######OpenITI# #META# URI: 1373MuhammadLutfiJumca.TahrirMisr.Hindawi36151838 #META# Tags: history #META# ID: 36151838 #META# Title: تحرير مصر #META# AuthorID: 50952939 #META# Author: أ. ز. #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 72703631 #META# Translator: محمد لطفي جمعة #META# Related_books: 1350Anonymous.TahrirMisr (TRANSL) #META#Header#End# # إهداء الكتاب‏ # كلمتان كبيرتان‏ # مقدمة المعرب‏ # مقدمة المؤلف‏ # 1 - الدول العظام والمسألة المصرية‏ # 2 - فرنسا وإيطاليا‏ # 3 - سياسة بريطانيا الاستعمارية‏ # 4 - المركز الكاذب‏ # 5 - المصريون و«حياد» مصر‏ # الخاتمة‏ # رأي الطان في «تحرير مصر»‏ # إهداء الكتاب‏ # كلمتان كبيرتان‏ # مقدمة المعرب‏ # مقدمة المؤلف‏ # 1 - الدول العظام والمسألة المصرية‏ # 2 - فرنسا وإيطاليا‏ # 3 - سياسة بريطانيا الاستعمارية‏ # 4 - المركز الكاذب‏ # 5 - المصريون و«حياد» مصر‏ # الخاتمة‏ # رأي الطان في «تحرير مصر»‏ # | تحرير مصر # | تحرير مصر # تأليف # أ. ز. # ترجمة # محمد لطفي جمعة # | إهداء الكتاب # إلي الشعب المصري الكريم ... # | كلمتان كبيرتان # 1 # لست ممن يقولون بأن مصر مدينة للإنكليز في كل ما سبب التقدم الذي بلغته منذ سنة ~~1882، إنما أنا أول من يعترفون بالأعمال النافعة التي قام بأعبائها الوطنيون ~~والأجانب غير الإنكليز في سبيل إنهاض البلاد وإقالة عثرتها. ولا أعتقد أن نجاح مصر ~~النهائي متوقف على بقاء النفوذ البريطاني فيها بشكله الحاضر أمدا غير ~~محدود. # صحيفة 167 «كتاب إنجلترا في مصر» تأليف اللورد ملنر # 2 # إن حكم مصر بالمصريين هو الغرض الوحيد الذي يسعى إليه الإصلاح ~~والمصلحون. # صحيفة 9 تقرير اللورد كرومر عن مصر والسودان في 1904 # | مقدمة المعرب # أيها القارئ الكريم: # إنا لا نعرف واضع هذا الكتاب، وقد قيل منذ أيام في الصحف الأجنبية التي تصدر في مصر إنه ~~يظن أن واضعه من كبار الساسة الغربيين. # على أن الكتاب بليغ في لغته متين في أسلوبه، وكأن واضعه قد شاء أن يكون كتابه «قضية ~~منطقية» فكان ... فإنك لا تزال تتنقل فيه من مقدمة إلى نتيجة ومن حقيقة إلى حقيقة ومن دليل ~~إلى برهان حتى يخيل لك أن الكاتب لم يغادر في كتابه صغيرة ولا كبيرة مما يتعلق بسياسة ~~الدولة كافة في مصر إلا أحصاها. # ويعز علينا أن نقول إن هذا الكتاب ليس إلا «كأس ملام» يسقيه الأجنبي لأفاضل مصر ~~وعلمائها الذين أسكتهم الكسل وقبض الخمول على أقلامهم بيد من حديد. فلعل الذين سكتوا حتى ~~تكلم عنهم غيرهم بلسان غير لسانهم لا يسكتون مذ اليوم، ولعل هذا ms001 الكتاب يكون مقدمة ~~لغيره من أقلام أبناء هذه البلاد ليبرهنوا للملأ أن همتهم لم تثبط وأن الآمال التي ~~كانت تجول في صدورهم لا تزال حية لم تمت. # حديقة الحلمية # 30 يناير سنة 1906 # | مقدمة المؤلف # لقد صدق اللورد ملنر في قوله: «إن مصر بلد التناقض والتخالف، فإنه لا يوجد في العالم ~~بلد فيه ما في مصر من الحقائق والأفكار المتناقضة المتباينة، وقد يصل هذا التناقض إلى حد ~~مدهش فيصير مضحكا.» # فيليق إذن بمن يرقب أمور هذه البلاد ويشاهد أحوالها أن يكون متنبها أبدا متوفيا لئلا ~~يلقيه حسن الظن والإسراع في الحكم في الخطأ والندم، ويليق بمن يمعن النظر في تاريخ مصر في ~~القرن الماضي ويرغب أن يخرج منه وهو على بينة من أمر تلك البلاد أن يكون قوي العزيمة ~~ثابت الجأش، فإنه إذا أراد أن يطالع عشر الكتب والرسائل التي شوه فيها كاتبوها تاريخ ~~مصر تشويها قبيحا يرى نفسه في حاجة شديدة إلى جهاد قوي يستطيع به أن يقاوم تأثير تلك ~~الكتب التي ما كتبت إلا لتكون سهاما تصيب أغراض أصحابها، فينبغي للمطالع العاقل أن يقف ~~موقف الحكيم فيتمكن بعد عناء شديد من الوقوف على شيء من الحقيقة؛ لأن كل ما كتب عن مصر من ~~رسائل وكتب لم يكتب إلا ليكون لسان حال دولة من الدول التي لها في وادي النيل نفع أو ترجو ~~منه خيرا. فمثلها كمثل الصحف السياسية التي تبتذل الحقائق حبا بالمطامع الشخصية ~~والمنافع الذاتية؛ من أجل هذا لم تأت هذه الكتب بنفع يذكر وجلبت ضررا لا يقدر. # فيجب إذن على المراقب العادل أن يمسح لوح فكره، وأن يزيل ما كتب في صحيفة صدره من معاني ~~التحزب لفريق دون آخر، أو التحامل على فئة دون فئة، فإن التغرض والتعصب والتحامل والمدح ~~والقدح والطعن لا تؤدي جميعها إلا إلى الجدل الباطل الذي يضر ولا ينفع، وقد رأينا نتائج ذلك ~~الجدل الباطل وهي أنه هاج سخط الوطنيين وحرك مراجل عواطفهم حينا من الدهر كما تهيج الخمر ~~شاربها، ولكنه لم ms002 يؤثر أقل تأثير في الدول الأجنبية صاحبة المنافع والمآرب في وادي ~~النيل. # ونحن نرى أن أول واجب على الكاتب إذا أراد أن يفحص المسألة المصرية فحصا جيدا ويكتب ~~عنها كتابا نافعا يصور فيه البلاد وأهلها كما هم هو أن يعرف الشعب النازل على ضفاف النيل ~~حق المعرفة، وأن يعلم أن هذا الشعب خليط من وطنيين ودخلاء وأجانب، وأن لكل طائفة من الطوائف ~~التي يتكون منها هذا الخليط دينا ولغة ومبادئ ومنافع خاصة بها، وأن كل تلك الديانات ~~واللغات والمبادئ والمنافع مهما تباينت فإن أصحابها لا يرون أمامهم إلا غرضا واحدا هو ~~التماس الرزق والكسب، وأن يعلم أن كل دولة أوروبية لها في مصر غرض تسعى لتدركه ويختلف سعي ~~هذه الدول باختلاف نفوذها في أرض الفراعنة قوة وضعفا. # فإذا حالت هذه الصعوبات بأسرها ووقفت في طريق المطالع المؤرخ الراغب في أن يؤلف عن مصر ~~رأيا واضحا عادلا مستندا فيه إلى تاريخها الماضي، فكيف بمن يرغب أن يتخذ تاريخ مصر ~~الماضي مرقاة ووسيلة للحكم على مستقبلها؟ بيد أن من يطالع كتب تاريخ مصر في القرن ~~التاسع عشر لا يجد أمامه إلا حقائق متباينة متخالفة، ولئن كان هذا التناقض والتخالف هو مادة ~~تلك الكتب، فإن ذلك يكون من حسن حظ القارئ، ولكن مؤلفي كتب تاريخ مصر في القرن التاسع عشر ~~جعلوها مجموعة للحقائق الناقصة؛ لذلك يحتاج المطالع إلى قوة فكرية كبيرة وقدرة عقلية هائلة ~~يستطيع بهما أن يزن الأقوال والبراهين، فيتمكن بعد عناء شديد من حل الشلة المعقدة التي ~~يسميها السياسيون والصحافيون بالمسألة المصرية. # وإذا منح المطالع قوة يميز بها بين الغث والسمين وبين الحقيقة والخيال، وكانت في ~~غريزته قوة خارقة للعادة تخرق حجب الباطل حتى تصل إلى الحق، فإنه ولا جرم يبلغ نتيجة ترضيه ~~ويقف على حقائق كثيرة لم يقف عليها غيره، فإذا وقف على تلك الحقائق فقد خطا الخطوة الأولى ~~ولم يبق عليه إلا أن يلم بتأثير العوامل الخارجية والداخلية التي لها في حالة مصر ~~السياسية وهيئتها الاجتماعية أيد فعالة، وبهذه ms003 الوسيلة وحدها يمكن للمطالع أن يهتدي إلى ~~الحكم على مستقبل تلك البلاد. وغرضنا في هذا الكتاب أن نحاول جهد طاقتنا أن نشرح الحاضر ~~ونتكهن بكنه المستقبل. # وقد وطدنا النفس على الثبات وسنزن أقوالنا في ميزان الحكمة والعقل، ونرجو أن لا يميل هذا ~~الميزان مع هوى أو يعدل عن حق، ولعل المحك الذي سنحك عليه ما نكتب لا يخدعنا كما خدع غيرنا ~~فننطق عن جهل كما نطق سوانا من قبل. # على أننا لا نستطيع أن نبلغ هذه الغاية إلا إذا وقفنا على تاريخ مصر بالتفصيل في خلال ~~الثلاثين سنة الماضية، ولا ندرك هذه النتيجة إلا إذا قدرنا نفوذ إنكلترا وفرنسا في مصر حق ~~قدرهما، ولا نستطيع نيل هذه النتيجة إلا إذا وسعنا نطاق دائرة الفكر وتخلصنا من آراء التحزب ~~والتحامل المنبعثة عن كل مسألة سياسية خطيرة مثل المسألة المصرية، وغضضنا النظر عن المنادين ~~بالوطنية رياء وكذبا لأغراض أخرى في نفوسهم ولبانات يتوقعون قضاءها. # فإذا استعددنا هذا الاستعداد لفحص تلك المسألة فنكون قد وضعناها في مكان تشرق عليها فيه ~~أنوار الحقيقة، ونظرنا لها بمنظار المؤرخ السياسي الحكيم الذي يراعي الحقيقة ويحرص على ~~منفعة البلاد حرص الجبان على نفسه قبل أن يراعي المبادئ الذاتية والأغراض الشخصية. # ولذلك سنلقي نظرة صغيرة على تاريخ مصر في تلك السنين الثلاثين ونضع أساسا متينا نبني ~~عليه (تخت رمل) ننظر فيه نظر المنجم إلى طالع هذه البلاد، ونتكهن بما تخبئه لها الأيام ~~والليالي. # وأول ما ينبغي لنا أن ننظر فيه هو علاقة فرنسا بمصر، وألا نبخس هذه الدولة حقها، فإن ~~نفوذها يمتد إلى عهد حملة نابوليون سنة 1798، فكانت فرنسا أول دولة غربية مدت يدها إلى مصر ~~وسعت للاستيلاء عليها، ولئن خاب سعيها فإنها فازت فوزا مبينا في ترك آثار لها في مصر لا ~~يمحوها كرور الأيام ومرور الأعوام، وليس لدينا شهادة أكبر وأقوى من شهادة اللورد ملنر صاحب ~~كتاب «إنكلترا في مصر»، فإنه قال فيه: «إن المنافع المادية والأدبية التي تمت لمصر على أيدي ~~فرنسا كثيرة لا تحصى.» ms004 # فنحن لا نظن أن الذين ينكرون جميل فرنسا أكثر من الذين يعترفون به، ولا نغالي في المقال ~~إذا قلنا إن المدنية المصرية الحديثة هي مدنية فرنسوية صرفة، ويكفي لتصديق هذا القول أن ~~نلقي نظرة واحدة على أعمال فرنسا في هذه البلاد، فمن من العالمين لم يسمع باسم فرنكو ~~شامبوليون الذي سهل لنا باجتهاده وثباته قراءة تاريخ مصر القديم باللسان الهروغليفي، ~~وأضاف باكتشافه حلا لتلك الرموز إلى مصر شهرة فوق شهرتها السابقة، وجعلها ملتقى الأنظار ~~ومحط الرحال، ومن ينكر أن إصلاح الري في عهد محمد علي وبناء القناطر الخيرية وعمل الخزانات ~~لخزن ماء النيل، وأن كل ما نراه اليوم في مصر مما يتعلق بالانتفاع بماء النيل ليس إلا من ~~عمل المهندسين الفرنسويين الذين كانوا عضد محمد علي ويده اليمنى. # ومن ينكر أن المهندسين الفرنسويين كانوا قائمين بكل الأعمال الهندسية عندما كان ~~المستخدمون الفرنسويون قائمين بالأعمال الإدارية؛ بل من ينكر علينا أن قنال السويس - وهو ~~أكبر عمل فني تم في القرن التاسع عشر - هو من صنع الفرنسويين فكرا وعملا؟ فيرى القارئ مما ~~تقدم أن الإصلاح الذي جلب لمصر أكثر من نصف ثروتها الحاضرة ليس إلا من غرس الفرنسويين وما ~~جاء الإنكليز إلا منفذين ومكملين. # هذا ومن يفحص نظام التعليم الحالي في مصر يرى لأول وهلة أنه منقول عن نظام التعليم ~~الفرنسوي، وأكبر دليل على ذلك هو سيادة اللغة الفرنسوية على كل لغة أخرى في مصر، فإنها لا ~~تزال لغة مصر الرسمية ولا تزال اللغة المحكية بين الخاصة من المتعلمين، ولا نرى دليلا على ~~وصول المدنية الفرنسوية إلى قلوب المصريين أكبر من بلوغ لسانهم هذا الشأو البعيد في وادي ~~النيل، وقد سرى هذا النفوذ إلى بعض المستخدمين من الإنكليز، فهم لا يزالون حتى اليوم يكتبون ~~أوراقهم الرسمية باللغة الفرنسوية! # ولكن الذي يذكر عن فرنسا بالثناء والشكر هو أنها لم تكن تعمل في وادي النيل لتمتص ثروة ~~البلاد، فإن الفرنسويين أفرغوا جهدهم ولم يدخروا وسعا في القيام بأعمال توازي ما يأخذونه ~~من مال مصر ms005 وتزيد، ومن المعلوم أن ثروة مصر منذ خمسين سنة لم تكن كافية لتمهد لها سبيل ~~التقدم الباهر الذي وصلت إليه، فمدت أوروبا يدها بالمال لمساعدة مصر وأقرضتها أكثر من مائة ~~ألف ألف جنيه، فكانت فرنسا أول ملبية لدعوة مصر، وكان معظم هذا القدر الجسيم من مال ~~الفرنسويين. # وقد يصعب علينا كثيرا أن نهتدي إلى كل المنافذ التي نفذت إليها المدنية الفرنسوية في ~~مصر، فإنا لا نجد مجالا في مصر ماديا كان أو أدبيا إلا ونرى للفرنسويين فيه جولة، ونخص ~~بالذكر العلماء الفرنسويين الذين تركوا في كل واد أثرا من آثارهم. # وأعظم الآثار النافعة التي تركها الفرنسويون في مصر تلك المدرسة الكبرى المسماة ب «متحف ~~الآثار» الذي يديره الرجل الفاضل المسيو ماسبرو العالم (الأجيبتولوجيست) الشهير ومؤلف كتاب ~~«تاريخ مصر القديم» الذي هو من أمهات الكتب التي يرجع إليها في تاريخ مصر. # وحسب القائلين بأن الفرنسويين لا يحسنون إدارة المستعمرات لأنهم ليسوا مستعمرين بطبيعتهم ~~ما ذكرناه من أعمال فرنسا وأبنائها في أرض الفراعنة دليلا واضحا وبرهانا بينا، فمن ~~الجهل أن يعترض على المصريين لأنهم أحبوا فرنسا والفرنسويين بعد أن تشبعوا بأفكارهم ~~وآرائهم، وبعد أن امتزجوا بهم امتزاج الماء بالراح. # ويكفينا أن نقول إن حب المصريين لفرنسا هو أكبر دليل على قوة فرنسا والفرنسويين على ~~الاستعمار وتوثيق عرى الوداد بينهم وبين أهل البلاد التي يستعمرونها. # لقد رأينا الآن تأثير فرنسا في مصر ونحن نرى أن ما ذكرناه عن تأثير فرنسا في مصر كاف ~~لغرضنا الذي نسعى إليه، فنحن لا نحتاج بعد ما تقدم لي تتبع أدوار السياسة الفرنسوية في مصر ~~أو إلى البحث في السياسة التي اتبعها كل وزير فرنسوي في أثناء نفوذ هذه الدولة في وادي ~~النيل، ولا نرى للقارئ نفعا فيما إذا كانت سياسة دي فريسينه سابقة لأوانها أو أنها سياسة ~~رجل متراخ كسول أو سياسة مجنون متهور، فإن لدينا ما هو أهم من مثل تلك الأبحاث وهو أن ~~ننظر في سياسة فرنسا مراعين سياسة إنكلترا، فنقول: إذا استطعنا أن نقرأ ms006 قصة احتلال إنكلترا ~~لمصر كما كتبها من امتلأت قلوبهم حقدا من الكتاب على إنكلترا وانطوت جوانبهم على بغضها ~~دون أن نقرأ ما يتخلل السطور؛ بل إذا استطعنا أن ننسى كل ما عرفناه عن الاحتلال وأسبابه ~~وقرأنا هذه القصة على نحو ما يقرأ التلميذ درسه، أي بلا ريب في صدقها ولا احتراس من الوقوع ~~في الأحبولة التي نصبها لنا مؤلفوها، فإننا نقوم لا محالة بعد قراءتها ونحن نسب الأرض ~~والسماء قائلين: «ما أظلم الإنسان وما أشد قسوته على أخيه وما أبشع جوره عليه.» # أجل إننا لو قرأنا قصة احتلال إنكلترا لمصر كما يكتبها هؤلاء الكتاب الناقمون الحاقدون ~~لدهشنا من تلك الجزيرة الصغيرة التي أخرجت ذلك العدد الكبير من السياسيين الذين قاموا ~~بأعمال ودبروا مكايد سياسية يعجز عن أمثالها «ماكيافيلي» على ما اشتهر به من التفنن في ~~أساليب الخداع والبراعة في أنواع الغدر بالأمم لمصلحة الملوك. # نعم إن «ماكيافيلي» نفسه لو بعث حيا لخجل من أعمال هؤلاء الساسة؛ بل إن خجله ينقلب ~~حقدا وحسدا لهؤلاء الساسة الإنكليز الذين فاقوه في المكر وأربوا عليه في ميدان ~~الغدر. # هذا ما يخطر ببالنا بعد أن نقرأ القصة ولكننا نعود فلا نتمالك من الدهشة، وقد نرى أن ~~هؤلاء الساسة أنفسهم لم يتجاوز غدرهم وخيانتهم الحد المحدود في السياسة في كل معاملاتهم ~~الأخرى مع أمم العالم وممالكه كافة، فكأن خداعهم لم يكن إلا لاحتلال مصر وكأن غدرهم ومكرهم ~~لم يخلقا فيهم إلا لينالوا بهما مآربهم في وادي النيل! # عند ذلك يبلغ الدهش والاستغراب من القارئ حدا كبيرا. # على أن عددا عظيما من الناس في أوروبا لا يزالون يعتقدون صدق هذه القصة، ولا يزالون ~~يقرءون هذه الكتب الكاذبة التي يتهم فيها كتابها الأبرياء بما ليس فيهم، والأغرب من هذا هو ~~أن هؤلاء القراء لا يدور في خلدهم أن تلك الكتب لم تكتب إلا لتشعل نار غضب العقلاء وتسيل ~~دموع ضعاف القلوب ممن لا يرون سلب حرية شعب من العدل في شيء، ولئلا نتهم بما اتهم به كتاب ~~هذه ms007 الكتب فقد قصدنا في هذا السفر أن نبتعد جهد طاقتنا عن أي قول تشتم منه رائحة الملام أو ~~الاتهام. # ولا نتطال إلى أن نؤنب أية دولة على ما اقترفته في الماضي؛ فإن ما فات فقد فات ولذلك نرى ~~من الواجب علينا أن نعلن على رءوس الأشهاد أن الظن بأن إنكلترا كانت تدبر لمصر سياسة غدر ~~وخيانة ظن سيء فاسد مبني على جهل القائلين به. # ولذلك ستظهر للملأ أن مصر لم تكن في زمن من الأزمان الغابرة العامل الأول في سياسة ~~إنكلترا الخارجية، وأن ما اتخذته إنكلترا من الذرائع في مصر لم يكن إلا من الضرورة ~~والاحتياج لاتساع نطاق السياسة البريطانية في الشرق فصارت مصر حينئذ عاملا مهما من عوامل ~~السياسة البريطانية الخارجية ولكنها لم تكن غرض إنكلترا الوحيد. # ورغم كل هذه الحقائق فإن التهم التي ألصقت بوزارة خارجية إنكلترا ظلما لم تزل ولن تزال ~~بدون دحض ولا نقض. # وسنبحث فيما إذا كانت إنكلترا قد انتهزت في الحقيقة فرصة الحركة العرابية لتضع يدها على ~~مصر كما انتهزت أية دولة قوية ضعف جارتها، أو أن ذلك الاحتلال جاء عفوا صفوا، ثم نبحث ~~فيما إذا كان هذا التداخل الإنكليزي قد ألحق بمصر نفعا أو ضرا. بعد أن بررنا هذا التداخل ~~والتمسنا لإنكلترا فيه عذرا لدخولها في ميدان الاستعمار الذي جعل احتلال مصر ضربة لازب، ~~فنقول: كل من له إلمام بتاريخ إنكلترا ومستعمراتها يذكر أن إنكلترا قامت نحو سنة 1757 ~~بأعمال سياسية وحربية في الهند استمرت سبع سنوات، تمكنت بريطانيا عقبها من القبض على صولجان ~~السيادة في ولايات الهند الشمالية الشرقية كافة، فكتب على مصر من ذاك الحين أن تكون ~~عاملا مهما في سياسة إنكلترا الاستعمارية، على أن مصر كانت لها أهمية تجارية قبل ذلك ~~العهد، وهي أنه قبل افتتاح قنال السويس كانت معظم التجارة المستعجلة الآتية من الغرب إلى ~~الشرق تنتهي إلى الإسكندرية، ومن هناك تحمل على ظهور الجمال إلى ثغر السويس. # ومن هنا تظهر أهمية مصر التجارية قبل افتتاح ترعة السويس نفسه، ms008 ومن يتتبع تاريخ التجارة ~~بين الشرق والغرب يلاحظ أن طريق البحر الأبيض كان يدخل في دور الأهمية سنة عن سنة، ويتجلى ~~له أن عدد المسافرين الذين كانوا ينزلون مصر قبل سفرهم إلى الشرق الأقصى كان يزيد عاما ~~فعاما، وفي سنة 1780 ازدادت قوة إنكلترا في الهند وساعدها الحظ فحصلت على ولاية كارناتيك، ~~فأصبح الاستيلاء على مصر في مقدمات الأمور المهمة لضمان بلاد الهند. # ثم رأت إنكلترا أن أملاكها ومستعمراتها في أفريقية لا تكون أبدا في مأمن من غارة الأعداء ~~إلا إذا ضمت إليها بلاد الكاب، ثم نظرت فشهدت العلم الفرنسوي يخفق فوق جزيرة موريتيس فهاج ~~من ذلك سخطها ولحقها الجزع لعلمها أن جزيرة موريتيس «ركن خطر»، وإن بقاءها في يد دولة ~~معادية أيا كانت يعرض إنكلترا لأخطار دائمة، فلو بقيت فرنسا في تلك الجزيرة فإنها تتمكن ~~في أي حين من أن تبعث بسفن حربية من سفنها لمناوأة السفن البريطانية، أو أن تبعث بثلة من ~~جندها لسلب السفن البريطانية التجارية. # وغني عن البيان أن إنكلترا لم تكن لتتحمل كل تلك المتاعب إذا أرادت أن تتوسع في سياستها ~~الاستعمارية، فهل تلام إنكلترا إذن إذا كانت لا تدخر وسعا في امتلاك بلاد الكاب وجزيرة ~~موريتيس؟ أفنسمي سياسة دولة تنظر في العواقب وتحسب للمستقبل ألف حساب سياسة مكر ~~وخداع؟ # ألا نعلم أن السياسة الدولية مبنية على الأنانية وحب الأثرة وتفضيل الذات على الغير، وأن ~~الدولة التي تفضل دولة أخرى على نفسها تداس بالأرجل وتسقط في أقرب زمان. # على أن المقام لا يسمح لنا بالإفاضة في هذا البحث والنظر فيما إذا كانت سياسة الاستعمار ~~التي تتخذها كل دولة لتوسيع أملاكها سياسة حكيمة عادلة مبنية على الفضيلة وحب الخير ~~للإنسانية أم لا، وكل ما نقول هو إن الاستعمار قد أصبح الغرض الوحيد الذي تسعى إليه كل ~~الدول، فلم تبق دولة من دول العالم وضربت فيه بسهم، فإن كانت سياسة الاستعمار جديرة ~~باللوم والذم فإن الدول جمعاء جديرة بهما، ومن الظلم أن نرى عيوب دولة ونغض الطرف ms009 عن عيوب ~~دولة أخرى. # وغني عن البيان أننا لا نبرر استيلاء إنكلترا على الهند لأننا لا نرى لها حقا أدبيا ~~في ذلك، ولكن إذا كانت إنكلترا قد وضعت يدها فإنها لا تستطيع أن ترى وهي قريرة العين هادئة ~~البال عدوا قويا ذا بأس شديد كفرنسا على قيد ذراع من الطريق إلى الهند؛ لأن مثل هذا ~~العدو في آونة الحرب الحقيقية يمكنه أن يضرب إنكلترا في مستعمراتها ضربة قاضية قبل أن تصل ~~النجدة الحربية إلى نصف الطريق من ثغر بليموث إلى البحار الهندية. # فإذا كان هذا اهتمام إنكلترا بجزيرة صغيرة في وسط المحيط الهندي فكيف باهتمامها بمصر؟ يرى ~~المتأمل أنه من المستحيل أن ترضى إنكلترا باحتلال نابوليون وادي النيل؛ لأن مثل هذا ~~الاحتلال كان ينذرها بضياع أملاكها في الهند في أقل من لمح البصر، فكانت واقعة أبي قير هي ~~الكلمة الفاصلة بين إنكلترا ونابوليون، وبانتصار الإنكليز وهزيمة بونابرت عادت الطمأنينة ~~إلى قلب إنكلترا لأنها أمنت على مصر وهي أقرب واسطة بين الغرب والشرق. # ونحن لا نرى في عمل إنكلترا لنجاة طريق الهند ختلا أو خداعا، فإن ما عمدت إليه إنكلترا ~~من الأسباب كانت تعمد إليه كل دولة في أمثال هذه الأحوال. # ولو كانت إنكلترا تضمر لمصر شرا من قديم كما يقول المكابرون لانتهزت فرصة فوزها على ~~نابوليون في أبي قير واستولت على مصر، وربما يرد بعضهم علينا بقوله: إن إنكلترا كانت في ذلك ~~العهد ضعيفة في داخليتها فلم تر في نفسها الكفاءة للتغلب على بلاد كمصر، أو أنها لم تجد من ~~نفسها ميلا لاحتلال هذه البلاد خوفا من عودة نابوليون إليها بقوة وشدة. # وسنقص على القارئ الكريم في الحوادث التي وقعت بعد هذه الحادثة ما يفسر لنا إحجام إنكلترا ~~عن احتلال مصر في ذلك الحين تفسيرا مرضيا، على أن إنكلترا بعد واقعة أبي قير بقيت ساكتة ~~عن مصر أربعين سنة. # وتفسير هذا السكوت هو أنها لا ترى فائدة في الحركة والعمل إذا لم يكن هناك موجب لهما، وما ~~دامت مصر في ms010 ضعف وقراها في انحلال، وما دامت ليست في يد قوية، فإنكلترا مطمئنة من جهتها كل ~~الاطمئنان، واستمر هذا السكوت حتى جاء محمد علي، وظهر منه أنه يستطيع تهديد مركز إنكلترا في ~~الشرق ويعيد إلى الحكومة الإنكليزية الآلام التي سببها لها نابوليون، فنهضت إنكلترا حينئذ ~~للعمل وتداخلت في شئون محمد علي وهو في قمة مجده، على أننا لا نرى أن إنكلترا ملومة فيما ~~عملته مع محمد علي، ولا نرى وجها لانتقادها انتقادا شديدا كما يصنع سوانا. # فإن أعمال إنكلترا لم تكن إلا دفاعا عن نفسها وحفظا لمركزها السياسي، ونحن لا نؤيد رأي ~~القائلين بأن إنكلترا رأت من الحكمة أن تقتل «الفرخة قبل أن تخرج من البيضة» بأن تفسد ما ~~أصلحه محمد علي لتوقف مصر عند حدها ولا تسمح لها بالتقدم في طريق المدنية، ولكننا نقول بأن ~~إنكلترا لم يرق في عينها أن ترى محمدا علي سائرا بمملكته وشعبه في طريق التقدم، وتنظر ~~بسكون وهدوء اليوم الذي تعادل فيه قوة محمد علي قوة نابوليون الكبير ويعود التعقيد إلى ~~مسألة الهند وطريقها. # لأنه كان من المستحيل على الحكومة الإنكليزية أن تغير سياستها الاستعمارية التي قضت في ~~تدبيرها السنين الطويلة حبا بالإنسانية وإكراما لخاطر مصر والمصريين. إن إنكلترا لا تطيق ~~أن ترى في مصر يدا قوية غير يدها، وبذلك تستوي عندها يد إمبراطور فرنسا ويد الألباني ~~المجدود (محمد علي)، على أن يد محمد علي كانت أشد خطرا عليها من نابوليون؛ لأنه لم يجتهد ~~في إخفاء عواطفه الحبية نحو فرنسا، وأكبر دليل على ذلك كونه قد غمس مصر في المدنية ~~الفرنسوية، ولا يخفى أن محمدا علي بإظهاره هذا الميل أظهر أيضا أنه إذا قام نزاع بين ~~الدول ونشبت بينها حرب فإنه لا محالة ينضم إلى فرنسا، فهل يعقل إذن أن إنكلترا كانت تقف ~~مغلولة الأيدي وهي ترى بعينيها نفوذ فرنسا وطيد البنيان ثابت الأركان في أهم بلاد تستطيع ~~تهديد أملاكها؛ لأن فرنسا إذا كانت نافذة الكلمة في مصر فإنها بلا ريب تكون أبدا على أهبة ms011 ~~الاستعداد لتنقض على أملاك إنكلترا في الهند. # وفي عام 1840 عقدت إنكلترا مؤتمرا دوليا في لندن لتؤيد فيه سياستها المستمرة التي ~~حافظت عليها من يوم وضعت يدها على بلاد الهند وصارت لها بالشرق علاقة. # وعند قولنا: «السياسة المستمرة» فإنا نصيب كبد المسألة؛ لأن استمرار السياسة البريطانية ~~وصبر الساسة الإنكليز هو الذي جعل الناس يرمونها بالمكر والخداع والغدر، ولا ذنب لإنكلترا ~~إلا استطاعتها أن تنتظر حتى يقع أعداؤها في الضيق فإذا سنحت تلك الفرصة فإنها لا تفر من يد ~~إنكلترا مهما كلفها ذلك، فإن إنكلترا إذا رأت عدوها عاجزا عن الدفاع عن نفسه ورأت أمامها ~~مقتله معرضا للضرب فإنها ترمي بسهمها الصائب وهي تعلم أنه ينال من خصمها فوق ما ترغب، ~~فيصرخ العدو الجاهل وأمثاله قائلين: «لله ما أقبح المكر والخداع اللذين تخفيهما إنكلترا تحت ~~طيات سكونها وسكوتها ...» # على أننا لا نلوم في هذا المقام إلا الخصيم الجهول الذي لم يتق الضربة الصائبة قبل وقوعها ~~مع علمه بأن العدو القوي لا يشفق عليه إذا رأى عجزه وضعفه ما دام يرى لنفسه في وقوع هذه ~~الضربة نفعا. # أوليس من العجيب أن تنال إنكلترا جماع أمانيها وتبلغ من أعدائها ما تبلغ دون أن تظهر سرعة ~~أو تهورا ودون أن يشعر أحد بأعمالها؟ # يرى القارئ مما تقدم أن النصر والنجاح كانا حليفي إنكلترا في أعمالها وحركاتها كافة، ~~فلماذا لم تحذ جميع دول أوروبا حذوها وتتخذ سياستها نموذجا تجري عليه، هل أحجمت تلك الدول ~~لما في أخلاقها من الكمال ولأنها رأت أعمال إنكلترا تدل على الخبث والغدر؟ كلا، فإن دول ~~أوروبا لا تتأخر طرفة عين عن إيصال الأذى إلى أي عدو من أعدائها إذا سنحت لها فرصة ورأت أن ~~ذلك يعود عليها بالخير؛ إذن الجواب عن هذا السؤال هو أن إنكلترا اكتسبت مركزا ساميا ~~خاصا بها دون سواها من الدول، وقد عرف ساسة الإنكليز كلهم قدر ذلك المركز واستعملوه فيما ~~عاد على إنكلترا بالخير العميم، ومن هؤلاء الساسة ديزرائيلي (بيكو نسفيلد) الذي صرح في ~~محال ms012 كثيرة من روايته «سيبيل» بذكر المنافع الجمة والقوة العظيمة التي اكتسبتها إنكلترا من ~~وضع «الكنيسة والتاج» «على الرف »، وقد يظن بعض الناس أن استشهادنا برواية يكون استشهادا لا ~~قيمة له؛ سيما ونحن نكتب في موضوع جدي كهذا، فنقول لهم إن رواية من قلم وزير كبير وسياسي ~~خطير ك «بيكو نسفيلد» ليست كأية رواية أخرى يكتبها أي رجل آخر، على أن بيكو نسفيلد لم يقل ~~غير الحق، فإن المتتبع لتاريخ إنكلترا يرى أنها بقيت أربعة قرون بلا شقاق داخلي، ومنذ طردت ~~الأمة الإنكليزية أسرة ستيوارت الكاثوليكية في سنة 1688 لم تحس البلاد بشبه ثورة داخلية، ~~ولولا بعض الشغب الذي لا يهم أمره لبقيت سياسة إنكلترا الداخلية أنقى من مرآة الحسناء، على ~~أننا لا ننكر أن بعض المتاعب نشأت من حين إلى آخر، ولكن كانت نار هذه المشاغب الطفيفة ~~بأسرها لا تلبث أن تشتعل حتى تخمد. # ومنذ اتفاق إنكلترا مع اسكوتلندا (إيقوسيا) في سنة 1707 اطمأنت إنكلترا من جهة الحدود ~~التي كانت تهددها من حين إلى آخر، وقد زاد ذلك الاطمئنان أن إنكلترا وإيقوسيا اتفقتا اتفاق ~~التوءمتين والتاريخ لا يحفظ ذكر اتفاق بين دولتين أمتن من اتفاق إنكلترا واسكوتلندا، فإنهما ~~اتفقتا اتفاقا لا تفصم عروته ولا تحل عقدته، والذي زاد هدوء إنكلترا وساعدها على استتباب ~~الأمن في داخليتها عدم وجود أشراف وأمراء منقسمين يطالبون بالملك أو يحاربون بعضهم بعضا، ~~وبالإجمال فإن تاريخ إنكلترا في كل ذلك الزمن الطويل لا يحفظ إلا ذكر ثورة أهلية بسيطة ~~ثارها العمال مطالبين ببعض حقوق لهم حسبوها مهضومة، فهي أشبه بحركة اجتماعية منها بثورة ~~داخلية، ولكن تلك الحركة ما كادت تتنفس حتى قضي عليها في ليلة ويوم. # ومن المعلوم أن المشاغل الداخلية هي العقبة الكئود التي تقف أبدا في طريق سياسة الدول ~~الأوروبية، وكثيرا ما يعترض كبار الساسة في أعظم فرصة لديهم فتتلف عليهم في لحظة واحدة ما ~~أخذوا في تدبيره سنين طويلة، ومن حسن حظ إنكلترا أنها كانت آمنة مثل تلك المشاكل التي تعرقل ~~مساعي السياسة ms013 الخارجية، ومن يعرف دخائل السياسة الإنكليزية يعلم أن من كان من ساستها يرمي ~~إلى غرض في سياسة بلاده الخارجية وكأن هذا الغرض بعيدا، كان يدبر له من يريد تدبيره بصبر ~~وعزم لعلمه بأن تلك التدابير ستنال فوق ما يرغب، فكان يتفرغ لهذا الغرض كل التفرغ ضاربا ~~صفحا عن كل ما سواه؛ لأنه يرى نفسه في مأمن من المشاكل الداخلية والمشاغب الأهلية التي ~~تعوقه عن تنفيذ مشروعه وإتمام عمله. # فيظهر من هذا أن إنكلترا لم تضع سياستها الخارجية لأجل مشاكلها الداخلية لأنها كانت آمنة ~~شر تلك المشاغب التي تحصل في كل مملكة بدون علم وانتظار، فتقلب نظام السياسة الخارجية رأسا ~~على عقب، وهذا هو السبب الوحيد في نجاح سياسة بريطانيا الخارجية. # وليس من الصعب على من يقارن بين التاريخ السياسي لبريطانيا والتواريخ السياسية عند سائر ~~الدول الأوروبية في القرنين الماضيين أن يرى لأول وهلة حقيقة واحدة واضحة كل الوضوح وهي أن ~~السلام الدائم في أي مملكة هو الشرط الوحيد للنجاح خارجا؛ لأنه لا توجد دولة في قارة ~~أوروبا يمكنها أن تنظر بهدوء إلى حدودها وتقول إنها تبقى آمنة طوارق الحدث زمنا محدودا من ~~السنين، فإذا لم تكن كل دولة على جانب عظيم من التيقظ والحذر فإنها تكون دائما معرضة ~~للخطر، وهذه الحقيقة السياسية الواضحة تقلل عدد الجند والقوة الحربية التي تكون في يد أية ~~دولة إذا أرادت أن تقيم حربا خارجيا؛ لأن قواها الحربية يجب دائما أن تكون على استعداد ~~تام لتتقي بها ضربات العدو المهاجم لها في بلادها، ولا نظن أن ألمانيا أو فرنسا تستطيعان ~~إرسال 200000 من جنودهما أو أقل من ذلك إلى خارج بلادهما بدون أن يختل ميزان قوتهما في ~~داخليتهما؛ لأن تغيب مثل هذا العدد من جنود أية دولة يدعو إلى ضعفها ويسبب عجزها في داخلية ~~البلاد ويضطرها إلى الإذعان لجاراتها القوية، وقد أثبت التاريخ ذلك، فإن فرنسا بعد تجريد ~~حملة نابوليون على مصر أحست بضعف شديد في أوروبا، فاضطر نابوليون إلى العودة إلى بلاده ~~لحمايتها وتخلى ms014 عن أعماله الحربية، وترك السياسة الاستعمارية التي كان قد بنى أساسها في ~~مصر. # وكأن فرنسا لم تكتف بهذا الدرس فأعادت الكرة ، فبعثت بحملة المكسيك المشهورة في أواسط ~~القرن التاسع عشر ففازت في أمريكا وانهزمت شر هزيمة في حرب السبعين بواقعتي «متز» ~~و«سيدان»، على أن فرنسا لو استطاعت أن تقاوم أعداءها في أوروبا سنة 1866 فنحن لا نشك في ~~أنها ربما كانت ألغت حرب السبعين، ولو لم تقع حرب السبعين لكانت السياسة الأوروبية كلها ~~تغيرت، ولكن من سوء حظ فرنسا أنها وجدت نفسها في أزمة ولم تجد لنفسها منها مخرجا، وعندما ~~كانت جنودها المظفرة تتغلب على أعدائها في المكسيك كانت حدودها الشرقية مهددة بجيوش ألمانيا ~~في أوروبا. # هذا وأضر شيء بسياسة الدول الخارجية بعد ما ذكرناه هو كون الدولة منقسمة في داخليتها، ~~وهذه فرنسا لم تنجح في سياستها الخارجية يوما لأن داخليتها أبدا في شقاق وانقسام، وهذا ~~مسبب من مزاحمة سلطة الكنيسة لسلطة الحكومة، فلو نجحت فرنسا كما نجحت إنكلترا في وضع ~~«الكنيسة على الرف» لما فشلت في سياستها الخارجية ذلك الفشل الذي جعلها مثلا بين ~~الدول. # ونحن لا نود أن نطيل هذا البحث الذي يخرجنا عن الموضوع الأصلي على ما فيه من اللذة، بيد ~~أننا لا نتمالك من أن نشير إلى أن لكل دولة آفة، فآفة ألمانيا حزب الاشتراكيين، وآفة النمسا ~~خوف الانقسام الذي يعقبه الانحلال، وآفة فرنسا الكنيسة، وآفة إيطاليا فقر أهلها، وآفة روسيا ~~اتساع سلطانها واستبداد حكومتها، ولكن إنكلترا لا آفة لها؛ ولذلك نرى سياستها الخارجية ~~سائرة على الدوام في طريق النجاح والفوز، فهذه الدول جمعاء تحسد بريطانيا وترميها بالمكر ~~والخداع والغدر والمخاتلة، وما أبعد هذا القول عن الصواب! # إن إنكلترا عمدت إلى سياسة بسيطة سهلة، هي سياسة التأني والانتظار لانتهاز فرصة ضعف عدوها ~~وعجزه، وكثيرا ما يحدث أن ترى إنكلترا دولة أخرى قد وقفت في طريقها فتسكت إنكلترا وتربض ~~كما يربض الأسد وتتحين فرصة تقع فيها هذه الدولة المعاكسة في أزمة تلجئها إلى المعاونة أو ~~تضعفها عن ms015 العمل فتتقدم إنكلترا وتضطرها للتخلي عن طريقها فتتخلى تلك الدولة مختارة أو ~~مضطرة، وتستمر إنكلترا في طريقها، فإذا رأت الدول استمرار إنكلترا في طريقها عادت تسلقها ~~بألسنة حداد وترميها بالظلم والغدر والخداع، وهذا هو الذي دعا بعض المتقولين أن يتقولوا ~~على بريطانيا بأنها كانت تضمر لمصر سوءا من زمن بعيد، فلو سلمنا جدلا لهؤلاء المتقولين ~~بصحة زعمهم فما الذي عاق إنكلترا عن وضع يدها على مصر عقيب نصرها الباهر في واقعة أبي قير؟ ~~يقول المتقولون إن مركز إنكلترا السياسي في ذلك الحين لم يكن ليسمح لها بإضافة مصر إلى ~~مستعمراتها، نقول قبلنا فأجيبونا عن سبب تخلي إنكلترا عن مصر في سنة 1840؟ تقولون إن محمدا ~~علي كان واقفا في وجه إنكلترا وخلفه فرنسا تشد أزره. كل هذا حسن ولكن قولوا لنا سبب تخلي ~~إنكلترا عن مصر سنة 1870 عندما سنحت لها فرصة لا تسنح في العمر إلا مرة. وكلنا يعلم أن ~~إنكلترا كانت في هذه السنة مطلقة الأيدي وكان الجو لها خاليا، ولم يكن أمامها من يحرك ~~لسانه أو يرفع يده. يقول المتقولون إن نتيجة حرب السبعين كانت لا تزال مجهولة فخشيت إنكلترا ~~إن هي وضعت يدها على مصر أن يعقد النصر لفرنسا فتنتقم هذه الدولة الظافرة من إنكلترا ~~انتقاما رهيبا. # ولكن ما أبعد هذا الجواب عن الحقيقة، فإن الحرب أعلنت في يوم 19 يوليو سنة 1870، وفي 2 ~~سبتمبر من السنة نفسها سقطت سيدان ودفنت الآمال وهدأت المخاوف التي كانت متعلقة بتلك الحرب، ~~ومع كل هذا فإن إنكلترا بقيت ساكتة ولم تقدم رجلا نحو مصر، فلو كان الحق ما قال هؤلاء ~~المتقولون وكانت إنكلترا حقيقة تسعى في الحصول على مصر منذ سبعين سنة لما تأخرت لحظة واحدة ~~عن انتهاز هذه الفرصة لتضع يدها على مصر، وقد ثبت للقارئ الآن أن هؤلاء المتقولين هم الذين ~~أساءوا الظن بسياسة إنكلترا ولم يفقهوا ما ترمي إليه تلك الدولة العظيمة. # وقد يعترض علينا معترض ويقول ما هذا المدح للإنكليز، وما تلك المحاباة إذا سلمنا بأن ms016 ~~سياسة إنكلترا نحو مصر لم تكن سياسة مكر وخداع، فلماذا أظهرت بريطانيا إباء شديدا ومعارضة ~~قوية عندما أذيع مشروع قنال السويس؟ # على أننا لو نظرنا إلى مسألة قنال السويس بنفس المنظار الذي نظرنا به إلى المسألة الماضية ~~لتغيرت المسألة في طرفة عين، فنقول: لا ننكر أن إنكلترا أظهرت استياء شديدا عندما أذيع ~~مشروع ترعة السويس وحاولت جهد طاقتها أن تلقي في سبيل القائمين به كل ما تستطيع إلقاءه من ~~العقبات والعراقيل، فهل لذلك من سبب؟ # نعم ... إن لذلك أسبابا شتى؛ منها: أولا الصعوبات الطبيعية التي كانت تعترض القائمين بهذا ~~المشروع؛ سيما في ذلك الزمن الذي كانت فيه فنون الهندسة لم تبلغ ما بلغته الآن، وأن ديلسبس ~~نفسه وهو صاحب المشروع وخالقه كان يتهيب الإقدام على العمل. # وكل معاصريه يذكرون لنا أنه كان يقدم رجلا ويؤخر أخرى، فلا يستغرب إذن من المهندسين ~~الإنكليز قولهم باستحالة خروج هذا المشروع من حيز الفكر إلى العمل، وهنا يخطر ببال القارئ ~~خاطر ولكننا نجل مقام هؤلاء المهندسين عن أنهم كانوا يقولون ما لا يعتقدون ... # ومما جعل إنكلترا تظهر معارضة شديدة للمشروع أسباب سياسية أخرى أهمها أن إتمام عمل ترعة ~~السويس كان يقف في طريق سياستها الشرقية؛ لأنه يسهل الطريق من الشرق إلى الغرب على كل ~~الدول، ولنعلم أن نابليون الثالث كان في ذلك الحين في قمة مجده، ولم يكن نابليون الثالث في ~~ذلك العهد بالرجل الذي تستهين به إنكلترا وتصغر من شأنه، وغني عن البيان أن من التف حول ~~نابليون الثالث من السياسيين كانوا يهمسون في آذان بعضهم قائلين لبعضهم: «سيكون لهذا الملك ~~شأن كبير»؛ لأنهم لم يطلعوا على صحف الغيب ولم يقرءوا ما كانت تخبئه الأيام لذلك الملك من ~~مثل الحرب الألمانية التي كذبتهم شر تكذيب، وعكست آمالهم، وقلبت تدابيرهم رأسا على ~~عقب. # وكلنا يعلم أن إنكلترا لم تدخر وسعا في الزمن الماضي في سبيل إبعاد أعدائها عن مصر، فكيف ~~ترضى بافتتاح ترعة السويس مع العلم بأن هذه الترعة تجعل مصر مملكة دولية تتنازعها ms017 كل مملكة، ~~وتدعي كل أمة بحق لها فيها؟ بل وكيف ترضى إنكلترا بنابليون الثالث وقد رأيناها أنفقت ما ~~أنفقت من مال وأزهقت ما أزهقت من نفوس رجال في محاربة نابليون الأول ومحمد علي؟ فهل تسمح ~~إنكلترا بأن تذهب أعمال سبعين سنة هباء منثورا؟ # بعد هذا كله يتبين للقارئ الكريم عذر إنكلترا في معارضتها الشديدة إبان فتح ترعة السويس ~~وبقي علينا أمر واحد لم نعره لفتة، وآن لنا أن نتناوله بالبحث، وهو أن بعض الجهلة من ~~الوطنيين وغيرهم لا يزالون يحسبون أن إنكلترا أشعلت نيران فتنة عرابي، وسنزن هذا القول ~~بميزان الحكمة والتعقل، فنقول: ستمضي قرون طويلة قبل أن يعلم العالم تاريخ مصر الحقيقي في ~~الثلاثين سنة الماضية؛ لأن وزراء الدول لا يخطر ببالهم أن يفتحوا خزائن أسرارهم لمعاصريهم، ~~وكثيرا ما تبقى بعض دخائل الأعمال الصغرى في أعماق قلوب الذين قاموا بها، فكيف بمسائل ~~السياسة التي تتناول الأمم والشعوب؟ # على أننا لا نغالي في المقال إذا قلنا بأنه لو حدث أن بريد سفارات أوروبا يفتح كله لا يتم ~~اليوم حتى تشتعل نار حرب دولية لا يعرف نتيجتها إلا الله، وعلى ذلك فنحن لا ننتظر من ~~الحكومة الإنكليزية أن تفتح خزائنها وترينا أوراقها السرية لأننا لا نرى فائدة في مثل هذا ~~العمل، ولو فرضنا أن الحكومة الإنكليزية نشرت في كتاب من كتبها السياسية كل أسرار المسألة ~~المصرية (إن كان هناك أسرار)، فإن ذلك لا يقنع الجهلة، ولا يخرص ألسنة المتقولين، هذا ونحن ~~لا نعتقد بأن الحكومة الإنكليزية دبرت الثورة العرابية؛ لأن إثبات هذه التهمة السياسية ~~يحتاج إلى أدلة أقوى من الأدلة التي يستند عليها القائلون بهذا الرأي الفاسد. # ويكفي لدحض هذا الرأي كلمة واحدة وهي أن ما قام به الأسطول البريطاني الذي كان تحت قيادة ~~الأميرال سيمور أمام ثغر الإسكندرية لم يكن إلا بإشارة فرنسا ونصيحتها، فكيف يصدق الظن بأن ~~إنكلترا دبرت هذه الثورة مع أنها لو لم تشر فرنسا عليها بضرب الإسكندرية لما حركت ساكنا؟ ~~ألم يكن ذلك السكون يؤدي بالطبع ms018 إلى قلب تدابيرها الثورية رأسا على عقب؟ # وحقيقة الأمر هي أن احتلال إنكلترا لمصر لم يكن إلا لوضع المسألة المصرية «على الرف» ~~مؤقتا؛ لأن هذه المسألة كانت أبدا تهدد سلام أوروبا تارة وتهدد إنكلترا في الهند تارة ~~أخرى، ولكن لا نحسب أن أحدا يظن أن هذا الاحتلال هو الحل النهائي لهذه المسألة، ولو أن ~~إنكلترا لم تعين ميعادا للجلاء فإنها بلا ريب لم يخطر ببالها أمر البقاء على كر ~~الدهور. # بقي علينا أن ننظر لحظة في الأعمال التي قامت بها إنكلترا في مصر، فنقول: إنه من المحقق ~~أن إنكلترا من عهد احتلالها مصر لم تمثل دور المحب لذاته، ولا ينكر أحد أن عهد الاحتلال كان ~~على الدوام عهد نجاح مادي لم تر مصر له مثيلا في تاريخها الماضي، وأول دليل على ذلك أن ~~إنكلترا عندما استلمت قياد مصر وجدت المالية في حال يرثى لها، وقد ظن كثيرون من الذين ~~شاهدوا فساد المالية المصرية أنه من المستحيل إعادة النظام إليها بعد الفوضى الهائلة التي ~~سادت عليها. # على أن هؤلاء لو عاشوا إلى عهد الاحتلال البريطاني لاندهشوا من التقدم الباهر الذي حازته ~~المالية المصرية تحت المراقبة الإنكليزية، وغني عن البيان أن مثل هذا التغيير لا يتم إلا ~~بالعمل المتواصل الخالي من كل غاية وغرض، ولم تحصل إنكلترا على هذه النتيجة الحسنة إلا بوضع ~~الاقتصاد العادل في موضع الإسراف الفاحش، فلم تقتر ولم تبذر على أن الأرقام في مثل هذه ~~الموضوعات هي أعدل الشاهدين، فنحن ننتخب من كتاب «السياسي» لسنة 1905 ما يأتي عن تاريخ ~~المالية والديون المصرية: # إن دين مصر ابتدأ سنة 1862 عندما عقدت قرضا قدره 4292800ج، ثم عقدت غيره على ~~التتابع وفي سنة 1870 بلغت الديون الأجنبية 38307000، وقد أضيف إلى هذا الدين في ~~سنة 1873 قرض قدره 32000000 لتسديد الدين الأصلي الذي بلغ 28000000، وفي سنة 1875 ~~أعلن الخديوي إسماعيل أنه في ضيق مالي شديد، وفي سنة 1876 أصدر الخديوي قرارا وحد ~~فيه الديون المصرية فصارت كلها دينا واحدا قدره 91000000، وفي ms019 سنة 1877 اجتمع ~~مندوبو المداينين الإنكليز والفرنسويين لتوحيد الدين المصري فقسموه إلى قسمين: ~~الدين المفضل وقدره 17000000 بسعر 5 في المائة، والدين الموحد وقدره 59000000 بسعر ~~7 في المائة. # ووحدت ديون الدائرة السنية في دين واحد قدره 8815430 بسعر 5 في المائة، وفي سنة ~~1878 عقد قرض على أملاك الدومين قدره 8500000 بسعر 5 في المائة، وفي سنة 1879 ~~ابتدأت مراقبة إنكلترا وفرنسا، وفي يناير 1880 أصدرت هاتان الدولتان تقريرا صرحتا ~~فيه بأن مصر لا تستطيع أن تسوي حسابها، وفي يوليو من هذه السنة ذاتها اجتمعت لجنة ~~من مندوبي الدول العظمى وقررت عمل تصفية مالية؛ وبهذه الطريقة خفض سعر الدين الموحد ~~إلى 4 في المائة، وحدثت تغييرات كثيرة كانت نتيجتها أن الدين الموحد أصبح قدره ~~60958240ج، وأضيفت ديون شتى لم تكن موحدة إلى الدين المفضل فصار 22743800، وبلغ دين ~~الدائرة السنية 9512880 وخفض سعره إلى 4 في المائة. # وفي سنة 1885 عقد قرض بضمان الدول بمبلغ 9424000 بسعر 3 في المائة. وفي سنة 1888 ~~عقد دين قدره 2330800 بسعر # في المائة لأجل استبدال المعاشات. # وفي سنة 1890 أضيف الدين المفضل إلى دين 1888 الذي ذكرناه آنفا ووحدا في دين ~~مفضل قدره 29400000 بسعر # في المائة، وفصل من هذا الدين المفضل مبلغ 1300000 ج.م لإصلاح ~~الري واستبدال المعاشات. # ثم أصدرت ديون الدائرة السنية البالغة 7299360 بسعر 4 في المائة، وفي سنة 1893 ~~استبدلت ديون الدومين البالغة 8500000 التي كانت بسعر 5 في المائة بدين سعره # في المائة. # وهاك جدول بالديون المصرية في شهر يناير سنة 1904: # الدين # المبلغ # العهدة # الديون المضمونة بسعر 3 # 8077900 # 307125ج.م # الدين الممتاز بسعر # 31127780 # 1062556ج.م # الدين الموحد بسعر 4 # 55971960 # 2182906ج.م # قرض الدائرة السنية بسعر 4 # 4952860 # 198114ج.م # ديون الدومين بسعر # 2056420 # 107962ج.م # المجموع # 102186920 # 3858663ج.م # وتبلغ العهدات على الديون كافة بما فيها الجزية على حساب سنة 1905م 4593602 ~~جنيها مصريا. # وفي سنة 1887 وضعت المبالغ الاحتياطية وحسابها في سنة 1904 كما ~~يأتي: # ما توفر من توحيد الديون ms020 # 5507055ج.م # المبالغ الاحتياطية # 966781ج.م # المبالغ الخاصة # 1577381ج.م # مجموع الاحتياطي # 8051217ج.م # وهنا لا نستطيع أن نسهب الكلام على الإصلاحات الأخرى التي تمت في مصر على أيدي بريطانيا، ~~وقد يكون ذكرنا لها بعد أن عرفها القاصي والداني تحصيل حاصل؛ لأنه لا ينكر إلا المكابر ما ~~قام به رجال الإنكليز من الأعمال العظيمة في وادي النيل، سيما ما يتعلق منها بإصلاح الري ~~والزراعة، ونذكر في هذا المقام خزان أسوان وقناطر أسيوط التي تشهد لإنكلترا بالفضل على مصر ، ~~وقد وفت الصحف هذين العملين العظيمين حقهما من الوصف والمدح، وذكرت في ذلك الحين أن ~~خزان أسوان يغير مستقبل مصر ولا يجعلها في الأيام الآتية تحت رحمة فيضان النيل، ومهما تكن ~~المبالغ الطائلة التي أنفقت على خزان أسوان، فإن المهندسين قد بنوه بإتقان ما جعل استرداد ~~ما أنفق مضمونا، ولن يضيف هذا الخزان دينا إلى كاهل مصر فوق ديونها التي تئن منها، ولسنا ~~نرى دليلا أقوى من خزان أسوان على حسن نيات إنكلترا في وادي النيل، ويحق لإنكلترا أن تفخر ~~لنجاحها في مشروع خابت فيه آمال غيرها. # الفصل الأول # | الدول العظام والمسألة المصرية # ذكرنا فيما مضى من هذا الكتاب الحوادث السياسية التي سببت احتلال إنكلترا لمصر في عام ~~1882، وشرحنا أسباب هذا الاحتلال وقد بررناه عندما احتاج إلى التبرير. # وثاني مسألة نرغب البحث فيها هي طبيعة هذا الاحتلال، وقد قلنا إنه حتى الآن قد استفادت ~~منه مصر رغما عن كل ما قيل ضده، ولكننا إذا أردنا أن نضع أساسا نستطيع أن نبني عليه بناء ~~حصينا يصور لنا الحال السياسية الحاضرة، ونشرح فيه ما يكنه المستقبل من الأحوال السياسية، ~~يجب علينا أن نوسع دائرة البحث؛ ولذلك فنحن لا نستطيع أن نقصر بحثنا على النفوذ الإنكليزي ~~في القطر المصري مهما كان هذا النفوذ عظيما؛ لأن مثل مصر كمثل الشبكة المختلفة الألوان، ~~فإنها بلا جدال ملك لجميع الناس والممالك لأنها بصفة كونها مركزا للجزء الشرقي من الكرة ~~الأرضية فهي بضرورة الحال محطة يتقابل فيها الشعوب، كما كانت في الزمن الغابر ms021 مرمى أبصار ~~الفاتحين ومحط رحال الملوك والسلاطين. # وإذا كانت مصر ملكا للجميع بوضعها الجغرافي، فهي ملك للجميع أيضا من الجهة المالية ~~بالنظر للأموال العظيمة الأوروبية التي أودعت فيها لإنجاحها، فإن كل دولة كبيرة أوروبية ~~وضعت في مصر مبالغ كبيرة فكانت النتيجة أن كل دولة لها في مصر أغراض ذاتية، ورغبة شديدة في ~~أن ترى مصر سائرة في طريق النجاح. # فإذا شئنا إذن أن نتكهن بمستقبل هذه البلاد ونرى بعين عقلنا الطريق التي تسير فيها في ~~المستقبل فلا ينبغي لنا أن نهمل علاقات هذه الدول كلها بمصر؛ بل يجب علينا أن نتعمق في ~~البحث لنعرف بالضبط ما هي هذه العلاقة الدولية؟ وما أهميتها لمصر؟ # فإذا بحثنا في ذلك نستطيع حينئذ أن نجد طريقا تؤدي إلى ضمان منافع الدول في مصر ~~وحمايتها، وتؤدي أيضا إلى سعادة وادي النيل وهنائه الدائم. # ولا ينكر علينا أحد أن المسائل التي تهيج ممالك أوروبا وتقلقها قليلة جدا ولكنها من ~~الأهمية بمكان عظيم وقد تفوق المسألة المصرية كل المسائل الأوروبية؛ لأن مصر مبنية على مال ~~جمعته لها أغلب دول أوروبا، وفيها مستعمرات أجنبية كثيرة، وكثير من المحاكم المختلفة ~~المشارب. كل هذا جعل المسألة المصرية أصعب حلا وأعقد إشكالا، وقد يكون حلها مستحيلا، ~~ولكننا إذا أخذنا كل حبل من حبال الشبكة وحللنا كل عامل من العوامل العاملة في مصر فإنا نصل ~~إلى حل مرض. # قد ابتدأنا بالنظر في أعمال بريطانيا في مصر في الماضي وسنقيس الآن المنافع الصغيرة التي ~~تستفيدها الدول في مصر، ثم نجتهد أخيرا في تقدير العاملين القويين المهمين وهما العامل ~~البريطاني والعامل الوطني. وأول مسألة نشرحها هي علاقة تركيا بمصر وتأثيرها، فإن التأثير ~~التركي في مصر هو بدون شك في الدرجة الثانية بعد التأثير البريطاني؛ لأننا إذا نظرنا في ~~الإحصاءات التجارية فإننا نندهش من كثرة الأرقام التابعة لاسم تركيا. # ونحن لا نحتاج هنا إلى البحث في أنواع التجارة، إنما نقصر النظر على كثرتها وعظم أثمانها، ~~فإن الوارد من تجارة تركيا إلى مصر في كل عام ms022 لا يقل كثيرا عن نصف الواردات من بريطانيا ~~العظمى، وفي عام 1903 قدرت الواردات إلى مصر من إنكلترا بأقل من 6 ملايين من الجنيهات، ~~وكانت الواردات من تركيا في السنة نفسها تقدر نحو 2400000ج مع أن مصر لا تأخذ من أي دولة ~~أخرى بضائع بمبلغ أكبر من مليون ونصف المليون، وقد يندهش الذي يعلم أن الصادرات من مصر إلى ~~تركيا أقل من ذلك بكثير جدا. # وهذه العلاقة التجارية هي بلا ريب من أهم العلاقات، ولكن لا يجب علينا أن نقدرها أكثر من ~~قدرها؛ لأن التركي ليس بخلقته ميالا للتجارة، وليس في أمياله الطبيعية ميل غريزي للحياة ~~التجارية، والدليل على ذلك أن أغلب التجارة التي ذكرناها ليست إلا تركية بالاسم فقط؛ لأن ~~أغلبها في أيدي تجار الأجانب المشتغلين في بلاد الدولة العلية. # ومعظم هذه التجارة يجيء من مدن آسيا الصغرى وبلادها، ولا يخفى أن هذه البلاد مسكونة ~~باليونانيين والإيطاليين واليهود وغيرهم من سكان شواطئ البحر الأبيض المتوسط، فيظهر من ذلك ~~أن التركي ليست له يد قوية في أهم علاقة بين مصر وتركيا، فليس إذن من الضروري أن تعنينا ~~المسألة التجارية، وينبغي لنا أن ننظر إلى علاقة مصر بتركيا من الجهة السياسية، ومع ذلك فلن ~~نغمض عينينا عن العلاقة الاجتماعية، فنقول: إن التركي لا يزال مجهولا عند الغربي، والكتب ~~التي يقول عنها أصحابها إنها تكشف القناع عن حياة الترك الداخلية، وتظهر في كل آن ويكون ~~غرضها أن تفهم للغربي آراء التركي وطرق أعماله، لم ينجح مؤلفوها إلا نجاحا صغيرا جدا، ~~وقليل جدا من الغربيين اختلطوا بالأتراك. # على أن كتب الأتراك ذاتها تدل على أنهم ليسوا على علم من الحياة والعادات والأخلاق ~~الغربية يسهل لهم الوصف والمقارنة بينهم وبين غيرهم من الأمم، فكانت النتيجة أنهم عجزوا عن ~~نقل صورة الحياة التركية إلينا تماما، وقصروا كتبهم على موضوعات بعيدة وغير مفيدة، فكانت ~~كل تلك الأشياء سببا في إثبات الحكم السابق من أوروبا على الأتراك، وأوروبا غير مستطيعة أن ~~تضع حدا بين حياة التركي السياسية ms023 وحياته الاجتماعية، والغربيون القليلون الذين اختلطوا ~~بالأتراك وعاشوا معهم وعرفوا جمال أخلاقهم وحسن طباعهم ووجدوا أنهم أقرب الشرقيين إلى ~~المدنية الحقيقية عجزوا عن أن يقلعوا جذور البغض والاحتقار التي لا تزال في قلوب الغربيين ~~على العموم. # أما في مصر فلا يزال التركي عاملا اجتماعيا مهما يلتف حوله عدد عظيم من الأصحاب، ~~وعدد أصحابه اليوم أكثر من عددهم أيام كان التركي نافذ القوة في القطر المصري. # ويجب أيضا أن لا ننسى أن مصر بلاد إسلامية، فهي مربوطة برابطة قوية جدا للسلطان بصفة ~~كونه خليفة وأميرا للمؤمنين، ولأنه لا تزال في يده قوة تعيين القاضي الشرعي، وناهيك بما ~~لهذه الوظيفة السامية من الأهمية السياسية! # وفوق كل هذا فليس الجناب العالي معينا حاكما لمصر من السلطان فقط؛ بل إن نظام الحكومة ~~ذاته مأخوذ عن جلالة السلطان تقريبا، هذا ولا يظهر للناظر أن العلاقات الحاضرة بين تركيا ~~ومصر تحمل معها بذور البقاء، فإنها إن لم تقطع اليوم فستقطع غدا، ولكن من الغريب أن هذه ~~العلاقات استمرت على حالتها الحاضرة زمنا طويلا في الماضي وليس من المستحيل أن تستمر ~~زمنا أطول في المستقبل، هذا ما لا رأي لنا فيه، ولا تكشفه إلا الأيام الآتية. # على أنا لا نرى في باقي ممالك العالم ودوله سلطة تشبه السلطة التي لتركيا على مصر، ونحن ~~لا نستطيع أن نفهم لماذا تستمر مصر على نزح ثروتها وإعطائها لتركيا مع أن هذه لا ترد الجميل ~~بمثله؟! فهل الدول الكبرى تأمر مصر بتلك الطاعة العمياء؟ إننا لا نرجح مثل ذلك، فإننا لو ~~ألقينا نظرة صغيرة على المسألة الشرقية لرأينا أن الدول ترغب وتحب من صميم فؤادها أن تقطع ~~أسباب ثروة الدولة العلية. # فلنفرض إذن أن تلك العلاقة المختلة بين الدولة العلية ومصر ستنقضي من تلقاء نفسها، فماذا ~~يتم بعد ذلك؟ إنا لا نرى أمامنا إلا أحد أمرين؛ وهما: إما أن مصر تعود إلى خضوع تام للدولة ~~العلية وتعود إلى المركز السياسي الذي كانت فيه قبيل عام 1811، أي أنها تصير ولاية عثمانية، ~~وإما ms024 أن تلك العبودية الخيالية تنقضي مرة واحد وتصير مصر حرة من كل الحقوق والمطالب ~~التركية. # ونحن نرى أن الأمر لا يتحمل الجدل لاستحالته؛ لأنه من الواضح أن تركيا لا تستطيع أن تضع ~~يدها على مصر مرة ثانية بالقوة الحربية؛ فلذلك لا تستطيع تركيا أن تعود إلى المطالبة ~~بحقوقها في وادي النيل. على أن مركز مصر الجغرافي يجعلها في معزل عن بلاد الدولة العلية وفي ~~مأمن من الجنود العثمانية، وغني عن البيان أن تركيا منذ ثلاثين سنة لم تتحرك حركة عدائية، ~~ويظهر أن الحكومة العثمانية عالمة ومتيقنة من أن مركز مصر ينجيها من هجوم جنودها؛ لأن تركيا ~~بلا أسطول لا تستطيع أن تتسلط أو تسود على البحر الأبيض أو البحر الأحمر، ومصر لا يسهل ~~الوصول إليها إلا بطريق أحد هذين البحرين لأنها محمية جنوبا بحصون السودان الإنكليزية ~~وغربا بالصحراء الكبرى. # ويبقى الآن لدينا سؤال واحد وهو هل بقاء تلك السلطة الخيالية التي تعترف بها مصر للدولة ~~العالية يرضي الدول العظمى؟ إن الجواب عن هذا السؤال يحتاج إلى نظرة عامة إلى حال مسألة ~~الشرق الأدنى في الحال الحاضرة. # ويجب علينا أن نذكر القارئ بأن مفتاح السياسة الأوروبية هو أن كل دولة تنظر إلى النفع ~~الذاتي الذي يصيبها، ونحن نرى أن مقاصد أغلب دول أوروبا نحو الدولة العلية واضحة ~~بينة. # على أن المسألة لا تحتاج في حلها إلى تعب شديد وأسرار السياسة الأوروبية مباحة للعالم ~~كله، ومثلها كمثل الكتاب المفتوح يستطيع قراءته كل إنسان. إن أوروبا تنظر إلى الدولة العلية ~~بعين الشامت وتسمي حكومتها بالحكومة المريضة، وكثيرا ما تعبت حكومات أوروبا في تطبيب تلك ~~الحكومة وإعادتها إلى الصحة، ولكنها يئست وكثيرات منها تتمنى لتلك الدولة قضاء عاجلا، ~~ولسنا في مقام يسمح لنا باستحسان أو استهجان هذا العمل، لكن يظهر لنا بكل جلاء ووضوح أن ~~أوروبا قررت بأن التركي لا بد أن يذهب ويختفي، وكلنا يذكر العمليات الجراحية التي بترت بها ~~أعضاء جسم الدولة العلية في أوروبا؛ وهذه الأعضاء هي: «الصرب، ورومانيا، وبلغاريا»، ويظهر ms025 ~~أن الدول تعد أسلحتها لقطع أعضاء أخرى، ويرى العارفون أن مقدونيا لن تستمر في يد الحكومة ~~العثمانية طويلا. # على أن طرد الأتراك من أوروبا سهل جدا، لكن إذا طرد التركي من أوروبا فإنه يلجأ إلى ~~أملاكه الواسعة في آسيا، ويظهر أن العمليات الجراحية التي عملتها الدول الأوروبية في جسم ~~الدولة العلية بأوروبا لفصل أعضائها لم تسد مطامع هذه الدول ولم تقنعها؛ فلذلك اتجهت ~~أنظارها نحو أملاك تركيا في آسيا، لكن يظهر لنا أن هذه الدول ستختلف كعادتها فيما بينها لأن ~~كل دولة تود من صميم فؤادها أن تستولي على الغنيمة التركية بأسرها؛ وحيث إن هذا مستحيل، ~~فأنت ترى الدول في حيرة لا يعرفن كيف يقتسمن تلك الغنيمة الباردة؛ لأن كل واحدة تتطلع إلى ~~المزيد وتظن أنها بإطالة آلام هذه الفريسة تتحقق آمالها ويجيء الوقت الذي تستطيع فيه أن ~~تنال من أملاك الدولة العلية ما تتمنى. # بيد أن هذه الدول لو استطاع بعضها أن يتحد ويطرد إحداها عن تلك الغنيمة ليستأثر الباقي ~~بها لما تأخرت عن ذلك الاتحاد طرفة عين، ومن المعلوم أن مصر لو خرجت من هذه القسمة لسهل حل ~~المسألة وصار أبسط مما لو بقيت. # ولا يخفى أن فتح آسيا الصغرى يستلزم جيشا جرارا وأعمالا حربية كبرى وفتح مصر يستلزم ~~أسطولا؛ وحيث إن إنكلترا لا تستطيع تجريد جيش كبير خارج بلادها، فهي لا تنظر إلى آسيا ~~الصغرى إنما تنظر لمصر؛ لقدرتها على تجهيز أكبر أسطول في أقرب زمن؛ ولذلك سيكون نصيب ~~بريطانيا أنها تحرم من أي جزء من أجزاء الدولة العلية سوى مصر. والفرنسويون ينظرون إلى ~~سوريا شزرا حيث ساد نفوذهم سيادة عظيمة وقوى هذا النفوذ حقهم في حماية المسيحيين الكاثوليك ~~في الأراضي المقدسة. # أما ألمانيا فقد صار لها نفوذ عظيم في وادي الدجلة والفرات لقيامها بتأسيس سكة حديد ~~بغداد، وروسيا أيضا تدعي بأنها صارت صاحبة الحق الأول في نصف بلاد فارس وما والاها من بلاد ~~الدولة العلية، ولا تبقى لتركيا إلا جزيرة العرب وهي البقية الباقية التي لم ms026 تعبث بها أيدي ~~الأغراض الأجنبية ولم تدخلها سموم السياسة الأوروبية. # أما النمسا فستكتفي بوضع يدها على ولاية سالونيكا وشاطئ البحر الإيجيني الذي مدت إليه ~~يدها منذ زمن حتى وصلت إلى نوفي بازار. # نقول: وربما يكذب المستقبل كل تلك التكهنات، وربما تكون دول أوروبا قد تنبأت بما لن يتم ~~وقسمت فريسة لم تسقط بعد، فإن تقسيم تركيا ربما يتم في المستقبل القريب وربما لا يتم إلا ~~بعد قرون طويلة. # ويظهر أنه من صالح دول أوروبا كافة أن تحل المسألة المصرية عن قريب لتسهيل حل المسائل ~~الأخر التي يعرض لهن حلها في المستقبل، وكما أن تقسيم تركية أوروبا يتم باستقلال الولايات ~~البلقانية التي كانت تابعة للدولة العلية، كذلك يتم تقسيم أملاك الدولة العلية في آسيا بفصل ~~مصر عن تركيا فصلا تاما ورفع نير تركيا عن وادي النيل نهائيا، وإذا كانت الحال تسير ~~على المنوال الذي نراه الآن، فإن سلطة تركيا على مصر ستنتهي عن قريب وتذهب كل آثار النفوذ ~~التركي من هذه البلاد. # وسيهم ما قدمناه الآن عن تركيا القراء كثيرا عندما نتكلم عن السياسة التي تتخذها النمسا ~~والمجر عند اتساع الخرق في المسألة المصرية، فإن التقريرات التجارية تدلنا على أن العلاقات ~~التجارية بين مصر والنمسا شديدة جدا، وتدل أيضا على أن هذه التجارة تتسع سنة فسنة، وعدا ~~ذلك فإن في مصر من النمسويين الذين اختاروا وادي النيل وفضلوه عن بلادهم عدد عظيم جدا ~~ربما يفوق عدد المستعمرين الألمانيين عددا، ولندع الآن كل ما ذكرناه عن العلائق التجارية ~~والودية بين النمسا والبلاد المصرية، ولننظر إلى المسألة من وجهة أخرى فنقول إنه من المعلوم ~~أن سياسة النمسا الخارجية كانت ولا تزال إلى الآن ميالة إلى مسألة إنكلترا ومصادقتها، ولم ~~تجد إنكلترا مندوحة من رد الجميل بمثله ومصافاة النمسا، وقد كان الفضل في هذه الصداقة وذلك ~~الاتحاد الودي لمكاتب التيمس وغيره من مكاتبي الصحف الإنكليزية الكبرى في فينا عاصمة ~~النمسا، وقد استمرت هذه العلاقات الودية منذ عام 1840 وظهر منها أنها أحسن سياسة تتخذها ms027 ~~الحكومة النمسوية نحو الدولة البريطانية، ولا يسمح لنا المقام بتفصيل أسباب هذه الصداقة غير ~~الرسمية، ولكننا سننظر في نتائجها إذا استمرت؛ لأن اتحاد النمسا وإنكلترا يسهل كثيرا حل ~~المسألة المصرية، وغني عن البيان أن النمسا لن تنال من إنكلترا ربحا ماديا جزاء صداقتها ~~لا سيما في مصر، فما هي الأعمال إذن التي تتحد فيها إنكلترا والنمسا في حل مسألة تركيا؛ ~~لأننا لو عرفنا ذلك سهلت علينا معرفة ما يتم في المسألة المصرية؛ لأننا قررنا أهمية العلاقة ~~المتينة الكائنة بين المسألتين التركية والمصرية؛ ولذلك ينبغي لنا أن نعرف تمام المعرفة ~~آمال النمسا في الغنيمة التركية، فنقول: كل من له إلمام بتاريخ أوروبا في القرن التاسع عشر ~~يعلم أنه منذ هزمت النمسا في سنة 1866 ماتت آمالها في امتداد قوتها فيما وراء نهر «الراين» ~~من الأراضي الألمانية. # ثم قطعت آمال النمسا في إيطاليا بعد تحريرها وانضمام أجزائها المختلفة لتكون مملكة ~~مستقلة، فالنمسا لا تقدر أن تنظر إلى شيء من أراضي إيطاليا بعين شوساء، فلما بان للنمسا أن ~~آمالها خابت في شواطئ البحر الأدرياطيقي الغربية نظرت إلى الشواطئ الشرقية لتحققها من أن ~~سلطتها لا يمكن امتدادها إلا في شبه جزيرة البلقان، فإن هناك ميدانا واسعا لنفوذها ~~وتجارتها معا. # وقد صادقت الدول على هذه السياسة النمسوية في المؤتمر الدولي الذي عقد سنة 1878، ووافقت ~~على كل مشروعات النمسا بشأن الدولة العلية وصرحت لها بوضع يدها على ولايتي البوسنة ~~والهرسك. # أما آمال الروسيا في البلقان فهي آمال وهمية خيالية لا يعتد بها ولا يحسب لها حساب، وسنرى ~~فيما يأتي من هذا الكتاب عندما نفرد فصلا للكلام على سياسة روسيا أن مطامعها في البلقان ~~سوف تتلاشي شيئا فشيئا، وسيجيء عليها زمن لا تكون فيه شيئا مذكورا. ولكن سياسة النمسا ~~وآمالها واضحة بينة ويقويها على السعي وراء تحقيق تلك الأماني أنها مدفوعة بعامل سياسي ~~وعامل استعماري، ومن القواعد المعروفة في السياسة أنه إذا سادت تجارة أي دولة في أي مملكة ~~ضعيفة فإن السلطة السياسية تتبع السلطة التجارية عاجلا ms028 أو آجلا. # ومن المعلوم أن النمسا صاحبة النفوذ القوي حالا في البلقان، ولا يقاوم ذلك النفوذ مقاوم، ~~على أن رومانيا، وهي إحدى ولايات البلقان المستقلة، تميل إلى النمسا ميلا شديدا وتنظر إلى ~~أعمالها في البلقان بعين الرضى والسرور. # ولا يفوتنا أن إنكلترا ربما تعاند النمسا في سياستها وتقلب لها ظهر المجن، ونحن لا نفرض ~~هذا الفرض لتحققنا من أن إنكلترا تخون صديقها أو تغدر به أو تنقض عهده فتنتهز فرصة لإيذاء ~~النمسا! كلا، ولكننا فرضنا هذا الفرض لنكون على بينة من كل شيء من المقدمات التي تدل على ~~النتائج؛ ولذلك فنحن نقول إنه ربما ترى إنكلترا أنه من فائدتها الخاصة أن تغدر بالنمسا ~~وتناوئها العداء وتناصبها الشر. # ومن المعلوم أن الباب العالي لن يقبل بأن يسلم آخر ما يملك في أوروبا بدون أن يحرك ~~ساكنا، فإذا حدث أن الدولة العلية لم تستطع أن تعمل شيئا فإنها تفرط في كل عزيز لديها ~~لتحدث نزاعا وشقاقا في جيوش عدوها المحارب - وهذه هي السياسة التي اتخذتها في أيام الحرب ~~الروسية التركية - فإن الباب العالي اشترى في ذلك الحين حياد إنكلترا بالتنازل لها عن جزيرة ~~قبرص. # ومن يدري بأن الباب العالي لا يعد أكلة يضعها في فم إنكلترا فتتداخل تداخلا سياسيا ~~أو حربيا لتعوق النمسا عن الاستيلاء على ولاية سالونيكا؟ # هل من المستحيل أن تتنازل تركيا لإنكلترا عن حقوق سيادتها في مصر؟ # من هنا يظهر أنه من فائدة النمسا أن تجتهد في حل المسألة المصرية حلا أوليا لخوفها من ~~أن تقف هذه المسألة في طريق سياستها المستقبلة. # لقد جرت العادة منذ عهد طويل جدا بالاعتقاد بأن روسيا هي الدولة السائدة في الشرق ~~الأدنى، والعادة طبيعة ثانية، فإنه رغما عن الأدلة الواضحة التي تدل على أن روسيا ليست هي ~~الدولة السائدة (ولو فرضنا أن روسيا هي السائدة، فإن تلك السيادة قد بدأت شمسها بالأفول من ~~زمن بعيد)، فإن الناس لا يزالون معتقدين بالأفكار القديمة فإذا حدث أي حادث مقلق في جنوب ~~أوروبا الشرقي فلا يقولون ms029 إلا أن روسيا هي التي سببت ذلك القلق وهي التي أحدثت هذا ~~النزاع. # على أن المتنبه للحوادث السياسية التي تجري في الشرق الأقصى يرى بكل وضوح أن آمال روسيا ~~متجهة نحو غرض واحد ومهما كلفها هذا الغرض من الذهب والنفوس فإنها أبدا تسعى إليه، ولا ~~يخفى أن هذا الغرض هو رغبتها في الحصول على ثغر بين فلاديفوستك وبورآ رثور. # ونحن لا نستطيع أن نتنبأ بنتيجة الحرب الحاضرة بين روسيا واليابان، ولكن مهما تكن نتيجة ~~تلك الحرب فإن روسيا دائما ستكون مشتغلة بتلك النتيجة عن القسطنطينية. # ولنفرض أن روسيا تفوز على اليابان مع ما في هذا الفرض من الاستحالة في الظروف الحاضرة فإن ~~روسيا لن تنال ظفرا يسحق عدوتها ويجعلها تنام مطمئنة زمنا طويلا؛ لأنه لو حدث أن روسيا ~~طردت اليابانيين من سيبريا ومنشوريا، فإن إمبراطورية اليابان تبقى أبدا عدوا قويا يهدد ~~روسيا في الشرق الأقصى مستعدا لأن ينتهز فرصة اشتغالها بمشاغل السياسة الأوروبية ليشعل نار ~~حرب ثانية وينزل بشواطئ منشوريا مرة ثانية لينتقم للهزيمة الأولى. # ولنفرض ثانيا أن اليابان حازت نصرا باهرا وأرغمت روسيا على التقهقر عن شواطئ المحيط ~~الهادي، فإنا لا نحسب أن هذه الهزيمة تضطر روسيا لأن تترك سياستها القديمة التي عمل ~~لأجلها كبار رجالها قرونا طويلة، فإن روسيا لا يمكن لبالها أن يهدأ حتى تكون حدود أملاكها ~~الشرقية بحرا وهذا هو غرض السياسة الروسية الذي اشتغلت به وسعت لأجله من عهد «إيفان ~~الهائل» في القرن السادس عشر؛ لأن في تلك الأمنية التي تسعى للحصول عليها حياتها وبقاءها ~~دولة قوية بين دول أوروبا وممالكها. # إن الهزيمة لا تضر الروس بل تنفعهم لأنهم يعودون فيقوون أنفسهم ويتقون شر هزيمة ثانية، ~~ويتقدمون بكل سكون وهدوء إلى الغاية المقصودة، ولو فني رجال الروس ومالهم فإنهم لا يرضون من ~~الغنيمة بالقفول، ومن يراجع تاريخ روسيا يعلم أنها صنعت كل ما في وسعها لتتقدم على الشواطئ ~~التي لا تجد فيها مقاومة شديدة، ولكنها فشلت مرارا في محاولتها الحصول على القسطنطينية، ~~فإنها بعد أن ms030 تفوز على الأتراك بعد حرب عنيفة تنفق فيها أموالها وتقتل فيها رجالها كانت ~~أوروبا تقف في وجهها متحدة فتعود روسيا إلى الوراء لأنها لا تقدر أن تقاوم بمفردها قارة ~~متحدة لأن باقي دول أوروبا كلها كانت تعمل جهد طاقتها على منع روسيا عن القسطنطينية وكيف ~~لروسيا أن تقاوم هذه الدول كافة؟! # وهناك أسباب أخرى تعوق روسيا عن القسطنطينية؛ منها أن روسيا تنتظر بفروغ صبر نصيبها في ~~الغنيمة التركية عند تقسيمها، وهي تسعى إلى تلك الغاية ببطء وتمهل وترو؛ ولذلك فهي لا تنوي ~~الحصول على القسطنطينية لأنها بحصولها على القوقاز الذي قوى نفوذها في بلاد فارس استطاعت ~~القرب من «ما بين النهرين»، وهناك تطلب روسيا نصيبها لأنها لو تقدمت نحو الغرب قليلا فإنها ~~تمس نصيب حليفتها فرنسا وهو سوريا، ولا ينتظر من روسيا أن تعادي فرنسا إلا بعد قرون طويلة؛ ~~لأن فرنسا هي الدولة الوحيدة في أوروبا التي تستطيع أن تفرج كربة روسيا وقت احتياجها للمال، ~~فإن روسيا وإن كانت تجد النفوس التي تزهقها والدم الذي تريقه في سبيل مطامعها، فإنها لا تجد ~~الذهب الذي يسهل لها أعمالها؛ ولذلك فهي تكتفي من فرنسا بآسيا الصغرى، ولكن دول أوروبا لا ~~تسمح لروسيا بأعمال سياسية إلا في جزيرة البلقان على أن روسيا قد فطنت إلى حيلة الدول ~~الأوروبية؛ ولذلك فهي لن تحاول أبدا أن تمد يدها إلى ولايات البلقان وما والاها إلى ~~القسطنطينية لأنها علمت أنها مهما أحرزت من نصر وفوز فإن أوروبا تضطرها دائما إلى ~~التقهقر. # فلذلك نستطيع أن نتنبأ ونحن متحققين بأن روسيا ستقصر أطماعها على «ما بين النهرين» وعند ~~ذلك تتساوى روسيا مع النمسا في الرغبة في حل المسألة المصرية حلا أوليا لإخراجها من ~~قسمة الغنيمة؛ لئلا تعرقل مساعيها السياسية وتقف عقبة كئودا في سبيل أعمالها ~~الاستعمارية. # وهنا نطلب من القارئ أن يلتفت إلى مسألة واحدة وهي أنه من القواعد المدونة في السياسة ~~الدولية أن كل دولة تخفي مطامعها ولا تظهر رغبة شديدة في الحصول على ما تطلب. ويظهر أن ms031 مثل ~~هذه القاعدة لا يقبلها القارئ مجردة عن البرهان لغرابتها، فنقول: إن السياسة إن لم تكن ~~محمية بقوة السلاح فإنها لا تفلح، وبعبارة أخرى: لا تستطيع أي دولة أن تدخل ميدان السياسة ~~الدولية إلا إذا كانت تستطيع أن تعزز أغراضها ومطالبها بقوة السيف والمدفع. فلما تكون الدول ~~كلها على هذا الاستعداد وتعلم كل دولة أن الحرب مع الدولة الأخرى يجلب على كلتيهما الدمار ~~والخراب يمتنعن كافة عن الحروب. # ولتتخذ مثلا رأيناه بأعيننا منذ عهد قريب، ولننظر قليلا إلى أغراض ألمانيا في السنين ~~السابقة لحرب السبعين، فإن غرضها الوحيد كان إذلال فرنسا بفصلها عن كل الدول، ثم إذا نظرنا ~~في مركز ألمانيا الجغرافي نرى أن أهم شيء كان عندها في ذلك الحين هو أن تكون آمنة هجوم عدو ~~من خلفها؛ ولذلك اجتهدت في الحصول على حياد روسيا. # ولو أن روسيا في ذلك الحين أظهرت ميلا إلى مساعدة فرنسا فإن آمال ألمانيا وتدابيرها كانت ~~كلها تذهب أدراج الرياح؛ لأن روسيا إذا اشتركت مع فرنسا في محاربة ألمانيا لكانت تلك الحرب ~~هي الضربة القاضية على ألمانيا، ومما يدل على أن ألمانيا كانت تخشي جانب روسيا من عهد طويل ~~قبل حرب السبعين - أي عندما كانت سياسة ألمانيا الاستعمارية لم تزل في حيز الخيال - هو أن ~~ألمانيا اهتمت اهتماما شديدا بمسألة البحر الأسود مع عدم أهمية ذلك البحر لها مطلقا، وقد ~~كان اهتمامها حقيقة بشأن روسيا فكانت تتساءل هل يفتح البحر الأسود للبواخر والمدرعات ~~الروسية أم يقفل في وجهها؟ على أن ألمانيا لا تلام على هذا الاهتمام لأن قفل باب البحر ~~الأسود في وجه روسيا كان مما صادقت عليه الدول في معاهدة باريس (1856)، ويجدر بكل دولة أن ~~تسعى في تنفيذ منطوق هذه المعاهدة ولكن ألمانيا أظهرت اهتماما فوق العادة. وكانت روسيا ~~تجتهد في كل آن في جس نبض سياسة ألمانيا لترى هلا تزال ألمانيا والدول مصرة على حرمان ~~روسيا من المرور بالبحر الأسود وغل أيديها في الشرق الأدنى، ولكن ألمانيا فاقت روسيا في ~~المكر، فإنها ms032 لم تصرح بما يكنه قلبها قبل الأوان؛ وأخبرت روسيا رسميا بأنها لا تهتم ~~كثيرا بمسألة البحر الأسود ففرحت روسيا بذلك وجاملت ألمانيا بأن أعلنت حيادها في حرب ~~السبعين، ونستطيع أن نأتي للقارئ بأمثلة كثيرة من هذا القبيل، وعند ذلك يقف القارئ على سبب ~~اهتمام الدول الكبرى بمسألة الدردنيل اهتماما كبيرا مع العلم بأن هذه المسألة لا تمسهم ~~ولا تمس سياستهم مباشرة. # ونحن نلتمس من القارئ عذرا لاستطرادنا في هذا الموضوع، إنما قصدنا بالإطالة فيه أن نريه ~~وجها من وجوه السياسة الدولية، ونظهر له أنه ليست العادة في السياسة أن تنظر الدولة إلى ما ~~يمسها مباشرة؛ بل كثيرا ما تحسب للمستقبل ألف حساب وتعمل أعمالا يظنها الجاهلون خطأ وهي ~~عين الصواب. # أما وقد شرحنا فيما تقدم سياسة روسيا حيال المسألة المصرية، وأظهرنا أنها لم تستفد ~~بالسياسة الحاضرة في وادي النيل، فما بقي علينا إلا أن نتكلم عما إذا كانت روسيا راضية عن ~~الحالة السياسية في مصر، وهل تستفيد في المستقبل من المسألة المصرية إذا بقيت هذه المسألة ~~على ما هي عليه من التعقيد؟ فنقول لا، فقد عرفنا فيما تقدم كل آمال روسيا السياسية؛ لأن ~~روسيا ترمي إلى أخذ «ما بين النهرين» من الغنيمة التركية ولو اجتمعت قوى الأرض قاطبة لا ~~تعوقها عن أخذ «ما بين النهرين»، ولا نظن أن بريطانيا تحرك لسانها أو ترفع يدها بكلمة أو ~~حركة عدائية ضد روسيا في سياستها الاستعمارية؛ فلذلك تكون روسيا في مأمن من شر إنكلترا فإذا ~~تقرر ذلك علمنا أنها ليست محتاجة إلى رضاء إنكلترا عن سياستها وليست محتاجة إلى مؤزراتها في ~~أخذ «ما بين النهرين»؛ ولذلك فهي لا تخجل من بريطانيا ولا تحسب لها حسابا ولا ترضى أن ~~تجاملها بسكوتها عن المسألة المصرية. ولنتكلم الآن عن علاقة ألمانيا بالمسألة المصرية، ~~فنقول: إن الزمن الذي كانت فيه ألمانيا لا تعد شيئا مذكورا قد مضى وانقضى، فإنها في هذا ~~العهد قد تقدمت تقدما باهرا، فإذا عدت الدول العظمى فإن ألمانيا تكون بلا جدال في مقدمة ms033 ~~هذه الدول، ولا ينكر ما نقول من يرى أعمالها التجارية التي تدل على همة الألمان ونشاطهم، ~~وقد عرفت الدول الآن أن ألمانيا تسعى لأن تكون من أكبر دول العالم قوة ونفوذا وثروة، ونحن ~~لا نحتاج إلى الدلالة على نفوذ هذه الدولة في الشرق إلا إلى بعض الجداول التي تحوي ~~الإحصائيات التجارية فنقتنع بعد ذلك بأن تجارة هذه الدولة بلغت مبلغا لم تكن لتحلم ~~به. # وإذا بدأنا بإحصائيات قنال السويس وعددنا السفن والبواخر التي تمر منه نرى لأول وهلة أن ~~السفن البريطانية والتجارة البريطانية كانت في أول أمر هذا القنال تشغل أربعة ~~أخماسه. # ورغما عن ازدياد التجارة البريطانية واتساعها عاما فعاما بالنسبة لنفسها، فإنها في كل ~~سنة تنقص نقصا فاحشا بالنسبة لمجموع متاجر الدول الأخرى، فقد كان معدل التجارة البريطانية ~~التي تمر بقنال السويس بالنسبة لمتاجر الدول يساوي 77 في المائة، ولكن في سنة 1900 انحط هذا ~~المعدل إلى 57 في المائة، وإذا نظرنا نظرا مدققا نجد أن هذا السقوط السريع في التجارة ~~الإنكليزية مسبب عن مزاحمة التجارة الألمانية لها. هذا وعدد السفن الألمانية التي تمر ~~بالقنال الآن لا يفوقه إلا عدد السفن البريطانية. # وهذا يدل على أن ألمانيا تطالب بحق عظيم وهو اشتراكها في كل المسائل التي تؤثر في التجارة ~~في بلاد المشرق، ولكن ألمانيا لا تحسب المسائل التجارية شيئا في جانب منافعها السياسية على ~~شواطئ البحر الأبيض الشرقية (ليفانت). # وأهمية ألمانيا هي في شيء واحد وهو أن شعبها شعب حي ينمو بسرعة شديدة ويحتاج عاجلا أو ~~آجلا إلى مكان فسيح يملؤه بقوته وعمله، فإذا أردنا أن نبحث في سياسة ألمانيا الخارجية ~~ينبغي لنا أن نضرب صفحا عن كل المسائل التي لا تتعلق بألمانيا مباشرة؛ لأن ساسة هذه الدولة ~~يقفون في وجهنا قائلين: «إننا لا نعمل إلا لصالح ألمانيا، ولا يبعثنا على العمل إلا ما يهم ~~بلادنا وينفع أبناءها.» على أن الغرض الوحيد الذي جمعت ألمانيا قواها لتحصل عليه قد أصبح ~~معلوما لدى كل الناس، فإن ألمانيا من زمن بعيد ms034 تسعى لجعل آسيا الصغرى ولاية ألمانية، كما ~~جعلت فرنسا في الزمن الماضي مصر ولاية فرنسوية. # ومن أقوى الأدلة على ذلك كون ألمانيا تنفق عن جود وعن كرم على مشروعات السكك الحديدية ~~هناك، وهي تسعى جهدها في توطيد أقدام علمائها الباحثين في تاريخ أسيا الصغرى القديم، وحسبنا ~~على ذلك دليلا ما كتبه علماء الأركيولوجيا الألمان عن أسيا الصغرى وهذه البعثات تعيش في ~~البلاد وتخالط أهلها وتدرس أخلاقهم وتعرف أحوالهم. # ويرى القارئ الملم بتاريخ الاستعمار أن ألمانيا مقتفية في استعمار أسيا الصغرى آثار فرنسا ~~في استعمار مصر، ولكن فرنسا ضربت صفحا عن فتح مصر بعد أن خذل نابوليون في سنتي 1798-1799، ~~فظهر من ذلك عدم موافقة هذه السياسة الاستعمارية التي اتخذتها، ولكن ألمانيا لا ترمي إلى ~~غرض خدمة الإنسانية ونشر المدنية في أسيا الصغرى كما كانت آمال فرنسا في مصر؛ بل هي ترمي ~~إلى توطيد أقدامها على شواطئ البحر الأبيض الشرقية حتى إذا نالت آمالها سعت في نشر نفوذها ~~إلى الخليج الفارسي، فإذا تيسر ذلك كله لألمانيا بطرق سلمية فإنها تحمد حظها وتشكر طالعها؛ ~~لأنها لا تنوي أن تغرر بنفسها في حرب شعواء ربما تجر كل دول أوروبا إلى ميدانها وربما تعود ~~عليها بالخراب والدمار، ولكن حصول ألمانيا على أمانيها بطرق سلمية يستلزم أمرا واحدا وهو ~~رضى كل الدول المعاكسة لها، وجوابا عن هذا السؤال نقول: إن لألمانيا وسيلتين تنال بهما ~~آمالها السياسية، وسنبحث في الوسيلة الأولى نظريا مع علمنا وتحققنا بأنها لا توصل ألمانيا ~~إلى أغراضها، ولكن أقلام كبار الساسة قد اشتبكت في البحث في هذا الموضوع وبحت أصوات الخطباء ~~من كثرة الجدل بشأنه فلا يليق بنا أن نهمله. وهذا الموضوع هو ما يعرف عند الساسة بالاتحاد ~~الألماني، فإن فريقا من السياسيين النظريين يقولون بقرب انحلال إمبراطورية النمسا والمجر، ~~فإذا تم هذا الانحلال تضم ألمانيا إلى نفسها الشعب النمسوي الذي يتكلم اللغة الألمانية ~~وغيره ممن يرغبون في الانضمام إليها. # ونحن نرى أن هذا الأمر لا يتم لصعوبة حدوثه ولكثرة العقبات التي ms035 تقف في طريق إتمامه، وأول ~~دليل على صدق ما نقول هو أننا لا نرى أمامنا دليلا واضحا على قرب انحلال إمبراطورية ~~النمسا والمجر، ولو فرضنا أن هذا الانحلال يحدث فنحن لا نرى سببا يستلزم سرور ألمانيا عند ~~حدوثه، فإن مشروع ضم النمسا إلى ألمانيا يضر بها أكثر مما ينفعها وقد صرح بذلك بسمارك نفسه ~~ومن جاء بعده من أكابر ساسة الألمان، فإن ألمانيا تجد صعوبة شديدة في حكم رعاياها ~~الكاثوليك، فهي إذا ضمت النمسا إليها تكون قد ضمت اثنى عشر مليونا من الكاثوليك ، ويستلزم ~~هذا العدد الكبير أن ينتخب منهم لمجلس الريشتاج عدد وافر وهذا ما لا ترضاه ألمانيا؛ لأنه ~~لا يوافق سياستها أن تكون الأغلبية في مجلس الريشتاج للكاثوليك دون البروتستانت، وعدا ذلك ~~فإن ألمانيا تجد أمامها عقبة أخرى وهي حل مسألة المجر؛ لأن هؤلاء لا يمكن أن ينضموا إلى ~~الاتحاد الألماني بطرق سلمية ولو أرغموا بالقوة الجبرية على الانضمام إلى ألمانيا. # على أنهم يكونون عاملا مضرا بألمانيا في داخل بلادها فتقف ألمانيا إذن بين عاملين ~~مضرين يهددانها دائما بخطر عظيم وهما البولونيون والمجريون، ولو فرضنا أن ألمانيا تتغلب ~~على تلك العقبات كلها وتتمكن أخيرا من ضم النمسويين والمجريين بلا مقاومة إلى بلادها، فإن ~~دول أوروبا لا تسمح لها بمثل هذا الاتحاد لأنه تنتج عنه في وسط أوروبا إمبراطورية عظيمة ~~جدا تفوق كل دولة، وتستطيع أن تكون هي الإمبراطورية الوحيدة النافذة الكلمة، المسموعة ~~الأمر في أوروبا كلها، وهذا يؤدي إلى إذلال باقي الدول وعجزها عن مقاومة تلك الإمبراطورية ~~الألمانية العظيمة، على أن باقي الدول تخشى خطرا آخر إذا تم هذا الاتحاد وهو أن ألمانيا ~~تأخذ مكان النمسا في استعمار البلقان وبعد أن تضع يدها على تركية أوروبا تمد يدها إلى ~~سالونيك، فإذا صارت في سالونيك صار وضع يدها على آسيا الصغرى أسهل من السهل. # على أننا أثبتنا استحالة تحقيق هذا الحلم؛ ولذلك نضرب عنه صفحا في كلامنا عن السياسة ~~العملية لأن كل ما ذكرناه ليس إلا نوعا من السياسة ms036 اسمه السياسة النظرية وهي سياسة القول ~~وليست سياسة العمل، ولم نكن نقصد أن نشير إلى هذا الاتحاد الألماني وسياسته لو لم يكن ساسة ~~أوروبا قد كتبوا المجلدات الضخمة ليثبتوا إمكان وقوع هذا الأمر وتحقيق ذلك الحلم، وهنا ~~نكتفي بذكر كتاب «شرا دام» الذي كتب في هذا الموضوع. # ولذلك يجب علينا أن نشتغل أولا بمساعي ألمانيا لوضع يدها على آسيا الصغرى بالوسائل ~~السياسية؛ لأن نظارة ألمانيا الخارجية لم تدبر عملا ولم ترسم خطة إلا معتمدة على إتمام هذا ~~المشروع، فإذا نظرنا إلى سياسة ألمانيا الخارجية من هذه الجهة نستطيع حينئذ أن نقدر اهتمام ~~ألمانيا بالمسألة المصرية حق قدره. # إن مصر لا تهم ألمانيا مباشرة وهذا يقلل كثيرا من اشتغال ألمانيا بمستقبل هذه البلاد ما ~~دام نصيبها في الدين المصري مضمونا، ولا نرى أن ازدياد تجارة ألمانيا ونمو عدد سفنها التي ~~تمر بقنال السويس يغير سياسة ألمانيا بشأن مصر؛ لأنه في زمان السلم لا توجد دولة تعوق حرية ~~المرور في قنال السويس، فإن الدول كلها تساعد جهد طاقتها لتسهيل المرور بهذا القنال وفي وقت ~~الحرب، فالدولة القوية تمنع الدولة الضعيفة وتنقلب كل المعاهدات والمحالفات والاتفاقيات ~~ويصير الحق للقوة، فسيرى القارئ أن ألمانيا على كلتى الحالتين آمنة مطمئنة. فيظهر مما قدمنا ~~أن المسألة المصرية لألمانيا ليست إلا مسألة ثانوية في سياستها الخارجية ولا نغالي إذا قلنا ~~إنه من صالح ألمانيا أن يبقى المركز السياسي في مصر كما هو؛ لأن ألمانيا ترمي إلى وضع يدها ~~على آسيا الصغرى بالشكل الذي وضعت إنكلترا به يدها على مصر، وتمتاز ألمانيا على إنكلترا ~~بأنها تريد أن تجعل مركزها في آسيا الصغرى مركزا دائما؛ فلذلك لا نرجح أن ألمانيا تحاول ~~أن تقاوم إنكلترا في مصر لأنها ترغب أن تكون بريطانيا سابقة لها في احتلال مثل احتلالها، ~~وتود أن يستمر احتلال مصر احتجاجا حيا في وجه من يلوم ألمانيا على احتلالها لآسيا ~~الصغرى، ولا يخفى علينا أيضا أن بريطانيا هي الدولة الوحيدة التي تخشى ألمانيا ~~بأسها. # ولا ننكر أن ms037 الصحف كثيرا ما تشيع بقرب شبوب نار الحرب بين ألمانيا وروسيا وكثيرا ما ~~يطير البرق خبر توتر العلائق بين برلين وبطرسبرج، ولكن كل هذه الإشاعات وتلك الأخبار ليست ~~إلا من مختلفات الصحف التي تجتهد دائما في استلفات أنظار قرائها بمثل تلك الأخبار. وقد ~~ذكرنا فيما مضى آمال روسيا الاستعمارية معززين قولنا بالأدلة الواضحة ونحن متحققون من أن ~~تلك الآمال هي التي تجعل ألمانيا في مأمن من وقوع حرب بينها وبين روسيا، ونقول هنا إن روسيا ~~قد عقدت آمالها على «ما بين النهرين» وألمانيا على «آسيا الصغرى»، فليس في سياسة الدولتين ~~ما يوجب تزاحم مصالحهما المختلفة. # هذا - ولا ريب في أن تحسن العلائق بين تينك الدولتين هو الوسيلة الأولى لنجاحهما في ~~سياستهما وقد لوحظ في الأيام الأخيرة - فإنه كلما نشأ خلاف بين الدولتين كانتا تسعيان جهد ~~طاقتيهما في إطفاء ناره؛ لأن الروس والألمان مضطرون لأن تكون دولتاهما يدا واحدة لأسباب ~~شتى، منها أن كلتا الدولتين تتألمان من البولونيين الذين يهددون سلامهما، فكل واحدة منهما ~~تسعى في إخماد أنفاس أهل بولاندا لتستريح هي وجارتها، ومنها أن سياسة كل دولة منهما قد ~~اتخذت طريقا مخالفا للطريق التي اتخذتها سياسة الدولة الأخرى، فمن المستحيل إذن أن تصطدم ~~السياستان فتحدثان شقاقا بين الدولتين وقد ساد السلام وتم حسن التفاهم بين الدولتين منذ ~~1762 ولم يزل سائدا إلى الآن، وهذا من الغرابة بمكان؛ لأن تاريخ السياسة لا يحفظ ذكر ~~دولتين ساد بينهما السلام قرنا ونصف قرن تقريبا بدون أن يحدث ما يكدر صفوه أو يخدش ~~وجهه. # فيرى القارئ من هذا أن ألمانيا لا تخشى معاكسة روسيا ولم تبق إلا بريطانيا العظمى التي ~~تخاف ألمانيا مقاومتها لها في آسيا الصغرى؛ فلذلك تود ألمانيا أن تكون إنكلترا مغلولة ~~الأيدي في مصر لأن في بقائها في وادي النيل حجة عظيمة عليها إذا وقفت في وجه ألمانيا وأقلقت ~~راحتها في أسيا الصغرى، لكن لا يفوتنا أن سياسة ألمانيا لا تزال مقلقلة وكل ما يعرف عنها هو ~~رغبتها في استعمار بلاد ms038 واسعة يلجأ إليها أبناؤها الذين تضيق عليهم بلادهم، ولكن لا يمكننا ~~أن نتحقق من معرفة هذا الميدان الذي تنوي ألمانيا استعماره؛ سيما بعد حوادث الصيف الماضي ~~التي قلبت سياسة الشرق رأسا على عقب حتى أصبح إبداء رأي سليم من الخطل عن مستقبل السياسة ~~الشرقية من أصعب الأمور، ومن راقب السياسة الدولية يذكر أنه رأى تغيرا مهما في سياسة ~~ألمانيا الخارجية؛ لأن قليلا من غير الألمان يعرفون التقدم السريع والنجاح الباهر اللذين ~~حازتهما ألمانيا في مراكش في خلال العشر سنوات الماضية. # فإن ألمانيا سلكت في المغرب الأقصى مسلك السكون والتؤدة مع المثابرة والصبر، وهذه هي ~~الصفات التي تمتاز بها ألمانيا والألمان، فإنهم لا يصرخون ويصخبون ولا يملئون العالم جعجعة ~~كغيرهم، ولكنهم يتخذون أبدا سياسة الكتمان والتأني التي تؤدي دائما بهم إلى النجاح ~~والفوز. وكل ما يعمله الألمان لينبهوا العالم ويفتحوا عيونه لمنافعهم هو تأليف الكتب الضخمة ~~التي يشرحون فيها سياستهم ومنافعهم ومصالحهم، والذي يطالع بعض هذه الكتب يرى لأول وهلة أن ~~ألمانيا تسعى لأن تكون دولة بحرية كبيرة، فإن كتاب الألمان ينشرون في كل عام عددا عظيما ~~من الكتب المتعلقة بالبحرية الألمانية والأساطيل والحصون والثغور وما شاكل ذلك، وغير هذه ~~الكتب يشرح آمال ألمانيا في مستقبل بحريتها. هذا ولا يليق بنا أن ننسى القدر العظيم من ~~الكتب الألمانية التي كتبت عن مراكش وحاضرها ومستقبلها، وقد يستغرب كلامنا هذا من لا يعرف ~~أن عدد القراء في ألمانيا عظيم جدا، وأن الشبيبة الألمانية ظمآنة لأخبار الاستعمار ~~والمستعمرات، فيحتاج المؤلفون إلى تأليف كتب كثيرة تتناول كل موضوع استعماري وتسهب فيه ~~إسهابا مشبعا، فلم تدرس شبيبة ألمانيا موضوعا أكثر من موضوع مراكش، فإنها تناولت كل ~~صغيرة وكبيرة مما يتعلق بأمر هذه البلاد وفحصتها فحصا دقيقا. دع ما كتب بأقلام المستنفضين ~~والجغرافيين الذين طافوها من أقصاها إلى أقصاها ورسموا خرائطها، وما كتبه رجال الحرب عن ~~مركزها الحربي وعن الخطر المحدق بها من جهة فرنسا. # نقول وقد قرأنا إن الميزانية التجارية للمغرب الأقصى في عام 1902 بلغت ms039 72000000 مارك؛ أي ~~نحو 4000000ج. ولألمانيا من هذه الميزانية أغلبها. # وفي سنة 1902 أيضا أرسلت ألمانيا 292 سفينة محمولها 252211 طنا، وأرسلت فرنسا 311 ~~سفينة محمولها 202778 طنا. وفي مراكش 61 محلا تجاريا أوروبيا منها 23 ألمانيا و16 ~~إنكليزيا و10 إسبانية و7 فرنسوية، وفي 11 أكتوبر 1902 تأسست شركة ألمانية باسم «الشركة ~~المراكشية» أو «ماروكابيش جسلشافت»، وتعضد هذه الشركة جريدة ألمانية اسمها «نوردافريكا»، ~~ويقصر العد دون الكتب الألمانية التي كتبت عن مراكش وتجارتها وسياستها. ونحن نترك القارئ ~~يستنتج مما تقدم ما يريد. # الفصل الثاني # | فرنسا وإيطاليا # من المعلوم أنه إذا عدت الدول التي لها في مصر شأن كبير فإن إنكلترا تعد في مقدمتها ثم ~~تتلوها فرنسا؛ لأن فرنسا بلا ريب هي من أهم العوامل في مستقبل هذه البلاد، ونحن لا نعول ~~فيما نكتبه على ما قيل وكتب عن سياسة تلك الدول في مصر، فإنها قرظت وانتقدت ومدحت وذمت في ~~كتب كثيرة نشرت في أغلب لغات أوروبا، ويلوح لمطالع كل هذه الكتب أن كاتبيها أساءوا فهم ~~سياسة فرنسا في مصر، أو فهموها ثم عكسوا معناها وصحفوها، وقد تتبين صحة ما نقول لمن يعرف حق ~~المعرفة أن فرنسا في كل أعمالها السياسية في مصر لم تزغ مرة في العمر واحدة عن سياستها ~~الأولى التي اختطت خطتها وسارت على دربها منذ ابتدأت علاقتها بمصر. # وبين الذين كتبوا عن مصر عدد عظيم من كبار الساسة الذين يجب احترامهم والإصغاء إلى ما ~~يقولون والنظر في آرائهم بعين الاعتبار، ولكن عندما يكتب هؤلاء الكتاب عن فرنسا فإنهم للأسف ~~يخطئون فيما يكتبون خطأ عظيما، ويظهر لنا أن الذي سبب وقوعهم في الخطأ هو نظرهم بعين ~~الاحتقار لسياسة فرنسا كلها، وقد يدفعنا ما نراه فيما يكتبونه بأن نرميهم بالجهل بتاريخ ~~فرنسا السياسي، وعدم نظرهم إلى هذه السياسة الفرنسوية كسلسلة منتظمة مستمرة، وليس من الحكمة ~~أن هؤلاء الكتاب عندما يكتبون عن سياسة أية دولة أوروبية يبنون حكمهم على ما يبدو لهم من ~~صغائر الأمور المتعلقة بهذه الدولة؛ لأن المتتبع ms040 لتاريخ سياسة الدول الخارجية يرى أنها تسير ~~في طريق واحدة وتقصد غرضا واحدا، ومهما عمل كبار الساسة الذين يتولون أمرها لتغييرها ~~وتحويرها فإنهم لا ينجحون لأنها لا تتأثر بأعمالهم؛ ولذلك نرى أن أكابر السياسيين ينتهزون ~~الفرص ويستفيدون من الظروف ولكنهم لا يخلقون الفرص ولا يصنعون الظروف. # ولنشرح الآن مغزى ما نقول بعد أن نثبت صدقه لئلا يرمى قولنا بسهام الملام ونتهم بأننا ~~ندعي صدق ما نكتب وهو خلو من الصدق، فنقول إننا لا نرى نفسنا في حاجة إلى شرح العلائق ~~السياسية التي كانت بين إنكلترا وفرنسا بشأن المسألة المصرية، وكثيرا ما ظلم كتاب الإنكليز ~~فرنسا بتصويرهم إياها بصورة الحسود لإنكلترا والحاقد عليها لتقدمها ونجاحها لا سيما في مصر، ~~ويتهم هؤلاء الكتاب فرنسا بأنها سنحت لها فرصة ثمينة في مصر فلم تنتهزها، فلما جاءت إنكلترا ~~وانتهزتها واستفادت منها نقمت عليها فرنسا وحسدتها وحقدت عليها. # ويقول المرجفون من هؤلاء الكتاب إن فرنسا وإن لم تحتل مصر فإنها كامنة كمون الفهد الجريح ~~لتنظر الفرصة المناسبة فتقفز من مرقدها وتنشب أظفارها بعدوها، ويقول المرجفون أمهلوا فرنسا ~~ريثما تقع إنكلترا في ورطة وتلقي بنفسها في أزمة لا ترى لنفسها منها مخرجا، عند ذلك تهب ~~فرنسا للانتقام. هذا ما يقوله المرجفون، أما المتقولون من كتاب الإنكليز فيقولون إن فرنسا ~~تظهر دائما استياءها وغضبها من إنكلترا في مصر، وتفرغ جهدها في البحث عن سيئة من سيئات ~~إنكلترا فتقيم الدنيا وتقعدها بمماحكتها ومكابرتها. # ونحن نحمد الله على أنا لسنا في حاجة إلى إظهار كذب كل هذه الادعاءات التي لا أصل لها، ~~فقد دلت الحوادث على كذبها وبرهنت الأيام على أنها سفسطة لا حقيقة وراءها. وكثيرا ما وجدت ~~إنكلترا نفسها في ضيق لا مفر منه وفي أزمة مالية لا مخرج لها منها، وما كانت فرنسا لتصنع ~~إلا ما يساعد إنكلترا على الخروج مما وقعت فيه ولم تظهر يوما أنها في صفوف أعداء إنكلترا ~~الألداء كما يقول المرجفون الذين يتبعهم المتقولون، فما سبب كل هذه الأراجيف والأقاويل إذن؟ ~~لأننا لا ms041 نعتقد بأن أمورا كهذه تشاع وتذاع وتملأ الأفواه والأسماع ويعتقدها الصغير والكبير ~~إلا إذا كان لها مكان من الحق ونصيب وافر من الصحة. # يقال جوابا عن هذا السؤال إن سبب ذلك الظن السيئ هو أن آمال فرنسا الاستعمارية تشبه ~~كثيرا آمال إنكلترا، فكأن الدولتين فرسا رهان أو فتيان يستبقان، وقد شاع هذا الظن ولكنه ~~يدل على جهل القائلين به بتاريخ فرنسا السياسي؛ بل بتاريخ سياسة أوروبا كلها. # فإن فرنسا لا تود أن تكون مزاحمة لإنكلترا في سياستها الخارجية لأن مركزها في قارة أوروبا ~~لا يسمح لها بذلك، ولا يمكن القول بأن فرنسا صحت عزيمتها يوما من الأيام على فتح مصر؛ ~~لأن أول بديهيات السياسة الفرنسوية هي أن لا تكلف نفسها في فتح المستعمرات أكثر مما تتحمل ~~من مال ورجال. وقد علمتها الحوادث أن شر افتتاح المستعمرات البعيدة أكثر من خيرها، وقد أبنا ~~ذلك فيما تقدم عندما ذكرنا حملتي مصر والمكسيك. # وقد أسهبنا الكلام فيما مضى من هذا الكتاب عن الصعوبات والعقبات الداخلية التي تعترض ~~الدول الأوروبية عندما تريد إحداها أن تتوسع في سياستها الخارجية، ونحن متحققون من أن فرنسا ~~تحققت من سخافة تلك الأحلام الاستعمارية، ويظهر ذلك لمن يعرف تاريخ فرنسا بالتدقيق ويرى ~~بعينه الفرص العديدة التي سنحت لها لتتوسع في الاستعمار، فلم تنتهزها وضحتها جميعا لأجل ~~سيادة السلام في داخليتها. # وغني عن البيان أن حياة الأمم كحياة الأفراد، والدليل على ذلك وجود وجه الشبه بين سياسة ~~الأسرة وسياسة الأمة، فلو كانت الأسرة في شقاق داخلي فإن رب الدار لا يستطيع أن يتناول من ~~الأعمال الخارجية ما يضمن لأسرته رزقا وعيشة راضية، فما بال ذلك الرجل لو كانت داخليته في ~~شقاق وهو في الخارج مهدد من أعدائه ومبغضيه، وما أصدق ذلك المثل على فرنسا لو نظرنا لحادثة ~~أملاكها في قارة أمريكا الشمالية، وهي «دومينيون أوف كندا» التي سلمتها فرنسا لإنكلترا ~~ثمنا للحرب المشئومة، فإننا نتذكر أن فرنسا لم تعتن بهذه المستعمرة قبل أن تنازعها إنكلترا ~~إياها ولا بعد ذلك، حتى ms042 إنها لم تعد مركبا ولم ترسل جنديا بل ولم تحرك لسانا أو ترفع ~~يدا لنجاة بطلها العظيم مونتكام الذي ذهب شهيدا في وقعة «جبل إبراهام» بعد أن جاهد الجهاد ~~الحسن، وكم بطل فرنسوي من رجال البحر ورجال البر مات كسير القلب جريح الفؤاد من إهمال دولته ~~أمره وغضها النظر عن آماله وأمانيه. نعم لقد مات هؤلاء الأبطال كافة وفي نفوسهم أماني لم ~~تتم وآمال لم تتحقق، فضاعت حياتهم هباء وضحيت في سبيل الاختلافات الداخلية. ويحق لنا ألا ~~ننسى في هذا المقام حادثة 1783، وهي أوضح برهان على صدق ما نقول، وقد اخترنا هذه الحادثة ~~لأن أغلب الكتاب لم يذكروها، ولأن المؤرخين الذين ذكروها أشاروا إليها إشارة خفية ولم ~~يفصلوها. # وتفصيل الخبر هو أن أمير البحر «ببلي دي سوفرين» الأميرال الفرنسوي الشهير بقوة عقله ~~وبراعته في فنون البحرية وضع يده على شاطئ الكارنتيك بعد أن لاقى ما لاقى من الأهوال الصعبة ~~التي وضعها الإنكليز في طريقه ليعوقوه عن التقدم. وبعد أن أوشك أن يتنفس الصعداء بعد ذلك ~~الفوز المبين بلغه رسول من فرنسا يحمل إليه خبرا أسود من القار وأشأم من نعيق البوم، وهو ~~أن يسلم للإنكليز شاطئ الكارنتيك وكل ما عداه مما افتتحه عنوة بناء على اتفاقية عقدت بين ~~دولته ودولة إنكلترا، فلم ير سوفرين أمامه إلا الطاعة العمياء، فأذعن وهو يكاد يموت حدقا ~~وغيظا وبإقلاعه من المياه الهندية اختفت أثار الدولة الفرنسوية من تلك البقاع وذهبت أماني ~~«دوبليه» هباء في الهواء. على أن فرنسا لم تطلق الاستعمار مرة واحدة لأنها في حاجة إليه؛ ~~ولذلك نراها إذا عثرت بأرض طيبة لا تبعد عنها كثيرا وتستطيع أن تستمد منها رزقا بشرط أن ~~تضيف هذه الأرض إلى فرنسا في وقت ضعفها قوة، فإن فرنسا تفرغ كل وسعها وتعمل جهد طاقتها لتضم ~~هذه البلاد إليها، وعلى هذا كان احتلال جزيرة كورسيكا من أهم الأمور لفرنسا؛ لأنه من ~~المستحيل عليها أن تترك جزيرة ككورسيكا المتمكنة كل التمكن من شواطئها الجنوبية؛ ولأن هذه ~~الجزيرة إذا وقعت ms043 في يد الإنكليز فإنهم لا محالة يخلقون منها جبل طارق آخر ويحصرون مواني ~~فرنسا في أقرب فرصة، فلما قر رأي الفرنسويين على أخذ هذه الجزيرة تقدموا إلى أهل جنوه ~~وابتاعوها منهم على أنهم تعبوا تعبا شديدا في كسر شوكة أهل الجزيرة. # و«الجزائر» هي أهم مستعمرة فرنسوية بعد كورسيكا، فإنها لا تبعد عن ثغر طولون إلا بضع ~~ساعات وقد كلفت فرنسا ما كلفتها من مال ورجال، ولكنها كانت تستحق ما أنفق من المال وما أزهق ~~من النفوس في سبيلها؛ لأنها زيادة عن قربها من فرنسا فإنها بلا شك مورد رزق ومركز حربي لا ~~مثيل له، وعلاوة على ذلك فإن فرنسا تستطيع أن تحشد من جنود الجزائريين في وقت الحرب ما شاءت ~~الأعداء، نقول إننا ذكرنا فيما مضى بإسهاب وشرح طويل المسائل الداخلية والمشاكل الأهلية ~~التي تعوق الدول الأوروبية عن الاندفاع في تيار الاستعمار، وقلنا هناك إن عدم وجود هذه ~~العقبات وتلك الصعوبات في سبيل إنكلترا هو الذي سهل عليها سياسة الاستعمار وجعل نجاح ~~سياستها الخارجية أمرا محققا، وقد أفضنا البحث في هذا الموضوع وأطلنا الكلام في أن دول ~~أوروبا لا تستطيع أن تسابق إنكلترا في سياستها الاستعمارية لأنهن لو حاولن ذلك قضين على ~~حياتهن السياسية، وما أسهبنا الكلام في تلك المسألة إلا دفعا للوهم السائد من أن هذه الدول ~~كلها تنظر إلى إنكلترا بعين الحسود الحاقد لأنها لم تنل سعيها ولم تبلغ شأوها، ولقد يندهش ~~القارئ عندما تذكر له أن الدول الأوروبية الصغرى هي التي تسعى لمسابقة إنكلترا أو سياستها ~~الاستعمارية؛ لأن هؤلاء الدول يؤسسن من المستعمرات ما يقرب مما أسست مالكة البحار، ولا يغيب ~~عن ذهن القارئ أن ألمانيا - وهي تلك الدولة الضخمة ذات الأساطيل والجيوش - ليست قادرة على ~~كبح جماح مستعمراتها الصغيرة في أفريقيا عندما تكون البورتغال - وهي هذه المملكة الحقيرة ~~التي لا يسمع اسمها في العام مرة - قادرة على سياسة مستعمراتها الأفريقية الواسعة بدون أن ~~يشعر بها أحد. # نعم! إن ألمانيا بما لها من العظمة والسلطة لا تستطيع ms044 أن ترد قبائل «الهروروس» إلى حظيرة ~~طاعتها، مع أن هولاندا على ما هي عليه من حقارة الشأن وصغر القدر قابضة بيد من حديد على ~~مستعمرات «آشين» على ما عليه أهل تلك المستعمرات من العصيان الدائم، وما ذلك إلا لأن ~~هولاندا مطمئنة في داخليتها. # فكأن حياد هولاندا هو سبب نجاحها، وقد جعلها ذلك الحياد جزيرة سياسية، كما جعل البحر ~~إنكلترا جزيرة جغرافية، ولو أن ثروة هولاندا ليست عظيمة ولكن كل منابعها في يدها وتحت ~~تصرفها، فهي تستطيع أن تحصر كل قواها في مكان الضعف من جسمها، ولكن ألمانيا على ضخامتها ~~وقوتها لا تستطيع أن تجهز أسطولا كبيرا لأعمالها الحربية وراء البحار، ولا تستطيع أن تبعث ~~إلى «الهروروس» بجيش عرمرم يعيدهم إلى فناء الولاء ويعلمهم درسا في الأدب. # ومثل هولاندا كمثل البورتغال، فإن حياد إسبانيا قد ضمن للبورتغال السلامة في بلادها فهي ~~أبدا آمنة مطمئنة فلا من يقلقها من الداخل ولا من يزعجها من الخارج؛ ولذا فهي تستطيع أن ~~تحصر قواها لتحقق أمانيها الاستعمارية. # وعندما نضم هذه الحقائق إلى بعضها يتضح لنا بأجلى بيان أن دولة كفرنسا مهددة من كل حد من ~~حدودها ومحاطة بأعداء أشداء من كل جهاتها، وفي داخليتها ما في جسم العليل من السقام من قبل ~~الكنيسة الكاثوليكية والأحزاب السياسية المختلفة، لا تستطيع أن تعرض نفسها لكل تلك الأخطار ~~لأجل مستعمرة بعيدة مهما كانت تلك المستعمرة غنية عظيمة. # ولو تيسر لفرنسا أن تعثر بمستعمرات لا تكلفها كثيرا ولا تسبب لها انزعاجا فإنها بلا ريب ~~تضع يدها عليها وتحرص عليها ما دام الشرطان السابقان متوفرين، ولو شئنا على ذلك برهانا ~~فإننا لا نجد أقرب لنا من أن ننظر في مستعمراتها الحاضرة، فإن «تونكين» التي يبلغ عدد ~~سكانها أكثر من سبعة ملايين من النفوس ليس فيها إلا عدد صغير جدا من الفرنسويين ~~المستعمرين فلو نهض الأهالي للعصيان فإنهم لا محالة ينالون ما يرغبون، وليست التونكين فقط ~~هي التي تحكمها فرنسا بلا نفقة أو قلق، فإن أملاكها في أواسط أفريقا كثيرة الشبه ms045 بتونكين؛ ~~لأن أهل هذه البلاد لو مالوا يوما إلى شق عصا الطاعة فبضع مئين من جنود الفرنسويين يكبحون ~~جماحهم في يوم وليلة. # إذا تقرر ذلك فنحن نطلب من القارئ عندما نتكلم عن سياسة فرنسا أن يصرف عن ذهنه الظن ~~الفاسد الشائع، وهو أن كل حركات فرنسا وسكناتها ليست إلا لتسابق إنكلترا في سياسة ~~الاستعمار، وفوق كل ذلك فيليق بمصر أن تصرف ظنها بأن فرنسا تدافع عن حقوق مصر والمصريين ~~بشدة وقوة. # ولو أن الإنكليز احتلوا مصر ظلما رغم أنف المصريين فإن المصريين يخطئون لو انتظروا من ~~فرنسا خلاصا أو نجاة؛ لأن فرنسا لا إرادة لها ولا قدرة لديها لأخذ مصر لنفسها، فهل جنت ~~جنونا بحب مصر حتى تنفق ما تنفق من ثروتها لتحرير مصر والمصريين؟ ولو أن المصريين رأوا ~~بريق آمالهم في فرنسا فلقد خدعوا أنفسهم إن لم يكن هذا البريق الذي رأوه قد غرهم، وإن كانت ~~شمس فرنسا قد أشرقت على مصر برهة، فلتعلم مصر أن تلك الشمس قد أغربت وغابت إلى ~~الأبد. # على أن مصر لا يحق لها أن تيأس لأنها لو كانت آمالها ترمي إلى الاستقلال، فإن ميدان هذه ~~الآمال لا يزال واسعا كما كان من قبل، وكل ما أردنا تقريره هو أن تلك الآمال لو كانت قد ~~وضعت في فرنسا فقد ضاعت. لقد مضى الزمن الذي كانت الأمم تعمل فيه لأجل الأفكار الخيالية. ~~اليوم يوم المنافع الذاتية والمطامع الشخصية، إن هذا الزمن هو زمن الأنانية والأثره، وقد ~~ولى وانقضى عهد الغيرية، ولو قدر لمصر أن تصير في المستقبل دولة حرة مستقلة فإنها لا تنال ~~ذلك إلا إذا رأت كل دول أوروبا في منحها تلك الحرية وهذا الاستغلال نفعا لذاتها. # ولنعد ثانية إلى فرنسا وسياستها في مصر، فنقول إن الناظر إلى سياسة فرنسا بمنظار الحكمة ~~والتبصر يرى أنها بريئة من كل التهم التي تنسبها لها الصحف التي تردد صدى صوت الأحزاب؛ لأن ~~نظرة واحدة في سياستها الخارجية تقنع الإنسان بأن سياسة فرنسا الاستعمارية لم تشمل مصر، وأن ms046 ~~مجال الاستعمار لا يزال واسعا في وجه فرنسا في البلاد المجاورة لها؛ ولذلك لا يخطر ببال ~~عاقل أن فرنسا تترك البلاد القريبة وتمد يدها إلى بلاد بعيدة مثل مصر مع علمها بما يكلفها ~~وضع يدها على هذه البلاد. # وأي دليل أوضح على ما قدمنا من المحالفة الفرنسوية الإنكليزية التي عقدت في 8 أبريل من ~~عام 1904، ولا نحتاج إلا لأن نقرأ صورة تلك المحالفة ضاربين صفحا عما قاله عنها المتقولون ~~والمرجفون، فنراها حينئذ علامة من علامات الاتفاق الودي بين الدولتين، ولكن لا يصح أن يقال ~~عنها إنها نتيجة من نتائج ذلك الاتفاق، ولا يصح أيضا أن نقول عنها إنها ثمرة أتعاب الملك ~~إدوارد السابع الذي لم يأل جهدا في تقريب إنكلترا من فرنسا، إنما يصح أن نقول إن فرنسا لم ~~تعقد هذه المحالفة إلا بناء على سياستها التي رسمتها لنفسها نحو مصر، والدليل على قولنا ~~هذا أن فرنسا قالت في هذه المحالفة إنها لن تتداخل في المستقبل في سياسة بريطانيا العظمى في ~~مصر بما يؤخر أعمال إنكلترا في وادي النيل، ولكنها لم تتبرأ من سياستها الماضية في مصر، ~~فكأن هذه المحالفة لم تكلف فرنسا إلا التصريح بقاعدة ثابتة من قواعد سياستها الخارجية ونالت ~~مقابل ذلك حرية تامة في شمال أفريقا، وهاك المادة الأولى من تلك المحالفة: # إن حكومة جلالة الملك تعلن أن ليس لها إرب في تغيير الحال السياسية في مصر، وتصرح ~~الحكومة الفرنسوية أنها لا تعوق أعمال إنكلترا في هذه البلاد بطلب تحديد أجل ~~للاحتلال البريطاني أو بما شاكل ذلك، وأنها ترضى بمشروع الدكريتو الخديوي الملحق ~~بالاتفاقية المذكورة المحتوي على الضمانات الضرورية لحماية مصالح أصحاب الديون ~~المصرية على شرط أنه ينفذ ولا يتم فيه أقل تحوير بدون رضى الحكومات التي وقعت على ~~معاهدة لندن سنة 1885. # فيظهر من ذلك أن سياسة فرنسا الخارجية قد عادت إلى الانكماش كأن ساستها علموا أنها لا ~~تستطيع أن تمارس مهنة الاستعمار بالبراعة والدقة اللتين تمارس بريطانيا بهما ذلك الفن، ومن ~~عادة الفرنسويين أنهم إذا عملوا ms047 لتحقيق أحلام استعمارية ووجدوا معارضة ومقاومة فهم يفضلون ~~أن ينسحبوا على أن يستمروا على مقاومة المعارضين لهم. # ومما يعوق فرنسا عن التوسع في الاستعمار هو كونها غير مضطرة كغيرها من الدول الأوروبية ~~لإيجاد المستعمرات الواسعة لأبنائها الذين تضيق عنهم بلادهم؛ لأن عدد سكانها لا يزيد سنة ~~فسنة كما يزيد عدد سكان سواها من الممالك الغربية، فلا تقوم فرنسا بحروب خارجية إلا إذا ~~كانت هذه الحروب للحصول على بلاد واسعة تضيف إلى اسم فرنسا شهرة وصيتا، فإذا هي خابت وفشلت ~~في حروبها الخارجية فلا تغتم ولا تحزن كما تغتم وتحزن الدول الأخرى التي لا تسع بلادها ~~أبناءها، ويحدث من ذلك فيها من الفقر والفاقة والشقاء ما لا تحمد عاقبته، وكثيرا ما يكون ~~فشل فرنسا في حروبها الخارجية سببا لنفع عظيم تجنيه في داخليتها؛ لأنها تتمكن من إصلاح ~~أمورها وتستطيع أن تضيف إلى قوتها قوة. # وعندما ننظر إلى هذه المسائل من هذه الجهة يمكننا أن نعلم ظلم وجهل الذين صبوا على رأس ~~«الموسيو دي فرسيتيه» وغيره من وزراء فرنسا أمطار الذم والتأنيب والسب؛ لأن الحقيقة تنجلي ~~لنا تمام الانجلاء، ويظهر لنا هؤلاء الوزراء بمظهر الرجال العقلاء الذين فهموا مركز دولتهم ~~فهما حقيقيا، وعلموا مقدرتها حق العلم ووقفوا على مطالبها وحاجاتها، ووجدوا في نفوسهم ~~شجاعة أدبية استطاعوا بها أن يقودوا أمتهم، ناظرين إلى الحقائق الثابتة والظروف السياسية ~~التي تؤدي إلى النجاح المطلوب رغم أنف الأعداء الحاقدين الكاذبين، على أن هؤلاء الوزراء لو ~~رأوا أن في السياسة الاستعمارية لبلادهم خيرا لما تأخروا عنها لحظة واحدة، ولكنهم علموا ~~أنهم إن اتخذوا سياسة الاستعمار، فإن هذه السياسة تفشل في أقرب زمن. # ولا ننسى أن «المسيو ديلكاسيه» وزير خارجية فرنسا سابقا هو الذي قال بأن تاريخ المملكة ~~كتاريخ الحيوان الحي وكما أن للجسم الآلي حدود طبيعية لا يتعداها كذلك للدولة حدود طبيعية ~~لا تتعداها وطرق تنمو بها حتى تبلغ أكثر ما يمكنها بلوغه من النمو والقوة. ولذلك كل من ~~يحاول أن يدفع بالمملكة في غير طريقها الطبيعي، ms048 فهو في الحقيقة يرمي بها في هوة الضعف ويقذف ~~بها في بحر من المصائب؛ فلذا كان واجب السياسي الحاذق الأمين أن يعرف الطريق التي رسمتها ~~الطبيعة لمملكته ليقودها فيها فتستطيع أن تنمو وتتقوى، ونحن نعتقد أن كل سياسي فرنسا في ~~العهد الأخير ساروا على هذه السياسة وعملوا بها على قدر طاقتهم. # ومثل هذه السياسة هو الذي ألجأ فرنسا في 1890 إلى التنازل عن حقوقها في سلطنة زنجبار؛ لأن ~~ساستها عرفوا أنهم باحتلالهم جزءا من زنجبار يكونون أبدا في احتكاك مع إنكلترا وكثيرا ما ~~يكون هذا الاحتكاك الاستعماري مضرا غير نافع لأن نتائجه لا توازي أتعاب فرنسا ونفقتها؛ ~~ولذلك تقهقرت فرنسا برشاقة وبراعة وانتظام. وليس تقهقرها عن مصر إلا صورة ثانية من تقهقرها ~~في زنجبار. # وعندما نتكلم عن علاقة إيطاليا بالمسألة المصرية، فيجب علينا أن نخفف الوطأ لرقة الأرض ~~التي نسير عليها ونحافة الموضوع الذي نبحث فيه. # وأول ما نقول في هذا الموضوع هو أن سياسة إيطاليا في مصر في أثناء السنين الأخيرة قد ~~تغيرت تغييرا شديدا، ولا يخفى أن هذا التغيير قد سبب إزعاج الخواطر وجرح إحساسات كثيرين، ~~ومن حسن الحظ أن تغيير تلك العلائق لم يكن مسببا عن مشاكل سياسية؛ ولذلك لم يتعد حدود ~~الكلام المزخرف اللطيف، ولقد اعتاد السياسيون على أن يعبروا عن أشد المعاني بأرق الألفاظ، ~~فهم إذا أرادوا أن يهددوا دولة بالحرب قالوا: «إننا لا نعتبر عملكم الأخير عملا وديا.» ~~فلا يخفى حينئذ بناء على ما ذكرناه أن الألفاظ اللطيفة كثيرا ما تؤدي أشد معاني البغض ~~والكراهية والعداء، ويجب علينا هنا أن نعيد على القارئ رأينا وهو أن السياسة الدولية تختلف ~~كثيرا عن سياسة الأفراد وقد قال: «سبينوزا» إن الدول عندما تتعامل تكون دائما في الحالة ~~الطبيعية، ولم تكذب الأيام والظروف «سبينوزا» فيما قال من يومه إلى يومنا هذا. # وقبل أن ندخل على موضوع بحثنا يجب أن نشير إشارة أخرى وهي أن السياسة التي تتخذها إنكلترا ~~ليست سياسة مكر وغدر وخداع، ولكن ما أكثر ما كتب ms049 ضد إنكلترا وسياستها وما أكثر أدلة أعدائها ~~الحاسدين. إنهم يقولون إن إنكلترا غررت بإيطاليا وأغوتها حتى أسقطتها في المصائب التي حدثت ~~لها في أفريقيا لتنال إنكلترا بذلك آمالها وتحصل على الفوائد التي كانت تتمنى الحصول عليها، ~~ولكن ما أقسى هذا القول وما أشده! على أننا لا ننكر أن لهذا القول مكانا من الصحة لأننا ~~نعلم كما يعلم غيرنا أن إنكلترا استعملت إيطاليا آلة في حل عقدة المسألة الكبرى في أواسط ~~أفريقيا، ولكن إنكلترا في عملها هذا لم تتعد حدود السياسة المعروفة بين الدول. # فلو قلنا إن ساسة الإنكليز شجعوا إيطاليا فذهبت ضحية غوايتهم ولقيت في أفريقيا ما لقيت من ~~خذلان وفشل فنحن لا نلقي الذنب على كاهل إنكلترا لأنه ليس المسئول عن مصائب إيطاليا إلا ~~إيطاليا نفسها، فكان ينبغي لها أن تزن تشجيع إنكلترا بميزان التعقل، وأن تنظر إلى النصيحة ~~نظر الحكيم فلا تعمل بها قبل أن يقبلها عقلها. فإن لم يقبلها العقل ضربت عنها صفحا، وكان ~~يجب على إيطاليا أن تعلم أن النصيحة إن عادت بالشر فلا يصيب هذا الشر إلا نفسها. # ويليق بنا في هذا المقام أن نلقي نظرة على تاريخ السياسة الدولية في السنين الأخيرة حوالي ~~منابع النيل؛ لأننا بدون أن نعرف هذا التاريخ حق المعرفة لا نقدر على أن نعرف حقيقة منافع ~~إيطاليا في مصر وعلاقتها بالمركز السياسي الحاضر وبالمسألة المصرية. # على أنا لا نريد أن نذكر الحوادث التاريخية التي ألجأت إنكلترا لتجريد الحملات الحربية ~~التي كان غرضها سحق قوة المهدي في السودان واحتلال أعالي النيل، ولا نريد أن نذكر تاريخ ~~الحملات التي كتب لها أن تفشل وأن لا تترك إلا أسماء قوادها أمثال «غوردون» و«هيكس باشا» ~~وغيرهما، إنما نرغب أن نذكر القارئ بالزمن الذي كانت إنكلترا فيه تجمع قواها الحربية بعد أن ~~عقدت النية على ضربة المهدية ضربة قاضية وإخلاء أم درمان والخرطوم من الدراويش بعد إهلاكهم؛ ~~لأن إنكلترا رأت في ذلك الحين أنها لو نجحت في أعمالها الحربية ونالت بغيتها من السودان ~~فإنها تقف ms050 أمام عقبات كثيرة قبل أن تتمكن من أن تضع يدها على أعالي النيل وقبل أن تتغلب على ~~أهل هذه البلاد، وكانت أعظم هذه العقبات عقبتان لم تر إنكلترا للتغلب عليهما طريقا؛ ~~أولاهما: أن الحبشة كانت في الجهة الشرقية تأخذ في القوة شيئا فشيئا بسرعة أدهشت إنكلترا ~~وجعلتها تشعر بخطر هذه الدولة المستقلة الغنية، وثانية العقبتين أن فرنسا كانت مستولية على ~~أراضي بحر الغزال، فكأنها كانت تسابق إنكلترا إلى امتلاك أراضي السودان وأوشكت أن تفوز ~~عليها، فماذا صنعت إنكلترا لتخرج من هاتين الورطتين؟ وما هي التدابير التي دبرتها للتغلب ~~على تلك العقبتين؟ # إن إيطاليا كانت واضعة يدها على مخرج مهم على البحر الأحمر، وذلك المخرج على شواطئ ~~«أريترية»، فكانت إيطاليا تحب دائما أن يكون مخرجها في مأمن وأن تكون أملاكها على البحر ~~الأحمر ناجحة غنية، ولم تر أمامها إلا طريقا واحدا لتنال بغيتها وهي أن تقهر ما وراء ~~أملاكها من البلاد الخصبة، ولا يمكن أن يتم هذا العمل إلا ضد إدارة الحبشة، ولم يكن ينقص ~~الإيطاليين إلا التشجيع فأعطتهم إياه إنكلترا بكمية وافرة، وحببت لهم عملهم وحسنته في ~~أعينهم؛ لأنه كان من آمال إنكلترا أن الحبشة تشتغل قليلا بشيء غير مسألة النيل، فكانت ~~الحرب بين الحبشة وإيطاليا خير كفيل لإنكلترا باشتغالها عن أعمال الجنود البريطانية في ~~أعالي النيل وأواسط أفريقية، وكان قصد إنكلترا أنها توجه أنظار النجاشي إلى البحر الأحمر ~~لأنها علمت أنه إذا انتبه إلى هذه الجهة فهي تنجو من شره في أمرين؛ الأمر الأول: أنها تأمن ~~مساعدته وإغاثته للمهدي، والأمر الثاني: أنها تأمن معاندته لها في أعالي النيل، وكان ما كان ~~من أمر الحرب وهزمت إيطاليا شر هزيمة، فساءت تلك الهزيمة إنكلترا لأنها قلبت تدابيرها، ولا ~~نظن أن إنكلترا كانت تعلم بنتيجة الحرب ولا نؤيد القائلين بهذا الظن، ولكن إنكلترا استفادت ~~شيئا كثيرا من المعاهدة التي عقدت بين إيطاليا والحبشة ... # وهكذا أزالت إنكلترا العقبة الأولى من طريقها وبقيت أمامها العقبة الثانية وهي أصعب ~~جوازا وأشد خطرا من الأولى، وهذه ms051 العقبة هي وجود فرنسا على ضفاف بحر الغزال، وحالما كانت ~~وزارة إنكلترا الخارجية في غم وتنكيد خطرت ببالها مكيدة بسيطة حلت تلك العقدة وأزالت هذه ~~العقبة من وجه الأسد البريطاني. # وتفصيل تلك المكيدة أن إنكلترا طلبت من بلجيكا وهي صاحبة ولاية الكونجو الحرة أن تضيف ~~أراضي بحر الغزال إلى أملاكها. قبلت بلجيكا هذه الدعوة وقبلت تلك الهدية ولكن فرنسا تنبهت ~~لذلك وضغطت ضغطا سياسيا شديدا على بلجيكا اضطرها إلى التنازل عن حقوقها وما تم بعد ذلك ~~معروف مشهور، فإن إنكلترا جردت حملة أم درمان الشهيرة وتغلبت على دولة المهدي وبعد ذلك كله ~~بلغت «فاشوده» حملة فرنسوية نصف حربية، هي حملة «مارشان» الذي جاء يقود مائتي رجل ضد ~~«كتشنر» الذي كان يقود خمسة وعشرين ألف رجل، وهكذا اضطر «مرشان» إلى تنكيس أعلام فرنسا، وقد ~~سببت تلك الهزيمة المعنوية في فرنسا حركة كبيرة وحدة بلغت حدا عظيما، ولكن رأت فرنسا بعد ~~ذلك أنه خير لها أن تتنازل عن حقوقها من أن تدخل مع إنكلترا في حرب بشأن مستعمرة في أواسط ~~أفريقيا. # فلو حسبت فرنسا حساب المستقبل لاتقت شر تلك الخسارة بأن وطدت قدمها في أعالي النيل قبل ~~سقوط «أم درمان» في الفرصة التي سنحت لها بين سنتي 1894 و1896. # على أن «هزيمة عدوة» الشهيرة التي كانت في الحقيقة صورة ثانية من واقعة «كودين فوركس»، ~~والتي سلم فيها أغلب الجيش الإيطالي للأحباش، أهبطت مساعي إنكلترا في تحويل الحبشة عن ~~النيل، ولكن الحملة الإيطالية جاءت بما كانت ترجوه إنكلترا وزيادة، فكانت نتيجتها أن ~~النجاشي اضطر لتعيين حدود مملكته، فكأن يوم «عدوة» كان يوم موت النفوذ الإيطالي في أفريقيا؛ ~~ولذلك ظهر أثره بسرعة شديدة في سياسة إيطاليا نحو مصر. # فإن إيطاليا بعد «عدوة» يئست من تأسيس إمبراطورية عظيمة في شرق أفريقيا؛ ولذلك أصبح بقاء ~~الحال الحاضرة في مصر على ما هي عليه وتغييرها عند إيطاليا سيان؛ لأنها لا ترجو من مصر ~~فائدة سياسية، وسيرى القارئ في فصل آت أنه لو كانت إيطاليا لا تزال مهتمة ms052 بأفريقيا فإن هذا ~~الاهتمام ليس إلا لتحصل في هذه القارة على مخرج يخرج إليه أبناؤها الذين ضاقت عليهم بلادهم، ~~ومن الصعب جدا أن تحصل إيطاليا على غرضها بدون أن تعاكس سياسة إنكلترا في أفريقيا. # وقد ابتدأت إيطاليا تحس بكثرة سكانها وقلة موارد الرزق في بلادها كما ابتدأت ألمانيا تحس ~~بذلك، ولا يخفى أن مساحة إيطاليا تزيد بقليل عن نصف مساحة فرنسا، ولكن أهل إيطاليا إن لم ~~يزيدوا على أهل فرنسا فإنهم يعادلونهم عدا، فإيطاليا لا يمكنها أن تحيا بدون استعمار ~~وأبناؤها في احتياج شديد إلى المهاجرة، ولكن إيطاليا في خوف شديد من أن أبناءها ينزحون إلى ~~أمريكا؛ لأن من ينزح إلى هذه البلاد يفقد وطنيته ولا يستردها مرة ثانية، ولو كان في قدرة ~~إيطاليا أن تتملك أرضا في جنوب أمريكا ما تأخرت، ولكن تعليم «مونرو» القائل بأن: «أمريكا ~~للأمريكيين» يقف في وجه إيطاليا وقوف السد في وجه النهر المندفع. # ولسنا في حاجة إلى ذكر كراهية إيطاليا لبريطانيا التي سببها ظن الإيطاليين بأن إنكلترا ~~غررت بهم في حرب الحبشة، ولكننا في حاجة إلى تقرير حقيقة واضحة وهي أنه إذا حدث أن بعض ~~الدول اتفقن ضد إنكلترا فإن إيطاليا تنضم إليهن ولا تناصر إنكلترا أبدا. # أجل إن إيطاليا يهمها كثيرا أن تلحق إنكلترا المذلة والصغار، ولو حان حين إنكلترا فإن ~~إيطاليا لا تتأخر طرفة عين عن الاشتراك مع الدول في اقتسام الغنيمة البريطانية. على أن ~~إيطاليا غير محمية من كل جهاتها، فهي ليست في مأمن من هجوم أي دولة من جهة البحر، فلا ينتظر ~~من إيطاليا أنها تكون راضية عن توطيد أقدام إنكلترا في مصر من هذه الجهة، ولو رأت إيطاليا ~~أن مركز احتلال مصر لا يفيد إنكلترا فإنها كما ذكرنا آنفا لا تهتم بمصر أقل اهتمام؛ لأن ~~إيطاليا لا تريد إلا أن توصل الأذى إلى عدوتها، ولكن منذ سنين قليلة (أي قبل عدوه) لم تكن ~~الحال كما هي الآن، فإن إيطاليا وإنكلترا كانتا على أتم ما يكون من الوفاق في المسألة ms053 ~~المصرية، ولكن هذا الوفاق لم يكن إلا لأن منافعهما كانت في ذلك الحين متحدة متفقة، وكانت ~~إيطاليا تريد أن تشد أزر إنكلترا في أعال النيل لأنها كانت تأمل أن تفوز في الحبشة فتتحدان ~~في العمل في أواسط أفريقيا بما تهويان، ومن هنا يظهر سبب مناصرة إيطاليا لإنكلترا عندما ~~طلبت هذه من صندوق الدين المصري نصف مليون جنيه لأجل حملة «دنقلة». وفي هذه الحادثة ضمت ~~إيطاليا صوتها إلى صوتي النمسا وإنكلترا ففازت إنكلترا بذلك رغم أنف عدوتها فرنسا وحليفتها ~~روسيا على أن إيطاليا لا تعود إلى مثل هذا الولاء بغير تعويض يقدمه لها الأسد ~~البريطاني. # الفصل الثالث # | سياسة بريطانيا الاستعمارية # قد حاولنا فيما تقدم من هذا الكتاب جهد طاقتنا أن نسير على الخطة التي رسمناها في أوله، ~~ففصلنا كل حبل من حبال الشبكة على حدة فاستطعنا بذلك أن نحل عقدة المسألة المصرية، فوقف بنا ~~البحث على حقيقة واضحة وهذه الحقيقة هي أنه لا يوجد دافع قوى يدفع أي دولة أوروبية لأن تسعى ~~في إبقاء المسألة المصرية في شكلها الحاضر، ونحن نقصد بقولنا دافع قوى الدافع السياسي؛ لأن ~~كل الدول مشتركة في الاهتمام بأمر صندوق الدين ولكن هذا الدافع مالي وسنتكلم عنه فيما يأتي ~~لأن المنافع المالية والمنافع السياسية تختلف اختلافا شديدا، فرأينا من المهم أن نبحث في ~~كل من الأمرين على حدة، ولكن هذه النتيجة السياسية التي ظهرت لنا وهي أنه لا توجد دولة تهتم ~~بمصر لأن لا دافع سياسي شديد يدفعها إلى ذلك ليست إلا نتيجة منطقية تصدق ظاهرا، ولكن الأمر ~~في الحقيقة بخلاف ذلك لأنه للآن لا تزال الدول والأمم تعتبر المسألة المصرية مسألة دولية، ~~ولا تزال مصر أرضا خصبة لزرع القلاقل والاختلافات السياسية، وأن موضوعها موضوع نحيف لا ~~يمكن مسه إلا باحتراس، وخير للدول جمعاء أن لا تمسه. # ويظهر لنا أن المسألة المصرية كالزر الكهربائي لا يمسها أحد إلا وتحدث له هزة ورعشة، ~~وكثيرا ما خشي من ذلك «الزر الكهربائي» على السلام في أوروبا كلها وهذا هو الذي ms054 اضطر دول ~~أوروبا للرضى باحتلال بريطانيا لمصر أولا، ويجعل هذا الاحتلال غير محدد الزمن ثانيا؛ لأن ~~احتلال إنكلترا لمصر جعل أوروبا في راحة من جهة المسألة المصرية مؤقتا، فكأن أوروبا حلت ~~المسألة المصرية حلا وقتيا، وقد ساعد على هذا العمل براعة الساسة من الإنكليز الذين ~~عينتهم إنكلترا لينوبوا عنها في مصر. # فإننا مهما حاولنا فلا نستطيع أن نوفي اللورد كرومر حقه من المدح والثناء، ومهما ذكرنا من ~~فضائله فإننا لا نأتي على آخرها، ولسنا نحن وحدنا الذين نقول هذا القول فإن أشد أعداء ~~السياسة الإنكليزية الذين لا تخفى عن أعينهم سيئة؛ لأنهم يلتمسون السيئة أنى وجدوها ~~ليشيعوها ويذيعوها، قد كفوا من زمن طويل عن نقد اللورد كرومر وتوجيه سهام الملام ~~إليه. # أجل إن اللورد كرومر حاز ثناء الكل لأنه تمكن من سلوك مسلك وعر بدون أن يظهر ما يدل على ~~تعبه من المشاغب والمصاعب التي صادفته في طريقه، ولم يتعد كرومر مرة في العمر واحدة حد ~~الملاطفة والملاينة، وقد عرف كيف يذعن بلطف عندما لا يرى في الإذعان شرا لبلاده، وعرف كيف ~~يأمر بشدة بدون أن يمس أحدا بسوء على أننا لم نره يلجأ إلى الأمر الأخير إلا عندما اضطرته ~~منافع السياسة الإنكليزية لركوب ذلك المركب الخشن. # وقد كفانا أن قد كان اللورد كرومر نموذجا لكل المستخدمين الإنكليز الذين تخلقوا بأخلاقه ~~واتصفوا بصفاته طوعا أو كرها، فكانت نتيجة ذلك أن كل شيء سار بسكون وهدوء. # قلنا إن المركز السياسي في مصر قد تغير تغييرا بينا وأن المسألة المصرية أخذت تبرد ~~شيئا فشيئا وابتدأت أهميتها في نظر الدول تقل يوما فيوما حتى أصبحت جميعها ترى أن بقاء ~~الاحتلال البريطاني في مصر وعدمه لديها سيان. # وقد حدثت في السنين الأخيرة أمور جعلت الحرب الدولية في أوروبا مستحيلة، ونعني بالحرب ~~الدولية الحرب التي تجر رجل أكثر من ثلاث دول أروبية؛ وما سبب ذلك إلا أن المسائل ~~الدولية الكبرى كلها قد حلت حلا مرضيا ولم تبق إلا مسألة اقتسام المملكة العثمانية، ~~ومما يحسن ذكره ms055 أن أغلب الدول الأوروبية خوفا من القلاقل والاختلافات الصغيرة الشأن التي ~~تشب نارها بينهن اجتهدن في إيجاد ممالك صغيرة مستقلة معتزلة فجاءت هذه الممالك كالجبل يفصل ~~الواديين، أو كالحاجز القوي بين النهرين، وهذه الممالك الصغيرة الحاجرة هي: هولاندا، ~~وبلجيكا، وإمارة لوكسمبرج، وجمهورية سويسرا، فهذه الممالك في الحقيقة لا قوة لها ولا حول ~~ولا تعد بين ممالك أوروبا، ولكن إحداها تستفيد وتفيد أكثر من أية دولة كبرى، فإنها محمية ~~برضاء الكل فلا تستطيع أي دولة معادية أن تمد لها يدها بسوء، وهي أيضا تمنع الدول التي ~~حولها من الاحتكاك ببعضها البعض، وبعد هذا التغيير السياسي الذي نشأت عنه هذه الممالك أصبحت ~~المسائل السياسية المتعلقة بعلاقات دول أوروبا ذاتها في زوايا الإهمال وأركان النسيان، ~~وأصبحت ممالك أوروبا وهي لا يهمها إلا مسائلها الداخلية أو المسائل المتعلقة بمصالحها ~~السياسية والاستعمارية في القارات الأربع، وهكذا صار السلام في قارة أوروبا مضمونا. # فيظهر من ذلك أن دول أوروبا الآن مستعدة لأن تحل المسألة المصرية بلا خوف من عواقبها؛ لأن ~~أهم أسباب النزاع بين الدول قد زالت، وأصبحت «الحرب العامة» من أحلام الماضي ولن يحققها ~~المستقبل أبدا، وانتهى الدور الذي كانت فيه المسألة المصرية مسألة دولية تهم كل دولة ~~بمفردها وصارت المسألة المصرية الآن لا تهم إلا الإنكليز والمصريين دون سواهم. # وبناء على ذلك فسنبحث في منافع إنكلترا في مصر، وقبل ذلك نشير إشارة صغيرة إلى سياسة ~~بريطانيا الاستعمارية ونبدي بشأنها ما نراه موافقا من الملاحظات، وإنا نرى أنه من السهل ~~علينا أن نقارن بين سياسة الدولتين بريطانيا العظمى وفرنسا في الاستعمار، وقد قررنا فيما ~~مضى أن الفتوحات البعيدة لا توافق فرنسا وكثيرا ما تضر بها، وبهذا تختلف سياسة إنكلترا عن ~~سياسة فرنسا الاستعمارية على خط مستقيم، فإن إنكلترا منذ نشأتها كانت ولا تزال دولة فاتحة ~~لأنها بطبيعتها غير قادرة على أن تكون مملكة زراعية كبرى، فهي لا تأمل ولا تتعشم أن تعتمد ~~في رزقها على أرضها وبلادها، فهي بحكم الطبيعة مضطرة لأن تؤسس مستعمرات بعيدة، ms056 ومن سوء حظها ~~أنها لا تجد ميدانا موافقا لفتوحها واستعمارها على مقربة منها مثل مستعمرات فرنسا في ~~أفريقيا، وهي: تونس، والجزائر. وزد على ذلك أن إنكلترا منذ القرون الوسطى طلقت فكرة ~~الاستعمار في قارة أوروبا لأنه لا يخطر ببال إنكلترا في الحال أو في الاستقبال أن تضع يدها ~~على ذراع واحد من أراضي قارة المدنية، وليس لدينا دليل على صدق قولنا أقوى من محالفة «فينا» ~~التي عقدت سنة 1815، فإن إنكلترا لم تجرأ في هذه السنة على طلب حصن واحد من حصون فرنسا بقصد ~~وضع اليد أو التملك. # وقد ذكرنا فيما تقدم الوسائل العديدة التي سهلت على إنكلترا النجاح في سياستها ~~الاستعمارية ، وذكرنا أن كل المسائل المتعلقة بالسياسة الداخلية منذ عودة شارل الثاني في ~~أواسط القرن السابع عشر قد صارت كل شيء، ولا ننكر أن إنكلترا بعد ذلك أصيبت بمصائب شتى من ~~الكنيسة والثوريين، ولكن كل تلك المصائب كانت صغيرة ومثلها كمثل الجرح الصغير السريع ~~الاندمال بعكس الممالك الأوروبية الأخرى التي كانت جروحها لا تندمل إلا بعد أن يسيل دمها ~~مدرارا. # ولا نرانا في حاجة للبحث عما إذا كانت كل هذه الظروف قد حدثت لإنكلترا عفوا، أو أن ~~إنكلترا أفرغت جهدها في صفاء داخليتها لتتفرغ لحوادثها الخارجية، إنما نحن في حاجة إلى ~~البحث والنظر في النتائج، ولا نحسب أن إنسانا ينكر أن أول شرط من شروط نجاح بريطانيا هو أن ~~تكون بارعة في فن الاستعمار لتكون لها أملاك واسعة خارج بلادها؛ لأن هذه الأملاك إذا أحسنت ~~بريطانيا إدارتها تكون أبدا سببا في قوتها داخلا وخارجا، ومثل جنون إنكلترا بالاستعمار ~~كمثل القمر كان هلالا ثم صار بدرا ولن يعتريه أفول، فإنك إذا دخلت قلب كل إنكليزي لقيت ~~فيه معبدا للاستعمار فكلهم مستعمرون إنما يختلفون في المذاهب والطرق. # وكل إنسان يتذكر حمى الاستعمار التي أصيبت بها إنكلترا في العشر سنين الأخيرة من القرن ~~التاسع عشر، وكان سببها أن إنكلترا اكتشفت أنها ليست الدولة الوحيدة بين الدول؛ بل إن لها ~~أندادا يسابقونها إلى فخار ms057 الاستعمار وبين هؤلاء الأمة العظيمة والدولة الضخمة ألمانيا، ~~ففزعت إنكلترا لذلك لعلمها بأن ألمانيا لم تتخذ الاستعمار فنا للتلذذ به؛ بل هو لديها ابن ~~الضرورة والاحتياج. # وفي هذا الوقت أشرقت شمس الرودسيزم (مذهب سيسيل رودس) فقام أصحاب مذهب الاستعمار من ~~الإنكليز كشمبرلين وغيره وتعلقوا بأهداب هذا المذهب وناصروه. # ولما تم الفوز لإنكلترا في أم درمان تحققت من أن آمالها سريعة النوال وتحمس الإنكليز ~~تحمسا فوق العادة وجاءت هزيمة الدراويش التي تمت على أيدي كتشنر وحملته التي شهدت بفضل ~~قائدها وذكائه، فأنالها الإنكليز أكثر مما تستحق من المدح والثناء، وقال المرجفون إن ~~بريطانيا قد أصبحت دولة رومانية ثانية، وفي ذلك الحين جن الإنكليز جنونا بحب الاستعمار ~~سيما ولم يروا أحدا يقف في وجه قوتهم، وقال ساسة الإنكليز لأنفسهم إنهم إن لم ينالوا ~~المستعمرات بالحيلة والتدبير فإنهم ينالونها بالقوة، فضاقت الدول بدولة الإنكليز ذرعا ~~ورأين من الشؤم عليهن أن تبقى بريطانيا صاحبة الجبروت بينهن، فقام الكتاب من الغربيين غير ~~الإنكليز يؤلفون الكتب عن بريطانيا، فلم تكن تمر بمكتبة إلا وترى كتابا مثل «سر تقدم ~~الإنكليز السكسونيين» وغيره من الكتب، ولم ينبه إنكلترا بعد أن ثملت بفوزها على ضفاف النيل ~~إلا فشلها على ضفاف «الفال» و«الأورابخ»، فإن الحملات العظيمة التي جردت على غير طائل، ~~والملايين الكثيرة التي أنفقت، والنفوس البشرية التي أزهقت على هيكل مناجم الذهب في جنوب ~~أفريقيا؛ نبهت شعور الإنكليز وأعادتهم إلى حظيرة التعقل والصحو بعد الجنون والسكر، وبخسارة ~~إنكلترا في جنوب أفريقيا عاد ميزان القوى الأوروبية إلى الاعتدال، وبدأ الناس ينظرون بعين ~~غير التي كانوا ينظرون بها من قبل إلى إنكلترا وسياستها الخارجية، سيما وقد ظهر لهم أنه وإن ~~كانت سياسة الاستعمار نافعة مفيدة ولكنها إذا زادت عن حدها عادت بضرر شديد وأذى، وابتدأ ~~الناس يفهمون أنه توجد طرق شتى للوصول إلى أي غرض، وبعض هذه الطرق سليم العاقبة وبعضها يؤدي ~~إلى الهلاك ولا يؤدي إلى الغرض، وظهر للملأ أن القوة الحيوانية لا تنجح دائما وتكلف ~~أصحابها ما لا يطيقون، ms058 وأن اللين ينال ما لا تناله الشدة، وأن بعض الأغراض يستحق السعي ~~والبعض لا يستحقه، وقد امتلأت عقول بعض الناس بهذه الأفكار والآراء امتلاء بدلهم تبديلا، ~~وجعل من عرفهم قبل حرب البوير ينكرهم بعدها، ووضح لساسة الإنكليز في ذلك الحين أن تأسيس ~~الإمبراطورية لا يكون بهضم حقوق الأعداء، وأن البيض لا يذعنون للتهديد ولا يسلمون إلا بعد ~~حرب تشيب من هولها الولدان مهما كانت بلادهم وأوطانهم، كل ذلك جعل إنكلترا تقدر الطرق ~~السياسية القديمة حق قدرها وجعلها تعرف أيضا أن الدولة تستطيع أن تنال من عدوها بالسياسة ~~اللينة أكثر مما تناله برءوس الرماح وحد السيوف، وتحقق الكل صدق قول نابليون «يستطيع ~~الإنسان أن يعمل ما يريد بالرماح ولكنه لا يستطيع أن يركبها ...» # ومن هذه اللحظة ابتدأت إنكلترا تغير خطة سيرها وعادت إلى حظيرة السياسة الأوروبية، فطلقت ~~الوحدة المضرة التي اشتهرت بها لأنها علمت وتحققت بأنها لا تنال شيئا ما دامت تنصب نفسها ~~لمعاداة أوروبا بأسرها، وأنها تنال فوق ما تحب لو دخلت ميدان السياسة الأوروبية وخلعت رداء ~~الانزواء، فقام جلالة الملك إدواردو السابع بهذه السياسة الحكيمة وكان ذكاؤه الخارق للعادة ~~ولطفه سببا في «الوفاق الودي» الذي تم بين إنكلترا وفرنسا. # بيد أن السياسة الخارجية القوية تحتاج إلى تقدير الأغراض حق قدرها وإلى العلم بأن مذهب ~~الحصول على أي شيء بأي ثمن ليس من الحكمة والصواب، وأن الاستعمار يتم بثلاث طرق الفتح أو ~~السياسة أو التقهقر، وأما سياسة «هنا أنا وهنا أبقى» فهي سياسة عقيمة تعود على أصحابها ~~بالضرر الشديد وسنأتي للقارئ بأدلة قاطعة وبراهين حاسمة تدل على أن إنكلترا تحققت من أن ~~كثيرا ينال بالتساهل والتسامح. # ونحن لا نود أن نتعب القارئ بالإتيان بالحوادث العديدة التي تقهقرت فيها إنكلترا من أملاك ~~لها لعلمها بأن بقاءها ليس من السياسة والحكمة في شيء، ونكتفي هنا بمثالين شهيرين أولهما أن ~~إنكلترا تخلت عن جزيرة كورسيكا للفرنسويين وسلمت جزر «ايونيون» لليونانيين، وكلتا هاتين ~~الحادثتين محتاجة إلى نظرة تاريخية لأهميتها، فنقول: لقد خمدت النيران التي ms059 كانت متأججة في ~~صدور الإنكليز بعد أن تنازلوا عن كورسيكا ونسيها كلهم وتناساها من لم ينسها، حتى أصبح ~~أغلبهم في شك من أنها حقيقة كانت جزءا من الإمبراطورية البريطانية، ولكن لا يحفظ التاريخ ~~ذكرى براعة سياسية مثل البراعة التي أظهرتها إنكلترا بتسليمها هذه الجزيرة لأصحابها. # فإن إنكلترا بامتلاكها هذه الجزيرة التي تكاد تمس شواطئ فرنسا الجنوبية. كانت تستطيع ~~دائما أن تهدد أعظم مركز بحري لفرنسا وكانت إنكلترا تقدر أيضا أن تتلف تجارة فرنسا في ~~البحر الأبيض أو تجرد حملة حربية تفزع بها فرنسا والفرنسويين. # ولكن احتلال إنكلترا للجزيرة الذي لم يطل أمده أكثر من سنتين وثلثي سنة - أي من نوفمبر ~~سنة 1893 إلى يوليو سنة 1896 - أقنع إنكلترا بأن مركزها في هذه الجزيرة يكون أبدا في خطر ~~رغما عن رضاء أهالي الجزيرة وطاعتهم لها، أضف لذلك أن إنكلترا رأت أنها ما دامت تملك هذه ~~الجزيرة فإنها لا تأمل أن يصفو ما تكدر بينها وبين فرنسا، ورأت إنكلترا أيضا أنها ستنفق ~~على فتح هذه الجزيرة وإخضاع أهلها أكثر مما تطيق ماليتها وجنديتها مع علمها بأنها لن تجني ~~بعد التعب والنفقة إلا ما لا تحب، فلم تر إنكلترا لها بدا من إخلاء الجزيرة وتسليمها ~~لأصحابها فأخلتها وسلمتها. # هذا ومن ينظر إلى خريطة البحر الأبيض لا يستطيع أن يتغافل عن الأهمية الحربية التي لجزر ~~«ايونيون» لا سيما جزيرة كورفو، فإن هذه الجزيرة واقعة إلى غرب الشواطئ اليونانية تجاه ~~«كعب» شبه جزيرة إيطاليا فكأنها حارس يحرس البحر الإدرياتيكي أو رقيب يرقب جنوب إيطاليا، ~~ومن يضع يده على هذه الجزر يستطيع أن يسد باب البحر الأبيض في وجه النمسا بأن يحصر مخرجها ~~الوحيد، وزد على ذلك أنه يقدر أيضا أن يهدد شواطئ إيطاليا الشرقية على الدوام، ولم تكن ~~أهمية جزيرة «زانتي» «وكورفو» لتخفى على أهل فينسنا أيام عزها فوضعوا أيديهم عليهما، ولو ~~ضربنا صفحا عن كل ذلك فإن أمامنا دليلا واحدا هو أهم الأدلة وهذا الدليل هو شهادة ~~نابوليون بونابرت نفسه الذي لا يشك أحد ms060 في قدرته النادرة على الحكم على مركز حربي حكما لا ~~يوجد أصدق منه، فإن من يقلب صفحات الكتاب الذي جمعت فيه مكاتيب نابوليون ورسائله التي بعث ~~بها إلى أصحابه في سنة 1796 يرى نابليون يقول في كتاب: «لا بد لي من احتلال كورفو مهما ~~كلفني ذلك الاحتلال»، ويقول في آخر: «إنه من الهين علي أن أضحي فينسيا وشمال إيطاليا بأسره ~~لأجل كورفو فإنها مفتاح الأدرياتيك.» # على أن لكورفو مزايا غير التي ذكرت فإن قربها من ألبانيا يجعلها لمن له يد في مسائل ~~الشرق الأدنى من الأهمية بأعظم مكان لأن مالك كورفو يقدر أن يصنع في البلقان ما يريد بدون ~~أن ينال منه عدوه ما ينال هو منه. # ولا نستطيع هنا أن نأتي على تاريخ جزر إيونيون وعلى ذكر الملوك الفاتحين الذين وضعوا ~~أيديهم على هاتيك الجزر قبل أن أهداها الملك لويس الثامن عشر لإنكلترا في سنة 1814 جزاء ~~على ما قامت به نحوه، ويكتفي أن نقول إن نابوليون استعمل تلك الجزيرة مرقاة ووسيلة وصل بها ~~إلى مصر ولو صنعت له الأقدار على ما أراد لكانت تلك الجزر وسيلة إلى بلاد الهند. على أن ~~نابوليون كان ينوي أن يجعل تلك الجزر قاعدة أعماله الحربية عندما خطر بباله فتح ممالك ~~أوروبا الوسطى، ولكن واقعة أبي قير عكست آمال ذلك البطل الكبير واستولى الأسطول البريطاني ~~على ثلاث جزر من جزر الإيونيون ما عدا كورفو التي ما زالت محافظة على ولاء نابوليون حتى ~~تنازل عن الملك وكان ما كان. # وقد صادق مؤتمر فينا على هدية لويس الثامن عشر لإنكلترا، وبعبارة أخرى قرر هذا المؤتمر ~~إعادة الجمهورية في جزيرة كورفو تحت حماية بريطانيا العظمى، فعينت إنكلترا من قبلها رجلا ~~اسمه «ميتلند» مراقبا على الجمهورية الكورفية، فاتخذ ذلك المراقب سياسة غير حميدة وأسس ~~حكومة توافق أغراضه وعامل أشراف كورفو على ما هم مشهورون به من الجموح والشدة بالغلظة ~~والقسوة ووضع عليهم سيطرة من حديد، ولكنه أصلح إصلاحا كثيرا فمهد السبل في الجزيرة ~~وحصنها، ولما ذهب «ميتلند» ms061 وجاء غيره مكانه ضعف نفوذ إنكلترا لضعف ذلك الغير، مع أن من حلوا ~~محل «ميتلند» كانوا على جانب عظيم من الذكاء والبراعة، ونحن لا نستطيع أن نطيل البحث أكثر ~~من هذا إنما نلفت نظر القارئ إلى كتاب «أملاك إنكلترا الضائعة» تأليف المستر لورد فإنه ~~يتضمن كل ما يتعلق بهذه المسألة وغيرها من أمثالها. # هذا وقد استمرت الحال في كورفو على هذا المنوال إلى سنة 1864، ونقول كما قلنا سابقا إنه ~~لم تفتح لنا خزائن أسرار الحكومة فلا نستطيع أن نعلم الأسباب القوية التي اضطرت المستر ~~غلادستون لتسليم هذه الجزيرة في السنة المذكورة آنفا (1864)، ولا يخفى أن أهل كورفو كانوا ~~شديدي الخزوانة، ولكن إنكلترا صرفت خمسين سنة في تهذيبهم وتهدئة خواطرهم وكبح جماحهم ولم ~~ينفد صبرها على طول هذا الزمن، ولا نعتقد بأن إنكلترا اضطرت لتسليم هذه الجزر مقابل إبعاد ~~الدوق «لوكتنبرج» الذي رشحته روسيا وفرنسا للعرش اليوناني. # ولسنا في حاجة إلى ذكر سخط الأمة الإنكليزية التي هاجها هذا التسليم، فإن الإنكليز ظنوا ~~لذلك العهد أن النفوذ الحربي لإنكلترا في البحر الأبيض قد ضاع ولن يعود أبدا، ولكن كذبت ~~الأيام هذا الظن وأخمدت نار ذلك الهياج، ولو أن إنكلترا جادت بهذه الجزر كرما منها لعد ذلك ~~العمل جنونا وجهلا ولا نظنها اقترفت مثل ذلك الذنب، وسنترك أسباب الجلاء ونتكلم عنه وعن ~~طبيعته لأهميته، فنقول: إن إنكلترا رغبت في أن تهب أهل جزر كورفو حريتهم بشروط تجعل كورفو ~~في مستقبل الأيام تنفع إنكلترا أكثر مما تضرها، وأظهرت إنكلترا رغبتها الشديدة في الانسحاب ~~من مكان لا يمكنها الاستيلاء عليه تماما إلا إذا ظلمت أهله وأجحفت بحقوقهم؛ ولذلك فهي لم ~~تكن لتقبل أن تخلي تلك الجزر ليأتي غيرها ويستولى عليها ويستعملها سلاحا يحارب به ~~بريطانيا، وضمت النمسا صوتها إلى صوت إنكلترا وطالبتا كلتاهما بحياد هذه الجزر وأشارتا على ~~حكومة اليونان بإتلاف كل الحصون والقلاع الحربية التي في الجزيرة، وسألتاها أن تعد وعد حر ~~بأن لا تقيم أعمالا حربية في الأرخبيل فأجيب طلب الدولتين وصارت جزيرتا ms062 كورفو وباكسو على ~~الحياد، وقد دلت إنكلترا بإخلائها كورفو على عزة نفس وشهامة قل أن يوجد لهما مثيل، ولكن لا ~~نحسب أن تلك الشهامة كانت خالية من نظر سياسي بعيد، فإن إنكلترا بلا ريب كانت في كوفو في ~~«مركز كاذب»، وربما كان يقف هذا المركز في سبيل سياستها حجر عثرة، ومن الغريب أن الأمر الذي ~~أصدرته لاحتلال تلك الجزر كان غريبا جدا، فإنها صرحت فيه بأن تلك الجزر مستقلة تمام ~~الاستقلال ولكنها «تحت أمر المراقب البريطاني العالي»، وقد حاولت إنكلترا سنين طويلة أن ~~تنفذ منطوق هذا الأمر ولكنها لم تنجح؛ لأنه كان من اللازم أن يعلم العالم إن كانت هذه الجزر ~~بريطانية أو غير بريطانيا أي «مستعبدة» أو «مستقلة»، فليس بنافع أن تعذب إنكلترا أهل كورفو ~~برجاء كاذب فإما تمنحهم حريتهم وإما تمنعهم إياها، ولم تكن إنكلترا لتتحمل مجالس الأمة ~~والجمعيات العمومية التي كانت تجتمع في الجزيرة تحت إدارة الوطنيين، ولو هي أغضت عنها فإن ~~ذلك كان يعد منها احتقارا لنظام الحكومة الكورفية. # ثم رأت إنكلترا أنه من المستحيل أن تهزأ بعهود الدول وتعلن امتلاكها للجزيرة لأن ذلك كان ~~يضر بشرفها وبمنافعها السياسية معا. # ولو أننا لم نطلع على الأوراق السياسية السرية ولكننا لا نغالي إذا قلنا بأن مركز إنكلترا ~~الكاذب في كورفو سهل على أعدائها تهديدها، وكثيرا ما اضطروها إلى الإذعان لهم رغم أنفها. ~~وزد على ذلك أن أهل كورفو ذاتهم كانوا في كل يوم يفتحون أعينهم لينظروا إلى استقلالهم ~~الخيالي نظر السجين إلى الحرية الموهومة، فظهر لإنكلترا أنها إذا صحت نيتها على إخضاع كورفو ~~بالسيف بعد أن تنال رضاء الدول، فإن ذلك الإخضاع لا بد وأن يكون سببا في سفك شيء كثير من ~~الدماء الزكية. # ولا يخفى أن إنكلترا لم تخف عليها أهمية المركز الحربي الذي كانت تضحيه بتسليم جزيرة ~~كورفو، ولكن الذي صغر عليها المصيبة هو الحياد الذي منح لتلك الجزر وتركها كالرجل الأعزل، ~~وفوق ذلك فإن نجاة إنكلترا من ذلك المركز الحرج كان أثمن لديها من ms063 كل شيء؛ لأن ذلك المركز ~~ربما يكون سببا في تعطيل سياستها وإضعاف قوتها على أن قوة إنكلترا في البحر الأبيض لم تضعف ~~بعد التنازل عن كورفو كما كان يتقول المتقولون، ولو قام بين الدول في المستقبل نزاع فإن ~~إنكلترا تكون أولى الدول باحتلال كورفو. # كل هذا الذي تقدم يرينا أن التقهقر في السياسة الاستعمارية كثيرا ما ينفع عندما ترى ~~الدولة المستعمرة فيه خيرا، ولا يخفى علينا أن القوة ربما كانت تعضد إنكلترا في كورفو إذا ~~ركنت بريطانيا إليها ولكن القوة لا تنتج دائما نتيجة مرضية. # الفصل الرابع # | المركز الكاذب # بريطانيا العظمى في مصر # نكون مخطئين إذا قلنا بأن «المراكز الكاذبة» في السياسة تضر ولا تنفع لأن الحقيقة هي أن ~~السياسة لا تعيش إلا بهذه المراكز ونحن نعلم أن العالم الأخلاقي لا يرضى بمثل هذه القاعدة ~~السياسية؛ ولذلك فنحن ننصح القارئ هنا بمثل ما نصحناه به في أوائل هذا الكتاب وهو أن لا ~~يحاول أن يسير بالسياسة في الطريق التي يسير عليها الناس في حياتهم الخاصة؛ لأنه يتعب ويفشل ~~ولا يصل إلى نتيجة ترضيه، فإننا مثلا في الحياة الخاصة نقول بأن كل من يتظاهر بما ليس فيه ~~أو يشغل مركزا كاذبا يكون دائما عرضة للخيبة والسقوط فيجب على الفرد أن يفر من تينك ~~الصفتين وإذا رماه سوء طاله طالعه في مركز كاذب أو اضطر إلى الادعاء بما ليس فيه فينبغي له ~~أن يضحي كل نفيس وغال ليخلص من إحدى الورطتين. # ولكن الأمر ليس كذلك في السياسة، فإن الدول كثيرا ما تضطر للدخول في «مركز كاذب»؛ لأن ~~البساطة والبلاهة في السياسة لا تجدي نفعا. فلنترك العالم الأخلاقي يصرخ بأعلى صوته لأننا ~~لا نستطيع أن نطيع أوامره أو نسمع نصحه؛ لأننا مضطرون إلى أن نقول ما نسميه في الحياة ~~الخاصة «كذبا وبهتانا»، ونسميه في السياسة «تساهلا وتسامحا»، وكل من له أدنى إلمام ~~بتاريخ الأمم يعلم أن كل أعمالها السياسة كانت مملوءة كذبا وبهتانا وكلاما فارغا ومراكز ~~كاذبة؛ لأن هذه الأشياء كلها ربما كانت ms064 الطرق الوحيدة لحل العقد التي لا يجسر على قطعها ~~السيف، وكثيرا ما حلت مسائل معضلة بالمراكز الكاذبة والأباطيل والأضاليل ولولا تلك المراكز ~~الكاذبة وتلك الأباطيل لكسرت النصال على النصال بدون أن تصل الدولة إلى غايتها. ولسنا في ~~حاجة إلى أن نتعب القارئ بأن نأتي له بعدة شواهد من التاريخ إنما نسأله أن يلقي نظرة واحدة ~~على الوزارة الإنكليزية، فإنها هي في الحقيقة التي تحكم بريطانيا العظمى، ولكن أوسع الناس ~~علما في تاريخ الحكومات ونظاماتها وأبرعهم قدرة على البحث في الدفاتر والأوراق والقوانين ~~لا يستطيع أن يجد كلمة واحدة مكتوبة تشير إلى الاعتراف بالوزارة الإنكليزية كحاكمة ~~للإمبراطورية البريطانية أو بوظيفة رئيس الوزارة. # على أننا نعلم بلا ريب أن الوزارة هي الحاكمة المطلقة، ولكن شرائع البلاد لا تعترف بها ~~بكلمة واحدة. # وبهذه «الطريقة الخيالية» نفسها استطاعت إنكلترا أن تجعل حكومتها دستورية ونصبت لها ملكا ~~مطلقا في يده كل شيء، ولكن هذا الملك يعلم حق العلم أنه لا يقدر أن يستعمل تلك القوة ~~المطلقة، وفي قدرتنا أن نأتي للقارئ بألف مثال لا تؤيد تلك القاعدة «فقط» وتجيز استعمال ~~المراكز الكاذبة في السياسة بل تجعلها واجبة وضرورية أيضا. # وبناء على ذلك يحق لنا أن نترجل عن «جواد الأخلاق الفاضلة»، وأن نكف عن لوم الدول التي ~~اضطرت لاستعمال المراكز الكاذبة ورب مضطر كان غير ملوم. # كلنا يعلم أن إنكلترا وعدت مرارا كثيرة وعودا صريحة بأنها تنوي أن تنجلى عن مصر # 1 # ولكنها ليومنا هذا لم توف بوعد من وعودها، ونحن لا نريد أن ننظر إلى ما وصمت به ~~إنكلترا نفسها من إخلاف الوعود ونقض العهود من جهة «الفضيلة»، فإن مثل هذا النظر لا يفيد ~~إلا المرجفين الذين يودون تحقير إنكلترا وتصغير شأنها ووصفها بكل الصفات المعيبة، ولكنه لا ~~ينفع الحكيم العاقل الطيب النية الذي يريد أن ينظر إلى الأشياء بعين التعقل والحكمة. # وكل ما نود أن نعلم الآن هو هل بقاء إنكلترا في مركزها الكاذب بمصر يفيدها ~~وينفعها؟ # نعم إن المنافع التي تنتفع بها إنكلترا ms065 من مصر كثيرة لا يمكن عدها ولا يعرف حدها. ولكن هل ~~الاحتلال هو الذي يساعدها على الاستفادة من مصر ويكثر منافعها وهل إذا تخلت عن مصر تقل تلك ~~المنافع وتتلاشى؟ # ولأجل أن نلم بأطراف الموضوع وأن نعرف كل ما يتعلق به يجب علينا أن ننظر إلى المسألة ~~أولا بمنظار المتطرفين من المستعمرين، وأن نرى أدلتهم وبراهينهم التي يقولونها ليقنعوا بها ~~على لزوم استمرار الاحتلال البريطاني في مصر، ثم ننظر إلى المسألة بمنظار الذي يقول بإخلاء ~~مصر وتركها لأهلها. وبعد أن نقف على آراء كل من الفريقين وننقد قول كل منهما على حدة يستطيع ~~القارئ بكل سهولة أن يستخرج النتيجة التي يراها لنفسه. # ولا ننكر أن «الاستعماري المتطرف» متمكن من دليل يظهر له في أول الأمر أنه قوي جدا، ~~فإنه يقول: «أنت تعلم أن مصر واقعة على الطريق إلى الشرق فإذا احتلتها دولة معادية لإنكلترا ~~فإن الهند تضيع في طرفة عين وأنت تعلم أيضا أن مصر وغيرها من البلاد الواقعة على طريق ~~الهند هي رأس عقد الإمبراطورية البريطانية، فيجب علينا أن نحتفظ بها ما استطعنا، وهذا هو ~~السبب الذي يحتم علينا البقاء في مصر.» انتهى كلام الاستعماري المتطرف، نقول إن هذا القول ~~عادل في ذاته ولكن من ينظر فيه بدقة ونقد يراه بغير العين التي يراه بها قائله، وأول ما ~~ينقد هذا القول هو أن مصر ليست في الحقيقة على الطريق إلى الهند؛ لأن الطريق إلى الهند تمر ~~بقنال السويس، فقنال السويس هو رأس عقد الإمبراطورية، ولكن من الغريب أننا لم نسمع بأن أشد ~~المستعمرين تطرفا اقترح على إنكلترا أن تستولي على قنال السويس الذي تكفلت الدول ~~بحياده. # ولا يمكن لأي متطرف من المستعمرين أن يقول بأن احتلال مصر ضروري لإنكلترا لأنه يضمن حرية ~~الملاحة في البحر الأحمر، فيجب على إنكلترا أن تعرف أنه إذا كانت مصر في يدها أو في يد ~~غيرها فإن البحر الأحمر يكون دائما مفتوحا لسفنها التجارية وأساطيلها الحربية ما دامت ~~صاحبة النفوذ الأعلى في البحار، فإذا ms066 دارت الدائرة على قوة بريطانيا البحرية فإن امتلاك مصر ~~وجزيرة العرب أيضا لا يمكنها من أن تقتحم البحر الأحمر. # ومما يدل على ضعف حجة المستعمرين المتطرفين قولهم إن مصر وغيرها من البلاد الواقعة على ~~الطريق إلى الهند هي رأس عقد الإمبراطورية البريطانية، نقول: فيجب حينئذ على بريطانيا أن ~~تفتح شمال أفريقيا كله فتحتاج إلى معاكسة ألمانيا في مراكش ومحاربة فرنسا في تونس والجزائر ~~ثم تعود فتحتل كل جزائر البحر الأبيض كل هذا لتضمن الطريق إلى الهند، ولكن حزب الاستعمار ~~الحقيقي في إنكلترا أظهر أنه لا يميل إلى مثل هذه المغالاة في الخوف والتطرف في القلق؛ لأنه ~~يعلم أن السيادة في البحر الأبيض المتوسط لا تتم بالاستيلاء على جزيرة أو باحتلال شاطئ إنما ~~تتم ببقاء أسطول قوي لا يمكن أن يكسر، وكل من له إلمام بالتاريخ القديم والحديث يعلم أن ~~سيادة البحر الأبيض المتوسط لم تعقد للدولة التي كانت تملك أغلب شواطئه وجزره، فإن الدولة ~~العربية الكريمة رغما عن امتلاكها الشواطئ الشرقية والجنوبية والغربية ورغما عن قوتها ~~الحربية في صقلية وكريت لم تستطع أن توقف حركة التجارة في البحر الأبيض المتوسط أو تعاكس ~~القائمين بأمرها. كل هذا لأن العرب لم يكونوا يملكون قوة بحرية عظيمة، وأي دليل على ضعف ~~العرب في البحر الأبيض مع كونهم كانوا يملكون أغلب شواطئه أقوى من أن الإفرنج الذين قاموا ~~بالحروب الصليبية كانوا يروحون ويغدون وهم يشقون عباب البحر الأبيض آمنين سالمين، مع علم ~~العرب بأنهم ذاهبون إلى محاربة المسلمين، على أننا لا نحتاج إلى الاستشهاد بالتاريخ القديم ~~إذا كان التاريخ الجديد يكفينا مؤنة ذلك، فإن أكبر دليل في التاريخ الحديث هو حملة نابوليون ~~بونابرت على مصر، فإنه رغما عن امتلاك نابوليون لما كان للعرب بدون السيادة على البحر نال ~~منه أعداؤه الإنكليز فوق ما كانوا يؤملون وظهر لنابوليون أنه لا يصل إلى غايته في البحر إلا ~~إذا كانت له أساطيل قوية، وظهر أيضا أنه ما دامت سيادة البحر الأبيض في يد أي دولة فاحتلال ~~مصر ms067 بدون رضاها محال ولا يخفى أن لا فائدة في احتلال مصر لمن يريد أن يكون صاحب النفوذ ~~الأول في مياه البحر الأبيض. # على أن إنكلترا في القرن الثامن عشر كانت أقوى دولة في البحر الأبيض مع أنها لم تكن تملك ~~غير جبل طارق ولم تتم لها تلك القوة إلا بواسطة أسطولها القوي، وقد يرد علينا بأن الاستيلاء ~~على القواعد البحرية الكثيرة في الزمن الحاضر قد أصبح ضروريا؛ لأن الأساطيل كلها تحتاج ~~إلى التصليح والفحم بعكس الحال في الزمن الغابر فإن الهواء كان كل ما تحتاج إليه السفن، ~~فنقول إن إنكلترا بلا ريب تكتفي بجبل طارق ومالطة وقبرص، وقد برهنت بتنازلها عن جزر كورفو ~~بأنها تكتفي بجبل طارق ومالطة فقط. # وفي ختام هذا الكلام الذي حاولنا به أن ننقد كلام المستعمر المتطرف نقول إنه ما دامت ~~إنكلترا هي صاحبة النفوذ في البحر الأبيض فطريقها إلى الهند مفتوحة في وجهها على الدوام، ~~أما إذا كان المستقبل يخفي في طياته مصيبة دهماء للبحرية الإنكليزية، فإن البقاء في مصر ~~يكون على بريطانيا من المستحيل ولو تيسر لما عوض عليها خسارتها. # وربما يقول بعضهم إن منافع إنكلترا التجارية في مصر تضطرها لوضع يدها على مصر، نقول: ~~الحقيقة هي أن إنكلترا لا تطلب إلا حرية التجارة المصرية، وهذه الحرية يمكن الحصول عليها ~~بدون ذلك الاحتلال الإلزامي، ولا نظن أن إخلاء إنكلترا لمصر يسبب زيادة المزاحمين للتجارة ~~الإنكليزية في وادي النيل، فإن إنكلترا لم تفز بالسيادة التجارية إلا لأنها حازت السيادة ~~البحرية منذ زمان، والواقف على الحقيقة يعلم أن إنكلترا لم تحز مركزها التجاري في مصر إلا ~~لبراعة تجارها في إرسال البضائع ووسقها، لا لأنها هي الدولة المختارة. وستستمر مصر على شراء ~~كل ما تحتاج إليه من الأسواق الإنكليزية زمنا طويلا لا خوفا من إنكلترا أو رهبة من ~~نفوذها؛ بل لأنها لا تجد في غير الأسواق الإنكليزية ما يوافقها ولا تجد أثمانا معتدلة مثل ~~أثمان البضاعة الإنكليزية، ومن هنا يظهر أن السياسة لا تؤثر في التجارة أدنى ms068 تأثير. # على أن المطالب بإخلاء مصر يقف حائرا ويسأل نفسه قائلا لماذا تتمسك إنكلترا بمصر هذا ~~التمسك؟! على أنه لا يسأل هذا السؤال إلا لأنه لا يرى أن إنكلترا تحصل على منافع عظيمة من ~~احتلال مصر. بيد أن احتلال مصر يساعد إنكلترا على استخدام بضع مئين من الإنكليز في الحكومة ~~المصرية، ولكن لا نظن لحظة واحدة أن سياسة إمبراطورية كبرى كالإمبراطورية البريطانية تدور ~~على مثل هذا المحور الصغير الحقير، فما سبب هذا التمسك إذن بعد أن برهنا أن الجلاء لا يؤثر ~~في إنكلترا تأثيرا حربيا أو تجاريا؟ مع العلم بأنه لا توجد في أوروبا دولة تمد يدها ~~إلى ما تتنازل عنه بريطانيا، فإن فرنسا قد صرحت على رءوس الأشهاد بأن منافعها في جهة غير ~~هذه الجهة، وقد بحثنا بحثا طويلا خرجنا منه بأن فرنسا لا تنوي أن تمد يدها إلى مصر، وأنها ~~لو كانت تضمر لمصر شرا لا تستطيع أن تنفذ ذلك الشر إلا إذا دارت الدائرة على البحرية ~~الإنكليزية فتخرب عن آخرها، وقد ذكرنا أيضا أن ألمانيا لا يخشى منها وعززنا قولنا بالأدلة ~~والبراهين، وبرهنا أن الدول الصغرى الأخرى لا يخشى منها أبدا فلماذا تبقى إنكلترا في ~~مصر؟ # هل ذلك لأن إنكلترا لا تزال تسعى لتحقيق حلم «سيسيل رودس» الذي تمتد بعد تحقيقه السلطة ~~البريطانية من القاهرة إلى الكاب؟ # إنا لا ننكر على إنكلترا التمسك بذلك الأمل لأن مثل هذه الرغبة طبيعية ولا يمكن لأحد أن ~~يطلب منها التخلي عن تلك الفكرة، ولكن كما قلنا فيما تقدم إنه توجد طرق شتى للحصول على غاية ~~واحدة، فليس من الضروري أن تمر السكة الحديدية من الكاب إلى القاهرة بمستعمرات مطيعة كلها ~~رغم أنفها للتاج البريطاني، فإن الحكومة الإنكليزية عرفت من زمن بعيد قاعدة بسيطة وهي أنه ~~لا ينبغي أن تكون المستعمرات البريطانية بأسرها على شاكلة واحدة، ونحن نرى بين مستعمراتها ~~مستعمرات محالفة لها مثل كندا وأستراليا، وهذه المستعمرات لا تربطها بإنكلترا إلا رابطة ~~الوداد ومستعمرات يطلق عليها اسم الولايات؛ مثل الهند ms069 ومستعمرات محمية مثل قبرص وما شاكلها. ~~وغير تلك المستعمرات توجد في الهند ولايات وطنية لا تربطها بإنكلترا إلا رابطة الصداقة، ~~ولكن تلك الولايات هي وإنكلترا على بساط المساواة وتسمى «محالفات الإمبراطورية»، فلماذا لا ~~تكون مصر على شاكلة تلك الممالك المحالفة مع أننا نعترف بأن مصر لم تصل إلى هذه الدرجة التي ~~يمكنها بها أن تكون محالفة للإمبراطورية العظمى إلا بعد وصاية إنكلترا عليها، فهل تنكر ~~إنكلترا على مصر قدرتها على القيام بهذه الوظيفة مع أنها هي التي ربتها وهذبتها وسهلت عليها ~~الوصول إلى هذه الدرجة؟ # نعم إن مصر إذا كانت حرة وأمامها إنكلترا تنظر إليها نظر الحارس المحب فإنها تكون أنفع ~~لإنكلترا منها الآن وأصدق ودا وأكثر إخلاصا وخضوعا إذا كان الخضوع مطلوبا ... وسنأتي ~~فيما يأتي من هذا الكتاب على شرح المركز الذي تشغله مصر بعد تحريرها. # عندما نتكلم عن إخلاء مصر فإننا لا نقصد تركها مرة واحدة. وقد أثبتنا فيما تقدم أنه لا ~~توجد دولة أوروبية تجسر على أن تضع يدها على مصر خوفا من إنكلترا لا خوفا من مصر، فإذا ~~حدث في المستقبل ما يضر بإنكلترا فإن الضرر يعود بلا ريب على مصر. ويمكننا في كليمات قليلة ~~أن نبرهن للملأ أن مصر إذا كانت حرة لا يمكنها أن تتخذ سياسة عدائية نحو إنكلترا، فإنها إن ~~حاولت ذلك فلا يكون جزاؤها إلا التنكيل الشديد، وعندما تسحب بريطانيا حاميتها (التي نقصت ~~الآن حتى أصبحت لا تعد في الحقيقة قوة حربية) من مصر، فإن مصر ترجع دائما إلى إنكلترا ~~وتكون في المسائل الخارجية تحت سيطرتها ونفوذها؛ لأنها محدودة من جهتين ببحرين ومحدودة من ~~الغرب بالصحراء وأما من الجنوب فليست محدودة بحد طبيعي كالبحر والصحراء؛ لأن ما وراء حدودها ~~يقع في السودان. فمصر محاطة بقوة إنكلترا من كل جهة على أننا إذا طالبنا إنكلترا بإخلاء مصر ~~فإنه لا يخطر على بالنا أن نسألها أن تتنحى عن السودان، فإننا نترك مسألة السودان جانبا ~~كما يتركها أي وزير عاقل هذا لأن مركز إنكلترا في ms070 السودان غير مركزها في مصر، فإن السودان ~~في الحقيقة ملك بريطانيا بأقدس الحقوق وهو حق الفتح بالسيف والمدفع، فليس السودان إلا قطعة ~~من بريطانيا، ونحن لا نقصد بقولنا هذا أن ننسى بأن هناك شركة اسمية بين إنكلترا ومصر في ~~السودان، ولكن هذه الشركة ليست إلا صورة رسمية وليس وراءها شيء ... # وغني عن البيان أن مخابرات قليلة مع الحكومة المصرية تخرج معاهدة جديدة وبها ينتهي كل ~~شيء، ولا نظن أن المستقبل يخفي وراءه صعوبة في طريق هذا العمل، فقد اعترف سياسيا منذ زمن ~~بعيد بأن إنكلترا هي المالكة الوحيدة للسودان، ولم يتم الاعتراف الرسمي لأن إنكلترا كانت ~~تهاب فرنسا، ولا يزال كلنا يذكر المخابرات التي دارت بين اللورد سالسبوري والحكومة ~~الفرنسوية، بشأن حدود أملاك إنكلترا وفرنسا في أواسط أفريقيا وتعيين دائرة نفوذ كل من ~~الدولتين، ولا يزال كلنا يذكر الأراضي الواسعة التي تنازل عنها سالسبوري لفرنسا ومنها ~~«واداي»، وبذلك تمكنت إنكلترا من تعيين حدود السودان بالضبط، فلو لم يكن السودان ملك ~~إنكلترا المطلق لما اكتفت فرنسا بأن تتخابر مع مندوب إنكليزي في شراء حدود السودان؛ بل كانت ~~تطلب من ينوب عن مصر أيضا لينوب عنها في هذه المخابرات، ولكن فرنسا لم تحرك لسانها بكلمة ~~في هذا الشأن وهذا يدل على أنها تعترف بملكية إنكلترا للسودان. # وحيث إن المصريين اشتركوا في فتح السودان فينبغي لنا أن ننظر إلى حقيقة هذا الاشتراك ~~فنقول إن كسر شوكة المهدي وإخماد أنفاس نهضته كانا من أهم الأمور لمصر؛ وذلك لأن حدودها ~~الجنوبية كانت أبدا في خطر شديد من هجوم المهدي وجنوده ودخوله مصر، أضف إلى ذلك أن الطرق ~~التجارية في أواسط أفريقيا كانت مقفلة في وجه مصر، وهكذا حرمت من مورد رزق شرعي لها. # فلما جاءت إنكلترا رأت أن كبح جماح المهدي ضروري لأمرين الأول مراعاة لمصلحة التجارة ~~المصرية التي تستفيد هي منها كثيرا، والثاني لأغراض أخرى كانت ترمي إليها فإن قوة المهدي ~~ونفوذه أتعبا إنكلترا على حدود أملاكها في غرب أفريقيا وكانا سببا في تعطيل ms071 أعمالها هناك ~~لأن دعوة المهدي كانت انتشرت حتى «بنين» و«كوماسي» فنتج عن ذلك أن تجارة أواسط أفريقيا وقعت ~~بين نارين، وكانت إن فاتها الخطر لا يفوتها التعطيل، وهكذا لم تجرد حملة السودان إلا بناء ~~على رغبة إنكلترا رغما عن معاندة فرنسا وحليفتها روسيا، وقد ذكرنا فيما مضى الطريقة التي ~~حصلت بها إنكلترا على موافقة إيطاليا ونالت بها 500000ج من صندوق الدين المصري، على أننا لم ~~نذكر الفائدة التي حصلت عليها إنكلترا بموافقة إيطاليا لها، فإن إنكلترا بعد أن حازت رضاء ~~إيطاليا قامت فرنسا وروسيا ورفعتا دعوى في المحاكم المصرية ليعرقلوا مساعي إنكلترا، فاضطرت ~~إنكلترا حينئذ لأن تعتمد على ماليتها هذا وليس من المهم إذا كان الجيش الذي حارب في السودان ~~مصريا أو إنكليزيا فإن الجنود المصريين أكثر جنود الأرض استعدادا لهذا العمل، وقد ~~برهنوا على ذلك بالأعمال الجليلة التي قاموا بها في السودان والتي كانت في الحقيقة الخطوة ~~المهمة في سبيل فتحه، ولكن الحقيقة هي أن الفكرة كانت إنكليزية والمال الذي أنفق على الحملة ~~كان إنكليزيا والقواد والضباط كانوا من الإنكليز، فلسنا بعد هذا كله محتاجين إلى القول ~~بأن السودان هو ملك حلال للإنكليز. ولنتقدم الآن للبحث في أهمية السودان بصفة كونه مستعمرة ~~إنكليزية فنقول: إذا كانت مصر هي أحسن قاعدة حربية لأجل فتح السودان فليعلم القارئ أنه منذ ~~فتوحه قد أصبح الوصول إليه من الجنوب سهلا وهذه السهولة تزداد يوما فيوما. # وفي مستقبل الأيام سيستغني القادم إلى السودان عن المرور بطريق مصر لعدم الاحتياج إليه ~~فإذا كانت في الخرطوم حامية إنكليزية فلن يخشى عليها من مصر؛ لأن مصر لا تستطيع أن تقطع ~~عنها الذخيرة ما دام طريق الجنوب مفتوحا في وجه القادم بذخيرة أو نجدة لحامية الخرطوم، ~~ولكن لا يخفى أن مصر لا تكون أبدا في مأمن ما دامت إنكلترا أمامها في البحر الأبيض ~~بأساطيلها وخلفها في السودان بجنودها. هذا بقطع النظر عن المنافع المتحدة بين إنكلترا ومصر ~~التي تجعل السلام ضروريا في وادي النيل، وبقطع النظر عن أن ms072 المصريين لا يستطيعون أن ~~يعادوا إنكلترا خوفا من أنها تحصرهم من كل الجهات. # ولا ينكر علينا أحد أهمية السودان لمصر، فإن السودان ومصر توءمان لا ينفصلان، وحسبنا على ~~ذلك دليلا أن الفراعنة لم يدخروا وسعا في فتح هذه البلاد وإخضاعها، ولا نشك في أن الأسباب ~~التي دعت هؤلاء الملوك الأقدمين إلى فتح السودان هي نفسها التي دعت المصريين المحدثين إلى ~~كسر شوكة المهدي وكبح جماحه؛ هذا لأن حياة مصر معلقة بخيط دقيق جدا وهذا الخليط هو نهر ~~النيل، والقوة التي يكون إقليم أعالي النيل في يدها تكون مصر لا محالة رهينة أمرها وليس على ~~من يريد أن يغير تاريخ مصر إلا أن يغير مجرى النيل . # وقد وصلنا بعد هذا البحث إلى نتيجتين؛ أولاهما: أن إخلاء مصر لا يضر بالتجارة البريطانية، ~~وثانيتهما: أنه لا يضر بالسياسة الإنكليزية لا من مصر مباشرة ولا من أي دولة أوروبية، فلا ~~يوجد حينئذ سبب معقول يمنع إنكلترا عن ترك مصر كما تركت غيرها واستفادت من هذا الترك، ولا ~~نظن أن السياسة البريطانية تدور على محور القوة أو أنها اتخذت شعارا «هنا نحن وهنا نحن ~~نقيم». # وقد بحثنا في سياسة بريطانيا الاستعمارية بحثا عاما، وسنبحث فيها الآن بحثا خاصا ~~لنرى هل حدث في تاريخ إنكلترا أنها وجدت نفسها في مثل مركزها في مصر، وسنرى هل اتخذت ~~إنكلترا في مثل هذه الحال حلا مثل الحل الذي نشير به عليها، فنقول: إذا نظرنا في خريطة ~~ملونة من خرائط الهند نرى جزءا كبيرا من الولايات الهندية مكتوبا عليه «مستقل تحت حكم ~~أمراء وطنيين»، وهذه الولايات المستقلة هي في الحقيقة في مركز يشبه مصر بعد تحريرها تمام ~~الشبه، فإن هذه الولايات محاطة من كل جهاتها بولايات تحت الحكم البريطاني ولكن بريطانيا رأت ~~من الحكمة وحسن السياسة أن لا تستولي على تلك الولايات، ولم تقبل ثمنا لإعفاء هذه الولايات ~~من الاحتلال أو الامتلاك إلا حسن السلوك فإن حسن سلوك هذه الولايات هو الذي استطعن به أن ~~يحفظن استقلالهن. # على أن إنكلترا ms073 تستفيد من إخلاء مصر فائدة عظمى وهي خلاصها من مركز كاذب كثيرا ما وقف في ~~طريق معاملاتها السياسية، وإنا لا نشك في أن إنكلترا اضطرت مرارا للإذعان لأعدائها خوفا ~~من تهديدهن لها بمركزها الكاذب، وإننا لا نريد بهذا التلميح أن نلوث الاتفاق الودي بين ~~إنكلترا وفرنسا أو نرميه بما يعد عارا، ولكننا لا نتمالك أنفسنا من السؤال الآتي، وهو: ما ~~هي الفائدة العظمى التي عادت على إنكلترا من تنازل فرنسا عن حقوقها في مصر؟ # رب مجيب يقول إن إنكلترا تنوي أن تحتل مصر احتلالا نهائيا جبريا فحصلت على هذه ~~المعاهدة؛ لأنها لا تود أن يحرك عملها هذا غيظ فرنسا فتسعى هذه في وضع العقبات في طريق ~~إنكلترا، على أننا قلنا وعززنا قولنا بالبرهان إنه لو تم لإنكلترا احتلال مصر بدون معارضة ~~أو معاكسة من فرنسا فإن هذا الاحتلال لا ينفع إنكلترا أبدا؛ لأن محالفة باريس التي عقدت في ~~8 أبريل سنة 1904 تحرم علينا الظن بأن ساسة إنكلترا ينوون شيئا من هذا القبيل، فإن مواد ~~هذه الاتفاقية توضح هذه النقطة خاصة توضيحا لا يحتاج إلى تفسير، وفي هذه المعاهدة تصرح ~~إنكلترا بأنها لا تنوي أن تغير المركز السياسي الحاضر في مصر. فنسأل ثانيا: ما هي الفوائد ~~التي استفادتها إنكلترا من تنازل فرنسا عن حقوقها في مصر؟ إن فرنسا استفادت فائدة كبرى ~~بتصريحها بعدم تداخلها في المسائل المصرية في المستقبل وقد بالغ كتاب الإنكليز في تقديرهم ~~أهمية المنافع الإنكليزية في مراكش، وقد رأى القارئ فيما تقدم أن ألمانيا هي الأولى بين ~~الدول صاحبة المنافع والحقوق التجارية في البلاد المراكشية، ولا ننكر أن إنكلترا كانت لها ~~منافع تجارية في مراكش أهم من منافع فرنسا، ولم يكن أحد يعرف الحد الذي تصل إليه هذه ~~المنافع؛ لأن بلاد المغرب الأقصى لا تزال عذراء ولا يعرف أحد منابع ثروتها الحقيقية. # ونحن لا نعارض في رضاء إنكلترا بتضحية نصيبها في خيرات مراكش بانسحابها منها، وتصريحها ~~لفرنسا بوضع يدها عليها كما وضعت يدها على الجزائر، إذا كانت ms074 إنكلترا ترى لنفسها نفعا في ~~التساهل مع فرنسا في هذه المسألة؛ لأن الكرم في السياسة لا وجود له، فإن السياسة كلها في ~~كلمتين «خذ وهات»، وإذا حدث أنك أعطيت أكثر مما أخذت فالويل لك، فيظهر من هذا أن إنكلترا ~~بانسحابها من مراكش حيث كانت تعمل لمنافعها التجارية بجد واجتهاد قد أعطت لفرنسا شيئا ~~عظيما وأخذت منها ورقة رسمية، وإذا أخلت إنكلترا مصر فإنها توفر على نفسها مثل ذلك الضعف ~~الذي ألجأها لعقد المحالفة الفرنسوية الإنكليزية، ونحن لا نود أن نتكلم هنا عن المضار التي ~~تعود على إنكلترا في السياسة الدولية من إشغالها المركز الكاذب، ولكننا سنتكلم عن المضار ~~التي تعود عليها في مصر ذاتها، فنقول: من الواضح أن المستخدمين الإنكليز في مصر يملكون قوة ~~عظيمة، ولكن من المحقق أيضا أن هذه القوة لا أساس لها، ومن الواضح أن تحققهم من ثبات ~~مراكزهم يجعلهم على الدوام عرضة للضعف الأدبي الذي يلجئهم للانتقام من أي إنسان يبغضونه بحق ~~أو بغير حق، وقد ثبت كثيرا أن بعض هؤلاء المستخدمين الإنكليز عجزوا عن تبرير أعمالهم عندما ~~سئلوا أمام سلطة عليا. # وحدث كثيرا أن بعض المستخدمين الإنكليز أوعز لهم بالاستعفاء وبعضهم رفض طلبه لوظيفة في ~~الحكومة المصرية رغما عما كانوا مزودين به من الوصايا العظيمة، وما أرغم هؤلاء على ~~الاستعفاء، وما رفض طلب هؤلاء الطالبين؛ إلا للابتعاد عن المشاكل والمشاغب، وقد قلنا إن كل ~~شيء في مصر سائر على محور السكون والهدوء، وما ذلك إلا لذكاء اللورد كرومر وحسن سياسته وبعد ~~نظره، ولكن المركز الذي يعتمد على الذكاء والفطنة وحسن السياسة لا يعد مركزا ثابتا إنما ~~هو مركز كما ذكرنا كاذب، فإن كل عاقل يفضل أن يتم كل شيء في المسائل السياسية باللين واللطف ~~أحيانا، ولكن تحدث أمور تجعل التصريح والتأكيد والشدة ضرورية، فإذا حدثت مثل هذه الأمور في ~~مصر واضطرت القابضين على زمام السياسة من الإنكليز إلى التصريح والتأكيد فإنها تختفي بسرعة ~~غريبة، ويقول الذين كانت لهم علاقات خاصة بالحكومة المصرية إن هذه الظروف ms075 الحرجة التي تدل ~~على سياسة خرقاء تحدث كل يوم. # ولا يخفى أن من يشغلون الوظائف في الحكومة المصرية من الإنكليز ما عدا من يشغل وظيفة ~~المستشار المالي ليس لهم حق رسمي في مصالح الحكومة المصرية، ولا توجد وظيفة واحدة يجب فيها ~~وجود إنكليزي، ومع هذا فإن الإنكليز سائدون تمام السيادة في مصالح الحكومة الكبرى، لماذا؟ ~~إننا لا ندري وهم أيضا لا يدرون ... # لماذا كل هذا الحذر وكل ذلك الخوف من التصريح بالحقيقة التي لا تزال مكتومة؟ وكل هذا ~~التردد في إيضاح حقيقة المركز السياسي؟ إن ذلك لا يليق بحكومة إمبراطورية عظيمة كإمبراطورية ~~بريطانيا. لماذا كل هذه المواربة والمماحكة التي لا تعود في الآخر إلا بالكراهية والبغض ~~والنفور وترمي أصحابها بما يفرون منه؟ # وليت مضار ذلك المركز الكاذب تقف عند حد المقلقات الوقتية، ولكن للأسف نحن نرى أنه يعود ~~بعواقب وخيمة مؤلمة دائمة، فإن هذا المركز كان سببا في اشتهار سياسة إنكلترا في مصر ~~بالتردد الممقوت ووضعها في موضع كانت غير محتاجة إليه؛ نعم! إن ذلك المركز السياسي أسدل على ~~إنكلترا شبكة من الريب والشك مع أنها بريئة طاهرة الذيل. # ونحن نشير بهذا الكلام إلى الرواية المحزنة التي مثلت على ملعب الخرطوم وذهب بطلها العظيم ~~الجنرال غوردون شهيد سياسة خرقاء وعزة نفس شماء، ولقد أشار أعداء إنكلترا كثيرا إلى حادثة ~~غوردون وكيف أن أهل وطنه هجروه مع علمهم بحرج مركزه، ولا غرو، فقد وجد الأعداء من ذلك ~~الحادث المؤلم ما فتح أفواههم وحرك ألسنتهم بقولهم: «ليس هذا الحادث إلا نتيجة خيانة لا ~~غفران لها»، وقد تطرفوا فقالوا: «إن إنكلترا غررت بغوردون وصنعت ما صنعت لتجد لها عذرا إذا ~~أرادت فتح السودان.» # على أننا لا نتردد لحظة واحدة في تكذيب هذه الإشاعة التي ليس لها من الحقيقة مكان، لأن ~~نجل مقام الحكومة الإنكليزية والمستر غلادستون عن مثل هذه الجريمة السوداء - هذا إذا صدقنا ~~بأن غلادستون وحكومته قدروا على تدبير مثلها - ولكننا لا نستطيع أن نمدح سياسة أدت إلى مثل ~~هذه النتيجة. # على ms076 أن مذكرات غوردون تلمح تلميحا بسيطا إلى حل هذه العويصة، فإننا نرى في مذكراته صورة ~~الرسائل التي بعث بها يطلب المعونة وكأن الحكومة الإنكليزية وضعت أناملها في أذانها لئلا ~~تسمع صراخ هذا البطل الشهيد، وما كان أسهل على الحكومة الإنكليزية أن تبعث بألفي رجل ينجدون ~~غوردون من أسره ويخرجونه من غمرته؟ # على أننا نعلم أن الحكومة الإنكليزية أضاعت ذلك الوقت الثمين في الجدل الباطل والنزاع ~~الفارغ فيمن يبعث النجدة، ومن يتحمل نفقاتها التافهة فكأن الحكومة الإنكليزية كانت مغلولة ~~الأيدي غير قادرة على العمل، وما ذلك إلا لأن مركزها كان في وادي النيل كاذبا، فيظهر من ~~ذلك أن المركز الكاذب الذي يجلب على حكومة عظيمة كل تلك المصائب جدير بالترك والهجر مهما ~~ضحت الحكومة في سبيل تركه من المنافع والفوائد! # وبعد أن فحصنا السياسة الاستعمارية البريطانية في قارات العالم كله رأينا أن بقاء إنكلترا ~~في مصر على الدوام لا يفيدها فوائد حقيقية؛ لأنه ليس من الضروريات لأجل نجاح سياستها ~~الاستعمارية، وقد رأى القارئ أن إخلاء مصر لا يعود على إنكلترا بأدنى ضرر فإن مصر مع كونها ~~حرة تبقى في دائرة النفوذ البريطاني الذي يحيط بها من البحر والبر، ونظن أن هذه الإحاطة ~~تضمن لإنكلترا حسن سلوك مصر، ورب قائل يقول سلمنا جدلا بأن الجلاء يعود على بريطانيا ~~ومصر بفوائد شتى، وإن الاحتلال النهائي ربما يسبب صعوبات شتى وربما ينتهي بحرب شعواء تضر ~~إنكلترا ولا تنفعها، ولكن ما هي مضار المركز الحالي؟ فجوابا عن هذا السؤال نقول: لقد ذكرنا ~~بالتلميح والتصريح أنواع الضعف السياسي الذي سببه احتلال مصر لإنكلترا من أنها كثيرا ما ~~تذعن لأعدائها خوفا من تغييرها وتهديدها بمركزها الكاذب، وذكرنا المراكز الحرجة التي تقع ~~إنكلترا فيها لعدم توضيح السلطة البريطانية الحقيقة في وادي النيل، وسنتكلم الآن على مضار ~~شتى تتحملها إنكلترا من احتلال مصر وتكفي هذه المضار التي نذكرها ونذكر نتائجها لأن نخرج ~~منه بنتيجة واحدة، وهي أن إخلاء بريطانيا لمصر في نظر الإنكليز أنفسهم ليس عملا طائشا ~~وليس مضرا ms077 كما يتقول المتقولون المرجفون، فنقول: من الأضرار العظيمة التي تئن منها مصر في ~~الزمن الحاضر الفوضى السائدة على نظام القضاء المصري، على أننا لا نود أن نقصر بحثنا على ~~القضايا المنطقية والأبحاث الخيالية بل نريد أن نفحص الحقائق الثابتة التي لا يمكن إنكارها ~~أو تغييرها، وبذلك يمكننا أن نظهر للملإ المضار المادية والأدبية التي تعود على إنكلترا ~~ومصر من هذه الفوضى السائدة على نظام القضاء المصري، ولا يخفى أن البلاد التي لا يمكن ~~الحصول فيها على الحكم في القضايا وتنفيذ أوامر العدالة بسرعة تكون دائما عرضة للخراب ~~والدمار لأن أهلها يفقدون الثقة في بعضهم البعض وتقل الأمانة من بينهم، وكل تلك المصائب ~~تعود على التجارة بالتعطيل والضرر البليغ. على أن الغريب الذي ينزل بمصر أياما معدودة ثم ~~يرحل عنها لا يستطيع أن يقف على العقبات الكثيرة التي تعوق العدالة عن أن تجري مجراها ~~والطرق العديدة التي تزهق الحق فداء للباطل، ولكن الذي يعيش في البلاد ويعاشر أهلها ويقف ~~على كل شيء فيها يمكنه بكل سهولة أن يتحقق صدق ما نقول. # أجل إنه يكاد يكون من المستحيل في هذه البلاد أن تقتص العدالة من الجناة المذنبين، ومن ~~نكد الدنيا على مصر أنها بلاد لا يخفى الجناة فيها أنفسهم ولا يتبرأون من جرائمهم، كأنهم ~~يفتخرون بها. # ولا نقول إن العدالة مفقودة في مصر لقلة المحاكم وندرة دور القضاء، كلا، فإن المحاكم كثرت ~~كثرة عظيمة حتى يوشك أن يضل طالب العدالة عن مكانها ولا يدري أين يلتمسها. # غير أن مصر لا تزال خارجة عن حدود الأمم الراقية، ونقصد بذلك أنها لا تزال محرومة من أقدس ~~حق أي أن أمر العدالة في بلادها ليس في يدها، فإن القنصليات في مصر ليست قنصليات فقط بل هي ~~أيضا محاكم مستقلة تحاكم كل منها أمامها من يذنب من أبناء الدولة التابعة هي لها، وعدا ذلك ~~فإنه توجد في مصر محاكم مختلطة نصبت للفصل في القضايا بين الوطنيين والأجانب وبين الأجانب ~~المختلفي الجنسية والوطنيين، وغني عن البيان أن ms078 هذه المحاكم لا تزال سببا للمتاعب ~~والمشاكل، هذا ولسنا في حاجة إلى ذكر الارتباك الذي ينشأ عن اختلاف تلك المحاكم وكثرة ~~أنواعها وطرق رفع الاستئناف من بعضها إلى بعض إلى غير ذلك من الأمور التي يحتاج إليها ~~المتقاضون في كل بلد، وهذا جزء من كل من الاضطراب السائد على نظام القضاء المصري مع العلم ~~بأن القضاء هو أهم شيء في الحكومة لأنه يتناول أعمال الحياة والمعيشة القومية في كل وقت؛ بل ~~هو النظام الوحيد الذي يجب أن يكون نظامه أبسط نظام وترتيبه أسهل ترتيب ليعرفه البعيد ~~والقريب. # ويرى القارئ في هذا الكتاب من أوله إلى آخره أننا ابتعدنا جهد طاقتنا عن مواطن الملام ~~وأماكن الاتهام لننفي عن ذهن المطالع الظن بسوء قصدنا، وأن نصرف فكره عن الحسبان بأننا نسر ~~ونطرب عندما نظهر للملأ أن فساد نظام القضاء المصري ليس إلا من نتائج الحكم البريطاني، فإن ~~مثل هذه التهمة وإن كانت قد وجهت إلى السياسة البريطانية مرارا فإنها في الواقع ونفس الأمر ~~خالية من الصدق. # وكما اجتهد الإنكليز في إصلاح المالية وترتيبها ونظامها ترتيبا ونظاما حق لمصر معهما أن ~~تفاخر بها أية دولة أوروبية كذلك اجتهدوا في إصلاح القضاء وسعوا جهد طاقتهم في تمهيد سبل ~~الوصول إلى العدالة، ولكن صادفتهم في طريقهم صعوبات شتى أكبر من أن يتغلبوا عليها وعقبات ~~أعظم من أن تجاز، فكانت النتيجة أن الفوضى والفساد والظلم لا تزال في المكان الذي ينبغي أن ~~يكون نموذج النظام والترتيب والعدل، وأي إنسان ينكر علينا ذلك؟ بل من يقدر أن يشير إلى خطوة ~~واحدة سارها القضاء المصري في طريق التقدم. ويحق لنا أن نأسف أسفين؛ أسفا على ما ذكرنا، ~~وأسفا جديدا لا على أن الجرائم لا تزال تنخر عظام العدل والأمن فقط بل على أنها في ازدياد ~~سنة فسنة وشهرا فشهرا. # نقول - ولا يخفى على اللبيب - إن كل الطوائف الأجنبية التي أتت لتسكن مصر لم تأت حبا ~~بطيب هوائها وصفاء سمائها؛ بل أتت كلها لتجمع أعظم ثروة في أقصر وقت، ms079 فتراهم يبررون الوسائل ~~ما دامت تلك الوسائل تؤدي إلى كسب المال، فإن رغبتهم الوحيدة هي أن يكوموا المال تكويما ~~ويربوا ثروة طائلة بسرعة فائقة، ولا يخفى أن الثروة الطائلة لا تربى في زمن قصير إلا على ~~«كيس الغير»، فينتهز هؤلاء الخونة فرصة ارتباك القاضي واضطراب القضاء ويسلبون وينهبون كما ~~يرغبون ويفرون بلا عقاب؛ لأن أعمالهم الشيطانية تغيب عن فكر القضاء المصري، ولو حدث أن يد ~~العدالة مدت نحو أحد هؤلاء فإنه يجد لنفسه مهربا بين زوايا القوانين المتناقضة المتباينة ~~وأركان الإدارة المختلة المعتلة. # وليس في مصر غير قوة واحدة يهابها هؤلاء الخونة ويحترمونها وهي إنكلترا، ولكن كثيرا ما ~~يقف «المركز الكاذب» في وجه إنكلترا فيعوقها عن العمل السريع، وقد يعلم هؤلاء الشريرون أن ~~إنكلترا لا تملك الحق الذي يخول لها إيصال الأذى إليهم فيستفيدون من هذه الحقيقة فوائد ~~كبرى، وهكذا سنة بعد سنة تستمر تلك الحال غير المرضية على ما هي عليه والمحاكم القنصلية ~~تعمل كما تريد فتعدل وتظلم لا علما ولا جهلا، وفي المحاكم المختلطة تقوم قيامة القوانين ~~فيتحارب القانون الفرنسوي مع القانون الإنكليزي والقانون الإنكليزي مع الشريعة الإسلامية، ~~فتقنن قوانين جديدة لتحل عقدة الارتباك، فتجيء تلك القوانين الجديدة ضغثا على إبالة، هذا ~~ولا يعلم نتيجة ذلك الارتباك المستمر والاضطراب الدائم إلا الله. # وهناك وسيلة واحدة لإصلاح الحال وهذه الوسيلة هي إلغاء المحاكم القنصلية وإقامة قانون ~~واحد يطيعه الكل ويذعن له الجميع، ولكن هذا العمل فيه صعوبات كثيرة ورغما عن هذا، فأين ~~اليد القوية التي تجسر على القيام بهذا العمل؟ على أنه ليس من السهل إيجاد قانون كامل يوافق ~~مطالب هذا الشعب المختلط. # أجل كيف يوجد نظام قانون يقنع المصريين والإنكليز والفرنسويين والطليان والأتراك ~~والسوريين واليهود واليونان وكثيرين غيرهم؟ وإذا فرضنا وجود مثل هذا النظام فمن يستطيع أن ~~يقدم ذلك النظام للتصديق عليه وقبوله، ولو فرضنا زوال كل تلك العقبات، فإن إلغاء المحاكم القنصلية # 2 # يكون من المصائب الكبرى من الوجهة السياسية على مصر. # ولقد رأينا فيما مضى أن ms080 تنظيم المالية المصرية لم يسبب أتعابا وصعوبات كثيرة؛ لأن أغلب ~~أوراق الديون المصرية كانت في أيدي الإنكليز والفرنسويين، وبهذا تحول الأمر إلى مسألة ~~فرنسوية إنكليزية، ولكن مسألة القضاء تختلف كثيرا عن المسألة المالية فإن حقوق القضاء التي ~~في يد كل دولة أجنبية يرجع أصلها إلى ما يسمى بالامتيازات، وهذه الامتيازات هي عبارة عن ~~معاهدات معقودة بين كل دولة أجنبية وبين الدولة العلية التي لا تزال تعتبر صاحبة السيادة ~~الحقيقية على مصر. # نقول وللأسف إن هذه المعاهدات لا تحتوي تفويضا تاما ممنوحا من قبل السلطان للدول في ~~بعض الأعمال القضائية فقط؛ بل إنها أيضا مملوءة بجمل معقدة ومعاني ملتبسة ومحشوة بالألغاز ~~السياسية التي تعجز الجن عن حلها، ومكتظة بالتلميحات والإشارات، ولكن على هذه المعاهدات ~~يتوقف حل مسائل الشرق الأدنى، فإذا حاولت إنكلترا أن تمس تلك المعاهدات هبت الدول ~~المختلفة في وجهها كما يهب النحل من خليته في وجه من يجني الشهد. وما أغنى إنكلترا عن تلك ~~اللذعات إذا كانت لا تحتاج إلى الشهد؟ ولكن بدون إلغاء هذه الامتيازات لا يمكن حل عويصة ~~القضاء المصري، ولو فرضنا أن هذه الامتيازات ألغيت ففي يد من توضع قوة القانون والقضاء؟ مع ~~العلم بأن إنكلترا إذا طالبت بهذا الحق فإنها لا تلقي إلا مقاومة وإباء، ويرى القارئ مما ~~تقدم أن المسألة القضائية أكثر تعقيدا من المسألة المالية، ولا يمكننا أن نفكر بأنها تحل ~~بعقد مؤتمر دولي يجتمع فيه مندوبو الدول ويقررون بشأن القضاء المصري ما يريدون، فيسعى هذا ~~المؤتمر لتوحيد القانون بأن يضع قانونا رسميا يطابق أغراض الجميع وينفذ على رعايا ~~الجميع، ولكن عقد مثل هذا المؤتمر بعيد الحصول جدا لأنه لو اجتمع لاختلف أعضاؤه اختلافات ~~شتى؛ لأن لكل طائفة دينا ولغة ومبادئ تخالف دين ولغة ومبادئ غيرها، ولا يغالي من يقول إن ~~مثل هذا المؤتمر لا يوشك أن يجتمع حتى يفترق، على أننا لا نرى لهذه المسألة إلا حلا ~~واحدا فقط، وهذا الحل هو أنه ينبغي لمصر أن تأخذ عدالتها في يدها، يجب عليها ms081 أن تسأل الدول ~~أن يسمحن لها بالدخول في صفوفهن وأن يعددنها منهن لتستطيع أن تنفذ عدالتها بيدها. أليس من ~~العجيب أن تبقى مصر كل هذا الزمن محرومة من الحقوق التي منحت لجمهورية سان دومنجو وجمهورية ~~سان سلفادور، وكلتاهما حكومتان حقيرتان سادت فيهما الفوضى؟! أليست مصر قادرة على القيام بما ~~تقوم به هاتان الحكومتان الصغيرتان اللتان يحكمهما العبيد؟! # هل ينكر علينا أحد أن أهل مصر تعلموا في مدارسهم المنتظمة التي تفوق بعض المدارس ~~الأوروبية كل ما يتعلمه الغربيون في مدارسهم؟ فلماذا إذن يحرمون من التمتع بالحقوق المتمتع ~~بها العبيد السود في جمهوريتهم الحقيرة؟ عندما كنا نبحث في المسائل المهمة التي نريد بعد ~~البحث فيها الوصول إلى حكم على مستقبل مصر أغفلنا رأينا في مسألة من أهم المسائل التي يجب ~~حلها قبل تغيير المركز السياسي في مصر، وقد نظرنا إلى المسائل المصرية التي بحثنا فيها بنظر ~~السياسي إلى السياسة الأوروبية، وقد رأى القارئ كيف أن الدول جمعاء لا يهمها حل المسألة ~~المصرية لأنهن رأين أن حلها لا يؤثر في مستقبلهن الحاضر مباشرة، على أننا لم نذكر شيئا ~~واحدا عن المصريين الوطنيين أنفسهم، ونرجو أن لا يظن أحد أننا أغفلنا ذكرهم لعدم اهتمامنا ~~بمستقبلهم. # وغني عن البيان أن أوروبا لا تعترف بحقوق المصريين ولا تنيلهم إياها إلا إذا علمت أن ~~الاعتراف بتلك الحقوق وإعطاءها لأصحابها لا يضر بمصالحها ومنافعها، وقد أظهرنا للقارئ ~~سياسيا أنه لا توجد دولة أوروبية تستفيد مباشرة من بقاء الحال على ما هي عليه في مصر، ~~وأظهرنا أيضا أن إنكلترا لا تستفيد من احتلال نتيجته إخماد أنفاس استقلال مصر والمصريين، ~~وذكرنا أيضا المصاعب والمتاعب والمشاق التي تصادف إنكلترا في مصر، ووصفنا العقبات التي تقف ~~في طريقها وتنغص عليها سياستها، وتحرج عليها مركزها المقلقل في وادي النيل. وبرهنا على أن ~~الجلاء لا يكون مناسبا لسياسة إنكلترا فقط؛ بل إنه يكون جديرا بشرفها ويقوي مركزها ~~السياسي الذي أصبح ضعيفا مراعاة لمركزها الكاذب في مصر، وقد آن لنا أن نبحث في المسائل ~~المالية ms082 المصرية التي تهم المصريين الوطنيين مباشرة، على أننا لم نغفل ذكر المصريين عند ~~بحثنا في السياسة الدولية إلا لعلمنا بأنهم لا يؤثرون في هذه السياسة تأثيرا محسوسا، ~~ولكننا في بحثنا في المالية المصرية نستطيع أن نذكر الوطنيين ونذكر منافعهم فيكون ذكرهم ~~بفائدة لهم. وأول ما نبتدئ بالبحث فيه هو صندوق الدين، ولكن القارئ بلا ريب يعلم أنه بعد ~~التغييرات التي تمت بناء على الاتفاقية الأخيرة بين إنكلترا وفرنسا أصبح حال صندوق الدين ~~مخالفة بالمرة لما كانت عليه منذ أشهر قليلة، وأحسن ما يمكننا أن نشرح به هذا التغيير هو أن ~~نستشهد بكلام المركيز لانسدون - وزير خارجية - إنكلترا في كتاب بعث به إلى سفير إنكلترا في ~~باريس ملحقا باتفاقية 8 أبريل سنة 1904؛ قال بعد أن ذكر الأعمال التي قامت بها إنكلترا في مصر: # ورغما عن تلك الأعمال التي غيرت السياسة الدولية في مصر بسرعة فإن نظام المالية ~~والإدارة السائد ليس إلا أثار نظام طال عليه القدم. # دع ما فيه من الارتباك والاضطراب والخلل، وهذا النظام مبني على قانون التصفية ~~(1880) ومعاهدة لندن (1885)، وناهيك بشرط هذا القانون وتلك المعاهدة وما فيهما من ~~التعقيد والالتباس، وإنا نرى أن تلك القوانين في عهد الإصلاح الحديث تضر أكثر مما ~~تنفع وتعطل إنماء ثروة البلاد بدل أن تساعد، وكثيرا ما ذكر اللورد كرومر ~~الارتباكات والمتاعب بل الخسارة المالية التي تعود على مصر من هذا النظام في ~~تقاريره السنوية، وما أحسن وصف هذا النظام بقلم اللورد ملنر في كتابه العظيم عن ~~مصر، فإنه يقول: # إنه من المضحك المبكي أن يرى الإنسان خزائن مصر مملوءة بالذهب والبلاد ~~محرومة من أن تمد يدها إليه لتستعمله فيما يضيف إلى ثروتها وأرباحها، وكل ~~سنة تزيدنا علما بأنه من الظلم بقاء ذلك الضغط على الحرية المالية في مصر، ~~فإننا إذا فهمنا سبب ذلك الضغط في الزمن الغابر زمن إملاق الحكومة المصرية ~~وإفلاسها، فإننا لا نفهمه في الأيام الحاضرة التي أصبح سداد الديون المصرية ~~فيها مضمونا. إنا لا نعارض في بقاء النظام الذي بمقتضاه ms083 يدفع بعض الدخل ~~إلى صندوق الدين مباشرة؛ وحيث إن ما يدفع بهذه الطريقة يكفي لتغطية أرباح ~~الدين ويكفي لدفع المال الذي تراه الدول كافيا لاستهلاك الدين؛ فيجب أن ~~تمنح الدول الحكومة المصرية حق التصرف فيما بقي كما تشاء، ويجب إلغاء قانون ~~«المصروفات المصرح بها والمصروفات غير المصرح بها»، وأرى أن مصر في حاجة ~~ماسة جدا إلى هذا الإصلاح، فإنها بلاه لا تستطيع أن تستفيد من إصلاح ~~ماليتها التي لم تصلح إلا بعد مشاق شديدة. ا.ه. (كلام ملنر). # على أن امتيازات صندوق الدين التي كانت تخول له حق الحصول على قدر معلوم بالنيابة ~~عن أصحاب الديون قد أصبحت عظيمة جدا، فقام أعضاؤه يطالبون الحكومة المصرية بحق ~~سيطرتهم في تنفيذ كل الاتفاقات الدولية المتعلقة بالمالية المصرية بالنيابة عن ~~الدول الأوروبية، وأضف إلى ذلك أن قبولهم ورضاءهم قبل استعمال أي مبلغ من المال من ~~أهم الأمور. ومن الغريب أن كل الأموال المقررة تدفع لهم مباشرة بدون أن تمر بنظارة ~~المالية، وعلاوة على ذلك فإن وصولات مصالح السكك الحديدية والتلغرافات وميناء ~~الإسكندرية التي تديرها لجنة مؤلفة من ثلاثة أعضاء فرنسوي وإنكليزي ومصري تدفع كلها ~~بعد خصم المصروفات إلى صندوق الدين. على أن الحكومة الفرنسوية لم تعارض في الإصلاح ~~الذي طلبناه، وقد أظهرت أنها مستعدة للاتفاق معنا فيما يصلح هذا النظام الفاسد ~~ويجعله موافقا للوقت الحاضر. ا.ه. (كلام لنسدون). # ونحن لا نرى بيانا أبلغ من هذا البيان للوظيفة التي ادعاها صندوق الدين منذ سنين قليلة، ~~ولا يخفى أيضا أن صندوق الدين أصر على العمل بمقتضى تلك الوظيفة المدعاة، ومن الصعب علينا ~~أن نحلل الدور الذي لعبته إنكلترا لتضع صندوق الدين في ذلك المركز القلق المرتبك إلا إذا ~~ذكرنا القارئ بما قلناه عن السياسة الدولية الأوروبية، فإنه من الواضح أن إنكلترا لم تكن ~~تستطيع أن تأخذ في يدها زمام الأعمال في صندوق الدين بدون أن تهيج سخط فرنسا وتحرك مرجل ~~غضبها وتشعل نار عدائها، وغني عن البيان أن إنكلترا كانت تسعى أبدا في الابتعاد عن الحرب ms084 ~~مع فرنسا بشأن مصر، فلم تر إنكلترا طريقة لإبعاد المراقبة الدولية عن صندوق الدين ووضع يدها ~~عليه وجعل المسألة المصرية بينها وبين فرنسا ومصر أو بالاختصار بينها وبين مصر إلا طريقة ~~مساعدة المصريين على تسديد ديونهم بأسرع ما يمكن، وما كان أبسط هذه الطريقة وأسهلها، ولكن ~~إنكلترا رأت أن سداد الديون المصرية بسرعة يحرمها من حق البقاء في مصر، سيما وقد علمت أن ~~فرنسا تنوي أن تحل محلها في وادي النيل، فنتج من هذا أن إنكلترا لم تر منفعتها الحقيقية في ~~إنماء ثروة مصر بسرعة شديدة، ويذكر القارئ قول المركيز لنسدون إن المالية المصرية كانت ~~مقيدة مرتبكة من تشديد صندوق الدين ومن تداخله في كل مسألة مالية تتعلق بمصر، على أن ~~إنكلترا وجدت طريقة أخرى للضغط على التقدم المالي الذي حازته مصر، وذلك أنها أيدت الدولة ~~العلية في مسألة الجزية. وهكذا قضى على مصر أن تفقد في كل سنة 750000ج بلا سبب واضح. ونحن ~~لا نعتقد أن إنكلترا اضطرت مصر لدفع هذا المبلغ الطائل مراعاة لاحترام السيادة التركية التي ~~أصبحت أرق من إيمان الكافر. ولم تحتفظ بدفع هذه الجزية إلا لأنها كانت فيما مضى تتعلق ~~بمنافع الدول الأوروبية في مصر، وقد كانت الدول جمعاء تود أن تبقى في وادي النيل، وقد رأينا ~~أنه لم يسبب الاختلاف فيما بينها إلا ما حدث أخيرا من التغيير في السياسة الدولية. على أن ~~رغبة إنكلترا كانت أن تتفق مع فرنسا وتعملا لإضعاف التأثير الدولي في وادي النيل حتى تتغير ~~المسألة المصرية ولا تصير مسألة دولية. وعلى هذه السياسة سارت إنكلترا في مسائل القضاء ~~فنجحت في تحديد وظيفة المحاكم المختلطة، ومن سنة 1884 إلى 1889 أسست إنكلترا المحاكم ~~الأهلية التي تبلغ الآن ستا وأربعين محكمة ولهذه المحاكم حق الفصل في المسائل المدنية ~~التي لا تزيد على مائة جنيه، ولها الحق في نظر قضايا المخالفات والجنح التي يعاقب فيها ~~بالغرامة المالية وحق الفصل في الجنايات التي يعاقب عليها بالسجن حتى ثلاث سنوات. # ومن الواضح أن مصر ms085 لو منحت الحرية التامة في اتخاذ طريق التقدم بلا تعطيل ولا تأخير ~~وأعطيت حق التمتع بماليتها وتدبيرها كيفما شاءت لما طالت عليها أيام دينها التي تخول غيرها ~~حق المراقبة الشديدة عليها، وربما كان يلتمس لبقاء مصر تحت سيطرة دولة أوروبية عذرا ~~لتعليمها وتدريبها، ولكن غيرة هذه الدول بعضها من بعض كانت تجعل إخلاء مصر من أضر الأشياء ~~على السلام العام في أوروبا، أما الآن فقد تغير كل شيء ونحن لا نرى بدا من الاقتباس من ~~كلام المركيز لانسدون الذي قال: # لقد ظهر منذ حين أنه من الضروري إدخال تغييرات كثيرة على الترتيبات الدولية التي ~~عملت في مصر لأجل ضمانة الديون الأجنبية على أن الدول إذا قبلت الأمر الخديوي الذي ~~قبلته الحكومة الفرنسوية فإن مصر تكون من الآن فصاعدا حرة في إدارة ماليتها ما دام ~~دفع المبالغ المقررة لصندوق الدين منتظما مضمونا، وسيستمر صندوق الدين كما هو ~~ولكن وظيفته ستعين وستحدد له مبالغ خاصة تدفع لخزينته بالنيابة عن أصحاب الديون ~~المصرية، وعندما ينفذ الأمر الخديوي ستغل أيدي صندوق الدين عن العمل والتداخل في ~~إدارة البلاد بعد أن غيرت أنواع الدخل التي كانت تدفع لتسديد الدين واستبدلت رسوم ~~الدخوليات ووصولات السكة الحديد بضرائب الأطيان، ومن فوائد هذا التغير أن أموال ~~المداينين قد أصبحت مضمونة ضمانة قوية لأن سدادها الآن أصبح موقوفا على أثبت وأغنى ~~مورد مالي في البلاد. ومن جهة أخرى فإن الحكومة المصرية لن تلاقي صعوبات في إدارة ~~الدخوليات والسكك الحديدية لأنها ستلغي اللجنة المختلطة التي كانت تراقب مصالح ~~السكك الحديدية والتلغرافات وميناء الإسكندرية، وسيسلم القدر البالغ 5500000ج الذي ~~كان مكوما في خزائن صندوق الدين بدون فائدة، وهو نتيجة الاقتصاد الذي تم بعد تغيير ~~(1890) وستستعمله الحكومة فيما يعود على البلاد وأهلها بالخير العميم. # وإن كنا لا نزال محافظين على رأينا في أن الحكومة المصرية لها الحق في تسديد ~~دينها في أي وقت بعد عام 1905، فإن الحكومة الفرنسوية لا تزال مصرة على مساعدة ~~أصحاب الدين المصري في مسائل متعلقة بتاريخ الدين القديم. ms086 وبناء على مطالب هؤلاء ~~المداينين حدث الاتفاق على أن تغيير الدين المضمون والدين الممتاز يؤجل إلى سنة ~~1910، ويؤجل تبديل الدين الموحد إلى سنة 1912، وهذا التأجيل يفيد أصحاب الديون ~~فوائد عظمى فلعلهم لا يصخبون عندما يحل الميعاد وتبدل تلك الديون. # وقد ألغى الأمر الخديوي شروطا كثيرة من القانون القديم التي دلت التجارب على ~~أنها غير ضرورية وغير مناسبة للزمن الحاضر؛ وأهم هذه الشروط التي ألغيت رضاء صندوق ~~الدين، فمن الآن فصاعدا لن يكون رضاؤه ضروريا عندما تريد الحكومة المصرية عقد ~~قرض جديد لأجل مصروفات نافعة أو غير ذلك، وألغي أيضا النظام الذي صدق عليه في ~~معاهدة لندن ومؤاده وضع حد للمصروفات الإدارية في الحكومة المصرية وقد ذكر اللورد ~~كرومر مرارا المصاعب والارتباكات التي تنشأ عن هذا النظام في بلاد لا تزال «تحت ~~تجربة» التقدم ولا تزال مطالب إدارتها كثيرة. # إن جنابكم تلاحظون أن الأمر الخديوي الذي يتضمن كل هذه التغييرات لا يخرج من حيز ~~القول إلى حيز الفعل إلا بعد مصادقة النمسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا على أن ~~المبالغ المدينة بها مصر لهذه الممالك صغيرة جدا؛ لأن أغلب الدين هو في الحقيقة ~~لبريطانيا العظمى وفرنسا ما عدا جزءا صغيرا منه في مصر ذاتها، فنرجوا أن لا تعارض ~~تلك الدول في الإصلاح الذي رأته الحكومتان الإنكليزية والفرنسوية أضمن لحقوق ~~المداينين، وأخذتا على كاهليهما تعضيده وتأييده. وإذا حدث في المستقبل ما يوقف ~~سعينا ويعوق سيرنا فإننا نستند على مساعدة فرنسا التي تخولها لنا الاتفاقية التي ~~عقدت بيننا. ومن الضروري أن أقول كلمات قليلة بشأن حقوق الحكومة المصرية المعرضة في ~~داخل البلاد إلى التداخل الأجنبي. فإن هذا التداخل ليس إلا نتيجة النظام المسمى ~~بالامتيازات وهو يشمل المحاكم القنصلية والمختلطة، والمحاكم المختلطة سائرة على حسب ~~قوانين ونظامات موضوعة لا يمكن تغييرها أو تحويرها بدون رضى الدول الأوروبية جمعاء ~~وغيرها من الدول الأجنبية. ويرى اللورد كرومر أن الحين لم يحن بعد لمحاولة أي تغيير ~~جوهري في هذه الجهة؛ فلذلك لم تطلب حكومة جلالة الملك في الحال الحاضرة ms087 أي تغيير في ~~المحاكم المذكورة، على أنه عندما يأتي الزمن الذي تستعد فيه مصر لنظام قضائي يشبه ~~النظامات القضائية المتبعة في باقي الممالك المتمدنة فإننا نعتمد على مساعدة فرنسا ~~في الأخذ بناصرنا في عمل التغييرات الضرورية. ا.ه. # لقد رأينا إذن ما ترمي إليه مواد الاتفاقية الجديدة، فإن صندوق الدين الذي كان في الحقيقة ~~يحكم مصر قد حرم من كل حقوقه وامتيازاته؛ لأنه ظهر أن شعبا عدده اثنى عشر مليونا لا يليق ~~به أن يكون في أيدي جماعة من المرابين. نعم، لقد اكتشف الإنكليز سر الخدمة العظيمة التي كان ~~هؤلاء المرابون قائمين بها نحو مصر، وهي أن يقتصدوا لها مالا تستطيع به أن تخرج من غمرتها ~~التي وقعت فيها، فجاءت إنكلترا بالحجج والبراهين لتعوق عمل صندوق الدين، فتقول: «الآن قد ~~تغير كل شيء وصارت مصر مملكة ناجحة بواسطة الإصلاحات والتغييرات التي تمت في ماليتها؛ وحيث ~~إنه مضت سنون عديدة وفوائد الدين تدفع بانتظام؛ وحيث إن أصحاب الديون لا يمكنهم أن يدعوا ~~بأن ديونهم غير مضمونة وأن مركز مصر المالي مقلقل فإنكلترا لا ترى لهم حقا في إدارة شئون ~~مصر، وقد جاء الأمر الخديوي بضمانات قوية لدفع الأرباح بانتظام وصار صندوق الدين من الآن ~~كأي مصلحة من مصالح الحكومة، ولا نظن أن دولة من الدول تعارض في تنفيذ الأمر الخديوي بعد أن ~~صادقت عليه ألمانيا وبتنفيذ هذا الأمر تخرج مصر من تحت نير صندوق الدين.» وفي اتفاقية 8 ~~أبريل سنة 1904 تنازلت فرنسا عن كل حقوقها في مصر وهي الدولة الوحيدة التي كانت تخشى ~~إنكلترا معارضتها وتهاب مسابقتها في وادي النيل، وسيبقى النائب عن فرنسا في صندوق الدين ~~جالسا على كرسي الرئاسة ليراقب صندوق الدين، ولكنه غير مأذون بأن يقول كلمة واحدة تضر ~~بمصلحة إنكلترا في مصر. # ومن كلامنا المتقدم عن تلك الاتفاقية ترى أن المسألة المصرية قد تغيرت منذ 8 أبريل سنة ~~1904 تغييرا كبيرا يشبه التغيير الذي طرأ عليها يوم احتلال إنكلترا لها في سنة 1882، فإن ~~فرنسا تنازلت عن حقوقها ms088 في سنة 1882 تنازلا حقيقيا ولكنها بهذه الاتفاقية تنازلت تنازلا ~~رسميا، ولكن لهذا التغيير معاني شتى فإذا وفقنا إلى فهم المعنى الحقيقي لهذا التغيير ~~فإننا نكون في الحقيقة قد وفقنا إلى معرفة مستقبل مصر والمصريين. أما «المستعمر المتطرف» ~~فإنه لا يرى لهذا التغيير إلا معنى واحدا واضحا، ومن سوء حظه أن هذا المعنى يعميه عن كل ~~المعاني الأخر فيهملها. إنه المسكين لا يرى إلا تنازل فرنسا عن حقوقها لأنه يظن أنه لم يعق ~~إنكلترا عن وضع يدها على مصر تماما إلا خوفها من معاداة فرنسا، وحيث إن هذه المعاداة قد ~~زالت فلن تعود إنكلترا إلى التكتم والتستر في سياستها وسوف ينهض الأسد البريطاني من ربضته ~~ويهزأ بباقي الدول الصغرى ويضع يده القوية على فريسته التي كان ينتظرها من زمن، نقول - ~~وبقطع النظر عن أن إنكلترا تبرأت من مثل هذه النية السيئة وبقطع النظر عما أبناه من أن ~~امتلاك مصر يضر بإنكلترا ولا ينفعها - فإننا نقول إن هذا المستعمر المتطرف نسي المصريين ~~الوطنيين أو تجاهل وجودهم. # الفصل الخامس # | المصريون و«حياد» مصر # منذ عشرين سنة مضت كان يمكن لبعض الناس أن يتجاهلوا وجود المصريين أو يتناسوهم بدون خوف ~~من هذا التناسي أو ذاك التجاهل، ولكن مصر الفتاة قد تغيرت تغيرا عجيبا وتحورت تحويرا ~~مدهشا، فإن عشرين سنة قضاها المصريون تحت حكم دولة أجنبية عادلة ساعدتهم على إحياء فكرة ~~الوطنية وإنمائها، والمصريون اليوم يعلمون حق العلم أن لهم وظيفة وطنية تطالبهم بواجبات ~~يؤدونها، وغني عن البيان أن الطبقة العالية من المصريين تعلمت تعليما متقنا وتمكنت من ~~التشبع بروح المدنية الغربية، ومن حسن حظهم أنه لم تختلط روح المدنية التي تشربوا بها بماء ~~الذل الذي يقتل النفوس الزكية ويخنق العواطف الشريفة؛ ولذلك تربت فيهم غرائز حب فضائل ~~المدنية الغربية التي احتك بها أغلبهم في حياتهم المدرسية في مرسيليا ونيمز وباريس، فكانت ~~نتيجة ذلك أنهم تحققوا من أن أمتهم مطلوب منها أن تمثل دورها كأمة حية حرة كأي أمة أوروبية، ~~وهم يحسون بأن وقت تعليمهم ms089 قد انقضى وأنهم قد استغنوا عمن يتولى شئونهم غير أنفسهم. وقد ~~يصعب على مراقب أحوال الأمة المصرية أن يغض الطرف عن تلك العواطف الشريفة، وقد يدفعنا ذلك ~~إلى القول بأن أمة دبت فيها هذه الروح لا يمكن أنها تقف ساكتة راضخة عندما تحاول بريطانيا ~~أن تمتلك بلادها نهائيا. # وقد قلنا عن الأمة المصرية إنها أمة حية ونرجو أن لا يظن القارئ أننا أتينا بهذه الصفة في ~~وسط الكلام لأنها صفة ترن وتطن في الأذن بلا معنى حقيقي، ولا نود أن يظن القارئ بأننا نأتي ~~بهذه الألفاظ لنظهر قدرتنا في الكتابة كما يحاول المبتدئ إظهار بلاغته ليظهر للملإ غروره ~~وإعجابه بنفسه، إنما نحن نعني ما نقول ونقول ما نعني، ونسأل القارئ أن يعيرنا ذهنه لحظة ~~نفسر له فيها معنى كلمة «أمة حية» عندما يطلق ذلك الوصف على أمة أوروبية، لا نرى لنا مثالا ~~أحسن من أمثلة علم الأعضاء، ولا بد أن يكون القارئ قد سمع بالتجارب العديدة التي عملت على ~~أعصاب السمع والبصر، ولعل القارئ أيضا يعلم أن أعصاب هذين العضوين لا تختلف شكلا ~~وتركيبا، وأنها مصنوعة من نسيج واحد، ومع كل ذلك فإن أعصاب السمع لا تبصر وأعصاب البصر لا ~~تسمع، وكل قائم بوظيفة خاصة به، وعندما نصف هذه الأعصاب بأنها أعصاب حية فنحن نعني بذلك ~~الوصف أن كل عصب قادر على تأدية وظيفته الخاصة به، ولا يتمكن أبرع طبيب من أن ينيب هذا عن ~~ذلك في العمل. # فلنتحول إذن إلى التاريخ الأوروبي فإننا نشاهد أنه مبني من عدة وحدات حية وكل وحدة خلقت ~~لتقوم بعمل خاص ولتؤدي وظيفة معينة، ولا يمكنها أن تقوم بوظيفة غير وظيفتها، أو عمل سوى ~~عملها. هذه هي الحقيقة التي تفسر لنا سبب فشل كل الذين قاموا يرغبون تأسيس إمبراطورية عظيمة ~~في أوروبا تأخذ تحت أجنحتها كل تلك الوحدات المختلفة في المشارب المتباينة في المذاهب، فلما ~~نصف أمة بأنها حية فنحن نعني بهذا الوصف أنها فاتت الدور الذي كانت لا تعد فيه إلا قطعة أرض ms090 ~~على الخريطة الجغرافية، إن الأمة الحية هي الأمة التي تقدر أن تسير في طريق خاص بها تصل منه ~~إلى القوة والعظمة، ولا يمكن لأي أمة ثانية أن تجرها خلفها. وفي هذه الدرجة من حياة الأمة ~~تكون قد حصلت على غرائز سياسية وفنية واجتماعية ربما يمكن الضغط عليها بقوة خارجة مؤقتا، ~~ولكنها لا تموت أبدا ولا تطفأ شعلتها، وأن القوة التي تحاول أن تعوق أمة عن طريق تقدمها ~~الحيوي أو تسعى في خنقها فإنها بلا شك تخيب في سعيها وتفشل في عملها ولا تنال ما ~~ترغب. # إن تاريخ أوروبا ليس إلا تاريخ ثلاثين وحدة من هذه الوحدات التي لم يمكن تحويلها عن طريق ~~التقدم والارتقاء الطبيعي، ولدينا شواهد لا تعد ولا تحصى عن أمم ضغطت عليها القوى الأجنبية ~~القرون الطويلة وسحقتها تحت نير الظلم والاستبداد لتقتل سجاياها الوطنية ولتمزجها بنفسها ~~وتحرمها نعمة الوجود الحقيقي، ولكننا لم نعثر حتى الآن على ذكر أمة فاتحة نجحت في سحق أمة ~~ثانية وإخفائها من الوجود، فإنه حالما تحس الأمة المضغوط عليها بأن اليد الغريبة قد ضعفت عن ~~القبض عليها، إما لهزيمتها في حرب خارجية أو لضعفها وضجرها من القلاقل الداخلية، فإنها تهب ~~وتعيد إلى نفسها القوة التي فقدت في أسرع فرصة. # وقد دلنا التاريخ على أن صفات بعض الأمم التي ظن أنها ذهبت وتلاشت تعود ثانية بقوة أعظم ~~من القوة الأصلية، وربما كان تاريخ جزيرة البلقان كافيا للاستشهاد على ما نقول، فإنه لا ~~يشك أحد في أن الأتراك استعمروا أملاكهم البلقانية ببراعة وحذق ولا يخفى أن الأمة ~~العثمانية أمة حرب وطعن وضرب، فلما جاءت إلى جنوب أوروبا لقيت في جزيرة البلقان أمما شتى ~~صغيرة لا تقل عنها شدة وشهامة وعزة نفس وصبرا على الحرب والضرب، فلم يستعمل الأتراك الشفقة ~~والرحمة الواجبتين في استعمار تلك البلاد، ولولا القوة التركية الحربية العظيمة التي كان ~~أقل ما فيها فرق الانكشارية المنتظمة لما نجح الأتراك في إخضاع ولايات البلقان مؤقتا، على ~~أن الأتراك لم يدخروا وسعا قرونا طويلة في ms091 تقوية قبضتهم على تلك الولايات وطمس معالم ما ~~ليس تركيا ومحو آثار الوطنية البلقانية، ولكن من تحت ذلك الخضوع الظاهري الذي أظهرته تلك ~~الأمم الصغيرة خرجت قوة مدهشة عندما بدأ الأتراك يضعفون، وكلنا يعلم أن تلك الولايات قامت ~~الواحدة بعد الأخرى تطالب بحريتها مع كونها لا تزال حافظة لمزاياها الأصلية وسجاياها ~~الوطنية، وربما قد صارت اليوم أشد بها احتفاظا من الأمس، والذين يتكهنون بانقسام المملكة ~~العثمانية يقولون بأن السبب الوحيد لذلك الانقسام هو كونها قاومت النظام الطبيعي ولم تتبع ~~قواعده، فكلما تنقص الدولة العلية ولاية يكون ذلك النقص دليلا على أن أمة هبت بعد طول ~~الرقاد، وتحركت فيها صفاتها الوطنية، فنهضت تطالب بحياة حرة مستقلة عندما سنحت لها فرصة ~~الخروج من تحت نير الظلم والاستبداد. # ولا ندهش حينئذ إذا رأينا أن نقص الدولة العلية لا يزيد في أملاك الدول الأوروبية الأخر، ~~إنما يضيف إلى الخريطة الأوروبية أسماء أمم قديمة نسيناها ولم ينسها التاريخ، ولا يعقل أن ~~هذه الأمم بعد خروجها من تحت نير الأتراك تقبل صاغرة أن تدخل تحت نير أي دولة أوروبية أخرى؛ ~~لأنه لا معنى للخروج من مذلة إلى مثلها ومن صغار إلى صغار ... على أنه كانت أمام تركيا قبل ~~فتحها تلك الولايات عقبة عظيمة جدا غير وطنية هذه الأمم وهي اختلاف الدين، فإن إسلام ~~الأتراك ونصرانية البلقان لا يتفقان، فكان ذلك النفور أيضا سببا لتقوية إحساس الوطنية في ~~تلك الأمم المظلومة. فإذا نظرنا إلى تاريخ الأمم من هذه الجهة فإننا لا نجد تاريخا ألذ ~~وأفيد من تاريخ استقلال رومانيا وبلغاريا والصرب وولايات الرومللي. # وغني عن البيان أنه توجد في أوروبا ممالك أصغر شأنا وأحقر أمرا من ولايات البلقان ~~المستقلة، وقد نجحت هذه الممالك الصغيرة الحقيرة في الحصول على حريتها الوطنية، وهنا نذكر ~~القارئ بحكومة سان مارينو التي تفتخر بأنها أقدم مملكة في أوروبا، ثم نذكره بجمهورية أندورا ~~التي لا يزيد سكانها على 6000 نسمة، ثم بأمة الجبل الأسود التي هزأت بكل من حاولوا أن ~~يبتلعوها أو يخنقوها. ms092 فإن تأليف هذه الوحدات الحية هو الذي يجعل تاريخ أوروبا مخالفا ~~لتاريخ أي قارة من قارات العالم. على أن كلمة «حية» هي مفتاح الوادي العظيم الذي يفصل بين ~~وحدة أوروبية صغيرة كصربيا وبين مملكة آسيوية كبيرة كمملكة «تيبت»، فإن قوى تركيا الحربية ~~والسياسية لم تستطع أن تقتل روح الوطنية الصربية ولكن قبضة من الجنود الإنكليزية ومثلها من ~~الجيش الهندي لم تفشل في إخضاع التيبت وخنق روح وطنيتها ... # إن أوروبا عامة وإنكلترا خاصة لا تتخيل أن مصر لا تزال في درجة «تيبت»، فإن الأجيال التي ~~مضت على الأمة المصرية وهي تتعلم التعليم الغربي وتفكر بالطريقة الغربية قد أنارت عقلها ~~وجعلتها تحس بوطنيتها كما يحس الأوروبي بوطنيته، ولقد أقنعت الحرب الأخيرة بين إنكلترا ~~والبوير كل إنكليزي بأن كل شعب سائر على النموذج الغربي لا يمكن إطفاء جزء من شعلته إلا بعد ~~إنفاق القناطير المقنطرة من الذهب وإزهاق الآلاف المؤلفة من النفوس الزكية. هذا وإذا بلغت ~~المسألة بين مصر وبريطانيا إلى الحرب فإننا نحقق للقارئ أن إنكلترا تلقى في محاربة مصر ~~صعوبات شتى مخالفة للصعوبات التي لقيتها في محاربة جمهوريات جنوب أفريقيا. # ولنترك الآن البحث في المسائل الحربية جانبا ولنفرض أننا بلغنا نهاية الحرب وأن النصر ~~عقد لإنكلترا على مصر وأن الوقت جاء لعقد محالفة الصلح فتكون إنكلترا حينئذ قد أحست بوجود ~~وطنية مصرية فلا تحاول أن تنال حق الحكم بالقوة الجبرية لعلمها بأن مثل هذا العمل يخضع ~~الشعب الهائج طرفة عين حتى يستعد لنهضة ثانية، على أن إنكلترا لم تتخذ في حياتها سياسة مثل ~~هذه السياسة الخرقاء، ولم تحاول مرة في العمر واحدة أن تحكم الأمم بالتهديد والشدة، إنما هي ~~تسلك طريقا واحدة وهي أنها بعد أن تحوز النصر على عدوها تستميله بإكرامه وتقديره حق قدره ~~وهذه هي الطريق التي سارت عليها بعد عقد معاهدة «فيمر ينينج»، فإنها صرحت للبوير بأن نوالهم ~~الحكومة النيابية متوقف على حسن سلوكهم لمدة معينة، فإذا انقضت هذه المدة يصير الشعب ~~البويري أمة محالفة لإنكلترا، فيكون مثلهم ms093 كمثل أستراليا وكندا، يدبرون حكومتهم الداخلية ~~بأنفسهم ولكن يضعون سياستهم الخارجية في أيدي بريطانيا العظمى، ولا يسمح لنا المقام بالبحث ~~فيما إذا كان الوصول إلى هذه النتيجة من الممكن بدون ما أنفق من المال ومن قتلوا من الرجال ~~أم لا. # ولنفرض أن إنكلترا تحققت من الوطنية المصرية وأرادت أن تعامل الشعب المصري كما عاملت غيره ~~من الشعوب التي كانت خاضعة لها - أي معاملة الصديق الأكبر للصديق الأصغر - فما هي المكافأة ~~التي تعطيها إنكلترا لمصر تعويضا لها عن استقلالها الذي اغتصب منها زمنا؟ فهل تمنحها ~~استقلالا إداريا؟ وإذا منحتها فما يكون نوع هذا الاستقلال؟ إنا لا نرى لمصر نفعا في ~~تأسيس حكومة نيابية في بلادها لأنها لا تفهمها ولا نريد أن تفهمها، فإن العقل المصري لا ~~يزال شرقيا والعقل الشرقي عاجز بطبيعته في الزمن الحاضر عن فهم الحكومات النيابية ... نعم! ~~إننا نعلم أن في مصر مجلسين نيابيين يشبهان مجلس العيان ومجلس العموم، ولكن هذا النظام ~~النيابي في مصر ليس إلا خيالا للنظام النيابي الحقيقي، على أن الأمم المختلفة توافقها ~~نظامات مختلفة، وقد أنكر الساسة منذ زمن الرأي القائل بأن مثل الأمة ونظام الحكومة كمثل ~~الشخص والكساء يمكنك أن تلبسه إياه كيف شئت، فإن بريطانيا منحت البوير حق الحكومة النيابية ~~لأنها رأت أن هذا الشعب أظهر قدرته على فهم هذا النظام في استقلاله، فمنح إنكلترا لهذا ~~الشعب هذا النظام يعد منها كرامة وفضلا، ولكن ما معنى مثل هذه المنحة لمصر ومصر لم تظهر ~~ميلها لها ولم تحتج إليها إلى الآن، على أن منح الحكومة النيابية لا يخفف آلام مصر ولا يذهب ~~بالمذلة التي سببها احتلال الأجانب لها، ولا يعوق المصريين عن المطالبة بحقوقهم عندما يرون ~~في نفوسهم الكفاءة لذلك. # نظن أننا قد استطردنا كثيرا ويجب علينا أن نذكر سنة 1912 التي ربما تكون من أهم السنين ~~في تاريخ القطر المصري، فإن القارئ يذكر النبذة التي اقتطفناها من كتاب المركيز لانسدون ~~التي يشير بها إلى أن مصر بعد هذه السنة ستكون قادرة على ms094 سداد ديونها كلها، وغني عن البيان ~~أن ثروة مصر الآن تمكنها من وفاء ديونها، فإذا فرضنا أنها لم تصنع ذلك فإنها بلا ريب تكون ~~قادرة على تبديل ديونها وتوحيدها لتقلل من ربح تلك الديون، فتضيف بذلك مبالغ طائلة إلى ~~ثروتها، وإذا لم يستطع المصريون أن يسددوا كل ديونهم فإنهم على الأقل يغيرون مركزهم المالي ~~حيال أوروبا تغييرا كليا. ولنفرض إذن أن المصريين سددوا أغلب ديونهم فإذا تم ذلك فنحن لا ~~نرى أن لأحد حقا شرعيا في منعهم عن تقديم عريضة إلى إنكلترا أو من ينوب عنها في مصر ~~فحواها ما يأتي: # نحن المصريين نعترف من صميم أفئدتنا بكل الأعمال النافعة التي قامت بها الحكومة ~~البريطانية نحونا، ونحن لا نود أن نصغر من شأن الخدم الجليلة التي قامت بها إنكلترا ~~في سبيل إدخال الترتيب والنظام في إدارتنا ومساعدتنا في حماية حدودنا من هجوم ~~الفاتحين. ولا نود أن نخفي اعترافنا بجميلها، وإننا متحققون من أن الحكومة ~~الإنكليزية لم تحاول مرة أن تقتل الوطنية المصرية أو تمسها بسوء، ونحن نحترم عهد ~~الاحتلال الإنكليزي الذي كنا ننظر إليه نظر القاصر إلى ولي الأمر أو نظر المتعلم ~~إلى الأستاذ؛ لأن إنكلترا لم تستفد في الحقيقة مباشرة من مالية مصر أو قوتها، مع أن ~~بلادنا تقدمت تقدما باهرا ولا تزال سائرة في طريق النجاح، وقد يجرؤنا اعتقادنا ~~بأن علاقة إنكلترا بنا لم تكن إلا علاقة ودية على أن نذكر بريطانيا العظمى بأننا في ~~زمن حمايتها قد سلكنا سلوكا حسنا وعملنا جهد طاقتنا في الوصول إلى الغاية التي ~~كانت تتمناها لنا إنكلترا، ونرى أننا قد بلغنا رشدنا، وجاء الوقت الذي يمكننا فيه ~~أن نطلب فيه حكم أنفسنا بأنفسنا، وقد حررنا بلادنا من أغلب ديننا، وبذلك رفعنا ~~الحمل الثقيل الذي أنقض ظهرنا، ونعشم أن نجاح بلادنا الماضي ونظام ماليتها يضمنان ~~لنا دفع المتبقي من الدين والفائدة، ونحن نكرر شكرنا وثناءنا على بريطانيا العظمى ~~ونذكر لها أن الساعة قد أتت التي يمكن للإنكليز فيها أن ينسحبوا بسلام، فيستفيدوا ~~ويفيدوا ms095 ويتركوا مصر تحكم نفسها بنفسها، ونود أن نحيط الحكومة البريطانية علما ~~بأننا لا ننوي أن ننكر على إنكلترا حق ملكيتها للسودان ولا نود أن نمس هذه الملكية ~~بما يضعفها أو يقلل نفوذها. # فلو عرض المصريون عريضة مثل هذه العريضة، وشرحوا فيها حقيقة الحال، وتأدبوا في ألفاظها كل ~~التأدب حتى لا تشتم منها رائحة مس الكرامة، فإننا لا نظن أن الغيظ يلحق بساسة الإنكليز، ولا ~~نظن أنهم يجيبون بغير ما يرضي مصر والمصريين، على أن المسألة قبل اتفاقية 8 أبريل 1902 كانت ~~مختلفة كل الاختلاف، وكان من الممكن أن يرمي الإنكليز فرنسا بتدبير مكيدة هذه العريضة، أما ~~الآن فهذا الظن أبعد من القطبين؛ لأنه لا مكان للشك في إخلاص الفرنسويين وحسن نيتهم بعد ~~تنازلهم عن حقوقهم في مصر، فقد رأينا أن انسحاب فرنسا من مصر؛ ليس فقط لأن هذا الانسحاب ~~يوافق خطة سياستها الخارجية؛ بل لأنها أخذت له ثمنا عظيما جدا. # وفي هذه الحال لا يستطيع أي أن يهمز الأسد البريطاني ويوعز إليه بأن هذه العريضة ليست إلا ~~هجوما أدبيا على أملاكه وغنائمه؛ لأن الأسد البريطاني يرى أنه بمنح المصريين ما التمسوه ~~لا يفقد شيئا بل يستفيد كثيرا. # قلنا فيما مضى أن حربا بين إنكلترا ومصر ربما تعود بمصائب لا يهزأ بها ولم تكن للإنكليز ~~في الحسبان. على أنه لو شبت نار تلك الحرب وفاز فيها الإنكليز فإنها لا تفيد إنكلترا ولا ~~تنتج لها نتيجة محمودة؛ لأنها تخرب التجارة المصرية وتدمر المركز المالي الذي شادته إنكلترا ~~في مصر. على أننا رأينا أن إنكلترا لا تمارس صناعة الاستعمار إلا بتساهل وتسامح. فما تكون ~~نتيجة تلك الحرب التي تضعف إنكلترا وتفقر مصر، فهل تعود إنكلترا وتطالب برجوع الحالة ~~السياسية في مصر إلى ما كانت عليه مع علمها بأنها لا تنال حقوقا تجارية أكثر من الحقوق ~~التي تنالها لو كانت مصر مستقلة ومفتوحة لتجارة الأمم كلها، ونحن لا نرى للحرب معنى إلا إذا ~~كانت إنكلترا سائرة في سياستها الاستعمارية على الدرب الذي تسير عليه ms096 فرنسا، أي أنها تضم ~~البلاد التي تفتحها إلى الإمبراطورية فتصير تلك المستعمرات ولايات خاضعة تمام الخضوع، فإن ~~الحرب حينئذ يكون لها سبب معقول، كأن تكون مصر قد شقت عصا الطاعة فجاءت إنكلترا تعيدها إلى ~~حظيرتها. ومع ذلك فإن الحال إذا كانت كما ذكرنا أي أنه لو كانت مصر ولاية خاضعة منضمة إلى ~~الإمبراطورية البريطانية، فإن إنكلترا يجب عليها أن تنظر في نفقات الحرب وتقارنها بالمنافع ~~التي تحصل عليها بعد الفوز الكبير، ولكن حيث إن إنكلترا تمنح رعاياها الحرية والاستقلال ~~الداخلي بعد أن ترى فيهم الكفاءة؛ لذلك فنحن لا نرى الفائدة التي تستفيدها بعد الحرب، وهذا ~~هو ما حدث بعينه في جنوب أفريقيا، ولا نظن أن إنكلترا تعود إلى محاربة البوبر ثانية؛ لأن ~~الشعب الإنكليزي الذي قام في أول الأمر بنفقات الحرب لا يقوم الآن لعلمه بأن العاقبة ~~الثانية تكون كالعاقبة الأولى عقيمة وخيمة. # نقول: ولو أن العريضة التي ذكرناها سابقا تؤدي إلى قطع العلائق بين إنكلترا ومصر فمن ~~الصعب جدا أن نتكهن بنتائج الحرب ونحن لا ندري أي طريق تتبعها مصر، ولا نستطيع أن نتنبأ ~~بالقوة الحربية التي يستطيع المصريون دفعها إلى ميدان الوغى، ولا نغالي في المقال إذا قلنا ~~إن مصر لا تلبث أن تحس بعداء إنكلترا حتى تطلب من الحبشة مساعدتها، ولا نظن أن الحبشة ~~تعيرها أذنا صماء، فإن الأحباش يعلمون حق العلم أن استيلاء إنكلترا على مصر إن لم يكن ~~الخطوة الأولى في سبيل الاستيلاء على بلادهم، فإنه بدون شك يؤدي إلى سلب حرية الحبشة ~~وإخضاعها؛ لأنهم يكونون حينئذ محاطين بأملاك إنكلترا من كل جانب، دع ما تكنه صدور الأحباش ~~من الكراهية والاحتقار للأوروبيين عامة، سيما بعد يوم «عدوه»، ولا يبعد أن يستنهض المصريون ~~قوة المهدي المنتشرة في أواسط أفريقيا التي لحقها سبات عميق لا بد أن تفيق منه. كل هذه ~~مسائل لا نستطيع الآن البحث فيها، إنما نقول إن حربا مصرية إنكليزية تؤدي إلى صعوبة جمة، ~~ولو أن إنكلترا تغلبت على تلك الصعوبات فإن ثمرة الحرب ms097 أن تعادل ما تقوم به من ~~النفقات. ~~••• # قد بدأت نهاية العمل الذي انتدبنا أنفسنا للقيام به، وقد نظرنا إلى المسألة المصرية من كل ~~جهاتها واعتبرناها عاملا مهما من عوامل السياسة الأوروبية، وفحصنا نتائج الأعمال التي ~~قام بها الاحتلال، ومع أننا ذكرنا الفوائد والمنافع التي استفادت وانتفعت بها مصر في عهد ~~حماية بريطانيا، فإننا أشرنا إلى الصعوبات الهائلة التي تعترض من يود بقاء الحال الحاضرة ~~على ما هي عليه زمنا طويلا، وقد رأى القارئ أننا حاولنا جهد طاقتنا أن نقف موقف الحكم ~~العادل المحايد الذي لا يميل عن الحق لينصر الباطل أو يمدح فردا ليذم آخر، ونظرنا إلى ~~المسألة من جهة المنافع والمضار السياسية ضاربين صفحا عما يلتبس على القارئ من الأبحاث، ~~ومن حسن الحظ أن كل أبحاثنا في أي جهة كانت أدت كلها إلى نتيجة واحدة وهي أن المسألة ~~المصرية لا تقبل إلا حلا واحدا مهما طال الزمن، وهذا الحال زيادة عن أنه يفيد كل الدول ~~التي لها علاقة بالمسألة المصرية، فإنه يكون أبدا ثابتا، ولقد رأينا أن ارتباك النظام ~~القضائي من أهم الصعوبات التي تجعل الحال السياسية الحاضرة في مصر لا يحسن السكوت عليها، ~~وقد أظهرنا أنه لا توجد دولة أوروبية قادرة على تحسين حال ذلك النظام لتزيل مكان الشكوى ~~الكبرى من الحكومة المصرية؛ لأن القضاء إذا لم يكن على أحسن ما يرام فإنه بلا شك يقف عقبة ~~كئودا في طريق التقدم المالي. # على أن التنافس الدولي يعوق دول أوروبا جمعاء عن أن يتفقن ويتنازلن عن امتيازاتهن وحقوق ~~قنصلياتهن في القضاء لإنكلترا، ويبعد كثيرا أن إنكلترا تطلب منهن التنازل عن تلك الحقوق؛ ~~لأن مثلها يكون كمثل الملتمس قبسا في الماء زيادة عما يسببه ذلك الطلب من الكراهية ~~والعداء. # وقد أظهرنا خطأ حرمان مصر من حقوقها التي تمنح للأمم الحية مع أن تلك الحقوق تمنح لأمم ~~غيرها لا تدانيها في المدنية، وكثيرا ما تكون هذه الأمم مسيحية، ونحن لا نظن بأن الدول ~~المتحدة يرفضن طلب مصر إذا سألتهن أن تنضم ms098 إليهن وأن يعاملنها كواحدة منهن، ولكن هذا الطلب ~~لا يكون له وقع حسن إلا إذا كانت مصر مستقلة، ونحن لا نزال مصرين على النتيجة التي استدللنا ~~عليها بالبحث الطويل، وهي أننا لا نستطيع أن نغض الطرف عن الحقيقة الواضحة لكل إنسان وضوح ~~الشمس في رابعة النهار، وهي أن مصر قد بلغت الدور الذي يخول لها حق أن تكون عضوا حيا من ~~ممالك أوروبا، وقد ذكرنا أنها إذا بلغت ذلك الدور من القوة والنمو فلا توجد في العالم كله ~~قوة تقدر على تحويلها عن طريق تقدمها الطبيعي. # ولا نظن أن من له اختلاط بالدوائر الوطنية في مصر ينكر في قلبه أن الأمة قد تنبهت إلى ~~وظيفتها الوطنية، ولا ينكر السرعة الشديدة التي ترسخ بها أقدام ذلك التنبه في قلوب الشبيبة ~~المصرية، رب قائل يقول إنه من الممكن أن تكون فكرة «حق البقاء كأمة مستقلة» لم تتمكن من ~~عقول المصريين ولم ترسخ في أفئدتهم بدرجة تضطرهم إلى المطالبة بحقوقهم حالا مهما كلفتهم ~~تلك المطالبة، نقول: نحن لا نشك في أن كر الأيام ومر الأعوام يؤديان إلى إنماء تلك الفكرة ~~في عقولهم، وذلك يصل بهم إلى النتيجة المقصودة على أن السياسي البارع هو ينتهز الفرصة ويقبض ~~عليها من ناصيتها فلا يفوتها ولا يدعها تفر منه؛ لأنه لو تأنى لرأى ما لا يسره مع طول الزمن ~~فيلتمس من ورطته مخرجا فلا يجد، فخير له أن ينظر بمنظار الحكمة إلى المستقبل فيرسم خطته ~~وفقا لما يراه آتيا ... ولقد أظهرنا بكل ما في وسعنا بواسطة البحث المنطقي والأدلة القاطعة ~~والبراهين الحاسمة أن الاحتلال البريطاني يضر بمصر في المستقبل كما نفعها في الماضي، وأن ~~بريطانيا بعد تنازل فرنسا عن حقوقها فقدت كل حق في وادي النيل، وقد أظهرنا أن إبدال هذا ~~الاحتلال بامتلاك دائم يضر بمصلحة إنكلترا لو أنها نجحت في ذلك. وعددنا الفوائد الجمة التي ~~تستفيدها إنكلترا من انسحابها من ذلك المركز الكاذب الذي يستفحل خطبه يوما فيوما، ويلوح ~~لنا أن الساعة التي تستطيع إنكلترا أن ms099 تنسحب فيها قد حانت، فإذا انسحبت بريطانيا العظمى ~~بدون ضغط فيكون ذلك الانسحاب أكبر دليل على حسن نيتها نحو مصر قبل الاحتلال وبعده. # وسنبحث فيما بقي من هذا الفصل في الخطة التي تسير عليها مصر في المستقبل وسنستشهد بحوادث ~~الأمم والممالك التي حدث لها ما حدث لمصر تماما، ونشرح الطرق التي حلت بها مسائل تلك ~~الأمم، وبعد ذلك نكون قد حصلنا على قانون عام نستطيع أن نستخرج منه قاعدة خاصة نطبقها على ~~الحال الحاضرة في مصر، وغني عن البيان أن بحثنا في هذا الموضوع سيكون بحثا تاريخيا، ~~فنستميح القارئ عذرا إذا أتعبناه بذكر بعض المقدمات التاريخية؛ لأنها هي الأساس الوحيد ~~الذي يمكننا أن نبني عليه بناء متينا، وقد ابتعدنا عن تقرير الحقائق العقلية لأنها كثيرا ~~ما لا تقنع القارئ ولا تترك في نفسه أثرا. ونحن نشاء أن نظهر بوضوح تام أنه لم يوجد ~~للمسائل الأوروبية التي تشبه المسألة المصرية إلا حل واحد يمكن الاعتماد عليه. على أن هذا ~~الحل الذي حلت به تلك المسائل لم يكن نتيجة بحث علمي؛ بل كان نتيجة الضرورة السياسية؛ ولذلك ~~كان معقولا مقبولا أضف إلى ذلك أنه أدى إلى الغاية المطلوبة. # إن أول نظرة في ميدان تاريخ أوروبا تقنع الناظر بأنه ينظر إلى وادي التيه؛ لأنه يرى كل ~~شيء مرتبكا مضطربا متناقضا متباينا ييأس من الخروج من هذا الوادي بفائدة تذكر لأنه لا ~~يجد قاعدة يستطيع بها أن يحكم على الحوادث والحقائق، ولكن بعد زمن قليل تزول تلك الغشاوة عن ~~ذلك المنظر التاريخي وتبتدئ عين الناظر ترى صورة واضحة فتختفي من أمامه المسائل الصغرى ~~وتتوارى في أخريات الصورة، وتقف أمامه المسائل الأولية الكبرى بوضوح وجلاء يرى الناظر أن ~~الجدير بالإمعان هو دولتان أو ثلاث، ليس إلا، وأن ما يطرأ على تلك الدول الثلاث من الجذب ~~والدفع ليس إلا نتيجة التغير الذي يلم بها، فمنذ أوائل القرن السادس عشر كانت تلك الدول ~~الثلاث؛ هي: فرنسا، وإمبراطورية ألمانيا، وإسبانيا وبعد ذلك بقليل بدأت روسيا بالظهور، ومن ~~الغريب ms100 أنه مهما طرأ على تلك الدول من التغيير فإن عددها لا يقل، على أن تلك الدول دائما ~~في حرب عوان لتزاحم منافعها واشتباك مطامعها، فترى مرة فرنسا تتحد مع إسبانيا على ألمانيا ~~ثم ترى مرة أخرى إسبانيا وألمانيا متحدتين على فرنسا، وقد يظن غالبا أن الدولة الثالثة ~~المهجورة التي تتحد عليها الدولتان الأخريان تئول إلى الفناء، ولكن هذا الظن لا يصدق أبدا، ~~فإننا لم نر دولة أوروبية كبرى أثمر سعيها وتحققت أمانيها بسحق عدوتها. # فكانت النتيجة أن احتياج تلك الدول المتحاربة إلى السلام يشتد كثيرا لما يلحقها من ~~الضعف، وإن لم يكن السلام سلاما نهائيا فإنه يكون على الأقل هدنة، ولم يكن يعقل حينئذ أن ~~أحد المتحاربين يسلم لعدوه فيما كانا يتحاربان من أجله، وكان البعض يحسب أن هذه الحروب ~~الأوروبية تدوم إلى الأبد حتى تفني الأمم بعضها بعضا، ولكن الزمان لم يحقق هذا الحسبان ولم ~~تنجح أمة أوروبية في سحق أمة أخرى، ولم تجد أوروبا حينئذ لمسألة الحروب إلا حلا واحدا، ~~وهو أن يتنازل المتحاربان عما سبب النزاع بينهما وتترك كل دولة حقها فيه لتضمن سلامة ذاتها ~~وسلامة جارتها، وهذا هو تفسير ما نراه على الخريطة الأوروبية من الأسماء الصغيرة التي لا ~~تعد شيئا، هذه الممالك الصغرى هي هياكل السلام والسكون التي كانت تحوم حولها عفاريت الشر ~~وشياطين الحرب والنزاع، وكل ناظر إلى خريطة أوروبا يرى أنه بين كل دولتين أو ثلاث من الدول ~~الكبرى «منطقة على الحياد» مثل سويسرا وبلجيكا وغيرها، وتستفيد الدول من تلك المناطق ~~فائدتين: الأولى أنها تحتمي بها من الاحتكاك ببعضها، والثانية أن في تلك المناطق المحايدة ~~من المواقع الحربية ما لو كان في يد دولة لجعل جاراتها في هلع وفزع، ويعجز القلم عن عدد ~~الحروب التي قامت للحصول على هذه المناطق، ولكن بعد أن أنفقت كل دولة مالها وقدمت رجالها ~~للموت في ميدان الوغى واقتنعت باستحالة الحصول على الأرض المتنازع عليها رأت أن تغمد الحسام ~~ليسود السلام. # وليس تاريخ أوروبا إلا صحيفتين: صحيفة كتبت ms101 بدماء الأبطال، وصحيفة كتبت بحكمة الحكماء ~~الذين نصحوا إلى دولهم فكفت عن حروب لم يكن وراءها إلا الخراب. ولنتقدم الآن إلى الاستشهاد ~~بالحوادث التاريخية، فنقول: لو نظر القارئ معنا لحظة في سياسة فرنسا من أوائل القرن السادس ~~عشر إلى يوم عقد معاهدة فينا سنة 1815، يرى أن السياسة الفرنسوية لم تكن تسعى إلا إلى غرض ~~واحد، وهذا الغرض هو الذي وضعه لويس الرابع عشر، وهو أنه يجب على الفرنسويين أن يبسطوا ~~فرنسا إلى حدودها الطبيعية، وهي الحدود التي وضعها لها يوليوس قيصر. ولا ينقص فرنسا من تلك ~~الحدود إلا أنها تمتد إلى نهر الرين شرقا ومن ينظر في الخريطة لا يرى أن هذا العمل شاق أو ~~صعب التنفيذ؛ لأن المساحة المطلوبة ليست عظيمة جدا، ولكن فاتت ثلاثمائة سنة طويلة لم يقف ~~فيها العمل نحو هذا الغرض يوما واحدا ولا تزال الأمنية بلا تحقيق، ولم يكن هذا الفشل ~~لاحتياج فرنسا لكبار العقول؛ لأن ساستها في ذلك العهد كانوا من أكبر وأبرع ساسة العالم، ومن ~~منا لا يحفظ اسم «ريشيلو» و«مازاران» ومن جاء بعدهم من الذين رفعوا شأن فرنسا وجعلوا ~~سياستها نموذجا لسياسة العالم، حتى إننا لا نزال حتى الساعة نرى في السياسة الأوروبية آثار ~~عقول جيانين وديافوكس وليون. # ولسنا في مقام يسمح لنا بذكر النظام العجيب الذي سارت عليه جندية فرنسا وجيوشها، وهل على ~~ذلك دليل أكبر من أن الاصطلاحات الحربية الفرنسوية لا تزال مستعملة في الجيوش الأوروبية إلى ~~يومنا هذا؟ ولسنا في حاجة إلى ذكر أسماء أبطال فرنسا وقادة جيوشها العظام؛ أمثال كونديه، ~~ولوكسمبرج، وفيلارس، وكايتنان، وفندوم وغيرهم ممن يعطر ذكرهم صحف التاريخ، وبهذه العقول ~~وهذا الترتيب وهؤلاء القواد مع ما يتبع ذلك من النفقات لم تستطع فرنسا أن تصل إلى حدها ~~الطبيعي، فكانت إذا دنت من الرين من جهة أقصاها أعداؤها عنه من جهة أخرى ولم يظهر للعدوين ~~المتحاربين أن مسألة الرين تحل حلا يرضيهما كليهما، ولم يهدأ روع فرنسا ساعة لأنها لم تكن ~~لتقنع بحد غير نهر الرين؛ لأن ms102 ذلك كان يجعلها دائما في خوف وقلق من عدو مهاجم يلحق بها ~~ضررا قبل أن تتنبه لأمرها. وهكذا استمرت الحرب وكانت إذا انقطعت يوما دامت عاما، ولم يكن ~~هذا الانقطاع إلا ليتنفس المتحاربان الصعداء، ويأخذان أهبتهما لما تأتي به الأيام، وبعد أن ~~كانت الأرض المتنازع عليها طيبة خصبة أصبحت قاحلة جدبة بعد أن أنهكها مرور الجنود وحرق ~~الشجر واستقت أرضها دماء البشر. # ولم تأت أمة قوية تستطيع أن تسحق فرنسا فتتخلى عن أغراضها، ولم تكن فرنسا بما لديها من ~~الحول والطول قادرة على أن تسحق عدوها فلا يبقى على إضراره في مقاومتها وعنادها. واستمرت ~~الحال على ذلك حتى جاء نابوليون بونابرت. ومن الغريب أن نابوليون بقوته وقدرته وعزمه وحزمه ~~لم يستطع أن يستولي على البلاد المتنازع عليها إلا أمدا قصيرا، ففي عام 1810 كانت هولاندا ~~وبلجيكا كلتاهما تابعتين لفرنسا، ولكن معاهدات 1814 و1815 حلت ما ربطه نابوليون وقلعت ما ~~زرعه ولم تحل هذه المشكلة المعضلة إلا في سنة 1831؛ لأنه في هذه السنة انتهى الزمن الذي ~~كانت فيه تخوم فرنسا ملاصقة لحدود ألمانيا تمام الملاصقة، وما كان أحوج هاتين الدولتين ~~العظيمين إلى مملكة صغيرة بينهما تمنعهما من الالتصاق والاحتكاك؟ ففي عام 1831 باتفاق الخمس ~~دول العظام (النمسا، وبريطانيا، وفرنسا، وروسيا، وبروسيا) منحت بلجيكا حريتها وصارت مملكة ~~محايدة. وبهذه الوسيلة سد باب كبير في وجه من يود مهاجمة فرنسا. وفي عام 1839 قبلت هولاندا ~~بحياد بلجيكا وصادقت عليه بعد أن اعترفت به. # وفي سنة 1867 اتفقت الدول العظام السابق ذكرها ومعها إيطاليا ومنحت الحرية والحياد لدوقية ~~لوكسمبرج. فسد باب ثان في وجه أعداء فرنسا، وغني عن البيان أن هولاندا ممنوحة حق الحرية ~~والحياد إن لم يكن رسميا فعرفيا. على أن إنكلترا على أهبة الاستعداد لمحاربة من يحاول ~~سلب حرية هذه المملكة أو يمس حيادها، وما حدث في حدود فرنسا الشمالية حدث في أمكنة أخرى، ~~ولا يخفى أن حول هولاندا وبلجيكا ولوكسمبرج توجد إنكلترا وفرنسا وألمانيا، وبحيادها سلمت ~~تلك الدول الصغرى وسلم ما ms103 حولها من الدول الكبرى. وكأن هذه القاعدة قد صارت من قواعد ~~السياسة الطبيعية، فإنك حيث ترى ثلاث دول كبرى ترى أنه من الضروري وجود مملكة حرة محايدة ~~بينهن لولاها لاستمر النزاع والعراك بين دول أوروبا وبقي سلامها مهددا. وسنشرح فيما يأتي ~~معنى حياد هذه الممالك. ومن أهم تلك الممالك المحايدة في أواسط أوروبا جمهورية سويسرا، وقد ~~منحت هذه الجمهورية حريتها وحيادها في أواسط القرن السابع عشر تقريبا، وصودق على معاهدة ~~حيادها أخيرا في معاهدة فينا سنة 1815، وقد جاءت سويسرا فاصلا بين فرنسا وألمانيا ~~وإيطاليا، ومما يدل على احترام هذه الدول الكبرى لحياد تلك الجمهورية الصغيرة أن القائد ~~بورباكي لما عاد ببقية الجيش الفرنسوي في عام 1871 لم يمر بسويسرا وفي جيشه سيف مجرد أو رمح ~~مشروع. # لا يخفى على القارئ أنه بموت تشارل الثاني ملك إسبانيا وارتقاء أسرة بوربون إلى العرش ~~انحلت عروة الاتحاد التي كانت تربط إسبانيا بالإمبراطورية الرومانية المقدسة ضد أسرة ~~الهابسبرج وحل البغض محل العداء بينهما. وكان شمال إيطاليا بين الدولتين فكانت أملاك ~~إسبانيا الإيطالية عرضة لضربات الإمبراطورية الرومانية كما كانت أملاك الإمبراطورية ~~الرومانية تحت رحمة إسبانيا، وكما أن فرنسا والإمبراطورية عجزتا كلتاهما عن الحصول على ~~هولاندا وبلجيكا، كذلك عجزت إسبانيا والإمبراطورية الرومانية المقدسة كل عن وضع يدها على ~~الأرض المتنازع بشأنها في شمال إيطاليا. فكانت النتيجة من هذا النزاع تشبه كل الشبه النتيجة ~~التي حدثت عن النزاع الذي قام بين فرنسا والإمبراطورية فساد، الصلح بعد أن تنازلت الدولتان ~~عن حقوقهما وتركتا مكان النزاع حرا محايدا. # وهنا لا نغفل ذكر جمهورية البندقية، فإن هذه كانت أيضا سببا للنزاع بين إسبانيا ~~والإمبراطورية؛ لأن مركزها الحربي كان لا يترك إسبانيا في مأمن من الأذى إذا كانت فينيسيا ~~في أيدي الإمبراطورية والعكس بالعكس. ويجدر بنا في هذا المقام أن نذكر الدنمرك وما أشيع ~~بشأن منحها الحرية والحياد قريبا. فإن هذه المملكة الصغيرة هي في الحقيقة مفتاح بحر ~~البلطيق فهي تصلح قاعدة حربية للدخول إلى هذا البحر من بابه الخلفي المسمى ms104 «قنال كيال»، ولا ~~يخفى أنه ما دامت الدنمرك قادرة على العمل بمفردها فإنها تكون أبدا من أسباب قلق ألمانيا ~~وفزعها، فإن أي دولة تفوز بالاتفاق مع الدنمرك تستطيع في الحال أن تضع يدها على مدخل «بوغاز ~~الكاتيجات» فتصير على قيد ذراع من مدخل قنال كيال وحينئذ تستطيع أن تقطع المراسلات ~~الألمانية البحرية بين بحر الشمال وبحر البلطيق. # ولو فرضنا أن ألمانيا اتحدت مع الدنمرك وكانت قوتها البحرية تكفي لتنفيذ أغراضها فإنها ~~تغلق باب البلطيق في وجه من لا تحب، فيرى القارئ أن حياد الدنمرك من أنفع الأمور لكل الدول ~~الواقعة حول هذه المملكة الصغيرة، وأقل منافع هذا الحياد أنه يهدئ بال الدنمرك ويجعلها في ~~مأمن من الأخطار التي تتهددها في كل حين، وتتمتع ألمانيا بحرية العبور في البلطيق والخروج ~~منه والدخول إليه، وهذه النعمة لا تنال إلا بحياد الدنمرك، فإنها إن لم تكن حرة محايدة ~~يتيسر لها في أسرع وقت أن تحبس أساطيل ألمانيا في البلطيق أو تحرمها من الدخول إليه. وإذا ~~منحت الدنمرك حيادها وحريتها فإنها تكون حلقة من سلسلة الحياد الأوروبي المركب من لوكسمبرج ~~وهولاندا وبلجيكا وسويسرا. دع ما تستفيده الروسيا وألمانيا وإنكلترا من هذا الحياد لأنه ~~يفصلهن ويعوقهن عن الاحتكاك والالتصاق. وقد اقترح في تلك الأثناء أيضا حياد السويد ~~والنرويج، وقوبل هذا الاقتراح في مجالس هاتين الدولتين بالرضاء والسرور، ولكن الأمر يحتاج ~~إلى رضاء دول أوروبا جمعاء. # وسنظهر للقراء أنه حيث توجد ترعة كقنال السويس ممنوحة حق الحرية والحياد يجب أن تكون ~~المملكة المجاورة لهذا الترعة أيضا حرة محايدة، ويلوح لنا أن المسألة المصرية ابتدأت تعيد ~~نفسها بشكل جديد في أمريكا الوسطى. وذلك بفتح ترعة بناما التي تصل المحيط الأطلنطي بالمحيط ~~الهادي وتريح السفن من السفر حول قارة أمريكا كما أراح قنال السويس السفن من السفر حول ~~أفريقيا. ولا يخفى أن إنفاذ هذا المشروع قد تأجل مرارا كثيرة لحاجة القائمين به إلى المال، ~~ولكن كل هذه الصعوبات المادية قد زالت وسيخرج المشروع من حيز الخيال إلى حيز ms105 الحقيقة بعد ~~زمن قصير، ولا نظن أن الاهتمام بفتح هذا القنال من كولون إلى باناما باتخاذ نيكاراجيوا ~~قاعدة للقنال أنفع للعالم من الاهتمام بنتيجة هذا العمل السياسة، فإن أمريكا الوسطى ستصير ~~بعد فتح القنال مركز مسألة سياسية كبرى، وسيكون هذا القنال شرعة الوارد ونجعة الرائد ممن ~~يأتون من الشرق إلى الغرب أو من الغرب إلى الشرق، والمستقبل كفيل بتحقيق ظننا بأنه إن لم ~~يكن هذا القنال أهم نقطة في العالم فإنه لا محالة سيكون من أهم المراكز السياسية. ولا نحتاج ~~إلى القول بأن الدول ستطلب منح هذا القنال حرية الملاحة والمحايدة على أن أوروبا لا ترضى ~~بأن تسلم للولايات المتحدة مفتاح التجارة الأوروبية، وأوروبا لا تصل إلى النتيجة التي ~~ترضاها إلا إذا أبعدت الولايات المتحدة بقدر ما تستطيع عن الأراضي الواقعة حول القنال ~~المشار إليه، وليس لذلك إلا وسيلة واحدة وهي منح الحرية والحياد للممالك التي يمر بها هذا ~~القنال، فليس من المهم حينئذ إذا كانت هذه الممالك هي نيكاراجيوا وكوستاريكا أو كولومبيا. ~~ومن المستحيل أن تمنح تلك الدول استقلالا غير مقيد لأنهن بذلك يستطعن أن يعبثن ما شئن وما ~~شاءت الأهواء، أضف إلى ذلك أن تلك الدول تصير مقرا للمكائد السياسية وملعبا للدسائس ~~الدولية. هذا ولا تستطيع دولة أوروبية حينئذ أن تنال من إحدى هذه الممالك ما تريد؛ لأنها ~~بذلك تعرض نفسها إلى غضب الدول الأخرى وسخطهن، ولا يئول ذلك أخيرا إلا إلى حرب ~~دولية. # وغني عن البيان أن الثورات والحروب التي تشب نارها الآن في ممالك أمريكا الوسطى ليست في ~~الحقيقة إلا شعلة من النار الحقيقية التي ستلتهم كل شيء بعد فتح ترعة بناما، وبعد أن تصير ~~أمريكا الوسطى مجمع الأمم ومحط رحال الشعوب، ونحن لا نشك في أن تلك القلاقل الدولية التي ~~تحدث في الممالك التي أشرنا إليها ليست إلا من أثر مكائد دول أوروبا ودسائسها التي تمهد ~~لنفسها السبيل بما تدبره من الثورات وتشعل نيرانه من الحروب الداخلية، فمثل هذه الجمهوريات ~~الصغرى الواقعة حول قنال بناما ms106 كمثل الوارث الجاهل الذي لم يبلغ سن الرشد، ومثل أوروبا كمثل ~~من يلتف حول الوارث من أهل الختل والغش والخداع يملقونه تارة ويدللونه أخرى ويفتأون ~~يداهنونه ويخدعونه حتى يقع في أيديهم فيسلبونه ويتركونه. # على أن هذه الثورات والقلاقل التي تديرها أوروبا في هذه الجمهوريات الصغيرة لن تدوم ~~طويلا؛ لأنها تعود على البلاد وأهلها بالخراب والدمار وتعطيل التجارة، وهذا ما لا يرضي ~~الولايات المتحدة أو غيرها من دول أوروبا الكبرى فتتداخل، وعند ذلك تصير حرية القنال وحياده ~~في خطر شديد، فلا يكون حينئذ لهذه المسألة إلا حل واحد وهو منح الحياد لتلك الجمهوريات ~~وإخراجها عن دائرة السياسة الدولية؛ فتقل المكائد وتتلاشى الدسائس وتتمكن تلك الجمهوريات من ~~التمتع بالنعمة العظيمة التي خول لها مركزها الجغرافي التمتع بها، وبذلك يسود السلام ~~والنجاح ويعم الخير البلاد المجاورة لترعة بناما. # تكلمنا فيما مضى عن طرق الحياد في أوروبا وأمريكا، وسنبحث الآن عن طريقة تحل بها المسألة ~~الأفريقية التي تركت أوهام الساسة حائرة. عندما قام بسمارك في سنة 1888 ونادي بتقسيم ~~أفريقيا، فإن دول أوروبا رأت أنها ستقع في أفريقيا في مثل ما وقعت فيه في آسيا وأمريكا بشأن ~~الاستعمار، واعتبرت بالخسائر التي تحملتها في القرن الثامن عشر، وخشيت أن يجرها تقسيم ~~أفريقيا إلى حروب شعواء تفني مالها ورجالها، فقررت أن تمنح الحرية والحياد جزءا كبيرا من ~~القارة الأفريقية لأجل أن لا تختلف الدول في أمره ويقع النزاع بينها بشأنه، بعد أن ألفت ~~أوروبا أن هذه هي أحسن طريقة لضمان السلام بين ممالكها وأسهل وسيلة للاحتفاظ بمنافع ~~الجميع. # وكانت نتيجة هذا الرأي أن جزءا عظيما من أواسط أفريقيا منح الحرية والحياد وصار في مأمن ~~من مطامع المستعمرين، وهذا الجزء العظيم الذي نشير إليه هو ولاية الكونجو الحرة التي تزيد ~~في المساحة عن أملاك بريطانيا في جنوب أفريقيا، ومن الغريب أن الكونجو لم تمنح الحياد فقط ~~بل سلمت لإحدى ممالك أوروبا الصغرى وهي بلجيكا، ولا يخفى على القارئ أن بلجيكا نفسها ممنوحة ~~الحرية والحياد. ونحن نرى أن ms107 حياد الكونجو هو أكبر دليل على ميل أوروبا لتطبيق تلك القاعدة ~~بعد أن رأت أوروبا منافعها، ونحن واثقون من أنه إذا حدث في جنوب أوروبا الشرقي (البلقان) ما ~~يفزع أوروبا ويقلقها فلن يبهت الوزراء ويقف الساسة حائرين كما كانت حالهم في الماضي؛ لأنهم ~~يستطيعون الآن أن يخرجوا ولايات البلقان كلها من دائرة النزاع والخصام الدولي إلى دائرة ~~الحرية والحياد، وبذلك تحل المسألة الشرقية العويصة، بيد أن روسيا قد فازت بجزء عظيم من ~~بلاد فارس، وهي كغيرها عاقدة آمالها بوادي الدجلة والفرات. أما آسيا الصغرى فستكون سبب ~~التخاصم والتنازع بين ألمانيا وإيطاليا وغيرهما من ممالك البلقان. ولكنا نرى أنه لا بد من ~~حدوث أمر قبل أن تحل المسألة الشرقية وهو أن أوروبا سترى ضرورة منح بعض ممالك الشرق الأدنى ~~الحرية والحياد. وأي مملكة أجدر بهذا الحق من مصر؟ أي مملكة أكثر استحقاقا للتمتع بحق ~~الحرية والحياد من وادي النيل؟ وغني عن البيان أن إنكلترا ستكون أول الدول المهتمة بمشروع ~~منح الحرية والحياد، ولو لن يعميها خداع المستعمرين المتطرفين عن حوادث تاريخ أوروبا في ~~الثلاثة قرون الماضية، فإنها تستفيد من حياد مصر فائدة كبرى. وجدير ببريطانيا أن تعلم أن ~~أهم شيء لأية إمبراطورية كبرى هو أن تتنازل عن المستعمرات السريعة الانثلام عن رضى وطيب ~~خاطر قبل أن تجبر وتضطر. # إن مصر لو كانت حرة فإنها بلا ريب تقوم لبريطانيا بأعمال لا تقوم بها في أسرها؛ لأنها ~~تخشى إن سعت في خير إنكلترا وهي في قبضة يدها أن تتهم بالمداهنة وترمي بالتمليق فتمتنع عن ~~صنع الخير وربما يعوقها البغض الذي يحس به العبد نحو سيده، فلا يسعى في خير له أبدا، ~~ويكفينا أن نقول إن كل الساسة علموا منافع الحرية والحياد اللذين تمنحهما الممالك الكبرى ~~للأمم الصغرى عن جود لا عن اضطرار. وهنا نشير إلى مسألة من الأهمية بمكان، وهي أن إنكلترا ~~إذا منحت مصر الحرية والحياد وصادقتها وحالفتها فإنها تستطيع أن تنال أغراضها في الشرق ~~الأدنى بأسهل مما تنال أغراضها فيه ألمانيا ms108 والنمسا وإيطاليا. # | الخاتمة # تحرير مصر ومستقبل أفريقيا # لقد بلغنا غايتنا من هذا الكتاب، وقبل أن نودع القارئ نود أن نسر له في أذنه كلمتين، ~~فنقول: لقد تناولنا مسائل هذا الكتاب ناظرين إليها من جهة الحقيقة ضاربين صفحا عن الخيال، ~~فكنا نقارن المنفعة بالمضرة، والحسنة بالسيئة، وقد حاولنا جهد طاقتنا أن نظهر للقارئ ما تم ~~لمصر من النجاح والتقدم في الماضي، كما أننا أبنا له مواقع الشك ومواطن الريب في أن ~~استمرار الحال السياسية الحاضرة واتخاذ الطرق التي اتخذت في الماضي للعمل بها في المستقبل ~~يؤديان إلى نجاح مصر في السنين الآتية كما أديا إلى نجاحها في السنين الغابرة، وكنا نكتب ~~للقراء ونحن نعتبرهم سياسيين محنكين ونسينا أنهم بشر، فكان ذلك الاعتبار وهذا النسيان سببا ~~في أننا قررنا حقائق ينفر منها «علماء الأخلاق»، وقد استلزم ذلك أن يكون الكتاب جافا خلوا ~~مما يروح عن القارئ ويروضه، وقلنا إن تلك الحقائق هي أثمن ما لدى السياسيين. # وقبل أن نطرح القلم جانبا ونترك للقارئ الحق في إصدار حكمه علينا نستأذنه في أن نضرب له ~~على نغمة غير التي ضربنا عليها في صفحات هذا الكتاب الماضية، وهذا يضطرنا إلى الكلام عن ~~الديانات والاعتقادات، فنحن ملزمون بأن نخفف الوطأة لأن أديم الأرض التي سنسير عليها رقيق ~~لا يتحمل الضغط، فنحن نعلم أن الغضب يستفز أي إنسان عندما يسمع ما يسوءه عن دينه ومعتقده، ~~ونحن أبعد الناس عن طرق هذا الباب، ولكننا نعلم أيضا أن الجراح مهما كان حاذقا ومهما كان ~~سلاحه دقيقا فإنه لا محالة يؤلم. # ويلاحظ القارئ علينا أننا كنا نحترس في هذا الكتاب من الوقوع في الخطأ أو الاندفاع في ~~اللوم احتراس الأبي من المذلة؛ لأننا لا نود أن نوصف بأننا مسيئون مذنبون. ولعله يخطر ببال ~~القارئ أننا لا ننظر إلى مستقبل الأمم والدول إلا من الجهة السياسية لأننا لم نتناول إلا ~~المسائل السياسية الجافة الجافية. # على أن السياسيين لا يرون للوصول إلى أغراضهم إلا الطريقة التي سرنا عليها، وليس عليهم ~~إلا أن ms109 يقولوا؛ لأن الأمر والنهي في يد الرأي العام، فهو الذي يقبل ما يشاء ويرفض ما يشاء. ~~ومما يجدر بالذكر هنا أن الرأي العام كثيرا ما ينظر إلى المسائل من غير وجهة الربح ~~والمنفعة. ومن يود أن يتطال إلى الحكم على مستقبل الأمم والشعوب يحتاج إلى قوة تمكنه من ~~النظر فيما تكنه الأيام، ومن يريد أن ينظر في مستقبل قارة لا يهتم بأمر مملكة، فنحن سنترك ~~الآن الكلام عن مصر وننظر إلى مستقبل قارة أفريقيا بأجمعها وما يئول إليه أمر أهلها ~~الوطنيين، ويليق بنا أن ننظر إلى مصر لا بصفة كونها مملكة قائمة بذاتها، ولا من جهة علاقتها ~~بأوروبا، بل بصفة كونها جزءا صغيرا من قارة عظيمة، فقد أصبح الواجب على كل سياسي أن ينظر ~~إلى القارات لا إلى الممالك، فنقول: ألا يحسب من يرى أن كل مسعى سعاه المرسلون في سبيل نشر ~~الديانة المسيحية بين أهل أفريقيا قد خاب وفشل ولم يصادف نجاحا يذكر. إن محنة هؤلاء ~~الأفريقيين لم تنته بعد، وإن القدرة الإلهية لا تراهم أهلا لانتحال الدين المسيحي؟ إننا لا ~~نجيب عن هذا السؤال، ونترك الإجابة عليه للقارئ، إنما نقول إنه لا ينكر أحد أن أتعاب ~~المرسلين المسيحيين في أفريقيا قد ذهبت أدراج الرياح، وإن أهل أفريقيا لا يزالون كلهم ~~وثنيين عباد أصنام، ولا نرى في أواسط أفريقيا وشمالها دينا مستحكما غير الدين المحمدي، ~~فكأن الإسلام فاز حيث خابت النصرانية؛ لأن في الإسلام ما يجذب الأفريقي مما لا يوجد في ~~النصرانية، وهنا نذكر أن أوروبا لم تر نور النصرانية إلا بعد أن اقتبست المدنيتين اليونانية ~~الرومانية. نقول ذلك ولعل الأفريقي لا يزال عاجزا عن الأخذ بالمسيحية لأنه لم يستعد لها ~~تمام الاستعداد. # ولا يخفى أنه لم تسكن أفريقيا أمة أوروبية سوى أمة البوير، وهي الأمة الوحيدة التي تمكنت ~~من العيش في جو أفريقيا واستنشاق هوائها، ولكنها على قدرتها وذكائها لم تفلح في مصادقة ~~الوطنيين ولم تخضع منهم أحدا لدينها ومدنيتها؛ ذلك لأن المدنية الغربية لا تدخل إلا في ms110 ~~مكان دخلته المسيحية، ولا حاجة لأن نقول إن شعوب أفريقيا بأسرها لم تتعلم من أوروبا شيئا ~~استفادت به أو ساعدها على التقدم في طريق المدنية؛ لأن المستعمرين لم يشدوا رحلتهم إلى ~~أفريقيا إلا ليغنموا ويربحوا، فهم إذا نزحوا عن مستعمراتهم تركوها خالية خاوية، وغادروا ~~الدار تنعى من بناها، وما ذلك إلا لأن بين الوطني والأجنبي حاجزا منيعا لا يمكن جوازه، ~~ولا شك في أن النفور والبغض السائدين بين الوطنيين والأجانب يؤديان أخيرا إلى انقراض سكان ~~أفريقيا الأصليين واستئصال شأفتهم لا محالة، وأن الإنسانية لترجو في أوروبا أن لا تعيد في ~~أفريقيا تمثيل الرواية المحزنة التي مثلتها منذ قرون في أمريكا ... # إن تاريخ استعمار العالم الجديد يحرج صدر الحليم ويسيل مدامع أجمد الناس عينا ويلين فؤاد ~~أقسى الناس قلبا، وما سبب فشل أوروبا في أمريكا إلا لأنها لم تستطع الوقوف على أخلاق شعب ~~الهنود الحمر وعاداته وديانته وصفاته وسجاياه. أضف إلى ذلك أن الأوروبيين لم يحاولوا تغيير ~~دين أهل أمريكا الأصليين أو يصلحوا حالهم، ولا ندري إذا كانوا ينجحون لو حاولوا إدخال ~~النصرانية أم لا، ولكن ما نعلمه هو أنهم لم يحاولوا ذلك، بل جاء الرجل الأبيض وأزاح بيده ~~القوية كل ما تمثل أمامه من آثار مدنية أمريكا الأصلية، وتناول سيفه وذبح هنود الشمال ~~والجنوب والشرق والغرب، حتى أصبحت قارة الدنيا الجديدة بحرا من الدماء الطاهرة، فكأن الرجل ~~الأبيض كان يفرح لرؤية الدم ويطرب لإزهاق النفوس. وعندما كان هؤلاء الوطنيون المساكين ~~يخضعون للذل ويسلمون للأوروبيين كانت تصيبهم أمراض أوروبا فيموتون بها، فكان مثلهم كمثل من ~~فر من الموت إلى الردى، وكأن المستعمرين الأوروبيين رفعوا علما كتبوا عليه «لا رحمة عندنا، ~~ومن يقف في طريقنا فليس له إلا الموت الأحمر»، وا أسفي فقد نجحت أوروبا في إبادة ذلك الشعب ~~الهندي الكريم ولا يوجد منه الآن إلا أفراد قلائل يراهم الناس كما يرون الغرائب والنوادر. ~~وقد تمكن الجبن واحتوى الخوف بعض القبائل المنحطة ففرت إلى جنوب أمريكا لاجئة إلى حراجها ~~وأحراشها كما يلجأ ms111 إليها الوحش الطريد. # وإن قلبنا ليخفق عندما يخطر ببالنا أن ما تم في أمريكا سوف يتم في أفريقيا، سيما ونحن نرى ~~ما بين البيض والسود في تلك القارة من البغض والنفور، ولا داعي لهما، إلا أن المستعمر ~~الأبيض عاجز عن فهم طبيعة الوطني الأسود فيعوقه جهله بطبيعته عن منحه نعمة المسيحية ~~والمدنية، وأي دليل أصدق على قولنا من أن نصف سكان جنوب أفريقيا فنوا أو نزحوا عن أرضهم؟ ~~ويليق بأوروبا المتمدنة أن يصبغ الخجل وجهها ألف مرة كلما تسمع الأخبار المعيبة والقصص ~~الشائنة التي ينقلها البريد في كل يوم من أواسط أفريقيا إلى عواصم المدنية، فقد عرف العالم ~~أنه عندما يصل الأوروبي إلى تلك البلاد ينسى نفسه ويسقط سقوطا معيبا، فيحيا الحيوان القذر ~~الساكن في جسمه، وتموت عواطف العفة والشرف فيه، فلا ينظر إلى الوطنيين إلا نظرا شهوانيا ~~محضا، ولا يعتبرهم إلا وسائل لتنفيذ أغراضه السافلة وإطفاء نار شهوته الحيوانية. وأمثال ~~تلك الأخبار لا تنقطع عن أوروبا أسبوعا واحدا، وكثيرا ما تزيد ذنوب أحد هؤلاء المتمدنين ~~المتوحشين فيسأل عن أمره ويحاكم، ولا تحمل الصحف وصف الجرائم التي ارتكبها والذنوب التي ~~اقترفها في البلد التي ذهب لتهذيبها وتمدينها إلا وترتجف أوروبا كلها من ذلك! # على أن لدينا في شمال أفريقيا مثالا واضحا كل الوضوح يدل على عجز الأوروبي عن ابتلاع ~~الوطني أو جلبه إلى حظيرة المدنية الأوروبية، فإن الفرنسويين على ما هم عليه من الصفات التي ~~تميزهم عن سواهم خابوا في الجزائر كما خاب غيرهم في غيرها. فقد قضى الفرنسويون ثماني عشرة ~~سنة يجردون الحملات ويعبئون الجنود ويحشدون الجيوش، حتى انتصروا على عرب الجزائر، ومضى ~~عليهم سبعون سنة في تلك البلاد، ولا يزال العرب يكرهونهم وينتظرون فرصة تمكنهم من خلع نير ~~فرنسا وطرد أهلها من بلادهم. وطالما حاولت فرنسا أن تبث فيهم النصرانية ففشلت فشلا قبيحا، ~~فإذا أصر العرب على البقاء على دينهم ورفضوا المدنية المسيحية فإنهم لا محالة ~~يبيدون. # وإن نظرنا في أفريقيا فإنا نرى مستقبل أهليها أسود قاتما؛ إذ ms112 لا نرى في أوروبا لأفريقيا ~~أملا، وليس أمامنا إلا وسيلة واحدة وهي أن قوة إسلامية تنهض وتختلط بتلك الشعوب فتستطيع أن ~~تصل إلى أعماق قلوبهم، وبذلك تتمكن من أن تمنحهم مدنية إن لم تكن أحسن مدنية فإنها بلا ريب ~~تجهزهم إلى ما هو أرقى منها من المدنيات. ولا نرى قوة إسلامية قادرة على القيام بذلك العمل ~~الجليل إلا مصر، فإنها تعلمت في ذلها من أوروبا ما تستطيع به في عزها أن تصلح من شأنها وشأن ~~غيرها، ولكن مصر لا تنهض هذه النهضة إلا إذا كانت أمة حرة؛ لأن الحرية تجعلها تقدر ذلك ~~العمل العظيم حق قدره. # لماذا لا نعترف بأن مصر قد بلغت سن الرشد وأنها تعلمت ما يكفيها، وأن الساعة قد أتت لتقوم ~~الأمة المصرية بشأن نفسها وتدبر أمرها بعقلها؛ لأن بها وحدها معقودة آمال قارة أفريقيا ~~بأسرها؟ # هنا نترك القارئ ليخلو بنفسه ويسأل قلبه قائلا: هلا يوحي صوت الإنسانية إلى قلبي ما ~~أشارت به السياسة على عقلي؟ # | رأي الطان في «تحرير مصر» # نشرت جريدة الطان الفرنسوية الشهيرة في عددها الصادر في 27 يناير سنة 1906 ما عربه لنا ~~صديقنا محمد كرد علي منشئ المقتبس بما يأتي: # من العادة أنه يتعذر تحرير المرء من أوهام عصره ومحيطة وجنسه، وإليك مع هذا ~~إنكليزيا جاهد في التخلص من تلك الأوهام حق الجهاد فاستحق الحمد والثناء على كتاب ~~نشره بلا اسم مؤلفه، وقد أراد أن ينظر إلى المسألة المصرية في ذاتها دون النظر إلى ~~ما يذهب إليه أهل وطنه أو خصومهم في أمرها، فلا هو في كلامه بإنكليزي ولا فرنسي؛ بل ~~إن الحقيقة هي ما يرمي إليها أولا، ومن رأيه أن قد دعت إلى مسألة مصر في تاريخ ~~السياسة الإنكليزية ضرورة الاحتفاظ بجعل طريق الهند حرا، فلم يحفل الإنكليز ~~بامتلاك مصر إلا لذلك، وهذا الذي دعاهم إلى الاستيلاء عليها حتى لا يحول حائل دون ~~اتصالهم بمستعمراتهم العظمى، ولقد سعى بونابرت في أن يقطع عليهم الطريق ولذلك ~~قاتلوه. ولما جعل محمد علي سنة ms113 1840 القطر المصري إقطاعا لفرنسا ... اضطرت إنكلترا ~~في هذا العهد إلى المداخلة، ولما نشبت ثورة عرابي أيضا عمدت بريطانيا إلى تلك ~~الطريقة بعينها. وما كانت الغاية إذ ذاك فتحا؛ بل لمحض حفظ ترعة السويس من غارة ~~الأعداء، وكان هذا الأمر غاية السياسة الإنكليزية الوحيدة حتى إنها طلبت مساعدة ~~فرنسا لها في هذا الشأن. # وقد اغتنم المؤلف الفرصة ليذكر ما قامت به فرنسا لمصر وما أتاه الفرنسويون من ~~الخدمات العديدة للمصريين، فذكر أننا أتيناهم بحضارتنا ورءوس أموالنا وبالمهذبين من ~~أبنائنا وبلغتنا، وما برح العلم الفرنسوي منذ عهد شامبوليون إلى عهد المسيو ماسبرو ~~يجلو ماضي مصر. ولم يوافق الكاتب الإنكليزي على ذلك بإخلاص شديد فقط؛ بل إنه تعدى ~~ذلك إلى أن اعترف بما تم على يد فرنسا لمصر من الخير، ولم يبد في نتائج مؤلفه غير ~~هذه الحرية الفكرية العظيمة ، وهو يرى أنه ليس من مصلحة إنكلترا البقاء في مصر وأنها ~~في مركز ملفق مزور يخالف وعودها السابقة، ويذهب إلى أنه لا حاجة للإنكليز إلى مصر ~~بتة، وأنها تجلب عليهم ضررا كثيرا، وتفتح عليهم صعوبات جمة يخلصون منها إذا جلوا ~~عنها، وأهم مسألة لهم هي ترك برزخ السويس حرا، ولكن هذه الحرية ليس لها تعلق بمصر ~~بتاتا؛ بل هي تابعة أبدا لدرجة قوة إنكلترا البحرية في البحر المتوسط، وما دام ~~لها في البحر الأبيض أسطول يفوق غيره فلا تخشى شيئا من ناحية مصر، على شرط أن لا ~~تكون هذه في أيدي دولة أوروبية بالطبع. وقصارى القول أن الإنكليزي الذي كتب هذا ~~الكتاب الجديد المشف عن إقدام وحرية صرح بالجلاء كل التصريح لأنه لا يجد لأمته فيه ~~إلا نفعا، ومن رأيه أن إنكلترا قد أتمت عملها بعد أن أصلحت المالية المصرية وقامت ~~بأعمال عظيمة في إصلاح الري، وأن منزلتها تسمو إذا تركت مصر للمصريين بعد أن تقيم ~~فيها حكومة وطنية. ا.ه. (حديث الطان). ms114