، وكانت دعامة الأمويين في الشام، وعاصمتهم في ~~الشرق دمشق، وكان عدد كبير من الفاتحين من الشاميين آثروا نقل التقاليد الشامية إلى ~~الأندلس، وهي تخالف التقاليد العراقية، والتقاليد المصرية، والمدينية، ~~وغيرها. # وقد مجدوا هذه التقاليد، حتى عرف أن من أراد الخروج عليهم خرج عليها، كما يفعل ~~الخارجون على بني العباس بلبس البياض؛ ولذلك رأينا خارجين عليهم يتخذون علامة ~~خروجهم الخروج من مذهب مالك، أو الانضمام إلى العباسيين، أو محاولة الاستقلال، أو ~~نحو ذلك. وكان من أمجد أعمالهم اتجاههم نحو الثقافة، فعبد الرحمن الناصر مثلا وضع ~~فكرة انتداب العلماء من المشرق، والحكم ابنه وضع فكرة إنشاء مكتبة عظيمة في ~~الأندلس، وغيرهما وضع فكرة تشجيع العلماء وتقديرهم، وهكذا؛ ولذلك إذا أرخنا ~~الحياة الفكرية في الأندلس وجب أن نسند الفضل الأكبر إلى الأمويين، فالحق أن ازدهار ~~العلم أيام ملوك الطوائف يرجع إلى سببين هامين: ~~(1) # أن البذرة الأولى التي وضعها الأمويون نضجت فيما بعد في عهد ~~الطوائف. ~~(2) # أن انقسام الدولة في عهد ملوك الطوائف جعل الأمراء يتنافسون على ~~تزيين إماراتهم بالعلم والأدب، كالذي حدث في المشرق عند انقسام الدولة ~~العباسية بين طولونية، وفاطمية، وحمدانية وغيرها. فهذان العاملان أكبر ~~ما رأينا في تنشيط الحركة العلمية في الأندلس، ولعل أصدق شاهد على ذلك ~~نبوغ ابن حزم وابن شهيد في أواخر عهد الأمويين، وأوائل الدولة ~~العامرية، ms448 فالذي يستحق فضل ظهورهما هم الأمويون، وكلاهما معروف أنه كان ~~له ميول أموية، وإن ازدهر آخر وقته في عهد العامريين. # أما فروع الشجرة فنجدها عند ملوك الطوائف، فقد كان جذر الشجرة قد تأسس ولم يبق ~~إلا عامل عرضي، وهو تشجيع الملوك للحركة الثقافية، فهؤلاء أمراء يميلون للأدب، كبني ~~الأفطس، فتزدهر الآداب في عهدهم، وهؤلاء يميلون إلى الاجتهاد وحرية الفكر وحب ~~الفلسفة فيزدهر ذلك عندهم، وهؤلاء يميلون إلى الفقه فيزدهر الفقه، كبني جهور. وبذرة ~~هذه الشجرة دخول الفاتحين، وحكم الولاة من قبل الأمويين والعباسيين من سنة 92 إلى ~~سنة 138ه، ثم تولاها ملوك أمويون من سنة 138 إلى سنة 424ه، ثم تولاها ملوك الطوائف، ~~ومن أشهرهم بنو عباد في إشبيلية، وبنو جهور في قرطبة، وبنو هود في سرقسطة، وبنو ~~نصر في غرناطة، وبنو ذي النون في طليطلة، وظلت ملوك الطوائف هذه تسقط واحدة بعد ~~أخرى، وكان آخرها سقوط غرناطة، وانتهاء الأندلس سنة 898ه. # وقد توقع بعض المؤرخين والفقهاء سقوط الأندلس، لما رأى أن النصارى يزدادون قوة ~~وتوحدا، والمسلمين يزدادون ضعفا وتفرقا، حتى إن ابن حيان مؤرخ الأندلس الكبير ~~توقع سقوط الأندلس من عهد بعيد، فإنه لما رأى سقوط بربشتر في يد النصارى في سنة ~~456ه قال: «وقد استشففنا # 12 # بشرح هذه الحالة الفادحة، مصائب جمة، مؤذنة بوشك القلعة # 13 ~~...» ولما سقطت طليطلة قال شاعرهم: # يا أهل أندلس شدوا رواحلكم # فما المقام بها إلا من الغلط # السلك ينثر من أطرافه وأرى # سلك الجزيرة منثورا من الوسط # من جاور الشر لا يأمن بوائقه # كيف الحياة مع الحيات في سفط # وقد ساعد الإسبان دعوتهم النصرانية الواسعة وحماستهم الدينية لطرد المسلمين ~~أعدائهم في الدين، واعتبارهم المسلمين دخلاء على البلاد يجب طردهم منها، وإعادتها ~~كما كانت. أما من ناحية المسلمين، فكانوا على العكس من ذلك متخاذلين، ينظر كل أمير ~~إلى شخصه، لا إلى المصلحة العامة، ولعلنا نستطيع أن نعرض على القارئ صفحة من مظاهر ~~هذا: # فمثلا كان ابن هود أميرا على مرسية، ودعا إلى تحرير الأندلس ms449 من الموحدين ~~والنصارى على السواء، وكان المأمون الموحدي أميرا على بلنسية، فوقع العداء بين ابن ~~هود والمأمون، واضطر ابن هود أن يتحالف مع ملك قشتالة النصراني وأن يتنازل له في ~~نظير ذلك عن عدد من القواعد والحصون، وأن يتعهد بمنح النصارى في أرضه بعض ~~الامتيازات. وكانت بلنسية في يد الموحدين، وتولى إمارتها أبو عبد الله محمد أخو ~~المأمون، وتلقب بالعادل، فلما رأى لجوء ابن هود إلى ملك قشتالة لجأ هو أيضا إلى ~~الاستغاثة بملك أرجوان، وتعهد له بأداء الجزية، فلما رأى سخط شعبه عليه من أجل ذلك، ~~التجأ إلى ملك أرجوان واعتنق النصرانية، وكذلك فعل أبو جميل الزيان أمير مرسية ~~إذا طلب حماية ملك قشتالة، ووقع معه عقد مهادنة، ولما ظهر بنو الأحمر في غرناطة ~~واستولوا عليها، خاصم ابن الأحمر عتبة بن يحيى المغيلي، وكان المغيلي هذا يأمر بسب ~~ابن الأحمر على المنابر، فوقع بين الخصمين قتال عنيد. ثم رأينا والي مرسية، ووالي ~~لقنت وأريولة، وغيرها يعقدون الصلح مع ملك قشتالة على أن يعترفوا بطاعته، ويؤدوا ~~له الجزية، وأن يظلوا في ظله، يحكمون ويستأثرون بموارد بلادهم تحت حمايته، ولما ~~كثرت المعارك بين ابن الأحمر، وملوك النصارى، وأمراء الولايات اضطر ابن الأحمر إلى ~~لقاء ملك قشتالة في معسكره وتقديم الطاعة له، وتأدية جزية له قدرها مائة وخمسون ألف ~~قطعة من الذهب، واشترط ملك قشتالة على ابن الأحمر أن يعاونه في حروبه ضد أعدائه، ~~وأن يحضر المجلس النيابي لقشتالة مثل سائر الأمراء التابعين للعرش. # هذه صفحة صغيرة ترينا كيف كان الأمراء يعبثون في وقت الجد، وكيف كان العداء بين ~~بعض الأمراء المسلمين وبعض، يجعلهم يهرعون إلى ملوك النصارى يعاهدونهم، وينزلون لهم ~~عن بعض أرضهم، ويؤدون لهم الجزية، والعدو يستخدم هذه المعاهدات والمخالفات في ضرب ~~بعض المسلمين بعضا، ولم تقتصر هذه المأساة على فعل أمير واحد، بل قلد بعضهم بعضا، ~~وسار من العادات المألوفة أن الأمير المسلم إذا اضطر لجأ إلى ملك من ملوك ~~النصارى. # وحدث مرة أن تولى غرناطة الأمير إسماعيل من ms450 بني الأحمر، وانتصر في عدة مواقع، ~~وسقط في يده كثير من المدن والقلاع. وكان من أكبر سبب نصرته استعمال الحديد والنار ~~من آلات قاذفة، تشبه المدافع كانت تدك الحصون، وتوقع الناس فتوحات له متعاقبة، فلما ~~عاد مرة من انتصار رائع قتل بباب قصره غيلة بعد ثلاثة أيام من رجوعه؛ قتله ابن ~~عمه؛ لأنه اختلف معه على فتاة رائعة الحسن، كانت من السبايا في إحدى ~~المواقع. # ثم حدث أن كان بلاط بني الأحمر في آخر أيامهم في أسوأ حالة، فمن ذلك أن أمير ~~غرناطة وهو أبو الحسن تزوج بابنة عمه التي تسمى عائشة الحرة، وكان من أشجع الناس ~~وأذكاهم، وظل معها زمنا طويلا، وولدت منه ولدين، أكبرهما أبو عبد الله وهو الذي ~~سقطت الأندلس في عهده، والثاني أبو الحجاج يوسف، ولكن تزوج أبو الحسن هذا في آخر ~~أيامه بفتاة جميلة نصرانية، اسمها ثريا، وكان اسمها النصراني إيزابيلا، كانت قد ~~أسرت واتخذت مولاة في دار أبي الحسن، ثم تزوجها، وحظيت عنه، وفضلها على السيدة ~~العجوز عائشة، وأولدها ولدين أيضا، وتدخلت في شئون الدولة، وعرفت بالدهاء وسعة ~~الحيلة، ولا نستبعد أنها كانت جاسوسة على البيت الغرناطي المالك للنصارى المحاربين؛ ~~حنانا إلى أصلها، وإن كنا لم نر نصا في ذلك. وأصبح البيت المالك بذلك قطعة من ~~نار، الزوجة تكره ضرتها، وأولاد كل زوجة يعادون أولاد الزوجة الأخرى، وما لبثت ~~غرناطة نفسها أن انقسمت انقسام البيت المالك، حتى أصبح أبو عبد الله يعادي أباه، ~~ويعمل لمناهضته، وكذلك يفعل الأب، وكل يستنصر بملوك النصارى ليعاونوه على خصمه، ~~فكيف بعد كل هذا الفساد تقوم مملكة؟ # وزاد الطين بلة أن المسلمين كانوا قد أجادوا استعمال النفات وهي آلات تشبه ~~المدفع في أبسط أشكاله، واستخدموه في حروب الصليبيين وأتقنه الأندلسيون وأخذه ~~الإسبانيون عنهم وزادوا في تحسينه، واتخذوه وسيلة فعالة لدك الحصون، فكان هذا قوة ~~كبرى في انتصار الإسبان إلى ضعف المسلمين وسوء تصرفهم، وفساد علاقاتهم. # يضاف إلى ذلك أن المسلمين بالأندلس استنجدوا بملوك المسلمين في أنحاء العالم من ~~مغاربة ms451 ومصريين وأتراك، فلم يغيثوهم، ونظرت كل مملكة إلى نفسها، والاقتصار على ~~مشاكلها، بينما كان النصارى في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وغيرها يتعاونون على طرد ~~المستعمرين من الأندلس، وإعادتها مملكة نصرانية كما كانت، فاجتمعت الألفة والقوة ~~والحماسة على الضعف والتفرق والتخاذل، فكانت النتيجة طبيعية، ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا. # فمثل هذه الأمور هي التي جعلت بعيدي النظر من أهل الأندلس يرون الخاتمة محققة، ~~وهي طردهم من البلاد واستيلاء الإسبانيين عليها، وقد كان ... # هذه خلاصة وجيزة لحالة الأندلس الاجتماعية، وحياتها الفكرية، نفصلها فيما يأتي إن ~~شاء الله. # | هوامش # الفصل الثاني # | الحركة الدينية # بدأت العلوم الدينية في الأندلس بانتقال بعض الصحابة والتابعين حينما هم موسى ~~بن نصير بغزو الأندلس وفتحها، فكان معه بعض الصحابة والتابعين؛ نذكر منهم: ~~المنيذر أو المنذر على اختلاف فيه، وهو صحابي، وممن دخلها من التابعين موسى بن ~~نصير الفاتح، وعلي بن رباح، وحنش بن عبد الله الصنعاني، كانوا جنودا في الجيش ~~الفاتح، وهم مع ذلك حملة علم، وربما كان حنش هذا أعلم التابعين، وهو من أصل يمني؛ ~~كان من أصحاب علي بن أبي طالب، وخرج مع عبد الله بن الزبير على عبد الملك بن مروان، ~~وكان أهل الأندلس يفخرون بوجوده بينهم. وأما علي بن رباح فبصري تابعي، وكان له ~~مكانة عند عبد العزيز بن مروان في المشرق. # هؤلاء وأمثالهم بذروا البذرة الأولى في العلوم الدينية في الأندلس، وكانت أشبه ~~ببذرة المشرق، فكانت عبارة عن قرآن كريم يتلى ويحفظ ويقرأ بالقراءات، وحديث يفسر ~~عن النبي وعن الصحابة. والحديث يتضمن أحكاما دينية، وأخبارا عن سيرة الرسول ~~وغزواته، وأعماله، وأخبار أصحابه وآرائهم وروايتهم ... إلخ. والثقافة الأولى في ~~المشرق والمغرب فيها دين وفيها أخلاق، وفيها تاريخ، وفيها غير ذلك، وكانت هذه ~~الأقوال تنتشر انتشارا كبيرا، حتى لتترجم إلى اللغة البربرية، ويتثقف بها ~~البرابرة والمولدون، وكان هذا عملا جليلا قام به هؤلاء الصحابة والتابعون وكانوا ~~يعدون الرعيل الأول. وأما الطبقة الثانية فمن أشهرهم رجال ثلاثة: ~~(1) # عبد الملك بن حبيب السلمي. ~~(2) # يحيى بن يحيى الليثي. ~~(3) # عيسى ms452 بن دينار. # فأما عبد الملك بن حبيب، فله فضل نشر مذهب مالك في الأندلس، إذ كان مالكيا، وفي ~~بعض الأقوال أنه لقي الإمام مالكا وأخذ عنه وكان فقيها عالما، ومعلما ممتازا ~~في إلقائه وسعة اطلاعه. وكان يقال في الأندلس: «فقيه الأندلس عيسى بن دينار، ~~وعالمها عبد الملك بن حبيب، وراويها يحيى بن يحيى». وقد كانت الثقافة العامة بين ~~المتعلمين الفقه والأدب، ثم التخصص، فترى أكثر علماء الأندلس فقهاء أدباء أولا، ثم ~~متخصصين، وهكذا كان عبد الملك هذا أديبا مؤرخا عالما باللغة والإعراب، له ~~الأشعار الكثيرة، ثم متخصصا في الفقه. # نعم؛ طعن بعضهم في بعض أحاديثه، وقالوا: إن له غرائب لم يعرفها المحدثون، ولكن ~~الأكثرين على توثيقه. وأما يحيى بن يحيى الليثي، فقد أتم نشر مذهب الإمام مالك إذ ~~كان رجلا وقورا مهيبا ذا سلطة ونفوذ، فعمد إليه خلفاء الأندلس أن يختار هو ~~القضاة وإذ كان مالكيا كان لا يختار إلا المالكية، وإذ ملأ الناس حب الدنيا رغبوا ~~في المذهب للمنصب. وأسس يحيى لقضاة الأندلس أسسا متينة، فقد وضع نظام القضاة، ~~وسمي قاضي القضاة، وقاضي الجماعة، ورتب مجلسا للشورى، وسمى أعضاءه، فكان إذا ~~ترجم لشخص منهم كان من شرفه أنه من رجال الشورى. ومن الأسف أننا لم نقف على النظام ~~الدقيق لهذا المجلس إلا نتفا هنا ونتفا هناك، وكل ما نستطيع أن نقوله: إنه كان ~~ينظر في الفتيا وفي المشاكل الفقهية، ويبدي فيها رأيه. وكان عددهم في بعض الأزمان ~~كما روى بعض المؤرخين ستة عشر، وأصل يحيى هذا من البربر، خرج إلى مالك في المدينة، ~~وتفقه عليه، وروى الموطأ عنه، وروايته مشهورة في الشرق كله، وسمع من غير مالك، فسمع ~~في مصر من الليث بن سعد، وفي مكة من سفيان بن عيينة، وعبد الله بن وهب، وعبد الرحمن ~~بن قاسم العتقي، وكان عفيفا أمينا، فكان في الأندلس كأبي يوسف في المشرق، إلا أن ~~يحيى تعفف عن القضاء، وعن المناصب الحكومية، فزادت قيمته. # ومما يدل على جلالته وجاهه أن الأمير عبد الرحمن ms453 الناصر، اتصل بجارية يحبها في ~~رمضان ثم ندم على ما فعل ندما كبيرا، فسأل يحيى عن الكفارة، فقال له: تصوم شهرين ~~متتابعين. فلما خرج قيل له: لم لم تفت بمذهب مالك في التخيير بين الصوم وعتق ~~رقبة، فقال: «لو فتحنا له هذا الباب لسهل عليه أن يتصل كل يوم بجواريه، ثم يعتق ~~رقبة، ولكن حملته على أصعب الأمرين؛ لئلا يعود». وقد اتهم بإثارة الشغب في وقعة ~~الربض المشهورة، ضد الأمير الحكم، ثم عفا عنه، وقد كان في الأندلس ملكا غير ~~متوج، ومات سنة 234ه. # وأما عيسى بن دينار فقد كان فقيها بارعا، ومؤلفا مكثرا، ألف كتاب الهداية. ~~ويقول ابن حزم: «إنه أرفع كتب جمعت في معناه على مذهب مالك، وأجمعها للمعاني ~~الفقهية على المذهب». وقال بعض المؤرخين: «إنه لم يكن أحد في وقته أعلم منه». وقد ~~جمع بين الفقه والزهد، وتولى قضاء طليطلة، ورأس الشورى بقرطبة، وعدوه أفقه من يحيى ~~بن يحيى الليثي، وقد توفي سنة 212ه على أشهر الأقوال. # وعلى الجملة: فقد كان هو وابن حبيب ويحيى أفراس رهان، كل له ميزته. # هؤلاء كانوا ناشري العلم الأولين في بلاد الأندلس، وجاء بعدهم طبقة أخرى قدمت ~~العلم خطوة جديدة؛ من أشهرهم: قاسم بن أصبغ من أهل قرطبة، فقد ساح بالقيروان وبمصر ~~وبالعراق، ثم عاد إلى الأندلس بعلم كثير، وكان بصيرا بالحديث والرجال، ألف ~~كتابا طويلا ثم اختصره، وسماه «المجتنى»، وقدمه للحكم المستنصر؛ وفيه من الحديث ~~المسند ألفان وأربعمائة وتسعون حديثا في سبعة أجزاء. فهو كذلك أكثر من الحديث ~~وصنفه على أبواب الفقه، وكان له الفضل في نشر العلم بالأندلس على هذه الطريقة، وله ~~مصنف جليل القدر، احتوى على بيان صحيح الحديث وغريبه، كما ألف في أحكام القرآن، ~~وفي فضائل قريش، وفي الناسخ والمنسوخ، وقد ولد سنة 247ه. # وبقي بن مخلد، وقد ساعد أيضا على تدعيم مذهب مالك، وكان واسع الاطلاع، وإنما ~~قلنا: إنه نقل العلوم نقلة جديدة؛ لأنه جمع أحاديث كثيرة كما فعل الإمام أحمد، ~~وصنفها على حسب أبواب الفقه، ms454 وبين الاستنباط منها، فكانت كتبه كتب حديث وفقه ~~معا. هذا إلى سعة في التحصيل، فقد رووا أنه كان له مائتان وأربعة وثمانون شيخا. ~~ولما أراد ابن حزم أن يفخر بمن في الأندلس من علماء، كان بقي هذا أحد الذين افتخر ~~بهم وعده من مفاخرها. وقد ألف بقي هذا تفسيرا كبيرا اطلع عليه ابن حزم، وقال: ~~«أقطع أنه لم يؤلف في الإسلام مثل تفسيره، لا تفسير محمد بن جزير الطبري ولا غيره». ~~وله كتاب في الحديث كبير، رتب فيه حديث كل صحابي على أبواب الفقه، فهو مسند ومصنف، ~~قال ابن حزم: «وما أعلم هذه الرتبة لأحد قبله، مع ثقته وضبطه وإتقانه، واحتفاله في ~~الحديث». وله مصنف في فتاوى الصحابة والتابعين. وعلى كل حال فقد كان دعامة من دعائم ~~العلم في الأندلس. # وخطوة ثالثة: وهي التوسع في استنباط الأحكام من القرآن والأحاديث الصحيحة، وربما ~~كان من خير من يمثل هذه الطبقة أبو عمر يوسف بن عبد البر، فقد ألف كتابا سماه ~~«التمهيد»، وكان كتابا واسعا، ملأه بالكلام على فقه الحديث، وألف كتابا كبيرا ~~سماه «الكافي في الفقه» على مذهب مالك، قصره على ما بالفتى حاجة إليه؛ كما ألف ~~كتابا في الصحابة جليلا اسمه «الاستيعاب» يترجم فيه لكل صحابي، ويورد أخباره، ~~فكان أول كتاب من نوعه قبل أن يؤلف ابن حجر العسقلاني كتابه «التهذيب». # فإذا خطونا خطوة أخرى، رأينا في المشرق أن الخلافات بين الفقهاء تصارعت وألفت ~~الكتب المختلفة فيها، وجمع بعض الفقهاء المذاهب المختلفة في كل مسألة، وألف في ~~اختلاف الرأي كتب كثيرة، كما فعل الطبري في كتابه «اختلاف الفقهاء»، فانتقل هذا إلى ~~الأندلس، فرأينا مثلا حفيد ابن رشد الفيلسوف يؤلف كتابا في اختلاف المذاهب ~~وعللها، ويسميه «بداية المجتهد ونهاية المقتصد». # 1 # ومن محاسن هذا الكتاب أنه يذكر الخلاف في كل مسألة حدث فيها الخلاف بين ~~الفقهاء، ويرجع ذلك إلى سببه، ويضع قاعدة عامة فيقول: «إن أسباب الاختلاف ستة؛ ~~أحدها: تردد الألفاظ بين أن يكون اللفظ عاما يراد به الخاص، أو خاصا ms455 يراد به ~~العام، أو عاما يراد به العام، أو خاصا يراد به الخاص، وثانيها: الاشتراك الذي ~~في الألفاظ كلفظ القرء الذي ينطلق على الطهر وعلى الحيض، ولفظ الأمر، هل يحمل على ~~اللزوم؛ أو على الندب، والسبب الثالث: اختلاف الإعراب، والرابع: تردد اللفظ بين ~~حمله على الحقيقة، أو حمله على نوع من أنواع المجاز، والخامس: عد اللفظ مطلقا تارة ~~ومقيدا تارة أخرى، كإطلاق الرقبة على كل عبد، وقيد يقيد بالعبد المؤمن، والسادس: ~~التعارض بين القياسات أو الإقرارات، أو معارضة القياس للأفعال، أو نحو ذلك». وقد ~~طبق هذا المبدأ على كل أنواع الخلاف في الفقه تطبيقا بديعا. فكان هذا خطوة ~~جديدة. # ولنسق مثلا في كيفية تطبيق هذا المبدأ، فهو مثلا يعرض لمسألة قصر الصلاة في ~~السفر، فيرى أن بعض الفقهاء حدد للسفر عدة أميال معينة، وبعضهم أطلق السفر على كل ~~سفر، فيقول: إن بعضهم راعى السبب العقلي في القصر، وهو المشقة الشديدة، وبعضهم وقف ~~عند النص. فكان هذا سبب خلاف، وهكذا في كل موضوع. # ثم كان أن اخترع الشافعي أصول علم الفقه كالذي عليه أكثر المؤرخين، فانتقل هذا ~~إلى الأندلس، فألف فيه ابن حزم أصول الأحكام، وتبعه الشاطبي في كتابه «الموافقات»، ~~فنرى أن الشاطبي أخذ فكرة الأصول عن الشافعي وأمثاله، ولكنه بحث موضوعات لم يبحثها ~~المشارقة، وعرضها في أسلوب ألطف من الأسلوب الذي اتبعه المشارقة في كتابة الأصول، ~~واستشهد أيضا ببعض أحداث حدثت في الأندلس، وهكذا. # وأما علوم القراءات فقد نمت أيضا في الأندلس، فالشاطبي # 2 # الذي ألف رسالته المسماة «حرز الأماني»، والتي تسمى بالشاطبية نسبة ~~إليه قد اشتهرت في الشرق والغرب جميعا، وأخذت عمادا للقراءات في مختلف العصور ~~والأقطار؛ كما عنوا بتفسير القرآن، واشتهر عندهم تفسير القرطبي، # 3 # وقد اتبع في تفسيره ذكر الآية، ثم يذكر ما فيها من اللغة ووجه الإعراب، ~~والمعنى العام، وما يستنبط منها من أحكام ... إلخ، وقد جمع فيه بين المنهجين: منهج ~~الرواية كالطبري، ومنهج الدراية كالزمخشري، وشاع الانتفاع به في العالم ~~الإسلامي. # وكان عالم الأندلس الديني ms456 غير مدافع ابن حزم: فقد كان واسع الاطلاع، قوي النفس ~~في الجدل، متعدد نواحي النبوغ، لينا، يهاجم من خالفه، حتى يدخله في قمقم. يظن من ~~يقرأ له علما أنه لا يحسن غير هذا العلم لمهارته فيه، فإذا هو كذلك يحسن كل علم ~~تقريبا، فهو نابغة في الحديث، وفي علم الكلام، وفي التاريخ، وفي أصول الفقه، وفي ~~الأدب. وقد ألف في ذلك تأليفات كلها قيمة، حتى في المنطق والفلسفة، ولعله تعلم ~~الجدل أول أمره، إذ نشأ شافعيا يناضل أهل المذاهب الأخرى، وقد اشتهر الشافعية ~~بذلك، ثم انتقل إلى مذهب الظاهرية بتأثير أستاذه الظاهري أبي الخيار؛ ولعل ما يوضح ~~ما هو مذهب الظاهرية، ما كتبه هو نفسه، في كتابه أصول الفقه، المسمى «الإحكام في ~~أصول الأحكام»، وقد سلك فيه مسلكا يدل على الابتكار، وتكلم في مسائل لم يتكلم فيها ~~أهل المشرق من الظاهرية، ومن خير ما فيه فصل في الدفاع عن الحجج العقلية، ووجوب ~~الأخذ بها، وفصل آخر في معنى الصحابي، وأنه ليس كل من رأى النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وفصل في ~~كيفية ظهور اللغات، وفصل في معنى الظاهرية. وملخصه أن الظاهري لا يعتمد في استنباط ~~الأحكام الشرعية على القياس، بل على النص، وإذا كان النص مطلقا أخذ على إطلاقه، ~~إلا إذا قيده نص آخر. واعتماد الظاهرية على النصوص فقط أسلمهم أحيانا إلى بعض ~~المتناقضات، مثل: أنهم يوجبون غسل الإناء من ولوغ الكلب لوجود النص، ولا يغسلونه من ~~ولوغ الخنزير لعدم نص في ذلك ، وبينما يبيحون الرخص في بعض المسائل، يشددون في بعضها ~~الآخر، فهم مثلا يجيزون للجنب قراءة القرآن والجلوس بالمسجد، وهم لم يشترطوا في ~~البيع صيغة خاصة كبعض المذاهب، وهذا يسر ظاهر، ولكنهم أوجبوا غسل اليد ثلاثا بعد ~~النوم، وحكموا بنجاسة الماء الذي مسته يد مستيقظ لم يغسل يده ... إلخ. # 4 # وقد دافع عن هذا المذهب إلى أن مات، وقد تأثر ابن حزم إلى درجة كبيرة أيضا ~~بأستاذه أبي علي الفاسي، وكان كما قال ابن حزم عاقلا عالما عاملا، ms457 متقدما في ~~الصلاح والنسك. قال: «وما رأيت مثله علما وعملا ودينا وورعا، فنفعني الله به ~~كثيرا، وقد علمت منه موقع الإساءة وقبح المعاصي». # وقد تعلم ابن حزم الحديث وتبحر فيه، وقد اتبعه كثيرون على مذهبه الظاهري، وخرجوا ~~من مذهب مالك إليه، كما أن كثيرين ضاقوا به ذرعا، وأنكروا عليه صراحته، وأعلنوا ~~الحرب على كتبه، حتى بلغ بهم الغيظ أن أحرقوها علنا في إشبيلية. # وقد وصف هو حالته واضطهاده من الخلفاء العامريين الذين أتوا بعد الأمويين، لميله ~~السياسي إلى الأمويين، قال: «ثم شغلنا بعد قيام أمير المؤمنين هشام بالنكبات، ~~وباعتداء أرباب دولته، وامتحنا بالاعتقال والتغريب، والإغرام الفادح، ~~وأرذمت # 5 # الفتنة، وعمت الناس وخصتنا، إلى أن توفي أبي الوزير، رحمه ~~الله». # وقال في موضع آخر: «ثم ضرب الدهر ضرباته، وأجلينا عن منازلنا وتغلب علينا جند ~~البربر، وخرجت عن قرطبة سنة 404ه، وتقلبت في الأمور ... إلخ». وظل يتلقى العذاب من ~~خصومه السياسيين، وخصومه العلماء، والحق يقال: إن المذهب الظاهري، تغلغل في نفس ابن ~~حزم، فلو قرأت مذهبه وكتبه وجدت أمثلة من نظرة الظاهري، ووقوفه عند حرفية ~~النصوص. # ويظهر أنه كان ضيق الصدر حسب مزاجه، حاد اللسان، يصك به معارضه، مما أثار عليه ~~خصومه، ولم يخلفه في الدفاع عن الظاهرية إلا ابن تيمية فيما بعد، وقد اختلف الناس ~~في أصله، أكثر مؤرخي العرب يقولون: إن جده الأعلى كان نصرانيا وأسلم، وأن جده هذا ~~كان مولى فارسيا ليزيد بن أبي سفيان. وذهب ابن سعيد وتبعه بعض المستشرقين إلى أن ~~جده الأعلى هذا كان من القوط الذي غزوا إسبانيا، وأقاموا فيها. وأيا ما كان فقد ~~كان أبوه وزيرا للحاجب المنصور بن أبي عامر. فعاش عيشة أرستقراطية، وعني بابنه علي ~~بن حزم، وعلمه على يد كثير من المشايخ، ولكن نكبه ابن أبي عامر، ونكب معه أهل بيته ~~فشردوا، ونفوا، وتحملوا العذاب بعد العز والترف، وتوفي والده سنة 402ه، وفارق ~~ابن حزم قرطبة، وذهب إلى المرية، وعاش هناك في هدوء، مشتغلا بالعلم والتأليف، ~~ثم عادت دولتهم واختير ابن ms458 حزم نفسه وزيرا، ولكنه لم تطل وزارته، إذ نكبه سيده. ~~وعكف أكثر وقته على التأليف حتى ذكر ابنه أنه ألف أربعمائة كتاب، قال صاعد: «كان ~~ابن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام وأوسعهم معرفة، مع توسعه في علم ~~اللسان والبلاغة، والشعر، والسيرة، والأخبار». # وقال الذهبي: «وكان إليه المنتهى في الذكاء وحدة الذهن، وسعة العمل بالكتاب ~~والسنة، والمذاهب والملل والنحل، والعربية والآداب، والمنطق والشعر مع الصدق ~~والديانة، والحشمة، والسؤدد والرياسة والثروة». # وقد قارب ابن حزم في عصره عبد الواحد المراكشي، فقال عنه: «إنه بعد أن استوزر نبذ ~~الوزارة، واطرحها اختيارا، وأقبل على قراءة العلوم، وتقييد الآثار والسنن، فنال ~~من ذلك ما لم ينل أحد قبله بالأندلس، ومبلغ تصانيفه في الفقه والحديث والأصول ~~والنحل والملل وغير ذلك من التاريخ والمثل، وكتب الأدب، والرد على المخالفين له، ~~نحو من أربعمائة مجلد، تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة. وهذا شيء ما علمناه لأحد ~~ممن كان في مدة الإسلام قبله، إلا ابن جرير الطبري، فإنه أكثر أهل الإسلام تصنيفا ~~... ومن أجود ما أحفظ له بيتان قالهما في رجل نمام: # أنم في المرآة في كل ما درى # وأقطع بين الناس من قضب الهند # كأن المنايا والزمان تعلما # تحيله في القطع بين ذوي الود # وهو أشهر علماء الأندلس اليوم، وأكثرهم ذكرا في مجالس الرؤساء، وعلى ألسنة ~~العلماء، وذلك لمخالفته مذهب مالك بالغرب، واستبداده بعلم الظاهر، ولم يشتهر به ~~قبله عندنا أحد ممن علمنا، وقد كثر أهل مذهبه وأتباعه عندنا بالأندلس اليوم، أقول : ~~وقد بقيت شهرته كبيرة بعد وفاته وقد ماتت العداوات بموته، وظل موضع إجلال وتقدير من ~~العلماء بعده». # 6 # واطلع الغزالي على كتاب له في أسماء الله الحسنى، فقال: «إنه يدل على عظم حفظه، ~~وسيلان ذهنه»، وكل ما أخذوه عليه أنه طعن في كثير من العظماء بلسان حاد لاذع، ومنحه ~~الله طولا في العمر فعاش اثنتين وسبعين سنة، إذ توفي سنة 456ه. ومن أهم تأليفه ~~كتاب «الفصل في الملل والنحل»، # 7 # فحكى المذاهب المختلفة ms459 في أهم العقائد وأهلها، وناقش كل فرقة من ~~المخالفين له كالمعتزلة، والأشعرية، والشيعة، وغيرهم. ومكنه من ذلك أنه لم يقلد ~~طائفة معينة، بل قال ما يوحيه إليه اجتهاده هو، ومن خالفه في شيء هاجمه في شدة ~~وقسوة. ومع أن الأشعري كاد يكون مقدسا في المشرق والمغرب، فابن حزم لم يعبأ به، ~~وهاجمه مهاجمة عنيفة، كما هاجم الصوفية، ومن يعتقد في التنجيم، وفي ~~الأولياء. # ولم يكتف ابن حزم بمهاجمة أصحاب الفرق الإسلامية، بل هاجم اليهودية والنصرانية، ~~واستغل العقيدة الإسلامية بأن التوراة والإنجيل حرفا عن أصلهما استغلالا ~~عظيما، وحاول بكل إمكانه أن يجد تناقضا في كتبهم؛ ليبرر اتهامهم في تحريف ~~النصوص. # ويظهر أنه ألف في ذلك رسالة خاصة، ثم أدمجت في الكتاب؛ كما تضمن الكتاب رسائل ~~أخرى، وهذا ما سبب أن هذا الكتاب لم يخضع للمنهج المنطقي الدقيق، والقارئ له يدهش ~~من طول نفسه، وقوة حجته، وسعد اطلاعه، وبلاغته التي قد تفوق بلاغة الغزالي في ~~إحياء العلوم. ومن مبتكرات ابن حزم في هذا الكتاب أنه أراد أن يستنبط من المذهب ~~الظاهري الذي ذكرناه عقائد خاصة، مطبقة على هذا المذهب، والإنسان يعجب: كيف استطاع ~~ابن حزم - هذا الذي عاش عيشة مترفة في القصور وبين الجواري - أن يؤلف مثل هذه ~~الكتب، وربما ساعده على ذلك أنه كان ذا عقل لاقط يرى كل شيء، فيفهم سره، حتى دلال ~~الجواري ومغازلتهن. وهاجم في كتابه القياس، والرأي، والاستحسان، والتقليد، ~~والتعليل، وله رسالة بهذا الاسم لا تزال مخطوطة. وقد قال المنصور من الموحدين عند ~~وقوفه على قبره: «كل العلماء عيال على ابن حزم». وقد صدق؛ فقلما نجد له نظيرا، ~~فقد شغل الناس في المشرق والمغرب بين مؤيد ومعارض. # وعلى الجملة، فقد قال فيه ابن حيان بحق: «إنه يصك معارضه صك الجندل»، فكان لا ~~يأبه بمن يعارضه، عظيما أو غير عظيم، مبجلا أو غير مبجل، كالأشعري، وأبي حنيفة، ~~ومالك وغيرهم. ومن الأقوال الشائعة أن قلم ابن حزم كسيف الحجاج، كلاهما ماض حاد. ~~وقد اعتذر في بعض كتبه عن حدته ms460 بأنها كانت ترجع إلى مرض كان يلازمه؛ ولذلك كان ~~محسدا من فقهاء عصره من سنيين، وشيعة، ومعتزلة، يدسون له الدسائس عند الملوك، حتى ~~يبعد من القصور، وربما كان هذا نعمة؛ لأنه أتاح له أن يتحفنا بتآليفه العظيمة ~~القيمة. # وقد قال الذهبي فيه: «وقد امتحن هذا الرجل وشدد عليه، وشرد عن وطنه، وجرت عليه ~~أمور لطول لسانه، واستخفافه بالكبار، ووقوعه في أئمة الاجتهاد بأقبح عبارة، وأفظ ~~محاورة، وأمنع رد»، وظل صلبا في مذهبه صلابة تستدعي الإعجاب. قال ابن حيان: «وأكثر ~~معايبه عند المنصف له جهله بسياسة العلم»، ويعني بسياسة العلم: الملاينة والرد في ~~هدوء ووقار. # والحق عندنا أن ابن حزم كان موضع إعجاب في حرية رأيه ووقوفه عند النصوص، مهما ~~خالفه الكبار، فليس يهمه رأي مالك أو أبي حنيفة في المسائل الفقهية، ولا الأشعري ~~ونحوه في العقيدة، أما ما يعاب عليه حقا، فهو طعنه في العلماء والكبار، بكل صراحة ~~مع التجريح الشديد. وقد وصل إلينا أخيرا من تأليفاته رسالة في «المفاضلة بين ~~الصحابة»، # 8 # وهي المسألة التي ثار فيها الخلاف الشديد بين الشيعة وأهل ~~السنة. # والمطلع عليها يعجب لمنطقه الدقيق فيها، فهو يذكر أولا معنى الفضل، وبم يتفاضل ~~الصحابة كقاعدة للبحث مع الحجج المقنعة، العقلية والنقلية، ثم يفاضل على هذا الأساس ~~بين الصحابة بالدليل. وهو يدل على سعة اطلاع وكبر عقل. # على كل حال حرك عقول الأندلسيين بتآليفه ودعوته إلى المذهب الظاهري، وقد كان ~~الأندلسيون مقلدين مذهب مالك من غير بحث، فكنت ترى في أكثر مجالس العلماء من يؤيده، ~~ومن يهاجمه، حتى اشترك في ذلك الأمراء أنفسهم، وربما كان أقواهم في الرد عليه ~~والوقوف أمامه الفقيه الأندلسي المشهور «أبو الوليد الباجي» وكان فقيها متكلما، ~~ولي القضاء مدة، وأكثر من التصانيف، ورحل إلى الشرق، ولقي كثيرا من علمائه، وأخذ ~~عنهم، وكان فقيرا يعمل بيده ليعيش، وظل في الشرق نحو ثلاثة عشر عاما يتبحر في ~~العلوم، فلما قدم الأندلس، وجد أن ابن حزم لطلاوة حديثه، وقوة حجته، وقد أمال إليه ~~كثيرا من الناس، ms461 وشكك بعضهم، ورأى أن أهل الأندلس ليس منهم من هو في قوة جدله، ~~فكلمه الأندلسيون في ذلك، وكانت له معهم مجالس مشهورة، في بعضها ينتصر ابن حزم، وفي ~~بعضها ينتصر الباجي، فإذا انتصر الباجي هلل الناس وكبروا. # وربما كان أكثر ما يدل على قيمة هذه المناظرة وقوة كل، وتفوق ابن حزم على ~~الباجي حكاية صغيرة لطيفة، إذ قال الباجي لابن حزم: «أنا أعزم منك همة في طلب ~~العلم؛ لأنك طلبته وأنت معان عليه: تسهر بمشكاة الذهب، وطلبته أنا وأنا أسهر ~~بقنديل بائت السوق، فقال ابن حزم: هذا كلام عليك لا لك؛ لأنك إنما طلبت العلم، ~~وأنت في تلك الحال، رجاء تبديلها بمثل حالي، وإنما طلبته في حين ما تعلمه وما ~~ذكرته، فلم أرج به إلا علو القدر العلمي في الدنيا والآخرة» فأفحمه. # وقد قال عياض العالم المشهور: «قال لي أصحاب الباجي: كان يخرج إلينا للإقراء وفي ~~يده أثر المطرقة يحصل رزقه، إلى أن فشا علمه ونوهت الدنيا به، وعظم جاهه، وأجزلت ~~صلاته، حتى مات عن مال وافر». ومن مثل ما كانت تدور عليه المناظرة بين الباجي وابن ~~حزم حديث روي، وهو أن النبي # صلى الله عليه وسلم # وقع على صلح الحديبية، فظاهر الحديث يدل على ~~أن محمدا - عليه الصلاة والسلام - كتب اسمه، والقرآن يقول: إنه نبي أمي، فكيف ~~التوفيق بين ذلك؟ أما ابن حزم فقال: إنه وقع كالظاهر، ولكن توقيعه لا ينفي أميته ~~ككثير من الملوك يوقعون بإمضاءاتهم وهم أميون، أما الباجي وغيره، فيؤولون ~~التوقيع. # ولنسق لك صورة مما كان يجرى بين الظاهرية وخصومهم، فأصحاب المذاهب يقولون ~~للظاهرية: إنكم جامدون عند اللفظ، لا تنظرون للمعاني المقصودة من روح التشريع، وكان ~~الله ينعي على الكفار اقتصارهم على فهم ظواهر الدنيا، فقال: # يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا # فكيف بمن اقتصر على ~~ظاهر الشريعة؟ فيقول الظاهرية: إن القصد من الشريعة هو التعبد، وظهور سر الامتثال، ~~أما التعمق في القياس والعلل، فيخرجها من حد التشريع الإلهي إلى التشريع الوضعي ~~البشري. # نعم إن هناك عللا ms462 للأحكام إذا نص عليها عملنا بها، أما إذا لم ينص عليها لم ~~نستطع العمل بها. فمن أين يستفاد أن العلة في تحريم الربا هي الاقتيات والادخار، أو ~~الكيل والوزن كما يقول أهل القياس، ومن أين يستفاد من قوله - عليه السلام: «الولد ~~للفراش» أنه لو قال له الولي بحضرة الحاكم: زوجتك ابنتي وهو بأقصى الشرق، وهي بأقصى ~~الغرب، فقال: قبلت هذا التزويج، وهي طالق ثلاثا، ثم جاءت بولد لأكثر من ستة أشهر: ~~إنه ابنه؛ لأنها صارت فراشه. فنحن ننكر هذا التمثيل وهذا التشبيه، والله تعالى ~~يقول: # وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى ~~الله ~~، ولم يقل: إلى آرائكم وأقيستكم. ويرد عليهم القياسيون بأن قوله: # فحكمه إلى الله # لا يمنع القياس؛ لأن ما ~~قيس على كلام الله فهو حكم الله أيضا. فالنظر إلى المقاصد وهي اللب واجب، وهكذا. ~~واستمر الباجي يناظر ابن حزم عهدا طويلا، والحرب بينهما سجال. # وكان ابن حزم كثير الاعتداد بنفسه، وقد نعى نفسه قبل وفاته فقال: # كأنك بالزوار لي قد تبادروا # وقيل لهم: أودى علي بن أحمد # فيا رب محزون هناك وضاحك # وكم أدمع تذرى وخذ مقدد # عفا الله عني يوم أرحل ظاعنا # عن الأهل محمولا إلى ضيق ملحدي # وأترك ما قد كنت مرتبطا به # وألقى الذي أنسيت دهرا بمرصد # فوا راحتي إن كان زادي مقدما # ويا نصبي إن كنت لم أتزود # ومما يدل على اعتداده بنفسه قوله: # قالوا: تحفظ فإن الناس قد كثرت # أقوالهم وأقاويل العدا محن # فقلت: هل عيبهم لي غير أني لا # أقول بالرأي إذ في رأيهم فتن # وأنني مولع بالنص لست إلى # سواه أنحو، ولا في نصره أهن # لا أنثني نحو آراء يقال بها # في الدين بل حسبي القرآن والسنن # يا برد ذا القول في قلبي وفي كبدي # ويا سروري به لو أنهم فطنوا # دعهم يعضوا على صم الحصى كمدا # من مات من قوله عندي له كفن # إني لأعجب من شأني وشأنهم # وا حسرتا إنني بالناس ممتحن # ما إن قصدت لأمر قط أطلبه # إلا ms463 وطارت به الأظعان والسفن # أما لهم شغل عني فيشغلهم # أو كلهم بي مشغول ومرتهن # كأن ذكري تسبيح به أمروا # فليس يغفل عني منهم لسن # إن غبت عن لحظهم ماجوا بغيظهم # حتى إذا رأوني طالعا سكنوا # دعوا الفضول وهبوا للبيان لكي # يدري مقيم على الحسنى ومفتتن # وحسبي الله في بدء وفي عقب # بذكره تدفع الغماء والإحن # وهي قصيدة تدل على مذهبه بالأخذ بالنص مع تصوير لطيف لحال أعدائه معه. # واستمرت هذه الحركة طويلا، منهم من يكفره، ويحذر منه العوام والسلاطين، ومنهم ~~من يدس له الدسائس ويتهمه بالسياسة التي تغضب الأمير، ومنهم من يقوله ما لم يقل. ~~وفي ذلك يقول مخاطبا لبعض أصحابه: # وخذني عصا موسى وهات جميعهم # ولو أنهم حيات ضال نضائد # يريغون في عيني عجائب جمة # وقد يتمنى الليث والليث رابض # ويرجون ما لا يبلغون كمثل ما # يرجي محالا في الإمام الروافض # حتى بعض أهله حسدوه على فضله، وناصبوه العداء، وذو الفضل دائما محسود، وقد كان - ~~رحمه الله - كما قال ابن حيان: «إذا حرك بالسؤال يتفجر معه بحر علم لا تكدره ~~الدلاء». وقد روض نفسه على ذلك، فكان يكثر من قوله تعالى: # وأعرض عن الجاهلين ~~. وقوله - عليه الصلاة والسلام: «صل من ~~قطعك، واعف عمن ظلمك»، وقول بعض الحكماء: «كفاك انتصارا لمن تعرض لأذاك، إعراضك ~~عنه»، ويقول هو: # فإني أبيت طلاب السباب # ونزهت عرضي عما يعاب # فقل ما بدا لك من بعد ذا # وأكثر فإن سكوتي خطاب # وقد نبع في تخريج المذهب الظاهري نبوغا جعله إماما يقتدى به، حتى عد صاحب مذهب ~~ظاهري، وعرف أتباعه بالحزمية، وكان له أتباع على هذا المذهب مثل: ابن عبد البر ~~المحدث، والحميدي المؤرخ، وقد مال إلى مذهبه ابن تومرت زعيم الموحدين. وقد انتصر ~~مذهبه في المشرق أيضا، فاعتنق مذهبه ابن سيد الناس الإمام المصري، وقد أخذ بلون ~~منه محيي الدين بن عربي الصوفي الكبير، وابن رشد الفيلسوف الكبير. # وظلت الحركة بعده بين مؤيد ومهاجم، حتى ظهر بعد قرن تقريبا العالم المشهور أبو ~~بكر بن العربي، ms464 وانتشر ذكره في المشرق كما انتشر في الأندلس، وكان قد رحل إلى ~~الشرق، وتتلمذ للإمام الغزالي في دمشق، فجاء إلى الأندلس موطنا نفسه على مهاجمة ~~تعاليم ابن حزم. وكان لسنا قوي الحجة، فخلف أثرا كبيرا في الأندلس ~~وغيرها. # وكان ابن الباجي يعمل على تفنيد مذهب الظاهرية، وكان يوفق أحيانا، ولا يوفق ~~أحيانا، وكان واسع العلم، وقالوا: إن كل من رحل لم يأت بمثل ما أتى به ابن العربي ~~إلا الباجي. وكان متفننا في المعارف كلها، مع خلق متين، وقضاء صائب، والتزم الأمر ~~بالمعروف، والنهي عن المنكر، حتى أوذي في ذلك. قال فيه القاضي عياض: «إنه أقبل على ~~نشر العلم وبثه، وكان فصيحا حافظا، كثير الملح، مليح المجالس». # ولنذكر بعض كلامه في الرد على ابن حزم قال: «وكان أول بدعة لقيت في رحلتي القول ~~بالباطن، فلما عدت وجدت القول بالظاهر قد ملأ به المغرب سخيف كان من بادية إشبيلية، ~~يعرف بابن حزم نشأ وتعلق بمذهب الشافعي، ثم انتسب إلى داود، ثم خلع الكل، واستقل ~~بنفسه، وزعم أنه إمام الأمة، يضع ويرفع، ويحكم ويشرع، ينسب إلى دين الله ما ليس ~~فيه، ويقول عن العلماء ما لم يقولوا، تنفيرا للقلوب، وعضدته الرياسة ... فحين عودي ~~من الرحلة ألفيت حضرتي منهم طافحة، ونار ضلالتهم لافحة» فنازلهم. ورمي ابن حزم ~~بالسخف قول فيه إجحاف، وقد أنصفه ابن حيان، والذهبي، وشكا ابن حزم نفسه من علماء ~~وقته، فقال: «إن المثل السائر: أزهد الناس في عالم أهله»، وقرأت في الإنجيل أن عيسى ~~- عليه السلام - قال: «لا يفقد النبي حرمته إلا في بلده»، وكان يعتقد أن من سوء حظه ~~أنه أندلسي، ولو كان مشرقيا لعرفوا فضله، وشادوا بذكره، وكان له شأن آخر غير ~~شأنه. # وقال ينعي أهل الأندلس: «إن الأندلس خصت بحسد أهلها للعالم الظاهر فيها، الماهر ~~منهم، واستقلالهم كثير ما يأتي به، واستهجانهم حسناته، وتتبعهم سقطاته، إن أجاد، ~~قالوا: سارق مغير، ومنتحل مدع، وإن توسط قالوا: غث بارد، وضعيف ساقط، وإن باكر ~~الحيازة لقصب السبق، قالوا: متى كان ms465 هذا؟ ومتى تعلم؟ وفي أي زمن قرأ؟ ولأمه الهبل، ~~فإن تعرض لتأليف غمز ولمز، واستشنع هين سقطه، وعظم يسير خطئه، وذهبت محاسنه، ~~وسترت فضائله، فتنكسر لذلك همته، وتقل نفسه، وتبرد حميته». # وهكذا عودي كثيرا، وخوصم كثيرا، وتألم كثيرا، وإن كان ذلك كله قد أورثه تجارب ~~دونها في كتابة «الأخلاق». # وقد قرأت لابن العربي كتاب «العواصم من القواصم»، # 9 # فإذا هو كتاب يدخل على شخصية كبيرة لصاحبه، يروي لنا فيه مثلا أنه لقي ~~الغزالي في دمشق، ويدون محضرا لجلساته معه، وأحيانا يوافقه على ما يقوله، ~~وأحيانا يخالفه، ويذهب مثلا فيه إلى أن الحسين بن علي - رضي الله عنه - خارج على ~~إمام الجماعة يزيد بن معاوية، ثائر عليه، وأنه إنما قتل بشرع جده، ويروي لنا كيف ~~كان الفرس يدخلون في الإسلام شعائرهم الدينية القديمة، فيذيعون التجمير في المساجد ~~للتبخير، وهي عادة فارسية قديمة أدخلوها على الإسلام من أثر عبادتهم للنار، وحكى له ~~ابن خلدون طرفا لطيفة في مقدمته. # على كل حال كان حربا على الظاهرية، وخصوصا ابن حزم، ومع ذلك لم يستطع محو هذا ~~المذهب، فظل بعده أيضا، وعد ابن العربي بحق خاتمة المحققين، وكل من أتى بعده مقلد ~~صغير، وانحط شأن العلوم الدينية، وضعف أمرها. # شأن الأندلسيين في ذلك شأن المشارقة، فالعالم الإسلامي كله وحدة، وهو يخضع ~~لقوانين واحدة، فما حدث في قطر من أقطاره يحدث مثله في الأقطار الأخرى غالبا، فلما ~~ضعف الفقه في المشرق ضعف في المغرب إلا أفرادا قلائل، وقد ضعف الفقه في المشرق ~~لعدم الاجتهاد ولغلبة الأتراك، وغير ذلك من الأسباب التي ذكرناها في الجزء الثاني ~~من ظهر الإسلام، وكتابنا يوم الإسلام، إذ أغلقوا باب الاجتهاد، أما في الأندلس فقد ~~داهمهم الإسبان، كما داهم الترك الشرق، فكانت العلل واحدة، إلا أفرادا شواذ كانوا ~~هنا وهناك، أعادوا مجد الفقه الإسلامي في الأندلس، فلما أتى الموحدون بالأندلس ~~أعادوا القول بالاجتهاد، ورأوا أن المختصرات الفقهية جنت على الفقه، فأرادوا إحياءه ~~بالرجوع إلى الكتاب والسنة، واستنباط الأحكام منهما، وعدم العمل بأي ms466 مذهب من ~~المذاهب المعروفة، وذلك في حدود سنة 550ه، وأمر عبد المؤمن بن علي الموحدي بإحراق ~~كتب الفروع كلها؛ فخافه الفقهاء، وأمر جماعة ممن كانوا عنده من العلماء بجمع ~~الأحاديث من المصنفات العشرة المشهورة، ونشر هذا المجموع في الأندلس ~~والمغرب. # قال بعضهم: «لما دخلت على أمير المؤمنين يعقوب وجدت بين يديه كتاب ابن يونس، فقال ~~لي: يا أبا بكر، أنا أنظر في هذه الآراء المتشبعة التي أحدثت في دين الله، فالمسألة ~~فيها أربعة أقوال أو خمسة أو أكثر، فأي هذه الأقوال هي الحق؟ وأيها يجب أن يأخذ بها ~~المقلد يا أبا بكر؟! ليس إلا هذا، وأشار إلى المصحف، أو هذا وأشار إلى سنن أبي ~~داود، أو هذا وأشار إلى السيف»، وأمر الفقهاء ألا يفتوا إلا من الكتاب أو السنة، ~~وألا يقلدوا أحدا، بل تكون أحكامهم بالاجتهاد، وسار الناس على هذه الطريقة، ~~والتزموا ظاهر الكتاب والسنة، وتحرروا في الاجتهاد، وكان من هؤلاء فقهاء على هذه ~~الطريق مثل: أبي الخطاب، ومحيي الدين بن عربي، وغيرهما، وبذلك نصر الموحدون مذهب ~~الظاهرية ومنهم ابن حزم. ومن الأسف أن بني مرين لما جاءت دولتهم نقضت ذلك كله، ~~وجددت كل الفروع، وأحيت كتب الفقه على مذهب مالك من جديد. # وتاريخ الأندلس في ذلك التاريخ كتاريخ المشرق، إذ المدنية كلها واحدة. # وقد رويت حوادث كثيرة لفقهاء أندلسيين تدل على صدقهم وإخلاصهم وظرفهم، وقد روينا ~~من قبل حكاية يحيى بن يحيى الليثي الذي وقف أمام عبد الرحمن الداخل، وألزمه بالصيام ~~شهرين متتابعين، ومثل ممانعة القاضي الذي تقدم ذكره في استيلاء عبد الرحمن الناصر ~~على بيت أيتام حتى يدفع لهم أكثر من ثمنه، ومثل إضراب أبي عمر بن المكي الإشبيلي ~~شهرين عن الفتوى لقتل ابن أبي عامر عبد الملك بن منذر البلوطي ظلما، ومثل ما ~~يروى أن قاضي قرطبة محمد بن عبد الله بن يحيى كان مارا بمدينة إلبيرة أيام قضائه ~~فيها فرأى فتى يتمايل سكرا، فلما رأى القاضي أراد الفرار فخانته رجلاه، فاستند إلى ~~الحائط، فلما دنا منه ms467 القاضي رفع الشاب رأسه، وأنشأ يقول: # ألا أيها القاضي الذي عم عدله # فأضحى به في العالمين فريدا # قرأت كتاب الله ألفين مرة # فلم أر فيه للشروب حدودا # فإن شئت أن تجلد فدونك منكبا # صبورا على ريب الزمان جليدا # وإن شئت أن تعفو تكن لك منة # تروح بها في العالمين حميدا # وإن أنت اخترت الحدود فإن لي # لسانا على هجو الرجال حديدا # فلما سمع القاضي شعره، أعرض عنه ومضى لشأنه. # ومثل أن أبا إبراهيم التميمي القرطبي تخلف عن الحضور في وليمة دعاه إليها عبد ~~الرحمن الناصر، وكان صديقا لابنه الحاكم، فلما سئل في ذلك رد فقال: إن من قبلك ~~من الأمراء والخلفاء كانوا يستبقون من هذه الطبقة بقية لا يمتهنونها بما يشينها ~~ويرد منها، يستعدون بها لدينهم، ويتزينون بها عند رعايهم؛ ولهذا تخلفت. وأراد ~~الناصر أن يدعوه هو وابنه الحكم فاعتذر أيضا، وخاف أن الناس يقولون: إنه يستجلب ~~الدراهم بدعوة الخليفة وابنه. وفي ترجمته ما يعطينا شيئا عن نظام الشورى عندهم، ~~فقد قالوا: إن مجلس الشورى كمل عدده به ستة عشر. # ومثل أن أحد القضاة لمح ما عليه ملوك الطوائف من تخاذل وافتراق رأي، فندب نفسه ~~لجمع كلمتهم، والتوفيق بينهم، وجعلهم جبهة واحدة ضد العدو. # وأخيرا لم يفلح في ذلك، فاستثقله الأمراء، وأيقن بالفشل، وكف عن سعيه ... إلخ إلخ، ~~فهذا يعطينا بعض الفكرة عن مجلس الشورى وقوة رجاله وعددهم وأحيانا ظرفهم. # ولما كثرت المذاهب من ظاهرية ومالكية ومن شيعة إلخ، كثر حبهم للجدل بعد أن كانوا ~~منصرفين عنه، حتى حكى بعضهم أنهم كانوا كثيرا ما يتجادلون في مجلس العزاء، وسبب ~~آخر لهذا الجدل وهو كثرته في المشرق، حتى ألف المشارقة علما سموه علم المناظرة ~~أو أدب البحث، وألفوا علما سموه علم «الخلافيات»، وقد نقل ذلك إلى الأندلس ~~فازداد نشاطهم في البحث والمناظرة. # وقد رأينا أن تاريخ العلم كتاريخ الأفراد، له صبا وشباب وشيخوخة وهرم، فلما انتهى ~~هؤلاء الأعلام كابن حزم، والباجي، وابن العربي، وصل العلم إلى دور الهرم، فأصبح ~~كالرجل الهرم، ms468 لا يقوى على المسير، حتى انتهى الفقه. # وهناك ناحية أخرى جديدة بالبحث في الحركة الدينية وهي ناحية التصوف، وكما نشأ ~~التصوف في المشرق في القرن الثاني كذلك نشأ التصوف في الأندلس في القرن الثاني بعد ~~الفتح العربي؛ غير أن تصوف الشرق كان مزيجا من تعاليم الإسلام وتعاليم الفرس ~~والهند واليونان، وتصوف الأندلس كان مزيجا من تعاليم الإسلام وتعاليم الأفلاطونية ~~الحديثة، والتعاليم اليونانية والرومانية، لا الفارسية ولا الهندية إلا ما جاء من ~~قبل المشرق؛ إذ كانت هذه التعاليم كلها هي التي تجاوز الأندلس. يضاف إلى ذلك أن ~~الأندلسيين كان كثير منهم برابرة، وكثير منهم أولاد مسيحيين متصوفين، وقد اشتهر ~~البربر من قديم بأنهم أهل خيال واعتقاد بالمغيبات، وسرعة تصديق لمن يأتي لهم بدعاوى ~~غيبية، ولسنا ننسى ما لقيه العرب عند فتح المغرب من عناء وشدة قتال، وانتفاض على يد ~~من تدعى «الكاهنة» إذا التفوا حولها فآمنوا بها، وأذاقوا العرب في الفتح ~~الأمرين، وهذا يدل على الطبيعية البربرية. وإلى الآن في كثير من البلاد يأخذ ~~البرابرة سمعة قوية في فتح الكتاب، وفتح الكنوز، وقراءة الكف، والادعاء بمعرفة ~~المغيبات، وهي أشياء من قبيل التصوف بعد أن يتدلى؛ ولذلك كله كبرت عند الأندلسيين ~~حركة التصوف. # ولنسلسلها كما سلسلنا الفقه. فأول من علمنا تصوفه ابن مسرة، وهو محمد بن عبد ~~الله بن مسرة، ولد سنة 296ه، وكان أبوه من قرطبة، وعرف أبوه بالاعتزال، وكان ~~الاعتزال في الأندلس قليلا وغير مرغوب فيه، فاضطر أن يخفي ذلك على الناس، ومعروف ~~أن الاعتزال يثير بحث كثير من الإلهيات، ويتسلح أصحابه بالفلسفة اليونانية للدفاع ~~عن الإسلام ضد النصرانية واليهودية كما رأينا في المشرق، فأورث ذلك كله لابنه، ورأى ~~أباه يسر الاعتزال وما إليه، فأسر هو أيضا مذهبه؛ ولهذا اعتزل ابن مسرة ~~الناس أيضا قبل أن يبلغ الثلاثين، والتجأ إلى جبل في قرطبة، يتحنث فيه، وجبال ~~الأندلس عادة خضراء، تبهج النفس، وانضم إليه بعض أتباعه، وساعدته عزلته والمناظر ~~الطبيعية التي أمام بصره على سعة الخيال، وعمق التفكير، وظل أتباعه في ms469 الأندلس ~~قرونا طويلة، ومع ذلك لم يستطع هو وأتباعه الكثيرون أن يحافظوا على السرية محافظة ~~تامة، واتهم بالإلحاد، ففر من البلاد مدعيا أنه يريد الحج، وظل خارج الأندلس، حتى ~~تولى عبد الرحمن الثالث الذي اشتهر بالتسامح وتأييد العلماء، وزادت تلاميذه بعد، ~~ويظهر أنه كان يعتنق التقية، فكان مظهره ورعا تقيا، وهو يبث التعاليم العميقة ~~لأخص تلاميذه ومريديه. ولم نعرف له آثارا نستدل منها على آرائه ومذهبه، ولكن ~~مستشرقا إسبانيا عثر على بعض آرائه، وقال: إن كثيرا من تعاليمه تشبه تعاليم ~~أمبيدوقليس وهو فيلسوف يوناني مشهور، عده المسلمون أول الحكماء السبعة ~~اليونانيين، ونسبت إليه كرامات كما تنسب إلى الصوفية، ولم يقتصر أثره على مسلمي ~~الأندلس، بل أثر أيضا في يهودها ونصاراها. # وهنا نتساءل: هل بلغ تصوف الشرق ابن مسرة فتصوف، فيكون تصوف الغرب من تصوف الشرق، ~~أو أن ميله الطبيعي ومزاجه، وتعاليم النصارى الإسبانيين والفلاسفة اليونانيين أنتجت ~~ابن مسرة هذا، فيكون التصوف الأندلسي مستقلا عن التصوف الشرقي؟ هذا سؤال صعب ~~الجواب، ليس بين أيدينا ما يكشف غموضه، خصوصا وقد كان في الأندلس قبل الإسلام ~~زهاد انقطعوا للعبادة. # على كل حال كان ابن مسرة أول من نعرف في الأندلس من المتصوفة، وكان من تلاميذه ~~فيما يروون الهاشمي، وهو أبو بكر محمد، أخذ عن ابن مسرة، وأخذ عنه محيي الدين بن ~~عربي، وكان متقشفا زاهدا، وإن لم نعرف له كتبا، وقد عاصره صوفي كبير آخر، وهو ~~أبو عبد الله القرشي الهاشمي أيضا، نسبوا إليه أقوالا صوفية كثيرة مثل: «من لم ~~يدخل في الأمور بلطف الأدب، لم يدرك مطلوبه منها. من لم يراع حقوق الإخوان بترك ~~حقوقه حرم بركة الصحبة ... إلخ». # وقد مات سنة 559ه بعد أن رحل إلى بيت القدس ودفن به - وكان الناس يتبركون به ~~وبضريحه - والهاشمي هذا هو أحد أساتذة محيي الدين بن عربي. وإذا وصلنا إلى محيي ~~الدين، وصلنا إلى إمام كبير من أئمة التصوف، نثر نصوصه في الشرق والغرب، وهو محيي ~~الدين أبو بكر محمد بن على بن عربي ms470 الحاتمي الطائي، وهو عربي من نسل حاتم الطائي، ~~ولد بمرسية بلد أبي العباس المرسي سنة 560ه، وقرأ القرآن وتعلم في إشبيلية، تعلم ~~القرآن والحديث، وأقام بإشبيلية نحو ثلاثين عاما، ثم رحل إلى المشرق، وأخذ الحديث ~~عن ابن عساكر والجوزي، وساح في بغداد والموصل وبلاد الروم، واتسعت معارفه المتعددة. ~~ومن الأسف أنه بعد أن رحل لم يعد إلى الأندلس ثانيا، فقد توفي في دمشق، وقد أعطي ~~بلاغة في القول، وعمقا في التفكير، وسعة في الخيال، وكلما نزل بلدا اتصل ~~بمتصوفيها، له النثر الكبير، والشعر الكثير، لا يعبأ بمال، ولا جاه، وكان كثير ~~الشطح، كثير التأويل، وربما كانت له قصص كثيرة تبين منحاه في القول، فقد ~~قال: # يامن يراني ولا أراه # كم ذا أراه ولا يراني # فاعترض عليه، كيف لا يراه الله؟ فقال: # يا من يراني مجرما # ولا أراه آخذا # كم ذا أراه منعما # ولا يراني لائذا # وله كلام كثير من هذا القبيل، ظاهره الإلحاد، وباطنه الإسلام مع التأويل، واشتهر ~~شهرة واسعة، وكانت شهرته تسبقه إلى كل مكان يحل فيه، وهو متوكل على الله، ينتقل من ~~بلد إلى بلد، فقيرا زاهدا، فيعطف عليه بعض الأغنياء، فيوزع ما يأخذه هنا وهناك، ~~حتى لقد أعطي مرة بيتا يسكنه، وجاءه سائل يسأله: ويقول: شيء لله، فأعطاه ~~البيت. # وهو من أكبر الناشزين بين الصوفية لفكرة وحدة الوجود، أي: إن الله والعالم شيء ~~واحد، يختلفان في الصورة فقط، ولا يختلفان في الحقيقة، وأن رؤية الأشياء مختلفة، ~~كمنزل ورجل وشجرة ليس إلا أمرا قضت به الضرورة، وليس إلا خداعا من الحواس، ~~ومطاوعة للعقل الإنساني القاصر، فهو يشبه ما يقول من الفلاسفة المحدثون من أن كل ~~شيء أساسه الذرة، وإنما تختلف الأشياء باختلاف النواة الذرية وكمية شحناتها ~~الكهربائية، وإلا فالحقيقة في الكل واحدة، وربما عبر عن هذا بقوله: «سبحان من خلق ~~الأشياء وهو عينها»، فهو يعين خالقا ومخلوقا في الظاهر، ولكنها في الحقيقة شيء ~~واحد. وهو شيء كما يقول لا يدرك بالعقل، بل بالقلب، وليس هناك خالق ومخلوق إلا ms471 في ~~الظاهر، وفي ذلك يقول: # يا خالق الأشياء في نفسه # أنت لما تخلقه جامع # تخلق ما لا ينتهي كونه # فيك فأنت الضيق الواسع # ومن ناحية الظاهر والحديث المألوف، هناك خالق ومخلوق، وحق وخلق، وظاهر وباطن، ~~وأول وآخر. وعنده أن إقامة البرهان المنطقي لا يفيد في هذا الباب، إنما يدل عليه ~~الشعور، والرياضة، والذوق، ويرى أن كل المخلوقات من جماد ونبات، وحيوان وإنسان، ~~خاضعة لهذا المعنى، بمعنى أنها كلها تسير على مقتضى طبيعتها وحقيقتها، فالجماد يسكن ~~أو يؤدي طبيعته الطبيعية، بحكم طبيعته، أو بعبارة أخرى: بحكم القانون الإلهي، وكذلك ~~الإنسان والحيوان؛ ولذلك لا يعول كثيرا على تفرقة بين يهودية ونصرانية، ووثنية ~~وإسلام، ويقول في ذلك: # لقد صار قلبي قابلا كل صورة # فمرعى لغزلان ودير لرهبان # وبيت لأوثان وكعبة طائف # وألواح توراة ومصحف قرآن # أدين بدين الحب أنى توجهت # ركائبه، فالحب ديني وإيماني # ولأن كل إنسان ميسر لما خلق له، وليس في باطن الأمر إلا الله، وهذا لا يمنع من أن ~~الخلق يعشق الحق، فهي كلها اعتبارات، والشيء عادة يحن إلى جنسه، ولولا ذلك ما كانت ~~هذه الجاذبية المبعوثة في عالم الأرض والسماء، وقد تأثر بتعاليم الأفلاطونية ~~الحديثة في قوله: «بلحظات التجلي» فقد عرف عن أفلوطين زعيم هذا المذهب أن الحق تجلى ~~له مرة، فكاد يصعق. والحقيقة عنده أن الأسماء المختلفة هي في الواقع أسماء ~~لمسمى واحد وهي الحقيقة الوجودية وضعت اصطلاحا للفهم والتفاهم: # وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ~~، ~~والله خلق آدم على صورته. والذي يقرأ كتابه «الفتوحات المكية» يعجب من سعة خياله، ~~وقدرته على التعبير والتأويل، وربما دل على مذهبه هذه القصيدة: # حقيقتي همت بها # وما رآها بصري # ولو رآها لغدا # قتيل ذاك الحور # فعندما أبصرتها # صرت بحكم النظر # أبيت مسحورا بها # أهيم حتى السحر # يا حذري من حذري # لو كان يغني حذري # والله ما هيمني # جمال ذاك الخفر # في حسنها من ظبية # ترى بذات الحمر # إذا رنت أو عطفت # تسبي عقول البشر # كأنما أنفاسها # أعراف مسك عطر # كأنها شمس الضحى # في ms472 النور أو كالقمر # إن أسفرت أبرزها # نور صباح مسفر # أو سدلت غيبها # سواد ذاك الشعر # يا قمرا تحت دجى # خذي فؤادي وذري # عيني لكي أبصرك # إذ كان حظي نظري # وقد عرف في تاريخ ابن عربي أنه وهو في مكة أحب فتاة تسمى «نظام»، ألف فيها كتابه ~~«ترجمان الأشواق» ظاهره عشق هذه الفتاة، وباطنه الله والفناء فيه. ومثل ذلك ما رووه ~~عن ابن الفارض في مصر. # وقد أكثر محيي الدين بن عربي في التأليف، حتى ألف في الأدب والتاريخ، فله ديوان ~~أشعار، وتفسير قرآن، وكتاب في أسرار العلوم. # وإذ كان الناس عادة من طبيعتين مختلفتين ومزاجين متباينين، حتى إن علماء النفس ~~يقسمونهم إلى هذين القسمين، كان النزاع دائما بين الحسيين والمعنويين، بين أهل ~~الظاهر والباطن، بين من مزاجه ذوقي، ومن مزاجه عقلي، بين من يأخذ بالظواهر، ومن لا ~~تقنعه الظواهر، بين أهل الكشف وأهل العقل، بين الفقهاء والمتصوفة ... اختلف الناس في ~~ابن عربي: هل هو مؤمن أشد الإيمان، أو ملحد أشد الإلحاد؟ فينعته بعضهم بالعارف ~~بالله، وقطب الله، وولي الله، وينعته آخرون بأنه زنديق وملحد، وتؤلف فيه التآليف ~~الكثيرة، ويثور الخلاف حوله، كما ثار في المشرق مثلا بين الحلاج ~~والفقهاء، # 10 # فكان ممن ناصره الفيروزأبادي صاحب القاموس، وكمال الدين الزملكاني، ~~والبلقيني، وشهاب الدين السهروردي، وفخر الدين الرازي، وابن السبكي، وغيرهم. وكان ~~من الناقمين عليه ابن الخياط، والحافظ الذهبي، وابن تيمية، وابن إياس، والتفتازاني، ~~وغيرهم. # وتشهد مصر في عهد الأيوبيين مشهدا كبيرا بين الفقهاء الذين ينكرون على الصوفيين ~~نزعتهم، وعلى رأسهم ابن تيمية الحنبلي، وبين المتصوفة؛ ويؤلفون في الخلاف بين ~~الطائفتين الكتب، وأخيرا ألف كتاب «جلاء العينين في محاكمة الأحمدين». # قال ابن النجار: «اجتمعت بابن عربي في دمشق في رحلتي إليها، وكتبت عنه شيئا من ~~شعره، ونعم الشيخ هو، ذكر لي أنه دخل بغداد سنة 601، فأقام بها اثني عشر يوما، ~~ثم دخلها ثانيا مع الحجاج سنة 608ه وأنشدني بنفسه: # أيا حائرا ما بين علم وشهوة # ليتصل، ما بين ضدين من وصل # ومن ms473 لم يكن يستنشق الريح لم يكن # يرى الفضل للمسك الفتيق على الزبل # وسألته عن مولده فقال: ليلة الاثنين 17 رمضان سنة 560 بمرسية». وقال ابن مسدي: ~~«إنه كان جميل الجملة والتفصيل، محصلا لفنون العلم أخص تحصيل، وله في الأدب الشأو ~~الذي لا يلحق. سمع ببلاده من ابن زرقون، والحافظ ابن الجد، وأبي الوليد الحضرمي، ~~وبسبتة من أبي محمد بن عبد الله». وقال في حقه الذهبي: «إن له توسطا في الكلام، ~~وذكاء وقوة خاطر، وحافظة، وتدقيقا في التصوف، وتآليف جمة في العرفان، لولا شطحه ~~في كلامه وشعره، ولعل ذلك وقع منه حال سكره وغيبته، فيرجى له الخبر». # ومن نظم ابن عربي: # بين التذلل والتدلل نقطة # فيها يتيه العالم النحرير # هي نقطة الأكوان إن جازوتها # كنت الحكيم وعلمك الإكسير # وقوله: # يا درة بيضاء لاهوتية # قد ركبت صدفا من الناسوت # جهل البسيطة قدرها لشقائهم # وتنافسوا في الدر والياقوت # ولعله يخاطب بذلك الإنسان. # وجاء في نفح الطيب أن المقريزي حكى في ترجمة عمر بن الفارض أن الشيخ محيي الدين ~~بن عربي بعث إلى الفارض يستأذنه في شرح التائية، فأجابه: «كتابك المسمى بالفتوحات ~~المكية شرح لها». قالوا: «ولما صنف الفتوحات المكية كان يكتب كل يوم حيث كان، وحصلت ~~له بدمشق دنيا كثيرة، فما ادخر منها شيئا»، وقال صفي الدين حسين في رسالته: ~~«رأيت بدمشق الشيخ الإمام العارف محيي الدين بن عربي، وكان من أكبر علماء الطريق، ~~جمع بين سائر العلوم الكسبية، وما وقر له من العلوم الوهبية، ومنزلته شهيرة، ~~وتصانيفه كثيرة، وقد غلب عليه التوحيد علما وخلقا وحالا، لا يكترث بالوجود، ~~مقبلا كان أو معرضا . وله علماء وأتباع، أرباب مواجيد وتصانيف، وكله بينه وبين ~~سيدي الأستاذ الخراز إخاء ورفقة في السياحات». ومن نظمه: # لما تبدى عارضاه في نمط # قيل: ظلام بضياء اختلط # وقيل: سطر الحسن في خديه خط # وقيل: نمل فوق عاج انبسط # وقيل: مسك فوق ورد قد نقط # وقال قوم: إنها اللام فقط # وقوله: # لك والله منظر # قل فيه المشارك # إن يوما ما نراك ms474 في # ه ليوم مبارك # وقوله: # ساءلتني عن لفظة لغوية # فأجبت مبتدئا بغير تفكر # خاطبتني متبسما فرأيتها # من نظم ثغرك في صحاح الجوهري # ويقول: # وعلمت أن من الحديد فؤاده # لما انتضى من مقلتيه مهندا # آنست من وجدي بجانب خده # نارا ولكن ما وجدت بها هدى # إلى كثير من شعره الذي ملئ به ديوانه وكتابه «الفتوحات المكية». وقد ألف السيوطي ~~فيه كتابا سماه «تنبيه الغبي على تنزيه ابن عربي»، وقد روي أن بعضهم كفر ابن عربي ~~في مجلس شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام، وقال فيه: إنه زنديق. ولم يرد عليه ~~الشيخ، فعد سكوته إقرارا، ولكن فسر عز الدين موقفه هذا فيما بعد بأن مجلسه كان ~~مجلس فقهاء، والفقهاء أشد الناس على المتصوفة. # وروى الشعراني أن ابن عربي وصف السلطان الذي يفتح القسطنطينية. وقال: إنها تفتح ~~سنة كذا، فكان الأمر كما قال، وبينه وبين السلطان محمد الفاتح نحو مائتي سنة؛ ولذلك ~~بنى عليه قبة عظيمة، وتكية بالشام. وكانت وفاة ابن عربي سنة 638ه بالصالحية بدمشق. ~~وقال بعضهم: «إن من يتسامح في كلام ابن عربي ويتأول، يسهل عليه المراء، وإن كان ممن ~~يلتزم الظاهر، صعب عليه». # وقد نقده أهل الديار المصرية، وسعوا في إراقة دمه، فخلصه الله على يد الشيخ ~~البجائي، فإنه تأول كلامه. ولما سأل البجائي ابن عربي عن بعض ما ورد على لسانه ~~قال له: «يا سيدي تلك شطحات في محل سكر، ولا عتب على سكران». ومما يدل على مذهبه ~~قوله: # نبه على السر ولا تفشه # فالبوح بالسر له مقت # على الذي يبديه فاصبر به # واكتمه حتى يصل الوقت # وكان يقول ابن عربي: إن كل العالم مظاهر للألوهية، وكان يعتقد أنه رأى محمدا # صلى الله عليه وسلم ~~، وأنه يعرف اسم الله الأعظم، ويعرف الكيمياء بالتنزيل لا بالتعليل. ومما ~~طبع من كتبه «الفتوحات المكية»، وديوان يسمى «ترجمان الأشواق»، وكتاب «محاضرات ~~الأبرار»، وكتاب «فصوص الحكم»، و«مجموع الرسائل الإلهية». # وأيا ما كان، فقد خلف محيي الدين بن عربي تراثا يلعب بالأفكار والعقول إلى ms475 ~~اليوم في الشرق وفي الغرب. # ومن أشهر متصوفة الأندلس ابن سبعين وكان أديبا صوفيا متفلسفا متزهدا ~~متقشفا، وهو من خريجي مرسية كمحيي الدين بن عربي وأبي العباس المرسي، وقد كان ~~تلاميذه يعتقدون أنه ليس له نظير في العلم اللدني، وكان مشهورا بحبه الإيثار، ~~وعطفه على الإنسانية كلها ومحبته لأعدائه، وبيته كان بيت عز ومجد في بلاد المغرب ~~وهو بيت علوي، وقد زهد في رياسة أهل بيته وتركها لإخوته، وقد قالوا: إنه ألف كتابا ~~اسمه «بدء العارف» وسنه خمس عشرة سنة. ولثقافته الأدبية كان يؤدي ما عنده من ~~المعاني أداء حسنا، ويروون أن ابن هود الأمير المشهور تعاقد مع طاغية النصارى، ~~فلم يف الطاغية بعهده فاضطر ابن هود إلى مخاطبة البابا، وأرسل ابن سبعين سفيرا ~~عنه إلى روما. # وذكر ابن خلدون في تاريخه أن السلطان المستنصر ملك إفريقيا بايعه أهل مكة، وخطبوا ~~له بعرفة، وأرسلوا له رسالة بتنصيبه، قال: وهي من إنشاء ابن سبعين، وقد ذكرها ابن ~~خلدون بجملتها وهي طويلة بليغة، وهو يشير في هذه الرسالة إلى أن المستنصر هو المهدي ~~المنتظر. وكان لابن سبعين أتباع كثيرون يتحمسون له، وله تأليفات كثيرة ورسائل ~~كثيرة، ونشأ ترفا موقرا، وكان وسيما جميلا، ملوكي البزة، عزيز النفس، قليل ~~التصنع، آية من الآيات في الإيثار والجود بما في يده. # وقد اشتهر ابن سبعين حتى وصلت أخباره كما يقولون البابا في روما، وقد ذكروا أن ~~الإمبراطور فردريك الثاني النرماني ملك صقلية عرضت له بعض مسائل فلسفية، عرضها على ~~كثير من علماء المسيحيين والمسلمين فلم يتصد للرد عليها ردا شافيا أعجب فردريك ~~مثل رد ابن سبعين . وكانت الأسئلة هي: ~~(1) # ما هو المقصود من العلم بالله؟ وما مقدماته؟ ~~(2) # ما معنى المقولات؟ وكيف تستخدم في العلوم؟ وما عددها؟ ~~(3) # ما الدليل على خلود النفس؟ # وإجابة ابن سبعين في رسالة لا تزال محفوظة إلى اليوم، وهي تدل على اطلاع ابن ~~سبعين على ما ترجم من الفلسفة اليونانية. وله شطحات ورموز على نحو طريقة ابن عربي ~~في نظرية وحدة الوجود. ونقل ms476 عبد الرءوف المناوي: أن ابن سبعين كان له سلوك عجيب ~~على طريق أهل الوحدة، وله في علم الحروف والأسماء اليد الطولى. ومن أقواله التي ~~تروى عنه في تلاميذه: «عليكم بالاستقامة على الطريق، وقدموا فرض الشريعة على ~~الحقيقة ولا تفرقوا بينهما من الأسماء المترادفة، واكفروا بالحقيقة التي في زمانكم ~~هذا وقولوا عليها وعلى أهلها اللعنة». # وقد ذكر المرحوم السيد محمد رشيد رضا عن ابن سبعين أنه قال: لقد حجر ابن آمنة ~~واسعا بقوله: لا نبي بعدي، وهو كالذي يقوله القاديانية اليوم، وهو يشير من طرف خفي ~~بهذا القول - إن صح - إلى أنه بلغ حد النبوة، وهي نزعة موجودة عند كثير من الصوفية، ~~بل منهم من اعتقد أن الولاية أرقى من النبوة، وقد انقسم الناس فيه أقساما شأنهم في ~~ذلك شأنهم مع كبار المتصوفة كابن عربي، وابن الفارض. فمن تمسك بظاهر الشرع أنكر كل ~~هذه الشطحات وأنكر نزعة الصوفية؛ كما فعل ابن تيمية مع محيي الدين بن عربي؛ ومنهم ~~من يضع الصوفية فوق الفقهاء والعلماء والفلاسفة، فيؤمن بهم ويلتمس بركتهم، كالسيوطي ~~والمقري وأمثالهما، ومنهم من يذهب مذهب التحفظ كالذهبي في تاريخه، فمثلا يقول في ~~ابن سبعين: «كان ابن سبعين من زهاد الفلاسفة، ومن القائلين: بوحدة الوجود، له ~~تصانيف وأتباع، يقدمهم يوم القيامة». وفي رأينا أن كتبه ورسائله لا تزال تحتاج إلى ~~دراسة عميقة لمعرفة قيمته ومنحاه. # 11 # وخلفه قوم كثيرون من الصوفيين في الأندلس، حتى لا يكاد يخلو عصر من عصور الأندلس ~~من الصوفية؛ من أشهرهم أبو العباس المرسي، وهو صاحب المقام المشهور في الإسكندرية، ~~والمرسي نسبة إلى مرسية، وهي أيضا بلد محيي الدين بن عربي، قالوا: إنه كان يكرم ~~الناس على نحو رتبهم عند الله؛ حتى إنه ربما دخل عليه مطيع فلا يحفل به، وربما دخل ~~عليه عاص فأكرمه؛ لأن ذلك الطائع أتى وهو متكثر بعمله ناظر لفعله، وذلك العاصي دخل ~~متواضعا لمعصيته، ذليلا لمخالفته، وكان شديد الكراهية للوسواس في الصلاة. قالوا: ~~إن له كلاما بديعا في تفسير القرآن كقوله في ms477 # الحمد لله ~~رب العالمين ~~(الفاتحة: 2): «علم الله عجز خلقه عن حمده، فحمد ~~نفسه بنفسه في أزله، فلما خلق الخلق اقتضى منهم أن يحمدوه بحمده ... إلخ»، ويقول: ~~«التقوى في كتاب الله على أقسام: تقوى النار، قال تعالى: # واتقوا النار ~~، وتقوى اليوم الآخر، قال: # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ~~، وتقوى الربوبية، ~~قال: # اتقوا ربكم ~~، وتقوى الألوهية، وتقوى الله، ~~وتقوى الإنية قال: # واتقون يا أولي ~~الألباب ~~، وقال عند سماعه قول رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «أنا سيد ولد ~~آدم ولا فخر». «أي: أنا أفتخر بالسيادة، وإنما الفخر لي بالعبودية لله. ولما سمع ~~قول سمنون المحب: # وليس لي في سواك حظ # فكيفما شئت فاختبرني # قال: كان الأولى أن يقول: «فكيفما شئت فاعف عني»، إذ طلب العفو أولى من طلب ~~الاختبار. وقال: «الزاهد جاء من الدنيا إلى الآخرة، والعراف جاء من الآخرة إلى ~~الدنيا»، وهكذا له كثير من الأقوال. وألف فيه تلميذه ابن عطاء الله كتابا يذكر فيه ~~فضائله وكراماته. # وممن نعرفهم من المتأخرين أحمد بن فاس، كان شيخا من المتصوفة، ادعى أنه المهدي ~~المنتظر، واستولى على بعض البلاد، وكان في أيام الموحدين، وقتله أحد أتباعه، وألف ~~كتابا سماه «خلع النعلين في التصوف». # والذى نلاحظه أن الحركات علمية كانت أو أدبية، تتلون حسب ميول الأمراء، فإذا كان ~~البيت الحاكم متصوفا، ساد التصوف، أو متفلسفا انتشر التفلسف. وقد شاهدنا أن أسرة ~~جاءت تميل إلى الغزالي، فحييت كتبه، ومجد شخصه، وجاءت أسرة أخرى تخالفه، فأحرقت ~~كتبه، وأعلنت كراهيته. # على كل حال لم ينقطع التصوف في أي زمان كان، ولكن لم يبلغ شأنه كما بلغ على يد ~~محيي الدين بن عربي، وانتقل أكثره إلى تخريف وتدجيل كما كان الحال في الشرق. # ويطول القول لو عددنا أسماء المتصوفة كلها في الأندلس وترجمنا لهم، وأبنا ~~عيوبهم ومزاياهم. فلنكتف بهذا القدر. # | هوامش # الفصل الثالث # | الحركة النحوية واللغوية والتأليف الأدبي # نذكر في هذا الفصل حركة اللغة والنحو والصرف في الأندلس، وكلها علوم رواية، أكثر ~~منها علوم دراية. ولا بد أن ms478 العرب الفاتحين من عهد موسى بن نصير إلى عهد الخليفة ~~الناصر، كانوا ينقلون في البلاد ما عرفوه في الشام من لغة وأشعار ونحوها، إذ كان ~~بعضهم من غير شك مثقفين، يتناقلون الأشعار وأيام العرب والأخبار في سمرهم، إنما لم ~~يكن ذلك علما منظما، حتى جاء عبد الرحمن الناصر فطمح أن يقوي مملكته بما قوى به ~~العباسيون دولتهم. وكان من أسباب قوة العباسيين العلم والشعر والأدب، وغير ذلك، ~~فأراد أن يقلدهم، ورأى أن ليس عنده معلمون كبار ينشرون الثقافة العربية بين أهل ~~الأندلس، فقرر أن يندب لذلك بعض أهل المشرق، وبعد تفكير طويل رأى أن أصلحهم أبو علي ~~القالي، إذ كان أبوه مولى لعبد الملك بن مروان الأموي، فيكون أموي النزعة كعبد ~~الرحمن الناصر، فاستدعاه إلى قرطبة، وأمر ابنه الحكم باستقباله مع طائفة من أعيان ~~البلد، فاستقبل أحسن استقبال. # وكان أبو علي هذا قد نشأ في بغداد، وتعلم على شيوخها، وجد في التحصيل، فحصل ~~الحديث، واللغة، والأدب، والنحو، والصرف. من مشايخ مشهورين كالهروي في الحديث، ~~وابن درستويه أحد النحاة المشهورين والأدباء المعروفين، والزجاج أحد تلامذة ~~المبرد، والأخفش الصغير، وهو أيضا تلميذ المبرد، ونفطويه، وابن السراج، وابن ~~الأنباري، وابن أبي الأزهر، وابن قتيبة وغيرهم، ووعى أكثر علمهم، وأقام في بغداد ~~خمسا وعشرين سنة يحصل مع الجد، حتى أتقن هذه العلوم. وعرف بين الأندلسيين بسعة ~~الاطلاع في العلم والرواية، وطول الباع في اللغة وفنونها، قال ابن الفرضي: «فسمع ~~الناس منه، وقرءوا عليه كتب اللغة، والأخبار، والأمالي، وعظمت استفادتهم ~~منه». # ويكاد المؤرخون يجمعون على أنه كان أحفظ أهل زمانه، وساعد على الانتفاع به ذكاء ~~أهل الأندلس، وقوة حفظهم. لقد كان أبو علي القالي يروي أنه في طريقه إلى الأندلس ~~نزل المغرب، فكان كلما أمعن في المغرب من تونس إلى طنجة يرى أهله يقلون في ~~الذكاء تدريجيا، فحزر أن أهل الأندلس يكونون من أغبى الناس على هذا القياس، فخاب ~~ظنه ورآهم من أذكى الناس. وربما كان له فضل كبير في حب الحكم بن عبد الرحمن ms479 الناصر ~~للعلم، إذ كان أبو علي أستاذه؛ ولذلك جمع الحكم في الأندلس مكتبة عظيمة ذكرناها من ~~قبل. ومن أشهر كتبه كتاب الأمالي ونوادره. قال ابن حزم: كتاب نوادر أبي علي وهو ~~«ذيل الأمالي» مبار لكتاب «الكامل» الذي جمعه المبرد. # ولئن كان كتاب المبرد أكثر نحوا وخبرا، ~~فإن كتاب أبي علي أكثر لغة وشعرا. وله غير كتاب «الأمالي» كتاب «الممدود ~~والمقصور»، وكتاب «الإبل ونتاجها»، وكتاب «حلى الإنسان»، وكتاب «فعلت وأفعلت»، ~~وكتاب «تفسير المعلقات السبع»، وكتاب «البارع في اللغة» رتبه على حروف المعجم. ~~قالوا: إنه نحو ثلاثة آلاف ورقة. وقالوا: إنه لم يؤلف مثله. # وقد ظل في قرطبة يبث علمه إلى وفاته سنة ~~358ه، وقد علمنا أنه رحل إلى الأندلس سنة 330ه، فتكون مدة إقامته في الأندلس، ونشره ~~علمه 28 سنة، وهي مدة لا يستهان بها. ويظهر أنه تأثر كثيرا بشيخه ابن دريد، فإنه ~~يروي عنه كثيرا بعض القطع الأدبية، وكان ابن دريد هذا لا يتحرج من أن يخترع حديثا ~~لأعرابي وأعرابية، أو حتى قصيدة من القصائد؛ شأنه في ذلك شأن الروائيين اليوم، ~~ولكنه يرويها على أنها حقيقة وقعت، وقصده منها التعليم أكثر من أن يكون قصده ~~التاريخ، ولكن أبا علي القالي أخذها كما يأخذ الحديث على أنها حقائق تاريخية. ~~وطريقته في «الأمالي» أنه يذكر نصا من النصوص؛ آية قرآنية، أو حديثا، أو خبرا، ~~أو قصيدة، ويراعي في اختيار كل قطعة أن تكون مشتملة على لفظ غريب، أو ألفاظ غريبة، ~~ثم بعد رواية النص يشرح الغريب شرحا دقيقا، فمثلا يسوق الآية: # وغدوا على حرد قادرين ~~، ثم يأخذ في شرح كلمة # حرد # وعلى هذا القياس. ويظهر أيضا أنه كان يعد ~~موضوعا خاصا في ذهنه لكل درس؛ درس في ترتيب أسنان الإبل وأسمائها، ودرس في تفسير ~~كلمة أمر، وإيراد آية: # وإذا أردنا أن نهلك ~~قرية أمرنا # إلخ، ودرس في قصيدة ذي الإصبع العدواني، التي ~~منها: # يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي ~~... ... ... إلخ # وتفسير ما ورد فيها من الغريب، وهكذا. # وقد فات ابن حزم أن ms480 يلاحظ أيضا أن كتاب «الأمالي» أخف روحا من كتاب «الكامل»، ~~وأن أبا علي القالي حدد مقصده من الكتاب أن يكون أدبا محتويا على غريب يشرحه، ولم ~~يخرج عن ذلك. # وكان يعاصره تقريبا ويؤدي نفس الغرض، ابن عبد ربه، فقد ألف كتابه «العقد»؛ ~~لينقل إلى أهل الأندلس معارف المشارقة، غاية الأمر أن ابن عبد ربه أندلسي صميم من ~~مالقه، وأبا علي القالي مشرقي رحل إلى الأندلس؛ وكتاب «الأمالي» أدب يعني ~~بالغريب، وكتاب «العقد» يعنى بالأخبار والسير والطرائف والظرائف من كل باب، وإن ~~شئت فقل: إن كتاب «الأمالي» لفظي، و«العقد» معنوي، وربما كان هذا سببه أن ابن عبده ~~ربه أديب يشرب ويحب ويسمع الغناء، ويقول الشعر الظريف في الغزل وفي الشراب وغير ~~ذلك، أما أبو علي فعالم فقط في اللغة والأدب. # وقد كان ابن عبد ربه متعدد النواحي، تعلم النحو والعروض والفقه والتاريخ والأدب، ~~وكان قد تعلم في أهل بلده، وكان قد نضج العلم فيه بعض الشيء، ثم رحل إلى مصر وغيرها ~~وأخذ علمها، ثم وضع برنامجا أن ينقل ما علم إلى أهل بلده. # وقد اقتبس ابن عبد ربه كثيرا من أسلاف له، وإن كان قد قصر في نسبة كل قول إلى ~~قائله، شأن كثير من علماء المشرق، حتى لقد ينقل الأصل من أصوله عن مصدر، فيظن ~~القارئ أنه أخذه منه مباشرة، مع أنه يكون قد نقله عمن نقل عن الأصل من غير نسبة إلى ~~من نقل عنه. فمثلا ينقل قطعة على أنها من كليلة ودمنة مباشرة، مع أنه قد يكون ~~نقلها بالواسطة عن ابن قتيبة عن كليلة ودمنة، وكذلك شأنه فيما ينقل عن التوراة ~~والإنجيل ونحو ذلك. # وقد تخيل كتابه عقدا منظوما يحتوي على خمس وعشرين حبة من جهة، وخمس وعشرين حبة ~~من جهة أخرى، وفي وسطها كلها واسطة العقد، وسمى كل باب من الأبواب التي في ناحية ~~باسم حجر كريم، كأن يقول: اللؤلؤة في السلطان، الزبرجدة في الأجواد، الياقوتة في ~~العلم والأدب، ثم يسمي الباب الذي يقابلها بنفس التسمية مع ms481 إضافة كلمة «الثانية» ~~فيقول: اللؤلؤة الثانية في الفكاهات والملح، الزبرجدة الثانية في طبائع الإنسان، ~~الياقوتة الثانية في الألحان، وهكذا. # وجعل واسطة العقد في الخطب، وبالضرورة لم يكن هناك واسطة عقد إلا واحدة، والكتاب ~~كان يسمى عند الأقدمين «العقد» فقط، ويظهر أنه لما ألف أديب كتابا سماه «العقد ~~الفريد في الملك السعيد» سرت إلى الناس كلمة الفريد، فضموها إلى عقد ابن عبد ربه؛ ~~ولذلك نرى اسمه عند قدماء المؤلفين كابن حزم وأمثاله «العقد» فقط. # وكان من أشهر من استقى منه «العقد» كتاب ابن قتيبة «عيون الأخبار»، فهو ينقل عنه ~~كثيرا، ويقلده في ترتيب الأبواب، كما اقتبس من كتاب الجاحظ، كاقتباسه منه «باب ~~العتاب، واستنجاز الوعد، والاعتذار، والموالي والعرب»، واقتبس من المبرد في كتابيه ~~«الكامل والروضة»، ومع اقتباسه منهما واستفادته طعن المبرد في الصميم إذ قال عنه: ~~إنه لم يختر لكل شاعر إلا أبرد ما وجد له، حتى انتهى إلى الحسن بن هانئ «أبي نواس»، ~~فأبو نواس قلما يأتي ببيت ضعيف، لدقة فطنته، وعذوبة ألفاظه، فيأتي المبرد فيروي له ~~أبياتا، لا ندري من أين وقع عليها، كما اقتبس ابن عبد ربه من ابن المقفع في كتابيه ~~«كليلة ودمنة» و«الدرة اليتيمة»، وأخذ شيئا من كتاب سيبويه، ومن طبقات ابن سلام، ~~ومن بعض كتب أبي عبيدة، ومن ابن هشام في السيرة، ومن ابن وحشية في النبات إلى غير ~~ذلك، حتى لقد يأخذ من التوراة والإنجيل، ومن دواوين الشعراء. # وربما كان يعتقد أن رواية الأدب ليس ينبغي أن يتزمت فيها، كرواية الحديث، فنراه ~~يروي أشياء لم تثبت تاريخيا، ولم ينقلها الثقات، كوفود العرب على كسرى ونحو ذلك ، ~~وأحيانا يعارض ما يختاره بشعره هو على أنه خير مما روى. وقد كان مقربا إلى عبد ~~الرحمن الناصر، فنظم فيه ملحمة طويلة لطيفة على قلة الملاحم في الأدب العربي، تبلغ ~~أكثر من أربعمائة بيت، وإذ كانت الملحمة في سيرة عبد الرحمن الناصر، وهو بالضرورة ~~أموي، فقد سار فيها على مذهب الأمويين، فعد الخلفاء الراشدين مثلا أربعة: أبا ~~بكر، ms482 وعمر، وعثمان، ومعاوية، وحذف عليا من أرجوزته، ثم وصل الخلفاء الأمويين في ~~الشرق بالأمراء الأمويين في الأندلس؛ ولذلك عابه بعض العلماء، إذ كتب مثلا منذر بن ~~سعيد البلوطي الإمام المشهور على هامش الأرجوزة، البيتين الآتيين: # أوما علي - لا برحت ملعنا # يا ابن الخبيثة - عندكم بإمام؟ # رب الكساء وخير آل محمد # داني الولاء مقدم الإسلام # ومن عدم تدقيقه في الأخبار روايته شيئا من الأوهام، فيقول عن رجل مثلا: إنه عاش ~~ثلاثمائة سنة أو مائة وتسعين سنة، وبعد أن عاش هذه المدة اسود شعره، وقد نبتت له ~~أضراس إلى غير ذلك. كما أن كثيرا مما رواه عن الحيوان لم يصح علميا. # ومن مزايا العقد أن مؤلفه ابن عبد ربه قوي في النثر والشعر، تظهر قوة نثره في ~~الفرش الذي يفرشه أمام كل باب، فهو فرش لطيف بليغ، وتظهر قدرته الشعرية في معارضته ~~لما يختار أحيانا بشعر لطيف له. وقد روي عنه أنه كان يعيش أول أمره عيشة الأديب ~~المستهتر، مر مرة على قصر فيه غناء فطارت نفسه وهام بالغناء وقال في ذلك قولا ~~لطيفا؛ ومن أجل ذلك يبرر في الكتاب سماع الغناء ويرد على من حرمه، كما يظهر ~~أنه كان يشرب الخمر وخصوصا النبيذ؛ ولذلك يميل من طرف خفي في كتابه إلى تأييد ~~الرأي القائل بالحل. ويقولون: إنه في آخر أيامه تاب، وشعر في الزهد والورع والتقوى، ~~على نحو ما شعر في اللهو والغزل. # والكتاب يفيدنا تاريخيا أيضا، كما يفيدنا أدبيا في تعريفنا بأشياء كثيرة عن ~~عادات الأندلس وتقاليدها، ونظرة الأندلسيين إلى اليهود والنصارى، كما يدلنا على ~~حروب الناصر واحدة بعد أخرى في أي سنة، ونحو ذلك. # وإذا قارنا بين ما كتبه ابن قتيبة في الشعوبية، وما كتبه ابن عبد ربه، رأينا ~~ابن عبد ربه أعدل رأيا، وأصدق حكما، ومن ظرفه أنه أكثر في كتابه هذا من الفكاهات ~~والملح، والنوادر والقصص، فيروي للأشعب وللممرورين. وفي الأجوبة المسكتة أشياء ~~لطيفة ظريفة مسلية، فهو أقرب إلى الجد من ألف ليلة، ولكنه مسل مثلها؛ ولذلك ms483 ذاع ~~بين الأدباء. وقد قلنا: إنه لم يكن متزمتا كالمحدثين، وبعض الأدباء كصاحب ~~الأغاني فلم يملأ كتابه بالأسانيد كما فعل هؤلاء؛ ولذلك انتشر كتابه انتشارا ~~كبيرا في الشرق والغرب، فهو يتنقل من شعر إلى نثر إلى قصة إلى فكاهة إلى مثل، ~~حتى لا يمل قارئه بحال. ويظهر أنه قد دس عليه بعد وفاته أشياء لم يقلها، وإنما ~~رأى القارئ أشياء حدثت بعد وفاته، فأراد أن يكمل بها الكتاب. # على كل حال انتفع الناس بهذا الكتاب أكثر مما انتفعوا بغيره لخفة روحه، وسهولة ~~مأخذه، وكثرة تنقلاته من باب إلى باب. فكما انتفع الناس بالأمالي، ومؤلفه شرقي رحل ~~إلى الأندلس، انتفعوا بالعقد، ومؤلفه أندلس رحل إلى المشرق. # وقد قلنا من قبل: أن ليس أبو علي أول من بذر البذرة، فقد بذرها العرب والبرابرة ~~فاتحو الأندلس، وإنما أبو علي نماها، ونظم تعليمها، وربما كانت هناك كتب من ~~المشرق تتسرب إلى المغرب، فيأخذ منها الأندلسيون أدبهم، والدليل على ذلك ابن ~~القوطية أبو بكر محمد بن عمر، وسمي ابن القوطية نسبة إلى القوط، وهم الذين غزو ~~الإسبان من قبل؛ لأن أحد أجداده تزوج من أميرة إسبانية بنت ملك من ملوك القوط، كانت ~~ذهبت إلى دمشق، ووفدت على هشام بن عبد الملك متظلمه من عمها، فتزوجت عناك من عربي ~~كان جدا لابن القوطية، وأرسل مع الحملة التي ذهبت لفتح الأندلس. # وكان ابن القوطية هذا عالما كبيرا من علماء العربية، وصحب أبا علي القالي، ~~وقدمه أبو علي إلى الحكم الثاني الخليفة قائلا: إنه علم أهل بلاده. وكان ابن ~~القوطية لغويا كبيرا، ونحويا كبيرا، وشاعرا، ومؤرخا، يفد عليه الناس ~~للاستفادة منه. مات سنة 367ه بعد أن ألف كتاب «الأفعال»، وكتاب «فعلت ~~وأفعلت»، # 1 # فهذا يدل على أن العلم باللغة والمحو أقدم من القالي، وبالفعل قد روي ~~أن ابن القوطية أخذ العلم باللغة والنحو على رجل يسمى الزبيدي، وآخر يسمي سعيد بن ~~جبير، وهما لا شك معلمان بالأندلس قبل القالي. # وكان ممن تتلمذ لأبي علي القالي أبو بكر الزبيدي، ms484 وهو نحوي مشهور، ألف كتاب ~~«مختصر العين»، وألف «أخبار النحويين»، # 2 # ورتب نحويي الأندلس على طبقات. # على كل حال كان المؤلفون في اللغة والأدب كثيرين، ونعني بالأدب هنا الأدب ~~التأليفي، أما الأدب الإنشائي فسنتكلم عليه في الباب الآتي إن شاء الله. # فمن أشهر من ألف في الأدب من الأندلسيين «الشريشي» الذي شرح مقامات الحريري ~~شرحا لطيفا. وقد انتقلت المقامات من الشرق إلى الأندلس، فأقبل الأندلسيون عليها، ~~وافتتنوا بها، وأثرت فيهم أثرا كبيرا، فمنهم من قلدها ووضع مقامات على نمطها، ~~كالأزدي المتوفى سنة 575ه. # والحق أنه كان شرحا وافيا؛ إذ كان مؤلفه جماعا للفوائد، واسع الاطلاع، وما ~~شرح مقامات الحريري أحد بعده إلا استفاد منه، حتى دوزي في شرحه اعتمد عليه، وقد عرف ~~هذا الكتاب بالدقة في الشرح وامتلائه بالفوائد، واتخاذ المقامات تكأة لرواية ~~الأخبار. # وممن ألف أيضا في اللغة والأدب ابن السيد البطليوسي مؤلف كتاب «الاقتضاب في ~~شرح أدب الكتاب» لابن قتيبة، كما ألف شروحا على كتب أدبية مختلفة، ومثل البكري ~~الذي ألف كتاب «التنبيه على أغلاط الرواة» وغيرهم. على كل حال نقل هؤلاء وأمثالهم ~~الأدب القديم من دواوين وغير دواوين، وشرحوها وقدموها لأمتهم، حتى لم يكد يبقى شيء ~~لم يطلعوا عليه. # كما كان من أهم مؤلفي اللغة من الأندلسيين ابن سيده، وهو أبو الحسن علي بن ~~إسماعيل، وكان ضريرا، وكان أبوه على علم باللغة فأخذ عنه، وقد ألف مؤلفات كثيرة ~~لم يبق منها فيما نعلم إلا كتاب «المخصص» # 3 # في سبعة عشر جزءا، ألفه على حسب المعاني، لا على حسب الألفاظ، ~~فالألفاظ التي تتعلق بالمائدة وما يتصل بها وضعت في مكان واحد، وهي فكرة سبقه إليها ~~الثعالبي في فقه اللغة، ولكن ابن سيده وسعها وجعلها في سبعة عشر جزءا بدل جزء واحد ~~للثعالبي. والظاهر أنه رتب «المخصص» حسب الإنسان وأعضائه وأجزائه، ثم ما يتصل به، ~~الأقرب فالأقرب، ثم كتاب «المحكم والمحيط الأعظم» وهو معجم كبير في اللغة، رتبت فيه ~~الكلمات حسب حروف الحلق، كما فعل الخليل في «العين»، وابن ms485 دريد في «الجمهرة»، وقد ~~مات سنة 458ه. # وممن اشتهر في اللغة أيضا الأعلم الشنتمري، وكانت له ميزة أخرى غير جمع اللغة، ~~وهي حفظه لأشعار العرب، وعنايته بضبطها، وقد استفاد منه كثيرون من أهل الأندلس، ~~وكانوا يرحلون إليه، وسمي الأعلم؛ لأنه كان مشقوق الشفة العليا، والشنتمري نسبة إلى ~~شنتمارية مدينة في غربي الأندلس، وقد شرح دواوين كثيرة، ويكاد يكون اختصاصه في ~~ذلك، وتوفي سنة 476ه. # وممن اشتهر من الأندلسيين أبو الحجاج بن يوسف ابن الشيخ البلوي المالقي، ألف ~~كتابا في جزأين كبيرين وضعه لابنه وسماه «ألف باء»، وهو موسوعة كبيرة، تكلم فيها ~~في الحساب والطبيعة والنبات والحيوان والإنسان وعلم الاجتماع والشريعة والأديان ~~وفقه اللغة ومخارج الحروف والنحو والصرف والشعر والحكايات والأساطير، حتى لو رتب ~~على حسب حروف الهجاء لكان دائرة معارف عجيبة. وقد رحل إلى الشرق ووصف فيه أشياء ~~كثيرة كمنارة الإسكندرية وصفا دقيقا. وعاش من سنة 526ه إلى سنة 603ه. # أما النحو فقد بدأ في الأندلس، كما بدأ في المشرق عبارة عن قطعة مختارة فيها لفظ ~~غريب يشرح، ومشكلة نحوية توضح، على النحو الذي نراه في «أمالي» القالي، و«الكامل» ~~للمبرد، ثم ألفوا نحوا في مسائل جزئية، كما فعل أبو علي القالي نفسه في «فعلت ~~وأفعلت» و«المقصور والممدود»، وكما فعل ابن القوطية في كتابه «الأفعال»، فلما انتقل ~~إلى الأندلس كتاب الكسائي وسيبويه، ألف الأندلسيون في النحو من حيث هو كل يشمل جميع ~~الأبواب، وكان أشهر كتب النحو في أيام ابن حزم تفسير الحوفي لكتاب الكسائي. # وكان من الأندلسيين أبو علي الشلوبيني، # 4 # وكان إماما في النحو، يجله تلاميذه ويغالون في فضله، ألف كتبا في ~~النحو مثل: كتاب «التوطئة»، ولد بإشبيلية سنة 562ه، وتوفي سنة 645ه. # ونبغ في النحو بعد الشلوبيني نحويان شهيران هما ابن خروف وابن عصفور، ولهما في ~~كتب النحو آراء ينفردان بها، فأما ابن خروف فمن إشبيلية، وكان إمام أهل زمانه في ~~العربية في الأندلس، له شرح على كتاب سيبويه وشرح لكتاب الجمل وغير ذلك من الكتب، ~~وكان إلى ms486 علمه أديبا لطيفا كثيرا ما تلاعب باسمه، فكتب مرة لقاضي القضاة يستعفيه ~~من الإشراف على عمل؛ لأن بوابه اسمه السيد وهو الذئب فقال: # مولاي، مولاي أجرني فقد # أصبحت في دار الأسى والحتوف # وليس لي صبر على منزل # بوابه السيد وجدي خروف # ومن شعره اللطيف في صبي مليح: # أقاضي المسلمين حكمت حكما # أتى وجه الزمان به عبوسا # حبست على الدراهم # 5 # ذا جمال # ولم تحبسه إذ سلب النفوسا # ولما رأى نيل مصر قال فيه: # ما أعجب النيل، وما أحلى شمائله # في ضفتيه من الأشجار أدواح # من جنة الخلد فياض على ترع # تهب فيها هبوب الريح أرواح # 6 # ليست زيادته ماء كما زعموا # وإنما هي أرزاق وأرواح # ومات سنة 609ه. # وأما ابن عصفور فإشبيلي الأصل أيضا، حمل لواء العربية بالأندلس بعد أستاذه أبي ~~علي الشلوبيني، ودرس العربية في بلاد أندلسية مختلفة، في إشبيلية وشريش ومالقة ~~ولورقة ومرسية، وألف كتبا كثيرة في النحو والصرف، وقد أخذ عليه ابنه أنه كان ~~مستهترا يغشى مجالس الشراب ويتهتك فيها، ومات سنة 669ه. # وجاء بعد ذلك ابن مالك وهو جمال الدين محمد بن عبد الله، ولد ببلدة جيان إحدى ~~مدن الأندلس حوالي سنة 600ه، وأخذ عن نحوييها، وأخذ عن أبي علي الشلوبيني، ثم رحل ~~إلى مصر ودمشق، وأخذ العلوم الشرعية وتبحر فيها، وقد اشتهر شهرة سيبويه. وأهم ميزة ~~ابن مالك أنه ربط قواعد النحو ربطا محكما، وبسطها كما يتجلى ذلك بالنظر في ألفيته ~~وقواعده، والقواعد التي ذكرها سيبويه في كتابه، وقد ألف الألفية. ونالت حظوة كبيرة، ~~حتى حفظها أكثر المتعلمين في الشرق والغرب إلى اليوم، ومن مؤلفاته: الكافية ~~والشافية، والتسهيل، ولامية الأفعال، والمفتاح في أبنية الأفعال، وتحفة الموجود في ~~المقصور والممدود، والأعلام في مثلث الكلام، وإيجاز التعريف بعلم التصريف، ورسالة ~~في المترادفات، والاعتداد في الفرق بين الزاي والصاد، ومنظومة في 49 بيتا في ~~الأفعال الثلاثية المعتلة بالواو أو الياء، نقلها السيوطي في كتابه «المزهر». وقد ~~تتلمذ له كثيرون في الشرق والمغرب، كابن النحاس المصري، والفقيه المشهور النووي، ms487 ~~والمحدث المشهور اليونيني، وغيرهم. وقد رزق الحظوة في تآليفه، واستفاد منه ~~كثيرون، ودوى اسمه في الأندلس وفي المشرق، ومات سنة 672ه. # فإن قلنا: إنه نظم نحو سيبويه، ووضحه، وفصله، وقربه إلى الناس، وعممه لم ~~نكن بعيدين عن الصواب، وكان إماما في القراءات وعالما بها، واسع العلم باللغة. ~~قال الصفدي: «أخبرني أبو الثناء محمود قال: ذكر ابن مالك يوما ما انفرد به صاحب ~~المحكم عن الأزهري في اللغة، وهذا أمر معجز؛ لأنه يحتاج إلى معرفة جميع ما في ~~الكتابين»، وكان في النحو والتصريف لا يشق لجه، وكان واسع الاطلاع على أشعار ~~العرب التي يستشهد بها على النحو واللغة، حاضر البديهة في الاستشهاد، وكان مذهبه أن ~~يستشهد بالقرآن، فإن لم يكن فيه شاهد، استشهد بالحديث، فإن لم يكن استشهد بأشعار ~~العرب. وكان نظم الشعر عليه سهلا، رجزه وطويله، وأكثر من التآليف في أبواب مختلفة، ~~وكان مشهورا بنظم الضوابط التي تسهل الأمور الصعبة على المتعلمين، فينظم مثلا في ~~المقصور والممدود، وفيما ورد بالضاد والظاء، وفي ترتيب خيل السباق، ونحو ذلك. وكان ~~- رحمه الله - كثير المطالعة، سريع المراجعة، لا يكتب شيئا من محفوظه، حتى يراجعه ~~في محله، وقد أخذ عليه أبو حيان «أنه لم يلازم المشايخ، ولم يصحبهم طويلا، وإنما ~~أخذ أكثر علمه من الكتب والاطلاع عليها؛ ولذلك كان ينفر من المنازعة والمباحثة ~~والمراجعة. وهذا شأن من يقرأ بنفسه، ويأخذ العلم من الصحف بفهمه»، مع أنه قرأ على ~~جملة من المشايخ كأبي علي الشلوبيني، وثابت بن خيار. # وربما عد من أكبر علماء النحو في الأندلس أبو حيان الغرناطي، وهو لغوي عربي، ~~ولد من أصل بربري سنة 654ه، وتنقل في البلاد بعد أن تعلم على علماء الأندلس، وكان ~~ظاهريا على مذهب ابن حزم، وكان نحويا مفسرا محدثا شاعرا. # وبلغت مصنفاته في العلوم المختلفة نحو 65 كتابا لم يصلنا منها إلا نحو عشرة، ~~وأهميته أنه كان لغويا بمعنى أنه يعرف لغات كثيرة، فألف كتابا في الفارسية، وآخر ~~في اللغة التركية، والمصنفان موجودان إلى اليوم، وهما عظيما ms488 القيمة، كما ألف كتابا ~~في اللغة الحبشية، وتوفي بالقاهرة سنة 745ه، ولكن كما قلنا من قبل: إن هؤلاء ~~النحويين جميعهم كانوا يدورون في فلك سيبويه، فإن اجتهد أحد كابن مالك وأبي حيان، ~~فكالذي نسميه في الفقه اجتهاد مذهب لا اجتهادا مطلقا. فقد وضع الخليل وتلميذه ~~سيبويه بناء في النحو قوي الدعائم لم يسهل هزه ولا نقضه، إنما الذي خرج واجتهد ~~اجتهادا مطلقا هو ابن مضاء الأندلسي القرطبي، وقد كان أيام الموحدين، فقد كان ~~الموحدون هؤلاء مجتهدين، لم يرضوا عن مذاهب الفقه المختلفة. وقد كان عبد المؤمن بن ~~علي الذي يعد المؤسس الحقيقي لدولة الموحدين «مؤثرا لأهل العلم، محبا لهم، ~~محسنا إليهم، يستدعيهم من البلاد إلى الكون عنده، والجوار بحضرته، ويجري عليهم ~~الأرزاق الواسعة، ويظهر التنويه بهم والإعظام»، ويقول فيه بعضهم: «إنه كان فقيها ~~عالما بالأصول والجدل والحديث، مشاركا في كثير من العلوم الدينية ~~والدنيوية». # وكان من بعده من أبنائه متعلمين تعلما واسعا، وحسب هذه الدولة فخرا أنها ~~أنجبت ابن طفيل، وابن زهر، وابن رشد، إذ أفسحت صدرها للفلسفة. يقول ابن خلكان في ~~أحد ملوك الموحدين: «إنه أمر برفض فروع الفقه، كما أمر الفقهاء بألا يفتوا إلا ~~بالكتاب والسنة، ولا يقلدون أحدا من الأئمة المجتهدين، بل تكون أحكامهم بما يؤدي ~~إليه اجتهادهم»، وأمر بإحراق كتب المذاهب، والآراء تعدى، فلما شرع الاجتهاد في ~~الفقه، ظهر مجتهد يريد هدم كتاب سيبويه، كما اجتهد قوم في هدم المذاهب الأربعة، ~~ووضع مذهب جديد في النحو. فالفلسفة تحرر العقول، والأخذ بالكتاب والسنة يعطل ~~المذاهب، وابن مضاء يريد أن يهدم مذهب سيبويه، وألف في ذلك ثلاثة كتب: المشرق في ~~النحو، وتنزيه القرآن عما لا يليق بالبيان، والرد على النحاة. وفي هذه الكتب ~~الثلاثة على ما يظهر رد على نحو سيبيويه وأنصاره، والنظر إلى نحو جديد. # لقد كان نحو سيبويه مبنيا على نظرية العامل، فلا يرفع فاعل إلا بعامل، ولا ~~تنصب كلمة إلا بعامل، ولا تجر إلا بعامل، فإن لم يكن العامل ظاهرا، فهو عامل مؤول، ~~فنادى ابن ms489 مضاء بأن الذي يصنع الظواهر النحوية في الكلمات من رفع ونصب وجر، إنما هو ~~المتكلم نفسه، لا ما يزعمه النحاة من الأفعال وما شاكلها، وقد أشار ابن جني في ~~الخصائص إلى هذه النظرية، ولكن ابن مضاء وسعها وأوضحها. وقد جرت النحويين نظرية ~~العامل وتأويله إن كان محذوفا إلى علل وأقيسة، وأحيانا تكون مقبولة، وأحيانا ~~تكون غير مقبولة. وكان يريد ابن مضاء إنشاء نحو جديد على أساس جديد، ولكن يكفيه ~~فخرا أنه هدم وإن لم يبن، فكان النحو محتاجا إلى يد جديدة، تبني بناء جديدا ~~بعد هدم القديم. وفي كتابه الذي نشر حديثا ما يشير إلى أحجار قيمة توضع في البناء ~~الجديد، ولكن مع الأسف كانت دعوته إلى نحو جديد، كدعوة أبي نواس في الشرق إلى شعر ~~جديد، فكلتاهما كتبت ولم تتحقق. # على كل حال كان ابن مضاء داعيا دعوة جديدة، متأثرا فيها بالدعوة إلى اجتهاد ~~الفقهاء، كما أنه متأثر بمذهب الظاهرية، فنظريات العوامل تحتاج إلى تأويل كبير، ~~والظاهرين أكثر ما يكرهون التأويل، وقد أسس كتابه هذا «الرد على النحاة» # 7 # بعد قراءة طويلة في النحو، فقد قرأ كتاب سيبويه، وشرح السيرافي عليه ... ~~وهو يرى أن الناس ضلوا بالنحو القديم، باتباعهم نظرية العامل فيقول: «قصدي من هذا ~~الكتاب أن أحذف من النحو ما يستغني النحوي عنه، وأنبه على ما أجمع على الخطأ فيه، ~~فمن ذلك دعاؤهم أن النصب والخفض والجزم لا تكون إلا بعامل لفظي ... فقالوا في ضرب زيد ~~عمرا: إن الرفع الذي في زيد، والنصب الذي في عمرو، إنما أحدثه ضرب، وذلك بين ~~الفساد. وقد صرح بخلاف ذلك ابن جني وغيره ... وفي الحقيقة ومحصول الحديث أن العمل ~~من الرفع والنصب والجر والجزم، إنما هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره». وقال: «ربما ظن ~~شخص أن معاني هذه العوامل هي العاملة، ويرد ذلك بأن العامل أو الفاعل إما أن يفعل ~~بإرادة كالإنسان والحيوان، وإما أن يفعل بالطبع كما تحرق النار، ويبرد الماء، ~~والعامل في النحو ليس فاعلا بالإرادة ولا بالطبع. وإذا فتصور ms490 النحاة له بأنه عامل ~~أو فاعل تصور واهم». # ويبين سخف النحويين في تأويل عامل إذا لم يوجد، فيقول: «إن النحويين يقولون في يا ~~عبد الله: أدعو عبد الله، مع أن المعنيين مختلفان، فأدعو عبد الله جملة خبرية، ويا ~~عبد الله جملة إنشائية، ويقولون في: # إذا السماء ~~انشقت ~~(الانشقاق: 1)، إذا انشقت السماء انشقت، وهو كلام واهم». ~~ويقول في موضع آخر: «إن إجماع النحاة على ذلك ليس حجة علينا، مهما اتفق البصريون ~~والكوفيون على ذلك». ويهاجم فكرة الضمائر المستترة، فإن النحاة يقولون في مثل زيد ~~ضارب عمرا: إن في ضارب ضميرا مستترا تقديره هو فاعل. ويقول: إن ضارب تدل على ~~الصفة وصاحبها، فلا داعي للتأويل. كما هاجم العلل النحوية غير العلة الأولى، فإذا ~~قلت: إن الفاعل مرفوع فهذه هي العلة الأولى وقد أقرها، أما أنه مرفوع؛ لأنه عمدة ~~فقد رفضه ابن مضاء. ومن الأسف أن الناس لم يأخذوا بقوله، وعادوا سريعا إلى نحو ~~سيبويه. # وابن مضاء هذا رجل عظيم النسب، عظيم المنصب، فقد كان قاضي القضاة في عهد ~~الموحدين، وكان عظيم الجاه عندهم، فهو وحده الذي ثار على نحو المشرق كما ثار كثير ~~غيره على فقه المشرق. # ويطول بنا القول لو ترجمنا لنحويي الأندلس واحدا فواحدا، وأنت إذا قرأت كتاب ~~«بغية الوعاة في أخبار النحاة» وجدت في كل صفحة تقريبا واحدا فأكثر من نحاة ~~الأندلس: فلنكتف بما ذكرنا. # | هوامش # الفصل الرابع # | الحركة الأدبية # الشعر والنثر # نريد بالحركة الأدبية مظاهر الأدب الإنشائي # 1 # من شعر ونثر، وقصص ونحو ذلك. ونلاحظ في الحركة الأدبية ما يأتي: ~~(1) # أن الثقافة الأدبية في الأندلس كانت تكاد تكون عامة بين المثقفين، ~~فلا نكاد نقرأ ترجمة لفقيه، أو أمير، أو متصوف، إلا نجد له شعرا، ~~البيتين أو المقطوعتين أو أكثر. ~~(2) # ما وضع العرب أرجلهم في الأندلس حتى صبغوها بالصبغة العربية، ونقلوا ~~معيشتها إلى معيشة عربية في عاداتها وتقاليدها، ومن ذلك أدبها. فالعربي ~~حيثما حل ذكر أوطانه، وحن إليها. وكانت السنون الأولى بعد الفتح ~~سني دهشة وتخمر، فالبلاد غريبة عن ms491 العرب، والمناظر مختلفة عن مناظر ~~الصحراء، وعادات البلاد وتقاليدها تختلف عن عادات الصحراء وتقاليدها، ~~فهم يحتاجون إلى زمن يتأقلمون فيه لمواجهة هذه الحالة الجديدة؛ ولذلك ~~نراهم لم يقولوا الشعر كثيرا كما كانوا يقولونه في جزيرة العرب، أو في ~~الشام، شأنهم في ذلك شأن العرب الفاتحين لمصر، فقد رأى الفاتحون من ~~العرب النيل، وهو يفوق ألف مرة غدرانهم، والأهرام التي تفضل ألف مرة ~~خيامهم ومساكنهم، وشاهدوا الوديان الخضراء، والمراعي الخصبة، والمياه ~~المتدفقة. وكل ذلك كان حريا أن ينتج أدبا غزيرا، وشعرا كثيرا، ~~ولكنهم لم يفعلوا، وقلما نجد شعرا روي عنهم في العصر الأول للفتح، ~~بل إن الشعر الذي روي كان يأتي على ألسنة الوفود الذين يأتون مصر من ~~الخارج لعبد العزيز بن مروان وأمثاله، وهو أمر غريب حقا في الأندلس ~~ومصر، حتى ظننت أن العربي أول أمره لا يشعر إلا في بيئته. # على كل حال نجد في العصور الأولى في الأندلس قبل عبد الرحمن الداخل شعرا قليلا، ~~وأدبا شحيحا، تقتضيه المناسبات، أو المسامرات، أو تحرك العواطف تحركا وقتيا ~~لسبب من الأسباب. # مثل ذلك ما روي عن طارق بن زياد فاتح الأندلس أنه قال: # ركبنا سفينا بالمجاز معبرا # عسى أن يكون الله منا قد اشترى # نفوسا وأموالا وأهلا بجنة # إذا ما اشتهينا الشيء فيها تيسرا # ولسنا نبالي كيف سالت نفوسنا # إذا نحن أدركنا الذي كان أجدرا # ومثل ما روي عن عبد الرحمن الداخل، وقد رأى نخلة وحيدة منفردة، فقال: # تبدت لنا وسط الرصافة نخلة # تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل # فقلت: شبيهي في التغرب والنوى # وطول التنائي عن بني وعن أهلي # نشأت بأرض أنت فيها غريبة # فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي # سقتك غوادي المزن في المنتأى الذي # يسح ويستمري السماكين بالوجل # وقول الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل: # رأيت صدوع الأرض بالسيف راقعا # وقدما لأمت الشعب مذ كنت يافعا # فسائل ثغوري هل بها اليوم ثغرة # أبادرها مستنضي السيف دارعا # تنبئك أني لم أكن في قراعهم # بوان، وقدما كنت بالسيف قارعا # وأني ms492 إذ حادوا جزاعا من الردى # فلم أك ذا حيد من الموت جازعا # حميت ذماري فانتهبت ذمارهم # ومن لا يحامي ظل خزيان ضارعا # ولما تساقينا سجال حروبنا # سقيتهم سما من الموت ناقعا # وهل زدت أن وفيتهم صاع قرضهم # فوافوا منايا قدرت ومصارعا # فهاك بلادي إنني قد تركتها # مهادا ولم أترك عليها منازعا # ومثل قول الأمير عبد الله بن عبد الرحمن بن الحكم: # ويلي على شادن كحيل # في مثله يخلع العذار # كأنما وجنتاه ورد # خالطه النور والبهار # قضيب بان إذا تثنى # يدير طرفا به احورار # فصفو ودي عليه وقف # ما اطرد الليل والنهار # ومثل قول زرياب: # علقتها ريحانة # هيفاء عاطرة نضيره # بين السمينة والهزي # لة والطويلة والقصيره # لله أيام لنا # سلفت على دير المطيره # لا عيب فيها للمتي # م غير أن كانت يسيره # وقول عبد الرحمن الناصر: # كيف وأنى لمن يناجي # من لوعة الشوق ما أناجي # يطمع أن يستريح وقتا # أو يقتل الراح بالمزاج # كنت كما علمت ألهو # إذ أنا مما شكوت ناجي # فصرت للعين في علاج # طم وأربى على العلاج # الورد مما يزيد حزني # ويبعث السوسن اهتياجي # لا ترج ما أردت شيئا # أو يأذن الهم بانفراج ~~... إلخ إلخ. # ولم نعثر فيما قرأنا على أديب يتخصص للأدب في هذه الفترة؛ خصوصا وأن هذه الأيام ~~الأولى كانت أيام فتن واضطرابات بين العرب والبربر الفاتحين، والإسبان المفتوحين، ~~بل وبين العرب أنفسهم؛ فهذا عدناني يتعصب لعدنانيته، وهذا قحطاني يتعصب لقحطانيته، ~~وهذا بينه وبين الوالي عداوة شخصية فينتهز الفرصة فيقتله وهكذا، وهؤلاء لا يمكن ~~تأريخ أدبهم. ~~(3) # من الصعب أن نطبق ما ذهبنا إليه من قبل من تدرج «الحركة الدينية ~~واللغوية والنحوية» على الأدب وتطورها تطورا منطقيا، فإن الأدب في ~~ظاهره لا يخضع لهذا القانون، فقد يأتي قرن ينبغ فيه أدباء وشعراء ~~كثيرون بارزون لأسباب مختلفة، ثم يعقبه قرن خمود يخلو من الأدب البارز، ~~ثم يعقبه أدب غزير، ونبوغ عظيم، تعمل في ذلك عوامل كثيرة، وعبقريات لا ~~تعرف كيف نضجت ولا كيف نبغت؛ فأولى بنا أن نخضع ms493 لهذا القانون، ونكتفي ~~بذكر الأدباء من ناثرين وشاعرين، ونبين قيمة أدب كل منهم مع عرض شيء ~~من مختاراتهم نبرهن بها على ما نقول. ولنترك الأدباء الذين يتخذون ~~أدبهم على هامش فقههم أو علمهم أو نحوهم، ولنكتف بذكر من غلب عليه ~~الأدب فكان حرفته ووظيفته والظاهرة العظمى في حياته. ~~(1) الشعر والشعراء # نلاحظ أن العالم الإسلامي كله من أندلس ومصر وشام وعراق ... إلخ، كان أشبه ما ~~يكون بجسم موصل جيد للكهرباء، فما تملأ جزءا منه بشحنة كهربائية حتى تسري في ~~الجسم كله ويتأثر بها. # كان الشعر الجاهلي يمتاز بصدق العاطفة وجزالة التعبير، والاقتصار على مشاهدات ~~ما عندهم من جمل وصحراء وجبال ووديان وغدران ... إلخ، وكانت لهم تقاليد مرعية ~~في الشعر من البدء بالغزل، والبكاء على الأطلال، ثم الانتقال منه إلى الغرض ~~الذي يقصد إليه الشاعر من مديح ونحوه، واستمر ذلك في العصر الإسلامي الأول، ~~فكان هذا الوضع أكبر مؤثر للعرب الفاتحين للأندلس إذا قالوا الشعر؛ لأن هذا كل ~~ما وصل إليهم، ثم تطور الشعر آخر الدولة الأموية لغزل عمر بن أبي ربيعة، ~~وخمريات الوليد بن يزيد، فانتقل ذلك أيضا إليهم، فلما جاء العصر العباسي تطورت ~~الحياة الاجتماعية وتطور معها الشعر، فهذا بشار بن برد يعد مجددا، وأهم معنى ~~للتجديد أنه أقلم الشعر بالبيئة الاجتماعية مثل قوله: # عسر النساء إلى مياسرة ~~... ... ... إلخ # وقوله هو، أو أبي نواس، يصب الكأس ومقدار ما فيها من الخمر، ومقدار ما يصف ~~فيها من الماء إلى نحو ذلك؛ وجاء أبو نواس فملأ الجو غزلا بالمذكر، وتحليلا ~~دقيقا للخمر وتشبياتها، وشاربيها وندمائها، وغير ذلك. ثم جاء أبو تمام فأفرط ~~في البديع، وجاء المتنبي فملأ شعره جزالة وقوة بدوية، وتقييدا للحروب ~~الصليبية، وحلى شعره بالحكمة إلى غير ذلك. ثم جاء مثل أبي العلاء فقال في ~~معايب زمنه وأهله، من ملوك وأمراء وقضاة، ونساء ووعاظ ومنجمين، ونحو ذلك. وجاء ~~مثل ابن حجاج وابن سكرة فملأوا أشعارهم بالهزل والمجون والسخرية إلى غير ذلك كل ~~هذا انتقل إلى الأندلس بسرعة الشرارة الكهربائية، فكان ms494 مثلا لهم يحتذونه ~~ويسيرون على منواله. # ونلاحظ أن الشعر العربي جميعه كان أدبا رومانتيكيا، أو كما يقولون شعرا ~~غنائيا، ونعني بالرومانتيكية أنها تعنى بالخيالات الواسعة والعواطف الهائجة، ~~والألفاظ الجميلة أكثر مما تعنى بالأفكار الذهنية العميقة، والمعاني الدقيقة. ~~والشعر العربي أيضا له تقاليد خاصة من التزام لبحور لا تتجاوز ستة عشر، وقافية ~~تلتزم في كل القصيدة، وموضوعات خاصة من مديح ونسيب ورثاء إلى غير ذلك مما يظهر ~~من الأبواب التي وضعها أبو تمام، واختار شعر العرب على وفقها في كتابه ~~الحماسة. # فانتقل كل ذلك إلى الأندلس وكان عمادهم في شعرهم، ولكن الأندلس بلاد الإسبان ~~من قديم، وهم كانوا يقولون الشعر متأثرين باللاتينية وبالآداب اليونانية ~~والرومانية، ولها منحى آخر غير منحى العرب، فلما امتزج العرب بالإسبان - إذ كان ~~الأولون يتزوجون من الآخرين، وأنتج هذا الامتزاج مولدين، فيهم أثر من الدم ~~العربي وأثر من الدم الإسباني؛ وخير مثل لذلك الوالي عبد العزيز بن موسى بن ~~نصير، فقد تزوج أميرة من الأمراء الإسبانيين، وأيضا لما امتزج العرب بالإسبان ~~بالسكنى والمعاملة والاشتراك في البيئة الطبيعية والاجتماعية - ظهر ذلك في ~~الشعر، كما ظهر في المولدين، فكنت ترى شعرا أندلسيا شرقي النسيج، ولكن فيه ~~خيوط دقيقة إسبانية، ويحتاج تحليل هذا وذاك إلى حس مرهف، ونظر دقيق، ومعلومات ~~واسعة. وأيا ما كان، فشعراء الأندلس في نظرنا لم يفلحوا كثيرا في استقلالهم ~~عن الشرق، وابتكارهم، وتجديدهم، كما لم يفلح في ذلك اللغويون، والنحويون ~~والصرفيون. # ولذلك لو أغمضنا أعيننا وجهلنا قائل القصيدة أهو شرقي أم أندلسي، لم نكد نحكم ~~حكما صحيحا جازما على الشاعر أغربي هو أم شرقي؛ ولذلك كثيرا ما تنسب بعض ~~الأبيات إلى أندلسي، وينسبها بعينها بعضهم إلى مشرقي، لعدم التميز الواضح، حتى ~~عند الخبراء. وربما كان مصداق ذلك ما حكي أن الشاعر الأندلسي الملقب بالغزال، ~~وجد في بغداد في جماعة من المثقفين، فأنشدهم شعرا لنفسه، وادعى أنه لأبي نواس ~~لعظم قدر أبي نواس عندهم، فصدقوه، ثم قال لهم: إنها لي، ولو كانت شخصية الأندلس ~~واضحة في شعر ms495 أهلها، لصعب نسبة أبيات أندلسية إلى شاعر شرقي؛ غاية ما عندهم من ~~فروق: ~~(1) # أن الطبيعة الأندلسية الجميلة مكنتهم من أن يقولوا كثيرا في شعر ~~الطبيعة. وهذا لم يكن معدوما في المشرق، فإن الصنوبري مثلا وهو ~~الشاعر الحلبي خلف لنا ديوانا كله تقريبا في ذلك. ~~(2) # أن لهم أحيانا أخيلة ذهنية ولعبا بالمعاني يكاد يكون خاصا ~~بهم، وقد يفوقون فيها المشارقة. وهذا ما أولعوا به كل الولع، حتى ~~إنه لما وقفوا على شعر المتنبي لم يقلدوه في قوة معانيه، وبديع ~~حكمه، وقوة شاعريته، وثورة نفسه، إنما أخذوا منه أسلوبه، وفخامة ~~تعبيراته، وعمق خيالاته، كما فعل ابن هانئ الأندلسي. فنحن نأسف إذ ~~نرى الأندلسيين اقتصروا على أوزان الشرق، وموضوعات الشعر في الشرق، ~~واتخذوا أخيلة الشرق أساسا، ومعانيه دعامة، فالمديح هو المديح، ~~والغزل هو الغزل، وشعر الزهد هو شعر الزهد. وكان الأمل أن يبتكروا ~~غير هذا؛ خصوصا وأن بيئتهم أغنى، واتصالهم بالعالم الأوربي غير ~~اتصال المشارقة بالعالم الفارسي أو الهندي أو التركي. فما بالهم ~~اتخذوا نفس القوالب، وصبوا فيها عصارة ذهنهم، وبديع خيالاتهم. ~~وعندنا أنهم لو تحرروا من ذلك؛ لأتوا بالعجب في القصة، في القصائد ~~غير الموحدة الأبيات، في ترتيب الأبيات ترتيبا منطقيا حسب ~~المعاني، في الاعتماد على وحي النفس أكثر من الاعتماد على العادات ~~المألوفة، والتقاليد الموروثة، حتى لنرى مادح الناصر كمادح الرشيد، ~~وتشبيب ابن عبد ربه، كتشبيب أبي نواس، وحتى نرى في الشرق والغرب ~~شاعرا يعرف أن ممدوحه ظالم للرعية، نهاب لأموالها، سفاك ~~لدمائها، ثم يمدحه بالعدل والجود وأصالة الرأي نظير نفحة من المال ~~ينفحه بها. والأمثلة على ذلك كثيرة هنا وهناك. ~~(3) # انفراد الأندلسيين في ابتكار الموشحات والأزجال، خضوعا لحكم ~~الظروف، وسيأتي توضيح ذلك عند الكلام في الموشحات، وأيضا ~~استكثارهم من المقطعات التي تصف أشياء كثيرة كوصف العاصفة، وبركة ~~فيها سلاحف، وباذنجان، وجمال الخال، وفرس أصفر، ورداء أحمر، ووصف ~~الليل، وغلام خياط، ووصف معركة، وملابس حداد، وقوس، ونهر، ومشهد ~~حب، ومجلس شراب ... إلخ؛ مما يطول ذكره. # ونحن لا نستطيع أن نترجم لكل ms496 شاعر لأنهم كثيرون، وقلما يخلو مترجم له من شعر، ~~سواء كان أميرا، أو وزيرا، أو قاضيا، أو عينا من الأعيان. فلنكتف بذكر من ~~شهر بالشعر، وتخصص له، وعرف به. # وربما كان من طليعة الشعراء الذين احترفوا الشعر يحيى الغزال، ولقب ~~بالغزال لحسن شكله؛ ولذلك ضبطناه بهذا الضبط، وكانوا يلقبونه بشاعر الأندلس، ~~وقد رأينا هذا اللقب منح لكثير من الشعراء؛ فابن شهيد شاعر الأندلس، ~~والرمادي شاعر الأندلس، ويحيى الغزال شاعر الأندلس، وتعليل ذلك، إما أن أصحاب ~~التراجم كانوا يفرطون في منح هذا اللقب فيطلقونه على كثيرين، ناسين في كل ~~واحد ما قالوه في مواضع أخرى، وأما أنهم أرادوا به شاعر الأندلس في وقته. ~~فالغزال شاعر الأندلس في وقته، وابن شهيد في وقته، وهكذا. أو أن كلمة شاعر ~~الأندلس لا يراد بها شاعر الأندلس الأوحد، كما يتبادر إلى الذهن، ولكن تدل على ~~أن صاحبها شاعر أندلسي كبير. # وكان يعرف الغزال إلى جانب شعره بأنه حكيم، ومعنى حكيم أنه يحسن التصرف في ~~الأمور، وفي الكلام، وإذا فوجئ بكلام خطير، عرف كيف يرد عليه، ويخلص من المأزق، ~~ولهذه الخصلة كان سفيرا لخلفاء الأندلس لدى بعض الدول الأجنبية، سفر لخمسة ~~من الخلفاء الأمويين، أولهم عبد الرحمن الثاني، وآخرهم محمد بن عبد الرحمن بن ~~الحكم. وفي ذلك يقول: # أدركت بالمضر ملوكا أربعه # وخامسا هذا الذي نحن معه # ويظهر أنه وقع عليه الاختيار ليكون سفيرا لاتصافه بجملة صفات؛ منها حسن ~~الشكل، ومنها حضور البديهة، ومنها صواب الرأي. وأشهر سفارته كانت في أيام عبد ~~الرحمن الأوسط وهو عبد الرحمن بن الحكم، ففي أيامه سفر لملك الروم، ويظهر أنه ~~ملك القسطنطينية، ونراه سفر مرة أخرى عند ملك الدانمرك، ذلك أنه خرج في عهد ~~النرمانيين، بعض أهل النرويج، في مراكب كثيرة على شكل قرصنة ، وغزوا شواطئ ~~الأندلس، حتى وصلوا جليقية، فتصدى لهم ملك أشتوريش هو وقومه وأحرقوا لهم - كما ~~يقول ابن عذارى في تاريخه - سبعين سفينة، فهربوا وساروا بحذاء الساحل الغربي ~~للأندلس، وظهروا أمام إشبونة، فكتب عامل عبد الرحمن الأوسط ms497 إليه يقول له: إن ~~أربعة وخمسين مركبا من مراكب المجوس ظهرت على الساحل. فكتب إليه عبد الرحمن ~~بالتحفظ، ولكن أهل إشبونة لم ينتظروا، بل حاربوهم، وهزموهم، وأرغموهم على ~~العودة بسفنهم. # وعلى العموم فقد أوقعوا الرعب في غرب الأندلس بكثرة قتلهم، ونهبهم، وسلبهم، ~~وإحراقهم، وقد كانوا سببا في إنشاء عبد الرحمن أسطولا كبيرا ليدفع أذاهم، ~~وأخيرا وبعد حروب طويلة، وبعد أن قتل منهم كثيرون طلبوا الصلح، فأجابهم عبد ~~الرحمن إلى ذلك، وأرسل الغزال هذا سفيرا لهذا السبب إلى ملك الدانمرك. ويظهر ~~أن الغزال وصحبه لاقوا عناء شديدا من البحر، فقد هاج بهم. وقد وصف الغزال هذا ~~الهياج بقوله: # قال لي صحبي وصرنا # بين موج كالجبال # وتولتنا رياح # من دبور وشمال # شقت القلعين وانبت # ت عر ىتلك الحبال # وتمطى ملك المو # ت إلينا عن حيال # فرأينا الموت رأي ال # عين حالا بعد حال # لم يكن للقوم فينا # يا رفيقي رأس مال # ولكنه على كل حال وصل سالما، وقد تلقاهم ملك الدانمرك لقاء حسنا، وأنزلهم ~~منزلة كرامة، وقابلهم بعد يومين، واشترط الغزال ألا يسجد له، وأن لا يخرجه عن ~~شيء من عاداته، فأجابه إلى ذلك. وقد حمل معه كتابا من الأمير عبد الرحمن ~~وهدية. وتقول المصادر العربية: إنه أغرم بحب امرأة الملك وهي أغرمت بحبه، وأنه ~~قال فيها الأبيات التي نذكرها فيما يأتي، وكان الغزال مع كهولته وسيما جميلا. ~~«وقد سمى النرمانيين مجوسا؛ لأنهم كانوا مجوسا قبل أن يتنصروا». ويقولون: ~~إنه لما أنشدها شعره سرت منه لما ترجم لها، وأمرته بالخضاب ففعل. ثم عاد بعد ~~أن نجح في سفارته. ولم نعرف أحدا سفر إلى هذه الجهات إلا ما كان من يحيى ~~الغزال. # وعمر ما شاء الله طويلا، فعاش إلى أربع وتسعين سنة، كان يقول فيها الشعر، ~~ويظهر أنه مع حكمته كان غزلا، ولوعا بالنساء والخمر، يقول فيهما الشعر مع ~~فكاهة لطيفة، كقوله في الهجاء: # سألت في النوم أبي آدما # فقلت والقلب به وامق # أبنك بالله أبو حازم # صلى عليك الملك الخالق # وكقوله في ms498 مقابر الأغنياء والفقراء مما فيه حكمة: # أرى أهل اليسار إذا توفوا # بنوا تلك المقابر بالصخور # أبوا إلا مباهاة وفخرا # على الفقراء حتى في القبور # فإن يكن التفاضل في دراها # فإن العدل فيها في القعور # رضيت بمن تأنق في بناء # فبالغ فيه، تصريف الدهور # ألما يبصروا ما خربته الده # ور من المدائن والقصور # لعمر أبيهم لو أبصروها # لما عرفوا الغني من الفقير # ولا عرفوا العبيد من الموالي # ولا عرفوا الإناث من الذكور # ولا من كان يلبس ثوب صوف # من البدن المباشر للحرير # إذا أكل الثرى هذا وهذا # فما فضل الكبير على الحقير؟ ~~••• # لا ومن أعمل المطايا إليه # كل من يرتجي إليه نصيبا # ما أرى ها هنا من الناس إلا # ثعلبا يطلب الدجاج وديبا # أو شيئا بالقط ألقى بعيني # ه إلى فارة يريد الوثوبا ~~••• # قالت: أحبك قلت: كاذبة # غري بذا من ليس ينتقد # هذا كلام لست أقبله # الشيخ ليس يحبه أحد # سيان قولك ذا وقولك إنم # الريح نعقدها فتنعقد # أو أن تقولي: النار باردة # أو أن تقولي الماء يتقد # فهذا شعر يظهر فيه أثر ما اتصف به من ~~الحكمة. أما ما يظهر فيه أثر لهوه فقوله: # ولما رأيت الشرب أكدت سماؤهم # تأبطت زقي واحتسبت عنائي # فلما أتيت الحان ناديت ربها # فثاب خفيف الروح نحو ندائي # فليل هجوع العين إلا تعلة # على وجل مني ومن نظرائي # فقلت: أذقنيها، فلما أذاقها # طرحت عليه ربطتي وردائي # وقلت: أعرني بذلة أستتر بها # بذلت فيها طلاق نسائي # فوالله ما برت يميني ولا وفت # له غير أني ضامن بوفائي # فأبت إلى صحبي ولم أك آيبا # فكل يفديني وحق فدائي # ويروى أنه لما سافر إلى بغداد وجدهم يعجبون جدا بشعر أبي نواس، ولا يعجبهم ~~غيره من أهل الأندلس، فنسب هذه القصيدة إلى أبي نواس، وأسمعهم إياها، فأعجبوا ~~بها ثم عرفهم أنها له، وهي التي تقدمت في قوله: # ولما رأيت الشرب أكدت سماؤهم. # والحق أنهم خدعوا أنفسهم بالإعجاب بها، إعجابهم بشعر أبي نواس؛ لأنها أقل ~~قيمة من شعره. وكم خدع ms499 الناس بالأسماء، ولما سافر إلى ملك الدانمرك - كما ذكرنا ~~- استملح الملكة فأعجب بها وأعجبت به. # 2 # وكان اسمها: تودا. وقال في ذلك: # كلفت يا قلبي هوى متعبا # غالبت منه الضيغم الأغلبا # إني تعلقت مجوسية # تأبى لشمس الحسن أن تغربا # 3 # أقصى بلاد الله في حيث لا # يلقي إليه ذاهب مذهبا # يا تود يا رود الشباب التي # تطلع من أزرارها الكوكبا # يا بأبي الشخص الذي لا أرى # أحلى على قلبي ولا أعذبا # إن قلت يوما: إن عيني رأت # مشبهه لم أعد أن أكذبا # قالت: أرى فوديه قد نورا # دعابة توجب أن أدعبا # قلت لها: ما باله إنه # قد ينتج المهر كذا أشهبا # فاستضحكت عجبا بقولي لها # وإنما قلت لكي تعجبا # ويريد بالمجوسية النصرانية، وقال فيها: # بكرت تحسن لي سواد خضابي # فكأن ذاك أعادني لشبابي # ما الشيب عندي والخضاب لواصف # إلا كشمس جللت بضباب # تخفى قليلا ثم يقشعها الصبا # فيصير ما سترت به لذهاب # لا تنكري وضح المشيب، فإنما # هو زهرة الأفهام والألباب # وله: # كم جفاني ورمت أدعو عليه # فتوقفت ثم ناديت قائل # لا شفى الله لحظه من سقام # وأراني عذاره وهو سائل # ويقول في الخسوف: # شأن الخسوف البدر بعد جماله # فكأنه ماء عليه غثاء # أو مثل مرآة لخود قد قضت # نظرا بها، فعلا الجلاء غشاء # وله من قصيدة عتاب: # ولقد كسبت بكم علا لكنها # صارت بأقوال الوشاة هباء # فغدوت من بين الصحابة أجربا # كل يحاذر مني الأعداء # لو لم يكن قيد لما فتكت ظبا # أنت الذي سيرتهم أعداء ~~... إلخ. # أحبابنا عودوا علينا عودة # ما منكم بعد التفرق مرغب # كم ذا أداريكم بنفسي جاهدا # وكأنما أرضيكم كي تغضبوا # وأريد بعدا ما اقتربت إليكم # كالسهم أبعد ما يرى إذ يقرب # وأجوب نحوكم المنازل جاهدا # ومع اجتهادي فاتني ما أطلب # كالبدر أقطع منزلا في منزل # فإذا انتهيت إلى ذراكم أغرب ~~••• # أنا شاعر أهوى التخلي دون ما # زوج لكيما تخلص الأفكار # لو كنت ذا زوج لكنت منغصا # في كل حين رزقها أمتار # كم قائل: قد ms500 ضاع شرخ شبابه # ما ضيعته بطالة وعقار # إذ لم أزل في العلم أجهد دائما # حتى تأتت هذه الأفكار # مهما أرم من دون زوج لم أكن # كلا ورزقي دائما مدرار # وإذا خرجت لنزهة هنيتها # لا ضيعة ضاعت ولا تذكار # وهي تدلنا على أنه لم يكن متزوجا على الأقل إلى إنشاء هذه القصيدة، وأنه صرف ~~وقته في تحصيل العلم وتحصيل اللذة: # ما كنت أحب أن أضيع وأنت في الد # نيا وأن أمسي غريبا معسرا # أنا مثل سهم سوف يرجع بعدما # أقصاه راميه المجيد ليخبرا ~~... إلخ، وقوله: # يا واطئ النرجس ما تستحي # أن تطأ الأعين بالأرجل؟ # هذا عرض صغير لشعره، ونرى فيه أنه يمتاز ببعد الخيال، وحسن التشبيه، وأنه ~~صادق التعبير عن نفسه، يلون كثيرا من شعره بالحكمة اللطيفة. # وعلى كل حال، فليس شعره إعجازا، بل إرهاصا لابن عبد ربه، ومن بعده. ~~(1-1) ابن عبد ربه # هو شاعر عبد الرحمن الناصر، وقد ذكرنا ترجمته فيما سبق، # 4 # والذي يهمنا هنا هو أدبه الإنشائي، ومن الأسف أننا لم نعثر له ~~على ديوان، وكل ما نعرف له أبيات في كتب الأدب هنا وهناك، وأبيات في عقده ~~من نظمه عارض بها من حكى لهم، فقال مثلا: # أنت دائي وفي يديك دوائي # يا شفائي من الجوى وبلائي # إن قلبي بحب من لا أسمي # في غناء، أعظم به من غناء # كيف لا، كيف أن ألذ بعيش # مات صبري به، ومات عزائي # أيها اللائمون ماذا عليكم # أن تعيشوا، وأن أموت بدائي # ليس من مات فاستراح بميت # إنما الميت ميت الأحياء # ويقول: # ما لليلى تبدلت # بعدنا ود غيرنا # أرهقتنا ملامة # بعد إيضاح عذرنا # وقال في فتاة أخرى: # ذات دل وشاحها قلق # من خمور وحجلها شرق # بزت الشمس نورها وحباها # لحظ عينيه شادن خرق # ذهب خدها يذوب حياء # وسوى ذاك كله ورق # ويقول: # ودعتني بزفرة واعتناق # ثم نادت: متى يكون التلاقي # وتصدت فأشرق الصبح منها # بين تلك الجيوب والأطواق # يا سقيم الجفون من غير سقم # بين عينيك مصرع العشاق # إن يوم ms501 الفراق أفظع يوم # ليتني مت قبل يوم الفراق # ويقول: # هيج العين دواعي سقمي # وكسا جسمي ثوب الألم # أيها البين أقلني مرة # فإذا عدت فقد حل دمي # يا خلي الذرع نم في غبطة # إن من فارقته لم ينم # ولقد هاج لقلبي سقما # ذكر من لو شاء داوى سقمي # ويقول معارضا قصيدة مسلم بن الوليد: # أديرا علي الراح لا تشربا قبلي # أتقتلني ظلما، وتجحدني قتلي؟ # وقد قام من عينيك لي شاهدا عدل # أطلاب ذحلي ليس بي غير شادن # بعينيه سحر فاطلبوا عنده ذحلي # 5 # أغار على قلبي فلما أتيته # أطالبه فيه أغار على عقلي # بنفسي التي ضنت برد سلامها # ولو سألت قتلي وهبت لها قتلي # إذا جئتها صدت حياء بوجهها # فيعجبني هجر ألذ من الوصل # وإن حكمت جارت علي بحكمها # ولكن ذاك الجور أشهى من العدل # كتمت الهوى جهدي، فحرده الأسى # بماء البكاء، هذا يخط، وذا يملي # وأحببت فيها العذل حبا لذكرها # فلا شيء أشهى في فؤادي من العذل # أقول لقلبي كلما ضامه الأسى # إذا ما أتيت العز فاصبر على الذل # برأيك لا رأيي تعرضت للهوى # وأمرك لا أمري، وفعلك لا فعلي # وجدت الهوى نصلا من الموت مغمدا # فجردته، ثم اتكيت على النصل # فإن تك مقتولا على غير ريبة # فأنت الذي عرضت نفسك للقتل # وقد أعجب هو نفسه بهذه القصيدة فقال في العقد: «فمن نظر في سهولة هذا ~~الشعر، مع بديع معناه، ورقة طبعه، لم يفضل شعر مسلم عنده إلا بفضل ~~التقدم». # ويقول: # أعطيته ما سألا # حكمته لو عدلا # وهبته روحي فما # أدري به ما فعلا؟ # أسلمته في يده # عيشه أم قتلا؟ # قلبي به في شغل # لا مل ذاك الشغلا # قيده الحب كما # قيد راع جملا # وقال: # لعمري لقد باعدت غير مباعدي # كما أنني قربت غير مقربي # بنفسي بدر أخمد البدر نوره # وشمس متى تبدو إلى الشمس تغرب # لو ان امرأ القيس بن حجر بدت له # لما قال: مرا بي على أم جندب # وقال: # محب طوى كشحا على الزفرات # وإنسان عين خاض ms502 في غمرات # فيا من بعينيه سقامي وصحتي # ومن في يديه ميتتي وحياتي # بحبك عاشرت الهموم صبابة # كأني لها ترب وهن لداتي # فخدي أرض للدموع ومقلتي # سماء لها تنهل بالعبرات ~~••• # أدعو عليك فلا دعاء يسمع # يا من يضر بناظريه وينفع # للورد حين ليس يطلع دونه # والورد عندك كل حين يطلع # لم تنصدع كبدي عليك لضعفها # لكنها ذابت فما تتصدع # من لي بأجرد ما يبين لسانه # خجلا، وسيف جفونه ما يقلع # منع الكلام سوى إشارة مقلة # منها يكلمني وعنها يسمع ~~••• # بزمام الهوى أمت إليه # وبحكم العقار أقضي عليه # بأبي من زها علي بوجه # كاد يدمي لما نظرت إليه # ناول الكاس واستمال بلحظ # فسقتني عيناه قبل يديه # وله في أبواب الشعر التقليدية الأخرى الشيء الكثير من مديح وهجاء ووصف ~~ورثاء، فيقول في الهجاء: # ما بال بابك محروسا ببواب # يحميه من طارق يأتي ومنتاب # لا يحتجب وجهك الممقوت عن أحد # فالمقت يحجبه من غير حجاب # فاعزل عن الباب من قد ظل يحجبه # فإن وجهك طلسم على الباب # وكان كثيرا ما يمزج الهجاء بالسخرية: # رجاء دون أقربه السحاب # ووعد مثل ما لمع السراب # ودهر سادت العبدان فيه # وعاثت في جوانبه الذئاب # وأيام خلت من كل خير # ودنيا قد تدرعها الكلاب # كلاب لو سألتهم ترابا # لقالوا: عندنا انقطع التراب # وفي الوصف يقول في روضة: # وروضة عقدت أيدي الربيع بها # نورا بنور، وتزويجا بتزويج # بملقح من سواديها وملقحة # وناتج من غواديها ومنتوج # توشحت بملاة غير ملحمة # من نورها ورداء غير منسوج # فألبست خلل الموشي زهرتها # وجللتها بأنماط الديابيج # وقال يمدح القائد أبا العباس: # الله جرد للندى والباس # سيفا فقلده أبا العباس # ملك إذا استقبلت عرة وجهه # قبض الرجاء إليك روح الياس # وبه عليك من الحياء سكينة # ومحبة تجري مع الأنفاس # وإذا أحب الله يوما عبده # ألقى عليه محبة للناس # ويمدح آخر بأنه سهل اللفظ، حسن الكلام، وهو يدل على رأيه في ~~البلاغة: # قول كأن فرنده # شحذ على ذهن اللبيب # لا يشمئز على اللسا # ن ولا يشذ على ms503 القلوب # لم يغل في شنع اللغا # ت ولا يوحش بالغريب # سيف تقلد مثله # عطف القضيب على القضيب # هذا تحز به الرقا # ب وذا تحز به الخطوب # وله شعر كثير في مدح عبد الرحمن الناصر؛ إذ كان شاعره، مثل: # يا ابن الخلائف إن المزن لو علمت # نداك ما كان منها الماء ثجاجا # والحرب لو علمت بأسا تصول به # ما هيجت من جبال الدين أهياجا # في نصف شهر تركت الأرض ساكنة # من بعد ما كان فيها الطير قد ماجا # وجدت في الخبر المأثور منصلتا # من الخلائف خراجا وولاجا # تملا بك الأرض عدلا مثلما ملئت # جورا، وتوضح للمعروف منهاجا # يا بدر ظلمتها، يا شمس صبحتها # يا ليث حومتها، إن هائج هاجا # إن الخلافة لن ترضى ولا رضيت # حتى عقدت لها في رأسك التاجا # ويقول في مدحه أيضا: # بدا الهلال جديدا # والملك غض جديد # يا نعمة الله زيدي # إن كان فيه مزيد ~~••• # يا ابن الخلائف والعلا للمعتلي # والجود يعرف فضله للمفضل # نوهت بالخلفاء بل أهملتهم # حتى كأن نبيلهم لم ينبل # أذكرت، لا أنسيت ما ذكر الألى # من فعلهم فكأنه لم يفعل # وأتيت آخرهم وشأوك فائت # للآخرين ومدرك للأول # الآن سميت الخلافة باسمها # كالبدر يقرن بالسماك الأعزل # تأبى فعالك أن تقر لآخر # منهم وجودك أن يكون لأول # وله أرجوزة في مدح الخليفة الناصر أيضا وقعت في نحو أربعمائة وخمسين ~~بيتا وصف فيها حروبه وغزواته، وتاريخ كل غزوة، وهي تخالف الملاحم القديمة ~~كالإلياذة، بأنها أشبه ما تكون بالتاريخ المنظوم، ليس فيها خيال ولا ~~افتخار، ولا شيء من ذلك، مثل قوله: # وبعدها غزاة ثنتي عشره # وكم بها من خبرة وعبره # غزا الإمام حوله كتائب # كالبدر محفوفا به الكواكب # وفي أولها يقول: # فالحمد لله على نعمائه # حمدا كثيرا وعلى آلائه # يا ملكا ذلت له الملوك # ليس له في ملكه شريك # ثبت لعبد الله حسن نيته # واعطفه بالفضل على رعيته # وقد جاء بعده من الأندلسيين أيضا أبو طالب عبد الجبار فنظم أرجوزة خيرا ~~من أرجوزته، إذ كانت أطول وأشمل، ms504 وليست مجرد سرد لحوادث، بل مزجت بمعلومات ~~كثيرة، فيها مثلا الأدلة على وجود الله، والحث على التفكر في العالم، ~~والكلام على بدء الخليقة وسير الخلفاء الأربعة، وبني أمية، وبني أمية في ~~الأندلس، وملوك الطوائف، ودولة المرابطين، بدأها بقوله: # أبدأ باسم الله في الترجيز # رب الأنام الملك العزيز # ثم بذكر المصطفى محمد # صلى عليه الله طول الأبد # وبعده: # والحمد لمبتدع السماء # والأرض ذي الآلاء والنعماء # سبحانه من خالق جبار # يعلم ما في البر والبحار # ويقول في التفكر في الملكوت: # يا من يجيل فكره للعبره # في كل موضوع له بالفكره # انظر إلى الموات والنبات # والحيوان نظر استثبات # كيف ترى التكوين فيها مائلا # ينبيك أن لقواها فاعلا # يؤلف الأربعة العناصرا # يمنع من أضدادها التنافرا # فإذا وصل إلى أبي بكر مثلا قال: # فاستخلف الصديق ثاني اثنين # ذاك أبو بكر بغير مين # جرد في جهاد أهل الردة # ولم يكن يرضى بغير الشدة # ثم توفاه الإله راضيا # وكان في ذات الإله ماضيا # إلى أن يقول في المرابطين: # فإذا أراد الله نصر الدين # استصرخ الناس ابن تاشفين # فجاءهم كالصبح في إثر غسق # مستدركا لما تبقى من رمق # وافى أبو يعقوب كالعقاب # فجرد السيف عن القراب # ووصل السير إلى الزلاقه # وساقه ليومها ما ساقه # لله در مثلها من وقعة # قامت بنصر الدين يوم الجمعة # وهي أرجوزة طويلة أقرب إلى الملحمة من أرجوزة ابن عبد ربه، وقد أثبتها ~~كلها ابن بسام في الذخيرة. # ومن شعر ابن عبد ربه أنه أحب فعزم محبوبه على الرحيل، فأتت السماء بمطر ~~جود حال بينه وبين السفر فقال: # هلا ابتكرت لبين أنت مبتكر # هيهات يأبى عليك الله والقدر # ما زلت أبكي حذار البين ملتهفا # حتى رثا لي فيك الريح والمطر # يا بردة من حيا مزن على كبد # نيرانها بقليل الشوق تستعر # آليت ألا أرى شمسا ولا قمرا # حتى أراك، فأنت الشمس والقمر # وقد حكى أنه وقف تحت روشن لبعض الرؤساء، وقد سمع غناء حسنا، فرش بماء، ~~فمال إلى مسجد قريب وطلب بعض ألواح الصبيان ms505 فكتب فيها: # يا من يضن بصوت الطائر الغرد # ما كنت أحسب هذا البخل في أحد # لو أن أسماع أهل الأرض قاطبة # أصغت إلى الصوت لم ينقص ولم يزد # فلا تضن على سمعي تقلده # صوتا يجول مجال الروح في الجسد # لو كان زرياب حيا ثم أسمعه # لذاب من حسد أو مات من كمد # أما النبيذ فإني لست أشربه # ولست آتيك إلا كسرتي بيدي # وقد كان له أشعار كثيرة سماها الممحصات؛ لأنه نقض فيها كل قطعة قالها ~~في الصبا والغزل بقطعة في المواعظ والزهد، فقال: إنه محصها بها؛ كالتوبة ~~منه، والندم عليها، فمثلا محص القطعة الرائية التي مضت ومطلعها: هلا ~~ابتكرت لبين أنت مبتكر ... إلخ برائية أخرى قال فيها: # يا قادرا ليس يعفو حين يقتدر # ماذا الذي بعد شيب الرأس تنتظر # عاين بقلبك إن العين غافلة # عن الحقيقة واعلم أنها سقر # سوداء تزفر من غيظ إذا زفرت # للظالمين فلا تبقي ولا تذر # لو لم يكن لك غير الموت موعظة # لكان فيه عن اللذات مزدجر # إن الذين اشتروا دنيا بآخرة # وشقوة بنعيم، ساء ما تجروا # أنت المقول له ما قلت مبتدئا ~~«هلا ابتكرت لبين أنت مبتكر؟» # ومن شعره السائر قوله: # الجسم في بلد والروح في بلد # يا وحشة الروح بل يا غربة الجسد # إن تبك عينك لي يا من كلفت به # من رحمة فهما سهمان في كبدي # وقد عمر حتى بلغ الثانية والثمانين فقال: # كلاني لما بي عاذلي كفاني # طويت زماني برهة وطواني # بليت وأبلتني الليالي بكرها # وصرفان للأيام معتوران # وما لي لا أبلى لسبعين حجة # وعشر أتت من بعدها سنتان # فلا تسألاني عن تباريح علتي # ودونكما مني الذي ترياني # وإني بحمد الله راج لفضله # ولي من ضمان الله خير ضمان # ولست أبالي من تباريح علتي # إذا كان عقلي باقيا ولساني # هما ما هما في كل حال تلم بي # فذا صارمي فيها وذاك سناني # وقد ذكر المؤرخون أنه مات في تلك السنة عن إحدى وثمانين سنة وثمانية أشهر ~~وثمانية أيام. وقد حكى الحميدي ms506 أنه رأى شعره مجموعا في نيف وعشرين ~~جزءا جمع للحكم بن عبد الرحمن الناصر. # ويظهر أنه كان في شبابه ماجنا لاهيا شاربا غزلا، فلما كبرت سنه زهد، ~~وأصبح إمامه في الشعر ليس صريع الغواني مسلم بن الوليد في غزلياته، ولا ~~أبا نواس في خمرياته، إنما إمامه أبو العتاهية في زهده وورعه، وخوفه ~~وتقواه، فيقول مثلا: # بادر إلى التوبة الخلصاء مبتدئا # والموت ويحك لم يمدد إليك يدا # وارقب من الله وعدا ليس يخلفه # لا بد لله من إنجار ما وعدا ~~••• # يا ويلنا من موقف ما به # أخوف من أن يعدل الحاكم # أبارز الله بعصيانه # وليس لي من دونه راحم # يا رب غفرانك عن مذنب # أسرف إلا أنه نادم ~~••• # أتلهو بين باطية وزير # وأنت من الهلاك على شفير # فيا من غره أمل طويل # يؤديه إلى أجل قصير # أتفرح والمنية كل يوم # تريك مكان قبرك في القبور # هي الدنيا فإن سرتك يوما # فإن الحزن عاقبة السرور # ستسلب كل ما جمعت منها # كعارية ترد إلى المعير # وتعتاض اليقين من التظني # ودار الحق من دار الغرور # وله جملة من الشعر في العقد وفي يتيمة الدهر، وفي تاريخ ابن الفرضي، ~~فنراه في شعره مقيدا نفسه بموضوعات الشعر الشرقية، لا يخرج عنها، وببحور ~~الشعر المأثورة وقوافيه، لا يخرج عنها أيضا، ونراه يعارض المشارقة ويسير ~~في ركابهم، ويجتهد ما استطاع أن يأخذ معانيهم، ويزيد عليها، ويختار في كل ~~نوع من الشعر إماما من المشارقة، فطورا إمامه الغواني، وطورا أبو نواس، ~~وطورا أبو العتاهية وغيرهم. لم يتحرر تحررا كافيا، ولم يصغ إلى قلبه ~~فقط، وقد روي أن له شيئا جديدا عن المشرق، هي موشحاته، ولكنه أيضا يقلد ~~فيه من سبقه من الوشاحين الأندلسيين، ولعل له شعرا يستقل فيه بنفسه لم يصل ~~إلينا، إذ كان له - كما يقولون - ديوان كبير يتألف من أجزاء. فحكمنا الذي ~~نصدره على ما بين أيدينا حكم ناقص، يحتاج إلى استقصاء أكثر، أما ما بين ~~أيدينا، فشعره العاطفي من غزل وزهد وهجاء، شعر جيد العاطفة، قوي ms507 الخيال، ~~رصين الأسلوب، وإن كان يسقط أحيانا في بعض أساليبه، وبعض ألفاظه، فكلمة ~~مقلة بدل عين ليست كلمة شعرية، وبعض الكلمات فسرت قسرا على أن تكمل ~~القافية، ومعانيه لطيفة جيدة؛ أما كلامه في المديح، فمتكلف ليس فيه عاطفة، ~~إنما هو صادر عن رغبة في عرض من أعراض الدنيا، وأرجوزته ليست بذات خطر ~~شعري، وأظن أننا لو عددناه من الطبقة الثانية في الشعراء أجمعين، لم نعد ~~الصواب، ونعني بالطبقات تقسيم الشعراء حسب الجودة، لا حسب التواريخ، ~~وأجودهم أعلاهم، وأيا ما كان، فقد أفسح المجال لمن يأتي بعده، أن يحتذي ~~أو يفوق عليه. # كان الغزال وابن عبد ربه من شعراء الدولة الأموية في الأندلس، وغيرهم من ~~شعرائها كثير. # استمر حكم الأمويين في الأندلس، ما استقامت أمورهم، وحكمها في أول أمرها ~~خلفاء عظماء، مثل: عبد الرحمن الداخل، وعبد الرحمن الناصر، والحكم، ~~وأمثالهم، ولكن خلف من بعدهم خلف ضعيفو النفوس، ينغمسون في الشهوات، ففسد ~~أمرهم. وأخذت الدولة الأموية في الضعة، وعمل على ذلك عوامل كثيرة؛ منها ما ~~كان يوقعه الخلفاء وعمالهم على الناس من مظالم، ومنها أن الدولة الأموية في ~~الأندلس عملت ما عمله الخلفاء في بغداد، هؤلاء اعتمدوا على الأتراك ~~وملكوهم كل سلطة، فكانوا وبالا عليهم، وهؤلاء الأندلسيون اعتمدوا على ~~الصقالبة، وهي كلمة تجمع أسرى الحروب من الإفرنج، وما كان يأخذه القراصنة ~~من الأهالي الأوربيين، فكان هؤلاء بعد حين قوة كبيرة في الدولة تعيث في ~~الأرض فسادا، ومنها أن عنصر البربر كان متعبا، يتحين الفرصة دائما ~~للوثوب على الدولة، والرغبة في الاستقلال ... يضاف إلى ذلك أن النصارى في ~~إسبانيا وفرنسا كانوا ينظرون إلى المسلمين من عرب وبربر على أنهم أعداء ~~دين، وغزاة فاتحون، ودخلاء غاصبون، فما يحس قوم منهم بقوة إلا ويهجمون على ~~المسلمين حيثما استطاعوا، فيقلقون راحتهم؛ وكل ذلك أضعف الدولة من غير ~~شك. # وزاد الطين بلة أن ولي آخر الأمر هشام بن الحكم، وكان طفلا في نحو ~~العاشرة من عمره، بويع بالخلافة، وعينت أمه «صبح» وصية عليه، وهي نصرانية ~~نافارية، ذات ms508 شخصية قوية، استطاعت أن تبسط سلطانها على زوجها الحكم، وتتدخل ~~في شئون الدولة، مع قوته وعظمته، فلما وجدت ابنها هشاما طفلا صغيرا، ~~أعلى ذلك من شأن سلطانها بمعاونة صاحبها جعفر المصحفي، ولكن سرعان ما ظهر ~~في الأفق رجل اسمه محمد بن عبد الله بن أبي عامر، من أصل عربي قح، كان جده ~~من العرب الوافدين على الأندلس مع طارق بن زياد. # درس ابن أبي عامر هذا دراسة واسعة على نمط الدراسات في الأندلس، واتخذته ~~«صبح» هذه كاتبا لها أول الأمر، قبل وفاة زوجها الحكم، وعين في بعض ~~الأوقات رئيسا للزكاة وللمواريث، ثم توثقت الصلة بينه وبين «صبح» وتمكن ~~في قلبها، وتمكنت في قلبه، فعينته حاجبا - أي: رئيس وزارة - وأطلقت يده ~~في الحكم، فتسلم كل أعمال الخلافة، وحجر على هشام، فلم يسمح له إلا باللهو ~~واللعب، ومغازلة النساء، حتى ينهار، ولكن لغط الناس كثيرا، فهم قد ~~ألفوا البيت الأموي وأطاعوه قرونا، والناس عبيد الإلف لا يرضون أن يغيروا ~~من استعبدهم، ولو ظلمهم. فعمل المنصور بن أبي عامر كثيرا في إغداق ~~الأموال، وقتل منافسيه أو تشريدهم، وتنظيم الجيش، عن عرب وبربر، حتى جند ~~فرقة من النصارى، وسيرهم في محاربة أهل دينهم، ووضع خطة جديدة، وهي أنه لا ~~ينتظر الإسبان ليهاجموا البلاد، بل يبدأ هو بالهجوم، واتخذ سمة الملك، ~~وضربت باسمه النقود، ودعي له على المنابر، وأمر أن يحيا تحية الملوك، ~~ووفقه الله في الحروب، فانتصر في نحو خمسين غزوة. ومن غير شك إذا غضضنا ~~النظر عن ألاعيبه مع «صبح» وحجره على الخليفة، واختيار الخلافة لنفسه، ~~رأينا أنه رجلا عظيما، استطاع أن يتغلب على كل العقبات، وساس البلاد نحو ~~عشرين سنة. # وقد سقنا هذه الأحداث التاريخية؛ لأنها كانت ذات أثر فعال في الشعر، ~~فالخلافة الأموية لما ضعفت ضعف الشعر، كضعفه لما ضعفت الدولة العباسية، ~~فلما جاءت الدولة العامرية، ورأت أن تستعين بالشعراء في تحويل أنظار الشعب ~~عن الملوك الأمويين، والاعتماد عليهم في تحسين سمعتهم، وتمجيد ذكرهم، ~~خصوصا وقد أغدق عليهم ابن أبي عامر ms509 المال الجزيل - علا شأن الشعر بعد ~~ضعفه، وقد روي أنه كان يستعين بالشعراء في إعلاء شأنه، ويأخذ معه طائفة ~~منهم في غزواته. فعاد شأن الشعر رفيعا كما كان في عهد الدولة الأموية أيام ~~عزها، ورأينا أمثال ابن شهيد، وابن حزم، وابن دراج - وحكى المقري أن ~~الشعراء اجتمعوا مرة لمديح المنصور، وكان فيهم الرمادي الشاعر الكبير ~~فأعطاه، ثم سأله: كيف عطائي لك؟ قال الرمادي: «أعطيتني فوق قدري ودون ~~قدرك». فغضب المنصور، فلما خرج الرمادي، كان في المجلس من يحسده على مكانه، ~~فوقع فيه، وعابه، فنهره المنصور، وأحقه فيما قال، وقال: والله لو حكمته ~~في بيوت الأموال لرأيت أنها لا ترجع ما تكلم به ذرة، وأنبه على ذلك، ثم ~~أمر أن يرد الرمادي وطلب منه أن يعيد ما قال، وزاد في عطائه، والتفت إلى ~~العائبين عليه، وقال: العجب من قوم يقولون: الابتعاد عن الشعراء أولى من ~~الاقتراب. نعم، ذلك لمن ليس له مفاخر يريد تخليدها، ولا أياد يرغب في ~~نشرها، فأين الذي قيل فيه: # إنما الدنيا أبو دلف # بين باديه ومحتضره # فإذا ولى أبو دلف # ولت الدنيا على أثره # لقد كان في الإسلام أكرم منه، ولكن خلدته الأمداح، وخصته بمفاخر ~~عصره. # 6 # قال في المعجب: «إن المنصور بن أبي عامر كان يعقد طول أيام مملكته في كل ~~أسبوع مجلسا، يجتمع فيه أهل العلم للمناظرة بحضرته، ما كان مقيما بقرطبة، ~~وكان كثير الغزوات، وملأ الأندلس غناء، وسبيا من بنات الروم وأولادهم ~~ونسائهم، وفي أيامه غالى الناس بالأندلس فيما يجهزون به بناتهم من الثياب ~~والحلي والدروع، وذلك لرخص أثمان بنات الروم، فكان الناس يرغبون في بناتهم ~~بما يجهزونهن به مما ذكرنا، ولولا ذلك لم يتزوج أحد حرة؛ بلغني أنه نودي ~~على ابنة عظيم من عظماء الروم بقرطبة، وكانت ذات جمال رائع، فلم تساو أكثر ~~من عشرين دينارا». # 7 # وقد روى لنا في موضع آخر مثلا من أمثلة هذه المناظرات، فقال ~~مثلا: «إن أبا العلاء صاعدا سأل جماعة من أهل الأدب في مجلس المنصور بن ms510 ~~أبي عامر عن قول الشماخ: # دار الفتاة التي كنا نقول لها # يا ظبية عطلا حسانة الجيد # تدني الحمامة منها وهي لاهية # من يانع المرد قنوان العناقيد # ما هي الحمامة؟ قالوا: هي الحمامة تنزل على غصن الأراكة أو الكرمة، ~~فتنفضه، فتتمكن الظبية منه فترعاه، فأنكر ذلك عليهم صاعد وقال: إن الحمامة ~~في هذا البيت هي المرأة، وهي اسم من أسمائها، فأراد أن هذه الجارية المشبهة ~~بالظبية، إذا نظرت في المرآة أدنت المرآة من شعرها الذي هو كقنون ~~العناقيد من يانع الكرم أو المرد فرأته»، وهذا يعطينا مثلا من أمثلة ما ~~كان يجري في مجلس ابن أبي عامر من المناظرات. # ولما مات المنصور تولى الإمارة من بعده ابنه إلى باقي أسرته، وسميت ~~دولتهم الدولة العامرية. # ومع كل ما تقدم ظل قوم طول مدة دولتهم يدبرون المكائد لإسقاط العامريين ~~وإعادة الأمويين؛ ولذلك كانت أكبر تهمة يتهم بها الرجل أعداءه عند المنصور ~~وأولاده، أنه أموي، أو أن له ميلا أمويا، أو أنه يعمل مع المتآمرين ~~لإرجاع الدولة الأموية، وأخيرا رجعت الدولة الأموية إلى حين، ولكن لم تدم ~~طويلا. # وإتماما لهذا نقول: إنه أثناء هذه الفتن في قرطبة، وإشبيلية كان هناك ~~رجل اسمه «ابن جهور» لم يدخل في فتن الناس، فلفت أنظارهم فساروا إليه، ~~يطلبون توليته قرطبة، فرفض أولا، ثم قبل على شرط أن يكون حوله مجلسا ~~شوريا لا يقطع أمرا دونه. وسار سيرا عادلا، وكسر دنان الخمر، وغسل ~~يده من مال الدولة، فوكل عليه من يحفظه، وظل في مسكنه، ولم يرض أن ينتقل ~~إلى مساكن الخلفاء قبله، ورفع المظالم عن الناس، وكلما ورد عليه طلب خاص ~~حوله على مجلس الشورى للنظر فيه، وحسن العلاقة بينه وبين الممالك ~~المجاورة، وظل هو الآخر يخشى من الدسائس التي تريد عودة البيت ~~الأموي. # وفي هذا العهد تفرقت الأندلس بعد الخلافة الأموية والدولة العامرية، ~~وتفرق أهلها شيعا، وقام في كل ناحية أمير دولة، وسمي هذا العهد لأجل ذلك ~~«عهد ملوك الطوائف». قال ابن حزم: «كانت طرطوشة وسرقسطة ولاردة في ms511 يد بني ~~هود، وبلنسية في يد عبد العزيز، والثغر - أي: ما فوق طليطلة من جهة الشمال ~~- في يد بني زرين، وطليطلة في يد ذي النون، وقرطبة في أيدي أبناء جهور، ~~وإشبيلية في يد بني عباد، ومالقة والجزيرة الخضراء في يد بني برزال من ~~البربر، ودانيه والجزائر الشرقية في يد مجاهد العامري، وبطليوس ولشبونة ~~وشنترين في يد بني الأفطس». # وكل هذه الأحداث والاضطرابات والفتن كان لها دخل كبير في سيرة الشعراء ~~الذين سنتكلم عنهم، كابن دراج القسطلي، وابن شهيد، وابن حزم، وابن ~~زيدون. وسنلقى في سيرهم كلهم أحداثا وأشعارا، لا نستطيع أن نفهمها إلا ~~بفهمنا هذا الوضع السياسي. ~~(1-2) ابن دراج القسطلي # هو أبو عمر أحمد بن محمد، ولد سنة 347ه ومات سنة 421ه، يعد من كبار شعراء ~~الأندلس، أو أكبر شاعر في عصره. وقد قال تلميذه ابن حزم: «إنه في المغرب، ~~كالمتنبي في المشرق». واشتهرت هذه الجملة، فكانت على لسان كل من ترجم له. ~~ووصل شعره إلى المشرق، فمدحه الثعالبي في اليتيمة وقال هذا القول. # والحق أنه كان هناك بذور في الأندلس مشرقية مختلفة الأنواع، فأخذ كل شاعر ~~أندلسي البذرة التي تناسبه، وامتصت من نفسه كل ما يناسبها، هذا يألف شعر ~~أبي نواس فيقلده، وهذا يألف شعر المتنبي فيحاكيه، وهذا يألف شعر العباس بن ~~الأحنف فيتشبه به. وكان ابن دراج هذا على رأس أربعين شاعرا تقريبا ~~يمدحون المنصور بن أبي عامر، ويأخذهم معه في غزواته، فكان أيضا ممن مدحه، ~~وكان في ديوان الإنشاء له، وشعره تقريبا كله أو أكثره فيما وصل إلينا مديح ~~ابن دراج المنصور ومن بعده ومن بعده، وهذا أيضا وجه شبه آخر، وهو من أصل ~~بربري، ولد في قسطلة من أعمال البرتغال. # وكان للمنصور بن أبي عامر مجلس تتبارى فيه الشعراء، فكان هو من أعظمهم، ~~وإن شئت فقل: أعظمهم، وكما حسد المتنبي حسد هو، واتهموه بأنه سراق ~~لمعاني غيره، فرد عليهم بقدرته على الارتجال فيما يقترح عليه. ومن أحسن ~~قصائده قصيدة قالها عند فتح المنصور «شنتياقوب»، وقد ms512 مدحها مدحا ~~كبيرا ابن حزم. # وبعد موت المنصور بن أبي عامر كان شاعر البلاط لابنه المظفر، وبسقوط ~~الدولة العامرية اتصل ببقايا الدولة الأموية التي عادت من بعد، ثم رأيناه ~~يذهب إلى بلنسية، ثم سرقسطة، ويمدح أميرها المنذر بن يحيى الذي آواه ~~وأكرمه، وبقي عنده حتى مات؛ ومدحه أيضا ابن خلدون في مقدمته، وعده من كبار ~~أدباء الأندلس. والحق أن شعره كما سترى يشبه شعر المتنبي في المظهر دون ~~المخبر، فشعر المتنبي في مظهره أسلوب فخم قوي، تسمعه كأنه قعقعة سلاح، ~~ومكنته قدرته على أن يأتي بألفاظ جزلة، وأساليب عربية يستطيع أن يرغمها على ~~التقديم والتأخير، والذكر والحذف ... إلخ. ولكم لم يكن لابن دراج قوة ~~المتنبي في المعاني الذهنية الدقيقة، ولا حكمه الرفيعة، إنما هو تلميذ ~~المتنبي في فخامة شكله. وهي مدرسة كان على رأسها ابن دراج، ومن تلاميذها ~~ابن شهيد، وابن هانئ، وقد قال المعري في ابن هانئ: «إن شعر ابن هانئ يشبه ~~رحى تطحن قرونا» أي: أنه قعقعة ولا طحن، أو طحن من غير جدوى. # وفي الحقيقة أنك إذا قرأت شعر هؤلاء الثلاثة أدركت أن شعرهم من رأسهم، ~~على حين أنك تشعر أن شعر الغزال وابن زيدون الذي سيأتي بعد وأمثالهما من ~~قبلهم لا من رأسهم. وفرق بين الصوت القوي الأقرع الذي يخرج من الرأس، وبين ~~الصوت الحنون الذي يخرج من القلب. ومن السهل تقسيم الشعر الأندلسي، بل ~~والشعر العربي عامة إلى مدارس: فهؤلاء الثلاثة مدرسة، وابن عبد ربه والغزال ~~وابن زيدون مدرسة أخرى. # وقد روي أن لابن دراج ديوانا من جزأين ولكن مع الأسف لم يصل إلينا، ~~وقد روى لنا صاحب نفح الطيب قطعتين في المديح، وشاد بذكرهما، ~~أولاهما: # ألم تعلمي أن الثواء هو التوى # 8 # وأن بيوت العاجزين قبور # وأن خطيرات المهالك ضمن # لراكبها أن الجزاء خطير # تخوفني طول السفار وإنه # بتقبيل كف العامري جدير # مجير الهدى والدين من كل ملحد # وليس عليه للضلال مجير # تلاقت عليه من تميم ويعرب # شموس تلاقى في العلا ويدور # هم يستقلون ms513 الحياة لراغب # ويستصغرون الخطب وهو كبير # ولما توافوا للسلام ورفعت # عن الشمس في أفق الشروق ستور # وقد قام من زرق الأسنة دونها # صفوف ومن بيض السيوف سطور # رأوا طاعة الرحمن كيف اعتزازها # وآيات صنع الله كيف تنير # وكيف استوى بالبر والبحر مجلس # وقام بعبء الراسيات سرير # فجاءوا عجالا والقلوب خوافق # وولوا بطاء والنواظر صور # يقولون والإجلال يخرس ألسنا # وحارت عيون ملئها وصدور # لقد حاط أعلام الهدى بك حائط # وقدر فيك المكرمات قدير ~~••• # قالت وقد مزج الفراق مدامعا # بمدامع وترائبا بترائب # أتفرق حتى بمنزل غربة # أم نحن للأيام نهبة ناهب # ولئن جنيت عليك نزحة راحل # فأنا الزعيم لها بفرحة آيب # هل أبصرت عيناك بدرا طالعا # في الأفق إلا من هلال غارب # قال ابن شهيد وهو من هو: «الفرق بين ابن دراج وغيره، أن ابن دراج ~~مطبوع النظام، شديد أسر الكلام، زاد في أشعاره من الدليل على العلم بالخبر ~~واللغة والمثل، وما تراه من حوكه للكلام، وملكه لأحرار الألفاظ، وسعة ~~صدره، وجيشة بحره، وصحة قدرته على البديع، وطول طلقه في الوصف، وبغيته ~~للمعنى وترديده، وتلاعبه به وتكريره، وراحته بما يتعب الناس، وسعة نفسه ~~فيما يضيق الأنفاس». # ومن شدة متابعته للمتنبي أنه رأى المتنبي يمدح ابن العميد فيقول: # من مبلغ الأعراب أني بعدها # جالست رسطاليس والإسكندرا # ولقيت بطليموس دارس كتبه # متبديا في ملكه متحضرا # ولقيت كل الفاضلين كأنما # رد الإله نفوسهم والأعصرا # فقال ابن دراج: # أبني لا تذهب بنفسك حسرة # عن غول رحلي منجدا أو مغورا # فلئن تركت الليل فوقي داجيا # فلقد لقيت الصبح بعدك أزهرا # وحللت أرضا بدلت حصباؤها # ذهبا يرف لناظري وجوهرا # ولتعلم الأملاك أني بعدها # ألفيت «كل الصيد في جوف الفرا» # ورمى علي رداءه من دونهم # ملك تخير للعلا فتخيرا # كلا وقد أنست من هود هدى # ولقيت يغرب في القيول وحميرا # وأصبت في سبأ مورث ملكها # يسبي الملوك ولا يدب له الضرا # فكأنما تابعت تبع رافعا # أعلامه ملكا يدين له الورى # وحططت رحلي بين ناري حاتم # أيام يقري موسرا أو ms514 معسرا # وأتيت نجدك وهو يرفع منبرا # للدين والدنيا ويخفض منبرا # تلك البدور تتابعت وخلفتها # سعيا فكنت الجوهر المتخيرا # فترى من هذا محاكاته للمتنبي في الوزن والقافية، وتقليده له في أسلوبه ~~ومعانيه، وقد وصف الأسطول وصفا لطيفا إذ قال: # إليك شحنا الفلك تهوي كأنها # وقد ذعرت من مغرب الشمس غربان # على لجج خضر إذا هبت الصبا # ترامى بنا فيها ثبير وثهلان # موائل ترغى في ذراها موائلا # كما عبدت في الجاهلية أوثان # يرددن في الأحشاء حر مصائب # تزيد ظلاما ليلها وهي نيران # إذا غيض ماء البحر منها مددنه # بدمع عيون تمتريهن أشجان # وإن سكنت عنها الرياح جرى بها # زفير إلى ذكرى الأحبة حنان # يقلن وموج البحر والهم والدجى # تموج بما فيها عيون وآذان # ألا هل إلى الدنيا معاد وهل لنا # سوى البحر قبر أو سوى الماء أكفان؟ ~~... إلخ. # وحتى هذا الوصف الجميل للأسطول إنما ورد أثناء مدحه للأمير، وكذلك وصفه ~~لأشياء أخرى، فهو قد جنى على نفسه بتوجيهها إلى المديح فقط، والمديح غالبا ~~لا ينبع من القلب وإنما ينبع من غريزة الطمع؛ وحتى الأسطول والإشادة به، ~~كان أولى أن يشاد بعظمته، لا أنه من نتاج أمير؛ بل لأنه دليل على عظمة ~~الأمة وقوتها، واعتزازها بأدوات القتال المتنوعة. # 9 ~~(1-3) ابن هانئ الأندلسي # يلقب بابن هانئ الأندلسي تمييزا له عن ابن هانئ المشرق وهو أبو نواس، ~~وقد ولد في قرية من قرى إشبيلية بالأندلس نحو سنة 320ه، وعده بعضهم أشعر ~~شعراء الأندلس من المتقدمين والمتاخرين، وقال عليه: إنه متنبي المغرب، وهو ~~من أصل أزدي يمني، حتى قالوا: إنه من نسل المهلب بن أبي صفرة، وهو كذلك ~~أزدي؛ ولذلك توصف قصائده بأنها أزدية يمنية. اتصل بصاحب إشبيلية أول أمره ~~فأكرمه، وأقام معه زمانا، ثم غضب الناس عليه لاتهامهم إياه بالفلسفة، ~~ويظهر ذلك من مزجه الدعوة الفاطمية في شعره بشيء من التفلسف، وكانت الفلسفة ~~في جوه مكروهة. والظاهر أنهم نقموا عليه دعوته الفاطمية، وهم ذوو نزعة ~~أموية، وتعددت نقمتهم عليه إلى ملك إشبيلية فأشار عليه ms515 بالمغيب عن البلدة ~~مدة ينسى فيها خبره، فخرج إلى المغرب، ولقي القائد جوهرا، ومدحه فأعطاه ~~مائتي درهم، فاستقلها. # وأخيرا بلغت مقدرته الشعرية المعز لدين الله فاتح مصر، فبالغ في إكرامه، ~~ورأى أنه إن فتح مصر احتاج إليه كثيرا في مدحه وإعلاء شأنه، كما يحتاج ~~الفاتحون عادة إلى الجرائد، فأكرمه إكراما عظيما، وأهدى إليه تحفا ~~كثيرة، وأقام له قصرا في القيروان، ودعاه إلى أن يسافر معه في فتح مصر، ~~فطلب أن يتخلف قليلا حتى يعدل أمره، ويصطحب أهله، فلما وصل إلى برقة أضافه ~~شخص من أهلها، ثم عربدوا عليه فقتلوه وهو سكران، وقيل: إنه وجد في ساقية من ~~سواقي برقة مقتولا. ويظهر أن دعاة الأمويين خافوا من دعوته الشيعية ~~الفاطمية، وكرهوا ذلك منه فقتلوه، وذلك سنة 362ه، فيكون عمره إذ ذاك نحو ~~اثنتين وأربعين سنة. # وقد أجمع المؤرخون على أنه من فحول الشعراء، قال ابن الخطيب: «كان ابن ~~هانئ من فحول الشعراء، لا يدرك شأوه، ولا يشق غباره، مع المشاركة في ~~العلوم». وقال ابن شرف: «إنه نجدي الكلام، سردي النظام، وإذا ظهرت معانيه ~~في جزالة مبانيه، رمى بها عن منجنيق لا يؤثر في النفيق. وله غزل ~~معدي # 10 # لا عذري ... كان في دينه في أسفل منزلة، ولو عقل ما ضاقت عليه ~~معاني الشعر، حتى يستعين عليه بالكفر». ويقول ابن رشيق في تعداد أصناف ~~الشعراء: «وفرقة أصحاب جلبة وقعقعة بلا طائل معنى، إلا القليل النادر، كأبي ~~القاسم ابن هانئ ومن جرى مجراه، فإنه يقول أول مذهبته: # أصاخت فقالت: وقع أجرد شيظم # وشامت فقالت: لمع أبيض مخذم # وما ذعرت إلا بجرس حليها # ولا رمقت إلا برى في مخدم # 11 # وليس تحت هذا كله إلا الفساد وخلاف المراد. وما الذي يفيدنا أن تكون هذه ~~المنسوب بها لبست حليها فتوهمته بعد الإصاخة والرمق وقع فرس، أو لمع ~~سيف». # والحق أن شعره فخم ضخم مملوء بالقعقعة، جاهلي الأسلوب، يشبه في ذلك ~~المتنبي، غير أن المتنبي أدق معنى، وابن هانئ أطول نفسا. وسميت قصيدته ~~هذه مذهبة؛ لأنه ms516 أنشأها على نحو معلقة عنترة، وكانت المعلقات تسمى ~~المذهبات. وقال فيه فون كريمر الألماني: «إنه قوي البيان، كثير التمثيل، ~~جيد الألفاظ، حسن الوصف، لا يقدر على مسايرته في هذا الوصف إلا القليل». ~~وأكثر شعره في مدح الفاطميين، وإشاعة محامدهم، ومن قرأه شعره يرى أنه فيه ~~خصائص: ~~(1) # أن من فهم كلامه بعد التعب، تلذذ من شعره، وأعجب ~~بفنه. ~~(2) # طول نفسه، فهو يتعرض للمعنى حتى يصفيه، شأن ابن الرومي لولا ~~كثرة غريبه. ~~(3) # عنايته بالمقابلة بين الشطر الأول، والشطر الثاني في كثير من ~~أبياته مثل قوله: # ففي ناظري عن سواكم عمى # وفي أذني عن سواكم صمم # ولا كل ما في أكف ندى # ولا كل ما أنوف شمم # فما فارق البشر لما اكفهر # ولا نسي العفو لما انتقم ~~(4) # شبه شعره بالشعر الجاهلي في القوة، ومتانة السبك، وقدرة ~~استخدام الألفاظ، وبساطة المعاني عند فهمها. ~~(5) # اتصال شعره اتصالا كبيرا بالدين، إذ كانت دعوته فاطمية ~~فكان متأثرا بتعاليمهم، معتمدا نشرها بين قرائه. ويقع ~~أحيانا على معان كثيرة عرض لها المتنبي، فمثلا يقول ~~المتنبي: # كل حلم أتى بغير اقتدار # حجة لاجئ إليها اللئام # ويقول ابن هانئ: # وكل أناة في المواطن سؤدد # ولا كأناة من قدير محكم # ويقول ابن هانئ: # وإذا خامر الهوى قلب صب # فعليه لكل عين دليل # ويقول ابن هانئ: # ألم يبد سر الحب أن من الضنا # رقيبا وإن لم يهتك السر هاتك؟ # ويقول المتنبي: # يكاد من صحة العزيمة ما # يفعل قبل الفعال ينفعل # ويقول ابن هانئ: # عرفت في كل صنع الله عارفة # فما تهم بأمر غير منفعل # والقارئ لديوانه يرى تعالم الشيعة مبثوثة فيه، فشروط الدعوة والإمام ~~المعصوم، وحقه في الخلافة، وبطلان الدعوة العباسية، وكل الاصطلاحات ~~الإسماعيلية مبثوثة في ديوانه، فهو يضفي على الممدوحين من الخلفاء صفة ~~التقديس تقريبا، فيقول مثلا: # وما هو إلا أن يشير بلحظه # فتمخر فلك أو تهز مقانيب # 12 ~~••• # هو علة الدنيا ومن خلقت له # ولعلة ما كانت الأشياء # من صفو ماء الوحي وهي محاجة # من حوضه الينبوع وهو شفاء # واتبع تعاليم ms517 الشيعة في القول بتقديس الإمام، وأن فيه قبسا من نور ~~الله: # هذا أمين الله بين عباده # وبلاده إن عدت الأمناء ~~••• # هو الوارث الأرض عن أبوين # أب مصطفى وأب مرتضى ~~••• # بالله من سبب بالله متصل # وظل عدل على الآفاق ممدود # هذا الشفيع لأمة تأتي به # وجدوده لجدودها شفعاء # وهم يقولون بعصمة الإمام: # من كان سيما القدس فوق جبينه # فأنا الضمين بأنه لا يجهل ~~••• # مؤيد باختيار الله يصحبه # وليس فيما أراه الله من خلل # والإمام قد عصمه الله، وهو مظهر من نور الله: # وما كنه هذا النور نور جبينه # ولكن نور الله فيه مشارك ~~••• # وبذا تلقى آدم من ربه # عفوا وفاء ليونس اليقطين ~~••• # لو كان علمك بالإله مقسما # في الناس ما بعث الإله رسولا ~~••• # لو كان لفظك فيهم ما أن # زل القرآن والتوراة والإنجيلا # هذا ضمير النشأة الأولى التي # بدأ الإله وغيبها المكنون # من أجل هذا قدر المقدور في # أم الكتاب وكون التكوين # ويقول: # تالله لو كانت الأنواء تشبهه # ما مر بؤس على الدنيا ولا قنط # أبدى الزمان لنا من نور طلعته # عن دولة ما بها وهن ولا سقط # إمام عدل وفى في كل ناحية # كما قضوا في الإمام العدل واشترطوا # قد بان بالفضل عن ماض ومؤتنف # كالعقد عن طرفيه بفضل الوسط # لا يغتدي فرحا بالماء يجمعه # ولا يبيت بدنيا وهو مغتبط # إن الملوك وإن قيست إليك معا # فأنت من كثرة بحر وهم نقط # ويقول: # ولم أجد الإنسان إلا ابن سعيه # ومن كان أسمى كان بالمجد أجدرا # ويقول: # فليس لمن لا يرتقي النجم همة # وليس لمن لا يستفيد الغنى عذر # ويقول: # صدق الفناء وكذب العمر # وجلا العظات وبالغ النذر # إنا وفي آمال أنفسنا # طول وفي أعمارنا قصر # لنرى بأعيننا مصارعنا # لو كانت الألباب تعتبر # ويصور ابن هانئ مجلسا من مجالس الشراب أحسن تصوير في قصيدته المعروفة ~~بقصيدة النجوم فيقول: # أليلتنا إذ أرسلت واردا وحفا # وبتنا نرى الجوزاء في أذنها شنفا # 13 # وبات لنا ساق يقوم على الدجى # بشمعة نجم لا تقط ولا ms518 تطفا # 14 # أغن غضيض خفف اللين قده # وأثقلت الصهباء أجفانه الوطفا # 15 # ولم يبق إرعاش المدام له يدا # ولم يبق إعتاق التثني له عطفا # 16 # يقولون: حقف فوقه خيزرانة # أما يعرفون الخيزرانة والحقفا # 17 # جعلنا حشايانا ثياب مدامنا # وقدت لنا الظلماء من جلدها لحفا # 18 # فمن كبد تدني إلى كبد هوى # ومن شفة توحي إلى شفة رشفا # 19 # بعيشك نبه كأسه وجفونه # فقد نبه الإبريق من بعد ما أغفى # 20 # وقد فكت الظلماء بعض قيودها # وقد قام جيش الليل للفجر واصطفا # 21 # وولت نجوم للثريا كأنها # خواتيم تبدو في بنان يد تخفى # 22 # ومما استحسنوا له: # ولما التقت ألحاظنا ووشاتنا # وأعلن سر الوشي ما الوشي كاتم # تأوه إنسي من القدر ناشج # فأسعد وحشي من السدر باغم # 23 # مؤيد العزم في الجلى إذا طرقت # مندد السمع في النادي إذا نودي # 24 # لكل صوت مجال في مسامعه # غير العنيفين من لوم وتفنيد # 25 # وعند ذي التاج بيض مكرمات وما # عندي له غير تمجيد وتحميد # أتبعته فكري حتى إذا بلغت # غاياتها بين تصويب وتصعيد # 26 # رأيت موضع برهان يبين وما # رأيت موضع تكييف وتحديد # 27 # ومن محاسن قوله: # أبني العوالي السمهرية والسيو # ف المشرفية والعديد الأكبر # 28 # من منكم الملك المطاع كأنه # تحت السوابغ تبع في حمير # كل الملوك من السروج سواقط # إلا الملك فوق ظهر الأشقر # ومما يتغنى له قوله: # فتكات طرفك أم سيوف أبيك # وكئوس خمر أم مراشف فيك # 29 # أجلاد مرهفة وفتك محاجر # ما أنت راحمة ولا أهلوك # يا بنت ذي السيف الطويل نجاده # أكذا يجوز الحكم في ناديك # 30 # قد كان يدعوني خيالك طارقا # حتى دعاني بالقنا داعيك # عيناك أم مغناك موعدنا وفي # وادي الكرى نلقاك أو واديك # منعوك من سنة الكرى وسروا فلو # عثروا بطيف طارق ظنوك # 31 # ودعوك نشوى ما سقوك مدامة # فإذا تثنى عطفك اتهموك # حسبوا التكحل في جفونك حلية # تالله ما بأكفهم كحلوك # 32 # وقد عد له الأدباء مزايا وعيوبا، فمن مزاياه: ~~(1) # قوة بيانه وجودة ms519 كلامه وشدة تأثره في سامعيه، إذا فهما ~~معانيه. ~~(2) # شعره جزل السبك، مليح التأليف، حتى إنك لو سمعت المصراع ~~الأول، تكاد تحزر المصراع الثاني. ~~(3) # شعره مطبوع تلمح فيه الجزالة التي في الشعر الجاهلي. # أما عيوبه: ~~(1) # فكثرة استعماله للغريب من الألفاظ، مثل: اطلخلم الأمر، ~~وارجحن الشباب، وتغشمرت، وتكعكعت. ~~(2) # أن شعره أحيانا كثير الجلبة، قليل المعنى، كما ذكر ابن ~~رشيق. ~~(1-4) ابن شهيد وابن حزم # كانا متعاصرين، وكان صديقين، وكانا وزيرين، وكان يعملان للدولة العامرية، ~~وكان ذوي ميول أموية، مكنت من الدسائس لهما، وكانا في الشعر وسطا، ولعب ~~الحب بهما معا. فأما ابن شهيد، فقد قعد به عن الجودة في الشعر تفوقه في ~~النثر، فهو في الشعر أضعف منه في النثر، وقلما نجد في التاريخ من ملك ~~ناصية النوعين، وبرز في القولين، فغاية الأديب أن يكون قويا في أحدهما، ~~وسطا في الآخر، وقد اشتهر ابن شهيد بفصوله ورسائله وروايته «التوابع ~~والزوابع»، وسيأتي الكلام عليها في النثر. وقد شعر في المديح والوصف ~~والغزل، حتى خافت جاريته منه مرة أن يتغزل فيها فيفضحها، واشتهر بالنادرة ~~اللطيفة الحلوة، ورووا أنه أصيب بالصمم فمنعه ذلك عن الاشتغال ~~بالسياسة. # قال فيه ابن حيان: «كان ابن شهيد يبلغ المعنى، ولا يطيل سفر الكلام ... ~~والعجب منه أنه كان يدعو قريحته إلى ما شاء من نظمه ونثره في بديهته ~~ورويته، فيقول الكلام كما يريد، من غير اقتناء لما كتب، ولا اعتناء بالطلب، ~~ولا رسوخ في الأدب، فإنه لم يوجد له فيما بلغنا بعد موته كتاب يستعين به ~~على صناعته، ويشحذ من طبعه، إلا ما لا قدر له، فزاد ذلك في عجائبه، وإعجاز ~~بدائعه. وكان في تنميق الهزل والنادرة الحارة أقدر منه على سائر ذلك، وشعره ~~حسن عن أهل النقد، وله رسائل كثيرة في فنون الفكاهة، وأنواع التعريض، ~~والأهزال. وكان في سرعة البديهة وحضور الجواب وحدته آية من آيات الله، «مع ~~هواه الشديد» # 33 # وعدم تقصيره في ارتكاب أي قبيحة، من أصح الناس رأيا لمن ~~استشاره، وأضلهم عنه في ذاته، وكان له ms520 في الكرم والجود انهماك ، حتى شارف ~~الإملاق». # فمن شعره: # كلفت بالحب حتى لو دنا أجلي # لما وجدت لطعم الموت من ألم # وعاقني كرمي عمن ولهت به # ويلي من الحب أو ويلي من الكرم # 34 # وقوله: # أصباح شيم أم برق بدا # أم سنا المحبوب أورى زندا # هب من مرقده منكسرا # مسبلا للكم مرخ للردا # يمسح النعسة من عيني رشا # صائدا في كل يوم أسدا # فهو من دل عراه زبدة # من صريح لم يخالط زبدا # قلت: هب لي يا حبيبي قبلة # تشف من عمك تبريح الصدا # فانثنى يهتزم من منكبه # مائلا لطفا وأعطاني اليدا # كلما كلمني قبلته # فهو إما قال قولا رددا # كاد أن يرجع من لثمي له # واكتشاف الثغر منه أدردا # شربت أعطافه ماء الصبا # وسقاه الحسن حتى عربدا # ويقول في وصف عاصفة: # وقد فغرت فاها دجى كل زهرة # إلى كل ضرع للغمامة حافل # ومرت جيوش المزن رهوا كأنها # عساكر زنج مذهبات المناصل # وقد طلب منه أن يجيز قول الشاعر: «مرض الجفون ولثغة في المنطق». # فقال بديهة: # مرض الجفون ولثغة في المنطق # سيان جرا عشق من لم يعشق # من لي بألثغ لا يزال حديثه # يذكي على الأكباد جمرة محرق # ينبي فينبو في الكلام لسانه # فكأنه من خمر عينيه سقي # لا ينعش الألفاظ من عثراتها # ولو أنها كتبت له في مهرق # وقال يتغزل: # مر بي في فلك من ربرب # قمر مبتسم عن شنب # زينوا أعلاه بالدر كما # ثقلوا أسفله بالكتب # فازدهتني أريحيات الصبا # واستخفتني دواعي طربي # فتعرضت لتسليم له # فإذا التياه لا يعبأ بي # قال هذا العبد من دلله: # ما الذي أمنه من غضبي؟ # يا ظبا لحظي خذي لي رأسه # فهو لا شك من أهل الريب # فانبرت ألحاظه تطلبني # وأنا قدامها في الهرب # لو تراني وأنا ألطفه # وأداريه مداراة الصبي # خلته جبار قوم مردوا # وأنا في لطف الوعظ نبي # ويقول في وصف وقعة: # سقيا لأسد تساقي الموت أنفسها # وتلبس الصبر في يوم الوغى حلقا # قامت بنصرك لما قام مرتجلا # خطيب جودك فيها ms521 ينثر الورقا # سريت تقدم جيش النصر متخذا # سبل المجرة في إثر العلا طرقا # في ظل ليل من الماذي معتكر # يجلو إلى الخيل منه وجهك الفلقا # وصفح قرن غداة الروع يكتبه # من الظبا فلم لا يعرف المشقا # أجريت للزنج فوق النهر نهر دم # حتى استحال سماء جللت شفقا # وساعد الفلك الأعلى بقتلهم # حتى غدا الفلك بالناجي به غرقا # إلخ ... إلخ. # وله من قصيدة: # فريق العدا من حد عزمك يفرق # وبالدهر مما خاف بطشك أولق # عجبت لمن يعتد دونك جنة # وسهمك سعد والقضاء مفوق # ومن يبتني بيتا ليقطع دونه # ممر رياح النصر وهو الخورنق # توهم فيه الرعن حصنا فزرته # بأرعن فيه مرعد الموت مبرق # وحولك أسياف من السعد تنتضى # وفوقك أعلام من النصر تخفق # بأبيض مسود الدلاص كأنه # شهاب عليه من دجى الليل يلمق # وخيل تمشى للوغى بجفونها # إذا جعلت بالمرتقى الصعب تزلق # ويقول وقد أزمع على الخروج من قرطبة: # أرى أعينا ترنو إلي كأنما # تساور منها جانبي أراقم # أدور فلا أعتام غير محارب # وأسعى فلا ألقى امرأ لي يسالم # ويجلب لي فهمي ضروريا من الأذى # وأشقى امرئ في قرية الجهل عالم # وأوجع مظلوم لقلب وذي حجا # فتى عربي تزدريه أعاجم # سلام عليكم لا تحية شاكر # ولكن شجى تنسد منه الحلاقم # وما قرعت سني عليكم ندامة # وأوشك غدا أن يقرع السن نادم # عليكم بداري فاهدموها دعائما # ففي الأرض بناءون لي ودعائم # لئن أخرجتني عنكم شر عصبة # ففي الأرض إخوان علي أكارم # وفيها يقول: # ولما فشا بالدمع من سر وجدنا # إلى كاشحينا ما القلوب كواتم # أمرنا بإمساك الدموع جفوننا # ليشجى بما تطوي عذول ولائم # فظلت دموع العين حيرى كأنها # جلال مآقينا لآل توائم # أبى دمعنا يجري مخافة شامت # فنظمه بين المحاجر ناظم # وراق الهوى منا عيون كريمة # تبسمن حتى ما تروق المباسم # وقد مرض ابن شهيد في آخر أيامه وأصيب بالفالج في سنة 425ه، فمنعه عن ~~الحركة والتقلب، وكان أولا يمشي على عصا، واعتمادا على إنسان، إلى ما قبل ~~وفاته بعشرين يوما، فإنه ms522 صار حجرا لا يبرح ولا يتقلب ، ولا يحتمل أن ~~يحرك. # وفي ذلك يقول: # أنوح على نفسي وأندب نبلها # إذا أنا في الضراء أزمعت قتلها # رضيت قضاء الله في كل حالة # علي وأحكاما تيقنت عدلها # أظل قعيد الدار تجنبني العصا # على ضعف ساق أوهن السقم وجلها # ألا رب خصم قد كفيت وكربة # كشفت ودار كنت في المحل وبلها # ورب قريض كالجريض بعثه # إلى خطبة لا ينكر الجمع فضلها # فمن مبلغ الفتيان أن أخاهم # أخو فتكة شنعاء ما كان شكلها # عليكم سلام من فتى عضه الردى # ولم ينس عينا أثبتت فيه نبلها # يبين وكف الموت يخلع نفسه # وداخلها حب يهون ثكلها # وكتب للفقيه ابن حزم في مرضه الذي مات به قال: # ولما رأيت العيش ولى برأسه # وأيقنت أن الموت لا شك لاحقي # تمنيت أني ساكن في غيابة # بأعلى مهب الريح في رأس شاهق # خليلي من ذاق المنية مرة # فقد ذقتها خمسين: قولة صادق # كأني وقد حان ارتحالي لم أفز # قديما من الدنيا بلمحة بارق # فمن مبلغ عني ابن حزم وكان لي # يدا في ملماتي وعند مضايقي # عليك سلام الله إني مفارق # وحسبك زادا من حبيب مفارق # فلا تنس تأتيني إذا ما فقدتني # وتذكر أيامي وفضل خلائقي # فلي في ادكاري بعد موتي راحة # فلا تمنعونيها علالة زاهق # وإني لأرجو الله فيما تقدمت # ذنوبي مما درى من حقائقي # وأما ابن حزم فقد عاقه عن بلوغ الغاية في شعره كثرة علمه وفقهه، فالأسلوب ~~العلمي الفقهي غلب عليه فنجد له معاني لطيفة جدا، ولكنها في أسلوبها ~~تتلون بألوان أساليب الفقهاء، كالذي لاحظه ابن خلدون من أنه هو قعد به عن ~~الشعر حفظه المتون، وذكر أن فقيها شعر فقال: # لم أدر حين وقفت بالأطلال # ما الفرق بين جديدها والبالي # فقال: إن التعبير ب «ما الفرق» بين كذا وكذا، أشبه بتعبير الفقهاء، وقد ~~تربى ابن حزم تربية عالية، فأبوه كان وزيرا عظيما، تسرح في داره الفتيات ~~الجميلات من المغربيات، ومن فتيات الحروب المأسورات، وكان يحضر له ~~المعلمين والمعلمات، ms523 حتى روى أنه أحفظته القرآن جارية في القصر، كما أحضر ~~له بعض مشاهير شيوخ العلم. فوقع بين رغبتين: رغبة في العلم والدين والتقى، ~~ورغبة في مغازلة الجواري والسير مع الهوى، والجمع بينهما كالجمع بين الماء ~~والنار، ولكن يظهر أنه استطاع الجمع بينهما، فحمله ذلك من العذاب ~~ألوانا، وأكثر شعره الذي بلغنا ما كان في كتابه «طوق الحمامة» يصف في ~~خلجات نفسه، وضناه من حبه، نثرا ونظما. # والقارئ لشعره يرى أنه صادق العاطفة، لطيف المعاني الذهنية، بعيد الخيال، ~~ولكنه مقصر بعض الشيء في الأسلوب، وهو معذور في ذلك، فالذي يؤلف «الفصل في ~~الملل والنحل»، و«الإحكام في أصول الأحكام» وما إلى ذلك من مئات الكتب ~~الشرعية، ليس من السهل عليه أن يبلغ القمة في الشعر. وقد عد عند كثير من ~~الناس أعلم أهل الأندلس، ولكن لم يعدوه أشعرهم. وكان ابن حيان دقيقا في ~~قوله: «إن شعره حسن» من غير طنطنة ولا فخفخة كعادته في وصف الشعراء ~~الكبار. # وحدثت له حادثتان أثرتا في حياته، وفي شاعريته الأولى: حبه كالذي ~~ذكرنا، والثانية: ما كان من اتهامه في عهد الدولة العامرية بأنه يعمل ~~لإعادة الخلافة الأموية. # وقد كان العداء بين العامريين والأمويين في الغرب، كالعداء بين العلويين ~~والعباسيين في الشرق، فعزل عن الوزارة من أجل ذلك، وعذب، وأهين، ونفي، ~~وخربت دياره، وزال عنه النعيم الذي كان يعيش فيه، فكان ذلك نقمة عليه، ~~ونعمة على العلم والأدب، ومن مزايا نشأته في بيت العز، وتمكنه من نفسه، ~~ونزعته إلى الزهد، أنه لم يهن نفسه في شعره بمديح مفرط، أو غزل فاجر، إنما ~~قال الشعر استجابة لخلجات نفسه، أو تفريجا لهمه، أو إرضاء لفنه، أو ~~إرضاء لخاطرة خطرت له. وله قصيدة لطيفة قوية بلغة مائة وأربعين بيتا، ~~أجاب بها ملك الروم عن رسالة أرسلها إلى المسلمين، يهددهم ~~ويتوعدهم. # 35 # ونشأته العلمية حمته من اللعب بالألفاظ، والإطالة في القول، وتفكيره ~~الخلقي، وتجاربه الاجتماعية، أنطقاه بالحكم، مثل: # أفعال كل امرئ تنبي بعنصره # والعين تغنيك عن أن تطلب الأثرا # وهل ترى ms524 قط دقلى أنبتت عنبا # أو تذخر النخل في أوكارها الصبرا؟ # وقد امتلأ كتابه «طوق الحمامة» بالنثر والشعر الذي يمليه عليه حبه، مع ~~دعابة أحيانا كقوله: # وذي عذل في من سباني حسنه # يطيل ملامي في الهوى ويقول # أمن أجل وجه لاح لم تر غيره # ولم تدر كيف الجسم أنت عليل # فقلت له: أسرفت في اللوم فاتئد # فعندي رد لو أشاء طويل # أم تر أني ظاهري وأنني # على ما أرى حتى يقوم دليل؟ # وتجد في هذه القطعة مصداق ما قلناه «فعندي رد طويل» تعبير علماء الكلام، ~~والبيت الأخير ينضح بذلك. ويقول: # لئن أصبحت مرتحلا بجسمي # فقلبي عندكم أبدا مقيم # ولكن للعيان لطيف معنى # له سأل المعاينة الكليم # وهو أيضا نضح للثقافة الدينية، وخصوصا البيت الثاني. ويقول: # لا تلمني لأن سبقة حظ # فات إدراكها ذوي الألباب # يسبق الكلب وثبة الليث في العد # ويعلون النخال فوق اللباب # فقوله: «لأن» في هذه الأبيات تعبير فقهي. ويقول: # لي خلتان أذاقاني الأسى جرعا # ونغصا عيشتي واستهلكا جلدي # كلتاهما تطبيني # 36 # نحو جبلتها # كالصيد ينشب بين الذئب والأسد # وفاء صدق فما فارقت ذا مقة # فزال حزني عليه آخر الأبد # وعزة لا يحل الضيم ساحتها # صرامة منه بالأموال والولد # فترى في هذه القطعة التقسيم المنطقي الذي يتبعه العالم، وقل أن يسلكه ~~الشاعر. ويقول: # جعلت اليأس لي حصنا ودرعا # فلم ألبس ثياب المستضام # وأكثر من جميع الناس عندي # يسير صانني دون الأنام # إذا ما صح لي ديني وعرضي # فلست لما تولى ذا اهتمام # تولى الأمس والغد لست أدري # أأدركه ففيما ذا اهتمامي؟ # فالشطرة الأخيرة علمية أكثر منها شعرية، وكذلك قوله: «فلست لما تولى ذا ~~اهتمام». # وأحيانا يسمو بشعره فيما وراء الطبيعة كقوله: # أمن عالم الأملاك أنت أم إنسي # أبن لي: فقد أزرى بتمييزي العي # أرى هيئة إنسية غير أنه # إذا أعمل التفكير فالجرم علوي # تبارك من سوى مذاهب خلقه # على أنك النور الأنيق الطبيعي # ولا شك عندي أنك الروح ساقه # إلينا مثال في النفوس اتصالي # 37 # عدمنا دليلا في حدوثك ms525 شاهدا # نقيس عليه غير أنك مرئي # ولولا وقوع العين في الكون لم نقل # سوى أنك العقل الرفيع الحقيقي # ومن قوله، وهو يدل على عاطفة حارة مشبوبة أضناها الحب: # وددت بأن القلب شق بمدية # وأدخلت فيه ثم يطبق في صدري # فأصبحت فيه لا تحلين غيره # إلى مقتضى يوم القيامة والحشر # تعيشين فيه ما حييت فإن أمت # سكنت شغاف القلب في ظلم القبر # فهذا القول صادق العاطفة، وهو ترجمة صحيحة لمشاعره، ولكن قوله: «إلى ~~مقتضى يوم القيامة والحشر» تعبير ديني. # وعلى الجملة فهو شاعر عالم، طغى علمه على شعره. # انظر قوله: # ودادي لك الباقي على حسب كونه # تناهى فلم ينقص بشيء ولم يزد # وليست له غير الإرادة علة # ولا سبب حاشاه يعلمه أحد # إن ما وجدنا الشيء علة نفسه # فذاك وجود ليس يفنى على الأبد # وإما وجدناه لشيء خلافه # فإعدامه في عدمنا ما له وجد # وقوله: # ما على النصر في الأعداء نعرفها # وعلة الفر منهم أن يفرونا # إلا نزاع نفوس الناس قاطبة # إليك يا لؤلؤا في الناس مكنونا # من كنت قدامه لا ينثني أبدا # فهم إلى نورك الصعاد يعشونا # ومن تكن خلقه فالنفس تصرفه # إليك طوعا فهم دأبا يكرونا # وقوله: # أرعى النجوم كأنني كلفت أن # أرعى جميع ثبوتها # 38 # والخنس # فكأنها والليل نيران الجوى # قد أضرمت في فكرتي من حندس # وكأنني أمسيت حارس روضة # خضراء وشح نبتها بالنرجس # لو عاش بطليموس أيقن أنني # أقوى الورى في رصد جري # 39 # الكنس # وقال على عادة الشعراء المتماجنين: # خلوت بها والراح ثالثة لنا # وجنح ظلام الليل قد مد واتلج # فتاة عدمت العيش إلا بقربها # فهل في ابتغاء العيش ويحك من حرج؟ # كأني وهي والكأس والخمر والدجى # ثرى وحيا والدر والتبر والثبج # 40 ~~••• # وصفوك لي حتى إذا أبصرت ما # وصفوا علمت أنه هذيان # فالطبل جلد فارغ وطنينه # يرتاع منه ويفرق الإنسان # يعيبونها عندي بشقرة شعرها # فقلت لهم: هذا الذي زانها عندي # يعيبون لون النور والتبر ضلة # لرأي جهول في الغواية ممتد # وهل عاب لون النرجس الغض ms526 # ولون النجوم الزاهرات على البعد # وأبعد خلق الله من كل حكمة # مفضل جرم فاحم اللون مسود # به وصفت ألوان أهل جهنم # ولبسة باك مثكل الأهل محتد # 41 # ومذ لاحت الرايات سودا تيقنت # نفوس الورى أن لا سبيل إلى الرشد # 42 # فتعبيراته كلها مقتبسة من الفقه والكلام والمنطق، وإلهيات الفلسفة، فيصعب ~~علينا أن نعده من الشعراء الخالصين، وإن امتاز بصدق الشعور، وصدق التعبير، ~~وجمال الخيال. وسيأتي مقامه في النثر عند الكلام على النثر. # إلى هنا كان الشعر قد بلغ حدا كبيرا من الرقي في عهد الأمويين ~~والعامريين، وسبب ذلك أن الأمويين والعامريين كانوا يجزلون العطاء ويقدرون ~~قيمة الشعراء في الدعوة لهم، حتى كانوا يحملون الشعراء على السفر معهم في ~~غزواتهم، وسبب آخر، وهو أن آخر عهد الأمويين، ومدة العامريين كانت عهود فتن ~~واضطرابات، والفتن والاضطرابات تحرك المشاعر، وأذكر أن ابن سلام في طبقاته ~~قال عن قبيلة من القبائل: إنها لم تقل شعرا؛ لأنها لم تكن قبيلة محاربة ... ~~هذا إلى طبيعة الأندلسيين الشعرية، فيكاد يكون كل مثقف، ولو ثقافة بسيطة ~~شاعرا. وقد قال الأندلسيون في كل فن وباب مقلدين في ذلك المشرق من الزهد ~~والوصف والرثاء والغزل ... إلخ. فإذا نحن وصلنا إلى عصر ملوك الطوائف رأينا ~~الشعر قد نما وكثر أيضا؛ بسبب أن المملكة قد انقسمت إلى إمارات كثيرة، ~~يحكم كل قسم منها أمير، وكان بين الأمراء تنافس على التعمير والعلم، ومن ~~ذلك الشعر؛ ولذلك وجد شعراء لا يقلون شأنا عن السابقين، إن لم يفوقوهم ~~أحيانا، أمثال: ابن زيدون وابن عباد وابن سهل الإسرائيلي وغيرهم. وربما ~~عمل في تكوينهم أكثر من الأولين أنهم انتفعوا بمن سبقهم، فقد خلفوا ثروة ~~كبيرة من الأخيلة والأساليب والمعاني؛ يضاف إلى ذلك أنه ما كاد يظهر شاعر ~~في المشرق إلا وينقل شعره سريعا إلى المغرب ثم يقلد، ويدهش الإنسان لهذه ~~السرعة، فقد كانت حركات الرحلات شديدة قوية، مع صعوبة المواصلات، وكان الحج ~~موسما تتلاقى فيه العلماء والأدباء، فيتناقلون كتبهم، فكان الشعر في عهد ~~الطوائف أرقى منه على ms527 ما يظهر في العهود التي كانت قبلهم، وإن كان ~~الأندلسيون من الناحية السياسية والحربية أضعف. # وشاهد هذا العصر تغلب النصارى الإسبان على بلاد الأندلس، بلدا فبلدا، ~~فإذا حل النصارى بلدا هجرها أهلها، ورثوها بشعرهم، فوجد عندنا في الأندلس ~~ما لا نجده في الشرق إلا نادرا من رثاء البلاد رثاء قويا يدل على عاطفة ~~مشبوبة، ولكن هناك ظاهرة أخرى، وهي أن الحروب بين الإسبان والأوربيين ~~عموما وبين المسلمين لم تنقطع، فيكاد يكون في كل سنة حرب ووقائع، تشيب لها ~~النواصي، ولكن مع الأسف كمية الشعر التي رويت في هذا الباب أقل مما يلزم ~~كشأن المسلمين في الحروب الصليبية، وفي حروب صلاح الدين وخلفائه، فقل الشعر ~~العربي في هذا المعنى. ولعل السبب في ذلك أن الأولين لم يشعروا كثيرا في ~~باب الحروب، وشعرهم كان شعرا تقليديا، فلما رأوا أن من قبلهم لم يشعروا ~~كثيرا في هذه المعاني، لم يشعروا هم أيضا كثيرا، والواقع أن حروب ~~الأندلس، وحروب الصليبيين، كان يجب أن تغذي الشعراء بما يصوغون من ~~قصائد. ~~(1-5) ابن زيدون # هو أحب شعراء الأندلس إلى نفسي، وأقربهم إلى قلبي، ويظهر أنه استصفى غزل ~~العباس بن الأحنف، ومسلم بن الوليد، وغيرهما، وأخذ ديباجة البحتري، وحسن ~~سبكه، ونصاعة أسلوبه، وأخذ طول نفس ابن الرومي وتدفقه حتى يأتي على آخر ~~المعنى الذي يرده. وقد حدثت له حادثتان ألهبتا قلبه، وجعلتاه يشعر من قلبه، ~~لا من رأسه؛ أولاهما: حبه لولادة، فقد هام في حبها، وجرب كل أنواع ~~التجارب في الحب من لذة وصال، وألم فراق، وأحاديث نفس، وغيرة من عذول ... ~~إلخ. وثانيتهما: كثرة حساده وتآمرهم عليه، ووضع الدسائس له عند الأمير ~~المقرب إليه، حتى سجنه، فذاق ألوانا من العذاب في سجنه، وكانت له قدرة على ~~صياغة أدق المشاعر في شعر جميل، وأسلوب جذاب، ومع هذا لم يخل من قول الشعر ~~الرقيق في الموضوع التقليدي الذي هو المديح. # وقد رويت له مدائح كثيرة لأمراء كثيرين، وهو أبو الوليد أحمد بن عبد الله ~~بن أحمد بن غالب المخزومي، ms528 من نسل أحد أفراد قبيلة مخزوم الذين رحلوا إلى ~~الأندلس أيام الفتح، وكان أبوه مشهورا بأنه فقيه أديب، فأورث ابنه حبه ~~الأدب. وقد ولد ابن زيدون في قرطبة سنة 394ه، ومات في إشبيلية سنة 463ه، ~~ومع أنه تعلم الشعر ممن ذكرنا من الشعراء، فهناك خيوط يظهر فيها أثر ~~بيئته. # ويدل شعره على أنه واسع الاطلاع على شعر المشرق، وشعر من قبله من ~~الأندلسيين واستفادته من كل ذلك، مع احتفاظه بشخصيته. وقد أخذ عن عالمين ~~كبيرين في الأندلس، هما أبو بكر مسلم بن أحمد بن اللبانة، وأبو بكر بن ~~ذكوان، وقد لفت نظر الناس إلى شعره منذ شبابه. # وشاء حظه أن يقع في حب ولادة بنت الخليفة المستكفي، وقد كان المستكفي ~~هذا فاجرا، مستهترا، سيئ الحكم، قل ماله فأحب أن يرضي الناس بوعوده، ~~وبما يوزعه من ألقاب، حتى زهد الناس فيها، وخلف بنتا اسمها ولادة، خلفها ~~من مولاة له إسبانية، وكانت ولادة هذه بيضاء اللون، حمراء الشعر، زرقاء ~~العينين، لا تلتزم الحجاب المعتاد للنساء فاتخذت في بيتها ناديا (صالونا) ~~يجتمع فيه الأدباء من شاعرين وناثرين، وتسمع منهم، ويسمعون منها. وكانت هي ~~الأخرى قادرة على الشعر، وكانت حادة المزاج، قاسية، صريحة، فما أن رآها ابن ~~زيدون وجالسها، حتى ملأت قلبه. وقد وصفها ابن بسام في الذخيرة بقوله: ~~«كانت في نساء أهل زمانها، واحدة أقرانها، حضور شاهد، وحرارة أوابد، وحسن ~~منظر ومخبر، وحلاوة مورد ومصدر، وكان مجلسها بقرطبة منتدى لأحرار المصر، ~~وقناؤها ملعبا لجياد النظم والنثر، يعشو أهل الأدب إلى ضوء غرتها، ويتهالك ~~أفراد الشعراء والكتاب على حلاوة عشرتها، إلى سهولة حجابها، وكثرة منتابها، ~~تخلط ذلك بعلو نصاب، وكرم أنساب، وطهارة أثواب، على أنها - سمح الله لها ~~وتغمد زللها - اطرحت التحصيل، وأوجدت إلى القول فيها السبيل؛ لقلة ~~مبالاتها، ومجاهرتها بلذاتها، كتبت - فيما زعموا - على أحد عاتقي ~~ثوبها: # أنا والله أصلح للمعالي # وأمشي مشيتي وأتيه تيها # وكتبت على الآخر: # وأمكن عاشقي من صحن خدي # وأعطي قبلتي من يشتهيها» # ولسنا نظن كما قال ابن بسام ms529 أنها كانت على طهارة أثواب، وقد وصف ابن ~~زيدون ليلة معها من ليالي شبابه فقال: «وبتنا بليلة نجني أقحوان الثغور، ~~ونقطف رمان الصدور، فلما انفصلت عنها صباحا أنشدتها: # ودع الصبر محب ودعك # ذائع من سره ما استودعك # يقرع السن على أن لم يكن # زاد في تلك الخطا إذ شيعك # يا أخا البدر سناء وسنى # حفظ الله زمانا أطلعك # إن يطل بعدك ليلي فلكم # بت أشكو قصر الليل معك # فكانت ولادة في حياتها ومنتدياتها أشبه بعلية بنت المهدي في المشرق، ~~وقد بدأ حب ابن زيدون لها، وعلاقته بها في سنة 422ه؛ أي: وهو في سن التاسعة ~~والعشرين بعد سقوط الدولة الأموية، وولاية أبي الحزم بن جهور على قرطبة، ~~وكان ابن زيدون مقربا من ابن جهور، يشغل عنده منصبا عاليا، ولكن سرعان ~~ما تغير عليه قلب ابن جهور، وأودعه في السجن، وأجرى عليه أنواعا من ~~العذاب. ولكن ما تهمة ابن زيدون؟ # الغالب على الظن أنه طمح لأن يكون أميرا، فليس هو أقل ممن وثبوا على ~~إمارات الأندلس، واستولوا عليها. وهو شاب حسيب نسيب، مملوء قوة، أديب ~~كبير، فما يمنعه أن يكون كابن جهور، وابن عباد، وابن الأفطس، وأمثالهم، ~~فلما سجن اجتمع له في سجنه الغرام بولادة، وحزنه على نفسه في السجن، ~~وبلوغه أن ابن عبدوس وزير ابن جهور الغني الكبير يغازل ولادة بدله، ويريد ~~أن يحل محله، كما بلغه أن ولادة من ناحيتها استجابت له، أعرضت عن ابن ~~زيدون؛ كل هذا مع دقة مشاعره، جعله يلتهب نارا، فهو يشعر في كل هذه ~~المعاني، طورا بألمه في الفراق، وطورا في عتاب ابن جهور، وغير ذلك، فلئن ~~كان سجنه نقمة عليه، فقد كان نعمة على الأدب. ويظهر أنه في هذه الآونة قال ~~في ولادة: # متى أبثك ما بي # يا راحتي وعذابي # متى ينوب لساني # في شرحه عن كتابي # الله يعلم أني # أصبت فيك لما بي # فلا يطيب طعامي # ولا يسوغ شرابي # يا فتنة المتعزي # وحجة المتصابي # الشمس أنت توارت # عن ناظري بالحجاب # ما البدر ms530 شف سناه # على رقيق السحاب # إلا كوجهك لما # أضاء تحت نقاب # ويقول أيضا: # ألا هل لنا من بعد هذا التفرق # سبيل، فيشكو كل حب بما لقي # وقد كنت أوقات التزور في الشتا # أبيت على جمر من الشوق محرق # فكيف وقد أمسيت في حال قطعة # لقد عجل المقدور ما كنت أتقي # تمر الليالي لا أرى البين ينقضي # ولا الصبر من رق التشوق معتقي # سقى الله أرضا قد غدت لك منزلا # بكل سكوب هاطل الوبل مغدق # ويقول: # شحطنا وما بالدار نأي ولا شحط # وشط بمن نهوى المزار وما شطوا # وأما الكرى مذ لم أزركم فهاجر # زيارته غب وإلمامه فرط # إذا ما كتاب الوجد أشكل سطره # فمن زفرتي شكل ومن عبرتي نقط # مئون من الأيام خمس قطعتها # أسيرا وإن لم يبد شد ولا قحط # بلغت المدى إذ قصروا فقلوبهم # مكامن أضغان أساودها رقط # فررت فإن قالوا: الفرار إرابة # فقد فر موسى حين هم به القبط # ويقول: # فديتك ليس لي قلب فأسلو # ولا نفس فآنف إن جفيت # فإن يكن الهوى داء مميتا # لمن يهوى فإني مستميت # أسر عليك عتبا ليس يلقى # وأضمر فيك غيظا لا يبيت # وما ردي على الواشين إلا # رضيت بحب قاتلتي رضيت ~~••• # أنى أضيع عهدك # أم كيف أخلف وعدك # وقد رأتك الأماني # رضا فلم تتعدك # يا ليت ما لك عندي # من الهوى لي عندك # وطال ليلك بعدي # كطول ليلي بعدك # سلي حياتي أهبها # فلست أمك ردك # الدهر عبدي لما # أصبحت في الحب عبدك # ولما كان ابن زيدون مكلوم الفؤاد، معذب القلب بالحب، أجاد في الرثاء كلما ~~أجاد في الغزل، ورأى الرثاء وسيلة من وسائل دموعه، فله في ديوانه قصائد ~~جيدة في الرثاء، منها رثاء في أستاذه القاضي أبي بكر بن ذكوان وكان قاضيا ~~عدلا، مطلعه: # انظر لحال السر وكيف تحال # والدولة العلياء كيف تدال # من سر لما عاش قل متاعه # فالعيش نوم والسرور خيال # ويقول فيها: # نقصت حياتك حين فضلك كامل # هلا استضيف إلى الكمال كمال # من للقضاء يعز في أثنائه ms531 # إيضاح مشكلة لها إشكال # من لليتيم تتابعت أرزاؤه # هلك الأب الجاني وضاع المال # هيهات لا عهد كعهدك عائد # إذ أنت في وجه الزمان جمال # ورثى أبا الحزم بن جهور بقصيدة مطلعها: # ألم تر أن الشمس قد ضمها القبر # وأن قد كفانا فقدها القمر البدر # وقال في رثاء أم أبي الوليد بن جهور قصيدة مطلعها: # هو الدهر فاصبر للذي أحدث الدهر # فمن شيم الأحرار في مثلها الصبر # فإن أنثت فالنفس أنثى نفيسة # إذ الجسم لا يسمو بتذكيره ذكر # حصان إذا التقوى استبدت بذكرها # فمن صالح الأعمال يستوضح الدهر # إلخ ... إلخ. # ومن مشهور قصائده التي عارضها كثير من الشعراء من بعده، فلم يبلغوا ~~مبلغه، قوله: # أضحى التنائي بديلا من تدانينا # وناب عن طيب لقيانا تجافينا # ألا # 43 # وقد حان صبح البين صبحنا # حين فقام لنا للحين ناعينا # من مبلغ الملبسينا بانتزاحهم # حزنا مع الدهر لا يبلى ويبلينا # إن الزمان الذي ما زال يضحكنا # أنسا بقربهم قد عاد يبكينا # غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا # بأن نغص فقال الدهر: آمينا # فانحل ما كان معقودا بأنفسنا # وانبت ما كان موصولا بأيدينا # وقد نكون وما يخشى تفرقنا # فاليوم نحن وما يرجى تلاقينا # يا ليت شعري ولم نعتب أعاديكم # هل نال حظا من العتبى أعادينا؟ # بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا # شوقا إليكم ولا جفت مآقينا # تكاد حين تناجيكم ضمائرنا # يقضي علينا الأسى لولا تأسينا # حالت لفقدكم أيامنا فغدت # سودا وكانت بكم بيضا ليالينا ~~... إلخ. وكلها على هذا النمط من الجمال. # وله أشعار من نوع آخر غير النمط التقليدي كقوله: # سقى الله أطلال الأحبة بالحمى # وحالك عليها ثوب وشي منمنما # وأطلع فيها للأزاهر أنجما # فكم رفلت فيها الخرائد كالدمى # إذ العيش غض والزمان غلام # أهيم بجبار يعز وأخضع # شذا المسك من أردانه يتضوع # إذا جئت أشكوه الجوى ليس يسمع # فما أنا في شيء من الوصل أطمع # ولا أن يزور المقلتين منام # قضيب من الريحان أثمر بالبدر # لواحظ عينيه ملئن من السحر # وديباج خديه حكى رونق الخمر # وألفاظ ms532 في النطق كاللؤلؤ النثر # وريقته في الارتشاف مدام # ومن قوله أيضا على النمط المأثور: # يجوز على قلبي هوى ويجير # ويأمرني: إن الحبيب أمير # أغار عليه من لحاظي صيانة # وأكرمه: إن المحب غيور # أخف إلى لقيا الحبيب وإنني # لعمرك في جلي الأمور وقور # وقال: # رعى الله من يصلي فؤادي بحبه # سعيرا وعيني منه في جنة الخلد # غزالية العينين شمسية السنا # كثيبية الردفين غصنية القد # شكوت إليها حبها بمدامعي # وعلمتها ما قد لقيت من الوجد # فجادت وما كادت علي بخدها # وقد ينبع الماء النمير من الصلد # فقلت لها: هاتي ثناياك إنني # أفضل نوار الأقاحي على الورد # وميلي على جسمي فانثنت # تعيد الذي أملت منها كما تبدي # فيا ساعة ما كان أقصر وقتها # لدي تقضت غير مذمومة العهد # وله يتغزل في ولادة أيضا: # يا نازحات وضمير القلب مثواه # أنستك دنياك عبدا أنت مولاه # ألهتك عنه فكاهات تلذ بها # فليس يجري ببال منك ذكراه # عل الليالي تبقيني إلى أمل # الدهر يعلم والأيام معناه # ويقول: # غريب بأقصى الشرق يشكو معصبا # يحملها منه السلام إلى الغرب # فما ضر أنفاس الصبا في احتمالها # سلام فتى يهديه جسم إلى قلب # وحدث أن كان لولادة جارية سوداء تغني لها، وربما كانت إرثا من قصر ~~أبيها، فغازل ابن زيدون هذه الجارية السوداء، فاغتاظت ولادة غيظا ~~شديدا، وربما فعل ابن زيدون هذا ليثير فيها غريزة الغيرة، فقالت: # لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا # لم تهو جاريتي ولم تتخير # وتركت غصنا مثمرا بجماله # وجنحت للغصن الذي لم يثمر # ولقد علمت بأنني بدر السما # لكن ولعت لشوقتي بالمشتري # وربما اتصلت ولادة هي الأخرى بابن عبدوس انتقاما منه، وإثارة لغيرته، ~~جزاء وفاقا. # ولما علم ابن زيدون أن ابن عبدوس اتصل بها، قال فيه: # أكرم بولادة ذخرا لمدخر # لو فرقت بين بيطار وعطار # قالوا: أبو عامر أضحى يلم بها # قلت: الفراشة قد تدنو من النار # عيرتمونا بأن قد صار يخلفنا # فيمن نحب وما في ذاك من عار # أكل شهي أصبنا من أطايبه # بعضا، وبعضا ms533 صفحنا عنه للفار # والظاهر أنها لم تكن تحب ابن عبدوس كابن زيدون، وإنما بهرها ابن عبدوس ~~بماله، أو حدث ما جعلها تغيظ ابن زيدون في التظاهر بحب ابن عبدوس. # على كل حال بقي في السجن على حسب قوله نحو خمسمائة يوم، أي: سنة ونصف ~~تقريبا، وزارته أمه يوما في السجن، فبكت وأثارت شجونه، فقال في ذلك ~~قصيدته الجميلة التي مطلعها: # ألم يأن أن يبكي الغمام على مثلي # ويطلب ثأري البرق منصلت النصل # وهل أقامت أنجم الليل مأتما # لتندب في الآفاق ما ضاع من نثلي # 44 # ومنها: # ولو أنني أسطيع كي أرضي اليدا # شريت ببعض الحلم حظا من الجهل # وفيها يخاطب أمه فيقول: # أقلي بكاء لست أول حرة # طوت بالأسى كشحا على مضض # وفي أم موسى عبرة أن رمت به # إلى اليم في التابوت فاعتبري واسلي # لعل المليك المجمل الصنع قادرا # له بعد يأس سوف يجمل صنعا لي # 45 # ثم استرسل في عتاب ابن جهور. ولكن يظهر أن التهمة التي اتهم بها كانت لم ~~تحتمل الشك، فقد تركه ابن جهور في السجن، وكان لا يفارقه حب ولادة، فبعث ~~إليها بقصيدة طويلة يقول فيها: # إني ذكرتك بالزهراء مشتاقا # والأفق طلق ومرأى الأرض قد راقا # وللنسيم اعتلال في أصائله # كأنه رق لي فاعتل إشفاقا # والروض عن مائه الفضي مبتسم # كما شققت عن اللبات أطواقا # 46 # كل يهيج لنا ذكرى تشوقنا # إليك لم يعد عنها الصدر أن ضاقا # لا سكن الله قلبا عن ذكركم # فلم يطر بجناح الشوق خفاقا # فالآن أحمد ما كنا لعهدكم # سلوتم وبقينا نحن عشاقا # وبعثها إليها فلم ترد عليه، واستشفع بأستاذه الذي ذكرناه قبل، وهو أبو ~~بكر مسلم بن أحمد، ورجاه أن يتوسط له عن ابن جهور، وبعث إليه بقصيدة مر ~~بعضها ويقول فيها: # عليك أبا بكر بكرت بهمة # لها الخطر العالي وإن نالها الحط # أبى بعدما هيل التراب على أبي # ورهطي فذا حين لم يعبق لي رهط # ولولاك لم تقدح زناد قريحتي # فينتهب الظلماء من نارها سقط ~~••• # أتدنو قطوف ms534 الجنتين لمعشر # وغايتي السدر القليل أو الخمط ~~••• # يولونني عرض الكراهة والقلى # وما دهرهم إلا النفاسة والغمط # وقد وسموني بالتي لست أهلها # ولم يمن أمثالي بأمثالها قط ~~••• # وإني لراج أن تعود كبدئها # لي الشيمة الزهراء والخلق السبط # فما لك لا تختصني بشفاعة # يلوح على دهري لميسمها علط # 47 # ويظهر أن تدخل أستاذه قد نجح، فقد رأيناه عاد إلى البلاط، ونراه بعد ذلك ~~يمدح ابن جهور، ولكن لم نر ولادة قد عادت إلى صداقتها القديمة لابن ~~زيدون، بل نرى أنها انسحبت بعد ذلك من الميدان الأدبي، وعاشت سنين في بيت ~~ابن عبدوس، ورأينا بعد ذلك أن أبا الوليد بن جهور بعد أن مات أبوه وتولى هو ~~مكانه، قد أشفق على ابن زيدون من ضناه في الحب، فأرسله سفيرا عنه إلى بعض ~~أمراء الأندلس، لعله ينسى حبه. # ثم إن الزمان الذي يشيب كل شاب، ويهرم كل فتى وفتاة، ويميت كل حي، قد ~~عدا على ولادة، فأذهبها نضرة شبابها، ونظرت فإذا هي في الثمانين من عمرها ~~من غير زواج، ولكنها كانت خليلة هذا أو ذاك. # ونظرت أيضا فرأت أن حرارتها في الحب قد هدأت، وأن من كانوا يحبونها لم ~~يعودوا يتشببون بها؛ لأن الناس إنما كان يعجبهم فيها شبابها، فإذا ولى ~~الشباب ولى الحب، وسلا ابن زيدون، وسلا ابن عبدوس، وعاشت هي بذكريات ~~أمسها لا بيومها. # وقد رووا أن ولادة أخذت على ابن زيدون بعض معايب كانت تقصها على ~~الوسطاء، وتعتذر بها عن نبوتها عنه. ولسنا نبرئ ابن زيدون من كل عيب، ~~فلا بد له من عيوب فيه حالت بينه وبين استمرار ولادة في حبه، وكثرة ~~الناقمين عليه من أصحابه. والناس يخلطون كثيرا في الصفات فينسبون إلى ~~النابغة في ناحية كمالا في النواحي الأخرى، وهذا غير صحيح، فقد يكون ~~زعيما كبيرا، أو شاعرا عظيما في نواح خاصة، على حين أنه ساقط كل ~~السقوط في نواح أخرى، بل قد تكون نقطة قوته نامية على حساب ضعفه في ~~النواحي الأخرى، كالأعمى ينمو سمعه على حساب بصره. ms535 ولعل مترجمي ابن زيدون ~~قد وقعوا في هذا الخطأ، فجندوا أنفسهم للدفاع عنه في كل منقصة تنسب إليه، ~~ولعل خصومه كانوا محقين في توجيه اللوم له على بعض تصرفاته، ولكن لعلنا لم ~~نظفر بأشعار ابن زيدون الجميلة إلا لما فيه من مزايا وعيوب، وأي الناس تصفو ~~مشاربه؟! # ولما استطال ابن زيدون مدة سجنه، كتب إلى أبي الوليد بن جهور أن يستشفع ~~له عند أبيه أبي الحزم، فعفا عنه، ثم لما مات أبو الحزم وتولى مكانه ابنه ~~أبو الوليد قربه إليه، ولكن سرعان ما سمع أبو الوليد لأقوال وشاة ابن ~~زيدون؛ وهم بإعادته إلى السجن، فخاف ابن زيدون إذ كان قد ذاق مرارة ~~السجن، واعتزم أن يفر من قرطبة إلى إشبيلية، حيث كان يحكمها المعتضد بن ~~عباد، ولم يشأ أن يفر مفاجأة، فراسل أصدقاءه هناك، والمعتضد نفسه، فوعدوه ~~أن يستقبلوه استقبالا حسنا، ففر إليها، وصادف أن كان وقت نزوله عيد ~~الأضحى، فجاشت نفسه بالشعر فقال: # خليلي لا فطر يسر ولا أضحى # فما حال من أمسى مشوقا كما أضحى # وظل مدة المعتضد بن عباد مكرما معززا، ولما مات المعتضد رثاه رثاء ~~طويلا في قصيدة مطلعها: # أعباد يا أوفى الملوك لقد عدا # عليك زمان من سجيته الغدر # وكذلك كان شأنه مع ابنه المعتضد بن عباد. ثم إن حساد ابن زيدون نشطوا ~~من جديد، كشأنهم معه في كل بلد حل فيه، فأرادوا أن يغيروا عليه قلب ~~المعتضد بن عباد، فكانوا يرمون الرقع، ويقصدون القصائد في تحذيره من ابن ~~زيدون، فلم يأبه لهم، ولم يسمع لكلامهم، فلما يئسوا من ذلك أوعزوا إلى ابن ~~عباد أن يرسل ابن زيدون في جيش لإخماد فتنة حتى يستريحوا منه، وقالوا لابن ~~عباد: إن له من الشجاعة والفتوة، وحب الناس له ما يجعله أهلا لذلك. فسمع ~~لكلامهم، فأمره بالسفر مع الجيش مع أنه كان مريضا، فخضع للأمر، وسافر، ~~وعاد فلم يلبث إلا قليلا حتى مات رحمه الله ... ولابن زيدون ناحية نثرية ~~بديعة سنتكلم عنها في النثر. ~~(1-6) ابن عباد # أسرة ms536 بني عباد أسرة تنتمي إلى النعمان بن المنذر اللخمي، آخر ملوك ~~الحيرة، الملقب بماء السماء، وكثيرا ما كان يمدحه الشعراء بماء السماء، ~~مستخدمين الاسم والمعنى، وأفرادها يعتزون بالانتساب إليها، وقد كانوا أشهر ~~ملوك الطوائف، فملكوا إشبيلية وقرطبة، وفيهم يقول القائل: # من بني النذرين وهو انتساب # زاد في فخرهم بنو عباد # فتية لم تلد سواها المعالي # والمعالي قليلة الأولاد # عرفوا بالفقه والأدب والشجاعة وعلو الهمة، وكان المعتضد أبو المعتمد ~~شاعرا، ولكنه دون ابنه المعتمد. # وقد تجمعت للمعتمد أسباب كثيرة ألهبت عواطفه، على اختلاف أنواعها، فهو ~~محب شريب تلعب به عواطف الحب، ثم تلهبها الخمر، ومن ناحية أخرى يعتز ~~أحيانا في ملكه، فتمدحه الشعراء ويلهبون عنده عواطف المجد والفخر؛ ومن ~~ناحية يفقد ولديه في الحروب، وكانا شابين ماجدين، فتثور عنده عاطفة الحزن، ~~وأخيرا يذهب عنه عزه وملكه، فيذل بعد العزة، ويهون بعد العلو، ويفتقر بعد ~~الغنى، وينظر لحاله من جميع النواحي، فيرثى لها، ويبكي عليها بكاء مرا، ~~كل هذه الأسباب إذا اجتمعت في شاعر، أنطقته بخير الأقوال، وهو في شعره هذا ~~لا يتملق بمديح، ولا يتزلف لسلطان، إنما يشعر لنفسه، فحياته شعره، وشعره ~~حياته. # ويمكن تقسيم حياته إلى ثلاث فترات: ~~(1) # حياته الأولى في شبابه، تغمرها مجالس الأنس: خمر ونساء، ~~ومجالس أنس وأدب، وحرب أحيانا. وهذا قبل أن يتولى الملك. ~~وفي هذه الفترة كان يسير مرة مع صديقه الشاعر الكبير ابن ~~عمار على شاطئ نهر، فخطر على بال ابن عباد شطر بيت ~~وهو: # صنع الريح من الماء زرد ~~... ... ... ... # ثم أرتج عليه فام يستطع إكماله، فقال لابن عمار: أجز. فأرتج عليه ~~أيضا، فسمع جارية وراءه تقول: ~~... ... ... ... # يا له درعا منيعا لو جمد # وفي رواية أخرى: ~~... ... ... ... # أي درع لقتال لو جمد # فالتفت وراءه، فرأى فتاة أعجب بجمالها، وبحسن بديهتها، وكان مولاة يظهر ~~أنها أسرت في الحروب، أو مولدة، فسأل عن اسمها، فقيل: إن اسمها «اعتماد»، ~~وكان سيدها يسمى «رميك بن الحجاج» فاشتراها منه، وأحبها وملأت قلبه، ~~وشغلت جزءا كبيرا من حياته، وتسمى «اعتماد الرميكية». وقد ms537 أنجب منها ~~بعض أبنائه فشاركته في نعيمه وبؤسه، ويحكون أنها رغبت مرة أن تسير في طين ~~كعادتها قديما، فعمل لها ابن عباد وحلا من مسك وعنبر وكافور، تدليلا ~~لها، فلما غضبت مرة كعادة النساء أيام بؤسه وقالت له: «لم أنل منك يوم ~~سرور»، رد عليها وقال: «ولا يوم الطين؟» فخجلت وسكتت. # على كل حال كانت هذه فترة مرح وسرور وترف ونعيم. ~~(2) # ثم تولى الملك، فزاد ترفه ونعيمه وعظمته ومسئوليته، وقصده ~~الناس من كل فج، واتسع ملكه اتساعا كبيرا، فضم قرطبة إلى ~~إشبيلية، وفي ذلك الحين قالوا: إنه لم يقف بباب أحد من الشعراء ~~ما وقف ببابه. ثم عدا عليه الزمان الذي لا يرحم، فجاءت فترة ~~قوي فيها ملك الإسبان، حتى وضع الجزية على ابن عباد. وأخيرا ~~لما أحس ملك الإسبان بقوته رفض أن يأخذ الجزية، وأرسل رسولا ~~إليه، فضرب ابن عباد الرسول، وقتل من معه، وقال كلمته ~~المشهورة: «لأن أكون راعي جمل عند يوسف بن تاشفين، # 48 # خير من أكون قائدا كبيرا عند الأذفونش». # أحس الناس في ذلك الوقت الخطر الداهم عليهم من الإسبانيين، حتى قال ~~قائلهم: # حثوا رواحلكم يأهل أندلس # فما المقام بها إلا من الغلط # السلك ينثر من أطرافه وأرى # سلك الجزيرة منثورا من الوسط # من جاور الشر لم يأمن عواقبه # كيف الحياة مع الحيات في سفط # فلما سمع رجال الأندلس، أعيانها وفقهاؤها بذلك، اجتمعوا وقالوا: هذه مدن ~~الإسلام قد تغلب عليها الفرنج، وملوكنا يقاتل بعضهم بعضا، وإن استمر الحال ~~على هذا المنوال ملك الفرنج جميع البلاد، وجاءوا إلى القاضي عبد الله بن ~~محمد بن أدهم، وفاوضوه فيما نزل بالمسلمين، وتشاوروا فيما يفعلون، وآخر ما ~~اجتمع عليه رأيهم أن يكتبوا إلى يوسف بن تاشفين ملك الملثمين «المرابطين» ~~بالمغرب يستنجدونه، فاجتمع القاضي بالمعتمد، وأخبره بما جرى، فوافق على أنه ~~مصلحة، وقال له: تمضي إليه بنفسك، فكتب القاضي إليه، فما لبث ابن تاشفين أن ~~خرج مسرعا إلى مدينة «سبتة» وعبر هو وعسكره إلى الجزيرة الخضراء، وهي ~~مدينة في بر الأندلس، ms538 وأرسل إلى جيوشه أن يلحقوا به، وكتب إلى ابن عباد ~~بذلك، ووقعت وقعة كبيرة بين ابن تاشفين ومن تبعه من رجال الأندلس، وبين ~~الأذقونش ، وهي الوقعة المشهورة بوقعة الزلاقة، وفيها انهزم الإسبانيون ومن ~~معهم بعد قتال شديد، وكان ذلك في سنة 479ه، واتخذ هذا عاما مشهورا يؤرخون ~~به، فيقولون: «عام الزلاقة». وحارب مع ابن تاشفين ابن عباد، وأبلى بلاء ~~حسنا، وجرح مرارا، وتعرض للموت مرارا. # 49 # وكان المظنون أن يرحل ابن تاشفين عن الأندلس نهائيا بعد انتصاره ويعود ~~إلى بلاده، ولكن أطمعه أصحابه في البلاد فسمع لقولهم بعد أن رأى ثروتها ~~ونضارتها، وكثرة مالها، وربما فكر أيضا من ناحية صلاح المسلمين، فرأى أن ~~البلاد مقسمة إلى أمراء لا رابطة بينهم، وأنهم بهذا الوضع لا يستطيعون أن ~~يصدوا الإسبانيين، وأن القوة في الوحدة؛ فعزم أن يزيل ملوك الطوائف، ويضع ~~يده على البلاد. وأيا ما كان فقد رحل يوسف بن تاشفين، ثم عاد إلى الأندلس ~~ببربره الأجلاف، وأزال ملوك الطوائف، ومن بينهم المعتمد بن عباد. ~~(3) # قاتل ابن عباد أشد قتال، دفاعا عن بلاده، حتى اضطربت ~~إشبيلية اضطرابا خرج الناس معه من منازلهم، وبعضهم ألقى نفسه ~~في البحر. وفي ذلك يقول: # لما تماسكت الدموع # وتنهنه القلب الصديع # قالوا: الخضوع سياسة # فليبد منك لهم خضوع # وألذ من طعم الخضو # ع على فمي السم النقيع # إن تستلب عني الدنا # ملكي وتسلمني الدموع # فالقلب بين ضلوعه # لم تسلم القلب الضلوع # لم أستلب شرف الطبا # ع أيسلب الشرف الرفيع # قد رمت يوم نزالهم # ألا تحصنني الدروع # وبرزت ليس سوى القمي # ص عن الحشا شيء دفوع # وبذلت نفسي كي تسي # ل إذا يسيل بها النجيع # أجلي تأخر لم يكن # بهواي ذلي والخشوع # ما سرت قط إلى القتا # ل وكان من أملي الرجوع # شيم الألى أنا منهم # والأصل تتبعه الفروع # وشنت الغارة في البلد، ولم يترك البربر لأحد من أهلها ثبدا ولا لبدا، ~~وانتهبت قصور المعتمد نهبا قبيحا، وأخذ هو وأهله ووضعوا في السفن، ~~وكان له ولدان؛ المعتمد بالله، ms539 والراضي بالله، وكانا بمعقلين من معاقل ~~الأندلس المشهورة، لو شاءا أن يمتنعا بهما، لم يصل أحد إليهما، فضيق على ~~المعتمد بن عباد، وأثقل بالحديد، ليكتب لابنيه بأن يسلما، فلما أكثر ~~أبوهما من ذلك استسلما، ثم قتلا غيلة. وللمعتمد شعر كثير في رثاء ولديه ~~هذين، كقوله: # يقولون صبر لا سبيل إلى الصبر # سأبكي وأبكي ما تطاول من عمري # هوى الكوكبان الفتح ثم شقيقه # يزيد فهل بعد الكواكب من صبر # أفتح لقد فتحت لي باب رحمة # كما بيزيد الله قد زاد في أجري # هوى بكما المقدار عني ولم أمت # وأدعى وفيا! قد نكصت إلى الغدر # توليتما والسن بعد صغيرة # ولم تلبث الأيام أن صغرت قدري # فلو عدتما لاخترتما العود في الثرى # إذا أنتما أبصرتماني في الأسر # يعيد على سمعي الحديد نشيجه # ثقيلا، فتبكي العين بالحس والنقر # معي الأخوات الهالكات عليكما # وأمكما الثكلى المضرمة الصدر # فتبكي بدمع ليس للقطر مثله # وتزجرها التقوى فتصغي إلى الزجر # أبا خالد أورثتني البث خالدا # أبا النصر مذ ودعت ودعني نصري # 50 # وقبلكما ما أودع القلب حسرة # تجدد طول الدهر، ثكل أبي عمرو # 51 # ولما انهزم ابن عباد، وخرج بجواريه وأمواله، أخذ الناس يبكون بدموع غزار ~~عندما علموا بخروجه، وقال في ذلك الشاعر المشهور ابن اللبابة قصيدة ~~مطلعها: # تبكي السماء بدمع رائح غادي # على البهاليل من أبناء عباد # ومنها: # يا ضيف أفقر بيت المكرمات فخذ # في ضم رحلك واجمع فضلة الزاد # وقال ابن حمديس: # ولما رحلتم بالندى في أكفكم # وقلقل رضوى منكم وثبير # رفعت لساني ب «القيامة قد دنت» # فهذي الجبال الراسيات تسير # وأخرج من ملكه، ووضع في بلدة تسمى «أغمات» قرب مراكش، وقال في ذلك أبو ~~بكر الداني وهو ابن اللبانة أيضا: # لكل شيء من الأشياء ميقات # وللمنى من مناياهن غايات # والدهر في صبغة الحرباء منغمس # ألوان حالاته فيها استحالات # ونحن من لعب الشطرنج في يده # وربما قمرت بالبيدق الشاة # انفض يديك من الدنيا وساكنها # فالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا # وملء لعالمها الأرضي قد كتمت # سريرة ms540 العالم العلوي أغمات # فكان في أسره فقيرا معذبا، وما زال حاله يسوء حتى أصبح في عيشة ضنك ... ~~مر العيد عليه مرة، فذكر ما هو فيه من بؤس، وما كان فيه من عز، ~~فقال: # فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا # فساءك العيد في أغمات مأسورا # ترى بناتك في الأطمار جائعة # يغزلن للناس لا يملكن قطميرا # برزن نحوك للتسليم خاشعة # أبصارهن حسيرات مكاسيرا # يطأن في الطين والأقدام حافية # كأنها لم تطأ مسكا وكافورا # قد كان دهرك إن تأمره ممتثلا # فردك الدهر منهيا ومأمورا # من بات بعدك في ملك يسر به # فإنما بات بالأحلام مغروا # وثقلت عليه القيود مرة، وعضت ساقيه، فقال: # قيدي: أما تعلمني مسلما # أبيت أن تشفق أو ترحما # دمي شراب لك واللحم قد # أكلته! لا تهشم الأعظما # يبصرني فيك أبو هاشم # فينثني والقلب قد هشما # ارحم طفيلا طائشا لبه # لم يخش أن يأتيك مسترحما # وارحم أخيات له مثله # جرعتهن السم والعلقما # منهن من يفهم شيئا فقد # خفنا عليه للبكاء العمى # والغير لا يفهم شيئا فما # يفتح إلا لرضاع فما # والغريب أن الشعراء لم يخجلوا أن يسألوه وهو على تلك الحال فقال: # سألوا اليسير من الأسير وإنه # بسؤالهم لأحق منهم فاعجب # لولا الحياء وعزة لخمية # طي الحشا لحكاهم في المطلب # وهكذا كان كل شيء يذكره بماضيه، فيشعر فيه، وشعره كله صادق، إن كان في ~~لهوه وعزه فشعره عزة ولهو، وإن مات بعض أولاده فشعره رثاء وحنين، وإن وقف ~~فارسا في موقف البطولة فشعره بطولة، وإن أسر وسجن فشعره بكاء وحزن وذكر ~~لماض، وكلها أدب صادق حي، يستطيع القارئ أن يلحظ هذه الفترات كلها في ~~شعره، فهو ظل له. فإن رأيت غزلا هادئا، وحبا صادقا، فذلك في الفترة ~~الأولى، مثل قوله: # فتكت مقلتاه بالقلب مني # وبكت مقلتاي شوقا إليه # فحكى لحظه لنا سيف عبا # د ولحظي له سحاب يديه # وقوله: # كتبت وعندي من فراقك ما عندي # وفي كبدي ما فيه من لوعة الوجد # وما خطت الأقلام إلا وأدمعي # تخط سطور الشوق في صفحة ms541 الخد # ولولا طلاب المجد زرتك طيه # عميدا كما زار الندى ورق الورد # ومثل قوله: # ولقد شربت الراح يسطع نورها # والليل قد مد الظلام رداء # حتى تبدى البدر في جوزائه # ملكا تناهى بهجة وبهاء # وتناهضت زهر النجوم يحفه # لألاؤها فاستكمل اللألاء # لما أراد تنزها في غربه # جعل المظلة فوقه الجوزاء # وترى الكواكب كالمواكب حوله # رفعت ثرياها عليه لواء # وحكيته في الأرض بين مواكب # وكواعب جمعت سنا وسناء # إن نشرت تلك الدروع حنادسا # ملأت لنا هذي الكئوس ضياء # وإذا تغنت هذه في مزهر # لم تأل تلك على التريك غناء # وقوله: # يا صفوتي من البشر # يا كوكبا، بل يا قمر # يا غصنة إذا مشت # يا رشأ إذا نظر # يا نفس الروضة قد # هبت لها ريح سحر # يا ربة اللحظ الذي # شد وثاقا إذ فتر # متى أداوي بندا # ي السمع مني والبصر # ما بفؤادي من جوى # بما بفيك من خصر # وإذا رأيت شعره فخرا وشمما مملوءا حماسة أو رثاء فذلك في الفترة ~~الثانية، وإذا رأيت بكاء على الماضي، ومقارنة بين ماض زاهر، وحاضر بائس ~~فاعلم أن هذا ظل للفترة الثالثة كقوله: # قبح الدهر فماذا صنعا # كلما أعطى نفيسا نزعا # قد هوى ظلما بمن عادته # أن ينادي كل من يهوى «لعا» # راح لا يملك إلا دعوة # جبر الله العفاة الضيعا # وقوله: # بكيت إلى سرب القطا إذا مررن بي # سوارح لا سجن يعوق ولا كبل # ولم يك والله المعيد حسادة # ولكن حنينا أن شكلي لها شكل ~~••• # لنفسي إلى لقيا الحمام تشوق # سوائي بحب العيش في ساقه حجل # ألا عصم الله القطا في فراخها # فإن فراخي خانها الماء والظل # وقوله: # كنت حلف الندا ورب السماح # وحبيب النفوس والأرواح # إذ بيميني للبذل يوم العطايا # ولقبض الأرواح يوم الكفاح ~~••• # وأنا اليوم رهن أسر وفقر # مستباح الحمى مهيض الجناح # لا أجيب الصريخ إن حضر النا # س ولا المعتفين يوم السماح # عاد بشري الذي عهدت عبوسا # شغلتني الأشجان عن أراحي # فالتماحي إلى العيون كريه # ولقد كان نزهة اللماح ~~... إلخ. # وشعره من ms542 روح شعر ابن زيدون، وقد كانا متعاصرين، وكان ابن زيدون يمدح ابن ~~عباد، فلئن كان ابن عباد أرفع شأنا وأعلى نفسا فابن زيدون أغزر معنى، ~~وأطول نفسا. # وتبعة ابن تاشفين قوية على كل حال، فمهما كانت الأسباب التي حملت على ~~إزالة ملوك الطوائف، سواء كانت أسبابا وضيعة كحبه لمال الأندلس وخيراتها، ~~أو كانت أسبابا شريفة كتوحيد المملكة ضد أعدائه، فقد كان يستطيع أن يحبس ~~ابن عباد في قصر فخم يليق به، من غير قيود وأغلال، ويجري عليه من الرزق ما ~~يكفيه عن سعة. وبذلك يضمن تحصيل رغبته، ويخفف من وقع الألم عن ابن عباد، ~~ولكنه بدوي جلف، لا يفهم كثيرا معنى الإنسانية. # وقد كان حول ابن عباد شعراء كثيرون يمدحون ويلهون معه، وهو فيهم كالبدر ~~حوله الهالة، من أشهرهم ابن عمار، وابن زيدون وابن اللبانة، والحصري، ~~وابن حمديس الصقلي، وعلي بن حصن وغيرهم. فابن عمار شاعر كبير، ويظهر أنه ~~نشأ نشأة فقيرة في شلب وقرطبة، أخذ يتجول في بلاد الأندلس، يمدحهم وينال ~~منهم، حتى حط رحاله عند المعتمد بن عباد، فوجد منه ابن عباد أنيسا لطيفا، ~~وسميرا وأديبا، يشعر فيما يشعر فيه ابن عباد، غاية الأمر أن ابن عمار خضع ~~لنشأته الفقيرة، فكان لا يأمن الدهر، ولا يطمئن إليه، ولكنه مع ذلك كان ~~يشارك ابن عباد في التهام المسرات، فأخذ يمدحه ويقول فيه مثلا: # أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى # والنجم قد صرف العنان عن السرى # والصبح قد أهدى لنا كافوره # لما استرد الليل منا العنبرا # والروض كالحسنا كساه زهره # وشيا وقلده نداه الجوهرا # أو كالغلام زها بورد رياضه # خجلا وتاه بآسهن معذرا # روض كأن النهر فيه معصم # صاف أطل على رداء أخضرا # وتهزه ريح الصبا فتخاله # سيف ابن عباد يبدد عسكرا # ملك إذا ازدحم الملوك بمورد # ونحاه لا يردون حتى يصدرا # كان المعتمد بن عباد واليا أول الأمر على إشبيلية من قبل أبيه ~~المعتضد، فصاحبه ابن عمار، وحضه على الإسراف في الترف والنعيم، واللهو ~~والمجون، فلما علم المعتضد بذلك أراد ms543 أن يصرفه عن ابنه، حتى يلتفت إلى أمور ~~الولاية، فنفاه عن إشبيلية، فلما مات المعتضد وصار الأمر للمعتمد استقدمه ~~إلى غرناطة وجعله شاعره كما كان، وجعله وزيرا له ، ولكن يظهر أنه كان ~~طموحا وكان شجاعا غازيا، ويظهر أنه قد حدثته نفسه أن يحل محل سيده ابن ~~عباد، فاتهموه بأنه يدبر الدسائس لذلك، وكان له أعداء في البلاط يدسون له ~~ويدس لهم كابن زيدون. وأخيرا وبعد جملة حوادث غضب عليه الأمير ابن عباد ~~وقتله. وله شعر كثير مبثوث في كتب الأدب يدل على عظيم شاعريته وانتحائه ~~منحى أميره. ولم يكن ابن عباد فيما يظهر متجنيا، فقد عثر على قصيدة لابن ~~عمار عنيفة جدا ذم فيها المعتمد وآله وزوجه، ويظهر أن بلاط الأمراء ~~كعادته مملوء بالدسائس والأكاذيب والفتن، وهذا الذي وقع لابن عمار وقع ~~قريبا منه لابن زيدون كما ذكرنا ذلك من قبل. # وأما ابن اللبانة فكان شاعرا كبيرا، وكان أستاذا لابن زيدون. وأكبر ما ~~يؤثر عنه في هذه الكارثة أنه وصف وصفا مؤثرا رحيل ابن عباد لما وقع ~~أسيرا في يد المرابطين ونفيت أسرته، قال: # حموا حريمهم حتى إذا غلبوا # سيقوا على نسق في حبل مرتاد # وأنزلوا عن متون الشهب واحتملوا # فويق دهم لتلك الخيل أنداد # وعيث في كل طوق من دروعهم # فصيغ منهن أغلال لأجياد # والناس قد ملئوا العبرين واعتبروا # من لؤلؤ طافيات فوق أزياد # حط القناع فلم تستر مخدرة # ومزقت أوجه تمزيق أبراد # حان الوداع فضجت كل صارخة # وصارخ من مفداة ومن فادي # سارت سفائنهم والنوم يصحبها # كأنها إبل يحدو بها الحادي # كم سال في الماء من دمع وكم حملت # تلك القطائع من قطعات أكباد # من لي بكم يا بني ماء السماء إذا # ماء السماء أبى سقيا حشا الصادي # وأما الحصري فهو صاحب «زهر الآداب» المشهور، وقد أخذ عليه أنه استجدى ~~ابن عباد من منفاه، وكان فقيرا، فأخذت ابن عباد أريحيته وبعث إليه بكل ما ~~معه، وبعث مع ذلك بقطعة يعتذر فيها عن قلة ما منحه. واستبشع مؤرخو الأدب ms544 ~~فعلة الحصري وقالوا: «إنه جرى مع المعتمد على سوء عادته، من قبح الكدية، ~~وإفراط الإلحاف». # وأما ابن حمديس فصقلي الأصل، ولد حوالي سنة 447ه في سرقوسة بصقلية، ~~واشتهر بالشعر من صغره، ولما سقطت صقلية في يد النورمانديين سنة 471ه فر ~~ابن حمديس إلى الأندلس، وكان شاعرا في بلاط المعتمد أيام كان أميرا على ~~إشبيلية، فلما أصيب ابن عباد بالمحنة وفى له ابن حمديس، وعاش معه. وله ~~ديوان شعر كبير، نشره «أماري» وهو يمثل حياته حينما عاش في صقلية، ~~وحينما كان في بلاط ابن عباد في إشبيلية، وحين كان مع ابن عباد في ~~سجنه. # أما علي بن حصن فهو شاعر يمثل خاصة شعراء الأندلس في التكلف في ~~الاستعارة والاصطناع في التشبيه، كقوله يصف فرخ حمام: # وما هاجني إلا ابن ورقاء هاتف # على فنن بين الجزيرة والنهر # مفستق طوق لازوردي كلكل # موشى الطلا أحوى القوادم والظهر # أدار على الياقوت أجفان لؤلؤ # وصاغ من العقيان طوقا على الثغر # جديد شبا المنقار داج كأنه # شبا قلم من فضة مد في حبر # توسد من فرع الأراك أريكة # ونام على طي الجناح مع النحر # ولما رأى دمعي مراقا أرابه # بكائي فاستولى على الغصن النضر # وحث جناحيه وصفق طائرا # وطار بقلبي حيث طار ولا أدري # وهو نوع من الشعر لا أحبه؛ لأنه لا يدل على عاطفة صادقة، وإنما يدل على ~~لعب بهلوانية. # وعلى الجملة فقد كان ابن عباد أيام نعيمه وأيام بؤسه نعمة على الأدب بما ~~قاله في وصف مشاعره، وبما قاله الأدباء فيه. ~~(1-7) ابن سهل # هو إبراهيم بن سهل الإسرائيلي، كان إسرائيليا فأسلم وتعلم العلم عن ~~رجال الأندلس، وكانت حلقات العلم شائعة بين المسلمين والنصارى واليهود، لا ~~يحجب عنها من أراد، فمن أساتيذه مثلا أبو علي الشلوبيني، واشتهر ابن سهل ~~بهوى يهودي اسمه موسى، كاد يخصص فيه كل شعره، فأعاد لنا ذكرى أبي نواس في ~~شعره في المذكر، غير أن ابن سهل كان أسهل لفظا، وأحسن معنى، أما أبو نواس ~~فكان أجزل لفظا، وأمرح في ms545 غزله نفسا، وكان أبو نواس متعدد النواحي، يقول ~~في المديح وفي الرثاء وفي غزل المذكر والمؤنث، وفي الزهد. أما هذا فشعره ~~كله تقريبا في غزله في محبوبه موسى، وهو في الرقة كابن زيدون. وقد قالوا: ~~إنه أحب بعد ذلك فتى اسمه محمد، وقال في التورية في ذلك: # تركت هوى موسى لحب محمد # ولولا هدى الرحمن ما كنت أهتدي # وما عن قلى مني تركت وإنما # شريعة موسى عطلت بمحمد # ومن شعره: # ردوا على طرفي النوم الذي سلبا # وخبروني بقلبي أية ذهبا # علمت لما رضيت الحب منزلة # أن المنام على عيني قد غضبا # إني له عن دمي المسفوك معتذر # أقول حملته في سفكه تعبا # نفسي تلذ الأسى فيد وتألفه # هل تعلمون لنفسي في الجوى نسبا # قالوا: عهدناك من أهل الرشاد فما # أغواك؟ قلت: اطلبوا في لحظه السببا # من صاغه الله من ماء الحياة وقد # أجرى بقيته في ثغره شنبا # كم ليلة بتها والنجم يشهد لي # رهين شوق إذا غالبته غلبا # مرددا في الدجى لهفا ولو نطقت # نجومها رددت من حالتي عجبا # ماذا ترى في محب ما ذكرت له # إلا بكى أو شكا أو حن أو طربا؟ # وقوله: # كأن الحال في وجنات موسى # سواد العتب في نور الوداد # أخط لصدغه في الحسن واوا # قنقطة خاله بعض المداد # لواحظه محيرة ولكن # بها اهتدت الشجون إلى فؤادي # وقوله: # بكيت على النهر أخفي الدموع # فعرضها لونها للظهور # وقفت سحيرا وغالبت شوقي # ونادى الأسى حسنه: من مجير؟ # أنار وقد نفحت زفرتي # فصار الغدو كوقت الهجير # أموسى: تهن نعيم الكرى # فليلي بعدك ليل ضرير # وقوله: # سل في الظلام أخاك البدر عن سهري # تدري النجوم كما تدري الورى خبري # أبيت أسجع بالشكوى وأشرب من # بين الرياض وبين الكاس والوتر # بعض المحاسن يهوى بعضها، عجبا # تأملوا كيف هام الغنج بالخفر # إن تقصني فنفار جاء من رشأ # أو تضنني فمحاق جاء من قمر # وقال: # وإني لثوب الحزن أجدر لابس # وموسى لثوب الحسن أحسن مرتدي # تأمل لظى شوقي وموسى يشبها ~~«تجد خير ms546 نار عندها خير موقد» # إذا ما رنا شزرا فقل: لحظ أحور # وإن يلو إعراضا فصفحة أغيد # وعذب بالي أنعم الله باله # وسهدني، لا ذاق طعم التسهد # شكوت فجاءوا بالطبيب وإنما # طبيب سقامي في لواحظ مسعد # إلى أن يقول: # وكان الهوى ما بين عينيك كامنا # كمون المنايا في الحسام المهند # أظل ويومي فيك هجر ووحشة # ويومي بحمد الله أحسن من غدي # وصالك أشهى من معاودة الصبا # وأطيب من عيش الزمان الممهد # عليك فطمت العين من لذة الكرى # وأخرجت قلبي طيب النفس من يدي # ويقول: # يقولون: لو قبلته لاشتفى الجوى # أيطمع في التقبيل من يعشق البدرا # ولو غفل الواشي لقبلت نعله # أنزهه أن أذكر الجيد والثغرا # وما أنا من يستحمل # 52 # الريح سره # أغار حفاظا أن أذيع له سرا # إذا فئة العذال جاءت بسحرها # ففي وجه موسى آية تبطل السحر # وقال فيه موشحات أيضا ربما تذكر بعضها بعد، وقد مات غريقا سنة 649ه قبل ~~سقوط الأندلس بقليل، وشعره يدل على أن الأندلس انهارت سياسيا بتفرق أهلها ~~وأمرائها، ولكن لم تسقط أدبيا. ~~(1-8) ابن قزمان # هو شاعر من نوع آخر. لئن كان الذين سبقوا شعروا لخلفاء وأمراء ووزراء ~~وعلماء، أو شعروا لأنفسهم من غزل ونسيب ونحو ذلك فابن قزمان شعر للشعب، وقد ~~رأى أن يطرب الناس بالزجل والموشحات، فقال في ذلك شعرا، وجال به في ~~الآفاق، فنراه في إشبيلية وقرطبة وبلنسية وغير ذلك من البلاد، ويظهر أنه ~~كان من صميم الشعب، وإن كان بعض المترجمين لقبه بالوزير، فيظهر أن أكثر من ~~واحد لقب بابن قزمان. وإذ كان ديوانه باللهجة الشعبية، ولهجة الأندلس ~~تخالف بقية اللهجات، كان فهم ديوانه عسيرا. يضاف إلى ذلك أن الأزجال ~~والموشحات وأدب الشعب على العموم ليس كالأدب الكلاسيكي، وديوانه طرفة من ~~الطرف الشعبية، لولا أن لغته الدارجة صعبة الفهم علينا؛ لأن فيها تعبيرات ~~أندلسية تخالف ما لنا، وهذا عيب اللغة الدارجة، فلئن كانت اللغة الفصحى ~~قدرا شائعا بين المتكلمين باللغة العربية في جميع الأقطار، فاللغة ~~الدارجة لهجة محلية قل ms547 أن يفهمها إلا أهلها. وهذا الديوان يخرج عن حد ~~الوقار كديوان ابن حجاج وابن سكرة، يشيع فيه الفحش والعبث ولا يخضع لأي نوع ~~من أنواع المنطق، ولما استحسنها الشعب لانسجامها مع ذوقه شاعت بينهم ، ~~وترفعت عنه الفئة المهذبة المثقفة. # والأدب الشعبي يسمع أحسن مما يقرأ؛ لذلك صعبت قطع كثيرة في ديوانه عن أن ~~تفهم. وقد عني بعض المستشرقين بشعره كثيرا؛ لأن شعره أكثر دلالة على ~~حالات الشعب من الشعر الكلاسيكي. والغالب أنه كتب باللغة القرطبية وهو مجال ~~دراسة طويلة لمن يريد أن يدرس الزجل والموشحات، وتدل أشعاره على فقره وتعبه ~~في الحياة، ومجاهدته في تحصيل العيش، ولا يزال ديوانه المنشور موضع دراسات ~~كثيرة من نواح مختلفة مع التصحيح والتعليق، وعلى يده تقدم الزجل ~~والموشحات، ويظهر من ديوانه أنه مثقف ثقافة أدبية، فهو يذكر أسماء كثيرة من ~~الشعراء وهو يذكرنا بزجالي مصر الأدباء، أمثال النجار، والقوصي. # ومن قوله: # يملك الفارس رمحا بيد # وأنا أمسك فيها قصبه # فكلانا بطل في حربه # إن الأقلام رماح الكتبه # وطلب منه صديق أن يدعوه إلى مجلس مؤانسة فقال: # أتى من المجد أمر لا مرد له # نمشي على الرأس فيه لا على قدم # رقز # 53 # ورقص وما أحببت من ملح # عندي وأكثر ما تدريه من شيمي # حتى يكون كلام الحاضرين بها # عند الصباح وما بالعهد من قدم ~~«يا ليلة السفح هلا عدت ثانية # سقى زمانك هطال من الديم» # 54 # ويقول: # لا تطمئن إلى أحد # واحذر وشمر واستعد # فالكل كلب مؤسد # إلا إذا وجدوا أسد # وهو عادة يخلط المديح بالغزل، بالطلب، بالفكاهة، وهكذا. وسنأتي أمثلة من ~~زجله وموشحاته عند الكلام على الزجل والموشحات. # هذا الذي ذكرنا يمثل إلا شعر الشعراء الذي تخصصوا للشعر، مع أن جزءا ~~كبيرا من الشعر صدر عن جماعة غير متخصصين له، لا بد أن نضيف نموذجا منه، ~~فمثلا يقول أحدهم في ساقية: # لله دولاب يفيض بسلسل # في جنة قد أينعت أفنانا # أضحت تطارحه الحمائم شجوها # فيجيبها ويرجع الألحانا # وكأنه دنف أطاف بمعهد # يبكي ويسأل ms548 فيه عمن بانا # ضاقت مجاري جفنه عن دمعه # فتفتقت أضلاعه أجفانا # ويقول آخر في زجاجة سوداء: # سأشكو إلى الندمان أمر زجاجة # تردت بثوب حالك اللون أسحم # صببت بها شمس المدامة بيننا # فتغرب في جنح من الليل مظلم # وتجحد أنوا الحميا بلونها # كقلب حسود جاحد يد منعم # ويقول آخر في الخال: # ألوامي على كلفي بيحيى # متى من حبه أرجو سراحا # وبين الخد والشفتين خال # كزنجي أتى روضا صباحا # تحير في جناه فليس يدري # أيجني الورد أم يجني الأقاحا # ويقول آخر في مشهد حب: # يا حسنه والحسن بعض صفاته # والسحر مقصور على حركاته # بدر لو ان البدر قيل له: اقترح # أملا، لقال: أكون من هالاته # وإذا هلال الأفق قابل شخصه # أبصرته كالشكل في مرآته # والخال ينقط في صحيفة خذه # ما خط فيها الصدغ من نوناته # صاحبته والليل يدني تحته # نارين من نفسي ومن وجناته # وضممته ضم البخيل لماله # أحنو عليه من جميع جهاته # أو ثقته في ساعدي؛ لأنه # ظبي أخاف عليه من فلتاته # وأبى عفافي أن أقبل ثغره # والقلب مطوي على جمراته # فاعجب لملتهب الجوانح غلة # يشكو الظما والماء في لهواته # وقال آخر في وصف الحبيب: # وضعت في الزجاج فالتهبت # وكسته ثوبا من اللهب # وعلا فوقها الحباب فلم # تبصر العين مثل ذا العجب # ضرم النار فوقه برد # كائن عنه منه في النسم # وقال آخر في وصف زورق: # وسابح بان لا تثنى قوائمه # كالصقر ينحط مذعورا لثعبان # كأنه مقلة للجو شاخصة # ومن مجاذيفه أهداب أجفان ~~... إلخ. # فكان غير الشعراء الرسميين يتظرفون بذكر ما يعرض من مناظر، وفي مجالس ~~الأنس وفي الغزل، لا في المديح وأمثاله، مما تركوه للشعراء الرسميين. وهذا ~~الذي فعله غير الرسميين أقرب إلى معنى الشعر. وعلى العموم فهو يكمل الصورة ~~التي للشعر الأندلسي. ~~(2) الموشحات والأزجال # بقي الشعر في الأندلس مقلدا للشعر الكلاسيكي في الشرق، ثم سبق الأندلس ~~إلى نوع طريف من الشعر الشعبي، هو الموشحات والأزجال، لا يقصدون منهما إلى ~~المثقفين وحدهم، بل يقصدون بهما الشعب كله، عالمه وعاميه، ولا ms549 يزال البحث ~~مستمرا في علة ذلك، وسبب ظهوره، وهل كان اختراعه عربيا بحتا، أو متأثرا ~~بآداب أخرى مجاورة. على كل حال تمتاز الموشحات بطابع مخصوص من الأوزان ~~والتقاطيع، غير الأنواع المألوفة في الشعر القديم. # وقد عقد ابن خلود فصلا دقيقا في مقدمته في الشعر، تعرض فيه للموشحات ~~والأزجال، ملخص ما قاله: إنهم في الموشحات «ينظمونها أسماطا أسماطا، وأغصانا ~~أغصانا، ينسبون فيها ويمدحون، كما يفعل في القصائد، وقد استظرفها الناس ~~وجملة الخاصة والكافة، لسهولة تناولها، وقرب طريقها، وكان المخترع لها في جزيرة ~~الأندلس مقدم بن معافى القبري، من شعراء الأمير عبد الله بن محمد، وأخذ عنه ~~ذلك ابن عبد ربه صاحب العقد، ثم برع في هذا الشأن بعدهما عبادة القزاز، شاعر ~~المعتصم بن صماح، ثم جاءت الحلبة التي كانت في أيام الملثمين «المرابطين» ~~فظهرت لهم البدائع». # ولنذكر بعض الأمثلة من هذه الموشحات: # موشحة منسوبة لابن زهر: # أيها الساقي إليك المشتكى # قد دعوناك وإن لم تسمع # ونديم همت في غرته # ويشرب الراح من راحته # كلما استيقظ من سكرته # جذب الزق إليه واتكا # وسقاني أربعا في أربع # ما لعيني عشيت بالنظر # أنكرت بعدك ضوء القمر # فإذا ما شئت فاسمع خبري # عشيت عيناي من طول البكا # وبكى بعضي على بعضي معي # غصن بان مال من حيث التوى # بات من يهواه من فرط الجوى # خفق الأحشاء موهون القوى # كلما فكر في البين بكى # ويحه يبكي لما لم يقع # ليس لي صبر ولا لي جلد # يا لقومي عذلوا واجتهدوا # أنكروا دعواي مما أجد # مثل حالي حقه أن يشتكي # كمد اليأس وذل الطمع # كبد حرى ودمع يكف # يذرف الدمع ولا ينذرف # أيها المعرض عما أصف # قد نما حبي بقلبي وزكا # لا تخل في الحب أني مدعي # ولابن سهل الإسرائيلي الأندلسي: # هل درى ظبي الحما أن قد حمي # قلب صب حله من مكنس # فهو في حر وخفق مثلما # لعبت ريح الصبا بالقبس # يا بدورا أشرقت يوم النوى # غررا تسلك بي نهج الغرر # ما لنفسي في الهوى ذنب سوى ms550 # منكم الحسنى ومن عيني النظر # أجتني اللذات مكلوم الجوى # والتداني من حبيبي بالفكر # كلمات أشكوه وجدي بسما # كالربا بالعارض المنبجس # إذ يقيم القطر فيها مأتما # وهي من بهجتها في عرس ~~... إلخ. # وقال لسان الدين بن الخطيب : # جادك الغيث إذا الغيث همى # يا زمان الوصل بالأندلس # لم يكن وصلك إلا حلما # في الكرى أو خلسة المختلس ~~••• # إذ يقود الدهر أشتات المنى # ينقل الخطو على ما يرسم # زمرا بين فرادى وثنى # مثلما يدعو الوفود الموسم # والحيا قد جلل الروض سني # فثغور الروض عنه تبسم # وروى النعمان عن ماء السما # كيف يروي مالك عن أنس # فكساه الحسن ثوبا معلما # يزدهي عنه بأبهى ملبس # ولأبي بكر الأبيض الوشاح: # ما لذ لي شرب راح # مما أباد القلوبا # على رياض الأقاح # يمشي لنا مستريبا # لولا هضيم الوشاح # يا لحظه رد نوبا # إذا أسا في الصباح # ويا لماه الشنيبا # أو في الأصيل # برد غليل # أضحى يقول: # صب عليل # ما للشمول # لا يستحيل # لطمت خدي # فيه عن عهدي # وللشمال # ولا يزال # هبت فمال # في كل حال # هبت اعتدال # يرجو الوصال # ضمه بردي # وهو في الصد # وقد انتقل فن الموشحات والأزجال من الأندلس إلى سائر البلاد الشرقية، وكل ~~نظمه بلغته لاختلاف اللغات الدارجة في الأمصار، فإن أزجال ابن قزمان وموشحات ~~الأندلس كانت تروى في جميع البلاد. قال ابن سعيد: ورأيت أزجال ابن قزمان مروية ~~ببغداد أكثر مما رأيتها بحواضر المغرب، فاشتهر في تونس مثلا مدغليس، فقال ~~في زجله: # ورذاذ دق ينزل # وشعاع الشمس يضرب # فترى الواحد يفضض # وترى الآخر يذهب # والنبات يشرب ويسكر # والغصون ترقص وتطرب # وتريد تيجي إلينا # ثم تستحيي وتهرب # ووضع ابن سنا الملك المصري موشحة أولها: # حبيبي ارفع حجاب النور # عن العذار # ننظر المسك على الكافور # في جلنار # كللي يا سحب تيجان الربا بالحلي # واجعلي سوارها منعطف الجدول # وقال أحد أهل فاس: # المال زينة الدنيا وعز النفوس # يبهي وجوها ليس هي باهيه # فها كل من هو كثير الفلوس # ولوه الكلام والرتبة العاليه # يكبروا من كتر ماله ms551 ولو كان صغير # ويصغروا عزيز القوم إذا يفتقر # من ذا ينطبق صدري ومن ذا يغير # وكاد ينفقع لولا الرجوع للقدر # حتى يلتجي من هو في قومه كبير # لمن لا أصل عندو ولا لو خطر # وعلى أساس الزجل هذا اخترع عامة بغداد فنا من الشعر سموه المواليا، ~~وتبعهم في ذلك أهل مصر والقاهرة. قال: # ناديتها ومشيبي قد طواني طي # جودي علي بقبلة في الهوى يا مي # قالت وقد كوت داخل فؤادي كي: # ما ظن ذا القطن يغشى فم من هو حي # ومنها: # عيني التي كنت أرعاكم بها باتت # ترعى النجوم، وبالتسهيد اقتاتت # وأسهم البين صابتني ولا فاتت # وسلوتي عظم الله أجركم ماتت ~~... إلخ. # وهنا ملاحظات نذكرها على فن التوشيح والزجل: ~~(1) # أن طبيعة التوشيح والزجل تجعلهما يسمعان أحسن مما يقرآن، ~~وبعبارة أخرى يقومان بالأذن أكثر مما يقومان بالعين؛ وذلك ~~لأنها في كثير من الأحيان يعوض فيها نقص الوزن بمد الحرف أو قصره ~~أو غنته أو نحو ذلك. فهذه كلها تعوض في زيادة حرف أو نقصان حرف، ~~فكانت تسمع خيرا مما تقرأ. ~~(2) # تخضع الموشحات والأزجال لخصائص كل بلدة؛ لأن اللغة العربية ~~الفصحى عامة في جميع الشعوب العربية. أما اللغة الدارجة فخاصة بكل ~~قطر؛ ولذلك نرى أن الشعر الكلاسيكي قل أن يفرق بينه باختلاف ~~الأقطار، أما الموشحات والأزجال فخاضعة لألفاظ كل قطر وأساليبه؛ ~~ولهذا كان من الصعب أن يفهم قطر زجل القطر الآخر أو موشحاته؛ ولهذا ~~أيضا صعب علينا مثلا أن نفهم ديوان ابن قزمان؛ لأن اللغة ~~الأندلسية الدارجة تختلف عن اللغة المصرية الدارجة. ~~(3) # أخطأ المؤلفون الأرستقراطيون في احتقار الموشحات والأزجال؛ لأنها ~~شعبية، واعتذر المقري عن إيراد بعض ذلك في كتبه، فقال في كتابه ~~«أزهار الرياض»: «كأن بمنتقد ليس له خير، يسدد سهام الاعتراض ~~ويتولى كبره، ويقول: ما لنا وإدخال الهزل في معرض الجد الصراح، ~~وما الذي أحوجنا إلى ذكر هذا المنحى، والأليق كرحه كل الاطراح؟» ~~وأجاب عن ذلك بأنه من باب ترويح القلب، والعون على الجد، واستشهد ~~بقول القائل: # قل للأحبة والحديث شجون: ms552 # ما ضر أن شاب الوقار مجون # مع أنا نلاحظ أن الموشحات والأزجال فيها من البلاغة ~~والاستعارات والمجازات ما لا يقل عما في اللغة الفصحى، وليست ~~كلها هزلا ومجونا، بل قد يكون فيها جد ووعظ ودعوة إلى أخلاق ~~عالية، عدا ما فيها من بلاغة. فنحن لا ننقد المقري ولا ابن خلدون ~~وأمثالهما بروايتهم هذا الضرب من الأدب، بل ننقد غيرهم لعدم ~~روايته، والسكوت عنه، فإذا كان للأرستقراطيين متعة في الأدب ~~الأرستقراطي، فللشعب حق في أن يستمتع بأزجاله وموشحاته. ومؤرخ ~~الأدب لا يصح أن يغفل هذا الضرب منه؛ لأن فيه خيرا كثيرا. وقد ~~اقتصر جامعو المختارات على الفنون الجميلة كأنها وحدها هي ~~الأدب. # على أن الأدب بمعناه الواسع أشمل من ذلك، فمقدمة ابن خلدون أدب، ~~وسراج الملوك للطرطوشي أدب، والموشحات والأزجال أدب، وشعر التصوف ~~أدب، فاقتصارهم في الاختيار على الغزل والمديح ونحوهما باللغة ~~الفصحى جعل كثيرا من الناس يرمون الأدب العربي بالقصور، ولو وسعوا ~~اختيارهم لأبانوا غنى الأدب العربي وتعدد مناحيه. # والواقع أن الأدب الشعبي يحتاج إلى تأريخ كأدب اللغة الفصحى، كيف ~~نشأ وكيف تطور، وله مناح كثيرة تحتاج إلى التأريخ كالفكاهة ~~والأمثال العامية، وكيف نبعت وانتشرت، والأزجال والموشحات وخصائص ~~كل قطر فيها. ومع الأسف لم يؤرخ ذلك تأريخا شاملا من مبدئه إلى ~~منتهاه. # 55 ~~(4) # الفرق بين الموشحة والزجل: أن الموشحة باللغة الفصحى إلا قليلا، ~~وأما الزجل فهو باللغة الدارجة. وكان للأندلسيين لغة خاصة هي خليط ~~من اللغة العربية والبربرية والإسبانية، وإن شئت فقل: واللاتينية، ~~والأزجال في أغلب الأحيان متبذلة وخصوصا أزجال ابن قزمان، ليس ~~فيها أي تحفظ أو احتشام، فيها ما يجري بين الماجنين في الملاهي، ~~وفيها فحش مخجل، والغالب أنها كانت لشهرتها وملاءمتها لروح الشعب ~~تقال جماعيا، على العود والطنبور والدف، في الشوارع وفي الأندية ~~الشعبية، وفي دور الملاهي؛ ولأن أزجاله وأزجال غيره على هذه الحال، ~~صعب فهمها، حتى لنرى أحيانا في ابن قزمان بعض عبارات عربية وبعض ~~عبارات إسبانية، فالإسبانية مثل قوله في بعض زجله: # مخشل دشول، وهي مأخوذة ms553 من الإسبانية # mijell des sol ~~، بمعنى: خد ~~كأنه الشمس. # 56 # على كل حال ابتكر الأندلسيون فن الموشحات والأزجال في أوربا، وهذا يضاف إلى ~~تأثير الأندلسيين في الغرب، وقد دعاهم إلى ذلك ما أحسوا من ثقل القيود في الشعر ~~الفصيح، من أوزان ووحدة قافية وقيود إعراب، فجاءت نوبة هاجوا فيها على هذه ~~الأوضاع كما هاج أبو نواس على بكاء الأطلال، وكما هاج الموحدون على التقليد في ~~الفقه والنحو وغير ذلك. # غاية الأمر أن دعوة كل هؤلاء ضاعت، فعاد أبو نواس يبكي الأطلال كما بكوا، ~~ويشعر الشعر الجاهلي كما شعروا، وعاد النحو إلى تقدير العوامل، وعاد الموحدون ~~إلى اضطهاد الفلاسفة بعد أن قربوهم إليهم. أما الموشحات والأزجال فقد نجحت؛ لأن ~~الناس استجابوا إليها في حماسة، إذ رأوها تعفيهم من القيود، وتحررهم من التزام ~~قافية واحدة، وتسمح لهم باستعمال الكلمات العامية، والتعبيرات العامية الظريفة، ~~وتحررهم من قيود الإعراب؛ ولذلك كانت البدع الشائع. كما امتازت الموشحات ~~والأزجال بأنها تتبع النغمات الموسيقية، لا التفاعيل العروضية؛ ولذلك تجدهم ~~يزيدون كلمات لحفظ الوزن، مثل: يا لللي، ونحو ذلك، وبذلك ربطوا بين الشعر ~~والغناء والرقص، كما هو العادة في نشأة هذه الفنون. # قال ابن سنا الملك في دار الطراز: «ليس للموشحات عروض إلا التلحين، ولا ضرب ~~إلا الضرب، ولا أوتار إلا الملاوي، وأكثرها مبني على الأرغن»، وتحرروا أيضا ~~من التقيد بستة عشر بحرا، فقالوا من الأوزان ما شاءوا أن يقولوا، فالأذن ~~الموسيقية هي الحكم، لا أبحر الخليل. # قال ابن سنا الملك أيضا في هذا الكتاب: إنه حاول حصر أوزان الموشحات فأخفق، ~~«وكنت أردت أن أقيم للموشحات عروضا يكون دفترا لحسابها، وميزانا لأوتارها، ~~فعز ذلك وأعوز لخروجها عن الحصر، وانفلاتها من الكف». # وتعددت قوافي الموشحة، حتى بلغت العشرات، لما رأوا أن التزام القافية لا يترك ~~وراءه إلا السآمة والملل، كالنغمة الواحدة تكرر مرارا، وخرجوا عن أعاريض الشعر ~~المعروفة، حتى قال ابن بسام صاحب الذخيرة: «إن أكثر الموشحات على غير أعاريض ~~الشعراء، وعلى أشطار، كما أن أكثرها على الأعاريض المهملة ms554 غير المستعملة، وقد ~~أخذ واضع الموشحة اللفظ العامي والعجمي، وسماه المركز، ووضع عليه موشحة دون ~~تضمين ولا أغصان». وامتازت الموشحات والأزجال بالسهولة، وهذه هي التي أكسبتها ~~الحياة، فمن أراد في الموشحة أو الزجل أن يتقعر كان سخيفا، قال ابن حردون: «ما ~~الموشح بالموشح، حتى يكون عاريا على التكلف»، ولم يتورع الخاصة عن الاشتراك في ~~التأليف في الموشحات والأزجال، فرويت لنا موشحات عن الطبيب ابن زهر، والفيلسوف ~~ابن باجة، والوزير الخطير لسان الدين بن الخطيب. ومما قاله ابن خلدون في بحثه: ~~«وأما أهل الأندلس فلما كثر الشعر في قطرهم، وتهذبت مناحيه وفنونه، وبلغ ~~التنسيق فيه الغاية، استحدث المتأخرون منهم فنا منه، وسموه بالموشح» ... إلى ~~آخر ما ذكرناه من هذا البحث في صدر الكلام عن الموشحات. # وكان أول من برع بعد «مقدم» و«ابن عبد ربه» في هذا الشعر هو عبادة القزاز، ~~إذ قال: # بدر تم شمس ضحى # غصن نقا مسك شم # ما أتم ما أوضحا # ما أورقا ما أنم # لا جرم من لمحا # قد عشقا قد حرم # ثم جاءت حلبة في مدة الملثمين فظهرت لهم البدائع، وفرسان حلبتهم الأعمى ~~التطيلي، وله من الموشحات قوله: # كيف السبيل إلى # صبري وفي العالم # أشجان # والركب وسط الفلا # بالخرد النواعم # قد بانوا # وذكروا أن جماعة من الموشحين اجتمعوا في مجلس بإشبيلية، وكان كل واحد قد صنع ~~موشحة وتأنق فيها، فتقدم الأعمى التطيلي للإنشاد، فلما افتتح موشحته المشهورة ~~بقوله: # ضاحك عن جمان # سافر عن بدر # ضاق عنه الزمان # وحواه صدري # مزق الباقون موشحاتهم، ولابن بقي موشحه مطلعها: # أما ترى أحمد # في مجده العالي # لا يلحق # أطلعه المغرب # فأرنا مثله # يا مشرق # ولما شاع فن التوشيح في أهل الأندلس، وأخذ به الجمهور لسلاسته، وتنميق كلامه، ~~وتصريح أجزائه، نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله، ونظموا على طريقته ~~بلغتهم الحضرية، من غير أن يلتزموا فيه إعرابا، واستحدثوا فنا سموه بالزجل ~~... وأول من أبدع في هذه الطريقة الزجلية أبو بكر بن قزمان، وهو إمام الزجالين ~~على الإطلاق، ولقبوه شيخ الصناعة. ms555 يقول وقد خرج إلى متنزه مع بعض أصحابه، ~~فجلسوا تحت عريش، وأمامهم تمثال أسد من رخام يخرج الماء من فيه على صفائح من ~~حجر: # وعريش قد قام على دكان # بحال رواق # وأسد قد ابتلع ثعبان # في غلظ ساق # وفتح فمو بحال إنسان # به الفواق # وانطلق يجري على الصفاح # وألقى الصياح ~~... إلخ. # وتبعه بعده كثيرون من الزجالين. # 57 # وليست الأزجال إلا موشحات تقال بلغة عامية، وإنما أكثرنا من نماذج ~~الموشحات والأزجال لنبين كثرة أشكالها، واختلاف أوزانها. # من كل ما عرضنا من شعر الشعراء الرسميين والوشاحين والزجالين نرى مصداق ما ~~قلنا من أن الشعر الأندلسي جرى مجرى الشعر المشرقي، من مديح وهجاء ونسيب ورثاء ~~... إلخ، وأنه كما حذا المشرقيون حذو الجاهليين في الموضوعات والأساليب، حذا ~~الأندلسيون حذو المشارقة. غاية الأمر أن شعراء الأندلس اختلفوا فيمن يقلدون من ~~شعراء المشرق، كل حسب مزاجه، فمنهم من يقلد أبا نواس، ومنهم من يقلد المتنبي ~~ونحو ذلك. وكانت القصيدة، سواء عند الأندلسيين والمشارقة على النمط الجاهلي، من ~~بدء بالنسيب، وانتقال منه إلى وصف الشاعر لرحلته، ثم الانتقال إلى المديح، وقد ~~يجعلون في النسيب أيضا أبياتا خمرية، جرى على هذا المنوال شعراء الجاهلية، ثم ~~الشعراء الإسلاميون، ثم الأندلسيون، وكل قصدهم هو استجداء الممدوحين. ويمتاز ~~شاعر عن شاعر، بحسن تخلصه من الرحلة إلى المديح؛ ولذلك اشتهرت في الأندلس ~~النونية في مدح إدريس بن يحيى بن حمود التي مطلعها: # قد بدا لي وضح الصبح المبين # فاسقنيها قبل تكبير الأذين # اسقنيها مزة مشمولة # لبثت في دنها بضع سنين # وظل على هذا المنول إلى أن وصل للمديح فقال: # وكأن الشمس لما أشرقت # فانثنت عنها عيون الناظرين # وجه إدريس بن يحيى بن علي # ابن حمود أمير المؤمنين ~~... إلخ ... إلخ. # وربما كان من الإنصاف لأهل الأندلس أنهم فاقوا شعراء الشرق في وصغ الطبيعة ~~خاصة، وفي الوصف عامة، وربما كان هذا أثرا من جمال بيئتهم الطبيعية. ونلاحظ ~~أيضا أن الأندلسيين قصروا على المشرقيين في الحكم والزهد. # وهناك نوع آخر فاق فيه الأندلسيون المشارقة، وهو ms556 البكاء على البلاد، فما سقطت ~~بلدة، أو أشفت على السقوط حتى قالوا فيها شعرا قويا حزينا، وربما كان من ~~خير الأمثلة على ذلك قصيدة ابن عبدون، ومطلعها: # الدهر يفجع بعد العين بالأثر # فما البكاء على الأشباح والصور # أنهاك أنهاك لا آلوك معذرة # عن نومة بين ناب الليث والظفر # فالدهر حرب وإن أبدى مسالمة # والسود والبيض مثل البيض والسمر # وقد استطاع أن يذكر فيها مصائب الزمان، ونوائب الحدثان، وكل ما جرى من مصائب ~~للأمراء والأعيان، مما جعلها سجلا تاريخيا للمصائب، وقلده فيها كثيرون، ~~وشرحها ابن بدرون. # ومثل قصيدة أبي البقاء الرندي في رثاء الأندلس وغلبة النصارى على قواعدها، ~~ومطلعها: # لكل شيء إذا ما تم نقصان # فلا يغر بطيب العيش إنسان # وهي أقل من الأولى بلاغة وعظمة، وفيها يطلب من المسلمين أن يسرعوا إلى إنجاد ~~الأندلس التي كادت تسقط. ولكنها كانت صرخة في واد، فلم ينقذ الأندلس أحد كما ~~لم ينقذ فيما بعد فلسطين أحد. # ثم لهم المقطعات اللطيفة في موضوعات طريفة، مثلنا ببعضها فيما ~~سبق. # ومع تعداد كل هذه الميزات لا يزال التقليد عليهم غالبا، وربما كان خير مقياس ~~للتقليد والابتكار، أن أساس التشبيهات عند الشرقيين والأندلسيين يكاد يكون ~~واحدا. غاية الأمر أن الأندلسيين قد يتفوقون في إجادة التشبيه وتزويقه، واللعب ~~فيه، ولكن أساس التشبيه واحد، وهو التشبيه الشرقي. ~~(3) النثر الفني # تطور النثر العربي في الشرق تطورا كبيرا، بحيث يمكننا أن نقسمه إلى خمس ~~مراحل: المرحلة الأولى يمثلها أقوال الخلفاء الأربعة، والخلفاء والأمراء ~~الأمويين، والمرحلة الثانية يمثلها عبد الحميد الكاتب، والثالثة عبد الله بن ~~المقفع، والرابعة الجاحظ، والخامسة ابن العميد، ولكل مرحلة من هذه خصائص. وعلى ~~العموم، فالذوق العربي في مراحله المختلفة يحب في النثر الفني السجع، وخصوصا ~~ما وافق الطبع، فإن لم يكن سجع، فهو يحب المزاوجة، مثل المؤمنين، وعظيم؛ لأن ~~عنده الحاسة الموسيقية نامية، فأذنه تستعيض عن السجع بالمزاوجة، وهذا فاش ~~في كل العصور، ولكن حدث له ما حدث للشعر، فبعد أن كان الشعر الجاهلي مثلا ~~يتزين ببعض أنواع ms557 البديع يأتي عفوا، أغرقه أبو تمام ومن بعده في البديع ~~المتصنع، فكذلك النثر بدأ فيه سجع مطبوع، أو مزاوجة مطبوعة من غير التزام، ~~وختمه ابن العميد بالسجع الملتزم، والتكلف المصطنع. # فأما المرحلة الأولى التي يمثلها أقوال الخلفاء والأمراء، ففيها سجع أحيانا ~~من غير تكلف، وأحيانا مزاوجة، وأحيانا استرسال. # ومن خصائص هذا العصر الجمل المتقطعة من غير رابطة يربطها، وإلى ذلك إيجاز تام ~~من غير إشباع للمعنى وتوليد للأفكار، حتى ليصعب عليك إذا سئلت أن تحدد موضوع ~~الكلام، مع جمال في المعنى واللفظ. # وقد نشأ هذا من الطبيعة العربية، تحب الجمال وتأنس به، وتلهج بذكره، ويدل على ~~ذلك غزلهم، والبكاء حتى على أطلالهم، وإلفهم لأوطانهم، ونحو ذلك، فهم يحبون ~~البلاغة ويعتبرونها أقوى ملكة، ويفخرون بها، ويعجبون بفنها. ولأمر كان أهم ~~معجزة للإسلام المعجزة التي تأتي من الناحية الفنية أو من ناحية البلاغة ~~(القرآن)، وقد تأثرت بلاغة هذا العصر به أثرا كبيرا، واحتذوه وزينوا به ~~كلامهم، فنحن نرى أن أسلوب النثر كان أسلوبا يزينه السجع والمزاوجة، ويعتمد ~~على الجمل القصار، وتوضع الجمل في إطار محكم، ويؤتى بالجملة، ثم يوضع لفق لها ~~من جملة تشبهها أو تقاربها. حتى جاء عبد الحميد الكاتب وهو من أصل فارسي، فأطنب ~~في موضوع الكتابة، وفصله وجعل من الكتابة موضوعا يشرحه ويولده، حتى يأتي على ~~آخره، وضع أنماطا للكتابة في الشئون الخاصة بتدبير الملك، ولم يلتزم السجع ~~كذلك، وإن أتى في كتابته عرضا، ونظرته إلى الكتابة تستفاد بوضوح من رسالته إلى ~~الكتاب، وهذا يسلمنا إلى مرحلة ابن المقفع، فقد عني ببسط المعاني وتأكيدها، ~~وتكرير الجمل المتقاربة في معناها، وعني بالتحليل النفسي، والتجارب الأخلاقية، ~~ولم يعن بالسجع إلا ما جاء عفوا، وله فضل كبير في تطويع اللغة للمعاني ~~المستحدثة، والمدنية الواسعة. # وجاء بعد ذلك الجاحظ، فأسهب في الكلام وأطنب، ونوع موضوعات الأدب، وجعل كل ~~شيء يصلح لأن يكون أدبا، من معلمين، وجوار، ولصوص، وحسدة إلى غير ذلك، وكان ~~قلمه طيعا، فوسع معاني الأدب في كل نواحيه، ولولا أنه كان ms558 مرحا فكها ~~مستطردا لمل. ثم جاء بعده ابن العميد ومدرسته، فالتزم السجع وأمعن فيه، ولم ~~يخرج عنه، وقصر الجمل لتؤدي مهمة السجع، وملأ كتابته بأنواع البديع، حتى أصبحت ~~كتابته كقطعة من الفن المعماري المملوءة بالتزاويق. # كل هذا الذي في المشرق كان مثله في الأندلس، وكان الانتقال من فن إلى فن يكاد ~~يكون متبعا نفس التطور الذي حدث في المشرق، فقد رأينا المكاتبات التي تصدر عن ~~الأمراء الأولين وعن صدور الخلفاء الأمويين تشبه تلك التي كانت تصدر عن الخلفاء ~~الأمويين في المشرق، ثم تحولت بعض الشيء إلى تحليل نفسي، وغزارة معنى كالذي عند ~~ابن المقفع على يد ابن حزم الأندلسي، ثم كان ما يشبه أسلوب الجاحظ عند العلماء ~~الذين رحلوا من المشرق إلى الأندلس، أمثال صاعد بن الحسن البغدادي، فقد كانت ~~كتابته أشبه ما تكون بكتابة الجاحظ من تلاعب بالمعاني وغزارة فيها، من غير ~~التزام سجع، كقوله من رسالة له يستعطف فيها الوزير أبا جعفر ليشفع عند الخليفة ~~للوزير عبد الله بن مسلمة لما نكب: «لما جمع الله طوائف الفضل عليك، وأذلق ~~بك الألسن، وأرهف فيك الخواطر، ورفرف عليك طير الآمال، ونفضت إليك علائق ~~الرجال، لم أجد لابن مسلمة، حين عضه الثقاف، وضاق به الخناق، وانقطع به ~~الرجاء، وكبا به الدهر، ملجأ غيرك. فعطفك على واله نبهه النحس من سنة السعد، ~~وأيقظته الآفات رقدة الغفلة، ورشقته سهام الزمان بصنوف الامتهان، حتى لقب ~~المنية أمنية، وسمى الموت فوتة ... إلخ». # ورأيناهم وقد طلع عليهم بديع الزمان والحريري، وأمثالها يقلدونهم ويجرون على ~~منوالهم، ويصنعون رسائل ومقامات تشبه رسائلهم ومقاماتهم كابن شهيد في التوابع ~~والزوابع. ثم لما بلغتهم صنعة ابن العميد ومدرسته رحبوا بها كل ترحيب؛ لأنها ~~وافقت أذواقهم، حتى التزموها في رسائلهم الخاصة، وكتبهم المؤلفة، فإذا نحن ~~قرأنا لابن بسام في الذخيرة أو لابن حيان في تاريخه، أو في قلائد العقيان ومطمع ~~الأنفس في ملح الأندلس، رأينا سجعا ملتزما قل أن يشذ، ورأيناهم يحتذون حذو ~~«الفيح القسي في الفتح القدسي» للعماد الأصفهاني ونحو ذلك. ms559 غاية الأمر أنه ~~كان لهم أنواع من الابتكار سبقوا بها المشرق كما سننبه عند الكلام تفصيلا على ~~بعض الناثرين. # وكثير من الأدباء كان يجمع بين النثر والشعر، وكان عند الأدباء ملكة لطيفة ~~يميزون بها بين الموضوعات التي تصلح للشعر والتي تصلح للنثر، فهم يشعرون حين ~~تهيم عواطفهم، ويحسون أنهم في حاجة إلى تعبير وجداني يغذيها، ويلجئون إلى النثر ~~عندما يكون الموضوع أميل إلى العقل. وشاع عند الأندلسيين الوصف الدقيق لنفوس ~~الكبراء والأمراء، والقواد عند مديحهم، كما نبغوا في المناظرات الخيالية ~~كالمناظرة بين السيف والقلم، والمناظرة بين بلاد الأندلس، كما كاتبوا في ~~الابتهالات ومناسك الحج. وكانوا أحيانا يخلعون على النثر من الأخيلة والسجع ما ~~يجعله أقرب أن يكون شعرا منثورا. وقد امتازوا بالإطناب كما امتاز المشارقة ~~بالإيجاز. وسيظهر كثير من هذه الخصائص عند كلامنا على الكتاب الناثرين ~~تفصيلا. ~~(3-1) ابن عبد ربه # ذكرنا قبل # 58 # ابن عبد ربه مؤلفا لكتاب كبير في الأدب وهو العقد، وعرضنا ~~لشيء من شعره، # 59 # وهو أيضا ناثر كبير تتجلى قوته في النثر في فرش الكتب التي ~~قدمها بين يدي أبواب كتابه، فقد تصنع فيها ما شاءت له الصنعة، وجود ما ~~شاء له التجويد، ونراه فيه قد يسجع، ولكن لا يلتزم السجع، فإذا فاته السجع ~~عمد إلى المزواج، فاستغنى به السجع، وهو أشبه ما يكون برجل يلبس طقما ~~خاصا عند المقابلات الرسمية، فلا يترك الكلام على سجيته، وإنما يتعمل ~~له ويتصنع، فمثلا يقول في أول كتاب الياقوتة في العلم والأدب: «قد مضى ~~قولنا في مخاطبة الملوك ومقاماتهم، وما تفننوا فيه من بديع حكمهم، ~~والتزلف إليهم بحسن التواصل، ولطيف المعاني، وبارع منطقهم، واختلاف ~~مذاهبهم. ونحن قائلون بحمد الله في العلم والأدب، فإنهما القطبان اللذان ~~عليهما مدار الدين والدنيا، وفرق ما بين الإنسان وسائر الحيوان، وما بين ~~الطبيعة الملكية والطبيعة البهيمية، وهما مادة العقل، وسراج البدن، ونور ~~القلب، وعماد الروح، وقد جعل الله لطيف قدرته، وعظيم سلطانه بعض الأشياء ~~عمدا لبعض، ومتولدا من بعض، فإجالة الوهم فيما تدركه ms560 الحواس، تبعث خواطر ~~الذكر، وخواطر الذكر تنبه روية الفكر، وروية الفكر تثير مكامن الإرادة، ~~والإرادة تحكم أسباب العمل ... والعلم علمان علم حمل، وعلم استعمل. فما ~~حمل منه ضر، وما استعمل منه نفع ... وقليل العلم يستعمله العقل، خير من ~~كثيره يحفظه القلب». # ويقول في أول باب الأمثال: «والأمثال وشي الكلام وجوهر اللفظ، وحلي ~~المعاني والتي تخيرتها العرب، وقدمتها العجم، ونطق بها في كل زمان وعلى كل ~~لسان، فهي أبقى من الشعر، وأشرف من الخطابة، لم يسر شيء مسيرها، ولا عم ~~عمومها، حتى قيل: أسير من مثل، وقال الشاعر: # ما أنت إلا مثل سائر # يعرفه الجاهل والخابر # وقد ضرب الله الأمثال في كتابه، وضربها رسول الله في كلامه ... إلخ». فهو ~~يذكرنا في ذلك من حيث أسلوبه وغزارة معانيه، واستعماله للمزاوجة أحيانا، ~~والسجع أحيانا بالجاحظ في كل ذلك. ~~(3-2) ابن برد # من أشهر كتاب الأندلس، ويلقب بأبي حفص بن برد، وكان هناك ابنا برد ~~أحدهما يلقب بالأكبر، والثاني بالأصغر، لم يعرف من أخباره - أي: الأصغر - ~~إلا القليل، والذين ترجموا لابن برد الأكبر وصفوه بأنه كاتب بليغ، وأنه ~~غذي بالأدب، وعلا إلى أسمى الرتب، وقد اعتز به حفيده فقال: # من شاء خبري فأنا ابن برد # حد حسامي قطعة من حدي # وأرفع الناس بناء جدي # من نظم الألفاظ نظم العقد # ونقد الكلام حق النقد # وكف بالأقلام أيدي الأسد # وربما كان من أسباب شهرته أنه كان رئيس ديوان الإنشاء للمكتفي، ومن آثاره ~~في هذا المنصب ما قاله فيمن يجب أن يشغل هذه الوظيفة. ومن الأسف أننا لم ~~نعثر على كتاباته الإخوانية، ولا بد أن يكون له منها الكثير، وإنما بقي لنا ~~بعض كتبه الديوانية. ويظهر من أخلاقه أنه كان موظفا مطيعا، يؤمر فيأتمر، ~~ويكتب لأميره المعاني التي يريدها منه؛ كما كان يفعل القاضي الفاضل لصلاح ~~الدين. وقد كتب أخيرا لابن أبي عامر وأولاده، فمن أقواله على لسان المظفر ~~بن أبي عامر: «ومن أعجب العجب، ما يجترئ عليه بعض خدمتنا من نبذ عهودنا، ~~ولا أحسب الذي غرهم ms561 بنا، إلا ما وهبه الله لنا من القدرة من الحلم ~~والكظم، وقد كانت سجية غالية، وخليقة لازمة». # وقد روى ابن بسام في كتابه الذخيرة بعض كتبه، وهو الذي وضع العهد الذي ~~تنازل فيه هشام المؤيد لعبد الرحمن بن المنصور عن الملك، ويقول فيه: # بعد اطراح الهوى، والتحري للحق ... لم يجد أحدا أجدر أن يوليه ~~عهده، ويفوض إليه الخلافة بعده، لفضل نفسه، وكرم خيمه، وشرف ~~مرتبته وعلو منصبه، مع تقاه وعفافه ومعرفته وحزمه ونقاوته، من ~~المأمون الغيب، الناصح الجيب، عبد الرحمن بن منصور. # وقد توفي ابن برد هذا سنة 418ه بعد أن عاش نحو ثمانين سنة. # ونرى من هذا أن كتابته التي وصلت إلينا أشبه بكتابة رؤساء دواوين الإنشاء ~~في مصر، وهم الذين روى القلقشندي أمثلة لهم في صبح الأعشى وغيره. ~~(3-3) ابن شهيد وابن حزم # ذكرنا ابن حزم قبل عالما دينيا # 60 # وشاعرا وابن شهيد شاعرا، # 61 # ونذكرهما هنا ناثرين، فابن شهيد كاتب كبير، ويظهر أنه كان ~~من بيت كبير، ولكن منعه صممه عن البقاء في الوزارة. ومن مجموع رسائله نرى ~~أنه كاتب قدير مبتكر، قد رويت له رسائل كثيرة تدل على قدرته الكتابية ~~والخيالية، وله رسائل أشبه بالمقامات، ومن أشهرها رسالة «التوابع والزوابع» ~~وهي رسالة مشهورة، ومعنى التوابع: الجن تصحب الإنسان، كالقرين والقرينة؛ ~~والزوابع: العواصف، وتستعمل الزوبعة أيضا بمعنى رئيس الجن. وسماها بهذا ~~الاسم؛ لأن الرسالة وضعت لبيان آراء ابن شهيد في الكتاب والأدباء ~~والمشكلات الأدبية، على لسان الجن. وأشبه ما يكون بها رسالة الغفران لأبي ~~العلاء. # وقد ظن قوم أن التوابع والزوابع وضعت تقليدا لرسالة الغفران، ورأى بعض ~~الباحثين من المستشرقين أن العكس هو الصحيح، وأن أبا العلاء هو الذي قلد ~~ابن شهيد، ورجح أن التوابع والزوابع ألفت قبل رسالة الغفران بنحو ~~عشرين سنة؛ وذلك لأن ابن شهيد ذكر في رسالته ما يدل على أنه ألفها في عهد ~~المستعين، وهو سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر، وكانت مدة ~~حكم المستعين هذا من سنة 400ه إلى ms562 407ه، كما نعلم أن أبا العلاء ألف ~~رسالة الغفران ردا على ابن القارح. وكان أبو العلاء قد بلغ نحو السبعين، ~~كما تدل عليه فقرة في الرسالة نفسها، فيكون كتب رسالته حوالي سنة 422ه، ~~وعلى هذا تكون رسالة التوابع والزوابع كتبت قبلها بنحو 20 سنة، وقد أخذ أبو ~~العلاء الفكرة وطبقها تطبيقا لطيفا، ونحا بها نحوا يخالف بعض الشيء ~~رسالة ابن شهيد، وإن كان أساس الفكرة عند ابن شهيد، وأبي العلاء، ودانتي ~~واحدا. # وقد روى ابن بسام في الذخيرة أكثر هذه الرسالة. وقد حشا ابن شهيد ~~رسالته هذه بالملح والتعبيرات اللطيفة، فجنيه مثلا أطلعه على بركة فيه ~~أوز، فيقول في وصفها: «أوزة بيضاء شهلاء، في مثل جثمان النعامة، كأنما ~~ذر عليها الكافور، أو لبست غلالة من دمقس الحرير ... في ظهرها صفاء، ~~تثني سالفتها، وتكسر حدقتها، وتلولب فترى الحسن مستعارا منها، ~~والشكل مأخوذا عنها». # وقد أنطق الجن في هذه الرسالة بكل آرائه في الأدباء والشعراء، وأصدقائه ~~وأعدائه، وآرائه في الأدب وفي السجع، وغير ذلك، فمثلا ينطق الجني بقوله في ~~أعدائه: «عدمت ببلدي فرسان الكلام، ودهيت بغباوة أهل الزمان ... ويصيح ~~الجني: إنا لله ذهبت العرب بكلامها، ارمهم بسجع الكهان، فعسى أن ينفعك ~~عندهم، ويطير لك ذكرا فيهم. وما أراك مع ذلك إلا ثقيل الوطأة عليهم، كريه ~~المجيء إليهم». وأحيانا يمدح نفسه فيقول له الجني مثلا: «إن لسجعك موضعا ~~من القلب، ومكانا من النفس، وقد أغرته من طبعك، وحلاوة لفظك، وطلاوة سوقك، ~~ما أزال أفنه، ورفع غبنه، وقد بلغنا أنك لا تجارى في أبناء جنسك، ولا ~~يمل من الطعن عليك، والاعتراض لك ... إلخ». # ويظهر من مجموعة ما نقل عنه أنه كان واسع الاطلاع، غزير المعاني والخيال، ~~ولكن إذا نحن قارناه ببديع الزمان وابتكاراته، كان بديع الزمان أخف ~~روحا، وأرشق لفظا ومعنى. # وقد أثرت عن ابن شهيد أقوال في البلاغة والنقد تدل على ذوقه ومنهجه، نسوق ~~هنا بعضا منها: من ذلك أنه يرى أن البلاغة لا تكون إلا إذا وهب الأديب ~~ملكة بيانية، فإن لم ms563 يوهبها لم ينفعه نحو ولا صرف ولا بلاغة. وقد جرب ذلك ~~في شابين أحدهما مسلم والآخر يهودي. فالتمرين على الأدب جعل اليهودي أقرب ~~إلى أن يكون أديبا، لما عنده من استعداد. فالمسلم لم يستطع ذلك؛ لأنه ليس ~~له استعداد موهوب. ويقول: إن للخطباء والكتاب شياطين، وإنه صادف في أرض ~~الجن شيطان الجاحظ، وشيطان بديع الزمان، وشيطان عبد الحميد، وهو يعيب على ~~لسان الجني التزام السجع، فالجني يخاطب ابن شهيد بقوله: «إنك لخطيب، وحائك ~~للكلام مجيد، لولا أنك مغرم بالسجع، فكلامك لا نثر ولا نظم». وقد روي عنه ~~أنه خاف في آخر حياته من الموت كثيرا، واستودع إخوانه بقوله: # أستودع الله إخواني وعشرتهم # وكل خرق إلى العلياء سباق ~~... إلخ. # وأوصى أن يكتب على قبره: «بسم الله الرحمن الرحيم، # قل هو نبأ عظيم * أنتم عنه ~~معرضون ~~(ص: 67، 68)، هذا قبر أحمد بن عبد الملك بن شهيد ~~المذنب، مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ~~ورسوله، وأن الجنة حق، والنار حق، والبعث حق، # وأن ~~الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من ~~في القبور ~~(الحج: 7)». # وأما ابن حزم الناثر، فأكبر أثر أدبي له في النثر كتابه «طوق الحمامة» ~~فهو كتاب فذ، ترجم فيه لنفسه، ودون خلجاتها، مما يدل على أنه كان حيي ~~النفس، دقيق الحس، وقد علمنا أن أباه كان وزيرا كبيرا، وأنه هو نفسه كان ~~وزيرا خطيرا، حتى كن هن اللائي علمنه القرآن، فلما شب أحب، ولوعه ~~الحب وذاق ألم الضنى، ودون كل ذلك في كتابه «طوق الحمامة» وشرح لنا فيه حبه ~~أول ما لقي، فقال: «إني أحببت في صباي جارية لي شقراء الشعر، فما استحسنت ~~من ذلك الوقت سوداء الشعر، ولو أنه على الشمس، أو على الحسن نفسه، وإني ~~لأجد هذا في أصل تركيبي من ذلك الوقت، ولا تواتيني نفسي على سواها، ولا تحب ~~غيره البتة، وهذا العارض بعينه عرض لأبي رضي الله عنه». # ويذكر لنا أن خلفاء بني مروان كانوا يحبون الشقر ms564 من النساء، حتى أتى ~~أغلبهم أشقر أشهل، نزاعا إلى أمه. ويحدثنا عن فاجعة له بحبيبة حلت من ~~قلبه أسمى محل، فظل ابن حزم بعدها يطيب له عيش، ولا يجد عنها سلوى، وقد ~~أثرت في نفسه أبلغ الأثر، حتى ما كاد ينتفع بنفسه بعد، وحتى فاضت قريحته ~~بمقطوعة من أصدق الشعر. ويقول: «إن محبوبته ماتت فأقام بعدها سبعة أشهر لا ~~يتجرد عن ثيابه، ولا تجف له دمعة، مع جمود عينه، وإنه ما سلاها حتى مر عليه ~~خمس عشرة سنة، ولم يطب له عيش بعدها، ولا نسي ذكرها». # ويخبرنا عن محبوبة أخرى لم تستجب له، وبقي متسعرا عليها سنين طويلة، ~~ثم برد فجأة حين رأى محبوبته هذه بعد غياب وقد غاض جمالها، وهو يصف غير ~~الحب أيضا النكبات التي نزلت به وبقومه، فقد كان هو وأبوه مواليين ~~للأمويين، فلما جاء المنصور بن أبي عامر وأراد محو آثار الأمويين، اضطهد ~~وأهين وعذب. ويقول في هذه الرسالة: «إننا امتحنا بالاعتقال والتغريب، ~~والإغرام الفادح والاستتار، وأرزمت # 62 # الفتنة وألقت باعها، وعمت الناس وخصتنا، وأجلينا عن ~~منازلنا، وتقلبت بي الأمور إلى الخروج عن قرطبة، وسكني مدينة المرية، ~~واعتقلنا أشهرا، وأخبرني بعض الواردين من قرطبة أنه رأى دورنا وقد انمحت ~~رسومها، وطمست أعلامها، وخفيت معاهدها، وغيرها البلى، وصارت صحارى مجدبة ~~بعد العمران، وفيافي موحشة بعد الأنس، وخرائب منقطعة بعد الحسن، وشعابا ~~مفزعة بعد الأمن، ومأوى للذئاب، وعازف للغيلان، وملاعب للجان، ومكامن ~~للوحوش ... فكأن تلك المحاريب المنمقة، والمقاصير المزينة، التي كانت ~~تشرق إشراق الشمس، ويجلو الهموم حسن منظرها، تؤذن بفناء الدنيا، وتريك ~~عواقب أهلها، وتخبرك عما يصير إليه كل من تراه قائما فيها، وتزهد في ~~طلبها، بعد أن طالما زهدت في تركها». # وعلى الجملة فقد ملأ طوق الحمامة بتجاربه في حبه، وأحاديث نفسه، وما ~~اعتراه من فتن، وما أصيب به من محن، وملأه شعرا ونثرا، أما شعره فقد ~~بينا قبل رأينا في قيمته. وأما نثره فقيمته في صراحة معناه وغزارته، لا ~~في ناحيته الفنية، فهو من حيث تأليفه ms565 في الحب من أول الناس وأسبقهم إلى قيد ~~منازع الحب. نعم قد سبقه إلى التأليف في ذلك محمد بن داود الظاهري أيضا في ~~كتابه الزهرة، ولكن ابن حزم تفوق عليه فكان كتابه «طوق الحمامة» أبرع ~~وأثمن وأوفى. # ومما يدل على لوعته في الحب وتقديره للوصال قوله: «ولقد جربت اللذات ~~على تصرفها، وأدركت الحظوظ على اختلافها، فما للدنو من السلطان، ولا المال ~~المستفاد، ولا الوجود بعد العدم، ولا الأوبة بعد طول الغيبة، ولا الأمن بعد ~~الخوف من الموقع في النفس ما للوصل، لا سيما بعد طول الامتناع، وطول الهجر، ~~حتى يتأجج عليه الجوى، ويتوقد لهيب الشوق، وتنصرم نار الرجاء، وما ازدها ~~النبات بعد غب القطر، ولا إشراق الأزاهير بعد إقلاع السحاب ... ولا خرير ~~المياه المتخللة لأفانين النوار، ولا تألق القصور البيض قد أحدقت بها ~~الرياض الخضر، بأحسن من وصل حبيب، فقد رضيت أخلاقه، وحمدت غرائزه، وتقابلت ~~في الحسن أوصافه». # ويؤخذ من كلامه أنه قد مضى عليه زمان أحب فيه حبا عذريا، صوره ~~تصويرا لطيفا، ودل فيه على عاطفة نبيلة رفيعة، حتى لقد يكفيه من محبوبه، ~~شعوره بسلامة الحبيب، وتقبيله أثره، والتراب الذي وطئه. # وروعة ابن حزم في تعدد مناحيه من دين وفقه وأصول وشعر وتأليف في الغرام، ~~وغير ذلك، أكثر من روعته في فن الأدب وحده. ~~(3-4) ابن زيدون # 63 # لابن زيدون ناحية نثرية بجانب ناحيته الشعرية، ومن أهم نثره رسالتان ~~شهيرتان: إحداهما رسالته الهزلية كتبها يسخر من منافسه في حب ولادة، وهو ~~ابن عبدوس، فهو يؤنبه أحيانا، وينسب إليه سخرية كل حادث عظيم في الدنيا ~~أحيانا، ويقول فيها: «أما بعد، أيها المصاب بعقله، المورط بجهله، ~~البين سقطه، الفاحش غلطه، العاثر في ذيل اغتراره، الأعمى عن شمس نهاره، ~~الساقط سقوط الذباب على الشراب، المتهافت تهافت الفراش في الشهاب! فإن ~~العجب أكذب، ومعرفة المرء نفسه أصوب، وإنك راسلتني مستهديا من صلتي ما ~~صفرت منه أيدي أمثالك، متصديا من خلتي لما قرعت دونه أنوف أشكالك، ~~مرسلا خليلتك مرتادة، مستعملا عشيقتك قوادة، كاذبا نفسك ms566 أنك ستنزل ~~عنها إليه، وتخلف بعدها عليه ... زاعمة أن المروءة لفظ أنت معناه، والإنسانية ~~أنت جسمه وهيولاه، قاطعة أنك انفردت بالجمال، واستأثرت بالكمال ... حتى ~~خيلت أن يوسف - عليه السلام - حاسنك فغضضت منه، وأن امرأة العزيز رأتك ~~فسلت عنه، وأن قارون أصاب بعض ما كنزت، والنطف عثر على فضل ما ركزت، ~~وكسرى حمل غاشيتك، وقيصر رعى ماشيتك ... وأن مالك بن نويرة إنما أردف لك، ~~وعروة بن جعفر إنما رحل إليك ... وإياس بن معاوية إنما استضاء بمصباح ذكائك، ~~وسحبان إنما تكلم بلسانك ... وأن الحجاج تقلد ولاية العراق بجدك، وقتيبة فتح ~~ما وراء النهر بسعدك، والمهلب أوهن شوكة الأزارقة بيدك، وأن أفلاطون أورد ~~على أرسطاطاليس ما نقل عنك، وبطليموس سوى الإصطرلاب بتدبيرك، وصور ~~الكرة على تقديرك» ... إلخ. # وهو في هذه الرسالة يذكرنا برسالة التربيع والتدوير التي كتبها الجاحظ في ~~السخرية بأحد كتاب عصره، وهو أحمد بن عبد الوهاب، فهو فيها يهزأ بجسمه ~~وينسب إليه سخرية علم كل شيء، إلا أن رسالة ابن زيدون أدق وأوفى وألذع، وهي ~~تدل على علم واسع بأحداث التاريخ، وقدرة فائقة في التهكم بها على ~~غريمه. # وأما الرسالة الجدية فهي رسالة كتبها وهو في السجن لابن جهور، يعتب ~~ويستعطف ويبرأ مما اتهم به، وأسلوبها أيضا في غاية القوة، يذكرنا بعض ~~معانيها بمعاني علي بن الجهم، وقد سجن هو أيضا فأرسل يستعتب ويتعزى ~~ويعتذر. يقول ابن زيدون فيها: «يا مولاي وسيدي، الذي ودادي له، واعتمادي ~~عليه، واعتدادي به ... ومن أبقاه الله ماضي حد العزم، واري زند الأمل ... إن ~~سلبتني لباس نعمائك، وعطلتني من حلى إيناسك ... ونفضت مني كف حياطتك، وغضضت ~~عني طرف حمايتك، بعد أن نظر الأعمى إلى تأميلي لك، وسمع الأصم ثنائي عليك، ~~فلا غرو، قد يغص بالماء شاربه، ويقتل الدواء المستشفي به، ويؤتى الحذر من ~~مأمنه، وتكون منية المتمني في أمنيته ... # كل المصائب قد تمر على الفتى # وتهون غير شماتة الأعداء # هل أنا إلا يد أدماها سوارها، وجبين غض به إكليله ... هذا العتب محمود ~~عواقبه، وهذه النبوة غمرة ms567 ثم تنجلي، وهذه النكبة سحابة صيف عن قليل ~~تقشع ... وأعود فأقول: ما هذا الذنب الذي لم يسعه عفوك، والجهل الذي لم يأت ~~من ورائه حلمك ... # إلا يكن ذنب فعدلك واسع # أو كان لي ذنب ففضلك أوسع # حنانيك، قد بلغ السيل الزبى، ونالني ما حسبي به وكفى، وما أراني إلا ~~أمرت بالسجود لآدم فأبيت واستكبرت، وقال لي نوح: اركب معنا، فقلت: سآوي إلى ~~جبل يعصمني من الماء، وأمرت ببناء الصرح لعلي أطلع إلى إله موسى، وعكفت ~~على العجل، واعتديت في السبت، وتعاطيت فعقرت، وشربت من النهر الذي ~~ابتليت به جيوش طالوت، وقدت الفيل لأبرهة ... ونفرت إلى العير ببدر، ~~وانخذلت بثلث الناس يوم أحد ... إلخ. # وعلى الجملة، فرسالتاه سواء الهزلية أو الجدية، تدلان على باع طويل في ~~كتابة النثر، ومقدرة فائقة في تنويع الأساليب، وغزارة المعاني، فإذا أضيفت ~~هذه الموهبة النثرية إلى موهبته الشعرية، عثرنا فيه على أديب بارع في الشعر ~~والنثر، وقل أن يجتمعا في أديب. ~~(3-5) ابن أبي الخصال # لا يفوتنا هنا أن نذكر كلمة عن كاتب كبير من أواخر كتاب الأندلس، وهو ~~ابن أبي الخصال: كان من قرية من قري جيان، وكان يلقب برئيس كتاب ~~الأندلس، وكان صديقا لابن عبدون وابن بسام. قال فيه صاحب المعجب: «هو آخر ~~الكتاب وأحد من انتهى إليه علم الأدب، وله مع ذلك في علم القرآن والحديث ~~والأثر وما يتعلق بهذه العلوم الباع الأرحب، واليد الطولى». وقد روي لنا ~~أنه ألف كتابا اسمه «سراج الأدب» لم يصل مع الأسف إلينا، وقد روى له ~~القلقشندي في «صبح الأعشى» جملة كثيرة متفرقة من رسائله ومن شعره، من ~~أرادها فلينظرها هناك. ~~(3-6) ابن الخطيب # هو لسان الدين بن الخطيب، وهو وزير مشهور، من أجله ألف المقري الكتاب ~~الكبير «نفح الطيب وغصن الأندلس الرطيب في ترجمة لسان الدين بن الخطيب» في ~~أربعة أجزاء كبار، ذكر فيها الأندلس وما جرى لها من مبتدئها ومنتهاها، ~~ولسان الدين وشيوخه ورسائله ... إلخ. فكان الكتاب نعمة من آثار ابن ~~الخطيب. وقد ولد لسان ms568 الدين بمدينة غرناطة في سنة 713ه، وكان أبوه ذا شأن ~~عظيم عند ملوك بني الأحمر، فرباه تربية دقيقة واسعة، علمه الطب ~~والفلسفة والأدب والفقه والتفسير والحديث، فكان عالما أديبا. وقد ألف في ~~ذلك، وقالوا: إنه أصيب بالأرق، فاستعان بالتأليف عليه، وكان واسع بالتاريخ، ~~وألف في علماء غرناطة كتابه «الإحاطة». # 64 # وله رسائل أدبية وسياسية تتصف بالإطناب والتزام السجع حتى تمل ، ~~وابتلي كما ابتلي غيره من علماء الأندلس بالحسد من خصومه، ودس الدسائس له، ~~حتى اتهم في دينه بالزندقة، وقوله في كتبه أشياء لا يقرها الدين. ولعب في ~~السياسة كثيرا حتى احترق بها، واتخذت الزندقة ذريعة للنيل منه. # وأخيرا أفتى الفقهاء بقتله، فخنق في سجنه، وألف كتبا كثيرة، وكان ~~صديقا لابن خلدون بعض الوقت، ثم فسد ما بينهما. وتمتاز رسائله بدقة الوصف، ~~وغزارة المعنى، مثال ذلك ما كتبه في استدعاء إمداد، وحض على الجهاد: «أيها ~~الناس، رحمكم الله تعالى، إخوانكم المسلمون بالأندلس قد دهم العدو ساحته، ~~ورام الكفر استباحته، ورجفت أحزاب الطواغيت إليهم، ومد الصليب ذراعيه ~~عليهم، وأيديكم بعزة الله أقوى، وأنتم المؤمنون أهل البر والتقوى، وهو ~~دينكم فانصروه، وجواركم القريب فلا تخفروه، وسبيل الرشد قد وضح فلتبصروه. ~~الجهاد الجهاد فقد تعين، فالجار الجار، فقد قرر الشرع حقه وبين، الله ~~الله في الإسلام، الله الله في أمة محمد - عليه السلام - الله الله في ~~المساجد المعمورة بذكر الله، الله الله في وطن الجهاد في سبيل الله. قد ~~استغاث بكم الدين فأغيثوه، وقد تأكد عهد الله وحاشاكم أن تنكثوه. أعينوا ~~إخوانكم بما أمكن من الإعانة، أعانكم الله عند الشدائد، جددوا عوائد الخير، ~~يصل الله تعالى لكم جميل العوائد، صلوا رحم الكلمة، واسوا بأنفسكم ~~وأموالكم تلك الطوائف المسلمة: كتاب الله بين أيديكم، وألسنة الآيات ~~تناديكم، وسنة رسول الله قائمة فيكم، والله يقول: # يا ~~أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ~~تنجيكم ~~. # ماذا يكون جوابكم لنبيكم # وطريق هذا العذر غير ممهد # إن قال: لم فرطتم في أمتي # وتركتموهم للعدو المعتدي # تالله لو أن العقوبة لم ms569 تخف # لكفا الحيا من وجه ذاك السيد # اللهم اعطف علينا قلوب العباد، اللهم بث لنا الحمية في البلاد، اللهم ~~دافع عن الحريم والضعيف والأولاد، اللهم انصرنا على أعدائك بأحبائك ~~وأوليائك، يا خير الناصرين» ... إلخ. # ويقول مثلا في ترجمة ابن عبد ربه صاحب العقد: «عالم ساد بالعلم ورأس، ~~واقتبس به من الحظوة ما اقتبس، وشهر بالأندلس حتى صار إلى المشرق ذكره ، ~~واستطار شرر الذكاء فكره ... وكانت له عناية بالعمل وثقة، ورواية متسقة، ~~وأما الأدب فهو كان حجته، وبه غمرت الأفهام لجته، مع صيانة وورع، وديانة ~~ورد ماءها فكرع، وله التأليف المشهور الذي سماه بالعقد، وحماه عن عثرات ~~النقد؛ لأنه أبرزه مثقف القناة، مرهف الشباة، تقصر عنه ثواقب الألباب، ~~وتبصر السحر منه في كل باب، وله شعر انتهى منتهاه وتجاوز سماك الإحسان ~~وسماه ... إلخ». # وله مقامة في السياسة على نحو مقامات الحريري بناها على أن هارون الرشيد ~~ضاق صدره يوما، فطلب أن يحضر إليه من يعثر عليه، فحشر له بعض القوم، ~~وكان منهم رجل غريب المنظر؛ فسأله الرشيد عن أصله وفنه، فقال: إنه فارسي ~~وفنه الحكمة، فسأله عن السياسة فأبدع فيها حتى انتصف الليل، ثم استدعى ~~عودا وظل يغني عليه حتى أنام الحاضرين كلهم، وخرج فلم يعثر له على ~~خبر. # وقد تعرض في هذه المقامة إلى الرعية والسلطان والوزير والجند والعمال ~~والولد والخدم والحرم، فقال في الرعية: «رعيتك ودائع الله قبلك، ومرآة ~~العدل الذي عليه جبلك، ولا تصل إلى ضبطهم إلا بإعانة الله التي وهب لك. ~~وأفضل ما استدعيت به عونه فيهم، وكفايته التي تكفيهم، تقويم نفسك عند قصد ~~تقويمهم، ورضاك بالسهر لتنويمهم، وحراسة كهلهم وربيعهم، والترفع عن ~~تضييعهم، وأخذ كل طبقة بما عليها وما لها، أخذا يحوط ما لها، ويحفظ عليها ~~كمالها، حتى تستشعر عليتها رأفتك وحنانك، وتعرف أوساطها في النصب امتنانك، ~~وتحذر سفلتها سنانك ... وامنع أغنياءها من البطر والبطالة، والنظر في شبهات ~~الدين بالتمشدق والإطالة، وحدد البخل على أهل اليسار، والسخاء على أولي ~~الإعسار». # وقال للسلطان: «واعلم يا أمير المؤمنين ms570 سدد الله سهمك لأغراض خلافته، ~~وعصمك من الزمان وآفته، أنك في مجلس الفصل، ومباشرة الفرع من ملكك والأصل ... ~~فلتكن قدرتك وقفا على الاتصاف بالعدل والإنصاف، واحكم بالسوية، واجنح ~~بتدبيرك إلى حسن الروية، وخف أن تقعد بك أناتك عن حزم تعين، أو تستفزك ~~العجلة في أمر لم يتبين، وأطع الحجة ما توجهت إليك، ولا تحفل بها إذا ~~كانت عليك، فانقيادك إليها أحسن من ظفرك، والحق أجدى من نفرك ... واحرص على ~~أن لا ينقضي مجلس جلسته، أو زمن اختلسته، إلا وقد أحرزت فضيلة زائدة، أو ~~وثقت منه في معادك بفائدة ... والمال نعمة الله، فلا تجعله ذريعة إلى خلافه، ~~وتجمع بالشهوات بين إتلافك وإتلافه». # وقال في الوزير: «والوزير الصالح أفضل عددك، وأوصل مددك ... وليكن الوزير ~~معروفا بالإخلاص لدولتك، معقود الرضا والغضب برضاك وصولتك، زاهدا عما ~~في يديك، مؤثرا لكل ما يزلف لديك، بعيد الهمة، راعيا للأذمة، رحيب ~~الصدر، رفيع القدر، معروف البيت، نبيه الحي والميت، مؤثرا للعدل والإصلاح، ~~دريا بحمل السلاح، جادا عند لهوك، متيقظا في حال سهودك ... ~~إلخ». # وقد استقى هذه الأمور كلها من تجاربه، إذ كان وزيرا، وكان مطلعا على ~~التواريخ، وخصوصا تاريخ بلاده، وقال في الإحاطة في ترجمة ابن خلدون إذ كان ~~صديقا له، بعد أن ذكره نسبه: «رجل فاضل، حسن الخلق، جم الفضائل، باهر ~~الخصل، رفيع القدر، ظاهر الحياء، أصيل المجد، وقور المجلس، خاصي ~~الزي، عالي الهمة، عزوف عن الضيم، صعب المقادة، قوي الجأش، طامح لقنن ~~الرياسة، متقدم في فنون عقلية ونقلية، متعدد المزايا، سديد البحث، كثير ~~الحفظ، صحيح التصور، باع الحظ، حسن العشرة، مبذول المشاركة ... مغفل ~~التحفظ مما يريب، وقع من أجل ذلك في محنة فلم يخشع ولم يتوسل، وأباد ~~المكسوب في سبيل النفقه» # 65 ~~... ولما استقر ابن خلدون في الحضرة، جرت بيني وبينه مكاتبات، ~~وأقطعها الظرف جانبه، وأوضح الأدب مذاهبه ... فمن ذلك ما خاطبته به وقد تسرى ~~- أي: ابن خلدون - جارية رومية اسمها هند صبيحة الابتناء بها، وقد أطال في ~~هذا الكتاب فيما يتخيله من سرور ابن ms571 خلدون بالابتناء بها، وقضاء ليلة سعيدة ~~معها بالتفصيل والتصريح، من غير إجمال ولا إيماء. «وقد شرح ابن خلدون ~~البردة شرحا بديعا، دل به على انفساح ذرعه، وتفنن إدراكه، وغزارة حفظه، ~~ولخص كثيرا من كتب ابن رشد، ولخص محصل الإمام فخر الدين الرازي، وألف ~~كتابا في الحساب». # ويظهر أنه كتب هذه الترجمة قبل أن يؤلف ابن خلدون كتابه التاريخي الذي ~~اشتهر به ، وقد ذكر ابن خلدون في بعض كتبه «لسان الدين» وأثنى عليه ولكنه ~~قال: «إنه لما كان بالأندلس، وحظي عند السلطان أبي عبد الله، شم من ابن ~~الخطيب رائحة الانقباض، فقوض الرحال، ولم يرض عن الإقامة بحال. ولعبت ~~بكرته صوالجة الأقدار، حتى حل بالقاهرة المعزية، واتخذها خير دار ... ~~إلخ». # ومن نثر ابن الخطيب مثلا قوله في تقلب الأحوال بالعظماء ما رآه من ~~أمرائه أو سمعه عن ابن حزم وأمثاله: «بينما ترى الدست عظيم الزحام، ~~والموكب شديد الالتحام، والوزعة تشير والأبواب يقرعها البشير، والسرور قد ~~شمل الأهل والعشير، والأطراف تلثمها الأشراف، والطاعة يشهرها الاعتراف، ~~والرايات تعقد، والأعطيات تنقد، إذ رأيت الأبواب مهجورة، والدسوت لا ~~مؤملة ولا مزورة، والحركات قد سكنت، وأيدي الإدالة قد تمكنت، فكأنما لم ~~يسمر سامر، ولا نهى ناه ولا أمر آمر، ما أشبه الليلة بالبارحة، والغادية ~~بالرائحة، إنما # مثل الحياة الدنيا كماء ~~أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض ~~فأصبح هشيما تذروه الرياح ~~(الكهف: ~~45)». # وقال في الحب على طريقة المتصوفة: «المحبة رقة، ثم فكرة مسترقة، ثم ذوق ~~يطير به شوق، ثم وجل لا يبقى معه طوق، ثم لا تحت ولا فوق: # أينما كنت لا أخلف رحلا # من رآني فقد رآني ورحلي # الهوى هوان، وحمام له ألوان، دمع ساجم، ووجد هاجم، وهيام لا يبرح، ثم ~~وراءه ما لا يشرح. # قال: بمن جن؟ وهل في الورى # ما يبعث الخبل سوى حبه؟ # من اقتحم بحر الهوى هوى، لا تدخل في بحر الهوى حتى تشاور صبرك، وتجاور ~~قبرك ... الهوى طريق، ولسلوكه فريق، الزاد سر مكتوم، ووفاء معلوم. # وللميادين أبطال لها خلقوا # وللدواوين ms572 حساب وكتاب # الحب حج ثان، لا يثني نفس المريد عنه ثان، طريقه التجريد، وزاده ~~الذكر، وطوافه المعرفة، وإفاضته الفناء، # فإذا ~~أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر ~~الحرام واذكروه كما هداكم ~~» (البقرة: 198). ~~الغرام صعب المرام، والدخول فيه حرام، ما لم يكن فيه شرط كرام. من عرف ما ~~أخذ، هان عليه ما ترك، # وربك يخلق ما يشاء ~~ويختار ~~(القصص: 68). ظهر الهوى طريقا سهلا، فكثر ~~التائهون جهلا. # إذ لم يكن عون من الله للفتى # أتته الرزايا من وجوه الفوائد» # وله كتب كثيرة نحا فيها نحو المتصوفة، فله مثلا كتاب اسمه «المحاضرات»، ~~وهو عبارة عن جمل مختارة من أقوال مشاهير المتصوفة، وله المواعظ الصوفية ~~اللطيفة، ثم له إلى جانب ذلك كتب في الأدب. قال المقري: «إن كتبه الآن في ~~المغرب قبلة أرباب الإنشاء، التي إليها يصلون، وسوق دررهم النفيسة التي ~~يزينون بها صدور طروسهم ويحلون، وخصوصا كتابه «ريحانة الكتاب، ونجعة ~~المنتاب»، فإنه وإن تعددت مجلداته، على فن الإنشاء والكتابة مقصور». # وكما برز ابن الخطيب في النثر، فقد برز في الشعر، فله الشعر الكثير، وله ~~الموشحات اللطيفة، والأزجال الظريفة، وهي لا تقل شأنا عن قيمته في ~~النثر. # فالذي يظهر لنا أن الثقافة الأندلسية من أولها في الأندلس إلى آخرها قد ~~صفيت، وتقطرت في لسان الدين بن الخطيب في تعدد مناحيه، وسعة علمه، وكثرة ~~إنتاجه. ولعل هذا المعنى هو الذي شعر به المقري فألف فيه كتابه «نفح ~~الطيب» وفيه كل ثقافة الأندلس، وسماه باسمه كأنما هو هي. ~~(3-7) ابن خلدون # وقد عددناه من كتاب الأندلس، وإن عاش أكثر حياته في بلاد المغرب وفي ~~مصر؛ لأنه أندلسي الأصل، فهو من إشبيلية، من أصل عربي يمني، وهو إن ولد في ~~تونس، فقد درس على علماء أندلسيين وأقام في الأندلس زمنا، وهو مع ابن ~~الخطيب يتوجان الحركة الثقافية الأندلسية، وهما يمتازان بسعة الاطلاع ~~وكثرة العلم وتنوعه، ولكن ابن خلدون يمتاز بالعمق في التفكير السياسي ~~الاجتماعي، وابن الخطيب يمتاز بأدبه بالمعنى الواسع. # وقد سفر ابن خلدون إلى الملك بدرو ms573 في إشبيلية سنة 764ه، فأعجب بدرو ~~بعقله، وطلب منه أن يقيم في بلده في نظير أن يرد عليه أموال أسرته فاعتذر. ~~وكما قلنا من قبل: إنه صحب ابن الخطيب نحو سنتين، ثم تعكر الجو بينهما. ~~وابن خلدون من العلماء القلائل من المسلمين الذين ابتكروا ولم يقلدوا، فهو ~~واضع أساس علم الاجتماع بمقدمته، وإن كان أكمله علماء الإفرنج لا العرب، ~~وقد تعرض لطبائع البشر وأسباب تغيرها، وقيام الدول وأن لها عمرا كعمر ~~الأفراد، كل ذلك في عمق. ومن أبدع نظراته نظرته إلى التاريخ وأنه يجب أن ~~ينبني على تعليل الحوادث، ومعرفة أسرارها ومطابقاتها لقانون السبب والمسبب، ~~ولا يصح أن يبنى التاريخ على مجرد النقل إذا خالف العقل. والمؤرخ محتاج إلى ~~معارف متنوعة وحسن نظر وتثبت تؤدي به إلى الحق، وتنكب به عن المزلات ~~والمغالط. # وفي قسم من المقدمة أرخ العلوم الإسلامية كلها تأريخ خبير عالم، ~~وأسلوبه فيها أسلوب رزين لم يعمد فيه إلى فخفخة السجع الكاذب، ولا إلى ~~الإطناب الممل. فإذا كان عند البلاغيين ثلاثة أنواع؛ إيجاز وإطناب ومساواة، ~~فإن أسلوبه ينطبق على المساواة، فاللفظ بقدر المعنى لا أكثر ولا أقل. وقد ~~تقلب في مناصب سياسية كثيرة من سفارة وقضاء، ويظهر أنه كان حسن الحديث، قوي ~~التأثير في النفوس، فقد رأينا أنه لما سفر إلى بدرو وأعجبه وقربه إليه، ~~ومرة ثانية لما سفر إلى تيمورلنك بدمشق، وتيمورلنك هو القاسي الجبار ~~الفاتك، دخل ابن خلدون في مزاجه، ودعاه إلى أن يقيم معه، فرأى ابن خلدون من ~~الحيلة أن لا يرفض، ولكنه قال: إنه يذهب ليحضر أهله ويعود، فذهب ولم يعد، ~~كما يظهر أنه خبير بنفسية من يخاطبه ولو كان من غير جنسه، فإذا حدثه استلب ~~عقله، وعرف من أين تؤكل الكتف. # ولكن هناك ظاهرة أخرى في حياة ابن خلدون وهي النفور منه، وتنحيته عن ~~المنصب بعد أن يعين فيه، وعداؤه بعد الصداقة. وقد رأينا أن ابن الخطيب ~~عاداه بعد أن صادقه، وأنه تولى مناصب خطيرة في تونس ثم عزل، وولي منصب قاضي ms574 ~~القضاة في القاهرة ست مرات، يعزل ثم يولى ثم يعزل ثم يولى. وقد يفسر هذا ~~إما بصلابته في رأيه فليس يلين، وإما بأنه محسد لفضله، فإذا رئي منه كثرة ~~الصلابة في الحق، واعتداده بنفسه، حرض ذلك غيره ممن هم أقل منه على الدس ~~له، والنيل منه كما يظهر أنه صريح، يقول ما يعتقده من الحق، ولم آلم الناس ~~كقوله: إن العرب إذا نزلوا بلدة أسرع إليها الخراب، وإن أكثر العلماء من ~~الموالي لا من العرب ونحو ذلك، كما أنه كان في قضائه يحكم بين الناس بالعدل ~~ولو أغضب في ذلك ملوك زمانه وأمراءه. ولا نبرئه من حدة في المزاج وسرعة في ~~الانفعال، كما لا نبرئه من جمود في العواطف، فقد غرقت زوجته وأولاده في ~~البحر، ثم لا نراه يبكي لذلك، ولا يتحسر عليهم، بكاء أو تحسرا يتناسب مع ~~الفجيعة. # ومقدمته كاملة مصقولة. أما تاريخه فمهوش لم يصقل، ولم يسر فيه على ~~القواعد التي وضعها في مقدمته. ويظهر أن الزمن لم يمهله حتى يحقق كل ~~مطالبه. ومن الأمثلة على أسلوبه وتفكيره قوله في الفرق بين البدو والحضر ~~مثلا: «إن أهل الحضر ألقوا جنوبهم على مهاد الرحلة والدعة، وانغمسوا في ~~النعيم والترف، ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم وأنفسهم إلى واليهم ~~والحاكم الذي يسوسهم، والحامية التي تولت حراستهم، واستناموا إلى الأسوار ~~التي تحوطهم، والحرز الذي يحول دونهم، فلا تهيجهم هيعة، ولا ينفر لهم صيد، ~~فهم قارون آمنون، قد ألقوا السلاح، وتوالت على ذلك منهم الأجيال، وتنزلوا ~~منزلة النساء والولدان ... حتى صار ذلك خلقا يتنزل منزلة الطبيعة». ~~«وأهل البدو لتفردهم عن المجتمع، وتوحشهم في الضواحي، وبعدهم عن الحامية، ~~وانتباذهم عن الأسوار والأبواب قائمون بالمدافعة عن أنفسهم لا يكلونها إلى ~~سواهم، ولا يتقون فيها بغيرهم، فهم دائما يحملون السلاح، ويتلفتون عن كل ~~جانب في الطريق، ويتجافون عن الهجوع إلا غرارا في المجالس، وعلى الرحال ~~وفوق الأقتاب، ويتوجسون للنبآت والهيعات، ويتفردون في الفقر والبيداء، ~~مدلين ببأسهم، واثقين بأنفسهم، قد صار لهم البأس خلقا، والشجاعة سجية، ms575 ~~يرجعون إليها متى دعاهم داع، أو استنفرهم صارخ». # نعم: إن المقدمة لها أصول من كتب عربية كسراج الملوك للطرطوشي، وكتب ~~مترجمة عن اليونانية، ولكن إذا قارن الإنسان بينها وبين ما كتب ابن خلدون ~~وجده ابتكر فيها وزاد عليها، وأخرجها مخرجا جديدا - قد يظهر بعض خطئه في ~~نظريات قالها إذا نحن نظرنا إليها على ضوء ما وصل إليه علم الاجتماع ~~الحديث، ولكن من من الناس لا يخطئ، ولا يصحح قوله؟ خصوصا وقد مرت على ~~أقواله أجيال، وكفاه فخرا أنه أدرك في زمانه ما لم يدركوه إلا بعد قرون ~~طويلة، وتعد مقدمته وتاريخه من غير شك تدوينا يكاد يكون تاما للحضارة ~~الإسلامية. # وله كتب أخرى في علم الكلام وفي التصوف ولكنها كلها لا تبلغ مبلغ مقدمته. ~~وعلى الجملة، فابن الخطيب وابن خلدون جمعا في شخصهما ما وصل إليه العلم ~~العربي في الشرق قبلهما، ثم هضماه وعرضاه عرضا وافيا، كل حسب استعداده ~~وميوله، ابن الخطيب في الأدب والتصوف والتاريخ، وابن خلدون في التاريخ ~~والاجتماع، وقل أن يكون هناك علم عربي لم يتعرضا له إجمالا أو تفصيلا، ~~ونكاد نقول: إن العلم والأدب والتاريخ تحجرت بعدهما إلى أن أتت النهضة ~~الحديثة. ~~(4) أثر النساء في الأدب # كان للنساء أثر كبير في الأدب من ناحيتين: ~~(1) # ناحية ما لهن من جمال وفتنة حركا نفوس الأدباء للغزل ~~والنسيب. ~~(2) # أنه كان منهن الأديبات اللاتي ساهمن في الحركة الأدبية بما أنتجن ~~من أدب، وكان هذا هو الشأن في المشرق، فكان كذلك في المغرب، غاية ~~الأمر أن النساء الجميلات الأديبات كن في المشرق فارسيات أو ~~بربريات أو تركيات، وكن في الأندلس إسبانيات أو أوربيات من أسرى ~~الحروب، فكن يسكن قصور الخلفاء والأمراء والأغنياء، ويعلمن الأدب ~~فيخرج منهم أديبات. وأول ما بلغنا من النساء الأديبات ما روي عن ~~جملة من النساء القادمات من المشرق على الأندلس، وذلك أن الخطة ~~التي وضعها الخلفاء الأمويون بالأندلس كانت نقل ما تزين به قصور ~~الخلفاء من أمويين وعباسيين، فرأوا أن قصور الخلفاء تزين بالشعراء ~~واللغويين والفتيات المغنيات، ms576 فأوفدوا لإحضار كل ذلك من المشرق، ~~حتى يوجدوا نواة في الأندلس تثمر فيما بعد. فكما استوفدوا أبا علي ~~القالي اللغوي المشهور، وصاعدا وغيرهما، استوفدوا أيضا جواري من ~~المشرق للغناء والأدب، فذهبت إليهم فرقة ممن نشأن في المدينة أو في ~~بغداد، كما تذهب الفرق المصرية اليوم إلى الشام أو العراق، وكان ~~ممن ذهب إلى الأندلس في أول العهد عايدة، وكانت من خريجات المدينة، ~~وكانت جارية سوداء حالكة اللون، وكذلك «فضل» المدنية، وكانت ~~حاذقة في الغناء، وأصلها من جواري إحدى بنات هارون الرشيد، ~~واشتراها عبد الرحمن الداخل، ومنهن «قمر» وكانت أديبة تعرف صوغ ~~الألحان، واشتهرت بالظرف والأدب والجمال، ولا ننسى هنا ذكر الجواري ~~اللائي علمهن زرياب كما أسلفنا من قبل. # كل هؤلاء وأمثالهن علمن بعض نساء الأندلس الغناء والألحان والأدب، فنشأ بعدهن ~~جيل جديد من نساء أهل الأندلس يغنين ويقلن الشعر، كالذي رأينا من ولادة مع ~~ابن زيدون، وكان لولادة هذه صاحبة اسمها «مهجة» القرطبية، اشتهرت بجمالها ~~وأحبتها ولادة، ولازمت تأديبها، وكانت من أخف النساء روحا، ثم وقع بينها ~~وبين ولادة ما يقع بين الفتيات الجميلات عادة، كما اشتهر من النساء الأديبات ~~«اعتماد» جارية المعتمد وقد تقدم ذكرها، وبثينة بنت المعتمد، وحفصة بنت حمدون، ~~و«غاية المنى»، و«نزهون»، والغرناطية وغيرهن، كل أولئك ملأن كتب الأدب شعرا ~~ونكتا وأحداثا استوجبت غزلا كثيرا، وعتابا كثيرا، وملاحاة كثيرة، وعلى ~~الجملة فقد كن سببا في الحياة الأدبية بجانب السبب الآخر، وهو عطاء الأمراء ~~ورغبتهم في المديح والثناء، وكانا هما السببين في الحياة الأدبية في الشرق ~~والغرب على السواء. # وعلى الجملة فنحن إذا نظرنا إلى الحياة الأدبية في الأندلس رأينا خطوطها ~~الرئيسية تشبه تماما الخطوط الرئيسية في المشرق، سواء من حيث الموضوعات ~~الأدبية، أو من حيث الأوزان العروضية أو من حيث البواعث النفسية. ولم يكن شيء ~~يظهر في المشرق حتى يكون له صدى في الأندلس، يؤلف الثعالبي يتيمة الدهر في ~~ترجمة الشعراء ترجمة مسجوعة، فيقلده ابن بسام في الأندلس، ونرى هذا الشاعر ~~الأندلسي كالغزال يقلد أبا نواس، وابن ms577 زيدون يقلد البحتري، وابن هانئ يقلد ~~المتنبي، وصاعدا يقلد الجاحظ، وابن الخطيب يقلد ابن العميد، وجواري الأندلس ~~يقلدن جواري المدينة وبغداد وهكذا؛ ولهذا قلنا: إن الخطوط الرئيسية تكاد تكون ~~واحدة في الشرق والأندلس إلا خيوطا ضعيفة قليلة يظهر فيها أثر الأندلس. فإن ~~قلنا: إن الأدب العربي نهر جار، فالأندلس رافد من روافده؛ لا نهر مستقل مواز ~~له. وبعبارة أخرى: فالأندلسيون وسعوا النهر الأصلي، ولم ينشئوا نهرا ~~جديدا. # ولئن دمغ الأدب الجاهلي الأدب المشرقي، فالأدب المشرقي مع الأدب الأندلسي، ~~وكان الظن أن يؤثر الأدب الإسباني والفرنسي أثرا غير تأثير الأدب الفارسي ~~واليوناني في المشرق، ولكن حدث أن تأثر الأندلسيون بالمشرق أكثر من تأثرهم ~~بالإسبانيين لوحدة اللغة وحدة الدين، والخلاصة أن الأندلسيين في أدبهم وسعوا ~~الإنتاج أكثر مما نوعوه، فبدل أن ينتجوا باء بجانب الألف وهو الأدب المشرقي، ~~أنتجوا ألفا أخرى تتشابه مع الأولى في الموضوع والوزن والقافية والسجع ونحو ~~ذلك. وكأنهم كانوا يحسون مركب النقص بالنسبة لأدباء المشرق، فكملوه بمجاراتهم ~~بدعوى التفوق عليهم، ولكنهم لم يتفوقوا، والظاهر أن تيار المشرق كان قويا حتى ~~استحوذ على أدب المغرب، ولم يسمح له بالخروج عنه، وكان شأن الأدب في ذلك شأن ~~الفقه والتصوف واللغة والفلسفة وسائر فروع العلم. # نذكر هذا بعد أن قرأنا كثيرا من آثار الأندلسيين، وقد دخلنا في بحث الموضوع، ~~ونحن نعتقد أننا قادمون على شيء جديد مبتكر، فإذا نحن أمام ثروة كبيرة مقلدة، ~~وقد حدث لنا هذا مرة أخرى عندما دسنا الأدب المصري، وكنا نظن أن المصرية ستتضح ~~في فروع العلوم والآداب، وأن سنكون أمام شخصية تنتج من الأدب أنواعا جديدة غير ~~التي أنتجها العراق، فلم نر بعد الدرس هذا الرأي، اللهم إلا مسحة خفيفة عارضة ~~كالمسحة التي رأيناها في الأندلس، ولعل الزمن يظهر هذا لمن بعدنا أكثر مما ظهر ~~لنا. # | هوامش # الفصل الخامس # | الحركة الفلسفية والعلمية # يظهر أن منشأ الفلسفة في الأندلس كمنشئها في المشرق، فقد نشأت الفلسفة في المشرق ~~من الطب والتنجيم لعناية الخلفاء بهما، إذ كانوا يحتاجون إليهما ms578 كثيرا، وكان بعضهم ~~يؤمن بالتنجيم، وبما سيحدث في الكون، وكان من الموظفين الرسميين أطباء ومنجمون، ~~وكان الطب والتنجيم عند اليونان فرعين من فروع الفلسفة، كالطبيعيات والإلهيات، ~~وكذلك كان الشأن في الأندلس. فقد احتاج الخلفاء الأولون إلى أطباء يداوونهم، خصوصا ~~أن الترف وكثرة الأكل أضعفا أجسامهم، وكان بعضهم يؤمن بالتنجيم. والاشتغال بالطب ~~والتنجيم يسلم إلى الفلسفة؛ لأن الطب - كما هو معروف - يحتاج إلى معرفة النباتات ~~وخصائصها، والعقاقير وما إليها، وهو المسمى «بالأقرباذين»، ومتى سار الطبيب في ~~ذلك، احتاج إلى المنطق لمعرفة الأقيسة والاستنتاجات الصحيحة في معالجة الأمراض، ~~ومتى اتصل بذلك، اتصل بجالينوس وأفلاطون وأرسطاطاليس، فاتصل بالفلسفة اليونانية. ~~كذلك من اشتغل بالنجوم اتصل ببطليموس، ورأى نفسه محتاجا إلى رياضة دقيقة، وهندسة ~~عميقة، فاتصل بأقليدس وفيثاغورس، ثم اتصل بأفلاطون وأرسطو كذلك. # ولذلك نرى الفلاسفة الأندلسيين الأولين أطباء فقط، مثل: الكرماني، وأبي جعفر أحمد ~~بن خميس، وحمدين بن أبان، أو منجمين مثل: ابن السمينة، ومسلمة بن أحمد المجريطي، ~~والزهراوي وغيرهم. وقد أعانهم على التفلسف عوامل مختلفة: # الأولى: # أنه رحل إلى الأندلس في أول عهدها بعض البغداديين، فعلموا أهل ~~الأندلس ما وصل إليه أهل بغداد في الطب، كالذي روي عن إسحاق بن ~~عمران، وأنه كان بغدادي الأصل، وكان طبيبا مشهورا، إلى كثير ~~غيره، وأنه رحل إلى الأندلس. # والثاني: # أن الحكم كما قدمنا نقل كثيرا من الكتب، ومنها الكتب الفلسفية ~~التي ترجمت عن اليونانية، ولم يظهر كتاب عظيم في الفلسفة إلا وينقل ~~فورا إلى الأندلس؛ كالذي حدثنا ابن أبي أصيبعة من أن الكرماني من ~~أهل قرطبة رحل إلى المشرق، وجلب معه عند عودته إلى الأندلس رسائل ~~إخوان الصفاء. # والثالث: # أن العلاقات كانت تحسن في بعض الأحيان بين خلفاء بني أمية ~~الأندلسيين وبين القسطنطينية، فهؤلاء الأخيرون يهدون إلى خلفاء بني ~~أمية بعض الكتب الفلسفية والأدبية. ومن أظرف ما كتب في ذلك ما ذكره ~~ابن جلجل من أن «كتاب ديسقوريدس» في النبات كان قد ترجم ببغداد ~~أيام المتوكل، ترجمه إسطفن بن باسيل من اليونانية إلى العربية، ~~وصحح الترجمة ms579 حنين بن إسحاق. وقد وضع إسطفن للكلمات اليونانية ~~أسماء عربية للنباتات التي يعرف لها اسما عربيا، وما لم يعرفه ~~تركه. وورد هذا الكتاب إلى الأندلس أيام عبد الرحمن الناصر، وانتفع ~~الناس بالمعروف منه، فلما اتصل عبد الرحمن بأرمانيوس ملك ~~القسطنطينية نحو سنة 338ه أهداه أرمانيوس هدايا عظيمة، منها كتاب ~~ديسقوريدس مصورا، وكان الكتاب مكتوبا بالإغريقي الذي هو ~~اليوناني، كما أهدى إليه كتاب هيروسيس في القصص والتاريخ، وقال له ~~أرمانيوس: «إن ديسقوريدس لا تجتنى إلا برجل يحسن اللسان اليوناني، ~~ويعرف أشخاص تلك الأدوية. وأما كتاب هيروسيس فعندك في بلدك من ~~اللاتينيين من يقرءوه باللسان اللاتيني، وينقله إلى اللسان العربي. ~~فقال عبد الرحمن الناصر: إنه ليس عنده من يقرأ اللسان الإغريقي، ~~وسأل الملك أن يبعث إليه رجلا يتكلم الإغريقية ليعلم عبيدا له. ~~فبعث إليه أرمانيوس راهبا كان يسمى نيقولا، فوصل إلى قرطبة سنة ~~340ه، فعلمهم ما جهل من أسماء عقاقير ديسقوريدس، وحظي نيقولا ~~الراهب عند عبد الرحمن الناصر، وفسر للناس العقاقير المجهولة، ~~وتتلمذ له كثير من الأطباء». # فهذه العوامل كلها عملت في تكوين طبقة كانت تشتغل بالطب والتنجيم أولا، ثم ~~بمناسبة تغلغلهم في كتب اليونانيين اتصلت الأجيال التي أتت بعد الفلسفة على عمومها، ~~والحق أن أهل الأندلس تلقوا الطب والتنجيم قبولا حسنا، ولكن لم يتلقوا الإلهيات ~~هذا القبول الحسن؛ لميلهم إلى الفقه المتزمت، وتشددهم في التفسير والحديث وما إلى ~~ذلك فقط؛ ولذلك لم يسلم فيلسوف خرج عن الطب والتنجيم إلى الفلسفة من رمي له ~~بالزندقة والكفر والإلحاد، وطلب توقيع العقوبات الشديدة عليه كالإعدام. ويكاد تاريخ ~~الفلاسفة الأندلسيين يكون سلسلة اتهامات من هذا القبيل إلى آخرهم، كالذي حدث لابن ~~باجة وابن رشد، وأخيرا لابن الخطيب. # وقد أخذ الطب والتنجيم يتبلوران إلى فلسفة مدة سنين، حتى ظفرنا بالفلاسفة ~~الحقيقيين، وسنقتصر على ذكر أشهرهم على التتابع. # ويظهر أن الاشتغال بالفلسفة كان منوعا إلى نوعين: نوع أميل إلى التصوف منه إلى ~~الفلسفة البحتة، وهؤلاء اتبعوا من الفلاسفة أفلوطين، وربما عددنا من أوائلهم ابن ~~مسرة، وقد ذكرنا ms580 المشتغلين بالتصوف متسلسلين في الحركة الدينية فانظرهم ~~هناك. # ومن هذه المدرسة كان ابن سبعين، وهي تعتمد على الذوق والكشف ومراقبة النفس أكثر ~~مما تعتمد على العقل والمنطق ومقدمات القياس ونتائجه. # والنوع الثاني: من اشتغلوا بالفلسفة الصرفة على النحو الذي سار عليه أرسطو، وربما ~~عددنا من أولهم بمعنى الكلمة «ابن باجة» وهو بعينه المعروف بابن الصائغ، وقد وصف ~~ابن طفيل الأندلسي حالة الفلسفة في بلده وحالة ابن الصائغ الفيلسوف وصف خبير، فقال: ~~«إن هذا العلم - الفلسفة - أندر من الكبريت الأحمر، ولا سيما في هذا الصقع - يعني: ~~صقع الأندلس - الذي نحن فيه؛ لأنه - أي: هذا العلم - من الغرابة في حد لا يظفر ~~باليسير منه إلا الفرد بعد الفرد، ومن ظفر بشيء منه لم يكلم الناس إلا رمزا، فإن ~~الملة الحنيفية والشريعة المحمدية قد منعت من الخوض فيه وحذرت منه ... ولا تظنن ~~أن أحدا من أهل الأندلس كتب فيه شيئا فيه كفاية، وذلك أن من نشأ بالأندلس من أهل ~~الفطرة الفائقة، قبل شيوع علم المنطق والفلسفة فيها، قطعوا أعمارهم بعلوم التعاليم ~~والرياضيات، وبلغوا فيها مبلغا رفيعا، ولم يقدروا على أكثر من ذلك ... ثم خلف من ~~بعدهم خلف زادوا عليهم بشيء من علم المنطق، فنظروا فيه، ولم يفض بهم إلى حقيقة ~~الكمال، فكان فيهم من قال: # برح بي أن علوم الورى # اثنان ما إن فيهما من مزيد # حقيقة يعجز تحصيلها # وباطل تحصيله ما يفيد # ثم خلف من بعدهم خلف آخر أحذق منهم نظرا، وأقرب إلى الحقيقة، ولم يكن فيهم أثقب ~~ذهنا، ولا أصح نظرا، ولا أصدق رؤية من أبي بكر من الصائغ، # 1 # غير أنه شغلته الدنيا، حتى اخترمته المنية قبل ظهور خزائن علمه، وبث ~~خفايا حكمته، وأكثر ما وجد له من التآليف «نوعان: كتب مخرومة من أواخرها، ككتابه في ~~النفس وتدبير المتوحد، وما كتبه في المنطق وعلم الطبيعة. وكاملة وهي كتب وجيزة ~~ورسائل مقتبسة». # 2 # وترتيب عبارته في بعض المواضع على غير الطريق، ولو اتسع له الوقت مال ~~لتبديلها، فهذا حال ما وصل ms581 إلينا من علم هذا الرجل، ونحن لم نلق شخصه». # وابن باجة هذا كما يظهر من كلام ابن طفيل من أكبر مفكري عصره، ولكن مع الأسف لم ~~تصلنا أكثر مؤلفاته، على أنه روي أن له كتبا في المنطق لم تتم موجودة في مكتبة ~~الأسكوريال. # ومن أهم ما وصل إلينا من تآليفه رسالة الوداع، وكتاب «تدبير المتوحد»، فأما رسالة ~~الوداع فقد أبان فيها فضل المعرفة وفضل التأمل الفلسفي، وأنهما وحدهما يؤديان ~~بالإنسان إلى معرفة الطبيعة، ويعينانه على تعرف نفسه ويوصلانه إلى العقل الفعال، ~~كما يتعرض فيها للنفس الإنسانية ونهايتها ... إلخ. # وأما كتاب تدبير المتوحد، ومعنى المتوحد «النبتة تنبت من تلقاء نفسها، وتنتحي ~~ناحية وحدها»، فإنه تعرض فيه للمدينة ووصفها على نحو مختصر من جمهورية أفلاطون. ~~وعنده أن المدينة الفاضلة هذه قد خلت من صناعة الطب وصناعة القضاء؛ لأن أهلها لا ~~يمرضون لاغتذائهم بالأغذية الصحيحة، ولعدلهم في تصرفاتهم، فأهلها صحاح الأبدان، ~~عادلو الأحكام، وذكر أنه في هذه المدينة الفاضلة أعطي كل إنسان ما هو مستعد ~~له. # وهو يقسم أعمال الإنسان إلى أعمال اضطرارية كالهوي من فوق، والاحتراق إذا مسته ~~النار، وبعض أعماله يشترك فيها مع النبات، وبعضها يشترك مع الحيوان. وأما الأفعال ~~الإنسانية الخاصة، فهي ما تصدر عنه بإرادته. وقلما يوجد العمل البهيمي إلا ممزوجا ~~بالإنسان، وتوسع في تقسيم الأعمال الإنسانية، حسب التعبيرات الفلسفية المعهودة، ~~ومما يناسب اسم الكتاب «تدبير المتوحد»، أنه نصح بالبعد عن الناس ورأى الخير في أن ~~المتوحد يعيش وحده حتى ولو اضطرته الظروف أن يكون مقيما وسط الجماعة؛ لأن الغاية ~~القصوى للإنسان الكامل هي إعمال العقل والتأمل، وهي لا تأتي إلا بالدرس والفكر، ولا ~~يكون ذلك إلا بالتوحد، ومن رأيه أن هناك عقلا واحدا كليا، اقتبس كل فرد منه ~~قبسة تختلف كبرا وصغرا، وربما كانت هذه الفكرة من الأسس التي بنيت عليها فكرة ~~وحدة الوجود. # وقد ترجمت «رسالة الوداع» التي ذكرناها إلى العبرية، وفيها أبان عن العقل الأول، ~~وبحث في الغاية الحقيقية من وجود الإنسان، والغاية من العلم، وهي ms582 القرب من الله، ~~والاتصال بالعقل الفعال الذي يفيض منه، وفي هذه الرسالة آراء في اتحاد النفوس ~~أخذها منه ابن رشد، وسماها رسالة الوداع؛ لأن ابن باجة كان على سفر طويل، فكتبها ~~لصديق من أصدقائه ليترك له آراءه إذا قدر أن لا يلتقيا. وفي هذه الرسالة بحث في ~~قيمة المعرفة على نحو ما نراه في كتاب الشفاء لابن سينا. # وقد ولد ابن باجة هذا في سر سرقسطة في آخر القرن الخامس الهجري، في دولة ~~المرابطين. وقد كانت الغلبة في الناس لأهل الحديث المتشددين، أما الفلاسفة فكانوا ~~عرضة للاضطهاد أو القتل، إلا فترات قصيرة كان فيها بعض الأمراء يميل إلى الفلسفة، ~~فيقرب إليه الفلاسفة، وصادف أن كان منهم حاكم سرقسطة فاتخذ ابن باجة جليسا له ~~ووزيرا، وكان ابن باجة على علم واسع بالرياضة والفلك والموسيقى والطب، فاضطهده ~~المتزمتون ورموه بالزندقة والإلحاد، وكان قد وصل إلى الأندلس كتب فلاسفة الشرق، ~~وخاصة الفارابي وابن سينا والغزالي، فانتفع بكتبهم، وكانت فلسفته كما هو الشأن في ~~أول كل شيء فلسفة لا شاملة ولا كاملة، وهو يتفق في آرائه في المنطق والطبيعة وما ~~بعد الطبيعة مع مذهب الفارابي، ويرى أن الهيولى لا يمكن أن توجد مجردة عن الصورة، ~~أما الصورة فيمكن أن تتجرد من الهيولى، والإنسان يتدرج درجات متتالية، حتى يصل إلى ~~ما هو إلهي، ويتدرج من الجزئيات إلى الكليات والإنسان يبلغ الرتبة العليا بتنمية ~~العقل تنمية حرة خالصة من القيود، والفعل الحر الاختياري هو الذي يصدر بعد الفكرة ~~والروية، أي: إنه فعل شعر فاعله بغاية يقصدها منه. فالطفل قد يكسر شيئا لا لغاية، ~~ولكن العاقل يستطيع أن يفعل الفعل لغاية يقصد إليها ... إلخ. # وله قصائد لونت بفلسفته مثل قوله: # يا باكيا فرقة الأحباب عن شحط # هلا بكيت فراق الروح للبدن # نور تردد في طين إلى أجل # فانحاز عوا وخلى الطين للكفن # يا شد ما افترقا من بعدما اعتلقا # أظنها هدنة كانت على دخن # إن لم يكن في رضا الله اجتماعهما # فيا لها صفقة تمت على غبن ms583 # وهذا القول أشبه «بعينية» ابن سينا في النفس. وقوله: # ما كل من شم نال رائحة # للناس في ذا تباين عجب # قوم لهم فكرة تجول بهم # بين المعاني أولئك النجب # وفرقة في القشور قد وقفوا # وليس يدرون لب ما طلبوا # لا يتعدى امرؤ جبلته # قد قسمت في الطبيعة الرتب # وكانت تفد إليه العلماء من جميع الأقطار. ويقول صاحب المعجب: إنه هو الذي نبه ~~الناس على قدر ابن رشد ولفت إليه الأنظار، ومن ذلك الحين عرفوه، ونبه قدره ~~عندهم. # وقدر رأى أن الإنسان إذا ارتقى بلغ في ارتقائه أن يتصل بالله، وتنكشف له الحقائق، ~~ويشعر من ذلك بلذة أكبر من كل لذة، ويحدث ذلك للإنسان في لحظات تجل، وهي نظرية ~~صرح بها أفلوطين، واعتنقها كثير من النصارى والمسلمين في القرون الوسطى؛ كابن طفيل ~~وابن رشد والغزالي وابن عربي وأمثالهم. وقد جعلها ابن طفيل هي غاية الغايات في ~~رسالته حي بن يقظان، وقال: إنه وصل إلى هذه الدرجة أولا على فترات طويلة ثم على ~~فترات قصيرة. # ويظهر أنه كان عالما بالطب والرياضة والفلسفة، وأن ميزته سعة معارفه أكثر من سعة ~~ابتكاره. وقد رووا أنه وزر حوالي عشرين سنة لأبي بكر بن إبراهيم صهر علي بن يوسف ~~بن تاشفين رئيس المرابطين، كما رووا أنه ذهب آخر حياته إلى فاس حيث وقع فريسة ~~لأعدائه، حتى قالوا: إنه سم حوالي سنة 533ه، وأنه كان ممن دبر هذه المؤامرة عليه ~~الطبيب ابن زهر. وغريب أن يقع فيلسوف فريسة لفيلسوف آخر. وكان أساس اتهامه الإلحاد ~~والخروج عن الدين، وكان يكرهه الفتح بن خاقان صاحب قلائد العقيان؛ ولذلك لما ترجم ~~له في هذا الكتاب رماه فيه بكل نقيصة إذ قال: «هو رمد عين الدين، وكمد نفوس ~~المهتدين، اشتهر سخفا وجنونا، وهجر مفروضا ومسنونا، فما يتشرع، ولا يأخذ في غير ~~الأضاليل ولا يشرع. الإساءة إليه أجدى من الإحسان، والبهيمة عنده أهدى من الإنسان، ~~نظر في تلك التعاليم، وفكر في أجرام الأفلاك وحدود الأقاليم، ورفض كتاب الله الحكيم ~~العليم، واقتصر على ms584 الهيئة، وأنكر أن تكون منه إلى الله فيئة، وحكم للكواكب ~~بالتدبير، واجترأ على الله اللطيف الخبير، وقصر عمره على طرب ولهو، واستشعر كل كبر ~~وزهو، وأقام سوق الموسيقى، وهام بحادي القطار وسقى فهو يعكف على سماع التلاحين، ~~ويقف عليه كل حين». وكلامه يمثل نظرة عوام الأندلس إلى الفلاسفة. # وعلى العكس من ذلك قال علي بن عبد العزيز عنه: «إنه كان في ثقافة الذهن، ولطف ~~الغوص على تلك المعاني الجميلة الشريفة الدقيقة، أعجوبة دهره، ونادرة الفك في ~~زمانه». ويظهر أن الفتح بن خاقان إنما ذمه هذا الذم لأشياء شخصية وقعت بينهما، مع ~~أنه كان قد مدحه قبل ذلك مدحا كبيرا سنرويه في ترجمة الفتح مما يدل على عدم تحري ~~الصدق وقول الحق. # وقد قال ابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء: «إنما انتهجت سبل النظر في هذه العلوم ~~- يعني: العلوم الفلسفية - بهذا الحبر - يعني: ابن باجة - وبمالك بن وهيب الإشبيلي، ~~فإنهما كانا متعاصرين، غير أن مالكا لم يقيد عنه إلا قليل نزر، في أول الصناعة ~~الذهنية، وأضرب الرجل - يعني: ابن باجة - عن النظر ظاهرا في هذه العلوم، وعن ~~التكلم فيها لما لحقه من المطالبات في دمه بسببها، وأقبل على العلوم الشرعية فرأس ~~فيها، وله تعاليق في الهندسة وعلم الهيئة تدل على نبوغه في هذا الفن. وأما العلم ~~الإلهي فلم يوجد في تعاليمه شيء مخصوص به اختصاصا تاما، إلا نزعات تستقرأ من ~~قوله في رسالة الوداع». # ويحكي ابن أبي أصيبعة أنه كان من جملة تلاميذ ابن باجة أبو الوليد بن رشد، وقد ~~عدد كتبا لابن باجة من تآليفه الضائعة مثل شرح كتاب «السماع الطبيعي» لأرسطاطاليس، ~~وشرح لبعض كتاب «الآثار العلوية»، وله أيضا شرح لبعض كتاب «الكون» وكتاب «الحيوان ~~والنبات» في اتصال العقل بالإنسان، وكتاب «النفس» وهو تعليق على كتاب الفارابي «في ~~الصناعة الذهنية»، وفصول قليلة في السياسة المدنية ... إلخ. والله أعلم. # بنو زهر # من أشهر فلاسفة الأندلس بنو زهر، وهم سلسلة من العلماء والأطباء ظهروا في ~~الأندلس ستة في نسق، أولهم وهو الجد ms585 الأعلى أبو بكر محمد بن مروان بن زهر، ~~وقد اشتهر بالفقه والأدب، ومات سنة 422ه ثم ابنه أبو مروان عبد الملك بن محمد ~~بن زهر، وكما اشتهر أبوه بالفقه والأدب اشتهر هو بالطب، وقد تنقل بين القاهرة ~~والأندلس، واتصل ببلاط أمير دانية واسمه مجاهد، وعين طبيبا خاصا له، ومات عن ~~ثروة كبيرة، قال القاضي صاعد فيه: إنه رحل إلى المشرق، ودخل القيروان ومصر، ~~وتطبب هناك زمنا طويلا ، ثم رجع إلى الأندلس، وله في الطب آراء شاذة. # ثم ابنه أبو العلاء واشتغل أيضا بالطب وأخذه عن أبيه، ورويت له عجائب في ~~تشخيص الأمراض، واتصل بأمراء بني عباد، ثم انضم إلى يوسف بن تاشفين، ثم ابنه ~~أبو مروان بن أبي العلاء، ويسمى عادة بأبي مروان بن زهر، ولد حوالي سنة 485ه، ~~وتعلم الطب على أبيه، وابتكر أشياء كثيرة في الأقرباذين، وقد كان صديقا لابن ~~رشد، ولما ألف ابن رشد كتابه في كليات الطلب أوعز إلى صديقه هذا أن يؤلف كتابا ~~في الجزئيات حتى يكمل بعضهما بعضا. ولأمر خفي اضطهده علي بن يوسف بن تاشفين ثم ~~سجنه، ولعل ذلك كان إرضاء للعوام لما نقموا عليه اشتغاله في الفلسفة. وله كتاب ~~اسمه «الاقتصاد في إصلاح الأنفس والأجساد»، وكان طبه كثيرا ما يعتمد عليه الطب ~~الأوربي، ومن ابتكاراته وصف للأورام الحيزومية والتغذية الصناعية عن طريق ~~الحلق. # ثم ابنه أبو بكر محمد بن عبد الملك، خلف رسالة في طب العيون، وقد كان طبيبا ~~ليعقوب بن يوسف، فقربه إليه، ثم ابنه أبو محمد عبد الله، وكان طبيبا ماهرا ~~أيضا، واتصل ببلاط الموحدين، وتوفي شابا بالسم كأبيه ولم يكن يلغ خمسة ~~وعشرين عاما. # فهذه الأسرة كما ترى، أسرة برزت في الطب واشتهرت بالفلسفة، ولكن مع الأسف لم ~~نعرف الكثير عن فلسفتهم. ونصل بعد ذلك إلى ابن طفيل. # ابن طفيل # كان طبيبا في دولة الموحدين فاشتغل في بلاطهم، وهو الذي قدم إلى هذا ~~البلاط ابن رشد، وكان ابن طفيل أسن منه، وهو أيضا الذي حبب إلى ابن رشد تلبية ms586 ~~رغبة الخليفة في شرح كتب أرسطو، وابن رشد حل محله لما طعن ابن طفيل في ~~السن. وقد مات ابن طفيل سنة 581ه، ولم يعرف له إلا رسالة حي بن يقظان، # 3 # مع أنه تنسب إليه آراء في الفلك. وقد ألف هذه الرسالة مقتبسا ~~الفكرة والاسم من ابن سينا، وإن كانت قصته أروع، وتأثر فيها بالأفلاطونية ~~الحديثة، بنى فكرته فيها على إنسان وجد منذ طفولته في جزيرة نائية ليس فيها ~~أحد من الناس فأرضعته غزالة، وكان هذا الطفل موهوبا قادرا على التفكير ~~العميق، استطاع بعقله شيئا فشيئا أن يعرف الكون ويشرح جسم الإنسان ويعرف ~~أسراره، وأن يعرف النار وفوائدها، وأخيرا استطاع أن يعرف الله. ولما تقابل مع ~~رجل في الجزيرة كان تدين بشريعة نبي واستطاعا أن يتفاهما، عرض كل ما عنده على ~~الآخر، وتبين أنهما متفقان في الأصول دلالة على أن الدين لا يخالف ~~العقل. # وفي الرسالة لفتات لطيفة، منها: أن الإنسان إذا ارتقى اتصل بالله ورأى ما لا ~~عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كما ذكرنا ذلك في ابن باجة، وقد ~~تقدم في حياته كثيرا بقوة عقله، فاستطاع حتى أن يبدل أوراق الشجر التي كان ~~يلبسها بجلد نسر، واستطاع أن يفهم معنى الموت لما ماتت أمه الغزالة، واهتدى إلى ~~غزل الصوف، وصنع الإبر، والبناء، كما اهتدى إلى صيد الحيوانات وتربية الدواجن، ~~واستنتج من تبخر الماء فكرة الهيولى والصورة، وتحول الصور بعضها إلى بعض، ~~واكتشف أيضا فوائد النار ومضارها، ثم فكر في السماء كما فكر في الأرض. # وهناك مثلا يدل على دقة ملاحظته. قال في اكتشاف النار ما يأتي: «واتفق في ~~بعض الأحيان أن انقدحت نار في أجمة قلخ # 4 # على سبيل المحاكة، فلما بصر بها رأى منظرا هاله، وخلقا لم يعتده ~~قبل، فوقف يتعجب منها مليا، وما يزال يدنو منها شيئا فشيئا، فرأى ما للنار ~~من الضوء الثاقب، والفعل الغالب، حتى لا تعلق بشيء إلا أتت عليه، وأحالته إلى ~~نفسها، فحمله العجب منها، وبما ركب الله ms587 في طباعه من الجرأة والقوة على أن يمد ~~يده إليها، فأراد أن يأخذ منها شيئا، فلما باشرها أحرقت يده، فلم يستطع القبض ~~عليها، فاهتدى إلى أن يأخذ قبسا لم تستول النار على جميعه فأخذ بطرفه السليم ~~والنار في طرفه الآخر، فتأتى له ذلك وحمله إلى موضعه الذي كان يأوي إليه، ~~وكان قد خلا في جحر استحسنه للسكنى قبل ذلك، ثم ما زال يمد تلك النار بالحشيش ~~والحطب، ويتعهدها ليلا استحسانا لها وتعجبا منها، وكان يزيد أنسه بها ليلا؛ ~~لأنها كانت تقوم له مقام الشمس في الضياء والدفء، فعظم بها ولوعه واعتقد أنها ~~أفضل الأشياء التي لديه، وكان دائما يراها تتحرك إلى جهة فوق، وتطلب العلو، ~~فغلب على ظنه أنها من جملة الجواهر السماوية التي كان يشاهدها. # وكان يختبر قوتها في جميع الأشياء بأن يلقيها فيها فيراها مستولية عليها، إما ~~بسرعة وإما ببطء بحسب قوة استعداد الجسم الذي كان يلقيه للاحتراق أو ضعفه. وكان ~~من جملة ما ألقى فيها على سبيل الاختيار لقوتها شيء من أصناف الحيوانات البحرية ~~كان قد ألقاه البحر إلى ساحله، فلما أنضجت ذلك الحيوان، وسطع قتاره، # 5 # تحركت شهوته، فأكل منه شيئا فاستطابه، فاعتاد ذلك أكل اللحم، فعرف ~~الحيلة في صيد البر والبحر حتى مهر في ذلك». # وبهذه المناسبة تقول: إنه هو والفلاسفة المسلمون والفلاسفة اليونانيون من قبل ~~كانوا يرون أن الأجسام السماوية من نجوم وكواكب، وسماء وأجسام شفافة طاهرة أرقى ~~في الحياة من الإنسان، وأنها في رقيها وسط بين الله والناس؛ وأنها أهل لأن ~~يقتدي بها الإنسان، وأنها طبقات بعضها فوق بعض، وأنها أفلاك عشرة وسموها ~~العقول العشرة، وكل عقل يحكم ما تحته، ويحكم بما فوقه، ثم الفلك الأخير من ~~ناحية الأرض يتحكم فيها وفي شئون أهلها، ومما قاله في ذلك ابن طفيل: «إن ~~التشبه بالأجسام السماوية على ثلاثة أضرب: # فالضرب الأول: # أن لها أوصافا بالإضافة إلى ما تحتها من عالم الكون ~~والفساد، وهي ما تعطيه إياه من التسخين بالذات او التبريد ~~بالعرض والإضاءة والتلطيف والتكثيف ms588 إلى سائر ما تفعل. # والضرب الثاني: # أن لها أوصافا في ذاتها، مثل كونها شفافة ونيرة وطاهرة، ~~ومتنزهة عن الكدر وضروب الرجس، ومتحركة بالاستدارة، بعضها على ~~مركز نفسها، وبعضها على مركز غيرها. # والضرب الثالث: # أوصاف لها بالإضافة إلى الموجود الواجب الوجود، مثل كونها ~~تشاهده مشاهدة دائمة ولا تعرض عنه وتتشوق إليه، وتتصرف بحكمه، ~~ولا تتحرك إلا بمشيئته». # فجعل «حي بن يقظان» يتشبه بها، ففي الضرب الأول متى وقع بصره على نبات قد ~~حجبه عن الشمس حاجب أو تعلق به نبات آخر يؤذيه أو عطش عطشا يكاد يفسده أزال ~~عنه ذلك الحاجب ... وتعهده بالسقي ما أمكنه، ومتى وقع بصره على حيوان قد أرهقه ~~ضبع أو نشب به ناشب أو تعلق به شوك، أو سقط في عينيه أو أذنيه شيء يؤذيه، او ~~مسه ظمأ أو جوع تكفل بإزالة ذلك كله وأطعمه وأسقاه، ومتى وقع بصره على ماء ~~يسيل إلى سقي نبات أو حيوان وقد عاقه عن ممره ذلك عائق، من حجر سقط فيه، أو جرف ~~انهار عليه، أزال ذلك كله عنه، وما زال ينعم في هذا النوع من ضروب التشبه حتى ~~بلغ به الغاية ... إلخ إلخ. # وعلى الجملة فقد كانت قصة غريب لطيفة، فيها المعاني الفلسفية العميقة، ~~والخيالات القصصية اللطيفة، صاغ ذلك كله في عبارة أدبية رفيعة جزلة، قلدها بعض ~~أهل المشرق والمغرب. ولما انطفأ سراجه خلفه ابن رشد، وكانت الفلسفة قد نضجت، ~~ووسائلها قد توفرت، وفلسفة ابن باجة وابن طفيل قد وصلت وهضمت، ووصلت إلى ~~الأندلس أيضا رسائل إخوان الصفاء، وكتب الفارابي وابن سينا الفلسفة، ورد ~~الغزالي على الفلاسفة في كتابه تهافت الفلاسفة، فأمكن من كل ذلك ظهور ابن رشد ~~كفيلسوف ناضج، يحمل علم الفلسفة في الأندلس، وفيما جاورها من الأمم، ويصبح بحق ~~فيلسوف الأندلس بلا مراء. # ابن رشد # لابن رشد أسرة طيبة تشبه أسرة ابن زهر، من حيث إن الأب الأول كان فقيها، ~~والذي يلاحظ أنه كان من مداخل الفلسفة الفقه لسببين: # الأول: # أن الفقه والاشتغال به والبحث عن استنباط الأحكام ms589 يعلم ~~العمق، ودراسة الفلسفة دراسة عميقة. # والثاني: # أن الفلسفة لما كانت مكروهة في الأوساط الشعبية الأندلسية ~~كان الفقه ستارا يتخذه الفلاسفة، حتى لا يرموا ~~بالزندقة. # وعلى الجملة فقد كان الجد الأول هو أبو الوليد محمد بن رشد، كان قاضيا ~~لقرطبة على مذهب الإمام مالك، وتوجد مجموعة من فتاويه في كتاب خطي للآن، وقد ~~سفر للسلطان في المغرب ونجح في سفارته، وكان موضع السفارة نقل ألوف من نصارى ~~الأندلس إلى طرابلس لاتقاء شرهم ، وقد خلف هذا الجد ابنا اسمه أحمد، وهو أبو ~~فيلسوفنا الكبير. وقد ولد ابن رشد الفيلسوف في قرطبة سنة 520ه، وأخذ يتعلم ~~الشريعة من فقه وأصول وكلام، ثم التفت إلى الطب فدرسه ومهر فيه. ويقول ابن أبي ~~أصيبعة: إنه درس الطب والفلسفة على ابن باجة، وسرعان ما انتقل من الطب إلى ~~الفلسفة، ولكن لم يشأ أن يظهر بالفلسفة، حتى لا يتهم في العقيدة، وقد قربه ~~وحماه الخليفة الموحدي، وهو الأمير يوسف الذي خلف عبد المؤمن. # وقد قال ابن رشد: «لما دخلت على أمير المؤمنين وجدت ابن طفيل في مجلسه، ~~فابتدأ يذكر شرف أسرتي وقدم عهدها، وأثنى علي ثناء لا أستحقه. ولما التفت ~~إلي الأمير سألني عن اسمي واسم أبي واسم أسرتي وبادرني بالسؤال: ماذا يعتقد ~~الفلاسفة في الكون؟ أهو قديم أزلي أو محدث، فداخلني الوجل عند هذا السؤال وأخذت ~~ألتمس عذرا لأتخلص من الجواب، فأنكرت أنني اشتغلت بالفلسفة وما كنت عالما أن ~~ابن طفيل اتفق مع أمير المؤمنين على تجربتي، فلما رأى الأمير اضطرابي التفت إلى ~~ابن طفيل، وصار يباحثه في هذا الموضوع، فروى كل ما قاله فيه أرسطو وأفلاطون ~~وغيرهما من الفلاسفة، وأردفها بردود المتكلمين عليها، فاطمأنت نفسي حينئذ، ~~ولكني عجبت مما بدا من الأمير من الذكاء وقوة الذاكرة التي ندر وجودها حتى عند ~~العلماء المنقطعين إلى هذه المسائل، وبعد الفراغ من الكلام جرأني عليه؛ ليرى ~~مبلغ علمي في ذلك الموضوع، فاجترأت وأخذت أتكلم، وعند خروجي من مجلسه منحني ~~مالا وخلعة سنية ودابة للركوب». # ومن هذا الوقت ms590 صار ابن رشد من أحب الناس للأمير يوسف، وقد حدثونا أن الأمير ~~هو الذي طلب من ابن رشد شرح فلسفة أرسطو؛ لأنه رآها غامضة. وقد ولاه الأمير ~~قضاء إشبيلية سنة 565ه، وفيها شرح قسما من أقسام فلسفة أرسطو، وهو قسم ~~الحيوان، ثم رأيناه سنة 567ه في قرطبة يشرح شرحه الطويل على أرسطو، وطالما شكا ~~من الوظيفة؛ لأنها تحرمه التفرغ للتأليف. وقد ولي طب الأمير بعد ابن طفيل، ~~وعهد إليه رياسة القضاء في قرطبة، ولئن كان ابن سينا شغلته السياسة عن التفرغ ~~للفلسفة، فابن رشد شغله القضاء وطب الأمير عن ذلك أيضا، ومات الأمير يوسف، ~~وخلفه الأمير يعقوب، فقربه إليه أيضا، ولكن بدأ الوشاة والمنافسون يرمون ابن ~~رشد بأنه زنديق يجحد القرآن، ويعرض بالخلافة، وكتب مرة على كتابه يصف المنصور ~~بأنه أمير البرين، فحرفوها إلى أمير البربر، وقد أعرض الأمير يعقوب عن سماع ~~هذه الوشايات أولا، ولكنه أمام هياج الشعب وحب التقرب إليه تنكر لابن رشد، ~~فاستدعى ابن رشد وامتحنه وأخلى سبيله، وكان الطلبة ينتظرونه، فهنأوه بنجاته ~~وعدم إصغاء الأمير إلى الوشايات فيه، وتقريب الأمير إليه فقال: «والله إن هذا ~~ليس مما يستوجب الهناء، فقد قربني دفعة واحدة أكثر مما كنت أؤمل»، ثم اتهموه ~~بما ذكرنا. # وزاد الأمر سوءا أنه قد شاع عند العامة في وقت من الأوقات حصول أرباح شديدة ~~تهلك الحرث والنسل، وأنها تكون كالرياح التي أرسلت على عاد، فروي عن ابن رشد ~~أنه قال: «والله وجود قوم عاد ما كان حقا، فكيف سبب هلاكهم؟» ولو صحت هذه ~~الجملة عن ابن رشد لكان معناها أنه يعتقد أن عادا وقصته أسطورة، فهاج عليه ~~العوام وقالوا: إنه ينكر القرآن. وزيادة على ذلك أنهم فتشوا في كتبه الفلسفية، ~~وأخذوا منها ما ينافي الدين، فأمر الأمير بمحاكمته. فكان ابن رشد في ذلك صريحا ~~صادقا، فلم يتزلف للأمير، وشهد الجلسة الكبرى لمحاكمته، وكتبوا بأنه مرق من ~~الدين واستوجب ما لعن الله به الضالين، وخالف عقائد المؤمنين، ومع ذلك فلم يحكم ~~فيه الأمير السيف، بل ms591 نفاه إلى قرية قريبة من قرطبة، سكانها من اليهود، وأذيع ~~في العامة المنشور التالي: # قد كان في سالف الدهر قوم خاضوا في بحور الأوهام ... فخلدوا في العالم ~~صحفا ما لها من خلاف، مسودة المعاني والأوراق، بعدها من الشريعة بعد ~~المشرقين، وتباينها تباين الثقلين، يؤمنون بأن العقل ميزانها، والحق ~~برهانها، وهم يتشيعون في القضية فرقا، ويسيرون فيها شواكل وطرقا ... ~~يخادعون الله والذين آمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون ... فكانوا ~~عليها أضر من أهل الكتاب، وأبعد عن الرجعة إلى الله والمآب ... فاحذروا - ~~وفقكم الله - هذه الشريعة على الإيمان حذركم من السموم السارية في ~~الأبدان. # ووقع مع ابن رشد في الاتهام أبو جعفر الذهبي وغيره، وتفرق عن ابن رشد تلامذته ~~لما وجدوه يضطهد. وقد روي عن ابن رشد في هذا الموقف أنه قال: «أعظم ما طرأ ~~علي في النكبة أني دخلت أنا وولدي عبد الله مسجدا بقرطبة وقد حانت صلاة ~~العصر، فثار علينا بعض سفلة العامة، فأخرجونا منه». ثم إن الأمير عفا عنه، ~~ويظهر أن ذلك كان بعد أن هدأت العامة، ولكن لم يعش بعد العفو طويلا، فتوفي ~~سنة 595ه وله من العمر خمسة وسبعون، وكان قد استدعي إلى مراكش فمات بها، ثم حمل ~~إلى قرطبة ودفن بها، وأصيبت الأندلس بوفاة عبد الملك بن زهر، وابن البيطار، ~~وابن رشد وكلهم علماء عظام في الفلسفة، فأقفرت البلاد منهم، وكان موتهم بعد موت ~~ابن زهر وابن طفيل إنذارا بأفول شمس الفلسفة. # وأهم وظيفة لابن رشد أنه شارح فلسفة أرسطو كلها تقريبا فقد ندبه الأمير ~~الموحدي، وانتدب هو نفسه لشرح كتب أرسطو، وقد وضع على هذه الكتب ثلاثة شروح؛ ~~صغير ومتوسط وكبير، وتخصص لذلك، وكان يعجب بأرسطو إعجابا شديدا، ويعده المثل ~~الأعلى للإنسان، ويشيد بذكره في كل مناسبة، فيقول مثلا في مقدمة كتابه ~~الطبيعيات: «إن مؤلف هذا الكتاب هو أرسطو، وهو أعقل أهل اليونان، وأكثرهم حكمة، ~~وواضع علوم المنطق والطبيعيات وما وراء الطبيعة ومتممها، وقد قلت: إنه واضعها؛ ~~لأن جميع الكتب التي وضعت قبله في ms592 هذه العلوم غير جديرة بالذكر بإزاء كتبه، ~~وقلت: إنه متممها؛ لأن جمع الفلاسفة الذين عاشوا منذ ذلك الزمن إلى اليوم، أي: ~~مدة ألف وخمسمائة سنة، لم يستطيعوا زيادة شيء على وضعه، ولا وجدوا خطأ فيه، فلا ~~ريب في أن اجتماع هذا العلم في إنسان واحد أمر غريب عجيب، يوجب تسميته ملكا ~~إلهيا لا بشرا؛ ولذلك كان القدماء يسمونه أرسطو الإلهي». # وقال في موضع آخر: «إننا نحمد الله كثيرا؛ لأنه قدر الكمال لهذا الرجل ووضعه ~~في درجة لم يبلغها أحد غيره من البشر في جميع الأزمان، وربما كان الباري مشيرا ~~إليه بما قال في كتابه القرآن: # قل إن الفضل ~~بيد الله يؤتيه من يشاء ~~». وقال في موضع آخر: «إن ~~برهان أرسطو لهو الحق المبين». ويمكننا أن نقول عنه: «إن العناية الإلهية ~~أرسلته إلينا لتعليمنا ما يمكن علمه». كل هذا يدل على أنه كان يقدره تقديرا ~~كبيرا؛ ولذلك لم يخرج عنه إلا في القليل النادر، فهو أخلص له من ابن سينا ~~مثلا الذي خالف منطق أرسطو وخطأه، وألف منطق المشرقين حتى إن ابن رشد كان ~~إذا بدا له ما يخالفه فيه يحكي قول أرسطو ويلقي تبعته عليه. # وقد تأثر جدا بطريقة تفسير القرآن والحديث، فكان يذكر أرسطو، ثم يعقبه ~~بالشرح، وقد راعى في هذا طريقة التعليم التي كان يتبعها أهل زمنه، والتي حكاها ~~ابن خلدون في مقدمته من أن المعلمين كانوا يبدءون مع الطلبة الشيء مختصرا، ثم ~~يقرءونه بعد ذلك وسطا، ثم يقرءونه مبسوطا؛ وقد حكى لنا ابن أبي أصيبعة أن ابن ~~رشد شرح أكثر كتب أرسطو من منطق وطبيعة وما بعد الطبيعة ونبات وحيوان وغير ذلك. ~~ومن مظاهر تقديسه لأرسطو أنه كان يرد على ابن سينا والفارابي والغزالي حين ~~يخرجون عليه، ووقف طويلا في الرد على «الشفاء» لابن سينا، «وتهافت الفلاسفة» ~~للغزالي، وأثار مسائل هامة أثارها علماء الكلام في الإسلام، كما أثارتها فلسفة ~~أرسطو. وكان المتكلمون كالمعتزلة والسنية أثاروا مسائل على نحو خاص، ثم ~~أثارها الفلاسفة المسلمون على نحو آخر، والفرق ms593 بين منهج المتكلمين ومنهج ~~الفلاسفة أن المتكلمين مؤمنون داعون إلى الإسلام، اخضعوا آراء اليونان ومذاهبهم ~~لحكم الإسلام، أما الفلاسفة فخضعوا هم للفلسفة، ودخلوا في بحث الموضوع مجردا ~~عن أي اعتبار؛ ولذلك لم يعجبهم منهج المتكلمين. # كان أهم ما بحث فيه المتكلمون والفلاسفة وجود الكون: هل هو أزلي أو حادث؟ ~~وكيف نشأ الكون المتعدد عن الإله الواحد؟ وما علاقة الله بالكون؟ ثم البحث بين ~~السبب والمسبب، فعند المتكلمين أن المادة محدثة غير أزلية، والله هو الذي أوجد ~~الأجسام وعوارضها بعد أن لم تكن موجودة، ولا يوصف بالأزلية إلا الله، والله ~~أوجد الكون من العدم البحت، وتكاد تجمع الأديان كلها على هذا الرأي. # وقد انقسم المتكلمون بعد اتفاقهم على هذا إلى قسمين: فالقدرية وهم المعتزلة ~~قالوا: إن الخالق وضع للكون نظاما، وأودع في المخلوقين قوى تصدر عنها آثارها ~~بطريق التوليد والسببية، وقد أوجب على نفسه هذه القوانين مراعاة لصالح البشرية ~~وجعلها لا تتخلف؛ ولذلك لم يطمئنوا إلى المعجزات، كإحياء الموتى وإبراء الأكمه ~~والأبرص؛ لأنها تخالف هذه القوانين، والفرقة الأخرى من المتكلمين ترى أن السبب ~~لا يصدر عن المسبب، وإنما يصدر المسبب عن الله عند وجود السبب، فالأكل لا يوجد ~~الشبع، وإنما الله هو الذي يشبع عند وجود الأكل، والنار لا تحرق ولكن يحرق ~~الله عند وجود النار. وسبب قولهم ذلك: إنكار نسبة الإيجاد إلى شيء غير الله. ~~وقالوا: إن الأسباب لا بد منها في صدور السبب، إلا أن الذي يخلق المسببات ~~ويعطيها الوجود عند استكمالها هو الله تعالى، وليس الله بملزم بها. # وعلى ذلك تفهم المعجزات بسهولة، فلم يحرق إبراهيم مع وجود النار؛ لأن الله لم ~~يخلق الإحراق، وهو الذي يشفي من يشاء، ويمرض من يشاء كما يرى، فيخلق الشيء عند ~~وجود السبب أو لا يخلقه. وعلى الجملة فنفوا أن تكون الأسباب هي الموجبة ~~للمسببات. والفلاسفة يذهبون مذهب المعتزلة من ربط الأسباب بالمسببات، وأن ~~المسبب يصدر عن السبب، وقد قال ابن رشد بوجود واجب الوجود، المنزه عن المادة ~~والماديات، وتبع أرسطو في ms594 قوله: بوجود عقول مجردة عن المادة، وهي المسماة ~~بالعقول العشرة، فالعقل الأول جوهر مجرد عن المادة، وهو أول صادر عن الله واجب ~~الوجود، وقد صدر عنه الفلك التاسع، ثم عقل آخر هو العقل الثاني، وعن هذا الثاني ~~صدر الفلك الثامن وهكذا. ويسمون العقل العاشر بالعقل الفعال، أو العقل الفياض ~~للكون، وكل عقل يؤثر فيما بعده، وما بعده يؤثر فيما بعده وهكذا. فكل ما يصدر في ~~عالمنا يصدر عن هذه الأفلاك مسلسلا إلى العقل الفعال. والذي حملهم على ذلك ~~قولهم: إن الله واحد من جميع الوجوه، والواحد من كل وجه لا يصدر عنه إلا ~~الواحد، فيلزم ألا يصدر عن الواجب الواحد إلا واحد وهو العقل، وكل عقل يفعل ~~فيما بعده. والأسباب والمسببات وارتباط بعضها ببعض داخلة في علم الله، وهي تصدر ~~عنه على حسب ترتيبها في العلم ... إلخ. # ويرى ابن رشد تبعا لفلسفة أرسطو أن نفس الإنسان - أي: النفس الناطقة - جوهر ~~مجرد عن المادة، لا هو جسم ولا حال في جسم، وإنما له علاقة ما بالجسم، يدبره ~~ويصرفه، كما يتصرف الملك في المدينة وهو خارج عنها، والنفس الإنسانية قابلة ~~للارتقاء على أربع مراتب أطال في ذكرها، ومعنى رقيها ارتفاع النفس بقواها عن ~~ظلمة الطبيعة بما يكون لها من الاستعداد، وانجذابها نحو العالم الأعلى، فتشرق ~~فيها المعلومات. # وقد جرد ابن رشد نفسه للدفاع عن هذه الآراء والرد على مخالفها، ومن شنع ~~عليها كالغزالي في تهافت الفلاسفة، وتعصب ابن رشد لمنطق أرسطو، واعتقد أنه لا ~~يستطيع الإنسان أن يصل إلى الحق إلا به، ورقي الإنسان تابع لمقدار معرفته ~~بالمنطق. وقد فضل فلسفة أرسطو على كلام المتكلمين، وقد عد ابن رشد خارجا عن ~~السنن الإسلامي في ثلاثة آراء: ~~(1) # قوله بقدم العالم ونظام العقول الذي شرحناه وصدور كل عقل عما ~~قبله. ~~(2) # ارتباط المسببات بالأسباب على وجه لا يسمح المعجزات. ~~(3) # قوله ببقاء الكليات وحدها، وفناء الجزئيات، وعلى هذا المبدأ فسر ~~المعاد. فالنفس الفردية الجزئية تفنى، وإنما الذي يخلد ويبقى ويجري ~~عليه المعاد، هو النفس الإنسانية الكلية، ms595 وتوضيح ذلك أن الفرد إذا ~~مات تحلل جسمه إلى عالم الأجسام، واتصلت نفسه الفردية بالنفس ~~الكلية، وهذا يجعل فهم الثواب والعقاب للأفراد صعبا؛ إذ ليس هناك ~~وجود للنفس الفردية، نعم: إن لابن رشد قولا آخر بوجود النفس ~~الفردية وخلودها، ولكن يظهر أنه ساير فيه الجمهور أكثر من أنه كان ~~يعتقده، فكان له رأي فلسفي لنفسه وللمتفلسفة غير رأيه الذي يجاري ~~فيه الجمهور، ويساعد على فهم النفس الكلية قوله: إن العقل لا يتجزأ ~~على عدد الأفراد، وإنه واحد في سقراط وأفلاطون، وإذ كان لا من حيث ~~العقل؛ لأن العقل لا يتجزأ، وعلى العموم فالذي يبقى بعد الموت على ~~رأيه الأخير، هو الحياة الإنسانية الكلية، لا الحياة الفردية. وعلى ~~هذا يكون من الصعب على رأيه فهم ما جاء به الدين من الحشر والبعث ~~والعقاب. # والذي يفهم من ثنايا كتاباته في هذا الموضوع أنه يرى أن الدين شرع للخاصة ~~والعامة، والفلسفة للخاصة وحدهم. ولما كانت العامة لا يمكن أن يحملهم على ~~الإتيان بالفضائل وتجنب الرذائل، إلا الاعتقاد بالثواب والعقاب والبعث ومسئولية ~~كل فرد في الآخرة عما يصدر عنه من أعمال، كان الدين آتيا بذاك للمصلحة ~~العامة، أما الخاصة من الفلاسفة فيأتون بالفضائل، ويتجنبون الرذائل لذاتها. وقد ~~دلهم البحث الفلسفي على أن الخلود هو للنفس الكلية لا الجزئية. # ومن ظريف ما يروى في هذا الباب ما رواه جمال الدين مؤلف كتاب تاريخ الفلاسفة، ~~وقد كان من تلاميذ ابن رشد، قال: «كنت صديقا حميما لابن يهوذا، ففي ذات يوم ~~قلت له: إذا كانت النفس تحيا بعد مفارقة الجسد، وتبقى قادرة على معرفة الأشياء ~~الخارجية، فعدني وعدا صادقا أنك إذا مت قبلي، تخبرني بما هنالك، وأعدك أني ~~إذا مت قبلك أفعل ذلك، فوعدني بهذا، ثم إنه مات، ومرت بضع سنوات ولم يظهر لي. ~~قال جمال الدين: ولكنني في ليلة رأيته في الحلم، فقلت له: أيها الطبيب، أما ~~وعدتني بأن تأتيني بعد الموت وتطلعني على ما جرى لك؟ فضحك وأدار عني وجهه. فقلت ~~له: لا أتركك حتى ms596 تخبرني، فقال: إن العام عاد إلى العام، والخاص داخل في الخاص. ~~ففهمت منه ما يريد أن يقول، وهو أن النفس التي هي جوهر عام، قد عادت إلى الجوهر ~~العام، والجسد الذي هو عنصر خاص قد عاد إلى الأرض التي هي مستقر العنصر الخاص، ~~ثم انتبهت وأنا أعجب بلطف جوابه». # 6 # وقد عني ابن رشد في فلسفته بالتوفيق بين الدين والفلسفة، فكان يؤول في الدين ~~حتى يتمشى مع الفلسفة، وألف في ذلك كتابين: # الأول: # فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال. # والثاني: # الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة. وفيهما وقف موقفا ~~وسطا في عقيدة القضاء والقدر، وقد رمى في كتابه «تهافت ~~التهافت» الغزالي بأنه سوفسطائي يساير الجماهير، وانتقد كذلك ~~من قبله من ابن سينا والفارابي، ورماهما بالقصور أحيانا، ~~والغموض أحيانا أخرى. # والحق أن حكماء المسلمين انقسموا في هذا الموضوع - الشريعة والفلسفة - إلى ~~ثلاثة أقسام، فأكثر فلاسفة المسلمين كإخوان الصفاء وابن سينا وابن رشد، رأوا أن ~~يوفقوا بين الفلسفة والشريعة، فإذا رأوا نصا في الدين ظاهره لا يناسب ~~النظريات الفلسفية أولوه تأويلا قريبا أو بعيدا، وبعضهم كالغزالي رأى أن ~~ما أتت به الشريعة حق، وما أتت به الفلسفة مما يخالف الشريعة باطل مثل قدم ~~المادة، ونكران بعث الأجساد؛ ولذلك كفرهم في كتابه «تهافت الفلاسفة»، وقسم ثالث ~~رأى أن النظريات الفلسفية صحيحة وتعاليم الدين صحيحة كذلك، والتوفيق سخافة، ~~وإنما الواجب أن يكون لكل منهما منطقة نفوذ، فالدين مقبول فيما هو من اختصاصه، ~~كالخلق والحياة بعد الموت والثواب والعقاب الفرديين واليوم الآخر ونحو ذلك، ~~ونظريات الفلسفة تقبل في الطبيعيات والكيماويات والمنطق ونحو ذلك، وليس يصح أن ~~يعتدي أحدهما على الآخر، وأشهر من قال بذلك أبو سليمان المنطقي، كما حكاه عنه ~~أبو حيان التوحيدي في كتاب الإمتاع والمؤانسة. ونحن أميل إلى هذا الرأي، فلا ~~حرج أن يدخل المسلم المسجد ليؤدي شعائر الدين كما وردت، ثم يخرج منه إلى المعمل ~~ليختبر فيه المواد الطبيعية، والنظريات العلمية. وهذا ما يفعله فلاسفة النصارى ~~المتدينون. # ومن ظريف ms597 ما يتصل بابن رشد وفلسفته أيضا ما حكى محيي الدين بن عربي في ~~الفتوحات قال: «دخلت يوما بقرطبة على قاضيها أبي الوليد بن رشد، وكان يرغب في ~~لقائي لما سمع بي، وبلغه ما فتح الله علي في خلوتي، وكان يظهر التعجب مما ~~سمع، فبعثني والدي إليه في حاجة قصدا منه حتى يجتمع بي، فإنه كان من أصدقائه، ~~وأنا صبي ما بقل وجهي، ولا طر شاربي، فلما دخلت عليه قام من مكانه إلي محبة ~~وإعظاما، فعانقني وقال لي : نعم؟ فقلت له: نعم. فزاد فرحه بي لفهمي عنه، ثم ~~استشعرت بما أفرحه من ذلك فقلت له: لا. فانقبض وتغير لونه وشك فيما عنده، ~~وقال: كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهي، هل هو ما أعطاه النظر؟ قلت له: ~~نعم ولا، وبين نعم ولا تطير الأرواح، فاصفر لونه، وقعد يحوقل، وعرف ما أشرت به ~~إليه». # وقد كان بعض أصحابنا يستبعد هذه الملاقاة لتقدم ابن رشد في التاريخ، ولكن ~~رأينا أن ابن عربي ولد سنة 560ه، أي: قبل وفاة ابن رشد بخمسة وثلاثين عاما، إذ ~~مات ابن رشد حوالي سنة 595ه، فيمكن أن يراه وهو في الخامسة والعشرين أو ~~الثلاثين أو قبل ذلك، خصوصا أنه يقول: إنه قابله قبل أن يبقل وجهه، ويطر ~~شاربه، ولكن الأسئلة والأجوبة غريبة. فما معنى لا؟ وما معنى نعم؟ وكيف يتفاهمان ~~بهذه الرموز؟ وسؤاله الأول، وإجابة محيي الدين بنعم، وفرح ابن رشد بذلك ربما ~~كان يريد أن يسأل: هل الفلسفة والأدلة العقلية والاعتماد على المنطق يوصل إلى ~~الحقيقة؟ وهي نفس الطريقة التي جرى عليها ابن رشد، فلما قال له ابن عربي: نعم، ~~فرح، ولكنه ما لبث أن قال: لا، فانقبض ابن رشد وتغير، ولعل ابن عربي يقال: ~~لا، إيماء إلى أن الطريقة العقلية ليست خير الطرق في معرفة الحقيقة، وإنما خير ~~الطرق عنده هو الرياضة النفسية التي توصل إلى كشف الحقيقة، حتى لكأنها ترى ~~بالعين. وربما دل على ذلك مذهب ابن عربي أن الكشف والفيض الإلهي، يعطيان أكثر ~~مما ms598 يعطي النظر. # ومعنى قول ابن عربي: نعم ولا، وبين نعم ولا تطير الأرواح أن الطريق النظري ~~والكشفي كل يوصل إلى الحقيقة، ولكن شتان بين ما يعطيه البرهان العقلي، وما ~~يعطيه الكشف، فالبرهان العقلي يعطي الاقتناع، وأما الكشف فكأنما صاحبه يرى ~~بالعين، وشتان ما بينهما، وإشارته إلى أن بين نعم ولا تطير الأرواح معناها فيما ~~يظهر أن بين من ينكر الكشف ويستند إلى الظاهر فقط كالفقهاء، وبين القائلين: ~~بنعم، أي: المؤمنين بالكشف بالصوفية خلافا شديدا أهدرت فيه الأرواح، كما ~~أهدرت روح الحلاج والسهروردي، ويذكرنا هذا بالحكاية التي تروى عن الجدل ~~بين ابن سينا وأبي سعيد بن أبي الخير. غاية الفرق أن هذه القصة رموز خفية، وأما ~~تلك فكلام واضح. # 7 # وقد كان عبد الواحد المراكشي قريب العهد من ابن رشد، ولقد لقي بعض تلاميذه، ~~فروايته عنه أقرب إلى الحقيقة، وقد ذكر أن لغضب الأمير الموحدي على ابن رشد ~~سببين: سبب ظاهر، وسبب باطن. فأما السبب الظاهر وهو أكبر الأسباب فإنه كان يشرح ~~كتاب الحيوان لأرسطو فقال فيه عند ذكر الزرافة، وكيف تتولد، وبأي أرض تنشأ: ~~«وقد رأيتها عند ملك البربر» جاريا في ذلك على طريقة العلماء في الإخبار عن ~~ملوك الأمم وأسماء الأقاليم، غير ملتفت إلى ما يتعاطاه خدمة الملوك ~~ومتحيلو الكتاب، من الإطراء والتقريظ، فكان هذا مما أحنقهم عليه، غير أنهم ~~لم يظهروا ذلك، وفي الحق أنها كانت من أبي الوليد بن رشد غفلة، واستمر الأمر ~~على ذلك إلى أن استحكم ما في النفوس، ثم إن قوما ممن يناوئون ابن رشد من أهل ~~قرطبة أخذوا تلك التلاخيص التي كان يكتبها ابن رشد، فوجدوا فيها بخطه حاكيا عن ~~بعض قدماء الفلاسفة، أن الزهرة أحد الآلهة، فسأله السلطان: أخطك هذا؟ ~~فأنكر ابن رشد، فأمر الأمير بإخراجه على حال سيئة، وإبعاد من يتكلم في شيء من ~~هذه العلوم (الفلسفة)، وهذا هو السبب الظاهر ... # ثم لما رجع إلى مراكش جنح ثانية إلى الفلسفة، واستدعى ابن رشد إلى مراكش، ~~وأحسن إليه وعفا عنه، ولم يلبث ms599 ابن رشد أن مرض مرضه الذي مات بسببه في آخر سنة ~~594ه، وقد ناهز الثمانين. # 8 # ولكن يظهر أن الأمير أبا يوسف هذا كان ينوي غزوة وكان لا بد فيها ~~من تملق العامة، فكان مما تملق به اضطهاده للفيلسوف والفلسفة التي يكرهها ~~العامة، فلما انتصر وانتهت الغزوة، ولم يعد في حاجة إلى تملق العامة، عاد يعطف ~~على الفيلسوف. # وإذا كانت الفلسفة اليونانية تعرضت للمسائل العلمية والاجتماعية، وخصوصا ~~أفلاطون في جمهوريته، فقد تعرض لها ابن رشد أيضا، فنص على كراهيته للاستبداد ~~العسكري، والإقطاعات العسكرية، ورأى أنه لا اختلاف بين الرجال والنساء في ~~الطبع، وإنما هو اختلاف في الكم؛ أي: إن طبيعة النساء تشبه طبيعة الرجال، ~~ولكنهن أضعف منهم في الأعمال. والدليل على ذلك مقدرتهن على جميع أعمال الرجال، ~~كالحرب والفلسفة وغيرهما، ولكنهن لا يبلغن فيها مبلغ الرجال. ومن أظرف آرائه ~~أنه يرى في الموسيقى أن يكون مؤلف القطعة الموسيقية رجلا، والموقع أو المغني ~~امرأة. وقد كان ابن رشد يستشهد على صحة قوله بإناث الكلاب، فهي تستطيع أن تحرس ~~الغنم حراسة تامة كحراسة الذكور، وألمح إلى سوء الوضع الذي وضعت فيه المرأة في ~~الشرق من عدم تمكينها لإظهار قواها، كأنها لم تخلق إلا للولادة وإرضاع ~~الأطفال. # وعلى الجملة فقد كان ابن رشد أمينا مخلصا لأرسطو، وإن كان يخرج عليه ~~أحيانا إما لداعي الدين أو لتفكيره الخاص الذي تنتجه بيئته. # وقد كان من تلاميذ ابن رشد بعض اليهود إذ كانوا يستمعون إليه في حلقته، فلما ~~مات ابن رشد نشر هؤلاء اليهود فلسفته، وترجموا أكثرها إلى العبرية، وانتشرت ~~فلسفة ابن رشد في المدارس والجامعات، وعارضها رجال الدين اليهودي والمسيحي، ~~ولما اضطهدوا في الأندلس فروا إلى فرنسا ... وكانوا عددا كبيرا شاركوا في ~~الثقافة الأندلسية مشاركة كبيرة، وكانوا منتشرين قبل الفتح الإسلامي في البلاد ~~بين القوط، واستخدمهم هؤلاء القوط في الوظائف المالية، ولما فتح العرب الأندلس ~~استخدموهم، وكان طبيب عبد الرحمن الثالث يهوديا، اسمه «حسادي بن شبروط»، بل ~~بلغ بعضهم - مثل إسماعيل بن نعزلة # 9 ~~- منصب ms600 الوزارة في عهد الأمير حبوس في غرناطة، وبعضهم نشر في ~~الأندلس القصص اليهودي بجانب القصص العربي، فلما أخذوا عن ابن رشد فلسفته ~~نشروها في أوربا، فترجموا شروح ابن رشد لأرسطو على اللاتينية، ومن أشهر من فعل ~~ذلك ميخائيل الإسكتلندي سنة 1230، ونشاط اليهود والنصارى في نقل فلسفة ابن رشد ~~وشروحه على أرسطو هي التي فتحت لأوربا الباب أمام الفلسفة اليونانية. وكان من ~~أكبر زعماء اليهود الذي يتثقفوا ثقافة فلسفية موسى بن ميمون، وقد كان معاصرا ~~لابن رشد، وإن كان ابن رشد أسن منه بنحو عشر سنوات، فقد ولد ابن ميمون سنة ~~1135م بقرطبة، وقد حدث أن كان اليهود في قرطبة قد نشروا نفوذهم ولكن كان ~~كبراؤهم يصانعون المسلمين، فخلف من بعدهم خلف من اليهود لم يصانعوا المسلمين، ~~فسخط المسلمون عليهم، واستثارهم شاعر معروف اسمه أبو إسحاق الإلبيري، فقال في ~~قصيدة: # ولا نرفع الضغط عن رهطه # 10 # فقد كنزوا كل علق ثمين # وفرق عراهم وخذ مالهم # فأنت أحق بما يجمعون # ولا تحسبن قتلهم غدرة # بل الغدر في تركهم يعبثون # فقد نكثوا عهدنا عندهم # فكيف نلام على الناكثين # وكيف تكون لنا همة # ونحن خمول وهم ظاهرون # فثار عليهم المسلمون وقتلوا منهم وخيروا الباقين بين الإسلام وبين الرحلة ~~من البلاد. # على كل حال كان موسى بن ميمون في هذه الظروف التعسة وسنه ثلاث عشرة سنة، وقد ~~تعلم على أبيه إذ كان قاضيا في المحاكم اليهودية، فلما خير اختار الرحيل عن ~~الأندلس، فرحل هو وأسرته إلى فلسطين ونزلوا عكا، ثم انتقلوا إلى بيت المقدس، ثم ~~انتقلوا أخيرا إلى الفسطاط في مصر. وكان موسى يترفع عن أن يتكسب بعمله ~~الديني، فاشتغل بالطب واشتهر به، واتصل عن طريقه بالقاضي الفاضل وزير صلاح ~~الدين، ونجح في طبه نجاحا كبيرا، فكان يقصده الناس من كل ناحية. وقد كتب ~~ابن ميمون كتبا كثيرة أكثرها بالعربية وأقلها بالعبرية، وأقبل الناس من يهود ~~ومسلمين على دراسة كتبه الفلسفية والطبية. ومما زاد في انتشارها في أوربا ~~ترجمتها إلى اللغة اللاتينية، وأهم كتبه كتابه ms601 «دلالة الحائرين» ويعني ~~بالحائرين الذين حاروا في قضايا كثيرة بين العقل والدين، وهي مسألة عالجها كثير ~~من الفلاسفة المسلمين، كابن رشد وابن سينا وابن باجة. ومن رأي ابن ميمون أنه لا ~~تناقض بين العلم والدين، ما دام ينظر إليهما نظرة سمحة واسعة تجعل الدين قابلا ~~للتأويل. # وكما كانت له كتب فلسفية من هذا القبيل كانت له كتب دينية يهودية من جمع ~~النصوص والروايات. وقد هاج المسلمون عليه في مصر؛ لأنه كان قد أسلم مدة في ~~قرطبة خوفا من القتل، فلما أمن في مصر عاد إلى دينه، فاتهموه بانه مرتد، ولكن ~~قال القاضي الفاضل: إنه أكره على الإسلام، فلا يعد مسلما صحيحا فلا يكون ~~مرتدا، وبذلك نجا. وله رسائل كتبها إلى أصحابه باللغة العربية تشتمل على ~~مسائل شخصية، ومسائل فلسفية، ومسائل دينية، انتشرت كذلك بين اليهود انتشارا ~~كبيرا، ولولا ازدحام الناس عليه لمعالجتهم فعاقوه من التفرغ للتأليف لأنتج ~~أكثر مما أنتج. وعلى الجملة، فقد كان علما من أعلام اليهود الذين نشروا ~~الفلسفة الإسلامية في أوربا. # وكان نقل فلسفة ابن رشد وأرسطو سببا في هياج الكنيسة على المشتغلين ~~بالفلسفة، حتى إن الكنيسة حرمت الاشتغال بهذه النظريات الفلسفية في القرن ~~الثالث عشر الميلادي. وهذه الحركة العنيفة بين الكنيسة وأحرار الفكر كانت من ~~الأسباب التي حملت بعض الناس على الخروج على الكنيسة، وسببت في أوربا النهضة ~~الحديثة، وجعلت بعض الفلاسفة كبيكون ينتقد الفلسفة القديمة، وفلسفة أرسطو بوجه ~~خاص، ويدعو إلى عدم الخضوع لأرسطو خضوعا تاما، كما يدعو إلى إنزاله من عرشه، ~~وتحكيم العقل في كل ما يعرض عليه، وعدم الإيمان بشيء مهما كان قائله إلا ما دلت ~~عليه المشاهدة والتجربة. ومن ذلك الحين أخذ العقل البشري يفكر على هذا المنهج ~~الجديد. # وكان من أنصار ابن رشد فردريك الثاني إمبراطور ألمانيا، فقد كان سندا ~~لمترجمي فلسفي ابن رشد في أوربا، وكان الإمبراطور نفسه يعرف اللغة العربية، ~~تعلمها على عربي في صقلية، وكان في بلاطه حركة نشطة من يهود يشتغلون بترجمة ~~الفلسفة العربية، وخصوصا فلسفة ابن ms602 رشد، وفلكيون يشتغلون بالرصد بملابسهم ~~البغدادية، وكان ينصر تعاليهم على الكنيسة، ومع ذلك لم يمنعه هذا من اشتراكه في ~~الحروب الصليبية ضد العرب؛ لأنه كان يرى أن العلم شيء والسياسة شيء. وكره من ~~رجال الدين المسيحي حتى كانوا يلقبونه بالدجال الذي روي عنه أنه سيقاوم ~~الديانة المسيحية. على كل حال ظهر رجال عظام مثل فردريك هذا، ومثل جولتيه، دعوا ~~إلى تحرير العقل من سلطة رجال الكنيسة، وتبعهم غيرهم حتى تم لهم الانتصار ~~... # وبعد: فهل كان ابن رشد مؤمنا؟ يشك بعض المستشرقين في إيمانه، ونحن نرى أنه ~~كان مؤمنا إيمان الفلاسفة، فللمحدثين إيمان، وللمتكلمين إيمان، وللفلاسفة ~~إيمان، إيمان المحدثين إيمان بكل ما ورد في الآثار من غير شك، ولا نقد عقلي، ~~وإيمان المتكلمين وخاصة المعتزلة إيمان بتأويل الآثار إلى ما ينطبق مع العقل، ~~وقد قرأت بالأمس حكاية لطيفة في كتاب البصائر والذخائر لأبي حيان التوحيدي ~~خلاصتها أن موسى - عليه السلام - كان يعتب على آدم في أنه أتى بخطيئة، فأخرج ~~نفسه وذريته من الجنة، فقال له آدم: ألم تعلم أن إتياني بالمعصية وخروجي من ~~الجنة كان بقضاء الله وقدره، فكيف تعتب علي؟ وعلق أبو حيان بأن المتكلمين إذا ~~قرءوا مثل هذه الآثار، حصلت لهم قشعريرة، وسببها أنهم كانوا يقولون بقدرة ~~الإنسان على أعمال نفسه؛ ولذلك يكون مسئولا عنها. وفي هذا الحديث ما يشعر بأنه ~~مضطر، ولا يمكن مع هذا تفسير المسئولية، ثم قال: إن ثلثي أعمال الدين يقبل فيها ~~ما ورد من الآثار من غير حاجة إلى إعمال العقل، وهذا هو إيمان المحدثين. # أما الفلاسفة فإيمانهم من جنس آخر، وأعتقد أن ابن رشد وأمثاله من الفارابي ~~وابن سينا وابن طفيل، كانوا يؤمنون بالله، كإيمان أستاذهم أرسطو بالله، وكانوا ~~يؤمنون بالنبوة بمعنى غير ما يؤمن به العامة، ويرون أن الدين أتى لجمهور الناس، ~~أما الخاصة من الفلاسفة فإنهم يضبطهم عقلهم أكثر ما يضبطهم الدين. وقد عبر عن ~~ذلك ابن طفيل في كتابه حي بن يقظان تعبيرا واضحا دقيقا، فإن حيا لما قابل ~~أبسال، ms603 وكان أبسال متعلما تعاليم نبي، وملتزما شرائعه، تعجب من بعض ما عرض ~~عليه أبسال من التعاليم التي جاءت على لسان النبي، تعجب مثلا من أمر الدين ~~بشعائر معينة، كصلاة في الصبح وصلاة في الظهر، وزكاة للأموال مما يقتضي جواز ~~ادخار الأموال، ونحو ذلك من شعائر، وكان حي قد أداه عقله إلى عدم التزام ~~الشعائر في أوقاتها، ولجوئه إلى الله كلما دعته إلى ذلك نفسه، كما أداه عقله ~~إلى الزهد في الدنيا والتقلل من المال وعدم الاقتناء، واقتصاره على ما يسد ~~حاجته الضرورية، وأراد أن يذهب إلى جزيرة الناس ويعظهم بأفكاره هو تكملة لأفكار ~~النبي، فغضب عليه الناس وتبين أن الأنبياء بتعاليمهم كانوا أعرف بطبائع البشر، ~~وأن الدين لم يأت للصفوة فقط. # فهذا يدل على أن الفلاسفة يعطون لعقلوهم حرية التفكير، وعرض أوامر الدين على ~~العقل وتحكيم العقل فيه، واستخدام التأويل ما سمح لهم التأويل. وقد ينظرون إلى ~~النبوة على أنها أمر يمكنهم الوصول إليه، أو إلى قريب منه بعقولهم واجتهادهم؛ ~~ولذلك لم يقدسوا أوامرهم تقديسا كبيرا كما يقدسه الجمهور، بل صرح بعضهم بأنهم ~~غير ملزمين بالأوامر الدينية كما يلزم الجمهور. وفي أقوال ابن رشد وابن سينا ما ~~يشير إلى ذلك، وإن كانوا يستعملون التقية خوفا من إيذاء الجمهور لهم. # لقد روي عن ابن رشد أشياء يأباها جمهور الناس، كالذي روي عنه في أن عادا لم ~~يثبت وجودها مع نص القرآن عليها. ولعله يذهب في ذلك إلى أن قصد القرآن العظة، ~~وقد روي في القرآن أن عادا أهلكوا بريح صرصر عاتية، فموضع العظة أن قصة عاد ~~الذين يتناقل الناس أخبارهم، يتناقلون هلاكهم بالريح، تكفي لتكون موعظة للناس، ~~سواء ثبت وجودهم حقيقة أو لا. وهذا مذهب قوم من المتطرفين يرون أن القصد أولا ~~وآخرا هو الموعظة، ولو كانت الموعظة مبنية على إشاعة، وهو ما يرضى عنه جمهور ~~المؤمنين. وروي عنه أيضا أنه حكى أن الزهرة إله، وهذا سهل التأويل؛ لأنه كان ~~يحكي آراء اليونان في ذلك، وبعيد أن يكون هذا مذهب ابن ms604 رشد. # على كل حال نعتقد أن ابن رشد يؤمن بالله ورسوله إيمانا خاضعا لسلطان العقل، ~~وليس يؤمن بالأثر على إطلاقه، ودعوى بعض المستشرقين بعدم إيمانه لم يقم عليها ~~دليل مقنع، والله أعلم. # وعلى الجملة، كان اشتغال العرب بالفلسفة في بغداد وما حولها سببا في اشتغال ~~الأندلسيين بها، كابن رشد وابن طفيل ... ثم كانت الخطوة الثانية وهي انتقال ~~الفلسفة اليونانية من الأندلس إلى أوربا قبل أن ينهض الأوربيون ويأخذوا الفلسفة ~~اليونانية من أصولها. # ولذلك نلاحظ هذا الترتيب الزمني، فأول ما اشتغل العرب بالفلسفة اليونانية ~~وظهر فيهم الكندي وأمثاله، كان بعد نحو قرنين اثنين من ظهور الإسلام، إذ كان ~~العراق مقرا للفلاسفة من قديم، ومقرا لترجمة الفلسفة اليونانية عن طريق ~~السريان، ثم من السريان إلى العرب. ولكن لم تظهر الفلسفة في الأندلس إلا في ~~النصف الأخير من القرن الرابع، حتى انتقلت الفلسفة من العراق إلى الأندلس، ولكن ~~في نظير ذلك تأخرت حياة الفلسفة في الأندلس بعدما ماتت في المشرق؛ لأن الغزالي ~~وأمثاله في المشرق استطاعوا أن يخمدوا صوت الفلسفة فيه، ولكن استطاع فلاسفة ~~الأندلس أن يستمروا في إحياء الفلسفة، ويردوا على الغزالي وأمثاله؛ ولذلك بقيت ~~الفلسفة في الأندلس بعد موتها تقريبا في المشرق. # وإذا نحن تصورنا الحياة الفلسفية العربية مصباحا، فأول ما أضاء في المشرق، ~~ثم أخذ منه قبس فأشعل مصباحا آخر في الأندلس، ثم أخذ من هذا الأخير قبس فأشعل ~~مصباح الفلسفة في أوربا. ويظهر أن شهرة ابن رشد الكبيرة التي غطت على شهرة ~~ابن سينا والفارابي في أوربا ترجع إلى أمور: ~~(1) # قوة شخصية ابن رشد. ~~(2) # تلمذة اليهود له، ونشاطهم في نشر مذهبه. ~~(3) # استعداد الوسط النصراني واليهودي إذ ذاك للتفلسف، وحاجتهم إليه ~~بعد أن بالغ رجال الدين في الحجر على حرية الفقه، فكانت حركة ابن ~~رشد رد فعل قوية. # ومنذ سنين؛ أي: حوالي سنة 1902م وجدت حركة في مصر كان زعيماها الأستاذ فرح ~~أنطون والأستاذ الشيخ محمد عبده، إذ كان الأول قد نشر في مجلته «الجامعة» خلاصة ~~فلسفة ابن رشد كما ms605 عرضها الأستاذ رينان، وروى اضطهاد المسلمين له في الأندلس ~~ونحو ذلك، فانبرى له الأستاذ الشيخ محمد عبده يبين أن الإسلام ينادي بالحرية ~~الفكرية إلى آخر حد، ولا يضطهد الفلسفة، وأنه صدر من المسيحيين اضطهاد للفلسفة ~~والفلاسفة أكثر مما صدر من المسلمين، ولم يكن هناك داع لذلك كله، فعامة ~~المسلمين اضطهدوا الفلاسفة، وكرهوا الفلسفة، وكذلك عامة النصارى، وليس يهم ~~أيهما كان أكثر اضطهادا. والحق أن الإسلام والنصرانية بريئان من تحمل هذه ~~المسئولية، وإنما يحملها المسلمون لا الإسلام، والنصارى لا النصرانية، ونبش ~~التاريخ لا يفيد كثيرا، إنما الذي يفيد حمل الناس على التسامح، حتى يسير البحث ~~عن الحقيقة في مجرى صاف هادئ لا اضطهاد فيه ولا كبت. # وهناك نوع من الفلسفة لا يتبع فلسفة اليونان، وهو الفلسفة الخلقية التي أتى ~~بها ابن حزم، فلم يسلك سبيل ابن رشد في حكايته لفلسفة أرسطو الأخلاقية في كتابه ~~المسمى «نيقوماخوس»، وإنما هي فلسفة أخلاقية مستمدة من تجاربه الخاصة. فقد ~~كان وزيرا وابن وزير، تسرح في قصوره الجواري الحسان، ويحب ويكره، ويوالي ~~ويعادي، ويتصل بالخلفاء والأمراء اتصال محاسنة أحيانا، واضطهاد أحيانا أخرى، ~~ويرتفع إلى السماء حينا، وينخفض إلى الحضيض حينا، ويلاقي العلماء والجهال ~~والأمراء العادلين والظالمين، ويكتوي بالحب أحيانا، ويذوق لذة الوصال وألم ~~الهجران، ويهجو العلماء ويهجونه، ويدعو إلى مذهب الظاهرية، فيناهضه رجال ~~المالكية بقوة ... كل هذا أكسبه تجارب كثيرة، وكان حاد الذهن مرهف الحس، كثير ~~الاطلاع، فاستفاد من كل ذلك تجارب ركزها في حكم، وألف فيها كتاب الأخلاق ~~والسير. # نعم، إنه تأثر بالفلسفة اليونانية في الأخلاق، كما يدل عليه كتابه مثل ~~اعتناقه نظرية الأوساط لأرسطو، أي: أن كل فضيلة وسط بين رذيلتين: الإفراط ~~والتفريط، ولكن هذا لا يذكر بجانب تفكيره الشخصي، وتجاربه الشخصية، ونحن نسوق ~~أمثلة على هذا، فمثلا حاول أن يجعل للأخلاق كلها من فضائل ورذائل أساسا، وبعد ~~طول تفكير استطاع أن يجد هذا الأساس وهو «طرد الهم»، وأن الناس كلهم استووا ~~في استحسانه واتخاذه باعثا على كل الأعمال، وإليه يعود كل غرض غيره، ms606 سواء في ~~ذلك المتدين وغير المتدين، ومن يريد الخير ومن لا يريده، ومن يؤثر الخمول ومن ~~يريد بعد الصيت، وعد ذلك اكتشافا عظيما. وكل الناس إنما تطلب بأعمالها طرد ~~الهم، فالذين يطلبون المال، يطلبونه لطرد الهم، وكذلك الذين يطلبون الصيت، ~~ومن يطلب العلم، إنما يطلبه لطرد هم الجهل، ومن أكل ومن شرب ومن لبس، إنما يفعل ~~ذلك لطرد هم الجوع والعطش والعري، وهكذا أرجع كل الأعمال الإنسانية إلى طرد ~~الهم في أشكاله المختلفة. وهذا يذكرنا بما تفعله بنتام وجون استوارت مل في ~~جعلهما كل البواعث على العمل طلب اللذة ودفع الألم. # كذلك من لطائفه بحثه في الحب وأنواعه، فعنده أن الحب جنس واحد مختلف الأنواع، ~~وإنما اختلف الحب باختلاف الأغراض، وقد تنوع الحب من حب للأب، وحب للابن ~~والقرابة والصديق، وحب للسلطان وللحسن، وللمأمول وللمعشوق، فهذه كلها جنس واحد ~~تنوعت على اختلاف الطمع فيما ينال من المحبوب. وقد رأينا من مات أسفا على ~~ولده، كما يموت العاشق أسفا على معشوقه، وبلغنا من شهق من خوف الله ومحبته ~~فمات، ونجد المرء يغار على سلطانه وعلى صديقه، كما يغار على زوجته، وكما يغار ~~العاشق على معشوقه، فكل أنواع الحب من واد واحد، وتسير سيرا متشابها، ويزيد ~~الحب بالمجالسة، والمحادثة والمزاورة، واستمر في ذلك حتى حلل الحب تحليلا ~~دقيقا، وكثيرا ما تقتبس فقرة أو فقرات من هذا الكتاب تتخذ مبدأ مثل ما فعلت ~~«الجريدة» من اقتباسها في أول كل عدد من أعدادها قول ابن حزم: «من حقق النظر ~~وراض نفسه على السكون إلى الحقائق، وإن آلمتها في أول صدمة، كان اغتباطه بذم ~~الناس إياه، أشد وأكثر من اغتباطه بمدحهم إياه»؛ «لأن مدحهم إياه إن كان بحق ~~وبلغه مدحهم له، أثر ذلك فيه العجب، فأفسد بذلك فضائله، وإن كان بباطل فبلغه ~~فسره، فقد صار سرورا بالكذب، وهذا نقص شديد. وأما ذم الناس إياه، فإن كان بحق ~~فبلغه فربما كان ذلك سببا في تجنبه ما يعاب عليه، وهذا حظ عظيم لا يزهد فيه ~~إلا كل ms607 ناقص وإن كان بباطل وبلغه قصير، اكتسب فضلا زائدا بالحلم ~~والصبر». # ويقول: «الناس فيما يعانون كالماشي في الفلاة، كلما قطع أرضا بدت له أرضون، ~~وكلما قضى المرء سببا، جدت له أسباب»، «صدق من قال: إن العاقل معذب في ~~الدنيا، وصدق من قال: إن العاقل فيها مستريح، فأما تعذبه فيما يرى من انتشار ~~الباطل وغلبة دولته، وبما يحال بينه وبينه من إظهار الحق، وأما راحته فترفعه عن ~~كل ما يهتم به سائر الناس من فضول الدنيا»، وكان يقول: «فرض على الناس تعلم ~~الخير والعمل به، فمن جمع الأمرين فقد استوفى الفضيلتين معا، ومن علمه ولم ~~يعمل به فقد أحسن في التعليم وأساء في ترك العمل. قال ابن حزم: فاعترض علي ~~إنسان سمع مني ذلك، وقال: كان الحسن - يريد الحسن البصري - إذا نهى عن شيء لا ~~يأتيه أصلا، وإذا أمر بشيء كان شديد الأخذ به، وقال آخر: إن أبا الأسود الدؤلي ~~قال: # لا تنه عن خلق وتأتي مثله # عار عليك إذا فعلت عظيم # فقلت: أن أبا الأسود إنما قصد بالإنكار المجيء بما نهى عنه المرء، وأنه ~~يتضاعف قبحه منه بنهيه عنه، لا أن من كان يعمل شيئا قبيحا لا يصح له أن ينهى ~~عنه، فهذا شيء وهذا شيء، وأما حكاية الحسن فقد صح عنه أنه سمع إنسانا يقول: لا ~~يجب أن ينهى عن الشر إلا لمن لا يفعله، قال الحسن: ود إبليس لو ظفر منا بهذه ~~حتى لا ينهى أحد عن منكر، ولا يأمر بمعروف، قال ابن حزم: وهذا قولنا آنفا، وقد ~~صدق الحسن». # وفي الكتاب كثير من النظرات الصائبة والحكمة البالغة، نتيجة لتجاربه الخاصة. ~~نعم، إنه لا بد أن يكون قد نظر إلى ابن المقفع في الدرة اليتيمة والأدب الكبير ~~والأدب الصغير، ولكن ابن المقفع في كتبه كان نتيجة تجارب الفرس التي اطلع ~~عليها، وكان ابن حزم ينقل نتيجة تجاربه الشخصية. # ومن الفلسفة العلمية التأليف في السياسة الاجتماعية، كما فعل الطرطوشي مثلا ~~في كتابه «سراج الملوك»، والطرطوشي نسبة إلى طرطوشة من ms608 بلاد الأندلس، وقد تتلمذ ~~لابن حزم والباجي، ويحكمون عنه أنه كان عالما عاملا، زاهدا ورعا، دينا ~~متقشفا، متقللا من الدنيا راضيا منها باليسير. # ويهمنا منه هنا أنه ألف كتابا اسمه «سراج الملوك» وهو سياسة وعظية، أكثر ~~منه دراسة نظرية، فلم تكن السياسة في زمنه قد أصبحت علما له قواعد ونظريات، ~~وإذ لم يكن الطرطوشي قد تقلد مناصب حكومية كالوزارة ونحوها، كانت تجاربه في هذا ~~الباب قليلة، وهي إلى المواعظ أقرب منه إلى تقعيد القواعد، وقد استفاد من ~~اطلاعه الواسع على كتب التاريخ وكتب الحديث؛ ولذلك يضمن كتابه كثيرا من ~~الأحداث التي قرأها، والحكم التي رواها، وأحيانا يتأثر بمثل كتب الأحكام ~~السلطانية، ككتاب «الأحكام السلطانية» للماوردي، فيسير سيره، كما أنه أحيانا ~~يروي ما حكي له عن ملوك الأندلس وأمرائها وأخبارهم، وقد رتبه ترتيبا دقيقا: ~~الباب الأول في مواعظ الملوك ... والثامن في منافع السلطان ومضاره، والتاسع في ~~منزلة السلطان من رعيته، والحادي عشر في الخصال التي هي قواعد السلطان، ثم باب ~~فيما يهدم الدولة، وفي حاجة السلطان إلى العلم، وفي الوزراء وصفاتهم، وفي خصال ~~الأمير والمأمور، وما تكره الرعية من السلطان ومعنى «كما تكونوا يولى عليكم»، ~~وعلاقة السلطان بالجند، وجبايته للخراج، وعلاقته ببيت المال، وتدوين الدواوين، ~~وأحكام أهل الذمة، والحروب وغير ذلك، فقد تعرض لموضوعات غاية في الأهمية، إن ~~كان عالجها كما قلنا بالآثار لا بالرأي، والكتاب من غير شك يدل على سعة اطلاع ~~ولطف نظر، قال في مقدمته: # إنني لما نظرت في سير الأمم الماضية، والملوك الخالية، وما وضعوه من ~~السياسات في تدير الدول، والتزموه من القوانين في حفظ النحل، وجدت ~~ذلك نوعين: أحكاما وسياسات»، وقد ذكر أيضا أنه ألف هذا الكتاب ~~للمأمون البطائحي الوزير الفاطمي وأهداه إليه. وفيه أشياء كثيرة تأثر ~~فيها من وجوده بالأندلس، فعند كلامه مثلا على الحروب وتدبيرها وحيلها ~~وأحكامها ذكر خبر وقعة وادي لكة التي قلت فيها لذريق واحتز رأسه، ~~وفيه حكاية عن نظام جيش المنصور وقيادته والقضاء في أيامه، وفيه أخبار ~~عن وقوف الفقهاء في ms609 وجه السلطان وحدهم من سلطانه. ويستفاد من مجمع ما ~~ذكره عن الحرب، كيف كانت ترتب الجيوش في الأندلس. # ويظهر لي أنه كان مصدرا من مصادر ابن خلدون في مقدمته، وأن ابن ~~خلدون فلسف أقواله، وأخضعها للعقل. وقد مات الطرطوشي سنة 520ه، ويظهر ~~أنه كان متزمتا، فهو ينظر إلى اليهود والنصارى نظرة متعصبة، حتى ليحرم ~~على نفسه أكل الجبن الرومي؛ لأنها صنعت في بلادهم. # وأما الحركة العلمية فنعني بها ما يقابل الحركة الأدبية أي: # scientific mouvement # من رياضة ~~وطبيعة وكيمياء ونبات وحيوان وفلك، وعلى الجملة فكل ما تبحث فيه ~~«كليات » العلوم اليوم. وقد كانت هذه العلوم داخلة في الفلسفة، ثم ~~انفصلت عنها في العصر الحديث كما انفصل مثلا علم النفس، وكما انفصل ~~حديثا علم الاجتماع، وأصبحت الفلسفة قاصرة على جذور الشجرة بعد أن ~~انفصل عنها فروعها. وقد رأينا في الشرق أن الحركات المختلفة ظهرت على ~~الترتيب الآتي: الحركة الأدبية، وبدأت في العصر الجاهلي واستمرت على ~~الزمن، ثم الحركة الدينية، وقد ظهرت بظهور الإسلام، ثم الحركة ~~الكلامية، وقد ظهرت في آخر العصر الأموي وأول العباسي، ثم الحركة ~~الفلسفية والحركة العلمية، وهذا ما حدث في الأندلس بالضبط. فتاريخ ~~الحركة الأدبية يعاصر الفتح العربي، ثم الحركة الدينية بعد ذلك بقليل، ~~ثم الحركة الفلسفية نشأت نشوءا خافتا في أيام الحكم، ومنها الحركة ~~العلمية. # ويظهر أن من أول من لفت النظر إلى الحركة العلمية مسلمة المجريطي من ~~أهل قرطبة، قال صاعد في كتاب تعريف طبقات الأمم: «إن مسلمة كان إمام ~~الرياضيين بالأندلس في وقته، وأعلم من كان قبله بعلم الأفلاك، وحركات ~~النجوم، وكانت له عناية بأرصاد الكواكب، وشغف بتفهم كتاب بطليموس ~~المعروف بالمجسطي، وله كتاب حسن في تمام علم العدد المعروف عندنا ~~بالمعادلات، وكتاب اختصر فيه تعديل الكوكب من زيج البتاني، وغني بزيج ~~محمد بن موسى الخوارزمي»، وقد توفي مسلمة سنة 398ه، والشيء المهم أيضا ~~أنه ربى تلاميذ كثيرين كانوا نواة صالحة في هذه العلوم، مثل: ابن ~~السمح وابن الصفار، والزهراوي والكرماني وابن خلدون. # 11 # فهؤلاء ms610 كلهم اشتغلوا في العلوم، فابن السمح مثلا اشتهر بعلم الحساب ~~والهندسة والهيئة، وشرح كتاب أقليدس في الهندسة، وله كتابان في ~~الأسطرلاب، ومات سنة 426ه. وابن الصفار كذلك كان ماهرا في علم الحساب ~~والهندسة والعلوم، وله زيج مختصر على مذهب السندهند. والكرماني كان ~~ماهرا في الهندسة، ورحل إلى الشرق في طلبها، ثم عاد إلى الأندلس، وصار ~~لا يشق غباره في فك غامضها، وتبين مشكلها، ومن ناحية أخرى اشتهر ~~الغافقي وهو أبو جعفر أحمد بن محمد بعلم الأدوية المفردة، والنباتات ~~ومنافعها وخواصها وأعيانها ومعرفة أسمائها. قال ابن أصيبعة: «إن كتابه ~~في الأدوية المفردة لا نظير له في الجودة، ولا شبيه له في معناه، قد ~~استقصى فيه ما ذكره ديسقوريدس وجالينوس، ثم ذكر بعد قوليهما ما تجدد ~~للمتأخرين من الكلام في الأدوية المفردة، فجاء كتابه جامعا لما قاله ~~الأفاضل في الأدوية المفردة، ودستورا يرجع إليه فيما يحتاج إلى تصحيحه ~~منها. # ويظهر أن كتابه هذا كان عمادا لما ألفه ابن البيطار في كتابه «المفردات». ~~فقد أصلح في كتاب الغافقي وزاد عليه ما اكتشف بعده، وكلاهما كان معتمدا على ~~كتاب ديسقوريدس، ومصححا له وزائدا فيه. وابن البيطار هذا من أشهر علماء ~~النبات والأعشاب، وأصله من مالقة، ولد في الربع الأخير من القرن السادس الهجري، ~~وقد كان محبا للعلم، فكان يجوب البلاد يمتحن الأعشاب ويصفها ويذكر فوائدها، ~~وألف كتابين أحدهما يعتمد على ما ذكره ديسقوريدس وزاد عليه وهو المشهور ~~بمفردات ابن البيطار، وكتاب آخر مبني على تجاربه الخاصة، وهو يشتمل على علاجات ~~بسيطة مستمدة من المعدن والنبات والحيوان، وقد رحل إلى مصر في دراسة الأعشاب، ~~في عهد الملك الكامل الأيوبي، وعينه رئيسا للعشابين، وكان ابن أبي أصيبعة ~~تلميذا لابن البيطار، وصحبه في الكشف عن النباتات في منطقة دمشق، وقد توفي ابن ~~البيطار في دمشق سنة 646ه. ويظهر من تاريخه أنه كان محبا لموضوعه متفانيا ~~فيه. # يقول ابن أبي أصيبعة: «وأول اجتماعي به كان بدمشق في سنة 633ه، ورأيت من حسن ~~عشرته وكمال مروءته وطيب أعراقه وجودة ms611 أخلاقه، وكرم نفسه ما يفوق الوصف ويتعجب ~~منه، ولقد شاهدت معه في ظاهر دمشق كثيرا من النبات في مواضعه، وقرأت عليه ~~أيضا تفسيره لأسماء أدوية كتاب ديسقوريدس، فكنت أجد من غزارة علمه ودرايته ~~وفهمه شيئا كثيرا جدا، وكنت أحضر عدة من الكتب المؤلفة في الأدوية المفردة، ~~مثل: كتاب ديسقوريدس وجالينوس والغافقي ... فكان يذكر أولا ما قاله ديسقوريدس في ~~كتابه باللفظ اليوناني على ما قد صححه في بلاد الروم، ثم يذكر جملة ما قاله ~~ديسقوريدس من نعته وصفته وأفعاله، وما يتعلق بذلك، ويذكر أيضا جملا من أقوال ~~المتأخرين وما اختلفوا فيه، ومواضع الغلط والاشتباه الذي وقع لبعضهم في نعته، ~~فكنت أراجع تلك الكتب معه، ولا أجده يغادر شيئا مما فيها». # ونوع آخر يمثله أمية بن أبي الصلت، وقد كان مجيدا من نواح متعددة فهو من ~~ناحية يجيد الميكانيكا، يدل على ذلك ما حكى ابن أبي أصيبعة من أن مركبا ~~محملة بالنحاس غرقت في ميناء الإسكندرية، فعمل أمية تصميما أن يخرج المركب ~~محمله بنحاسها من قاع البحر، وكان تصميمه ناجحا لم يخطئ فيه. وصرف الملك ~~الأفضل ابن أمير الجيوش مبالغ طائلة في صنع الآلات التي رسمها، ولكن خان أمية ~~التوفيق إذ قطعت حبال الإبريسم التي تشد المركب الغاطسة المحملة بالنحاس، ~~فعادت إلى قاع البحر ثانية، وغضب الملك واعتقله حتى تشفع فيه بعض الأعيان. وكان ~~إلى جانب ذلك أوحد أهل زمنه في العلوم الرياضية وفي علم الموسيقى واللعب على ~~العود، وأصله من بلد اسمها «دانية» شرقي الأندلس. ومع تفوقه في العلوم المختلفة ~~كان أديبا شاعرا، يقول الشعر الرقيق المملغم بعلمه، كقوله في وصف ~~الأسطرلاب، وهو آلة الرصد المعروفة: # أفضل ما استصحب النبيل فلا # تعدل به في المقام والسفر # جرم إذا ما التمست قيمته # جل على التبر وهو من صفر # مختصر وهو إذ تفتشه # عن ملح العلم غير مختصر # ذو مقلة يستبين ما رمقت # عن صائب اللحظ صادق النظر # تحمله وهو حامل فلكا # لو لم يدر بالبنان لم يدر # مسكنه الأرض وهو ينبئنا # على ms612 جل ما في السماء من خبر # أبدعه رب فكرة بعدت # في اللطف عن أن تقاس بالفكر # فاستوجب الشكر والثناء له # من كل ذي فطنة من البشر # فهو لذي اللهب شاهد عجب # على اختلاف العقول والفطر # وأن هذي الجسوم بائنة # بقدر ما أعطيت من الصور # ونوع آخر من الاشتغال بالعلم يمثله العباس بن فرناس، وذلك أنه خطرت له فكرة ~~أن يطير كما يطير الطير، يصنع جناحين يطير بهما، وهي فكرة سابقة لزمانها؛ لأن ~~الطيران إنما نجح بعد التقدم في صنع الآلات، واكتشاف البنزين، وما هو أخف من ~~البنزين، أما الاعتماد على الأجنحة فقط فمصيره الفشل لا محالة. قال فيه صاحب ~~نفح الطيب: «إن أبا القاسم عباس بن فرناس أول من استنبط بالأندلس صناعة الزجاج ~~من الحجارة، وأول من فك الموسيقى وصنع الآلة المعروفة بالمثقال؛ ليعرف الأوقات ~~على غير رسم ومثال، واحتال في تطيير جثمانه، وكسا نفسه بالريش، ومد له جناحين، ~~وطار في الجو مسافة بعيدة، ولكنه لم يحسن الاحتيال في وقوعه، فتأذى في مؤخره، ~~ولم يدر أن الطائر إنما يقع على زمكه، ولم يعمل له ذنبا ... وصنع في بيته هيئة ~~السماء، وجعل للناظر فيها النجوم والغيوم والبروق والرعود». فهذا كله إن صدق دل ~~على شخص غريب حقا، نابغة حقا. والله أعلم. # | هوامش # الفصل السادس # | التاريخ والجغرافيا # التاريخ # أولع الأندلسيون كما أولع المشرقيون بتاريخ بلادهم وملوكهم وحوادثهم، وتراجم ~~علمائهم وأدبائهم، والراحلين من بلادهم والوافدين عليها. ويظهر أن الاشتغال ~~بالحديث كان هو الذي أسلم إلى الاشتغال بالتاريخ، فكان المحدثون يجمعون أحاديث ~~من كل نوع، بعضها يتصل بالعبادات والمعاملات، وبعضها يتصل بسير النبي # صلى الله عليه وسلم # والصحابة، فأسلم ذلك أولا إلى جمع سيرة النبي، ثم أسلمهم شيئا فشيئا إلى ~~كتابة التاريخ. # ويظهر أن من أوائل مؤرخي الأندلس ابن حبيب الذي ذكرنا خبره في الحركة ~~الدينية، وربما عد أقدم مؤرخي الأندلس، وقد عاش في إلبيرة وقرطبة أول أمره، ~~ثم رحل إلى المشرق ودرس على شيوخه الحديث وما إليه والفقه المالكي، فأكسبته هذه ~~الدراسة توسعا ms613 في فهم التاريخ، فألف في كل فروع العلوم ومنها التاريخ العام، ~~وسمى كتابه «التاريخ» وهو أشبه ما يكون بتاريخ الطبري، فيتكلم في ابتداء خلق ~~الدنيا والسموات والبحار والجبال والجنة والنار وآدم وحواء، وما كان من أمرهما ~~مع إبليس، ثم ذكر الأنبياء نبيا نبيا؛ لأن ذلك يعد تفسيرا لآيات الأنبياء ~~في القرآن. وهذا القسم من تاريخ ابن حبيب مملوء بالأساطير والإسرائيليات التي ~~تروي عن مثل وهب بن منبه وكعب الأحبار. فلما وصل في التاريخ إلى الأندلس وذكر ~~فتحها كان كذلك مملوءا بالأساطير كرؤيا طارق بن زياد، وطلسم لذريق، وخبر ~~المائدة، والكنوز التي عثروا عليها من ذهب وفضة وياقوت وزمرد ... إلخ. # 1 # ونجد بعد ذلك تاريخ ابن القوطية الذي ذكره في الحركة النحوية واللغوية؛ ولهذا ~~الكتاب قيمة من ناحية خاصة، وهي تفسيره لحوادث إسبانية لم يكن يعرفها العرب، ~~واسم كتابه «تاريخ افتتاح الأندلس»، وقد قالوا: إنه كان رجلا متدينا جميلا ~~وطال عمره ونفع الله به الناس، وقد عثر على هذا الكتاب ونشر، وفيه صبغة فقهية ~~مالكية، وميل إلى أصوله من القوط مما يخالف فيه المؤرخين الآخرين. # ثم نجد بعده عريب بن سعد المتوفى سنة 369ه، وكان من أصل قرطبي نصراني أسلم ~~آباؤه، وكان سعد هذا كاتبا عند الحكم المستنصر، وقد اختصر تاريخ الطبري وزاد ~~عليه أخبار المغرب والأندلس، وله ذيل مطبوع لتاريخ الطبري، وجاء بعده سيد مؤرخي ~~الأندلس ابن حيان. # وكان ابن حيان هذا من كتاب المنصور بن أبي عامر، وكان أديبا ماهرا، إلى ~~جانب أنه مؤرخ كبير، وقد ضاعت أكثر كتبه، ولم يبق منها إلا بقايا من كتابيه ~~«المقتبس» و«المتين»؛ فأما «المقتبس» فيقع في عشرة أجزاء، لم يبق منها إلا ~~ثلاثة، وكلها في تاريخ الأندلس من أول فتحها على يد طارق إلى زمن المؤلف. وأما ~~«المتين» فقالوا: إنه يقع في 60 جزءا، لم يبق منه إلا فقر في بعض الكتب ~~كالذخيرة لابن بسام. وقد وصفه المؤرخون والمترجمون له بأنه كان صادق الرواية، ~~جميل الأسلوب، جزل التعبير، ولو بقيت كتبه لكشفت نواحي ms614 كثيرة من النواحي ~~الغامضة في تاريخ الأندلس. # ولئن كان كثيرون من مؤرخي المسلمين يتحرجون من ذكر معايب الشخص، ويكتفون ~~بمدائحه ويجرون حسب الحديث المشهور: «اذكروا محاسن موتاكم»، فكان ابن حيان في ~~منتهى الصراحة، يذكر المحاسن ولا يتعفف عن ذكر المساوئ، ولا يومئ إليها إيماء، ~~بل يقولها في جرأة وشدة حتى إن بعض المؤرخين تبرأ إلى الله من قوله. وكان إذا ~~أراد أن يقتبس شيئا من ذلك حذف اسم المؤرخ له واكتفى بالتكنية عنه بفلان، ولم ~~يسلم من لسانه حتى العظماء، فيذكر مثلا عن الأمير المنذر فضائله ثم يعقب ذلك ~~بنقائصه، فيقول: إنه كان شديد البخل، ويأخذ عليه الاستهانة بدماء الناس ~~والإسراع إلى سفكها، حتى ولديه وإخوته وصحابته ورعيته وأخذه في ذلك بالظنة، ومع ~~أنه - كما قلنا - من كتاب المنصور بن أبي عامر، لم يتحرج من أن يتناول ~~بالهجاء ولو من بعيد هذه الأسرة، وأن يأسف على زوال الدولة الأموية في الأندلس، ~~ويبكي على ما كان للدولة الأموية من البهجة، وما حل محلها من دولة بربرية ليس ~~لها ما للأموية من جلال وقدم. # ولنسق بعض الأمثلة للدلالة على صراحته وشدة نقده: «فلان معدن من معادن ~~الجهل والأفن والغباوة، وحجة الله في الرزق، واستظهر - لما رأى الناس فيه من ~~شدة وطأة المجاعة - بما شاء من ادخار القوت والطعام ... وولي المظالم صدر ~~اكتهاله: # ومن المظالم أن ولي # ت على المظالم يا فزاره» # ويقول: «ومضى فلان فأدرج في جننه غير فقيد، لم تبك عليه غير نفسه، إذ لم ~~يكن لغيره نصيب في خيره؛ لأنه كان جهم المحيا، باسر اللقاء، مشنأ إلى ~~الورى، شكس الجبلة، كز الخلقة». # ويقول في ابن باشة: «كان هدام القصو، مبور المعمور، وكان من التبحبح في ~~اللؤم والالتحاف للشؤم، مع دناءة الأصل والفزع وتنكب السداد، وتقبل الفاسد، ~~على ثبج عظيم، بيده بادت قصور بني أمية الرفيعة، ودرست آثارهم البديعة، ~~وحطت أعلامهم المنيعة، قدمه ابن السقاء مدبر قرطبة لجمع آلات ما هدم من ~~القصور المعطلة، فاغتدى عليها أعظم آفة، يبيع أشياء جليلة ms615 القدر، رفيعة القيمة، ~~في طريق الأمانة، ولم يك مأمونا على باقة بقل، فعاث فيها عياث النار في يبيس ~~العرفج، وباع آلاتها من رفيع المرمر، ومثمن العم ونضار الخشب، وخالص النحاس، ~~وصافي الحديد والرصاص، بيع الإدبار. ولم يزل ينفق ما غل بمرأى ومسمع في أبواب ~~الباطل، حملت عنه في التبذير نوادر، تشهد بأن الدار ليست بدار مثوبة ولا ~~جزاء. وكانت رسل الأملاك تأتيه لشراء تلك الآلات بأغلى الأثمان، فيبذلها هو ~~في أنواع الضلالات ... إلخ». # وقد قال عن نفسه: إنه أولع بالتاريخ من صغره وشغف به حبا، وأعد لهذا الأمر ~~عدته. وربما مكن له من الصراحة أنه كما قال كان يؤلف هذا الكتاب لنفسه ~~ويخبئه لابنه، ثم غير رأيه فنشره في الناس. ويقول ابن بسام: «إنه مرى سحابه ~~فصاب، وأخطأ التوفيق وما أصاب، إذ جاء أكثر كلامه كما قال ابن الرومي: # مهما تقل فسهام منك مرسلة # وفوك قوسك والأعراض أغراض # وما تكلمت إلا قلت فاحشة # كأن فكيك للأعراض مقراض # ومن علم أن كلامه من عمله، أقل إلا فيما ينفعه، ومن اعتقد أنه مسئول عما ~~يقول، وكتب عليه ما يكتب، لم يستفرغ المجهود في القول، فضلا عن أن ~~يثلب: # فلا تكتب بكفك غير شيء # يسرك في القيامة أن تراه # مع ذلك فقد كان سهما لا ينمى رميه، وبحرا لا ينكش آذيه، لو قلب ~~الماء لما نقع، أو تعرض لابن ذكاء ما سطع، يتناول الأحساب قد رسخت في التخوم، ~~وأنافت على النجوم، فيضع منارها، ويطمس أنوارها، بلفظ أحسن من لقاء الحبيب عند ~~العود. فرب شامخ بأنفه، ثان من عطفه، قد مر في كتابه ينصل جرده لوضع حسبه، ~~وخلده أحدوثة باقية في عقبه فيرده ورود الظمآن الرنق، ويلبسه لبس العريان ~~الخلق». # ونحن إلى مذهب ابن حيان أميل. فالمؤرخ عليه أن يتحرى الصق في المدح والذم، ~~والنافع والضار، أما اقتصاره على المدح دون الذم، فتقصير في رواية الحقيقة، ~~وقوله لنصف الحق، وليس الرجل المشهور في التاريخ ملكا لنفسه، بل أصبح ملكا ~~لشعبه، يشرح المؤرخ الحصيف كما ms616 يشرح الطبيب المريض، فنحن مع ابن حيان لا ابن ~~بسام. وكثيرا ما ضقت ذرعا بالمؤرخين لا يذكرون إلا المحامد، ويغضون الطرف عن ~~المفاسد، بل قد يخلقون المدائح خلقا وإن لم يصح نسبتها إليهم حقا. وهذا إن ~~جاز للشاعر المستجدي، فلا يجوز للمؤرخ الثبت المتحري للصواب. غاية الأمر ~~أننا نخالف ابن حيان في أنه يعبر عن مذام الشخص تعبيرا صارخا ليس فيه رقة ~~ولا ذوق ولا إيماء، والحق إن عري من ثيابه تعرى من جماله. # ولئن تفوق ابن حيان بتاريخه الشامل للسياسة، والأحداث الاجتماعية، وتراجم ~~بعض الأفراد، فقد تخصص مؤرخ آخر لتراجم علماء الأندلس، وهو «ابن الفرضي »، ~~وهو أبو الوليد عبد الله محمد المعروف بابن الفرضي، من مشاهير المحدثين ~~والمؤرخين، ولد في قرطبة سنة 351ه، ودرس الفقه والحديث والأدب والتاريخ في ~~قرطبة، وحج وانتهز فرصة الحج، ورحل إلى بلاد كثيرة: القيروان والقاهرة ومكة ~~والمدينة، ولما عاد إلى الأندلس درس بها مدة طويلة، وولي القضاء في بلنسية، ~~وقتل بداره سنة 402ه أيام ثورة البربر، واشتهر بعلمه في فن الحديث، وعلم ~~الرجال والأدب، واطلع على كتب كثيرة في رحلاته، ومن مؤلفاته كتاب نشر ضمن ~~سلسلة المكتبة الأندلسية، وهو الكتاب الذي كمله ابن بشكوال وهو المسمى ~~«تاريخ علماء الأندلس». # ونبغ قريبا من هذا العصر في التاريخ أيضا الحافظ الحميدي، وقد ولد أبوه ~~بقرطبة، وولد هو بالجزيرة، وقرأ العلوم الدينية من فقه وحديث، وسمع من ابن عبد ~~البر وابن حزم، ولازم هذا الأخير وقرأ عليه مصنفاته كلها، ورحل إلى مصر ~~ودمشق، وروى عن الخطيب البغدادي، وذهب إلى واسط، ثم رجع إلى بغداد وصار يأخذ ~~العلم والأدب عن أهلهما، وقال بعض من رآه: «لم تر عيناي مثل أبي عبد الله ~~الحميدي، في فضله ونبله، ونزاهة نفسه، وغزارة علمه، وحرصه على نشر العلم وبثه ~~في أهله»، وقد وصل إلينا من تآليفه كتابه «جذوة المقتبس في أخبار علماء ~~الأندلس»، # 2 # لخص فيه كتاب المقتبس لابن حيان الذي ذكرناه من قبل. وكان مثال ~~العالم الذي ينقطع عن العالم ليتفرغ ms617 للعلم، توفي في بغداد سنة 488ه. # ثم اشتهر من مؤرخي الأندلس ابن بشكوال، وكان أيضا من المحدثين والمؤرخين ~~معا، ولد في قرطبة سنة 494ه، وقد اتسعت أولا معارفه بالحديث، ومن ثم ~~اتسع علمه بتاريخ بلاده، وقد استفاد كثيرا من أساتذته العظام أمثال أبي بكر بن ~~العربي. وقالوا: إنه كان آخر أقطاب المحدثين في الأندلس، وأنه ألف نحو خمسين ~~مؤلفا. ولم يبق منه كتبه التاريخية إلا كتابه «الصلة في تاريخ أئمة ~~الأندلس»، وهو تتمة لكتاب ابن الفرضي السابق الذكر، وهو يدل دلالة واضحة على ~~سعة اطلاعه ووفرة علمه. # فإذا تخطينا نحو بعض العصور عثرنا من المؤرخين على ابن الأبار، وهو أيضا ~~محدث ومؤرخ، ولد في بلنسية سنة 595ه، وظل أكثر من عشرين عاما يتتلمذ لأبي ~~الربيع بن سالم أعظم محدثي الأندلس في عصره. وقد ألف كتابا سماه «التكملة ~~لكتاب الصلة»، فيكون لنا مجموعة متسلسلة في أخبار العلماء، كتاب ابن الفرضي ~~والصلة لابن بشكوال، وتكملة الصلة لابن الأبار. ولما أحس باضطراب الأمر في ~~بلنسية هاجر منها إلى تونس واشتغل بالتدريس بها، وقد استقبله أمير تونس ~~استقبالا حسنا أول الأمر، ولكنه انقلب عليه أخيرا وصادر كتبه، فوجد فيها ~~هجاء للسلطان أغضبه، حتى إنه لما مات في السجن أمر فأحرق رفاته. وقد بقي من ~~مؤلفاته كتاب «تكملة الصلة، والحلة السيراء». # هناك مؤرخون عنوا بتراجم طائفة خاصة، فبعضهم كان يعنى بتراجم المحدثين ~~كابن عبد البر الذي ألف كتاب «الاستيعاب»، وبعضهم عني بتراجم الأدباء، ومن ~~أشهر هؤلاء ابن بسام الذي ألف كتابه العظيم «الذخيرة»، # 3 # وقد وضعه على نمط كتاب «اليتيمة» للثعالبي، وقلده في سجعه ~~واستعارته ومجازاته وإن لم يلتزم السجع دائما. وقد قسم كتابه إلى أقسام أربعة ~~كالثعالبي في اليتيمة، فقسم لقرطبة وما يحيط بها، وقسم لإشبيلية وما يحيط بها، ~~وقسم لبلنسية وما يحيط بها، وقسم للملمين بالأندلس والطارئين عليها، وهو يعرض ~~لتاريخ الملوك والوزراء والأمراء عرضا دقيقا، ويزن آثارهم وزنا صحيحا، وقد ~~اعتمد في ناحيته التاريخية على ابن حيان إذ رأى أنه أعرف منه ms618 بالتاريخ، وأنه ~~أصح منه نظرا، وبذلك نقل إلينا في كتابه «الذخيرة» جملة صالحة من أقوال ابن ~~حيان المفقود أصلها. # وقد نشأ في بيت حسب ونسب في شنترين، ولكن من الأسف أن هذه البلدة وقعت في يد ~~النصارى، واستولوا على كل أملاكه، فخرج منها صفر اليدين. وفي ذلك يقول: «وعلم ~~الله أن هذا الكتاب لم يصدر إلا عن صدر مكلوم الأحناء، وفكر خامد الذكاء، بين ~~جهر متلون تلون الحرباء، لانتباذي من شنترين، قاصية الغرب، مغلول الغرب، ~~مروع السرب، بعد أن استنفد الطريف والتلاد، وأتى على الظاهر والباطن ~~النفاد، بتواتر طوائف الروم علينا في عقر ذلك الإقليم، وقد كنا غنينا هنالك ~~بكرم الانتساب عن سوء الاكتساب، واجتزأنا بمذخور العناد عن التقلب في البلاد، ~~إلى أن نثر علينا الروم ذلك النظام، «ولو ترك القطا ليلا لنام»، وحين اشتد ~~الهول هنالك، اقتحمت بمن معي المسالك، على مهامه تكذب فيها العين الأذن، ~~وتستشعر المحن: # مهامه لم تصحب بها الذئب نفسه # ولا حملت فيها الغراب قوادمه # خلصت خلوص الزبرقان # 4 # من سراره، وفزت فوز القدح عند قماره، فوصلت حمص # 5 # بنفس قد تقطعت شعاعا، وذهب أكثرها التياعا، «وليتني عشت منها ~~بالذي فضلا» فتغربت بها سنوات، أتبوا منها ظل الغمامة، وأعيا بالتحول عنها عي ~~الحمامة، ولا أنس إلا الانفراد، ولا تبلغ إلا بفضلة الزاد. والأدب بها أقل من ~~الوفاء، وحامله أضيع من قمر الشتاء، وقيمة كل أحد ما له، وأسوأ كل بلد جهاله. ~~حسب المرء أن يسلم وفره وإن ثلم قدره، وأن تكثر فضته وذهبه وإن قل دينه ~~وحسبه». # ويقول في سبب تأليفه هذا الكتاب: إنه رأى في الأندلس «قوما هم ما هم، طيب ~~مكاسر، وصفاء جواهر، وعذوبة موارد ومصادر، لعبوا بأطراف الكلام المشقق، لعب ~~الدجى بجفون المؤرق ... نثر لو رآه البديع لنسي اسمه، أو اجتلاه ابن هلال ~~لولاه حكمه، ونظم لو سمعه كثير ما نسب ولا مدح، أو تتبعه جرول ما عوى ولا ~~نبح، إلا أن أهل هذا الأفق أبوا إلا متابعة أهل المشرق، يرجعون إلى ms619 أخبارهم ~~المعتادة، رجوع الحديث إلى قتادة، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب، أو طن بأقصى ~~الشام والعراق ذباب، لجثوا على هذا صنما، وتلوا ذلك كتابا محكما، ~~وأخبارهم الباهرة، وأشعارهم السائرة، لا يعمر بها جنان ولا خلد، ولا يصرف فيها ~~لسان ولا يد، فغاظني منهم ذلك، وأنفت مما هنالك، وأخذت نفسي بجمع ما وجدت من ~~حسنات دهري، وتتبع محاسن أهل بلدي وعصري، غيرة لهذا الأفق الغريب، أن تعود ~~بدوره أهلة، وتصبح بحاره ثمادا مضمحلة، مع كثرة أدبائه، ووفور علمائه. وقديما ~~ضيعوا العلم وأهله، ويا رب محسن مات إحسانه قبله. وليت شعري: من قصر العلم ~~على بعض الزمان، وخص أهل المشرق بالإحسان». # وهو يدل على شكواه من أهل الأندلس من أنهم ينظرون إلى النتاج المشرقي نظرة ~~إعجاب ولو كان تافها، وإلى نتاج بلادهم نظرة احتقار ولو كان نابها. وهو يدل ~~أيضا على أن أهل الأندلس كان عندهم مركب نقص أمام المشارقة، كالذي عند الشرق ~~اليوم أمام الغرب. وقد حكى لنا هذا أيضا ابن حزم في رسالته في فضل الأندلس، ~~فشكا من أن كثيرا من علماء الأندلس وأدبائه، قلت قيمتهم في نظر الأندلسيين؛ ~~لأنهم من وطنهم، ولو كانوا من المشرق، لأعلوا شأنهم وزيد في قدرهم. وقديما ~~قالوا: «زامر الحي لا يطرب»، و«أزهد الناس في عالم أهله». # وكان قريع ابن بسام في بابه الفتح بن خاقان، ولد بقرية قريبة من غرناطة، ~~وكان فقيرا وليس الفقر عيبا، ولكنه كان أيضا وضيعا، مدمنا للخمر، مسرفا ~~في تعاطيها، يتردد في البلاد لينشد أمثاله من متعاطي الخمور، ويطلب الصلة، ~~وأسوأ ما فيه أنه كان يمدح أو يذم، تبعا لهذا العطاء أو الضن، فمن أعطاه ~~مدحه ومن حرمه قدحه، وأحيانا يمدح الشخص ويذمه، تبعا لصلته الشخصية. # فابن بسام في الذخيرة يفوقه بمراحل، من ناحية تحريه للتاريخ الصحيح، وبذله ~~المدح والذم تبعا لصفات الممدوح أو المذموم لا لعلاقته الشخصية، ومن شر ما وقع ~~فيه الفتح بن خاقان تصرفه مع ابن باجة، فقد مدحه مدحا صعد به السماء، ثم ذمه ~~ذما ms620 نزل به إلى الحضيض لحسن العلاقة بينهما أولا وسوئها أخيرا، فإذا نظرنا ~~إلى أسلوب الذخيرة وأسلوب الفتح، وجدنا أن أسلوب الذخيرة أقرب إلى نفوسنا، فهو ~~لا يلتزم السجع كما يفعل الفتح بن خاقان، وأسلوب الفتح هذا أجوف، يلعب بالألفاظ ~~والاستعارات لعب البهلوان. # وقد ألف الفتح كتابين مشهورين «مطمح النفس ومسرح التأنس»، والثاني: «قلائد ~~العقيان ومحاسن الأعيان»، فأما المطمح فذكر أعيان الأندلس، ومن اشتهر بكرم ~~والظرف. أما القلائد فقد تعرض لمحاسن الرؤساء وأبنائهم، مع ذكر نماذج من مستعذب ~~أقوالهم، وفيه تراجم تشترك مع تراجم المطمح. ومن أمثلة كتابته قوله في ذم ابن ~~باجة وقد ذكرناه عند الكلام عليه في الفلسفة، ونذكر هنا مدحه فيه، للدلالة على ~~أسلوبه، وعلى أنه يبني تراجمه من مدح أو ذم على اعتبارات شخصية، من غير تحر ~~لصدق، أو التزام لحق، كأنه يرى أن المسألة مسألة ألفاظ جوفاء، واستعارات ~~خيالية، وتزويقات لفظية. # قال في ابن باجة: «نور فهم ساطع، وبرهان علم لكل حجة قاطع، تتوجت بعصره ~~الأعصار، وتأرجت من طيب ذكره الأمصار، وقام وزن المعارف واعتدل، ومال للأفهام ~~فننا وتهدل، وعطل بالبرهان التقليد، وحقق بعد عدمه الاختراع والتوليد. إذا ~~قدح زند فهمه، أورى بشرر للجهل محرق، وإن طما بحر خاطره، فهو لكل شيء مغرق؛ مع ~~نزاهة النفس وصونها، وبعد الفاسد من كونها، والتحقيق الذي هو للإيمان شقيق، ~~والجد الذي يخلق العمود وهو مستجد، وله أدب يود عطارد أن يلتحفه، ومذهب يتمنى ~~المشتري أن يعرفه، ونظم تعشقه اللبات والنحور، وتدعيه مع نطاسة جوهرها البحور»، ~~وقد مات الفتح ميتة شنيعة إذ وجد مخنوقا في فندق في درب من دروب مراكش سنة ~~529ه. # ومثل ما فعله ابن سعيد؛ فقد ألف كتابا ضخما في ترجمة كل نبهاء الأندلس من ~~أمراء ووزراء وقضاة وشعراء، وسماه «المغرب في حلا أهل المغرب»، # 6 # ومن اللطيف أن أسرة ابن سعيد هذا تداولت تأليفه في مدة تبلغ نحو ~~115 سنة، كلما أتى رجل من الأسرة كمل عمل أسلافه. وقد ذكر أن السبب في تأليفه ~~أن أبا ms621 عبد الله الحجاري وفد على عبد الملك بن سعيد صاحب قلعة بني سعيد بالقرب ~~من غرناطة سنة 530ه، فأعجبته منه معرفته أدباء الأندلس، وما لهم من طرائف الشعر ~~والنثر، وصنف له الحجاري كتاب «المسهب في غرائب المغرب»، فلما اطلع عليه عبد ~~الملك بن سعيد أعجبه الكتاب، وأضاف إليه ما طالعه من الكتب والتقطه من الأفواه، ~~وبعد أن فرغ منه وضع كتابا على منهجه سماه «المشرق في حلا أهل المشرق»، واضطر ~~ذلك المؤلفين إلى أن يرحلوا إلى المشرق؛ ليجمعوا مادة هذا الكتاب. وطريقتهم في ~~التأليف كما ذكر أحدهم قال: «كل من التصنيفين مرتبة على البلاد، متى ذكر بلد، ~~ذكرت كوره، وأتكلم عليه وعلى كل كورة منه، وأبتدئ بكرسي مملكتها ، وقاعدة ~~ولايتها، بحسب مبلغ علمي، من إعلام بمكانها بالأقاليم ومن بناها، وما يحف بها ~~من نهر أو منزه أو خاصة معدنية أو نباتية، ومن تداول عليها من أبناء الملوك ~~أولي التواريخ التي لا يجب إغفالها، ثم نأخذ في الطبقات واحدة بعد واحدة، وهي ~~خمس: طبقة الأمراء، وطبقة الرؤساء، وطبقة العلماء، وطبقة الشعراء، وطبقة ~~اللفيف، والطبقات الأولى مخصوصة بمن له نظم من أولي الخطط المذكورة ... وطبقة ~~اللفيف مخصوصة بمن ليس له نظم من أي صنف كان، ممن لا يجب إغفاله، وفيها من ~~النوادر والمضحكات ما يكون كالإحماض». # وقد سمى كل جزء يتصل ببلد اسما خاصا مقلدا في ذلك ابن عبد ربه فيما صنع ~~في العقد، فمثلا كتاب «الحلة المذهبة في حلى مملكة قرطبة»، وكتاب «الفردوس في ~~حلى مملكة بطليوس»، وكتاب «الخلب في حلى مملكة شلب»، وكتاب «النفحة المندلية في ~~حلى المملكة الطليطلية» ... إلخ. # وأخيرا ألف لسان الدين بن الخطيب كتابه «الإحاطة في أخبار غرناطة» ترجم فيه ~~لكل علماء غرناطة وفضلائها ترجمة أدبية يسودها السجع. # ونلاحظ أن التاريخ سواء كان تاريخا سياسيا أو تراجم رجال متأثر من ناحية ~~المؤلفين بعلم الحديث ومنهجه أكثر من المشرق. والسبب في ذلك: ~~(1) # أن منهج التعليم في الأندلس كان منهجا دقيقا شديدا، يسوده فقه ~~الإمام مالك وما ينبغي عليه ms622 من حديث وتفسير، فكان الاشتغال بالفقه ~~والحديث يسلمهم غالبا من ترجمة رجال الحديث إلى ترجمة رجال العلم ~~والأدب؛ ولذلك نرى أكثر المؤرخين فقهاء أشبه ما يكونون بالطبري في ~~المشرق. فقد كان فقيها مؤرخا، ولكن قل أن نجد بالأندلس مثل: ~~المسعودي واليعقوبي وأبي الفدا من مؤرخي المشرق غير ~~الفقهاء. ~~(2) # ربما نلاحظ أن التاريخ الأندلسي اتصل بالأدب أكثر مما اتصل ~~المؤرخ الشرقي به، وسبب ذلك أن أكثر المؤرخين الأندلسيين كانوا ~~أدباء شاعرين أو ناثرين، وسبب آخر وهو أن عواطف الأندلسيين نحو ~~بلادهم كانت أقوى، فكلما سقطت بلدة في يد النصارى رثاها الأدباء ~~وحلل وقائعها المؤرخون. فمثلا لما سقطت طليطلة وكانت أول ما سقط، ~~تكلموا عن سقوطها كثيرا، وحللوا أسباب سقوطها تحليلا كبيرا. ~~وكذلك لما سقطت بلنسية استغاثوا بصاحب إفريقيا أبي زكريا بن أبي ~~حفص، وقال قائلهم القصيدة المشهورة: # أدرك بخيلك خيل الله أندلسا # إن السبيل إلى منجاتها درسا # يا لجزيرة أضحى أهلها جزرا # للحادثات وأمسى حدها نفسا # تقاسم الروم لا نالت مقاسهم # إلا عقائلها المحجوبة الأنسا # وفي بلنسية منها وقرطبة # ما ينسف النفس أو ما ينزف النفسا # مدائن حلها الإشراك مبتسما # جذلان وارتحل الإيمان مبتئسا # وهي قصيدة قوية طويلة تفيض بكاء. وأخيرا سقطت الأندلس كلها، ~~فقيل في رثائها الكثير، ومن أحسنه: # لكل شيء إذا ما تم نقصان # فلا يغر بطيب العيش إنسان # هي الأمور كما شاهدتها دول # من سره زمنه ساءته أزمان # تبكي الحنيفية السمحاء من أسف # كما بكى لفراق الإلف هيمان # على ديار من الإسلام خالية # قد أقفرت ولها بالكفر عمران # حيث المساجد قد صارت كنائس ما # فيهن إلا نواقيس وصلبان # حتى المحاريب تبكي وهي جامدة # حتى المنابر ترثي وهي عيدان # يا غافلا وله في الدهر موعظة # إن كنت في سنة فالدهر يقظان # يا من لذلة قوم بعد عزهم # أحال حالهم كفر وطغيان # بالأمس كانوا ملوكا في منازلهم # واليوم هم في بلاد الكفر عبدان # فلو تراهم حيارى لا دليل لهم # عليهم من ثياب الذل ألوان # ولو رأيت بكاهم عند بيعتهم # لهالك ms623 الأمر واستهوتك أحزان # ويختمها بهذا البيت: # لمثل هذا يذوب القلب من كمد # إن كان في القلب إسلام وإيمان # لقد رأينا مدنا في الشرق تتساقط تساقط أوراق الشجر، تستوجب ~~الرثاء والبكاء، كما سقطت بغداد في يد التتار، وأزالوا كل ما فيها ~~من مظاهر مدنية وحضارة، وفعل التتار فيها ما لا يقل عما فعله ~~الإسبانيون في الأندلس، وغزا هولاكو وتيمورلنك ونحوهما بلاد الشام، ~~وأسقطوها بلدا بلدا، فما رأينا عاطفة قوية، ولا رثاء صارخا ولا ~~أدبا رقيقا ولا تاريخا مسجلا، كالذي رأيناه في الأندلس، فإن ~~قلنا: إن هذه الناحية في التاريخ الأندلسي أقوى وأشد، لم نبعد عن ~~الصواب. ~~(3) # رأينا في الأندلس أيضا صنفا من التاريخ لم نجده كثيرا في ~~الشرق. قد رأينا في ترجمة ابن عبد ربه أنه وضع ملحمة في أعمال عبد ~~الرحمن الناصر وغزواته مؤرخة بالسنين، ورأينا ملحمة أخرى لأبي طالب ~~عبد الغفار مما لم نجد له نظيرا في الشرق، نعم: رأينا أرجوزة ~~مطولة لابن المعتز في تسجيل الأحداث في زمانه، ولكن قصيدة ابن ~~المعتز في باب الاجتماع أدخل، وملحمة ابن عبد ربه وأبي طالب في باب ~~التأريخ أدخل. والله أعلم. # الجغرافيا # جمع بعض العلماء في كتبه بين معلومات تاريخية ومعلومات في صميم الجغرافيا، ~~ومن أشهر هؤلاء ابن حيان السابق الذكر، فإنه يرد في ثنايا كلامه التاريخي وصف ~~جغرافي كقوله في بعض كتبه: # ابتدأ الناصر ببناء الزهراء اول يوم سنة 325ه، وجعل طولها من شرق إلى ~~غرب 2700 ذراعا، وتكسيرها 990000، وكان يثيب على كل رخامة كبيرة أو ~~صغيرة عشرة دنانير، سوى ما كان يلزم على قطعها ونقلها ومئونة حملها، ~~وجلب إليها الرخام الأبيض من المرية، والمجزع من رية، والوردي والأخضر ~~من إفريقيا، والحوض المنقوش المذهب من الشام، وقيل: من القسطنطينية، ~~وفيه نقوش وتماثيل وصور على صور الإنسان، وليس له قيمة - أي: لا يقوم ~~- ... فأمر الناصر بنصبه في وسط المجلس الشرقي المعروف بالمؤنس، ونصب ~~عليه اثني عشر تمثالا، وبنى في قصرها المجلس المسمى بقصر الخلافة، ~~وكان سمكه من الذهب والرخام الغليظ الصافي ms624 لونه، المتلونة أجناسه، كانت ~~حيطان هذا المجلس مثل ذلك، وجعلت في وسطه اليتيمة التي أتحف الناصر بها ~~إليون ملك القسطنطينية، وكانت قرامد هذا القصر من الذهب والفضة، وهذا ~~المجلس في وسطه صهريج عظيم مملوء بالزئبق، وكان في كل جانب من هذا ~~المجلس ثمانية أبواب قد انعقدت على حنايا من العاج والأبنوس المرصع ~~بالذهب وأصناف الجواهر، قامت على سوار من الرخام الملون، والبلور ~~الصافي، وكانت الشمس تدخل الأبواب، فيضرب شعاعها في صدر المجلس ~~وحيطانه، فيصير من ذلك نور يأخذ بالأبصار، وكان الناصر إذا أراد أن ~~يفزع أحدا من مجلسه أومأ إلى أحد صقالبته، فيحرك ذلك الزئبق، فيظهر في ~~المجلس كلمعان البرق في النور، ويأخذ بمجامع القلوب، وبها من المرمر ~~والعمد كثير ، وأحدق بها البساتين، وفيها يقول الشاعر: # وقفت بالزهراء مستعبرا # معتبرا أندب أشتاتا # فقلت: يا زهرا ألا فارجعي # فقالت: وهل يرجع من ماتا # فلم أزل أبكي وأبكي بها # هيهات يغني الدمع هيهاتا # كأنما آثار من قد مضى # نوادب يندبن أمواتا» # واخترعوا طريقة لطيفة لإظهار محاسن كل مدينة، وهي طريقة إقامة مناظرة ~~بين المدن الأندلسية المختلفة تفخر بنفسها، وتظهر مزاياها التي لا توجد ~~في مدن أخرى، وترد الثانية عليها، كما روي أن مالقة قامت فقالت: «لي ~~البحر العجاج؛ والسبل الفجاج، والجنات الأثيرة، والفواكه الكثيرة، ولدي ~~من البهجة ما يستغني به الحمام عن الهديل، ولا تجنح الأنفس الرقاق ~~الحواشي إلى تعويض عنه وتبديل ... فقامت مرسية وقالت: أمامي تتعاطون ~~الفخر، وبحضرة الدر تنفقون الصخر، إن عدت المفاخر فلي منها الأول ~~والآخر، أين أوشالكم من بحري، وخرزكم من لؤلؤ نحري، وجعجعتكم من نفثات ~~سحري، فلي الروض النضير، والمرأى الذي ما له نظير، فأبنائي فيه في ~~الجنة الدنيوية مودعون، يتنعمون فيها يأخذون ويدعون، ولهم فيها ما ~~تشتهي أنفسهم ولهم فيها ما يدعون ... فقامت بلنسية وقالت: فيم الجدال ~~والقراع؟ وعلام الاستهام والاقتراع؟ وإلام التعريض والتصريح، وتحت ~~الرغوة اللبن الصريح؟ ... فلي المحاسن الشامخة الأعلام، والجنات التي ~~تلقي إليها الآفاق يد الاستسلام، وبرصافتي وجسري أعارض مدينة السلام ... ~~فأنا حيث ms625 لا تدركون ... إلخ. # وهكذا قامت كل مدينة تفتخر بما عندها، وتعتب على غيرها في شكل أدبي ~~لطيف. # وكان من أشهر جغرافيي الأندلس وأقدمهم البكري، وهو عبد الله بن عبد العزيز بن ~~محمد بن أيوب. ومن حسن الحظ أن آثاره في الجغرافيا لا تزال بين أيدينا إلى ~~اليوم، ك «معجم ما استعجم». وقد ازدهر اسمه في النصف الثاني من القرن الخامس، ~~وسمي البكري نسبة إلى قبيلة بكر إذ كان من نسلهم. ولقد ذهب إلى قرطبة وتعلم ~~فيها، وكانت قرطبة إذ ذاك في حكم بني جهور، وفي قرطبة أتم البكري تعلمه على ~~مشاهير العلماء في ذلك العصر، ثم دخل البكري في خدمة أمير المرية، وهناك يحدثنا ~~التاريخ أنه سمع بعض المحاضرات من المؤرخ الجغرافي المشهور ابن حيان. وقد أوفد ~~أمير المرية البكري إلى أمير الموحدين للاستعانة به، فنجح في سفارته. وقد ألف ~~كتبا كثيرة بعضها أدبي وبعضها جغرافي أدبي كتعليقاته على أمالي القالي، وشرحه ~~لأمثال أبي عبيد. أما في الجغرافيا فمن أشهر كتبه كتاب «معجم ما ~~استعجم»، # 7 # وهو يذكر اسم البلدة ويروي أشهر ما لها وما ورد من الشعر فيها في ~~دقة وعناية، ويضبطها ضبطا صحيحا، وكان من بين ما تعرض له «الأندلس»، وله ~~أيضا كتاب «المسالك والممالك»، وقد وصل إلينا منه بعض قطع، جمعه من أقوال من ~~تقدمه من المؤرخين، من كتب لم تصل إلينا، ضم فيه نتفا من التاريخ، إلى نتف من ~~الجغرافيا، وتعرض - عدا الأندلس - إلى جغرافيا إفريقيا ومصر والعراق وما وراء ~~النهر. # وعلى الجملة فكان علما عظيما من أعلام الجغرافيين الأندلسيين. # واشتهر كذلك في الجغرافيا الشريف الإدريسي، وربما كان أكبر جغرافيي المسلمين ~~ويعرف عنه الأوربيون كثيرا، وهو أبو عبد الله محمد بن محمد، ويسمى بالشريف ~~لنسبته إلى الحسن، وأحيانا يلقب بالقرطبي. والسبب في معرفة الأوربيين له أنه ~~اتصل ببلاط روجر الألماني ملك صقلية، وقربه إليه وحط رحاله عنده، بعد رحلات ~~طويلة في ممالك مختلفة. وكان روجر هذا يشجعه على التأليف في الجغرافيا ورسم ~~الخطط له؛ ولذلك قد ms626 يسمى الشريف الإدريس الصقلي. وألف في الجغرافيا كتابه ~~المشهور «نزهة المشتاق في ذكر الأمصار والأقطار والبلدان والجزر والمدائن ~~والآفاق»، وشحنه بالخرائط اللازمة التي تزيد عن الأربعين خريطة، وكان أعظم كتاب ~~في الجغرافيا في زمنه؛ ولذلك ترجم إلى اللغة اللاتينية وطبع. # وفي الحقيقة أن من قرأ الكتاب استدل منه على معرفة واسعة بالبلاد وخبرة تامة ~~بمواقعها وميزاتها، ونباتها وحيوانها، وغير ذلك مما يعجب منه القارئ، ويتصل ~~بالجغرافيا أكبر اتصال الرحلات، وقد كان في المشرق رحالون كثيرون أفضلهم ~~المقدسي، وكان في الأندلس أيضا رحالون كثيرون، وربما كان الأندلسيون أقدر على ~~الرحلة لما يغلب عليهم من الدروشة والتصوف، فكانوا يجدون سهولة كبيرة في التنقل ~~والإقامة في البلاد التي ينزلونها، ويستقبلون استقبالا حسنا في الرباطات ~~والخانقاهات، ومن أشهر رحالي الأندلس ابن جبير وابن بطوطه، فابن جبير أبو ~~الحسين محمد، ولد ببلنسية سنة 540ه، ودرس الفقه والحديث في شاطبة، ثم حج فذهب ~~من غرناطة إلى سبتة عن طريق جزيرة طريف، ومن سبتة ركب البحر إلى الإسكندرية، ثم ~~مر بالقاهرة، فقوص فعيذاب فجدة، وفي رجوعه رحل إلى العراق فزار بغداد والكوفة ~~والموصل، ورحل إلى الشام فزار حلب ودمشق، وركب البحر من عكا إلى صقلية، ومن ~~صقلية عاد إلى غرناطة، ورحل بعد ذلك رحلتين إلى المشرق: أولاهما من سنة 585ه ~~إلى 587ه، والثانية سنة 614ه. ويظهر أنه كان ينوي الرحلة بعيدا ولكنه لما وصل ~~إلى الإسكندرية مات. وقد ملئت رحلته بالفوائد فهو يذكر العلماء الذين رآهم ~~ويصفهم، والوعاظ وطريقة وعظهم، والمكاسين وطريقة أخذهم للضرائب، هذا عدا وصف ~~المدن أو البلاد التي كان يمر بها. # وعلى الجملة فكتابه أوفى رحلة وصورة اجتماعية وجغرافية للبلاد التي مر ~~بها، حتى إن الإفرنج اهتموا كثيرا بالقسم من رحلته الذي دون فيه حالة صقلية ~~في عهد وليم الصالح، وترجموا نصه وعلقوا عليه. # وكان مثقفا دقيق الملاحظة، بليغا في الوصف، فمثلا يقول وقد أتى شهر رمضان ~~عليه وهو في مكة: «وكان صيام أهل مكة يوم الأحد بدعوى في رؤية الهلال لم تصح، ~~لكن ms627 أمضى الأمير ذلك، ووقع الإيذان بالصوم بضرب دبادبه لموافقته مذهبه، ومذهب ~~شيعته العلويين ومن إليهم؛ لأنهم يرون صيام يوم الشك فرضا. ووقع الاحتفال في ~~المسجد الحرام لهذا الشهر من تجديد الحصر، وتكثير الشمع والمشاعل وغير ذلك من ~~الآلات، حتى تلألأ الحرم نورا، وسطع ضياء، وتفرقت الأئمة لإقامة التراويح ~~فرقا» إلخ من وصف مفصل دقيق. # ويقول لما وصل بغداد: «هذه المدينة العتيقة، وإن لم تزل حضرة الخلافة ~~العباسية، قد ذهب أكثر رسمها ولم يبق منها إلا شهير اسمها، وهي بالإضافة إلى ~~ما كانت عليه قبل إنحاء الحوادث الطامس، أو تمثال الخيال الشاخص، فلا حسن فيها ~~يستوقف البصر، ويستدعي من المستوفز العقلة والنظر ... وأما أهلها فلا تكاد تلقى ~~منهم إلا من يتصنع التواضع رياء، ويذهب بنفسه عجبا وكبرياء. يزدرون الغرباء، ~~ويظهرون لمن دونهم الأنفة والإباء، ويستصغرون عمن سواهم الأحاديث والأنباء ... ~~إلخ». # ويلي ابن جبير في الزمن ابن بطوطة، وقد ضبطه ابن خلدون في نسخته بضم الباء، ~~وكثيرا ما يلقب بالطنجي؛ لأنه ولد بطنجة سنة 703ه، ولكن أهله كانوا بالأندلس، ~~ومنهم من تولى القضاء ببعض مدنها، وكان أكثر دروشة في سفره من ابن جبير. بدأ ~~رحلته بالحج إلى مكة عن طريق شمالي إفريقيا فمصر فالبحر الأحمر، ولما لم يجد ~~الطريق أمامه مفتوحا، عاد ووصل إلى مكة عن طريق الشام وفلسطين، ومن مكة وصل ~~إلى العراق، ثم زار بلاد فارس والموصل وديار بكر، ثم زار مكة للمرة الثانية، ~~وقضى فيها عامين، ورحل رحلة ثالثة إلى جنوب بلاد العرب، فإفريقيا الشرقية، ورحل ~~منها إلى الخليج الفارسي، ثم عاد إلى آسيا الصغرى وبلاد القرم عن طريق مصر ~~والشام، وزار القسطنطينية في حاشية الأميرة اليونانية زوجة السلطان محمد ~~أوزبك، واخترق خوارزم وبخارى وأفغانستان، ثم رحل إلى الهند وولي القضاء في ~~دلهي، وسار في بعثة سياسية إلى الصين فوصل إلى جزائر مولديف، ومنها سافر إلى ~~الصين عن طريق سيلان والبنغال والهند الأقصى. # ثم رحل إلى بلاد العرب عن طريق جزيرة سوماطرة، فترى من هذه حبه الكثير ~~للتجوال، وكان ms628 في كل بلدة ينزلها يختلط بأهلها وبأميرها، وكثيرا ما يتزوج منها ~~مما يسهل له وصف مناظرها، وشرح عوائدها، وكان يهتم اهتماما كبيرا برجال ~~الدين؛ ولذلك يعد كتابه وصفا شاملا للحياة الاجتماعية في عصره، كما يدل وصفه ~~على كيفية تصوره للمسائل. # وقد أفادتنا رحلته ورحلة ابن جبير فوائد أكثر مما أفادتنا كتب التاريخ ~~المؤلفة في عصرهما؛ لأن تاريخهما تاريخ حي، يعنى بالحياة الحية أكثر مما يعنى ~~بالحروب والفتوح والجنود وعددها وغلبتها ... إلخ. # ومما يتصل بالرحلات ما ذكره الشريف الإدريسى عن الإخوة المغررين من أنهم: ~~«خرجوا من أشبونة أولا إلى ناحية الغرب، وساروا «في البحر» اثني عشر يوما، ~~فلم يجدوا شيئا، فانعطفوا إلى ناحية الجنوب، فساروا اثني عشر يوما أخرى، ~~فوصلوا إلى جزيرة لم يجدوا فيها إلا غنما لحومها مرة لا تؤكل، فانعطفوا ~~أيضا إلى الجنوب، وساروا اثني عشر يوما إلى أن وصلوا إلى جزيرة وجدوا فيها ~~بشرا، وأخذوا إلى أمير الجزيرة وجرى معهم ما جرى». # والذي يظهر من هذا أنهم وصلوا أولا إلى جزيرة بين أمريكا الشمالية وأمريكا ~~الجنوبية، وقد سار في نفس الطريق كولمبس، ولا شك أنه وقف على رحلة هؤلاء الإخوة ~~واستفاد مما ورد عنهم. ويظهر أن قول الإدريسي: أنهم ساروا مسافة اثني عشر يوما ~~حتى وصلوا ما وصلوا إليه ليس بدقيق؛ فإن المسافة تقطع في المراكب الشراعية في ~~أطول من هذا، ومما يروى أن كولمبس قد اطلع على كتب كثيرة قبل رحلته، منها ما ~~أخذه عن العرب كما ورد في دائرة المعارف الفرنسية، فهم بهذا كانوا أسبق في ~~اكتشاف أمريكا، لولا سوء الظروف التي منعت من نجاحهم. # | هوامش # الفصل السابع # | الحركة الفنية # عرفت إسبانيا بأنها مركز لآثار كثيرة، وحضارات قديمة متوالية؛ ولذلك كانت مدرسة ~~يدرس فيها الفنانون الفنون المختلفة للحضارات المختلفة. # وقد مكن لها من ذلك ما قلنا من توالي الحضارات عليها، وقربها من إيطاليا وفرنسا ~~المعروفتين بالذوق الفني. فالعرب لما كانوا بالأندلس استفادوا من فنية هاتين ~~المملكتين، وهضموا ما استفادوا وأخرجوه على نحو جديد، استطاعوا به أن ms629 يعيدوا الجميل ~~لمن اقتبسوا منهم. لقد توالى على الأندلس الرومان والقوط والعرب والإسبان، فأما ~~الرومان فكانوا ذوي مهارة فنية عظيمة، وأعظم ما خلفوه كان في بلدة ماردة، إذ كانت ~~عاصمة لوزيتانيا، فخلفوا فيها كوبري «جسرا» كانت له واحد وثمانون حنية أو ~~باكية، وخلفوا فيها قناتين مغلقتين، وملهى للتمثيل، وملعبا عاما، وهيكلا للمريخ ~~تحول فيما بعد كنيسة، وقوس نصر، وخلفوا في طركونة عدة هياكل وملهى للتمثيل وملعبا ~~وحمامات، وجميعها من أفخم المباني الرومانية. وفي بلدة شقوبية خلفوا قناة مغلقة ~~طولها 810 مترا، منها 266 مركبة على دورين من الحنايا الواحد فوق الآخر، وعدد ~~قناطرها 119 قنطرة. # وأما القوط فخلفوا أكثر ما خلفوا كنائس، منها كنيسة سانميسكال في أوبيط، وكنيسة ~~شانتمرية. وقبيل دخول العرب الأندلس مالوا في فنهم إلى المتانة والرصانة دون ~~الزخرف، وبنوا في مدينة برغش كنيسة كبرى تحتوي على أنماط البناء في الأعصر الثلاثة ~~الأخيرة، ويقال: إنها أبدع كنيسة في إسبانيا بناها يوحنا الكولوني، وكانوا يميلون ~~إلى نوعين أخيرا قللا من بهجة الفن: الأول جعل موضع خاص في وسط الكنيسة للأحبار ~~والقسيسين مما أخل بجمال الهندسة، والثاني ميلهم إلى تقليل النور في الكنائس، ~~فكانت أبنيتهم تستدعي الظلمة لا النور، على العكس من البناء العربي، فهو يحب النور ~~ويكره الظلمة. # وأما أبنية العرب فكثيرة، وربما كان أعظمها مسجد قرطبة، من حيث جماله وسعته، فهو ~~لا يفوقه في السعة إلا المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وربما ساوى مسجد ابن طولون في ~~القاهرة، وقد توسع فيه على ممر الزمان، فكان كلما كثر العمران وزاد السكان ~~توسعوا فيه. حتى لقد قالوا: إن قسمي المسجد، القسم المسقوف والصحن السماوي يسعان ~~نحو ثمانين ألف مصل. وقد زين هذا المسجد بالنقش والفسيفساء، مما يدل على أن ~~الأندلسيين أخذوا هذا الفن من البيزنطيين وحسنوه وأتقنوه، وقد تفننوا في الخرط ~~والنحت والنقش والزينة مما جعل لهم أسلوبا خاصا بهم يفهمه الفنان. وقد بدئ في ~~بناء المسجد سنة 786ه وأخذت بعض عمده من الأبنية الرومانية القديمة، ولما كان ~~الرواق عظيم الحجم، ms630 كان من المناسب أن يكون سقفه عاليا، يفوق ارتفاعه ارتفاع ~~العمد، ففكروا في أن يبنوا أقواسا على العمد تمكن من ارتفاع السقف، وقد تفننوا في ~~بناء مساجد كثيرة من الآجر على نمط جميل، ومن أجمل أبنية العرب في الأندلس قصر ~~الحمراء، شيده بنو الأحمر في غرناطة، وفيه أبنية غاية في الجمال، كوحش السباع، وحوش ~~الريحان، وقاعة السفراء، وقاعة بني سراج، وقاعة الحكم. وأجمل ما في هذه القاعات ~~الأعمدة الرخامية والنقوش البديعة بالجص، والكتابات العربية التي تتكرر فيها: «لا ~~غالب إلا الله، وعز لمولانا أبي عبد الله»، ولا تزال هذه الحمراء إلى اليوم زينة ~~إسبانيا، ومقصد السائحين والفنانين. # ولما تغلب الإسبانيون على المسلمين وجدت طائفة من المسلمين يسمون المدجنين، وهي ~~كلمة تطلق على الذين دخلوا تحت حكم الإسبان بعد سقوطها في أيديهم، وفضلوا البقاء في ~~بلادهم، كانوا في أول أمرهم يتسامح معهم في الإتيان بشعائر دينهم، والظهور بمظهر ~~الإسلام، ولكن ضغط القسس على الولاة فحرموا عليهم إقامة شعائر دينهم، وأكثروا عليهم ~~من الأغلال والضرائب والرقابة. هؤلاء المدجنون كانوا يجمعون بين ما اقتبسوه من الفن ~~الإيطالي والصنعة القوطية والطراز العربي. وكان البناءون من المدجنين ومن ~~الإيطاليين ومن الهولنديين، يطوفون في البلاد ويشتركون في بناء الكنائس والأديار، ~~وخلفوا من ذلك كثيرا، ووجدت في الأندلس تماثيل كثيرة، ولكن الغالب أنها من صناعة ~~الإيطاليين، وبعضها قديم يرجع إلى زمن الرومان. # ولم يكن العرب مقلدين فقط، بل استفادوا من العمارات التي شاهدوها في الشرق، وزاد ~~ذوقهم إرهافا لما نزلوا بالأندلس حيث الطبيعة جميلة، وحيث البلاد مفتوحة بآثارها ~~أمامهم، فخلطوا هذا بذاك، وأنتجوا نتاجا جديدا كان عليه طابعهم، خصوصا وأن العرب ~~في الأندلس قويو الملاحظة، حسنو الذوق، سرعان ما يهضمون ويخرجون ما هضموه كأنه ~~شيء جديد. # ولهم في الفنون المختلفة مجال، فأولا: العمارة، وأكبر ما يمتازون به العقود في ~~البناء، فنرى أنهم شغفوا بهذا النحو من العمارة، وبنوا على أساسه مساجدهم وقصورهم. ~~نعم إن هذه العقود كانت معروفة في إسبانيا من قبل، ولكنهم أدخلوا عليها تحسينات ~~كثيرة، ms631 حتى كأنها من وضعهم، وتوسعوا في تقويس الجوانب، وسدوا نصف فتحة العقد في بعض ~~الأحيان، وابتكروا طريقة عمل الأقبية التي تقوم على عقود متقاطعة وأدوار متعارضة، ~~وانتشرت هذه الطريقة في المدن الأندلسية على اختلافها، وزادوا على ذلك مهارة في ~~أشغال الخشب والرسم عليه رسوما هندسية، والخزف والمنسوجات، فبرعوا في تزيين السقوف ~~بالأشكال الهندسية، والألوان البديعة، مما لم يكن له نظير، كما برعوا في صنع ~~القاشاني، وتزيين المقاعد العامة به، وكان للفخار الأندلسي بريق متألق كالذهب، وقد ~~أخذوه من القسطنطينية أولا، ثم أدخلوا عليها تحسينات كثيرة، وزاد في جماله ما ~~كتبوا عليه من الكلمات العربية بالحروف الكوفية. وكان لكل أمير شارة خاصة، وهي ~~المسماة «رنكا» زينوا بها أمتعتهم وكتبهم وغير ذلك، وكان لهم صبر طويل على إخراج ~~الأدوات الجميلة، فلا مانع عند الصانع أن يصرف السنين في إخراج تحفة فنية كصندوق ~~خشبي مكفت، أو دواة جميلة مكفتة، ودلهم ذوقهم على استخدام الكتابة العربية في ~~التجميل والزخرفة أو بيت من الشعر أو دعاء بالعافية، أو ذكر أوصاف لمن تعمل له ~~التحفة، وقد ينتهي ذلك بكتابة الصانع اسمه، وأكثروا من استعمال ذلك حتى على ~~المقابر، كما مهروا في صناعة الزجاج الملون والنقش والكتابة عليه. # ولما كان الدين الإسلامي يمنع من إقامة التماثيل وتصوير الأبطال، عمدوا إلى تجميل ~~الخط، وتصوير أوراق الأشجار، أو تحلية الشيء المصنوع بالأشكال الهندسية، حتى صناعة ~~النسيج مهروا فيها، وسرت منهم إلى أوربا فيما بعد. وقد كان عندهم نوع من القماش ~~يقال له: العتابي، نسبة إلى عتاب، واشتهر هذا النوع في فرنسا وسمي في لسانهم ~~«تابي»، وعرف بهذا الاسم في أوربا كلها. وهناك نوع من الأقمشة القطنية يعرف باسم ~~«ديميتي» ويقولون في اشتقاقه: إنه من اليونانية من دي بمعنى اثنين وميتوس بمعنى ~~خيط؛ لأن هذا القماش كان ينسج من أول أمره في خيطين، ولكن تظن السيدة دي فونشير ~~أنه نسبة إلى دمياط، إذ كان هذا النوع مشهورا عندهم. # وقد قلد الصناع من الفرنج العرب في فنهم تقليدا دقيقا، ومن ألطف ms632 ما يروى في ~~ذلك أن بعض الصناع الأوربيين كانوا يقلدون الخط العربي على أنه رسم من الرسوم من ~~غير أن يعرفوا قراءته، فحدث أن ملك مرسية واسمه «أوفا» صك نقودا محفوظا بعضها في ~~المتحف البريطاني، وقد كتب على قطعة النقود اسم الملك باللغة اللاتينية وحوله كتابة ~~عربية فيها: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» على أنها مجرد نقش، من غير أن يتنبه ~~الصانع إلى أن ذلك يخالف التعاليم المسيحية، وعثر على صليب إيرلندي مطلي بالبرونز ~~اللامع، كتب في وسطه على الزجاج بالخط الكوفي عبارة «بسم الله»، ففي هذين المثلين ~~دليل على أن الفن العربي كان يغزو الفن الأوربي، ويحمل الفنانين على تقاليد العرب ~~حتى في كتابتهم على أنها من التصوير. # وبلغ الفن الإسلامي في الأندلس درجة عالية، رغم أن الإسلام يحرم الصور والتماثيل؛ ~~لأنها تعيد إلى الذهن عهد الوثنية الأولى، والإسلام يريد أن يجتثها من أساسها؛ ~~ولذلك كان كثير من المتدينين قد يصورون الحيوان والنبات لبعد احتمال عبادتهما، ولكن ~~لا يصورون الإنسان لاحتمال عبادته؛ ولذلك وجهوا همهم إلى الزخارف والنقوش والصور ~~الهندسية من ذلك أنهم زينوا مثلا قصور الزهراء بأسد عظيم الصورة، بالغ الروعة، قد ~~طلي بالذهب، ووضع مكان العينين جوهرتان لهما ضوء خاطف، قد أقيم على بحيرة، يجوز ~~الماء منه إلى مؤخره من قناة تحمل إليه الماء العذب على حنايا معقودة، فيدفع الماء ~~إلى البحيرة. # 1 # ومن ذلك أيضا ما روي من أن الناصر صنع حوضا لاستحمامه أقيم عليه تماثيل من ~~الذهب الأحمر، مرصعة بالدر النفيس مما صنع بدار الصناعة بقرطبة - تمثال أسد إلى ~~جانبه غزال، ثم تمساح، يقابله ثعبان وعقاب وفيل. وفي الجانبين حمامة، وشاهين وطاوس، ~~ودجاجة، وديك، وحدأة، ونسر، وكلها مرصعة بالجوهر النفيس، يخرج الماء من ~~أفواهها. # 2 # فترى من ذلك أنهم تفننوا في اتخاذ التماثيل من الحيوان دون الإنسان، ومع هذا نجد ~~في الرواية أحيانا ما يخالف هذا، فقد ذكروا أن الناصر هذا أمر أن تنقش صورة جاريته ~~الزهراء على باب القصر المسمى باسمها، وملئت ms633 أبهاء الزهراء بتماثيل وصور بشرية، ~~مما يعد ظاهرة جديدة في الفن الإسلامي. وإلى الآن توجد في إسبانيا بمتحف قرطبة آثار ~~فنية رائعة تشهد بحسن ذوقهم، ومهارة فنهم، ومن ألطف الأمور أن نرى فن الشعر يخدم ~~فنون النحت والتصوير والتمثيل، كما خدم فن الموسيقى فن الشعر، وكلها من واد واحد. ~~فيروي المقري أنه كان في حمام بإشبيلية تمثال بديع الصنع قال فيه الشاعر: # ودمية مرمر تزهو بجيد # تناهى في التورد والبياض # لها ولد ولم تعرف خليلا # ولا ألمت بأوجاع المخاض # ونعلم أنها حجر ولكن # تتيمنا بألحاظ مراض # فهذا غزل في تمثال، وهو يدلنا على أن التمثال كان من رخام أبيض مشوب بحمرة، كما ~~يدل عليه قوله: «تناهى في التورد والبياض». # ويدل أيضا على أن التمثال تمثال امرأة بجانبها ولدها، إذ يقول: «لها ولد ولم ~~تعرف خليلا». وربما دلنا على خروج الأندلس على العادة المألوفة عن المسلمين في عدم ~~تصوير التماثيل الإنسانية. فضغط البيئة كان أقوى عليهم من تعاليم الدين، وربما ~~تأولوا ذلك بأن الخوف على المسلمين من عبادة الأصنام والأبطال قد أمن جانبه، فلم ~~يبق محل لتحريمه، وإلى ذلك ذهب بعض الفقهاء. وكان أزهى العصور الفنية عصر عبد ~~الرحمن الناصر، وعصر بني الأحمر في غرناطة، فلما جاء المرابطون والموحدون هبطت درجة ~~الفن لما يغلب عليهم من البداوة، وعدم إرهاف ذوقهم الفني؛ ولذلك يكفيهم فخرا أنهم ~~أبقوا على ما بقي، ولو لم ينشئوا جديدا: # لا تعجبن من هالك كيف ثوى # بل فاعجبن من سالم كيف نجا # ولما تغلب الإسبان على الأندلس طمسوا كثيرا من الكتابات العربية التي على ~~المساجد والقصور، وكان العرب مولعين بذلك، حتى لقد كتبوا على أثر فني سورة الفتح ~~بأكملها، وأراد الإسبانيون بذلك أن يمحوا آثار العرب، ولكنهم أخيرا لما أحسوا ~~برغبة السائحين والفنانين في رؤية هذه النقوش العربية أخذوا يزيلون الجص عن ~~الكتابة، وكلما عثروا على كتابة عربية عدوا اكتشافها كنزا. # ولا ننسى بعد ذلك تأثر إسبانيا بالموسيقى العربية، فكان عدد من حكام قشتالة ~~يستخدمون مهندسين من المدجنين، ms634 ويستمتعون إلى موسيقيين منهم، وحتى الآن لا يزال ~~الشرقيون يرون الموسيقى الإسبانية أقرب إلى آذانهم، وتتفتح لها قلوبهم أكثر من ~~الموسيقى الفرنسية أو الإنجليزية او الألمانية. والسبب في ذلك واضح، وهو أن ~~الموسيقى الإسبانية مطعمة بالموسيقى الشرقية بواسطة مسلمي الأندلس. # وأخيرا ضغط القسس على فرديناند وإيزابلا، فطردا كثيرا من المسلمين إلى خارج ~~بلاد الأندلس، فخسروا بذلك خسارة كبيرة في التجارة والصناعة والفنون، وضحوا بمصالح ~~إسبانيا من أجل إرضاء طائفة من القسس، حتى قال بعضهم: «إن إسبانيا ضحت بحريتها ~~وعظمتها كشعب في سبيل الكاثوليكية». # وقال آخر: «لما مات الإسلام في الأندلس كان موته تسميما لإسبانيا». # ولم يلبث فرديناند وإيزابلا أن اخترمهما هذا السم، فبدآ يتركان التسامح الذي درج ~~عليه ملوك قشتالة وأرغونة، وسيطرت عليهما النزعات الكنسية وميولها، حتى بلغت بهما ~~إلى التعصب والسخف ، واقتفى أثرهما من تبعهما من الملوك، وبذلك قضوا على زهرة الفكر ~~الذي خلفه الإسلام لإسبانيا. # وكان من منافذ الفن الإسلامي إلى أوربا صقلية، فقد حكمها المسلمون مدة طويلة، ~~وازدهرت علومهم وفنونهم فيها، فلما انتهت دولة المسلمين، وقبض عليها المسيحيون من ~~النرمانديين وغيرهم، واقتبسوا أيضا كثيرا من الثقافة العربية والفن العربي، حتى ~~يرووا أن روجر النرماندي كلف الشريف الإدريسي أن يعمل له كرة يرسم عليها شكل الأرض ~~إلى كثير من أمثال ذلك، فإذا أضفنا إلى هذين العاملين - وهما الأندلس وصقلية - ~~الحروب الصليبية في الشرق، وما كان فيها من اختلاط مكن كلا من الطرفين أن يعرف ~~ما عند الآخر ويستفيد منه، فقد وضعنا أيدينا على أسباب انتقال الثقافة من الشرق إلى ~~الغرب. # تأثر الأندلس وتأثيرها # الحق أن الأندلس كانت كمحطات الإذاعة الرئيسية، فيها آلات للاستقبال وآلات ~~للإذاعة، فأما أولا فقد استقبلت كل ما أرادت من المشرق، وذلك بواسطة تجار ~~الكتب وبواسطة الأمراء الذين كانوا يريدون أن يزهروا دولتهم، بنقل كتب المشرق ~~إلى مكاتبهم ثم إباحتها للجماهير، وبالحج وما كان يكثر التلاقي فيه والحديث عن ~~الأدب والعلم والكتب وتبادل كل ذلك. ثم بسرعة الانتقالات وسهولتها، فكانت رقعة ~~العالم الإسلامي كوادي النمل، ms635 كل يوم تجد من يجيء ومن يروح؛ ولذلك كان العالم ~~الإسلامي كله كأنه قطر واحد لا أقطار متعددة؛ ثم شيء آخر، وهو أن بيوت الأمراء ~~والوزراء حتى والأوساط كانت مملوءة بالرقيق، وهذا الرقيق منه الإسباني ~~والفرنسي، وأسرى الحرب من أمم مختلفة، وهم يسمون كل ذلك الصقالبة، والإسلام ~~يبيح الاتصال بملك اليمين والتزوج بهن، والخلفاء والأمراء منهم من تزوج فعلا ~~بهن، وهؤلاء الأرقاء من رجال ونساء لعبوا دورا كبيرا في الحياة الاجتماعية ~~الأندلسية، قد كانوا ينقلون أفكار الأوربيين إذ كان بعضهم من الخاصة، وكانوا ~~ينقلون عادات أممهم وتقاليدها، ومن تعلم اللغة العربية منهم كان ينقل الأفكار ~~والأقاصيص الأوربية باللغة العربية. وانقسمت البيوت إلى قسمين؛ قسم من أولاد ~~السراري، وقسم من أولاد الحرائر، والأولاد تبعا لأمهاتهم ينقسمون أيضا على ~~قسمين: قسم يتعصب لأمه السرية ، وقسم يتعصب لأمه الحرة، وكثيرا ما وقع القتال ~~في المملكة بسبب تعصب كل فرد. # وليلاحظ أن انتقال الأفكار في غاية الخفاء والسهولة، فقد يخالط أندلسي رجلا ~~أوربيا في جلسة عادية، فتنتقل أفكار كل من هذا إلى ذاك، ومن ذاك إلى هذا، وقد ~~يرحل أندلسي فيقرأ كتابا شرقيا أو يتتلمذ على أستاذ شرقي، ثم يقدم الأندلسي ~~إلى بلاده، فيلقي في أرض الأندلس البذور التي سمعها، والبذور تتأقلم بالبيئة. ~~وشاهد ذلك في الأدب وكل فرع من فروع العلم والفلسفة وغير ذلك؛ ولذلك كان من ~~العسير جدا أن ترد النسيج الأندلسي إلى خيوط شرقية أو خيوط أوربية أو خيوط ~~مبتكرة. فهذا ما لا يستطيعه إنسان إذا أراد الجزم والتحديد، وإنما كل ما ~~يستطيعه الشك والظن؛ ولذلك يعجبني جدا رأي القاضي عبد العزيز الجرحاني في ~~«الوساطة بين المتنبي وخصومه»، إذ جعل الحكم على معنى بيت من الشعر بأنه مسروق ~~أو غير مسروق شيئا في منتهى الصعوبة؛ لأن الحكم يتطلب معرفة تامة بكل المعاني ~~الماضية، ثم احتمال أن يتسرب معنى من هذه المعاني إلى قائل البيت الأخير وهذا ~~عادة مستحيل. وكذلك ما نحن فيه. # هذا ما يصح أن يقال في الاستقبال. أما شأن ms636 الإذاعة فقد كان هناك نوعان من ~~الموجات، نوع ذهب إلى الشرق، وربما كان أصله أيضا من الشرق، ولكنه صبغ بالصبغة ~~الأندلسية، ونوع من الموجات ذهب إلى أوربا كبعض الأدب، وكثير من الفلسفة وخاصة ~~فلسفة ابن رشد وبعض العلوم كالرياضة والهندسة وغير ذلك؛ ولذلك كان من قال: إن ~~النهضة الأوربية طارت أول ما طارت من على عاتق العرب، لم يبعد عن الصواب. ~~فالمتحررون من النصارى بسبب فلسفة ابن رشد، وقيامهم في وجه الكنيسة سبب وجود ~~طائفة تدعو إلى حرية الفكر والنهضة الحديثة. ومن ناحية أخرى فإن الأوربيين ~~عندما عرفوا الآثار اليونانية والرومانية عرفوها أول الأمر عن طريق نقلهم ~~للآثار العربية، وبعد ذلك اشتاقوا أن يعرفوا الآثار اليونانية والرومانية في ~~أصولها، فالشوق الذي كان عندهم إنما بثه العرب فيهم. # نعم إن المشرق استطاع أن يذيع بعض الشيء في أوربا عن طريق الحروب الصليبية ~~أحيانا، ولكن ذلك كله ليس بشيء إذا قيس بتأثير الأندلسيين في أوربا. # لقد اختلف علماء الإسبان في مقدار انتفاعهم بمسلمي الأندلس، حتى أنكرها بعضهم ~~نكرانا تاما، وقالوا: إذا أردنا معرفة أصل أي شيء إسباني، فلننظره عند ~~اليونان والرومان لا عند العرب. بل قال بعضهم: إن حكم المسلمين للأندلس أخر ~~تقدم الإسبانيين، ولولا ذلك لنهضوا نهضة فرنسا وإنجلترا وألمانيا وغيرها. فليس ~~من فرق إلا حكم المسلمين لهم والتطاحن الشديد بينهم وبينهم مدة ثمانية قرون ~~كاملة، لا يهدأ لأحد منهما بال. ولكن من حسن الحظ أن هذا ليس مذهب الجميع، بل ~~من الإسبانيين من يرى من الحق أن حكم المسلمين للأندلس حلقة في سلسلة تاريخ ~~الأندلس، وأن المسلمين رقوا الأندلس أثناء حكمهم في العلوم والحضارة. حتى إذا ~~قيست إسبانيا بغيرها من الأمم كانت أرقى منها. بل ما لنا نذهب بعيدا، وقد ~~قلنا: إنه لولا فلسفة المسلمين في الأندلس وانتشارها في أوربا لما نهضت أوربا ~~هذه النهضة، بل تأخرت قرونا، فكيف بإسبانيا إذا لم يكن حكمها المسلمون هذه ~~القرون؟ # ومن حين لآخر نسمع عن أشخاص يقومون ليدعوا أن المسلمين في الأندلس لا ms637 فضل ~~لهم على الإطلاق. وهذه عصبية لا تخدم الحق، ولكن تخدم النزعة الدينية ~~المتزمتة. والزمان كفيل بإظهار الحقيقة بعد البحث. وتأخر إسبانيا - إذا عدت ~~متأخرة - ليس سببه حكم العرب لهم، بل سببه على الأرجح إبعاد العرب عنها، وقد ~~كانت في يدهم الزراعة والصناعة والتجارة، فلما أخرجوا انحطت البلاد بسبب ~~خروجهم، ووقفت الأعمال الهامة التي كانوا يقومون بها، ولم يستطع نصارى الإسبان ~~أن يحلوا محل المسلمين في أعمالهم. # هذا إجمال نفصله فيما يلي: # يخطئ من يظن أن الأندلس كانت مسكونة بالعرب والبربر وحدهم، فقد كانت في ~~الواقع مسكونة بهما، وبعدد كبير من الإسبان، والأمم الأوربية، ممن دخلوا في ~~الإسلام أو أسروا في الحروب، ونساء بعن رقيقات واستولدهن العرب والبربر، ~~فكانوا جيلا مسلما جديدا يتكاثر مع الزمان. والشأن في ذلك شأن المشرق ~~تماما. وكذلك يخطئ من يظن أن بغداد والعراق كانتا مسكونتين بالعرب وحدهم، بل ~~كانتا مسكونتين بأسرى الأمم المختلفة، والنساء الرقيقات المأسورات، والعبيد ~~والإماء الذين يباعون في الأسواق وغير ذلك. كل هذا من شأنه أن يجعل الساكنين ~~كأنهم صبوا في بوتقة، ومزجوا على النار مزجا تاما، فأخذ كل من كل، وكانت ~~النتيجة خليطا فيه عناصر إسبانية أو أوربية، وعناصر عربية أو بربرية. وكان ~~الشأن في ذلك كالماء الحار يخلط بماء بارد فيكون الناتج ماء لا حارا ولا ~~باردا. إن كان ذلك كذلك في الشئون المعنوية من أفكار وآداب، وعلوم وفلسفة، فلا ~~عجب إذا أن نرى ألفاظا عربية كثيرة تسربت إلى الإسبانيين والبرتغاليين، كما ~~أن ألفاظا إسبانية وبرتغالية دخلت العربية، كما يظهر ذلك على الأخص في ديوان ~~ابن قزمان. # وقد كانت كل أمة تقدم للآخرين خير ما عندها وأسوأ ما عندها، فقدم العرب ~~مزاياهم، من تسامح وحب للأدب، وحياة فيها مروءة ونبل، كما قدموا أسوأ ما عندهم ~~من عصبية للقبيلة، وحب للظهور والفخفخة، ورغبة في التسري، وغير ذلك. وقدم ~~الإسبان كذلك خير ما عندهم وأسوأ ما عندهم، وكان المتولد من هذا الاختلاط ~~حائزا لصفات خاصة، فهو ذكي متدين متطرف. # من أجل هذا ms638 الامتزاج رأينا كما ذكرنا الألفاظ العربية تدخل اللغة الإسبانية ~~والبرتغالية، مثل: الخزانة، الجبة، الدكان، القاضي، البراءة، المخزن، ~~القطران، والطاقة، إلى كثير من أسماء الأشياء. # وكان للأندلسيين تقريبا لغتان: لغة فصحى يتكلم بها المثقفون الأرستقراطيون، ~~ولغة شعبية يتكلم بها الشعب في لهجة خاصة، ولعلها أيضا تكون خاصة بكل مدينة، ~~وهي لغة الشارع والبيوت، ومن أجل ذلك لما اخترعت الموشحات والأزجال نجحت نجاحا ~~باهرا، لأنها وجدت استجابتها من الشعب، إذ رآها أقرب إلى التعبير عما في ~~نفسه، وألطف من اللغة الفصحى وأظرف وأحسن في التوقيع على الآلات الموسيقية، ~~وأنسب للمتجولين الذين ينشدون الأغاني يتكسبون بها. وكما تأثرت اللغة ~~الإسبانية والبرتغالية بالعربية، تأثرت العادات والتقاليد والفنون. # فالموسيقى العربية انتشرت بين سكان الإسبان في الشمال، حتى اسم العود وهو آلة ~~الغناء العربي انتقل أيضا، وحتى «يا ليل يا عين» انتقلت كذلك. # وقد أفسحت الأمم الأوربية صدرها للحضارة العربية والعلم العربي، واستطاعت أن ~~تفرق بين العلم والسياسة، فبينما كانوا يحاربون المسلمين سياسيا، كانوا ~~يفسحون صدروهم للعلماء المسلمين ثقافيا. فالتاريخ يدلنا على أن عددا من حكام ~~قشتالة كانوا يحيطون أنفسهم بعلماء مسلمين، ويستخدمون مهندسين مسلمين، ويستمعون ~~إلى موسيقيين مسلمين. وربما كان إمبراطور الألمان الذي ذكرناه في فلسفة ابن رشد ~~مثالا صالحا على تفرقتهم بين السياسة والعلم. ولولا إلحاح القسس في مصادرة ~~المسلمين والتنكيل بهم، وإجبارهم على التنصر لاستفادوا من المسلمين فوائد أكبر ~~مما استفادوا. # لقد بدأ فرديناند وإيزابلا يعاملان المسلمين معاملة حسنة بعد سقوط البلاد في ~~أيديهما، تبعا لتقاليدهما المتوارثة في التسامح. ولكن بعد سبعة أعوام من سقوط ~~البلاد، وبسبب إلحاح القسس والضغط على المسيحيين في سوء معاملة المسلمين، اضطر ~~فرديناند وإيزابلا أن يهجرا تسامحهما، ويخيرا المسلمين في الأندلس بين ~~التنصر والخروج من البلاد، فآثر نحو نصف مليون مسلم الخروج؛ وبخروجهم انحطت ~~الزراعة والصناعة انحطاطا كبيرا، وكادت الأعمال تقف. # ومرت قرون على الإسبان حتى استطاعوا أن يقوموا بالأعباء التي كان يقوم بها ~~المسلمون. فهل بعد هذا كله يصح أن يقال: إن امتلاك المسلمين للأندلس كان كارثة ms639 ~~على إسبانيا؟ # لقد رأينا تأثير المسلمين في أوربا، فيترجم ألف ليلة وليلة مرات عديدة، ~~ويتسلى به، ويقتبس منه، وتنقل قصة حي بن يقظان لابن طفيل إلى ~~كثير من اللغات الأوربية، وتكون ذات تأثير على المثقفين من الأوربيين، كتأثير ~~ألف ليلة على الشعب. فهذه أدلة مادية على استفادة أوربا من المسلمين، كما أننا ~~نرى أن الأدب الأوربي ظهرت فيه نزعة جديدة على أثر انتشار الأدب الأندلسي ~~العربي بين الأوربيين، ويظن الكثيرون أن هذه الظاهرة نشأت من الاقتباس من الأدب ~~العربي، الذي تظهر فيه الرومانتيكية البالغة في الغزل الرقيق والرثاء الباكي ~~ونحو ذلك. # هذا عدا التأثير الفلسفي الذي أثرته الأندلس في أوربا والذي ذكرناه في ~~أثر فلسفة ابن رشد، فقد كانت فلسفته مشعلا يسار به في جميع أنحاء البلاد. نعم ~~إن الحضارة الأوربية استمدت حضارتها وثقافتها على الوجه الأكمل من كتب اليونان ~~والرومان أنفسهم، ولكنهم في الحق لم يلتفتوا إلى المصادر اليونانية والرومانية؛ ~~إلا لأن العرب - بفلسفة ابن رشد وشروحه على أرسطو وأمثال ذلك - فتحوا شهيتهم ~~لقراءة الكتب اليونانية والرومانية في أصولها، والذي يشك في ذلك يجب أن يقارن ~~بين قرطبة وإشبيلية وغرناطة وغيرها من مدن الأندلس في أيام ازدهارها، وبين ~~المدن الأوربية في ذلك الزمن. وليكن منصفا في المقارنة: أيها كان أرقى علما، ~~وأحسن حضارة، وأسمى تقدما؟ هل يساوره شك في أن الأولى كانت كلها أرقى من ~~الثانية، وأن بعض المؤرخين شبه مدن الأندلس وسائر الممالك الأوربية فينا، بين ~~بلاد البلقان كلها. # ومما استوجب النظر ظهور الموشحات والأزجال في الأندلس، ثم ظهور شعر يشبهه عند ~~الإسبانيين في الشمال، وفي مقاطعة بروفانس في جنوب فرنسا، وسمي هذا النوع عندهم ~~التروبادور. ويمتاز هذا الشعر بأنه شعر عاطفي يوقع على الآلات الموسيقية، ~~ويقصدون به البيوت الأرستقراطية، والبلاط الملوكي. وقد اختلف المستشرقون ~~والباحثون كثيرا في منشأ هذا الشعر: هل هم أخذوه عن مسلمي الأندلس، أم إنه ~~تطور للشعر عندهم تطورا طبيعيا؟ والأرجح عند كثير منهم أنه مأخوذ من مسلمي ~~الأندلس؛ لأن الشبه في الموضوعات واحد، ms640 وبعض أوزان هذا الشعر الإفرنجي يساوي ~~أوزان الموشحات والأزجال العربية، مما لم يكن للأوربيين معرفة به من قبل، كما ~~أنهم اختلفوا في اشتقاق الكلمة، فذهب بعضهم إلى أنه مأخوذ من # trouvere # بمعنى ابتدع، وفي ظني أنه أصله ~~«دور طرب». وإذ كان الإفرنج يقدمون الصفة على الموصوف والمضاف إليه على المضاف ~~قالوا: طرب دور، وسهل تحريفها إلى ترو بادور. # وقد عرف العالم الإسلامي المدارس من قديم، ومنها ما كانت مدارس كبيرة تشبه ~~الجامعات، كالجامع الأزهر والمدرسة النظامية والمستنصرية وغيرها، وقد انتقلت ~~صورة هذه الجامعات إلى الأندلس، ثم رأينا صورها تظهر في أوربا، ويتشابه شكلها ~~جميعا، من طرق تدريس ومنح إجازات وتقسيم العلوم إلى فروع ونحو ذلك، بل أكثر ~~من ذلك كان بعض الجامعات الأوربية يعتني اعتناء كبيرا باللغة العربية ~~ومنتجاتها، ويصرح بعضهم بأن من لم يثقف ثقافة عربية فليس بمثقف. ومن الراجح ~~أن الحديث يكون مقتبسا من القديم حتى تشابهت الصور. غاية الأمر أن ما عرف عن ~~أوربا الحديثة من التنظيم والدقة فيه، وإدخال التحسينات الممكنة، جعل الجامعات ~~الأوربية اليوم هي موضع أنظار الشرقيين، حتى كأنها نبت أيديهم، ومثل ذلك مثل ~~القطن يأخذونه من الشرق خاما، ويردونه نسجا جميلا، كأن لا صلة بينه وبين ~~أصله، وحتى النرد والشطرنج اقتبسهما العرب من الفرس وأدخلوا عليهما التحسينات، ~~ثم انتقلت اللعبتان بما فيهما من تحسين إلى أوربا مع الاحتفاظ ببعض الأسماء ~~العربية، وتوجد مخطوطة لألفونسو الحكيم فيها رسم لعبة شطرنج معقدة، يمارس ~~اللعب عليها بعض المسلمين، ولم تكن اللعبة بحالتها معروفة عند الأوربيين من ~~قبل. # وكما انتفع الأندلسيون بعلوم المشرق ومنتجاته، ونفعوا أوربا بعلومهم ~~ومنتجاتهم، كذلك ردوا الجميل للمشارقة، فكان خير المنتجات الأندلسية شائعا في ~~الشرق، ومصدر علم لهم، فكم انتفع المشارقة بالعقد وظرفه، والمخصص والمحكم ~~ومنهجهما في اللغة، وابن رشد وفلسفته، والموشحات وطرافتها، ما لا يمكن أن يعد ~~ولا يحصى؛ ولذلك قلنا: إن الأندلس بعدما نضجت على يد الشرق ردت للشرق جميله. ~~فلو لم تقم الحضارة الأندلسية بعلومها وفنونها وآدابها ثمانية قرون، تعمل ms641 جاهدة ~~في خدمة العلم والأدب لتغير تاريخ العلم الإسلامي. # | هوامش # | خاتمة # فتح العرب الأندلس وظلوا فيها ثمانية قرون، وهم من يوم حلولهم بها قد بذروا بذور ~~قوتهم وضعفهم، فمن يوم أن حلوا فيها ظهرت العصبية اليمنية والمضرية، ووقع النزاع ~~بين الفريقين، حتى جاء عبد الرحمن الداخل، فاتخذت العصبية لونا آخر، فقد تعصب ~~لفريق دون فريق، ووجد في الأندلس من يعمل لحساب الدولة العباسية في بغداد ضد ~~الأمويين في الأندلس، وثارت من أجل ذلك فتن أضعفت خلفاء الأندلس، ثم جاءت الدولة ~~العامرية، فعملت على إسقاط الدولة الأموية، وانقسم مسلمو الأندلس إلى متعصب ~~للأمويين، ومتعصب للعامريين، ثم انفرط عقد الأندلس وحكمها ملوك الطوائف، فكل من كان ~~قادرا قفز إلى بلد وتغلب عليها، وأصبح أميرا. # كل هذا أثر في الأندلس من الداخل وحل عراها، والإسبانيون الذين في شمالي ~~الأندلس لم ينسوا أبدا منذ عهد الفتح أن بينهم وبين المسلمين ثأر، وأنه لا ~~بد أن يتغلبوا عليهم، وكل يدعي أنهم المؤمنون، وأن عدوهم هم الكافرون، وطوبى ~~للمؤمن إذا جاهد ضد الكافر، فكانت الحرب بين الفريقين سلسلة لا تنتهي، وكانت ~~سجالا، يوم لهؤلاء ويوم لهؤلاء، ونصارى الإسبان يعتمدون من الخارج على كل ~~المسيحيين في أوربا وعلى رأسهم البابا، ومسلمو الأندلس يعتمدون أيضا من الخارج على ~~المرابطين والموحدين في المغرب، بل وعلى صلاح الدين وبايزيد. ولكن كانت نجدة ~~أوربا المسيحية للإسبانيين أشد وأبقى، فما لبثوا أن تغلبوا. وزاد الأمر سوءا أن ~~ولاة المسلمين كانوا ينقسمون على أنفسهم، فوالي قرطبة يعادي والي إشبيلية وهكذا. بل ~~إن بيت الإمارة الواحد كان منشقا على نفسه، بحكم انحلال البيت باختلاف الأمهات ~~بين حرائر وسراري، واختلاف السراري إلى أصول متعددة، فكان من نتيجة ذلك أن البيت ~~إذا انشق التجأ بعض المسلمين إلى أمراء النصارى - كما ذكرنا - يستنجدونهم على عدوهم ~~من أقاربهم، والعدو ينتفع بنصرة هذا على ذاك، أو ذاك على هذا. وفي تاريخ الأندلس ~~أمثلة كثيرة من هذا القبيل. # نعم إن بعض النصارى وقع في مثل هذه المحنة، فالتجأ بعضهم إلى ms642 أمراء المسلمين ~~يستعينون بهم ضد أهلهم وذويهم، ولكن ذلك لم يكن بالكثرة ولا بالقسوة التي نشاهدها ~~في العداء بين المسلمين بعضهم وبعض. # قلنا: إن المسلمين منذ الفتح كانوا يحملون أسباب قوتهم وضعفهم، فهم أمجاد أذكياء، ~~شم الأنوف، كرام شجعان ولكنهم فرديون لا اجتماعيون، عنجهيون لا مطيعون، تغلب فيهم ~~الفخفخة وحب اللذائذ، على الجد والصرامة، فلما اختلطت هذه المزايا بتلك المعايب، ~~أنتج هذا الامتزاج حضارة رائعة، وسقوطا شنيعا. وكان سقوط الأندلس أول حادث فشل ~~من نوعه للمسلمين، فبكوا كثيرا ورثوا بلادهم كثيرا، وذلوا كثيرا، واشرأبوا إلى ~~أن يعيدوا مملكتهم إلى حوزتهم طويلا، ولكن هيهات! # لقد كان بكاء أبي عبد الله آخر ملوك غرناطة بكاء حارا شديدا، وقد صدق إذ قال: ~~«دعوا دما ضيعه أهله». # لقد توقع كثير من العلماء والفقهاء والحكماء هذه النتيجة البائسة ، فكانوا تارة ~~يحاولون أن يوفقوا بين المتخاصمين، وتارة يحاولون أن يستنجدوا بما وراء الأندلس، ~~وتارة بنقل بعض الخارجين من الإسبانيين من الإسبان إلى المغرب اتقاء لشرهم. ~~ولكن ذلك كله لم ينجح؛ لأن عوامل السقوط داخليا وخارجيا كانت أشد من عوامل ~~الالتئام، فسقطت تنعي من بناها، وخلفت ثروة كبيرة ذابت فيما بعد، ولم ينفع ~~البكاء والعويل، إذ ماذا تنفع العواطف أمام السيف والنار. # وسنة الله في خلقه أن الضعيف على أي شكل كان، يذهب هباء أمام القوة كائنة ما ~~كانت، والشاعر العربي كان حكيما إذ يقول: # تعوي الذئاب على من لا كلاب له # وتتقي صولة المستأسد الضاري # | الجزء الرابع # | مقدمة # | بسم الله الرحمن الرحيم # وعدت عند ظهور الجزء الأول من هذه السلسلة - وهو الخاص بالحياة العقلية في الأندلس من ~~فتح العرب لها إلى خروجهم منها، وتكلمت فيه عن الحركات الدينية، واللغوية، والنحوية، ~~والأدبية، والفلسفية، والتاريخية، والفنية - أن أكتب الجزء الرابع والأخير في المذاهب ~~الدينية وتطورها، وسألت الله أن يعينني عليه كما أعانني على سوابقه، ولم يخيب الله ~~سؤالي؛ إذ انقطعت لكتابته حتى أنجزته، جاريا على النسق عينه الذي نهجته في الجزء الأول ~~والثاني والثالث. # تكلمت في الجزء الأول ms643 عن وصف الحياة الاجتماعية في القرن الرابع، إذ لا يمكن فهم ~~الحياة العقلية إلا بفهم بيئتها التي نشأت فيها، والعوامل التي ساعدت عليها، وطبيعة ~~الناس الذين أنتجوها، كما تعرضت لوصف مراكز الحياة العقلية في مصر، والشام، والعراق، ~~وجنوب فارس، وخراسان، وما وراء النهر، والحركات العلمية والأدبية التي ظهرت في كل ~~إقليم، وأشهر رجالها. # وتكلمت في الجزء الثاني عن تاريخ العلوم، والآداب، والفنون في القرن الرابع الهجري، ~~كالتفسير، والحديث، والفقه، والتصوف، واللغة، والأدب، والنحو، والصرف، والبلاغة، ~~والفلسفة، والأخلاق، والتاريخ، والجغرافيا، والفنون المختلفة. # أما الجزء الثالث، فأفردته للأندلس ليكون وحدة مستقلة بذاته، ولم أكتف في ذلك الجزء ~~بتأريخ القرن الرابع وحده، بل رأيت أن حضارتها وحياتها العقلية تكاد تكون وحدة، ففضلت ~~في شأنها أن أنهج منهجا جديدا، فلا ألتزم القرن الرابع، بل أؤرخ حياتها متسلسلة من ~~وقت فتح المسلمين لها إلى وقت خروجهم منها، أي نحو ثمانية قرون. # وقد رأيت أن أنهج في الجزء الرابع هذا المنهج، فلا أقف عند القرن الرابع، وبخاصة لأن ~~العقائد والمذاهب ليست كالآداب، والعلوم، والفنون سريعة التغير والتطور. وتكلمت عن ~~المذاهب الرئيسية من معتزلة، وأشاعرة، وشيعة، وسنة، ومتصوفة، وقد أفردت للمتصوفة بابا ~~خاصا، مع أنهم ليسوا فرقة إسلامية لاستشهار أمورهم، وقوة أثرهم في العقيدة الإسلامية، ~~وبخاصة بعد القرن الرابع. # وإذا كنت قد بدأت بالاعتزال في المقدمة؛ فذلك أني أريد أن يكون هذا الجزء مترابطا لا ~~يحتاج قارئه أن يرجع إلى «ضحى الإسلام» لمعرفة تفصيل هذا المذهب ونشأته، وبذلك يكون هذا ~~الكتاب عرضا عاما للعقيدة الدينية في شتى صورها عند المسلمين منذ ظهور الإسلام حتى ~~العصور المتأخرة. # والله أسأل أن يحسن ختامنا مع ختام هذا الجزء على دينه الذي ارتضاه، وأن يعيد إلى ~~المسلمين وحدتهم، ويقرب شقة الخلف بين مذاهبهم، ويرفع من شأنهم، ويجدد مجدهم # إن الله مع الذين اتقوا والذين هم ~~محسنون ~~(النحل: 128). # | تمهيد # نضج علم الكلام في العصر العباسي الأول والثاني، وكان الفضل الأكبر في نضوجه ~~للمعتزلة، فإنهم وقفوا أنفسهم موقف الدفاع عن الإسلام، وكان مركزهم ms644 في الغالب في ~~العراق، وفي البصرة، أو بغداد، أو الكوفة. وكان العراق محطا للثقافات المختلفة، ~~والديانات المختلفة؛ إذ كان موردا لكثير من الفرس، والهنود، والسريان، والنصارى، ~~واليهود، فكان كثير من أجداد العراقيين أو آبائهم يعتنقون قبل الإسلام ديانات مختلفة، ~~فلما أسلموا كانت آراؤهم ومعتقداتهم عالقة في ذهنهم كلها أو بعضها، ولم يكن الإسلام عند ~~كثير منهم إلا طلاء ظاهرا. # كان ينتشر في فارس والهند مجوس، اعتقدوا بوجود إلهين: # أحدهما: # النور، أو يزدان، وهو مبدأ الخير كله. # والثاني: # الظلمة أو أهرمن، وهو مبدأ الشر كله. # وهما إلهان متماثلان في القوة أزليان متعاندان، أحيانا يغلب النور، وأحيانا تغلب ~~الظلمة. # وقد انقسم هؤلاء إلى فرق كثيرة بحسب تعاليمهم، عدها ابن خلدون ثمانية، فهؤلاء لما ~~انتقلوا إلى بغداد دعوا إلى دياناتهم، إما صراحة، وإما تحت ستار الإسلام . ولذلك نرى ~~خصوصا في العصر العباسي الأول أناسا كثيرين يتهمون بهذه الثنوية، # 1 # ويحاكمون، وقد يقتلون. # ومثل هؤلاء البراهمة في الهند، وكان عددهم كثيرا، وكان بينهم من يقول بالتناسخ، وهم ~~كذلك متفرعون إلى فروع مختلفة، ويقولون بآلهة متعددة، وعلى رأسهم الإله الكبير «برهم»، ~~وبجانب هؤلاء البوذيون، والكونفوشيوسيون، ولهم تعاليم تغاير ما تقدم. # يضاف إلى ذلك أنه كان ينزح إلى العراق جماعة من النصارى أتوا من الشام وغيرها، وكانت ~~النصرانية قد انقسمت حول طبيعة المسيح: هل هو ذات واحدة، أو له طبيعتان: طبيعة لاهوتية، ~~وطبيعة ناسوتية، أو اتحد فيه اللاهوت والناسوت ... إلخ. # وتعددت المجامع للفصل في هذه الخلافات، كما اختلفت اليهودية إلى مذاهب متعددة. # كل هذه المذاهب صبت في العراق، ودعا إليها الداعون، وتشكلت بأشكال مختلفة، واصطبغ ~~بعضها بصبغة إسلامية. وتقرأ المذاهب المختلفة في ذلك العصر فيأخذك العجب من كثرتها ~~وتنوعها. وكان كثير من أصحاب هذه المذاهب قد تثقفوا بالفلسفة اليونانية، فأخذ كل فريق ~~يستخدم هذه الفلسفة في تدعيم ديانته، فلما جاء المعتزلة يدرون على هذه المذاهب، ~~وينتصرون للإسلام اضطروا أن يتفلسفوا هم أيضا؛ ليتسلحوا بما تسلح بهم خصومهم، ولذلك ~~اتسع علم الكلام اتساعا عجيبا، ومما زاد في ms645 سعته أنه شمل أشياء كثيرة لا تتعلق ~~بالعقائد حسب ما كان يظن، بل نرى أنه اشتمل على أربعة أقسام كبار: قسم الإلهيات، ~~مثل: البحث في الله، وذاته، وصفاته، وأفعاله، وأنبيائه، ورسله، ونحو ذلك. وهذا معقول أن ~~يكون في صميم علم الكلام. # أما القسم الثاني فهو في الطبيعة والكيمياء أدخل مثل الجوهر والعرض، والجزء الذي لا ~~يتجزأ، والحركة، والسكون، والكمون، والطفرة، والتداخل، والألوان، والطعوم، والروائح، ~~ونحو ذلك. # والقسم الثالث قسم سياسي محض صبغه علم الكلام صبغة دينية كالكلام في أيهما أفضل وأحق ~~بالخلافة: علي، أم أبو بكر وعمر؟ وكلامهم في العلويين والعباسيين، والفاضل والمفضول، ~~وشروط الإمامة ونحو ذلك. # وهذه كلها أمور سياسية كان يصح أن تبحث على ضوء العقل بعيدة عن الدين. # والقسم الرابع: عقلي خلقي، كالبحث في الخير والشر، والاستطاعة والاختيار، والتحسين ~~والتقبيح العقليين ، وإعجاز القرآن، والإجماع والقياس، كل هذا وأمثاله جعل علم الكلام ~~يشتمل على مسائل لا حد لها؛ فإذا أنت قرأت كتابا ك «المواقف»، أو ك «الفرق بين ~~الفرق»، أو ك «الملل والنحل»، رأيت مناحي مختلفة، واتجاهات مختلفة. # ومع كثرتها وتشعبها يمكننا تقسيم الفرق الرئيسية إلى خمسة أقسام: ~~(1) # المعتزلة. ~~(2) # أهل السنة. ~~(3) # الشيعة. ~~(4) # الخوارج. ~~(5) # المرجئة. # وسنفصل الكلام على كل منها، ما عدا الخوارج والمرجئة؛ لأن أصحابها انقرضوا، وماتت ~~مذاهبهم في القرن الرابع الذي نتحدث عنه، وقد كتبنا عن الخوارج والمرجئة في «ضحى ~~الإسلام» بالتفصيل. # | هوامش # | المعتزلة # الفصل الأول # | ظهور المعتزلة # رأينا المعتزلة يكونون جماعة مترابطة تتعاون على الدعوة إلى الإسلام، والدفاع ~~عنه، ومهاجمة من يخالفهم، وهم يتزاوجون فيما بينهم، ويتجاورون في مساكنهم، وإذا ثبت ~~عن أحد منهم أنه خرج عن مبادئهم الأساسية نفوه وطردوه من زمرتهم، كما حدث منهم مع ~~ابن حائط، فقد كان كبيرا من كبراء المعتزلة، وكان من كبار أصحاب النظام، ثم روي ~~عنه أنه يقول بتفضيل المسيح على محمد، ولقد سعت به المعتزلة عند الخليفة الواثق، ~~وأخبرته بإلحاده، فأمر ابن أبي دؤاد أن ينظر في أمره، وأن يقيم حكم الله فيه، فمات ~~في ذلك الوقت، وكذلك ms646 فعلت المعتزلة بفضل الحذاء، فقد كان أيضا معتزليا ~~نظاميا، إلى أن صدر منه ما أخذوه عليه؛ فطردته ونفته، # 1 # وكما فعلت مع ابن الراوندي كما سيجيء. # وكان مبدؤهم أول أمرهم البعد عن السياسة، والتفرغ لعبادتهم ودعوتهم، ولذلك لما ~~انتقد المنصور في حدوث الجور والظلم في الدولة، دعا عمرو بن عبيد المعتزلي وفرقته ~~إلى أن يتعاونوا معه في تدبير الدولة فأبوا، ولكنهم تحولوا عن هذا المبدأ بعد ذلك، ~~وانغمسوا في السياسة، وصاروا وزراء وعمالا، وأطلق المأمون، والمعتصم، والواثق ~~أيديهم في السياسة، فنكلوا بخصومهم، وأذاقوا الناس العذاب إذا هم لم يقولوا بخلق ~~القرآن، وأقاموا في البلاد ضجة ليس لها مثيل من محاكم تقام، ويعرض فيها على العلماء ~~والقضاة القول بخلق القرآن، فمن لم يقل عذب وأهين. # وسمى المؤرخون هذه الفترة بمحنة خلق القرآن، وكانت سطوتهم في ذلك قد بلغت ~~الذروة، فلما بلغوها أخذوا ينحدرون عنها. # وجاء المتوكل فرأى نارا تتقد في كل مكان، وامتحانات ومحاكمات، وضربا ونفيا ~~وتشريدا، والرأي العام ساخط على هذه الحالة، ومن لم يقل بخلق القرآن، وتحمل العذاب ~~عد بطلا؛ فأراد الخليفة المتوكل أن يحتضن الرأي العام، وأن يكسب تأييده، فأبطل ~~القول بخلق القرآن، وأبطل الامتحانات، والمحاكمات، ونصر المحدثين. وعلى الجملة ~~فقد انضم إلى المعسكر الآخر معسكر غير المعتزلة، وأكثر الناس عبيد السلطة، فما إن ~~رأوا تحول السلطة عن المعتزلة حتى هجروهم، وأصبح القول بالاعتزال يحدث في الغالب ~~سرا بعد أن كان جهرا، ويتطلب شجاعة كبيرة، وجرأة شديدة، ولذلك قل عدد المعتزلة، ~~وعدد رؤسائها. # يضاف إلى ذلك أنه وجدت عوامل أخرى تهاجم المعتزلة من فقهاء، ومحدثين، وروافض، ~~ونصارى، ويهود، وتجمع هؤلاء ضدهم، حتى إن بعض من كان معهم خرج عليهم، كما سنرى في ~~الكلام على أبي الحسن الأشعري. # | هوامش # الفصل الثاني # | تطور المعتزلة # وقد تطورت تعاليم المعتزلة على مدى العصور، وعلى يد نوابغ أهل المذهب، فكان كلما ~~أتى نابغة زاد في تعاليمها وعمقها، فمذهب المعتزلة في الحقيقة ورث تعاليمه من ~~جهم؛ # 1 # ولذلك يلقب المعتزلة بالجهمية. # وجهم هذا هو ms647 جهم بن صفوان، وقد ظهر بترمذ في آخر الدولة الأموية، ثم انتقل المذهب ~~إلى بلخ، وكان جهم هذا صديقا لمقاتل بن سليمان العمدة المشهور في تفسير القرآن، ~~وكان جهم متصلا اتصالا شديدا أيضا بالحارث بن سريج عظيم الأزد بخراسان، وقد ~~شوهت سمعة الجهم والحارث بن سريج تشويها كبيرا، خصوصا على يد المحدثين، وعلى ~~يد الساسة؛ لأنهما أعلنا الثورة على الدولة الأموية، وطالباها بالعمل بالكتاب ~~والسنة والشورى. # وأرادت الدولة الأموية أن تعطيهما مالا كثيرا لقاء سكوتهما عنها فأبيا، وألحا ~~في طلب العدل، وكانا من أول الخارجين عليها، وتكوين الجيوش ضدها في الحركة التي ~~انتهت بسقوط الدولة الأموية، كما يؤخذ من كتب التاريخ، ولكنهما - كما يظهر - لم ~~يكونا على علم كبير بالحديث، وإنما كانا عقليين في تفكيرهما، فهاجمهما رجال ~~الحديث، وشوهوا سمعتهما، ومن سوء الحظ أنهما قتلا في عهد مروان بن محمد آخر ~~الدولة الأموية. # ثم جاءت الدولة العباسية، وجاء الجهمية بشكل جديد هو المعتزلة، وكانت خلاصة مذهب ~~جهم القول بنفي التشبيه، وتأويل الآيات التي وردت مما تشعر بالتشبيه، كيد الله، ~~ووجهه سبحانه وتعالى. # ومن أقواله أيضا نفي صفات الله كالعلم والقدرة، وقوله: إن صفاته عين ذاته، أي ~~أنه ليس قادرا بقدرة غير ذاته، ولا مريدا بإرادة غير ذاته. # وأرجعوا الصفات كلها إلى ذاته، ورأوا أن ~~ذلك أدل على التنزيه، واقتضاهم ذلك القول بأن الله لا يرى حقيقة في الآخرة، ولا ~~يتكلم حقيقة، وإنما كل هذه مجازات، كما قالوا بخلق القرآن، وذلك أنهم قالوا: إن ~~بعض الآيات والأحاديث إذا أخذت على ظاهرها أفادت التشبيه بصفات المخلوقين وهو ~~مستحيل، والله # ليس كمثله شيء ~~(الشورى: ~~11). # وهي تعاليم - كما ترى - تطرقت إلى المعتزلة، وتطورت، ودعوا إليها، ومن هذا نرى أن ~~هؤلاء الجهمية وجهة نظر محترمة، ولكنهم لما خرجوا على الأمويين شنع هؤلاء عليهم، ~~ورموهم بأنهم دهريون، مع أن الدهريين هم الملحدون، ولا إلحاد عند الجهميين، وإنما ~~هم طلاب عدل. # ثم لما لم يكونوا من أهل الحديث، ولم يتبعوا بعضه شنع عليهم المحدثون أيضا، ~~وكان ذلك ms648 هو الشأن مع المعتزلة ورثة الجهمية. # جاء المعتزلة بعد ذلك، وقالوا بخلاصة ما قال به الجهمية، وانتشرت الفلسفة في ~~العراق؛ فدخل كثير منها في الاعتزال، وكان خصوم المعتزلة من أهل المذاهب، والديانات ~~يجادلونهم في بعض العقائد والآراء، فيرد عليهم المعتزلة، وتكون الردود ضمن ~~الاعتزال. # وعمرو بن عبيد هو الذي صفى مذهب الجهمية، وقوى حججه، وجاء بعده أبو الهذيل ~~العلاف، وكان ذا علم واسع، واطلاع على الفلسفة، فزاد كثيرا في تعاليم المعتزلة، ~~وكان فصيحا بليغا، رد على الدهرية ردودا كثيرة، وتكلم في التوحيد كلاما حسنا، ~~وتكلم في التولد وفي الاستطاعة، وقال: إن الأرض لا تخلو في كل عصر من العصور من ~~أئمة مجتهدين، يعرفون الحق، ويدعون إليه. # وجاء بعده النظام فتناول مسائل كثيرة عدت من مسائل الاعتزال، فرد كثيرا على ~~شبه الملحدين وعلى من يعتقدون بالنور والظلمة ، وتكلم في الجزء الذي لا يتجزأ، ~~وطبائع الأجسام، وفي اتصال الشكل بالشكل، وفي الألوان، والطعوم، والروائح، ونفى ~~قدرة الله على الظلم، وتكلم في إعجاز القرآن، وفي القياس والإجماع، وشرح في جرأة ~~أعمال الصحابة، ونسب إلى بعضهم الخطأ. # وتكلم بصراحة في الفاضل والمفضول، وأيهم أصاب سياسيا، وأيهم أخطأ، وطالب بعرض ~~الأحاديث على العقل، ونفي ما لم يقبله العقل منها، وتوسع في درس طبائع الحيوان، ~~وكان قد تكلم فيها قبله ثمامة بن الأشرس، وبشر بن المعتمر؛ فزاد على قولهما. # وبالجملة فقد أدخل في باب الاعتزال مسائل كثيرة، بعضها سياسي، وبعضها فقهي، ~~وبعضها أصولي، وبعضها طبيعي. # وجاء بعده الجاحظ، وكان لسان المعتزلة في عصره، فرد على المشبهة، وتكلم في إعجاز ~~القرآن، وألف في الاحتجاج للنبوة، ونصرة الرسالة، وفي الطبائع، مع اعتماده على ~~التجارب دون النظريات، وتكلم في الخلود في الآخرة. # وجاء بعده جعفر بن حرب؛ # 2 # فخالف أستاذه أبا الهذيل العلاف في بعض آرائه، وتكلم في علم الله، وفي ~~أحداث التاريخ المتعلقة بالصحابة، كالكلام في عثمان، وطلحة، والزبير، كما عاصره ~~وصاحبه عيسى بن الهيثم الصوفي. # ومن أشهر هذه الطبقة من المعتزلة أبو مجالد، وقد وصفه ابن الخياط ms649 بأنه: «رجل جمع ~~العلم بالحديث، والفقه، والكلام، وتفسير القرآن مع حسن بيان، وفصاحة لسان، وإظهار ~~للحق، والدعاء إليه، والقصص به أيام حياته، والصبر على الأذى في الله، حتى لحق به، ~~رحمه الله ...»، ثم قال: «وما رأيت أحدا قط كان أغلظ على من صدق بالنجوم ~~منه.» # ثم جاء بعدهم الطبقة الثامنة، وهم الذين كانوا في عصرنا الذي نؤرخه، وأعني بهم من ~~مات في النصف الأخير من القرن الثالث الهجري، أو القرن الرابع، وكان منهم أبو علي ~~الجبائي المتوفى سنة 303ه، وأبو القاسم عبد الله البلخي الكعبي المتوفى سنة 319ه، ~~وأبو مضر بن أبي الوليد بن أحمد بن أبي دؤاد، فهؤلاء كلهم زادوا في مسائل الاعتزال، ~~وردوا على مخالفيهم. # وحدث حادث جدير بالنظر، وهو أن المعتزلة لما ذهبت دولتهم على يد المتوكل تنمر ~~الناس لهم، ونالوا منهم، فنصب الجاحظ نفسه للدفاع عنهم، وألف كتابا سماه «فضائل ~~المعتزلة»، ولم يكن الكتاب كله في بيان الفضائل، بل تعرض لمسائل أخرى، كالرد على ~~ألد خصومهم، وهم «الرافضة»، ولكن حدث أن جاء رجل اسمه «ابن الراوندي»، تثقف على يد ~~المعتزلة حتى مهر في الاعتزال، ولكن خرج على المعتزلة في بعض تعاليمهم الأساسية؛ ~~فطردوه من زمرتهم، وكان فقيرا بائسا يحقد على الجاهل غناه مع بؤس أمثاله من ~~العلماء، ويقول: # كما عاقل أعيت مذاهبه # وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا # هذا الذي ترك الأوهام حائرة # وصير العالم النحرير زنديقا # فلما طرده المعتزلة، وتنكروا له، ورأى أن الدولة ليست لهم، بل هي عليهم، تنكر هو ~~أيضا؛ فوضع ثقافته، وبلاغته في يد خصومهم يؤلف لهم، فألف لليهود ضد المسلمين، ~~وألف للرافضة ضد المعتزلة، وكان مما ألفه ابن الراوندي هذا كتاب «فضائح المعتزلة»، ~~شنع عليهم فيها تشنيعا كبيرا، ونسب إليهم أحيانا ما لم يقولوه. # وابن الراوندي هذا فارسي، من نواحي أصبهان، سكن بغداد، وعرف بمذهب الاعتزال، ثم ~~اتهم بالإلحاد والزندقة، وعرف بالحذق، ومعرفة دقائق علم الكلام وجليله، وألف كتبا ~~كثيرة، ككتاب «التاج»، يحتج فيه على قدم العالم، وكتاب «الزمردة»، يحتج فيه على ~~بطلان ms650 الرسالة. ونسبوا إليه أنه قال: «إنا نجد في كلام أكثم بن صيفي شيئا أحسن من: # إنا أعطيناك الكوثر ~~(الكوثر: ~~1). # ومما قاله استهزاء بوصف الجنة عند سماعه أن فيها أنهارا من لبن: «أنه لا يكاد ~~يشتهيه إلا الجائع»، وقال: «من تخيل أنه في الجنة يلبس الإستبرق، ويشرب الحليب ~~والزنجبيل صار كعروس الأكراد والنبط.» # ونخشى أن تكون هذه الأشياء مما وضعها عليه خصومه من المعتزلة لما خرج عليهم. ~~فانبرى أبو الحسين بن الخياط المعتزلي فألف كتابا في الرد عليه سماه «الانتصار»، ~~ومعنى الانتصار: الانتصار للمعتزلة ضد ابن الراوندي، ومن حسن الحظ أن الكتاب بقي ~~لنا إلى اليوم، وقد نهج في هذا الكتاب منهجا يحكي فيه قول ابن الراوندي، ثم يعقب ~~قوله بالنقض له، فمثلا يقول ابن الراوندي: «إن الرافضة لو نظرت في الكلام - يقصد ~~علم الكلام - لوجدت في مقالات المعتزلة من فاحش الخطأ، وعظيم الكفر ما يربي قليله ~~على عظيم كفر اليهود والنصارى.» فرد عليه ابن الخياط يقول: «أما جملة قول المعتزلة ~~الذي يشتمل على جماعتها فليس يمكنك عيبه، ولا الطعن عليه؛ لأن الأمة بأسرها تصدق ~~المعتزلة في أصولها التي تعتقدها، وتدين بها، وهو أن الله واحد ليس كمثله شيء، لا ~~تدركه الأبصار، ولا تحيط به الأقطار، وأنه لا يحول ولا يزول، ولا يتغير ولا ينتقل، ~~وأنه الأول والآخر والظاهر والباطن، وأنه في السماء إله، وفي الأرض إله، وأنه أقرب ~~إلينا من حبل الوريد، # ما يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا هو رابعهم ~~(المجادلة: 7) لعباده، وأنه لا يحب الفساد، ~~ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يريد ظلما للعالمين؛ وأن خير الخلق أطوعهم له، وأنه ~~الصادق في أخباره، الموفي بوعده ووعيده، وأن الجنة دار المتقين، والنار دار ~~الفاسقين، وهذه الأقاويل الأمة مجمعة عليها، ومصدقة قول المعتزلة فيها.» # وهكذا سار على هذا النمط، وقد انتفع بالكتاب كثيرا البغدادي في كتابه «الفرق بين ~~الفرق»، والشهرستاني في «الملل والنحل»، وغير ذلك من الكتب، فنسبوا للمعتزلة ما ~~قاله ابن الراوندي، وشنعوا على المعتزلة من غير تحقيق. # ثم إن كل ms651 إمام كبير من أئمة المعتزلة كانت له أقوال في مسائل خاصة غير أصول ~~الاعتزال، وتبعه عليها بعض تلاميذه، فانقسم المعتزلة إلى فرق، أو إلى مدارس؛ نسبة ~~إلى رئيسهم، مثل: الواصلية نسبة إلى واصل بن عطاء، والهذيلية نسبة إلى أبي الهذيل ~~العلاف، والنظامية نسبة إلى إبراهيم بن سيار النظام، والجاحظية نسبة إلى الجاحظ، ~~والخياطية، والكعبية، والجبائية ... إلخ. # ونحن نورد أمثلة مما كانوا يتباحثون فيه وفقا للمجموعات الأربع التي ذكرناها من ~~قبل؛ إذ حصرنا أقوالهم تقريبا في الإلهيات، والطبيعيات، والفقه، والأصول، والحديث، ~~وتشريح أعمال الصحابة، ومن هو أحق بالإمامة. ~~(1) في الإلهيات # بحثوا كثيرا في أفعال العباد، فقال أهل السنة: إن أفعال العباد مخلوقة خلقها ~~الله في الفاعلين لها، أما أكثر المعتزلة فقد قالوا: إن أفعال العباد محدثة، ~~خلقها فاعلوها، ولم يخلقها الله. # وقال الجاحظ من المعتزلة: «إن أفعال العباد تنسب إلى العباد مجازا، وإنما هي ~~أفعال الطبيعة تظهر فيهم، إلا الإرادة فإنها فعل الإنسان، ونظير ذلك فعل النار ~~للإحراق، وفعل الثلج للتبريد، وفعل المسهل للإسهال.» وكأنه يريد أن أفعال ~~الإنسان كما يقول بعض الفلاسفة في عصرنا نتيجة حتمية طبيعية للبيئة والوراثة، ~~وأن الإنسان لا يمكنه أن يفعل غير ما فعل، فمن كان في وسط مهذب متعلم صدرت عنه ~~أفعال خاصة غير التي تصدر في بيئة أخرى وهكذا. # وإنما استثنى الجاحظ الإرادة؛ لأنها - على ما أظن - هي الصفة الخادعة؛ إذ يظن ~~الإنسان أنه يريد ما يفعل خداعا، مع أنه يفعل ما يراد منه ليس إلا. # ودار الجدل كثيرا حول هذه المسألة، وكل يستدل على ما يقول، فأما من قال: ~~إن أفعال العباد هي أفعال الله، فاستدل بنصوص القرآن، وببراهين عقلية؛ فمن ~~النصوص قول الله - عز وجل - في القرآن: # هل من خالق ~~غير الله ~~(فاطر: 3)، وقوله: # والذين ~~يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون ~~(النحل: 20) # ولا يملكون ~~لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا ~~حياة ولا نشورا ~~(الفرقان: 3)، وقوله: # أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ~~(النحل: 17)، وقوله تعالى: # هذا خلق ms652 الله فأروني ~~ماذا خلق الذين من دونه ~~(لقمان: 11) ومعنى هذا أن ~~الله خلق كل ما في العالم، وأن من، دونه لا يخلق شيئا، فلو كان الله خالقا ~~لبعض الأشياء، والناس خالقين لبعضها لكانوا شركاء في الخلق، فنتج من ذلك أنه لا ~~يخلق شيئا غير الله. وقال تعالى: # والله خلقكم وما ~~تعملون ~~(الصافات: 96). ومما استدلوا به أن كل المسلمين ~~يعتقدون أن الله تعالى إله العالم، ورب كل شيء، ومن المحال أن يكون الله إلها ~~لما لم يخلق. # أما المعتزلة فقد استدلوا بقوله تعالى: # فويل ~~للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا ~~من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ~~(البقرة: ~~79)، وقوله: # لتحسبوه من الكتاب وما هو ~~من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند ~~الله ~~(آل عمران: 78)، وقوله: # فتبارك ~~الله أحسن الخالقين ~~(المؤمنون: 14)، مما يدل على أن هناك ~~خالقا غيره، كالإنسان يخلق أفعال نفسه، وقوله مخاطبا للكافرين: # وتخلقون إفكا ~~(العنكبوت: 17)، واستدلوا ببعض ~~الحجج العقلية أيضا. # وقالوا: لو كان الله خالق أعمال العباد لاقتضى ذلك أنه يغضب مما خلق ويكرهه، ~~ولا يرضى ما فعل وما دبر. # وقالوا: إن كل من فعل شيئا فهو مسمى به، ومنسوب إليه، فلو خلق الله الخطأ ~~والكذب والظلم والكفر، لنسب كل ذلك إليه، تعالى الله عن ذلك. # ومن حججهم أيضا: أنه إذا كانت أفعال العباد لله، فهذه الأعمال تنقسم قسمين: ~~أعمال صالحة، وأعمال سيئة، ولا معنى للإثابة والعقاب ما دام العبد لم يفعلها، ~~وإنما فعلها الله، فإذا أثابنا فقد أثابنا على ما فعل، وإن عذبنا فقد عذبنا على ~~ما فعل، وهذا لا يستقيم في العقل. # هذه هي أصول احتجاجات الطرفين، وكانت النتيجة أن كل من أدلى من أحد الفريقين ~~بحجة رد الآخر عليه بما ينقضها، ولهذا تعددت الأقوال والبراهين والردود إلى ~~ما لا نهاية لها مما لا يخرج عن هذا. # وفي الحقيقة أن في القرآن لمحة من هذا، ولمحة من ذلك، فلما جاء المفسرون ~~انقسموا هذين القسمين، فمن اعتقد أن أفعال العباد منسوبة إلى الله ms653 أول ما ورد ~~مما يفيد غير ذلك من الآيات، والعكس، ولهذا كانت تفاسير أهل السنة تخالف تفاسير ~~المعتزلة. # وكل من الطائفتين يحذر الآخر من اتجاهاته، فمثلا: قال الله تعالى: # سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ~~لا يؤمنون ~~(البقرة: 6)، وقال: # ختم ~~الله على قلوبهم ~~(البقرة: 7)، أي لا يؤمنون لأجل الختم، أي ~~أن سبب امتناعهم عن الإيمان هو ختم الله على قلوبهم. # وظاهر الآية يدل على أنهم ليسوا مختارين، ولو كانوا مختارين لآمنوا، فأول ~~المعتزلة الآية، وقالوا: منعهم الله الإخلاص الموجب لقبول العمل، فكانوا كمن ~~يمنع دخول الإيمان قلبه بالختم عليه. وهكذا تجد في تفسير الزمخشري كثيرا من ~~هذه التأويلات. # ولما حار الأشاعرة بين هذه الأدلة قالوا: ب «الكسب»، أي أن الله تعالى يخلق ~~أعمال العبد، وليس للإنسان فيها إلا الكسب. # فقال لهم المعتزلة: ما هذا الكسب؟ أهو عمل من أعمال الإنسان؛ فيكون الله خلقه ~~أيضا، أو هو ليس عملا من أعمال الإنسان فلا حاجة إليه؟! # وقد أثارت مسألة أفعال العباد مسائل كثيرة تولدت عنها، فكانت موضع بحث بينهم، ~~فمثلا: هناك مسألة التولد؛ ومعنى التولد: نشوء عمل من عمل، مثل: أن يضرب رجل ~~آخر، فيتولد من الضرب الموت، أو يتولد منه الألم، أو يخلط شخص طعاما بطعام، ~~فيتولد منهما طعام سام مميت. # فلما قال أهل السنة بأن كل أفعال العبد من خلق الله لم يكونوا بحاجة إلى ~~القول بالتولد؛ فالكل من فعل الله. ولما قالت المعتزلة: إن الإنسان يخلق أفعال ~~نفسه، ويسأل عنها ويحاسب عليها قالوا بالتولد، وأن الإنسان مسئول عما تولد ~~من عمله. # ومن البحوث التي ترتبت حول هذه المسألة أيضا البحث في الاستطاعة ما هي؟ وهل ~~تكون قبل الفعل، أو مع الفعل، أو قبله ومعه؟ # ففرق المعتزلة بين الاستطاعة والمستطيع، إلا أن منهم من أخطأ فجعلهما ~~شيئا واحدا، ولما قالوا: إن أعمال الإنسان من صنعه، قالوا الاستطاعة فعل الله ~~- عز وجل - وأن أحدا لا يفعل خيرا ولا ~~شرا إلا بقوة أعطاه الله إياها. # وقال جمهور المعتزلة أيضا: إن الاستطاعة هي ms654 سلامة الجوارح، وارتفاع الموانع، ~~وأنهما معا يكونان قبل الفعل، كما لا بد أن يكونا مع الفعل. وما لم توجد صحة ~~الجوارح وارتفاع الموانع لا يوجد الفعل، ولا يكون المرء مخاطبا مكلفا مأمورا ~~منهيا. # وساقهم البحث إلى التساؤل عن الكافر المأمور بالإيمان، أهو مأمور بما لا ~~يستطيع أم بما يستطيع؟ كما بحثوا فيما ورد في القرآن كثيرا من الهدى والضلال، ~~فلما قالوا: بأن العبد يخلق أفعال نفسه، قالوا: إن معنى الهدى ليس إلا إنارة ~~الطريق أمام العبد، وليس من مستلزمات إنارة الطريق أن يسير الإنسان فيه، فقد ~~يستنير الطريق أمامه، ولكنه يمشي في الظلام، بدليل قوله تعالى: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى ~~على الهدى ~~(فصلت: 17)، وقوله سبحانه: # إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه ~~فجعلناه سميعا بصيرا * إنا هديناه ~~السبيل إما شاكرا وإما كفورا ~~(الإنسان: 2-3)، ~~فهذا دليل على أن الهداية لا توجب أن يسير الشخص في الطريق المستقيم. # وقال خصومهم: إن من هداه الله اهتدى، ومن أضله ضل، بدليل قوله تعالى: # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن ~~اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ~~،فهذا دليل على أن الذين ~~هداهم الله بعض الناس لا كلهم، وهم الذين ساروا في الطريق المستقيم، وقال ~~تعالى: # إن تحرص على هداهم فإن الله لا ~~يهدي من يضل ~~(النحل: 37)، وقال تعالى: # من يضلل الله فلا هادي له ~~(الأعراف: 186)، وقال: # فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ~~حرجا كأنما يصعد في السماء ~~(الأنعام: 125) ~~فأخبر بذلك أن الذين هداهم الله غير الذين أضلهم، ووفق خصومهم بين آيات القرآن، ~~فقالوا: إنه هدى ثمود فلم يهتدوا، وهدى الناس كلهم السبيل، ثم هم بعد ذلك إما ~~شاكرون وإما كافرون. # وفي آيات أخرى أنه هدى قوما، فلم يهتدوا، ولم يهد آخرين فضلوا، فالتوفيق ~~بين الآيات يوجب أن الهدى نوعان: نوع أعطاه الله جميع الناس، وهو إنارة السبيل ~~أمامهم، وهذا الهدى هو الذي استعمله في آية ثمود، أي أنه دلهم على الطاعات ~~والمعاصي، وعرفهم ما يسخطه، ms655 وما يرضيه. # وهدى آخر بمعنى التوفيق، والعون على الخير، والتيسير له، وهذا الهدى هو الذي ~~منحه الله للمهتدين، ومنعه الكفار. # والذي دعا المعتزلة إلى هذا: قولهم الأساسي بخلق الإنسان أفعال نفسه، وأن ~~الله لم يحمل المؤمن على الإيمان، ولا الكافر على الكفر، بل هو فعل ذلك ~~باختياره، ولذلك كان هناك معنى للثواب والعقاب. # وهكذا أثاروا مسائل كثيرة من هذا القبيل. ~~(2) في الأصوليات # ومن أهم مبادئهم الدعوة إلى سلطان العقل، فهم يقدسونه تقديسا عظيما؛ ولذلك ~~مظاهر كبيرة في تعاليمهم، من ذلك: ~~(أ) # كثير منهم حصروا المعجزات في دائرة ضيقة، فالنظام مثلا يكاد ~~يقصر القول بالمعجزات على القرآن، وينكر انشقاق القمر، ويقول: إنه ~~لو كان صحيحا لكان شيئا عاما يشهده كل الناس المعاصرين له، ~~ويخالف رواية ابن مسعود في ذلك، كما ينكر نبع الماء من بين أصابع ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. ~~(ب) # ينكر كرامة الأولياء، وينكر الحكايات الواردة في ذلك؛ لأنه يرى ~~أن هناك قانونا طبيعيا كتب الله على نفسه اتباعه إلا عند ضرورة ~~المعجزات. قالوا: فلا نؤمن بتغير القوانين الطبيعية إلا بالبرهان ~~القاطع. ~~(ج) # أنكر المعتزلة رؤية الجن كما يروي العامة، بل كانوا يؤنبون من ~~اعتقد بها، أو اعتقد رؤيتها، أو حكى مشاهدة أعمالها. ~~(د) # فسروا السحر بأنه لعب الساحر بعين المسحور أو بخياله؛ فالساحر لا ~~يقلب حقائق الأشياء بدليل قوله تعالى: # سحروا أعين الناس واسترهبوهم ~~(الأعراف: 116) فليس للساحر قدرة على قلب الحقائق، وإنما له قدرة ~~على قلب أوهام الرائي. ~~(ه) # أثاروا مسألة على جانب كبير من الأهمية من هذا الباب أيضا، وهي ~~مسألة التحسين والتقبيح العقليين، وملخصها أنهم تساءلوا: هل العقل ~~قادر وحده على أن يعرف أن الشيء حسن أو قبيح؟ فقالوا هم بذلك، أي ~~أن العقل يمكنه وحده أن يدرك حسن الشيء أو قبحه، وأن يرى أن إنقاذ ~~الغرقى والهلكى، وشكر المنعم، والصدق حسنة بطبعها، وأضدادها قبيحة. ~~قالوا: نعم، إن هناك أشياء لا يدرك حسنها إلا بالشرع، كالصلاة في ~~أوقاتها، وعدد ركعاتها، والمسح على الخفين، ونحو ذلك، أما ms656 أصول ~~المسائل، كالصدق، والكذب، والعدل، والظلم، ونحوها، فيمكن إدراكها ~~بالعقل. # أما مخالفوهم فقالوا: إذا لم يرد شرع فلا يتميز فعل عن فعل، ولا ~~يمكن أن يعرف أحسن هو أم قبيح. # واحتج المعتزلة بأن الناس كلهم ... متدينين وغير متدينين ... متفقون ~~على أشياء أنها حسنة، وأشياء أنها قبيحة. وقالوا: إن من استوى عنده ~~أن يصدق ويكذب فضل الصدق إن كان فاضلا، وأن الرجل الغني ~~الوجيه الذي ليس له رغبة في مال، ولا جاه لو رأى مشرفا على الهلاك ~~أنقذه، ولو لم يعتنق دينا، إلى غير ذلك من البراهين. # وبناء على ذلك تساءلوا: هل الجاهليون قبل الإسلام مسئولون عن ~~أعمالهم التي يدركها العقل، كالصدق، والكذب، والقتل، والعدل، أو ~~غير مسئولين ...؟ فمن قال: إن العقل يدرك ذلك كله، ولو لم يرد فيه ~~شرع جعلهم مسئولين، ومن لم يقل بذلك جعلهم غير مسئولين ... ومن ذلك ~~اختلافهم أيضا في شكر المنعم: هل هو واجب عقلا أو شرعا؟؟ ~~فالمعتزلة قالوا: إنه يجب شكر المنعم عقلا، والذين يقولون ~~بالتحسين والتقبيح الشرعيين فقط أنكروا وجوب شكر المنعم ~~عقلا. ~~(و) # حكموا العقل حتى في الحديث، فهم لقولهم بسلطان العقل كانوا ~~يعرضون الحديث على العقل، فما قبله العقل قبلوه، وما لم يقبله لم ~~يقبلوه، وربما كان أصرحهم في ذلك النظام، فقد حكى الجاحظ # 3 # مثلا عنه ما معناه: أنه لما روي له حديث أن النبي # صلى الله عليه وسلم # أمر بقتل الكلاب، واستحياء السنانير، والحديث عن ~~السنانير: «أنهن من الطوافات عليكم»، لم يؤمن بهذا الحديث، وقال: ~~إن السنور ليس له كبير نفع، وإنه كثير الأذى، وإن الكلب أنفع منه، ~~فليس الحديث صحيحا، أما إن كان الحديث يقبله العقل، فالنظام ~~يقبله، فإن عارضه العقل، ولم يجد له تأويلا، ولا سببا فإنه لا ~~يقبله كما يستخلص من كلام ابن قتيبة في كتابه «تأويل مختلف ~~الحديث». وكل هذه الفروع مبنية على أساس القول بسلطان العقل، ولهذا ~~أباحوا لأنفسهم أن يفسروا القرآن بالعقل؛ اعتمادا على معرفتهم ~~باللغة، وأساليب القرآن وروحه، كما فعل الزمخشري في الكشاف، ms657 أما ~~غير المعتزلة فأكثر اعتمادهم في التفسير على المنقول من ~~الرواية. # حتى في باب اللغة والنحو كانوا يميلون إلى العقل، فزعيم القائلين بالقياس، ~~واستعمال ما لم يرو العرب قياسا على ما رواه - وذلك من غير شك يحتاج إلى قوة ~~عقلية لا مجرد رواية - هو أبو علي الفارسي، وتلميذه ابن جني، وهما من ~~المعتزلة. ~~(3) في الطبيعيات # أما آراؤهم في الأبحاث الطبيعية، فمثل أقوالهم في الروائح، والطعوم، والضوء؛ ~~فقد أثار النظام أسئلة، وعرض آراء في ذلك: هل المشمومات، والطعوم، والأضواء ~~أجسام أو أعراض؟ وهو يقول: إنها أجسام لا أعراض، بمعنى: أننا نشم الوردة ~~لانبعاث ذرات صغيرة منها تلامس غدد الأنف؛ فيحدث الشم. وفي الطعوم كالسكر ~~والملح تذوب ذرات منها، وتتصل بغدد الذوق؛ فيحصل الذوق بالحلاوة، أو الملوحة. ~~وكذلك قال في الضوء، أي أن الشيء المرئي تنبعث منه ذرات تأتي إلى العين فتدرك ~~بياض الشيء أو سواده، وهكذا. # والإنسان يعجب أولا من سعة عقلهم في التفكير، وثانيا من دخول هذه المباحث ~~في علم الكلام. وقد أقر العلم الحديث نظرية النظام هذه في المشمومات؛ فهو يقول: ~~إننا نشم رائحة الوردة الجميلة بناء على ذرات انبعثت من الورد، فلامست ~~الخيشوم، وإنا إنما نتذوق حلاوة الشيء، أو مرارته بناء على ذوبان ذرات تلامس ~~غدد الذوق، فإذا لم تتحلل الذرات كالحصى أو الماس مثلا لم ندرك لها ~~ذوقا. # أما العلم الحديث، فيخالف النظام في نظريته في الضوء، فليست تنبعث ذرات إلى ~~العين - كما يقول - فيدرك بياض الشيء أو سواده، ولكن علة رؤية اللون أبيض أو ~~أزرق هي أن كل لون يتشرب ألوان الطيف ما عدا اللون الذي يرى، فالأحمر مثلا ~~يتشرب ألوان الطيف كلها ما عدا الحمرة، فتصل إلى العين عن طريق الموجات. فترى ~~هذه المسائل الطبيعية أو الفيزيقية، كالبحث في الطعوم، والروائح، والألوان، ما ~~دخلها في الدين، وعلم الكلام؟ والظاهر لنا أن الذي ألجأ إليها المناقشات ~~الدينية، فمثلا: لما تعرضوا لخلق الأفعال تساءلوا: هل خلق الله الجسم والعرض، ~~أو خلق الجسم، وليس العرض إلا صفة من ms658 صفاته؟ فجرهم ذلك إلى البحث في الروائح ~~مثلا، هل هي أجسام، أو هي أعراض تابعة للأجسام؟ فلم يتكلموا فيها كما يتكلم ~~علماء الطبيعة اليوم، إنما تكلموا فيها لأنها متصلة بعقيدة من العقائد الدينية ~~من قريب أو من بعيد، وهكذا شأنهم في كل ما تكلموا فيه من أمور الطبيعة حسب ما ~~نعتقد. # والواقع أن المعتزلة في علم الكلام لم يكن موقفهم كموقف من يؤلف كتابا ~~فيختار مناهجه، ويرتب أبوابه، إنما كانوا يتكلمون في المسائل حسب ما تقتضيه ~~الأحوال من مهاجمتهم لخصومهم، أو مهاجمة خصومهم لهم، أو نحو ذلك، كالجيش في ~~القتال، قد يضطر إلى عمل لم يكن رسم خطته من قبل، ولكن اضطره إليه حركة من ~~حركات خصومه. # إلى جانب ذلك نراهم تعرضوا لمسائل تكاد تكون سوفسطائية مثل: الإله قادر على ~~الظلم أو لا؟ هل الجنة موجودة اليوم أو لا؟ هل قدرة الله تتعلق بالمحال؟ هل ~~الكافر قادر على الإيمان، والمؤمن قادر على الكفر؟ إلى كثير من أمثال ذلك. وكان ~~من قولهم، وقول خصومهم أن تكون علم الكلام؛ فعلم الكلام وليد أقوال المعتزلة ~~وخصومهم، حتى أهل السنة وأئمتهم كأبي الحسن الأشعري ما كانوا يبحثون مسائلهم ~~لولا أبحاث المعتزلة، كما سنبين ذلك في الكلام على أبي الحسن الأشعري. # والظاهر أن هذه الحركة الكلامية كانت في منتهى النشاط في الدوائر العلمية، ~~كما نرى ذلك في حركة خلق القرآن، وفي المناظرات في مجالس الخلفاء، وفي المساجد، ~~وفي الشوارع، وفي الجنائز، وكانت كل هذه الأشياء تأخذ من أزمانهم وعقولهم الوقت ~~الطويل، والمجهود الكبير، فلما جاء المتوكل، واضطهد المعتزلة، وأزال دعوتهم، ~~خفت صوت علم الكلام بعض الشيء، ومن كان معتزليا رجع عن اعتزاله أحيانا، ~~وتستر أحيانا، إلا من كان جريئا لا يتصل بالدولة من قريب أو من بعيد، أو كان ~~في حمى دولة تكره الاعتزال، كما سنبينه بعد. ~~(4) في المسائل السياسية # وأما المجموعة الرابعة، وهي المسائل السياسية؛ فقد تعرضوا للإمامة، ومن هو ~~أحق بها، وتعرضوا للأحداث السياسية كواقعة الجمل، ومقتل عثمان، والخلاف بين ~~علي ومعاوية، وشرحوها ms659 كلها تشريحا دقيقا. وكان المعتزلة مختلفين في ذلك، ~~فمنهم من قال بأفضلية علي، واستحقاقه الخلافة لمجموع صفات فيه، ولكنهم قالوا ~~ذلك باعتدال؛ فعرفوا لأبي بكر وعمر مزاياهما، وقالوا بصحة خلافتهما، وإن كان ~~الأولى غير ذلك، فكانوا بذلك قريبين من الشيعة، بعيدين عن الروافض، وهم الذين ~~رفضوا القول بإمامة أبي بكر وعمر، وتبرءوا منهما، ومن أجل ذلك نرى بعض الناس ~~شيعيا معتزليا معا، وبعض المعتزلة قال بغير ذلك؛ فكان معتزليا لا ~~شيعيا. ونحن ننقل الآن بعض أقوالهم الدالة على مذاهبهم. ~~(4-1) في الإمامة # لقد بحثوا في الإمامة، ومعنى الإمامة: الولاية على المسلمين، والمعتزلة ~~يوافقون المتكلمين الآخرين، ما عدا أتباع نجدة من الخوارج، إذ يقول ~~المعتزلة وغيرهم بوجوب انقياد الأمة لإمام عادل، يقيم فيهم أحكام الله، ~~ويسوسهم بأحكام الشريعة، بدليل قوله تعالى: # وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ~~(النساء: ~~59) ولأن من طبيعة الناس أن، يزعهم السطان أكثر مما يزعهم القرآن، فلا ~~بد من وال تسند إليه الأحكام في الأموال، والزواج، والطلاق، ومنع ~~الظالم، وإنصاف المظلوم ... إلخ، وخير أن يكون الإمام واحدا حتى لا ~~يتنازعا، ولا بد أن يكون فاضلا، عالما، حسن السياسة، قادرا على التنفيذ. ~~وبعد ذلك اختلف المعتزلة فيما بينهم، فقال بعضهم بتفضيل أبي بكر وعمر على ~~علي، وخالفوا بذلك الشيعة، وقال بعضهم بأفضلية علي؛ فوافقوا بذلك الشيعة. ~~فقدماء المعتزلة من البصريين كعمرو بن عبيد، وإبراهيم النظام، والجاحظ، ~~وثمامة بن الأشرس، قالوا: إن أبا بكر أفضل من علي، وجعلوا ترتيب الخلفاء ~~الأربعة في الفضل كترتيبهم في الخلافة. وقال البغداديون من المعتزلة كبشر ~~بن المعتمر، وأبي جعفر الإسكافي، وأبي الحسين الخياط، وأبي القاسم البلخي، ~~والجبائي: إن عليا أفضل من أبي بكر، فكانوا في ذلك كالشيعة. ولكن سواء ~~منهم من قدم أبا بكر، أو قدم عليا، فقد كانوا معتدلين في حكمهم إذ ~~يقولون: سواء كان أبو بكر أفضل، أو علي أفضل، فالبيعة لأبي بكر وعمر كانت ~~بيعة صحيحة، قالوا: ألا ترى أن البلد قد يكون فيه فقيهان، أحدهما أعلم من ~~الآخر بطبقات كثيرة، فيجعل ms660 السلطان الأنقص علما منهما قاضيا؛ فيتألم ~~الأعظم، وينفث أحيانا بالشكوى، فلا يكون ذلك طعنا في القاضي الثاني، ولا ~~حكما بأنه غير صالح، وهذا أمر مركوز في طبائع البشر، ومجبول في أصل ~~الغريزة والفطرة، فأصحابنا لما أحسنوا الظن بالصحابة، وحملوا ما وقع منهم ~~على وجه الصواب، وأنهم نظروا إلى مصلحة الإسلام، وخافوا فتنة لا تقتصر على ~~ذهاب الخلافة، فعدلوا عن الأفضل الأشرف الأحق إلى فاضل آخر فعقدوا له، كان ~~ذلك عقدا صحيحا، وقالوا: إنه كان يجب على علي أن يعذر الصحابة الذين ~~بايعوا أبا بكر في العدول عنه، ويعلم أن عقدهم لغيره هو المصلحة للإسلام، ~~فلا يشكوا منهم، ولا يتوجد عليهم. # ثم إن المعتزلة فيما بينهم تنازعوا تنازعا شديدا في أفضلية أبي بكر أو ~~علي، ونسوق هنا مثلا لما كان بينهم من جدل، وذلك هو الجدل بين الجاحظ ~~والإسكافي، وكلاهما معتزلي. # يقول الجاحظ في كتابه المشهور بكتاب «العثمانية»: إن أبا بكر أسلم وهو ~~ابن أربعين سنة، وعليا أسلم ولم يبلغ الحلم، فكان إسلام أبي بكر أفضل، ~~وهو أول من أسلم على أصح الروايات، وعلي أسلم وهو حدث غرير، وطفل صغير، ~~فلم نستطع أن نلحق إسلامه بإسلام البالغين؛ لأن المقلل قال: إن عليا ~~أسلم وهو ابن خمس سنين، والمكثر زعم أنه أسلم وهو ابن تسع سنين. وأيا كان ~~فإسلام الكبير الناضج الذي يفقه معنى الإسلام خير من إسلام الصبي. # وقد رد عليه الإسكافي في ذلك بأنه لم يكن طفلا يوم أسلم، ودعوى أنه أسلم ~~وهو طفل دعوى غير مقبولة، والإسلام والإيمان والكفر، والطاعة والمعصية إنما ~~تقع على البالغين دون الأطفال، بدليل عرض النبي - عليه السلام - وهو لا ~~يعرضه على صبي. # وقال الجاحظ: لو أن عليا كان بالغا حين أسلم، لكان إسلام أبي بكر ~~أفضل؛ لأن إسلام المتقدم في السن الذي يعاني مئونة الروية، واضطراب النفس، ~~ومشقة الانتقال من دين قد طال الفهم له، خير من إسلام من نشأ في بيئة ~~إسلامية، ولم يعان مثل ما عانى أبو بكر. # قال الإسكافي: إن عليا ms661 لم يولد في دار الإسلام، ولا غذي في حجر ~~الإيمان، وإنما استضافه رسول الله إلى نفسه سنة القحط، والمجاعة، وعمره ~~يومئذ ثمان سنين، فمكث معه سبع سنين حتى أتى النبي الوحي، وهو بالغ، كامل ~~العقل، فأسلم بعد مشاهدة المعجزة، وبعد إعمال النظر والفكر، فإن كان علي ~~أجابه فإنما أجابه عن نظر، ورؤية معجزة. وقد كان أبو بكر قبل إسلامه رئيسا ~~معروفا، يجتمع إليه كثير من أهل مكة، فينشدون الأشعار، ويتذاكرون الأخبار، ~~وقد سافر إلى البلدان، ووصلت إليه الأخبار، وعرف دعوى الكهنة، وحيل ~~السحرة، ومن كان كذلك كان انكشاف الأمور له أظهر، والإسلام عليه أسهل، ~~والخواطر على قلبه أقل. وكل ذلك عون لأبي بكر على الإسلام، ولذلك لما ~~قال النبي: أتيت بيت المقدس، سأله أبو بكر عن المسجد، ومواضعه؛ فصدقه، ~~وبان له أمره، وخفت مئونته. # أما علي فقد خلي وعقله، وألجئ إلى نظره مع صغر سنه، واعتلاج ~~الخواطر على قلبه، والغالب على أمثاله وأقرانه حب اللعب واللهو، فآمن بما ~~ظهر له من دلائل الدعوة، ولم يتأخر إسلامه، فقهر شهوته، وغالب خواطره. وخرج ~~من عادته، وعظم استنباطه، ورجح فضله، ولم يأخذ من الدنيا بنصيب، ولا تنعم ~~فيها بنعيم، وحمى نفسه عن الهوى، وكسر شرة حداثته بالتقوى. # واحتج الجاحظ بأنه كان لعلي ظهر يحميه كأبي طالب وبني هاشم، ولم يكن ~~لأبي بكر شيء من ذلك. ورد الإسكافي بأنه لو كان ذلك صحيحا لأضعف ذلك من ~~نبوة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؛ لأن أبا طالب ظهره، وبني هاشم ردؤه. # قال الجاحظ: ولأبي بكر فضيلة في إسلامه: أنه كان قبل إسلامه كثير ~~الصديق، عريض الجاه، ذا يسار وغنى، يعظم لماله، ويستفاد من رأيه، فخرج ~~من عز الغنى، وكثرة الصديق إلى ذل الفاقة، وعجز الوحدة. وهذا غير إسلام ~~من لا عز له، ولا جاه له. وزد عليه أن علي بن أبي طالب إن لم يكن قد ~~شهره سنه، فقد شهره نسبه، وموضعه من بين هاشم، فليس تيم في بعد الصيت ~~كهاشم، ولا أبو قحافة كأبي ms662 طالب. # قال أصحاب علي: إنكم تثبتون لأبي بكر فضيلة صحبة الرسول # صلى الله عليه وسلم # من ~~مكة إلى يثرب، ودخوله معه في الغار، وقلتم: إنه كان شريكه في الهجرة، ~~وأنيسه في الوحشة، فأين هذه من صحبة علي - عليه السلام - له في خلوته، وحيث ~~لا يجد أنيسا غيره في ليله ونهاره أيام مقامه بمكة يعبد الله معه سرا، ~~ويتكلف له الحاجة جهرا، ويخدمه كالعبد يخدم مولاه، ويشفق عليه ويحوطه. ~~ولئن صحب أبو بكر رسول الله في رحلته، فإن عليا نام موضع رسول الله حين ~~أراد الهجرة، ولولا أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # علم أنه أهل لذلك لما أهله ~~له، ولو كان عنده نقص في صبره، أو في شجاعته، أو في مناصحته لابن عمه لما ~~اختاره لذلك، وقد كان لعلي أن يعتل بعلة، أو نحو ذلك. # وقد عقد الجاحظ فصلا طويلا بين مبيت علي موضع الرسول، وبين مبيت أبي ~~بكر في الغار، ورد عليه الإسكافي ردا طويلا، ثم أطال الجاحظ في ذكر ~~فضائل لأبي بكر من شجاعة، وسخاء بالمال، وغير ذلك، فرد عليه الإسكافي ~~بالموازنة بين شجاعة أبي بكر، وعلي، وموقف هذا وموقف ذاك ... إلخ. كما جرهم ~~ذلك إلى البحث في صحة إمامة المفضول، وسبب ذلك: أن الروافض قالوا بوجود نص ~~من النبي على خلافة علي؛ لأنه أفضل الصحابة، فتولية من هو أقل منه فضلا ~~باطلة. فقال جمهور المعتزلة: إن ولاية المفضول صحيحة، ولذلك كانت ولاية أبي ~~بكر، وعمر، وعثمان صحيحة، حتى ولو كان علي أفضل منهم. # واستدلوا بجملة أدلة: منها أن أبا بكر قال يوم السقيفة: «قد رضيت لكم أحد ~~هذين الرجلين ...» يعني أبا عبيدة، وعمر، وأبو بكر أفضل منهما، ولم يقل أحد ~~من المسلمين إذ ذاك إنه لا يحل في الدين ذلك، ودعت الأنصار إلى بيعة سعد بن ~~عبادة، ولا شك أن غيره في المسلمين من هو أفضل منه. ولما عهد عمر إلى ستة ~~رجال كان جائزا بالضرورة أن يكون بعضهم أفضل من بعض، فإذا وقع الاختيار ~~على ms663 المفضول كان تنفيذا لقول عمر. وقد سلم الحسن الأمر إلى معاوية، وهو ~~يعتقد من غير شك أنه خير منه، فقالوا: إن الصحابة تفرقوا في البلدان وهم ~~كثير. فتقييد الإمامة بالأفضل تعجيز، خصوصا أن الصحابة تفرقوا في البلاد ~~من أقصى السند إلى أقصى الأندلس إلى أقصى اليمن، إلى أقصى أرمينية ~~وأذربيجان وخراسان، فكيف يعرف حالهم، ثم كيف يعرف أفضلهم، ثم نحن لو سئلنا ~~عن معارفنا وأصحابنا: أيهم أفضل؟ لصعب الجواب، والرسول # صلى الله عليه وسلم # قد قلد ~~كثيرا من الصحابة كثيرا من البلدان، فاستعمل على اليمن معاذ بن جبل، وأبا ~~موسى الأشعري، وخالد بن الوليد، وعلى عمان عمرو بن العاص، وعلى نجران أبا ~~سفيان، وعلى مكة عتاب بن أسيد، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص، وعلى ~~البحرين العلاء بن الحضرمي. # ولا خلاف في أن كثيرا من الصحابة أفضل منهم كأبي بكر، وعمر، وعثمان ، ~~وعلي، وطلحة، والزبير. وأيضا فإن الفضائل كثيرة، منها العفة عما في أيدي ~~الناس، ومنها الشجاعة والإقدام، ومنها الحزم والبت في الأمور، وقلما تجتمع ~~هذه الصفات الفاضلة في أحد، فقد يكون بعضها في بعض، وبعضها في البعض الآخر، ~~ففي أيها يراعى الفضل؟ # وفي الحقيقة للولاية صفات لا بد منها في الوالي، كالسياسة، وحسن تدبير ~~الأمور، وقد يكون شخص أفضل من نواح أخرى كثيرة غير هذه، ثم لا يصلح أن ~~يكون واليا، فلا بد لاستقامة الأمور من القول بصحة إمامة المفضول حتى تسير ~~الأمور ولا تتعطل. ~~(4-2) جواز خطأ الصحابة # وقد وضع المعتزلة لأنفسهم مبدأ هاما جدا، وهو أن الصحابة ليسوا ~~معصومين، وأن الخطأ يجوز عليهم، سواء في ذلك كبيرهم وصغيرهم، وقد مكنهم هذا ~~المبدأ من الحرية في نقد أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، كما مكنهم من تحليل ~~الأحداث التاريخية، عكس ما قاله أهل السنة من الكف عن نقد الصحابة ~~بالإجمال. # وقد استدل المعتزلة على ذلك بما كان من نقد الصحابة بعضهم لبعض، حتى لقد ~~يبلغ النقد أحيانا مبلغ السباب، فلما عهد أبو بكر بالخلافة لعمر قال طلحة: ~~«ماذا تقول ms664 لربك إذا سألك عن عباده، وقد وليت عليهم فظا غليظا؟» فهل قول ~~طلحة هذا إلا طعن في عمر. وقد روي أنه كان بين أبي بن كعب وعبد الله بن ~~مسعود سباب شديد. وروي أن عثمان قال لعبد الرحمن بن عوف: يا منافق، فقال ~~عبد الرحمن: «ما كنت أرى أن أعيش حتى يقول لي عثمان يا منافق ... والله لو ~~استقبلت من أمري ما استدبرت، ما وليت عثمان شسع نعلي ... اللهم إن عثمان قد ~~أبى أن يقيم كتابك، فافعل به وافعل.» وروي أن عثمان قال لعلي في كلام دار ~~بينهما: «أبو بكر وعمر خير منك. فقال علي: كذبت، أنا خير منك ومنهما، ~~عبدت الله قبلهما، وعبدته بعدهما.» وقد أنكرت عائشة على أبي سلمة قوله في ~~عدة المتوفى عنها زوجها وهي حامل. وروى بعض الصحابة عن النبي أنه قال: ~~«الشؤم في ثلاثة: المرأة، والدار، والفرس»؛ فأنكرت عائشة ذلك، وكذبت ~~الراوي، وقالت: إنه إنما قال - عليه السلام - ذلك حكاية عن غيره. وروى بعض ~~الصحابة أن النبي قال: «التاجر فاجر»؛ فأنكرت عائشة ذلك، وكذبت الراوي، ~~وقالت: إنما قال ذلك في تاجر دلس. وأنكر قوم من الأنصار رواية أبي بكر: ~~«الأئمة من قريش»، وقالوا: «إنه اختلق هذه الكلمة». وباع معاوية أواني ذهب ~~وفضة بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء: سمعت رسول الله ينهى عن ذلك، ~~فقال معاوية: أما أنا فلا أرى به بأسا. فقال أبو الدرداء: «من عذيري من ~~معاوية، أخبره عن الرسول وهو يخبرني عن رأيه ... والله لا أساكنك بأرض ~~أبدا.» وقال علي لعمر، وقد أفتاه الصحابة في مسألة، وأجمعوا عليها: «إن ~~كانوا راقبوك فقد غشوك، وإن كان هذا جهد رأيهم فقد أخطئوا.» وأنكرت ~~الصحابة على أبي موسى قوله: «إن النوم لا ينقض الوضوء.» ولم يصدقوا الخبر ~~المروي عن رسول الله: «أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم.» وقالوا: ~~هذا يوجب أن يكون أهل الشام في صفين على هدى، وكيف يكون ذلك؟ وكان يجب أن ~~يكون عمرو بن العاص ومعاوية اللذان كانا يلعنان عليا وولديه على ms665 هدى. وقد ~~كان في الصحابة من يشرب الخمر كأبي محجن الثقفي، ومن يرتد عن الإسلام ~~كطليحة بن خويلد، وإنما هذا الحديث من موضوعات متعصبة الأموية، فإن لهم ~~من ينصرهم بلسانه، وبوضعه الأحاديث إذا عجز عن نصرهم بالسيف. # وقال: إنه يجوز الخطأ على الصحابة بدليل أن جماعة من كبار الصحابة حاصروا ~~عثمان وهذا خطأ، وهذا المغيرة بن شعبة، وهو من الصحابة ادعي عليه ~~بالزنا، وشهد عليه قوم بذلك، فلم ينكر ذلك عمر، ولا قال هذا محال؛ لأن هذا ~~صحابي. وقدامة بن مظعون لما شرب الخمر في أيام عمر أقام عليه الحد، وهو ~~رجل من علية الصحابة من أهل بدر المشهود لهم بالجنة، فلم يرد عمر الشهادة، ~~ولا درأ عنه الحد، وقد ضرب عمر أيضا ابنه حدا فمات، وكان ممن عاصر رسول ~~الله، ولم تمنعه معاصرته له من إقامة الحد عليه. وهذا علي يقول: ما ~~حدثني أحد بحديث عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إلا استحلفته عليه، واستحلافه ~~عليه معناه اتهامه بالكذب، وما استثنى أحدا من المسلمين إلا أبا بكر، وقد ~~صرح غير مرة بتكذيب أبي هريرة، وقال: لا أحد أكذب من هذا الأوسي على رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~. # وقال أبو بكر في مرضه الذي مات فيه: وددت أني لم أكشف بيت فاطمة، ولو كان ~~أغلق على حرب. فندم، والندم لا يكون إلا عن ذنب. وقد تأخر علي عن البيعة ~~لأبي بكر ستة أشهر إلى أن ماتت فاطمة، فإن كان مصيبا فأبو بكر على خطأ في ~~انتصابه على الخلافة، وإن كان أبو بكر مصيبا فعلي على الخطأ في تأخره عن ~~البيعة. وقال أبو بكر في مرض موته: «لما استخلفت عليكم خيركم في نفسي - ~~يعني عمر - فكلكم ورم أنفه، يريد أن يكون الأمر له لما رأيتم الدنيا قد ~~جاءت، أما والله لنتخذن ستائر الديباج، ونضائد الحرير.» وهذا طعن في ~~الصحابة إذ نسبهم لحسد عمر. وكان بين أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود ~~سباب كثير، حتى نفى كل واحد منهما ms666 الآخر عن أبيه. وروى سفيان بن عيينة عن ~~عمرو بن دينار قال: «كنت عند عروة بن الزبير فتذاكرنا: كم أقام النبي بمكة ~~بعد الوحي، فقال عروة: أقام عشر سنين، فقلت: كان ابن عباس يقول: ثلاث عشرة ~~سنة. فقال: كذب ابن عباس». وقال ابن عباس: المتعة حلال، فقال له جبير بن ~~مطعم: كان عمر ينهى عنها، فقال: يا عدو نفسه، من ههنا ضللتم، أحدثكم عن ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وتحدثني عن عمر؟! # وسب بعض الصحابة لبعض، وقدح بعضهم لبعض في المسائل الفقهية أكثر من ~~أن يحصى ... مثل قول ابن عباس، وهو يرد على زيد مذهبه العول في الفرائض: «من ~~شاء باهلته إن الذي أحصى رمل عالج عددا أعدل من أن يجعل في مال نصفا ~~ونصفا وثلثا، هذان النصفان قد ذهبا بالمال، فأين موضع الثلث؟؟» وقال علي ~~في أمهات الأولاد، وهو على المنبر ، كان رأيي ورأي عمر أن لا يبعن، وأنا ~~أرى الآن بيعهن، فقام إليه أبو عبيدة السلماني، فقال: «رأيك في الجماعة أحب ~~إلينا من رأيك في الفرقة.» # وكان أبو بكر يقضي القضاء فينقضه عليه أصاغر الصحابة، كبلال وصهيب ~~وغيرهما. وقيل لابن عباس: إن عبد الله بن الزبير يزعم أن موسى صاحب الخضر ~~ليس موسى بني إسرائيل. فقال: كذب عدو الله. وطعن ابن عباس في أبي هريرة إذ ~~يروي أن رسول الله قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخلن يده في ~~الإناء حتى يتوضأ»، وقال: فما نصنع بالمهراس؟! وقال ابن عباس: ألا يتقي ~~الله زيد بن ثابت، يجعل ابن الابن ابنا، ولا يجعل أب الأب أبا؟ وقال جرير ~~بن كليب: رأيت عمر ينهى عن المتعة، وعليا يأمر بها، فقلت: إن بينكما ~~لشرا، فقال علي: ليس بيننا إلا الخير، ولكن أخيرنا أتبعنا للدين. قالوا: ~~فكيف يصح أن يقول رسول الله: «أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم»؟ ~~قلنا لهم: إن هذا من موضوعات متعصبة الأموية، فإن لهم من ينصرهم بلسانه، ~~وبوضعه الأحاديث إذا عجز عن نصرهم بالسيف. ومثل هذا: «خير القرون ms667 قرني»، ~~ومما يدل على بطلانه أن القرن الذي جاء بعده بخمسين سنة شر قرون الدنيا، ~~وهو أحد القرون الذي ذكره النص، فهو القرن الذي قتل فيه الحسين، وحوصرت فيه ~~مكة، ونقضت فيه الكعبة، وشربت الخلفاء، والقائمون مقامهم والمنتصبون في ~~منصب النبوة الخمور، وارتكبوا الفجور، كما جرى ليزيد بن معاوية، والوليد بن ~~يزيد، وأريقت الدماء الحرام، وقتل المسلمون وسبي الحريم، واستعبد أبناء ~~المهاجرين والأنصار، ونقش على أيديهم كما ينقش في أيدي الروم، وذلك في ~~خلافة عبد الملك بن مروان والحجاج، وإذا تأملت كتب التاريخ وجدت أن الخمسين ~~سنة التالية كلها لا خير فيها، ولا في رؤسائها، ولا أمرائها، فكيف يصح ~~الخبر، ولو كان هذا صحيحا، وأن الصحابة لا يخطئون لما احتاجت عائشة إلى ~~نزول براءتها من السماء، بل كان الرسول من أول الأمر يعلم كذب أهل الإفك، ~~وصفوان بن المعطل من الصحابة، فكان ينبغي أن لا يضيق صدر رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ولا يحمل الهم والغم الشديدين، وكان يقول: صفوان من الصحابة، ~~وعائشة من الصحابة، والمعصية منهما ممتنعة. # قالوا: وقد كان التابعون يسلكون في الصحابة هذا المسلك، وينقدون بعضهم، ~~ويحكمون بعصيان بعضهم، وإنما قدسهم العامة بعد ذلك، وكيف نقول: إن الصحابة ~~لا يجوز عليهم الخطأ، والله تعالى يقول لنبيه: # ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ~~(الزمر: 65) و # فاحكم بين الناس بالحق ~~ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ~~(ص: ~~26). # 4 # وقد نفذ المعتزلة هذا المبدأ بالفعل، فقد روي عن النظام من ذلك الشيء ~~الكثير. وقال الجاحظ في كتابه المعروف بالتوحيد: «إن أبا هريرة ليس بثقة في ~~الرواية»، وانتقد عمر بن عبد العزيز في بعض أعماله، وقد فتح هذا أيام ~~المعتزلة بابا واسعا، فقالوا أقوالا كثيرة تحرج عنها غيرهم، فمثلا: ~~أنكر النظام الإجماع، وقال: إنه ليس بحجة، وجره ذلك إلى القول بعيوب ~~الصحابة، ولم يتورع عن الطعن الشديد اللهجة. # والحق أيضا أن المعتزلة تألفت منهم في ذلك فرق، ففرق تنتقد حسبما تعتقد، ~~وفرق ترد على النقد حسبما تعتقد أيضا، والكل أحرار، ms668 فمثلا نقد بعضهم ~~أبا بكر نقودا كثيرة، ورد بعضهم عليها، ونقدوا عمر، وعثمان، وعليا، ~~ورد الآخرون عليهم، ووقفوا عند قول عمر: «إن بيعة أبي بكر كانت فلتة.» ~~فهل معنى فلتة زلة وخطيئة؟ وقال أبو علي الجبائي المعتزلي: «إنها ليست ~~بمعنى زلة، وإنما بمعنى بغتة، يريد عمر أنها حصلت فجأة، ولكن الله تعالى ~~دفع شرها، ولذلك قال عمر: فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، وهذا تحذير عن أن ~~يبايع الناس من غير مشاورة.» # وقد جرهم ذلك إلى تعمق في التحليل النفسي، للكراهة مثلا التي بين عائشة ~~وعلي، وعائشة وفاطمة، ولم كانت العرب تكره أن يكون علي خليفة؟ إلى أشياء ~~كثيرة من هذا القبيل. ~~(4-3) المقارنة بين سياسة عمر، وسياسة علي # ووقفوا عند المقارنة بين سياسة عمر وسياسة علي، ولم كانت سياسة عمر ~~ناجحة وسياسة علي فاشلة، ولم قال الناس: إن عمر كان أسوس، وإن عليا ~~كان أعلم ؛ بل قالوا إن معاوية كان أسوس من علي، وأصح تدبيرا. وقالوا: إن ~~النجاح في السياسة لا يمكن إلا إذا كان السائس يعمل برأيه أحيانا، وبما ~~يرى فيه صلاح ملكه، وتمهيد أمره، وتوطيد قاعدته، سواء وافق الشريعة، أو لم ~~يوافقها، وإلا لم ينتظم أمره. # وعمر كان مجتهدا يعمل بالقياس والاستحسان، ويرى تخصيص النص بالرأي، ~~ويكيد لخصومه، ويأمر أمراءه بالكيد والحيلة، ويؤدب بالدرة، ويصفح عن قوم ~~اجترموا، كل ذلك بقوة اجتهاده، وما يؤديه إليه نظره. # هذه كانت سياسته، أما علي فكان يقف مع النصوص والظواهر، ولا يتعداها إلى ~~الاجتهاد والأقيسة، ولا يضع، ولا يرفع إلا بالكتاب والنص، فاختلفت ~~طريقتاهما في الخلافة والسياسة. وعمر كان شديدا، وعلي كان كثير الحلم، ~~فازدادت خلافة عمر قوة، وازدادت خلافة علي خلافا. زد على ذلك ما حدث من ~~الفتن الكثيرة أيام علي من فتنة قتل عثمان، وفتنة الجمل، وفتنة صفين، ~~فشتان بين الخلافتين فيما يعود إلى انتظام المملكة. # وقد رد على هذا القول بأن الرسول # صلى الله عليه وسلم # كان يلتزم الدين بالضرورة، ~~ويدبر أموره وفقا للدين، ولم يكن الخلاف عليه كالخلاف ms669 على علي، ولم يكن ~~اتباعه للدين سببا في ضعف سياسته. # وأجابوا بأن النبي كان يتصرف عن ~~وحي، والله يقول: # لتحكم بين الناس بما ~~أراك الله ~~(النساء: 105) قالوا: وليس بصحيح أن الناس لم ~~يختلفوا على رسول الله كما اختلفوا على علي؛ فالقرآن مملوء بذكر المنافقين ~~والشكوى منهم، والتألم من أذاهم. وكثير من المسلمين التووا عليه في الحروب، ~~وكثير نازعوا في الأنفال، وطلبوها لأنفسهم، وكرهوا لقاء العدو، وقال الله ~~فيهم: # كأنما يساقون إلى الموت وهم ~~ينظرون ~~(الأنفال: 6) وعلى الجملة، ففي القرآن كثير من ~~الشكوى من المنافقين وغيرهم، فلئن كان عمر ومعاوية أسوس من علي، فسبب ذلك ~~حريتهم أمام الدين حيث يتقيد علي بنصوص الدين. ~~(4-4) العداء بين عائشة وعلي # وحللوا العداء بين عائشة من جهة، وعلي وفاطمة من جهة أخرى، فقال بعضهم: ~~أول بدء هذه العداوة أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # تزوج عائشة عقب موت خديجة ~~فأقامها مقامها، وفاطمة هي ابنة خديجة. ومعلوم أن ابنة الرجل إذا ماتت ~~أمها، وتزوج أبوها أخرى كان بينها وبين المرأة كدر وبغض؛ لأن الزوجة تنفس ~~عليها ميل الأب إليها، والبنت تكره ميل أبيها إلى امرأة غير أمها. وكان ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يظهر حب عائشة فيزداد ما عند فاطمة، ويكرم فاطمة ~~إكراما شديدا، فيزيد ما عند عائشة. وكان رسول الله يقول عن فاطمة: «إنه ~~يؤذيني ما يؤذيها، ويغضبني ما يغضبها.» فيزيد ذلك من غيظ عائشة، فلما تزوج ~~علي فاطمة بالطبيعة تسر إليه ما في نفسها من عائشة، كما أن عائشة كانت ~~تسر إلى أبيها أبي بكر ما في نفسها من فاطمة؛ ولذلك لم تحسن الصلة أيضا ~~بين علي وأبي بكر. ولما حدثت حادثة الإفك قال علي للنبي # صلى الله عليه وسلم # لما ~~استشاره: إن النساء غيرها كثير، وقد جرت العادة أن الناس لا يتورعون عن ~~نقل أحاديث هذا إلى ذاك، أو هذه إلى تلك، بل ربما يزيدون عليها ما يوسع ~~شقة الخلاف. # كل ذلك زاد من بغض كل لصاحبه، ثم إن فاطمة ms670 ولدت أولادا كثيرة بنين ~~وبنات، ولم تلد عائشة ولدا، وكان رسول الله يقيم بني فاطمة مقام بنيه، ~~والزوجة إذا حرمت الولد لم تحب أولاد بنت زوجها، وحدث أن رسول الله سد باب ~~أبي بكر إلى المسجد، وفتح باب علي، فعمل ذلك في نفسها، وحدث أيضا أن ~~ولد لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # إبراهيم من مارية، فأظهر علي السرور بذلك ~~كثيرا، غيظا في عائشة، وكان علي يتعصب لمارية، ويقول بأمرها عند رسول ~~الله، فكان ذلك يوغر صدر عائشة، ثم مات إبراهيم فأبطنت فاطمة وعلي الشماتة، ~~وإن أظهرا كآبة ... # وهكذا من التحليلات الدقيقة التي قامت مقام ما يفعله علماء النفس اليوم ~~في تعليل الحوادث من جهة، ومن جهة أخرى تدل على أن كثيرا من المعتزلة ~~شرحوا الحوادث بين كبار الصحابة، حتى في امرأة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، كما يشرحون ~~الحوادث العادية من غير فرق. # هذه أمثلة مختلفة من الاتجاهات التي كان يتجهها المعتزلة: فأمور ~~ميتافيزيقية، وأمور فيزيقية، وأمور في الفقه والحديث والأصول، وأمور في ~~السياسة، وقد كان يمكن أن تكون الأمور السياسية أبحاثا خارجة عن الدين كما ~~تبحث المسائل السياسية اليوم، ولكنهم ألصقوها بالدين بالحكم على الموافق ~~منهم لآرائهم بالصلاح والتقوى، والمخالف لآرائهم بالفسوق والعصيان. وكثيرا ~~ما كانوا إذا تعرضوا لعمل من أعمال الصحابة حكموا بعصيانه، أو بعدم عصيانه، ~~وبأنه يستحق الجنة أو النار، وبأن عمله يوافق الدين أو يخالفه، وسلك خصومهم ~~مسلكهم، فكان من ذلك أن اصطبغت الأمور السياسية بالصبغة الدينية. # | هوامش # الفصل الثالث # | بين الشيعة والمعتزلة # اختلف الشيعة والمعتزلة في الأجل، فقالوا: لو لم يقتل القاتل المقتول، هل كان ~~يجوز أن يبقيه الله تعالى؟ فقال أبو الهذيل العلاف بموته لو لم يقتله القاتل، وليس ~~يجوز أن يكون الله تعالى قد أجل أجله، ثم يقتل قبل بلوغه، أو يخترم دونه، ولا أن ~~يتأخر عما أجل له. وحجته في ذلك توبيخ الله المنافقين على قولهم: # لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ~~(آل ~~عمران: 156)، فقال تعالى: # لقل فادرءوا عن أنفسكم ms671 ~~الموت إن كنتم صادقين ~~(آل عمران: 168)؛ فدل على أنهم لو ~~تجنبوا مصارع القتل لم يكونوا ليدرءوا ذلك الموت عنهم. وقالت الأشعرية والجهمية ~~والجبرية: إنها آجال مضروبة محدودة، وإذا أجل الأجل، وكان في المعلوم أن بعض الناس ~~يقتل، وجب وقوع القتل منه لا محالة، وليس يقدر القاتل على الامتناع عن قتله. # وقال قوم من معتزلة البغداديين بالقطع على ~~حياته لو لم يقتله قاتل، وهذا عكس ما ذهب إليه أبو الهذيل، ومن والاه. قالوا: لو لم ~~يمت المقتول في ذلك الوقت إذا لم يقتله القاتل، لما كان القاتل مسيئا إليه إذ لم ~~يفوت عليه حياة، لو لم يبطلها لبقيت، لما كان القاتل مسيئا إليه إذ لم يفوت عليه ~~حياة، لو لم يبطلها لبقيت، ولما استحق القود، ولكان ذابح الشاه بغير إذن مالكها قد ~~أحسن إلى مالكها؛ لأنه لو لم يكن قد ذبحها ماتت فلم ينتفع بلحمها. قالوا: فإذا قال ~~لنا: فهل تقولون إنه قطع عليه عمره؟ قلنا: إن الزمان الذي كان يعيش فيه لو لم يقتله ~~القاتل، لا يسمى عمرا إلا على سبيل المجاز، وإنا نقطع على أنه إن لم يقتل لمات. ~~وقال قدماء الشيعة: الآجال تزيد وتنقص، ومعنى الأجل الوقت الذي علم الله تعالى أن ~~الإنسان يموت فيه إن لم يقتل قبل ذلك، أو لم يفعل فعلا يستحق به الزيادة أو ~~النقصان في عمره. قالوا: وربما يقتل الإنسان الذي صرف له من الأجل خمسون سنة وهو ~~ابن عشرين، وربما يفعل من الأفعال ما يستحق به الزيادة فيبلغ به مائة سنة، أو يستحق ~~به النقص فيموت وهو ابن ثلاثين سنة. قالوا: فمما يقتضي الزيادة صلة الرحم، ومما ~~يقتضي النقيصة الزنا، وعقوق الوالدين. قالوا: ومما يدل على ذلك قوله تعالى: # ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ~~(البقرة: 179)؛ فحكم سبحانه بأن إثبات القصاص مما يمنع القاتل عن القتل؛ فتدوم حياة ~~المقتول، فلو كان المقتول يموت لو لم يقتله القاتل، ما كان في إثبات القصاص حياة، ~~وأما إلزام القاتل القود والغرامة فلأنا لا نقطع ms672 بموت المقتول لو لم يقتل، بل يجوز ~~أن يبقى. # ويرى المعتزلة أيضا أن لملك الموت أعوانا تقبض الأرواح بحكم النيابة عنه، ولولا ~~ذلك لتعذر عليه، وهو جسم أن يقبض روحين في وقت واحد، أحدهما في المشرق، والآخر في ~~المغرب؛ لأن الجسم الواحد لا يكون في مكانين في وقت واحد. ولا يبعد أن يكون الحفظة ~~الكاتبون هم القابضون للأرواح عند انقضاء الأجل، وإنما يكون ذلك في الوقت الذي يأذن ~~الله تعالى به، وهو حضور الأجل، فألزموا أن يغوص الملك مع الفريق ليقبض روحه تحت ~~الماء، وقالوا: ليس بمستحيل أن يتخلل الملك الماء في مسامه، فإن فيه مسام ~~ومنافذ. # الفصل الرابع # | رجال المعتزلة في دور الضعف # وفي دور ضعف المعتزلة، وذهاب دولتهم ظهر أعلام قلائل كانوا أكفاء لرفع راية ~~الاعتزال. # نذكر منهم: أبا القاسم البلخي، وأحيانا يلقب بالكعبي، وقد كان رأس طائفة من ~~المعتزلة يقال لهم الكعبية، وله مقالات كثيرة في الاعتزال، ومات سنة 217ه. # ومنهم التنوخي، وقد تلقب بهذا اللقب أكثر من واحد، وكلهم معتزلة. # ومنهم أبو علي الجبائي، وهو أستاذ أبي الحسن الأشعري إمام أهل السنة، كان رئيس ~~المعتزلة نسبة إلى جبي من أعمال خوزستان، مات سنة 303ه، وقد رد أيضا على ابن ~~الراوندي، ولما خرج الأشعري رد عليه، ولكن مع الأسف لم يصلنا شيء من ذلك، ولا من ~~تفسيره للقرآن على مذهب الاعتزال، وأظن أن الزمخشري قد استفاد منه بعد في تفسيره، ~~وكثيرا ما يخلط الناس بينه وبين ابنه أبي هاشم الجبائي، وقد كان أيضا عالما ~~كبيرا من علماء المعتزلة، وإليه تنسب فرقة معتزلية تسمى «البهشمية» نسبة إلى أبي ~~هاشم، وقد انتشرت كثيرا في الري، وما حولها بسبب تأييد الصاحب ابن عباد الوزير ~~البويهي له. # ولما ضعفت الدولة العباسية، واختل نظامها، جاءت الدولة البويهية، وذلك أن الخليفة ~~العباسي المستكفي جعل أحمد بن بويه أميرا للأمراء، وأنعم عليه بلقب معز الدولة، ~~وكان يدعي الانتساب إلى ملوك ساسان؛ فتسلط هو وإخوته على الخلفاء، يعزلونهم إن ~~شاءوا، ويبقونهم إن شاءوا، ووسعوا سلطانهم ms673 فأخذوا أصبهان وشيراز، حتى بلغوا ~~الأهواز، وألفوا دولة اتخذوا عاصمتها شيراز. والذي يهمنا هنا أن دولة بني بويه ~~كانت دولة شيعية تتظاهر بشعائر الشيعة جهارا، وتحتفل بالأعياد الشيعية، كإقامة ~~المناحة في عاشوراء حدادا على الحسين، وتحتفل بعيد الغدير، إلى غير ذلك ... # وكان أهم أمرائهم وألمعهم عضد الدولة، وقد كان يقيم في شيراز، ولكن لم يمنعه ذلك ~~من إصلاح بغداد، وإنشاء عدد كبير فيها من المساجد والمستشفيات. ومما خدم به التشيع ~~إنشاؤه مشهد علي، وقد كان يرعى العلم والأدب، وينفق فيهما الأموال الكثيرة، وإذ ~~كانت دولة بني بويه شيعية كما ذكرنا، وكان قسم كبير من المعتزلة شيعيا أيضا، ~~أفسحت الدولة البويهية صدرها للمعتزلة، فوجدنا الاعتزال يترعرع فيها، فابن العميد ~~الذي كان واليا للبويهيين على إقليم الري كان معتزليا. # الفصل الخامس # | القاضي عبد الجبار # وابن عباد أعظم وزراء البويهيين كان معتزليا أيضا، وكان يقرب العلماء ~~والأدباء، وقالوا: إنه كان يرسل إلى بغداد كل سنة خمسة آلاف دينار لتفرق على ~~الفقراء، وأهل الأدب، وكان هو نفسه عالما أديبا حتى ألف في اللغة معجما كبيرا ~~يقع في سبع مجلدات سماه «المحيط»، كما كان محدثا، كما ألف في إمامة علي بن أبي ~~طالب، وقد عين المعتزلي الكبير عبد الجبار قاضي القضاة له، وجاء في رسائل الصاحب ~~العهد الذي عهد به الصاحب إليه، وجاء فيه: «هذا ما عهد مؤيد الدولة إلى عبد الجبار ~~بن أحمد، ولاه قضاء القضاة بالري، وقزوين، وسهرورد، وقم، وما يجري معها، ~~ويتصل بها، علما بما لديه من علم يهتدى بأضوائه، وورع يستسقى بأنوائه، وكفاية ~~يكتنفها الحلم والحجي، وأمانة يبعثها النسك والتقى، وموقع في علية أهل الدين ترمقه ~~النواظر، ومكان من صفوة المسلمين تعقده الخناصر.» وبعد أن أمره باتباع الكتاب ~~والسنة والإجماع، قال: «وإذا عرض في الأحكام ما يعضل استخراجه، ويستبهم رتاجه، ~~فليتبين ويتئد، وليفكر ويجتهد، ويستشر أماثل العلماء ويستحد، ويأخذ من آراء ~~الفقهاء، ولا يستبد، حتى إذا وضحت له القضية أكمل فضل الاستشارة، بيمن الاستخارة، ~~وأمضى من الحكم، ما يأمن فيه مصارع ms674 الظلم، # ولكم في ~~القصاص حياة يا أولي ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الظالمون ~~(المائدة: 45) إذا اشتجرت، والألحاظ ~~إذا تصرفت، والألفاظ إذا جرت، بين الغني المثري، والفقير المقوى، والقوي الموقر، ~~والضعيف المستحقر، فليس بالثراء تشرف المنازل وترتفع، ولا بالإقواء تضعف الوسائل ~~وتضع. وبعد فكل عباد الله يسعهم فضله، ومشرع في حكم الله، يشملهم عدله: # إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم ~~خبير ~~(الحجرات: 13). # 1 # وتدل الرسائل على أن الصاحب بن عباد كان يعز القاضي عبد الجبار ~~ويوقره، ويواليه بالكتابة على تشيع واعتزال عرفا عن البويهية. # وقد ألف عبد الجبار كتبا كثيرة وصل إلينا: «شرح الأصول الخمسة عند المعتزلة» في ~~أجزاء عدة شرحا مستفيضا مسهبا، يبين أصول المعتزلة ونظراتهم في إسهاب، # 2 # ونقلت عنه أقوال كثيرة كان يحاج بها الشريف المرتضى. # وقد كان الشريف المرتضى نقيب الطالبين ببغداد، وكان عالما كبيرا، بقيت لنا من ~~تآليفه «أمالي المرتضى - الغرر والدرر - الشيب والشباب»، وكان شيعيا على مذهب ~~الإمامية. # 3 # وكان يرى في الإمامة، وفي تفسير أعمال الصحابة ما يوافق مذهبه، وكان قاضي القضاة ~~عبد الجبار شيعيا معتزليا، ومعنى هذا أنه أقل تعصبا للتشيع، وأكثر تحكيما ~~للعقل؛ لذلك جرى بين العالمين الكبيرين جدال طويل في مسائل كثيرة نسوق أمثلة منها. ~~وأنت إذا رأيت في الكتب كلاما يسند إلى النقيب فهو الشريف المرتضى، فإن أسند إلى ~~قاضي القضاة فهو عبد الجبار. # وربما صورنا أصول الخلاف بين الشريف المرتضى، وعبد الجبار في كلمة صغيرة، وهي أن ~~الشريف المرتضى لما كان شيخا للإمامية في عصره، كان يرى بطبيعة الحال أن هناك ~~نصا من النبي # صلى الله عليه وسلم # على استخلافه لعلي، لا من طريق الكفاية وحدها، بل إن النبي # صلى الله عليه وسلم # نص عليه بالاسم، بل إن الخلافة فيه، وفي أبنائه من فاطمة من بعده. وإذ ~~كان علي معينا بالاسم، فأبو بكر وعمر مغتصبان حقه، ظالمان له، وذلك عكس الزيدية ~~من الشيعة؛ إذ كانوا يرون أن النبي عينه بالوصف لا بالشخص، فهم يعتقدون ms675 صحة ~~إمامتهما، وأن خلافتهما صحيحة، وكثير من المعتزلة على هذا الرأي؛ إذ كانوا قد قالوا ~~بصحة إمامة المفضول كما ذكرنا من قبل؛ فكان الشريف المرتضى من الرأي الأول القائل ~~ببطلان إمامة أبي بكر وعمر وعثمان، وكان للقاضي عبد الجبار من الرأي الثاني القائل ~~بصحة إمامة المفضول. # وطبيعي أن الإمامية - ومنهم الشريف المرتضى - لم تتحرج من نقد أبي بكر وعمر ~~وعثمان، وتفسير الأحداث التاريخية وفق مذهبهم، كما أن من الطبيعي دفاع القاضي عبد ~~الجبار عنهم، والرد على مطاعن الإمامية؛ فقامت بذلك ثورة عنيفة بين ~~العالمين. # قال الإمامية: إن الرسول # صلى الله عليه وسلم # نص على إمارة علي نصا صريحا جليا غير ~~نص يوم الغدير، # 4 # فإنه كان تلميحا، بل إنه نص عليه بالخلافة، وبإمرة المؤمنين، وأمر ~~المسلمين أن يسلموا عليه بها، وصرح لهم في كثير من المقامات بأنه خليفة عليهم من ~~بعده، وأمرهم بالسمع والطاعة له. أما الشيعة من المعتزلة فتقول: إنه إن لم يكن هناك ~~نص صريح مقطوع به، وإن يكن شيء فتلميح وإيماء يحتمل الدلالة عليه، ويحتمل ~~غيرها. # ومن المؤسف أنه قد اختلقت أحاديث كثيرة زادت في شناعة الموقف، كإسنادهم أن عمر ~~ضرب فاطمة بالسوط، وضغطها بين الباب والجدار حتى صاحت: «يا أبتاه»، وأنه هدد عليا ~~بالقتل إن لم يبايع، إلى آخر الأحداث التي لم تثبت تاريخيا. # أما المعتزلة فقالوا: إنه لو كان هناك نص صريح لا يحتمل الشك ما تجرأ جمهور ~~الصحابة على مخالفته، ولكان علي نفسه عند مخالفتهم له قد ذكرهم بهذا النص؛ ~~فعدلوا عن مبايعة غيره، بل لو كان هذا النص موجودا ما بايع علي غيره، وكانت ~~مبايعته لأبي بكر وعمر وعثمان خطأ منه، خصوصا أنه لم يصلنا خبر عن أن أحدا من ~~هؤلاء أكرهه إكراها شرعيا، وكل ما في الأمر أن كثيرا من الصحابة عرفوا مزايا ~~علي من شجاعة وعلم، ونحو ذلك، ولكن لاعتبارات دينية واجتماعية ومصلحية فضلوا أن ~~يبايعوا أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فلما جاء دور علي لم يتأخروا عن ~~مبايعته. # ولما ms676 لم يعجب الإمامية هذا الكلام وجهوا نقودا كثيرة إلى من سبق عليا من ~~الأئمة. فمثلا: ثارت ضجة كبيرة حول مسألة «فدك»، وهي قرية اختلف عليها أبو بكر من ~~ناحية، وعلي وفاطمة من ناحية أخرى، وهي قطعة من الأرض كانت مما أفاء الله على رسول ~~الله، فدخلت في ملكه ومات عنها، فهل تورث أو لا تورث؟ وإن ورثت ففاطمة أحق بها، ~~ووجهة نظر أبي بكر أنه علم أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: «نحن معشر الأنبياء لا نورث، ~~ما تركنا صدقة.» وكان رسول الله يتصدق بغلتها، فكان أبو بكر يصنع فيها ما كان يصنع ~~رسول الله، وجاء عمر فعمل ما كان يعمل أبو بكر. وفاطمة وعلي كانت وجهة نظرهما أن ~~المال مال النبي، وأنه يعود عليهما بالإرث، وقد أنصفهما أبو بكر إذ روي أنه قال ~~لفاطمة: «أنت عندي صادقة أمينة، إن كان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عهد إليك في ذلك عهدا ~~أو وعدك به وعدا صدقتك، وسلمته لك، فقالت: لم يعهد إلي في ذلك بشيء، ولكن الله ~~تعالى يقول: # يوصيكم الله في أولادكم ~~(النساء: 11) فقال أبو بكر: أشهد لقد كان رول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنا ~~معاشر الأنبياء لا نورث»، ثم اتسعت شقة الخلاف بين، فقال أبو بكر: أشهد لقد كان ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث»، ثم اتسعت شقة الخلاف بين ~~الرأيين، واتهموا أبا بكر بالخطيئة، واتهموا عمر بممالأة أبي بكر، وشغلت الحادثة ~~الناس زمنا طويلا حتى أتت إلى عبد الجبار وخصومه، فقال عبد الجبار: «إن الخبر ~~الذي احتج به أبو بكر هو: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، لم يقتصر على روايته هو ~~وحده، بل استشهد عليه عمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن ~~بن عوف؛ فشهدوا كلهم به، فكان لا يحل لأبي بكر وقد صار الأمر إليه أن يقسم التركة ~~ميراثا فيعطي فاطمة حقها، حتى لقد روي أن فاطمة لما سمعت شهادة هؤلاء الشهود ms677 كفت، ~~ولكن بعض الشيعة تعصب لها أكثر من نفسها، فقالوا: قال الله: # وورث سليمان داوود ~~(النمل: 16)؛ فهذا نبي ورث، فرد ~~الآخرون عليهم بأنه ورثه العلم والحكمة، لكنه لم يورثه المال، وقد صمم أبو بكر وعمر ~~على رأيهما. هذه خلاصة وجيزة لهذه الحادثة. # وماتت فاطمة وعلي وأبو بكر وعمر، فلا ندري معنى لأن يبقى الخلاف قائما بعد مرور ~~نحو ثلاثة قرون، بل إلى الآن، ويدخل الأمر في الدين، وتنقسم المذاهب المختلفة، بل ~~من العجيب أن تستمر إلى يومنا هذا مع التناحر والتخاصم. # نعم، إننا نفهم أن تكون المسألة مما يصح أن يعرض له المؤرخون اليوم وأمس وغدا، ~~شأنها في ذلك شأن المسائل التاريخية، أما أن تكون سببا للتنافر والتخاصم بعد زوال ~~أصحابها بقرون، فأمر يدعو إلى العجب. # وقس على هذا كثيرا من المسائل التي من هذا القبيل. # بعد هذا نعرض لمثل من نقد الشيعة الإمامية لأبي بكر؛ # 5 # فقد نقدوه بأنه هو وعمر كانا من جيش أسامة الذي أرسله النبي # صلى الله عليه وسلم # للغزو، وقد تأخرا عن السير معه، فتأخرهما يقتضي مخالفة للرسول، فأجاب قاضي ~~القضاة بأن أبا بكر لم يثبت أنه كان في جيش أسامة، والمسألة مسألة مصالح عامة، وقد ~~اختير أبو بكر ليكون أمير المؤمنين، فالمصلحة تقتضي بقاءه لتيسير الأمور، وإلا ساءت ~~حال المسلمين ... وقد استأذن أسامة في أن يبقى معه عمر ليعينه. # ونقدوا أبا بكر أيضا في قصة خالد بن الوليد، وأن خالدا قتل مالك بن نويرة، ~~وتزوج امرأته في ليلته، ثم إن أبا بكر ترك إقامة الحد عليه، وإيقاع العقوبة عليه، ~~وقال أبو بكر: «إن خالدا سيف من سيوف الله سله الله على أعدائه، فلا أعاقبه، مع أن ~~الله تعالى قد أوجب القود»، واعتذر عن أبي بكر بأن خالدا قد اعتذر لأبي بكر ~~عن خطئه، وقد قبل أبو بكر عذره لجليل أعماله. قال المرتضى: «إن أبا بكر لا يملك ~~العفو في الحدود؛ لأنها حق الله، فالعفو عنه تغافل عن أمره، وإقرار له على الخطأ ~~الذي وقع ms678 فيه.» # ونقدوا أبا بكر أيضا في أنه استخلف عمر، مع أن النبي # صلى الله عليه وسلم # لم يستخلف، خصوصا ~~أنه روي عن أبي بكر أن رسول الله لم يستخلف، وقد أجيب عنه بأن كون رسول الله لم ~~يستخلف لا يدل على تحريم الاستخلاف، كما أن النبي لم يركب الفيل، فلا يدل على تحريم ~~ركوب الفيلة، وقد رأى أبو بكر المصلحة في ذلك، وخاف من حصول الخلاف بين الصحابة بعد ~~وفاته على من يكون إماما، فبت في الأمر باستخلاف عمر. # ونقدوه أيضا بأنه سمى نفسه خليفة رسول الله، مع اعترافه بأنه لم يستخلفه. وأجاب ~~قاضي القضاة: بأن الصحابة سموه خليفة رسول الله؛ لاستخلافه إياه على الصلاة عند ~~موته، إلخ ... وهذا إن دل على النشاط الفكري، وحرية الرأي، فإنه يدل مع الأسف على ~~الفرقة الشديدة وعدم توجههم إلى الناحية العملية التي تصلح بها أمور ~~المسلمين. # ومثل ذلك أيضا ما طعنوا به عمر في مسألة الشورى عند موته، فقد روي أنه قال: «لا ~~أدري ما أصنع بأمة محمد؟ قال له ابن عباس: لم تهتم وأنت تجد من تستخلفه عليهم؟ قال: ~~أصاحبكم؟ - يعني عليا - قلت: نعم. هو لها أهل في قرابته من رسول الله وصهره، وفي ~~سابقته وبلائه. قال عمر: إن فيه بطالة وفكاهة. قال ابن عباس: قلت: فأين أنت من ~~طلحة؟ قال عمر: فأين الزهو والنخوة؟ قلت: فعبد الرحمن بن عوف. قال عمر: هو رجل صالح ~~على ضعف فيه، قلت فسعد؟ قال: ذاك صاحب منقب وقتال، لا يقوم بقرية لو حمل أمرها. ~~قلت: فالزبير. قال: وعقة لقس، مؤمن الرضا، كافر الغضب، شحيح ... وإن هذا الأمر لا ~~يصلح إلا لقوي في غير عنف رفيق في غير ضعف، جواد في غير سرف. قلت: فأين أنت عن ~~عثمان؟ قال: لو وليها لحمل بني أبي معيط على رقاب الناس ...» # ونحن نشك في هذا الحديث لأسلوبه، ومع كل ذلك فالمعنى صحيح، وهو أن عمر جعل الأمر ~~في هؤلاء الستة لحيرته في أيهم أصلح للإمامة، فطعن المرتضى عليه من ms679 وجوه: فأولا: ~~ذم كل واحد بأن ذكر فيه طعنا، ثم أهله للخلافة، ثانيا: قال: إن اجتمع علي ~~وعثمان، فالقول ما قالاه، وإن صاروا ثلاثة، فالقول للذين فيهم عبد الرحمن ... قال ~~المرتضى: إنما قال عمر ذلك لعلمه بأن عليا وعثمان لا يجتمعان، وأن عبد الرحمن لا ~~يكاد يعدل بالأمر عن عثمان لقرابته منه، وقال: إنه أمر بضرب أعناقهم إن تأخروا عن ~~البيعة فوق ثلاثة أيام، وهم لم يأتوا أمرا يستوجب القتل، وقد أجاب عبد الجبار أن ~~عمر إنما فعل ذلك؛ لأنه لم ير في نظره رجلا كاملا حتى يسند الخلافة إليه، فرشح ~~أصلحهم لها، وثانيا: إنما رجح الجانب الذي فيه عبد الرحمن؛ لأنه أزهدهم في ~~الخلافة، فأسند إليه الاختيار. ثالثا: قوله: إن عثمان وعليا لا يجتمعان، وأن عبد ~~الرحمن يميل إلى عثمان قلة دين، لا يصح أن تسند إلى عبد الرحمن بمجرد الرأي. ~~ورابعا: أمره بقتل من تخلف ليس بثابت صحته، ولو صح لكان عمر معذورا، لأنه يئول ~~بالأمة إلى الشقاق. # هذا ملخص صغير جدا مما دار بين المرتضى وعبد الجبار. # 6 # | هوامش # الفصل السادس # | الزمخشري # ثم جاء بعد ذلك الزمخشري، # 1 # وإذا نحن وصلنا إليه، وإلى عبد الجبار فقد وصلنا إلى خلاصة مجهود ~~المعتزلة، وأبحاثهم في أربعة قرون تقريبا، وهو أبو القاسم محمود بن عمر الخوارزمي ~~الزمخشري، # 2 # وهو إمام كبير في التفسير والنحو واللغة، مؤلف تآليف عظيمة في كل ذلك، ~~ففي اللغة والبلاغة «أساس البلاغة»، و«المستقصى في الأمثال»، و«الفائق في غريب ~~الحديث»، و«مقدمة الأدب»، وفي النحو «المفصل»، و«الأنموذج»، و«المفرد المؤلف»، وله ~~كتاب «الرائض في علم الفرائض»، وله «أطواق الذهب في المواعظ»، إلى غير ذلك من الكتب ~~القيمة، وكلها فيه جدة وابتكار، وأعظمها تفسير الكشاف المشهور. # وقد اشتهر الزمخشري في عصره، ومدحه الشعراء والأدباء، وطلب العلماء أن يعطيهم ~~الإجازة في رواية كتبه. ومن لطيف ذلك أن الحافظ أبا الطاهر السلفي كتب إليه من ~~الإسكندرية يستجيزه، وكان الزمخشري مجاورا بمكة، قضى فيها زمنا طويلا، وسكن في ~~دار قريبة من الكعبة، واستفاد ms680 في أثناء ذلك فوائد كثيرة، فكتب إليه الزمخشري جوابا ~~طويلا يشبه خطاب أبي العلاء لابن القارح، يقول فيه: «ما مثلي مع أعلام العلماء إلا ~~كمثل السها مع مصابيح السماء ... والجهام الصفر والرهام مع الغوادي الغامرة ~~للقيعان والآكام، والسكيت المخلف مع خيل السباق، والبغاث مع الطير العناق ~~... وما التلقيب بالعلامة، إلا شبه الرقم بالعلامة، والعلم مدينة أحد بابيها ~~الدراية، والثاني الرواية، وأنا في كلا البابين ذو بضاعة مزجاة، ظلي فيها أقلص من ~~ظل حصاة، أما الرواية فحديثة الميلاد، قريبة الإسناد، لم تستند إلى علماء نحارير، ~~ولا إلى أعلام مشاهير، وأما الدراية فثمد لا يبلغ أفواها، وبرض ما يبل شفاها ... ~~ولا يغرنكم قول فلان وفلان في ... (وعدد قوما من الشعراء والأدباء)، فإن ذلك ~~اغترار منهم بالظاهر المموه، وجهل بالباطن المشوه، ولعل الذي غرهم مني ما رأوا ~~من حسن النصح للمسلمين، وإيصال الشفقة إلى المستفيدين، وقطع المطامع عنهم، وإضافة ~~المبار والصنائع عليهم، وعزة النفس ، والذب بها عن السفاسف الدنيات، والإقبال ~~على خويصتي، والإعراض عما لا يعنيني، فجللت في عيونهم، وغلطوا في، ونسبوني إلى ما ~~لست منه في قبيل ولا دبير». # وإنما سقنا هذه الفقرة أولا: للدلالة على أسلوبه؛ وثانيا: لأنه شهر بين الخاصة ~~من قومه بالعلم، حتى استجازوه. وثالثا: لدلالتها على أنه كان عزيز النفس، محبا ~~للخير، كافا على ما لا يعنيه، مقبلا على شأنه، وهو مع ذلك يتستر وراء هذه القطعة ~~بالاعتداد بنفسه، إذ يقول في بعض شعره: # سهري لتنقيح العلوم ألذ لي # من وصل غانية وطول عناق # وتمايلي طربا لحل عويصة # أشهى وأحلى من مدامة ساقي # وصرير أقلامي على أوراقها # أحلى من الدوكاء والعشاق # 3 # وألذ من نقر الفتاة لدفها # نقري لأنفي الرمل عن أوراقي # أأبيت سهران الدجى وتبيته # نوما وتبغي بعد ذاك لحاقي؟ # والذي يهمنا هنا الكلام عن تفسيره واعتزاله، ~~وكان يجاهر بمذهبه، ويدونه في كتبه، ويصرح به في مجالسه، وكان إذا قصد صاحبا له ~~استأذن عليه في الدخول، ويقول لمن يأخذ له الإذن: قل له: «أبو القاسم المعتزلي ~~بالباب»، ms681 وقد بذل مجهودا كبيرا، وتحمل عناء شاقا في سبيل تفسير الآيات القرآنية ~~على مقتضى مذهب الاعتزال من الأصول الخمسة، وهي: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، ~~والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، # 4 # فمثلا: إن في القرآن الكريم آيات ظاهرها يدل على الاختيار، وأن العبد ~~يخلق أفعال نفسه، وآيات ظاهرها أن الله خالق كل شيء، والتوفيق بينهما متعب جدا، ~~وقد حار في ذلك كل المتكلمين، وقالوا: إن هذا من الأسرار التي لا يمكننا الوصول ~~إليها، وإن عقلنا البشري لا يستطيع إدراك سرها، وإن كان الصوفية من أمثال محيي ~~الدين بن عربي، والغزالي رأوا أنهم أدركوا ذلك عن طريق الكشف. # على كل حال تعب الزمخشري كثيرا في التوفيق، وتفسير الآيات على هذه الأصول، ~~والتعاليم المعتزلية الأخرى، كنفي السحر، وأنه ليس قلبا لطبائع الأشياء، وإنما ~~هو لعب بأعين الناظرين وعقولهم، وعدم رؤية الجن، وغير ذلك، ونسوق الآن أمثلة تدل ~~على مقدار ما فعل، فأول ذلك مثلا: أنه بدأ كتابه «الكشاف» بقوله: الحمد لله الذي ~~خلق القرآن على مذهبي في الاعتزال، ثم غيرت فيما بعد بالحمد لله الذي أنزل القرآن، ~~ومثلا: قال تعالى: # ختم الله على قلوبهم وعلى ~~سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ~~(البقرة: 7)، وظاهرها ~~أنه تعالى حجر على قلوبهم، فلا يستطيعون بعد الإيمان، هذا الظاهر ضد ما يقوله ~~المعتزلة في اختيار العبد في خلق أفعال نفسه فقال: إنه لا ختم على القلوب، ولا على ~~الأسماع، ولا تغشية على الأبصار على الحقيقة، وإنما هو من باب المجاز، ويحتمل أن ~~يكون من كلا نوعيه، وهما الاستعارة والتمثيل: أما الاستعارة فأن تجعل قلوبهم لأن ~~الحق لا ينفذ فيها، ولا يخلص إلى ضمائرها من قبل إعراضهم عنه.. واستكبارهم عن قبوله ~~واعتقاده كأنها مستوثق منها بالختم، وأبصارهم لأنها لا تجتلي آيات الله المعروضة، ~~كأنما غطي عليها، إلخ ... # وثانيا: لما جاء إلى آية: # فلم تقتلوهم ولكن ~~الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله ~~رمى ~~(الأنفال: 17)، كان ظاهرها أن أفعال العباد كلها منسوبة إلى ~~الله في الواقع، وليست نسبتها ms682 إلى الله إلا نسبة إلى الظاهر، فجاء الزمخشري، فأول ~~الآية أيضا إذ قال: إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم، ولكن الله قتلهم؛ لأنه هو ~~الذي أنزل الملائكة، وألقى الرعب في قلوبهم، وشاء النصر والظفر، وقوى قلوبكم، # وما رميت إذ رميت ولكن الله ~~رمى ~~(الأنفال: 17)، يعنى أن الرمية التي رميتها لم ترمها أنت على ~~الحقيقة؛ لأنك لو رميتها لم يبلغ أثرها إلا ما يبلغ أثر رمية البشر، ولكنها كانت ~~رمية الله حيث أثرت ذلك الأثر العظيم، فأثبت الرمية لرسول الله؛ لأن صورتها وجدت ~~منه، ونفاها عنه؛ لأن أثرها الذي لا يطيقه البشر فعل الله، وهكذا ... أول الآيات كلها ~~من هذا القبيل على مذهب الاعتزال. # ولما وصل الزمخشري إلى قوله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء ~~(النساء: 48)، فسرها على مذهب المعتزلة؛ فوقف ~~عند الجملة الأولى: # إن لله لا يغفر أن يشرك ~~به ~~، وجعل لمن يشاء متعلقا فقط به يغفر ما دون ذلك؛ فهو لا يغفر ~~الشرك مطلقا، ويغفر ما دون ذلك لمن تاب: بخلاف السنية فقد قالوا: إن الله يغفر ~~ما دون الشرك لمن يشاء، ولو من غير توبة. وتقييد المعتزلة، مغفرة ما دون ذلك ~~بالتوبة مما لا دليل عليه، وقد قال الزمخشري: إنها لو لم تقيد بالتوبة لزم إغراء ~~الله تعالى العبد بالمعصية، والإغراء بذلك قبيح يستحيل على الله. # وقال الزمخشري في قوله تعالى: # ألم يؤخذ عليهم ~~ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ~~(الأعراف: 169) إن المراد من الآية توبيخ أولئك الورثة على إثباتهم القول بالمغفرة ~~مع إصرارهم على ما هم فيه. وعن ابن عباس رضي الله عنه أنهم وبخوا على إيجابهم على ~~الله غفران الذنوب التي لا يزالون يعودون إليها، ولا يتوبون منها. وعرض الزمخشري ~~في تفسيره بأهل السنة، وزعم أن مذهبهم هو مذهب اليهود بعينه، حيث جوزوا غفران ~~الذنوب من غير توبة. # وكذلك أول آيات الحسد في مثل قوله تعالى: # قل أعوذ ~~برب الفلق * من شر ما خلق * ومن ms683 ~~شر غاسق إذا وقب * ومن شر النفاثات في ~~العقد * ومن شر حاسد إذا حسد ~~(الفلق: ~~1-5) لا بالتعاويذ ونحوها، ولكن من طريق إيقاع الشقاق، وبث الأخبار لإفساد النفوس، ~~إلى غير ذلك. # وفي نظري أن هذا كله وضع مقلوب، فبدل أن يطبق المبادئ، ويخضع القرآن لها، كان يجب ~~أن يطبق القرآن، ويخضع المبادئ له، ولكن هذا كانت طريقته. # وإذ كان إيمان الزمخشري إيمانا جدليا، وأعني بالإيمان الجدلي الإيمان عن طريق ~~المنطق، والمقدمات، والنتائج، والقياس، فقد أنكر ما يقوله الصوفية في شأن الحب، ~~فالصوفية يقولون في حب الله كما يقول المحبون من البشر بعضهم في بعض، وحتى إنهم ~~استعاروا في حبهم ألفاظ الغزل، وشعر الغزليين من الشعراء، كأبي نواس، ومسلم بن ~~وليد، وذكروا الوصال والهجران، والغناء في المحبوب، ونحو ذلك، وقالوا في ذلك الشيء ~~الكثير، ننقل لك بعضا منه؛ من ذلك: قول أبي عبد الرحمن السلمي: «المحبة أن تغار ~~على محبوبك أن يحبه غيرك»، وقالوا: «المحبة سكر لا يصحوا صاحبه إلا بمشاهدة ~~محبوبه»، ثم السكر الذي يحصل عند المشاهدة لا يوصف، وأنشدوا: # فأسكر القوم دور كأس # وكان سكري من المدير # وقالوا: «الشوق احتياج القلب إلى لقاء المحبوب، وعلى قدر المحبة يكون الشوق.» ~~وقيل لبعض الصوفية: هل تشتاق إليه؟ فقال: إنما الشوق إلى غائب، وهو حاضر لا يغيب ... ~~إلخ إلخ. # وقالوا: إن الحب ينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ الأول: محبة العوام، وهي الحب للإحسان، ~~وقد جبلت القلوب على محبة من أحسن إليها، وهو حب يتغير، وهو حب الذين يطلبون أجرا ~~على ما يعملون، وفيه يقول أبو الطيب: # وما أنا بالباغي على الحب رشوة # ضعيف هوى يرجى عليه ثواب # القسم الثاني: محبة الخواص، الذين يحبون الله إجلالا وإعظاما، ولأنه أهل لذلك، ~~وإلى هذا أشار النبي بقوله: نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه. # وقالت رابعة العدوية: # أحبك حبين حب الهوى # وحب لأنك أهل لذاكا # وهذا الحب لا يتغير لبقاء الجمال والجلال. # والقسم الثالث: محبة خواص الخواص، وهو الحب الناشئ من الجذبة الإلهية، وأهل ms684 هذه ~~المحبة هم المستعدون لكمال المعرفة، وحقيقتها: أن يفنى المحب في المحبوب، وربما بقي ~~صاحبها حيران سكران، لا هو حي فيرجى، ولا ميت فيبكى. وفي مثل ذلك يقول ~~الشاعر: # يقولون إن الحب كالنار في الحشا # ألا كذبوا فالنار تذكو وتخمد # وما هو إلا جذوة مس عودها # ندى فهي لا تذكو ولا تتوقد # ومحبة الرب لهذه الأقسام هي فيما يتعلق بالعوام الرحمة، وكأنه قال لهم: اتبعوني ~~بالأعمال الصالحة أرحمكم، وتعلقت بالخواص من حيث الفضل، وكأن الله قال لهم: اتبعوني ~~بمكارم الأخلاق أخصكم بتجلي الجمال عليكم. وتعلقت بخواص الخواص من حيث الجذبة، فكأن ~~الله قال لهم: اتبعوني ببذل الجود، أخصكم بجذبي لكم. # وقالوا: والقطرة من هذه المحبة تغني عن الغدير. # وفي سكرة منها ولو عمر ساعة # ترى الدهر عبدا طائعا ولي الحكم # إلى كثير من مثل هذه الأقوال ... # والزمخشري وأمثاله من المعتزلة لا يؤمنون بشيء من ذلك، ويرون أن الحب بهذا المعنى ~~لا يكون إلا بين الأشخاص الماديين، ولا يمكن أن يكون بين العبد والله، إنما المحبة ~~من العبد الطاعة، ومن الله الثواب. وعلى هذا درج الزمخشري في تفسيره، واستنكر ما ~~ذهب إليه الصوفية في كثير في تفسيره لآيات الحب. وطبيعي أن يكون هناك خلاف بين ~~المؤمن بعقله، والمؤمن بقلبه. # على كل حال، كان الزمخشري قويا كل القوة في تفسيره لبلاغته، وبيان بلاغة القرآن ~~وإعجازه، وتمكنه من اللغة والأساليب، حتى إن أهل السنة لم يستطيعوا أن يتخلوا ~~عنه، بل انتفعوا به، واستخدمه كل المفسرين الذين أتوا بعده تقريبا في علمنا. وقد ~~ألف ابن المنير الإسكندري المالكي قاضي الإسكندرية، المتوفى سنة 687ه، كتابا ضمنه ~~التنبيه على ما في الكشاف من الاعتزال، وناقشه، ورد عليه، أو فسر الآيات الدالة ~~على الاعتزال في نظر الزمخشري بتفسير آخر كما يفهمه أهل السنة. # وعلى الجملة، فقد كاد يكون الزمخشري آخر فحل من الفحول الذين دافعوا عن الاعتزال، ~~فلم يأت بعده من يسابقه، أو يجاريه. # | هوامش # الفصل السابع # | أدب المعتزلة # وقد خلف المعتزلة للعالم العربي أدبا كثيرا، ونستعمل ms685 هنا كلمة أدب بالمعني ~~الواسع، فتفاسير للقرآن، وتحاليل للأحداث التاريخية، وملء الهواء بالمناظرات التي ~~لا حد لها، كالمناظرات في خلق القرآن إلى دراسات للحيوان لدلالته على قدرة الله، ~~إلى شعر ومراسلات، إلى إثارات للعقول، ويكفيهم فخرا في الأدب صحيفة بشر بن المعتمر ~~في البلاغة، وما ألفه الجاحظ في موضوعات كثيرة لم يكن يستطيع أن يؤلف فيها لولا ~~الاعتزال، إلى أدب البويهيين، والصاحب بن عباد، وابن العميد، ومن كان في بلاطهما من ~~الأدباء، إلى مناقشات القاضي عبد الجبار إلى أدب الزمخشري. ولكن مع الأسف أنه لما ~~دالت دولة المعتزلة، وكرهوا من عامة العلماء اختفت أيضا كتبهم إلا القليل، وأصبح ~~الناس يتقربون إلى الله بإحراقها، بل إنا نعد من أدب المعتزلة ما قيل في هجائهم ~~وسبهم؛ إذ لو لم يدعوا دعواتهم ما هجوا، ومن أمثلة ذلك: ما كتبه فيهم بديع الزمان ~~الهمذاني في إحدى مقاماته، واسمها «المقامة المارستانية». # وسماها المارستانية؛ لأنه تصور رجلا مجنونا في مستشفى المجاذيب دخل عليه ~~رجلان: عيسي بن هشام، ومعتزلي اسمه أبو داود العسكري، فأخذ هذا المجنون يشتم ~~المعتزلي، ويهجوه، ويسفه آراءه، فمثلا يقول له: «إن الخيرة لله لا لعبده»، وذلك ~~خلاف ما يقوله المعتزلة من أن العبد مختار مطلق في أفعاله، وليس لإرادة الله دخل ~~فيها. ويقول له: إنكم يا معتزلة # 1 # تقولون: «خالق الظلم ظالم، أفلا تقولون: خالق الهلك هالك؟»؛ ذلك لأن ~~المعتزلة يقولون: إن الله لو كان خالقا لأفعال العبد، وفي الناس من يقع منهم ~~الظلم، لكان الله خالقا للظلم، ولو كان خالقا للظلم كان ظالما؛ فرد عليهم بقوله: ~~إن الله خالق فناء العالم، وفناء الأفراد، فعلى قياسكم يكون خالق الإفناء فانيا، ~~تعالى الله عن ذلك. # ويقول: «إن إبليس خير منكم؛ إذ يقول: # رب بما ~~أغويتني ~~، فأقر بالإغواء، وأنكرتم، وآمن وكفرتم ...»، وتقولون: ~~«إن العبد يختار أفعال نفسه، والمختار لا يبعج بطنه، ولا يفقأ عينه، ولا يرمي من ~~حالق ابنه»، أي إنه إذا كان مختارا ما صدرت عنه هذه الأفعال، ثم قال: «فليحزنكم أن ~~القرآن بغيضكم، ms686 وأن الحديث يغيظكم، وإذا سمعتم: # من يضلل ~~الله فلا هادي له ~~(الأعراف: 186)، وإذا سمعتم: زويت # 2 # لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها، جحدتم»؛ وذلك لأن أكثر المعتزلة ~~ينكرون الإسراء والمعراج إلا بالروح. ثم إذا قيل: عرضت علي الجنة حتى هممت أن أقطف ~~ثمارها، وعرضت علي النار حتى اتقيت حرها بيدي، أنغضتم رءوسكم، ولويتم أعناقكم. ~~وإن قيل: عذاب القبر، تطيرتم. وإن قيل: الصراط، تفاخرتم؛ وذلك لأن أكثر المعتزلة ~~ينكرون وجود الجنة والنار اليوم، كما ينكرون عذاب القبر بآلام حسية، وإنما هي - كما ~~يقولون - بآلام نفسية، كما ينكرون عذاب الصراط بالمعنى المادي، ويقولون: «إنه عبارة ~~عن طريق الحق»، ثم يسبهم «بأنهم خبث الحديث»؛ لأنهم اعتزلوا حديث الناس لما سمعوا ~~حديث الحسن البصري، فسماهم من أجل ذلك خبث الحديث، كما سبهم بأنهم «مخانيث ~~الخوارج»، والمخانيث: جمع مخناث، كالمخنث؛ وذلك لأنهم اتفقوا مع الخوارج في تفسيق ~~بعض الناس الذين حكموا أبا موسى الأشعري، ولم يكن من رأيهم التحكيم، ولكن الخوارج ~~كان من رأيهم قتال من حكموا بتضليله، وأما المعتزلة فلا يرون القتال، فالمعتزلة ~~بالنسبة للخوارج كالمخانيث من الرجال ... إلخ. # والذي يظهر أن بديع الزمان حكى لنا صورة من أقوال الناس في عصره ضد المعتزلة لما ~~زالت دولتهم؛ فكان خصومهم يقولون عليهم مثل ما حكى بديع الزمان، وأن بديع الزمان ~~أديب فقط، لا هو فيلسوف، ولا متكلم، وذلك شأن بعض أدبائنا اليوم كحافظ، وشوقي، ~~يتلقفون الآراء من العلماء الدارسين، ويصرفونها في شكل شعري جميل، وربما كان بديع ~~الزمان ماكرا مخادعا؛ إذ سمى المقامة مارستانية، وجعل سبهم على لسان مجنون، كأن ~~المعتزلة لا يسبهم إلا مجنون. # وكان من ضمن أدباء المعتزلة قوم من أحرار النحويين دعوا إلى القياس في اللغة، ومن ~~أعلامهم أبو علي الفارسي، وتلميذه ابن جني، وكلاهما معتزلي؛ فكان يقول أبو علي: «ما ~~قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب، فإذا عربت العرب لفظة أعجمية أجريت عليها ~~أحكام الإعراب، وعددتها من كلام العرب، وأجزت الاشتقاق منها، كما عرب العرب لفظة ~~الدرهم، واشتقوا منه درهمت ms687 الخبازي صار وزنها كالدراهم، وقالوا: رجل ~~مدرهم، أي كثرت دراهمه.» # وكان يقول: «لو شاء شاعر أو ساجع أن يبني بإلحاق لام الكلمة اسما أو فعلا لجاز ~~له، ولكان ذلك من كلام العرب، وذلك نحو قولك: خرجج أكرم من ذخلل، وضربب زيد عمرا، ~~ومررت برجل ضربب، ونحو ذلك. فقال له تلميذه ابن جني: أفترتجل اللغة ارتجالا؟ قال: ~~ليس بارتجال، ولكنه مقيس على كلامهم؛ فهو إذن من كلامهم ... ألا ترى أنك تقول: طاي ~~الخشكنان من كلام العرب، وإن لم تكن العرب تكلمت به هكذا.» # وأما ابن جني، فقد نحا في كتابه الخصائص منحى جديدا طريفا يدل على تذوقه اللغة، ~~وتوسعه فيها، رأى الفقهاء وضعوا للفقه أصولا، والمتكلمين وضعوا لعلم الكلام ~~أصولا، فأراد أن يضع للغة أصولا، وكان له فضل فيما سماه «الاشتقاق الكبير»، ويعني ~~به أصول الكلمة، وتقليبها على وجوهها المختلفة، واستخراج التباديل، والتوافيق منها، ~~كأن تأخذ كلمة «كلم»، وتحولها إلى ملك، ومكل، ولكم، وكمل، ولمك، وتمعن النظر فيها ~~لتنظر هل هذه الحروف إذا جمعت كلها دلت على شيء واحد، وترى أن هذه الحروف إذا جمعت ~~دلت على القوة. ومما يؤسف له أن مدرسة القياس هذه لم تستمر في سيرها؛ فقد نكبت ~~عندما نكبت المعتزلة. # كان المعتزلي يتباهى باعتزاله، ويفتخر به، قال صاحب الحور العين: «إن المعتزلة ~~ينظرون إلى جميع المذاهب كما تنظر ملائكة السماء إلى أهل الأرض مثلا، ولهم من ~~التصانيف الموضوعات، والكتب المؤلفات في دقائق التوحيد والعدل، والتنزيه لله - عز ~~وجل - ما لا يقوم به سواهم، ولا يوجد لغيرهم، ولا يحيط به علما لكثرته إلا الله، ~~عز وجل. وكل متكلم بعدهم يغترف من بحارهم، ويمشي على آثارهم، ولهم في معرفة ~~المقالات والمذاهب المبدعات تحصيل عظيم، وحفظ عجيب، وغرض بعيد لا يقدر عليه غيرهم، ~~ينقدون المذاهب كما ينقد الصيارف الدنانير والدراهم.» # 3 # وقد أخذ مصباح المعتزلة يخبو شيئا فشيئا إلى أن انطفأ، وأصبح القول بالاعتزال ~~سرا بعد أن كان جهرا؛ ولذلك أسباب سنذكرها عند الكلام على الأشعري، إن شاء ~~الله. # | هوامش ms688 # | أهل السنة # الفصل الأول # | الأشاعرة # عرف هذا الاسم منذ أن جاء أبو الحسن الأشعري البصري، والأشعري هذا ربيب المعتزلة؛ ~~فقد تربى عليهم، وأخذ الكلام منهم، وقد روى السبكي في طبقات الشافعية: «أنه قام على ~~الاعتزال أربعين سنة، حتى صار للمعتزلة إماما.» وقال الحسين بن محمد العسكري: «كان ~~الأشعري تلميذا للجبائي، وكان صاحب نظر، وذا إقدام على الخصوم، وكان الجبائي صاحب ~~تصنيف وقلم، إلا أنه لم يكن قويا في المناظرة، فكان إذا عرضت مناظرة قال للأشعري: ~~نب عني.» # فنحن إذا أنصفنا قلنا: إن مذهبه هو مذهب المعتزلة معدلا في بعض مسائله، ولكنه ~~استطاع أن يحول كثيرا من الناس من الاعتزال إلى مذهبه الجديد، ونجح في ذلك إلى حد ~~كبير. # علمنا أنه نشأ معتزليا، ولكنه تحول. قال بعضهم: إنه رأى رؤيا جعلته يعدل عن ~~الاعتزال، وهذا لا يقنع. وقالوا: إنه اعتكف في بيته طويلا، ثم أعلن عدوله عن ~~الاعتزال. وإن صح ذلك فمعناه: أنه ظل يفكر طويلا في أصول الاعتزال ، فلما لم يرضه ~~بعضها عدل عن الاعتزال، يضاف إلى ذلك أنه ناظر أستاذه أبا علي الجبائي في بعض ~~المسائل، وقالوا: إنه انتصر عليه - كما سنذكر - فكان ذلك من الأسباب التي دعته إلى ~~ترك الاعتزال. وفي نظري أنه انتصر على المعتزلة لأسباب: ~~(1) # أن الناس كانوا قد ملوا كثرة المناظرات، والمماحكات، والمحن التي ~~شهدوها، أو سمعوا بها في محنة خلق القرآن، فكرهوا هذه الطائفة التي ~~سببت لهم كل هذه المشاكل، وأخذ كثير منهم بأزر من يجابههم. ~~(2) # أن أبا الحسن - على ما يظهر من ترجمته - كان جدلا قوي الحجة، فلفت ~~الأنظار إليه، وكان أيضا معروفا بالصلاح والتقوى، وحسن المظهر، مما ~~جذب نفوس الناس إليه، ووجدوا فيه الشخص الذي يلقون حملهم عليه إذا ~~عدلوا عن الاعتزال. ~~(3) # أن السلطات الحكومية من عهد المتوكل قد تخلت عن نصرة المعتزلة، وأغلب ~~الناس يمالئون الحكومة أينما كانت، ويخافون أن يعتنقوا مذهبا لا ~~ترضاه، فهربوا من الاعتزال إلى من يهاجم الاعتزال. ~~(4) # رزق أبو الحسن الأشعري بأتباع أقوياء، أخذوا مذهبه، ودعوا إليه، ms689 ~~ودعموه بالأدلة والبراهين، أمثال: إمام الحرمين، والإسفراييني، ~~والباقلاني؛ فكان كل عالم من هؤلاء العلماء لمنزلته العظيمة يرغب الناس ~~في الدخول في مذهب الأشعري، ويبعدهم عن الاعتزال. ~~(5) # سقطت الدولة البويهية الشيعية، وجاء عقبها الدولة السلجوقية التركية ~~السنية، وكانت دولة قوية تنصر السنية بالعقلية التركية، ورزق ملكها ألب ~~أرسلان بالوزير العظيم «نظام الملك»، وكان في الدولة السلجوقية يشبه ~~ابن العميد، وابن عباد في الدولة البويهية، هذان ينصران التشيع ~~والاعتزال، وهذا ينصر السنية، وقد كان نظام الملك هذا مثقفا ثقافة ~~واسعة، عالما، سياسيا، حكيما، حتى إنه طلب إلى رجال عصره أن يؤلف ~~كل منهم كتابا يشرح فيه كيف يتصور أن تكون الحكومة العادلة؛ فألف هو ~~كتاب «سياسة نامة»، وألف في هذا الموضوع الرحالة المشهور «ناصر خسرو»، ~~كما ألف في ذلك «عمر الخيام». # ومن جليل أعماله أنه أنشأ مدارس كثيرة من أشهرها المدرسة النظامية، ومدرسة في ~~نيسابور، ومدرسة في هراة، إلى مدارس أخرى، وحشر في هذه المدارس العلماء العظام ~~أمثال أبي حامد الغزالي يدرسون على مذهب أهل السنة؛ فانتشر مذهبهم في كل الأنحاء، ~~وكانت النتيجة الطبيعية لهذا أن يخمد التشيع والاعتزال. # ومع هذا فلم يخل الأشعري في أول أمره من ساخطين عليه، مهاجمين له حتى لم يتورع ~~بعضهم من أن يسلقه بألسنة حداد، وقد تجمع ضده المعتزلة لما خرج عليهم، فألفوا ~~الكتب ضده، وفندوا مذهبه، كذلك فعل الذين خالفوه في بعض آرائه، مثل ابن حزم ~~الأندلسي، فلم يتورع أن يقول فيه أقذع الأقوال، وممن لم يكن يؤمن به - على ما يظهر ~~- الإمام المذهبي. # اعتكف الأشعري في بيته 15 يوما يفكر في كل ما تعلم عن المعتزلة. قالوا: «ثم خرج ~~إلى الجامع، وصعد المنبر، وقال: معاشر الناس، إنما تغيبت عنكم هذه المدة لأني نظرت، ~~فتكافأت عندي الأدلة، ولم يترجح عندي شيء على شيء، فاستهديت الله فهداني إلى ~~اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقده، كما انخلعت من ثوبي ~~هذا، وانخلع من ثوب كان عليه، ورمى به.» # وأول ما بلغنا من ms690 شكه وخروجه أنه ناظر أستاذه الجبائي، فقال الأشعري له: ما قولك ~~في ثلاثة: مؤمن، وكافر، وصبي؟ فقال الجبائي: المؤمن من أهل الدرجات، والكافر من أهل ~~الهلكات والصبي من أهل النجاة. فقال الأشعري: فإن أراد الصبي أن يرقى إلى أهل ~~الدرجات هل يمكن؟ قال الجبائي: لا، يقال له: إنما المؤمن إنما نال هذه الدرجة ~~بالطاعة، وليس لك مثلها، قال الأشعري: فإن قال: التقصير ليس مني، فلو أحييتني كنت ~~عملت من الطاعات كعمل المؤمن، قال الجبائي: يقول له الله: كنت أعلم أنك لو بقيت ~~لعصيت ولعوقبت، فراعيت مصلحتك، وأمتك قبل أن تنتهي إلى سن التكليف ... قال الأشعري: ~~فلو قال الكافر: يا رب علمت حاله كما علمت حالي، فهلا راعيت مصلحتي مثله؟ فانقطع ~~الجبائي.» وهذه المناظرة مبنية على قول المعتزلة: إن الله تعالى يجب عليه مراعاة ~~الأصلح للعبد، فناقشه الأشعري في هذا المبدأ. # ورووا مناظرة أخرى له، خلاصتها: أن رجلا سأل الجبائي: هل يجوز أن يسمى الله ~~عاقلا؟ فقال الجبائي: لا؛ لأن العقل مشتق من العقال، والعقال بمعنى المانع، والمنع ~~في حق الله محال. فقال الأشعري للجبائي: فعلى قياسك لا يسمى الله تعالى حكيما؛ ~~لأن هذا الاسم مشتق من حكمة اللجام، وهي الحديدة المانعة للدابة عن الخروج، ويشهد ~~لذلك قول حسان: # فنحكم بالقوافي من هجانا # ونضرب حين تختلط الدماء # بمعنى نمنع بالقوافي من هجانا. # وقال آخر: # أبني حنيفة حكموا سفهاءكم # إني أخاف عليكم أن أغضبا # أي امنعوا سفهاءكم، فإذا كان اللفظ مشتقا من المنع، والمنع على الله محال، لزمك ~~أن تمنع إطلاق «حكيما» عليه تعالى، فلم يجد الجبائي جوابا، وسأل الأشعري: ما تقول ~~أنت؟ قال: أجيز حكيما، ولا أجيز عاقلا ... لأن طريقي في مأخذ أسماء الله السماع ~~الشرعي، لا القياس اللغوي، فأطلقت حكيما، لأن الشرع أطلقه، ومنعت عاقلا، لأن ~~الشرع منعه، ولو أطلقه الشرع لأطلقته، وهكذا سار الجدل بينهما حتى انفصل عنه ~~الأشعري، وعن الاعتزال. ~~(1) انتصار الأشاعرة # لم تسر الأمور بعد ذلك سيرا هادئا بسبب ما تمكن في الناس من الاعتزال، فكنا ~~نرى ms691 مناظرات بين العلماء، وحيرة واضطرابا بين الناس، فمثلا: يروون أنه ~~«اجتمع أبو إسحاق الإسفراييني الأشعري، والقاضي عبد الجبار المعتزلي، فقال عبد ~~الجبار في ابتداء جلوسه للمناظرة: سبحان من تنزه عن الفحشاء، فقال ~~الإسفراييني: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء. فقال عبد الجبار: فيشاء ~~ربنا أن يعصى؟ فقال الإسفراييني: أيعصى ربنا قهرا؟ فقال عبد الجبار: أفرأيت أن ~~منعني الهدى، وقضى علي بالردى، أحسن إلي أم أساء؟ فقال الإسفراييني: إن كان ~~منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو له، فيختص برحمته من يشاء. فانقطع عبد ~~الجبار ... وهذه المناظرة مبنية على أن المعتزلة تقول: إن الله لم يرد الكفر من ~~الكافر، بل تركه يفعل ما يشاء باختياره. والأشعري ومن تبعه يقولون: إن الله ~~خالق أفعال العباد. # وأحيانا تشتد الخصومة، كالذي روى أن السلطان السلجوقي طغرل بك كان له وزير ~~اسمه الكندري، وكان شيعيا معتزليا متعصبا للتشيع، وكان يعقد في داره مجالس ~~للمناظرة، كما كانت دور غيره أيضا مكانا للمناظرة، فأوعز للسلطان طغرل بك ~~بلعن المبتدعة على المنابر، ودس عنده أن الأشعرية من ضمن المبتدعة، واتخذ ذلك ~~ذريعة إلى إهانة أتباع أبي الحسن، ومنعهم من الوعظ والتدريس، وعزلهم من خطبة ~~الجامع، واستعان بالحنفية على الشافعية، وأكثر الشافعية أشعرية، حتى حكى بعضهم ~~أن اضطهاد الأشاعرة في هذه الحادثة يشبه اضطهاد الأمويين للعلويين. وفي هذه ~~الفتنة أمر طغرل بك بسبب هذه الدسائس أن يقبض على كثير من كبراء الأشعرية كإمام ~~الحرمين، وأبي القاسم القشيري، وأبي سهل بن الموفق. ولما قرئ الكاتب بنفيهم ~~تحرشت بهم العامة والأوباش، وقد حبس بعضهم، وهرب بعضهم. وكان ممن هرب إمام ~~الحرمين، فقد هرب إلى الحجاز، ولم تخمد هذه الفتنة إلا بتغير الأحوال؛ فقد قتل ~~الكندري وخلف ألب أرسلان طغرل بك. # ومما يدل على هلع الناس وفزعهم ما نرى في هذا العصر من استفتاءات من الناس ~~للعلماء الذين يثقون بهم، وعقد المجامع لإصدار الفتاوى، مثل الفتوى التي صدرت ~~من القشيري يشكو مما أصاب أهل السنة، ويحكي ms692 ما نالهم من المحنة. والفتوى التي ~~صدرت من الحافظ البيهقي ... ونحن نسوق مثلا نص سؤال للعلماء، وجواب عليه مما يدل ~~على الحيرة.. فمثلا: استفتى بعض أهل بغداد بعض العلماء فقالوا: ما قول السادة ~~الأئمة الأجلة في قوم اجتمعوا على لعن فرقة الأشعري وتكفيرهم، ما الذي يجب ~~عليهم؟ فأجاب قاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني الحنفي بقوله: «إنه قد ابتدع ~~وارتكب ما لا يجوز، وعلى الناظر في الأمور - أعز الله أنصاره - الإكثار عليه، ~~وتأديبه بما يرتدع به هو وأمثاله عن ارتكاب مثله.» ووقع على الكتاب الدامغاني ~~هذا. وبعد ذلك كتب أبو إسحاق الشيرازي فتوى أخرى يقول فيها: الأشعرية أعيان أهل ~~السنة، ونصار الشيعة انتصبوا للرد على المبتدعة من القدرية والرافضة وغيرهم، ~~فمن طعن فيهم فقد طعن على أهل السنة، وإذا رفع أمر من يفعل ذلك إلى الناظر في ~~أمر المسلمين وجب عليه تأديبه بما يرتدع به كل أحد، ومثل هذا كان ~~كثيرا. # ومن الفتاوى فتوى القشيري يقول فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم، اتفق أصحاب ~~الحديث أن أبا الحسن الأشعري كان إماما من أئمة أصحاب الحديث، ومذهبة مذهب ~~أصحاب الحديث، تكلم في أصول الديانات على طريقة أهل السنة، ورد على المخالفين ~~من أهل الزيغ والبدع، وكان على المعتزلة والروافض والمبتدعين من أهل القبلة، ~~والخارجين عن الملة سيفا مسلولا، ومن طعن فيه، أو قدح، أو لعنه، أو سبه ~~فقد بسط لسان السوء في جميع أهل السنة»، بذلنا خطوطنا طائعين بذلك في هذا الدرج ~~في ذي القعدة سنة ست وثلاثين وأربعمائة، كتبه عبد الكريم ابن هواز القشيري، ~~ووقع على هذا الكتاب أيضا تحته الخبازي، وكتب الجويني وغيرهما. # 1 # وكتب عبد الجبار الإسفراييني مثل هذا بالفارسية كتابا هذا تفسيره: «إن أبا ~~الحسن الأشعري كان إماما، ولما أنزل الله - عز وجل - قوله: # يحبهم ويحبونه ~~(المائدة: 54) أشار ~~المصطفى إلى أبي موسى الأشعري». # 2 # ومن هذا القبيل أيضا ما حصل من التآليف في ذلك العصر وبعده، فقد ألفت ~~الرسائل في الطعن في أبي الحسن الأشعري، كما ألفت الكتب ms693 والرسائل في الدفاع ~~عنه، فمن ألف في الدفاع عنه ابن عساكر الإمام الكبير، فقد ألف كتابا سماه ~~«تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأمام أبي الحسن الأشعري»، وكل هذا يدل على ~~حركة واسعة النطاق كانت بين خصوم أبي الحسن الأشعري ومؤيديه. # وكما قلنا من قبل: إن أبا الحسن الأشعري قد رزق أتباعا كثيرين من العلماء ~~الأقوياء من شافعية، ومالكية، وحنفية، وحنبلية. فمن الآخذين عنه: أبو إسحاق ~~الإسفراييني، والشيخ أبو بكر القفال، والحافظ الجرجاني، والشيخ أبو محمد الطبري ~~العراقي، وأكثرهم جالسه، وأخذ عنه شفاها، ثم جاءت بعد هؤلاء طبقة ثانية من ~~الصعلوكي والداراني، وأبو بكر الباقلاني، وأبو بكر بن فورك. # ومن الطبقة الثالثة: أبو الحسن السكري، وأبو منصور النيسابوري، وأبو منصور ~~البغدادي، والحافظ الهروي، وغيرهم ... ومن الرابعة: الخطيب البغدادي، وأبو القاسم ~~القشيري، وإمام الحرمين. ومن الخامسة: الغزالي، وفخر الإسلام الشاشي، وأبو نصر ~~القشيري، وابن عساكر، والسمعاني، وأبو طاهر السلفي. ومن السادسة: فخر الدين ~~الرازي، وسيف الدين الآمدي، وعز الدين بن عبد السلام ، وابن الحاجب المالكي، إلى ~~كثير غيرهم ... وكل هؤلاء تبايعوا على نصرة مذهبه، مع علو مكانتهم، وسعة نفوذهم، ~~مما آل أخيرا إلى انتشار المذهب، وخفوت خصومه. ~~(2) المسائل الأساسية في مذهبه، والتي خالف فيها المعتزلة ~~(2-1) الخلاف على الصفات # كل المسلمين يقولون بالتوحيد، بل إن عنوان دين الإسلام هو «لا إله إلا ~~الله»، ولكن المعتزلة فلسفوا هذا التوحيد، وبحثوه بحثا كلاميا، وعمقوه ~~تعميقا جدليا، فمثلا قالوا: إن كثيرا من الآيات والأحاديث تنسب إلى ~~الله القدرة، والإرادة، والعلم، والحياة، والكلام، فهل هذه الصفات عين ~~ذاته، أو غير ذاته، أو لا عين ولا غير؟ وهي مسألة تحرج العلماء قبلهم عن ~~الخوض فيها. فلما قالوا: هم بالتوحيد من جميع جهاته، فإن حقيقته تعالى ~~أحدية من كل وجه، لا كثرة فيها بوجه من ~~الوجوه؛ إذ لو كانت هذه الصفات غير ذاته، لكانت مركبة، ولو كانت مركبة ~~لاحتاج كل جزء إلى الأجزاء الأخرى. وأيضا لو كان هناك صفات غير الذات ~~لكانت قديمة قدم الذات، ولتعددت القدماء، ms694 وليس قديما إلا أن يكون إلها، ~~فلو كان هناك صفات قديمة لتعددت الآلهة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ~~فقالوا: إنه تعالى حي عالم قدير، مريد بذاته، لا بعلم وقدرة وحياة ~~زائدة على ذلك، إذ لو كان عالما بعلم زائد، ومتصفا بهذه الصفات كلها؛ ~~لأنها زائدة على ذاته - كما هو الحال في ~~الإنسان - لكان هناك صفة وموصوف، وحامل ومحمول، وهذه صفة الجسمية، والله ~~تعالى منزه عن الجسمية، فكان زعيمهم أبو الهذيل العلاف يقول: «إنه عالم ~~بعلم هو هو، وقادر بقدرة هي هو، وحي بحياة هي هو، وإنما اختلف التعبير ~~لغرض، فإذا قلت عالم، أثبت لله علما هو ذاته، ونفيت عن ذاته الجهل ~~إلخ.» # ويقول النظام مثلا: إن صفات الله إنما هي صفات سلبية، لا تقتضي للذات ~~شيئا زائدا عليها، فإذا قلت: إنه عالم أثبت لله علما هو ذاته، ونفيت ~~عن ذاته الجهل، ودللت على أن هناك معلومات منكشفة لذاته، وإذا قلت قادر ~~أثبت لله قدرة هي ذاته، ونفيت عن ذاته العجز، ودللت على أن هناك مقدورا له ~~وهكذا. وقال بعض المعتزلة: إن هذه صفات الغرض منها إفادة الناس معانيها، ~~فإذا قلنا عالم، فالغرض منه إفادة الناس علما بأنه لا يجهل، وكذلك بقية ~~الصفات. # فلما جاء الأشعري كان من أهم ما خالف فيه المعتزلة قوله بإثبات هذه ~~الصفات لله؛ فإثبات العلم والقدرة والإرادة له تدل على وجود هذه الصفات ~~متميزة؛ لأنه لا معنى لكلمة عالم إلا أنه ذو علم، ولا لقادر إلا أنه ذو ~~قدرة، والدليل على ذلك أننا إذا قلنا: إنه عالم قادر، فإما أن يكون ~~المفهومان من الصفتين واحدا أو مغايرا، فإن كانا شيئا واحدا وجب أن ~~يعلم بقادريته، ويقدر بعالميته، وليس الأمر كذلك؛ فوجب أن يكون هناك صفة ~~علم وقدرة مختلفين. # وقال أيضا: إن إسناد العلم والقدرة إليه تعالى، إما أن يرجع إلى اللفظ ~~المجرد، وإما إلى تغير الصفات، والرجوع إلى اللفظ المجرد باطل، لأن العقل ~~يقضي باختلاف مفهومين معقولين، أعني أنه يقضي باختلاف مفهوم قادر عن مفهوم ms695 ~~عالم، فتعين أن تكون هناك صفتان قائمتان بنفسيهما غير ذاته؛ فألجأه ذلك إلى ~~أن يقول: «إن الله تعالى عالم بعلم، قادر بقدرة، حي بحياة، مريد بإرادة، ~~متكلم بكلام، سميع بسمع، بصير ببصر، ~~وهذا الصفات أزلية قديمة قائمة بذاته تعالى، لا هي هو ولا هي غيره.» قال: ~~«وعلمه يتعلق بجميع المعلومات، وقدرته تتعلق بجميع المقدورات، وإرادته ~~تتعلق بجميع ما يقبل الاختصاص.» # ومن هنا نشأ الخلاف في مسألة خلق القرآن، فالأشعري يقول: إن الألفاظ ~~المنزلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء دلالات على الكلام الأزلي، ~~والدلالة مخلوقة محدثة، والمدلول قديم أزلي، والمعتزلة لما لم يقولوا بصفة ~~زائدة على الذات قالوا: ليس هناك كلام إلا هذه الألفاظ المنزلة على لسان ~~الملائكة وهي مخلوقة. # والناظر إلى هذا الخلاف يرى أن كلا من المعتزلة والأشعرية جاوزوا ~~حدهم، ودخلوا في سفسطات لا طائل تحتها، وليس العقل البشري بمستطيع شيئا ~~من ذلك. إننا لا نستطيع أن نقول بالنسبة لأنفسنا: إن كنا علمنا غير ذاتنا، ~~وقدرتنا غير ذاتنا، أو هي هي ، فكيف نستطيع أن نقول ذلك في الله، إن عقولنا ~~ضعيفة لا تصلح إلا لخدمتنا في الوصول إلى أغراضنا في الحياة الواقعية، ~~ومحاولة الوقوف على هذه الموضوعات ليست في متناول العقل البشري؛ إن العقل ~~البشري لا يستطيع أن يدرك حقيقة أي شيء إدراكا تاما، وكل ما يستطيع أن ~~يدركه هو بعض صفاته. # إننا لا نستطيع أن ندرك «ماذا»، ولكن قد نستطيع بعد الجهد أن ندرك «كيف»، ~~فلا نستطيع أن ندرك كنه الكهرباء ما هي، ولا الجاذبية، ولا المغناطيسية، ~~ولا كنه الضوء ولا الحرارة، ولا كنه أي شيء من هذا القبيل، وكل الذي ~~نستطيعه أن ندرك كيف نستخدم الكهرباء، والمغناطيسية، والجاذبية، فكيف يشرئب ~~المتكلمون إلى البحث في أن صفات الله هي عين ذاته، أو غير ذاته، ثم يصلون ~~فيها إلى قرار؟ هذا فوق عقل البشر، وفوق قدرتهم، ولعل الباحث في هذا شأنه ~~شأن من يبحث عن نجم دقيق في السماء، ثم يعثر في حجر أمامه، بل ذلك ~~أدق. # إذن فالكلام ms696 في هذا الموضوع سواء من المعتزلة أو الأشعرية أو الشيعة ~~سفسطة لا توصل إلى نتيجة، وأقوال بهلوانية ليس لها إلا أشكال لفظية منطقية، ~~ولا حقيقة وراءها. وما كان أغناهم كلهم عن ذلك، ولو فعلوا لوفروا زمانهم ~~ومجهودهم، ولكنها شراهة العقل. وكان المتقدمون من الصحابة والتابعين أصح ~~نظرا، وأصدق تصرفا، إذ امتنعوا أن يدخلوا هذا الباب الذي لا يوصل، ~~وقالوا: إن الله تعالى ليس كمثله شيء، ولا يشبهه شيء، ورأينا أن الله يقول: # الرحمن على العرش ~~استوى ~~(طه: 5)، وفي الحديث عن الله تعالى: # خلقت بيدي ~~(ص: 75)، ونحو ذلك، فنؤمن بها ولا نؤولها، ~~ونكل أمرها إلى الله، أما الغلو، وأما التأويل فلسنا مكلفين بهما. وقال ~~مالك بن أنس عند سؤاله عن # الرحمن على العرش ~~استوى ~~(طه: 5): الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان ~~به واجب، والسؤال عنه بدعة. ومثل ذلك ما قال أحمد بن حنبل، وسفيان ~~الثوري. ~~(2-2) العدل # ثم قول المعتزلة بالعدل، أي عدل الله تعالى، وقد عدوا هذا جزءا مهما ~~من أصول المعتزلة؛ حتى كانوا يسمون أنفسهم أهل العدل والتوحيد ... وقد وضعوا ~~لهذه الفكرة نظاما شاملا، فأولا: قالوا: بأن في الأشياء حسنا وقبحا ~~ذاتيين يستطيع العقل معرفتهما، وهو مسئول عن ذلك قبل الرسالة وبعد الرسالة، ~~ففي العدل والصدق والشجاعة أوصاف ذاتية يمكن العقل معرفتها. وثانيا إن ~~الله خلق العالم وهو يسيره إلى غاية؛ لأن أعمال الحكماء يقصد منها غايته، ~~والله أحكم الحكماء. # وثالثا: متى كان الله عدلا، وهو يحاسب الناس على أعمالهم ويجازيهم، فلا ~~بد أن يكون الإنسان حر التصرف في أن يكون مسئولا عن عمله؛ فأعمال العباد ~~مخلوقة لهم، وفي قدرة العباد أن يفعلوها وأن يتركوها من غير دخل لإرادة ~~الله، ولولا ذلك ما كان التكليف، إذ لو لم يكن قادرا على الفعل وعدمه، ما ~~صح أن يقال له افعل ولا تفعل، ولا مدح بفعل ولا ذم بترك، ولا كان للأنبياء ~~معنى، وهي مسألة شائكة حيرت أهل الأديان من يهود ونصارى ومسلمين، كما ~~حيرت الفلاسفة من قبل. # ولما جاء الإسلام رأينا ms697 أن هذه المسائل تثار ثم تخمد، ولا يتوسع فيها؛ ~~فيروى أن عمرو بن العاص، وهو في أول الإسلام قال مرة أمام أبي موسي ~~الأشعري: «أين أجد أحدا أحاكم إليه ربي؟» فقال له أبو موسى: «أنا ذلك ~~المتحاكم إليه.» قال عمرو: «أو يقدر علي شيئا ثم يعذبني عليه؟ قال أبو ~~موسى: نعم ... قال عمرو: ولم؟ قال: لأنه لا يظلمك.» # وجاء المعتزلة ووسعوا هذا البحث وفلسفوه، واتخذوا جانب الإرادة، ورأوا ~~أن آيات القرآن بعضها يؤيدهم، وبعضها ضدهم، فساروا في آيات التأييد على ~~وجوهها، وأولو الآيات التي هي ضدهم. فلما جاء دور أبي الحسن الأشعري طلع ~~برأي جديد فقال: إن الله هو خالق أفعال العباد، وهو مريد كل ما يصدر منهم ~~من خير أو شر، فعلمه تعالى وإرادته وقدرته متعلقة بجميع أفعال العباد، ولو ~~قلتم: إن ذلك - إذا كان - تكليف بما لا يطاق، إذ لا يقدر العبد أن يخرج عما ~~أريد منه، قال الأشعرية: أن لا مانع من تكليف ما لا يطاق ... وإذا كان العبد ~~يحس بقدرته، فقدرته لا تأثير لها في خلق الأحداث، ولكن الله تعالى أجرى ~~سنته أن يخلق الشيء عند القدرة الحادثة من العبد، فإذا أراد العبد شيئا، ~~وعزم عليه، وتجرد له خلقه الله، غير أن للعبد شيئا يسمى «كسبا»، وقد ~~فسروا هذا الكسب بأنه: «الاقتران العادي بين قدرة العبد والفعل»، فالله ~~يخلق الفعل عند قدرة العبد وإرادته، لا بقدرة العبد وإرادته، وهذا الاقتران ~~هو الكسب ... وبعبارة أوضح: أن الكسب هو الشعور بالاختيار، ولذلك كانت مسألة ~~الكسب من أهم المسائل عند الأشعرية، وعليها يقع العقاب أو الثواب، وقد ~~ناقشه في ذلك ابن حزم فقال: خبرنا عن هذا الكسب، هل هو مخلوق للعبد أو هو ~~مخلوق لله؟ فإن كان مخلوقا للعبد فقد أثبت للعبد خلقا، وهو ما تنكره، ~~وإن كان لله لم تفعل شيئا. وهو كلام صحيح، ولذلك أكثر الأشعرية في هذا ~~الكسب من غير أن يصلوا إلى نتيجة واضحة، وجاء بعد الأشعري من عرض لهذا ~~الأمر بتفسير آخر فقال: إن ms698 نفي القدرة عن العبد شيء يأباه العقل، فلا بد ~~إذن من نسبة فعل العبد إلى قدرته حقيقة على أنه محدث للعمل، وخالق له. ~~والإنسان كما يحس من نفسه القدرة يحس من نفسه أيضا عدم الاستقلال، فالفعل ~~يستند وجوده إلى قدرة العبد، والقدرة يستند وجودها إلى سبب آخر، وإذا احتاج ~~الأمر استند هذا السبب إلى سبب آخر حتى ينتهي إلى مسبب الأسباب وهو الله، ~~وفي رأيي أن هذا رجوع إلى قول المعتزلة بالتواء. # على كل حال، يميل الأشعرية إلى التوسط بين الجبر والاختيار، وأن الله ~~يوجد القدرة والإرادة في العبد، وقدرة العبد وإرادته لهما مدخل في فعله، ~~فجميع المخلوقات من فعل الله، بعضها بلا واسطة، وبعضها بواسطة، وكون العبد ~~يتوسط هو موضوع المسئولية والمؤاخذة. # كما خالف الأشعرية في هذا الباب المعتزلة في أن الله تعالى يريد الكائنات ~~كلها من خير وشر وإيمان وكفر، وقد دخلوا مع المعتزلة في نقاش طويل خصوصا ~~في مسألة الكفر من الكافر. قالت المعتزلة: إن الله لا يريد كفر الكافر ، ~~وإلا لما أمره به، ولو كان الكفر مرادا لوجب الرضا به، والله لا يرضى ~~لعباده الكفر. وأجابت الأشعرية بأن الأمر ينفك عن الإرادة، كالأمر الذي ~~يصدره من يريد اختبار المأمور، والطاعة موافقة الأمر، وهو غير الإرادة، ~~والرضا إذا نسب إلى الله تعالى فمعناه الثواب، أو ترك الاعتراض عليه، إلخ ~~... # وربما كان من أهم مسائل الخلاف بين المعتزلة والأشعرية اختلاف تصورهما ~~لعدل الله، فالمعتزلة يقولون: إن الله كتب على نفسه العدل، فلا بد أن يعمل ~~العمل لحكمة، ولا بد أن يسير العمل لغاية، ولا بد أن يكون عادلا مع المطيع ~~والعاصي، والمؤمن والكافر، فلا بد أن يكون العبد حرا في العمل يعمل إذا ~~شاء، ويترك إذا شاء، ولا بد أن يثيب الله المطيع، ويعاقب العاصي. # أما الأشعرية فعمادهم أن الله لا يسأل عما يفعل، وإطاعة المطيع ~~تفضل، وعقاب العاصي مقدر، وليس الله ملزما في عمله بغاية، ... ~~إلخ. # وربما كانت نقطة الخطأ عند المعتزلة ومن تابعهم، تصورهم عدل الله ms699 كما ~~يتصورون عدل الحاكم من البشر كخليفة أو سلطان، فطبقوا عدل هؤلاء على عدل ~~الله تعالى، وفاتهم أن العدل تختلف معانيه، حتى باختلاف الناس أنفسهم؛ ~~فالعدل في نظر الإنسان الراقي غير العدل في نظر الرجل البدائي، وقد كان ~~أرسطو يرى الرق عدلا، ونحن اليوم نراه ظلما صارخا، فما بالنا نحاول أن ~~ندرك عدل الله وعقولنا لا تستطيع؟ إن نظرنا للعدل يتصل ببيئتنا، والعدل عند ~~النظر إلى البيئة غير العدل عند النظر إلى الدنيا كلها، والله تعالى يحكم ~~العالم كله، وهو في عدله ينظر إلى العالم كله، وليست الأرض وسكانها إلا هنة ~~من هنات العالم؛ فنحن بالنسبة إلى الله ننظر كما تنظر النملة في محيطها ~~الصغير، فكيف نحكم على عدل الله، ونحن لا ندرك شؤون هذا الكون ومخلوقاته، ~~فضلا عن أننا لا ندرك منه عدل الله وسائر صفاته، فالغلطة هنا كالغلطة هناك ~~التي شرحناها عند الكلام على صفات الله. ~~(2-3) الوعد والوعيد # ومن أصول المعتزلة قولهم بالوعد والوعيد، فمن مات كافرا أو مصرا على ~~كبيرة من الكبائر، فهو مخلد في النار أبدا، ومن مات مؤمنا دخل الجنة ~~أبدا، فخالف في ذلك الأشعري وأصحابه فلم يخلدوا في النار إلا الكفار، ~~والله قادر على أن يغفر لمن يشاء، وتبع ذلك قول الأشعري بالشفاعة، وأساس ~~فكرتهم أن الله مالك لخلقه، يفعل ما يشاء، ويحكم بما يريد، فلو أدخل ~~الخلائق بأجمعهم الجنة لم يكن حيفا، ولو أدخلهم النار لم يكن جورا ولا ~~ظلما؛ إذ الظلم أو الجور هو التصرف فيما لا يملكه المتصرف، أو وضع الشيء ~~في غير موضعه، وهو المالك المطلق، فلا يتصور منه ظلم، ولا ينسب إليه ~~جور. # قال إمام الحرمين في كتاب «الإرشاد»: «إذا ثبت جواز الغفران، وقد شهدت له ~~شواهد من الكتاب والسنة، فيترتب على ذلك تشفيع الشفعاء، وحط أوزار المجرمين ~~بشفاعتهم. # فمذهب أهل الحق أن الشفاعة حق، وقد أنكرها منكرو الغفران، ومن جوز ~~الصفح والعفو بدءا من الله تعالى، فلا يمنع الشفاعة ...» # ويذهب الأشعري في كتابه «اللمع» في تفسير الوعد ms700 والوعيد مذهبا آخر، ~~ويفسر قوله تعالى: # وإن الفجار لفي ~~جحيم ~~(الانفطار: 14)، وغير ذلك من الآيات، بأن الكلام قد ~~يقع على الكل كما يقع على البعض، واللغة تجيز ذلك، كما يقول القائل: جاءني ~~جيراني، وإن لم يأت جميعهم. ~~(2-4) رؤية الله في الآخرة # قال المعتزلة بعدم رؤية الله في الآخرة لقوله تعالى: # لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ~~(الأنعام: 103)، وخالفهم الأشعري فقال: إن الله تعالى يرى في الآخرة بدليل ~~قوله: # وجوه يومئذ ناضرة * ~~إلى ربها ناظرة ~~(القيامة: 22، 23). # قال المعتزلة: إن الرؤية تتطلب أن ~~يكون المرئي في جهة وفي مكان وصورة، واتصال شعاع، وكل ذلك مستحيل على الله. ~~وقالت الأشاعرة: إن كل موجود يصح أن يرى، والمصحح للرؤية هو موجود، ~~والله تعالى موجود فيصح أن يرى، ثم قيود الجهة والمكان، واتصال الشعاع ~~إنما هو شأن الرؤية في الدنيا، وما يدرينا كيف نكون في الآخرة، وعلى أي وضع ~~نتخيل رؤية الباري، وفي رأينا أن مذهب الأشاعرة في ذلك أصح. # وقد أجمع الأشاعرة على جواز رؤية الله في الآخرة ، وجعلوا ذلك من جملة ~~اعتقاد أهل السنة، قال الإسفراييني في «التبصير»: «وأن تعلم أن القديم ~~سبحانه يرى وتجوز رؤيته بالأبصار؛ لأن ما لا تصح رؤيته لم يتقرر وجوده ~~كالمعدوم، وكل ما صح وجوده جازت رؤيته كسائر الموجودات، ودلائل هذه المسألة ~~في كتاب الله كثيرة، منها قوله تعالى: # تحيتهم ~~يوم يلقونه ~~(الأحزاب: 44)، واللقاء إذا أطلق في اللغة ~~وقع على الرؤية، خصوصا حيث لا يجوز فيه التلاقي بالذوات، والتماس بينها، ~~وقد ورد في تفسير الآية الخاصة بموسى: # قال رب أرني أنظر إليك قال لن ~~تراني ~~(الأعراف: 143) أنه لو لم تكن الرؤية جائزة لكان لا ~~يتمناها من هو موصوف بالنبوة. وأيضا فإنه سبحانه قال في جوابه: # لن تراني ~~، ولم يقل: لن أرى، وفيه دليل على ~~أنه يصح أن يرى ... ~~(2-5) خلق الأفعال # وكان من أهم المسائل التي خالف فيها الأشاعرة المعتزلة مسألة «خلق ~~الأفعال»، فالمعتزلة قالوا: إن الإنسان يخلق أفعال نفسه، ولذلك يسأل ~~عنها، وتكون مثوبته وعقوبته عليها ms701 عدلا، فجاء الأشعرية فقالوا: إن للعبد ~~قدرة مؤثرة بإذن الله تعالى، وإن له اختيارا، ولكنه مجبور على اختياره، ~~وقدرته ليست مؤثرة أصلا، بل هي كاليد الشلاء، فنفوا الاختيار عن العبد، ~~وهذا هو الذي يتفق مع أن الله يخلق ما يشاء. # ومن أدق مسائل الاختلاف بين الأشاعرة والمعتزلة الآية التي علقت بالمشيئة ~~مثل: # وما تشاءون إلا أن يشاء ~~الله ~~(الإنسان: 30)، ومثل قوله: # قالوا ~~إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مهتدون ~~(الزخرف: 22) جعل الزمخشري هذه الآية دليلا على ~~أن الله لم يشأ الكفر من الكافر، وكفر أهل السنة القائلين بأن المقدورات ~~كلها بمشيئة الله، ووجه ذلك أن الكفار لما ادعوا أنه تعالى شاء منهم الكفر ~~حيث قالوا: # لو شاء الرحمن ما ~~عبدناهم ~~( الزخرف: 20) ... إلخ، أي لو شاء - جل جلاله - أن ~~نترك عبادة الأصنام لتركناها، فرد الله عليهم، وأبطل اعتقادهم بقوله: # ما لهم بذلك من علم ~~(الزخرف: 20)، فلزم حقيقة خلافه، وهو عين ما ذهب إليه، ويلزمه كفر القائلين ~~بأن قوله تعالى في صورة الزخرف: # جعلوا له من ~~عباده جزءا ~~(الزخرف: 15)؛ فيكون ما تضمنته كفرا آخر، ~~ويلزمه كفر القائلين بأن الكل بمشيئتة، وقال بعض الجبرية: إن كفرهم بذلك ~~لأنهم قالوه على سبيل الاستهزاء، ورده الزمخشري بأن السياق لا يدل على أنهم ~~قالوا مستهزئين، وحيث بطل أنهم قالوها على طريق الهزء وجب أن يكونوا ~~جادين. # هذا إلى مسائل في الخلاف بين الأشعرية والمعتزلة لا نطيل بذكرها، كخلافهم ~~في الشفاعة ينكرها المعتزلة، ويقرها أهل السنة، وكالصراط والميزان والحوض، ~~يقول المعتزلة: إنها معان رمزية، ويقول أهل السنة: إنها حقائق واقعية ... ~~إلخ. ~~(3) الغزالي والرازي # جاء عالمان كبيران قويا مذهب الأشعري، وزادا في انتشاره، هما أبو حامد ~~الغزالي، وفخر الدين الرازي، فقد كان لهما مقام كبير عند المسلمين، وتأليفات ~~كثيرة، استقبلت بالقبول. ~~(3-1) أبو حامد الغزالي # فأما أبو حامد الغزالي فقد كان أعجميا من طوس، جيد الأسلوب، متدفق ~~التعبير، وإن كان يلحن أحيانا، ولد بطوس سنة 450ه من أبوين فقيرين، وتكفل ~~به وبالقليل من مال أبيه رجل ms702 صوفي أوصى إليه به أبوه، فعلمه شيئا من ~~التصوف، فلما فرغ ماله التحق طالبا ليصيب شيئا من الرزق الذي كان يصرف ~~للطلبة، وتعلم الفقه حتى كان أفقه أقرانه، وإمام أهل زمانه، وكان ~~تلميذا لإمام الحرمين يأخذ عنه قواعد العقائد، ولازمه مدة طويلة، فلما مات ~~إمام الحرمين خرج الغزالي قاصدا نظام الملك الوزير السلجوقي، وكان له مجلس ~~يحضره العلماء يتناظرون فيه، فظهر عليهم، وولاه نظام الملك التدريس في ~~مدرسته ببغداد، فذهب إليها سنة 474ه واشتهر اسمه، وعظم جاهه، ثم كان يعتريه ~~الشك هذه المدة فيما يعمله، ثم زهد في منصبه وجاهه، وحج سنة 488ه، ورجع ~~من الحج إلى دمشق، واعتكف بمنارة الجامع نحو عشر سنين يفكر ويقرأ ويكتب، ~~وأخيرا زهد في العلوم وتصوف. # على كل حال، كانت له نواحي ثقافات عديدة واسعة، تثقف في الفقه وأصول ~~الفقه، وألف فيهما، وتثقف بالفلسفة، وقرأ كثيرا من كتب ابن سينا، ورسائل ~~إخوان الصفاء، ثم قرأ التعاليم الباطنية، ورد عليها، وبكل ذلك تأثرت نفسه، ~~فلما أخرج كتاب «الإحياء» ظهرت فيه نزعات الفقه والتصوف والفلسفة مجتمعة ، ~~ممزوجة مزجا غريبا. # والذي يهمنا أنه كان شافعيا ~~أشعريا، وقد وسع مذهب الأشعري، وزاد فيه من ناحيتين: من ناحية موضوعاته، ~~ومن ناحية معالجته للبراهين معالجة فلسفية على نمط جدل المنطق اليوناني؛ ~~فصبغ العقيدة الأشعرية بصبغتين: صبغة فلسفية، وصبغة صوفية، وكان له أثر ~~كبير في المسلمين حتى ليذهب بعض المستشرقين إلى أن الإسلام كما يتصوره كثير ~~من الناس هو الإسلام بالصبغة الغزالية، وقد كتب على منهج الأشعرية كتبا ~~ورسائل في العقيدة التي يجب أن يعتنقها أهل السنة منها رسالة صغيرة تحوي ~~أهم العقائد سماها «عقيدة أهل السنة»، # 3 # و«الرسالة القديمة»، نقتطف منها بعض المقتطفات: # الحمد لله المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، ذي العرش المجيد، ~~والبطش الشديد، وهو في ذاته واحد لا شريك له، فرد لا مثل له، صمد ~~لا ضد له، منفرد لا ند له، واحد قديم لا أول له، أزلي لا بداية ~~له، مستمر الوجود لا آخر له ... ليس بجسم ms703 مصور، ولا بجوهر محدود ~~مقدر، لا يماثل الأجسام لا في التقدير، ولا في قبول الأجسام، ليس ~~بجوهر، ولا تحله الجواهر، ولا بعرض، ولا تحله الأعراض ... لا يحده ~~المقدار، ولا تحويه الأقطار، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه ~~الأرضون، ولا السموات، وإنه مستو على العرش على الوجه الذي قاله، ~~وبالمعنى الذي أراده، استواء منزها عن المحاسة والاستقرار ... وهو ~~فوق العرش والسماء، وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى فوقية لا تزيده ~~قربا إلى العرش والسماء، كما تزيده بعدا عن الأرض والثرى ... قريب ~~من كل موجود، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد، وهو على كل شيء ~~شهيد، إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام، كما لا تماثل ذاته ذات ~~الأجسام ... وأنه لا يحل في شيء، وأنه لا يحل فيه شيء - تعالى عن أن ~~يحويه مكان -كما تقدس عن أن يحده زمان، بل كان قبل أن خلق الزمان ~~والمكان وهو الآن على ما عليه كان ... وهو تعالى حي قادر، جبار ~~قاهر، لا يعتريه قصور ولا عجز، ولا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يعارضه ~~فناء ولا موت ... وهو المنفرد بالخلق والاختراع، المتوحد بالإيجاد ~~والإبداع، خلق الخلق وأعمالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، لا يشذ عن ~~قبضته مقدور، ولا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور ... وهو عالم بجميع ~~المعلومات، محيط بما يجري من تخوم الأرضين إلى أعلى السموات، لا ~~يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، بل يعلم دبيب ~~النملة السوداء على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، ويدرك حركة ~~الذر في جو الهواء، وهو تعالى مريد للكائنات؛ مدبر للحادثات، فلا ~~يجري في الملك والملكوت قليل أو كثير، صغير أو كبير، خير أو شر، ~~نفع أو ضر، إيمان أو كفر، عرفان أو نكر، إلا بقضائه وقدره وحكمه، ~~فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا يخرج عن مشيئته ناظر، ولا فلتة ~~خاطر، ولو اجتمع الإنس والجن والملائكة والشياطين على أن يحركوا في ~~العالم ذرة، أو يسكنوها دون إرادته ومشيئته لعجزوا عن ذلك، وإرادته ~~قائمة بذاته في ms704 جملة صفاته ... وهو - سبحانه وتعالى - لا موجود سواه ~~إلا وهو حادث بفعل، وإنه حكيم في أفعاله، عادل في أقضيته لا يقاس ~~عدله بعدل العباد، إذ العبد يتصور منه الظلم بتصرفه في ملك غيره، ~~ولا يتصور الظلم من الله، فإنه لا يصادف لغيره مالكا، حتى يكون ~~تصرفه فيه ظلما ... وهو متفضل بالخلق والاختراع والتكليف لا عن ~~وجوب، ومتطول بالإنعام والإصلاح لا عن لزوم، فله الفضل والإحسان، ~~والنعمة والامتنان؛ إذ كان قادرا على أن يصب على عباده أنواع ~~العذاب، ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب، ولو فعل ذلك لكان منه ~~عدلا، ولم يكن منه قبيحا ولا ظلما، وهو يثيب عباده المؤمنين على ~~الطاعات بحكم الكرم والوعد لا بحكم الاستحقاق واللزوم له؛ إذ لا ~~يجب عليه لأحد فعل، ولا يتصور منه ظلم. # والله قد أرسل الرسل، وأرسل محمدا # صلى الله عليه وسلم # خاتما للنبيين، ~~ناسخا لما قبله من شرائع اليهود والنصارى والصابئين، وأيده ~~بالمعجزات الظاهرة، والآيات الباهرة، كانشقاق القمر، وتسبيح الحصى، ~~وإنطاق العجماء، وما تفجر من بين أصابعه من الماء، ومن آياته ~~الظاهرة القرآن العظيم الذي تحدى به العرب، فإنهم مع تميزهم في ~~الفصاحة والبلاغة لم يقدروا على معارضته، ثم يجب الإيمان بالسمعيات ~~كالحشر والنشر، وقد ورد بها الشرع، ومعناه الإعادة بعد الإفناء، ~~وذلك مقدور لله تعالى كابتداء الإنشاء، وسؤال الملكين، وعذاب القبر ~~والميزان، والله يحدث في صحائف الأعمال وزنا بحسب درجات الأعمال ~~عند الله ... والإيمان بالصراط، وهو جسر ممدود على متن جهنم أدق من ~~الشعرة، وأحد من السيف ... والجنة والنار مخلوقتان ... والإمام الحق ~~بعد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي ~~الله عنهم، ولم يكن لرسول الله نص على إمام أصلا، فلم يكن أبو بكر ~~إماما إلا بالاختيار والبيعة ... واعتقاد أهل السنة تزكية جميع ~~الصحابة، والثناء عليهم، كما أثنى الله ورسوله عليهم. # وما جرى بين معاوية وعلي كان مبنيا على الاجتهاد، لا منازعة من ~~معاوية على الإمامة إذ ظن علي رضي الله عنه أن تسليم قتلة ms705 عثمان ~~مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بالعسكر يؤدي إلى اضطراب أمر الإمامة في ~~بدايتها، فرأى التأخير أصوب، ورأى معاوية أن تأخير أمرهم مع عظيم ~~جنايتهم يوجب الإغراء بالأئمة، ويعرض الدماء للسفك، وقد قال ~~العلماء: كل مجتهد مصيب ... وإن فضل الصحابة على حسب ترتيبهم في ~~الخلافة، إذ حقيقة الفضل ما هو فضل عند الله عز وجل، وذلك لا يطلع ~~عليه إلا رسول الله، وقد ورد في الثناء على جميعهم آيات وأخبار ~~كثيرة ... إلخ إلخ. # ومن أراد الاتساع فليرجع إلى الرسالتين. ~~(3-2) فخر الدين الرازي # وأما الفخر الرازي، فهو محمد بن عمر التيمي البكري. وهو كذلك فارسي ~~كالغزالي، وهو مثله أيضا في قوة الحجة، وفصاحة اللسان، والقدرة على ~~البرهان، وكثرة التأليف في علم الكلام، وقد حارب كل المذاهب ما عدا مذهب ~~أهل السنة. يضاف إلى ذلك ما كان له من عظم الجاه، وسعة الثراء، يقال: إنه ~~ملك من الذهب العين ثمانين ألف دينار، وغير ذلك من الأمتعة، والمراكب، ~~والأثاث. # ولد سنة 543ه، ودرس علوم الدين، والفلسفة، والفقه، وكانت له اليد الطولى ~~في اللسانين العربي والفارسي ، يعظ بهما على السواء، وتفسيره القرآن الكريم، ~~وكتبه المختلفة العربية تدل على سعة اطلاعه، سافر إلى خوارزم بعدما مهر في ~~العلوم، فرأى بها جماعات من المعتزلة ناظرهم فاضطهدوه حتى خرج عنهم. # ألف تصانيف كثيرة في التفسير وفي الكلام، وقد وسع كالغزالي مذهب ~~الأشعري، ودافع عنه، وعلى الجملة كانا دعامتين من أكبر دعائم الأشعري، وقد ~~وردت إلينا بعض كتبه كالتفسير، وتأسيس التقديس، وغيرهما، وهي تدل على تدفق، ~~وسعة نظر، وقوة برهان. # ومع ذلك وصل هو والغزالي إلى نتيجة واحدة، وهي التقليل من قيمة علم ~~الكلام، فقال الفخر الرازي في وصيته التي وضعها في آخر أيامه: «ولقد اختبرت ~~الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية؛ فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة ~~التي وجدتها في القرآن؛ لأنه يسعى في تسليم العظمة، والجلال لله، ويمنع عن ~~التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات، وما ذاك إلا للعلم بأن العقول ~~البشرية تتلاشى في تلك المضايق العميقة، والمناهج الخفية. ms706 # فلهذا أقول: كل ما ثبت بالدلائل الظاهرة من وجوب وجوده، ووحدته، وبراءته ~~عن الشركاء، فذلك هو الذي أقول به، وألقى الله به، وأما ما ينتهي الأمر ~~فيه إلى الدقة والغموض، فكل ما ورد في القرآن، والصحاح المتعين للمعنى ~~الواحد، فهو كما قال، والذي لم يكن كذلك أقول يا إله العالمين، إني أرى ~~الخلق مطبقين على أنك أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، # 4 # وكذلك قال: # نهاية إقدام العقول عقال # وأكثر سعي العالمين ضلال # وأرواحنا في وحشة من جسومنا # وحاصل دنيانا أذى ووبال # ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا # سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا # وللغزالي موقف يشبه هذا الموقف في قيمة علم الكلام، نعرض له فيما ~~بعد. # | هوامش # الفصل الثاني # | الماتريدية # هناك فرع من فروع أهل السنة يوازي فرع الأشعري، وهو فرع الماتريدية، وتنسب ~~الماتريدية إلى أبي منصور الماتريدي، وهو كذلك أعجمي من سمرقند. ولئن كان الأشعري ~~شافعيا، فقد كان الماتريدي حنفيا، ولذلك ربما كانت الخلافات القليلة بين ~~الأشعري والماتريدي ترجع إلى خلافات بين الشافعي، وأبي حنيفة في أصولهما؛ ولذلك كان ~~أكثر أتباع الماتريدية حنفية ، وأتباع الأشعري شافعية، وقد كان أبو منصور الماتريدي ~~معاصرا للأشعري، هذا في سمرقند، وذاك في البصرة، وكان عصرهما مليئا بالحركات ~~الدينية، فكان فيه مثلا الحركات الصوفية، ورجال التصوف الكبار أمثال أبي يزيد ~~البسطامي المتوفى سنة 261ه، والجنيد، والحلاج، كما نشطت فيه حركات التشيع، وكانت ~~حركة الاعتزال في آخر أيامها، وكان لكل مذهب علماء يؤيدونه، ويأخذون بناصره، ظهر ~~الأشعري في البصرة، ومات نحو سنة 330ه، وظهر الماتريدي في سمرقند، ومات سنة 332ه، ~~ولا نعلم الكثير من حياة الماتريدي، وإن كنا نعلم الكثير عن مذهبه. # لقد اتفق الماتريدي والأشعري على كثير من المسائل الأساسية التي يمكن استنتاجها ~~مما لخصناه من عقيدة الغزالي، وقد ألفت كتب كثيرة، وملخصات بعضها يشرح مذهب ~~الماتريدي، كالعقائد النسفية لنجم الدين النسفي، وبعضها يشرح عقيدة الأشعري ~~كالسنوسية والجوهرة، وقد ألفت كتب في حصر المسائل التي اختلف فيها الماتريدي ~~والأشعري، ربما أوصلها بعضهم إلى أربعين مسألة. ms707 # والناظر إليها يرى أنها ليست بذات خطر كبير، مثل: هل البقاء هو الوجود أو غيره؟ ~~ومثل: هل الوجود زائد عن الذات أم عينها؟ وكاختلافهم في تفسير صفة القدرة، ~~والإرادة، والكلام، وفي تفسير لزوم الحكمة في أفعاله تعالى، وهل العفو عن الكافر ~~يجوز، وهل الإيمان بالله واجب بالعقل أم لا، وما حقيقة الإيمان، وهل الإيمان يزيد ~~وينقص، وهل الإيمان والإسلام واحد أم لا؟ وهل السعادة والشقاوة تتبدلان على الإنسان ~~أم لا؟ إلى آخر هذه المسائل التي لا تعد من الأركان، ونسوق أمثلة على جدالهم في ~~هذا: فمثلا: اختلفوا في معنى القضاء والقدر، فقال الماتريدية: إن القدر هو تحديد ~~الله أزلا كل شيء بحده الذي سيوجد به من نفع، وما يحيط به من زمان ومكان، ~~والقضاء الفعل عند التنفيذ. وقال الأشاعرة: إن القضاء إرادة الله الأزلية ~~المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص، والقدر تعلق تلك الإرادة بالأشياء في ~~أوقاتها المخصوصة، احتج الماتريدية بقوله تعالى: # وخلق ~~كل شيء فقدره تقديرا ~~(الفرقان: 2)، أي قدر كل شيء ~~تقديرا يوافق الحكمة فخلقه، وفي الحديث: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق ~~السموات والأرض.» أي عين وقدر مقاديرهم قبل خلقهم، ثم يخلق كل شيء، ويوجده في ~~الوقت الذي قدر أن يخلقه فيه، وهذا هو القدر. # واحتج الأشاعرة بما روي في الصحيح من أن رجلين من مزينة قالا: يا رسول الله، ~~أرأيت ما يعمل الناس ويكدحون فيه، أشيء قضي عليهم، وقضي فيهم من قدر سبق، أم فيما ~~يستقبلون؟ فقال: «لا، بل شيء قضي عليهم ... إلخ.» # وأرى أن الخلاف بينهم يشبه أن يكون لفظيا ... # ومثل آخر اختلافهم في الإيمان، يقول الماتريدية إنه تعالى لو لم يبعث للناس ~~رسولا لوجب عليهم بعقولهم معرفته تعالى، ومعرفة وحدانيته، واتصافه بما يليق، وكونه ~~محدثا للعالم، كما روي ذلك عن أبي حنيفة، وذهب مشايخ الأشاعرة إلى أنه لا يجب ~~إيمان، ولا يحرم كفر قبل البعث، احتج الماتريدية بقوله تعالى: # أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم ~~(نوح: 1)؛ حيث تدل على أن حجة ms708 الإيمان تلزم الخلق قبل أن يأتيهم النذير؛ لأنها لو ~~كانت لا تلزمهم لكانوا في أمن من نزول العذاب بهم قبل أن يأتيهم النذير، فلا ~~يخوفون بنزول العذاب بهم قبل أن ينذروا، فلما خوفوا بنزول العذاب بهم قبل أن ~~يأتيهم دل على أن الحجة لازمة عليهم، وأن الله تعالى يعذبهم لتركهم التوحيد، وإن ~~لم يرسل إليهم الرسل، واستدل الأشعرية على قولهم بقوله تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ~~(الإسراء: 15)؛ ~~حيث نفى العذاب مطلقا قبل وصول الشرع. وقد أجابت الماتريدية بأن الآية محمولة على ~~عذاب الاستئصال، ونفي وقوعه قبل بعث الرسول لدلالة سياقها، وهو قوله تعالى: # وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا ~~مترفيها ~~(الإسراء: 16)، كما اختلفوا في هذا الموضوع نفسه في حقيقة ~~الإيمان، فقال الماتريدية: الإيمان: الإقرار والتصديق، أي أن الإقرار شطر منه، ~~وركن من أركانه. وقال الأشعري: إن النطق بالشهادتين من القادر شرط في الإيمان، ~~ولكنه خارج عن ماهيته التي هي التصديق. واستدل الماتريدية بأن الإيمان لغة: ~~التصديق، والتصديق كما يكون بالقلب يكون باللسان، فيكون كل من التصديق القلبي، ~~والتصديق اللساني ركنا في مفهوم الإيمان. واستدل الأشعري على قوله بقول الله ~~تعالى: # أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ~~(المجادلة: 22)، وقوله: # وقلبه مطمئن ~~بالإيمان ~~(النحل: 106)، فهذه الآيات تدل على أن محل الإيمان هو ~~القلب، فيدل على أن الإيمان هو التصديق القلبي فقط. # واختلفوا في المتشابهات، وأساس اختلافهم قراءتهم لقوله تعالى: # وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ~~العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ~~(آل ~~عمران: 7)، فالماتريدية يقفون عند قوله: # وما يعلم ~~تأويله إلا الله ~~(آل عمران: 7) أليق ببلاغة النظم؛ لأنه لما ~~ذكر أن من القرآن متشابهات جعل الناظرين فيه فريقين: الزائغين عن الطريق، ~~والراسخين في العلم. وجعل اتباع المتشابه حظ الزائغين بقوله تعالى: # فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما ~~يعلم تأويله ~~(آل عمران: 7)، وجعل في مقابل ذلك اعتقاد الحق مع ~~العجز عن إدراك حظ الراسخين بقوله: # والراسخون في ~~العلم يقولون آمنا به ms709 كل من عند ربنا ~~(آل ~~عمران: 7)، ولو عطف # والراسخون في العلم # على ~~الله لكان قوله تعالى: # يقولون # كلاما مبتدأ حذف ~~مبتدؤه، أي # يقولون ~~، والحذف خلاف الأصل. # ومثلا: اختلفوا في أن الذكورة هل هي شرط النبوة أو لا، فقال الماتريدية: إن ~~الذكورة شرط النبوة. وقال الأشعرية: إنها ليست شرطا، بل صحت نبوة النساء. استدل ~~الماتريدية بقوله تعالى: # وما أرسلنا من قبلك ~~إلا رجالا نوحي إليهم ~~(النحل: 43)، فيدل هذا على أن ~~الإرسال إنما كان للرجال، وذلك ينفي نبوة المرأة، واحتج الأشاعرة بقوله تعالى: # وأوحينا إلى أم موسى ~~(القصص: 7)؛ ~~حيث دل على أنه وقع الإيحاء إليها، والإيحاء من خصائص الأنبياء. ورد الماتريدية بأن ~~الوحي هنا بمعناه الواسع وهو الإلهام، وذلك حتى كان ذلك إلى النحل، فقال تعالى: # وأوحى ربك إلى النحل ~~(النحل: 68)، ~~فمعنى آية أم موسى أنه أوقع في قلبها عزيمة أن تلقيه في التابوت، ثم تقذف التابوت ~~في اليم ... إلى مثل هذه المسائل. # والذي يقارن بين العقائد النسفية، والرسائل المؤلفة على مذهب الأشعري يرى كثيرا ~~من هذا الخلاف، فارجع إليه إن شئت التفصيل. # 1 # ونحن لو دققنا النظر في الخلاف بين الأشعرية والماتريدية وجدنا لون الاعتزال أظهر ~~في الأشعرية بحكم تتلمذ الأشعري للمعتزلة عهدا طويلا، كالذي ذكرنا من قبل مثل ~~إدراك الإيمان بالعقل، والمسئولية حتى قبل ورود الشرع. # وقد انتصر للمذهب الماتريدي كثير من علماء الحنفية مثل: فخر الإسلام البزدوي، ~~والتفتازاني، والنسفي، وابن الهمام، إلى غيرهم، ولكنهم لم يبلغوا - والحق يقال - ~~مبلغ أتباع الأشعري؛ فرجح مذهب الأشعري، وزاد انتشاره، وكثر أتباعه. # | هوامش # الفصل الثالث # | السنة تصبح مذهبا رسميا # وقد سمي الأشعري وأتباعه والماتريدي وأتباعه بأهل السنة، وقد استعملت كلمة «أهل» ~~بدل النسبة، فقالوا: أهل السنة أي السنيين، وقد يسمون أيضا الأثرية نسبة إلى ~~الأثر، وهو الحديث. وسمى المعتزلة أنفسهم أهل العدل والتوحيد، وسمي المبتدعة أهل ~~الأهواء، وسمي اليهود والنصارى أهل الكتاب، والقرآن الكريم سمى أصحاب الكهف أهل ~~الكهف. # والسنة في أهل السنة تحتمل أحد معنيين؛ إما أن تكون السنة بمعنى الطريقة، أي ms710 أن ~~أهل السنة اتبعوا طريقة الصحابة والتابعين في تسليمهم بالمتشابهات من غير خوض دقيق ~~في معانيها، بل تركوا علمها إلى الله، وإما أن تكون السنة بمعنى الحديث، أي إنهم ~~يؤمنون بصحيح الحديث، ويقرونه من غير تحرز كثير، وتأويل كثير كما يفعل ~~المعتزلة. # واسم أهل السنة كان يطلق على جماعة من قبل الأشعري والماتريدي، وقد حكي لنا أن ~~جماعة كان يطلق عليها أهل السنة، وكانت تناهض المعتزلة قبل الأشعري، ولما جاء ~~الأشعري، وتعلم على المعتزلة اطلع أيضا على مذهب أهل السنة، وتردد كثيرا في أي ~~الفريقين أصح، ثم أعلن انضمامه إلى أهل السنة، وخروجه على المعتزلة. # كان للحكومات دخل كبير في نصرة مذهب أهل السنة، والحكومات عادة إذا كانت قوية، ~~وأيدت مذهبا من المذاهب تبعه الناس بالتقليد، وظل سائدا إلى أن تدول الدولة. نذكر ~~من بين هذه الحكومات التي أيدت أهل السنة الأيوبية في مصر والشام، وعلى رأسها صلاح ~~الدين، ودولة الموحدين، وعلى رأسها محمد بن تومرت، والدولة الغزنوية. # أما الدولة الأيوبية، وعلى رأسها صلاح الدين فقد أطاحت بالدولة الفاطمية الشيعية، ~~وكانت قد تغلغت بشيعيتها في كل الحياة الاجتماعية المصرية والشامية، فيؤذن على ~~المآذن الأذان الشيعي من «حي على خير العمل»، ورجال الدولة يدعون بالمذهب الشيعي، ~~وعلى رأسهم داعي الدعاة، والأعياد، والمحافل تقام بالمراسيم الشيعية، والعلوم تدرس ~~على مذهب الشيعة من تفسير وحديث وفقه، ومن وجد عنده موطأ مالك عذب، فجاء صلاح ~~الدين يعاونه وزيره القاضي الفاضل، وأزال الدولة الفاطمية، وأحل محلها المذاهب ~~السنية، وبنى المدارس يدرس فيها مذهب الشافعي ومالك، وأزال الخلافة الفاطمية، وخطب ~~للخليفة العباسي في بغداد. ولتغلغل المذهب الفاطمي، وإلف الناس للدولة الفاطمية، ~~تردد أن يخطب للخليفة العباسي، وأحجم كثير من الخطباء أن ينفذوا هذا الأمر لولا ~~جرأة بعضهم على ذلك، فلم يحرك المصريون ساكنا فجرأ ذلك صلاح الدين على المضي في ~~سبيله، بل إن صلاح الدين كتب منشورا يحرم فيه الجدل حول خلق القرآن وكلام الله، ~~كالذي كان يثيره المعتزلة، وجاء في هذا المنشور: «خرج أمرنا إلى ms711 كل قائم في خف، أو ~~قاعد في أمام أو خلف ألا يتكلم في الحرف بصوت، ولا في الصوت بحرف؛ # 1 # فمن يتكلم بعدها كان الجدير بالتكليم # فليحذر ~~الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو ~~يصيبهم عذاب أليم ~~. وسأل النواب القبض على مخالفي هذا ~~الخطاب، وبسط العذاب، ولا يسمع لمتفقه في ذلك تحيير جواب، ولا يقال عن هذا الذنب ~~تاب، وليعلم بقراءة هذا الأمر على المنابر، ليعلم به الحاضر والبادي، ويستوي فيه ~~البادي والحاضر # والله يقول الحق وهو يهدي ~~السبيل ~~(الأحزاب: 4)، والظاهر أنه من إنشاء القاضي الفاضل؛ لأنه ~~بأسلوبه أشبه. # وعلى الجملة فقد عادت مصر والشام فاصطبغا بالصبغة السنية بعد أن اصطبغا بالصبغة ~~الشيعية، وخصوصا في علمهما، وثقافاتهما، وتدينهما. # وأما دولة الموحدين في المغرب والأندلس، فقد كان رئيسها محمد بن تومرت قد رحل إلى ~~المشرق، وحضر فيه دروس الدين، وتتلمذ على الإمام الغزالي، فلما تملك وأنشأ دولة ~~الموحدين حمل الناس على اتباع مذهب الأشاعرة، حسبما فسره له أستاذه ~~الغزالي. # 2 # وقد كانت كتب الغزالي وأمثاله محرمة في عهد المرابطين، حتى لقد أحرق كتاب «إحياء ~~علوم الدين» للغزالي، فلما جاء الموحدون أعادوا له مجده. # أما الدولة الغزنوية، فكانت دولة تركية، وكان أعظم من ظهر فيها محمود الغزنوي بن ~~سبكتكين، وكانت عاصمة البلاد غزنة في الهند، وقد غزا محمود الهند نحو سبع عشرة غزوة ~~أدت إلى الاستيلاء على البنجاب، وعاصمتها لاهور، وعلى ملتان، وعلى بعض السند، ~~وامتد سلطانه غربا إلى العراق العجمي، وفيه الري، وأصفهان، وأخرج منه الشيعة ~~البويهيين، واعترف محمود بالخليفة العباسي القادر كما فعل صلاح الدين، وبذلك انتصر ~~العنصر التركي على العنصر الإيراني، وإذا كان أكثر الفرس شيعة، فإن أكثر الترك ~~سنية، وقد ازدهر العلم في عهده على المذهب السني، ومن مشاهير علمائه العتبي المؤرخ، ~~والعالم المشهور البيروني، والشاعر الفردوسي، وهم يحكون أن محمود الغزنوي كان ~~حنفيا، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي على يد الفقيه الشافعي الكبير ~~«القفال». # ومن هذا يظهر أن الدولة الإسلامية كانت تتعاقب عقائدها بتعاقب حكوماتها، فإذا ms712 ~~انتصرت الحكومة سياسيا، وكانت شيعية - أو بعبارة أخرى فارسية - حملت الناس على ~~التشيع كالدولة الفاطمية والبويهية، وإذا انتصر الأتراك أو الأكراد، وكانوا سنيين ~~حملوا الناس على اتباع مذاهبهم. # وأهل السنة من أشاعرة وماتريدية يقولون: إنهم لم يأتوا بشيء جديد، وإنما اتبعوا ~~في مذاهبهم مذهب السلف، ومذهب السلف يعني مذهب الصحابة والتابعين، وحقيقته أنها إذا ~~وردت آية متشابهة أو حديث آمنوا به على عمومه وصدقوه، وتركوا علمه إلى الله، ولم ~~يخوضوا في تفسير معناه، ولم يتصرفوا فيه بتأويل، ولا زيادة، ولا نقصان، فإذا سمع ~~مثلا نسبة اليد إلى الله والإصبع، وقوله: إن الله خمر طينة آدم بيده، «وإن قلب ~~المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن»، قال: إني أعلم أن الأصابع واليد تتركب من لحم ~~وعظم وعصب، واللحم والعظم والعصب جسم، وأنا أؤمن بأن الله ليس بجسم ولا عرض، فيد ~~الله وأصابعه منزهة عن الجسمية، وأترك العلم بها وبمعانيها لله ولرسوله. وإذا سمع ~~حديث: «إني رأيت ربي في أحسن صورة» قال: إن الصورة يراد بها الهيئة الحاصلة في ~~الأجسام، والله تعالى منزه عن ذلك، وإن الصورة في حق الله لا تطلق على هذا المعنى ~~المادي. وإذا سمع: «إن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا» قال: إن النزول ~~في العادة يطلق على جسم عال نزل من أعلى إلى أسفل، وهذا محال على الله، وإنما نترك ~~تفسيره إلى الله ورسوله. # ومن أهل السنة كالأشاعرة - كما ذكرنا من قبل - من سمح لنفسه إذا كان عالما ~~متخصصا أن يؤول ذلك كله، فيفسر اليد بالقدرة، ويفسر بقية الآيات على هذا النحو من ~~التأويل، وقد روي عن بعض السلف مثل هذه التأويلات، وتوسع فيها المعتزلة إلى آخر ~~حد. # على كل حال، امتلأ جو العالم الإسلامي بالكلام، فيما نسميه «علم الكلام»، وكثر ~~الجدال، وكثرت المناظرات إلى حد غريب، وأثيرت الفتنة، وتدخلت السياسة، واعتنقت ~~الحكومات مذهبا من المذاهب فنصرته، واعتنقت حكومات أخرى مذاهب أخرى فنصرتها، ~~وتقاتلت السيوف كما تقاتلت الألسنة، وانتهى الأمر بأن شك بعض العلماء في قيمة ms713 علم ~~الكلام، فألف الغزالي مثلا كتاب «إلجام العوام عن علم الكلام»، ورأى فيه أن ~~الإيمان بالبرهان يتدرج أنواعا، فأرقاها وأعلاها أن يؤمن الإنسان، ويصدق تصديقا ~~جازما بناء على برهان حاز كل شروطه، وتقصى المقدمات كلمة فكلمة، وتبعها درجة ~~فدرجة، حتى جلاها وصفاها، ثم أوصلته إلى نتيجة آمن بها كل الإيمان، وهذا عادة لا ~~يحصل إلا لقليل من العلماء الراسخين في العلم. # الثاني: أن يركن المؤمن إلى صحة ما يقول العلماء من غير بحث في كل كلمة أو مقدمة، ~~ويليها أن يصدق المؤمن بالأدلة الخطابية، كما يحدث في المحاورات والمخاطبات التي ~~تجري بها العادة، وذلك إيمان كثير من الناس. # وأقل من هذا التصديق بمجرد السماع ممن حصل فيه الاعتقاد لكثرة ثناء الخلق عليه، ~~كمن يحسن الظن في أبيه وأستاذه؛ فيعتقد اعتقادا جازما في أخباره إذا أخبره بخبر ~~ميت، أو حضور غائب. # ويلي هذا في الرتبة الإيمان بقول القائل ~~لوجود قرائن تدل على صحته، كمن علم أن فلانا مريض، ثم سمع خبرا ممن يثق بصدقه أنه ~~مات، فعلمه بمرضه قرينة على صحة الخبر ... إلخ، وخرج من هذا إلى نتيجة أن العوام ، ~~وجمهور الناس ليس لهم من سعة العقل، وعمق الثقافة وسعتها ما يستطيعون به الإيمان ~~بناء على البرهان الصحيح الذي يقتضيه علم الكلام، ومن أجل هذا ألف كتابه «إلجام ~~العوام عن علم الكلام»، بل إن هذه البراهين تضرهم وتشككهم؛ لأنهم لا يحسنون استخدام ~~البراهين على وجوهها الصحيحة، فلا يعرفون مقدمة صغرى ولا كبرى، ولا شروط القياس ~~الصحيح، ونحو ذلك. # فأولى بهم الدرجات الأخرى من الاعتقاد، خصوصا وأن القرآن الكريم لم يتبع في ~~الدعوة إلى الإيمان هذه الطرق المنطقية، بل دعا بلفت النظر إلى آيات الله في الكون، ~~وما يتطلبه ذلك من شعور القلب واهتزازه، مثل: # أفلا ~~ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى ~~السماء كيف رفعت ~~(الغاشية: 17، 18) ... إلخ، ومثل: # ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ~~ألسنتكم وألوانكم ~~(الروم: 22) الآيات. والدعوى إلى النظر ~~في السماء والأرض، وإرسال الرياح والغيث ... إلخ إلخ، فهذه الطريقة تفيد ms714 الناس أكثر ~~مما تفيدهم الطريقة المنطقية الجدلية الكلامية. # على أن الغزالي نفسه وهو عالم كبير مع تمرسه بالقواعد المنطقية في كتب الفقه ~~والفلسفة، واستعراضه المذاهب المختلفة من تشيع واعتزال وأهل السنة، كل ذلك لم يجعله ~~يطمئن إلى الإيمان الصحيح الذي يرتضيه، إنما جعله يؤمن ويطمئن بالرياضة النفسية، ~~وتفتح قلبه للتصوف والكشف، وإصغائه إلى صوت قلبه لا عقله. # وقد تقسمت البلاد الفرق المختلفة، فقد كان أكثر شيعة العراق معتزلة، وكذلك شيعة ~~الهند، والشام، والبلاد الفارسية، وانتشرت الزيدية في اليمن، وهم يتفقون مع ~~المعتزلة في كثير من الأصول، وانتشر مذهب السلف، وإن شئت فقل: السنية في بلاد نجد، ~~ثم هناك طوائف سنية في الهند، والعراق، والحجاز، والشام، ومصر. وأخيرا كان السواد ~~الأعظم من البلاد الإسبانية أشعريين، ولنا هنا ملحوظتان: # الأولى: # أن البلاد وقد تقسمتها الفرق المختلفة، وكثر الجدال بين أهلها، ~~كان كثير من العلماء غير دقيق في نقل مذهب المخالفين، وأول ما ~~رأينا ذلك رأيناه في كتاب «الانتصار»؛ إذ نقل ابن الراوندي أشياء ~~كثيرة عن المعتزلة، وكذبه فيها الخياط المعتزلي، ثم رأينا كثيرا ~~من الكتب ك «الفرق بين الفرق» للبغدادي، تنسب إلى المعتزلة ما ~~حكاه ابن الرواندي عن المعتزلة وكذبه فيه الخياط. كما نسبوا إلى ~~المعتزلة القول بإنكار عذاب القبر، مع أنهم لم ينكروه، وإنما ~~أولوه بأنه معنوي لا حسي، وفرق كبير بين الاثنين. # فالكتب مملوءة بالادعاءات على المذاهب المختلفة من غير تمحيص، ~~معتزلة ينسبون إلى الشيعة ما لم يقولوا، وسنية ينسبون إلى الشيعة ~~والمعتزلة ما لم يقولوا، وهكذا. # وقد عدوا الفخر الرازي من أدق من ينقل رأي المخالف ويمحصه، ~~ويحدد نقط الخلاف، كما يظهر في كتابه «تأسيس التقديس». # والملاحظة الثانية: # شدة التعصب بين الشافعية والحنفية، وبين الماتريدية والأشعرية، ~~وبين أهل السنة والمعتزلة والشيعة، وقد كان ذلك عاملا كبيرا من ~~عوامل ضعف المسلمين، والذي يقرأ المقدسي في رحلته، وياقوت في معجم ~~البلدان، ويرى صدق هذا القول من تخريب بلاد، وقتل نفوس، وشدة فتن ~~وهياج، وكل فرقة لا تتعفف عن تكفير الأخرى، حتى ms715 لو صدقنا قول بعضهم ~~في بعض لخرج المسلمون كافرين. # وكنت وأنا طالب أقرأ في كتاب «مسلم الثبوت»، فإذا قال صاحبه: «وقالت المعتزلة» لم ~~يزد الشارح على قوله: «لعنهم الله»، مع أن المعتزلة مع بعض أغلاطهم قاموا بدور كبير ~~في نصرة الإسلام، والدفاع عنه، وحتى تسمية كتبهم تدل على كثير من الحقد والغضب، ~~مثل: كتاب «الصواعق المحرقة»، وكتاب «حز القلاصم»، وكم شنع المحدثون على ~~الجهمية، وهو اسم كان في الأول يطلق على أتباع جهم بن صفوان الذي ظهر في الدولة ~~الأموية، ثم أطلقوه على المعتزلة لاتفاقهم مع الجهمية في توحد ذاته تعالى، ونفي ~~الصفات، وقولهم: إن الصفات هي الذات، وبعد أن شنعوا عليهم كفروهم. # ومن أمثلة هذا التعصب: ما حكى السبكي في طبقات الشافعية أن الصاحب بن عباد عرض ~~على محمد بن الحسن البحاث القضاء على شرط أن يتمذهب بمذهبه، أي الاعتزال؛ فامتنع، ~~وقال: لا أبيع الدين بالدنيا. قال: وهذا مما يستنكر من مثل الصاحب، وهو ما هو. ~~ويقول الجاحظ: «وعبتم علينا إكفارنا إياكم، وأنتم أسرع الناس إلى إكفارنا.» مما يدل ~~على ما بين الفرق من العداء، وسرعة الرمي بالكفر . ويقول في موضع آخر: «ونحن لم ~~نكفر إلا من أوسعناه حجة، ولم نتهم إلا أهل التهمة، وليس كشف المتهم من التجسس، ولا ~~امتحان الظنين من هتك الأستار، ولو كان كل كشف هتكا، وكل امتحان تجسسا لكان ~~القاضي أهتك الناس بستر، وأشد الناس كشفا لعورة.» وما ظنك بقوم كفروا الغزالي، ~~وأحرقوا كتاب «الإحياء»، وكثيرا ما كان يدعو التعصب إلى التعصب، وحرارة القتال إلى ~~حرارة القتال. # ومن نعم الله أن كثيرا من كبار العلماء كانوا لا يرون هذا الرأي، ولا يكفرون ~~أحدا من أهل القبلة يؤيدون مذهبهم، ويعذرون مخالفيهم، كالغزالي، والفخر الرازي، ~~وصاحب كتاب «العلم الشامخ»، وابن تيمية وأمثالهم. # قال أحمد بن المختار الرازي في كتابه «حجج القرآن»: «ما من فرقة إلا ولها حجة من ~~الكتاب، وما من طائفة إلا وفيها علماء نحارير فضلاء لهم في عقائدهم مصنفات، وفي ~~قواعدهم مؤلفات، وكل منهم ms716 يؤول دليل صاحبه على حسب عقيدته، ووفق مذهبه، وما منهم من ~~أحد إلا ويعتقد أنه المحق، وأن مخالفه في ضلال بعيد، و # كل ~~حزب بما لديهم فرحون ~~، وقد دافع في كتابه هذا عن الفرق ~~المختلفة، وعذرها؛ لأنها اعتمدت في مذهبها على نصوص من القرآن والسنة، ونهى من ~~يكفر أهل القبلة، أو يعير طائفة بالقلة، أو يخرجهم ببدعة عن الملة»، وقال ابن ~~تيمية: «إن الكفر يكون بتكذيب الرسول # صلى الله عليه وسلم # فيما جاء به، أو الامتناع عن ~~متابعته»، وعقد فصلا في تخطئة من فرق المسلمين بالتكفير. # ولما رأى الغزالي ما انتشر في أهل عصره من التعصب، حتى رمي هو نفسه بالكفر، ألف ~~كتابه «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة»، ودعا فيه إلى التسامح على أوسع وجه، ~~وقال صاحب «العلم الشامخ»: «إن الخلاف والتعصب والتحزب هو الذي حمل سيوف بعض ~~المسلمين على بعض وحلل دماءهم، وأموالهم، وأعراضهم، وحرف الكتاب والسنة، ثم ~~صيرهما كالعدم بسد باب الاجتهاد ...» وقال أيضا: «ثم ترتب على الافتراق تقويم كل ~~لعمود الشقاق، وصار كل منهم إنما يعتز بمن مال إليه من الملوك على خصمه.» وقال ~~الأشعري نفسه في أول كتابه «مقالات الإسلاميين»: «اختلف المسلمون بعد نبيهم في ~~أشياء ضلل فيها بعضهم بعضا، وتبرأ بعضهم من بعض، فصاروا فرقا متباينة إلا أن ~~الإسلام يجمعهم فيعمهم.» # وكان كبار العلماء لا يتحرجون من الاستعانة في العلم بأصحاب الرأي المخالف، فقد ~~روى الغزالي في «المستصفى» أن عليا رضي الله عنه استأذنه قضاة البصرة بأن يقبلوا ~~شهادة أهل البصرة من الخوارج وغيرهم، فأمرهم بقبولها كما كان يقبلها قبل حربهم له؛ ~~لأنهم حاربوا على تأويل، وفي رد شهادتهم تعصب، وتجديد خلاف، ثم إن الشيخين - ~~البخاري ومسلما - لم يحجما عن قبول المعتزلة، وغيرهم في رواية الحديث، مع تصلب ~~الشيخين في الرواة وتحريهما، وعد ابن حجر أسماء كثير من المعتزلة، والمرجئة، ~~والشيعة، والخوارج، وغيرهم ممن خرج له الشيخان، أو أحدهما. # ويعجبني قول صاحب «العلم الشامخ»: «إني لست بمعتزلي، ولا أشعري، ولا أرضى بغير ~~الانتساب إلى الإسلام، ms717 وصاحب الشريعة # صلى الله عليه وسلم # وأعد الجميع إخوانا، وأحسبهم على ~~الحق أعوانا.» وهو قول حق أؤيده فيه كل التأييد. # ولئن كان التسامح في زمانهم واجبا، فهو في زماننا أوجب لسببين: # الأول: # أن كثيرا من أسباب الخلاف كان تاريخيا، وقد أصبح في ذمة ~~التاريخ كالخلاف في أي الصحابة أفضل، والخلاف فيما علمه الصحابة في ~~حروبهم وسيرهم، وقد انقضى كل هذا ودفن في التاريخ، فما لنا نفتح ~~صفحة طواها الله؟! # والثاني: # أن المسلمين اليوم أحوج ما يكون إلى الوحدة؛ لوقوعهم في مشاكل ~~أمام أوروبا، وأمام أنفسهم، لا ينقذهم منها إلا وحدتهم، وليس أسر ~~لعدوهم من فرقتهم، فما بالنا نسيء إلى أنفسنا بفرقتنا، ونفرح العدو ~~بشتاتنا ... والله تعالى يقول: # واعتصموا ~~بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا ~~نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف ~~بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته ~~إخوانا ~~(آل عمران: 103). # | هوامش # | الشيعة # الفصل الأول # | الشيعة1 # كانت فرق الشيعة فرقا كبيرة، يعتنقها عدد كثير من المسلمين، ويتجادل علماؤهم مع ~~المعتزلة وأهل السنة جدالا طويلا، حكى عنه المؤرخون كثيرا، وكانت هذه الفرق ~~تختلف غلوا واعتدالا. # ومن أشد الخصومات ما كان بين المعتزلة والروافض؛ لما روي من أن جماعة كثيرة جاءت ~~زيد بن علي لتبايعه، وألحوا عليه في قبول البيعة، ومحاربة بني مروان، فلما أراد ~~زيد أن يجاهر بالأمر جاء إليه بعض رؤسائهم، وقالوا له: «ما قولك في أبي بكر وعمر؟ ~~قال زيد: رحمهما الله، وغفر لهما، ما سمعت أحدا من أهل بيتي يتبرأ منهما، ولا يقول ~~فيهما إلا خيرا، وأشد ما أقول: إنا كنا أحق بسلطان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من الناس ~~أجمعين، وإن القوم استأثروا علينا، ودفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرا، قد ~~ولوا فعدلوا في الناس، وعملوا بالكتاب والسنة.» فلم تعجبهم هذه الأجوبة، فنكثوا عن ~~البيعة له ورفضوه، فقال زيد: «رفضتموني في أشد ساعات الحاجة!» فسموا بالروافض عند ~~ذلك. وقد يسمون بالرافضة أيضا، وهو اسم مكروه، وهناك طوائف غير الرافضة بعضهم أكثر ~~غلوا، وبعضهم أكثر اعتدالا، ومن أعدلهم ms718 الزيدية. # | هوامش # الفصل الثاني # | الإمامة # كذلك من أعدلهم من جمع بين الشيعة والاعتزال، أهم اختلافهم كان على مسألة ~~الإمامة، هل الأحق بخلافة المسلمين أبو بكر وعمر وعثمان؟ فقال أهل السنة: إن ~~ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، وإنهم لم يظلموا عليا، ولم يغتصبوا منه ~~الخلافة، وإن أكثر الصحابة كانوا أعلم بظروفهم، وأعلم بأخلاق بعضهم؛ فاختاروا أبا ~~بكر، ثم عمر، ثم عثمان؛ لأنهم رأوا أن ذلك أنفع للمسلمين. وذهبت الشيعة إلى أن ~~عليا أولى بالخلافة؛ لأن النبي # صلى الله عليه وسلم # نص على ذلك، ولأن فيه من المزايا ما ليس ~~في غيره. # ومن أجل أن الإمامة أهم شيء في الخلاف، وقد عدوها أصلا من أصول الدين سميت طائفة ~~كبيرة بالإمامية، وهم يرون أن الإمامة في علي أولا، ثم في أبنائه على التعيين ~~واحدا بعد واحد، وأن الإيمان بالإمام، ومعرفته أصل من أصول الدين، وقد دعاهم ~~احترام الأئمة، وإجلالهم إلى القول بعصمتهم، والحق أن ظاهر القرآن لا يقول بعصمة ~~الأنبياء مثل: # وعصى آدم ربه فغوى ~~(طه: ~~121)، و # عبس وتولى * أن جاءه ~~الأعمى ~~(عبس: 1، 2) # فلعلك باخع ~~نفسك ~~(الكهف: 6)،ولهذا لما قال الشيعة بعصمة الأئمة اضطروا أن ~~يقولوا بعصمة الأنبياء أيضا، وفشت هذه العقيدة في المسلمين الآخرين، وربما كان ~~الفخر الرازي من أسبق القائلين بعصمة الأنبياء. # ويقول المجلسي في كتابه «حياة القلوب»: «وهم - أي الأئمة - معصومون من الذنوب ~~صغيرها وكبيرها، فلا يقع منهم ذنب أصلا، لا عمدا، ولا نسيانا، ولا سهوا، ولا ~~غير ذلك. ولا يقع منهم ذنب قبل نبوتهم، حتى ولا في دور طفولتهم. ويستند الشيعة في ~~ذلك إلى قوله تعالى لإبراهيم: # إني جاعلك للناس ~~إماما ~~(البقرة: 124)، قال: # ومن ~~ذريتي ~~(البقرة: 124)، ثم قال: # لا ينال ~~عهدي الظالمين ~~، قالوا: فنعلم من ذلك أن كل مذنب فاسق ظالم، فلا ~~يصلح للإمامة ... قالوا: ولا يصلح للإمامة من كان يعبد الأصنام، أو أشرك بالله لحظة ~~واحدة، حتى وإن صار مسلما بعد ذلك، وقد قال تعالى: # إن ~~الشرك لظلم عظيم ~~(لقمان: 13)، وكذلك لا يكون إماما من ~~ارتكب حراما ms719 صغيرا كان أم كبيرا، حتى ولو تاب بعد ذلك، فإنه لا يأمر بإقامة الحد ~~من وجب إقامة الحد عليه، فوجب أن يكون الإمام معصوما، ويستدل الشيعة على ذلك ~~بأحاديث كثيرة، وقد يفلسفون هذه العصمة كالذي يقول المجلسي: «واعلم أن القائلين ~~بالعصمة قد اختلفوا في المعصوم: هل هو قادر على فعل المعصية أم لا؟ فالذين قالوا ~~بأنه غير قادر قالوا: إن في بدنه أو في نفسه خاصة تقتضي أن يكون الإقدام على ~~ارتكاب المعصية محالا، وقال بعضهم: إن العصمة ملكة نفسانية لا يصدر عنها أية ~~معصية، ويقول بعضهم: إن العصمة لطف من الله بالنسبة للعبد، فلا يجد العبد في هذا ~~اللطف داعيا لترك الطاعة، وارتكاب المعصية.» # وقد يستدلون بقوله تعالى: # إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ~~(الأحزاب: 33). # وأهم فرق الإمامية فرقة تسمى «الاثنى عشرية»، وسميت بذلك لأنها تقول باثني عشر ~~إماما، أولهم علي، عكس فرقة أخرى تسمى السبعية؛ لأنها تقف عند الإمام السابع وهو ~~إسماعيل، ولذلك يسمون الإسماعيلية، وبعد إسماعيل أتت أئمة مستورة. # والظاهر أنه غلب عليهم الاعتقاد بالإرث، أي أن النبي # صلى الله عليه وسلم # يورث ، أي يورث في ~~روحانيته، كما يورث الناس في أموالهم، حتى تجادل في ذلك الشعراء. فقال دعبل الشاعر ~~الشيعي: # أرى فيئهم في غيرهم متقسما # وأيديهم من فيئهم صفرات # هم أهل ميراث النبي إذا اعتزوا # وهم خير قادات وخير حماة # ويقول منصور النمري من شعراء العباسيين: # يا أيها الناس لا تعزب حلومكم # ولا تضفكم إلى أكنافها البدع # العم أولى من ابن العم فاستمعوا # قول النصيحة؛ إن الحق مستمع # وقد وضع ابن المعتز العباسي قصيدة في أحقية أولاد العباس، ورد عليه تميم بن المعز ~~الفاطمي # 1 # على قافيتها. # ويظهر أن الإمامة في نظر الشيعة تطورت مع التاريخ، فقد كانت كلمة إمام وإمامة ~~تطلق بالمعنى الإسلامي المعروف، فإذا قال بعض الصحابة: إن الإمام هو أبو بكر وعمر، ~~وقال الشيعة: إن الإمام هو علي، كانوا يفهمون من ذلك أن الإمام بمعنى الرياسة ~~والتقدم، كالإمام في ms720 الصلاة، ولكن يظهر أن الكلمة تطورت بعد ذلك إلى معنى آخر، ~~وهو أن في الإمام معنى روحيا، فالإمام له صلة روحية بالله على نحو أقل من الصلة ~~الروحية بين الله والأنبياء. جاء في كتاب «الكافي» للكليني، وهو من أوثق مصادرهم: ~~«كتب الحسن بن العباس المعروفي إلى الرضا: جعلت فداك! أخبرني ما الفرق بين الرسول ~~والإمام والنبي؟ فكتب أو قال: الفرق بين الرسول والنبي والإمام أن الرسول هو الذي ~~ينزل عليه جبريل، فيراه ويسمع كلامه، وينزل عليه الوحي، وربما رآه في منامه نحو ~~رؤيا إبراهيم، والنبي ربما سمع الكلام، وربما رأى الشخص ولم يسمع، والإمام هو الذي ~~يسمع الكلام ولا يرى الشخص.» # 2 # فالإمام بهذا المعنى يوحى إليه ... قالوا: «والله أعظم من أن يترك الأرض بغير إمام ~~عادل، إن زاد المؤمنون شيئا ردهم، وإن نقصوا شيئا أتمه لهم، وهو حجة على عباده، ~~ولا تبقى الأرض بغير إمام ... حجة لله على عباده، ولو لم يبق في الأرض إلا رجلان ~~لكان أحدهما الحجة، وكان هو الإمام.» وفيه أيضا: «ومن لا يعرف الله - عز وجل - ~~ولا يعرف الإمام منا أهل البيت، فإنما يعرف ويعبد غير الله .» # 3 # قال أبو جعفر: نحن خزان علم الله، ونحن تراجمة وحي الله، ونحن الحجة البالغة على ~~من دون السماء، ومن فوق الأرض، والأئمة نور الله الذي قال فيه تعالى: # فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي ~~أنزلنا ~~(التغابن: 8)، ونور الإمام في قلوب المؤمنين أنور من الشمس ~~المضيئة بالنهار، ويحجب الله نورهم عمن يشاء؛ فتظلم قلوبهم، # 4 # بل زادوا على ذلك فقالوا: إن الله خلق العالم لأجلهم، وإنه قد فوض ~~أمور الناس إليهم، وإنه بوجودهم ثبتت الأرض والسماء، وبيمنهم رزق الورى، وأنه يجب ~~أن يكون في كل زمان منهم، وإنه من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة ~~الجاهلية. # جاء في الكافي عن الصادق: «إن الأرض كلها لنا.» وروى عبد الله بن بكر الأرجاني عن ~~الصادق قال: قلت جعلت فداك: فهل يرى الإمام ما بين المشرق والمغرب؟ قال: يا ابن ~~بكر، ms721 فكيف يكون حجة على ما بين قطريها، وهو لا يراهم، ولا يحكم فيهم؟ إلى كثير من ~~أمثال ذلك في الكافي وغيره. # وقد فسروا: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم ~~(النساء: 59) بأنها نزلت في علي، ورووا: «أوصيكم ~~بكتاب الله وأهل بيتي؛ فإني سألت الله عز وجل ألا يفرق بينهما حتى يوردهما الحوض، ~~فأعطاني ذلك.» # فنرى من هذا أن عقيدة الصحابة، وأهل السنة والمعتزلة في الإمام تخالف عقيدة ~~الشيعة، الأولون لا يقدسون الإمام، ولا يرون أنه معصوم، ويرون أنه قد يخطئ؛ فيجب ~~رده إلى الصواب، بل وقد يرتكب الكبائر فيجب رده، وأما الشيعة فيرون أن فيه صلة ~~بالله، وأنه معصوم، وأنه لا يخطئ، وفرق كبير بين الاثنين. # وأنا أرى أن الحق مع الأولين، وأن الاعتقاد بعصمة الإمام، وروحانيته، وتقديسه تشل ~~العقول، وتجرئ الإمام على العبث بالرعية. وقد كان الصحابة يخطئون الأئمة في بعض ~~تصرفاتهم، ويخالف بعضهم بعضا، فهذا عمر انتقد تصرف أبي بكر مع خالد، وهذا علي ~~خالف عمر في بعض المسائل، والصحابة أنفسهم منهم من خطأ عليا نفسه في بعض ~~تصرفاته. # وعلى الجملة، فكانوا ينظرون إلى الإمام على أنه مخلوق كسائر الناس يصدر عنه الخطأ ~~والصواب، فإذا أخطأ وجب تقويمه، وهكذا سير الأمم الآن في تقويم ملوكهم، وردهم إلى ~~الصواب إن أخطأوا، ونحن نقول ذلك اتباعا للحق والعقل، لا نصرة لمذهب على ~~مذهب. # الإمام جعفر الصادق # ويظهر أن أول من أسبغ هذا المعنى على الإمام، هو الإمام جعفر الصادق، فإنه ~~كان من أوسع الناس علما واطلاعا، عاش من سنة 83ه إلى سنة 148ه، وقد لقب ~~بالصادق لصدقه، وقد كانت أمه من نسل أبي بكر الصديق، فأثر ذلك في اعتداله. وقد ~~نفعه أنه رأى من قبله من الأئمة احترق بالسياسة فابتعد عنها ... قال فيه ~~الشهرستاني، وهو غير شيعي: «وهو ذو علم غزير في الدين، وأدب كامل في الحكمة، ~~وزهد بالغ في الدنيا، وورع تام عن الشهوات، وقد أقام بالمدينة مدة يفيد الشيعة ~~المنتمين إليه، ويفيض على الموالين له أسرار العلوم، ثم ms722 دخل العراق، وأقام بها ~~مدة ما تعرض للإمامة قط، ولا نازع أحدا في الخلافة، ثم غرق في بحر المعرفة، ~~لم يطمع في شط، ومن تعلى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حط، وقد قيل: من أنس ~~بالله توحش عن الناس، ومن استأنس بغير الله نهبه الوسواس، وهو من جانب الأب ~~ينتسب إلى شجرة النبوة، ومن جانب الأم ينتسب إلى أبي بكر، ومع ذلك لم يسلم من ~~إيذاء أبي جعفر المنصور له، وقد كان له بستان جميل في المدينة يستقبل فيه الناس ~~على اختلاف مذاهبهم. ويرون أنه كان من تلامذته أبو حنيفة، ومالك بن أنس ~~الفقيهان الشهيران، وواصل بن عطاء المعتزلي، وجابر بن حيان الكيماوي، وبعض ~~الناس ينكر هذا. وله أقوالا في الإرادة، وفي القدر، كقوله في الإرادة: «إن ~~الله أراد بنا شيئا، وأراد منا شيئا، فما أراده بنا طواه عنا، وما أراده منا ~~أظهره لنا، فما بالنا نشتغل بما أراده بنا عما أراده منا؟!» وقال في القدر: هو ~~أمران «لا جبر، وتفويض»، وهما مسألتان مما تكلم فيهما المتكلمون كثيرا كما ~~رأينا، وله أقوال كثيرة منثورة في الكتب تدل على حكمته، وبعد نظره، وسعة علمه، ~~وإنما قلنا : إنه لون معنى الإيمان لونا خاصا لما روي عنه من بعض الأقوال ~~التي تدل على أن الله جعل لمحمد نورا، ثم تنقل هذا النور إلى أهل بيته، كالذي ~~ذكره المسعودي من حديث نسبه الإمام جعفر إلى الإمام علي جاء فيه: «إن الله ~~أتاح نورا من نوره، فلمع ونزع قبسا من ضيائه فسطع ... ثم اجتمع النور في وسط ~~تلك الصورة الخفية، فوافق ذلك صورة نبينا محمد، فقال الله - عز وجل: أنت ~~المختار المنتخب، وعندك مستودع نوري، وكنوز هدايتي، من أجلك أسطع البطحاء، ~~وأموج الماء، وأرفع السماء، وأنصب أهل بيتك للهداية، وأوتيهم من مكنون علمي ما ~~لا يشكل به عليهم دقيق، ولا يغيب عنهم به خفي، وأجعلهم حجتي على بريتي، ~~والمنبهين على قدرتي ووحدانيتي ...» ونحو ذلك من الأقوال المنسوبة إليهم، فكل هذا ~~جعلنا ننسب إلى الإمام ms723 جعفر الصادق صبغته للإمام صبغة جديدة لم نكن نعرفها من ~~قبل. # وكان لجعفر الصادق أولاد كثيرون، منهم إسماعيل، وكان هو الأكبر وهو المعين ~~للإمامة بعد أبيه. ولكن حدث أن مات إسماعيل قبل موت أبيه، فأحدث ذلك خلافا ~~كثيرا عند الشيعة، وكان هو السابع، فرأت فرقة أن إسماعيل هذا كان آخر ~~الأئمة، ومنهم من أنكر موته، وقال: إنه غاب، وإنه سيعود، وإنه لم يمت حقيقة، ~~بل حجبه الله إلى الوقت الذي يقتضي ظهوره، ويسمى هؤلاء بالسبعية؛ لوقوفهم في ~~الإمامة عند هذا، ويسمون أيضا بالإسماعيلية نسبة إلى إسماعيل هذا، وهو قول ~~غريب. # وبعضهم يقول: إنه مات حقيقة، وإن الإمامة انتقلت بعده إلى أخيه موسى الكاظم، ~~وساقت هذه الفرقة الإمامة بعد ذلك إلى اثني عشر إماما، ومن أجل ذلك يسمون ~~الشيعة الاثنى عشرية، ثم القرامطة، والفاطميون، والحشاشون إسماعيلية الهند ~~وإيران وآسيا الوسطى، كلها طوائف سبعية، أو بعبارة أخرى إسماعيلية، ولكل إمام ~~من هؤلاء الأئمة تاريخ طويل، لا يهمنا هنا، فليرجع إليه من شاء، إنما الذي ~~يهمنا ما يتعلق بعقيدة الإمام. # وكان الإمام الحادي عشر هو الحسن العسكري، وقد ولد سنة 232ه كما يقول ~~الكليني، وكان يلقب بالصامت، والهادي، والرفيع، والزكي ، والنقي، ولكن الذي ~~غلب عليه هو العسكري، وقد حمله أبوه وهو صغير إلى سامرا في عهد المتوكل، ~~وتعلم هناك، وعرف أنه كان يتكلم لغات كثيرة: الهندية، والتركية، والفارسية. ~~وقد مات الحسن العسكري هذا سنة 260ه في عهد المعتمد العباسي، وقد خلف الإمام ~~الثاني عشر، واسمه محمد سنة 255 أو سنة 256 في سامرا، ومات عنه وهو ابن أربع ~~سنين أو خمس، وقد تغيب هذا الإمام الثاني عشر، ولم يظهر للناس، وأطلق عليه ~~الإمام المنتظر، والمهدي، وصاحب الزمان، وقالوا: إن الله حجبه عن عيون الناس، ~~وإنه حي بإذن الله، وقد رآه بعضهم بين وقت وآخر، وهو يكاتب الناس، ويتصرف في ~~أمور شيعته، # 5 # وإن هذا الإمام الغائب سيرجع ... إلخ إلخ. # ولما كان لا بد من شخص يرجع إليه في النوازل، قالوا: إن له وكيلا ms724 ينوب ~~عنه، وهو عثمان بن سعيد، فلما مات خلفه وكيل آخر، وهكذا إلى أربعة، # 6 # وقد شجعت هذه الفكرة القائمين بالحركات السياسية، والطامحين إلى ~~الملك إلى ادعاء كثير أنه المهدي المنتظر. # 7 # والمفكر في هذا يعجب لأمرين: أحدهما: تولية الإمامة لطفل في الرابعة، أو ~~الخامسة من عمره، مع أن الإمامة منصب عظيم يشرف على أمور المسلمين لا بد له ~~من رجل ناضج قادر على تحمل المسئولية، عارف بأمور الدين، ومشاكل الدنيا، والطفل ~~الصغير لا يستطيع ذلك مهما أوتي من النبوغ، وربما دعاهم إلى ذلك فكرتهم في أن ~~لكل إمام نورانية إلهية يتوارثها خلف عن سلف، وهي نظرية تحتاج إلى مناقشة، ونحن ~~نرى حتى فيما بين أيدينا أن في نسل الأشراف من هو نبيل كل النبل، عظيم كل ~~العظمة، ومن هو فاجر داعر، وتلك سنة الله في خلقه، فقد يخرج العالم جاهلا، ~~والجاهل عالما، والمتدين فاجرا، والفاجر دينا، كما نرى فعلا في الحكومات ~~الشيعية من فاطمية وإسماعيلية من كان لا يصلح للإمامة مطلقا بدلالة التاريخ، ~~كما هو الشأن في الخلافة السنية. # والأمر الثاني: دعواهم في هذا الطفل أنه خفي لا يظهر، وإنما يظهر عند حاجة ~~الزمان إليه، وقد جرهم ذلك إلى القول بطول عمر الإمام الغائب، مع أن سنة الله ~~في خلقه تحديد أعمار الإنسان. # وقد جرى ذلك على الأنبياء أنفسهم، فلم يعمر النبي محمدا إلا ثلاثا وستين ~~سنة، كما جرى على علي، والحسن، والحسين، ولم نعلم أحدا في التاريخ الظاهر ~~عمر أكثر من مائة سنة إلا قليلا. # وعلى كل حال، فلم يعمر أحد أبدا، وقد دعا قولهم بغيبة الإمام الثاني عشر ~~هذا إلى قول بعضهم: إنه لم يوجد، وإن الإمام العسكري مات من غير عقب، وإن دعوى ~~الطفل هذه من صنع الوكلاء طمعا في المال الذي يجبى من سائر الأقطار لأئمة ~~الشيعة. # | هوامش # الفصل الثالث # | اتفاق الشيعة والمعتزلة # وكثير من الشيعة يتفقون في العقيدة مع المعتزلة؛ إذ كان كثير منهم شيعة ومعتزلة ~~في وقت واحد؛ وذلك في مثل تأويل بعض ms725 الآيات في القرآن، ومثل عدم رؤية الله في ~~الدنيا والآخرة اعتمادا على قوله تعالى: # لا تدركه ~~الأبصار وهو يدرك الأبصار ~~(الأنعام: 103)، ولكنهم قد ~~يخالفون المعتزلة في بعض الأشياء مثل: قول الشيعة بشفاعة الأنبياء والأئمة، وقد كان ~~المعتزلة يستندون في عدم الشفاعة إلى قوله تعالى: # ولا ~~تكسب كل نفس إلا عليها ~~، # ولا ~~تزر وازرة وزر أخرى ~~(الأنعام: 164)، وحمل المعتزلة على ~~ذلك إيمانهم التام بالمسئولية الشخصية، وأن كل شخص مسئول عن عمله، وخالفهم أهل ~~السنة في ذلك، وزاد الشيعة في شفاعة الأئمة، ورووا عن الإمام الباقر أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: «يا علي، إذا جاء يوم القيامة جلسنا أنا وأنت وجبريل على الصراط، فلا ~~يمر أحد عليه إلا وبيده براءة من نار جهنم بولايتك»، وكان من مستلزمات ذلك الزيارات ~~الكثيرة للأولياء، والاستشفاع بهم، والدعاء عندهم، من ذلك مثلا: «السلام على الذين ~~من والاهم فقد والى الله، ومن عاداهم فقد عادى الله، ومن عرفهم فقد عرف الله، ومن ~~جهلهم فقد جهل الله، ومن اعتصم بهم فقد اعتصم بالله، ومن تخلى عنهم فقد تخلى عن ~~الله. أشهد الله أني سلم لمن سالمهم، وحرب لمن حاربهم، ومؤمن بسركم وعلانيتكم، ~~مفوض في ذلك كله إليكم، لعن الله عدو آل محمد من الجن والإنس، من الأولين ~~والآخرين، وأبرأ إلى الله منه، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله الطاهرين.» # 1 # وفيما عدا ذلك هناك اختلافات بين الشيعة وأهل السنة في ~~الفروع. # 2 # | هوامش # الفصل الرابع # | تأييد الحكومات للشيعة # وكما أن أهل السنة أيدتهم حكومات كالذي ذكرنا من قبل، فالتشيع قد أيدته حكومات ~~أخرى، كالدولة البويهية في العراق وما حوله، والدولة الفاطمية في مصر والشام ~~والمغرب، وما يؤسف له أن النزاع بين هذه الحكومات السنية والشيعية لم يقتصر على ~~المناظرة والجدل الكلامي، بل تعدى إلى القتال بالسيف، وبذل الدماء أنهارا، فكم سفك ~~من الدماء في ادعاء المهدية، كالذي بذل في دعوى عبيد الله الفاطمي من أئمة ~~الإسماعيلية في فتح أفريقيا، ومصر حتى أسس دولته، إلى كثير ms726 غيره من المهديين، إلى ~~مهدي السودان، ثم ما كان من هجوم التتار ومصيبتهم العظمى في التقتيل والتخريب؛ مما ~~جعل مؤرخي الإسلام يصرخون عند كتابة حوادثها، فإنه كان من أسبابها الكبيرة الخلاف ~~بين الشيعة والسنية. # قال الخميسي: «نهب التتار سواد آمد وارزن، وميافارقين، وقصدوا مدينة أسعرد، ~~فقاتلهم أهلها فبذل لهم التتار الأمان؛ فوثقوا منه، واستسلموا، فلما تمكن التتار ~~منهم بذلوا فيهم السيف فقتلوهم، حتى كادوا يأتون عليهم، فلم يسلم منهم إلا من ~~اختفى، وقليل ما هم، وساروا في البلاد لا مانع لسيفهم، ولا أحد يقف بين أيديهم، ~~فوصلوا إلى ماردين فنهبوها ... ثم وصلوا إلى نصيبين، والجزيرة فأقاموا عليها بعض ~~نهار، ونهبوا سوادها، وقتلوا من ظفروا به، وقيل: إن الرجل الواحد منهم كان يدخل ~~القرية، أو العزبة، أو الدرب، وفيه جمع كثير من الناس لا يزال يقتلهم واحدا بعد ~~واحد لا يتجاسر أحد أن يمد يده إلى ذلك الفارس، واستولوا على أرضهم، ولم يقف في ~~وجوهم فارس، وهذه مصائب وحوادث لم ير الناس من قديم الزمان وحديثه ما يقاربها. وفي ~~سنة ستة وخمسين وستمائة وصل الطاغية هولاكو إلى بغداد بجيوشه، وبالكرج، وبعسكر ~~الموصل، فانكسر المسلمون أمامه لقلتهم، ونزل قائده على بغداد من غربيها، وهولاكو من ~~شرقيها، ثم خرج الخليفة المستعصم لتلقيه في أعيان دولته، وأكابر الوقت فضربت رقاب ~~الجميع، وقتلوا الخليفة، ورفسوه حتى مات، ودخلت التتار بغداد واقتسموها، وكل أخذ ~~ناحية، وبقي السيف يعمل أربعة وثلاثين يوما، وقل من سلم؛ فبلغت القتلى ألف ألف ~~وثمانمائة وزيادة، فعند ذلك نادوا بالأمان.» # وكان مجيء هولاكو فيما يقال بدعوة الوزير ابن العلقمي الرافضي إذ كان يعتقد أن ~~هولاكو سيقتل المعتصم، ويعود إلى حال سبيله، وعندئذ يتمكن الوزير من نقل الخلافة ~~إلى العلويين. # ثم ما كان مثلا بين الدولة العثمانية لما قامت في الآستانة، وما حولها، وبين ~~الصفويين في إيران، وما حولها سنة 920 فإن السلطان سليما لما بلغه أن كثيرا من ~~رعايا الدولة العثمانية يتمذهب بالمذهب الشيعي على أيدي دراويش بثهم الشاه إسماعيل ~~الصفوي، عزم ms727 على محاربتهم، فأعلن الحرب على الشاه إسماعيل، وما زال الجيش العثماني ~~يتقدم من مدينة إلى مدينة حتى وصل إلى سيواس، وأحصى جيشه فبلغ 140 ألف جندي، ترك ~~جزءا منه للمحافظة على الطريق يبلغ نحو أربعين ألفا، وتقدم هو بالباقي، وتقدم إلى ~~مدينة تبريز، فخرج إليه الشاه إسماعيل الصفوي، ووقف أمام السلطان سليم العثماني، ~~وكان الجيشان في العدد سواء تقريبا، وكان في الجيش الإيراني طائفة من الخيالة، ~~وفرق تلبس الزرد، وفرقة من طوائف الفدائية، وقتل من الفريقين عدد كبير، واستولى ~~العثمانيون على مضارب الفرس، وما كان معهم من الذخائر والأدوات، وجرح الشاه ~~إسماعيل، وسقط عن جواده، ودخل السلطان سليم تبريز، وقد قتل من الفرس وحدهم في تلك ~~المواقع نحو أربعين ألفا، ومن ذلك أيضا ما فعلته الفرقة الفدائية الإسماعيلية من ~~قتل ونهب، وما فعلته جماعة القرامطة، إلى كثير من أمثال ذلك. # فلو نظرنا إلى النفوس والجهود والأموال التي أتلفت بين طوائف المسلمين، وخصوصا ~~الشيعة والسنية، وما جرى للشيعة من عهد علي، وخلفائه مما يشرحه كتاب «مقاتل ~~الطالبيين» لأبي الفرج الأصفهاني صاحب الأغاني، وما جاء في كتب التاريخ بعده أخذنا ~~العجب، وأدركنا أن هذه القوى التي بذلت بين المسلمين كانت تكفي في سهولة لطرد ~~الصليبيين، وكفهم عن العبث بالبلاد ، وكان الكف عن قتالهم فيما بينهم يكفي لإصلاح ~~حالة المسلمين اجتماعيا واقتصاديا إصلاحا ليس له نظير، ولكن هكذا قدر، وهكذا ~~كان، فضاعت المجهودات عبثا، بل ضاعت في التخريف والتبديد من عصر الخلفاء الراشدين ~~إلى اليوم، ولو تدبر الفريقان لرأوا أن الخلاف كان أكثره على مسائل أصبحت في ذمة ~~التاريخ، ولم يصبح للخصومة عليها معنى، ولكن ماذا نعمل، والعقول ضيقة، وفي الناس من ~~يثير الخصومات كسبا للمال، وحفظا لمنزلته في أسرته، أو شهوة للحكم. # الفصل الخامس # | عواطف أهل الشيعة # ولئن أمعن المتكلمون من المعتزلة والسنية في الحجج العقلية، والقوانين الدقيقة ~~المنطقية، فقد غلبت على الشيعة العواطف، لقد أحبوا آل البيت حبا عاطفيا، وكرهوا ~~جدا من عاداهم، وتأثروا تأثرا شديدا ممن عذبهم، أو قتلهم، أو ms728 حبسهم، ولم يكتفوا ~~بالعواطف المجردة، بل أرادوا الانتقام ممن عذبهم، وحاولوا مرارا قلب حكمهم، وهذه ~~كلها شأن العواطف، أما مقدمة صغرى وكبرى، وقياس، وأشكال قياس، فهذه صبغة المعتزلة ~~والسنية، ولكل طابعه. # دعت هذه العواطف عند الشيعة، وتعظيم الأولياء، وفكرة الاستشفاع بهم إلى مظهر واضح ~~ربما تأثر به المسلمون جميعا، وهو إقامة الأضرحة، والعناية بها وتزيينها، ~~وزيارتها، والاستشفاع بها، وكثرة الدعوات عندها، وتمني الدفن بجوارها، وإن كانت هذه ~~العادات عند السنيين والمسلمين فهي عند الشيعة أقوى، وربما كانت هي الأساس، من ذلك ~~مثلا مشهد الإمام علي بالنجف، وهو يبعد عن الكوفة نحو أربعة أميال، قد حشد فيه من ~~قديم الفن الفارسي من خط جميل، وقاشاني، وتحف فنية ذهبية، وغير ذلك، والزائر لهذا ~~المشهد يرى ساحات واسعة ملئت بالقبور كما يرى مئات القباب المختلفة الألوان، وقد ~~سلم هذا المشهد من تخريب هولاكو؛ لأن الشيعة كانت قد ساعدته ليستعينوا به على ~~السنية الذين كانوا قد آذوهم، يقول ابن بطوطة في رحلته: «ثم رحلنا، فنزلنا من مشهد ~~علي بن أبي طالب بالنجف، وهي مدينة حسنة ... وأهل هذه المدينة كلهم رافضة ... وحيطان ~~هذه الروضة منقوشة بالقاشاني، والقبة مفروشة بأنواع البسط من الحرير وسواه، وبها ~~قناديل الذهب والفضة ... وفي المدينة خزانة كبيرة تجمع بها النذور من الناس في بلاد ~~العراق وغيرها، من يصيبه المرض ينذر للروضة نذرا إذا برئ ... وهذه الروضة ظهرت لها ~~كرامات.» # وقد وردت أحاديث كثيرة عن الأئمة الشيعيين في فضل زيارة قبر علي، كالذي رواه جعفر ~~الصادق أنه قال: «من زار أمير المؤمنين عارفا بحقه غير متجبر، ولا متكبر، كتب الله ~~له أجر مائة شهيد، وغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.» وأتى رجل الإمام ~~الصادق، وأخبره أنه لم يزر أمير المؤمنين فقال له: «بئس ما صنعت لولا أنك من شيعتنا ~~ما نظرت إليك، ألا تزور من يزوره الله والملائكة، ويزوره الأنبياء، ويزوره ~~المؤمنون. قال: جعلت فداك، ما علمت ذلك، قال: فاعلم أن أمير المؤمنين أفضل عند الله ~~من الأئمة كلهم، ms729 وله ثواب أعمالهم، وعلى أعمالهم فضلوا.» # 1 # وعلى الزائر حين يزور أن يتلو دعاء الزيارة وهو: «السلام عليك يا ولي الله، يا ~~حجة الله، يا خليفة الله، يا عمود الدين، يا وارث النبيين، يا قسيم الجنة والنار، ~~يا صاحب العصا والميسم، يا أمير المؤمنين: أشهد أنك كلمة التقى، وباب الهدى، والأصل ~~الثابت، والجبل الراسخ، والطريق الحق؛ أشهد أنك حجة الله على خلقه، وشاهده على ~~عباده، وأمينه على علمه، ومستودع أسراره، ومعدن حكمته، وأخو رسوله، أشهد أنك أول ~~مظلوم، وأول من غصب حقه، فصبر وانتظر، لعن الله من ظلمك، وغصب حقك وعاداك، لعنة ~~عظيمة يلعنه بها كل ملك كريم، ونبي مرسل، ومؤمن صادق، ورحمة الله عليك يا أمير ~~المؤمنين، وعلى روحك وجسدك ... إلخ.» وهم يروون دعاء مخصوصا دعا به أحد الأئمة، ~~وهذا الحديث يرينا مقدار أثر الإمام جعفر الصادق في تلوين التشيع وأثره. # ومن أشهر المشاهد والمزارات كربلاء على بعد ثلاثة أميال من بغداد، وفيها مشهد ~~الحسين، وهي من أعظم المزارات وأفخمها، وأحفلها بالتحف والمذهبات، يقول فيها ابن ~~بطوطة.. «والعتبة الشريفة، وهي من الفضة، وعلى الضريح المقدس قناديل الذهب والفضة، ~~وعلى الأبواب أستار الحرير، وكم يكرر الزائرون مأساة الحسين ... وهم يروون الروايات ~~الغريبة عن فضل هذا المكان المقدس تتلألأ قبته المغشاة بالذهب إذا طلعت عليه ~~الشمس.» # كذلك يرى من دخل بغداد من الشمال أو الغرب المآذن الذهبية الأربعة فوق مشهد ~~الكاظمية، كما يرى الشيعة يقصدون هذه المشاهد، ويستشفعون بها، ويدعون عندها. # وقد كان البناء قديما، وجدده الشاه إسماعيل الأول، أما تذهيب القبتين فأمر به ~~الشاه أغا محمد، وأصلحت إحدى القباب، وكسيت المنائر بالذهب، وهم يضعون لزيارتهم ~~شروطا فيقولون: «إذا أردت زيارة قبر موسى الكاظم، وقبر محمد بن علي بن موسى فاغتسل ~~وتنظف، وتعطر، والبس ثوبيك الطاهرين، ثم قل عند قبر الإمام موسى: السلام عليك يا ~~ولي الله، يا حجة الله، يا نور الله ... أتيتك زائرا عارفا بحقك، معاديا ~~لأعدائك، مواليا لأوليائك، فاشفع لي عند ربك يا مولاي.» # 2 # والذي يرى المشاهد ms730 العديدة في القاهرة كمشهد الحسين، والسيدة زينب، والسيدة ~~نفيسة، وغيرها يرى أنها صورة مصغرة جدا للمشاهد في النجف، وكربلاء، ~~والكاظمية. # وللشيعة كتب في الحديث تتميز بالرواية عن الأئمة، وعن رجال الشيعة يعتمدون عليها ~~الشيعيون، كما يعتمد السنيون على كتب الصحاح، من أشهرها كتاب الكافي للكليني، وهو ~~أول هؤلاء المحدثين، وأعلاهم منزلة، ألف كتابه الكافي في علم الدين، ويحتوي على 16 ~~ألف حديث، وقسمها إلى أحاديث صحيحة، وحسنة، وموثقة، وقوية، وضعيفة، # 3 # وقد مات الكليني في بغداد سنة 328ه أو 29. ومن المؤلفين في الحديث ~~أيضا الصدوق القمي الملقب بابن بابويه، وهو يحتوي على أربعة آلاف وأربعمائة وستة ~~وتسعين حديثا، ومن المؤلفين في الحديث أيضا الطوسي، وينسب إليه التأثير الكبير في ~~الدعوة إلى الشيعة، وقد كان له تلاميذ كثيرون، وقد ولد الطوسي سنة 385ه في طوس، ~~وجاء بغداد وعمره ثلاث وعشرون سنة، ثم هاجر إلى النجف، وله كتب كثيرة في الحديث، ~~وأصول الدين، والفقه، والتراجم، والناظر إليها يعلم صبغتها بالصبغة الشيعية، وربما ~~اختلفت في ترتيبها عن ترتيب الصحاح السنية، هذا عدا أن لهم مجتهدين وفقهاء عنوا ~~بالفقه الشيعي، وفيه بعض مخالفات للفقه السني، إن شئت فانظر إلى كتاب «بحر ~~الأنوار»، وعلى العموم فقد كانت لهم خلافات في العقيدة، وفي الحديث، وفي الفقه، ~~ولمجتهديهم قوة على الرأي العام الشيعي، وتبجيل وتقديس أكثر مما لعلماء أهل السنة، ~~وكثيرا ما تدخلوا في الأمور السياسية، وعطلوا بعض المشاريع السياسية، وقد حاول ~~بعض الولاة الشيعيين أن يحد من سلطانهم فلم ينجح. # | هوامش # الفصل السادس # | بعض فرق للشيعة # نتجت من الشيعة فرق كثيرة لعبت أدوارا هامة في التاريخ، كالإسماعيلية، ~~والقرامطة، والزنج، والزيدية، لا بأس أن نذكر كلمة عن كل منها. # أولا: الإسماعيلية # ذكرنا قبل أن الإسماعيلية نسبة إلى الإمام إسماعيل، وهو الإمام السابع، وهم ~~يقفون عنده، ولذلك يسمى أتباعه بالسبعية، وقد يطلق على بعضهم الحشاشون؛ لأنه ~~أثر عندهم استعمال الحشيش في دعوتهم، وقد يلقب بعضهم أيضا بالفدائيين. # وقد كانت هذه الفرقة قوة كبيرة لعبت دورا كبيرا في تاريخ ms731 الإسلام، وكان ~~تؤلف حزبا كبيرا متآلفا مطيعا، ومن أول رؤسائهم عبد الله بن ميمون القداح، ~~وله أتباع كثيرون، ويمتاز هو ورؤساء حزبه بأنهم كانوا في غاية المكر والدهاء، ~~وضعوا أسسا ومبادئ لجمعية سرية على أدق نظام عرفه التاريخ إلى اليوم، يرمي إلى ~~شيئين هامين: # الأول: # استغلال الاستياء من الدولة العباسية على أي نحو كان، وتوحيد ~~الصفوف لإزالتها، وإحلال فرقتهم محلها؛ ومخاطبة كل باللغة التي ~~تناسبه، والأغراض التي تناسبه. # والثاني: # ترتيبهم الدعوات إلى مذهبهم ترتيبا محكما على حسب استعداد ~~الناس، فللجماهير تعاليم، وللخاصة تعاليم، ولخاصة الخاصة ~~تعاليم، ولا يعلم الأدنى تعاليم الأعلى؛ # 1 # فهم رتبوا الدعوات بحسب الاستعدادات، ولا يعلم ~~أسرار الجمعية إلا رؤساؤها، وزعماؤها القليلون. # وربما تطورت في ذلك مع الزمن، فقد بدأت الإسماعيلية فرقة شيعية معتدلة أكبر ~~خصائصها أنها تدين بالأئمة السبعة الأولى وحدهم، ثم تطورت مع الزمن، ودخلت فيها ~~تعاليم كثيرة مختلفة، وتقسمت إلى طوائف، لكل طائفة عمل خاص، فطائفة الفدائيين، ~~وطائفة للقيام بالدعوة، وهكذا ... ثم كان زعماؤها في غاية المهارة في معرفة نفوس ~~من يدعونهم، فيعرفون كيف يخاطبون العرب، والعجم، والكرد، والأتراك، كما يعرفون ~~كيف يخاطبون الجمهور غير المتعلمين، والمثقفين، والفلاسفة ... الخ، والذي يعرف ~~أسرار الجمعية، وأغراضها عدد قليل جدا، ولا يصلون إلى درجة الزعامة إلا بعد ~~أن يمروا بدرجات يمتحنون في كل درجة منها امتحانا قاسيا، ثم يحلفون الأيمان ~~المغلظة على الوفاء بتعليمهم، وقد حكى أبو المنصور البغدادي في «الفرق بين ~~الفرق» صورة اليمين فقال: «وأما أيمانهم فإن داعيهم يقول: جعلت على نفسك عهد ~~الله، وميثاقه، وذمته، وذمة رسله، وما أخذ الله من النبيين من عهد وميثاق أن ~~تستر ما تسمعه مني، وما تعلمه من أمري، ومن أمر الإمام الذي هو صاحب زمانك، ~~وأمر أشياعه وأتباعه في هذا البلد، وفي سائر البلدان، وأمر المطيعين له من ~~الذكور والإناث، فلا تظهر من ذلك قليلا، ولا كثيرا، ولا تظهر شيئا يدل عليه ~~من كتابة أو إشارة إلا ما أذن لك فيه الإمام صاحب الزمان، أو أذن لك في ms732 إظهاره ~~المأذون له في دعوته، فتعمل في ذلك حينئذ بمقدار ما يؤذن لك فيه. وقد جعلت على ~~نفسك الوفاء بذلك في حالتي الرضا والغضب، والرغبة والرهبة، وجعلت على نفسك أن ~~تمنعني، وجميع من أسميه لك مما تمنع منه نفسك لعهد الله تعالى عليك، وميثاقه، ~~وذمته، وذمة رسله، وتنصحهم نصحا ظاهرا وباطنا، وألا تخون الإمام وأولياءه، ~~وأهل دعوته في أنفسهم، ولا في أموالهم، وأنك لا تتأول في هذه الأيمان تأويلا، ~~ولا تعتقد ما يحلها، فإنك إن فعلت شيئا من ذلك فأنت بريء من الله ورسله ~~وملائكته، وجميع ما أنزله الله من كتبه، وإنك إن خالفت في شيء مما ذكرناه لك ~~فلله عليك أن تحج إلى بيته مائة حجة ماشيا نذرا واجبا، وكل ما تملكه في ~~الوقت الذي أنت فيه صدقة على الفقراء والمساكين، وكل مملوك يكون في ملكك يوم ~~تخالف فيه أو بعده يكون حرا، وكل امرأة لك الآن، أو يوم مخالفتك، أو تتزوجها ~~بعد ذلك تكون طالقا منك ثلاث طلقات ... والله تعالى الشاهد على نيتك، وعقد ضميرك ~~فيما حفلت به، فيقول المحلف: نعم.» # 2 # فكان الرجل إذا انتدب لأي مهمة نفذها بكل دقة مهما تطلبت من ~~التضحية، كما نرى في تاريخ الفدائيين، وكما يرى في تاريخ حادثة الرجل الذي ~~انتدب لقتل نظام الملك فقتله. # وكان للفدائيين من الإسماعيلية حصن حصين بقلعة تسمى ألموت، أي عش العقاب، في ~~الشمال الشرقي من قزوين، وكانت مركز الحشاشين يدرب فيها الأتباع على الطاعة ~~والفداء، بناها حسن الداعي إلى الحق العلوي سنة 246ه، وقد اشتهرت أيام الحسن ~~الصباح إذ أرعبت الأمراء والحكام، وخوفتهم من الاغتيال على يد أتباعه، وقد تلقى ~~تعليمه عن فاطميين في مصر، وكان يدعي أنه من نسل ملوك حمير، وقد عرف أنه كان ~~في مصر يعادي الفاطميين سنة 464ه، وقد رويت حكاية عن صداقته لعمر الخيام، ونظام ~~الملك، وأحد أتباعه قتل نظام الملك بخنجر، واستمرت القلعة قوية مرعبة بعد موته ~~بمدة من الزمان، ثم سقطت بعد ذلك. # وكانوا يشككون من دخل مذهبهم ms733 في عقائدهم الأصلية، ومبادئهم السياسية، ~~والأدبية، والاجتماعية، ويفهمونه أن مذهب الجمعية هو العلم الصحيح، وقد نجحوا ~~في أغلب دعواتهم عند أكثر الناس، ولم تخطئ فراستهم إلا قليلا، والقارئ للكتب ~~التي ألفت من المخالفين لهم كالغزالي والبغدادي، يجب أن يحذر من أقوالهم التي ~~لا تمثلهم تماما لما فيها من بعض المبالغات. # وقد كان الإسماعيلية يؤولون الآيات والأحاديث تأويلا غير ما يدل عليه ~~ظاهرها، ولذلك سموا بالباطنية، وذلك كالتأويلات التي نراها في رسائل إخوان ~~الصفاء، كالبعث والنشور، وخلود النفس، ونحو ذلك، فكلها لها معنى باطني. # هذا مبدؤهم الديني: تأويل لكل ما ورد به الشرع، ووراء ذلك كانت لهم مبادئ ~~سياسية واجتماعية، فمبدؤهم السياسي أن يطوحوا بالدولة العباسية وخلفائها، وأن ~~يحلوا محلهم الأئمة الشيعية، وقد نجحوا في ذلك إلى حد كبير، فإن لم تنجح ~~وسائلهم السلمية، فلا بأس أن تستعمل الوسائل الحربية. ويظهر أيضا أن من ~~أغراضهم الاجتماعية إزالة المظالم التي كان يرتكبها العباسيون، وأمراؤهم وتوزيع ~~العدل بين الناس، وهذا مقصد نبيل حقا، ولكن يظهر لي أنه لما أتيحت لهم الفرص، ~~وحل الشيعة محل العباسيين في بعض الممالك، لم يطبقوا العدل تطبيقا دقيقا، بل ~~وقع بعضهم في مثل ما وقع فيه العباسيون، وقد دعاهم موقفهم، واستجلاب الناس لهم ~~إلى أن ينشروا الدعوة إلى الإخاء بين الناس بقطع النظر عن الخلاف في الجنسية، ~~أو الطبقة، أو الدين، فإن هذا من غير شك يرغب في قبول دعوتهم، خصوصا وقد ~~تعلموا أنه مما أفسد الأمر على بني أمية، وعلى بني العباس عصبيتهم الشديدة، وقد ~~جعلهم هذا ينشرون دعوتهم بين أهل الأديان المختلفة، والطبقات المختلفة، ~~والأحزاب المختلفة. # وقد جرأ انتشار مذهبهم على أقوال لا تقرها السنية، كأشعار أبي العلاء في ~~اللزوميات، وبعض أشعار ابن هانئ الأندلسي، وكقول الصاحب بن عباد: # دخول النار في حب الوصي # وفي تفضيل أبناء النبي # أحب إلي من جنات عدن # أخلدها بتيم أو عدي # 3 # وأبو العلاء وإن لم يكن شيعيا، فقد تسربت إليه بعض آراء الشيعة، وينسب إلى ~~أحدهم أنه قال: # وما ms734 الخير إلا كماء السما # ء حلال فقدست من مذهب # وقد أدرك بنو العباس، ومن تبعهم خطر هذه الحركات عليهم، فهاجموهم وانتقموا ~~منهم، يقول عماد الدين الهمذاني: «إن أحد أمراء خراسان قتل في مدة قليلة أكثر ~~من مائة ألف من الباطنية، وبنى من رءوسهم بالري منارا أذن عليه المؤذنون.» ~~وفي كتاب الفرق أن محمود بن سبكتكين سلطان غزنة قتل في مدينة مولتان من أرض ~~الهند الألوف، وقطع أيدي ألف منهم، وباد بذلك نصراء الباطنية من تلك ~~الناحية. # 4 # ومن هذا الاضطهاد، والهجوم العباسي كانت وسائلهم، واضطهادهم مبعثا لتغلغلهم ~~في كل مرفق من مرافق الحياة، فلم تجد عملا من الأعمال إلا وتجد خلايا من ~~خلاياهم تعمل لبث دعوتهم، أو إفساد الحكم على العباسيين، وقد كادوا يقضون على ~~دولة العباسيين لولا أنه دخل عنصر جديد انضم إلى العباسيين في الدفاع عنهم، وهو ~~العنصر التركي، فقد شارك العباسيين في السنية، والفتك بالإسماعيلية حتى ألجأهم ~~إلى الفرار للجبال والبلاد البعيدة، ومع هذا كله لم تنمح الإسماعيلية، بل ظلت ~~تنبسط وتنقبض، وتضيق وتتسع حسب الظروف حتى يومنا هذا، وربما اتخذت أسماء مختلفة ~~كالبابية، والبهائية، والدروز، وغيرها. # ثانيا: القرامطة # هي فرقة من فرق الإسماعيلية، كان مركزها في أول الأمر مدينة واسط بين الكوفة ~~والبصرة وما حولها، وكان يسكن هذه البلاد خليط من العرب، والنبط، والسودان، ~~وأكثرهم كانوا فقراء مستائين من حكومتهم، ومن أصحاب الأراضي الذين يستغلونها ... ~~ولهذا لبوا دعوة القرامطة. # واشتهر من أول الدعاة حمدان القرمطي، وقد عرفت الدعوة باسمه، وقد كان حمدان ~~هذا أكارا بسيطا بعثه أحد كبار دعاة العلوية ليدعو نيابة عنه في تلك ~~البلاد، فبنى مركزا جديدا للدعوة الإسماعيلية قرب الكوفة، سماه دار الهجرة، ~~واتخذه مكانا للدعوة والوعظ، فدخل في دعوته كثير من الناس، وقد فرض الضرائب ~~على أتباعه يصرف منها على الفقراء والتأسيسات، وقد روي عنه أنه جمع من أتباعه ~~أموالا كثيرة، وزعها على المحتاجين من القرامطة، حتى لم يبق بينهم فقير، ~~ولذلك يمكن أن يعدوا من أول الجمعيات الاشتراكية، وكان دعاتهم يدعون ms735 إلى مؤاخاة ~~الناس على اختلاف دياناتهم، وطبقاتهم، وأجناسهم ... وتحمس الأتباع لهذه الدعوة، ~~وانتشرت دعوة القرامطة من واسط إلى كثير من البلاد العربية المجاورة لها، ~~والبعيدة عنها، حتى وصلت إلى جنوبي جزيرة العرب. # وجاء زعيم اسمه أبو سعيد الجنابي، فأنشأ فرعا كبيرا في بلاد الأحساء من ~~بلاد البحرين، وتعاونت الفروع كلها للعمل ضد الخلافة العباسية، واتبعها قوم في ~~السر حتى في بغداد مركز الخلافة، وحتى في بلاط الخليفة نفسه يمدون رؤساءهم ~~بالمعلومات، ويبثون الدعوة إليها سرا، وكانوا ينتهزون من الفرص التي تضع من ~~شأن العباسيين كتصرفاتهم السيئة أحيانا، وضعف من يلي الأمر من خلفائهم، فإذا ~~أحسوا ضعفا نشطوا في الدعوة، وخرجوا على الدولة. # فلما انتشرت الدعوة في البحرين انتشارا كبيرا في عهد الخليفة المعتضد أرسل ~~جيشا لمقاومة الحركة، ولكن جيش الخليفة انكسر، وأسر قائده، وتبددت جنوده، وقتل ~~من وقع في الأسر منهم، وقد استولى الثوار القرامطة على مدينة حجر عاصمة ~~البحرين، كما استولوا على اليمامة، وعلى عمان، ولما قاد الحركة القرمطية أبو ~~طاهر سليمان وسع نفوذه، وكان يزحف تارة على البصرة وبغداد، وطورا إلى ~~الحجاز، وكان ينتصر في كل غزواته تقريبا، وقد دخل أبو طاهر هذا مكة، وسلب ~~الكعبة، وقتل الحجاج. ويحدثنا المؤرخون أن الذين قتلهم القرامطة في تلك السنة ~~من الحجاج نحو ثلاثة آلاف غير الذين ماتوا من الجوع ، وغير من وقع أسيرا، وكان ~~من بين من أسر الأزهري اللغوي العالم المشهور، وقد غنم أبو طاهر ملايين ~~الدنانير إذ ذاك، وأرسل جزءا منها إلى الإمام الشيعي، وأنفق الباقي على ~~أتباعه، وكان للقرامطة جواسيس يبلغون رؤساءهم كل حركة من العباسيين، وخاف ~~الناس منهم جدا، خصوصا لقطعهم الطرق على السابلة، وعجزت الخلافة العباسية عن ~~كحب جماحهم. # وقد زحف القرامطة على البصرة، ونهبوها سنة 315ه حتى ضج الناس، وشملهم الرعب، ~~ونسبوا انتصارهم إلى قوى روحية تساعدهم، والحق أن قوتهم كانت في قوة إيمانهم ~~بعقيدتهم مما يدعوهم إلى ثباتهم، بينما خصومهم لا يحاربون عن عقيدة، وقد هاجم ~~القرامطة مكة مرة أخرى، ودخلها أبو طاهر، ms736 وأصحابه يقتلون أهلها، ومن كان فيها ~~من الحجاج، حتى من تعلق فيها بأستار الكعبة، وهدم زمزم، وفرش بالقتلى المسجد، ~~وأقام بمكة ستة أيام، وهو يحرض أصحابه على القتل، وينتقل من مكان إلى مكان، ~~ويقول: «أجهزوا على الكفار، وعبدة الأحجار.» وأقام أبو طاهر وأصحابه اثني عشر ~~يوما يقتلون وينهبون، ويأتون من الأفعال ما تقشعر منه الأبدان، فهل هذا يحقق ~~ما كانوا يقولونه من أنهم يريدون القضاء على الدولة العباسية لنشر العدل والأمن ~~بين الرعية؟! # وكان من جملة ما نهبه القرامطة من مكة الحجر الأسود، وبقي هذا الحجر في ~~الأحساء ملقى في إحدى زوايا المدينة مهجورا إلى سنة 339ه؛ حيث رده القرامطة ~~بأمر من المنصور الفاطمي. # مضت سنة على هذه الحوادث الأليمة، والخلافة لم تستطع تعقبهم، ولا تأديبهم، ~~فلما رأى القرامطة ضعف الخلافة، زحف أبو طاهر مرة أخرى على الكوفة واحتلها، ~~واضطر الخليفة أن يعقد معه هدنة، ويؤدي له مائة وعشرين ألف دينار كل ~~سنة. # ثم توفي أبو طاهر سنة 332ه، فاكتفى خلفاء أبي طاهر بما فتحوه من البلاد، ولم ~~يعودوا يتطلعون إلى فتوحات جديدة، وسبب آخر أنه كان قد سقطت الدولة العباسية في ~~يد بني بويه الشيعيين، فصادقوهم، وأحسنوا الصلات بينهم. # ثالثا: الزنج # ومن هذا القبيل أيضا ما عرف التاريخ بثورة الزنج، وكان لها شأن كبير في ~~تاريخ المسلمين. # ظهر صاحب الزنج هذا في فرات البصرة سنة 225ه، وهو رجل زعم أنه علي بن محمد ~~بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وبعض العلويين ~~ينكر نسبته إليهم. وقد كان في هذه البقعة عدد كبير من الزنج الذين كانوا يكسحون ~~السباخ في البصرة. وقد استغل زعيم الزنج هذا استياءهم من عملهم، وكراهيتهم ~~لأصحاب رءوس الأموال، وكراهيتهم للحكم العباسي الذي يقر هذا العمل، فالتفوا ~~حوله، وكان متصلا بحاشية السلطان يطلعونه سرا على الأمور، وكان فصيحا ~~خطيبا يؤثر في سامعيه، حتى اجتمع له عدد كبير منهم. وانتشر أتباعه في الأحساء، ~~وما حولها، وادعى الولاية، وأنه يلهم ms737 بما يعمل، وما لا يعمل. وما زال يحبب ~~الناس في مذهبه، وخاصة الغلمان، ويمني أتباعه، ويعدهم حتى اتبعه عدد كبير، ثم ~~تأتيه الأموال من أتباعه، ويفرقها عليهم. # ولما قوي أمره، وتمكن من نهب كثير من الأموال والمراكب البحرية التي تحمل ~~أموالا كثيرة للتجارة، هجم على البصرة، وأوقع القتل في أهلها، وأمر الزنوج ~~بوضع السيف فيهم، وأوقع بذلك الرعب في البلاد، واستخفى من سلم من أهل البصرة ~~في آبار الدور، فكانوا يظهرون ليلا، ويطلبون الكلاب فيذبحونها ويأكلونها، ~~ويأكلون الفئران والسنانير، وصار إذا مات الواحد منهم أكلوه. وظل الزنج على ذلك ~~سنين وتغلبوا على البطيحة وواصف وخربوهما، حتى إنه أخيرا جمع أبو العباس بن ~~أبي أحمد جمعا كثيرا، ونشبت حرب بين الفريقين؛ فهزمت الزنج، وأعملت فيهم ~~السيوف، واختفى من فر منهم حتى زال أمرهم. # كل هذا يرينا صورة مصغرة مما حدث في تاريخ المسلمين من المكايد والمذابح ~~والمقاتل، والناظر إلى حقيقة الأمر يرى أن الخلاف بين هؤلاء وهؤلاء مبني على ~~شهوة الحكم، وعلى نزاع في مسائل تاريخية ذهب زمنها. والذي يرى هذه الفتن ~~والضحايا التي ذكرنا بعضها يعجب من بقاء الدول الإسلامية بعد هذا، ولولا أن ~~أساسها متين جدا ما بقيت، لا أمام الصليبيين، ولا أمام غيرهم. فمن العجيب أن ~~تبقى كل هذه النكبات، وقد أدرك المأمون هذا العناء الذي يلاقيه الطرفان من ~~عباسيين وعلويين ، فأراد أن يستريح ويجعل الأمر بعده إلى إمام العلويين؛ ظانا ~~أن الخلاف ينقطع بذلك، ولكن ما علم أفراد البيت العباسي بذلك حتى ثاروا وزاد ~~الخلاف بدل أن ينحسم، وحتى اضطر المأمون أخيرا إلى الرجوع عن فكرته. # رابعا: الزيدية # ومن فرق الشيعة الزيدية، وهم من أعدل الفرق؛ لأنهم يرون أن عليا أحق ~~بالخلافة من أبي بكر وعمر، ولكن أما وقد اجتمع أكثر الصحابة على بيعة أبي بكر ~~وعمر، فلا بد أن يعترف بإمامتهما؛ لأن الصحابة إذ ذاك قدروا الظروف المحيطة ~~بهم. # ولم يجوز الزيدية التستر والاختفاء، ولذلك كان كثير من أئمتهم يخرجون ~~فيقتلون، ولهذا خرج زيد بن علي ms738 فقتل وصلب، وقام بالإمامة ابنه يحيى بن زيد، ~~ومضى إلى خراسان، واجتمعت عليه جماعة كثيرة؛ فقتل أيضا وصلب. وقد فوض الأمر ~~بعد إلى محمد وإبراهيم الإمام، وخرجا بالمدينة، وسار إبراهيم إلى البصرة فقتلا ~~أيضا، وتوالى أئمتهم من بعده، وجروا على صحة إمامة أبي بكر وعمر، وقالوا بجواز ~~ولاية المفضول. # وقد تتلمذ الإمام زيد لواصل بن عطاء إمام المعتزلة في الأصول، ولذلك اقترب ~~مذهب الزيدية من الاعتزال، يقول الشهرستاني: وصارت أصحابه كلهم معتزلة. # ولذلك يختلف الزيدية في بعض المسائل عن سائر الشيعة، ولاعتدالهم لم يكن لهم ~~حركات عنيفة في التاريخ الإسلامي. # وقد استطاع أحد زعمائهم، واسمه القاسم سنة 1633م أن يطرد الوالي التركي من ~~اليمن، ويؤسس إمامة زيدية، ثم انتصر الأتراك سنة 1849م، فأصبحت ولاية تركية إلى ~~أن قام الإمام يحيى سنة 1904م، ولكن الأتراك لم يعترفوا باستلال حكومة الإمام ~~حتى سنة 1911م، ولم ينسحب الأتراك بالكلية من اليمن حتى السنة الأخيرة من الحرب ~~العالمية الأولى، ومملكة اليمن الآن مملكة زيدية. # وللزيدية مؤلفات في الأصول، والحديث، والفقه خاصة بهم، من أئمتهم المتأخرين ~~المشهورين الإمام الشوكاني، صاحب التآليف الكثيرة في الأصول والفقه. # | هوامش # الفصل السابع # | الدولة الفاطمية # وقد أتيحت الفرص للشيعة أن يحكموا، ومن أبرز ذلك الدولة الفاطمية في المغرب ومصر ~~والشام، وبقاؤها في الحكم مدة طويلة. والحق أنهم أقاموا ملكا كبيرا مترامي ~~الأطراف، وقد بثوا الروح القومية في مصر حتى شعروا بأنها دولة مستقلة، ولما زار ~~البلاد ناصر خسرو وصف البلاد وصفا يدل على حضارة فائقة. # وأداروا البلاد على نظام يشبه النظام الفارسي القديم، وشجعوا العلم والأدب والفن ~~تشجيعا كبيرا، كما أسسوا دور الكتب الكثيرة، ولا تزال أبنيتهم مضرب المثل في عظم ~~العمارة الإسلامية، وكذلك ما وصل إلينا من تحفهم الدقيقة، ولكن طالما كان الشيعيون ~~ينعون على العباسيين ترفهم، وإفراطهم في الملاهي، والملذات، وتعصبهم الشديد عليهم، ~~فلما ملكوا هم، وملك زملاؤهم بنو بويه العراق، وما حولها، لم نجد في الحكم فرقا ~~كبيرا، فالإسراف في الترف هو الإسراف في الترف، والظلم أحيانا ms739 هو الظلم، والتعصب ~~هنا كالتعصب هناك، فإن تعصب الأمويون والعباسيون فهاجموا، فقد تعصب العلويون ~~والبويهيون والإسماعيليون فانتقموا؛ حتى صح قول القائل: # فلا تحسبن هندا لها الغدر وحدها # سجية نفس كل غانية هند # نعم، إن هنا وهناك في هذا الجانب أو ذاك، بعض رؤساء اشتهروا بالعدل والتقوى، ولكن ~~بجانبهم آخرون هنا وهنا أيضا اشتهروا بالظلم. ولم ينفع صاحب الزمان المختفي ~~المعصوم في أن يرد الظالم عن ظلمه، لقد كان سيف الدولة ابن حمدان الشيعي نهابا ~~وهابا، فكان يولي قاضيا، فيقول القاضي: «من هلك فلسيف الدولة ما ملك.» # ولذلك مع حكم الدولة الفاطمية المصريين طويلا لم يستطيعوا أن يشيعوا ~~المصريين تماما، فاستطاع صلاح الدين أن يردهم إلى السنية في سهولة. ويحدثنا ~~المؤرخون أن الظاهر وهو الخليفة الفاطمي كان شابا يحب الملاهي، وينغمس في النعيم، ~~حتى اغتصب الملك منه وزيره الكردي ابن السلار، كما يحدثونا أن مدة حكمهم، وهي نحو ~~القرنين، ونصف قد امتلأت بالدسائس، والخصومات، وساءت أحوال الشعب لتعاقب المجاعات ~~والمحن، وازداد الفقر في سني القحط، وقلت الموارد؛ فازدادت الضرائب، وكثرت ~~المصادرات. وتقرأ الخطط للمقريزي فترى ما كان في قصور الخلفاء من تحف وخدم وجواهر، ~~بينما كان الشعب في بؤس، فالحال هنا كالحال هناك، وغاية الأمر أن الحكم الشيعي ~~يستند إلى إمام معصوم لا يقبل النقد، والحكم السني يستند إلى خليفة غير معصوم، ~~معرض للخطأ والصواب، قابل للنقد. # الفصل الثامن # | الأدب الشيعي # كان للشيعة دولتان ضخمتان: الدولة الفاطمية في المغرب ومصر والشام، والدولة ~~البويهية في فارس والعراق. وكان لكل حضارة ضخمة فيها شعر، وفيها فن، وفيها علم؛ ~~فكان للدولة الفاطمية شعر كثير، من مبدأ ابن هانئ الذي ملأ شعره مديحا في خلفاء ~~الدولة الفاطمية، والخلفاء يجزلون له العطاء، وهم يفرطون في المديح له حتى يخرجوا ~~بهم إلى صف الآلهة، وقلده الشعراء بعده، فمن شعره مثلا: # لي صارم وهو شيعي كحامله # يكاد يسبق كراتي إلى البطل # إذا المعز معز الدين سلطه # لم يرتقب بالمنايا مدة الأجل # ويقول: # هو علة الدنيا ومن خلقت له ms740 # ولعلة ما كانت الأشياء # فعنت لك الأبصار وانقادت لك ال # أقدار واستحيت لك الأنواء # لا تسألن عن الزمان فإنه # في راحتيك يدور حيث تشاء # ويقول: # تدعوه منتقما عزيزا قادرا # غفار موبقة الذنوب صفوحا # أقسمت لولا أن دعيت خليفة # لدعيت من بعد المسيح مسيحا # شهدت بمفخرك السموات العلا # وتنزل القرآن فيك مسيحا # ويقول: # ما شئت لا ما شاءت الأقدار # فاحكم فأنت الواحد القهار # وكأنما أنت النبي محمد # وكأنما أنصارك الأنصار # هذا الذي تجدي شفاعته غدا # حقا وتخمد إذ تراه النار # وهكذا جاء الشعراء بعده فاتبعوه، وأفرطوا في مديح الخلفاء، واستمروا على ذلك إلى ~~أن كان آخرهم عمارة اليمني. # وبين ابن هانئ وعمارة شعراء لا يحصون عدا، كتميم بن المعز، وكلهم على نمط ابن ~~هانئ في المديح، كالذي يقول أبو الحسن علي بن محمد الأخفض في الخليفة الآمر: # إلى ذروة المجد العلائي إنه # إلى ذروة النور الإلهي ينسب # ويقول في مدح الخليفة الحافظ: # بشر في العين إلا أنه # من طريق العقل نور وهدى # جل أن تدركه أعيننا # وتعالى أن تراه جسدا # فإذا نحن تجاوزنا الشعراء، وجدنا المجالس تموج بالحركة الثقافية من أول عهد ~~النعمان داعي الدعاة، وقد كان يجلس للدرس والمحاضرة إلى عهد يعقوب بن كلس، فقد كان ~~يعقد درسا في بيته كل أسبوع، يقرأ عليهم مؤلفاته، وخصص ديوانا من بيته لكل طائفة ~~من الأدباء والعلماء. # وأنشأ الفاطميون خزائن الكتب، وشجعوا نقلها، والعناية بها، ووقفوا الأوقاف على ~~استنساخها، حتى كانت دار الحكمة تموج بالناسخين والمطالعين. فإن نحن تجاوزنا إلى ~~الطرف الفنية التي كانت تملأ القصور، والتي يدل عليها ما أخرج من القصور أيام ~~صلاح الدين، وما بيع منها أخذنا العجب من ذلك، هذا إلى احتفالاتهم بالأعياد، وإقامة ~~الولائم في عيد الفطر، وفي الأضحى ... إلخ. وعلى الجملة، فقد خلفوا حضارة تعتني ~~بالعلم، والأدب، والفن إلى آخر مدى. # وأما الدولة البويهية، فقد كانت كذلك معتنية بالعلم والأدب، لقد بدأت حياتها ~~تتعصب للأدب الفارسي، ولكن ما لبثت أن تثقفت الثقافة العربية، وتعصبت لها، ونبغ من ms741 ~~ملوكهم من كان يشارك العلماء والشعراء في شعرهم وأدبهم، مثل: عضد الدولة البويهي، ~~وكان وزراء استنوا سنتهم، وعنوا بالأدب، على رأسهم هؤلاء الأقطاب الأربعة: ابن ~~العميد، والصاحب بن عباد، والوزير المهلبي، وابن سعدان. وقد كان كل عظيم الجاه، ~~يقصد إليه الأدباء والعلماء، وكان لكل ميزة، كان الصاحب بن عباد ميزته الأدب البحت، ~~وهو في مجالسه يعلم الأدباء بالنقد، ويقترح عليهم نظم الشعر في موضوعات معينة، أو ~~إجازة بعض الأبيات، وابن العميد كانت ميزته العلم والأدب، ويضم إليه طائفة من ~~المتخصصين في هذا، وابن سعدان كان يعنى بالفلسفة، ويجالس الفلاسفة أمثال: أبي حيان ~~التوحيدي، ويثير في مجالسه مسائل فلسفية، والوزير المهلبي كان يعنى بالأدب الصرف، ~~وفي التأليف في الأدب، ومن جلسائه أبو الفرج الأصفهاني، وله ألف كتابه الأغاني، ~~والقاضي التنوخي وغيرهم، هؤلاء ملأوا الدنيا علما وأدبا. # ومن الآثار الأدبية الشيعية أشعار الشريف الرضي، وما في ديوانه مما يتعلق بالتشيع ~~كثير، وكان يدور في فلكه مهيار الديلمي، فيقول القصائد الشيعية العديدة. # وكانت مقاتل الطالبيين، واضطهادهم باعثا لأدباء الشيعة على النوح والبكاء ~~والعويل الذي لا ينفد، كالذي يقول الناشئ: # بني أحمد قلبي لكم يتقطع # بمثل مصابي فيكم ليس يسمع # عجبت لكم تفنون قتلا بسيفكم # ويسطو عليكم من لكم كان يسمع # كأن رسول الله أوصى بقتلكم # وأجسامكم في كل أرض توزع # وللناشئ هذا بائية مشهورة جدا في البكاء والنحيب، مطلعها: # رجائي بعيد والممات قريب # ويخطئ ظني والمنون تصيب # وكان له أشعار كثيرة لا تحصى في النواح والبكاء. # وللصاحب بن عباد نحو عشرة آلاف بيت في مناقب أهل البيت، والتبرؤ من أعدائهم، ومما ~~ينسب إليه قوله وهو من أفظع الهجاء: # قالت تحب معاويه # قلت اسكتي يا زانيه # قالت أسأت جوابنا # فأعدت قولي ثانيه # يا زانية يا ابنة ألفي زانيه # أأحب من شتم الوصي علانيه # فعلى يزيد لعنة # وعلى أبيه ثمانيه # ومن شعر مهيار الديلمي في ذلك: # وقائل لي علي كان وارثه # بالنص منه فهل أعطوه أو منعوا # فقلت كانت هناك لست أذكرها # يجزي بها الله ms742 أقواما بما صنعوا # هم رجال إذا سميتهم عرفوا # لهم وجوه من الشحناء تمتقع # ما زلت مذ يفعت سني ألوذ بكم # حتى محا حقكم شكي فأنجع # وله في رثاء الحسين: # مصابي على بعد داري بهم # مصاب الأليف في فقد الأليف # وليس صديقي غير الخيرين # ليوم الحسين وغير الأسوف # قتيل به ثار غل النفوس # كما فغر الجرح حك القروف # نسوا جده عند عهد قريب # وتالده مع حق طريف # وممن تشيع من كبار الكتاب أبو بكر الخوارزمي، كان شيعيا متعصبا لأهل البيت، ~~صريحا في مواجهته لهم، مسلطا قلمه على خصومهم. وللتشيع هذا أثر قوي في رسائله، ~~فهو لا يترك فرصة دون أن يستغلها في هجاء خصومه، أو مدح رؤساء الشيعة، أو إظهار ~~التوجع والتفجع لما أصاب أهل البيت من ظلم وقتل وغصب. فإذا كتب رسالة إلى جماعة ~~الشيعة في نيسابور أسهب وأطال فيما أصاب أنصار الشيعة من قتل، وتشريد، ومنحة، وبلاء ~~أيام الأمويين والعباسيين بأسلوب تسوده نغمة الحزن والكآبة، فيقول: «وأنتم ونحن - ~~أصلحنا الله وإياكم - عصابة لم يرض الله لنا الدنيا، فذخرنا للدار الأخرى، ورغب بنا ~~عن الثواب العاجل، فأعد لنا الثواب الآجل، وقسمنا قسمين: قسما مات شهيدا، وقسما ~~عاش شهيدا، فالحي يحسد الميت على ما صار إليه، ولا يرغب بنفسه عما جرى إليه. قال ~~أمير المؤمنين: المحن إلى شيعتنا أسرع من الماء إلى الخدور، فإذا كنا شيعة أئمتنا ~~في الفرائض والسنن، ومتبعي آثارهم في كل قبيح وحسن؛ فينبغي أن نتبع آثارهم في ~~المحن. غصبت سيدتنا فاطمة ميراث أبيها يوم الثقيفة، وأخر أمير المؤمنين عن ~~الخلافة، وسم الحسن سرا.» وعلى هذا النحو يمضي في رسالته معددا مصائب الشيعة، ~~هاجيا آل مروان، وآل الزبير، وبني العباس هجاء لاذعا عنيفا. # وتتابع الشيعة على هذا المنوال، فألف ابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة قصائد ~~سبعا كالمعلقات السبع، سماها «القصائد السبع العلوية»، الأولى: في ذكر فتح خيبر، ~~والثانية: في ذكر فتح مكة، والثالثة: في وصف النبي، والرابعة: في واقعة الجمل، ~~والخامسة: في وصف علي، والسادسة: في وصفه ms743 أيضا ومدحه، والسابعة: في أوصافه. فمثلا ~~يقول في وصفه: # ولقد بكيت لقتل آل محمد # بالطف حتى كل عضو مدمع # وحريم آل محمد بين العدا # نهب تقاسمه اللئام الرضع # تالله لا أنسى الحسين وشلوه # تحت السنابك بالعراء موزع # متلفعا حمر الثياب وفي غد # بالخضر من فردوسه يتلفع # تطأ السنابك صدره وجبينه # والأرض ترتجف خيفة وتضعضع # لهفي على تلك الدماء تراق في # أيدي أمية عنوة وتضيع ~~... إلخ إلخ. # وعلى الجملة، فالثروة الأدبية التي تركها الشيعة في العويل والبكاء، ومدح الخلفاء ~~ثروة كبيرة. وإذا نحن قلنا: الأدب الشيعي، فهو بعينه أدب معتزلي؛ لأن الأدب البويهي ~~كان أدبا شيعيا معتزليا. # | الصوفية # الفصل الأول # | نشأة التصوف # التصوف # 1 # نزعة من النزعات، لا فرقة مستقلة كالمعتزلة، والشيعة، وأهل السنة، ~~ولذلك يصح أن يكون الرجل معتزليا وصوفيا، أو شيعيا وصوفيا، أو سنيا ~~وصوفيا، بل قد يكون نصرانيا أو يهوديا أو بوذيا وهو متصوف، # 2 # وهذا لا يمنعنا من عقد فصل لهم كما فعل الفخر الرازي من قبل. # ومن المؤلفين من يجعل الصوفية طائفة من أهل السنة، قال ابن السبكي في شرح عقيدة ~~ابن الحاجب: «اعلم أن أهل السنة والجماعة كلهم قد اتفقوا على معتقد فيما يجب ويجوز ~~ويستحيل، وإن اختلفوا في الطرق والمبادئ الموصلة لذلك، وبالجملة فهم بالاستقراء ~~ثلاث طوائف: # الأولى: # أهل الحديث، ومعتمد مبادئهم الأدلة السمعية: الكتاب، والسنة، ~~والإجماع. # الثانية: # أهل النظر العقلي، وهم الأشعرية ، والحنفية، وشيخ الأشعرية أبو ~~الحسن الأشعري، وشيخ الحنفية أبو منصور الماتريدي، وهم متفقون في ~~المبادئ العقلية في كل مطلب يتوقف السمع عليه. # الثالثة: # أهل الوجدان والكشف، وهم الصوفية، ومبادئهم مبادئ أهل النظر ~~والحديث في البداية، والكف والإلهام في النهاية». # وقد اختلف الناس في نسبة الكلمة: هل هي من الصفة، أو من الصفاء، أو من ~~«سوفيا»، وهي باليونانية بمعنى الحكمة، أو من الصوف، ونحن نرجح أنها نسبة إلى ~~الصوف؛ لأنهم في أول أمرهم كانت هذه الفرقة تلبس الصوف اخشيشانا وزهادة، كما نرجح ~~أنها كانت ترتكن في أول أمرها على أساس إسلامي، فركنا ms744 التصوف أول ما ظهرا هما: ~~الزهادة، وحب الله. وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تزهد في الدنيا، وتقلل من شأنها ~~مثل: # ألهاكم التكاثر * حتى ~~زرتم المقابر ~~(التكاثر: 1، 2)، و # المال ~~والبنون زينة الحياة الدنيا ~~(الكهف: 46)، و # واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء ~~أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض ~~(الكهف: 45) الآية. ووجد رجال كثيرون من أول الإسلام عرفوا بالزهادة كرجال الصفة، ~~وأبي ذر الغفاري، ووجد بعد ذلك الحسن البصري، وقد كان إماما كبيرا أثرت عنه ~~الأقوال الكثيرة في ذم الدنيا، والخوف من الله، وكان حزينا حزنا مفرطا، حتى ~~قالوا: إنه كان دائما كأنه عائد من جنازة، ولكن كل هؤلاء لم يطلق عليهم متصوفون ~~بالمعنى الذي عرف بعد، وحتى الحسن البصري هذا لم يترجمه القشيري في رسالته التي ~~ترجم فيها للصوفية. # والركن الثاني في التصوف هو الحب الإلهي، وفي القرآن: # والذين آمنوا أشد حبا لله ~~(البقرة: 165)، وفي الحديث: ~~«نعم العبد صهيب! لو لم يخف الله لم يعصه.» # فسوف يأتي ~~الله بقوم يحبهم ويحبونه ~~(المائدة: 54)، ولكن لما ~~فتحت الفتوح الإسلامية، واختلطت الثقافات المختلفة، وكانت تموج في المملكة ~~الإسلامية الفلسفة اليونانية، وخاصة الأفلاطونية الحديثة، والنصرانية، والبوذية، ~~والزرادشتية، وجدنا أن هذا الزهد، وهذا الحب الإلهي يتفلسفان، وتتسرب إلى التصوف ~~بعض تعليمات من كل هذا. # فالفلسفة اليونانية كانت منتشرة في الشرق منذ فتوح الإسكندر، وكان لها مدرسة في ~~حزان، وهي التي تسمت بالصابئة، وقد ترجموا كتبا يونانية كثيرة إلى السريانية، ثم ~~إلى العربية. # كما كان هناك فلسفة هندية وفارسية، وإن كانت فلسفتهم أقل انتشارا من الفلسفة ~~اليونانية، وكان للهند مدرسة في جنديسابور كانت تدرس فيها علوم اليونان، والهند على ~~السواء. # كل هذه كانت تتسرب منها تعاليم إلى التصوف بعد عصره الأول. # | هوامش # الفصل الثاني # | ما هو التصوف؟ # وبعد، فما هو التصوف ...؟ ربما كان ابن خلدون خير من أوضح معناه فقال: # وأصلها - أي طريقة التصوف - العكوف ~~على العبادة، والانقطاع إلى الله، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد ~~فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق ms745 في الخلوة ~~للعبادة، وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف، فلما فشا الإقبال على الدنيا ~~في القرن الثاني، وما بعده، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون ~~على العبادة باسم الصوفية ...» ثم قال: «ثم لها آداب مخصوصة، واصطلاحات من ~~ألفاظ تدور بينهم؛ إذ الأوضاع اللغوية إنما هي للمعاني المتعارفة، فإذا عرض ~~من المعاني ما هو غير متعارف اصطلحنا في التعبير عنه بلفظ متيسر فهمه منه ... ~~وصار علم الشريعة على صنفين: صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا، وصنف مخصوص ~~بالقوم في الكلام في المجاهدة، ومحاسبة النفس عليها، والأذواق، والمواجيد ~~العارضة في طريقها، وكيفية الترقي منها من ذوق إلى ذوق ... ثم إن هذه ~~المجاهدة والخلوة والذكر يتبعها غالبا كشف حجاب الحس، والاطلاع على عوالم ~~من أمر الله، ليس لصاحب الحس إدراك شيء منها ... وسبب هذا الكشف أن الروح ~~إذا رجع عن الحس الظاهر إلى الباطن، ضعفت أحوال الحس، ~~وقويت أحوال الروح، وغلب سلطانه ... ولا ~~يزال في نمو وتزيد إلى أن يصير شهودا بعد أن كان علما. # وقد وفق ابن خلدون في إرجاع عناصر التصوف إلى أربعة: ~~(1) # الكلام في المجاهدات، وما يحصل من الأذواق والمواجيد، ومحاسبة النفس ~~على الأعمال. ~~(2) # الكلام في الكشف، والحقيقة المدركة من عالم الغيب. ~~(3) # التصرفات في العوالم، والأكوان، وأنواع الكرامات. ~~(4) # ألفاظ موهمة الظاهر نطق بها أئمة القوم، فتعرف بالشطحات تستشكل ~~ظواهرها، فمنكر لها، ومستحسن، ومتأول. # والتصوف يعتمد على الذوق والمواجيد أكثر مما يعتمد على المنطق، والعقل في نظرهم ~~أداة غير صالحة، إن استطاع إدراك ظواهر الأشياء فهو لا يصلح مطلقا في استكناه ~~الحقيقة؛ لأن العقل لا يعرف إلا ما يقع عليه الحس، أي لا يعرف الأشياء إلا في ~~ظواهرها، أما الأشياء في حقائقها، وكنه وجودها فمن وراء طاقته أبدا. والصوفية ~~تمتاز بتمجيد الله، والخوف منه، والإحساس العميق بضعف النفس، والخضوع التام لإرادة ~~الله القوية، والاعتقاد التام بوحدانيته. # وبعضهم عرفه بوصف المتصوف، فقال رويم البغدادي: «التصوف مبني على خصال: التمسك ~~بالفقر والافتقار، والتحقق بالبذل، وترك الغرض والاختيار». # وقال الكرخي: «التصوف هو الأخذ بالحقائق، ms746 واليأس مما في أيدي الخلائق»، وقال ~~الجنيد: «أن تكون مع الله بلا علاقة»، وقال ذو النون: «أن لا تملك شيئا، ولا يملكك ~~شيء»، وقيل للحصري: «من الصوفي عندك ...؟ فقال: الذي لا تقله الأرض، ولا تظله ~~السماء». # 1 # ومن أول ما ظهر من فلسفة المعاني الصوفية فلسفة الحب في قول رابعة ~~العدوية: # أحبك حبين حب الهوى # وحبا لأنك أهل لذاكا # فأما الذي هو حب الهوى # فشغل بذكرك عمن سواكا # وأما الذي أنت أهل له # فكشفك لي الحجب حتى أراكا # فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي # ولكن لك الحمد في ذا وذاكا # قال الغزالي في الإحياء: «ولعلها أرادت بحب الهوى حب الله لإحسانه إليها، ~~وإنعامه عليها بحظوظ العاجلة، وأرادت بحبه لما هو أهل له الحب لجماله وجلاله الذي ~~انكشف لها، وهو أعلى الحبين وأقواهما»، ولذة مطالعة جمال الربوبية هي التي عبر ~~عنها رسول الله؛ حيث قال حاكيا عن ربه: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ~~ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.» # وقد روي لها في الحب أيضا قولها: # إني جعلتك في الفؤاد محدثي # وأبحت جسمي من أراد جلوسي # فالجسم مني للجليس مؤانس # وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي # وقد تدفق بعدها كلام الصوفية في الحب تدفقا عظيما. # ورابعة العدوية هذه - كما تدل نسبتها - عربية الأصل، كانت من أعيان عصرها، ومات ~~أبوها وهي صغيرة، وحدثت مجاعة بالبصرة بيعت أمة بسببها ، وقد حمدها سيدها لكثرة ~~صلاتها، وسهرها الليل. وقد ماتت سنة 235ه، فهي عربية الأصل، ولذلك نرجح أن فلسفتها ~~للحب كانت مزاجا، ونتيجة إفراطها في العبادة والزهد، هذا إلى طبيعتها النسائية. ~~وقد ذكر القشيري في رسالته أنها كانت تقول في مناجاتها: «إلهي تحرق بالنار قلبا ~~يحبك؟» فهتف بها هاتف يقول: «ما كنا نفعل هذا، فلا تظني بنا ظن السوء.» وقد روي ~~أنها قابلت الحسن البصري وسمعت منه، والذي يقارن بينهما يرى أن الحسن كان مغمورا ~~بنزعة الخوف، وأما هي فكانت مغمورة بنزعة الحب، ولا شك أن نزعة الحب أرقى بكثير ~~من ms747 نزعة الخوف. # قد يجوز أن يكون من أتى بعدها قد تأثر بمعاني الحب التي قيلت في الثقافات ~~المختلفة، أما هي فما نظن أنها تأثرت بذلك، وإنما هي موجدة وجدتها في نفسها فغنت ~~لها غناء بهيجا، كالموجدة التي كانت عند الخنساء؛ فغنت لها طويلا غناء ~~حزينا. # وعند نشوء التصوف في القرن الثاني يظهر أنه لم يكن هناك جامعة تجمعهم، ولا أمكنة ~~خاصة يؤدون فيها شعائرهم، إنما كانوا أفرادا متفرقين، قد يكون لبعض منهم تلاميذ، ~~وكان كثير منهم يرتحل ويتلو القرآن، ويكثر من ذكر الله، ونرى في هذا الطور أبا يزيد ~~البسطامي يكثر من الكلام في الاتصال بالله، والتفكير فيه، ويبدأ بفكرة كانت من ~~أركان الصوفية فيما بعد، وهي فكرة الفناء في الله، وأبو يزيد هذا فارسي، وفكرة ~~الفناء كانت في الديانة البوذية من قديم، وهي تسمى عندهم «نرفانا». # وفكرة الفناء كثيرة الشيوع في كلام الصوفية، وهي على درجات، وذات مظاهر، فالمظهر ~~الأول: تغير أخلاقي في الروح تنحل معه الرغبات والشهوات، والثاني: انصراف الذهن عن ~~كل الموجودات إلى التفكير في الله، والمظهر الأول نفسي، والثاني عقلي، ثم انعدام كل ~~تفكير إرادي، والتفكير في الله من غير وعي، وآخر درجاته انعدام النفس بالبقاء مع ~~الله. ويصف السري السقطي من وصل إلى هذه الحالة بقوله: «إنه لو ضرب بسيف على ~~وجهه لما شعر به.» # وربما كان من العناصر التي تسربت إلى التصوف أيضا عنصر النصرانية ، فقد رويت ~~أحاديث كثيرة عن تلاقي بعض الصوفية برهبان نصارى، مثل ما رواه المبرد في الكامل، ~~وملخصه أن راهبين قدما من الشام إلى البصرة، عرض أحدهما على الآخر أن يذهبا ~~لزيارة الحسن البصري؛ لأن حياته كحياة المسيح. # وهناك روايات كثيرة عن صوفية نزلوا أديار النصارى، كما رووا آيات من الإنجيل، ~~ويروون أن المسيح - عليه السلام - مر بثلاثة قد نحلت أجسامهم، واصفرت وجوههم، ~~فسألهم: ما جاء بكم هنا؟ قالوا: خوفا من النار. فقال لهم: إنكم لا تخافون مخلوقا، ~~ثم مر بثلاثة آخرين أشد ضعفا، وأكثر اصفرارا؛ فسألهم ما سأل الأولين، ms748 فقالوا: ~~شوقا إلى الجنة. قال لهم: رغبتم في شيء مخلوق. وأخيرا مر بثلاثة في غاية النحول ~~والاصفرار، فسألهم ما سأل الأولين، فقالوا: محبة الله، فقال المسيح: أنتم أقرب ~~الناس إلى الله. ويعدون ما أخذه الصوفية من المسيحية: لبس الصوف؛ إذ كان كثير من ~~الرهبان يلبسونه، والكلام في حب الله. # ومن العناصر التي يعدونها أيضا أصلا للصوفية الأفلاطونية الحديثة، فقد ترجمت ~~لها كتب كثيرة إلى السريانية، ومن السريانية إلى العربية، وتنسب معظم الأفلاطونية ~~الحديثة إلى أفلوطين الذي نشأ في مصر، ثم ذهب إلى روما في القرن الثالث الميلادي، ~~وله كتاب التاسوعات الذي نقل بعضه إلى اللغة العربية بعنوان الأثولوجيا، أي ~~الربوبية، نقله عبد المسيح بن ناعمة الحمصي، وأصلحه لأحمد بن المعتصم بالله أبو ~~يوسف يعقوب الكندي، وانتفع بهذا الكتاب ابن سينا، وشرحه، وهو يعتقد خطأ أنه لأرسطو، ~~ويقول أفلوطين في ذلك الكتاب: «إني ربما خلوت بنفسي، وخلعت بدني جانبا، وصرت كأني ~~جوهر متجرد بلا بدن، فأكون داخلا في ذاتي، راجعا إليها، خارجا من سائر الأشياء؛ ~~فأكون العلم والعالم والمعلوم جميعا، فأرى في ذاتي من الحسن والبهاء والضياء ما ~~أبقى له متعجبا بهتا ...» وقد كانت هذه الفلسفة منتشرة في مصر؛ حيث تعلمها ذو النون ~~المصري المتصوف الكبير. ومما ينسبون تسربه إلى الصوفية منها: الفيض، وانبثاق النور، ~~والتجلي، وغير ذلك؛ فالبوذية، والنصرانية، والأفلاطونية الحديثة قد تسربت منها ~~تعاليم إلى التصوف، وإن كان الأصل الأصيل لمتصوفة المسلمين الإسلام. # دخلت فكرة الفناء من البوذية عن طريق أبي يزيد البسطامي، ودخل غيرها عن طريق ~~غيره، هكذا قال كثير من المستشرقين، وربما كان الخلاف الشديد بينهم في مقدار ~~العناصر التي تسربت، فبعضهم يزيد من العنصر النصراني، وبعضهم يزيد من العنصر ~~الأفلاطوني الحديث، وبعضهم من البوذية. # ويحق لنا أن نتساءل: هل وجود فكرة في إحدى هذه الأمم، ثم وجودها بعد ذلك في ~~المتصوفة دليل على أنها أخذت عنها؟ فإذا وجد الفناء في البوذية، ثم وجدت فكرة ~~الفناء في الصوفية، هل يكون هذا دليلا على أخذ الآخرين من الأولين؟ ms749 قد يكون هذا ~~نوعا من التفكير الذي يدعو إلى الشك لا الجزم، خصوصا وأن هناك موانع كثيرة من هذا ~~الرأي مثل: أن رابعة العدوية امرأة عربية لم يثبت لنا أنها ثقفت ثقافة أجنبية، ~~وهي أول من تكلم في الحب الإلهي، فمن أين وصل إليها الحب النصراني؟ ثم إن ~~الاتجاهات المتحدة والأمزجة المتحدة تنتج نتائج متحدة، قد لا نعجب بها إذا وجدنا ~~النتائج العقلية متحدة في العالم؛ لأن عقول الناس في العالم متشابهة، وهي تسير ~~على قوانين منطقية واحدة من مقدمات مشروطة بشروط، وأنواع من القياس، أما العواطف ~~فمختلفة كثيرا عند الناس، ومع ذلك لما اتحد الصوفيون في طريقة رياضة النفس ~~والمجاهدة، والأخذ على المشايخ رأيناهم تقاربوا في النتائج، ورأينا الصوفي العراقي ~~يفهم الصوفي الأندلسي، والعكس، ومحيي الدين بن عربي الأندلسي، استطاع أن يفهم ~~الحلاج العراقي، وهكذا، أفبعد هذا نستطيع أن نجزم بتسرب بعض العناصر المختلفة إلى ~~التصوف؟ وإن هذا في نظري يشبه ما ملئت به كتب الأدب العربي من السرقات الشعرية، فهم ~~يقولون: إن معنى هذا البيت مسروق من معنى هذا البيت، ولا نستطيع أن نجزم بذلك إلا ~~إذا اتحدت ألفاظ البيتين أو أكثر، أما المعاني فهي شائعة في كل الأجواء، قد يقع ~~عليها اثنان أو أكثر، ويصوغها كل من غير سرقة، وقد أنصف في ذلك القاضي عبد العزيز ~~الجرجاني في الوساطة، فحصر السرقة في حدود ضيقة، وكذلك نقول. # | هوامش # الفصل الثالث # | تطور الصوفية # على كل حال، بدأ التصوف في القرن الثاني، ثم تطور على مدى القرون، فهذا مما لا شك ~~فيه، ويمكننا إدراك هذا التطور إذا نحن قارنا بين نصوص رويت عن المتصوفة الأولين، ~~وبين نصوص رويت بعدهم، ثم عمن بعدهم وهكذا، وقرأنا ذلك في مثل كتاب «الرسالة ~~القشيرية»، و«تذكرة الألباب»، فنجد أن النصوص في العصور الأولى واضحة جلية، ثم ~~تطورت فدخل فيها ما لم يكن وهكذا. # يفسر ذلك المستشرقون باتصال الصوفية بأهل الديانات الأخرى، ونقول: نحن باحتمال أن ~~ذلك نشأ من التطور الطبيعي، كما تطور الزهد الإسلامي الأول ms750 الذي كان عند أهل ~~الصفة إلى زهد مفلسف، كزهد الحسن البصري، وكما تطور الحب من حب بسيط كالذي عند ~~صهيب إلى حب مفلسف كالذي عند رابعة العدوية. # على الجملة، كان إبراهيم بن الأدهم، وداود الطائي، والفضيل بن عياض، وشقيق ~~البلخي، وكلهم توفوا في القرن الثاني الهجري، يكاد لا ينكر أحد أنهم صوفية ~~إسلاميون، ثم نرى بعد ذلك في القرن الثالث أن التصوف زادت فلسفته، كالأقوال ~~المنسوبة إلى معروف الكرخي المتوفى سنة 200ه، ويصفونه بأنه رجل غلب عليه الشوق إلى ~~الله، ويقول تلميذه سري السقطي: «إن محبة الله شيء لا يكتسب بالتعلم، وإنما هي هبة ~~من الله وفضل.» ثم يزيد التصوف عمقا في مثل أقوال ابن سليمان الداراني المتوفى سنة ~~215ه، وذي النون المصري # 1 # المتوفى سنة 245ه. # | هوامش # الفصل الرابع # | ذو النون المصري # وهو أيضا شخصية غريبة، فهو مصري من إخميم، يقال إنه نوبي، وتدل أقواله على أنه ~~مثقف ثقافة واسعة، اشتهر بالكيمياء، والكيمياء في ذلك العصر كانت مشوبة بشعوذة ~~السحر، فكانت النتائج الكيميائية التي ننظر إليها اليوم هادئين ينظر إليها فيما مضى ~~على أنها نوع من الكرامات. وقد روي عنه أنه شغف بالتجوال في البرابي، وادعاء أنه ~~يقرأ خطوطها الهيروغليفية، وأن هذه الكتابات مملوءة بالسحر والحكمة، وكان يدعي أنه ~~يقرؤها، ويدل ما نقل إلينا عنه من قراءتها أنه لم يقرأها حقا، كما قرأها شامبليون ~~بعد اكتشاف حجر رشيد، وإنما قرأها من خياله وأوهامه . على كل حال، له تأثير كبير في ~~نقل التصوف من حال إلى حال، وينسب إليه إدخال الكلام في المقامات والأحوال في ~~الصوفية، وقد شغلت جزءا كبيرا منها؛ فللصوفية كلام طويل في الأحوال والمقامات ~~التي وضع فكرتها ذو النون، خلاصتها: أن طريق الوصول إلى الله شاق عسير، يجب أن ~~يتدرج فيه المريد في مراحل يسلم بعضها إلى بعض، ولذلك سموا السير في الطريق سفرا ~~وحجا، وسموا السائر سالكا، وهذه المراحل المتعددة تسمى بالمقامات، وقد جعلها ~~الطوسي صاحب كتاب «اللمع»، وهو من أقدم الكتب الصوفية سبعا، كل واحدة ms751 تسلم إلى ~~ما بعدها، وهي مقام التوبة والورع والزهد، والفقر والصبر والتوكل والرضا، فالتوبة ~~هي الشعور بالخطيئة، والعزم الأكيد على الإقلاع عنها، وإذا لم يستطع المريد ذلك، ~~فعليه أن يتوب مرة تلو مرة، إلى أن يتوب الله عليه، حتى يرووا أن أحدهم كرر عملية ~~التوبة سبعين مرة. ويضاف إلى الشعور بالخطيئة، والعزم على تركها عدم التفكير فيها؛ ~~إذ الشغل الشاغل هو الله تعالى، وبعد التوبة يجب أن يتبع الطالب مرشدا، أو شيخا ~~يطيعه طاعة عمياء. ويحتقر المتصوفة من يسير في الطريق من غير مرشد، ويقولون: إنه ~~أشبه ما يكون ببستان ليس له بستاني، فهو لا يثمر ثمرا صالحا، أما الورع فهو تخصيص ~~الطالب نفسه لعبادة الله، وخدمة الإنسان في السنة الأولى، وعبادة الله، والانصراف ~~عن الدنيا في السنة الثانية، والانصراف عن اللذات الشهوانية، والمشاغل الدنيوية ~~بالتأمل في الله في السنة الثالثة، ثم الزهد والفقر، فالزهد في الملذات الدنيوية، ~~والفكر عنها، والعيشة عيشة الفقراء ولو كان صاحبه غنيا، ثم الصبر، وفيه يعذب ~~السالك نفسه؛ لأنها أمارة بالسوء، والنبي # صلى الله عليه وسلم # يقول: «أعدى أعدائك نفسك التي ~~بين جنبيك.» ثم مقام التوكل يجعل الإنسان نفسه آلة في يد الخالق يديرها كيف شاء، ثم ~~مقام الرضا والطمأنينة، وراحة النفس، والسلام الروحي؛ ولذلك يستعينون على هذا ~~المقام بالغناء، والموسيقى، والرقص، وتكرار لا إله إلا الله، أو الله الله، إلى أن ~~يكل لسانه، ويشعر أنه إنما ينطق بقلبه ، ولست أدري هل الاتفاق في الدرجات، وجعلها ~~سبعا متفقة مع الدعوة الفاطمية، وتدرجها إلى سبع أيضا: أيهما أخذ من ~~الآخر؟؟ # هذه هي المقامات، أما الأحوال فعدوا منها التأمل، والقرب، والمحبة، والخوف، ~~والرجاء، والشوق، والأنس، والطمأنينة، والمشاهدة، والتعين، وهم يقولون: إن المقامات ~~يتوصل إليها بمجهود الشخص، أما الأحوال فموهبة من الله لا حكم للإنسان عليها، وهذا ~~معنى قولهم: الأحوال مواهب، والمقامات مكاسب. # على كل حال، لم تكن الصوفية في القرن الثاني قد تكونت كمجموعة تربط بينها روابط ~~متينة، إنما كانت جماعة متفرقة في البلدان، وقد يكون لكل ms752 شيخ صوفي تلاميذه الخاصة ~~به. # وجاء بعده سري السقطي المتوفى سنة 253ه، قالوا: إنه أول من تكلم ببغداد في ~~الحقائق الإلهية والتوحيد، وجاء بعده الجنيد البغدادي المتوفى سنة 297ه، قالوا: إنه ~~أول من صاغ المعاني الصوفية، وكتب في شرحها، وزاد التصوف في القرن الرابع نظاما من ~~ناحيتيه: النظرية، والعملية. # ويلاحظ أن الصوفيين الأولين كانوا مع تصوفهم يلتزمون أداء الشعائر في أوقاتها، ثم ~~ظهرت نزعة عند بعضهم بعدم التدقيق في تأدية الشعائر، كأن العلاقة الصوفية بين ~~المتصوف والله تجعل في حل من التزامها. # الفصل الخامس # | وحدة الوجود # ومما شاع في المتصوفة من قديم القول بوحدة الوجود، وهي مسألة في منتهى الدقة، ~~ربما جمعها تفسيرها بأن المحب يفنى في محبوبه، ويحب بكل قلبه حتى لا يكون هناك فرق ~~بين محب ومحبوب، وفي القرآن آيات أمعن فيها المتصوفة ففهموها على مذهبهم، مثل: # كل شيء هالك إلا وجهه ~~(القصص: ~~88)، و # كل من عليها فان ~~(الرحمن: 26)، ~~و # فأينما تولوا فثم وجه الله ~~(البقرة: 115)، و # وإذا سألك عبادي عني فإني ~~قريب ~~(البقرة: 186)، # ونحن أقرب ~~إليه من حبل الوريد ~~(ق: 16)؛ فكان الإمعان في ذلك، ~~والغلو فيه سببا في أقوال المتصوفة في هذا الباب، ثم كان الحب العذري، والأدب الذي ~~أثاره مجنون ليلى، وجميل بثينة، وكثير عزة، وفيه أبيات تدل على فناء المحب في ~~المحبوب، حتى يبلغ أن يكون المحبوب هو المحب. وسبب ثالث: وهو ما ذهب إليه الشيعة من ~~أن الأئمة وعلى رأسهم علي فيهم روحانية إلهية، بها استحقوا أن يكونوا أئمة، وأن ~~يكونوا معصومين، ثم أتى بعد ذلك الغلو في الفناء، أي فناء المحب في المحبوب، حتى لا ~~يرى شيئا إلا هو، وكلما تقدم الزمن رأينا أثرا من ذلك في مثل بعض أقوال أبي يزيد ~~البسطامي، وبعد ذلك رأينا ذلك واضحا في الحلاج # 1 # من مثل قوله: «أنا الحق، وما في الجبة إلا الله»، ولكن يظهر أن الحلاج ~~كان يقول بالحلول، أي حلول الله في الإنسان، أي أنه هو والله شيء واحد، كما يقول ~~بعض النصارى ms753 في امتزاج الطبيعة الإلهية بالطبيعة الناسوتية، كما يمتزج الماء ~~بالخمر، كقوله: «دع الخليقة لتكون أنت هو، وهو أنت»، وبالفعل وجد في بعض تعبيراته ~~كلمة الناسوت واللاهوت كالتعبيرات النصرانية. # أما وحدة الوجود، فمعنى آخر تجلى فيما بعد في ابن العربي وابن الفارض، وابن ~~سبعين، والعفيف التلمساني وغيره، حتى إن هؤلاء لم يفهموها فهما واحدا، بل بينهم ~~خلاف ولو بسيط. # وينكر ابن الفارض الحلول، كالذي ذهب إليه الحلاج، ولذلك يقول في تائيته: # متى حلت عن قولي أنا هي أو أقل # وحاشا لمثلي أنها في حلت # وفي الصحو بعد المحو لم أك غيرها # وذاتي بذاتي إذ تحلت تجلت # ولذلك وصفوا مذهب ابن الفارض بالاتحاد، كما وصفوا مذهب ابن عربي بوحدة الوجود، ~~والقول بالاتحاد قريب من القول بوحدة الوجود، على خلاف بينهما يسير. # ومعنى القول بوحدة الوجود: أن العالم والله شيء واحد. وبيان ذلك أن المتكلمين ~~والفلاسفة مثلا يرون الوجود وجودين: واجب الوجود، وممكن الوجود، فواجب الوجود ما ~~كان وجوده لذاته، وممكن الوجود ما وجد لسبب، والأول أزلي أبدي، والثاني محدث فان، ~~وهذا القول يقول باثنينية الوجود، أي الله والعالم، فالله خالق، والعالم مخلوق، ~~والله مدبر، والعالم مدبر، وليس الله حالا في العالم، وإنما هو خالقه ~~ومدبره، والله بيده الخير والشر، يثيب الناس ويعاقبهم؛ جزاء لما كانوا يعملون، ~~تهمه أعمال الناس، وتسره التضحية. # أما مذهب الحلول، فيرى أن الله والعالم امتزجا، وأن الله والقوة الداخلية ~~الفاعلية في العالم مترادفان، وأما أصحاب وحدة الوجود فيقولون: إنه ليس في العالم ~~وجودان، بل وجود واحد، والله هو العالم، والعالم هو الله، ولذلك يسمى مذهبهم ~~بالواحدية، ويسميه ابن تيمية بمذهب «الاتحاد»، أي الاتحاد بين الله ~~والعالم. # وقد كان انكساغوراس، وأرسطاطاليس، والرواقيون اثنينيين، وجاءت الأديان من يهودية ~~ونصرانية وإسلام، فأيدت الإثنينية. فالله والعالم، والخالق والمخلوق، والروح ~~والمادة، عنصران اثنان لا عنصر واحد. أما الواحدية فتقول بأن العالم والله، أو ~~المادة والروح، أو الخالق والمخلوق شيء واحد، وهذا واضح جدا في كلام ابن عربي، ~~فمن تعبيراتهم: «أن ذاته وذات الله ms754 قد أصبحتا ذاتا واحدة»، وقد تجلى هذا المعنى في ~~القرن السادس والسابع الهجريين في حياة ابن الفارض وابن عربي، # 2 # وليست مظاهر العالم المختلفة إلا مظاهر لله تعالى، أي ليس لله وجود إلا ~~الوجود القائم بالمخلوقات، وليس هناك غيره ولا سواه، وأن العبد إنما يشهد السوى ما ~~دام محجوبا، فإذا انكشف الحجاب رأى أنه لا أثر للغيرية ولا للكثرة، وعاين الرائي ~~عين المرئي، والمشاهد عين المشهود، ولهم في ذلك كلام كثير، وشطحات بعيدة ~~المدى. # وقد تختلف تعبيراتهم باختلاف منازعهم، فتعبيرات الفلاسفة القائلين بوحدة الوجود ~~كالسهروردي غير التعبيرات التي يقولها شاعر أديب يقول بوحدة الوجود كابن الفارض، ~~ولأن هذا الكلام وهذا المذهب صعب إدراكه على العقل اعتمدوا هم على الذوق والكشف، ~~ولما كان كلامهم قد لا يرضي العامة استعملوا كلمات وتعبيرات الغزل المادي من سكر ~~وخمر، ووصال وهجران، إلى غير ذلك، حتى لقد يصعب على القارئ إذا لم يعرف قائل ~~الأبيات أن يعرف إن كانت هذه الأبيات صوفية أو نواسية. # وقد علقوا أهمية كبيرة على الذوق، وقالوا: إنه لا يحسن التصوف إلا من كان ذا ذوق ~~يناله بالرياضة والمجاهدة، ويقومه أكثر مما يقوم النظر العقلي، والدليل المنطقي، ~~والذوق يوصل إلى الكشف، أما النظر العقلي فيوصل إلى العلم، والفرق بين من يرى ~~بذوقه، ومن يقتنع بعقله كالفرق بين من يرى بعينه، ومن يصدق غيره من قوله. ولذلك ~~اختلفت أساليب الصوفية عن أساليب العلماء في طرق المعرفة، فإذا عول الفلاسفة على ~~العقل، فإنما يعول المتصوفة على القلب، يقول أحد الصوفية: «إن السالك في سبيل ~~الله أحد ثلاثة: عابد يعبد الله رغبة في الجنة، وفيلسوف يعتمد على براهينه، وهو لا ~~يصل إلى الله، وعارف يصل إلى الله بوجده، وهو خير الناس.» ولهم في المعرفة أيضا ~~كلام كثير. # | هوامش # الفصل السادس # | التسامح الديني # وإذ قال كثير منهم بوحدة الوجود كانوا أسمح الناس في اختلاف الأديان، فالاختلاف ~~بين الأديان إنما هو اختلاف في المظاهر، أما من حيث الحقيقة والجوهر فكل تسلك ~~طريقا إلى الله، والغاية واحدة، ms755 والاختلاف في الوسائل لا يهم ما دامت الغاية ~~واحدة، وهي حب إله واحد، ولابن عربي وجلال الدين الرومي أشعار كثيرة في هذا المعنى، ~~وكذلك في بعض أبيات تائية ابن الفارض خصوصا في التائية الكبرى، وقالوا: إن كل دين ~~وإن اختلف في مظهره عن الدين الآخر، فإنما يكشف عن ناحية معينة من نواحي الحق، ~~فالإيمان والكفر لا يختلفان اختلافا جوهريا، واليهود، والنصارى، والمجوس، وعبدة ~~الأصنام متفقون في عبادة إله واحد، والقرآن والتوراة والإنجيل منتظمون في سلك واحد، ~~هو سلك التنظيم الإلهي ... إلخ؛ مما يجعلهم أرحب أهل الأديان صدرا. # الفصل السابع # | الغزالي # فإذا جاء القرن الخامس الهجري رأينا شخصية كبيرة لها لون خاص غير الألوان السابقة ~~كان لها تأثير كبير في المحيط الإسلامي، بل وفي غيره، وهي شخصية الغزالي، فهو ذو ~~شخصية طبيعية ممتازة، ثم هو مثقف ثقافة واسعة يعرف كثيرا من الفلسفة، وتعاليم ~~المتشيعة، أو بعبارة أخرى: مذهب الباطنية، والفقه الشافعي، والتصوف، ثم هو بعد أن ~~جمع ذلك كله كانت له قدرة فائقة على التعبير، كما يدل عليه كتاب الإحياء. كانت قبله ~~حروب هائلة بين الفقهاء والصوفية، # 1 # وخصوصا بين الصوفية والأشعرية، فجاء الغزالي يصالح بين الفريقين، ~~ويرضي كثيرا من الفقهاء عن التصوف، وكثيرا من المتصوفة عن الفقهاء. كان في الأصل ~~مدرسا في مدرسة نظام الملك ببغداد، وقد ولد بطوس سنة 450ه، وأوصاه أبوه بالصوفية ~~ورجالها، فلما ترعرع درس الفقه، وتلقى العلم في جرجان فنيسابور، وكان من شيوخه ~~خليفة أبي الحسن الأشعري إمام الحرمين أبو المعالي الجويني، وكانت مدرسة نظام الملك ~~وقصره الفخم تموجان بالعلماء والفقهاء. # وقد نال الغزالي شهرة واسعة في الفقه والمناظرة؛ إذ كانت له مواقف جادل فيها ~~العلماء، وتغلب عليهم، فأخذ يزهى بمقدرته، ويوما نظر إلى حالته، فرأى غرورا ~~كاذبا، وحياة مظاهر لا قيمة لها، فتردد طويلا، هل يبقى على هذه الحالة التافهة، ~~أو يهجرها ويدع ما لا قيمة له إلى ما له قيمة، وأخيرا قرر السفر إلى الحجاز، ~~وتطليق ما هو فيه، والميل إلى الزهد والورع. ويروي ms756 في كتابه «المنقذ من الضلال» أنه ~~غادر بغداد إلى الشام، ثم إلى مكة، فلما عاد من الحجاز عرج على الشام، وأقام فيه ~~نحو عشر سنوات معتكفا يصلي ويصوم، ويدون فيها علومه، ومن ذلك كتابه «الإحياء»، ثم ~~رجع إلى بلده طوس، وقد امتلأ علما وزهدا وورعا، وكان يقرأ القرآن، ويتبتل إلى ~~الله، ثم ألح عليه فخر الملك ابن نظام الملك أن يكون أستاذا في المدرسة النظامية ~~فقبل، ثم عاوده الحنين إلى الاعتكاف فهجر التدريس، وذهب إلى بلده. # والظاهر من سيرته أنه كان نهما في تحصيل العلم، لم يدع بابا يظن أنه يوصله إلى ~~معرفة الحقيقة إلا طرقه، ولم تعجبه الفلسفة، ولا الفقه المجرد من الروح، ولا ~~تعاليم الباطنية، وإنما اطمأن أخيرا إلى التصوف فأحبه، وركن إليه، وكان لكتبه ~~وتعاليمه أثر كبير في حياة المسلمين، بدليل تاريخ المسلمين قبله وبعده، ومن أهم ~~مظاهر ذلك: ~~(1) # أن الفقهاء كانوا يعتمدون على ظواهر الشعائر من وضوء وصلاة، وعدد ~~ركعات، ونحو ذلك، فجاء هو فبث فيها الروح، وجعلها كما كانت في الحال ~~الأول في صدر الإسلام أهم أركانها، فالصلاة ليست مجرد حركات، وإنما هي ~~ذلك مع خشوع القلب. ~~(2) # كان المتصوفة قد ارتكنوا إلى الحب الإلهي فسكنوا واطمأنوا، وبعضهم لم ~~يلتزم التزاما دقيقا بالواجبات الدينية، فجاء الغزالي وأعاد إلى ~~النفوس الخوف من الله على طريقة الحسن البصري. ~~(3) # وبجانب ذلك حبب التصوف إلى الناس، وأقر الاعتقاد بالمكاشفة، وأنها ~~تصل بالمعرفة إلى ما لم يصل إليه العقل، ونراه في الإحياء في كثير من ~~المواضع يقف في شرحه عند حد، ثم يقول: إن ما وراء ذلك لا يدرك إلا ~~بالكشف، ولا تستطيع أن تعبر عنه اللغة. ~~(4) # وافق الصوفية على القول بكرامة الأولياء، وإتيانهم بخوارق ~~العادات. ~~(5) # فلسف الدين، فإذا قرأت أي باب من الأبواب، حتى ما تعرض له الفقهاء ~~كالعبادات والمعاملات رأيته يعرضها عرضا غير عرضهم، فعرضهم جاف ~~كالقوانين، وعرضه لطيف جذاب كالقطعة الأدبية، بل هو نفسه في كتب الفقه ~~جاف كالفقهاء، وفي كتاب الإحياء، ونحوه لطيف كالأدباء. ~~(6) # قرر أن الإيمان ms757 عن طريق الكشف لا عن طريق الفلسفة هو الطريق إلى ~~الله، وطريق الكشف الرياضة والمجاهدة. # من أجل ذلك كله جرف العالم الإسلامي إلى اتجاهه، فأصبحنا نرى أن الناس لا ينظرون ~~إلى المتصوفة نظرا شذرا كما كانوا يفعلون، ولعله من ذلك الحين اعترف أهل السنة ~~بالكرامات والأولياء. # قلنا: إن الغزالي ربما أثر في غير المحيط الإسلامي، فقد ترجمت بعض كتبه إلى ~~اللغة اللاتينية في القرون الوسطى، وانتفع اليهودية بفلسفته، فاستخدموا كتابيه ~~«التهافت، والمقاصد» في ردهم على الفلاسفة. # وقد بحث في كتابه «الإحياء» في العلم، وقواعد العقائد، وأحوال المعيشة، وآداب ~~الاجتماع، ورياضة النفس، وعجائب القلب، وأخيرا بحث في التعليمات الصوفية كالتوبة ~~والصبر والمحبة. وعلى الجملة، فقد قسمه إلى أربعة أرباع: ربع العبادات، وربع في ~~العادات، وربع في المهلكات، وربع في المنجيات. # وكما عقد الغزالي في التصوف الصلة بينه وبين الله، عقد الصلة بينه وبين النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وذكر ذلك في فصل خاص من فصول المنقذ وقال: «فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ~~ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض ~~نور يستضاء به ... وبالجملة، فمن لم يرزق منه شيئا بالذوق فليس يدرك من حقيقة النبوة ~~إلا الاسم. وكرامات الأولياء هي على التحقيق بدايات الأنبياء، وكان ذلك أول حال ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حين أقبل إلى جبل حراء؛ حيث كان يخلو فيه بربه ويتعبد.» وقد ~~ألف كتابا اسمه «مشكاة الأنوار»، شرح فيه آية # الله نور ~~السماوات والأرض ~~(النور: 35)، وفيه يذكر شيئا عن موجود ~~يسميه «المطاع»، يعتبره خليفة الله، والمعبر الأعلى للعالم، ويقول: إن نسبته إلى ~~الوجود الحق - أي الله - كنسبة الشمس إلى النور المحض، أو نسبة الجمر إلى جوهر ~~النار الصرف. # قال الأستاذ نيكولسن: «ولا شك أنه يريد ~~بالمطاع الأمر الإلهي الوارد ذكره في القرآن، أعني الأمر الإلهي الذي به تنفذ ~~الإرادة الإلهية في العالم، ويتلقى عنه الأنبياء وحيهم، وبعبارة أخرى: فالمطاع هو ~~الموجود الذي عن أمره تتحرك الأفلاك، وقد قيل: إن المطاع هذا ms758 المراد به القطب رأس ~~الصوفية، ولكن هذا بعيد؛ لأن الغزالي لا يقول بنظرية القطبية الصحيحة، أما أنا ~~فأميل إلى القول بأن المطاع يمثل الصورة المثالية التي يسمونها الحقيقة المحمدية، ~~أو الروح المحمدي، أو الإنسان السماوي الذي خلقه الله على صورته، ويعتبرونه قوة ~~كونية يتوقف عليها نظام العالم وحفظه.» # 2 # وهذه النظرية - أي نظرية المطاع، أو الروح المحمدية - هي التي شرحها فيما بعد ~~شرحا وافيا عبد الكريم الجيلي أو الجيلاني في كتابه «الإنسان الكامل»، وسنتكلم ~~عنه في القسم الثاني. # وعلى الجملة، فيظهر لي أن الإسلام في العصور المتأخرة عن الغزالي كان متأثرا ~~بتعاليم الغزالي وكتبه. # | هوامش # الفصل الثامن # | القطب # ولا بد أن نذكر أن من أهم تعاليم الصوفية التي كان لها أثر في تاريخ المسلمين ~~القول بالقطب، وهم يقولون: «إن القطب هو أكمل إنسان ممكن في مقام الفردية، أو هو ~~الواحد الذي هو موضع نظر الله في كل زمان، عليه تدور أحوال الخلق، وهو يسري في ~~الكون، وأعيانه الباطنة والظاهرة سريان الروح في الجسد، ويفيض روح الحياة على الكون ~~الأعلى والأسفل: فهو من الكائنات بمثابة المهيمن عليها، المكلف بحفظها ورعايتها، ~~وأنه ليظل كذلك طول حياته حتى يقبضه الله فيخلفه واحد من الأولياء الثلاثة الذين ~~دونه في المرتبة، وهم الأوتاد الذين كانوا من قبل أبدالا، ويبلغ عددهم الأربعين، ~~ويسمى القطب غوثا باعتبار التجاء الملهوف إليه. وقد يطلق القطب على قطب الأقطاب، ~~وهو سابق في وجوده على وجود هؤلاء الأقطاب، وعلى وجود كل ما في عالم الغيب ~~والشهادة، وهو بهذا المعنى لم يتلق القطبية عن قطب آخر سبقه من قبل، فصار قطبا بعد ~~أن كان وتدا، ولكنه واحد منذ القدم لم يتقدم عليه قطب آخر، ولم يلحقه قطب آخر بهذا ~~المعنى الذي لا يدل إلا على حقيقة واحدة هي الحقيقة المحمدية.» # 1 # هذه هي حركة التصوف مجملة إلى نهاية القرن الخامس الهجري، وسنتحدث عن الصوفية في ~~القرون التي أتت بعد في القسم الثاني من هذا الكتاب. # | هوامش # الفصل التاسع # | الأدب الصوفي # للصوفية أدب ms759 غزير، له خصائص تخالف الأدب الآخر، وقد بدأ من أوائل القرن الثاني ~~الهجري، واستمر في العصور بعده، ومن خصائصه: السمو الروحي، والمعاني النفسية ~~العميقة، والخضوع التام لإرادة الله القوية، وبعد الخيال والشطحات، كما يتصف ~~بالغموض والمعاني الرمزية. # وقد كان الأدب الصوفي نتاجا لجنسين مختلفين: الجنس السامي، ويمثله الأدب الصوفي ~~العربي، والجنس الآري، ويمثله الأدب الصوفي الفارسي، وبين الجنسين اختلاف كبير في ~~التصوف، والإنتاج، والمزاج. ومع كراهيتنا لإرجاع الخصائص إلى الجنس، فإننا نقر إلى ~~حد ما أن الساميين بحكم نشأتهم أقوياء الحس في الغالب، ضعاف الخيال، بينما ~~الآريون واسعو الخيال، كبر في أذهانهم جلال القوى الطبيعية؛ لأنهم نشئوا في أقطار ~~ذات مناظر طبيعية جميلة، جلية، فخمة، غريبة، وهم أقدر على وصف خلجات النفوس، ~~والساميون أقدر على تشبيه ظواهر الأشياء. # والتصوف السامي كله وله، وحنين، وإخلاص، وحيرة مصدرها الإعجاب والحب ~~والعاطفة، والسامي يحب فيحس عذاب الحب أو نعيمه إلى درجة بعيدة، وقد يبالغ في هذا ~~وذاك، ثم يخرج عذاب نفسه، أو نعيمها شعرا سلسا، دافقا، مملوءا بالسخط والضجر، ~~والألم، والأنين، والاطمئنان إلى هذا الألم والحنين: # أشكو وأشكر فعله # فاعجب لشاك منه شاكر # فهذه عاطفة صادقة امتلأت بالحب، وأورثت الشكوى ~~والألم، ثم إن النفس عن كل هذا راضية، بل هي تسمو إلى أرفع منازل التضحية، وتجود ~~بالحياة في سبيل هذا الغرام، وحرصا عليه. # إن الغرام هو الحياة فمت به # صبا فحقك أن تموت وتعذرا # وفي هذا يختلف الأدب في التصوف السامي عن الأدب في التصوف الآري، فليس من طبيعة ~~العربي أن يندمج في الطبيعة، ويفنى فيها كغيره من أبناء الهند وفارس، وهو كغيره من ~~الساميين تعوزه القدرة على استخراج الكليات من الجزئيات، فأدبه يدرك الأشياء ~~تفصيلا، ولكن لا يدركها إدراكا كليا موحدا، ينظر إلى كل شيء على حدة تقريبا، ~~فهو ينظر إلى كل شجرة جزئية في البستان، ولكن يصعب عليه أن ينظر إلى البستان ككل، ~~ووحدة قصيدته البيت، وكل بيت مستقل بنفسه تقريبا، وليس للقصيدة وحدة، وشعره يعبر ~~عن نفسه تعبيرا موسيقيا صحيحا ms760 بأساليب موزونة براقة كله حياة، ولكنها حياة ~~يحدها الزمان والمكان، ولا طاقة له أن يسمو بفكرة فوق الزمان والمكان. # 1 # أما الأدب في التصوف الآري فكله غرام وحب، ولكنه حب مزج فيه العاطفة بالفلسفة، ~~يبدأ التصوف عندهم بالفهم والإدراك، ثم التفلسف، أما السامي فيبدأ بالشعور، ولا ~~يلزم أن يكون هناك شيء آخر. # ومن أجل ذلك كان التصوف مجالا لفهم الفرق بين الطبيعتين والمزاجين، والأدب ~~الصوفي يسلك طريق المكاشفة في إدراك الحقائق، ولما كان الأدب الصوفي يتنازعه القلب ~~والعقل، وكلاهما له طريقة خاصة به، فأحدهما يسير في طريق المنطق، والآخر يحاول أن ~~يتجنبه، وقع الأدب الصوفي في الغموض، وهو على العموم أدب عبوس شديد مرير، وأدب ~~عاطفة حارة، وشعور حاد، وقد أضفى عليه جمال الموضوع جمالا في الوزن، وحسنا في ~~التوقيع، والنغم الموسيقي، والخيال فيه بعيد، واسع كله روعة وجلال، سجعه لطيف، ~~وموسيقاه رنانة، وكثيرا ما يعتمد على المحسنات البديعية، والتزويق اللفظي ~~استعانة بذلك على تسهيل المعاني العميقة، والأفكار المعقدة، يتعب غموضه، فما وضح ~~منه كان غاية في الرقة والجمال، وهو غني في ألفاظه وأساليبه، هائم مع الروح في عالم ~~اللانهاية، وحائر على الدوام، لا يستقر حتى يفنى في هيامه. # ومن الأسف أن الأدب العربي لم يوله الاهتمام الكافي بعرض نماذج منه على الناس، ~~واكتفوا بالأدب المادي إن صح هذا التعبير، والمستشرقون في عرضهم للأدب عنوا ~~بسلسلة تاريخية أكثر مما عنوا بموضوعه وفنه، وفضلا عن ذلك فالكتب التي ألفت في ~~التصوف نفسه تحتاج إلى غربلة، وغرقت فيه حبات الدر في بحار من الكرامات ~~والمعجزات. # | هوامش # الفصل العاشر # | أطوار الأدب الصوفي # والأدب الصوفي يمكن أن يقال إنه تطور في ثلاثة أطوار: الطور الأول يبدأ من ظهور ~~الإسلام، وينتهي في أواسط القرن الثاني للهجرة، وكل ما بين أيدينا منه طائفة كبيرة ~~من الحكم، والمواعظ الدينية، والأخلاق تحث على كثير من الفضائل، وتدعو إلى التسليم ~~بأحكام الله ومقاديره، وإلى الزهد والتقشف، وكثرة العبادة والورع، وعلى العموم هي ~~تصور لنا عقيدة هذا العصر من البساطة ms761 والحيرة. # والطور الثاني يبدأ من أواسط القرن الثاني الهجري إلى القرن الرابع، وهنا يبدو ~~ظهور آثار التلقيح بين الجنس العربي، والأجناس الأخرى، وفيه يظهر اتساع أفق التفكير ~~اللاهوتي، وتبدأ العقائد تستقر في النفوس على أثر نمو علم الكلام، وفيه يظهر عنصر ~~جديد من الفلسفة. # والأدب الصوفي في طوريه الأول والثاني أغلبه نثر، وإن ظهر الشعر قليلا في طوره ~~الثاني، وفي الطور الثاني هذا يبدأ تكون الاصطلاحات الصوفية والشطحات. # أما الطور الثالث فيستمر حتى نهاية القرن السابع، وأواسط القرن الثامن، وهو العصر ~~الذهبي في الأدب الصوفي، غني في شعره، غني في فلسفته، شعره من أغنى ضروب الشعر ~~وأرقاها، وهو سلس واضح وإن غمض أحيانا، وفلسفته من أعمق أنواع الفلسفة الإلهية ~~وأدقها، ومعانيه في نهاية السمو، تقرؤها فتحسب أنك تقرأ معاني رقيقة عارية لا ثوب ~~لها من الألفاظ، خياله رائع يسبح بك في عالم كله جمال، عواطفه صادقة يعرضها عليك ~~كأنها كتاب إلهي تقلبه أنامل الملائكة، يقدس الشعراء فيه الحب، ولا بد أن يكون ~~الإنسان هائما أيضا مسلحا بكثير من الأذواق والمواجيد، والحالات التي يعتقدها ~~المتصوفون حتى يسايرهم في الفهم. # الفصل الحادي عشر # | الأدعية والابتهالات # والأدب الصوفي متنوع تنوع الأدب المادي، ففيه حكم، وفيه قصص كثيرة، وفيه شعر، ~~وهو يهتم بمواضع خاصة يكثر فيها القول مثل: الحب، والمناجاة، والورع، والتقوى، وعدم ~~الاهتمام بالرزق، وصفات أولياء الله العارفين، وذم الدنيا، والزهد في شؤونها. ولنسق ~~الآن أمثلة منها: ~~(1) # من دعاء ذي النون المصري: «اللهم إن الحول حولك ، والطول طولك، ولك ~~في خلقك مدد وقوة وحول، وأنت الفعال لما تشاء، لا العجز والجهل ~~يطارحانك، ولا النقصان والزيادة يحيلانك، لا يحد قدرتك أحد، ولا يشغلك ~~شأن عن شأن.» # وله أيضا: «اللهم اجعل العيون منا فوارات بالعبرات، والصدور منا ~~محشوة بالعبر والحرقات، واجعل قلوبنا غواصة في موج قرع أبواب السماوات، ~~تائهة من خوفك في البوادي والفلوات، افتح لأبصارنا بابا إلى معرفتك، ~~ولمعرفتنا أفهاما إلى النظر في نور حكمتك، يا حبيب قلوب الوالهين، ~~ومنتهى رغبة الراغبين، اللهم تقبل ms762 ما مننت به علينا من الإسلام ~~والإيمان، ولا تمنعنا عفوك عن السؤال، فإنا إليك آيبون، ومن الإصرار ~~على معصيتك تائبون.» # ومن أدعية معروف الكرخي: «حسبي الله لديني، حسبي الله لدنياي، حسبي ~~الله الكريم لما أهمني، حسبي الله الحكيم القوي لمن بغى علي، حسبي ~~الله الشديد لمن كادني بسوء، حسبي الله الرحيم عند الموت، حسبي الله ~~الرءوف عند المساءلة في القبر، حسبي الله الكريم عند الحساب، حسبي الله ~~اللطيف عند الميزان، حسبي الله القدير عند الصراط، حسبي الله لا إله ~~إلا هو، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم.» # ومن دعاء ليوسف بن الحسين: «اللهم إنا نبات نعمك، فلا تجعلنا حصائد ~~نقمك، اللهم أعطنا ما تريده منا، يا من أعطانا الإيمان من غير سؤال لا ~~تمنعنا عفوك مع السؤال، فإنا إليك آيبون، ومن الإصرار على معصيتك ~~تائبون.» # ومن دعاء للجنيد: «اللهم إني أسألك يا خير السامعين، وبجودك ومجدك يا ~~أكرم الأكرمين، وبكرمك وفضلك يا أسمح السامحين، أسألك سؤال خاضع خاشع ~~متذلل متواضع ضارع، اشتدت إليك فاقته، وعظمت فيما عندك رغبته، وعلم ألا ~~يكون شيء إلا بمشيئتك، ولا يشفع شافع إليك إلا من بعد إذنك ... إلهي ~~وسيدي وسندي، أنا بك عائذ لائذ مستغيث مستنجد.» ~~(2) # كتب الشبلي إلى الجنيد: «يا أبا القاسم، ما تقول في حال علا فظهر، ~~وظهر فقهر وبهر، فاستناخ واستقر، فالشواهد منطمسة، والأوهام حنسة، ~~والألسنة خرسة، والعلوم مندرسة، ولو تكاتفت الخليقة على من هذا حاله، ~~لم يزده ذلك إلا توحشا، ولو أقبلت إليه تعطفا ، لم يزده ذلك إلا ~~تبعدا.» ~~(3) # ومن كلامهم في عدم الاهتمام بالرزق: «إن جماعة دخلوا على الجنيد ~~فاستأذنوه في طلب الرزق، فقال: إن علمتم أي موضع هو فاطلبوه، قالوا: ~~فنسأل الله تعالى ذلك. قال: إن علمتم أنه ينساكم فذكروه؛ قالوا: فندخل ~~البيت ونتوكل، وننتظر ما يكون. فقال: التوكل على التجربة شك. قالوا: ~~فما الحيلة؟ قال: ترك الحيلة.» وقال بعض العارفين: «من سأل الله الدنيا ~~فإنما سأله طول الوقوف بين يديه»، وقالوا: «مثل الدنيا وأهلها كقوم ~~ركبوا سفينة فانتهت ms763 بهم إلى جزيرة، فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء ~~الحاجة، وحذرهم المقام، وخوفهم مرور السفينة فتفرقوا في نواحي ~~الجزيرة؛ فقضى بعضهم حاجته، وبادر إلى السفينة، فصادف المكان خاليا، ~~فأخذ أوسع الأماكن وألينها، وأوفقها لمراده، وبعضهم أطال الوقوف إلى ~~الجزيرة ينظر أزهارها وأنوارها، وغياضها، ونغمات طيورها، وأحجارها، ~~وجواهرها، ومعادنها، ثم تنبه لخطر فوات السفينة، فرجع إليها فلم يصادف ~~إلا مكانا ضيقا حرجا، فاستقر فيه، وبعضهم أكب على تلك الأصداف ~~والأحجار، واستصحب منها جملة، فجاء إلى السفينة فلم يجد إلا مكانا ~~ضيقا، وزاده ما حمله ضيقا، وصار ثقيلا عليه، ولم تطعه نفسه على ~~رميه، فحمله على عنقه ورأسه، وبعضهم شغل بالأنوار والغيض، ونسي ~~السفينة، ولم يبلغه نداء الملاح لانشغاله بأكل الثمار، فتركته السفينة ~~وعاش خائفا على نفسه من السباع والحيات، وبعضهم سمع أخيرا نداء ~~الملاح فعاد مثقلا بما معه فلم يجد في السفينة موضعا واسعا، أو ~~ضيقا فبقي على الشط حتى مات جوعا ... وبعضهم وبعضهم وبعضهم من صنوف ~~الركاب المختلفين، وهذه حالة الخلق إلا من عصمه الله.» ~~(4) # ومن أدباء المتصوفة الذين لم ينالوا حظهم في الشهرة: النفري وهو ~~محمد بن عبد الجبار نسبة إلى نفر بلدة كانت في جنوب العراق، ثم خربت ... ~~وقد مات سنة 334ه، وهو من صوفية القرن الرابع. وقد خلف لنا كتابين ~~صغيرين من خير الكتب، وهما: «المواقف»، و«المخاطبات»، # 1 # والمخاطبات مفهومة، وهي مخاطبته لله - عز وجل ~~- وابتهالاته إليه، والمواقف وقفاته ~~أمام الله، وموافقة الله معه حسب أحواله، وقد تكلم في كل موقف بما ~~يناسبه ، فموقف العز، وموقف القرب، وموقف الكبرياء، وموقف الرفق، وهكذا ~~... ولنسق أمثلة من كل منهما: # قال في موقف العز: «أوقفني في العز وقال لي: لا يستقل به من دوني ~~شيء، # 2 # ولا يصلح من دوني لشيء، وأنا العزيز الذي لا يستطاع ~~مجاورته، ولا ترام مداومته، أظهرت الظاهر وأنا أظهر منه، فما يدركني ~~قربه، ولا يهتدي إلي وجوده، وأخفيت الباطن وأنا أخفى منه، فما يقوم ~~علي دليله، ولا يصح إلي سبيله، وقال لي: لولاي ما أبصرت العيون ~~نواظرها، ms764 ولا رجعت الأسماع بمسامعها. وقال لي: لو أبديت لغة العز ~~لخطفت الأفهام خطف المناجل، ودرست المعارف درس الزمان، عصفت عليها ~~الرياح العواصف ... وقال لي: إن من أعد معارفه لو أبديت له لسان الجبروت ~~لأنكر ما عرف، ولمار مور السماء يوم تمور السماء للقائي مورا ... إلخ»، ~~وقال في موقف الأدب: «أوقفني في الأدب، وقال لي: طلبك مني وأنت لا ~~تراني عبادة، وطلبك مني وأنت تراني استهزاء ... وقال لي: رأس المعرفة حفظ ~~حالك التي لا تقسمك ... وقال لي: كل ما جمعك على المعرفة فهو من ~~المعرفة. وقال لي: إن انتسبت فأنت لما انتسبت إليه لا لي ... وإن كنت ~~لسبب فأنت للسبب لا لي ... وقال لي: آليت لا أقبلك وأنت ذو سبب أو ~~نسب». # وجعل موقفا سماه موقف «استوى الكشف والحجاب»، قال لي: «أنا ناظرك، ~~وأحب أن تنظر إلي؛ نفسك حجابك، وعلمك حجابك، ومعرفتك حجابك، وأسماؤك ~~حجابك، وتعرفي إليك حجابك، فأخرج من قلبك كل شيء، وأخرج من قلبك العلم ~~بكل شيء، وذكر كل شيء ... وفرغ قلبك لي لتنظر إلي، ولا تغلب ~~علي.» # ومن أمثلة المخاطبات: «يا عبد ... أي عارض عرض لك فلم ترني فيه فإنك من ~~غيبتي لا منه ... يا عبد، أنا أرأف من الرأفة، وأرحم من الرحمة ... يا عبد، ~~إذا بدوت لك فلا غنى ولا فقر ... يا عبد، اشترني بما سرك وساءك، يفنى ~~الثمن ويبقى المبتاع ... يا عبد، اهدم ما بنيته بيدك قبل أن أهدمه بيدي ... ~~يا عبد، إذا رأيتني فلا والد يستجرك، ولا ولد يستعطفك ... يا عبد، الغيبة ~~ألا تراني في شيء، والرؤية أن تراني في كل شيء ... يا عبد، الكشف جنة ~~الجنة، والغطاء نار النار.» # وهكذا نخرج من هذه الأمثلة على لفظ جميل، وأسلوب لطيف، ومعنى غامض. ~~وقد رووا أن له قصيدة صوفية كبيرة، شرحها عفيف الدين التلمساني الصوفي ~~أيضا. ~~(5) # وأوضح منه وأبلغ ابتهالات أبي حيان التوحيدي وقد كان صوفيا، ومات ~~سنة 414ه. # ومن أمثلتها: قوله: «اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا ~~فيك، ومن التسليم إلا ms765 لك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الطلب إلا منك، ومن ~~الرضا إلا عنك ... أسألك أن تجعل الإخلاص قرين عقيدتي، والشكر على نعمك ~~شعاري ودثاري، والنظر إلى ملكوتك دأبي وديدني، والانقياد لك شأني ~~وشغلي، والخوف منك أمني وإيماني، واللياذ بذكرك بهجتي وسروري ... اللهم ~~إني أسألك خفايا لطفك، وفواتح توفيقك، ومألوف برك، وعوائد إحسانك، ~~وأسألك القناعة برزقك، والرضا بحكمك، والنزاهة عن محظورك، والورع في ~~شبهاتك ... اللهم اجمع من أمري شمله، وانظم من شأني شتيته، واحرسني عند ~~الغنى من البطر، وعند الفقر من الضجر، وعند الكفاية من الغفلة، وعند ~~الحاجة من الحسرة، وعند الطلب من الخيبة، وعند البحث من الاعتراض عليك، ~~أسألك أن تجعل صدري خزانة توحيدك، ولساني مفتاح تمجيدك، وجوارحي خدم ~~طاعتك، فإنه لا عز إلا في الذل لك، ولا غنى إلا في الفقر إليك، ولا أمن ~~إلا في الخوف منك، اللهم إليك نشكو قسوة قلوبنا، وغل صدورنا، وفتنة ~~أنفسنا، وطموح أبصارنا، ورفث ألسنتنا، وسخف أحلامنا، وسوء أعمالنا ... ~~اللهم أطب عيشنا بنعمتك، وأرح أرواحنا من كد الأمل في خلقك، وخذ ~~بأزمتنا إلى بابك ... اللهم أنت الظاهر الذي لا يجحدك إلا زايلته ~~الطمأنينة، وأوحشه القنوط، وتردد بين رجاء قد ناء عنه التوفيق، وأمل قد ~~حفت به الخيبة. اللهم إني أسألك جدا مقرونا بالتوفيق، وعلما ~~بريئا من الجهل، وعملا عريا من الرياء، وقولا موشحا بالصواب، ~~وحالة دائرة مع الحق، وفطنة عقل مضروبة في سلامة صدر، وراحة جسم راجعة ~~إلى روح بال، وسكون نفس ... اللهم اجعل غدونا إليك مقرونا بالتوكل عليك ، ~~ورواحنا عنك موصولا بالنجاح إليك، ولا تخلنا من يد تستوعب الشكر، ومن ~~شكر يمتري خلق المزيد، ومن مزيد يسبق اقتراح المقترض، وصنع يفوق ذرع ~~الطالبين ... اللهم احجز بيننا وبين كل ما دل على غيرك، انقلنا من مواطن ~~العجز مرتقيا بنا إلى شرفات العز، فقد استحوذ الشيطان، وخبثت النفس، ~~وساءت العادة، وكثر الصادفون عنك، وقل الداعون إليك، وقل المراعون ~~لأمرك، وفقد الواقفون عند حدودك، وخلت ديار الحق من سكانها، وبيع دينك ~~بيع الخلق ... اللهم فأعد ms766 نضارة دينك، وامدد علينا ظل توفيقك ... اللهم ~~إنا بك نعز، كما أنا بغيرك نذل، وإياك نرجو، كما أنا من غيرك نيأس ... ~~اللهم إنك تملك العالم كله وما بعده وما قبله، ولك فيه تصاريف القدرة، ~~وخفيات الحكمة، ونوافذ الإرادة، ولك فيه ما لا ندريه مما تخفيه، ولا ~~تبديه، جللت عن الإجلال، وعظمت عن التعظيم، فكن عند ظننا بك ... وحقق ~~رجاءنا فيك، فما خالفناك جرأة عليك، ولا عصيناك تقحما في سخطك، ولا ~~اتبعنا هوانا استهزاء بأمرك ونهيك، ولكن غلبت علينا جواذب الطينة التي ~~عجنتنا بها، وبذور الفطرة التي أنبتنا منها، فلسنا ندعي حجة، ولكن ~~نسألك رأفة، إنك أهل ذلك، وأنت على كل شيء قدير.» # 3 # هذه لغة أسلس، وأوضح وأبلغ. # | هوامش # الفصل الثاني عشر # | من الشعر الصوفي # وكما كان لهم نثر جميل، وقصص قصير لطيف، لهم أيضا شعر جميل، مثل: # يا بني النقص والغير # وبني الضعف والخور # وبني البعد في الطبا # ع على القرب في الصور # أين من كان قبلكم # من ذوي اللبس والخط # سائلوا عنهم المدا # ئن واستبحثوا الخبر # سبقونا إلى الرحي # ل وإنا لبالأثر # من مضى عبرة لنا # وغدا نحن المعتبر # إن للموت أخذة # تسبق اللمح بالبصر # رحم الله مسلما # ذكر الموت فازدجر # رحم الله مؤمنا # خاف فاستشعر الحذر # ومن قولهم: # فلا والله ما وصل ابن سينا # ولا رجعا بشيء بعد بحث # ولا أغنى ذكاء أبي الحسين # وتدقيق سوى خفي حنين # أمولاي قد أحرقت قلبي فلا تكن # غدا محرقا بالنار من كان يهواكا # أتجمع لي نارين نار محبة # ونار عذاب؛ أنت أرحم من ذاكا # والله ما آسى من الدنيا على # مال ولا ولد ولا سلطان # بل في صميم القلب مني حسرة # تبقى معي وتلف في أكفاني # إني أراك بباطني لا ظاهري # فالحسن مشغلة عن العرفان # إذا فكرت فيك يحير عقلي # وألحق بالمجانين الكبار # وأصفو تارة فيشوب ذهني # ويقدح خاطري كشواظ نار # سألتك باسمك المكتوب ألا # فككت النفس من رق الإسار # يا سر سر يدق حتى # يخفى على وهم كل حي ms767 # وظاهر باطن تجلى # من كل شيء لكل شيء # لعمري ما استودعت سري سرها # سوانا حذارا أن تشيع السرائر # ولا لاحظته مقلتاي بلحظة # فتشهد نجوانا العيون النواظر # ولكن جعلت الوهم بيني وبينه # رسولا فأدى ما تكن الضمائر # حقا أقول لقد كلفتني شططا # حملي هواك وصبري، إن ذا لعجيب # جمعت شيئين في قلبي له خطر # نوعين ضدين تبريد وتلهيب # نهاني حيائي منك أن أكتم الهوى # وأغنيتني بالفهم عنك من الكشف # تلطفت في أمري فأبديت شاهدي # إلى غائبي، واللطف يدرك باللطف # تراءيت لي بالغيب حتى كأنما # تبشرني بالغيب أنك في الكف # أراك وبي من هيبتي لك وحشة # فتؤنسني باللطف منك والعطف # وتحيي محبا أنت في الحب حتفه # وذا عجب كون الحياة مع الحتف # ولو أن الرقاد دنا لطرفي # جلدت جفونها بالدمع جلدا # فأجابه آخر: # ولكني أقول حييت حقا # إذا الوجد المبرح منك يهدا # وإن حل الرقاد بجفن عيني # رقدت إجابة لك لا لأهدا # لي سكرتان وللندمان واحدة # شيء خصصت به من بينهم وحدي # سكران سكر هوى وسكر مدامة # فمتى يفيق فتى به سكران # عجبت لمن يقول ذكرت ربي # فهل أنسى فأذكر ما نسيت # أموت إذا ذكرتك ثم أحيا # ولولا حسن ظني ما حييت # فأحيا بالمنى وأموت شوقا # فكم أحيا عليك وكم أموت # شربت الحب كأسا بعد كأس # فما نفد الشراب ولا رويت # يا أيها البرق الذي يلمع # من أي أكناف السما تسطع # يا ذا الذي زارا وما زارا # كأنه مقتبس نارا # مر بباب الدار مستعجلا # ما ضره لو دخل الدارا # كأن رقيبا منك يرعى خواطري # وآخر يرعى ناظري ولساني # فما رمقت عيناي بعدك منظرا # يسوءك إلا قلت قد رمقاني # ولا بدرت من في دونك لفظة # لغيرك إلا قلت قد سمعاني # وإخوان صدق قد سئمت حديثهم # وأمسكت عنهم ناظري ولساني # وما الزهد أسلى عنهم غير أنني # وجدتك مشهودي بكل مكاني # أفكر ما أقول إذا افترقتا # وأحكم دائبا حجج المقال # فأنساها إذا نحن التقينا # وأنطق حين أنطق بالمحال # لو أن ما بي على صخر لأنحله ms768 # فكيف يحمله خلق من الطين # أنا إن مت فالهوى حشو قلبي # وبداء الهوى يموت الكرام # بكت عيني غداة العين دمعا # وأخرى بالبكا بخلت علينا # فعاقبت التي بخلت بدمع # بأن غمضتها يوم التقينا # نحن في أكمل السرور ولكن # ليس إلا بكم يتم السرور # عيب ما نحن فيه يا أهل ودي # أنكم غيب ونحن حضور # بحق الهوى يا أهل ودي تفهموا # لسان وجود بالوجود غريب # حرام على قلب تعرض للهوى # يكون لغير الحق فيه نصيب # ليس في القلب والفؤاد جميعا # موضع فارغ يراه الحبيب # هو سؤلي ومنيتي وحبيبي # وبه ما حييت عيش يطيب # وإذا ما السقام حل بقلبي # لم أجد غيره للسقم طبيب # سقى الله المدينة من محل # لباب الماء والنطف العذاب # وجاد على البقيع وساكنيه # ضي الذيل ملآن الوطاب # فلو بخل الصحاب على ثراها # لذابت فوقها قطع الشراب # سقاك فكم ظمئت إليك شوقا # على عدواء داري واقترابي # غرست لأهل الحب غصنا من الهوى # ولم يك يدري ما الهوى أحد قبلي # فأورق أغصانا وأينع صبوة # وأعقب لي مرا من السما للمحل # وكل جميع العاشقين هواهم # إذا نسبوه كان من ذلك الأصل # ومن كان في طول الهوى ذاق سلوة # فإني من ليلي لها غير ذائق # وأكثر شيء نلته من وصالها # أماني لم تصدق كلمحة بادق # إن كنت سائلا عن خالص المنن # وعن تآلف ذات النفس بالبدن # وعن تشبثها بالحظ مذ ألفت # أدرانها فغدت تشكو من العطن # وعن بواعثها بالطبع مائلة # تهوى بشهرتها في ظلمة الشجن # وعن حقيقتها في أصل معدنها # لا ينثني وصفها منها إلى وثن # وعن تنزلها في حكمها ولها # علم يفرقها في القبح والحسن # فاسمع هديت علوما عز سالكها # على البيان ولا يغررك ذو لسن # قصدا إلى الحق لا تخفى شواهدها # قامت حقائقها بالأصل والفنن # يا سائلي عن علوم ليس يدركها # ذو فكرة بفهوم لا ولا فطن # خذها إليك بحق لست جاهله # والأمر مطلع والحق قيدني # على الحقيقة خذ علم الأمور ولا # تحجبك صورتها في عالم الوطن # ففطرة النفس سر لا ms769 يحيط به # عقل تقيد بالأوهام والدرن # وقد تنقل الشعر الصوفي في أطوار كثيرة كما تطور النثر، وكانت ذروته عند ابن عربي، ~~وابن الفارض في الشعر العربي، وجلال الدين الرومي في الشعر الفارسي. وسنتكلم عن ذلك ~~في القسم الأخير من هذا الكتاب، إن شاء الله. # ولهم في الأدب نوع لطيف، وهو المكاتبات بين كبارهم، ويقولون: «العلم كله نصفان: ~~نصفه سؤال، ونصفه جواب.» # وكتب أبو سعيد الخراز إلى أبي العباس حمد بن عطاء: # يا أبا العباس: أتعرف لي رجلا قد كملت طهارته، وبرئ من آثار نفسه، ~~موقوفا مع الحق بالحق للحق، من حيث أوقفه الحق ... فإن عرفت لي هذا فدلني ~~عليه، حتى إن قبلني كنت له خادما. # وكتب عمرو بن عثمان المكي كتابا إلى جماعة الصوفية ببغداد، فكان منه: «إنكم لم ~~تصلوا إلى حقيقة الحق، حتى تجاوزوا تلك الطرقات المنطمسة، وتسلكوا تلك المفاوز ~~المهلكة». وكان الجنيد حاضرا قراءة المكاتبة، فقال: «ليت شعري من الداخل فيها؟» ~~وقال أبو محمد الجريري: «ليت شعري من الخارج منها؟» # ومرض رجل من أصحاب ذو النون، فكتب إليه أن ادع الله لي، فكتب إليه ذو النون: «يا ~~أخي، سألتني أن أدعو الله لك أن يزيل عنك الغم، واعلم يا أخي أن المرض والعلة يأنس ~~بها أهل الصفاء، وأصحاب الهمم ... ومن لم يعد البلاء نعمة فليس من الحكماء، فليكن ~~معك يا أخي من الله حياء يمنعك من الشكوى والسلام ...» وكتب رجل إلى ذي النون أيضا: ~~«آنسك الله تعالى بقربه»، فكتب ذو النون: «أوحشك الله من قربه ؛ فإنه إذا آنسك بقربه ~~فهو قدرك، وإذا أوحشك من قربه فهو قدره، ولا نهاية لقدره حتى يتركك ملهوفا ~~إليه.» # وكتب يوسف بن الحسين إلى بعض الصوفية: «أشكو إليك ركوني إلى الدنيا، وما أجد في ~~طبعي من الأخلاق التي لست أرضاها من نفسي لنفسي»، فكتب إليه: «وصل كتابك، وفهمت ما ~~ذكرت، ومخاطبتك شريكك في شكواك، ونظيرك في بلواك، فإن رأيت أن تديم الدعاء، وقرع ~~الباب، فإنه من قرع الباب، ولم يعجز عن القرع دخل.» ms770 # وكتب صوفي إلى صوفي يسأله عما يؤديه إلى إصلاح نفسه، فكتب إليه: «إن فساد نفسي قد ~~شغلني عن صلاحك، ولست أجد نفسي لسفرها ... والسلام.» # ثم لهم كلام غامض يحتاج إلى تفسير وتأويل، قام بهذا التفسير الخلف لأفراد السلف، ~~من أمثلة ذلك: قال النوري: «مكاشفات العيون بالأبصار، ومكاشفات القلوب بالاتصال، ~~والشطح كلام يترجمه اللسان عن وجد يفيض عن معدنه.» # ثم لهم كلام في غاية الغموض أشبه ما يكون بما يسمى اليوم «الأدب الرمزي»، يفسره ~~كل بما يتراءى له مثل قول أبي سعيد الخراز يصف رجلا صوفيا: «هو عبد موقوف مع ~~الحق بالحق للحق»، يعني موقوف مع الله «بالله لله». ويقول أبو علي السندي: «كنت في ~~حال مني بي لي، ثم صرت في حال منه به له»، ومعنى ذلك: أن العبد يكون ناظرا إلى ~~أفعاله، ويضيف إلى نفسه أفعاله، فإذا غلبت على قلبه أنوار المعرفة، يرى جميع ~~الأشياء من الله قائمة بالله، معلومة لله، مردودة إلى الله. # وقال أبو زيد البسطامي: «ليس بليس»، يعني: قد غابت الأشياء الحاضرة، وتلفت ~~الأشياء، فليس يوجد شيء ولا يحس، وهو الذي يسميه قوم الفناء، والفناء عن ~~الفناء. # ويقول الشبلي: «يا دهشا كله»، معناه: كل شيء مع الحلق دهش كله كالذي قال: # إن من هواه قد أدهشني # لا خلوت الدهر من ذاك الدهش # وكان الشبلي يقول أيضا: «تاهت الخليقة في العلم، وتاه العلم في الاسم، وتاه ~~الاسم في الذات» إلخ إلخ ... # وربما كان هذا من أوضح ما غمض من أقوالهم. # | تذييل # في تاريخ الحركات العلمية والأدبية والمذاهب الدينية من القرن السادس حتى ~~النهضة الحديثة # تمهيد # يكاد يكون العلم والأدب والفن قد انتهى في العالم العربي بانتهاء القرن ~~الخامس وربما وجد شيء في القرن السادس الهجري من الابتكار والتجديد، أما بعد ~~ذلك من ابتداء القرن السابع إلى النهضة الحديثة فيكاد يكون ترديدا لما فات، ~~وجمعا لمتفرق، أو تفريقا لمجتمع، إلا في القليل النادر الذي سنذكره في هذا ~~القسم. # وهنا نتساءل: هل عقمت الولادة عن ولادة المبتكر المجدد، أم ms771 أصيب الناس ~~بالغباء بعد الذكاء؟ والحق أن ليس شيء من ذلك، وإنما هي التربية: فرب الذكي ~~تربية غباء يكن غبيا، ورب الغبي تربية ذكاء يخرج خير ما عنده. وأنت إذا ~~أخذت مصباحا كهربائيا قوته خمسون، ولكن لم تنظفه مما عليه من غبار، وما لم ~~تلمعه وتهيئه تهيئة حسنة، كان خيرا منه مصباح قوته خمس وعشرون أعد كل ~~الإعداد، فالولادة لم تعقم، ولكن غلبت على عقول من تلدهم التربية والظروف، فما ~~السبب في ذلك؟ # يظهر لي أن السبب أمور: # أولا: # أن العنصر العربي الذي ينتج النتاج العربي قد اختفى ~~تقريبا، وغلب عليه العنصر الفارسي والتركي. قد كان العنصر ~~الفارسي أول الأمر يتثقف الثقافة العربية؛ حتى يخرج ثقافته هو ~~الفارسية إلى ثقافة عربية، كما فعل عبد الحميد الكاتب، وعبد ~~الله بن المقفع وأمثالهما، وكما فعل البرامكة، أما بعد ذلك فقد ~~أخذ الفرس يتعصبون للغاتهم وثقافتهم، وأعرض كثير منهم عن ~~التثقف بالثقافة العربية كحال بني بويه الفارسيين، فقد كانوا ~~يتعصبون للفارسية، إلا القليل النادر الذي يتقن العربية مثل ~~عضد الدولة. وخلف الترك الفرس، فكانوا أبعد عن العربية، وعن ~~الثقافة العربية، خصوصا وأن العلم والأدب العربيين كانا ~~أرستقراطيين لا شعبيين، فالعلماء والأدباء يقصدون إلى بلاط ~~الأمراء والولاة، والقواد يتكسبون منهم؛ إذ لا يستطيعون أن ~~يتكسبوا من الشعب. فلما استعجم هؤلاء الولاة والأمراء، ولم ~~يفهموا علم العلماء، ولا أدب الأدباء انحط شأن العلم والأدب، ~~ولكن لا بد أن نلاحظ ملاحظة دقيقة، وهي أن العلم والأدب ظلا ~~مزدهرين بعد تغلب الفرس والترك والأعاجم ، وذلك بقوة الدفعة لا ~~بقوتهم هم؛ إذ العلم والأدب لا يموتان سريعا، ولكن يحتضران في ~~زمن طويل، وهذا هو الذي يفسر استمرار النهضة العلمية والأدبية ~~في القرن الخامس، وشيء منهما في القرن السادس، وبعد ذلك تم ~~الاختصار. # ثانيا: # كان المعتزلة حاملي لواء النهضة الفكرية، من أقوى مبادئهم: ~~القول بسلطان العقل، حتى الحديث نفسه يعرض على العقل ليحكم ~~بصحته أو وضعه، وصحة العقائد الدينية البحتة تعرض أيضا على ~~العقل، وتفسر تفسيرا عقليا، ويحتج لها ms772 احتجاج عقلي، كما ~~رأينا من قبل، وهذا في العادة هو الذي يسلم للنهضة. وعلى ~~العكس منهم كان المحدثون الذين يقولون بسلطة النقل، وعندهم ~~أن قوة السند مقدمة على معقولية المتن، فلما جاء المتوكل ~~ونصر المحدثين على المعتزلة، وأدخل المعتزلة في جحر بيوتهم ~~سياسيا، وجاء الأشعري، وزاد في قمعهم دينيا حرم العالم ~~الإسلامي المنهج العقلي، وتبعوا المنهج النقلي، وأصبح منهج ~~المحدثين هو منهج التربية السائد في العالم الإسلامي كله. ~~وطبيعي أن المنهج النقلي لا يعد للتجديد والابتكار، وإنما ~~يعد لرواية الخلف عن السلف، وكلما تقدم الزمن زاد عبء السلف ~~على أكتاف الخلف، فشل من ابتكارهم. # ثالثا: # هجوم التتر على العالم الإسلامي، وكان هجوما مخربا ~~مدمرا من قوم لم ترقهم الحضارة، ولم تهذبهم الثقافة، شداد ~~غلاظ لا يفهمون معنى العاطفة، ولا تلين قلوبهم للرحمة، أحب ~~منظر إليهم الدم ينهار، أو الآثار العظيمة تصبح شعلة من نار، ~~كان بأسهم بينهم، فجمعهم جنكيز خان؛ فأزال خلافهم، ووحد ~~كلمتهم، فاتجهوا نحو الشرق الأقصى يفتحونه، فلما أتموا ذلك ~~هجموا على المملكة الإسلامية فيما وراء النهر، فاستولوا على ~~مملكة «شاه خوارزم»، ثم اكتسحوا بجيوشهم خراسان وفارس، يخربون ~~الحضارات، ويذبحون الناس حتى جاء هولاكو حفيد جنكيز خان، فاتجه ~~إلى الدولة العباسية سنة 654ه، وعرج على قلعة ألموت عش ~~الإسماعيلية التي ذكرناها من قبل ففتحها، وأخذها منهم، وقتل من ~~فيها، ثم استولى على الري، ثم قصد بغداد سنة 655ه، وكان ~~الخلاف فيها فظيعا بين السنية والشيعة، فظن الوزير العلقمي ~~الشيعي أنه يغنم غنما كبيرا للشيعة إذا هو مكن للتتار من ~~الاستيلاء على بغداد، وزلزلة الأرض تحت أرجل الخليفة المستعصم، ~~فلما هجم هولاكو استولى على بغداد، وأباح بغداد أربعين يوما ~~لجنوده، وقتل منها - كما يقول - بعض المؤرخين أكثر من مليون ~~وثمانمائة ألف، وخرب عمرانها، ورمى كتبها في نهر دجلة. وكانت ~~هذه العمارات نتيجة حضارة قرون، والكتب نتيجة ثقافة قرون، ~~والحضارات والعلوم إنما تبنى على ما قبلها، وتؤسس على ما ~~سبقها، وهي كالماء للنبات الغض، فإذا حرم النبات الغض الماء ~~ذبل، ms773 وجف بعد قليل، وكذلك كان العلم والحضارة الإسلاميان، ~~هذا فضلا عما أصيبت به الثقافة من نكبات للعلماء، فإن بقي ~~شيء من العلم فقليل يكفي للتقليد، ولا يبعث التجديد. يقول ~~الخميسي: وفي سنة خمس وخمسين وستمائة ثارت فتنة مهولة ببغداد ~~بين السنية والرافضة من الشيعة، أدت إلى نهب عظيم وخراب، وقتل ~~عدة من الرافضة؛ فغضب لها، وتنمر ابن العلقمي الوزير، وجسر ~~التتار على العراق ليشتفي من السنية. # وما كاد العالم الإسلامي يفيق من نكبته، ويسترد بعض قوته حتى ~~جاء تيمورلنك فأكمل ما عصف به أجداده جنكيز خان وهولاكو، ~~واجتاز بقية آسيا الصغرى، وأكثر القتل والتخريب والفساد، وأرعب ~~الناس، وأفسد الشام، وكانت قد استعصت على من قبله، وخربها فيما ~~خرب، وقتل علماءها فيمن قتل، ومات سنة 807ه بعد أن أكمل خنق ~~البلاد. # فهل نعجب بعد ذلك إذا هدأت النهضة، وخمد العقل؟؟ # رابعا: # وسبب رابع: هو ما انتشر بين المسلمين من عصبية حادة، مذهبية ~~وطائفية: ففقهاء ضد الصوفية، وصوفية ضد الفقهاء، ومعتزلة ضد ~~السنية، وسنية ضد المعتزلة، وشيعة ضد السنية، وسنية ضد الشيعة، ~~وشافعية ضد الحنفية، وحنابلة ضد غيرهم ممن شرحنا بعضه من قبل. ~~ومن المؤسف أن هذه الخلافات لم تقتصر على الخاصة من العلماء، ~~بل أشركوا فيها العوام، والعوام عادة ضيقو العقل، عديمو ~~التسامح، فكانت البلوى من ذلك كبيرة، والنتيجة فظيعة. # خامسا: # لما رأى العلماء ما حدث بالبلاد من خراب، وللعلم والعلماء من ~~نكبات، ضعفت هممهم بالطبيعة، وانكسرت نفوسهم، فبعد أن كانوا ~~يطمحون إلى شيء في العلم جديد أصبحوا يحمدون الله أن استطاعوا ~~أن يحتفظوا بالقديم، وهذا هو الذي سمي «إقفال باب الاجتهاد»، ~~فلم يكن هناك باب مفتوح أقفل، ولا مجمع من العلماء تجادلوا ~~فيه، ثم قرروا محضرا كتبوا فيه ذلك، لا لا، ولا شيء من ذلك، ~~إنما هي حالة نفسية اعترتهم لم يأملوا معها في جديد، وكل أملهم ~~انحصر في المحافظة على القديم، فاجتهدوا كل الجهد أن يحتفظوا ~~بالبقية الباقية يرددونها ويكررونها، ويشرحونها أو يختصرونها؛ ~~فانقلب المجتهد المطلق إلى مجتهد مذهب، ms774 والمؤلف المبتكر إلى ~~مؤلف مفسر، ومن خرج عن الطريق المرسوم ولو قليلا كان ملحدا ~~زنديقا، فإن بدر شيء يعد ذا قيمة فواحة خضراء وسط صحراء جرداء ~~على ضعف الواحة، وقلة سكانها، وضآلة خيراتها. وسنعرض في هذا ~~القسم من الكتاب إلى وصف هذه الواحات، وما فيها من ~~خيرات. # تأليف الموسوعات # كل هذه الأسباب قد عاقت الحركة العلمية، وأماتت النهضة الثقافية، حتى كان ~~الزمان الذي يسمح بعشرات من فطاحل العلماء في وقت واحد لم يعد يسمح إلا بواحد ~~بعد واحد في عصور متباعدة. وكان من نتيجة ذلك أن انتقلت زعامة الحركة العلمية ~~من العراق إلى مصر؛ لأن مصر قد حماها الله من التخريب التتري، وعاشت عيشة ~~هادئة نسبية، والعلم لا يترعرع إلا في ظل الهدوء والأمان. # وكان من أهم مظاهر سيادة التقليد وعدم الاجتهاد تحول التأليف العلمي لكتب ~~مبتكرة إلى التأليف في الموسوعات؛ لأن طبيعة الموسوعات جمع لمتفرق، وهي تحتاج ~~إلى جد وصبر أكثر مما تحتاج إلى كبر عقل، فرأينا مثلا أبا المظفر ~~الأبيوردي # 1 # الشاعر المشهور يؤلف كتابا في طبقات العلوم، يفرد لكل علم طبقة، ~~وقد توفي سنة 557ه، ويؤلف علي ابن عقيل البغدادي الحنبلي كتابا في أنواع ~~العلوم في 470 مجلدا. ويقول الرازي: «إنه وقع له منه مائة وخمسون مجلدا»، ~~وألف فخر الدين الرازي المتوفى سنة 606ه كتاب «حدائق الأنوار في حقائق الأسرار» ~~شرح فيه نحو ستين علما. # والذي تبقى لنا من الجهود المصرية من كتب الموسوعات ثلاث موسوعات عظيمة، ~~أولها كتاب «نهاية الأرب» للنويري، الذي ألفه في ثلاثين مجلدا في زمن الملك ~~الناصر محمد بن قلاوون، ورتبه على خمسة فنون: ~~(1) # في السماء والآثار العلوية، والأرض والعالم السفلي، ويشتمل على ~~خمسة أقسام. ~~(2) # في الإنسان، وما يتعلق به، ويشتمل على خمسة أقسام. ~~(3) # في الحيوان الصامت، ويشتمل على خمسة أقسام. ~~(4) # في النبات، ويشتمل على أربعة أقسام، وذيله بقسم خامس في طب ~~النبات. ~~(5) # في التاريخ، ويشتمل على خمسة أقسام، وقد مات النويري سنة ~~732ه. # وكذلك فعل القلقشندي إذ ألف كتابا سماه «صبح الأعشى» ms775 في أربعة عشر جزءا، ~~والقلقشندي هذا نسبة إلى قلقشندة بلدة في مديرية القليوبية، وقد عني فيه بما ~~يحتاج إليه الكتاب، إذ كان هو رئيسا لديوان الكتاب. # وألف ابن فضل الله العمري، وكان معاصرا للنويري موسوعته المسماة «مسالك ~~الأبصار» في التاريخ والجغرافيا والتراجم، يقع في أكثر من عشرين جزءا، ومن نعم ~~الله أن وصلت إلينا هذه الكتب كلها، واستفاد العالم منها، وكانت مصدرا للأدباء ~~والعلماء، وحفظت لنا ثروة كبيرة من آثار الأقدمين. # وكتاب النويري أوسع موضوعا، وكتاب العمري أوسع في الجغرافيا والتاريخ، وكتاب ~~القلقشندي ألصق بالكتابة وأدواتها ولوازمها. هذا إلى موسوعات خاصة، ككتاب «حياة ~~الحيوان» للدميري المتوفى سنة 808ه، يقول في أوله: # هذا كتاب لم يسألني أحد تصنيفه، وإنما دعاني إلى ذلك أنه وقع في بعض ~~الدروس ذكر مالك الحزين، والذبح المنحوس، فحصل بذلك ما يشبه حرب ~~البسوس؛ فاستخرت الله سبحانه في وضع كتاب في هذا الشأن، ورتبته على ~~حروف المعجم. # وقد انتقد الناس تأليفه هذا الكتاب مع أنه فقيه محقق في العلوم الدينية لا في ~~علم الحيوان. # كما ألفوا جمع الأمثال، وتوسعوا في جمعها عما سبقهم، وهكذا، ولو أنهم جاءتهم ~~فكرة ترتيب المسائل على حسب الحروف الأبجدية لكان كل كتاب من هذه الكتب الثلاثة ~~يصح أن يكون دائرة معارف واسعة. # وربما كان من خير الأمثلة على ما نقول ~~ما فعله السكاكي في كتابه «مفتاح العلوم»؛ فقد ركز على جملة علوم ومنها ~~البلاغة، ولخصها من كتب من قبله ككتاب دلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة لعبد ~~القاهر الجرجاني، وقد أفقدها في تلخيصه روحها. # ثم تتابع على مفتاح العلوم التلخيص ، وتلخيص التلخيص، حتى صارت على يد سعد ~~الدين التفتازاني حجرا جامدا. # ولعل من الخير أن نذكر ملاحظاتنا على كل فن وحده. ~~(1) أولا: الأدب # ربما كان الأدب والفن على العموم أكثر الأشياء تأثرا بالبيئة، والبيئة ~~المصرية خضعت بعد سقوط بغداد للمماليك، واستمرت تحت حكمهم إلى سنة 932ه، وفي ~~عهد المماليك انتقلت الخلافة أيضا من بغداد إلى القاهرة على يد السلطان بيبرس، ~~وفي عهد المماليك نحي ms776 العرب عن السياسة وعن الجندية، فانصرفوا إلى الزراعة ~~والصناعة، وكسب العيش، وجعلت الأمور السياسية والحربية بيد المماليك، وفي هذا ~~من غير شك إضعاف للنفسية العربية، وإسلام لهم إلى الخمود، فكان هذا عاملا ~~كبيرا من عوامل انحطاطهم. # ولكن من ناحية أخرى كان المماليك لا يتعصبون للغة أجنبية؛ إذ كانوا من ~~مقاطعات مختلفة، ذوات لغات مختلفة، واضطروا إلى أن يتعلموا العربية كسبا للرأي ~~العام، كما اضطروا إلى أن يقربوا العلماء؛ لأن العلماء كانوا هم الواسطة بين ~~الشعب والسلاطين، ولكن كانت لغتهم التي كانوا يتكلمون بها هي اللغة العامية لا ~~العربية الفصحى؛ لصعوبة الفصحى، وعدم تداولها إلا بين العلماء؛ ولهذا فشا في ~~هذا العصر أدب اللغة العامية من قصص عامي وزجل، والظاهر أنه لما هاجر الفارون ~~إلى مصر من عراقيين وشاميين وأندلسيين هضمتهم مصر، وأثرت فيهم أكثر مما أثروا ~~فيها، وهي مزية كبيرة معروفة لمصر، حتى إنها لتهضم الفاتحين، وربما زاد الحال ~~سوءا استيلاء العثمانيين على مصر بعد المماليك في سنة 923ه، فقد تقهقرت العلوم ~~والآداب تقهقرا فظيعا بسبب أمور: ~~(1) # أخذ الكتاب والعلماء والصناع، وإرسالهم إلى القسطنطينية، وكان ~~ذلك زبدة الحضارة الإسلامية المصرية. ~~(2) # إحلال اللغة التركية في الدواوين الرسمية محل اللغة ~~العربية. ~~(3) # تحويل مصر إلى ولاية عثمانية بعد أن كانت سلطنة مستقلة، وتبع ذلك ~~أن الولاة الذين كانوا يعينون من قبل السلطان العثماني كانوا ~~يعينون إلى أمد، ويجتهدون في هذه الفترة أن يقتنوا لا أن يعدلوا ~~وأن ينهبوا لا أن يهبوا، يضاف إلى ذلك ما عرف عنهم من التعصب ~~والتعاظم. # كل هذا أثر في الحركة العلمية، وفي الأدب على وجه الخصوص أثرا سيئا حتى لقد ~~قل أن نجد نتاجا يتذوق. # ونجد الأدب منذ عهد الدولة الأيوبية، وقبله أدبا يغرق في السجع والزينة ~~البديعية على نمط مدرسة العماد الأصفهاني، وابن العميد، وابن عباد، والقاضي ~~الفاضل. # والسبب في ذلك أن المقصد الذي كان يقصده الأدباء من أدبهم هو الملوك ~~والأمراء، وهؤلاء إنما تقدم لهم في الماديات الطرف الجميلة الصنع، المزخرفة ~~والمزركشة، والمملوءة باللآلئ، فكان لزاما ms777 أن يكون الأدب على هذا النحو، فبدل ~~اللآلئ المحسنات البديعية، وبدل الزركشة السجع، ولم يكن الشعب ذا قيمة ولا مال ~~حتى يتجه إليه الأدباء، ولو اتجهوا إليه لكان سهلا بسيطا مجردا من ~~الزينة. # ثم قد يظن ظان أن الكتابة الأدبية المسجوعة والمحلاة بالبديع أصعب من الكتابة ~~الفنية المرسلة غير المحلاة، وهذا خطأ محض؛ فالواقع أن الذي يلجئ إلى السجع ~~والبديع الفقر في المعنى، فإذا عدم الأديب المعنى الغزير عوض الأديب عن ذلك ~~اللعب البهلواني الخارجي، ولكن لو وجد معنى غزير لكفى هذا المعنى بغزارته أن ~~يكون جميلا متى عبر عنه تعبيرا مرسلا فيه جمال البساطة، ألا ترى أن الحسناء ~~يكفيها في الجمال أي حلية ولو بسيطة، بل يغنيها جمالها عن كل حلية، وأن القبيحة ~~تحاول محاولة كبيرة أن تخفي قبحها بالغلو في زينتها، وهيهات مع ذلك أن تساوي ~~الجميلة من غير حلية. وفي رأيي أن ابن خلدون الكاتب المرسل غير المتأنق أبلغ من ~~القاضي الفاضل، والسبب في ذلك أنه وجد معنى غزيرا، فعبر عنه تعبيرا بسيطا، ~~والقاضي الفاضل لم يجد معنى غزيرا فهوش بالسجع والبديع. ~~(1-1) صفي الدين الحلي # وقد يكون صفي الدين الحلي أول من يطالعنا في هذا العصر، وفيه مسحة خفيفة ~~من التجديد، وهو عراقي الأصل، اسمه عبد العزيز بن سرايا، ولد بالحلة من ~~مدن الفرات سنة 677ه، وخدم الدولة الأرتقية نسبة إلى أرتق أحد مماليك ~~السلطان ملك شاه السلجوقي، ثم جلبته القاهرة فيمن جلبت، فوصل إليها سنة ~~726ه في زمن السلطان الملك الناصر ابن قلاوون، ومدحه بقصيدة مطلعها: # أسبلن من فوق النهود ذوائبا # فتركن حبات القلوب ذوائبا # وحتى في هذه القصيدة يقلد أبا الطيب المتنبي في قصيدته التي ~~مطلعها: # تأبى الشموس الجانحات غواربا # اللابسات من الحرير جلاببا # غاية الفرق إمعان صفي الدين في الجناس بين ذوائبا وذوائبا، ومن إمعانه في ~~البديع، مثلا: إنشاؤه قصائد سميت «الأرتقيات» في مدح الملك المنصور بن ~~أرتق صاحب ماردين، وهي تسع وعشرون قصيدة بعدد أحرف الهجاء، يلتزم في كل ~~قصيدة حرفا يبدأ ms778 كل بيت به، وينتهي به. # ومن أمثلة شعره الذي يتلاعب فيه بالبديع ما قاله في التضحية: # وحق الهوى ما حلت يوما عن الهوى # ولكنه نجمي في المحبة قد هوى # ومن كنت أرجو وصله، قتلي نوى # وأضنى فؤادي بالقطحية والنوى ~~••• # ليس في الهوى عجب # إن أصابني نصب ~~«حامل الهوى تعب # يستخفه الطرب» # والبيت الأخير لأبي نواس ضمنه صفي الدين الحلي. وترى ~~الإمعان في الجناس بين الهوى والهوى، ونوى ~~والنوى. # ويرد أحيانا في شعره بعض تعبيرات تكاد تكون عامية، كقوله في المفاضلة ~~بين الورد والزنبق: # فامتعض الزنبق من قوله # وقال للأزهار يا رفقتي # يكون هذا الجيش بي محدقا # ويضحك الورد على شيبتي # فالمناداة بيا رفقتي، ويضحك الورد على شيبتي، تعبيرات ~~تكاد تكون عامية، وفي الغالب يكون قد أخذها من القاهرة لما أقام بها، وربما ~~عد من خير تجديدات صرخته في الذين يستعملون الألفاظ الغريبة، يقصدون ~~إليها، ويتباهون باستعمالها فيقول: # إنما الحيزبون والدردبيس # والطخا والنقاخ العلطبيس # لغة تنفر المسامع منها # جين تروى وتشمئز النفوس # وقبيح أن يذكر النافر الوح # شي منها ويترك المأنوس # أين قولي هذا كئيب قديم # ومقالي عقنقل قدموس # خل للأصمعي جوب الفيافي # في نشاف # 2 # تخف فيه الرءوس # إنما هذه القلوب حديد # ولذيذ الألفاظ مغناطيس # فهو يدعو إلى هجرة الألفاظ الوحشية، واستعمال المأنوس من ~~الألفاظ، ولئن جاز للأصمعي الإغراب، فلا يجوز لمن أتى بعده في عصر مختلف كل ~~الاختلاف إلا الإيضاح، وهي دعوة صحيحة تقيد بها، واستعملها غالبا. # ومما ابتكره صفي الدين إنشاء بديعية في مدح الرسول # صلى الله عليه وسلم # ضمنها كل ~~أنواع البديع المعروفة في زمنه، ومطلعها: # إن جئت سلما فسل عن جيرة العلم # وأقر السلام على عرب بذي سلم # وجعل في كل بيت نوعا من أنواع ~~البديع، ثم أنشأ معاصره ابن نباتة مثله بديعته التي مطالعها: # صحا القلب لولا نسمة تتخطر # ولمعة برق بالفضا تتسعر # وجاء عز الدين الموصلي بعد ذلك سنة 789ه؛ فزاد على ذلك أن جعل البيت من ~~القصيدة يحمل اسم النوع البديعي، وأولها: # براعة ms779 تستهل الدمع في العلم # عبارة عن نداء المفرد العلم # وتبعه ابن حجة الحموي سنة 837ه؛ فأنشأ بديعيته على هذا المنوال، ~~ومطلعها: # لي في ابتدا مدحكم يا عرب ذي سلم # براعة تستهل الدمع في العلم # وهكذا تدفق الشعراء في هذا الباب؛ لأنه ناسب دروشة الشعر. ~~(1-2) شعر للتسلية # ووجد شعراء بعد ذلك قالوا في المعاني التي سبقهم بها الشعراء، وأكثروا من ~~المقطعات التي تصف الأشياء العارضة كسقوط مئذنة، وقتل زنديق، ووصف سجادة، ~~ووصف سبحة. وتوالى على ذلك الشعراء أمثال الشاب الظريف، وسراج الدين ~~الوراق، وابن الوردي، وغيرهم. وكان الذي يهمهم في ذلك النكتة كالتي نسمعها ~~اليوم وكلما وفق الشاعر إلى النكتة أكثر كان بالشعر أشهر، مثل: # لقد أصبحت ذا عمر عجيب # أقضي فيه بالإنكار وقتي # من أولاد خمس حول أم # فواقرباه من خمس وست # ومثل: # تركت المال والجاها # لأهل القدر والقدره # فحسبي من حمى كسره # وحسبي من غنى كسره # ومثل: # وكنت أخا سعدى فأصبحت عمها # فهيهات لي جد بتقبيل خالها ~~... إلخ. # وكثر اتهام الشعراء بعضهم لبعض بالسرقات، وأكثروا فيها الكلام، ويعجبني ~~في ذلك قول محيي الدين بن تميم: # أطالع كل ديوان أراه # ولم أزجر عن التضمين طيري # أضمن كل بيت فيه معنى # فشعري نصفه من شعر غيري # وأظن أن قوله بالنصف يحابي فيه نفسه. # ومن ظريف ما حدث في ذلك أن صلاح الدين الصفدي الشاعر بالشام لما أغار على ~~معاني جمال الدين بن نباتة في مصر، ولم يترك له معنى إلا أخذه، اضطر ابن ~~نباتة أن يؤلف كتابا يجمع فيه هذه السرقات سماه «خبز الشعير»، واستهله ~~بقوله: # رب اغفر لي ولوالدي ولمن ~~دخل بيتي مؤمنا ~~(نوح : 28)، ومما ورد في هذا الكتاب ~~من أمثلة السرقة قول ابن نباتة: # بروحي طيب الأنفاس ألمي # ملئ الحسن حالي الوجنتين # له خالان في دينار خد # تباع له القلوب بحبتين # فقال الصفدي: # بروحي خده المحمر أضحت # عليه شامة شرط المحبه # كأن الحسن يعشقه قديما # فنقطعه بدينار وحبه # فقال ابن نباتة: لا إله إلا الله، سرق الصلاح من ms780 الحبتين حبة. # وممن اشتهر بالشعر البوصيري، وسبب اشتهاره بالشعر مدائحه النبوية، ~~كالبردة والهمزية، وقد اشتهرت البردة، وأعجب بها الناس حتى أصبحت نموذجا ~~في المدائح النبوية، والهمزية التي مطلعها: # كيف ترقى رقيك الأنبياء # يا سماء ما طاولتها سماء # والناظر في شعره يرى أنه في المدائح النبوية أرقى مما له من غيرها من ~~قصائد لجلال موضوعها، وسمو روحها، وشبوب عواطفه فيها، أما غيرها من الشعر ~~فخفيف فاتر. # ومع هذا، فقد كانت حالة الشعر في أيام المماليك خيرا منها في العهد ~~العثماني، كأن الانحطاط في الشعر والأدب حدث على درجات. ~~(1-3) القصص والنثر # ومن ضروب الأدب في ذلك العصر القصص، وربما كان القصص الشعبي أحسن حظا؛ ~~لأنه وجد استجابة له من الشعب، ومن آثار ذلك ما حدث من الزيادات على ألف ~~ليلة وليلة في عهد الحروب الصليبية والمماليك، كقصة معروف وزوجته فاطمة، ~~فإن حوادثها تدل على أنها وضعت أخيرا، وكقصة أبي قير وأبي صير، فإنها من ~~أحدث ما كتب، وبعض القصص تظهر فيها خصائص اللغة العامية الشامية، والبعض ~~تظهر فيها خصائص المصرية. ومثل ذلك قصة عنترة، وقد ظلت تتداول على الألسنة ~~عهدا طويلا، وقد ألفها القصاص في أزمنة مختلفة، بعضها ألف في عهد ~~الخليفة الفاطمي العزيز بالله، وبعضها ألف في القرن السادس الهجري. وألف ~~ليلة وليلة وقصة عنترة أوسع خيالا من مقامات الحريري، وأدخل في باب الفن، ~~وإن لم تكن مثلها في البلاغة. وسيرة عنترة من أكبر القصص العربية، وينقصها ~~جودة الحبكة، حتى إنك لو حذفت جزءا منها ما شعرت بالخلل، كما ينقصها جودة ~~الخيال، فخيالاتها ليست قوية، ومؤلفها قصير النفس، كثير الانتقال، لا يسير ~~في خطة إلا تحول عنها، وشرع في غيرها، فإن قلنا: إن العرب لم يحسنوا القصص ~~الطويل كما أحسنوا الحكايات القصيرة، والمقامات، والأحاديث، كأحاديث ابن ~~دريد التي رواها القالي في الأمالي، لم نبعد عن الصواب. # وأما النثر، فقد انقسم في هذا العصر إلى قسمين: نثر رسمي، كالكتب التي ~~تخرج من الدواوين، وكان لذلك ديوان خاص اسمه ديوان الإنشاء، يرأسه ms781 أكبر من ~~عرف بالأدب، ويختار رئيسه ممن عرف بالسياسة وبالأدب معا؛ لاحتياجه ~~إليهما، وقد تولى هذا المنصب فخر الدين بن لقمان، ثم محيي الدين بن عبد ~~الظاهر، ثم ابنه فتح الدين، وعلاء الدين بن الأثير، وشهاب الدين الحلي، ~~وابن فضل الله العمري، والقلقشندي؛ وقد وردت من هؤلاء مكاتيب كثيرة عدت ~~نموذجا، وتحروا فيها الدقة في الألقاب، والمحافظة على الأسلوب، وهي مملوءة ~~بالسجع، وأنواع البديع كما وصفنا من قبل. # والنوع الثاني: ما يسمى بالإخوانيات، كمكاتبة الأصحاب للأصحاب في الثناء ~~والاستهداء، أو الإهداء، ونحو ذلك، وكلها قد استوت مع الشعر في الإغراق في ~~البديع، لا ينقصها في ذلك إلا الوزن، حتى في تقديم الغزل أول الموضوعات، ~~وقد اشتهر في ذلك كثيرون، ومن خير الأمثلة على ذلك كتاب «نسيم الصبا» لبدر ~~الدين الحلبي، وهو فصول نحو الثلاثين في أصل الطبيعة والأخلاق والأدب وفصول ~~العام إلخ. وهو مظهر من مظاهر النثر الفني في ذلك العصر. ~~(1-4) ابن خلدون # ولا نريد أن نطيل في ترجمة الناثرين من هذا القبيل، وإنما نقف وقفة عند ~~سيد هؤلاء الأدباء وهو ابن خلدون، وقد يعد عجيبا أن نعده أديبا كبيرا، ~~ومن قبلنا لمن يعدوه في هذا الباب، وإنما عدوه مؤلفا اجتماعيا. ونحن ~~نعده أديبا كبيرا أيضا؛ لأنه نموذج للأدب الذي نرتضيه، غزارة في المعنى، ~~وبساطة في الأسلوب، وأسلوبه من النوع الذي يعدونه في البلاغة مساواة، لا ~~إيجاز ولا إطناب، فالعبارة على قدر المعنى. # وكما تطور النثر بعبد الحميد الكاتب تطورا جديدا، عماده الإطناب، وبسط ~~الأسلوب، وتطور عند الجاحظ بجعله كل شيء موضوعا للأدب، تطور على يد ابن ~~خلدون بجعله مسائل الاجتماع موضوعا للأدب. # وأهم ما اشتهر به مقدمته، وهي في الفلسفة، والتاريخ، والاجتماع، # 3 # من أهم ما فيها كلامه عن طبيعة العمران، وقد تكلم فيه فيما ~~يعرض له من بدو وحضر، وكسب ومعاش، وصنائع وعلوم، وأثر الهواء في أخلاق ~~البشر، وأن أجيال البدو والحضر طبيعية، وأن البدو أقدم من الحضر، وأن الأمم ~~الوحشية أقدر على التغلب مما سواها، وأن ms782 من عوائق المدن حصول الترف، ~~والانغماس في النعيم، وأنه إذا كانت الأمة وحشية كان ملكها أوسع، وأن ~~المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب ... إلخ. # وتكلم في العلوم وأصنافها، والتعليم وطرقه، وقد نقده بعضهم بأنه لم يطبق ~~نظرياته التي وسعها في مقدمته على كتابه التاريخ، فهو فيه لم يحقق التحقيق ~~الذي طالب به. وعلى كل حال، فقد نحا منحى جديدا لم نعرف أنه سبق ~~إليه. # ومما يمتاز به التزامه المنطق في كلامه، فهو يذكر النظرية، ثم يأخذ في ~~شرحها، ثم يأخذ في التدليل عليها، حتى كأنها نظرية هندسية. # ومن المؤسف أن الشرق انطوى على نفسه، ولم يعد له صلة بالعالم الغربي منذ ~~انتهاء القرون الصليبية، وقد بدأ العالم الغربي يستعد للنهضة، ولكن لم تدر ~~ماذا كان يصنع، ولو درينا لأسسنا نحن أيضا نهضة جديدة. # والحركات العلمية والأدبية عادة إنما تنهض بدخول عناصر جديدة فيها، تشع ~~الحياة كما حدث في عهد الأمويين، إذ دخلت عناصر جديدة على الأدب العربي، ~~وعلى العالم العربي فحيي من جديد، وكما حدث في عهد العباسيين إذ تسربت إلى ~~العلم العربي، والأدب العربي الثقافات الهندية والفارسية واليونانية فنشط ~~من جديد، بل وكما حدث في عصرنا هذا؛ إذ تسربت الثقافات الأجنبية إلى العلم ~~والأدب العربيين، فاتجها اتجاها جديدا، فلما حرم الشرق من اطلاعه على ~~الآداب الأجنبية، والعلوم الأجنبية أصابه الركود، وظل راكدا عصورا طويلة ~~إلى أن أتاه المدد في النهضة الحديثة. ~~(2) ثانيا: اللغة، والنحو والصرف ~~(2-1) اللغة # أما اللغة، فكان عمل المتأخرين فيها ليس إلا جمعا لمن سبقهم، أو ~~اختصارا في التعبير، أما جديدا فلا، وأشهر معاجم اللغة التي ألفت في ~~هذا العصر كتاب «لسان العرب» لابن منظور، وقد ألفه في عشرين مجلدا، جمع ~~فيه كتاب التهذيب للأزهري، والمحكم لابن سيده، والصحاح للجوهري، والجمهرة ~~لابن دريد، والنهاية لابن الأثير. وقد قال في مقدمته: «وإني لم أقصد سوى ~~حفظ هذه اللغة العربية، وضبط فضلها؛ إذ عليها مدار أحكام الكتاب العزيز ~~والسنة النبوية. وذلك لما رأيته قد غلب في هذا الأوان من ms783 اختلاف الألسنة ~~والألوان، حتى لقد أصبح اللحن في الكلام يعد لحنا مردودا، وصار النطق ~~بالعربية من المعايب معدودا ...» وهو من غير شك عمل ضخم، وجمع لمادة كان ~~يصعب جمعها، وهو كتاب أدب بجانب أنه كتاب لغة؛ لما يشتمل عليه من نصوص ~~وافية، ولكن إذا نحن نظرنا فيه إلى الابتكار، لم نجده. # وكذلك فعل صاحب القاموس المحيط وهو مجد الدين الفيروزآبادي، وقد ولد ~~بكازرون إحدى بلاد فارس، وتعلم في واسط وبغداد ودمشق، ورحل إلى مصر، ثم إلى ~~آسيا الصغرى، ولقي تيمورلنك في شيراز، ثم رحل إلى اليمن، فتلقاه سلطانها ~~بالقبول، وعينه قاضي القضاة حتى مات. # ولقي كتابه القاموس شهرة كبيرة حتى سمى الناس كل كتاب في اللغة ~~«قاموسا»، وهي شهرة أكثر مما يستحق؛ إذ كل ميزته اختصاره الشديد المخل، ~~ومحاولته التمييز بين الواوي واليائي، ونصه على صيغة المؤنث، وما عدا ذلك ~~لا شيء. # وربما عد السيوطي أكبر مظهر للخصائص التي ذكرناها، فهو مؤلف كثير ~~التأليف، كثير الجمع، قليل الابتكار، ألف في التفسير، والحديث، واللغة، ~~والفقه، والنحو، والمعاني والبيان والبديع، حتى لقد عد من تأليفه ثلاثمائة ~~كتاب. # وقد اتهمه رجال عصره كثيرا بأنه يأخذ من تآليف غيره، ويحورها، وينسبها ~~إلى نفسه، حتى لقد تنازع هو والقسطلاني على كتاب «المواهب اللدنية» لأيهما ~~هو، وكل يدعيه، وأخيرا نحاه السلطان طومان باي من منصبه لكثرة أعدائه، ~~وادعائهم كثرة سرقاته. # نعم، إن حركة التأليف كانت قوية في عصر المماليك، والعصر العثماني، حتى ~~ليعجزنا حصر ما ألف في ذلك العصر، ولكنها قوية من حيث العدد لا من حيث ~~القيمة، فلا تكاد تستطيع أن تعد كثيرا من أمثال مقدمة ابن خلدون. ~~(2-2) النحو والصرف # وأما النحو والصرف، فقد استمرا على النحو الذي وضعه سيبويه في الكتاب، ~~وجرى على الأصول المألوفة في ذلك الزمان، وكل ما رأينا هو شرح لغامض، أو ~~اختصار لمطول. # أما الأسس التي بني عليها النحو، مثل بنائه على العامل، فلم يتغير منه ~~شيء. نعم، حاول ابن مضاء الأندلسي أن يغير ذلك، ولكنه هدم ولم ~~يبن. ms784 # 4 # وجاء في هذا العصر الذي نتحدث عنه علمان كبيران في النحو هما ابن مالك ~~وابن هشام، فابن مالك أكثر تعقيد القواعد وتنظيمها، وجمع متفرقها على أساس ~~سيبويه. # 5 # وأما ابن هشام، فكما قال عنه ابن خلدون: إنه «استوفى أحكام الإعراب مجمله ~~ومفصله، وتكلم عن الحروف والمفردات، والجمل، وحذف ما في الصناعة - صناعة ~~النحو - من المتكرر في أكثر أبوابها ... وأشار إلى نكت إعراب القرآن كلها، ~~وضبطها بأبواب وفصول وقواعد انتظمت سائرها، فوقفنا منه على علم جم، يشهد ~~بعلو قدره في هذه الصناعة، ووفور بضاعته منها»، وهو كابن مالك منظم لا ~~مجدد. ~~(3) ثالثا: الفقه # وأما الفقه، فقد نبغ كثير من الفقهاء في كل مذهب، ولكن نلاحظ أن الاجتهاد ~~الذي أقفل بابه، ظلت فيه بقايا ينتفع بها بعض الفقهاء، فيروي مثلا عن بعض ~~الفقهاء أنه كانت لهم أحكام في بعض مسائل اجتهدوا فيها حسب الكتاب والسنة، ~~وخرجوا فيها عن المذاهب الأربعة، وما زال يضيق شيئا فشيئا بتوالي الزمان حتى ~~سد الباب سدا محكما، ولم يبق إلا أن يقلد كل الكبار من مشايخ مذهبه. # إنا نرى مثلا أن ابن تيمية قال بعدم جواز التوسل بالميت ولو نبيا، وإن ~~الطلاق الثلاث في لفظ واحد يقع طلقة واحدة، على غير ما يقول أتباع ~~المذاهب. # وقد قال النووي: «إن المجتهد المطلق لم يوجد منذ القرن الرابع، وكان الفقهاء ~~مجتهدين اجتهادا مقيدا، أي أن لهم ملكة يستنبطون بها المسائل من الكتاب ~~والسنة، والإجماع والقياس، ولكنهم مقيدون بقواعد مذهب إمامهم، واستمر هذا إلى ~~القرن الخامس، ومن أمثال هؤلاء العلماء اللخمي والمازري، # 6 # ومحيي الدين بن عربي، وابن رشد، والقاضي عياض، وإن كان الأخير من ~~علماء القرن السادس، ثم ضعف الاجتهاد بعض الشيء، وأصبح المجتهدون مجتهدي فتوى، ~~أي أنه إذا عرض عليهم أمر كان فيه قولان أو أكثر رجحوا أحد الأقوال حسب حججه ~~كابن الحاجب. وهذه الطبقة انتهت أواسط القرن السابع، ولم يبق بعدها إلا ~~المقلدون تقليدا محضا، فلا يستطيعون أن يأخذوا بكتاب أو سنة، بل يأخذون ~~بأقوال المتقدمين، ms785 وبعض الفقهاء كان يفتي لأهل مذهبين فأكثر، كابن دقيق العيد، ~~فكان متمكنا من مذهب مالك والشافعي، يفتي كل من يريد الفتوى على مذهبه من ~~مالكي وشافعي. # ثم إن المقلدين حجروا على الفكر والفتيا، وقالوا: لم يبق في الأرض عالم منذ ~~العصور المتقدمة، وليس لأحد أن يختار بعد أبي حنيفة، وأبي يوسف، وزفر، ومحمد بن ~~الحسن من أصحاب أبي حنيفة، ولا مالك والشافعي وأصحابهم، وقالوا: لا يحل لأحد ~~بعد هؤلاء الأئمة أن يستنبط الأحكام من كتاب الله، ولا من سنة رسوله، وأحالوا ~~أن يوجد مجتهد يستطيع استنباط الأحكام من الكتاب والسنة. # لم يدع من مضى للذي غبر # فضل علم سوى أخذه بالأثر # وقالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون، مع أن الأحاديث ~~جمعت، وتحصيل العلوم سهل، وأقوال من تقدم عرضت، فأصبح الاجتهاد اليوم أيسر مما ~~كان، ولكنها النفوس صغرت، والهمم اضمحلت، وربما كان اليمن بحكم مذهبه الزيدي ~~أكثر تسامحا في الاجتهاد، حتى إن الإمام الشوكاني اليمني ادعى لنفسه الاجتهاد ~~المستقل، وقاومه بعض أهل اليمن، وقالوا: إنه خرق الإجماع؛ فتألب الزيدية عليه، ~~وقيل: إنهم عادوا فسلموا له، وأذعنوا لما رأوا من علمه. ~~(3-1) منزلة علماء الدين # ومما يجب أن نشير إليه أن علماء الدين كانوا في تلك العصور: عصر ~~المماليك، وعصر العثمانيين، موضع إجلال واحترام من الشعب؛ لأنهم كانوا ~~واسطة بين الشعب والسلاطين، حتى كان العلماء، وخاصة الفقهاء كأنهم ملوك غير ~~متوجين، نضرب لذلك مثلا: العز بن عبد السلام في مصر؛ فقد كان فقيها ~~ممتازا، وكان مسموع الكلمة، ورعا تقيا، شجاعا قويا، سليط اللسان، ~~لقب سلطان العلماء، وقد جاء إلى القاهرة من الشام في عهد الملك الصالح نجم ~~الدين أيوب، فولاه خطابة جامع عمرو بن العاص في مصر والقضاء، وله مواقف ~~رائعة، من ذلك: أنه طلع إلى القلعة في يوم عيد فشاهد العسكر مصطفين، وشاهد ~~السلطان وما فيه من الأبهة، وقد خرج على قومه في زينته على عادة سلاطين ~~مصر، وأخذت الأمراء تقبل الأرض بين يدي السلطان، فالتفت الشيخ ms786 العز إلى ~~السلطان وناداه: يا أيوب! ما حجتك عند الله إذا قال لك: ألم أبوئ لك ملك ~~مصر، ثم تبيح الخمور؟ فقال السلطان: هل جرى هذا؟ فقال: نعم، الحانة ~~الفلانية تباع فيها الخمور، وغيرها من المنكرات، وأنت تتقلب في نعمة هذه ~~المملكة؛ يناديه كذلك بأعلى صوته، والعساكر واقفون، فقال: يا سيدي، هذا ما ~~عملته أنا، إنما كان من أبي، ورسم السلطان بإبطال تلك الحانات، # 7 # وقد سئل في ذلك فقال: إني رأيته في تلك العظمة، فرأيت أن أهينه ~~لئلا تكبر عليه نفسه فتؤذيه. وله مواقف كثيرة من هذا القبيل، حتى إنه لما ~~مات قال السلطان: إني لم أشعر بلذة الملك إلا لما مات العز. # ومثل ذلك مواقف لابن دقيق العيد والنووي، فهؤلاء كانت شهرتهم في قولهم ~~الحق، وتمسكهم به، وعدم خشيتهم من الملوك اعتمادا على تعلق الشعب بهم، ~~إنما كانوا في الفقه مجتهدي مذهب أو مذهبين، لا مجتهدين مطلقين. ولما تقدم ~~الزمن أصبحنا لا نرى مجتهدا مطلقا، ولا مجتهد مذهب، وكل همهم الأخذ من ~~الكتب، وترجيح ما رجحوه. ومما أصيب به الفقه اتجاه العلماء إلى المختصرات، ~~فكل عالم يرى أن يختصر ما قبله، ومن الغريب أن عالما يأتي فيختصر، ثم ~~يأتي عالم آخر فيشرح ما اختصره، حتى تكون لنا من ذلك ما هو أطول من ~~المطولات. # ولم نكسب من ذلك إلا المجهود الضائع، وكل يوم يمر يزداد الحال سوءا ~~وركودا. # يقول ابن خلدون: «ذهب كثير من المتأخرين إلى اختصار الطرق، والإنحاء في ~~العلوم، يولعون بها ... وحشوا القليل منها بالمعاني الكثيرة، وصار ذلك مخلا ~~بالبلاغة، وعسرا على الفهم، وربما عمدوا إلى الكتب الأمهات المطولة في ~~الفنون فاختصروها تقريبا للحفظ، كما فعل ابن الحاجب في الفقه، وابن مالك ~~في النحو، وهو فساد في التعليم، وفيه إخلال بالتحصيل، وذلك لأن فيه ~~تلخيصا على المبتدئ، بإلقاء الغايات من العلم عليه، وهو لم يستعد لقبولها ~~بعد، ثم فيه مع ذلك شغل كبير على المتعلم بتتبع ألفاظ الاختصار العويصة ~~للفهم بتزاحم المعاني عليها، وصعوبة استخراج المسائل ms787 من بينها؛ لأن ألفاظ ~~المختصرات صعبة عويصة، ينقطع فهمها حظ صالح من الوقت، ثم بعد ذلك فالملكة ~~الحاصلة من التعليم على تلك المختصرات ملكة قاصرة عن الملكات التي تحصل من ~~الموضوعات البسيطة. ~~(4) رابعا: التاريخ # الحق أن المتأخرين لم يهملوا التاريخ، بل أتموا السلسلة التي بدأها أسلافهم، ~~حتى لم يخل عصر من العصور من مؤرخين يؤرخون حاضرهم، ويربطونه بماضيهم، ونوعوا ~~التاريخ كما نوعه من قبلهم من تراجم رجال إلى تاريخ مدن، إلى تاريخ الدول ~~خاصة، إلى تاريخ عام. # فمن مؤرخي التراجم ابن خلكان، وهو من أوائل المؤلفين في هذه العصور، ترجم فيه ~~للمشهورين من رجال العلم والأدب، والصناعة والمال غير الصحابة والخلفاء، واجتهد ~~في تحري الحقائق بعين نافذة، في لغة سليمة بسيطة، متوقيا قدر الإمكان ألفاظ ~~الفجور، وقد احتوى نحو 826 ترجمة، وعني أشد العناية بتحقيق سنة وفاة كل مترجم، ~~ومن أجل ذلك سمى كتابه «وفيات الأعيان»، وربما ترك مشهورا من مشاهير رجال ~~العلم والأدب؛ لأنه لم يتحقق من تاريخ وفاته، وربما كان كتابه على هذا النحو ~~أول كتاب من نوعه. وقد مات ابن خلكان سنة 681ه، وقد ذيل هذا الكتاب ابن شاكر ~~الكتبي المتوفى سنة 764ه، ترجم فيه لبعض من تركه ابن خلكان، وزاد فيه من جاء ~~بعده إلى عصره، وسماه: «فوات الوفيات». # وألف ابن طباطبا نزيل الموصل في عهد فخر الدين عيسى كتابا نسبه إليه، وسماه ~~«الفخري»، وقد عرض فيه لتاريخ الدولة الإسلامية من أول عهدها إلى آخر الدولة ~~العباسية، وقد عني فيه بالأسلوب، ودقة التعبير، وحسن السبك، كما كانت له نظرات ~~دقيقة في شئون السياسة العامة، وقواعد كلية يستشهد عليها بالأحداث الإسلامية ~~الجزئية، وأتم ابن طباطبا تأليف كتابه في الموصل سنة 701ه، وقد كان شيعيا ~~فلون تاريخه باللون الشيعي. # كما ألف أبو الفداء أمير حماة من قبل الملك الناصر كتابه الذي اعتمد فيه على ~~تاريخ الطبري، وابن الأثير، وزاد عليهما إلى عصره، ولذلك كانت مزيته في تاريخ ~~الفترة الأخيرة التي كانت بعد ابن الأثير، وكتابه «مختصر تاريخ البشر» ms788 مشهور، ~~وقد ولد سنة 672ه، وتوفي سنة 732ه. # واشتهر بالتراجم، وخاصة تراجم المحدثين شمس الدين الذهبي، وقد ولد في دمشق، ~~ورحل إلى بلاد كثيرة يلقى علماءها، ويؤرخ لهم، ويعدل بعضهم، ويجرح بعضهم. ~~وأشهر كتبه «طبقات الحفاظ» في تراجم رجال الحديث، وكتاب «تاريخ الإسلام»، كما ~~كان من أكبر رجال التراجم خليل بن أيبك الصفدي، وقد اشتهر بكتابه الواسع في ~~التراجم المسمى «الوافي بالوفيات» في ست وعشرين جزءا. # ثم ابن كثير المتوفى 774ه، وقد ألف كتابا كبيرا سماه «البداية والنهاية» ~~بدأه ببدء الخليقة، وانتهى إلى 767ه، وكان من المؤرخين في هذا العصر ابن الفرات ~~المصري المولود سنة 735ه، وله كتاب كبير في جملة أجزاء، وأهمية كتابه في أنه ~~مرجع عظيم القيمة في الحروب الصليبية، وتوفي ابن الفرات سنة 807ه. # ثم ابن خلدون، وقد أسس في مقدمته أصول علم التاريخ، ومكنته حياته ومناصبه ~~الكبيرة، وسفارته بين الملوك من الاطلاع على بواطن الأمور، وربط الأحداث بعضها ~~ببعض، ومعرفة أسبابها ونتائجها، وقد استطاع من هذا كله أن يستنتج من الجزئيات ~~كليات ونظريات، يطبقها على الأحداث، وقد كتب هذا التاريخ سنة 767ه أولا، ثم ~~أخذ ينقحه طول حياته. # وجاء بعده تلميذه المقريزي، أصله من بعلبك، وتحول والده إلى القاهرة، وقد كتب ~~كتبا كثيرة في التاريخ، ألف في تاريخ الفسطاط، وفي الدولة الفاطمية، وفي ~~المماليك، وفي سيرة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، كما ألف في مسائل خاصة كتاريخ الأزمات ~~الاقتصادية، والأوبئة، ونحو ذلك، ومن أشهر كتبه: خطط مصر المسمى «المواعظ ~~والاعتبار»، وهو واسع الاطلاع، كثير النقل، وأحيانا ينقل من غير عزو، قليل ~~النقد، ومع هذا ترك لنا ثروة من المعلومات قيمة، ما كان يمكننا الوصول إليها ~~لولاه، وقد استفاد كثيرا من نظرات أستاذه ابن خلدون. # وألف ابن عرب شاه الذي عاش من سنة 791ه إلى 854ه كتابا في تيمورلنك اسمه ~~«عجائب المقدور في أخبار تيمور»، وهو دمشقي الأصل، أخذ أسيرا في غزو تيمورلنك ~~للشام، وأرسل إلى سمرقند، ورحل من سمرقند إلى خوارزم، وغيرها من البلاد، ~~فاستفاد من ms789 ذلك كله، واستطاع أن يؤلف كتابه هذا في أخبار تيمور، كما ألف كتابا ~~اسمه «فاكهة الخلفاء، ومفاكهة الظرفاء»، وهو كتاب في السياسة الرمزية ككتاب ~~«كليلة ودمنة» كما يقول حاجي خليفة؛ لأنه يتضمن حكايات على ألسنة ~~الوحوش. # وألف أبو المحاسن ابن تغري بردي المتوفى سنة 874ه كتابه «النجوم الزاهرة في ~~أخبار مصر والقاهرة»، مرتبا حسب السنين من فتح العرب لمصر إلى سنة 857ه، أي ~~1453م. # وكتب المقري المتوفى 1041 هجرية كتابه «نفح الطيب في ترجمة لسان الدين ابن ~~الخطاب»، وهو قسمان، القسم الأول: في تاريخ الأندلس ورجالها، والثاني: في ترجمة ~~لسان الدين بن الخطيب ومشايخه، ومن يتصل به، وفي الكتاب معلومات قيمة عن ~~الأندلس. # فنرى من هذا النشاط الكبير الذي نشطه المسلمون في التأليف في التاريخ على ~~أنواع، وهناك كتب كثيرة غير التي ذكرناها قد ألفت في التاريخ موجزة وموسعة. وقد ~~أكثروا فيه للذته، وسهولته نسبيا. ~~(5) خامسا: التصوف # ربما كان التصوف هو الفرع الوحيد الذي نما بعد سقوط بغداد أكثر مما كان ~~قبلها. ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن التصوف لا يحتاج إلى عقل كبير، وبحث ~~كثير، بل هو بالقلب والشعور أعلق، ولذلك كانت دائرته أوسع، ولأن الناس فقدوا ~~الدنيا، فتطلعوا إلى الآخرة، ويئسوا من العدالة الاجتماعية في الأرض؛ فأملوها ~~في السماء، ولم يجرءوا أن يثوروا في وجوه الحكام يطالبونهم بتحقيق العدل، ~~فقنعوا بالسلامة، وضعفت عقولهم عن تمييز الحق من الباطل، وملئوها بالخرافات ~~والأوهام. ولم تتجرد طبيعتهم من حب اللهو؛ فأدخلوه في التصوف، فكان فيه الغناء ~~والموسيقى، والرقص وألعاب البهلوان، وعجزوا عن ربط المسببات بالأسباب؛ فهرعوا ~~إلى المتصوفة يمنحونهم البركة، ويستقضون منهم حوائجهم، ويقرعون بهم أبواب ~~السماء، فامتلأت البلاد بأرباب الطرق، ومشايخ الصوفية، ومدعي الولاية. وعلى ~~الجملة، فكان في الحياة الصوفية ما يرضي النفوس ويطمئنها ويسليها. # ثم كان أن منحت البلاد متصوفين كبارا جمعوا بين القدرة التصوفية، والملكة ~~الأدبية، فغزوا الناس بتصوفهم وشعرهم أمثال ابن عربي، وابن الفارض في اللغة ~~العربية، وجلال الدين الرومي في اللغة الفارسية. ~~(5-1) فكرة الإنسان ms790 الكامل # رأينا في هذه العصور أنه يكثر الكلام في الحقيقة المحمدية، وتصويرها صورة ~~غريبة حقا، وهي بعيدة جدا عن الصفة التي يصفه بها القرآن، والتي يصفه ~~بها الصحابة، وكبار التابعين، فالقرآن يصف النبي بأنه بشر تجري عليه كل ~~صفات البشر، فهو يعبس ويتولى أن جاءه الأعمى، وهو مخلوق تجري عليه أحكام ~~الموت، إلى آخر الأوصاف؛ فجاء التصوف فغير هذه الصورة، فقالوا بأزلية ~~الوجود المحمدي، وقالوا: إن أول شيء خلقه الله هو الروح المحمدي، أو النور ~~المحمدي الذي ظهر بصورة آدم، وفي صورة الأنبياء بعد ذلك، ثم استمر يظهر بعد ~~ذلك في علي وأبنائه كما يقول الشيعة، والصوفية يقولون: إن النور المحمدي ~~هو الروح الإلهي الذي نفخ الله منه في آدم. ويقولون: إن الحقيقة المحمدية ~~هي مبدأ الحياة، ومركزها في العالم، وهي بهذا المعنى روح كل شيء وحياته، ~~وهي الواسطة بين الله وعباده، والمنبع الذي يفيض منه على العارفين معرفتهم ~~بالله إلخ ... وسموا محمدا بهذا المعنى «الإنسان الكامل»، # 8 # وقد ألف في ذلك عبد الكريم الجيلي أو الجيلاني كتابا سماه ~~«الإنسان الكامل في معرفة الأوائل والأواخر»، قال في مقدمته: «لما كان كمال ~~الإنسان في العلم بالله، وفضله على جنسه بقدر ما اكتسب من فحواه، ألفت ~~كتابا باهر التحقيق، ظاهر الإتقان والتدقيق. وقد كنت أسست الكتاب على ~~الكشف الصريح، وأيدت مسائله بالخير الصحيح»، ثم يقول: إنه مزقه بعد ما ~~كتبه، ثم أمره الحق إبرازه ففعل، إلى آخر ما قاله. # ومن كلامه يتبين أن الإنسان الكامل الذي هو روح محمد كائن في الأنبياء ~~من آدم إلى محمد، وفي الأولياء والصالحين. # ويقول: «إن الإنسان الكامل هذا هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من ~~أوله إلى آخره، وهو واحد منذ كان الوجود أبد الآبدين، واسمه الأصلي محمد، ~~وكنيته أبو القاسم، ووصفه عبد الله، ولقبه شمس الدين، وله في كل زمان اسم ~~يليق به ويقول: «إن الإنسان الكامل مقابل لجميع الحقائق الوجودية، فيقابل ~~الحقائق العلوية بلطافته، والسفلية بكثافته، وأول ما يبدو له في الحقائق ~~الخلفية ms791 هو العرش، ويراه بقلبه، ثم يقابل الكرسي فسدرة المنتهى، ثم يقابل ~~العلم الأعلى بعقله، واللوح المحفوظ بنفسه، والعناصر بطبعه، والهيولى ~~بقابليته. # والإنسان الكامل نسخة من الله كما قال رسول الله: «خلق الله آدم على ~~صورته.» والإنسان الكامل أيضا مرآة الحق؛ لأن الحق أوجب على نفسه ألا ترى ~~أسماؤه وصفاته إلا في الإنسان الكامل، وهو معنى قوله تعالى: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات ~~والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن ~~منها وحملها الإنسان ~~(الأحزاب: 72) ... إلخ. وكما ~~خلق الله على صورته خلقت الدنيا على صورة الإنسان، وكان الله قبل أن يخلق ~~الخلق في نفسه، وكانت الموجودات مستهلكة فيه، ولم يكن له ظهور في شيء من ~~الوجود، وفي ذلك يقول في الحديث القدسي: «كنت كنزا مخفيا، فأحببت أن ~~أعرف فبي عرفوني». # ويقول: «لما أراد الله إيجاد هذا العالم نظر إلى حقيقة الحقائق، وإن شئت ~~قلت: إلى الياقوتة البيضاء التي هي أصل الوجود بنظر الكمال، فذابت، وذهبت ~~ماء، ثم نظر إليها بنظر العظمة؛ فتموجت كما تموج الأرياح في البحار، ~~فانفهقت كثائفها بعضها في بعض، كما ينفهق الزبد من البحر، فخلق الله من ذلك ~~المنفهق سبع طباق الأرض، ثم خلق سكان كل طبقة من جنس أرضها، ثم صعدت لطائف ~~ذلك الماء كما يصعد البخار من البحار، ففتقها الله سبع سموات، وخلق ملائكة ~~كل سماء من جنسها، ثم صير الله ذلك الماء سبعة أبحر محيطة بالعالم، فهذا ~~أصل الوجود جميعه». # 9 # فأسلوب الكتاب - كما ترى - عويص غامض لا يستطيع أن يفهمه الإنسان ~~بعقله. # وللجيلاني هذا قصيدة تسمى «النوادر العينية في البوادر الغيبية»، ضمنها ~~نظرية الإنسان الكامل في خمسمائة وأربعة وثلاثين بيتا منها: # تجلى حبيبي في مرائي جماله # ففي كل مرأى للحبيب طلائع # فلما تبدى حسنه متنوعا # تسمى بأسماء فهن مطالع # ومنها: # تجليت في الأشياء حين خلقتها # فها هي ميطت عنك فيها البراقع # ومنها: # فلا تشك محجوبا برؤية حسنه # من الذات أنت الذات أنت المجامع # فعينك شاهدها بمحتد أصلها # فإن عليها للجمال لوامع ~~... إلخ. # 10 # وقد لعبت نظرية ms792 الإنسان الكامل هذه، والحقيقة المحمدية، والروح المحمدية ~~دورا كبيرا في التصوف. ~~(5-2) ابن العربي وابن الفارض # أولهما: محيي الدين محمد بن علي، يلقب أحيانا بالحاتمي، ويكنى بابن ~~العربي، وأهل المشرق يكنونه ابن عربي للتفرقة بينه وبين أبي بكر بن العربي، ~~وأما في الأندلس فيكنونه ابن العربي، وقد ولد سنة 560ه في مرسيه، وتعلم أول ~~تعلمه في إشبيلية، ثم ارتحل إلى المشرق حاجا، ولم يعد بعدها إلى الأندلس. ~~وأقام في الحجاز مدة طويلة، ثم دخل مصر ورحل إلى بغداد والموصل وبلاد ~~الروم، وكان ذلك في عهد الحروب الصليبية، وأثر عنه أنه كان يحرض المسلمين ~~على الجهاد. # وقد ألف في التصوف تآليف كثيرة من شعر ونثر، من أشهرها «الفتوحات ~~المكية»، و«فصوص الحكم»، و«ترجمان الأشواق»، ولقب عند كثير من الناس بلقب ~~«الشيخ الأكبر»، وقد أودع في كتابه «الفتوحات المكية» أكثر نظراته ~~التصوفية، وقسمه إلى ستة فصول، أولها في المعرفة، وثانيها في المعاملات، ~~وثالثها في الأحوال، ورابعها في المنازل، والخامس في المغازلات، وآخرها ~~المقامات، وكان يقول: إن ما يكتبه يأتي إليه بطريق الوحي في حالة الغيبوبة ~~والمجاهدة. # ومن الغريب أنه كان على مذهب الظاهرية في الفقه، وكتاباته من أعمق ~~الباطنية في التصوف، وقد قال: إن هذه الموجودات مكونة من صورة وروح، وعنده ~~أن الصورة هي التي سماها أرسطو «مادة»، والروح ما سماها أرسطو «صورة». ~~وأعلى هذه المقامات أو الصور هو الإنسان لما أودع فيه من القوى التي تتجلى ~~فيها صفات الله وأسماؤه، فهو كالمرآة تنعكس عنها حقيقة الله وذاته، وله ~~أقوال كثيرة في المواجيد والفناء. # ويروى عن ابن عربي أنه وقع يوما عن حماره، فرضت رجله، فجاءوا ليعالجوه، ~~فقال: أمهلوني، فأمهلوه يسيرا، ثم أذن لهم فعالجوه، فقيل له في ذلك فقال: ~~راجعت كتاب الله تعالى فوجدت خبر هذه الحادثة في صورة الفاتحة. ومن ذلك ترى ~~ما للصوفية من تصورات عجيبة ، وخيالات بعيدة، ومثل ذلك: استخراج بعضهم من ~~الفاتحة أيضا أسماء سلاطين آل عثمان، وأحوالهم، ومدة سلطتهم، إلى ما شاء ~~الله تعالى من الزمان. # وأما ms793 ابن الفارض فهو عمر الملقب بشرف الدين، وهو حموي الأصل، ولد في ~~القاهرة سنة 576ه/1181م، وتوفي سنة 632ه، ولقب بسلطان العاشقين وكان ميالا ~~إلى العزلة والزهد، وتعود الذهاب كل يوم إلى جبل المقطم، وقد بلغ الغاية في ~~قصائده التي جمعت في ديوانه، وهو أشعر من محيي الدين، وشعره كشعر عصره ~~مملوء بالمحسنات البديعية، والاستعارات، والمجازات، كما تعرض كثيرا ~~للمصطلحات الصوفية من حب وهوى، وشوق وسكر وصحو، ومن أشهر شعره: التائية ~~الكبرى، وهي المسماة «نظم السلوك»، وقد أودع فيها كل مبادئه ~~الصوفية. # وقد عرف عنه أنه يهيم بالجمال حيثما وجده من جمال طبيعة إلى جمال أصوات، ~~ويصاب بالغيبوبة عند رؤيته، فيتواجد ويغيب عن نفسه ويرقص، يحب الخلوة ~~والتقشف، والبعد عن الناس، والزهد في حطام الدنيا. # وقد جمع شعره في ديوان، وقد شرح ~~ديوانه كثير من المتصوفة، فتأثروا بمحيطه، وشرحوه شرحا صوفيا، وقد حلل ~~الأستاذ نيكولسن تائيته الكبرى # 11 # فقال: «يتكلم ابن الفارض في هذه القصيدة بلسان الصوفي الذي وصل ~~إلى مقام الاتحاد، ويخاطب في أوائلها أحد أصحابه فيذكر عهده الأول بالحب ~~الإلهي، وما عاناه فيه من شدائد وعقبات، ويشرح كيفية سعيه إلى تفريج الهم ~~عن نفسه ببثه ذلك الحب إلى المحبوب: # ولم أحك في حبيبك حالي تبرما # بها لاضطراب بل لتنفيس كربتي # ويحسن إظهار التجلد للعدا # ويقبح غير العجز عند الأحبة # ويمنعني شكواي حسن تصبري # ولو أشك للأعداء ما بي لأشكت # وعقبي اصطباري في هواك حميدة # عليك ولكن عنك غير حميدة # وما حل بي من محنة فهو منحة # وقد سلمت من حل عقد عزيمتي # ثم يشير إلى الآيات القرآنية: # وإذ أخذ ربك من بني آدم من ~~ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ~~(الأعراف: 172) إلخ ...»، وهي الآية التي يسميها الصوفية آية العهد. # ويقول ابن الفارض: «إنه أخذ ذلك العهد قبل أن تتلبس نفسه بطينة جسده»، ~~ويقول: إن رؤيته المحبوب ليس إلا رؤيته لنفسه، وحبه إياه ليس إلا حبه ~~لنفسه، وإن الحب الخالص ليس إلا الفناء في المحبوب: # حليف غرام أنت لكن بنفسه # وإبقاك ms794 وصفا منك بعض أدلتي # فلم تهوني ما لم تكن في فانيا # ولم تفن ما لم تجتلى فيك صورتي # هو الحب إن لم تقض لم تقض مأربا # من الحب فاختر ذاك أو خل خلتي # وهو يصف الفناء بأنه الحال التي ~~تتجرد فيها النفس عن رغباتها وميولها وبواعثها بحيث تتعطل إرادتها وتموت، ~~فإذا ماتت الإرادة أصبحت النفس طوع الإرادة الإلهية: # كلانا مصل واحد ساجد إلى # حقيقته بالجمع في كل سجدة # وما كان لي صلى سواي ولم تكن # صلاتي لغيري في أدا كل ركعة # ويقول: «إن أعلى درجات الصوفي الاتحاد مع الله؛ حيث ينعدم الفرق بين ~~الخالق والمخلوق وفي سكر الفناء يغيب الصوفي عن جميع صفاته وآثاره ... ~~إلخ.» # وقد اتجه شراح التائية الكبرى إلى ~~شرحها حسب نظرية ابن عربي في وحدة الوجود. # ولابن الفارض قصائد أجمل من التائية الكبرى من حيث الفن، مثل قصيدته ~~اليائية الطويلة: # سائق الأظعان يطوي البيد طي # منعما عرج على كثبان طي # وتلطف واجر ذكري عندهم # علهم أن ينظروا عطفا إلي # قل تركت الصب فيكم شبحا # ما له مما براه الشوق في # خافيا عن عائد لاح كما # لاح في برديه بعد النشر طي # كهلال الشك لولا أنه # أن عيني عينه لم تتأي ~~... إلخ. # 12 # وفي الديوان أبيات رائعة من الناحية الفنية. # وبعد: فهل كان ابن الفارض وابن عربي على مذهب واحد في مذهب وحدة الوجود، ~~أي أن الله والعالم شيء واحد؟ ذهب كثير إلى ذلك ومنهم بعض المستشرقين، ~~وربما استندوا إلى شيئين: ~~(1) # ما حكاه المقريزي من أن ابن عربي بعث إلى ابن الفارض يطلب ~~منه أن يضع شرحا على التائية الكبرى فقال له: إن كتابك ~~الفتوحات الملكية شرح لها. ~~(2) # أن كل الذين شرحوا التائية أغرقوها بنظريات ابن عربي في وحدة ~~الوجود، ولكن يظهر أن بين ابن عربي وابن الفارض فرقا كبيرا؛ ~~فابن الفارض شاعر متصوف، يسمو في حبه إلى أن يفنى في محبوبه ~~وهو الله، فلا يرى في الوجود ولا نفسه شيئا غير الله. وكما ~~قال الأستاذ نللينو: «لم ms795 يكن ابن الفارض فيلسوفا من فلاسفة ~~وحدة الوجود، بل كان شاعرا صوفيا، ليست قصيدته التائية ~~الكبرى إلا تعبيرا عن ذوقه الشخصي الذي كان سبيله إلى اتحاد ~~بالذات الإلهية تارة، وبالحقيقة المحمدية تارة أخرى، أما وحدة ~~الوجود عند ابن عربي فوحدة فلسفية، مزج فيها الدين بالفلسفة ~~مزجا غريبا ليس له نظير». # وفرق كبير بين شاعرية ابن الفارض، وإحساسه بفنائه في محبوبه، واتحاده به ~~وبين فلسفة ابن عربي ومذهبه في أن الله والعالم شيء واحد، فمن الخطأ دعوى ~~أن كليهما يقول بوحدة الوجود، والفرق دقيق بين حلول الحلاج، والحب ~~الإلهي عند ابن الفارض، ووحدة الوجود عند ابن عربي. # على كل حال ملئ جو مصر والشام وغيرهما بالكلام الصوفي، والشعر الصوفي. ~~وطلع عليهم شيء جديد لم يكن في الحسبان، فوقفوا أمامه حيارى: أيصدقون أم ~~يكذبون؟! وهذا التصوف الذي لابن عربي وابن الفارض يحتاج إلى نوع من المزاج ~~الخاص، فمن لم يكن له هذا المزاج، لم يفهمه ولم يتذوقه، بل وربما استنكره، ~~وكذلك كان مؤيدون كل التأييد، ومعارضون كل المعارضة. وكانت إذ ذاك معركة ~~حامية بين المؤيدين والمعارضين، كالمعركة التي كانت في عهد ~~الحلاج، # 13 # وكان زعيم المعارضين ابن تيمية، فقد رزقه الله بيانا وافيا، ~~وبرهانا قويا، ورأى أن هؤلاء الصوفية أتوا في الدين بشيء جديد ليس من ~~جنس كلام الله ولا رسوله ولا الصحابة، وأنهم قالوا بالاتحاد على أشكال ~~مختلفة، فهاجمهم هجوما عنيفا، وألف في ذلك رسائل؛ فأنكر عليهم الرقص ~~والسماع، ونقدهم كلهم من ابن الفارض، وابن عربي، وابن سبعين، والحلاج، ~~وعفيف الدين التلمساني، وسلط عليهم لسانه وقلمه، ورماهم بالكفر والضلال، ~~وقال: إن ما أتوا به أعظم مما قالته اليهود والنصارى. # ومن أقواله في ذلك: «إن الاتحاد بين الخالق والمخلوق ممتنع؛ لأن الخالق ~~والمخلوق إن اتحدا، فإما أن يكونا بعد الاتحاد اثنين كما كانا قبله، وهذا ~~تعدد وليس باتحاد، وإما أن يستحيلا إلى شيء ثالث، كما يتحد الماء واللبن ~~والنار والحديد، ونحو ذلك من تشبيهات الفرق النصرانية، فيلزم عن ذلك أن ~~يكون الخالق ms796 قد استحال، وتبدلت حقيقته كسائر ما يتحد مع غيره، وهذا ممتنع ~~على الله؛ إذ الاستحالة تقتضي عدم ما كان موجودا، والله تعالى واجب للوجود ~~بذاته، وصفاته اللازمة له التي هي كمال، والتي إذا عدمت كان ذلك نقصا، ~~يتنزه الله عنه ...» إلى آخر ما ذكره من البراهين، ومناقشتهم بالعقل، مع أن ~~أقوالهم ناشئة من الشعور، كمناقشة العقل للحب، كالذي يقول: # بني الحب على الجور فلو # أنصف المحبوب فيه لسمج # ليس يستحسن في شرح الهوى # عاشق يحسن تأليف الحجج # وألف ملا علي القاري رسالة في وحدة الوجود، رمى فيها ابن عربي بالزندقة، ~~وقال: إنه كفر بأربع وعشرين دعوة، منها قوله: إن الإنسان من الله بمثابة ~~البؤبؤ من العين، وعلى هذا يكون الله مفتقرا رؤية خلقه، ورؤية نفسه إلى ~~الإنسان، وكذلك قوله: نحن الفرق التي نصف بها الله، فإذا نحن تأملنا في ~~حقيقته كنا في الحقيقة نتأمل في حقيقتنا، والله حين ينظر في شئوننا يكون ~~ناظرا في شئونه، وتاليا قوله: إن الله هو عين المخلوقات، ثم قوله: إن كل ~~الاعتقادات الدينية صحيحة؛ لأن كل طائفة فيها شيء من طبيعة الله # فأينما تولوا فثم وجه الله ~~(البقرة: 115)، وقوله: «إن الأولياء خير من الأنبياء، والولاية هي العنصر ~~الدائم السامي في النبوة، وادعى محيي الدين أنه خاتم الأولياء، كما أن ~~محمدا خاتم الأنبياء ... إلخ. # ومن الطاعنين عليهم ابن حجر العسقلاني، فقد قال حين توفي سنة 852ه في ابن ~~الفارض: «ينعق بالاتحاد الصريح في شعره، وهذه بلية عظيمة، فتدبر نظمه ولا ~~تستعجل .... وما ثم إلا زي الصوفية، وإشارات مجملة، وتحت الزي والعباءة فلسفة ~~وأفاعي، فقد نصحتك والله الموعد.» # وكذلك من الطاعنين عليهم البقاعي المتوفى سنة 858ه وقد ألف كتابين في ~~تكفير ابن عربي وابن الفارض، وهما «تنبيه الغبي على تكفير ابن عربي»، ~~و«تحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد»، وكان شديد الطعن ~~عليهما. # وممن طعن عليهما أيضا عضد الدين الإيجي صاحب المواقف، فقال عن ابن عربي: ~~«إنه كان كذابا حشاشا كأوغاد الأوباش، ولقد تبعه في ذلك ابن ms797 الفارض، ولا ~~يخفى على الأقل أن شعره من الخيالات المتناقضة الحاصلة من الحشيش؛ إذ عندهم ~~أن وجود الكائنات هو الله تعالى، فإذا الكل هو الله تعالى، فلا نبي، ولا ~~رسول، ولا مرسل، ولا مرسل إليه». # ويروي المقبلي صاحب العلم الشامخ أن ابن خلدون يقول بإيمان المتصوفة ~~الأولين، وبتكفير الصوفية المتأخرين، ويرى إحراق كتبهم لما فيها من ~~الضلال. # هؤلاء أهم الطاعنين عليهم، أما المؤيدون لهم فكثيرون، وكان هجوم الفقهاء ~~سببا في قتل صلاح الدين السهرودي كما قتل الحلاج، ولكن نجا ابن عربي، وابن ~~الفارض من القتل؛ فيظهر أن السياسة كانت تستغل أقوال الفقهاء لقتل خصومهم، ~~فإذا رضيت السياسة عنهم حمتهم ولم تقتلهم. ~~(5-3) الشعراني # وزاد بعد ذلك سيل التصوف في العالم الإسلامي، ومن أشهر من جاء بعدهما ~~الشعراني، ولكنه كان صوفيا مدروشا، وقد اختصر «الفتوحات المكية» لابن ~~عربي في كتاب سماه «لوافح الأنوار القدسية المنتقاة من الفتوحات المكية»، ~~ثم اختصر هذا المختصر، وسماه «الكبريت الأحمر من علوم الشيخ الأكبر»، وكان ~~أيضا لوجوده في ذلك العصر ضجة كبيرة من مؤيدين له، وناقمين عليه، ولأنه ~~حمل على العلماء حملة شديدة، ولكي ينجو بنفسه أمر بإطاعة الولاة والقوانين، ~~مع أنه كان يؤمن بظلم الحكام ويشعر بالظلم الذي يقع على الفلاح فيقول: «كان ~~الفلاح عند موته يترك شيئا من الدراهم لأولاده، ولكنه الآن لا يستطيع إلى ~~ذلك سبيلا، بل هو يبيع الحاصلات والبقرة والثوب لتسديد ما عليه من ~~الضرائب، وإذا لم يسدد ضرب وسجن»، ويقول: «إنا لا نقتني الأراضي ولا ~~الممتلكات؛ لأن ما يدفع عليها من الضرائب يفوق ثمنها وما تنتجه». ومن هجمات ~~العلماء عليه كان لا يخرج كتابا إلا إذا رضي عنه العلماء وأقروه، كما حكى ~~ذلك عن نفسه، وبذل مجهودا كبيرا في التوفيق بين عقائد أهل الكشف، وعقائد ~~أهل الفكر، ودافع عن ابن عربي كثيرا، وأول أقواله التي ظاهرها الكفر ~~والإلحاد. # وانقلبت بعد ذلك الصوفية إلى دروشة، ومعنى درويش في الفارسية: الفقير ~~المسكين. وانحط التصوف كثيرا حتى قال بعضهم: كان التصوف حالا فصار ms798 مالا، ~~وكان احتسابا فصار اكتسابا، وكان استتارا، فصار اشتهارا، وكان اتباعا ~~للسلف فصار ابتياعا للعلف، وكان عمارة للصدور فصار عمارة للغرور، وكان ~~تعففا فصار تكلفا، وكان تخلقا فصار تملقا، وكان سقما، فصار لقما، ~~وكان قناعة، فصار فجاعة، وكان تجريدا، فصار ثريدا»، وكثرت التكايا ~~والزوايا والطرق، وفيها كان الشيوخ لهم سلطة كبيرة على المريدين، يأمرونهم ~~أن يكونوا كالريشة في مهب الريح، وكان لكل نوع من هذه الطوائف أذكار ~~وأوراد، وامتزجت هذه الطرق بالشعوذة والاحتيال. ~~(5-4) جلال الدين الرومي # وهنا لا بد من كلمة عن مولانا جلال الدين الرومي، فإنه ذو أثر عظيم في ~~التصوف الفارسي، وهو صاحب كتاب «المثنوي» الذي قال فيه الصوفي الكبير عبد ~~الرحمن الجامي: «إن كنت عالما بالمعرفة فدع اللفظ، واقصد المعنى. إن ~~المثنوي هو القرآن في اللسان الفارسي، وماذا أقول في وصف هذا العظيم؟ لم ~~يكن نبيا، ولكنه أوتي الكتاب»، وقد عني المستشرقون بجلال الدين وشعره، ~~ونقلوه إلى لغاتهم. # وقد كان جلال الدين معلما دينيا، ولكنه قابل الصوفي الكبير تبريزي، ~~فأثر فيه، وقطعه للتصوف. # والمثنوي منظومة صوفية فلسفية عظيمة، تحوي 25700 بيت، وهو قوي البيان، ~~فياض الخيال، بارع التصوير، حتى لينظم القصة القصيرة في مئات الأبيات. ~~وقلبه مفعم بالعشق الإلهي، مستغرق فيه كقوله: «أفكر في القافية، وحبيبي ~~يقول: لا تفكر إلا في رؤيتي، ما الحق فتفكر فيه، إنه الشوق في جدار ~~البستان، إني أمحق القول والحق والصوت لأناجيك بغير هذه الثلاث.» # ويقص أحيانا قصة، ويجعلها مدار كلامه وتصوفه، كقصة الأسد والوحوش، وهي ~~من قصص كليلة ودمنة، ولكن جلال الدين الرومي أخذها فتصرف فيها، وتوسل بها ~~في عرض آرائه، كقوله: «رأى الأسد نفسه في عتو، فلم يعرف نفسه من العدو، ~~حسب العدو صورة نفسه، فسل سيفه على رأسه، كم من ظلم تراه في غيرك، وإنما ~~فيه صورة طبعك، أنت لا ترى في نفسك هذا السوء، وإلا رأيت نفسك المشنوء، ~~إنما تحمل على نفسك أيها الغافل، كما حمل على نفسه الأسد الجاهل، فإذا بلغت ~~قعر طبعك علمت هذه الدناءة ms799 في خلقك»، ويقول: «المؤمن مرآة أخيه، خبر عن ~~الرسول نرويه، وضعت على عينك زجاجة زرقاء، فازرقت أمامك الأرض والسماء، إن ~~يكن ازرق زجاج كوتك، ازرق ضوء الشمس في نظرك، لا تعم فهذا اللون منك ~~بدا، فالح نفسك إذا، ولا تلح أحدا ... إلخ.» # 14 # ومن عباراته: «يا من هو عزاء النفس في ساعة الغم والحزن، يا من فيه غناء ~~الروح عند مرارة الفقر والعوز، يا من نحوه أولي وجهي في عبادتي لما يطوف ~~بي منه من طائف لا يلحقه الخيال، وغيبة العقل لو أني حييت ملكا لا يبلى، ~~أو أن كنزا خفيا فتح لي من كل ما في الوجود، لسجدت لك روحي، ووضعت وجهي ~~في الثرى، وصحت قائلا: ليس لي مراد غير حبك، هلم هلم إنك غير واجد صديقا ~~مثلي، وأين بمثلي حبيب في جميع الوجود، هلم هلم، ولا تقضي العمر في حيرة، ~~فليس لمالك سوق غير ذاك، كأنك واد مقفر ماحل، وكأنني مطر، بل كأنك بلد ~~الخراب، وكأنني بناء، لولا عبادة الإنسان إياي ما أحس للسعادة طعما، فإن ~~العبادة مطلع شمس السعادة.» # 15 # خاتمة # استعرضنا في هذا الكتاب استعراضا بسيطا للمعتزلة في عصرهم الثاني، وما ~~تعرضوا له من مسائل، وكيف زال سلطانهم بعد أن حكموا البلاد سنين، وكيف أن ~~الأشاعرة اكتسحوهم. ورأينا أن الأشاعرة أنفسهم كانوا متأثرين لدرجة كبيرة ~~بالمسائل التي أثارها المعتزلة، وأن الحرب بين الأشاعرة والمعتزلة بدأت عنيفة، ~~ثم كان النصر للأشاعرة، وظل كذلك إلى اليوم. # وربما كان من ملاحظاتنا أن أكثر البحوث من المعتزلة والأشاعرة كان فيما ~~وراء الطبيعة، والبحث فيما وراء الطبيعة قل أن يسلم إلى نتيجة ... فكيف ندرك أن ~~صفات الله غير ذاته، أو هي ذاته، ونحن لا ندرك ذلك من أنفسنا التي بين جنوبنا، ~~وكيف ندرك الفروق الدقيقة بين علم الله وقدرته وإرادته؟ فهذه كلها مسائل بحثت ~~عند أرسطو وقبل أرسطو، ثم بحثت بعد ذلك في الإسلام والنصرانية واليهودية، وهي ~~هي لم تتقدم كثيرا، من أجل ذلك ثار الغزالي، وفخر الدين الرازي في علم ms800 الكلام، ~~وطلبوا تجنيبه العوام. # ثم رأينا تعاليم الشيعة، وكيف دافعوا عنها بقوة، وكيف أن كثيرا منهم ضحوا ~~بأنفسهم في سبيلها، وكانوا يخرجون على العباسيين فيقتلون أو يسجنون، وكيف أن ~~التشيع تطور، فبدأ بأحقية علي في الخلافة هو وأولاده، ثم بدأ على يد جعفر ~~الصادق يأخذ شكل تقديس الأئمة، ثم عرضت فكرة الاختفاء والغيبة، وتبعها المهدي ~~المنتظر، وما كان لذلك من آثار كبيرة في تاريخ المسلمين. # وأخيرا عرضنا للصوفية، وهي منحى جديد غير منحى المتكلمين، فإذا كان اعتماد ~~المتكلمين على المنطق والعقل، فاعتماد المتصوفة على الذوق والقلب، وإذا كانت ~~نتيجة الاعتماد على المنطق والعقل هو الإيمان بالبرهان المنطقي، فالاعتماد على ~~الذوق والقلب نتيجته الكشف. # وقد كانت كل هذه الحركات قوية عنيفة تتدافع ولا تتهادن، وتتقابل ولا تتسالم، ~~فمؤرخو الإسلام لا يقتصرون على تسجيل الوقائع الحربية، وإنما يضيفون إليها ~~الوقائع الاعتقادية والطائفية، وإذا نحن صفينا الحساب كما يفعل التجار عند ~~انتهاء مرحلة كبيرة من مراحل تجارتهم ليعرفوا ماذا كسبوا وماذا خسروا، رأينا ~~أننا كسبنا حركة العقول، وتمرينها على البحث، وكسبنا المران على الجدل كما ~~كسبنا من وراء هذا الجدل وضوح المسائل المتجادل فيها، بعد أن تناولها كل من ~~جهته، وكسبنا تربية كثير من العلماء في هذه الأجواء من النشاط، ولكننا خسرنا ~~الحب والألفة بما ذاع من الإحن والبغضاء بين الطوائف المختلفة حتى بلغت حد ~~القتل الكثير، وخسرنا قوى كانت تنفع لو تجمعت، فلما تفرقت فنيت. # وهذه القوى لو كانت وجهت وجهة خير لأنتجت نتاجا باهرا، فلما وجهت وجهة شر ~~ضاعت، وأظن أن ما خسرناه أكثر مما كسبناه، وليس أدل على ذلك من حال المسلمين ~~اليوم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # ملحق المرجئة والخوارج # أوضحنا في الجزء الثالث من ضحى الإسلام مذهب المرجئة والخوارج، ولم يكن لهما ~~كبير خطر بعد عصرهما الأول، إلا أن ابن حزم عقد في كتابه «الفصل في الملل ~~والنحل» فصلا سماه «شنع المرجئة »، والذي يقرؤه يرى أن المرجئة من أوسع ~~المذاهب صدرا، لا تسرع إلى التكفير، ms801 عكس الخوارج الذين يكفرون كل من ~~عداهم. # يقول ابن حزم: إن المرجئة طائفتان: طائفة تقول: إن الإيمان قول باللسان، ~~وأخرى تقول: بأن الإيمان عمل قلبي، وإن أعلن الكفر بلسانه، وإن عبد الأوثان، ~~وإن لزم اليهودية والنصرانية، فهو مؤمن كامل الإيمان عن الله، يستحق دخول الجنة ~~... وقالت طائفة منهم: من آمن بالله وكفر بالنبي # صلى الله عليه وسلم # فهو مؤمن كافر معا، ~~ليس مؤمنا على الإطلاق، ولا كافرا على الإطلاق. وقال مقاتل بن سليمان، وكان ~~من كبار المرجئة: لا يضر مع الإيمان سيئة جلت أو قلت، ولا ينفع مع الشرك حسنة ~~أصلا، ومن أجل توسعهم في الإيمان قالوا: إن الإمام إذا أخطأ لم تزل إمامته، ~~وتجب طاعته، وتجوز الصلاة وراءه، ولم نعلم في التاريخ قيام حكومة كان شعارها ~~الإرجاء. # أما الخوارج، فقد مرت تعاليمهم من قبل، ومر الكلام على بعض حروبهم ~~وآدابهم، # 16 # ونقول هنا: إن الإباضيين منهم، وقد كانت لهم حكومة في شمال ~~إفريقيا، وقد قامت ثورتهم في حكم مروان بن محمد بزعامة عبد الله بن يحيى طالب ~~الحق، وأبي حمزة. وقد خضعت أيضا حضر موت لسلطان الخوارج، وقد شبت ثورة في ~~عمان، فقمعها حازم بن خزيمة. # وعلى الجملة، فقد حكمت عمان، وجزء من شمال إفريقيا بالإباضية، ولها مذاهب ~~فكرية في العقائد والشرائع تخالف تعاليم الشيعة والسنة، وقد اختلفوا أيضا فيما ~~بينهم، وخاصة في شمال إفريقيا إلى فرق. ولقد حكمت أسرة إباضية تنتسب إلى رستمية ~~في تاهرت أكثر من مائة وثلاثين عاما، إلى أن أزالتهم الدولة الفاطمية. ولما ~~سقطت تاهرت في أيدي الفاطميين تفرق شمل الإباضيين في صحراء تونس والجزائر، وفي ~~جربا، ولا يزالون فيها إلى اليوم. # ولهم كتب في الفقه والحديث على مذهبهم، ويعتقدون أنهم وحدهم الفرقة الناجية، ~~وليس بضروري أن يكون الإمام من قريش، بل يكفي أن يكون صالحا ورعا، وأن يحكم ~~طبقا للقرآن والسنة، ولن يرى الله في الجنة، والثواب والعقاب في الآخرة ~~أبديان، والله يغفر الصغائر، أما الكبائر فلا تمحوها إلا التوبة. # وقد اشتهر إباضيو الجزائر ms802 بالمحافظة على الفضائل الخلقية، وهم ولا يختلطون ~~بأهل السنة كثيرا؛ وإنما يختلط بهم بعضهم مع بعض. # 17 # وعلى الجملة، فلم يكن لهم خطر كبير في التاريخ بعد العصر العباسي ~~الثاني. # | هوامش ms803