######OpenITI# #META# URI: 1373MuhammadLutfiJumca.LayaliRuhHair.Hindawi85927947 #META# Tags: literature #META# ID: 85927947 #META# Title: ليالي الروح الحائر #META# AuthorID: 72703631 #META# Author: محمد لطفي جمعة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء الكتاب‏ # الليلة الأولى‏ # الليلة الثانية‏ # الليلة الثالثة‏ # الليلة الرابعة‏ # الليلة الخامسة‏ # الليلة السادسة‏ # الليلة السابعة‏ # الليلة الثامنة‏ # الليلة التاسعة‏ # الليلة العاشرة‏ # الليلة الحادية عشرة‏ # الليلة الثانية عشرة‏ # الليلة الثالثة عشرة‏ # الليلة الرابعة عشرة1‏ # الليلة الخامسة عشرة‏ # إهداء الكتاب‏ # الليلة الأولى‏ # الليلة الثانية‏ # الليلة الثالثة‏ # الليلة الرابعة‏ # الليلة الخامسة‏ # الليلة السادسة‏ # الليلة السابعة‏ # الليلة الثامنة‏ # الليلة التاسعة‏ # الليلة العاشرة‏ # الليلة الحادية عشرة‏ # الليلة الثانية عشرة‏ # الليلة الثالثة عشرة‏ # الليلة الرابعة عشرة1‏ # الليلة الخامسة عشرة‏ # | ليالي الروح الحائر # | ليالي الروح الحائر # تأليف # محمد لطفي جمعة # | إهداء الكتاب # إلى شبان مصر النجباء أهدي كتاب «ليالي الروح الحائر»، كتبتها إذ كنت أعيش بينهم، ~~وأشعر بعواطفهم، وتداخل نفسي الشكوك التي تخالج نفوسهم الفتية؛ فلعلهم يجدون في ~~صحفه أجوبة للأسئلة التي يحارون في الجواب عليها، ولعل صرخات الروح الحائر تصل ~~إلى أعماق قلوبهم كما خرجت من أعماق قلبه! # محمد لطفي جمعة # القاهرة في 5 مارس سنة 1912 # | الليلة الأولى # رثاء صديق # كنت منذ أيام قليلة جالسا على حجر من أحجار الهرم الأكبر، وأدرك غروب الشمس فغابت وراء ~~الرمال المتراكمة على حدود الصحراء، وتركت وراءها خيوطا من الذهب تنم عن مخبئها، وامتدت ~~تلك الخيوط إلى النيل الجاري في سفح الأهرام فصبغته بلون قرمزي، وكانت القاهرة بمآذنها ~~وقبابها وقصورها وحدائقها وأهلها تبدو كصورة منقوشة في الوادي، وحولها جبل المقطم كأنه سور ~~يحمي مدينة الخلفاء، وبرأسه حصن صلاح الدين العتيق كأنه أسد رابض على قمة الجبل يرنو إلى ~~المدينة المحروسة، وكان بيني وبين القاهرة سبيل ممهد تحف به الأشجار يقربه النظر للرائي، ~~أما منظر النيل وهو محيط بتلك الطريق فلم يكن أجمل منه شيء. # ولما أن أشبعت نفسي بهذا الجمال نظرت إلى ما ورائي، فإذا الصحراء الكبرى بمفاوزها ودروبها ~~الخفية تصافح المدينة ويوفق بينهما النهر العظيم كما يوفق الحب بين البدوي والحضرية، فوقفت ~~بين يدي الطبيعة خاشعا خاضعا أنظر إلى البر تارة وإلى النهر أخرى، وأرفع ببصري مرة إلى ~~قمة الهرم فيغلي دمي في عروقي غيظا من رافع ms01 بنيانه وواضع جدرانه؛ لأن صخوره دموع متحجرة ~~ذرفها شعب شقي إنجازا لشهوة ملك ظالم، ثم أخفض به إلى القاهرة وهي في السهل، ساكنة هادئة ~~كأنها باقة من أزهار شتى في يد الوادي، يشمها أبو الهول بأنفه ويسقيها النهر بمائه؛ خوفا ~~عليها أن تذبل أو تذوي. # أسدل الليل ستاره، ولبست الصحراء ثوبا من سواد بنفسجي، وسمعت نعيب طيور الظلام، وتجلت ~~مدينة القاهرة في ثوب المساء المزركش بالذهب، ثم لحقتني هزة فاغرورقت عيناي بالدموع عندما ~~نظرت وراء الجبل؛ لعلي أرى مدينة الأموات حيث يرقد أبناء الجيل الماضي وبعض أبناء هذا الجيل ~~في بيوت ضيقة مظلمة، نظرت إلى حيث ظننت المقابر وقلت: هنا في حفرة من حفائر تلك البقعة ينام ~~صديقي وحيدا منفردا عن المدينة وغوغائها! ولم يبق منه إلا عظام نخرة، لم يبق من رأسه الذي ~~كان ممتلئا حزما، وعينيه المتقدتين عزما، وفمه الذي كان يتدفق منه الدر والجوهر، وصدره ~~المملوء بالآمال والأماني، وقلبه الكبير، ويده الأبية، وقدمه التي لم تسع إلا إلى مكرمة؛ إلا ~~جمجمة خاوية، ومحاجر غائرة، وفكان من العظم النخر، أما مكمن القلب ومسرح الآمال وموطن ~~الأماني فقد أمسى قفصا من العظام خاليا، ويده تلك اليد كانت تجود بما تملك وتكتب ما تملي ~~عليها النفس المشتعلة فقد خمدت قوتها وتبددت قبضتها وتلاشت أناملها! هذا كل ما بقي من صديقي ~~مصطفى! ولكن كلا، إن ما بقي هو أثر ما كنا نراه ونلمسه، أما النار التي كنا نشعر بوجودها ~~فيه ولا نلمسها، نرى لهيبها ولا نراها، نحس باشتعالها ولا نفهم معناها؛ فقد ذهبت إلى مكان ~~غير هذا القبر، بل هي لا تزال مشتعلة في حيز لا أعرفه ولا أعرف أين هو! أيذهب صاحبي كمن جاء ~~وذهب؟ ألا يسمع أبناء الأجيال القادمة آهته التي اخترقت نفسي ليحزنوا كما حزنت ويتألموا ~~لتلك النفس الهائمة كما تألمت؟ إني أذكر اليوم الذي كنا به معا في سفينة في النيل، وكنا ~~نقرأ حياة أحد العظماء كتبها صاحب له، فقال لي: عدني وأعدك. قلت: بماذا؟ قال: إذا ms02 مت قبلك ~~أن تكتب عني كتابا يكون سلوى أمثالي الحزانى الذين لا يسمع صوتهم إلا من القبور، وإذا مت ~~أنت قبلي أن أكتب عنك كتابا يبكي من يقرؤه. قلت: أعدك، ولكن ماذا جلب إليك تلك الأفكار ~~السوداء؟ قال: لا تقل سوداء، إن أملي في الخلود عظيم، ولكن أريد أن أستعطف الإنسانية على ~~إخواني الذين يسوء حظ نفوسهم بما تؤتاه من قوة واشتعال، فيذهبون فريسة النار الكامنة، ولعل ~~في قصتي عبرة للمعتبرين. قلت: أعدك. # فلما أن جالت بنفسي تلك الذكرى سألتها: متى أفي بوعدي ~~وأؤدي أمانتي؟ لا بد من الوفاء مهما كلفني! ~~••• # نهضت في صباح الجمعة مبكرا، ونظرت من نافذة الغرفة، فإذا الشمس لا تزال متبرقعة بغمام ~~الشروق، وكانت على مقربة من داري بقعة في الأرض بكر لم تفسد جمالها يد البناء، ولم يدنسها ~~البشر بمساكنهم، وفيها نخيل لا تثمر إنما هي ملجأ البلابل والطيور المغردة في الفجر ومحط ~~رحال الغربان عند الغروب، فنظرت إلى إحداها وأنا أسمع من خلال جريدها أصوات طيور الصباح ~~المطربة، ولم أوشك أن أشعر بجمال الحياة حتى ذكرت ألم الموت، وصور لي منظر الليلة البارحة ~~التي قضيت أوائلها في ظل الهرم، فقلت: أنى أقضي يومي؟ فقال لي صوت في نفسي: عليك ~~بالمقابر، وزر قبر صديقك الذي لو كان حيا زارك. # ولما بلغت القبور حملت زهورا وتمرا، وهرولت بين الأجداث أمشي على عظام ألوف الألوف من ~~بني الإنسان، رقدوا ولن ينهضوا من تلك القبور مهما غردت الطيور بصوتها المطرب، ومهما أشرقت ~~الشموس وبزغت الأقمار، ومهما أسدل الليل ستوره أو طلع النهار. أجل، لن ينهضهم ندب النادبين ~~ولا نوح النائحين ولا حزن الحزانى ولا جذل الفرحين، لقد رقدوا الرقاد الطويل، ولن يرثوا لمن ~~يبكيهم مهما طال أمد العويل، سرت أشق عباب تلك الرفات، وكم رأس حازم، وصدر كاتم، وطرف كحيل، ~~وخد أسيل؛ تحت قدمي، جست خلال المقابر، وما كنت أرى على كل قبر إلا كلمة من سطر أو آية من ~~القرآن أو بيتا من الشعر أو مثلا من ms03 الأمثال، فقلت في نفسي : أهذا كل ما يبقى منك أيها ~~الإنسان القوي القادر؟ يا من تذلل الماء والريح، وتقطع الصحراء، وتقهر الوحوش، وتشيد ~~القصور، وترفع العروش، أهذا ما لك؟ أتلك الحفرة من الأرض هي كل نصيبك من الوجود؟! وكنت لا ~~ترضى بالعالم نصيبا، وتتطلع إلى السماء تريد منها السماكين وتهبط بنفسك إلى المحيط تستخرج ~~النفيسين! إيه لك أيتها الطبيعة القادرة! لقد أسرت من أسرك، وأذللت من أذلك وسخرك. وإيه ~~لك أيتها المقابر، فأنت مرقد الأوائل والأواخر، وعبرة الماضي وموعظة الحاضر! سرت أخبط في ~~الأرض حتى بلغت بقعة لا تزيد سعتها عن سعة غرفة من منزلي طولا وعرضا، حشر فيها الموت جمعا ~~لو بعث لساعته لضاق به حي بأسره من أحياء القاهرة، وفي وسط هذه البقعة الأبدية قبر صغير ~~عليه هيكل من الحجر خلو من النقش والكتابة، وقفت أمامه حاسر الرأس خاشعا؛ لأنه يضم رفات ~~صديقي مصطفى. # ولم أكد أرفع بصري إلى السماء - عادة الإنسان إذا شعر بضعفه، وأحس بالقوة الكبرى التي ~~تتلاشى حيالها قوته وتفنى أمامها صولته - حتى رأيت الشمس قد أشرقت على الأموات والأحياء، تبعث ~~إلى العالم الأرضي بالحرارة والنور والحياة، وتبسط أشعتها على الأجداث كأنها تقول ناموا ~~بسلام آمنين؛ فلما يأن أوان النهوض إن كنتم ناهضين. وأرسلت الشمس بشعاع من نورها على هيكل ~~القبر، فهاجني ذلك المنظر المزعج، وجمد له دمي في عروقي. # تبا لك يا قصور الأماني ويا صروح الآمال! فقد خدعت الأحياء حتى أسكنتهم القبور، ~~وسحقا لك أيها المجد الباطل، أغريت بطلابك حتى أغريتهم بالغرور، وتعسا لك أيها العيش ~~الرخيم، فأنت الشقاء وأنت شر الشرور، كانوا يطلبونك وليتهم رضوا بالعيش اليسير، إن الحكماء ~~يبحثون عن الحقيقة ويقضون أعمارهم في النظر والتنقيب، ولو دروا لوجدوها في هذا اللحد ~~الحقير، هنا الحقيقة وما وراءها، هذا هو الغرض الذي نسعى إليه، هذا مآل البشر! أي جمال لم ~~تذبل زهرته؟! وأي حسن لم تذهب نضرته؟! وأي ملك لم يحن حينه؟! وأي عظيم لم يلحقه أجله وتدركه ~~ساعته؟! ألم تستو الحفرة ms04 الضيقة بالجدث الفخيم الجسيم ؟! أي فرق بين قبرك يا مصطفى وقبر ~~نابليون؟ بل أي بون بين هيكلك وهيكله؟ ألم يقد ألوف الألوف؟! ألم تطع إشارته الحتوف؟! ألم ~~تدمر بأمره المدائن؟! فهل عاقه المجد عندما دعاه الموت؟ هل خفف ألم النزع عنه حزن الأرض ~~والبحر؟ # من يدرينا بأن تلك البقعة الضيقة لا تضم رفات نابغة من النوابغ مات ولم يظهر نوره، أشعلت ~~الطبيعة نفسه وتركتها تأكل بعضها؟ من ينكر على من مات قبل أن تنضج ثمرته وتفتح زهرته أنه ~~كان يليق بعرش يرتقيه وتاج يلبسه وصولجان يتناوله ومملكة يدبر أمرها؟! كم من درة في قاع ~~البحر لم تصل يد الغواص إليها! وكم زهرة نبتت في قفر وجارت ريح السموم عليها فدفنتها بعد أن ~~ضاع أريجها في الفضاء وتبدد عطرها في الهواء! كم شاعر صميم كسر الموت قيثاره ودفن الثرى ~~آثاره وختم الردى على شفتيه قبل أن يتغنى بقصائده! كم خطيب منطيق لو مد في أجله ولم ~~يقطع الردى حبال أمله ملك زمام القلوب وقبض على أعنة الأفئدة واستهوى النفوس، ولكن غلبه ~~الموت على أمره وأطفأ شعلته قبل أن يبلغ أمانيه! # هنا في ذلك اللحد يرقد فتى لم تعشقه الشهرة الكاذبة ولم تعره رياءها ولم تلبسه الدنيا ~~ثوبها ولم تسبغ عليه نعماءها، جاء إلى العالم وذهب، فودعه الذكاء، وبكاه الكرم، وناح عليه ~~المجد، فلتبكه السماء إن كان لها قلب يحزن وعين تذرف الدموع! ~~••• # ولما عدت إلى داري بعد زيارة القبر اندفعت أتأمل في معجزة الخلود، وجاشت نفسي وتملكتني ~~الحيرة، فأخذت ألتمس لكل سر معنى، وأبحث عن حل المسائل، واستعرضت تاريخ البشر وعلومهم، فإذا ~~هما قاصران عن تعليل الحقائق وتفسير كنهها، بل هما لا يكادان يكونان قطرة في محيط ~~الوجود! # يا أيتها الإنسانية العاجزة المسكينة، يا أيتها الصبية الضالة في مهامه الكون الأزلي، ~~الغارقة في بحر الظلمات، من أين جئت؟ وإلى أين تذهبين؟ ما هو مستقبلك القريب والبعيد؟ إنني ~~لا أرى سوى الظلام الحالك خلفك وبين يديك! # وإنني لكذلك، وإذا بصوت خفي كأنه ms05 من جوف الأرض ينطق خافتا، قال: أيها الباحث عن الحقيقة ~~التائه في بيداء الريب! فوجمت لدى سماع الصوت الخفي، وخانني النطق للوهلة الأولى، ثم استجمعت ~~قوتي وقلت: من أنت أيها المتكلم الخفي؟ قال الصوت بعد صمت طويل: أنا الروح الحائر، روح ~~صديقك، أتيت مجيبا نداءك. # قلت: لعلك - أيها الروح العزيز - جئت لي بجواب سؤالي وحل لغوامض الكون. # قال: أنى لي ذلك ولا فرق بيني وبينك سوى أنني تخليت عن بدني وأنت لا تزال تجاهد ضد ~~العناصر الأرضية فتغلبها مرة وتغلبك مرارا. # قلت: وهلا أراك أيها الروح الصديق فأطمئن إليك؟ # قال: بلى، انظر. فنظرت ولم أر شيئا، قال: انظر نحو الزاوية اليمنى. فأمعنت النظر، فإذا ~~شبح أبيض في يده مصباح، ولكنني لم أستطع تمييز تقاطيعه، قلت: وما هذا المصباح؟ قال: إنه ~~دليلي في حيرتي، فيه شعاع من نور الحقيقة. قلت: حدثني بشيء مما رأيت. قال: ليس لدي من الوقت ~~متسع، وموعدنا الليلة الثانية. # | الليلة الثانية # حديث بعض الأمم # زارني الروح الحائر في بطن الليل وفي يده مصباحه، فقال: إنني متعب ولا أقوى الليلة على ~~الحديث. قلت: لماذا؟ وهل تتعب الأرواح؟ # قال: إن تعب الأرواح أشد من تعب الأجسام؛ لأننا نشعر بآلام لا تشعرون بها أنتم. # قلت: وكيف صار لك هذا التعب؟ # قال: ألا تعلم أنني لا أستقر على حال، وأنني أفتأ أضرب في الأرض شرقا وغربا أهبط السهول ~~وأصعد في الجبال مستطلعا أحوال العالم؛ لعلي أجد حلا لبعض المسائل؟ # قلت: لم أعلم هذا من قبل. # قال: إنني قادم من بلاد قصية تسكنها أمة عجيبة اسمها أمة الهوز، ولم أكن وردتها من قبل، ~~ولكننا في حالنا الروحية أوتينا علم الألسن البشرية، فرأيت جمعا عظيما في سفح جبل عال ~~على ضفاف نهر قديم، فدنوت فإذا في القوم خطيب يخطب، فاستمعت إلى قوله وقد وعيت ~~معظمه. # فتوسلت إلى الروح الحائر أن يعيد على سمعي بعض ما سمع. # قال: قال الخطيب: أخذ بعض المصلحين من أفراد المجتمع الذي يسمى بالأمة الهوزية ينهضون ~~الهمم وينبهون العزائم؛ ms06 ليوقظوا قوما مضت عليهم قرون وهم في سكر لا يعقبه صحو، بل موت لا ~~حياة بعده، وتبعهم فريق من الناس يحسبون أن لهذه الأعمال الجسام أثرا سوف يظهر في تلك ~~الأجسام، ويعللون أنفسهم بحياة قومية وبنهضة أمة تعيد مجد الأمة المرنية ويعلو نجمها؛ نجم ~~الأمة الضرغمية، ولا يزال هؤلاء وأولئك في غيهم حتى يسفر الحق ويزهق الباطل ويظهر للجماعتين ~~أن معجزات الأنبياء وعجائب المرسلين لا تفيد فيمن سلبت منهم أسباب الحياة، وحينئذ يبدو ~~لهم صدق قول القائل: لا يصلح العطار ما أفسده الدهر. # ولا يسبقن إلى ذهن من يسمع هذا الكلام أنني أنطق بلسان الناقم أو الحاقد، إنما أنا أنطق ~~بلسان الناصح الموجع، ومثلي كمثل ولد علمه أبوه الطب ولحق أباه مرض عتيد فاستدعاه وسأله ~~رأيه، فقال له ما يعلم ويعتقد. # ولا يخطرن ببالكم أنني أقول هذا القول المحزن جزافا وأرمي حبل الكلام على غاربه، إنما ~~أنا أقول ما أعتقد وأقرر ما أيد صدقه لدي الاختبار، وقد ولد ذلك الاختبار في نفسي أدلة ~~وبراهين يستحيل نقضها ويصعب دحضها. # رأيت أن في الأمم الراقية أربع علامات لا تخلو منها أمة، وإن خلت من بعضها لا تخلو من ~~معظمها، ويكون فيها جراثيم بعض تلك العلامات إن كان ذلك البعض خفيا. # العلامة الأولى: التضامن الجنسي، والثانية: ظهور أفراد لدى الشدائد والأزمات ينيرون ظلمة ~~الشك ويقضون على عوامل الضعف وينهضون بالأمة نهضة ممدوحة تستجد بها ما فقدته في كبوتها، ~~والعلامة الثالثة: تفاني قواد الرأي في المنفعة العامة وتلاشيهم في خدمة الأمة؛ وبعبارة ~~أخرى موت عاطفة الأثرة من نفوسهم، والعلامة الرابعة: ظهور آثار النشوء والارتقاء في أفراد ~~الأمة. تلك العلامات الأربع ما خلت منها أمة إلا كان ذلك إيذانا بموتها ودليلا واضحا على ~~دنو أجلها ودمارها. # أما العلامة الأولى، وهي التضامن الجنسي، فرابطة لا يجهل نفعها؛ لأنني إذا لم تربطني ~~بجاري رابطة غير الجوار كصحبة متينة أو نفع مشترك دائم لا يسوءني ما يسوءه ولا يسرني ما ~~يسره إلا تظاهرا ومجاملة، كذلك إذا لم تربطني ms07 بأبي رابطة سوى أنه أنفق علي في طفولتي ~~وسهر علي في فتوتي؛ فلا يأتي يوم زوال تلك المنفعة إلا وهو لي كغيره من الرجال؛ إذن لا بد ~~من رابطة دم ومبدأ وفكر، أو بعبارة أوضح رابطة تشبه ما يربط أفراد الأسرة أو أسرات القبيلة، ~~فإذا لم تكن هذه الرابطة في الأمة فلا يمكن أن يوفق بين أفرادها إلا ريثما تهدأ ~~العاصفة. # وهذا مجموعنا، انظروا فيه حيثما شئتم، وافحصوه كيفما أردتم، لا ترون به أثرا لتلك ~~الرابطة الجنسية، وقد قال لي أجنبي عاقل: لقد حاولت أن أعد الشعوب والأمم التي تألف منها ~~مجموع سكان الجمهورية البانجلوسية الكبرى، فأفلحت في ذلك، وحاولت مثل ذلك العمل في بلدكم فلم ~~أفلح. وقد صدق هذا القائل؛ فإن فينا من كل معنى طربا، بل توجد في الشخص الواحد آثار مائة أمة، ~~وهذا راجع إلى أجداده وآبائه ومولده والوسط الذي عاش فيه والتربية التي نشأ عليها وطباعه ~~الغريزية وأخلاقه التي اكتسبها، فإذا كان في الفرد كل تلك العجائب فما بالك ~~بالمجموع؟! # هذه أمة هوز لا يوجد فيها اثنان يتفقان على رأي واحد في أهم ما لديهم من المسائل، وإن ~~اتفقا في الفروع اختلفا في الأصول، وليس هذا الاختلاف عجيبا أو مستغربا، إنما هو نتيجة ~~الاضطراب، وهيهات أن ينتج التعدد وحدة أو تلد الفوضى نظاما! # هذه الجمهورية البنجالوسية العظيمة مؤلفة من عنصرين عظيمين؛ الأول: عنصر معروف يربط ~~أفراده الدين واللسان والطبع والمنفعة، وهو العنصر الغيصوني. والعنصر الثاني: خليط من أمم ~~أخرى آوى إلى رحاب العنصر الأول وألف على ممر الزمن وتعاقب السنين عنصرا جديدا هو عنصر ~~الدخلاء. ولما كان من نواميس الطبيعة الثابتة أن الكل يجتذب الجزء، كذلك تمكن العنصر ~~الغيصوني بقوته من اجتذاب عنصر الدخلاء، فالتحما ووقف في حروب تلك الجمهورية الغيصوني إلى ~~جانب الدرعي والإيطالي إلى جانب الإسباني واليوناني إلى جانب الزنجي، كلهم تحت لواء واحد ~~وإمرة واحدة يدفعون عدوا واحدا ويدافعون عن غرض واحد، أما نحن في هوز فهيهات أن يجمعنا ما ~~هو أشد من ms08 الموت. # أما العلامة الثانية وهي ظهور أفراد أشداء لدى الأزمات والشدائد، فمثلها في الأمم كمثل ~~السم في الأفعى والقرن في الثور والأظفار في الأسد، فهذه قوى كامنة لا تظهرها إلا الأخطار ~~ولا تخرجها من حيز السكون إلى حيز الحركة إلا الأهوال والمصائب، اصدع أفعى تلذعك، وهج غضب ~~ثور ينطحك، وغظ أسدا يفترسك، كذلك الأمم الحية إذا اغتصبت حقوقها حاربتك، وإذا آلمتها ~~آلمتك، وإذا كان بينها وبينك ثأر لا تنساه وتثأر لنفسها، وإذا أردنا ضرب الأمثال قلبنا صحف ~~التاريخ رأينا ثمستوكل وديموستين في أثينا، وهنيبال في قرطاجنة، وقيصر وتراجان في رومة، ومحمد ~~في بلاد العرب، وشارل مارتيل ونابليون في فرنسا، وكرومويل في إنكلترا، ووشنجتون في أمريكا، ~~وبطرس الأكبر في روسيا، ومتسوهيتو في اليابان، وبيسمارك في ألمانيا، وغاريبلدى في إيطاليا، ~~وكوشوت في النمسا؛ هؤلاء الأشخاص وغيرهم ممن أنهضوا الأمم ولموا شعثها وأحيوا أمواتها ~~وأعادوا لها قوتها، هم أسلحة الأمم، هم قرن تلك الشعوب وبراثنها، هم خلاصتها وزبدتها، فردهم ~~بأمة، وواحدهم بألوف مؤلفة. خذ واحدا من هؤلاء الأبطال وأمعن النظر في تاريخ نشأته تر أن ~~فيه صفات شتى وقوى مختلفة وغرائز كثيرة لم تجتمع لغيره، وكلها مجتمعة في أمته، هؤلاء هم روح ~~جسم الأمة، وقد يظهر ذلك بأجلى وأعظم مظاهره إذا التقى اثنان منهم في ميدان، فقد التقت أمتان، ~~فهما إذا تشابها فقد تشابه شعبان، وإذا اقتتلا وفاز واحد فقد فاز عنصر على عنصر وانتصر عضو من جسم ~~الإنسانية على عضو آخر. ظهر كل بطل من هؤلاء الأبطال في وقت بلغ فيه الضنك والضيق من الأمم ~~مبلغها، فما هي إلا طرفة عين إلا انفرجت أزمتها وزالت مصيبتها وحسن طالعها وعلا نجمها، كلهم ~~قاسوا أهوالا شدادا وعاكسهم الزمان وقاومتهم أحوال لا عدد لها، ولكن كلهم خرج من ميدان ~~الوغى منصورا ظافرا، وكلهم خط على جبين الدهر اسمه بأحرف لا تزول. إن موسى نبي بني ~~إسرائيل وواحدهم لما أن عجز عن هديهم وفشل في إصلاح شئونهم أتى بمعجزة أعجب عندي مما يقال ~~عن قلب نظام ms09 الطبيعة باختراق البحر وإغراق فرعون وجنوده؛ هي أنه أطلق هؤلاء الضالين في وادي ~~التيه وهو بينهم أربعين عاما حتى مات شيوخهم ونشأ منهم جيل بعد جيل وشعب جديد لا يشبه ~~الشعب القديم، ومات موسى كغيره وقد أثمر عمله بعد موته، موسى بطل نفع قومه بموته كما نفع ~~محمد قومه بحياته. # انظر إلى بلادنا واستعد تاريخها منذ أخنى الدهر على دورها الأول، دور المجد الباذخ والعز ~~الشامخ، فهل ترى فيها واحدا من هؤلاء الأبطال؟ عجبا أيخلق ثور بلا قرن، ويولد أسد بلا ~~براثن؟! كلا، لا غرابة في الأمر ولا عجب، إنما هوز حيوان عجيب ليس له نوع يعرف ولا جنس ~~يوصف، وقد يكون من فلتات الطبيعة، وإذا نسينا ذلك الماضي ونظرنا إلى الحاضر فأين سلاحنا؟ ~~إن أجنبيا أقامنا وأجنبيا أقعدنا وأجنبيا أحيانا وآخر يميتنا. # لقد ظهر فينا رجال في أشد أزماتنا، فكان مثلهم كمثل شبح والد همليت، ينذر بالويلات ويشحذ ~~الهمم إلى حين، ثم يعود فيصير أول المخذولين من قومه، وهم قوم يبوحون بالأسرار، ولا يطلبون ~~بالثأر، ولا يفرون إذا لاح ضوء النهار. إننا اليوم وغدا في أزمة من أشد الأزمات، وقد وقعت ~~بنا نكبة من أفظع النكبات، فأين السم الذي نقاوم به؟ وأين القرن الذي نهاجم به؛ قرننا؟ بل ~~أين الذيل الذي نذب به الحشراب والهوام؟ # إنه من المستحيل أن يناقض المرء نفسه، ولكن الإيغال في الحيرة يفقد المرء صوابه، وقد فقد ~~الباحثون في أمر هذه الأمة صوابهم، وغاب عنهم رشدهم، وتسامح بعضهم فاستباح فرضا مستحيلا، ~~وقال: لنفرضن أن لهذه البقرة قرونا، وأن بيننا رجالا يعملون، فهل تم فيهم الشرط الثالث ~~وهو العلامة الثالثة؟ هل يتفانى قواد رأينا في المنفعة العامة؟ وهل يتلاشون في خدمة ~~الأمة؟ # لو كان للتأكد ألف نوع لأكدت نفي ذلك الشرط وأنكرت تلك العلامة بسائر أنواع التوكيد ~~جميعا. # أليس من العار أن يسجل المرء على نفسه عارا لا يمحوه الدهر؟ أليس من نكد الدنيا على ~~المرء أن يرى في ذاته عيبا وليس له من الإقرار به ms10 من مفر؟ ولكن أليس الحق أحق بأن يتبع؟ ~~أليس هذا الأمر من الجلاء بحيث لا يحتاج إلى بيان؟ أجل، إن الحقيقة مؤلمة، ولكن دواءها في ~~الإقرار بها. # إن قادة رأينا هم الأشباح التي تروح وتغدو أمامنا، يخدعنا مظهرها ويحزننا مخبرها، إن تلك ~~التماثيل ليست إلا آلات في يد محرك يحركها، ولا تظهر عيوبها كلها إلا بمحك الحوادث، وقد ~~ظهرت تلك العيوب وبانت كحفر الجدري في وجه المصاب فأغضينا وتعامينا وقلنا: هذا القبح حسن ~~باهر، وذلك العيب جمال ظاهر. # أي لص دنيء ممن يسمون نفوسهم بالباطل عظماء ورؤساء لا يسكن قصرا فخما، ولا يركب عجلة ~~غالية، ولا يكنز الذهب، ولا يطير لبه وراء الرتب؟! بل أي كلب من تلك الكلاب الرجسة لا يدعي ~~غير ما يبطن ويظهر غير ما يخفي؟ وأي فحل من فحولنا لم تغيره الأيام ولم تبدله الحوادث؟ بل ~~أي خنزير من تلك الخنازير لم يقل في سره إن لم يقل في جهره: «بعدي الطوفان؟» # تعسا لك أيتها الأسلحة، فإنك لا تجرحين، وسحقا لك أيتها القرون، فأنت لا تنطحين، وا ~~أسفاه عليك أيتها الأمة، فأنت بلا مدافع شجاع ولا حارس أمين. # أما العلامة الرابعة، وهي أم تلك العلائم، وبرهانها أقوى البراهين؛ وهي ظهور آثار النشوء ~~والارتقاء في أفراد الأمة، والمقصود بتلك العلامة أن يكون الحفيد أرقى من الوالد، والوالد ~~أرقى من الجد، وهذه العلامة مشاهدة في الأمم الحية الراقية، فالمؤلف العظيم يخلف مؤلفا ~~أعظم، والشاعر الكبير يلد شاعرا أكبر، والطبيب الماهر يمنح وطنه طبيبا أحذق منه وأمهر، ~~وليس من الشروط المهمة أن يكون الولد في حرفة أبيه إنما الشرط المهم أن يكون أرقى منه بأية ~~حال، وأسباب ذلك راجعة إلى روح النشوء والارتقاء الظاهرة بأجلى مظاهرها في عناصر الطبيعة ~~وفي حياة الإنسان منذ الخليقة إلى الآن، ولست أقصد بما ذكرت النوابغ الأفذاذ في كل أمة، فقد ~~يرد علي منتقد بأن نابليون أخلف غلاما ضعيفا ضئيلا، وأن فيكتور هيجو لم يلد غلاما ~~ذكيا، وليس هذا ما أقصد؛ لأن هؤلاء كما ms11 ذكرت خلاصة الأمم، وهم أرقى ما وصلت إليه الطبيعة ~~في خلق الإنسان، فلا يعقل أنها تخرج عن حدها وتنتج أعظم منهم وإلا كان ذلك الخلف الأعظم هو ~~المقصود بالذات، إنما أقصد عامة الأمة وأوساطها، وقد دلت التجارب والاختبار أن الأمم في ~~إبان نهضتها تنتج جيلا أرقى من جيل، وكانت هذه النظرية من أصول حصر إرث الملك في الولد ~~الرشيد. # وهذه الأمة الهوزية قد دلت الخبرة فيها على عكس ذلك، فابن اليوم أقل من والده ذكاء وأضعف ~~جنانا وخلقا وأميل إلى الذل وألصق بالجهل، وكذلك حال أبيه بالنسبة إلى جده. وقد عرفت أسرة ~~عاشرت أفرادها فردا فردا، فإذا الجد رياضي ماهر يحل المعضل والمشكل ولم يكن تعلم تعليما ~~حديثا، فلما أخلف ولدا لم يأل جهدا في تهذيبه أرقى تهذيب، فجاء الولد أضعف في فنه من ~~والده، ثم أخلف هذا الولد ولدا فلم يهمل شأنه وزاد على تربيته أن سيره على دربه وخرجه في ~~حرفته بعد أن حاول أن يعلمه غير علم، فلم يفلح. # وكان السكوت شاملا والقوم كأن الطير على رءوسهم، ثم إن الخطيب سكت قليلا، وقال: # هذا قولي، قلته في ملأ منكم، معتقدا أنني أقول الحق غير هياب فيه اللوم والذم، ومن كان ~~لديه قول ينقضه أو أدلة تفنده فإنني أصغي إليه وأنصحكم باتباع رأيه. # فرأيت في الجمع هرجا ومرجا، وصعدت أصواتهم إلى عنان السماء، وانبرى كثيرون إلى المنبر ~~المنصوب، ولكن قد تولاني التعب ونزل الحزن بنفسي مما سمعت، فأسرعت عائدا، فطفت في طريقي ~~بجبال شامخة ووديان خصبة وأنهر عذبة. # قلت للروح الحائر: كيف تفسر هذا القول من مصلح واعظ يخطب في قومه فينعيهم لأنفسهم ويرثيهم ~~على مسمع منهم؟ قال: أظنه أراد أن ينهض هممهم فعمد إلى الاستحثاث بالتخويف والاستنهاض ~~بالوعيد. وأستودعك الله ليلتنا هذه، وموعدنا الليلة الثالثة. # | الليلة الثالثة # علة سقوط الشرق # زارني الروح الحائر وأنا أبحث في علة سقوط الشرق ونهوض الغرب، فقال لي: «أراك مطرقا مفكرا كأنه موكول إليك تدبير الأمم ولم شعث الشعوب.» قلت: «إنني أفكر ms12 في ~~أسباب سقوطنا ونهوض غيرنا من الأمم.» قال: «إن الخطب سهل، وإن من لا يرى علل ذلك السقوط رأي ~~العيان فهو لا شك أعمه.» قلت: «إنني أرى بعض الأسباب ويغيب عني بعضها.» قال: «إن كنت ترى ~~أهمها فهذا أفضل من حال من يخفى عليه كبير الأمور وتبدو له صغائرها.» قلت: «وأي الأسباب ~~أكبر؟» قال: «ظننتك تعرف.» قلت: «أظنه ضعفا في وقت أصبحت القوة فيه عماد الأمم.» قال: «كلا.» ~~قلت: «أظنه جهلنا في عهد العلم والنور.» قال: «كلا.» قلت: «إذن ماذا؟» قال: «إنه بغض العظماء.» ~~قلت: «وكيف ذلك؟» # قال: إن بغض العظماء في الشرق أكبر المصائب التي أصابتنا، ولا نزال نعمل ~~بها على تدمير البقية الباقية من حياتنا القومية، فما نبغ في هذه الأمة نابغ إلا جردنا في ~~وجهه أسياف الحقد والحسد وما تركناه إلا مضرجا بدمائه فنعود على نفوسنا باللائمة ونقول: ~~لقد كان فينا علما في رأسه نار نهتدي بهديه ونسترشد برشده. # وهذه بلا ريب نقيصة من النقائص اللاصقة بالأمم المنحطة، وهي أثر من آثار الهمجية الأولى، ~~فقد كان أجدادنا سكان الأحراش وأبناء الأدغال والآجام أهل العصر الحجري يخشون أن ينبت فيهم ~~فرد نباتا حسنا فيقوى عليهم وتسلطه قوته في أعناقهم أو يغتال مالهم وما لديهم؛ إرضاء ~~لنفسه الضخمة وإرادته القوية وشهوته التي لا تبرد نارها، وهذا كذلك أثر من آثار تنازع ~~البقاء بين طبقات الحيوان السفلى والعليا؛ لذا يروي الحكماء خرافة الوحوش الضئيلة التي ~~تآمرت فيما بينها على الأسد وهو ملكها وأشدها بأسا وأقواها بطشا؛ لتفتك به وتستريح من ~~شره، ولكن لا تلبث تلك الحيوانات أن تقتل سيدها ومولاها ومرجعها في أمورها ومعتمدها في ~~ضيقها ومنقذها مما يحيق بها، وهو الذي خصته الطبيعة بقوة فوق قوتها وعزيمة أشد من عزيمتها ~~حتى يقوم منها من يخلفه في بأسه وشدته وقوة بطشه وشراسته، ولا يفرغ الثعلب وابن آوى من دس ~~الدسيسة حتى يشرعا في تدبير مؤامرة ثانية للخلاص من المولى الجديد. # هذه قصة من أساطير الأولين وضعها الحكماء والمرشدون؛ لتكون فيها ms13 عظة لقوم يعقلون، وها نحن نرى ~~أمامنا قوانين الطبيعة وسنتها دائرة على محور الانتظام وسائرة على خط مستقيم، ونرى تلك ~~القوانين العادلة في أعمالنا نحن البشر كما نرى نور الشمس وضوء القمر، ولكن قل فينا من ~~اتعظ واعتبر. # هذه صحف تاريخنا البيضاء، قلبها كيف شئت تر من آثار حقدنا على عظمائنا وغيظنا من ~~النابغين فينا، وحسدنا لكل ذي نعمة لم تهبها لنا الطبيعة؛ ما لا تحتاج بعده إلى برهان على ~~إثبات قرب عهدنا بالحياة الوحشية وتمام المشابهة بيننا وبين العجماوات. # وقد علل علماء الأخلاق هذه النقيصة بأنها داء من أدواء النفوس الصغيرة التي لا ترى ~~لذواتها فضيلة من الفضائل، وتأبى أن ينفرد غيرها بالكمال، وقرر هؤلاء العلماء أن النفس ~~الكبيرة تسر بالنفس التي تشبهها وتماثلها وتشد أزرها وتناصرها، ولا تتسرب إليها الغيرة ولا ~~يأتيها الحقد من بين يديها أو خلفها. # وهذا التعليل واضح، فالنور لا ينقص النور، والقوة لا تنقص القوة، ولكن الظلمة ضرة الضياء، ~~والضعفاء أعداء الأقوياء، ولكن تلك النفوس الصغيرة الضئيلة لو تأملت قليلا ترجع عن غيها ~~لساعتها، فمهما اختفى الحق لا بد من ظهور نوره. # أيتها النفوس الصغيرة، ولا أحقرك ولا ألومك على صغرك، فقد أرادت لك الطبيعة أن تكوني كما ~~أنت، وهيأت لك شروطا وأحوالا وبيئات وأشخاصا وأعمالا، وبعثت إليك بعوامل ظاهرة وأخرى ~~خفية، فبرزت للعالم كما أنت، فلماذا يحزنك الأمر وهو قضاء الطبيعة وقدرها؟ لو كنت تحملين أكثر ~~مما أنت حاملة لوكلت إليك الطبيعة أحمالا جهد طاقتك، ولكن لكل وعاء ما يسع، وليس فيك لما في ~~غيرك متسع. # عجبا! كيف يجوز للشعلة الضئيلة أن تحسد الشمس المشرقة على نورها؟ وكيف يجوز للأرض ~~الدنيئة أن تطاول السماء الرفيعة؟ بل كيف يحق للأصداف أن تحقد على الجواهر وتنكر عليها ~~بهاءها؟! # إذا انفردت الشمس بإضاءة الأرض على سموها وزهاء نورها خسر الناس ربع أعمارهم وهي الليالي ~~التي يستضيئون فيها بالقمر والكواكب والأنوار المبتدعة، وإذا اكتفينا بالجواهر احتاج غيرنا ~~إلى الأصداف، ولا يمكن للفرد مهما كان عظيما وقويا أن ms14 ينوب عن الكل. # فيا أيتها النفوس الصغيرة، إننا في حاجة إليك، إنا نطلبك كما نطلب النفوس الكبيرة، ولكن ~~الطبيعة العادلة تأبى أن تستوي أنت وغيرك من النفوس الكبيرة؛ لأن لكل نفس عنصرا خاصا ~~بها، وعنصرك أقل من عنصرها، وقدرك أضعف من قدرها. # أيتها النفوس الصغيرة، اقنعي بعيشك وعملك، وخل عنك أمر غيرك. إن الفلك لا يدور بالأقمار ~~والكواكب السيارة، إنما فيه من النجوم ما لا يبلغ قدر ذرة، ولكن تضيء تلك الذرة بقعة من ~~الأرض لا ينفذ إليها نور الشمس ولا ضوء القمر، كذلك قد تقوم نفس صغيرة بما لا تستطيعه نفس ~~كبيرة. # إذا قام عظيم بإصلاح أمة وهدي شعب فقد يقوم غيره ممن لم يقسم لهم نصيب كنصيبه بسد حاجة ~~عيلة يعولها، ولو أرادت الشعرى اليمانية أو المريخ أو الزهرة أن تنال منال الشمس وسارت على ~~دربها غيرها من الكواكب اختل نظام الفلك واعتلت هيئة الأجرام وزال ما نراه من القبة الزرقاء ~~من الإبداع والإحكام، كذلك إذا أرادت نفس صغيرة أن تنال منالا غير منالها ونسج غيرها على ~~منوالها فسد نظام الحياة وصار الأمر فوضى لا قوام له ولا قائمة. # يقول صغار العقول وضعاف الأحلام: هذا العظيم الكبير يستصغرنا ويحتقر شأننا ويشمخ بأنفه ~~علينا ويدعي بأنه ليس منا، ولو كان متواضعا حملناه على الأكف والأعناق. # نقول: كذبتم وأنتم على أنفسكم شاهدون، لو كان متواضعا وطئتموه بأقدامكم وأخذتم تواضعه ~~حجة عليه لا له، وكم من متواضع بيننا يؤخذ برجله ويجر، وهو جدير بأن يؤخذ بيده ويبر! ~~أما كبرياؤه وشموخه فدعوهما، ودعوه فهو ليس منكم، دعوه إن في نفسه نورا ليس في نفوسكم، دعوه ~~إن في فؤاده نارا لا تشعل أفئدتكم، دعوه إن في روحه من الكهرباء ما لا تطيقه نفوسكم، ألا ~~يكفيكم أنه يعيش بينكم في ذلك العالم المملوء بالمعائب والأقذار؟! ألا يكفيكم أنه يرشدكم ~~ويهديكم؟ كيف تكلفون النفس القوية أن تلتئم مع الجسد الضعيف؟! بل كيف تريدون من الطبيعة أكثر ~~من أن تجمع بين النار والماء في وعاء. # يا ms15 أمم الشرق، تناديك نفس موجعة، ويستغيث بك روح حائر، فاسمعي وعي، إن هلاكك في تدابرك ~~وتباغضك وتنافرك. يا أمم الشرق، كفاك ما أنت فيه من الوهن وما يتوعدك من ضروب الدمار ~~والهلاك، إنك كالحية سمها كامن في بدنها ولا يؤذيها ما دامت لا تنفثه فيه. أيتها الأمم، ~~مجدي عظماءك دون السوى، وناصري الأقوياء ينصروك. # يا أمم الشرق، ما مات فيك كبير إلا وراءه صحيفة سودتها نقائصك تدل على قصر نظرك وضيق ~~نطاق عقلك، كم من حكيم ذاق حتفه عقابا له على حب العدل والحق! وكم من عظيم أراد أن ينير لك ~~غياهب الدهور القادمة، فأطفأت شعلته قبل أن يضيء لك محجتك ويهديك سواء السبيل! # يا أمم الشرق، إن الطبيعة تعفو وتغفر، ولكن الحليم شديد الانتقام، ومن عفا اليوم عاقب ~~غدا، ومن غفر بالأمس ينتقم اليوم. # يا أمم الشرق، انظري إلى الأمم التي ورثت مجدك وغلبتك على أمرك وداستك تحت أقدامها وجلست ~~منك مجلس السيد من العبد والظالم من المظلوم؛ إن تلك الأمم حلت لغز الحياة، وسبرت غور ~~الطبيعة، وعرفت كنه المسائل التي تقفين أمامها ذاهلة حائرة. إن تلك الأمم تبجل عظماءها ~~وتمجدهم وتتخذ منهم هداة ومرشدين لا ترد لهم قولا ولا رأيا. # فيا أمم الشرق، إن شئت أن تنالي منالها وتبلغي مجدها، أو تستردي مجدك الضائع وتقيمي ركن ~~عزك المنقض؛ فاهدمي معابد البهتان، وارفعي لكل عظيم عمادا، وأقيمي لكل كبير تمثالا يكون ~~موضع السجدات. # يا أمم الشرق، هذه كلمة أقولها ولا أزيد عليها، قد لا تصل إلى آذانك، بل قد لا تستأذن على ~~مسامع أمتي التي أنتسب إليها وأبناء وطني الذين أنتمي إليهم، فإذا لم تكن نصيحة تسمع ~~وتقبل ويعمل بها فلتكن نفثة مصدور تفرج الكرب وآهة محزون تقلل من حزن النفس ~~والقلب. # ولما أن فرغ الروح الحائر من هذا القول أخذته هزة فاخلتج المصباح الذي في يده، فقال لي ~~وهو يختفي عني في الأثير المحيط به: موعدنا الليلة الرابعة. # | الليلة الرابعة # غرور الناس بالناس # كنت في حيرة من الحياة ms16 أناجي نفسي تارة وأعقها طورا، وإذا بي أرى شعاع مصباح الروح ~~الحائر، فقلت: إلي أيها الروح، فإنك على حيرتك أكثر مني هدى، إنني أسمع في هذه ~~الأيام قولهم: «هذا هو الذوق الشائع، وذاك هو الرأي العام.» ولست أفهم لهذا معنى. # قال الروح الحائر: «إنني إذا ذكرت بعض حوادث حياتي الأرضية وما كنت فيه من القيود ~~المرذولة التي اقتضتها العيشة المادية تنفست الصعداء وحمدت الله على الخلاص من هذا البلاء، ~~وإنني أذكر ما قاسيته من البشر وأنا في الجسم الدنيء البالي كما يذكر المتيقظ حلما مزعجا، ~~ولكن هناك بعض الشئون فطنت لها وتجلت علي الحقائق خلالها، فسعدت بها وأنا في الحياة ~~الدنيا، فقد كشف لي يوما عن حقيقة غرور الناس أو بدعة الرأي العام.» قلت: «حدثني فلعلني ~~أهتدي بقولك.» # قال: من عجائب الحياة الأرضية ومن غرائب خلائق البشر أن نصف العالم يعيش متنكرا والنصف الآخر ~~يعيش مخدوعا، فلا النصف الأول يخلع قناع التنكر، ولا النصف الآخر يستشف ما اختفى وراءه من ~~الحقائق المخالفة للظواهر، وليس هذا راجعا إلى حذق البعض وغباوة البعض الآخر، إنما الواقع ~~هو أن الكل قد بلغوا النهاية من البلاهة والغاية القصوى من الغفلة. ولا ريب في أنه يصعب ~~التسليم بصدق هذه القضية لأول وهلة كما أنه يصعب علي أن أدونها؛ لأنني لست إلا بعض البشر، ~~ولكنني ما دونتها إلا بعد أن تحققتها، وما تحققتها إلا بعد التأمل في حالي وحال غيري ممن ~~رأيتهم وخبرتهم، فكنت إذا أردت أن أحكم على نفسي في شيء من الأشياء اندفعت أفعل ما أريد بلا ~~حساب، ثم جردت من نفسي شخصا يحكم على ما اكتسبت وكنت أبدا إذا سمعت حكم نفسي على نفسي أو ~~حكم نفسي وهي في صحوها عليها وهي في سكرها عدت عليها باللائمة، وما أعد لها من الحسنات إلا ~~النزر اليسير، وقد أكون فيما عددت منها مخدوعا مغرورا، وكثيرا ما كنت إذا سمعت حكم نفسي ~~على نفسي أضحك منها هازئا بها وبغيرها من النفوس، و«شر البلية ما يضحك.» # وقد ms17 بقيت هذه القضية كامنة تجول في صدري ولا أستطيع أن أخرجها؛ لعجزي عن التعبير عنها حتى ~~اختمرت، ثم حدث المرة بعد المرة ما هاجها وهي ناضجة، ففلتت مني قبل أن أعوقها، فتركتها تخرج ~~للناس. # أما وقد مهدت هذا التمهيد؛ ليسهل عليك فهم ما أريد، فها أنا أشرع في التفصيل: # كنت مرة في الحياة الأرضية في محفل حافل بكثيرين ممن يسمون أنفسهم أصحاب السعادة والعزة ~~ويصفونها بالعلم والفضل والذكاء، فإذا دعاهم داع بغيرها أو أغفلها غضوا عنه الطرف وعدوا ~~فعله إهانة لحقتهم ومذلة أصابتهم، كنت بين هؤلاء غريبا عنهم، لا لأنني لا أعرفهم، إنما ~~لأنني لست من طغمتهم؛ ولذا كنت خارجا عن دائرتهم، لا يخدعني ما يخدعهم، ولا يسرني ما ~~يسرهم، ولا يطيب لي ما يطيب لهم، فاستطعت أن أحكم عليهم حكما إن لم يكن العدل بعينه فهو ~~أقرب الأحكام إليه. # هؤلاء القوم دعاهم أحدهم ليخطب فيهم فلبوا دعوته، وفي كل قلب من قلوبهم ما يشغله، فبعضهم ~~جاء ليلقى صاحبا له وفاء بوعد سابق، وبعضهم جاء ليري الناس ثوبا جديدا، وبعضهم جاء ~~ليقتل الوقت فرارا من الضجر، والبعض جاء ليقال عنه إنه يدعى إلى المحافل ويفهم ما يقوله ~~العلماء، أما الرغبة في سماع ما يقال فقد لا تتعدى بعض أفراد قلائل. # دخلت مع الداخلين، وجلست مع الجالسين، وأصغيت إصغاء الحاضرين؛ فإذا الخطيب يقول ما لا يعي، ~~وإذا نحن ندعي فهم ما لا نفهم. # كان الخطيب عالما من العلماء، مشهورا بالفضل، وقد جاء الكل طمعا في شهرته واعتمادا على ~~صيته، فوقف يخطب وهو ممتلئ غرورا بنفسه وإعجابا بفصاحته وطلاقة لسانه وإعجاز بيانه، ولكن ~~السامعين لم يجدوا منه ما كانوا ينتظرون، ولكنه وجد منهم الإصغاء والسكون، فاندفع يصدعنا ~~بركاكاته، ويجلد مسامعنا بترهاته، وكلنا شاعر بقلة عقله بعد أن ظهرت حقيقة علمه وفضله، ولكننا ~~- وا أسفي - عاجزون عن نصحه. # كنت أشعر بالتململ ذات اليمين، وأسمع ألفاظ التأفف والتضجر ذات الشمال، وتقرع أذني كلمات ~~الندم على ذهاب الوقت هباء، فأردت أن أجس نبض الحاضرين؛ لأتثبت ms18 من تلك القضية ، فسألت جاري: ~~أفاهم أنت ما يقول؟ فقال: كلا، ولكنني متضجر. فملت إلى غيره وقلت له: أيلذ لك سماع تلك ~~الخطبة؟ فقال لي: إن ضرب السياط أحب إلي منها. فنظرت إلى ثالث وكنت أعرف فيه ما نسميه ~~بالحياء، وسألته عن فصاحة الخطيب ومقدار علمه؛ فابتسم بسمة مبهمة. # فدهشت لخلو هذا الجمع كله من رجل كريم النفس قوي القلب والإرادة ينوب عن الحاضرين في ~~التعبير عما يجول في خواطرهم، بل كان الكل جالسين صامتين كأنهم يخشون العقاب. فمن الملوم في ~~مثل هذا المحفل العجيب؟ أيلام الخطيب وقد امتلأ غرورا بنفسه من ثناء الناس عليه ثناء ~~كاذبا؟ أم نلوم الناس وكلهم خادع مخدوع يوقع البعض بالبعض سعيا وراء منفعة أو جبنا ~~وخوفا من أن يوصموا بضعف العقل والعجز عن تقدير الفضل وذويه؟ # إن ذلك الحادث الصغير أساس كل أمر كبير؛ لأن ما يحدث في تلك الحفلة الصغيرة بين هؤلاء ~~«الفضلاء الأذكياء، والعلماء النجباء» يحدث في كل مكان، وما يصدق على هذه الأمة يصدق على ~~غيرها من الأمم الراقية، وقد تكون الشعوب المنحطة أكثر حبا للحرية وأبعد عن قيود التقاليد ~~الاجتماعية من غيرها، فهي من هذه الوجهة أفضل من بلاد العلم والمدنية. # أجل، ما يصدق على هذا الخطيب ومن التفوا حوله يصدق على الكبراء، فليس الكبير إلا فردا ~~ساقت له المصادفات مجدا وألبسته صروف الدهر حللا وقلدته طوارئ الحدثان مقاليد البطش، وقد ~~رضع الملق مع اللبن ونشأ في قوم يعظمونه لا لفضيلة فيه، ويهابونه لا لبطش يتقونه، وعاش في ~~وسط كل من فيه عبيده وخدمه إذا قال فعل وإذا أمر أتته الطاعة منقادة فهو لا يرى نفسه عبدا ~~إلا لشهوته، والضعفاء والصغار من حوله لا يعلمون من أمره شيئا سوى أنه الفعال لما ~~يريد. # قد يكون من طبعه الخوف من الفيء والفزع من لا شيء، كما هي حال هؤلاء الذين لم يعرفوا من ~~الشدائد إلا وصفها، ولم يذوقوا من الحياة إلا قصفها، إنما ورثوا سوء الخلق وشراسة الطبع عن ~~آبائهم وأجدادهم ms19 الذين نشئوا منشأهم وعاشوا عيشهم، وقد تفيد الحماقة حيث لا علم ولا معرفة ~~فيظنها الأغبياء عزما ثابتا وإرادة قوية لا تزعزعهما العواصف ولا تقلقهما رياح الدهر ~~القواصف. حتى إن الأغبياء يقصون عن غني كبير من نوادر طفولته أن شيخا دعاه يوما وهو طفل ~~بلقب من ألقاب الدلال فالتفت الطفل إليه مغضبا وقال: «لا تدعني بما تدعوني به أمي.» ولو ~~كانت هذه الحادثة لصبي من أولاد الفقراء لعدت منه قحة وخروجا عن حد الأدب والحياء، ولكنها ~~عن غني كبير؛ لذا هي موضع الإعجاب؛ لأن شخصه موضع الابتهال. # وقد يكون المملقون ضجرين وهم يسبحون بحمده ويتحملون ضيمه وشره وهم ناقمون ساخطون، فإذا ~~صنع بهم ما صنع وبلغ منهم الغيظ ونال منهم الغضب وقام أحدهم يشكوه إلى نفسه أو ينبههم من ~~غفلتهم بعد طول خنوعهم؛ رمي بالجنون. وعلى هذه القضية قضية الخوف من التصريح بالحق؛ لحفظ ~~بعض المنافع إلى حين، أو طمعا في مغنم ضئيل، أو تصديق لما يقول الغير، واعتمادا على ~~أوهامه الواهية؛ بنى الناس بدعة الرأي العام، فهم يقولون: الرأي العام إرادة لا ترد، وقوة لا ~~تصد، وبطش ليس له حد. ويقولون: صوت الخلق صوت الحق، وإن العناية تنطق على ألسنة البشر ... إلى ~~غير ذلك من الأقاويل الموضوعة. والواقع غير ما يقولون، وهم واثقون بأنهم منافقون مراءون ~~ومدعون كاذبون، أليس الرأي العام اندفاع فئة كبيرة من الناس وراء قول خطيب بارع أو كاتب ~~بليغ؟ وقد يكون هذا الخطيب أو ذاك الكاتب شريرا سيئ المقاصد قليل الخبرة عاشقا للشهرة ~~والرئاسة «وكلهم ذلك الرجل.» ولكن الناس أو الرأي العام لا يعرفون عنه إلا ما يقول، ولا ~~يرون منه إلا سطورا سوداء في ورقة بيضاء أو هيئة حسنة وخلقا كريما يتصنعه ليخدع الناس ~~ويجذبهم إليه، ولكن ماذا تكون حال هذا الرأي العام لو فتحت صحائف قلوب قادته وقرئت على رءوس ~~الأشهاد؟ إن الناس لضعفهم لا ريب يقولون: هذا افتيات وافتراء، وما قادتنا إلا ملائكة من ~~السماء، وتلك سنة الطبيعة في البشر، ولن تجد تبديلا. ms20 طبعوا على الذل فهم الخاسرون. # على ذلك الأساس المتين - أساس الخوف من التصريح بالحق والجبن الموروث - بنى أبطال التاريخ ~~مجدهم الخالد وأسسوا مفاخرهم الشامخة، وقد سئل بعضهم: كيف يرهب القلوب ويرعب الأفئدة؟ وكيف ~~يغلب أعداءه ويقهر أضداده ويذل الأعزاء ويخضع الأقوياء؟ فقال: عرفت سرا لم يعرفه إلا من ~~بلغ مبلغي أو سوف يبلغ. فقيل: وما هذا السر؟ قال: «أخدع الناس كلا بما خلق له، وأستعين ~~بالبعض على البعض؛ فيكون الكل لي ظهيرا.» # | الليلة الخامسة # حديث الروح المجنون # دنا الروح الحائر من مضجعي وهزني فنهضت، قال: «لقد اكتشفت اليوم أمرا غريبا؛ إن بين ~~الأرواح أرواحا مجنونة كما هي الحال بين البشر.» قلت: «كيف ذلك؟ أليس الجنون عارضا من ~~عوارض الحياة الأرضية؟» قال: «كلا، إنه كذلك يعتري بعض الأرواح التائهة التي لم تستقر بعد ~~على حال، فقد رأيت اليوم روحا مجنونا يهيم على وجهه في الفضاء، وهذا الروح المسكين لا ~~يهدأ له خاطر ولا يسكن إلى مقر، فلما رآني قرب مني وقال لي: «أنت الروح الحائر العاقل، وأنا ~~الروح الحائر المجنون.» قلت: «وكيف ذلك؟» قال: «إنني طريد الأرض والسماء؛ لأنني قلت يوما ما ~~أعتقد.» قلت: «ماذا قلت؟» قال: «خلوت يوما بصديق لي وأسررت له رأيي.» قلت: «وما هو هذا ~~الرأي؟» # قال: «إنني سمعته يذكر الأخلاق والآداب والفضائل وغير ذلك من الأحاديث المتفق ~~عليها.» فقلت له: آداب وأخلاق وفضائل! ألا تزال تعتقد بوجود هذه الأحاديث، اسمع، إنني أقول ~~لك كلمة واحدة لم أقلها لأحد سواك من قبل، وفي هذه الكلمة السر الأكبر، بل هي حل اللغز الذي ~~تقف أمامه صاغرا حائرا. # إن كل ما ذكرت لك أكاذيب مموهة وأضاليل متفق عليها، نعم، أكاذيب مموهة وأضاليل متفق ~~عليها، وبعبارة أخرى هي سيئة من سيئات المكر البشري وحيلة من حيل الإنسان اختلقها؛ ليسود ~~على أخيه وليتحكم بها في عنقه، أتعرف قصة السندباد البحري؟ أتعرف كيف أنه لقي في إحدى الجزر ~~رجلا عجيبا غرر به وخدعه حتى تمكن منه وركب كتفيه، وما زال ذلك الرجل يسخر ms21 السندباد ~~ويحرمه لذة القعود ولا يذيقه طعم الرقاد؛ إذا غفا أنهضه، وإذا توانى ركضه، حتى فطن السندباد ~~إلى حيلته وحاول الخلاص منه، فلم يتأت له إلا بأن أسكره، فلما لعبت الخمر برأس العلقة أخلى ~~سبيل أسيره، ولو لم يفطن السندباد بقي طول عمره في أسره! # إن مثل الهيئة الاجتماعية في كل زمان ومكان كمثل السندباد والمدعون أنهم أنصار الحق ~~وأعداء الباطل وأبطال المواقع وحكماء الأمم وأصحاب الملايين؛ هم خلفاء ذلك الرجل العجيب ~~الذي ركب أكتاف السندباد المسكين، نحن - يا صاحبي - فريسة تلك الوحوش المفترسة، نحن عبيدها ~~وأسراها، ونحن مصدر خيرها وثروتها، نحن مصدر بطشها وقوتها، لا تدهش ولا تذعر! إن كنت اكتفيت ~~بقراءة الكتب وسرك مرأى الظواهر فإنك لا تستطيع معي صبرا، بل أضطر لأن أستميحك عذرا وأقول ~~لك: لقد أخطأت وسبقني اللسان إلى القول فلم أفقه معنى ما قلت وكفى. وإن كنت قرأت الناس ~~وعلمت ما خفي من أمورهم فأنا أسألك أمرا واحدا، ارجع بنفسك إلى الماضي وسلها عمن عاشرتهم ~~من أهلك وأصحابك ورفقك وأحبابك وقل لي أيهم لم يسع إلى غاية تهمه وغرض يريده؟ بل أيهم بذل ~~نفسه أو ماله أو شرفه لينقذ غيره ما لم يكن له وراء ذلك البذل أمل يود تحقيقه؟ بل أيهم ليس له ~~سر يكتمه وخبر يخفيه؟ أيهم لم يخدع الناس؟ أيهم لم يخدع نفسه؟ أيهم أذعن إلى الحق إلا ~~مرغما مضطرا؟ أيهم لم يغير ما بنفسه سرا وجهرا؟ أيهم صدق في القول وأخلص في العمل ~~واعتقد ولم يأكله الناس لحماقته وجهله؟ وأيهم لم ينجه الكذب من اللوم ولم ينقذه الرياء من ~~مخالب الفقر؟ أيهم أشبع جائعا إلا طمعا في دار تجري من تحتها الأنهار أو خشية أن تلحقه ~~الفاقة في آخر النهار؟ أيهم حقن دما يرى في سفكه خيرا له؟ وأيهم صان سرا يجد في كتمه ~~ضرا أو حرص على شرف أمن في ثلمه إراقة الدماء؟ إن هناك لا ريب نفرا قليلين تحاجني بهم ~~وتستند في تفنيد قولي عليهم، ولكن كل ما ms22 أقوله عن هذا النفر هو أنك لم تعرف دخائلهم، ولم ~~تسعدك المصادفات برفع الستار عنها. # تقولون: شرف وفضيلة ... فما هو ذلك الشرف سوى الألقاب الفارغة وتلك المظاهر الباطلة، أرأيت ~~رجلا كاملا لا ينطق إلا بميزان ولا يفوه بفحش القول كأن على رأسه ملكين كريمين يكتبان؟ ~~أرأيته كيف يأنف إذا اغتبت لديه عدوه؟ أسمعته كيف يأبى عليك أن تمدحه في وجهه؟ إنه - يا ~~صاحبي - ممثل حاذق أمكنه أن يستر حقيقة شخصه بغشاء من الرياء والنفاق، إنه ادعى الفضيلة، ~~ولعمري ما وضع الواضعون اسما بغير مسمى أغرب ولا أعجب من هذا الاسم، فإنه يتضمن كل شيء ولا ~~يدل على شيء، وليس ذلك بعجيب، أرأيت تلك الفتاة التي احمر وجهها خجلا إذا نطقت أمامها باسم ~~الحب؟ أرأيتها وهي بين ذراعي حبيبها بعد ذلك ببرهة تبثه لواعج الشوق وتتلو عليه آيات ~~الغرام؟ هذه يا صاحبي هي الفضيلة، هذا هو الشرف، لكن كما يفسرها الرجل العجيب الذي ركب كتفي ~~السندباد لا كما يفسرها السندباد بذاته. # ولكن لماذا نلوم الناس ونعتب عليهم؟ أليسوا بشرا؟ أليسوا قطيعا من الحيوان كان يدب منذ ~~قرن في الأدغال والأحراش؟ ولكن لماذا نتظاهر بما لا نبطن؟ نظام الهيئة الاجتماعية يقضي ~~بذلك، وما هو نظام تلك الهيئات الاجتماعية سوى قواعد وضعها الإنسان للإنسان وصيره بها ~~أسيرا على مدى الدهر والأزمان ضعيف الحول والطول حقير الرأي والعقل. إن هذه الحيوانات ~~المستترة وراء الحلل الفاخرة والحلى الغالية سئمت ذلك الاستتار وأصبحت تبجل الصادق الأمين ~~والوفي الحر؛ لأن صاحب تلك الصفات نادر ندور الكبريت الأحمر في ذلك العالم الطويل العريض، ~~فلماذا لا نخلع كلنا مرة واحدة رداء الرياء ونطلق النفاق طلقة بائنة وننسى الماضي، ونسير في ~~طريقنا كما يسير إخواننا في الأجمات والغابات بلا كذب ولا خداع ولا نميمة وبلا الألفاظ ~~الخلابة الباطلة؟! # لا أريد أن أقلب نظام العالم أو أعطل سير الفلك، بل يخيل لي أن الشيطان يخجل إذا ظننته ~~ملكا طاهرا، فكيف لا نخجل نحن ممن يجلنا ويعظمنا ويكرمنا ويسجد أمامنا ويبذل نفسه ms23 مرضاة ~~لنا؟! إذا كان لنا ضمير فمتى يؤنبنا؟ وإن كان هناك جزاء فمتى يكون؟ وإذا كانت الإنسانية ~~تسير سيرا حثيثا نحو الكمال فمتى يكون الوصول إن كانوا صادقين؟ وإن كنا نسير سيرا سريعا ~~نحو الدمار فمتى يكون البلوغ إن كنا بالغين؟!» # قال الروح الحائر: فلما سمعت هذا القول قلت له: «لا شك أنك أيها الروح مجنون، أتظن هذه ~~الأقوال حقا وهي عين الباطل؟!» فقهقه الروح المجنون وقال: «وأنت كذلك لا تزال مخدوعا، ~~وسوف تفقه معنى هذا القول، وا حسرتاه! لقد التمست الأنصار في الأرض فلم أجدهم، وها أنا ~~ألتمسهم بين الأرواح فيصفونني بالجنون، إن جنوني خير من عقلكم وخيالي أصدق من حقائقكم.» ~~فأعرضت عن الروح المجنون وجئت إليك أنقل حديثه. # | الليلة السادسة # نرجس العمياء # جاءني الروح الحائر باكيا، فقلت: «ماذا يبكيك يا روح العزيز؟» قال: «تبكيني ذكرى مؤلمة.» ~~قلت: «وما هي؟» قال: «ذكرت اليوم أنني خلفت على الأرض نفسا زكية في جسم فتاة شقية، إلا ~~أنها من بنات الجنة وهي لا تزال على الأرض، بل إني ألتمس من يماثلها في السماء فلا ~~أجد.» # قلت: «ومن هي هذه المخلوقة الإنسية التي حوت تلك الصفات الروحانية؟» # قال: «إنها نرجس ~~الضريرة، عرفتها أيام صباي في الحياة الأرضية، فإذا ذكرت السعادة وخلو البال وراحة القلب ~~وفسحة الآمال على الأرض ذكرت تلك الأيام البعيدة السعيدة، تلك الأيام البعيدة القريبة؛ ~~بعيدة لأني كلما نظرت ورائي إلى الحوادث والكوارث وغرائب الأقدار ومدهشات الليل والنهار ~~رأيتها جميعا كالجبل العالي يفصل بين واديين، الوادي الأول: هو وادي الماضي وفيه تذكار ~~الطفولة، والوادي الثاني: هو الذي أعاني الآن التيه في قفاره وأحاول الخروج من آجامه ~~وأدغاله ولا أدري إلى أين، ولكن إذا نسيت كل مصائبي وأسدلت الستار على همومي واستسهلت الصعب ~~واستهنت بالأحزان مما مضى رأيت أيام الطفولة أقرب شيء إلى قلبي فكأنني ابن الأمس وكأنني ~~الساعة وأنا أحادثك أعبث برمل البحر وأمتع ناظري بمنظر غروب الشمس وأشنف آذاني بصوت المؤذن ~~قبيل الفجر. # ليس ذلك كل ما أذكر من تلك ms24 الأيام، بل إن في قلبي صحفا منسية وكتبا مطوية لم يأن قبل ~~الآن أوان نشرها وتلاوتها، بل لا أكون مبالغا إذا قلت إن في صدري عالما صغيرا لا ينقصه ~~شيء مما في أكبر العوالم؛ ففيه الفرح والحزن، والضحك والبكاء، والشجى والطرب. # ومن أشخاص هذا العالم العجيب طفلة عمياء لا أزال أذكرها ولن أنساها، واسمها نرجس، وكانت ~~تلك الفتاة يتيمة تعيش مع جدة لها عجوز أحناها الكبر وأخنى عليها الدهر ونال منها الفقر ~~منالا، تعيش مع تلك الابنة في غرفة صغيرة مظلمة ضيقة في بيت من البيوت المجاورة لبيتنا، ~~أما العجوز فكانت ذات شمم وعفة؛ لأنها أبت إحسان المحسنين وفضلت أن تبيع الحلوى للأطفال في ~~الأزقة على أن تستجدي، وكانت من الرحمة بحفيدتها والإشفاق عليها بحيث لا يهنأ لها بال ولا ~~تستقر على حال ما دامت نرجس تطلب حاجة أو تشتهي شيئا. ومن المناظر التي لا تزال في ذهني ~~صورة تلك العجوز الفاضلة تحمل حفيدتها على أكتافها والطفلة العمياء تنظر إلى العالم بعينين ~~أخذ الله نورهما وعلى شفتيها المرجانيتين ابتسامة كابتسامة الملائكة، والمرأة تسير على مهل ~~وهي لابسة ثيابا لا تدرأ بردا ولا تستر جسدا، وبين يديها صندوق من الخشب فيه أصناف شتى ~~من الحلوى وألاعيب الأطفال وهي تنادي الأطفال بصوتها الضئيل الخافت وتدعوهم إلى شراء ما ~~بيديها، فتقف تارة ويلحقها التعب فتجلس، وكانت إذا جلست ضمت نرجسا إلى صدرها وقبلتها وكأن ~~تلك القبلة تذهب بما أصابها من التعب فتعود إليها قوتها ويتجدد لها نشاطها. # أما نرجس فكانت طفلة في الخامسة من عمرها نحيفة البدن جميلة الوجه، وكان لها شعر يشبه ~~العسجد في لونه وحسنه وكان ثوبها على فقرها نظيفا، وكانت جدتها تتودد إلينا فوكلت إلي أمر ~~تسريح نرجس ريثما تشتري من السوق بضاعتها، فلما دنوت من الطفلة وكنت أشفق عليها من زمن ~~طويل، لاطفتها وداعبتها حتى اطمأنت إلي ثم سرت بها فقالت لي همسا: سر الهوينى وإلا أعثر ~~بحجر فأسقط على الأرض؛ لأنني لا أبصر. وتأوهت الفتاة، فأثرت تلك الكلمة ms25 بنفسي تأثيرا ~~شديدا ، وسرت بها لا أنقل قدمي حتى تنقل قدمها، ولا أنظر في طريقي إلا لأزيل ما في سبيلها من ~~الأحجار الصغيرة، ولو استطعت حملها لحملتها، ولكنني خشيت أن نسقط جميعا، وما زلت سائرا ~~بنرجس ويدها في يدي أنظر إلى السماء وإلى جبينها الوضاح وعينيها المغمضتين حتى بلغت بها ~~شاطئ البحر، فلما شعرت نرجس بالهواء قالت لي: أين نحن؟ فقلت لها: نحن على شاطئ البحر. قالت: ~~وهل بلغنا الماء؟ قلت لها: كلا. قالت: اجلس بنا هنا؛ لأنني أسمع صوتا يخيفني. فقلت لها: ~~هذا صوت الأمواج وهي بعيدة منا. قالت لي: وما هي الأمواج؟ قلت لها: إنها قطع كبيرة من الماء تلطم ~~الشاطئ ثم تنكسر. فقالت لي: وهل البحر كبير؟ قلت لها: نعم، لا تصل عيني إلى آخره. قالت: وهل ~~ترى السفن؟ قلت: نعم. قالت: وكيف هي؟ قلت: هي كالطيور البيضاء. قالت لي: وكيف الطيور؟ قلت ~~لها: للطيور أجنحة تطير بها في السماء. قالت: إنك ترى كل هذا وأنا لا أرى، إنني أشعر ~~بالبرد. فقلت لها: اقربي مني. فقربت نرجس مني، ووضعت رأسها في حجري، ووضعت يدي على جبينها، ~~وبقيت هكذا زمنا طويلا وهي لا تنبس ببنت شفة، وأنا أقلب طرفي بين وجهها الهادئ وبين البحر ~~الهائج ولست أستطيع أن أصف السعادة التي شعرت بها وتلك الطفلة الضريرة نائمة في حجري، وكانت ~~نفسي تحدثني بأنه مهما طال رقاد نرجس وهي مستريحة فأنا لا أتعب ولا أمل؛ لأنني أحسست بأن ~~راحتي وسروري في راحة تلك الطفلة اليتيمة العمياء وسرورها، ولما أغربت في النوم كنت أقبلها ~~بحنو ورأفة ما شعرت بمثلهما نحو إنسان طول حياتي، كان الرمل تحتنا والسماء فوقنا والبحر ~~أمامنا والنسيم العليل يهب علينا من الشمال، وقد خيل لي أنني لا أطلب شيئا بعد اليوم سوى ~~نرجس تأتي معي إلى شاطئ البحر وترقد في حجري مطمئنة إلي كأنني شقيقها أو حبيبها منذ ~~القدم. # لست أدري لماذا كنت أشعر بسرور عظيم لاستسلام تلك الطفلة واطمئنانها إلي؟ فهل كان ذلك ~~لأن نفسها ms26 كانت تقاسم نفسي بعض همومها، وقد تدرك النفوس ما لا تدرك الأجسام؟ أو لأنني لم ~~يكن لي إخوة ولا أخوات فلم أسعد بعشرة الأطفال إلا لتلك المرة؟ أو لأن إرادة الرجل أقوى من ~~إرادة المرأة، وتظهر تلك القوة حتى في الأطفال فيفرح الطفل إذا سكنت إليه طفلة مثله وارتاحت ~~إلى عشرته؟ # كنت أشعر أن نرجسا صارت ملكي ومتاعي، قلبها قلبي وجسمها جسمي، وودت لو أنها تستعيض بنظري ~~عن نظرها فترى ما تروقني رؤيته وتمتع نفسها بمنظر البحر والسفن التي سألتني عنها ولم أدر ~~كيف أجيبها. # كنت أذهب في كل يوم لأرى نرجسا وأشتري لها ولي من الحلوى التي تبيعها جدتها، وكانت جدتها ~~كلما أرادت أن تغيب عنها تستودعني إياها، وكانت نرجس إذا سمعت صوتي زال السكون من جبينها ~~وعلت خديها حمرة السرور وجاءت إلي تجري فآخذها بين يدي وأسير بها إلى شاطئ البحر. ولما ~~استأنست بي كانت تطلب إلي أن أقص عليها بعض القصص، فكنت أتلو عليها ما يحضرني مما سمعته، ~~ولما علمت شغفها بتلك الأحاديث كنت أقضي شطرا من الليل في إعداد القصص العجيبة؛ لأعيدها ~~على صديقتي الصغيرة التي كانت تنتظرها بفارغ الصبر، وكنت إذا انتهيت من قصة ابتسمت وقبلتني ~~ثم طالبتني بقصة أخرى، وفي يوم من الأيام خطر ببالي خاطر عجيب وهو أن أسأل عجوزا في بيتنا ~~عن قصة فيها ذكر طفلة عمياء، فكدت قريحتها وروت لي حديثا محزنا فيه ذكر طفلة عمياء ولدتها ~~أمها وتركتها يتيمة وحيدة، فقاست الطفلة من الآلام والأحزان ما قاست حتى كبرت ونمت، وكانت ~~تسير في الطرق وتغني بصوت شجي فيجود عليها الناس بما تقيم به أودها، وقد رآها ابن الملك من ~~نافذة قصره، فحن إلى صوتها، وأعجب بجمالها، فدعاها إلى القصر وأسبغ عليها ذيول النعمة وتزوج ~~منها، «ما أسعد تلك الأيام المطوية التي كان فيها الملك يقرب السائلة من عرشه!» وقبل ليلة ~~زفافه بها جاء إلى القصر طبيب هندي ينطق الأبكم ويسمع الأصم ويشفي الأكمه، فطلب منه ابن ~~الملك أن يشفي زوجته ms27 الجميلة، فعالجها وشفاها ! # فلما سمعت تلك القصة قضيت ليلتي ونفسي تحدثني بأن نرجسا يتم لها ذلك في صباها وأنها تشفى ~~مما أصابها فتستطيع أن ترى ما يراه المبصرون، ولما كان الصباح أسرعت إلى بيت جدتها، فلما ~~سمعت نرجس صوتي أسرعت إلي وطلبت أن أسير بها إلى شاطئ البحر، فأخذتها وسرت بها حتى بلغنا ~~مكاننا الذي اعتدنا الجلوس فيه، فجلسنا قليلا ثم طلبت مني نرجس أن أقص عليها قصة، فاندفعت ~~كالسيل الجارف أروي لها حديث السائلة الضريرة التي تزوج بها ابن الملك وشفاها ~~الهندي. # ولما كنت أصف ما لاقته المسكينة من صنوف الشقاء وأنواع المصائب والمتاعب انقبض صدرها ~~وظهرت علائم الحزن في وجهها، ولما بلغت أشد ما قاسته فتاة القصة من الأهوال قلت: «وفي ليلة ~~من ليالي الشتاء دخلت السائلة مدينة كبيرة وفي يدها عكاز تقيس به خطاها وتحس به أديم الأرض، ~~وكان البرد قارسا والسماء تمطر والبرق يلمع، وكانت الفتاة لم تتبلغ منذ يومين، فجلست إلى ~~جدار وأخذت تبكي وتندب حياتها وتستعطف الناس بصوت شجي، ولكنها لم تنل ما تدفع به ألم الجوع؛ ~~لأنها كانت في طريق مهجورة لا يمر بها أحد وهي تظن أن الناس تمر بها ولا يشفقون عليها؛ ~~فأخذت تبكي بكاء مرا وقضت ليلتها في العراء على سغب ترتجف من البرد وتلتوي من ~~الجوع.» # فلما سمعت نرجس هذا الكلام بكت ووضعت يدها على فمي وقالت: «لا تقل، لا تقل.» فقلت لها: ~~«اسمعي فإنها بعد ذلك نالت من نعيم السعادة ما أنساها بلاء الشقاء.» فكفكفت نرجس دمعها ~~وأصغت، فاسترسلت في حديثي حتى أتممت شفاء الفتاة، فأبرقت أسرة نرجس وقالت لي بصوت الحزين: ~~«وأين هذا الطبيب الهندي الذي شفاها وأنار ظلمة عينيها؟» فقلت لها: «لست أدري يا نرجس.» قالت: ~~«ولو علمت مكانه هل تأخذني إليه؟» قلت: «نعم.» فقبلتني في أذني؛ لأنها لم تر مكان القبلة من ~~الوجه. ~~••• # ودامت صداقتنا حتى فرق الدهر بيننا، فانتقل من كان يعولني وانتقلت معه من ذلك الحي، وودعت ~~شاطئ البحر وصوت المؤذن، وودعت نرجسا ms28 وجدتها، وودعت تلك السويعات السعيدة التي كنت أقضيها ~~مع شقيقة روحي على الرمال الصفراء أقص عليها الأحاديث العجيبة وأمتع نفسي بقربها، ودعت تلك ~~الروح الطاهرة وذلك القلب الحزين، ودعت طفلة بائسة لم تجن ذنبا ولم تقترف إثما، ولدتها ~~أمها عمياء ومات أبواها وتركاها لعجوز فقيرة لا تستطيع أن تعول نفسها.» # قال الروح الحائر: «هذه صحيفة من الصحف المطوية، حفظها الفؤاد في ثناياها، وطواها القلب فيما طوى من الصحف ~~التي تعيد إلي تلاوتها ذكرى سعادة الطفولة وشقائها.» قلت: «وما الذي هاج الذكرى؟» قال: ~~«مررت اليوم في طريقي إليك بجسر كبير تمر به السابلة والعجلات، وكان البرد قارسا، فإذا بي ~~أسمع صوت امرأة ترتل القرآن، فدنوت من مصدر الصوت، فإذا بي أرى امرأة في ثياب رثة قد افترشت ~~الثرى وبجانبها طفلان، فتبينت وجهها، فإذا هي نرجس، ولم أستطع أن أنقذها من وهدة الفاقة بعد ~~أن تجردت من المادة، فقم لساعتك وأنقذ من الفقر تلك النفس الشقيقة الشقية.» # | الليلة السابعة # صديقي علي # زارني الروح الحائر، قال: «هل رأيت نرجسا؟» قلت: «نعم، رأيتها.» # قال: «إنني اليوم حزين بقدر حزني أمس.» # قلت: «هذا يسوءني، وماذا حدث فزاد غمك؟» قال: «لقيت اليوم روح صديق قديم.» قلت: «من هو؟» ~~قال: «روح علي.» قلت: «ومن هو علي؟» # قال: إنه صديق عرفته في أيام الصبا، أيام كنت أمرح في ~~نعيم الفتوة، وأسرح في واد من الهناء، في تلك الأيام التي بدد الدهر أوصالها، إذ كان كل كوكب في ~~نظري قمرا، وكل زهرة وردة، وكل مسرة سعادة لا تنتهي، وكل كلمة قيلت همسا سرا لا ينسى، ~~وكل بسمة دليل إخلاص أبدي. # هذه أيام الصبا التي ذهبت عني وولت كما ذهبت عن غيري من الأوائل والأواخر، فبكتها القلوب ~~والنواظر ورثاها كل كاتب وشاعر، واستعادها كل شيخ هرم، ولكن قلب الشباب قاس أصم، فلا يرق ~~لحال شاك ولا يسمع صوت باك، لا أبكي الشباب على الأرض ولا أستعيده فقد كانت همومه عندي ~~أعظم من مسراته، وحسناته أقل من سيئاته، ولو لم يكن ms29 في الشباب من عيب سوى حماقته وجهله ~~لاستعذت منه بالشيخوخة والهرم. # ولكن كان لدي أسطر في قرطاس كلما قلبت فيها أجفاني جادت عيوني باللؤلؤ الرطب على صديق ~~عرفته في الصبا، ذبلت زهرته وذوت نضرته قبل أن أعرفه حق المعرفة، مات هذا الصديق قبل أن ~~أدرك معنى الصداقة، وقبل أن أفقه معنى الإخلاص، فلما شببت وأدركت معناهما بكيته ولا أزال ~~أبكيه، وقلت: لو اختار الإخلاص والصداقة شخصا يسكنان قلبه كان صاحبي ذلك الشخص. # كان صاحبي هذا عبدا أسود، وأقول عبدا مفاخرا؛ لأنني وجدت فيه حرا رفيع النفس عالي ~~الهمة، ويا حبذا لو كان في الأحرار له مثيل! # كان لهذا العبد سيد، ونعم العبد وبئس السيد! وأظنه كان طبيبا أتى بتلك الجوهرة السوداء ~~من بلد بأقصى النوبة، معظم أهله من العرب. # روى لي صاحبي أن أباه وأهله يملكون سفنا ولهم تجارة حسنة، وأن الطبيب خدعه وسلب لبه ~~وحسن في نظره عيش المدنية، وكان قلبه إذ ذاك قلب فتى لا يفرق بين الحق والباطل، ولا يميز ~~بين الصدق والكذب، فبهره حسن قول الطبيب، وفر معه فرارا رغم أنف أهله، وكانا في سفينة من ~~سفن الجيش، فعجزوا عن رده. # سافر علي مع هذا الطبيب وهو لم يبلغ حد الفتوة، ولكن جوانحه كانت تضم نفسا كبيرة وقلبا ~~كريما، وقد خاناه وغدرا به ولم يحدثاه بما سوف يلقى من صنوف الشقاء وأنواع العذاب ~~الأليم. # روى علي قال: «فلما بلغنا مصر عني الطبيب بتهذيبي وتعليمي لما رآه في من الإقبال على ~~العلم والتفاني في طلبه، وتركني أسرح مع أطفاله، وعدني منهم، وكانت له زوجة كريمة ترق ~~لحالي وترأف بي؛ فأحببتها واتخذتها بديلة عن أمي وأهلي، وتسليت عن إخوتي بأبناء الطبيب، ~~ولكنني ما أوشكت أن أبلغ مبلغ الصبا حتى تغير الطبيب علي، وكنت إذ ذاك أعمل معه في فن ~~الكيمياء وأعاونه في عمله، فلم يكن لي هم إلا تحليل العناصر وتجهيز أنواع الدواء وعمل ~~التجارب العلمية التي هدتني إليها كتب علم الطبيعة. وكنت كلما تقدم سني عاما ازددت ms30 غما ~~وهما لسببين ؛ الأول: أني كنت أرى نفسي في موضع لا يليق بي، والثاني: لما طرأ علي من ~~ضعف البدن عقيب تغيير الطقس والمناخ. ولكنني كنت أجاهد جهدي وأكافح ذينك السببين، وأقضي وقتي ~~في تعلم ما أهمل الطبيب تعليمي إياه، حتى بلغت من الطب والكيمياء درجة ارتحت إليها ورضيت ~~بها، وعند ذلك شعرت بقليل من راحة القلب؛ لأن مكاني في بيت الطبيب كان مبهما غامضا؛ فلا ~~أنا فرد من أفراد الأسرة ألتجئ إليها إذا أرغمتني الأيام، ولا أنا عبد أباع وأشرى كما ~~تباع الأنعام، ولا أنا حر مطلق أفعل ما أريد كغيري من الناس، سيما وقد نهاني الطبيب عشرة ~~بنت له كانت يافعة وقد قطعنا أمد الطفولة معا، ودخلنا باب الصبا جنبا إلى جنب وخرجنا من ~~الصبا؛ هي إلى الشباب وأنا إلى الرجولة، فحجبها الطبيب ونهاني عن عشرتها فانتهيت، وأذكر ~~اليوم الذي دعاني فيه الطبيب إليه وقال لي: يا علي، آن لزبيدة أن تحتجب، وآن لنا أن ننظر في ~~أمر تزويجها بمن هو كفؤ لها، فلا يجوز لك منذ اليوم أن تراها أو تعاشرها. فأجبته بالرضا، ~~ونفسي تكاد تحترق وقلبي يوشك أن يمزق. # في هذا اليوم حصحص الحق وزهق الباطل، وعلمت أنني عبد وأن زبيدة حرة، وأنني لست كفئا ~~لها. # فلما بلغت غايتي من الطب والكيمياء شعرت بنسيم الحرية، وقلت في نفسي: لو لم ألق من الطبيب ~~ما أود تركته والتمست الرزق من مورد غير مورده، وهكذا أثر العلم يجعل العبد حرا. # وكنت أقضي زمني في قراءة الكتب ودرسها والتفكه بمطالعة قصص شتى، وأجد لذة كبرى في معالجة ~~المرضى وتخفيف آلام الحزانى والمساكين، وكان لي في ذلك عزاء وسلوى، ولكن قلبي لم يكن يستقر ~~على حال، ونفسي كأنها في وادي التيه هائمة. # وكلما كبرت سنة شعرت بمطاليب وحاجات لم أكن أطلبها، ولكن الطبيب كان كذلك يقسو قلبه شيئا ~~فشيئا ويشتد بأسه علي يوما فيوما، فإذا اشتهت نفسي أمرا جديدا حاربت الطبيب فيه فإذا ~~انتصرت عليه نلته بشق الأنفس وإلا بقيت ms31 بدونه فكأنني أكسب حريتي وأستعيد حقوقي المسلوبة ~~شبرا شبرا. # وجاء يوم كان الناس فيه في عيد لهم وليس لدي ما يسترني في أعينهم، وكان المقدار من ~~المال الذي أتقاضاه لا يسد رمقا ولا يستر بدنا؛ فالتمست منه زيادة في الأجر وجزاء على ~~العمل، فخرج معي عن حده، وعز عليه أن يطلب مسلوب حقا، وقال لي: إن حياتي دين له علي. ~~فبهت من سوء فعله، وقلت له: تلك العهود كيف تنساها؟ وتلك المواثيق كيف تخونها؟ ألست أنت ~~الذي خطفتني من أهلي؟! ألست أنت الذي جئت بي من وطني؟! ألست أنت سالب حريتي؟! ألست أنت مسبب ~~هواني ومذلتي؟! ألست أنت الذي استعبدتني وكنت حرا؟! ألست أنت الذي حرمتني من أهلي ووطني؟! ~~ثم عرتني نوبة عصبية فغاب صوابي وفقدت رشدي، ولما أفقت من غشيتي ونظرت في نفسي صحت عزيمتي ~~على التحول عن مكان الذل، فتحولت عنه، وذهبت أضرب في البلد طولا وعرضا حتى هداني الله إلى ~~طبيب آخر ارتضاني معينا له على عمله. # ولكن صاحبي لامني وعتب علي واستغفر من ذنبه، ثم استعان بأصحابي وإخواني؛ فقبلت العودة ~~إليه شريطة أن أنال ما طلبت، فوعدني وعدا مصريا.» # قال الروح الحائر: عرفت صاحبي فوجدت منه أدبا عجيبا دل على طيب منبته، وميلا للعلم، ~~ورأفة بالضعاف، وإشفاقا على المساكين، وكان حسن العشرة، لطيف الكلام، ذكي الفؤاد، لم ~~أسمعه ينطق بقول منفر، وكنت أجلس إليه نقضي أويقات الفراغ في الحديث العذب وقراءة الكتب ~~ومقارنة الأفكار والخواطر، وكان كذلك مكمن سري وموضع ثقتي وإخلاصي، وكان يقص علي ما حدث ~~له مع أصدقائه من صنوف الوفاء والمحبة، وما كان يلقاه من بعضهم من الضر والخديعة، وكان يبوح ~~لي بحبه لزبيدة، وكانت تزوجت، فيقول لي: كنت أحبها وأنا فتى لا أعرف الحب، فكانت إذا انصرفت ~~إلى أمها بعد اللهو واللعب أقبل مواضع أقدامها من الأرض، وأضع أذني على جدار حجرتها أسمع ~~أنفاسها وهي تتردد في سواد الليل البهيم، فيدق قلبي كلما تنفست، حتى إذا تنفس الصبح نهضت ~~وأعدنا ما كان ms32 بالأمس من سرور الطفولة وسعادتها، ولما تزوجت كان زوجها يأتي إلي، وهو يجهل ~~ما بقلبي منها، ويقص علي أخبارها وما يشعر به نحوها، وهو يظن أنني جماد لا أحس، وإذا ~~أحسست لا أفهم، وإذا فهمت لا أجسر على الكلام، وقد صبرت في تلك الأيام صبرا يدك الجبال، ~~ولكن ليس بعجيب ممن اعتاد الأسر والذل في سائر صنوف العيش أن يحتملها في الحب الطاهر. قال ~~الروح الحائر: وقد دامت صداقتنا نيفا وثلاث سنين، ثم انتقلت من البلد الذي كنا فيه إلى ~~آخر لطلب العلم، وكنت أعود إليه في المواسم والأعياد، فكان عيدي لقاء علي، ولا عيد لدي ~~سواه، فأسرع إليه وأقص عليه أخباري ويقص علي أخباره، وأعطيه ما قرأت من الكتب ويعطيني ما ~~قرأ، ونعوض ما فاتنا في أيام البعد بمواصلة أوقات الصفاء على ضفة نهر أو في حقل من الحقول، ~~نطالع كتابا أو نتحدث في شأن من الشئون، وفي عيد من الأعياد عدت إلى ذلك البلد وأسرعت ~~كعادتي إلى علي فلم أجده في مكانه، فسألت عنه من يعرف أخباره، فقال لي إنه ذهب ويعود، ثم ~~قال لي إنه مريض. فظننت أنه يشكو داء لا يزول. وإني لكذلك أرقبه وإذا بي أرى شبحا قادما ~~لا يرى منه الرائي إلا عينين براقتين وعظاما مغشاة بجلد أسود، وكان الطقس حارا، ولكن ~~الشبح يتقي البرد بغطاء من الصوف على كتفه وصدره، فتبينت القادم فإذا هو علي، فوجمت لأول ~~وهلة، ولكنني خشيت أن يهوله أمري فيحزن، ولكنه لما دنا مني لم أتمالك نفسي؛ فأجهشت في ~~البكاء، فلما رآني كذلك ابتسم واغرورقت عيناه بالدموع في لحظة، فكان يضحك ويلاطفني تارة، ~~ويكفكف دمعه تارة أخرى. # وجلسنا صامتين لا ننطق، وما زلنا كذلك حتى فك هو طلسم السكوت بقوله: كيف حالك؟ إنني أسأل ~~عنك، ولكنني لا أستطيع أن أكتب لك. وكان في كل كلمة يسعل مرة، وفي كل مرة كأنه يقطع نياط ~~قلبه، ونظرت في عينيه فإذا هما لا يستقران على حال من القلق كأنهما ركبتا على زئبق، ms33 فقلت ~~له: لعل ضعفك يا صديقي يزول قريبا. فقال باسما: هيهات أن يزول الداء قبل زوالي. فقلت: خفف ~~عليك ولا تكن جزوعا، ما هذا إلا ضعف ينقضي أمده. # قال: أتريد تخدعني كما يخدعني الأطباء، وكما أخدع نفسي؟ هذا سل يخترمني فإذا مت فاطلب لي ~~من الله الرحمة. قال هذا بثبات جأش وسكون، وحاولت تخفيف مصابه فلم أستطع؛ فصرنا نبكي ولا ~~يجف الدمع، ولما افترقنا أبى أن يعطيني يده وقال: إني أخشى عليك العدوى. وصممت أن أصافحه، ~~وأقسم ألا أبرح المكان إلا بعد أن أطهر كفي. ~~••• # كنت أزور عليا في مرضه في كل يوم مرة، ولا حديث له إلا ذكرى أهله وندمه على ما مضى منه ~~في غروره وطيشه إذ أطاع صاحبه وخلى بلاده، ويود لو يستطيع فيعود إلى وطنه. وكان يرثي نفسه ~~بأبيات نظمها وينشدها بصوت أجش يقطعه عليه السعال والبكاء. # ثم جاء موعد سفري فلم ألقه خشية ازدياد حزنه؛ لأن نفسي كانت تحدثني بأن لقاءنا سيكون آخر ~~لقاء، وعدت بعد ذلك بأسبوعين وسألت عن صاحبي، فقيل لي: سافر. فقلت: وإلى أين؟ فقال مخبري: ~~إنه في بلد بعيد. قلت: وأي بلد لعلي أزوره فيه؟ قال: أتريد أن تقف على الحقيقة؟ قلت: بلى، ~~إنه مات؟! فقال: نعم. # فبكيت حتى أبكيت مخبري، وقلت: هات حدثني كيف مات، فقال والبكاء يقطع حبل الكلام: بعد أن سافرت بثلاثة أيام ظهرت عليه علائم الصحة والقوة، وأراد أن يقضي ليلة في بيت ~~الطبيب كعادته القديمة، ولكن الطبيب كان حرم عليه دخول داره؛ خشية العدوى منذ اشتدت عليه ~~وطأة الداء، فكان ينام تارة في خان وأخرى في غرفة حقيرة استأجرها في أقصى البلد، ولما أحس ~~بالصحة والقوة قصد دار الطبيب وقرع الباب ففتح له، فلما رآه الطبيب قال له: ما الذي جاء بك ~~إلى هنا وأنت مريض بداء معد؟ أتريد أن يصاب أولادي بما أنت مصاب به؟! فقال له وهو تخنقه ~~العبرات: أنا قوي صحيح البدن. فقال الطبيب: إنك في منتهى الدور الثالث من أدوار السل السريع، ms34 ~~فاخرج من بيتي . فقال له علي: أيها الرجل الظالم القاسي، رد إلي حياتي فقد سلبتها مني. ~~وهجم على الطبيب، فصرخ الجبان وقال: أأنت مجنون؟ ولكن عليا خانته قدماه فسقط على الأرض، فشج ~~رأسه وطفح دما ولم يقم من رقدته، ولكنه كان لا يزال حيا، وكان خدم الطبيب قد أسعفوه، ~~فأمرهم سيدهم بحمل الميت الحي، فحملوه، وقال: اخرجوا به لوقتكم، فخرجوا به، وكان بجانب دار ~~الطبيب بيت انقضت جدرانه وتهدم بنيانه فوضعوه فيه، وأخذ الطبيب في تطهير ثيابه وأرض داره من ~~دماء تلك الفريسة الإنسانية، وأوعز إلى رجال الحرس بنقل الميت الحي إلى غير هذا المكان، ~~ولكن لم يوشكوا أن يبلغوا المكان حتى كان علي جثة خامدة. ~~••• # هذه ذكرى ذلك الصديق الذي باع حريته ووطنه بثمن بخس، فشراه الموت كذلك. # قلت: وكيف رأيت صديقك اليوم؟ # قال: رأيت روحه كما كنت أراه في الأيام الأولى، ورأيته يصحب روحا جميلا، فلما تعارفنا ~~توارى الروح قليلا فقال: أتعرف روح من هذا؟ قلت: كلا. قال: إنه روح زبيدة خرجت من العالم ~~الأرضي بعد أن خرجت، وكنت أتطلب لقاءها فالتقينا، ومر بنا روح ذو لون أغبر يسوقه جني في يده ~~سوط، فارتجف روح علي وقال: هذه هي روح والد زبيدة. # وقد لحقتني غشية لدى هذا الحديث، فلما أفقت كان الروح الحائر قد انصرف. # | الليلة الثامنة # الحزن الإنساني # أحاط بي اليأس يوما؛ فاستنجدت بالروح الحائر، فلما أجاب ندائي قلت: «أيها الروح الحائر، ~~إنني من الحزن في سجن ضيق، فهل لديك إلى الرجاء سبيل؟» قال: «خفف عنك؛ إن الحزن من حاجات ~~الحياة الفانية، وأغلب من ترى من الناس يائسون، إنما يظهرون القوة ويتعلقون بأهداب الرجاء ~~ويخلقون لذلك ألفاظا عذبة، كيف لا ييأسون وهم لا يدرون من أين أتوا، ولا إلى أين يذهبون، ~~وهم يشعرون في كل خطوة من خطواتهم أنهم مسيرون، على أنني منذ تركت الأرض تركت معها اليأس، ~~ولكن قد قضيت أياما لا أزال أذكرها؛ لأنها ما كان أقساها!» قلت: «حدثني عن تلك الأيام؛ لعل ~~بينها وبين ms35 أيامي شبها.» # قال : «كنت في تلك الأيام في حال يرثي لها الصفا الصلد، لا أعي على شيء ولا ألوي على أحد، كنت ~~حزين القلب مشتت اللب، إذا خلوت بنفسي حدثتني بالويل والثبور؛ فيحيط بي اليأس ويحتويني ~~القنوط ويتمكن مني الوجل مما يأتي به الغد، وإذا جلست إلى الناس كنت عنهم في شغل شاغل؛ ~~يقولون ولا أسمع، ويسمعون ولا أقول، فإذا نبهني أحد جلاسي إلى ما يبدو على وجهي من الألم ~~والحزن اختلقت له عذرا واستجمعت حواسي؛ فرارا من سؤال غيره، ولكن عبثا تحاول الثكلى أن ~~تضحك، وهيهات أن يفرح المحزون. # كنت أنظر حولي فإذا كل ما كان بالأمس يفرحني ويضحكني هو اليوم يحزنني ويبكيني، كنت قبل ~~اليوم أرى الحديقة ذات الأزهار والأنهار والسماء ذات الشموس والأقمار والأحراش ذات البلابل ~~والأطيار، فتسر ناظري رؤيتها وأشعر بلذة الحياة وأومن بالله وأحمده على نعمه، ويجري في عروقي ~~تيار الصفاء، فأهش وأبش لكل من يلقاني؛ لعلمي أنه من بعض الأنام، على أنني لم أكن في ذلك ~~العهد غنيا أو ذا مال يقوم بما أطلب، وكذلك لم أكن أقيم في قصر مشيد، ولم يكن لي من يخفف ~~من همي، ولكنني رغم ذلك كله كنت شبيها بالسعداء. # كنت في بعض الأحيان أشعر بانقباض في النفس وضيق في الصدر، وكثيرا ما ذرفت دموعا بلا علة ~~معلومة، ولكن هذه الحال لم تكن تدوم أكثر من يومين أو ثلاثة ثم أعود إلى حالي الأولى، أما ~~الأيام التي ذكرتها لك فكانت كلها كآبة وأفكاري كلها سوداء، وليس في قلبي مكان يدخل منه رسول الفرح، أقلب أجفاني فيما حولي فإذا كل إنسان وكل شيء لا ~~يروقني؛ فلا يضحكني المهذار بهزله، ولا يفرحني الجذلان بجذله، ولا يبكيني العاشق بشعره وغزله، ولا ~~يدهشني الغني بماله، ولا يحزنني الشقي بسواد حاله، لقد استوى لدي الماء والخشب، والراحة ~~والتعب، والفاقة والنشب! # هؤلاء أصحابي الذين كنت أسعد بعشرتهم يمرون بي ويجلسون حولي، ولكنني لا أرى فيهم ما كنت ~~أراه فيما مضى، لا أظن أن أمرا كان ms36 ينقصني؛ لأنني كنت ألعب بالذهب، ولا أرى في ذلك مسرتي، ~~هل ينقصني صديق وكل هؤلاء أصدقاء؟! هل ينقصني المجد وهو هباء؟! هل تنقصني أسرة وهيهات أن ~~تعادل حسناتها سيئاتها؟! لا ينقصني شيء، ولكنني أطلب كل شيء! # أرى كل شيء في العالم غامضا، ولكن نفسي تحدثني أن لا غموض ولا إبهام. إن الأغرار ~~والمجانين ومن يتبعهم من وحوش الإنسانية يقولون عمن يشرفون الإنسانية بحزنهم ضعفاء ~~الأعصاب، يشكون أمراض المعدة والأمعاء، ويحتاجون إلى الرياضة البدنية والهواء النقي. وكنت ~~أخدع بقولهم قبل اليوم، ولكني علمت منذ عهد قريب أن هذا القول الهراء ليس إلا دفاعا عن ~~مبدئهم الفاسد مبدأ عبادة المادة واحتقار الروح. # لقد عاشرت كثيرين من هؤلاء الأقوياء الأعصاب الذين لا يشكون أمراض المعدة والأمعاء، وخبرت ~~شأنهم وسبرت غورهم، فإذا أحدهم يبذل النفس والنفيس في سبيل المال، ولا يصون ما يسميه شرفا ~~في الحصول على الأصفر الرنان؛ لاعتقاده أنه مفتاح كل باب ومفرج كل كرب وفارس كل ميدان. ~~رأيتهم لا يعرفون من مذهب أبيقور إلا النهمة والشره، ولا يشغلون أنفسهم إلا بما يلمسونه ~~لمسا ويعتقدون بوجوده معنى وحسا، وغني عن البيان أن أمثال هؤلاء الوحوش يتخذون كل وسيلة ~~في الوصول إلى غايتهم ما دامت الغاية شريفة - كما يقولون، وإنهم يقولون ما لا يعتقدون - ~~هؤلاء الوحوش وقد سميتهم خنازير البشر لا يروقون في نظري، ولا يقنعني قولهم، ولا يفيدني ~~علمهم. # إنني أذكر يوما من أيام اليأس شعرت منه بالألم، ألم الضعف، ألم المرض والموت، فخفف هذا ~~الشعور سائر آلامي. إن الآلام التي كنت أشعر بها كلها آلام النفس والعقل، آلام روح حائر لا ~~يستطيع أن يستقر على حال، آلام قلب مشتعل بنار تأكل بعضها؛ لأنها لم تجد ما تأكله. # أرادت الطبيعة أن تخفف عني فزادتني ألما على آلامي، ولكنه الألم الأخير. إن حياتي حلقة ~~أحزان أشعر بها ولا يشعر بها غيري، أرى الآن أن ألم الجسم عندي لذة النفس كما كنت فيما مضى ~~أرى أن في إجهاد الجسد راحة للروح والعقل، عن قريب ms37 تدق ساعة حياتي دقتها الأخيرة ويسدل ~~الموت بيني وبين هذا العالم حجابا كثيفا لا يخترقه نظر الأحياء من أصدقاء وأعداء، عن قريب ~~يعود التراب إلى التراب وترجع النار إلى النار، عن قريب تصير الظلمة نورا والتعب راحة ~~والألم لذة والوجود الفاني عدما، عن قريب تغرب شمسي ويشق لي في جوف الأرض مضجع أرقد فيه ~~رقدة لا قيام بعدها. ولكن الشمس سوف تشرق من الشرق وتغرب في الغرب وتملأ العالم بالنور ~~والحرارة، والأفلاك سوف تدور دورتها، والأرض سوف تخرج نبتها، والناس يبقون كما تركتهم؛ وهم ~~بين لاه عن ميعاده مترقب له خائفا وجلا، ومتألم ضجر يستقدم ساعته وهي لا تأتي، فلا الشمس ~~وقفت في سيرها، ولا الأفلاك عطلت عن دورانها، ولا الأرض ضنت بنبتها، ولا الناس حزنت لفراق ~~من كان بالأمس بينهم يسعى. # كنت كلما أستعيد ذكرى الماضي تسود الدنيا في وجهي وتدثرني الهموم بثوب من الحزن لا ندما ~~على ذنب جنيته، ولا خوفا من الموت القادم، ولكن غيظا من عجزي عن حل ألغاز هذا ~~الوجود! # إنني إنسان، ولكنني لست كغيري من الناس؛ أنا تستفزني كلمة، وتخدعني إشارة إخلاص، ويفتنني منظر ~~جميل، ويحزنني بكاء فقير أو أنين عليل، إذا شكا لي حزين ناصفته قلبي، وإذا صفا لي صديق وهبته ~~لبي، إذا سمعت عن شعب ذليل أو أمة أسيرة وددت لو أنني من أبنائها فأقدم حياتي ضحية لها، ~~فكيف بي وأنا أرى ما أرى! أريد أن أعمل كل شيء ولا أقدر أن أقنع بالقليل، إني أستهين بكل عمل ~~أتركه ورائي فكيف بي إذا مت وأنا لم أترك عملا يعيد شباب الوطن ويعلي قدر ~~الإنسانية! # تقول عواطفي: «الحياة لا شيء.» فيقول عقلي: «ولكنها كل شيء.» تقول عواطفي: «ماذا يجدي قطع ~~ميل في طريق لا حد لغايته ولا بدء لنهايته؟!» فيقول عقلي: «إن قطع ميل أفضل من قطع الأمل.» ~~تقول عواطفي: «ما غاية المجد الفارغ إذا كان مصير صاحبه إلى الفناء الذي لا وجود بعده؟» ~~فيقول العقل: «قد يكون مجد رجل نبراسا يضيء محجة ms38 أمة، ويكون فوز أمة فوزا للإنسانية ~~بأسرها، وقد لا يعرف المرء قدر عمله.» تقول عواطفي: «الموت خير من الحياة في عالم يعيش فيه ~~النبيل العظيم محسودا مكروها محتقرا غريبا في أهله أجنبيا في وطنه يخلص له الناس ~~ليخدعوه، ويمدحونه ليذبحوه، ويرفعونه ليخفضوه، ويعظمونه ليستصغروه.» فيقول العقل: «صه! فما ~~أنت يا نفسي أول من عاش ومات ولم يعرف قدره، ولا أنت بأول زهرة ضاع أريجها هباء، ولا بأول ~~شعلة تبدد ضوءها عبثا.» طال أمر هذا العراك بين القلب والعقل، وهيهات أن يتفق النقيضان أو ~~يتحد الضدان. الموت مرقد الآلام، وهو وحده يحكم بين الاثنين؛ القلب والعواطف، كنت بالأمس أريد ~~أن يحزن لي كل من عرفني، واليوم تمنيت لو لم يعرفني أحد، بالأمس كنت خاملا أريد الشهرة، ~~واليوم أراني شهيرا أريد الخمول، بالأمس كنت أندب قلة أصحابي، واليوم أندب كثرة الخلان، ~~بالأمس كنت أود لو تطول أيام الحياة، واليوم يحزنني أن تطول، بالأمس كنت في عين نفسي كل شيء، ~~واليوم أصبحت لا شيء. لقد ذقت سائر صنوف الآلام، فوجدت أشدها على النفس وأقساها ألم لا يذوقه ~~كثيرون، ومن يذوقه مرة لا يعيش ليذوقه أخرى؛ وهذا هو ضيعة آمال الفرد أو الجماعة واختفاؤها ~~عن عين الفكر اختفاء السراب عن النظر بعد تمكن الظمأ من الناظر، آمال سنين تهدم في طرفة ~~عين، وآمال طرفة عين لا تحقق في سنين! # هذه صورة من فكري وأنا على حافة القبر، فلتكن عبرة من العبر، ولكن هيهات أن يكون في الناس ~~من يعتبر!» # ثم سكت الروح الحائر، وصاح ديك مؤذن بالفجر، فقلت: إيه لك أيها الروح، لقد هدمت ما بناه ~~الأوائل والأواخر، وهزأت بالصغائر والكبائر، لقد أغرقت البشر في بحر من الحزن والقنوط، ~~وتركتهم من الحسرة واليأس في محيط زاخر. # قال: «اسمع، إنني الآن خرجت من أرضكم بعد أن خبرت أمرها، فلما تجردت عن المادة فطنت إلى ~~سرها، إن الحزن معدنكم، وقد عجنت الأرباب الإنسانية بأمواه اليأس، ثم أخذتها سنة فاختلس إله ~~الحب غفوتها ووضع في العجين خميرة ms39 الأمل، فملئتم به ، ثم خبزتم في أتون الشقاء، وخرجتم ~~كالأرغفة، كل رغيف لقمة لآكل. إنكم أبناء الندامة، تمرحون لحظة في بساتين الرجاء، وقصة آدم ~~من الأساطير الأولى الخالدة؛ لأن لكل منكم تفاحة وثعبانا. أنتم - أيها الناس - قطع ~~الشطرنج، والقضاء والقدر لاعبان. أنتم - أيها الناس - صور تحرككم يد الدهر في ملعب الوجود ~~الحقير، والصوت المسموع فيكم هو صوت الحزن الدائم والعويل. اتخذتم الضحك وهو شكل من أشكال ~~البكاء، رقصتم لتخدروا أبدانكم بخمر الحركات لتغيب عنكم الأحزان، سكرتم لتقتلوا الهموم، ~~لهوتم؛ لأن اللهو ملجأ الضعفاء، كلكم ذليل، وأعزكم أذلكم، حتى الملوك على عروشهم وأرباب ~~أوليمبية لها يوم تنوح فيه. ألم تسمعوا صوت سوفوكليس المجيد وهو عينكم الباكية وصوتكم ~~الناعب ولسانكم الصائح؟ كلكم «الملك أديب»؛ لأن كلكم هدف لسهام الزمان، كلكم يتصداكم القضاء ~~ليقضي عليكم إذا آن الأوان، إن الطبيعة التي تدعونها جهلا وتمليقا أمكم الحنون تحتقركم ~~وتزدريكم وتبعث إليكم بوحوشها وأوبائها وإعصارها، البحار تلتهمكم، والنيران تأكلكم، ~~والشهوات تغري نفوسكم وتفني أبدانكم. فلاسفتكم أقلكم، هم يختفون وراء الألفاظ التي لا يفهمون ~~معناها، ويسخرون منكم كلما أبهموا في الآراء، نظاماتكم الأرضية الموضوعة فاسدة، وقوانينكم ~~وضعها المنتفعون بها، وأنتم كقطيع من الغنم يهش عليه الراعي بعصاه، يا حمقى! يا طائعين طاعة ~~عمياء! أيها العمي، إنكم لا تبصرون، هكذا كان أجدادكم، وهكذا أنتم، وهكذا يكون بعدكم الأحفاد، ~~أين سقراط صاحب العقل الأول رسول الأنبياء وشيخ الحكماء؟ لقد جرعتموه كأس السم وأنتم ~~جاهلون، وعيسى صلبتموه، وقلتم عن محمد إنه مجنون. جاءكم الإسكندر وقيصر فجلدا شعوبكم ~~بالسياط، وجرا ملوك الشرق والغرب من أرجلهم، ثم جاء الملوك فأخرجوا الأرباب من أماكنها ~~المقدسة، وتمسكوا أمامكم بحقوق قالوا إنها من الله. لعدلكم في كل مكان معنى، وللفضيلة في ~~كل بلد بيان، لقد طمستم وجه الحقيقة ولما تعرفوها، أسماكم فكرا كطفل على شاطئ بحر الحقيقة ~~يلتقط الأصداف ويغيب عنه الدر والجمان. سألتني عن حالكم فهذه حالكم يا بني الإنسان. # قلت: «كفى، كفى أيها الروح الحائر! ليس بعد هذا القول مجال، وأنتم - أيها ms40 الأرواح - ماذا ~~علمتم ؟ وماذا أوجدتم وراء الطبيعة؟ وهل حللتم لغز الوجود؟» # فقال: «اسمع كلمتي الأخيرة قبل وضوح الفجر: إنني أبقي القول إلى المستقبل، وكفاك حديث ~~الليلة في عالمكم ريثما تتأهب للوقوف على سر الوجود، إنه يأتي إلينا بمقدار!» # | الليلة التاسعة # حي الأموات بلوزان # زارني الروح الحائر، فلما هدأ روعي بعيد رؤيته قال: «إنني قادم من مكان بعيد.» قلت: «من ~~أين؟» قال: «تاقت نفسي لرؤية المقابر، فلم أشته رؤية مقابركم؛ فذهبت إلى بلد جميل فيه قبور ~~إن لم تحبب بحسنها الموت للقادمين عليه فهي لا تنفرهم من مضاجعهم الأبدية، وطفت بها، وذكرت ~~يوما من أيامي على الأرض؛ إذ كنت أطوف بمقبرة أخرى تشبه هذه في الحزن، فقد جالت في نفسي ~~أفكار شتى، وكسبت من اللحود عظات عظمى.» قلت: «حدثني - أيها الروح - بحديث المقابر.» # قال: كنت يوما في بلد من بلاد الغرب، فخرجت ألتمس فرجا من ضيق عراني، وسرت على غير هدى، ولست ~~أدري كيف وجدت نفسي في طريق مهجورة لا يرى فيها عابر السبيل سواه إلا كما يرى الضال في ~~الفلاة ضالا مثله، غير أنني كنت استخرت النظر في اختيارها، ولما كان بين العين والنفس رابطة ~~وكانت نفسي تشعر بحزن وانقباض؛ فلا غرابة إذا حسن لعيني أن تسير حيث لا أرى أحدا، وقد شعرت ~~بالانفراد في تلك الطريق حتى خيل لي أنني أول من سار فيها من بني البشر، وأوشكت أن أصدق ~~الخيال لولا ما أراه حولي من الأشجار المنزرعة على حافتيها، ثم رأيت في منحدر من الطريق ~~لوحة كتب عليها # Chemin de La Solitude ~~؛ أي: طريق الوحدة، ~~فقلت: أشهد أن من اختار الاسم حكيم. # سرت في طريق الوحدة وقد هدأ روعي قليلا بعد أن علمت أنه سبقني غيري إلى هذا السبيل، وشعر ~~السائرون به قبلي بالوحدة حتى جعلوها اسما عليه، وما زلت سائرا حتى بلغت فسحة كبيرة تلتقي ~~لديها ثلاث طرق وتفترق، فإحداها تبلغ براكبها شاطئ بحيرة ليمان، والثانية تقوده إلى بعض قرى ~~«الكانتون ديفو»، والثالثة دلتني على غرة مني ms41 إلى حديقة كبيرة حسبتها في مبدأ الأمر تابعة ~~لقصر من القصور أو متنزها جاد به مجلس المدينة على الغرباء. # لما توغلت في ذلك البستان رأيت أعمدة من المرمر الأبيض وأخرى من الرخام الأسود وألواحا ~~من حجر عليها أسماء وألقاب وآيات من الإنجيل والتوراة، فوقفت بغتة باهتا دهشا وقلت بصوت ~~سمعه ألوف الألوف ممن يسمعون ولا ينطقون: «إنني أجوس خلال المقابر!» وعند ذلك شعرت بعواطف ~~متضاربة في صدري، فخالجني السرور في أول الأمر؛ لبلوغي على غير علم مكانا كنت أود زيارته، ~~ثم اعتراني حزن؛ لأنني ذكرت نفسا أعز علي من نفسي ودعتها منذ أمد بعيد وحق لي أن أعدها - ~~وا أسفي - في عداد الأموات، ثم ذكرت في الحال أنني في يوم من الأيام - ولا أظنه بعيدا - ~~سأرقد رقدة كتلك الرقدات يكون فيها بيني وبين الأرض صخور وأحجار تمنع أصوات الأحياء أن ~~تستأذن على أذني، وتعوق جلبتهم أن تقلق راحتي أو تكدر علي وحدتي وتقطع أحلامي في ~~رقدتي. # ثم هدأت تلك العواطف المضطربة وعدت لنفسي، وساد سلطان العقل على جنود الخيال، فأول ما حولت ~~نظري إليه كان الجمال الشامل والسكون الكامل؛ لأن الوقت كان بعد الغروب بقليل، وكان الجو ~~غاية الاعتدال، وإذا اعتدل الجو في هذه البلاد سكنت الرياح وهدأت الطير في وكناتها، وصفا وجه ~~السماء. ولما كانت المقابر على مرتفع من الأرض، فالواقف في وسطها مثلي يملك منظر البحيرة ~~التي كانت كمرآة الحسناء نقاء، ومنظر الحقول الخضراء المبرقشة بأشجار ذات قطوف دانية وثمار ~~آن لها أن تجنى، ومنظر المدينة عن بعد سحيق بجلبتها وضوضائها. وبعد أن حولت نظري من ~~البحيرة إلى الحقول ومن الحقول إلى المدينة ومن المدينة إلى المقابر شعرت للحال برهبة أوشكت ~~من شدتها أن أخر ساجدا، ثم أحسست بأن السكينة دخلت على نفسي، وأن نزواتها قد كمنت ونزعاتها ~~سكنت، وكنت قد آليت على نفسي أن أرقب ما يدور فيها وما يطرأ عليها؛ ولذا استطعت أن أفرق بين ~~العاطفة الأولى التي جالت في صدري وبين العاطفة الثانية التي تلتها، ms42 ثم شعرت باختفاء ~~الثانية عن عين العقل وقد تلتها غيرها، وكانت هذه العاطفة ناشئة عما قرأته في صباي في الكتب ~~عن عبرة الموت وعظاته وآلامه، وكنت قد بلغت منتصف المقبرة وأنا أسير في طريق مرصوف بالصفا، ~~وكلما سمعت وقع أقدامي حسبت أنني أقترف جرما لا يغتفر؛ فقد تزعج مشيتي هؤلاء الراقدين، ~~ففيهم من هو حديث العهد بعالم الأحياء، وإزعاجه بوقع الأقدام محرك لآلامه، ومنهم قديم العهد ~~بالأرض فإن هو شعر بقادم تأفف وتضجر. # انتصف الطريق ورأيت أنني كلما توغلت ساد السواد، فكأنني كلما سرت خطوة ودعت الضياء ~~واستقبلت الظلام، فعجبت لذلك، ونظرت ورائي فظهر لي أن التوابيت وضعت بحيث يكون أقدمها عهدا ~~في آخر الطريق التي أعبرها وأحدثها في أوله؛ لذا كنت أمر في سبيلي بموتى هذا العام ويتلوهم ~~موتى العام الغابر وبعدهم موتى العام الذي قبله. ولما كان على كل قبر شجرة تزرع يوم الرقدة ~~الأخيرة؛ فالأشجار التي زرعت منذ مائة عام أكبر وأعظم وأغزر غصونا وأورف ظلا من الأشجار ~~التي زرعت منذ نصف قرن؛ لذا كنت كلما سرت إلى الأمام سرت في ظلال تلك الأشجار التي تحجب ~~عني أغصانها نور النهار. # هذا قبر جميل من المرمر الأبيض محاط بسياج من المعدن الأبيض، وحوله شجيرات ذات زهور ~~مختلفة الألوان، وبآخره عمود صغير مكتوب عليه «تذكار ولدي العزيز شارل، ولد عام 1899، وتوفي ~~1900.» إذن هذا طفل صغير عاش سعيدا ومات سعيدا، وهذا والد من والديه رآه وليدا وودعه ~~فقيدا وتركه في الفقر وحيدا، وليس لديه إلا تلك الكليمات! # هذا قبر كبير غير محاط بسياج، عليه آلة من آلات الموسيقى مصنوعة من الرخام، ولوح كبير من ~~الحجر الأزرق كتبت عليه هذه الكلمات «إلى هنري بوزيه من رفقائه وأبناء حرفته.» إنه قبر ~~موسيقي عاش يطرب الناس بأنغامه حتى دعاه داعي الردى فلباه. ولكنني أرى ألفاظا أخرى حفرت في ~~الصخر على عجل ثم محيت على عجل، فما هي؟ دنوت من تلك الكلمات وقرأتها بعد تعب طويل، فقلت في ~~نفسي: تبا لك أيها المازح، حتى ms43 مراقد الموتى لا تخلو من هذر المازحين . يظهر أن هنري هذا ~~كان موسيقارا في ملعب، وكان له صديق يحب المزاح فاسترق ساعة كتب فيها على القبر «لعل الله ~~يختارك ويدخلك أركستر الجنة.» # سرت إلى الأمام قليلا، ثم رأيت عطفة تميل بي إلى طريق آخر، فملت معها، ولم أوشك أن أسير ~~طويلا حتى رأيت عجوزين من النساء في ثياب الحداد وعليهما سيما الحزن الشديد وهما تسيران ~~صامتتين والأسى يتكلم، فلما أن بلغتاني حيتني إحداهما على غير المألوف، وهمست إحداهما في أذن ~~الأخرى؛ فدعاني ذلك أن أتبعهما بنظري، فرأيتهما تسيران متلفتتين، فخيل لي أنهما حسبتاني ~~صديقا قديما نسيهما، ولكنني رأيت واحدة تمسح دموع عينيها بمنديلها، فظننت أن فقيدها ~~يشبهني، فلما رأتاني قالت واحدتهما للأخرى: ليته لم يمت! وقالت الأخرى: لو كان هذا ~~هو! # هنا بلغت العظة الكبرى، ورأيت أجل القبور، وهو جدث عال عليه جلال وليس حوله زهور ولا ~~سياج، إنما نحت من صخرة تمثال كتاب ذي صفحات، وكتب على إحدى الصفحتين الباديتين بأحرف سوداء ~~واضحة: «إنني أنتظرك 1899، بيير بيلي»، وعلى الثانية: «ها أنا ذا لوربيلي 1901.» وقفت باهتا ~~أمام ذلك القبر العجيب، بل ذلك الكتاب الحجري الذي قرأت فيه آية من آيات الحياة، وإنها لأبلغ ~~من آيات الحكمة، وأي حكمة أجل من حكمة الموت! هاتان نفسان اتحدتا في العالم الفاني، واتحدتا ~~في العالم الثاني، وكما كان يضمهما فراش واحد أصبح يضمهما جدث واحد، وبعد أن كان قلب أحد ~~هذين الإنسانين يخفق وينقبض لفراق أليفه هدأ بعد أن اطمأن من شر البعد؛ لأن اللحد لا يخرج ~~من يدخله! ولكن كيف قضيت يا بيير هذين العامين منتظرا؟! لقد لحقك الضجر لا محال إذا كان ~~الموتى يضجرون، كنت تسلي نفسك بأن صاحبتك لن تخلف الميعاد مهما كان أمد الانتظار طويلا، ~~وأنت يا لور كيف قضيت هذين العامين؟ أكنت تذكرين كلمة رفيقك العزيز في كل يوم فتفكرين في ~~الموت صباح مساء وتستبطئين الفزع الأكبر، وتودين لو يأتي سراعا لتلحقي بزوجك المسكين؟ أم ~~كنت تنفرين من الذكرى ms44 إذا عرضت لك وتفضلين ألا تزوري المقابر لئلا تدعوك الزيارة لوفاء ~~الدين؟ # هذه مقبرة الإنجليز وصلت إليها! فإذا هي على حدة. قاتلهم الله! يحبون الاستقلال حتى في ~~الموت وينكرونه على غيرهم في الحياة! قبر طفل ولد في أستراليا وتوفي في لوزان، ما أبعد ~~الشقة يا هذا الصغير! لقد نشأت في تلك القارة السحيقة المحاطة ببحار الجنوب ذات السهول ~~الشاسعة والصحاري القاحلة والوديان العميقة والأنهر المتدفقة والحقول الغنية والأحراش التي ~~لم تطرقها قدم إنسان ولم يجس خلالها إلا الكنجرو ووحش البقر، ولربما ولدوك في كوخ بديع ~~محاط ببستان أنيق تغرد على غصونه بلابل الصباح، ولربما كنت تلعب في طفولتك الأولى على ضفاف ~~نهير تسيل أمواجه عسجدا، وحملوك إلى بلاد قصية قطعت في البلوغ إليها أشهرا، شققت عباب تلك ~~البحار، وقطعت أوصال تلك القفار؛ لترقد على ضفاف بحيرة ليمان في ظلال الجبال الشاهقة، فلو ~~علمت أنك سائر إلى حيث يخط لك مضجعك الأخير أفلا كنت تفضل أن يشق لك لحد في أرض ~~الذهب؟ # هذا قبر إنجليزي آخر كتب عليه: «عاش حرا، ومات حرا.» إيه لك أيتها الحرية، فإنهم يتغنون ~~باسمك حتى في الموت، ويودون أن ينسبوا إليك ولو في القبور! # وهاك قبر نيكولا روسي، مات في عام 1840 شهيد وطنه، جاهد في سبيل توحيد بلاده، ومات وهو ~~يذكرها بقلبه ولسانه «نم هادئا يا روسي؛ فقد وحدت بلادك واستقلت، وأصبح علم الحرية يخفق ~~على ربوعها، وكمن عدوكم في قصره لا يخرج من بابه، وقد مجدوا ذكر أستاذك العظيم، فبلغه ذلك إن ~~كنتم تلتقون، لقد وفق غيركم - رجلان - من بني جنسك إلى تحقيق أمانيكم، إنك لم تر بلادك حرة ~~متحدة، ولكن رآها غيرك، فهنيئا لك ولأمثالك المجاهدين، تبذلون نفوسكم في سبيل أوطانكم ~~وغيركم يبذلون أوطانهم في سبيل نفوسهم، إنهم الخاسرون! نم يا روسي؛ فإن أمثالك كثيرون، رحمة ~~الله عليكم أجمعين.» ~~••• # سمعت خلفي صوت فأس تشق فؤاد الأرض، فنظرت فإذا أنا أرى على بعد رجلين يحفران قبرا. أهلا ~~بك أيها القادم الجديد، لقد ودعت عالما ms45 كله نفاق وشقاق، عالما كله معاص وذنوب وجرائم ~~تشمئز منها النفوس النقية، لا يسمع فيه إلا اللغو، ولا تذاق في جواره سوى الآلام والأحزان، ~~يهضم فيه الحق، ويداس فيه الضعيف ويهمل، ويفوز فيه القوي ببطشه وبأسه، عالما يسود فيه ~~الأنذال والجهال وتقوم لهم دولة وصولة، ويحقر فيه أهل الفضل؛ لأنهم عاجزون عن مجاراة ~~الأسافل الأشرار في ميادين الخبث والدهاء، لقد ودعت عالما يبحثون فيه منذ نشأته عن الحقيقة ~~ولن يجدوها، ويتقون فيه الباطل ولكنهم يجدونه في كل زمان ومكان، عالما يستعبد فيه الحر ~~باسم الإنسانية، ويقتل فيه العاجز؛ تحقيقا لمذهب القائلين ببقاء الأنسب، وتقترف فيه ~~الآثام باسم الجهاد في سبيل الحياة، هذا هو العالم الذي ودعته، ولست أدري كيف يكون العالم ~~الذي أنت عليه قادم، ولكنني أعلم أنك هنا ترقد هادئا تظلك الأشجار وتهب عليك نسيم الصبا ~~حاملة روائح الزهور والرياحين، فنم واعلم أن في عالم الأحياء من يحسدونك على تلك النعمة ~~كثيرون. # دنوت ممن يحفر القبور، وهو لا شك شخص مخيف في نظر بعض البله والمجانين، وبعضهم ~~يتشاءم إذا رآه في الطريق أو مر بداره ظنا منه أنه رسول الموت وحامل لواء عزرائيل، لا يدب ~~إلا ويقتفي أثره قابض الأرواح، ولا يزور قوما في الغسق إلا والموت ببابهم قبيل الصباح، ~~فنظرت في وجه الرجل كأنني أبحث عن آثار الشؤم، فإذا هو وجه حسن التقسيم، ولولا خوفي من تهمة ~~الإغراق قلت إنه وجه مبارك ميمون. فقلت له: عم مساء يا أخي، أيغلق الباب هنا عن قريب؟ # قال: يغلق الباب عند الغروب لولا ما دعانا اليوم إلى التأخير، وها أنت ترانا نحفر ~~لحدا. # قلت: وهل يجوز أن يدفن الموتى بعد الغروب؟ # قال: إنها وحشة ابتدأت منذ أمس ولن تنتهي، فلا فرق ~~بينها فوق الأرض وتحتها. # قلت: نعم ما تقول، أتسمح لي أن أسألك سؤالا يتردد في نفسي من زمن طويل؟ # قال: سل ما بدا لك. # قلت: أتعيش هنا في المقبرة؟ # قال: ولدت ونشأت في هذا البيت، وأشار بيده إلى كوخ صغير ms46 في منتهى الطريق محاط بغصون ~~الصفصاف وعلى بابه شجرتان من السرو كأنهما حارسان لا يغفلان. # قلت: أوتقيم هنا طول حياتك؟ # قال: وطول مماتي إن كان للموت طول. # قلت: وما هي العواطف التي تجول في صدرك؟ أتحزن إذا واريت التراب عروسا غضة الشباب؟ # قال: كنت في بداية أمري أبكي على بعض القبور، أما الآن وقد حفرت بفأسي هذه خمسة آلاف قبر إلا ~~قليلا، فهيهات أن أبكي أو أتحسر! # قلت: «وكيف حالك في بيتك؟ ألا ترتعب إذا جاء الظلام؟!» # قال: «ليس في الراقدين لص يتسلق الجدران، ولا غادر يخون القوم وهم نيام، وإني هنا في مأمن ~~من شرور المدينة ومتاعبها.» # ثم سمعنا صوت قوم يتكلمون، وبصر الرجل بنعش محمول، فقال لي: لقد ~~شغلتني يا سيدي عن حفر مرقد ضيفي الجديد. ثم انحنى بالفأس على الأرض، فودعته وانصرفت، وكان الظلام ~~قد خيم حتى إن القادمين كانوا يحملون مشاعل وأنوارا، فأسرعت حتى بلغت الباب، وسرت وطريق ~~الوحدة، مطرق الرأس، مفكرا فيما رأيته وسمعته في مدينة الأموات. # | الليلة العاشرة # إشراف النفس على المستقبل # كنت أقرأ كتابا في علم النفس، وكانت نفسي تحدثني بأنها تستطيع الإشراف على المستقبل ~~استطاعتها الرجوع إلى الماضي، فلما زارني الروح الحائر سألته في ذلك. # قال: اعلم أن ~~الإشراف على المستقبل هو من معجزات الكون وسر من أسرار الوجود لم يكشف عنه لأحد، ولم يؤت ~~علمه أرفع النفوس قدرا، بيد أن الأرواح إذا صفت استطاعت أن تستنير في الاستنتاج بشعاع من نور الحكمة ~~الربانية، حدث لي في حياتي الأرضية حديث عجيب سأقصه عليك: كنت أسأل نفسي دواما هذا السؤال: «هل بين عواطفنا وميولنا في حياتنا وبين المستقبل الخفي الذي يضمره لنا الموت والفناء ~~علاقة؟» وهذا سؤال حرت في الجواب عليه، ولكن حوادث الأيام علمتني أن هناك رابطة قوية بين ~~الحال والاستقبال، وأن حبلا متينا يربط الحياة بالموت. # كانت حياة صديقي الشاعر دي نافا وقصائده وكتبه ومنزله كلها تنبئ الخبير ببعض أسرار هذا ~~العالم أنه سيموت ميتة فظيعة، وأنه لن يذهب قبل أن ms47 يرى الأهوال. # عرفته وعاشرته في بيته الجميل على شاطئ بحيرة جنيف، وقضينا معا ساعات طويلة في حديث لذيذ ~~في السياسة والفنون الجميلة والصحافة والأدب والتاريخ، وتارة كان يريني تحفا وطرائف من صنع ~~المتفننين، وأخرى يسمعني نبذا من كتبه أو ينشد لي شعرا من ديوانه. # رجل قوي جميل ذو هيبة ووقار وهيأة حسنة، له شعر منسدل في مؤخر الرأس ولحية مستديرة؛ فكان ~~وجهه محاطا بالشعر الذي يكسب الرجل منظره الطبيعي ويبعث في قلب من ينظر إليه بالاحترام، ~~كان طويلا بين الرجال، عريض الكتفين كأنه من بقايا أبطال الرومان، أو من هراقلة اليونان، ~~ولا عجب فهو ابن عروس البلاد وأعجوبة المدائن. # كان مع ذلك العظم في الخلق والجلال في الهيئة كالطفل الصغير دعة ولطفا، حلو الحديث، لين ~~العريكة، بطيء الغضب، واسع الصدر؛ وهذه صفات الرجل العظيم. # كان يحدثني هذا الصديق الكريم عن أيام فتوته إذ كان يطلب العلم في مدينته، ويقص علي ~~حوادث حياة الطلاب في المدينة الخالدة، ويصف لي حياة المتفننين من مصورين ونحاتين وموسيقيين ~~وممثلين ممن عرفهم في صباه، ويقص علي وقائعه الغريبة في أحياء باريس القصية في ليالي ~~الشتاء، ثم ينتقل إلى رجوليته وحياته السياسية وتحمسه الشديد للحزب الجمهوري الديموقراطي، ~~ويسمعني نبذا من خطبه التي ألقاها أمام الجماهير المائجة في القرى القريبة من بلده وفي ~~ساحاتها العامة، ثم يصف كيف عرف رئيس حزب الاشتراكيين وكيف وكل إليه هذا رئاسة تحرير ~~جريدته. # كان يعمل في اليوم ثماني عشرة ساعة بين تحرير وتصوير رسوم سياسية ونظم قصائد للمجلات ~~الأدبية. # ثم انتهت تلك الحياة المملوءة بالحركة الدائمة، وانقطع دي نافا للنظم والتأليف، تارة في ~~وطنه وأخرى في سويسرا، وإذا تكلم عن وطنه كنت أرى في عينيه بريقا غريبا وفي جبينه نورا ~~جديدا، ثم يأخذ يقول عن مدينته وما والاها أكثر مما يقول العربي عن الجياد والخيام «بسقط ~~اللوا وحومل.» # كان يرسم لي بألفاظه وعينيه وإيماء يديه مدنا وقرى مملوءة بالناس، وأرضا خضراء ذات خصب ~~وزرع كريم، وسماء صافية لا تعكر نقاوتها الغيوم، ms48 وبحرا زبرجديا كأنه لسكونه وهدوئه نيلا ~~يحمل تابوت موسى الكليم، وجبالا شامخات تلمس بقممها الكواكب، وتناجي سكان الأرض من رءوسها ~~سكان النجوم. # تلك البقعة من بقع أوروبا يصفها ابنها الشاعر الذي لم يعرف المدح ولا الهجاء، ولم ينزل ~~بملكة النظم من العلا الذي خلقت لأجله، بل وقفها على ترديد صوت عواطفه ووصف جمال ~~وطنه. # ولكن ... استدراك أبدي في محور الدائرة؛ لماذا كانت جدران المنزل مزدانة بصور الموت؟ ~~لماذا كنت إذا دخلت غرفة الجلوس رأيت في صدرها لوحا نقشت عليه صورة تمثل هيكلا إنسانيا ~~مجسما وفي يده محصدة يحصد بها النفوس، وتحت أقدامه جماجم وعظام لا تحصى ولا تعد؟ # لماذا كنت إذا دخلت غرفة الطعام رأيت بدلا من صور الفواكه والأسماك وقناني النبيذ التي ~~تزدان بها غرف الموائد؛ صورا تمثل الفناء نازلا على أهل مدينة ومرفرفا عليهم بجناحيه ~~المشئومين؟ وفي إحدى النواحي غربان سحم تنعق وبوم رابض لا يرى منه إلا عيناه الفظيعتان ~~اللتان تملآن قلب الناظر إليها هلعا؟! # لماذا كانت غرفة نومه مزدانة بصورة أوفليا وهي جثة خامدة طافية على وجه الماء في نهر بديع ~~على ضفتيه أشجار الصفصاف الخالدة، وعلى رأسها إكليل من الأزهار وضعته بيدها؛ ليكون حليتها ~~الأخيرة وكأنه رثاء الطبيعة لها؟ # لماذا كانت حوائط السلم مملوءة بصور بركان فيزوف أثناء هياجه الأخير؟ # كذلك كان ما رأيته من مؤلفات صاحبي نظما ونثرا، قلبت صفحات كتابه «الخرافات الإنسانية» ~~فإذا هو قصص ليس فيها إلا أحاديث الموت والفناء، وتصاويره ذاتها مرعبة مزعجة. إنه يضرب لنا ~~الأمثال على لسان الإنسان كما ضربها إيثوب ولافونتين وعثمان جلال وإبراهيم العرب على لسان ~~الحيوان، ولكن في كل قصة من تلك نرى أثر الدماء المسفوكة والأشلاء المبددة والأجسام ~~المشوهة، الموت يرفرف على صفحات الكتاب من أوله إلى آخره، حتى قصصه التي تبتدئ بالعشق ~~والجمال والسعادة تنتهي بالخراب والموت والفناء. كأنك يا دي نافا جمعت آلام البشر وحشرت ~~فظائع الحياة الإنسانية في كتاب تناولت شعره فلم تكن دهشتي منه أقل من دهشتي لنثره: «رثاء ~~سفينة لم ms49 ينج منها أحد»، «صوت الموت»، «أسرار قصر شيلون »، «جحيم دانتي». # فلما رأيت هذا وذاك قلت: إن صاحبي مفكر حزين، وقد يكون في المستقبل من واضعي الروايات ~~الفاجعة، ولم يدر بخلدي أن منزل الرجل وكتبه وشعره كانت كلها حلقة تربط الحال ~~بالاستقبال. # لم يجل بخاطري أن حالة صاحبي النفسية وظواهره المادية والمعنوية لم تكن إلا علاقة العقل ~~البشري بحوادث القضاء. # لم تحدثني نفسي أن ما رأيته في بيت صاحبي وما قرأته في مؤلفاته كان أكبر دليل على أن ~~الإنسان ليس إلا آلة عمياء في يد القضاء، وأنه مجذوب مدفوع إلى نهايته بكل قواه وبكل ما ~~يحيط به. ~~••• # في شهر يناير أرسلت إلى صديقي دي نافا تذكرة أهنئه فيها بحلول العام الجديد، فلم يصلني منه ~~رد، فكتبت بعد حين إلى صديقة لنا وسألتها عن صديقها، فأجابتني هكذا: «إن دي نافا سافر من لوزان هو وأسرته إلى مارتينيك، وكان هناك يوم نزلت الكارثة بأهل ~~الجزيرة وهلك وأهله مع الهالكين.» # | الليلة الحادية عشرة # الأخوات الثلاث # زارني الروح الحائر وأنا أقرأ ديوان شعر، قال: أتقرأ الشعر؟ إنك إذن لا تزال متعلقا ~~بالخيال. قلت: كيف ذلك؟ قال: إن الشعر صنع الغاوين وفتنة أرباب النفوس الخفيفة؛ لأنه لا ~~يكون خاليا من ذكر الحب، والحب حلم فارغ مزعج. قلت: كيف تقول هذا وأنت في عالم الأرواح، ~~عالم الحب والهناء الأبدي؟ قال: بل كيف تقول إنني في عالم الحب والصفاء الأبدي وأنت تعلم ~~أنني روح حائر أنشد الحقيقة بعد الموت كما كنت أنشدها قبله؟ قلت: وهلا تلتمس الحب أيضا؟ ~~قال: كلا، إنني عرفت ثلاث أخوات فلما رأيت طبائعهن وبانت لي حقيقة المرأة أعرضت عن الخيال ~~وهمت بالحقيقة. قلت: حدثني حديث الأخوات الثلاث. # قال: الأخت الكبرى امرأة متزوجة وليس للحسن في خلقها حسنة إلا أن مجموعها لا ينفر النظر، ~~وتقاطيع وجهها إذا أخذت جملة قد تخدع المشاهد عند الوهلة الأولى، ولها من حين إلى حين نظرة ~~حسنة يسميها العرب نظرة غنج ويصفها الإفرنج باللين، فيقولون إنها ذات نظرة «لينة»؛ لأنهم ms50 ~~يرون انكسار العين فيفهمونه، ولكنهم لا يتصببون فيه ، إنني لم أرها بكرا، ولكنني أظن الزواج ~~قد خلع عليها حلة لا يمنحها إلا من يدخلن فناءه. # أبو الثلاث إيطالي المولد، وأمهن فرنسوية من صميم فرنسا، فأخذتها جدتها إلى إيطاليا في ~~صباها وحببت إليها السياحة، فانتبهت في نفس البنت عواطف كانت خامدة، وتحرك فيها العرق ~~الدساس، ففطنت إلى ما حولها من جمال الطبيعة، وقضت أياما طوالا في كنائس بدوا وفلورنسا ~~ومعابد جنوة ومقابرها، كانت خجولا فتعلمت الإقدام، ومحبة لبيت أمها فمالت إلى الأسفار، ~~وهيئ لها أن تسافر إلى بلاد الإنكليز فلم تتردد، واخترقت بحر المانش، وقضت بينهم ثلاث سنين، ~~تعلمت خلالها لغتهم، وخالطت رجالهم ونساءهم، واطلعت على كثير من دخائلهم، واستفادت من عشرتهم. ~~ثم عادت إلى فرنسا، فتزوجت من طالب لم ينته بعد من دراسته، اكتسب حديثها طلاوة المنطق فهي ~~ليست كغيرها من الفرنسويات، لا تأخذ القول على علاته، إنما تمحص الآراء، ولا تكثر من الحديث، ~~وهذه من نعم الإنكليز عليها. تعلمت الرزانة في الأخلاق ونسيت الطيش والحدة، لا أظنها كانت ~~طائشة في صباها، ولكن لم تكن لتصل إلى الأناة والتؤدة التي بلغتها في العشرين إلا نحو ~~الأربعين. # تعلمت أن الإنكليز يعملون ولا يقولون، وأن بعض الناس يستبيحون الخبث للتستر، وأن ما ~~يقترفونه في الخفاء تقشعر الأبدان من ذكره في العلانية، فرأت أن هذه وسيلة لا بأس بها وأنها ~~تنيل الغرض وتحمي من الملام. عرفت ذلك من حديثها، ولكنني لم أعلم إلى أي مقدار بلغ تطبيق ~~العلم على العمل في شئونها، إنما أعلم أنها قادرة على اللعب بزوجها كما يلعب الإنكليز بكرة ~~القدم، وهي تعامله كالطفل، وقد تجده أبسط من أطفال الإنكليز الذين كانت تتعهدهم؛ لأنها كانت ~~مربية. رأيت من حديثها أنها تعتبر ذاتها زوجة إنكليزية لزوج فرنسوي - هي العقل المدبر وهو ~~اليد العاملة. # قرأت معظم مؤلفات إميل زولا وهي تلخصها كتابا كتابا أمام أختيها الصغريين بلا حياء، ولا ~~تخفي استحسانها لأبشع ما كتب الأستاذ الجليل، فيخيل لمحدثها أنها رجل لا امرأة، ms51 وقد يكون ~~زوجها جالسا فلا يفهم أكثر ما تقول، وإذا تكلم المسكين أشفع كل جملة من حديثه بنظرة إليها ~~وبقوله: أليس كذلك يا زوجتي؟ فتجيبه: بلى، يا زوجي الصغير. إنها تتكلم الإنكليزية بتردد كما ~~يسير الطفل في شهوره الأولى، ولكنها تعير تلك اللغة الصلبة مرونة لسانها الجميل، إنها لم ~~تقرأ كثيرا من الكتب، ولكنها قرأت لكثيرين من الإنكليز، رأيتها يوما وحيدة ولم يكن معها ~~زوجها فلم تترك لحظة تمر بدون ذكر كلمة تخرج عن سياج الآداب من اللغة المحلية بين الطبقات ~~الدنيا «أرجو»، فإذا سألتها معنى ما تقول أطنبت في التفسير ولم تترك مجالا لقائل، فكنت ~~أشعر بأنها من النوع الذي يمرح في الأقذار ويستبيح ما لا يستباح باسم الحرية، لقد أنقذها ~~الله بالزواج الذي منحها الصون المصطنع والعفة المفتعلة، ولست أدري ماذا كانت تكون حالها لو ~~بقيت بدونه، وقد جمعت في طبيعتها ميول الفرنسويات وخبث جيرانهم؟ # أظنها تعيش سعيدة وتسعد زوجها إذا لم يمت قبل الأوان، وإذا لم تلق في طريق الحياة من هو ~~أجمع للصفات التي تستهويها. إن زوجها يعيش معها على سفح بركان، ولكن كثيرا ما تنمو على تلك ~~السفوح جنات خضر وحدائق. # الأخت الثانية لا تزال في عرف الناس عذراء، وعرف الناس أمر لا يعول عليه كثيرا، ولولا ~~ذلك ما كتب مارسيل بريفو كتاب «أنصاف العذارى». إنها لا شك فتاة جميلة ناضجة ذات شعر أسود ~~وعينين دعجاوين ووجه مقسم وصوت رخيم وقوام جميل، هي سمراء كأنها من أهل صقلية، وفتانة كأنها ~~من سكان نابولي الجميلة، ولها نظرة ساحرة كأنها من بنات البندقية، وقد دلني حديث أمها أن ~~أباها إيطالي المولد؛ فلا غرابة إذا جمعت تلك الصفات. # إن تلك البنية بقيت في نظري لغزا لا يحل ومعجزة لا يعرف كنهها إلى حين، ثم رفعت العشرة ~~الطويلة لي الستار عن حقيقة خلقها رويدا رويدا، في بداية الأمر لم يمكني الحكم عليها؛ لأن ~~نظرة واحدة مني إلى رأسها وصدرها كانت تحدث في نفسي اضطرابا؛ لأنني لم أكن أرى بشرا ms52 إنما ~~أرى تمثالا من التماثيل البديعة الصنع التي أودع أساتذة النحت فيها نفوسهم وعقولهم وملئوها ~~بأسنى المعاني التي تجول في صدورهم وزينوها بأجمل ما يستطاع التزيين به، غير أن هذا ~~التمثال يتكلم ويروح ويغدو وله صوت ذو أنغام موزونة تطرب الأذن والنفس، إنك يا فالنتين آية ~~العاشقين! # ولكن النفس أو الروح أو العقل أو الفؤاد أو القلب أو بعبارة أخرى الموجود المعنوي الذي ~~يستره ذلك الرداء المادي ما هو؟ ما لونه؟ ما صفاته؟ هنا معجزة المعجزات وعقدة العقد، إنني ~~لم أخل بالفتاة إلا دقائق معدودة، فلم أتمكن من النظر في البئر العميقة المختفية وراء تينك ~~العينين السوداوين، ولكنها لحسن الحظ كثيرة الكلام على المائدة، لا تمضي لحظة إلا وتبدي ~~ملحوظة، ولا يرد ذكر أمر ما إلا ولها فيه رأي، حتى إذا كانت في غرفة مجاورة وسمعت حديثنا ~~عادت إلينا وقالت كلمتها، إنها حادة الشعور جدا، ولكنها كثيرة الكتمان، إنها لتجلس لحظة ~~فتلعب بعقد الزبرجد الذي يحيط بنحرها الجميل، وتضع قطعة من الياقوت معلقة في طرفه إلى ثغرها ~~كأنها طفلة تلهو، فأفطن لساعتي إلى الفرق الشديد بين لؤلؤ ثناياها وياقوت عقدها، ثم إذا هي ~~تمعن النظر في الأشياء بدقة كأنها تدبر مكيدة أو تستخرج سرا، ليس أعظم من الفرق بين ~~الطفلة اللاعبة والمرأة المفكرة إلا اجتماعهما في شخص واحد. # إنها تحب نفسها كثيرا، وإذا أبغضت حقدت، وإذا حقدت انتقمت، وإنها لتودي بمن تنتقم منه. ~~لو كانت ملكة لكانت إليزابث، كلا! إنها أقرب إلى كاترين دي مديتشي، ولو كانت رجلا لكانت ~~ماكيافيلي، ولو كانت حيوانا لكانت فهدا أسود، ولكن أليست إيطالية؟ قد تكون في دمائها قطرة ~~من دم بورجيا وأخرى من دم مديتشي، إنها لم تخلق لتعيش عيشة هادئة في بيت صغير في شارع سولي ~~بمدينة ل ... إنما خلقت لتشرق شمسها في بلاط مملكة من ممالك إيطاليا في القرن الخامس عشر ~~حيث يجد روحها الشرير مجالا للدسائس وميدانا للإيقاع بأعدائها. إن كلمة «فنديتا» مكتوبة ~~على جبينها، ولو عادت إلى سهول كورسيكا أو ms53 وديان صقلية حيث كان يمرح جدها في الناس قتلا ~~وسلبا لرأت نفسها حيث تطمئن؛ لأنها لا ينقص جمالها الفتان وعضلها المفتول وذكاءها الخارق ~~وإرادتها القوية لتكون رئيسة عصبة إلا ثياب الجبل وسلاحه. # ليس في اللغة الفرنسوية كتاب تجهله العذارى إلا قرأته، أطلقت لها أمها العنان، فجرعت ~~هنيئا مريئا من عين زولا الصافية، ثم أشبعت نفسها من مؤلفات بريفو، وغذت ذهنها بأغاني ~~مونتمارتر، وشاهدت رواية سالوميه ولم يفتنها سواها. خلقها في هذا الجيل فلتة من فلتات ~~الطبيعة، إنها خلقت لتلبس تاجا ولتخرج من كيسها حقا صغيرا فيه سم زعاف تقتل به عدوها ~~أو تشربه هي إذا وقعت في يده وضاقت بها الحيل. # مستقبل الفتاة يصعب علي الحكم عليه، ولكنني أكاد أراها تمثل في دائرتها الحقيرة أدوارا ~~تلائمها، وتتحسر على أنها لا تستطيع اقتراف الجرائم وتشرب الدم وتصلب الأعداء. # أما الأخت الثالثة فمخلوق لا معنى لوجوده، لا ينفع ولا يضر، لا يحيى ولا يميت، قيمته في ~~الحياة كقيمة الصفر على يسار الأرقام المعدودة، مسكينة هي، حتى اسمها نسيته، لا! هو جوليت، ~~ما أغرب هذا الاسم على هذا المسمى! # جوليت بنية في العشرين من عمرها، ولكن الناظر إليها يحكم عليها بأنها من بنات الثلاثين، ~~وجهها لا وصف له، ليس جميلا وليس قبيحا، ولكنه وجه مبتذل دنيء، تقاطيعه جافية كأنها ~~مصنوعة من خشب لا من لحم ودم كأنها صنعة النجار، كذلك جسمها قطعة واحدة لا تقسيم فيه، إذا ~~سارت سارت كلها، وإذا جلست جلست كلها، وإذا وقفت وقفت كلها. إن أعضاء بدنها نموذج في ~~التضامن، والتضامن صفة محبوبة في أعمال الرجال، ولكنه مبغوض جدا في أجسام النساء. # قيل لي إنها تعيش في بيت غير بيت أمها. ولست أدري ماذا تصنع، وأظنها شبه خادمة أو نصف ~~مربية، عيشتها بين الأجانب، واعتمادها منذ فتوتها على عرق جبينها، وتعويلها على تعبها، علمتها ~~أمها الذل والاستكانة، فهي المسكينة تجد نفسها غريبة في بيت مخدوميها وغريبة بين أمها ~~وأختيها؛ لأنها تشعر بأن أمها لا تحبها ولو أحبتها لأبقت عليها، ms54 كذلك تشعر بقبحها وجهلها ~~بالنسبة لأختيها فلا تقرب من إحداهما، وإذا تكلمت همست كأنها طفل يتيم، وإذا جلست على مقعد ~~يبدو عليها من المسكنة كالعبد بين أيدي أسياده؛ لا يكاد جسمه يلمس طرف المقعد ويداه مضطربتان ~~في حجره ورأسه مطرق وعيناه مغضيتان، كذلك إذا تحدثت قالت قليلا مبهما وسكتت بخوف ووجل ~~كأنها تلميذ يخشى عقاب الأستاذ إذا رآه يتكلم في المكتب، أو مجرم شاعر بذنبه ويحاول عبثا ~~الدفاع عن نفسه والتبرؤ من جنايته. # أمها لا تعيرها التفاتا، ونادرا ما تدعوها إلى الغذاء، وأختها الكبرى إذا رأتها تشفق ~~عليها وتدعوها إلى بيتها بعد مشاجرة عنيفة بينها وبين زوجها. أما الأخت الصغرى فالنتين ~~فتهزأ بجوليت المسكينة وتصرعها بنظراتها كما يصرع الأخ القوي إخوته الضعاف بذراعيه، وتتيه ~~عليها بجمالها وتعاكسها بعنف كما يعاكس الأطفال بعض الوحوش المسجونة في حديقة الحيوانات. إن ~~تلك الوحوش وراء قضبان من الحديد يمكن كسرها، ولكن جوليت في سجن أضيق وأشد ولا يمكن كسره، ~~هو سجن الفقر والقبح والذل! # رأيت هذه المسكينة ثلاث مرات، فكنت أتقرب إليها تعزية لها وسلوى، وكنت أرى في عينيها ~~عرفان الجميل يكاد يسيل دموعا، قد يكون قبح الوجه من دواعي حسن الطباع والأخلاق. إن نفسي ~~تحدثني بأن جوليت كريمة النفس طيبة القلب؛ لقلة ذكائها وجمالها. إن تلك المسكينة عاجزة عن ~~إتيان الشر، وتلك الخشونة الظاهرة دليل على الرقة الباطنة، لا بد أن تكون جوليت قبيحة الوجه ~~جميلة النفس عكس أختها الصغرى. # أما عن مستقبلها فهو واضح جلي، إنها ستبقى من راهبات القديسة كاترين إلى أن تلقى شريرا ~~ذكيا. ~~••• # هذه تصاوير الأخوات الثلاث، رسمتها بما في وسعي من الإتقان، وقد قالت لي أمهن إنهن ~~شقيقات وإنها لم تتزوج إلا من رجل واحد، ولكن ابنتها الكبرى نظرت إليها نظرة ودت أن تقول ~~بها: إنني - يا أماه - أستبعد تلك النظرية، ولو قبلتها فليس ضروريا جدا أن نكون نحن ~~الثلاث ثمرات هذا الزواج. # قال الروح الحائر: «هذه ثلاث نموذجات للمرأة لا تخرج أنثى عن أحدها؛ فإما كالأخت الكبرى ms55 ~~امرأة لا تمتاز بحسنها، ولكنها ترضي زوجها فتكون عفتها عفة ضرورة، وهي بؤرة فساد كامن دعت ~~إلى كتمانه الأكاذيب والنظامات المتفق عليها، وإما جميلة شريرة تنال بأذاها القريب منها ~~والبعيد عنها كالأخت الصغرى، وهي نذير خراب البيوت تحفر طول حياتها قبورا للرجال، ومن لا ~~تواريه التراب أوقعت به في حبالة، والثالثة كائن لا معنى له لا يضر ولا ينفع، جعلته الطبيعة ~~صدقة على من لم يقع فريسة إحدى المرأتين.» # | الليلة الثانية عشرة # الفاكهة المحرمة # زارني الروح الحائر فقلت له: إنني لا أزال أذكر حديث الأخوات الثلاث، ولكني لا أجد للحب ~~أثرا في هذا الحديث. قال: نعم، إنني ذكرت لك طباع المرأة. قلت: ولكني لم أتطلب قولا في ~~طبائع النساء، إنما تطلبت منك حديثا في الحب. قال: كيف الوصول إلى ذلك دون الوقوف على ~~طبيعة المرأة! إن الحب إلا عنصر من العناصر المكونة لخلقها، فمن وقف على الخلق كله وقف على ~~عناصره. قلت: أتيت لي في الليلة الماضية على حديث نساء تغلب الشر على الخير في طباعهن، فهل ~~هذا كل ما علمت عن المرأة؟ قال: كلا، إن لدي أحاديث شتى عن حياتي الأرضية. قلت: هات ما ~~عندك؛ لعلي أجد الحقيقة التي أنشدها. # قال: كنت أسيح في بعض بلاد الغرب، فعرفت رينيه إذ كنت بإحدى قرى الألب، وهي عذراء في ~~الثامنة عشرة من عمرها، تكاد تكون لسواد شعرها ودعج عينيها وعمقهما شرقية لا غربية، وكان ~~لهذا الجمال الأجنبي معنى خاص به، ويظهر أن أهلها أنشئوها على التربية والعادات السكسونية؛ ~~قوة في الساعد، وحرية في الفكر والقول. كنت أظن هذا الفندق الذي نزلت به خلوا من الأضياف، ~~وأنني سأذوق لذة العزلة في رأس الجبل خمسة عشر يوما، ولكن هذه الفتاة أفسدت ظني وعكست ~~أملي، وجعلتني منذ تحادثنا أكثر شغلا مني في أكبر العواصم وأكثرها اضطرابا. # التقينا في غرفة الجلوس الصغيرة الحقيرة في يدي «أفكار بسكال» وفي يدها «مكاتيب فرانسواز» ~~وضع مارسيل بريفو. بدأت تحادثني فذعرت؛ لأنني لم أعتد ذلك، قالت لي في آخر ms56 المجلس: «إنني ~~سعيدة إذا كان في قربي منك ما يخفف آلامك.» غير أن خبرتي بأخلاق البشر وقتني شر الانخداع، ~~ولو كنت سمعت هذه الكلمة وأنا في السابعة عشرة من عمري لخررت أمام قائلتها ساجدا، لكن ~~السنين القليلة التي «عشتها» جعلتني إذا سمعت أضعاف هذه الكلمات الحلوة أبتسم بسمة ~~غير المكترث. ~~••• # في الجلسة الثانية تكلمنا في الفنون الجميلة، وتبادلنا الخواطر عن متاحف باريس، وورد عرضا ~~ذكر صورة جوكوندا التي تزدان بها جدران اللوفر، فقالت رينيه إنها لما رأتها لأول مرة منذ عام ~~واحد بكت، فسألتها بدهشة عما دعا إلى ذلك البكاء، قالت إنها لما رأت نفسها أمام تلك ~~المخلوقة الكبرى هاجت عواطفها فأسدلت الدموع، قلت لها: إن دقة الإحساس إلى هذه الدرجة تنغص ~~حياة صاحبها. فضحكت الفتاة وقالت: ولكن هذه الدقة ذهبت بذهاب العام الغابر. قلت: كيف؟ إذا ~~رأيت الآن أمامك منظرا مؤثرا يكون بالنسبة لك في هذا العام كمنظر جوكوندا في العام الغابر ~~أفلا تبكين؟ قالت: لو دعاني الآلهة إلى مائدتهم وسقوني بأيديهم المقدسة كئوس الرحيق أو ~~خلقوا أمامي العالم بأسره من جديد وعذبوا نصف أمم الأرض؛ ما نزلت من عيني دمعة واحدة. ~~فأدهشني ذلك الكلام، وقلت: إن أشد الرجال بأسا وأقساهم قلبا لا يقول مثل هذا القول، وإن ~~قاله فهو مازح. قالت لي: قل إن أفظع الوحوش الكاسرة لا يمكن أن يتصف بتلك الغلظة. قلت: ~~كلا، إنني لا أقول ذلك، ولكن هل لهذا الانقلاب من سبب؟ قالت: نعم، إنني أحببت رجلا كان ~~يحبني، ثم علمت أن حبه كان كاذبا. قلت لها: أوحادثة واحدة كافية لأن تقلب في نظرك نظام ~~الكون؟ قالت: إنك رجل ولا يمكنك أن تفهم نفس المرأة، إنكم - أيها الرجال - لا تشعرون. قلت: ~~عفوا يا سيدتي. قالت: إن حادثة واحدة تشمل حياتي بأسرها، تصور الأحلام والأماني التي ~~تخيلتها، تصور قصور الريح التي شدتها، تصور الساعات السعيدة التي قضيتها بجانب الرجل الذي ~~أحببته، تصور أنني لحبي له غيرت عقيدتي ودنت بدينه، تصور أنني منذ عرفته نظرت إلى الحياة ms57 ~~بعين جديدة ورأيت المخلوقات والموجودات بشكل جديد، ثم تصور انقلاب ذلك كله في لحظة واحدة، ~~ألا يحدث هذا الانقلاب ثورة مروعة؟ فلم أجب. دخلت علينا سيدة متقدمة في السن فغيرنا ~~الحديث بأسرع ما يمكن، وتكلمنا عن الطقس وجمال الشمس وعلو جبل زرمات. ~~••• # الجلسة الثالثة في الغابة على شاطئ بحيرة صغيرة ماؤها آسن، كنت على مقعد خشبي صغير أدون بعض ~~المذكرات، وأتمتع بجمال الطبيعة ولذة الحياة، وأسمع تغريد طيور الضحى على الأغصان الخفية، ~~وأستنشق ملء صدري هواء طاهرا نقيا، رأيت عن بعد رينيه مقبلة وهي في ثوب أبيض وقبعة ~~خضراء وعلى رأسها قناع من القز لونه كلون البنفسج، وفي يدها باقة من ورد الألب، فلما أن دنت ~~مني أغلقت كتابي لأقرأ كتابا أبلغ وأبدع، صفحاته عواطفها، وسطوره كلماتها. قالت لي ~~لساعتها: أتبني قصورا فوق سطح الماء؟ قلت لها: قد يكون ذلك، ولكن هيهات أن تبقى أكثر من ~~قصور الرياح. قالت: إن أساطيرنا تروي لنا قصة إرم ذات العماد، وكنت في طفولتي أحلم بأنني ~~دخلتها وملأت أكمامي من كنوزها، ولم أكن أعرف حينذاك أنها من قصور الرياح. # قلت لها: ولكن هلا غيرت رأيك في العالم والإنسانية منذ أول أمس؟ قالت: كنت أمس في الكنيسة ~~أسمع خطبة القسيس، فلما أن بدأ جملته اللاتينية وقال: «إخواني الأعزة.» تلجلج واعترته فهاهة ~~ثم أرتج عليه. قلت لها: ولماذا؟ قالت: لأننا تبادلنا النظرات. قلت: وهل يدعو ذلك إلى تلجلج ~~القسيس الخطيب؟ قالت: نعم؛ لأنه أمس وجدني في الغابة نحو الغروب فدنا مني وحياني فحييته ~~وتحادثنا مليا على غير العادة، ولم يمض على حديثنا ربع ساعة حتى فاتحني في غرامه. قلت ~~لها: أيتها الآنسة، إنك تدهشينني. قالت: يجوز؛ لأنك لا تزال صبيا لا تعرف الحياة. قلت ~~لها: عفوا يا سيدتي. قالت: عفوا يا سيدي. # قلت لها: ألا تفضلين أن نسير قليلا في ظل الأشجار؟ قالت: حبا وكرامة. فسرنا واستسلمنا ~~للطريق، فبلغنا مكانا مشرفا على السهل والجبل فيه الشمس المشرقة والخضرة والمياه المنحدرة، ~~وتحادثنا طويلا في أمور شتى، وإنا ms58 لكذلك وإذا السماء قد اكفهرت والغيوم تراكمت، فاسود ~~الجو، وأخذ الرعد يقصف والبرق يخطف، وانهمر المطر كاندفاع الغدران والأنهار. # كنا بعيدين عن الناس مسير ساعتين على الأقل في حضن الطبيعة أمنا الحنون وبين أيدي عناصرها ~~القوية، فنظرت إلى المرأة التي بجانبي والتي قالت إن الأرض إذا انشقت والسماء إذا انطبقت ~~لا يعتريها اهتزاز، فرأيت في عينيها أثر الرعب الشديد، ثم ما لبثت أن أضافت إلى مطر السماء ~~مطر عينيها، فقلت لها بصوت عال حاولت أن أتغلب به على صوت الرعد: أي الاثنين تخشين أيتها ~~السيدة، الطبيعة أم أنا؟ قالت: كلا، لا هي ولا أنت، ولكنني أشعر بخشوع أمام ما أرى وأسمع. ~~قلت لها: إذن ضعي يدك في يدي وهيا بنا نقصد ذلك الكوخ القريب. قالت: إنني لا أستطيع أن أسير ~~في هذا المطر، إن البرد شديد يا أخي. فخلعت لساعتي ردائي وتوسلت إليها أن تتلفع به ففعلت، ~~ثم ركعت وطلبت إليها أن أحملها فامتنعت ثم رضيت، وسرت بها أستند إلى عكاز صغير، فتزل قدمي ~~تارة وتهتدي أخرى إلى أن بلغنا الكوخ الذي رأيناه في أقصى الغابة، فلجأنا إليه إلى أن يهدأ ~~روع الطبيعة الغضوب، وكان الكوخ خاليا. # كانت رينيه مغمضة عينيها طول الطريق، فلما أن وصلنا الكوخ نظرت حولها ونظرت إلي وزال ~~رعبها، وما زلنا صامتين إلى أن اتفق آلهة الجو فيما بينهم على أن يطلقوا الشمس من سجنها وأن ~~يقيدوا البرق والرعد والمطر إلى حين، فخرجنا وسرنا بسكون نحو الفندق. ~~••• # الجلسة الخامسة في غرفة الجلوس ذاتها قبيل الليل كنت أقرأ كعادتي وأستعين على خمود الذهن ~~ووهن القريحة بقهوة البن، فدخلت علي رينيه مشرقة الوجه وقالت: طاب ليلك يا صاحبي! قلت: ~~أهلا بك وسهلا أيتها السيدة، كيف أنت؟ قالت: إنني أنكر نفسي. قلت: وكيف؟ قالت: إن قلبي ~~بدأ يشعر بالصبا وعاود نفسي ظمأ الغرام. قلت لها: وهل عفوت عن الكون والمخلوقات؟ قالت: ~~عفوا شاملا. قلت: وكيف تم ذلك؟ قالت: غسلت دموع أمس كل الحزازات الماضية، وقلبت الرياح ~~صحيفة جديدة من ms59 حياتي. قلت: لا حقد على الرجل منذ اليوم ؟ قالت: كلا، لماذا أحقد عليه؟ إن ~~أبي آدم لم يحقد على أمي حواء ورضي بها بديلا من الجنة على أنها هي التي دنسته وأطعمته ~~الفاكهة المحرمة. # فقلت للروح الحائر: وهل أحببت هذه؟ # فلم يجب، وتوارى. # | الليلة الثالثة عشرة # شعر الأرواح # كنت أقرأ دواوين لشعراء الشرق والغرب المتقدمين منهم والمتأخرين، وكأنني نصبت في كسر بيتي ~~سوقا للأدب يعرض فيها كل شاعر بضاعته، وينشر كل جيل وجنس في أركانها ثمار أفكاره، وإنني ~~لأقول في نفسي إن الشعر ملكة في كل إنسان، وإنه من الصفات اللازمة للمخلوقات العاقلة، وقد ~~يكون أظهر في بعض الناس بقدر دقة شعورهم، ولكن لا يخلو منه أحد. وإذا بالروح الحائر قد أقبل ~~يشق ظلام الليل بنوره الرباني، قال لي: إنني أعرف ما يجول بنفسك؛ فقد لمحت في زوايا الغرفة ~~نفوس نفر من الشعراء جاءت متشوقة مشتاقة تسمعك تنشد أشعارها، ولو كشف لك بمثل ما كشف لي ~~رأيت الليلة حولك عجبا من أرواح الشعراء التي ترفرف على كتبك وتسبح في الأثير الذي يحمل ~~أنفاسها التي كانت ترددها مذ كانت على الأرض الفانية. # على أنني أود أن أذكر لك ما وقع لي منذ عهد قريب: كنت أطوف في السماء كعادتي، فإذا بي ~~أسمع أنغاما شتى خارجة من مكمن خلف غيوم كثيفة تخللتها ألوان قوس قزح، فدنوت واستمعتها فإذا هي أناشيد تتغنى بها بعض الأرواح، فاستبنتها فإذا أنا ~~أرى أربعة أرواح شاعرة، وفي يد كل منها قيثارة يوقع عليها ويتغنى، فلما قربت سكتت الأصوات ~~واسترقت الأرواح نظرات خفية فيما بينها وأوشكت أن تنصرف، فقلت لها: بحق الوحدة التي أنا ~~فيها والود الذي جمعكم ووفق بينكم، هلا أنشدتموني شيئا من شعركم؟ فابتسمت الأرواح واحدا ~~بعد آخر، وتقدم أحدهم ورفع بجناحه الملون ثم أمر يده على جبينه المكلل بالغار، وقال: أيها ~~الروح الحائر، إنك حديث العهد بأهل السماء وقد سمعت في الأرض شعرا كثيرا معظمه عقيم؛ لأن ~~شعراء الأرض لا يزالون لاتصالهم بالمادة الذميمة مقيدين ms60 بقيود وضعها المحافظون لعجزهم، وقد ~~ألفتم هذا النوع من القول في شئون لا تتعدد، فلو أنك سمعت ما نتسلى به مما يقوم بنفوسنا دون ~~قيد لم يرقك؛ لحداثة عهده، ولكنك إذا مارسته استوعبته واستعذبته، وإن في أهل الأرض بعض ~~المفوقين الذين جرءوا فقالوا الشعر كما أوحي إليهم، وأعطوا الناس أفكار الأرباب عذارى لم ~~تعبث بها ضرورة الوزن ولا عذر القافية والبحر. # قلت: أجل، إنني أذكر شعر فرلين ووتمان. # قال الروح الشاعر: وكيف وجدته؟ # قلت: وجدته عذبا كالشهد وصادقا كالحقيقة. # قال الروح: إذن لن تنفر إن أسمعناك شعرنا، وها أنا أبدأ بالنشيد وأنا أصغر إخوتي ~~وأعجزهم. # ثم ابتعد الروح الشاعر الأول وأخذ قيثارة وشرع يتغنى بقول وعيته بلسان الأرواح ونقلته ~~إليك على قدر استطاعتي، قال: # بسمة الربيع # سمعت في الروض تغريد البلابل # ورأيت في طريقي زهرة البنفسج بين الأعشاب # وشعرت بحرارة الشمس القوية # وخرجت نفسي من مخبئها تستقبل الفصل الجديد. ~~••• # الكون كله يتأهب للحياة # والطبيعة بعثت من مرقدها الطويل # والموجودات كأنها آلات عازفة # تشترك في إحياء مولد الوجود. ~~••• # دع الإنسان النهم يجمع المال أو يشيد # ودع دولا تحيا وأخرى تموت # ودع الحكماء يقولون ما لا يعلمون # وهلم بنا إلى الأحراش والحقول. ~~••• # الأيام تجري مسرعة، بل الزمان يقطعها قبل الأوان # ولكن كل مشرق شمس أدنانا من مولد الربيع # آذار رسول الجمال والنور # آذار ملك على الأيام والشهور. ~~••• # كالوالد الحنون يعد لولده مالا # كذلك آذار أعد للعالم جنة الربيع # صبغ أقمام الزهور بالألوان الزاهية # ونقش أكمام الورد في الأوراق الخضراء. ~~••• # سرت آذار في الكروم والرياض # ومنحت الزهور والثمار من قوتك ونفحك # ووهبت الأعناب رحيقا من خمرك # وطوقت التفاح بنطاق من ذهبك. ~~••• # آذار أنت طبيب الطبيعة # أنهضتها من فراشها بعد طول الرقاد # وسيرتها في موكب عجيب لفت أنظار الآلهة # كل كائن يعزف على آلة مطربة، وكل زهرة كأنها علم منشور. ~~••• # إن الخزامى والنرجس والأقحوان والياسمين تتيه بقدها ولونها وريحها # والبلبل والقبرة يتفاخران بحسن الصوت # والأرض فرحة بحياة أطفالها # والشمس تضحك معجبة وتجود بحرارتها ونورها. ms61 ~~••• # يد الله يا آذار باركت في أيامك، أنت نبي بين الأشهر # في كل ليلة من لياليك تلد الطبيعة نباتا جديدا # وتسمع في الغابات نغمة عذبة # كل يوم من أيامك يكمل زينة الأرض العروس. ~~••• # لما اخترقت اليوم طريق الغابة وسرت على الأوراق المنثورة، شممت رائحة الربيع في ~~الأغصان # الفصل الذاهب تحت أقدامي، والفصل الجديد محيط بي # أفواه النهيرات تتدفق وكأنني لمحت في الغدير روح الماء. ~~••• # آذار أعددت مجلس الربيع وشفيت الكون من علة الشتاء # وأحييت النبات والحيوان # وأوقدت في نفسي شعلة الحياة # وذهبت ولم تر جمال الأشياء! ~~••• # تلاك نيسان فورث مجدك # كذلك لا يحظى بفوائد الأشياء من بذل نفسه في سبيلها # أفضل الناس من كان بينهم كآذار بين الشهور # سعادته في أنه أوجد الربيع وقضى قبل أن يذوق الثمر. # فلما انتهى من إنشاده ابتسم بسمة الملائكة وقال: يقول أهل الأرض: أجمل النساء لا تهب أكثر ~~مما لديها. ولعلك تجد أحسن من قولي لدى الروح الثاني. # فتقدم الروح الثاني وقد لمحت في جناحه كثرة السواد، فسألت الروح الأول في شأنه، قال لي: ~~هذا الروح الحزين. ثم أخذ الروح الحزين قيثارة وتغنى: # يا معبودتي المحبوبة، خذي قيثارك وغني لي أغاني الحرية # وأشعلي نفسي المعذبة بنارك المقدسة، وأسكريني بخمرك الأبدية # وخذي حكمتي وتجاربي؛ لئلا يعوقني العقل عن نيل الأماني # العقل جبان يقيد اللسان ويغمد سيف الفتوة. ~~••• # لا يفوز إلا ذوو الإقدام، الأرباب تلهمهم شجاة أبطال طروادة # والجن تنفخ في أرواحهم وتدفع بهم إلى حومة الميدان # قلبي لا يسع إلا حبيبا واحدا هو أشرف محبوب ودواما يلهج بذكره # كنت أهاب الموت في سبيل حبه واليوم أود أن أفديه بنفسي. ~~••• # نفسي تطهرت من شدة الآلام، وهمومي جلت صحيفة الجنان # ابيض فؤادي من سواد الليالي، وتبدد الظلام عن بصيرتي # لكل كلمة أسمعها وقع جديد، ولكل حركة في الكون معنى يشغلني # معجزة الحياة والموت أعطتني سرها، والعقل الأول يفيض علي من نوره الخالد. ~~••• # الطبيعة إن ماتت بعثت، والنفس إن شابت شبت # أيتها النفوس الخالدة، إن لم تفطني إلى ms62 سر الوجود هلكت # وإن فطنت ازداد تعذيبك ومستك نيران سوف تكون آلامها نعيما # لأن عذاب النفس العالمة ألذ من نعيم النفوس الجاهلة. ~~••• # ليالي العلا أم ليالي الغرام؟ # غني أيتها الأفاعي المطيبة واكسري كئوس الخمر العسجدية! # وأبعدي عن ملمس كفي جسومك الناعمة، واختفي عن عيني بحسنك الساحر # وخلي فؤادي خاليا من الخيالات الأرضية التي تعمي البصائر. ~~••• # ذقت مرة رحيق العلا! إنه شراب الأرباب والمطهرين # سكرت، فنسيت كل الدنايا فكأن الحقيقة أسقتني رضابها! # لم أود أن أفيق؛ لئلا تقطع علي أحلامي # هل يترك الجنة من ذاق لذتها؟ وهل يبتعد عن الحقيقة من لمسها؟ ~~••• # محبوبي الجميل أسير ومكبل بالقيود ودموعه ملأت نهرا جاريا! # كلما أرى محبوبا سواه حرا يزداد بغضي للعاذل الغادر وأريد سحقه # كيف يسحق عاشق عاجز عدوه القادر؟ # ولكن حب موسى أهلك فرعون العتيد. ~~••• # يا رب موسى وداوود! # هبني قوتهما جميعا، واجعل قوة العاذل أقل من العدم! # ويا أيتها الأرباب القديمة القاطنة الكهوف والهياكل الخربة، لماذا تركت زهرتك ~~تذبل وتذوي؟ # ويا حارس الأرض المقدسة الرابض في القفر، هل آن تبوح بسرك الأعظم؟ ~~••• # أفقر الناس أغناهم، وأكثرهم تواضعا أرفعهم # وأبعدهم عن المجد أقربهم إليه، وأسماهم حبا أدناهم من الآمال # ليس لي في هذه الأرض قيد أصبع، ولست أملك من مائها قطرة # فخر غيري في امتلاك أرض الوطن، وفخري في كوني ملك الوطن. ~~••• # تمالأ الكل واتحدوا على المحبوب، ولكن هل يعجزون إلا أنفسهم؟ # يا طلاب الدنيا الزائلة، ويا عشاق الذهب الحقير! # ويا منافقون في سبيل أقذر الأشياء، ويا مفرطون في أعظم النعم! # كيف تنامون ونور الحق سيبدد أوهامكم ويهزأ بأمانيكم الفارغة؟! ~~••• # في كل عام يفيض النهر فتترجرج أمواهه الحمراء بين ضفافه الغناء # حتى إذا أطعم الأرض وسقاها اندفع ليزيد ماء البحر # كأنه نفس تنضم إلى نفوس خالدة لتزداد بها سعادتها # معجزة النهر ترجع إلى طفولة الأرض وتكاد تنتهي الأرقام دون حساب عمره. ~~••• # ولكن أنت أيها الإنسان الزائل لا تفيض إلا مرة واحدة # ثم تغيض حياتك مرة واحدة # فهلا كنت كالنهر ما دام شبابك ms63 زاهيا؟ # هلا وهبت نصيبا من حياتك للأرض الطاهرة ؟ ~~••• # كانت إلهة المجد تفتنني فأصبحت أفتنها؛ لأني زهدت فيها # آمالنا تتم إذا اقتنعنا، وما دامت مطامعنا دام عذابنا # يطول عمر من يطلب الموت ومن يفرون منه يلحق بهم # حياتنا لها قيمة في ذاتها فدعني من قصة الجحيم والجنة. ~~••• # محبوبتي المسكينة ترتجف في يدي وتبكي، ماذا بك أيتها المحبوبة؟ # إن اسمك يذكرني بفتيات المدينة الخالدة # وشعرك أسود طويل لا ينقصه إلا ضفائر اللؤلؤ # وعيناك أجمل من عيني سافو الشاعرة المجنونة. ~~••• # أنفك كأنف كلوبطرة، وثغرك حق مملوء بالجواهر # وجسمك كأنه صنع ميلو الذي أودعته الطبيعة قوة الخلق فباراها # ولكن قلبك الصغير قطاة تفتأ تخفق بجناحيها # هل لديه سر يريد إظهاره، أم به شوق للوقوف على لغز الوجود؟ ~~••• # تبكين لآلامي؟ كفكفي إنك تزيدينها بلا علم، وأبقيها؛ لتذرفيها في الأيام ~~القادمة # إن دموعك لؤلؤ فلا تسرفي، وأشفقي فإن حرارتها تحرق قلبي # إنني أعرف آلامي وهي تعرفني، ولكن أنت لا تعرفينها فابتسمي # قد يبدد الغيوم الكثيفة شعاع دقيق، وقد تزيل أحزاني المتراكمة بسمة من فمك. ~~••• # يا ربة العلا، تقبلي ما كتبت هدية مني # صحبتني طول عمري وأسهرتني ليالي طوالا # بنيت لك في قلبي معبدا ساميا، ودونت لك صلاة فتحت فيها خزائن نفسي # لا أدعو غيري للدخول في دينك؛ لأنك إلهة قاسية! ~~••• # باركيني يا إلهة العلا واغفري ذنبي # إن نلت رضاك وأردت جزائي فخير جزاء أن تتركيني وشأني # لا تغاري إن بحت لك بسري: إن قلبي تشغله محبوبة جديدة # هي أسمى وأجل منك واسمها الحقيقة! # قال الروح الحائر: ثم تقدم الروح الثالث بخفة كأنه يسارع إلى حرب، ونظر إلينا نظرة مريعة، ~~فقال لي الروح الأول: هذا هو الروح المعذب، وسينشدنا أغنية النار. فأنشد الروح ~~المعذب: # أغنية النار # نأى العهد القديم وا حسرتي! # وصرت وحيدا إلا في صروف الزمن # فيوما بشرق ويوما بغرب # وكلا اليومين طويل بالإحن. ~~••• # فلا الشرق يحلو لي جماله # ولا الغرب يطيب لي مقامه # ولا الدهر يحبوني يوما بلذة # ولا العيش يصفو لي لدى العود إلى ms64 الوطن. ~~••• # لي نفس تعذبني مذ عرفتها # هي نفس حائرة لا مستقر لها # هي طائر غريب حزين سجين # وسجنه ذاك البدن. ~~••• # لا ألومك يا نفسي؛ فأنت مثلي فريسة # وهل يلوم رفيق رفيقه؟ # إذا تلاقيا في سجن دنيء كأرضنا # نفس لا يقر لها قرار، وجسم نحيل براه الشجن. ~~••• # كلانا يا نفس رهين حبسه # ما جنيت يا نفس ذنبا، وما جنيت، ولكن حكمة في العلا أرادت تعذيبنا # فصبرا يا نفسي ولا تجزعي، فكل عذاب له مدى. ~~••• # يحزنني أننا إن خرجنا من سجننا افترقنا # فأنت أين تذهبين؟ هل لديك عن مصيرك من خبر؟ # أما أنا فمصيري مصير سواي من هؤلاء البشر # تراب ودود ثم هيكل لا يروق النظر. ~~••• # يا حبذا لو أحرقوا أبداننا وصانوا رفاتها # تكون رفاتنا لأبنائنا كبعض العبر # أما تلك العظام فإنها تهان # وإن لم تهن تصير غذاء للشجر. ~~••• # يا يدي، كم من حكمة دونتما! # ويا عيني، قد رأيتما العجائب # ويا قلبي، كم أمر جليل وحب كريم وحزن عميق في ثناياك دفينة! # ويا قدمي، طويتما الأرض بأسرها وما طواكما يوما شديد الخطر. ~~••• # كم يد بيضاء ناعمة لمستها! # وكم وجه نضر جميل رأيته! # وكم صوت عذب استوعبته! # وكم أمل حلو تمنيته! ~~••• # وكم ذكرى تملأ النفس حسنا ذكرتها! # وكم ليلة كالدهر طولا قضيتها! # وكم من صحف سودتها وبيضتها! # وكم يا نفسي، وكم هل عددتها كلها؟! ~~••• # في طرفة عين تصير جميعا حديثا مضى # وأنا سيرة مختلط بسوئها حسنها # هذا ولا الأجرام يعتل سيرها # ولا تقف حركة الأرض لحظة، إنما يرد إلى الأرض طينها. ~~••• # ردوني يا قوم دخانا يطير إلى العلا! # فقد أحببتها! # وهي التي أشقتني سنين وأسعدتني دقائق # وهي التي حدثتني وحدثتها. ~~••• # النار عنصر لا يماثله غيره # هي روح دقيق نراه ويغيب عنا فهمه # هي رمز لرب موسى الكليم # قال لي عابد: لو فقهت معنى النار عبدتها. ~~••• # قلت له: وماذا يجديك حبها؟ # قال: هي مصدر الحياة؛ لذا أريد تقديسها # هي خلاصة الشمس، هي روح الورى # يا حبذا يوم يضمني لهيبها. ~~••• # قلت: هلا طلبت النار حيا ms65 فذقتها؟ # قال: أنا نار، ونفسي نار! وقلبي نار ، وكل ما تراه إنما هو شعلة! # فقلت: وما قولك في جحيم جاءت بذكرها أدياننا؟ # قال: أذكاكم أكثركم ذنوبا حبا في نارنا. ~~••• # رأيتها يوما في حجرة فراشها أحمر كالنار # وخداها لهما لون كلون اللهب # وعيناها ترميان بأسهم من نار # فدنوت منها ولمستها فشعرت في قلبي بالنار. ~~••• # وحادثتها، فقالت كلاما أشعل نفسي كما تشعل الحطب النار # ثم رأيت شفقا في الغرب كنقطة من نار # فقبلتها فأحرقت قبلتها فمي فصرخت من شدة الألم! # قالت لي: أنا النار بيدي الإيجاد والعدم! # ثم تقدم الروح الرابع وهو شيخ بين الأرواح له لحية وشعر منسدل وكأن شعر لحيته، ورأسه ~~لبياضه كالجليد، وبيده قيثارة وعكاز على شكل القلم، فقال لي الروح الأول: هذا هو الروح ~~المؤرخ، سينشد لنا أغنية يصف فيها صروف الدهر وحوادث الأيام. فهمهم الروح المؤرخ، ثم انطلق ~~بصوت كالرعد يتغنى: # عروش الجبابرة # فر تيبير إذ هاج سخط الورى # وولى من رومة هائما مدبرا # كذا سخط الشعوب مشتت شمل الظالمين # ومبدل سكنى القصور بأدنى القرى. ~~••• # خاف جبار أن يحيق بعزه ما حاق # بعز أسلاف له أذاقوا رومة علقما # فخلى قصورا باذخات وراءه # وعزا مقيما وعيشا رخيما ومجدا طائلا. ~~••• # وخلف عرش أوجست العظيم وهو باك فراقه # والكابيتول والفورو ونهيرا ساد الأبحرا # ولكنه فر من شعب غضوب وجيش ناقم # وسخط الشعب كسخط الرب لا يتقى. ~~••• # إلى أين يا من سدت الرومان جميعهم؟ # وكنت بالأمس ملكا مطاعا بل إلها أكبرا؟ # ويا من قدت الجيوش وسيرتها # ويا من فرت لذكرك أسد الشرى. ~~••• # ويا من هلعت قلوب القوم إن تكدر صفوه # ويا من أجاب نداءه الشرق والغرب معا # ويا من ملكت الأرض بأسرها # ويا من إذا خطرت ببقعة تنحوا وقالوا: قيصرا! ~~••• # لي صخرة بالبحر بقيت من قارة الجن أثرا # جزيرة ذات حسن فاقت به الجزرا ~~«كابري» عروس الماء كعنقود الثريا في الدجى # جزيرة أورثت سبيلها مذ سكنتها خطرا. ~~••• # شاد تيبير حصونا في جوانبها # وأودع كل حصن من جنده نفرا # وقال: الويل لكم ms66 إن مرت بالحصن سابحة # ولم تحيطوني بأمرها خبرا . ~~••• # واعتلى كاهل الصخرة وشاد له قصرا # آية في الإحكام بناه إنسان يحارب القدرا # صخور عاليات كأنها رماح صوبت نحو النجوم # ودعائم تكاد علوا تلمس القمرا. ~~••• # وقال: هيهات أن يدنو من قصري ابن أنثى # أنا إمبراطور رومة! أنا سيد الأرض أملك البحر والبرا # أقارب الموج والريح والسما # أنا إله الخلق من أرى منهم ومن لا أرى. ~~••• # حملت خير رومة يا تيبير ولم تبق في بستانها ثمرا # حملت المال وما فتئ المال يقضي به أمثالك الوطرا # وحملت أبكارا وغلمانا لم يعرفوا دنسا وحملتهم ذنوبا # وصيرت كابري جحيما أذاعت ناره شررا. ~~••• # دعوت الجزيرة جنة الفردوس؛ لأنها حوت ما اشتهيت # لقد لوثت الاسم وخدعت نفسك! # وأمنت إذ جعلت في كل ركن عينا ترى # ولكن القضاء إن حل أفقد البصرا. ~~••• # في كل يوم أحدثت مذبحة # وفي كل ليلة قتلت عفافا وطهرا # ولشد ما أبكيت وسالت عيون الحسان دررا # وهل يرق جلمود، وهل يحن صخر، وهل يلين مخلوق لم يألف البشرا؟! ~~••• # مغاور الجزيرة الزرقا جرت دماء مدنسة # وأرضها صارت لكثرة ما استقبلت حفرا # والبحر استغاث كلما هوت من صخرك العالي فريسته # وجاشت نفس نبتون فأغرى أربابا سواه فأضمرت لك الغدرا. ~~••• # أتذكر إذ قدت العذارى وهي عارية # وأمرتها أن تسبح بماء كأنه فيروز جرى # ومتعت عينا غير قانعة # ثم اكتفيت فأمرت ببطونهن أن تبقرا. ~~••• # فجرت دماء الغيد كالياقوت حمرا # فكأن لونها القاني ولون مغارة كابري من أبدع ما يرى # وراقك اللونان فقصدت الحسان مرة بعد أخرى # وسعدت بأبشع الآلام يا أقسى الورى. ~~••• # أتذكر إذ عبثت بالأطفال اليافعة # وأطلقت عليها الثعبان ينهشها # فسرت سمومه في مجاري الحياة اليانعة # فاستغاثت منك شياطين سقر. ~~••• # حصنك العالي يا تيبير يقيك كل عدو مداهم # وصخرك الأشم يحميك إذا حاق الخطر # وجندك لا تغمض عيونهم # حظك لذيذ الرقاد، وحظ حراسك طويل السهر. ~~••• # كم عدو ألقيت من أعلى صخرة # كما يلقى الفتى عن مقلاعه بالحجر # فهوى إلى قاع اليم مهشما # واغتاله البحر اغتيال الرمل رذاذ المطر. ms67 ~~••• # كم سر عميق في جوف البحر العميق دفنته ! # وكم جرم خفي كتمته قبيل السحر! # وكم حسناء أسلت دماءها! # لترى رائع الموت في ضوء القمر. ~~••• # أمنت الدهر يا تيبير واحتقرت عقابه # وحسبت كل شيء مسيرا في ركابك حتى القدر # إذا هاج الشعب قتلت شيوخه # فهابك الصغار والخوف داء الصغر. ~~••• # غضب الإله الحق يا من سلبت نفوذه # وأراد بك شرا استحققته # وإرادة الرب ليس منها مفر # سوف يروي التاريخ ذكرك قصة، وفي كل قصة لنا عبر. ~~••• # أوحى الإله للخلق أن يغضبوا # غضب الشعب وكفى # غضب الشعب من غضب الإله # غضب الشعب بداية سخطه، فانتظر! ~~••• # أنجلو فتى صغير السن كبير الأمل # نفخ الله فيه من روحه # كان يصيد الأسماك يعول منها أسرة # وشاءت الأقدار أن يكون مثالا للبشر. ~~••• # رأى أنجلو قصرا شامخا أبصار الورى حوله خاشعة # دعائمه ناطحت السماء تعاليا # ورماح حراسه تذيب الغيوم السابحة # وتماثيل تيبير بأركانه، رب يخاف ويتقى. ~~••• # رأى أنجلو شعبا معذبا # يسام الخسف ويسقى الألم # ذل قوم ليمرح واحد # والظلم لا ترضاه أقل الأمم. ~~••• # كان أنجلو شجاعا لا يخشى الردى # واثقا بذاته ما دام في فعله مخلصا # يحب الناس أكثر من نفسه # يود لو يشقى ليسعد غيره. ~~••• # ترك الصياد الشباك وخلى السمك # وقام ينادي: «أفيقوا من سباتكم.» # فقالوا: جننت يا صبي، إنك جاهل # وهل فاز معاند من إذا قال فعل؟! ~~••• # أيقوى الثرى أن يسامي الثريا في السما؟ # أو يريد الدود أن يطارد الأسد؟! # أو تريد - يا قليل الحول - أن تقاوم مالكا # تخر له الأفلاك إذا مشى؟ ~~••• # قال أنجلو: إن المحال حجة من عجز # وليس عرش ظالم بباق حتى الأبد # اعزموا تتهدم دعائم من ظلم # ويهوي علاه كما تهوي أوراق الشجر. ~~••• # عبس الجمع وتولى ساخرا من حقير يسامي الملك # وقالت أمه: أنجلو، لا تقل يا ولدي ما تعتقد # لئلا تصير طعاما للسمك وتتركنا عيلة بلا رجل # وبكت واستبكته، ولكنه لم يحل. ~~••• # خلا أنجلو بذاته، فحار في أمره # وصار يسائل الأرض والبحر والسما # صخور كابري لا تجيب نداءه، ولا البحر الصامت ms68 الخالد # ولا كواكب الليل؛ لأنها أعين ترى ولا تنطق. ~~••• # ساد السكون وتجلى جمال الدهر # وجاء الوحي مخترقا حجاب الدجى # سمع أنجلو في وحدة الليل الرهيب نداءه ~~«اصعد إلى القصر واهزز عرشه!» ~~••• # صاد أنجلو سمكا نادرا بهي اللون كأنامل النسا # وولى يحمله لرب العرش هدية # فلما بلغ سفح الجبل رأى حارسا # ولكن حباه سواد الليل ثوبا قاتما. ~~••• # قضى ليله صاعدا صخرة تعليه وأخرى تخفضه # في كل خطوة يرنو متلفتا # وصوت السكون نذير الوجل # ولكن في قلبه صوتا هامسا كأنه صدى صوت الأمل. ~~••• # قال والقوم حوله: «المحال حجة من عجز.» # كأن كليمته نبراس يضيء سبيله # وكأن صخور البحر حبت بالثبات فؤاده # وتلاطم الأمواج أنغام تشجع قلبه. ~~••• # تسلق أنجلو جدار القصر قبيل الشروق ببرهة # ثم بدت الشمس من خلف الجبال العالية # عين الإله أطلت على الورى لتكسو الأرض نورا باهرا # فاستوقف ذاك الجمال جنان الفتى. ~~••• # طلعت الشمس كقرص من ذهب # وألقت على الماء شباكها وصبغت عسجدا غصون الشجر # الماء عن بعد زبرجد سائل # وفيزوف يتنفس دخانا ترحيبا بالضحى. ~~••• # رأى الحراس شخصا قادما فهالهم؛ لأنهم لم يظنوه من البشر # حصن تيبير مقدس لم تطأه بغير علم ربه قدم # من ذا الذي لم يرعه الخطر؟ بهتوا ولم يجسروا أن يدنوا ... # ما هذا الحقير؟ أشبح زائل؟ أم رسول من العلى؟! ~~••• # قيصر لا يزال في فراشه، ما عرفت عيناه سوى نور الشفق # قضى الليل في جحيم مذهب # كذا اليوم يقضي في رقاد مزعج # ومن يحظ بصفو الليل يلق في النهار الكدر. ~~••• # استأذن الحراس على قيصر ودنا رئيسهم على حذر # وقال: إنسان تسلق صاعدا # قال تيبير: تسلق ماذا؟ أجب! # قال الرئيس: تسلق يا مولاي سياج القصر. ~~••• # قال تيبير: قل رام أسباب السماء بسلم # ولا تقل تسلق قصر رب هذا العلا # قل: شاء إنزال كواكب الفلك # ولا تقل: استهان إنسي بعرشنا. ~~••• # تمنطق تيبير وسار إلى ساحة القصر مسرعا # كمن يريد خرق الأرض أو بلوغ السحب # غضوبا حانقا، ولكن في فؤاده دبيب الذعر # فلما دنا رأى فتى صغيرا عالي الجبين ms69 بهي النظر. ~~••• # تقهقر الحراس إذ بصروا برب البرج قادما # وابيضت وجوههم لما رأوا في عينه نار الغضب # وقال الكل: اليوم غاية عمرنا، اليوم حل بنا قضاء القدر # إلا الفتى الصياد تقدم باسما وألقى بأسماكه تحت أقدامه. ~~••• ~~«هذي يا مولاي أسماك حملتها إليك هدية # أحسن ما صدت وصاد آبائي منذ القدم # انظر إليها حمراء دقيقة # كأنها أنامل حسناء تلمس نحرها وقت السحر.» ~~••• ~~«أنت من؟ وكيف بلغت رحابنا؟ # وكيف جزت الصعاب ولم يدركك الحرس؟» ~~«أنا فتى حر أريد أن أبدي لأمثالي المثل # فقد نزهوا عرشك عن أن ينال. ~~••• # تسلقت القصر وجزت الصعاب إليك # ليعلم القوم أن أعلى الحصون تمنعا قد ناله أدنى البشر # وأن صيادا حقيرا أراد فلم يعجز عما طلب # وها أنا يا ظالم أهز أرفع عرش في الدنا.» ~~••• # بدا الغيظ الشديد في سحنة الضبع النهم # ورأى الحراس طيف الفناء حول الفتى حائما # وحاول علج بينهم أن يسل حسامه # فقال تيبير: مكانك، هذا فريستي! ~~••• # ومد معصما لم يعرف لذة العمل # خلفه صراع الوحوش ملفوف العضل # ونال أنجلو من منطقة حول خصره # فكأنهما ذئب وحمل. ~~••• # وراح الغشوم ثابت الجأش مبطئا # حتى دنا من صخرة أطلقوا عليها اسمه # استغاثت مما سقاها من دماء البشر # وطوح بالفتى ثم ألقى به فهوى. ~~••• # هوى أنجلو إلى البحر مهشما كما هوت ألوف قبله # ولكن الهواء والجدران والصخور رددت قوله: ~~«أعلى الحصون تمنعا قد ناله أدنى البشر # ليس عرش ظالم بباق حتى الأبد.» ~~••• # تولى الرعب فؤاد تيبير فلم ينم # أينما حل رأى شبح الفتى وأقلقه صوته ~~«أعلى الحصون تمنعا قد ناله أدنى البشر # ليس عرش ظالم بباق حتى الأبد.» ~~••• # سقت نفس أنجلو في كل حي بذور الأمل # وعلم الشعب مقدار بطشه # ولم يطل عهد تيبير بعد ذلك أشهرا # وسار ذكر أنجلو في الأرض مسير المثل. # قال الروح الحائر: فلما سمعت هذا واستوعبته نظرت حولي فإذا الأرواح الشاعرة قد انصرفت، ~~فحملت إليك كلامها.» # | الليلة الرابعة عشرة1 # أناشيد العلا # كنت أدون أسطرا في صحيفة، فدخل الروح الحائر وبيده المصباح، قال: ms70 «ماذا تكتب؟» قلت: ~~«أعبر عن عواطفي بألفاظ البشر الموضوعة لغير ما نريد بيانه.» قال: «طالما دونت مثلك، وكل ~~ما دونت مدفون.» # قلت: «وأين تلك المدونات؟» قال: «وما حاجتك إليها؟» قلت: «إنني لم أقرأها في ~~حياتك الأرضية، فلعل فيها ما ينفعني فأتلوه أو ينفع الناس فأنشره.» قال: «إنها في المنزل ~~الذي خلصت فيه من الثوب المادي في صندوق خشبي عتيق في حراسة صاحب الدار، وهي كل ما تركته من ~~متاع الدنيا.» # قلت: «إني ذاهب إليه؛ لأحصل عليها.» قال: «لك ما تريد.» ولما كان الصباح قصدت ~~المنزل القديم وحصلت من صاحبه على لفائف من الورق المكتوب، فقرأت ما فيها، فإذا بها فصول شتى ~~كتبت في أحوال متباينة، أذيع بعضها وأحتفظ بالبعض، والذي أذيعه «حديث العلا» وهو مجموعة ~~أناشيد شتى. ~~(1) حديث العلا # النشيد الأول # يا إلهة الشعر! يا أشرف الملكات، يا صوت النفس والوجدان! # يا ملجأ الحزين، وموئل الشاكي من بني الإنسان! # يا أيتها النفس القوية الجميلة المجهولة، يا ذات العطر الضائع في كل زمان ~~ومكان! # يا ترجمان الفؤاد، ولسان القلب، ومنطق الطبيعة! # أنت المعبودة التي لا ينأى عن تمجيدك إلا ذوو النفوس الضعيفة الجامدة، ~~أنت سيدة الآلهة في هذه الأرض وأشدهم قوة وأنضرهم شبابا وأفصحهم ~~بيانا. # عبادتك ترجع إلى القرون الأولى قبل أن يعبد باكوس وقبل أن يسجد ~~للزهرة. # لقد أنطقت لسان آدم الأول مذ التفت فبصر بمخلوق جميل أسماه حواء. # أنت أنطقت لسانه مذ نظر إلى ما حوله من جمال الطبيعة وحسنها فخر ~~ساجدا. # لقد ضقت بك - أيتها المعبودة - ذرعا، وأنا اليوم لا أستطيع ~~صبرا. # لا أقدر على السكوت يا ربة الشعر، فلا سبيل إلى الكتمان. # لم تضعي في نفسي ميزانا يزن الألفاظ، ولم تمنحيني مصقلا أصقل به ~~الكلام، ولم تهبيني زورقا ذهبيا أخوض به عباب أبحر الشعر. # لم تهبيني نفوذا شاملا على المعاني الجليلة لتجيبني إذا دعوتها، لم ~~تعطني موهبة من مواهب الشعراء السعداء الذين يعبدونك. # فاعذريني إذا لم أفاخرهم بألفاظ كألفاظهم لها رنين في الأذن ~~وطعم حلو في الفم. ms71 # اعذريني يا ربة الشعر إذا كانت المعاني السهلة المنال التي أظفر بها لا ~~تبهر من يقرؤها. # اعذريني إذا خلا تسبيحي إياك من الجلال والجمال اللذين لا يليق في حقك ~~تسبيح بدونهما. # واعتقدي يا ربة الشعر أني أعشقك وأعبدك ولا أنساك في صحوي ورقادي! # قد يكون أقل العاشقين بلاغة أشدهم غراما. # أنت - أيتها الإلهة الجليلة - التي تظهرين لي ساعة فتحلين عقدة من لساني، ~~وترفعين غطاء من الأغطية الكثيفة التي تحجب الحقيقة عن جناني! # إني أبهج بذكرك! # أنت - أيتها الإلهة - تقربين مني حتى إذا حاولت أن ألمسك غبت وذبت أمامي ~~كما يذوب الحلم الجميل قبيل اليقظة. # أنت التي أمليت علي إذ كنت بأعلى الجبل قولا بديعا، وأريتني أعظم ما ~~يرى، واستنزلت على نفسي أسمى ما ينزل به الإلهام، فلمحت بين النخيل عند غروب ~~الشمس وجها دام برهة ثم اختفى. # فخررت صعقا، ولما تنبهت لنفسي رأيت رأسي على حجر ووجهي سابحا في بحر ~~من دموع الخشوع والفرح. # أنت - أيتها الإلهة - أدركتني على شاطئ البحر، وأوصيت الحياة، فأخذت أصرخ ~~من أعماق قلبي حتى كاد صوت الأمواج المتلاطمة يخفت بجانب صوتي. # كنت - أيتها الإلهة - أعبدك سرا وأخفي أمرك عن غيري، واليوم عجزت عن ~~الكتمان، فها أنا أعبدك على رءوس الأشهاد، إن العاشق يبقى زمنا ما كاتما ~~حبه ووجده حتى إذا يئس باح؛ لعل المحبوب يشفق، أو لعل العاذل يرحم، إنني ~~اليوم كذلك، وإن لم أكن يئست منك ولن أيأس أبدا، جئت أبوح بهواي؛ لعلك ~~ترحمين أو تشفقين! ~~••• # جئت - يا إلهة الشعر - أستعين بك على إلهة قاسية جميلة مثلك، أعطيني ~~قيثارتك وصوتك! أعطيني وترا من أوتارك؛ لأوقع عليه أنغام النفس ~~المعذبة! # إن الإلهة التي أشكو منها وإليها لا تزال في عنفوانها وقد هرم الدهر، ~~إنها أهلكت الأمم والأجيال وأفنت الشجعان والأبطال، ولا تزال تتطلب ~~المزيد! # إن لها في كل يوم ألف فريسة، وتلك الفرائس كلها غالية عزيزة، ولكن الإلهة ~~القاسية لا تعفو ولا تصفح، إنها تبذلهن جميعا وتهرق دماءهن وهي باسمة ~~مسرورة؛ لأنهن يذهبن سعيدات. # إن ms72 تلك الإلهة هي التي عبثت بسقراط وهنيبال وقيصر وأتيلا وبونابرت ~~وهوش. # وعبثت بآلاف مثلهم من قبلهم وستعبث بآلاف بعدهم، ولكن يظهر لي أن الفرائس ~~الكبرى هي التي لا تعرف أسماؤها، أما التي نعرفها فهي أصغر بكثير ممن لم ~~تذكر. # إن هذه الإلهة القاسية تسمى «العلا». ~~••• # لو سألوني عنك أيتها الإلهة، وطلبوا مني وصفك عجزت، ولكنني لا أنكر وجودك ~~الذي أشعر به كوجودي، حبك يملأ نفسي ويفعمها، إنك ممتزجة بعواطفي ودمي، إنك ~~- أيتها الإلهة القاسية - تجرين في عروقي، أنت واضحة مبهمة، ظاهرة ~~غامضة. # إذا شئت أن أنحت لك تمثالا أو أنقش صورتك على لوحة ترتجف يدي وتعجز عن ~~إتقان شكلك، وسرعان ما تفرين من أمامي كأنك بنت الغابة في الطراد. # ولكن قد لمحتك مرة رغم إرادتك! رأيتك إذ كنت يوما في أشد حالات الضيق ~~والأسى، وقد اسود بياض الدنيا في عيني، يوم كنت أرى نفسي محقا مهضوما ~~وغيري ظالما ظافرا، يوم رأيت الحياة عبثا والجهاد عبثا والثبات جبنا ~~والصبر نوعا من الجنون، يوم تملكني اليأس وأحاط بي، يوم حاولت أن أشرب ~~الكأس التي شربها سقراط؛ لأخرج من المعركة الدنيئة التي طوحت بي فيها يد ~~القضاء الظالمة فظهرت لي! # نعم، رأيتك بوجه لا أنسى جماله وقوته، ورأيت جبينك الوضاء مشرقا كأنه ~~مهبط وحي جليل، ورأيت في يدك اليمنى مصباحا من نور وأنت تشيرين به كأنك ~~ترشدينني إلى السير إلى الأمام وفي اليد الأخرى إكليل من الغار تومئين به ~~نحو رأسي! # فتنبهت من سكرة اليأس ونظرت إليك طويلا، ولم أخجل من جمالك وقوتك، ~~ولكنني قلت لك بصوت أجش لم تسمعه أذناي: «من أنت؟ تكلمي!» فدنوت مني، ووضعت ~~قبلة على جبيني ثم قلت بصوت لا يزال دويه في نفسي: «أنا العلا.» # فنهضت وحاولت أن أمسك بذيلك، فطرت عني بأجنحة لم أرها، وطارت نفسي وراءك ~~شعاعا، ثم صحوت الصحوة الكبرى، ولمست جبيني فإذا عليه لؤلؤ العرق الرطب، ~~ولمست بدني فإذا أنا لا أزال أرتجف من أثر قبلتك كأنني معشوقة ضعيفة بين ~~يدي عاشق جميل قوي! ms73 هذه حمى العلا! # من تلك الساعة بعثت في هذه الحياة بعثا جديدا، ولبست للعيش ثوبا ~~قشيبا، وقابلت الدهر والقضاء والفقر والحزن والألم بقلب قوي وثغر ~~باسم. # منذ تلك الساعة هزأت بصحتي وراحتي، وبذلت لأجلك السعادة والهناء، منذ تلك ~~الساعة شعرت بقوتي وشبابي! # منذ تلك الساعة طلقت الحياة «الدنيا» طلقة بائنة، ورأيت كل شيء دون ~~الحظوة بقربك دونا. # منذ تلك الساعة رأيت الدنيا بأسرها هينة في جنب رضاك # منذ تلك الساعة شدت ~~لك في قلبي معبدا أمجدك فيه كلما خلوت بنفسي. مصائب الدهر كلها تزول عني إذا ~~عزمت على الصلاة لك، والوحوش الضارية التي تسمي ذاتها «إنسانية» تخضع لي ~~إذا ذكرت اسمك، إن ألد أعدائي يحبونني لأجلك، وأقرب أصدقائي يبغضونني ~~لأجلك! # إنني أعيش بك ولك! وبك ولك سوف أموت! # النشيد الثاني: حذار! لئلا لا تنال الجائزة! # أيتها الإلهة القاسية، إنني منذ عبدتك نسيت كل شيء دونك ووهبتك كل شيء، ~~وهبتك حياتي وسعادتي، فماذا وهبتني؟ إنك وهبتني خيالا عذبا وفكرة جميلة ~~تسليني، ولكن هيهات أن تتحقق! # اسمعي يا ربة المجد! # ألا تذكرين يوم كنت في قرية جميلة بجانب منبع ماء عذب وحولي غابة كثيفة ~~أشجارها الباسقة ذات السموق تناطح السماء، والسكون حولي هادئ شامل، وبين يدي ~~فتاة حسناء تعارفت نفسانا لأول وهلة، فدنوت منها وجلست بجانبها وأصغيت إلى ~~خرير الماء، ووضعت يدي في يدها، وأخذت أقلب أجفاني في صحيفة جبينها تارة ~~وأخرى في صحيفة السماء، ثم وضعت يدي على جبينها فاضطربت وارتجفت ودنت مني ~~رغم إرادتها، ولم يكن بين ثغري الملتهب وجبينها إلا قيد شعرة، فتجليت أنت ~~أمامي بجمالك الباهر وقوتك القاهرة وصرخت في أذن نفسي بصوت لم يسمعه سواها ~~مشيرة إلى إكليل الغار: «حذار! حذار! لئلا لا تنال الجائزة!» # فانتفضت ونهضت ذعرا كمن رأى ما يهوله في حلم عميق، وابتعدت لساعتي عن ~~المرأة، بل أبعدتها بيدي كأنني يوحنا يبعد سالوميه. # إنني - أيتها الإلهة القاسية - أخرجت قلبي من صدري بيدي وألقيت به تحت ~~قدمي وسحقته سحقا، وحبست عواطفي في سجن من الجفاء ms74 والغلظة كما يحبس الساحر ~~نفرا من الجن في إبريق سليمان، وإذا عبث عابث بذلك الإبريق وأطلق سراح عواطفي ~~فإنني منها براء؛ لأنني إذا تركتها في سبيلها حرمت الجائزة! # لقد جعلت نفسي - أيتها الإلهة الغيور - بلا قلب ولا عواطف؛ لأنك لا تحلين ~~الجمع بينك وبين معبود سواك. # أتذكرين - أيتها الإلهة القاسية - إذ عثرت ببيت جميل فيه فرش وثير ورزق ~~كثير وقلوب تحبني ونفوس ترجو رضاي، فلما أن أويت إليه واطمأننت إلى العيش ~~فيه تجليت علي في أسعد أويقاتي وهتفت في أذني: «أراك استوعبت النعيم، ~~واستعذبت العيش الرخيم، فانهض وإلا لا تنال «الجائزة»!» # فقمت من مكاني ورأيت أن الحلم اللذيذ لا يطول، فتعلق الناس بي وقالوا: ~~إلى أين أيها المسافر الذي لا يلقى له رحل، والطالب الذي لا يشبعه علم، ~~والطامح الذي لا يرضيه مجد، فقلت: لقد كتب علي أن أطوف الأرض وأن أطفئ ~~ظمئي بالحكمة، وهيهات أن يقر لي قرار أو يعرف ليلي من صبحي! # أيتها الإلهة القاسية، لو أن الطبيعة الظالمة مدت في أجلي، وذرعت فضاء ~~المعمور والمهجور، وطفت الصحاري، وخضت غمار البحور، واستوعبت حكمة البشر، ~~وعركت الدهر حتى غالبت القدر؛ فهل أنت قانعة بذلك مني؟ وهل أنت قائلة: لقد ~~نلت - أيها الشقي - بحبي تلك الجائزة؟ # لقد أعطيتك حياتي وعقلي وراحتي، فماذا أعطيتني أيتها الإلهة ~~القاسية؟ # أعطيتني آلاما لا أطيقها، وحيرة لا أخرج من حبالتها، وشكوكا لا يقين ~~وراءها، وليلا مظلما لا فجر بعده! # إنك تمنينني بالخلود! وما هو الخلود أيتها الربة الخادعة؟ # أليس هو بقاء ذكر فان في أرض فانية؟! أليس هو سطر يكتب في الهواء ~~لتذروه الرياح؟! أليس هو خيال كلما تبعته تركني، وكلما اقتربت منه ابتعد ~~عني؟! # إن الأهرام مهما رسخت جدرانها وتوطدت قواعدها والتحمت صخورها لا بد ~~زائلة. وقد نظرت يوما إلى الغمام الذي يسبح فوقها في بحر من الأثير، وسألت ~~نفسي: أي الاثنين أخلد؟ أتلك الصخور الراسخة الباذخة أم تلك الأمواه ~~التافهة المتجمعة في كتلة تحولها وتذيبها أشعة الشمس اللطيفة؟ # نظرت إلى حبات الرمل الحقيرة ms75 التي تعد في موضع القدم بالملايين، وسألت ~~نفسي: أي الاثنين أخلد؟ أتلك الأهرام العظيمة ذات الأحجار الجسيمة أم تلك ~~الحبات الحقيرة؟ # نظرت إلى ذرات الأثير في الهواء، وهي لا ترى بالعين ولا تلمس بالكف؛ ~~لأنها ألطف من اللطف، وسألتها: أأنت أخلد أم ما شاده مائة ألف من بني ~~الإنسان في ثلاثين عاما من الزمن؟ # فأجابني الغمام وحبات الرمل وذرات الأثير: «ألا إننا جميعا أخلد من ~~أهرامك الزائلة؛ لأننا كنا قبلها وبعدها سنكون، أما هي قبل رفع دعائمها فلم ~~تكن وبعد انقضاضها لن تكون!» # أليس هذا هو الخلود الذي توعدون؟ إن حبة من الرمل وقطرة من المطر وذرة من ~~الأثير أبقى على مدى الدهر من حياة الإنسان وأعظم أعماله! # بل ماذا فخرنا وخلودنا؟ وما هي تلك الإنسانية المعذبة الضالة المضلة؟ ألا ~~يذكر اسم كاتيلينا كلما ذكر اسم شيشرون؟ ألا يخلد اسم الإسخريوطي خلود اسم ~~المسيح؟ # يا نفسي الضعيفة الجاهلة، ويا فؤادي المعذب الضال، كيف السبيل إلى القوة ~~والعلم؟ كيف الطريق إلى الهدى والسعادة؟ # يا قوى الأرض الظاهرة والكامنة، يا أسرار الحياة الواضحة والباطنة، هل ~~عندك لتلك الأسئلة من جواب؟ بل أنت أيتها الإلهة القديمة، يا ذات التصرف في ~~العوالم كلها، هل لديك قول فيه فصل الخطاب؟ # إن حكمة الفلاسفة مذ كانت البسيطة في طفولتها وحنكة العلماء بعد أن بلغت ~~الإنسانية كهولتها وكتب السماء والأرض؛ كلها عاجزة عن الجواب. # إن الناس حولي يذهبون ويجيئون، وهم في كل لحظة يحزنون ويفرحون، ويعيشون ~~ويموتون، وإن لهم لأصواتا يملأ دويها الفضاء، ويضيق دون تموجاتها الهواء، ~~ولكنني إذا ألقيت على الإنسانية سؤالي سكنت حركتها، وهدأت أصواتها، وصمتت ~~أفواهها، ورفعت أيديها إلى عل كأنها تظن به ما يشفي غليلها ويطفئ نارها، ~~ثم تعود مطرقة برأسها إلى الأرض بندم يخالطه اليأس! # مسكينة أنت أيتها الإنسانية! إنك مخدوعة كما يخدع عشاق المجد، إن ما ~~يخدعهم وهم باطل، إكليل من الغار يظهر أمامهم ويختفي، ستضعه الربة الخادعة ~~على قبورهم لا على رءوسهم. # أما ما يخدعك أنت فأكبر وأعظم ولكنه خيال. ms76 # إننا جئنا إلى هذه الأرض اعتباطا، ونعيش فيها، وسنذهب عنها كذلك، وحظنا في يد ~~قضاء أعمي ظالم يقسم بيننا الأفراح والأتراح بلا عدل ولا نظام. # أيتها الربة الخادعة، كم أقبلت على لذة أحتاجها! وكم تعلقت بمخلوق أحبه! ~~وكم سكنت إلى مكان أرتاح إليه؛ فحرمتني لذتي، وأبعدت محبوبي، وأقفرت مسكني، ~~وقلت لي: إياك واللذة والمحبوب والراحة؛ لئلا لا تنال الجائزة! # إنني لا أزال أسيرك بعد أن كنت تبينت غدرك وخداعك، إن قوة كامنة فيك ~~وخفية عني تجذبني إليك رغم إرادتي، ترى أتدري الإبرة سر الشمال؟ أم يدري ~~الفراش معنى اللهب؟ # إنني فريسة ظالمين لا يشفقان ولا يرحمان: روح حائر، وحب قاهر؛ الأول لا ~~يقر له قرار، والثاني يجلب العذاب والضجر! # النشيد الثالث: تعذيبي وتعليلي # رأيت نفسي في الطريق وحيدا بعيدا عن الناس، غريب الوجه فيهم والقلب ~~والجنان، فتأملت قليلا في حالي وأطرقت ثم بكيت. # بكيت طويلا؛ لأنني غريب هنا، وغريب هناك، غريب في وطني وغريب في سائر ~~الأوطان، أشعر بأنني في حلم عميق تنبهني منه كبار الحوادث، فلا أوشك أن ~~ألتفت حولي حتى أعود إلى وادي التيه الذي أهيم وأتألم فيه. # إن آلامي كتيار الكهرباء، إيجابية وسلبية؛ آلامي الإيجابية هي التي أشارك ~~فيها غيري من البشر إلا أنها مضاعفة حادة، ما يخدش سواي يجرحني جرحا ~~مؤلما، وما يجرح غيري يدميني، مت مرارا وبعثت، نعم، مت، انفصلت عن ~~العالم مرة واحدة، وسكنت نفسي واكتفت بذاتها، ثم عدت إلى الحياة من جديد، ~~لنفسي في كل حين سياحة تطوف فيها بعوالم غريبة وتزور فيها شقيقاتها ثم ~~تعود، وبعض هذه السياحات قصير وبعضها طويل. # بعضها لا يدوم أكثر من لحظة وبعضها يطول أشهرا. # وما الموت إلا إحدى تلك السياحات! # أما آلامي السلبية فهي لي وحدي، وليس لها سبب معروف؛ تعذيب مستمر، وتعليل ~~طويل، لا تمضي لحظة إلا ولي ألم جديد، أريد شيئا ولكن لا أدري ما أريد، ~~لقد جئت إلى الحياة فوجدت بها قوما لا أعرفهم؛ فاتخذت لي ركنا ولزمت ~~الصمت. # إنني أشعر بنقص فيما ms77 حولي، وسأبقى مصغيا مشرئبا متطلعا التماسا لصوت ~~ألفته أذني ووجه تعودته عيني ونفس تفتقدها نفسي، ولكن صوت من؟ ووجه من؟ ~~ونفس من؟! # أيتها الإلهة الجليلة القاسية، إنني ألتمس صوتك ووجهك ونفسك! إنني أشتهيك ~~كما يشتهي العاشق معشوقته، إن الحب الأفلاطوني لا يكفيني، أريد حب أبيقور، ~~أريد أن أتمتع بك، أريد أن أعبث بك وأقهرك كما عبثت بالألوف ~~وقهرتهم! # إن بيني وبينك ثأرا قديما وجهادا طويلا! ~~••• # أمرت واحدا أن يضرب في الأرض ويسير في مناكبها، فهجر وطنه وأهله في ~~مقتبل عمره، وقطع العالم من المشرق إلى المغرب، وهو يهبط الوديان تارة ~~ويتسلق الجبال أخرى، ويعاشر الوحوش الكاسرة مرة ويعرض نفسه لحيتان البحر ~~مرة ثانية، وكلما وهن عزمه أو هبطت همته دفعت به بيدك القوية دفعة أخرى ~~فتجدد فيه ما أخلقه الضنى وأبلاه الضنك، ولا يزال كذلك حتى يلقى حتفه في ~~أواسط القارة السوداء بين نوع من بني الإنسان لا يأنف أن يأكل الإنسان، ~~حينئذ تضحكين ملء فيك، وتتركين جثته الخامدة. لقد تم لك ما كنت ترغبين ~~ولكن ماذا جنى؟ إنك توعزين إلى أبناء جنسه البسطاء فيقيمون له قبرا ~~عاليا، وينحتون صورته في قطعة من المرمر، ويضعون فوق رأسه أكاليل الغار؛ ~~لأنه كان مكتشفا! ~~••• # وهذا الثاني أسكرته بخمرتك التي إذا ذاقها المرء مرة لا يفيق حياته، ~~وقلدته سيفا، وأركبته جوادا، وأشعلت نفسه بنارك المقدسة، وأودعت عينيه لمعة ~~وضية، وقلت له: اصرخ في الناس يهابوك، ومر الجند يطيعوك، واتبعني أفتح لك ~~الأرض وأقلدك صولجانها وأجلسك على عرشها! # فسار ورفع صوته، فأصغت إليه الأمم، وجرد سيفه فوجمت الجيوش، وحمل على ~~الممالك فتقهقرت أمامه الملوك، أشار بيده فسقطت التيجان من على الرءوس، ~~وانثلت العروش، مخرت جنوده الأنهار وراءه، وشق البحر بمهنده فجف ماؤه، ~~واعتلى صهوة جبال الألب، وأذاب بأنفاسه الحارة جليد روسيا، ووهبوه سيف ~~فردريك الكبير، فقال: سيفي أولى وأجدر بي. # نصب إخوته وأقاربه وأصدقاءه ملوكا، وصير لنفسه في كل مملكة بلاطا، مد ~~يده إلى الشرق فسجد أمامه، بعد أن قهر الغرب فقبل أقدامه. # وهبته ms78 القياصرة كنوزها، وخطبت ملكات الأرض رضاه، وأوشك أن يقول لمن حوله: ~~أنا ربكم الأعلى! ونظر إلى وجهك فرأى بسمة فتانة فسألك، فقلت له: إلى ~~الأمام ولو فوق الأجسام. # إنك كنت لا تزالين تشجعينه؛ لأنك كنت لا تزالين تشتهينه # فنظم الحكومات، وسن القوانين، حفر اسمه في لوح الخلود بجانب اسم صولون ~~وفيثاغور، بعد أن حفره فوق أسماء الإسكندر وقيصر وهنيبال. # ثم ماذا؟ ثم استغنيت فتخليت عنه، فهزمه الأعداء شر هزيمة وهو يقود خير ~~الجنود. يقولون: إنه شاخ فنسي فنون الحرب. كلا، يقولون: إنه ضعف ذهنه وكلت ~~ذاكرته. كلا، يقولون: تكاثر الأعداء، وثبات جأش ولنجتون، وحذق بلوشر. كلا! ~~السبب سهل ولكنه غير معروف. # أنت - يا إلهتي المعبودة المحبوبة - استغنيت فأغضيت، أنت - يا ربة الحكمة الكبرى ويا حافظة السر الأعظم - تخليت فأبليت. أنت - يا فاتنة ~~العظماء، ويا خاذلة الأقوياء، وناصرة الضعاف - تحولت فحولت. # كالمعشوقة الصبية تنهك عاشقها فيشيخ، فتنأى عنه لتقرب فتى جديدا. # لو كان هذا العاشق متواضعا أما كنت تحسنين إليه في غضبك إحسانك إليه في ~~رضاك؟ كان لا يريد أن يرغم، ولكنه كان قوي القلب والنفس، فرميت به في جزيرة ~~قحلاء في وسط المحيط، وقضيت عليه أن يقضي ست سنين على الصخر المحاط ~~بالأقيانوس؛ لعله يلين، فلم يزدد إلا قوة، فبطشت فقضى! # لقد اخترت رجلا آخر، ولكنه فصيح اللسان قوي الجنان رحيب الصدر كبير ~~القلب، فانتشلته من بين يدي أبيه الوضيع واخترت له أن يحكم أمة ~~بأسرها! # فتحت له الطريق وأضأت سبيله وجعلته بعين واحدة # 2 # يرى كل شيء، ألبسته درعا من المغنطيس ووضعت في صوته أنغاما ~~لم يعتد الناس سماعها، وأطلقته يخطب فيهم حتى سحرهم فملكوه قلوبهم، فلما جاء ~~اليوم الذي تعدينه له دفع عن وطنه أعداءه، وقال لأمته الخامدة: انهضي. ~~فنهضت، ثم سيري فسارت. # وأراد أن يخطو إلى الأمام خطوة فقلت له بصوتك القاهر: مكانك. فوقف، فأمطرت ~~عليه مصائب؛ نصرت عليه أعداءه وأعداءك! خطفت من أمامه أمه، وأغضبت معشوقته؛ ~~فهوى كمن هوى من قبل، وواريت رفاته لحدا مهجورا بين ms79 وطنه القديم ~~والجديد. # إنني أرى قسوتك بعيني وألمسها، ولكنني لا أستطيع الابتعاد عنك، إنك ~~تجذبيني؛ لأنني أضعف منك، أليس القضاء عبدا من عبيدك؟ أليس الدهر رمزا ~~عليك؟ أليست صلواتنا وتهجداتنا وآهاتنا متوجهة إليك؟ # يا ربة المجد، ليس لنا من يدك مفر، ولكننا لن نجهل صنعك، إن علمنا ~~بمسيرنا يعزينا. # النشيد الرابع: مبصر وضرير # كنت في حياتي أستنجد بالقوى الخفية، وأستغيث بالآلهة المستترة، ولكنني منذ ~~اليوم أستنجد بالقوى الظاهرة، وأستغيث بالأرباب التي أراها أمام عيني، كنت ~~أحسب أن كل عظيم لا تراه العين البشرية، وأن عالم الخفاء وحده هو الشامل ~~للعقل العام والنفس المدبرة، ولكنني أصبحت اليوم أرى ذلك العقل وتلك النفس ~~فيما حولي، فيما يقع عليه نظري، فيما يسرني ويحزنني، فيما تشعر به روحي وما ~~يلمسه حسي، في المحيا الجميل، وفي الوجه المشوه، في البحيرة العميقة وفي ~~الجبل الباذخ، في الزهرة البديعة، وفي الشجرة الظليلة، إني أرى العقل ~~العام والنفس المدبرة في عقلي ونفسي كما أراها في كل ذرة من ذرات ~~الوجود. # إذن لا سر هناك ولا ستار، إنما هناك مبصر وضرير، أما الحكمة الكبرى فلم ~~تتغير ولن تتغير، وما رآه سقراط وباح به لتلاميذه واستهان الموت لأجله ما ~~أراه الآن أمام عيني وأكاد أمسكه بيدي. يا معابد مصر الجليلة، احتفظي ~~بأسرارك المكنونة، ويا كهنة لاهاسا، لا تبوحوا بالخفايا المكتومة؛ فلست في ~~حاجة إليها. إن قلبي صار معبدا، ونفسي صارت هيكلا، وعيني اخترقت حجب ~~الوجود. # نظرت إلى طبائع الأشياء فدعتني إلى الإمعان والتأمل. ملأت المطامع نفسي ~~فدعتني إلى العمل، أحببت قومي وأرضي فعلمني الحب الإخلاص، عشقت الرجال ~~والنساء فشقيت في العشق تارة وسعدت أخرى، أبغضت أعدائي واحتقرت حسادي ~~وأضدادي فامتلأ صدري بالعواطف المتضاربة، تمنيت ونلت بعض الأماني وخسرت ~~معظمها، فعرفت كيف تكون لذة الفوز وكيف تكون حسرة الفشل، فارقني أعزتي ~~فراقا أبديا فبكيتهم وبكيتهم، ووقفت على قبورهم حاسر الرأس خاشعا، وسجدت حيال ~~أجسادهم البالية كما سجدت في صباي حيال المسجد الحرام. قاسيت مرارا آلام ~~الجوع والتعب، وشعرت تكرارا بوخزات الحاجة، ms80 وكذلك أحسنت إلي الطبيعة ~~حينا فلم تحرمني ما كنت أشتهي إلا قليلا، اتخذت من الناس رفاقا، وأخلصت ~~لهم فلم يخلصوا لي، أحببتهم وأبغضوني، كنت أرجو الخير لهم، وهم يحسدونني، ~~رأيت لي في كل مكان عدوا، وأنا أريد أن أكون صديقا للجميع. # كل تلك الحوادث الصغيرة في ذاتها الكبيرة إذا اجتمعت علمتني معنى الحياة، ~~وكشفت لي الستار عن معظم الأسرار، إن ذنوبي هذبتني وذنوب غيري أرشدتني، ~~تاريخ الأمم رسم لي الخطة الكبرى، وتاريخي أضاء لي السبيل، لم أضف إلى ~~قهقهة الضاحكين إلا ابتسامة فاترة، ولكنني أضفت إلى المحيط الفائض بدموع ~~البشر نهرا غزيرا، وكل دمعة لها عندي قصة، كل دمعة من دموعي ليست إلا ~~ذنبا متبلورا أو عاطفة سائلة في ذمة المحيط العظيم الذي تتدفق فيه هموم ~~الإنسانية؛ تلك الدموع الغالية، إن كان هناك عالم للأرواح فذلك المحيط محلق ~~به؛ لأن النفوس لا تطيق الانفصال عن أحزانها. أحزان نفسي ثيابها، وهمومها ~~طعامها وشرابها. # سأترك سطرا لأبناء القرون القادمة كما ترك لنا مفكرو العصور الخالية ~~أسطرا، إن أبناء كل جيل لا يحبون مفكريه ولا يتعظون بقولهم ولا يريدون ~~سماع صوتهم؛ لأنهم منهم ومثلهم، لأن حياتهم أمامهم، لأنهم يعرفون أشخاصهم، ~~لأن بصرهم وقع عليهم؛ والإنسان قليل الثقة فيمن يعاصره. كل ما يدني الفتى ~~من القبر يدنيه من المجد الحقيقي؛ لأن الموت وحده قادر على أن يزيل ما يحيط ~~بنا من التهم، هو ترياق السموم كلها، هو مطهر الإنسان من عيوب الحياة ~~الفانية. # كان لبعض الناس دين ثم ذهب، وكانت لهم عقيدة، ولكنها ولت، فجاءهم دين ~~جديد، وألبستهم عقيدتهم جديدة حلتها، هذا القول كاف ولا أزيد، ليسوا يخشون ~~أن يعذبهم رجال الدين؛ لأن أقل حسنات هذا الزمان حرية الأديان، وليسوا ~~يخشون أن يبتعد عنهم الناس؛ لأن معظم الناس جبناء ويخافون من يقول الحق ~~جهارا، ثم إذا قاطعوهم فمن هم الناس حتى تحزنهم قطيعتهم؟ أليسوا تلك ~~الموجودات الضعيفة التي يشتريها معدن دنيء يسمى جهلا منها نفيسا؟ أليسوا ~~هم آكلو لحم بعضهم بعضا؟ أليسوا هم الجناة ms81 على نفوسهم ثم البارئون من ~~ذنوبهم إلى أرباب لا يعلمونها ولا يشعرون بوجودها؟ أليسوا هم ذلك القطيع ~~الأبله الذي يأبى أن يسير بلا من يسوقه بعصاه، ثم إذا داهمهم الذئب سلموا ~~إليه حارسهم ليفترسه؟ بخ بخ أيتها الإنسانية الآكلة المأكولة! بخ بخ ~~أيتها الأنعام الظالمة المظلومة! إنك لا تستحقين عناية عقل كبير، ولست ~~خليقة بإحسان نفس كريمة. # لماذا طرد فرعون بني إسرائيل من مصر ثم تبعهم بجنوده؟ لماذا سخر بنو ~~إسرائيل من عيسى ثم صلبوه؟ لماذا حاربت قريش محمدا ووصمته بالجنون ورشقه ~~فتيانها بالحجارة؟ لماذا انتقم نيرون من أتباع المسيح بتعذيبهم وإحراقهم ~~وإطعام الوحوش أجسادهم؟ لماذا ذبح الكاثوليك إخوانهم المحتجين كما تذبح ~~الشاه؟ لماذا أحرق كالفان الأستاذ سرفيه، وكفرت الكنيسة جاليليه؟ ولماذا ~~أمر أحد خلفاء الأندلس السوقة أن تبصق في وجه ابن رشد، وأمر سواه بإحراق شعر ~~المعري؟ لماذا وقع جمال الدين أسيرا في الأستانة وبقي فيها حتى قتلوه؟ ~~لماذا قضى أعداء إميل زولا عليه في بيته وهو في جنب زوجته؟ # لأن موسى وعيسى ومحمدا وبولس ولوثيروس وسيرفيه وجاليليه وابن رشد والمعري ~~وجمال الدين وإميل زولا؛ كلهم فقهوا ما لم يفقه معاصروهم، وفطنوا إلى كلمة ~~لم يفطن إليها سواهم، وقالوا بما لم يقل به أحد قبلهم. # إذن هي غيرة الإنسان من الإنسان، هذه آثار حسد الجاهل لمن عرف، حسد ~~الضعيف القوي. # حقد الضرير على المبصر، لا أكثر ولا أقل! وقديما كان في الناس الحقد ~~والحسد. # مسكينة أيتها الإنسانية! # إنني الليلة لم أتغن بذكر آلهة المجد، ولكنني رثيت بني آدم. # النشيد الخامس: أين العدل الذي تدعون؟ # هل يأتي يوم نفتح فيه قلبنا ونشكو همومنا لمن نحب؟ أم ننزل إلى قبورنا ~~صامتين كاتمين أسرارنا في أفئدتنا الحزينة؟ # هل يأتي يوم ننظر فيه إلى الماضي باسمين بسمة ربان السفينة بعد العاصفة ~~عند إشرافه على ثغر أمين يلجأ إليه فيقيه كل خطر. # هل يأتي يوم ننظر فيه إلى الماضي السحيق نظرة الاطمئنان والفوز بعد الصبر ~~المكلل بالظفر؟ # أجيبيني أيتها النفس، فقد عودتني الإشراف على ms82 المستقبل واختراق حجب ~~الغيب، أجيبيني أيتها النفس، ماذا ترين مخبأ لنا في ثنايا الأيام وزوايا ~~الزمان؟ # كم حدثتني بحوادث صادقة! وكم نبأتني بما لم يكن لي به من علم! # إني أراك تترددين بين الشك واليقين، أراك تختلجين بين النور والظلام. # سبيلك اليوم غير واضح، ودربك وعر، والخطة التي رسمها لك الدهر غير ~~جلية. # مسكينة أنت يا نفسي! لقد أمرضك الصبر الطويل، وأضعفك التمني ~~والتعليل. # رأيتك قديما ذات أجنحة من العزم والهمة، وبصر نافذ كأنك استعرته من نور ~~منرفا، وقلب قوي يقودك بجأش ثابت إلى أصعب المعارك وأوعر السبل، فكنت ~~تحلقين بأجنحتك وحيدة كالنسر الجليل إلى أرقى سموات الفكر البشري، وتخرقين ~~ببصرك الحاد حجب المجهولات والخفايا، وتقاومين بقلبك أشد العقبات وتتغلبين ~~عليها، كنت - يا نفس - مملوءة بقوة الشباب، كنت بين النفوس بكرا ذات جمال ~~وعفة. # أما اليوم فقد نالت منك الخبرة منالها، ولقنتك الأيام درسا مرا؛ ~~فقللت من حدتك، وألانت من شدتك، وعلمتك الوقوف عند حدك. # ولكن أيتها النفس هل لك حد تقفين عنده؟ # هل هناك أفق ينتهي لديه بطشك؟ هل في الكون كله دائرة لا مجال لك وراءها؟ ~~كلا، أيتها النفس، إن العقل والحق والعدل والطبيعة كلها تبيح لك الكل؛ لأنك ~~الكل في الكل، أنت سيدة مطلقة، ومالكة متصرفة فيما يقع تحت حسك من سماء ~~وأرض ونور وكواكب وبحار وعوالم خفية لا أراها أنا وترينها أنت بعين ترى كل ~~شيء ولا يغيب عنها في الوجود ذرة! # يقولون: الإنسان حقير في جنب الخليقة، وأنه أقل من ذرة حيال العوالم ~~الكبرى. كذبوا! إنهم لا يعلمون، قد يكون الإنسان حقيرا بجسمه، ولكن ليس ~~الجسم في نظري شيئا مذكورا، ولكنه عظيم بنفسه وهي كل شيء. # هل لنا غرض عظيم نسعى لندركه؟ هل للإنسانية التي قضت ألوف الألوف من ~~الأجيال في جهاد ضد العناصر الأولى وضد قوى الطبيعة الظاهرة والكامنة غاية ~~كبرى يسير إليها من يبقى من البشر ممن لا يهلكون في الطريق؟ # أم نحن مخلوقون عبثا للتعذيب والفناء؟ # لماذا ترفع الأصوات في كل صباح ms83 ومساء بالصلاة؟ # لماذا تشرق الشمس وتغيب؟ # لماذا يسعد قوم ويشقى آخرون؟ # لماذا كونت هذه الأرض وملئ سطحها ماء، وتحت الماء نار تتأجج؟ # لماذا يساء إلى البعض ويحسن إلى الآخرين؟ # لماذا يراد بالبعض شر، ويريد الله بالبعض خيرا؟ # لماذا يتحكم الإنسان في أخيه الإنسان، ويساعد الظالم كثيرون، يمنون المظلوم ~~بالهناء والرفاء بعد الممات بسنين؟ # لماذا يذنب البعض فيجني غيرهم ثمار ذنوبهم ويحتملون ما كان مقسوما لهم ~~من عقاب وعذاب أليم، أليست هذه قسمة ضيزى وظلم عظيم؟ # ترى، تنسى ذنوب من نريد التكفير عن سيئاتهم؟ # ترى، تمحى خطاياهم ويبقى لنا نصيبنا من التعذيب؟ # إنهم يقولون: في الكون عدل وميزان لا يعتريه اختلال ولا يأتيه الباطل من ~~بين يديه ولا من خلفه، ويرفعون أصواتهم مهللين كلما انتقم الحكام من مجرم ~~أو كلما وقع ظالم في مخالب مظلوم. # ولكن مكانكم أيها الناس! هذا الذي تهللون وتكبرون لأجله ليس إلا من نوادر ~~الحوادث ومستثنيات القواعد. إنهم انتقموا اليوم من مجرم أوقعه سوء حظه في ~~أيديهم، ولكن كم مجرم يقترف أفظع الذنوب فلا يرى أو لا تناله يد ~~العقاب! # وإن انتقمتم اليوم من ظالم لمظلوم فكم وكم من ظلام فروا، ولم تنلهم يد ~~العدل الذي تدعون! وكم من ظالم يعاصرنا نرى ونسمع ونلمس فظائعه ولا نستطيع ~~أن نقول له مكانك؛ لأنه قادر أن يسحقنا بقوته! # إن أمما لا تحصى ولا تعد لا تزال بأسرها في أسرها. إن أجيالا من ~~السنين مرت متواترة متعاقبة على العالم وهو يئن من ظلم الظالمين؛ فأهرقت ~~الدماء، وأزهقت النفوس، وانتهكت الأعراض، وأهينت الحقوق، فأين كان العدل الذي ~~تدعون؟ # تقولون إن ذنوب القرون الأولى انتقم لها في القرون الوسطى، وذنوب القرون ~~الوسطى انتقم لها في العصر الحاضر. قد يكون هذا، ولكن لقد جاء العدل ~~متأخرا. وماذا يعود على المريض إذا أسعفه الطبيب بالعلاج وهو دفين؟! # بل ماذا عاد على المسيح من العدل بعد أن صلبوه؟ وماذا استفاد جاليليه بعد ~~أن قذفوا به من حالق؟ وميشيل سرفيه بعد أن أحرقوه؟ # الناس ألهوا الأول ms84 وعبدوه، ومجدوا ذكر الثاني وعظموه، وأقاموا للثالث ~~تمثالا؛ نكاية فيمن ظلموه، ولكن ألم يقل المسيح وهو يحتضر: يا إلهي لماذا ~~تركتني؟ ألم يدق عنق جاليليه وهو مكتشف دورة الأرض؟ ألم يحرق سرفيه حيا، ~~وهو أول قائل بدورة الدم؟ ماذا أفادت الأول عبادة الناس له، والثاني ~~تبجيلهم ذكره، والثالث إقامة التماثيل؟ # إن هذه الجرائم تكرر في كل عشية وأصيل، وكل جيل حافل بذكر فظائعه ~~ومظالمه، فلو قلنا إن العدل جاء متأخرا في بعض الحوادث، فلماذا يجيء ~~متأخرا فيما يتلوها؟ لماذا أحرقت جان دارك؟ ولماذا ذبح دافل؟ ولماذا عذب ~~أيوب؟ # إن الناس ينقمون من محاكم الأرض البطيئة، أخطئوا، فلينقموا على محكمة ~~أخرى؛ فإنها أبطأ المحاكم! # النشيد السادس: الحقيقة # ليس في الدنيا صديق! # ليس في الدنيا بأسرها صديق واحد يمكنني أن أجلس إليه وأفتح له خزائن ~~قلبي، وأمنح فؤادي الحزين أمامه الحرية المطلقة ثم أبكي وأبكي وأبكي حتى ~~تعود دموعي قطرات من الدم القاني فأسمع منه كلمات الأسى والحزن والإشفاق، وترفع ~~نفسه النقاب عن الإخلاص لي فيهدأ بال نفسي الشقية. لم أكن خيرا في هذه ~~الدنيا كما تطلب منا الأديان والآداب الموضوعة، وكما توحي إلينا روح الخير ~~التي ترفرف على العالم بجانب روح الشر الفظيعة. إن في عيوبا كثيرة، وفي ~~أخلاقي نقائص ومساوئ كغيري من البشر، ولكنني - وا أسفاه! - عاجز عن الخلاص ~~منها دفعة واحدة، وإن قدرت على بعضها فإنني آتي عليه بالصبر والجهاد ~~والثبات، وأفرغ جهدي في الخلاص من البعض الآخر، ولكنني واثق من أنني لا أزال ~~بعيدا عن أول مرتبة من مراتب الكمال، على أنني مع هذا لم أمسس أخا لي في ~~الإنسانية بشر، وليس في قلبي الحزين مكان للحقد والغيظ، وإن كان هذا القلب ~~يعرفهما فهو لا يعرف إلا حقدا وغيظا وهميين لا يسكنانه إلا ليفارقاه في ~~لمحة من الزمان، وإن ملكت الشر لخصم فهيهات أن أنتقم لنفسي منه، ولم ينل ~~عدوا من أعدائي خير إلا سرني، فلماذا يا إلهي؟ إن كنت تسمع صوتي، لماذا ~~ليس لي في الدنيا صديق؟ ms85 # إنني أتحاشي الذنوب لا احتفاظا بوداد الناس؛ إنما لأنني لا أريد أن أكون ~~مذنبا أمام نفسي، وإذا اقترفت ذنبا فليس هذا في طاقتي منعه ولا بد أن ~~يكون من الذنوب القهرية التي هي أقوى مني وأشد من طبيعتي، ثم إنني إذا ~~اقترفت ذنبا لا أدخر وسعا في الاستغفار منه والتوبة عنه والحزن الشديد ~~عليه حتى أمحوه بدموع قلبي. ليس يشغلني أيعرف الناس هذا أم لا يعرفونه، ~~فلماذا - يا إلهي - ليس لي في الدنيا صديق؟ # إذا كانت ذنوبي الخصيصة بي هي الوحيدة في صحيفة هذا الوجود، فإن استغفاري ~~وندمي وأسفي جديرة بأن تمحوها، ولكن لكل الناس ذنوبا كذنوبي، ولكل الورى ~~حتى الحكماء منهم عيوب، وكثيرون لا يكلفون أنفسهم مشقة الندم والاستغفار، ~~ويستكبرون أن يخضعوا أمام النظام القاهر، ويسيرون في طريق العصيان، فيهابهم ~~الناس ويحابونهم، بل تحابيهم الطبيعة نفسها، وتمنحهم عطاياها، وتخلص لهم ~~القلوب، فهل هذا هو العدل الطبيعي، أم هذا خداع تراه العين البشرية فتظنه ~~حقا وهو خيال باطل؟ إذا كان هذا خيالا باطلا والطبيعة والإنسانية ~~تحترمان الحب والإخلاص والحق، وإذا كان الله العظيم يعفو ويصفح فلماذا ليس ~~لي في هذه الدنيا صديق؟ # إذا كان العالم قائما على الخداع والغش والنفاق والاحتيال والقوة ~~الغشومة، ولا يفوز في ميادينه الصعبة ولا يحمل تيجان الفخار فيه إلا ~~الأنذال والأشرار الذين يتقنون صناعة الختل والظلم ويبقى المخلصون مهانين ~~أذلاء معذبين فيه، فليقنع الأخيار بأنصبتهم! ولكنهم يقولون إن الباطل لا ~~يدوم، وإن الظلم زائل، وإن الحق هو السيد السائد في نهاية الأمور. وأراني ~~رغم ما أراه من حوادث الحياة المحيطة بي في كل صباح ومساء، في الشرق والغرب ~~والشمال والجنوب؛ ميالا لهذا الاعتقاد، محبا لنصرة العدل والحق. فلماذا ~~- يا إلهي - ليس لي في الدنيا صديق؟ # أليس في هذه الأرض إنسان مثلي، عواطفه كعواطفي، وخلاله كخلالي، وضعفه ~~كضعفي، ومعتقده كمعتقدي، فنأتلف ونتحد، وأعزيه ويعزيني، وأعيش على الغذاء ~~الذي تقدمه نفسه لنفسي، ويعيش هو أيضا على الغذاء الذي تقدمه نفسي لنفسه؟ ~~إذا كان في العالم هذا المخلوق ms86 فأين هو؟ وكيف أن الطبيعة العظيمة التي تزن ~~الحوادث بمقدار معلوم وتدير حركات القضاء والقدر وتدهش العالم بالمخبئات ~~الغريبة والاتفاقات العجيبة التي يسميها البشر بجهلهم وغباوتهم وعماهم عن ~~النظام السائد «مصادفات»؛ كيف أن تلك الطبيعة لم تجمعني بعد بهذا الصديق؟ ~~وإن لم يكن في الأرض مثل هذا المخلوق فلماذا لا تجود به العناية؟ لماذا تركت ~~وحيدا فريدا باكيا منتحبا صارخا من أعماق نفسي: ليس لي في الدنيا ~~صديق؟ # إن البعض يرون في ذلك حكمة اخترعوها وتعليلا ابتدعوه، وهو أن النفوس لا ~~تنضج إلا بالآلام والأحزان، وأن الطبيعة إذا اختارت بعض النفوس هيأت لها من ~~أسباب الهموم لتنضجها؛ لذا كان سائر الفلاسفة والأنبياء وقادة الأمم ~~والشعراء على نصيب وافر من العذاب الأليم؛ ولذا كانت تلك الآلام دليل ~~السعادة العقلية. فهل هذا - يا أيتها الطبيعة - حق وصدق؟ وهل تلك النار ~~المشتعلة في القلوب وتلك الآلام التي تلذع كأنياب الأفاعي ويشعر بها في ~~الفؤاد كما يشعر الملسوع بالسموم تسري في بدنه، هل تلك الآلام هي نعمة في ~~شكل نقمة، وسعادة في شكل شقاء؟ هل النفس الحزينة هي من تلك النفوس التي ~~أرادتها الطبيعة لتكون شموعا تضيء للإنسانية وتحرق ذاتها؟ هل النفس ~~المعذبة شعلة وهاجة تفنى لتنير للغير؟ هل هي ضحية من ضحايا الإنسانية التي ~~تقاسي الآلام في الحياة لتمجد وتعبد بعد الموت؟ # إذا كان هذا فلترض النفوس المعذبة بقسمتها، ولتقنع بنصيبها، ولا حاجة ~~لها بعد اليوم إلى الشكوى والنجوى، ولن تسائل الآلهة بعد الساعة: لماذا ~~ليس لنا في الدنيا صديق؟ # ولكن وا حسرتي! وا ندمي! إذا كان هذا الحلم اللذيذ السعيد وتلك الفكرة التي ~~ينادي بها الناس ليست إلا صورة في الخيال كالصور البديعة التي يمنى بها ~~الأشقياء في هذه الحياة؛ لتخف عنهم آلامهم فيموتوا ويذهبوا صابرين كاظمين، ~~وحقيقة الأمر أن نظام العالم اختار لهم الشقاء الأبدي، وليس لهم جزاء لا ~~هنا ولا هناك! # وا حسرتي! إذا كانت تلك الأمنية العذبة هي كحقنة الأفيون تؤخذ لتسكين ~~الآلام المتحركة، فإذا سكنت الآلام عادت إلينا ms87 الحقيقة سافرة هازئة ~~بأمانينا وخيالاتنا. # إذا كانت هي الحقيقة المجردة وقضت علينا العناية التي تدبر الحياة ~~البشرية والتي لا يعرف كنهها أن نبقى كذلك، وأن يتمتع سوانا حالما نقاسي ~~نحن أهوال الآلام النفسية والبدنية؛ فهل لنا من خلاص؟ هل لنا من مبدأ جديد ~~نضع أساسه يهيئ لنا أن نكسر بأيدينا الضعيفة تلك القيود التي قيدتنا بها ~~الطبيعة، وأن نمحو آثار المظالم التي كتبها علينا أقوياء الأرض بلا ذنب ولا ~~جريمة، هل لنا أن ننفخ في صور الحزن العام الذي تشترك فيها الإنسانية ~~بأسرها؟ # أم هذه أيضا هي خرافات نفس معذبة إذا عاد إليها هداها وملكت رشدها هدأ ~~روعها وسكن اضطرابها واستسلمت لحكم القضاء الظالم وخضعت أمام تلك المغارم؟ ~~وحينئذ ينبغي للمعذبين أن يقيموا على الضيم حاسري الرءوس خارين إلى ~~الأذقان منتظرين فراغ الكأس التي قسم لنا أن نجرعها، صابرين إلى اللحظة ~~الأخيرة التي نودع فيها هذه الحياة القاسية! # حينئذ ينبغي لنا أن نضع أيدينا وراء ظهورنا ليقيدها القضاء بقيوده، ~~وليسوقنا القدر أمامه مطرقين كما كان الرومان يسوقون أسراهم ويدخلون بهم ~~رومة ظافرين منتصرين. # حينئذ ينبغي لنا أن نستسلم لكل شيء، ونقر بعجزنا أمام من هو أقوى منا، ~~وإذا شعرنا بقسوة النظامات الطبيعية والبشرية وشدتها، فلنهمس في آذان بعضنا ~~بأننا مظلومون، ولنشهد أحجار الأرض وكواكب السماء بأننا مظلومون؛ لأن ~~إخواننا البشر لا يرحمون ولا يشفقون، وإذا أشفقوا ورحموا فليسوا بقادرين أن ~~يخففوا عنا مصائبنا، ودموع الإنسانية وآهاتها لا تمحو سطرا واحدا مما كتب ~~القضاء على الجبين؟ إن هذا هو الضعف المبين! # لكنني لا أتردد في كتابه هذه الشكوى «ورقة اتهام»، أتركها من بعدي؛ ليعلم ~~الناس حقيقة الحال، ورقة اتهام أدعي بها على قوى الكون جميعا أنها كلها ~~اشتركت في الجريمة التي قضت على الإنسانية بالآلام الطويلة التي ليس لها ~~آخر إلا بالموت الزؤام إذا لم تنفض عن كاهلها غبار العجز. # الموت الزؤام! نحن الذين نبغض الحياة الدنيا ونحتقرها ونعد من يحبها ~~جاهلا، نقول إنه موت زؤام. نحن الذين لم نذق في ms88 حياتنا إلا ساعات معدودة ~~من سعادة موهومة كانت تعادلها سنون وشهور ذقنا فيها صنوف الآلام، نحن نصف ~~الموت بأنه زؤام. # ألا إنه علاج سائر الأدواء! # أليس هو النهاية الكبرى لذاك الشقاء؟! فلماذا إذن ندعوه بالزؤام؟! # أليس أمامنا من الأسباب العقلية والنفسية ما يدعونا إلى حب الموت والسعي ~~إليه واستهانة آلامه إن كان فيه آلام؟ ولكن الغريزة الحيوانية الدنيئة ~~أراها لاصقة بالحياة، أراها تحب العيش مهما كان مرا، وتفضله على الموت مهما ~~كان حلوا. إذن فلنعش، ولنتألم، ولنذق صنوف العذاب، ولنشرب كأس الألم حتى ~~حثالتها؛ ما دامت الطبيعة القوية جعلتنا نرجف ونرتعش من صورة الموت إذا ~~تخيلناها! أين أنتم يا فلاسفة الأرض ويا حكماء الحياة؟ أين أنتم؛ لتحلوا ~~معي ذلك اللغز الذي لا يحل؟ أين أنت أيتها الحقيقة العظيمة المتبرقعة ~~ببرقع لم يجسر ذوو أشد النفوس قوة على رفعه؟ # أين أنت أيتها الحقيقة الجليلة؛ لأسرع إليك ولأمزق ذلك النقاب الكثيف، ~~ولأنظر إليك وجها لوجه، ولأقرأ في جبينك الوضاء حلا لمعجزة الحياة ~~والوجود؟ # أين أنت أيتها الحقيقة المستترة؛ لأصل إليك ولأشكو لك آلامي ومصائبي ~~وآلام إخوتي في الإنسانية؛ لتشفقي وتمطري من عينيك الخارقتين دموعا تمتزج ~~بدموعي وتنادي بصوت الأم الحنون: «إلي أيها الولد التائه الضال الحزين، ~~إلي لأخفف آلامك ولأسكن لوعتك.» ثم تسفرين عن وجهك فأخر أمامك ساجدا ~~صعقا كما خر موسى من قبل أمام وجهك في جبل الطور؟ # ألست أنت أيتها الحقيقة التي أوشكت أن تشفقي علي يوما كنت فيه على رأس ~~الجبل في بقعة سحيقة من الأرض، وكانت السماء ممطرة والشمس تغيب وتظهر، وأنا ~~أبكي من قلبي، فخيل إلي أنني أسمع صوتا وأرى وجها جميلا، فخررت على حجر ~~وما زلت جاثما حتى نبهتني قشعريرة شديدة سرت في بدني، فأسرعت منحدرا ~~وشعرت براحة وسرور؟ # ألست أنت من حاولوا أن يكشفوا سرك في هياكل أفريقيا ومعابد آسيا ثم عادوا ~~خاسئين؟ ألست أنت أيتها الحقيقة التي تركت في كل مكان أثرا من آثارك حتى ~~إذا بلغه أحدنا نحن المساكين أغويته وجذبته إليك ثم ms89 اختفيت من أمامه ~~كالسراب الذي يخدع التائهين في الصحراء؟ إلى متى أيتها الحقيقة يبقى ~~الإنسان ضالا تائها؟ وإلى متى يدوم ذلك السباق الأليم بين الجهل والعلم ~~وبين الباطل والحق وبين النور والظلام؟ # اغفري لي أيتها الحقيقة، يا أم الأمم، ويا سيدة العوالم، ويا إلهة ~~الآلهة! ويا من شيدت لك الهياكل والمعابد، وأقيمت لتمجيدك الكنائس والمساجد، وحلم ~~بك كل صاح وهاجد؛ إذا تهجمت على مقامك الأسمى وطلبت منك طلبا مجحفا. ~~اعذريني أيتها الحقيقة العظيمة إذا تسرب الشك إلى قلبي وأسكرني الحزن ~~وتغلبت علي الآلام فكفرت يوما بنعمتك وقلت ليس في الورى سوى الجهل ~~والظلم والظلام، وأن الحقيقة التي ينشدونها عبثا ليست إلا وهما من ~~الأوهام. # إن قلبي مملوء بك، ونفسي متشبعة بصورتك، وفؤادي ووجداني كلاهما يوقنان بك، ~~ولكن ألست بشرا ضعيفا؟ ألست من تلك المخلوقات العاجزة الضئيلة التي تريد ~~كل شيء ولا تنال شيئا، التي تسمي نفسها بالإنسانية؟ لقد رأيت أدلة كثيرة ~~تثبت وجودك، وعلمت بالخبرة أنك هنا وهناك، في العلا وعلى الأرض، عن يميني وعن ~~شمالي، أمامي وورائي، ولكن لما أمسك بعد بأهدابك، ولم أستطع مع شدة جهادي ~~وثباتي وطول صبري أن ألمس ذيل ثيابك. أسمعك تأمرينني بالصمت والسكوت، أسمعك ~~تقولين لي: بعدا أيها العاجز الجاهل، إن الحقيقة لا تمس ولا تنال بالحس. ~~ولكن ألست بشرا لا يرى إلا ما يقع تحت الحس؟ إذا كان هذا عيبي، فهل أنا ~~وحدي المذنب؟ # لا أريد أن أعرف كل شيء؛ فليس هذا يهمني، وإن كان يهمني فلست قادرا ~~عليه، ولكنني أريد أن أعرف شيئا واحدا: هل قسم لبعضنا أن يسمعوا العالم ~~أصواتهم، وأن يخرجوا قواهم إلى الأرض فيشعر بها ويراها كل البشر؟ أم قسم ~~لهم أن تكتم أنفاسهم قبل أن يصرخوا صرختهم؟ # إن كانت القسمة الأولى من نصيبهم فجودي عليهم أيتها الحقيقة بالصبر ~~والثبات حتى يقوموا بأداء الرسالة التي أردتها لهم، جودي عليهم بالطمأنينة ~~كما تجود المعشوقة الجليلة على العاشق المسكين بكلمة تسكن نفسه إليها، قولي ~~لهم اصبروا واعملوا، كما تقول المعشوقة الجليلة ms90 للعاشق المسكين: «أنت في ~~حل من حبي، فحبني.» جودي أيتها الحقيقة ولا تتركيهم معذبين، جودي أيتها ~~الحقيقة بكلمة واحدة وكفاهم ألما، جودي بتلك الكلمة التي تكون غذاء نفوسهم ~~إلى الأبد! # أما إذا كانت القسمة الثانية هي نصيبهم فاعبسي في وجوههم، وادفعي بهم ~~بيدك القوية، واتركيهم يسقطوا في المهواة السحيقة التي سقط فيها ألوف الألوف ~~من قبلهم، والتي لا تزال يخرج منها صوت عويلهم، انطقي أيتها الحقيقة بحكمك ~~الأخير! # إنني - أيتها الحقيقة - منذ الساعة سأكون كما كنت في الماضي عبدا مخلصا ~~لك. سأنسى كل آلامي منتظرا أمرك العظيم، سأصبر على همومي وأحزاني وألقاها ~~بصدر رحيب، سأكتم شكواي، وأعلل النفس بالفرج القريب، إذا رأيت الناس تبغضني ~~وأعدائي تغيظني وأهل الظلم يكيدون لي سأعرض عن ظلمهم وغيظهم، سأهزأ ~~بمكائدهم ومفاسدهم، سأضحك من خداعهم وشرورهم؛ لأنني لا أمل لي إلا فيك، ~~وأنت أعظم من يؤمل فيه. # لن أشكو بعد اليوم وحدتي، لن أحزن بعد اليوم إذا بكيت منفردا، لن أضجر ~~من آلام الفقر والمرض والشقاء، بل ألقاها جميعها مسرورا مستبشرا. # إنني - أيتها المحبوبة المتبرقعة - صابر قانع، إذا التفت حولي فلم أر ~~أحدا يؤنسني في وحشتي ويساعدني في كربي ويفرج همي، فلن أسأل بعد اليوم ~~لماذا ليس لي في هذه الدنيا صديق؟ فأنت على بعدك صديقتي، وأنت على تسترك ~~وتقنعك محبوبتي التي سأخلص لها، بل أنت إلهتي ومعبودتي، أنت إيماني وديني، ~~أنت قبلتي وكعبتي، أنت حياتي وموتي، أنت سعادتي وهنائي، أيتها الحقيقة، أنت ~~الكل في الكل، أنت الوجود والعدم، أنت الخالدة منذ القدم. # أسعفيني وأسعديني أيتها الحقيقة، فإنني لا أزال صابرا. # | الليلة الخامسة عشرة # ليلة الوداع # فلما قرأت تلك الأناشيد زادت حيرتي وحزني، وقطعني الروح الحائر، فهو لا يزورني يخفف بحديثه ~~ما بنفسي، فاتخذت من الصبر درعا إلى أن ضقت بالحيرة ذرعا، ثم سمعت الروح يقول لي في نومي: ~~«إني زائرك لآخر مرة، ولكن لا تسألني أن أرفع عن بصيرتك نقاب الحيرة، فلو استطعته لغيري هديت ~~نفسي.» ثم وافاني الروح تحت جنح الظلام وفي يده ms91 المصباح الذي يهدي خطاه في عالم الأرواح، ~~فعلمت لأول وهلة أنه لا يزال كما كان حائرا، ولكنني الليلة لمحت انتهاك قوته وخفوت ~~صوته. # قلت له: «ماذا أوحى إليك ما كتبت في تلك الأناشيد الستة؟ إن بعضها كالريح الصرصر العاتية ~~تغرق سفن الآمال، وبعضها كإعصار الصحراء تدفن العواطف، وبعضها كالسموم تخمد قوى النفس، ~~وبعضها كريح الشمال تعيد الحياة إلى الروح.» # قال: «أوحاها إلي ظمئي إلى الوصول إلى الغرض الأسمى والمثل الأعلى (أيديال).» # قلت: «وما هما؟» # قال: «الغرض الأسمى: هو بلوغ الإنسانية أرقى مراتب الكمال، والمثل الأعلى: سلوك الأفراد ~~والجماعات سبيل الوصول إلى تلك المرتبة.» # قلت: «وما هي أرقى مراتب الكمال؟» # قال: «إنها لا تعد، وأولها سعادة الإنسانية.» # قلت: «وماذا تقصد بالسعادة؟» # قال: «إنها درجات وأنواع.» # قلت: «وما أول درجاتها؟» # قال: «تقدير الحياة قدرها، والاكتفاء بها دون سواها ما دمنا على الأرض.» # قلت: «إذن هذا تعلق بالمادة لا يليق بالأرواح.» # قال: «أليست المادة أزلية؟ إنها نصف قوة العناية.» # قلت: «تركتني في حيرة لا تنجلي، فقد نقمت على كل شيء حتى جعلتني مثلك ناقما، وبكيت على ~~كل حي حتى أبكيتني، وشقيت بعقلك وحبك للوقوف على دقائق أسرار الوجود حتى أشقيتني.» # قال: «إنني رويت لك أحاديث عن الشرق والغرب أمما وأفرادا، وفاتحتك فيما كان يجول بصدري ~~من دواعي الحزن الإنساني، ونقلت إليك شعر الأرواح، وأبحت لك إذاعة ما دونته وطويته، فأعطيتك ~~صورة من نفسي، ولكن لدي أحاديث لا تنتهي، وفي قلبي عواطف لا أفرغ مدى الدهر من وصفها؛ لأنني ~~لا أستطيع حصرها، ولكنني أشعر بأن دور الحيرة قد انتهى أو كاد ينتهي، فإن التقينا بعد ~~الليلة كان لي معك حديث آخر لم تسمعه أذن ولم يخطر على قلب بشر.» # قلت: «أمنصرف عني أيها الروح العزيز بعد طول الود؟ أقاطعي بعد تلك الصلات؟» # قال: «صه، فلا فائدة في العويل، قد آن لي أن أطوف عوالم أخرى، وأنتقل إلى دوائر غير التي ~~أنا بها.» # قلت: «أي طريق أسلك؟ وعلى أي درب أسير في مهامه الحياة الأرضية؟» ms92 # قال: «انهض من عثرتك أقالتك الحقيقة، ونفض عن نفسك، واعمل في الميدان الذي خلقت للجهاد ~~فيه إلى أن تفوز أو تخذل.» # قلت: «وما هو هذا الميدان؟» # قال: «هو ميدان الحياة الإنسانية! إن ما يعرض لك من المسائل الأرضية لا يحصى ولا يحصر، ~~فاصرف قوتك في حلها، وافعل من الخير ما استطعت، والتمس العمل فإنه درع تتقي به نصال ~~الحياة.» # قلت: «وما غاية العمل على الأرض؟ ألم تقل إننا جئنا إليها وسنذهب عنها ~~اعتباطا؟» # قال: «قد يكون ذلك، ولكن ألم تجدوا أنفسكم على هذا الكوكب؟ وإن لوجودكم غاية إن لم تقصدها ~~القوى التي أوجدتكم فاخلقوها بأنفسكم، ألا تذكر كلمة الفيلسوف العتيق الهازئ من الحياة ~~والوجود التارك في صحيفة الدهر بسمة أزلية أبلغ من كل قول قديم وجديد فولتير القائل: «إذا لم يكن لكم أرباب فاخلقوها»؟ كذلك إذا لم يكن لكم مثل أعلى فاسعوا في إيجاده.» # قلت: «وأي مثل أعلى بعد ما ذكرت؟» # قال: «المثل الأعلى هو البحث عن الحقيقة.» # قلت: «وما هي الحقيقة؟» # قال: «تسألني عن الحقيقة، وما أسهل السؤال وأصعب الجواب! وهل لو عرفتها بقيت حائرا؟! ~~ولو كانت على أطراف الألسنة تنقل من فم إلى فم ما كان للحياة والجهاد والألم معنى، فهي ~~اللغز الذي يسعى الكل في حله، فمعظم الناس انصرفوا عن الغرض الأكبر، وألهتهم أغراض صغرى، ~~وقليلون منهم يضربون في مهامه الحيرة.» # قلت: «رأيتك في بعض أناشيدك تقول: رأيت الحقيقة ووقفت على سر الوجود.» # قال الروح: «هي أمان عذبة كنت أمني النفس بها، ولا يكون المرء أبعد عن الحقيقة منه يوم ~~يتوهم معرفة كنهها.» # قلت: «سمعتك تقول حينا: الحقيقة المطلقة والحقيقة النسبية. فماذا عنيت؟» # قال: «قصدت بالحقيقة المطلقة تلك التي وصفتها، فقل هي الطبيعة، هي العناية، هي الوجود، ~~هي الروح، هي المادة، بل قل هي مجموع ما ذكرت، وهي من أمر ربي. أما الحقيقة النسبية فهي ~~ملجأ فريق من الحكماء، اخترعوها لتسلية نفوسهم وتعزيتها، يقولون: الحقيقة لا وجود لها، وإن ~~وجدت فلا سبيل للوصول إليها. وحياة الإنسان على ms93 الأرض لا تسع البحث لبلوغ الغرض الأسمى ~~(أيديال)، فكل ما رآه الإنسان حقا فهو حق ما دامت فيه راحة لنفسه وهدى لضميره.» # قلت: «وأي الحقيقتين أنشد؟» # قال: «ليكن غرضك الأسمى «أيديال» الحقيقة المطلقة، واقتنع بالحقيقة النسبية ما دمت في ~~سبيل الوصول إلى الأولى.» # قلت: «وما هي السعادة؟» # قال: «هي ضرب من ضروب المثل الأعلى، هي غاية الأفراد والجماعات، ومعناها أن يتمتع الفرد ~~أو الجماعة بالحياة؛ ولهذا شروط عرف الناس بعضها وغاب عنهم معظمها، وأولها أن يكون الفرد أو ~~الجماعة بغير قيود وضعها الغير للانتفاع بها، وهذا شرط أولي مطلق، وكل ما عداه ثانوي نسبي، ~~ومن لا يحوزه ليس في عداد الأحياء ولا ينبغي الاعتداد به، بل ينبغي أن يبذل في سبيل الحصول ~~عليه كل شيء حتى الوجود الذاتي؛ لأن الوجود الذاتي لا قدر له، ومثل من يعيش بدون هذا الشرط ~~اكتفاء بالحياة المادية كمثل من يفضل الحياة النباتية الدنيا على الحياة الروحانية ~~العليا.» # قلت: «هذا الشرط الأول عرفته، فما هو عماد السعادة؟» # قال: «الحب والفضيلة.» # قلت: «سمعتك تقول الحب عبث وضرب من خيال الشعراء، والفضيلة لفظ موضوع.» # قال: «قصدت نوعا واحدا من الحب، وهو حب المرأة، ولم أقصد المثل الأعلى منه. # أما الفضيلة التي ذممتها فهي المعروفة لعهدكم في الأرض، وهي صفات تؤدي بصاحبها إلى القوة ~~والتمتع، ولكن الفضيلة التي أريدها الآن إنما هي المثل الأعلى من كل شيء، وقد يكون أصحابها ~~أخملكم ذكرا، وأحطكم قدرا، وأبعدكم عن الجاه.» # قلت: «وما هو المثل الأعلى في الحب؟» # قال: «هو الحب المطلق العام الذي لا يدخل في دائرة المادة؛ كحب الحق والطبيعة والإنسانية ~~والوطن، وكلها أغراض سامية تنبعث منها صنوف الخير.» # قلت: «وما بالك تحقر من شأن الحب المادي بعد أن ذكرت لي وجوب الاكتفاء بحياة ~~الأرض؟» # قال: «حاشا أن يكون في القول تناقض، إنما كل رأي له مجرى في الفكر. الحب غايته السعادة، ~~فلو صدر عنه الشقاء فليس هو الحب المقصود، إنما هو ميل مادي يفقد التوازن ويتلف النفس، ولكن ~~الناس ms94 فهموا من الأشياء غير المقصود، فهم يطلقون كلمة الحب «آمور » على عاطفة خادعة، فإن ~~شعرت يوما بتعذيب نفسك في سبيل حبك فاعلم أنه ليس حبا.» # قلت: «كيف ذلك والبذل والألم والتعذيب لا تكون إلا في سبيل الحب الأعلى؟ ألم يأتك حديث ~~القديسين وأولياء الله والشهداء ممن عظم قدرهم بحبهم؟» # قال: «أجل، ولكن التعذيب الذي تذكر غير التعذيب الذي أعني، وليس قولي موجها لصاحب الذهن ~~الخالي.» # قلت: «وما رأيك في العالم؟» # قال: «مجموعة أمم ذات ألوان وأطوار شتى.» # قلت: «بم التفاضل بينها؟» # قال: «بالأخلاق.» # قلت: «وما هي الأخلاق التي تعني؟» # قال: «هي خلاصة حياة الأمة وصورة من روحها، وهي لها بمثابة سلسلة الظهر للحيوان، وتكون ~~حياة الأمم قوة وضعفا، اعتدالا وميلا، عزا وذلا، سعادة وشقاء؛ كحال خلقها. فما بادت ~~وما ذلت أمة ذات خلق قويم، كذلك ما عاشت وما عزت أمة لا خلاق لها. إن أكبر الأمم جاها ~~وأعظمها صولة لا قوام لها بدون خلق، وأصغرها من ذوات الخلق أطولها عمرا وأرفعها ~~مجدا.» # قلت: «وما هي مفصلات الأخلاق؟» # قال: «انظر في أمتك؛ فإن كانت ضعيفة ذليلة فاحكم بنقص خلقها، وإن كانت قوية عزيزة فهي من ~~ذوات الخلق.» # قلت: «وما رأيك في كبار الرجال؟» # قال: «من لا يستفزهم نفع الذات، ولا يقعد بهم شر يخشونه في أنفسهم.» # قلت: «إني سأنشر كل ما حدثتني به على الملأ.» # قال: «أتعلم ما ينالك من وراء ذلك؟» # قلت: «نعم، إن الناس تشكرني إذا نشرت رأيا صائبا، وتعذرني إذا أذعت خطأ.» # قال: «إنك إن قلت ما تعتقد عرضت نفسك للوم؛ لأنه هيهات أن تجد من الناس من يرتضي رأيك ~~إذا لم يكن رأيه، وإن الذين يقلدون الأغبياء والمتنطعين أكثر منهم غباوة وتنطعا؛ لأن الغبي ~~والمتنطع له فضيلة واحدة وهي حسن النية. أما إذا قلت ما لا تعتقد بقيت في حرب عوان مع نفسك، ~~وأفظع بها من حرب تبدد القوى وتفني نشاط النفس على غير جدوى! وأن يكون المرء في سلم مع نفسه ~~لأفضل له من أن يكون ms95 في حرب معها وفي سلم مع الناس أجمعين.» # ثم سمعت دويا، وضعف ضوء ~~المصباح، فقلت: أيها الروح العزيز. فلم أسمع جوابا. # فصرخت من أعماق قلبي: أيها الروح الحائر. فسمعت صوتا قصيا كأنه صوت هاتف يقول: «قل: ~~الروح المهتدي. ألم تعلم أنها ليلة الوداع الأول؟!» ms96