######OpenITI# #META# URI: 1373NiqulaHaddad.AsrarMisr.Hindawi82495926 #META# Tags: novels #META# ID: 82495926 #META# Title: أسرار مصر #META# AuthorID: 60483937 #META# Author: نقولا حداد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # علل الهيئة الاجتماعية وآلامها‏ # 1 - من الجحيم إلى النعيم‏ # 2 - حب بلا قلب‏ # 3 - بدء الأسرار‏ # 4 - الهدية الثمينة‏ # 5 - من الملوم؟ الرجل أم المرأة؟‏ # 6 - مستودع الأسرار‏ # 7 - ابحث عنه‏ # 8 - أمامنا عقبتان: الصبي وجوزفين‏ # 9 - الحية وحواء والأبالسة‏ # 10 - لا تدري أين هو‏ # 11 - ليست بخائنة‏ # 12 - مؤتمر عزرائيل ويوضاس‏ # 13 - بيد العناية السموية‏ # 14 - لو كنت تعلمين‏ # 15 - مديونة له بحياتها‏ # 16 - جزاء سنمار‏ # 17 - أما سألت عني؟‏ # 18 - الحية الثانية‏ # 19 - إضرام الغيرة أشد انتقام‏ # 20 - مفتاح الأسرار‏ # 21 - رد الكيد إلى النحر‏ # 22 - التعويذة‏ # 23 - ماري المباركة‏ # 24 - كشف المخبأ‏ # علل الهيئة الاجتماعية وآلامها‏ # 1 - من الجحيم إلى النعيم‏ # 2 - حب بلا قلب‏ # 3 - بدء الأسرار‏ # 4 - الهدية الثمينة‏ # 5 - من الملوم؟ الرجل أم المرأة؟‏ # 6 - مستودع الأسرار‏ # 7 - ابحث عنه‏ # 8 - أمامنا عقبتان: الصبي وجوزفين‏ # 9 - الحية وحواء والأبالسة‏ # 10 - لا تدري أين هو‏ # 11 - ليست بخائنة‏ # 12 - مؤتمر عزرائيل ويوضاس‏ # 13 - بيد العناية السموية‏ # 14 - لو كنت تعلمين‏ # 15 - مديونة له بحياتها‏ # 16 - جزاء سنمار‏ # 17 - أما سألت عني؟‏ # 18 - الحية الثانية‏ # 19 - إضرام الغيرة أشد انتقام‏ # 20 - مفتاح الأسرار‏ # 21 - رد الكيد إلى النحر‏ # 22 - التعويذة‏ # 23 - ماري المباركة‏ # 24 - كشف المخبأ‏ # | أسرار مصر # | أسرار مصر # تأليف # نقولا حداد # | علل الهيئة الاجتماعية وآلامها # تئن الهيئة الاجتماعية من آلام علل ثلاث: الشهوة أولاها؛ فالعفاف يتألم من الفساد، ~~والسيادة ثانيتها؛ فالعدل يتوجع من الاستبداد، والأثرة ثالثتها؛ فالسلام يتفجع من ~~الشرور. # في هذه الرواية عبرة من عبر العلة الثالثة وآلامها، وللقارئ الفطن أن يتدبر ذلك. # نقولا حداد # الفصل الأول # | من الجحيم إلى النعيم # «أراك تقسو على ابنك في تأديبه يا شيخ حسن، مع أن الرفق لمن هو في سنه أفعل في تهذيبه.» ~~قال هذه العبارة الأمير نعيم لوكيل أملاكه في ق. الشيخ حسن النعمان، إذ كان ذات يوم عنده ~~يتفقد أملاكه، وقد لاحظه مرارا يكلم الغلام يوسف إذ يأمره أن يلبي أمرا. ~~- إنه بليد يا ms01 مولاي ... ~~- بل أراه رخصا ضعيفا لا يحتمل ما تحمله، ولا يقدر على ما تكلفه، فخليق بك أن تطلق له ~~العنان في ميدان اللعب، لا أن تقيد حريته بقيد الواجبات؛ لأنه حديث السن جدا. كم ~~عمره؟ ~~- أظن خمسة أعوام. ~~- تظن؟! عجيب، ألا تعلم كم عمر ابنك؟ # قال هذا الكلام ضاحكا، أما الشيخ حسن فامتقع وجهه حياء من هذا التأنيب اللطيف، وتردد في ~~الجواب. ~~- ليس هذا ابني يا مولاي؛ ولذلك أجهل ميلاده. ~~- ابن من هو إذن؟ ~~- لا أدري، وإنما المرحومة عائشة القابلة - الداية - دفعته إلي منذ 4 أعوام، إذ كان ~~طفلا يدرج على الأرض، وقالت: «ألك أن تربي هذا اللقيط لعل خيرا منه يرجى؟» فقلت: «أنى ~~لك هذا؟» فامتعضت وأبت أن تجيب لو استطاعت ولكنها لم تر بدا من الجواب، فقالت: «لا أعلم ~~أبويه، فما هو إلا لقيط، أما فهمت؟!» قلت: «فهمت، ولكن لا بد أنك تعلمين أمه على الأقل.» ~~فاقتضبت اعتراضي قائلة: «حسبك ما فهمت، فلا تسل عن أمه إن كنت تشاء أن تربيه.» ففهمت من ~~فحوى كلامها أنه ابن بغاء، فقلت لها: «أربيه، فلا بد أن ينفع ولو خادما.» # وكان الأمير نعيم يسمع حكاية هذا الغلام وهو ينظر إليه مبهوتا، فقال: ولكن إذا لم يكن ~~ابنك أفتقسو عليه إلى هذا الحد؟! إن مثل هذا الوجه النضير، والمحيا المشرق، والمبسم المنير، ~~والجسم الرخص، والعينين الذليلتين، كل ذلك خليق بأبناء الملوك، فحرام أن يسام هذا الهوان ~~في هذه العزبة. ~~- لا بد أن يكون يا مولاي ابنا لبعض الفساق الأوروبيين، الذين يفترشون رمل الحدائق ~~المصرية لبغيهم في إبان قصفهم؛ لأن هذه الملامح ليست ملامح المصريين. ~~- ليكن ابن أي كان، فلا أراه الغلام مخلوقا لحياة على هذا الأسلوب. ~~- ماذا أفعل له يا مولاي سوى أن أعده للفلاحة والزراعة؟ # ففكر الأمير نعيم هنيهة وهو جالس على كرسي في حديقة المنزل ينكت الأرض بعصاه. ~~- لماذا لا ترسله إلى مدرسة؟ ~~- مولاي، عندي أولادي وأنا عاجز عن تعليمهم، فهل أبذل نفسي لأعلم ابنا لا صلة لي به؟ ~~وما ms02 الفائدة من تعليم هذا الصبي؟! ~~- ألا ترى في مقلتيه بريق الذكاء، وفي صدغيه المنتفخين دليل العقل؟! إنه لم يخلق ~~للمحراث، فهل تسمح لي به؟ ~~- أنا وأولادي وكل من يلوذ بي عبيدكم يا مولاي الأمير. ~~- ما اسمه؟ ~~- يوسف. ~~- ألبسه أحسن ملابسه إذن. # فتحير حسن ماذا يفعل أو ماذا يقول، فلاحظ الأمير حيرته. ~~- أندمت على إعطائي الصبي؟ ~~- كلا يا مولاي. ~~- إذن لماذا تتردد في إلباسه أنظف ملابسه لكي آخذه؟ ~~- عفوا مولاي، إن ما يلبسه الآن هو كل ملابسه. # وكان ذلك الصبي يوسف يلبس رداء لا يعرف له اسم بين أنواع الأردية، فلا هو «جلابية» ~~يعرف، ولا وشاح يسمى، وكان خليقا مرقعا لم يبين له لون تحت أوساخه، فنهض إليه ~~الأمير نعيم وأمسك بيده غير مستنكف، وقال: أتذهب معي يا يوسف؟ # فنظر إليه الغلام نظرة استغراب وأمل، كأن لسان حاله يقول: «أنى لي أن أنتقل من الجحيم ~~إلى النعيم؟!» ولكنه لم يفه ببنت شفة. ~~- هيا معي هيا. وجذبه، فامتنع الصبي، فلاطفه فمشى معه بضع خطوات، ثم التفت الأمير إلى أحد ~~الفلاحين حوله، وقال: خذ هذا الصبي الآن إلى مصر، وها إني أذودك برقعة بشأنه. # الفصل الثاني # | حب بلا قلب # في ذلك الحين كان الأمير عاصم مختليا بأخته الأميرة بهجت هانم في قصره يتفاوضان بكل ~~اهتمام. ~~- لقد ضاق ذرعي يا عاصم في ملاطفته، وقلت، بل نفدت كل حيلي في استمالته فلم أفلح، وها ~~الآن قد مر علي خمس سنين صابرة على إعراضه، مجالدة في هواه حتى كدت أموت من فتوره، وقد ~~قرأ كل حرف من آيات غرامي، ولم يخف عليه شيء من شجوني، يرى مني كل ذلك ويعاملني معاملة ~~الأخت لا معاملة الحبيبة، فما العمل؟ # ثم تنهدت وقالت: آه يا نعيم! ما أنت إلا جحيمي ونعيم جوزفين! # وما استتمت هذه العبارة إلا بصوت أضعف من هبوب النسيم اللطيف، وبعبرات كالسيل الدافق، ~~فقال أخوها الأمير عاصم: خففي عنك يا بهجت وهوني، إن لم تجدي من الهوى جاذبا للأمير ~~نعيم إليك، فلا بد أن أجد في ms03 سياستي الخفية دافعا يدفعه إلى جنبك. ~~- أتعني دافعا يدفعه بالرغم منه؟ ~~- نعم. ~~- وما الفائدة؟ # إذا لم يكن حفظ الوداد طبيعة # فلا خير في ود يجي بالتكلف ~~- لا بأس، فإن غرضي الأول أن تكون أملاكه في قبضة يدك، وحينئذ يسهل عليك أن تجعلي قلبه ~~في كفك. ~~- آه، آه! ليت لي قلبه وهو حسبي وكفى. ~~- سيكون لك الأمران يا بهجت فلا تقنطي، صبرت كل هذا الأمد الطويل فاصبري ريثما أستتم ~~وسائلي. ~~- كل الحق عليك يا أخي، فأنت الذي نبه قلبي إلى حب عقيم سقيم، لا أعجب إذا لم يمل ~~نعيم إلي ميل العاشق للمعشوقة؛ لأني ربيت وإياه تحت سقف واحد كأخوين، فلا بدع أن يشغف ~~بسواي من النساء اللواتي لا ترميه الأقدار بينهن برهة حتى تمنعهن عنه برهة أطول فتشوقه ~~إليهن؛ ولهذا يزهد بي لأني غير ممنوعة عنه، ولكني أنا لا ألتوي عنه إذ لا أتوقع سواه، فليتك ~~لم تمهد سبيلي إليه وتحجبني عن غيره، فكنت أرحتني من هذا الهم الناصب، آه! لقد قتل ~~جلدي. # وحدث سكوت بضع دقائق وعلى جبين كل من الأمير عاصم والأميرة بهجت غمامة غم سوداء، إلى أن ~~بترت بهجت ذلك السكوت سائلة: وأنت ماذا تم لك مع أخته الأميرة نعمت هانم؟ ~~- لقد أعجزتني أكثر من إعجاز أخيها لك. ~~- أفما لانت؟ ~~- كلا، لم تزل شامخة ولم أدر سر رفضها. ~~- لعل قلبها مشغول بحب مكتوم يا عاصم. ~~- بحثت طويلا فلم أهتد إلى شيء من ذلك. ~~- إذن تأباك ولو كان قلبها خلوا من هوى؟ ~~- لا يهمني قلبها. ~~- يالله! ما أقوى جلدك! ألا تزال تطمع بها وهي نافرة منك؟! ~~- جل ما وعدت به هو أن تقترن بي على شرط أن تحفظ عصمتها لنفسها كما علمت. ~~- ولا أراك تحصل على غير ذلك فاقنع به. ~~- وما الفائدة منه وأنت تعلمين أن جل بغيتي أن أضم لنا كل ميراث المرحوم الأمير إبراهيم ~~تحت إمرتي، بحيث يكون نصيب نعمت تحت يدي ونصيب نعيم لك، فإذا رضيت نعمت على الشرط الذي ~~اشترطته أخيرا وهو أن تحفظ ms04 حق عصمتها لنفسها كنت كأني لم أعمل شيئا؛ لأن نعمت تقدر أن ~~تتركني متى تشاء، أو أضطر أن أستعبد نفسي لرضاها كل عمري لكي تبقى لي، ومع ذلك لا أضمن ~~بقاءها، فإذن يجدر بي أن أختلق الوسائل الكافلة بزواجي بها بلا شرط حفظ العصمة. ~~- إذا لم تحصل على الكثير فاقنع بالقليل، وهاك أنت قد خطوت أكثر مني. ~~- لا أقنع ما لم أخف أن يفلت من يدي هذا القليل، ألا تعلمين أني صبور قليل الأمل، ثبوت لا ~~أنثني إلا ظافرا بأمنيتي؟! # لا بد هنا أن يعرف القارئ ما هي نسبة الأمير عاصم وشقيقته الأميرة بهجت هانم، بالأمير ~~نعيم وشقيقته الأميرة نعمت هانم ... # الفصل الثالث # | بدء الأسرار # وتحرير ذلك أن المرحوم الأمير إبراهيم توفيت زوجته الأولى، وهي من ذوي قرباه عن ولدين ~~هما: الأمير نعيم، والأميرة نعمت - المذكورين آنفا. وفي أثناء رحلاته إلى الآستانة تعرف ~~بأرملة تركية ذات ولدين هما عاصم وبهجت هانم، وقد زعمت هذه الأرملة أنها كانت زوجة أحد ~~الكبراء، وكانت هذه الهانم على درجة سامية من الدهاء والذكاء فضلا عن الجمال النادر، فعلق ~~بها الأمير إبراهيم المذكور أبو الأمير نعيم وتزوجها، وضم ولديها إلى ولديه ولقبهما ~~بالأمير والأميرة كأنهما ولداه، وعني بهما جدا، فعاشا مع ولديه كأخوين لهما إلى أن مات، ~~وحينذاك استلم إدارة ميراثه الأمير عاصم. # ولم يدخر الأمير عاصم وسيلة لإظهار طاعته وحبه لأبيه الجديد، والتفاته إلى أخويه ~~الجديدين حتى بعد وفاة أبيهما، كان يظهر لهما الغيرة على مصلحتهما والإخلاص لهما؛ ولهذا ~~كانا يحترمانه ويثقان به. ولكن كان في عزم الأمير عاصم أن يزوج أخته بهجت للأمير، ويتزوج ~~الأميرة نعمت أخت الأمير نعيم؛ لكي تظل ثروة الأمير إبراهيم أبيهما الطائلة تحت إمرته، ولكن ~~لا نعيم ولا نعمت كانا يميلان إلى عاصم وأخته بهذا المعنى قط، بل كانا يعتبرانهما كأخوين، ~~ولما أظهر عاصم وأخته أمنيتهما من نعيم وأخته، أبى هذان عليهما ذلك. # أما نعيم فلما كان يدرس في فينا عاصمة النمسا علق فتاة نمساوية تدعى جوزفين، وأخلص لها ms05 ~~الحب فعلقته وأولعا أحدهما بالآخر، وأخيرا عاهدها على أن يتزوجها، فصحبته في عودته إلى ~~مصر بعد إذ انتهى من الدراسة، ولكن أباه أنكر عليه الزواج الشرعي بها؛ لأنها أجنبية الجنس ~~والدين ووضيعة الحسب. أما نعيم فلم يكن ليعتبر هذه الأسباب كافية لمنع زواجه بجوزفين؛ لأنه ~~وجد فيها كل أمانيه بالزوجة، وجد أنها على غاية من الأدب والذكاء واللطف والجمال والصحة ~~فضلا عن المعرفة وطيب السريرة، ولم يكن نعيم ممن يحسبون الحسب ونحوه شيئا تلقاء هذه ~~الفضائل، ولا كان ممن يتعصبون للدين ولا للجنسية، ولا سيما لأن دينه لا يحرم عليه الزواج من ~~امرأة غريبة عنه جنسا ودينا؛ ولهذا صمم أن يثبت في حب جوزفين، وبما أنه كان يستنكر أن ~~يغيظ أباه أو يعصيه بأمر، ولو كان الأمر مخالفا للصواب - ولا سيما لأن أباه في آخر أيامه - ~~عقد عقد زواجه بجوزفين سرا على نية أن يعلنه بعد وفاة أبيه، وإنما فعل ذلك قبل وفاة أبيه؛ ~~لكي يفي بوعده لجوزفين. # وفي ذلك العام الذي تزوج فيه رحل رحلة صيفية إلى أوروبا، وترك جوزفين حاملا، وقبل أن ~~يعود نعي إليه أبوه وأبلغ خبر إجهاض زوجته، فعاد في الحال فتلقاه الأمير عاصم بكل ~~ملاطفة وتعزية وبالغ في تسكين اضطرابه على زوجته، وفي تخفيف أحزانه على أبيه، وانتهز فرصة ~~أطلعه فيها على وصية أبيه قبل وفاته. # وكان من أهم نصوص تلك الوصية: أولا: أنه أوصى بثلث تركته للأمير عاصم كأنه ابنه، ونظرا ~~لما كان له من الغيرة على البيت والاهتمام بالأملاك، وثانيا أنه حتم على نعيم أن يتجنب ~~الزواج من أجنبية عنه دينا أو وضيعة عنه حسبا؛ لأن هذا لا يليق بأسرته الشريفة، وقد بالغت ~~الوصية في هذا الموضوع جدا وتهددته بغضب أبيه إذا أبى. # أما الأمر الأول الذي ينص على إيهاب ثلث التركة للأمير عاصم فلم يعبأ به نعيم البتة، بل ~~أظهر رضاه عنه وأقنع أخته الأميرة نعمت بصوابه وباستحقاق الأمير عاصم له كأنه أخوها ~~الحقيقي، وأما الأمر الثاني؛ أي تحريم زواجه بأجنبية، فانقض ms06 على فؤاده كالصاعقة؛ لأنه كان ~~يحب جوزفين حبا شديدا، وكان مزمعا أن يعلن قرانه الشرعي بها بعد وفاة أبيه، فحار ماذا ~~يفعل؛ فإن داس وصية أبيه ولم يعبأ بها عرض نفسه للوم أقربائه ونقد العموم له، وهو يتحاشى ~~جدا أن يثلم بأمر، وإن طلق جوزفين طلق سعادته وهناءه، وإذا كان قد حرم على نفسه أن ~~يشرك في حبها، فكيف يسهل عليه أن يجحده، ولا سيما لأنه كان مشهورا بين ذويه وجميع معارفه ~~بأنه ميزان العدالة والإنصاف، فلا يبخس أحدا حقه ولا ينقض عهده ولو كان النقض فدية ~~لدمه! # وبعد تفكر طويل صمم على أن يبقى قرانه بجوزفين مكتوما، وأن يواظب على عزوبته ~~الطاهرة، فكان ذوو قرباه يعتقدون أن جوزفين محظية عنده لا زوجة له، أما الأمير عاصم فكان ~~يعلم أنها زوجته، ولكنه كان يتجاهل لغرض في نفسه. وغرضه أن يبقي أمامه مجالا لعرض أخته ~~بهجت هانم على الأمير نعيم وعقد عروة الحب بينهما؛ ولهذا كانت الأميرة بهجت تتحبب لنعيم ~~وتتودد إليه؛ لكي تستميله فيتزوجها ويترك محظيته جوزفين، أو بالأحرى زوجته. أقول زوجته لا ~~محظيته؛ لأنه كان يستنكف جدا أمر المحظيات، ويعتقد أن الرجل لا حق له أن يحظى بغير زوجته، ~~وأن المحظية مهما كانت مكرمة مع رجلها، ومهما كانت راضية في عشرته الوقتية، مغبونة في ~~هذه الحظوة التي ليست إلا ضربا من العبودية. # على أن بهجت هانم عجزت عن استمالة الأمير نعيم بوسيلة التودد والتحبب، لا لأن نعيما كان ~~يكرهها، ولا لأنه لم يكن يستحسنها، بل لأنه كان يحب جوزفين حبا يداني العبادة ويأبى أن ~~يشرك في هواها، ومع ذلك كان يجامل الأميرة بهجت ويحاسنها، ويحاول أن يقنعها بالأساليب ~~اللطيفة أن توجه حبها إلى سواه حيث يكون حبا مثمرا. # ولطالما أقنعت أخاها بأن الأمل بنعيم كالأمل بالماء من السراب، وأن الأفضل لها أن تنثني ~~عنه إلى طلابها الآخرين الذين تردهم الواحد بعد الآخر، ولكن الأمير عاصم لم ينفك عن أن ~~يحرضها على الثبوت في هواه ممنيا إياها بالفوز في الآخر ms07 القريب. # أما الأميرة نعمت هانم فكانت قد تزوجت الأمير ظافر ولم تستوف في مساكنته الحول الكامل ~~حتى فاجأته المنون قبيل وفاة أبيها، وكانت حاملا فولدت على الأثر، وقيل لها إن طفلها مات ~~في الساعة الأولى من عمره. # ولذلك صمم الأمير عاصم أن يغتنم خلو قلبها لكي يحتله، حتى إذا فاز بها وفازت أخته ~~بالأمير نعيم بقيت تركة المرحوم الأمير إبراهيم تحت إمرته، وهذا جل ما كان يرمي إليه ~~بسياسته الخفية. قلت: الخفية؛ لأنه لم يكن ليظهر طماعا بالمال، بل كان يتظاهر بالغيرة ~~الحادة على مصلحة ذلك البيت، وكان كل من يعرفه يعتقد بإخلاصه المحض وطيب قلبه وتفانيه في ~~الحرص على من يلوذ بذلك البيت الكريم. # على أن نعمت هانم بالرغم من اعتقادها بحسن مقاصده وسلامة طويته وغيرته عليها وعلى أخيها، ~~لم تجد في نفسها ميلا إليه، بل بالأحرى لم تكن لتطيق التصور أنه زوجها أو أنها تسر ~~بزوجيته؛ إذ لم يكن مليحا في عينيها. ولهذا كانت ترفض طلبه وأخيرا رضيت به على شرط أن ~~تحفظ عصمتها كما تقدم القول. # ولا عجب من نفورها منه؛ لأنه كان وقورا جدا، مهوبا ثقيلا على قلب الفتاة، مدققا في ~~المعاملة، جافا في المجاملة والملاطفة، بالرغم من محاولته لمؤانستها والتودد إليها ~~بالرقة. # الفصل الرابع # | الهدية الثمينة # - كيف رأيت هديتي لك يا عزيزتي جوزفين؟ ~~- تعني بها الصبي يوسف؟ ~~- نعم. وابتسم الأمير نعيم ابتسامة حب. ~~- لا أقدر أن أحكم حكما نهائيا فيها ما لم أعلم ما هي قيمتها عندك؛ لأن نظري إلى ~~الأشياء متوقف على نظرك لها، ولا سيما هذه الهدية على الخصوص، على أني أقول لك كل ما هو منك ~~لا أقدر أن أقدره بثمن. # فألوى الأمير نعيم على جوزفين وضمها إلى صدره، ولثم شفتها، ثم اعتدل في مجلسه. ~~- كيف رأيت الصبي؟ ~~- رأيته جميلا جدا ووديعا ... ~~- بل قولي: ذليلا. ~~- ولطيفا وأليفا. واستغربت كيف أنه لم يستوحش قط، بل كان مسرورا بالأمس، أما اليوم ~~فشعرت أنه استوحش قليلا، فتلافيت وحشته بأن لاطفته ومازحته. ~~- بارك الله فيك يا ms08 جوزفين يا حبيبتي، ألا تتوسمين ذكاء في عينيه؟ ~~- بلى هذا ما لحظته وفاتني أن أذكره لك الآن، ولا تجهل يا حبيبي نعيم أن النساء أول ما ~~يبدر إلى ذهنهن أمر الجمال ونحوه من المظاهر الخارجية، ولكن قل لي ما حكاية هذا الولد؟ فإني ~~لم أفهم من رسالتك بشأنه سوى أنه مهمل؛ إذ تسألني هل أشاء أن أربيه كابن لي، ثم تخبرني أن ~~لك رغبة في ذلك، وإنما تقدم رغبتك على رغبتي في أمره. ~~- وجدته في عزبتنا في ق. عند الشيخ حسن النعمان وكيل العزبة، فدهشني منظره وحكمت لأول ~~وهلة أنه لا يمكن أن يكون ابن حسن المذكور؛ لأن سحنته تختلف كل الاختلاف عن سحنة أولاده ~~فضلا عن بياض وجهه الناصع، ثم إني رأيت حسنا هذا وزوجته وأولاده يعاملونه بكل قساوة كأنه ~~غريب عنهم، فحرق قلبي عليه ورثى له، وشعرت في نفسي بحب له وحنو عليه، فسألت الوكيل حسنا: ~~لماذا يقسو عليه؟ فأجابني: ما استفدت منه أن الغلام ليس ابنه، فتحققت أمره وعلمت أنه لقيط، ~~حظيت به المرحومة عائشة الداية، فدفعته لحسن لكي يربيه، فخطر لي في الحال أن أتولى تربيته ~~على يدك لغرضين: أولا: لكي يملأ فراغا في قلبك؛ فإنك وقد وصلت إلى دور الأمومة ولم ينعم ~~الله عليك بسوى جنين قضى قبل أن تريه ويراك، لا بد تتوقين إلى ولد تربينه وتفرغين له حنوك، ~~وقد توسمت في ملامح هذا الصبي ما يجاوب طلب فؤادك ... ~~- عجيب! كأني بك تعبر عن إحساساتي وتشرح عواطفي، والحق أقول لك إني ما رأيت هذا الصبي ~~حتى انعطفت عليه؛ لأن سيماه انطبعت في الحال على صفحة قلبي وشعرت بالميل نحوه كما ~~توقعت. ~~- ثانيا: قصدت بذلك أن أنجيه من عيشة الشقاء التي كانت أمامه، بل من الهوان الذي كان ~~مرافقا له كظله بين أولاد حسن النعمان، قصدت ذلك لأني توسمت فيه مخائل النجابة والذكاء ~~والفطنة، ولاحظت أنه لم يخلق لمثل هذا النوع من الحياة، وأنه إذا ربي تربية صالحة ~~وتلقن العلم، فقد يكون فردا عاملا نافعا ms09 في الهيئة الاجتماعية، وربما صلح لأن يكون ~~ممثلا لاسمنا في مستقبله. ~~- حسنا فعلت، ولقد صدق ظنك بي، بل إني أضيف هذا الأمر إلى الدلائل العديدة التي تدلني ~~على حبك الصادق، وسترى أني أتمم كل مقاصدك في هذا الصبي. ~~- في كل حرف من كلامك يا جوزفين مضرم جديد لنار حبي ، فما أطيب قلبك وأرق شعورك! إلى متى ~~أنتظر منك اقتراحا فألبيه؟! بل أمرا من أوامرك فأطيعه؟! لقد مر علينا أكثر من خمس سنين ~~زوجين فلم تسأليني سؤالا واحدا، ألا تريدين شيئا؟ # فابتسمت جوزفين وقد تمثلت فيها الدعة بأجلى صورها، وقالت: وهل غفلت يا نعيمي عن أمر ~~حتى يبقى لي سؤال منك؟! أي حاجة لي لم تلبها قبل أن أفطن لها؟! وهل يكون في حاجة من هو عند ~~النعيم؟! إن لي حاجة واحدة ولكن ... # فقاطعها قائلا: ما هي؟ ~~- ليس في وسع أحد غير الله أن يجيبها، وهي أن تبقى لي سالما مسرورا. ~~- يالله! ما أحلاك يا حبيبتي! لأجلك فقط أريد السلامة والسرور، ولكني أشعر معك ... ~~- بماذا؟ ~~- بنغصتك. ~~- أي نغصة؟! ~~- لا تنكري يا جوزفين، أشعر أنك تتنغصين وتتألمين لعدم إعلان زواجنا، ولعدم ظهورك للملأ ~~بمظهر الزوجة الشرعية لي. ~~- بل إني أتألم الآن لشعورك الأليم بما تظنه من نغصتي، فهل تريد أن تريح فؤادك وفؤادي ~~معا بأن تعتقد أني مسرورة وراضية بهذا التخفي الذي قضت به الظروف وأوجبته عادات ~~قومك؟ ~~- إني لأمتن لك جدا يا جوزفين، وأقدر قيمة تضحيتك لأجلي قدرها، وأعترف لك أنها ثمينة ~~جدا. # وبعد هنيهة جاءت إحدى الخادمات بالصبي، فنادته جوزفين قائلة: هلم يا يوسف إلى ~~أبيك. ~~- لا، لا أريد أبي ولا أمي أريد أن أبقى معك. وكاد يغص بكلماته. ~~- تعال إلى أبيك هذا. وأشارت إلى الأمير نعيم، فدنا إليه فأمسكه بيده وأجلسه إلى جنبه ~~وطوق عنقه بذراعه، وقال له: لماذا لا تريد أن تذهب إلى أبيك وأمك؟ ~~- لأنهما يضربانني كثيرا ولا يحبانني كهذه. # وأشار إلى جوزفين. ~~- إذن تحب هذه السيدة؟ ~~- نعم، أحبها كثيرا. ~~- أتريد أن تكون أمك وأنت ابنها؟ ~~- نعم، ms10 نعم. ~~- وهل تحبني أنا؟ ~~- نعم. ~~- إذن قم إلى أمك هذه وقبل يدها. # فنهض الصبي يوسف في الحال، ودنا إلى جوزفين وتناول يدها وقبلها، فحضنته جوزفين ~~وقبلته، فقال لها الأمير نعيم: لو رأيته كما كان في العزبة لأنفت أن تقبليه؛ لأنه ~~كان في حالة زرية جدا. ~~- أتصور ذلك. ~~- أكثر مما تتصورين؛ ولهذا استنكفت أن أرسله إليك رأسا، بل أرسلته إلى منزل أحمد بك ~~نظيم وكيل الدائرة، والتمست منه أن يكلف أهل منزله أن يغسلوه جيدا، وأن يشتري له الملابس ~~الفاخرة، وأن يقص المزين شعره، حتى لا يأتي إليك إلا وقد امحى كل أثر من آثار شقائه، وبدت ~~ملامح بهائه. ~~- من لا يراه الآن ولا يقول إنه ابن الكبراء؟! ~~- لا ريب أن أبويه إفرنجيان لأن سحنته أوروبية أكثر مما هي شرقية، ولا بد أن يكون أحدهما ~~نبيلا عريقا في الحسب إذا لم يكونا كلاهما كذلك. ~~- ترى لماذا أنكره؟ وكيف استطاعت أمه أن تفارقه؟ ~~- الأرجح أنه ابن البغاء، وبقاؤه مع أمه عنوان عار لها، وإذا كانت ممن لا يعبأن بالعار ~~ولا يستحين من الشنار، فهي بلا ضمير ولا قلب، وبالتالي بلا حب ولا حنو، وبقاء ابنها معها ~~يكون ثقلا عليها؛ إذ لا فؤاد لها لتملأ فراغه بحنو الأمومة، فعلى كلا الحالين يكون ابن ~~البغي منبوذا. ~~- إذن هي كالتمثال المتحرك؛ لأني لا أقدر أن أتصور مرأة ذات حياة خلوا من قلب يستوعب ~~الحب ويعي الحنو! ~~- نعم هي كذلك؛ لأن سقوطها في هاوية البغي أمات فؤادها فصارت كالصنم إلا أنها تفعل أفعال ~~الأحياء. # الفصل الخامس # | من الملوم؟ الرجل أم المرأة؟ # ففكرت جوزفين هنيهة، وقالت: إني لأعجب كيف أن المرأة التي هي أحرص من الرجل على العرض ~~والشرف تسقط سقوطا هائلا حتى تموت هذا الموت الأدبي؟ ~~- لا تظني أنها تسقط من نفسها، بل إن الرجل يخدعها ويسقطها، وكلما اعتصمت بحصن قلبها ~~هاجمه الرجل بشدة حتى يفتحه ويحتله، ومتى احتله يفعل ما يشاء؛ لأن المرأة تستسلم له ~~حينئذ. ~~- نعم، هذا هو غلط المرأة؛ أنها تستسلم. ~~- لا تقولي ms11 «غلط» يا عزيزتي جوزفين؛ لأن الحب يقضي بهذا الاستسلام، ولا مناص للحب منه، ~~ولكن قولي ذلك هو ظلم الرجل، بل غدره؛ أي إنه يستوهب قلب المرأة ثم ينكره عليها. ~~- ولكن غلط المرأة أنها تستسلم قلبها بلا حجة أو «وصل» أو صك بيدها لتطالب به عند ~~اللزوم. ~~- الحب يا جوزفين متحد بالثقة، وحينما تكون الثقة لا يسأل عن صك وإلا كان الحب كاذبا، ~~فالمرأة غير ملومة في أن تسلم قلبها المفعم من الحب بلا صك، وإنما يلام الرجل الذي يؤمن ~~فيخون، وإن كنت تعتقدين أن المرأة تخطئ باستسلامها حتى بعد وثوقها بعهد من تستسلم له، ~~فإنك أخطأت نفس الخطأ معي، ولو لم أف بعهدي لك وأقترن بك اقترانا شرعيا لسقطت ~~باستسلامك لي. # فبهتت جوزفين هنيهة مفكرة وقالت: صدقت في ما تتهم به الرجل من الغدر والخيانة، ولكني ~~لا أبرئ المرأة في سقوطها، فمهما كانت محبة وواثقة لا يجوز أن تستسلم ولو صدقت العهد ~~ووثقت بالوعد. ~~- إذا لم تستسلم لا تكون واثقة، وإذا لم تثق لا تكون محبة. ~~- هذا وجه الخلاف بيننا. أنت تقول إنها إذا أحبت كل الحب ووثقت ملء الثقة وجب أن ~~تستسلم، كأن الاستسلام دليل على حبها وثقتها، وأنا أقول لا يجوز لها أن تستسلم مهما أحبت ~~ووثقت، وليس عليها أن تثبت حبها وثقتها باستسلامها، بل بشيء آخر؛ لأن في الاستسلام تضحية، ~~فماذا يضحي الرجل لها ليثبت حبه لها وثقته بها؟ # فبهت نعيم هنيهة، ثم قال خافت الصوت: بماذا تثبت حبها وثقتها إذن؟ ~~- بماذا يثبت الرجل حبه وثقته؟ أجبني أجبك. # ففكر الأمير دقيقة وهو يفتل شاربيه، ثم نظر إلى جوزفين وبين شفتيه غدير ابتسام دافق، ~~وقال: أفحمتني يا جوزفين، فإني أنظر الآن في المسألة من غير الوجه الذي كنت أنظر إليه ~~قبلا. # ثم استرسلت جوزفين قائلة: أسلم معك أن الرجل ملوم كل اللوم في خداع المرأة كما يلام كل ~~خائن، ولكن ليس ملوما في سقوط المرأة كل اللوم وحده، وإنما هي تلام أيضا؛ لأنها تسلم ~~نفسها بلا مقابل، فإذا ms12 تكافأ الرجل والمرأة في الحب وجب أن يتكافآ في كل شيء، فإن استسلمت ~~له وجب أن يكافئها على ذلك الاستسلام مكافأة مساوية له على الأقل، فهي لا تسلمه نفسها إلا ~~على مطمع أن يسلمها نفسه أيضا، فلماذا تسلمه قبل أن تعقد العهد الشرعي معه؟ فحسبه أنها ~~تظهر له من الحب كما يظهر لها. ولماذا يطالبها بأكثر وهو لم يملكها ما يساوي مطلوبه؟ ~~وإذا شكت في حبها وثقتها لعدم استسلامها له، أفليس لها أن تشك في حبه وثقته لعدم تعهده ~~«الشرعي» العلني لها، فإن استسلمت عن ثقة تامة، ثم خدعت لا تكون براء من الخطأ، وإن ~~استسلمت غير معبئة بوعد أو عهد فتكون قد أسقطت نفسها عمدا، وذنبها على رأسها وحدها، وحاصل ~~القول أن للمرأة أن تحب وتثق وتسلم ما شاءت، إلا مقامها وعرضها، فيجب أن تحتفظ عليهما، وإذا ~~سلمتهما بلا صك أو حجة كانت ملومة بلا محالة. ولا ريب أني غلطت نفس الغلطة، ولكن لم يشأ ~~الله أن يعاقبني على غلطتي؛ لأني سعيدة البخت إذ اتفق أني سلمت نفسي لأمين كله طيبة ~~وإخلاص، ولكن ذلك لا يتفق لكل أنثى. ~~- أفحمتني يا جوزفين، ولكنك لم تقنعيني. أسلم معك أن المرأة غير براء في أمر سقوطها ~~الأدبي، ولكني ألقي تبعة الأمر أولا على الرجل ثم عليها؛ لأن الرجل مغو وهي مغواة، وهو ~~مهاجم وهي مدافعة، وهو قوي وهي ضعيفة، تكون المرأة مطمئنة على نفسها صائنة لعرضها حريصة على ~~عفافها، فيأتي الرجل ويحاول أن يختلس طهارتها، وقلما ظفر الرجل بعفاف المرأة إلا بناء على ~~وعد منه لها، فإذا سلمته نفسها ثم خانها، أفلا يكون الذنب كل الذنب عليه؟! ~~- ليس كل الذنب بل معظمه؛ لأنها أذنبت قبله باستسلامها من غير عقد شرعي. ~~- نعم، ولكن مسكينة المرأة ضعيفة، ومع أن الواجب على الرجل أن ينصرها ويقويها، تراه يغتنم ~~ضعفها لانتهاب عفافها وإسقاطها، وأخيرا لا يرحمها ... # فقاطعته جوزفين مباغتة: نعم، بهذه أصبت؛ «لا يرحمها»، بل يزيد شقاءها شقاء بأن ينبذها ~~كالزهرة الذاوية، يفعل الذنوب السبعة ويظل ms13 يقال له «الفاضل العاقل الشريف النبيل الأريب ...» ~~إلى غير ذلك من الصفات الحسنة، وأما المرأة فإذا سقطت مرة سقطت إلى الأبد، وأصبحت قذارة ~~يتحاشى الرجل أن يتصل بها علنا لئلا يلتطخ بعارها. هل رأيت بغيا ناهضة من وهدة بغيها يمد ~~إليها أحد الناس يده لينتشلها من وهدتها؟ وإذا انتشلها فهل ترى أحدا يغض نظره عن ماضيها ~~ويحاسبها على حاضرها؟ بل أي بغية شقية إذا حاولت النهوض عن حضيض بغيها وشقائها لا ترتفع ألف ~~قدم لكي تدوسها وتسحقها في ذلك الحضيض. # ولكني رأيت كثيرين من الرجال، بل معظم الرجال ينغمسون في حمأة الدنس كل يوم، بل يتمرغون ~~سرا عند قدمي المرأة البغي التي يحتقرونها ويدوسونها ويتحاشون في العلن أن يعرفوها، بل ~~يتجنبونها تجنب السليم الأجرب، بل يأتون كل المنكرات ويبذلون كل شرف ويدنسون كل طهارة، ~~ومع ذلك كله يصفون بعضهم بعضا بأشرف الأوصاف وينعتون بأطهر النعوت، وأنكى من كل ذلك أنه ~~إذا طلب الواحد منهم زوجة، قال: أريد فتاة لم يمسها النسيم بعد! # وما انتهت جوزفين عند هذا الكلام حتى ظهرت الحدة في لهجتها كأنها تخاصم، فابتسم لها ~~الأمير نعيم ثم قال مقهقها: هدئي روعك، إني أوافقك على كل ما تتهمين به الرجل من ظلمه ~~وغبنه للمرأة، وأعتقد أن في طاقة الرجل أن يقلل الفحش والفجور، بأن يعاون المرأة على حفظ ~~طهارتها لا أن يحاربها ليبتز عفافها، يعاونها ليس بأن يحبسها عنه ويحتبس عنها، بل بأن يجري ~~معها على السنن الطبيعية والاجتماعية؛ أي أن يتخذ المرأة حليلة لا خليلة. # الفصل السادس # | مستودع الأسرار # بينما كان الأمير نعيم وجوزفين يتناقشان بهذا الموضوع الاجتماعي، كان أحمد بك نظيم رئيس ~~الدائرة زائرا في قصر الأميرة نعمت هانم شقيقة الأمير نعيم، وقد ساقتهما الأحاديث إلى ما ~~يأتي: إني لأعجب من صبرك يا أحمد بك، لقد مر أكثر من خمسة أعوام على توددك هذا فلم تنقص ولم ~~تزد، فإلى متى تلعب في فؤادي؟! أبثك الآن حبي الشديد الخالص، فإن كنت تخاف أن تبسط لي حبك ~~فأنا ms14 أشجعك الآن. ~~- لا تجهلين مقدار غرامي يا مولاتي، تعلمين تمام العلم من غير أن أصرح به بلساني، فإن في ~~كل جارحة من جوارحي آية بينة على هذا الحب، ولكن أين أنا منك يا نعمت؟! ~~- تعني الفرق بيني وبينك في النسب؟ إنه فرق بسيط جدا يا أحمد، وإن لي من المقام الذي ~~أحرزته أنت في الهيئة الاجتماعية والمكانة التي اتصلت إليها في نظر الكبراء والعظماء ما ~~يرفعك إلى مقام أسرة الأمراء، ثم إن لي من ذكائك وفطانتك وظرفك ما أفخر به، فلا فرق بيننا، ~~وما أنا أول من تجاوز دائرة الأسرة من أميراتها، ولو شئت لعددت لك كثيرات من الأميرات ~~اللواتي تزوجن من غير الأمراء، ونرد على ذلك أني كأخي نعيم لا نعبأ كثيرا بهذه التقاليد ~~الباطلة السخيفة، وعندنا أن شرف النفس أفضل من شرف الأصل. إني يا عزيزي أحمد أكلمك بكل ~~حرية؛ أولا لأني أعتقد أنك تقدر معنى حريتي هذه قدرها فلا تعدها تبذلا، وثانيا لأن لي ~~بك ملء الثقة بأن لا تتخذ إعلان ودادي لك سلاحا تشهره علي في حين من الأحيان ... ~~- معاذ الله يا أميرتي أن أحط من مقامك مهما رفعني الحب إلى الغرور! فإني أحبك جدا ~~وأعلم بعظم محبتك لي، ولكن الحب لا يعميني عن محامدك وفضائلك وعلو مقامك. ~~- إذن دعنا نتكلم صريحا بكل حرية. # فاضطرب أحمد بك كأنه يخاف نتيجة الحديث، بيد أنه لم يستطع حسم المحادثة فقال: مري ما ~~تشائين يا سيدتي. ~~- تؤلمني إذ تقول «سيدتي»، نحن وحدنا الآن والحب يجعلنا متساويين، والحقيقة أننا ~~متساويان، ألا تذكر كم كنت تتودد إلي قبل وفاة زوجي؟! (فاحمر وجه أحمد بك). # لا تضطرب، كنت ألاحظ كل حركة من حركاتك، بل كنت أسمع كل نبضة من نبضات قلبك. ~~- ولكني كنت أجتهد أن أغالطك؛ لكي لا تفهمي أن هذا التودد عن حب مبرح؛ لأنه حب ~~محظور. ~~- ولكن دلائل الحب إن اختفت عن الناس فلا تختفي عن المحبوب، فقد قرأت صفحات فؤادك حينئذ ~~وتجاهلت؛ لأني كنت في عصمة رجل لا يجوز ms15 لي أن ألتفت إلى سواه، ثم بعد وفاة زوجي تفاهمنا ~~كفاية وأدركت مطامح نفسك، أفلا تذكر أنك كدت تصرح لي مرة بأمنيتك؟ ~~- نعم أذكر، وليتني ... # وتوقف أحمد بك كأنه لا يود أن يقول ما يعني. ~~- ليتك ماذا؟ أفصح. ~~- ليتني لم أفصح حينئذ عن غرامي يا سيدتي؛ لأنه غرام عقيم . ~~- كذا كنت تظن حينئذ؟ ~~- نعم. ~~- تعذر، والآن هل اقتنعت أنه غير عقيم؟ ~~- لم يزل عقيما يا حضرة الأميرة. # فاتضحت أمائر الانذهال في وجه الأميرة نعمت، وقالت: عجيب! ماذا تراه حائلا دون ~~أمنيتك؟! ~~- آه! لست لي يا سيدتي. ~~- لماذا؟ ~~- لأني لا أستحقك. ~~- تكاد تجنني يا أحمد؛ لأني ما كنت أظنك ترفض. ~~- لست أرفض يا أميرتي، وإنما أقول لك إنك لست لي؛ لأني لست كفؤا لك، بل أنا أدنى جدا ~~من أن أكون لك. ~~- ألا تصدق أن النسب لا يفرق بيننا؟ ~~- لو كان النسب وحده فارقا لما حسبته حائلا بيننا. ~~- إذن الغنى؟ ~~- إذا لم يكن النسب حائلا، فهل يمكن أن يكون الغنى كذلك مع أنه شيء ثانوي بالنسبة إلى ~~النسب؟ ومع ذلك فإني أصبحت من فضل بيتكم الكريم ذا ثروة طائلة. ~~- نعم؛ هذا ما أراه مجرئا لك على طلب يدي ... فإذن ماذا؟ # فتنهد أحمد بك وقال: آه! اعذريني يا مولاتي، إنك قد تنازلت كثيرا لمن لا يستحق إلا ~~الخزي منك، رحماك! سامحيني؛ إني لست مستحقا لك. ~~- حيرتني يا أحمد! أفصح، ماذا تعني؟ # فاضطرب أحمد جدا وتلعثم لسانه وهو يقول: إنك لمن هو أعظم مني. ~~- هاها! أنت تتخوف من الأمير عاصم؟! فتأكد أنه لا ينال قلامة ظفر مني لأني لا أحبه، وقد ~~أوشكت أن أكرهه؛ لأنه ضايقني جدا بالتماس يدي، وإن كان عندي شيء من الحب له فما هو إلا ~~حب أخوي فقط، كاد يطفئ نوره بشدة مضاجرته لي، فإن كنت تحسب له حسابا فاعلم أن إرادتي ~~فوق كل إرادة. ~~- ليس هذا هو الحائل الوحيد مع أنه كاف. ~~- قلت لك إنه ليس حائلا البتة؛ لأن إرادتي في ما يخصني فوق كل إرادة. ~~- ولكن ... ~~- ماذا؟ ms16 قل، لقد نفد صبري. # وكادت نعمت هانم تستشيط غيظا؛ لأنها حادة المزاج، وقد شق عليها جدا أن يقابل أحمد بك ~~عرضها نفسها بهذا الخذلان. ~~- مولاتي، رحماك! اعذريني وسامحيني، أكون لك ما شئت غير بعل، أكون خادمك أو خادم ~~خادمك. ~~- خسئت يا جبان، أأعرض يدي على خادم؟! ما عرفتك بهذه النذالة! # ثم نهضت على قدميها وهي تقشعر من الغيظ وقالت: اسمع، إنك بعد الآن عدوي الألد، إن عرف أحد ~~حرفا مما دار بيننا لا تدري من أين تنصب عليك البلايا! # فركع أحمد بك عند قدميها وأمسك بحاشية ثوبها متضرعا. ~~- رحماك يا أميرة! رحماك! لست نذلا ولا جبانا إلا لديك؛ لأني أعد نفسي أثيما لك فلا ~~أستحقك، فارحميني واستخدميني لأي مأرب تريدينه. ~~- لا تصلح لشيء؛ لأنك نذل. ~~- كلا يا مولاتي، أفصحت لك السبب. ~~- أي سبب؟! ~~- قلت لك إن في عارا لا يمحى فأدنسك لو كانت لي صلة بك. # فتنبهت الأميرة لكلامه قائلة: ماذا؟! أي عار هذا؟! لا أفهم. ~~- لا أقدر أن أقول لك أكثر مما قلت. ~~- بل تقول، فإما أن أمحي عارك أو أن أعذرك. ~~- عاري لا يمحى، فاعذريني. # فعادت الأميرة إلى مكانها وقعدت مفكرة وقد أخذ اضطرابها أن يسكن، وبعد سكوت هنيهة قالت: ~~أما تقول لي سرك هذا؟! ~~- رحماك رحماك! ليس في وسعي، فأرجوك أن تمني علي بالمعذرة ... ~~- يالله! لم أكن أظن أنك ذو أسرار. # فأطرق أحمد بك هنيهة، وهو يصلي في قلبه أن يخرج من هذا المضيق كما دخل، ثم قالت: إذن ~~تستحيل إزالة هذا الحائل السري بيننا! ~~- نعم! نعم! ~~- ليتني أعرفه لعل لي حيلة فيه. ~~- ليتني أقدر أن أبوح به حتى لنفسي. ~~- أخفتني يا أحمد بسرك هذا. ~~- لا تخافي. ~~- هل له مساس بي؟ ~~- كلا. # ولكن قشعريرة عبرت في بدن أحمد من رأسه إلى أخمص قدميه حتى لمحتها نعمت لمح ~~الوميض. ~~- لقد هجتني إلى معرفة هذا السر. ~~- لا تهتمي به يا مولاتي، فإنه من خصائصي. # ففكرت نعمت برهة وقالت: هل يهم الأمير عاصم؟ ~~- كلا، ولكن ... ~~- لكن ماذا؟ قل: حالا. فإني ms17 لا أطيق هذا الكتمان بعد الآن، إنك تضطرني إلى فعل سيئ ~~المغبة. # فنظر أحمد بك إلى عينيها، فذعره التهابهما بنار السخط. ~~- مولاتي، إن الأمير عاصم نهاني نهي الآمر المطلق عن أن أتعرض لك بأمر. # فقهقهت قائلة: أهذا كل سرك؟ ~~- شيء منه. ~~- ولكنك قلت إنه لا يمس الأمير عاصم. ~~- نعم ؛ لا يمسه سري الحقيقي. ~~- لم أزل غير فاهمة. ~~- بربك يا مولاتي، لا تجتهدي أن تفهمي شيئا؛ لأن فهم الأمر لا يفيدك وإنما يضرني. ~~- ألا تثق بي؟! ~~- كل الثقة. ~~- فلماذا لا تقول إذن؟! ~~- لأن لا فائدة من القول. ~~- من العبث أن أستدرجك إلى التصريح على ما أرى. (ثم سكتت برهة وهي تفكر وأحمد بك لا يجسر ~~أن يفوه ببنت شفة ويخاف أن يستأذن للانصراف.) إن كان كل خوفك من تهديد عاصم فبكلمة واحدة ~~أقصره ... ~~- كلا يا مولاتي، لا يخيفني أحد إلا نفسي، فاقتنعي أن الأفضل لك أن لا أتصل بك. ~~- كفى! كفى! امض وانس كل ما كان، بل اصبر، لماذا إذن كنت تتحبب إلي في ما ~~مضى؟ ~~- لأني في بدء الأمر كنت بلا سر، ولما تمكن في حبك لم أعد أقدر أن أكتمه، فاعلمي يا ~~مولاتي أن الحب مقودي في يدك، على أني أحبك وأبقى عازبا لأجلك. # عند ذلك استلقت الأميرة نعمت في مقعدها واهية، وقالت: اذهب عني الآن؛ فإني محتاجة إلى ~~الراحة، لم يعد لي عصب يحتمل المزيد من التأثر. # فانصرف أحمد بك وهو لا يدري أين يهلك نفسه. ~~••• # أما أحمد بك فكان شابا ظريفا لبقا جميل الطلعة خفيف الدم، وقد تخرج في المدارس ~~العليا جيدا، ثم تولى إدارة دائرة الأمير إبراهيم وأظهر حذاقة في ضبط أعمالها ودقة ~~حساباتها، وأبدى غيرة فائقة على ذلك البيت الكريم حتى كان محبوبا من كل أفراده، ونال عندهم ~~مكانة سامية، وقد كان بينه وبين نعمت هانم من الود، بل من الحب الشريف، ما أفضى إلى هذا ~~الحديث الذي سلف ذكره. # الفصل السابع # | ابحث عنه # الأمير عاصم والمسيو سنتورلي كاتب قلم إفرنجي في الدائرة، اختليا في ms18 إحدى غرف ~~القصر. ~~- مهمة جديدة مهمة يا مسيو سنتورلي. ~~- خير إن شاء الله. ~~- خير لنا وشر لبعض الناس. ~~- إذن خير. ~~- نعم، مآله عموما للخير. ~~- تفضل يا مولاي قل. ~~- أنت تعلم أن جوزفين زوجة شرعية للأمير نعيم. ~~- نعم، وأعلم أيضا أن زواجهما لم يزل سرا، والذي يعلمه الجمهور أنها محظية ~~عنده. ~~- نعم، وهو لا يزال يكتم زواجه هذا حتى الآن لأنه يخالف وصية أبيه. # فابتسم سنتورلي ابتسامة المتهكم وقال: نعم. ~~- ولا يخفى عليك أن الأمير نعيما متعلم متنور، فما هو ممن يعبأون بتقاليد القدماء، ولا ~~ممن يقيدون أنفسهم بالقيود السخيفة، فهو إن كان يحترم وصية أبيه الآن لا لأنها أمر مقدس ~~واجب الإطاعة، بل لأنه يتجنب اندلاع الألسنة عليه باللوم والتثريب، ولكنه يريد أن يستبقي ~~جوزفين. ~~- وأنت تخشى أن يعلن زواجه الشرعي بها شيئا فشيئا، كذا تريد أن تقول؟ ~~- نعم، كأنك تقرأ ضميري. ~~- ثم ماذا؟ ~~- ولا أظنك تجهل أن أختي بهجت هانم تحبه جدا. ~~- وهو يتجاهل محبتها. ~~- ولكنه لا يكرهها، وأظن أنه لولا جوزفين لكانت زوجته الآن. ~~- صدقت؛ لأني لم أنس أيام كان يتحبب إلى الأميرة بهجت في عهد صباهما. ~~- نعم نعم، لا تزال تذكر إذن. ~~- نعم أذكر جيدا، وأؤكد لك أنه لو لم يرتبط بحب جوزفين ... ~~- لا تقل حب جوزفين؛ لأنه لو كان قريبا من بهجت هانم حين عرف جوزفين لما كانت هذه شيئا ~~يذكر عنده. ~~- كذا كذا، ولو لم يكن نعيم من الناس الثبوتين على ولائهم المحافظين على عهودهم لهجر ~~جوزفين من زمن ... ~~- هو عين الحقيقة ما تقول ... ~~- والأمير نعيم يفضل أن يدفن حياته إلى جنب أمه، على أن ينكث عهده مع أحد من ~~الناس. ~~- هذا هو الصواب. # قال الأمير عاصم ذلك متوسما الخير من سنتورلي. ~~- ولا بد أن يكون نعيم الآن نادما على علاقته مع جوزفين. ~~- ليس ببعيد. ~~- ومع ذلك يعظم عليه جدا أن ينكث عهده معها. ~~- بل يجتهد أن يوطده ولو كان خلاف رغبته الحاضرة. ~~- ولهذا يخشى أن يعلن زواجه قريبا. ~~- عجبت يا مسيو سنتورلي، ما بدأت ms19 جملة حتى أكملتها، فما أشد توافق أفكارنا! ~~- ذلك لأن المحقين يتفقون على الحق ويلتقون عند نقطة الحقيقة بكل سهولة. ~~- إذن تعتقد أن مشروعنا الجديد حق؟ # فضحك المسيو سنتورلي قائلا: من غير شك. ~~- أتقدر أن تجمل لي هذه الحقيقة بكلمتين؟ ~~- نعم، إن وقوع الأمير نعيم مع جوزفين جاء أذى للأمير نفسه وللأميرة بهجت شقيقتك. ~~- ليس ذلك فقط، بل يخشى أن يكون وسيلة لانتقال اسم هذا البيت وثروته؛ أعني بيت المرحوم ~~الأمير إبراهيم وثروته إلى ذرية غير طاهرة الأصل؛ لأنه من يضمن لنا أن جوزفين لا تلد ذكرا ~~مهما كان الأمير نعيم يتحاشى ذلك في ما مر من السنين الخمس الغابرة؟! وإن كنا قد نجحنا في ~~ما مضى في استئصال الفرع الغريب، فلا نضمن نجاحنا في المستقبل إن نبت فرع جديد مثله. ~~- على ذكر الولد الذكر، هل بلغك أن عند الأمير نعيم في قصر جوزفين الآن صبيا ~~يربيانه؟ ~~- نعم سمعت أن عندهما صبيا يربيانه كخادم. ~~- كلا، ليس كخادم، بل كابن؛ لأن الأمير استدعى له مربية خصوصية تعلمه وتعنى كل العناية ~~بتربيته كأنه ابنه. ~~- أكيد؟ ~~- أكيد، وجوزفين تدلله جدا كأنه ابنها. ~~- وما الغرض من هذا الصبي؟ ~~- لا أدري. ~~- لا أظنهما يتبنيانه؛ لأن التبني لغو في الشريعة الإسلامية. ~~- ولكنهما يهتمان بتربيته جدا، ويعاملانه معاملة الابن، فقد سمعت أنهما ألبساه الملابس ~~الفاخرة، ويجلسانه على مائدتهما، ويقبلانه، وفي نية الأمير أن يرسله إلى المدارس العليا ~~ولا يضن بشيء لأجل تعليمه. ~~- أأكيد كل ما تقول؟ ~~- نعم نعم، كذا سمعت وتحققت. ~~- ومن أين اتخذا هذا الصبي؟ ~~- قيل لي إنه كان عند الشيخ حسن النعمان وكيل أملاك الدائرة في ق. ~~- أهو ابنه؟ ~~- كذا المعلوم، ولكني لا أراه ابنه؛ لأن سحنته تدل على أنه أوروبي الأبوين. ~~- أرأيته؟ ~~- نعم، رأيته مرة مع مربيته ومنها تحققت أمره. ~~- إن أمر هذا الصبي أشغل بالي يا سنتورلي، فما ظنك به؟ ~~- لا أدري، وأنا كذا تحيرت في أمره. ~~- ألا تقدر أن تتحقق أصله وفصله من الشيخ النعمان؟ ~~- من غير بد. # وفكر الأمير عاصم هنيهة وهو ms20 يحدق في الأرض ثم رفع نظره إلى سنتورلي وقال له: لا بد أن ~~يكون لهذا الصبي سر يا سنتورلي حتى عني الأمير نعيم بتربيته هذه العناية؛ لأنه لا ~~يعقل أن يأخذ أحد أولاد الشيخ حسن النعمان ويجلسه إلى مائدته ويقبله قبلات الأب، إن صح ~~ما أخبرتني، ومهما يكن أمر هذا الصبي فأخاف أن ينقل الأمير نعيم ثروته إليه بطريقة شرعية أو ~~يدعي أنه ابنه من صلبه. ~~- وما ظنك بسره؟ # قال ذلك سنتورلي وابتسم، أما الأمير عاصم فكان مكمد الوجه مرتبك البال. ~~- لا بد أن يكون لهذا الصبي شأن بنا وبالأمير نعيم يا سنتورلي، فابحث عنه بالتدقيق من غير ~~أن تدع أحدا يلاحظ أمرا. ~~- سأفعل بأقرب وقت. # وكان سكوت بضع دقائق بتره سنتورلي بقوله: لم أعلم إلى الآن المهمة الجديدة التي انتدبتني ~~إليها يا مولاي. ~~- هذه المهمة الآن أصبحت عندي أهم، فمتى عرفت حقيقة الصبي أخبرك عن المهمة التي كنا ~~بصددها؛ لأنها صارت تتوقف على ما تعرفه عنه، فبعد الغد أنتظر تقريرك بشأنه. ~~- إذن أستودعك الله يا مولاي. ~~- بالسلامة. # الفصل الثامن # | أمامنا عقبتان: الصبي وجوزفين # في اليوم الثالث عاد المسيو سنتورلي من ق، واختلى مع الأمير عاصم ليخبره نتيجة بحثه عن ~~الصبي. ~~- أعرفت كل شيء؟ ~~- تقريبا كل شيء. ~~- ماذا؟ ~~- أرجح أن الصبي ابن الأمير نعيم من جوزفين. ~~- هذا ما لاح لي، فقد صدق ظني، أخبرني تفصيل المسألة. ~~- توجهت إلى الشيخ حسن النعمان في ق. بحجة مباحثته في أشغال زراعية، ومن حديث إلى حديث ~~توصلت إلى حديث عائلته، فقلت له: «كم ولد عندك؟» قال: «أربعة صبيان وابنتان.» قلت: «أعهد أن ~~عندك ثلاثة صبيان.» قال: «الثالث لم يكن ابني حقيقة، وقد رآه عندي الأمير نعيم فاستحسنه ~~وأخذه لكي يربيه.» قلت: «أهو الصبي الذي عند الأمير الآن إذن؟» قال: «نعم؛ هو.» قلت: «أما ~~هو ابنك حقيقة؟» قال: «كلا.» قلت: «ابن من إذن؟» قال: «لا أدري سوى أن المرحومة عائشة ~~الداية دفعته إلي يوما وهو في الحول الثاني من عمره، وقالت: هل لك أن تربي ms21 هذا الغلام؟ ~~فقلت لها: إني أربيه لعله ينفعني ولو خادما.» قلت: «أما سألتها عن أبويه؟» قال: «سألتها ~~فحاولت أن تهرب من الجواب، ولكني ألححت عليها، فأفهمتني تلميحا أنه لقيط ابن بغي وفسق.» ~~فقلت: «أما لاحظت ما إذا كانت تعرف أبويه أو تجهلهما؟» ففكر هنيهة وقال: «أظنها كانت تعرف ~~أمه ؛ لأني سألتها عنها لظني أنها هي التي ولدتها، فراوغت في الجواب، فاستدللت أنها تعرفها ~~ولكن لا تريد أن تقول.» فقلت له: «ألا تعلم أين كان قبل أن أتت به إليك؟» فقال: «لم أسألها ~~ذلك؛ لأنه أين يكون إلا عند أمه؟!» فقلت له: «ولكن أتظن أن أمه تربيه سنتين ثم تهمله؟» ~~فافتكر هنيهة ثم قال: «لم يخطر لي هذا الخاطر؛ ولهذا لم أدقق في تسآلها، ولو دققت لما ~~أجابتني شيئا؛ لأني لاحظت حينئذ أنها كانت شديدة الكتمان.» فقلت: «أما سألك الأمير نعيم عن ~~أصل هذا الصبي؟» فقال: «سأل أقل مما سألت، وعرف كما عرفت ولم يبد منه اهتمام بأن يعرف ~~أكثر؛ لأنه على ما لاح لي اقتنع بأن الغلام ابن بغي.» فقلت له: «بالطبع ما هو إلا ابن مومس ~~أو ابن زنا، أبت أمه أن تحتضنه لئلا يكون عنوان عار لها أو ثقلا على حياتها.» وإذ اكتفيت ~~بما تقدم واقتنعت أنه لا يدري سوى ما قاله انتقلنا إلى حديث آخر وأنا أظهر له أني لم أهتم ~~بالتسآل عن أمر الصبي إلا من قبيل ميل الإنسان إلى الاطلاع على الأسرار. # وكان الأمير عاصم يسمع حديث سنتورلي وفمه مشقوق وقلبه قوي الخفوق، فلما استوعب كل كلامه ~~قال: أتظن أن هذا الغلام هو ابن جوزفين الذي عهدنا إلى عائشة الداية أمر خنقه أو إهدائه ~~للراهبات في ملجأ اللقطاء، وأن تدعي أمام أمه أنه ولد مائتا؟ ~~- كذا أظن. ~~- ولكن الدلائل غير واضحة ولا مؤكدة؛ لأنه يحتمل أن يكون صبيا آخر غير ابن جوزفين، ~~ولدته إحدى البغيات أو الزواني على يد عائشة، وأوعزت إليها أن تعطيه لأحد الناس لكي ~~يربيه. ~~- لا أظن ذلك يا مولاي، لأنه لو ms22 كان ابنا لغير جوزفين كما تظن، لما كانت أمه تسلمه لأحد ~~بعد أن تربيه عامين، إذا كانت قد استبقته عندها عامين، ولا كانت الداية عائشة تعطيه للشيخ ~~حسن النعمان، بل بالأحرى كانت ترميه أمام باب الدير كما يرمى سائر اللقطاء، فإعطاء عائشة ~~إياه للشيخ حسن يدل على أن لها قصدا بذلك. ~~- ماذا ترى قصدها؟ ~~- أظن قصدها أن يقع الصبي بين أيدي أهله كما جرى. ~~- لقد أخفتني يا سنتورلي بهذا التعليل القريب من الصحة، وسواء صدق ظننا أو لم يصدق يجب أن ~~نفترضه صادقا ونعمل عملنا مراعين هذا الافتراض. ~~- ماذا تعني يا مولاي؟ # ففكر الأمير عاصم برهة، وقال: ألا تظن أنه إن صدق ظننا كان هذا الغلام خطرا علينا ~~وإفسادا لمشروعنا؟ لأنه إن عرف بعدئذ تاريخ ولادته أو حياته الأولى انفضح جرمنا، أقول ~~جرمنا؛ لأنك أنت شريك فيه. # فضحك سنتورلي ضحكة الوجل، واستمر الأمير في خطابه. ~~- ثم إن ثبوت بنويته للأمير نعيم يفسد مشروعي ويهدم كل آمالي. ~~- إذن ماذا تريد؟ ~~- أما هو عقبة عظمى في سبيلنا؟ ~~- تريد إذن أن نزيل هذه العقبة؟ ~~- ألا ترى وجوب ذلك؟ ~~- نعم نعم. ~~- ولكن يجب عليك قبلا أن تتحقق ماذا يعتقد الأمير نعيم وجوزفين بأمر الصبي، وماذا ~~يظنانه. ~~- أستطيع ذلك بسهولة؛ لأن مربية الصبي إيطالية وقد تعرفت بها وصرت صديقها، فأقدر أن ~~أتحقق منها ذلك من غير أن تلاحظ أن لي قصدا مهما. ~~- تفعل حسنا، يبقى عليك أن تفحص عن تاريخ حياة الصبي الأولى من زوج عائشة وغيره من ذويها ~~وأصدقائها إن استطعت. ~~- سأفعل، وإذا صدقت ظنونا؟ ~~- إذا ثبت أن الصبي ليس ابن نعيم فقد زالت مخاوفنا، وإنما يبقى الصبي إفسادا لمشروعنا؛ ~~لأن وجوده بين نعيم وجوزفين كابن لهما يؤيد ارتباطهما ويتعذر بعده أن يطلقها؛ لأن حبهما ~~للصبي يكون صلة حب قوية بينهما، ثم يخشى أن يتمكن حب نعيم للصبي إذا رباه وصار رجلا ذا ~~شأن وأن يهبه ثروته بعد ذلك، وأما إذا ثبت أن الصبي ابن نعيم وجوزفين حقيقة فإن كانا قد ~~عرفا حقيقة أمره ms23 وسكتا فلا نستطيع أن نطمئن لسكوتهما، وإن كانا لا يزالان يجهلانها فلا بد ~~أن يعرفاها ولو بعد حين، فإذن نحن تحت خطر على كل حال ومشروعنا مهدد على الدوام. ~~- نعم مهدد ما دام الصبي موجودا في قصر الأمير نعيم. ~~- كذا كذا. ~~- إذن لا بد من إبعاد الصبي على كل حال، سواء ثبت أنه ابن الأمير أو كان ابن سواه. ~~- كذا أرى، ولكن لا تغفل عن تحقق أمره لكي نطمئن ولا نشغل القارئ الكريم بتفاصيل تحقيقات ~~المسيو سنتورلي، فإنه استفهم من مربية الصبي فتأكد له أن الأمير نعيما وجوزفين يعتقدان أن ~~الصبي ابن زنا، واستقصى كثيرا عن حقيقة أمره من ذوي عائشة الداية، فوجد أنهم لا يعرفون ~~شيئا، وأن عائشة لم تترك أثر خبر عن الصبي. # فاطمأن الأمير عاصم بعض الاطمئنان؛ لأنه رأى أن اعتقاد الأمير نعيم وجوزفين بنغولة الصبي ~~يمد أمامه أجل السعي والعمل لمشروعه، ولكنه بقي متخوفا أن يصدق ظنه بأن الصبي ابن نعيم ~~الحقيقي، وأن يهتدي الأمير إلى هذه الحقيقة قبل أن يبلغ عاصم إلى وطره؛ ولذلك قال لسنتورلي: ~~إذن يجب أن نبتدئ بمهمتنا منذ الآن بكل سرعة وهمة ونشاط، أمامنا عقبتان كما أفهمتك. ~~- نعم، الصبي وجوزفين. ~~- والواجب؟ ~~- إزالتهما. ~~- متى يتسنى لك ذلك؟ ~~- ليس في العهد القريب. ~~- متى تظن؟ ~~- حين يفترق الأمير نعيم عنهما افتراقا طويلا بعيدا. ~~- أتتوقع افتراقه؟ ~~- كلا؛ لأنه لا يسافر سفرا بعيدا إلا وجوزفين إلى جانبه، وفي كل صيف يبرحان معا إلى ~~أوروبا. # ففكر الأمير عاصم برهة ثم قال: علي تدبير طريقة لحمله على أن يسبقها إلى أوروبا في هذا ~~الصيف، فإني أخلق له مهمة في الآستانة أو غيرها تضطره إلى السفر على حين فجاءة، فيسافر على ~~أمل أن تتبعه جوزفين إلى أوروبا. ~~- وأنا علي الباقي. ~~- ماذا تفعل؟ ~~- لا أدري الآن، ولكن كن على ثقة بنجاحي. ~~- ولكن يجب أن تبعدها عنه وتترك له منها أثرا سيئا له لكي يكرهها ولا يسأل عنها في ما ~~بعد. ~~- سأضع خطة وأشرحها لك مسهبة وأرى رأيك فيها. ~~- ثم يجب ms24 أن تظهر دائما بمظهر الموافقين لكل رغائب نعيم والشاعرين معه بسروره ~~وترحه. ~~- طبعا، وإلا أخفق مسعانا. ~~- إذن نفترق على أن نفتكر مليا بالأمر. ~~- من غير بد. ~~- ولا ريب عندي أنك مقتنع بأن مآل المشروع للخير الأعظم نحو هذا البيت الكريم الذي خلفه ~~سيدك المرحوم صدقي باشا ... ~~- بالطبع. ~~- لأن كل قصدي أن لا يمتزج بالأسرة نسب وضيع. ~~- نعم، ذلك واجب. # وهم سنتورلي أن يخرج، فأمسك الأمير عاصم بيده، ونهض ومشى معه إلى الباب هامسا: أما ~~جزاؤك فلا تجهله. ~~- لا شك عندي بذلك، وحسبي أني شريكك بخدمة الأسرة الكريمة في مشروع جليل الغاية. ~~- بارك الله فيك. # وخرج سنتورلي وهو يقول في نفسه: ما أجنه! يظن نفسه أنه يطلي علي بهذه البراهين ~~والتعاليل التي يجتهد أن يبرر عمله الشرير بها! حاول أن يقنعني بأن الأمير نعيما لا يساكن ~~جوزفين لأنه يحبها، بل لأنه يأبى أن ينكث عهده معها وأنه يحب بهجت هانم، مع أني أعرف مثله ~~أن الأمير نعيما يعبد جوزفين ولا يطيق بهجت، وإنما يكرمها إكرام الأخ للأخت. وما لي وله؟! ~~أخدمه بأجرتي وقد جمعت ثروة طائلة من جراء خدمي لهذا الشرير، وما دام في يدي سلاح ضده لا ~~أخاف شره، فإن لم يجزني على خدمه بما أريد أعلنت له وصية الأمير صدقي الحقيقية التي تفسد ~~وصيته المزورة. # الفصل التاسع # | الحية وحواء والأبالسة # بعد أشهر لهذه الأحاديث التي ذكرت، كانت «دلالة» إيطالية تغتنم فرصة غياب الأمير نعيم ~~عن قصره وتتردد إلى جوزفين لتعرض عليها بعض السلع والحلي وتبيعها منها، وقد استأنست بها ~~جوزفين جدا ومالت إليها، وعرفتها باسم مدام ببيني، وكانت توصيها أن تشتري لها بعض حاجاتها ~~من الأقمشة والحلي ونحوها. # ولهؤلاء الدلالات - البياعات والسمسارات - شأن كبير في مصر بين نساء الأسرات العليا، ~~فإنهن يتاجرن «بالجواهر والأعراض» في وقت واحد، وبدعوى بيع السلع يساومن على الطهارة، فهن ~~لغة التفاهم بين المتعاشقين، وصلة التقارب بين «المتخاونين»، ويندر أن يدخلن بيتا لا يزرعن ~~فيه زرع الدنس. # على أن جوزفين كانت تجهل ذوات هذه الحرفة ms25 جهلا تاما، وقد طلت عليها مدام ببيني غايتها، ~~وسبكت لها حيلتها، حتى أوقعتها في الشرك الذي نصبه لها سنتورلي والأمير عاصم على ~~يدها. # ذلك أن جوزفين انخدعت بتودد مدام ببيني وتحببها وبما كان يتراءى لها من إخلاصها وسلامة ~~نيتها، فمالت إليها ميل الصديقة إلى الصديقة، ووثقت بها وثوقها بنفسها ؛ لأن معاملة مدام ~~ببيني لها كانت ترمي إلى هذه الغاية؛ أي إلى فوزها بثقة جوزفين، ولا يتعذر على مدام ببيني ~~التي حنكها الزمان أن تظفر بهذه الأمنية من مخدوعتها، ولا سيما لأن سليم القلب كجوزفين ~~يجوز عليه تمويه الداهية؛ ولذلك لم تكن جوزفين تتكبر وتتشامخ على مدام ببيني شأن مخدرات ~~القصور الحصينات، بل كانت تعاملها معاملة الند للند، ولا تستنكف أن تقف معها وقفة المثل مع ~~المثل، ولا سيما لأن مدام ببيني خلبتها برقة عشرتها، وسطت عليها بعزة مظهرها. # ولما ظفرت مدام ببيني بهذه الثقة العمياء من جوزفين، انتهزت فرصة غياب الأمير نعيم من ~~قصره إلى الإسكندرية كعادتها، وذهبت في الصباح إلى جوزفين ودعتها إلى تناول الشاي عندها في ~~العصر، فرضيت جوزفين شاكرة مسرورة، فقالت مدام ببيني: إذن أرسل حوذيا يعرف منزلي، ولا ~~لزوم اليوم أن تركبي مركبتك. ~~- لا بأس، في أية ساعة؟ ~~- الساعة الخامسة يكون الحوذي أمام باب القصر، ولي الأمل أن يكون يوسف الجميل معك، يا ~~روحي، ما أحبه إلى قلبي! # فابتسمت جوزفين، وقالت: يكون كما ترغبين. # ثم افترقا على هذا الاتفاق. # ولما انتهت الساعة الخامسة كانت مركبة مقفلة تدرج بجوزفين ويوسف إلى حيث لا يدريان، وقد ~~أطلقت جوزفين الحرية لخدم القصر أن يذهبوا حيث يريدون في ذلك المساء، فذهب كل منهم إلى جهة ~~يتنزهون أو يزورون أصدقاءهم. # أما جوزفين فبعد أن ملت طول المسافة وتعوج الطريق في الشوارع الضيقة والأزقة القذرة ~~وصلت إلى منزل مدام ببيني، وهي لا تدري في أي نقطة هي، فدخلت في باب حقير ويد يوسف بيدها ~~إلى أن صعدت في سلم ضيق قذر، وانتهت إلى قاعة بسيطة، استقبلتهما فيها مدام ببيني بقبلات ~~يهوذا الإسخريوطي ms26 وقالت لها: أرجو منك يا حبيبتي أن تعذريني على استدعائك من أبهة قصرك إلى ~~حقارة منزلي. ~~- إن قصري مع الوحدة كوخ حقير يا مدام ببيني، ولكن منزلك بما فيه من دواعي الأنس لهو ~~القصر الحقيقي. ~~- أشكر لطفك جدا يا سيدتي المحبوبة، ولي الأمل أن تسري ببساطة مجاملتي لك. # وقد بالغت مدام ببيني في مؤانسة جوزفين وملاطفتها ومحادثتها وملاعبة الصبي وممازحته، حتى ~~شعرت جوزفين أن تلك الساعة من أسعد ساعات حياتها، وبعد تناول الشاي استولى عليها سبات عميق، ~~فجعل القبلة الأخيرة من مدام ببيني لها آخر تذكاراتها في ذلك المنزل المجهول. # وفي صباح اليوم التالي صحت جوزفين فذعرت؛ إذ رأت نفسها على سرير بسيط في غرفة زهيدة ~~الأثاث مقفلة النوافذ، وأمامها شاب يبتسم لها وهي خالية الذهن من صورته، فنهضت مذعورة وجلست ~~في السرير، وقالت مضطربة: من أنت؟ # فقال بكل تلطف بالفرنسية، وقد تراءى لها أنه فرنسي الجنسية: أنا من يعبدك. # فنظرت إلى ما حولها وجلة وأدارت نظرها في كل جهات الغرفة مندهشة. ~~- ويلاه! أين أنا؟ أفي منزل مدام ببيني؟ ~~- كلا يا معبودتي، بل أنت في المسجد الذي أعبدك فيه. ~~- ويلي! ويلي! من أنت؟ أين مدام ببيني؟ أين يوسف؟ رحماك! قل لي من أتى بي إلى ~~هنا؟ ~~- يد القدر. ~~- إذن سلمتني مدام ببيني بخيانة. ~~- ما مدام ببيني وغيرها إلا آلة في يد القدر. # فانفجر فم جوزفين بالبكاء والنحيب وهي تقول: قاتلها من خائنة رديئة، ويلي! ما أشاقاني! ما ~~الغاية من هذه الخيانة؟ # ثم تجلدت إذ انتبهت لنفسها، فبسطت ذراعيها أمام ذلك الفتى وقالت: رحماك، رحماك! أرسول خير ~~أنت أم رسول شر؟ ~~- كما تشائين. ~~- ويلاه، ويلاه! وقعت في الشرك، ماذا تريد مني يا سيدي؟ ~~- قبل كل شيء أرجو منك أن تنزلي عن سريرك وتجلسي إلى هذا المكتب. ~~- ثم ماذا؟ ~~- متى جلست إليه أقول لك. # فنزلت وهي تقول: «بربك ارحمني؛ فإني طيبة القلب لا أستحق إلا الرحمة!» ثم جلست فقدم لها ~~ورقا وقلما ودواة وقال: «اكتبي ما في هذه الورقة.» فأجابته على الفور: ms27 أتريد ~~نقودا؟ ~~- كلا كلا. # فقدم لها ورقة مكتوبة باللغة النمساوية - لغتها - فازداد اضطرابها، وجعلت تقرأ ما معناه: # سيدي الأمير نعيم، متى وصل إليك تحريري هذا تنكف عن أن تبحث عني؛ لأني لم أعد ~~لك بعد الآن، ولا تقرأ هذه الكلمات إلا وقد صرت في أوروبا مع سواك، لا تسل لماذا ~~فعلت هكذا؛ إذ لا سبب منك، وإنما هي المرأة، لها كل يوم هوى جديد. # جوزفين # فوثبت جوزفين عن كرسيها وثبة الأسد، ووضعت كفها في عنق الفتى وأنشبت أظافرها فيه وقالت: ~~يا خائن، أموت ولا أنيلك مأربا. # وكان قد قبض على ذراعيها بكفين من حديد، فانحلت عزيمتها وأفلتت عنقه. ~~- لا أنتظر منك أن تجيبي طلبي برضاك ولا بسهولة، ولكن لكي أوفر عنك الجهاد في الممانعة ~~عبثا أقول لك إنك امرأة ضعيفة بلا سلاح، وسجينة في منزل حصين بعيد عن العالم، لا يحيط ~~بمقرك هذا غير غيض خال من السكان، وليس من تستغيثين به. # ثم انتضى من جنبه خنجرا، وقال: إذا لم تطاوعي فليس جزاؤك إلا هذا الخنجر، ولا تظني أني ~~أشفق عليك؛ لأني لست عاشقا لك كما ظننت. # فقالت وهي تنتفض من الخوف وصوتها يرتج ارتجاج الوتر: إذن ما الغرض من كل ذلك؟ ~~- لا تسألي عن شيء، بل يجب أن تطيعي طاعة عمياء، وبهذه الطاعة تكسبين حياتك وتعيشين عيشة ~~راضية. ~~- ويلاه! أي عيشة راضية مع سواه؟ ~~- الأفضل لك أن تنسيه؛ لأنه صار اتحاد الزيت بالماء أسهل من اتحادك معه، لك كل ما تشائين ~~إلا عشيقك. # فوقعت على الكرسي واهية القوى مغمضة العينين، وجعل صدرها ينهض ويهبط بسرعة فوق أنفاسها، ~~وحدث سكوت بضع دقائق والفتى قاعد على حافة السرير أمامها، ثم فتحت جفنيها وقالت: بربك، ألا ~~رحمة منك؟ ~~- لك كل معاملة حسنة، بل لك كل شيء إلا الرجوع إلى من تهوين أو معرفته بمقرك. ~~- وما الغاية من ذلك؟! ~~- قلت لك لا تسألي؛ إذ لا يعنيك أن تعرفي شيئا من هذا القبيل، واعلمي أنك لست مطلقة ~~الحرية، وإنما تأكدي أنك تعاملين بكل الحسنى، ms28 فاكتبي، اكتبي ما تقرئينه في هذه ~~الورقة. ~~- رحماك رحماك! ~~- لا يجديك التوسل أكثر مما يجدي التماس الماء من الصخر الأصم. ~~- إذن تتعمد اغتصابي! ~~- بل أريد أن تكتبي ما تقرئينه هنا فقط. ~~- لا أكتب. ~~- قلت لك لا تعاندي، فإنك ضعيفة ولا أصبر عليك طويلا، بل لا أجادلك. # ثم رد الخنجر إلى جنبه، وتناول من جيبه مسدسا وصوبه إلى رأسها وعيناه تقدحان شرر الشر، ~~فذعرت وتناولت القلم ويدها ترتجف. ~~- بربك، اعف عني فأكتب. # فجعلت تكتب وهو مصوب المسدس نحوها، ولما انتهت تناول الورقة ونشفها وطواها، ثم قال لها: ~~عنوني ظرفا كهذا. # وقدم لها ظرفا معنونا باسم الأمير نعيم، فتوقفت هنيهة فصوب إليها المسدس وقال: لا ~~تترددي. # فنظرت إليه خاشعة، وقالت بصوت مرتجف: رحماك! ليست حياتي أعز علي من فراق زوجي، بربك ~~أعفني، ماذا تريد غير ذلك؟ سل ما تشاء فدية. ~~- لا أريد غير هذا. ~~- لا أكتب. ~~- بل تكتبين. وأوهمها أنه هم أن يطلق الرصاص عليها. ~~- بربك، أمهلني. ~~- لا أمهلك، عنوني الظرف حالا. # فتناولت القلم وقد وضع الظرف أمامها وكتبت: # مصر # دولتلو الأمير نعيم بك صدقي. # وفي الحال تناول الظرف ونشفه ووضع الرسالة فيه ووضعه في جيبه، وقال: إذا لم يكن ما ~~كتبته مثل ما قرأت تماما أعود إليك عودة الوحش الضاري. # فجثت جوزفين عند قدميه وبسطت ذراعيها لديه قائلة: ارحمني يا سيدي، لماذا أعامل هذه ~~المعاملة؟ ~~- لا تستحقين إلا كل خير، ولكن التقادير قضت بذلك، وما أنا إلا آلة في يد ~~التقادير. ~~- لماذا أبعد عنه؟ ~~- لا أدري شيئا من أمرك، فعبثا تضرعين إلي. ~~- أتريد أن تسمع، فأخبرك؟ ~~- لا تستفيدين مني شيئا. ~~- ألا ترى أني مظلومة؟ ~~- لا ريب عندي أنك مظلومة. ~~- فلماذا لا ترحمني إذن؟! ~~- ليس في وسعي أن أرحمك، لقد انتهت مأموريتي. ~~- ماذا يكون حظي بعد الآن؟ ~~- لا أدري. # فصمتت جوزفين هنيهة والحزن يمزق أحشاءها، ثم استرسلت بالبكاء والنحيب، وعند ذلك فتح الباب ~~ذلك الشاب لكي يخرج، فتشبثت به قائلة: بربك دعني أخرج معك. ~~- مسكينة! ألا تدرين أنك سجينة هنا؟! ~~- إلى متى؟ ms29 ~~- لا أدري. ~~- ارحمني، ارحمني، ماذا تريد مكافأة؟ ~~- مسكينة، لقد أجنك الحزن! فعودي إلى مرقدك، إني أرثي لك ولكني لا أقدر أن ~~أخلصك. # ثم دفعها إلى وسط الغرفة، وخرج وأقفل الباب وأوصده في الحال، فبقيت جوزفين في ذلك السجن ~~تنحب وحدها بملء الحزن والغم وفي نهاية اليأس. # لم تفتكر جوزفين في ماذا يكون من شقائها قط، وكل ما كان يجول في ضميرها هو ماذا يظنه ~~الأمير نعيم بشأنها، وهل يصدق أنها هجرته إلى سواه، وإذا صدق فماذا تكون حاله وماذا يفعل، ~~وتمنت لو يتضاعف شقاؤها ويعتقد الأمير نعيم أنها لم تزل ثبوتا على حبها وعهدها، بل كانت ~~تستلذ العذاب لأجله إذا كان يعلم به. # ثم كانت تفكر في يوسف وما تم به، فلم تقلق عليه شديد القلق؛ لأنها خمنت أنه يرد إلى ~~القصر، وربما يعلم الأمير بواسطته شيئا عنها، أو يهتدي إلى مدام ببيني التي خانتها. # وقد خطر لها حينئذ أن الأمير نعيما لم ير مدام ببيني عندها ولا مرة، وإذ ذاك أدركت أن ~~هذه الغادرة كانت تنتهز فرصة غيابه لكي لا يراها ولا يعرفها، بل ذكرت جوزفين حينئذ أن مدام ~~ببيني كانت تتجنب أن يراها خدم القصر ما استطاعت لكي لا تنطبع في أذهانهم صورتها. # وماذا تخشى مدام ببيني؟ فقد أتمت مهمتها وأخذت أجرتها وبعدت عن مكان تلك الجناية ~~الفظيعة، وأصبحت جوزفين في عهدة آخرين لا يعلمون أصلها ولا فصلها، وليس عليهم إلا حراستها، ~~وهكذا تتنقل بين أيدي الأشرار المأجورين لكي يبقى أمرها سرا مكتوما. # الفصل العاشر # | لا تدري أين هو # وبعد برهة ساعة فتح الباب، فدخلت امرأة إفرنجية تكاد تتجاوز طور الكهولة، وقدمت لجوزفين ~~فطورا من اللبن والعيش والزبدة، وقالت لها بكل لطف باليونانية ما معناه: خذي يا بنيتي ~~كلي. # فاستأنست جوزفين بليونة صوتها ولكنها لم تفهم مقالها؛ لأن اليونانية رطانة عندها، ~~فكلمتها بالفرنسية قائلة: بحق من تحبين وتعزين يا سيدتي قولي لي لماذا أتي بي إلى ~~هنا؟ # ولم تكن المرأة تفهم من الفرنسية إلا كلمات معدودة وأما من ms30 النمساوية التي هي لغة جوزفين ~~فلم تكن تفهم كلمة؛ ولذلك عز على جوزفين أن تسترحمها إلا بالإشارات كالركوع أمامها ~~والسجود عند قدميها، فكانت تجيبها تلك المرأة اليونانية بهز كتفها، ولسان حالها يقول: «لا ~~أفهم ماذا تقولين؟ وإذا فهمت فماذا تستفيدين؟» # ثم أدارت لها ظهرها، وانصرفت، وأقفلت الباب وراءها. # ولا نتمادى في وصف ما لقيته جوزفين من العذاب في ذلك السجن ومن آلام الوحدة وأحزان الفراق ~~وغموم الوحشة، فكانت تقضي كل النهار وحدها في تلك الغرفة تبكي وتنوح، وتلك المرأة السجانة ~~كانت تدخل عليها في ميعاد الأكل وتقدم لها طعامها، وعند العصر تخرجها من الغرفة إلى ~~رحبة المنزل، وبعد الغروب تخرج إلى الشرفة لكي تتنشق الهواء النقي، فلا ترى جوزفين غير ~~الظلام وبعض الأنوار الضئيلة على بعد شاسع جدا؛ ولذلك لم يتسن لها أن تعرف ما نسبة ~~سجنها هذا إلى المدينة، أهو إلى جنوبها أو إلى شمالها؟ ولا مسافة بعده عن ~~قصرها. # ولا ريب أن يشعر القارئ من نفسه مع هذه المسكينة وما لاقته من الأحزان، ويدرك ما آلت إليه ~~حالها من السقم والهزال وضعف الجسم وخبال العقل. # ولا بد أن يتوق القارئ إلى ما تجهله جوزفين من أحوال سجنها، أما المنزل فكان بيتا صغيرا ~~ذا طبقتين، بناه الأمير عاصم في وسط عزبة صغيرة له في ضواحي مصر البعيدة؛ لكي يقيم فيه في ~~بعض الأيام، وأقام فيه سنتورلي هذه الكهلة اليونانية حارسة لجوزفين، وجعل تحت يدها خادمين ~~يقضيان حاجاتها، وهما في الطبقة السفلى من المنزل، وجل ما عرفته هذه الكهلة من أمر جوزفين ~~أنها زوجة سنتورلي، وأنه يحبسها هناك بغية منعها عن عشيق تريد اللحاق به، وكانت الكهلة تعرف ~~سنتورلي باسم جاك، وقد حرم عليها أن تقابل جوزفين إلا للضرورة، وأوصى الخادمين أن ~~يستدعياها حالا إذا مكثت في الطبقة العليا أكثر من دقيقتين. # وقد رضيت تلك الكهلة بكل هذه الشروط؛ لأن سنتورلي كان يدفع لها أجرة حسنة جزاء احتباسها ~~في ذلك المكان. # وقد أرسلت إليه في ليل دامس لكي لا تعرف ms31 نسبته إلى المدينة حتى إذا عادت منه لا تعرف أين ~~مقره. # وكان الخادمان وطنيين يعتقدان أن في الطبقة العليا محظية أو زوجة جاك سيدهما - لأنهما ~~كانا يعرفان سنتورلي بهذا الاسم - وأنه قد وضعها هناك لكي لا يتصل بها أحد، ولم يكونا ~~يعرفان شيئا عن حقيقة أمرها، وكان أحدهما - سليم - يعرف بعض اليونانية؛ لأنه خدم منذ صغره ~~بعض اليونان وعرف البسيط منها بالممارسة، فكان يفهم مطالب الحارسة بسهولة. # وكان سنتورلي كل ليلة بعد ليلة يذهب إلى ذلك المنزل ليتفقد الأحوال، وأحيانا كان ينام في ~~غرفة مجاورة لغرفة جوزفين؛ إيهاما للخدم والحارسة اليونانية أنه ينام مع عشيقته أو زوجته، ~~ولكنه لم يكن ليرى جوزفين قط؛ لأنها تعرفه لو رأته. # أما ذلك الشاب الإفرنسي الذي استكتبها فهو شقي من أشقياء الإفرنج، بحث عنه سنتورلي ~~واستأجره لهذه المهمة، وجاء به إلى ذلك المكان في تلك الليلة التي نقلت فيها جوزفين منومة ~~إلى سجنها، وقد أفهمه سنتورلي أن جوزفين مومس وهي عشيقة شاب شريف، وقد حار أهله في كيفية ~~فصله عنها، فخطر لهم أن يستكتبوها رسالة تنبئه عن هجرها إياه عساه يكرهها، وأعطاه الورقة ~~المكتوبة بالنمساوية في ذلك الليل، وأمره أن ينام في الغرفة المجاورة لغرفة جوزفين على نية ~~أن ينهض في الصباح ويدخل إلى غرفتها ويرغمها أن تكتب الورقة. ولما ظفر من جوزفين بالمطلوب ~~خرج من عندها وسلم الرسالة إلى الكهلة ومكث في غرفته إلى أن جن الليل، فعاد به سنتورلي ~~من حيث أتى، وبهذه الوسيلة لم ينطبع في مخيلته وجه سنتورلي جيدا؛ لأنه لم يكن يقابله إلا ~~على نور ضعيف، ولا العزبة؛ لأنه لم يخرج من المنزل إلا في الليل كما دخل. # وبقي سنتورلي في الطبقة السفلى من المنزل المذكور في ذلك اليوم لكي يراقب مشروعه، ويحرس ~~الفرنساوي لئلا يخرج وحده في بحر النهار ويفضح عمله، ولكي يرى الرسالة التي كتبتها جوزفين ~~ويقابلها بالأصل حتى إذا كانت تختلف عنه ردها إلى الإفرنسي الشقي لكي يعيد الكرة على جوزفين ~~وتكتب سواها طبق الأصل، ولكن ms32 جوزفين كتبت ذنبها المزور بكل أمانه؛ لأن الخوف والذعر وطيبة ~~القلب لم تترك لها سبيلا للتلاعب، ولا سيما لأنها لا تجهل أن التلاعب في مثل هذه الحال لا ~~يجدي. # وكانت الكهلة في ذلك النهار رسولا بين الشقي الفرنساوي وسنتورلي، على أن سنتورلي أتقن ~~دوره جيدا، بحيث إنه لم يدع ذلك الشقي يفهم شيئا من أغراضه في تخفيه، ولا ودعه يلاحظ ~~أنه يتجنب رؤيته في النهار. والخلاصة أن ذلك الشقي قضى مهمته وأخذ أجرته وهو لا يقدر أن ~~يفهم أو يفسر أو يشرح شيئا مما كان، فكان فعلا آلة بيد القدر كما قال، ولكن لم يكن ~~القدر إلا سنتورلي نفسه. # الفصل الحادي عشر # | ليست بخائنة # ولما اجتمع خدم القصر عند المساء استبطئوا سيدتهم جوزفين والصبي يوسف، فظنوهما في قصر ~~الأميرة نعمت هانم؛ لأن جوزفين كانت تستأنس بنعمت وتزورها أحيانا ونعمت كانت تودها، ولما ~~انتصف الليل ولم تعد جوزفين أرسلت وصيفتها أحد الخدم لكي يسأل عنها في قصر الأميرة نعمت، ~~فورد الجواب أنها ليست هناك، فقلقوا جدا، فأرسلت إلى قصر الأمير عاصم تسأل هناك، فقيل ~~ليست هناك، وقد وصل الخبر إلى مسامع الأمير عاصم - وبالطبع لم تغفل له عين ليلتئذ؛ لأنه كان ~~عارفا ماذا يجري في ذلك الليل في إحدى عزبه - فخرج من غرفته وارتدى رداءه وقصد إلى قصر ~~الأمير نعيم وأظهر الاهتمام بالأمر وجعل يبحث ويسأل، وقد أرسل الخدم إلى جهات مختلفة يسألون ~~عنها فلم يهتدوا إلى مقرها، حتى ضاء الصباح، فأرسل تلغرافا إلى الأمير نعيم هذا نصه: # الإسكندرية، الأمير نعيم صدقي # فقد الخدم في المساء الماضي الأميرة جوزفين والصبي يوسف، فهل ذهبا إليك من غير أن ~~تعلم الأميرة خدمها؟ # الأمير عاصم # فلما قرأ الأمير نعيم هذا التلغراف قفز جنانه من صدره وحار في هذا الخبر المفاجئ، فأرسل ~~في الحال تلغرافا إلى الأمير عاصم: # مصر، دولتلو الأمير عاصم بك عزت # أخبرني سريعا تلغرافيا تفصيل فقدان الأميرة جوزفين لكي أعلم كيف أبحث عنها هنا ~~قبل أن أعود؛ فإنها لم تقدم إلي ولا ms33 أنا أستقدمتها! # نعيم # وجعل الأمير نعيم يطوف على منازل معارف جوزفين لعله يعثر عليها، فلم يقف لها على أثر، ثم ~~ورد له هذا التلغراف: # الإسكندرية، الأمير نعيم بك صدقي # أذنت جوزفين عصر الأمس لكل خدمها أن يخرجوا حيث يريدون؛ لأنها هي خارجة مع يوسف ~~لزيارة إحدى صديقاتها، ثم ركبت مركبة بالأجرة ومضت ولم تعد. # عاصم # فركب الأمير نعيم في قطار الظهر إلى مصر وقصد توا إلى قصره، فوجد الأمير عاصم فيه وأخته ~~الأميرة بهجت والأميرة نعمت وسائر الخدم، وكلهم قلقون مهتمون بالأمر، فجعل يتحقق منهم فلم ~~يقدر أن يستنتج شيئا، وكان الأمير عاصم يهون عليه الأمر ويخفف من غمه، ولكن الأمير ~~نعيم كاد يجن من جراء هذا الحادث، فهم أن يمضي ويبحث في كل القصور والمنازل التي يظن ~~أنها تمضي إليها، فقال له الأمير عاصم: لم نغفل عن قصر ولا عن بيت، سألنا عنها في الكل فلم ~~نقف على خبر لها. فذكره الأمير نعيم ببعض البيوت والأماكن التي اعتادت جوزفين أن تمضي ~~إليها، فأجابه أنهم بحثوا فيها كلها، فتنهد الأمير نعيم ملء رئتيه ولم يتمالك نفسه عن ~~البكاء، فتفجر الدمع من عينيه، وصارت أخته والأمير عاصم والأميرة بهجت يعزونه ويعللون له ~~غيابها تعليلات ركيكة تخفيفا لآلامه، ولكنهم لم يكونوا إلا ليزيدوا غمه بتلك التعليلات، ~~حتى ضاق ذرعه وطلب الراحة، ففتح له مخدعه فدخل إليه واختلى فيه، ولكن أخته الأميرة نعمت ~~خافت عليه من وحدته فاستأذنته ودخلت عليه، ثم دخل الأمير عاصم والأميرة بهجت. # وأخيرا خطر له أن يبلغ إدارة البوليس لكي تبحث عن جوزفين والصبي، وذكر هذا الخاطر للأمير ~~عاصم فاضطرب عند سماعه هذا الاقتراح، وكادت نبضات قلبه تسمع، ولكنه تجلد وأخفى اضطرابه ~~وأظهر في بدء الأمر استحسانا لهذا الاقتراح لكي لا ينبه الظنون إليه بمعارضته، ولكن ما ~~لبث أن فكر هنيهة حتى عاد، فقال: لا أرى من المستحسن إطلاع إدارة البوليس على هذه المسألة؛ ~~لئلا تفضي النتيجة إلى أمر سيئ لم يكن في حسباننا. # فقال الأمير نعيم: مثل ماذا؟ ms34 ~~- لا أدري، وإنما أفضل تأجيل هذا الأمر إلى أن نقنط من الاهتداء إليهما أو ~~عودتهما. ~~- ولكن أخاف أن يفوت الأمر. ~~- كلا لا يفوت؛ لأنها إن كانت باقية في القطر فنكتشفها غدا أو بعد غد كما نكتشف ~~اليوم. ~~- وإن كانت على سفر؟ ~~- أظن اليوم موعد سفر المساجيري إلى أوروبا ... ~~- آه ، ليتني انتبهت فأخبرت في الميناء بعض ذوي الأمر لكي يراقبوها، لعلها مسافرة أو ~~مسفرة، أما الآن فالوقت مساء والباخرة تقلع، فما العمل؟ ~~- على أي حال نرسل تلغرافا إلى الميناء لعل له فائدة. # وفي الحال أرسلوا التلغراف إلى مدير الميناء يوعزون إليه أن يحجز المرأة التي يشتبه أنها ~~جوزفين. # وخلاصة القول أن ذلك المساء، بل ذلك الليل، قضي بالافتراضات والاقتراحات والتخمينات ~~فلم ينم فيه الأمير نعيم طرفة عين؛ لأنه كان على جمر الغضا، وقد بلغ الحزن من فؤاده كل مبلغ ~~حتى رقت له بهجت هانم ورثى له الأمير عاصم نفسه. # وفي صباح اليوم التالي ورد إليه البريد، وكان من جملة رسائل الإسكندرية رسالة جوزفين ~~المستكتبة، فلما قرأها صرخ قائلا: آخ! سامحك الله يا جوزفين! لماذا هذا الهجران؟! أي ذنب ~~جنيته؟! ويلي ويلي! ما أشقى حظي! # ولم يكن الأمير عاصم ولا الأميرة نعمت ليفارقاه، فسمعا صرخته فدخلا عليه إلى غرفته فوجدا ~~الرسالة في يده وقد استلقى على كرسيه كالمغمى عليه، فدنت منه نعمت وقرأت الرسالة فدهشت ~~ولكنها لم تجسر أن تقول كلمة لئلا تجرح عواطفه. # فانتبه حينئذ الأمير نعيم إلى نفسه وتجلد، وطوى الرسالة ووضعها في جيبه، وأومأ إلى أخته ~~أن تكتم الأمر. # أما الأمير عاصم فتجاهل كل ما يعرفه عن أمر هذه الرسالة، وتظاهر أنه لا يدري شيئا، ولا ~~لاحظ أمرا، وعند ذلك قال الأمير نعيم: أرجو منكم أن تؤذنوا لي أن أختلي في مخدعي؛ لأني ~~أشعر بحاجة شديدة إلى النوم. # ثم دخل إلى مخدعه وجعل يتأمل تلك الرسالة والغم يضغط على نفسه حتى كاد يزهقها. # ردد في ضميره كل ماضي حياته مع جوزفين فلم يذكر أنه أساءها أو أساء إليها مرة ms35 بأمر من ~~الأمور، ثم تأمل جيدا كل دقائق معاملتها له فلم يتبين من تلك الدقائق ما يدله على تغير ~~قلبها عليه حتى آخر ساعة من ساعاتهما معا، بل بالعكس يذكر أنها في أيامهما الأخرة كانت أشد ~~تعلقا به، حتى إنه يستحيل عليه أن يشك بإخلاصها له. # ثم جعل يفكر في صلتها بالآخرين فلم تخطر له أقل شبهة بأحد من معارفها ولا استطاع أن يصدق ~~ظنه بميلها إلى أحد؛ لأنه كان يعلم أنها عديمة الاكتراث بأحد سواه. # بقي أكثر من ساعة يفكر فلم يتقلقل اعتقاده بإخلاصها وأمانتها له، ولكن ما معنى هذه ~~الرسالة؟ فقد خطرت له عدة خواطر محزنة ومضحكة بشأنها؛ فتارة كان يظن أن جوزفين تلعب دورا ~~معه بغية الضحك، وطورا يظن أنها تختبر مقدار غيرته عليها بهذه اللعبة، وحينا يفتكر أنها ~~أساءت الظن به وحسبته مال إلى سواها فهجرته ... إلى غير ذلك. # وكان كل هنيهة بعد أخرى يتأمل الرسالة فيراها ناطقة صريحة لا تحتمل التأويل، فيحار في ~~أمره ويكاد يحبس تنفسه من شدة الغم. ولا بد أن يشعر القارئ بحالة الأمير نعيم وهو في قمة ~~حزنه وقهره، ولا سيما إذ عرف ما اتصف به هذا الأمير من الصفات الحميدة المجيدة التي هي فخر ~~الرجال: حبه الصادق لجوزفين، بل تولعه بها وثبوته على هواها، وتمسكه بالمبادئ القويمة، ~~وظهوره في كل حركة من حركاته بمظهر الكريم الأنوف المقدام. # وقبيل الظهر استأذنته شقيقته نعمت هانم ودخلت عليه وجلست على كرسي أمامه وقالت: أرجو أن ~~تكون هذه الرسالة التي قرأتها خففت أحزانك يا أخي نعيم. ~~- لا لا يا نعمت، بل أضرمت في وطيسا من الغم. ~~- ولكن حزنك الآن يختلف عن حزنك أولا؛ ففي الأول كان مقرونا بقلق وإشفاق، أما الآن ~~فبغضب ونقمة على ما أظن. ~~- لقد أخطأ ظنك يا نعمت؛ فإني إلى الآن لا أزال أعتقد أن جوزفين غير خائنة وأنها ~~تحبني. # فضحكت نعمت ضحكة الهازئ. ~~- لا تضحكي يا نعمت؛ لأن كل نبرة من ضحكك طعنة في فؤادي. ~~- يكاد قلبي يتمزق لأجلك يا ms36 أخي نعيم، فلست أضحك إلا لتجاوز حزني حده، فما الذي يحملك على ~~الظن أن جوزفين لا تزال تحبك، وأنها لم تخنك؟ أليست رسالتها صريحة العبارة؟ ~~- نعم صريحة، ولكني أعرف جوزفين يا نعمت، أعرفها جيدا وأعرف أن لها قلبا مجبولا بحبي، ~~لا يمكن أن يتجرد من هذا الحب إلا بفنائه ، وقد مر علينا في حياتنا كثير من الحوادث برهنت ~~فيها جوزفين على حب قوي لم يسمع بمثله ولا في الروايات؛ ولذلك لا أقدر أن أعتقد أنها ~~تكرهني. ~~- ماذا أقول لك ... ~~- لا تقولي شيئا بهذا الموضوع لئلا تجرحيني. ~~- إذن بماذا تعلل رسالتها هذه؟ ~~- لا أدري، لقد جننتني هذه الرسالة يا نعمت، وكثيرا ما لاح لي أنها مزورة، ولكني أعرف ~~خط جوزفين جيدا، فلا أقدر أن أشك بأن الرسالة خط يدها، وإن ثبت أنها مزورة فما أقدر ~~الكاتب على تقليد خطها! ~~- ولكن إذا كانت الرسالة مزورة، فأين جوزفين؟ ~~- قد تكون مغتصبة، والرسالة مزورة بغية تغيير قلبي عليها حتى لا أبحث عنها، وهذا آخر ما ~~رجح لي، لاحظي الخط، ألا ترين أنه مضطرب قليلا، الأمر الذي يدل على التزوير؟ # فتأملت نعمت هانم الرسالة وأصرت شفتيها كأنها تقول: لا ألاحظ ما تلاحظه أنت! فقال لها: ~~نعم قد لا تلاحظين الدقائق التي ألاحظها في الخط؛ لأني ألفت خط جوزفين طويلا، وصرت أميز ~~بين حرف وحرف من كتابتها. ~~- مهما يكن الأمر، يجب عليك أن تخفف عنك يا أخي، فإن غمك لم نر مثله في حياتنا، فإن كانت ~~جوزفين خائنة فيجب أن يكون جزاؤها جام نقمتك، وإن كانت أمينة تثبت على أمانتها إلى أن يقيض ~~الله لها أن تعود إليك. ~~- لا يطمئن لي بال ما لم أكتشف أمرها، فإن صدق ظنك بأنها خائنة أهملتها، وإن صدق ظني ~~بأنها أمينة فلا بد أن تكون مقيدة عني فيجب أن أسعى إلى خلاصها. ~~- ولكن ما غرضها بأخذها الصبي يوسف معها؟ ألا تظن أنها تقصد بأخذه أن يكون برهانا للناس ~~على تحصنها وعفافها؟ ~~- لا أدري يا نعمت، لا أدري، لقد طار صوابي، ms37 سأسافر غدا إلى أوروبا وأطوف لعلي أعثر ~~عليها أو على الصبي. ~~- ليس هذا الرأي صائبا، وهو مدعاة إلى هزء العائلة؛ لأنهم لا يعرفون جوزفين إلا محظيتك، ~~فإذا علموا أنك لحقتها لتبحث عنها بعدما هجرتك سخروا بك، بل سخروا بنا كلنا، وأنت تعلم أن ~~هفوة الكبير بألف هفوة، وهم ينظرون إليك بعد سيئة مكبرة جدا، ويعتقدون أنك فخر شبان ~~الأسرة بعقلك وعلمك وأخلاقك، فإذا فعلت ما تقول هدمت كل اعتقادهم بك. ~~- كفى كفى يا نعمت، إن تخوفي من القيل والقال هو الذي حرمني من إسعاد جوزفين كما أريد، إن ~~لي عقلا ولي قلبا فأريد أن يخدم عقلي قلبي لا أن يضحي به على مذبح الترهات والأباطيل ~~وخرافات الأقدمين، فليعلم أبناء أسرتي أن جوزفين زوجتي وأني أبحث عنها. ~~- هكذا يكون العار أعظم؛ لأنك بذلك تقر أن زوجتك خانتك وأنك لا تزال تبحث عنها. ~~- آه، آه! دعيني يا نعمت، ليقل الناس ما يقولون، إني أتبع جوزفين، جوزفين أمينة ولا بد أن ~~تكون مكرهة على هذا الهجران، لا بد أن أعثر عليها في أوروبا، فغدا أنا مسافر. # عند ذلك خرجت نعمت هانم من عند أخيها وقلبها يتقطع عليه حزنا، غير أنها لم تعتقد ما ظل ~~يعتقده بأمانة جوزفين، بل اقتنعت تمام الاقتناع بأنها خائنة، وانتظرت فرصة أخرى لتقنعه ~~بذلك. # الفصل الثاني عشر # | مؤتمر عزرائيل ويوضاس # - لقد وجدت حلا للمشكل يا سيدي سنتورلي، وإنما يستوجب منتهى الإقدام وكل الدربة. ~~- أدامك الله يا سيدي. ~~- لم يكن غرضنا أن نجعل أنفسنا أولياء لأمر جوزفين، وإنما كنا نبغي أن نقصيها عن مصر ~~وبالتالي عن الأمير نعيم. ~~- نعم، ولكن لم يصح حسابنا؛ لأننا ما أودعناها في قصر العزبة ... إلا على نية أن نقذفها ~~بعدئذ إلى مكان قصي، وهناك ندفعها إلى السجن بحيلة إبليسية، ولكننا حبسناها في سجنها الحالي ~~ولم نعد نستطيع إخراجها منه لئلا ينفضح أمرنا، وأما أننا نبقيها في سجنها فأمر متعذر علينا ~~جدا؛ لأننا لا نضمن أن يبقى أمرها مكتوما إلى أن تنقضي حياتها، كما أننا لا ms38 بد أن نمل ~~السهر عليها ومراقبتها، والحق أقول لك إنه مر علي هذا العام وأنا لا أنام ليلة إلا ~~مشغول البال؛ لأني أخاف أن يهتدي إليها ويعرف أمرها فتنفضح كل أسرارنا؛ ولذلك أرى أنه لا بد ~~من إخراجها جسما بلا روح ودفنها قرب ذلك القصر. ~~- وهذا لا نضمن دوام خفائه يا مسيو سنتورلي، ألا تدري أن ثلاثة أشخاص صاروا فاهمين سرنا ~~تقريبا؛ وهم: «كتينا» الكهلة، وسليم، وعلي. وكل سر جاوز الاثنين شاع، بل إني صرت أخاف أن ~~ينفضح سرنا على يدهم وجوزفين حية، فالأفضل أن ينفضح وهي جثة باردة. ~~- يالله! أتريد أن تقول «أنا الغريق فما خوفي من البلل؟!» ~~- إنك لجاهل غر، بل أريد أن أقول الأفضل أن تنفضح الجريمة فيها تحت ذقن غيرنا. (وضحك ~~الأمير عاصم ضحكة الوجل.) ~~- تحت ذقن من؟ ~~- دعنا نتكلم بحرية يا سنتورلي، لا ريب أن الأمر يهمك كما يهمني؛ لأنك أصبحت يدي العاملة ~~في هذه الجرائم، فعلينا أن نشتغل معا يدا واحدة في صيانة أنفسنا من يد القانون ~~والقضاء. ~~- الحق ما تقول، فما رأيك؟ ~~- أنت تعلم مطامعي السابقة بالأميرة نعمت، أكلمك بحرية؟ ~~- نعم نعم، أعرف جيدا أنك كنت تهواها وتطمع بيدها وإرثها كما أن الأميرة بهجت كانت تطمع ~~بالأمير نعيم. ~~- أما الآن فقد تحول حبي السابق إلى الانتقام الحاد؛ لأن نعمت هانم رفضت طلبي مرارا، ~~وأخيرا رفضته بتاتا ولم يعد لي أقل مطمع بها البتة، وقد انتهى آخر اجتماع بيننا على ~~عدائنا المتبادل؛ لأنها أغلظت لي القول، وأهانتني وأفهمتني بصراحة أنها تكرهني؛ لأني كنت ~~السبب في حرمانها من أحمد بك نظيم الوكيل، ولكنها لحسن الحظ لم تفهم حقيقة القوة التي منعت ~~بها أحمد من قبول يدها؛ لأن أحمد لا يقدر أن يعترف بجريمته التي يسهل علي أن أبرهنها من ~~رسالته التي أرسلها لك يوم اتفق مع الداية عائشة على دهورة الطفلين ابن جوزفين وابن الأميرة ~~نعمت، وأنت تعلم أن هذه الرسالة عندي كتهديد له، وقد نهيته عن أن يتقرب من نعمت هانم فأطاع ~~صاغرا، ولما ms39 عرفت الأميرة بذلك حنقت علي جدا وصارت تبتغي أن تنتقم مني وتغيظني، فالآن ~~أنا وهي عدوان يجاهران بالعداوة؛ ولذلك أود أن أنتقم منها شر نقمة، أما الأمير نعيم فحسبي ~~ما انتقمت منه لأختي، فهو الآن كالمجنون يطوف في مدن أوروبا. ~~- ورأيك أن تلطخ الأميرة نعمت بجنايتنا بإعدام جوزفين. ~~- نعم . ~~- إنها لفكرة حسنة جدا، ولكن تستلزم إعمال الذهن جيدا لئلا تنعكس النتيجة ~~علينا. ~~- لا شك في ذلك؛ ولهذا قلت لك إن الحل الذي اهتديت إليه يحتاج إلى إقدام عظيم ودربة ~~فائقة؛ ولذلك أود أن أخسر كل شيء في سبيل الفوز بهذه المكيدة؛ لأنك لا تعلم مقدار اغتياظي ~~من نعمت، وألذ شيء عندي الآن الانتقام الشديد منها، الانتقام الانتقام يا سنتورلي! ~~- إذا كان الانتقام يهمك فأنا لا يهمني. ~~- ولكن لك مصلحة كمصلحتي في طريقة هذا الانتقام؛ لأنه بينما أنا أنتقم من نعمت نطرح عن ~~عاتقنا ثقل الجريمة التي اجترمناها بخطف جوزفين وإخفائها. ~~- ولكن مصلحتك مزدوجة ومصلحتي مفردة. ~~- وماذا تعني؟ ~~- نحن غير متساويين في ما نحصل عليه من نتيجة المكيدة. ~~- تريد علاوة على ما يصيبك؟ ~~- نعم. # فقال الأمير عاصم ضاحكا: لله منك ما أطمعك! إن نجحت في هذه المكيدة التي هي آخر المكايد، ~~كان لك ربع العزبة التي هي سجن جوزفين الآن. ~~- بقي أن نضع خطة هذه المكيدة، فلا بد أن تكون قد افتكرت بها مليا. ~~- افتكرت، ولكن الفكر شيء والعمل شيء آخر، فلا يجوز أن يكون الفكر فكري وحدي إذا كنت أنت ~~العامل وحدك. ~~- إذن قل لي خلاصة الخطة التي افتكرت بها، وثم نعد لها حسب الاقتضاء. ~~- لا بد من نقل جوزفين سليمة إلى قصر الأميرة نعمت هانم. ~~- لا ترفع صوتك؛ فإني أخاف أن يسمع. ~~- لا تخف، إن صوتنا بعيد جدا عن الآذان؛ فإننا في منتصف الليل الآن وكل الخدم ~~نيام. ~~- ولكني سمعت مثل وقع أقدام خفيفة. ~~- ليس ما سمعته إلا وهما. # وعند ذلك وثب سنتورلي إلى باب القاعة وفتحه وأطل إلى الرحبة، وقال: «من هنا من الخدم؟ ~~فليأتنا بكأس ماء.» فلم ms40 يجبه أحد، فعاد مطمئنا. ~~- أمن أحد خارجا؟ ~~- كلا، الكل نيام. ~~- قلت لا بد من نقلها سليمة إلى قصر الأميرة نعمت. ~~- نعم، ولكي تضمن سكوتها يجب أن تكون منومة، فتخرج من سجنها كما دخلت؛ ولذلك عليك أن تدس ~~في طعامها جرعة أفيون كافية. ~~- إلى هنا كل شيء سهل، ثم أخرجها في منتصف الليل وأضعها في عربة مقفلة وأسوق بها وحدي ~~إلى أمام قصر الأميرة نعمت، وثم كيف أدخل القصر؟ ~~- في تلك الليلة التي تنقل فيها جوزفين أدس في طعام أحمد خادمي مخدرا فلا ينتصف ~~الليل حتى يكون قد انزعج، فأستدعي أباه، وهو كما لا يخفى عليك بواب قصر نعمت هانم، فيقفل ~~بوابة القصر ويهرول مسرعا ويلتهي بابنه، وحينذاك أحتال عليه وآخذ مفتاح البوابة منه ~~وألاقيك في الحال، فنفتح وندخل جوزفين إلى حيث نستطيع من أروقة القصر. ~~- حسن، قل أدخلناها، ثم ماذا؟ ~~- ثم لا أسهل من القضاء عليها حينئذ، فقد أعددت لك هذه الزجاجة الزرقاء وفيها محلول ~~الستركنين وهذه الحقنة، فتملأ الحقنة من المحلول وتحقنها بها في ذراعها تحت الجلد، فلا يمضي ~~عليها ربع ساعة حتى تصل روحها إلى ربها. ~~- لله درك! لا اعتراض لي على هذه الخطة؛ فإنها على ما أرى مضمونة النجاح، إذا نجحت أنت ~~في أخذ مفتاح القصر. ~~- أرجح أني أنجح. ~~- قلت لا بد من نقلها إلى قصر نعمت هانم نائمة لا مائتة، فلم أفهم سر ذلك، فلماذا لا ~~ننقلها مائتة؟ ~~- أخاف أن يتعذر علينا إدخالها إلى القصر ونضطر أن نرجعها إلى سجنها، وحينئذ يجب أن ~~نحييها؛ إذ لا يوافقنا أن تخرج من عندنا مائتة أو أن تدفن عندنا؛ لأنني لا أضمن خفاء ~~أمرها هناك كما قلت لك. ~~- الحق معك، وماذا يجب أن تعتقد حارستها وسليم وعلي بشأن خروجها؟ ~~- يكفي أن تخبر الحارسة أنك ستأخذها لكي تسافر بها في قطر منتصف الليل، وإن في عزمك أن ~~تمضي بها إلى أوروبا لكي تبعدها عن عشيقها وتفرجها من سجنها هذا خوفا على صحتها، ثم تنام ~~في تلك الليلة في غرفتك هناك، ms41 ومتى انتصف الليل تخرجها نائمة من الباب السري من غير أن ~~يستيقظ أحد. ~~- بقي أن نرى الموعد الموافق لذلك. ~~- أرى أن مساء الاثنين ليلة الثلاثاء القادمة أفضل فرصة لهذه المهمة الخطيرة؛ أولا لأن ~~القمر يكون مختفيا كل الليل، وثانيا لأن الأميرة نعمت هانم تنام ليلئذ قبل منتصف الليل ~~على ما أرجح؛ لأنها تكون في الليل السابق قد سهرت للصبح في حفلة زفاف صديقتها الأميرة فاطمة ~~هانم. ~~- حسن جدا، إذن بعد خمسة أيام تكون جوزفين قتيلة في قصر الأميرة نعمت. ~~- وهل تظن أن مهمتنا تنتهي عند ذلك وتتم النقمة؟ ~~- لا لا، فهمت ... يجب أن يبلغ البوليس عن وجود قتيلة في قصر الأميرة. ~~- هذا علي، وهو أسهل من السهل، أرسل كتابا سريا في ذلك الصباح إلى إدارة ~~البوليس. # وعند ذلك تناول سنتورلي الزجاجة التي ملأها الأمير عاصم محلول ستركنين ووضعها في جيبه ~~ومضى. # الفصل الثالث عشر # | بيد العناية السموية # مضى على جوزفين في ذلك السجن القصي نحو عام وهي لم تر بشرا غير تلك الكهلة اليونانية ~~أويقات قليلة في النهار، أما سليم وعلي فلم يؤذن لهما البتة أن يصعدا إلى الطبقة ~~العليا من المنزل، وجل ما عرفاه أن الخواجه جاك سيدهما قد حبس زوجته فوق ليمنعها عن ~~عشيقها، فكانا يأتمران بأمر تلك الكهلة الحارثة كما تشاء، وأما سنتورلي فكان ينام بعض ~~الليالي في الغرفة المجاورة لغرفة جوزفين؛ لكي يوهم الخدم أنه نائم عند امرأته. # ولا ريب أن يدرك القارئ ما قاسته جوزفين في ذلك السجن المرتفع وهي لا تقدر أن تشكو أمرها ~~لأحد؛ فإن تلك اليونانية حارستها لم تكن لتشفي لها غلا البتة؛ لأنها غريبة اللغة عنها، ~~فإذا احتاجت جوزفين أمرا حارت كيف تبلغه إلى حارستها، وهذه لم تكن مطالب جوزفين لتهمها؛ إذ ~~لم يكن واجبا عليها أن تلبي لها طلبا؛ لأن وظيفتها انحصرت في تقديم الطعام والشراب لها، ~~وإخراجها في بعض الأمساء إلى البلكون فقط. # وقد قصد سنتورلي من اختيار حارسة جوزفين امرأة غريبة اللغة عنها أن يمنع كل صلة بين ms42 ~~قلبيهما؛ لأنه حسب أن التفاهم الصريح بينهما يعقد الألفة، والألفة تفضي إلى إشفاق اليونانية ~~على جوزفين عند إطلاعها على الظلم اللاحق بها، وحينئذ يستحيل عليه أن يأمن جانب المرأة ~~اليونانية، فلا بد أن تخونه، فإما أن تطلق جوزفين من سجنها، أو أنها تغدر به وتشكو أمره ~~للبوليس، أو أنهما تفران معا. # ولكن بما أن اليونانية لم تكن لتفهم شيئا من جوزفين، ظلت تعتقد ما طبعه في ذهنها المسيو ~~جاك - سنتورلي - من خيانة زوجته له وتعلقها بعشيقها، وبما أنها كانت متورعة ومتدينة كانت ~~تحسب جوزفين امرأة شريرة جدا فتكرهها، وكانت إذا توسلت إليها جوزفين وتضرعت تظنها تلتمس ~~مشاهدة حبيبها فتزداد كرها لها؛ ولذلك كانت قاسية عليها جدا، فإذا أكثرت جوزفين من ~~التضرع والتوسل حرمتها الحارسة من الخروج إلى البلكون. # وقد حارت المسكينة جوزفين في كيف تسترضي حارستها أو تفهمها مطلوبها؛ فتارة كانت تكتب لها ~~بعض مقاصدها بالفرنسية وتومئ إليها أن تلتمس من شخص آخر أن يترجم لها تلك الكتابة، فتعرض ~~الحارسة الورقة على سنتورلي فيخبرها ما يشاء، وإذ تكرر هذا الأمر بضع مرات، وخشي سنتورلي ~~سوء عاقبته أمر الحارسة أن لا تقبل منها ورقا البتة؛ لأنه هو يستفهم منها حاجتها متى اجتمع ~~بها. # وأما الغرض الذي كان يرمي إليه الأمير عاصم وسنتورلي من إبقاء جوزفين جاهلة سبب سجنها، ~~والأشخاص الذين قضوا عليها بهذا الشقاء، ومن احتجاب سنتورلي عنها لأنها تعرفه، الغرض من هذا ~~كله هو أنهما كانا يحسبان حساب إطلاق جوزفين من هذا السجن، أو إفلاتها منه لسبب من الأسباب، ~~فإذا خرجت وهي لا تدري أين كانت سجينة ومن سجنها بقي جرمهما مكتوما، وهذا منتهى التحوز ~~الذي وصل إليه الكائدون، وقد أصابا في تحرزهما هذا؛ لأن سنتورلي مل السهر في مراقبة ~~جوزفين والحرص عليها في سجنها، وصار يلتمس وسيلة للتخلص منها ولو بخلاصها؛ ولذلك عقد النية ~~على أن يطلق سبيلها إذا لم يفلح في المكيدة الأخيرة؛ لأنه خاف ألا يبقى أمرها خفيا على ~~تمادي الزمان، فإذا أطلقها من سجنها بالطريقة التي ms43 أدخلها إليه فيها أمن انفضاح أمره؛ ~~لأنها إلى ذلك العهد لم تكن تعرف من أتى بها إلى هناك ولا أين هي ولا سبب ذلك كله. # قلنا إن جوزفين المسكينة ذاقت من العذاب في ذلك السجن ألوانا، وكانت تشتهي سما ناقعا ~~يقلص أعصابها ويوقف دورتها الدموية، أو نصلا تغمده في فؤادها، بل كانت تشتهي أن ترى الشخص ~~الآمر بسجنها لكي ترتمي عند قدميه وتتوسل إليه أن يجهز عليها. # ولقد حارت في سبب سجنها، فكان يخطر لها تارة أن الأمير نعيما كرهها وأمر بسجنها لكي ~~يتخلص منها، ولكن لا تلبث أن تتفل على الشيطان وتستغفر ربها على هذا الظن؛ لأنها كانت تحسبه ~~تجديفا، وتارة كانت تظن أن شخصا يهواها فأقصاها عن نعيم وانتظر ريثما تنساه ... افتكرت ~~أفكارا عديدة، ولكن لم تجد فكرا ينطبق على ضميرها وعقلها. # وفي المساء السابق لمساء القضاء عليها كانت في سريرها تقلبها الهواجس على جانبيها، وقد ~~اتحد غم الظلام وظلام الغم بالضغط الثقيل على صدرها، فكانت ترفع الغطاء عنها؛ لأنها تشعر به ~~ثقيلا ثقل الجبل، ثم تتنهد حتى تكاد تدوي الغرفة من تنهدها، وبقيت كذلك حتى انتصف الليل ~~ولم تنتصف سنة النوم في جفنيها، فسمعت نقرا خفيفا على شباكها، فأعارت أذنها للشباك وأصغت ~~جيدا، فسمعت نقرا متتاليا، فهلع فؤادها فنزلت من سريرها بكل هدوء من غير أن يسمع لها ~~صوت، ودنت من الشباك وأنصتت، فسمعت نقر حصى صغير على الشباك، وصوتا خافتا يقول: «جوزفين، ~~جوزفين، جوزفين.» فأصغت جيدا، والنقر والنداء متتابعان، فاضطربت في أول الأمر، ولكنها ما ~~لبثت أن استأنست؛ لأنها أملت من تلك الصوت فرحا، إما بقطع حبل حياتها أو بخلاصها؛ إذ أصبح ~~الأمران سيين عندها، فوضعت يدها على مزلاج الشباك وهي تنتفض كأن مجرى كهربائيا قويا ~~يعبر فيها، ولكنها لم تجسر أن تفتح، فقالت بصوت ضعيف بالإفرنسية: «من؟» ولكن لو كانت أذن ~~الطارق عند شفتيها لما سمع غير تصعد أنفاسها؛ لأنها لم تستطع أن ترفع صوتها، بيد أنها ~~توهمته في نفسها صراخا يكاد يوقظ أهل العزبة، ms44 قالت «من؟» وأصغت فلم تسمع إلا نداء اسمها، ~~فقالت: «من؟» أيضا، فسكت الصوت وخافت أن يبرح من غير أن تراه، فشددت قلبها وحركت المزلاح ~~فتحرك المصراع كله، فسمعت حينئذ الصوت يقول: «افتحي ... افتحي ... لا تخافي.» فاستأنست جدا ~~وشددت قلبها وفتحت المصراع نصف فتح، وتطلعت فرأت شبحا متسلقا على شجرة غضة قريبة من ذلك ~~الشباك، فذعرت في أول الأمر، وقالت بالإفرنسية: من أنت؟ # فأجابها بالفرنسية أيضا: أأنت جوزفين؟ # فأجابت جازعة وهي تنتفض: نعم، من أنت؟ ~~- لا تخافي، أنا مرسل من الله مخلصا لك. ~~- ولكن، قل لي من أنت؟ ~~- لا تخافي يا جوزفين ... لا تخافي، ثقي بي وإن لم تعرفي اسمي؛ لأني لا أقدر أن أبوح به لك، ~~فربما تعرفينه بعدئذ. ~~- يالله! لقد رعتني يا هذا، قل لي من أنت؟ ~~- لا تخافي يا سيدتي، لا تخافي، اطمئني واسمعي ما أقول لك. # وكان روع جوزفين قد سكن قليلا حينذاك، فقالت: أصادق في ما تقول؟ إني إلى الآن لا أعرف من ~~هو صديقي ولا من هو عدوي. ~~- لست عدوك يا مولاتي، ولو كنت من أعدائك لما اضطررت أن أتسلق الشجرة إليك، بل كنت آتي ~~إليك من باب سجنك. ~~- معقول ما تقول، وسواء كنت صديقا أو عدوا فلا فرق عندي؛ لأني أنتظر الفرج من نقمة ~~العدو كما أنتظره من نعمة الصديق، فقل يا هذا ما شأنك؟ ~~- قبل كل شيء يجب أن تثقي بي. ~~- ما برهانك على صدقك لكي أثق بك؟ ~~- مهما كنت أخدعك فلا أقودك إلى شقاء أعظم من شقائك الحالي، فثقي بلا برهان. ~~- صدقت؛ لأني لم أتصور شقاء أعظم من شقائي الحالي، فإن كان ثمة أعظم فأرني ها إني ~~مستسلمة. # فتأفف ذلك الشبح وقال: صدقيني يا سيدتي، إني أريد كل الخير لك، فاسمعي كلامي كله وثقي به ~~وإلا كنت بعد غد جثة باردة. # فذعرت قائلة: ويلاه! كيف ذلك؟ ~~- أعداؤك ينصبون شركا لك وللأميرة نعمت هانم. ~~- من هم أعدائي؟ ~~- لا يجوز أن تعرفيهم؛ لأن معرفتك لهم ولي تفضي إلى وضعي في أعماق السجن. ~~- يالله! أراك ms45 كتلة أسرار، ولكني أشعر باستئناس فيك، فها أنا مستسلمة إليك، فماذا تريد ~~أن أفعل؟ ~~- اعلمي أن طعامك غدا يحتوي على أفيون بغية أن يصرعك، لكي تنقلي من هذا المكان إلى قصر ~~الأميرة نعمت صريعة السبات، وهناك تحقنين تحت جلد ذراعك بسم ناقع، فلا تمضي عليك ربع ~~ساعة حتى تفارقي الحياة الأرضية، يجري ذلك في قصر الأميرة من غير أن تعلم ولا تراك في ~~الصباح إلا جثة في منزلها، فتضطرب بسببك حتى يطوف الشرطة قصرها ويقبضون عليها وعلى ~~خدمها. # وكانت جوزفين تقاطعه عند كل جملة بقولها: «ويلاه ويلاه!» ~~- إذا لم يكن لي الأمل بالخلاص من هذا السجن إلا إلى القبر، فأفضل القبر عليه. ~~- بل تخلصين إذا طاوعتني. ~~- ماذا تريد أن أفعل؟ ~~- أن لا تأكلي من الطعام الذي يقدم لك غدا بعد الظهر؛ لأنه يشتمل على مقدار كبير من ~~الأفيون يصرعك بحيث لا يبقى لك إحساس، فتموتين به نصف موت، وربما كل الموت، ولكن ليس غرض ~~أعدائك أن تموتي هنا، وإنما يجب عليك أن تتظاهري أنك نائمة، بل أنك في سبات ثقيل لكي ~~تنقلي في منتصف الليل من هذا المكان. ~~- أخاف أني لا أعرف أن أتقن هذا التظاهر. ~~- إذن كلي بعض الأكل لكي يستولي عليك النعاس، فتنامي نوما ثقيلا لا يؤذيك؛ لأنك إذا ~~صرعت بفعل الأفيون صرعا شديدا يتعذر علي الهرب بك. ~~- إذن آكل بعض الأكل، ولكن أخاف أن يكون ما آكله يحتوي على المقدار الكافي لقتلي! ~~- لا تخافي؛ لأنهم لا يريدون أن تصلي إلى قصر الأميرة نعمت إلا سالمة من الموت؛ لأنهم ~~يخافون أن يخفق سعيهم في إدخالك إلى القصر، فيضطرون إلى إرجاعك إلى هنا، ولا يوافقهم أن ~~تكوني هنا ميتة. ~~- وكيف أسلم من السم الناقع الذي سيحقنونني به؟ ~~- لقد أصبح ذلك السم الذي أعدوه لك ماء نقيا فلا تخافي، فإذا شعرت بألم الحقنة فلا ~~تصرخي، بل يكفي أن تختلجي فقط، لا تمانعي ولا تستيقظي لئلا تعودي إلى هذا السجن. ~~- وبعد أن أحقن تحت الجلد؟ ~~- يتركونك هناك وأنا أتولى أمرك. ~~- ولكن ms46 لماذا هذا التدارك المستصعب؟! ألا تقدر أن تأخذني من هنا؟ ~~- أنى لي ذلك والشباك محدد كشباك السجون؟ ~~- آتيني بمبرد فأبرد عارضة، ثم آتيني بحبل فأربطه بهذا الحديد وأتدلى. ~~- ليس الوقت كافيا في هذا الليل ولم يبق لك هنا سواه، ثم إنه لا يوافقني أن تهربي من ~~هنا؛ إذ لا يعرف بوجودك في هذا المكان أحد من غير أعدائك إلا أنا، فيعلمون من غير بد أني ~~أنا الذي سرقتك وخلصتك، وهم يقدرون بكل سهولة أن ينتقموا مني شر نقمة. ~~- إذن أستسلم لك بعد استسلامي لله. ~~- تفعلين حسنا. ~~- ولماذا تهتم بخلاصي يا سيدي؟ أتعرفني؟ ألك صلة بي أو غرض معي؟ ~~- أعرفك معرفة سطحية جدا، وإنما أخلصك وأخلص الأميرة نعمت تكفيرا عن ذنبين ~~اجترمتهما وتبت عنهما. ~~- لم أفهم. ~~- لا يهمك أن تفهمي، بل أرجوك أن تقصري عن الأسئلة؛ لئلا تجلبي علي خطرا عظيما عن غير ~~قصد منك. ~~- لا تخف، إني أحرص على أسرارك. ~~- بل أخاف؛ لأني لا أطمئن على أسراري مع سواي، ثم إن أسراري لا تفيدك شيئا. ~~- ليكن ما تريد. ~~- إذن إلى اللقاء بعد نصف الليل القادم. ~~- إلى اللقاء، ليكن الله معك أيها المخلص، يا رسول الخير وملاك السلام. # ثم عادت جوزفين إلى سريرها وهي تحسب أن السعادة عادت إليها بعد جفاء طويل، وصارت تفتكر ~~كيف تقابل نعيما بعد الغد، فلا تدري بأي حالة يستقبلها. # أما ذلك الشبح فنزل من الشجرة إلى أرض الحديقة، ثم تسلق الجدار وقفز عنه إلى الغيض من غير ~~أن يشعر به أحد البتة. # الفصل الرابع عشر # | لو كنت تعلمين # في مساء الاثنين المعهود وافى أحمد بك نظيم وكيل دائرة صدقي باشا إلى قصر الأميرة نعمت ~~هانم، ففتح له الخدم القاعة وسأل عن الأميرة، فأبلغوها خبر قدومه، فقالت: «ما خبره؟ ما كنت ~~أظنه يزورني قط!» وبقيت في غرفتها تقرأ في روايتها نحو ربع ساعة، ثم سألت: «ألم يزل موجودا ~~في القاعة؟» فقيل لها: «نعم.» فوافت إليه تجر أذيال العجب والخيلاء، فحيته وهو انحنى ~~لها ثم جلست على المقعد ms47 رزينة جدا تثقلها الكبرياء ويستخفها الجمال البديع. وكانت كما علم ~~القارئ واجدة على أحمد بك؛ لأنه لم يتمم رغبتها في قبول يدها وعدت ذلك منه إهانة، وكان ~~بعد دخولها على القاعة سكوت هنيهة بترته بقولها: أمن حاجة لك يا أحمد بك فأقضيها؟ ~~- لا أرجو إلا سلامة سيدتي، فما أتيت لقضاء حاجات بل لزيارة، فإن كانت زيارتي في غير ~~حينها فأعود من حيث أتيت. ~~- ليس من عادتي أن أكون فظة إلى حد أن أطرد زائري طردا وإن كنت في حاجة إلى النوم؛ لأني ~~سهرت الليل السابق كله. ~~- إذن ائذني لي يا سيدتي بالانصراف أستودعك الله. # وهم أن ينصرف، فقالت له وهي تبحث في نفسها عن طريقة لإغاظته واحتقاره: بل تبقى ولو نصف ~~ساعة على الأقل؛ لئلا تقول إن نعمت خشنة. ~~- من يستطيع أن يقول ذلك يا مولاتي، وأي خشونة منك ليست كل اللطف والرقة؟ ~~- أشكر لك إطراءك وأرجوك أن تدعنا من هذا الموضوع. # سكتا هنيهة، ثم قالت: ما بالك ساكتا يا أحمد بك؟ أتنتظر أن تفاتحك بالحديث سيدة؟ ~~- كلا، وإنما لا أدري ماذا أتكلم يا سيدتي؛ لأني كيفما تكلمت أشعر أن كلامي في غير ~~محله. ~~- لا لا، وإنما أحب أن تعلم أن كلامك معي صار يجب أن يكون محدودا بحدود، فلا يخفى عليك ~~أني أود أن أسترد الابتذال الذي ابتذلته لك، وأنا أظنك أرفع نفسا مما ظهر لي منك. ~~- مهما تنازلت يا مولاتي فإني لا أجهل قدرك، على أني أشعر بأن القدر لم يجعلني مستحقا ~~تنازلك ... ~~- لا لزوم للتمادي بهذا الحديث لئلا يثور طبعي، فكفى ما ثار سخطا وغضبا وحنقا على ~~الأمير عاصم بسببك حتى أصبحنا كالعدوين، لولا ما جبلنا عليه من طيب القلب. # فتلمظ أحمد بك ريقه وجعل يزدرد كلامه مخافة أن ينتشر من فيه شررا حاميا فيحرقه، وبعد ~~سكوت هنيهة قال: ماذا تعرفين يا مولاتي الآن عن الأمير نعيم؟ ~~- آخر رسائله لي من فينا منذ شهر، وبعد ذلك لم أدر أين هو، مسكين نعيم، ما أشد تأثير ~~هذا الحادث ms48 عليه! مضى عام على فرار جوزفين الخائنة وهو لم يزل هائجا غاضبا كما كان يوم ~~فرارها؛ لأنك تعلم أن نعيما أعظم المتمسكين بشرف النفس، مسكين! مسكين! إن تلك الملعونة ~~وحدها سبب شقائه. ~~- أتؤكدين يا مولاتي أن تلك الفتاة كانت خائنة؟ ~~- من غير بد، فإن نعيما لم يرتب قط بخط يدها، وقد قرأ رسالتها التي تعترف له فيها ~~بخيانتها وراجعها مرارا، وتأملها فلم يظهر له دليل على أن الخط غير خطها وأن كلامها يفهم ~~بخلاف ظاهره، نعم إنه في أول الأمر أبى أن يصدق أنها خائنة لفرط حبه لها، ولكنه إذ لم ~~يستطع أخيرا الشك بخط يدها ولا تأويل كتابتها اقتنع بأنها خائنة، وهل تنتظر يا أحمد بك أن ~~هؤلاء الإفرنجيات الفقيرات الوضيعات الأصل يثبتن على عهد؟! كلهن كاذبات منافقات يبتززن ~~أموال الأغنياء ثم يخنهم، ولو لم يكن أخي طيب القلب جدا لما عاهد تلك الملعونة الخبيثة ~~وثبت على عهده معها إلى أن فاجأته بخيانة، فهو أخلص لها الود وحافظ على العهد حرصا على ~~مبادئه الشريفة، لا لولوعه بها فقط. ~~- ولكن أما عرفتم شيئا عن تلك المرأة؟ ~~- لا، ولا نهتم أن نعرف، بل نحن نشكر الله أن أخي تخلص منها من غير أن ينقض عهده معها، ~~ولو بقي مرتبطا بها لظل مبغضا من جميع أفراد الأسرة؛ لأنهم استنكروا أن نابغتهم يكون ~~معصوما بعصمة الزواج من غريبة وضيعة الأهل دنيئة النسب، ولا سيما لأن وصية أبيه كانت على ~~الضد من ذلك. ~~- ولكن لو ظهرت هذه الفتاة وثبت أنها غير خائنة ... ~~- عجيب! كيف يثبت ذلك وهي أقرت من نفسها؟! وهب أنها بريئة فكيف تثبت براءتها؟ ومن ~~يصدقها؟ وهب أنها صدقت فهل نعود فنقرب إلينا امرأة كانت سببا لجعل أخي مضغة في الأفواه؟ ~~من لم يعلم بأمر هذه الفتاة وعلاقة أخي بها؟ وأنت تعلم أن الناس يقدرون الحادثة بقدر ~~أشخاصها، فلو حصلت حادثة أخي مع غيره من العامة لما عرف بها أحد، بل كم يحدث كل يوم كحادثة ~~أخي وأغرب فلا يعرف عنها شيء! ms49 ~~- ولكن ألا تظنين أن الأمير نعيما إذا صادف الفتاة في أوروبا وأثبتت له براءتها يغفر ~~لها؟ ~~- عجيب يا أحمد بك! ما بالك تحدثني ببراءة هذه الفتاة كأنك مقتنع أنها بريئة أو تعرف أنها ~~بريئة؟! # فامتقع لون أحمد بك واستدرك قائلا: كلا، وإنما فرضت أنها كذلك لأعلم كم مبلغ السخط ~~عليها. ~~- إنه لشديد، وأنا أؤكد لك أن أخي لو صادفها لا يمهلها إلى أن تلفق له الأعذار، بل ~~يعاجلها في الحال بضربة قاضية؛ لأنه بقدر ما كان يحبها أصبح يشتهي الانتقام منها، بل أؤكد ~~لك أن أخي لا يفرج همه ولا يزول غمه إلا إذا انتقم منها، فليته يلتقي بها. ~~- ولكن لماذا يكترث بها وهي أصبحت نفاية؟! ~~- لا يستطيع أن يسلوها؛ لأنه عني بها جدا في أيام حبه لها، فلا يطمئن له بال إلا إذا ~~عني في انتقامه منها بمقدار عنايته بها لعهد حبهما، وما غلط أخي الآن وإنما غلط في ~~السابق، غلطه في إيثاق عهده معها، وقد أوشكت أنا أن أغلط نفس غلطته ولكني نجوت والحمد ~~لله منها. # فاغتاظ أحمد بك من هذه الوخزة الأليمة التي وخزته بها الأميرة وقال: مولاتي، أحتمل منك كل ~~شيء إلا ما يمس نفسي الكبيرة، نعم إنك أرقى مني حسبا ونسبا ومقاما في الهيئة الاجتماعية، ~~وأما في شرف النفس وشرف المبدأ وشرف الكلمة فلا أظنك تبلغين مبلغي. ~~- أراك تتطاول يا أحمد بك وأنت وضيع جدا. ~~- لست وضيعا البتة. ~~- بل وضيع، وأنت نفسك أقررت بضعتك يوم جئت أغالطك وأبرهن لك أنك رفيع المقام، فكذبت ~~قولي وجاهدت الجهاد الحسن في إثبات ضعتك. ~~- إنك تهينينني جدا يا حضرة الأميرة. ~~- كلا، بل أضعك في مقامك الوضيع الذي أبيت الصعود منه. ~~- قلت لك إنك تهينينني يا نعمت! ~~- لا تكلم مولاتك هكذا! ~~- نعم، أنت مولاتي بمعنى، وربما أكون مولاك بمعنى آخر. # فاستشاطت الأميرة قائلة: لقد تجاوزت قحتك الحد! فالأفضل أن تنصرف. ~~- لم آت إليك إلا إشفاقا عليك وغيرة على سمعتك يا حضرة الأميرة، فلا تطرديني ~~طردا. ~~- أراك تهذي، فهل جننت؟ ~~- بل ms50 أنا عاقل، وستبرهن لك الأيام عقلي وارتفاع منزلتي وشرف نفسي. ~~- أف ... لم أعد أطيق هذا الغرور الباطل الثقيل. # ثم نهضت وقالت: إذا شئت مقابلتي في حين آخر لشغل، فانتظرني في غرفة المفاوضة. # ثم تركته وانصرفت إلى مخدعها متغيظة متشفية بعض التشفي، فإنها كانت تنتهز كل فرصة لإغاظته ~~وإهانته واحتقاره انتقاما منه. # وكانت قد تجاوزت الساعة العاشرة، وأكثر خدم القصر نيام إلا وصيفة الأميرة، فخرج أحمد بك ~~من القاعة ومشى في رواق القصر والأميرة تسمع وقع أقدامه إلى أن نزل من الطبقة العليا، ولما ~~صار في الطبقة الوسطى حيث يقيم الخدم دخل إلى خزانة منحرفة قرب رأس الدرج الذي ينزل منه إلى ~~بوابة القصر ومكث هناك. # وما بلغت الساعة الحادية عشرة ونصف حتى سمع قرعا على بوابة القصر، فأصغى فسمع بربريا ~~يقول للبواب: اقفل بوابتك واتبعني إلى قصر الأمير عاصم؛ لأن ابنك يتقيأ والأمير يعنى ~~به، لا تزعج أهل القصر هنا بعويلك، ليس الأمر خطيرا. وما هي هنيهة حتى أقفلت البوابة ~~وأوصدت، ونسي البواب أن زائرا لم يزل في القصر؛ لأن قلقه على ابنه أنساه كل شيء، وما ~~انتصف الليل حتى كان الأمير عاصم لدى البوابة يفتحها وسنتورلي ينزل جوزفين من المركبة، ~~وكان الليل دامسا وما حول القصر خاليا، وفي أقل من لحظة كان يحمل جوزفين إلى الممشى ~~الأسفل حتى وصل بها إلى آخره، فألقاها هناك، وفي الحال وخز جلدها بالحقنة المعلومة وانصرفا، ~~وأقفل الأمير عاصم البوابة وعاد فرد المفاتيح إلى البواب كما أخذها منه من غير أن يشعر؛ ~~لأن البواب لما وصل إلى ابنه وجده صريعا من شدة ما أزعجه التقيؤ، فخلع رداءه الخارجي ~~وجعل يعالج ابنه، وكانت المفاتيح في الرداء، فأخذها الأمير عاصم منه وردها من غير أن يلاحظه ~~أحد من الخدم المنهمكين في معالجة الغلام. # الفصل الخامس عشر # | مديونة له بحياتها # أما جوزفين فلما أنهضها سنتورلي من سريرها كانت صريعة الأفيون كما انتظرت، ولكن بما أنها ~~كانت عالمة بذلك من قبل شعرت جيدا بذراعين تحضنانها وترفعانها عن سريرها ms51 في حلك الليل، ~~على أنها استسلمت وفعل الأفيون ساعدها على الاستسلام، فنزل بها من غرفتها ووضعها في مركبة ~~مقفلة وعدا بها، وكانت في المركبة نصف نائمة؛ لأن الخوف قاوم فعل الأفيون، ولكنها كانت ~~كالمصروعة حين حملها إلى ممشى قصر الأميرة نعمت، ولما وخز سنتورلي ذراعها بإبرة الحقنة ~~اختلجت وقلبها خفق جدا؛ لأنها خافت أن يكون السائل الذي حقنها به مسموما، ولكنها ~~استسلمت، وقد زاد الخوف تنبهها حتى تغلب على فعل الأفيون، فما إن خرج سنتورلي وأوصد ~~البوابة حتى جلست وجعلت تجس نفسها كأنها لم تصدق أنها حية، وعند ذلك سمعت وقع أقدام ~~ضعيفا جدا، فالتفتت إلى جهة الصوت فسمعت من يقول: «جوزفين!» فقالت: «نعم، أنا هي، أنا ~~هنا.» وعند ذلك تبينت القادم فعرفت أنه الشبح الذي خاطبها أول أمس عند الشجرة، ولكنها لم ~~تعرف أنه أحمد بك؛ لأن معرفتها الشخصية به كانت ضعيفة جدا؛ إذ لم تره غير مرة حين كان ~~يزور الأمير نعيما لشغل، فلم تحفظ صورته في مخيلتها، أما سنتورلي فكانت تعرفه؛ لأنه كان ~~يراها أكثر من أحمد بك، ومع ذلك لم تعرفه حين نقلها؛ لأنها لم تره في النور، ولا سيما لأن ~~الأفيون قد خبلها وأضاع صوابها. # ولما دنا منها أحمد بك أمسك بيدها، وقال بالإفرنسية: لقد نجوت ... ~~- أكيد؟! أخاف أن تكون الحقنة سامة! ~~- لا تخافي، اطمئني، لم تحقني إلا بالماء البسيط، هاتي يدك ولا تبطئي في مماشاتي، أسرعي ~~ما تستطيعين. # ولما وصلا إلى البوابة حل أحمد بك المزلاج وفتحها وخرجا ثم أقفلها، وسار بجوزفين في ذلك ~~الحلك وهي تستند إلى ذراعه إلى أن التقيا بمركبة للأجرة فركبا فيها، وأوعز أحمد بك إلى ~~الحوذي، فجرى بهما إلى منزل حقير في حارة ال ... # ودخلا إلى المنزل ولم يكن فيه إلا عجوز شمطاء، فخرجت إلى غرفة أخرى حين دخلاه، ولما ~~استقرت جوزفين في المقعد فتحت عينيها جيدا، وقالت: أرى النور ضئيلا ... ألعل الحقنة ~~سامة؟! إني خائفة جدا، ويلاه! ~~- النور ضئيل كما تقولين، ولكن ما تشعرين به من الخبل إنما ms52 هو فعل الأفيون، ~~فتشددي. ~~- أين نحن الآن؟ ~~- نحن الآن في محل أمين بعيد عن أعدائك. ~~- متى أرى الأمير؟ هل يأتي إلى هنا؟ ~~- ليس الأمير في مصر، فلا تنتظري أن تريه. # فاعتدلت في مكانها وأحدقت فيه قائلة: أين هو؟ ~~- في أوروبا. ~~- أما أمر شيئا بشأني؟ ~~- أتظنين أن الأمير كان يعرف مقرك وأنه سعى بتخليصك؟ ~~- من سعى غيره؟ ~~- أتنتظرين أنه يلتفت إليك بعد رسالتك له؟ ~~- ويلاه! أناقم علي؟ ~~- من غير بد. # فصرخت مولولة وهي تقول: ويلي! إني بريئة يا سيدي، إني مظلومة، أما عرف أني كنت سجينة، وقد ~~أكرهت على كتابة تلك الرسالة المشئومة له؟ ~~- كلا، لم يعرف إلا ما كتبته له في تلك الرسالة. ~~- يا ويلاه! ألم تخبره أنت؟ وجعلت تبكي كالأطفال. ~~- لا تولولي يا سيدتي، خففي عنك. ~~- إني وحقك بريئة! ألم تعرف أنت حقيقة سجني وسبب الرسالة؟ فاسمع لأقص عليك ما جرى ~~لي. ~~- لا أكلفك أن تحكي لي حكايتك، فإني أعرفها أكثر مما تعرفينها، بل إني أعرف كثيرا مما لا ~~تعرفينه. ~~- إذن تعرف سبب سجني وأعدائي؟ ~~- نعم، أعرف كل شيء جيدا. ~~- أفما أخبرت الأمير نعيما به؟ ~~- كلا، لا أقدر أن أخبر أحدا. ~~- لماذا؟ ألا تخبرني أنا؟ ~~- أما قلت لك أمس إن ذلك سر وإفشاؤه يهوي بي إلى أعماق السجن؟! فأرجو منك أن ~~تعذريني. ~~- بالله! قل لي من أنت؟ ~~- وهذا سر أيضا لا أقدر أن أبوح به لك، فإن معرفتك إياي قد تفضي إلى نفس تلك ~~النتيجة. ~~- يا ويلي! ألا أدري شيئا من هذه الأسرار التي تحف بي؟ ~~- الأفضل أن تقنعي بخلاص حياتك. ~~- كيف أقدر أن أشكرك وأكافئك؟ # ثم ارتمت على قدميه تريد أن تقبلهما كأن فعل الأفيون ابتدأ أن يضمحل، فأنهضها وأجلسها ~~قائلا: عفوك يا حضرة الأميرة جوزفين، لم أفعل إلا ما وجب علي، وما فعلته هو جزء من ~~الكفارة عن ذنبي. ~~- ألا تقول لي لماذا أنقذتني؟ ~~- أرجو منك يا مولاتي ألا تستفهمي مني عن شيء، فإني لا أقدر أن أخبرك أمرا. ~~- ونعيم، أين أجده؟ ~~- الأفضل ألا تبحثي عنه. ~~- ويلاه! ms53 لماذا؟ ~~- لأنه ناقم عليك. ~~- أبرر نفسي أمامه. ~~- كيف؟ # ففكرت هنيهة، وقالت: أقص له حكايتي بحروفها وهو يصدقني. ~~- ولكنه صدق رسالتك التي بخط يدك، فهل يعود فيكذبها الآن؟ ~~- يصدقني كما صدق رسالتي. ~~- ولكن رسالتك شكوى نفسك على نفسك، وهذه لا تحتاج إلى بينات وشهود؛ لأنها إقرار، وأما ~~تبرئتك لنفسك فتحتاج إلى براهين. ~~- طبيعة قصتي مؤيدة نفسها. ~~- ولكنك لا تعرفين من قصتك شيئا يستحق الاعتبار، وما تعرفينه منها غير معقول؛ لأنك لا ~~تعرفين من خطفك، ومن سجنك، ولماذا سجنك، وأين سجنك! # ففكرت جوزفين هنيهة وقالت: ويلاه! أيحكم علي وأنا بريئة؟ ~~- كذا قضت الأقدار يا مولاتي، فكم عوقب الأبرياء وبرئ المذنبون! ~~- ولكنك أنت شاهدي الصادق فتقدر أن تبررني. ~~- أراك تنسين سريعا، أما قلت لك أني لا أقدر أن أذكر لأحد شيئا مما يخصك، فأنا منذ ~~الآن لم أعد أعرفك ولا أعرف عنك أمرا، وبعدما أفارقك لا تجدينني، فالأفضل أن تدعيني بعيدا ~~عن أمورك، إلا إذا شئت أن تضحي بي على مذبح مصلحتك. ~~- معاذ الله يا سيدي! بل إني أضحي بكل شيء لأجلك، إلا إخلاصي وأمانتي لنعيم. ~~- هذه محفوظة لك، بل بالأحرى إني أضحي نفسي لأجل الحرص على أمانتك. ~~- والآن ماذا أفعل؟ ~~- صرت حرة يا مولاتي، تفعلين ما تريدين؛ لأن مهمتي قد انتهت، وإنما أنصح لك ألا تظهري في ~~القطر المصري؛ لأن أعداءك أقوياء جدا، وإذا عثروا عليك لا تسلم روحك من أيديهم. ~~- ألجأ إلى الأميرة نعمت هانم. ~~- صارت هي وكل أعضاء الأسرة ألد أعدائك، فأرجو منك ألا تتعرضي لأحد منهم. ~~- ويلاه! أهم أعدائي الذين قضوا بسجني وعذابي؟ ~~- كلا، وإنما هم أصبحوا أعداءك بعد سجنك وإرسال الرسالة التي لا أشك أنك أرغمت على ~~كتابتها. ~~- إذن تعلم أني مظلومة، أفليس من يكشف ظلامتي؟ ~~- نعم، إنك مظلومة بالحقيقة، ولكن الجمهور يعتقدون أنك خائنة ولا يستطيع أحد أن يبررك غير ~~الله وحده، فاصبري لعل الله أعد لك فرجا قريبا أو بعيدا. # ففكرت جوزفين بضع دقائق ثم قالت: إذن ينبذني الكل حتى نعيم! ~~- بكل أسف أقول لك نعم. ms54 ~~- يا ويلي! ماذا أفعل؟ وكيف أختبئ من وجه أعدائي؟ ~~- أنصح لك يا مولاتي أن تسافري في هذا الصباح إلى أوروبا، وها خمسون جنيها نفقات سفرك ~~والأشهر الأولى من حياتك الجديدة، وبعدئذ يدبرك الله، ولا بد أن يكون لك أهل فتلتجئين ~~إليهم. ~~- كثر الله خيرك يا سيدي، حتى متى تغمرني بفضلك؟ ~~- إني أوفي ما علي، بل أكفر عن ذنوبي يا سيدتي فلا أستحق شكرا، وهاك أيضا جواز ~~سفر باسم امرأة نمساوية تقاربك في السن، فسافري في أول باخرة باسم «إدما نياشت». ~~- إذن أنت قد قررت أمر سفري ...؟ ~~- نعم، قررته كما قررت تخليصك؛ لأني رأيته لازما. ~~- لقد أصبت، فإني أسافر من وجه أعدائي، وأسعى لأن أرى الأمير نعيما، فإن عداوته لي أسهل ~~علي من مصالحة أقاربه، وغضبه أهيأ لي من رضاهم، فأين تظنه الآن؟ ~~- أظنه في باريس؛ لأنه يحب الإقامة فيها، وعساه يقتنع ببراءتك ويقبلك. ~~- كذا أؤمل، بل أقنع أن يقبلني كإحدى خادماته. ~~- إذن تنامين هنا حتى الصباح، ومتى اتضح النهار تركبين مركبة إلى المحطة وتسافرين إلى ~~الإسكندرية، وثم تنزلين في أول باخرة تبحر إلى أوروبا، ولا تخافي؛ لأنه لا يعرفك أحد، وإنما ~~يجب أن تذكري أن اسمك الآن «إدما نياشت». ~~- أشكر فضلك العميم، بماذا أكافئك؟ ~~- لا أتوقع منك شيئا. ~~- والنقود التي أقرضتنيها، كيف أردها؟ ~~- لا أرجو أن ترديها. ~~- رباه! ما هذا اللطف؟! بل الفضل الذي تسبغه علي، ربما عدت موسرة، فكيف أوفيك بعض ~~فضلك؟ ~~- أقنع منك بكتابة اسمك على هذه البطاقة. # وقدم لها بطاقة بيضاء وقلم رصاص فكتبت: # جوزفين صدقي مديونة لصاحب هذه البطاقة بحياتها. # بقي أن أرجو منك ألا تذكري شيئا لصاحبة هذا البيت عن أمرك، بل لا تكلميها شيئا؛ لأنها ~~موصاة ألا تكلمك بشيء. ~~- ليكن كما تقول. # ثم نهض أحمد بك يريد الانصراف، فأمسكت جوزفين يده لتقبلها، فاختطفها من كفيها وقال: ~~ليكن الله معك. من يدري إن كنت أراك بعد؟ ليتني أقدر أن أعطيك عنواني لتكتبي لي إذا احتجت ~~إلى مساعدتي المالية، أو سواها مما أقدر عليه. ~~- إني ممتنة ms55 لك كل عمري. # الفصل السادس عشر # | جزاء سنمار # ما ارتفعت الشمس فوق الأفق قامتين حتى كان الشرطة يحيطون بقصر الأميرة نعمت هانم، وبعض ~~رجال القنصلية النمساوية يراقبون عملهم، ثم دخل المأمور وبعض الشرطة إلى القصر وقبضوا في ~~الحال على الخدم وحجروا عليهم جميعا في غرفة واحدة، وعند ذلك شعرت الأميرة نعمت بضوضاء ~~وجلبة وأصوات، فنادت فلم تسمع صوت مجيب، فخرجت من غرفتها لترى ما الخبر، فالتقت بالمأمور ~~فسألت: ما الخبر؟ ~~- بأمر الحكومة أفتش قصرك يا مولاتي. ~~- عم تفتش؟ ~~- عن جثة امرأة مسممة. # فارتعدت الأميرة لهذا الكلام، وقالت: يالله! ماذا تقول؟ ~~- أقول إن رسالة مجهولة الإمضاء وردت إلى القنصلية النمساوية تبلغها أن امرأة نمساوية ~~تدعى جوزفين محظية الأمير نعيم مسممة في قصر الأميرة نعمت هانم، فأبلغت القنصلية المحافظة ~~فأرسلت عددا من الشرطة للتفتيش. ~~- لا أكاد أفهم ما تقول؛ لأن جوزفين التي تذكرها ليست في القطر المصري، بل هي مع عشيقها ~~في أوروبا كما كتبت لنا بخط يدها، ولا علم لي بشيء مما ذكرت. ~~- على أني أفتش على كل حال؛ لأني مأمور بالتفتيش. ~~- ولكن يشق علي جدا أن أرى شرطة تفتش قصري كأني متهمة بجناية. ~~- ولكن التفتيش يؤيد براءتك يا مولاتي، فاسمحي به عن طيب خاطر؛ إذ لا مناص منه. ~~- فتش فتش، لا بأس، فقد نفذ المقدر بإلباسي هذا العار. # وكانت ترتجف من شدة الغيظ كأن مجرى كهربائيا قويا جدا يجري في أسلاك أعصابها، فجعل ~~المأمور يفتح غرفة بعد الأخرى ويبحث في كل جهة فيها، وبقي نحو ساعة يطوف غرف القصر كلها، ~~حتى إنه لم يدع مقاس قدم إلا وفتشه فلم يجد شيئا، ثم نزل وفتش خزانات القصر السفلى واحدة ~~واحدة، وقلب الأمتعة والأوعية ونظر السقوف، ثم طاف في الحديقة فلم يجد أثرا لدفن البتة، ~~فعاد مقتنعا تمام الاقتناع أن القصر خال من جثة ميت، وما كان الظهر حتى عاد الشرطة بخفي ~~حنين. # أما الأميرة نعمت فكانت تتلظى غيظا من جراء ذلك، وبعد أوبة الشرطة جلست في غرفتها، وجعلت ~~تفتكر في سبب ms56 هذه الوشاية الكاذبة، وفي من هو الواشي، فحارت ولم يترجح لها إلا أن أحمد بك ~~نظيم هو الواشي نكاية فيها؛ لإهانتها له في المساء السابق، وكان هذا الفكر ينمو ويقوى عندها ~~إذ لم يخطر لها سواه، وأخيرا أقنعت نفسها بأنه هو الحقيقة بعينها، فأرسلت رسولا واستدعت ~~أحمد بك فحضر في الحال، وكان قد حزر من نفسه سبب هذه الدعوة؛ لأنه كان عالما بأمر دسيسة ~~سنتورلي والأمير عاصم كما هي، فظن أن الأميرة قد استدعته لتكلفه أن يبحث لها عن الواشي وسبب ~~الوشاية، فلم يخطر له أنها تتهمه بها. # فلما وصل وجد الأميرة نعمت منقلبة الشكل من شدة الغضب والغيظ، حتى إنه لا يكاد يعرفها من ~~يراها من معارفها، فابتسم أحمد بك قائلا: ما بال مولاتي غضبى؟ ~~- أظنك تعرف السبب. ~~- أأنا هو؟ ~~- كما تقول. # فاكفهر وجهه، وقال: كيف ذلك يا سيدتي؟ ~~- ألأجل هذه الدناءة الفظيعة كنت تحدثني أمس عن براءة جوزفين الخائنة؟ ~~- أي دناءة يا مولاتي؟ إلى الآن لا أفهم ما تقولين! ~~- لا أنتظر منك الإقرار بجريمتك. ~~- أي جريمة؟! إنك تسيئين إلي جدا يا سيدتي. ~~- بلاغك الكاذب الذي تستحق العقاب عليه. ~~- أي بلاغ هذا يا سيدتي؟! أفصحي، فإني لا أطيق الألغاز. ~~- من سواك أبلغ قنصلية النمسا أن جوزفين مسمومة عندي حتى أتى الشرطة اليوم وفتشوا منزلي؟ ~~هل سمعت بإهانة لحقت بأحد أفراد الأسرة كهذه الإهانة؟ ~~- كلا، لم أسمع! ويعز علي أن أسمع يا مولاتي، وإنما كيف عرفت أني أنا أتيت هذه ~~الدناءة، ووشيت هذه الوشاية الكاذبة؟ ~~- لا أحد سواك اهتم بأمر تلك الخائنة، فخطر لي أن ما جرى لي اليوم إنما هو نتيجة ما ~~جرى لك أمس عندي وما صادفته من الإهانة، وقد افتكرت طويلا فلم يبد لي تعليل غير هذا ~~التعليل. ~~- إن ما يخطر لك ليس وحيا يا مولاتي، وبالتالي لا يعد برهانا. ~~- بل هو برهان؛ إذ لا أنتظر هذا الانتقام من سواك. ~~- إذن تشعرين بأنك اسأت إلي جدا حتى إنك تنتظرين مني انتقاما؟ ~~- نعم؛ أسأت لك، ولكنك تستحق إساءتي؛ ms57 ولهذا لا أشك أنك تبتغي أن تنتقم مني. ~~- نعم، يجب علي الانتقام، ولكني لم أنتقم، ولا أنتقم، ولن أنتقم، إلا بالفعل ~~الحسن. ~~- لم يبق عندي شك بأن سبب هذه الوشاية أنت، وحسبي أن تقر بوجوب انتقامك. ~~- لا تعلمين ما في الخفاء يا سيدتي؛ ولهذا لا تحكمي بحسب ما يتراءى لك ... ~~- لا تتفلسف كثيرا، ما أتيت لأعاتبك، بل لأستنطقك. ثم نهضت تريد الخروج. ~~- إذن تعتقدين تمام الاعتقاد أني أنا الواشي؟ ~~- لا شك عندي بذلك، ولسوف تعاقب على بلاغك الكاذب. # فضحك أحمد بك ضحكة الهازئ، وقال: حققي يا مولاتي، حققي، لعلك إذا عرفت الحقيقة تثيبينني ~~لا تعاقبيني. ~~- اخسأ يا وقح، علام أثيبك؟ أعلى خبثك؟ سترى. # ثم خرجت وهي تنتفض من الغيظ، وخرج أحمد بك بعدها، وفي الحال لبست ملابسها وركبت مركبتها ~~وقصدت توا إلى القنصلية النمساوية، وسألت هناك عن الرسالة التي تضمنت الوشاية بها فقيل ~~إنها في المحافظة، فانطلقت إلى المحافظة وطلبت أن ترى الرسالة، فرأتها وأنعمت النظر فيها ~~جيدا فاشتبهت بخطها؛ لأنها توهمته يقارب خط أحمد بك بعض المقاربة، فعادت إلى البيت ورفعت ~~قضية ضده تتهمه بتهمة البلاغ الكاذب. # ولكي لا نطيل على القارئ الكلام، نقول إن النيابة حققت القضية جيدا وقابلت خط الرسالة ~~بخط أحمد بك فلم تثبت عليه التهمة فبرئ. # وكان بعد ذلك أن الأميرة نعمت عزلت أحمد بك من وكالة أملاكها وأملاك أخيها، وإنما بقي ~~وكيلا لأملاك الأمير عاصم، وهو لم يبق لذلك العهد وكيلا على أملاك الأسرة كلها، إلا لأنه ~~كان غيورا جدا على ذلك البيت، ولم يوجد أصلح منه لهذه الوكالة، ولأنه كان الخبير الوحيد ~~بجميع أملاك الدائرة؛ ولهذا اضطروا أن يستبقوه بالرغم عن استعفائه مرارا؛ لأنه كان غنيا ~~عن هذه الخدمة. # الفصل السابع عشر # | أما سألت عني؟ # لا بد أن يدرك القارئ من نفسه كيف كانت حالة الأمير نعيم حين غادر القطر المصري هائما ~~على وجهه من شدة الحزن والغم والغيظ. لم يقتنع في أول الأمر أن جوزفين قد خانته لما كان ~~بينه وبينها من ms58 الحب العجيب والولاء الثابت والإخلاص النقي، ولكنه لم يستطع أن يئول ~~رسالتها وغيابها تأويلا يقبله العقل. وكان أقاربه يقنعونه أنها خانته، وأن مثل هؤلاء ~~الفتيات خادعات ماكرات، وذكروا له شواهد عديدة عن مكرهن، وقصوا عليه حكايات مختلفة جرت ~~لأشخاص معروفين مع أمثال جوزفين، وأقنعوه أنه لطيبة قلبه جازت عليه حيل جوزفين في حبها له ~~واستيلائها على قلبه وثم على قصره وماله. # ولما تواترت أقوالهم بأنها خائنة لم يعد في وسع نعيم إلا أن يسلم بأنها خائنة، ~~وبالتدريج انقلب كل غرامه بها إلى انتقام حاد، حتى إنه لم يعد يستطيع البقاء في القطر ~~المصري ملتحفا بعار خيانتها، فبرح إلى أوروبا أولا لكي يروح نفسه من عناء هذه الأزمة، ~~وثانيا لكي يعد نقمة لجوزفين تليق بصفاته وأخلاقه الطيبة. # فيرى القارئ الكريم أن مشروع الأمير عاصم نجح نصفه الأول؛ أي تفريق جوزفين عن الأمير ~~نعيم، وأخفق نصفه الثاني؛ أي تقريب أخته الأميرة بهجت إلى الأمير نعيم، بل بالحري ازداد ~~تنائيا؛ لأن الأمير نعيما التهى عن كل الناس بأحزانه وغمومه التي لم يكن الأمير عاصم ~~لينظر بلوغها هذا المبلغ، وقد علم القارئ أنه أخفق أيضا في امتلاك فؤاد الأميرة نعمت وقطع ~~الأمل من الحصول على يدها؛ ولذلك صمم على إفراغ جعبة نقمائه الخفية من نعيم ونعمت. وقد ~~عرف القارئ كيف أن أحمد بك رد سيف نقمته عن الأميرة نعمت وجوزفين في وقت واحد. # وقد تنقل الأمير نعيم بين مدن أوروبا بغية أن يسرى عنه، فلم يكن إلا ليزداد غما ~~ولوعة؛ لأن غيظه كان مقرونا بالحزن، ووجده على جوزفين مشفوعا بالغيرة، ولأنه ما زال لذلك ~~العهد يحبها بعض الحب، ولكن نفسه الأبية تنكر عليه أن يصفح عنها. # وفي ذات يوم وهو في باريس وردت إليه بطاقة زيارة باسم جوزفين؛ إذ كان نازلا في فندق ~~رويال، فلما وقع نظره على البطاقة جعل بدنه يرتعش وقلبه يختبط في صدره وصعد الدم إلى رأسه ~~حتى اعتراه صداع شديد، فحار ماذا يعمل، فخاف أن ينزل إليها ويبتدرها بضربة قاضية، ms59 وافتكر أن ~~يستقبلها في غرفته لكي يؤنبها ويهينها، فخاف أيضا أن لا يتمالك نفسه ويضربها. # فقال لخادم الفندق: قل للسيدة صاحبة هذه البطاقة أن تختفي من أمام وجهي لئلا تضطرني إلى ~~ارتكاب جناية، وما خلصها من نقمتي الهائلة إلا وجودي في بلاد غريبة لا نفوذ لي فيها. # والذي يسمع هذا الكلام يتوهم أن الأمير نعيما رجل سفاك دماء وعدة شر، ولكن الذي ~~حنكته الأيام يعلم أن كثيرين من الناس يقولون ولكنهم عند الجد لا يفعلون، ولا سيما طيبو ~~القلب؛ فإنهم في عزلتهم وخلوتهم يستشيطون متغيظين ويحرقون الأرم غاضبين، ولكنهم متى قابلوا ~~خصومهم بشوا لهم؛ لأن قلوبهم توحي إليهم أن المسألة أفضل. # وقد كان الأمير نعيم من هذه الفئة، ومع ذلك كان غضبه - بل وجده وغيرته - أشد من أن يقبل ~~التسامح، فلما بلغ إلى جوزفين كلامه وهي في بوابة الفندق ارتج فؤادها، وشعرت كأنه سقط من ~~بين جنبيها ووقعت في مكانها، فأنهضها الخادم وأجلسها على كرسي، وقال: خففي عنك يا سيدتي، ~~لعل هذه الساعة ساعة بؤس عند الأمير، فالتمسيه في ساعة رضى. # وقد توسم الخادم من ملامح جوزفين أنها مظلومة، فرثى لها وطيب خاطرها، ولما انتعشت ركبت ~~مركبة ويممت فندق إيطاليا حيث كانت نازلة. # أما الأمير نعيم، فقضى ذلك النهار يتلظى على نار غيظه ووجده، وافتكر عدة أفكار في ~~الانتقام من جوزفين بالطرق الشريفة التي تزيد ندمها وتلوع قلبها بنار الغيرة، ولما جاء ~~إلى الفندق في المساء وجد بين رسائله رسالة هذا نصها: # عن فندق إيطاليا نمرة 6 # مولاي # أنت الحاكم وأنت الحكم، فأذن لعبدتك أن تمثل لديك لتسمع دفاعها عن نفسها، وثم ~~لك أن تحاكمها كما تشاء وتحكم عليها بما تشاء. # جوزفين # فتأمل الأمير نعيم هذه الرسالة، واستوقفته هذه العبارة: «لتسمع دفاعها عن نفسها.» وقال في ~~نفسه: إن التي قدرت أن تخدعني بضع سنين لا تعجز عن إتقان الدفاع وتمويه الحقيقة علي، ثم ~~طوى الرسالة ووضعها في ظرف عنونه باسم جوزفين ورماه في صندوق البريد. # وكان في اليوم التالي أشد ms60 تغيظا من كل الأيام؛ لأن الغيرة «كالنار تأكل بعضها إن لم تجد ~~ما تأكله.» فكانت غيرته تتقاوى وتتعاظم حتى صارت لهيبا جهنميا، فقضى ذلك النهار طائفا ~~بين الحانات، ولما عاد عند المساء إلى الفندق كان يتوقع خبرا من جوزفين، فصدق ظنه إذ وجد ~~رسالة منها عرفها من خط عنوانها، فلم يفضها، بل شطب عنوانه الذي عليها وعنونها باسم ~~جوزفين ورماها في صندوق البريد، وهو يحسب أن هذه الطريقة تغيظ جوزفين وتنكيها وتروي ~~غله. # وكانت هذه الرسالة تشتمل على تفصيل حكاية جوزفين وما جرى لها، منذ قبلت دعوة مدام ببيني ~~إلى أن وصلت إلى باريس، فلما عادت الرسالة إليها غير مفضوضة اقتنعت أن الأمير نعيما يرفض ~~أقل صلة بها رفضا باتا، ويئست من الوصول إليه لكي تبسط ظلامتها له، وانزوت في غرفتها ~~تنحب وتطلب الفرج من الله وحده. # أما الأمير نعيم فقضى اليوم التالي كاليوم الغابر بين الحانات، وهو قلق القلب والجسم ~~والضمير، وكان ينتظر أنه متى عاد إلى الفندق في المساء يرى جوزفين عند الباب فتتواقع على ~~قدميه، وجعل يفكر في كيف يتصرف معها متى رآها على هذه الحال، وصمم على أن يخطف قدمه من بين ~~يديها ويمضي تافلا عليها ويختلي في غرفته ولا يفتح لها الباب مهما قرعت، وكان يتطوح في ~~مثل هذه التصورات فينشرح صدره لها. # ولما كان المساء جاء إلى الفندق وشغل نفسه بالكلام الفارغ مع البواب آملا أن تشعر جوزفين ~~بقدومه فتخرج إليه من القاعة التي إلى جنب الباب، فلم يخرج أحد كما انتظر، فسأل البواب: أما ~~أتت سيدة سألت عني اليوم؟ ~~- أتت سيدات كثيرات، فلا أدري إن كانت إحداهن قد سألت عنكم. # فدخل الأمير نعيم إلى الفندق واجتاز في مماشيه إلى أن وصل إلى القاعة الكبرى، وأطل إليها ~~بدعوى أنه يبحث عن صديق، فلم يجد جوزفين بين الجلوس، فتقدم إلى غرفته وفحص بريده رسالة ~~رسالة فلم يجد فيه واحدة من جوزفين، فاشتعل قلبه غيرة فعاد من غرفته وقصد إلى الخدم يسألهم ~~واحدا واحدا: «أما سألت ms61 عني سيدة اليوم؟» فكان جواب الكل: «لا». # قضى الأمير نعيم ذلك المساء حائرا متلهبا بنار الغيرة والوجد، وفكر طويلا في الطرق ~~الموافقة لاجتماعه بجوزفين وإحراق قلبها بنار احتقاره، فافتكر أن يقصد إليها في فندق ~~إيطاليا، ولكن عاد ورأى أن هذه الفكرة من أسخف الفكر؛ لأنه إذا كان قد رفض مقابلتها في ~~فندقه، أفيسعى إلى مقابلتها في فندقها؟ فآثر أخيرا أن يطوف الحانات والملاهي في ذلك الليل ~~لعله يعثر عليها اتفاقا، ولكن فأله هذا خاب أيضا؛ لأن جوزفين أبت أن تبرح غرفتها حزينة ~~يائسة، وفي آخر هزيع من الليل عاد إلى غرفته كئيبا حزينا، وما نام ساعتين أو ثلاثا حتى ~~شق الفجر حجاب الظلام، وأيقظته ضوضاء حركة العمران، فنهض من سريره وطلب فطورا وأكل، ~~وبقي ينتظر تارة قدوم جوزفين إليه وأخرى البريد، إلى أن وافى بريد الصباح فلم يجد فيه حرفا ~~منها، فهاج خلقه، ولكنه بقي آملا أن تقدم إليه قبل الظهر، فجعل يلاهي نفسه حتى الساعة ~~الحادية عشرة فخاب فأله. # وكان يفكر في قدومها إليه أول مرة، وفي جوابه لها، فشعر أن الكلام الذي أرسله إليها سم ~~زعاف، ولكنه غالط نفسه في ما قال ولم يعد يذكر صيغة ذلك الكلام، فاستدعى الخادم الذي لقنه ~~إياه واستعاده إياه، فأعاده عليه كما ذكر، فأكل أصابعه ندما على رميها بتلك النبال ~~الصوائب، ثم أسف كل الأسف على رد رسالتها الأخيرة قبل أن يقرأها؛ لشعوره بأنه ظلمها بعدم ~~قراءتها؛ إذ لربما تشتمل على معذرة صادقة لها، أو على ما يحرجه إلى إرسال جواب لها يروي ~~غليله من تقريعها وازدرائها. وأخيرا اشتد وجده واضطرمت غيرته، فصمم على أن يقصد إليها في ~~فندق إيطاليا، فلبس ملابسه وركب مركبة وأمر الحوذي أن يعجل إلى فندق إيطاليا، وبينما ~~المركبة تدرج إذ خطر له أن ينثني عن عزمه، فأمر الحوذي أن ينثني ففعل، ثم عاد فغير فكره ~~فأمر الحوذي أن يعود إلى فندق إيطاليا، فأدار مركبه إلى الطريق المؤدي إليها، وكان وجه ~~الأمير نعيم يتلهب حينذاك وقلبه يخفق، وما ms62 كادت المركبة تصل إلى الفندق حتى رأى بعض السيدات ~~والرجال يخرجون ويدخلون من البوابة، فظن أن جوزفين بينهم فأمر الحوذي أن يعود في الحال، ~~فعاد إلى إحدى الحانات، وهناك عدل عدولا تاما عن أن يقصد إلى جوزفين في فندقها، وصمم ~~على أن يتجلد في جفائها ويصبر على هجرها، إلى أن تبيح له التقادير أن يلتقي بها وينال ~~أمنيته من احتقارها وخزيها. # وبقي كل يوم يتوقع خبرا أو رسالة أو زيارة منها فلم ينل، وأمل أن يصادفها في بعض ~~الأحيان في أحد الملاهي أو إحدى الحانات أو المتنزهات، فلم يتحقق أمله إلا بعد بضعة أيام؛ ~~إذ كان في مركبته في غاب بولونيا فصادفها تتمشى مع صديقة لها، ولكنها لم تره فأوشك أن ~~يناديها، وقد تحركت شفتاه بالحرفين الأولين من اسمها، ولكن إباء النفس أصمته في الحال، وبعد ~~أن بعدت المركبة عدة أمتار أسف لعدم رؤيتها إياه، فأمر الحوذي أن يدور من طريق أقرب لكي ~~يلتقي بها، فأجاب الحوذي طلبه، وبعد بضع دقائق كانت المركبة تستقبلها، ولكنها ما انتبهت ~~إليه إلا وقد صارت المركبة إلى جانبها، وهي ناظرة إليه نظر الضراعة، فلم تمهلها المركبة أن ~~تفوه بحرف. أما هو فكان يصوب نظره إليها من بعيد إلى أن رآها رفعت نظرها فيه وشعر أنها ~~انتبهت إليه، فخطف نظره عنها، ولكن أمائر الاضطراب كانت واضحة في ملامح وجهه. # وما بعدت المركبة قليلا حتى خطر له أن يعود؛ لأنه لم يرو غليله، فأمر الحوذي أن ينثني، ~~وما انثنى الحوذي حتى عدل عن هذا الفكر؛ لأنه رآه سخيفا، فأمره أن يعود إلى سبيله الأول، ~~ثم استأنف مسيره إلى إحدى الحانات العظمى، وهناك جعل يفكر في خطة يختطها لنكاية جوزفين ~~وقتلها غيظا. # ولو استفسرت قلبه عن معنى حنقه هذا، لقال لك: أود أن يميتها وجدي عليها وثم يحييها حبي ~~لها. # وأخيرا خطر له أن يتخذ صديقة يركب معها كل مساء إلى غاب بولونيا، آملا أن تراهما جوزفين ~~معا فتذوب غيرة. # وفي مساء اليوم التالي قصد إلى غاب ms63 بولونيا ليرى إن كان يصادف جوزفين فيه في ذلك الموعد، ~~فيعلم أنها تختلف إلى هناك فيكون الغاب موعد التقائهما المتفق عليه ضمنا. # ولا ريب أن القارئ يتوقع أن يصح حساب الأمير نعيم لظنه أن جوزفين تحسب مثل هذا الحساب، ~~وتؤمل أن تصادف الأمير في الغاب في ذلك الموعد، ولكنها لم تمض إلى الغاب. لماذا؟ لأن ~~المرأة أجمل صبرا وأعظم تجلدا من الرجل، فهي وإن كانت قد يئست من رضاه نظرا لرفضه البات ~~مقابلتها ورسالتها، ما زالت تحبه كل الحب وتتمنى لقاءه ولو في إبان غضبه، ولكنها اعتقدت أنه ~~صار يستنكف رؤيتها ويتجنب أقل صلة بها تجنب السليم الأجرب، فصارت تتحاشى التعرض له مخافة أن ~~يستاء منها. # وما فتئ الأمير نعيم يذهب كل مساء إلى غاب بولونيا أملا أن يصادف جوزفين، وقد صمم أن ~~يتحرش بها إذا صادفها؛ ولهذا كان يصل إلى الغاب ويترك مركبته ويتمشى برهة طويلة، وأحيانا ~~كان يبكر إلى هناك حتى يكاد يكون أسبق الناس إلى الغاب. # وحدث بعد بضعة أيام أن صادف جوزفين عن بعد قبل أن تراه؛ لأنها اعتادت أن تمشي مطرقة، ~~فعزم أن يستوقفها إذا لم تستوقفه ويكلمها إذا لم تكلمه، فكان يتمشى على نفس الجانب الذي ~~تتمشى هي عليه بغية أن يلتقيا، ولكنه ما أصبح على بعد بضعة أمتار منها حتى صار على الجانب ~~الآخر، فلمحته مبغوتة، ووقفت كأنها تلتمس مقابلته، فشمخ وأعرض عنها ذاهبا، فقالت: «مولاي ~~نعيم! كلمة واحدة فقط! ارحمني وائذن لي بكلمة.» فهز رأسه هزة رحوبة وأسرع خطاه كأنه يهرب ~~من عدو، فتوهمت أنه يهرب من عار يلحق به إذا قابلها، وما ابتعد مسافة حتى جعل يلكم رأسه ~~لعدم التفاته إليها، وأكل أصابعه ندما وعزم على أن يتعرض لها في مرة تالية ويشفي غليله ~~من لعنها وتقبيحها. # ولما عاد إلى غرفته في المساء خطر له أن يكتب إليها ويستدعيها إليه لكي يسمع عذرها، فجلس ~~إلى المكتب وجعل يكتب تارة ويمحو أخرى، وينسخ حينا ويمزق آخر، إلى أن وفق إلى كتاب ~~فعنونه ms64 وألصقه وخرج ليرميه في صندوق البريد، فلما وصل إلى الصندوق عدل فعاد إلى غرفته ~~والرسالة بيده، وجلس برهة يفكر ثم قرر أن يرسل الرسالة فخرج ورماها، ثم عاد يفكر في نتيجة ~~إرسالها، فرجح في يقينه أن إرسال رسالة لها يعد تنازلا عظيما منه يعاب به، فندم ونهض ~~حالا إلى الفندقاني وترجاه أن يفتح الصندوق ويرد له الرسالة قبل أن يرمي الرسائل في ~~صندوق البريد خارجا، وهكذا استرد الرسالة. # الفصل الثامن عشر # | الحية الثانية # أما جوزفين فقد اهتدت على الأمير نعيم بعد وصولها إلى باريس، إذ جعلت تطوف الفنادق الكبرى ~~وتسأل إلى أن عثرت على اسمه في فندق رويال، فقصدت إليه في الصباح وطلبت مقابلته، فأبلغها ~~ذلك الجواب المر مع الخادم، ثم رد رسالتها الأولى بعدما قرأها والثانية من غير أن يقرأها، ~~فتأكدت أنه يأبى أن يتصل بأي شيء يخصها، بل ظنت أنه صار يحسبها عارا ودنسا له، فصارت ~~تتحاشى أن تتعرض له إشفاقا على إحساساته، ولما صادفته في غاب بولونيا مرتين ورأت أنه كان ~~ينفر من رؤيتها تأكدت أنه لم يعد يريد أن يعرفها مهما يكن أمرها، ولا سيما لأن الرجل الذي ~~أنقذها من سجنها - أحمد بك - أخبرها أن كل أسرته ناقمون عليها، وأنهم شكروا الله على ~~ابتعادها عنه، وظنت أن الأمير لم يعد يحبها، بل إنه ندم على علاقته السابقة معها، وصار يود ~~أن ينسى تلك العلاقة. وقد تعاظمت هذه التصورات في يقينها لما عاملها به من الجفاء الحاد، ~~فيئست من استرضائه حتى ولو أقنعته ببراءتها؛ لظنها أن ذوي قرباه يحتمون عليه برفضها ~~بتاتا. # نعم؛ إن جوزفين قنطت تمام القنوط ويئست تمام اليأس واعتصمت بالصبر، ولكن بقي شيء واحد ~~يحرق قلبها، وهو توهم الأمير نعيم أنها خائنة في حين أنها مظلومة بتوهمه هذا، وأنها قاست ~~في سبيل أمانتها له ما لا يحتمل، فصارت تفكر في طريقة لإطلاعه على قصتها كما هي، فخطر لها ~~أن تكتب له مرة ثالثة وتعنون الرسالة بخط غيرها لكي لا يردها من غير أن يقرأها، ms65 بيد أنها ~~رأت أن هذه الطريقة غير مضمونة أيضا؛ لأنه متى فتح الرسالة ورأى أنها منها ردها من غير أن ~~يقرأها، أو أنه إذا قرأها فقد لا يصدقها؛ لأنه خلو من البراهين المحسوسة، ولا يكون لها ~~التأثير الذي لكلامها هي شخصيا. # وقد عرف القارئ أن الأمير نعيما رأى جوزفين لأول مرة في غاب بولونيا مع صديقة لها، فهذه ~~الصديقة كانت تضارع جوزفين جمالا وتسمى «المدموزال ماري جوتيه»، وقد نزلت في فندق ~~إيطاليا بعد نزول جوزفين فيه، وبالرغم من اعتزال جوزفين في غرفتها اكتفاء بأحزانها وبكائها، ~~كانت تتحرش بها وتتحبب إليها وتلاطفها وتؤانسها حتى استمالتها إليها وأصبحت صديقتها، وكانت ~~المدموزال جوتيه تدعي أنها فتاة غنية من غرينوبل يتيمة الأب، وأنها تقضي بعض الفصول في ~~باريس بغية النزهة وترويح النفس، فاستأنست جوزفين بها، وصارت المدموزال جوتيه تغريها على ~~الخروج من غرفتها والتنزه حرصا على صحتها وسلامتها، وبالتدريج امتلكت ماري قلبها ووثقت تلك ~~بها، وصارتا صديقتين حميمتين، فجعلت كل واحدة تستطلع أسرار الأخرى، حتى أفرغت جوزفين جعبة ~~أخبارها لماري وقصت عليها كل تاريخ حياتها كما هو، وكانت كلما ذكرت لها اسم الأمير نعيم ~~تشفعه بالثناء والتحبب، ولا تغفل عن وصف حسن له حتى صورته مثال الفضيلة وعنوان الرجولية، ~~ولما صادفته في غاب بولونيا قالت لها: «هذا هو.» وهي تتوسل أن يسمح لها بكلمة تقولها ~~له. # ولما وثقت جوزفين تمام الثقة من صديقتها ماري جوتيه قالت لها: بربك! ألا تذهبين إلى ~~الأمير نعيم تستعطفينه أن يسمح لي بمقابلته مرة واحدة وبعدها له أن يفعل بي ما يشاء؟ له أن ~~يقتلني، أو أن يدحرجني عن الدرج، أو أن يطردني طردا؛ فإني مستعدة أن أقبل كل شيء منه ~~بالسرور. ~~- لبيك يا عزيزتي، وحقك إني لا أعود من عنده إلا وقد استرضيته عليك. ~~- لم أعد أطمع برضاه بعد الذي رأيته من جفائه، بل بالأحرى أشعر أني عار له في عيني أهله ~~وأصدقائه؛ لأنهم متعصبون جدا لجنسيتهم وحسبهم ودينهم، فتغيظوا جدا لما عرفوا أني ~~حليلته، وهو الآن يشعر ms66 براحة وسرور في حله من قيوده بي، فلا آمل أنه يعود فيقيد نفسه ~~بتلك القيود، وإنما جل غرضي من الاجتماع به أن أبرهن له عن براءتي التي لم يعلم بها حتى ~~الآن. ~~- ثقي يا حببتي جوزفين أني أبرهن له عن براءتك، وأقنعه بصدق حكايتك، وأستأذنه أن ~~يستقبلك. ~~- بارك الله بك يا عزيزتي! إني أمتن لك كل الامتنان. ~~- أين أجده؟ ~~- في فندق رويال. # في صباح اليوم التالي قصدت ماري جوتيه إلى الفندق، وأرسلت بطاقة الزيارة إلى البرنس نعيم، ~~فاستقبلها في قاعة الفندق، فما لبثت أن جلست حتى فاتحته بالحديث قائلة: سيدي الأمير، أراك ~~قاسيا جدا في معاملة السيدات. ~~- عفوك سيدتي، لماذا تقولين هكذا؟ ~~- لأني رأيت معاملتك للسيدة جوزفين فوق ما يحتمله رجل من امرأة، فكيف تستطيع أن تحتمله ~~المرأة الضعيفة من الرجل القوي؟ # فاعتدل الأمير في كرسيه، وقال: أمن قبل جوزفين أنت آتية يا سيدتي؟ # فابتسمت ماري ابتسامة تهكم وتقريع قائلة: كلا، بل من قبل نفسي. ~~- عفوك يا سيدتي، لقد أسأت التعبير. ~~- لا بأس، أتيت إليك لأتشفع عندك بجوزفين، فإنها مسكينة وقد ندمت كل الندم على كل ما فرط ~~منها في الماضي، وعرفت أنها مخطئة خطأ لا يغتفر، ولكن إذا كان الله يقبل التائبين فعبيده ~~الصالحون يغتفرون للمسيئين إليهم المستميحين منهم. ~~- إني أشفق على جوزفين يا سيدتي كل الإشفاق وأسامحها؛ لأني كنت أحبها، ولكني لا أقدر أن ~~أقبلها؛ لأن قبولها عار علي، ألا تعلمين أنها كانت زوجتي بغير رضى أهلي وأقاربي؟ ~~- كلا، بل قالت لي إن أهلك كانوا يعبدونها عبادة. ~~- كاذبة، إني عبدتها بالرغم من إرادة أهلي، ومع ذلك خانتني أي خيانة حتى جلبت علي ~~عارا لا يمحى، فكيف أستردها؟! أأسترد خائنة؟! والله إني إذا قابلتها مزقتها إربا ~~إربا. # وعند ذلك لم يتمالك الأمير خلقه، فاستشاط غيظا وحرق الأرم، فسكنت المدموزال ماري ~~جوتيه طبعه ما استطاعت قائلة: لم أكن أظنها تكذب يا مولاي؛ لأني توسمت من كل حرف من كلامها ~~كل الصدق والإخلاص، فإذا كان الأمر كما تقول فإني أعذرك، وإن ms67 كنت أشفق عليها. ~~- نعم، كما قلت لك يا مدموازيل، وإن كنت أشفق فلأني طيب القلب جدا، ومع ذلك إلى الآن لم ~~أعرف حقيقة فرارها، سوى أنها أرسلت لي رسالة مختصرة تقول فيها أن لا أتعب في البحث عنها؛ ~~لأنها صارت لسواي، وذلك لأن للمرأة كل يوم هوى جديدا. ~~- أكذا كتبت لك؟ ~~- نعم. ~~- عجيب! قالت لي إنها كتبت لك مرة واحدة فقط أن شابا إيطاليا أغرم بها فاحتال عليها ~~واختطفها، وثم سجنها في بيت له، والتمست منك أن تخلصها، ثم قالت لي إنها لما رأتك قد أغفلت ~~أمرها فرت مع ذلك الشاب إلى أوروبا، وفي هذا العهد الأخير تركها ذلك الشاب بعد إذ أعطاها ~~نقودا، وكانت قد رأتك هنا فجعلت تبحث عنك حتى اهتدت إليك، وكان ما كان من جفائك ~~لها. ~~- عجيب! متى تعلمت هذه المخلوقة الكذب؟! لا أعهدها تكذب قط، إذن تقر أنها رافقت ~~شابا إيطاليا؟! ~~- نعم. ~~- لقد زدتني تحذرا منها، كنت أشفق عليها وأود لقاءها لكي أعاتبها، أما الآن فإني ~~أحتقرها جدا وأود أن أنساها؛ لأن امرأة دنيئة إلى هذا الحد لا تستحق شيئا من اهتمامي، ~~كنت أظنها ترافق أميرا أفضل مني ... ~~- كلا، ما هو إلا إيطالي محتال، وقد خدعها على ما قالت لي، والحق يا مولاي إني أعذرك كل ~~العذر في جفائها والترفع عنها لأنها خائنة؛ إذ لم تعرف قيمة النعمة التي حصلت عليها إلا ~~لما أفلتتها من يديها، ولات حين استردادها. # والحق يقال إن حديث المدموازيل جوتيه نزل ماء باردا على قلب الأمير نعيم؛ لأنه كان إلى ~~ذلك العهد يجل جوزفين؛ إذ لم يكن يعلم قصتها، فكان يتوهم أن يدا أعظم من يده غالبته في ~~اجتذابها، فلما علم الحقيقة رأى أنه يعنى ببغي رجسة لا تستحق شيئا من عنايته، ولا من ~~إشفاقه وحبه، حتى ولا من انتقامه، فانصرف وجده عنها، وانقلب قلبه عن مصافاتها. # وبعدما انتهيا من الحديث الطويل عن جوزفين، وكله بالمعنى السابق، أخذ الأمير نعيم يتعرف ~~المدموازيل ماري جوتيه، فأخبرته أنها كانت ممثلة في بعض ms68 الملاهي الشهيرة، ولما أوشكت تنال ~~شهرة نصح لها الطبيب أن تعدل عن هذه المهنة حرصا على سلامتها؛ لأن التمثيل يؤذي مجموعها ~~العصبي جدا. # وقد أجادت ماري في محادثة الأمير ومجاملته حتى جذبته إليها قليلا، وصارا صديقين والتمس ~~منها أن يلتقي بها حينا بعد آخر فوعدته. # الفصل التاسع عشر # | إضرام الغيرة أشد انتقام # ولما عادت ماري إلى جوزفين وجدتها كأنها على جمر الغضا تنتظر بشارة، فابتسمت، فقالت لها ~~جوزفين: أرى على وجهك بشرا، ألعله بشارة؟ ~~- بشارة إن شاء الله، لقد صدق ظنك يا عزيزتي جوزفين، فإني أخبرته مجمل قصتك فصدقها في ~~الحال ورثى لك جدا وتمنى كل خير لك، ولكنه قال إنه لا يستطيع أن يقبل أقل صلة بك بعد ~~الآن؛ لأن أقاربه عيروه جدا بعلاقته معك، وأنكروا عليه استردادك ولو ثبتت ~~براءتك. ~~- أما استأذنته أن أقابله مرة واحدة فقط؟ ~~- ألححت عليه جدا بذلك، فقال إنه ليس في وسعه. ~~- إذن اقتنع أني بريئة؟ ~~- بالطبع، والحق أقول لك إنه جميل الخلق والخلق، بل هو أكثر مما وصفت، فلا أستغرب ~~ترفعه عليك بعد الآن؛ لأنه بالحقيقة أمير، بل أمير الأمراء. # فابتسمت جوزفين وقالت: لقد ارتاح بالي بعض الراحة والحمد لله، على أني لا أقنط من ~~الاجتماع به ولو مرة واحدة، وبعدها أدخل إلى الدير وأمارس وظيفة ممرضة كما صممت أن أفعل إذا ~~أصر الأمير على تكذيب عذري. # وقد صدقت جوزفين كلام ماري جوتيه بحروفه؛ لأنها كانت تثق بإخلاصها وتنظر إليها نظرها ~~إلى فتاة نبيلة، أما ماري فخافت أن تذهب جوزفين إلى الأمير ويؤذن بمقابلتها، وثم يتفاهمان ~~ويبان كذبها هي؛ ولذلك جعلت تفكر في كيف تتلافى ذلك، وتستميل الأمير إليها وتحجبه عن ~~جوزفين، فما كان منها إلا أنها أسرعت إليه وجعلت تتودد إليه وتتحبب له بغية أن يتخذها ~~محظيته في باريس. # وقبل أن تغتنم جوزفين الفرصة المناسبة لالتماس مقابلة الأمير، تركت ماري فندق إيطاليا ~~ونزلت في الفندق الذي ينزل فيه الأمير، بغية أن تكون قريبة منه ومستسهلة الوصول ~~إليه. # وقد شعر الأمير بميل إليها ms69 واستحسن جمالها واستعذب لسانها؛ لأنها كانت داهية، وقد عرفت من ~~أين تؤكل الكتف. # وفي تلك الأثناء ذهبت جوزفين في الصباح إلى فندق رويال آملة أن تستعطف الأمير وتتوسل إليه ~~أن يقابلها، فكتبت إليه بطاقة وجعلت تنتظر في قاعة الفندق السفلى. وهذا نص بطاقتها: # حضرة الأمير نعيم بك صدقي # إن التي تعبدك تؤمل أن تكون قد صفحت عنها الصفح التام؛ ولهذا تنتظر في قاعة ~~الاستقبال نعمة مقابلتك إياها مرة واحدة فقط في بقية حياتها. # جوزفين # ولما وصلت هذه البطاقة إلى الأمير كانت ماري عنده، فتناولتها منه بما صار لها عليه من ~~الدالة، وقرأتها وقالت له: أتستقبلها؟! ~~- ما رأيك؟ ~~- لا أدري، أنت تعرف تأثير مقابلتها على مقامك وشرفك. # وكان في نية الأمير أن يستقبلها؛ لأن غضبه الحامي كان قد برد بعد سماعه كلام ماري جوتيه ~~الآنف الذكر، وانشغاله بحبها الجديد، فلما ذكرت له الملاحظة الأخيرة استنكف أن يستدعي ~~جوزفين ويستقبلها ... ~~- إذن ماذا تظنين أني أجاوبها؟ ~~- ما يمليه عليك قلبك. ~~- إني واجد عليها. ~~- فإذن اكتب لها رقعة تقصرها حتى لا تعود إليك وتخدش أذنك بتوسلاتها. ~~- إنها لتوسلات كاذبة؛ لأن التي خانتني يوم كنت أعبدها، لا تخلص لي بتوسلها يوم ~~أمقتها. # وعند ذلك جلس إلى مكتبه وكتب بالإفرنسية ما معناه: # إلى متى يا خائنة تخادعينني؟! عني، فما أنا ممن يغطون العار بالعار! إن جسرت على ~~الدخول علي أو على التعرض لي أحرجتني إلى ارتكاب جناية! # وكانت ماري واقفة وراءه ويدها على كتفه تقرأ ماذا يكتب، فقالت له: إنك قاس جدا يا ~~حبيبي نعيم، صرت أكره هذه المرأة لأجلك، ومع ذلك أشفق عليها من هذا الجواب المر بل ~~المحرق. ~~- ما أطيبك يا ماري! (وقبلها) ماذا ترين أن أكتب لها؟ ~~- ليتك تكتب ما أملي عليك. # فجعلت تملي ما يأتي، وهو يكتبه: # حسبي ما تحملته من تعيير أهلي لي بسببك، فلا تحملينيه بعد، امضي بسلام وإلا ~~أحرجتني إلى ما لا تحمد مغبته. # نعيم # فقال لها: ولكن ليس في هذا الجواب إشارة إلى خيانتها. ~~- وهل تجهل هي خيانتها؟! ms70 على أنها مفهومة ضمنا من الفقرة الأولى وأنت لا تود أن تصرح ~~بها؛ لأن التصريح يؤلمك. ~~- صدقت. # ثم طوى الورقة وغلفها وعنونها وأرسلها إلى جوزفين. # ولو لم تكن ماري جوتيه حينئذ عند الأمير نعيم لظفرت جوزفين بمقابلته، وربما أقنعته ~~ببراءتها وكشفت له أكاذيب ماري، على أن هذه الفتاة الماكرة حسبت هذا الحساب؛ ولهذا انتقلت ~~إلى فندق رويال، وجعلت تجتمع به ما استطاعت لكي تحجبه عن جوزفين، وبهذا الجواب الذي أملته ~~ليرسله إلى جوزفين أجابت غرضين؛ الغرض الأول: أنها أبقت لكل من جوزفين والأمير نعيم ~~اعتقاده في الآخر؛ أي إن جوزفين ظلت تعتقد أن الأمير نعيما عرف خبر سجنها وما جرى لها ~~واقتنع أنها بريئة، والأمير نعيم ظل يعتقد أنها خائنة لا تستحق الرحمة. والغرض الثاني: أنها ~~- أي ماري - برهنت للأمير نعيم أنها طيبة القلب سليمة النية. # وإذا شئت أن تعرف السر الذي يميز الداهية عن الجاهل، أو يفرق السياسي المحنك عن الرجل ~~البسيط فما هو إلا إتقان الكذب، وما إتقان الكذب بصعب إذ كان الضمير يسكت ولا يحرك ساكنا، ~~دلني على واحد من الذين اشتهروا في هذا القطر - خصوصا - بالدهاء وحسن السياسة في ~~معاملة الناس والمهارة في استدرار الأموال، وأطلعني على تاريخ حياته الحقيقي، وأنا أعدد ~~لك كل يوم ألف كذبة من أكاذيبه التي تؤذي الناس وتنفعه. # على أن الرجل الطيب القلب الصادق الأمين يعجز عن أن يستدر من المال أكثر مما يوازي تعبه ~~هذا إذا كان من الأذكياء، وإلا فيضيع نصف تعبه عليه بين تلاعب الدهاة، ولكن هذا الطيب يعد ~~في عرف الجمهور بسيطا أو جاهلا أو غرا. # جوزفين كانت ذكية كماري وربما أذكى، ولكن ماري كانت منافقة وجوزفين طيبة القلب؛ ولهذا ~~عدت تلك سياسية محنكة وهذه بسيطة جاهلة، وتلك فازت على هذه، ولا سيما لأن الأمير نعيما ~~طيب القلب تجوز عليه الأكاذيب. # وحدث في أحد تلك الأمساء أن الأمير نعيما اصطحب ماري إلى غاب بولونيا، وكان يتمشى معها ~~هناك، فصادفا جوزفين قاعدة على مقعد وحدها ورأسها على يدها، ms71 فخطر للأمير نعيم أن هذه الفرصة ~~أفضل الفرص للانتقام منها، فقال لماري: «تعالي نجلس هنا.» وجلسا على مقعد آخر مقابل جوزفين، ~~واتكأت ماري على ذراعه وجعلا يتحدثان غير مكترثين، فلما نظرتهما جوزفين استلقت على كرسيها ~~واهية القوى من شدة التأثر، ولكنها ما لبثت أن تجلدت ونهضت من مكانها ومضت لا ~~تلوي. # وكانت ماري مضطربة جدا؛ لأنها خافت أن جوزفين تتهيج جدا من هذه النكاية القاتلة، ~~وتهجم عليها وتضربها وتعاتب الأمير نعيما وتروي له حقيقة أمرها فتفضح أكاذيب الواشية بها، ~~ولكن جوزفين أطيب جدا من أن تقدم على شر؛ ولذلك شكرت ماري الله على ذهاب جوزفين ساكتة، ~~ولم تعد بعد ذلك تخاف سوءا من الالتقاء بها في حضرة الأمير. # وقد استلذ الأمير هذا الانتقام فألح على ماري أن تنزل في ذلك المساء في فندق إيطاليا ~~لكي تزورها هناك، فتعرف جوزفين بوجوده مع ماري فتحترق غيظا، فطاوعته ماري مكرهة؛ لأنها ~~بقيت تحسب حسابا لثورة جوزفين، ولكنها استعدت للمقاومة والمغالبة بكل قواها. # ولما كانت الساعة التاسعة مساء كانت جوزفين في قاعة الفندق بعد العشاء تستريح في الشرفة ~~متعللة بالنسيم اللطيف، فدخل الأمير نعيم وماري إلى القاعة يضحكان ويمزحان ويهزلان كأنهما ~~مثالا حب، فانتبهت جوزفين وإذا هما في الشرفة إلى جانبها وقد أخذ كل منهما كرسيا وجلس ~~وجوزفين واقفة، فلم تعد تحملها قدماها فوقعت على الأرض مغمى عليها تمام الإغماء، فنهض ~~الأمير نعيم واحتملها إلى غرفتها، وطلب من الفندقي بعض المنعشات، وعالجها حتى استفاقت، ~~فنظرت إليه وروحها في عينيها وقالت بصوت خافت وقلبها بين شفتيها: أشكرك يا نعيم. ~~- لم أفعل إكراما لك، بل لأن الرجولية تقضي علي بذلك، فلا تشكريني. ~~- لا أشكر لك عملك؛ لأنه لا شيء بالنسبة إلى محامدك، وإنما أشكر لك انتقامك؛ فإنه أعظم ~~انتقام اخترعه البشر، ولكن على أي ذنب تعاقبني؟! ~~- اسكتي يا امرأة، إني لا أعرفك. # فصرخت به جوزفين قائلة: ويلاه! ألا رحمة؟! من احتمل ما احتملت. # وانقلبت إلى جنبها ووجهها إلى الحائط غائبة عن رشدها، فتساقط الدمع من عيني ms72 الأمير نعيم ~~ولم يتمالك نفسه عن البكاء، وكانت ماري واقفة تشاهد هذا المشهد المؤثر وقلبها يخفق جزعا، ~~فاغتنمت فرصة انقلاب جوزفين، وأمسكت بيد الأمير نعيم، وهمست قائلة: دعها الآن، فإني أرثي ~~لها. # فتبعها الأمير إلى القاعة، وبعد برهة سأل عن سلامة جوزفين فقيل له إنها نائمة، وعند ذلك ~~ألحت عليه ماري أن ينطلقا إلى فندق رويال لئلا يبقى في فندق إيطاليا متأثرا، فذهبا. وفي ~~صباح اليوم التالي صحا الأمير نعيم بعد نوم قليل مكتئب القلب جدا، شاعرا بالإشفاق العظيم ~~على جوزفين، فبعد أن أفطر ذهب إلى فندق إيطاليا من غير أن يخبر ماري، وسأل عن جوزفين، فقال ~~الفندقي إنها تركت الفندق في هذا الصباح إلى حيث لا يعلم، فطاف الأمير على أكثر الفنادق فلم ~~يجد لها أثرا. # الفصل العشرون # | مفتاح الأسرار # مر على هذه الحوادث نحو عشرة أعوام كانت على آل ذلك البيت الكريم متشاكلة؛ إذ لم يحدث ~~لهم فيها أمر يستحق الاعتبار. # وكان الأمير عاصم قد قطع الأمل من الحصول على يد الأميرة نعمت هانم زوجة؛ لأنها رفضته ~~بتاتا حتى بعد وعدها أن تتزوجه حافظة لنفسها حق عصمتها؛ ولذلك تزوج، وكذلك زوج أخته إذ ~~يئس من ميل الأمير نعيم إليها، ومن ثم عقد نيته على أن ينتهز كل فرصة مناسبة للانتقام الخفي ~~من الأمير نعيم وأخته الأميرة نعمت، ولكنه كان في الظاهر يتظاهر بالغيرة على مصلحتهما وطيبة ~~القلب لهما، بالرغم مما صادف من نفور نعمت. # أما نعمت فبقيت كل تلك المدة عزباء؛ لأنها أبت أن تتزوج إلا حافظة عصمتها، ولم تجد طالبا ~~يعجبها؛ لأنها كانت ذات أميال خصوصية. # وأما الأمير نعيم فبقي عازبا أيضا؛ لأنه أبى أن يتزوج بعد جوزفين، وندم على عدم ~~مقابلتها بالرغم من اقتناعه بخيانتها، ولكنه اعتقد أنها تابت وأنها كانت مخدوعة أو مكرهة، ~~وإلا لما سقطت بهذا الإثم؛ ولذلك سامحها وكان يتمنى أن يهتدي إلى مقرها، ففتش عنها كثيرا ~~فلم يجدها. # وكان يقضي أكثر وقته في باريس، وماري سميرته وجليسته وخليلته، وكانت تنعم وتهنأ من ms73 ~~فضله. # وأما أحمد بك فما زال وكيلا لأملاك الأمير عاصم، ومطاوعا له كأنه ريشة في يد الأمير، ~~وبقي أيضا يلتفت لأملاك الأمير نعيم والأميرة نعمت بالرغم من نقمة هذه وغضبها عليه؛ لأنه ~~كان معروفا بإخلاصه لبيت صدقي باشا. # وأما سنتورلي وعاصم بك فلما علما أن الشرطة لم يجدوا جثة جوزفين في قصر الأميرة نعمت، ~~تحيرا منتهى الحيرة وفكرا طويلا في ذلك. # وخطرت لهما عدة أفكار كان أرجحها أن سنتورلي لم يحسن حقنها بالسم، فسلمت، ولما علمت ~~الأميرة نعمت خبرها سفرتها إلى خارج مصر؛ لكي لا تبقى عارا على أخيها. ~~••• # وحدث بعد عشر سنين من تلك الحوادث أن الأمير نعيما اعترته حمى تيفوئيدية شديدة، حتى ~~أضاعت صوابه وصار يهذي ولم يعد يعي شيئا، واستدعى أهله أكثر الأطباء لمعالجته، وكان في ~~مقدمتهم الدكتور ف. فلازمه معظم الوقت واستدعى له ممرضة من مستشفى أوروبي في القاهرة ~~تدعى «سار ماري»، بذلت كل عنايتها في تمريضه، وكان إذا خفت عنه الحمى قليلا فتح عينيه ~~ونظر إلى الممرضة، وقال: «جوزفين! جوزفين! متى أتيت إلى هنا؟! لماذا أتيت؟! من قال لك أني ~~مريض؟! جوزفين، هل تبت؟ جوزفين، ألم تزالي تحبينني كالأول؟ جوزفين، هل صفحت عن خشونتي ~~السابقة؟ جوزفين، أتخدمينني؟ لماذا؟!» # إلى غير ذلك من مثل هذه العبارات، ولكن «سار ماري» لم تكن تجيبه؛ لأن الكلام لغيرها، ولا ~~سيما لأنه يهذي، وكان الدكتور يسمعه يتكلم هذا الكلام فيحسبه يهذي، وقد سأل أخته عن سبب ~~هذيانه باسم جوزفين فحكت له موجز قصته معها. # على أن الأمير نعيما وإن كان غائب الرشد هاذيا، فإن قلبه لم يكن مختبلا كعقله، فلم ~~تغب عليه جوزفين وإن تنكرت باسم «سار ماري» تحت ثوب الراهبة الممرضة الأسود، وغطت عينيها ~~النجلاوين العسليتين بنظارة سوداء. # وتحرير الخبر أن جوزفين بعدما يئست من استعطاف الأمير دخلت ديرا في باريس درست فيه فن ~~التمريض، وطلبت أن تخدم في أحد المستشفيات في مصر، فأجيب طلبها، وقد ابتغت من ذلك أن ~~تتنسم أخبار الأمير حينا بعد آخر. # واتفق أن الحكيم ms74 ف. الذي يعالج الأمير كان حينئذ يزور المستشفى كل يوم ساعة لمعالجة أمراض ~~خصوصية، فذكر أمام الممرضات خبر حمى الأمير نعيم وحدتها، فاضطربت جوزفين ولكنها أخفت ~~اضطرابها في الحال، واغتنمت فرصة التمست فيها من الدكتور ف. أن يقترح على أهل الأمير نعيم ~~قبول ممرضة له، وأن ينتدبها لهذه المهمة، فأجاب الدكتور طلبها لظنه أنها تطمع بأجرة وافرة ~~من جراء هذه الخدمة، وكان يودها ويجلها، فأحب أن يخدمها هذه الخدمة. # ولما صحا الأمير نعيم من سرسام الحمى وخبالها لم يبق في حافظته من تذكار جوزفين إلا ظليل ~~خيال ضعيف، فظنه وهما من تصويرات الحمى فلم يعبأ به. # ولما نقه أشار الطبيب عليه بأن يتنزه كل يوم نحو ساعة في مركبته في جهة جافة الهواء ~~نقيته، وفي ذات عصر والفصل ربيع كان الأمير في مركبته وهي تدرج ببطء كلي في الشارع الذي يصل ~~العباسية بقصر القبة العامر، فرأى إلى يمينه فتى في أول الشباب يمشي على موازاته وهو يمسح ~~دموعه بعينيه، ثم لا يلبثان أن يغرورقا فيمسحهما. وبعد هنيهة أصبح وراء المركبة؛ لأنه كان ~~يتمشى أبطأ منها، فأثر منظر هذا الفتى على الأمير جدا، وأوعز إلى حوذيه أن يتوقف، وما ~~هي هنيهة حتى صار الفتى محاذيا للمركبة، فرآه الأمير لم يزل يبكي فشغل باله أمره، فناداه ~~قائلا: «يا سيدي الشاب!» فالتفت الفتى إلى المركبة وأحدق في الأمير، فقال هذا له: هل تشاء ~~أن تركب إلى جانبي في هذه النزهة فنتحادث قليلا لكي نقتل الوقت؟ # وكان الفتى لا يزال يحدق بالأمير أكثر مما يصغي إليه، فقال: أشكر لطفك يا مولاي، ما أتيت ~~لأجل النزهة، بل لأبتعد عن ضوضاء العالم وأختلي بنفسي. # فازدادت رغبة الأمير في الاطلاع على سر هذا الفتى، فقال له: إن الاختلاء يعظم حزنك يا أخي ~~فتجنبه، ومهما يكن قصدك منه وتأثيره عليك فأرجو منك أن تخالف رغبتك هذه المرة؛ لأن لي ~~شوقا شديدا إلى محادثة الحزانى اليوم، فإن نفسي حزينة أيضا. # وقد شعر الفتى كأن يد العناية قد رفعته ووضعته ms75 في المركبة إلى يمين الأمير، وشعر الأمير ~~كأن فلذة من قلبه كانت مقطوعة منه فردت إليه، وكان الفتى جميل الطلعة بشير المحيا، يكاد ~~ينبثق الذكاء من مقلتيه والطيبة من صدره، وقد لبس ثوبا بسيطا جدا طفيف القيمة، ولكنه ~~مهندم نظيف، فقال له الأمير: أيجوز لي أن أسألك يا عزيزي ما سبب بكائك؟ # وكان الفتي يكثر من تأمل الأمير، فأجابه مستحيا: ليس سبب بكائي يا مولاي سرا معيبا، ~~وإنما هو موضوع يحاول كل امرئ إخفاءه. ~~- إذا لم يكن سرا معيبا، فلماذا يخفيه الإنسان؟ # فابتسم الفتى قائلا: لأن موضوعه عميق خفي. # فضحك الأمير لأنه أدرك حالا الموضوع، فقال: إذن السبب حب يا عزيزي. # فاستحى الفتى قليلا وقال: نعم يا مولاي. ~~- أيجوز لي أن أسألك حكاية هذا الحب؟ لعل لي فيه رأيا عن اختبار طويل؛ لأني أحببت كثيرا ~~في حياتي. ~~- أحببت كثيرا؟ ~~- من لم يحب فهو حجر. فقوي قلب الفتى على الكلام. ~~- إني أتوسم فيك يا مولاي غوثا لي؛ ولذلك أشكو إليك أمري. ~~- إن كنت أقدر أن أفيدك بأمر، فتأكد أني أفعل غير معبئ بكلفته، فقل ما عندك ~~مطمئنا. ~~- مولاي اسمح لي أن أتكلم بكل حرية. ~~- لا تتكلم إلا بكل حرية إن كنت عليل القلب وتتخذني طبيبك. ~~- ربيت في دير هو مدرسة للأيتام، وكنت أتعلم بعض العلوم وفن الخياطة، وبقيت أكثر سني ~~مسرور القلب من كل ما حولي إذ لم يكن من هم يهمني، ولكني في السنين الثلاث الأخيرة كنت كل ~~الوقت مكتئب القلب أنتظر يوم الأحد بفروغ صبر ذلك؛ لأني كنت أرى في الكنيسة فتاة من بنات ~~مدرسة العازرية اليتامى ملكت قلبي، وقد حاولت مرارا واجتمعت بها سرا هنيهات بثثتها فيها ~~آيات حبي الصادق، وعلمت أنها مثلي في الهوى، وما تفاهمنا صريحا وتعاهدنا على الحب الراسخ ~~الأبدي حتى فقدتها من الكنيسة، فبحثت عنها فقيل لي إنها أخذت إلى بيت أحد الإفرنج معلمة ~~لصغاره، فصممت على الخروج من المدرسة برضى الرئيسة أو بالرغم منها. وبالاختصار، خرجت وبحثت ~~عن حبيبتي فعلمت أنها في منزل ms76 خياط شهير يتاجر بالأقمشة، ففرحت لهذه المصادفة وقصدت إلى ذلك ~~الخياط والتمست منه أن أشتغل عنده فقبلني، وبعد الامتحان عين لي أجرة ريالا كل يوم، ~~فصرت أتودد إليه، وأقضي له بعض المهام تبرعا، حتى صار يرسلني إلى منزله لقضاء بعض حاجات، ~~وهناك قابلت حبيبتي، فدهشت إذ رأتني، وعرفت أني لأجلها تركت المدرسة وسعيت إلى لقائها، ~~وجددنا عهد الحب، وصرت أغتنم الفرص لمقابلتها، وأخيرا صممنا على الزواج متوقعين الفرص ~~المناسبة لذلك، واتفقنا على أن نوفر ما استطعنا من ماهيتنا لكي نعد لنا بيتا صغيرا ~~مناسبا لحالتنا، ولكن أبى الزمان أن يبقى مغضيا عنا، فتنبه سيدنا المسيو م. ج. الذي نشتغل ~~عنده إلى أمرنا، وعرف ما بيننا من العهود، فشق عليه أن تفترق حبيبتي عن أولاده لتتحد بي، ~~فتأمل إلى أي حد بلغ حب النفس! فإن هذا الرجل الحيواني استسهل أن يضحي بإحساساتنا وعواطفنا ~~على مذبح مصلحته الذاتية، فطردني من خدمته اليوم وحتم على حبيبتي أن تمتنع عن مقابلتي، ~~وإذا رامت أن تتركه تهددها قائلا: «إنك تحت إمرتي؛ لأني مسئول عنك لرئيسة مدرستك!» إلى غير ~~ذلك من الكلام الفارغ، فهمت على وجهي اليوم أبكي من سوء الطالع ومن ظلم البشر، فقل لي يا ~~سيدي، هل يحق للمسيو م. ج. أن يحبس حبيبتي عنده؟ ~~- كلا البتة، ولا رئيستها تستطيع ذلك، ولا مسيطر على الفتاة إلا أبواها. ~~- هي مثلي لا أب لها ولا أم. ~~- كيف ذلك؟! ألا والدان لك؟ ~~- كلا يا سيدي، لا أعرف والدي. ~~- إذن ربيت كل حياتك في المدرسة. ~~- كلا، وإنما أذكر كالحلم أني كنت في عهد الطفولية في بيت فلاح، ثم أذكر جيدا أني قضيت ~~برهة لا أعرف كم هي في بيت فخيم عظيم كنت فيه مدللا جدا، وتلك الأيام أوضح تذكاراتي ~~الصبوية؛ لأني كنت في نعيم. # فتنبه الأمير نعيم جيدا، واعتدل في مكانه وقال: ألا تذكر أصحاب ذلك البيت؟ ~~- أذكر امرأة لطيفة جدا كنت أدعوها أمي جوزفين ... ~~- وهل تذكر من كنت تدعوه أبا؟ # وكان الفتى يحملق بالأمير، فقال: أذكر رجلا ms77 يشبهك يا مولاي كل الشبه، كان الخدم يقولون ~~له الأمير. ~~- ما اسمك يا بني؟ ~~- كنت أدعى «يوسف»، ولما أدخلت المدرسة أضافت الرئيسة إليه لفظة «العفيف». ~~- أتسمح لي أن أسألك: أتعرف إن كان لك علامة خصوصية في ظهرك؟ ~~- نعم، على ظهري وشم هلال. # وكان البرنس قد طوق عنقه بذراعه فقبله وقال : أنت يوسف! أنت يوسف! لقد أعادك القدر ~~إلي، لن تفارقني بعد، ليس لي ابن فكن ابني، لم أكترث بفراقك في السابق، أما الآن وقد ~~رأيتك فتى نجيبا رقيق العواطف طاهر القلب فلا أطيق فراقك، فكن معي سلوة قلبي الحزين، ~~وأما حبيبتك فتكون لك وسنتفاوض بأمرها بعد، أما الآن فأخبرني كيف وصلت إلى الدير؟ ~~- أذكر أن سيدتي جوزفين أخذتني في زيارة إلى امرأة إيطالية، وأذكر أن تلك المرأة أكرمتنا ~~جدا في منزلها، وهناك تغلب علي النعاس فنمت، وفي صباح اليوم التالي صحوت وأنا في ~~الدير، فبكيت وأعولت وقلت: «أين أمي جوزفين؟» فقالت لي الراهبة الرئيسة: «إن جوزفين ليست ~~أمك.» وطيبت خاطري ولاطفتني فاقتنعت؛ لأني أعلم أن سيدتي جوزفين ليست أمي حقيقة، وفي يومين ~~ألفت الدير وبقيت فيه. ~~- وبعد ذلك، ألم تعد تعرف شيئا عن جوزفين؟ ~~- كلا البتة، ولا خطر لي أن أبحث عنكم؛ لأني تيقنت أن إرسالي إلى الدير كان بأمركم لكي ~~تتخلصوا مني. ~~- كلا! ليس ما ظننت، والحق أن أمر جوزفين هو الذي ألهاني عن التسآل عنك. ~~- وما أمرها يا مولاي؟ ~~- دعه الآن فلسوف تعرفه، إن أمرها مؤلم جدا، فقد فقدتكما معا في يوم واحد، وأخيرا ... ~~دعني من هذا الحديث المؤلم، وهلم نعد إلى القصر، والأيام أمامنا، فنتحقق كل شيء ونفعل ~~ما نريد، فكن يا حبيبي يوسف في طاعتي فتسر. ~~- كيف لا أكون يا مولاي كما تريد وأنت نعمتي؟! ~~- أرى أول مهمة أكلفك بها هي أن تذهب غدا إلى الدير الذي ربيت فيه، وتتحقق حكاية إدخالك ~~إليه بالتفصيل، وتعلم الأشخاص الذين أتوا بك إليه، وثم تخبرني، لا تدع شيئا يفوتك، يجب أن ~~تعرف كل ما تعرفه الرئيسة عنك، أود أن ms78 أعرف كل ذلك؛ لأن سرك مفتاح سر جوزفين، ولك علي أنك ~~لا تعود بهذا التقرير الضافي، حتى ترى حبيبتك في قصري تنتظرك، ما اسمها؟ ~~- ماري المباركة. ~~- واسم سيدها الحالي المسيو «م. ج.» أليس كذلك؟ ~~- نعم. ~~- أعرفه. # ثم درجت بهما المركبة إلى القصر. # الفصل الحادي والعشرون # | رد الكيد إلى النحر # حين كان الأمير نعيم يتقلب على سرير المرض ويتقلى على نار الحمى التيفوئيدية، كان ~~الأمير عاصم وسنتورلي مختليين في قاعة بقصر الأمير عاصم في آخر السهرة، كان الجانب الأخير ~~من حديثهما ما يأتي: ~~- لقد وصلت ابنة عمتي ماري جوتيه أمس، بعد أن منعتها عن الذهاب إلى قصر الأمير نعيم إلى ~~أن أجتمع بك ونتفق نهائيا. ~~- ماذا عملنا في الجلسة الماضية؟ أما اتفقنا؟ ~~- لم نتفق على كل شيء. ~~- على أي شيء لم نتفق بعد؟ ~~- على فائدتي من هذا المشروع الجديد. ~~- فائدتك أنت؟ أما كفى أن لابنة عمتك فائدة عظمى إذا نجحت في مشروعنا إذ تصير زوجة ~~الأمير نعيم وحسبها ذلك؟! ~~- ولكن أنا ماذا يصيبني من ذلك؟ ~~- كفاك أن تكون ابنة عمتك المستفيدة. ~~- أنا لا تهمني ابنة عمتي، ولو لم أطمع بمقاسمتها ما تستلبه من الأمير نعيم يوم دربتها ~~إلى معاشرته والتحبب إليه في باريس لما دربتها ومددتها بالنقود، مع أنه كان الغرض الأول من ~~كل ذلك خدمتك وخدمة أختك في هذه المسألة، وقد نجحت ماري في خدمة مصلحتك كما ابتغيت؛ إذ نفت ~~جوزفين من قلب الأمير وأقصتها عنه ونفرته منها، ولكنها قلما نجحت في خدمة مصلحتها ~~ومصلحتي؛ إذ لم تستطع أن تستلب منه شيئا يستحق الاعتبار، سوى بعض حلي أهداها إياها لم يزد ~~ثمنها على ألف جنيه، فاستفدت أنت أضعاف أضعاف ما استفدناه أنا وماري، وفي هذا المشروع ~~الجديد قد لا تنجح ماري، فماذا نستفيد منه؟ ~~- أرجح لك أنه ينجح، وعندي أمل 80 بالمائة من نجاحه؛ لأن الأمير نعيما رقيق الإحساس ~~جدا وطيب القلب، فمتى صحا من خبل الحمى ورأى ماري إلى جانبه تؤاسيه وتخدمه وتعنى به، فلا ~~بد أن يتمنى رضاها، ms79 وحينئذ إذا استعملت كل مهارتها في استعطافه، فلا بد أن ينيلها كل ما ~~تريد. ~~- وإذا صحا وأبى وجودها عنده؟ ~~- يستحيل ذلك؛ لأنه يستحي منها على الأقل، ثم إني أغرس في ذهنه حال صحوه من الحمى كما ~~غرست في ذهن أخته الأميرة نعمت أنه هو كان يطلب ماري فأحضرناها له. ~~- سلمت بإمكان نجاح ماري بالأمر، ولكن الفائدة لك منه عظمى جدا؛ لأنك من جهة تكون قد ~~انتقمت لأختك إذ جعلت الأمير يقبل في منزله كمحظية أو كزوجة امرأة سافلة وهي من سفليات ~~المومسات - لا تؤاخذني على هذا الكلام؛ لأنه ليس أحد سواك يعرف أنها قريبتي - ومن جهة أخرى ~~تنتقم لنفسك إذ تعير الأميرة نعمت بزوجة أو محظية أخيها، وكم يكون فوزك عظيما حين يشتهر ~~الأمر ويعرفه أفراد الأسرة كلهم، ولكن ما هي فائدة ماري متى أقصيت من منزل الأمير ~~مخزية؟ ~~- المهر الذي تتفق عليه مع الأمير. ~~- وما فائدتي أنا؟ ~~- يالله! ما أطمعك يا سنتورلي! ~~- لست طماعا يا مولاي، وإنما يجب أن تكون المنافع متكافئة. ~~- نعم، يجب أن تكون مناسبة لقدر الأتعاب في الأعمال، فما هو تعبك في هذا المشروع؟ ~~- بل ما تعبك أنت فيه؟ والأفضل أن تقول إن المنافع مناسبة لقدر تأثير الساعين إليها، ولا ~~تجهل أني أنا دولاب هذا المشروع، وبغير إذني وبدون تدريبي لا تقدر ماري أن تفعل ~~شيئا. ~~- حسبك يا سنتورلي ما انتفعته مني في الماضي، فقد أصبحت ذا ثروة من فضلي فكفاك ما ~~حصلته. ~~- وأنت حسبك خدمي الماضية لك. ~~- إذن لا تخدمني إلا بأجرة وافرة؟ ~~- من غير بد. ~~- ألا تخدمني في مقابل امتناعي عن أذاك؟ ~~- تتهددني؟ ~~- إلى الآن لم أستعمل سلاحي ضدك؛ لأنك كنت لا تقنع بإنصافي لك، أما الآن فأراك تطمع ~~جدا، فلا بد من مقاومتك بسلاح قوي. ~~- فهمت ما هو سلاحك، سلاحك رسالة أحمد بك نظيم التي يشرح فيها لي كيف أهلكت الداية عائشة ~~الحكيمة مولود جوزفين ومولود نعمت هانم، على أن هذا السلاح لا يخيفني جدا؛ لأنه يضر بك ~~كما يضر بي. ~~- لا يضر ms80 بي قط؛ لأني أدعي أني لم أعثر على هذه الرسالة إلا اليوم، وأنا براء من هذه ~~المكيدة التي اشتركت أنت وأحمد بك فيها. ~~- ومع ذلك لا يخيفني سلاحك قط؛ لأن عندي سلاحا ضده وقد استحضرته معي لهذه الجلسة؛ لأني ~~من محاولتك في الجلسة السابقة علمت ما في نيتك، وتوقعت أننا نصل إلى هذه النتيجة التي وصلنا ~~إليها. # فارتعد الأمير عاصم قليلا وضحك. ~~- لا تضحك! انظر، ها وصية المرحوم إبراهيم الحقيقية التي هي بخط يده ولم يعرف بها أحد ~~سواي، وقد كتمتها إلى مثل هذه الساعة، فهي تفضح الوصية التي زورتها أنت إذ قلدت خط ~~المرحوم فيها ودسستها بين أوراقه، لا تدن مني، انظر من بعيد، ها إمضاء الأمير إبراهيم باشا ~~صدقي وكلها بخط يده، وهي تثبت أن كل التركة للأمير نعيم وأخته نعمت هانم ولم يوص لك فيها ~~إلا ببعض الأفدنة والبيوت، أما أنت فاستوليت على ثلث التركة زورا وخداعا، فإن كنت ~~تتهددني برسالة عائشة أتهددك بهذه الوصية. ~~- ألا تبادلني؟ أعطيك الرسالة فتعطيني ... ~~- أبادلك! ولكن كم تدفع علاوة؟ ~~- لا أدفع شيئا، مسكين! إنك مجنون، إني أجربك، فلا تظن أن لهذه الوصية قيمة وقد مضى ~~عليها 15 عاما، ومع ذلك احفظ سلاحك معك وسلاحي معي ودعنا من مشروعنا الحاضر. ~~- ذلك هو الأفضل؛ لأن اتفاقنا بعد الآن أصبح صعبا ولا سيما في هذا المشروع؛ لأني أراه ~~عقيما. # وعند ذلك افترقا وبرح سنتورلي إلى منزله، وما ابتعد كثيرا عن بوابة القصر في ذلك الظلام ~~الدامس، حتى وثب له من كمين رجل ورش على وجهه رملا ناعما جدا ملأ عينيه فلم يعد يرى ~~شيئا، وفي الحال صرعه ومد يده إلى جيبه وأخذ منها أوراقه ومن جملتها ورقة الوصية التي ~~عرضها للأمير عاصم قبل بضع دقائق كما علم القارئ، ثم تركه ومضى، أما سنتورلي فانشغل بألم ~~عينيه ولم يعلم من هذا الذي باغته هكذا، وماذا ابتغى منه. # الفصل الثاني والعشرون # | التعويذة # واتفق على أثر هذه الحادثة أن ذهب أحمد بك نظيم إلى عزبة ق. لقضاء ms81 أمر يخص الأمير نعيما، ~~فاجتمع بالشيخ حسن النعمان، وكانا يتحدثان عن مرض الأمير نعيم، فجرهما الحديث إلى ما ~~يأتي: سأل الشيخ حسن النعمان: ألا يا أحمد بك، أما عرفتم شيئا عن مقر الصبي يوسف الذي أخذه ~~الأمير نعيم من عندي؟ فإني ما عدت سمعت عنه شيئا منذ قيل لي إن جوزفين محظية الأمير فرت ~~به ولم يعد يعلم خبرهما، إني لا أزال أحن لذلك الصبي؛ لأني ربيته نحو ثلاث سنين. ~~- لا وحقك لم نعد نسمع عنهما شيئا قط، ومن يعلم ما هو مصيرهما الآن؟ وعلى ذكر الصبي، ألا ~~تعلم أين ربته المرحومة عائشة الحكيمة قبل أن أتت به إليك؟ ~~- كلا، أظنها أخذته في تلك السن من أمه على أنها لم تقل لي شيئا قط عن أصله ~~وفصله. ~~- أما سلمتك شيئا يخصه؟ ~~- كلا، لم تعطني معه شيئا البتة. ~~- أما رأيت بين ملابسه شيئا؟ ~~- كلا، لم يكن معه ملابس غير ما كان يلبسه؟ ~~- ماذا كان يلبس؟ ~~- شبه جلابية فقط، وأنا ألبسته ما بقي. ~~- أظنك ناسيا يا شيخ حسن؛ إذ يستحيل أن تسلمك ولدا غريبا لكي تربيه من غير أن تعطيك ~~نقودا في مقابل تربيته. ~~- وحياة أولادي إنها لم تعطني شيئا، ولم يكن على الولد سوى جلابية - وقال الله لا تكذب - ~~وكان في عنقه هذه التعويذة التي تراها الآن في عنق ابني هذا الصغير. # فالتفت أحمد بك إلى صبي يبلغ التاسعة كان أمام الباب يلعب، فرأى على صدره شبه حقيبة صغيرة ~~من جلد وقد خيطت من جهاتها الأربع، وهي معلقة بخيط في عنق الصبي، فقال له: أتسمح لي ~~بها؟ ~~- بين يديك يا سيدي. # ونهض ففكها من عنق الصبي وقدمها لأحمد بك وهو يتمنى أن يكتفي أحمد بك بها عن التسآل، ~~لئلا يتحقق أخيرا أن الداية عائشة زودت الصبي بالنقود والملابس اللازمة قبل أن دفعته للشيخ ~~حسن، ولكن هذا تمتع بنقوده وألبس أولاده تلك الملابس الفاخرة. # وما لبث أن خرج أحمد بك من عند الشيخ حسن وانفرد في مكان وفتق تلك الحقيبة الجلدية ~~واستخرج ms82 منها الورقة التي فيها وقرأ ما يأتي: # أقسم بأيماني إني أقول الحق، أوعز إلي من له السلطة والقوة والأمر أن أخنق ~~الطفل الذي تلده الأميرة نعمت هانم وأدعي أنه ولد ميتا أو مات بعد الولادة، ~~وبسبب الحداد على الأمير صادق زوج الأميرة لم يكن على يدي حين التوليد رقيب أخاف ~~وشايته على هذه الفعلة الشنعاء، فلما ولدت الأميرة طفلة أخفيتها وادعيت أنها ولدت ~~ميتة، ثم حرصت على الطفلة في مكان أمين، ووسمت ظهرها بنجمة صغيرة علامة لها، ~~ودفعتها للراهبات مربيات اللقطاء، آملة أن أستردها حين يتسنى لي ذلك. # ثم بعد حين قريب أوعز إلي أن أخفي الطفل الذي تلده جوزفين محظية الأمير نعيم؛ ~~لكي لا يكون له ذرية من امرأة أجنبية، فلما ولدت صبيا أخفيته وادعيت أنه ولد ~~ميتا، وبعد إذ هممت أن أدفعه للراهبات كما فعلت بابنة الأميرة أخته، خطر لي أن ~~أستبقيه عندي لئلا يشب عندهن على غير دين أبيه، وندمت على تسليم البنت لهن، ولكن ~~كان ما كان ولم أعد أستطيع استردادها، فأبقيت الصبي لكي أربيه تحت رعايتي، ولما ~~شعرت بدنو أجلي بسبب مرض السل الذي اعتراني، وسمت ظهر الصبي بهلال صغير علامة له ~~ودفعته لأحد الناس لكي يربيه، وعلقت في عنقه كيس جلد صغير بشكل تعويذة، وقد ~~ضمنته هذه الشهادة الصادقة حتى إذا شاء الله رد الصبي لأبيه والابنة لأمها، ~~ألهم الصبي أن يفتح الكيس ويقرأ هذه الكتابة. # إني أستغفر الله على ما صنعت مكرهة، ولكني قصدت الخير في ما فعلت. # الحكيمة الداية عائشة # الفصل الثالث والعشرون # | ماري المباركة # بعد أن خرج يوسف العفيف من قصر الأمير نعيم لكي يمضي إلى الدير الذي تربى فيه ويتحقق ~~حادثة إرساله إليه، ذهب الأمير إلى منزل الخواجه م. ج. فاستقبله هذا بكل حفاوة ~~وبشاشة. ~~- أتيت إليك يا مسيو ج. لأمر مهم جدا. ~~- خير إن شاء الله. ~~- كان فتى يدعى يوسف العفيف يشتغل في مخزنك. ~~- نعم. ~~- وكان يحب معلمة أولادك ماري المباركة. ~~- نعم، ولأجل ذلك طردته. ~~- لا حق لك أن ms83 تطرده لأجل أنه أحب الفتاة لكي يتزوجها. ~~- ولكن الفتاة لا تحبه. ~~- أرجو منك إذن أن تستدعي الفتاة إلي، فإن صرحت لي بعدم حبها له عدت كما أتيت ~~... ~~- ولكن! ~~- لا لكن ولا غيرها، لا يحق لك أن تحجب الفتاة عن مقابلة أحد لأمر يهمها؛ لأن ذلك يخالف ~~الشريعة. ~~- وإذا فعلت؟ ~~- أستصدر أمرا رسميا بذلك. # ففكر المسيو ج. هنيهة وهو مرتبك، ثم قال: أقول لك الحق، إني لا أرى بينهما تكافئا فأشفقت ~~على الفتاة؛ لأن حال الفتى لا تساعده على الزواج. ~~- بل ظلمتها؛ لأنها راضية بحاله وما أنت ولي أمرها، ثم إن حال الفتى أحسن مما ~~تتصور. ~~- إذا كان الفتى تحت رعايتكم فلا ريب في ذلك. ~~- إذن غدا يجيء الفتى إلى هنا فلا تمنع الفتاة عنه، فإن شاءت أن تمضي معه ~~فباركهما. # الفصل الرابع والعشرون # | كشف المخبأ # في صباح اليوم التالي كان أحمد بك نظيم مختليا مع الأمير نعيم يفاوضه بما يأتي: لقد حان ~~لي يا مولاي أن أطلعك على أسرار عظيمة جدا، كلها خير إن شاء الله، وإنما أرجو منك ألا ~~تتسرع في الاعتراض علي أو في الغضب مني أو في ملامتي. # فتوسم الأمير كل الخير من هذه المقدمة المختصرة وقال: لك يا أحمد ما تريد، فإني أعرفك ~~مخلصا وغيورا على بيت أبي. ~~- فقبل كل شيء، قل لي يا سيدي، ألم تزل تحب جوزفين؟ # فاكفهر وجه الأمير إذ استحى أن يقول نعم، بل قال: وماذا يعنيك من كل ذلك؟ ~~- عفو مولاي! لكل كلمة أقولها الآن مساس بالموضوع الذي أخاطبك به. ~~- كلا، لا أحبها، بل أريد الانتقام منها. ~~- لا تخف أن تعترف بحقيقة ضميرك يا مولاي، وإذا ثبت لك أن جوزفين كانت مثال العفاف ~~والأمانة لك كل مدة فراقكما، فماذا تقول؟ # فاعتدل الأمير في مكانه، وقال: أعيدها إذا ثبتت براءتها. ~~- إذن أتأذن أن تحضر إلى هنا؟ ~~- أهي في مصر؟ ~~- نعم، وقد لازمتك مدة مرضك ومرضتك بكل عناية، ولم يلاحظ أمرها سواي؛ لأنها كانت متنكرة ~~جدا. # فضرب الأمير كفه على ركبته، وقال: عجيب! ms84 أذكر أني رأيتها فظننت أن الحمى خيلت لي ~~ذلك. ~~- بل رأيتها حقيقة وقلبك دلك عليها ونطقت اسمها أحيانا، وما أحد لاحظ ذلك سواي، ولا ~~سيما لأن الطبيب كان يأمر أن لا يدخل عليك أحد سواها وبعض الخدم، وهي كانت تتجنب أن تجتمع ~~بالأميرة نعمت لئلا تعرفها، فإذا شئت فاستدعها واستدع الأميرة نعمت هانم لكي تسمع أسراري؛ ~~لأن لها مساسا بهما. ~~- تكلم الآن، وثم متى حضرتا نخبرهما. ~~- بل أرجو منك استدعاءهما الآن، فلا يفيد كلامي شيئا في غيابهما. # فنهض الأمير إلى التليفون، وفي الحال خاطب المستشفى والتمس أن تحضر الراهبة الممرضة إلى ~~القصر بأسرع ما يمكن، وكذلك خاطب أخته في قصرها واستدعاها، وعند ذلك خرج أحمد بك على وعد أن ~~يعود بعد نصف ساعة، لئلا يحرجه الأمير إلى الكلام في غيابهما. # وبعد بضع دقائق كانت الأميرة نعمت عند أخيها تسأله: ما الخبر؟ ~~- عند أحمد بك أسرار مهمة على ما قال لي يريد أن يعلنها لنا. ~~- أحمد بك؟ أي أسرار؟ ~~- لا تتسرعي يا أختي، ولا تستهجني الأمر، سنرى، ثم إن جوزفين ستقدم بعد هنيهة، فأرجو منك ~~أن تستقبليها بالبشاشة إلى أن نسمع أخبار أحمد بك. # فصاحت به قائلة: جوزفين! أتلتحف بعارها ثانية؟! لم يزل أقاربنا يعيروننا بها إلى ~~الآن. ~~- مهلا يا حبيبتي نعمت! يقول أحمد بك إنها بريئة وهو يثبت براءتها، فأرجو منك كظم كل شيء ~~إلى أن نسمع كل كلمة من فمه، وبعدئذ لنا عقل كامل فنحكم بما يوافقنا. # وعند ذلك وافت جوزفين بثوب الراهبة وعلى عينيها نظارتان فلم تعرفها نعمت هانم، وبقيت ~~تنتظر قدوم جوزفين، ولكن الأمير بعد أن وقف لها وصافحها قال وهم وقوف: جوزفين ارفعي هاتين ~~النظارتين عن عينيك لكي أرى نور العفاف فيهما، وقبل أن أسمع حكاية براءتك أثق بها. # فرفعت جوزفين النظارتين وعانقته والدمع يتدفق من عينيها، وقالت: لقد قاسيت لأجلك كثيرا ~~يا نعيم، حتى إني لو كنت مذنبة إليك لطهرت من ذنوبي، ولكن تيقن أني بقيت وأبقى أمينة ~~لك حتى الموت. # وعادا إلى المعانقة والدمع ms85 ينسجم من أعينهما، فتأثرت نعمت هانم من هذا المنظر، ورأت من ~~تحت ثوب جوزفين الأسود مثال الطهارة والعفة، فما تمالكت أن نهضت من مكانها وضمتها إلى صدرها ~~وقبلتها والدمع يطفر من عينيها أيضا، وجعلت تقول لها: «حبيبتي جوزفين حبيبتي.» وعند ذلك ~~دخل أحمد بك نظيم فوجدهما على هذه الحال التي كان يتوقعها ، فتقدم إلى جوزفين وصافحها ~~قائلا: «نهارك سعيد يا سيدتي الأميرة جوزفين هانم.» وكان الحديث الآتي كله بالإفرنسية لكي ~~تفهمه جوزفين، فحملقت فيه جوزفين قائلة: أذكر أني رأيتك، ولكني نسيت من أنت، فهل لك أن ~~تتكرم بذكر اسمك الكريم؟ # فقال الأمير: هو حبيبنا أحمد بك نظيم الغيور على بيتنا. ~~- سمعت باسمه ولكن ... ~~- ولكن تعرفني حضرة الأميرة جوزفين بغير اسم. # فتأملته جيدا، ثم قالت: إذا لم أكن غلطانة فأنت مخلصي. # فنظر الأمير إليهما وهي تحملق به، فقال له أحمد بك: لا تتعجب يا سيدي، كل هذا من أسراري، ~~فاجلسوا إذا شئتم واسمعوا أخباري بإصغاء، وإنما أرجو منكم سعة الصدر وعدم مقاطعة حديثي مهما ~~كان مؤثرا أو مهيجا. # فقال الأمير: تكلم فكلنا آذان. # فقال أحمد بك: تذكرون أن الأمير عاصم كان يتحبب للأميرة نعمت بغية أن ينال يدها، ~~وشقيقته الأميرة بهجت كانت تتحبب لسيدي الأمير نعيم بغية أن تكسب قلبه، وكان غرض الأمير ~~عاصم من ذلك أن يحصر تركة سيدي المغفور له الأمير صدقي باشا فيه وفي أخته، ولكن أمنيته هذه ~~حال دونها ما كان بيني وبين الأميرة نعمت من الولاء، وأمنية أخته حال دونها زواج سيدي ~~الأمير نعيم من الأميرة جوزفين؛ ولذلك صمم على أن يزيل الحائلين لينال المأربين ~~معا. # وقد استعمل كل دهائه واستخدم سنتورلي لكل ذلك لكي لا تظهر يده في دسائسه، فأولا أغراني ~~سنتورلي بإيعاز الأمير عاصم بعد وفاة الأمير ظافر زوج الأميرة نعمت، على أن أهتم بخنق ~~المولود الذي تلده الأميرة، حتى إذا تزوجتها لا يكون لها ولد من سواي، ووعدني أن يساعدني ~~في نيل يدها، وقد استعمل كل مهارته في ذلك حتى أقنعني بصواب هذه ms86 الجريمة، وبأن هذه هي رغبة ~~الأمير عاصم، وكنت حينئذ في قمة طيشي وجهالتي، فطاوعته وحملت الداية عائشة على أن تنفذ هذا ~~الأمر، وأغريتها بالمال وأقنعتها بالأسباب وغررتها بالوعود، فنفذته على ما قالت، واشتهر ~~حينئذ أن الأميرة ولدت طفلة ميتة. # فقالت الأميرة نعمت: يالله! ما هذه الفظاعة؟! ~~- أرجو منك الصبر يا سيدتي، سترين نتيجة حسنة. وبعد بضعة أيام لولادة الأميرة نعمت، كان ~~ينتظر أن تلد الأميرة جوزفين - وحينئذ كان دولة الأمير نعيم في أوروبا - فعاد سنتورلي ~~وزين لي بإيعاز الأمير عاصم أن أهتم بإخفاء مولودها؛ لأنه يأبى جدا أن يكون للأمير نعيم ~~ابن من أجنبية، فأوعزت للداية عائشة أن تخفي مولود الأميرة جوزفين أيضا، وألقمتها المال ~~الكثير فنفذت هذه المأمورية، وكان سنتورلي قد ألح أن أكتب له - إذ كان هو والأمير عاصم في ~~الإسكندرية حينئذ - وأخبره بتفصيل الأمر متى أنفذته عائشة، فما كان أجهلني حينئذ وأسخف ~~عقلي؛ لأني كتبت لسنتورلي وأخبرته تفصيل ما فعلت عائشة الداية! وقد استخفني إلى هذا العمل ~~كله تودد الأمير عاصم لي ووعده إياي تلميحا بأن ينيلني يد الأميرة نعمت، وإظهار رغبته في ~~ارتكاب هذه الجريمة، ولا أعلم كيف أن ذلك الماكر سطا على ضميري وزين لي ذلك الشر. # وكان الأمير نعيم ونعمت هانم وجوزفين يسمعون هذه الأخبار الفظيعة وأبدانهم تقشعر، وكل ~~هنيهة يقولون كلمة فيلتمس منهم أحمد بك الصبر إلى نهاية الكلام، ثم استأنف كلامه على هذا ~~النحو: ولما تم للأمير عاصم ما أراد في قتل الطفلين أو إخفائهما لكي لا يكون للأمير نعيم ~~ابن إذا تزوج الأميرة بهجت، ولا للأميرة نعمت ابن أيضا إذا تزوجته هو، جعل يهتم في تقريب ~~أخته من الأمير نعيم وفي تقربه هو من الأميرة نعمت، ولأجل بلوغه هاتين الأمنيتين صار يسعى ~~إلى إبعادي عن الأميرة نعمت لما كان بيننا من المودة، وإلى إبعاد الأميرة جوزفين عن الأمير ~~نعيم. # أما إبعادي فكان سهلا عليه جدا؛ لأنه انفرد بي مرة وأعلن لي رغبته في يد الأميرة نعمت ~~ونهاني النهي البات عن أن ms87 أتقرب إليها أو أطلب يدها، وتهددني بالرسالة التي كتبتها لسنتورلي ~~بشأن إعدام الطفلين بالاتفاق مع الداية وإغرائها، ولما انكشف لي خبث قلبه وفهمت مكيدته ~~ذعرت من شره وعدت إلى صوابي وفهمت أني وقعت في الفخ؛ لأنه لو أعلن الأمير تلك الرسالة ~~لقبض علي جانيا أي جناية، فصرت أتوقى شره وأداريه ما استطعت ، والحمد لله أن شره وقف عند ~~حد منعي عن التقرب للأميرة نعمت. # فقالت الأميرة: يالله من شركما معا! كيف طاوعته على هذه الجناية؟! ~~- أرجو منك يا سيدتي أن تصبري إلى النهاية، فتري أن النتائج كلها كانت خيرا والحمد لله ~~... # فقال الأمير نعيم: نعم، أتم حديثك يا أحمد بك فإننا لا نتحاسب عن الماضي الآن، وإنما نود ~~أن نعلم المقدمات التي أفضت بنا إلى النتائج ... ~~- بقي على الأمير عاصم أن يبعد الأميرة جوزفين؛ لأنها عقبة أمام أخته، ولكن وجود الصبي ~~يوسف في قصر الأمير نعيم قام عقبة أخرى في سبيل مسعاه؛ لأنه حسب حسابين كلاهما يفسد مشروعه، ~~الحساب الأول أنه قد يكون الصبي ابن الأمير الحقيقي استبقته الداية فاهتدى إليه الأمير وسكت ~~عن تحقق سبب إخفائه لإضمار انتقام، أو أنه يكون لقيطا والأمير يربيه حتى إذا نشأ رجلا ~~نبيها حاذقا نافعا ادعاه ابنه أو ملكه ماله بطريقة قانونية؛ ولذلك صمم على أن يبعده ~~مع الأميرة جوزفين، وكان سنتورلي يده العاملة، فأغريا امرأة بغيا بالمال سمت نفسها مدام ~~ببيني، وتقلدت حرفة «دلالة»، وصارت تتردد على الأميرة جوزفين وتعرض عليها السلع والحلي، ~~وفي أثناء ذلك تخطب ودها حتى أحرزت ثقتها، فدعتها ذات مساء إلى منزلها - والصبي معها - لكي ~~يشربا الشاي عندها، وهناك دست لهما منوما قويا فوقع عليهما سبات ثقيل، فاحتمل ~~سنتورلي جوزفين إلى بيت مهجور للأمير عاصم في عزبته ص. وسجنها هناك وأقام عليها حارسة ~~امرأة يونانية لا تعرف غير لغتها، وقضت جوزفين هناك نحو عام سجينة ... # فتنهدت جوزفين قائلة: آه! ذقت أمر العذاب هناك. ~~- وأما الصبي يوسف فأخذه سنتورلي إلى دير الراهبات حيث يربى اللقطاء، ودفع لرئيسة ~~الدير المبلغ ms88 اللازم للنفقة عليه، وأوصاها أن تحتفظ به ولا تدعه يخرج من الدير إلا رجلا ~~ناسيا ماضيه القصير. # وبعد العام مل سنتورلي حراسة جوزفين وخشي أن تفشي خبر سجنها حارستها أو الخادمان اللذان ~~كانا يخدمان الحارسة، وهما يجهلان سر الخدمة ولكنهما لاحظاه أخيرا؛ فلذلك صمم سنتورلي أن ~~يتخلص من جوزفين بطريقة من الطرق ، فأبى الأمير عاصم أن يطلق سبيلها من غير أن يضرب بها ضربة ~~لأحد أعدائه. # وكان حينئذ قد قنط من مشروعه فصوب مساعيه إلى الانتقام من الأميرة نعمت؛ لأنها خيبت ~~قصده، ومن الأميرة جوزفين؛ لأنها كانت سبب حرمان أخته بهجت هانم من يد الأمير نعيم، فاتفق ~~هو وسنتورلي على أن يقتلا جوزفين في قصر الأميرة لكي تتهم بقتلها. # فقالت الأميرة: يا للفظاعة! أإلى هذا الحد يكون عاصم شريرا؟! ~~- بل سترين أنه أشر. # فقال الأمير نعيم: ولكن كيف عرفت أنت كل ذلك؟ ~~- نعم، فاتني أن أخبركم أن الأمير عاصما لم يجتهد أن يكتم عني مكايده؛ لأنه كان متسلحا ~~ضدي برسالتي لسنتورلي التي أخبرتكم عنها، فبها كان يتهددني إذا أفشيت سرا من أسراره، ~~وكثيرا ما كان يحاول أن يستخدمني فكنت أتملص منه بصعوبة، ومع ذلك كنت إذا أخفى عني مكيدة ~~وشعرت أنه ينصبها أتسرق أخبارها من حيث لا يدري، وقد اعتاد أن يختلي في قاعة من قاعات ~~القصر مع سنتورلي في آخر السهرة ويتفاوضان في وضع الخطة اللازمة لمكيدتهما بعيدين عن الناس، ~~ولا يخفى عليكم أن تلك القاعة المنحرفة مرتفعة قليلا عن سطح بقية الغرف المجاورة لها، وفي ~~أعلاها نافذة للسطح لها مصراعا زجاج، فكنت إذا علمت بوجودهما هناك أصعد إلى السطح وأقيم عند ~~تلك النافذة وأضع أذني على الشق الذي بين المصرعين، فأسمع كل حديثهما؛ لأنهما يجلسان عادة ~~تحت تلك النافذة. # ومن هناك سمعت حديثهما بالمكيدة التي نصبت للأميرة جوزفين والأميرة نعمت معا، وقد ~~ارتأيا أن يأتيا بجوزفين منومة بفعل الأفيون ويدخلاها إلى قصر الأميرة، وهناك يحقنانها تحت ~~الجلد بالستركنين، وسلم الأمير عاصم لسنتورلي زجاجة السم ليلتئذ. وفي اليوم التالي، ms89 كنت أنا ~~وسنتورلي معا في المكتب وكان الطقس حارا وقد خلع سنتورلي رداءه العلوي وعلقه، واتفق ~~يومئذ أنه خرج من المكتب لأمر، فانتهزت فرصة غيابه وفتشت جيوب ردائه فوجدت فيها الزجاجة ~~الزرقاء التي أعدها الأمير عاصم للحقن وملأها محلول الستركنين، وأعطاها في تلك الليلة ~~لسنتورلي، ففتحتها وصبت ما فيها من الشباك وملأتها ماء رائقا، ورددتها إلى جيبه كما ~~كانت. # وقد عرف القارئ تفصيل هذه الحكاية فلا لزوم لإعادة ما رواه عنها أحمد بك هنا، وفي خلال ~~روايتها دهشت الأميرة نعمت وجوزفين من مسعى أحمد بك إلى خلاصهما وتخفيه، فقالت الأميرة: ~~«عجيب! الآن فهمت تعريضك بجوزفين في تلك الليلة التي زرتني فيها في حين لم أكن أنتظر ~~زيارتك.» ~~- وقد زرتك لأختبئ في قصرك، فأخلص جوزفين وأنقذك من تهمة الجناية. ~~- كم أنا مديونة لك يا أحمد بك! أتأسف أني أهنتك جدا في تلك الليلة. ~~- ولكني أعذرك يا مولاتي؛ لأنك لم تكوني تعلمين سر رفضي نعمتك، فإن الرسالة التي كانت ~~بيد الأمير عاصم كانت سيفا يلوح فوق رأسي فيصدني عنك. ~~- فهمت الآن كل شيء، فهمت، أعذرك، إني ظلمتك في ما عاملتك فسامحني. # ثم قالت جوزفين: وأنا فهمت الآن سبب أنه لم يخبرني شيئا عن نفسه، ولا عن قصده في تخليصي، ~~ولا عن سبب سجني وعن الذين سجنوني، بالحق إن هذه الحكاية غريبة، كنا محاطين بأسرار جهنمية ~~ولا ندري. # وكان الأمير نعيم كالمنذهل يقول لأحمد بك: أتم حديثك. فاستأنف أحمد بك حديثه قائلا: ولكن ~~طاش والحمد لله سهم المكيدة التي نصبها الأمير عاصم وسنتورلي للأميرة نعمت وجوزفين معا؛ إذ ~~فتش الشرطة قصر الأميرة ليستكشفوا فيه جثة جوزفين بناء على إيعاز الغادرين الخبيثين فلم ~~يجدوها ميتة ولا حية ... # فقالت الأميرة: أتأسف أني اتهمتك بهذه الوشاية يومئذ. ~~- أعذرك يا مولاتي؛ لأنك كنت تجهلين كل شيء. # ولما أخفق سعيهما حارا في أمر جوزفين، فرجحا أن سنتورلي لم يحكم حقنة الستركنين، فلم ~~تكن قاضية عليها، وأن الأميرة نعمت لما وجدتها في قصرها حية قذفتها إلى أوروبا من وجه ms90 ~~أفراد الأسرة الناقمين عليها، أو أن جوزفين فرت من نفسها، وحينئذ قدرا أنها لا بد أن ~~تبحث عن الأمير نعيم في أوروبا وتجتمع به، فألحقاها بمكيدة أخرى، وهي أنه كان لسنتورلي هنا ~~قريبة مومس تدعى «جان سيرام»، فأرسلها إلى باريس باسم ماري جوتيه لكي تبحث عن الأميرة ~~جوزفين وتعترض بينهما وتحول دون تفاهمهما، وتجتهد في أن تستميله إليها فتبتز منه المال إذا ~~لم تنجح في التزوج منه. # فقال الأمير وجوزفين معا: يالله ... يا للخبيثة! # وقال الأمير: ولكن الحمد لله أنها لم تبتز مني شيئا ذا قيمة، لا لا، بل ابتزت من قلبي ~~جوزفين حينئذ. # ثم جثا الأمير أمام جوزفين قائلا: رحماك جوزفين! رحماك! كم تألمت بسببي وأنت مثال ~~الطهر! سامحيني. # فقبلته جوزفين والدمع يترقرق فوق مقلتيها ولم تستطع أن تنطق بحرف؛ لأن التأثر كاد ~~يخنقها، وعاد أحمد بك إلى حديثه: ولسوء الحظ أن «جان سيرام»، أو بالأحرى ماري جوتيه كما ~~تدعي، حتى الآن فازت بالقسم الأول من مهمتها، وهي إبعاد جوزفين عن الأمير، ولكن ماري ~~جوتيه ما انفكت كل هذه السنين الغابرة أن تهاجم قلب الأمير نعيم، فلم تظفر منه إلا بقدر ما ~~يظفر رصاص البندقية من الحصن المنيع؛ أي إنه يحت غبارا من حجره. # ولما مرض الأمير نعيم بالحمى التيفوئيدية خطر للأمير عاصم أن يهاجمه مع الأميرة أخته ~~بضربة تكون آخر نقماته، فاتفق مع سنتورلي واستدعيا ماري جوتيه تلغرافيا من فرنسا لكي تخدم ~~الأمير في مرضه وتعنى به جدا، آملين أنه متى صحا من خبل الحمى ورأى ماري تحوم حول سريره ~~معتنية به تزداد قيمة في عينيه، فإذا التمست منه أن يتزوجها فقد لا يمتنع لما هو مشهور به ~~من طيب القلب، وحينذاك يكشفان أمر ماري ويطلعان العالم على تاريخ حياتها، فيعاب الأمير بأن ~~زوجته مومس وتعاب الأميرة نعمت بأن زوجة أخيها مومس، وهذا انتقام عظيم. # فقالت الأميرة نعمت محرقة الأرم: يا له من غادر خائن! إني لأنتقم منه شر نقمة ... ~~- ولكن خلافا نشأ بينه وبين سنتورلي أفسد عليهما ms91 مشروعهما الأخير، وكان سببا لحصولي على ~~سلاح أقوى من سلاح الأمير عاصم أحاربه به وأرد كيده إلى صدره. وتحرير الخبر أنه لما كانا ~~يتفاوضان بأمر هذه المكيدة الأخيرة كنت كعادتي أسمع أقوالهما عن السطح - كما قلت لكم - ~~فاختلفا على قيمة مكافأة سنتورلي لأجل المكيدة الأخيرة، فالأمير عاصم أبى أن يعده ~~بمكافأة، وسنتورلي أبى أن يأذن لقريبته أن تدخل بيت الأمير نعيم ما لم يوعد بمكافأة، ~~فتهدده الأمير برسالتي المعهودة له؛ لأنها إذا أعلنت وشغلت النيابة بتحقيق أمرها وقع ~~سنتورلي مثلي تحت المسئولية العظمى، ولكن سنتورلي ليس جاهلا مثلي، فإنه لم يسلم تلك ~~الرسالة للأمير عاصم إلا وفي يده سلاح أمضى من سلاح الأمير. # فاشرأبت أعناقهم ليسمعوا المزيد من الأسرار، فاستمر أحمد بك بحديثه قائلا: نعود الآن ~~إلى ما كان قبل كل هذه الحوادث التي مرت ... لما كان المغفور له والدكم الأمير إبراهيم ~~مريضا مرض الموت، وكان الأمير نعيم في باريس، كتب الأمير عاصم توصية بإمضاء المرحوم ~~مقلدا خطه، وكان قد أمضى أسابيع يمارس تقليده حتى أتقنه وصار مشابها له أكثر المشابهة، ~~ودس تلك الوصية بين أوراق المرحوم، ولما توفي - غفر الله له - ظهرت تلك الوصية المزورة ~~بين أوراقه وعمل بها، وقد وافقتما عليها حينئذ بكل سلامة نية كأنها خط أبيكما نفسه، ولو ~~طعنتم عليها لاكتشفتم تزويرها، على أن الأمير عاصم كان يعلم جيدا أنكما تثقان به تمام ~~الثقة، ولا تسيئان الظن به، فاجترأ على التزوير، وبموجب هذه الوصية استوهب ثلث تركة ~~المرحوم. # فقالت الأميرة: يا له من خبيث خائن! كنا نحسبه أخا؛ ولهذا لم يصعب علينا قط أن أبانا ~~ملكه ثلث ثروتنا. ~~- كلا يا سيدي، لم يملكه أبوكما سوى بعض أفدنة ومنزل، وهاكم وصية المرحوم بخط يده، ~~كتبها بنفسه قبل وفاته وتاريخها متأخر عن تلك الوصية المزورة. # ودفع أحمد بك الوصية للأمير، فدنت الأميرة نعمت إليه وجعلا يقرآها إلى آخرها، فدهشا ~~وقال الأمير: أين كانت مخبوءة إلى الآن؟ ~~- مع سنتورلي يا سيدي، والظاهر أن هذا اللعين كان شريكا للأمير عاصم ms92 في تزوير الوصية ~~الأخرى أو عالما بها، ولما توفي المغفور له والدكم عثر اتفاقا أو بعد البحث على هذه ~~الوصية بين أوراق المرحوم، فأخفاها لكي يتهدد بها الأمير ويبتز منه الأموال بواسطتها، ولكن ~~الأمير لم يضطره إلى إظهار هذا السلاح في كل ما مضى، إلى أن اختلفا أخيرا على أجرة المكيدة ~~الأخيرة ، وكنت ليلتئذ على السطح أسمع شجارهما، ولما خرج سنتورلي تتبعته إلى أن استفردته ~~في مكان منحرف عن أنوار الشارع، فاعترضت في سبيله ورششت في وجهه حفنة من الرمل الناعم ~~وصرعته وأخذت هذه الوصية من جيبه ومضيت، وهكذا انتقل سلاح سنتورلي ضد الأمير عاصم إلى ~~يدي. # ومن ثم صرت أفتكر في هل أفشي أسراره، وأعلن مكايده؟ ولكني بقيت خائفا أن يفشي خبر ~~جريمتي، ففكرت في أن أختلس منه تلك الرسالة فلم أهتد إلى طريقة لذلك؛ لأنه شديد الحرص ~~عليها، وكيف يغفل عنها وهي سلاحه ضدي وضد سنتورلي؟! # واتفق أني في تلك الأثناء ذهبت إلى عزبة ق. لقضاء مهمة زراعية لسيدي الأمير نعيم، فاجتمعت ~~بالشيخ حسن النعمان وجرنا الحديث إلى ذكر الصبي يوسف الذي كان عنده وأخذه الأمير نعيم ثم ~~فقد مع الأميرة جوزفين، فخطر لي أن أتحقق أمره، فسألت الشيخ حسن: أما كان معه شيء حين ~~دفعته الداية له؟ وبعد سؤالات مختلفة فهمت أن هذه الحقيبة الجلدية كانت معلقة في عنقه ~~كتعويذة، وقد ألبسها الشيخ حسن لابنه فأخذتها وفتحتها، ومن حسن الحظ وجدت فيها الإقرار بخط ~~الداية عائشة التي ولدت الأميرة نعمت والأميرة جوزفين، وادعت أن ولديهما ولدا ~~ميتين. # فحملق الكل في أحمد بك، وتناول الأمير الحقيبة وأخذ منها الورقة وقرأها وترجمها للإفرنسية ~~لتفهمها جوزفين؛ لأنها لم تكن تفهم العربية جيدا، فدهش الكل أي اندهاش وصرخت جوزفين: إذن ~~يوسف ابني! ويلاه! أين هو؟ أين نجده يا نعيم؟ ~~- هدئي روعك يا مالكة قلبي، بعد برهة يأتي يوسف إلينا مع عروسته. ~~- وا قلباه! وا حبيباه! أعندك هو؟ ~~- نعم، أول أمس حظيت به يا جوزفين اتفاقا، كأن الله أبى إلا أن يجعل ms93 سعادتنا كاملة ~~وستعرفين قصته. # وأما الأميرة نعمت فأصبحت كالمجنونة تقول: وا فرحاه! ألي في الوجود ابنة؟ إني لا أصدق! ~~هل أراها قبل أن أموت؟ هل أقبل خديها؟ هل أتنشق شعرها؟ كلا كلا! لا أظن أن الله يسبغ ~~علي هذه النعمة وأنا خاطئة ... # فقاطعها أحمد بك قائلا: بل لا بد أن تريها، فإني ما قرأت ورقة الداية عائشة حتى هرعت ~~إلى الدير الذي ذكرته في ورقتها، فإذا هو نفس الدير الذي أودع فيه يوسف، وهناك التمست ~~مقابلة الرئيسة ورجوتها أن تخبرني عن مقر البنت بعد إذ أخبرتها عن علامتها وهو وشم النجمة ~~في ظهرها، وبالاختصار احتلت عليها ونجحت في احتيالي وعلمت منها أن الفتاة صارت صبية جميلة ~~نبيهة، وأنها في منزل الخواجة «م. ج. الخياط» تعلم ~~صغاره فاطمأن بالي ... # فصاح الأمير نعيم قائلا: إن هذا هو الاتفاق العجيب الذي لم يرو مثله حتى في ~~الروايات. # فقالت الأميرة: ماذا؟ # فضحك الأمير ضحك المجنون، وقال: يا نعمت، أبشرك أن ابنتك تكون اليوم زوجة ابني. ~~- إني يا أخي نعيم أسمع اليوم خرافات! فهل نحن في يقظة؟ صرت أرتاب بهذا الوجود وأشك حتى ~~بوجداني. # وجعلوا يلغطون ويتفاهمون ويتساءلون عن أمور ماضية، ويدهشون مما يكتشفون من الأسرار ~~الغابرة، وفي خلال ذلك وثب الأمير نعيم إلى التليفون وسأل عن يوسف في بيت الخواجه «م. ج.» ~~فقيل له إنه مضى هو وماري المباركة منذ دقائق، فجعلوا يتشوفون من الشرفة إلى الشارع المؤدي ~~إلى القصر. # وبعد دقائق رأوا مركبة وقفت أمامه فتدفعوا كلهم إلى باب القصر الأعلى يستقبلون ~~القادمين، فانتهرهم الأمير نعيم قائلا: لا تفاجئوهما بأمر مستهجن؛ لأنهما ينفران إذ لا ~~يعرفان شيئا من هذه الأسرار التي سمعناها الآن. # وعند ذلك دخل يوسف العفيف، وكف ماري المباركة بكفه، وقال: «مولاي، أقدم لك عروستي.» ~~فعانقه الأمير وقال: لماذا يا حبيبي يوسف تقول مولاي؟ أتخاف أن تقول يا أبتي؟ # ثم التفت يوسف إلى السيدتين الأخريين وحملق في جوزفين، فلم تتمالك أن عانقته فاستحى منها ~~ومن عروسته، وقالت: «روحي ولدي!» والدمع يتفجر ms94 من عينيها، فدهش يوسف من هذه المقابلة ~~الغريبة، وحار ماذا يقول، فنظر إليه الأمير نعيم وقال: لا تدهش يا ولدي، اقرأ هذه الورقة ~~لتعلم بدء تاريخ حياتك. ودفع له ورقة الداية عائشة فقرأها، وما انتهى إلى آخرها حتى اشتدت ~~دهشته وقال: أتقبل هذه الكتابة يا أبي شهادة صادقة على حقيقة ميلادي؟ ~~- إنها صادقة يا ولدي، فأنت ابني وأنا أبوك وجوزفين أمك، لا نشك بذلك. # فاندفع يوسف إلى أمه وهي إلى جنب أبيه وضمهما معا والدموع تنسجم من عينيه، وقال: بأي ~~لسان أحمد الله على نعمه؟! # وأما الأميرة نعمت فكانت تنظر إلى ماري المباركة وهي ترتعش من الاضطراب، وتتململ في ~~مكانها وتود أن تتحقق إن كانت ابنتها حقيقة، وقد كاد الاضطراب يجنها، فلاحظ أخوها أمرها ~~فأشفق عليها، فغمز يوسف وأحمد بك وخرجوا، فتقدمت جوزفين إلى ماري وقالت: هل سمعت يا حبيبتي ~~ماري ما قرأه يوسف؟ ~~- نعم، ولكني لم أفهمه، كأنه لغز. # فأعادت لها جوزفين معنى ما في ورقة الداية عائشة وقالت لها: إن تلك الداية وضعت تلك البنت ~~في الدير الذي كنت فيه يا حبيبتي، ونحن نشتبه أن تلك البنت أنت، فهل تسمحين أن ننظر ظهرك ~~لنرى إن كان عليه وشم نجمة؟ # فاضطربت ماري وصرخت: «يوسف! يوسف!» # فاندفع يوسف إلى الداخل كالأسد المفترس، فنظرت إليه جوزفين نظرة الأم وقالت: «إننا ~~مشتبهون» بماري أنها البنت المذكورة في هذه الورقة، ونود أن ننظر ظهرها لنرى هل فيه وشم ~~نجمة. # فنظر يوسف إلى ماري نظرة رجاء، كأنه يقول لها: اخلعي ثوبك واكشفي ظهرك. فقالت: «نعم فيه، ~~نعم!» وجعلت تخلع، فتقدمت إليها الأميرة نعمت وساعدتها على خلع ثوبها، وكانت هي أول من رأى ~~النجمة على ظهر ماري فطوقتها بذراعيها وقبلت تلك النجمة، ثم استنشقت شعرها ودارت إلى ~~خدها وقبلته وغسلته بدمعها وهي تقول: بنتي حبيبتي، حياتي، تعزيتي! # فألوت عليها ماري وطوقتها أيضا قائلة: أماه، أأنت أمي؟ ما كنت أظن أن لي في الوجود ~~أما، فأين كانت هذه السعادة مخبوءة لي؟ # ثم دخل الأمير نعيم وأحمد ms95 بك وشاهدا النجمة، وفي الحال ردت ماري ثوبها على بدنها، وجعل ~~الجميع يقبلون بعضهم بعضا بدموع الفرح، وأحمد بك ينظر إليهم ودموع التأثر تذرف من مقلتيه ~~وهو يقول: تبارك اسم الله! رباه أتصفح عن إثمي الماضي؟ فالتفتت إليه الأميرة نعمت وقالت: ~~صفح يا أحمد، صفح، فهل تشاء أن تكون أبا ثانيا لماري ؟ فجثا أحمد بك لدى الأميرة، وقال: إن ~~كنت قد صفحت يا نعمت وترين أني صرت أستحق هذه النعمة، فأنت معبودتي جهرا لا سرا فقط. ~~وانحنى على يدها وقبلها. # ولو جئنا نشرح للقارئ ما كان بين أولئك الخمسة من الفرح العظيم الفائق الوصف، ومن ~~الاندهاش وتأمل الواحد بالآخر طورا، ومن التساؤل حينا والاستفسار حينا آخر، والتقبيل ~~هنيهة أو الضم أخرى، لملأنا مجلدا، ولكن نكتفي بالقول إنهم قضوا ذلك النهار يقصون على ~~بعضهم ما صادفوه في ماضي حياتهم، وما جرى لهم من الحوادث المحزنة والمفرحة. # وفي المساء وقد انتهوا من كل قصصهم وتفاهموا جيدا، قالت الأميرة نعمت: بقي علينا أن نرى ~~الطريقة المثلى لتأديب أولئك الخبثاء: عاصم، وبهجت، وسنتورلي، وماري، جوتيه. والانتقام ~~منهم، فأولا يجب أن تسترد كل الأملاك من عاصم، وأن يعرى من لقب أمير؛ لأنه دخيل في ~~الأسرة، وقد أدخله وأخته المرحوم أبونا حبا بأمه، وظنه مستقيما طيب القلب لما كان يبدو ~~من غيرته وحبه، وما درى أنه خبيث مراء منافق فجعله أخانا، ولكنه خدعنا وجر علينا ويلات ~~عديدة، فبأي نقمة نعاقبه؟ # وجعلت نعمت تحرق الأرم عليه وتهيج سخطها، فهدأ الأمير نعيم روعها، وقال: طيبي نفسا يا ~~أختي وقري عينا، فإننا إذا عجزنا نحن عن الانتقام من أعدائنا الخبثاء، فالله لا يعجز عن ~~ذلك، وسنفتكر بذلك مليا وندبر الطرق اللازمة بحيث نسترد حقوقنا ونسلم أعداءنا للقضاء ~~فيقتص منهم. ~~- كلا، بل ننتقم منهم بأنفسنا. ~~- إنك حقودة يا نعمت. ~~- لست حقودة ... بل إن أشرارا كهؤلاء من أهل جهنم، وللإنسان حق بأن يكره الأبالسة ويحقد ~~عليهم. ~~- سنرى، وأهم شيء عندي الآن أن تزف ماري إلى يوسف، ونعقد كتابك على أحمد بك ms96 ونعيش ~~جميعا بهناء وصفاء. ~~••• # وبعد بضعة أيام أعلن قران الأمير يوسف بك صدقي بالأميرة نعمت هانم، وزواج الأمير نعيم ~~بالأميرة جوزفين هانم، واطلع كل أعضاء الأسرة وغيرهم على ما كان من تلك الحوادث الغريبة، ~~وأنزلوا الأمير عاصم من مكانته في عيونهم، وتولى القضاء قضايا تزويره ومكايده وجعلت النيابة ~~العمومية تشتغل بتحقيقه مدة لتدينه وتعاقبه العقاب الذي يستحقه. ms97