######OpenITI# #META# URI: 1373NiqulaHaddad.AdamJadid.Hindawi49195362 #META# Tags: novels #META# ID: 49195362 #META# Title: آدم الجديد: رواية اجتماعية عصرية #META# AuthorID: 60483937 #META# Author: نقولا حداد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء الرواية‏ # مقدمة‏ # مصادفات قاهرة‏ # حرب في قلب‏ # غرس الحب في القلب‏ # نشوة الغرور‏ # حرب بين النفس والقلب‏ # صرخة مباغتة‏ # عظة في السجن‏ # نقص القانون‏ # تناظر المنطاد وورقة الشجرة‏ # غرائب القدر‏ # بارقة أمل‏ # الجارة الرسولة‏ # دوي وصدى‏ # التفسير حسب الظواهر‏ # الحية وحواء‏ # تاريخ قديم‏ # سفر التكوين‏ # شيء من التاريخ أيضا‏ # إحياء الموتى‏ # بين المال والعمل‏ # الاتفاق على مكيدة‏ # التاريخ يثبت بعضه بعضا‏ # حيلة كأنها صدفة‏ # فرار العصفور من القفص‏ # استطلاع أسرار‏ # مصير الفيلسوف‏ # ما أسهل الغدر على الصديق!‏ # تطريق فؤاد صلد‏ # الضمير المستتر‏ # المفاجأة‏ # مشاجرة الكبرياء والأنفة‏ # كيف اهتدت ليلى إلى يوسف؟‏ # هي تعد وهو يفي‏ # الفصل الرابع والثلاثون‏ # ملتقى الأسرار‏ # إفلات العصفور ثانية‏ # ضمير يدمع‏ # ابن الطبيعة‏ # لسان الثعلب‏ # مؤامرة رجيمين‏ # قصور في الهواء‏ # العملي غير النظري‏ # الاهتداء إلى الفخ‏ # الزلزال‏ # نصب الفخ‏ # سلسلة الفخ‏ # وتد الفخ‏ # فخ لذئبين‏ # الفخ من نار‏ # يد من بعيد‏ # زوبعة عواطف‏ # ابنة الزانية‏ # في حضرة إله الحب‏ # أول قبلة‏ # تتمة التاريخ‏ # إهداء الرواية‏ # مقدمة‏ # مصادفات قاهرة‏ # حرب في قلب‏ # غرس الحب في القلب‏ # نشوة الغرور‏ # حرب بين النفس والقلب‏ # صرخة مباغتة‏ # عظة في السجن‏ # نقص القانون‏ # تناظر المنطاد وورقة الشجرة‏ # غرائب القدر‏ # بارقة أمل‏ # الجارة الرسولة‏ # دوي وصدى‏ # التفسير حسب الظواهر‏ # الحية وحواء‏ # تاريخ قديم‏ # سفر التكوين‏ # شيء من التاريخ أيضا‏ # إحياء الموتى‏ # بين المال والعمل‏ # الاتفاق على مكيدة‏ # التاريخ يثبت بعضه بعضا‏ # حيلة كأنها صدفة‏ # فرار العصفور من القفص‏ # استطلاع أسرار‏ # مصير الفيلسوف‏ # ما أسهل الغدر على الصديق!‏ # تطريق فؤاد صلد‏ # الضمير المستتر‏ # المفاجأة‏ # مشاجرة الكبرياء والأنفة‏ # كيف اهتدت ليلى إلى يوسف؟‏ # هي تعد وهو يفي‏ # الفصل الرابع والثلاثون‏ # ملتقى الأسرار‏ # إفلات العصفور ثانية‏ # ضمير يدمع‏ # ابن الطبيعة‏ # لسان الثعلب‏ # مؤامرة رجيمين‏ # قصور في الهواء‏ # العملي غير النظري‏ # الاهتداء إلى الفخ‏ # الزلزال‏ # نصب الفخ‏ # سلسلة الفخ‏ # وتد الفخ‏ # فخ لذئبين‏ # الفخ من نار‏ # يد من بعيد‏ # زوبعة عواطف‏ # ابنة الزانية‏ # في حضرة إله الحب‏ # أول قبلة‏ # تتمة التاريخ‏ # | آدم الجديد # | آدم الجديد ms001 # | رواية اجتماعية عصرية # تأليف # نقولا حداد # | إهداء الرواية # إلى الفقيد العزيز مؤسس الهلال # يا غائب الصورة وحاضر الخبر. # ويا فاني المادة وخالد الأثر. # أمام خبرك وأثرك المجيدين ينحني كاتب هذه السطور؛ احتراما وتوقيرا. # أبيت إلا أن تستريح الراحة الخالدة بعد أن طرحت من يدك الريشة التي كملت بها ~~تصوير مدنية العوالم الشرقية في جميع أدوارها، حتى إذا تناول تلك الريشة أحد بعدك، ~~فلا يجد مكان قطرة منها في تلك الصورة الجميلة. # وما تركت الهلال المنير إلا وقد ربيت له رساما يرسم فيه صورا جديدة للمدنيات ~~الغابرة والحاضرة، ولكنك تركت في آخره فراغا لا يدري أحد سواك كيف يملؤه. # كنت تملأ ذلك الحيز بصورة الماضي، فإذا كنت تأذن لصديق وفي أن يملأه بعدك، فاقبل ~~منه هذه الصورة من صور الحاضر، فإن رسوم الفضائل التي فيها منسوخة عما اتصفت ~~وعلمت، ورسوم الرذائل عما ترفعت وحذرت. # نقولا الحداد # | مقدمة # | صراع الحق والقدرة # في الهيئة الاجتماعية قوتان تتصارعان: الحق والقدرة، كلاهما قوي: # الحق يريد الإنصاف ليرضي الضمير. # القدرة تريد الأثرة لتشبع الطمع. # الحق يبتغي أن تكون الشريعة فوق الإنسان. # القدرة تبتغي أن يكون الإنسان فوق الشريعة. # فهو يسلح الضعيف بالقانون ليرد القوي عنه. # وهي تقيد الضعيف بالقانون ليستحكم القوي منه. # الحق ينمي الطبيعة الملكية في الإنسان. # والقدرة تنمي الطبيعة البهيمية فيه. # فهو يحول الذئب إلى إنسان. # وهي تحول الإنسان إلى ذئب. # الحق يبني ارتقاء الجماعات كلها معا على مستوى واحد. # والقدرة تهدم جماعة لتبني بأنقاضها جماعة أخرى. # هذه الرواية مصرع يتصارع فيه آدمان - آدم الحق وآدم القدرة - والقارئ شاهد عيان، وضميره ~~حكم، والتاريخ يدله على أي المصارعين فائز أخيرا. # نقولا الحداد # | مصادفات قاهرة # في الساعة الأولى بعد الظهر كانت أربع فتيات يتراكضن في ميدان «العتبة الخضراء» بمصر؛ ~~لكي يدركن ترام العباسية، فأدركنه وهو يكاد يتحرك، ودخلن إلى المقعد الأخير منه، وكان ~~جالسا عليه فتى فأصبحن معه خمسة أنفار على مقعد واحد. # على أن الفتى قلص جنبيه والفتيات تحاشدن جهد طاقتهن حتى وسعهن المكان، وكانت ms002 ~~الأخيرة منهن أجهدهن في التقلص؛ لكيلا تحتك بالفتى، ولكن ما بلغ القطار جانب حديقة ~~الأزبكية حتى لم تعد الفتاة تطيق تقلصا، فالتفتت إلى الفتى وخاطبته بالإفرنسية متلجلجة ~~متوردة الوجنتين: هل تتفضل بأن تنتقل إلى المقعد الثاني؛ لأننا أصبحنا هنا خمسة ~~أنفار؟ ~~- عفوا مولاتي، هل كنتن تجهلن عددكن قبل أن ركبتن القطار؟ ~~- لم نكن نجهله، ولكن بوق الكمساري لم يمهلنا حتى نتخير مقعدا واحدا لنا جميعا، ~~فاحتشدنا هنا على أمل أن يتفضل خامسنا من نفسه بإخلاء المكان. ~~- لماذا أكون يا سيدتي الخامس الذي يخلي المكان مع أني لست دخيلا عليكن؟ # فامتقع وجه الفتاة دلالة على امتزاج الخجل بالغضب، وقالت: عفوا يا سيدي لولا ظني بأنك ~~كنت غافلا عن ضيق المحل علينا ما نبهتك إليه؛ فاعذر فضولي. # فازمهر وجه الفتى، وقال: لولا أنه يصعب علي جدا يا سيدتي أن تلقي علي درسا في ~~«فن آداب الترام» ما كنت أتردد في إخلاء محلي لكن ... # وهنا انتهى الجدال، فالفتاة تبرمت وأعرضت عنه إلى رفيقاتها، والفتى غلا تغيظا من هذه ~~الخاتمة السيئة، وبعد هنيهة توقف الترام في المحطة الأولى من شارع كلوت بك، ولكن ما تحرك ~~ثانية حتى انسل الفتى من تحت العارضة الحديدية، التي تمنع الصعود والنزول من أيسر المركبة، ~~واتفق حينذاك أن قطارا قادما داهمه وهو منسل، وكانت الفتيات ينظرن إليه وهو يخرج، فجزعن ~~عليه وصرخن مستغيثات، بيد أنه توارى عن أبصارهن حالا؛ إذ اندفع قطارهن في سبيله تاركا ~~الفتى تحت رحمة القطار الآخر، وهن لا يدرين كيف انتهى أمره، وبعد هنيهة قالت إحداهن ~~للفتاة الأولى التي كانت تناقشه: أظنك خاشنته يا ليلى. # فلم تجب ليلى، بل كانت مفكرة مضطربة الداخل. ~~••• # أما الفتى فما إن رأى القطار الآخر يداهمه حتى انعطف وراء القطار الذي كان فيه ~~ونجا. # وما هي إلا دقيقة حتى رأى قطارا آخر من قطارات العباسية، فاستأنف مسيره فيه وهو يفكر ~~فيما حدث بينه وبين الفتاة، ويراجع الحديث الذي جرى ويزنه؛ ليعلم هل كان ملوما. فلم يجد - ~~بحسب اعتقاده - ما يبرر ms003 مناقشة الفتاة له، فقال في نفسه: يلوح لي أن المرأة الشرقية متى ~~كانت تتكلم لغة أجنبية تعتقد أن ما تفعله يجب أن يكون قاعدة، وما تقوله شريعة وما تريده ~~حقا، وأن الرجل يجب أن يكون لديها بلا إرادة ولا حرية ولا حق. # وما زالت هذه الأفكار وأمثالها تحوم في ضميره، وهو لاه عن كل ما يمر به إلى أن نبهه ~~الكمساري قائلا: هنا «حي الظاهر» الذي تريد النزول فيه. # فأسرع الفتى ونزل من القطار، وأخذ من جيبه بطاقة، وقرأ ما فيها، ثم تقدم إلى أول عطفة عن ~~اليسار، ونظر إلى اسم الشارع وقال: هذا هو الشارع بعينه. # وما إن مشى فيه قليلا حتى رأى فتاة قد ظهرت من شارع آخر مقاطع، ومشت في نفس الشارع الذي ~~كان يمشي فيه، وهي على بعد عشرين خطوة منه، فاشتبه بها ورجح أنها هي الفتاة التي كان ~~يناقشها في الترام، وجعل يقدم رجلا ويؤخر أخرى، وما دقق النظر في ثوبها وبرنيطتها حتى لم ~~يبق عنده شك بأنها هي الفتاة بعينها، وتراءى له أنها رأته، وتيقن أنها اعتقدت بأنه لم يوجد ~~هناك صدفة بل عمدا كأنه يتبعها، فكبر عليه هذا الأمر، وقال في نفسه: يجب أن أختفي من هذا ~~المكان؛ لكي تغير هذه الفتاة المتعجرفة ظنها بي، وتعتقد أني لست متتبعا لها، وأنها لم تخطر ~~لي على بال. # وأسرع لكي ينعطف إلى الشارع الآخر المقاطع الذي بدت منه، ولكن قبل أن يصل إليه رآها تدخل ~~في باب، وتراءى له أنها رأته يسرع نحوه، فلعن الصدفة قائلا: لقد وقع ما كنت أتحاشاه، وصارت ~~الفتاة تظن أني مفتون بها في حين أني أكره أن أراها. # ولما لم تصح خطته في تحاشيها تقدم في سبيله، وهو ينظر إلى الأرقام التي على المنازل إلى ~~أن وجد الرقم الذي يقصد إليه على نفس الباب الذي دخلت فيه الفتاة، فقال في نفسه ساخطا: يا الله ما بال التقادير تسوقني إلى حيث تكون هذه الفتاة الثقيلة! # وفيما هو يتردد بين أن يدخل ms004 إلى المنزل الذي يقصد إليه، أو أن يعود أدراجه أقبل عليه فتى، ~~فتبادلا النظرات وسبقه الفتى بالكلام قائلا: ما أظنني غلطانا، المسيو ... ~~- ... يوسف براق يا مسيو مراني. ~~- أهلا وسهلا، لم تضل عن منزل صديقك، فتفضل ندخل. # فابتسم يوسف قائلا: من تزوده يا مسيو نجيب بهذه المنارة (مشيرا إلى البطاقة) التي تفضلت ~~علي بها في باريس فلا يضل. # | حرب في قلب # بعد قليل كان يوسف براق في قاعة فاخرة الرياش، أنيقة الترتيب تدل على جمال الذوق ~~المتناهي، فقال في نفسه: لا أظن هذا المنزل المشتمل على هذا الذوق الجميل يشتمل أيضا على ~~تلك الفتاة في وقت واحد، فلا بد أن تكون الفتاة ساكنة أو زائرة في طبقة أخرى من طبقات هذه ~~البناية. # وبعد أن رحب نجيب المراني بضيفه ترحاب العربي الكريم قال له: متى قدمت من ~~أوروبا؟ ~~- أول أمس. ~~- أهلا وسهلا، عسى أن تستطيب الإقامة في مصر. ~~- أقول لك الحق أيها العزيز: إن طيب الإقامة فيها يتوقف على التوفق في الشغل. ~~- لا أظنك استطعت أن تبحث عن شغل حتى الآن. ~~- بحثت بعض البحث بناء على نصح رفيق رافقته من الإسكندرية إلى هنا، فأرشدني إلى بعض ~~البنوك والشركات، فذهبت إلى بعضها وسألت عن وظائف خالية فلم أجد. ~~- هل قصدت إلى البنك الأميركاني؟ ~~- قصدت إليه فقيل لي أن لا وظيفة خالية فيه. # فضحك نجيب وقال: وأنا أعلم أن هذا البنك يحتاج إلى بعض المستخدمين؛ لأنه جديد، ولعل أكثر ~~الدوائر التي قصدت إليها تحتاج إلى قليل مستخدمين، ولكن الذين تسألهم لا يقرون بالوظائف ~~الخالية؛ لأن عندهم من ذويهم طلابا لها، هل قدمت «طلبا» إلى هذا البنك؟ ~~- «طلبا» خطيا؟ لا، بل تقدمت بنفسي. ~~- لقد أخطأت؛ لأنك لم تقدم نفسك إلا للأشخاص الذين يقفلون الباب في وجه كل طالب من غير ~~ذويهم، ورأيي أن تكتب «طلبا» تبسط فيه أهليتك وتشفعه بنسخ من الشهادات التي معك، ثم تدفعه ~~بنفسك وتطلب مقابلة مدير البنك، وتلتمس منه أن يمتحنك. ~~- ولماذا الامتحان بعد أن يطلع المدير على طلبي وشهادتي؟ ~~- لا ms005 بد من الامتحان والوساطة أيضا. ~~- لا بأس من الامتحان، أما الوساطة فلماذا إذا كان الامتحان يثبت أهليتي؟! ~~- لا بد منها أيضا؛ لأنه قد يكون بين الطالبين الأكفاء من أوصى به أحد أصدقاء المدير، ~~فالوساطة لأجله تقدمه عليك وإن كان أقل منك أهلية. ~~- كم هي ماهيات الوظائف الخالية؟ ~~- حوالي ثمانية جنيهات. # فانقبض يوسف براق، وقال: أقول لك الحق: إني لا أريد أن أقتل وقتي في وظيفة بأقل من ~~عشرين جنيها. # فضحك نجيب وقال: إني لواثق بأهليتك يا عزيزي يوسف، ولكن لا وصول إلى الوظائف العالية إلا ~~بالصعود من الوظائف الواطئة. ~~- يا لله! ألأجل وظيفة صغيرة أحتاج إلى واسطة؟! ~~- نعم، وإذا لم تكن الواسطة فعالة فلا تنجح مهما كانت الوظيفة حقيرة؛ لأنك غريب في ~~البلاد، وعليك أن تبتدئ بالصعود من أول السلم، ومتى اكتسبت قلوب معارفك الجدد يقدرونك قدرك، ~~فتستعين بهم على الترقي إلى الوظائف العالية. # عند ذلك رأى يوسف فتاة عادلة القوام قد لاحت في رحبة المنزل، وما وقعت عينه على عينها حتى ~~اضطرب، وفي الحال نهض يريد الخروج، فأمسك به نجيب قائلا: إلى أين؟ ~~- أستأذنك بالانصراف الآن إلى ملتقى آخر. ~~- لا، بل تتغدى معنا وتتعرف بسائر العائلة. ~~- إني ممتن لفضلك جدا، لقد تغديت فأذن لي بالانصراف. # وبذل نجيب جهده في إقناعه بالبقاء فلم يفلح. # | غرس الحب في القلب # قالت ليلى وهي وأهلها جلوس إلى مائدة الطعام: من هذا الفتى يا أخي نجيب؟ # فأجاب نجيب: يدعى يوسف براق، وقد تعرفت به في باريس حين كنت أمتحن في الحقوق، فكان لي ~~صديقا ودودا، وكنت أستلذ عشرته لسمو آدابه وسعة معارفه. # فقالت ليلى وهي تستعيد في ذهنها حادثة الترام: لا تدل ملامحه على شيء من ذلك. ~~- لم تريه جيدا حتى يحق لك أن تحكمي على ملامحه من مجرد رؤيتك له لمحة، مع أن كل نظرة ~~منه تدل على قاموس لغة أو دائرة معارف. ~~- يا لله أراك تغالي كثيرا في محاسن هذا الفتى. ~~- لا أبالغ إذا قلت: إنه فيلسوف؛ لأنه يعرف الإنكليزية والإفرنسية كأهلهما ms006 ، ويعرف العربية ~~كأبلغ الكتاب، ومع ذلك فمعارفه اللغوية ليست شيئا في جنب معارفه العلمية والفلسفية. ~~- إذا كان كما تقول أفليس عجيبا أن يترك أوروبا - مهد العلم ووطن الأعمال - ويأتي إلى ~~مصر؟ ~~- يلوح لي أنه سيئ الحظ من العالم؛ لأن أخلاقه ومزاجه وتربيته لا تقدره على حسن الجهاد ~~لأجل الحياة، فهو حر الضمير وصادق الطوية وقويم المبادئ أكثر من اللازم لهذا الجهاد، وروح ~~الاجتماع الحاضر تحسب هذه الصفات جرائم، والمدنية الحالية تعاقب ذويها بنكد الطالع، وإذا ~~أضفنا إلى ذلك عصبية مزاجه وحدة طبعه اتضح لنا السبب في عدم توفقه في أوروبا، وإيثاره ~~امتحان بخته في مصر. ~~- غريب أن يكون عصبي المزاج وهو بدين. ~~- وهو شديد العضل أيضا، فإذا غالب الدب غلبه، ولكنه يتحاشى أن يتقاوى على نملة. # وكان نجيب يتمادى بهذا الحديث، وهو لا يدري أنه يغرس به غرس حب في فؤاد أخته ليلى، وبعد ~~سكوت هنيهة قالت ليلى: إذا كان هذا الفتى لم يوفق إلى مسترزق يرضيه في أوروبا، حيث يعلم ~~الناس أقدار الناس، فهل يؤمل أن يجده في مصر؟ ~~- تقلب في أشغال كثيرة في باريس ولندن، حتى إنه اشتغل في التأليف والتحرير، لكن ضعف رأيه ~~في تدبير أموره وفي تصرفه مع الناس في ميدان المزاحمة والمناظرة كان يفضي دائما إلى فشله، ~~فنصحت له أن يرحل إلى مصر، حيث يقل مزاحموه إلى الوظائف العالية لعظم أهليته، والآن أرشدته ~~إلى البنك الأميركاني، ونصحت له أن يصعد على سلم الارتقاء درجة درجة، وسأبحث مع عمي بولس ~~رئيس قلم الترجمة في هذا البنك عسى أن يستطيع التوسط له، ولم أشأ أن أذكر له شيئا من هذا ~~القبيل قبل أن أرى عمي لأعلم ماذا يقول. # بعد الغداء اختلت ليلى في غرفتها خلافا لعادتها. # | نشوة الغرور # في الساعة الثالثة من اليوم التالي كان يوسف براق في حضرة مدير البنك الأميركاني، فقال له ~~المدير: إذا صدق ما كتبته في عريضتك كان لك عندنا وظيفة، فهل أنت مستعد للامتحان؟ ~~- إذا شئت فتفضل به الآن. # فاستدعى المدير رجلا ms007 كهلا، وقال له: أود أن تمتحن هذا الفتى بالترجمة من اللغات الثلاث ~~وإليها. # فتبع يوسف ذلك الرجل الكهل إلى مكتبه، وبعد أن تخاطبا باللغتين الإنكليزية والفرنساوية، ~~دفع إليه الرجل ورقة مكتوبة بالإنكليزية، وقال: هذه رسالة كتبتها الآن إلى أحد العملاء، ~~فأود منك أن تترجمها إلى الإفرنسية والعربية، وهذه رسالة أخرى بالعربية أود أن تترجمها إلى ~~الإنكليزية والفرنساوية. # فقرأ يوسف الرسالتين ثم تناول ورقة، وبعد أن كتب قليلا طوى الورقة ووضعها في ظرف، وختمه ~~ودفعه إلى ذلك الرجل قائلا: أود أن تأمر بإرسال هذا الظرف إلى جناب المدير. # فاستغرب الرجل تصرف الفتى، وقال: هل أنجزت الترجمات بهذه السرعة؟ # وهم الرجل أن يفض الظرف فأمسك يوسف يده، وقال: لا تفضه يا سيدي فهو معنون باسم المدير ~~شخصيا. # فازداد الرجل حيرة، ولكنه لم يتردد في إرسال الرسالة إلى المدير، فلما فضها المدير قرأ ~~فيها ما يأتي: # مولاي جناب المدير # أرجو أن تعين لامتحاني موظفا أكثر معرفة مني، واقبل فائق احترامي. # كاتبه: يوسف براق # فابتسم المدير واستدعى يوسف إليه، وقال له: لماذا فعلت هكذا؟ أما شعرت أنك تهين من وليته ~~أمر امتحانك؟ ~~- ربما شعرت الآن بذلك، وشعرت أيضا أن هذا الامتحان إهانة لي أعظم من إهانة ممتحني؛ لأن ~~الأمر بيني وبينك الآن والرجل لا يدري ماذا جرى؛ فأرجو أن تمتحنني أنت أو أن تعين لامتحاني ~~شخصا آخر أوسع علما منه. ~~- ليس عندنا أوسع علما منه، والوظائف التي عندنا لا تحتاج إلى معرفة أوفر من ~~معرفته. ~~- إذن أرجو أن تقبلني بلا امتحان، وتجربني في العمل شهرا أو أسبوعا أو يوما، فإذا لم ~~تقنع بأهليتي فاصرفني خائبا. # وكان المدير يعجب بكلامه بالإنكليزية، فسأله بالإفرنسية: هل تعرف العربية كالإنكليزية؟ ~~فأجابه بالإفرنسية أيضا: هي لغة أبي وأمي يا سيدي، وقد درست نحوها وبيانها في أشهر مدارس ~~سوريا، وكتبت بها مقالات في بعض المجلات العربية. # وكان إعجاب المدير بكلامه بالإفرنسية أشد منه بكلامه بالإنكليزية، فقال له: إذن تعال غدا ~~واشتغل، مهلا ... # ثم ضغط المدير على زر، فجاءه خادم فقال ms008 : استدع المسيو سرار إلى هنا. # وفي لحظة حضر المسيو سرار، فقال له المدير: بعد غد الاثنين يأتي المسيو يوسف براق هذا إلى ~~مكتبك، فاشغله بأي ترجمة تريدها. # وقبل أن ينصرف يوسف قال للمدير: أود يا سيدي أن أعلم درجة الوظيفة، التي تعينني بها إذا ~~كنت راضيا كل الرضا عن عملي. # ففكر المدير هنيهة ثم قال: ليس عندنا الآن وظائف بماهية أكثر من 8 جنيهات في ~~الشهر. ~~- وهب أني برهنت بالفعل على أني أهل لأن أشغل وظيفة عالية جدا ... ~~- لا أقدر أن أبحث معك الآن بذلك، فإذا شئت أن تشتغل كما اتفقنا، فتعال غدا وإلا فأنت ~~وشأنك. # واستأنف المدير النظر في أوراقه. ~~- إني آت غدا يا سيدي. # ثم ودعه وانصرف متغيظا، وهو يقول في نفسه: الناس هم هم في كل مكان، وليس من يميز بين ~~الغث والسمين، وإذا كان ذلك الرجل الكهل أوفر موظفي هذا البنك علما، أو ليس بينهم أعلم ~~منه، فلا ريب أن أترقى سريعا، وأكون في عهد قصير ثاني المدير. فلأطاوع هؤلاء الأغبياء ~~صابرا إلى أن تتبرهن لهم أهليتي. # أما ذلك الرجل الكهل، فهو بولس المراني عم نجيب المراني، وقد شغلت باله الرسالة التي ~~قدمها يوسف إلى مدير البنك، وكانت وسيلة للتفاهم بينهما، وعقد النية على أن يطلع عليها ولو ~~خلسة، فتلاهى في مكتبه حتى انصرف المدير من البنك، ودخل إلى مكتبه وبحث عن الرسالة طويلا، ~~فوجدها في سلة الأوراق المهملة ممزقة بعض التمزق، فجمع أجزاءها ورتبها، ولما اطلع عليها ~~كانت له ابتسامة لو رآها يوسف لندم على ما فعل. # | حرب بين النفس والقلب # وكان اليوم التالي الأحد والأشغال معطلة، فاغتنم جوزف العطلة، وخرج من غرفته في فندق ~~السياح وذهب يبحث عن غرفة مفروشة أرخص من غرف الفنادق، فطاف عدة جهات فلم يجد غرفة تلائم ~~ذوقه وتسد حاجته. # وأخيرا وجد نفسه عند سبلندد بار، ورأى المكان مكتظا بالناس، فجلس فيه إلى إحدى ~~الموائد، وفيما هو يجيل نظره وقعت عينه على عين ليلى، فخفق فؤاده وقال في نفسه: ويحك ms009 يا قلبي ما بالك تستهدف لسهام هذه المتكبرة، أما كفى نفسي هوانا؟ # ثم أسرع وشرب قهوته، ونهض لا يلتفت إلى أحد، ومضى يتمشى في رصيف الشارع وهو لا يدري إلى ~~أين يذهب، وما شعر إلا أنه راجع إلى سبلندد بار رغم أنفه، فدخل إلى داخله بحيث لا يراه من ~~هم جلوس خارجه، وجلس في زاوية عند أحد الأبواب، وكان أحد مصراعي الباب مقفلا، فنظر من خلال ~~زجاجه إلى حيث ليلى جالسة، فوجدها مع جماعة «من أهلها طبعا»، وما إن تبينهم جميعا حتى عض ~~على سفلى شفتيه، وكاد يدميها؛ لأنه رأى بين تلك الجماعة ذلك الرجل الكهل، الذي كان يمتحنه ~~في البنك الأميركاني، وجعل يتساءل: ماذا عسى أن تكون نسبة ذلك الرجل إلى ليلى؟ # وكان كلما رام أن ينهض ليمضي يشعر بقوة تقوده، وهو يقول: ما ضرني أن أبقى هنا، وليس من ~~يعرفني ولا هي ولا ذووها يرونني. # وبقي على هذه الحال حتى قامت جماعة ليلى ومضت، فنهض ومشى وما وجد نفسه إلا ماشيا وراء ~~تلك الجماعة، فلعن نفسه قائلا: هل أنا بعير حتى تقودني هذه المتصلفة بخيط من حب؟ # ثم انقلب راجعا، ودخل إلى «كافه إيجبسيان»، ووقف فيها يتفرج على لاعبي البلياردو، وبعد ~~هنيهة حسبها ساعة خرج ومشى مستعجلا، وهو يظن أنه متمهل، وما صار في وسط شارع نوبار «الذي ~~سمي بعد ذلك شارع باب الحديد»، حتى رأى الجماعة أمامه فقال: إني سائر في سبيل عمومي يسير ~~فيه كل الناس، فما أنا تابع هذه الثقيلة. # بلغت الجماعة إلى شارع عباس وهو يتبعها عن بعد، ويغالط نفسه قائلا: إن هذا الشارع عمومي ~~يسوغ لي أن أسير فيه كغيري، إني أبحث عن غرفة. # وما زال يسير كأنه يسوق تلك الجماعة أمامه ولا نور هناك غير نور الشارع، حتى انعطفت ~~الجماعة في شارع آخر، فتقدم إلى ذلك الشارع ووقف عند زاويته يرصد القوم حتى دخلوا في باب، ~~فنظر في اسم الشارع المعلق في الزاوية، وقرأه على النور الضئيل، فإذا هو الشارع الذي يسكن ms010 ~~فيه صديقه نجيب المراني، فقال لنفسه: تبا لك من غرور لقد قادتك إلى حيث تقطن. # ثم انقلب راجعا وهو يتغيظ من هذه المصادفات القاهرة، وقال: لقد انقضى النهار وأنا لم ~~أهتد إلى غرفة موافقة، فلماذا لا أسكن في هذا الشارع، فإنه طلق الهواء بعيد مسرح ~~النظر. # وكان واقفا أمام منزل قد كتب فوقه «غرف للإيجار»، فدخل إليه واتفق مع صاحبة المنزل وهي ~~إيطالية على الغرفة وأجرتها، وأتى بحقيبته وأقام في غرفته الجديدة، وهو يشعر بشيء من ~~الارتياح إلى مسكنه الجديد. # وكان شباك الغرفة يطل على منزل مجاور، وليس بين المنزلين إلا فسحة ضيقة تتصل بالشارع ~~العمومي، ويفصلها عنه جدار واطئ، وبعد أن رتب يوسف غرفته جلس على مقعد عند الشباك، وجعل ~~يطالع في أحد كتبه وفكره سابح في فضاء الخيال. # ولما مل هذه الحال أطفأ مصباحه واضجع في سريره، ولكنه لم يستطع هجوعا، فكان تارة ينزل ~~من سريره، ويقعد على المقعد ثم يعود إلى السرير حتى ضاق ذرعه من الأرق. # | صرخة مباغتة # صارت الساعة الثانية بعد نصف الليل، وهو على هذه الحال، وكان الليل هادئا لم يقلق هدوءه ~~إلا دوي الأوتوموبيلات حينا بعد آخر، وقل دوي قطار المطرية. # وما كادت عينه تهجع حتى أيقظته صرخة كأنها كانت في أذنه، فنهض مبغوتا، ونظر من شباكه، ~~فرأى في شرفة المنزل المقابل له شبحين، ولكنهما لم يرياه؛ لأن غرفته كانت مظلمة، فأنعم ~~النظر جيدا وأصغى فسمع مثل بكاء فتاة وخطاب امرأة. # وقد اعتاد يوسف أن يترك الشباك مفتوحا؛ لكي يتجدد الهواء في غرفته دائما، فأنصت جيدا ~~للحديث، فسمع في هدوء الليل معظم الحديث بل كله هكذا: انهضي يا شقية إلى غرفتك. ~~- دعيني هنا وحدي. ~~- تموتين من برد الليل. ~~- أود أن أموت. ~~- قصف الله عمرك فإنك بليتي، قومي ادخلي. ~~- قلت لك: لا أدخل وهذا هنا. ~~- لماذا لا تدخلين؟ هل هو حوت يلتهمك؟ ~~- بل هو ذئب مفترس فلا أكون حيث يكون. ~~- هو في غرفته وأنت في غرفتك. ~~- لا أسكن في منزل هو فيه. ~~- هل نطرده؟ ms011 ~~- إذن لم يكن في وسعك أن تطرديه فاطرديني. ~~- لقد دفع أجرة غرفته مقدما، فلا أقدر أن أطرده. ~~- أنا عالمة أنك لا تقدرين أن تطرديه؛ لأننا كلتينا مقيمتان في منزله. ~~- من قال لك يا شقية: إن هذا منزله، وأنت تعلمين أنه مستأجر؟ ~~- من أين لك مال حتى تقطني منزلا كهذا وتقني هذا الفرش النفيس؟ ~~- هذا لا يعنيك. ~~- بل يعنيني؛ لأن المال منه فلا أريد أن أعيش بمال دنس. ~~- اصمتي يا شقية وادخلي. # ورأى يوسف أن المرأة قد أمسكت الفتاة بيدها، وهمت أن تدخلها بالقوة، فحاولت الفتاة أن ~~تصرخ فوضعت المرأة يدها على فم الفتاة لتمنعها من الصراخ، ورأى يوسف حينذاك رجلا قد اغترف ~~الفتاة ودخل، وعند ذلك أقفل الشباك، ولم يعد يوسف يرى شيئا أو يسمع صوتا، وكان المنزل ~~مظلما. # إن ما يدور في خلد القارئ الآن دار في خلد يوسف حينذاك. ~~••• # انهزم الكرى من عيني يوسف؛ لأنه قلق على تلك الفتاة، وصار يود أن يعلم ماذا يكون مصيرها ~~في تلك الليلة في ذلك المنزل. # فكر قليلا، ثم نهض ولبس ثوبه وخرج من المنزل بكل هدوء، وصعد إلى السطح وطاف عليه، فوجد ~~في المنزل جناحا يقرب جدا من المنزل الآخر، فلاح له أن يثب وثوبا من سطح إلى سطح، ولكن ~~خاف أن يكون لوثبته رجة في السطح توقظ السكان، وقد عثر على السطح بحطام سرير من خشب مرمية ~~عليه فتناول لوحا وألقاه على السطحين وعبر عليه، وجعل يطوف على السطح الآخر بكل هدوء، وكان ~~كلما خطا خطوتين انحنى فوق شباك من شبابيك المنزل، وأصغى إلى أن بلغ إلى نقطة كان يسمع ~~عندها من الشباك الذي تحته كلاما مختلطا ومثل بكاء ممتزج بسخط، فقال في نفسه: لا بد أن ~~تكون هذه الفتاة فريسة، وأنا المسئول عن خلاصها؛ لأني الوحيد الذي عرف بأمرها. # ثم جعل يفكر في كيف يستطيع أن يسمع الحديث الجاري. ~~••• # ولابد أن يتوق القارئ أن يعلم ما كان جاريا في ذلك المنزل مما لم يعلمه يوسف. # في تلك الدقيقة كانت ms012 الفتاة والمرأة في إحدى غرف المنزل، ولا نور في الغرفة إلا نور مصباح ~~بترول ضئيل جدا، وكانت الفتاة تنحب والمرأة تقول لها: إنك غبية لا تعرفين مصلحتك، وقد ~~قضيت خمسة عشر عاما وأنا أربيك وأعدك لمستقبل مجيد زاهر، فلما أقبل مجدك جعلت تنبذينه ~~... ~~- أي مجد هذا؟ ~~- أليس مجدا لك أن تكوني ساكنة القصور ورافلة بالدمقس والحرير، وحالية بالألماس والحجارة ~~الكريمة، وآمرة بالخدم؟ ~~- لا أتنغص لمجد لم أتعوده ولم أحلم به. ~~- إذا كنت أنت غبية تجهلين مصلحتك، فأنا أتولى أمرك وعليك أن تطاوعيني فلا تندمي، لا ~~تخاشني فهيما فإنه يحبك ويفعل كل ما ترومينه لسرورك، وقد ... ~~- إن الصلة بهذا الرجل تروعني، فلا تقربيه مني ولا تقربيني منه. ~~- يا لله لماذا تروعك الصلة به، وهو لا يدخر وسعا في إرضائك؟ أما أهدى إليك اليوم ...؟ ~~- لا تذكري هديته، فهو يبتغي أن يقتنصني بها. ~~- غريب أمرك، لا أدري لماذا تؤولين هديته بالقصد السيئ، وهو لا يضن بأي برهان على أنه ~~يحبك؟ ~~- يتمادى بمداعبتي. # فضحكت المرأة، وقالت: فهمت أنك تستنكرين أنه يقبلك، فأعذرك إذا نفرت منه؛ لأنك حديثة ~~العهد بالحب؛ ولأن النفور طبع الفتيات وهو الدليل على حشمتهن، ولكن لا يسوغ للفتاة أن ~~تعني بنفورها صدودا وجفاء؛ لئلا تخسر نصيبها الثمين وبختها السعيد. # فقالت الفتاة ساخطة: لا أعرف للنفور إلا معنى واحدا وعليه أن يفهمه، فماذا تنتظرين مني ~~غير أن أنفر؟ ~~- لا بأس أن تنفري تارة دون أخرى. ~~- يا لله، ويحك، أراك تبيعينني لهذا الرجل بيع السلعة الرخيصة. ~~- كلا يا غبية بل إياه أبيع لك رخيصا وهو غال. ~~- نعم تبيعينه لي وتريدين أن أدفع أغلى ما عندي ثمنا له؟ ~~- أتعدين القبلة ثمنا غاليا يا بنيتي؟ ~~- أغلى منه كثيرا. ~~- أتريدين أن تقني سعادتك مجانا؟ ~~- ويلاه إنك تروعينني، ما هذا الدرس الجديد الذي تلقينه علي الآن؟ متى كنت تسوغين أن ~~تمس طهارتي يد؟ ~~- كنت أصونك إلى أن أجد لك النصيب الثمين، وقد وجدته الآن فلا تضيعيه بنفورك يا غبية. ~~- عجيب أمرك، إنك تساومين على فؤادي مساومة، لا ms013 ترى نفسي هذا النصيب ثمينا بل بالعكس ~~تراه حقيرا. ~~- لعلك لا تعلمين مقام فهيم السامي وغناه الطائل. ~~- أعلم، أعلم، ولكن كل ذلك لا يرضي قلبي، فأي سعادة في أن أعيش كملكة، وأنا لا أطيق أن ~~أساكن من تحسبينه كالملك بجاهه وغناه؟ # فتأففت المرأة وقالت: يا لله، لا أدري لماذا تنفرين من هذا الفتى، وألوف من الفتيات تتمنى ~~أن يبتسم لهن. ~~- تقولين: إنه فتى، وهو أكبر من أبي. ~~- آ، فهمت فهمت؛ تنفرين منه لأنه أكبر منك سنا، ولو كنت عاقلة ما كنت تحسبين الكبر ~~عيبا؛ ولا سيما لأن الفرق بينك وبينه في السن مألوف بين الأزواج. ~~- لا تحاولي سد الأبواب والباب الكبير مفتوح، وهو أني لا أقدر أن أحبه. ~~- متى عاشرته برهة تحبيه من أعماق قلبك، فلاطفيه يا هيفاء، إنه نصيب عزيز تحسدك عليه بنات ~~الأمراء، فإياك أن يفلت من يدك. # فسكتت الفتاة هنيهة ثم قالت متنهدة: إنك تدفعينني إلى الهاوية. ~~- لا تخافي يا بنيتي، إنك مندفعة إلى غبطة عظيمة، سيأتي الآن إليك. فاعتذري له عما فرط ~~منك من الخشونة، وسترين منه رقة ولطفا يسرانك، لا تخسرين شيئا إذا لاطفته يا حبيبتي. # ونهضت المرأة وقبلت الفتاة فقالت هذه: رحماك رحماك لا تدعيه يأتي إلى هنا وحده. # ثم خرجت المرأة إلى القاعة حيث كان فهيم ينتظر، وقالت له: لو سمعت ... ~~- ماذا؟ ~~- تقبل لو تثق أن تكون زوجها. ~~- قلت لك: لا تقربي من هذا الموضوع. ~~- عجيب أن تبعد عنه مع أنه يسهل كل عسير. ~~- قلت لك: لا أقدر أن أتزوج ولا أريد، فلا داعي لتكرار القول. ~~- ولكن إقناع الفتاة صعب إلا بالزواج. ~~- إذن لماذا وعدتني بأن تسهلي صلتي بها؟ ~~- لأنني ظننت أنك تستطيع أن تستميلها. ~~- بماذا أستطيع أن أستميلها بغير المال؟ فقد وعدتها بأن أسكنها قصرا أنيق الرياش يحف فيه ~~الخدم حولها، وأن ألبسها أفخر الحلل وأزينها بأنفس الحلي. ~~- إذن واظب على استمالتها بألطف الأساليب، ولكن لا تدعها تفهم أنها لا تكون زوجة. ~~- ولا أقدر أن أدعها أن تفهم أنها تكون زوجة. ~~- إذن ms014 دع المسألة غامضة الآن، وابذل جهدك في ملاطفتها والتحبب إليها ولندع الأمر ~~للمستقبل، قم ادخل إليها الآن فقد مهدت لك سبيل الاجتماع بها. # ودخلت المرأة إلى غرفة الفتاة، وهي لم تزل مضجعة في سريرها، ودخل فهيم وراءها وهي تقول ~~ضاحكة: تعال يا فهيم صافح هيفاء فهي لم تقصد بنفورها ما فهمت أنت، والحق عليك فقد تسرعت في ~~فهم قصدها. # ووضعت يده في يدها وخرجت. # أما فهيم فشعر بأن الفتاة تضطرب، فقال لها: لا تخافي يا حبيبتي إني واقف نفسي على إسعادك ~~فاطلبي ما تشائين. # وعند ذلك أدخل يده الأخرى تحت رأسها وضمها إلى صدره، فاختلجت ونفرت منه، ولكنها كانت بلا ~~قوة، فقال لها: تعالي إلى فؤادي يا مالكته. # وضمها بكلتا يديه إلى صدره، وما هي إلا لحظة حتى راعه صوت من ورائه يقول له: دع النعجة ~~الطاهرة في طهارتها أيها الذئب الخبيث! # فانتفض فهيم جزعا، ولكنه نهض بكل هدوء والتفت إلى ورائه، فرأى شبحا واقفا في الشرفة ~~عند الشباك، وفي يده مسدس مصوب نحوه من بين مصراعي الشباك المنفتحين قليلا، فارتعدت ~~فرائصه وابتعد عن سرير الفتاة مذعورا، وهو يتوقع دوي الرصاص في الغرفة، وفي الحال خرج ~~منها، واستقبل المرأة عند بابها وقال مرتعبا: من هذا الذي في الشرفة؟ ~~- لا أدري، شعرت بحركة في الشرفة، إنه لص، استصرخ الخفير. ~~- كلا كلا، لا تستصرخي أحدا فليس في الأمر لصوصية بل تهديد. # واندفعت المرأة إلى الغرفة ونظرت في الشرفة، فلم تجد أحدا ولكنها لمحت شبحا يصعد إلى ~~السطح متسلقا على شيء مدلى منه. # ثم شعروا بحركة على السطح، وسمعوا بعض البرابرة الذين يبيتون على السطح يلطون قائلين: ها ~~هو يا خفير قبضنا عليه، خذه إلى القرقول! # فقال فهيم: الأفضل أن نتظاهر بأننا لم نعلم شيئا، ولا شعرنا بشيء ما دام هذا المتطفل قد ~~وقع في يدي الخفير، وغدا نستفهم من البرابرة عن أمره. ~~- حسن رأيك، ولكن تعال قل لي: ماذا رأيت؟ # فروى لها فهيم ما رأى وسمع، وقال لها: تعالي قولي لي من ms015 هذا ؟ ~~- لا أدري. ~~- لابد أنك تدرين، من هذا الذي يجسر أن يصل إلى هذه الشرفة في آخر الليل، ويتهددني في أهم ~~لحظة كأنه يعلم سر الأمر؟ ألا تعرفين شخصا آخر يحب هيفاء؟ ~~- والله لا أعلم ولا أعتقد أن هناك شخصا آخر يحبها أو يعرفها أو تعرفه. ~~- إنك تمكرين علي. ~~- أقسم لك بشرفي أني لا أعلم. ~~- هل زدتني بهذا القسم تصديقا؟ ~~- ثق أني لا أعرف أحدا يعرف هذه الفتاة هنا في مصر. ~~- إذن من هذا؟ ~~- إني متحيرة مثلك ولا أشك أنه لص، ولما رأى أن من في المنزل لم يزالوا يقظين ادعى ~~القداسة والغيرة على الشرف، ورام أن يشفي غليله منك. # فلم يقتنع فهيم بهذا التعليل، ثم تقدم إلى الفتاة وقال لها: أنت تعلمين هذا الشخص يا هيفاء؟ ~~- لم أره وقد راعني قبلك. ~~- كيف ذلك؟ ~~- سمعت صوته قبيل دخولك علي، ولم أفهم كلامه فجزعت جدا. ~~- عجيب ألا تفهمي كلامه. ~~- لم أفهمه؛ لأنه كان همسا. ~~- لا أصدق. ~~- لا يهمني أن تصدق. # فسكت فهيم، وبعد هنيهة قال: لعلنا غدا نعرف الحقيقة. # | عظة في السجن # لما شق الفجر حجاب الظلماء، وكانت أمواج النور القصوى تلاطم الآفاق، كان يوسف براق ~~يتبين في السجن الذي أودع فيه في «قرقول الأزبكية» بضعة أشخاص آخرين مرتمين على الأرض ~~كالغنم في الحظيرة، كان بعضهم يغطون في نومهم كأنهم يتوسدون الوثير في شم القصور، وبعضهم ~~يقظين متململين ويوسف من جملتهم. # ولما اتضح الصبح قليلا رأى يوسف إلى جانبه رجلا ملتحيا، وعلى رأسه قبعة من الصوف وقد ~~صحا من نومه، فأنعم النظر فيه فخاطبه الرجل باليونانية. # فقال له يوسف: لا أعرف اليونانية. # فسأله الرجل بالعربية: هل معك سيكارة؟ ~~- من حسن الحظ لا أدخن. # فتأفف الرجل وقال: بل من سوئه؛ لأني لا أطيق الصبر عن التدخين. ~~- أراك تتكلم العربية جيدا، أفما أنت يوناني؟ ~~- بلى، ولكني قضيت عهدا طويلا عشير العرب. ~~- أستغرب أنك سجين هنا وللأجانب امتيازات. ~~- نعم، ولبعض الناس امتيازات أيضا، ومنها أنهم يجدون أنفسهم في مثل هذا المبيت ~~أحيانا. # فاستغرب يوسف ms016 هذا الخطاب، وقال: اعذرني يا سيدي، إلى الآن لم أفهم لماذا أنت بائت ~~هنا؟ ~~- لأن القرقول فندق سكارى الطريق. ~~- تقول: إنك أجنبي، فلماذا يجاء بك إلى هنا؟ ~~- لأن السكر لا يفرق بين جنسية وأخرى، ونحن الأجانب أحق من الوطنيين بهذا الفندق ~~الفخيم. # فابتسم يوسف وبقي ساكتا هنيهة، ثم قال: لا تؤاخذني يا سيدي إذا سألتك لماذا لا تذهب إلى ~~منزلك قبل أن يؤتى بك إلى هنا؟ ~~- لأني الآن فقير، وهنا مصير السكير الفقير في الليل. ~~- وإذا كنت تعلم هذا المصير، فلماذا لا تكف عن السكر؟ ~~- وماذا يضرني أن أسكر إذا كان البوليس يعنى بي ويؤاويني في القرقول؟ وإذا كنت بلا دينار، ~~فهل تظنني أجد مبيتا أفضل من هذا الفندق؟ ~~- بالطبع إذا كنت تنفق دينارك على الخمرة تبقى بلا دينار، فلماذا لا تصون الدينار؛ لكي ~~تنفقه على ما يصلح شأنك فتعيش عيشة أفضل؟ ~~- جربت كل نوع من أنواع المعيشة، فلم أجد أفضل من هذا النوع. # فازداد استغراب يوسف لحديث هذا الرجل، ولكنه استلذ حديثه فقال: عجيب أمرك، لم أر أحدا ~~قبلك يستلذ عيشة الفقر. # فضحك الرجل، وقال: لم أعن عيشة الفقر بل عيشة السكر. ~~- الفرق بين العيشتين لفظي فقط؛ لأن السكر يفضي إلى الفقر، وأنت خير مثل على ذلك. # فقهقه الرجل وقال: يلوح لي أنك عديم الاختبار، هل تجهل أن كثيرين من السكيرين عاشوا ~~أغنياء وماتوا أغنياء؟ ~~- أعلم ذلك، وأعلم أيضا أن كثيرين ماتوا فقراء من جراء السكر، فهل تقول لي لماذا أنت ~~الآن بلا دينار؟ ~~- لأني كميزان الحرارة تارة أكون صاعدا وأخرى نازلا، فأمس كنت في درجة الخمسين واليوم ~~في درجة الصفر. ~~- درجة الخمسين؟ ~~- نعم، كان أمس معي خمسون جنيها فخسرتها بالقمار، وخرجت أسكر مع بعض أصحابي، فأصبحت ~~اليوم ولا جنيه معي، فأنا الآن في درجة الصفر. ~~- خمسون جنيه في ليلة واحدة؟ وماذا تفعل اليوم ولا فلس عندك؟ ~~- كما فعلت منذ أسبوع أو منذ شهر أو منذ عام، فلطالما لعبت هذا الدور. ~~- إنك لتدهشني يا سيدي، فهل تستسهل خسارة خمسين ms017 جنيها في ليلة واحدة؟ ~~- كما أستسهل ربحها في ساعة واحدة. ~~- أرى حديثنا يسوقني إلى الفضول، فاعذر يا سيدي فضولي. ~~- لا، لا تقل فضولا، إذا لم يكن لحديثنا فائدة إلا قتل هذا الوقت الطويل فكفى به ~~فائدة. ~~- إذن أود أن أتعلم منك كيف تربح الخمسين جنيها في ساعة، فما هو شغلك يا سيدي؟ ~~- أشتغل أي شغل أوفق إليه فتارة أكون سمسارا، وأخرى «جرصونا» في «قهوة»، وطورا صاحب ~~حانة، وتارة صاحب محل قمار أو مقامرا أو مضاربا في البورصة؛ ولهذا قلت لك: إني كميزان ~~الحرارة. ~~- إذا كانت لك هذه المقدرة على كسب المال، فلماذا لا تجعل ميزان حرارتك صاعدا دائما، ~~وتعيش عيشة الكبراء؟ ~~- من قال لك إني لا أعيش عيشتهم؟ فأمس كان بضعة من أبناء الذوات يسكرون معي وهم يقامرون ~~وأنا أقامر، وهم يطوفون ملاهي الأزبكية وأنا أطوفها. ~~- وهل تعد هذا النمط من العيشة عيشة راضية؟ ~~- إذا كان الأغنياء يؤثرون هذا النمط من المعيشة، فما أنا أفضل منهم إلا بأني أبيت في ~~القرقول أحيانا، وهم يبيتون في القصور، بل أنا أسعد حالا منهم؛ لأني أقدر أن أبيت حيث لا ~~يقدرون أن يبيتوا. # فحار يوسف كيف يستطيع أن ينبه هذا الرجل إلى عاقبة سيرته؛ لأنه رآه متشبثا بأسلوب ~~معيشته، وكلما أرشده إلى خطر هذا الأسلوب موه الرجل عليه متهكما. وبعد تفكير هنيهة قال ~~يوسف: كم عمرك يا سيدي؟ ~~- قل خمسين أو ستين سنة. ~~- عجبا، لا يلوح لي أنك تناهز الخمسين. ~~- بل أكثر. ~~- ولم تزل في عافية؟ ~~- وقوة أيضا. ~~- كم سنة تعيش أيضا؟ ~~- هذا ما لا يدريه إلا علام الغيوب. ~~- أجل، لا أحد يعرف أجلا، ولكن القوة والعافية؟ ~~- ماذا؟ ~~- هل تدومان؟ ~~- ففكر الرجل هنيهة وقال: لم يخطر لي هذا قبل الآن. ~~- ليس عجيبا ألا يخطر لك؛ لأن ميزان حرارتك متى صعد أطمعك بحسن المستقبل، ومتى هبط ألهتك ~~الخمرة عن كل مستقبل، على أني أسأل الله أن تعيش حتى التسعين لترى نهاية المستقبل، أفما ~~رأيت أحدا في التسعين أو الثمانين؟ ~~- رأيت. ~~- كيف رأيت الرجل في ms018 الثمانين ؟ ~~- تريد أن تقول لي: إنه ضعيف؟ ~~- قد يكون قويا. ~~- لا بد أن تضعف قوته مهما سلم من الأمراض. ~~- إذا ضعفت قوته البدنية، فقد تبقى له قوة مالية. # فاكفهر وجه الرجل وفكر هنيهة، ثم قال: وإذا كان مثلي بلا قوة مالية؟ ~~- حينئذ تسميه ضعيفا. ~~- ولكنك نسيت الأصدقاء. ~~- بل أنت نسيتهم، أمس كنت تسكر مع أبناء الأغنياء، فلما استنفدت الخمرة صوابكم أخذتهم ~~مركباتهم إلى قصورهم وأخذك البوليس إلى هذا القرقول، فأين أصدقاؤك الآن؟ وأين يكونون متى ~~صرت هرما، ولم تعد عشرتك تلذ لأبناء الأغنياء؟ ~~- ففكر الرجل هنيهة ثم قال: لقد نبهت يا صاح غافلا، وأنا أشعر الآن أني أضعف قوة مما ~~كنت منذ خمس سنين أو عشر. ~~- وهل ترتاب بأن تكون في منتهى الضعف حين تكون ابن ثمانين؟ فأنت تستنفد الآن كل قوتك ~~العضلية والعقلية والمالية، ولا تدخر شيئا إلى حين تهرم، فالواجب عليك نحو نفسك الآن أن ~~توفر من قواك إلى آخر سنيك. # فسكت الرجل على هذا الخطاب، وبعد قليل قال: لقد أيقظتني من غروري يا سيدي وصار لك علي ~~فضل، تكلم يا أخي فإني أستلذ كلامك. ~~- أخاف أن تحسب كلامي فضولا. ~~- بل هو فضل. ~~- إذن ائذن لي أن أسألك: أما لك عائلة؟ ~~- كلا البتة. ~~- حسن جدا فقد خف وقر ذنبك عليك، ولكني ألومك على أمر واحد في ماضيك. ~~- على السكر والقمار طبعا؟ ~~- لا لا، بل ألومك على أمر سبب تطوحك في السكر والقمار، وهو أنك بقيت عازبا. # فتنهد الرجل وبقي ساكتا، وبعد قليل قال له يوسف: لا ريب أنك شعرت الآن بهذا الغلط؛ ~~لأنك لو تزوجت لوجدت في عائلتك لذة لا تجدها في سكر ولا في قمار. # وكان النور قد ملأ المكان من نوافذه «المحددة»، فرأى يوسف دمعتين تنحدران على لحية الرجل، ~~وعند ذاك قال الرجل ليوسف: هل أنت متزوج؟ # فأجابه يوسف: كلا. ~~- إذن كيف تعرف لذة العيلة؟ ~~- أعرفها بالمشاهدة، ومن منا لا يرى ألوفا من العيلات السعيدة بألفتها، فلماذا لم تتزوج ~~حين كنت في يسر؟ ~~- كنت مزوجا يا ms019 أخي . # وهنا استرسل الرجل بذرف الدموع، فقال له يوسف: أظنك لم تكن سعيدا بزواجك، وقد أخطرت على ~~بالك مصيبة فاعذرني. ~~- كلا يا أخي، لم أكن تعسا في زواجي، ولكن الأحوال فرقتني عن عيلتي، وشتتتها. ~~- إذن لم تزل لك عيلة. ~~- لا أدري فقد تكون عيلتي منقرضة. # وكاد الرجل يجهش بالبكاء، فقال له يوسف: لا تؤاخذني على استدراجك إلى هذا الموضوع الذي ~~يذكرك بأحزان ماضية فدعنا منه. ~~- نعم، دعنا منه، ولكني أود أن تكون صديقي. ~~- إني صديقك فأود أن أتعرف بك، فهل تتفضل باسمك الكريم؟ ~~- اسمي جورجي آجيوس. ~~- منزلك؟ ~~- هذا الفضاء الواسع، وإنما تجدني غالبا في «قهوة الشيشة»، فهل تذهب إلى هناك؟ ~~- لا، ولكني أذهب لأجلك وإن كان لا مأرب لي «بالشيشة». ~~- اسمك الكريم؟ ~~- يوسف براق. ~~- لم تقل لي لماذا أنت هنا. ~~- إني متهم غلطا ومتى استجوبوني برأت نفسي. ~~- لا أشك أن مثلك لا يؤتى به إلى هنا إلا بالغلط. # عند ذلك انفتح الباب، وكان شرطي ينتدب السجناء واحدا بعد الآخر. # | نقص القانون # كانت الساعة التاسعة حين جيء بيوسف إلى المأمور، وبعد أن ألقى عليه الأسئلة المعتادة ~~سأله: لماذا جيء بك إلى هنا؟ ~~- ائذن لي يا سيدي أن أكون وحدي معك؛ لأني أود أن يكون التحقيق سريا. # وبعد جدال قليل أمر المأمور من في مكتبه أن يخرجوا، وجعل يوسف يقص عليه الحادثة بالتفصيل، ~~فروى له ما عرفه القارئ منها إلى أن كان على السطح فوق شباك، وكان يسمع كلاما صادرا منه ~~فقال: ولما لم أستطع تفهم الكلام فكرت بطريقة لسماعه، وكان قرب ذلك الشباك شرفة «بلكون» ~~فخطر لي أن أنزل إليها، وقد نبهني إلى هذه الفكرة ما عثرت عليه من الحبال المنصوبة على ~~السطح لنشر «الغسيل»، فحللت بعضها وطويتها ثلاثا وعقدتها عقدا، وربطت طرف مثلوثها بأسفل ~~العمود الذي كان الحبل مربوطا بأعلاه، وأدليت الطرف الآخر، ثم نزلت بواسطته إلى زاوية ~~الشرفة؛ حيث لا يراني أحد ولا يشعر بي، وكان الشباك الذي يصدر منه الكلام قريبا جدا من ~~زاوية الشرفة، فجعلت أتسمع. # وهنا ms020 روى يوسف بعض الحديث الذي علمه القارئ، وقال: ولما أدركت أني في خطر أسرعت وصعدت، ~~وما بلغت إلى السطح إلا رأيت نفسي بين يدي بربريين وهما يستصرخان الخفير للقبض علي، ~~فحاولت الإفلات منهما ولكني ما لبثت أن وقعت بين يدي الخفير، ولم أدر كيف وجد هناك في تلك ~~اللحظة. # فقال له المأمور: سنرى كيف وجد الخفير هناك حينذاك. # وفي الحال استدعى الخفير، وأمره أن يروي حكاية قبضه على يوسف، فقال الخفير: كنت أتمشى في ~~نقطتي فرأيت شبحا في الفضاء بين سطحي منزلين، فاستغربت أمره ورغبت أن أعلم سره؛ لأني ~~توهمته طائرا، ثم ما لبثت أن رأيته قد مشى إلى أحد السطحين، وجعل يطوف عليه متسرقا ~~فازدادت ريبتي فيه، ثم جعلت أنعم النظر في ما بين السطحين؛ لكي أعلم كيف انتقل من الفضاء ~~إلى السطح، فلم أقدر أن أرى شيئا؛ لأنه لم يكن من نور إلا نور النجوم الضئيل، وما زلت أراه ~~يظهر ويتوارى حتى ازددت رغبة في معرفة سره، فدخلت من بوابة المنزل، وصعدت إلى السطح بكل ~~هدوء، فلم أجد أحدا، فجعلت أطوف فيه، ثم قرعت على باب غرفة من غرف السطح، فخرج منها ~~بربريان فسألتهما في الأمر، فقالا: إنهما لم يشعرا بوجود إنس ولا جن، ثم تفرقنا جميعا في ~~السطح نبحث عن ذلك الشبح، وتقدمت إلى الخلاء الذي بين السطحين لأرى كيف كان ذلك الشبح في ~~الفضاء، فوجدت لوحا ملقى على السطحين، ففهمت أنه كان يعبر عليه من سطح إلى سطح، عند ذلك ~~استصرخني البربريان، فأسرعت ووجدت هذا الفتى يحاول الإفلات منهما، فقبضت عليه وسقته إلى هنا ~~صاغرا. ~~- عافاك الله، لقد قمت بالواجب عليك خير قيام، اخرج الآن. # ولما خرج الخفير قال المأمور: إن حكاية الخفير تنطبق على حكايتك تماما، وقصتك معقولة، ~~ولكنها لا تنفي الشبهة عنك. ~~- أي شبهة يا سيدي؟ ~~- شبهة التلصص. ~~- ولكني رويت لك الحقيقة عن سبب تلصصي. ~~- إذا كنت صادقا فيما رويت، فقد كنت متطفلا فيما لا يعنيك. ~~- بل أعتقد أني فعلت الواجب علي. ~~- لا واجب ms021 عليك . ~~- يا لله، لم يعلم أحد غيري بالضيق الذي كانت فيه الفتاة؛ ولهذا حسبت نفسي مسئولا عن ~~خلاصها. ~~- هل عينتك الحكومة جاسوسا على الناس؟ ~~- لا. ~~- إذن لا مسئولية عليك، وليس في القانون ما يحملك أقل مسئولية. ~~- نعم لا مسئولية قانونية علي، ولكن علي مسئولية أدبية. ~~- نحن هنا لا نفهم إلا القانون الذي سنته الحكومة. ~~- إذن القانون ناقص. # فضحك المأمور قائلا: لك أن تقدم هذه الملاحظة للحكومة، وتقترح عليها سن قانون يخولك ~~التلصص على الناس، ولكني أثق أن الحكومة لا تفعل شيئا من هذا القبيل؛ لأن الناس أحرار في ~~منازلهم. # فتغيظ يوسف وقال بحدة: إذن القانون يترك الفتاة فريسة لذلك الذئب؟ ~~- لا، بل القانون يعاقبه على افتراسه لها. ~~- ولكن شبح القانون لم يكن حاضرا ليردعه عن فريسته، ولو لم أكن أنا هناك وأتهدده ~~لافترسها. ~~- لو افترسها وثبت افتراسه لها لعوقب. ~~- ولكنه قد يغويها ويفترسها ثم ينجو من العقاب، فإذن قد يعجز القانون عن حماية الفتاة من ~~شره، ولم يبق من منقذ لها إلا العناية الإلهية، وأنا أعتقد أن العناية الإلهية استخدمتني ~~لإنقاذها. # ففكر المأمور هنيهة ثم قال: أقول لك: إننا هنا منفذو قوانين لا مشترعون، والقانون يقضي ~~علي بأن أكتب «محضرا» بهذه الحادثة، وبعد ذلك تقول ما شئت في المحكمة، وللمحكمة وحدها ~~الحق بالنظر في قضيتك، قلت: إنك تهددت الرجل فبماذا تهددته؟ ~~- شهرت عليه «مسدسا» لإرهابه وردعه، ولكني لم أطلقه. ~~- أين المسدس؟ ~~- رميته على السطح، وأعتقد أن أحد البربريين أخذه. # بعد أن كتب المأمور المحضر انصرف يوسف. # | تناظر المنطاد وورقة الشجرة # بعد أن اشتغل يوسف براق في البنك الأميركاني أسبوعا، انفرد به المسيو سرار الذي كان ~~يشغله في مكتبه، وقال له: لقد كلفني جناب المدير أن أبلغك أمرا لا أدري إن كان ~~يسوءك. ~~- ماذا؟ ~~- يتأسف جنابه شديد الأسف بأن يبلغك أن لا وظيفة لك في البنك الآن، فإذا فرغت في المستقبل ~~وظيفة لائقة بك استدعاك إليها؛ لأنه مقتنع بأهليتك، وإني متأسف يا مسيو براق أن أكون ~~مبلغك رغبة جنابه، ولكن ما ms022 على الرسول إلا البلاغ، ولي الأمل أن تثق بإخلاصي وأسفي، وهذا ~~تحويل على الخزينة بأجرة الأسبوع. # فشكر يوسف للمسيو سرار تلطفه، ومضى وبعد أن تردد هنيهة ذهب إلى المدير وسأله عن سر عزله، ~~فلم يشأ المدير أن يفاوضه بهذا الموضوع، بيد أنه أبلغه أن لا وظيفة له حينئذ، وأنه إذا خلت ~~له وظيفة استدعاه إليها؛ لأنه لا ينكر أهليته. # على أن يوسف خرج كاسف البال غير مقتنع بأن سبب عزله الاستغناء عنه، وما إن ابتعد قليلا ~~حتى أدركه فتى من زملائه في البنك يدعى خليل نادم، وهو فتى ذكي الفؤاد وسيئ البخت كيوسف، ~~وجعل يماشيه في سبيله، وفي أثناء ذلك قال له: أحقيق يا مسيو براق أن المدير أبلغك عدم ~~الحاجة إليك؟ ~~- كيف عرفت ذلك يا خليل؟ ~~- كل المستخدمين في دائرة الترجمة كانوا يلغطون بذلك. ~~- إذن لا بد أن تكون قد عرفت السبب. ~~- أما عرفته أنت؟ ~~- لم يذكر المدير لي سببا غير أن لا وظيفة لي، ولكني لم أقتنع بهذا السبب، وأنا أرى أن ~~الشغل أكثر من الكتبة في دائرة الترجمة، أفما فهمت من لغط الكتبة شيئا؟ # فسكت خليل فقال يوسف: يلوح لي أنك تعلم شيئا، فماذا كانوا يتحدثون؟ ~~- ألا تعرف القول السائر «إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب»؟ ~~- إذن تخاف أن تقول. ~~- نعم؛ لأن الدسائس تكثر في كل دائرة بقدر كثرة عمالها، وأنا عرضة لأخطار هذه ~~الدسائس. # فتوقف يوسف عن التمشي، كأنه تنبه لأمر يغفل عنه وحملق بالفتى قائلا: علام ~~الدسائس؟ ~~- الأفضل أن نتمشى في طريق آخر؛ لئلا يتبعنا بعض الكتبة ويسيئوا الظن بنا. ~~- لا يهمني سوء ظنهم؛ لأني لن أعود إلى هذا البنك إذا كان دار دسائس. ~~- أما أنا فيهمني؛ لأني مضطر إلى الاستخدام، وأخاف على وظيفتي من خيال مزاحم. ~~- يا لله! أتستمسك بوظيفة ستة جنيهات، وأنت تستحق اثني عشر جنيها؟! ~~- أستمسك بوظيفة أربعة جنيهات ما دمت لا أجد سواها. ~~- لم تقل لي ماذا كانوا يلغطون بأمري. ~~- تقول: إنه لا يهمك الرجوع إلى البنك؛ فاعذرني إذا ms023 لم أقل لك شيئا؛ لأني أخاف مغبة ~~القول. ~~- بل أود أن أتلقن درسا جديدا، فأتعهد لك بشرفي أني لا أبوح بكلمة مما تقول؛ ~~فقل. # فتردد الفتى وهو يقول: الحق عليك. ~~- بماذا؟ هل قصرت بواجباتي؟ هل عجزت عن ترجمة شيء؟ ~~- كلا، بل بالعكس كنت تعمل أكثر من واجباتك، وتحسن الترجمة أكثر من كل واحد. ~~- إذن كيف يكون الحق علي؟ هل ارتكبت وزرا من حيث لا أدري؟ ~~- نعم، ذنبك أنك تشتغل أكثر من سواك، وعملك أحسن من عمل غيرك، فلو كنت أقل علما ~~واجتهادا لكنت أرسخ قدما في وظيفتك. ~~- أستغرب ما تقوله ولا أفهمه؛ لأني كنت أبذل جهدي في إعجاب رؤسائي وإرضائهم. ~~- إن ما تظنه إعجابا وإرضاء لرؤسائك يحسبونه إغضابا، بل ذنبا تستحق عليه الطرد؛ فأنت ~~الجاني على نفسك. ~~- يا لله! لم أفهم بعد معنى قولك هذا. ~~- أستغرب أنك لا تفهم. ~~- لا أقدر أن أفهم ما يخالف السنة الطبيعية، أفهم سر وقوع ورقة الشجرة إلى الأرض، ولكن ~~إذا قلت لي: إنك رأيتها تصعد إلى السماء، فلا أفهم ولا أصدق؛ لأن صعودها مخالف لناموس ~~الطبيعة. ~~- وإذا رأيت المنطاد يصعد إلى السماء؟ ~~- أعلل صعوده بسنة الطبيعة أيضا. ~~- إذن يمكن حدوث أمرين متخالفين، وتعليل حدوثهما بسنة الطبيعة. ~~- من غير بد. ~~- فاعلم إذن أن للأمور الأدبية سننا كسنن الأمور الطبيعية تماما، ولو كانت ورقة الشجرة ~~تحس وتعقل لكانت تغضب من المنطاد، حتى ولو كان صاعدا بها إلى السماء. # ففكر يوسف هنيهة ثم قال: إنك يا أخي لفيلسوف في الأمور الاجتماعية، تعني أن رؤسائي يغضبون ~~من إظهار براعتي واجتهادي، ولو كنت أنجز مضاعف الشغل الذي يكلفونني به؛ لأنهم ... ~~- نعم؛ لأنهم يخافون أن تصعد فوقهم كصعود المنطاد فوق ورقة الشجرة. ~~- ولكني أقسم لك بشرفي أني لم أضمر قط مزاحمتهم في مناصبهم، بل لم يخطر لي إلا تجنب ~~ذلك. ~~- هل تنكر أنك كنت تود إظهار كل أهليتك حتى تترقى؟ ~~- لا أنكر ذلك، ولكني كنت أطمع أن أترقى إلى وظيفة يخليها من هو فوقي إلى من هو فوقه، فهم ~~السابقون ms024 ونحن اللاحقون. ~~- ولكنهم ليسوا قارئي نيات وأفكار حتى يثقوا أنك لا تزاحمهم، ولو أقسمت لهم بالله وبرسله ~~وأنبيائه ما صدقوك، بل ما كانوا يصدقون إلا أنك تبذل جهدك في مزاحمتهم، وهب أنك كنت تنوي ما ~~تقول فمدير البنك إذا رأى أنه ينتفع منك أكثر من رئيسك يجعلك فوق رئيسك رضيت أو لم ترض، ~~وهذا ما يحسبون حسابه مهما كنت أنت طيبا وحسن النية. ~~- عجيب أن يعتقدوا ذلك. ~~- بل عجيب ألا يعتقدوا ذلك. ~~- لماذا؟ ~~- لأنك كل يوم كنت تهددهم ألف مرة. # فبهت يوسف لهذا الجواب وقال: يا لله! إنك تكذب أو إنك تعني غيري. ~~- بل أعنيك أنت يوسف براق. ~~- متى تهددتهم؟ ~~- حين كنت تناقشهم في أغلاطهم. ~~- بل هم كانوا يصلحون جوابي بغلطهم، وأنت كنت تسمع وترى، هل كان المسيو سرار محقا اليوم ~~بتنقيحه ضمير «سن»، وجعله مذكرا، فهل ترتاب أنت أنها مؤنثة؟ انظر في أي قاموس شئت. ~~- أعلم أنها في القاموس مؤنثة، ولكنها في قاموس البنك يجب أن تكون مذكرا؛ لأن المسيو ~~سرار رئيسنا يريدها كذلك. ~~- لا بأس من هذه، ولكن ما قولك في الأغلاط الأخرى الفرنساوية والإنكليزية التي كان ~~يرتكبها سرار وغيره. ~~- هنا في الشارع الحق معك فيها، وأما في البنك فالحق في جانب المسيو سرار وغيره من ~~الرؤساء. ~~- لو كان المسيو سرار يرتكب هذه الأغلاط في ترجماته ما كنت أتعرض له؛ لأني لست مسيطرا ~~عليه فهو حر أن يترجم كما يشاء، ولكنه كان هو وغيره ينقحون ترجماتي، فيقلبون الصواب خطأ ~~فظيعا لا يطاق، فلا ألام إذا كنت أناقشهم لكي تكون ترجماتي بليغة فصيحة خلوا عن ~~الخطأ. ~~- نعم تلام؛ لأنهم رؤساء وأنت مرءوس. ~~- كلا، لا ألام؛ لأني لو كنت أسلم بإصلاحهم - وهو خطأ فظيع - لكنت أثبت عدم ~~أهليتي. ~~- بل بالعكس لكنت تثبت أهلية عظمى لو كنت تعترف لهم بسمو علمهم على علمك. ~~- هذا ما لا قبل لي عليه، لا أستطيع أن أجاري الجهلة على جهلهم. ~~- وهم لا يستطيعون مجاراتك في صعودك فوقهم، فاعذرهم إذن. ~~- تعني أني أعذرهم على سعاياتهم ضدي. ms025 ~~- نعم ، نعم اعذرهم. # وبعد سكوت هنيهة قال يوسف: هل لك أن تقول لي يا خليل: من كان الساعي ضدي؟ ~~- كلهم، وكلهم الآن فرحون بأنهم أبعدوك من البنك؛ لأنهم كانوا يخافون من رسوخ قدمك، ~~وإعجابك للرؤساء الكبار؛ لئلا يقدموك عليهم، فهل فهمت غلطك الآن؟ ~~- فهمته، ولكن لم يكن في وسعي تجنبه. ~~- لأنك حر، وحرية الضمير جناية على المرء. ~~- هل تعلم إن كان المسيو بولس المراني من جملة الذين سعوا ضدي؟ ~~- الحق أني لا أدري شيئا من نحوه، فقد يكون منهم؛ لأنه الرئيس الأعلى «لقلم» الترجمة كما ~~لا يخفى عليك، و... ~~- ماذا؟ قل ما تعرفه وثق أني لا أقول كلمة. ~~- إني واثق بصدق طويتك يا مسيو براق، ولولا صدق مودتي لك ما كنت أخاطبك بهذا الموضوع، ~~فلا أخفي عليك أني وجدت بالصدفة بين الأوراق التي على مكتب بولس أفندي المراني شطري ورقة، ~~وقرأت فيهما سطرين بإمضائك، فهل كان مراني أفندي موكلا بامتحانك قبل تعيينك؟ # فعض يوسف على شفتيه، وقال: لقد سبق السيف العذل، دعنا من هذا الموضوع يا أخي؛ فقد عرفت ~~ممن جاءت الضربة. ~~- أتظن أنها جاءت من بولس المراني؟ لم أزل في شك من ذلك؛ لأن بولس أفندي مشهور عندنا بطيب ~~عنصره. ~~- مهما يكن الأمر فقد كان ما كان، ولكن ألا ترى يا خليل أني مظلوم؟ ~~- لا شك عندي في ذلك؛ لأني أعتقد أنك أقدر من كل من في هذا البنك وأهل لأعلى وظيفة فيه ~~وأطيب قلبا وأصدق نية من كل زملائنا، ولكن هل تنتظر من الناس أن يعدلوا مجانا، أو أن ~~ينصفوا عفوا ويرحموا بلا سبب؟ ~~- كأنك تقول لي: إن كل شيء يجب أن يكون بثمن أو جزاء، حتى الحق يجب أن يباع ويشرى، والمرء ~~لا يعدل عن الكذب إلا إذا كوفئ على الصدق، ولا يجنح عن الخيانة واللؤم إلا إذا كان يقبض ~~ثمن الاستقامة غاليا. ~~- نعم، نعم يا يوسف، لا يتبع أحد الحق لأجل الحق، ولا يصدق أحد لأجل الصدق، ولا يستقيم ~~لأجل الاستقامة. ~~- إني أتعجب ممن يصعدون إلى ms026 قمة النجاح على سلم الظلم واللؤم والكذب والخيانة. ~~- لا تتعجب يا صديقي؛ فإن الإنسان مسلسل من الحيوان الذي اضطره تنازع البقاء إلى الحيلة ~~واللؤم والغدر والخيانة، والناس كالحيوانات ينازعون بعضهم بعضا، وجميع هذه الرذائل أسلحة ~~لهم. ~~- إذن لماذا يتبجحون بالنواميس الأدبية ويدعون حيوية الضمير؟ ~~- ما هذه النواميس إلا قيود يقيد المستقيمون أنفسهم بها، وأما الأغرار فيعتقدون أن الناس ~~في تنازعهم كأنهم في حرب عوان، والحرب تجيز اتخاذ كل وسيلة للغلبة. ~~- لا أعتقد أنهم يغلبون أخيرا. ~~- عجبا يا يوسف! أما رأيت أن المنافقين فازوا عليك وأنت الصادق المستقيم؟ # فوجم يوسف وانتفض متغيظا، وقال: كأنك يا هذا تحرضني على التذرع بالرذيلة إلى ~~النجاح. ~~- كلا، كلا لا أحرضك على ذلك، بل أمتدحك إذا لازمت جانب الاستقامة ولو بقيت في الحضيض، ~~وإنما أقول لك: إن ذلك هو الواقع، الأشرار يقومون والأبرار يسقطون؛ فإن كنت تبتغي النجاح ~~فاسلك إليه من طريق الشر؛ فهو أقصر وأقرب، وإلا فلا تطمع به عاجلا. # فحرق يوسف الأرم وزمجر متغيظا، وقال: يا لك من عهد يترأس فيه الغبي الجاهل، وينجح ~~الماكر المخاتل، ويسعد اللئيم، ويشقى المستقيم! فالحرب بيني وبينك أيهذا العصر المعوج، ~~فإما أن تقلبني أو أقلبك. # | غرائب القدر # كانت الساعة الثامنة مساء حين ازدحم أول شارع كلوت بك من جهة الأزبكية بالمركبات، بعضها ~~مركبات نقل وبعضها مركبات ركوب، وبعضها مركبات كهربائية، فحدث اصطدام خطير لولا العناية ~~الإلهية لأفضى إلى حادثة مشئومة. # وتحرير الخبر أن مركبة كانت تقل فتاتين إحداهما بقبعة والأخرى «بحبرة»، واتفق أنه كان ~~وراءها بعض مركبات وقطار كهربائي، وأمامها بعض مركبات نقل، فحاول حوذيها في أول الأمر أن ~~يتجاوز مركبات النقل التي أمامه، ولكنه رأى قطارا كهربائيا مندفعا نحوه وكاد ينطح ~~جوادي مركبته، فما لوى عنانه حتى رأى مركبة أخرى من ورائه قد اندفعت إلى جانبه الأيسر، ~~فلوى العنان إلى أيمنه، والظاهر أنه ارتبك والجوادان جمحا، واندفعا إلى الرصيف فأصبحت عجلتا ~~المركبة اليمنيان على الرصيف والعجلتان الأخريان ما زالتا في أرض الشارع، فارتعبت الفتاتان ~~ووقفتا ووثبت ذات ms027 الحبرة إلى الرصيف، وكان الحوذي حينذاك يلوي عنان الجوادين إلى الشارع، ~~فرامت الفتاة ذات القبعة أن تثب فلم تستطع؛ لأن المركبة مثقلة بها من الجانب السفلي، ~~فانقلبت المركبة بالفتاة وأصبح نصف الفتاة بين العجلتين، وكادت العجلة الخلفية تمر عليها لو ~~بقي الجوادان يندفعان إلى الأمام، وفيما كانت الفتاة تصرخ من الرعب معتقدة أن أجلها سينقضي ~~في تلك اللحظة، شعرت أن قوة هائلة ترفع جانب المركبة عنها، والفتاة الأخرى رفيقتها تستخرجها ~~من تحت المركبة. # كل ذلك حصل في بضع ثوان. # وقفت الفتاة وهي تصرخ: «رجلي رجلي، انكسرت رجلي.» وكانت في الوقت نفسه تنظر إلى القوة ~~التي رفعت المركبة عنها، فرأت فتى يجاهد في تقويم المركبة، والحوذي الذي انقلب من المركبة ~~أيضا نهض، وجعل يعاونه إلى أن اعتدلت المركبة في مكانها. # وكان جمهور من الناس قد تجمهر، وبينهم شرطي يأمر الحوذي بالذهاب إلى القرقول. # أما الفتى فانعطف إلى الفتاة يستعلم منها عما أصابها، فأمسك بيدها قائلا: ألا تستطيعين ~~أن تنقلي رجلك؟ # فنقلها ومشت خطوتين قائلة: أظن رجلي سليمة من الكسر ولكني أشعر بألم. ~~- الحمد لله أنها سليمة؛ لأن المركبة لم تضغط عليها إلا لحظة أو أقل من لحظة. ~~- إني ممتنة لتداركك الخطر الذي داهمني، بربكم مركبة أخرى تأخذني إلى بيتنا، وفي الحال ~~استدعى الفتى حوذيا آخر فأخذ الفتاتين. # وكان الفتى بطل روايتنا يوسف براق، أما الفتاة فكانت ليلاه، ولكنه لم يعرفها إلا وهي ~~تستقل المركبة، فتراجع إلى الوراء كأنه استكبر أن تعلم بوجوده هناك في تلك اللحظة، ولكن ~~الظروف ساقته إليها كأن الأقدار تمهد الطريق لإيجاد علاقة بينه وبين الفتاة. # | بارقة أمل # في ذلك المساء نفسه عاد يوسف إلى حي الأزبكية. # وفيما هو قادم إلى سبلندد بار شعر بيد تقبض على ذراعه، فالتفت فرأى صديقه نجيب المراني، ~~وهو يقول له: إني أبحث عنك. # فبغت يوسف قائلا: لماذا؟ ~~- تعال نجلس ونتكلم. # فجلسا وقال نجيب: أستغرب يا صاح أنك لم تعد تزورنا قط مع أني كنت أنتظر زيارتك لكي أقوم ~~بخدمة لك، ولكن يلوح ms028 لي أنك تريد أن تستغني عن خدم أصدقائك. # فابتسم يوسف مكفهرا قليلا، وقال: بل بالعكس لا غنى لي عن فضل أصدقائي، ولكني لا أريد ~~أن أثقل عليهم. ~~- إلى الآن لم تثقل بأمر، وليس في خدمتك خسارة كبيرة ولا صغيرة، فأرجو أن لا تبالغ في ~~تجنب ما تحسبه تثقيلا، إلا إذا كنت أنت لا تريد أن يثقل عليك صديقك بأمر. ~~- بل أود أن أستطيع خدمة لكل صديق. ~~- علمت أنك تركت الخدمة في البنك الأميركاني. ~~- من أبلغك ذلك؟ ~~- الذي بشرني بأنك استخدمت في ذلك البنك. ~~- من؟ ~~- عمي بولس. # فاكفهر يوسف وسكت، فاستأنف نجيب الكلام قائلا: إني أستغرب أن قدمك لم ترسخ هناك مع أن ~~البنك جديد، وأشغاله تتسع يوما فيوما، ولا غنى له عن مستخدمين جدد، ولمثلك مستقبل كبير ~~فيه. ~~- ماذا قال لك عمك عن سبب تركي البنك؟ ~~- لم يعلم عمي حقيقة السبب، ولا درى بالأمر إلا بعد وقوعه، والآن هل وجدت شغلا؟ ~~- كلا، ولم أزل أبحث عن شغل. ~~- لقد وجد عمي وظيفة موافقة لك في مصلحة التنظيم، وأوصى بك صديقنا سليم أفندي هيزلي ~~الموظف هناك، وهو صاحب نفوذ وفي وسعه أن يضمن تعيينك في الوظيفة، وهاك بطاقة من عمي لهيزلي ~~أفندي، فاذهب إليه وإني أرجح أنك تنال الوظيفة. # فتناول يوسف البطاقة وقرأ فيها ما يأتي: # عزيزي سليم أفندي هيزلي، حامل هذه البطاقة يوسف أفندي براق الذي أوصيتك به، وقد ~~جمع المعرفة الواسعة والعقل الراجح والقلب الطيب، ومتى قابلك يبرهن لك على صدق ~~قولي، فإذا كنت تساعده بكل قوتك تكون قد قلدتني جميلا عظيما. # بولس المراني # فخفق فؤاد يوسف لهذه التوصية، وقال في نفسه: هل يصدق هذا أو يمين؟ # ثم قال لصديقه نجيب: إني أمتن جدا لفضل عمك، ولا أدري كيف يحق له أن يكتب هذه الفقرة ~~وهو لا يعرفني؟ ~~- يقول: إنه عرف أهليتك جيدا، وقد حاول أن يقنع المدير بردك إلى وظيفتك في البنك ~~الأميركاني فلم ينجح. ~~- لا بد أن يكون قد علم بعدئذ سبب عزلي. ~~- من طبع عمي تقليل الكلام، ms029 وتحاشي القال والقيل؛ ولهذا لم يبحث كثيرا في الأمر، وجل ما ~~علمه أن بعض الموظفين في قلم الترجمة كانوا يتذمرون من وجودك، والظاهر أنهم أقلقوا المدير ~~بالشكوى منك. ~~- ألم يقل عمك ماذا كانت شكواهم؟ ~~- يظهر أن لا شكوى حقيقية لهم، وإنما الحسد - قاتله الله. ~~- هل يعتقد عمك ذلك؟ ~~- هذا ما فهمته منه، ولو كنت قد أخبرته بشيء من ذلك قبل صدور أمر المدير لقاوم مقاصدهم، ~~فلماذا لم تتردد إليه؟ ~~- لم أعرف أنه عمك إلا بعد حين. # | الجارة الرسولة # عاد يوسف إلى غرفته مرتاح النفس من جهة مسترزقه؛ لأنه أمل أن يحصل على الوظيفة في مصلحة ~~التنظيم، على أن حادث ذلك المساء شغل كل لبه وقلبه. # كان في الأيام التي مرت يتناسى تلك الذات التي احتفرت منزلا في فؤاده، حتى كاد ينساها، ~~ولكن حادث المركبة كان كلفحة هواء هبت على جذوة نار خابية تحت الرماد، فسفت الرماد عنها ~~وجعلت تضرمها حتى ألهبتها. # لم يهجع يوسف تلك الليلة؛ لأنه كان كلما أغمض جفنيه متوسلا إلى الكرى لاح في مخيلته طيف ~~تلك الذات، وقال للكرى: «لا يسع هذا الحيز اثنين في وقت واحد، فإما أنت وإما أنا.» فكان ~~الكرى نافرا والطيف أنيسا. # وكان ذهن يوسف يتعقل تلك الذات فيراها تترقى رويدا رويدا، حتى ملأت فضاء خياله، وأخيرا ~~قال في نفسه: «أين أهل الثرى من أهل الثريا؟» ثم عاد ذهنه من ذلك الفضاء الواسع وهو يتعثر ~~بين هضبات الآمال، فيرقى هضبة من رجاء ثم ينحدر إلى وهدة من يأس. # قد يود القارئ أن يطلع على كل ما دار في خلد يوسف تلك الليلة؛ لكي يدرس فيه فلسفة الحب، ~~ولكن لو طلبنا إلى يوسف أن يدون ذلك على الورق ما بقي في هذا الكتاب محل للحكاية. # كانت مخيلة يوسف تلك الليلة كالسينماتوغراف، تبدي وتعيد كل حادث ذي علاقة بالفتاة من حادث ~~الترام الأول إلى حادث المركبة الأخيرة، وكان يقف عند كل حادث ويوسع نفسه لوما؛ لأنه أساء ~~التصرف، ففي الترام خاشنها، وفي الطريق قرب منزلها ms030 تجسس عليها، وفي منزلها جافاها، وفي ~~سبلندد بار نافرها، وفي حادث المركبة الأخير قلل الأدب؛ لأنه لم يرافقها حتى منزلها كحارس ~~لها؛ لئلا يحدث لها في الطريق حادث آخر؛ أو لئلا يتعذر عليها الصعود إلى المنزل؛ أو لئلا ~~يجزع أهلها لمباغتتها إياهم متألمة محتاجة إلى من تتوكأ عليه لتصعد. # كيفما قلب يوسف تصرفه وجده نموذج الهمجية والتوحش، ولم يكن ليخف عنه تعذيب ضميره على ~~ذنوبه هذه، إلا إذا خطر له ما يعتقده من تصلف الفتاة وخيلائها. # طلع الصباح ويوسف لم ينم، فنهض ولبس ثوبه وخرج ينوي الذهاب إلى مصلحة التنظيم، وفيما هو ~~خارج من باب المنزل السفلي رأى فتاة تحملق فيه، وهي مئتزرة بمئزر «بحبرة»، فنظر فيها كأنه ~~يسألها إن كانت تريد منه شيئا، فقالت له: بونجور مسيو يوسف. ~~- بونجور مدموزال، أتذكر أني رأيت هذا الوجه، ولكن متى وأين لا أتذكر. ~~- في هذه الناحية طبعا. ~~- نعم نعم، تقطنين في المنزل المجاور لهذا المنزل، يسرني أن أراك الآن؛ لأني لم أعد أراك ~~منذ بضعة أيام، وكنت أود أن أختلس برهة لمقابلتك، فأين كنت؟ # فاحمر وجه الفتاة، وقالت: تركت هذا المنزل. ~~- وحدك؟ # فأجابت متلعثمة: وحدي. ~~- فعلت حسنا. # فاستغربت الفتاة حديثه، واضطربت قليلا وقالت: لماذا؟ ~~- لأنك نجوت من الهاوية. ~~- أية هاوية هذه؟ # فغالط يوسف نفسه، وقال: أما أنت الفتاة التي كنت منذ نحو أسبوع تقطنين في هذا المنزل مع ~~أمك ورجل؟ # فاكفهرت الفتاة وقالت: نعم، وكنت أراك كما تراني. ~~- إذن لماذا تنكرين الهاوية التي كانت أمك ترميك فيها؟ # فازداد اظطراب الفتاة واحمرار خديها، وقالت: كيف ترميني أمي في هاوية؟ ~~- أما كانت تريد أن تبيعك رخيصة لسافل زنيم؟ ~~- هل روى لك أحد خبرا؟ ~~- كلا إنما رأيت بعيني وسمعت بأذني. # فوجفت الفتاة، وقالت بصوت خافت: ماذا رأيت وماذا سمعت؟ ~~- رأيت الزنيم كحية حواء يستغويك؛ ليرميك في هاوية الإثم الذي لا يغتفره الناس وإن اغتفره ~~الله، وسمعت أمك تساوم ذلك الزنيم على طهارتك، هذا ما سمعت وهذا ما رأيت. ~~- أين ومتى؟ ~~- منذ نحو عشرة أيام تقريبا ms031 في نحو الساعة الثالثة بعد نصف الليل، في غرفتك رأيت وفي ~~الغرفة المجاورة لها سمعت، فذاب فؤادي إشفاقا عليك. # فانتفضت الفتاة مدهوشة جازعة، وقالت: أنت ال ... ~~- أنا هو الذي أنذرك و... ~~- وتهدد ذلك الفاسق؟ ~~- نعم. ~~- وكيف نجوت من يد الخفير؟ فقد سمعنا البرابرة الذين على السطح يستصرخون الخفير ويقولون ~~له: إنهم قبضوا عليك. ~~- لم أنج من يده، بل ساقني إلى المخفر. ~~- إني آسفة. ~~- لا تخافي، برأتني المحكمة العادلة، ولكن ألم يخرج الرجل وأمك ليروا من هذا الذي كان ~~يتجسس عليكم؟ ~~- لا، وإني مستغربة ذلك. ~~- لا تستغربي؛ لأن الأثمة يخافون أن يظهروا للناس فأحمد الله أنك نجوت. ~~- ولكن ما معنى قولك: إن أمي كانت تساوم على طهارتي؟ ~~- أما فهمت ذلك؟ ~~- لا. ~~- أما فهمت شيئا من علاقة ذلك الرجل بكم؟ ~~- فهمت أن أمي تريد أن تحبب الرجل بي؛ لكي يتزوجني وأنا كنت أمانع. # فضحك يوسف مكفهرا وقال: لماذا تمانعين إذا كان الرجل يتزوجك زواجا شرعيا؟ ~~- لأني لا أحبه ولن أحبه ولا أطيقه. ~~- وهل كنت واثقة أنه سيتزوجك؟ ~~- لم أكن أشك بذلك؛ لأنه كان يبذل جهده في إرضائي. ~~- نعم ولكن لا ليتزوجك، بل ليقتنصك، وأقول لك: إن أمك كانت تساعده على اقتناصك. # فاسود وجه الفتاة واغرورقت عيناها بالدموع وقالت: آه أمي، أمي، لو كانت أمي. # فانتبه يوسف وقال: أما هي أمك؟ ~~- أدعوها أمي، ولكنها بالحقيقة خالتي أخت أمي، والآن صرت أشك أيضا بأنها خالتي؛ لأن ~~الخالة كالأم تضن بابنة أختها، ولا سيما إذا كانت قد ربتها منذ الصغر، إني أشكر غيرتك جدا ~~يا مسيو براق، وأود منك ألا تفوه بكلمة مما سمعت ورأيت؛ لأني أود أن أنسى كل ما كان وقد ~~مضى بلا أذى والحمد لله. ~~- كيف عرفت اسمي؟ ~~- لم يبق عندي وقت الآن، فاسمح لي أن أدفع لك هذه الرسالة وأنطلق قبل أن تراني خالتي ~~هنا. # فتناول منها الرسالة، وهو يقول لها: ممن هذه الرسالة؟ ~~- من سيدتي ليلى. ~~- ليلى؟ ~~- نعم ألا تعرفها؟ ~~- لا. ~~- يا لله، هل نسيت أمس؟ # فبغت يوسف وقال: هل ms032 كنت معها؟ ~~- نعم، أنا التي كنت معها ولم تنتبه لي؛ لأنك انشغلت بها. # ثم ودعته الفتاة منطلقة فقال: ألا تنتظرين جوابا؟ ~~- كلا، فهل من جواب؟ ~~- لا أدري، هل يمكن أن أراك غدا في مثل هذا الوقت وفي هذا المكان؟ ~~- نعم إذا كنت ترغب في ذلك. # | دوي وصدى # أما يوسف ففض الرسالة خافق الفؤاد وقرأ ما يأتي: # ليت الأقدار تفهم فكانت تغنيك عن تحمل مشقة، وتنقذني من عذاب أليم. # أنت تكلفت جهدا ضائعا، وأنا أقاسي ألما بلا مسكن، والذنب ذنب القدر ~~الأعمى. # لولا المصادفة لوفرت أنت جهدا عنيفا، ولقضيت أنا واسترحت من عذابي. # حملتني تلك المصادفة دينا لك، فلا أنا أستطيع وفاءه ولا أنت تبتغي بذله. # فاحسب هذا الدين في جملة خسائرك، وأنا أحسب هذا الشقاء في جملة مصائبي. # لا تكن مشفقا كل حين، فقد يضيع إشفاقك مع غير أهله. # وقد تكون هذه الرسالة فضولا مني، ولكني فكرت طويلا فلم أر بدا من هذا ~~الفضول؛ ليكون مبلغك شكري لك. # وكانت الرسالة بلا إمضاء كما كانت بلا عنوان. ~~••• # وما انتهى يوسف من تلاوة الرسالة، وهو يتمشى حتى قال: «لله من كبريائك.» # وكاد يمزق الرسالة تمزيقا، ولكن أنامله لم تطاوعه، وبعد أن طواها ووضعها في جيبه ~~استعادها وقرأها ثانية وثالثة، ثم قال لنفسه: «نسيت أن أسائل الفتاة عن رجل ليلى، تقول: إن ~~اسمها ليلى، فهل أنا قيسها ولي منها عذاب قيس؟ شكت أمس من ألم رجلها، فلا ريب أنها تعذبت ~~الليلة الفائتة، وتأرقت أرقي ولكن شتان بين أرقينا.» ~~••• # ذهب يوسف إلى مصلحة التنظيم، ودفع بطاقة بولس المراني إلى سليم الهيزلي، فاستقبله هذا ~~أجمل استقبال، وقال: لقد أوصاني بك المسيو نجيب مراني أيضا، يلوح لي أن أسرة المراني كلها ~~تودك يا مسيو براق؛ ولذلك أحسب نفسي سعيدا إذا استطعت أن أقوم بخدمة لصديق يوده آل مراني ~~هذا الود. # فشكر يوسف له تلطفه، وهو يشعر بوخز في ضميره من جراء ما ألحق ببولس المراني من ~~الإهانة. # ولا نطيل الكلام على القارئ، فإن سليم الهيزلي قدم ms033 يوسف إلى مدير المكتب، وتوسل إليه أن ~~يقبله في الوظيفة، فامتحنه المدير بنفسه، وأعجب بمعارفه وبصدق ما بدا من بواطنه، ولم يتردد ~~في توظيفه، فكان يشتغل في المكتب تحت يد سليم الهيزلي؛ لأن هذا أقدم منه. ~~••• # في ذلك المساء كان يوسف منزويا في إحدى القهوات، وهو يعيد تلاوة الرسالة الآنفة الذكر، ~~ويتفهم معانيها كأنها إنجيله الذي يحتاج ترو، ثم تناول ورقة، وجعل يكتب تارة ويشطب أخرى، ~~وبعد التنقيح استقر قلمه على الأسطر الآتية: # ليت الأقدار تفهم فكانت تمدني بقوة وسرعة تكفيان لتلافي تلك الحادثة قبل وقوعها، ~~بحيث لا يبقى لي مسوغ أن أقترب منك. # أنا دائما ضائع الجهد، وإلا لاستطعت أن أوفر عنك ألما، ولكن الذنب ذنب القدر ~~الأعمى فسامحيه وسامحي ضعفي. # حملتني تلك المصادفة واجبا لك، فأنا ضعيف عن القيام به وأنت تبتغين الاستغناء ~~عنه، فأنا سيئ الحظ، وقد عداك سوء حظي، فليت في وسعي أن أزيل هذا السوء عنك. # فاحسبي هذا الحظ السيئ عارضا في حياتك، وأنا أضيف هذا العجز إلى سائر عجزي، ولو ~~كان القدر يفهم وينصف لعداني ألمك، ولكن لا، لعله يفهم وينصف فلا يراني أستحق هذه ~~العدوى. # لا تكوني حليمة؛ فقد يضيع حلمك مع غير أهله. ليتك أطنبت بالتأنيب، فهو عندي إيجاز ~~والإيجاز لا يشبع نفسي # قد تكون هذه الرسالة جسارة مني، ولكني فكرت طويلا فلم أجد نفسي مستغنيا عن هذه ~~الجسارة؛ لتكون ذريعة لشكر حلمك. # في صباح اليوم التالي كان يوسف في باب المنزل السفلي، وهو كل هنيهة يكشف الساعة، ويستبطئ ~~الثواني حتى ضاق ذرعه قبل أن بدت له الفتاة المؤتزرة، فلما أقبلت عليه قال مبتسما: خفت أن ~~لا تأتي. ~~- الوعد دين يا مسيو يوسف. ~~- هل عرفت ليلى بقدومك؟ ~~- استأذنتها. ~~- ألم تزل تتألم؟ ~~- لا تتألم. ~~- رجلها؟ ~~- جاء الطبيب في الحال وفحصها، فقال: إنها مرضوضة رضا خفيفا جدا، فوصف لها مروخا ~~أزال الألم حالا. # فاستغرب يوسف هذا القول المخالف لظاهر نص الرسالة، ثم قال: تنتظر ليلى جوابا ~~لكتابها؟ ~~- لا أدري. ~~- هل فهمت ليلى لماذا أتيت ms034 أنت ؟ ~~- قلت لها: إنك ضربت لي ميعادا. # فلم يرتح يوسف لأجوبة الفتاة المقتضبة، ثم قال: هل هي صديقتك؟ ~~- نعم. ~~- هل أنت جارتها؟ ~~- بل مقيمة معها. ~~- بأي صفة؟ ~~- خادمتها. ~~- خادمتها؟ لماذا ذلك؟ ~~- ماذا أفعل؟ ~~- هل ترضى أمك أو خالتك كما تقولين؟ ~~- لا تدري حتى أعلم إن كانت ترضى؛ ولهذا لا أود أن أتأخر هنا؛ لئلا تصادفني فتأخذني إليها ~~بالرغم مني، وقد ائتزرت بهذه «الحبرة» لكيلا تعرفني. ~~- كيف اتصلت بليلى؟ ~~- لما وجدت نفسي عرضة لذلك الذئب، حاولت الفرار من المنزل وذهبت إلى «المخدم» أطلب خدمة، ~~وكانت ليلى هناك تطلب خادمة فذهبت معها. ~~- هل عرفت ليلى بقصتك؟ ~~- عرفت ببعضها، عرفت أني تركت أمي؛ لأنها تريد أن تزوجني ممن لا أريد فأشفقت علي وآوتني ~~عندها. ~~- هل أنت مرتاحة إلى خدمتها؟ ~~- جدا؛ لأنها تعاملني كأخت. ~~- عجيب. ~~- أين العجيب؟ لو كنت تعرف ليلى ... # وكان كل جواب من أجوبة الفتاة كإزميل يعمل في فؤاد يوسف، فقال: فماذا؟ ~~- لكنت تقول: إنها ليست كسائر البنات. ~~- صدقت ليست كذلك. ~~- إذن تعرفها؟ ~~- لا، ولكن ماذا قالت عني؟ ~~- لم تقل شيئا. ~~- هل عرف أهلها بتفصيل الحادثة؟ ~~- نعم، ولكنها لم تسم لهم الفتى الذي أنقذها ولا أنا فعلت؛ لأني لا أخالفها ~~بأمر. ~~- حسن، إذن أنت محتمية بها. ~~- نعم، ومسرورة جدا تحت حمايتها. ~~- لم تقولي لي اسمك. ~~- هيفاء. ~~- اسم جميل، هل يمكنني أن أراك غدا أيضا يا هيفاء، ولك مني الجزاء الذي تطلبين؟ ~~- أفعل إذا لم تمانع ليلى. ~~- ولا أنا ألومك إذا مانعت، هل تتفضلين أن تدفعي هذه الرسالة إليها وحدها؟ ~~(وكانت الرسالة بلا عنوان ولا إمضاء.) ~~- بكل سرور أفعل. ~~- إني أمتن لك. # ثم افترق الاثنان هو إلى الجنوب وهي إلى الشمال. # | التفسير حسب الظواهر # وكان طريق الفتاة من أمام منزل أمها «أو خالتها»، فما بلغته حتى رأت أمها تنزل من آخر ~~درجة من السلم، فأسرعت وكان إسراعها منبها لظنون أمها، فأسرعت هذه وراءها حتى أدركتها بعد ~~عدة خطوات ونظرت إلى وجهها قائلة: هيفاء، إلى أين يا شقية؟ وأين كنت؟ ~~- لا شغل لك معي، ms035 لقد كتبت لك أني في سلامة فلا تبحثي عني، فدعيني في سبيلي. # ولكن المرأة لم تدعها تنطلق في سبيلها، بل صدتها وأرجعتها بالقوة محاسنة تارة ومتوعدة ~~أخرى، حتى أدخلتها إلى المنزل، وهناك جعلت تلومها، وتعنفها تارة، وتلاطفها وتتملقها طورا ~~حتى أقنعتها بالبقاء في المنزل، على أن هيفاء ما زالت تود أن تنتهز فرصة للفرار إلى ليلى؛ ~~لكي تدفع لها الرسالة، فلم يتسنى لها الفرار في ذلك النهار عينه، على أنها أبكرت في فجر ~~اليوم التالي؛ لكي تنسل من المنزل على نية أن تذهب إلى ليلى وتدفع لها الرسالة، وتعتذر عن ~~عدم إمكانها البقاء عندها، إلا إذا كانت ليلى تجد وسيلة شرعية للاستمساك بها؛ لأن أمها ~~أقنعتها أنها لم تزل قاصرة، وأنها لا تقدر أن تفعل حسب مطلق حريتها. # نهضت هيفاء لترتدي ثوبها، وأول ما خطر لها هو أن تبحث عن الرسالة في جيب ثوبها الذي كانت ~~ترتديه أمس فلم تجده، بحثت عنه في كل مكان وفي غرفتها فلم تقف لها على أثر، فتحيرت في ~~أمرها، ومع ذلك لم تعدل عن إزماعها إلى ليلى؛ لتبلغها ماذا جرى. # فما همت أن ترتدي ثوبها حتى انفتح الباب بغتة، ودخلت عليها أمها قائلة: لماذا تلبسين ثوبك ~~الآن والوقت لم يزل فجرا؟ فإلى أين؟ ~~- لست ذاهبة وإنما ... ~~- ماذا؟ ~~- أبحث عن شيء أعهده في جيبي ففقدته. ~~- تعنين رسالة؟ # فبغتت هيفاء، وقالت: أخذتها؟ ~~- نعم، واكتشفت سرك منها. ~~- سري أنا؟ ~~- نعم سرك، إنك مجنونة لا تعرفين مصلحتك، وإلا ما كنت تفضلين هذا الفتى الأهوج على فهيم ~~الذي لا يفرق عن الأمراء إلا بالاسم. ~~- أي فتى تعنين؟ ~~- أتظنين أني غبية مثلك، فلا أعلم أنك تحبين هذا الفتى المجاور لنا، وأنه يحبك ويستغويك، ~~فأين كان يجتمع بك كل هذه المدة؟ وأين كنت مختبئة يا شقية؟ ألا تعلمين أنك ارتكبت وزرا لا ~~يغتفر، وكدت تخسرين مستقبلك المجيد؟ ماذا حدث بينك وبينه؟ قولي لي؛ لكي أعلم كيف أتلافى ~~مصيبتك. # فامتقع وجه الفتاة وخفق فؤادها جزعا، وقالت: إنك تسيئين الظن بي يا أماه، ms036 فلا علاقة لي ~~بهذا الفتى. ~~- اصمتي يا كاذبة، هل تنكرين أنك كنت معه أول أمس، وأنكما افترقتما أمام المنزل؟ # فاقشعرت الفتاة وقالت: لم أكن معه إلا لحظة صباحا أمام باب منزله. ~~- وما شغلك معه يا شقية؟ أتنكرين أنه يستغويك؟ ~~- إنك تتهمينني به زورا يا أمي. ~~- اصمتي، هل تنكرين هذه الرسالة التي أعطاك إياها؛ لكي تقرئيها على انفراد، وكلها تحبب ~~وتذلل واستغواء؟ # فكادت الفتاة تنكر أن الرسالة لها، ولكنها أمسكت نفسها عن الإنكار؛ لئلا تضطر أن تقول لمن ~~كانت الرسالة، وهو أمر لا تريده ولو شنقت؛ لأنها خافت سوء المغبة على ليلى في حين أن ليلى ~~أمنتها على سرها. ~~- ما بالك صامتة؟! تكلمي، أجيبي. أما هو الذي سطا علينا تلك الليلة غيرة عليك وقد تجاهلت ~~سطوه؟ # فبقيت هيفاء صامتة واجفة؛ ولا سيما لأن أمها هولت عليها كل التهويل، وبعد سكوت هنيهة قالت ~~أمها: هل شعرت الآن بغلطك الفظيع في انخداعك بهذا الفتى الأرعن الطائش؟ ~~- تأكدي يا أماه أنه ليس بيني وبين هذا الفتى من علاقة البتة. ~~- وهذه الرسالة؟ ~~- أودعها في يدي وأنا لا أدري ما فيها، فإذا كان هو يتحبب إلي تحببا فما ذنبي ~~أنا؟ ~~- أين كنت كل هذه المدة؟ ~~- قلت لك أمس: إني كنت خادمة في بيت المراني، فإذا لم تصدقي فاسأليهم. ~~- ولماذا قابلت الفتى أمس؟ ~~- بالصدفة قابلته. ~~- اسمعي يا هيفاء، ما مضى قد مضى، فإياك أن تعيديه أو تذكريه أو تدعي أحدا يعلم أنك كنت ~~خادمة عند أحد، أو أنه كانت لهذا الفتى علاقة معك؛ لئلا يعلم فهيم بالأمر فيفسد مشروعي الذي ~~لا أقصد به إلا خيرك. # وجعلت تغريها على قبول فهيم ومحاسنته، وتحببها به حتى أثرت فيها بعض التأثير. # | الحية وحواء # في آخر السهرة كان فهيم مجالسا تلك المرأة في غرفة وحدهما، وهما يتكلمان همسا، فقالت: ~~ما معنى هذه المقاطعة يا فهيم؟ ~~- وما معنى زيارتي يا نديمة والفتاة نافرة وقد هربت بسببي؟ ~~- الفتاة صغيرة وجاهلة، وقد عادت من نفسها بعد أن كانت مختبئة عند الراهبات؛ لأنها شعرت ~~بغلطها ms037 واليوم أقنعتها فاقتنعت. ~~- اقتنعت؟ ~~- نعم ولكن يجب أن تعدها بالزواج؟ ~~- إنك لغبية وجاهلة، ألا تفهمين أني لا أقدر أن أتزوج؟ ~~- فهمت ذلك؛ لأن لك عدة زوجات غير شرعيات. # فاختلج الرجل قائلا: كيف فهمت ذلك؟ # فضحكت نديمة، وقالت: علمت أن لك زوجة في العباسية، وأخرى في الإسماعيلية، وشبه زوجة شرعية ~~في المطرية، فلتكن هيفاء رابعتهن. # فضحك فهيم وقال: كيف عرفت كل ذلك يا شقية؟ ~~- وهل كان لي شغل سوى أن أدرس أحوالك فقد عرفتها، فتزوج هيفاء وليس من يشترط عليك أن تترك ~~الخليلات الثلاث. ~~- متى صرت زوجا وصارت هيفاء زوجتي لا تقولين هذا القول؛ لأن عقد الزواج يكون سلاحا في ~~يدك ضدي. ~~- وإذا كان عقد الزواج مزورا؟ # فبهت فهيم، ثم قال: هذا ما لم يخطر لي. ~~- أما أنا فخطر لي أن آتي بثوب قسيس وقلنسوة، وأنت تأتي بأي رجل ذي لحية، فيلبس الثوب ~~والقلنسوة. ~~- الحق أنك داهية، وإذا عرف الأمر بعدئذ؟ ~~- لن يعرف، ومتى صارت الفتاة في منزلك الخاص لا تعود تود الخروج منه، ولو عرفت أن زواجها ~~كان مزورا، ولا سيما إذا بقيت أنا أقرأ النصح على رأسها. # فسكت فهيم وفكر هنيهة، ثم قال: إنك يا نديمة سر لا يدرك، ولكني أود أن أعلم سرك قبل أن ~~أقدم على هذا المشروع، فقولي لي: ما علاقة هذه الفتاة بك؟ # فضحكت نديمة وقالت: ابنتي. ~~- تكذبين، قولي الحقيقة. ~~- قلتها. ~~- لا أصدق أن أما تفعل هكذا. ~~- وإذا قلت لك: إنها ابنة أختي. ~~- ولا ابنة أختك. ~~- هذه هي الحقيقة، ولماذا لا تصدق؟ أليست الفتاة التي في المطرية خليلتك بعلم أمها ~~ورضاها؟ ~~- نعم ولكن لأم تلك أحوالا أخرى. ~~- مثل أحوالي، تلك لم تكن زوجة شرعية وأنا لم أكن زوجة شرعية لأحد، وقد قضيت حياتي خليلة ~~لواحد بعد آخر، كما أنت تقضيها الآن، وكما يقضيها كثيرون. ~~- وتريدين أن تسير هيفاء في هذا السبيل؟ ~~- ماذا يضرها أن تسير فيه كما سرت أنا فيه؟ وهل تطمع بأن تعيش أفضل من عيشتي مع أخلائي، ~~وعيشة خليلاتك معك؟ ~~- هبي أني تركتها ms038 بعد حين. ~~- لا تتركها إلا وتترك معها ما يقيها الفقر. ~~- أفليس الأفضل أن تزوجيها زواجا شرعيا من فتى كفء؟ ~~- لا أجد الفتى الذي أعيش معه ومعها كما أريد، فقد تعودت أن أعيش عيشة الرخاء. ~~- إذن تسعين إلى مصلحتك. ~~- لا أظنك تلومني، وإلا فما كنت أعنى بتربيتها حتى صارت وردة جميلة أو ثمرة شهية، هل ~~تلومني؟ ~~- لا ألومك. ~~- طبعا لا تلومني؛ لأن مبادئك تنطبق على مبادئي، وأحسب نفسي سعيدة بأني توفقت إلى صديق ~~لا يستنكر مبادئي، فهل تستنكرها؟ قل، إنك حر الضمير. ~~- لا أقدر أن أستنكرها؛ لأني جار عليها. ~~- وكثيرون مثلنا يجرون عليها والدنيا لهؤلاء. # فضحك فهيم قائلا: ماذا تعنين؟ ~~- أعني أن ما يسمونه مبادئ أدبية وفضيلة لا يجتمع مع الغنى إلا نادرا، دلني على واحد من ~~أقرانك الأغنياء يسير في غير هذا السبيل. ~~- لا أجد واحدا؛ ولهذا أستغرب تمسك الناس بهذه المبادئ الأدبية التي لا حرمة لها عند ~~الأغنياء، فلماذا لا يلغونها حتى تتمتع كل طبقة بالحرية المطلقة؟ # فضحكت نديمة قائلة: كأنك غبي لا تدري أن إطلاق الحرية لجميع فئات الناس، يزيل الحد الفاصل ~~بين الغني والفقير وبين القوة والضعف وبين الاستعباد والعبودية، فلو تيسر أن يكون كل الناس ~~أحرارا لكان نصيبك من التمتع عشر نصيبك منه الآن، فلا تقدر أن تتمتع ما لم يتقشف عشرة ~~أشخاص غيرك، وهذه المبادئ التي يسمونها أدبية ليست إلا قيودا للفقراء؛ لكي يستحكم الأغنياء ~~منهم لامتصاص دمائهم، والتمتع بإتعابهم. # فقهقه فهيم قائلا: أراك تتكلمين كاشتراكية، فلا أنت عاملة ولا أنا صاحب عمل، فلماذا ~~تتعرضين لمسألة التنازع في الأمور الاقتصادية؟ نحن نتكلم بمسألة المبادئ الأدبية. ~~- كل الأمور مرتبطة بعضها ببعض، ترى الفقير بل المتوسط يقمع شهواته ويحرم نفسه لذاتها، ~~ويلزم جانب الاستقامة حتى ينال سمعة حسنة، ويذاع عنه أنه فاضل؛ فالفضيلة هي رأس ماله ~~الوحيد، وبها وحدها يكسب ثقة معامليه؛ ولذلك تراه إذا قرب في سبيله من منتدى للفجور أو ~~الخلاعة أو القمار تجنبه؛ لئلا يقال عنه: إنه فاسق أو خليع أو مقامر فيخسر ثقة ms039 معامليه ؛ ~~وبالتالي يفقد مسترزقه ويعد ملوثا بالعار، وأما المثري المستقوي بماله فيقني الحسان كما ~~يقني الجياد، ويتقلب بين الحانات وأندية القمار كأنه يتردد بين المعابد والمساجد، وليس من ~~يجسر أن يفتح فمه بمثلبة به، بل يضطر المقربون إليه أن يبجلوه وينعتوه بجميع النعوت ~~الحميدة كأنه نموذج الفضيلة. ~~- لا أنكر هذا الواقع، ولكني لا أجد علاقة بينه وبين موضوع اهتضام الأغنياء ~~للفقراء. ~~- بينهما كل العلاقة؛ فإذا كان كل الناس أفاضل مستقيمين، وكل منهم قنوعا بحقوقه، فلا ~~يكون ثمت هاضم ومهضوم، ولكن لما كان الناس اثنين متنازعين - الواحد شرير طماع والآخر فاضل ~~قنوع - صار في وسع الأول أن يختلس حق الثاني حين يكون القانون غامضا ومنفذ القانون غافلا، ~~أما الثاني فلا يستطيع أن يختلس حق الأول؛ لأن الفضيلة شكيمة لضميره تكبح نفسه عن الاعتداء ~~على حق سواه، فترى أن الأول حر والثاني مقيد، وهما في ساحة نزاع؛ فالأول مستحكم من الثاني ~~طبعا؛ ولهذا استقوى الأول بما اختلسه من الثاني فصار ذاك غنيا وهذا فقيرا، وذاك سيدا ~~وهذا عبدا، وذاك فوق المبادئ الأدبية وهذا تحت نفوذها. # فبهت فهيم من تعليل نديمة، وتحمس في الرد عليها قائلا: لا أنكر أن الفضيلة قيد لذويها ~~يضعفهم تلقاء قوة الأشرار، ولكني لا أسلم أن الطمع يفضي إلى الغنى دائما، ولا أن الفضيلة ~~تقود إلى الفقر، فبين الفقراء أشرار وبين الأغنياء أفاضل. ~~- ولا أنا قلت ما لا تسلم به كما أني لا أنكر هذا الاستثناء الذي تقوله، وإنما أقول لك: ~~إن معظم الذين ادخروا الثروات الطائلة في حياتهم لم يحرز الواحد منهم جنيها، إلا كان أحد ~~السذج المتمسكين بالفضيلة قد اشتغل مجانا شغلا يساوي الجنيه، فإذا لم يوجد في العالم ~~كثيرون مثل هؤلاء السذج، فلا يمكن أن يجمع أولئك الطماعون تلك الثروات الطائلة. # فقهقه فهيم قائلا: «إذن فلتحي الفضيلة.» # فقالت نديمة باسمة: لا تهزأ بقولي يا فهيم، نعم، فلتحي الفضيلة، وليكثر الأفاضل السذج؛ ~~لأنهم هم الأغنام التي تقتات بها ذئاب البشر. ~~- كأنك تمثلين الأغنياء بالذئاب. ~~- ليس الأغنياء كلهم ms040 ذئابا ، بل بينهم أغنام سمينة تأكلها ذئاب أخرى قوية، كما أنه ليس كل ~~الأفاضل أغناما، بل فيهم ذئاب في جلود الأغنام يقفون في المعابد يضرعون ولكن لإله المال، ~~ويصلون وهم يفكرون في استنباط المكايد لغيرهم، هم الفريسيون الذين قال عنهم الناصري: إنهم ~~يعفون عن البعوضة ويبلعون الجمل، فهؤلاء أشر الذئاب، والحمد لله أنك لست منهم، بل أنت ذئب ~~قوي لا يخشى أن يقتات جهارا بأغنامه. # وهنا قهقهت نديمة ملء شدقيها، وقهقه فهيم معها، ثم قال: والله إنك لفيلسوفة، وما كنت أظنك ~~محنكة هذه الحنكة، فمن أين لك كل هذه الخبرة يا نديمة؟ # فابتسمت قائلة: لقد اختبرت العالم جيدا يا فهيم، وذقت حلوه ومره، وكنت سيدة وأمة ~~وذئبا ونعجة. ~~- ولكنك خبيرة جدا بشئون الأغنياء. ~~- لأني كنت خليلة غني. ~~- أين؟ ~~- هنا في مصر. ~~- من هو؟ ~~- لا أود أن أقلق راحته الآن في رمسه، دعنا منه. ~~- دعينا منه، نعود الآن إلى هيفاء، أليس لها أهل يهمهم أن يعلموا مصيرها؟ ~~- كلا لا تخف، ليس لها أهل غيري. ~~- أبوها؟ أمها؟ ~~- لا أب ولا أم. ~~- عموم؟ أخوال؟ ~~- لا يهتمون بأمرها. ~~- من هم؟ ~~- لا تسل عنهم. ~~- أود أن أعرف أصلها وفصلها، وإلا فلا أجسر أن أقدم على المشروع الذي اقترحته. ~~- لا تعقد المسألة يا فهيم. ~~- ماذا يضرك أن تقولي من هم؟ إذا كانوا لا يهتمون بأمرها، فأود أن أعلم لمن أنتسب فيما لو ~~صارت هيفاء حليلتي ولو بالرغم مني. # فاستبشرت نديمة بهذا الجواب وقالت: أطمئنك، إذا صارت هيفاء حليلتك فلا تخجل بمن تنتسب ~~إليهم بل تفتخر؛ فاطمئن ولا تستزدني إعلاما. ~~- يا لله قولي لي من هم أهلها والسر بيننا، فلعل لي في المسألة نظرا آخر. # ففكرت نديمة هنيهة ثم قالت: أخاف أن يضرني القول؛ فاعذرني وثق أني لا أخدعك؛ فالفتاة ~~تنتمي إلى عائلة رفيعة الشأن، فإن اتخذتها حليلة لا تندم، وإن أردتها خليلة فلا يهمك نسبها ~~ولا أنت مسئول، فثق بي وطاوعني، لست أخدعك. ~~- لا أفهم لماذا يضرك القول وأنا أتعهد لك بشرفي ألا أبوح بكلمة، فثقي ms041 بي كما أنك تطلبين ~~إلي أن أثق بك. ~~- يضرني القول؛ لأن أهل الفتاة بعد أن أهملوها كل هذه المدة الطويلة عادوا يسألون عنها، ~~أما أنا فبعد أن عانيت في تربيتها حتى أصبحت ثمرة يانعة لا أود أن أردها إليهم. ~~- تودين أن تبيعي هذه الثمرة؟ ~~- نعم، ولا أبيعها بخسة؛ ولهذا أقدمها لك، فلم أرب لغيري بل لنفسي، وأود أن أنال جزاء ~~تعبي. ~~- إذن كنت منذ الصغر تربينها لهذه الغاية؟ ~~- نعم؛ ولهذا جاءت آية في الجمال، هل تنكر جمالها؟ ~~- الحق أنها نادرة الجمال، وإلا لمللت علاقتي معك؛ فالفضل لك في جمالها إذن؟ ~~- نعم نعم؛ لأن تربية الجمال فن، فلما رأيت أن جمالي زائل وأدركت أن نهايتي قد تكون تعسة ~~جعلت أعنى بهذه الفتاة حتى أنفق ثمن جمالها في سبيل الاحتفاظ بسعادتي، فلا أظن أحدا يلومني ~~على ذلك. ~~- لا تلامين يا فيلسوفة، ولكن لماذا أهملها أهلها كل هذه المدة؟ ~~- لأنهم لم يريدوا أن يتحملوا مشقة تربيتها بعد وفاة أبويها، فتركوها لي حتى أربيها، ولما ~~كبرت وصارت نافعة لهم راموا أن يأخذوها. ~~- فكيف استطعت منعهم من أخذها؟ ~~- لم أستطعه إلا بالهرب بها إلى هنا. ~~- لعلهم يبحثون عنها هنا. ~~- لا يدرون أين نحن ولن يدروا، وقد احتطت لكل شيء، وأصبحت في مأمن تام منهم. ~~- يلوح لي أنك أبدلت اسمك واسمها. # فضحكت نديمة وبقيت ساكتة، فقال: هل تعرف الفتاة أهلها؟ ~~- لو كانت تعرفهم ما كنت أستطيع الاحتفاظ بها. ~~- من هم يا ترى ومن أي بلد هم؟ ~~- أرجو ألا تطلب أن تعلم أكثر مما علمت، ولنعد إلى المشروع الآن. ~~- المشروع؟ سأفتكر به وأجاوبك قريبا. # | تاريخ قديم # في تلك الأثناء جاء إلى مصر قسيس يدعى الأب أمبروسيوس، وقصد إلى بطركخانة طائفته، وقال ~~للبطريرك: إنه جاء بمهمة كبيرة فيها خدمة للإنسانية وفائدة للكنيسة، فسأله البطريرك عن هذه ~~المهمة. # فأجاب: جئت لأبحث عن فتاة أوصى لها جدها بميراث كبير، وقد كلفني بأن أبحث عنها بعد موته ~~حتى إذا وجدتها وتولت ميراثها كان لي ألف جنيه جزاء بحثي، وبالطبع تئول الألف ms042 جنيه للكنيسة؛ ~~فأرجو من غبطتكم أن تساعدوني في البحث عنها. ~~- حسن، لا ندخر جهدا بذلك، ولكن لا بد من الاطلاع على معلوماتك حتى نستطيع البحث، فمن ~~هي الفتاة ومن هو جدها؟ ~~- جدها هو المرحوم الأمير صادق الخزامي المثري الكبير في دمشق. ~~- سمعت باسم هذا الأمير، فمن أين كانت له الإمارة؟ ~~- إمارته موروثة عن أجداده الخزاميين الذين كانوا أمراء قبيلة نصرانية في حوران، وقد هاجر ~~الأمير نعيم الخزامي إلى دمشق، واستقر فيها، وحول ثروته إليها وأنماها، فأورث ابنه الأمير ~~صادق ثروة طائلة جدا. ~~- كيف فقدت هذه الفتاة؟ ~~- لذلك قصة طويلة، روى لي الأمير صادق نفسه تفاصيلها، ولا بد من سردها لغبطتكم، ترمل ~~الأمير صادق في أوائل عهد زواجه، وتركت له امرأته غلاما يدعى الأمير خليل، ثم تزوج بعد ذلك ~~ريمة ابنة الشيخ ضامر من مشايخ نصارى حوران، الذين كانوا مقدمين بعد الأمراء الخزاميين، ~~وكانوا يتمنون الانتساب إليهم، فولدت للأمير غلاما هو الأمير إبرهيم، ولا يخفى أن المرأة ~~قلما تحب ابن زوجها من امرأته الأولى، ولا سيما إذا كان لها بنون، أما ريمة فلم تكن لا تحب ~~الأمير خليلا فقط، بل كانت تكرهه وكانت شريرة وداهية جدا، وتريد أن تحصر إرث زوجها ~~الطائل بولديها كما ظهر بعدئذ. ~~- يا لله من شرها! ~~- وقد شب البنون الثلاثة وكان الأمير خليل ذليلا جدا لسوء معاملة امرأة أبيه ~~له. ~~- وهل كان أبوه الأمير صادق راضيا عن ذلك؟ ~~- لم تكن معاملتها السيئة لابنه ظاهرة، وكانت فائقة الدهاء، حتى أعمت زوجها عن الحقائق، ~~فكانت تحول دون زواج الأمير خليل كلما سنحت فرصة لزواجه، كما أنها كانت تحول دون تربيته ~~التربية الصالحة، فشب قليل العلم سيئ السلوك، ثم زوجت ابنتها وبقي ابن زوجها الأمير خليل ~~بلا زواج إلى أن صادف فتاة في قضاء البترون، فتزوجها من غير أن يستشير أباه؛ لأنه كان يعلم ~~أن ريمة تحول دون زواجه، فلما علمت ريمة بزواجه استشاطت وأعلنت نقمتها عليه بدعوى أنه تزوج ~~فتاة من نسب دنيء، فاضطرت أباه أن يطرده هو وزوجته ms043 من المنزل، وأن يعيش وحده، وعين له ~~راتبا صغيرا ليعيش به مع زوجته، فسكن الأمير خليل مع زوجته في منزل بعيد مضطرا، ولم يعد ~~يتردد على دار أبيه إلا نادرا، ثم رزق الأمير خليل غلاما سماه يوسف فاشتعلت ريمة غيظا، ~~مع أن ابنها رزق غلامين اسم الأول: فضل، واسم الآخر: سليمان، ولكنها كانت تروم أن لا يكون ~~لنسلها شريك في الميراث. # وفي ذات ليلة وافى الأمير خليل إلى دار أبيه مرتعبا، ولما سئل عن أمره قال: إنه أحرج إلى ~~مشاجرة بعض الناس بدعوى أنه سب السلطان وكادوا يقتلونه، ولكنه أفلت من بين أيديهم بعد أن ~~طعن أحدهم بخنجر ولا يدري إن كان حيا. # وبعد مفاوضة قصيرة قر رأيهم على أن يهرب الأمير خليل من سوريا، وإلا كانت حياته تحت خطر ~~لا يدرأ، وأعطاه أبوه مبلغا من المال وجوادا فهرب. ~~- إلى أين؟ ~~- قيل: إنه هرب إلى بيروت، وركب باخرة مسافرة إلى بلاد اليونان. ~~- وهناك؟ ~~- قال لي المرحوم الأمير صادق: إن ابنه الأمير خليل تجند بعد حين في الحرب اليونانية ~~العثمانية، وقتل فيها، وحين هرب كان ابنه يوسف في التاسعة من عمره، وكان الغلام وأمه كقذى ~~في عيني ريمة، فكانت تسيء معاملتهما جدا، حتى إن حنة البترونية أم الغلام يوسف لم تعد ~~تطيق البقاء في دمشق تحت رعاية الأمير، فرأت العودة إلى أهلها في البترون، فأبى الأمير صادق ~~أن تأخذ الغلام معها، فذهبت وحدها بعد أن زودها الأمير بالمال القليل؛ إشفاقا عليها؛ لأنها ~~كانت في بدء حمل حينذاك، ثم علم الأمير صادق أنها ولدت ابنة فأرسل إليها بعض المال، وبعد ~~ذلك لم يعد يقف لها على خبر؛ لأن ريمة كانت تحول دون ذلك. ~~- يا لله من هذه اللئيمة! ~~- ما اكتفت بذلك يا مولاي بل كانت متغيظة من وجود الغلام يوسف، فكان جده يبعده عنها ~~دائما إلى المدارس، ولكن لما بلغ الغلام نحو الخامسة عشرة من عمره كان في الصيف في منزل ~~جده، فجاء إلى الأمير ذات ليلة إنذار بأن الحكومة علمت أن ms044 للفتى صلة بجمعية تركيا الفتاة، ~~وأنها ستقبض عليه؛ لأنها وجدت مع آخرين أوراقا تثبت عليه هذه التهمة، فأسرع الأمير وأرسله ~~إلى بيروت، ومن هناك سافر الغلام إلى أوروبا، ومعه بعض المال، وبالفعل باغتت الحكومة منزل ~~الأمير ووجدت فيه بعض الأوراق المشتبه بها، ولو لم يدفع الأمير الأموال الطائلة، ويثبت ~~إخلاصه للدولة وعبوديته لجلالة السلطان ما نجا من هذه الحادثة. ~~- لكن لماذا لم يتلف الفتى الأوراق قبل هربه؛ لكيلا يقع جده تحت الشبهة؟ ~~- هذا ما لم أستطع أن أفهمه ولا فهمه الأمير، والذي لاح لي حين سمعت القصة أن في الأمر ~~دسيسة من ريمة زوجة الأمير؛ لأنها كانت تود أن تدهور الغلام، ولما ذكرت هذه الملاحظة للأمير ~~امتعض وتنهد كأن ضميره قد خالجه بذلك، والذي أظنه أن ريمة نفسها دست الورق ووشت ~~بالغلام. ~~- أولا تظن أن مسألة الأمير خليل بدسيسة أيضا؟ ~~- ليس ببعيد أن تكون ريمة الشريرة قد دست أناسا يحرضون بعض المسلمين؛ لكي يتحرشوا ~~بالأمير خليل حتى حدثت له تلك الحادثة المشئومة التي أدت إلى فراره. ~~- ثم ماذا جرى بالغلام؟ ~~- كاتب جده برهة ثم انقطعت رسائله عنه، أو أن ريمة وابنها كانا يمسكان رسائله عن جده، ~~وهكذا انقطعت أخباره. ~~- والآن أنت تبحث عن الفتاة ابنة حنة البترونية، التي ولدت في البترون. ~~- نعم؛ لأن جدها كلفني بالبحث عنها، وتحرير الأمر أنه منذ بضع سنين استدعاني الأمير إليه ~~سرا، وقال لي: إنه يشعر أن منيته قد دنت، وأنه يود أن ينقي ضميره قبل موته، وشكا لي سوء ~~سلوك ابنه الأمير إبراهيم وسلوك حفيديه فضل وسليمان، فإنهما شبا على سيرة رديئة، وأبوهما ~~لم يحسن تربيتهما؛ لأنه هو نفسه سيئ الأخلاق وكثير الموبقات، ومن أفعاله الشريرة أنه كان في ~~منزله فتاة تعلم ولديه فضلا وسليمان وهما صغيران، فاستغواها، ولما قاربت تلد زودها ببعض ~~المال، وردها إلى أهلها في بيروت، وكان لها ابن عم فجاء يطالبه بتعويض فأخذ منه مبلغا ~~كبيرا، وقس على هذه القصة قصصا كثيرة، وابناه ينتهجان الآن منهجه، ومنذ أربعة أعوام هرب ms045 ~~أحدهما «سليمان» إلى أميركا؛ لأنه كاد يؤخذ بخيانة للدولة، ولم يعد أحد يعرف مصيره، وفي ~~أيام الأمير صادق الأخيرة كان إبراهيم وابنه فضل يبذرقان ثروة أبيهما، ويستدينان والأمير ~~صادق يتألم من سوء تصرفهما، حتى كره ابنه وحفيديه؛ ولهذا استدعاني سرا وكتب وصيته موصيا ~~بثروته لابنة خليل، ولأخيها يوسف إذا أمكن الاهتداء إليهما. ~~- وريمة؟ ~~- من حسن الحظ أنها كانت قد ماتت، وإلا ما استطاع الأمير استدعائي؛ لأنها كانت تحول دون ~~كل أمنية له، وتضع إصبعها في كل أمر، وكان يخافها جدا؛ لأنها كانت سليطة. ~~- والوصية؟ ~~- معي، هاكها. # فتناولها البطريرك، وبعد أن قرأها مليا قال: إنها ناطقة بإرادة الأمير. ~~- وهي بخطه والشهود أحياء. ~~- متى مات الأمير؟ ~~- منذ بضعة أشهر. ~~- هل بحثت عن الفتاة وأمها في البترون؟ ~~- نعم ذهبت إلى البلدة التي أرشدني إليها الأمير، واتفق أن أول من سألته عن حنة كانت ندرة ~~الزعفران أخت حنة، أي: خالة الفتاة، وبعد مباحثة قصيرة قالت لي ندرة هذه: إن أختها كانت ~~تقيم في بلدة أخرى منذ عهد طويل، وهي وطنها الأصلي، فذهبت إلى البلدة الأخرى التي أرشدتني ~~إليها ندرة، فما وجدت حنة ولا ابنتها، بل قيل لي هناك: إن حنة ماتت منذ زمان طويل، وإن ~~ابنتها مع خالتها ندرة الزعفران، وهذه هي التي ربتها، ولما عدت إلى ندرة لأفهم مكرها علي ~~وجدت أنها رحلت بالفتاة خلسة، وبعد التحري علمت أنها سافرت بها إلى القطر المصري؛ لأن ندرة ~~هذه كانت في هذا القطر في أوائل صباها، وما عادت إلا على أثر موت أختها، فتولت أمر الفتاة ~~وربتها كابنتها. ~~- عجب لماذا مكرت هذا المكر؟ ولماذا رحلت بالفتاة؟ ~~- ما زلت أستغرب ذلك. ~~- ماذا كلمتها بشأن الفتاة؟ ~~- قلت لها: إن أهلها يطلبونها، ولكني لم أخبرها شيئا عن الوصية وميراث الفتاة من جدها؛ ~~لئلا يبلغ الأمر الأمير إبرهيم وابنه فيعجلان بمحق التركة، وقد يسعيان إلى دهورة الفتاة، ~~بيد أني احتطت لكل ذلك؛ إذ اتفقت مع الشهود الذين شهدوا على صحة الوصية أن نكتم أمرها إلى ~~أن نعثر بالفتاة. # فلعب ms046 البطريرك بلحيته وهو يفكر، ثم قال: تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، ولعلك لو أسررت ~~الأمر لخالة الفتاة ما كانت تنكرها عليك، وقد لا تكون ملوما في الكتمان، ولكن لماذا هربت ~~هذه الشقية بها؟ ~~- لم أدر لعلها أبت ردها إلى أهلها بعد أن ربتها، والله أعلم. # ففكر البطريرك هنيهة، ثم قال: لا بد لنا من مساعد في البحث عن الفتاة، وهو المسيو بولس ~~المراني؛ فإنه من رجال الطائفة الذين يعتمد عليهم، وله معرفة واسعة بأحوال مصر. # ثم تناول البطريرك التلفون وخاطب به المسيو بولس المراني. # فقال الأب أمبروسيوس: وإنما أرجو يا سيدي أن لا تروي الحكاية برمتها للمسيو بولس المراني، ~~وإن رويتها له بالاختصار فلا تذكر له الأسماء؛ لأن كتمان الحكاية ضروري لحماية الثروة من ~~مبدديها، كما لا يخفى على غبطتكم. # فوعده البطريرك بالكتمان على قدر الإمكان. # | سفر التكوين # في تلك الأثناء كانت ليلة ساهرة في منزل الخواجه بطرس المراني أبي نجيب وليلى، فكانت ردهة ~~الاستقبال حافلة بجماعة من الأصدقاء، نخص بالذكر منهم الدكتور صديق أفندي هيزلي ابن خال ~~ليلى، وسليم أفندي هيزلي ابن عم الدكتور صديق المذكور، وقد ورد ذكره قبل الآن، وعرف القارئ ~~أنه موظف في مصلحة التنظيم، وهو الذي توسط ليوسف براق في توظيفه بتلك المصلحة بناء على ~~توصية من بولس المراني، وبالطبع كان أيضا هناك بولس أفندي المراني أخي الخواجة بطرس صاحب ~~المنزل، هذا عدا أفراد آخرين من رجال ونساء. # وقد اعتاد الساهرون في منزل المراني أن يجدوا السهرة كحفلة أدبية، إذ يتخللها بعض الوقت ~~تلاوة قصائد، أو نتف أدبية جديدة، أو أحاديث في مواضيع علمية أو سياسية؛ لأن نجيب وأخته ~~كانا عشاق الأدب؛ ولهذا كان معارفهما ممن يميلون إلى الأدب كثيرا أو قليلا. # ولا نطيل الحديث على القارئ، فإن مسامرة الساهرين في تلك السهرة أدت إلى بعض القصائد ~~الجديدة، التي نشرت في بعض مجلات ذلك الشهر، فتلا بعضهم بعضها على الحضور، فكانت تروق ~~للكثيرين منهم، وفي أثناء ذلك قال نجيب المراني: عندي شيء جديد، جديد ms047 بكل معنى الكلمة، أريد ~~أن أتلوه عليكم، فعسى أن يروق لكم. # فقال صديق هيزلي: هل عكفت على صناعة القلم يا نجيب، أخاف أن يكون حظك أخيرا حظ حملة ~~الأقلام. ~~- ما أنا إلا دخيل في فن القلم يا صديق، فلا أتخذه صناعة بل حلية لصناعتي، وأنت تعلم أن ~~القلم دفة لسفينة المحاماة. # فقالت ليلى: دعنا نسمع لنحكم إن كنت تحسن إدارة هذه الدفة. # فتناول نجيب ورقة من جيبه، واعتدل في مكانه، وجعل يلقي المقال التالي خير إلقاء كأنه يعظ ~~في معبد، قال: # سفر التكوين # في البدء تزوجت القوة المادة، فولدتا سدما، وكانت الجاذبية ذكورة والدافعية ~~أنوثة، ثم نضجت السدم فكانت إجراما، وكان دورانها في أفلاكها مداعبة. # تلك قوة القوى وتلك مادة المواد. # تفرقت القوة في نسلها كتفرق المادة في ذريتها. # لكل نظام شمسي قوته القصوى، ولكل أرض قوتها، ولكل ذرة قوتها. # كل أرض تحوم حول شمس هي أمها، حتى إذا أعرضت عنها جلبتها بجلباب من غمام، وإذا ~~مالت إليها كستها بثوب من ربيع، بيد أنها لا تخرج عن دائرة قوتها، بل كلما فقدت قوة ~~تقترب منها لتستمد منها قوة جديدة، والأم تدخر القوة القصوى. # ثم تزوجت القوة الثالوث الهيدرو-كربو-نيتروجيني، فولدا المبدأ الحيوي «البروتو ~~بلاسم»، وتزوجت القوة مجموع المبادئ الحيوية فولدا «القلب». # بذلك التفرق تفرقت القوة القصوى، وبهذا التجمع تجمعت «في القلب». ~~••• # كل قلب مركز لقوة قصوى، وهو يفرقها على المبادئ الحيوية، التي تدور حوله في البدن ~~دوران الأقمار حول سيارها. # كل قلب عالم قائم بذاته، وعوالم القلوب أجرام تدور في أفلاكها متجاذبة متدافعة ~~قوة القوى، تلعب بالكل متجمعة متفرقة. ~~••• # القوة منفصلة: العدم. # القوة متحدة: الحياة. # القوة متمددة: العقل. # القوة متقلصة: الشعور. # ما بين التمدد والتقلص - التناقص - السر الذي لا يدرك: «الحب». ~~••• # أين الفهم لإدراك نظام الاتحاد والانفصال، أو نظام التمدد والتقلص؟ # وأين القدرة للسيطرة على هذا النظام؟ # لو أمكن الفهم لصح الاختيار. # ولو وجدت القدرة لصحت الحرية. # لا فهم ولا قدرة فلا اختيار ولا حرية. # لقوة القوى الأمر والنهي. ~~••• # ماذا يشمل ms048 هذه الكواكب السوابح؟ فضاء. # وما وراء هذا الفضاء؟ اللانهاية. # وما الذي يحتوي هذه اللانهاية؟ قلب. ~~••• # ماذا كان من قبل؟ أزل. # وماذا يكون من بعد؟ أبد. # وماذا يشمل الأزل والأبد؟ سرمد. # وماذا يشمل السرمد؟ دائرة حب. ~~••• # ما الحب؟ قوة تمدد القلب حتى يحتوي اللانهاية والسرمد، أو تقلصه إلى ذرة، أو ~~تنفصل عنه فيعود عدما. ~~••• # رامت القوة القصوى أن ترقي الطبيعة، فاستخرجت من السديم أرضا، ومن الأرض حياة ~~ومن الحياة شعورا، ومن الشعور قلبا ومن القلب حبا، فإذا بها تجد نفسها فيه، ~~وهنا وقفت. ~~••• # واغترت الطبيعة بارتقائها فحاولت أن تتجبر على القوة، فاستخرجت من الحياة نفسا، ~~ومن النفس روحا ومن الروح ملاكا، فوجدته كتلة من حب. ~~••• # ورامت الحياة أن تتفوق على القوة والطبيعة معا، فحولت نفسها إلى عقل والعقل إلى ~~ذكاء، ولما رام الذكاء أن يطوف بين الأفلاك، ويخترق أعماق المادة ليتفهم نواميس ~~الطبيعة، ويستخدمها لإسعاد الحياة وجد نفسه لا يفهم إلا ناموس الحب. ~~••• # ورامت النفس أن تنافس الجميع، فكست نفسها بالضمير، ثم حلته بالفضيلة فوجدت أنها ~~تحليه بالحب. ~~••• # ومتى بلغ الرقي حيث ابتدأ استتم دائرته، والدائرة لا تقبل مزيدا. ~~••• # الحب وقوة القوى سر واحد. ~~••• # القلب آلة الحب وبه يفعل الحب ما يشاء. # يخترق قلوب الجبال ويطير بأجنحة من بخار، ويمشي على اللجج ويسرع مع البرق، ويسبح ~~في الأثير، ويقيم العروش ويدحرج التيجان، ويثير الحروب ويبسط السلام على ~~الخليقة. ~~••• # إذا استطعت أن تستنزل ملاكا إلى الأرض، أو أن يستصعدك ملاك إلى السماء، فاعلم ~~أنك تحب. # إذا استطعت أن تعصي فؤادك فلست تحب. ~~••• # القلوب جواذب دوافع، وبينها ما بين العناصر من الألفة والتنافر. # القلب الأقوى حبا أغلب جذبا. # أكثف الحجب أشف من الأثير للقلوب. # للقلوب لغة واحدة: الخفوق. # نبضات القلب كلماته، وأمواج الأثير تنقلها إلى القلب الذي يفهمها. # قلب في الشمال وقلب في الجنوب، فإذا تخافقا تفاهما. # فما أسماك أيتها القلوب وأعظمك! ~~••• # يا قوة القوى أنت المعبود الأسمى، إن القلوب خاضعة لنظامك المجهول، فاشغليها ~~بقوتك؛ لكي تتجاذب وتأتلف إذا كان مجدك بائتلافها . # ولما ms049 انتهى نجيب من التلاوة طوى الورقة، وأجال نظره في الحضور، فإذا كلهم سكوت كأن على ~~رءوسهم الطير، فقال: أظنها لم تعجبكم؛ لأنكم لم تصفقوا لها. # فقالت ليلى مبتسمة: وهل يصفقون بعد قراءة الكتاب المقدس؟ # وقال الدكتور صديق هيزلي: أقسم بالله إنه ليس لقلمك قطرة في هذه المقالة. ~~- إن الذي كتبها إنسان مثلي أيضا. ~~- من هو هذا الكاتب الفيلسوف الذي تلد قريحته هذه الحقائق الشعرية؟ # فضحكت ليلى، وقالت: الحقيقة والشعر لا يجتمعان. # فقال الدكتور صديق هيزلي: في هذه المقالة اجتمعا وهنا العجب، فبالله من كتب هذه النبذة يا نجيب؟ ~~- كتبها كاتب لا يعرفه أحد كاتبا وهو يوسف براق. # فقال سليم هيزلي: لا أستغرب أن تكون هذه النبذة من قلم يوسف؛ لأني توسمت من أحاديثه سعة ~~العلم وحدة الذكاء، فلماذا لا ينشرها في إحدى المجلات؟ ~~- يلوح لي أنه لا يهتم بنشرها، ولو لم أجدها بالصدفة عنده حين زرته أمس ما اطلعت عليها، ~~ولما قرأتها أعجبت بها جدا، ورغبت إليه أن يأذن لي بنسخها فنسختها. # عند ذلك استأذنت ليلى من أخيها أن يريها الورقة، فتناولتها منه وجعلت تتلوها ~~وحدها. # واسترسل القوم بالأحاديث المختلفة، وليلى لاهية بمطالعة المقالة، فقرأتها أولا وثانيا ~~وثالثا، وهي تنعم النظر في كل جملة، ولم تكف عن القراءة، حتى جاء عمها بولس المراني وجلس ~~إلى جانبها قائلا: هل تأذنين لي ببعض أسئلة يا عزيزتي ليلى؟ # فاختلجت ليلى قليلا ظانة أنه سيباحثها بأمر لا تريده، فقالت له: بأي موضوع؟ ~~- أود أن أسألك عن حقيقة الفتاة هيفاء التي كانت خادمة عندك، فقد سمعتك مرة تقولين: إنها ~~فارة من منزل أمها؛ لأنها تريد أن تزوجها من رجل غني لا تريده، ثم إن الفتاة خرجت ذات صباح ~~ولم تعد، فهل عرفت أين ذهبت؟ ~~- كلا، وإنما رجحت أنها عادت إلى أمها، أو أن أمها عثرت عليها فأخذتها قسرا. ~~- هل تعرفين أين تسكن أمها؟ ~~- نعم كانت تسكن في منزل قريب منا في الشارع العباسي، وقد أرسلت من يسأل عن الفتاة هناك ~~فوجد المنزل فارغا، لماذا تسأل ms050 عن هذه الفتاة؟ ~~- لأمر يهم بعض الناس، هل أنت واثقة أن المرأة التي تصطحبها أمها؟ ~~- لم تقل الفتاة: إنها ليست أمها، ولكن معاملتها لها تريب. ~~- بماذا تريب؟ ~~- فهمت من الفتاة أنها كانت ترغمها على معاشرة الرجل، وكان الرجل يتطاول على الفتاة؛ ~~ولهذا نفرت منه، واضطرت أن تهرب من عند أمها. ~~- هل تعرفين من هو هذا الرجل؟ ~~- أتذكر أن الفتاة ذكرت اسمه فهيم بك رامح، ولكنها لا تعرف عنه شيئا سوى أنه غني جدا، ~~وإنما نفرت منه لأنها أساءت الظن بمقصده. # | شيء من التاريخ أيضا # بعد ارفضاض الساهرين من السهرة ذهب الدكتور صديق هيزلي وابن عمه سليم معا. # فقال صديق: هل لاحظت الليلة أمرا يا سليم؟ ~~- ماذا؟ ~~- في ليلى. ~~- كانت صامتة مفكرة خلافا لعادتها، هل أعدت عليها الكرة؟ ~~- في هذا الأسبوع خاطبها عمها بشأني كثيرا، فأصرت على الرفض مع أنها كانت فيما مضى لينة ~~بعض اللين، فلا أدري ما الذي غير فكرها. ~~- هل أنت واثق أن أباها وأخاها راضيان تمام الرضا؟ ~~- لا ريب عندي بذلك، وقد صرح لي أبوها أنه يتمنى أن لا تعرف ليلى أحدا غيري ولا تحب ~~سواي، وأكد لي أنه كل حين بعد آخر ينصح لها بالزواج مني، وكذلك أخوها نجيب لا يكل عن نصحها ~~وهي لا تزال مكابرة؛ ولهذا كلفت عمها بولس أن يبحث معها ليكشف سر ما بها. ~~- فماذا فهم بولس منها؟ ~~- لم يستطع أن يفهم شيئا سوى أنها ترفض، ولما ألح عليها بتبيان السبب قالت: إنها لا ~~تريد أن تتزوج، ولما جعل يعظها بأن الزواج لازم للفتاة نفرت منه، وقالت: إنها لا تقبل نصح ~~أحد في أمر يهمها وحدها. ~~- هل تظن يا صديق أن الفتاة تحب شخصا آخر؟ ~~- لم يبق إلا هذا الظن؛ ولهذا سألتك إن كنت قد لاحظت أمرا الليلة. ~~- لم ألاحظ إلا انقباضها خلافا لعادتها. ~~- ومقالة يوسف براق؟ ~~- نعم لاحظت أنها قرأتها طويلا، وهل هي تعرفه؟ ~~- زار المنزل مرة واحدة فقط لأوائل قدومه على ما فهمت، وبعد ذلك كنت قد سمعت من نجيب ms051 أنه ~~لم يزره بعدها قط مع أن نجيب كان يلح عليه بالزيارة فيعتذر. ~~- وهل تظن أن هذه الزيارة كافية لإنشاء حب يشغل ليلى عن خاطب مثلك؟ ~~- لا أدري إن كانت قد رأته بعد ذلك، والآن صرت أظن أن الذي وقاها من حادثة المركبة هو ~~يوسف؛ لأنها لما سئلت عن الذي أنقذها كنت حاضرا فأنكرت معرفته، ولكني شعرت بلعثمة في ~~كلامها واكفهرار في وجهها، وتلاوتها للنبذة الليلة شغلت بالي، ورجحت لي أنها تحب يوسف هذا، ~~أفلا تقدر أن تستخرج شيئا من صدر يوسف أثناء حديثك معه؟ ~~- سأفعل، ولكني لا أدري إن كنت أستطيع علم شيء منه؛ لأنه متحفظ جدا في كلامه، وليس عندي ~~إلا طريقة واحدة للبحث معه. ~~- ما هي؟ ~~- هي أن أسأله صريحا في الأمر، وأرجح أنه يضطر أن يجيب ولو تلميحا؛ لأني أعرفه لا يكذب ~~فأنا أستعين بصدقه على كشف سره. ~~- حسن، أود منك يا سليم أن تبذل جهدك في كشف سره، ولا أظنك تبخل على ابن عمك ~~بخدمة. ~~- ما نحن أبناء عم يا صديق بل أخوان متعاونان، فثق أني لا أدخر جهدا، ولكن هب أن الظن ~~صحيح وأن ليلى مولعة بيوسف وهو مولع بها، فماذا تفعل؟ ~~- آه يا سليم لا أدري ماذا أفعل، ولكني أبذل جهدي في التفريق بينهما بأي وسيلة، وستكون ~~بيني وبين يوسف براق حرب. ~~- لا بأس من الحرب يا صديق وأنا عونك فيها، ولكن الحب ظافر. ~~- ولكن الخصم الذي يحتفظ بمصلحته لا يسلم لخصمه إلا بحرب، وإلا فهو جبان وضعيف. ~~- ولكن المصلحة شيء والحق شيء آخر، فإذا كانت ليلى تحب يوسف براق كان صاحب الحق، وكنت أنت ~~مغتصبا. ~~- صدقت ولكن الحق للقوة، فإذا استقويت عليه صرت صاحب الحق. ~~- لا تقدر أن تستقوي عليه إلا بالحب، أفما تعلمت درسا من مقالته الليلة أن القلب الأقوى ~~حبا أكثر جذبا؟ فإذا كان أقدر منك على استمالتها كان فائزا عليك، فبماذا تحاربه بغير ~~الحب؟ ~~- أنا لا أكترث بالنظريات بل بالعمل. ~~- ليس الأمر نظريا، بل هو عملي محض، فإذا كانت ms052 ليلى مولعة بيوسف براق ولا تحب سواه، ~~فماذا تفعل أنت؟ ~~- أبذل جهدي في إسقاطه إلى الحضيض بل إلى العدم؛ حتى لا يبقى في الوجود لا يوسف ولا ~~براق، فتضطر ليلى أن تقبل بي زوجا إذ لا يبقى لها حبيب. ~~- وهل تتزوجها على غير حب؟ ~~- أفعل. ~~- أستغرب ذلك منك يا صديق وأنت رجل عصري متعلم، وتعلم أن الزواج بلا حب كالبيت بلا أساس، ~~فلماذا تقدم على زواج كهذا لا تأمن مغبته؟ ~~- لي فيه مصلحة كبيرة. ~~- أهم من مصلحة الحب الزوجي؟ ~~- قد تكون عندي أهم، على أني أؤمل أن تعود ليلى تحبني كما كانت تحبني قبلا، ولا سيما إذا ~~خلا ذهنها ممن تحبه الآن. # ففكر سليم هنيهة وقال: لا أفهم هذه المصلحة التي تمكنك من ركوب هذا المركب الخشن فما هي؟ ~~قلها لي فما أنا غريب عنك. # فتردد صديق هنيهة، وقال: إنك تطلب مني أن أبوح بسري. ~~- لا بأس، أفما أنا مستودع كل أسرارك؟ ~~- أقسم لي إنك لا تبوح بسري. ~~- أقسمت لا تخف، قل. ~~- لا يخفى عليك أن ليلى ابنة عمتي و... ~~- نعم ما هي ابنة بطرس المراني، بل ابنة زوجته الثانية وما هي أخت نجيب لا من أبيه ولا من ~~أمه، بل من كونها ربيت معه في منزل واحد كالأخت مع الأخ. ~~- نعم، وهل تعرف أباها؟ ~~- أعرف ما تعرفه أنت وهو أن أمها سارة عمتك كانت زوجة رجل يدعى حنا فرزدق، فترملت وليلى ~~طفلة ثم تزوجت بطرس المراني، ولم تعد تلد وكان ابنه نجيب طفلا فربى الزوجان الجديدان ~~الولدين كأخوين. ~~- هذا ما تعرفه أنت ويعرفه كل واحد حتى بطرس المراني وابنه نجيب وليلى، ولكن الحقيقة غير ~~ذلك. ~~- ما هي؟ ~~- هي أن عمتي سارة - رحمة الله عليها - لم تكن أرملة كما نظن، وحكايتها أنها كانت قبلا ~~معلمة لأولاد الأمير إبراهيم الخزامي في دمشق فاستغواها هذا الزنيم، ولما كاد يشتهر حملها ~~أعطاها ثلاثمائة جنيه وردها، فلما عادت إلى أخيها أبي وعلم بمصيبتها لم يقنع بالثلاثمائة ~~جنيه كتعويض لها من رجل غني كذلك الأمير، ms053 فذهب إلى دمشق وناقش الأمير بالأمر، فأخذ منه ألف ~~جنيه أخرى، واستكتبه وصية سرية من مقتضاها أن المولود الذي تلده سارة يرث حصة كأولاد الأمير ~~على شرط ألا يظهر الوصية إلا بعد وفاة الأمير، وهكذا حفظ أبي الوصية معه ولم يطلع عليها ~~أحدا حتى ولا عمتي المسكينة؛ لئلا يذاع سرها فيغضب إبراهيم الخزامي وتفسد الوصية، ثم انتقل ~~حينذاك أبي بعائلته وعمتي إلى مصر وادعى أن أخته أرملة وألبسها ثوب حداد، واستعان بالفلوس ~~التي حصلها من الأمير إبراهيم على تزويجها من بطرس المراني، فتزوجها هذا وهو يعتقد أنها ~~أرملة واستعان بفلوسها في أشغاله التجارية، وصادف نجاحا؛ ولهذا تراه يحب ابنتها حتى الآن ~~كحبه لابنه، وبقي هذا السر مكتوما حتى توفي أبي - رحمة الله عليه - ففتحت وصيته فوجدت ~~فيها نص هذه الحكاية، والوصية التي أخذها من الأمير إبراهيم الخزامي، وهو ينصح لي بوصيته أن ~~أتزوج ليلى لأكون شريكها بميراثها، وهو ميراث طائل؛ لأن للأمير إبراهيم ابنين فليلى ترث خمس ~~الثروة والخمس يقدر بنحو مائة ألف جنيه، فهل ألام إذا سعيت إلى الزواج من ليلى بأي ~~الوسائل؟ # فبهت سليم لهذه الحكاية الغريبة وقال: لا والله لا تلام، إن مائة ألف جنيه ثروة طائلة وهي ~~في يدك الآن. ~~- وفي يدي وحدي؛ لأن ليلى لا تدري حتى الآن بشيء من ذلك، ولن تدري ولا أحد يدري ~~غيرك. ~~- وهبها درت فلا تصل يدها إلى الوصية. ~~- لا أدعها تدري إلا بعد أن أعدم الحيل بإقناعها، فحينذاك أخبرها بالحقيقة بيني وبينها، ~~وأقول لها: إن المائة ألف جنيه لا تكون لها إلا وهي زوجتي. ~~- حسن. ~~- ولكني قبل ذلك أود أن أستخدم كل الوسائل الأخرى لإقناعها، وأود أن أستعين بك يا سليم ~~ولك مني الجزاء الذي تريده، ولا تظنني كاذبا إذا وعدتك بعشر ذلك المال جزاء. ~~- إني صديقك على كل حال يا ابن العم. # | إحياء الموتى # وفي ذات مساء كان يوسف ماشيا في جهات الأزبكية، فشعر بيد وقعت على كتفه فالتفت ورأى ~~الشيخ الملتحي يقول له: لا أظنني غلطانا ، صديق ms054 السجن؟ ~~- المسيو جورجي آجيوس؟ ~~- أنا هو يا مسيو براق، توقعت لقاءك مرارا في قهوة الشيشة فلم تأت. ~~- أتيت مرارا فلم أجدك. ~~- لأننا لم نتفق على ميعاد، فأين تريد أن نجلس الآن إذا لم تكن مشغولا؛ لأني مشتاق ~~إليك. ~~- وأنا مشتاق إليك، نجلس في قهوة الشيشة. ~~- ما أكرم خلقك يا مسيو يوسف، لا تريد أن تحرمني بقية لذاتي. ~~- إنها لبشارة حسنة إذا كانت الشيشة بقية لذاتك، ومن بقي يسكر ويقامر. ~~- تركت السكر والقمار للشبان الأغرار، وبقيت أحرص على ما بقي في هذه الشيبة من القوة؛ ~~لأني صرت أحسب للآخرة حسابا. ~~- نعم الحساب، بقي عليك واجب يا مسيو جورجي. ~~- وهو؟ ~~- هو أن تدل هؤلاء الشبان الأغرار على «الآخرة». ~~- دعهم في غيهم يعمهون، لا يتعظ المرء إلا بنفسه، وإذا نصحتهم حولوا النصح إلى مسبة ~~والصداقة إلى عداوة، وأنا لا أزال في حاجة إليهم، وفي صداقتهم نفع لي. ~~- وأي حاجة لك معهم ولا شغل لهم إلا السكر والقمار؟ ~~- لولا سكرهم وقمارهم لكنت في غنى عنهم؛ لأنهم وهم يبذرقون يضطرون إلى الاستدانة تارة ~~والبيع من أملاكهم أخرى، وفي كلتا الحالتين يحتاجون إلى سمسار يتوسط بينهم وبين الدائن أو ~~الشاري، فأنا هو ذلك السمسار. # فاختلج يوسف وقال ممتعضا: لا أريد لك هذه الوظيفة يا مسيو جورجي. # فاستغرب جورجي آجيوس وقال: عجبا لماذا؟ أعظم الدول إذا رامت أن تعقد قرضا أجنبيا وسطت ~~سماسرة في الأمر، فالسمسرة ليست حرفة حقيرة أو دنيئة. # وهنا كانا قد وصلا إلى قهوة الشيشة، فجلسا وقال يوسف: ولكن سمسرتك لأولئك الأغرار غير ~~شريفة، فكأنك تتوسط لهم في خرابهم، فلا أريدك وسيلة إلا للخير. # فضحك جورجي آجيوس وقال: إذا لم أتوسط أنا لهم فيتوسط غيري، وامتناعي أنا وغيري عن الوساطة ~~بينهم لا يقيهم من الدمار؛ لأنهم قد تدمروا من قبل ونحن نساوم الآن على الأنقاض. ~~- عجبا ألا يخطر لهؤلاء أن ثروتهم قد تفرغ قبل أن تفرغ أعمارهم. ~~- كلا؛ لأن أعمارهم فرغت قبل أن فرغت ثرواتهم فهم الآن موتى، وما حاجة الميت إلى ~~الثروة ؟ # فأعجب ms055 يوسف من أجوبة جورجي أي إعجاب، وقال: وهل يعلم هؤلاء المساكين أنهم موتى؟ ~~- ومتى كان الموتى يحسون حتى يعلموا؟ ~~- إذا كانوا يحيون يعلمون، أفليس في وسعك إحياؤهم؟ ~~- لم أوت قوة عمل المعجزات. ~~- لا أنكر أن الأمر صعب يا مسيو جورجي ولكنه ممكن جدا، ألا تعتقد أنك أنت كنت ميتا ~~فحييت؟ # فابتسم جورجي وقال: نعم، وقد فعلت أنت المعجزة بإحيائي يا يوسف، ولك علي ... ~~- لا تقل شيئا؛ إذ لم أفعل أمرا سوى أني كنت واسطة لتنبيه القوة الحية الكامنة فيك، فهي ~~كالماء المحبوس في الحوض وأنا قد فتحت «الحنفية» فتدفق الماء، وأنت تستطيع أن تفعل هذه ~~المعجزة لأصحابك إذا كنت تشاء أن يحيوا. ~~- أشاء ولكن ما قولك إذا كان حوض حياتهم قد نضب، وقد فتح «الحنفية» قبلي كثيرون فلم تقطر ~~قطرة حياة. ~~- جرب فتحها أنت فلعل غيرك لم يهتد إلى أسلوب فتحها الصائب، وإذا مهدت لي السبيل فأساعدك ~~في ذلك. # فنهل جورجي نهلة عميقة من «الشيشة» ونفخ غيمة من دخانها ثم قال: عبثا يا صديق عبثا تهتم ~~في الأمر، ولا أدري لماذا تهتم بإحياء الموتى والدنيا تكاد تضيق بالأحياء، أما كفانا ما ~~حولنا من الأحياء الذين يكافحوننا ونكافحهم حتى نحيي أمواتا لنزيد عدد المتكافحين في ~~الدنيا؟! فدع الموتى في قبورهم. ~~- لو كانوا موتى الجسد لتركناهم في قبورهم طبعا، ولكنهم موتى النفس فلنحي أنفسهم لنزيد ~~جيش الخير قوة وإلا بقوا من جنود الشر، والقوة المالية التي لهم تقدرهم على التخريب ~~والتدمير في بناء الهيئة الاجتماعية. ألا تراهم يبذلون هذه القوة على إحياء محال القمار ~~والحانات والملاهي، وأماكن الفجور، فكأنهم ينفقون مالهم في صنع الأسلحة لتسليح الشيطان ~~الرجيم، فإذا استطعنا أن نستميلهم إلى جانب جنود الخير قوينا عوامل البناء في الهيئة ~~الاجتماعية. ~~- إنهم موتى يا يوسف، موتى ولا جرثومة حياة فيهم، فلا تتعب نفسك في إحيائهم، بل دعهم ~~يتمادون في فنائهم لكي تتحول هذه القوة المالية التي عندهم لغيرهم من العامة، الذين هم أحق ~~بها منهم، فإذا أحيينا أنفسهم وتابوا عن الملاهي والحانات ms056 وأندية القمار، بقيت فلوسهم ~~محبوسة في خزائنهم، فدعهم في غيهم يعمهون، دعهم يسكرون ويقامرون لكي تتدفق تلك الأموال إلى ~~السوق فيذهب هذا السلاح من أيدي الأشرار إلى أيدي الأخيار. # فتنهد يوسف وقال: آه لو صح ما تقول، ولكن هذا السلاح يتحول من أشرار إلى من هم أشر، ~~يتحول من السكيرين إلى بائعي المسكرات، ومن الفاسقين إلى تجار الأعراض، ومن المقامرين إلى ~~ناصبي أحابيل القمار. # عند ذلك دخل رجل حسن البزة، وأومأ إلى جورجي أن يتبعه، فخرج جورجي من القهوة إليه ~~وتهامسا قليلا أمام الباب، ثم تركه ذاك ومضى، وكان يوسف متشوفا إلى الخارج فرأى ذلك الرجل ~~يعود إلى مركبة تنتظره في الشارع، ثم لمح في المركبة سيدتين وفي الحال عرف هيفاء إحداهما، ~~ووقعت عينه على عينها، أما أمها فكان نظرها يتبع ذلك الرجل حتى ركب معهما. # | بين المال والعمل # فلما عاد جورجي سأله يوسف: من هذا الرجل؟ ~~- يدعى جميل مرمور، وهو وكيل رجل غني جدا يدعى فهيم بك رماح. ~~- هل تعرف رماح بك؟ ~~- أعرفه قليلا؛ لأني سمسرت له، هذا رجل قدير فقد جمع ثروة طائلة في بضع سنين، وساعده ~~الحظ إذ اغتنم فرصة المضاربات بالأراضي. ~~- هل هو مصري؟ ~~- كلا، لا أظن، وأظنه سوريا ولكنه عاد من أميركا على ما فهمت من وكيله، وكان معه بعض ~~المال فجعل يضارب بالأطيان فكان من الرابحين، وهو يتنعم الآن فعنده مركبات وخيل وأتوموبيلات ~~وخليلات و... ~~- خليلات؟ أليس متزوجا؟ ~~- ولماذا يتزوج مثل هذا والنساء كلهن له؟ ~~- إذن توافق على سلوكه هذا؟ ~~- وافقت أو لم أوافق، هذا هو شأن الكثيرين من الأغنياء يستطيعون أن يتمتعوا ~~فيتمتعون. ~~- كم خليلة لهذا الشرير؟ ~~- قيل لي: إن له ثلاث خليلات. ~~- إنه لدنيء. ~~- دنيء؟ هو الشريف الفاضل، وإذا كلمته لا تقول إلا: «يا حضرة الفاضل.» وإذا كتبت له قلت: ~~«يا صاحب السعادة.» والفقير يمضي له: «عبد سعادتكم.» وإذا سافر كتبت عنه الجرائد: «سافر ~~سعادة الوجيه السري النبيل فهيم بك رماح.» وإذا اكتتب بعشرة جنيهات لجمعية خيرية كتبت ~~الجرائد: «تفضل سعادة الأريحي ms057 الكريم المفضال فهيم بك رماح بعشرة جنيهات.» فهل هذا دنيء؟ ~~أنا وأنت دنيئان؛ لأننا لا نملك قرشا، وأنت إذا سكنت في منزل فيه امرأة قالوا: «إنك ساقط.» ~~وأما هو فيستطيع أن يأتي بخليلته إلى الأوبرا على مرأى من الجمهور، وإذا زرته في مقصورته في ~~الأوبرا وجب عليك أن تنحني احتراما لخليلته. ~~- والله لا أفعل، وإذا دخل مثل هذا الفاسق إلى مجلس أنا فيه لا أقف له، وإذا تكلم بصقت في ~~وجهه؛ لأن مثل هذا يجب أن يخبئ وجهه في كمه إذا ظهر في مجلس. # فضحك جورجي قائلا: إذا دخل فهيم رماح إلى مجلس أدار الجلاس وجوههم عنك، ولو كنت تلقي ~~عليهم حكمة سليمان ووجهوا أنظارهم إليه ولو كان يهذي، وإذا تكلمت في حضرته قالوا لك: «صه، ~~الكلام لمن هو أوجه منك.» ~~- لا أحضر مجلسا كهذا. ~~- المجلس الذي لا يتشرف بحضور مثل فهيم لا يعد مجلسا معتبرا. ~~- أكتفي بهذا المجلس الذي أعده أشرف من مجلسه. ~~- لا تجد فيه إلا موتا، وأما المجلس الذي يكون فيه مثل فهيم فهو مجلس الأحياء؛ لأن هؤلاء ~~السراة مصدر الحركة الحيوية في الهيئة الاجتماعية، وفي يدهم «زنبلكها»، فإذا راموا أوقفوا ~~حركة العالم. ~~- إنك متطرف يا جورجي، العالم بالعامة لا بالأغنياء. ~~- العالم بالأغنياء لا بالعامة. ~~- من بنى هذه البناية؟ الفعلة والبناءون وهم من العامة، ومن يجر مركبات النقل هذه التي ~~تنقل البضائع؟ العامة، ومن صنع هذه المصنوعات؟ العامة، ومن اشتغل الخبز الذي نأكله وربى ~~الخراف التي نطبخها؟ العامة. ~~- نعم، ولكنهم فعلوا ذلك بأموال المتمولين، يحبس هؤلاء أموالهم فلا يعود الصانع يستطيع أن ~~يصنع ولا الزارع أن يزرع. ~~- ولكن من أين هذا المال الذي في أيدي المتمولين؟ هل هم خلقوه أم صنعوه؟ وما معنى المال؟ ~~أليس هو نتيجة عمل؟ ألا تعلم أن كل قرش هو بدل عمل يساوي قرشا، ولولا العمل ما حصل القرش؛ ~~فالقروش تمثل أتعاب العمال؟ ولم يكن من قرش في الدنيا إلا وقد بذل بدله تعب في عمل، فإذن ~~الأموال نتيجة عمل العمال فالعالم بالعامة. ms058 ~~- نعم، الأموال نتيجة عمل العمال، ولكن هذه الأموال في أيدي الأغنياء، وهم المتصرفون بها، ~~فإذا أمسكوها وقفت حركة العمل، ولم يعد العامل يجد مسترزقا. ~~- وإذا أضرب العمال عن العمل لم تعد أموال الأغنياء ذات قيمة؛ لأنهم لا يقدرون أن يأكلوا ~~ذهبا وفضة ونيكلا ولا يلبسون بنك نوت «ورق عملة». ~~- ولكن العامة لا يقدرون أن يضربوا عن العمل؛ لأنهم يحتاجون إلى نتيجة عملهم؛ لكي يأكلوا ~~ويلبسوا. ~~- والأغنياء لا يقدرون أن يحبسوا أموالهم؛ لئلا تصبح بلا قيمة. ~~- نعم، لا يوافقهم أن يحبسوها، ولكنهم أقدر على حبسها من العمال على الإضراب عن العمل؛ ~~لأن الغني إذا اضطر إلى التوقف عن تثمير ماله يبقى ماله لسد حاجته، فيستخدم عاملا لزرع ~~قمحه وصانعا لنسج ثوبه وصنع حذائه، فماله قوته وهو يستخدم هذه القوة لأوده ومعيشته، وأما ~~العامل فإذا أضرب عن العمل كان ملغيا قوته، فبماذا يعيش؟ # فسكت يوسف هنيهة ثم قال: كأنك تقول: إن قوة العامل لا تستغني عن قوة المال، ولا تستطيع أن ~~تبرز إلا بها؛ لأن الناسج لا يقدر أن ينسج إلا إذا كان بين يديه قطن ينسجه، والقطن بمال ~~فإذا لم يكن مال ليشتري قطنا فالناسج لا ينسج ... ~~- نعم، وأقول أيضا: إن المال لا غنى عن العمل؛ لأنه إذا وجد المال لشراء القطن فالقطن لا ~~ينسج لنفسه، بل لا بد له من عامل ينسجه، فالمال بلا عمل صفر كما قلت أنت، ولكنه أقدر من ~~العمل، فهو يستطيع أن يشتري القطن وناسجه معا؛ ولهذا قلت لك: إن «زنبلك» الحركة في أيدي ~~الأغنياء. ~~- إنك فيلسوف في الأمور الاقتصادية فسر معي إلى العمق فيها، ألا تسلم معي أن المال نتيجة ~~العمل، ولولا العمل لم يكن من مال؟ ~~- أسلم. ~~- إذن هب أن المتمولين انقطعوا عن العمال، أو أن المال انفصل عن العمل، فالعمال يعملون من ~~جديد لينشئوا مالا جديدا يكون سبب الحركة بينهم. # فضحك جورجي وقال: إنها لنظرية صحيحة ولكنها لا تخرج إلى حيز الفعل إلا إذا محقت هذا ~~العالم كله، وخلقت آدم وحواء جديدين وأنشأت ms059 عالما جديدا، ولكن ما دام العالم يشتمل على ~~1500 مليون نسمة، فما هو حاصل الآن لا بد من حصوله، والعالم لا يستطيع أن يغير مجراه إلا ~~بويل عظيم على الإنسانية أشد جدا من ويل تحكم المتمولين بالعمل. ~~- إذن تسلم بتحكم المتمولين بالعمل. ~~- نعم، ولكن لا مناص منه. ~~- ألا تعتقد أن الاشتراكية هي الدواء الوحيد للشفاء من هذا التحكم. ~~- نعم قد تكون الاشتراكية هي الدواء، ولكن العلاج بها إذا لم يكن تدريجيا كان قاتلا، ~~كالدواء الذي تعطيه للعليل دفعة واحدة، وهو مقسم إلى جرعات متتابعة في مواعيد ~~متباعدة. ~~- إنك فيلسوف اقتصادي كبير. ~~- كما أنك فيلسوف اجتماعي أدبي كبير. ~~- كيف أدركت هذه الحقائق؟ ~~- بالاختبار الطويل. ~~- ولكن ألا تعتقد أن في هذا النظام الاجتماعي ظلما وويلا على الإنسانية. ~~- أعتقد، ولكن لا مناص منه. ~~- نعود إلى فهيم رماح ونتخذه مثلا ولا نقصده بالذات، هل يجوز لمثل هذا أن يجمع الأموال ~~من أتعاب العمال. ~~- جمعها بذكائه ومهارته. ~~- بل ابتزها بذكائه ومهارته؛ لأنها لم تحصل إلا لقاء تعب عمال، فكل قرش في يده يمثل تعبا ~~في عمل قرش، وهو لو رام أن يتعب في عمل ليحصل ثروته الطائلة ما جمع منها عشر معشارها في ~~حياته، ولو عاش ألف عام. ~~- نعم، إنه لم يتعب في مقابلها، ولكنه جمعها أو ابتزها كما تقول، وقد أصبحت ملكه. ~~- أصبحت ملكه؛ لأن هذا النظام فاسد وهذا ما يؤيد مبادئ الاشتراكية، التي تقضي بتوزيع ~~الريع على قدر العمل. ~~- أوافقك على ذلك، والعالم سائر في مبادئ الاشتراكية هذه بحرب عوان بين المتمولين ~~والعمال، والحرب لمن غلب. ~~- يسرني جدا أننا وصلنا إلى حقيقة واحدة اتفقنا عليها، وما دامت هذه الحرب سجالا، فلا ~~بدع أن يغلب العمال على أمرهم حينا بعد آخر، ولكن الغلبة الأخيرة لهم. ~~- عسى أن يصح هذا الحلم. ~~- نعود إلى رماح هذا، هل يجوز له أن يبذر ثروته هذه على الزواني وعلى الخلاعة ~~والفساد؟ ~~- لا يجوز له، ولكن ليس من قوة تمنعه. ~~- ما قولك لو أنفق هذه الأموال في عمل نافع للعمران ms060 ، فينتفع هو ويسترزق معه عمال ~~عديدون؟ ~~- حسن جدا، ولكنه لا يفعل وليس من يستطيع إرغامه على أن يفعل، فهو لا يهتم بالعمران ولا ~~بأهله، بل يدع العمران يهتم بنفسه وهو يهتم بلذته، هل تستطيع أن تنفي الأنانية من ~~البشر؟ # فتنهد يوسف وقال: آه ... الأنانية ... الأنانية هي سبب هذا الويل على الهيئة الاجتماعية، لا ~~أطيق تصورها. ~~- أنصح لك يا أخي أن تعبدها، وإلا فلا تستطيع أن تعيش ساعة في هذا العالم. ~~- حماني الله من شرور الأنانية والطمع. ~~- إني أشفق عليك يا أخي. ~~- أشفق عليك من كره الأنانية والطمع؛ لأنك سائر في تيارهما حتما، إذ لا تستطيع أن تعيش ~~في المريخ أو في زحل بل على هذه البسيطة، وأينما ذهبت كنت بين الأنانيين والطامعين ~~والنمامين والماكرين والمنافسين والمزاحمين، فإذا لم تزاحم طامعا مخادعا ماكرا كنت ~~مطموعا بك مخدوعا مدفوعا إلى الوراء، في حين اندفاع سواك إلى الأمام، فتقع بين أرجل من ~~هم وراءك. # في هذه اللحظة خطرت ليوسف حادثته في البنك الأميركاني، وقال: صدقت صدقت، ولكن أنى لي ~~تغيير مبادئي وقد غرست في نفسي؟! ~~- إني أنذرك بويلات متتابعة، فأنت محتاج إلى اختباري، فتعلم مني دروسا. # عند ذلك كشف جورجي ساعته، فقال له يوسف: أظنني شغلتك عن شغل. ~~- إني أنتظر جميل مرمور هذا؛ لأنه وعدني أن يأتيني إلى هنا لشغل بيننا. ~~- أظنه شغل سمسرة. ~~- لا، لا أظن، بل قال لي: إنه سيباحثني بمشروع خطير لي منه فائدة كبرى؛ ولهذا أنتظره هنا، ~~صه، ها هو. # فلما دخل جميل نهض يوسف وودع جورجي وخرج. # | الاتفاق على مكيدة # قال جميل لجورجي: هيا بنا إلى السفنكس بار يا جورجي. ~~- تبت عن الشرب. ~~- أظنها توبة إفلاس فهلم؛ فإن معي من الأصفر الرنان ما يسكر عشرين. ~~- كلا، لو شئت أشرب لأسكرت ألفا، فدعنا هنا وهات ما عندك. ~~- لا أعرف أن أتكلم إلا شاربا فهلم. ~~- قلت لك: لا أذهب، هل تريد أن تلقي علي خطابا ولا تستطيع أن تجود بالخطابة إلا ~~شاربا؟ # فضحك جميل وقال: إن الموضوع الذي سأكلمك به ms061 يليق به الشرب. ~~- هات قل فإني أفهم صاحيا أكثر مني سكرانا. # فسكت جميل هنيهة، ثم قال: هل تريد أن تملأ جيبك من الأصفر الرنان بأضحوكة؟ ~~- ليس غريبا في هذا البلد أن تجني الأضاحيك أموالا، فما هي أضحوكتك؟ ~~- تمثيل دور صغير في مرسح صغير وعلى حضور قلائل. ~~- ما هو هذا الدور؟ ~~- هو أن تلبس ثوب كاهن وتكلل زوجين. # فأحجم جورجي قائلا: إنك تنصب لي فخا. ~~- لا والله، بل أريد أن أكسبك مائة جنيه، فما قولك أن تكسبها وأنت تقف وقفة كاهن نحو ربع ~~ساعة؟ ~~- لا والله، لا أقف وقفة كهذه ولو دفعت لي ألفي جنيه. ~~- إنك مجنون. ~~- لماذا لا تمثل هذا الدور أنت؟ ~~- لأني بلا لحية وتعرفني العروس. ~~- إذن الدهاء على أهل العروس. ~~- بل على العروس وحدها. ~~- وأهلها؟ ~~- ليس لها في الدنيا إلا أم، وأمها تريد ذلك. ~~- ولكن لماذا هذا الزواج المزور؟ ~~- لأن العريس لا يريد زواجا، والعروس لا تريد إلا زواجا. ~~- أظن العريس فهيم بك. ~~- نعم. # فضحك جورجي قائلا: ألم تكفه الخليلات الثلاث؟ ~~- لو عرف الرابعة قبلهن لاكتفى بها؛ لأنها آية في الجمال ولم تزل صغيرة. ~~- وأمها تريد أن تجعلها رابعة الخليلات؟ ~~- نعم؛ لأنها ربتها لهذا الغرض وقد صادفت الرفيق الثمين. ~~- تبا لها من أم! ~~- ما نحن هنا في موقف وعظ يا جورجي، بل في موقف شغل، وقد وددت أن أخدمك هذه ~~الخدمة. ~~- أن تغريني على ارتكاب جناية؟ ~~- جناية صغيرة ولكنها لا تظهر، والأجرة وافرة. ~~- هل تعد المائة جنيه أجرة وافرة؟ هب أني حوكمت. ~~- إن حوكمت تحبس شهرا، أفلا تحبس شهرا بمائة جنيه؟ ~~- قد أحبس عاما؛ ولهذا لا أقبل أقل من ألفي جنيه. # وبعد جدال طويل تم الاتفاق بينهما على ألف جنيه، ثم قال جورجي: متى أكون كاهنا؟ ~~- بعد غد الساعة العاشرة مساء في منزل العباسية، بيد أننا نلتقي هنا نحو الساعة التاسعة، ~~فأصطحبك إلى المنزل حيث تجد كل شيء مدبرا. ~~- والدفع؟ ~~- نقدا بين لبس بدلة الكهنوت والإكليل. ~~- إذن إلى الملتقى. ~~- بقي أمر جوهري جدا يا جورجي. ~~- ما هو؟ ~~- يجب ms062 أن تتلقن بعض الصلوات بالعربية؛ لكي تفهم العروس الصلاة، ولا يخالجها ريب بصحة ~~الإكليل كما لو كانت الصلاة كلها باليونانية فقط. # ففكر جورجي هنيهة، ثم قال: الحق أني لم أفطن للصلاة، فلا بد من إعداد كتاب صلاة ~~الإكليل. ~~- الكتاب موجود ولكنه باليونانية، ونحن نود أن يكون بعض الصلاة بالعربية؛ ولهذا يجب أن ~~نجتمع غدا؛ لكي ألقنك صلاتين أو ثلاثا بالعربية. # ففكر جورجي وقال: لقد شاخت ذاكرتي وتصلبت، فلا تستطيع أن تطبع فيها صلاة ولا ~~ترنيمة. ~~- إذن ما العمل؟ لا مناص من تلاوة بعض جمل بالعربية، فيجب أن تطرق ذاكرتك؛ لكي تلين ~~ويمكن أن نطبع عليها صلاة، وإلا فالمشروع فاسد والاتفاق منقوض. ~~- أنت قلت: إنك تملأ جيبي دراهم بلا تعب، فما بالك تريد أن تتعبني بحفظ صلوات غيبا وتطرق ~~ذاكرتي؟ ~~- أنت طلبت أجرة كثيرة، أفلا يحق لي أن أطلب عملا قليلا؟ # ففكر جورجي هنيهة، وقال: إذن هات كتاب الصلاة بالعربية وأرحني من التلقين. ~~- وما الفائدة من الكتاب ولا قارئ؟ ~~- أقرؤه. ~~- لسنا في مزاح. ~~- قلت لك: إني أقرؤه فلا أمزح. # فدهش جميل وقال: إنك يوناني فمتى تعلمت العربية؟ ~~- تعلمتها هنا وأقرؤها. ~~- لا أصدق. # ثم ناوله جميل جريدة، وقال له: اقرأ لأرى. # فقرأ جورجي بكل فصاحة، فازدادت دهشة جميل، وقال: عجيب أمرك يا هذا، كيف تعلمت العربية ~~وأنت يوناني؟ ~~- ليس هذا شغلك. ~~- حسن إذن أنت الكاهن الوحيد الذي يقوم بعقد الإكليل، لقد تيسر كل أمر والحمد لله، بالله ~~قم معي فإني أود أن أشرب كاسا، وإذا شئت ألا تشرب فلا تفعل. # | التاريخ يثبت بعضه بعضا # في هنيهة كانا في السفنكس بار جالسين في زاوية يشربان معا؛ لأن جورجي لم يستطع الصبر عن ~~الشرب وهو يرى نديما يشرب، وبعد حديث قصير كانت الخمرة تلعب في رأسيهما، فقال جميل باسما: ~~والله لا أقدر أن أعتقد أنك يوناني يا جورجي ولا أصدق أنك تعلمت القراءة العربية هنا، ولفظك ~~للعربية ينم عليك فبالله قل لي: أما أنت سوري؟ # فضحك جورجي، وقال: كيف تظن أني سوري لا مصري ms063 ؟ ~~- لأن في كلامك كلمات تدل على سوريتك. ~~- ذلك لأني سكنت مدة في سوريا. ~~- لا يقنعني هذا البرهان، فبالله اصدقني أما أنت سوري؟ ~~- لماذا تبحث معي بهذا الموضوع؟ ~~- من قبيل العلم بالشيء فقط، وماذا يضرك أن تقول لي الحقيقة وأنا صديقك الحميم؟ ~~- وهب أني سوري. ~~- إذن لا تنكر ذلك. ~~- لم أعترف به إلا الآن. ~~- وما الداعي لإنكارك جنسيتك بتاتا؟ ~~- لأني أصبحت يونانيا بكل معنى الكلمة. ~~- ولكن هذا لا يستوجب أن تنكر أصلك. ~~- لا يستوجبه، ولكني أقول لك الحق: إني أكره سوريا وأهلها. ~~- وهل تفضل اليونان على السوريين؟ ~~- ألف ضعف. ~~- بالطبع أنت تحكم حسب رأيك وحدك، ولا بد أن تكون قد صادفت سوء بخت في سوريا حتى كرهت ~~أهلها. ~~- بل قد صادفت شقاء. # وكاد جورجي يجهش بالبكاء، فقال له جميل: لقد صدق ظني، أراك متألما ولا بد أن تكون قد ~~بليت بكيد عدو. ~~- لا والله بل قل: بكيد أهل. ~~- يا لله! مهما كان كيد الأهل فلا يبلغ حدا يؤلمك هذا الألم. ~~- إنك لغبي، فما قولك بالمرأة التي تريد أن تزوج ابنتها زواجا كاذبا، أي كيد للفتاة ~~أعظم من كيد أمها لها؟! ~~- صدقت، فهل كادك أهلك بزواج لم ترده؟ # فضحك جورجي قائلا: لا أعد هذا كيدا. ~~- ماذا يفعل الأهل أعظم من ذلك. ~~- يضطهدون حتى الموت. ~~- لا أصدق ذلك. ~~- كم مرة تزوج أبوك؟ ~~- مرة واحدة. ~~- لو تزوج بعد أمك زوجة أخرى لكنت تفهم وتصدق. ~~- فهمت ... فهمت الآن يا جورجي، وقد صدق ظني؛ فقد بليت بكيد عدو، وألد الأعداء المرأة إذا ~~عادت، إذن مصيبتك من زوجة أبيك. ~~- نعم، والويل لمن يتزوج أبوه امرأة بعد أمه. ~~- بالله ماذا استطاعت هذه الزوجة أن تفعل من الشر لك بوجود أبيك؟ ~~- دهورتني ودهورت عائلتي. ~~- عائلتك؟ ~~- نعم، زوجتي وابني وجنين في بطن زوجتي. ~~- بالله كيف تستطيع امرأة أن تفعل ذلك؟ ~~- متى رامت المرأة شرا تخدمها الأقدار. ~~- ماذا فعلت تلك الملعونة؟ ~~- دست أناسا يختصمون معي، فادعوا زورا أني شتمت السلطان، وراموا أن يقتلوني، وما نجوت ~~من بين أيديهم إلا بعد أن ms064 طعنت أحدهم طعنة بخنجر وهربت إلى منزل أبي، فأعطاني جوادا ومائة ~~ليرة وقال: «اهرب.» فهربت إلى بلاد اليونان، وبعد ذلك صرت أكاتب أبي، فكان أخي يجاوبني عنه، ~~ففي جوابه الأول قال لي: إن الذي طعنته مات، وإني إذا رجعت لا أسلم من القصاص، وفي جوابه ~~الثاني قال لي: إن امرأتي ماتت مجهضة، وفي جوابه الثالث قال لي: إن ابني مريض مرضا خطرا، ~~كل ذلك كان في بحر عامين، وبعد ذلك كنت أكتب فلا أنال جوابا، فتأكدت أن زوجة أبي دهورت كل ~~عائلتي؛ لكي يخلو الجو لابنها، فقلت: أكون ملعونا إذا ذكرت وطني وأهلي بعد، وقد ضاق بي ~~العيش في بلاد اليونان، فلما شبت الحرب بين تركيا واليونان تطوعت في جيش اليونان؛ بغية أن ~~أقتل، ولكن الله أبى إلا أن يبقيني لأستتم شقائي. # وفي أثناء الحرب أبدلت نمرتي بنمرة جندي قتل جنبي اسمه جورجي آجيوس، فأعلنت نظارة الحربية ~~اسمي بين القتلى، ولعل الخبر بلغ إلى أهلي واعتقدوا أني قتلت، فأنا الآن لست ذاك السوري ~~الذي هرب مضطهدا، بل أنا جورجي آجيوس اليوناني، فهل تنسى منذ الآن هذه الحكاية؟ ~~- أتعهد لك أني لا أذكرها لأحد. ~~- تأكد أنك إذا ذكرتها لأحد حتى لفهيم ذكرت أسرارك التي أعرفها، وأصغرها سر هذا الزواج ~~الكاذب، فحاذر يا جميل حاذر. # فضحك جميل، وقال: إذن لا تخف، إني أتعهد لك بألا أفوه بكلمة لأحد، إن قصتك يا جورجي مؤثرة ~~جدا، أولا تعلم شيئا عن أهلك الآن؟ ~~- لم أعد أسأل عنهم أبدا، ولا أريد أن أتقرب إلى من يعرفهم؛ لأن كرهي لهم شديد ~~جدا. ~~- إنك مظلوم يا جورجي. ~~- ولهذا تعلمت أن أكون شريرا، وإلا ما كنت أوافقك على تمثيل دور الزواج. ~~- ولكن لماذا تصر على كتمان أمرك. ~~- هذا شأن من شئوني فلا تتداخل به. # وهنا انتهى الحديث وافترق المؤتمران على وفاق ولقاء. # ولا بد أن يكون القارئ قد فهم الآن أن جورجي آجيوس هذا هو نفسه الأمير خليل الخزامي، الذي ~~اضطهدته ريمة زوجة أبيه، فهرب إلى بلاد اليونان، وهو ms065 أبو يوسف وأبو هيفاء أيضا. # | حيلة كأنها صدفة # في اليوم التالي كانت هيفاء منهمكة بعض الانهماك بالاستعداد لزواجها، نقول: بعض الانهماك؛ ~~لأن أمها كانت تهيئ كل شيء وتدبر كل أمر، فاشترت لها الحلي والملابس، ولكن بقي لهيفاء بعض ~~أمور فانشغلت بها في ذلك النهار. # ولما كانت الساعة الثالثة سمعت قرب المنزل تطبيلا وتزميرا، فخرجت إلى الشرفة لترى ما ~~الخبر، وخرجت أمها معها؛ لأنها لم تكن تفتر عن مراقبتها، فرأتا زمرة من الغوغاء يلاعبون ~~قرودا في عرض الشارع. # فقالت نديمة: ألا تزالين ناقصة العقل تستفزك هذه الأضاحيك السخيفة، تعالي. ~~- لقد مللت الشغل اليوم وأود أن أتنشق الهواء النقي وأستريح قليلا، فدعيني وبعد هنيهة ~~أعود. # فعادت نديمة إلى الغرفة، وبقيت هيفاء مطلة، وما هي إلا هنيهة حتى نظرت يوسف براق يمر على ~~اللاعبين، ووقعت عينها على عينه وكادت تفهم من نظرته أمرا، فتتبعته بنظرها حتى رأته توارى ~~وراء الجدار الذي يسور الحديقة المجاورة، وقبل أن ترد نظرها رأت شيئا ارتمى من فوق الجدار ~~إلى الحديقة، ولكنها لم تقدر أن تفهم ما هو، ثم ما لبثت أن رأت يوسف قد ظهر من وراء الجدار، ~~وعاد من وراء اللاعبين وهي تتبعه بنظرها، وتومئ إلى جهة الجدار لتفهمه أنها رأت الشيء الذي ~~ارتمى، ثم رأته توارى. # عند ذلك دخلت وأعطت الخادم قرشا ليرميه للاعبين، وبعد بضعة من الساعة نزلت هيفاء إلى ~~الحديقة، ومشت إلى حيث ارتمى ذلك الشيء، فلم تجد إلا علبة قديمة وسخة من علب «البويا» التي ~~يستعملها ماسحو الأحذية، فلم تعبأ بها في أول الأمر، ولكنها لما لم تجد غيرها انحنت ~~وتناولتها، وفتحتها فوجدت فيها ورقة صغيرة، ففتحت الورقة وقرأت فيها ما يأتي: # أود أن أراك فكيف أستطيع؟ ومتى؟ وأين؟ أنتظر جوابك في هذه العلبة، فضعيها على ~~زاوية الجدار، وفي أول الليل آتي وآخذها. # في أول الليل تناول يوسف براق العلبة عن الجدار، وفتحها فوجد فيها ورقة، فقرأها على نور ~~مصباح الشارع هكذا: # المراقبة شديدة، فسأحاول أن أراك الليلة نحو الساعة الثالثة صباحا ms066 وراء المنزل ~~عند جدار الحديقة. # في الوقت المعين كان يوسف عند ذلك الجدار فرآه يعلو نحو قامة، فنقل إليه حجرا كبيرا من ~~حجارة كانت هناك، ووقف على الحجر حتى صار رأسه مشرفا على الحديقة. # بقي دقائق مطلا حتى رأى شبحا ينسل، فلما اقترب الشبح قال همسا: هيفاء؟ ~~- من هذا؟ ~~- أنا يوسف، تقدمي، لا تخافي. # فتقدمت الفتاة حتى صار رأسها تحت رأسه، وقالت: كيف اهتديت إلى منزلنا؟ ~~- إذا كان أحد الناس يأتي إلى منزلكم ويئوب منه، فليس عسيرا أن أهتدي إليه. ~~- من هو هذا الذي تعنيه؟ ~~- الذي كان معكم في المركبة أمس أرشدني إلى منزلكم. ~~- يستحيل ذلك. ~~- طبعا يستحيل أن يفعل لو توقف الأمر على إرادته. ~~- فهمت، تعني أنك تتبعته إلى هنا من حيث لا يدري، ولكن كيف اهتديت إليه بعد أن ركب ~~معنا؟ ~~- عاد لمقابلة الرومي الذي كنت أجالسه في القهوة، فعقدت النية على أن أتتبعه إلى حيث يذهب ~~ففعلت. ~~- ولكن كيف عرفت أن هذا المنزل الذي دخل إليه منزلنا لا منزله؟ ~~- لم أعرف ذلك حتى رأيتك في الشرفة تتفرجين على لعب القردة. ~~- إن مرورك في ذلك الحين لصدفة غريبة. ~~- ليست صدفة. ~~- إذن ماذا؟ ~~- أنا دفعت لقادة القردة نصف ريال جزاء أن يأتوا ويلعبوا تحت شرفة هذا المنزل حتى إذا ~~كنت فيه أشرفت من الشرفة، فصحت حيلتي كلها. ~~- يا لها من حيلة جميلة! والآن تود أن تسألني عن رسالتك لليلى، فقد وقعت في يد أمي فظنت ~~أنها لي. ~~- لا، لا وقت لمثل هذه الأسئلة الآن، فأخبريني عن حالك وعلاقتك بفهيم رماح. ~~- غدا أكون زوجة شرعية له إذ لم أعد أستطيع غير ذلك. ~~- حاذري أن تفعلي. ~~- ويلاه! لماذا؟ ~~- لأنه خليل ثلاث ساقطات. ~~- ماذا تقول؟ ~~- كذا علمت، وكذا تأكدت فحاذري يا هيفاء، إن أمك تسوقك إلى هاوية من الويل عميقة. ~~- رحماك! ماذا أفعل؟ ~~- ارفضي الزواج. ~~- لا أستطيع ما دمت تحت سيطرة أمي، فبربك أنقذني. ~~- ارفضي ولا تخافي. ~~- والاضطهاد؟ لا أستطيع احتماله. ~~- هل تريدين أن تتركي أمك؟ ~~- أين أحتمي؟ ~~- إذا شئت فأنا أدبر ms067 أمرك. ~~- متى تدبره وغدا الساعة العاشرة مساء يكون الإكليل؟ ~~- هل تستطيعين أن تنسلي غدا في الليل من المنزل، وأنا أكون على استعداد لاختطافك ~~والطيران بك؟ ~~- إلى أين؟ ~~- إلى حيث تكونين في مأمن من كل شر، فهل تثقين بي؟ ~~- أثق، ولكني أخاف ألا أستطيع الخروج من المنزل ولا لحظة؛ لأن المراقبة شديدة. ~~- حاسني الكل منذ الآن، وأظهري سرورك ورضاءك عن الزواج؛ حتى يثقوا بك ويخففوا من المراقبة ~~عليك، وفي السهرة اغتنمي فرصة واخرجي، ومتى صرت خارج المنزل تفلتين من أيديهم. ~~- حسن، إذن انتظرني غدا بين التاسعة والعاشرة وراء الحديقة، فإني أخرج من الباب الخلفي ~~إلى الحديقة، فهل تستطيع أن تصعدني على الجدار؟ ~~- أستطيع، فلا تترددي في الهرب إذن، لا تخافي، عودي إلى مخدعك الآن. # | فرار العصفور من القفص # في مساء اليوم التالي كان جميل مرمور وجورجي آجيوس في مركبة تنطلق بهما إلى العباسية، ~~وكان جورجي في ثوب قسيس، وكانت الساعة التاسعة حين دخلا، فرأى جورجي العروس في ثوب الإكليل ~~والعريس فهيم بك رماح في ثوب رسمي. # وكان أول ما فعله جورجي أن هنأ العروس قائلا: إني أهنئك بهذا الزواج السعيد يا ابنتي؛ ~~فإن مثل عريسك نادر جدا، فعسى أن تحبيه وتحرصي على قلبه فتعيشين سعيدة إن شاء ~~الله. # فقالت هيفاء: إن لدعائك تأثيرا في سعادتي يا أبانا. # ثم نظر جورجي إلى فهيم فابتسم هذا له، أما جميل مرمور فكاد يفلت من فكيه عنان ضحكه، فنظر ~~فيه جورجي عابسا ثم قال: أين الأشبين والأشبينة؟ # فقال فهيم: أما الأشبين فهو المسيو جميل، والأشبينة أم العروس. ~~- لا أرى أم العروس. # فقالت هيفاء: لا تزال تلبس ثوبها، إني ذاهبة لأستعجلها يا أبانا. # ونهضت هيفاء وخرجت، فقال جورجي: سبحان من أعطى ومن سوى؛ أين حظيت بهذه العروس الجديدة يا رماح بك؟ ~~- التقادير ساقتها إلي يا أبانا. ~~- بارك الله عليكما، أين الضريبة المقدسة يا جميل؟ ~~- ها هي في كتاب الصلاة، ومتى انتهى الإكليل تأخذ الكتاب بما فيه. ~~- لا، أريده تحويلا على بنك. ~~- وإذا كان البنك مصادقا عليه ms068 ، فما قولك؟ # وتناول جورجي الكتاب وفتحه، فرأى التحويل عند فصل صلاة الإكليل، فأبرقت أسرته وقال: ماذا ~~تنتظرون؟ ~~- ننتظر أم العروس. # عند ذلك وقف جميل وأطل من الباب، وقال: يا ست نديمة أعجلي. # وما هي إلا هنيهة حتى دخلت نديمة تتجلى بثوبها الأنيق، فقالت: أين هيفاء؟ # فقال فهيم: ذهبت إلى حجرتك لتعجلك. # فبغتت نديمة وقالت: لم أرها. # فوقف الكل قائلين: إذن إلى أين ذهبت؟ # وتراكضوا في غرف المنزل، وسألوا الخادمة والخدام فقالا: لم نرها. # فقالت نديمة: لقد هربت الشقية، كيف هربت ولم نعلم؟ # فقال الخادم: أظن أوتوموبيلا أخذها؛ لأني سمعت دويه منذ دقيقة. # فصفقت نديمة كفا على كف قائلة: لقد خدعتني هذه الشقية. # فقال جورجي: إذا كنتم لا تستوثقون من رضا العروس، فلماذا تستدعون كاهنا للإكليل؟ # وكان فهيم قد قبض على الكتاب، وأخذ التحويل منه ووضعه في جيبه، وقال لجورجي: خذ هذه عشرة ~~جنيهات الآن جزاء تشريفك، ومتى استوثقنا من الفتاة نستدعيك ثانيا. # فتناول جورجي الجنيهات العشرة، وقال: إني مستعد لكل خدمة من هذا القبيل يا رماح بك، أين ~~تظنون ذهبت الفتاة؛ فأنا أستردها؟ ~~- لا ندري الآن شيئا، ولكننا لا بد أن ندري، فهل تود أن تتولى البحث عنها ولك الجزاء ~~الذي تريده؟ ~~- أفعل بكل سرور، ولي أمل عظيم بالفلاح. # وبعد مناقشة في الأمر افترق المجتمعون متفقين على أن جورجي يبحث عن الفتاة. # | استطلاع أسرار # في إحدى الليالي كان جورجي آجيوس يطوف في جهات الأزبكية، فمال إلى دكان بائع تبغ ليبتاع، ~~فما وقع نظره على البائع حتى صاح: يوسف! ماذا تفعل هنا؟ # أما يوسف؛ فاكفهر وجهه قليلا وقال: أبيع سكاير. ~~- هل اشتريت هذا الحانوت؟ ~~- كلا، وإنما أخدم بالأجرة. ~~- يا لله! أمثلك يحترف هذه الحرفة؟ ~~- هل هي حرفة دنيئة؟ ~~- قد لا تكون دنيئة، ولكنها زهيدة الأجر. ~~- العمل بالأجر الزهيد خير من البطالة. ~~- عهدي بك موظفا. ~~- نعم، ولكني عزلت من وظيفتي. ~~- لماذا؟ ~~- عزلت بتهمة الاختلاس. ~~- لا أصدق. ~~- ولا أنا أصدق. ~~- إذن كيف ذلك؟ ~~- كنت موظفا في مصلحة التنظيم، وكنت موكلا بالدفع لبعض العمال ms069 وبالقبض منهم، واتفق ذات ~~يوم أن جاءني شخص ودفع 40 غرشا، وعليه أن يدفع خمسين، وطلب إلي أن أقيد الخمسين مدفوعة، ~~وأنه لا يبطئ بدفع العشرة الباقية بعد ساعة، وعلى سلامة نيتي طاوعته، ولكن قبل أن تأتي ~~الساعة جاء المفتش واطلع على الحساب، فوجد الفلوس ناقصة عشرة، طبعا فأخبرته الحقيقة، ~~فقال: في الصندوق عجز ولا بد من عمل محضر، فقلت: ها الغروش العشرة من جيبي وأنا آخذها من ~~العامل، فلم يشأ أن يسمع لقولي، بل كتب المحضر ورام أن يسلمه إلى النيابة، فرأيت أني ذاهب ~~إلى السجن حتما، فرجوت المفتش أن يتمهل حتى يأتي العامل، وبعد الرجاء الطويل رضي، أما ~~العامل فلم يأت إلا بعد ميعاده بساعة، وليس معه نصف ريال فاستحلفته بالله وبرسله فأقر ~~بالحقيقة تماما، فعدت أتوسل إلى المفتش أن يمزق المحضر بدعوى أني سليم النية، ففكر المفتش ~~طويلا وقال: لا أشك بصدق نيتك، ولكن لم يعد في وسعي استبقاؤك في وظيفتك، فأكتفي بعزلك ~~منها. # فأسفت جدا وجئت أبرهن له أني مظلوم، فأقنعني بأن القانون لا يسوغ بقائي في الوظيفة، ~~فرجوت منه أن يعطيني كتاب توصية؛ لكي أطلب وظيفة في دائرة أخرى من دوائر الحكومة فضحك، ~~وقال: «أصبحت محروما من الوظايف في كل دوائر الحكومة؛ لأن القانون ينص على ذلك.» فانظر كيف ~~يخضع الناس للقوانين المدنية الصماء، ويدوسون بكل جسارة القوانين الأدبية. ~~- ذلك لأن القوانين المدنية مكتوبة على الورق، والحكام موقعون عليها ومكلفون بتنفيذها، ~~فهي كسلاح بأيديهم بعضهم ضد بعض، ولولا هذا السلاح ما قامت قائمة لحكومة، وأما القوانين ~~الأدبية فأي صاحب نفوذ أو سلطة سنها، ومن هو مكلف بتنفيذها؟ ~~- كل الهيئة الاجتماعية سنتها. ~~- ماذا تعني بالهيئة الاجتماعية؟ ~~- عامة الشعب. ~~- فالعامة الذين سنوها هم مكلفون بتنفيذها، وهم ينفذونها بالفعل ولكن فيما بينهم فقط، أما ~~الخاصة فهم فوق هذه القوانين؛ ولهذا لا يخضعون لها ولا يخضعون إلا للقوانين المدنية ~~المكتوبة التي وقع عليها الحكام؟ ~~- الحكام الذين من طبقتهم، صدقت صدقت فهم يسنون القوانين حسب رغبتهم، فإذا غلط مستخدم ~~صغير ms070 مثلي غلطة زهيدة على سلامة نية عوقب بالطرد، ولكن الموظف الكبير قد يغلط الأغلاط ~~الفظيعة الكبرى، ويبقى راسخا في وظيفته. ~~- نعم؛ لأنه يفعل ما يروم متحايدا مخالفة القانون، فلماذا لا تفعل أنت كذلك؟ ~~- لا أريد أن أفعل أبدا. ~~- إذن لا تسخط إذا عزلت من وظيفتك. ~~- كيف لا أسخط وأنا لم أذنب؟ ~~- أذنبت بأنك قيدت ما لم تقبض، أو لم يخطر لك أن المفتش قد يباغتك؟ ~~- لم أر وجه المفتش إلا في تلك اللحظة. # ففكر جورجي هنيهة، وقال: ألم تغلط هذه الغلطة قبلا؟ ~~- هي الأولى والأخيرة. ~~- عجيبة هذه المصادفة، هل علم أحد بغلطتك هذه قبل أن يعلم بها المفتش؟ ~~- لا أدري ولا أظن أحدا علمها إلا ذلك العامل. ~~- هل كنت وحدك في مكتبك؟ ~~- كلا، بل كان معي سليم هيزلي الذي يشتغل على مكتب آخر في نفس الغرفة. ~~- ألا تظن أنه هو الذي وشى بك سرا؟ ~~- لا أظن؛ لأن سليما رجل طيب القلب جدا، وكلانا صديقان حميمان، وهو يتقرب مني ~~جدا. ~~- أقول لك يا يوسف: إنك مخدوع بهذا الصديق، وغلطك أنك تركن إلى الناس. ~~- يستحيل أن يكون سليم واشيا بي. ~~- لا يستحيل يا يوسف، وهل تقول لي ما هي معارف سليم؟ ~~- معارفه ليست قليلة. ~~- وأنت تضاهيه؟ ~~- لا أكون متبجحا إذا قلت: إني أفوقه، ولكنه يشغل وظيفته جيدا. ~~- أقول لك: إن سليما هذا هو الذي انتهز الفرصة للوشاية بك، ولا يبعد أن يكون قد تواطأ مع ~~العامل نفسه؛ لكي يوقعاك في الشرك؛ ذلك لأن سليما يخاف أن تتفوق عليه فود أن يبعدك، ولم ~~يجد غير هذه الوسيلة لإبعادك. ~~- ولكنه هو الذي توسط لي. ~~- ليس هذا ببرهان فقد يشي بك وإن توسط لك قبلا؛ لأنه حين توسط لك قبلا لم يخطر له أنك ~~تكون خطرا عليه؟ # فبهت يوسف لهذا التعليل، وقال: إذن سليم مثل دور المسيو سرار في البنك. ~~- ما هو دور البنك؟ # فروى له يوسف ما جرى له في البنك، ولما انتهى من الرواية قال له جورجي: أوما تعلمت من ~~دور البنك درسا ms071 نافعا ؟ فلماذا تركن إلى الناس؟ ولماذا لا تحتاط منهم؟ الناس عقارب صغيرة ~~لاسعة؛ فلا تركن إلى أحد حتى ولا لي. # فاشتدت بهتة يوسف، وقال: ما كان يخطر في بالي أن الناس يفعلون الشر العظيم لأجل النفع ~~القليل، هل تطاوع سليما ذمته أنه يقتل مستقبلي لمجرد أنه يخاف أن أتفوق عليه في مكتبه، ~~وأنا لا أنوي شيئا من ذلك. # فضحك جورجي وقال: سامحني إذا قلت لك: إنك ساذج يا أخي ولم تدرس حرفا واحدا في مدرسة ~~العالم فادرس واستفد، أفما وجدت خدمة غير الخدمة في هذا الحانوت الحقير؟ ~~- قلت لك: إني أصبحت محروما من وظائف الحكومة، وأما الدوائر المالية ونحوها فما طرقت ~~بابا منها إلا رأيته مسدودا في وجهي. ~~- لأنك لا تعرف كيف تزاحم، فما الأبواب مقفلة في وجهك، ولكن المزاحمين سدوها، كان يجب أن ~~تستمر في السعي، وتزاحم ولا تحط نفسك إلى حرفة كهذه. ~~- قضيت أسبوعا وأنا أسعى فمللت البطالة، وأخيرا علمت أن صاحب هذا المحل يحتاج إلى ~~مستخدم فخدمت عنده. ~~- حسن أن تشغل بعض وقتك هنا، والوقت الآخر في السعي إلى خدمة أخرى. ~~- الوقت الآخر؟ وهل عندي وقت آخر؟ إني هنا من الصباح حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل؛ ~~فمتى أسعى؟ ~~- يا لله! كيف ترضى بذلك؟ ~~- ماذا أفعل وهي شروط صاحب المحل؟ ~~- كم يدفع لك أجرة؟ ~~- أربعة جنيهات في الشهر. ~~- أربعة جنيهات؟ بالله كيف تطيق ذلك؟ ~~- ماذا أفعل؟ ~~- الأفضل أن تبقى بلا عمل حتى تجد خدمة أفضل. ~~- لا أستطيع البطالة طويلا. ~~- إذا كنت في حاجة إلى بعض الدريهمات فأسلفك ولا تقنط، هذه ورقة بعشرة جنيهات ولا أطالبك ~~بها، فردها متى تيسرت. # فرد له يوسف الورقة باسما وقال: إني ممتن لك يا جورجي عظيم الامتنان فما أنا في حاجة ~~الآن. ~~- إذن يجب أن تترك هذا المحل. ~~- لا أستطيع تركه؛ لأن علي واجبات. ~~- تقول: إنك عازب؛ فأي الواجبات عليك؟ هل عندك خليلة؟ # فضحك يوسف مزمهرا، وقال: نعم ولكنها ليست كالخليلات. ~~- كيف ذلك؟ ~~- دعنا من هذا الموضوع. # ففكر جورجي هنيهة، وقال: لماذا ms072 لا تخبرني عن واجباتك؛ فإني صديق لك وأريد أن أكون عونك، ~~فمن هي هذه الخليلة؟ ~~- لا تقل: خليلة، بل صديقة، بل أرجو ألا تطلب مني أن أخبرك عن شئوني الخاصة. ~~- لا أطلب ذلك إلا لأكون معوانا لك، فأخبرني يا يوسف وثق بي. ~~- تضطرني أن أبوح لك بسر. ~~- لا بأس؛ فليس قصدي أن أفشي أسرارك، فأود أن تقول هل هذه الصديقة في محنة وأنت ~~تساعدها؟ ~~- شيء كذلك. ~~- إذن أود أن أشاركك في مساعدتها. ~~- بارك الله فيك، إن ما معي وما أكسبه يكفيني ويكفيها الآن. ~~- كأنك تريد أن تحرمني الأجر، وأنا أود أن أفعله، فبالله لا تردني عن عمل خير، وهو أول ما ~~أفعله في حياتي. # فتردد يوسف في الجواب، فقال له جورجي: بالله تقول ما حكاية هذه الصديقة؟ ~~- هي فتاة قاصرة كانت أمها تهتم أن تزوجها من رجل لا تريده، وأخيرا كادت تتغلب عليها، ~~وقد علمت أن الرجل لا يليق أن يكون زوجا للفتاة؛ لأنه سيئ السيرة جدا، فسعيت وأنقذت ~~الفتاة وخبأتها في مكان أمين وأنا أعولها. ~~- حسن جدا، خذ العشرة جنيهات للفتاة. ~~- أكثر الله خيرك، قد لا نحتاج إليها فإن أعوزتنا أخذتها منك. # وألح عليه جورجي جدا أن يأخذ الورقة فلم يأخذها، فقال: ليس من الحكمة أن تكابر وأن ~~تبقى سجينا هنا، بل الأفضل أن تستعين بها الآن؛ لكي تكون حرا وتسعى إلى خدمة ~~أخرى. ~~- أسعى بالمكاتبة. ~~- لا تنجح. ~~- لا بأس. ~~- إنك لعنيد. ~~- لا تؤاخذني. ~~- إذن أنا أسعى لك بخدمة أخرى، ولكن أين أودعت الفتاة؟ ~~- لا تسألني فلا أقول، دع هذا سرا من أسراري التي لا تقال. # وبقي جورجي يحتال عليه حتى يعلم مقر الفتاة فلم يستطع، وفي أثناء المناقشة تقدم شار فبغت ~~يوسف؛ إذ رأى أنه هو صديق الهيزلي، ولما اشترى صديق علبة سكاير عاد إلى مركبة كانت تنتظره ~~في الشارع، فلمح يوسف فيها ليلى وأخاها نجيب، فرام أن تنشق الأرض وتبتلعه، ولا سيما إذ وقعت ~~عينها على عينه. # | مصير الفيلسوف # في ذلك المساء كان الدكتور صديق هيزلي مجتمعا ms073 بليلى في منزلها منفردين، إذ كان أبوها ~~لاهيا بأموره وأخوها غائبا. # فقال لها صديق: هل رأيت الذي يبيع السكاير في تلك الدكانة الصغيرة؟ وهل عرفته؟ # فامتعضت ليلى قائلة: رأيته وعرفته فماذا؟ ~~- وددت أن تري هذا الفيلسوف الذي تعجبين بعمله وفلسفته، وتعلمي ماذا يكون مصيره. ~~- إذن أنت تعمدت المرور بنا من هناك لكي تريني ... ~~- نعم؛ لكي أريك يوسف براق خادما في دكان سكاير، وربما رأيته غدا في حانوت بدال، وبعد ~~غد يمسح الأحذية. ~~- لا أدري لماذا تود أن تريني كل ذلك. ~~- لكي تعلمي مصير الفلسفة والفلاسفة. ~~- ولكن هذا مصير لا يحط من قدر العلم والمعرفة، فهل تنكر أن هذا الفتى نابغة في ذكائه ~~ومعرفته؟ ~~- قد يكون كما تقولين، ولكن هل تعلمين ماذا يقول الناس عنه؟ ~~- كلا، لا أود أن أعلم. ~~- يقولون: إنه مجنون. ~~- قد يكون الناس صادقين؛ لأن بعض ضروب الجنون إغراق في الذكاء، وهو خير من الإغراق في ~~البله. # فضحك صديق، وقال: فليأكل علما ويشرب معرفة، ويلبس ذكاء، ويسكن مستشفى المجانين. # فابتسمت ليلى قائلة: لو كان كما تقول ما كان يشتغل ليعيش من تعبه. ~~- وهل يليق بالفيلسوف أن يكون خادما في حانوت سكاير حقير؟ ~~- ليست الخدمة مهما كان نوعها لتشين الفيلسوف، وما نشأ النوابغ إلا من الطبقات ~~الوضيعة. ~~- نعم، ولكنهم كانوا يصعدون، وأما فيلسوفك فينزل تدريجا، كان أولا كاتبا في بنك فما ~~لبث أن طرد منه طردا لسخافة عقله، وانتفاخ أوهامه، ثم تعين في مصلحة التنظيم في وظيفة ~~حسنة، فما لبث أن عزل لهفوة نجمت عن جهله أحوال العالم، وحرم بسببها التوظف في دوائر ~~الحكومة، ثم طاف بجميع الدوائر المالية وغيرها فلم تشفع فيه فلسفته، بل كانت الأبواب مفتوحة ~~لغيره تقفل في وجهه؛ لأن كل ملمحة من ملامحه تعرب عن جنونه، وبعد قليل يكتشف صاحب دكانة ~~السكاير جنونه فيطرده، ومتى أقفلت في وجهه أبواب الرزق يلجأ إلى مستشفى المجانين، الذي هو ~~نهاية مصيره لا محالة، ولو كان نابغة كما تزعمين ما نبذته أوروبا، التي هي أرحب مضمار ~~لتسابق النوابغ. # فهزت ms074 ليلى كتفيها قائلة: يعرف شأنه. ~~- بالطبع يعرف شأنه؛ ولكني وددت أن أعلمك حقيقة فيلسوفك الذي تطنبين بمقالته، وما هي إلا ~~كلام لا وزن له كوزن أثيره. # فضحكت ليلى، وقالت: وتريد أيضا أن تمحق علمه وفضائله كما تمحق مستقبله. ~~- وتقولين: فضائله أيضا؟ ~~- نعم؛ فإن مبادئه العلمية والفلسفية هي أم الفضيلة. # فقهقه صديق، وقال: إنك مغرورة جدا، بل مخدوعة بعلمه ومعارفه؛ فهي لم تثمر إلا ~~الرذائل. # فعبست ليلى قائلة: لا تنم بالرجل وهو غائب. ~~- ليته حاضر الآن فأستجوبه عن سيرته أمامك، ومهما بالغ في الإنكار تنفضح منكراته. ~~- يا لله! تعزو للرجل منكرات أيضا! ~~- إذا كان قد اختطف الفتاة هيفاء التي كانت خادمة عندك، واحتظاها في مكان مجهول، وأهلها ~~يبحثون عنها، وهو ينكر علاقته بها، أفلا تعدين هذا منكرا؟ # فانتفضت ليلى وامتقع وجهها، وبقيت صامتة هنيهة ثم قالت: إنك تمين الآن يا صديق. # فضحك صديق وقال: إن كنت أمين فسينفضح ميني، وإذا شئت أن تتحققي صحة قولي فابحثي عن ~~الفتاة، فإذا وجدتها كان لك من أهلها الجزاء. ~~- إذا كانت الفتاة مختفية من وجه أهلها؛ فلأن أمها تريد أن تزوجها ممن لا تريده زوجا؛ ~~ولهذا فرت من عند أمها وخدمت عندي، وهي - والحق يقال - أنبل من أن تكون خادمة. ~~- لماذا لم تبق خادمة عندك؟ ~~- لعلها علمت أن أمها أوشكت أن تهتدي إليها ففرت إلى مكان آخر؛ حيث تبالغ بالتخفي. ~~- نعم، تبالغ بالتخفي؛ لأنها تستحي أن تقول لك: إنها خليلة يوسف براق. # فانتفضت ليلى، وقالت: متى عرفته وعرفها حتى يكونا خليلين؟ ~~- عرفته وعرفها قبل أن تعرفيها، والحب بينهما ليس جديدا؛ فقد كانا جارين يتغازلان من ~~شباكيهما. # فازداد وجه ليلى امتقاعا، وبعد هنيهة قالت: كيف عرفت كل ذلك؟ ~~- عرفته من كثيرين، وأخصهم صديقه جورجي آجيوس الرومي، هل اقتنعت أن فلسفة فيلسوفك لا تثمر ~~فضيلة؟ ~~- ماذا يهمني وماذا يهمك؟ ~~- أود أن لا يهمك أمر هذا المجنون السافل، ولكن يسوءني أن تصرفي قلبك عني إليه إذا لم يكن ~~لأجل نفسك فلأجل نفسي. ~~- لأجل نفسك؟ ~~- نعم، وهل تجهلين حبي ms075 لك يا ليلى؟ # فبقيت صامتة إلى أن قال: أود أن تفكري يا ليلى عسى أن تري خطأك، واغترارك بما تتوهمينه من ~~محاسن هذا الفتى، تصوري ماذا يقول عنك الناس إذا ... ~~- إذا ماذا؟ ~~- لا أود أن أمدح نفسي؛ ولا سيما لأنك تعرفينني معرفة القريبة للقريب، فماذا تريدين أن ~~يكون من تبتغينه زوجا؟ أعالما؟ فلا أظن أن علم الطب وما يتصل به من العلوم أمر يخلو من ~~الفخر، أديبا فاضلا؟ أنت تعرفين سيرتي ومكانتي بين الناس، غنيا؟ إني أغنى مما تتصورين ~~فإذا صرت ربة بيتي كنت ملكة في مملكة واسعة، تحف بك بطانة كبطانة الملكات، تسكنين قصرا، ~~ترفلين بالدمقس، تتحلين بأثمن الجواهر، تتزاورين مع الأميرات، فبماذا تطمعين بعد؟ ~~- لا أطمع بشيء من ذلك. ~~- إذن ما هي أمنيتك؟ ~~- أمنيتي أن أكون سعيدة النفس. ~~- أجعلك سعيدة النفس كما ترومين. # فبقيت ليلى صامتة إلى أن قال: هل حاسبت ضميرك؟ ~~- حاسبته من زمان. ~~- وماذا تقولين الآن بعد اطلاعك على هذه الحقائق؟ ~~- اعتبرني غير موجودة وافعل ما يروق لك. # فجحظت عينا صديق وقال: يا للعناد! إنك لغبية لا تعرفين مصلحتك، ولا ترين خطأك حتى تتألمين ~~من ويله. ~~- لا تشفق علي. ~~- لا أستطيع أن أقسو يا ليلى؛ لأني أحبك فوق كل حب. ~~- أتأسف أن هذا الحب ضائع بي، فليتك تحوله إلى فتاة تكون أكثر ألفة بك مني. ~~- إذن لا ألفة إلا بينك وبين الفيلسوف. ~~- دعني وشأني ولا تزعج نفسي. # وبعد سكوت هنيهة قال صديق: إني أتركك الآن؛ لئلا تتمادي في عنادك، فلعلك متى فكرت تعودين ~~إلى صوابك. # فقالت وهي في ملء الكآبة: اتركني اتركني. # فنهض صديق وتناول يدها وهم أن يقبلها فاختطفت يدها من يده مكتفية بالمصافحة، فخرج بين ~~يأس وأمل. # | ما أسهل الغدر على الصديق! # في ذات مساء جاء جورجي آجيوس إلى يوسف براق، وقال له: أريد أن تستأذن صاحب هذا المحل ~~بالتغيب الليلة. ~~- لماذا؟ ~~- لأني أود أن تذهب معي لزيارة رجل كبير والتعرف به؛ لأنه يهتم الآن بمشروع عظيم ويحتاج ~~فيه إلى مثلك، فإذا قابلته فلا ms076 بد أن تعجبه، ويكون لك معه حظ كبير، وقد مهدت لك السبيل ~~فاستأذن بالتغيب صاحب الدكانة متى عاد. ~~- ولكن صاحب المحل لا يأذن. ~~- استعف وامض ولا تسأل عنه؛ فهل تبقى رهينا في هذه الدكانة الحقيرة؟ ~~- من هو هذا الرجل الكبير؟ ~~- سأخبرك عنه حين نذهب معا، وسأنتظرك الساعة العاشرة في قهوة الشيشة، فلا تتردد في ~~مطاوعتي، لا أقدر أن أتأخر دقيقة الآن، إلى الملتقى. # ولما كانت الساعة العاشرة التقى يوسف بجورجي في قهوة الشيشة، فقال هذا له: «هيا بنا لئلا ~~يفوت الوقت.» فمشى الاثنان معا إلى جهة الحديقة، وكان هناك أوتوموبيل ينتظرهما، وفيه رجل ~~وحوذي، فصعدا إلى الأوتوموبيل وفي الحال درج بهما، فقال يوسف: إلى الآن لا أدري إلى أين أنا ~~ذاهب. # فقال جورجي: إلى المستر هنري ميس الأميركي، وقد جاء هذا الرجل حديثا إلى مصر لكي يؤلف ~~شركة زراعية كبرى والمسيو فوتيوس هنا (مشيرا إلى الرجل الآخر) يقدمك إليه؛ لأنه يتكلم ~~الإنكليزية. # وكان يوسف بين الاثنين فشكر للمسيو فوتيوس خدمته. # وما هي إلا دقيقة حتى رأى يوسف أن الأوتوموبيل يدرج في شارع عباس، وما أوغل الأوتوموبيل ~~في هذا الشارع حتى شعر يوسف أن كفين من حديد قبضتا على ذراعيه من ورائه، فعلم أنهما كفا ~~المسيو فوتيوس، فدهش ورام أن يصرخ فشعر أن كف جورجي قبضت على عنقه أيضا، وأن إسفنجة مبتلة ~~وضعت على أنفه ولم يعد يستطيع حراكا، وفي نصف دقيقة فقد وجدانه. ~~••• # لم يع يوسف من سباته إلا بعد حين، وأول ما شعر به أن يديه لم تزالا مقبوضتين، فحاول ~~الإفلات فخانته قوته؛ لأن فعل الكلوروفورم لم ينقض تماما، وكان يفتح عينيه ويغمضهما فلا ~~يرى إلا ظلاما في الحالتين، ثم ما لبث أن فهم أنه موثق اليدين والرجلين، ولم يشعر بوجود ~~أحد غيره في ذلك المكان، فقال في نفسه: إذا لم أكن موءودا حيا وكان قضاتي عادلين يبقى لي ~~أمل بالخلاص؛ لأني لم أرتكب وزرا ولم أسئ إلى أحد. # ثم ما لبث أن سمع حركة وصليل مفتاح في باب، ms077 ورأى ومضات نور ضئيلة، فتنهد الصعداء، وعند ~~ذلك انفتح الباب فرأى يوسف شخصا مقنعا بقناع لا يشف عن وجهه، وفي يده الواحدة مصباح ضئيل ~~النور جدا، وفي يده الأخرى كرسي صغير، فأجال يوسف نظره في المكان، فإذا هو غرفة فارغة ليس ~~فيها شيء غيره. # ثم أوصد الرجل المقنع الباب، وجلس على كرسيه أمام يوسف وبقي صامتا والهلع يأخذ من فؤاد ~~يوسف، فقال هذا بصوت خافت: هل أنت عزرائيل؟ # فأجابه المقنع: كلا، بل أنا نائبه. ~~- من أنت؟ ~~- أنا من لا تعرفه ولم تره قط ولن تراه بعد الآن. ~~- إذن لماذا أنت مقنع؟ ~~- إني مقنع حتى إذا رأيت وجهي في المستقبل لا تعرفني. ~~- إذن لم يزل لي مستقبل! ~~- نعم، ولكن مستقبلك في يدك، فإذا أجبتني على ما أسألك بالصدق تعود من حيث أتيت. ~~- وإلا؟ ~~- فتهلك حيث أنت ولا يعلم بك إلا أسماك النيل. # فخفق فؤاد يوسف جزعا، وقال: سل. ~~- أين أودعت هيفاء؟ قل الحقيقة؛ لأنه لا يطلق سراحك إلا متى عادت هيفاء إلى أهلها. # ففكر يوسف هنيهة ثم قال: وهل ترغم هيفاء على زواج من لا تريده؟ ~~- ليس هذا شأنك. ~~- ذلك شأني؛ لأن لي شرطا كما لك شرط، فهل يطلق سراحي حالما تهتدون إلى محل هيفاء. ~~- لا أقدر أن أعدك بذلك، وإنما أنا مكلف بالاستعلام منك عن مقر هيفاء الحقيقي، وغيري مكلف ~~باستردادها. ~~- وبتزويجها من ذلك الزنيم؟ ~~- لا أدري. ~~- إذن لا أدلكم عليها. ~~- إذن تموت الليلة، وستموت معذبا. # ثم نهض الرجل المقنع وهم بالخروج كأنه أنجز مهمته، فصاح به يوسف: دمي على رءوسكم يا لئام. ~~- لا تصخب ولا تصرخ فليس من يسمع. ~~- إلى أين يا لئيم؟ ~~- سأعود مستعدا لإهلاكك؛ لأن مهمتي لم تنته. ~~- والحكومة والبوليس والقضاء؟ ~~- احتطنا لكل شيء؛ فما نحن أغبياء. ~~- أين جورجي آجيوس؟ ~~- لا أعرفه. ~~- من تعرف؟ ~~- لا أعرف إنسانا ولا إلها. ~~- أفما أنت إنسان ذو قلب؟ ~~- صرت عزرائيلا بلا قلب. # فاشتد جزع يوسف وقال: رحماك يا هذا لا أطلب منك كثيرا، أطلب أمرا صغيرا جدا وهو أن ~~ترسل لي ms078 يهوذا الذي سلمني، فإذا كنت لا تعرفه فالذين تعرفهم يعرفونه. ~~- لا تنتظر أن ترى هنا غيري، فاستعد للقاء ربك. # وخرج الرجل موصدا الباب وراءه، وعادت الظلماء تتكاثف على صدر يوسف. # | تطريق فؤاد صلد # بعد ساعة من الزمان حسبها يوسف عاما انفتح الباب، ودخل منه جورجي آجيوس وفي يده المصباح ~~والكرسي ثم جلس، فلما تبينه يوسف جحظت عيناه، وقال محرقا الأرم: رح اشنق نفسك. ~~- لماذا؟ ~~- كذا فعل يهوذا قبلك. ~~- أنا أرقى من يهوذا. ~~- لم يجسر يهوذا أن يرى سيده بعد تسليمه. ~~- لذلك أنا أرقى منه؛ فهو ابتدأ ولم يكمل، أما أنا فأكمل ما ابتدأت. ~~- ماذا عساك أن تفعل بعد تسليمي؟ ~~- ماذا بعد التسليم غير الصلب؟ ~~- إذن نحن عدوان. ~~- بل نحن صديقان كما كان يهوذا والمسيح قبلنا. ~~- ولكن الفرق بين يهوذا والمسيح كان عظيما جدا. ~~- والفرق بيني وبينك أعظم. ~~- كيف ذلك؟ ~~- كان المسيح ويهوذا إنسانين. ~~- ونحن؟ ~~- أحدنا حيوان. ~~- إذن تعترف أنك حيوان! ~~- لو كنت حيوانا لشنقت نفسي كما فعل يهوذا بعد تسليم سيده. ~~- إذن أنا الحيوان؟ ~~- نعم، وأنا الإنسان. ~~- كيف ذلك؟ ~~- لأن الإنسان شرير والحيوان صالح، الإنسان يكذب والحيوان يصدق، الإنسان يظلم والحيوان ~~يرحم، الإنسان ينتقم والحيوان يسامح، الإنسان غادر والحيوان أمين، فأنت سيئ الحظ؛ لأن صديقك ~~إنسان فليتك إنسان، فما كنت تركن إلي، أو ليتني حيوان فما كنت أغدر بك. ~~- أود أن أصوغ منك حيوانا. ~~- يستحيل عليك أن تحول النحاس إلى ذهب. ~~- بكم بعتني يا جورجي؟ ~~- بقدر ما أخسرتني. ~~- ماذا أخسرتك؟ ~~- أخسرتني ألفا وخمسمائة جنيه. ~~- بعتني بأغلى من المسيح. ~~- لأني أذكى من يهوذا، فأعرف كيف أساوم. ~~- هل قبضت الثمن؟ ~~- متى أنجزت مهمتي أقبض ثلاثة آلاف جنيه. ~~- تغدر بي لأجل ثلاثة آلاف جنيه؟ ~~- بل لأجل حياتي. ~~- هل حياتك في خطر؟ ~~- كلا، وإنما قوتي في خطر من ضعف الهرم، فبثلاثة آلاف جنيه أكسب آخرتي، أما نصحت لي أن ~~أستعد لآخرتي؟ فها أنا أستعد لها. ~~- أبهذا الغدر تستعد لها؟ ~~- لم أجد أسهل من هذه الوسيلة. ~~- تقول: متى أنجزت مهمتك تقبض الثمن، فمتى تنجزها؟ ~~- متى ms079 عادت الفتاة إلى أمها. ~~- إذن كسبك يتوقف على تسليمي الفتاة. ~~- وحياتك أيضا تتوقف على هذا التسليم. ~~- تعني: إما حياة الفتاة لها أو حياتي لي وآلاف الجنيهات لك. ~~- بل الكل معا أو لا شيء. ~~- تعني أن نضحي بحياة الفتاة؛ لكي أخلص أنا وتكسب أنت. ~~- لا خطر على حياة الفتاة ولا نضحي بها. ~~- نعم، نضحي بحياتها الأدبية. ~~- ستتزوج الفتاة رجلا وفير الثروة، وتكون في نعيم لم تحلم به. ~~- إن ما تعده أنت نعيما تعده هي جحيما، وإلا ما نفرت من هذا الزواج. ~~- لم تنفر إلا لأنك أريتها الوجه المظلم في هذا الزواج، فلو أريتها الوجه المنير ما نفرت، ~~بل كانت تتمتع بأحلام النعيم الذي ستصل إليه. ~~- لم أرها إلا الحقيقة ناصعة، فرأت الوجهين وأدركت أن الظلمة أبدية ثابتة، وأن النور ~~ومضة زائلة؛ ولهذا نفرت من تلقاء نفسها. ~~- أنت ظلمت هذه الفتاة. ~~- بماذا ظلمتها؟ ~~- هي تمثال من شمع وأنت طبعت عليه مبادئك. ~~- أبهذا ظلمتها؟ ~~- نعم؛ لأن مبادئك تؤدي إلى الشقاء، راجع تاريخ حياتك القصير في مصر، وقل إلى أي سعادة ~~أدت بك هذه المبادئ، فلو تركت الفتاة بين يدي أمها تطبع في خلقها مبادئها، لكانت الفتاة وهي ~~زوجة ذلك الغني تشعر أنها في نعيم تحسدها عليه ألوف الفتيات. ~~- ظلت أمها تطبع مبادئها فيها خمسة عشر عاما، وأنا لم أطبع فيها من مبادئي إلا مدة ساعة، ~~فلو لم تكن مبادئي أصح ما ... ~~- ما زالت الفتاة طينة لينة يسهل نسخ القديم منها وطبع الجديد فيها، ردها لأمها فتنسخ ~~منها ما طبعته أنت وتطبع ثانية ما نسخته. ~~- لم تستطع أمها طبع شيء، بل كانت تحسن التمويه على عين بصيرتها، فلما أزلت أنا هذا ~~التمويه رأت الفتاة الحقيقة من نفسها، فنفرت من نصائح أمها. ~~- ما هذا التمويه الذي أزلته أنت؟ ~~- أخبرتها أن للرجل ثلاث خليلات، فإذا تزوجته كانت رابعتهن. ~~- بهذا ظلمتها؛ لأنك لو تركتها في عماها لكان في وسع الرجل أن يضع على بصيرتها غشاء فوق ~~غشاء من عيشة الرخاء، فتشعر أنها في نعيم دائم أنت تحرمها ms080 منه الآن؛ ولذلك أقول: إنك ~~ظلمتها. ~~- أتعد عيشة الفجور نعيما؟ ~~- نعم، سل الرفيقات الثلاث يخبرنك عن نعيمهن، فلو خيرت إحداهن بين مرافقة الرجل ~~والسماء لاختارت مرافقته. ~~- نعم؛ لأنها لا تعلم ما هي سماء الحياة الأدبية، فهي معذورة إذا فضلت المعلوم على ~~المجهول، فلو خيرت فتاة انطبعت فيها مبادئ الحياة الروحية بين هذه الحياة مع القلة، وبين ~~حياة الفساد مع الثروة لفضلت تلك. ~~- كأنك تقول لي: # لكل امرئ من دهره ما تعودا ~~- نعم. ~~- إذن لماذا لم تترك هيفاء تتعود الحياة الأخرى الجسدية؟ ~~- لأنها تعودت الحياة الروحية أولا، فإذا جربت الأخرى، وجعلت أخيرا تقابل بينهما شعرت ~~أنها سقطت في شقاء هائل لا تعود تستطيع الخلاص منه، فأنا أريد أن أنجيها من هذا ~~السقوط. ~~- أتعد عيشة الغنى والسعة شقاء وسقوطا؟ ~~- نعم، سل أي واحدة من أولئك الرفيقات: هل تريدين أن تعيشي عيشة زوجية طاهرة ليس فيها ~~استعباد للسعة، ولفضل الرفيق الذي لا يرضيه شيء؟ تتنهد وتقل لك: «آه لو يمكن ذلك!» فهل تنكر ~~أنه يستحيل؟ نعم يستحيل؛ لأنها سقطت إلى هاوية عميقة ولا يمكن أن تصل إليها يد لتنتشلها، ~~أفلا تعد ذلك سقوطا هائلا؟ # ففكر جورجي هنيهة، وقال: ولكن هذه القاعدة ليست مطردة، أفلم تر امرأة تركت الحياة ~~الزوجية الطاهرة، واتخذت الحياة الجسدية الفاسدة؟ ~~- نعم، ولكن سلها ذلك السؤال بعد ذلك تجبك نفس الجواب. ~~- قد تجيب نفس الجواب وقد تجيب عكسه. ~~- إن أجابت عكسه كان لها بعض العذر، وكان لذلك سبب، ولكن ليس جوابها سنة ما دامت هناك ~~ساقطات يتحسرن على النهوض. ~~- كأنك تقول لي: إن النساء صنفان صنف يندم وصنف لا يندم. ~~- نعم، والصنف الأول أغلب، وهيفاء منه، وأنا أريد أن أقيها الندم على زلة القدم. ~~- ما أنت مسئول عن الفتاة. ~~- بل أنا مسئول؛ لأني تعهدت لها بالخلاص والإخلاص فلا أنقض عهدي. ~~- هل تريد أن تتزوجها. ~~- لا لا. ~~- إذن أنصح لك أن تسلمها. ~~- لن أسلمها. ~~- إذن أتأسف أنك لم تقبل نصائحي والأخير منها أثمنها. # ونهض جورجي وحمل فانوسه وكرسيه، وهم أن يخرج، ms081 فصاح به يوسف قائلا: جورجي. ~~- نعم. ~~- تعال اجلس. # فجلس جورجي قائلا: جلست، ماذا تريد؟ ~~- أليس لك قلب؟ ~~- كان لي، وأما الآن فأنا بلا قلب. ~~- أنا أرد قلبك إليك. ~~- لا أريد استرداده؛ لأني بلا قلب أسعد حالا مني به. ~~- لقد نسيت لذة القلب يا جورجي. ~~- لم أنس لوعته. ~~- إذن لم يزل لك أثر قلب، فبالله قل لي: كيف فقدت قلبك؟ ~~- فقدته مع بني وزوجتي. ~~- هل تريد أن يكون لك بنون؟ ~~- لا. ~~- لا تجاوب بلا تعليل. ~~- لماذا أريد أن يكون لي بنون؟ ~~- لكي تعيش بقية العمر أسعد منك الآن. ~~- كيف أعيش أسعد مني الآن؟ ~~- بحب البنين. ~~- أبعد هذه الشيخوخة أستطيع أن أحب. ~~- تحب حبا أعظم من حب الشبيبة. ~~- وهل بقي من العمر ما يكفي للزوجة والبنين؟ إنك تدفعني إلى تعاسة. ~~- أي تعاسة هذه؟ ~~- تعاسة أن أرى زوجة وأطفالا لا أستطيع أن أعولهم مع نفسي، فأموت منغصا وتعيش عائلتي ~~بعدي شقية، لا لا، إن نصحك معكوس النتيجة. ~~- وما قولك إذا كنت أبا لأولاد كبار لا ينغصك تركهم، ولا يشقون بعدك؟ # فضحك جورجي قائلا: وهل تظن أني أحب أولادا ليسوا من دمي؟ ~~- لماذا كنت تحب بنيك؟ ~~- لأني ربيتهم وبذلت روحي لأجلهم فأحبوني. ~~- وإذا كنت الآن تبصق على الثلاثة آلاف جنيه؛ لتخلص حياة فتى جسدية وحياة فتاة روحية، فكم ~~تظن يكون حبهما لك؟ # ففكر جورجي مطرقا وبقي صامتا، فقال له يوسف: أود أن تتصور كم يكون حب يوسف وهيفاء لك، ~~لا تستطيع أن تتصور ذلك طبعا. # فرفع جورجي نظره إلى يوسف وقال متنهدا: الحق أني لا أدري. ~~- أنا أصور لك ذلك، هل تعرف حكاية الأسد؟ ~~- ما هي حكاية الأسد؟ ~~- قيل: إن أميرا كان يحب فتاة، وكانت الفتاة تحب سواه ففرت من أمام وجهه وتاهت في ~~البراري، فأرسل عصابة وراءها، فلجأت الفتاة إلى كهف وباتت فيه، فلما طلع الصباح استيقظت على ~~أنين مخيف، فرأت في جانب من الكهف أسدا مضجعا يتألم كأنه يموت، فجزعت في أول الأمر ~~ورامت أن تنسل من الكهف، ولكنها رأت العصابة التي ms082 تطاردها ، فخافت أن تقع في أيديها وفضلت أن ~~تقع فريسة للأسد على أن تكون فريسة للأمير، فتقدمت إليه ورأت في رجله شوكة كبيرة، فأدركت سر ~~أنينه، فشددت قلبها وتقدمت إلى رجله واستخرجت الشوكة منها، وهو ينظر إليها، ولما استراح ~~الأسد خرج من الكهف فطاردته العصابة، وتغلبت عليه وأسرته، وبعد ذلك لم تستطع الفتاة فرارا ~~من وجه العصابة، فوقعت في يد الأمير، ولما عجز الأمير عن استمالتها إليه أمر أن تربط إلى ~~عمود في رحبة مسورة بالحديد وأن يطلق الأسد عليها، وكان ما أمر، فهل تعلم ماذا حل ~~بالفتاة؟ ~~- هل أعرض الأسد عنها؟ ~~- بل حل وثاقها، أليس ذلك عجيبا؟ # فقال جورجي مكفهرا: ليس عجيبا؛ لأن الأسد حيوان يذكر الجميل والأمير إنسان ~~مفترس. ~~- حسن، فما قولك بحيوانين أرق من الأسد قلبا، وكم يكون حبهما لك إذا أنقذت ~~حياتيهما؟! ~~- يكون شديدا طبعا. ~~- فما قولك إذن أن تنقذني، وكلانا ننقذ هيفاء ونعيش أنا وهيفاء معك كولدين لك، ونعنى بك ~~كأب حتى آخر نسمة من حياتك؟ # فكاد جورجي يجهش بالبكاء، ثم تجلد وقال: ما زلت يا يوسف خياليا، وتريد أن تمثل تمثيلا، ~~إذا كنا أنت وأنا حرين لنمثل هذا الدور، فهيفاء ليست حرة بل هي مقيدة بأم لا تزال ~~حية. ~~- لقد صدقت، إنها حية تلسع، فما هي أم هيفاء. ~~- صفها ما شئت، وأما هي فتعتقد أنها تخدم ابنتها. ~~- قلت لك: ليست هيفاء ابنتها ولا تلك المرأة الفاجرة أمها، بل هي خالتها وقد لا تكون ~~خالتها أيضا. ~~- ماذا تقول؟ ~~- أقول: إن هيفاء قالت لي: إنها تعرفها خالتها، وإنما تلك المرأة السليطة تدعي الآن أنها ~~أمها. ~~- ألا تعرف هيفاء أمها الحقيقية؟ ~~- كلا، لا تعرف أمها ولا أباها، ولم تع على هذا العالم وشقائه إلا وهي في حوزة تلك ~~الفاجرة، وهي ادعت لها أنها خالتها لا أمها، فلا يبعد ألا تكون خالتها أيضا؛ ولهذا أقول ~~لك: إن هيفاء تقدر أن تتحرر من رق تلك الفاجرة بمجرد إرادتها. # فسكت الاثنان هنيهة، ثم قال جورجي: قد أصبحت رجلا شريرا يا ms083 يوسف ، فلماذا تحاول عبثا ~~أن تشتق مني رجلا طيبا، لا طيب من الخبيث. ~~- لا بد أنك كنت قبلا رجلا طيبا، فليس مستحيلا أن تعود إلى أصلك، فأصل الشوكة بزرة في ~~وردة ثم نضجت فأزهرت وردة أيضا. # فبقي جورجي ساكتا هنيهة، ثم وقف يريد الخروج، فقال له يوسف: إذا قررتم تنفيذ قضائكم ~~علي فلي عليكم شرط واحد. ~~- ما هو؟ ~~- هو أن تنفذ القضاء أنت وحدك. ~~- تعني أنك تريد أن تجمع كل الجمر على رأسي. ~~- لا، بل أريد ألا تمتد إلي يد دنسة، فهل عندكم فرق إذا كان الموت واحدا؟ # ففتح جورجي الباب، فقال له يوسف: أرجو منك معروفا واحدا. ~~- ما هو؟ ~~- هو ألا تدعني أرى غيرك. # فأقفل جورجي الباب وهو يكفكف دموعه. # | الضمير المستتر # بعد حين كان جورجي وجميل مرمور في حانة سفنكس بار، فقال جورجي: لقد أنجزت مهمتي يا جميل، ~~وخدمتكم خدمة لا يخدمها سواي، فأين بقية الألف وخمسمائة جنيه؟ ~~- ولكن الفتاة لم تعد بعد. ~~- ليس هذا شأني، علام اتفقنا؟ ~~- على تسليم الفتى، فلا أنكر. ~~- لقد سلمته فأود أن تبروا بوعدكم. # فضحك جميل قائلا: لك حق، هذا تحويل بقيمة السبعمائة والخمسين جنيها الباقية، ولكن لم ~~نزل في حاجة إليك. ~~- إني مستعد لكل خدمة، ولكل خدمة ثمن. ~~- لا يبخل فهيم بك بثمن. ~~- إذن نشرب كأسين على حسابي. # وبعد أن تساقيا هنيهة قال جورجي: إني أستغرب بذل فهيم بك الجزيل لأجل هذه الفتاة، ويظهر ~~أنها نافرة والفتى الذي يخفيها عنيد لا يود أن ينم عن مقرها. ~~- أما هي فلا بد أن تلين، أما الفتى فمتى أحس بالتعذيب يقر. ~~- ولكني لا أفهم لماذا لا يكل فهيم عن طلبها والحسان كثيرات؟ ~~- لا يكل عن طلب هيفاء مهما بذل حتى ولو تزوجها فعلا زواجا شرعيا. ~~- إذن يحبها حبا مفرطا؟ # فقهقه جميل وقال: وهل مثل فهيم بك يحب كما تعني؟ ~~- إذن لماذا هذا الحرص عليها؟ ~~- له مصلحة كبيرة. # ففتح جورجي عيني بصيرته، وقال: لا بد أن تكون المصلحة مالية؛ لأني أعرف أن فهيم بك لا ~~يهمه ms084 قبل شهواته إلا المال. ~~- لقد حزرت يا شقي. ~~- إذن الفتاة غنية. ~~- جدا. ~~- ليتني طلبت جزاء أكثر بدل تسليم يوسف براق. ~~- يكون لك جزاء مضاعف إذا استطعت أن تضع الفتاة وفهيم تحت يدي الكاهن. ~~- قد أستطيع، ولكني لا أفهم كيف أن الفتاة غنية، وهي وأمها تعيشان على حساب فهيم بك ~~كالحلم على الشجر، أفلا تدري الفتاة أنها غنية؟ ~~- ولا أمها تدري بذلك أيضا. ~~- كيف درى به فهيم بك؟ ~~- أراك تتمادى في اكتشاف الأسرار يا جورجي فأقصر. ~~- يا لله! وهل بيني وبينك أسرار؟ أما أطلعتك على أسراري؟ ... ولكن حاذر يا مرمور أن تبوح ~~بأسراري لأحد؛ لئلا تكون نقمتي منك لا تطاق، وأنا أعدك أني لا أبوح بسر من أسرارك. ~~- اتفقنا على الكتمان، ولكن هذا السر لا يهمك. ~~- الحق أنه لا يهمني، ولكني لا أود أن أقف عند لغز ولا أحله. ~~- وماذا يفيدك حله؟ ~~- قد يفيدني في البحث عن الفتاة، يمكن أن أتوسم منه ما يرشدني إلى وسيلة لمعرفة مقرها، ~~فقل لي كيف عرف فهيم بك أن للفتاة ثروة طائلة وهي وأمها لا تعرفان؟ ~~- لاحظت أن أخاه أو بعض ذويه في سوريا كتب إليه في ذلك، وفهمت من خلال حديث فهيم أن ~~كاهنا جاء إلى القاهرة ليبحث عن الفتاة؛ لأنه ظهر لها ميراث كان مجهولا. ~~- إذن فهيم ومن كتب له يعرفان نسب الفتاة المجهول ويعلمان أنها غنية؟ ~~- أراك تحاول أن تسرقني يا شيطان. ~~- لا والله، وأي مأرب لي من سرقة أسرارك، بيد أني أود الاطلاع على كل الحقائق المتعلقة ~~بالفتاة حتى يسهل علي البحث عنها، ففهيم إذن يعرف أصلها وفصلها أكثر منها ومن أمها؛ لأن ~~الميراث يتوقف على النسب، فإذا كان ذاك مجهولا؛ فلأن هذا مجهول أيضا. ~~- الحق لا أدري؛ لأني لا أعرف كل أسرار فهيم، وهو على ما يلوح لي جعبة أسرار، وإنما لاحظت ~~أنه يعرف عن خصائص الفتاة ما لا تعرفه هي ولا أمها، والأرجح أن أمها لا تعلم شيئا عن هذا ~~الميراث. # ففكر جورجي هنيهة ثم قال: ألا تعلم ماذا ms085 يعرف فهيم بك عن نسب الفتاة؟ ~~- لا، ولكن يخالج ظني أنه اكتشف علاقة نسب بينه وبين الفتاة، وهي وأمها تجهلان هذه ~~العلاقة. ~~- تقول: إن كاهنا يبحث عن الفتاة؟ ~~- نعم. ~~- ونحن نبحث عنها؟ ~~- نعم. ~~- فهل تعرف هذا الكاهن؟ ~~- أعرفه. ~~- قل لي من هو وأنا أبحث معه عن الفتاة، ومتى اهتديت إليها أجرها إليكم قبل أن يدري ~~بها. ~~- فكرة حسنة جدا ... تستعين بمعلومات الكاهن. ~~- نعم نعم. ~~- إذن اذهب الليلة إلى البطركخانة، واسأل عن الأب أمبروسيوس ولكن إياك ... ~~- لا تخف لا يفهم شيئا، ولكن الجزاء؟ ~~- اطلب. ~~- ألفي جنيه. ~~- خذها مني مضاعفة إذا تزوجت الفتاة من فهيم ... ~~- آخذ ألفين حال رد الفتاة. ~~- وألفين بعد الإكليل. ~~- هات يدك. ~~(تصافحا) # ذهب جورجي إلى البطركخانة قبل الغروب، وطلب مقابلة البطريرك فاستقبله غبطته، فقال جورجي: ~~علمت يا سيدنا أنكم تبحثون عن فتاة، فهل تقولون لي ما اسمها؟ ~~- لماذا؟ ~~- لأني أقدر أن أفيدكم عنها شيئا. ~~- اسمها هيفاء على ما نظن. ~~- واسم أمها؟ ~~- يقال: إن اسمها نديمة الصارم، فهل تعرفها؟ ~~- لا، وإنما أعرف من يعرف الفتاة، وربما كان يعرف أين هي؟ ~~- حسنا، ولكن من قال لك: إننا نبحث عن هذه الفتاة؟ ~~- علمت بالصدفة أن الفتاة مخبأة؛ لكيلا تقع في يد غبطتكم؛ ولهذا جئت لكي أتفق معكم على ~~البحث عنها إذا كان لي أجرة. # فوجم البطريرك قليلا ثم قال: لا بأس، إذا كنت تستطيع أن ترشدنا إلى الفتاة نكافئك، ولك ~~أن تذهب إلى المسيو لويس المراني وتتفق معه بهذا الشأن؛ لأنه مفوض به. # ثم أعطاه عنوان بولس المراني، ولما خرج جورجي تناول البطريرك بوق التلفون؛ ليخاطب بولس ~~المراني ... # | المفاجأة # قضى يوسف براق في ذلك السجن المظلم مدة لم يعرف قياسها؛ إذ لم يكن عنده قياس للوقت، فما ~~عرف الليل من النهار، ولا ميز بين اليقظة والكرى؛ لأنه كان متصل الأحلام والأوهام فيهما، ~~وقد زاره ذلك الرجل المقنع مرة واحدة فقط؛ إذ أطعمه وجبة واحدة وأعاد استنطاقه مكررا ~~الوعيد والتهديد، ويوسف مصر على الإنكار. # وأخيرا جاء الرجل المقنع ثالثة، وقال: هذه هي ms086 المرة الثالثة والأخيرة، فإذا لم تقر ~~قضيت على نفسك بنفسك، فماذا تقول الآن؟ ~~- أقول كما قلت أولا. ~~- إذن تريد أن تموت؟ ~~- لست أول من مات مظلوما. ~~- عجيب عنادك، ألا تحب نفسك؟ ~~- أحبها جدا، ولكني أفتدي بها حياة روحية. ~~- إذن مت هنا محترقا والمنزل يحترق معك فلا يعلم بك أحد. # ثم أدخل الرجل حزما من القش إلى الغرفة الضيقة، ودق وتدا حديديا في وسط الغرفة، ~~وربط يوسف فيه وهو موثق، ثم وضع كيسا صغيرا في جانب الغرفة، وأثبت عليه شمعة وأنارها ثم ~~قال ليوسف: لم يبق لك من العمر إلا بقدر عمر هذه الشمعة؛ فمتى ذابت ولم تبق إلا ذبالتها ~~أحرقت ما في هذا الكيس، وهو مادة قابلة للاشتعال ولكن بلا انفجار، ومتى احترقت هذه المادة ~~ألهبت هذه الحزم واحترقت أنت معها، وأخيرا يحترق البيت كله، ولا تستخرج أنت منه إلا ~~رمادا، ولا يشعر أحد باحتراقه إلا بعد أن يفوت الوقت الذي يمكن فيه إطفاؤه؛ لأنه في غيضة ~~بعيدة عن المنازل. ~~- رمادي ينم عن جنايتكم. # فضحك الرجل المقنع، وقال: إن المنزل مستأجر باسم يوسف براق، فإذا نم رمادك عن الاحتراق ~~ثبت أنك احترقت قضاء وقدرا أو منتحرا. ~~- لله من شركم! ويوم الدينونة؟ ~~- لا نعرفه. # ويبقى الرجل المقنع واقفا كأنه ينتظر توسلا من يوسف، ولكن يوسف قال له: هل انتهت ~~مهمتك؟ ~~- نعم. ~~- إذن اخرج يا لئيم. # فخرج الرجل وأوصد الباب، وكان يوسف ينظر إلى الشمعة وهي تذوب تدريجا حتى صارت نصفها ~~فانفتح الباب ودخل الرجل المقنع، وقال: هل حاسبت ضميرك؟ ~~- حاسبته فماذا تريد؟ ~~- أريد أن أعلم إن كنت قد ارعويت. ~~- اخرج يا لئيم ولا تقف أمامي. # فخرج الرجل المقنع قائلا: إذن مت، لن أعود إليك بعد. # لم يبق من الشمعة إلا قيراطان ويوسف يشجع نفسه، وهو يقول في نفسه: إني رجل طيب القلب، فإن ~~لم يكن لطيبتي فائدة في هذا العالم فلأمت، وخير لي أن أنتقل إلى عالم آخر من أن أبقى ~~فيه. # ولكن الشمعة ما زالت تذوب وفؤاد يوسف ينهلع، وكان ms087 أحيانا يقول في نفسه: «ليت هذا الشرير ~~يعود.» ثم يتشجع ويقول: لا، لا أتنازل عن مبدئي، فلتعش روح هيفاء وليمت جسدي، وأخيرا قال ~~ملء صوته: أيهذا المقنع تعال لعلنا نتفاهم. # فلم يسمع جوابا ولا انفتح الباب فقال: إذن هؤلاء اللئام لا يمزحون، بل يعنون ما يقولون ~~وما يفعلون. # فحاول النهوض من مصرعه مع أنه موثق اليدين والرجلين، ولكن الخوف إذا امتزج بالأمل ولد ~~القوة، فانتفض يوسف من مكانه انتفاض النمر وهو يثب، فانقلع الوتد من مكانه، ودحرج يوسف نفسه ~~حتى قرب من الكيس، وأدار ظهره إليه وجعل يرفع يديه من وراء ظهره حتى يصبح الحبل المتوتر حول ~~ساعديه فوق اللهيب، كان يفعل ذلك المرة بعد الأخرى؛ لكيلا يلسع اللهيب ذراعيه المكتوفتين ~~حتى احترق وتر من الحبل قليلا، فانتفض ثانية وثالثة فانقطع وتر من الحبل، وما زال ينتفض ~~حتى انحل وثاق يديه، ثم حل وثاق رجليه ورفع الشمعة عن الكيس، ووضعها على الأرض بكل هدوء ~~وتناول الكيس وفتحه، فإذا هو مملوء رملا، فقال باسما متنهدا: لا يجسر هؤلاء الطغام أن ~~يحرقوني فهم متهددون فقط، لا بد أن يأتي هذا المقنع أيضا، وسيكون بيني وبينه صراع، فإلى ~~متى أدخر هذه القوة العضلية؟! إني مصارعه لا محالة. # وتناول يوسف الحبل وجعل يقلبه بين يديه، ثم تقدم إلى الباب فوجده موصدا بقفل منيع، فحاول ~~أن يفتحه فلم يستطع. # ثم سمع حركة فكمن وراء الباب والحبل في يديه، ثم سمع صليل المفتاح في الباب، فتحفز للوثوب ~~على من يدخل، وما إن انفتح الباب حتى انقض يوسف على الداخل، وطوقه بذراعيه يريد أن يصرعه ~~لكي يوثقه، ولكنه دهش؛ إذ وجد نفسه يضم امرأة؛ ليلى! # فما لبث أن حل ذراعيه عن صدرها، وتراجع إلى الوراء وهو ينظر إليها وهي تنظر إليه، ~~وصدرها يرتفع لحظة وينخفض أخرى فوق فؤادها الخافق. # | مشاجرة الكبرياء والأنفة # وكان أول من تكلم يوسف، فقال: أيصدق ظني أني أسيرك هنا؟ ~~- أنى لي ذلك؟ ~~- لو أردت! ~~- لو قدرت! # وبعد سكوت هنيهة قال يوسف: ما الذي ms088 جاء بك إلى هنا؟ ~~- الطيش. ~~- ماذا تقصدين؟ ~~- إياك أقصد. ~~- ماذا تريدين؟ ~~- لا أدري. ~~- من أرشدك إلي؟ ~~- الخفقان. ~~- كيف قدرت أن تصلي إلى هنا؟ ~~- قوة القوي قدرتني. ~~- ألك صلة بهؤلاء الطغام؟ ~~- صلة حديثة. ~~- والآن ماذا تريدين؟ ~~- أريد أن نخرج من هنا. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى حيث لا يدري بنا أحد. # ومشت أمامه فتبعها وأقفلت الباب وأوصدته، ثم صعدا في سلم، ولما انتهت السلم رأى يوسف نفسه ~~في رحبة منزل، فعلقت ليلى المفتاح في مسمار في الحائط، وفتحت بابا فرأى يوسف منه نجوم ~~السماء، ثم خرجا من هذا الباب فأوصدته ليلى، وحينئذ رأى يوسف نفسه في حقل رحيب والمنزل في ~~وسطه، والمنازل الأخرى بعيدة عنه جدا، ثم مشيا في الحقل إلى أن بلغا شارعا ندرت الأبنية ~~على جانبيه، وكان هناك أوتوموبيل ينتظرهما فصعدت ليلى إليه، وصعد يوسف بعدها وهما صامتان، ~~وفي الحال أطلق الحوذي العنان للأوتوموبيل، فسار بسرعة البرق هنيهة قصيرة، ثم استوقفت ليلى ~~الأوتوموبيل، ووضعت في يد الحوذي قطعتين من فضة، وقالت للحوذي: استمر في سبيلك. # فاستأنف الحوذي سيره ومشت ليلى في شارع آخر ويوسف يتبعها كما يتبع الكلب الأمين سيده إلى ~~أن بلغا قهوة، فدخلا إلى الغرفة القصوى منها وجلسا في زاوية فيها، ولم يكن في تلك الغرفة ~~أحد. # بقيا صامتين نحو دقيقتين، ثم قال يوسف: لم أفهم شيئا، فقالت: ولا أنا أفهم. ~~- لماذا استخرجتني من سجني؟ ~~- لماذا كنت سجينا؟ ~~- عوقبت؛ لأني كنت أفتدي روحا طاهرة. ~~- أين تلك الروح؟ ~~- إذا كنت تصرين على الاستعلام فرديني إلى سجني. ~~- تعني أنك لن تقول؟ ~~- نعم لن أقول. ~~- لا بأس، أنت حر، فهل تأذن لي بسؤال آخر؟ ~~- اسألي. ~~- لماذا أخبأتها؟ ~~- لكي أصونها. ~~- من ماذا؟ ~~- من السقوط الهائل. ~~- أي سقوط هذا؟ ~~- سقوط النعجة الوديعة بين مخالب الذئب الدنس. ~~- ليتك تفصح؛ لأن الفهم محدود. ~~- إن الذي يبتغي الزواج من هيفاء خليل ثلاث نساء، وهو يطمع أن يجعلها رابعتهن. # فارتجفت ليلى وقالت: إذن لست محتفظا بها؟ ~~- بل أحتفظ بها احتفاظ الأخ بأخته. ~~- وهي؟ ~~- تحتمي بي احتماء الأخت بأخيها. ms089 ~~- كيف عرفتها؟ ~~- أنت عرفتني بها. # فسكتت ليلى هنيهة ثم قالت: لا أدري إن كان يحق لي هذا السؤال. ~~- متى عرفت السؤال أرى إن كان يحق لك أن تسأليه. ~~- هل الفتاة عزلاء في منزل وحدها؟ ~~- كلا، بل هي بين طاهرات مثلها. ~~- وكنت تزورها طبعا؟ ~~- لا، لم أرها إلا ساعة أودعتها في حصنها المنيع. # فتنهدت ليلى الصعداء، وقالت: اصفح عن جسارتي. # ثم نهضت وهي تقول: «بونسوار.» # فقال وعيناه تجحظان: يا للكبرياء! ~~- من ترمي بهذا السهم؟ ~~- أرمي من ترتد عنها السهام متكسرة. ~~- ولكنه سهم سام مؤلم. ~~- الكبرياء لا تتألم. ~~- تتألم إذا كان رامي السهم الأنفة. ~~- الأنفة تقلص والكبرياء تمدد، الأنفة مفعول والكبرياء فاعل، فلو لم تكن كبرياء لم ~~تكن أنفة. # فسكتت ليلى مفحمة ثم قالت: ولكن الشعور شاهد صادق. ~~- بماذا يشهد؟ ~~- يشهد بأن الكبرياء متألمة؛ فهي إذن أضعف من الأنفة. ~~- إذا كان الشعور شاهدا صادقا فما هو قاض عادل حتى يحكم بين متنازعين، بل هو يشهد مع ~~جانب على آخر، فهل تسمعين الشاهد الذي يشهد من جانب الأنفة؟ ~~- ماذا يشهد؟ ~~- يشهد بأن الأنفة متروكة والكبرياء تاركة، الأنفة قاعدة والكبرياء واقفة. # فلاحت بين شفتي ليلى ابتسامة خفيفة كانت تحت توردها كبقية شعاع من شفق، ثم قالت بعد سكوت ~~قصير: تريد أن أقعد؟ قعدت. # وجلست على كرسيها كما كانت أولا، فقال لها: لا قوة لإرادتي فيما هو وراء دائرة ذاتيتي، ~~فإذا لم تريدي أنت فلا أستطيع أن أقعدك. ~~- ولكنك أردت أنت فقعدت أنا. ~~- المجاملة تؤلم أحيانا يا ليلى، فإذا كنت تؤثرين الذهاب فأرتاح لما تؤثرين. ~~- إذن لا يروق لك بقائي. ~~- الكبرياء تراوغ الآن. ~~- أنت تقول: إنك ترتاح إلى ذهابي. ~~- ما زالت الكبرياء تراوغ، قلت: أرتاح إلى ذهابك إذا كنت تؤثرينه وترتاحين إليه، وما ~~ترتاحين إليه يروق لي أكثر مما لا ترتاحين إليه. ~~- من قال لك: إني لا أرتاح إلى البقاء؟ ~~- لأنك لم تريديه. ~~- من قال لك: إني لا أريده؟ ~~- أنت قلت: إني أردت أنا فقعدت أنت. ~~- معنى ذلك أن إرادتينا اتفقتا. ~~- ليتك قلت ذلك أولا ms090 فكنت تنقذينني من ألم المجاملة. ~~- لا أفهم، كيف تؤلم المجاملة؟ ~~- لأنها تمويه على الحقيقة. ~~- ليست كذلك دائما؛ فقد تكون مبالغة في الحقيقة. ~~- إذا كانت المجاملة الحقيقية مكبرة كانت الكبرياء متشامخة والتشامخ يقتل. # ففكرت ليلى هنيهة ثم قالت: نعم، الكبرياء قاتلة، هل نسيت يوم زرتنا؟ ~~- لن أنسى. ~~- ماذا تسمي رفضك دعوة أخي للغداء معنا؟ # فتراجع يوسف إلى الوراء مرتبكا، وأعمل ذهنه في الرد، ولكن ذهنه خانه فسبقته ليلى قائلة: ~~كبرياء قاتلة. # فقال لها: لم أنس أيضا أني تتبعتك إلى منزلك مصادفة. ~~- ودخلت إلى المنزل؟ ~~- مصادفة أيضا؛ لأن أخاك صادفني فاضطررت أن أدخل معه. ~~- ولا تسمي هذا كبرياء؟ ~~- لم أنس أيضا ما كان في الترام. ~~- ولا أنا نسيته. ~~- إذن هل كنت تودين أن أتحول إلى صنم لا يحس؟ ~~- إذن هل كنت تبغي أن تجمع جمر نار على رأسي؟ ~~- لماذا؟ ~~- لأنك لم تصفح عني. ~~- بعد أن خاشنتك؟ ~~- أستحق؛ لأني تجاسرت عليك. ~~- إذن أنت نادمة على هذه الجسارة؟ ~~- نعم. ~~- ما زلت تنكرين كبرياءك. ~~- بل أنت لا تزال تنكر كبرياءك، وإلا لبقيت حتى بعد الغداء. ~~- لو بقيت؟ ~~- ما كنت أندم على جسارتي؛ لأني أفهم أنك صفحت عني. # ففكر يوسف هنيهة ثم قال: إذن أنا كنت أرفض سعادتي، أعترف أني أخطأت يا ليلى، ولكني لم ~~أدر أني مخطئ إلا الآن. ~~- لأنك متكبر وبقيت متكبرا. ~~- كيف؟ ~~- هل نسيت حادث سبلنددبار؟ ~~- لم أنسه. ~~- ماذا تسمي رجوعك منه حال وصولنا إليه؟ ~~- عدت وجلست وراء زجاج الباب. ~~- توهمتك هناك، فماذا تسمي ذلك؟ كبرياء طبعا. # فسكت يوسف مفحما، ثم قال: تحاشيت أن يسوءك وجودي. ~~- وهذا ضرب من ضروب الكبرياء، ثم ما قولك بتركك إياي بعد حادث المركبة؟ ~~- لم أنم ليلئذ يا ليلى فلا تذكريني بذلك الليل. ~~- ذلك عقاب الكبرياء، وما قولك بعدم زيارتك إيانا وأخي كان يتوسل إليك لأجل زيارة؟ # فسكت يوسف، فقالت ليلى: يا للكبرياء! # وبقي يوسف صامتا؛ لأنه لا يحسن التمحك، ثم قال بعد هنيهة: أتتذكرين الآن رسالتك؟ ~~- أتذكرها جيدا حرفا حرفا. ~~- ألا تسمينها كبرياء؟ ~~- لا بل أنفة، أما ms091 قلت أنت: إنه حيث لا كبرياء فلا أنفة؟ وأنا أقول متى ظهرت الكبرياء ~~تظهر الأنفة، فأين جواب رسالتي؟ ~~- بقي مع هيفاء ووقع في يد أمها، فظنت أنه مني لهيفاء وأني أغازل الفتاة. ~~- هل عدمت وسيلة أخرى لإرسال جواب سواه؟ ~~- أرسلت. ~~- مع من؟ ~~- مع أخيك. # فاختلجت ليلى؛ إذ بدر إلى ذهنها في الحال أن قصده من «سفر التكوين» أن يكون كرسالة خاصة ~~إليها بأسلوب ضمني، فقالت: قرأته ولكن ما أدراني أن يكون لهيفاء لا لي؟ # فنظر يوسف إليها جاحظ العينين، وقال: إذا كنت لم تعلمي أنه لك فما هو لك. ~~- كيف أعلم وهو خطاب مطلق لضمير مطلق؟ ~~- إذن ليس لك، ليس لك يا ليلى. ~~- إذن لهيفاء. ~~- لا لا، ولا لهيفاء. ~~- إذن لمن؟ ~~- إذا لم يكن لك فما هو لأحد. ~~- هل يمكن أن يكون لي؟ ~~- نعم. ~~- كيف؟ ~~- ماذا شعرت حين تلوته؟ ~~- شعرت بخفقان لم أشعر بمثله في حياتي. # فتنهد يوسف الصعداء، وقال: إذن هو لك وقد فهمت ولكنك تنكرين، فماذا تسمين هذا الإنكار؟ ~~كبرياء طبعا ... فيا للكبرياء! # فسكتت ليلى هنيهة ثم قالت: إذن الأمر بين كبريائي وكبريائك، فدعنا نرى أي الكبرياءين أشمخ ~~وأقتل، هل تذكرني بفعل فعلته يماثل فعلك في سبلندد بار؟ ~~- لو كان في وسعك أن تفعلي مثله لعلك لم تترددي. ~~- من قال لك: إنه ليس في وسعي؟ ~~- أنت مقيدة بجماعة دائما، فلا تخرجين وحدك. ~~- كلا، لست مقيدة بل لي الحرية أن أفعل ما أروم وأبي وأخي يوافقان على كل ما أفعل؛ لأنهما ~~يعلمان سر من ربياها. ~~- حسن، ولكن لم يتفق أن تكوني وحدك حتى إذا صادفتني تنفرين أو تقربين. ~~- من كان معي يوم حادث الترام؟ ~~- خادمتك هيفاء. ~~- فما هي رقيبة. ~~- فماذا؟ ~~- أما التقينا؟ ~~- الصدفة جمعتنا. # فضحكت ليلى فقال لها: لماذا تضحكين؟ ~~- أضحك لأني لو لم أنهر الحوذي حتى يسرع مرافقا الترام، الذي كنت أنت فيه ما تعرضت لذلك ~~الخطر الهائل بانقلاب مركبتي. # فنظر يوسف فيها قائلا: ليلى، سامحي كبريائي. # فقالت: وما قولك بوجودي هنا الآن؟ # فبهت يوسف وبقي صامتا. # بعد ms092 هنيهة قال يوسف: ليلى. ~~- نعم. ~~- هل من قياس لرحمتك؟ # فابتسمت قائلة: لا. ~~- ولا قياس لإثمي، ومهما كانت رحمتك عظيمة، فإثمي أعظم وأود أن أكفر عما يزيد من إثمي على ~~رحمتك، فهل أستطيع؟ ~~- نعم تستطيع بأن تتم «سفر التكوين». ~~- لا شيء بعد اللانهاية يا ليلى. ~~- نعم لا يزال ما قبلها وما بعدها فارغين فاملأهما. ~~- لقد فرغت معرفتي فعلميني: بماذا أملؤهما؟ ~~- بأن تعنون «سفر التكوين» وتوقع عليه الآن. # فابتسم يوسف قائلا: الآن؟ ~~- نعم الآن، ها السفر. # ثم تناولت من صدرها كيسا من حرير بديع الصنع، وفتحته فظهرت فيه ورقة فتناولها يوسف ~~وفتحها، فإذا هي نسخة من «سفر التكوين» بخط ليلى، فسطع محياه نورا ونظر إليها، فإذا بها ~~تقدم له قلما سيالا فتناوله وكتب في رأس الورقة: # إلى القوة الفاعلة: ليلى # ثم وقع عليها هكذا: # الذرة المنفعلة # يوسف # فتناولت ليلى الورقة منه، ونظرت فيها وهي تزمهر ثم قالت له: هذا سفر التكوين يا يوسف، ~~فأين سفر الرؤيا الذي يتم به الكتاب المقدس؟ ~~- لقد مر زمان الرؤيا ونحن في ساعة الدينونة يا ليلى، فكيف أعلم أنك غفرت إثمي؟ # فمدت له يدها مرتجفة فتناولها وقلبه ينتفض ووضعها على فمه، وكأن القوة فارقتهما حينذاك ~~فكانا كتمثالين صاغتهما الطبيعة مرة في عمر الأبدية، ولم تعد تعرف كيف تصوغ مثلهما ثانيا، ~~ولولا حركة في الغرفة المجاورة ما استطاعت يده أن تفلت يدها ولا يدها يده. # وبعد هنيهة قال يوسف: وماذا بعد هذا يا ليلى؟ ~~- ماذا بعد تجاذب الجرمين؟ ~~- الألفة. ~~- إذن كلانا واحد. ~~- وليس في العالم ما يزيدنا ألفة، فنحن في لغة الطبيعة زوجان. ~~- بلا إكليل؟ ~~- الإكليل للأجساد لا للأرواح، للمواد لا للقوات. ~~- إذن نحن زوجان بالروح. ~~- نعم، لا بالمادة. ~~- لا تهمني المادة يا يوسف. ~~- إذن نحن في غبطة لا يدركها سوانا. # | كيف اهتدت ليلى إلى يوسف؟ # انتهت المناجاة الروحية بين ليلى ويوسف، فهمت ليلى أن تنهض لتنطلق فقال لها: إلى ~~أين؟ ~~- تعود المادة إلى حيزها. ~~- للمواد نصيب من التفاهم أيضا، فقبل أن تفارقيني أود أن أعلم من أرشدك ms093 إلي . ~~- الذي أعطاني مفتاح سجنك. ~~- إذن تعرفينه! فمن هو؟ ~~- أنت تعرفه، وهو صديقك اليوناني. ~~- كيف عرفت أنه صديقي؟ ~~- لأني رأيته معك غير مرة. # فاحمر يوسف خجلا؛ لأنه تذكر حين لمحها في المركبة مع أخيها من حانوت اللفائف، إذ كان ~~جورجي آجيوس يكلمه، فأحجم عن التمادي في هذا الموضوع، وقال: كيف اتصل اليوناني بك؟ ~~- جاء في هذا المساء إلى منزلنا يسأل عن عمي؛ لأنه يعتقد أن منزلنا منزله، وعمي يسكن في ~~الطبقة التي فوقنا، ولم يكن في المنزل أحد غيري، وحالما رأيته عرفته اليوناني الذي يعرفك، ~~فوددت أن أتسقط منه أخبارك؛ لأني قصدت مرة إلى حانوت اللفائف فلم أرك فيه، فسألت صاحبه ~~فقال: إنك خرجت ولم تعد، فقلقت عليك وصرت أود أن أرى من يعرفك لكي أسأل عنك، فلما رأيت ذلك ~~اليوناني استبشرت، ولما دخل رحبت به فقال: «أود أن أرى المسيو بولس.» فقلت له: «لم يأت بعد ~~فماذا تريد؟» # قال: «أود أن أخاطبه بأمر.» # فقلت: «ما هو الأمر لعلي أستطيع أن أفيدك شيئا.» # فقال: «علمت أنه يبحث عن فتاة.» # فقلت: «نعم، فهل تعرف عنها شيئا؟» # قال: «أعرف.» # فقلت: «وتريد أن تقول لعمي ما تعرف؟» # فقال: «نعم، بل إذا شاء أشاركه بالبحث عنها.» # فقال يوسف: ولماذا يبحث عمك عن الفتاة؟ # فقالت ليلى: لأن قسيسا جاء من الشام لهذا الغرض، ومعه وصية تنطق بميراث عظيم لها. ~~- يا للعجب! # واستمرت ليلى تروي قصتها، فقالت: فسألت اليوناني: «هل تريد أن تقول لي ماذا تعرف عن ~~الفتاة؟» # فقال: «أعرف شخصا يعرفها.» ~~- والحق أقول لك يا يوسف: إنه أول ما خطر لي أن هذا الشخص الذي يعنيه هو أنت. # فقال يوسف: لماذا خطر لك هذا الخاطر؟ ~~- لأنه بعد أن ذهبت الفتاة من عندي لم أعد أسمع بخبرها فأسأت الظن بك، لا تنقم فالحق ~~عليك. ~~- لقد تفاهمنا يا ليلى؛ فلم يبق من داع للنقمة، ثم ماذا؟ ~~- فقلت لليوناني: «وأنا أعرف من يعرفها، فمن هو الذي تقول: إنه يعرفها؟» # فتردد في الجواب قائلا: «أود أن أقول هذا لعمك ms094 وحده .» # فقلت: «لا بأس من أن تقول لي أيضا؛ لأني أعرف كل شيء وعمي يقول لي كل شيء.» # قال: «إذن أنت تبحثين مع الباحثين.» # فقلت: «نعم؛ لأن الفتاة كانت عندي بضعة أيام قبل اختفائها.» # ففكر الرجل هنيهة ثم قال: «أظن أنك تعنين بالذي يعرف الفتاة يوسف براق.» # قلت: «نعم، وهل هو من تعنيه أنت؟» # قال: «نعم.» # قلت: «وبالطبع سألت يوسف براق عنها.» # قال: «سألته فأبى أن يجيب.» # فقلت: «هل أنكر أنه يعرف أين هي؟» # فقال: «بل أقر أنه هو الذي خبأها، ولكنه لا يريد أن يدل عليها.» # فقلت: «إذن هو محتظيها.» # فقال: «كلا، بل هو ينكر ذلك.» # فقلت: «إذن لماذا يخفيها؟» # فقال: «لا أدري قصده.» # فقلت: «لو كنت أجتمع بيوسف لحظة واحدة لكنت أكشف أسراره؛ فهل تدلني أين أجده؟» # فسكت الرجل وبعد هنيهة قال: «لا أدري.» # ولكن سكوته رابني، فقلت: «لا تنكر علي، تعرف أين يوجد، فإذا كنت تقول لي أعدك أني ~~أستخرج منه الحقيقة بسؤال واحد.» # فقال: «لا أدري على ماذا تتكلين في استجوابه، فقد جربت كل طريقة فلم أنجح.» # فقلت: «أما أنا فواثقة بالنجاح كل الوثوق؛ لأن لي طريقة ليست لغيري، فأين أجده؟» # ففكر الرجل هنيهة ثم قال: «أود أن أعرف أمرا، هل أنتم واثقون أن الفتاة، التي تبحثون ~~عنها هي نفس الفتاة التي خبأها يوسف؟» # فقلت: «نعم، هي نفسها، وتدعى هيفاء، وأمها تدعى نديمة الصارم، وقد عرفنا أنها مختفية عن ~~أمها، ولم يبق علينا إلا أن نكتشف مقرها.» # فقال: «وهل عرفتم أن يوسف براق خبأها؟» # فقلت: «نعم؛ ولهذا نبحث عن يوسف براق، وإذا لم نجده فنبحث عنك لأنك تعرفه.» # فقال يوسف: هل كنتم تعلمون كل ذلك حقيقة؟ # فقالت ليلى: كلا، وإنما أنا استخرجت هذه الحقائق من اليوناني بدعوى أني عارفة أكثر مما ~~يعرف، والحقيقة أننا لم نؤكد حتى الآن إن كانت هي نفسها الفتاة المقصودة، وإنما رجحنا ~~ترجيحا يقارب التأكيد، ومتى اجتمعنا بالفتاة أمكننا أن نستجوبها لنعلم شيئا عن حقيقة ~~أمها، وما إذا كانت أمها فعلا أو ms095 خالتها ؛ لأن تلك المرأة نديمة لم تزل سرا؛ ولهذا لما ~~عرفت من قول جورجي أنك أنت خبأتها صرت أود الاجتماع بك بدعوى البحث عن الفتاة، ولما أكدت ~~لليوناني أني أستطيع استخراج الحقيقة منك إذا دلني عليك، فكر هنيهة طويلة ثم قال: «أقدر أن ~~أدلك عليه ولكن لي شروطا.» # فقلت: «ما هي شروطك؟» # فقال: «لا أدري إذا كنت تستطيعين القيام بها.» # فقلت: «أستطيع أن أنفذها حرفا حرفا مهما كانت.» # قال: «هل تقسمين أنك تبرين بوعدك؟» # قلت: «أبر وأقسم.» # قال: «لا أقدر أن أقول لك شروطي هنا.» # فقلت: «أين إذن؟» # فقال: «في أي مكان غير هذا، فهل تستطيعين أن تخرجي من هذا المنزل، وبعد ذلك نذهب إلى حيث ~~تشائين؟» # قلت: «أخرج إذا كان الخيار لي.» # وفي الحال نهضت وارتديت ثوبي بسرعة، وخرجت مع الرجل وأنا بين الخوف والأمل، والشك ~~واليقين، ومشينا إلى شارع عباس وهو يمشي إلى جنبي، فقلت: «قل شروطك.» # قال: «قبل كل شيء أقسمي لي أنك لا تقولين كلمة مما أقول لك.» # قلت: «أقسم لك أني لا أقول.» # قال: «إن أهل الفتاة - أعني أمها وخطيبها - يبحثان عنها كما تبحثون أنتم، وقد اعتقدوا أن ~~يوسف اختطفها واحتظاها؛ ولهذا سوغوا لأنفسهم أمرا قد لا يسوغ، وكلفوني بهذا الأمر لقاء ~~مبلغ كبير فاغتررت بالمبلغ وأنفذت الأمر؛ ولا سيما لأنه لا أذى فيه لأحد، ولكن فيه مصلحة ~~لهم ...» # فخفق فؤادي لهذا الخبر، ولكني لم أبد جزعا وقلت: «إذا كان الأمر كما تقول، فيحق لهم أن ~~يفعلوا كل وسيلة للاهتداء إلى الفتاة، فما هذا الأمر؟» # قال: «طلبوا إلي أن أتملق يوسف؛ لأنهم علموا أني صديقه وأن أقوده إليهم بأي حيلة، ~~فاحتلت عليه وأخذته إليهم موثقا، فجعلوا يستجوبونه متوعدين تارة، وواعدين أخرى فلم يفلحوا ~~باستجوابه.» # فقلت: «ولماذا لم يعرضوا الأمر على دائرة البوليس؟» # فقال: «لأنهم اعتقدوا أن يوسف ينكر كل شيء فلا تفيدهم دائرة البوليس أمرا، ولعل عندهم ~~أسبابا أخرى لا أعلمها، ففضلوا أن يأسروه ويتهددوه، وهكذا كان.» # فقلت: «ويوسف لا يزال أسيرا؟» # فقال: «نعم، وأنا ms096 الذي سلمته، ولو لم أكن قد قبضت المبلغ الوافر لندمت.» # فقلت: «والآن ماذا تشترط علي إذا أرشدتني إلى سجنه؟» # قال: «أشترط عليك أولا أن تشترطي على يوسف أن يغتفر لي؛ ولا سيما لأننا لم نقصد أذاه بل ~~مجرد استجوابه، وما كان التهديد إلا تهويلا فقط.» # فقلت: «حسن، أعدك بذلك.» # فقال: «وله بعض المبلغ الذي قبضته إذا أراد، بقي لي شرط آخر وهو أنه متى أقر بمكان الفتاة ~~تخبرينني عنه، حتى أدل أهلها عليها وآخذ المبلغ الآخر الموعود به، وبعد ذلك لكم أن تفعلوا ~~ما شئتم.» # قلت: «وأعدك بذلك، فأين يوسف الآن؟» # فتناول مفتاحا من جيبه، وقال: «هذا مفتاح ثان للمنزل قد اختلسته لمثل هذه الحاجة، فخذيه ~~الآن واذهبي إلى المنزل وهناك لا تجدين أحدا الآن غير يوسف، فافعلي ما تستطيعين.» # قلت: «هذا هو المفتاح، فأين المنزل؟» # فضحك وقال: «ما هو القسم الذي تقسمينه أنك تبرين بالوعد؟» # فأقسمت له يمينا مغلظة حتى وثق بي تمام الثقة، فدلني على المنزل ووصفه لي وصفا دقيقا ~~وقال: «اذهبي الآن إذا كنت تريدين إذ لا تجدين هناك غير السجين.» # فقلت: «أين أراك بعد الآن؟» # قال: «لا ترينني بعد الآن إلا في غرفتي في فندق «كذا»، فإن كنت تبرين بوعدك تجدينني ~~هناك.» # ولما افترقنا استأجرت أوتوموبيلا وجئت إليك. # فتنهد يوسف الصعداء، وقال: والآن هل تبرين بوعدك لجورجي؟ ~~- لقد انتهت مهمتي يا يوسف؛ لأني لست باحثة عن هيفاء، فدع الباحثين عنها يبحثون حتى ~~يجدوها. ~~- إذن لا تذهبين إلى جورجي؟ ~~- بل أذهب إليه وأقول له: إن يوسف لم يقل لي أين الفتاة، ولا أكون كاذبة إذا قلت له كذلك، ~~فهل قلت لي يا يوسف؟ ~~- وهل تريدين أن تعرفي أين هيفاء؟ ~~- لا. ~~- الآن أعجب بكبريائك يا ليلى. # ثم افترقا جسدين لا روحين. # | هي تعد وهو يفي # في ذلك الحين كان جورجي آجيوس في غرفته، وهو يفكر في ماذا تكون نتيجة ثقته بليلى، فخطر له ~~الظن السيئ أولا، وقال بنفسه: «هب أن البوليس درى بالحادثة، فأنا أنكر ولا شاهد علي ms097 إلا ~~ليلى وحدها وشهادة واحد لا تكفي، وفي وسعي نفيها بدعوى أن ما تدعيه من ثقتي بها غير معقول، ~~أما جميل مرمور وحوذي فهيم، فلا يجسران أن يشهدا؛ لأنهما شريكان في الجريمة، وهب أنهما ~~أمسكا وأقرا فألجأ إلى قنصليتي، وهناك أسعى بتخفيف عقابي، وجل ما تفعله القنصلية أنها ~~تنفيني، وأنا مشتاق إلى أثينا، فإذا ذهبت إليها بألف وخمسمائة جنيه أعيش أميرا، ثم يحتمل ~~أن هذه الفتاة تبر بوعدها؛ لأنها عاشقة ليوسف على ما أرى والعشق أساس الفضيلة أحيانا، فإذا ~~صدق ظني وصدقت ثقتها وصدق وعدها، عرفت أين هيفاء فأدل عليها وآخذ ألفا وخمسمائة جنيه ~~أخرى، وإن خاب فألي هذا فما أنا خاسر؛ ولذلك لا أندم على كل ما فعلت، وماذا يهمني أن يتهمني ~~جميل مرمور بالخيانة، وهو لم يقيدني بقيد؟ حسبي ما نلت من الجزاء على أسر ذلك الفتى الساذج ~~وحسب ذلك الفتى وجلا، وما الفائدة من التهويل عليه وهو مصر على الإنكار، وقد يعرف مقر ~~الفتاة عن غير يدي؛ لأنه يبحث عنها غير واحد، إذن أنا فعلت حسنا بتسليم المفتاح للفتاة ~~ليلى، فما أنا نادم، لست نادما، كفى هذا الفتى المسكين خوفا.» # وفيما هو مستغرق في هذا التفكير قرع بابه فقال: لقد صدق ظني، هذه ليلى لا محالة. # فنهض وفتح الباب وبغت إذ رأى يوسف داخلا، فابتسم له قائلا: أهلا بيوسف الصديق الحميم ~~إني منتظرك. ~~- تنتظرني أم تنتظر ليلى؟ ~~- بل أنتظرك أنت. ~~- ولكن الميعاد ليس بيني وبينك، بل بينك وبين ليلى وأنت تعلم أنك سجنتني. ~~- وهل تظنني غبيا لا أعلم ماذا تكون نتيجة تسليم المفتاح لليلى؟ لهذا قلت: إني أنتظرك ~~أنت لا ليلى. ~~- ولكن كيف وثقت هذه الثقة بليلى؟ ~~- لأني وددت إطلاق سراحك. ~~- لماذا لم تطلق سراحي أنت ليكون كل الفضل لك؟ ~~- لأن لي شروطا لم أقدر أن أقنعك بالتعهد بها، ولكني استطعت إقناع ليلى فتعهدت ~~بها. ~~- وكيف تثق أن ليلى تبر بوعدها؟ ~~- وثقت لأني علمت أنها تحبك، والتي تحبك لا تستطيع أن تحنث بيمينها، ولا سيما إذا أقسمت ms098 ~~بك . ~~- وهب أنها حنثت بيمينها. ~~- لا أصدق. ~~- ولكن هب أنها لم تستطع أن تعلم مني شيئا عن هيفاء. ~~- يستحيل عليك أن تكتم الأمر عنها إذا سألتك. ~~- ولكني لم أقل لها؛ لأني لست مقيدا معها بشرط، بل هي مقيدة معك والشرط الذي بينكما لا ~~يطلق علي. ~~- إذن لا تطلق ليلى سراحك ولا تبوح بأمرك؛ لأنها تعهدت لي بذلك، فإذا كانت قد أطلقت سراحك ~~من غير أن تستعلم منك عن هيفاء فهي خائنة. # فامتعض يوسف لهذا الجواب المؤلم، وقال: ليلى لا توصف بهذا الوصف. ~~- إذن علمت منك عن مقر هيفاء وستقول لي لا محالة. ~~- ولكنها لم تسألني ولم تشأ أن أقول لها. ~~- عجيب أمرها كان يجب أن تسألك وأن تقول لها، أو أن لا تطلق سراحك وإلا فهي خائنة. # فأفحم يوسف هذا الجواب وفكر هنيهة وقال: ألا تريد أن تتنازل عن شرطك هذا؟ ~~- كلا كلا. ~~- إذن أنا أبر بوعد ليلى حتى لا تكون خائنة. ~~- حسن جدا فأين هيفاء؟ ~~- ماذا تفعل متى علمت؟ ~~- أدل عليها أمها فتذهب وتأخذها إليها، ثم أقبض الألف والخمسمائة الجنيه الأخرى. ~~- وهل تتعهد لي بعد ذلك ألا يرغم أحد هيفاء على الزواج من ذلك الزنيم؟ ~~- لست ملزما أن أتعهد بشرط. # ففكر يوسف هنيهة، فقاطع جورجي تفكيره قائلا: ما بالك غبيا هكذا؟ ماذا يضرك أن أكسب ~~ألفا وخمسمائة جنيه من غير أن يصاب أحد بأذى؟ ~~- لا يضرني، ولكن كيف ذلك؟ ~~- أقول لك كيف ذلك إذا تعهدت لي بأمر بسيط، وهو ألا تخبر أحدا غيري عن مقر ~~الفتاة. ~~- هب أني تعهدت، فماذا تفعل؟ ~~- متى عرفت مقر الفتاة أخبر أمها فتأخذها إليها، وفي الحال أقبض الألف والخمسمائة الجنيه، ~~وعلى الأثر أخبر فريقا آخر يبحث عن الفتاة لا بد أن تكون ليلى قد أخبرتك عنه، وهذا الفريق ~~يخلص الفتاة. ~~- لا أضمن أن هذا الفريق يستطيع أن يأخذ الفتاة من تلك المرأة، التي تدعي أنها أمها؛ لأن ~~الفتاة لا تزال قاصرة ولا وصي عليها إلا التي ربتها، وقبل استخراجها من تحت وصايتها تكون ~~هذه ms099 المرأة الداهية قد زوجتها من ذلك الوغد الزنيم بالحيلة أو التهديد. ~~- ولكن مسألة الفتاة في يد البطركخانة الآن، والبطركخانة تستطيع أن تمنع أي قسيس من أن ~~يكللها. ~~- وهذا الأمر غير مضمون أيضا؛ لأن البطركخانة قد لا تستطيع أن تجد سببا لمنع الإكليل ~~إذا تراضى العروسان، أو قد يلجأ العروسان إلى بطركخانة أخرى. ولهذا لا آمن على الفتاة إذا ~~وقعت في يد تلك الشيطانة ثانية. ~~- بقيت وسيلة أخرى، وهي أن تخطف الفتاة ثانية. ~~- قد لا أنجح في المرة الثانية كما نجحت في المرة الأولى. ~~- أنا أتعهد لك بخطفها. ~~- فابتسم يوسف قائلا: لقد علمتني ألا أركن إليك. ~~- لك حق، فما قولك إذا أعطيتك تحويلا على البنك الذي فيه دراهمي بقيمة ألف وخمسمائة جنيه ~~كضمانة. ~~- حسن، ولكن كيف أعلم أن لك هذه القيمة في البنك؟ ~~- هذا تحويل بيدي على البنك بالقيمة والبنك مصادق على التحويل كما ترى، فالمال لي حتما ~~وليس من يستطيع أن ينازعني فيه. ~~- حسن هات تحويلا باسمي. # فكتب جورجي التحويل وقال: خذ، فأين الفتاة؟ # فتناول يوسف التحويل، وقال: الفتاة في دير الراهبات ... ~~- حسن بقي أن تعدني ألا تخبر الفريق الآخر عن مقر الفتاة، وأنا أعدك أني أحفظها قبل أن ~~يعقد زواجها، وأسلمها إليك. ~~- وتخبر الفريق الآخر عن الفتاة على أثر تسلم أمها لها. ~~- أعدك أني أفعل؛ لأني سأقبض التحويل الآخر حالا. # ولما خرج يوسف من عند جورجي آجيوس قال: لم يزل هذا الفتى ساذجا، وإلا لطلب مني مصادقة ~~البنك على التحويل الذي أعطيته إياه؛ لأني غدا أقبض المال قبل أن يضطر يوسف أن يقدم تحويلي ~~إلى البنك. # | الفصل الرابع والثلاثون # في صباح اليوم التالي كان جورجي آجيوس أول من قبض المال من البنك، ثم ذهب توا إلى جميل ~~مرمور، فلما استقبله هذا بادره قائلا: لست أستغرب خيانتك يا جورجي والحق علي أني لم آخذ ~~منك ميثاقا أو ضمانة. ~~- لماذا ترميني بالخيانة يا جميل وبيننا علائق شغل دائمة؟ فمتى خنتك؟ ~~- أما أنت الذي أطلق سراح يوسف براق؟ ~~- نعم؛ لأني نلت وطري. ms100 ~~- هل أقر؟ ~~- نعم فاستدع أم الفتاة إلى هنا حالا. ~~- أين الفتاة؟ ~~- متى أتت نديمة إلى هنا أقول. # بعد هنيهة من الزمان كانت نديمة هناك، فقال لها جورجي: الفتاة في دير الراهبات فهل ~~تستطيعين استخراجها من هناك؟ ~~- يا لله ألا أستطيع استخراج ابنتي من بين أيدي أناس لا حق لهم بإمساكها؟ ~~- لعل الرئيسة تعللت ببعض حجج، وأبت أن تجمعك بالفتاة. ~~- أبلغ دائرة البوليس في الحال. ~~- حسن، وهبي أن الفتاة أبت أن تعود معك؟ ~~- متى اجتمعت بها أسحرها، فهي طوع بناني. ~~- هبي أنها كابرت. ~~- لا تزال قاصرة فأقدر أن آخذها بالقوة. ~~- حسن، أين الجزاء؟ ~~- متى صارت الفتاة في البيت يدفع لك جميل التحويل. ~~- إذن أنتظرك هنا. ~~- لماذا؟ أنا أرسل خبرا إلى جميل أني تسلمت الفتاة. ~~- بل أود أن أراك هنا لأمر لا أقوله إلا بعد أن تستردي الفتاة. ~~- حسن، انتظرني في العصر هنا. # ولما كانت الساعة الثالثة بعد الظهر كان جورجي في منزل جميل مرمور، ينتظر نديمة بفروغ صبر ~~فما أخلفت ميعادها. # وفي منتصف الساعة الرابعة كانت هناك متهللة، فقال جورجي: ماذا فعلت؟ ~~- استخرجت الفتاة من الدير بعد مشاجرة مع الرئيسة، حتى إني هددتها بأن أقيم القيامة على ~~رأسها. # فالتفت جورجي إلى جميل قائلا: التحويل. # فدفع جميل إليه تحويلا بألف وخمسمائة جنيه عليه مصادقة البنك، فطواه جورجي ووضعه في جيبه ~~ثم قال لنديمة: أما تحتاجون إلى خدمة أخرى مني؟ ~~- لا نستغني عن خدمتك يا مسيو جورجي، فمتى احتجنا إليك أبلغك جميل. ~~- ألستم عازمين على تزويج الفتاة؟ ~~- نعم الليلة إن شاء الله. ~~- فأنا القسيس الذي يكلل إذن. # فابتسمت نديمة، وقالت: هل تقدر أن تأخذ إذنا من بطركك؟ ~~- أنا البطرك والقس. ~~- نريد أن يكون الزواج شرعيا، فندخرك إلى خدمة أخرى يا مسيو آجيوس. ~~- إذن لا حاجة لكم بي في مسألة الزواج؟ ~~- كلا. ~~- حسن، إلى الملتقى إذن. # | ملتقى الأسرار # خرج جورجي وهو يقول في نفسه: إذا لم تكن لهؤلاء الأشرار حاجة بي بعد، فلعل للبطركخانة ~~حاجة بي، وما دمت مستودع أسرار، فلماذا لا أبيع أسراري ms101 بثمن ؟ # وما مالت الشمس إلى المغيب حتى كان جورجي في حضرة الأب أمبروسيوس في البطركخانة، فقال له ~~الأب: قال لي غبطة البطريرك إنك تعرف شيئا عن الفتاة التي نبحث عنها. ~~- بل أعرف أشياء. ~~- إني أمتن لك كثيرا إذا قلت لي ما تعرف. ~~- لا تؤاخذني يا أبانا إذا قلت لك: إن لكل شيء ثمنا. # فأحجم الأب أمبروسيوس قائلا: نعم لخدمة الإنسانية ثمن عظيم يا ابني وهو ملكوت ~~السماوات. ~~- ولكننا لا نستطيع يا أبانا أن نبلغ ملكوت السماء قبل أن نمر في ملكوت الأرض، ولا نقدر ~~أن نمر فيه بلا أكل وشرب وملبس ومأوى. # ففكر الكاهن هنيهة ثم قال: لا أقدر أن أدفع لك شيئا يا ابني؛ لأن الخدمة ليست لي بل ~~للفتاة، فمتى قضيت الخدمة لها تدفع هي لك وأنا أتعهد لك أني أقنعها بالدفع. ~~- كم تدفع؟ ~~- لا أدري ولكنها قد تدفع كثيرا. ~~- ولكني لا أستطيع أن أقبل وعدا مبهما. ~~- إذن دع معرفتك لك يا ابني؛ لأنه ليس في وسعي أن أفعل أكثر مما أقول. # ففكر جورجي هنيهة وقال: لا بأس، إني أثق بوعدك يا أبانا، فماذا تريد أن تعرف عن ~~الفتاة؟ ~~- أين هي؟ ~~- كانت مختفية، ومنذ ظهر اليوم أصبحت في منزل أمها. ~~- من هي أمها؟ ~~- نديمة الصارم، ألا تعلم ذلك؟ ~~- نديمة الصارم؟ وهل أنت واثق أنها أمها؟ ~~- يقال: إنها أمها ويقال أيضا: إنها خالتها. ~~- وهل تعرف شيئا من تاريخ هذه المرأة؟ ~~- لا، ولكن لماذا هذه الأسئلة وهي خارجة عن الموضوع؟ ~~- لأني أود أن أعلم إن كانت هذه الفتاة هي نفس الفتاة التي نبحث عنها. ~~- إذا قلت لي شيئا عن الفتاة التي تبحث عنها، فقد أقدر أن أفيدك إن كانت إياها. ~~- الفتاة التي أبحث عنها بلا أم وقد ماتت أمها وهي طفلة، فربتها خالتها ولكن خالتها لا ~~تدعى نديمة الصارم. ~~- إذن ماذا تدعى؟ ~~- تدعى ندرة الزعفران. # فاختلج جورجي قليلا وقال: واسم أم الفتاة؟ ~~- حنة الزعفران. ~~- فانتفض جورجي وخفق فؤاده وتلهب وجهه، فقال له الأب أمبروسيوس: أراك تتغير لونا، ~~فماذا؟ # فأمسك جورجي ms102 عواطفه وقال: أظنني أعرف تاريخ هذه المرأة، هل كانت أم الفتاة هنا في ~~مصر؟ ~~- لا ولا تعرف مصر بل كانت في سوريا وماتت فيها، ولكن أختها ندرة كانت في مصر، ثم عادت ~~إلى سوريا وربت الفتاة هناك، وأخيرا جاءت بها إلى مصر. ~~- وأظنها كانت قبلا هنا تسير سيرة سيئة. ~~- نعم، هل كنت تعرفها في ذلك الحين؟ ~~- لا وإنما كنت أعرف عنها أنها كانت خليلة رجل هنا على ما قيل لي. ~~- ولكن نود أن نتحقق إن كانت هي ندرة الزعفران نفسها. ~~- أما هي أخت حنة؟ ~~- نعم، فهل تعرف حنة؟ ~~- أظن أني أعرفها، وأتأكد إذا قلت لي زوجة من كانت حنة؟ # فتردد القسيس، وقال: أراك أنت تستعلم مني لا أنا أستعلم منك. ~~- الغرض أننا نتعاون في التحقيق يا أبانا، هل كان اسم زوجها خليلا؟ ~~- نعم خليل، أراك تعرف شيئا، فهل تعرف زوجها خليلا؟ ~~- إذن لم أكن غلطانا فهو ذو لقب أمير، أليس هو الأمير خليل الخزامي؟ ~~- هو هو بعينه يا ابني، فكيف تبرهن أن نديمة هذه هي ندرة نفسها؟ ~~- أؤكد أنها هي؛ لأني أعرف أختها حنة في سوريا نفسها، إذ قضيت مدة هناك، وكنت أسمع أن لها ~~أختا في مصر سيئة السلوك. ~~- ولكن هذا لا يكفي برهانا على أنها هي، فقد تكون امرأة أخرى والفتاة فتاة أخرى، وهذا ما ~~نود أن نتحققه ونتأكده، فهل كنت تسمع أن لأخت حنة أي لندرة اسما آخر في مصر غير ~~اسمها؟ ~~- لم أعلم شيئا من ذلك، ولكن دعنا نتوسع في التفاهم، هل تعرف إن كانت للفتاة قريب غني ~~هنا؟ ~~- لا، لماذا تسأل هذا السؤال؟ ~~- لأني فهمت أن الذي تبتغي خالتها أن تزوجها إياه هو قريبها، فهل تعرف أقرباء الفتاة ~~كلهم؟ ~~- أعرفهم كلهم، وكلهم في دمشق إلا أحد ابني عمها فهو في أميركا. # فاختلج جورجي وقال: وهل أنت واثق أنه لا يزال في أميركا؟ ~~- كلا، لا أدري. ~~- أما سمعت أنه جاء إلى مصر؟ ~~- كلا البتة ولعله جاء إلى مصر سرا. ~~- هل من داع لإتيانه سرا؟ ~~- نعم هناك ms103 داع كبير فهو قد هرب من سوريا هربا إلى أميركا، ولا يحسن العمل في أميركا ~~كسائر المهاجرين السوريين، فلا يبعد أن يكون قد جاء إلى مصر، فما هو اسم الرجل الذي يريد أن ~~يتزوج الفتاة؟ ~~- يسمي نفسه فهيم بك رماح، ولكن لا عبرة بالاسم، فقد يكون الرجل متنكرا باسم آخر إذا صح ~~ظننا. ~~- كيف تصفه؟ ~~- ولا عبرة بالوصف؛ لأنه يقدر أن يغير شكله، فهو الآن ذو لحية صغيرة مستدقة إلى أسفل، ~~ويلبس قبعة سوداء ونظارة، ويدعي أنه جاء ببعض الثروة من أميركا، واشتغل هنا بمضاربات ~~الأطيان فربح ربحا جزيلا، ولكن قد يكون كاذبا بدعاويه حتى بلحيته وقبعته ونظارته، ~~فلماذا هرب هربا؟ ~~- كان يشتغل في سياسة البلاد ويطلب بعض المناصب، ولا يخفى عليك أن الذي يشتغل في السياسة ~~في سوريا يكون أعداؤه أكثر من أصدقائه، أما صاحبنا فكان أعداؤه من ذوي النفوذ في الآستانة، ~~فنصبوا له مكيدة هائلة كادت تؤدي به إلى البوسفور لولا أن هرب، فقد وشوا به أنه من رجال ~~تركيا الفتاة. والذي تقع عليه هذه الشبهة في تركيا لا يكون نصيبه إلا الهلاك، إذا وقع في يد ~~الحكومة. ~~- ولكن لنفرض أن المسمى هنا فهيم رماح هو ذلك الرجل ... لم تقل لي ما اسمه يا أبانا؟ ~~- اسمه الأمير سليمان الخزامي. ~~- لنفرض أن الأمير سليمان هو فهيم رماح، فلماذا يتنكر في مصر وهو في مأمن من الحكومة ~~العثمانية؟ ~~- هذا ما أعترض به على افتراضك. ~~- ألا تظن أن هناك داعيا آخر لتنكره؟ ~~- لا يخطر لي داع آخر إلا أنه لا يريد أن يتظاهر قريبا لأهله؛ لئلا تضايقهم الحكومة ~~بسببه؛ لأنهم قاسوا بسببه في أول الأمر اضطهادا لا يطاق، فكان أخوه وأبوه يتبرآن منه، ~~ويدعيان أنهما قاطعاه تمام المقاطعة، ولكني أرجح أنهما كانا يرسلان إليه الأموال بالآلاف ~~سرا، وقد باعا قسما كبيرا من الثروة الطائلة. ~~- إن هذا السبب الذي تظنه ظنا يا أبانا لهو سبب وجيه، ولا يبعد أن يكون الأمير سليمان ~~قد جاء إلى مصر رأسا متنكرا، أو جاءها بعد أن ms104 قضى مدة قصيرة في أميركا، وأخوه وأبوه ~~يحولان الثروة إلى مصر تدريجا؛ لأن فهيم رماح هذا الذي نفرض أنه هو الأمير سليمان الخزامي ~~قد جمع ثروة طائلة في مدة قصيرة هنا، فلا يعقل أنه يستطيع جمعها في هذه المدة، وهو رجل غريب ~~البلاد. ~~- إن تعليلك في محله يا ابني، ولكن لا بد من البحث والتحقيق حتى إذا ثبت أن هذا هو الأمير ~~سليمان، وثبت أن الفتاة قريبته، فلا يبقى شك بأن الفتاة هي من نبحث عنها. ~~- أما إنها قريبته فأمر أرجحه؛ لأني علمت أنه يبتغي الزواج منها مهما تكلف لأجله؛ لأنه ~~علم سرا أن للفتاة ميراثا كبيرا لم تدر هي به بعد. # فاختلج الكاهن وحملق بجورجي قائلا: لم يبق عندي شك بأنه هو الأمير سليمان، ولكن كيف عرف ~~بأمر ميراث الفتاة؟ ~~- يقال: إنه وردت له كتابة سرية بذلك من أخيه أو أحد معارفه. ~~- عجيب كيف عرف أخوه بذلك؟ لعل الشهود على الوصية أفشوا سرها. ~~- إذن في الأمر وصية من أبي الفتاة؟ ~~- كلا؛ لأن أباها مات قبل أن يدري هل له ابنة. ~~- كيف ذلك؟ ~~- لأبيها قصة طويلة لا محل لسردها الآن. ~~- قل لي بالاختصار يا أبانا؛ لأن معرفة هذه الأمور ضرورية للتحقيق. ~~- مسكين أبوها فقد قاسى اضطهادا لا يطاق من مكايد زوجة أبيه وأخيه ابنها، وآخر المكايد ~~اضطرته أن يهرب إلى بلاد اليونان، وهناك تطوع في الجيش اليوناني، وقتل في حرب الدولة العلية ~~مع اليونان، وكانت زوجته حاملا حين هرب، ولما كانت زوجة أبيه تضطهدها رحلت حاملا إلى بيت ~~أهلها في قضاء البترون، وهناك ولدت الفتاة ولم يعد يعلم أحد ماذا حل بها بعد ذلك. # وكان جورجي يبالغ في كتمان عواطفه ليخفي حقيقته، فقال: أولم يكن لها أولاد آخرون؟ ~~- كان لها صبي وكان جده يبعده في المدارس؛ لينجو من اضطهاد زوجته، ولكنه لم ينج من كيدها، ~~فنصبت له مكيدة هرب بسببها إلى أوروبا، وبعد ذلك أهمله عمه بالرغم من تساؤل جده عنه فاختفى ~~خبره، رحمة الله على الأمير خليل فقد قاسى ms105 هو وذريته من جور تلك الداهية ما لم يقاسه أيوب ~~الصديق. # وكان جورجي يزمهر والعرق ينضح من جبينه وهو يمسحه، فقال له الكاهن: ما رويت هذه القصة ~~لأحد إلا تأثر منها، فلا أستغرب تأثرك يا ابني. ~~- إذن الوصية التي ذكرتها لي من ... ~~- من جد الفتاة، فإن ما قاساه من سوء سلوك ابنه الأمير إبراهيم وحفيديه فضل وسليمان، حمله ~~على أن يوصي بثروته لحفيدته التي نبحث عنها الآن ولأخيها إن ظهر في الوجود، وقد كلفني أن ~~أنفذ الوصية بعد موته؛ لأنه كتمها خوفا من اضطهاد ابنه له، وأوصاني ألا أظهر الوصية حتى ~~أجد الفتاة، وقد مات الأمير منذ مدة؛ ولهذا تراني الآن أبحث عن الفتاة، وقد سقتني في الحديث ~~إلى إفشاء هذا السر لك؛ لأني توسمت فيك معينا قديرا في البحث، فأرجو منك ... ~~- كتمان السر، إني أكتمه يا أبانا، أكتمه حتى بعد ظهور الحقيقة؛ لأني تأثرت جدا لهذه ~~القصة الغريبة فاتكل علي في تحقيق أمر الفتاة، كن مطمئنا، لقد اهتدينا إليها وسنخلصها من ~~مخالب الذئاب. ~~- هل علمت لماذا هربت بها خالتها إلى هنا؟ ~~- علمت علمت، علمت أنها ربتها لتقدمها ضحية لصنم الرذائل والشهوات، وقد وجدت هذا الصنم ~~وهي تنوي أن تزوجها منه. ~~- إذا كان الأمر كذلك ف ... ~~- فماذا؟ ~~- من يستطيع منع هذا الزواج؟ ~~- أنا. ~~- لماذا؟ ~~- لأن الفتاة لا تريد رجلا يجعلها رابعة خليلاته. ~~- نعوذ بالله. ~~- اعذرني الآن يا أبتاه، فإني مضطر أن أفارقك في الحال، ولا تتعب نفسك بعد الآن، فإن ~~الفتاة ستكون بين يديك محمية من الغادرين. # | إفلات العصفور ثانية # كانت الساعة الثامنة مساء حين قرع الباب على يوسف براق في غرفته، وهو يكتب على ~~مكتبه. # فنهض يستقبل القادم وفتح الباب، فدخل منه جورجي آجيوس كالمجنون، وقال: خفت ألا أجدك ~~هنا. ~~- أراك مضطربا فماذا؟ ~~- هيفاء تحت خطر. ~~- ماذا تقول؟ ~~- ستتزوج الليلة. ~~- لذلك الزنيم؟ ~~- له. # فقال يوسف متهددا: حياتها الروحية أو حياتك الجسدية. ~~- وعدتك يا يوسف وها أنا أبر بوعدي، ولكني أريد يدك. ~~- ها يدي فماذا أفعل؟ ~~- اذهب واستأجر أوتوموبيلا، ها ms106 عشرة جنيهات ولا تبخل بعشرين أو مائة أو ألف إذا لزم ~~الأمر. ~~- ثم ماذا؟ ~~- خذ الأوتوموبيل، وانتظر قرب منزل نديمة، ومتى خرجت الفتاة ضعها فيه وخذها إلى منزل في ~~شبرا، هذا وصفه مدون على الورقة بكل وضوح حتى لا تضل عنه، وهذا مفتاح باب المنزل، ليس فيه ~~أحد، فامكثا فيه ريثما أعود إذا لم أستطع أن أرافقكما، اتركا الأوتوموبيل عند محطة كبري ~~الليمون، وبعد أن يبرح الحوذي اركبا مركبة إلى شبرا. ~~- حسن، هل أنت واثق بالنجاح؟ ~~- إني واثق، فلا تخف. ~~••• # في الساعة التاسعة دخل جورجي إلى منزل نديمة، فوجد هناك نديمة وابنتها وجميل مرمور وفهيم ~~رماح، فلما دخل رحبوا به، وأما هيفاء فحملقت فيه وكانت دلائل الكآبة بادية عليها، وكل لمحة ~~من ملامحها كلمة تدل على نفورها وعلى تململها من الضغط الواقع عليها، أما نديمة فتقدمت ~~وأسرت إليه قائلة: ما الذي جاء بك الآن؟ ~~- إذا لم تدعوني فأدعو نفسي لأكون شاهدا. ~~- أخاف أن توجس هيفاء منك؛ لأني أراها تحملق فيك كأنها عرفتك. ~~- الناس يتشابهون يا سيدتي وأنا أتجاهل فلا تخافي، أما جاء القسيس بعد؟ ~~- سيجيء بعد ساعة على الكثير. # بعد هنيهة خرج جورجي إلى غرفة الحمام لقضاء حاجة، وعاد وما هي إلا بضع دقائق حتى صاح ~~الخادم: «حريقة حريقة.» فهرع الكل إلى المطبخ، فوجدوا اللهيب يندلع من بعض الحطام، فاشتغلوا ~~بالإطفاء. # عند ذلك اغتنم جورجي الفرصة، وقال لهيفاء في إبان اضطرابها: إن يوسف ينتظرك خارج الدار؛ ~~ليخلصك من الجحيم الذي تذهبين إليه، إن القسيس الذي سيكللك ليس قسيسا بل هو عامي مثلي، ~~وزواجك لا يكون شرعيا بل حيلة، فأسرعي واخرجي ولا تخافي. # فما ترددت هيفاء أن خرجت، ودخل جورجي في الحال يساعد البقية على إطفاء الحريق، وما هي إلا ~~بضع دقائق حتى تغلبوا على الإطفاء، وعلموا أن سره انقلاب مصباح البترول، فجعلت نديمة تحرق ~~الأرم على الخادم والخادمة؛ لأن إهمالهما كان السبب، وأما هما فكانا يتبرآن ويقسمان وكل ~~منهما يلقي التبعة على الآخر. # ولما عادوا إلى البهو لم يجدوا هيفاء، ms107 فبحثوا عنها في المنزل فلم يجدوها فصاحت نديمة: إن ~~هذه الفعلة فعلة تلك الشقية إذن، وقد رامت أن تحرق المنزل بنا لكي تهرب؛ إذا وقعت في يدي ~~فأمزقها تمزيقا. # فقال جورجي: إنكم لمغفلون، أما درستم المسألة أول مرة؟ فلماذا لم تحتاطوا؟ # فقالت نديمة: إننا في حاجة إليك الآن يا جورجي. ~~- إذن مجيئي كان في حينه. ~~- نعم هل تستطيع أن تهتدي إليها؟ ~~- إن اهتديت إلى يوسف براق اهتديت إليها طبعا. ~~- إذن بربك، هل تعجل بالأمر؟ ~~- في بضعة أيام أردها إليكم. ~~- أخاف أن يتزوجها هذا الجاهل. ~~- أحول بينهما لا تخافي، دعوني الآن أمضي لعلي أعلم أمرا الليلة، ثم ودعهم ومضى. # | ضمير يدمع # كانت الساعة العاشرة حين دخل جورجي إلى المنزل الذي أوى إليه يوسف وهيفاء، فاستقبلاه ~~باسمين متهللين، أما هو فكانت عيناه تتقدان كأن في نفسه ثورة، فلما جلس قال له يوسف: أراك ~~مضطربا فهل حدث أمر؟ ~~- لم يحدث إلا كل خير، وإنما أود أن أعلم أمرا. ~~- ماذا؟ # فقال جورجي موجها الخطاب إلى هيفاء: هل أنت نادمة على هربك يا هيفاء؟ ~~- بل أنا ممتنة لك وليوسف؛ لأنكما خلصتماني من الويل الهائل. ~~- لقد كذبت عليك يا هيفاء كذبتين، وضميري يعنفني بشدة عليهما. # فأبرقت أسرة يوسف وقال: الحمد لله لقد بعث ضميرك من قبره. # وقالت هيفاء: ما هاتان الكذبتان؟ ~~- الكذبة الأولى حين كنت في ثوب قسيس ينوي أن يكللك إكليلا كاذبا، وقد أنجاك من شر هذه ~~الكذبة هذا الفتى. # فجحظت عينا هيفاء، وقالت: إذن لم يكذب ظني؟ ~~- لا، لم يكذب، أنا هو ذلك القسيس الشرير، وأما الكذبة الثانية فكانت هذه الليلة إذ قلت ~~لك: إن الذي سيكللك ليس قسيسا بل هو مثلي، والحقيقة أنه قسيس. ~~- إني أشكر لك الكذبة الثانية التي محت شر الكذبة الأولى؛ لأني لم أكن راضية عن الزواج من ~~ذلك الشرير، وقد آليت على نفسي أن أنتحر قبل أن أدخل معه إلى غرفته؛ لأني تصورته شيطانا ~~رجيما، وتصورت أمي الحية التي أغوت حواء، وقد أدركت قصدها الشرير. ولكني لم أستطع النجاة ms108 ~~من يدها؛ لأنها كانت تذعرني بتهديداتها، وتوهمني أن الحكومة تضعني تحت سلطتها بالرغم مني؛ ~~لأني لم أزل قاصرة ولم أبلغ بعد السن التي أكون فيها حرة التصرف بنفسي. ~~- ولكن يوسف لا يصدق أنها أمك؛ لأن الأم مهما كانت شريرة لا تضحي بابنتها هكذا، فهل هي ~~أمك حقيقة؟ ~~- كلا بل هي خالتي، وصرت أشك الآن بأنها كذلك؛ لأن الخالة لا تقل حنانا عن الأم ولا ~~سيما إذا ربت. ~~- من هي أمك يا هيفاء؟ ~~- آه، لا أعرف لي أما؛ لأني لم أفتح عيني بصيرتي في هذا العالم إلا وأنا في حضن هذه ~~الشريرة، ولكن قيل لي: إنها ليست أمي، وهي أقرت لي بأني ابنة أختها، وأنها لا تعرف أبي ~~وأنها كانت في مصر، وحين رجعت إلى سوريا كانت أمي تحتضر، فأخذتني وربتني، وفي هذا العام ~~جاءت بي إلى هنا بغتة من غير أن أدري شيئا. ~~- ولكن ما اسم أمك؟ ~~- قيل لي: إن اسمها حنة. ~~- وهل تعرفين شيئا عن أبيك؟ ~~- قيل لي: إن اسمه خليل وأنه مات، هذا جل ما أعرفه؛ لأن خالتي كانت تتنقل بي من بلد إلى ~~بلد، وحيث نكون أرى أني غريبة، وليس من ينبئني عن أبوي وأهلي. ~~- وماذا تعرفين عن خالتك. ~~- لا أعرف شيئا؛ لأنها سر لا يدرك ففي أول وعيي كانت تسمى ندرة الزعفران، ثم لما ~~انتقلنا إلى بلد آخر قالت: إنها تود أن تنتسب إلى زوجها المصري الذي مات، وأوصتني ألا ~~أذكرها إلا باسم نديمة الصارم، كما كانت تسمى في مصر، وتهددتني بشدة إذا كنت أذكر غير هذا ~~الاسم. ~~- إذن أنت لست آسفة على فراق هذه المرأة؟ ~~- بل إني مسرورة بالابتعاد عنها، ولكني لا أزال أخاف شرها، وأنا وحيدة لا أم لي ولا أب ~~ولا قريب. # فذرفت دمعتان من عيني جورجي، فقال له يوسف: إني أستغرب أن تدمع عيناك. ~~- ليست عيناي تدمعان يا يوسف، ولكن ضميري يدمع. ~~- أين كان ضميرك قبل الآن؟ ~~- أما قلت لك: إنه ذهب مع عائلتي؟! ~~- عجيب أن يرجع. ~~- بل عجيب أن تتعجب، وأنت ms109 قلت : إنك سترد لي ضميري، فهل نسيت؟ أما أنا فلن أنسى. # فتنهد يوسف وقال: الحمد لله. # ثم قال جورجي: تقولين يا هيفاء إنه ليس لك أب ولا أم ولا قريب تحتمين به ... فهل تريدين أن ~~تسري نفسي بأن تقبليني أبا وأما وقريبا؟ # فأطرقت هيفاء، فقال لها: إني فاقد كل سعادة وهناء في هذه الحياة، فهل تريدين أن تخلقي لي ~~سعادة؟ ~~- لو أستطيع. ~~- تستطيعين إذا أردت أن أكون لك كل شيء تتمنينه. ~~- إني أحتاج إلى أب يا سيدي، ولم أر حنو الأب في حياتي إلا الآن، فأنا ابنتك. # فهم جورجي أن يعانقها، ولكنها نفرت منه مزمهرة فامتنع والدمع يذرف من عينيه، وقال ~~ليوسف: هل تريد أن تكون أخا لهيفاء يا يوسف؟ ~~- أما أنا اقترحت ذلك عليك؟ إني ابنك منذ الآن، ولا أظنك تغدر بابنك يا أبتاه. # فلم يتمالك جورجي نفسه؛ لأن الدمع تفجر من عينيه تفجر الماء من صخرة، وفي الحال نهض بدعوى ~~أنه خارج لقضاء حاجة، ودخل غرفة الحمام وأطلق لدموعه العنان، وما هي إلا هنيهة حتى سمع ~~وقع أقدام، فنهض مسرعا وكفكف دموعه وعاد فوجد يوسف يتمشى في وسط الغرفة كأنه قلق، فقال له: ~~تعال اجلس. # فقال يوسف: يكاد ينقضي الهزيع الثاني من الليل، ونود أن نبت أمرا. ~~- أي أمر؟ ~~- أمر هيفاء، أين تبيت الليلة؟ ~~- تبيت الليلة هنا. ~~- يستحيل. ~~- لماذا؟ ~~- لأنها لا تبيت إلا مع سيدة. ~~- بل تبيت مع أبيها وأخيها، وأي سيدة أعطف عليها منهما؟! # فتردد يوسف بالجواب، وقال: ولكن هذا لا يليق. ~~- ما زلت جبانا، لماذا لا يليق؟ ~~- لأن الناس لا يعرفون أنها ابنتك وأختي. ~~- كفى أن نعرف نحن، ومتى حان الوقت يعرف الناس ذلك، أليست لك ثقة بنفسك؟! لا تبيت هيفاء ~~إلا حيث نبيت نحن وأنا المسئول. # فسكت يوسف مفحما، ثم قال: وهذا المنزل؟ ~~- هو منزلي الليلة؛ لأن صاحبته عجوز يونانية، وهي صديقتي، وابنتها في سفر، وقد طلبت منها ~~أن تخليه الليلة، وغدا ندبر أمر كل منا، فاطمئن. ~~- ولكني أخاف مغبة هذا التدبير. ~~- إذن أنت جبان ms110 القلب سيئ الضمير ضعيف الثقة فلا تصلح لي ابنا، دعنا من هذا الموضوع ~~ولنبحث في أمر أهم. ~~- ما هو؟ ~~- ماذا تنوي أن تعمل أنت؟ ~~- سأبحث عن خدمة. ~~- بل تشتغل بتجارة. ~~- ورأس المال؟ ~~- هذا هو. # وتناول جورجي من جيبه ورقا ماليا بقيمة ألف وخمسمائة جنيه، والتحويل الذي أخذه من جميل ~~مرمور، ودفع الكل إلى يوسف. # فلما اطلع يوسف على التحويل رمى به وبالأوراق إلى الأرض، وقال: لا أمس مال ~~السحت. # فعبس جورجي به قائلا: ما زلت حيوانا. ~~- إني لكذلك. ~~- إذن لا تعش بين الناس؛ لأنك لا تقدر أن تعيش بينهم إلا إذا كنت إنسانا، فخذ الأوراق ~~كلها واسمع نصح أبيك، وغدا نبحث بتفاصيل التجارة. # فامتثل يوسف صاغرا كأنه يشعر بقوة تتسلط على عقله، ثم التفت جورجي إلى هيفاء، وقال: إنك ~~تعبة يا ابنتي فقومي إلى سريرك في الغرفة الثانية، ولكني أود أن تنهضي غدا وما أنت ~~هيفاء. # فنظرت فيه مستغربة وقالت: ماذا أكون إذن؟ ~~- تكونين وطفاء ولا يعرفك أحد إلا بهذا الاسم، قومي يا ابنتي إلى سريرك. # فنهضت هيفاء ودخلت إلى الحجرة، فوجدت سريرين واضطجعت في أحدهما. # ثم قال جورجي ليوسف: وأنت تنام في السرير الآخر يا يوسف. ~~- يستحيل أن أنام في غرفة هيفاء. ~~- بل تنام حارسا لأختك، وأنا أنام في هذه الغرفة على المقعد حارسا لكما. ~~- إنك تطلب مني أمرا ينفر منه ضميري. ~~- متى كنت سيئ النية هكذا؟ لا تبرهن لي على أنك أخ هيفاء إلا إذا نمت في غرفتها. # فأفحم يوسف ودخل إلى الغرفة مقدما رجلا ومؤخرا أخرى. # أما هيفاء ففي نصف ساعة كانت تغط في نومها، وأما يوسف فلم يستطع أن ينام؛ لأن الهواجس ~~كانت تلعب في رأسه، ولكنه كان يتحاشى أقل حركة؛ لئلا تصحو هيفاء أو تذعر. # ولما كانت الساعة نحو الثالثة شعر يوسف بحركة خفيفة في الباب، ثم انفتح فرأى شبحا يدخل ~~منه متسرقا، فبقي كامنا في سريره ليرى ماذا يكون من أمره، فرآه يتقدم بكل هدوء حتى صار ~~عند سرير هيفاء، ثم رآه انحنى فوق ms111 السرير عند قدميها، فجزع وما رأى نفسه إلا واقفا على ~~الأرض، وأسرع في الحال وقبض على الشبح ودفعه إلى الوراء، فاندفع الشبح معه بكل هدوء إلى أن ~~صار كلاهما خارج الغرفة، حيث تبينه يوسف في الرحبة التي لا يزال المصباح الضئيل مضيئا ~~فيها، فإذا هو جورجي، فقال له: هل من غدر آخر؟ ~~- لماذا تقول هكذا؟ ~~- ماذا كنت فاعلا؟ ~~- كنت أقبل ابنتي؛ لأنها لا تنفر مني وهي نائمة، ألا يحق لي ذلك؟ ~~- ولكنك انحنيت عند قدميها. ~~- نعم؛ لأني لا أستحق أن أقبل وجنتيها، وأخاف أن تلهبها أنفاسي فتصحو مذعورة. # وكان يوسف يرى الدمع ينسكب بغزارة من عيني جورجي فسكت معتبرا، ثم أقعده على المقعد ~~قائلا: إني مدهوش من أمرك. ~~- ما الذي يدهشك؟ ~~- أرى فيك شعور الأب الحقيقي، فمن أين لك هذا؟ ~~- منك، أما قلت لي: إنك ترد سعادتي، فقد رددتها وأنا الآن أتمتع بها. ~~- وهذه الدموع؟ ~~- دموع السرور واللذة، فلماذا تحرمني سعادتي؟ هل ندمت على ما نفحتني؟ ~~- فلم يتمالك يوسف دموعه أيضا، وقال: هل تحبني كما تحب هيفاء؟ ~~- إذا كنت تأذن لي بقبلة تعلم. # وأمسك جورجي بيدي يوسف، وهو لا يزال واقفا واجتذبه إليه وعانقه، وهو يقبل خده قبلة لا ~~نهاية لها، والدمع يتدحرج من عينيه ونفسه يتصعد ويتصوب حتى شعر يوسف بمثل حرارة بخار، ثم ما ~~لبث أن تراخت ذراعا جورجي عن صدر يوسف، واستلقى على ظهره ويوسف يتأثر شديد التأثر من هذا ~~الخفقان الذي لم يفهمه. # ثم جلس يوسف إلى جانبه وهو يقبض على كفه، وقال: أحمدك يا قوة القوى؛ لأنك استجبت صلاتي ~~إذ أنبت نبتة حب في أرض مجدبة، واستخرجت ماء من صخرة. # | ابن الطبيعة # عند ذلك تنهد جورجي، وقال: من لقنك هذا اللاهوت يا يوسف؟ ~~- مدرسي لقنني. ~~- وماذا تلقنت من أبويك؟ ~~- ليس لي أبوان. ~~- إذن من ولدك؟ ~~- الطبيعة، فأنا ابن القوة والمادة. ~~- أين ربيت؟ ~~- في العالم العقلي. ~~- أين قطنت؟ ~~- في دار الخيال. ~~- أرجو أن تخرج إلى عالم المادة وتخاطبني، فقل متى جئت إلى مصر؟ ~~- منذ بضعة أسابيع. ms112 ~~- أين كنت قبلا؟ ~~- في أوروبا. ~~- وقبل أوروبا؟ ~~- في القارة الغارقة في الأوقيانوس. ~~- أي أوقيانوس؟ ~~- أوقيانوس الجهل. ~~- في أي قطر من أقطار تلك القارة؟ ~~- في قطر العبيد والإماء. ~~- العبيد والإماء؟ ~~- نعم، عبيد السلطة المطلقة المستبدة. ~~- تعددت السلطات المطلقة في تلك القارة، فأيها تعني؟ ~~- أعني السلطة التي صبغ شعارها بالدم، السلطة التي تفرق العناصر ضاربة بعضها ببعض. ~~- في أي عنصر كنت؟ ~~- في العنصر الذي لم تكن المعرفة إلا سلاحا ينتحر به، في عنصر الدسائس، في عنصر معكوس ~~التركيب يقوى مشتتا ويضعف متجمعا. ~~- لماذا تركته؟ ~~- لم أتركه بل نبذني؛ لأني غريب عن مادته. ~~- إنك تزيد بيانك إبهاما بهذه الكنايات، فلماذا لا تسميه باسمه؟ ~~- لأني أرتعد غضبا إذا سميته. ~~- هل العنصر كله نبذك؟ ~~- كلا. ~~- إذن أتنقم على العنصر بجريرة ذرة من مادته؟ ~~- نعم؛ لأن العنصر الذي تتنافر أجزاؤه، وتتقاتل كريات دمائه وتتهالك حتى جواهره الفردة لا ~~أستطيع الالتئام به. ~~- منذ متى انتبذت منه؟ ~~- منذ صحوت من سبات الصبا. ~~- ألم يعد يجتذبك إليه؟ ~~- بل أنكرني. ~~- أود مزيد إفصاح يا يوسف، هل لك أقارب في سوريا؟ # فانتفض يوسف قائلا: لا تروعني بهذا الاسم. ~~- لا ترتع فنحن بعيدان عنه الآن، فقل لي أين أهلك الماديون؟ ~~- هناك. ~~- من هم؟ ~~- جد وزوجة جد وعم وأبناء عم. ~~- تقول: زوجة جد؟ أما هي جدة؟ ~~- كلا، بل هي جدة أولاد عمي فقط. ~~- وأبوك؟ ~~- لم يبق لي أب. ~~- وأمك؟ ~~- ولم يبق لي أم. ~~- إخوة ... أخوات؟ ~~- لا إخوة ولا أخوات. ~~- ألم يزل أقاربك الذين ذكرتهم أحياء؟ ~~- لا أدري، ولا أريد أن أدري. ~~- عجيب هذا النفور ودمك من دمهم. ~~- ليس عجيبا؛ ففي الطبيعة كثير من ذلك، الزيت والماء تكونا في حبة الزيتون، فمتى ولدتهما ~~تنافرا؛ لأنهما يختلفان طبيعة مع أنهما توأمان. # ففكر جورجي هنيهة ثم قال: من أي طبيعة أبوك وأمك؟ ~~- من طبيعتي المنبوذة. ~~- لو بقيا حيين. ~~- لكنت وإياهما ثالوثا متحدا. # فتدفق الدمع من عيني جورجي قائلا: لا أدري يا يوسف ما هي طبيعة أبيك الجديد من طبيعة ~~أبيك القديم. ~~- أشعر بألفة بينهما. ~~- يا لله ms113 هل نسيت السجن؟ ~~- لن أنساه. # فأجهش جورجي في البكاء قائلا: هل فعل بك أقاربك أشر مما فعلت أنا بك؟ ~~- لا يهمني ماذا يفعل غيري بي؛ لأن الفعل بي مهما كان نوعه لا يتجاوز المادة المتغيرة، ~~ولا يبلغ إلى القوة الخالدة. ~~- إذن ماذا يهمك؟ ~~- يهمني ماذا أفعل بغيري. ~~- ماذا فعلت بأقاربك؟ ~~- لم أستطع أن أفعل شيئا، فإذا وعظتهم كنت كناطح صخرة يكسر قرنيه والصخرة ثابتة. ~~- وماذا فعلت بي؟ ~~- جعلت منك أبا حنونا. ~~- وسعيدا يا يوسف، فدعني أقبلك ثانية. # وتعانق الأب والابن عناقا قد يفهمه القارئ، ولا يقدر أن يصوره الكاتب. # | لسان الثعلب # في اليوم التالي كانت وطفاء (هيفاء) تسكن مع تلك العجوز اليونانية، كوديعة عندها تحرص ~~عليها حرصها على الأجر الذي كانت تتقاضاه من جورجي، وقد أوصى جورجي وطفاء ألا تخرج من ~~المنزل إلا معه، وأن تطلب منه كل ما تشاء متى زارها، وأوصى اليونانية ألا تعترف بوطفاء لأحد ~~وإلا ضاع عليها الأجر الجزيل، وكان بعد ذلك يزور ذلك المنزل ليلة بعد ليلة ويقدم لوطفاء ~~حاجاتها، أما يوسف فندر أن زارها دفعا لشبهة المشتبهين أن تكون حيث يتردد. # وعاد جورجي يسكن في الفنادق كعادته، ويوسف يسكن في منزل طريقه سلسلة أزقة. # وما هي إلا بعض الأيام حتى كان يوسف يتاجر بالأجواخ، وكان له جار في السوق يتاجر بالأنسجة ~~الحريرية والأقمشة القطنية وغيرها، فما مضت مدة إلا صارا صديقين، فكانا يجتمعان بعض الأحيان ~~ويتحدثان، ففي ذات يوم قال ذلك الجار - واسمه فهد المهند: بلغني أنك خطبت وستتزوج قريبا يا مسيو يوسف، فيا لك من جار! ألا تخبر جارك لكي يهنئك؟ ~~- لا علم لي بما تقول. ~~- عجيب أن تنكر والخبر مالئ الفضاء. ~~- أقول لك: لا علم لي بما تقول. ~~- يا أخي يقولون: إنك تحب ليلى ابنة المراني وأنها تحبك، فهل تنكر ذلك أيضا؟ # فوجم يوسف وازمهر فقال له فهد: دلائل الحب لا تخفى على أحد كحامل المسك لا يخلو من ~~العبق، فها إني أرى على وجهك هذه الدلائل، والناس يعلمون أنك تجتمع بها ms114 أحيانا ، فهل تنكر ~~هذا أيضا؟ ~~- لا أنكر؛ لأننا لا نجتمع في السر بل في العلانية. ~~- إذن لا دخان بلا نار، ولا يجمع الفتى والفتاة إلا الحب. ~~- ولكن الحب غير الخطبة والزواج. ~~- ولكن الخطبة والزواج ثمرة الحب بحكم الطبع، وإلا فالحب فاسد وفي عرف الجمهور ~~إثم. ~~- أما نحن فلسنا نجري على رأي الجمهور. ~~- تعني أنكما لن تتزوجا بل تتعاشقان؟ # فامتقع وجه يوسف، وقال: لا حكم لي على المستقبل. ~~- أما أنا فأحكم بأن المستقبل زواج إذا كان الحاضر حبا. ~~- لا أدري لماذا يهمك هذا الموضوع. ~~- يهمني لأنك صديقي وأود أن أقوم بواجب الصديق. ~~- لا أفهم ما هو الواجب الذي عليك. ~~- النصح. ~~- ما هي نصيحتك؛ فأشكرها لك؟ ~~- لا أقدر أن أقول ما لم أعلم إن كنت تنوي أن تتزوج هذه الفتاة، فإن كنت لا تنوي فلا داعي ~~للنصح. ~~- هب أني سأخطبها. # فتردد فهد في الجواب، وقال: لا أقدر أن أقول إلا إذا علمت عزيمتك الأكيدة، فلا أود أن ~~أبني على فرض. # فسكت يوسف، وبعد هنيهة قال فهد: هل أنت مصمم على الزواج من هذه الفتاة؟ ~~- ذلك في النية، ولكني لا أدري إن كانت الأحوال تسوق إلى إبراز النية إلى حيز ~~الفعل. ~~- إذن لم تكذب الإشاعات ويحق لي أن أتكلم. ~~- تكلم. # فتوقف فهد هنيهة، وقال: أخاف أن أتكلم. # فاضطرب يوسف قائلا: إنك تحملني على التطير من هذه المقدمة، فماذا تريد أن تقول؟ ~~- إن ما أقوله سر قد لا يعرفه إلا واحد غيري، فأخاف مغبة إفشائه عن يدي. ~~- لا تعرفني جيدا يا فهد؛ فإن ما يقال لي سرا فكأنه لم يقل، فقل وتوهم أنك لم ~~تقل. ~~- أقسم لي بأعز عزيز عندك أنك لا تقول. ~~- لست أقسم بشيء؛ لأن وعدي أعظم من قسمي. ~~- إني أثق بك، ولكن اعلم أني سأنكر تمام الإنكار أني قلت لك ما سأقول، وإذا شاع السر ~~أتهمك باختلاقه. ~~- ليكن ما تقول. ~~- حسن، هل تعرف ابنة من هي ليلى؟ ~~- أعلم أنها ابنة بطرس المراني. ~~- كلا البتة. # فوجم يوسف، وقال: إذن ابنة من هي؟ ms115 ~~- لا أحد يدري. ~~- ماذا تقول؟ ~~- أقول: إنه ليس لليلى أب. # فسكت يوسف وقال: لا أفهم ماذا تعني. ~~- أعني أن ليلى ابنة عاهرة، وقد انخدع بطرس المراني بالزواج من أمها، فكان يظن أنه ~~يتزوج أرملة، والحقيقة أنه تزوج زانية لا تعرف أبا ابنتها. ~~- وهل عرف بطرس هذا الأمر بعد ذلك؟ ~~- لو عرفه لطلق المرأة حالا. ~~- وكيف عرفت هذا السر؟ ~~- لا تسألني كيف عرفته. ~~- بل أود أن أتحقق صحة هذا الخبر. ~~- لا أقدر أن أقول لك شيئا الآن، ولكنك ستعلم في المستقبل حين تعرف عشاق أمها الواحد بعد ~~الآخر، فما أنا واش الآن بل أنا ناصح وأنت حر في قبول النصح أو رفضه، هذا واجب الصداقة ~~وقد قضيته. # ففكر يوسف هنيهة، ثم قال: وهب أن أم ليلى كانت زانية، فما هو عيب ليلى؟ ~~- عيبها أنها ابنة زنا لا تعرف لها أبا، وإذا تزوجتها فلا تعرف من هو حموك. # فأطرق يوسف قائلا: لا أرى ليلى ملومة إذا كانت لا تعلم لها أبا شرعيا ~~حقيقيا. ~~- يا لله! أما كفى هذا عارا لها ولكل من يتصل بها؟ ~~- لا عار عليها؛ لأنها لو كانت حرة في ميلادها ما رأت أن تكون ابنة زانية، ونحن لو كنا ~~أحرارا ما كنا نود أن نكون أبناء آدم الذي أورثنا الخطيئة كما يقولون. # فضحك يوسف وقال: ولكن الذين يزعمون أننا ورثنا الخطيئة من آدم يزعمون أيضا أن المسيح ~~افتدى العالم، فهب أن ليلى بنت زنا، فأنا افتديتها وأطهرها من عار الزنا. ~~- إذن تصر على الزواج منها. ~~- إذا قدر لنا هذا الزواج، فلا أرفضه لأجل هذا السبب. ~~- إني أستغرب مبادئك يا يوسف. ~~- لا بدع أن تستغربها؛ لأنها تخالف مبادئ السواد الأعظم من الناس، فاعلم يا أخي أن ~~أفكاري غير أفكار هذا السواد من الناس، وما دامت ليلى طاهرة الشخصية، فعار أمها لا يلتصق ~~بها مهما لصقه الناس بها. ~~- لك رأيك يا أخي والذي علي قد فعلته، ولكن هل تظن العوسج يثمر تبنا، والشوك ~~عنبا؟ ~~- إن لم يثمر الشوك عنبا فيزهر ورودا، ms116 ثم إن جوهر ليلى الروحاني لم يتكون في حجر ~~أمها، بل في بيت بطرس المراني، ولم أسمع عن هذا البيت إلا الثناء على محامده وفضائله، وإذا ~~كانت أم ليلى قد استطاعت أن تخفي زلتها حتى عن زوجها؛ فلأنها كانت ذات عفاف، وما زلتها إلا ~~هفوة غواية، وقد هفا الملاك قبلها، والله غفر لأمثالها. # | مؤامرة رجيمين # في ذلك المساء كان فهد المهند في منزل الدكتور صديق هيزلي، وهما يتحدثان فقال صديق: أظنك ~~نجحت يا فهد. ~~- إن صاحبنا فيلسوف لا يتكلم إلا بالروحانيات. # فضحك الدكتور صديق قائلا: لقد عرفته كذلك فماذا جرى من الحديث بينكما؟ ~~- كانت النتيجة عكس ما رغبنا. ~~- تعني؟ ~~- أعني أنه عوضا من أن ينفر من ليلى بررها، وجعلها طاهرة من كل عيب، بل برر أمها ~~أيضا. ~~- يلوح لي أنه لم يقتنع بصحة الخبر. ~~- بل اعتقد بصحته، ولكنه لا يحسب ذلك عارا، ولو شاع وملأ الأسماع. ~~- إذن هو مصر على التزوج منها. ~~- أنكر ذلك أولا ولكن كلامه الأخير أثبت أنه يحبها، ولا ينفره منها عار ولا ~~شنار. # ففكر صديق هنيهة، ثم قال: لقد قلت حيلتي، فلا أدري كيف أفصل هذا الثقيل عن تلك ~~العنيدة. ~~- يجب أن تعرف كيف تؤكل الكتف. ~~- فكرت كثيرا فلم أعرف، فهل تعرف كيف تؤكل الكتف؟ ~~- أنت أعرف مني؛ لأنك درست أخلاق الفتاة. ~~- إن ما درسته وعرفته يدلني على أن ذلك الثقيل لاعب في دماغ الفتاة بعلمه وفلسفته؛ لأنها ~~تحب الفلسفة والعلم. ~~- ولكن الفتاة لا تخرج عن كونها مرأة، فهي كسائر النساء تغتر بالمال والسعة. ~~- نعم، وقد خطر لي ذلك؛ ولهذا صارت المسألة أصعب من قبل؛ لأن يوسف صار ذا مال وتجارة، فلم ~~تبق من حاجة في نفس ليلى يعجز ذاك عن سدها، ولا أدري كيف حصل ذلك الشقي على رأس المال، وآخر ~~عهدي به أنه كان خادما في حانوت دخاخني؛ لضيق ذات يده. ~~- إن أمره محير، وأظن أن معظم رأس ماله ثقة، والمال الذي بين يديه ليس له بل لتجار أكبر ~~منه، هذا إذا لم يكن ms117 المحل كله لشخص آخر يتاجر باسمه والله أعلم، أقيسه على نفسي، فإن معظم ~~رأس مالي لمداينين فإذا كان هو كذلك فموقفه حرج دائما. # فبقي صديق صامتا مفكرا، وأخيرا قال له فهد: إننا صديقان يا صديق، والثقة متبادلة؛ ~~ولهذا لا أجد أحدا غيرك أشكو له أزمتي لعل لك فيها رأيا. ~~- ثقتك في محلها يا فهد فهل أنت في أزمة؟ ~~- إني فيها وقد أصبحت على وشك الإفلاس، وإذا لم يكن في يدي الآن شيء من المال أسد به ~~أفواه المداينين ضايقوني، وعرضوا تجارتي لخطر الإفلاس لا محالة، فهل في إمكانك أن تدبر لي ~~دائنا آخر يقرضني قرضا لمدة ستة أشهر إلى أن يحين الموسم، وتتوافر الأموال فأجمع الديون ~~التي لي وأنجو من الخطر؟ # ففكر صديق هنيهة، ثم قال: لقد دبرت لك دائنا. ~~- من هو؟ ~~- جارك يوسف نفسه. ~~- ولكنه تاجر مثلي لا يستغني عن جنيه واحد. ~~- ليس ضروريا أن يدفع من صندوقه بارة واحدة. ~~- إذن كيف؟ ~~- أنتم التجار تتبادلون الصكوك. ~~- نعم. ~~- فأعطه صكا بقيمة ألف أو ألفي جنيه مثلا، وهو يعطيك صكا بمثل المبلغ «تقطعه» في أحد ~~البنوك. ~~- ولكن هناك عقبتين، الأولى: أن يوسف قد لا يعطيني صكا، والثانية: أن البنك قد لا يقطع ~~الصك على يوسف. ~~- هل يعلم يوسف بأزمتك؟ ~~- لا يعلم بها أحد غيرك. ~~- إذن، إذا احتلت عليه فلا يبخل عليك بصك منه إذا رأى بيده صكا مثله منك؛ لأنه رجل ~~طيب القلب وسليم النية جدا، أما البنك فلا يتردد على ما أظن في قطع صك لتاجر جديد يعرف ~~البنك أنه يحرص على سمعته والثقة به، جرب هذه الطريقة فقد تنجح، وإن لم تنجح فلا تخسر شيئا ~~وبعدها نفكر بطريقة أخرى. ~~- إنها لفكرة حسنة جدا، فإن نجحت أبشرك بنيل متمناك يا صديق. # فضحك صديق، وقال: إني أسر بذكائك يا فهد، لقد تفاهمنا بلا كلام، وإذا صح هذا الحلم فلك ~~مني جائزة. # | قصور في الهواء # في صباح اليوم التالي كان الدكتور صديق هيزلي مختليا بليلى في غرفة المقابلة، وقد ساقهما ~~الحديث إلى ms118 الخطاب التالي ... # قال صديق: يلوح لي أنك تعتقدين أن السعادة قائمة باللذة النفسية وحدها، وأن لذة النفس ~~مقصورة على إحراز المعرفة والعلم. ~~- نعم، وهل تنكر أن هذه اللذة هي أعظم اللذات؟ ~~- لا أنكر، ولكني أعتقد أيضا أن النفس وهي مقيمة في الجسد تتألم أيضا إذا تألم الجسد، ~~فهل تسر نفسك وأنت جائعة أو عليلة؟ ~~- لا، ولست أقول: إن لذة النفس تقضي بإهمال الجسد وتركه لآلام الجوع والبرد، بل يجب ~~الاعتناء بالجسد ما دام غلافا للنفس. ~~- إذن للجسد حق بنصيب من اللذة كحق النفس. ~~- بلا شك. ~~- ولا تنكرين الفرق بين العيشة القشفة وعيشة الرخاء. ~~- متى كنت أنكر الفرق بينهما؟ ولكني أقول: إن لذة النفس أعظم وأهم وألزم من لذة ~~الجسد. ~~- وأنا أقول كذلك أيضا. ~~- وإذا خيرت بينهما؟ ~~- أختارهما معا. ~~- وإذا لم يصح لك إلا إحداهما؟ ~~- لا أدري أيهما أختار، ولكني ما دمت أستطيع الحصول عليهما معا فأختارهما معا. ~~- طبعا. ~~- حسن، أنت حاصلة على لذة النفس بالعلم والأدب والفضيلة. ~~- أحمد الله على ذلك. ~~- فإذا حصلت على لذة الجسد أيضا في العيشة الهنيئة، فهل تفقدين لذة النفس؟ ~~- لماذا أفقدها؟ ~~- وإذا تيسرت لك هذه اللذة الجسدية بلا عناء ولا تكلف مشقة، فهل ترفضينها؟ ~~- ما أنا مجنونة حتى أرفضها. ~~- ما قولك إذا وقعت في يدك مائة ألف جنيه بلا تعب ولا نصب، وكانت لك حلالا؟! ~~- أستعين بها على لذة نفسي. ~~- حسن جدا، أنا أضع في يدك الآن مائة ألف جنيه. # ثم تناول صديق من جيبه ورقة مطوية، وقال: في هذه الورقة مائة ألف جنيه لك. ~~- لا أعني أنك تقدم لي مائة ألف جنيه، وما خطر لي أنك تفعل ذلك؛ لأننا كنا نفرض فروضا، ~~ونضرب أمثالا للاتفاق على حقيقة، فدع ورقتك معك. ~~- ليست ورقتي بل هي ورقتك، وما أنا أقدم لك من مالي بل أقدم لك مالك. ~~- لا أفهم، ماذا تقول؟ ~~- طبعا؛ لأنك لا تعلمين شيئا عن نسبك. ~~- نسبي؟ ~~- نعم نسبك، فهل تعلمين من هو أبوك الحقيقي؟ ~~- لا أعرفه؛ لأني تيتمت طفلة، ولكن قيل لي: إنه ms119 كان يدعى حنا فرزدق. ~~- لم يكن في الوجود هذا الشخص، وإنما اختلق اختلاقا للتمويه على حقيقة نسبك. ~~- وماذا تعرف عن حقيقة نسبي؟ ~~- أعرف ما لا يعرفه أحد غيري الآن، وكان يعرفه اثنان قبلي وهما أمك وأبي. # وكانت ليلى تمتقع لحظة ثم يشرق محياها لحظة أخرى، فقالت: ما الذي تعرفه؟ ~~- أعرف أنك ابنة غير شرعية لرجل كبير. # فاقشعرت ليلى وقالت: من هو هذا؟ وكيف تثبت هذا الزعم؟ ~~- إذا أحببت أن تقرئي هذه الورقة ثم هذه أيضا تفهمين كل شيء. # فتناولت ليلى الورقة من يده (وهي وصية خالها لابنه صديق)، وقرأت حكاية مولدها كما كتبها ~~خالها أبو صديق؛ لكي يقرأها ابنه بعد موته، وكانت تقرأ مدهوشة متحيرة متلونة من شدة ~~التأثرات المتضاربة. # ثم رفعت نظرها إلى صديق، وقالت: ما أدراني أن تكون هذه الورقة ملفقة؟ ~~- لو كنت لا تعرفين خط أبي ولا تعتقدين أن أبي لا يكذب، ولا قصد له سوى الحرص على سعادتك ~~لكان يحق لك أن توجسي وتسيئي الظن بهذه الورقة، وما قولك بهذه الوصية الناطقة (أي: وصية ~~الأمير إبراهيم الخزامي لأمها)؟ # فتناولت ليلى الورقة الثانية، وقرأتها مرتجفة اليد، وما انتهت منها حتى وقعت من يدها لشدة ~~تأثرها، فتناولها صديق وطواها ووضعها مع الورقة الأخرى، ثم قال: هل وثقت الآن أنك وارثة ~~ثروة لا تقدر بأقل من مائة ألف جنيه؟ ~~- وأني ابنة أمير؟ ~~- نعم، فما أنا متصدق عليك بمائة ألف جنيه بل أحفظها لك. # وكانت ليلى في بحران بل في ذهول برهة، ومن لا يكون كذلك إذا بوغت بما يقلب كيانه ويغير ~~حسبانه؟! وبعد سكوت طويل والدكتور صديق جالس يتلاهى بسلسلة ساعته التفت إليها قائلا: لقد ~~حلمت قبلك يا ليلى حين فتحت وصية أبي، وأنا خالي الذهن من أقل حقيقة فيها، فلا ألومك إذا ~~سبحت في عالم الخيال، ولكني أهنئك. ~~- بماذا تهنئني؟ ~~- أهنئك بما تشعرين به من السعادة الآن. ~~- هل تظن أني أفتكر بسعادة أو شقاء الآن؟ ~~- لا أقدر أن أظن غير ذلك، فإذا خاب ظني، فبماذا تفكرين؟ ~~- أفكر في ms120 كيف أنتمي إلى أناس لا أعرفهم ولا يعرفونني، بل أنا غريبة عنهم. ~~- لا يهمك إلا أن تحصلي على حقك من الميراث، وإذا رام من تنتسبين إليهم أن تكوني صديقة ~~لهم فدعيهم يتقربون منك. # وعادت ليلى إلى بحرانها، وبعد هنيهة استوقف صديق فكرها في مسبح تخيلاته بقوله: ما زلت ~~تحلمين، أظنك تفكرين الآن بالبون الشاسع بين ماضيك ومستقبلك، فلا بد أن تكون كل أفكارك قد ~~تغيرت في هذه الساعة، وأصبحت تبنين قصورا وعلالي أخرى، ولكنك تبنينها على صخر لا في ~~الهواء كما كنت تبنين قبلا. ~~- إنك بعيد الظنون فما تغير في ضميري شيء. # فاختلج صديق لهذا الجواب، وشعر بنبل وقع في فؤاده، وبعد هنيهة قال: أظنك تريدين أن تبقي ~~وحدك الآن يا ليلى فأتركك. # فنظرت إليه قائلة: أشكر شعورك، ولكنني لا أراك تترك هنا الورقة التي تخصني. # فتوقف صديق هنيهة ثم قال: سنعود ونتباحث بشأنها يا ليلى، ومتى تريدين أن أعود؟ ~~- تعود متى شئت، ولكن الورقة تبقى هنا منذ الآن. # فضحك صديق، وقال: تبقى هنا منذ الآن إذا شئت، ولكن تحت شرط. ~~- لا أخضع لشرط. # فتغيظ صديق وتردد في مكانه، ثم عاد وجلس، وقال: اسمعي يا ليلى، لا أحد يعلم بهذه الوصية ~~غيري وغيرك الآن، ولن يعرف بها أحد غيرنا إلا متى صرنا زوجين، وإن ذكرتها أنت لأحد أنكرها ~~أنا بتاتا. # فنظرت فيه ليلى غاضبة ثم قالت: خذها فكأنها لم تكن، كنت في غنى عنها وسأبقى كذلك. ~~- إذن ظلي بانية قصورا في الهواء واستثمري السعادة من الفلسفة، وخرج لا يلتفت. # | العملي غير النظري # ما هي إلا بعض الأيام حتى أعلن إفلاس فهد المهند، فأسرع البنك الأميركاني، وطلب من يوسف ~~براق أن يدفع مبلغ ألفي جنيه عن فهد هذا؛ لأنه كان قد ضمنها وكفله بها، فوقع يوسف في حيص ~~بيص؛ لأنه ليس عنده من المبلغ جنيه واحد، فأبلغ جورجي آجيوس في الأمر، فأسرع هذا وأخذ ~~الدفاتر إلى غرفته، وجعل يفحصها بمساعدة يوسف، ثم «جرد» المحل فظهرت له هذه النتيجة: # جنيه # 2000 # بضاعة ms121 في المحل # 2500 # ديون للمحل بموجب الدفاتر يصعب جمعها # 4500 # الجملة # 2000 # ديون على المحل # 2000 # السند المكفول باسم يوسف # 4000 # 4000 # الجملة # 500 # فطار صواب جورجي، وقال: كيف فعلت هكذا يا بني، أفي هذه المدة القصيرة تبيع بضاعة دينا ~~بقيمة ألفين وخمسمائة جنيه وتضمن ألفي جنيه، لقد ضاع رأس المال، قل لي لماذا ضمنت ذلك ~~المنافق؟ ~~- لأني لم أعلم أنه سيفلس. ~~- بالطبع لا تعلم؛ لأنه لا يقول لك. ~~- بل أخبرني أن ذلك القرض الذي يقترضه سيفرج أزمته لا محالة، وأنه سيفعل معي معروفا ~~كمعروفي إذا احتجت إليه، وأن التجار لا يستغنون بعضهم عن بعض، وقد توسل إلي توسلا وقال ~~لي أن أفعل هذا المعروف لأجل أطفاله إلى غير ذلك من ضروب التشفيق، فلم يسعني إلا أن أفعل ~~معه المعروف وإلا فلا أكون إنسانا، هل يطاوعني ضميري أن أرى محله يهوي إلى هاوية الإفلاس، ~~وعائلته تصبح بعد ذلك في فاقة ولا أساعده بكتابة كلمتين في ذيل سند، إني أرق من أن أتنكص عن ~~هذه المساعدة. # فلطم جورجي خديه، وقال: يا للسذاجة! هل تهدم مستقبلك لكي تبني مستقبل أطفال ذلك ~~المنافق؟ ~~- إنه مسكين، ماذا كان في يده؟ ظن أنه بذلك القرض يسد عجزه، ويصلح حال تجارته، ولكن ~~المداينين تألبوا عليه ولم يرحموه فأفلس. ~~- إذا كان المداينون لا يرحمونه، فهل تفتديه أنت بنفسك؟ وهل تعلم أين ذهبت الألفا جنيه ~~التي كفلتها أنت وستدفعها؟ ~~- بالطبع ذهبت إلى خزائن المداينين القساة. ~~- كلا كلا، بل ذهبت إلى جيب ذلك المنافق، فهو لم يف منها دينارا واحدا وإلا ما ~~أفلس. ~~- لا أصدق أنه يفعل ذلك؛ لأن عملا كهذا يعد نهبا واختلاسا، ولا أعتقد أن الإنسان مهما ~~خلا من المروءة ومهما كان لئيما يؤذي غيره ليغنم هو. ~~- لا تتفلسف، ذلك الخائن اختلسك لا محالة. ~~- يا لله! هل يستحل اختلاسي وأنا أصنع له معروفا؟ ~~- لا يستطيع أن يختلس إلا ممن يصنع له المعروف، وأما المداينون الذين لم يرحموه، فهم ~~الذين يحصلون حقوقهم منه، رآك صادقا طيب القلب سليم ms122 النية أي: غبيا غرا فاغتنم الفرصة ~~لاختلاسك، هل تعرف أي اللحوم التي يأكلها البشر؟ لا تسكت، قل. ~~- يأكلون لحوم البقر والغنم. ~~- لماذا لا يأكلون لحوم الأسود والذئاب؟ ~~- لعلهم لا يستلذونها. ~~- بل يستلذونها لو كانوا يستطيعون قيادتها كما يقودون الأغنام والأبقار، يسلم الذئب ~~والأسد من يد الإنسان؛ لأنه أقوى منه، وأما النعجة فلأنها ضعيفة بين يديه يكون لحمها لذيذا ~~له، فليتك كنت ذئبا أو أسدا فما استطاع ذلك الوحش افتراسك، أما قلت لك: إن الناس وحوش ~~ضوار ينهش قويهم ضعيفهم؟ فليتك كنت وحشا، ثم قل لي على من هذا الدين الوفير الذي ~~لك؟ ~~- على خياطين متعددين. ~~- لماذا لم تبع القماش نقدا؟ ~~- لأنهم تعذروا على الدفع فذاك جاءني يقول: إنه إذا لم يشتغل لا يقدر أن يشتري، ولا يقدر ~~أن يشتري لأنه ليس معه دراهم، ولا يكون معه دراهم ما لم يشتغل، فبعته بالدين لكي يشتغل ~~ويفي. ~~- فذهب واشتغل وقبض وأودع في جيبه، وماذا قال لك الآخر؟ ~~- قال: إن له دينا وعما قليل يحصل على دينه ويدفع. ~~- فحصل وأودع في جيبه، والآخر؟ ~~- قال: إن عنده عائلة تعيش من تعبه وليس عنده بضاعة، فرق له قلبي وأعطيته. # فتنهد جورجي وقال: لا تصلح تاجرا يا بني بل محسنا، والمثل يقول: نصف الطريق ولا كله، ~~فالأفضل أن يتصفى المحل وما يبقى منه من المال تحسن به على من تحسن، وإنما أود أن تتعلم من ~~هذا الحادث درسا قد تستفيد منه في المستقبل، فاعلم أن الناس في مثل حرب والحرب تسوغ ~~للمحارب أن يستعمل كل سلاح تصل إليه يده، وإلا تغلب عليه خصمه وقتله، فإذا كان الكذب ~~ينجيك من غدر الغادرين فلا خير في الصدق، وإذا استطعت أن تهضم من غير أن تتعرض لخطر فاهضم، ~~وإذا استطعت أن تدوس غيرك لكي ترقى إلى قمة فاطحنه تحت رجليك، وإلا فعل بك ما يجب أن تفعله ~~به أنت، افعل كل ما تستطيع أن تفعله بشرط أن تحايد ما يسمونه قانونا؛ لئلا تسعى إلى حتفك ~~بظلفك. ~~- وقانون الضمير؟ كيف ms123 أستطيع أن أحايده؟ ~~- الضمير؟ اقتله قبل أن يقتلك. # فصاح به يوسف: كفى يا هذا كفى، فما أنت أبي ولا أنا ابنك إذا كنت تود أن أتلقى منك هذا ~~الدرس الشرير. # فنظر فيه جورجي غاضبا، وقال: إذن ابق نعجة يا بني، ابق نعجة، إني أبكيك حيا لأنك ميت ~~يتحرك ليس إلا. # وبعد سكوت هنيهة قال يوسف: قضيت عهد الصبى وأنا أربي نفسي لكي أكون صالحا، فهل تريد أن ~~تحولني في ساعة إلى إبليس رجيم؟ لا أطيق ذلك. ~~- آه، ليت الناس كلهم مثلك فتسهل عليك معاملتهم، ولكن ما داموا كلهم أبالسة يجب أن تكون ~~إبليسا مثلهم؛ لكي تستطيع أن تعاملهم. # ففكر يوسف هنيهة ثم قال: أقول لك يا أبي: إني لست مثل الناس، ولا أقدر أن أكون مثلهم فلا ~~أعاملهم ولا يعاملونني، والحق معك ما أنا تاجر بل أنا عامل، فيجب أن أطلب خدمة حيث ~~أجد. # فهز جورجي رأسه، وقال: إذن تكون أداة في معمل، والميكانيكي يصنع منك الآلة التي تعمل ~~مسيرة وتعمل جهد قوتها، فإن صلحت عضاضة جعلك عضاضة تحمل الأثقال، ومتى انكسرت هذه العضاضة ~~رمى بها بين الحطام المهملة وصنع غيرها، فهل تريد أن تكون كذلك؟ # ففكر يوسف وقال: لا أرى وجه الشبه بيني وبين العضاضة. ~~- أنا أريك، خذ مثلا، كان فتى مثلك يشتغل في معمل فكان عاملا ثم جعل يترقى حتى صار ~~ناظرا، ولكن صاحب العمل لم يرقه إلا حين ثبت له أنه ينتفع من خدمته عشرة أضعاف أجرته، ~~وفي ذات يوم حصل اختلال في الآلة، فانتثر بعض أدواتها، وأصابت هذا الناظر في وجهه ففقأت ~~عينيه، وشوهت وجهه، ولم يعد يستطيع أن يقوم بواجباته، فاضطر صاحب المعمل أن يرقي غيره إلى ~~وظيفته وأعطاه تعويضا حقيرا، فلزم الرجل بيته وكان فيه ميتا في شكل حي، وقد ظلمه الذين ~~كانوا يطيلون عمره بإحسانهم؛ لأنهم كانوا يطيلون عمر شقائه، هل رأيت وجه الشبه الآن؟ ~~- ولكن هذا نادر لا يقاس عليه. ~~- لا بأس من أن نضرب عنه صفحا، ونعود إلى الذي خلفه في ms124 منصبه، فإنه بذل جهده في إرضاء ~~صاحب المعمل، وبعد عام أصيب بمرض صدري من جراء إجهاد قواه، واضطر أن يستعفي ليستشفي فلم يجد ~~من مكافأة صاحب المعمل ما يسد حاجات الاستشفاء شهرين، فكان نصيبه نصيب سلفه، وهكذا تبدل على ~~تلك الوظيفة في ذلك المعمل خمسة، وصاحب المعمل يتنعم متمتعا بتعبهم. ~~- إنك تريني من الدنيا الوجه المظلم يا أبي. ~~- أريك الحقيقة، هذا مصير السواد الأعظم من العمال والمستخدمين. ~~- وما قولك بالذين ترقوا حتى بلغوا المناصب العالية، وصاروا أصحاب أعمال؟ ~~- معظم هؤلاء وحوش ضوار يحسنون الحرب فقد استوطأت أقدامهم أمثالك، فسحقوهم وصعدوا إلى تلك ~~المناصب، فإن كنت تعدني أن تكون وحشا ضاريا أبشرك بنيل المناصب العالية، لقد خدمت في بنك ~~وفي مصلحة حكومة، أما شعرت أن غيرك كان يسحقك تحت قدميه؛ لكي يرتقي عليك؟ # فبقي يوسف صامتا مفكرا. # | الاهتداء إلى الفخ # في ذات يوم في تلك الأثناء كان جورجي جالسا في قهوة الشيشة كعادته، فجاءه فتى في أول ~~الشباب وسأله: هل حضرتك المسيو جورجي آجيوس؟ ~~- أنا هو فهل من خدمة؟ ~~- نعم إذا كنت تتفضل وتزور أختي بضع دقائق؟ فهي في حاجة إليك. ~~- من هي أختك؟ ~~- لا تعرفها أنت، ولكنها تعرفك وتريد مقابلتك لأمر. ~~- ما اسمها؟ ~~- ماري الجهوري، فهل تريد أن تتفضل الآن؟ ~~- لا أفهم ما شغلها مع من لا يعرفها. ~~- متى قابلتها تفهم. ~~- أين تسكنون؟ ~~- في شارع عابدين. # بعد قليل كان جورجي عند تلك المرأة، وهما مختليان في غرفة فقالت: سمعت يا سيدي أنك تبحث ~~عن فتاة. ~~- من قال لك: إني أفعل؟ ~~- ما من سر يبقى مكتوما فقد بلغني أن فهيم بك رماح كلفك بالبحث عن فتاة، كان يبتغي أن ~~يتزوجها فهربت؛ لأنها لا تريده، فهل وجدت الفتاة؟ ~~- لا أفهم بغيتك من هذا التحقيق يا سيدتي، فهبي أن الأمر كما سمعت وعلمت فما شأنك؟ ~~- أود أن أعلم هل لك مأرب خاص بتزويج الفتاة من فهيم بك؟ ~~- ربما كان لي فأود أولا أن أعلم غرضك. ~~- إذن لا بد من قول ما أقوله أولا. ms125 ~~- نعم قولي يا سيدتي فإني أسمع، هل لك علاقة بالفتاة أو بفهيم بك؟ # فقالت: نعم لي علاقة بفهيم بك وحده، ولا شأن لي مع الفتاة، كان فهيم بك صديقا حميما لنا ~~منذ جاء إلى مصر، وكان يتردد علينا كثيرا على نية أن يخطب ابنتي، فكنا نرحب به ترحاب أهل ~~الفتاة بعريس لائق بفتاتهم إلى أن صار كواحد منا، ولكنه كان يماطل بإعلان الخطبة، ونحن ~~نحتمل مماطلته مصدقين أعذاره، وأما ابنتي فقد تعلقت به تعلق العاشقة بالمعشوق، وليس من ~~يلومها إذ لا يخفى عليك مقام فهيم بك، ولا سيما إذ كان دائما يمنيها ويمهد السبيل لآمالها، ~~وقد بلغ منها الحب حتى استسلمت له وهي واثقة بوعوده، وما صحت من سكرة الحب إلا وهي في مصيبة ~~... ~~- يا لله، مسكينة. # وهنا استخرطت المرأة في البكاء، وهي تقول: هل شعرت بمصيبتنا؟ ومع ذلك بقينا نحاسن فهيم بك ~~على أمل أن يفي بوعده، ولكنه ما زال يمني ويماطل إلى أن سمعنا بأنه نوى أن يتزوج تلك ~~الفتاة، وهي تنفر منه كأن الله يوحي إليها بأن هذا الرجل يرتكب خيانتين مع فتاتين الأولى ~~ذات حق بزواجه بحكم الضمير والثانية مغتصبة، ولما علمت أنك مكلف بالبحث عن تلك الفتاة رأيت ~~أن أطلعك على حقيقة الأمر وأستفتيك، فهل يحق لفهيم بك أن يترك هذه الفتاة التي استغواها ~~تسقط في هاوية رذيلته، ويبحث عن الفتاة التي تنفر منه لكي يتزوجها؟ ~~- كلا، كلا. ~~- كذا اعتقدت أنك تقول؛ لأنك كأفاضل الناس ذو ذمة وشرف نفس، فهل تستمر على مساعدته لبلوغ ~~قصده بعد أن عرفت بفعلته هذه؟ ~~- لا يطاوعني ضميري على ذلك، وإني لمستغرب عمل فهيم بك هذا، ولا أكاد أصدق أنه يهمل ~~ابنتك. ~~- لم يزل يا سيدي عندي أمل بأن يرعوي، ويعود إلى رشده ويخلص ابنتي المسكينة من العار الذي ~~ألبسها إياه، وهل يجد فهيم بك عروسا كابنتي دعد تخضع له خضوع النعجة، وتكون في منزله خير ~~زوجة أمينة وبين نساء أصدقائه كالملكة؛ لأنها مستوفية العلم والتهذيب وذكية الفؤاد، فهل ~~تتفضل ms126 بأن تتوسط لدى فهيم بك في الأمر فلعلك تقنعه . ~~- إني أبذل جهدي يا سيدتي ولي الأمل أن أنجح، ولكن كيف يمكن إثبات أن فهيم بك كان يحب ~~ابنتك ويعدها بأن يتزوجها؟ ~~- لا أود أن تناقشه في ذلك مناقشة، بل أن تستعطفه استعطافا؛ لأني أخاف أن تنفره المناقشة ~~والمحاجة. ~~- بالطبع أخاطبه بصيغة الاستعطاف، ولكن لا بد من التلميح إلى الواجب عليه بحكم الشريعة ~~حتى يحسب حسابا للتهديد إذا كابر، فما هي بيناتك على أنه كان يعد الفتاة ويمنيها؟ ~~- عندي ألف بينة فهو الذي فتح هذا البيت، واقتنى أثاثه وكان ينفق فيه عن سعة بشهادات ~~الخدم، وكان يتردد إليه كثيرا وأحيانا كان ... كان يبقى هنا طويلا. ~~- كان يبيت هنا؟ ~~- نعم بعض الأحيان. # فضحك جورجي في قلبه، وقال: هل من بينات أخرى؟ ~~- نعم كان إذا سافر يكتب إلى دعد رسائل غرامية، ولم تزل رسائله محفوظة. ~~- هذه أفصح البينات فهل لك أن تطلعيني على بعضها؟ # فنهضت المرأة وبحثت في بعض الأوراق، وعادت إليه ببعضها فاطلع عليها جورجي باسما، وقال ~~أخيرا: إن هذه الرسائل كنز ثمين يا سيدتي فلا تفرطي بها، احفظيها عندك فقد تحتاجين ~~إليها. ~~- إني حافظة كل شيء يمكن أن يكون حجة، ولكني لا أريد أن أشاكسه في المسألة مشاكسة؛ لئلا ~~يفلت من اليد فأرجو أن تبذل جهدك في استعطافه. ~~- إني أفعل ما ترومين يا سيدتي، ولكن أسلوبك هذا لا ينفي أن تحتفظي بالأدلة التي ~~عندك. ~~- إني محتفظة بها، ولكن هل تؤمل أن تقنعه؟ ~~- عندي شيء من الأمل، ولكني لا أضمن النجاح كل الضمانة، وسأخبرك ماذا تكون ~~النتيجة. ~~- إني شاكرة لفضلك، ولكن هب أنه أصر على الرفض فما رأيك؟ هل أنجح إذا شكوته؟ ~~- قد تنجحين وقد لا تنجحين. ~~- أخاف الإخفاق فنكون قد فضحنا أنفسنا بلا فائدة. ~~- نعم وجل ما في الأمر أنك تأخذين منه تعويضا كبيرا لابنتك. ~~- لهذا أفضل أن أبالغ في استعطافه، ولكن إذا أبى فلا أدري ماذا نفعل. # ففكر جورجي هنيهة ثم قال: إذا أبى ... إذا أبى فإني أسعى بتدبير عريس ms127 لابنتك يليق بها، ~~وأقنع فهيما بأن يعطيها مبلغا كبيرا من المال يكون ذريعة لتزويجها. ~~- فكرة حسنة، ولكن كيف يمكن تزويجها وهي كما لا يخفى عليك ... ~~- لعلنا نستطيع تدبير الأمر. # فحملقت فيه المرأة، وقالت: يا لله كيف يمكن تدبيره؟ ~~- سنبحث في كل شيء في حينه، فدعينا نسعى في المشروع الأول الآن. ~~- إني ممتنة لك عظيم الامتنان، وإذا نجحنا في هذا المشروع فلا تعدم جزاء عظيما في هذه ~~الدنيا وفي الآخرة، لا أظنك تشك بأن دعدا متى صارت زوجة فهيم بك تستطيع أن تبسط كفها، وإذا ~~قدمت لك حلاها الخاصة بها لا تكون موفية بعض فضلك. ~~- إني أنتظر الجزاء من ضميري يا سيدتي لا من دعد. ~~- فليعش هذا الضمير الشريف. # خرج جورجي وهو يقول في نفسه: لقد ساقتني المقادير إلى أولى خليلات فهيم، فهل للثانية ~~والثالثة مشاكل أخرى معه تسوقني المقادير إليها لحلها؟ إن هذا الإنسان أعظم من وحش ضار ~~فبماذا ألقبه؟ اللغات قاصرة عن بيان خلقه؛ لأنه ليس في الطبيعة ما يمثل هذا الخلق، واللغة ~~على قدر الطبيعة، فليكن اسمه عبارة عن معنى خلقه النادر. # | الزلزال # وقد اعتاد جورجي أن يجتمع بيوسف في أماكن مختلفة، ففي ذلك النهار لم يصادفه، فقلق عليه ~~وقصد إلى المنزل الذي يقطنه، فوجده مضجعا في سريره فاشتد قلقه، وقال: ظننت أنك مريض يا بني ~~لأني لم أرك قط، فهل استدعيت طبيبا؟ ~~- لا حيلة للطبيب يا أبتاه. ~~- لا تروعني، مم تشكو؟ ~~- أشكو من ألم لا يطاق. ~~- في رأسك أو ... ~~- لا بل في نفسي، ليته ألم في جسدي فلا أعبأ به. ~~- ماذا ساءك؟ ~~- هل قرأت جرائد الأمس؟ ~~- يندر أن أقرأ الجرائد غير اليونانية، فماذا؟ ~~- خذ اقرأ. # فتناول جورجي الصحيفة وقرأ: # عقدت أمس خطبة حضرة النطاسي البارع والشاب الأديب النشيط الدكتور صديق هيزلي، على ~~حضرة الآنسة المهذبة ليلى كريمة حضرة الفاضل الخواجه بطرس المراني، وكانت الحفلة ... ~~إلخ. # ففكر جورجي هنيهة وقال: لا تكن ضعيفا يا بني ... لأن الأزمة التي من هذا النوع مهما كانت ~~شديدة، فإنما هي كالزلزال الذي ms128 تستقر الأرض بعده على حال. ~~- إنها لكذلك يا أبي ، ولكن هل سهوت عن أن الزلزال يقلب كيان الأرض، فلا تبقى كما ~~كانت؟ ~~- لم أسه عن ذلك بل أعلم أن المتداعي من شوامخ الأرض يتساقط والراسخ يثبت، ولا يبقى ثمت ~~من خطر تساقط البواذخ؛ ولهذا قلت: إن الأرض تستقر على حال بعد الزلزال. ~~- ولكن يلوح لي أنك لم تقدر معنى التزلزل، وتغير الكيان، ولم تدرك أن الشيء لا يبقى كما ~~كان. ~~- بل أقدره جيدا وأعلم أن هذه الكارثة قلبت كيانك، فقل لي ما الذي تغير فيك بعدها لأرى ~~إن كان ظني في محله؟ ~~- كنت شيئا فإذا أنا لست ذاك الشيء. ~~- لا أفهم ألغازا فقل لي كيف كنت وكيف صرت؟ ~~- لا أقدر أن أفهمك إلا بالأمثال، فها أنت تدخن وفي يدك سيكارة، فمتى احترقت فهل تبقى ~~سيكارة؟ ~~- لا. ~~- ماذا تصير؟ ~~- تتحول إلى دخان يتصاعد في الهواء ورماد يلقى إلى الأرض. ~~- بل تتحول إلى غاز الحمض الكربوني والبخار المائي، وما الرماد إلا المادة الترابية ~~التي لا تعد جوهرية للنبات، هكذا أنا وليلى كنا متحدين في أقنوم واحد كاتحاد الهيدروجن ~~بالأوكسيجن والكربون في السيكارة، فلما انفصلت ليلى عني أصبحت كغاز الحمض الكربوني المتلاشي ~~في الهواء، فهل فهمت معنى تغيري؟ ~~- الآن فهمت يا ابني، وأتأسف أن كيانك لم ينقلب، كما كنت أتوقع أنا، بل كما تتفلسف ~~أنت. ~~- لا بدع أن يخيب ظنك يا أبي؛ لأنك أنت تعبأ بالأعراض وأما أنا فأعبأ بالجواهر، أنت تحسب ~~التغير الصناعي كانحلال أي ملح في الماء تغيرا وانقلاب كيان، وأنا لا أحسبه شيئا؛ لأنه ~~متى تبخر الماء كله بقي الملح وحده في الوعاء، وعاد متبلورا كما كان فكأنه لم يتغير ~~تغيرا، بل امتزج مع الماء فلما انفصل هذا عنه عاد إلى حاله، وأما التغير الذي نكبت به أنا ~~فهو أني كنت عودا فاحترق، وتحول إلى عناصر غازية تلاشت في الهواء، ولم يبق له أثر، ولا ~~يمكن أن تجتمع هذه العناصر ثانية لتؤلف نفس العود، فتألم نفسي الآن كتألم ~~المحترق. ~~- فهمت ms129 قصدك يا بني ولا أزال أتأسف؛ لأنك لم تتغير التغير الذي كنت أتمناه لك بعد هذا ~~الزلزال الذي زلزل كيانك. ~~- ما هو التغير الذي كنت تنتظره في بعد هذا الزلزال؟ ~~- كنت أنتظر أن تتحول إلى معدن صلب بعد أن تتمحص في النار، فإذا بك تتحول إلى غازات ~~تتلاشى في الهواء، كنت أتوقع أن يكون تغيرك رسوخا في الكيان فإذا به تحول إلى الفناء، كنت ~~أتمنى أن يكون تجديدا للحياة، فإذا هو اندفاع في الموت، فيا لضيعة الأمل. # فحرق يوسف الأرم وقال: لا أدري أي إله يستطيع أن يبقي الماء ماء بعد أن يفصل ~~هيدروجينه عن أوكسيجينه، أو يستطيع أن يحفظ الكل كلا بعد أن يفصل عنه بعضه، أو يستطيع أن ~~يحفظ الحياة للحي بعد أن يفصل روحه عن جسده، بيد أني لا ألومك على تأنيبك؛ لأنك لا تدري أن ~~ليلى كانت العنصر الجوهري في كياني، حتى إذا انفصلت عني فني هذا الكيان، فكيف كنت تنتظر مني ~~حياة، أو رسوخا في الوجود بعد هذا الزلزال الذي اشتق أقنومي شقتين. # ففكر جورجي هنيهة ثم قال: هل كنت أنت عنصرا جوهريا لكيان ليلى كما كانت لك؟ ~~- كذا كنت أعتقد. ~~- إذن كنت مخدوعا، وإلا فكيف طاقت هي أن تفصل عنها العنصر الجوهري لكيانها؟ ~~- لا أدري، لا أدري يا أبتاه، إن الزلزال الذي زعزع كياني زعزع وجداني أيضا. # ورأى جورجي أن يوسف لو كان جبانا ضعيفا لتدفقت دموعه من شدة التأثر فرق، وسأله بلطف: ~~هل كان بينك وبين ليلى عهد؟ ~~- نعم كالعهد الذي بين الأوكسيجين والهيدروجين أي ألفة كيمية؟ ~~- أنت أعلم مني بالحقائق الكيمية، أفليس في الطبيعة عنصر آخر أشد ألفة لأحد هذين العنصرين ~~من ألفتهما المتبادلة؟ ~~- تحلهما بعض القلويات. ~~- إذن، صادفت ليلى من هو أشد ألفة بها، فاجتذبها إليه وانفصلت عنك، وانحل ~~تركيبكما. ~~- إن صح ما تقول كان هذا الانحلال أشد إيلاما، ولكني أعهد أن لا ألفة البتة بين ليلى ~~والدكتور صديق هيزلي. ~~- إذن لماذا تنفصل عنك لتقبله خطيبا؟ ~~- لا أدري. ~~- لا بد من ms130 ألفة أخرى بينهما تختلف نوعا عن ألفتكما، هل هو غني؟ ~~- أظنه غنيا. ~~- ومقامه في الهيئة الاجتماعية غرار وأنت فقير ومقامك ينزل رويدا، فلا عجب أن يستميلها ~~الجاه والمال عنك. # فانتفض يوسف متألما، وقال: إني أجل ليلى عن الإعباء بهذه الأعراض. # فهز جورجي رأسه وقال: أتأسف ثالثة يا ابني أن هذا الزلزال لم يقلب كيانك كما أتمنى، أنت ~~روحاني تصوري محض فليت هذا الزلزال قلب كيانك، ونفض عنك جانبا من روحانيتك حتى يستقر كيانك ~~في العالم المادي، وترى البشر كما هم، إذا لم تكن ليلى قد اغترت بجاه صديق الهيزلي وماله، ~~فما الذي استمالها عنك؟ وإذا كانت ليلى لم تنفر منك؛ لأنك بعد إفلاسك أصبحت بلا مقام في ~~الهيئة الاجتماعية، وإلى الآن لم تجدد لنفسك مقاما، فما الذي نفرها منك؟ هل عندك تعليل ~~آخر؟ # فبقي يوسف صامتا مبهوتا مدة إلى أن قال له جورجي: هل تظن أن ليلى مرغمة على هذه ~~الخطبة؟ ~~- يستحيل أن يستطيع أحد إرغامها على أمر. ~~- إذن؟ ~~- إذا صح ما تقول: أن للمال والجاه جاذبية أشد من الألفة التي بين القلوب، فإني أبكي ~~مشفقا على هذا العالم البشري الذي يحاول أن يتسفل في حين أن الطبيعة تبذل جهدها في ~~ترقيته. ~~- هنا فلسفتك فاسدة يا بني، ما دام العالم البشري قابلا للترقي كان المعنى أنه مؤلف من ~~آحاد؛ لأنه لو كان وحدة قائمة بذاتها لكان في قمة الكمال، ولم يعد ترقيه يحتمل مزيدا، وما ~~دام العالم مؤلفا من آحاد أو وحدات متنوعة كانت آحاده متنافسة متنازعة؛ لأنه بلا التنافس ~~والتنازع لا يكون رقي، وستظل آحاده متنافسة إلى أن تتوافق وتتحد، وحينذاك تبلغ إلى قمة ~~الارتقاء، وما تسميه أنت تسفلا إنما هو الصعود في سلم الارتقاء؛ لأنه تنازع وتنافس، ~~والمبادئ التي تحاول تنفيذها أو تتمناه لا تنفذ إلا متى بلغ العالم إلى حد الكمال، فأنت جئت ~~قبل أوانك يا ابني، فإما أن تستقل عن هذا العالم أو أن تجري في تياره، وأما وقوفك فيه لصد ~~هذا التيار فكوقوف شجرة في ms131 النهر المتدفق، تظل الشجرة مقاسية صدمات المياه إلى أن يقتلعها ~~التيار، فإذا كنت تنقح فلسفتك على هذا النمو تجد اطمئنانا بعد هذا الزلزال. # فتنهد يوسف وقال: مهما نقحت يا أبتاه فلا أجد اطمئنانا ومهما تقلبت نفسي في لا تجد إلا ~~ألما. ~~- لا مسكن لهذا الألم يا بني إلا بتنقيح فلسفتك، نقحها تجد العلاج الشافي لمرضك. ~~- لا علاج لهذا المرض يا أبي، لا علاج له إلا انعطاف ليلى، آه ليلى، ليلى. # فنظر فيه جورجي، وقال: هل فقدت شممك يا يوسف؟ هل خلوت من الأنفة؟ إذا كانت ليلى تصد عنك ~~وتجفوك، وترضى سواك بعلا، فإذا لم يتحول حبك إلى قلى كنت خسيسا، فلا ترني فيك خ ... ~~- رفقا رفقا أبتاه، لا تطلب مني قلى، لا، لا أستطيع، حسبي أن أعتصم بأنفتي وشممي، لا ~~تجر يا أبتاه، إن لي كبرياء شامخة فلا تحمسها؛ لئلا تسحق فؤادي تحت قدميها، حسبي ما تنشئه ~~كبريائي من الصبر في. # وعند ذلك شعر جورجي أن جلد يوسف قد نفد، وأن زيادة مناقشته بهذا الموضوع تقطع أوصال فؤاده ~~وتصهر دماغه، فتركه ومضى. # | نصب الفخ # في تلك السهرة كان جورجي عند فهيم بك وهما مختليان في غرفة مستقلة، وقد دار بينهما الحديث ~~التالي: # قال فهيم: لماذا لم تقابل جميل فهو مفوض عني بكل أمر؟ ~~- وددت هذه المرة أن أقابل الأصيل دون الوكيل؛ لأن لي حديثا خاصا معه. ~~- بالطبع فيما يتعلق بالفتاة هيفاء فما الذي عرفته بشأنها؟ ~~- تحققت وتأكدت أنه ليس للفتى يوسف براق يد في فرارها هذه المرة، ولا يعرف عنها ~~شيئا. ~~- كيف تأكدت ذلك؟ ~~- عرفت أن للبطركخانة يدا في الأمر، وأن البطريرك والكاهن أمبروسيوس يعلمان مقر الفتاة، ~~ولكن لا أدري أين هي مودعة. ~~- كيف تأكدت ذلك أيضا؟ ~~- تأكدته من رفض الكاهن أمبروسيوس مساعدتي له في البحث عن الفتاة، كأنه أصبح في غنى عن ~~البحث عنها. ~~- ولكن ما غرض هذا الكاهن في البحث عن الفتاة؟ أما عرفت؟ ~~- عرفت أن للفتاة أهلا غير أمها يبحثون عنها، وقد فوضوا هذا الكاهن بالبحث. ~~- هل ms132 عرفت من هم أهلها؟ ~~- لا، فماذا تقول أمها عنهم ؟ ~~- أمها تعترف أن الفتاة ليست ابنتها بل ابنة أختها، وأنها تيتمت أبا وأما وهي طفلة ~~فربتها، وتقول: إن أهلها خاملو الذكر. ~~- ولكن إذا كان الكاهن قد عثر عليها فهل سلمها لأهلها؟ وإلا فلماذا يخفيها؟ وحتى متى ~~يخفيها؟ ~~- الحق أني إلى الآن لم أدر شيئا من ذلك، ولكني سأواصل البحث والسعي، ولا بد أن أكتشف ~~مقرها في هذا الأسبوع. ~~- هل تعتقد أنك تستطيع؟ ~~- أثق كل الثقة بأني أستطيع ما دام للكاهن ثقة بي. ~~- حسن وجزاؤك محفوظ يا جورجي، فهل تستطيع ذلك في برهة قصيرة؟ ~~- قد أستطيع. ~~- إذا لم تنجز الأمر سريعا يفوت يا جورجي، فابذل جهدك فيه. ~~- إني باذل جهدي، ولكني ما جئت لأباحثك بهذا الأمر؛ لأني لم أبلغ فيه إلى النهاية والحديث ~~فيه الآن بلا معنى. ~~- هذا ما أراه؛ ولذلك أستغرب لماذا قصدت إلي رأسا، فما هو الأمر الآخر؟ ~~- تقول جنابك: إن الفتاة من أصل خامل الذكر، فلماذا أنت مصر على البحث عنها والتزوج منها، ~~فدعها، وهناك كثير من الفتيات أجمل وأفضل منها. ~~- أستغرب أنك تتقلد وظيفة النصح لي، فهل اجتمعت بالفتاة وأنت تمكر علي؟ ~~- كلا، وإنما هناك فتاة أخرى أود أن أوجه نظرك إليها. ~~- من هي؟ ~~- دعد. # فاختلج فهيم وقال: هل تعرف دعدا؟ ~~- اليوم عرفتها. ~~- لماذا تريد أن توجه نظري إليها؟ ~~- لأنها في حاجة تستوجب انعطافك إذ لا بد أن تكون عالما بأمرها ... # فامتقع فهيم، وقال: علمت، وما شأني معها؟ ~~- هل عندك شك بأنك أنت السبب في ذلك؟ ~~- لم أخدعها والذنب ذنب أمها وذنبها هي أيضا. ~~- ولكن لو لم تكثر من التردد عليها ... ~~- نعم أكثرته ولكن بإغراء أمها بل بإغراء الفتاة نفسها، ولو لم تمهدا لي السبيل ما وقعت ~~في أحبولتهما. # فقال جورجي باسما: إذن هما جنتا على عفافك. # فعبس فهيم وقال: تقرع بي؟ ~~- لست أقرع بك ولكني أقول: إن الفتاة مسكينة، فإذا لم تستر عارها أخسرتها ~~مستقبلها. ~~- الحق عليها وعلى أمها، والذنب ذنبهما معا، فإذا خسرت كانت تنال عقاب ms133 ذنبها. ~~- ولكن عند الفتاة أدلة على أنك أنت ألقيتها في الهاوية بعد أن منيتها بالوعود. # فانتفض فهيم وقال: وهل تريد هي وأمها أن تعلنا تلك الأدلة؟ فلتعلناها بل فلتقاضياني، ~~والمحكمة لا تحكم علي بأكثر من تعويض. ~~- لا تريدان أن تفعلا شيئا من ذلك، بل تبتغيان مقاضاتك عند نفسك، ففيك الخصام وأنت الخصم ~~والحكم، فاحكم بما تروم، وهما تخضعان لحكمك. ~~- إني مستعد لأي تعويض تطلبانه. ~~- ولكن التعويض لا ينتشل الفتاة من سقطتها. ~~- أعطيها خمسة آلاف جنيه، فتعيش بها كأشرف امرأة، والمال يستر عارها ويقرب الناس ~~منها. ~~- ولكن المال لا يضمن لها زوجا تستر به عارها، ولا سيما إذا قام وليدها شاهدا عدلا ~~عليه. ~~- إنها مجنونة إذا كانت تطلب زوجا، فلماذا لا تعيش حرة ويكون لها كل يوم الزوج الذي ~~تريده؟ ~~- المرأة غير الرجل يا فهيم بك، فلو كان عندها مال قارون كله، وبقي عارها كساء لها لبقيت ~~في نظر أحقر الناس فضلا عن أشرافهم ساقطة، وهي تفضل الفقر مع الستر على الغنى مع العار، ~~وليس أحد غيرك يخطئها في ذلك، الفتاة في ويل الآن لا يشعر به أحد غيرها، ولا يقدره قدره أحد ~~سواها، وليس من ينقذها من هذا الويل إلا أنت. # ففكر فهيم وقال: ماذا أستطيع أن أفعل لها؟ ~~- تتزوجها فتجدها خير زوجة، وهي جميلة الخلق والخلق، فهل تطمع بأجمل منها؟ ~~- أرجو منك أن تضرب صفحا عن هذا الموضوع؛ لأني لا أستطيع أن أتزوج اثنتين. ~~- هل لك زوجة أخرى؟ ~~- نعم هيفاء لا بد أن تصير زوجتي على أي حال مهما تكلفت. # ففكر جورجي هنيهة ثم قال: ووليد دعد يبقى شاهدا على إثمك وعلى عارها. ~~- أما أنا فلا يهمني؛ لأن مالي يطهرني من كل إثم. ~~- ودعد المسكينة؟ ~~- تحتمل عارها عقابا لها. ~~- «حرام عليك.» # فقهقه فهيم وقال: الحرام لغة الساذجين الجهلاء، وماذا يضر دعد أن تعيش كأميرة بالمال الذي ~~أعطيها إياه، فتترفع به على كل من يحتقرها؟ ~~- قلت لك: ماذا يضرها، يضرها أن تكون في نظر الجمهور ساقطة، وأنت ملزم بانتشالها من ms134 ~~سقوطها. ~~- كيف أستطيع أن أنتشلها؟ ~~- بزواج. ~~- دعها تتزوج غيري . ~~- لو لم تكن حاملا لسهل تزويجها من غيرك. # ففكر فهيم هنيهة وقال: هل تقدر أن تجد لها عريسا، وأنا أدفع المهر الذي يريده ~~العريس؟ ~~- أقدر ولكني لا أكفل تلافي الفضيحة متى ولدت زوجة العريس، الذي أدبره في الشهر الرابع أو ~~الخامس، أو إذا اكتشف زوجها أمرها على أثر الزواج. ~~- نرشيه بالمال. ~~- لا أقدر أن أجد عريسا يأخذ الرشوة؛ ليقبل مثل هذا العار الذي لا يستتر، فإن رضي بها ~~ثيبا فلا يرضى بها أما لطفل يولد في الشهر الخامس. # ففكر فهيم طويلا ثم قال: هل تقدر أن تجد لها عريسا يسكت على عارها المستتر، إذا لم يعلم ~~به أحد غيره؟ ~~- قد أقدر إذا رشوته بالمال الجزيل. ~~- بكم؟ ~~- بعشرة آلاف جنيه. ~~- أدفعها. ~~- وستر العار؟ ~~- ستر العار؟ ~~- نعم فإن دعد لا بد أن تلد. # ففكر فهيم طويلا، ثم قال متلعثما وهو يبتسم: وإذا كانت لا تلد؟ ~~- كيف ذلك؟ ~~- القابلات اللواتي يعبدن المال كثيرات. ~~- فهمت، ولكن لا تثق بالقابلات؛ لئلا تكون الضلالة الأخيرة شرا من الأولى. ~~- رأيك؟ ~~- رأيي أن تتفق مع طبيب. # ففكر فهيم هنيهة ثم قال: هل تعرف طبيبا؟ ~~- أعرف الدكتور صديق هيزلي. ~~- هل يفعل؟ ~~- يحب الفلوس حبا شديدا. ~~- حسن، هل تباحثه في الأمر؟ ~~- لا، لا تدخل ثالثا في الأمر، لا تستوسط أحدا، خاطبه رأسا وهو يدبر الأمر. ~~- فكرة حسنة، إذن أتكل عليك في تدبير عريس لدعد. ~~- أضمن لك ذلك إذا كنت ترضي الدكتور صديق هيزلي لكي يدبر الأمر. # فصافحه فهيم قائلا: نحن صديقان يا جورجي ولا أستغني عن آرائك الصائبة، ولكن لا تنس ~~هيفاء. ~~- خذها من يدي. # ثم خرج جورجي وهو يضحك في نفسه ويقول: الدور ناجح إن شاء الله. # | سلسلة الفخ # في مساء اليوم التالي كان جورجي عند فهيم بك، فقال له فهيم: ما وراءك يا جورجي؟ خير إن ~~شاء الله ... # فقال جورجي مبتسما: كل خير إن شاء الله، أود أن أعلم ماذا فعلت بالمسألة التي اتفقنا ~~عليها؟ ~~- أظنها ناجحة. ~~- فاوضت الدكتور ms135 هيزلي بالأمر؟ ~~- فاوضته فتمنع في أول الأمر، ولما أحس بالأصفر الرنان لم يعد يتردد. ~~- هل علم من هي المرأة؟ ~~- لم يعلم بعد. ~~- لا تقل له من هي، بل دعه يدربك على تنفيذ العلاج، وأنت جرعها الدواء بنفسك. ~~- لماذا هذا الرأي الأخرق؟ ~~- بل هو الرأي الصائب، لا أود أن يعرف الدكتور عنها شيئا؛ لأني أقنعت ابن عمه سليم ~~الهيزلي ليكون عريسا لها وهو طائر فرحا. ~~- إنك لداهية يا جورجي، وتريد أن سليما هذا لا يعرف شيئا عن تاريخ الفتاة؟ ~~- نعم، وهو إلى الآن لا يعرف شيئا. ~~- وهبه عرف بعدئذ. ~~- لا بأس في أن يعرف بعدئذ؛ لأنه متى استولى على عشرة آلاف جنيه يغض نظره ما دام الأمر ~~مكتوما. # ففرك فهيم يديه، وهو يقول: يلوح لي أن المشروع ناجح من كل وجه يا جورجي. ~~- نعم، كل المشروعات ناجحة إن شاء الله. ~~- ماذا عندنا غير مشروع دعد؟ ~~- مشروع هيفاء. ~~- هل عثرت عليها؟ ~~- كلا، وإنما دبرت تدبيرا آخر. ~~- ما هو؟ ~~- علمت أن الكاهن أمبروسيوس ولي أمرها بموجب وصية شرعية من أهلها، فهل تعرفه؟ ~~- لا، لم أر وجهه. ~~- وهل يعرفه جميل مرمور؟ ~~- لا، لا أظن، فما هو تدبيرك الآخر؟ ~~- فاوضت الكاهن أمبروسيوس بأمر زواجك من هيفاء، وأقنعته بأنك خير عريس لها. ~~- فهل رضي؟ ~~- قال أن لا مانع عنده إذا كان يستطيع إقناع الفتاة، فأخبرته أن الفتاة تقتنع إذا كنت أنا ~~أخاطبها بالأمر، وتكفلت له بذلك. ~~- حسن جدا، فهل أراك الفتاة؟ ~~- لا، بل قال: إنه يود أن يجتمع بك كي يخاطبك بالأمر أولا، ويتفق معك عليه. ~~- حسن، مرحبا به، ماذا يريد؟ ~~- متى اجتمع بك يقول لك، ولكني فهمت منه أنه لا يريد أن تتداخل خالة الفتاة بالأمر، بل لا ~~يريد أن يرى وجهها ولا أن ترى وجهه. ~~- لن تدخل نديمة هذا المنزل قط إذا كان دخولها يعرقل المسألة. ~~- نعم، الأفضل أن تبقى بعيدة؛ لأني علمت أن الفتاة نفسها تنفر منها جدا. ~~- حسن، لا حاجة لنا بنديمة، متى يأتي الأب أمبروسيوس؟ ~~- غدا مساء إذا شئت. ~~- أنتظره هنا. ms136 ~~- نعود إلى مسألة دعد، متى تنجزها؟ ~~- غدا إن شاء الله، والدكتور وعدني أن يأتي الليلة، وسآخذ منه التعليمات اللازمة. ~~- والدواء أيضا، دعه يأت به؛ لأنك أنت لا تقدر أن تحصل عليه. ~~- طبعا هو يهيئ الدواء. # | وتد الفخ # في مساء اليوم التالي كان الأب أمبروسيوس وجورجي آجيوس عند فهيم رماح، ودار بينهم ~~الحديث التالي. # فقال الأب أمبروسيوس: فهمت من ولدنا جورجي يا فهيم بك أنك تريد هيفاء زوجة. ~~- نعم، وستكون شريكتي في سعادتي إن شاء الله، فلماذا تمسكها عني يا أبانا؟ هل عندك لها ~~عريس أفضل؟ ~~- لا، وإنما أنا ولي أمرها بموجب وصية من جدها؛ إذ لا أب ولا أم لها؛ ولهذا أود أن أضمن ~~راحتها وسعادتها قبل زواجها، وإلا فأكون مقصرا بحق الوصاية. ~~- لك كل الحق يا أبانا، فهل عندك اعتراض على زواجي منها؟ ~~- كلا، وإنما لي بعض الطلبات. ~~- إني مستعد لتلبية كل طلب، فماذا تطلب؟ ~~- حسن، أطلب مهرا للفتاة. ~~- متى صارت زوجتي كان كل مالي لها بحكم الطبع. ~~- الأمر مفهوم، ولكن الفتاة مع حداثتها تفهم مصلحتها جيدا، فهي تخاف أن تكون لها شريكات ~~في سعادتها معك. # فاختلج فهيم بك، وقال: نحن النصارى لا نستطيع أن نتزوج إلا واحدة، فلماذا هذا ~~الخوف؟ # فضحك الأب أمبروسيوس، وقال: والزوجات غير الشرعيات؟ # فامتقع لون فهيم بك، ونظر في جورجي فقال هذا: إن أبانا يعرف طيش الشباب ويعذر، فما هو ~~مؤنب الآن وإنما هو يود أن يحفظ حقوق الفتاة، فلا تلمه. ~~- ولكن لن يكون عندي زوجات شرعيات ولا غير شرعيات إلا هيفاء. # فقال الأب أمبروسيوس: لا نقدر أن نحصل على ضمانة لذلك، ولا نطلب ضمانة له، وإنما نطلب ~~ضمانة لراحة الفتاة. ~~- حسن، ماذا تريد؟ ~~- نريد أن نعطي الفتاة مبلغا من المال تضمن به راحتها في المستقبل إن حدث ما يقلق راحتها ~~ويحرمها هناءها. ~~- هذا أمر سهل جدا، فإني أقدم لهيفاء كل ما تطلب؛ لأن كل ما هو لها وما هو لي سيكون ~~لكلينا معا. ~~- إذن تضع في البنك ثلاثين ألف جنيه باسمها. # ففكر فهيم ms137 بك وقال: إنه مبلغ كبير. ~~- ليس كبيرا على من ستكون زوجتك، وما هو لها سيكون لك ولأولادكما. ~~- ما قولك إذا كنت أهبها منزلين بهذه القيمة؟ ~~- بل تضع لها القيمة في البنك، وهي تشتري بها منزلين، أو عزبة، أو ما تروم. ويبقى كل ذلك ~~تحت وصايتي إلى أن تبلغ الفتاة سن الرشد، ويصير لها حق التصرف بمالها، فأسلمها ملكها ~~تسليما شرعيا، وبعد ذلك يكون شأنها معك وشأنك معها. # ففكر فهيم هنيهة ودنا من الأب أمبروسيوس، وأسر له قائلا: لك مني خمسمائة جنيه، واترك ~~هذا الموضوع. # فعبس الأب أمبروسيوس، وقال: لا تحمل ضميري ثقلا؛ فإني كاهن الله ورجل شيخ، ولا مطمع لي ~~في هذه الدنيا، وإنما مطمعي في الآخرة، فاقفل هذا الباب ولا آخذ منك إلا ما تجود به نفسك ~~بعد أن أكللك. ~~- وإذا جعلنا الخمسمائة ألفا؟ ~~- ولو جعلتها ثلاثين ألفا، فإني مكلف بواجب مقدس يجب أن أنفذه بالأمانة. # ففكر فهيم هنيهة ثم قال: إن المبلغ كبير وليس في وسعي تدبيره. ~~- إذن لا تؤاخذني إذا أخذت الفتاة وحرصت عليها حتى تنتهي مدة وصايتي عليها، وبعد ذلك ~~فلتفعل ما تروم. # وهم الكاهن أن يقف فغمز جورجي فهيما كأنه يقول له: لا تدعه يخرج، ثم قال جورجي: مهلا ~~يا أبانا، إن الثلاثين ألفا ليست شيئا عند سعادة فهيم بك، تفضل اجلس إلى أن ننتهي عند ~~نتيجة. # فالتفت الأب إلى فهيم بك، فقال هذا له: إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون. ~~- لا بد من الثلاثين ألفا مهرا للفتاة يا بني، إني مسئول عن الفتاة أكثر منها عن ~~نفسها. ~~- ليكن ما تريد يا أبانا، فمتى يكون الإكليل؟ ~~- حالما تضع في يدي تحويلا على البنك باسم هيفاء. ~~- غدا إن شاء الله يكون التحويل في يدك. ~~- وغدا أكللكما. ~~- أين؟ ~~- حيث تكون الفتاة، إني أصطحبك إليها، ويكون المسيو جورجي الشاهد الواحد ومرأة أخرى ~~الشاهد الثاني. ~~- أين نلتقي؟ ~~- غدا يأتي المسيو جورجي ويصطحبك إلى حيث أكون. ~~- حسن. # وفيما كان المجلس يرفض أسر جورجي إلى فهيم قائلا: ماذا جرى ms138 بدعد؟ ~~- أظنها خلعت ثوب عارها ونفت من الوجود الشاهد العدل عليه. ~~- الحمد لله، كل شيء مدبر كما نروم. ~~- إني أذكر دائما فضلك يا جورجي، وغدا أراك. ~~- أكثر الله خيرك يا بك. # | فخ لذئبين # في صباح اليوم التالي كان جورجي في منزل ماري الجهوري، فقال لها: إن العريس يود أن يزوركم ~~الليلة لكي يبت المسألة، فقد عقد النية على خطبة دعد. ~~- إني شاكر لك اهتمامك يا مسيو جورجي، ولكني لا أقدر أن أستقبله الليلة. ~~- لماذا؟ ~~- لأن ... أما أخبرك فهيم بك؟ ~~- لا، ماذا؟ ~~- قضي الأمر. ~~- حسن، كيف ذلك؟ ~~- استحضر فهيم بك دواء عن يد طبيب وجرعها إياه. ~~- من هذا الطبيب؟ ~~- لم يقل عن اسمه. ~~- و...؟ ~~- في الحال، ولكني خائفة على سلامتها. ~~- لماذا؟ ~~- إنها محمومة الآن والعاقبة خطرة، إني قلقة جدا. ~~- يجب أن تستدعي طبيبا. ~~- رباه أخاف الافتضاح. ~~- لا تخافي، استدعي الدكتور صديق الهيزلي، فهو بارع وطيب جدا. ~~- صديق الهيزلي؟ أما هو قريب سليم؟ ~~- ابن عمه. ~~- يا لله! وإذا عرف سليم الأمر؟ ~~- أن يعرف الآن أفضل من أن يعرف بعدئذ. ~~- ولكن ... ~~- لا تخافي، لا يحجم وأنا فوق رأسه ألعب بدماغه، وقد مهدت له سبيل العلم بالأمر، لا ~~تخافي، افعلي كما أقول لك، العلاج عن يد ابن عمه أفضل منه عن يد طبيب غريب. ~~- أخاف أن الدكتور ينفره. ~~- لا تخافي؛ لأن الدكتور يحب المال جدا، وقد يتنازعان كلاهما دعدا، لا تخافي، العشرة ~~آلاف جنيه تغر. ~~- سأنتظر نهاية هذا اليوم، فإن اشتدت أزمتها استدعيته. ~~- حسن، فإذا اضطررت إلى استدعاء طبيب لا تستدعي أحدا غير الدكتور صديق الهيزلي، ولكن لا ~~تدعيه يفهم شيئا عن علاقة فهيم بك بالمسألة. # | الفخ من نار # في مساء اليوم التالي نحو الساعة الحادية عشرة، كان فهيم بك رماح وجورجي آجيوس في مركبة ~~تدرج بهما في شارع شبرا إلى أن استوقف جورجي الحوذي أمام منزل العجوز اليونانية التي أودع ~~هيفاء عندها. # ولما دخلا في الباب قال فهيم: عجيب أن تكون هيفاء قريبة منا ولا نعلم بمقرها. ~~- ألا تعلم يا فهيم بك أن ms139 الأسرار مغطاة بقشة كما يقال؟ # ولما دخلوا إلى المنزل استقبلهما الأب أمبروسيوس مرحبا، وقال: التحويل بثلاثين ألفا يا فهيم بك. ~~- يجب أن أرى هيفاء أولا وأعلم إن كانت راضية. ~~- لا تقدر أن تراها قبل أن ترى هي التحويل. # فتردد فهيم، فقال له الأب أمبروسيوس: إذا كنت قليل الثقة يا ابني، فالأفضل أن تعود من حيث ~~أتيت. # فتوقف فهيم بك هنيهة ثم قال: التحويل باسم هيفاء، فأسلمها إياه يدا بيد. ~~- إذا كان التحويل باسمها فلا يستطيع أن يقبضه أحد غيرها. ~~- يمكن أن يقبضه ولي أمرها. ~~- لا يستطيع أن يقبضه إلا بإذن من البطرك، فإن كان يخالجك شك فعد من حيث أتيت. # فتناول فهيم التحويل ودفعه إلى الكاهن، فاطلع عليه الكاهن ووضعه في جيبه وقال: تفضل الآن ~~وصافح هيفاء. # ودخل فهيم وراءه إلى الغرفة حيث كانت هيفاء واقفة فاستقبلته باسمة وصافحته، فانشرح صدره ~~وقال: لماذا لم تقولي لي قبلا يا هيفاء أنك تريدين مهرا؟ # فأطرقت هيفاء إلى الأرض باسمة، فقال لها: سترين يا هيفاء أن هذه الثلاثين ألف جنيه ليست ~~شيئا من ثروتي التي ستكون تحت أمرك، فهل أنت راضية من كل قلبك؟ # فازدادت الفتاة إطراقا، وعند ذلك قال الأب أمبروسيوس: اترك هذا السؤال للكاهن يا فهيم ~~بك، فلنسرع بالإكليل الآن. # وفي الحال فتح الأب أمبروسيوس كتابه، ووقف العروسان وإلى جانبيهما جورجي والعجوز ~~اليونانية، وفي هنيهة قصيرة انتهت صلاة الإكليل، وبعد بضع دقائق قال فهيم: تفضلوا الآن ~~جميعا إلى منزلي حيث أعلن زواجي لخدمي، ونستتم فرحنا هناك. # عند ذلك قرع الباب، ففتحته العجوز ودخل منه يوسف براق، فلما رأى يوسف الكاهن وفهيم بك ~~رماح عرته هزة غيظ زلزلت هيكل عظامه، وصاح: ماذا تفعلون هنا يا خونة؟ # فابتسم جورجي، وقال: لا تسخط يا يوسف؛ لم يحدث ما يسوءك. ~~- إذن كيف جاء هذا الدنس إلى هنا؟ ألكي يدنس هذا المقام الطاهر؟ # وكان يشير إلى فهيم بك، فثارت سورة الغيظ في فهيم، وقال: بل من جاء بك أنت إلى هنا يا غلام؟ وكيف تسطو على ms140 مجلسي بهذه القحة؟ إن لم تخرج في الحال قذفت بك من هذا الشباك. # وعند ذلك اعترض جورجي بينهما، وقال: مهلا، دعونا نتفاهم، ما هو شأنك يا ابني ~~يوسف؟ ~~- أتتواطأ مع هذا الرجل على خيانة هيفاء ثم تدعوني ابنك؟ إنك أنذل منه، بل أنا مجنون لأني ~~وثقت بك ولم أتعلم من الماضي. ~~- ماذا علمت من خيانتي حتى تقول هذا القول يا بني؟ ~~- ماذا يفعل هذا اللئيم هنا؟ وما شأن هذا القسيس؟ ألكي تزفوا هيفاء إلى فهيم ~~اللئيم؟ # فقهقه فهيم وقال: لقد قضي الأمر يا هذا، ولا شأن لك أولا وآخرا. # فزمجر يوسف كالنمر وقال: يا للخيانة! هل رضيت بهذا الزنيم بعلا يا هيفاء؟ إني أندب حظك ~~التعس. # فضحك جورجي وأمسك بيد يوسف قائلا: خفف عنك وهون عليك، فما حصل شيء. ~~- أما انعقد الإكليل بعد؟ إن ... # فقال فهيم: لقد جئت متأخرا يا طفيلي، وماذا كنت تفعل لو جئت قبل انعقاد الإكليل؟ # فازداد يوسف حدة وقال لجورجي: إنك خائن وأشد لؤما من هذا النغل، ينعقد الإكليل ولا ~~تزال تقول لي لم يحصل شيء؟ ~~- كلا لم يحصل. ~~- أما صارت هيفاء زوجة لهذا الساقط؟ ~~- لن تصير. # فانتفض فهيم وقال: من هو هذا الغلام المجنون حتى أخاف منه، وأكتم زواجي عنه؟ اخرج يا هذا ~~من مجلسي وإلا ... # فقاطعه جورجي وأخذه بيده إلى غرفة منفردة، وقال له همسا: لا تحتد يا فهيم بك، فما أنا ~~موار الآن ولا مراوغ، إن زواجك هذا فاسد. # فحملق فيه فهيم مستشيطا، وقال: ماذا تقول والقسيس لم يزل حاضرا؟ ~~- أقول: إنك خدعتنا جميعا، فأنت تزعم أنك فهيم رماح، والحقيقة أنك الأمير سليمان ~~الخزامي. # فانتفض فهيم حتى تزلزل هيكل عظامه، وقال: من قال لك ذلك؟ ~~- ليس خفي إلا ويعلن يا هذا، فإني أعرف تاريخ حياتك قبل أن تولد، فهل تريد أن أسرده لك ~~الآن حرفا حرفا؟ فاسمع لأقص عليك رذائلك ورذائل أبيك. # فقاطعه فهيم قائلا: اصمت اصمت يا ماكر، وهب أني أبدلت اسمي فهيفاء زوجة شخصي لا زوجة ~~اسمي. ~~- ولكن متى صرت ثانية ms141 الأمير سليمان الخزامي تفتش هيفاء عن فهيم رماح، فلا تجده، فزوجة من ~~تكون حينذاك؟ ~~- تكون زوجة ابن عمها، سواء كان فهيم رماح أو سليمان الخزامي. ~~- أي أسقف حلل لك أن تتزوج ابنة عمك؟ # وعند ذلك دخل الأب أمبروسيوس وقال: لقد سمعت حديثكما. # فقال فهيم بك: هل تنكر أنك كللتني يا أبانا؟ # فأجاب الكاهن: لا أنكر يا ابني، ولكن الإكليل فاسد، فلماذا لم تقل إن الفتاة ابنة ~~عمك؟ # فازداد فهيم بك تحيرا وقال: يا للخيانة! يا للخيانة! لعبتما علي دورا، إن هيفاء زوجتي ~~وإذا لم يكن بد من «تحليلة»، فأعرف كيف أحصل عليها، أريد الآن أن تذهب زوجتي معي، هلمي يا هيفاء. # عند ذلك قرع الباب وذهبت العجوز لتفتحه فقال جورجي: إلى أين يا فهيم؟ ~~- إلى منزلي. ~~- بل لديك مهمة أخرى تمنعك عن الذهاب إلى منزلك الليلة، فأجل أخذ هيفاء إلى أجل غير ~~مسمى. # فوقف فهيم كالأخبل لا يفهم قصد جورجي، ولكنه ما لبث أن رأى اثنين من الشرطة يدخلان، ~~فانهلع فؤاده إذ قال أحدهما: من منكم هو فهيم بك رماح؟ # فقال جورجي: هذا هو الواقف بيننا. # فاصطكت ركبتا فهيم وكاد يقع إلى الأرض وجلا، لو لم يقبض أحد الشرطيين على ذراعه وقال: ~~ماذا تريد مني؟ ~~- أن ترافقنا إلى دائرة البوليس. # وكان الشرطي الآخر يضع صفادة في يديه فصاح: يا لله! أي جناية ارتكبت؟ ~~- لا ندري، نحن ننفذ أمرا بسيطا وهو القبض عليك، وفي دائرة البوليس تعرف كل شيء. # فنظر فهيم إلى جورجي ورآه يبتسم، فقال له: هل دفع لك غيري أكثر مني يا جورجي حتى خنتني كل ~~هذه الخيانات؟ ~~- لم أقبض من أحد فلسا يا سليمان، ولكن الجزاء الحق من نفس العمل، فاذهب مع البوليس ~~الآن، فإن النائب العمومي ينتظرك. # فحرق فهيم الارم، وقال: لا أدري سر هذه الخيانة، فمن أنت يا هذا؟ ~~- لسوف تعرفني إن لم تكن قد عرفتني بعد. # فحملق فيه فهيم وصاح: ويلاه! هل تقمصت روحك في هذا الجسد الشيطاني؟ ~~- بل بعثت من قبري. # وكان الشرطيان قد ms142 استاقاه أمامهما، وهو يزمجر ويهذي ويقول: أين التحويل؟ هاتوا التحويل ~~بثلاثين ألف جنيه. يا لصوص يا سرقة يا خونة. # ولا بد أن القارئ أدرك أن جورجي والأب أمبروسيوس وهيفاء تواطئوا على هذه الحيلة لتمهيد ~~القبض على فهيم، أو بالأحرى الأمير سليمان الخزامي، ولأخذ تحويل بثلاثين ألف جنيه منه؛ ~~لأنها من حقوق الفتاة. # | يد من بعيد # وكان يوسف وهيفاء مبهوتين كأن على رءوسهم الطير لا يفهمون سر الحديث الأخير الذي جرى، ~~وبعد هنيهة قال يوسف: لماذا قبض الشرطيان على هذا الشرير؟ # فقال جورجي: لأنه ارتكب جناية. ~~- أي جناية ارتكب؟ ~~- جناية قتل جنين في بطن أمه. # فانتفض يوسف وقال: لماذا قتل الجنين وهو لم ير العالم ولم يسئ إلى أحد بعد؟ ~~- قتله لكي يخفي إثمه هو وعار الفتاة التي رامها خليلته، وما شعرت بسقوطها إلا بعد أن ~~أهملها. ~~- يا للفظاعة! يا للشر! وكيف عرفت دائرة البوليس بالجناية؟ ~~- عرفت بها كما عرفت أن الجاني هنا الآن. # فحملق يوسف في جورجي، وقال: أراك عارفا بكل شيء. ~~- نعم، بكل شيء قبل حصوله. # فجحظت عينا يوسف وقال: أخاف أن تكون لك يد في الأمر يا جورجي. ~~- نعم، كل اليد ولكن من بعيد. ~~- إذن أنت الذي ساقه إلى الهاوية. ~~- نعم، ولكن من غير أن أقع تحت طائلة عقاب؛ لأني لم أخالف قانونا. # فانتفض يوسف من شدة التأثر، وقال: خسئت يا شرير، فأنت الجاني لا هو، إن الجريمة واقعة على ~~رأسك. ~~- سنرى على من تحكم المحكمة. ~~- لا يهمني حكم المحكمة بل حكم الضمير، فبأي ضمير دفعت ذلك المسكين إلى ارتكاب ~~الجريمة؟ ~~- بضمير موسى الذي قال: «عين بعين وسن بسن.» # فانبثق الدمع من عيني يوسف وغطى عينيه بكفه، وهو يقول: لا تدعني أرى الشر ماثلا أمامي، ~~رباه! ما هذا العالم الشرير؟ لماذا لم تخلقني في المريخ لعل عالمه أنقى ضميرا وأطهر قلبا؟ ~~لماذا غدرت بذلك الشقي يا جورجي؟ إن إثمه على رأسك. ~~- إثمه على رأسه، وما ظلمه إلا شر نفسه. # وهنا استرسل يوسف بتأثره حتى إنه لم يعد يستطيع ms143 أن يكفكف دموعه، فقال له جورجي: لماذا ~~تبكي يا جبان؟ ~~- أبكي هذا العالم المنغمس بالآثام، كلما تيقنت أني في وسط صالح أجد نفسي في بحيرة من ~~الشرور، ويلاه! رباه امحق هذا العالم لكي يمحق الشر معه، ثم اخلقه خلقة جديدة صالحة؛ لأنه ~~لم يعد صالحا لتمجيدك. ~~- ليت صلاتك تستجاب يا ابني، ولكن منذ ستة آلاف سنة كان بعض الغرباء عن طبيعة هذا العالم ~~يصلون هذه الصلاة، ولكن الله - سبحانه وتعالى - لا يستجيب. ~~- لأنه رحيم طويل الأناة، يضن بخليقته أن تذهب سدى، وبأتقيائه أن يهلكوا بجريرة الأشرار؛ ~~ولهذا كان ولا يزال يرسل المعلمين عسى أن يصلحوا، فأين أنتم يا مصلحون لا تلبون دعوة الله ~~لإصلاح الجنس البشري؟ ~~- ليس في العالم إلا المراءون المنافقون يا بني، فلا تتعب نفسك في أن تغير هذا العالم، ~~وإذا شئت أن تعيش فيه يجب أن تكون شريرا مثلهم، فتعيش سعيدا متنعما. # فوضع يوسف كفه على عينيه وصاح: تبا لك! لا تجربني يا شيطان؛ فما أنا من هذا ~~العالم. # وكان سكوت عدة دقائق ويوسف مستغرق في تأثره، والكاهن يفكر وهيفاء مبهوتة لا تنبس بكلمة ~~واحدة كأن في لسانها عقلة، وبعد ذلك رفع يوسف نظره في جورجي وقال: وأي ذنب جنى ذلك الجنين ~~المسكين حتى يقتل قبل أن يعلم ما هو الإثم؟ ~~- لم يجن ولم يعاقب بل رحم؛ لأنه أبعد عن هذا العالم الشرير؛ لكيلا يأتي إليه كما أتيت ~~أنت. ~~- وأمه المسكينة؟ ماذا يكون حظها بعد هذه الفضيحة؟ ~~- إن سلمت من خطر الحمى، فقد يطهرها عقابها في هذه الدنيا حتى تدخل السماء أخيرا ~~طاهرة. ~~- إذن المرأة قد تموت أيضا. ~~- نعم؛ لأنها في حالة النزاع، فقد تفارق هذا العالم الليلة. # فاستشاط يوسف وصاح: ويحك يا شقي! الجنين وأبواه جميعا؟ ~~- وأم أمه والدكتور صديق الهيزلي أيضا. # فقبض يوسف على شعره بكلتا يديه، وجعل يصيح: الويل لك يا شرير! الويل لك! لو كنت قاضيا ~~لعلقتك على الخشبة. ~~- أشكر الله أنك لست قاضيا. ~~- أي ثأر لك على الخمسة؟ ~~- أما فهيم فكلنا هنا ms144 ذوو ثأر ضده، فهل نسيت أنت السجن؟ ~~- لقد غفرت له من كل قلبي، والله غفر له. ~~- وأما الجنين فقد رحمته إذ لم أدعه يعرف هذا العالم الشرير، وأما الفتاة فقد أخطأت ~~لنفسها وللهيئة الاجتماعية، فدعها تنال عقابها هنا أو في الآخرة؛ وأما أمها فلأنها شريكة ~~فهيم في آثامه وفي إسقاط تلك الفتاة. ~~- والدكتور صديق الهيزلي؟ ~~- لأنه عابد المال، وقد كانت له يد في تفليسك. ~~- أغفر له وليغفر الله له. ~~- لم تبرأ إلى الآن من الطعنة التي طعن بها فؤادك، هل نسيت أنه خطب ليلى؟ ~~- لا تذكر ليلى، مسكينة ليلى، ماذا حل بها بعد أن أخذ خطيبها صديق من جنبها إلى ظلمات ~~السجن؟ لقد ضربت يا شقي ستة لا خمسة. ~~- عجيب هذا الإشفاق، كنت أظن حبك تحول إلى قلى. ~~- لا أدري ما الذي يدعوك إلى هذا الظن. ~~- لأني أعلم أن الحب كحلاوة العنب إذا خامرها الفساد تحولت إلى خل. ~~- قل ذلك في الحب المركب من الشهوات النفسانية، وأما الحب الروحاني فعنصر بسيط لا يقبل ~~حلا. ~~- كل أمر من أمورك غريب يا بني، إذن أنت مشفق على ليلى؟ ~~- نعم، مسكينة ليلى، ما ذنبها حتى يطعن قلبها هذه الطعنة؟ ~~- إنك غبي، لقد نجت ليلى من شرور صديق. # | زوبعة عواطف # وبعد هنيهة قال يوسف: سمعت ذلك الشقي فهيم يذكر تحويلا، فما قصة هذا التحويل؟ ~~- هو تحويل بقيمة ثلاثين ألف جنيه حصلناها مهرا لهيفاء. ~~- لهيفاء؟ يستحيل أن تمسها هيفاء؛ لأني أكفل لهيفاء معاشها، فإن لم يكفها تعبي أطعمها ~~لحمي وأسقيها دمي. # فضحك جورجي وقال: وا أسفاه! إن مبادئك مضحية بتعبك ومعارفك لمصالح غيرك، وإذا اتكلت هيفاء ~~عليك ماتت جوعا. ~~- خير لها أن تموت فقيرة من أن تعيش منعمة من مال حرام محصل بحيلة، أو مكيدة غير ~~شريفة. ~~- نعم، إنه محصل بحيلة، ولكنه بعض ما لها، فهو حلال لها وحرام على ذلك الزنيم. ~~- لا أفهم هذا التعليل المقلوب. ~~- بالطبع لا تفهم ذلك؛ لأنك لا تعلم أن هيفاء ابنة عمه. # فحملق يوسف وقال: يا لله! سمعت شيئا ms145 بهذا المعنى إذ كنتما منفردين في الغرفة، فهل هو ~~حقيقة؟ ~~- هو الحقيقة بعينها، فإن هيفاء ابنة عم فهيم رماح الذي هو الأمير سليمان الخزامي. # فارتجف يوسف قائلا: أحقيقة أن ذلك الرجيم كان يتنكر باسم فهيم رماح؟ كيف تثبت ~~ذلك؟ ~~- ما أسهل إثبات ما أعرفه حق المعرفة، فهل تريد أن أقص عليك تاريخ حياته؟ # فزمجر يوسف كالنمر وهو يصر أسنانه، ويقول مترددا: لا، لا، ليتني تحققت ذلك قبل أن يخرج ~~من هنا فكنت أنشبت أظفاري في عنقه، آه وا غضباه! آه يا للعنة! يا نار الجحيم الحامية آه، وا ~~غيظاه! وا حر قلباه! # وكان الكاهن وهيفاء يقشعران من زمجرة يوسف ويرتاعان من تلهب مقلتيه، أما جورجي فكان ~~يبسم مطمئنا، فقال: أراك تحنق على ذلك الطاغية بعد أن كنت ترثي له، فما سر هذا ~~الانقلاب؟ # فعاد يوسف يزمجر كالمجنون وقال: ما زلت أرثي له، ولكني أحنق على طينته، يا للعنة على تلك ~~الطينة القذرة التي لا تطهرها مياه السماء ولا نيران الجحيم! ~~- ما ذنب تلك الطينة حتى تنال منك هذه اللعنة التي لا تجسر أن تسكبها إلا الآلهة؟ ~~- إن تلك الطينة لهي غريمي الوحيد في هذه الدنيا، تلك الطينة مزقت كياني، هدمت أركاني، ~~قوضت دعائمي، ضعضعت مقامي، أضاعت سعادتي، نغصت حياتي كلها. ~~- عجيب يا يوسف أن ظواهر شبيبتك تدل على أنك غني بمعارفك قوي بمبادئك، والسعادة بنت الغنى ~~والقوة، فإن كانت طينة سليمان الخزامي قد أضاعت سعادتك، ففي وسعك أن تستردها، وإلا فما أنت ~~غني ولا قوي. ~~- إني غني وقوي إلى حد ألا أستطيع إيجاد المعدوم، أو رد الماضي إلى الحاضر ~~والمستقبل. ~~- ليتنا نعلم هذا الذي قد مضى، فكنا نعلم كيف نجعله حاضرا أو مستقبلا. ~~- إنك تدعي ما لا تستطيعه الآلهة. ~~- لو كنت لا أستطيع ما أدعي. # فحملق فيه يوسف وقال: يا للغرور! أتستطيع أن تجعل الماضي حاضرا ومستقبلا؟ ~~- نعم، وأستطيع إيجاد المعدوم أيضا. ~~- إنك تدعي ما لا تستطيعه قوة القوى نفسها، فهل تقصد أن تذكي نار غيظي بهذا ~~المزاح؟ ~~- أقول لك: ms146 إني أستطيع أن أفعل ما أقول، فما أنا مازح . ~~- إذن أنت مجنون؛ لأنه لا يدعي هذه الدعوى إلا المجنون. ~~- بل أنا عاقل، وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان. ~~- تكاد تجنني يا هذا، فهل تستطيع أن تحيي الميت وهو رميم؟ ~~- أستطيع. ~~- إذا لم تكن مجنونا فأنت إله. ~~- ما أنا هذا ولا ذاك، ولكن لي قوة لا تعرفها أنت، فأي ميت تريد أن أريكه حيا فيخاطبك ~~وتخاطبه؟ # فقال يوسف هازئا: أريد أن تريني أبي. ~~- حسن، أريكه الآن، فهلم معي إلى الغرفة التالية والأب أمبروسيوس وهيفاء ينتظراننا هنا ~~إلى أن تعود مع أبيك. # وكان الأب أمبروسيوس وهيفاء كالأخبلين يسمعان ولا ينطقان، ولكن الأب أمبروسيوس قال وهما ~~يخرجان: لا شك أن هذا الرجل ساحر من سحرة الهنود. # فأخذ جورجي يوسف بيده إلى الغرفة الأخرى وجلسا، فقال جورجي: من كان أبوك؟ ~~- كان أبي الرجل الذي عوقب في حياته لحسن نيته وطهارة قلبه، وظلم بقسوة لرقة عواطفه، ~~وتشتت عائلته بجريرة حبه لها، وقتل في الدفاع عن وطن غير وطنه، فهل تعرف رجلا هذه ~~حاله؟ ~~- أعرفه. ~~- لا يبعد أنك تعرفه وأنت يوناني الأصل؛ لأنه قضى نحبه في حدود اليونان، فمن هو الذي ~~تعرفه في هذه الأحوال؟ ~~- هو الأمير خليل الخزامي، أعرفه كما أعرف نفسي. # فاقشعر يوسف وانتصب شعر رأسه، وقال: أبي خليل الخزامي، هل كنت تعرفه حين قتل؟ هل ترك كلمة ~~لابنه؟ هل ترك وصيته؟ ~~- عرفته في كل دقيقة من حياته، هل تتذكر سحنته؟ ~~- لن أنساها؛ لأنها ماثلة في مخيلتي على الدوام. # فتناول جورجي صورة فوتوغرافية من جيبه، ودفعها إلى يوسف قائلا: هل هذه صورة أبيك؟ # فما وقع نظر يوسف عليها حتى انتفض وهطل الدمع من عينيه، وصاح: هذه صورة أبي، هذه صورته ~~كما فارقني. # وجعل يوسف يقبل الصورة، ويقول مخاطبا لها: لقد جوزيت يا أبتاه جزاء سنمار، ولكن الطبيعة ~~لا تفهم حتى تعاقب ظالميك، وا أسفاه على شبابك! فماذا ترك لي أبي غير هذه الصورة؟ ~~- هذه الصورة أيضا. # وناوله جورجي صورة أخرى، فلما رآها يوسف صاح: ms147 أماه أماه! لقد قاسمت أبي مصائبه، ولا ريب ~~أنك تقاسمينه سعادته الأبدية. # وكان يوسف يقبل الصورة الأخرى، ويمسح دموعه عنها هنيهة إلى أن قال: أما زودك أبي بكلمة ~~تقولها لابنه؟ ~~- نعم، قال: إنه يود أن يراك. ~~- في العالم الثاني؟ ~~- بل في هذا العالم. ~~- في هذا العالم؟ كيف يمكن ذلك؟ ~~- أما قلت لك: إني أريكه؟ ~~- إنك تجنني يا هذا، كيف تريني أبي وقد فنيت عظامه؟ ~~- لم تفن عظامه ولا فني جسمه، بل لم يزل حيا يرزق. # فانتفض يوسف جزعا وصاح: إن كنت لا تمزح فقل لي أين أرى أبي؟ ~~- هنا؟ ~~- متى؟ ~~- الآن في هذه اللحظة. ~~- أين؟ أين هو؟ ~~- أما قلت لك: إنه هنا؟ أنت تعرفه شابا، فهل تظن أنك تراه شابا بعد أن فارقته عهدا ~~طويلا؟ ألا ترى أن الشيب كلل رأسه؟ # فحملق يوسف في جورجي وهو يرتجف من شدة التأثر، ورأى الدموع تتدفق من عينيه فارتاع لأول ~~وهلة وبقي مبهوتا هنيهة، ثم فتح فمه، ولكنه لم يستطع كلاما، وما شعر إلا بقوة تجتذبه نحو ~~جورجي حتى طرح نفسه على حضنه، وهو يصرخ: أبتاه! أبتاه! حتام تتمالك عني؟ # وفي تلك اللحظة كان الأب والابن متعانقين ودموعهما تمتزج معا. # في تلك الدقيقة كان إله الحنو يرفرف فوق ذينك الأقنومين، وهو يسكب في قلبيهما ماء حب ~~قضت الملائكة عشرين عاما وهي تستقطره. # ولم ينفك ذلك العناق إلا والباب ينفتح والأب أمبروسيوس يدخل منه، وهو ممسك بيد هيفاء ~~ويقول: ليكن اسم الله مباركا ومقدسا وممجدا. # ولما اقتربا منهما قال الأب أمبروسيوس: عانقي أباك يا هيفاء، هذا هو أبوك كان ميتا فعاش، ~~وكان ضالا فوجد. # وكان الأب أمبروسيوس قبيل ذلك منصتا وراء الباب يسمع الحديث الذي جرى بين الأب ~~والابن. # فتناول جورجي يدها وجذبها إليه وعانقها طويلا، وهو لا يستطيع كلاما؛ لأن دمعه كان أفصح ~~بيانا، أما هيفاء فكانت مبهوتة كأنها لا تفهم كل ذلك. # ولما انتهى جورجي من عناقها أجلسها إلى جانبه، وقال: عانقي أخاك يوسف يا ابنتي يا هيفاء، ~~عانق أختك يا يوسف ms148 يا ابني. # فارتمى الأخوان كل منهما على الآخر وتعانقا ، وما زالت هيفاء مبهوتة، وحدث سكوت عدة دقائق ~~بتره يوسف بقوله: أين كانت هذه الأخت يا أبتاه؟ لا عهد لي بأن لي أختا. # فقال جورجي، أو بالأحرى الأمير خليل الخزامي: إن الذين لم يروموا أن يبقى لك أب ولا أم يا بني لم يروموا أن تعرف لك أختا، الأب أمبروسيوس يقص لكما حكاية نسبكما يا ولدي إذا كان ~~عندكما شك به. # وبعد أن هدأت ثورة العواطف التي لم تشهد ملائكة السماء ثورة مثلها، روى كل أقنوم من ~~الثالوث المتجمع بعد تشتته حكاية حاله. # وظلوا يتحادثون ويتعانقون حتى طلع الصباح، وكانت في ذلك المنزل ليلة سرور حسدته عليها ~~السماء. # | ابنة الزانية # في عصر ذلك النهار جاء جورجي إلى الفندق الذي كان يقطن فيه، فوجد في غرفته رسالة بلا طابع ~~بريد كأنها جاءت مع رسول ففضها، وقرأ هكذا: # إن كاتبة هذه السطور تود أن تراك الساعة الخامسة في القهوة «...» وترجو أن لا تخيب ~~قصدها، تعرفها حالما تراها إذ لا ترى غيرها هناك. # فتحير جورجي إذ لم ير توقيعا على الرسالة، ولكنه لم يتردد، بل ذهب في الميعاد، واستغرب ~~إذ رأى ليلى هناك، فصافحها وجلس معها حيث جلست مرة مع يوسف كما يذكر القارئ، وقال باسما: ~~كان يوسف يود أن ينال هذا الشرف يا مدموازال. # فانتفضت ليلى واكفهرت، وقالت: هل يريد يوسف أن يضاعف نقمته؟ كنت أظنه أرق قلبا. # فاستغرب جورجي هذا الجواب، وقال: ما ذنب يوسف حتى تتهميه بحب الانتقام يا سيدتي؟ ~~- لم يشأ أن يتمهل يوما في الشماتة، فهل يستحل أن يوالي السهام على فتاة في ساعة ~~واحدة؟ ~~- لا أفهم ماذا تقولين يا سيدتي، هل قابلك يوسف اليوم؟ ~~- رام أن يقابلني فلم أستطع أن أستقبله؛ لأني واهية القوى على أني سأستهدف لنقمته ما ~~شاء. # فضحك جورجي قائلا: لم أعلم أن يوسف قصد إليك يا سيدتي، ولا علمت ما قصده، ولكني أؤكد أنك ~~ظلمته بسوء ظنك فيه. ~~- إن زيارته في مثل هذه الحال ms149 لا تفسر إلا بقصد الانتقام. ~~- لا أدري ما هي هذه الحال التي تشيرين إليها. # فانسجم الدمع من عيني ليلى وهي تقول: تتجاهل وأنت «زنبلك» المسألة كلها؟ ~~- إني «زنبلك» مسائل عديدة يا سيدتي، فلا أدري أيها تعنين؟ ~~- أعني آخرة المسائل التي سقت فيها ابن خالي الدكتور صديق الهيزلي إلى السجن. ~~- ما أنا سقته يا سيدتي، بل ساق نفسه وغيره، من قال لك: إني سقته؟ ~~- تلك المرأة الساقطة التي لعبت بعقلها وبعقل ابنتها التي استراحت من شقاء هذا العالم، ~~تلك الفاجرة قالت كل شيء. ~~- تقولين: إن ابنتها استراحت من شقاء العالم؟ ~~- نعم، توفيت اليوم، وبوفاتها عظم الخطب. ~~- مسكينة مسكينة دعد! رحمة الله عليها، إني بريء من كل ما تنسبينه إلي يا سيدتي. ~~- نعم، أنت بريء في نظر القضاء العالمي؛ لأنك اشتغلت من بعيد، ولكنك مجرم في نظر القضاء ~~الإلهي. ~~- أعلم كيف أبرئ نفسي أمام القضاء الإلهي يا سيدتي، ولكن إذا كنت تريدين أن تنوبي عن الله ~~في القضاء علي فحاكميني إذا شئت. ~~- معاذ الله أن أتجاسر هذه الجسارة. ~~- إذن ماذا تطلبين مني؟ ~~- أطلب منك أمرا واحدا، وهو أن تشهد أن صديقا لم يعرف منزل تلك الساقطة قبل أن استدعته ~~لمعالجة ابنتها. ~~- لا تعبأ المحكمة بهذه الشهادة يا سيدتي، فهل من شاهد يشهد أن لصديق يدا في المسألة، ~~وأنا أمنعه من الشهادة؟ ~~- فهيم بك رماح يشهد. ~~- شهادته غير مقبولة؛ لأنه متهم أول فلا تخافي، هل يستطيع أحد آخر أن يشهد أنه رأى ~~الدكتور صديقا يسلم فهيما دواء؟ ~~- لا أدري، ولكن لا أظن. ~~- إذن لا تخافي إلا إذا اعترف صديق. ~~- لا أعتقد أن صديقا جاهل حتى يسلم نفسه. ~~- إذن اطمئني يا سيدتي ولا تخافي. ~~- ويلاه! كيف أستطيع الاطمئنان وصديق بين يدي القضاء الآن؟ كيف يمكن خلاصه؟ ~~- لا تجزعي يا سيدتي، يخرج صديق من سجنه بريئا قبل أن يحين ميعاد قرانكما. # فهزت ليلى رأسها، وقالت: لا يهمني قران. ~~- وإنما يهمك أن ينجو خطيبك، وبالطبع متى نجا تيسر القران. ~~- قلت لك: لا يهمني قران، بل لا ms150 يهمني خطيب، وإنما يهمني أن ينجو الدكتور صديق الهيزلي من ~~هذه الورطة، فهل تصنع معي معروفا بأن تفعل شيئا لخلاصه؟ ~~- إن أمرك عجيب يا سيدتي؛ إذا كان لا يهمك قران ولا خطيب، فلماذا هذا القلق وذاك الجزع؟ ~~لا أرى داعيا لإنكارك الرغبة في تخليص خطيبك، إني مستعد لكل خدمة لك إذا كانت في ~~وسعي. ~~- تستطيع أن تكون شاهدا من جملة الشهود، وتنفي كل شهادة توجه ضد صديق، وبذلك تخدمني خدمة ~~عظيمة لا أقدر أن أكافئك عليها الآن، ولكني بعد خلاصه أستطيع أن أكافئك بما تريد، هذه خمسون ~~جنيها الآن فاقبلها مني ... ~~- دعي هذه الجنيهات معك يا سيدتي؛ فلا أريد جزاء لا أولا ولا آخرا، وأنا أعدك أني أفعل ~~ما أستطيعه. # فاسترسلت ليلى في البكاء، وقالت: تعني أنك لا تريد أن تصنع معي هذا المعروف، بل تريد أن ~~تعاون يوسف براق على الانتقام مني؟ ~~- إنك سيئة الظن جدا بي وبيوسف، لماذا تظنين أننا نبتغي الانتقام منك؟ ~~- لأني قبلت صديقا خطيبي، وأنا أعلم أنني أذنبت ذنبا عظيما ليوسف لا يغتفر وسأكفر عن ~~ذنبي هذا، وسيرى يوسف أني كفرت، فبربك يا مسيو جورجي اصنع معي هذا المعروف، وأنا أعدك أن ~~صديقا لن يكون زوجي، وإن كان يوسف قد أبغضني واحتقرني. سأنتقم ليوسف من نفسي نقمة لا ~~ينتظرها. # فضحك جورجي، وقال: يلوح لي أنك لم تفهمي يوسف تمام الفهم، على أني أستغرب أمرا واحدا ~~منك، وهو لماذا تهتمين هذا الاهتمام بخصوص صديق إذا كنت قد عدلت عن الزواج منه؟ ولماذا هذا ~~العدول إذا كان الرجل يخرج بريئا طاهر الذيل؟ ~~- إذا خرج بريئا فلأنك تساعدني في خلاصه، بيد أنه يبقى أثيما في نظري ونظر الذين يظلون ~~مشتبهين ببراءته، وأنا أعد نفسي أطهر من أن أنضم إلى زوج فاسد القلب ميت الضمير، إني أكره ~~صديقا ولا أهتم بخلاصه لأجل نفسه بل لأجل نفسي. # ففكر جورجي هنيهة، وقال: لأجل نفسك يا مولاتي أفعل كل شيء حتى ما لا أستطيعه، ولكن على ~~شرط أن تقولي لي سر هذه ms151 المفارقة، وهي سعيك إلى خلاص صديق مع كرهك له . # فوجمت ليلى وصمتت هنيهة، ثم قالت: ألا تريد أن تستبدل هذا الشرط؟ ~~- إذا لم تكن الثقة التامة بي يا مدموازال فلا فائدة لك من ثقتك بوعدي، أنت لا تعرفينني ~~فأنا أصف لك نفسي، إني رجل شرير جدا وصالح جدا، إني شخصان: رجيم من أهل الجحيم وملاك من ~~أهل النعيم. ~~- والآن أي الرجلين أنت؟ ~~- الثاني؟ ~~- كيف أتحقق ذلك؟ ~~- ما دام يوسف يقبلني قبلة الابن للأب، فتأكدي أن شخصي الأول معدوم. ~~- وهل عرف يوسف بكل ما فعلت؟ ~~- بعد أن أنجزته. ~~- ماذا قال؟ ~~- نقم علي وأتابني عن كل إثم، فأصبحت الرجل الصالح الذي تستطيعين أن تثقي به تمام ~~الثقة، فقولي لي السر الذي بينك وبين صديق، وأنا أعدك بأن أنيلك كل متمنى. # فترددت ليلى في الجواب، وقالت: إنك تغريني على أن أقول سرا لا يعلمه أحد غيري، ولا أرى ~~مصلحة أو فائدة من قول هذا السر، فاعذرني. ~~- لا أتوخى مصلحة لنفسي بل لك، إذا اطلعت على سرك أكون أقدر مني الآن على خدمتك، فثقي بي ~~يا ليلى إذا كنت تحبين يوسف؛ لأن منزلة يوسف عندي أعز من منزلة نفسي. # وهنا ترقرق الدمع في عيني جورجي وليلى تدهش؛ إذ تراه يكفكف بمنديله وهي تقول في نفسها: ~~يستحيل أن تكون هذه الدموع دموع مكر. # ثم قالت له: لم يبق عندي شك بإخلاصك، ولكني لا أرى أن سري يهمك. ~~- ما دام يهمك أنت أود أن أعلمه؛ لأني مجرد نفسي لخدمتك، فقولي. # فسكتت ليلى هنيهة ثم قالت مترددة: مع صديق ورق يهمني جدا جدا، فأود أن أسعى بخلاص ~~صديق عسى أن أنال منه ذلك الورق مكافأة على سعيي. ~~- وتخافين من افتضاح هذا الورق؟ ~~- لا لا، لقد شذ ظنك، بل أود أن يعلن هذا الورق. ~~- أليس الورق رسائل منك إلى صديق؟ ~~- لا لا، لم أكتب في حياتي شيئا أخجل منه. ~~- إذن أفصحي وأخبريني ما هو هذا الورق، لعلي أستطيع أن أستخلصه بنفسي. ~~- تستدرجني لقص حكاية لا أود أن تعرف ms152 قبل أوانها. ~~- لا بأس، لا يعرف بها أحد سواي . ~~- ولا يوسف؟ ~~- ولا يوسف، ثقي أنه لن يعرفها إلا منك. # فتبرمت ليلى وقالت: إني أخجل أن أقول: إنه لم يكن لي أب شرعي، وإن أمي كانت ... ~~- زانية؟ # فاكفهرت ليلى أي اكفهرار، وقالت مغرورقة العينين: نعم، إني ابنة غير شرعية، فأنت الآن ~~الثالث الذي يعرف ذلك. # فضحك جورجي، وقال: بل أنا الخامس الذي عرف ذلك يا سيدتي. # فانتفضت ليلى، وقالت: ويلاه! من عرف ذلك سواك؟ ~~- يوسف براق و... ~~- يوسف عرف ذلك أيضا؟ ~~- نعم، أخبره إياه الواشي بينه وبينك. ~~- هل عرف يوسف من هو أبي غير الشرعي؟ ~~- لا، ولا أنا عرفته، ولا الواشي عرفه على ما أظن. ~~- من كان ذلك الواشي؟ ~~- فهد المهند صديق الدكتور خطيبك. # فانتفضت ليلى وقالت: ويلاه من خبث صديق! ويلاه من إثم هذا الشرير! ويلاه من عابد المال! ~~هل صدق يوسف الوشاية؟ ~~- صدقها. ~~- ماذا قال؟ ~~- قال: إن جسد ليلى ابن زنى، ولكن روحها بنت الطهارة، وهو كما تعلمين روحاني، ويحسب الجسد ~~كربونا وأوكسيجينا وهيدروجينا ونيتروجينا، ولا فرق عنده بين جسد الكلب وجسد ~~الإنسان. # فبهتت ليلى وقالت بعد هنيهة: متى عرف يوسف ذلك؟ ~~- قبل أن يخطبك صديق. ~~- وماذا قال بعد أن خطبت صديقا؟ ~~- قال: إن كيانه زال بانفصال أحد عنصريه عنه، ولم يعد يحسب نفسه موجودا بغير ~~الجسد. # فامتقع وجه ليلى ووضعت رأسها في كفيها وبكت بكاء مرا، وما زالت تشرق بدموعها حتى تناول ~~جورجي يدها وقال: لماذا تنتحبين يا ليلى؟ ~~- لأني أنا فقدت كياني أيضا، كنت مرتفعة باتحاد عنصري مع عنصر يوسف، فلما انفصل عنصري عن ~~عنصره شعرت أني سقطت، إني يا سيدي أدنأ عنصرا من عنصر يوسف، إني ابنة زانية ويوسف ابن ~~طاهرة، إني ترابية ويوسف روحاني، فما أنا مستحقة أن أكون متحدة مع يوسف، فعسى أن روح يوسف ~~وهي ترفرف في هذا العالم تصادف الروح التي تليق بها. # عند ذلك ذعرت ليلى؛ إذ شعرت أن باب الغرفة التي يختليان فيها قد انفتح. # | في حضرة إله الحب # بغتت ms153 ليلى؛ إذ رأت يوسف داخلا وهو يقول باسما: ما زالت روح يوسف ترفرف يا ليلى، ولكنها ~~لم تقع إلا هنا. # فانتفضت ليلى ووهنت قوتها حتى كادت تقع عن كرسيها لو لم يسرع يوسف، ويمسك بيدها ويسندها ~~إلى كرسيها، وعند ذلك لم يتمالك أن وضع يدها العاجية على ثغره، وطبع فيها قبلة لا تمحى، ثم ~~جلس إلى جانبها وهي مستغرقة في تأثرها شارقة بدموعها، وبعد هنيهة قال لها: أين كبرياؤك يا ليلى، إنها تلذ لي؟ ~~- الكبرياء للروح، وأنا ترابية فلا تتسفل إلي يا يوسف. ~~- وهل يتأثر التراب يا ليلى؟ فلماذا تحاولين أن تبعدي روحك عني؟ ~~- إن روحي أثيمة فلا تتدنس بها. ~~- قولي هذا لمن يحسب الحب إثما، أما أنا فأقدس كل حب ولو كان فيه ألم لي، جئت إلى منزلك ~~اليوم لكي أفتقدك، فلماذا أسأت الظن بي ورفضت مقابلتي؟ ~~- أي حب تعني؟ ~~- حبك لصديق خطيبك. # فارتجفت ليلى وقالت: قلت لك: إني أثيمة يا يوسف، وأنت تحاول أن تبررني. ~~- إني أسمى مبدأ من أن أحسب تحول حبك عني إلى صديق إثما. ~~- إني تعسة يا يوسف؛ لأنك لم تفهمني. ~~- أفصحي فأفهم. ~~- لم أحب صديقا، ولكني أحببت الكنز الذي لي، وهو مدفون معه، مائة ألف جنيه غرتني يا يوسف ~~فحملتني على أن أنكر حبك، وأنكر أيضا بغضي لصديق، فهل صدقت أني ترابية، ولم يبق من ~~روحانيتي إلا ما يشعرني بإثمي هذا؟ ~~- ما هذا إثم يا ليلى؛ لأن الهيولى هي التي أحبت المائة ألف جنيه، فإذا كانت الروح لم تزل ~~على عهدها، فحسبي أن أعلم أن روحي وروحك أليفان، ولو كنت في الثرى وأنت في الثريا. # فنظرت إليه ليلى نظرة لا يقدر أن يفهمها أحد غيره، وقالت: إذن ما زلت تحبني يا يوسف؟ ~~- إذا بطلت أن أحبك يزول كياني بكليته، فما أنا سعيد إلا بهذا الحب، إن زواجك من صديق ~~يفصل جسدك عني فصلا أبديا، قد لا أراك بعد الآن، قد لا أسمع بذكرك، قد أكون وراء ~~الأوقيانوس، قد أكون في الرمس ... وأما روحي فتبقى ms154 تناجي روحك. ~~- إن هذا الحب قد طهر روحي من إثمها يا يوسف، بل طهر جسدي أيضا، فما قيمة المائة ألف ~~جنيه عندي بأكثر من قيمة دخان هذه السيكارة التي في يد المسيو جورجي، فهل قبلت توبتي يا يوسف؟ # وارتمت عليه فتلقاها يوسف بين ذراعيه، وقبل ريشة قبعتها وهو لا ينبس ببنت شفة، وجورجي ~~ينظر متأثرا من هذا المنظر وهو لا يستطيع أن يتكلم، ومن يجسر أن يتكلم في حضرة إله ~~الحب؟! # | أول قبلة # بعد سكوت مدة طويلة احتراما لإله الحب مسح جورجي ذوب عواطفه المتدفقة من مقلتيه، وقال ~~بصوت متهدج: ما الذي ساقك إلى هنا يا يوسف؟ ~~- ذهبت إلى غرفتك فوجدت رسالة على مكتبك علمت منها أنك جئت إلى هنا، فأسرعت عسى أن أرى ~~ليلى، فصح فألي. # فالتفت جورجي إلى ليلى وقال: نعود إلى المائة ألف جنيه يا ليلى، كيف ... # فقاطعته ليلى قائلة: لقد تفلت على المائة ألف جنيه؛ لأني تطهرت من أقذار ترابيتي وأصبحت ~~روحانية، وإذا بقيت روحانيتي تتشبث بالماديات فلا تليق للاتحاد بروحانية يوسف. # فضحك جورجي وقال: أما أنا فلا أفهم الروحانيات كثيرا، وما دمت في هذا العالم المادي أظل ~~أهتم بالماديات، فأود أن أعلم حكاية المائة ألف جنيه الدفينة مع صديق الهيزلي؛ لكي أستخلصها ~~منه إذا استطعت، ومن الحمق والجنون أن تتركيها بدعوى أنك روحانية؛ لأن المال لا يحط من مقام ~~الروحانية. ~~- إني غنية بسعادتي النفسانية عن كل مال، والمائة ألف لا تزيدني سعادة. ~~- مهما كنت غنية بسعادتك يا ليلى فهذا المبلغ الكبير إذا كان حلالا لك، فهو لازم لصيانة ~~سعادتك من صروف هذه الحياة الدنيا، فلا تدعي مبادئ يوسف تعديك إلى حد أن تتركي مائة ألف ~~جنيه لشخص حيواني الطبع يتمتع بها. # فنظرت ليلى إلى يوسف كأنها تستفتيه، فهز يوسف كتفيه كأن الأمر لا يعنيه، فقال جورجي: أعوذ ~~بالله من هذه المبادئ الخيالية، إذا كنتما تتفقان على ترك هذا المبلغ لمن ليس له فلا ريب ~~أنكما أحمقان، فقولي لي يا ليلى ماقصة المائة ألف؟ ~~- هي إرث ms155 لي من أبي غير الشرعي. ~~- وكيف اتصلت بصديق الهيزلي ؟ ~~- صديق الهيزلي ابن خالي، وقد وجد الوصية بالإرث الذي لي ضمن وصية أبيه له. ~~- وكيف اتصلت الوصية بخالك ولم تكن مع أمك؟ # وكانت ليلى تتكلم متلعثمة مزمهرة الوجه من الخجل، فقالت: لما زلت أمي الشقية زلتها ~~سعى خالي لدى أبي غير الشرعي، واستكتبه تلك الوصية لوليد الفتاة التي أغواها واشترط ذلك في ~~الوصية أن تبقى الوصية مكتومة إلى أن يموت، وإلا كانت باطلة، فكتمها خالي في وصيته لابنه، ~~ولما مات خالي اطلع عليها صديق ابنه وحفظها معه، ولم يعلنها لأحد غيري، واشترط ألا يسلمني ~~إياها إلا وأنا زوجته. # فقال يوسف: إذن صديق كان يطمع بالإرث لا بك؟ ~~- نعم؛ ولهذا كنت أبغضه، وإنما طاوعته بالخطبة عسى أن أستحصل على الوصية قبل الزواج، لا ~~تلمني يا يوسف أني أثمت بهذا الاحتيال؛ لأني أتذرع به لتحصيل حق لي لا لسلب حق غيري. # فقال جورجي: فعلت حسنا يا ليلى، فهل لك أن تقولي لي من كان أبوك غير الشرعي؟ ~~- لا أستحي أن أعترف به؛ لأنه في نظر أهل هذا العالم رجل كبير. ~~- من هو؟ ~~- هو الأمير إبراهيم الخزامي. # فاختلج كل من جورجي ويوسف، وسطت عليهما بهتة عقلت لسانيهما، وكانا ينظران كل منهما إلى ~~الآخر كأن أعينهما تتخاطب، فاستغربت ليلى بهتتهما، وبعد هنيهة قالت: أستغرب دهشتكما، فهل في ~~الأمر سر أجهله وتعلمانه؟ # فقال جورجي: نعم، هل كانت أمك تدعى سارة؟ ~~- نعم هي سارة أخت حبيب الهيزلي، فهل تعرفها؟ ~~- نعم أعرف فتاة بهذا الاسم معرفة سطحية كانت تربي ابن الأمير إبراهيم الخزامي، ولكني لم ~~أعرف إلى من تنتسب. ~~- إذن تعرف الأمير إبراهيم. ~~- نعم، ولكن ... ~~- ماذا؟ ~~- أخاف أنه لم يبق لك من المائة ألف جنيه شيء يا ليلى. ~~- لماذا؟ ~~- لأن جدك غير الشرعي أوصى بثروته لاثنين. ~~- من هما؟ ~~- هما ابنا ابنه خليل الخزامي، وهذه هي الوصية. # ودفع جورجي الوصية التي كانت مع الكاهن أمبروسيوس إلى ليلى فقرأتها مبهوتة، وبعد أن انتهت ~~منها قالت: وهل وجد الكاهن هذين الأخ ms156 والأخت؟ ~~- نعم وجدهما هنا في ... ~~- أين هما؟ ~~- أحدهما هنا معنا. # فانتفضت ليلى ونظرت في يوسف مبهوتة كأنها لا تستطيع كلاما، فقال يوسف: يسرني جدا يا ليلى أن أكون ابن عمك لحما ودما. # فقالت ليلى: وهل كنت تعرف أنك الأمير يوسف الخزامي؟ ~~- لقد أنكرت الإمارة يا ليلى؛ لكيلا تنحط روحي بالماديات العالمية المتسفلة. ~~- أكنت وأنت أمير تحب ابنة زنى تتشبث بالماديات لتنكث العهد الروحاني؟ ~~- إنك ابنة عمي يا ليلى في الجسد، وكلي بالروح. # وما تمالك يوسف أن طوقها بذراعه وقبلها أول قبلة كانت أطهر القبلات، التي أذنت السماء بها ~~لأهل الأرض، وقال لها: قبلي عمك خليلا يا ليلى، قبليه. # فاستولت على ليلى دهشة كادت تذهب بلبها، وكانت عينا جورجي مغرورقتين، فلم يتمالك أن طوق ~~ليلى بذراعيه قائلا: لا تضني على عمك بقبلة يطهرك بها من رجس أبيك. # وهنا ارتمت ليلى على جورجي وعانقته، فقبل خدها وقبلته وهما يمزجان الدمع بالدمع. # وبقي الثلاثة يتلاثمون بضع دقائق ودم القرابة فائر فيهم متدفقا، كأنه يريد أن يتمازج ~~تمازج العواطف الثائرة فيهم، ثم جعلوا يروون تفاصيل الحوادث القديمة التي شتتت الشمل، ثم ~~الحوادث الأخرى التي جمعته، وما ارفض ذلك الاجتماع النادر المثال حتى خيم الغسق، فودعتهما ~~ليلى على أمل اللقاء القريب لتقرير الحياة المستقبلية. # | تتمة التاريخ # لم تبق حاجة في نفس القارئ سوى أن يعلم ماذا انتهت إليه أحوال أشخاص هذا التاريخ، أما ~~فهيم رماح الذي اكتشف القارئ أخيرا أنه هو سليمان الخزامي ابن الأمير إبراهيم الخزامي، فقد ~~حوكم بتهمة تجريعه الدواء للفتاة دعد التي أغواها حتى أجهضت، وأسقطت جنينها وماتت على أثر ~~الإجهاض، وحكم عليه بالسجن 15 عاما، وحكم على أمها ماري الجهوري بالسجن 7 سنين؛ لأنها ~~وافقت فهيما على تجريع ابنتها الدواء، وأما الدكتور صديق الهيزلي فلما لم تجد النيابة ~~شهودا تثبت عليه التهمة حفظت أوراق قضيته، وأما جميل مرمور ونديمة الصارم فلما علما بوقوع ~~فهيم في المصيبة هجرا القاهرة إلى بلدة أخرى، كخليلين بعد أن كنزا من فضلات ثروة فهيم ما ~~كنزا. ms157 # وحدث في تلك الأثناء أن السلطان أعلن الدستور في تركيا، فأعلن جورجي ويوسف أنفسهما الأول ~~باسمه الأمير خليل الخزامي، والآخر باسمه الأمير يوسف الخزامي، وبرحا إلى دمشق لاستخلاص ما ~~بقي من ثروة الخزامي، بعد أن بدد سليمان وفضل ابنا إبراهيم منها ما بددا، وبعد أن حولا ~~منها ما حولا إلى مصر باسم فهيم رماح كما علم القارئ. # وبعد أن وضع الأمير خليل يده على الثروة، التي أوصى بها أبوه لحفيديه عاد إلى مصر، حيث ~~احتفل بزفاف ليلى إلى يوسف. # أما هيفاء فكانت بعد حين نصيبا صالحا لنجيب المراني، الذي ربيت معه ليلى كأخته. # وهكذا شاءت الأقدار أن تجمع شمل جانب من أسرة الخزامي، بعد أن تشتت، وأن تشتت شمل الجانب ~~الآخر بعد أن كان متجمعا ومتعاونا على الكيد والفجور. ms158