######OpenITI# #META# URI: 1373NiqulaHaddad.CilmAdabNafs.Hindawi90940842 #META# Tags: philosophy #META# ID: 90940842 #META# Title: علم أدب النفس: أوليات الفلسفة الأدبية #META# AuthorID: 60483937 #META# Author: نقولا حداد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء الكتاب‏ # مقدمة‏ # المؤلفات التي استمددت منها روح هذا الكتاب‏ # تمهيد‏ # الباب الأول: مجرى الفعل‏ # 1 - محركات الفعل‏ # 2 - الإرادة‏ # 3 - الغاية‏ # 4 - السرور‏ # الباب الثاني: أدبية الفعل‏ # 1 - السلوك الحسن‏ # 2 - الحكم‏ # 3 - الضمير‏ # 4 - مستندات الضمير في قضائه‏ # 5 - القاعدة الأدبية‏ # 6 - الحرية‏ # الباب الثالث: الحياة الأدبية‏ # 1 - معنى الحياة الأدبية‏ # 2 - النظام الاجتماعي‏ # 3 - الحقوق والواجبات الشخصية‏ # 4 - الواجبات‏ # 5 - الفضائل‏ # 6 - الرذائل‏ # الباب الرابع: الرقي الأدبي‏ # 1 - سنن التطور الأدبية‏ # 2 - في سبيل الارتقاء الأدبي‏ # إهداء الكتاب‏ # مقدمة‏ # المؤلفات التي استمددت منها روح هذا الكتاب‏ # تمهيد‏ # الباب الأول: مجرى الفعل‏ # 1 - محركات الفعل‏ # 2 - الإرادة‏ # 3 - الغاية‏ # 4 - السرور‏ # الباب الثاني: أدبية الفعل‏ # 1 - السلوك الحسن‏ # 2 - الحكم‏ # 3 - الضمير‏ # 4 - مستندات الضمير في قضائه‏ # 5 - القاعدة الأدبية‏ # 6 - الحرية‏ # الباب الثالث: الحياة الأدبية‏ # 1 - معنى الحياة الأدبية‏ # 2 - النظام الاجتماعي‏ # 3 - الحقوق والواجبات الشخصية‏ # 4 - الواجبات‏ # 5 - الفضائل‏ # 6 - الرذائل‏ # الباب الرابع: الرقي الأدبي‏ # 1 - سنن التطور الأدبية‏ # 2 - في سبيل الارتقاء الأدبي‏ # | علم أدب النفس # | علم أدب النفس # | أوليات الفلسفة الأدبية # تأليف # نقولا حداد # | إهداء الكتاب # إلى المثل الأعلى في أدب النفس صاحب السعادة الدكتور محمد باشا شاهين ~~الطبيب الخاص لجلالة الملك ووكيل وزارة الداخلية للشئون الصحية. # رمز إعجاب وولاء وشكر. # صاحب السعادة الدكتور محمد باشا شاهين - الطبيب الخاص لجلالة الملك، ~~ووكيل وزارة الداخلية للشئون الصحية. # | مقدمة # إن ما لقيه كتابنا «علم الاجتماع» من إقبال القراء واستحسانهم شجعنا على أن نستمر بنشر ~~سلسلة من المواضيع الاجتماعية التي تلم بحياتنا اليومية إلماما شديدا؛ لأننا نعتقد أننا ~~بنشر أحدث الأفكار والآراء بهذه المواضيع نخدم نهضتنا العربية خدمة علمية، ولا سيما لأن ~~لغتنا لا تزال خلوا منها. وقد وفقنا الله إلى أسلوب في الكتابة بسيط، سهل المأخذ، مهما ~~كان الموضوع عويصا. # وقد أجلنا النظر فيما نعلمه من المواضع التي من هذا القبيل، والتي نخدم بها خدمة نافعة، ~~فرأينا بعد صدور كتابي «الحب والزواج» و«ذكرا وأنثى خلقهم»، اللذين ms001 لا يخرجان عن دائرة ~~المعارف الاجتماعية، أن أدب النفس هو حلقة نفيسة من حلقات هذا الموضوع، وأن حاجتنا إليه في ~~عهد التجديد الحالي شديدة، وأن خدمتنا فيه للناشئة فعالة؛ لأن لغتنا خالية من هذا ~~الموضوع على النمط العصري، وبالآراء الحديثة، ولكننا تهيبنا الخوض فيه لأنه موضوع عقلي ~~عويص. # ولما كنت مقيما في بوسطن «في أمريكا» سنحت لي فرصة سعيدة للمطالعة، فوقعت يدي على ~~كتاب نفيس بهذا الموضوع للعلامة مكنزي، وهو «متن في أدب النفس»، فطالعته وشاقني بحثه ~~جدا لسمو مواضعيه؛ ولذلك تقدمت للخوض في هذا الموضوع، ولكن بضاعتي فيه قليلة ~~جدا. # ولما عزمت في هذا العام على تقديم الكتاب بهذا الموضوع هدية لقراء مجلة السيدات ~~والرجال، رأيت أن لا بد من درسه من جميع جهاته، واختيار أفضل المؤلفات فيه وأكثرها ملاءمة ~~لغرضي من خدمة نهضتنا لكي أترجمه؛ فانتقيت المؤلفات المذكورة فيما يلي وطالعتها؛ فإذا بي ~~أرى الموضوع كثير الشعاب، مترامي النواحي، وقد طرقه المؤلفون من جهات مختلفة، وتباعدت فيه ~~أفكارهم وآراؤهم، وتضاربت فيه مذاهبهم أي تضارب، حتى كاد يتراءى لي أن كل مؤلف من مؤلفاتهم ~~علم مستقل قائم بذاته. # وقد وجدت في أكثر هذه المؤلفات فصولا طوالا لنقد نظريات كبار الفلاسفة والمؤلفين فيه، ~~وكتاب مرتينو الموسوع في نحو 1100 صفحة يقتصر نصفه الأول كله وبعض نصفه الثاني على ~~النقد. # لذلك لم أجد أن ترجمة كتاب أو كتابين من أفضل الكتب بهذا الموضوع تفي بالغرض، ولم أر ~~بدا من تأليف كتاب خاص يوافق عربيتنا وأحوال شرقنا أكثر من أي كتاب من هذه الكتب؛ بحيث ~~تجمل فيه روح الموضوع، وخلاصة حقائقه، وزبدة آراء الكتاب المختلفين من قدماء ~~ومتأخرين. # فاستخرت الله متكلا ومرشدا في هذا العمل الخطير الشأن، واستعنت بإلهام نيتي الخالصة؛ ~~فتوفقت إلى هذا التأليف كما تراه بأبوابه وفصوله. # ولي الأمل الكبير أن يجده القارئ الكريم موازيا في قيمته لما عانيته في الدرس له وفي ~~تأليفه، ووافيا بغرضي من خدمة الأمة العربية، وإلا فأسأل الله أن يقيض لهذا العلم ~~الجليل من هو ms002 أطول باعا فيه، وأحد قريحة؛ فيملأ الفراغ الذي رغبت في ملئه. والله ~~يوفقنا جميعا لحسن الخدمة الخالصة للشرق. # شبرا، مصر # 20 / 7 / 1928 # نقولا حداد # | المؤلفات التي استمددت منها روح هذا الكتاب # (1) # MANUAL OF ETHICS, By John S. Mackenzie M.A. Prof. Of Philosophy in the University of South ~~Wales ~~(2) # The ELEMENTS OF ETHICS, By John H.Muirhead ~~L.L.D. Prof. Of mental and moral Philosophy in the University of ~~Birmingham. ~~(3) # TOPICS OF ETHICAL THEORY, By James Martineau D. D, S.T.D, ~~D.E.L.L.L.D. # Late Principal of Manchester New College. ~~London. ~~(4) # THE THEORY OF ETHICS, By Arthur Kenym Rogers. ~~(5) # THE FACTS OF THE MORAL LIFE, By Wilhelm ~~Wandt. Prof. of Philosophy in the University of ~~Leipzing. ~~(6) PRINCIPAL OF ETHICS, By Borden P. Bowne. Prof. of Philosophy in Boston University. ~~(7) # THE ETHICS OF PROGRESS, By Charles F. Dole. Prof. at Harvard University. # | تمهيد # | ماهية علم أدب النفس # (1) تسمية الكتاب # هذا كتاب يبحث في سلوك الإنسان وتصرفاته من حيث الدوافع التي تدفعه إليها؛ من بواعث ~~داخلية في نفسه، ومن عوامل خارجة عنه، ومن حيث أساليبها وغاياته منها، والذرائع التي ~~يتذرع بها إلى هذه الغايات، ومن حيث تأثير إدارته الصالحة والرديئة، وتأثير أخلاقه ~~وأحواله فيها، ومن حيث أدبياتها صوابا أو خطأ، وحقا أو غير حق، ومن حيث عواقبها على ~~شخصيته من جهة، ومساسها بأشخاص آخرين أو المجتمع من جهة أخرى. # هذا هو موضوع الكتاب، وهو ما يسمى باللغات الأوروبية # Ethics ~~، وقد حرت في تسميته بلغتنا؛ لأني تحيرت في ~~ترجمة هذه اللفظة. # ربما كانت عبارة «علم السلوك» تقاربها، ولكن عبارة «آداب السلوك» سبقتها في لغتنا ~~الحديثة بمعنى الآداب العمومية؛ كآداب الزيارة، وآداب المائدة، وآداب المخاطبة إلخ، ~~فأخشى أن استعمال عبارة «علم السلوك» يوهم أن المراد من الكتاب هذه الآداب العمومية، ~~وهي غير مقصودة في هذا البحث بتاتا. وقد استعمل الكتاب الإفرنج لهذا الموضوع عبارة ~~«الفلسفة الأدبية» أيضا، وهي لائقة له معظم اللياقة، ولكني أستكبرها لكتابي هذا، وإن ~~كان المراد ms003 منه تعليل المواضيع التي تقدم ذكرها بأسلوب فلسفي؛ لأني أتوخى في أبحاثه ~~البساطة ما أمكن؛ لكي يكون ككتاب ابتدائي يصلح للتعليم في المدارس، وكتمهيد لمؤلفات ~~أعلى في هذا العلم إذا تصدى لها من هم أوسع علما، وأعمق تفكيرا، وأبلغ ~~يراعا. # ولأن مباحث هذا العلم مختصة بالأفعال النفسانية من الوجهة الأدبية، رأيت أن أفضل ~~تسمية لهذا الكتاب «علم أدب النفس»، ولا سيما لأن عبارة أدب النفس وردت على أقلام ~~كتابنا القدماء والمحدثين بما يقارب هذا المعنى، فإذا قبلها أئمة اللغة مرادفة ~~للفظة إثكس # Ethics ~~، وهي قريبة لها أيضا؛ شاع ~~استعمالها بهذا المعنى ورسخت له. ~~(2) علم أدب النفس بين العلوم # الشخصية الإنسانية هي جوهر مباحث هذا الكتاب، ولكن للشخصية الإنسانية جهات مختلفة، ~~أهمها؛ أولا: الجهة الحيوية من حيث نشوء الإنسان وتدرجه في أدوار الحياة، وعلم الحياة ~~«بيولوجيا» كفيل بهذا البحث، ومن حيث تسلسله وتطور السلالات، وعلما الأنثروبولوجيا ~~والأثنولوجيا مختصان بهذا البحث، ثانيا: الوجهة العقلية من حيث نشوء العقل، وتفرع قواه ~~المختلفة وأفعالها في تدريب الإنسان، وعلم النفس أو علم العقل خاص بهذه الجهة، وثالثا: ~~الجهة الاجتماعية من حيث نسبة الفرد إلى الجماعة، وشأنه فيها، وتفاعله معها، وعلم ~~الاجتماع مختص بهذه الجهة. # وموضوعنا الآن متوسط بين هذه العلوم الثلاثة الرئيسية: الحياة، والعقل، والاجتماع؛ ~~فيتناول تارة من هذا، وأخرى من ذاك، كما أنه يمس علوما أخرى تصله بها. فلننظر الآن ~~كيف يتصل علمنا هذا بالعلوم الأخرى. ~~(2-1) علم الحياة # لعلم الحياة «بيولوجيا» وما يتصل به من علمي الفسيولوجيا «علم وظائف الأعضاء» ~~والباثولوجيا «علم الأمراض» شأن في تصرفات الإنسان؛ فلنشوء الإنسان وتطوره وارتقائه ~~تأثير كبير في تطور الأخلاق البشرية والأدبيات الإنسانية؛ لأن نواة الأخلاق والآداب ~~تبتدئ في حياة الحيوانات، والغرائز الخلقية والأدبية ورث الإنسان جرثومتها من ~~السلالة الحيوانية التي ترقى منها، وكلما اكتشفت حقيقة بيولوجية اكتشفت معها ~~نظرية أدبية. # ولما كان للجهاز العصبي شأن عظيم في مزاج الإنسان وأخلاقه وإحساساته، كان لعلم ~~وظائف الأعضاء «فسيولوجيا» دخل في حياة الإنسان الأدبية، وكذلك لعلم الأمراض ~~العقلية صلة ms004 بهذا العلم؛ لما لها من التأثير في الحكم على تصرف الإنسان خطأ كان ~~أو صوابا، وبالإجمال نقول: إن شروع الإنسان في الفعل أو العمل، وكيفية تصرفه فيه، ~~وما له والحكم عليه، كل هذه ترجع في كثير من الأحوال إلى طبيعته الحيوية، وحالات ~~جهازه العصبي، وقواه الجسمانية، وسلامتها أو اعتدالها. ~~(2-2) علم العقل # ولعلم العقل اتصال بتصرف الإنسان أكثر من علم الحياة؛ لأن الوجدان والإرادة ~~والتصور والذاكرة أو الحافظة والتخيل تلعب أهم الأدوار في السلوك، وهي من مباحث علم ~~العقل. ناهيك عن الإحساسات والعواطف والانفعالات التي تحرك الإنسان للعمل إنما هي ~~أفعال عقلية، والضمير الذي هو مركز القضاء في أفعال الإنسان والحكم عليها صوابا أو ~~خطأ إنما هو قوة عقلية أيضا. وللمنطق المتفرع من علم العقل شأن أيضا في وزن ~~الأفعال ومقايستها؛ فهو كما يرشد إلى سداد الفكر يرشد أيضا إلى سداد التصرف. ~~فنحن في بحثنا عن الإرادة الحسنة، وعن العاطفة والانفعال، وعن القصد والغاية، إلى ~~غير ذلك من مواضيع هذا العلم نلجأ إلى نظريات الفلسفة العقلية. ~~(2-3) علم الاجتماع # ولا يخفى عليك أن الإنسان مرتبط حتما بالجماعة؛ فجميع تصرفاته تؤثر في الجماعة، ~~كما أن تصرفات الجماعة تؤثر فيه، ولولا هذا الارتباط الاجتماعي لما كان لأدبيات ~~الإنسان وأخلاقه معنى؛ فلو عاش منفردا لانتفت مسئوليته، ولا كان لحريته حد إلا ~~الطبيعة، ولا كان لفعله قيد، ولا للخطأ والصواب والحق معنى إلا تجاه نفسه فقط؛ ~~فلذلك ترى أن علم الاجتماع أشد ارتباطا بتصرفات الإنسان من العلمين السابقين: ~~الحياة والعقل. # فالعائلة والجماعة والأمة تضع على المرء التزامات لا يكون مسئولا بها لو أمكنه ~~أن يعيش منفردا، ثم إن احتكاك الأفراد الآخرين في جميع أعماله وأفعاله اليومية ~~تثير نفسانياته العديدة، وثورتها تحركه للفعل. إذن للوسط الاجتماعي عمل عظيم في ~~تحريك الإنسان للفعل والعمل. ~~(2-4) العلوم الاجتماعية الأخرى # التاريخ: # للتاريخ بعض الشأن في هذا العلم؛ لأنه يمد الباحث الأدبي كما يمد ~~الباحث الاجتماعي بأخبار الحوادث التي تقتبس كشواهد وأمثلة على ~~الحقائق الأدبية. ويمكنك أن تستخرج من ms005 التاريخ كثيرا من المبادئ ~~والسنن الأدبية التي تعد كقواعد يتمشى عليها. # علم الاقتصاد: # هذا العلم يرتكز في بعض مباحثه على القواعد الأدبية، وما الشئون ~~الاقتصادية إلا أنواع من تصرفات البشر، وإذا تطوح علم ~~الاقتصاد إلى المباحث الاشتراكية كانت قاعدته «أدبية الإنسان»، ~~فالبحث في فائدة المال، وهل هي حق أو غير حق، وفي قوة المال، وهل ~~هي منتجة أو غير منتجة، وفي قيمة العمل بالنسبة إلى المال، إلى غير ~~ذلك من القضايا الاشتراكية. هذا البحث يستند على الفلسفة ~~الأدبية. # علم السياسة: # كذلك هذا العلم الذي يعد كعلم الاقتصاد فرعا من علم ~~الاجتماع، إذا توسع به يستند أيضا إلى الفلسفة الأدبية؛ لأن ~~نواته العدالة بين الأمم والجماعات والأفراد. والعدالة من خصائص ~~علم أدب النفس. وعلائق الأمم وحقوقها مستمدة من أحكام الفلسفة ~~الأدبية. # الشرائع الأدبية والمدنية: # هذه أيضا مستمدة من أحكام الفلسفة الأدبية. ومهما تقلبت الشرائع ~~وتطورت كان تقريرها مستندا إلى القضايا الأدبية؛ ففلسفتها إنما هي ~~فلسفة أدبية بحتة. ~~(2-5) فلسفة ما وراء الطبيعة # وإذا تمادى الباحث الأدبي في البحث عن علاقة أدبية الإنسان بالطبيعة، وعن تكون ~~عواطفه وإحساساته وانفعالاته، تطرق إلى منزلة فكر الإنسان في حقيقة الوجود، وعن ~~علاقة لذته وألمه بالوجود، وأخيرا عن حقيقة وجود الإنسان نفسه، وما هي نسبتها إلى ~~الوجود العام، وما هي غاية الإنسان العظمى أو غاية وجوده، إلى غير ذلك من المباحث ~~الفلسفية؛ فالتوغل في الفلسفة الأدبية يقود الفيلسوف إلى البحث فيما وراء الطبيعة # Metaphysics ~~. ~~(2-6) وجوه هذا العلم # وقد اختلفت مباحث العلماء في هذا العلم أكثر من اختلافهم في سواه، فطرقوه من جهات ~~مختلفة حتى تباينت فيه أغراضهم، وتضاربت مباحثهم، وكثر فيه نقدهم. وقد تجد في بعض ~~مؤلفاتهم فصولا للنقد والتفنيد أطول من فصولهم التعليمية. ومن ذلك أن لمرتينو ~~كتابا يشغل نحو ألف صفحة أكثر من نصفه نقد وتفنيد لآراء العلماء ونظرياتهم. فكأن ~~هذا العلم لم يستقر على قرار كسائر العلوم. # أما نحن فلا نتعرض لتضارب النظريات، ولتباين الآراء، وإنما نقتصر على البحث ~~العلمي كما استوحيناه ms006 من الكتب التي طالعناها بهذا الموضوع، مستخرجين أسد الآراء، ~~وأقرب النظريات إلى الصحة. ~~(3) فحوى الكتاب وتبويبه # لا يتعرض هذا العلم لشخصية الإنسان والطبيعية بتاتا، وإنما موضوعه أفعال الإنسان ~~الصادرة من شخصيته الاجتماعية التي ستتضح لك في فصول الكتاب، وحينئذ ترى أن مباحثه ~~تدور حول أفعال الإنسان لا حول الإنسان نفسه. ~~(3-1) مجرى الفعل # فلذلك نتتبع الفعل الإنساني مهما كان نوعه وشكله من ضحك أو بكاء، أو مشي أو نوم، ~~أو حركة أو سعي أو عمل، وبالإجمال: كل تصرف من تصرفات الإنسان نتتبعه منذ نشوئه إلى ~~أن ينتهي، ولا يخفى عليك أنه لا بد لكل فعل يفعله الإنسان من دافع يدفعه إليه؛ أي ~~أن كل فعل يسبقه محرك يحركه. # فلذلك لا بد أن نلم بمحركات الأفعال من غرائز وعواطف وإحساسات وأهواء وشهوات ~~ومقاصد إلخ. ولأن للإنسان إرادة، فأعماله مدارة بإرادته على الغالب؛ لذلك نبحث في ~~الإرادة وما يتفرع منها من قصد وتصميم إلخ. وبالطبع لا بد لكل فعل من غاية يتجه ~~إليها أيضا، ولا بد أن يكون مآل هذه الغاية السرور، وإلا فلا يريدها الإنسان ولا ~~يوجه فعله إليها. وهذا يستلزم بحثا مستفيضا في السرور. ترى أن كل هذه المباحث ~~تدور حول مجرى الفعل، وهو الباب الأول من الكتاب. ~~(3-2) أدبية الفعل # وإذا تقدمنا خطوة في البحث، رأينا أن مجرى الفعل الإنساني يختلف عن مجرى الفعل ~~الحيواني، بكونه مقترنا بالإرادة الأدبية؛ ولذلك نسميه: سلوكا، فالسلوك هو ~~فعل يجري تحت سيطرة الإرادة والتعقل، ولا بد من قوة عقلية تحكم عليه وتقرر إن كان ~~حسنا أو غير حسن. ولتقرير ذلك لا بد من البحث عن قاعدة أدبية يطبق عليها الفعل ~~ليثبت أنه حسن؛ لذلك يشتمل البحث في أدبية الفعل «وهو الباب الثاني»: البحث في قوة ~~الحكم والضمير، ومستندات الضمير، والقاعدة الأدبية، وأخيرا يفضي بنا الموضوع إلى ~~البحث في الحرية وحدودها. ~~(3-3) الحياة الأدبية # بعد استيفاء التبسط في سنن أدبية الفعل نعود إلى تطبيق الحياة الإنسانية على هذه ~~السنن؛ لنتفهم معنى الحياة الأدبية والغاية ms007 القصوى منها، وحينئذ نفهم أن للإنسان ~~شخصية اجتماعية أو أدبية أو إنسانية تختلف عن شخصيته الطبيعية، ناشئة من علاقته ~~الوثيقة بالمجتمع، وأن للحياة غاية قصوى هي المثل الأعلى في الجودة التي هي جمال ~~روحاني. وهذا يحدو بنا إلى التبسط بالنظام الاجتماعي وما يقتضيه من الحقوق ~~والواجبات المتبادلة بين الأفراد والمجتمع، وإلى البحث في نشوء الشرائع وكيفية ~~الاشتراع، وأخيرا يرتقي بنا البحث إلى الفضائل والرذائل، وماهيتها وطبيعتها، وما ~~تستلزمه من ثواب وعقاب. فالحياة الأدبية تشغل الباب الثالث من الكتاب. ~~(3-4) الرقي الأدبي # يبقى بعد ذلك أن نلتفت إلى عملية الحياة الأدبية ومجراها لنرى ما يعتورها من ~~التطور والتغير والتحول. وهذا يستدعي البحث في سنن التطور الأدبى، ثم يحدو بنا ~~الموضوع إلى استعراض التطورات الارتقائية التي مرت عليها الهيئة الاجتماعية من ~~نشوئها إلى الآن، وما هي صائرة إليه في اتجاه رقيها إلى المثل الأعلى. وهذه المباحث ~~تشغل الباب الرابع؛ وهو الرقي الأدبي. # الباب الأول # | مجرى الفعل # الفصل الأول # | محركات الفعل # (1) مقدمة الفصل - منشأ المحركات ~~(1-1) المصدران الرئيسيان للحركة # قد يتراءى لك أن كل فعل من أفعالك يحدث بملء تعقلك؛ أي بإرشاد عقلك وتدبيره، ~~والحقيقة أن لأخلاقك التأثير الأول في تدريب أفعالك. وهذا التأثير يكثر أو يقل ~~بنسبة معكوسة لترويك، فكلما ترويت قل تأثير الأخلاق، وكثر تأثير العقل في ~~توجيه الفعل أو إدارته، والعكس بالعكس. # مثل ذلك: يبكي الطفل فتتحرك عاطفة الحنو عند الأم، فإذا تسرعت ألقمته ~~ثديها، ولكن إذا تروت قبل ذلك أو تدبرت نصح الطبيب، أو فكرت بمعلوماتها؛ لاح ~~في خاطرها أن إرضاعه وهو مصاب بعلة معوية ضار له، فتمتنع عن إرضاعه؛ ففي حالة ~~تسرعها الأولى يتغلب خلق الحنو على حكم العقل، وفي حالة تدبرها الثانية يتغلب ~~التعقل على الحنو. # ومهما تروى الإنسان وتدبر وتعقل فلا ينتفي بتاتا تأثير أخلاقه في أفعاله؛ ~~إذا رأيت ولدك يتخاصم مع ولد آخر، ثم تحققت نقطة الخصام، فهيهات أن يخلو حكمك ~~على أيهما المحق أو المحقوق من تأثير العاطفة. ~~(1-2) الشخصية الإنسانية الأدبية # فشخصية الإنسان ms008 الأدبية مركبة من عنصرين أساسيين، كل عنصر منهما قوة قائمة ~~بذاتها، وحاصل فعل هذه الشخصية إنما هو نتيجة حركات هاتين القوتين؛ وهما: الخلق ~~الفطري والتعقل، فالأول: ينشئ القوة الفاعلة، أو المصدرة المحركة، أو المحرك ~~الأول، والثاني: يدربها؛ فلو ترك الخلق يفعل وحده لبقينا حيوانات غير أدبية، ~~ولو ترك التعقل يفعل وحده لكنا وجدانات غير أدبية؛ فشخصية الإنسان الأدبية إذن ~~مركبة من الخلق الفطري والتعقل. ~~(1-3) الخلق # الخلق: هو كل ميل طبيعي في الإنسان يدفعه إلى الفعل والعمل، فمنه ما هو غريزي ~~بحت قلما تكفيه التربية والعوامل الخارجية والبيئة الاجتماعية كالحب والنبضة ~~التناسلية والجوع، ومنه ما هو شبه غريزي؛ أي هو فطرة طبيعية، وإنما للعوامل ~~والبيئة تأثير فيه، كثيرا أو قليلا؛ كالشجاعة والجبن والإعجاب بالجمال ~~إلخ. # فالأخلاق عموما خواص طبيعية في الإنسان تصدر من الجهاز العصبي، ولا سيما ~~الدماغ، فهي من جملة قوى الوجدان، ولكنها غير خاضعة الخضوع المطلق لحكم ~~الإرادة، ولا هي منقادة الانقياد التام للتعقل، فهي أول ما يبدو في مظاهر ~~الإنسان حين تثيرها العوامل، ومتى بدرت انبرى العقل للسيطرة عليها، فقد يكبحها ~~أو يدربها أو يؤيدها ويسندها، فكأنها قوى عقلية ثانوية. وكونها فطرية طبيعية لا ~~يثلم نسبتها للعقل؛ لأن الوجدان الإنساني لا يخرج من دائرة الفطرة، فالإنسان ~~عاقل متعقل بالفطرة، والعقل نفسه ابن الغريزة؛ أي هو غريزي، وقبوله للنمو وحذق ~~المعرفة والتعلم هو أمر غريزي فيه أيضا. ~~(1-4) الغريزة الحيوانية # ولا يمكننا أن ننتهي من مقدمة هذا الفصل ما لم نفسر معنى الغريزة ونعللها ~~تعليلا يسهل تفهم الأخلاق، وشأنها في تحريك الأفعال. فإذا ألفتنا ~~نظر القارئ مثلا إلى قرص الشهد الذي يبنيه ~~النحل خليات كلها سداسية الأضلاع متصلة بعضها ببعض اتصالا محكما، ولا يمكن أن ~~يخطئ في واحدة، وعلم أن النحلة لا تتعلم هذا البنيان علما، ولا تقتبسه ~~اقتباسا، بل هو طبيعة فطرية تبعثها فيها على العمل من غير تفكير، يفهم حينئذ ~~ما هي الغريزة بأوسع معنى. وقس على ذلك بناء النحلة للشهد، نسج الفراشة ~~للفليجة «الشرنقة»، وبناء ms009 العصفور للعش، ونسج الرتيلاء للشبكة، وخزن النمل ~~الحبوب في أهراء تحتفرها تحت الثرى، ومهاجرة الطيور من أوروبا إلى أفريقيا فوق ~~البحر المتوسط في الفصل المعين إلخ. # فهذه الحشرات والحيوانات تفعل هذه الأفعال بقوة ميل طبيعي في بنية أجسامها، ~~كما أنها تنشأ وتنمو إلى أن تنضج في الشكل الذي يعين لنوعها بقوة هذا الميل؛ ~~فالطير يتجنح، والدودة تتحول إلى فراشة، والوعل «يتقرن»؛ أي ينبت قرناه ~~متشعبين إلخ، بقوة هذا الميل الذي في طبيعة بنيته الخاصة. # فالغريزة إنما هي وليدة هذا الميل الذي بطبيعة الحي، وهذا الميل نتيجة فعل ~~البيئة التي حددت للحي شكل بنيته؛ فجعلت للطير جناحين، وللسمكة زعانف، وجردت ~~الحية من قوائمها إلخ. إذن هذا الميل قابل للتغير بتغير البيئة، وبالنتيجة ~~تتغير الغريزة بتغير هذا الميل الطبيعي. والبيئة هي الماء للسمكة، والهواء ~~للطير، وبطن الأرض للحية والنملة، وسطح الأرض للزحافة، وهلم جرا. # ولما كان فعل البيئة لا يؤثر تأثيره الدائم في جيل أو أجيال معدودة، بل في ~~أجيال لا يحصى عددها، كان لا بد من أن ينتقل هذا الميل الذي في طبيعة الحي من ~~جيل إلى جيل رويدا رويدا. وهذا الانتقال هو الوراثة الطبيعية. # فالغريزة إذن هي ميل محتوم في طبيعة كل حي إلى فعل معين الشكل لا بد منه، ~~ونتيجة عامل البيئة وسنة الوراثة. # فإذا كان للحيوان شيء من العقلية كانت عقليته نفسها، مهما كانت ناضجة، ضربا ~~من ضروب الغريزة أيضا، ونتيجة العوامل البيئية أيضا؛ كبناء الطير للعش، ~~ومغازلة الطيور ومهاجرتها، ووثب الغزلان في حالة اللهو والمرح، ودعابة سائر ~~الحيوانات ذكورا وإناثا. ~~(1-5) الغريزة الإنسانية # والإنسان - وهو السلالة الراقية من الحيوان - قد ورث كثيرا من غرائز ~~الحيوان؛ فهو يغازل ويحب، ويخاف ويهرب تجنبا للخطر، ويغضب ويضرب دفعا للأذى، ~~ويعطف ويحنو على وليده إلخ، بحكم هذه الغريزة. ولكن لأن عقليته ارتقت جدا حتى ~~صارت القسم الأعلى من شخصيته؛ قبضت على أزمة غرائزه الأخرى لتدربها إلى ~~مصلحته ونفعه ولذته، وبالإجمال إلى حفظ حياته وحفظ نوعه. ومع ذلك، لم تخرج ~~عقليته خروجا ms010 مطلقا عن الدائرة الغريزية؛ فهو يتعلم أن يتكلم ويتأنق في أكله ~~وشربه ولبسه وتصرفه، ويتعلم القراءة، ويتلقى جميع المعارف؛ لأن فيه استعدادا ~~للتعلم؛ فهذا الاستعداد غريزة خاصة به ليست في الحيوان الأعجم، ولولا هذه ~~الغريزة لبقي حيوانا. # فكل غريزة خاصة في الإنسان دون الحيوان، أو هي أرقى فيه منها في الحيوان؛ ~~كالحب، والتعجب من الأمر المجهول، والإجلال للأمر العظيم إلخ، كانت في الأصل ~~عادة اقتضتها العوامل البيئية من جهة، والعوامل الاجتماعية من جهة أخرى. ~~والعادة متى تكررت وانتقلت من جيل إلى جيل أصبحت بعد عديد الأجيال ~~غريزة. ~~(1-6) الأخلاق # الأخلاق البشرية: إنما هي مجموعة غرائز بعضها ورثها الإنسان من الحيوان، ~~ولكنها ترقت فيه وتأنقت، وبعضها كسبها على مرور القرون بفعل العوامل ~~الاجتماعية، فترقت وتأنقت بترقي عقليته، فسميناها أخلاقا تمييزا لها عن غرائز ~~الحيوان التي لا تزال وحشية مقصورة على مطالب الحياة المعدودة. # وسبب ذلك هو أن الأخلاق الإنسانية أول ما ينبري لتحريك المرء للعمل؛ لأنها ~~أسبق من العقل، وهي أول ما ينبض في الإنسان حين يتأثر من مؤثر داخلي كالجوع ~~والنبضة التناسلية ، أو من مؤثر خارجي كالخطر، أو المستهجن، أو المدهش، أو ~~المعجب، أو العظيم، ثم لا يلبث أن ينبري الوجدان العاقل أو العقل لتدبر التأثر، ~~وتدريب الفعل. # ونحن في خوض هذا الموضوع نبحث في السنن الأدبية التي تتقيد بها الأخلاق بحكم ~~الحياة الاجتماعية، نبحث في القواعد والأنظمة التي تتمشى عليها الأخلاق، وتتدرب ~~فيها الأفعال التي تحركها الأخلاق. # الأخلاق طوائف مختلفة، بعضها رئيسية قلما تختلف في الأشخاص، فهي فيهم بعينها، ~~وإنما تختلف في حدتها ومقدار تأثيرها، وبعضها ثانوية تتفرع من تلك، أو تتصل ~~بها، أو تنتسب إليها. # أما الرئيسية فهي الأخلاق الأساسية التي تتصدر لتحريك الإنسان للعمل حين يحدث ~~ما يثيرها، وتسبق التعقل، وهي أربع: ~~(1) # الغرائز الرئيسية. ~~(2) # العواطف. ~~(3) # الانفعالات. ~~(4) # الإحساسات. # وأما الثانوية فهي الأخلاق المتفرعة الرئيسية، والتي تبدو بعدها لتحريك المرء ~~للفعل، ويغلب أن يصحبها التعقل، كما ستراها في مواضعها في هذا الفصل. ~~(2) الغرائز ~~(2-1) الغرائز الرئيسية # هي أميال أو ms011 قوى فطرية في الإنسان ضرورية لانفعال الجسد اللازمة لحياته ~~ولبقائه وبقاء سلالته، تصدر من معمل الحياة الداخلية من غير أن تحركها أو ~~تثيرها العوامل الخارجية؛ ولذلك يمكنك أن تسميها نوابض الحياة أو نعرات الطبيعة ~~الحيوانية، وهي ثلاث: # الأولى: ~~«الجوع أو الشهوة للغذاء» الجوع دافع من الداخل لطلب ~~الطعام أو السعي إليه، يتحرك من نفسه من غير أن يوجد الطعام ~~ليحركه، فالدافع فطري أو غريزي؛ لأن القوة الحيوانية تقتضيه ~~لنمو الفرد وبقائه إلى أجل، وليس للعقل سلطان مطلق عليه يمكن ~~أن يكبحه أو يردعه إلى حد محدود؛ ولذلك قيل: «الجوع كافر.» ~~وإذا ردعته الإرادة إلى حد الموت - كما صام مكسويني الأرلندي ~~في سجنه إلى أن مات - كان هذا الردع نتيجة قوة خلق آخر تغلبت ~~عليه؛ كحنق مكسويني الشديد على الحكم الإنكليزي الذي سجنه بلا ~~حق، في يقينه. # فالحنق تغلب على الجوع. وهو أمر شاذ نادر؛ فسعي الإنسان إلى ~~الرزق، بل إلى أطايب العيش وأناقته ونعيم الحياة إنما هو مدين ~~في الدرجة الأولى إلى هذا الدافع. الإنسان يسعى إلى ملء بطنه ~~طعاما، فإذا بقيت عنده فضلة من القوة للسعي إلى الرزق؛ بذلها ~~في السعي إلى طيب العيش وملذاته. # الثانية: ~~«الشهوة الجنسية أو التناسلية» وهي كالأولى دافع داخلي ~~غريزي ينبض من نفسه، أو بالأحرى من القوة الحيوية، وإنما يختلف ~~عن النابض الأول بأن غايته استمرار السلالة أو بقاء النوع - ~~كما يقول علماء البيولوجيا - لإبقاء الفرد. وهو يضارع الجوع في ~~تمرده على التعقل والإرادة، وإنما تمرده المطلق لا يفضي إلى ~~موت الفرد، بل إلى انقطاع خيط السلالة عند ذلك الفرد. وبقوة ~~هذا الدافع يجتذب الفرد فردا آخر مخالفا له في الجنسية ~~النسلية. وجميع مساعي الأفراد في الحصول على هذه الجاذبية ~~مدينة لهذه الغريزة؛ فالفرد يبذل مجهودا في التجمل وجميع ضروب ~~الاستقواء، من جمع مال والتوصل إلى الجاه والنفوذ؛ لكي يجتذب ~~إليه قرينا أو قرينة. # 1 # الثالثة: ~~«العزيمة أو القوة الذاتية التي تحرك أعصاب الجسم وعضلاته ~~للعمل» هي قوة مدخرة في الجهازين العصبي والعضلي نازعة ms012 إلى ~~الخروج منهما بأية السبل؛ فالمرء يشعر من نفسه بالميل إلى ~~الحركة والفعل حتى ولو كان ساكن العقل أو قليله أو مختله. تتضح ~~هذه القوة جيدا في الطفل وهو خلو من الوجدان، فلا يكاد يمل ~~الحركة؛ لأن فيه قوة ميالة للظهور. # ونحن لا نفطن لهذه القوة لأننا نراها دائما مؤتمرة بأمر ~~العقل، فننسب تحريكها للعقل. والحقيقة أنها صادرة من نفس ~~المبدأ الحيوي، كما نراها في الطفل، وإنما للعقل سيطرة عليها ~~فيدربها حسب المشيئة. فالحركة خاصة من خواص المبدأ الحيوي؛ ~~ولذلك نراها في الأحياء الدنيا كما نراها في الحيوانات العليا ~~والإنسان. هي خاصة حتمية للحياة، والسكون نذير بالموت؛ لذلك ~~تعد هذه القوة في مقدمة الغرائز وهي أعظمهن وأقواهن، ~~ومنبثة في جميع الجوارح، وهي تدفع الحي للحركة في السعي والعمل. # 2 ~~(2-2) تناسب هذه الغرائز # الشهوتان الأوليان عضويتان؛ أي أنهما تختصان بأعضاء معينة لهما، والثالثة ~~شائعة في جميع الأعضاء، وهي تنجز العمل الذي تدفع إليه تانك الشهوتان. # هذه النوابض والأميال الثلاثة تعمل بواسطة الجهازين العصبي والعضلي، والأولان ~~منهما قلما يخضعان لحكم الوجدان، والثالث كثير الخضوع له. # قلنا فيما تقدم: إن الغريزة الأولى تدفع المرء للسعي إلى الرزق مستعينة ~~بالغريزة الثالثة. ولا يخفى عليك أن رزق الإنسان أوسع دائرة من رزق الحيوان ~~الأعجم؛ فالحيوان لا يسعى إلى أكثر من ملء جوفه طعاما إلى حد الشبع، وما يبقى ~~عنده من قوة العزم لا ينفقه في السعي إلى طعام آخر قبل أن يجوع، بل ينفقه في ~~المغازلة وطلب القرين، ثم في اللهو واللعب. # وأما الإنسان فلا يكتفي برزق اليوم؛ بل يسعى لرزق الغد، ولا يقنع بالرزق ~~البسيط؛ بل يسعى إلى العيش الأنيق، وحالته الاجتماعية وسعت أمامه دائرة ~~الأناقة في المعيشة توسيعا عظيما جدا؛ بحيث أصبحت كفايته من الطعام نقطة في ~~بحر هذه الدائرة، فهو يسعى إلى لذات المعيشة بدعوى الحاجة إلى الطعام. # ثم إن غريزته التناسلية دفعته إلى طلب القرين، وحالته الاجتماعية وسعت ~~أمامه دائرة السعي توسيعا آخر أعظم، فاضطر أن يكدح لكي يرضي شهوة ms013 البطن وشهوة ~~الأناقة والتجمل أيضا؛ لذلك تتفرع من الغريزتين الأوليين طوائف أخرى من ~~الأخلاق نحصرها في ثلاث: (1) الرغائب. (2) المطامع. (3) الأدبيات النفسانية ~~الذاتية. ~~(2-3) الرغائب # الرغبة: نزعة نفسانية إلى أمر ترجى منه منفعة سارة، كما لو رغبت في أن ~~تكون ذا شهرة أو ثروة، أو أن تكون بارعا في فن كالشعر أو الموسيقى، أو أن ~~ترتفع إلى درجة الأعيان أو إلى غير ذلك. وتنشأ هذه الرغبة من تأثير العوامل ~~الاجتماعية، والاحتكاك بالأشخاص، وتقلب الأحوال الشخصية. وهي تندرج في ثلاث درجات: # الأولى: ~~«التمني» وهو شوق للحصول على الرغبة مع شعور بالعجز عن ~~الوصول إليها، إما لضعف في الشخص، كما لو تمنى أن يكون زعيما ~~وما فيه شيء من صفات الزعامة، أو لبعدها عنه، كما لو تمنى أن ~~يكون ملكا وما هو بولي عهد، أو لاستحالتها، كما يتمنى الولد ~~أن يكون ذا جناحين ليطير. # فإذا آنس المرء من نفسه مقدرة على نيل الرغبة، كما لو رام ~~الزعامة وهو في ظروف وصفات تؤهله لها، كان تمنيه رجاء. والرجاء ~~يدفعه إلى السعي والعمل. # الثانية: ~~«الأمل» وهو أرقى من الرجاء، ويقرب المرء إلى رغيبته ~~خطوة؛ لأن الأمل يتضمن الثقة بالنفس وأرجحية الحصول على ~~الرغيبة، وينشئ الجد والمثابرة. وهاتان مع الثقة بالنفس من ~~جملة الأخلاق الفرعية التي يختلف فيها الناس. ومتى قوي الرجاء ~~ابتدأت اللذة بتصور الحصول على الرغيبة. # الثالثة: ~~«الطموح» وهو تعاظم الأمل إلى حد تصور الظفر بالحصول ~~على الأمنية، وعنده يندفع المرء في العمل؛ إذ يصبح الحصول على ~~الأمنية أكيدا في يقين المرء. وقد تتجلى له الرغيبة على قيد ~~باع منه. وقد يتصورها أعظم مما ترجى وتمنى. وربما ~~تمادى في طلب رغيبة أعلى من رغيبته التي أمل فيها، وهنا تشتد ~~لذته بتصور الحصول عليها. # وقد يقترن الطموح بالحزم، وهو تعقل الأمر وأخذه بالحكمة، والعزم، وهو الإصرار ~~على العمل بإقدام. والحزم والعزم خلقان فرعيان آخران يختلف فيهما الناس. # ولا بد أن ينتهي الطموح بأحد أمرين: إما أن يحصل المرء على أمنيته، وهناك ~~تنتهي لذته؛ إذ يتجدد ms014 عنده أمل آخر برغيبة أخرى وراء الرغيبة التي اتجه إليها ~~أولا، وثمة يتجدد سعيه وعمله؛ إذ ينتقل من حال إلى أخرى، أو أن يفشل ويخيب ~~أملا؛ فيرتد إلى حاله الأولى، فإن بقي عنده في أثناء الخيبة شيء من الرجاء ~~والأمل، حول أمله إلى الرغيبة في طريق آخر، وإلا استولى عليه اليأس، وهو خلق ~~آخر فرعي، واليأس يقعده عن العمل. ~~(2-4) المطامع # المطمع: نزعة في النفس إلى الاستقواء توسلا بالقوة إلى الظفر بالأماني ~~الآيلة إلى التمتع باللذة. ولا يخفى أن قوة المرء مهما عظمت محدودة، ولكن ~~المطماع يحاول بأية الوسائل أن يضم إلى قوته الشخصية ما يمكنه استمداده من قوى ~~الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه؛ مستعينا بذكائه أو دهائه أو قوة شخصيته ~~الممتازة؛ كالهيبة وقوة الإرادة والثبات والإصرار. # وينشأ الطمع في النفس من جراء الثقة بقوة الشخصية وتوسع الأحوال الاجتماعية ~~التي تفسح السبيل للسعي إلى الأمر المطموع به. والناس متمايزون بالشخصيات؛ ~~ولذلك يتفاوتون بالمطامع تبعا لهذا التمايز؛ فأقواهم شخصية أقدرهم على الأخذ ~~من قوى المحيط وإضافتها إلى قوته، وأضعفهم أكثرهم تعرضا لخسران شيء من قواه. ~~والمطامع أربعة أضرب: # الأول : ~~«المال» فالمال أو الثروة على اختلاف صورها أو أنواعها إنما ~~هي قوة عظمى؛ لأنها حاصل عمل العاملين، فما حصل دينار أو أي ~~متاع أو أي حاصل إنتاج إلا بذل لقاءه تعب وجهاد في عمل، ولكن ~~النظام الحالي الانفرادي أو الفردي لا يخول لكل عامل أن يتمتع ~~بكل حاصل عمله، بل هو يفسح السبيل لذوي الشخصيات القوية ~~الطامعين أن يختلسوا شيئا من حاصل أعمال العاملين، ويستأثروا ~~بها ويستغلوها لتمتعهم؛ لذلك ترى الناس فريقين: فريقا يعمل، ~~وفريقا آخر يستغل عمل غيره. وقد يكون الشخص الواحد من ~~الفريقين معا؛ فيستغل من عمل غيره، وغيره يستغل من استغلاله، ~~وهكذا تمول المليوني وافتقر العامل. # والتمول يستلزم أن يكون الشخص المطماع من عشاق المال، فيسعى ~~بقوة هذا العشق أو الشوق إلى المال للحصول عليه بأية الوسائل. ~~والمليوني جمع أموالا بحذقه وذكائه ودهائه واغتنامه الفرص في ~~حلبة التنازع لقطف ms015 الثمار من أتعاب المجتمع. وهكذا أضاف إلى ~~قوته قوة كبيرة من قوى الجماعة، وبهذه القوة المالية يستطيع أن ~~يشتري كثيرا من الأماني ليتمتع بلذاتها. وحبه للمال يدفعه إلى ~~السعي والاحتيال للحصول عليه. # الثاني: ~~«الجاه أو الوجاهة» وهو أن يكون المرء في منزلة سامية بين ~~جماعته أو قومه، وهذه المنزلة تكسبه اعتبار الجماعة وتجمعها ~~حوله لخدمة مآربه. وهو يحصل على الجاه بتفوق شخصيته؛ إما ~~لذكائه ودهائه، أو لغناه، أو لحسبه التالد الموروث، أو لبطولته ~~وعبقريته، إلى غير ذلك من المزايا التي يمتاز بها على ~~الآخرين. # وبهذه المزايا الشخصية يسيطر سيطرة أدبية على جماعته أو قومه ~~أو حزبه، ويجمعهم تحت إمرته؛ فيكون نافذ الكلمة فيهم، فكأنه ~~بهذه المزايا يضم إلى قوته الشخصية قوى الجماعة التي تحف حوله. ~~وهو لقاء هذه القوة التي يستمدها منهم يحمي مصالحهم، ويسبب ~~نفعهم. # يفعل ذلك بالقوة العظمى المتضمنة فيه، والتي استمدها من ~~قواهم؛ فكأن قوة الجماعة تجمعت فيه وتكتلت، وهو القابض على ~~أعنتها يستخدمها حسب مشيئته، وله القسط الأوفر من الانتفاع ~~بها. فزعيم الجماعة أو رئيس الحزب أو شيخ القبيلة الذي إذا ~~استنفر قومه هبوا للأخذ بناصره ومعاضدته هو الوجيه. فالجاه قوة ~~نافذة أو نفوذ، والمطماع بالجاه يدفعه مطمعه هذا إلى السعي ~~والعمل. # الثالث: ~~«السلطة» وهي تعلو على الجاه وتشمله أيضا، وتختلف عنه ~~أو تزيد عليه بأنها قوة شرعية مستمدة من قوة الجماعة، ومؤيدة ~~بالدستور أو القانون أو العرف على الأقل؛ كقوة الحاكم والوزير ~~أو أي موظف ذي سلطة آمرة وناهية. يحصل عليها المرء بأهليته ~~الشخصية غالبا، ولا سيما في هذا العصر النظامي، وأحيانا يحصل ~~عليها بجاهه أو بماله، ويمكنه أن ينتفع بها كثيرا لشخصه، ~~وتقدره على الحصول على كثير من الأماني للتمتع بها. فحسب ~~السلطة قوة تحرك الإنسان للسعي إليها. # الرابع: ~~«الشهرة» وهي أن يكون المرء معروفا بين قومه أو بين ~~سواه من الناس بمزية قل الحاصلون عليها. والشهرة بحد ذاتها ~~لذة للشهير، فضلا عن أنها كثيرا ما تكون ذريعة للاستقواء ~~والانتفاع إلى أماني مختلفة. يحصل ms016 عليها المرء باستعمال مواهبه ~~ومزاولتها بالثبات والإصرار والمثابرة. # من هذا القبيل شهرة الفنان؛ كالموسيقي، والمغني، والشاعر، ~~والمصور، والممثل، والخطيب؛ لأن مضمار الشهرة هو على الغالب ~~الفنون الجميلة التي تجتذب الجمهور إلى الفنان، وكل حرفة تتصل ~~بالجمال؛ فالفنان يطمع بالشهرة لما فيها من الفخر من جهة، ~~والفخر لذة، ولما فيها من الانتفاع من جهة أخرى؛ لأنها قوة ~~يتذرع بها إلى الأماني. # ترى أن هذه الطائفة من الأخلاق الفرعية تبتدئ حيث يستفحل الطموح؛ فهي درجة ~~أعلى من الرغائب. ~~(2-5) الأدبيات النفسانية الذاتية # يقترن بالأخلاق التي نحن بصددها طائفة من الأخلاق الفرعية، فتصاحبها أو تمتزج ~~بها وتتركب معها، وهي أدبيات نفسانية تصدر من داخل الشخصية، وقلما تمس الآخرين ~~أو تستلزم الاحتكاك بهم. هي خاصة بالشخص نفسه، وعواقبها تقع عليه وحده، حسنة ~~كانت أو رديئة، وهي ثلاث: # أولا: ~~«القناعة» وهي الرضى أو الاكتفاء بما تيسر من الخير أو ~~النفع، أو كل ما فيه لذة وتمتع. هي خلة الأشخاص القليلي ~~المطامع، القصيري الطموح، حتى وإن كانوا ذوي قوة وأهلية. وربما ~~كان القانع يشعر بالغبطة كالطماع أو الطامح، وقد يكون أكثر ~~غبطة منهما لأنه لا يجاهد كثيرا ولا يجازف أو يغامر، وإنما ~~يبقى متخلفا في حلبة السباق، ربما كان قصير النظر لا يرى ~~الأماني البعيدة، أو يراها كالسراب، أو يراها ودونها خرط ~~القتاد؛ فلا يطمح إليها. # ثانيا: ~~«الاعتدال، والمراد به هنا التوسط بين طرفي القناعة ~~والشراهة» وهي أن لا يرضى المرء بما حصل أو تيسر، بل يطمح إلى ~~ما يجد في نفسه القدرة للحصول عليه ولو بجهاد، ولكن يزن بين ~~مطمعه ومقدرته، فإن كانا متوازنين متعادلين أقدم ورضي بما ~~يمكنه الحصول عليه، وإلا أحجم. يتمادى في طلب الخير لنفسه ما ~~دام قادرا على نيله، فمتى بلغ إلى حد العجز اكتفى بما حصل، ~~وكان راضيا مغتبطا؛ فهو يجاهد ولكنه لا يغامر ولا يجازف ولا ~~يخاطر. # ثالثا: ~~«الشراهة» وهي تجاوز حد الاعتدال، وهي الطرف الثاني المناقض ~~للقناعة. تدفع المرء إلى ما فوق طاقته؛ فيجاهد ويقضي العمر ~~مجاهدا على ms017 غير رضى بحال من الأحوال، ولا يغتبط؛ لأن نفسه لا ~~تشبع؛ لذلك تكثر المخاطرة عند الشره، فيكون بين جانبي الفوز ~~أو الفشل يقوم تارة ويقع أخرى. # الأول: لا يجاهد إلا فيما لا بد منه ~~للحصول على شيء من التمتع، والثاني: يجاهد محاذرا على قدر طاقته وهو راض بما ~~يتيسر، والثالث: يجاهد جهادا عنيفا غير راض. ~~(3) العواطف # العاطفة: قوة فينا جاذبة لنا إلى غيرنا تتحرك فينا عند وجود هذا الغير؛ فهي تختلف ~~عن الطائفة السابقة من الأخلاق التي تنبض من أنفسنا من غير محرك خارجي، تتحرك فينا ~~العاطفة بتؤدة تبعا لإرشاد العقل، وتكون في وجداننا شكلا عقليا خاصا بها ~~حتى تكاد تعد قوة من قوانا العقلية. # قلنا: إنها قوة جاذبة، فهي جاذبية بين متشابهين أو طبيعتين من صنف واحد؛ الواحدة ~~جاذبة من الخارج، والأخرى مجذوبة من الداخل؛ فهي على حد قول الشاعر: «شبيه الشكل ~~منجذب إليه.» هذه القوة تستحضر في ذهننا مجمل اختيارنا، أو صورة شخصيتنا، أو الشبيه ~~المرسوم في مخيلتنا. وهي خمس رئيسية: ~~(3-1) العواطف الرئيسية # الأولى: ~~«العاطفة الوالدية أو الحنو الوالدي» فالأب «أو الأم» يعطف ~~على ابنه أولا: لأنه يرى فيه صورة جوهره - جوهر منه، ولكنه ~~مستقل عنه - وثانيا: لأنه يمثل استمرار جوهره؛ جوهر منه قائم ~~بذاته، ولكنه متوقف في وجوده ونموه عليه. فهذه العاطفة تمثل في ~~ذهن العاطف ذاتيته: فلو فرض أن أبا «وأما» شك أو عرف أن هذا ~~الولد ليس ابنه؛ فهذه العاطفة تتلاشى، وقد تتحول إلى شفقة، ~~وربما تلاشت الشفقة أو تحولت إلى إعراض، وقد يتحول الإعراض إلى ~~نفور فحقد. هذه العاطفة غريزة مفهومة السبب عند الإنسان ~~العاقل، ومجهولة عند الحيوان غير العاقل. # هذه العاطفة تعد جاذبية؛ لأن الولد جاذب، والوالدين ~~منجذبان، وهي ترادف الحنو، ولكنها تتضمن معنى الحب أيضا. ~~الحنو عند الوالدين عظيم كالحب، والحب بين الزوجين أعظم من ~~الحنو. # بقوة هذه العاطفة تعكف الأم على حضانة ولدها، ويكدح الأب ~~حرصا على أولاد الأسرة. # الثانية: ~~«عائلية» وهي نوعان: بنوية وأخوية، فالنوع الأول: هو رد فعل ms018 ~~العطف الوالدي بمثله، كرد الصدى، فالولد ينعطف إلى أبويه لأنه ~~يجد ريا لشهواته من نتائج حنوهما، ومتى صار يفهم الحياة يعلم ~~أنهما سبب وجوده، ويرى ~~فيهما مثلا لنفسه أيضا، والنوع الثاني: هو التعاطف المتبادل ~~بين الإخوة اقتباسا من تعاطف الوالدين والبنين؛ فالولد حين ~~يرى أن أبويه يعطفان على أخيه وأخته يحاكيهما في هذه العاطفة. ~~ولعطف الأخ على الأخ رجع صدى أيضا للأسباب المتقدمة. ويمتد ~~هذا التعاطف من بين الإخوة إلى ما بين أبناء الأعمام والخالات ~~إلى جميع أعضاء الأسرة بنفس الأسباب المتقدمة؛ فالتجاذب متبادل ~~بين أعضاء الأسرة، وكل منهم جاذب ومنجذب. # الثالثة: ~~«اجتماعية» وهي أن يعطف الإنسان على مشابهيه؛ أي سائر قومه، ~~لأنهم مماثلون بل مساوون له في الشخصية. فما هم حيوانات أحط ~~منه ليترفع عليهم، ولا هم آلهة أرفع منه ليتهيبهم، بل هم مرآته ~~يرى فيهم مجمل شخصيته. # هذا الضرب من العواطف والنزعة الاجتماعية التي تأصلت في ~~الإنسان وصارت طبيعة أو غريزة فيه متفاعلان على الدوام؛ أي إن ~~هذه العاطفة تقوي في الإنسان النزعة الاجتماعية، والنزعة ~~الاجتماعية تقويها. تظهر هذه العاطفة أقل حدة من العاطفة ~~الوالدية، ولكنها ليست أقل منها قيمة؛ لأن الإنسان يذعن بحكمها ~~إلى التضامن والتعاون، ويخضع للقوانين والشرائع والأنظمة ~~الاجتماعية وأحكام السلطة المسيطرة، واثقا أنه يشاطر الجماعة ~~المنفعة والتمتع المشتركين بين أفراد الجماعة، ويفهم أن منفعته ~~ولذته متوقفتان على منفعة الجماعة ولذتها؛ فالعائلة والجماعة ~~متوازنتان قيمة تجاه العاطفة، وإن اختلفت هذه العاطفة ~~تجاههما. # الرابعة: ~~«وطنية» وهي عطف الفرد على مجموع الأمة أو الشعب أو القوم ~~بصفة كونه جسما واحدا هو عضو فيه. وتختلف هذه العاطفة ~~الوطنية عن العاطفة الاجتماعية بكون هذه بين فرد وفرد، وتلك ~~بين فرد وكتلة الجماعة؛ فالمرء يشعر بقوة هذه العاطفة أنه مدين ~~بكيانه وسعادته إلى وجود الجسم الاجتماعي، فإذا كان هذا الجسم ~~متكتلا ملتحما جيدا كانت هذه العاطفة شديدة؛ قد تدفع المرء ~~إلى التضحية لأجل الوطن. # الخامسة: ~~«الشفقة، وهي مبالغة في العاطفة الاجتماعية» هي عاطفة ~~إنسانية أوسع من العاطفة الوطنية، لا ينظر ms019 فيها إلى القومية ~~ولا إلى القرابة بل إلى الإنسانية، فيتحرك عطفنا على أي شخص ~~حين نشعر بألمه أو تعسه أو شقائه أو مظلوميته حتى ولو كنا نحن ~~سببها، اللهم إذا كانت لنا نفس راقية في الإنسانية، ولنا طباع ~~دمثة وقلب طاهر. تتحرك فينا هذه العاطفة لأننا نتصور أنفسنا في ~~مكان المتألم أو التعس أو المظلوم أو المصاب بمصيبة. وهذه ~~العاطفة تدفعنا إلى إنقاذه أو إسعافه أو مساعدته في ~~أمره. # ويمكن أن تعد هذه العاطفة في جملة الانفعالات النفسانية ~~التي سنتبسط فيها في الحرف التالي؛ لأنها تكون أحيانا ~~انفعالا نفسانيا من أمر مكروه، بدل أن يثير فينا الخوف أو ~~الغضب يثير الشفقة. # وبالإجمال نقول: إن العواطف أخلاق منجذبة نابضة من داخل النفس كالأميال ~~الغريزية، ولكنها تختلف عنها بأنها لا تنبض إلا عند مؤثر خارجي، وتختلف عن ~~الانفعالات النفسانية التي هي طائفة أخلاق دافعة لا جاذبة كما سترى. ~~(3-2) العاطفة تجاه النفس - التجرد النفساني # للمرء عواطف ثانوية تتفرع من العواطف الرئيسية، فمنها ما يتجه نحو نفسه، ~~ومنها ما يتجه نحو غيره، فالأولى نسميها التجرد النفساني؛ وهي أن يجرد المرء من ~~نفسه شخصية نفسانية خاصة يستقل تصورها له عن ذاتيته العمومية. يجرد من شخصه ~~شخصا آخر عقليا يرفعه أو يحطه حسب ما تفعل فيه العوامل الخارجية؛ فهي عاطفة ~~منه نحو نفسه. وهي ثلاثة أنواع: # الأولى: ~~«عزة النفس أو الشمم أو الكبر» خلق نفساني يستقل به عن ~~الآخرين، كأنه أمر لا يعنيهم، بل يهم نفسه فقط، فلا يكلف ~~الآخرين أن يفعلوه له؛ ولكنه يروم أن يعرفوه فيه، ويود أن ~~يعترفوا له به، يبتغي أن يكون عزيز النفس في خلوته كما يبتغي ~~هذا في حضرة غيره. بهذا الخلق يتنزه عن الدنايا، ويأنف ~~ارتكاب الآثام، ويأبى أن يحط نفسه إلى من هم أدنى منه، أو أن ~~يذلها إلى غيره. # والكبرياء: هي تطرف في الكبر والأنفة إلى حد الاستعلاء على ~~الآخرين واحتقارهم. بها يتعدى المرء من نفسه إلى غيره؛ فهي ~~نقيض العاطفة الذاتية. هي خلق متفرع من ms020 هذا ~~الفرع. # الثانية: ~~«احترام النفس» وهو أن يكون الكبر أو الشمم أو الأنفة ~~مساويا لقيمة المرء الشخصية، ومقدرتها على الاحتفاظ بالمنزلة ~~التي وضعها فيها. بهذه العاطفة الشخصية يصون المرء مقامه، ~~ويتحامى أن يتطاول إليه شخص آخر. # الثالثة: ~~«الغرور» وهو أن يكون الكبر أكثر من قيمة المرء ~~الشخصية ومقدرته على الاحتفاظ بمنزلتها، فيرغب في أن يضع نفسه ~~في منزلة أعلى من منزلته، ولكن الآخرين لا يعترفون له بها، بل ~~يستهجنون ادعاءه إياها. # وهنا منشأ الحسد؛ وهو تغيظ المرء من إنكار الآخرين عليه ~~المنزلة التي يتوخاها. والحسد عاطفة فرعية لهذا الفرع ~~أيضا. # الرابعة: ~~«الضعة» وهي أن يضع المرء نفسه في منزلة دون المنزلة التي ~~يستطيع البلوغ إليها. فالمتزلف والدني الغرض والمتذبذب إنما هم ~~حقيرون؛ لأنهم ينزلون أنفسهم عن منزلة احترام النفس، وعن ~~الأنفة والإباء. # التواضع - غير الضعة - وهو احترام المرء منزلة الغير مع حرصه ~~على منزلته؛ بحيث يبقى الغير محترميها مهما بالغ هو في ~~التواضع. والوضيع هو غير المتسفل، عنده احترام لنفسه، ولكنه ~~وضيع بالنسبة إلى من هو أرفع منه. ~~(3-3) العاطفة تجاه الآخرين - الأدبيات المتعدية # الأخلاق الآنفة لازمة غير متعدية؛ أي إنها لا تتجاوز نفسية المرء. وأما ~~العواطف الفرعية، التي نحن بصددها الآن، فمتعدية؛ أي إنها تصدر من المرء نحو ~~الآخرين. وهي ثلاث: # الأولى: ~~«الكرم» وهو أن تفيض النفس الإنسانية في المرء خيرا ~~للآخرين، فيجود بقوة خيرية منه حبا بالإنسانية، غير ملزم ~~بهذا الجود، وإنما هو ملزم به أدبيا واجتماعيا بحكم ~~الإنسانية وسنة التضامن الاجتماعي؛ فالخير الذي يفعله أو ~~الجميل الذي يصنعه إنما هو قوة يبذلها منه مجانا: كالعطاء ~~مالا أو أي شيء ذي قيمة، أو كالمروءة في نجدة، أو إسعاف، أو ~~غوث، أو إنقاذ، أو تسامح، أو مغفرة، أو تساهل. كل هذا كرم خلق، ~~أو خلق كريم. # الثانية: ~~«البخل، وهو عكس الكرم» إذ يحرم البخيل الغير حقا ~~إنسانيا ويمنعه عنهم، كما لو رأى غريقا ولم يخلصه وهو قادر ~~على تخليصه، أو كما لو تقدم إليه محتاج شديد الحاجة ولم يلب ms021 ~~حاجته وهو قادر. # الثالثة: ~~«الطمع» وهو الطرف الأخير المضاد للكرم، إذ لا يقتصر ~~المرء على حرمان الآخرين الحق الإنساني، بل يبتغي هضم حقوقهم ~~الشرعية أيضا، واتخاذها لنفسه، والاستئثار بما لا حق له به؛ ~~فالطماع يتحين الفرص لاختلاس حق الضعيف الذي لا يستطيع رده ~~عنه. # رد فعل العاطفة # للعاطفة نحو الآخرين فعل يرتد للعاطف؛ لأنها فعل صادر منه وواقع على ~~الغير، فلا بد أن يرتد هذا الفعل إليه في صور مختلفة حسب جبلة الشخص الذي ~~وقع عليه فعل عطف العاطف؛ كوقوع أشعة النور على شبح ملون، فيرد الأشعة أو ~~تخترقه ملونة بلونه. ولما كانت جبلات الناس أو طباعهم مختلفة الألوان ~~«مجازا»؛ كان ارتداد العطف عنهم ملونا بألوان طباعهم. وهي تنحصر في ثلاثة: # أولا: ~~«الشكر» فإذا كانت جبلة المرء المعطوف عليه طيبة صالحة ~~ردت فعل العاطف شكرا. والشاكر يكافئ الفعل الخيري أو ~~الجميل إما بفعل آخر يساويه، إن كان قادرا على المكافأة، ~~وربما كافأه بأعظم إذا كان عزيز النفس، أو يكافئه بثناء ~~وباعتراف بالجميل إذا كان عاجزا عن المكافأة ~~بالمثل. # يقترن بالشكر: الصدق، والأمانة، والإخلاص، وحسن الظن، ~~وسلامة النية. # ثانيا: ~~«الكنود» وهو عكس الشكر ، وإنكار للجميل أو تغاض عنه، أو ~~تجاهله والتعامي عنه. فهو لا يصدر إلا عن جبلة رديئة قاتمة ~~اللون. # ثالثا: ~~«الخيانة» وهي لا تقتصر على إنكار الجميل، بل هي مكافأة ~~الخير بالشر عمدا. تصدر من جبلة سوداء شريرة ترد الأبيض ~~الطاهر أسود قذرا. والخائن خبيث الطبع لئيم، ميال للغدر ~~مجانا، يتحين الفرص لاقتناص ذوي الجبلات الطيبة السليمي ~~النية. فالغدر والخيانة عاطفتان جاذبتان لا منجذبتان، ~~عاطفتان لحب النفس دون غيرها. في الذات تلتقي نتائج ~~أفعالهما. # الغالب: أن يكون أحد هذه الطباع الثلاثة التي نحن بصددها ملازما للشخص ~~الواحد كل حياته، ولكن بعض الناس يشذون أحيانا عن طبعهم هذا لعوامل وقتية ~~تؤثر فيهم، وربما تعدل الطبع جيدا أو رديئا في أدواره المختلفة السن ~~لتأثير التربية والأحوال الاجتماعية. ~~(4) الانفعالات النفسانية ~~(4-1) النوافر الرئيسية # الانفعالات النفسانية تختلف عن الغرائز النابضة بتاتا، بأنها لا ms022 تصدر كقوات ~~داخلية من تلقاء نفسها كأمر حتمي لا بد من صدوره لحاجة في النفس، وإنما هي تصدر ~~عند وجود أمر خارجي مثير للخلق، أو مخالف لميل النفس فيحركها. وهي تشترك مع ~~العواطف بكونها مثلها تصدر عند وجود محرك خارجي، ولكنها تختلف عنها بأنها دافعة ~~لا جاذبة، فلك أن تسميها: نوافر دافعية لا جاذبية، أو عواطف سلبية لا إيجابية. ~~وهي ثلاث: # الأولى: ~~«الكراهة تجاه الأمر الذي لا يروق لنا بحال من ~~الأحوال» كأن يخالف رغبتنا فنصد عنه، أو ينافي ذوقنا فنشمئز ~~منه، كما لو اجتمعنا بثقيل أو ثرثار أو مهزار، أو كما لو قرأنا ~~شعرا تافها، أو رأينا رسما نافرا، أو شاهدنا شخصا يذبح ~~فرخة، أو لامسنا وساخة. # الثانية: ~~«الغضب تجاه الأمر الذي أضرنا أو آذانا أو أساء إلينا» ~~كما لو اعتدى معتد على شرفنا أو حقنا، أو أهاننا أو جرح ~~عواطفنا إلى غير ذلك. كل هذا يثير غضبنا ويحملنا على دفع الأذى ~~والشر عنا بكل ما عندنا من قوة. والغضب يضاعف القوة: فالغاضب ~~يستطيع أن يفعل أكثر جدا مما يفعله الحليم؛ لأنه في ساعة ~~الغضب تثور كل قواه وتجتمع متعاونة للدفاع. # الثالثة : ~~«الخوف تجاه الخطر أو الأمر الذي يهددنا بأذى» كما لو ~~أقبل علينا العدو أو فوجئنا بمصيبة؛ ففي بدء الأمر يبدو فينا ~~الميل إلى الهرب، فإن كان الهرب مستحيلا عمدنا إلى تحامي ~~الخطر بالحيلة، فإن استحالت هذه أيضا نشطنا إلى ~~الدفاع. # هذه الأخلاق النافرة تسبق التعقل في اليقظة، وتدفع العصب والعضل للعمل، لا ~~تنتظر العقل أن يصدر حكما في الأمر أو حيلة لتجنب الخطر أو رفض المكروه، بل ~~تبدو حالا إلى الدفع أو الصد أو الفرار؛ فالمشمئز يعجل في الصد أو التحايل، ~~والغضوب يسرع إلى القتال، والخائف إلى الهرب، ولكن بعد قليل يبرز العقل لتدريب ~~هذه الأفعال. # العليل ينفر في أول الأمر من تجرع الدواء إلى أن يحكم العقل بوجوب تجرعه ~~حرصا على سلامة الجسد، والجمهور في مسرح يهرع إلى الخارج عند شبوب النار فيه ~~قبل أن يحكم ms023 الوجدان بوجوب الخروج بتؤدة ونظام؛ لئلا تكون كارثة اندفاع الجمهور ~~وبعضه يدوس بعضا أشر من كارثة الحريق، والمعتدى عليه يغضب إلى أن يحكم العقل ~~بوجوب تلافي تفاقم الشر بالمعالجة والحيلة والحلم، أو بطريقة أخرى. # ترى مما تقدم أن للانفعالات النفسانية وظيفة الوقاية من الخطر والأذى، كما أن ~~للغرائز الشهوانية وظيفة الحرص على البقاء الفردي والسلالي، وللعواطف وظيفة ~~الحرص على الكيان الاجتماعي. ~~(4-2) الانفعالات الفرعية - رد الفعل # رأيت فيما تقدم أن الانفعالات النفسانية تسبق التعقل، وتدفع المرء للفعل قبل ~~أن يتولى العقل الأمر ويشرع بالتدبر، وكأن هذه الانفعالات غرائز، بل هي غرائز ~~في الحيوانات العجماء؛ لأنها حادة فيها كما هي في الإنسان؛ فالقطة حالما ترى ~~الكلب يزبئر صوفها وتنفخ وجلة، وإذا هاجمها غضبت، فإن آنست في نفسها ~~القدرة على الدفاع وثبت عليه، والدجاجة كذلك إذا فاجأها الكلب أو ابن آوي ~~«قاقت» وفرت، وإذا هجم على فراخها انقضت عليه تنقر عينيه. # أما الإنسان إذا خاف أو غضب لخطر أو لشر مفاجئ؛ فلا يلبث أن ينبري العقل ~~للتدبر، وحينئذ تنبري أيضا الأخلاق الفرعية الثانوية لرد الفعل بأساليب مختلفة: # أولها: ~~«الحنق» وهو التحفز لرد الشر بمثله أو بمساو له. ~~والحانق يختلف عن الغاضب بأن عقله يشترك مع أفعاله في تدبر رد ~~الفعل، فإن لم يستطعه عاجلا برد الغضب وذهب ~~الحنق. # ثانيها: ~~«الحقد» وهو أن يبقى الغضب محتدما، ولكنه يكون ~~مكظوما. والحاقد يصر على رد الفعل متريثا إلى أن تسنح ~~الفرصة للانتقام فلا يتردد فيه. # ثالثها: ~~«الحذر» وهو تيقظ الانفعال لأي نذير بالخطر أو الأذى ~~قبل مجيئه أو حدوثه، ففيه مثار للظنون والشكوك والإيجاس شرا؛ ~~ولذلك يقال: «إن سوء الظن من حسن الفطن.» ولأنه سابق لأوانه ~~يئول أحيانا إلى الوقوع في المحذور منه؛ لأنه إذا بدت آثاره ~~أثارت الشك في المشكوك فيه، فيتفاعل الشكان ~~المتقابلان. # وهو تيقظ الانفعال لأي نذير بالخطر أو الأذى قبل مجيئه أو حدوثه، ففيه مثار ~~للظنون والشكوك والإيجاس شرا؛ ولذلك يقال: «إن سوء الظن من حسن الفطن.» ولأنه ~~سابق لأوانه يئول ms024 أحيانا إلى الوقوع في المحذور منه؛ لأنه إذا بدت آثاره أثارت ~~الشك في المشكوك فيه، فيتفاعل الشكان المتقابلان. # وتفصيل الإجمال: هو أن سوء الظن يحمل الظنان على تأويل أفعال الغير بغير ~~ظواهرها، حتى إذا بدت منه بوادر سوء ظنه أثارت ظنون الغير وحدث الصدام بينها. ~~ويئول سوء الظن أحيانا إلى سوء التفاهم الذي يسبب التخاصم. وكثيرا ما يتمادى ~~سوء الظن إلى أن يبلغ الغدر؛ فالغدار يتعجل في أذى الغير قبل أن يتثبت من ~~احتمال مجيء الأذى منه إليه، على أن الحذر العميق الذي لا ينم عن سوء الظن يكون ~~أحيانا منقذا من الأذى والخطر. ~~(4-3) مقومات الانفعالات # متى انبرى العقل لتدريب الفعل الذي يحركه الانفعال النفساني استثار أخلاقا ~~فطرية ثانوية أخرى لتقويم الانفعال، ولرد الفعل، بقوة تتراوح بين الشدة والضعف، ~~وهي تتولى حينئذ أمر الفعل المردود بتدبر العقل وإرشاده على قدر ما يستطيع ~~العقل السيطرة عليها؛ فقد يسيطر قليلا أو كثيرا، أو لا يستطيع السيطرة ~~بتاتا؛ وإنما ينتدبها انتدابا للفعل. وهي: # أولا: ~~«الشجاعة» وهي الجرأة على قدر ما تحتمل القدرة ~~والإقدام على الفعل. فالشجاع لا يهاب الأخطار والصعوبات، ينشط ~~للعمل بملء قواه العقلية والجسدية. وتقترن الهيبة بالشجاعة، ~~وهي خاصة عقلية تظهر في ملامح الوجه والسحنة عموما. فبهذا ~~الخلق القوي يستطيع إنسان أن يروض الأسد؛ وبنظرة منه يرده عنه ~~إذا ضرى، وبمثل هذه النظرة يؤثر على خصمه ويوهمه أنه أقوى منه، ~~وبهذه النظرة ونحوها من المظاهر الشجاعية يتفوق شخص على آخر، ~~ويحمله على مهابته. # ثانيا: ~~«التهور» وهو تطرف في الشجاعة أكثر ما تحتمله القدرة. ~~هو شجاعة مقرونة بالطيش والرعونة غرورا بالمقدرة؛ ولهذا قلما ~~يسلم المتهور من الوقوع في الخطر. # ثالثا: ~~«الجبن» وهو الطرف الآخر من جانب الشجاعة، عكس التهور. ~~يرتد الجبان عن الخطر أو درء الأذى بالرغم مما فيه من القدرة ~~على الإقدام؛ ولذلك يلجأ إلى الحيلة، وإذا كان دنيئا نذلا ~~استعان بالصفات الرديئة كالكذب والرياء والمواربة ~~والخبث. ~~(5) الإحساسات ~~(5-1) الشعور # الإحساسات طائفة من الأخلاق انفعالية كالثالثة؛ ولكنها ليست دافعة مثلها، ms025 ولا ~~هي جاذبة كالأولى «الشهوات»؛ بل هي منجذبة كالثانية «العواطف»، وإنما تختلف ~~عنها بأنها انفعال بأمور عليا، وانجذاب إليها من غير اندغام بها، بل بتمتع ~~بتأثيراتها. هي شعور بأمور أو أشياء أو حوادث أو شخصيات أعظم أو أعلى من ~~تصوراتنا، وغريبة عن اختبارنا. وهي ثلاث: # الأولى: ~~«التعجب» وهو شعورنا بغرابة شيء أو أمر نجهل سببه؛ كما لو ~~سمع الطفل أو الهمجي الفونوغراف لأول مرة وهو لا يعلم سره، أو ~~كما لو رأى السائح الشرقي جسر بروكلن قبل أن يعلم عنه شيئا؛ ~~فيتعجب لكيفية بنائه. فهذا الشعور انفعال نفساني من سر مجهول، ~~ولا يزول هذا العجب إلا متى فهم السبب؛ لذلك نقضي حياتنا ونحن ~~نتعجب من أسرار الكون إلى أن نفهمها، كذلك نتعجب إذا قيل لنا: ~~إن فلانا أثرى ونحن نعرفه فقيرا، وإن فلانا صار بطلا ونحن ~~نعرفه صعلوكا، ونتعجب إذا أنبئنا بأي حادث مخالف للمألوف؛ ~~كما لو قيل لنا: إن جزيرة جديدة ظهرت في البحر، أو جزيرة غاصت ~~فيه. # تختلف الدهشة عن التعجب بأنها تحدث لمفاجأة أمر غير منتظر، ~~وإن كان مفهوما أمره؛ كما لو أشرف ابن البر على البحر لأول ~~مرة فيندهش لعظمته، أو كما لو أقبل ابن السهل على ~~الجبل. # الثانية: ~~«الاستحسان» وهو الانفعال بالجميل؛ كرؤية الربيع في الجبال ~~المتعالية، وكرؤية الزخارف المصطنعة، وكسمع الموسيقى، وشم ~~الرياحين. وسر هذا الاستحسان فيما يؤثره الجميل في الأجهزة ~~العصبية فتهتز اهتزازا متساوقا ينتقل إلى المراكز الدماغية، ~~فتهتز مثله اهتزازا نظاميا مطابقا لما تأهبت له بفعل ~~الوراثة وتعودته. ويناقض الاستحسان الاستهجان للقبيح؛ لأنه ~~يؤثر في الأجهزة العصبية؛ فيحدث فيها اهتزازات مضطربة غير ~~نظامية، وينتقل هذا الاهتزاز إلى المراكز الدماغية فتضطرب له؛ ~~لأنه مخالف لنظام اهتزازها الوراثي فتمجه وتنفر ~~منه. # وقد يتلاشى الاستحسان قبل التعجب؛ لأن النفس تمل على ~~التمادي نوعا من الجمال، وتتوق إلى نوع آخر، ولكن العقل لا ~~يمل الطموح إلى استطلاع سر الأمر العجيب. # الثالث: ~~«الإجلال» وهو رد الانفعال بالأمر العظيم؛ كالقوة والفخامة ~~والسمو إلخ. بهذا الشعور نعبد الخالق، ونجل ms026 الملك والقائد ~~والحاكم والزعيم، ونبجل الكريم، ونحترم الأديب، ~~ونكرم النابغ إلخ. # وبالإجمال يقال: إن التعجب يحملنا على استقصاء السبب، ~~والاستحسان يتجه بنا إلى الجميل، والإجلال يرتفع بنا إلى ~~الصلاح. ~~(5-2) المحبة # يتفرع من هذه الإحساسات، ولا سيما الشعور الثاني؛ أي الاستحسان، إحساسات أخرى ~~تحرك بعض عواطفنا وتعظمها وتفخمها حتى تفوق على الرئيسية منها. وهي ثلاث درجات: # الأولى: ~~«الميل» فما نستحسنه من الجمال نميل إليه ونرغب في التمتع به ~~ما استطعنا إليه سبيلا، فنميل إلى سكنى الأرياف والجبال ~~للتمتع بمناظر الطبيعة، ونميل إلى عشرة الخلان للذة فيها، ~~ونميل إلى سكنى المدن لوفرة أطايب العيشة فيها، ونميل إلى ~~قراءة الروايات لفكاهتها إلخ. ويقتصر الميل على الأمور التي لا ~~تستلزم مشقة للحصول عليها، فكأننا نبتغي الحصول عليها مجانا، ~~فإذا كانت تكلفنا مشقة استغنينا عنها. # الثانية: ~~«الود» فإذا اشتد الميل إلى حد أن نكلف أنفسنا عناء للحصول ~~على الجميل صار ودا، والود يدفعنا إلى طلب الجميل وبذل الجهد ~~للحصول عليه، فإذا لم يتيسر لنا أن نسكن في وسط جمال الطبيعة ~~لنتمتع بمناظرها الربيعية أنشأنا الحديقة، أو أنفقنا المال ~~لأجل النزهة في المتنزهات، وإذا لم يتيسر لنا سمع الموسيقى في ~~البيت دفعنا ثمن جواز الدخول إلى المغنى «مكان الغناء»، وإذا ~~لم يأت إلينا العشير مشينا إليه. # الميل والود يقتصران على نيل الجميل الحاصل، ولكن إذا كان ~~الجمال الذي نتوخاه المثل الأعلى الذي لا يدرك كان توخينا هذا ~~حبا. وهو أعلى درجات المحبة، وهو أبلغ إحساساتنا الانفعالية ~~التي تتجاوز حد الاستحسان مدى بعيدا جدا. # الثالثة: ~~«الحب» وهو أعظم شعور فينا يستغرق معظم عواطفنا ويدمجها فيه، ~~بل يعظم العاطفة تعظيما، يرتفع بها إلى أسمى درجات الخيال. ~~الحب يجمع فيه معظم الأخلاق الجيدة التي مرت بك. # ولقد علمت فيما تقدم أن جرثومته الأولى في الغريزة الشهوانية ~~التي ذكرناها في الحرف الأول، ولكن الإنسان الذي تعددت أخلاقه ~~- كما علمت - وتطورت وترقت إلى أن بلغت حد الإحساس بالأمور ~~العليا؛ كالمعجب والمدهش والجميل والجليل، نمت فيه جرثومة حبه ~~تلك حتى تجاوزت ms027 الشهوة الغريزية إلى الشعور النفساني بالمثل ~~الأعلى من الجمال. # فالحب الذي نحن بصدده يتجاوز الغريزة الجسمانية إلى الهوى ~~الشعري، والمحب يتعشق المثل الأعلى من الجمال. # الحب روحاني، والشهوة جسدانية، وبينهما ما بين الروح والجسد ~~من الفرق. # وبقدر ما لهذا الشعور - الحب - من العظمة والقوة في نفس ~~الإنسان له التأثير الأعظم في حياته، وله العمل الأقوى في دفعه ~~للفعل، فيكاد يكون أعظم عامل في تصرفات الإنسان، وإليه يعزى ~~معظم مساعيه وأعماله؛ فهو لا يعمل لأجل شهوته الجسدية ~~والتناسلية عشر معشار ما يعمله لأجل حبه للجمال. ~~(5-3) إجمال # ومجمل القول في طوائف الأخلاق الأربع الرئيسية وفروعها أن الأخلاق الغريزية ~~تدفعنا من أنفسنا إلى هنا وهنالك إلى أن نصيب شبعا للشهوة، والعواطف تجمعنا ~~بالأشياء الموافقة لطبيعتنا، والانفعالات تبعد بيننا وبين الأمور المخالفة ~~لطبيعتنا، والإحساسات ترتقي بأرواحنا إلى أعلى درجة في الجمال والصلاح. # هذا ما استطعنا تبويبه وتفصيله من الأخلاق بأسلوب منطقي، وهناك أخلاق فرعية ~~غير ما ذكرنا تتفرع من الفروع لا يمكن حصرها؛ لتعددها وتدخلها في فروع أخرى، ~~واندماجها فيها، ولاتصالها في صفوف الفضائل والرذائل. وفي وسع القارئ اللبيب أن ~~ينسبها للطائفة التي تنتسب إليها. ~~(5-4) تركب الأخلاق # ولا يخفى عليك أنه ما من فعل من أفعال الإنسان يقتصر على محرك واحد من ~~الأخلاق المحركة، بل يشترك في تحريكه خلقان أو أخلاق على الغالب؛ فالساعي إلى ~~المال مثلا يندفع إليه بالود والطموح والبخل والطمع، والمدافع عن نفسه يندفع ~~بالغضب والشجاعة والحقد، والساعي إلى الزعامة يندفع بالأمل والكرم والشمم ~~والشجاعة والمثابرة إلخ. # فالإنسان مجموعة أخلاق، وأخلاقه قوات متوافقة أحيانا، وأحيانا متضاربة ~~يتغلب بعضها على بعض، وحاصل عمله إنما هو نتيجة فعل هذه القوى المتوافقة ~~والمتضاربة، كما أن المركب الشراعي يسير بحاصل أفعال مجرى النهر وهبوب الريح ~~وحركة الدفة والمجذاف. # الفصل الثاني # | الإرادة # (1) إرادة الفعل أو الفعل المراد # علمت فيما تقدم العوامل الأولى التي تحرك المرء وتدفعه إلى الفعل، وعلمت أيضا أن ~~هذه العوامل المحركة متى دفعته إلى الفعل لا يلبث العقل أن ينبري لتدريب ms028 الفعل ~~نفسه، فقد انتهينا فيما تقدم من بيان الأخلاق والسجايا المحركة، والآن نبتدئ في ~~بيان القوى العقلية المدربة؛ فرغنا من محدثات الحركة، وجئنا إلى الحركة نفسها؛ جئنا ~~إلى الفعل نفسه. ومجرى الفعل أو سلسلة حوادثه هي التي نسميها السلوك، فالتصرف هو ~~مجموعة الحوادث المرادة التي يجري فيها الفعل أو الحركة التي أحدثتها المحركات؛ ~~فالغضب هو المحرك، والاندفاع في القتال بحكم الإرادة هو التصرف. ~~(1-1) ما هي الإرادة؟ # يحدث التصرف أو السلوك بإدارة الإرادة في ظرف معين إلى غاية معينة، ولكل من ~~التصرف والإرادة والظرف والغاية وجوه مختلفة باختلاف المحرك، واختلاف نسبتها ~~بعضها إلى بعض؛ ولذلك يتعين علينا أن نسهب في بيان حقيقة كل من هذه الأمور ~~ووجوهها. # أما التصرف أو السلوك فهو المجرى النسبي بين العوامل والمعمولات، بين ~~المحركات والغاية، هو ما وافق المحرك والمدرب من جهة واحدة، وما وافق الغاية من ~~جهة أخرى. والآن نشرع في بيان أحوال الإرادة المدربة المتصرفة. # سلسلة الحاجة والشهوة والرغبة # إذا توسعنا بمعنى الإرادة أطلقناها على الرغبة أيضا، ولكننا لا نستطيع ~~أن نطلقها هذا الإطلاق في الأحياء الدنيا على غير الإنسان؛ لأنها غير ~~موجودة فيها بالمعنى العقلي الذي نفهمه؛ ولذلك نفصل بينها وبين الرغبة . حتى ~~الرغبة نفسها غير موجودة في الحيوان كما هي في الإنسان، فإذا توسعنا بها ~~أطلقناها على الشهوة الموجودة في الحيوان. # فالشهوة موجودة في الإنسان والحيوان، والرغبة غير موجودة في الحيوان إلا ~~كشهوة ضعيفة. وأما الإرادة فمقصورة على الإنسان، والشهوة نفسها غير موجودة ~~في الأحياء السفلى كالديدان والهوام والمكروبات والنباتات، وإنما توجد في ~~هذه الأحياء الحاجة؛ ولذلك يتعين علينا أن نبين ماهية هذه المذكورات: ~~الإرادة والرغبة والشهوة والحاجة، ونسبتها بعضها إلى بعض. # الحاجة # تغلغل جذور النبات ونمو أصلها في الأرض، وتفرخ فروعها في الهواء، واتجاه ~~أوراقها إلى نور الشمس، كل هذه صادرة بحكم الحاجة إلى الغذاء، فلا يصح ~~القول: إنها فعلت كذلك بحكم الشهوة، وكذلك المكروب والدودة لم يطوفا في ~~الرطوبة ويمتصا الغذاء بفعل الشهوة، بل بفعل الحاجة وبمقتضى النزعة ~~الطبيعية ms029 فيهما. # أما الحاجة المجردة من الشهوة في الإنسان والحيوانات العليا فمقصورة على ~~ما ترمي إليه الأفعال الحتمية؛ كالتنفس والنبض والتثاؤب والنوم ونحو ذلك. ~~فالحاجة إذن مجردة عن الإرادة. # الشهوة # وأما الحيوان الحساس فذو شهوة للطعام، وذو شهوة تناسلية، وكلتاهما ~~تدفعانه للأكل والمزاوجة، ولكنه لا يفعل ذلك متعقلا كالإنسان؛ أي إنه لا ~~يفعل بإرشاد عقل، بل بإرشاد الغريزة. وإن كان في الحيوانات العليا شيء من ~~العقل المرشد، فهي لا تدرك أنها تفعل بتعقل كما يدرك الإنسان. # الرغبة # أما الإنسان فيفعل فعله بحث الرغبة أو الشهوة إذا شئت أن تقول، ليس ~~بنزعة عمياء إلى غاية معينة، بل هو يميل للفعل ويفعل تحت سيطرة الوجدان، ~~يفعل وهو عارف أنه يفعل وماذا يفعل؛ فهو إذا طلب الطعام يفهم أنه يطلبه. ~~والحيوان إذا سعى إلى الطعام فقد يفهم الطعام، ولكنه لا يعقل أنه فاهم، ~~والنباتة تتجه إلى الشمس ولا تدري أنها اتجهت إليها؛ فهي محتاجة إلى نور ~~الشمس، وفي طبيعتها ما يميلها إليه. # فالحيوان مشته للطعام، والإنسان راغب فيه، الحيوان يشتهي الطعام حين ~~يجوع، وتهيج شهوته له حين يحضر لديه، ومتى كان شبعانا لا يفهم معنى الجوع ~~ولا يشتهي الطعام. وأما الإنسان فسواء كان جائعا أو شبعان، وسواء كان ~~الطعام حاضرا أو غائبا، فهو راغب في السعي إلى الطعام لادخاره إلى حين ~~الجوع؛ لأنه يفهم الجوع ولو كان شبعان، ويفهم الطعام ولو كان غائبا عنه؛ ~~ولذلك يرغب وإن لم يكن محتاجا في الحال. # الرغبة لأجل اللذة # أظن أنه قد اتضح لك جيدا الفرق بين شهوة الحيوان ورغبة الإنسان. بقي أن ~~تفهم أيضا الفرق بين الرغبة والشهوة في الإنسان وحده، فلا يخفى عليك أن ~~أعظم عنصر في الوجدان - أي إدراك الإنسان أنه مدرك - أو بعبارة أخرى في ~~التعقل، هو الشعور باللذة والألم؛ فالإنسان لا يطلب الطعام لأجل الطعام ~~نفسه، بل لأجل ما يشعر به من اللذة في الشبع. # فهو يدرك معنى اللذة كما يدرك معنى الطعام: فحين يشتهي الطعام يقصد ~~اللذة، وحين يمتنع عن الطعام لغرض ms030 يفهم أنه يعاني ألم الجوع، ولكنه يدرك أن ~~غرضه من الصوم يفضي به إلى لذة أعظم من لذة الشبع. فالشهوة ترمي إلى اللذة ~~المباشرة، والرغبة ترمي إلى اللذة البعيدة والمباشرة أيضا. # الرغبة في الأمر الحسن # فالرغبة في شيء لا ترمي فقط إلى التمتع بذلك الشيء، بل إلى ما يؤدي إليه ~~من اللذة إذا لم يكن هو بنفسه لذيذا. وما يؤدي إلى لذة نعده حسنا. ~~فالرغبة ترمي إذن إلى الشيء الحسن: فإذا كان الصوم في نظر المرء حسنا رغب ~~فيه. وفي الحسن نفسه لذة للراغب فيه. يرغب المرء في السعي لأجل الرزق حتى ~~في حالة الشبع، وفي حالة عدم الحاجة إليه، وإنما هو يسعى إليه كغاية حسنة؛ ~~وهي ادخاره. # وبهذا المعنى يختلف الإنسان عن الحيوان، وبه يختلف الإنسان الراقي عن ~~الهمجي، والعاقل عن الجاهل، والكريم عن البخيل؛ فلكل من هؤلاء شهوة ورغبة ~~تختلفان عند الواحد عنهما عند الآخر: الهمجي لا يسعى إلى الطعام إلا لأنه ~~يجوع، فإذا شبع كسل عن العمل، والمتمدن يسعى إلى الثروة لا لأنه يخاف ~~الجوع، بل لأنه يبتغي التأنق؛ ولذلك يستمر في كدحه وكده ولو كان ~~شبعان. # وذاك يسعى لأنه يبتغي لذة الشبع، فمتى شبع لا يكلف نفسه عناء، وهذا يسعى ~~لأنه لا يكتفي بما حصل، بل يطلب مزيدا، ويجد لذة في الحصول على المزيد وإن ~~كان لا يخاف ألم الجوع؛ لأن الطعام ميسور، فالمزيد من الرزق أمر حسن في ~~نظره. # نسبة الرغبة إلى الإرادة # هنا بلغنا إلى نسبة الرغبة إلى الإرادة وبيان الفرق بينهما: في الرغبة ~~ميل للفعل، ولكنها لا تتكفل بالفعل؛ بل تقف عند هذا الميل وتترك الأمر ~~للإرادة. الإرادة تأمر بالفعل أو لا تأمر. يمكنك أن ترغب في شيء، ويمكن أن ~~تشتهي شيئا، ولكنك قد لا تريد أن تقدم عليه: ترغب أن تشرب كأسا من ~~الخمرة ولكنك لا تريد لأنك تكره أذاها، ترغب في قتل فلان ولكنك لا تريد أن ~~تقتله بنفسك، تود أن يقتله أحد غيرك، تشتهي مال جارك ولكنك لا تريد أن ms031 ~~تغتصبه، ترغب في معروف من صديقك ولكنك لا تريد أن تسأله إياه. # وبالعكس قد تريد من غير أن ترغب؛ فقد تريد أن تزاحم صديقك في مسترزق، ~~وتزاحمه فعلا، مع أنك لا ترغب في منع الرزق عنه، ترغب أن تسافر إلى بلاد ~~بعيدة لتتعلم في جامعتها، ولكنك لا تريد أن تسافر. # فمما تقدم من الأمثلة تفهم جيدا الفرق بين الرغبة والإرادة؛ فالرغبة ~~مجردة عن الفعل، هي أخت الشهوة في الحيوان مجردة عن الإرادة، والإرادة هي ~~الأمر بالعمل أو النهي عنه، فهي التي توافق الشهوة أو الخلق المحرك للفعل، ~~وتأمر بالفعل، أو تخالفهما وتنهى عنه، أو تأمر بالفعل المخالف. ~~(2) التصميم # مع ذلك لا تنبري الإرادة لمباشرة الفعل مستقلة هكذا وحدها؛ فهناك سلطة أعلى منها ~~لا بد من تدخلها، هناك الفطنة أو الحكمة، فهي تصدر الحكم الذي تبلغه الإرادة للقوى ~~الفاعلة، هناك قوة تقرير الفعل - وهو التصميم على الفعل - فقد تريد ولكنك لا تصمم ~~التنفيذ، فلا تتم الإرادة؛ لأن التصميم مرتبط بالزمان المستقبل، فإن أردت وفعلت كان ~~التصميم مقرونا بالإرادة، وإن أردت وسوفت بقي الفعل متوقفا على التصميم؛ فقد ~~تريد أن تزور صديقك غدا، ولما جاء الغد بدت أحوال أخرى جعلتك في تردد ، فإذا لم ~~ينبر التصميم فلا تحدث الزيارة، ولا تتم الإرادة. # فالإرادة النافذة هي ما اقترنت بالتصميم، أو أن التصميم هو شيء أكثر من الإرادة. ~~قد تنوي «تريد» أن تسافر غدا باكرا، ولكن لما جاء الغد وجدت الطقس رديئا، فإذا ~~لم ينبر التصميم فلا تتم إرادة السفر؛ فالإرادة بلا تصميم نية مؤجلة التنفيذ، ~~والتصميم إرادة نافذة. فالإرادة ذات طرفين: النية والتصميم. ~~(3) الظرف # والإرادة أو الرغبة ترافق الفعل إلى أن تبلغ به إلى الغاية، اللهم إذا بقي الظرف ~~الذي نشأت فيه الرغبة على حالها ولم تتغير، فإذا تغيرت الرغبة تغير الفعل، وقد ~~تتغير الغاية أيضا، وإمكان هذا التغيير يحدو بنا إلى البحث في الظرف ~~وأحواله. ~~(3-1) ما هو الظرف؟ # كل رغبة خاصة بالظرف الذي تنشأ فيه؛ فإذا تغير الظرف لسبب من الأسباب ms032 فقدت ~~الرغبة معناها أو تغيرت بكليتها. والظرف يختلف اختلافا كليا لاختلاف الطوارئ ~~التي تغير محركات الفعل وبواعثه، ولاختلاف الرغبات والغايات. # لنفرض أنك تساوم شخصا على أمر فيه مصلحة لكليكما، وترغب أن تتفق معه على ~~شروط العقد، وفيما أنت تناقشه ويناقشك بدرت منه عبارة أغضبتك فتستاء وتعدل عن ~~الاتفاق. فودية المساومة ظرف لرغبتك في الاتفاق، فلما استأت من مناقشته تغير ~~الظرف من المودة إلى المغاضبة، وتغيرت الرغبة والغاية. وهب أنك آنست في ~~مناقشته تساهلا يطمعك بمصلحة أخرى أفضل من المصلحة التي ترمي إليها، فهذا ~~التساهل من قبله غير ظرف المساومة وتغيرت معه رغبتك. # مثال آخر: هب أنك شرعت ببناء منزل في أرض لك لكي تسكن هذا المنزل، وفي ~~أثناء ذلك جاءك من يشتري منك الأرض وما تم من البناء بثمن فيه ربح لك، فتبيعه ~~لتشتري منزلا آخر أو أرضا أخرى. فهنا الظرف الثاني نقض الظرف الأول وغير ~~الرغبة، وقد يغريك هذا الربح فتعدل بتاتا عن بناء منزل خاص بك، وتقرر أن تشتري ~~وتبيع طمعا بالربح، فهنا تغير الظرف قضى إلى تغير الرغبة والغاية ~~بتاتا. # مثال ثالث: كان التلميذ يدرس على نية أن يتخرج طبيبا، وفي أثناء ذلك مات ~~أبوه أو أفلس ولم يعد يستطيع الإنفاق عليه، فعدل عن الدرس ونزل إلى مضمار العمل ~~والاسترزاق، فالظرف الأول تغير بتغير حالة الأب، فتغيرت معه رغبة الابن ~~وغايته وعمله. # فالظروف ليست تحت حكم الإنسان، بل هي كالرياح تجري بما لا تشتهي السفن؛ ولذلك ~~تتغير ظروف الإنسان من حين إلى آخر، أو من عام إلى عام، أو من شهر إلى شهر، أو ~~من يوم إلى يوم، أو من ساعة إلى ساعة. ويمكن إجمال هذا التغيير أو حصره في ~~أحوال رئيسية نلم بها فيما يلي: ~~(3-2) تغيرات الظرف الرئيسية # فأولا: # يمكن أن يكون سبب التغيير في المحركات الباعثة للفعل؛ كما لو ~~كنت تطالع رواية فهاجت حادثة الرواية عاطفة الحب فيك، فاندفعت ~~أفكارك في الخيالات الغرامية، وقد يلوح لك أن تنظم قصيدة في ~~الموضوع؛ فتترك الرواية وتشرع ms033 في النظم، أو كما لو كنت تشتغل ~~في شغلك ثم سمعت بتظاهرة في الشارع، فتترك شغلك وتشاهد ~~التظاهرة، وقد تخرج لتنضم إلى المتظاهرين. # وثانيا: # يمكن أن يكون السبب قوة الحكم التي فيك؛ إذ يعرض لك ما يغير ~~حكمك، فتعدل عن مجرى فعلك وتوجهه في مجرى آخر؛ كما لو كنت ~~تضارب في السوق وفهمت أن المضاربة تؤدي بك إلى الخسارة ~~والإفلاس، فتعدل عنها إلى التجارة المشروعة بلا مضاربة، أو كما ~~لو كنت تشتغل بحرفة الخياطة ثم رأيت أنك تربح من أثمان الأقمشة ~~ربحا يفوق عناء الخياطة، فتعدل عن الخياطة إلى تجارة ~~الأقمشة. # ثالثا: # قد يكون السبب طارئا خارجيا يطرأ على عملك فيغير مجراه، ~~أو يقطع السبيل عليه؛ كما لو كنت تصطاد طيورا ~~فصادفت غزلانا، فتجنح عن ~~صيد الطيور إلى صيد الغزلان، أو كما لو كنت مسافرا في سيارة ~~فتعطلت السيارة فتتركها وتركب القطار. # رابعا: # قد يكون السبب تغير حالة صحية، فبينما أنت تشتغل أصبت بمرض ~~فتجنح إلى السرير للاستشفاء، وقد يكون المرض عضالا يمنعك عن ~~العودة إلى عملك نفسه، فتضطر أن تعمل عملا آخر، أو أن تسافر ~~للاستشفاء. # خامسا: # العمر أو الزمان يقضي عليك بتغيير مجرى حياتك، فأنت اليوم ~~تلميذ، وغدا مستخدم، وبعد الغد مستقل. واليوم أنت تشتغل، ~~وغدا في عيد، والآن أنت مسرور، وبعد برهة أنت كئيب، والآن أنت ~~وحدك، وبعد برهة بين جماعة، وهلم جرا. # ففي كل حال من هذه الأحوال أنت في ظرف جديد يغير رغباتك ~~وغاياتك ومجاري أفعالك. # سادسا وأخيرا: # تختلف الظروف باختلاف الأشخاص؛ فقد يكون لاثنين رغبة واحدة ~~ولكنهما يختلفان في الغاية، كلاهما يكتتب في مشروع خيري، ~~الواحد بدافع الشفقة، والآخر بدافع الشهرة. فالظرفان مختلفان. ~~وقد يقترع نائبان في برلمان على مشروع، الواحد يقصد به الخير ~~العام، والآخر يقصد مصلحة له في المشروع. فالخير العام ظرف ~~للنائب الأول، ومآل المشروع لمصلحة النائب الثاني ظرف له. ~~والشريكان في عمل يسعيان إلى الربح؛ أحدهما يشتغل في المكتب، ~~والآخر يطوف على الزبائن. ~~(3-3) تضارب الظروف # فيما تقدم فرضنا رغبة ms034 واحدة في ظرف واحد لغاية واحدة، ولكن المرء محفوف ~~بالظروف العديدة، وله رغبات متعددة مختلفة في وقت واحد، وكثيرا ما تكون هذه ~~الرغبات والظروف متضاربة أو متباينة، فهل تكون له أفعال متعددة في وقت ~~واحد؟ # يمكن أن يجد السياسي نفسه في ثلاثة ظروف معا وهو يفاوض سياسيا آخر في دولة ~~أخرى، فأولا: يريد السلم العام، وثانيا: يريد مصلحة بلاده، وثالثا: يريد ~~أن يرضي ضميره. ولا يندر أن يجد في هذه الظروف تضاربا؛ فإذا أصر على مصلحة ~~بلاده، فقد يعرض السلم للخطر، أو قد لا يرضي ضميره؛ لأن المصلحة الوطنية ~~المطلوبة غير حقة مثلا، وإذا حافظ على السلم بالتساهل فقد ~~يضيع حق وطنه، وقد لا يرضي ضميره إذا كان حق ~~وطنه أكيدا، فأي هذه الظروف يفوز، أو أية هذه الرغبات تنجح؟ البحث هنا فلسفي ~~عقلي بحت، والحكم يتوقف على عقلية السياسي وأدبيته وفطنته في وزن الأمور؛ ~~فالرغبات الثلاث كقوات متضاربة، وأقواها توجه الفعل في جهتها. # وهكذا الإنسان يجد نفسه كل حين، وكل يوم، وكل ساعة في ظروف ورغبات مختلفة ~~يغلب أن تكون متضاربة؛ فهو يريد أن يحسن إلى فقير ولكنه قليل المال، ويريد أن ~~يذهب إلى المعبد ولكنه مضطر أن يلازم عمله، ويريد أن يكون حرا ولكنه في الوقت ~~نفسه يريد أن يحافظ على النظام، ويريد أن يضحي لأجل وطنه، ولكنه ذو عائلة ~~وأطفال وهم أولى بالتضحية. # وهكذا هو ذو رغبات مختلفة، في ظروف مختلفة. وأقوى الظروف برغباتها أرجح وأقرب ~~إلى الفوز. الظرف يعين قوة الرغبة: فقد يبقى المرء متقاعدا عن خدمة وطنه ~~والتضحية له إلى أن يستفزه اعتداء أمة أخرى على بلاده، فيهب للتضحية لأجل وطنه. ~~فتغير الظرف يميل الرغبة. ~~(4) الشخصية: متغيرة ومطلقة # بعد هذا البيان تعلم أن شخصية الإنسان متغيرة أيضا، إذا سلمت بأن الشخصية هي ~~اتحاد الأخلاق المحركة مع التعقل المرشد في إجراء الفعل، فإذا كانت الأخلاق المحركة ~~للفعل متغيرة بتغير الظروف، وإذا كانت الرغبة التي تنتدب الإرادة للأمر والنهي ~~متغيرة أيضا، فالشخصية نفسها إذن متغيرة: فأنت الآن ms035 مسالم، وبعد هنيهة مخاصم، وأنت ~~الآن عادل، وبعد هنيهة ظالم، وأنت الآن وطني، ثم أناني، وأنت الآن منهمك، ثم أنت ~~متمتع، مسرور ثم مكتئب، رزين ثم أهوج. # أما الشخصية المطلقة التي يتصف بها المرء ويعرفها له معارفه، فهي المعدل المتوسط ~~لشخصياته المتغيرة، أو هي حاصل تفاعلها، فيقال: هذا كريم لكثرة إحسانه، وإن كان في ~~بعض الأحيان ممسكا، ويقال: هذا أشم أنوف عزيز النفس لتغلب هذه السجايا فيه، ~~وإن كان في بعض الأحيان يتزلف أو يتصاغر، ويقال: هذا المرء جليل؛ لأن الجلال صفة ~~غالبة فيه، وإن كان في بعض الأحيان يتبذل. # انتهينا من تبيان الأساليب التي يجري فيها الفعل بقوة المحركات وحكم الإرادة، ~~فنجمل هذا البيان بهذا الترتيب: # وإليك بيان أحوال الغاية. # الفصل الثالث # | الغاية # (1) تنوع الغايات ~~(1-1) الرغبة والغاية # الرغبة ترمي إلى غاية، فلكل فعل تفعله غاية تتجه إليها الرغبة؛ لذلك لا ~~يمكننا أن نبحث في الغاية إلا ونحن نصطحب الغاية في بحثنا؛ لأنها ترافق الفعل ~~إلى أن يبلغ الغاية، إذن الرغبة تتضمن أمرين: الغرض الذي ترمي إليه الرغبة، ~~والقصد الذي يرافق الفعل إلى الغاية. # يتضح لك الفرق بين الأمرين إذا كان اثنان يرميان إلى غرض واحد ولكنهما ~~يختلفان قصدا، كلاهما يبتغيان أن ينقذا غريقا: الواحد يقصد أن يخلصه لأنه ~~ابنه، فهو يبتغي إنقاذه بالذات، والآخر يخلصه وهو غريب عنه؛ لأنه يفعل لأجل ~~الإنسانية. ولهذا تختلف المقاصد والغرض واحد، تختلف باختلاف الظروف، كما علمت، ~~فكأن الظرف يعين المقصد. ~~(1-2) الظروف الرئيسية # إليك أهم الظروف كما ذكرها مكنزي في كتابه «متن علم الآداب»: # أولا: ~~«يختلف القصدان من حيث البعد والقرب» فيكون أحدهما بعيد ~~المرمى والآخر قريبه؛ مثال ذلك أن اثنين يخلصان غريقا: الواحد ~~يخلصه لأجل الإنسانية، والآخر لأن له عنده دينا، فينبغي أن ~~يستوفيه. ففي الحالة ~~الأولى ينتهي قصد الأول في إنقاذ الغريق، وفي الحالة الثانية ~~لا ينتهي إلا بعد أن يستوفي دينه. # ثانيا: ~~«أن يكون أحد القصدين داخليا، والآخر خارجيا» كما لو صنع ~~الواحد جميلا لإرضاء ضميره، والآخر صنعه لأجل ms036 الشهرة أو ~~الثواب أو المكافأة. # ثالثا: ~~«أن يكون أحد القصدين مباشرا، والآخر بالواسطة» كما لو رام ~~فوضويان أن يقتلا حاكما: فالواحد يتحين فرصة لقتله ~~وحده، والآخر ينسف قطارا حديديا بالديناميت؛ لأن الحاكم في ~~القطار. فهو يقتل كل من في القطار لأجل غايته مع أنهم ليسوا ~~مقصودين بها. # رابعا: ~~«أن يكون القصد وجدانيا» أي عقليا باطنيا، كما لو خدم ~~المرء وطنه خدمة جليلة وهو يقصد خير أمته، وفي الوقت نفسه ينال ~~فخرا. فقصده للفخر باطني الوجدان، وإن لم يكن مرماه الأول أو ~~لم يشعر به. وفي كثير من الأحوال يتعذر الفرق بين هذين ~~القصدين. # خامسا: ~~«يكون أحد القصدين رسميا، والآخر ماديا» كما لو رام ~~حزبان أو شخصان أن يغيرا الحكومة، فالحزب الواحد يصوت ضدها؛ ~~لأنها تخالفه بالمبدأ، والآخر لأنها تضر بمصالحه. # على أن هذه الأحوال الخمس غير شاملة لجميع ضروب المقاصد وظروفها، ولكنها ~~تساعد على تحليل معقدات المقاصد. ~~(1-3) تسلسل الغايات # وهنا يقف أمامنا سؤال؛ وهو: هل الغاية هي نهاية الفعل أم أن الفعل يستمر؟ ~~وبعبارة أخرى: هل الغاية واحدة أو متعددة؟ والجواب أن الغاية قد تكون تارة ~~واحدة؛ كما لو أكلت لتسد الجوع، فالغاية هنا واحدة والفعل مباشر، ولكن إذا ~~طبخت، فنضوج الطبخ هو الغاية المباشرة ، والأكل من الطبخ هو الغاية الثانية، ~~فالغاية الأولى صارت واسطة للثانية. # وهكذا تسعى لجمع المال، ثم تنفق المال في قنية الحاجايات لإرضاء شهوتك. فهنا ~~تعددت الغايات، وقد تسلسلت فكانت الواحدة واسطة للأخرى، وكذلك تتشعب الغايات ~~بعضها من بعض، فأنت تتاجر وتربح ثم تنفق بعض ~~ربحك في قضاء حاجاتك، وبعضه تضعه إلى رأس مالك لكي توسع متجرك. فاتساع متجرك ~~غاية قائمة بنفسها، ثم ترمي باتساع متجرك إلى جمع الثروة لكي تتزوج زواجا ~~سعيدا، فالزواج غاية أخرى، ثم تجتهد في إسعاد عائلتك، وإسعادها غاية أخرى، ~~وهكذا دواليك الغاية الواحدة واسطة للأخرى. ~~(1-4) الغرض السروري # هنا يقف لدينا سؤال آخر: ما هي الغاية أو ما هو الغرض؟ وهنا اختلف الباحثون ~~فكانوا فريقين؛ فريق يقول: إن الغاية ما ms037 سر النفس، وأشبع شهوتها، وأرضى شعورها، # 1 # وفريق آخر يقول: بل هي ما أفضى إلى نفع، وأما السرور فما هو إلا ما ~~اصطحبه القصد معه. ويمثلون على ذلك بلعب النرد مثلا أو بأي مسابقة؛ فإن اللاعب ~~حين يدخل في اللعب لا يضمن الفوز، ولكنه يلتذ باللعب حين تحتدم المسابقة، ومتى ~~انتهى اللعب فلا يكون سرور الفوز عظيما كسرور اللعب نفسه، وما هو إلا استمرار ~~سرور اللعب. # من أمثلة ذلك أيضا: أن كثيرين يجمعون المال ويدخرونه ولكنهم لا يتمتعون ~~به، فهم يسعون إلى المال نفسه وليس المال المدخر موضوع تمتع ولذة، وإنما هم ~~يسرون ويلتذون بجمعه قبل أن يجمع، أو في أثناء كدحهم لجمعه؛ فالسرور هنا سبق ~~الغاية، والغاية جاءت متأخرة. إذن السرور ليس غاية، بل هو يرافق القصد إلى ~~الغاية، ومتى بلغ المرء غايته انتهى سروره، وشرع يقصد إلى غاية أخرى؛ لذلك بكى ~~إسكندر الكبير حين انتهى من الفتح؛ لأنه لم تبق بلاد لم يفتحها، فكان سروره في ~~الحرب نفسها لأجل الفتح، فلما تم له الفتح انتهت لذته. # ولأقل إنعام نظر في نظرية كل من الفريقين، يرى القارئ أنهما مختلفان في ~~تحديد الغاية: # فالأول: # يعد الغاية كل ما أفضى إلى لذة، سواء كانت اللذة في ~~أثناء الفعل أو في نهايته؛ لأن الغايات مسلسلة، كما تقدم ~~القول، فإذا كنت تبني بيتا فتشعر بلذة حين تنتهي من وضع ~~أساسه؛ لأنك بلغت إلى درجة من الغايات التي تتوسل بها إلى ~~الغاية القصوى، وهي سكنى البيت أو التمتع بأجرته. فمقاصد ~~الإنسان سلسلة لا تنقطع، والسلسلة تشتمل على حلقات، وكل حلقة ~~غاية قائمة بنفسها، وفيها لذة. فإذن كل ما أفضى إلى لذة كان ~~غاية. فاللذة إذن هي الغاية، سواء كانت هذه نهائية أو ~~واسطة. # والفريق الثاني: # يعد الغاية الغرض الذي يتجه إليه الفعل؛ فمتى بلغ ~~الفعل إلى القصد كان بلوغه غاية. وأما السرور أو اللذة فيحدث ~~في أثناء الفعل؛ أي إن السرور يرافق القصد إلى الغاية. وعند ~~بحثنا في السرور نعود إلى هذا الموضوع بأكثر ms038 ~~إيضاح. # يعد الغاية الغرض الذي يتجه إليه الفعل؛ فمتى بلغ الفعل إلى القصد كان بلوغه ~~غاية. وأما السرور أو اللذة فيحدث في أثناء الفعل؛ أي إن السرور يرافق القصد ~~إلى الغاية. وعند بحثنا في السرور نعود إلى هذا الموضوع بأكثر إيضاح. ~~(1-5) الغاية القصوى # فنرى مما تقدم أن لكل من الفريقين نظريات وجيهة، والفرق بينهما قليل. وللتوصل ~~إلى الحقيقة الراهنة نبحث في جذور الغاية التي يتجه إليها الفعل، ويرمي إليها ~~القصد. وهذا البحث يستلزم أن نعود إلى المحرك للفعل؛ لأنه سبب وجود الغاية. ~~وهنا نسأل: هل للغاية شركة في تحريك الفعل؟ أي هل تعد الغاية النهائية ~~محركا أيضا للفعل؟ # نعود إلى المحرك فنحلله تحليلا أعمق مما فعلنا فيما سبق. مر بك أن الأخلاق ~~والسجايا التي تحرك الفعل منها غرائز بحتة؛ كالشهوات والانفعالات، ومنها نشأت ~~كعادات وصارت غرائز، أو هي مشتقة من غرائز. والغريزة: نبضة حيوية أو عقلية ~~وظيفتها الحرص على الحياة والبقاء - بقاء الفرد وبقاء النوع. # فكل خلق لفعل إنما هو يرمي بحركته إلى هذا الغرض: الحرص على الحياة والبقاء؛ ~~فحين تأكل لإشباع الجوع تفعل ذلك بغريزة الشهوة البطنية لأجل الحياة والبقاء، ~~وحين تهرب تفعل ذلك بغريزة الخوف حرصا على الحياة والبقاء، وحين تغضب تقاتل ~~حرصا على الحياة وهلم جرا، فكأن للغاية شركة في تحريك الفعل؛ لأنها غرض ~~الغريزة، كما سيتضح لك ذلك فيما يلي. ~~(2) الداعي أو الباعث # رأيت فيما تقدم أن الغاية المرغوبة هي التي تصطحب معها سرورا، أو تكون هي نفسها ~~سارة، أو على الأقل يكون السرور مرافقا للفعل المتجه إليها. وستتضح لك هذه الحقيقة ~~أكثر في الفصل التالي؛ ولذلك لا بد أن يكون قد قام في ذهنك أن الغاية المرغوبة هي ~~نفسها محركة للفعل، أو من جملة محركاته، فهل هي كذلك؟ أليست الشهرة غاية ومحركا ~~للفعل المتجه إلى هذه الغاية؟ # ولكي نسهل أمر التمييز بين المحرك الخلقي والغاية التي تتراءى لنا محركا أيضا ~~للفعل المتجه إليها، نقيم في ذهن القارئ مبدأ أعم من المحرك؛ وهو الداعي أو ms039 الباعث ~~للفعل، فالداعي قد يكون محركا خلقيا، أو غاية مرغوبة، أو تعقلا أيضا، أو قد ~~يكون هذه جميعا، أو اثنين منها. ~~(2-1) الغاية كمحرك للفعل # المحرك الخلقي الذي يستقل وحده في انتداب المرء للفعل هو الخلق الغريزي ~~البحت، ولا سيما إذا كان رئيسيا؛ كالشهوات الغريزية والانفعالات، فهذه يمكن ~~أن تحرك المرء لأول وهلة للفعل من غير أن ينظر إلى الغاية. فهو يغضب ويقاتل ~~ويخاف ويفر ويجوع ويتلهف للطعام قبل أن يفتكر بالغاية إن كانت سارة أو مؤلمة. ~~فالغاية كافية لتحريك الفعل. # وأما الأخلاق المتفرعة المشتقة من الرئيسية، فلأنها أقل سرعة في عملها، تقيم ~~في الذهن صورة الغاية المرغوبة. وهذه الصورة تشترك معها في تحريك الفعل، وكلما ~~بعد الخلق عن محضية الغريزة اتضحت فيه الغاية، وكانت أكثر شركة في تحريك الفعل. ~~فحب المال والشهرة والشفقة والميل إلى الإحسان إلخ، كل هذه تقيم في الذهن تصور ~~السرور من الحصول على الأمر المرغوب فيه، فتكون الغاية المرغوبة عاملا قويا ~~في تحريك الفعل. # المحرك الغائي إذن هو الذي تكون فيه الغاية المرغوبة من طبيعة الخلق المحرك، ~~أي إن هذا الخلق نفسه يبتغى إرضاء لنفسه لا لقوام الأقنوم الإنساني. # فالشهرة مثلا من جهة واحدة تختلف عن خلق حب الاشتهار في نفس المرء، ومن جهة ~~أخرى تجعل حصول المرء عليها غاية مرغوبة؛ فهي إذن محرك للفعل وغاية له، هي مصدر ~~جاذبيتين: جاذبية النفس لهذا الخلق «خلق حب الشهرة»، وجاذبية الغاية المرغوبة؛ ~~أي الحصول عليها. # إذن كثير من الغايات المرغوبة موجودة في طبيعة الأخلاق الفرعية، وأحيانا في ~~الأخلاق الرئيسية أيضا متى كان التعقل مسيطرا، وبالتالي تكون محركا للفعل؛ ~~فالفخر خلق محرك، والحصول عليه غاية محركة أيضا، والشجاعة خلق محرك، وفوزها ~~غاية محركة أيضا، وهلم جرا، فترى أن الغاية متى كانت محركا للفعل أيضا ~~كان مجرى الفعل في دائرة. ~~(2-2) التعقل كمحرك # المحرك التعقلي هو الذي يدل على الوسيلة المحمودة التي يجب أن تجري فيها حركة ~~المحرك «الفعل» إلى الغاية المرغوبة التي تقيم الشعور برضى ذلك الخلق المحرك. ms040 ~~ولما كانت أدبية الفعل منحصرة في وظيفة التعقل كان هذا المحرك التعقلي يتصرف في ~~الفعل كما يشاء إذا لم يسبقه المحرك لإجراء الفعل؛ فقد يوافق المحرك أو قد ~~يعدل حركته أو يخالفها، قد تثور شفقة المرء عند رؤيته شخصا فقيرا وتدفعه ~~للإحسان عليه، ولكن المتعقل قد يقمع الشفقة ويقول لها: دعيه بلا إحسان لئلا ~~يتعود الشحاذة. فهنا كان التعقل محركا للفعل، وهو قبض اليد عن الإحسان، وتوبيخ ~~الشحاذ. # وقد يستقل التعقل وحده بتحريك الفعل، فيحرك الخلق، ويقيم له غاية مرغوبة عن ~~نفسه؛ وحينئذ يكون عمله عقليا بحتا. ~~(2-3) الظرف كمحرك # قد يعرض للمرء مثلا ظرف يستطيع فيه أن يخدم وطنه خدمة جليلة، فيفكر في أسلوب ~~هذه الخدمة، ويثير في نفسه خلق فعل الخير والشهرة، ويقيم فيها تصور لذة هذا ~~الفعل من الناحيتين: ناحية الضمير، وناحية حب الشهرة، فيكون في هذا الأمر ~~مستقلا في تحريك الفعل وتدبر وسيلة إجرائه، كذلك قد يعرض للمرء ظرف يكون فيه ~~زعيما مثلا، فيثير هذا الظرف في نفسه حب الزعامة وقد كانت نفسه قبلا غير ~~طامعة فيها، ويقيم لها رغبة جديدة للحصول على الزعامة، أو قد يعرض له ظرف يكون ~~فيه غنيا أو فنانا أو محسنا أو وجيها، فيثير في نفسه هذا الخلق، ويمرن ~~الأمل على الحصول على هذه الغاية المرغوبة، فيكون هو في الأصل علة تحريك الفعل ~~مستقلا فيها. # فمما تقدم ترى أننا لا نستطيع في معظم الأحوال أن نفصل بين الأخلاق ~~والسجايا المحركة، وبين المرغوب والمتعقل، ولا أن نقصر قوة تحريك الأفعال على ~~الأخلاق والسجايا وحدها. # الفصل الرابع # | السرور # رأيت فيما تقدم أن السرور مصاحب للغاية وملازم لها، أو هو الغاية بعينها في نظر ~~السروريين، فلا بد من الإسهاب في أحواله وأحكامه؛ لأنه يكاد يكون بيت القصيد في مجرى ~~الفعل. ~~(1) ماهية السرور # السرور: # 1 # هو شعور جسدي أو عقلي بما أحدثه الفعل من إرضاء للشهوة جسدية أو عقلية؛ ~~فالشبع سرور لأنه سد الجوع، والصدق سرور لأنه أرضى الضمير، والفوز سرور لأنه أرضى ~~الطمع بالشهرة، ms041 والربح سرور لأنه أرضى شهوة النفس للمال إلخ. ~~(1-1) اللذة والألم # وللسرور فعل سلبي، وهو الألم أو الكآبة على الأقل. وفي كل ظرف من ظروف ~~الأفعال لا بد من أحد الوجهين: إما اللذة، أو الألم. وحيث لا لذة ولا ألم فلا ~~ظرف، فإنما أنت مسرور أو متألم في الظرف الذي أنت فيه. ولا محل للكلام في الظرف ~~الذي لم تنتقل إليه أو لم توجد فيه. # فإذا كنت جائعا كنت شاعرا بألم الجوع، ومتى أكلت وشبعت حل السرور محل ~~الألم، فالفعل ينتقل بك من حالة الألم إلى حالة اللذة؛ هو فرار من الألم إلى ~~اللذة. والغريزة التي هي مجموعة الأخلاق أو مصدرها إنما هي المحرك الأساسي لهذا ~~الانتقال من الألم إلى اللذة. # وهنا عدنا إلى النقطة الجوهرية التي ألمعنا إليها آنفا؛ وهي: هل اللذة هي ~~نفس الغاية التي يتجه إليها الفعل برفقة القصد؟ ~~(1-2) حالات السرور الظرفية # لنبحث في طبيعة السرور نفسه. # للسرور ثلاث حالات - كما ذكرها روجرس في كتابه «نظرية الآداب»: أولا: السرور ~~الذي منحنا إياه الفعل في الماضي، ثانيا: السرور الذي ننتظر أن يمنحنا إياه ~~الفعل في المستقبل، ثالثا: السرور الذي نتصور في الحاضر توقعه في ~~المستقبل. # فالسرور الأول حدث مع حدوث الغاية، والثاني لم يحدث بعد وإنما نحن ننتظر ~~حدوثه، فهل نشعر به ؟ نعم، نشعر به في الحالة الثالثة؛ أي نشعر به في تصورنا ~~لحدوثه. # فهل الشعور نفسه حين حدوثه يختلف عن الشعور به حين تصوره واقعا أو حين ~~توقعه؟ أجل يختلفان من حيث الحدة، وفي كثير من الظروف يكون السرور بتوقع حدوثه ~~أشد منه حين حدوثه، وفي كثير من الأحوال ينتهي السرور حين تبلغ ~~الغاية. ~~(1-3) السرور غير الغاية طبعا # فمما تقدم يتضح لك أن الغاية ليست السرور بعينه؛ لحدوث السرور قبل حدوثها كما ~~رأيت، وإنما هذه الحقيقة تخفى علينا لأننا ألفنا السرور متفقا مع الغاية، ولو ~~فطنا إلى أن كثيرا من الأفعال نفعلها قبل أن نختبر غايتها لنعلم إن كانت ~~سارة أو لا؛ لاقتنعنا بأن الغاية ms042 شيء، والسرور شيء آخر. # الغاية دفعت إليها الغريزة لحاجة الجسد أو النفس إليها؛ فالطفل لم يرضع ثدي ~~أمه لأول مرة بغية لذة الشبع، وإنما الغريزة دفعته إلى رضاعة الثدي؛ لأن ~~وظيفتها دفعه للفعل في سبيل حياته وبقائه، والطفل يبكي لا لأنه جائع ويتألم من ~~الجوع - فقد يكون شبعان - وإنما يبكي لأن الغريزة تدفعه للبكاء لكي يحرض حنو ~~أمه لإرضاعه، والحيوانات لا تتزاوج لأول مرة لأنها تتوقع لذة في المزاوجة، بل ~~الغريزة تدفعها إليها لأجل بقاء النوع. # فبعدما اختبر الإنسان - والحيوان أيضا - أن الاندفاع في العمل بمقتضى تحريك ~~الغريزة يمنحه لذة، صار يندفع هذا الاندفاع توخيا للذة، ولكن الغريزة لم ترم ~~إلى اللذة، بل إلى النفع الحيوي، ترمي إلى نمو الفرد، وبقاء حياته، وبقاء نوعه. ~~وإنما الطبيعة قرنت هذه الغاية بلذة لكي تغريه على الاندفاع في الفعل، فالغاية ~~القصوى من الفعل ليست السرور، وإنما جاء السرور معها ومع الفعل توقعا له، ~~كدليل على أن ما يندفع في فعله إنما هو حسن له، وصالح لبقائه وحياته ونجاحه ~~إلخ، فالسرور حركة نفسانية سيكولوجية، والغاية أو الغرض حركة حيوية ~~بيولوجية. ~~(1-4) هل اللذة هي الغاية القصوى؟ # بعد هذا البيان ترى أن نظرية الفريق الثاني القائل بأن الغاية تختلف عن ~~السرور إنما هي نظرية وجيهة، ولكن الفريق الأول؛ أي السروريين، مع ذلك يصرون ~~على أن الغاية القصوى هي السرور بعينه؛ لأنه متى لم يتوقع الإنسان سرورا من ~~فعل فلا يندفع فيه. وإذا كانت الطبيعة قد جعلت اللذة مغريا للإنسان لكي يندفع ~~في الفعل لأن غرضها حفظ الحياة وبقاء النوع؛ فالإنسان لا يكترث بتنفيذ غرض ~~الطبيعة، بل يترك الطبيعة تفعل فعلها وهو يتوخى لذته؛ لذلك هو يرمي في كل ~~أفعاله إلى الحصول على لذة، فهي غايته القصوى. # وهذه النظرية وجيهة أيضا لأدلة عديدة، فالإنسان يسعى إلى ادخار المال لا ~~لأنه في حاجة إليه، بل لأنه يستلذ التنعم به، وقد يكون ترفه مفضيا إلى عكس ~~الغرض الذي ترمي إليه الطبيعة؛ قد يمرض ويموت عاجلا، فكأن الثروة التي ms043 أفضت ~~إلى رفاهيته وترفه كانت سيئة العاقبة له. وقد يعلم ذلك جيدا، ويفهم من ~~اختباره بغيره أن الانغماس في شهوته يقصر عمره، فهو يريد الحياة عريضة قصيرة؛ ~~لأنه يبتغي اللذة لنفسها، لا البقاء والحرص على الحياة. # كذلك فاعل الخير وخادم الإنسانية لا يتوخى من وراء فعله خيرا لنفسه، بل ~~تمتعا بسرور الضمير بلذة الشهرة والمجد، كذلك الفنان يستسلم للعمل في الفن ~~الجميل؛ كالشعر أو الموسيقى، وهو يعلم أنه فقير قليل التمتع بأطايب الحياة، وأن ~~الفن لا يغنيه، ولكنه يجد لذة في فنه. # فاللذة هي الغاية القصوى من الفعل الذي يرمي به الإنسان إليها، ولا غاية له ~~سواها، فهي مصاحبة الخلق المحرك للفعل منذ بدء النبضة الغريزية؛ أي استفزاز ~~التعقل للتدبر والتدبير، إلى الاندفاع في الفعل إلى النهاية. وإذا كانت اللذة ~~تنتهي عند الوصول إلى الغرض؛ فلأن الفعل انتهى، وانتهت بنهايته اللذة؛ لأنها ~~كانت مصاحبة له، وإنما هي المقصودة من الفعل؛ ولهذا يعد تصور وقوعها محركا ~~للفعل، أو على الأقل مصاحبا للخلق الغريزي الذي نبض لتحريك الفعل. # مع ذلك يعلل الفريق الثاني هذه الأمثلة المتقدمة وأمثالها بأن غرض الحرص على ~~الحياة، أو تلبية الحاجة التي قضت بها الطبيعية كامن في الفعل؛ فالإنسان مهما ~~كان يتوخى اللذة فلا يغفل عن الحرص على حياته وبقائه كغاية قصوى، بدليل أن ~~المنغمس في شهواته لأجل التمتع باللذات متى ساءت عاقبة انغماسه، وشعر أنه أخطأ ~~ولم يختر الحسن الصالح لنفسه، علم أن اللذة ليست الغرض الأول، بل الحياة ~~والبقاء هما الغرض، وما اللذة إلا أمر مصاحب للفعل. واختيار الفعل الأصوب، ولو ~~كان أقل لذة، إنما هو من وظيفة التعقل، فالتعقل خانه. ~~(1-5) أدبية الفعل فصل الخطاب # على أن هذه الحقيقة تخرجنا من دائرة البحث فيما إذا كانت اللذة غاية أو واسطة ~~للغاية، إلى دائرة الحكم في أدبية الفعل؛ هل هو صواب أو خطأ؟ وهو ما لا محل له ~~في هذا الفصل. وفيما تقدم بيان كاف على ما نظن لتدبر القارئ في المراد باللذة ~~والغاية، وهل هما ms044 شيء واحد أو مختلفتان. فإن نظرنا في المسألة من وجهة الفعل ~~بحد ذاته، ومن وجهة المحركات له؛ كانت اللذة غاية الغايات التي يرمي إليها ~~الإنسان في أفعاله على الإطلاق. # إنما إذا نظر إليها من وجهة أدبية الفعل، وهل هو حسن أو صالح، صواب أو خطأ، ~~كانت الغاية شيئا، واللذة شيئا آخر، وكانت الغاية الحرص على الحياة والنجاح ~~في هذا الحرص، وكانت اللذة مغرية على الفعل ودليلا على أنه حسن. وإنما قد تكون ~~دلالتها مضللة؛ ولهذا تلقى المسئولية على التعقل الذي له وظيفة ~~الحكم. # ومما تقدم تفهم سبب الفرق بين الفريقين، وهو أن الأول يغفل أدبية الفعل في ~~حكمه على اللذة والغاية، وفي قوله بأنهما شيء واحد، والآخر لا يرى بدا من ~~اعتبار أدبية الفعل في الحكم على اللذة والغاية؛ لأن الإنسان ليس حيوانا ~~مسيرا بحكم الغريزة وحدها، بل له تعقل ذو سلطان على غريزته، فلا يعمل عملا ~~إلا إذا كان للتعقل يد فيه حتما؛ ولذلك يفكر ليختار بين لذتين، وأيهما أضمن ~~لنجاحه في الحياة. فالحرص على حياته وبقائه ضربة لازب في أفعاله، فلا يمكن أن ~~تكون اللذة غايته القصوى ما دام إنسانا أدبيا لا حيوانا غريزيا ~~فقط. ~~(2) قيمة السرور # إن قيمة السلوك تقاس بالسرور الذي ينتجه؛ ولذلك يعد السلوك حسنا بالنسبة لما ~~ينتجه من السرور، فإذا أنتج سرورا أكثر مما كان ممكنا أن ينتج عد حسنا، وإن ~~أنتج أقل مما كان ممكنا أن ينتج عد سيئا؛ مثال ذلك: أن تصطحب عائلتك إلى ~~متنزه، فإذا أخذتها في سيارة دفعت أجرة أكثر جدا مما لو أخذتها في الترام، ~~وكان ممكنا أن تنفق الفرق بين أجرة السيارة وأجرة الترام في أمر آخر يزيد سرورها؛ ~~فإذن أخذها في الترام أوفر سرورا من أخذها في سيارة، ولذلك يعد السلوك الأول ~~سيئا، والثاني حسنا. ~~(2-1) تعاقب اللذة والألم # لا عبرة في الداعي للسلوك، وهو طلب السرور، بل العبرة في قيمة السرور الذي ~~ينتجه السلوك. ولكل ضرب من السلوك وجهان: سار ومؤلم، فيقال: هذا أحسن من ذاك؛ ms045 ~~لأن سروره يزيد على ألمه، والعكس بالعكس. # فالحكم في أي الوجهين أكثر مسرة يستلزم التبصرة في ظروف السلوك وعواقبه من ~~قبيل المبادئ الأدبية، فالشخص الذي ينغمس في الملاهي الجسدية يجد لذة فيها، ثم ~~يجد ألما في عواقب انغماسه، من أمراض وخسارة مال وسوء سمعة، فإذا استبصر في ~~سلوكه ووازن بين ماضيه من لذة وألم، فربما وجد الألم يتفوق على اللذة، وحينئذ ~~يدرك أن سلوكه سيئ فيعدل عنه. # وكذلك الغشاش يجد سرورا في غشه؛ إذ يتمتع بمال لم يتعب فيه، ولكنه يجد أيضا ~~ألما في فقد الثقة به، فضلا عما يشعر به من توبيخ الضمير لاختلاسه حق غيره، ~~فإذا وازن بين سروره وألمه شعر أن سلوكه كان سيئا، فالسلوك الرديء هو الذي ~~ينتج أقل سرورا لا الذي لا ينتج سرورا بتاتا؛ لأن الإنسان لا يسلك سلوكا ~~خلوا من ملذة البتة. ومهما كان السلوك حسنا وأعظم مسرة فلا يخلو من ~~ألم. # ربما كان تحصيل المعرفة أعظم مسرة عندك، فالجهاد في تحصيلها ألم، وإن كنت لا ~~تشعر بألمه في حال شعورك بسروره؛ فقد يضعف صحتك أو يشغلك عن المكسب، فتضطر أن ~~تعيش مقترا، كذلك إذا كنت ولوعا بالكسب فجهادك في الحصول عليه ألم، وإذا كنت ~~ولوعا بادخار المال فبخلك به على نفسك ينتج ألما. ~~(2-2) تفاوت المسرات # وقد اختلف الباحثون في كيفية المسرات وكميتها؛ فقال بعضهم: إنها تختلف كمية ~~فقط، وقال آخرون: تختلف كمية وكيفية أيضا. # المسرات تختلف كيفية باختلاف مواضيعها؛ فلذة العالم تختلف عن لذة الغني، ~~ولذة الفنان تختلف عن لذة الاقتصادي، ولكن القائلين بكمية اللذة فقط يقولون: إن ~~اختلاف المسرات باختلاف مواضيعها يرد كيفياتها إلى كميات ويحملنا على القول: ~~إن مسرة الشاعر بشعره أعظم من مسرة الكاسب المال بكسبه، وإذا شئنا أن نجعل ~~قاعدة لنوعية المسرات كما أو كيفا، فقد لا نجد هذه القاعدة إلا في قيمة ~~المسرات وما يستحقه السلوك منها، وهي تعود بنا إلى الكمية فنقول: إن هذه ~~المسرات أعظم قيمة من تلك، ولا فرق في اختلاف كيفيتها؛ إذ ms046 لا عبرة بالكيفية في ~~الشعور بالسرور، فالمسرات تختلف باختلاف الشعور بها، والشعور يكون كثيرا أو ~~قليلا. ~~(2-3) مقايسة المسرات # إذا كان الأمر كذلك، فكيف تقاس المسرات ليعلم أعظمها من أصغرها؟ # 2 # وإذا كانت قيمة المسرة تتوقف على الشعور بها، فكيف تمكن مقايسة المسرات بعضها ~~ببعض ليعلم أعظمها أو أصغرها؟ والشعور خاص بالذاتية الشخصية، ولا يمكن أن تدرك ~~شعور غيرك لتقيس شعورك به. جل ما في الأمر أنك تقيس شعورك بهذا السرور بشعورك ~~بسرور آخر سابق. ومع ذلك، فإن ذاتيتك تتغير كل حين بعد آخر، فما تشعر الآن به ~~سرورا عظيما لا تشعر به في حين آخر كذلك، فالمسألة تتوقف على الذاكرة، وهي ~~خزانة المدركات والمحسوسات لا خزانة الشعور؛ لأن هذه يحتمل أن تضل. إذن تبقى ~~المسألة منحصرة في وزنك العقلي الأدبي للمسرات المنتظرة أيها أعظم، والوزن ~~العقلي حكم على أدبية التصرف لا على مقدار السرور؛ فقد لا تجد سرورا أعظم أو ~~أقل مما كنت تنتظر. # فالحكم لا يتناول الشعور، بل أدبية هذا الشعور؛ فأنت تبتغي السعادة العامة لا ~~السرور بعينه. وهذه تستلزم أن السرور الذي تبتغيه يجب أن تراعي به سرور غيرك، ~~فالسرور الذي يثلم سرور غيرك لا يعد عظيما؛ لأن السرور الذي لا يمس سرور غيرك ~~أعظم منه، وأعظم من هذا السرور الذي يأتي معه سرور غيرك. # إذن السرور الأعظم هو السرور الذي يأتي معه سرور للعدد الأوفر من الآخرين؛ ~~لهذا يعد سرور منشئ المدرسة أو المستشفى مثلا أعظم من سرور الذي يحسن على ~~فقير، لأن سرور ذاك جاء بسرور لعديد من المحتاجين للعلم والشفاء. لا يعد كذلك ~~في نظر منشئ المدرسة ولا في نظر المحسن على الفقير؛ لأن لكل منهما شعوره الخاص، ~~فربما كان شعورهما متساويا، وإنما هو كذلك في نظر الرأي العام؛ ولهذا تتفوق ~~سعادة الأول على سعادة الثاني، ولكن لا مقايسة بينهما. # وهنا لا بد لنا من العودة إلى نظرية السروريين لتبيان قيمة السرور ~~واللذة. ~~(3) نظريات السرور # أخذت «السرورية» شأنا عظيما في مباحث علماء أدب النفس ms047 حتى إنها تشعبت وتطورت ~~تطورات مختلفة، فبعض السروريين يقولون: إن الإنسان يبتغي السرور من طبعه، والسرور ~~بغيته القصوى في كل حال. وتسمى هذه: النظرية السرورية السيكولوجية؛ لأن تعليلها ~~فلسفي عقلي، وهي: «نظرية القول بالأمر الواقع». # ويقول آخرون: يجب على الإنسان أن يطلب السرور لأنه هو الغاية القصوى. وهذه ~~النظرية تسمى: السرورية الأدبية؛ لأنها تعلل من وجهة الواجب الأدبي، وهي نظرية ~~القول بقيمة الفعل، أو نظرية القاعدة التي بموجبها يجب أن يفضل شكل من الفعل على ~~الأشكال الأخرى. # وهناك آخرون يقولون: إن ما يبتغيه الإنسان أو ما يجب أن يبتغيه هو سروره، وتسمى ~~هذه النظرية: السرورية الأنانية، وهي قديمة منذ عهد الأبيقوريين، ولكنها أهملت ~~لمناقضتها لتعليم أدبية الشخصية الاجتماعية، كما أن السرورية السيكولوجية تكاد تهمل ~~أيضا، وآخرون يقولون: إن ما يبتغيه الإنسان أو يجب أن يبتغيه هو سرور جميع الناس، ~~أو جميع المخلوقات الحساسة، وتسمى: السرورية العامة أو النفعية # Utilitarianism ~~. ~~(3-1) السرورية الأدبية الأنانية # علمت مما تقدم أن السرورية الأدبية الأنانية مرفوضة لمناقضتها للمبادئ ~~العامة، ولا يستطيع أن يبررها القائلون بها إلا حين يقولون: إن على المرء أن ~~يبتغي سروره الأعظم، اللهم إذا لم يمس سرور الآخرين، أو أنه يطلب سرور الآخرين ~~ما دام يتفق مع سروره الأعظم. # أما ابتغاء السرور الأعظم فيستلزم تقدير قيمة السرور أو المسرات، وقيمة ~~السرور يمكن أن تقدر بأمرين أو بأحدهما: الحدة والمدة، فبعض أنواع السرور تفضل ~~على البعض؛ إما لأنها أشد تحريكا للشعور، أو لأن الشعور بها أدوم. وقد أدخل ~~بعضهم في تقدير القيمة عدد أنواع السرور، ولم يروا بدا أيضا من اعتبار الألم ~~المنافي للسرور؛ ولذلك أصبح تقدير قيمة السرور مسألة رياضية، فتعين لحدته ~~ولمدته قيمة واحدة، وله القيمة الإيجابية، وللألم القيمة السلبية، فتطرح وحدات ~~هذا من وحدات ذاك، والباقي هو السرور الأعظم. # ومع أن «السرورية الأنانية» مناقضة للروح الأدبية العامة، فقد حسبها بعضهم - ~~كالدكتور سيدويك # Dr Sidwick ~~- أمرا لا ~~بد من اعتباره في الأدبيات؛ لأن الغاية التي نقصد إليها لا بد أن تكون ms048 غاية ~~تجلب معها إرضاء مطالب طبيعتنا. ومهما قلنا: إن هناك سببا خارجيا يحملنا على ~~أي قصد أو غاية، نجد أن هناك مطلبا أقصى في طبيعتنا يحملنا على قبول هذا السبب ~~الخارجي. وإذ سئلنا: ما هو الذي يرضي مطالب طبيعتنا؟ قلنا: هو السرور. هذا هو ~~تعليل السروريين. ~~(3-2) السرورية الأدبية العامة # علمت أن السرورية الأدبية العامة هي أن تبتغي أعظم سرور ممكن لجميع الناس، ~~ولكن إذا سألت السروريين: لماذا نقول إننا نبتغي أعظم سرور ممكن لجميع الناس، ~~ولا نقول إننا نبتغي أعظم خير لجميع الناس؟ قالوا لك: لأننا نجد سرورنا في هذا ~~الابتغاء، فنحن نقصد سرورنا المشتق من سرور الجمهور لا خير الناس، وما ابتغاء ~~الخير إلا واسطة للحصول على هذا السرور الذي نقصد إليه، ولا أحد يبتغي سرور ~~المجموع إلا تذرعا للحصول على سروره الخاص. ~~(4) السعادة # قد يتراءى لك أن السعادة والسرور لفظان مترادفان لمعنى واحد؛ لأنك تقول: طالما ~~أنا مسرور فأنا سعيد. والحقيقة أن السعادة أعم من السرور؛ فكل سعادة هي سرور ولا ~~يعكس، وبينهما فرق من حيث كيفية السرور لا من حيث مقداره. وقد حددهما «مويرهد» بأن ~~السعادة هي شعور آخر يرافق الشعور بالسرور مع ما فيه من الألم في الجهاد للحصول على ~~السرور، أو ما فيه من فشل السلوك في الحصول عليه بتاتا - أو ناقصا - شعور بأن ~~المرء سلك سلوكا حسنا، فالذي تستفزه المروءة لتخليص غريق إذا لم ينجح تألم ~~لفشله، لكنه يكون سعيدا بأنه لبى داعي المروءة. # نقول إذن: إن السرور هو ما رافق السلوك ونتيجته، والسعادة هي استمرار الشعور ~~بالسرور بعد انتهاء السلوك وانتهاء نتيجته. السرور شعور بإرضاء الرغبة؛ كإشباع ~~الشهوة، أو إرضاء أي خلق، والسعادة شعور النفس بكليتها من غير نظر إلى الخلق الذي ~~أرضي. بعد الفعل الحسن تبقى شاعرا بسرور عام في ذاتيتك كلها. السعادة نتيجة ~~السرور الأعظم الذي تتمتع به الذات من الوجهة الأدبية؛ فمن يعمل عملا وطنيا، أو ~~يجعل الفضائل قاعدة سلوكه؛ يشعر بسرور نفس مستمر. فهي السعادة. # فإذن الحسن يقاس ms049 بما ينتجه من السعادة، والأحسن هو الأسعد كما أنه الأسر. ~~وهذه القاعدة تضعف حجة السروريين الذين يقولون بأن السرور هو الغاية القصوى للسلوك؛ ~~لأن السعادة ليست ابتغاء السرور لنفسه، بل السرور واسطة لغاية أفضل. فالذي يتبرع ~~بمال لإنشاء مدرسة مثلا يحرم نفسه لذة التمتع بماله لكي يتمتع بسعادة النفس من ~~جراء تبرعه، فسروره بإنشاء المدرسة لم يكن إلا وسيلة لهذا العمل الإنساني. وهو لم ~~يبتغ السرور لنفسه، بل العمل الإنساني، وإنما هذا العمل جلب سروره. # فهنا التمتع الذاتي يضحي في سبيل الخير العام، النجاح الفردي يضحي لأجل ~~النجاح العمومي. وستعلم أن قاعدة السلوك الأفضل والأتم سعادة هو ما آل إلى الرقي ~~العام نحو المثل الأعلى. # الباب الثاني # | أدبية الفعل # الفصل الأول # | السلوك الحسن # في الباب الأول السابق بحثنا في كيفية إجراء الفعل منذ نشوء المحرك الذي يحركه إلى ~~الغاية الأخيرة التي يرمي إليها، ولكننا لم نتصد للخطط الأدبية التي يجب أن يختط فيها ~~لكي يعد سلوكا؛ أي إننا بحثنا في مجرى الفعل مجردا عن سنته الأدبية. وإنما في هذا ~~الفصل نبحث في أدبية الفعل؛ أي فيما يقومه من القوى الأدبية العامة. # فالباب الأول بحث عقلي، والباب الذي نحن فيه الآن بحث نفساني أدبي. ~~(1) السلوك ~~(1-1) ماهية السلوك # لا يعد الفعل سلوكا ما لم تسيطر عليه الإرادة، ولا يعد السلوك أدبيا إلا ~~إذا حدث بإرشاد التعقل، وجاز الحكم عليه بأنه خطأ أو صواب. # فالسلوك إذن هو فعل مقيد بالأدبية، أو هو فعل مراد خاضع لحكم العقل، هو حاصل ~~أفعال الشخصية المؤلفة من النفس، والقوى العقلية، والنوابض، والظروف. والشخصية، ~~كما علمتها في فصل سابق، تتغير بتغير الظرف الذي ينشأ بتحرك الفعل بقوة المحرك ~~الخلقي، وبإدارة الإرادة؛ فالشخص يسلك سلوكه مدفوعا بمحرك لقصد راميا إلى ~~غاية معينة مرغوبة. # وبهذا المعنى يختلف الإنسان عن الحيوان؛ فالحيوان يتحرك بفعل الغريزة والشهوة ~~من غير أن يتصور غاية معينة يرمي إليها. فهو يهجم على الطعام من غير أن يرمي ~~إلى غرض الشبع، وإنما الغريزة تدفعه للأكل. يريد ms050 أن يأكل، ولكنه لا يريد أن ~~يمتنع عن الأكل. ولكن الإنسان يريد أن يأكل، وقد لا يريد مع أنه جائع، ومتى ~~أراد أن يأكل كان يرمي إلى غاية؛ وهي الشبع. وهو يتصور هذه الغاية قبل حدوثها، ~~ويمكنه أن يتمتع بتصورها. # فكل فعل من أفعال الإنسان إنما هو تحت حكم الإرادة والتعقل، ومقرون بتصور ~~الغاية أيضا، وبالشعور بلذة الغاية، قريبة كانت أو بعيدة، ولكن فعل الحيوان ~~وإن كان يرمي إلى غاية، بيد أنه غير مصحوب برغبة في غرض، ولا بتصور الغاية؛ ~~ولذلك نحدد السلوك بأنه فعل يرمي إلى غاية معينة متصورة قبل حدوثها، ومرادة دون ~~غيرها، وبهذا يتميز العاقل على غير العاقل، والبالغ على الطفل، والعامي على ~~السكران أو المجنون. ~~(1-2) ضرورية الظرف للسلوك # وكما أن الفعل يستلزم وجود الظرف، كذلك السلوك الأدبي يستلزم وجود الظرف ~~أيضا؛ فما من سلوك إلا كان في ظرف خاص به، وطرق السلوك تختلف باختلاف الظروف؛ ~~فأحوال الشخص الذاتية، من علم وجهل، وغنى وفقر، وقوة وضعف، وصحة واعتلال إلخ، ~~تعين له ظروفا مختلفة، وكذلك البيئة التي يوجد فيها وقتيا، أو لزمن تكيف ~~ظروفه أيضا. # فإذا كان في سفينة مثلا فأشرفت السفينة على الغرق، فوجوده في هذه الحالة ~~ومعرفته السباحة أو جهله إياها، أو وجود زوارق للنجاة كافية، إلى غير ذلك، كل ~~هذا يعين ظرفا خاصا لسلوكه غير ظرف سواه، وسلوكه يتوقف على هذا الظرف الذي ~~يحدد شخصيته؛ فشخصيته حينئذ غير شخصيته في حين آخر. قد ينتدب قبطان السفينة ~~أهل المروءة لترك زوارق النجاة للأحداث والنساء واستلامهم هم للقدر؛ لأن ~~الزوارق غير كافية للجميع. فزيد من الناس يستسلم للقدر، ولكن عمرا لا ~~يستسلم. فمروءة زيد أيضا من جملة عناصر ظرفه. ~~(1-3) العادة والاختبار # وبعض عناصر الظرف تكون وقتية عارضة، وبعضها عادية ثابتة، فالعادة تكون ~~جانبا كبيرا من الظرف، وبالأحرى هي القسم الأوفر من شخصية المرء. # فمعرفة السباحة عادة مرافقة للمرء في كل حين، فهي تكون معه في البر والبحر ~~والنهر، وفي حالة السلامة والخطر. وكل معرفة أو ms051 اختبار إنما هو عادة ملازمة لها ~~شأنها في الظرف والشخصية. # ومهما تغيرت الظروف كان للمعرفة والاختبار ضلع فيها؛ فكثير الاختبار يسهل ~~عليه أن يكيف نفسه بحسبها، أو أن يكيف بعضها حسب هواه، وقليله يصطدم بالظروف ~~ويتخبط فيها خبط عشواء. وقيمة شخصية المرء تتوقف على سعة اختباراته، فالعادة ~~إذن هي الحالة التي يعيش فيها المرء مكتسبا منها اختبارات خاصة تحدد شخصيته ~~وظروفه. # من الاختبارات العادية تنشأ قوة الحكم والاختيار؛ لأن المرء يتعلم من ~~الاختبار الصواب والخطأ، وتتولد فيه قوة الحكم. والأمر الذي لم نختبره بعد، أو ~~إن لم نعرفه، لا نستطيع الاختيار فيه. فالشخصية الصالحة إذن هي التي تعلمت من ~~الاختبار أن تختار الأصلح والأجود، هي التي تبتدع لنفسها ظرفا أدبيا ~~يسير الفعل في مجرى أدبي يؤدي إلى غاية حميدة، ولا يقال عن شخص إنه صائب ~~أو مخطئ في عمله، أو إنه صالح العمل وجيد السلوك إلا إذا كان عمله ينتج مسرة له ~~ولغيره، أو له على الأقل، ولا ينتج ضررا لا له ولا لسواه. # فالذي يحسن أو يصنع خيرا لغاية دنيئة لا يعد عمله صالحا؛ لأنه لا يجد سروره ~~في الإحسان، بل سروره في تلك الغاية الدنيئة الضارة بغيره. إذن السلوك الأدبي ~~الجيد الفعل والغاية هو ما كان يبتغي السرور فيه من الغاية الجيدة. وهنا يسوقنا ~~البحث إلى موضوع الحسن أو الجيد أو الحميد. ونقتصر هنا على لفظ «الحسن» في ~~التعبير عن كل جيد أو حميد. ~~(2) الحسن ~~(2-1) ما هو الحسن؟ # قبل أن نبحث في الحكم على الفعل - أو السلوك أو التصرف - إن كان حسنا أو غير ~~حسن، يجب أن نبحث فيما هو الحسن أو الصالح، أو الجيد أو الحميد. وهي مترادفات. ~~ولكي نفهم ما هو الحسن إلخ، نبحث فيما هو الحسن أو الجودة. # تقول: هذا القلم حسن أو جيد؛ لأن جودته قائمة في كونه يكتب بسهولة كتابة ~~واضحة، وتقول: هذا الكتاب حسن؛ لأن حسنه قائم في كونه يمنحك معرفة مفيدة كنت ~~تجهلها، وتقول: إن هذا المكتب جيد؛ لأن جودته ms052 قائمة في كونه واسعا ترتاح في ~~الجلوس إليه وفي استعماله، وتقول: هذا الطعام جيد؛ لأنه شهي الطعم مغذ، ~~وهذه الزهرة حسنة؛ لأن منظرها يشرح نظرك، ورائحتها تنعش نفسك. # فأول ما يتبادر إلى ذهنك في استخراج تعريف الحسن أو الجودة، أو الحسن أو ~~الجيد، أنه هو ما كان مؤديا للغرض الخاص به، ولكن هل يمكن أن يكون هذا التعريف ~~جامعا مانعا؟ إن المكتب الذي عددته حسنا لأنك ارتحت في الجلوس إليه وفي ~~استعماله ليس حسنا لابنك الصغير الذي لا يرتاح لديه، والطعام الذي اشتهيته ~~لأنه لذيذ الطعم لا يوافق معدتك، فما أدى إلى الغاية المرغوبة التي هي ~~صحتك. # إذن ليس كل ما يفضي إلى الغرض الخاص به يعد حسنا؛ فالمدية تعد حسنة لأنها ~~تبري القلم، ولكنها لا تعد حسنة حين تجرح يد الطفل، وهذا الطعام يعد حسنا لأنه ~~يرضي حاسة الذوق، ويعد رديئا لأنه يضر المعدة؛ فلا يكون الشيء حسنا بنفسه ~~لنفسه. إذن لماذا نعد الشيء حسنا أو رديئا؟ ~~(2-2) هل الحسن ما وافق الغاية المرغوبة؟ # لعلك تظن وتعود إلى موضوع الغاية المرغوبة وتقول: إن الحسن هو ما أفضى بنا ~~إلى الغاية المرغوبة. فهذا الدواء مع أنه مر هو حسن؛ لأنه نافع للصحة، والصحة ~~هي الغاية المرغوبة. ولكن الغلام مع اقتناعه بأن الدواء نافع له ينفر منه، ~~ويأبى أن يأخذه، فمع كونه مؤديا إلى الغاية المرغوبة لا يستحسن. ألا ترى أنك ~~تعرف أمورا كثيرة تؤدي إلى غايات مرغوبة ولكنك لا تبتغيها؟ فما هي حسنة إذن في ~~نظرك! أنت تعرف أن الاجتهاد يغنيك، والغنى غاية مرغوبة، ولكنك لا تجتهد! وتعرف ~~أن صنع المعروف غاية مرغوبة ولكنك لا تصنعه! تعلم أن المسكرات ضارة، والإقلاع ~~عنها غاية مرغوبة، ولكنك لا تقلع عنها! ~~(2-3) هل الحسن ما أنتج سرورا؟ # إذن قد نقول: إن أمر الحسن والجودة لا يتوقف على الشيء الجيد، ولا على تأديته ~~للغاية المرغوبة، بل يتوقف على حكم المرء نفسه فيما إذا كان هذا الشيء حسنا ~~له، فيرغب فيه أو يجعله غايته المرغوبة، ms053 وكأنك تقول: إن الحسن أو الجيد هو ما ~~أفضى إلى نتيجة سارة للمرء. فهو يتجرع الدواء المر المذاق لأنه يبتغي سرورا ~~بالصحة الجيدة، والطفل لا يقبل الدواء لأنه لا يدرك سرور الصحة، بل يبتغي لذة ~~الذوق، فيطلب الشكولاتة الضارة بصحته وهو مريض لأنه يجد فيها حلاوة. # إذن هل يمكنك أن تقول: إن الحسن المطلق هو كل ما أفضى إلى لذة، أو هو اللذة ~~بعينها؟ فالشكولاتة حسنة للطفل لأنه يستلذها، والدواء غير حسن له لأنه يعافه، ~~والدواء حسن للرجل لأنه يحسن صحته التي هي غاية سارة له، والسكير لا ~~يقلع عن السكر لأنه يبتغي لذة الثمل؛ فالسكر حسن عنده. ~~(2-4) هل الحسن ما اعتقدت بحسنه لك؟ # بالطبع تقول: لا؛ لأنه حالا يبدر لذهنك أنه لا يكفي أن يكون الشيء سارا ~~بحد نفسه، ولا يكفي أن يكون المرء مسرورا به، بل لا بد من أمر آخر؛ وهو أن ~~يكون المرء مقتنعا أنه حسن له بقطع النظر عن كونه سارا. فالسرور بالحسن لا ~~يضمن حسنه، كما أن سرور السكير بالخمرة لا يضمن حسنها. # هنا بلغنا إلى النقطة الجوهرية في موضوعنا؛ وهي أدبية الفعل. هنا لا بد من ~~قوة الحكم في الأمر هل هو حسن حقيقة أو غير حسن، هل يؤدي إلى الغاية المرغوبة، ~~أو هل هو الغاية المرغوبة نفسها. قد يكون الحكم خطأ كما يمكن أن يكون صوابا، ~~فليس هذا موضوعنا الآن، بل سيكون موضوعنا فيما بعد . ~~(2-5) أدبية الحسن # إذن الحسن هو ما كان حسنا بحد نفسه؛ أي مطابقا للغاية التي وجد لها، ~~وكنا نحن نستحسنه أيضا؛ أي نعتقد أنه حسن لنا، فمنه الحسن أو الجودة، ومنا ~~الاستحسان. فاستحساننا سواء كان صوابا أو خطأ هو حكمنا العقلي، وهو يقرر ~~جودته، حتى إذا ظهر لنا بعدئذ أنه غير حسن استقبحناه وغيرنا حكمنا فيه. # فجودة الجيد في نظرنا ليست في صفاته التي اختبرناها به، بل في تأثيره في ~~ذهننا التأثير الذي يحرك قوة الحكم فينا، فنحكم هل هو حسن أو غير حسن. وهذه ~~القوة ms054 نعبر عنها بالاستحسان؛ فاستحسان الحسن هو حالة عقلية تحدث في النفس ~~شعورا بالسرور. إذن الحسن ليس سرورا بحد ذاته، بل هو محرك للشعور السار ~~إذا كان الوجدان يحكم بأنه حسن، وإلا فمهما كان حسنا بحد ذاته فلا يعد حسنا ~~للمرء ما لم يستحسنه الوجدان. ليس حسنا لخواص فيه، بل لأنه يوافق حالة عقلية ~~فينا تثير قوة الحكم باستحسانه، وعن يد هذه القوة نشعر بالسرور. ~~(3) الجميل والجمال ~~(3-1) الفرق بين الجميل والجيد # لكيلا يخلط القارئ بين الحسن والجمال، أو بين الحسن والجميل، أو لكيلا ~~يلتبس عليه الأمران؛ نبحث في ماهية الجمال، ولا سيما أن للجمال نصيبا من أدب ~~النفس. ودفعا لهذا الالتباس، نستعمل لفظتي جودة وجيد بدل حسن وحسن؛ لأن لفظ ~~الحسن بلغتنا يستعمل للجيد تارة وللجميل أخرى، والفرق بينهما ظاهر. كذلك بينهما ~~فرق من الوجهة الأدبية التي نحن بصددها؛ فالجيد قد يكون جميلا وقد لا يكون، ~~على أن الجميل جيد على كل حال، وإنما فيه شيء آخر يميزه عن الجيد. ولا بد من ~~البحث فيما يميزه؛ لأن الجمال يلعب دورا عظيم الشأن في الحياة الأدبية. # إذا قلنا: إن هذا الطعام جيد لأنه صحي؛ ولهذا استحسناه، فليس في هذا ~~الاستحسان معنى الجمال، ولكن إذا قلنا: هذه الحديقة تسر الخاطر ولهذا ~~استحسناها؛ فهي إذن جميلة، ولكنا لا نقول: إنها جيدة ما لم نمتع النفس ~~بجمالها، فليس جمالها غايتنا المرغوبة، بل التمتع بها. والغاية المرغوبة هي ~~الدخول إلى هذه الحديقة للتمتع بها، أو اقتناؤها، أو إنشاء حديقة لنا ~~مثلها. # فالفرق بين الجيد والجميل إذن هو أن الجيد لا نقول بجودته ما لم نحكم بها، ~~وأما الجميل فنقول: إنه جميل بلا حكم في جماله؛ فالحكم العقلي يسبق تقرير ~~ابتغاء الجيد، والإعجاب بالشيء يسبق تقرير جماله، فنقول عن هذه الزهرة: إنها ~~جميلة لأننا أعجبنا بشكلها، ونقول: إنها جيدة لأننا ابتغينا اقتطافها للتمتع ~~بنظرها ورسمها. ~~(3-2) الحكم للجمال على الذوق # فجودة الشيء تتوقف على الحكم العقلي ~~بأنه غاية مرغوبة مبتغاة، وجمال الشيء يتوقف على «الذوق العقلي» ms055 الذي نبهه ~~الإعجاب بهذا الشيء. الجميل أحدث إعجابنا لأنه صاقب ذوقنا، وقد لا نبتغيه ~~فلا نقول: إنه جيد، بل نكتفي بالقول: إنه جميل؛ لأن الجودة تتوقف على الابتغاء، ~~والجيد لا شأن له في قوة الحكم فينا لنقرر إن كان غاية مرغوبة أو لا. # فقد أعجب بالموسيقى ولكني لا أبتغي التمتع بها؛ لأني لا أريد أن أدفع ثمن ~~تذكرة دخول إلى حفلة الغناء، أو لا أبتغي أن أتعلم الموسيقى لأني أنفر من مشقة ~~تعلمها، كذلك أعجب بالحديقة الغناء ولكني مشغول عن الطواف فيها للتمتع ~~بجمالها. ~~(3-3) تلازم الجمال والجودة # ومع ذلك لا نستطيع أن نجرد الجمال من الجودة كل التجريد؛ لأننا في حين ~~نجتذب إلى الجميل نكون متمتعين بجماله، ولا نجتذب إليه ما لم يقع تحت ~~حواسنا، ومتى وقع تحت حواسنا أصبحنا متمتعين به، وإنما نعجب بذكرى الجميل الذي ~~أعجبنا واجتذب حواسنا، ومع ذلك لا تخلو هذه الذكرى من شيء من التمتع؛ إذن ~~الجميل وإن كان متميزا عن الجيد فهو مصطحب له دائما. ~~(3-4) الحق المطلق والجمال غير المطلق # وهناك فرق آخر بين الجمال والجودة، وهو فرق عقلي بحت؛ فالجيد يحتمل الحكم ~~فيما كان حقا أو صوابا، أو ضلالا أو خطأ، ولكن الجميل لا يحتمل هذا الحكم؛ ~~فقد يمكن أن تبلغ إلى الحق المطلق، وأما إلى الجمال المطلق فلا تبلغ؛ لأن جماله ~~متوقف على حكم الذوق لا على حكم العقل المنطقي: فما يكون جميلا عندك قد لا ~~يكون جميلا في نظر غيرك. # ولكن الحق المطلق واحد للجميع إذا فهمه الجميع؛ فلا ريب عندك وعند غيرك أن ~~الصعود أصعب من النزول، وأن الجوع ألم والشبع لذة، وأن الاعتدال أسلم عاقبة من ~~التهور. ولكن الشرقي يختلف عن الغربي في تذوق الموسيقى؛ فالموسيقى الشرقية لا ~~تلذ للغربي، والعكس بالعكس. وقد تستحسن هذه الصورة وغيرك لا يستحسنها؛ ولهذا ~~قيل: «ما على الذوق جدال.» ~~(3-5) الجودة حيوية والجمال روحاني # وهناك فرق آخر بين الجمال والجودة؛ ~~فالجودة تتوقف على تحريك الغرائز الشهوانية لابتغائها، فهي تجاوب حاجة طبيعية ms056 ~~في الشخصية، ولكن الجمال يتوقف على بغية النفس للمثل الأعلى، فهو روحاني أكثر ~~مما هو جسداني، وهو المحور الذي يدور حوله الرقي الإنساني في هذا الموضوع من ~~كتبنا السالفة كلها. انظر أيضا الفصل الرابع حرف (أ). ~~(4) الحسن السار ~~(4-1) هل كل مسرة جيدة؟ # بقي أمر آخر لا يحسن بنا أن نتجاوزه إلى المواضيع الأخرى؛ لأنه حلقة جوهرية ~~في سلسلة أبحاثنا، فإذا تجاوزناه انقطعت السلسلة؛ وهو: هل كل مسرة جيدة؟ وأية ~~المسرات أجود؟ # نحن في محيط من بواعث الأفعال المؤدية إلى غايات مرغوبة هي سارة - على الغالب ~~- وكثيرا ما نجد أنفسنا في ظرف أو ظروف مختلفة تزين لنا مسرات مختلفة، بعضها ~~قريبة وبعضها بعيدة، سهلة المنال وبعضها صعبة، فأيتها هي المسرة الجيدة؟ لديك ~~الخمرة؛ فاحتساؤها غاية مرغوبة سارة، ولكن الامتناع عنها مخافة إدمانها غاية ~~سارة أيضا، فأيهما الجيدة أو أيهما أجودهما؟ السكير يقول: احتساؤها أجود، ~~والصاحي يقول: بل الامتناع عنها أجود. إذن هنا نحتاج إلى قوة الحكم العقلي ~~للاختيار بين جيدين: جودة الثمل، وجودة سلامة الصحة. # مثال آخر: لدى المتمول مشروعان أو مشروعات مختلفة؛ فأولا: أنه يبتاع أسهما ~~مالية عرضة للصعود والنزول، وهو يرجح الكسب، وثانيا: أنه يشتري عقارا مضمون ~~الربح، ولكن ربحه أقل من ربح الأسهم، وثالثا: أنه يتاجر بأضعاف وافرة الربح ~~وأقل خطرا من المضاربة بالأسهم، ولكنها مع ذلك عرضة للخسارة. وكل هذه غايات ~~مرغوبة سارة، ولكن أيها الجيد أو الأجود. فهنا يستلزم الأمر انتداب العقل للحكم ~~بين التهور والاعتدال والخوف من الخسارة. هنا ثلاثة أخلاق محركة تدفع لثلاثة ~~أفعال مختلفة، وتؤدي إلى ثلاث غايات سارة، وللعقل أن يحكم أيها أجود. # مثال آخر: أنت في مجتمع حافل: فهنا مرقص، وهنا دائرة غناء، وهنا دائرة ~~مقامرة، وكلها سارة، فأيها الجيد الذي تختاره؟ # في هذه الأمثلة المختلفة تجد المرء بين مسرات مختلفة بعضها يباين بعضا، ~~وبعضها أكثر إغراء من بعض له لا لغيره، فلا بد له من الاختيار، فما الذي يوجب ~~اختياره لهذا دون ذاك؟ ~~(4-2) هل المسرة العظمى جيدة؟ # أول ms057 ما يبدر لذهنك أن تقوله هو أنه يختار المسرة العظمى له؛ فهي الجيد ~~المبتغى، أو أنه يختار الغاية التي تصحبها مسرات أكثر من سواها. فالمتهور يختار ~~المضاربة على قنية العقار؛ لأن فيها سلسلة من المسرات العديدة فيما هو يضارب، ~~وحين يربح، حتى حين يخسر. # ولكن المسرة لا قياس لها ولا قدر؛ فالذي يرغب في قنية العقار يفضل السرور ~~بربحه المضمون على السرور المتتابع في المضاربة، والذي يسمع الموسيقى يفضل ~~التمتع بجمالها على السرور المتتابع في الرقص أو في المقامرة. فتعدد المسرات لا ~~يضمن جودتها كغاية مرغوبة، ووفرة الربح السريع لا تضمن جودته عند صاحب العقار ~~الذي يفضل الربح المعتدل المضمون البطيء، إذن ما هي المسرة الجيدة ~~حقيقة؟ ~~(4-3) المسرة الجيدة ما أرضت هوى النفس # هي ما أرضت هوى النفس رضى تاما، فإن كان المضارب يعتقد أن المضاربة تبلغه ~~إلى رضى النفس هذا كانت المضاربة تؤدي إلى غايته الجيدة. فوظيفة الحكم العقلي ~~هنا هي أن يقرر إن كانت المضاربة تؤدي إلى هذه الغاية أو إلى الندم، فإذا أجود ~~الغايات السارة، أو أجود المسرات هو السعادة بعينها. # فتعدد المسرات واختلافها ينقل بحثنا إلى موضوع أدبية الفعل؛ حيث نبحث في ~~كيفية الاختيار بين جيد وجيد، وتقرير الجيد والرديء، وما هي القوة الحاكمة ~~وطبيعتها، وكيف تضل وتصيب. فإلى الفصل التالي. # الفصل الثاني # | الحكم # (1) الحكم بالنسبة إلى الفعل ~~(1-1) السلوك القابل الحكم # علمت مما تقدم أن الفعل لا يعد سلوكا أو تصرفا إلا متى أسند إلى الأدبية؛ ~~أي إن السلوك هو فعل أدبي، ولا يعد الفعل أدبيا إلا متى كان مرادا، فالسلوك ~~إذن هو فعل مراد، فإذا لم يكن الفعل مرادا؛ أي تأمر به الإرادة، أو لم تكن ~~هناك إرادة لتأمر به وتنهى عنه فلا وجه للحكم عليه أو فيه؛ لأنه ليس أدبيا، ~~بل هو خارج عن السنن الأدبية. # فهياج البحر وتحطيمه للسفن لا يعد سلوكا يستوجب الحكم عليه إن كان حقا ~~أو غير حق، أو صوابا أو غير صواب؛ لأنه ليس هناك إرادة صادرة ms058 من ذاتية ~~بشرية موجهة الفعل في وجهته؛ ولذلك كان زركسيس الآشوري أحمق حين أمر بجلد ~~البحر؛ لأن البحر حطم الأرماث التي كان جيشه مزمعا أن يعبر عليها من آسيا ~~إلى أوروبا في مضيق البوسفور. # وكذلك ليس معنى للحكم بالصواب أو الخطأ فيما لو أمطرت السماء فأنعش المطر ~~الزرع وتلافى المجاعة من جهة، وجرفت سيوله بعض الأراضي وأغرقت الماشية من جهة ~~أخرى؛ لأنه ليس هناك إرادة بشرية أذنت بالفعل. كذلك ليس لنا أن نحكم على سطو ~~الوحوش الضارية على الماشية؛ لأن فعلها هذا صادر عن غريزة بلا إرادة، وكذلك ليس ~~لنا أن نحكم على تصرف الجندي متى صدر إليه أمر القائد بإطلاق الرصاص على العدو؛ ~~لأنه لا ينفذ إرادته الشخصية، بل إرادة القائد، فما هو إلا كآلة ~~للتنفيذ. # وهكذا لا يصح الحكم على أمر القائد؛ لأنه ينفذ أمر حكومته، فإرادة الحكومة هي ~~التي تقع تحت الحكم في قضية قتل العدو، وإنما نحكم على انتظام الجندي في سلك ~~الجندية إذا كان متطوعا؛ فقد أراد، ونحكم على ظرف أمر القائد للجنود بإطلاق ~~الرصاص؛ فقد يكون خطأ من الوجهة الحربية أو قد لا يكون. فمن ذلك تفهم أن الحكم ~~لا يجوز إلا على السلوك الذي هو فعل موجه بإرادة حرة. ~~(1-2) ماهية الحكم # وهنا قد تسأل ما المراد بالحكم؛ هل هو حكم في طبيعة الشيء أو الفعل؟ كأن ~~تقول: هذا العمل شاق أو هين، أو إن هذا الشيء غال أو رخيص، أو إن هذا الفعل ~~عقلي أو جسدي أو نحو ذلك. لا، ليس المراد به الحكم في الشيء كتحليل لطبيعته من ~~وجهة فلسفية أو منطقية، بل المراد به الحكم على الفعل بالنسبة إلى قاعدة أو ~~مبدأ أو سنة: هل هو مطابق لهذه القاعدة أو المبدأ أو السنة أو مخالف ~~لها؟ # الحكم الأدبي ليس تقريرا لطبيعة الشيء، بل هو تقرير لمطابقة فعل الشيء ~~للمبدأ الأدبي - الذي تقرر من جراء مقابلة التصرفات والأفعال البشرية ومقارنتها ~~بعضها ببعض لاستخراج ذلك المبدأ أو القاعدة - فنحكم بأن السرقة خطأ، ms059 والصدق ~~صواب، ووفاء الدين حق، واختلاسه غبن؛ لأن الخطأ والصواب والعدل والغبن إنما هي ~~مبادئ أدبية يطبق الفعل المراد أو السلوك عليها بقوة الحكم العقلي. # إذن ترى مما تقدم أن للحكم الأدبي عنصرين؛ الأول: الموضوع الذي يحكم فيه، ~~والثاني: المبدأ الذي يستند عليه. العنصر الأول: انفعال من حركة الشيء الذي ~~يحوم الحكم حوله، والثاني: هو رد الفعل من القوة الحاكمة المتكون فيها المبدأ ~~أو القاعدة. وإسناد الحكم إلى الموضوع طبقا للقاعدة أو المبدأ يختلف باختلاف ~~الظروف والأحوال، وبحسب رسوخ القاعدة والمبدأ أو قبولهما التنقيح «التعديل»؛ ~~لأنه إذا كان المبدأ راسخا كسنة طبيعية خالدة انتفى لزوم الحكم، ~~فلا. # ومعنى للحكم في قولك: إن الشمس ستغرب مساء، وتشرق غدا صباحا، وإن الحجر إذا ~~رمي إلى العلا لا بد أن يعود إلى الأرض؛ لأن سنة الجاذبية أبدية ثابتة لا تحتمل ~~الشك، وكذلك إذا كان الظرف أو الحال ثابتا فتطبيق الموضوع على القاعدة، وإسناد ~~الفعل إلى المبدأ أمر مقرر أيضا، فلا معنى للحكم، ولكن إذا كان المبدأ قابلا ~~للتغيير بحسب الزمان والمكان، فلا غنى عن قوة الحكم: فتعمد القتل جريمة؛ لأن ~~المبدأ الأدبي «لا تقتل»، ولكنه ليس جريمة في الحرب، والسرقة إثم؛ لأن المبدأ ~~«لا تسرق»، ولكن السارق الجائع قد يعذر. # فترى مما تقدم، أنه كلما قرب المبدأ أو القاعدة إلى الرسوخ والثبات قل لزوم ~~الحكم فيه، وبالعكس؛ كلما كان المبدأ أو القاعدة محتمل التغيير كان للحكم وجوه ~~وفيه نظر، كما سترى فيما يلي: ~~(1-3) مبادئ الحكم الرئيسية ~~(1) # الجمال والقبح . ~~(2) # الجودة والرداءة. ~~(3) # اللذة والألم. ~~(4) # الصواب والخطأ. ~~(5) # الحق والباطل. ~~(6) # الفضيلة والرذيلة. ~~(1) # الجمال والقبح ~~: وهما يقعان تحت حكم ~~الذوق العقلي أو الإحساس العصبي؛ فالإحساس العصبي يقرر حلاوة الحلو ~~ومرارة المر، والذوق العقلي يقرر جمال النغم والقصيدة والصورة، وقبح ~~النهيق والنقيق وسوء الترتيب إلخ. ~~(2) # الجودة والرداءة ~~: وهما تقعان تحت ~~حكم الشعور الوجداني؛ فهو يقرر أن إغاثة الغريق أمر جيد لأنه مروءة، ~~والمروءة مبدأ جيد، والاعتداء على الضعيف أمر رديء لأنه ظلم، والظلم ~~مبدأ رديء. ~~(3) # اللذة والألم ~~: وهما ms060 يقعان تحت حكم ~~الشعور الوجداني تارة؛ فهو يقرر أن الربح والفوز لذيذان، والخسارة ~~والانكسار مؤلمان، وتحت حكم الإحساس العصبي تارة أخرى؛ فهذا يقرر أن ~~الراحة بعد التعب لذيذة، وأن التعب مؤلم. ~~(4) # الصواب والخطأ ~~: وهما يقعان تحت حكم ~~التعقل؛ فهو يقرر أن اقتحام المأسدة خطر لأنه مجازفة، والمجازفة مبدأ ~~خطأ، وأن السير في الطريق المطروق أصوب من السير في الوعر. ~~(5) # الحق والباطل ~~: وهما يقعان تحت حكم ~~الضمير، فهو يقرر أن إيفاء الدين حق، وأن اهتضام مال الغير باطل؛ لأن ~~المبدأ «لا تختلس مال غيرك». ~~(6) # الفضيلة والرذيلة ~~: وهما تقعان تحت ~~حكم الشخصية الإنسانية؛ فهي تقرر أن حب القريب كالنفس فضيلة، وأن البغض ~~رذيلة، والكرم فضيلة، والبخل رذيلة. ~~(1-4) تفاوت أدبية المبادئ # ترى أنه كلما سمت القوة الحاكمة كان الحكم أكثر أدبية وبالعكس؛ ففي الجمال ~~والقبح يكون الحكم للإحساس العصبي أو الذوق العقلي. وهنا يختلف الناس في ~~إحساسهم وأذواقهم، فقلما يعد الحكم أدبيا؛ لأن ما هو مليح لك قد يكون قبيحا ~~لسواك. أنت تستلذ القهوة الحلوة وغيرك يستلذ القهوة المرة. # وفي مسألة الجودة والرداءة شيء من الأدبية؛ لأن في حكم الشعور الوجداني الذي ~~هو أسمى من الإحساس والذوق شيئا من الأدبية، لأنك وأنت تحكم تريد أو لا تريد، ~~وحيث توجد الإرادة يبتدئ الحكم الأدبي. فأنت تعلم أن السكر رديء ~~والصحو جيد، ولكنك تريد ذاك لا هذا. # وكذلك الأمر في اللذة والألم؛ لأنهما تحت حكم الشعور الوجداني والإحساس ~~العصبي. # والفرق بين اللذة والجودة هو أن اللذة نتيجة فعل، والجودة معرفة فقط . فأنت ~~تعرف أن الإحسان أمر جيد، ولكنك لا تستلذه ما لم تفعله. # وأما الصواب والخطأ فأعلى من المبادئ المذكورة؛ لأنهما تحت حكم التعقل، ولذلك ~~هما أدبيان محضان؛ لأن إجراءهما متوقف على الإرادة المحضة بعد الحكم ~~فيهما. # وكذلك أمر الحق والباطل؛ لأنهما تحت حكم الضمير، وهو يتضمن قوة التعقل. ~~والفرق بين الصواب والحق هو أن الحق أمر يتعدى منك إلى سواك، وأما الصواب فأمر ~~مختص بك، فإذا تعدى إلى سواك صار حقا. فأنت تعلم ms061 أن القمار خطأ؛ لأنه يعرضك ~~للخسارة، وإذا أغريت غيرك على المقامرة وعرضته للخسارة كان فعلك هذا غير حق؛ أي ~~باطلا. # وأما الفضيلة والرذيلة فأعلى أدبية من سائر المبادئ؛ لأنهما تحت حكم الشخصية ~~الإنسانية التي هي أقرب إلى المثل الأعلى. والفرق بين الفضيلة والحق والصواب هو ~~أن الفضيلة مبتغاة كحلية للشخصية بقطع النظر عن العلاقة مع الغير. # وستتضح لك جميع هذه الرئيسيات في تضاعيف الفصول التالية. ~~(2) الحكم بالنسبة إلى الفاعل ~~(2-1) الحكم على الفعل لا على الفاعل # تقرر في ذهنك، فيما تقدم، أن الحكم يكون على الفعل صوابا أو خطأ، حقا أو ~~باطلا، جيدا أو رديئا، ولكن الفعل صادر عن فاعل، فهل يتناول الفاعل أيضا؟ ~~هل نحكم على فلان أنه مصيب أو مخطئ إذا كان فعله صوابا أو خطأ؟ هب أن زيدا ~~رمى عمرا بتفاحة وهو يريد أن يفقأ عينه بها، ولكن عمرا تلقاها بقبضته ~~وأكلها، فنتيجة الفعل كانت جيدة، ولكن قصد زيد كان سيئا. فالحكم على الفعل ~~اختلف عن الحكم على الفاعل، كذلك الحكم يختلف فيما لو رمى زيد التفاحة إلى عمرو ~~لكي يأكلها فأصابت عينه؛ فالفعل سيئ والفاعل حسن القصد. # إذن إصابة الحكم تتوقف على الفعل وما اقترن به من إرادة وقصد وداع، فإذا ~~كانت الإرادة صالحة، والطريقة التي تنفذ بها الفعل جيدة، والداعي للفعل ~~جيدا؛ كانت النتيجة جيدة، فالحكم على الشخصية تابع للحكم على الإرادة والقصد ~~والداعي الذي رمى إلى الغاية. قد يخيب الفعل فلا يبلغ الغاية المقصودة، فهل نعد ~~الفعل خطأ أو غير جيد؟ # قد ينبري زيد لتخليص عمرو من الغرق، ولكنه قد لا ينجح، أو قد يكون فعله سببا ~~آخر لإغراق زيد، أو ربما غرق معه، فلا نعد فعله خطأ؛ لأنه حسن القصد. لا نحكم ~~على النتيجة، بل على القصد والإرادة والداعي، ونقول: إنه فعل حسنا؛ لأن الداعي ~~كان إنقاذ عمرو، وقد أراد إنقاذه وفعل قاصدا الإنقاذ. وأما فشله فلا يعد ~~خطأ، وإنما إذا كان لا يحسن السباحة وقد انبرى للفعل حكمنا على تهوره لا على ms062 ~~قصده، وقلنا: إن تهوره كان خطأ، وأما فعله فكان حسنا. ~~(2-2) الحكم يرجع للإرادة الصالحة # ففي رأس عوامل الحكم عامل الإرادة الصالحة؛ فهي تعين الحكم الصالح، والفعل ~~الصادر منها يعد صالحا ولو كانت النتيجة خطأ كما علمت. وإنما لكي تكون الإرادة ~~صالحة يجب أن تكون مقرونة بالحكمة التعقلية السامية؛ فكل إرادة صالحة على هذا ~~النحو تفضي إلى نتيجة صالحة، ولا نتيجة صالحة تنتج عن إرادة رديئة، وإن نتجت ~~عنها النتيجة الصالحة فلا تنسب إلى الإرادة السيئة، بل إلى ظرف عارض حول ~~الفعل إلى نتيجة حسنة رغم الإرادة. # لذلك لا يمكن أن نقول: إن زيدا أصاب، أو هو على حق، أو أحسن الفعل، إذا كانت ~~إرادته رديئة، ولو أدى عمله إلى فعل حسن. فإذا رمى الصياد طعما للسمكة ~~بسنارة، فأكلت السمكة الطعم ولم تعلق في السنارة؛ ففعله سيئ للسمكة؛ لأنه ~~كان ينوي صيدها لا إطعامها، وإذا أقرض زيد عمرا مالا بربى فاحش، فانتفع ~~عمرو بالمال نفعا عظيما ثم رد المال لزيد؛ فلا يعد عمل زيد صالحا وإن ~~كان قد نفع عمرا؛ لأن نيته كانت سيئة، وهي انتهاز فرصة حاجة عمرو للمال ~~لابتزاز ربى فاحش منه. ~~(2-3) الحكم على الفاعل يتوقف على حكم الإرادة الصالحة # على أن المقاصد تختلف، والنيات تختلف من حيث الغاية والداعي إليها، فقد تكون ~~صالحة قليلا أو كثيرا، حسب صلاحية الإرادة وصلاحية الحكمة المتضمنة فيها؛ فقد ~~ينوي زيد أن يساعد عمرا في مشروع، فيشترك معه فيه بغية إنجاحه، ولكن عمرا ~~طائش وجاهل فلم يحسن القيام بالمشروع. فزيد حسن النية، ولكنه قليل الحكمة، فلم ~~يفطن لقلة أهلية عمرو للمشروع، فتعقله غير صالح. وإليك مثلا أبسط: أحسن زيد ~~على فقير بشلن، ولكن الفقير أنفق الشلن على الخمرة فسكر وعربد. فإرادة زيد لم ~~تكن صالحة؛ لأنه كان يعرف أن هذا الفقير سكير، فكان يجب أن يعطيه رغيفا لا ~~شلنا. # إذن يتناول الحكم على الفعل الحكم على الفاعل أيضا بقدر ما للفاعل من ~~الإرادة الصالحة، والتعقل الحسن. والحكم على الشخصيات يتوقف على ms063 ما لها من ~~الإرادات الصالحة المقرونة بالحكمة والمواهب التي تحسن الحكم. ~~(2-4) لا حكم على محركات الفعل الغريزية # إذا كان الحكم يتناول الداعي للفعل أيضا، كما علمت، فهل يجوز الحكم على ~~محركات الفعل الغريزية وأشباهها؟ هب أن زيدا فوجئ بأفعى ظهرت بين رجليه فخاف ~~فهرب، فهل نقول: إنه كان يجب عليه أن يقتلها لا أن يخاف وإلا فهو جبان؟ نعم، ~~جبن في تلك اللحظة، ولكن الجبن ليس خلقة فيه؛ فلا نحكم عليه بالجبن؛ لأن ~~هربه لم يكن بإرادته، بل بانفعاله. لو رآها من بعيد لانبرى تعقله وقرر مهاجمتها ~~وقتلها. وهنا يريد فيفعل؛ فالحكم عليه بأنه جبان أو شجاع يجوز حين يكون له وقت ~~للتفكير والإرادة، ولكنه لا يجوز في حالة المفاجأة؛ لأن الهرب كان بلا إرادة، ~~بل بفعل المحرك وحده، وهو الانفعال النفساني؛ أي الخوف. # إذن لا يصح الحكم بالخطأ أو الصواب على المحرك ما لم تنبر الإرادة لتسيير ~~الفعل؛ ولهذا يعذر الغضوب إذا ضرب، والسكران إذا تمادى في الشرب وعربد؛ لأنه ~~أصبح بلا إرادة، وإنما يلام هذا لأنه ابتدأ بالشرب، وذاك لأنه تسرع. # نحكم على الشخص إذا كان يستسلم لغرائزه وعواطفه وانفعالاته ونقول: إنه ضعيف ~~الإرادة، عاجز عن ضبط هواه؛ فالحكم ليس على عمله، بل على شخصيته؛ لأنها غير ~~حسنة، غير صالحة. ~~••• # في كل ما تقدم تكلمنا عن طبيعة الحكم المجرد من غير نظر إلى الحاكم وكيفية ~~الحكم والقواعد التي يستند إليها، فمن هو الحاكم أو الفيصل أو القاضي؟ الضمير. ~~وفيما يلي تبسط كاف فيه. # الفصل الثالث # | الضمير # (1) قوة الضمير ~~(1-1) وظائف الضمير # الحكم يستلزم محكمة، والمحكمة في الأدبيات قائمة في نفس الإنسان، في عقليته، ~~في شخصيته العاقلة؛ وهي الضمير. والضمير - بواسع معناه - مشترع وقاض ومنفذ، ~~ويمكن أن يكون زاجرا وشاكيا وشاهدا أيضا. # فالضمير «مشترع» حين يميز بين الصواب والخطأ، والحق والباطل، فيقول: هذا ~~الفعل صواب أو حق، أو خطأ أو باطل، ويكون قاضيا حين يأمر بالفعل الصائب والحق، ~~وينهى عن الفعل الخاطئ أو الباطل، ويكون منفذا حين يسر ms064 النفس بنتيجة الفعل ~~الحسن أو الحق، أو يؤلمها بنتيجته السيئة أو الباطلة، ويكون زاجرا حين يقدم ~~الإنسان على الفعل الباطل أو السيئ فيردعه الضمير عن إتيان الفعل، ويتهدده بألم ~~النفس، أو حين يتردد الإنسان في العمل الصالح فيأمره الضمير أن يفعل وإلا ~~تهدده، ويكون شاكيا أو شاهدا بعد وقوع الفعل فيقول له: «لقد فعلت فلا ~~تنكر.» ويعاقبه بالتبكيت والتأنيب. # ولكن هل يكون الضمير مصيبا دائما في قضائه؟ هناك عوامل تعمل في اشتراع ~~الضمير، وفي حكمه: فللعواطف والانفعالات تأثير على الضمير، وللوجدان أو التعقل ~~شأن كبير، وللشرائع والعادات فعل فيه. وهناك مبادئ ونظريات متباينة متضاربة ~~تلعب في الضمير؛ فالضمير إذن عرضة للخطأ والصواب في الحكم، ولذلك نبحث فيما يلي ~~في الأركان التي يستند عليها الضمير في الحكم لكي يمكن أن يكون حكمه صائبا إذا ~~استوفاها. ~~(1-2) المقاصد الحسنة # أول ما يتجلى للعقل - في أي أمر أو فعل - أن للإنسان حقا طبيعيا في أن ~~يرمي بفعله إلى غاية حميدة له؛ لأنه محتاج إليها لحفظ كيانه، فإذا استوفاها ~~سرت نفسه، ولكن تقوم لديه اعتراضات مختلفة؛ أهمها أولا: هل يمس هذا الأمر ~~مصلحة غيره؟ هل تحتك غايته بغاية غيره الحميدة فتنقضها أو تشوهها؟ (2) هل تثلم ~~غايته هذه مصلحة الجماعة أو تنقضها أو تعرقلها؟ (3) هل هذه الغاية التي يرمي ~~إليها هي أفضل غاية حميدة ممكنة له، أو هل هي حميدة حقيقية؟ أو هي الغاية ~~القصوى الحميدة، أم هي مفضية إلى غاية بعدها سيئة؟ ~~(1-3) الضمير تحت تأثير الأخلاق والسجايا # فإذا تدخلت العواطف والانفعالات في الأمر فقد يلتبس الأمر على الضمير، ولا ~~سيما إذا كانت العاطفة شريفة وحسنة. هب أنه التجأ إليك هارب فأخبأته، ثم ~~جاءك مطاردوه وسألوك عنه فأنكرت وجوده عندك إشفاقا عليه، فهل يبرر ضميرك هذا ~~الكذب؟ إذا كان مطاردوه أعداء له فقد يقول ضميرك: «لا بأس من الكذب؛ فقد خلصت ~~حياته بهذه الكذبة.» وإذا كان مطاردوه شرطة يبتغون القبض عليه للمحاكمة، فقد ~~خلصته ولكنك أثمت للعدل، فأيهما هنا أحق في ظنك: إخلاص حياته ms065 أو تسليمه للقضاء ~~العادل؟ هنا تدخل العاطفة أفسد على الضمير حكمه. # إذن لكي تكون العواطف والأخلاق على العموم ذات شأن بالتدخل في أحكام الضمير ~~يجب أن تكون مهذبة راقية إلى جهة المثل الأعلى، بحيث يمكن أن تقف عند حد الصواب ~~فلا تطمس التعقل. نعم، إن الأخلاق الشريفة لا ترمي إلا إلى الغايات الشريفة، ~~ولكنها قد تضل عن أشرف الغايات أو أفضلها؛ ولذلك يجب أن يصحبها التعقل دائما ~~لكي يميز بين أفضل الغايات ويرشدها إليها. # الأم التي ترضع طفلها الذي نهاها الطبيب عن إرضاعه تغلبت عليها عاطفتها ~~فابتغت الغاية السارة القريبة؛ وهي إشباع طفلها الذي يتألم من الجوع، حسب ظنها، ~~وتعامت عن الغاية القصوى؛ وهي شفاء ولدها. فضميرها ارتاح حين أرضعته، ولكنه ~~أقلقها حين استفحل مرض ابنها، فضميرها في أول الأمر لم يحكم في أي الغايتين ~~أفضل؛ إشباع الابن وإسكاته عن البكاء الشديد أم شفاؤه؟ لأن العاطفة تغلبت ~~عليها. # للعاطفة فضل في التدخل إذا كان التعقل يوافق عليها ويقول لها: سيري في ~~سبيلك؛ فالذي تدفعه المروءة لإنقاذ آخر من الخطر تكون مروءته قد لبت دعوة ضميره ~~للفعل. والضمير يثيبها مسرة نفس بعد نجاح الفعل. ~~(1-4) الضمير بإزاء الشرائع # الضمير ضعيف بإزاء الشرائع الدينية والمدنية؛ ولذلك تكون وظيفته القضاء فقط، ~~فيقول لك: هذا موافق للشريعة فافعله، أو مخالف لها فلا تفعله، وإن فعلت فدونك ~~عقاب الدنيا أو عقاب الآخرة، وإن كنت تسلم من عقاب الدنيا ولا تخاف عقاب ~~الآخرة، أو لا تعتقد به؛ فيبقى ضميرك مؤنبا لك، لا لأنك خالفت الشريعة فقط، ~~بل لأن مخالفتها قد أضرت مصلحة غيرك أو مصلحة الجماعة؛ وذلك لأن الشرائع على ~~الغالب ترمي إلى إقامة العدل والإنصاف بين الأفراد. # ولكن ليست كل الشرائع ضامنة للحق والصواب؛ ففي كل زمان ومكان يكتشف العقل ~~البشري أغلاطا في الشرائع يضطرب فيها ميزان الحق والصواب، فهل للضمير أن يخضع ~~لهذه الشرائع إذا لم يكن مكرها على الخضوع لها؟ نقول مكرها؛ لأنه في حالة ~~الإكراه يبطل عمل الإرادة؛ وبالتالي لا يعود السلوك ms066 ضمن دائرة الآداب؛ لأن ~~السلوك لا يعد أدبيا إلا إذا كان مرادا كما علمت. # كان الصيدونيون يقدمون أطفالهم محرقات على ذراعي تمثال مولوك النحاسي وهو ~~حام كالنار. ونحن نستفظع الآن هذا العمل، فهل كان ضمير الصيدونيين صالحا في ~~ذاك الحين؟ كان صالحا عندهم؛ لأنهم كانوا ينفذون شريعة إلههم الدينية، ولكنه ~~كان شريرا في نظر الإسرائيليين معاصريهم؛ لأن هؤلاء كانوا يعتقدون بألوهية ~~يهوه فقط، وهو شجب هذه الشريعة. # ولا بد أنه كان بين الصيدونيين أفراد كثيرون أو قليلون أسمى عقلا من العامة ~~يفهمون أن مولوك ليس إلها حقيقيا، وإلا لما كان يسن هذه الشريعة الفظيعة؛ ~~لأن الوجدان السليم من شوائب الخرافات يستفظعها، فهؤلاء ينهاهم الضمير عن طاعة ~~هذه الشريعة، وإن أطاعوها أنبهم. ~~(1-5) الضمير منقح الشريعة # وفي التاريخ كثير من الشرائع الدينية التي يستنكرها العقل الآن؛ كشريعة وأد ~~البنات، ودفن الزوجة حية مع زوجها الميت، كذلك في التاريخ شرائع مدنية لا يعتدل ~~فيها ميزان الحق؛ كالنخاسة، والعبودية، والحكم الفردي المطلق، ونفي الحرية ~~الدينية، واستعباد النساء إلخ. # فالضمير المستسلم للشرائع لاعتقاد أنها منزلة، أو أنها إرادة الحاكم المقدسة ~~يعد ضعيفا؛ ولذلك لا يحفل بحكمه وهي - أي الشرائع - مسيطرة عليه، فالشريعة ~~مهما تراءت حسنة فإنما هي محتملة الشك في كونها حقا أو باطلا، أو عدلا أو ~~ظلما؛ ولذلك يبقى للضمير السليم القوي مجال للحكم في صوابها وخطئها؛ لأن ~~الضمير بالحقيقة ليس إلا قوة التعقل، وقد أضيفت إليه قوة الإرادة الآمرة بفعل ~~الصواب والحق؛ فعليه أن ينقح الشريعة لكي تقرب إلى المثل الأعلى. والمثل الأعلى ~~في الشرائع هو أن تكون الشريعة ميزان الحق والعدل بين أفراد الجماعة على ~~التساوي. # فالضمير في كل قضية تعرض عليه ينصب هذا الميزان، فحيث يجد الشريعة منصفة بين ~~الأفراد، ولا تسوغ أرجحية لواحد على آخر أجازها وأمر باتباعها، وحيث وجد أنها ~~مجحفة بأناس ومتحيزة لآخرين إذن بعصيانها، اللهم إلا إذا كان عصيانها يسبب ~~فوضى الجماعة - والفوضى تئول إلى شر أفظع من شر طاعتها - فحينئذ يجيزها ~~تحاميا للشر الأعظم؛ فهو ms067 يبتغي الخير الأعظم متى تضاربت المقاصد. فالسلام ~~العام أهم وأفضل من سلامة الفرد أو الأفراد من الغبن والإجحاف. # الاشتراكيون المعتدلون يرون أن النظام الإفرادي الحالي مجحف بالعمال، ~~وممكن للمتمولين من استثمار أتعاب أولئك؛ ولذلك يسوغ لهم ضميرهم قلب هذا ~~النظام واسترداد تلك الحقوق المغصوبة بواسطة نظامهم الذي هيئوه، معتقدين أنه ~~أضمن لحقوق الأفراد عموما، ولكنهم لا يحاولون قلب هذا النظام بثورة؛ لئلا يكون ~~شر الثورة أعظم من شر النظام الحالي، وضميرهم يقول لهم: إن السلام العام أعظم ~~من سلامة العمال من غبن المتمولين لهم، وقلب النظام بالطريقة الانتخابية أفضل ~~عاقبة من الثورة. ~~(1-6) تأثير التقاليد والعادات على الضمير # وهناك عوامل أخرى تؤثر على الضمير في إصدار الحكم وهو يستند إليها أو يستمد ~~الحقيقة منها، وهي: التقاليد والعادات غير المقررة كشرائع دينية أو أدبية، ~~بيد أنها تكون رأيا اجتماعيا. والرأي الاجتماعي لا يعد رأيا عاما ~~مطلقا؛ لأن الرأي العام المطلق غير موجود، بدليل وجود الأحزاب المختلفة في ~~الرأي؛ ولذلك يوجد مجال لحكم الضمير، لأنه لو كان الرأي عاما مطلقا كان ~~كشريعة فيضعف الضمير بإزائه، وكان للرأي العام سلطة عليه فقلما يطمئن ~~لمخالفته. # فحين يقدم المرء على فعل يتساءل الضمير: هل هذا الفعل مطابق لعادات الجماعة ~~وتقاليدها؟ هل إذا حدث هذا الفعل يستنكره الجمهور أو يستحسنه؟ فإن لم يكن ~~الضمير مستسلما للرأي العام؛ أي إذا كان قويا، تساءل على نحو آخر: هل هذا ~~الفعل يضر الجماعة أو لا يضرها؟ هل يوافق مصلحتها أو ينافيها؟ # وقد يكون التقليد أو العادة مخالفا للحق، فإذا كان الفعل المخالف لتقليد ~~الجماعة مخالفا للحق كان له حكمان؛ الأول: أنه يستوجب استنكار الجماعة له، ~~وشجبهم فاعله، والثاني: أنه موافق لمصلحة الفرد والجماعة معا. فأي الحكمين ~~يقضي الضمير؟ مثال ذلك أنك ترغب أن تلبس البرنيطة وقومك يلبسون الطربوش، فإن ~~لبستها هزءوا بك، ولكنك تعتقد أن البرنيطة أفضل من الطربوش؛ فكيف تحكم أن ~~البرنيطة أفضل من الطربوش؟ ~~(1-7) التعقل مستشار الضمير # ترى مما تقدم أنه لا الأخلاق ولا الشرائع ولا ms068 التقاليد والعادات تعصم الضمير ~~من الخطأ في الحكم، بل لا بد من التعقل في القضاء وإصدار الحكم، التعقل يميز ~~بين الحق والباطل، والصواب والخطأ، إذا كان يضع نصب عينيه قاعدة للحق، فما هذه ~~القاعدة؟ هنا يستلزم الأمر أن نبحث عن منشأ الضمير والتعقل. ~~(2) منشأ الضمير ~~(2-1) الضمير وليد الاجتماعية # الإنسان اجتماعي، ولولا اجتماعيته لما كان للضمير لزوم؛ لأنه وهو فرد مستقل ~~يسعى لأجل بقاء حياته منازعا الطبيعة بلا قيد ولا شرط، ولكنه لأنه اجتماعي ~~مرتبط مع جماعته؛ ولذلك تضيق دائرة حريته وتتسع دائرة مسئوليته بقدر متانة ~~الجماعة، فإذا فعل فعلا مخالفا لمصلحة الجماعة؛ كأن يضر الجماعة أو يضعفها، ~~كان مستوجبا العقاب، وكان الضمير أول ما يحاكمه ويقضي عليه. ترى مثل هذا ~~الضمير حتى عند الحيوانات الاجتماعية؛ فإن الفرد منها يخاف أن يفعل فعلا يخالف ~~نسق حياة جماعته فلا يفعله، هو أطوع من الإنسان لنسق حياة الجماعة؛ لأن ضميره ~~غريزي فيه. # للإنسان وهو اجتماعي ذاتيتان: ذاتية شخصية، وذاتية قومية. وهو يشعر أنه ~~بسلوكه وحده لا يستطيع أن يحفظ حياته، يشعر أنه لا بد أن يكون سلوكه مطابقا ~~لسلوك الجماعة لكي يحفظ حياته، يشعر أن بقاء حياة الجماعة تتضمن بقاء حياته ~~أيضا، فإن تضررت الجماعة تضرر هو أيضا، وإن نجحت الجماعة نجح هو أيضا؛ فإذن ~~لضمانة الحرص على بقاء ذاتيته يشعر أنه ملزم بالحرص على بقاء ذاتية جماعته. ~~فالقاعدة الحقة التي يضعها نصب عينيه هي أن ما يفعله يجب أن يكون موافقا لحياة ~~الجماعة، وإلا فهو مخطئ في فعله. ~~(2-2) غريزية الضمير # قد يمكن للهمجي أن لا يفهم معنى ذاتية الجماعة كما نفهمها، ولكنه يشعر بهذه ~~الذاتية التي لقبيلته؛ فإذا تعرضت لخطر من قبيلة أخرى هب مع رفاقه للدفاع، ~~فقد يترك زوجته وأولاده لكي يقاتل لأجل سلامة قبيلته. فضميره هو الذي حكم عليه ~~بالاندفاع في القتال، فإذا تردد أو راوغ عاقبه ضميره قبل أن يعاقبه قومه، ~~فكأن الضمير غريزة فيه. # وبقوة هذه الغريزة تفوقت قبائل على قبائل، وبها بقيت قبائل وبدونها فنيت ms069 ~~قبائل، فالفضل في الانتخاب الطبيعي الاجتماعي هو لهذه الغريزة؛ أي غريزة ~~الضمير، وبفضل هذه الغريزة تضامنت القبائل، وتألفت الشعوب، وتكونت الأمم. ومع ~~التمادي، تقوت هذه الغريزة فربطت الأفراد في جماعات، والجماعات في قبائل ~~فشعوب فأمم. تقوت إلى أن صارت غريزة في الأمم، والأمم تحاسب بعضها بعضا بحكم ~~هذه الغريزة - الضمير. ترقى الضمير حتى صار غريزة الإنسانية. فالإنسانية العليا ~~تفتخر بالضمير. # بقوة هذا الضمير يشعر الفرد الاجتماعي المتمدن أنه ليس فردا مستقلا، بل هو ~~جزء من نظام محكم ذي ذاتية قائمة بنفسها، وبموجب انتظامه في سلك الجماعة يشعر ~~أنه ملزم بأن يوفق حياته مع حياة الجماعة، ويرتاح إلى هذا الالتزام لأنه يشعر ~~أيضا أن سلامته قائمة بسلامة الجماعة. من هنا نشأت بزرة الحكم الأدبي في هل ~~هذا الفعل أو ذاك حق وصواب، فهو حق وصواب إذا كان ينطبق على مصلحة الجماعة أو ~~يخالفها. وميزان المطابقة هو التساوي بين الأفراد والاستحقاق. هذا هو الحق ~~بعينه الذي يستند الضمير إليه في قضائه. ~~(3) سلطة الضمير ~~(3-1) منشأ القوة الأمرية في الضمير # قلنا: إن الضمير مشترع وقاض؛ مشترع لأنه يميز بين الحق والباطل، والخطأ ~~والصواب، على قاعدة الحق العام الموزع على الجماعة. وقد نال هذا المنصب ~~بالوراثة؛ فصار غريزيا على تمادي الزمان، وهو قاض؛ لأنه يحكم ويأمر بتنفيذ ~~الحكم حتى من غير أن يشير إلى سبب، فمن أين جاءته سلطة الأمر هذه وقوة التنفيذ؟ ~~فهل هي سلطة خارجية أم سلطة داخلية؟ # إذا قلنا: إنها سلطة داخلية، فهل نعني أن الإنسان يحكم على نفسه؟ وإذا كان ~~الإنسان يحكم على نفسه بمطلق اختياره فلا يتمادى بالحكم إلى أن يعاقب نفسه إذا ~~عصى أمر نفسه، ولكن الضمير يعاقبه ويؤلمه وهو جزء منه، فكيف ذلك؟ # هذا ما يبرهن على أن الضمير وإن كان شيئا من ذاتية الإنسان فقد أصبح بغريزته ~~كشيء قائم بنفسه، مستقل بأمره ونهيه، ذي سلطان، كما أن الغريزة في الحيوان ~~ذات سلطان عليه تدفعه إلى الفعل بلا إرادة؛ فهو إذن قوة مستقلة عن سائر القوى ~~العقلية، ms070 ذات نفوذ خاص، مسيطرة على سائر الغرائز والأخلاق. وهو يتحكم فيها حتى ~~إذا عصته وخزها وآلمها. هو مركز الذاتية الإنسانية الأدبية، وفيه إدارة حركة ~~السلوك. بهذه القوة يمتاز الإنسان على الحيوان، وبها تتميز ذاتيته عن ذاتية ~~هذا. وبهذه القوة أصبح الإنسان ذاتا أدبية، أما الحيوان فليس كذلك. ~~(3-2) الشعور بالجزاء غريزي # على أن وظيفة الضمير، كما اتضح من هذا البيان، ليست مقتصرة على الحكم ~~البديهي، بل هي مقرونة بشعور بنتيجة السلوك: شعور بالسرور والابتهاج إذا كان ~~الفعل حقا أو حسنا، أو شعور بالكآبة والقلق إذا كان باطلا أو رديئا. وهذا ~~الشعور نفسه غريزي أيضا؛ لأن المرء السليم العقل والنفس لا يستطيع قمع الشعور ~~بالكآبة والقلق. ولولا غريزته هذه لكان الضمير آمرا وناهيا بلا سلطة نافذة، ~~فما هذا الشعور إلا جزاء على الطاعة والعصيان. ~~(3-3) غريزية القوة الأمرية في الضمير # قد يقول زيد من الناس: أنا أعلم أن هذا الفعل خطأ أو غير حق ولكني أفعله، ~~فماذا أو من يمنعني أن أفعله؟ فهل لضميره قوة على ردعه عن أن يفعله؟ قد لا ~~يستطيع أن يردعه، ولكنه يستطيع أن يقلقه بالتأنيب والتوبيخ، فمن أين للضمير ~~هذه القوة التي لا يستطيع المرء أن يتملص منها؟ هي غريزة أيضا نشأت وترعرعت ~~وقويت على تمادي الزمان. قويت عند الأقوام التي ترقت، وكان الفضل في رقيها ~~لهذا الضمير الغريزي. # فالقوم الذي كان أقوى ضميرا، وضميره أنفذ فعلا وتأثيرا في النفس؛ كان أثبت ~~من غيره في مضمار تنازع البقاء، والقوم الذي كان أضعف ضميرا تلاشى وانقرض؛ لأن ~~قاعدة حكم الضمير هي الحرص على الحق الأصح الموزع على الجماعة بالتساوي. وبحكم ~~سنة الانتخاب الطبيعي وبقاء الأفضل أو الأصلح بقيت الجماعات الأقوى ضميرا، ~~وانقرضت الجماعات الأضعف ضميرا، وبحكم هذه السنة نفسها كانت غريزية الضمير ~~تزداد رسوخا في الجماعات الباقية. ~~(3-4) الضمير عامل من عوامل رقي الأمم # فالضمير لا يخرج عن سنة التطور، سنة النشوء والارتقاء، وكيف لا يكون متمشيا ~~على هذه السنة وهو أهم عنصر في عقلية الإنسان الاجتماعية، ms071 وعليه يتوقف ~~الحرص على الحياة الاجتماعية وبنائها، كما يتوقف على سائر القوى العقلية ~~الأخرى، بل له النفوذ الأكبر في هذا التطور؟ فلا بدع أن يكون غريزة في النفس ~~كسائر القوى العقلية، يولد مع الإنسان، وينمو فيه، كما تنمو تصوراته وذاكرته ~~وسائر قواه العقلية. # لذلك لا بدع أن يكون الضمير متنبها في كل فرد عند كل فعل ليحكم وليزجر، وإن ~~كان تنبهه وتأثيره يختلفان باختلاف الأشخاص؛ فالأشخاص الذين يكون الضمير فيهم ~~ضعيفا لا يقاسون كثيرا من تأنيبه، ولكنهم لا يسلمون سلامة مطلقة من تأنيبه. ~~ولما كان تأثيره أظهر في الجماعة منه في الأفراد، لكون وظيفته الحرص على مصلحة ~~الجماعة في الدرجة الأولى كما علمت؛ كانت الأقوام الأضعف ضميرا أقل نجاحا، ~~وأكثر عرضة للانحطاط والتقهقر. ومن لا يعلم أن الأمة التي يكثر فيها الكذب ~~والخيانة والسرقة والإجرام يقل بالإجمال فيها الرقي، بل تكون أقرب إلى ~~الانقراض منها إلى البقاء؟! ~~••• # وهنا لا بد أن يلوح في ذهنك هذا السؤال: كيف يستطيع الضمير أن يميز بين ~~الحق والباطل، والصواب والخطأ، والجيد والرديء إلخ، لكي يجوز له أن يستخرج مبدأ ~~أو يشترع شريعة، ولكي يمكنه أن يصدر حكما سديدا ويقضي قضاء عادلا، ولا سيما ~~إذا قامت لديه ظروف مختلفة، وتراءت له نظريات متباينة يحار فيها؟ # تجد الجواب في الفصول التالية. # الفصل الرابع # | مستندات الضمير في قضائه # قد يلوح للقارئ أن الضمير يعتمد في اشتراعه وقضائه وأحكامه على الإحساس الأدبي العام، ~~كأن في الهيئة الاجتماعية روحا أدبية عامة توحي لكل فرد سليم العقل، وأدبي النفس، ~~قاعدة الحق والصواب. وربما حسب القارئ هذا الإحساس العام الضمير بعينه؛ لذلك يجدر بنا ~~أن نتبسط بهذا الموضوع لكي نتوصل إلى مصدر قوة الحكم. ~~(1) الإحساس الأدبي الخاص ~~(1-1) نقد الإحساس الأدبي # الشرائع المدنية والدينية، التي هي خلاصة روح الاجتماع، حتى الشرائع الطبيعية ~~توحي إلينا مبادئ أدبية؛ إما لأنها توافق وجداننا، أو لأن وجداننا يرتاح إليها، ~~أو لأننا نشعر أن طاعتنا أو مراعاتنا لها تقدرنا على نيل مثل أعلى في ~~ذاتيتنا، فإذن ms072 بين عقولنا وبين تلك المبادئ أو السنن الخارجية علاقة أو صلة ~~طبيعية. ولإدراك هذه الصلة، نجد فينا شعورا أو إحساسا يحملنا على استحسان بعض ~~الأمور، واستقباح أو استهجان بعض الأمور الأخرى. وهذا ما نسميه الإحساس ~~الأدبي. # هذا الإحساس الأدبي يقرب ما بين الجميل والجيد، كما أنه يقرب بين الجيد ~~والصواب والحق، حتى نكاد نرى هذه المبادئ الأولية مبدأ واحدا. والحقيقة أنها ~~متفرعة من مبدأ واحد حتى نكاد نحكم أن الجميل مثلا هو الجيد الوحيد، أو أن كل ~~جيد جميل وبالعكس. # والحقيقة أنه مهما قرب الإحساس الأدبي بين الجيد والجميل يبقى بينهما فرق ~~يميز أحدهما عن الآخر؛ فاستحسان الجميل يرجع للذوق، واستحسان الجيد يرجع للحكم ~~الأدبي، فنقول: إن هذه الصورة جميلة لأنها توافق ذوقنا، ونقول: إن صنع هذه ~~الصورة للذكرى أمر جيد؛ لأن وجداننا حكم بجودته؛ ففي الحالة الأولى لا ينتقد ~~ذوقنا إلا أهل الفن، وأما في الحالة الثانية فينتقد حكمنا الرأي العام. استحسان ~~الجميل ذوق عقلي لا يحتاج إلى تعليل ولا يناقش فيه، وأما استحسان الجيد، أو ~~بالأحرى استصوابه، فيستلزم تعليلا وتفسيرا. وكل ما يستلزم التفسير يستلزم ~~الحكم بكونه جيدا أو غير جيد؛ وبالتالي يحتمل النقد. # هذا هو الفرق بين الجيد والجميل؛ ولذلك يوجد فرق بين الإحساس الأدبي والإحساس ~~الفني. وقد تطرف بعض الباحثين - ومنهم شفتسبري وهتشنصون - فتصوروا الإحساس ~~الأدبي ذوقا أدبيا مماثلا للذوق الفني؛ مثلا لو سألك سائل: لماذا تشمئز من ~~كونك عاري الجسد وأنت وحدك في منزلك؟ فقد تستهجن سؤاله، وإن أصر على طلبه ~~الجواب قلت له: لأن لي عينين تريانني نفسي في المرآة فأستقبح نفسي، وإذا قال ~~لك: هب أنك كنت في الظلام، فتقول: مع ذلك أستهجن عريي؛ لأن أدبي يستنكر عري ~~الجسد، وإلا فأنا حيوان لا أحترم نفسي. # ومعنى ذلك أن الذوق الراقي يرشد إلى الجيد، كما أنه يشمئز من المنكر، وأن ~~السنة الذوقية الأدبية غريزة، أو غريزة ثانوية على الأقل تستنكر المنكر حتى ولو ~~كان خفيا كاستنكار العري في الظلام. ~~(1-2) الذوق الأدبي غير كاف ms073 للحكم # فبهذا الاعتبار يمكن أن يقال: إن الإحساس الأدبي نوع من الذوق، وإنما لكونه ~~هكذا لا يعتمد عليه كل الاعتماد في إدراك الحق والصواب؛ لأنه كذوق لا يقبل ~~التعليل، وبالتالي لا يقبل النقد ولا يصلح قاعدة للحكم الأدبي؛ لأن الحكم ~~الأدبي محصور في دائرة التعليل والنقد. كذلك الذوق الفني، متى كان يقبل ~~التعليل، وبالتالي يقبل النقد والحكم، خرج من دائرة الإحساس الفني إلى دائرة ~~الإحساس الأدبي. # ومع ذلك، لا يكفي الإحساس الأدبي أساسا للحكم في موضوعه، فإذا قلت للشعراء: ~~هذا الشعر جميل أو غير جميل، فقد يخالفونك ~~ويبرهنون لك الخلاف، وحينئذ تخرج المسألة من دائرة الذوق الفني إلى دائرة ~~الذوق الأدبي؛ ولذلك إذا كان الذوق الأدبي عرضة للتعليل والتفسير كان بطبيعة ~~الحال خاضعا للحكم التعقلي. ومع ذلك، هذا الاعتبار لا يكون قاعدة أدبية كافية، ~~وإنما هو درجة راقية في الشخصية الأدبية تساعد كثيرا في الحكم. هو ظاهرة ~~اجتماعية ترقى بالترويض والتهذيب. ذو الإحساس الأدبي لا يضطر إلى إنعام النظر ~~في المبادئ الأدبية؛ لأن هذه المبادئ مندمجة في ذوقه الراقي المهذب. ~~(1-3) تكون المبادئ العمومية # على أننا في الأدبيات نحتاج إلى مبادئ عمومية غير خاصة بذوي الذوق الراقي ~~فقط، بل بجميع طبقات الناس على السواء، كما أننا نحتاج إلى معرفة ما يكون ~~الذوق الأدبي الراقي في سائر الجنس البشري. وبهذا الاعتبار يختلف الإحساس ~~الأدبي عن الإحساس «أو الذوق» الفني. وإذا كان المرء ضعيف الذوق الفني فلا ~~ينتفي أنه عضو أدبي سليم في جسم المجتمع، ولكن إذا كان ضعيف الإحساس الأدبي كان ~~عضوا مريضا في جسم المجتمع. # وإذا تعمقنا في تحليل الإحساس الأدبي، المشار إليه آنفا، بلغنا إلى الضمير ، ~~وهناك نجد جذوره، وقد نجده متصلا بالبديهة أو قسما منها، إذا لم يكن هو إياها ~~بعينها؛ فالبديهة تعلم أن الأفعال صواب أو خطأ بحسب طبيعتها الداخلية، لا بحسب ~~الغايات الخارجة عنها التي تتجه إلى تحقيقها؛ فالصدق مثلا يعد واجبا لا لأنه ~~أمر جوهري للشخصية الاجتماعية، ولا لأي سبب خارجي، بل لأنه صواب وحق ms074 بحد ذاته. ~~فهو صوت في الضمير جازم بالحكم بلا اعتراض ولا تأويل، هو إدراك المرء المطابقة ~~التامة بين أفعاله وقاعدة الحق والصواب القائمة في يقينه، فإن ظهر في هذه ~~القاعدة عيب؛ فلأن العيب في الضمير نفسه أيضا؛ أي إن الضمير عليل. # والمرء الذي لا يفعل بضمير سليم يرتكب الخطأ طبعا، ولكن إن كان المرء حسن ~~الضمير وفعله خطأ؛ فلأن في قاعدته الأدبية عيبا: فتاجر الخمور لا يعد عليل ~~الضمير، وإنما العلة في قاعدته الأدبية؛ وهي «أن التجارة حرفة محللة»، فهو لا ~~يرغم السكير على شراء خمره، وإن لم يبعه هو الخمر باعه إياه سواه. # كذلك الجلاد لا يعد عليل الضمير، وإنما ~~العلة في قاعدته الأدبية؛ وهي أنه ليس إلا آلة لتنفيذ الحكم بالموت على المجرم. ~~ففظاعة تنفيذ هذا الحكم تنسب لقانون الحكومة لا له، فإذا اقتنع يوما ما أن ~~الحكم بالموت أمر فظيع على كل حال، ويجب أن يبطل من العالم؛ أصبح قبوله لوظيفة ~~الجلاد خطأ أو إثما، كذلك تاجر الخمور إذا اقتنع بأن هذه التجارة حرام وبقي ~~متاجرا بها عد أثيما. ~~(2) الإحساس الأدبي العام ~~(2-1) انبثاث المبادئ في المجموع # يستفاد مما تقدم أن القواعد الأدبية تختلف باختلاف الضمائر السليمة في درجة ~~تروضها وتهذبها، فقد تكون قاعدتك الأدبية غير قاعدتي؛ ولهذا نختلف في الحكم ~~بالرغم من أننا كلينا سليما الضمير، وإنما هناك إحساس عام تلجأ إليه الضمائر ~~السليمة، وتستمد منه القواعد الأدبية. # فإدراك الصواب والخطأ في الأفعال قوة كامنة في كل الناس، وإنما هذه القوة ~~متفاوتة فيهم، وهي في بعضهم مروضة أكثر من بعض. وأما المبادئ التي تحوم حولها ~~مدارك الناس فإنما هي قائمة في الإحساس العام الذي يكون المبادئ الأدبية ~~العليا، وإليها تلجأ الضمائر في اتخاذ قواعدها للحكم؛ لأن هذه المبادئ منبثة في ~~المجموع. ~~(2-2) الإحساس العام غير كاف للحكم # ولكن الإحساس العام يختلف أيضا باختلاف الأقوام والأزمان، حتى باختلاف طبقات ~~الناس وأعمارهم؛ لأن مرجعه إلى العقلية، والحقيقة العقلية غير مقررة في العقل ~~الاجتماعي؛ وبالتالي يكون الحق الأدبي المسند ms075 إلى العقل الاجتماعي غير مقرر ~~أيضا. فإذا عرض للعقل الإنساني مبدأ أدبي أعمق من مبادئ الإحساس العام حدث ~~ارتباك عند الضمير؛ ولذلك لا يستطيع الضمير أن يستند على الإحساس العام وحده، ~~كما رأينا أنه لا يستطيع أن يستند على الإحساس الأدبي الفردي، الذي رأينا أنه ~~يكاد يتحد بالبديهة كشيء واحد. # وحينئذ يصبح الضمير نفسه عرضة للوقوع ~~تحت الحكم فيما إذا كان صائبا أو مخطئا، وحينئذ ترانا كأننا في حاجة إلى ~~ضمير أعلى يحكم على الضمير المعتاد، فإن كان ثمة لنا ضمير آخر يحكم على الضمير ~~فلا نجده إلا في التعقل. إذن الضمير يحتاج إلى التعقل مع الإحساس العام ~~والإحساس الأدبي الفردي أو البديهة؛ فإذن لا غنى لنا في الارتشاد إلى المبادئ ~~أو القواعد الأدبية عن التعقل. وكما أن لنا تعقلا فكريا يعيننا على استنتاج ~~الحقائق من الظواهر العلمية، كذلك لنا تعقل أدبي يعيننا على استنتاج سنن الحق ~~أو المبادئ الأدبية. ~~(3) الحكم بحسب الشرائع ~~(3-1) هل يمكن أن تكون الشريعة قاعدة للحكم الأدبي؟ # الشريعة قرار أجنبي عن الضمير، قرار بصواب الأمر أو بخطئه. ويعني بها أية ~~شريعة؛ دينية أو سياسية أو أدبية، نافذة بحكم التقليد. فحكم الشريعة قد يسكت له ~~الضمير؛ لأنه صادر من سلطة فوق سلطانه، وبهذا الرضى لا يكون السلوك أدبيا؛ ~~لأنه غير مسند إلى حكم الضمير، لخلوه من الإرادة الحرة، ولاحتمال أن يكون بين ~~حكم الشريعة وحكم الضمير تضارب أو تباين؛ فهو إذن طاعة لوصية أو أمر خارجي، لا ~~سلوك أدبي. # وإذا تضاربت الشرائع أو ناقضت بعضها بعضا، كما لو ناقضت الشريعة السياسية ~~الشريعة الدينية، أو الشريعة الأدبية التقليدية؛ كأن تجيز الشريعة السياسية ~~الطلاق، والدين والعرف يحرمانه، أو كأن تحرم الشريعة الدينية الربا، ~~والسياسية تحلله باعتبار أنه مرابحة لا ربا، التجأ الضمير إلى التعقل ~~لتفسير الشريعتين والتوفيق بينهما؛ إذن لا تعد الشريعة حكما أدبيا مقررا ~~للصواب أو الحق. # حتى الشرائع الدينية تتصادم؛ فشريعة المسيح الذي قال: إنه لم يأت لينقض بل ~~ليكمل، مناقضة لشريعة موسى؛ موسى قال: «عين ms076 بعين.» والمسيح قال: «من لطمك على ~~خدك الأيمن فحول له الأيسر.» والشريعة المدنية لا تقول هذا ولا ذاك، بل تقول: ~~«قاضه؛ فيعاقب بحبس وغرامة.» # إذن يتعذر عليك أن تجد في الشرائع قواعد عامة تعد قواعد أدبية يستند إليها ~~العقل في الحكم؛ ولهذا كان المشترعون يحاولون أن يضعوا لكل حالة من الأحوال ~~قانونا خاصا بها. ومع تعدد الشرائع وتفرعها وتوسعها، لم يستطيعوا أن يحصروا ~~جميع الأحوال ويحددوا لها شرائع معينة، ولا أمكنهم أن يجعلوا الشرائع جامعة ~~مانعة غير متضاربة ولا متناقضة، بل يستحيل أن تكون الشرائع كذلك، كما أنه ~~يستحيل حفظها في الذاكرة لتكون مستندا في الحكم. وهب أن هذا المستحيل صار ~~ممكنا، فالاستناد على الشريعة ينفي أدبية السلوك نفيا باتا، ويلغي وظيفة ~~الضمير؛ لأنه لا يبقى محل للاختيار حين يقال: هذا حق وهذا باطل، أو هذا صواب ~~وهذا خطأ. ~~(3-2) لا # وإذا شئنا أن نستخرج من الشرائع عموما قاعدة أدبية عامة لنجعلها مستندا ~~للحكم، فلربما انتهينا عند الآية الذهبية: «حب قريبك كنفسك.» فهي قاعدة أدبية ~~لا قانون شرعي. ومع ذلك، هل تعصم من الخطأ وتغني عن حكم الضمير؟ هب أن لي هذه ~~الفضيلة، أي إني أحب خير غيري كخير نفسي، فإذا كان خير غيري يناقض خيري فماذا ~~أفعل؟ هنا يجب أن أزن بين الخيرين وأرى أيهما أرجح فأفعله؛ إذن أراني محتاجا ~~إلى قاعدة أخرى لا تستند إليها، هي الموازنة بين الخيرين للعلم أيهما أرجح؟ ~~وإذن أراني مضطرا للالتجاء إلى «التعقل» وانتداب الضمير ليقوم بوظيفته في ~~إصدار الحكم الأدبي. # فترى مما تقدم أن الشرائع مهما عدلت وكانت محكمة فلا تعد قاعدة للحكم ~~الأدبي، وإنما هي وصايا وأوامر تطاع رضوخا لسلطة نافذة. نعم ، إنها زبدة أحكام ~~أدبية، ولكنها أصبحت خارجة عن دائرة التعقل الأدبي، وبالتالي هي خارجة عن ~~دائرة بحثنا. لا تعد الشريعة حكما أدبيا إلا متى قبلها الضمير وأمر بإجراء ~~الفعل بموجبها؛ لأن الحكم الأدبي هو ما يصدر من داخل النفس لا ما يوجب عليها ~~من خارجها، ولا يقبلها الضمير إلا ms077 إذا كانت موافقة لحكمه ومزكية له. ~~(4) البديهة # إذا كان الإحساس الخاص والإحساس العام والذوق الأدبي والشرائع لا تصلح مستندات ~~كافية لقضاء الضمير وسداد حكمه، فإذن أين نجد مستنداته القوية المتينة؟ يقال: في ~~البداهة شيء منها؛ فلنبحث في البداهة أو البديهة. ~~(4-1) استقلال قوة الضمير # وتمهيدا للبحث نستخلص هنا بيان الأستاذ مويرهد عن الضمير: «(1) الضمير شيء ~~بسيط غير مشتق «أي أنه قوة مستقلة». (2) إن أحكامه بديهية في حالة حدوث الأفعال ~~أو في حالة تصورها بالشكل الذي تتهيأ به، فيشجب الكذب والجبن مثلا، ويوافق على ~~الصدق والشجاعة من غير أن يعلل حكمه. (3) لذلك له سلطة خاصة فيأمر من غير نظر ~~إلى الاعتبارات الأخرى كاللذة والنفع. (4) لذلك هو عام؛ أي موجود عند جميع ~~الأشخاص الأصحاء العقل. ولا نعني بعموميته أنه موجود في كل شخص وسلالة راقيا ~~بالتساوي، كما أن قوة تمييز الألوان والأشياء وقوة التعقل غير موجودة بالتساوي ~~عند كل الأشخاص والسلالات، بل نعني أن هذه القوة موجودة في داخل كل شخص كما أن ~~قوة التمييز موجودة أيضا.» # 1 ~~(4-2) غريزية البداهة # وبداهة الضمير في أحكامه غريزية كسائر الغرائز، وكونها غريزية جعلها قابلة ~~للتطور كسائر الغرائز، تبعا لتطور عقلية الإنسان واجتماعيته؛ ولهذا تختلف قوة ~~البداهة عند الأفراد والأمم والقبائل؛ فبالبديهة يسارع الهمجي إلى حمل حربته ~~للدفاع مع إخوانه عن قبيلته، وبالبديهة يسارع السياسي المتمدن إلى حل المشكلة ~~السياسية بالمساومة تداركا لنشوب الحرب. # فالضمير في حكمه البديهي لا يعتمد على سبب أو تعليل، بل هو صوت داخلي يصدر ~~على الفور قائلا: إن الكذب إثم والصدق فضيلة مثلا، ولا يستمد رأي التعقل إلا ~~متى اختلط عليه الأمر بين خيرين أو شرين. ~~(4-3) نشوء البديهة # وهنا تسأل: كيف نشأت البديهة وكيف تتطور؟ من أين جاء هذا الصوت على الفور؟ نقول: # أولا: # إن البديهة في الأصل قضاء اجتماعي غرس في الذهن على تمادي ~~الزمان مبادئ الحق والصواب والجودة إلخ؛ فصارت وراثة طبيعية، ~~فهي كسائر القوى العقلية التي اقتضاها الاجتماع الإنساني ~~فأصبحت راسخة، وكسائر النزعات التي اقتضتها الطبيعة ms078 فصارت ~~غرائز. # ثانيا: # إن التربية الاجتماعية لا تزال تغرس في الذهن هذه المبادئ، ~~فالإنسان منذ يولد إلى أن يشب لا يرى حوله إلا قدوة السلوك ~~والتمييز بين الجيد والرديء، والحق والباطل، والصواب والخطأ، ~~فلا بدع أن تزداد هذه المبادئ فيه انغراسا. وانغراسها على هذا ~~النحو يقرر بداهتها. هذا برهان آخر على أن البداهة ~~وراثية. # ثالثا: # إن الاختبار الشخصي يزيد هذه المبادئ انغراسا ورسوخا في ~~الذهن؛ فيتعلم المرء بنفسه من مبادئ الحق ما لم يعلمه. # رابعا: # التاريخ يمنح الأمم والأفراد فطنة للحق والصواب. # فجميع هذه العوامل تجعل الحق والصواب والجودة إلخ أمورا بديهية في الذهن؛ ~~بحيث إن الضمير يصدر حكمه من غير تفكير في السبب. ~~(4-4) مزكيات البديهة الضميرية # مع كل ذلك لا يندر أن تصطدم البديهة بالمتناقضات والمتضاربات، فماذا يفعل ~~الضمير حينئذ؟ يلتمس تزكية الشريعة والإحساس العام لترجيح أحد المتناقضات على ~~الآخر أو الأخر. والشريعة تزكي حكم الضمير لما توجبه من العقاب عند مخالفتها، ~~والمزكيات خمس كما ذكرها مويرهد: (1) التزكية الطبيعية: وهي توقع الآلام ~~الجسدية التي تنتج عند مخالفة الشرائع الطبيعية، كما لو أسرف الإنسان في إشباع ~~شهواته. (2) التزكية السياسية: وهي توقع الآلام عند مخالفة القوانين كالسرقة ~~والتزوير إلخ. (3) التزكية الاجتماعية: أي تزكية الرأي العام الذي يقتضي شجب ~~مخالفه، أو الثناء على موافقه. (4) التزكية الدينية: وهي الخوف من عقاب الآخرة ~~أو الرجاء بالثواب. (5) وقد أضاف مويرهد التزكية الأدبية الداخلية: وهي ارتياح ~~النفس أو قلقها في طاعة الضمير أو عصيانه. ونحن نرى أن ارتياح النفس أو قلقها ~~ليسا تزكية للحكم، بل هما تنفيذ للحكم. # ترى مما تقدم آنفا أن البديهة وحدها لا تكفي لإصدار الحكم السديد، وأنه كلما ~~وقع الضمير في حيرة وجب أن يعود إلى التعقل . ~~(5) التعقل الأدبي ~~(5-1) مستند التعقل الأدبي # التعقل الأدبي كالتعقل الفكري يقوم بالمقايسة المنطقية، ويرتكز على قوة ~~الاستدلال مستمدا مقدماته من الحقائق الأدبية، ولما كان يتعذر علينا أن نتعقل ~~كل فعل أدبي أو تصرف بشري، ونجعله مبدأ قائما بذاته - لا يمكن ذلك لتعدد أنواع ~~التصرفات ms079 تعددا لا يحصى - لم يكن بد من وضع قاعدة أدبية عامة تطبق عليها ~~جميع الأفعال والتصرفات، بحيث إن المبادئ التي تسير بموجبها تكون مبادئ عامة ~~يمكن أن يسير عليها الآخرون؛ فالمبدأ الأدبي هو ما يمكن تعميمه على سائر ~~الأفراد بحيث يكون لخير الفرد ولا يثلم خير الآخرين؛ وبالتالي يكون لخير ~~المجموع. ~~(5-2) القاعدة الأدبية العامة ونظرية كنت # فالقاعدة الأدبية العامة إذن هي أن تفعل ما يوافق المجتمع أن يفعله الآخرون ~~أيضا، وأن تمتنع عن الفعل الذي يوافق المجتمع أن لا يفعله الآخرون، وبعبارة ~~أخرى: افعل «وامتنع عن فعل» ما ترى أن فعله، «أو الامتناع عن فعله» يصح أن يكون ~~قاعدة عامة لجميع الأفراد على السواء، باعتبار أنك وإياهم شخصيات ~~اجتماعية. # وقد حسب كنت # Kant # هذه القاعدة قائمة بنفسها ~~مضمونة بنفس الفعل؛ أي إن الفعل الذي لا يتمشى عليها يسقط من نفسه أو يقتل ~~نفسه، وقد مثل على ذلك بقوله: إن الإخلاف بالوعد يعد خطأ؛ لأنه لا يمكن أن ~~يكون قاعدة عامة، فلو جعلناه قاعدة عامة بحيث يسوغ لكل فرد أن يخلف وعده حين ~~يشعر بميل إلى ذلك، فلا يعود أحد يثق بوعد، وحينئذ لا يعود أحد يعدا وعدا. ~~بالطبع متى لم يبق وعود فلا يبقى إخلاف بوعد؛ ولذلك يستحيل على الشخص الأدبي أن ~~يخلف وعده إذا كان ممن يحافظون على الأدبية الشخصية، ويريد أن يصدق الناس ~~بوعودهم له كما هو يصدق لهم. # كذلك الامتناع عن مراعاة مصالح الغير لا يمكن أن يكون قاعدة عامة؛ لأنه إذا ~~امتنع كل فرد عن مراعاة مصلحة غيره تتعرض مصالحه هو للخطر كما تتعرض مصالح ~~سواه، ومتى كانت كل المصالح في خطر لا يبقى لأحد مصلحة شخصية، بل تصبح كل مصلحة ~~فردية معلقة بالمجموع ؛ ولذلك يضطر كل فرد أن يراعي مصلحة المجموع ومصلحة غيره ~~حرصا على سلامة مصلحته. ~~(5-3) نقد مكنزي # وقد انتقد مكنزي نظرية كنت هذه القائلة بأن هذه القاعدة مضمونة بنفس الفعل، ~~أي إن الفعل الذي لا يتمشى عليها يسقط، فقال: إن هذه ms080 القاعدة تحتمل التفسير على ~~نحوين؛ الأول: أنه يمكن أن تؤخذ كقاعدة للسلوك العام المطلق، والثاني: أنه يمكن ~~أن تؤخذ كقاعدة لكل فعل بحسب الظروف المحيطة به. # والظاهر أن كنت قصد المعنى الأول، ولكن ~~يحتمل أنه يعني بها الأمر الثاني أيضا؛ فبحسب المعنى الأول تعد السرقة أمرا ~~خطأ؛ لأنه لا يصح أن تعد قاعدة عامة، ولكن بحسب المعنى الثاني يجب في كل سرقة ~~أن ينظر فيما إذا كان السارق يريد أن كل إنسان غيره يسرق متى كان في ظروف ~~كظروفه، كجان فلجان في رواية البؤساء لفكتور هيجو، فإنه حلل لنفسه سرقة الرغيف ~~لكي يطعم بني أخته الجياع. فبحسب التفسير الأول يعد الامتناع عن السرقة أمرا ~~واجبا، وبحسب التفسير الثاني نرى هذا الواجب ضعيفا رخوا. # مثال آخر: تلافي المصائب العمومية أو ~~بذل الجهود لتحسين الأحوال الاجتماعية يعد قاعدة عامة؛ لأن كل فرد أدبي يريده، ~~فإذا كان كل فرد يبذل جهده في هذا السبيل تزول المصائب، ويتحسن حال المجتمع، ~~وحينئذ لا تبقى حاجة لبذل الجهد هذا. فالامتناع عن بذل الجهد هذا حين لا يكون ~~ثمة موجب له لا يعد - بحسب نظرية كنت - قاتلا لنفسه، بل بذل الجهد نفسه أفضى ~~إلى عدم ضرورته، وإنما إهمال هذا الجهد عند لزومه يقتل نفسه؛ لأن كل فرد يشعر ~~أن إهماله جعل حال المجتمع سيئة؛ فيعدل عن الإهمال. ~~(5-4) ملاحظاتنا على مكنزي # على أننا لا نرى تعليل مكنزي هذا وجيها جدا فيما تقدم؛ لأنه حيث لا مصائب ~~ولا نقص في المجتمع فلا تتحرك إرادة الفرد الحسنة، ولكن متى كانت ثمة مصائب ~~عمومية ونقص اجتماعي تتحرك إرادة الفرد للجهاد لأجل خير المجموع. وإهمال هذا ~~الواجب يعرض الفرد للكارثة؛ فالإهمال إذن يقتل نفسه، وإنما أصاب مكنزي بأنه قيد ~~القاعدة بالظروف والأحوال المحيطة بالسلوك الأدبي، وإذا كان لا بد للمرء ~~الأدبي أن ينظر في الأحوال اضطر أن يستعين بالإحساس العام؛ لأن قولك: «نفعل ما ~~يريد أن يفعله الآخرون تحت الظروف والأحوال التي نفعل فيها نحن.» هو كقولك: ~~«إننا نفعل ما نستحسن ms081 فعله.» إذن نحن مضطرون أن نلجأ إلى الإحساس العام في هذا ~~الاستحسان. # ثم إن هناك أفعالا نريد أن نفعلها ولا غبار علينا أن نفعلها، ولكن لا يصح أن ~~تكون قاعدة عامة، مثال ذلك: أنك تريد التبتل؛ أي الامتناع عن الزواج، وتعده ~~فضيلة. وبامتناعك عنه لا تضر المجموع، ولكن إذا جعلته قاعدة عامة يجب على كل ~~فرد اتباعها عرضت السلالة للانقراض، كذلك الصوم أو الإسراف في العطاء للأعمال ~~الخيرية ونحو ذلك. كل هذه تريدها ولكنك لا تستحسن أن تجعلها قاعدة عامة. وهناك ~~أمور كثيرة تريدها ولا يصح أن تبتغي من غيرك أن يريدها، وهي بحد ذاتها ليست ~~خطأ. ~~(5-5) القاعدة الصحيحة # فالقاعدة صحيحة على الإطلاق، باعتبار أن نأبى ما يصح إباؤه أن يكون قاعدة ~~عامة، وأن نفعل ما نريد أن يفعله الغير، وأن لا نفعل ما نريد أن لا يفعله ~~الغير، اللهم إذا كان لا يضر بالغير ولا بالمجموع. # فصلاحية الفعل إذن ليست قائمة بالفعل نفسه؛ بمعنى أنه إذا لم يكن صالحا يبطل ~~تعميمه من نفسه، بل إن صلاحيته قائمة في موافقته للشخصية الاجتماعية أو عدم ~~مناقضته لها على الأقل. # أما كيف نعرف ما يوافق الشخصية الاجتماعية # 2 # ويناقضها، وكيف نعرف ما تود أن يكون قاعدة عمومية وما لا نود، يجب ~~أن نتعقل طبيعة مشتهياتنا، ونرى إن كانت تتفق مع طبيعة شخصيتنا الاجتماعية أو ~~تناقضها. يجب أن نحكم على أعمالنا من قبيل الشخصية العامة لا من قبيل ذاتيتنا ~~الخاصة، وثم نفعل أفعالنا بمقتضى طبيعة تلك الشخصية العالية. ~~(5-6) تصادم البديهة والتعقل # إذا كان كلا بداهة الضمير والشعور بنتيجة الفعل غريزيين # 3 # وكلاهما متلازمين، أفلا يمكن أن يختلفا؟ لنفرض أن الضمير قضى بأحد ~~أمرين بناء على أن التعقل استصوبه دون الآخر، ولكن الشعور الذي صاحب الأمر ~~المستصوب كان كآبة أو قلقا. هب أنك استصوبت أن ترد شحاذا لكي لا يتعود ~~الشحاذة، ولكنك تألمت لرده خائبا، فكيف تفسر هذا التناقض بين الشعور المؤلم ~~والحكم المعقول المستصوب؟ وأي الوجهين أفضل أو أصح؟ # يمكننا أن ms082 نفسر هذا التناقض بأن الشعور بالشفقة مثلا أمر صادر من أقوى غريزة ~~في النفس؛ ولهذا يستمر ملازما للسلوك المعاكس له بشكل تأنيب حتى بعد تقرير ~~التعقل أن ذاك السلوك أصح أدبيا. هكذا يتألم الأب إذا ردع ابنه عن أمر سار ~~له مع شدة اقتناعه بأن منعه أسلم عاقبة له. # إذن يبقى أمامنا هذا السؤال: أي الوجهين أحق بالتغلب؟ أنتبع الشعور الغريزي ~~أم الحكم المعقول؟ ألا يجب أن نبحث عن سبب لتفضيل قاعدة للحكم في جهة أخرى غير ~~جهة شهادة العقل؟ سنجد الجواب في فصل قاعدة الحق والصواب. # وفيما تقدم علمت أن بداهة الضمير عامة في الأفراد والأمم، ولكن لا يخفى عليك ~~أن أحكام الضمائر تختلف باختلاف الأفراد والأمم، وباختلاف الأزمنة أيضا، فما ~~هو حق وصواب عندك قد لا يكون كذلك عند غيرك، أو لم يكن كذلك في عصر ماض. نعم، ~~إن الحق والصواب يختلفان باختلاف الأشخاص والأمم والأزمنة، ولكن لا يختلف الناس ~~في كل زمان على أنه يوجد شيء حق وشيء باطل، أو صواب وخطأ. وتقرير أحد الوجهين ~~يرجع إلى البداهة والتعقل؛ فهما يقرران القاعدة أو المبدأ، كما سيجيء بيانهما؛ ~~فالبداهة وحدها لا يمكن أن تكون مستندا للحكم، ولا سيما إذا اختلط الأمر على ~~الضمير، ولا بد من شهادة العقل كما تقدم. ~~(6) نضوج التعقل بحكم أغراض الحياة الإنسانية ~~(6-1) غرضية الإنسان تستوجب تعقليته # يتميز الحي عن الجماد بأن حركته داخلية؛ أي إنها تحت سيطرة مركزه الداخلي وما ~~هي خاضعة الخضوع المطلق للسيطرة الخارجية، فهو يستطيع أن يقاوم الجاذبية ~~العامة، يستطيع أن يصعد من السهل إلى الجبل، وماء النهر لا يستطيع، وإذا كانت ~~حركته هكذا؛ أي داخلية وتحت سيطرة مركزه، فلا تصدر ولا تتخذ جهة دون أخرى إلا ~~لأن لها غرضا أو غاية عينها ذلك المركز. فالحي على الإطلاق غرضي؛ أي ذو ~~غرض، وجميع أغراضه أو مجهوداته في سبيل أغراضه تؤدي إلى بقائه بحسب شكله الخاص ~~المعين. # والحيوان يختلف عن النبات من قبيل غرضيته بأنه ذو نزعات متمركزة في الجهاز ~~العصبي، ms083 وهي التي تعين الغرض وتوجه الحركة إليه، والإنسان يمتاز على الحيوان من ~~هذا القبيل بأنه يدرك غرضه ويفهمه ويفهم تمركز نزعاته واتجاهها إلى غرضه، وفوق ~~ذلك يدرك أن له مركزا أعلى يسيطر على هذه النزعات وعلى الغرض، والنبات متوقف ~~على ما تقدمه الطبيعة لغرضه. والحيوان ساع إلى غرضه حسبما تهيئه له ~~الطبيعة، ولكن الإنسان يستخرج غرضه من الطبيعة عنوة، فهو يدبر عالمه. وأما ~~الحيوان والنبات فعالمهما يدبرهما. # وحاصل القول أن غرض الإنسان يعينه الإنسان نفسه لنفسه، لا الطبيعة تعينه ~~له، والحيوان منقاد بغرضه، والإنسان منقاد بتصور غرضه، وقد يبتدع غرضه. والغرض ~~ممنوح من قبل الطبيعة حسب سننها، والحيوان خاضع خضوعا أعمى لسنن الطبيعة، ~~والإنسان يتمشى حسب سنن الطبيعة وهو فاهمها؛ ولهذا يتدبرها موفقا بينها ~~وبين غرضه: تارة مجاريا، وأخرى مداريا أو متفاديا، حسبما يتراءى له السبيل ~~الأكفل لغنم غرضه. ذلك هو معنى قولنا: إن الإنسان يتعقل، وإن سلوكه معقول، وإن ~~ضميره استند إلى تعقله، وإن أدبيته متوقفة على تعقليته. ~~(6-2) التعقل والأغراض العليا # مما تقدم تفهم أن التعقل طرأ على الحياة الإنسانية، ووظيفته التكييف والتهيئة ~~للتوفيق بين الواسطة والغاية وحسبان النتيجة؛ أي إنه يدبر السلوك ويوجهه في ~~السبيل المؤدي إلى الغرض، أو الغرض الذي يمكنه أن يجده في الطبيعة، أو يستطيع ~~أن يستخرجه من قلبها. فالإنسان ليس حيوانا مائيا، ولكنه يستطيع أن يعيش في ~~وسط الماء في سفينة أو غواصة، ولا هو عصفور هوائي، ولكنه استطاع أن يستنبط ~~طيارة تطير في الهواء، فالإنسان بقوة تعقله هذه إذن هو أحيل الأحياء. # ولا يخفى أن أغراض الحياة القصوى وجدت فيه كما وجدت في الحيوانات، وهو يتحرك ~~بغرائزه وأهوائه وشهواته إلى تحقيق غاياتها كالحيوان، ولكن وجد فيه، دون ~~الحيوان، تعقل لا تقف وظيفته عند تدبير الوسائل لإرضاء تلك الغرائز والشهوات ~~التي يشترك بها مع الحيوان، بل تتمادى وظيفة هذا التعقل إلى ابتداع أغراض أخرى ~~أجود وأسمى وأمنح لسعادة أعظم، تكبح جماح تلك الغرائز والشهوات أو تقمعها ~~بتاتا. # قد تتراءى هذه الأغراض السامية مناقضة ms084 لسنة البقاء التي يتمشى عليها كل حي؛ ~~كالتضحية لأجل الإنسانية، وحب المعرفة لأجل المعرفة نفسها، والمروءة المتهورة ~~إلى غير ذلك، ولكن أقل تأمل في هذه الأغراض السامية يريك أنها مبادئ أساسية ~~لإسعاد المجتمع الذي يتقاسم خيره الأفراد، وللمضحي حصة منه، فضلا عن ابتهاج ~~نفسه بثناء المجتمع. # ولأقل تأمل أيضا، ترى أن هذه الأغراض العليا التي استنبطها التعقل أكثر ~~عددا، وأعظم قيمة، وأوفر إسعادا من الأغراض الجسدية أو الوقتية أو الفردية، ~~بل هي الأغراض التي تتألف منها الحياة الإنسانية على العموم، وحياة الفرد ~~الاجتماعية على الخصوص. وهذه الحياة المتألفة من هذه الأغراض هي ما يسعى ~~الإنسان الآن حرصا على بقائها ويجاهد لأجلها. # على أن هذه الأغراض السامية تختلف عن الأغراض التي تحرك الفعل إليها الشهوات ~~والغرائز الجسدية بأمرين؛ أولا: بأننا نبتغيها دائما ولكننا لا نحصل عليها ~~كاملة، بل نشعر دائما بنقص فيما نحصله منها؛ ولذلك نطمع بأن نحصل على ما هو ~~أتم منها؛ لأنها تشق السبيل إلى ما هو أبعد، فهي إذن بيئة المثل الأعلى. وأما ~~الأغراض الحيوانية أو الجسدية فينتهي حدها عند الحصول عليها، ولا تدفع الحي ~~إلى ما هو أبعد منها. # إذن لأن الأغراض الإنسانية تعقلية هي قابلة الرقي، وأما الأغراض الجسدية ~~فليست هكذا، ثانيا: أن هذه الأغراض العليا تشتمل السيطرة على الأغراض الجسدية ~~وتنظيم الحياة الإنسانية على قواعد أخرى غير قواعد الحياة البهيمية؛ ولذلك هذه ~~الأغراض التعقلية من اختصاص السنن الأدبية، أي هي موضوع هذا العلم. ~~(6-3) سلطان الأغراض التعقلية # ولا يخفى عليك أن إدارة التعقل المخالفة لإدارة الغرائز البهيمية قطعت دائرة ~~الشهوات والأهواء ووسعتها، حتى إذا عجزت الأغراض التعقلية عن ضبطها تهورت في ~~الفساد، أما دائرة الغرائز والشهوات الحيوانية فبقيت في دائرتها الضيقة ~~المرسومة لها؛ إذ لم تطرأ عليها قوة أخرى كالتعقل لكي تمر فيها ، ولهذا لا يعيش ~~الحيوان عيشة فساد كما يعيش الإنسان. # ولأن للإنسان قوة الاختيار؛ أي الحرية في أن يختار أغراضه ويعينها، أصبح تحت ~~خطر سوء الاختيار، فبدلا من أن يدفعه التعقل والحرية في ms085 سلم الرقي قد يهبطان ~~به إلى أسفله، وبدلا من أن يرفعاه عن درجة الحيوان فقد يحطانه دون درجته، فلما ~~أفقده تعقله النظام الطبيعي الجسداني أصبح إذا ضل به التعقل لا يستطيع أن ~~يرتفع إلى النظام الروحاني، وبدلا من أن يكون سلوكه حيوانيا غير مسند للتعقل ~~يصبح أحط من الحيواني، ومخالفا للمعقول. # إذن لكي تنجو الحياة الإنسانية من خطر الفساد هذا يجب أن تكون دائما أسمى ~~غرضا، وأن تبتدع هي بنفسها نظاما وتعضده وتقيمه مقام نظام الغرائز. كيف ~~يتسنى لها ذلك؟ لقد فهمت فيما تقدم أن الأغراض العقلية تسيطر على الغرائز ~~والشهوات بمعنى أنها تدربها إلى اللذة الفضلى؛ لأنها تقمعها قمعا، فإذا كانت ~~هذه الشهوات والغرائز تحصل على أغراضها من الطريق الذي ترشدها إليه الأغراض ~~العقلية. # فعلى التمادي تتعود أن تبتغي غايتها من هذا الطريق، وعلى التمادي يصبح الغرض ~~التعقلي مندمجا في الغريزة والشهوة. وأخيرا يصبح أصيلا فيها، وهكذا تتكون ~~في أذهاننا المثل العليا والسجايا الحسنى، وتصبح نواة تحوم حولها شهواتنا، ~~بعد أن كانت شهواتنا مطلقة الحبل على الغارب، وهكذا تبني الحياة الإنسانية ~~نفسها بمبادئها وأغراضها العليا. # وبعبارة أخرى تتأصل فينا هذه الأغراض التعقلية السامية تارة بتذكر اختباراتنا ~~لها التي تشهد على جودتها، وتارة بالقدوة بالذين ينتمون إليها، وتارة باستحسان ~~الرأي العام لها، وتارة بممارستها ومزاولتها ولو عن غير روية، أو بحكم العادة. ~~ومتى تأصلت تصبح عدوة لكل ما يناقضها من الشهوات البهيمية، وأليفة لكل ما ~~يوافقها. هكذا نشأت الفضائل في الناس على تمادي الزمان، وهكذا تميزت الحياة ~~الإنسانية على الحياة الحيوانية. # الفصل الخامس # | القاعدة الأدبية # بحثنا في الفصول الثلاثة السابقة في كيفية الحكم على الفعل الأدبي؛ هل هو حسن وصواب ~~وحق أو ليس كذلك، وأسهبنا في بيان أساليبه التي تكفل إصابة الحكم وسداده، وأبنا أن ~~هناك قاعدة أدبية يطبق عليها الحكم، وأشرنا إليها إشارة موجزة. وفي هذا الفصل نبحث في ~~ماهية القاعدة الأدبية العامة وطبيعتها كشريعة من جملة الشرائع تنطوي فيها جميع المبادئ ~~الأدبية. ~~(1) طبيعة القاعدة الأدبية ~~(1-1) استقلال القاعدة ms086 الأدبية عن التعقل والأهواء # إن ما بين التعقل والعواطف من التنازع والتباين في تحريك الأفعال جعل لعلم ~~أدب النفس وجهتي نظر، وللبحث فيه موضعين رئيسيين يقابلان وجهتي النظر، وقسم ~~العلماء الأدبيين إلى فريقين اختص كل منهما بأحد الموضوعين. وهكذا تباينت مناهج ~~الفريقين في سياق أبحاثهما، وتباينت تعاليمهما. # ومحصل تعليم أحدهما أن التعقل عبد للأهواء، ولا بد أن يكون كذلك؛ لأنه لا ~~يستطيع إلا أن يقود نوابض النفس أو شهواتها، ويدربها في السبيل المفضي إلى ~~إرضائها وإشباعها. وبحسب هذا التعليم يكون الجيد أو الحسن الرئيسي للحياة ~~منحصرا في إرضاء نوابض الحياة أو شهواتها حين تنبض. وهذا هو مآل تعليم ~~السروريين # Hedonisis ~~. # ومحصل تعليم الفريق الآخر المباين لذلك هو أن للحياة الأدبية سنة يجب أن تخضع ~~لها تلك النوابض لكي تتكيف في شكل نظامي. ومن مباحث هذا الفريق يستنتج أن هذه ~~السنة هي سنة التعقل، وأن حاصل الغاية التي يتجه إليها النابض المدرب هو السرور ~~أو اللذة. # وهناك فريق آخر يتوسط بينهما، ويعد الغاية التي يتجه إليها النابض قوة لا ~~لذة، وأن السنة التي يجب أن يخضع لها النابض ليست التعقل، بل هي السنة الأدبية، ~~ونحن في هذا البحث نتخذ هذه الخطة الوسطى. # إن الصورة الأدبية تتمثل في شكلين رئيسيين؛ وهما: الصواب # 1 # والحسن، فنحن نتصور الأدبية متمثلة في قاعدة أو مبدأ أو طريقة ~~للسعي إلى غاية، وبعض الباحثين تحوم أفكارهم حول قاعدة رئيسية للأدبيات يعدونها ~~سنة أمرية يعرف بموجبها ما هو الصواب الذي يجب أن يفعل، وآخرون يعتبرون ~~الحسن ما يسدد الناس إليه قصدهم. وبناء على هذا الاعتبار يحكم على أفعالهم ~~محمودة أو مذمومة؛ فعند الأولين القاعدة الأدبية العليا هي سنة الواجب، وعند ~~الآخرين هي سنة السعادة. # وإذا أدمجنا السنتين معا كان الكمال سنة الأدبيات. والمراد بالكمال هنا ~~كمال الشخصية. ~~(1-2) القاعدة الأدبية سجية # تبتدئ كل سنة أدبية بشكل شريعة أمرية تقضي بثواب وعقاب، وعلى التمادي تصبح ~~طاعة الشريعة عادة، ويشعر الناس أنها شيء حسن لما توليه من الخير للأفراد ~~وللمجتمع، ms087 وحينئذ تقل الحاجة إلى تنفيذها بالقوة؛ فينفذها الجمهور طوعا ~~واختيارا، ثم على التمادي أيضا تصبح عادة، وطاعتها غريزة موروثة أو سجية، فلا ~~يشعر الناس أنها شيء حسن فقط، بل يشعرون أنها طبيعة أو خلقة فيهم، فلا يبقى ~~لزوم لشرعيتها، ولا لقوة تنفذها. حينئذ تصبح شيئا حقا أو صوابا؛ ولهذا تعد ~~سنة أدبية، سنة الواجب الحق الصواب. # فنحن الآن نكتسي ساترين عورتنا من غير أن تكون لنا شريعة اكتساء منفذة ~~بالقوة؛ لأننا نشعر أن ستر العورة أمر صواب وحق، فضلا عن أنه أمر حسن، ونخجل ~~إذا انكشفت عورتنا حتى ولو كنا في خلوة، ولكن في القديم كان ستر العورة شريعة ~~أمرية؛ لأن الناس لم يكن لهم شعور الخجل بانكشاف العورة. قس على هذا عادة ~~الحجاب وغير ذلك من العادات التي كانت في الأصل شرائع أمرية فأصبحت سنة أدبية ~~متبعة طوعا واختيارا بلا إكراه. # وإلى الآن كلما رامت الهيئة الاجتماعية عادة أدبية جديدة اشترعت لها شريعة ~~أمرية لتنفذها بالقوة ريثما تصبح على التمادي عادة مستحبة، مثال ذلك: البصاق في ~~رصيف الشارع، أو في الترام، أو في أي مجتمع يعد في بعض الممالك مخالفة يغرم ~~عليها المخالف غرامة مالية؛ ففي الولايات المتحدة يغرم مائة جنيه من يبصق في ~~الترام، ومائة ريال من يبصق على الرصيف. # فالسنة الأدبية إذن هي الواجب الذي يفعله الإنسان من تلقاء نفسه؛ لأنه حق ~~وصواب، فهي سجية فيه، ولكي نفهم حقيقة معنى السنة الأدبية نجلو حقيقة سائر ~~السنن الأخرى، ولا سيما لأن لها تأثيرا في الحياة الأدبية. ~~(1-3) السنن العمومية جمعاء ~~(1) # السنن الكونية الطبيعية ~~: كسنن ~~الجاذبية والنور والحرارة والكهرباء إلخ، فهذه سنن عامة ثابتة غير ~~متغيرة بالنسبة لحياتنا المحدودة الأجل، وليس في وسعنا أن نعصاها؛ ~~ولذلك نستنتج الحوادث الطبيعية القادمة مما حدث في الماضي، فنعلم ~~أن الشمس تشرق في الصباح ولا قدرة لنا على منع شروقها، ونعرف أن ~~الربيع يعقب الشتاء، والصيف يعقب الربيع إلخ، وليس في وسعنا أن ~~نبدل الربيع بالخريف. ~~(2) # السنن الاجتماعية المحتومة ~~: ~~وهي ما قضت به ms088 روح الاجتماع وعوامله، وهي غير عامة وغير ثابتة، بل ~~هي متغيرة، على أن منها ما لا تمكن مخالفته؛ كسنة العرض والطلب في ~~الأمور الاقتصادية، فهي ثابتة ما دام النظام الاجتماعي إفراديا، ~~ولكن إذا صار النظام اشتراكيا انتفت السنة برمتها؛ إذ لا يبقى ~~لها لزوم. # وما دامت سارية فهي جيدة للحال الاجتماعية الجارية، ولا يمكن أن ~~تخالف أو تعصى؛ لأن تقابل العرض والطلب يحدد السعر، ومن يرم ~~أن يرفع السعر عما حددته هذه السنة لا يستطيع أن يبيع شيئا، ومن ~~يطلب السلعة بثمن أقل من السعر لا يستطيع أن يشتري؛ فسنة العرض ~~والطلب وإن كانت قابلة التغير ليست قابلة المخالفة أو ~~العصيان. # كذلك اللغة وقواعدها هي سنة تختلف باختلاف الأقوام، وقابلة ~~التغير بتقلب الأزمان؛ فلغة اليونان اليوم غير لغتهم في قديم ~~الزمان، ولكنها لا تخالف؛ لأن من يخالفها بتغيير قاعدة فيها، أو ~~بتغيير معاني بعض ألفاظها يعجز عن التعبير بها، ويستحيل عليه ~~التفاهم بواسطتها. فهو لكي يستطيع أن يتفاهم مع غيره بها مضطر أن ~~يحافظ على معاني ألفاظها، وعلى قواعد نحوها وصرفها. # ومن السنن الاجتماعية ما تمكن مخالفته؛ كالزواج والحجاب والعادات ~~العرفية والأزياء إلخ. ~~(3) # السنن المدنية ~~: أي الشرائع ~~الأمرية، فهي غير عامة ولا ثابتة، بل هي في كل بلاد غيرها في ~~الأخرى، وهي اليوم غيرها بالأمس. وهذه أيضا تمكن مخالفتها؛ فقد ~~يعصاها بعض الناس سرا وجهرا إذا رضوا بتحمل العقاب. ~~(4) # الشرائع الدينية ~~: وهي كسابقتها ~~غير عامة وغير ثابتة، وقابلة المخالفة، فلمن هو مستعد لتحمل عقاب ~~الآخرة أن يعصى وصايا الإله. ~~(1-4) طبائع السنن المختلفة # فترى مما تقدم أن السنن مختلفة الطبائع من حيث التغير والمخالفة، فمنها: (1) ~~سنن قابلة التغير وقابلة المخالفة؛ كالسنن المدنية. (2) سنن قابلة التغير ~~ولكنها غير قابلة المخالفة؛ كالسنن الاقتصادية. (3) سنن غير قابلة المخالفة ~~وغير قابلة التغير؛ كالسنن الكونية بالنسبة إلينا. (4) سنن غير قابلة التغير ~~ولكنها قابلة المخالفة؛ كالسنة الأدبية. ~~(1-5) ثبات السنة الأدبية # إذن السنة الأدبية لا تقبل التغير؛ لأنها سنة الحق أو الصواب. والحق أمر عام ~~وثابت ms089 في كل زمان ومكان، ولكنها تقبل المخالفة لأنها ليست وراء دائرة الذاتية ~~الشخصية؛ كسنة الجاذبية مثلا، أو كسنة العرض والطلب، أو كسنة اللغة؛ لأن ~~المعاملة بحسب هذه السنن لا تتم إلا بتوافق طرفين؛ أحدهما: الشخص، والآخر: ~~السكون في الأولى، والمجتمع في الثانية، بل هي ضمن دائرة الشخصية. فللشخصية أن ~~تتخلق بها أو أن تتجرد منها؛ ففي حالة تخلقها بها تكون شخصية كاملة متجهة إلى ~~المثل الأعلى في الجودة، وفي حالة تجردها منها لا تبقى شخصية إنسانية أدبية؛ أي ~~إن الذاتية تفقد حينئذ الشخصية الكاملة المشار إليها. # فالسنة الأدبية تختلف عن السنن الاجتماعية المدنية والدينية بكونها غير قابلة ~~التغير كهذه، ولكنها تتفق معها بكونها قابلة المخالفة، على أنها تخالف السنن ~~الدينية والمدنية بكونها غير أمرية، بل هي حتمية طوعية. وهذا القول يستلزم ~~تفسيرا كما سترى فيما يلي: ~~(1-6) السنة الأدبية سجية # الشرائع الدينية والمدنية أمرية؛ لأن الأولى صاغها إله، والأخرى صاغها ~~النظام الاجتماعي بقالب «يجب أن تفعل أو لا تفعل»؛ فإن خالفت الشرائع الدينية ~~عوقبت في الآخرة، أو إن خالفت الشرائع الدينية عوقبت في هذه الدنيا، فهي صادرة ~~من سلطة خارجة عن ذاتية الشخصية، مصحوبة بالوعد أو الوعيد، والشخصية مطالبة ~~بطاعتها، بيد أنها حرة في الاختيار بين الطاعة والعقاب. # وأما الشريعة الأدبية فليست أمرية هكذا؛ لأنها سجية داخلية مندمجة في الشخصية ~~الإنسانية الكاملة، وهي حتمية ما دامت الذاتية محافظة على إنسانيتها وكمالها؛ ~~أي إن حفظ السنة الأدبية أو المحافظة عليها سجية في الشخصية الإنسانية، فهي إذن ~~أمر لا بد منه لقيام الشخصية الإنسانية، وهي طوعية؛ أي اختيارية؛ بمعنى أن ~~المرء حر في أن يحتفظ بشخصيته الإنسانية الكاملة فيتمشى على السنة الأدبية ~~حتما، أو أن ينبذ شخصيته الإنسانية ويقتصر على ذاتيته الحيوانية المسيرة بقوة ~~الغرائز والشهوات فقط من غير تقيد بالشرائع. # كذلك تختلف السنة الأدبية عن السنتين الدينية والمدنية بكونها لا تعرض عقوبة ~~لمخالفتها؛ لأنها ليست أمرية كما تقدم بيانه، وإنما العقوبة تجلبها المخالفة ~~نفسها معها. فكل خطيئة تجلب عقابها. وهذا يستلزم ms090 زيادة إيضاح أيضا. # إن ذا الشخصية الإنسانية الكاملة يتمشى على الشريعة الأدبية لا تحاميا ~~للعقاب، بل لأن هذه الشريعة سجية فيه، وإرضاء هذه السجية غايته الحسنى، وسعادته ~~قائمة ببلوغه إلى هذه الغاية وإرضائه هذه السجية، فإذا خالف السنة الأدبية فقد ~~بالطبع هذه الغاية، وانثلمت شخصيته الإنسانية الكاملة، وكان فقد الغاية وانثلام ~~كمال الشخصية كعقوبة له؛ فترى أن العقوبة جاءت عن يد الخطيئة لا عن يد السنة ~~الأدبية؛ لأن هذه السنة ليست أمرية كالشرائع الدينية والمدنية لتكون مقرونة ~~بالوعد والوعيد، بل هي عنصر طبيعي محتوم وجوده في الشخصية الإنسانية، وبدون ~~وجوده فيها لا تكون الشخصية إنسانية، بل تكون حيوانية فقط. ~~(1-7) سنة «لا بد» # فترى مما تقدم أن السنة الأدبية مصوغة بقالب «لا بد»، وأما الشريعة المدنية ~~والدينية فمصوغة بقالب «يجب»؛ فالشريعة تقول: «يجب أن تفعل كذا أو لا تفعل كذا ~~وإلا عوقبت، وليس لك أن تناقش فيما إذا كان هذا حقا أو صوابا.» # وأما السنة الأدبية فتقول لك: «لا بد أن تفعل كذا إذا كنت محتفظا بشخصيتك ~~الإنسانية الكاملة؛ فإن لم تفعل فقدت شخصيتك هذه.» # إذن الواجب الشرعي أمر مفروض على الإنسان، وأما الواجب الأدبي فشيء لا بد منه ~~في طبيعة الإنسان، فإذا عنينا بالواجب والحق كسنة أدبية كنا نعني به أمرا لا ~~بد منه لقوام الشخصية، وإذا عنينا به كشريعة مدنية أو دينية كنا نعني به واجبا ~~مفروضا على الإنسان. ~~(1-8) السنة الأدبية مثل أعلى # ربما لاح في بال القارئ بعد هذا الشرح هذا الاعتراض: إن السواد الأعظم من ~~الناس يريدون أن يكونوا ذوي شخصية إنسانية كاملة، ويودون التمشي على سنة الحق ~~والواجب احتفاظا بشخصيتهم هذه، ولكنهم لاختلاف في عقليتهم وذكائهم وظروفهم ~~قد يختلفون في فهم الحق والصواب. إذن يمكن أن لا تكون السنة الأدبية «سنة الحق ~~والواجب» عامة وثابتة، وأن يختلف الحق والواجب عند الناس والأقوام . # هذا حقيقي، قد يختلف الناس والأقوام في فهم الحق؛ ولذلك قد يتراءى لنا أن ~~الحق ليس واحدا، ولكن مما لا ريب فيه ms091 أن جميع الناس المتعقلين وجميع الأمم ~~الراقية متفقون على أن للإنسانية سنة أدبية واحدة ثابتة عامة غير متغيرة؛ هي ~~سنة الحق والواجب، وجميعهم متفقون على أن الحق واحد لا يختلف فيه اثنان؛ أي إنه ~~كالأوليات الرياضية، وإنما إذا اختلفوا في تحديد الحق والواجب فلأن جانبا منهم ~~منثلمو الشخصية الإنسانية الكاملة التي أشرنا إليها آنفا - وقد تمثلت في ~~تضاعيف أبحاثنا الآنفة والآتية شخصية ذكية عارفة متعلقة فطنة فاضلة - أو لم ~~يستطيعوا أن يتمشوا على السنة الأدبية؛ فضلوا السبيل عن الحق والواجب، وادعاه ~~كل منهم كما شاءه لا كما هو. ~~(1-9) السنة الأدبية تكمل الشخصية # فالحق والواجب مثل أعلى يسعى إليه لا وصية تطاع أو تعصى. وما دمت تسعى إلى ~~هذا المثل الأعلى فأنت تمشي على السنة الأدبية؛ سنة الحق والواجب، وأنت محتفظ ~~بشخصيتك الكاملة، فإن أسأت فهم الحق والواجب وأنت حسن الإرادة والقصد، فلا تفقد ~~شخصيتك الإنسانية الكاملة؛ لأنك لا تلبث أن تشعر بانثلامها عند ظهور الخطأ، ~~ومتى ظهر لك الخطأ لا تلبث أن تصححه توخيا لسلامة شخصيتك. # لا بدع أن نضل السبيل عن الحق والواجب لجهل أو لضعف، ولكننا ما دمنا مصرين ~~على السعي إلى المثل الأعلى فنحن في سبيلنا إلى محجة الحق والواجب، ولا بد أن ~~نصل. # ولو كان جميع الناس يستوفون الحكمة والقوة الأدبية والفطانة والتعقل لوجدوا ~~أنفسهم ملتقين عند نقطة واحدة؛ هي نقطة الحق الواحد المطلق العام الثابت، ولا ~~يحتاجون حينئذ لاعتناقه إلا إلى حسن الإرادة والقصد، فإذا كان لهم هذا أيضا ~~صاروا آلهة. # فاختلاف الناس في الحق ليس لأن الحق غير موجود، أو غير مطلق، أو هو نسبي، ولا ~~لأنه ليس سنة ثابتة ولا عامة، بل لأنهم مختلفون في الحكمة والتعقل وحسن ~~الإرادة، فهناك أناس حكماء يفهمون الحق ولكنهم لا يريدونه كما هو، بل كما ~~تريده شهواتهم، وهناك أناس حسنو الإرادة ويبتغون الحق، ولكنهم ضعاف الحكمة سيئو ~~التعقل؛ فيسيئون فهمه. وهناك أنصاف آلهة حكماء حسنو التعقل والإرادة، فيفهمون ~~الحق تماما ويعتنقونه. هكذا يختلف الناس في ادعاء ms092 الحق. ~~••• # قبل الانتقال من هذا الموضوع لا بد من ملاحظة لدفع بعض التباسات على ~~القارئ، لم نفرق بين الشرائع الأدبية والدينية والمدنية، باعتبار أنها مستقلة ~~بعضها عن بعض في الحياة العملية، وإنما هي متمايزة من الوجهة الفلسفية، فكل ~~شريعة دينية أو مدنية مشتملة على الحق والصواب إنما هي شريعة أدبية أيضا؛ ~~كالصدق أو الأمانة مثلا، فالشرائع الثلاثة تقول: لا تكذب ولا تسرق. # فإن كان الإنسان لا يكذب خوفا من عقاب الآخرة، ولا يسرق خوفا من السجن؛ كان ~~طائعا الشريعتين الدينية والمدنية، ولكنه لا يعد إنسانا أدبيا، ولا يكون ~~ذا شخصية إنسانية كاملة حين يرتدع لهذا الغرض، وإنما إذا كان يصدق ولا يسرق ~~فلأنه ينفر من الكذب والسرقة، ويستلذ الصدق والأمانة لا لأنه يخاف العقاب؛ فهو ~~إذن إنسان أدبي ذو شخصية أدبية كاملة. ~~(2) قاعدة الحقوق والواجبات القومية ~~(2-1) تعارض الحقوق والواجبات الفردية القومية # رأيت فيما سبق أنه قد يعرض للضمير وجهان في قضية واحدة، أو يتعارض حقان في ~~سلوك واحد، فيختلط على الضمير أمرهما، مثال ذلك: أن فئات العمال الأوروبية تجحد ~~الحرب، وتنشر دعاية لشجب كل حرب، ولكن لما شبت الحرب العظمى تطوع قسم منهم أو ~~انتظموا في سلك الجندية عن رضى، بدعوى أن الدفاع عن الوطن حق، والقسم الآخر ~~بقوا يشجبون الحرب، فهل الصواب واحد، أو متعدد، أو مختلف الوجوه؟ والجواب أن ~~الحق نسبي في الجماعات كما سيتضح لك فيما يلي. # سترى في فصل آخر عن الحياة الإنسانية الأدبية أن قاعدة الحق والصواب هي الحرص ~~على المثل الأعلى؛ فكل سلوك يتجه إلى المثل الأعلى هو صواب. والمثل الأعلى هو ~~هدف الرقي الذي ترمي إليه الحياة الإنسانية. والحياة الإنسانية الصاعدة في ~~سلم الرقي إلى المثل الأعلى - في الجمال والجودة اللذين تقوم بهما السعادة - ~~إنما هي الحياة الاجتماعية لا الحياة الفردية، وما الحياة الفردية إلا جزء منها ~~تنال قسطها من السعادة عن يدها كما سترى في فصل آت؛ لذلك تجد مقر الصواب والحق ~~والجيد إنما هو في الحياة الاجتماعية. # إذن لا معنى ms093 للحق والصواب في الفرد وحده إذا استطاع فرد أن يستقل بمعيشته ~~تمام الاستقلال، كما لو عاش في عزلة بعيدا عن الناس، فلا حد لحقه ولصوابه، ~~وله أن ينقاد لغرائزه فقط؛ إذ لا شأن له في الحياة الأدبية، ولا الحياة الأدبية ~~متوقفة على فرد، ولا هي ذات معنى لهذا الفرد، بل هي متوقفة على الجماعة، فحيث ~~وجدت جماعة صار للحق والصواب معنى؛ لأن خطط السلوك حينئذ يحتمل أن تحتك ~~وتصطدم وتتقاطع؛ إذن نبتدئ قاعدة الحق أن تتأسس في الجماعة. ~~(2-2) حقوق الأسرة والقبيلة # إن نواة الجماعة الأولى العائلة، وغرض العائلة الرئيسي الحرص على البقاء، ~~والحرص على كل ما يمكن من السعادة، وهي لا تستطيع البقاء والحصول على السعادة ~~إلا إذا تمتع كل أفرادها بهما، فإذا تعرض أحدهم لخطر ولم يتداركه الآخرون تعرضت ~~العائلة للانفكاك، وبالتالي تعرض سائر الأفراد للخطر نفسه؛ إذن يجب أن يفضي ~~سلوك كل فرد من أفراد العائلة إلى الحرص على بقائها وعلى سعادتها جميعا. وهذا ~~الوجوب يوجب أيضا أن يكون على كل فرد واجبات، وله حقوق متكافئة، بحيث يبقى ~~أفراد العائلة مرتبطين متضامنين. # ثم إذا تناسلت العائلة فأصبحت عدة عائلات في أسرة واحدة نشأ حقل آخر للحقوق ~~والواجبات بين عائلات الأسرة ترتبط فيها العائلات وتتضامن، وبقدر محافظتها على ~~هذه الحقوق والواجبات تضمن بقاءها وسعادتها. وأقل تغرض أو تحيز أو تشيع أو غبن ~~في الحقوق بين العائلات يعرضها للانفكاك، وبالتالي يعرض بقاءها وسعادتها ~~للخطر. # هنا صار عندنا حقلان من الحقوق والواجبات: حقل أدنى؛ وهو حقل العائلة، وحقل ~~أعلى منه، وهو حقل الأسرة. ويحتمل كثيرا أن يتضارب الحقلان، يحتمل جدا أن ~~يصطدم حق العائلة بحق الأسرة. قد يهمل رب العائلة قسما من واجباته عن عائلته ~~لكي يقوم بواجبه نحو الأسرة، كأن يترك زراعته أو ماشيته لينضم إلى رجال الأسرة ~~في الدفاع عن الأسرة كلها، أو قد يضطر أن يقدم بعض مورد رزقه لبيت المال لكي ~~ينفق على مصالح الأسرة، أو العشيرة، أو القبيلة، إذا انضمت بعض أسرات لبعض، ~~وبذلك يكون ms094 قد حرم أسرته أو عائلته بعض ذلك الرزق. # فهنا لديه سعادة عائلته وسعادة الأسرة أو العشيرة، فعلى أيهما يجب أن يكون ~~أحرص؟ إذا كانت سعادة عائلته متوقفة على سعادة العشيرة كلها، فبالطبع يجب أن ~~تقدم سعادة العشيرة على سعادة العائلة. هذا إذا كانت روابط العشيرة متينة. ~~وأما إذا كانت هذه الروابط رخوة، والخلاف والنزاع ينتاب العشيرة كل حين بعد ~~آخر، فالمسافة فيها نظر، فللفرد أن يتحمل من الواجب نحو العشيرة بقدر ما فيها ~~من الارتباط والتضامن، وإلا كانت تضحيته الكثيرة لها غبنا لعائلته أو ~~لأسرته. # هكذا الأمر بين الأقوام والأمم والشعوب، فإن مقدار ما في القوم من التضامن ~~والتكافل والتعاون يعين ما على الفرد من الواجب وما له من الحق، أو يقسم حقه ~~وواجبه بين نفسه أو عائلته وبين قومه. والجماعات عشائر أو قبائل أو أقواما أو ~~أمما وشعوبا تسير في سبيل رقيها إلى المثل العليا بقدر ما فيها من ~~التضامن والتعاون، اللذين يعينان ما على أفرادها من الواجبات وما لهم من ~~الحقوق. # وبقدر ما تتوزع الحقوق والواجبات بالتكافؤ حسب الاستحقاق والمقدرة تسرع ~~القبيلة أو الأمة في سبيل الرقي. والأمة التي يختل فيها هذا التوازن بين ~~أفرادها في الحقوق والواجبات، ويكثر فيها الغبن والحيف والاغتصاب - إما لأن ~~القوانين غير عادلة، أو لأنها غير منفذة - تتقهقر وتتعرض للفناء. ~~(2-3) محدودية حق الفرد وواجبه # إذن حق الفرد وواجبه محدودان بحدود دائرة أمته أو قومه، وما وراء هذه الدائرة ~~يباح له كل ما يستطيع الحصول عليه، ولا يجب عليه شيء. على هذه القاعدة تعينت ~~الحقوق والواجبات في الأمم القديمة، وعلى هذه القاعدة كانت القبائل والأمم تغزو ~~بعضها بعضا، وتعد الواحدة ما تنهبه من الأخرى بالسيف حقا لها جزاء ~~لانتصارها؛ أي لأرجيحة قوتها على قوة الأخرى، ولكن إذا كان أحد أفراد هذه الأمة ~~المنتصرة ينهب جاره يعد مجرما ويعاقب. # على هذه القاعدة أوعز موسى لنساء بني إسرائيل أن يستعرن حلي نساء المصريين ~~ليأخذنها معهن حين هربت الأمة الإسرائيلية من مصر، وعلى هذه القاعدة كان ms095 موسى ~~يعد بني إسرائيل وهم في برية سيناء بأرض كنعان وبيوت أهلها وإناثهم وماشيتهم ~~كغنيمة لهم، وعلى هذه القاعدة تستبيح دول أوروبا الآن استعمار بلاد الشرق ~~وشمالي أفريقيا، واستثمار أتعاب أهلها. # فهي تقيم قسط الحق بين أفراد شعوبها، ولكنها لا تقيمه بينها وبين أمم الشرق، ~~ولا بين بعضها والبعض، بل تعتمد على القوة في تحديد الحق، فإذا حدث صدام بين حق ~~إنكلترا وحق مصر مثلا كان حق إنكلترا عند الإنكليزي مقدما؛ لأن لها أسطولا ~~يأخذه عنوة، ولكن إذا حدث مثل هذا الصدام بين إنكلترا وكندا أو أستراليا مثلا ~~لا يتحرك الأسطول، بل يتقدم قضاء بريطانيا والمستعمرات للفصل في الخلاف على ~~قاعدة الحق الذي عينه تضامنها وتعاونها. ~~(2-4) نسبية الحق والواجب لقوة التضامن # فترى مما تقدم أن سنة الحق والواجب القوميين نسبيان؛ أي إن الحق والواجب ~~مناسبان لقوة التضامن والتكافل بين الأفراد والجماعات. فالحق في الجماعة أو ~~الأمة الواحدة هو الحق الذي يقضي به الضمير ولو مسندا إلى شريعة تزكيه، ولكنه ~~بين جماعة وأخرى، أو أمة وأخرى، أو طبقة وأخرى؛ كالأعيان والعامة، تعينه القوة ~~بنسبة القوتين المتنازعتين. ولا يخفى عليك أن الحق الذي تعينه القوة ليس حقا ~~أدبيا. ~~(2-5) الحق والواجب المطلقان # قد تقول إذن: لا حق مطلق مستمد من الضمير، وغير مستند على القوة، وإذن لا شأن ~~للسنن الأدبية؛ لأنها لا تعين الحق المطلق مهما اختلف الأفراد والطبقات ~~والجماعات والأمم. # بلى، يوجد حق مطلق لا مصدر له غير الضمير السليم إذا ألغينا القومية والشعبية ~~والدولية، وأقمنا مكانها الإنسانية فقط، وجعلناها رابط الأمم الأسمى، واعتبرنا ~~جميع الناس على اختلاف مللهم ونحلهم أفرادا في مجتمع واحد هو الإنسانية، ~~حينئذ يعين الحق المطلق التضامن المفروض بين جميع الناس، وتعاونهم في السير ~~بالإنسانية إلى المثل الأعلى في السعادة العامة. # ونعتقد أن العالم كله سائر في هذا السبيل تحت راية الإنسانية؛ لأن الأمم ~~بجريها جميعها نحو المثل الأعلى في رقيها الأخلاقي والعلمي والسياسي ~~والاقتصادي أصبحت تشعر بضرورة التضامن العام والتعاون الشائع. وهما يوجبان ~~عليها توحيد ms096 الحق والواجب والاتجاه إلى الحق المطلق. فالأمم الآن تتبادل ~~المنافع وتشترك في المصالح؛ ولذلك تعقد المعاهدات وتسن القوانين الدولية. ~~وأخيرا لم تر بدا من إنشاء القضاء الدولي، وتأليف جمعية لهذا الغرض. # نعم، إن هذه المعاهدات والقوانين الدولية ونحوها لا تكفل حتى الآن قيام الحق ~~المطلق؛ لأن ارتباطها بعضها ببعض لا يزال واهنا ضعيفا رخوا، ولهذا لا تزال ~~هذه القوانين متحيزة متشيعة مغرضة. وإنما كلما جرت الأمم في سبيل الرقي انضمت ~~تحت لواء الإنسانية العامة، وتوثقت روابطها، وبالتالي قربت إلى الحق المطلق ~~الذي هو مثل أعلى أيضا. # الفصل السادس # | الحرية # إذا كانت القاعدة الأدبية سجية في الإنسان خلافا لسائر السنن والشرائع، فهي قيد ~~لغرائزه وأهوائه أو رادع لها؛ وبهذا الردع تتجرد شخصيته من الشهوات التي تفسد الأدبية. ~~إذن الإنسان بين متنازعين: سجيته الأدبية من جهة، وغرائزه وأهوائه من جهة أخرى. # وإذن يسوقنا البحث إلى موضوع خطير الشأن جدا؛ لأنه يلوح في بال كل إنسان مفكر، وهو ~~موضوع الحرية. فهل الإنسان حر الإرادة وحر الفعل؟ وإن كان حرا، فهل حريته محدودة أو ~~مطلقة؟ وإذن هل هو مسئول؟ وإلى أي حد هو مسئول؟ ~~(1) ماهية الحرية ~~(1-1) هل أنت حر؟ # موضوع الحرية معقد جدا؛ ولذلك يكاد يتعذر تعريف الحرية، فإذا جرينا في ~~التمثيل والتحليل والتعليل إلى أن نقيم في الذهن صورة واضحة للحرية أمكن ~~القارئ أن يفهمها من نفسه بلا تعريف. # مما قيل في تعريف حرية الإرادة والفعل: إنه إجراء للفعل بلا تقيد بباعث أو ~~داع له، أي إنك تفعل فعلك من غير أن يوجبه عليك موجب، فأنت اخترته ففعلته، ~~وإلا فإذا كان هناك موجب للفعل خارجي فأنت غير حر، ولكن هل يمكن أن ~~يتجرد المرء من الدواعي والبواعث والموجبات؟ # وقد علمت أن شخصيته ليست نفسيته وجسمانيته فقط، بل هاتان مع غرائزه وظروفه ~~أيضا، فلكي يكون الإنسان حر الإرادة والفعل على الإطلاق يجب أن يكون مسيطرا ~~على أخلاقه وعلى ظروفه، وفي وسعه أن يكيفهما حسب هواه، فيفعل ما تمليه إرادته ~~بلا داع ولا موجب، ms097 ولكن الإنسان مقيد بأخلاقه وغرائزه؛ ففعله إذن مقيد ~~بظروفه، وبالتالي إرادته مقيدة أيضا، فهل حقيقي أنه غير حر؟ # لنفرض أنك موظف في محل تجاري ووظيفتك تحصيل ديون المحل، وقد أنيط بك تدبر ~~عملك كما تقتضيه حكمتك، وافرض أن عميلا للمحل في بلد آخر وعدك وعدا صادقا ~~بدفع دينه في اليوم الفلاني، فلما دنا الميعاد عزمت على السفر، فهل تعد نفسك ~~حر الإرادة هنا؟ أليس لديك أمر واحد فقط، وهو السفر لتحصيل الدين؛ لأن ~~التحصيل أمر مؤكد في يقينك بناء على وعد المدين؟ وإذا كان لديك أمر واحد لا ~~ثاني له، فهل هنا وجه للاختيار؟ الاختيار لا يكون في واحد، بل بين أمرين أو ~~أكثر. إذن أنت غير مخير. الظرف الذي وجدت فيه هو واجبات وظيفتك ووعد المدين ~~وحلول الميعاد. هذا الظرف حتم عليك أن تسافر؛ فما أنت إذن حر. # لنفرض مثلا أبسط من ذلك، وهو أن لديك عسلا وحنظلا، وأنت تعرف أن هذا عسل ~~وهذا حنظل، فأيهما تأكل؟ بالطبع لا تختار الحنظل، بل تختار العسل حتما. فأنت ~~هنا غير حر؛ لأن شهوتك للحلاوة قضت عليك بأكل العسل ونبذ الحنظل المر ~~المذاق الذي تعافه النفس. قد تقول: لا آكل العسل ولا الحنظل. إليك مثلا آخر: ~~لديك طعام دسم وطعام آخر مسمم وأنت جائع ولا تستطيع الصيام طويلا، فماذا تفعل؟ ~~هل لديك غير أمر واحد، وهو أكل الطعام الدسم؟ إذن لست مختارا أحد أمرين ليصح ~~القول: إنك حر في اختيار أحدهما. ~~(1-2) المعرفة قيد # إذن تقول: إن معرفة الإنسان جانية على حريته، فلو كنت أجهل أيهما حلو: العسل ~~أم الحنظل، أو أيهما دسم أو سم، لكنت أتردد في اختيار أحدهما، وأخيرا أختار ~~لأختبر، فأنا حر الاختيار فيما أجهله، وأما فيما أعلمه فما أنا حر؛ ولذلك لم ~~أكن حرا في السفر إلى البلد الفلاني لكي أقبض الدين من فلان؛ لأني عالم أن ~~فلانا وعدني بإيفاء دينه في اليوم الفلاني ووعده صادق. # ولكن هل حقيقي أن الإنسان عالم بالأسباب والنتائج؛ ولذلك لا محل لاختياره، ms098 بل ~~هو مسوق إلى فعل هذا دون ذاك؛ لأنه عالم بالنتيجة؟ فهل أنا حر أن أشتغل أو لا ~~أشتغل وأنا عالم أنني إذا لم أشتغل فلا أرتزق؟ وهل أنا حر في أن أقتل فلانا ~~أو لا أقتله وأنا عالم أن الحكم بالموت قصاص القاتل؟ # وكأنك تقول: إن الإنسان يتميز عن الحيوان بأن له عقلا يمكنه من معرفة ~~الأسباب والنتائج، وهو يعلم جيدا نتيجة عمله؛ ولذلك لا يعد حرا في ~~الاختيار، بل هو مضطر أن يفعل الأفضل، والأفضل واحد، ولا اختيار في ~~الواحد. # وقد تمادى منكرو الحرية في تقيد الإنسان بالأحوال والظروف بحيث لا يبقى له ~~وجه للاختيار، وزعموا أن الأفعال والحوادث سلسلة، وكل حلقة منها نتيجة لما ~~قبلها، ومرشحة للحلقة التي بعدها؛ ولذلك يستطيع الإنسان بفطنته أن يعلم مآل ~~فعله، وعلمه هذا يقيد إرادته بحيث لا يستطيع أن يختار إلا أمرا واحدا، وهو ما ~~يعلم نتيجته. فهو يشرب الخمرة لأنه عالم أنها تسره، وهو يبتغي سرورها المباشر، ~~أو هو يمتنع عنها لأنها تضر صحته، وهو يبتغي سلامة جسده وعقله. فلا اختيار له ~~في أمر يعلم غايته التي يبتغيها. # فالإنسان ذو ذكاء يستطيع أن يتنبأ عن مصير عمله؛ ولهذا لا يمكن أن يوجه عمله ~~إلا إلى ما يعتقد أن مصيره أفضل خير له. إذن ليس الإنسان حرا، بل هو مقيد ~~بالمصير الذي يعتقده أفضل. هذا هو تعليل نظرية القيديين؛ أي منكري ~~الحرية. ~~(1-3) الاعتقاد غير المعرفة # ولكن هل اعتقاد المرء صائب دائما؟ ألا يمكن أن ما يعتقده أفضل خير له يفضي ~~إلى شر له؟ ألا يمكن أن تخالف النتائج ظنه؟ لنعد إلى المثل الأول. # سافرت إلى بلد المدين وأنت واثق أنك ستقبض الدين لأن المدين صادق الوعد، ~~وقد عينتما الموعد والميعاد، ولكن عرض لك في الطريق صديق فأغراك بكأس من ~~الخمرة، ثم أغراك بمقامرة برهة طويلة؛ ففات الوقت. فلما قصدت إلى المدين وجدته ~~قد استبطأك، فتغيب لظنه أنك أرجأت استيفاء الدين إلى حين آخر. فهنا تغير ظرفك ~~من الصحو إلى السكر ms099 والمقامرة، ومن وجود المدين إلى تغيبه، فعلمك تغير إلى ~~جهل، وبالتالي تغيرت النتيجة، وكان فشل بدل تحقيق الأمل؛ فندمت على ما ~~فعلت. # إذن هنا تعود إلى وجدانك وتقول: لو لم أسكر وأقامر لما خبت مؤملا. هنا قام ~~لديك مبدأ الحرية: أما كنت حرا في أن تسكر أو لا تسكر؟ أما عرض لك أمران: إما ~~أن تستمر في سفرك إلى المدين، أو أن تنصاع لصديقك؟ أما كنت مختارا أحد ~~أمرين؟ # إن ألم الندم يشهد بسوء اختيار الوجه الواحد، كما أن الفرح بتحقق الأمنية ~~يشهد بحسن اختيار الوجه الآخر. والاختيار إثبات للحرية؛ فالحرية ليست أن تفعل ~~ما تشاء بلا قيد ولا شرط، بل هي أن تختار بتعقل الأمر الذي تعتقد أنه أفضل ~~نتيجة، فإذا ساءت النتيجة لم تكن إرادتك ملومة، بل كان تعقلك ملوما؛ لأنه لم ~~يحسن الإرشاد إلى النتيجة الفضلى، أو أنه كان جاهلا المصير وتقلب ~~الظروف. # إذا كان الإنسان أمام وجهين كل منهما مقرر النتيجة، وأفضلية إحدى النتيجتين ~~على الأخرى مقررة، فهو بالطبع غير مخير؛ وبالتالي ليس حرا، ولكن من حكم له ~~بأفضلية الوجه الواحد على الآخر؟ فهناك أخلاقه من شهوات وعواطف وأميال، وهناك ~~تعقله الذي في يده ميزان الحق والصواب، وهناك ظروفه المتقلبة التي لا سلطة له ~~عليها. كل هذه تتنازع الحكم وتقرير الأصوب والأفضل. والأفضل عند هذه غير الأفضل ~~عند تلك، وغاية هذه غير غاية تلك. إذن مهما كان الأمر مقرر النتيجة فلا بد أن ~~تجد الإرادة نفسها متقلبة بين هذه المتنازعات، ولها أن تختار؛ فهي إذن ~~حرة. ~~(1-4) الأفضل مشكوك فيه # وإذا لم يكن عند المرء تردد في الحكم فقد تجرد من التعقل والإرادة، فهو ~~إذن حيوان أو أبله أو مجنون أو سكران. # الحيوان لا يتردد في الحكم بأن يفترس حيوانا آخر، إن كان من أكلة اللحوم، أو ~~أن يأكل النباتات إن كان من أكلة النبات، فهو لا اختيار عنده ولا حرية. # ولكن الإنسان - وهو حيوان عاقل - لا بد أن يجد في كل أمر وجهين أو وجوها، ms100 ~~ويزن هذه الوجوه ليحكم في أفضلها ليختاره، فإن خاب أمله في الغاية التي ينشدها ~~لام نفسه؛ أي تعقله، لأنه ناقص المعرفة فضلله، أو لامه لأنه ضعيف لم يتغلب ~~على شهوته أو على خلقه الذي أفضى به إلى سوء المغبة. # ومهما اتسع اختبار المرء فهنالك أمور لم يختبرها، ولا بد من اختياره فيها ~~ريثما يختبرها، ومهما اتسع علمه فهناك أمور يجهلها، ولا بد من تردده فيها ~~واختيار أحد وجوهها دون الآخر إلى أن يعلمها. ومهما سمت فضيلته فهناك أخلاقه ~~وشهواته تتغلب عليه أيضا، فهو في بحر من المتباينات التي لا بد له من الاختيار ~~فيها. ~~(1-5) المسئولية تقرر الحرية # هيهات أن يجد الإنسان نفسه أمام الأفضل المطلق حتى يقال: إنه ليس حرا ولا ~~بد له من اعتناق هذا الأفضل، ولو كان الأفضل في كل الأمور مقررا لما بقي لزوم ~~للعقل والتعقل والإرادة؛ فالأفضل واحد، وهو وحده يدعو الإنسان للفعل، ولو كان ~~الخير مطلقا وجليا للإنسان لما كان الإنسان يضل عنه، وما كان ثمة خطأ، ولو ~~كان الإنسان بلا أخلاق ولا غرائز لما كان أيضا لزوم للتعقل ليدرب أخلاقه ~~وغرائزه، بل كان الإنسان كالحجر يقع إلى الأرض إذا زال ما يسنده أو يرفعه عن ~~الأرض؛ إذ لا داعي لحركته غير جاذبية الأرض، أو كان كالسيار الذي يدور حول ~~الشمس بلا حرية؛ لأنه مضطر أن يخضع لسنن الجاذبية والدافعية والاستمرار. # وأخيرا إذا كان الإنسان غير حر؛ فما هو مسئول، ولا معنى للإثم والصلاح ~~حينئذ. # إذن يمكننا أن نعرف الحرية بأنها اختيار بين الأفعال التي تتباين فيها ~~المحركات من أخلاق وغرائز وتعقلات، وتختلف فيها الظروف؛ فلدى هذه الأفعال ~~الإنسان حر أن يختار فيما هو في مقدوره. # وإذن - أيضا - الحرية محدودة غير مطلقة، فلا يمكن للإنسان أن يختار بين ~~الطيران وهو بلا جناحين، وبين المشي وهو ذو قدمين، ولا يمكن أن يختار بين الأكل ~~والصوم الدائم إذا كان لا يزال طامعا بالحياة؛ أي إن الحرية لا معنى لها في ~~المستحيلات، فهي محدودة في دائرة الممكنات، ms101 كذلك لا حرية عند مفاجأة الخطر؛ إذ ~~لا بد من الهرب، كما لو فوجئت بهجوم أسد وأنت غير مسلح، فليس أمامك إلا التسلق ~~على الشجرة. ~~(2) حدود الحرية # لكي نعلم حقيقة الحرية يجب أن نعلم دوائر حدودها. ~~(2-1) دوائر الحرية # فالدائرة الأولى: # التي تحصر الحرية هي الأحوال الخارجة عن شخصية الإنسان، ~~والتي لا تأثير له فيها بتاتا، ولا قدرة له على تكييفها أو ~~تغيير شيء فيها. # ففي هذه الأحوال ليس الإنسان مسئولا؛ لأنه ليس حرا. لا ~~يمكنك أن تقول له: «يجب عليك»؛ لأنه يقول لك: «لا أقدر»، فحيث ~~لا مقدرة فلا وجوب. لا حق لك أن تلوم فلانا لعدم عبره ~~النهر؛ لأنه لا يحسن السباحة بتاتا، ولا أن تحرج ربان ~~السفينة على السفر والبحر متلاطم الأمواج والعواصف، والأنواء ~~مهددة له بالأخطار، ولا أن تلوم باني البيت إذا هدم الزلزال ~~البيت. إذن الدائرة الأولى هي دائرة المستحيلات. # الدائرة الثانية: # هي كالدائرة الأولى خارجة عن شخصية الإنسان أيضا، وليس له ~~تأثير فيها بتاتا، وإنما يمكنه أن يخرج منها إلى حريته إذا ~~علم بها، فربان السفينة يمكنه أن يعدل عن السفر إذا علم من ~~الأنواء أخطار السفر. # ولا يمكنك أن تلوم الراعي إذا فاجأه وحش ضار وافترس أحد ~~خرافه، وإنما تلومه إذا رعى خرافه في مكان يعلم أنه مسبعة ~~أو مضبعة؛ فهذه الدائرة هي دائرة المجهولات أو الجهل، حيث ~~لا يحق لك أن تقول: «كان يجب» لمن يقول لك: «كنت أجهل». # الدائرة الثالثة: # هي القسم الأسفل من ذاتية الإنسان غير خارجة عنه، ولكنها ~~شديدة النفوذ والتمرد على إرادته؛ وهي غرائزه وأخلاقه ~~الراسخة كشهواته وعواطفه وانفعالاته إلخ، فهذه تضيق دائرة ~~حركته أيضا؛ إذ يجد نفسه في بعض الأحوال مضطرا للفعل، ولو ~~بعض الاضطرار، وله عذر أو بعض العذر. فالجوع كافر؛ ولذلك لم ~~ير المسيح إثما في أن يقطف تلاميذه سنابل القمح ويأكلوها حين ~~جاعوا. وقد يعذر الأب إذا غضب من غريم ابنه فضربه على الفور ؛ ~~لأن عاطفته الأبوية وانفعاله الغضبي لم يمهلا تعقله لكي يؤثر ms102 ~~المسامحة على الانتقام. # ولكن لأن هذه الدائرة مرسومة في ذاتية الإنسان فهي قابلة ~~للمط والتوسع؛ بأن يهذب الإنسان أخلاقه ويدمثها، ~~ويتعود قمع غرائزه، بحيث تتسيطر الإرادة عليها، وتكون أكثر ~~حرية في الاختيار؛ ولذلك يتفاوت الناس في الأمة الواحدة من حيث ~~هذه الدائرة تفاوتا عظيما أو قليلا، حسب نمط التربية ~~والتعليم ودرجة البيئة الاجتماعية في الحضارة والرقي التمدني؛ ~~فنجد أفرادا أدمث خلقا، وأضبط للأهواء، وأقمع للشهوات من ~~أفراد، وكذلك نجد تباينا في هذه الدائرة بين الأمم. إذن في ~~هذه الدائرة تتسع حرية الفرد، أي ينبسط أمامه مجال الاختيار، ~~فقلما يقول أو يصح له أن يقول: «كنت مضطرا أو لم ~~أقدر.» # الدائرة الرابعة: # هي القسم الآخر الأعلى من ذاتية الإنسان المقاومة للقسم ~~الأول من ذاتيته، وهي تعقله الذي يناهض ثورة غرائزه، فهذه توسع ~~دائرة حريته بأكثر مما تضيقها تلك. إذن يمكنك أن تقول لمن ~~اتخم من النهم: «ألم تشعر بأنك شبعت؟ فلماذا نهمت؟ أما ~~كنت تعلم أن التخمة تضر المعدة وتسبب المغص؟ أليس لك ~~وجدان يصد شراهتك؟» # وهذه الدائرة قابلة للتوسع أيضا كتلك بفعل التربية والتعليم ~~والبيئة الاجتماعية أيضا، والأفراد والجماعات متفاوتون فيها ~~كما تقدم. # الدائرة الخامسة: # وهي الذاتية الأدبية، هي دائرة الحرية العليا التي تدخل بنا ~~إلى منطقة الواجب والحق. في الدوائر الأربع السالفة كان المخطئ ~~يقول لك: لم أقدر، أو لم أعلم، أو كنت مضطرا، أو لم يخطر لي ~~هكذا وهكذا، وإنما في هذه الدائرة يقول لك: كنت أقدر، وكنت ~~أعلم، ولم أكن مضطرا، ولكني لم أرد. # في الدوائر الأولى اصطاد زيد حمامة عمرو إما لأنه جائع ~~ولم يستطع صبرا على الجوع إلى أن يجد طعاما آخر، أو أنه كان ~~يظنها سائبة، أو يجهل أنها تخص فلانا. وأما في الدائرة ~~الخامسة فيصطاد زيد حمامة عمرو مع علمه أنها لعمرو، ومع ~~أنه غير جائع، وإنما يصطادها إذ ليس من يمنعه عن ذلك غير أدبية ~~نفسه، فإذا كان أدبي النفس فيمتنع عن صيدها مهما كانت هناك ~~مغريات له لصيدها. ~~(2-2) ذاتيات الإنسان ms103 الثلاث # فللإنسان إذن ثلاث ذاتيات متفاوتة في الدرجة: ذاتيته الطبيعية المشتملة على ~~غرائزه، وذاتيته العقلية، وذاتيته الأدبية، وسلوكه أو تصرفاته التي هي نتيجة ~~تفاعل هذه الذاتيات فيما بينها وبين الظروف المحيطة به. فكأن هذه الذاتيات ~~والظروف تصدر عوامل مختلفة القوى والاتجاهات، فبعضها أقوى من بعض، وبعضها أكثر ~~استمرارا من بعض، وبعضها يناقض بعضا، وإنما لا بد من حصول فعل كنتيجة ~~لتفاعلها، ولا بد أن يكون هذا الفعل متجها في جهة العامل المتغلب، أو في جهة ~~هي حاصل جهات العوامل المختلفة الاتجاه، حسب سنة الحركة الطبيعية. # ولإيضاح ذلك نفرض أن زيدا من الناس كان في متنزه عمومي يباح فيه شرب الخمرة، ~~وهو يعلم أن شرب الخمرة منكر صحيا ~~وأدبيا. ولزيادة الإيضاح نقيس قوة ذاتياته بالأرقام، فإذا كانت قوة ذاتيته ~~البهيمية الغريزية مثلا 3، وقوة ذاتيته العقلية ~~3، وقوة ذاتيته الأدبية 3، كان اتجاهه إلى ~~السكر متوسطا بين عقله وأدب نفسه، فيشرب باعتدال ولا يسكر؛ لأن قوتيه العقلية ~~والأدبية ضعفا قوته البهيمية، فتستميلانه إلى الاعتدال في الشرب، وإذا زادت ~~قوته الأدبية نقصت قوته البهيمية بقدر زيادة تلك؛ وبالتالي مال اتجاهه عن الشرب ~~إلى الامتناع بقدر ذلك، وبالعكس إذا اشتدت قوته البهيمية وضعفت قوته الأدبية ~~مال إلى الانغماس في السكر بنفس النسبة. # إذن تصرف الإنسان أو سلوكه إنما هو حاصل تفاعل هذه العوامل، ولولا وجود هذه ~~العوامل المختلفة التي تتنازع وجهة تصرفه لما كان معنى للقول: إنه حر أو غير ~~حر. فوجود الإنسان في هذه الدوائر التي تحيط بشخصيته وتحصرها ضمن حدود معينة ~~أوجد حريته، ولولا هذه الحدود التي نحن بصددها لكان بلا حرية البتة. ~~(2-3) ليست الحرية مطلقة # ولعل بعض القراء يتوهم أنه لولا هذه الحدود لكانت الحرية مطلقة إطلاقا ~~تاما. ولتبيان فساد هذا الوهم نزيل هذه الدوائر الواحدة بعد الأخرى لنرى ~~ماذا يكون، فلو أزلنا الدائرتين الأوليين: دائرة المستحيلات ودائرة المجهولات؛ ~~لأصبح الإنسان قادرا على كل شيء، أي لكان إلها؛ فإما أن يكون إلها شريرا ~~إذا تغلبت غرائزه على أدبية نفسه، أو إلها صالحا ms104 إذا كان العكس، وإذا أزلنا ~~الدائرة الثالثة: دائرة الغرائز والأخلاق أيضا، أصبح روحا أدبية لا فعل لها؛ ~~إذ لا قوة لها للفعل، وبالتالي لا يبقى محل للحكم على عملها إن كان حسنا أو ~~سيئا؛ ولذلك لا يبقى محل للقول بحريتها. # وإذا أزلنا الدائرة الرابعة تلاشت الخامسة أيضا؛ لأن القوة الأدبية مرتكزة ~~على القوة العقلية، وحينئذ يصبح الإنسان جمادا لا حياة متحركة، ولا عقلا ~~مدربا له، وبالتالي ينتفي معنى الحرية عنه كانتفائه عن الحجر: يصبح بلا حرية ~~البتة كما أن الحجر ليس حرا في أن يرتفع عن الأرض أو أن يقع عليها؛ لأن ~~ارتفاعه ووقوعه يتوقفان على ناموس الجاذبية والدافعية، فمتى رفعته قوة أجنبية ~~ارتفع من غير أن يريد، ومتى تركته سقط من غير أن يريد. ~~(2-4) دوائر الحرية علة وجود الحرية # فإذن زوال هذه الدوائر المحددة الحرية لا يفضي إلى حرية مطلقة، بل بالعكس ~~يقضي على الحرية بالفناء، وإنما وجود هذه الدوائر المحددة للحرية يؤيد ~~وجودها، وكلما زالت دائرة من دوائر الذاتية العليا سقطت دائرة حرية الفعل نفسه؛ ~~فإذا زالت الدائرة الأدبية أصبح المرء إنسانا شيطانيا جهنميا لا يقدر أن ~~يعمل صالحا، بل يصبح عبد شهواته، وإذا زالت الدائرة التعقلية أصبح المرء ~~حيوانا يضطر أن يفعل بما توجبه غرائزه. # فترى مما تقدم أن دوائر حدود الحرية هي علة وجود الحرية، وتعدد هذه الدوائر ~~جعل مجال الحرية واسعا. # فالحرية المطلقة غير موجودة، والحرية الواسعة العليا هي الحرية المنتشرة في ~~الدوائر الأدبية. ~~(2-5) وجود الحرية شاهد على إنسانية الإنسان # قلنا: إن دائرة الحرية الأدبية هي التي يعرف فيها المرء الحق والصواب والخير ~~ويقدر أن يفعله، ولكنه لأدبية في نفسه صالحة أو طالحة يريد أن يفعله أو لا ~~يريد، فهي الحرية العليا، وبها يتميز الإنسان على الحيوان؛ لأنها صادرة عن ~~ذاتية أدبية: فالأسد حر أن يجول هنا وهناك في البحث عن فريسته، ولكنه ليس ~~حرا أن يأكل الفريسة أو لا يأكلها. # ففي هذه الدائرة تتسع حرية الاختيار ، ولكن تضيق دائرة المختار. هنا يمكنك ms105 أن ~~تقول: أريد هذا الخير أو لا أريده، ولكن هذا الخير نفسه الذي أردته أصبح أضيق ~~دائرة، فلا يسوغ لك ما يسوغ للحيوان الأعجم. ~~(3) هل الإنسان مسير أم مخير؟ ~~(3-1) وحدة الحياة الإنسانية # إلى هنا بحثنا في حرية الإنسان، في تصرفاته وسلوكه، من الوجهة الطبيعية من ~~حيث تصرفه نحو نفسه، أو من الوجهة الأدبية ~~من حيث تصرفه فيما يمس الآداب الاجتماعية، وقصرنا البحث في ذلك على أفعاله ~~منفصلة بعضها عن بعض؛ فهو يخطئ هنا ويصيب هناك، ويأثم اليوم، ويحسن عملا ~~غدا، بحسب الظروف التي تتغلب عليه، وبحسب التقلبات التي تطرأ على أخلاقه ~~وعقليته، ولكننا لم نبحث في عمل حياته كوحدة قائمة بذاتها لنعلم هل هو مسير ~~في هذا الإهمال أو هو مخير. هذه مسألة أخرى تختلف عن مسألة الحرية التي ~~تبسطنا فيها كفاية. # قلنا: إن الحرية محدودة؛ لأن الاختيار محدود، فأنت حر أن تأكل هذا أو ذاك، ~~ولكنك لست حرا أن لا تأكل إذا كنت متمسكا بالحياة، وأنت حر أن تنام في ~~منزلك أو في الفندق، وعلى الفراش الوثير أو على الحصير، ولكنك لست حرا أن لا ~~تنام بتاتا، وأنت حر أن تسعى إلى المال عن طريق العمل الشريف، أو بالوسيلة ~~الدنيئة، أو بالتعب، ولكنك لست حرا أن تعف عن جمع المال إذا كانت شهوته ~~شديدة فيك، وأنت حر أن تشم الكوكايين، ولكنك لست حرا أن تمتنع عنه بعد أن ~~تسلطت عادته عليك، وأنت حر أن تحب فلانة دون فلانة، ولكنك لست حرا أن لا ~~تحب. وهكذا تجد أن هناك أحوالا وجدت فيها لا اختيار لك في الوجود فيها أو في ~~الخروج منها. ~~(3-2) لا سيطرة للإنسان على مجرى حياته # إن من ولد زنجيا في وسط أفريقيا ليس ملوما إذا لم يكن متمدنا، وابن الفقر ~~والحاجة غير ملوم إذا لم يتيسر له أن يكون عالما فيلسوفا، وولي العهد مخلوق ~~ليكون ملكا، وشكسبير خلق ليكون شاعرا، والشيخ سلامة حجازي خلق موهوبا جمال ~~الصوت، ومثله أم كلثوم وغيرها ، وتشارلي تشابلن جاء إلى ms106 الوجود موهوبا مزية ~~الهزل، والشرير المجرم كان حظه أن يوجد في بيئة إجرام، ووارث الثروة حظه أنه ~~غني. # فجميع هؤلاء وأمثالهم قلما كان لحريتهم تأثير في ظروف حياتهم التي وجدوا ~~فيها، وإذا حللت حياة كل شخص تقريبا وجدت أنها، كوحدة عمومية، هي ألعوبة ~~الأقدار، ولا شأن لحريته في الاختيار إلا في أفعاله منفصلة؛ أي في كل فعل منها ~~وحده، وقلما تجد ارتباطا بين أفعاله بحيث تتسلسل الحرية والمسئولية فيها، ~~وإلا لكان المرء صائب المسعى دائما. ~~(3-3) الإنسان ألعوبة القضاء والقدر # ولأن الإنسان يخطئ مرة ويصيب أخرى، ويأثم الآن ويحسن عملا غدا، تبعا لتقلب ~~أحواله ونفسياته، فلا يمكن أن يكون مسيطرا على مجرى حياته من أول بلوغه إلى ~~مماته، فكأنه ملقى في نهر من حوادث الحياة عريض طويل متعرج، والتيار والأمواج ~~وخوض الآخرين معه. كل هذه تتقاذفه إلى هنا وهناك بالرغم من أنه يجاهد إلى أن ~~يصل إلى البر؛ فقد يصادفه الحظ أن يقذفه التيار نحو الشاطئ، ولكن قد يتفق ~~وجود بالوعة هناك فتغوص به وترده إلى جهة أخرى، فكأن بلوغه إلى الشاطئ متوقف ~~على القدر. مع ذلك هو يشعر أنه لا يستطيع الاتكال على القدر، بل يجاهد متجها ~~إلى الشاطئ متحينا الفرص للاندفاع إليه، فإذا حدث ما قذفه عن الشاطئ كان ذلك ~~من سوء حظه. ~~(3-4) التعقل يتقي القدر # فالإنسان في إجمال حياته مسير غير مخير، بمعنى أنه لا يستطيع أن يجزم ~~بالغاية التي يرمي إليها، وإنما إذا كان يتعرف دائما السنن والنواميس الطبيعية ~~والاجتماعية والأدبية، ويختبرها، ويحسن اختيار الأفضل، فيكون أضمن بلوغا إلى ~~الغاية الفضلى ممن يستسلم لحكم القدر الأعمى، ويتكل على البخت أو التوفيق ~~وحده. # إذن الإنسان مسؤول عن تصرفاته وأفعاله المنفصلة كل واحد منها على حدة، ~~ولكنه غير مسئول عن مجمل حياته ومصيرها؛ لأنه لا يقدر أن يسيطر إلا على حلقات ~~أفعاله منفصلة، وأما سلسلتها المتصلة فلا يقدر أن يسيطر عليها، وإلا لكان كل ~~فرد يصعد في سلم النجاح إلى القمة آمنا السقوط. # تصح هذه النظرية على ms107 اعتبار أن الإنسان سليم العقل والجسد، بحيث تتيسر له ~~قوة الحكم، ويتسنى له التمتع بنعمة الحرية، ولكن هناك أفرادا شاذين ~~أعلاء العقل والأخلاق لا يستطيعون الحكم، ولا يحسنون الاختيار، ولا ~~يقدرون أن يروضوا غرائزهم ويقمعوا شهواتهم، ولا تسنت لهم عوامل لتهذيب ~~أخلاقهم وتدميثها، فهؤلاء مسئوليتهم قليلة، والقوانين التي تساوي بينهم وبين ~~أصحاب العقول والأخلاق تجور عليهم. # الباب الثالث # | الحياة الأدبية # الفصل الأول # | معنى الحياة الأدبية # (1) غاية الحياة القصوى # ما هي الحياة؟ ولماذا نحيا؟ ما الغرض الأقصى من حياتنا؟ # لا ننظر إلى الحياة في تحليلها من الوجهة البيولوجية بل من الوجهة ~~الأدبية. ~~(1-1) غرض الحياة # إذا قلنا: إن الغرض من الحياة التمتع بالملذات، وجدنا كثيرا من الملذات تجني ~~على الحياة فتقتل الحياة والملذات معها، فكأن الملذات تقضي على نفسها. وهنا ~~يطرأ علينا هذا السؤال: أي الملذات إذن أفضل لنا؟ طبعا تقول: هي تلك التي لا ~~تقضي على الحياة، فما هي إذن؟ في كل فعل من أفعالنا نرمي إلى غرض يشبع شهوة من ~~شهواتنا، حتى المعقولة، حتى العقلية. # فلكي نهتدي إلى الملذة الفضلى نتمثل شخصيتنا كأنها أمر مجرد عنا، ونرى إن ~~كانت هذه الملذة موافقة أو منافية أو قاتلة لها. السكر ملذة ولكننا نمتنع عنه ~~لأنه قاتل لشخصيتنا. ففي كل فعل من أفعالنا يتمثل لدينا تمثال شخصيتنا، ~~وإدراكنا وجودها يستدعينا للتعقل والتدبر. وهذا الاستدعاء هو التصرف الأدبي ~~الذي نحاول أن نعصمه من الخطأ. # كل الناس يضعون اللذة هدفا لسلوكهم، وربما كان بعضهم يجعلونها قاعدة الحياة ~~أو غرضها الأقصى، ولكن المتعقل يفهم أن الحياة ليست وسيلة لإرضاء الشعور المنبث ~~فيها فقط، بل هناك أمور أخرى تتضمنها الحياة، وترمي إلى تحقيق حركتها الحيوية، ~~لا بحكم التعقل والإرادة فقط، بل بحكم الغريزة الفطرية أيضا، وأهمها: # أولا: # الحرص على بقاء الفرد. # ثانيا: # الحرص على بقاء السلالة. # ثالثا: # إدراك الذاتية الأدبية كمركز دائرة الحركة الحيوية. # رابعا: # النزعة إلى التعاظم. ~~(1-2) الحرص على بقاء الفرد الذاتي # الحرص على بقاء الذات هو النزعة الأولى المتضمنة في الحياة، والبقاء أول ms108 ~~مرمى ترمي إليه أفعال الحياة الأدبية، ولكن في سلوك المرء كثيرا من الأفعال ~~التي تضل السبيل إلى هذا الهدف، ولو اقتصر الإنسان على الغريزة الحيوانية ~~العاملة للحرص على البقاء لهلك في يومه الأول؛ لأن عقليته أضعفت هذه الغريزة ~~فيه، بدليل أن الطفل لا يعيش يوما بلا حضانة أمه، خلافا للحيوان الأعجم الذي ~~يتكل في حياته كثيرا على هذه الغريزة. # فعقلية الإنسان تولت قسما كبيرا من ~~هذه المهمة وأخذته عن عاتق الغريزة؛ فلا بد له من عقليته للحرص على بقائه. وهذا ~~الالتزام يعين فضل الأدبية في الحرص على البقاء، فإذن الحياة الأدبية ليست ~~الحياة البيولوجية فقط، بل هي الحياة العقلية أيضا. ~~(1-3) الحرص على بقاء السلالة # الحرص على بقاء السلالة نزعة أخرى للحياة، وبقاء السلالة هو غرض للحياة أعظم ~~من غرض بقاء الفرد؛ فإذا كان الفرد لا يرمي بأفعاله إلى هذه الغاية «بقاء ~~السلالة»، بل إلى مسرة نفسه فقط، فهذه المسرة تفضي إلى تلك الغاية نفسها. إذا ~~كنت تتزوج لتسر نفسك بعائلتك، فهذه المسرة كافلة الحصول على حفظ السلالة الذي ~~هو غاية الحياة، وإذا كانت الطبيعة قد أوجدت هذه المسرة كوسيلة للحرص على بقاء ~~السلالة، فوجود هذه المسرة لهذا الغرض كاف لأن يعين أنها غاية أدبية؛ فالحرص ~~على بقاء السلالة إذن أعظم نزعة من نزعات الحياة الأدبية. ~~(1-4) إدراك الذاتية كمركز الحركة الحيوية # تتميز الحياة الإنسانية عن الحياة الحيوانية بأنها تشتمل على ذاتية متصورة ~~فيها؛ أي إن في عقلية الإنسان صورة لذاتيته، وليس في عقلية الحيوان هذه الصورة ~~على الأرجح: الإنسان يستطيع أن يقيم في مخيلته صورة لذاتيته يجردها عن نفسه، ~~وينظر إليها كشخص مستقل عنه، وهي التي يسميها «أنا»، ولكن الضمير «أنا» قد لا ~~يكفي لتجريد الذاتية العقلية وإقامتها كصورة متمثلة في الذهن، وإنما الضمير ~~«أنت» يجعل هذا التجريد حين يخاطب الإنسان نفسه محاسبا أو معاتبا أو مغريا ~~أو غير ذلك، فيقول لنفسه: لماذا فعلت هكذا يا هذا؟ هل أنت مجنون؟ # ففي مخاطبة النفس على هذا النحو يتضح للمرء جيدا ms109 أن لذاتيته صورة في ذهنه ~~كشيء قائم بذاته مستقل عنه، ويشعر أن هذه الذاتية هي المركز الذي تصدر منه ~~أفعاله، وترجع إليه نتائجها، هي المركز الذي يقرر الغرض من الفعل، وهي المركز ~~الذي يبتغي نتيجة الفعل، سارة كانت أو مؤلمة. # في هذه الذاتية المتصورة تتجمع جذور الغرائز والسجايا والأخلاق تحت سيطرة ~~التعقل، فهي تحرك الأفعال مترسمة نتائجها قبل الوصول إليها، متمتعة بمسراتها ~~المتصورة قبل الحصول عليها. فتمركزها على هذا النحو إنما هو نزعة أخرى من نزعات ~~الحياة، والحياة تنزع إلى هذا التمركز منذ بدء تكونها. # وتطور الطفل في أثناء نموه إنما هو ~~اتجاه إلى هذا الغرض، فأول ما يبتدئ أن يفهمه الطفل هو أنه شيء آخر مستقل عن ~~الأشياء المحيطة به، ومتى صار يعبر عن نفسه بلفظة «أنا» يشرع يميز ذاتيته عن ~~ذاتيات غيره، والأشياء التي حوله، بل يميز أنه هو «عند نفسه» ذاتية أعلى من ~~الذاتيات التي تحف به، يشعر أنه غاية الوجود القصوى، وأن الكون خلق لأجله، ~~فكأن طبيعة الحياة تربي فيه إدراك الذاتية بهذا الغرور كما تربى الثمرة ~~الزاهية في كم الزهرة، حتى متى استتم وجدانه، وتحقق وجود ذاتيته كما هي، ~~انتفض منه هذا الغرور كانتفاض الزهرة الزاهية عن الثمرة اليانعة بعد ~~نضجها. # مع ذلك لا تخلو الذاتية الناضجة من الغرور، كما أن الثمرة الناضجة لا تخلو من ~~تلون الزهرة؛ لأن هذا الاعتداد بالذاتية أو التباهي بها هو نفسه عملية تجردها ~~التصوري، فالمرء لا يستطيع أن يعجب بنفسه إلا حيث يتمثل ذاتية فخمة في ذهنه، ~~كما تتمثل امرأة طيف جمالها في المرآة. # في هذه الذاتية يختلف الناس بعضهم عن بعض ويتمايزون، وتختلف أفعالهم باختلاف ~~ذاتياتهم؛ ولذلك تعد الذاتية مركز الحياة الأدبية أو نواتها. ~~(1-5) النزعة إلى التعاظم - الرقي # لا نشعر أننا متمايزون عما حولنا فقط، بل نشعر أننا مسيطرون على ما حولنا، ~~ولا نشعر شعورا فقط، بل ندرك أننا ذوو قوة ذاتية مستقلة عن قوة الطبيعة ~~العامة، وبهذه القوة نستطيع أن نؤثر في ظروف الحياة ونكيفها كثيرا ms110 وقليلا، ~~ونرى أننا بها نستطيع أن نسيطر على قوى الطبيعة ونخضعها لخدمتنا. # بهذا الشعور - شعورنا بالاستقلال عما حولنا وبالسيطرة على ما حولنا - نشعر أن ~~فينا نزعة إلى الاستعلاء والتعاظم على كل ما حولنا. وهذه النزعة تدفعنا إلى ~~ابتغاء أجود الأحوال التي يقتضيها ذلك التعاظم؛ أي إن توفقنا إلى تحسين أحوالنا ~~الداخلية والخارجية، وبالجملة توفقنا إلى ترقية ذاتيتنا. هذه النزعة هي نزعة ~~الرقي المتمركزة في دائرة النوع الإنساني بين سائر الدوائر الكونية. # فهذه النزعة، نزعة الاستعلاء والتفخم التي يمتاز بها الإنسان على الحيوان ~~وسائر ما حوله من الأشياء، إنما هي نبضة من نبضات الحياة الأولية، والغرض ~~الأعظم من أغراض الحياة، بل إن الطبيعة جعلت هذا الغرض الأعظم في الحياة واسطة ~~لغرض أبعد منه؛ وهو الارتقاء إلى جهة المثل الأعلى في الجودة، فالطبيعة ترمي ~~إلى التمثل بأجود مثال لها، والحياة أجود أمثلتها، ولكنها غير قانعة بهذا ~~المثال، ولا هي واقفة عند هذا الحد، بل تريد أن تبتدع من الحياة مثالا أجود ~~أيضا؛ ولذلك ابتدعت الحياة الأدبية، ومنها ابتدعت الحياة الإنسانية العليا، ~~ومن يدري ماذا تبتدع بعد ذلك؟ ~~(2) المثل الأعلى ~~(2-1) الإنسانية العليا هي المثل الأعلى # إذن ترى أن معنى الحياة أو الغرض الذي ترمي إليه هو الحسن الأحسن، أو الجيد ~~الأجود، أو الجميل الأجمل. وقد علمت أيضا أن الوجهة التي تتجه إليها الطبيعة ~~في حركاتها هي الإنسانية العليا المتكونة من الحياة العقلية الأدبية. فغاية ~~الحياة القصوى كما دربتها الطبيعة إليها هي المثل الأعلى في الإنسانية، وما ~~الإنسانية إلا أجمل جمال عقلي أدبي، واللذة التي تحدث من جراء الحركة الحيوية ~~في اتجاهها إلى هذا المثل الأعلى إنما هي غاية قصوى للفرد، ولكنها ذريعة ~~إغرائية لغاية الحياة القصوى؛ أي الإنسانية العليا. # فنحن نفعل الأمور التي نعتقد أنها أفضل اللذات؛ أي اللذة التي ما نفعله ~~لأجلها يؤدي إلى المثل الأعلى، لماذا؟ لأن هذا الفعل يكفل أولا: بقاء الفرد، ~~وثانيا: بقاء السلالة، وثالثا: السير في الجهة القويمة إلى المثل الأعلى. ~~فترى أن السلوك الأجود المؤدي إلى ms111 اللذة الفضلى هو الذي يؤدي إلى غاية الحياة ~~القصوى التي نحن بصددها، لا إلى إرضاء شعورنا بالحسن، ولا إلى إرضاء مشتهياتنا ~~الشخصية. ~~(2-2) المثل الأعلى ميراث الطبيعة للإنسان # إن إرضاء مشتهياتنا هذه هو غاية قصوى لنا، ولكنه ليس غاية قصوى للحياة ~~الأدبية، بل هو لها ذريعة إلى غايتها القصوى التي هي المثل الأعلى في ~~الإنسانية. فسلوكنا الأجود لا يرمي إلى إرضاء شعورنا فقط، بل إلى إرضاء الحياة ~~الأدبية بالأولى. # لو كانت الحياة قد وجدت لإرضاء مشتهيات الذاتية الإنسانية فقط لما كان ثمة ~~مثل أعلى؛ لأن الغاية تقف حينئذ عند حد في الارتقاء، وبالتالي لا يكون ثمة ~~رقي، ولكن وجود الرقي واطراده يثبتان أن معنى الحياة أو نزعتها ليس إرضاء ~~النفس، بل الرقي في سلم المثل الأعلى في الإنسانية الجميلة، وما إرضاء النفس ~~إلا ذريعة لهذا الرقي. فنحن في سعينا إلى الحسن الأفضل نسير نحو المثل ~~الأعلى، سواء أردناه نفسه غاية لنا، أو أردنا لذة السلوك المؤدي إليه غاية لنا، ~~وكلما دنونا من المثل الأعلى رأينا مثلا آخر أبعد منه فنسعى إليه، واطراد ~~سعينا إليه هو الرقي. # فمعنى الحياة الأسمى هو الرقي، والإنسان أو النوع الإنساني مستمر على هذه ~~السنة، فذاتيته وعقليته وإرادته إنما هي أدوات هذا السير، والحياة محركة ~~أو مدربة هذه الأدوات في سيرها، وما الإنسانية العليا إلا المثل الأعلى ~~المضمون في قلب الطبيعة، وقد خصت به الإنسان، فهو تراثها. ~~(2-3) سنة الحياة # إذن سنة الحياة أولا: الحركة؛ أي فعل شيء، ثانيا: كيفية هذه الحركة التي ~~تعينها طبيعة الإنسان النابضة بقوة حركة الحياة، ثالثا: أن ضمانة بقاء ~~الحياة وجزاءها على هذه الحركة هما إرضاء هذه الطبيعة الإنسانية ~~النابضة. # فأنت تفعل أفعالك بقوة حركة الحياة، وتوجه فعلك في الجهة التي تقتضيها نوابض ~~طبيعتك، واللذة التي تنالها من نتيجة فعلك إنما هي جزاء الحياة لك على فعلك، ~~وبالوقت نفسه يكون فعلك ضامنا بقاء الحياة مستمرة في رقيها إلى المثل ~~الأعلى. # يتضح لك مما تقدم أن القاعدة الأدبية الرئيسية؛ أي القاعدة الأساسية ms112 للحق ~~والواجب هي أن يكون فعلك متجها إلى غاية الحياة القصوى؛ أي الترقي على سلم ~~المثل الأعلى، فإذا كان فعلك متجها في هذه الجهة كان راميا إلى الحسن الأفضل، ~~وما اللذة التي تنالها من جرائه إلا غاية لك. أما هو فواسطة لقضاء غرض الحياة ~~الأقصى. ~~(3) الشخصية الاجتماعية # رأيت فيما تقدم أن معنى الحياة البشرية أو غايتها القصوى، أو غرض الطبيعة الأقصى ~~منها - الإنسانية العليا - استلزم وجود ذاتية مجردة في الإنسان غير ذاتيته ~~الطبيعية؛ ذاتية أدبية. وهذه الذاتية هي مركز شخصية أخرى له غير شخصيته البيولوجية ~~الحيوية، هي شخصية أدبية اجتماعية؛ ولذلك ينبغي أن نتبسط كفاية في تبيان هذه ~~الشخصية. ~~(3-1) اندماج الذاتية الأدبية بالمجتمع # الشخصية البيولوجية مستقلة بحياتها: هي شخصية الفرد الطبيعية القائمة بنفسها، ~~والمستوفية عدة الحياة في داخلها، فتقوم بأفعالها في نفسها لنفسها. وأما ~~الشخصية الاجتماعية التي تتمركز فيها الذاتية الأدبية فهي مندمجة في جسم ~~المجتمع كعضو من أعضائه، فتفعل أفعالها الأدبية بحسب ما تقتضيه بيئتها، وتتكون ~~أدبياتها وأحكامها الأدبية مما تقرر في هذه البيئة. ولكي نعلم مقدار اندماج ~~الذاتية الأدبية أو الشخصية الاجتماعية بالمجتمع، ونفهم كيفية عضويتها فيه، ~~نبحث في مقدار استقلال الفرد عن المجتمع ومقدار علاقته به؛ أي إلى أي حد هو ~~مستقل عن الجماعة، وإلى أي حد هو مقيد بها. ~~(3-2) الإنسان ابن الاضطرار لا الاختيار # يولد الإنسان ولا يلبث يعي وجوده حتى يرى نفسه مقيدا بقوانين وأنظمة تثلم ~~حريته، وتضيق دائرة استقلاله. فلننظر: هل يمكن للإنسان أن يولد ويشب ويكبر ~~إلى أن يصير إنسانا مسئولا وهو في مطلق حريته؟ # فأولا: أنه لا يولد باختياره، وما كانت له أقل إرادة أو اختيار في مجيئه إلى ~~هذا العالم؛ فهو مولود الاضطرار لا الاختيار، ومتى ولد كانت ذاتيته كالشمع ~~تنطبع فيه شخصيته، أو إن شئت أن تقول: إن شخصيته الطبيعية تكون كالشمع تطبع ~~فيه ذاتيته الأدبية، فهل في وسعه أن يرسم لنفسه ذاتية أو شخصية خاصة به، أو أن ~~يطبع نفسه بالشخصية التي يريدها؟ # وهل يستطيع أن يبتدع ms113 لنفسه شخصية جديدة مختلفة عن شخصيات الناس، أو على الأقل ~~عن شخصيات من هم حوله؟ أليس مضطرا أن ينطبع بالطابع الذي وجد قبله له ولغيره؟ ~~فالولد منذ يولد إلى أن يشب ويكبر إنما هو مدين بشخصيته للعوامل الاجتماعية ~~التي تكونها؛ لأن نفسه مسبوكة بقالب فكرة الاتصال بالأحوال والحوادث الماضية ~~والحاضرة والمستقبلة، فلا غنى له عن الاقتباس من الاختبارات الجارية، فهو ~~يجمل في حياته هذه الاختبارات الماضية والحاضرة، ويصوغ شخصيته منها. يقتبس ~~عاداته من ذويه وقومه كما اقتبسوها هم من أسلافهم، وينهج المناهج التي نهجوها ~~وينهجونها. ~~(3-3) تكون الشخصية من مواد الأنظمة الاجتماعية # فمنذ تتكون في الطفل عقليته يشرع يقتبس تصوراته مما حوله، وأول ما يتناوله ~~هو اللغة. واللغة ليست ملك أبويه، ولا هي ميراث له، بل هي نظام اجتماعي كونته ~~الأجيال السالفة والحاضرة؛ فهو إذن يقتبس نظاما نظمه المجتمع، ومتى انتقل من ~~حجري والديه إلى المدرسة والكلية، وجعل يتلقن العلم على أساتذته، كان يقتبس علم ~~الأجيال الماضية والحاضرة؛ لا علم أولئك الأساتذة؛ لأنهم هم اقتبسوه مثله ~~وأضافوا إليه، حتى الكتاب الذي يدرسه ليس من بنات أفكار مؤلفه وحده، بل هو ~~زبدة اختباراته واختبارات كثيرين كتبوا قبله. # ومتى دخل إلى دائرة السعي والعمل كان في مدرسة أخرى يقتبس منها اختبارات ~~السابقين والحاليين، وإذا عمل كان يسبك في أعماله مجمل اختبارات الآخرين على ~~الأسلوب الذي يتهيأ له، ولكنه مهما تفنن في السبك فلا يستغني عن المواد التي ~~اقتبسها. # كذلك أخلاقه الأدبية التي يصوغ منها شخصيته إنما هي مصوغة من مواد الأنظمة ~~الاجتماعية المختلفة؛ فهو يصوغ نفسيته الأدبية من عادات قومه وتقاليدهم، ومن ~~أنظمة المجتمع المدنية والدينية والأدبية والاقتصادية إلخ. # فنرى مما تقدم أنه مدين بشخصيته ليس لوالديه ولا لأساتذته ولا لذويه الذين ~~يعاملهم، بل للمجتمع برمته؛ لأن كل فرد مثله اقتبس كما اقتبس. فجميع أفكاره ~~وتصوراته قد صيغت في القالب العام الذي أعد من قبل المجتمع لكي تصاغ به ~~شخصية كل فرد، «وتكون هذه الأفكار والتصورات حسنة وصائبة ومناسبة له وللمجتمع ~~بالنسبة: ms114 أولا؛ إلى ما بلغت إليه اللغة من درجة الرقي ، وما احتوته من المعارف ~~والصور العقلية، ثانيا: إلى درجة التعليم التي بلغ إليها الوسط الذي يقيم فيه، ~~ثالثا: إلى القوة العقلية التي ورثها من سلالته.» # 1 ~~(3-4) تضامن الفرد مع المجتمع # زد على ذلك أن الفرد في سعيه إلى الرزق الذي هو حق طبيعي لا يستطيع أن ~~يتنصل من الارتباط بالجماعة، فلا يستطيع أن يقوم بعمل من غير أن يستعين ~~بأعمال الآخرين؛ فالآلة التي يعمل بها صنعها غيره، واخترعها آخر قبله، والمواد ~~التي يستعملها في صنعه استخرجها آخرون بطرق اكتشفها واخترعها آخرون ~~قبلهم. # والسوق التي يقايض فيها حاصل عمله إنما هي دائرة يشتبك فيها آخرون معه، ~~وكيفما حاول أن يستقل وجد نفسه مشتبكا بمعاملة آخرين على أساليب وأنظمة اتفق ~~عليها المجتمع؛ فهو إذن في سعيه إلى الرزق يتعاون مع الآخرين تحت سيطرة النظام ~~الاجتماعي. حتى الرجال العظماء العبقريون، مهما كانوا مبتكرين ومتفردين إلى حد ~~أن يقال: إنهم صنعوا شخصيتهم بأنفسهم، لم يستغنوا عن اختبارات المجتمع وأنظمته، ~~حتى ولو استطاعوا أن يكيفوا هذه الأنظمة. # وحاصل ما تقدم أن الفرد في المجتمع شخصية غير كاملة، أو هو فيه عضو ناقص؛ ~~فلذلك هو يحتاج إلى حيز أوسع من حيز الفردية ليستتم فيه شخصيته، يحتاج إلى ~~الحيز الاجتماعي. ~~(4) جسمانية المجتمع ~~(4-1) طفولة الاجتماعية # وإذا تقرر فيما تقدم أن الفرد لا يمكن أن تقوم له قائمة بذاته مستقلا عن ~~المجتمع؛ لأنه يستمد كل شخصيته من حياة المجتمع الماضية والحاضرة، بل هو عضو ~~مندمج في المجتمع حتما، تبدو لنا النظرية الاجتماعية، وهي أن المجتمع جسم حي ~~قائم بذاته ذو أعضاء توزعت عليها الوظائف الحيوية القائمة بعملية حياته، ~~وأعضاؤه هم شخصيات الأفراد الأدبية. # وإنما هو لم يبلغ في رقيه الجسماني إلى الدرجة التي ارتقى إليها جسم ~~الإنسان؛ فهو يكاد يعادل في درجته درجة الأحياء المائية الواطئة، التي إذا ~~قطعتها إربا إربا أصبحت كل قطعة منها حيا قائما بذاته؛ ذلك لأن ارتباط ~~أعضائه بعضها ببعض أقل متانة منه في ms115 الأحياء العليا؛ ولذلك يمكن تقطيعه كتلك ~~الأحياء الدنيا، فالاجتماعية لم تزل في عهد البساطة أو الطفولة. ~~(4-2) هل جسمانية المجتمع مجاز أم حقيقة؟ # وقد يتراءى للناظر في أمر جسمانية المجتمع أنه أمر مجازي لاختلاف بين ~~الطبيعتين؛ ففي الجسم الحي كل طائفة عضوية من خلياته تختلف عن الأخرى بنية ~~كما تختلف عنها وظيفة. والأمر ليس كذلك في جسمانية المجتمع؛ فإن كل فرد كالآخر ~~بنية، ولكنه يختلف عنه وظيفة؛ فالسياسي والعالم والصانع متماثلون بنية، ~~وكان ممكنا أن يكون السياسي صانعا، والصانع عالما. # ولكن إذا انتبهنا إلى أن جسمانية المجتمع ليست مادية، بل هي نفسية عقلية ~~وجدنا أن المشابهة بين جسمانية الحي وجسمانية المجتمع ليست مجازية، بل هي أقرب ~~إلى الحقيقة منها إلى المجاز؛ فإن السياسي سياسي بعقليته لا ببدنه، وكذلك ~~العالم والصانع والتاجر، وما صار الفرد سياسيا أو صانعا أو عالما إلا لأن ~~عقليته معينة لهذه الوظيفة. # 2 ~~(4-3) تطور جسمانية المجتمع # وكون المجتمع جسما متطورا يقضي حتما بأن تكون جسمانيته متطورة أيضا حسب ~~سنة الرقي؛ ولذلك نرى أن ارتباط أعضائه آيل إلى المتانة تدريجا، فمع ~~التمادي يصبح هذا الارتباط أشد فأشد إلى أن يصبح بتر أحد أعضائه مفضيا إلى ~~هلاكه، بل نحن نرى الآن أنه إذا أضرب فريق من العمال عن العمل عرض جميع ~~الأمة للتهلكة. # إذن هذا الارتباط الذي جعل المجتمع جسما واحدا متوقفا بعضه على بعض هو علة ~~تضيق دائرة استقلال الفرد، وكلما اشتد هذا الارتباط ضاقت دائرة استقلاله، وإذا ~~تمادى المجتمع في رقيه على هذا النحو قاربت قيمة الاستقلال إلى الصفر. ~~(4-4) نظرية الاثنينية # ترى مما تقدم أن هذه العلاقة الوثيقة بين الفرد والمجتمع جعلت للإنسان ~~شخصيتين؛ الأولى: طبيعية حيوية «بيولوجية» ترمي بأفعالها إلى مصلحة الذات؛ ~~فنبضتها إذن الأنانية، ونزعتها الحرص على بقاء الذات الفردية، والثانية: ~~اجتماعية أدبية ترمي بأفعالها إلى مصلحة المجتمع؛ فنبضتها إذن غيرية، ونزعتها ~~الحرص على بقاء السلالة أو المجتمع. # ولما كان بقاء الذات الفردية متوقفا على بقاء المجتمع كانت الغيرية آيلة إلى ~~مصلحة الأنانية؛ ms116 فالغيرية مشتقة من الأنانية بالرغم من أن الشخصية الفردية ~~مشتقة من المجتمع، لأن نتيجة الغيرية القصوى أو غايتها آيلة إلى الذات الفردية. ~~فالإنسان يرى في عمل الخير للآخرين وفي خدمة المجتمع لذة لنفسه، حتى المجرم ~~الذي يعتدي على حقوق المجتمع ويزيغ من وجه القضاء يأبى أن يزول القضاء؛ لأنه ~~يحتاج إليه لحماية حقوقه الشخصية، وفيما هو يختلس من حقوق الأمة يأبى أن تزول ~~أنظمتها التي تكفل له السلامة في الطريق والمنزل، وتسهل له الراحة في الانتقال ~~والمعاملة. ~~(5) مركز القاعدة الأدبية ~~(5-1) نشوء الحق والواجب # رأيت أيضا أن هذه العلاقة الوثيقة بين الفرد والمجتمع، التي جعلت للإنسان ~~شخصيتين متمايزتين، إنما هي نظام محكم يستلزم وجود حقوق وواجبات متبادلة بين ~~الفرد والمجتمع، وإلا فلا تثبت هذه العلاقة ولا تقضي الوطر المبتغى منها؛ وهو ~~حفظ بقاء الفرد نفسه. # لذلك كان على شخصية الفرد الاجتماعية الغيرية واجبات تقلص كثيرا من دائرة ~~حقوق شخصيته الطبيعية الأنانية، تلك الشخصية التي ورثت من الطبيعة الحيوانية ~~حقوقا واسعة. وبالطبع، الحق الذي للفرد هو واجب على المجتمع، والواجب الذي على ~~الفرد هو حق للمجتمع؛ ولذلك كان ثمة حقوق للإنسان وحقوق للمجتمع، وواجبات على ~~كل منهما. # فمن الجهة الواحدة نرى أن الفرد جاء إلى العالم مصطحبا حقوقا طبيعية لا ~~يزال يقرها النظام المدني، وهي كما أقرتها قوانين الدول الأساسية ودساتيرها: ~~حق الحرية الشخصية، وحق الامتلاك، وحق مقاومة الضغط، وحق السعي إلى الرزق. وقد ~~أضافت الأنظمة الاشتراكية إلى هذه الحقوق حق المرأة بالمساواة مع الرجل. ومن ~~جهة أخرى، نرى للنظام المدني حقوقا على الإنسان؛ كالضرائب والسيطرة، في مقابل ~~حمايته لشخصه وحقوقه وما يمتلكه. # ولكن ربما تمايزت حقوق الفرد وحقوق النظام؛ أي الحكومة؛ فقد تلتبس حين يتداخل ~~بعضها ببعض، حتى يكاد يتعذر تحديد كل فريق منها وفصله عن الآخر، وإنما بالإجمال ~~يقال: إنه بقدر ما تتضح حقوق الفرد الطبيعية ولا تتصل بنظام المجتمع وحكومته؛ ~~فليس للحكومة حق التدخل. ~~(5-2) اصطدام حق الفرد بحق المجتمع # حقوق الفرد وحقوق النظام الحكومي تتداخل في كثير ms117 من الأحيان بحيث يتعذر ~~التمييز بينهما، مثال ذلك: أن الحرص على الحياة أهم حقوق الفرد؛ ولذلك يعد ~~أمرا حسنا، ولكن إذا تدبرنا حقوق الاجتماع نجد أنها في بعض الأحوال تستغرق حق ~~الفرد حتى حقه بالحياة؛ ففي حالة الخطر على المجتمع برمته تصبح حياة الفرد ~~ثانوية عنده إذا كان متدبرا، ويرى أن اقتصاره على الحرص على حياته وعلى حياة ~~عائلته ليس بالأمر الأحسن، بل هناك حق أعظم وأحسن منه؛ وهو الدفاع عن المجتمع ~~لدرء الخطر عنه، فإذا كان الفرد حينذاك يخلي نفسه من كل علاقة مع المجتمع كان ~~منتحرا؛ لأن سلامته وسلامة أسرته تتوقف على سلامة المجتمع. # وكذلك المبرة، وإن كانت ليست أمرا أنانيا بل هي أمر غيري؛ أي إنها تتجه ~~لمصلحة الغير، فما خلت من كونها لمصلحة الذات أيضا، فحين نرغب في الخير ~~للآخرين يكون فينا شعور بلذة لنا أيضا. فهذا الشعور هو شيء فينا ينشئه ~~ابتغاؤنا للمثل الأعلى الذي نتوخاه في الحياة، كذلك العطف أو الحب الذي يحملنا ~~على إرادة الخير لمن نحبه أو نعطف عليه هو بالحقيقة أمر أناني؛ لأنه ينشئ فينا ~~شعورا بلذة لنا. # وإذا كان الأمر كذلك، فارتباط الأفراد بالجماعة على نحو ما تقدم شرحه يوجب ~~توسيع دائرة حقوق النظام الاجتماعي إلى حد أن تمس الدائرة كل حق طبيعي للفرد ~~كثيرا أو قليلا؛ وبالتالي يجعل الأدبية أمرا جوهريا للحياة الإنسانية - ~~يحتم على الفرد واجبات لغير نفسه - يقضي بتقديم الغيرية على الأنانية. ~~(5-3) غريزية الغيرية # وهذا القضاء الاجتماعي الطبيعي أنشأ على تمادي الأزمان في نفسية الإنسان ~~غريزة الغيرية؛ أي إرادة الخير للغير كما للنفس، وأنشأ هذا الشعور الباطني في ~~الإنسان بلذة العطف على الغير، وبلذة المبرة وعمل الخير للآخرين؛ ولذلك لا يكون ~~ضيق دائرة الحرية الفردية منقصا لسعادته كما نتوهم، لأن اللذة التي يفقدها من ~~نقص أنانيته يجدها في غيريته. واليوم نجد أناسا يستلذون تضحية شهواتهم ~~الشخصية في سبيل خدمة الإنسانية. ورئيس الجامعة الأميركية، الدكتور ضدج، في ~~بيروت، مثل واضح على هذا. ~~(5-4) معنى الحق والواجب # نرى ms118 أيضا أن الذاتية الاجتماعية التي لكل فرد في الأمة لا تري الفرد أن ~~أفعال الآخرين مساعدة لأفعاله فقط، بل هي مادة أفعاله أيضا؛ ولذلك ليست ~~شخصيته قائمة بتبادل النسبة بينه وبين الآخرين على قاعدة التعاون، بل هي قائمة ~~بوقف الذات على فعل الخير للآخرين؛ ففي ابتغائه الخير للآخرين يبتغي الخير ~~لنفسه، وحينما يبتغي الخير لنفسه وحده مستقلا يكون منتحرا، وحين يحب نفسه ~~فقط يبغضها، وحين يحرص على ذاتيته يفقدها، وبالعكس حين يعرض نفسه للضياع في ~~مصلحة الجمهور يجدها. # إذن هذا منشأ الواجب والحق، ولولا لزوم هذا التفاني في الحرص على مصلحة ~~المجموع لما كان للحق والواجب معنى؛ إذن موضع الحق والواجب هو في نسبة الجسم ~~الاجتماعي إلى أجزائه، أو في نسبة الفرد إلى المجتمع. ومعنى الواجب هو الضغط ~~الذي قضى به تأثير فعل المجموع على الفرد في الظروف السابقة التي تهيأت له، ~~والحق هو الحرية التي يمنحها المجموع للفرد معترفا له بها، باعتبار أنه من ~~أجزائه الحيوية. هذا هو حق الفرد وواجبه. # وأما حق المجتمع فهو في تصور الفرد أنه جزء من المجتمع، وفي طاعته لأنظمة ~~المجتمع وقوانينه، والحرص على سلامته. وواجب المجتمع هو في اعتبار أن هذا الفرد ~~حيوي منه، وعليه أن يحرص على حيويته. ~~(5-5) معنى القاعدة الأدبية # بعد هذا البيان يتضح لك أن القاعدة الأدبية هي أن تكون جميع أفعال الفرد ~~متجهة إلى خير المجموع، ومتفقة مع حركة المجموع. وبالطبع إذا كانت كذلك كانت ~~مقتصرة عن دائرة حقوق الآخرين، ومتفقة مع أفعال الآخرين الذين يعملون لخير ~~المجموع أيضا. # وهو أمر طبيعي أيضا أنه متى كان الفرد ذو الشخصية الاجتماعية الأدبية يعمل ~~لمصلحة المجموع، وبالمصاقبة لأعمال الآخرين الذين يعملون لمصلحة المجتمع، كانت ~~جميع المبادئ الأدبية؛ كالصدق والأمانة والاستقامة والوفاء، قانون حياته ~~الأدبية، وشريعة ضميره الصالح. وحينئذ قلما يضل السبيل عن كيفية تطبيق أفعاله ~~على هذه المبادئ. # فترى مما تقدم أن مركز القاعدة الأدبية الرئيسية هو في هذه العلاقة بين الفرد ~~والمجتمع. وسينجلي للقارئ هذا الموضوع أكثر في الفصل ms119 التالي. # الفصل الثاني # | النظام الاجتماعي # (1) الشريعة ~~(1-1) نظام المجتمع # إذا كانت الهيئة الاجتماعية تعد جسما قائما بذاته مؤلفا من أعضاء هي ~~الشخصيات الاجتماعية، كان ولا بد لهذا الجسم عقلية قائمة بذاتها، وله روحانية ~~أيضا، وبالتالي كانت له أدبية ومثال أعلى وواجبات وحقوق وفضائل، كما للفرد. ~~وكلها تقيد سلوكه وتحدد مناهجه، وكما أننا نقيس قيمة سلوك المرء على ما يقوله ~~ويفعله ونقول عنه: إنه حسن أو صواب أو حق، كذلك بقدر ما يكون مجتمع من الناس ~~منظما نقول: إنه مجتمع حسن النظام، عادل القوانين، حقاني القضاء. # ونظام المجتمع الجيد أو العادل هو ما جعل حياة جميع أعضائه الاجتماعية ~~المشتركة سائرة في طريق النجاح ما أمكن. وأما نظامه غير العادل فهو ما خول ~~جانبا صغيرا من أعضائه أن يستعبدوا جانبا آخر أكبر، بحيث لا يستطيع هؤلاء أن ~~يرقوا حياتهم الاجتماعية، ويتمتعوا بنصيبهم من مسرات المجتمع المشتركة ~~وفوائده. # فلذلك من شأن علم أدب النفس أن يبحث في نظام المجتمع الذي يمس واجبات الفرد، ~~كما أنه يلم بواجبات الأفراد الذين يتألف المجتمع منهم. ~~(1-2) منشأ الشريعة # يزعم كثير من الكتبة أن القوانين والشرائع هي خلاصة العادات والتقاليد، وقد ~~فهم من زعمهم هذا أن القانون والشريعة كانا قبلا عادة أو عرفا؛ أي إن العادة # 1 # والعرف سبقا الشريعة كمصدر لها، وإن الشريعة جاءت بعدهما مستمدة ~~مادتها منهما. # ولكن طبيعة كل من العرف والعادة والشريعة تدل على نقيض هذا الزعم؛ فالعادة ~~والعرف قائمان بين الناس من غير قوة منفذة، بل يجري عليهما الناس اختيارا من ~~تلقاء أنفسهم. وأما الشريعة والقانون فتنفذهما قوة الحكومة، ولمخالفتهما عقاب، ~~فإذا كان القانون مجموعة عادات يعمل بها الناس مختارين، فلماذا القوة المنفذة؟ ~~أو لماذا يكف الناس عن العمل اختيارا، بحسب العادة، متى صارت العادة قانونا؟ ~~أو بعبارة أخرى، لماذا تصبح العادة ثقيلة على الطبع متى صارت قانونا؟ فترى مما ~~تقدم أن ذلك الزعم باطل. وإذا فرضنا أن القوانين والشرائع نشأت من العادات ~~فمم نشأت العادات قبلها؟ ولاستقصاء أصل الشريعة نعود إلى ms120 النسبة المستحكمة ~~بين الفرد والمجتمع؛ حيث نجد جذور الشريعة فيها. ~~(1-3) علاقة الفرد بالفرد بواسطة المجتمع # وهنا نحذر القارئ من خلط هذه النسبة بنسبة أخرى بين فرد وفرد وبين الأفراد؛ ~~فإن هذه النسبة ثانوية، ولا عبرة فيها في النظام الاجتماعي، ولا يمكن أن يتوقف ~~هذا النظام أو يترتب عليها. النسبة القائمة بين الفرد والمجتمع هي قاعدة كل ~~نظام اجتماعي، والفرد يتصل بالفرد عن يد هذا النظام، ويتعامل فرد مع فرد بواسطة ~~هذا النظام، وينال فرد من فرد حقا أو يؤدي واجبا بواسطة هذا النظام؛ فالقاتل ~~لا يقاضيه أهل القتيل، بل حكومة المجتمع؛ لأنه يعد مذنبا لها، والمهضوم الحق ~~لا يطلب حقه من هاضمه، بل من المحكمة، والمحكمة تأخذه من هاضمه وترده ~~له. # فلو استرد مهضوم الحق حقه المهضوم عنوة لعوقب؛ لأنه يحسب معتديا على ~~النظام، ولو أبيح لكل شخص أن يسترد بقوته عنوة حقه المهضوم لسادت الفوضى في ~~المجتمع. فترى مما تقدم أن علاقة الفرد الاجتماعية الحقيقية إنما هي بالمجتمع ~~لا بالأفراد. ~~(1-4) الشريعة سبقت العادة # بعد هذا البيان نعود إلى منشأ العادات ثم الشرائع. لا يمكننا أن نتصور أن ~~عادة نشأت في أمة أو قوم أو قبيلة بغتة، لا بد أن تكون قد نشأت أولا في جماعة ~~صغيرة جدا ثم اقتبست، لا بد أن تكون قد نشأت في الأسرة أولا؛ حيث هناك رب ~~أسرة ذو رأي حكيم وسلطة نافذة، رأى مثلا أن أكل جيفة الحيوان الميت ضارة، ~~فحرمه على أسرته، وأجاز أكل الذبيح فقط. # فهذا التحريم في أسرته شريعة ينفذها هو بالقوة، وقد يستحسن أفراد أسرات أخرى ~~هذه الشريعة فيقتبسونها ويعملون بها اختيارا، وقد يقتبسها أرباب أسرات أخرى ~~فيوجبونها؛ فتكون عادة عند بعض، وشريعة عند بعض آخرين، فإذا غلب استحسانها، ~~وأخيرا عمت القوم كلهم وتعودوها، وصاروا يأتونها بلا تكلف؛ صارت عادة ~~فتقليدا، ولم تبق شريعة. # وإنما إذا بقي الناس يأبونها ويشجبونها، وكان بقاؤها يسوء شعائر أولئك جعلتها ~~الهيئة الحاكمة شريعة منفذة القوة. وتبقى شريعة هكذا أمدا طويلا أو قصيرا ms121 ~~إلى أن تتعودها الأجيال، وتصبح عادة مستحكمة فيهم يأتونها اختيارا؛ فتقل ~~الحاجة إلى القوة لتنفيذها، وعلى التمادي تتلاشى شرعيتها، وتصبح عادة، وربما ~~صارت على التمادي غريزة . # فالعادة بنت نواة الشريعة أولا. وقد تكون الشريعة في بدء نشوئها حسنة ~~جدا، فلا تلبث أن تنتشر كعادة لا كشريعة؛ لاستحسان الجمهور لها، فإذا بقي ~~أفراد يناقضونها ويخالفونها اضطر المجتمع أن يعود إلى اشتراعها، وتستمر شريعة ~~أمدا طويلا أو قصيرا إلى أن يتعودها الجمهور، ويحسب مخالفتها معرة، فيبطل ~~كونها شريعة، بل تصبح مبدأ أدبيا ينفذه الناس من تلقاء أنفسهم تحاميا ~~للمعرة. هكذا كان ستر العورة في أول الأمر شريعة منفذة بالقوة تحت طائلة ~~العقاب، فلما ترقت أدبية الإنسان المتمدن وصار يستحي من كشف العورة، لم تبق ~~حاجة لهذه الشريعة؛ إذ أصبحت عادة، ثم صارت مبدأ أدبيا. # فترى أن الشريعة نشأت من استحكام هذه النسبة بين الأفراد والمجتمع؛ لأن هذه ~~النسبة تقضي بتبادل الحقوق والواجبات بين الفرد والمجتمع، والشريعة تعين هذه ~~الحقوق والواجبات المتبادلة، والشريعة التي توجب واجبا على الفرد تخوله في ~~الوقت نفسه حقا على الآخرين؛ فحين تحرم السرقة أو النهب على الفرد وتهدده ~~بالعقاب إذا نهب، تكون في الوقت نفسه حامية ماله من نهب الناهبين. هذا هو معنى ~~تبادل الحقوق والواجبات بين الفرد والمجتمع. # والغرض الذي يرمي إليه العقل الاجتماعي من الشريعة هو حفظ كيان المجتمع، ~~وضمانة نمو الحياة الاجتماعية المشتركة بين الأفراد، وتطبيع أعضاء المجتمع في ~~طبيعة واحدة لإمكان سبكهم في قالب واحد. وهذا السبك يسهل اتحادهم في المجتمع، ~~وإحكام ارتباطهم فيه. ~~(1-5) قوة الشريعة # نتقدم الآن إلى موضوع نفوذ الشريعة، فهي، أو الأنظمة الاجتماعية عموما، ~~تستمد قوتها من متانة النسبة بين الأفراد والمجتمع، وبقدر هذه المتانة تكون ~~قوتها ونفوذها. ولما كانت هذه المتانة مختلفة ومحدودة؛ أي غير مطلقة، كان تنفيذ ~~الشريعة محدودا أيضا. فلا نتوقع أن تنفذ كأنها شريعة الجاذبية أو الكهرباء، ~~بل هي مرنة، فتكون في أحوال أقل أو أكثر عنفا منها في أحوال أخرى، وتكون عند ~~أمم أقوى منها ms122 عند أمم أخرى. # فالقبائل الرخوة الارتباط قليلة الاحترام للشرائع، والجماعات الفوضوية لا ~~سلطة للنظام فيها، وحيث تكون النسبة متينة، وبعض فئات من المجتمع متمردة على ~~الشريعة تكون الشريعة عنيفة، وحيث يتعود الجمهور النظام، ويتعقل مصالحه بحكمة؛ ~~يطيع الشريعة عن طيب خاطر فتتوارى قوتها. # إذن قوة الشريعة تتوقف على المشادة بين فئة من أفراد المجتمع ونسبة جميع ~~الأفراد للمجتمع. ولما كانت الحياة الاجتماعية كثيرة التقلب والتغير بمقتضى سنن ~~التطور، كان لا بد من نشوء أساليب للحياة مختلفة تستلزم أن يتعودها الجمهور. ~~وهيهات أن يتعودها سريعا؛ لأن الرأي العام ينتشر ببطء كلي؛ ولذلك لا بد من ~~إجراء هذه الأساليب بالقوة، فتنشأ لها شرائع، وتنفذ هذه الشرائع في أول ~~الأمر بعنف لما فيها من مناقضة للمألوف، ومن مقاومة للحرية الفردية، ثم على ~~التمادي يتعود الجمهور الأسلوب الشرعي، فتتحول الشريعة إلى عادة، ثم إلى مبدأ ~~أدبي كما تقدم القول. # فالشريعة وقر على الطبيعة البشرية، ولكنها ضرورة للحياة الاجتماعية، وعلى ~~التمادي يخف وقرها، فما يفعله الإنسان في أول الأمر خوفا من العقاب يصبح مع ~~الزمان يفعله بحكم العادة، وأخيرا يفعله بدافع الإرادة الأدبية؛ فالشريعة تنشأ ~~أولا، ثم تليها العادة، ثم تأتي الفضيلة أخيرا. # هكذا الحشمة كانت في أول الأمر شريعة، ثم صارت عادة، والآن هي فضيلة؛ فإذن ~~حيث تستتب الفضيلة تقل الحاجة إلى الشريعة؛ لأن الفضيلة، وهي سجية في النفس، ~~تقوم مقام الشريعة في الإيجاب والمنع، وهي كنور الهدى للضمير تساعده في تمييز ~~الحقوق والواجبات. فالنفوس الراقية في سلم الأدبية إلى المثل الأعلى تقدس هذه ~~الحقوق والواجبات، وتقوم بها من تلقاء نفسها، والنفوس القليلة الرقي تقوم بها ~~بحكم الشريعة إلى أن تتعودها وتصبح سجايا فيها. ~~(2) الحقوق والواجبات ~~(2-1) الرأي الاجتماعي يعين الحقوق والواجبات # إذا كان الرأي الاجتماعي عاما، أو ندرت فيه المعارضة، أصبح الحق والواجب ~~المعينان عادة، وإن كانت المعارضة فيه كثيرة شديدة، فلا بد أن يحدث أحد أمرين: ~~إما أن تقوى المعارضة فتسقط العادة الجديدة وتتلاشى، وتلاشيها دليل على عدم ~~صلاحيتها في الظروف التي ms123 نشأت فيها، وإن كانت المعارضة قليلة والرأي الاجتماعي ~~غالبا، فيسن لذينك الحق والواجب شريعة؛ فإذن الرأي الاجتماعي كبيرا أو صغيرا ~~يعين الحقوق والواجبات، والرأي العام أو الاجتماعي الغالب يسن شريعة الحقوق ~~والواجبات. ~~(2-2) نسبة الحق والواجب # وبين الحق والواجب نسبة متينة لا يمكن نفيها؛ لأنه بنفيها ينتفي كل من الحق ~~والواجب أنفسهما - هي نسبية كنسبة الإيجاب والسلب، أو الدفع والجذب أو الأخذ ~~والعطاء - فإذا كان هناك آخذ فلا بد أن يكون ثمة معط. وليس الأمر هكذا فقط، ~~بل إذا أخذ الآخذ شيئا فلا بد أن يعطي شيئا آخر مكافئا له، فيأخذ المعطي ~~الشيء في مقابل ما أعطى؛ أي إن كل شخص آخذ ومعط، فإذن توجد نسبتان: نسبة بين ~~الشخصين المتبادلين، ونسبة أخرى بين الأمرين المتبادلين؛ ولهذا قلنا: إن هذه ~~النسبة مزدوجة بين الحق والواجب، تجعل ارتباطهما متينا جدا بحيث يستحيل ~~انفكاكهما، وفي الوقت نفسه تضمن التوازن بين الجانبين. # فكل حق يجلب معه واجبا على صاحبه، كما أن كل واجب يخول حقا لمن فرض عليه ~~هذا الواجب. # وطرفا الحق والواجب هما: الفرد والمجتمع؛ لأن النسبة التي بينهما كما عرفتها ~~آنفا هي أساس نسبة الحق والواجب، أي إن المجتمع مسئول عن الحقوق التي للفرد، ~~كما أن الواجبات على الفرد مفروضة عليه من قبل المجتمع. وأما الحقوق والواجبات ~~التي بين الأفراد فثانوية في الأهمية. ~~(2-3) الحقوق والواجبات الشرعية والأدبية # ثم (1) إن من هذه الحقوق والواجبات الثانوية في الأهمية ما هو شرعي؛ أي إنه ~~ينفذ بقوة النظام الاجتماعي «الحكومة»؛ لأنه لم يصبح عادة يأتيها الناس ~~اختيارا، ولا بد من تنفيذه لأنه ضروري لحياة المجتمع ورقيه. ومعظم هذا ~~الضرب من الحقوق والواجبات هو ما يخص العلاقة بين الأفراد، وعليه يتوقف حفظ ~~الأمن، والسلامة من الفوضى، والحرص على جري النظام في مجراه. (2) منها ما هو ~~أدبي يترك أمر تنفيذه لأدبية النفس الراقية، ومعظمه يخص العلاقة بين الفرد ~~والمجتمع؛ ولهذا تسوهل فيه لقلة الخطر من التساهل. # مثال ذلك أن الشريعة تحمي الملكية وتعاقب من يتعدى على ملك ms124 غيره، ولكنها لا ~~توجب على صاحب الملك أن يستعمل ملكه بحكمة بحيث يئول لنفع المجتمع؛ فالفرد حر ~~قانونا أن يستعمل ملكه كما يشاء، ولكنه أدبيا ليس حرا في ذلك، بل عليه ~~أن يستعمله بالأسلوب الذي يفيد المجتمع، أو لا يضر به على الأقل. # فليس للغني أن يبدد أمواله في اللهو والبذخ الخليع والفحش ونحو ذلك؛ لأنه ~~يكون حينئذ مرضا في جسم المجتمع، كذلك ليس للتاجر الذي قضت الأحوال بأن يقع ~~في قبضته وحدها صنف من السلع أن يحبس هذا الصنف عن الناس لكي يتسنى له أن ~~يضاعف الثمن، مع أن الموجود منه يزيد على المطلوب، ولا يحق لصاحب القدر الكبير ~~من الأراضي أن يعطل بعضها لكي يتسنى له أن يرفع أجرة البعض الآخر. # إذن حقوق الإنسان تقتصر على الأشياء التي يصح لأجل خير المجموع العام أن ~~يمتلكها. ولأنه يمتلكها على هذا الاعتبار هو ملزم أدبيا أن يستخدمها لأجل ~~الخير العام، فالإنسان بحد ذاته ليس له من حق بتاتا، وإنما لأنه جزء من ~~المجتمع هو ذو حق فقط بما يستطيع أن يستعمله بأسلوب يتفق مع الخير العام. فإذن ~~الحقوق هي منح من المجتمع للفرد؛ ولذلك ليس للفرد مطلقا الحرية في التصرف ~~فيها. # وفيما يلي أهم الحقوق الرئيسية التي تتمثل للذهن قبل الواجبات التي تصحبها أو ~~تلازمها. # الفصل الثالث # | الحقوق والواجبات الشخصية # (1) حق الحياة # أول حق من حقوق الإنسان هو أن يعيش. وهو يكتسب هذا الحق من كونه شخصا اجتماعيا ~~محتما عليه أن يكون عضوا في جسم المجتمع. وغاية المجتمع استمرار البقاء، فهو إذن ~~ذو حق بالبقاء في مقابل حتمية عضويته هذه. بهذا الاعتبار يسوغ له أن يضحي بحياته ~~لأجل بقاء المجتمع، وفيما سوى ذلك لا يسوغ؛ ولهذا يعد الانتحار في نظر بعض ~~المفكرين جريمة، فلا يسوغ للإنسان أن ينتحر؛ لأن انتحاره لا يوافق مصلحة المجتمع، ~~وهو لم يعط حق الحياة إلا على اعتبار أنه يستعمله لخير المجتمع العام كما تقدم ~~القول. # ولما كانت غاية المجتمع استمرار البقاء كما علمت، واستمرار رقيه ms125 سنة له، وجب ~~على المجتمع أن يكون ضنينا جدا بحياة الأفراد، فلا يسمح بتضحيتها إلا اضطرارا؛ ~~لذلك لا يسوغ للدولة المتمدنة التي تشبعت بروح الأدبية أن تفرط بحياة أفرادها في ~~الحروب، فلا تثير حربا لأي سبب سوى الدفاع عن سلامة المجموع إذا تعرض للخطر. فكل ~~حرب سببها المطامع الاستعمارية ونحوها إنما هي بلا شك جريمة لا تغتفر؛ لأنها تفريط ~~بحق مقدس، وهو حق الحياة، لأجل مطامع غير جائزة ولا هي حلال. ولو كانت الأمم جمعاء ~~تعترف أنها بالحقيقة أعضاء لجسم المجتمع الإنساني الأعلى، لكانت تعترف بأن كل حرب ~~على الإطلاق جريمة. # يبتدئ حق الفرد بالحياة منذ يتكون جنينا، وإن كان لا يعلم هذا الحق ولا يفهمه؛ ~~لأنه منذ تكون طفق يصير عضوا في جسم المجتمع، كما كان غيره قبله، وينتظر أن ينضج ~~ويصبح عضوا عاملا في المجتمع كما نضج غيره، وما تكون المجتمع من أعضاء كانوا ~~ناضجين قبل أن يتألف منهم، بل من أعضاء نضجوا عن يده وبفضله وتحت حمايته؛ ولهذا ~~يعد الإجهاض القهري لغير سبب صحي جريمة. # وربما توسع بعض الأدبيين في هذا الموضوع فجعل الامتناع عن الحمل تداركا لكثرة ~~البنين جريمة أيضا، على أن هناك مبررا لهذا الامتناع، وهو ضيق دائرة الرزق، بحيث ~~لا يتسنى للعدد الأوفر من أعضاء المجتمع أن يعيشوا معا أصحاء أقوياء كما تقتضي ~~الحياة الاجتماعية. # هذا الحق يجلب معه واجبين مقابلين له؛ الأول: الواجب الشرعي، وهو المصوغ صياغة ~~سلبية «لا تقتل»، بل يجب أن تحاذر من أن تقتل شخصا آخر، وأن تعرض حياة آخر للهلاك، ~~وإلا تقاص أو تعاقب، فلا يسوغ لأحد أن يقتل آخر مهما كان الداعي، حتى ولو كان ~~الآخر قاتلا، وإنما يسوغ للمجتمع فقط أن يقضي على القاتل بالموت لاعتبار أنه عضو ~~مريض في جسمه، وقد يخشى أن يعرض حياة الجماعة كلها للخطر، فيبتر منه. # أما الواجب الأدبي: فهو أن يحافظ الفرد على حياته كأنها ليست ملكه وحده، بل هي ~~وديعة عنده من قبل المجتمع، وعليه أن يحرص على نموها وتقدمها ms126 في العافية، وسلامتها ~~من الأمراض، وأما تفريطه بحياته وصحته وسلامته فيعد إثما أدبيا، وفي بعض الأحوال ~~يعد أيضا جريمة شرعية يعاقب عليها كما يعاقب شارب الخمرة في أميركا، ومستعمل ~~المخدرات «الكوكايين والمورفين إلخ» في مصر. ~~(2) حق الاسترزاق # ولا يخفى عليك أن واجب الحرص على الحياة وسلامتها وصحتها وعافيتها يستلزم واجب ~~السعي والعمل؛ أي إن كل فرد مكلف أن يعمل لكي يعيش، وإلا فقد حقه بالحياة. ~~وأحيانا طبيعة الاجتماع تحرم الكسول المتقاعد عن العمل حقه أو مركزه في الحياة، ~~وتعزله منه لتحل المجتهد محله. # ولكن المجتمع - لعيوب فاضحة في أنظمته الشرعية - لا يطلق هذه القاعدة ولا يجعلها ~~مطردة، بل يسوغ لفئة من الكسالى أن يعيشوا عالة على المجتهدين، بل يسوغ لهم أن ~~يمصوا دماء هؤلاء. وسبب هذا العيب في الأنظمة الشرعية هو ضعف الروح الأدبية في ~~المجتمع، فإذا لم تكن الشريعة معتمدة على أدب النفس فلا تسلم من التغرض والغبن ~~والحيف وسائر العيوب. # فواجب السعي والعمل للقيام بأود الحياة يستلزم حق الفرد بالاسترزاق، وقد كان ~~هذا الحق غامضا من قديم الزمان، ومنكرا حتى هذا الزمان الحاضر؛ لأن الرزق كان ولا ~~يزال إلى اليوم متنازع الأفراد والأمم، فلا ينال الرزق إلا من يتيسر له تنازعه. ~~ولما احتدم هذا النزاع في عهد تقدم الصناعة الآلية والتفنن المالي صارت وسائل الرزق ~~نفسها متنازع الأفراد أيضا، وصار المتمول مالكا أعنة المسترزقات، فيمنحها لمن ~~يشاء أو يمنعها عمن يشاء، ومتى شاء. # ولذلك تحوم صرخة أصحاب الدعوة الاشتراكية حول نقطة حق الاسترزاق؛ أي أن يكون ~~الاسترزاق حقا لكل فرد على المجتمع، أو على الحكومة التي تدير المجتمع، ولا يتسنى ~~الحصول على الحق إلا بحيازة الحكومة جميع ضروب الأعمال لكي توزعها على العاملين. ~~وهذا هو النظام الاشتراكي بعينه؛ لذلك يعد هذا الحق ضائعا ما دام النظام الفردي ~~مستفحلا. # وأما اهتمام بعض الحكومات أو بعض الجمعيات أو بعض أصحاب الأعمال في إيجاد أعمال ~~للعمال العاطلين في بعض الأحيان، فلا يعد تسليما بهذا الحق للمسترزقين أو ~~تقريرا له كحق شرعي، ms127 بل يعد من قبيل الإحسان والرحمة، ولا يعد حق الاسترزاق ~~شرعيا إلا حين يصبح شريعة على نحو ما تقدم. ~~(3) حق الحرية # لقد علمت فيما مضى أن تحقيق المثل الأعلى الأدبي يتوقف على إرادة الفرد الحسنة؛ ~~ولذلك يجب أن يكون الفرد حر الإرادة لكي يسعى ويعمل لأجل المثل الأعلى. وقد بحثنا ~~في فصل سابق عن معنى الحرية وحدودها، فليراجع هناك. وأما هنا، في سياق البحث في ~~الحق والواجب، فنقول: إن حق الحرية الشخصية يجب أن يكون مرافقا للحق بالحياة، ~~ولكنه في تاريخ التمدن جاء متأخرا عنه، فبعد أن امتنعت الأمم عن قتل الأسرى في ~~الحروب كتسليم بحق الحياة للفرد، بقي الرق زمنا طويلا، وما ألغي الرق والنخاسة ~~إلا في القرن الماضي؛ إذ عم الاعتراف بحق الحرية لكل فرد. # ولكن بقي إلى الآن نوع من الرق لا يقل حيفا عن الرق المعروف، وهو رق العامل ~~لصاحب العمل، وتدخل المتمول في حرية العامل في دائرة سلوكه للحرص على حياته. وقد ~~بحثنا مليا في أن الحرية المطلقة مستحيلة؛ إذ لا يستطيع الإنسان أن يفعل كل ما ~~يلذ له أن يفعله، فحق الحرية الذي يجوز للإنسان أن يتمتع به منحصر في دائرة عمله ~~الذي يرمي إلى ترقية نفسه بحسب سنن المجتمع. # وحق الحرية هذا يوجب على الفرد أن يستعمله في الغايات الحسنة المعقولة؛ لكي يكون ~~عمله مطابقا لمصلحة المجتمع، وبشرط ألا يعرقل حرية الآخرين أو ينقضها، إلا إذا ~~كانت هذه العرقلة مساعدة للآخرين في ترقية أنفسهم الأدبية، فيحق لك أن تحول دون ~~انغماس شخص في الفساد، أو أن تمنع استبعاد شخص لشخص آخر، أو أن تقاوم استبداد ~~الظالم، أو أن تتلافى الدعارة أو نحو ذلك. وحاصل القول أنه يجب عليك أن تعامل ~~الأشخاص كأشخاص اجتماعيين لا كأنهم أمتعة وسلع. ~~(4) حق المساواة # هذا الحق يتصل بحق الحرية، وهو ناشئ من نسبة الفرد للمجتمع كعضو فيه، فإذا كان كل ~~فرد جزءا من المجتمع لازما له، فهو كغيره ذو حق بالتمتع بجميع مزايا المجتمع، كما ~~أن عليه واجب ms128 الخضوع لأنظمة المجتمع كسائر الأفراد، فكما أنه مساو لهم في هذا ~~الخضوع يجب أن يكون مساويا لهم في التمتع بثمرات المجتمع، لا يختلف عنهم إلا ~~بمقدار ما يستحقه من هذه الثمرات. # لم يكن هذا الحق معترفا به حتى القرن الأخير؛ فقد كان لطبقة الأعيان امتيازات ~~ليست للعامة. وبعد الثورة الفرنسية صرح بحق المساواة - والحرية والإخاء - ~~للجميع. وكان هذا الحق مقصورا على الذكور إلى عهد غير بعيد، وأما الآن فقد أخذت ~~معظم الأمم تجيزه للنساء أيضا. ~~(5) الحق السياسي # حق المساواة جر معه الحق السياسي، وهو أن تكون الآلة السياسية مدارة بإرادة ~~الجمهور لا بإرادة أفراد ممتازين. وقد تأيد هذا الحق في نوع الحكم الديموقراطي ~~المستند على الرأي الاجتماعي الغالب. وبموجب هذا الحق صار لكل فرد حق الانتخاب، ~~ولكنه لا يزال في جانب من الأمم غير مطلق؛ ففي بعضها يحرم منه فريق من العامة ~~كمنتخبين ومنتخبين، وفي بعضها يحرم فريق كمنتخبين فقط، على أنه كحق أدبي ~~يجب أن يعم كل فرد بالغ ذكرا وأنثى. ~~(6) حق التعليم # تأخر ظهور ذينك الحقين السابقين بسبب تأخر تعميم التعليم؛ لأن الأهلية لهما ~~تستلزم المعرفة، فكان يحرم منهما من كان عديم المعرفة أو قليلها؛ ولذلك لكل فرد حق ~~بالتعلم لكي يحصل عليهما، ما دام هو جزءا في ذلك الكل، وعليه من الواجبات ~~والخضوع للنظام كما على غيره. لكل فرد حق أن يتعلم من علم الجماعة بقدر طاقته، وإلا ~~كان مغبونا في تحمله المسئولية، وهو محروم حق التأهل للقيام بها. # ومن الظلم أن يعاقب المذنب عن جهل. نعم، إنه لا يتيسر لكل فرد أن يزكن جميع ~~المعارف، وإنما له الحق بأن يجد جميع وسائل التعليم متيسرة له، فيتناول منها ما ~~يستطيعه؛ لذلك جعلت الأمم الراقية التعلم إجباريا ومجانيا في الدرجات الأولى؛ ~~لأنها اعترفت بهذا الحق العام، وكما أن للفرد حقا بالتعلم، عليه واجب أن يتعلم، ~~فإذا أبى أن يتعلم كان مخلا بواجبه. ~~(7) حق الملكية # ما دام النظام الاجتماعي فرديا لا اشتراكيا، والأفراد مضطرين إلى تنازع ~~الرزق أو للتزاحم ms129 في أبوابه، فللفرد حق فيما يحصل عليه من عقار أو مرفق لقاء عمل ~~يعمله، وللنظام الاجتماعي أن يحمي له هذا الحق، وإلا فإذا حرم حق امتلاك ما يحصل ~~عليه، فلا يستطيع أن يكون جزءا صالحا في كل المجتمع، ولا يستطيع أن يسعى ويعمل ~~إلى المثل الأعلى الأدبي الذي عليه أن يوجه مساعيه إليه. وهذا الحق يوجب على الفرد ~~أن يستعمل ملكه بأسلوب يطابق مصلحة المجتمع. # ولكن هذا الحق يسقط إذا كان النظام اشتراكيا؛ إذ يصبح العقار والمرافق مشاعا، ~~والعمل فيها موزعا على الأفراد، ونتيجته توزع الإنتاج حسب استحقاق ~~العاملين. ~~(8) حق التعاقد # كذلك ما دام النظام فرديا فللفرد حق التعاقد مع فرد آخر، وعلى كل منهما واجب ~~تنفيذ العقد للآخر. وإنما يجب أن يكون التعاقد ضمن دائرة الحلال؛ أي إنه لا يجوز ~~التعاقد فيما يناقض الحرية وسائر الحقوق الأخرى، فلا يصح التعاقد بين اثنين بحيث ~~يكون الواحد رقيقا للآخر، أو أن يكون أحدهما مغبونا فيعطي أكثر مما يأخذ، أو أن ~~يكون التعاقد على أمر مما يستحيل أو يتعذر على أحد الفريقين أن ينفذه. فلا يجوز أن ~~تعقد اتفاقا مع عامل على أن يشتغل في النهار ساعات أكثر مما تستطيع القوة البشرية ~~أن تفعل، ولا تصح المعاقدة مع غلام غير بالغ. كل هذه العقود باطلة لا لأنها غير ~~شرعية فقط، بل لأنها غير أدبية لما فيها من الحيف والغبن. ~~(9) حق العقيدة # وهناك حق حرية الفكر والرأي. وهو حق محدود، فيجوز لكل فرد أن يعتقد ما يشاء، ~~والاختبار كفيل بأن يقرر صواب عقيدته أو ضلالها، وله أن ينشر عقيدته، إذا لم يكن في ~~نشرها ما يقلقل نظام المجتمع، ويؤدي به إلى الفوضى، أو إذا كان فيها ما يناقض ~~المبادئ الأدبية التي رسخت وأصبحت من أركان المثل العليا. # لحرية الفكر وبث الرأي شأن في رقي المجتمع؛ لأن التطور الاجتماعي السائر إلى ~~المثل الأعلى إنما هو نتيجة ما يدخل إلى المجتمع من الآراء الجديدة التي تنقح ~~العادات والتقاليد. ولا خطر من إطلاق حرية الرأي ما ms130 دام هناك عقل اجتماعي يزن، ورأي ~~عام يؤيد أو ينبذ. وأما قتل حرية الفكر فيبلي المجتمع بالجمود والسكون، والسكون ~~بؤرة للتعفن، فاستعمال الخرافات والأضاليل حول التقاليد المتقادمة عفونة ترد ~~المجتمع إلى الوراء، وتبعده عن المثل الأعلى. ~~(10) حق الطفولة # للأطفال الذين يتأهبون لأن يكونوا أعضاء صالحين في جسم المجتمع حقوق يخولهم إياها ~~هذا التأهب. هم ضعاف قاصرون يحتاجون إلى الحضانة والتربية والتعليم. أما الحضانة ~~ففي عواطف الوالدين ما يكفي لها، وأما التربية والتعليم فهما حق للأطفال على ~~المجتمع برمته؛ لذلك جعل التعليم إجباريا ومجانيا، بحيث لا يعذر الوالدون إذا ~~قصروا عن تعليم أولادهم، ويعاقبون إذا منعوهم عن التعلم. # كذلك للأطفال حق الحماية من الإجهاد قبل النضوج؛ فلا يجوز أن يستخدموا في عمل في ~~وقت القصور؛ لئلا تستنفد قواهم ويتوقف نموهم، ولئلا يحرموا حقهم من العلم. ~~(11) حق الجمهور على المجتمع # للجمهور الذي يخضع لنظام المجتمع، والذي يتعاون في الحرص على حياته، وعلى ترقيته، ~~حقوق عامة على المجتمع لا يمكن الفرد أن يحصل عليها منفردا، كحق حفظ الصحة ~~العمومية مثلا. فعلى حكومة المجتمع أن تقي صحة الجمهور من الأوبئة بالطرق ~~المختلفة، وكحق توفير المتنزهات العمومية، وتنظيم المدينة ونظافتها، إلى غير ذلك ~~مما لا يتسنى للفرد أن يقوم به، وكحق تلافي الحوادث الخطرة والكوارث ونحو ذلك مما ~~لا داعي للتبسط به وهو معروف. # هذه أهم الحقوق والواجبات، فإذا تأملتها فهمت أن مجمل معناها هو أن لنا حقا ~~بالوسائل اللازمة لترقية حياتنا الاجتماعية في أفضل سبيل إلى الخير الأعظم للجماعة ~~التي نحن أعضاء فيها؛ ولذلك نحن ملزمون أن نستخدم هذه الوسائل في أفضل الأساليب ~~التي تؤدي إلى هذه الغاية. # الفصل الرابع # | الواجبات # (1) طائفة الواجبات # بحثنا فيما تقدم في رئيسيات الحقوق التي للفرد تجاه المجتمع، وهي الحقوق التي ~~تتمثل للذهن قبل الواجبات التي تصحبها. وفيما يلي نبحث في الواجبات الرئيسية التي ~~تتمثل للذهن قبل الحقوق المرافقة لها. ~~(1-1) شرعية الواجبات # الواجبات الشرعية القديمة مصوغة في وصايا أمرية ونهيية، كما نرى نماذجها في ~~لوحي موسى الحجريين وفي ms131 غيرهما من شرائع الأمم القديمة والحديثة مصوغة بصيغة ~~شرطية، وجواب الشرط هو العقاب، كقولك: من يقتل يقتل، فهي شرائع مكتوبة ~~محدودة؛ ولهذا توسعت على تمادي الزمان حتى ملأت مجلدات. # ومع ذلك لا تزال ناقصة وذات عيوب؛ لأنه يتعذر بل يستحيل أن تجد قواعد شرعية ~~أو مبادئ قانونية أو مواد شرائع تشمل كل حادث من الحوادث الاجتماعية، ولا سيما ~~في هذا العصر الذي تعقدت فيه علائق الأفراد والأمم تعقدا شديدا؛ ولذلك لا غنى ~~عن الالتجاء إلى مبادئ أدب النفس أو أولياته لتصحيح الحكم حتى في المحاكم ~~القضائية، كما أنه لا بد من انتداب الضمير لتزكية الحكم. # فواجبات الفرد إنما هي زبدة أوليات أدب النفس وثمرة مبادئه، ومصدر هذه ~~الواجبات كمصدر تلك الحقوق التي تقدم البحث فيها؛ أي النسبة التي بين الفرد ~~والمجتمع. هي واجبات الفرد نحو النظام الاجتماعي، ومنها تشتق الواجبات ~~المتبادلة بين الأفراد بحسب العلائق والنسب المتبادلة بينهم. وبقيام الفرد بهذه ~~الواجبات يتيسر للمجتمع أن يستمر في رقيه مغدقا المسرات والنعم على ~~أعضائه. ~~(1-2) واجب احترام النظام # إن قيمة القوانين القضائية والإدارية وفاعليتها تتوقفان على محافظة الجمهور ~~على نظامه الاجتماعي، فحيث لا يحترم النظام تضعف سلطته، وتخيب فاعليته؛ فإذا ~~كان الجندي لا يخضع لأمر قائده تضعف قوة الجيش حالا، وإذا كان ينفذ أمر قائده ~~ولو كان خطأ كانت كتلة الجيش متينة وقوته عظيمة؛ فاحترام النظام كالحب لا يؤذن ~~بالانتقاد أو الاعتراض أو التدخل، بل يوجب الطاعة عند طلب التنفيذ، وإذا كان ~~ثمة خطأ في نظام، أو أن النظام يقبل نقدا أو اعتراضا؛ فللهيئة الاشتراعية أن ~~تنقح. # لذلك يجب أن نحترم الحاكم حتى ولو كان غير أهل للاحترام؛ لأننا نحترم فيه ~~شخصية المجتمع، وكذلك نحترم الحكام ونحترم القضاء، ونطاوع السلطة التنفيذية ~~كالشرطة ونحوها، وليس ذلك فقط، بل يجب أن ننفذ القوانين الإدارية من تلقاء ~~أنفسنا من غير أن تكون ثمة عين الشرطي مراقبة لنا، وأن ندفع المكوس المفروضة ~~بكل طيب خاطر، وأن نتجنب كل سلوك يعرض الأمن العام للخطر أو الفوضى. ms132 يجب أن ~~نفعل كل هذه ونحوها حتى ولو كان في بعض الأنظمة التي توجبها خطأ أو جور أو حيف، ~~نفعلها ما دامت في مقام التنفيذ حرصا على سلامة المجتمع، وإنما لنا أن نسعى ~~لتنقيحها بالأساليب الشرعية القانونية. # هذا الواجب يخولنا حق طلب حماية أشخاصنا وحياتنا وحريتنا وأموالنا من ~~المجتمع، وإيجاد الوسائل العمومية التي تساعدنا على ترقية أنفسنا. ~~(1-3) واجب احترام رأي الأكثرية # كثير من الأنظمة أو القوانين لا توافق مصلحتنا كأفراد، أو قد تضر بنا أو ~~تخالف أميالنا أو أذواقنا على الأقل؛ ولذلك يمكن أن نظنها خطأ أو ضلالا، أو أن ~~فيها غبنا وحيفا، وربما كان ظننا صائبا. وإنما لأن الأنظمة تتقرر بحكم رأي ~~الأكثرية تجب إطاعتها احتراما لرأي الأكثرية، إلا إذا قبضت أقلية على زمام ~~السلطة واستبدت، فيسوغ التمرد عليها. # وأما ما يتقرر بحكم الأكثرية فلا بد من احترامه حرصا على سلامة المجتمع ~~واستمراره في سبيل الرقي والنجاح؛ لأنه لا برهان على حقانية الحق وعدالة ~~العدل أقوى من قرار الأكثرية. وليس في الإمكان تنفيذ حق لم تقرره الأكثرية، ~~فإذن لضمانة سلامة المجتمع يجب احترام رأي الأكثرية. # نرى نتيجة هذا الاحترام في القارة الأميركية؛ ففي الولايات المتحدة أول من ~~يبادر لتهنئة الرئيس الجديد الذي فاز في الانتخاب هو خصمه، دلالة على خضوع جميع ~~حزبه لقرار الأكثرية. وأما في جمهوريات أميركا الوسطى، فكان فوز الرئيس لا ~~يتوقف على الانتخاب السلمي الخالي من الزيف، بل على حرب أهلية بين الحزبين، ~~فالحزب الذي يغلب في الحرب تكون الرئاسة له ولو كان أقل عددا. فهنا لا حرمة ~~للأكثرية؛ ولهذا نرى الفرق في الرقي بين الولايات المتحدة والجمهوريات الوسطى ~~كالفرق بين السماوات والأرض. # وهذا الواجب يخول حق المساواة بين الأكثرية والأقلية في جميع التمتعات التي ~~تنال عن يد السلطة التي في قبضة الأكثرية. ~~(1-4) واجب الحرص على نجاح المجتمع # الفرد يستمد حياته ونموه من حياة المجتمع، ويتمتع بما يغدقه عليه المجتمع من ~~التمتعات، ونجاحه متوقف على نجاح المجتمع، كذلك نجاح المجتمع أو رقيه متوقف على ms133 ~~نجاح أفراده وتضامنهم وتعاونهم وتوافقهم في أعمالهم وتصرفاتهم وعلائقهم بعضهم ~~مع بعض؛ فلذلك على الفرد أن يصرف كل ما منح من قوى ومواهب في العمل النافع له ~~ولغيره، وللمجتمع على العموم، وإلا كان مذنبا للمجتمع، وإن كان ينجو بذنبه من ~~عقاب المجتمع في كثير من الأحوال. # فالأغنياء الوارثون الذين قيض لهم نظام الاجتماع الفردي أن يحصلوا على ثروات ~~طائلة بلا بذل تعب في مقابلها إذا لم يستخدموا أموالهم في أعمال ومرافق يسترزق ~~منها آخرون، وفي مشروعات خيرية كما فعل ركفلر وكارنجي، وكما يفعل الآن فورد ~~وأضرابه، بل إذا جعلوا يبددونها في اللهو والبطالة والفساد والدعارة كانوا أعظم ~~المجرمين، وكانوا يستحقون الشنق. إن استفحال هؤلاء ووفرة عددهم تسوغ تفضيل ~~النظام الاشتراكي، وتبرر نشاط الاشتراكيين. # بعرق جبينك تأكل خيرك: أول شريعة دينية ظهرت على الأرض، وكان العمل بموجب هذه ~~الشريعة عبادة؛ لأنها أول مبدأ جيد ارتشد إليه الإنسان بالاختبار الطويل منذ ~~جعل يشط عن طور الحيوانية إلى الإنسانية. فالعمل ضرب من عبادة الحق لثقة ~~بحقانية نجاح المجتمع. وهذا ما يجعل المرء الحسن الإدارة أن يقف نفسه على العمل ~~الصالح. ~~(1-5) واجب الأمانة # كما أن لك حقوقا على المجتمع - تقدم بيانها - هكذا لغيرك حقوق مثلها، فيجب ~~عليك احترامها؛ كحقوق الحياة والحرية والملكية والمساواة إلخ، ذلك لأن النسبة ~~التي بينك وبين المجتمع، والتي سوغت هذه الحقوق، إنما هي محققة بحسن العلائق ~~بينك وبين إخوانك، فإذا كنت تتوقع من المجتمع أن يحمي حقوقك وجب عليك أن لا ~~تعتدي على حقوق سواك، بل بالأحرى أن تحترمها، وإذا كان كل فرد يحترم حقوق ~~الآخرين هكذا، بحيث لا يضطر المجتمع أن يعاني في سبيل حماية حقوق الأفراد، كانت ~~العلائق بين الأفراد جيدة بقدر قلة المعاناة هذه. وبقدر جودة هذه العلائق تكون ~~النسبة بين الفرد والمجتمع متينة، وبالتالي يكون نجاح كل من المجتمع والفرد ~~أعظم. # إن واجب احترام حقوق الغير يستلزم الامتناع عن الغش والتزوير والخيانة ~~والاختلاس والغبن والغدر ونحو ذلك مما يغمط حقوق الغير، فهذا الامتناع هو ~~الأمانة ms134 بعينها. ~~(1-6) واجب اعتبار شخصيات الغير # وإذا كانت جودة العلائق بين الأفراد لا تقتصر على الوجوه السلبية؛ أي عدم ~~اعتداء الواحد على حقوق الآخرين، بل تشمل الوجوه الإيجابية أيضا بحيث يتعاون ~~الأفراد في ترقية أمورهم وإنجاحها ، كانت العلائق أجود، والنسبة الاجتماعية ~~أمتن، فإذا كان العالم يكتم علمه لنفسه، وذو الموهبة يخنقها، والمتمول يخزن ~~ماله ولا يثمره، وكل شخص يقول: دعوني لنفسي يكفي أني لا أعتدي على حق أحد، كانت ~~العلائق بين الأفراد رخوة وفاترة، وكان الرقي ضعيفا. # هذا الواجب يقوم برغبة الفرد في أن يشترك مع غيره في المشروعات العمومية ~~المفيدة للجمهور، ولا سيما للعامة؛ كإنشاء الأندية الأدبية والعلمية والفنية ~~والمعاهد والملاجئ، إلى غير ذلك مما يستفيد منه أعضاؤه وغيرهم فوائد عرفانية ~~وغيرها. # إن داعي قيامك بهذا الواجب هو احترامك شخصية الغير، واعتبار أنهم من جبلة ~~كجبلتك، ولهم قيمة اجتماعية كاجتماعيتك، وأنهم أعضاء لازمون للمجتمع كلزومك له؛ ~~لذلك عليك أن تكون شخصا اجتماعيا جيدا، وأن تحترم الآخرين كأنهم أشخاص ~~اجتماعيون جيدون مثلك. ~~(1-7) واجب الصدق # إن صلاحية عضوية الفرد في جسم المجتمع تتوقف على إمكان التحامه في المجتمع ~~واندماجه فيه، ولا يمكن أن يتم هذا الاندماج إلا إذا كان الفرد يقدم شخصيته ~~للمجتمع كما هي من غير ختل؛ أي أن يصدق في قوله وفعله، فيفعل كما يقول، ويقول ~~ما يعني؛ يجعل أفعاله مطابقة لأقواله، وأقواله مطابقة لمقاصده، فالفرد الذي ~~يخاتل ويراوغ وينافق ويماذق لا يلبث أن يجد نفسه منبوذا من جسم المجتمع كنبذ ~~صديد الخراج؛ لأنه لا يوثق بقوله ولا بوعده. # فالصدق يعنى به أن نقول ونفعل بحيث يكون تصرفنا في القول والفعل معربا ~~بأصرح ما يمكن عما نعتقد أنه حق، وأنه صدق، وما نقصد أن نحققه. فإذا تعذر ~~علينا في بعض الأحوال أن نطبق فعلنا على قولنا، أو أن ننجز وعدنا، أو إذا أسيء ~~فهم اعتقادنا لسوء تعبيرنا، إذا حدث كل هذا خلافا لرغبتنا وقصدنا، كان لنا ~~عذر تجاه ضميرنا، وإن كان يتعذر علينا في بعض الأحوال أن نبرئ ms135 أنفسنا أمام ~~غيرنا. ~~(2) اعتبارات أخرى في الحقوق والواجبات ~~(2-1) تصادم الحقوق والواجبات # تلك هي المبادئ الرئيسية للحقوق والواجبات، وقد وردت روحها في جميع الوصايا ~~الدينية؛ كوصايا موسى العشر ونحوها، ولكنها لا تستوفي جميع المبادئ الأدبية ~~التي تفرض واجبات على الفرد وتعين له حقوقا، كما أنها لا تسلم من التناقض فيما ~~بينها في كثير من الأحوال، مثال ذلك: أن حق الحرية وواجب احترام النظام كثيرا ~~ما يصطدمان، فيتعذر على المرء أن يقرر أيهما أجدر بأن يضحى، وأيهما أولى بأن ~~يتغلب، كذلك قد يحتك واجب احترام حق الحياة بحق الملكية، فيغمط هذا الحق في ~~سبيل ذاك الواجب، كما لو اغتصبت السكين من يد الشخص المزمع أن يرتكب جريمة ~~القتل. وكذلك قد يتناقض واجب الصدق بواجب الحرص على الحياة، كأن تضلل مطاردي ~~شخص عنه لإنقاذه منهم. # على هذا النحو تجد في حوادث الحياة اليومية كثيرا من الأحوال والظروف التي ~~تتناقض فيها الحقوق والواجبات، ويتعذر تمشيها معا كمبادئ أدبية أولية. # وتناقضها على هذا النحو يفضي إلى ارتباك المرء حين يطرأ عليه حال من تلك ~~الأحوال، فقد لا يدري كيف يفصل بينها، ولا أي المبادئ ينقض ولا أيها يؤيد، وأي ~~الوصايا يعصي وأيها يطيع. # ولذلك تحاول الأنظمة الاجتماعية أن تسن قواعد لمخالفة الوصايا في الظروف ~~الخاصة، وبهذه المحاولة ينفتح حقل واسع للاشتراع لا نهاية له، ومع ذلك لا يمكن ~~أن يستوفى جميع الأحوال وحصرها ضمن قوانين محدودة، فلا بد إذن من العودة إلى ~~العكس، أي إلى توحيد مبادئ الحقوق والواجبات الرئيسية، وردها إلى مبدأ واحد ~~أعلى يرجع إليه المرء في الحكم والفصل بين المبدئين المتناقضين، فما هو المبدأ ~~الأعلى؟ ~~(2-2) المبدأ الأدبي الأعلى # هو المبدأ الأدبي الذي يأمرنا بأن نحقق وجود ذاتيتنا المتعقلة؛ أي نوجدها، ~~وأن نولي شخصيتنا الأدبية المتعقلة الحكم في الأمر؛ فنجرد أنفسنا من الأهواء ~~والأغراض، ونحكم في المسألة كأنها تخص أشخاصا آخرين ونحن قضاة فيها، ونرى إن ~~كان هذا الوجه أفضل من ذلك لحياة المجتمع، أو أن العقل الاجتماعي يوافق عليه، ~~أو ms136 هل يطابق الرأي العام. # لعلك تقول: إن التبصرة في الأمر على هذا النحو لا تخلصنا من الارتباك ~~والحيرة؛ ولذلك لا بد لنا من تفريع ذلك المبدأ الأعلى إلى مبادئ فرعية لكي نطبق ~~المسألة على واحد منها، فكأنه لا غنى عن تعدد المبادئ والوصايا ~~والشرائع. # تقول: لو كان تعدد الوصايا والشرائع ينقذنا من الحيرة والارتباك في الحكم حين ~~تتصادم المبادئ الأدبية لكنا نلجأ إليه، ولكننا نرى أنه كلما تفرعت المبادئ ~~الأدبية وتعددت زاد ذلك التصادم واشتد الارتباك، فإذا كان تفرع المبادئ وتعددها ~~ليس حين الارتباك أفضل ملجأ من توحدها في مبدأ واحد أعلى، أفليس تشبع النفس ~~بمبدأ واحد أفضل من خبل العقل بمبادئ متعددة متفرعة بعضها من بعض؟ # إن مسألة تصادم المبادئ الأدبية مسألة ضميرية بحتة، فإذا كان الضمير حيا، ~~والإرادة حسنة، والعقل حكيما؛ فالخوف من خطأ الحكم قليل جدا. فالعبرة ليست ~~بصيغة الوصايا والشرائع أدبية وغير أدبية، بل العبرة بالنسبة الأدبية، فحيث ~~تكون النفس متأدبة؛ أي راقية في سلم الأدب النفسي، يكون الضمير صالحا، والعقل ~~حكيما، والإرادة حسنة؛ لذلك يفضل أن يبذل الجهد في تهذيب الأخلاق وتأديب ~~النفوس على أن يبذل في تنقيح الشرائع وتوسيعها. # لأن الشرائع لا تصنع الشخصيات الأدبية، بل الشخصيات الأدبية تصنع ~~الشرائع. ~~(2-3) تفصيل الواجبات # تختلف الواجبات من حيث صيغتها واحتمال القيام بها وضرورته، وهي: # أولا: ~~«الواجبات المحدودة» وهي الواجبات التي يمكن صوغها في صيغة ~~محدودة من غير استثناء فيها، وهي التي تنص عليها الوصايا ~~الشرعية التي يفرض عقاب لمخالفتها؛ كوصايا الدين أو وصايا ~~الحكومة، وهي على الغالب واجبات سلبية؛ أي واجب الامتناع ~~كقولك: لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد زورا. # ثانيا: ~~«الواجبات غير المحدودة» وهي التي يتعذر صوغها في صيغة ~~محدودة كشريعة، ولكنها في الوقت نفسه ينتظر من كل شخص اجتماعي ~~أن يقوم بها بحسب طاقته، كواجبات احترام النظام، واحترام ~~الشخصيات، والحرص على نجاح المجتمع. # ثالثا: ~~«الواجبات المستثنية» وهي واجبات غير محدودة لا يمكن صوغها ~~كشريعة، وفوق ذلك لا ينتظر من كل فرد ms137 أن يأتيها، ولا يمكن أن ~~تؤتى في كل ظرف، بل هي تتوقف على طاقة الأشخاص وظروف الزمان ~~والمكان كالمبرات مثلا؛ فهي ليست واجبا على كل شخص، وفي كل ~~ظرف؛ فلا يمكن للفقير أن يحسن، وللضعيف أن ينجد. والطبيب ~~يستطيع أن يسعف الآن، ولكنه إذا كان مريضا فلا يستطيع، ~~والقوي يمكن أن ينجد في البر، ولكنه لا يستطيع النجدة في ~~البحر؛ لأنه لا يحسن السباحة. # على أنه لا يستطاع وضع حدود قاطعة بين أنواع هذه الواجبات لأسباب مختلفة؛ ~~أولا: لأن الشرائع المصوغة صياغة محدودة قابلة للتغير والتبدل والتنقيح بحسب ~~طبائع الأمم الاجتماعية، وبحسب الزمان والمكان، فالربا مثلا جائز عند أمم ~~وممنوع عند أخرى، وثانيا: لاختلاف مقدرة الناس في القيام بالواجبات كما تقدم ~~القول، ولاختلاف الظروف والأحوال التي تستدعيها. ~~(2-4) أدبية الواجبات # ثم إن جميع الواجبات شرعية وغير شرعية تعد واجبات أدبية إذا كان المرء يقوم ~~بها من تلقاء نفسه لاعتبار أنها حسنة، وأنها لازمة لخير المجتمع؛ فإذا كان يقوم ~~بواجب خوفا من عقاب، أو طمعا بثواب؛ لم تعد أدبية، بل تكون إلزامية ولا حرية ~~للإرادة فيها. وحيث لا تكون الإرادة حرة فلا يكون السلوك أدبيا. # وكلما كان فعل الواجب بعيدا عن الاستلزام قرب إلى الفضيلة؛ لأن الفضيلة سجية ~~تدفع الفاعل لعمل الواجب من تلقاء نفسه بلا تغرير ولا إغراء، ولا وعد ولا وعيد؛ ~~لذلك يجب أن يترك تعيين الواجب أو تحديده لتبصرة المرء نفسه، وليس لعلم أدب ~~النفس أن يقرر له واجباته؛ لأن الإنسان لم يترك بلا دليل، بل له مرشد في نفسه، ~~وهو ضميره، وهو كشخص متعقل يجد في الظروف التي وجد فيه منهجه مختطا له ~~بحدوده. وجميع الأفراد معا يجدون أنفسهم في مناهج خاصة تسمح لهم أن يسيروا ~~فيها بحسب نظام حيوي عام. # وواجباتهم الرئيسية مرتبطة بتنفيذ عملهم المطابق لهذا النظام. ~~(2-5) الواجبات العرفية # فيما عدا الواجبات الشرعية والواجبات الأدبية الأخرى نجد صنفا من الواجبات ~~ثانيا من حيث طبيعته، ولكنه يحتم الطاعة؛ وهو الواجبات العرفية، كآداب ~~المجاملة، وآداب المعاملات ms138 في الأعمال، وآداب احترام الشعائر والتقاليد المرعية ~~إلخ. فجميع هذه الواجبات غير مفروضة فرضا أدبيا، ولكنها في كثير من الأحوال ~~ضرورية لاستقلال الشخصية، ولا سيما لأن كثيرا منها لم ينشأ عبثا، ولا يندر أن ~~تكون عاصمة من الظلم والخطأ. # من أمثلة ذلك : الاعتراف بلقب الشريف ورتبته، واحترام شعائر دين من يخالفك في ~~دينه، وعقيدة من خالفك في عقيدته، وإنزال كل شخص في منزلته الاجتماعية، واحترام ~~اليمين، وطاعة الابن للأب، واحترام الشاب للشيخ، والامتناع عن التعريض بالعرض ~~إلى غير ذلك. # الفصل الخامس # | الفضائل # (1) ماهية الفضيلة ~~(1-1) القيام بالواجب # إذا نظرنا إلى الواجبات من وجهة صدورها وجدنا لها قاعدتين؛ القاعدة الأولى: ~~داخلية، وهي التي ننظر إليها من جهة صفات الشخصية التي تؤدي إلى إدراك الواجب ~~والقيام به، والقاعدة الثانية: خارجية، وهي الأنظمة الاجتماعية التي تهيئ ظرفا ~~أو ظروفا للقيام به. # فلكي يقوم المرء بالواجب ينبغي أن يعرفه ويقصد أن يفعله، وأن تكون الأحوال ~~الاجتماعية موافقة للقيام به بحسب السنن الاجتماعية؛ ففي الشخصية الذاتية غرائز ~~وأميال نفسانية، وفي الشخصية الاجتماعية شعور بإرادة الخير للمجتمع وللقريب أو ~~الجار، فالواجب يقضي بالتوفيق بين الجانبين بحيث لا تفنى مصلحة الفرد ولا تنثلم ~~مصلحة الجماعة. # ولا يتعذر هذا التوفيق على حسن النية؛ لأن الشخصيتين مندمجتان معا ولا ~~تنفكان، ولا يتعذر على ذي النية الصالحة أن يحل القاعدة الأدبية محل المحركات ~~الغريزية للفعل في تصرفه. # فالشخصية التي تستطيع أن تسيطر على ~~نبضاتها الطبيعية، وتخضعها لحكم القاعدة الأدبية لكي تقوم بالواجب تعد شخصية ~~فاضلة. وهذه الاستطاعة تعد فضيلة، أي إن المقدرة على القيام بالواجب على هذا ~~النحو فضيلة، والفضيلة لفظة واسعة المعنى. ~~(1-2) سجية الفضيلة # فالفضيلة إذن هي سجية في الشخصية تستميل الإرادة الحسنة إلى السلوك المنحصر ~~ضمن دائرة فكرة المجتمع والمطابق لإرادته، والرذيلة «المضادة للفضيلة» هي ضد ~~الإرادة الحسنة بتأثير العادة أو الغرائز أو الأميال، التي وإن كانت في بعض ~~الأحوال تئول إلى فعل بعض الحسن، أو إلى فعل الحسن الوقتي، تكون عدوة لخير ~~المجتمع. السلوك بحسب الفضيلة ms139 يرضي الشخصيتين الذاتية والاجتماعية، والسلوك ~~بحسب الرذيلة لا يرضي إلا الشخصية الذاتية فقط، ومع ذلك لا يضمن سعادتها ~~القصوى. # ليست الفضيلة فعلا أو سلوكا، وإنما هي قوة مضمرة لتحريك الفعل بمقتضى ~~الواجب؛ فهي إذن أمر حسن بحد ذاته. وحسنها يجعل الفعل حسنا ومرغوبا فيه لنفسه ~~من غير نظر إلى الغاية؛ فالشخصية تتمثل باتصافها بالفضيلة. والسعادة إنما هي ~~السلوك بحسب الفضيلة، والفعل بحسبها يصبح غاية لا واسطة؛ لذلك تستلزم الفضيلة - ~~وهي قوة مضمرة كما قلنا - جهادا للقيام بالواجب. إذن إرادة الخير من غير فعل ~~الخير لا تعد فضيلة. ~~(1-3) تبويب الفضائل # لذلك يتعذر جدا تبويب الفضائل وتفصيلها من جهة الشخصية الذاتية، أو من جهة ~~الشخصية الاجتماعية؛ ولا سيما لأن الفضائل تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة ~~والجماعات. # على أن أفلاطون رد الفضائل إلى أربعة أصول رئيسية، وهي: التعفف، والشجاعة، ~~والحكمة، والعدل، الذي هو مبدأ عام يربطها جميعا. # ولا يخفى أن هذه الأصول منغرسة في المجتمع بفعل نظمه التي تربط الأفراد ~~فيه. وقد جرى معظم الكتاب الأدبيين على تفصيل أفلاطون هذا إذا أمكنهم أن يحللوا ~~هذه الأصول إلى سائر الفضائل الأخرى كفروع لها. وبتحليلها يمكن التوصل إلى ~~منشئها، ونسبة بعضها إلى بعض، ووظيفتها في السلوك الإنساني. أما نحن فنضيف ~~إليها المحبة والإيمان ونعدلها كما ترى فيما يلي. ~~(2) الاعتدال ~~(2-1) التعفف والشجاعة إلى جانبي الاعتدال # قلنا آنفا: إن في الشخصية الذاتية أميالا وغرائز وعواطف إلخ، وهي أداة ~~اللذة والألم، فإذا أطلقت للغرائز والأهواء الحبل على الغارب اندفعت في السبيل ~~الأقصر إلى السرور الأقرب من غير نظر إلى العواقب القصوى، ولا سيما لأن غرائز ~~الإنسان ليست كغرائز الحيوان تكفي وحدها لإرشاده في سبيل الحياة الأمين، بل هي ~~متهورة طائشة، ولا بد من إرشاد التعقل لها وتدريبه إياها؛ لذلك كان لا بد من ~~فضيلتي الشجاعة والتعفف لتدربا تلك الأهواء والغرائز في السبيل المؤدي إلى ~~اللذة أو السعادة العظمى. والتعفف في اللغة هو الكف عما لا يحل ولا يجمل قولا ~~أو فعلا والامتناع عنه. # وقد علمت أن السرور ms140 والألم نقيضان متعاقبان، بمعنى أن وجود الواحد ينفي ~~الآخر، أو أن انتفاء الواحد وجود للآخر، وعلمت أيضا أن الطريق إلى لذة أعظم قد ~~يستلزم التجاوز عن لذة أقل، أو المرور بألم قليل بالنسبة إلى تلك اللذة. ~~(2-2) وظيفتا الشجاعة والتعفف # في السلوك إلى تلك الغاية القصوى المقرونة باللذة العظمى تكون وظيفة الشجاعة ~~الإقدام على الألم العارض، أو تحمله في السبيل إلى الغاية، ووظيفة التعفف ضد ~~اللذة الصغيرة الحائلة دون الوصول إلى الغاية. # فكلا الشجاعة والتعفف إذن يقضيان بتحايد اللذة وتلقي الألم، في السبيل إلى ~~الغاية الأوفر لذة، فكأنهما فضيلة واحدة هي مقاومة الأهواء والأميال والعواطف ~~والشهوات التي تغر النفس باللذة الوقتية أو القليلة، فتحرمها لذة أعظم ~~وأدوم، ولكنها فضيلة ذات وجهين: الواحد إيجابي أو هجومي، وهو وجه الشجاعة، ~~والآخر سلبي دفاعي، وهو التعفف، وقد مثلها ديوي بقوتين: الواحدة منفذة، وهي ~~الشجاعة، والأخرى منظمة، وهي التعفف. ~~(2-3) هما وجهان لفضيلة واحدة # وأما أنهما وجهان لفضيلة واحدة مختلفا الوظيفة على هذا النحو؛ فلأنهما ~~متصاحبان في كل سلوك إلى غاية معينة. ففي كل فعل تجد داعيا للكثير أو القليل ~~من التعفف؛ أي قمع الشهوة، ومن الشجاعة؛ أي تحمل ألم هذا القمع؛ فالسكير التائب ~~عن الكأس متعفف؛ لأنه قمع شهوته للكأس، وشجاع لأنه تحمل غصص الشوق إلى الكأس، ~~والمحسن الذي جاد بقدر من المال لعمل خيري متعفف؛ لأنه قمع الشهوة للمال، وشجاع ~~لأنه تحمل ألم فراق المال، ومنقذ الغريق متعفف لأنه قمع أنانيته، وشجاع لأنه ~~عرض نفسه للخطر. # وترى من هذين المثالين الأخيرين أن قدر كل من الشجاعة والتعفف فيهما مختلف، ~~فالشجاعة في تخليص الغريق أعظم من الشجاعة في احتمال ألم فراق المال، ولكن ~~التعفف في قمع الأنانية أضعف من التعفف في قمع شهوة المال. # فمن ذلك ترى أن طبيعة الأميال والغرائز والشهوات والعواطف من جهة، والظروف ~~المتضمنة الأفعال من جهة أخرى تعين القدر اللازم من كل من الشجاعة والتعفف، ~~بحيث يتوازنان في الفعل لكي يعتدل في وجهته إلى الغاية الفضلى. # فإذا زاد أحدهما ms141 على الآخر انتفى أن يكون فضيلة، كما لو غاص شجاع في الماء ~~وراء قرش رماه آخر فيه، أو كما لو هجم على بيت يحترق لكي يستخلص من متاعه ~~شيئا؛ فشجاعة كهذه إلى حد التهور لا تعد فضيلة، كذلك إذا تعفف الطماع عن ترويح ~~النفس في النزهة والملاهي ضنا بالمال إلى حد أن يعتل جسمه. التعفف كهذا إلى ~~حد البخل لا يعد فضيلة. ~~(2-4) الاعتدال ميزان الفضيلتين # إذن الاعتدال هو ميزان التوازن بين الشجاعة والتعفف، هو الفضيلة المركزية ~~التي يعد الشجاعة والتعفف وجهيها: الواحدة إيجابية منفذة، والآخر سلبي منظم كما ~~سبق القول؛ فهما كالعضلتين إلى جانبي المرفق تحركانه، فترتخي الواحدة بقدر ما ~~تشتد الأخرى لكي تمتد الساعد إلى الجهة المرغوبة. # لذلك يصح القول: إن الاعتدال فضيلة الفضائل، وإنه وسط بين طرفي التفريط ~~والإفراط، وكل منهما رذيلة، فالجسارة فضيلة؛ لأنها وسط بين الجبن والتهور، ~~والكرم فضيلة؛ لأنه وسط بين البخل والإسراف، والشمم فضيلة؛ لأنه وسط بين العفة ~~والكبرياء إلخ. ففي كل هذه الفضائل يشتد التعفف والشجاعة من جانبي الفضيلة ~~بقدرين من القوة متكافئين، بحيث يجعلانها تعتدل في المنهج القويم. ~~(2-5) التعفف اقتصاد بالقوى الأخلاقية # قلنا: إن التعفف باللغة العربية هو الكف عن كل ما لا يحل ولا يجمل لا قولا ~~ولا فعلا، أو الامتناع عنه، وقد أطلقناه هنا على قمع الشهوة والامتناع عن ~~الرغبة وصد الغرائز، وبالإجمال هو مقاومة الميل النفساني ورده إلى نقطة ~~الاعتدال، فهو بهذا المعنى اقتصاد بالقوى الأخلاقية؛ لأنه يحول دون التفريط ~~بها. # فكل الفضائل السلبية التي تضبط بها شهوات النفس؛ كالصبر والحلم والقناعة ~~والتواضع والدعة إلخ، مشتقة من فضيلة التعفف، وإنما تتفاوت قيمتها ويختلف فضلها ~~باختلاف الأحوال التي تتضمنها. # وفي عهد الرقي الأدبي تعد الطهارة في رأس الفضائل التعففية، والمراد بها ~~طهارة النفس من الأدران الآثام، الطهارة القلبية الخالصة التي لا يطلب إثباتها ~~بشهادة شهود غير شهادة الوجدان والضمير. هذه الفضيلة تضمن حسن السلوك؛ لأن ~~النية الحسنة تضمن الفعل الحسن. ~~(2-6) الشجاعة إسراف في القوى الأخلاقية # كما أن ms142 التعفف هو الإعراض عن اللذات الكاذبة المغرية ومقاومة التهيجات ~~الغرارة، كذلك الشجاعة هي مقاومة عوامل الألم والخوف، والشجاعة نقيض التعفف من ~~حيث الاقتصاد في القوة؛ فالتعفف يضن بالقوى الأخلاقية فلا يفرط بها. وأما ~~الشجاعة فتبذلها وتسرف فيها. # والشجاعة تظهر في أشكال مختلفة، أهمها التجلد والاحتمال لدى الألم، والمواظبة ~~والمثابرة لدى المصاعب ، والجسارة والإقدام لدى المخاطر والمخاوف، والصراحة ~~بالحق لدى مقيدات الحرية الخارجية، وبالإجمال تعد الشجاعة ولاء للمثل الأعلى ~~رغما من حيلولة الألم أو الخطر دونه. ~~(3) المحبة ~~(3-1) العدل والحكمة في جانبي المحبة # إن التعفف والشجاعة، اللتين ألممنا بهما فيما تقدم، هما فضيلتان مختصتان ~~بالداخلية الشخصية، وقلما يكون لهما تدخل في نظم المجتمع؛ فهما تعنيان الفرد ~~أكثر مما تعنيان الجماعة، إلا متى سلكت الجماعة مسلك الفرد كأمة أو دولة أو ~~جمعية فتنسبان لها. # أما الفضيلتان الأخيرتان اللتان نحن بصددهما فتختصان بعلاقة الفرد مع ~~الجماعة، فالعدل يمنح كل ذي حق حقه، ويمنع التحيز والتغرض والتشيع، وأما الحكمة ~~فترشد إلى الحق، وكلتاهما تجتمعان في المحبة كوجهين لها على نحو اجتماع التعفف ~~والشجاعة كوجهين للاعتدال. # وقد حسب بعض الأدبيين المصلحين المحبة أساس جميع الفضائل، فالمحب لا يكذب على ~~محبوبه ولا يسرقه ولا يخونه ولا يؤذيه إلخ، ولكن لا تعد المحبة فضيلة إلا إن ~~كانت موجهة من الفرد إلى المجتمع. وأما الحب الموجه من فرد إلى فرد آخر معين ~~فلا يعد فضيلة؛ لأنه إذا عصم المحب عن أذية محبوبه فقد لا يعصمه عن أذية غير ~~محبوبه أو أذية المجتمع. فالمحبة - كفضيلة - هي سجية اعتبار الإنسانية حبيبا ~~للمحب كيفما تمثلت له وتجلت؛ ولذلك المحبة تشمل الصدق والأمانة، وهما ركنا ~~العدل. # فإذا كانت محبة الإنسانية سجية للمرء، كانت من الجهة الواحدة حكمة ترشد ~~الضمير إلى الحق، ومن الجهة الأخرى عدلا يوجه الحق إلى صاحبه، فالعدل والحكمة ~~متلازمان في توجيه السلوك إلى خير المجتمع. ~~(3-2) روح المحبة الحكيمة العادلة # فروح هذه الفضيلة المحبة الحكيمة العادلة هي سيطرة فكرة المجتمع أو الرأي ~~العام على فعل الفرد، باعتبار أن طبيعة ms143 المجتمع يجب أن تكون الداعي للسلوك ~~وقاعدته الأدبية، لا أن يكون التغرض والتحيز والتشيع ونحو ذلك، مما ينتج عن ~~النوابض النفسية والأهواء الشخصية، محركا للسلوك وقاعدة له. # يكون العدل فضيلة الفرد حيث لا محاكم توجبه، وتكون الحكمة فضيلة حيث لا نظام ~~ولا شريعة تحدد الحق وتعينه، وإنما يعد القضاء العادل والقانون المحق الحق ~~والمزهق الباطل فضيلتي الجماعة أو الأمة، ولا سيما إذا كانت الجماعة تخضع ~~للقضاء والقانون الدوليين. ~~(3-3) تميز العدل الأدبي على العدل القضائي # العدل كفضيلة فردية إنما هو قضاء وتنفيذ معا، خلافا للعدل القضائي، فهو حكم ~~فقط، والتنفيذ منوط بقوة أخرى قد تحسن التنفيذ أو تسيئه، كما أن القضاء نفسه قد ~~يكون حسنا أو سيئا بالرغم من عدالة القانون، كما كان لعهد تركيا العثمانية؛ ~~حيث كان القانون عادلا، ولكن لا القضاء ولا القوة التنفيذية كانا ~~عادلين. # العدل الفردي أنقى من العدل المدني القضائي، وأقرب للصواب، وأضمن للحق منه، ~~فهو مستمد من روح الجماعة على الإطلاق، وصادر من محكمة الرأي العام، ولكن العدل ~~المدني قلما يخلو من التشوه بالتغرض والتحيز والتشيع؛ لانحصار القوة ~~الاشتراعية في طبقة أو فئة خاصة من الناس، فلا بد أن تشذ بهم مطامعهم ~~وأغراضهم النفسانية عن جادة الحق؛ لذلك تجد الشرائع الدينية مهما كانت ~~ديموقراطية الروح لا تخلو من التحيز والتغرض، وهي دائما تحت عملية التنقيح ~~والتعديل. # لاحظت مما تقدم أن العدل ميزان الحقوق، كالاعتدال ميزان الشجاعة، فهو بهذا ~~المعنى: الإنصاف بين خصمين أو مختلفين على حق، هو ضد التغرض الذي هو اضطراب ~~ميزان الحق. ~~(3-4) تحول العدل إلى رحمة # وقد علمت آنفا أن اليد التي ترفع هذا الميزان إنما هي يد الرأي الاجتماعي ~~العام، والرأي العام الذي ينظر إلى الفرد كجزء من الكل الاجتماعي يحمل هذا ~~الفرد أن يحرص على العدل ويحبه ويجريه في حياته. على أن هذا الرأي الاجتماعي ~~إذا كان راقيا كان للعدل عنده صورة أخرى أرقى وأجمل، وهي صورة التسامح مع ~~الضعيف، وتتمة ما فيه من نقص؛ بإعطائه مما في القوي ms144 من زيادة؛ لكي يصلح أن يكون ~~جزءا عاملا في ذلك الكل الاجتماعي، فالعدل إذا ارتقى صار رأفة فرحمة، والرحمة ~~تمنح للفرد الذي حال عجزه دون القيام بواجبه للمجتمع، ومن الرحمة يشتق الإحسان ~~والإسعاف أيضا، وهو أعلى صور العدل. # ونقول: إن الرأفة والرحمة والإحسان صور من العدل؛ لأنها واجبة من الواجبات ~~الاجتماعية في المجتمع الراقي الصاعد في سلم الرقي إلى الكمال. وقد حسب معظم ~~الناس الرحمة والإحسان ضد العدل، أو هما شيئين آخرين غير العدل؛ لأنهم غفلوا عن ~~أن الرحمة والإحسان هما سجيتان للإنسانية، فحين يطلب المعدم الإحسان يطلبه ~~«باسم الإنسانية»، وحين يقدم المحسن الإحسان يقدمه لأجل الإنسانية، ومثله ~~الرحمة، وعدالة الإحسان - أو الرحمة - أو حقانيته مؤسسة على تمثيله رغبة ~~المجتمع الخفية أو الكمينة ككل في سعادة الفرد كجزء منه؛ ولذلك قبول الشكر ~~والثناء لأجل الإحسان ينقض الوجه الأدبي في الإحسان، ويخرجه من دائرة الاستحقاق ~~الإنساني، فكأنه أصبح خدمة بأجر أو سلعة بثمن. # فلذلك لكي يكون الإحسان مبدأ أدبيا يجب أن يصنع عن يد المجتمع، وأن يناله ~~الفرد المحتاج إليه من المجتمع؛ لأنه حق للفرد الضعيف على المجتمع، كما أنه حق ~~للمجتمع على الفرد القوي؛ لهذا تطور الإحسان في الأمم الراقية، فمن جهة أنشأ ~~الأغنياء الموسرون الجمعيات الخيرية والمعاهد والملاجئ المجانية لكل ضعيف وبائس ~~ومحتاج، كما أن الحكومة من جهة أخرى حظرت الشحاذة والاستعطاء؛ لأن المعاهد ~~والملاجئ تسد حاجة المحتاجين. وبهذا الأسلوب أصبح الإحسان مبدأ أدبيا كواجب ~~على القوي نحو المجتمع، وكواجب على المجتمع نحو الضعيف. فالقوي يحسن على ~~الضعيف عن يد المجتمع. ~~(3-5) الحكمة هي معرفة النسبة الاجتماعية # وجدنا في مباحثنا الآنفة في الفضيلة على العموم، وفي العدالة على الخصوص، أن ~~جذور الفضيلة منغرسة في النسبة التصورية التي بين الكل والجزء؛ أي بين المجتمع ~~والفرد. أما هذه النسبة فقائمة في مطاوعة سنن الحياة الاجتماعية. والعدالة ~~تتوقف على قوة نظرنا للكل في الجزء، أي نظرنا للمجتمع مثلا في الفرد، أو ~~بعبارة أخرى: إدراك ما يحق للفرد من الحصة في حياة الجماعة. ms145 هذه هي نواة ~~الحكمة؛ أي إن الحكمة تجعلنا نفهم هذه الحقيقة، وكلما اتسع علم الإنسان أفضى به ~~علمه إلى إدراك كنه هذه الحقيقة، ولكن كيف يعرف أن للفرد حقه في حياة ~~المجتمع، وكيف تعرف قيمتها. # لا بد من حدة النظر لإدراك النسبة بين الكل والجزء؛ ليعرف نصيب الفرد فيها، ~~وكذلك لا بد من إدراك أن هذه النسبة من أجود الغايات الأدبية التي ينبغي أن ~~يتجه إليها سلوك الإنسان الأدبي؛ فالحكمة المكملة للعدل في فضيلة المحبة إنما ~~هي إدراك أن سنة الحياة هي وجود هذه النسبة بين الكل والجزء - الفرد والمجتمع - ~~وأن هذه النسبة هي أجود الغايات الأدبية. ففي كل مسلك من مسالك الإنسان ينبغي ~~تحقيق وجود هذه النسبة بين الفرد والمجتمع، فإن كانت قائمة على قاعدة إرادة ~~الخير للجماعة، والمطابقة لنظم نجاح المجتمع كانت نسبة جيدة، فإدراك الشخص ~~صاحب السلوك جودة هذه النسبة على هذا النحو هو الحكمة عينها، وقول سقراط: إن ~~الفضيلة معرفة؛ أي أن تعرف الحق فتفعله، مقارب لتعريفنا الحكمة كما تقدم. ~~والقول الأصح هو أن فعلك للحق أفضل أساليب معرفتك إياه. # فإذا كان إدراك هذه النسبة وجودتها عادة في الإنسان أو سجية كانت الحكمة ~~فضيلة له، وكانت قوة الحكم في المواقف الأدبية خلقة فيه، فقلما يشذ عن قاعدة ~~العدل حين يحسن النية، وإذا كانت هذه الفضيلة عادة أصلية فيه تسنى له أن يسرب ~~سائر الفضائل وينقحها ويقومها جيدا. ~~(3-6) توسع معنى الحكمة # وقد عني سقراط وغيره من الفلاسفة القدماء ومن جرى مجراهم بالحكمة أكثر مما ~~تحتمله من المعنى؛ فقد عنوا بها عمق النظر، أو عمق التبصرة وإصابة كبد الحقيقة؛ ~~ولذلك حملوها كثيرا من المسئولية إلى أن قربوها إلى الضمير، وكادوا يقربونها ~~إلى البديهة؛ فالحكيم في نظرهم يكاد يكون معصوما من الخطأ. # ربما كانت الحكمة في العصور القديمة تحتمل هذا المعنى؛ إذ كانت مطالب الحياة ~~أبسط وأقل، وخطط السعي أقصر وأقل تلويا، والنسبة بين الفرد والمجتمع أقل ~~متانة. أما الآن وهذه النسبة أشد توثقا، والعلائق بين الأفراد أكثر ms146 تعقدا، ~~ومثيرات العواطف والشهوات والانفعالات أكثر تعددا وتواترا، ناهيك عن تعاظم ~~قوى الوجدان لكثرة تروضها بالمعارف بحيث أصبحت تتدفق في منافذها، وتفاقم ضروب ~~التمتع التي لا يتسنى دائما إشباعها، كل ذلك جعل مهمة الحكمة صعبة جدا؛ لأنه ~~مهما كان النظر بعيدا وحادا، والتبصرة عميقة، فلا يسلم العقل من الضلال عن ~~العدل. ~~(4) الإيمان # بقيت فضيلة لم يشر إليها أحد من علماء الآداب، في سياق بحثهم في الفضائل، وهي ~~فضيلة الإيمان؛ إيمان الفرد بقوة هذه النسبة بينه وبين المجتمع قوة تداني الألوهية، ~~القوة الحاضرة في كل مكان، والقادرة على كل شيء، القوة التي يعتصم بها في جهاد ~~الحياة، ويستند إليها في الملمات، ويستعاذ بها من الكوارث والنكبات ويحتمى بها من ~~غارة الأعداء، القوة التي يلتمس منها العدل والرحمة والعون. وبهذا الإيمان ينبري ~~الفرد للتضحية في سبيل سلامة المجتمع. # فإيمان الفرد بهذه القوة في نسبته إلى المجتمع يقرر أدبية شخصيته، ووجود الفضائل ~~الأخرى فيه، فإذا خلا من هذا الإيمان ضعفت فضيلة العدل فيه، وتضعضعت فضيلة الحكمة ~~منه، ولم تعد الشجاعة ولا التعفف فضيلتين، بل تضحيان سجيتين شخصيتين خلوا من ~~الأدبية. # فلذلك يعد الإيمان أساس جميع الفضائل الأربع، كما تعد المحبة أس فضيلتي العدل ~~والحكمة، ومنه تفرعت الثقة المتبادلة بين الأفراد؛ لأنه متى استتب إيمان الأفراد ~~بمجتمعهم كان كل فرد مطمئنا على حقه، ضامنا حمايته، كما أنه يثق بقيام العدل من ~~تلقاء نفسه بينه وبين جاره. ~~(5) تربية الفضائل # تختلف الفضيلة عن الخلق المحرك للفعل بأنها لا تنتمي كثيرا للغريزة كما ينتمي ~~الخلق إليها، بل هي تنمو وتقوى بالرياضة النفسية والتربية والتعليم؛ الفضيلة تتوقف ~~على القلب الطيب الذي جعل في المرء، لا على النبضة الغريزية التي تكيف ~~الخلق. # فالشجاعة تكون فضيلة حين تكون نبضة قلب، فإذا صدرت كحركة لتلبية غريزة الغضب لا ~~تكون فضيلة، بل تكون خلقا، وربما كانت تهورا. # كذلك الإحسان يعد فضيلة متى كان سمحة نفس بغية تلافي سقم في عضو في المجتمع، ~~ولكنه إذا كان شفقة لتلافي ألم في نفس المشفق لا ms147 يكون فضيلة، بل يكون خلقا يتحرك ~~مؤقتا لعامل حركه محرك الفعل. # فالفضيلة ترتكز على الرأي السديد والنظر الصائب في الأمور أكثر مما ترتكز على ~~النبضات الغريزية؛ ولهذا تتغذى من التربية والتعليم والرياضة النفسية، ويحتمل أن ~~تنمو وتقوى كثيرا وقليلا، فالتربية تؤثر في تنقيح الفضائل أكثر وأسرع مما تؤثر في ~~الغرائز. # الفصل السادس # | الرذائل # (1) ماهية الرذيلة ~~(1-1) ظل البهيمية في ضوء الإنسانية # ولئن كان الإنسان قد خرج من طور الحيوانية البهيمية إلى طور الإنسانية ~~الأدبية، لم يخرج خروجا نهائيا من معركة التنازع، فهو قد جاء إلى درجة ~~الإنسانية وجلب معه غرائز البهيمية ونبضاتها، ولم يرتق بعد في سلم الأدبية إلى ~~درجة أن يتطهر من هذه النبضات البهمية بتاتا بحيث تبرد حدة تنازعه، فهو قد جاء ~~إلى دائرة الإنسانية بإطماعه وأثرته وحبه لنفسه إلخ؛ لذلك كثيرا ما يستصعب ~~الرضوخ للحق، أو قد يشكل عليه الحق والباطل. # ثم إن الحياة الاجتماعية جعلت ظرف حياة الإنسان الأدبية ضيقا جدا بحيث لا ~~يسع جميع رغائبه، حتى إذا تدفقت هذه الرغائب اصطدمت بما في محيط الدائرة من ~~رغائب المجتمع، وحينئذ لا تسلم أدبيته من الانثلام. فلا يندر أن يهتضم حقا ~~ليس له، وأن يستميل ميزان العدل إلى جهته؛ ففي الإنسان إذن ردة إلى الشر كما ~~فيه نزعة إلى الخير، وكلما تطهر من أدران الحيوانية صفت شخصيته الأدبية وشفت، ~~فإذا وقعت عليها أشعة الفضيلة ألقت أدران حيوانيته من الجهة الثانية ظل ~~الرذيلة. # فبقدر طهارة النفس من أدران البهيمية يسطع فيه نور الفضيلة، ويختفي ظل ~~الرذيلة، والعكس بالعكس؛ فالرذيلة إذن ظل الطبيعة الحيوانية القائمة لدى نور ~~الفضيلة. والإنسان وهو متردد بين الفضيلة والرذيلة إنما هو فوق رجاسة الحيوان ~~ودون قداسة الإله، وبقدر ما ينظف نفسه عن أدران البهيمية يدنو إلى نور الألوهية ~~حيث يسطع في وجهه ضياء الفضيلة. ~~(1-2) الرذيلة مموهة بلذة # لا يبتغي الإنسان الشر كغاية شريرة أو رديئة، وإنما يبتغيه كغاية حسنة في ~~ظروف تحسنه له، وإلا فلا يبتغيه بتاتا، فإذا أتى الشر إرضاء لشهواته ونزعاته ms148 ~~وعواطفه؛ فلأنه ابتغى اللذة الوقتية في هذا الإرضاء غير مكترث بالعواقب، فهو ~~آثر اللذة القربى على القصوى، واللذة الحادة القصيرة على المعتدلة الطويلة ~~المدة، وفضل قيد الشهوات الخفيف على حرية النفس العنيفة. # وفي كثير من الأحوال يضأل في نظر الإنسان الخير العام إلى حد أن لا يراه ~~مستحقا تضحية شيء من المشتهيات لأجله، بل إلى حد أن تصبح مناقضة هذا الخير ~~العام غاية مرغوبة؛ كأن يماطل المرء الحكومة في دفع الضريبة، أو يلقي قمامات ~~الأقذار في الشارع حين غفلة البوليس، أو أن يخفي عن دائرة الصحة العمومية خبر ~~إصابة وباء في بيته. فكل هذه وأمثالها يرتكبها الإنسان وهو يعتقد أنها ليست ~~جرائم، ما دامت عين الحكومة لا تقع عليها، وقد يخدع الإنسان نفسه إذ يبررها ~~لظنه أنها لا تضر أحدا، ولكن إذا ارتكبها سواه رأى شرها أعظم مما يراه لو هو ~~ارتكبها. # وسبب ذلك أن الواجبات الاجتماعية تبدو دائما مهددة رغائب الإنسان الذي لم ~~يتعلم، ولم يتحقق جيدا، ولم يفهم أن خير المجتمع وخيره الشخصي واحد؛ ولذلك هو ~~يقابل الواجب نحو المجتمع كوقر ثقيل عليه، وينظر إلى القوانين والأنظمة المدنية ~~كخصوم له. يرى أن هذه الأنظمة والقوانين تضيق دائرة حريته، وأن الواجبات ~~المفروضة عليه نحو المجتمع تضغط على رغائبه. # ولذلك هو يقاوم القوانين ويحاول نفض الواجبات عن عاتقه، ولكنه إذا كان يفهم ~~أن خيره متوقف على خير المجتمع جعل نظام المجتمع نظام نفسه، ووفق سلوكه عليه ~~باختياره. فبقدر ما يفهم المرء هذه الحقيقة ويتشربها ويسلك بموجبها مختارا ~~يكون فاضلا، وبقدر ما يجهلها أو يتجاهلها أو يأباها ويخالفها في سلوكه يكون ~~رذيلا. ~~(1-3) الرذيلة سقم سجية الفضيلة # الرذيلة كالفضيلة سجية، أو هي سقم سجية الفضيلة وضعفها؛ فكلما قويت هذه ~~السجية تمكنت الفضيلة، وكلما ضعفت ظهرت الرذيلة، وبتلاشيها تتلاشى الفضيلة ~~وتقوم الرذيلة مقامها. هي النزعة إلى أحد جانبي الخير والشر؛ فكلما مالت ~~بالإنسان إلى الخير تعدلت الفضيلة، أو إلى الشر تعدلت الرذيلة. واتجاه هذه ~~النزعة إلى الخير أو إلى الشر يتوقف على ms149 قوة الشخصية وضعفها، من حيث مقاومة ~~الغرائز والنبضات والعواطف والشهوات البهيمية. # وقوة الشخصية تتفاوت بحسب اختلاف الظروف والأحوال التي تستدعي أقدارا معينة ~~من القوة للمقاومة؛ ولذلك تتلون أعمال الإنسان وتصرفاته بألوان الفضيلة ~~والرذيلة حسب الظروف والأحوال من جهة، وحسب متانة الشخصية الأدبية من جهة أخرى؛ ~~فالشخصية الأمتن أكثر اتجاها إلى الخير، وتطبعا بالفضيلة، والعكس ~~بالعكس. # وقد تقدم القول: إن الرذيلة كظل لما تحجبه الطبيعة الحيوانية من نور الفضيلة؛ ~~فبقدر ما يكون نور الفضيلة ساطعا يكون ظل الرذيلة حالكا، وحيث لا نور فلا ~~يظهر ظل. بهذا المعنى لا يختلف مظهر الرذيلة باختلاف الأشخاص من حيث تطبعهم ~~بسجايا الفضائل، فإثم العاقل أوضح من إثم الجاهل، وخطأ العالم أفظع من خطأ ~~الساذج. # تختلف مظاهر الرذيلة بحسب اختلاف الأحوال المقترنة بها؛ فهي شر أو معصية أو ~~جريمة أو زلة كما ترى فيما يلي: ~~(2) طائفة الرذائل ~~(2-1) الشر # الشر سجية في النفس تلوثها بأدران الشهوات البهيمية، والشرير من كانت له هذه ~~السجية من غير نظر إلى سلوكه؛ فقد لا تؤذن له الظروف بأن يأتي شرا، ولكن متى ~~أذنت له أتى الشر. وقد يأتي من المحامد ما يوهم أنه فاضل، ولكن شرا واحدا ~~خطيرا يأتيه في ظروف حرة لا يدع عندك شكا بأنه شرير؛ ففعل الشر هو أعم ~~مظهر للرذيلة. # إن السجية صفة داخلية للنفس، وهي واسعة المجال في العالم النفساني الخفي؛ ~~ولذلك قلما تظهر للعالم المحسوس، ولا تتمثل دائما كما هي في الأعمال الخارجية ~~الظاهرة، كما أنها لا تختفي كل الاختفاء، بل لا بد أن يظهر ظلها ولو بعض الظهور ~~في الأفعال الخارجية المحسوسة. # ولذلك لا يقف الحكم الأدبي عند الظواهر، بل يتغلغل إلى البواطن حيث تنبض ~~محركات الأفعال، وتسيطر مدرباتها، فلا يحكم على هذا الفعل إن كان حقا ~~وعدلا وصوابا لمجرد ظاهره فقط، بل يحسب محركاته ومدرباته؛ فإذا شبت النار ~~في هشيم من سيكارة رماها شخص في مكان قريب، فقذفتها الريح إلى الهشيم، فلا بد ~~من التحقيق إن كان الشخص قد قصد برميها إلى ms150 هذه الغاية أو لم يقصد. قد يفشل ~~المحقق فلا يستطيع إثبات القصد، ولكن رامي السيكارة نفسه يعرف نفسه إن كان قد ~~تعمد إحراق الهشيم أو لم يتعمده. # فثبوت الشر لا يتوقف على التحقيق الخارجي، بل على حكم الفرد الداخلي؛ ولذلك ~~يشترط الناموس الأدبي أن يكون القلب أولا صالحا لكي يكون الفعل صالحا، فإذا ~~كان القلب شريرا فلا عبرة في نجاح التحقيق أو فشله فيما إذا كان الفعل الحاصل ~~متعمدا أو غير متعمد. # فإذا كان حامي القانون ومنفذه لم يجد إثباتا لجريمة ليأمر بالعقاب؛ فالضمير ~~المنفذ للشريعة الأدبية هو الشاهد والقاضي والمعاقب. ~~(2-2) الخطيئة # ظهر لك فيما تقدم أن الشر المضمر خطير الشأن كالشر الظاهر في الأفعال؛ لأن ~~هذا صادر عن ذاك، أو أن ذاك إذا فاض تدفق في الأفعال الظاهرة، فالشر من الوجهة ~~الأدبية، ظهر أو أخفي أو بقي في النية، إنما هو شر على كل حال. ومن قبل عهد ~~موسى كان من يشتهي امرأة غيره أو متاعه يعد أثيما، كان كأنه زنى أو ~~اغتصب. # مع ذلك بين الشر الذي يبقى مضمرا في النفس والشر الذي يظهر في الفعل والسلوك ~~فرق واضح من حيث القيمة، كالفرق بين الفضيلة الكامنة في القصد الصالح والنية ~~الحسنة، والفضيلة التي تبدو في الأفعال الصالحة. قد يتفق اثنان على سرقة منزل ~~ويشرعان في العمل، ولكن أحدهما يتردد خوفا من الوقوع في يد القضاء ثم يعدل، ~~والآخر يستمر في العمل إلى أن يتمكن من السرقة، فالاثنان شريران، ولكن الثاني ~~وحده مجرم؛ لأنه نوى السرقة وارتكبها، وأما الأول فنوى ولم ينفذ. # كذلك الأمر في الفضيلة ظاهرة أو مضمرة، فقد ينوي شخصان في ظروف متماثلة أن ~~يعملا عملين خيريين متماثلين، فأحدهما ينفذ نيته بلا تردد، والآخر يتردد ~~ويسوف تحينا لظرف آخر أفضل. وقد يأتي الظرف الآخر أردأ، فيتعذر عليه ~~التنفيذ. فكلاهما فاضلان؛ لأن كلا منهما نوى عملا صالحا، ولكن الأول عمل ~~والآخر لم يعمل. ~~(2-3) تفاوت القيمات الأدبية # فترى مما تقدم أنه لدينا أربع حالات أدبية مختلفة القيمة: ms151 ~~(1) # شخص نوى نية صالحة ولم ينفذها. ~~(2) # شخص نوى نية صالحة ونفذها. ~~(3) # شخص نوى شرا ولم ينفذه. ~~(4) # شخص نوى شرا ونفذه. # فأي هؤلاء الأربعة أفضل وأيهم أشر؟ وكيف يترتبون من حيث القيمة الأدبية؟ لأول ~~نظرة عامة يتبادر إلى الذهن أن القصد الصالح «الحالة الأولى» الذي يظهر في ~~الفعل أفضل من الذي يبقى مضمرا؛ لأن الفعل الصالح يشمل الأمرين معا، أو هو ~~نتيجة النية الصالحة . وبعبارة أخرى: إن النية الصالحة أقل قيمة من العمل ~~الصالح، وكذلك العمل الرديء «الحالة الرابعة» شر من النية الرديئة؛ لأنه ~~يشتمل على النية والفعل معا، ولأنه أعظم ضررا من النية. # ولكن هذه القاعدة لا تطرد لعدم اطراد الظروف، بل كثيرا ما تنعكس في ظروف ~~مختلفة، والأفضل أن لا تحسب قاعدة؛ لأن النية والفعل غير مستقلين، بل هما ~~مقيدان بالظروف والأحوال؛ فإذن الظروف تعين قيمة الشر والصلاح في كل من النية ~~والفعل. # فأولا يمكن أن تكون النية الصالحة التي لم تنفذ أعظم قيمة من الفعل الصالح ~~إذا كان المانع من تنفيذها قوة قاهرة، كأن يموت صاحب النية الصالحة، أو يفقد ~~قوة التنفيذ قبل أن يتمكن من التنفيذ. وتكون قيمة الفعل الصالح أقل من قيمة هذه ~~النية الصالحة إذا كان صاحب الفعل الصالح يتذرع به إلى نفع شخصي، فلم يجعل ~~الفعل غايته القصوى، بل واسطة لغاية أخرى. # هكذا كان فلس الأرملة عند المسيح أعظم قيمة من إحسان الغني، فمرجع قيمة ~~الصلاح سواء في النية أو في الفعل يعود إلى مقدار تطبع النفس فيه كسجية، فالشخص ~~المطبوع على الفضيلة يفعل الصلاح كلما سنحت له الفرصة، والمرء المتكلف الفضيلة ~~يأتي الأفعال الصالحة أقل مما يأتيها ذاك. # كذلك الأمر في الرذيلة؛ فقد يمكن أن يكون الفعل الشرير أقل رداءة من النية ~~الشريرة إذا كان قد أتاه شخص ليس الشر من طبعه، بل أتاه عن طيش أو تهور. فهذا ~~الفعل الشرير قلما يتكرر من قبل الشخص نفسه، أو لا يخشى أن يتكرر. والنية ~~الشريرة تكون أردأ من هذا الفعل الشرير إذا كانت صادرة ms152 من شخص مطبوع على ~~الرذيلة؛ فهو يتحين الفرص الملائمة لإتيان الشر، ولا يمنعه عنه تردد أدبي أو ~~زجر الضمير، بل يمنعه خوف العقاب الزمني. مثل هذه النية الشريرة أخطر وأضر؛ ~~لأنها عرضة للبروز إلى حيز الفعل كلما سنحت الفرصة. # وهناك اعتبار آخر يجعلها أشر من الفعل الشرير، وهو أنها خفيفة لا تبلغ ~~إليها يد العقاب، ولا تتقي أذاها عين الحذر. وأما الفعل الشرير فيتلقى عقابه ~~على الأثر، ولأنه ظاهر ينبه عين الحذر من تكرره. # والغالب أن العقاب يقمع الفعل الشرير، ولكنه لا يقمع النية الشريرة للأسباب ~~المتقدمة، كذلك الثواب يشجع الأفعال الصالحة. ولأن النية الصالحة غير ظاهرة فلا ~~يبلغ إليها ثواب. فهذا اعتبار آخر لنظرية أن العمل الصالح الظاهر أفضل من النية ~~الصالحة المضمرة. # بعد هذا البيان يتضح لك أن الشر أعم من الخطيئة أو المعصية؛ لأن هذه تقتصر ~~على العمل الشرير الظاهر، ولا تتناول النية الشريرة المضمرة، فلا نقول: إن ~~زيدا كذب لمجرد أنه نوى الكذب؛ إذ لا حكم لنا على نيته، وإنما نحكم على فعله؛ ~~أي إذا كذب بالفعل. # فالشر يحكم به الضمير، وأما الخطيئة أو المعصية فيحكم بها الرأي العام، ~~فالخطيئة أضيق دائرة عن دائرة الشر، وهي ضمنه، ثم تأتي الجريمة، وهي أضيق دائرة ~~من الخطيئة كما ترى فيما يلي: ~~(2-4) الجريمة # الجريمة هي الشر أو الخطيئة التي يفرض لها قانون الحكومة عقوبة تنفذها السلطة ~~المنفذة، ويستطيع القضاء التثبت منها. إذن يخرج من دائرة الجرائم: # أولا: # الآثام التي يتعذر سن قوانين لها لتعذر تحديد أذى ظاهر ~~منها يقع على آخرين، كالسب والشتم غير العلني، وكالتقصير في ~~النظافة الشخصية، وكمساكنة رجل وامرأة ليسا بزوجين شرعيين - في ~~بعض بلاد دون أخرى - إلى غير ذلك، فيوكل الحكم فيها إلى الرأي ~~العام، وعقوبتها احتقاره لها. # ثانيا: # الآثام التي يكفي تشويه السمعة ومقت الرأي العام عقوبة ~~لها؛ كالبخل إلى حد النكوص عن إسعاف المنكوب، أو الطمع إلى حد ~~انتهاز الفرص لاقتناص المنفعة من تعب الضعيف، عند إمكان تحايد ~~المأخذ القانوني، وكالإخلاف بالوعد ms153 وعدم المحافظة على الميعاد، ~~وكإنكار الجميل إلخ مما لا يعاقب القانون عليه، ولكن الرأي ~~العام يستنكره ويزدري مرتكبه. # ثالثا: # الجرائم التي لها قوانين ولكن القضاء لا يستطيع التثبت ~~منها؛ كأن يقرض المرابي مالا بربا فوق الربا القانوني، ~~ويتحاشى ظهوره في العقد بطرحه من القيمة المعينة في العقد حين ~~يدفعها للمقترض؛ وبذلك يفلت من يد القضاء، وكذلك أن يغنم ~~الطماع فرص أزمات بعض الناس المالية لكي يشتري أملاكهم بالبخس ~~بواسطة الاسترهان ونحو ذلك. # رابعا: # الآثام التي كان يجب أن تدخل في عداد الجرائم التي ~~يعاقب عليها القانون، ولكن التغرض في الاشتراع أخرجها من دائرة ~~القانون؛ كمضاعفة الأسعار حين يقل العرض عن الطلب بحجة أن ~~التجارة حرة، وكإنقاص أجرة العامل حين يقل طلب العمال وهم ~~كثيرون، بحجة أنه ما دام يوجد من يقبل أجرا أقل تنقص الأجرة ~~حسب القبول، ولا عبرة بقيمة العمل. ولأقل تبصرة في النظام ~~الاجتماعي التنازعي، نجد كثيرا من أمثال هذه الأحوال قد قصرت ~~عنها يد القانون، بزعم أن الاسترزاق تنازع ~~حر. # فترى مما تقدم أنه ليس كل شر خطيئة أو معصية؛ فالشر يشمل النية والفعل معا، ~~والمعصية مقصورة على الفعل فقط. # وليست كل معصية جريمة؛ فالمعصية تشمل ما يستحق عقوبة قانونية وما لا يستحقها، ~~والجريمة مقصورة على ما يستوجب عقوبة. # وهذا البحث يسوقنا إلى كلمات جوهرية عن العقاب والثواب، وطبيعتهما، وحدودهما، ~~والغرض منهما، وتأثيرهما. ~~(3) العقاب ~~(3-1) الصلاح والشر مصحوبان بثوابهما وعقابهما # الإثم زيغان عن جادة الصواب إلى ناحية الخطأ، ونتائج الخطأ دائما سيئة ~~مؤلمة مؤذية؛ فلذلك يمكن القول كقاعدة مطردة: إن الإثم يصطحب معه شرا؛ أي ~~أذى، كما أن العمل الصالح يصطحب معه خيرا. ولا بد أن يرتد مدى شر الإثم على ~~الآثم بأية طريقة، فيكون الأذى الذي يصيبه منه كعقاب له، كما أن صدى الخير ~~الناجم عن العمل الصالح يرتد إلى عامله كثواب له، فإذا صح هذا القياس كان ~~الآثم يجلب عقابه معه، والصالح يجلب ثوابه معه. # أما أن القياس صحيح فلأن العمل الصالح إنما هو العمل ms154 الموافق لرقي المجتمع ~~ونجاح جميع أعضائه، والمرء الفاضل الذي يجاهد في الأعمال الصالحة إنما هو مجاهد ~~إلى جانب المجتمع ومعه وبموافقته، ومتعاون مع سائر أفراده؛ ولذلك ينتظر أن ~~ينجح عمله كنتيجة لنجاح المجتمع العام، ولما يناله من معاونة المجتمع له ~~وموافقته. # وكذلك العمل الطالح «أو الآثم» إنما هو العمل المخالف لرقي المجتمع ونجاح ~~أعضائه. والمرء الشرير الذي يعمل طالحا إنما هو مجاهد ضد المجتمع، ومحارب ~~لرقيه، ومقاوم لنجاحه؛ لذلك لا ينتظر أن ينجح في مساعيه لمقاومة روح المجتمع ~~له، ومناهضة أعضائه إياه، ولأن له نصيبا من الأذى يورثه صلاحه للمجتمع. # إذا تأملت جميع أحوال من تعرفهم جيدا من الناس الصالحين والطالحين، وما ~~تقلبوا عليه من خير وشر، وجدت أن الشواهد على هذه النظرية الآنفة صادقة ~~كثيرا؛ فما من بار إلا تمتع بقدر وافر من الهناء في حياته الزمنية، وكذلك ~~ما من شرير إلا قاسى في حياته كثيرا من رزايا شروره. ~~(3-2) عكس النظرية الآنفة # وهنا لا بد أن يتمثل في ذهن القارئ ما يناقض هذا القول؛ لأنه يرى كثيرين من ~~الأشرار ناجحين يتمتعون، كما أنه يرى كثيرين من الأبرار فاشلين يقاسون، وربما ~~كان الأشرار المتمتعون أكثر من الأبرار المتمتعين، والأبرار المقاسون أكثر من ~~الأشرار المقاسين. # أجل إن الأمر لكذلك، وببالرغم من وجاهة هذا الاعتراض تبقى النظرية التي نحن ~~بصددها صحيحة، أي أن الآثام لا بد أن تنتج شرورا ومصائب، فإن لم يرتد صداها ~~إلى فاعلها في الحال أو في الغد القريب، فلا بد أن يرتد في الغد البعيد، فإن لم ~~تدركه في إبان عجزه أدركته في أواخر أيامه، وإن لم تدركه في شيخوخته أدركت ~~ذريته من بعده. # وإذا اعتبرنا الحياة الإنسانية حياة السلالة لا حياة الفرد، كان عقاب الإثم ~~واقعا على فاعله معجلا. وبهذا الاعتبار يصح القول: «إن الآباء يأكلون الحصرم ~~والبنين يضرسون.» وبهذا الاعتبار ينتفي الحيف الذي يتراءى لنا في الوصية ~~الثانية من وصايا الله العشر عن يد موسى: «افتقد ذنوب الآباء في الأبناء.» # 1 # كذلك الأمر في الصلاح؛ ms155 فإن ثواب المرء البار يدركه معجلا أو مؤجلا، أو يدرك ~~ذريته من بعده، وإذا لم يتمتع في حياته بثمرة نجاح عمله، فلا بد أن يتمتع بلذة ~~نجاح مبدئه الذي يجاهد لأجله. إن غاليلو الذي كان يضطهد لأجل دعايته بنظرية ~~دوران الأرض كان مسرورا عظيم السرور؛ إذ كان يرى أن دعايته ناجحة، وأن أتباعه ~~يزدادون. ~~(3-3) منشأ العقاب # وليس القصد من التعليل السابق أن شر كل شرير يقع على رأسه وحده، ولا أن صلاح ~~كل صالح يعود عليه بالخير وحده، ولا يمكن أن يكون الأمر كذلك ما دامت الهيئة ~~الاجتماعية جسما حيويا مترابط الأعضاء كما علمت؛ فلا بد أن يصيب أذى الشرير ~~كثيرا من أعضاء المجتمع المتصلين به، كما أن اضطراب المعدة يحدث صداعا، وكذلك ~~خير الصالح يشمل كثيرين أيضا؛ ولذلك يتوقف نجاح المجتمع على تغلب أبراره على ~~أشراره، والعكس بالعكس. # وإذا كان ثواب البار غير مضمون له جزاء في حياته القصيرة، وكان الشرير يسلم ~~في الأحوال الكثيرة من شر عمله، وإذا كان شر الشرير يلحق بسائر المجتمع، ويمكن ~~جدا أن يصيب البار؛ فلا بد أن يتمثل لذهن القارئ هذا القول: إذن هذا الارتباط ~~الاجتماعي غير حسن أو غير صالح؛ إذ لا يكفل العدل وإعطاء كل ذي حق حقه، أو هو ~~ذو عيوب، فينبغي البحث في عيوبه، ومعرفة ما إذا كان ممكنا إصلاحها، وإذا كان ~~جزاء الإثم أو الصلاح يحتمل أن يكون مؤجلا، فذيوع هذه الفكرة كاف لأن يقتل ~~روح الصلاح في البشر؛ لأن السواد الأعظم من الناس «سروريون»؛ أي إنهم لا يعملون ~~بحسب الفضيلة حبا بالفضيلة نفسها، بل حبا في اللذة التي يتوقعونها من ~~ورائها. # وهذا قول وجيه أيضا، وما غفل عنه العقل الاجتماعي؛ فقد جعل للآثام عقوبات ~~أخرى - غير صدى شر الإثم الآنف ذكره - لا يستطيع الأثمة أن يتملصوا منها، ~~أولاها: عقوبة تأنيب الضمير، فإن لم يخافوا الضمير فهناك: ثانيا؛ العقوبة ~~الدينية، أي الوعيد بنار جهنم، فإن لم يحسبوا حسابا لهذه ولا لتلك فهناك: ~~ثالثا؛ العقاب الحكومي الذي تفرضه ms156 القوانين. وإذا استطاع الآثم أن يتخلص من ~~نوع العقوبة الأخير؛ فلأن في أنظمة المجتمع - لا في جسمانية المجتمع نفسها - ~~عيوبا لا بد أن تنصلح في المستقبل أو تقل على تمادي الزمان، كما أنها كانت في ~~القديم أفظع منها الآن، وقد تصلحت. ~~(3-4) الغرض من العقاب # رأيت فيما تقدم أن شر الآثم أو المجرم وإن كان في بعض الأحوال أو في أكثرها ~~يعود إليه، فلا بد أن يقع أولا على المجتمع، أو على جانب من المجتمع، أو على ~~فرد واحد منه على الأقل؛ ولذلك يعد الإثم أو الجريمة ضد المجتمع في الدرجة ~~الأولى. # وبهذا الاعتبار يبرر للنظام الاجتماعي فرض العقوبات على قدر الجرائم، ~~وإنزالها بالمجرمين عاجلا، فمن ثمة سنت قوانين العقوبات. ولكن لماذا العقاب؟! ~~وما غرض المجتمع منه؟ # للمشترعين ثلاث نظريات بهذا الموضوع: ~~(1) # أن يكون العقاب عبرة لغير المجرمين لكيلا يرتكبوا نفس الإثم، ~~ولسان حال القضاء حينئذ: «لم يعاقب فلان لأنه سرق سلعة غيره، بل ~~لكيلا تسرق السلع كلها.» ولكن ليست «العبرة» وحدها مقصودة من ~~العقاب، وإلا لكان العقاب ظلما للمعاقب؛ لأن المراد به نفع ~~الآخرين، أي تحسين أدبيتهم، على حساب غيرهم، أي بإيقاع العقاب على ~~المعاقب. إذن لا بد من غرض آخر من العقوبات. ~~(2) # تأديب المجرم نفسه حتى لا يعود إلى الإجرام. وهو غرض أصح من ~~الغرض السابق، وإنما يعيبه عدم اتفاقه مع قانون الحكم بالموت على ~~القاتل؛ لأن قتل القاتل ليس تأديبا له، بل هو حسم لشره، هو ~~بتر عضو في جسم المجتمع لأنه لم يعد صالحا. # ناهيك عن أن بعض العقوبات لا تؤثر هذا التأثير في بعض المجرمين، ~~كما أن بعض المجرمين يكفي التأنيب اللطيف لكي يتيبهم؛ ولهذا ذاع ~~قانون «برانجه»، أي إيقاف تنفيذ العقوبة فيمن أخلاقه حسنة وليست له ~~سابقة. ~~(3) # جزاء المثل بالمثل؛ أي إيقاع أذى على المجرم يساوي الشر الذي ~~أحدثه جرمه؛ لكي يفهم أن شر إثمه واقع على رأسه معجلا لا ~~مؤجلا. # بهذا المعنى كانت شريعة موسى عين بعين، وسن بسن، وشريعة العرب الجزاء الحق ms157 من ~~نفس العمل، والسارق تقطع يده. ولا يخفى ما في هذه الشريعة من القساوة، وما في ~~معناها من روح الانتقام، فهل حقيقي أن المجتمع يبتغي من العقاب الانتقام، وإلا ~~فما هو غرضه منه؟ ~~(3-5) جزاء المثل # كيان المجتمع قائم بنظامه الحسن، ونظامه مؤيد بشريعته الصالحة له التي تنفذها ~~سلطته. والسلطة تحمي النظام من الخلل بمنع التعدي على الشريعة، وإن حدث هذا ~~التعدي تثبت السلطة وجودها، وحسن نظامها، وصلاحية شريعتها، برد ضرر هذا التعدي ~~على من فعله، أو بإيقاع مثله عليه. وتوبة المتعدي بعد ذلك وعدم تكرر الاعتداء ~~- منه أو من غيره - إنما هما برهان على وجود السلطة في المجتمع، وعلى حسن نظام ~~المجتمع وصلاحية شريعته لحفظ كيانه. # فالغرض الرئيسي من العقاب إذن إشعار المعاقب بأن النظام الحسن والشريعة ~~الصالحة هما ركنا حياة المجتمع، وأن الإخلال بالنظام والاعتداء على الشريعة ~~يعرضان المجتمع للخطر، وقلما يرجى أن تقل الجرائم وتصلح أخلاق المجرمين إلا إذا ~~كان سواد الناس يدركون هذا الغرض من العقاب، ويمتنعون عن الإجرام، لا خوفا من ~~العقوبة، بل كرها للجريمة لأنها عدوة المجتمع. # فجزاء المثل بالمثل من قبل سلطة المجتمع ليس انتقاما، بل المقصود منه تأييد ~~وجود السلطة والنظام والشريعة أركانا لحياة المجتمع. بهذا الاعتبار جعل جزاء ~~المثل في قوانين الأمم المتمدنة أقل قساوة وعنفا مما كان في شريعة موسى ~~ومثيلاتها؛ فبدل أن تقلع عين من يقلع عين امرئ آخر تفرض عليه غرامة للمعتدى ~~عليه لإيفاء العدالة حقها، وبدل أن تقطع يد السارق يحبس ويؤخذ منه ما سرقه، ~~وإن كان قد بدده فيحبس أياما تساويه قيمة. وهكذا نرى أن شريعة جزاء المثل ~~بالمثل على هذا النمط لا تعني الانتقام، بل منع التعدي على الشريعة، ومنع ~~الإخلال بالنظام، أو إثبات وجود السلطة والحرص على سلامة المجتمع. ~~(3-6) المعاقبة حق للحكومة وحدها # وكما أنه ليس لسلطة المجتمع في العقاب غرض الانتقام، كذلك ليس لها أن تسامح ~~وأن تتسامح، أو أن تبالغ في الرحمة؛ لئلا ينسى وجودها، وتضعف قوة الشريعة، ~~ويتعرض النظام للخلل، ms158 والمجتمع للخطر. # فلو فرضنا أن الشريعة أو السلطة تسامحت واقتصرت في عقوبة السرقة على وجوب رد ~~السرقة للسارق، فإذا استطاع السارق أن يستهلك المسروق وينتفع به قبل أن يسترد ~~منه؛ فليس ما يمنعه عن إعادة الكرة وتكرار السرقة، وحينئذ يتعرض المجتمع ~~ونظامه وشريعته للخطر. # ولأن سلطة المجتمع لا تنتقم لكيلا يقع حيف على المجرم، ولا تتسامح لكيلا يقع ~~خطر على المجتمع نفسه؛ حصر حق المعاقبة فيها، وإن كان أذى المعتدي يقع على ~~المعتدى عليه شخصيا، وعلى المجتمع برمته معنويا. # ولأن الفرد عرضة للانفعال النفساني ولتأثير العواطف في تصرفه، فيحتمل أن يرد ~~للمعتدى عليه مضاعف الأذى الذي أصابه من اعتدائه، أو أن يتسامح معه أو يسامحه؛ ~~فليس من مصلحة المجتمع ولا من الحرص على سلامته أن يسوغ للفرد أن يتولى عقاب من ~~يسيء إليه، فإذا تولى المعتدى عليه معاقبة غريمه عد مجرما وعوقب، وإذا ~~سامح غريمة فالشريعة تصر على عقاب الغريم، فهناك حق المجتمع قبل حق الفرد، ~~وواجب المجتمع قبل واجب الفرد. ~~(3-7) الانتقام # ولكن إذا كان العقاب كما نفهمه الآن يعلل بإشعار المجرم بوجود السلطة وقوة ~~النظام والشريعة، فلا ينتفي أنه كان في الأصل انتقاما، فهو معلوم أن الاعتداء ~~يثير غضب المعتدى عليه وحنقه وحقده، ولا يسكن غضبه حتى يروي غليله بالثأر من ~~غريمه. ولما كان محتملا أن يتجاوز الآخذ بالثأر حقه، ويصبح معتديا بعد أن كان ~~معتدى عليه، وكان إطلاق الآخذ بالثأر بلا حد ولا قيد يعرض الجماعة لخطر ~~الفوضى الهادمة لكيانها، اهتدت سلطة الجماعة بالاختبار إلى صلاحية تقييد الأخذ ~~بالثأر بشريعة تضمن التوازن بين الجريمة والثأر. # وما زالت شريعة الثأر محترمة عند القبائل الهمجية إلى اليوم. ولما شرعت ~~الجماعات تفهم أن تدخل سلطاتها في مسائل الجرائم والثارات حسنة النتائج لها، ~~جعلت تسلم حق الاشتراع هذا للهيئة الممثلة السلطة من شيخ قبيلة أو زعيم أو مجلس ~~شيوخ. ومن ثمة، جعلت السلطة المسيطرة تتولى نفسها الأخذ بثأر المعتدى عليه من ~~غريمه؛ لكيلا يتجاوز المعتدى عليه حقه في الثأر. ومنذ ذلك ms159 الحين صار يتلاشى ~~معنى الثأر ويتحول إلى معنى العقاب إلى أن أصبح كما نفهمه اليوم. ~~(3-8) التسامح # والعوامل الارتقائية التي لاشت روح الانتقام أو الأخذ بالثأر من معنى العقاب ~~ومن العقل الاجتماعي، هي نفسها خففت كثيرا من غلواء روح الانتقام من نفسية ~~الفرد، فكان أنه كلما صار الفرد يعتقد أن العقاب من حق سلطة المجتمع، وما هو ~~انتقام، بل هو إشعار بقوة الشريعة وحسن النظام، كان يتسامح مع غريمه إذا كان ~~ذنبه زهيدا ؛ لأنه يفهم أو يعتقد أن الذنب البسيط لا يعد جريمة ضد المجتمع، ~~وليس كل مذنب يعد عدوا للمجتمع. # أضف إلى ذلك أن توثق الرابطة الاجتماعية، الذي هو من نتائج تفاعل العوامل ~~الأدبية والاجتماعية جميعا في عملية التطور، يوطد في ذهنية الفرد أن من أركان ~~نجاحه في مناهج الحياة مسالمته لأخيه الإنسان، وكسب وده وصداقته؛ ولذلك يتذرع ~~إلى هذه الغاية بالتسامح معه، فإذا أذنب ذنبا بسيطا سامحه. ~~(3-9) المسامحة # فمن ذلك ترى أن ارتقاء الأدبية وتدمث الأخلاق الإنسانية أفضيا إلى إضعاف روح ~~الانتقام في الأفراد، واستقواء روح المسامحة، وإذا شاعت هذه الروح وعمت ~~السواد الأعظم من الناس ظهرت في سلطة المجتمع نفسه، وفي الشريعة أيضا. فمع أن ~~النظام الاجتماعي متصلب، قليل الانفعال والعاطفة، بحيث لا تصح نسبة الانتقام ~~والمسامحة له، فلا بد أن يتأثر من الروح التي تعم الأفراد، ويتخلق بأخلاقهم على ~~قدر ما تلين صلابة طبعه. # ولذلك لما كانت روح الانتقام في عهد الهمجية شديدة، كانت شريعة العقاب عنيفة، ~~ولما ضعفت هذه الروح وجعلت روح المسامحة تحل محلها، صارت الشريعة أقل صلابة ~~وعنفا من قبل. فالشريعة الآن تجيز الصلح بين المتخاصمين في الأحوال التي لا ~~يعد ذنب المذنب فيها تجاه المجتمع كبيرا. # وكذلك فسحت الشريعة المجال بين حدود العقوبات، وخولت للقاضي أن يعتمد على ~~وجدانه وضميره في تعيين قدر العقوبة، وأن يميل للرأفة أكثر منه إلى العدل، ثم ~~سوغت الشريعة للقضاء أن يساعد المجرم في إثبات براءته. فكل هذه من مظاهر ~~تسامح سلطة المجتمع وانبثاث روح المسامحة ms160 في الشريعة نفسها، تأثرا من روح ~~المسامحة التي نشطها ارتقاء الأدبية الاجتماعية كما تقدم التنويه. ~~(3-10) التوبة # إذا كان الخوف من ألم العقاب رادعا عن الإجرام، فازدراء الجريمة واحترام ~~الشريعة أردع عنه؛ لأن الخوف من العقاب لا يصاحب كل جريمة، فقد يؤمل المجرم أن ~~يرتكب جريمته سرا، أو أن يفلت بأي وسيلة من يد القضاء؛ ولذلك قد لا يقوم ~~الرادع في وجهه، ولكن الاعتقاد بأن الجريمة أمر خسيس مكروه، وأن الشريعة قوة ~~مقدسة، حاضر في الذهن دائما؛ فهو رادع دائم، والضمير حارس له. # وإذا كانت الجماعة قد بلغت هذه الدرجة من النظر إلى الجريمة كشيء خسيس دنيء، ~~وإلى الشريعة كشيء مقدس يجب أن يحترم، وإذا كانت ضمائر أفرادها قد بلغت إلى هذا ~~الحد من الحرص على احتقار الجرائم وتقديس الشرائع، إذا بلغت الجماعة إلى هذه ~~الدرجة من الرقي الأدبي تقل الحاجة إلى العقاب؛ لأن المسامحة تصبح أفعل منه في ~~الردع، أولا: لأن عنف العقاب في النفوس الراقية الأدبية يتمثل كانتقام فيثير ~~الحقد والحنق من مكمنهما، وثانيا: لأن المسامحة التي هي كمكافأة لتبكيت الضمير ~~الذي قام مقام العقاب تزين التوبة للمذنب كطريق جميل إلى دار ~~الفضيلة. # فإذا بلغت الجماعة إلى هذه الدرجة من الرقي الأدبي، بحيث تصبح المسامحة أو ~~العفو أفعل من العقاب في الردع عن الإجرام؛ كانت صاعدة في سلم الرقي ~~الأدبي باطراد، وكان الإجرام يقل من نفسه كلما حلت المسامحة محل العقاب. حينئذ ~~تكون الهيئة الاجتماعية أقرب مسافة إلى المثل الأعلى. ~~(3-11) قدر المسئولية والمعذورية # بقي أمر جوهري من خصائص العقاب لا يمكن إغفاله من هذا الفصل، وهو: هل يكون ~~المرء دائما مسئولا عن سلوكه أو عمله، أم أنه يكون في بعض الأحوال معذورا؟ ~~فما هو الحد الفاصل بين مسئوليته ومعذوريته؟ ومتى يجب أن يقوم العفو مقام ~~العقاب؟ # قد علمت فيما سبق أن السلوك هو فعل مراد بتعقل، وفي الإرادة والتعقل معنى ~~الحرية، وحيث يكون الإنسان حرا يكون مسئولا ولا عذر له. فإذن متى تجرد ~~الفعل من الإرادة والتعقل، ms161 أو من التعقل وحده؛ ضعفت المسئولية عنه إلى أن تكاد ~~تتلاشى. ~~(1) # فالمجنون غير مسئول عن فعله؛ لأن فعله مجرد من الإرادة والتعقل، ~~أو من ثانيهما على الأقل، ومثله السكران، فسكره جنون وقتي، فهو ~~معذور فيما فعله في أثناء سكره، ولكنه ملوم على سكره لأنه تعمده في ~~حالة صحوه. ~~(2) # كذلك الجاهل يعذر، وإنما يلام إذا كان لإهماله جهل ذنبه؛ ~~ولهذا يعد العقاب في الجماعة الجاهلة بقصد الإرهاب أو الردع ~~جائرا؛ لأنه واقع على أشخاص قليلي المسئولية لجهلهم . فالعامي ~~الذي لا يعرف القراءة لا يلام إذا لم يعلم بقانون جديد لم يذع في ~~الجرائد، أو في الجريدة الرسمية، والسلطة التي تعاقبه أولى بأن ~~تعاقب هي؛ لأنها حرمته المعرفة التي تقيه من ارتكاب الذنب الذي ~~ارتكبه غير دار به. ~~(3) # إذا كان الباعث على الإجرام يثير الانفعال الإنساني بحيث يتغلب ~~الخلق على الإرادة والتعقل؛ فتخف المسئولية وتقوى المعذورية بنسبة ~~هذا الانفعال. # وقد حسب بعض المفكرين الإجرام مرضا جنونيا، وكل جريمة ضربا من الجنون؛ ~~ولذلك خففوا المسئولية إلى الحد الأدنى، واقترحوا أن يعالج المجرمون من هذا ~~الداء، داء الإجرام، بدل أن يعاقبوا. وهم يبنون هذه النظرية على نظرية أن أفعال ~~هؤلاء المجرمين ليست صادرة عن مطلق إرادتهم، بل هي نتيجة تغلب الظروف المحيطة ~~بهم على إرادتهم وتعقلهم؛ ولذلك يعذرون. فإذا صحت هذه النظرية سقطت نظرية حرية ~~الإنسان برمتها، وإذا كانت نظرية الحرية صحيحة، فنظرية هؤلاء في المعذورية ~~المطلقة ساقطة لا محالة. ~~(3-12) قيمة اليمين في الشهادة # إذا لم يخف المجرم عقاب الآخرة، ولا عقاب المجتمع، ولا عقاب الضمير، واستطاع ~~أن يفلت من القضاء، فلا يبقى مهددا له إلا الشاهد. وهو آخر وسيلة من وسائل درء ~~الجرائم، ولكن الشاهد نفسه إنسان كالمجرم يحتمل أن يكون شريرا لا صالحا كما ~~تفترضه الشريعة، لا سيما لأن ضوابط صلاحيته التي عينتها الشريعة لا تكفي ضمانة ~~لكونه شاهدا عادلا، وأعظم ضابط للشهادة هو اليمين. فما هي قيمة ~~اليمين؟ # إما أن يكون الشاهد صالح الضمير أو شريره؛ فإن كان صالح الضمير ms162 فالشهادة ~~صادقة من غير يمين، وإن كان شرير النفس فاليمين لا تضمن صدق شهادته؛ لأن الشرير ~~يحلف زورا، وإذا كانت يمين الشاهد لا قيمة لها، فبالأحرى يمين المجرم نفسه لا ~~قيمة لها؛ لأن من يجرم وينكر جريمته لا يتردد في أن يحلف زورا. # لليمين قيمة حيث تخيم الخرافات والأوهام، وحيث يعتقد الناس أن المقسم اليمين ~~زورا يعاقب عاجلا في حياته، ولكن حيث لا وجود للخرافات والأوهام والسخافات، ~~أو حيث هي ضعيفة جدا، فلا تأثير لليمين بتاتا لا باسم الله ولا باسم الشرف، ~~فالضمانة الوحيدة لصحة الشهادة في المجتمع الراقي العاري من الخرافات هي ارتقاء ~~أدبية ذلك المجتمع، وارتقاء أخلاق أهله. ~~(4) الثواب ~~(4-1) الثواب نتيجة طبيعية للشريعة الأمرية # اقتصر بحثنا في هذا الفصل على العقاب كأن الثواب لا شأن له فيه؛ وسبب ذلك ~~أن الشريعة على الغالب شريعة النهي عن المحرمات - شريعة ردع الشهوات - فوصايا ~~موسى العشر «ما عدا اثنتين» مصوغة بصيغة النهي: لا يكن لك إله غيري، لا تصنع ~~تمثالا منحوتا، لا تقتل، لا تزن، لا تسرق إلخ، فالامتناع عن هذه المنهيات لا ~~يستحق ثوابا، تكفي النجاة من عقاب مخالفتها ثوابا. # أما الشريعة الأمرية، أي شريعة فعل الخير، فهي شريعة الإرادة الحسنة، شريعة ~~الروح الصالحة، شريعة القلب الطيب، فهي لا تقتصر على ردع الشهوات فقط، بل تقتضي ~~بالتبرع بالعمل الصالح أيضا، وكما أن لاندفاع الشهوات في الطلاح عقابا، كذلك ~~لاندفاع النفس الصالحة في عمل الصلاح ثواب. # فالعقاب لمخالفة الشريعة السلبية، والثواب لطاعة الشريعة الإيجابية. # على أن الحقيقة في الثواب لا تقف عند هذه النظرية فقط، بل تتضح في نظرية ~~أخرى، وهي أن الثواب حاصل كنتيجة طبيعية لطاعة الشريعة أو عمل الخير؛ فإن الذي ~~يطيع الشريعة ويسير حسب الفضيلة يكون مجاهدا في ميدان الحياة بالاتفاق مع ~~إخوانه ونظام المجتمع، فيجد في التعاون ثوابا لصلاحه، وفي النصيب الذي يناله ~~من رقي المجتمع العام أجرا لحسناته. ~~(4-2) الثواب المعجل # وهنا قد تقول: إذا كان الثواب الطبيعي قد يأتي مؤجلا كالعقاب الطبيعي، ~~فلماذا تتعمد ms163 سلطة المجتمع تعجيل العقاب ولا تتعمد تعجيل الثواب؟ لماذا لا يكون ~~قانون للمثوبات كما يوجد قانون للعقوبات؟ # والجواب: أولا أن ثواب العمل الصالح من تلقاء نفسه معجلا على الغالب، وقلما ~~يأتي مؤجلا؛ لأن المرء وهو يسعى ويعمل ويكد مصاقبا لنظام المجتمع، وموافقا ~~لمساعي إخوانه يكون ساعيا إلى النجاح بالطريق الأقرب؛ فيبلغ إليه عاجلا، وهو ~~الثواب المعد له. ويمكن أن يستحق المرء الصالح ثوابا لمبرات نافلة غير محتمة ~~الوجوب عليه، فإذا لم ينل هذا الثواب إلا آجلا؛ فلأن الثواب نفسه نافلة ~~كالمبرة؛ ولذلك لا يجعل له شريعة، كما أن لا شريعة للمبرة النافلة. # وهناك اعتبار آخر أهم شأنا - وهو لا يخفى عليك - أن الشريعة النظامية ~~الحتمية؛ أي شريعة الحكومة أو الدين، حتى الشريعة الأدبية الاختيارية، إنما هي ~~مضيقة للحرية الشخصية، وكل ما يضيق الحرية يقلل المسئولية؛ وبالتالي يضعف ~~قوة الأدبية. # فالفعل المحتوم بموجب الشريعة يخرج من دائرة الأدبيات؛ فلذلك اقتصرت الشرائع ~~على النهي عن الأفعال الشريرة التي تعرض المجتمع للخطر، وأنذرت فاعليها ~~بالعقوبات العاجلة حرصا على سلامة المجتمع؛ لأنه لو أمهل الأشرار إلى أن يقع ~~العقاب الطبيعي الآجل عليهم، فقد يتقوض نظام المجتمع قبل أن يقع شرهم الخاص على ~~رءوسهم وحدهم؛ فلذلك اقتضي تعجيل إيقاع العقاب عليهم. # وأما الأفعال الصالحة التي تئول إلى رقي المجتمع، فقد ترك الأمر فيها لحرية ~~الناس لكي يأتوها بدافع القوة الأدبية بمطلق اختيارهم، فلم تقيد بثواب، ولا ~~تقيد التقاعد عنها بعقاب. # وبالإجمال يقال: إنه لا ثواب معين للقيام بالواجب حسب مقتضى النظام والشريعة. ~~حسبه النجاح ثوابا له. ولكن لعصيان الشريعة ومخالفة النظام بعكس الواجب عقابا ~~معينا. هكذا اقتضى الرقي الاجتماعي العام الذي تتوزع نعمه على الجمهور. # الباب الرابع # | الرقي الأدبي # الفصل الأول # | سنن التطور الأدبية # (1) مقتضى التطور ~~(1-1) للإنسان غاية قصوى يرمي إليها # رأينا في غضون مباحثنا الماضية أن الإنسان لا يسلك في عالمه اعتباطا إلى ~~مصير مطلق غير مقيد ولا محدود، ولا هو ملقى في عالمه كريشة في مهب الرياح تحت ~~تصرف العوامل الخارجية المطلق. ms164 لا، بل هو يسلك ونصب عينيه دائما غاية يسعى ~~إليها، هو يعقلها ويعينها. وبهذا يمتاز على سائر المخلوقات المسيرة غير ~~المخيرة، وعلى الحيوان الذي وإن كانت فيه نبضات حيوية تتجه إلى غاية محدودة، ~~بيد أنه قلما يعقلها، وقلما يعينها. # وقد علمنا أن الغايات سلاسل متصلة يفضي بعضها إلى بعض كأن هناك غاية قصوى ~~يبتغيها الإنسان، أو يتجه إليها بسلوكه، فهل هناك حقيقة غاية قصوى؟ وما ~~هي؟ # أما إن هناك غاية قصوى فيثبته تسلسل الغايات، وتوسل الإنسان بالواحدة إلى ~~الأخرى، ولا بد للسلسلة من نهاية؛ فإذا كان السرور غايته القصوى يقف عند الغاية ~~التي تجلب له أعظم سرور، ويكتفي بها كما يكتفي الحيوان الأعجم بالشبع. على أن ~~تحمل الإنسان ألم المشقات في سبيله إلى غاياته يدلك على أن الشعور بالسرور ليس ~~غايته القصوى، وإلا لسعى إلى سروره من أقل السبل إيلاما. إذن لا بد أن يكون ~~للإنسان غاية قصوى أخرى غير السرور يتجه إليها، فما هي؟ ~~(1-2) الجودة غاية الإنسان القصوى # وقد أشرنا إليها فيما سبق إشارات جلية؛ إذ اتضح من سياق البحث أن النوع ~~الإنساني سائر في خطة تميزه على سائر المخلوقات، وهي أن يسبك شخصيته أو ذاتيته ~~الروحية في قالب الجودة، أو بالأحرى في قالب الجمال النفساني، فاختيار الإنسان ~~دائما الأجود والأحسن إنما هو لنزعة فيه إلى الجودة والحسن، أو بعبارة شعرية ~~«إلى الجمال». # وبتمتعه بالجمال يصوغ شخصيته على مثال جميل، فغايته القصوى هي المثل الأعلى ~~من هذه الصياغة الجميلة. إذن سلوك الإنسان - ونعني النوع الإنساني - متجه ~~دائما إلى تحسين الشخصية على هذا النحو، وغايته القصوى الاقتراب ما أمكن إلى ~~الكمال المطلق - الذي هو مرادف للمثل الأعلى - وما الأدبية إلا توجيه السلوك ~~الإنساني في الطريق السديد المؤدي إلى هذه الغاية القصوى. ~~(1-3) الغاية القصوى تستلزم التطور # فالمستفاد مما تقدم إذن، أن الحياة الأدبية حركة نمو أو عملية رقي؛ ولذلك لا ~~بد أن تكون لها سنن تطور، فيحسن بنا إذن أن نبحث فيها من قبيل نظرية التطور. ~~وهو معلوم أن ms165 فكرة التطور لم تنضج في العقل البشري إلى أن صارت علما قائما ~~بذاته إلا في القرن الماضي؛ إذ اكتشف العلماء والفلاسفة أن سنة التطور عامة في ~~جميع الخلائق الكونية من أجرام سماوية وجمادات وأحياء وحيوانات وإنسان، وإنما ~~تختلف أشكالها باختلاف المخلوقات التي تتمشى عليها. ولعل الفيلسوف سبنسر أول من ~~عمم سنن التطور على جميع الخلائق وأشكالها، وطبقها على أدب النفس ~~أيضا. ~~(2) سنة المصاقبة ~~(2-1) رأي سبنسر # وفحوى نظريته هكذا: لكل نوع من أنواع الحياة حركات ندعوها سلوكا في كل حركة ~~من حركاتها ما يقال عنه: إنه جيد أو رديء، وفي رأيه أن عملية الحياة قائمة حتى ~~في أشكالها السفلى باستمرار مصاقبة متناسباتها الداخلية إلى متناسباتها ~~الخارجية؛ أي بمواظبة الجسم الحي على المجاهدة في توفيق ذاته مع أحوال بيئته ~~الخارجية. فكل سلوك من قبل الحياة - أو الجسم الحي - متجه إما إلى إتمام هذه ~~المصاقبة، أو إلى عرقلتها ومنعها. # فما دام السلوك متجها في جهة المصاقبة يعد حسنا، وما دام مناقضا لها ~~يعد سيئا. والسلوك الحسن على هذا النحو يحدث سرورا؛ لأنه يجعل الحي ~~«السالك» على وئام مع بيئته، وبالعكس السلوك السيئ يحدث ألما لانعكاس السبب. ~~وكل سلوك تقريبا يكون بعضه حسنا وبعضه سيئا. # والسلوك التام الجودة هو الذي يحدث سرورا فقط بلا ألم، وإنما يقال عن ~~السلوك: إنه حسن نسبيا إذا كان سروره يربو على ألمه؛ أي حاصل اتجاهه يؤدي إلى ~~أفضل ما يمكن من المصاقبة للبيئة. والغاية الأدبية العليا هي مساعدة الحي في ~~عملية التطور هذه التي تقوم بأتم ما يمكن من مصاقبة التناسبات الداخلية التي في ~~الحي للتناسبات الخارجية في بيئته. ~~(2-2) مصاقبة الذات والبيئة للمثل الأعلى # وقد لاحظ مكنزي على سبنسر ملاحظة وجيهة في تعليل الغاية الأدبية على هذا ~~النحو، وإليك فحوى ملاحظته: «إنه لواضح أن معنى الرقي استمرار عملية المصاقبة ~~بين الحي وبيئته، وتطبيق الحياة على مقتضيات البيئة، فرقي المعرفة إنما هو ~~استمرار تطبيق تصوراتنا على حقائق الطبيعة أكثر فأكثر فأكثر، كذلك تقدم الفنون ~~إنما هو تعلمنا ms166 تدريجيا أن نطبق أشكال حياتنا على الضرورات التي تفرضها علينا ~~أحوال عالمنا الخارجي. وهكذا في الأدبيات نزعم أن لنا عادات أجمل، وقوانين أفضل ~~مما كان لأسلافنا، بقدر ما لنا من واسع التصورات فيما هو مطلوب منا، وبقدر ما ~~نحن حسنو الضمير في تلبية هذا المطلوب. ومعنى ذلك أننا نطبق أشكال حياتنا على ~~مقتضيات هذه الحال. # ولكن ماذا يتضمنه هذا التطبيق غير ذلك؟ أليس أنه يتضمن عدا ذلك أن لنا غايات ~~خاصة نضعها نصب أعيننا لكي نسعى إليها؟ ... إن الإنسان يدرك حاجته إلى مصاقبة ~~بيئته لأن له أغراضا محدودة: فالعالم يرى أن أفكاره أو تصوراته غير مطابقة ~~تمام المطابقة لحقائق الطبيعة؛ ولذلك يسعى إلى زيادة المعرفة لكي يتسنى له أن ~~يطبقها أتم تطبيق، فالإنسان العلمي يعلم حاجته إلى هذا التطبيق أو المصاقبة ~~بينه وبين بيئته؛ لأنه يعلم أن له غاية يريد الحصول عليها، وبعبارة أخرى: لأنه ~~يأتي إلى الوجود ومعه مثل أعلى ليس له في الوجود شكل مطابق له، بل هو يجاهد في ~~ابتداعه. # فإذا كان الأمر كذلك انعكست الآية، فلا يقال: إن النقص الذي في الأحياء - ~~والذي يزيله رقي حياتهم التدريجي - أنهم غير مصاقبين لبيئتهم، بل أن بيئتهم غير ~~مصاقبة لهم؛ لأن القاعدة التي عرف بها هذا النقص موجودة فيهم لا في البيئة، ~~فإذا كان الإنسان يبتغي أحيانا أن يغير مجرى الطبيعة، فلأنه يريد أن يكيف ~~البيئة لكي تصاقبه. # أو بالأحرى لأنه يريد أن يكيف البيئة ونفسه معا لكي تصاقبا المثل الأعلى ~~الذي يجب أن تتمثل به حياته، حتى إن الحيوانات العجماء في كثير من الأحوال تجعل ~~البيئة مصاقبة لها كما تجعل نفسها مصاقبة للبيئة. ففي كل حال نرى هناك مثلا ~~أعلى للمصاقبة؛ أي إن هناك غاية يرمي الحي إليها مدركا لها أو غير مدرك. وإذا ~~كان الأمر كذلك؛ فمما لا ريب فيه أن الغاية هي التي تعين نوع عملية المصاقبة ~~التي تنال بها الغاية نفسها.» # ووجه الخلاف بين مكنزي وسبنسر: هو أن سبنسر يجعل سبب عملية المصاقبة في عوامل ms167 ~~البيئة الخارجية، ومكنزي يجعله في الغاية التي يرمي إليها الحي بواسطة هذه ~~المصاقبة، على أن مكنزي لم يبسط وجاهة ملاحظته مع أنها من الأهمية بمكان عظيم، ~~بل وقف عند تفنيد نظرية سبنسر كما رأيت. أما وجاهة هذه الملاحظة فهي في ~~«يقيننا» في وضع الغاية القصوى في المكان الأول من الأهمية، وفي جعلها القوة ~~الرئيسية المنبثة في عملية التصاقب. ~~(2-3) العقل يخضع الطبيعة لخدمة المثل الأعلى # ولو كانت الحركة الحيوية مقتصرة على المصاقبة المتبادلة بين الحي والبيئة ~~لكان التطور بطيئا جدا قلما يختلف عن تطورات الجمادات كالتطورات الجيولوجية ~~مثلا، ولو كان التطور مقتصرا على مجرد نتيجة التفاعل الطبيعي بين قوتي الحي ~~والبيئة لقل التنويع فيه، ولرسا الحي على حالة واحدة في بيئة واحدة دهورا ~~طوالا، ولما نشأ من الحياة العالم العقلي، ومن العالم العقلي العالمان ~~الاجتماعي والأدبي؛ لأنه إن كانت الحياة نتيجة تفاعل كيماوي أو شبه كيماوي بين ~~عناصر المادة، فالعقل ليس كذلك؛ بل هو في دوره الأول نتيجة تفاعل بين عمليات ~~الجهاز العصبي وقوى الطبيعة الخارجية من تخيل وذاكرة إلخ، وفي دوره الآخر نتيجة ~~تفاعل القوى العقلية نفسها، من تجريد واستدلال واستنتاج إلخ، مستقلة عن ~~المادة. # فلذلك منذ تم نشوء الحياة وتميزها عن الجماد صار في جوهر الحي نزعة إلى ~~التغلب على الطبيعة والتحكم فيها؛ ليخضع قواها ويستخدمها لرغائبه. ففيما هو ~~يصاقب البيئة الطبيعية لكي يستطيع أن يعيش فيها، كان يحاول أن يجعلها من نواح ~~أخرى مصاقبة له، وكان كلما ارتفع درجة في سلم رقيه ازدادت وسائله لإخضاع ~~الطبيعة له، وجعلها مصاقبة له. ~~(2-4) إبداع الحي العالم العقلي # فإذن منذ شرع الحي يصعد في سلم رقيه نشأت فيه غاية تسيير هذه المصاقبة ~~التي بينه وبين الطبيعة، وهي أن يتفوق على الطبيعة ليس بكيفية قوته المتغلبة ~~فقط، بل بشكل مادتها وأسلوب تركبها، وليس بذلك فقط، بل بإنشاء عالم روحاني لم ~~يكن موجودا في الطبيعة، أو لم يكن فيها منه إلا جوهره، وأما شكله وبنيته فهما ~~من مبتدعات القوة الحيوية ومخترعاتها. # فالعالم ms168 العقلي البحت من تخيل وتجريد وتعليل إلخ ليس موجودا في الطبيعة ~~الجامدة، وإنما هو من مبتدعات الطبقة العليا من طبقات الحياة، من مبتدعات ~~الجهاز العصبي الإنساني. وليس ذلك العالم نتيجة تفاعلات هذا الجهاز مع قوى ~~البيئة الطبيعية فقط، بل هو بالأكثر نتيجة تفاعلات الأجهزة العصبية والدماغية ~~المتعددة بعضها ببعض أولا، ثم تفاعلات القوى العقلية الصادرة منها بعضها ببعض ~~ثانيا. # خذ مثلا لغة التفاهم بين الناس والحيوانات العليا، فإنما هي ابتكار الحياة ~~الدماغية، وقد تغلب بها الحي على المسافات بحيث يتصل عقل بعقل عن بعد. # ثم خذ المتون التي تمطيها اللغة كالكتابة والقراءة والطباعة، فقد تغلب بها ~~الإنسان على الزمان، وصار في وسع عقول الخلف أن تتصل بعقول السلف، ثم أضف إلى ~~ذلك ما جد من أدوات النقل والنسخ؛ كالتراسل على أجنحة الأثير، وكحفظ الأصوات ~~على الأقراص الفوتوغرافية، وحفظ الرسوم والصور في الألواح والأوراق، تجد أن ~~العقل البشري الذي هو عالم فوق المادة قد ابتدع عوالم جديدة ليس في العالم ~~الجمادي إلا مادتها فقط، وأما صورها والقوة المنبعثة فيها فإنما هي من ابتكاره. # وإذا عطفت على هذا الفن الجميل وجدت هناك عالما آخر أعجب وأعلى قد ابتدعه ~~العقل البشري ابتداعا، وليس منه في الطبيعة سوى مادته فقط؛ فالموسيقى والمجاز ~~الشعري والتمثيل والرسم التخيلي وجميع أنواع الزخرفة إنما هي عوالم محدثة لم ~~يكن لها أثر في الطبيعة قبل أن ينضج العالم العقلي. # وأغرب من ذلك وأعجب عالم الرياضيات المجردة؛ فقد أصبح هذا النوع من العلوم ~~عالما عظيما واسعا كاتساع الفضاء، وكلما اتسع ظهر أنه غير محدود. فهذا عالم ~~لا أصل له في الطبيعة على الإطلاق، وإنما هو من مستنبطات العقل البشري، ولا ~~وجود له إلا في مخيلاته المجردة. ~~(2-5) نزعة الإنسان إلى المثل الأعلى أعلت مكانته في الطبيعة # فلو كان التطور مجرد تصاقب الحي مع البيئة فقط لبقي الحي المتصاقب مع بيئته ~~إلى الأبد كما هو، ولا يتغير إلا حين تتغير البيئة، ولا يتغير إلا بحسبها، ولكن ~~للحي غاية يرمي إليها في ms169 تصاقبه مع البيئة الخارجية - غير لذة الوئام مع البيئة ~~كما يقول سبنسر - وهي التفوق على الطبيعة في تكييف القوة، ورشاقة حركاتها ~~وتنوعها، وفي تكييف الشكل وتركيب أجزائه. # وهو ما يحسبه الحي أفضل أو أجود أو أحسن أو أجمل مما وجده في الطبيعة. وهذه ~~الغاية نتيجة نزعة فيه لا ننكر أنه ورثها من جوهر الطبيعة المادية التي ولدته ~~أو اشتق منها، وإنما استقوت فيه، وبهذه النزعة انفرد عن مادة الطبيعة المادية، ~~وبها يدرب تصاقبه مع البيئة، فتارة يصاقب البيئة، وأخرى يؤثر فيها فيجعلها ~~تصاقبه. # ولولا هذه النزعة لما كان إلا خاضعا للبيئة، ولا تأثير له فيها. وبتدريبه ~~عملية التصاقب هذه على هذا النحو تطور صاعدا في سلم الرقي إلى أن بلغ ما ~~بلغ إليه منه الآن، حتى كاد يسيطر على البيئة سيطرة تامة، وقلما تسيطر هي ~~عليه. # فهذه الغاية، غاية التفوق على الطبيعة في الجمال الشكلي والقوة المتلاعبة ~~إنما هي المثل الأعلى الذي تتجه إليه تلك النزعة التي اقتنصها الحي من الطبيعة ~~الجمادية منذ تميز عنها. ~~(2-6) ابتداع العالم العقلي عوالم أخرى # رأيت فيما تقدم أن العالم العقلي إنما هو درجة تطورية عليا ابتدعها الجهاز ~~العصبي في الحي، ثم أن العالم الاجتماعي الذي تشيد على أساس التفاهم هو درجة ~~تطورية أخرى أعلى ابتداعها العالم العقلي، ثم انضم إليها فتعاونا في ترقية ~~العقلية والاجتماعية معا، ثم إن العالمين الرياضي والفني هما درجة تطورية ~~ثالثة أعلى أيضا ابتدعها العالمان العقلي والاجتماعي معا، فماذا بعد هذه ~~العوالم؟ # بعدها نجد العالم الأدبي الذي هو في درجة من الرقي أعلى من العوالم الثلاثة ~~الآنفة الذكر، وقد ابتدعته هي ابتغاء للكمال في الجمال، أو سعيا إلى المثل ~~الأعلى في الجمال. فصوغ الشخصية الإنسانية بقالب الفضيلة وسجية إحقاق الحق إنما ~~هو درجة أعلى من درجة صياغته العقلية بقالب الروح الموسيقية أو الشعرية إلخ؛ ~~لأن هذه الصياغة لا تزال متصلة بالمادة أو قريبة منها. وأما الصياغة الأدبية ~~فقد بعدت عن المادة، فالجمال الأدبي إذن أعلى وأرقى من الجمال الفني؛ ms170 إذن إلى ~~الآن الغاية الأدبية هي مثل الإنسان الأعلى في الجمال. # ثم ماذا بعدها؟ الله أعلم. ~~(3) سنة الانتخاب الأدبي ~~(3-1) الانتخاب الطبيعي # إذا كان العالم الأدبي نتيجة تطور العوالم التي سبقته؛ فلا ريب أنه هو ~~متمش على سنن التطور التي تمشت عليها تلك العوالم قبله، وإنما سنن التطور هذه ~~تختلف في كل عالم عنها في الآخر بعض الاختلاف؛ ولذلك لا بد من تنقيح معناها في ~~كل عالم. وهنا لا يهمنا إلا تنقيحه في العالم الأدبي. فلنر ما هي سنة التطور ~~الأدبي؛ أي السنة التطورية التي يتمشى عليها العالم الأدبي . # أول من صاغ هذه السنة دارون أبو علم التطور وفلسفته، ومحصلها أن تطور ~~الأنواع الحيوانية أو تدرجها في مدارج الرقي يحدث بواسطة تنازع البقاء الذي ~~ينجلي عن بقاء الأنسب أو الأكثر مصاقبة للبيئة. وهذه العملية الحيوية تجمل ~~بعبارة الانتخاب الطبيعي بفعل الوراثة؛ أي إن الطبيعة بواسطة ذلك التنازع تنتخب ~~الأفضل أو الأكثر مصاقبة لها. # والانتخاب الطبيعي أصبح تعبيرا عن عملية التطور التي تتنازع فيها الأنواع ~~المختلفة بما لها من بيئة وأعضاء خاصة، تتنازع السيادة إلى أن يتفوق نوع فيها ~~ويطغى، ويبقى مستمرا في الحياة إلى أن يكثر ويتدفق إلى بيئات أخر؛ حيث يضطر ~~إلى مصاقبة تلك البيئة الجديدة، فيتنوع إلى أنواع أخرى بحكم البيئة. وهذه ~~الأنواع الجديدة تستأنف تنازع السيادة، وهكذا دواليك. # فلنر كيف تطبق هذه السنة التطورية على العالم الأدبي، أو كيف تمشي الأدبيات ~~على هذه السنة. ~~(3-2) التنازع العقلي # يحدث التنازع في المملكة الحيوانية في الدرجة الأولى بين الأفراد أو جماعات ~~الأفراد، فبعضها يهلك وبعضها يبقى، ولكن في المملكة الإنسانية قل هذا التنازع ~~الحيوي، أو انتفى بين الأفراد أو الجماعات؛ بسبب نشوء الأنظمة الاجتماعية التي ~~أوجدت الأفراد في جماعات، إلى أن صار التنازع الفردي تمزيقا لوحدة الجماعة، ~~وبالتالي فناء للفرد؛ فانتقل التنازع من بين الأفراد والجماعات المتحدة إلى ما ~~بين الأمم المنفصلة. ولأن تعامل الأمم آيل حتما إلى ترابطها واتحادها؛ فهذا ~~التنازع يقل تدريجيا فيما بينهما. فالتنازع الحيوي الذي ms171 رأيناه بين ~~الحيوانات أخذ يتلاشى في المملكة الإنسانية. # وإنما في المملكة الإنسانية تنازع آخر يختلف في شكله عن ذلك، هو تنازع عقلي ~~لا تنازع حيوي؛ فليس هو ضد الأفراد الضعفاء أو غير المصاقبين للبيئة، بل هو ضد ~~الآراء والعادات والأنظمة التي لا توافق المجتمع. فلا يؤذن لأي رأي أو عادة أو ~~نظام أن يتفوق ويبقى إلا إذا كان ملائما لسعادة المجتمع، فإذن هو تنازع بين ~~الأفكار والأنظمة أو بين المثل العليا، لا بين الأشخاص ولا بين جماعات ~~الأشخاص. # نعود إلى سبب هذا التنازع الحيوي في المملكة الحيوانية، وهو أن بعض الأفراد ~~تولد - بسبب عوامل بيئية - ممتازة بمزايا طبيعية خاصة تجعلها أصلح للبقاء من ~~غيرها. وتلك تنازع هذه الرزق أو الحياة. فهذه تهلك، وتلك تبقى وتورث مزاياها ~~لخلائفها، وأما تلك التي هلكت في حلبة النزاع فتنقرض سلالتها. ~~(3-3) التنازع الأدبي # أما في التنازع الأدبي فليس الأمر كذلك. هو تنازع عقلي اجتماعي، هو تنازع بين ~~العقول؛ فإذا امتاز عقل «أو عقول» ببعض المواهب، فمن جراء تفاعله بالعقل ~~الاجتماعي العام، وتأمله في حالة المجتمع، قد يكتشف نمطا للسلوك أصلح لحياة ~~المجتمع، كأن يرى مثلا أن الرق والنخاسة غير صالحين لحياة المجتمع، فيبتغي ~~الحرية الشخصية، أو يرى - كما رأى قاسم بك أمين - أن تحجب المرأة لا يصلح ~~للحياة الشرقية الجديدة، فيبتغي السفور. # وقد يصادف مقاومة عنيفة، وقد لا يجد إلا مظاهرين قليلين له، وربما اضطهده ~~الرأي العام، ولكن إذا كان رأيه أصوب فلا بد أن ينتشر رويدا؛ إذ يصادف قبولا ~~في عقول الأفراد، ومع الزمان يصبح رأيه هذا رأي المجتمع؛ فتفوق فكرة إطلاق ~~الحرية الفردية على الرق وتبقى، وينتفي الرق - وهكذا كان - وتتفوق فكرة ~~السفور ويتلاشى الحجاب - وهكذا سيكون. فترى فيما تقدم أن هذا التنازع لم يصب ~~الأفراد بسوء، وإنما هو قضى على أنظمة قديمة فلاشاها، وأحيا أنظمة جديدة. على ~~هذا النحو يكون الانتخاب الأدبي أو الانتخاب الاجتماعي. ~~(3-4) الجودة والنجاح # على أنه لا بد من إلفات نظر القارئ إلى ملاحظة جوهرية في هذا ms172 التنازع، وهي: ~~أن أي نمط من السلوك، أو أي نظام أو عادة لا يعد جيدا لأنه نجح، بل هو جيد ~~لأنه فضل على سواه، وما نجاحه إلا دليل على جودته، ولكن النجاح لا يكون ~~دائما دليلا على الجودة؛ فقد يكون الأمر جيدا، ولكنه لا ينجح، وقد ينجح ~~ولكنه لا يكون جيدا. # فسر نجاح الأسلوب ليس في جودته، بل في أفضليته لحالة المجتمع كما هي؛ لأن فيه ~~خصائص مصاقبة لأحوال المجتمع، بحيث إن المجتمع يصاغ به من غير أن يحدث احتكاك ~~بين الأفراد؛ أي إن الأحوال الاجتماعية التي يدخل إليها هذا الأسلوب الجديد لا ~~تضطرب. والمجتمع نفسه يستطيع أن يحيا من غير أن يعرقل قسم منه حياة الأقسام ~~الأخرى، بل تبقى جميع أقسامه متوازنة فيه. # بهذا المعنى يعد الأسلوب جيدا، فحين كان الأرقاء راضين برقهم كان نظام ~~الرق حسنا، ولما شرع بإلغاء هذا النظام شعر الأرقاء بمثل ظلم في إلغائه؛ لأنهم ~~وجدوا أنفسهم مضطرين أن يسعوا إلى رزقهم بأنفسهم، بمطلق اختيارهم، وبإرشاد ~~عقولهم، بعد أن كانوا يعيشون متكلين على تدبير غيرهم جزاء لعملهم. # كذلك نرى جانبا كبيرا من المتحجبات متمسكات بالحجاب الآن؛ لأنهن تعودنه ~~ويستحين بالسفور، أو لأن رجالهن لا يردنه وهن يأبين الخروج من تحت طاعة ~~رجالهن؛ ولهذا يحدث اضطراب في المجتمع الشرقي بسبب تنازع الحجاب والسفور. فمتى ~~زال هذا الاضطراب وعاد التوازن إلى المجتمع؛ يصبح السفور صالحا للمجتمع، فنقول ~~عنه حينئذ: إنه جيد، ونجاحه دليل على جودته. ~~(3-5) معركة التنازع # قد تقول: إذا كان أي أسلوب جديد في الحياة لا يعد جيدا قبل أن يستتب، وإذا ~~كان يحدث اضطرابا في المجتمع، فلا نقدر أن نقول: إنه جيد؛ لأنه قد لا يستتب. ~~فما الذي يجعلنا أن نتوخاه وأمامنا خطر الاضطراب الاجتماعي، أو فقد توازن ~~الاجتماع؟ وعندنا أن دليل جودة أساليب الحياة هو توازن المجتمع. فهذا التوازن ~~هو جيد بحد نفسه. فما الذي يحملنا على تعريضه للخطر ونحن غير واثقين من رجوعه ~~إلى السلامة؟ ما الذي يقنعنا أن الأسلوب الجديد الذي ms173 نتوخى إدخاله إلى أنظمة ~~المجتمع جيد؟ # نقول: إن الانتخاب الأدبي الذي أشرنا إليه يعمل عمله من غير أن نريد، فهو ~~سنة. وهذه السنة تقضي بالتنازع كما علمت، والتنازع يحدث اضطرابا، ومتى انتهى ~~ببقاء الأفضل عاد التوازن إلى حاله. فإذا كنا نعمد إلى مقاومة سنة التنازع ~~الأدبي بالحرص على التوازن الاجتماعي كنا نعارض مجرى التطور أو الرقي الأدبي، ~~ونصده في سبيله. فما دام هذا التطور جاريا في مجرى الرقي، فلا بد من اختلال ~~التوازن كلما نزل نظام جديد، أو أسلوب أدبي جديد إلى ميدان النزاع، ولا بد من ~~رجوع التوازن إلى نصابه متى انتهت المعركة. # وهكذا يكون الرقي الأدبي والاجتماعي درجات تنازعية أو سلسلة معارك. ولا بد من ~~التدرج في ميادين النزاع على هذا النحو ما دام أمام الإنسانية «مثل أعلى» تسعى ~~إليه، فكلما أبدلت نظاما جديدا بنظام عتيق ولو بمعركة خطت خطوة إلى ~~المثل الأعلى، ولا بد أن تبتدع أنظمة جديدة ما دامت بما لها من النزعة إلى ~~الرقي تبتدع عقولا متميزة بالمواهب. وهذه المواهب العقلية قوى تحدث حركة، ~~وحركتها في تقليب الأنظمة. ~~(3-6) هل الرقي سعادة؟ # هنا يلوح في البال مبدأ السعادة الذي هو من أهم العناصر الأدبية، وهو محور من ~~محاور الحياة الأدبية، فقد نسأل أنفسنا: هل في هذا الرقي القائم على سنة ~~التنازع وبقاء الأفضل سعادة؟ وما هي السعادة المتضمنة في عملية الانتخاب الأدبي ~~على نحو ما رأيناها؟ # لقد فسرنا السعادة فيما سبق بأنها إرضاء للرغبة، أو بالأحرى إرضاء لعدد أوفر ~~من الرغائب النفسية، وعلمنا أن السعادة ليست الغاية الأدبية القصوى، وإنما هي ~~مصاقبة لها، أو أنها تأتي معها وبها، وأن الغاية القصوى هي صوغ الشخصية بسجية ~~الرغبة في المثل الأعلى. فإذن السعادة القصوى هي في تنظيم الرغائب وتوجيهها إلى ~~المثل الأعلى، وفي إدراك هذا التنظيم. # وما عملية الانتخاب الأدبي إلا هذا التنظيم؛ تنظيم الرغائب المؤدية إلى المثل ~~الأعلى، والجالبة معها السعادة القصوى، تنظيمها بحيث تجعل أساليب الحياة ~~وأنماطها مصاقبة لأحوال المجتمع. فالسعادة مندمجة في الغاية؛ ولهذا ms174 تبدو لنا ~~أنها الغاية نفسها. فنحن نبتغي السعادة، والإنسانية المطلقة تبتغي المثل الأعلى ~~في تحسين الشخصية وتجميلها، متذرعة إلى هذه الغاية بإحداث السعادة في النفس ~~البشرية. ~~(3-7) ماذا يدفعنا أن نسلك إلى المثل الأعلى؟ # بقي أن نعلم كيف ينشأ «الواجب» الذي يؤدي بنا إلى المثل الأعلى. ما الذي يوجب ~~علينا السلوك إلى الغاية الأدبية المتضمنة المثل الأعلى؟ لماذا نريد أن نسلك ~~السلوك الأدبي الذي يلائم المجتمع ككل نحن جزء منه؟ # بابتغائنا السعادة كغاية نهائية نشعر أن الصوت الذي يدعونا إلى القيام ~~بالواجب هو صادر من ذاتيتنا، وإنما الإنسانية التي هي أعلى طبقة في الوجود، وفي ~~أعلى درجة من الرقي، هي التي تحدث هذا الصوت ولسان حالها يقول: كن شخصية ~~اجتماعية لا ذاتية حيوانية. هي التي أقامت الضمير وسلمته ميزان الدينونة، وهي ~~التي عينت السعادة جزاء للقيام بالواجب، والألم عقابا لمخالفته. فصوت الضمير ~~الديان هو صوت الإنسانية الصادر من الشخصية الاجتماعية الحقيقية؛ ولذلك متى ندم ~~الإنسان على فعل مذموم قد فرط منه يقول مخاطبا نفسه: ماذا فعلت يا هذا؟ لماذا ~~فعلت هذا الفعل؟ كأن شخصيته الإنسانية تعاتب ذاتيته البهيمية، كأنه يقول: «لم ~~أكن أنا نفسي حين فعلت هذا الفعل الشنيع.» # الفصل الثاني # | في سبيل الارتقاء الأدبي # (1) سنن التطور الارتقائي ~~(1-1) تنازع الفضيلة والرذيلة # التمدن كما نعرفه الآن وكما عرفنا تاريخه الماضي بعضه نتيجة أفعال الصالحين، ~~وبعضه نتيجة أفعال الطالحين، وبعض أنظمته حقة صالحة وجيدة، وبعضها باطلة وسيئة، ~~فالفضيلة والرذيلة تعملان فيه معا دائما متنازعتين. وهو كما هو الآن مصاقب ~~لكلتيهما، وكلما تغلبت الفضيلة على الرذيلة في معركة تطورية خطا التمدن خطوة في ~~سلم الرقي، والعكس بالعكس، وربما كان التمدن الحالي، كما نعرفه الآن، غير ~~مهيأ لكي يلاشي الرذيلة وشرورها بتاتا، ولا لكي يجعل الفضيلة وحدها ~~سيدته. # على أن ما عرفناه من تاريخه إلى الآن يدلنا على أن فوز الفضيلة على الرذيلة، ~~أو الخير على الشر أغلب، ولكن ليس هذا التغلب مطردا؛ فقد يتغلب الخير اليوم ~~والشر غدا، وقد يتحسن أحد الأنظمة ms175 ويصلح لخير المجتمع فيجد ظرفا غير ظرفه، ~~ويحدث نظاما آخر يغلب الشر على الخير، مثال ذلك عصرنا الصناعي الاختراعي ~~هذا؛ فما من أحد يجهل أو ينكر أنه أعظم العصور نعمة لبني الإنسان، فقد نشأ فيه ~~النظام الصناعي الجديد الذي طرح عن عاتق البشر تسعة أعشار الجهاد العضلي، وضاعف ~~المصنوعات أضعافا، فلا ريب أنه بركة للنوع البشري. # ولذلك كان منتظرا أن يزيد رخاء الناس، ويخفف غلواء تنازعهم للرزق، وبالتالي ~~تقل الشرور والجرائم، ولكن النتيجة جاءت بالعكس؛ لأن هذا النظام الصناعي الجديد ~~طوح بالنظام الاقتصادي في بيداء الاستقطاب المالي، فزاد المتمولين غنى، ~~والعمال فقرا، وجدد للحياة حاجيات عديدة تغري النفس بها، فالأغنياء يتمتعون ~~بها، والعمال يتوقون إليها، ولا يستطيعون التمتع لفقرهم؛ فيتذرع بعضهم إليها ~~بالوسائل غير الشريفة. # وكذلك لأن الفقراء ضعفاء، يستغل الأقوياء أتعابهم فلا يبقى لهم حول ولا قوة ~~لترقية أنفسهم في المعرفة والتهذيب والأخلاق، فيتطوحون مكرهين في الفساد، كذلك ~~الأغنياء من الجهة الأخرى، وقد تمكنوا من استثمار أتعاب العمال، لم يبقوا في ~~حاجة إلى الكدح والعمل، فيشغلون أوقاتهم وينفقون أموالهم في الفساد إلا من ندر ~~منهم. # فترى مما تقدم أن النظام الصناعي الذي يفاخر به عصرنا كل العصور الماضية ~~بمحامده قد أفسده النظام الاقتصادي الموروث الذي بني على نظام سياسي إفرادي ~~استبدادي سابق؛ أي غير ديموقراطي. # وفيما يلي نبحث في سنة الارتقاء الأدبي، وكيفية تطور الحياة الأدبية ~~وتقدمها: ~~(1-2) عناصر الحياة الأدبية # تتألف الحياة الأدبية من أربعة عناصر رئيسية: ~~(1) # مبدأ أدبي يسلم به المجتمع كمثل أعلى يمثله شكل من أشكال ~~الحياة العملية، كنموذج يقتبسه الفرد ولو من غير انتباه أو من غير ~~شعور باقتباسه. ~~(2) # أنظمة اجتماعية تتحدد بها أفعال الفرد. ~~(3) # أساليب السلوك حسبما ألفها الفرد واقتبسها بانتباه لاقتباسها أو ~~بغير انتباه، فكانت عادة. ~~(4) # الروحانية الأدبية؛ وهي تشبع النفس بالمبدأ الأدبي ~~الأعلى. # وهذا العنصر الأخير ثابت لا يقبل التغير؛ فإما أن يكون الفرد متشبعا به أو ~~غير متشبع. وأما العناصر الثلاثة الأخرى فقابلة التغير والتجدد؛ فأي عنصر منها ~~إذا تجدد أحدث ms176 تنافرا بينه وبين العنصرين الآخرين. ~~(1-3) تنافر عناصر الحياة الأدبية # لكي تتوافق العناصر الثلاثة ويعود التوافق والتوازن فيما بينها، لا بد أن ~~يحدث تطور فيها جميعا؛ لذلك ترى دائما تنافرا بين هذه العناصر لتجدد متوال ~~فيها حينا بعد آخر. # مثال ذلك: أن من المثل العليا أو المبادئ الأدبية التي يتوخاها الإنسان ~~المتمدن المساواة، ومن الأنظمة الاجتماعية ما يؤيد هذه المساواة؛ كالنظام ~~القضائي الذي يجعل جميع الأفراد متساوين أمام القانون، ومنها ما ينافي هذه ~~المساواة؛ كنظام الاقتصاد الذي يؤذن أن يتفاوت الناس في تقاسم حاصلات الأعمال، ~~بعكس النسبة بين تفاوت الناس في الجهاد في العمل. زد على ذلك أن أفعال الناس ~~مخالفة لهذا المثل الأعلى الذي ينشدونه، فيندر أن تجد من يسلك سلوكا يدل على ~~أنه يعامل الناس كمساوين له في الحقوق والواجبات. # إليك مثلا آخر أوضح: السلام رغيبة كل فرد؛ لأنه الضامن الوحيد لاستثمار ~~الفرد ثمرة عمله، والقوانين والأنظمة التي تؤيد السلام تشتمل على قوانين وأنظمة ~~حربية أيضا، كأن الحرب أمنية منشودة أيضا، وبعض أعمال الناس محصورة في ~~الاستعدادات الحربية، ولا ريب أن معظمهم ممن ينشدون السلام ويرغبون فيه. # مثال ثالث أيضا: الحرية الشخصية والقومية، كحق أساسي من حقوق الإنسان، رغيبة ~~تنشدها الأمم المتمدنة، والقوانين الدولية الخصوصية تؤيد هذا المبدأ الأدبي، ~~ولكن القوانين الدولية العمومية تناقضه، وتجيز للأمة القوية أن تستبد بالأمم ~~الضعيفة لتستعمرها. والفرد الأوروبي يؤيد حرية الإنسان كحق طبيعي في دائرة ~~بلاده، ويعمل خلاف هذا المبدأ خارج بلاده. # كذلك الاحتفاظ بكنية الأسرة كمبدأ سام حرصا على سلامتها من مزيج أجنبي لا ~~يضمن نقاوتها من المزج، والترقية في وظائف الحكومة حسب قانون الأقدمية لا يضمن ~~دائما أن يترقى الأكثر أهلية إلى المنصب الأعلى، والدبلوم لا يدل دائما دلالة ~~صادقة على الاستحقاق، كما أن الاستحقاق لا يضمن النجاح دائما. # وعملية التطور في كل أمة وشعب تقوم بالتوفيق بين هذه العناصر: المثل الأعلى ~~والنظام والعادة، كلما تجدد عنصر منها جد تنافر بينها، ومتى كان هذا التطور ~~جاريا على سنة التطور الارتقائي ms177 العامة كانت أدبية المجتمع صاعدة في سلم ~~الرقي. وهذا ما يحدونا للبحث في سنة التطور الارتقائي من الوجهة الأدبية، ~~وكيف يتمشى التطور الأدبي عليها. ~~(1-4) ما هو التطور الارتقائي؟ # لفظ التطور أو التحول من طور إلى طور، أو من شكل إلى شكل، لا يفيد معنى ~~الارتقاء. التحول يحتمل أن يكون تسفلا لا ارتقاء، فلا بد إذن من وصف التطور ~~بالارتقائي احترازا من التطور التسفلي. مع كل ذلك لا بد من تبيان ماهية ~~الارتقاء وتحديده؛ لئلا يشكل علينا التمييز بين الارتقاء والانحطاط، ونخطئ في ~~بعض الأحوال فنحسب المنحط راقيا؛ فقد نعد أجناس الطيور أرقى من الفئران مثلا، ~~وما هي كذلك في سلم التطور الحيواني. # لذلك أشغل الفيلسوف سبنسر الجانب الأعظم من كتابه المبادئ الأولى، الذي هو ~~كمقدمة لفلسفته، في تعريف التطور الارتقائي معتمدا بالأكثر في ذلك على الحقائق ~~العلمية التي اكتشفها دارون. وقد استخرج من مباحثه الضافية تعريفا للتطور جعله ~~كسنة طبق عليها التطور في العوالم المادية والحيوية والعقلية والاجتماعية ~~والأدبية. ولا تزال أولياته التطورية إلى الآن ذات مقام في الفلسفة، ومستندا ~~لكثير من الباحثين. # فالتطور الارتقائي حسبما حدده سبنسر هو تحول البسائط المنفصلة وغير المحدودة ~~الأشكال إلى مركبات متصلة أو مؤتلفة محدودة الأشكال، وفي أثناء هذا التحول ~~تتجمع المادة وتنطلق منها القوة. فالكون كله آيل من التشتت المضطرب إلى التكتل ~~المنظم الهادئ. # وما تبسط فيه سبنسر في كتابه لشرح هذا التعريف لا يمكن أن يبسط في بعض ~~هذا الفصل، وإنما لكي يفهم القارئ معنى تحول البسائط المنفصلة إلى مركبات ~~مؤتلفة نلفت نظره إلى التطور الإجمالي الذي حدث في العالم الحيوي ~~«البيولوجي»، ونرجو منه أن يقارن بين الدودة والهرة مثلا؛ فيجد أن الدودة ~~قليلة الأعضاء، فما هي إلا أنبوبة تمر فيها المواد الترابية المائعة، وجدرانها ~~الداخلية تمتص منها المادة المغذية، وهناك بعض أنابيب تحتوي على سوائل بسيطة ~~لهضم الغذاء وتحويله إلى مادة الجسم. # ومع ذلك ليست أجزاء الدودة شديدة الارتباط بعضها ببعض؛ فإذا انقطعت الدودة ~~نصفين استغنى كل نصف عن الآخر، ms178 وعاش لنفسه ونما دودة كاملة. وأما الهرة فتشتمل ~~على أجهزة مختلفة الوظائف للهضم والامتصاص والتيار الدموي والتنفس والعصب إلخ، ~~وكلها تعمل متوافقة مؤتلفة لغاية واحدة؛ وهي إحياء الجسم كله، ولكن إذا قطع ~~منها جزء فلا يستطيع أن يعيش مستقلا عن الكل، وإذا كان جوهريا للكل فبقطعه ~~يموت الكل. # والدودة والهرة ترقتا من أصل حيوي مكروبي واحد، كما أن سائر الحيوانات ترقت ~~بعضها من بعض، والإنسان من جملتها؛ فحيث تجد الجسم أكثر أجهزة، والأجهزة أكثر ~~تركبا تعلم أن الحيوان أرقى؛ ولهذا الاعتبار يعد الإنسان أرقى جميع الحيوانات؛ ~~ولا سيما لفرق ظاهر بينه وبين أشباه الإنسان في الدماغ والجهاز العصبي. # كذلك نلفت نظر القارئ إلى العقل الإنساني والعقل الحيواني؛ فيجد أن الأول ~~أكثر قوى من الثاني، وقواه أوسع مدى، ونلفت نظره أيضا إلى العالم ~~الاجتماعي؛ فيجد أن الأمة المتمدنة أكثر أنظمة من القبيلة الهمجية، بل يجد أن ~~الأمة الواحدة اليوم أرقى منها أمس، بتعدد أنظمتها وتشعبها وتفرعها، وتخصص ~~فئاتها بها. فالاقتصاديات التي كانت متاجرة بسيطة، ومقتصرة على المقايضة والنقل ~~بين المنتج والمستهلك، أصبحت تشتمل على عمولة ومتجر وصرافة وضمانة خسارة إلى ~~غير ذلك من التشعبات. وكلما تشعبت الأنظمة وتعددت مشتبكة بعضها ببعض زادت ~~المجتمع تكتلا، وزادت تكتله متانة. # هذا هو معنى التطور الارتقائي كما شرحه سبنسر ومثل عليه في جميع عوالم ~~المادة والحياة والعقل والاجتماع وأدب النفس أيضا. وسنة هذا التطور هي كما ~~بسطها دارون واستخلصها في خمس عبارات: «الانتخاب الطبيعي» كنتيجة «لتنازع ~~البقاء» «وبقاء الأصلح» «والوراثة الطبيعية» «ومصاقبة الحي للبيئة». والارتقاء ~~الأدبي الذي نحن بصدده يتمشى على هذه السنة بالمعنى الذي تقدم بيانه. ~~(1-5) العبقرية تنشئ تجديدا في العناصر # ولا يخفى عليك أن القوة الأدبية هي أهم عامل من عوامل التطور الاجتماعي؛ فلا ~~يخطو الاجتماع خطوة في تطوره الاجتماعي إلا لأن مبدأ جديدا أو نموذجا للحياة ~~جديدا نشأ في العقل الاجتماعي، فأحدث في المجتمع تطورا جديدا، فإن كان هذا ~~المبدأ صالحا لحياة المجتمع ولنموه، وكان يزيده تكتلا ومتانة، ويوثق ارتباط ~~أجزائه ms179 بعضها ببعض، تمكن فيه، واضطر النظام الموافق له أن يتعدل ويتنقح ~~بمقتضاه، واضطر الأفراد أن يتعودوا السلوك بموجبه: يضطرهم لذلك بما يغريهم به ~~من جودة فوائده لهم. وإن كان غير صالح لحياة المجتمع، ولا هو مفض إلى نموه ~~أحدث اضطرابا في المجتمع، كما يحدث التسمم المكروبي اضطرابا في الجسم، وبعد ~~حين يتقيؤه جسم المجتمع أو يتغوطه، أو يفرزه ويتطهر منه. # ينشأ المبدأ أو النموذج الجديد في الحياة من العبقرية التي ينجبها المجتمع ~~نفسه في دائرة من دوائره الحيوية، مثال ذلك: أن العبقري الصناعي غوتمرغ اخترع ~~الطباعة؛ فسهل نشر المعارف، واتفق أن الكتاب المقدس كان محجوبا عن الجمهور ~~في ذلك الحين ، ومحصورا في دائرة الإكليروس، وكان البحث في العقيدة الدينية ~~محظورا على العلمانيين، فكان عليهم أن يقبلوا قانون الإيمان كما سنته ~~الكنيسة بلا اعتراض. # وقام حينئذ العبقري المصلح لوتيروس بمبدأ الحرية الدينية، واستخدم نظام ~~النشر الجديد؛ أي الطباعة، لنشر مبدئه، ونشر التوراة والإنجيل؛ فوقع النزاع بين ~~الاستعباد والاستقلال الفكريين، وأخيرا نجح الثاني، فهنا تعاون نظام جديد ~~«الطباعة» مع مبدأ جديد «الحرية الفكرية في الدين»، وقلبا مبدأ «الرق الفكري» ~~وغيرا تعود الناس إياه. # فالعبقرية التي تظهر كل حين بعد آخر تنشئ مبادئ وأنظمة جديدة، وتنزلها إلى ~~ميدان تنازع البقاء. فهي كمحدثات الظواهر العضوية في أجسام الأحياء # 1 # التي تظهر كل حين بعد آخر كشواذ فيها، فإن توافقت مع البيئة وفاز ~~الحي الذي بدت فيه في معركة تنازع البقاء؛ تسلسلت بالوراثة من جيل إلى جيل، ~~وثبت ذلك النوع الجديد في دائرة الحياة وإلا انقرض. # هكذا العبقريون في العلوم والفنون والآداب - والمصلحون هم عبقريون في أدب ~~النفس - يستنبطون مبادئ أدبية، أو نظريات فلسفية، أو اختراعات مادية، أو أنظمة ~~اجتماعية كلها جديدة، فتنازع الموجود من نوعها البقاء؛ ولهذا تجد دائما ~~في المجتمع مبادئ جديدة تنازع مبادئ أدبية قديمة، وأنظمة جديدة تنازع أنظمة ~~قديمة، وعادات حادثة تنازع تقاليد متقادمة، وكذلك تجد تنافرا بين المبادئ ~~ونماذج الحياة، وبين الأنظمة والعادات. ومهمة عملية التطور هي أن تنفي هذا ms180 ~~وتثبت هذاك؛ لكي توفق بين العناصر الثلاثة: المبدأ والنظام والعادة. # فإذن كل تطور اجتماعي إنما هو نتيجة تطور أدبي، أو هو مرافق لتطور أدبي ~~يناسبه، أو هو مستلزم تطورا أدبيا. والعبقريون هم أدوات عملية التطور، ~~والمصلحون منهم هم أداة التطور الأدبي الخاص اللازم للتطور الاجتماعي. ~~(1-6) كيف يصلح المصلحون؟ # ولا يخفى عليك أن جانبا كبيرا من الناس يعملون وفق المبادئ والأنظمة ~~القائمة في المجتمع، وينسجون على منوال النماذج التقليدية الموجودة في بيئتهم، ~~فهؤلاء يسيرون في التيار، وقلما يفكرون فيما فيه من أمواج التناقضات المضطربة. ~~وهناك فريق آخر يفكرون أكثر مما يفعلون؛ لأن أمواج التناقضات المضطربة تحرض ~~ذكاءهم للتفكير في الأنظمة والمبادئ ونماذج الحياة المتباينة، واستخراج مبادئ ~~وأنظمة ونماذج متوافقة يستتب بها سير المجتمع في طريق قويم، ويزيد تكتله ~~متانة. # يفكرون في أدبيات قومهم وما يختلط فيها من مبادئ قويمة صالحة لتكتل المجتمع ~~واستتبابه على قاعدة الحق الكافلة سلامه وأمنه، ومن مبادئ باطلة تهدد سلامه ~~ومتانته بالاختلال والتحلل. هؤلاء هم طائفة المفكرين الأدبيين من العبقريين، هم ~~الأفراد القلائل الذين تعشقوا الفضائل والحق، والذين يبتغون أن يرفعوا أدبية ~~قومهم درجة أو درجات. يتعشقون الفضيلة والحق إلى حد أن يضحوا بأنفسهم ~~لأجلها. # هم طائفة المصلحين ككنفوشيوس وبوذه وموسى وسقراط وأرسطو والمسيح وبولس ومحمد ~~إلخ. وكل امرئ صالح النية والعمل إنما هو مصلح في بيئته إلى حد، ولكن هؤلاء ~~الذين ذكرناهم كانوا أكثر تماديا في الإصلاح، وكانت مبادئهم أوسع انتشارا ~~وأشد تأثيرا في حياة المجتمعات الأدبية. ~~(1-7) كيف يحدث الإصلاح؟ # الإصلاح هو التطور الأدبي الذي نحن بصدده، فمتى كان في المجتمع عناصر حيوية ~~متباينة أو متناقضة كان وجودها كافيا للدلالة على ضرورة إيجاد مبدأ أو نموذج ~~جديد، أو على إيجاد نظام جديد؛ لأن النظام أو المنهج الذي يتعذر تطبيق السلوك ~~عليه يشعر الجمهور، أو على الأقل المفكرين منهم، بأنه غير صالح ويجب أن يلغى، ~~مثال ذلك: نظام الرق؛ فقد وجد أنه جائر لأنه ليس عدلا ولا حقا أن يكون ~~فريقان من ذرية آدم الواحد ms181 عبدا والآخر سيدا. # ناهيك عن أنه غير صالح لمتانة المجتمع ورقيه؛ فألغي. وفي بعض الأحوال ~~تكون العادة مخالفة للمبدأ، فتتكيف لكي توافق المبدأ، كما هو حادث الآن في ~~مسألة السفور. وأحيانا يحدث في الحياة الاجتماعية اضطراب بسبب العادات ~~والمبادئ، فيتنازع الفريقان إلى أن تتغير العادات حسب المبادئ، أو المبادئ حسب ~~العادات. # مثال ذلك: الرفق بالحيوانات. إلى أي حد يجب الرفق بها؟ فقد يبالغ البعض بهذا ~~الرفق إلى حد أن يمنع تشريحها حية لفائدة العلم، أو إلى حد أن يمنع صيدها، ~~أو إلى حد أن يمنع أكلها. وقد يعارض فريق آخر بكل ذلك؛ باعتبار أن الحيوانات ~~ليست من جنس الإنسان لكي يعمها المبدأ الأدبي ، وتشترك في نعمه مع الإنسان، بل ~~هي مخلوقة لنفع الإنسان. فوظيفة المصلح أن يجد المبدأ الذي يوجب الرفق بالحيوان ~~لا رفقا بالحيوان نفسه، بل رفقا بشعور الإنسان نفسه تجاه الحيوان. # مثال آخر: معاملة الأطفال. إلى أي حد يجوز تصرف الوالدين بأولادهم، ويجب ~~منعهم من هذا التصرف؟ متى يجوز للأب أن يقسو على ابنه؟ وفي أي سن يجوز أن ~~يشتغل الغلام؟ وإلى أي حد يجب أن يتعلم إجباريا؟ # كل هذه المسائل وأمثالها تحدث اضطرابا في حياة المجتمع؛ لوجود التباين بين ~~المبادئ والأنظمة. والتطور المنشود يوفق بين النظام والمبدأ والعادة. ~~(2) تاريخ التطورات الأدبية القومية ~~(2-1) وحدة المبدأ الأدبي # قد يتعذر تفصيل التطورات الأدبية التي تقلب عليها المجتمع الإنساني منذ تكونه ~~متكتلا إلى اليوم: أولا؛ لأن المبادئ الأدبية المتطورة إنما هي بضعة سلاسل ~~ممتدة من بدء تكتل المجتمع إلى الآن جنبا إلى جنب، ومتفرعة في سياق تسلسلها، ~~وفي كثير من المواقع مشتبكة بعضها ببعض، وبعض فروعها مندمج ببعض بحيث يتعذر ~~استقراؤها واستقصاء أصولها، وثانيا: لأن المبادئ الأدبية مهما أمكن تمييز ~~بعضها عن بعض، فإنها ترجع إلى مبدأ رئيسي واحد، ربما تعذر التعبير عنه لاتساع ~~معناه وتفرعه إلى معان مختلفة، بحسب اختلاف الظواهر الاجتماعية التي يظهر ~~فيها. # لقد اتضح لك في الفصول المتقدمة أن المبدأ الأدبي الرئيسي، أو المثل الأعلى ~~في ms182 الأدبية هو النموذج الذي إذا ترسمه الفرد في سلوكه، ونسج على منواله، كانت ~~أفعاله متفقة حتما مع سائر أفعال الآخرين الآيلة إلى توثيق عرى المجتمع ونجاحه ~~وتصاعده في سلم الرقي. # وكذلك علمت أن الفرد الأدبي هو الشخص الذي يعتقد ويحس أن كيانه متوقف على ~~كونه جزءا من كل المجتمع، وأنه لذلك هو ذو شخصية أخرى اجتماعية غير ذاتيته ~~الفردية، وشخصيته هذه أعلى من ذاتيته، وأنه لكونه كذلك يتطبع بذلك المثل ~~الأعلى، ويترسم نموذجه في سلوكه لكي تتفق أفعاله مع أفعال الآخرين الآيلة لرقي ~~المجتمع. # فإذا تمثلت لك هاتان الحقيقتان، سهل عليك أن تتصور معنى المبدأ الأدبي ~~الرئيسي المنبث في الجسم الاجتماعي كانبثاث المبدأ الحيوي «البروتوبلاسم» في ~~الجسم الحيواني، والذي هو نواة كل شخصية فيه كنواة «البروتوبلاسم» في كل خلية ~~حيوانية، فإذا تمثل لك معنى المبدأ الرئيسي هكذا، فقلما يهمك اسمه أو اللفظ ~~المعبر عنه، فلك أن تسميه «الجودة» - ولكنها لفظة مبهمة ومطلقة المعنى ~~جدا؛ فقد تضللك - ولك أن تسميه «الفضيلة». # وهذه وإن كانت تطلق على مبادئ أدبية متنوعة مختلفة، فهي محدودة المعنى قد لا ~~تتناول في بعض الأحوال معنى المبدأ الأدبي الأعلى كما فهمته آنفا. وعندي أنه ~~إذا عبرنا عنه بلفظة «المحبة» يقل الالتباس، أو ينتفي تماما في التعبير عنه ~~في مختلف المواقف؛ لأن المحبة مركبة من جميع الفضائل كضياء الشمس المركب من ~~جميع أشعة الألوان، فالمحب يعدل ويصدق ويشفق ويساعد ويضحي إلخ، وإذا بحثت عن ~~القوة التي تربط الفرد بالمجتمع وجدتها المحبة بعينها؛ فلذلك إذا بحثنا عن ~~المثل الأعلى في الأدبية، أو المبدأ الأدبي الرئيسي الذي يصوغ نموذج الحياة ~~الاجتماعية وجدناه في «المحبة». # ولذلك نتتبع تقلبات التطورات الأدبية ونحن ندور في بحثنا حول محور المحبة وما ~~يتفرع منها من المبادئ الأدبية. ~~(2-2) تطور المحبة وارتقاؤها # نجد فعل المحبة الأول في تكوين الحويصلة الاجتماعية «العائلة»؛ فالمحبة ~~العائلية ناشئة من جرثومتين مقترنتين؛ الأولى: حنو الأمومة - الأقدم عهدا من ~~حنو الأبوة - والثانية: الحب الزوجي، ثم تفرعت إلى التعاطف بين أعضاء الأسرة، ~~والصداقة ms183 بين أفراد العشيرة، فالقبيلة، فالقوم، فالأمة. ولما صارت سجية ~~اجتماعية صارت عطفا من فرد على مجموع أفراد القوم، ولما تمثل هذا المجموع بجسم ~~اجتماعي صار حب الفرد لهذا الجسم الاجتماعي يسمى «حب الوطن». # ولما أصبح هذا الحب الاجتماعي؛ أي حب المجتمع، مبدأ واحدا بعينه رئيسيا ~~لكل قوم، وكان هو إياه بعينه في جميع الأقوام؛ صار التعاطف بين جميع الأقوام ~~نتيجة طبيعية. وهو ما يعبر عنه ب «الإنسانية» و«حب الإنسانية». # هذا مجمل تطور المبدأ الرئيسي «المحبة» في تاريخ الاجتماع، ولكنه وهو متدرج ~~اعتورته عدة تطورات جانبية وتقهقرية كانت تفضي إلى تفرع مبادئ أدبية مختلفة ~~تستلزم نشوء أنظمة متنوعة أيضا كما ترى فيما يلي: ~~(2-3) تحول المحبة إلى احترام # أول هذه التطورات هو أن جانبا من الحب البنوي، الذي هو رد فعل الحب الوالدي، ~~تكيف أو تزيا بزي «احترام» الابن للأبوين، أو لأعظمهما سلطة. وهذا الاحترام ~~هو رد فعل لهيبة هذه السلطة، وكلما تباعد هذا التفاعل في السلالة ازداد تزيي ~~المحبة بالاحترام. فاحترام الحفيد للجد أكثر من احترام الابن للأب، ولكن حبه ~~أقل. وعلى هذا النحو يجتمع احترام أفراد الأسرة في زعيمها، ثم في زعيم العشيرة ~~إلخ، كما أنه كلما تقادم عهد الجد أو الزعيم؛ أي كلما بعد التفاعل بين ~~الجانبين، عظم مقام الجد الزعيم إلى أن يصبح نصف إله، وكلما تقادم عهده عظمت ~~ألوهيته حتى يصبح أخيرا إلها كاملا. ~~(2-4) تأليه الزعيم # فترى أن أول فرع تفرع من المحبة في أثناء تطورها كان الزعامة، ومن هذه في أول ~~عهدها العريق في القدمية نشأ نظام الألوهية أو التأليه، فكان الطور الأول من ~~الألوهية طور إنصاف الآلهة، أو زعماء القبيلة الأبطال، ثم تلا دهره دهر الآلهة ~~الكاملين، وهم نخبة أولئك الأنصاف. وقد صقل تناقل الروايات أساطيرهم، فجعلها ~~مفعمة بالخوارق التي تليق بعظمة الألوهية وقدرتها، ثم تلا ذلك الدهر دهرنا ~~الحالي الذي توحدت فيه الآلهة، أو بالأحرى استخلص منها العقل البشري المتفلسف ~~فيها إلها واحدا أعظم منها جميعا. # وربما كان موسى أول من قال ms184 بالإله الواحد الأعظم، ولكنه لم ينف وجود الآلهة ~~الآخرين نفيا باتا، بل تصورهم ضعفاء جدا بالنسبة إلى يهوه، ثم جعلت فكرة ~~تعدد الآلهة تضعف رويدا إلى أن بقي في العقل الإنساني إله واحد فقط لا يوصف، ~~مع أنه كان لعهد موسى يوصف بأنه رب الجنود ورب الأرباب، وبأنه يغضب ويندم ~~إلخ. ~~(2-5) نشوء الاشتراع # وفيما كان نظام الألوهية يتطور هكذا، كانت المحبة التي هي نواته تتزيا بزي ~~الاحترام حتى صار الاحترام تعبدا وتقى. فالتقوى إنما هي محبة متطورة، هي مبدأ ~~أدبي أعلى، هي نموذج سام للحياة. ونشوء هذا المبدأ استلزم وجود نظام اشتراع ~~الوصايا الدينية وما يقارنها من العقاب والثواب الدنيويين والأخرويين. وزبدة ~~هذه الشرائع في وصايا موسى العشر التي أولها إيجاب عبادة الله، وباقيها العدل ~~في معاملة الغير. وقد ردها جميعها المسيح إلى أصلها بقوله: «حب الله وحب ~~قريبك كنفسك.» فما خفي عليه أن أس الفضائل المحبة. # هنا يتضح للقارئ أن رئيسيات الفضائل التي نص عليها في وصايا موسى العشر: ~~المحافظة على الحياة والصدق والأمانة والعفة والعدل، كلها مشتقة عن المحبة، أو ~~هي موجودة فيها. ~~(2-6) نشوء نظام الحكم # وفيما كان نظام الألوهية وما استلزمه من نظام الاشتراع بمقتضى مبدأ التقوى ~~يتطور كما علمت، كان نظام الحكم إلى جنبه ينمو ويتطور أيضا. # ولقد فهمت فيما تقدم أن أول سلطة ظهرت في المجتمع كانت سلطة الأب في العائلة؛ ~~لأنه لم يكن بد من انحصار قوة العائلة في إرادة واحدة، لكي تستطيع هذه الإرادة ~~أن تدير أفعال أفراد العائلة بأسلوب يجعلها متوافقة لمصلحة المجموع، فانحصرت ~~قوة أفراد العائلة في إرادة الأب - وأحيانا في إرادة الأم # 2 ~~- فكانت له السيطرة على شئون الأولاد ثم الأحفاد ما دام حيا، ~~وبعد موته يتولاها كبير الأسرة. # وهكذا كلما عظمت الأسرة عظمت سلطة كبيرها بنسبة قوة الأسرة نفسها، ومتى تضخمت ~~الأسرة إلى عشيرة فقبيلة صار كبيرها زعيما. وقد علمت أنه كلما بعدت النسبة بين ~~الزعيم والأفراد قلت محبة الأفراد للزعيم، وكثر احترامهم له، أو بالأحرى ~~تحولت ms185 المحبة إلى احترام، كما أن عطف الزعيم يقل وهيبة سلطته تعظم. # على هذا النحو نشأت سلطة الزعيم وتطورت وتكيفت إلى أن أصبح الزعيم أو شيخ ~~القبيلة ملكا واسع السلطة عظيم النفوذ. وإذا كانت قوة الجماعة متجمعة بحكم ~~النظام الاجتماعي الطبيعي في إرادة الزعيم أو الشيخ أو الملك كما علمت، فمتى ~~عظمت قوة الجماعة الممثلة في إرادته ظهرت إرادته لجانب من أفراد القوم مستبدة. ~~ولكي يستطيع هذا الزعيم أو الملك أن يحافظ على سلطته، يجب أن يحافظ على وحدة ~~جماعته، وتلافي فوضاها التي تمزقها؛ فلذلك يضطر أن يستبد، ومهما كان حكيما فلا ~~بد أن تتدخل شهواته في سلوكه، فتلون استبداده بألوان الظلم والجور. ~~(2-7) نشوء العدل والرحمة # كان النظام اللاهوتي والسياسي دهرا طويلا متحدين أو مؤتلفين؛ فكان الكهنة ~~حكاما؛ ولذلك كانت الشرائع السياسية هي نفس الشرائع الدينية تقريبا، فكانت ~~سلطة الحكم تتأيد بتهديد العقابين الدنيوي والأخروي، وعلى الخصوص بالوعد ~~بالثواب الأخروي. وكان المبدأ الرئيسي الذي تنتظم فيه حلقات الشرائع هو مخافة ~~الله - بدل محبة الله - وطاعة وصاياه، ولكي يبقى الجسم الاجتماعي متكتلا لم ~~يكن بد من أن تكون قاعدة الوصايا الإلهية العدل، ولكن لم يكن العدل نفسه المبدأ ~~الأدبي الذي يبتغيه الفرد، بل كانت طاعة الشريعة «العادلة» هي بغية الفرد؛ لأن ~~هذه الطاعة تقي الفرد من العقاب وتمنيه بالثواب. # نشأ العدل في الشريعة المزدوجة - الدينية والسياسية - كوسيلة أو واسطة لحفظ ~~كيان المجتمع، وتوطيد سلطة الحكم التي تدبر أفعاله وشئونه؛ لأن الاختبار الطويل ~~أثبت أن العدل أساس الملك، والحق أفضل ضامن للسلم. كان العدل واسطة لا غاية، ~~ولكن كلما اتسعت معرفة النوع البشري وعظمت حكمته كان يفهم هذه الحقيقة، ويعظم ~~معنى العدل في يقينه إلى أن صار يتطبع به، وإلى أن صار العدل سجية فيه، فأصبح ~~العدل غاية لا واسطة. # وقد علمت في فصل الفضائل أن الرحمة والشفقة مشتقتان من العدل، أو أن سجية ~~العدل ترقت في الإنسان إلى أن صارت رحمة ورأفة ومسامحة في بعض الأحوال؛ ولذلك ~~كان هذا التطور في ms186 المبدأ سببا للتطور في الشريعة. كانت شريعة موسى العدل؛ أي ~~«عين بعين وسن بسن»، فجاءت شريعة المسيح؛ أي التسامح «من لطمك على خدك الأيمن ~~فحول له الأيسر»، أي سامحه ولا تنتقم منه. # وفي الشرائع السياسية الآن كثير من عناصر الرحمة والرأفة. ~~(2-8) انفصال نظامي الدين والسياسة # علمت في بدء هذا الفصل أن المبدأ الأدبي هو الذي يكفل تكتل المجتمع ونموه ~~ورقيه؛ فإذا ارتقى المجتمع إلى حد أن لا يعود المبدأ كافيا لرقيه، اقتضى أن ~~يتغير المبدأ. فلما ارتقى المجتمع في العلم والصناعة، ونضجت الحكمة في العقل ~~البشري، وصار الإنسان يدرك قيمة الشخصية في كيان المجتمع؛ أصبح النظام المزدوج ~~الديني السياسي في كثير من فروعه غير صالح لحياة المجتمع: أولا: لتحجر ~~تقاليده القديمة وتصلبها بحيث لم تعد لائقة للجديد. وثانيا: لأن النظام ~~القديم كان مضيقا دائرة الحرية، ولا سيما الحرية السياسية. والحكمة الناضجة ~~لا تتفق مع تضيق دائرة الحرية. وثالثا: لأن الحكم الفردي المطلق، الذي هو ~~هيكل ذلك النظام، أصبح متقلقلا وهو على مناكب النفوس الحرة المنتقضة تحت عبء ~~الاستبداد. فلذلك انفصل النظامان الديني والسياسي، واستقل ثانيهما بالحكم ~~الزمني، فكان انفراد النظام السياسي مخليا الطريق لتقدم الديموقراطية التي ~~نبتت منذ زمن طويل، ولكنها كانت تختنق بين أشواك الاستبداد. # كان المبدأ الأدبي الرئيسي في عهد ذلك النظام القديم متحجرا، كذلك النظام ~~كان نظرية إيمانية يجب أن تقبل بلا مناقشة ولا جدال؛ لأنها صادرة من سلطة ~~سماوية، ولكن منذ جعل النظام السياسي يحاول الإفلات من النظام الديني صار ~~المبدأ الأدبي الأعلى نظرية عقلية يسلم العقل بها اقتناعا بأنها صالحة لحياة ~~المجتمع ونموه ونجاحه؛ ولهذا صارت يرغب فيها لذاتها، كذلك الحقيقة العلمية ~~والفلسفية كانت بنت الوحي فأصبحت بنت البحث. ~~(2-9) نشوء الديموقراطية # بقيت سلطة الزعيم مسيطرة وعامة مدة ما كان القوم ينظرون إلى الزعيم أو الشيخ ~~أو الملك كشخص ممتاز بتسلسله من جده نصف الإله، أو الإله الكامل، أو أجداده ~~الآلهة، أو أنه يمثل الإله على الأرض، فكان القوم ينظرون إلى القوة التي في ms187 يده ~~كأنها مستمدة من الإله أو الآلهة، ولكن لما نضجت المعرفة البشرية، وصار القوم ~~يشعرون أن قوة الزعيم أو الملك إنما هي مستمدة من قوتهم، بدليل أنهم إذا تألبوا ~~عليه استطاعوا خلعه، صاروا ينظرون إلى السلطة الحكومية كشبح ممثل مجموع قوة ~~الجمهور؛ فيمكن أن يظهر هذا الشبح في شكل ملك يرث الملك، أو حاكم ينتخبه الشعب، ~~أو قائد حربي يقود الشعب في حرب ينقذه بها من عدوان أعدائه، فمنذ طفق القوم أو ~~الشعب يخلع ملوكا وينصب ملوكا نبتت جرثومة الديموقراطية. # وقد رأينا نبتها في عهد حكم القضاة الإسرائيليين، وفي بعض أدوار تاريخ العرب، ~~وفي أثينا القديمة وفي رومية أختها، ولكنها بقيت ضعيفة عدة قرون؛ لأن الحكم ~~الفردي ما زال مرافقا لها يخنقها ، وما ترعرعت إلا في أول القرن الماضي حين ~~استطاعت قلب سلطة العرش الإنكليزي في الولايات المتحدة الأميركية وقلب عرش ~~فرنسا، وما زالت تترعرع إلى الآن وتقلب العروش حتى لم يبق منها إلا ~~أقلها. ~~(2-10) المساواة # ففي عهد الحكم الفردي المطلق كان المبدأ الرئيسي أن الناس متفاوتون في ~~القيمة؛ لأن فريقا منهم من سلالات آلهة أو نواب آلهة، فما هم والعامة بمتساوين ~~في الحقوق والواجبات؛ ولذلك كانت الشريعة تسري على العامة فقط. وأما النبلاء ~~فهم فوق الشريعة، أو أن شريعة النبلاء غير شريعة العامة. وهكذا كان العدل ~~مشوها ومثلوما، ولكن بعد تلاشي الحكم الفردي المطلق ونهوض الحكم الشعبي أو ~~الجمهوري؛ فقد أصبح المبدأ الرئيسي «المساواة»، أو هو العدل المطلق من غير ~~اعتبار للفئات والطبقات. كذلك كان الحق السياسي في العهد القديم محصورا في ~~النبلاء؛ لأنهم من سلالة الآلهة أو كالملوك نواب الآلهة، فلما أخذ الحكم الفردي ~~يتلاشى صار عامة الشعب يتقاسمون الحق السياسي لقاء ما يمدون السلطة الحاكمة من ~~قوتهم. ~~(2-11) تحرير المرأة # من التطورات الناشئة التي أخذت دورا مهما في تاريخ المدنية، فكان لها شأن ~~خطير في التطور الأدبي أيضا تطور منزلة المرأة في المجتمع؛ فقد كانت المرأة في ~~دور من أدوار الاجتماعية الأولى سيدة الأسرة أو العشيرة ms188 وزعيمتها بالفعل. كانت ~~كذلك حين كان الزوج ينضم إلى عشيرة زوجته مدة غير معينة، حتى إذا هجرها بقي ~~أولاده مع أمهم أولادا للعشيرة يكتنون بكنيتها، وبطبيعة الحال تكون الكنية ~~كنية الأم وسيدة العشيرة أم الأمهات. فهذا الدور يسمى دور الأمومة، ولم يزل منه ~~أثر إلى اليوم في بعض القبائل الأميركية، # 3 # ثم لما حل دور الأبوة # 4 # محل دور الأمومة، وصارت الزعامة والسلطة للأب فالجد؛ بدأ شأن ~~المرأة يضعف لتقييدها بواجبات العائلة إلى أن أصبحت منزلتها أخيرا كمنزلة ~~العبدة، وانقضت أدهار طويلة وشأن المرأة يرتفع فيها تارة، وينخفض أخرى، إلى أن ~~بلغت إلى منزلتها المساوية لمنزلة الرجل في جميع البلاد المتمدنة. # بنسبة ارتفاع منزلة المرأة أو انحطاطها كانت العقيدة بجوهرها تتطور؛ ففي بعض ~~أدوار انحطاط منزلتها كان يعتقد أن نفسها دون نفس الإنسان قيمة، وعقلها بين عقل ~~الإنسان والحيوان، حتى في عصور العلم الأخيرة كان فريق من العلماء يحاولون ~~إثبات أن دماغ المرأة يختلف عن دماغ الرجل، وأن مراكزها العقلية أضعف من ~~مراكزه. فتطور العقيدة في قيمة شخصية المرأة كان يقضي بتطور حقوقها وواجباتها ~~ومنزلتها وحريتها. ~~(3) تاريخ التطورات الأدبية الأممية # فيما تقدم قصرنا البحث في التطور الأدبي على ما يحدث منه في دائرة القوم الواحد، ~~أو الأمة الواحدة، ولكن هناك تطورا أدبيا آخر يحدث في دائرة أوسع؛ دائرة ~~الإنسانية التي تشمل عديدا من الأمم أو جميع أمم النوع البشري، فلا ندحة من ~~إعطائه حقه من البحث. ~~(3-1) الحرب # علمت آنفا أن المبدأ الرئيسي الذي هو روح حياة القبيلة والأمة، ومنه تتفرع ~~سائر المبادئ الأدبية، وبه يحيا المجتمع وينمو ويرقى؛ إنما هو المحبة. فالمحبة ~~لازمة لربط أجزاء المجتمع بعضها ببعض كلزوم الجاذبية، أو الألفة الكيماوية؛ ~~لربط عناصر الجسم بعضها ببعض، ولكن المحبة وحدها لا تكفي لحفظ كيان المجتمع، ~~كما أن الجاذبية لا تكفي وحدها لحفظ كيان المركبات، بل لا بد من الدافعية أيضا ~~لرد المركبات الغريبة عنها. # هكذا لا بد للقبيلة أو أي جماعة من نقيض المحبة أو البغض لصد القبائل ms189 أو ~~الجماعات الأخرى ما دامت مباينة لها في الدم والأنظمة والعادات؛ لئلا تهتضمها ~~أو تنازعها بقاءها؛ فبقوة البغض هذه كانت القبائل تستطيع أن تدافع عن كيانها ضد ~~منازعاتها بقاءها؛ لذلك كان شبوب الحروب بين القبائل والأمم أمرا طبيعيا لا ~~ندحة منه، ولذلك كانت الشجاعة الحربية فضيلة وكانت الجندية نظاما مقدسا، ~~وكذلك كان السبي واغتنام الغنائم والاسترقاق حلالا. # فمن ذلك ترى أن العدل ينحصر في دائرة القبيلة أو الأمة ولا يتجاوزها إلى ~~سواها، وكان حفظ وصايا موسى العشر محصورا ضمن دائرة الشعب الإسرائيلي، وخارج ~~هذه الدائرة يجوز للإسرائيلي أن يقتل وينهب. هكذا كان نظام جميع الأمم في عهد ~~موسى وقبله يدفعون إتاوات للأعيان، ويتجندون لهم عندما ينفخ بوق الحرب. # ولما كان نظام الرق هذا وافر النفع الاقتصادي للأسياد صار في بعض الأزمنة ~~حرفة رجال الحرب، فكانوا يغزون القبائل المنحطة، ويأسرون أحداثها ويخطفونهم؛ ~~ليبيعوهم عبيدا لمن ينتفعون بعملهم. ومن ثم لعبت النخاسة دورا طويلا، ولا ~~سيما في القرنين السابقين؛ إذ كان النخاسون يصطادون الزنوج من غربي أفريقيا ~~ويبيعونهم في أميركا. # ولا يخفى عليك أن النخاسة على هذا النحو إنما هي شذوذ شرير في نظام الرق؛ لأن ~~الرق الناجم عن الحرب انتهى باندماج الأرقاء مع مسترقيهم في أمة واحدة، ولكن ~~النخاسة كانت استرقاقا مصطنعا مفتعلا في ظهر المدنية، فظهرت جريمة شنيعة. ~~وقد شعر أهل الجيل الماضي بفظاعتها فقاوموها حتى ألغوها وحرموها باتفاقات ~~دولية عامة. ~~(3-2) الإنسانية العامة الشاملة # كان الأمر كذلك لتباين الأمم والأقوام والقبائل في الأخلاق والعادات ~~والتقاليد والعقائد، وسبب هذا التباين قلة الاتصال فيما بينها لأسباب مختلفة: ~~منها صعوبته، ومنها شدة الحذر من أن يكون ذريعة للغارات، ولكن على تمادي الزمان ~~سهل الاتصال بين الأمم تدريجا، وتعددت المعاملات فيما بينها، وقل ذلك الحذر؛ ~~فصار اتصالها يسهل اختلاطها. وهذا يسهل اقتباس بعضها تقاليد وعادات ~~البعض. # وعلى التمادي تقاربت في المبادئ والأخلاق، ولا سيما في عصرنا الحاضر، فكان ~~هذا التقارب قاضيا بتوحيد المبادئ واشتراك الأمم في المبدأ الرئيسي، وتعميم ~~الشرائع فيما بينها. وهكذا ms190 صار يتلاشى البغض بين الأمم وتقوى المحبة؛ استعدادا ~~لنشوء جسم اجتماعي أعظم وأعم تشترك جميع الأمم فيه كأجزاء له، حتى إذا تكون ~~هذا الجسم الاجتماعي الأعم حل «حب الإنسانية» محل «حب الوطن». # فالقوانين الدولية العامة والمعاهدات الدولية والاتحادات الدولية؛ كالبوسطة، ~~والمؤتمرات الأممية، والعلائق المالية والتجارية إلى غير ذلك من اشتباك مصالح ~~الأمم واتفاقاتها، كل هذا يكون تدريجيا، ولو ببطء، ذلك الجسم الاجتماعي ~~العام الذي تكون «الإنسانية» مبدأه الرئيسي الأعلى. وتحت لفظ الإنسانية ~~تنطوي كل الفضائل الأممية إذا شئت: الحرية الأممية، والمساواة الدولية، والإخاء ~~القومي، بحيث يكون لجميع الأمم ميزان واحد، وشكل حق واحد. ~~(3-3) الاسترقاق والإقطاع # كان من نتائج البغض الطبيعي القديم بين القبائل ما كان يتلافى هذا البغض ~~نفسه، فكأنه كان قاتلا لنفسه أو محولا نفسه إلى تواد أممي؛ فقد علمت أن ~~الحروب بين القبائل كانت أمرا طبيعيا لا ندحة منه لكيانها. ومن نتائج ~~الحرب أن القبيلة الغالبة تفني القبيلة المغلوبة تنكيلا لكي تحل محلها، وتغنم ~~مقتنياتها. # هكذا كانت نتيجة الحرب في أدوار الهمجية الأولى، ثم لما ترقت العقلية البشرية ~~اكتشفت أمرا أفضل من التنكيل بالأعداء المغلوبين كلهم؛ وهو أن يسبي الغالبون ~~نساء المغلوبين كأنهن من ضمن الغنائم، ثم صاروا يستبقون أولادهن أيضا ~~فيربونهم كعبيد لهم، وينتفعون بتشغيلهم، ثم صاروا يعفون عن الرجال أيضا ~~ويأسرونهم ويستعبدونهم. فالرق حل محل التنكيل بالأعداء المكسورين، وكان من ~~نتائج الاسترقاق اختلاط الغالبين والمغلوبين، واندماجهم على التمادي كشعب واحد ~~في الدم والعادات والأخلاق. # وبعد أن يكون البغض علة علاقة عدائية بين القومين يصبح الوئام علاقة ودادية ~~بينهما. ترى شاهدا واضحا على هذا التطور العجيب في القرون الوسطى حين كان ~~الرق يتحول إلى نظام اقتطاع الأراضي؛ فقد تحول العبيد إلى مزارعين بالمحاصة، ثم ~~تحول هؤلاء المزارعون إلى ملاك أراض. ~~(3-4) ارتقاء الروحانية # هذا مجمل أهم التطورات الرئيسية التي حدثت في تاريخ المجتمع الإنساني، ولا ~~يخفى أن كل تطور اجتماعي إنما هو نتيجة تفاعلات عقلية داخلية وبيئية خارجية؛ ~~ولذلك لا بد أن يصحبه تطور عقلي وتطور ms191 جسماني أيضا. والتطور الروحاني إنما هو ~~نتيجة تفاعل العقلية بالنوابض الجسمانية تحت تأثير العوامل الخارجية. إذن هو ~~مصاحب حتما لكل تطور اجتماعي، ففي غضون تلك التطورات التي تقلبت عليها الأنظمة ~~الاجتماعية والمبادئ الأدبية كانت الروحانية البشرية تتطور أيضا وتترقى، ~~متدرجة من القسوة الوحشية والفظاظة الهمجية، إلى المصادقة فالمؤاخاة ضمن القوم ~~الواحد، إلى المسالمة بين الأقوام، إلى المعاملة العادلة بين الإنسان والإنسان ~~من أي سلالة كان، إلى الرفق والرحمة بكل إنسان، إلى الإنسانية العامة ~~المطلقة. # فبين نفسية الإنسان الهمجي القديم الذي كان يستحل دم إنسان آخر من غير قبيلته ~~ومقتناه وعرضه واسترقاق ذريته، ويعد هذه الاستباحة شريعة محترمة فيها ضمانة ~~لبقاء هيئات عشيرته ونفسه، وبين روحانية إنسان اليوم الذي يعتقد أن جميع الناس ~~على اختلاف دمائهم وألوانهم، وتفاوتهم في العقلية والرقي ، هم إخوة متساوون في ~~الحقوق والواجبات والحرية، والذي يتألم لألم أمة إذا نكبت نكبة مهما كانت بعيدة ~~عنه، والذي يضحي بكثير من سروره لأجل خدمة الإنسانية العامة إلخ. بين تلك ~~النفسية الوحشية وهذه الروحانية الصافية فرق عظيم كالفرق بين الثريا ~~والثرى. # فهذا الرقي العظيم الذي تدرجت فيه روحانية الجنس البشري المتمدن إلى أن بلغ ~~إلى هذه الدرجة من الإنسانية التي هي المثل الأعلى، كان دائما مصاحبا للرقي ~~الاجتماعي، وفي كثير من الأحوال قائدا له. وكان لهذه الروحانية تأثير عظيم في ~~ترقية المجتمع الإنساني العام، وربما كانت الآن أعظم فعلا منها في كل ~~زمان. # فمقاومة النخاسة وتحريمها، والرفق بالحيوان، وملاجئ الضعفاء، والمستشفيات ~~الخيرية، ومعاهد العلم التي يتبرع بها الخيرون، والإسعاف المجاني العاجل، ~~والصليب الأحمر والهلال الأحمر والمياتم، إلى غير ذلك مما لا يحصى من المبرات ~~المجانية التي يتبرع بها ذوو تلك الروحانية الملائكية؛ إنما هي نماذج ذلك ~~المبدأ الأدبي الأسمى «الإنسانية». # ففي أثناء ارتقاء المبدأ الأدبي واقترابه إلى مثله الأعلى كانت نفسانية الجنس ~~البشري نفسها تترقى أيضا، كما أن العقلية الإنسانية كانت تترقى مع ترقي ~~الاجتماعية. ومجمل الارتقاء الإنساني إنما هو حاصل تفاعل هذه العناصر الأربعة: ~~الأدبية والروحانية والعقلية والاجتماعية متساوقة. ms192 وفي يقيني أن الروحانية في ~~مقدمتها لأنها مادة الجمال الذي هو غرض الطبيعة الأقصى. ~~(3-5) اعتراض على تأثير الروحانية ورده # وهنا قد يلوح في خاطر القارئ المدقق ما لاح في خاطر بعض الباحثين الأدبيين؛ ~~وهو: إذا كان المبدأ الأدبي يتطور ويترقى بمقتضى حاجة المجتمع إلى العوامل التي ~~تحفظ كيانه، فإذا تغير ظرف من ظروف الاجتماع اقتضى تغير المبدأ الأدبي وتغير ~~العادة؛ لكي تتوافق عناصر الحياة الاجتماعية الثلاثة! إذا كان الأمر كذلك؛ ~~فيكون الفضل في تطور الأدبية أو المبدأ الأدبي للظروف البيئية وغيرها، ولا شأن ~~للروحانية الأدبية في هذا التطور، بل إن هذه الروحانية هي نتيجة ذلك ~~التطور. # وقد مثل بعضهم على هذه النظرية بمسألة إلغاء الرق والنخاسة، فقال: إن هذا ~~الإلغاء حدث بعد الاقتناع أن تحرير العبيد أفيد للمجتمع من الرق ، في هذا العصر ~~الذي اتسع فيه مجال الصناعة كل الاتساع، وأصبحت الحاجة إلى العمال أشد منها في ~~كل زمان؛ فالعامل الحر يعمل أكثر جدا مما يعمله العبد، ناهيك عن أن العبد ~~المقيد بسيده لا يذهب إلى المعمل، كذلك يقال: إن تحرير المرأة اقتضته الحالة ~~الاقتصادية أيضا على هذا النحو، فلم يحدث بتأثير الروحانية المتعشقة ~~الإنسانية. # ربما كان هذا التعليل صحيحا فلا ينفي تأثير الروحانية في تقرير هذا العمل ~~الإنساني: إلغاء الرق وتحرير المرأة؛ لأنه إذا لم تتأثر النفس البشرية الراقية ~~من الحيف الواقع على فريق من البشر، ولا تتألم لألم هذا الفريق، فلا يحدث هذا ~~الاقتناع المشار إليه آنفا؛ لأن المنتفعين من الرق لا يقتنعون بسبب كهذا ~~لإلغائه قبل أن يقمعوا شهوة طمعهم بعرق جبين العبيد، ولا يقمعون هذه الشهوة إلا ~~إذا كانت روحانيتهم قد ارتقت إلى حد تعشق الإنسانية، وصار خير المجتمع غرضهم ~~الأقصى. # ثم إن الذين قاموا بمهمة إلغاء النخاسة لم يقوموا بها إلا بدافع الإنسانية، ~~وإذا كانوا قد حاولوا أن يبرهنوا للقوم أن الإلغاء نافع للمجتمع فمن قبيل ~~الدعاية. # فحيث تقتضي الظروف الاجتماعية تغيير مبدأ أدبي، فإذا كان المبدأ الجديد ~~المطلوب إنسانيا انبرت الروحانية، فالذي أيد ms193 إلغاء الرق وتحرير المرأة ليس ~~كونهما نافعين للمجتمع من الوجهة الاقتصادية؛ بل لأن الروحانية الإنسانية التي ~~نحن بصددها زكت هذا التعليل ووافقت عليه. # فالروحانية الإنسانية لازمة لترقية المبدأ الأدبي. ولكي يثبت المبدأ الأدبي ~~الجديد لا بد من ابتغائه لنفسه لا كواسطة، وإلا فابتغاؤه كواسطة يدل على مرض ~~الروحانية الأدبية، وبالتالي تتغلب الشهوات والنوابض الجسدية على الروحانية ~~الأدبية، وتقتل فيها المبدأ الأدبي الأعلى. ~~(3-6) الدعاية للمبدأ الأدبي # لم يقتصر الرقي الأدبي على إدراك المبدأ الأعلى وتشبع النفس الصالحة به، بل ~~شمل أيضا الدعاية له، وقد علمت أن الحكمة من الفضائل الرئيسية، ووظيفتها إرسال ~~أشعة الروح الأدبية على السلوك كي يجري في المجرى القويم على هدى. ولا تتشبع ~~النفس بالروح الأدبية إلا عن يد المعرفة، وما لطف أخلاق الناس ودمث طباعهم ~~إلا العلم، وما أشبع نفوس الناس بالعطف وحب الإنسانية إلا المعرفة، وما ترفعت ~~عن الدنايا والخسائس والمخازي والرذائل إلا النفوس المتشربة بالمعرفة والعلم، ~~وما فعلته الشرائع الدينية والسياسية في تدميث الأخلاق وتهذيب النفوس في قرون ~~وأدهار فعلت المعارف أعظم منه في عصور قصيرة. # لذلك كان من خصائص المبدأ الأدبي الذي يجعله الإنسان الراقي نموذجا لحياته، ~~الدعاية لهذا المبدأ ونشره؛ فالدعاية نفسها غاية أدبية تراد لذاتها لا كواسطة ~~لغاية. # كانت المعرفة في أزمان التاريخ القديمة احتكارا لكهنة الدين الذين كانوا ~~رجال السياسة أيضا، وكان اللاهوت والسياسة مندمجين معا، وكان العامة محرومين ~~من الاطلاع على أسرارهما؛ ولهذا كان جانب من علوم الكهنة سحرا وتدجيلا على ~~العامة المغفلين. هكذا كانت المعرفة أسيرة رجال الدين والسياسة عند المصريين ~~القدماء ومعاصريهم البابليين والفرس والماديين، حتى عند الإسرائيليين كانت ~~النبوءات ألغازا. # وعند اليونان والرومان كانت الصراحة أسرارا مقصورة على الكهنة والكاهنات، ~~وفي القرون الوسطى كان اللاهوت احتكارا للإكليروس، والعلم والفلسفة مقيدين ~~بالكنيسة؛ فما تجيزه الكنيسة يجوز، وما تحرمه تعاقب من يقول به أو تضطهده كما ~~اضطهدت غاليلو، وكما اضطهد المسيح وسقراط من قبله. # وهكذا كان تقييد المعرفة وحبسها عن العامة من أسباب بطء الرقي الأدبي، ولكن ~~كما ms194 ضعفت السلطة الفردية باستقواء الديموقراطية، واتسعت دائرة حرية الفرد، ~~انطلقت المعرفة من عقالها، وصارت فضيلة مباحة لكل فرد. والآن صار نشرها مبدأ ~~أدبيا أسمى يرام غاية لا واسطة لمن يرومه، فمؤلفو الكتب والوعاظ والخطباء ~~والكتبة على اختلاف أنواعهم إنما هم دعاة المبدأ الأدبي، ومعاهد العلم وأنديته ~~التي ينشئها أهل الفضل من الأميركان وغيرهم في الشرقين وفي بلادهم إنما هي ~~دعاية لنشر المعرفة مجانا؛ بغية ترقية الفضيلة في الجنس البشري. ولعل المسيح ~~أول من قال بالدعاية للفضيلة؛ إذ قال لتلاميذه: «اذهبوا إلى جميع العالم ~~واكرزوا.» # ولا يخفى عليك أن استمرار نشر المعرفة على هذا النحو في جميع أنحاء المعمور ~~يرقي الأمم جميعا إلى مستوى واحد، ويؤهلن إلى اعتناق مبدأ الحق الواحد تحت ~~راية الإنسانية العامة الشاملة، ويعدهن للارتباط في جسم اجتماعي واحد أعلى ~~يكن هن أجزاءه. حينئذ يصبح كيان كل أمة ونجاحها متوقفا على سلامة هذا الجسم ~~الأممي الأعلى، كما أن سلامة الفرد ونجاحه الآن يتوقفان على سلامة المجتمع الذي ~~هو جزء منه. # حينئذ تكون الهيئة الاجتماعية على أقرب مسافة إلى المثل الأعلى. ~~(4) أهم عيوب الأنظمة الأدبية # قد يستدل القارئ من خلال نبذات هذا الفصل أن العالم الإنساني يكاد يقبض على ناصية ~~المثل الأعلى في الفضيلة؛ لأننا وجهنا البحث في وجهة الرقي الأدبي وحده، وقلما ~~التفتنا إلى ما يعتوره من المبادئ والأنظمة التي تثلم أدبية المجتمع وتحطها؛ ولذلك ~~يبقى بحثنا ناقصا إذا وقفنا هنا ولم نلم بثلمات الأدبية الرئيسية. ~~(4-1) العيب الاقتصادي # لقد علمت في طالع هذا الفصل أن من سنن التطور أن نشوء أنظمة جديدة مخالفة ~~للمبدأ الأدبي العام تستلزم إما تنقيح المبدأ لكي يطابق النظام، أو تنقيح ~~النظام لكي يطابق المبدأ، ومن ثم تتنقح العادة في السلوك لكي تطابقهما معا. ~~وقد حدثت في العصر الأخير تطورات علمية وعملية أحدثت نشوء نوعين من الأنظمة ~~رئيسيين. # أما التطور العلمي الذي حدث، فهو اكتشاف كثير من نواميس الطبيعة وأسرارها ~~كنواميس البخار والكهرباء. وهذا الاكتشاف أوجب تطورا عمليا أيضا، وهو ~~اختراع وسائل عديدة ms195 لاعتقال قوى الطبيعة واستخدامها في الصناعة والمواصلات. ~~وهذه الاختراعات أوجبت التعديل في ناحيتين نلم في كل منهما على حدة: أولا: أن ~~تقدم الصناعات وتقدم الاقتصاديات إلى جانبها كنتيجة لها أفضيا إلى الاستقطاب ~~المالي؛ أي جعل فريق من الناس يقبضون على ناصية المال، وجعل فريق آخر ~~يعمل تحت أمرة المتمولين وتحت رحمتهم. هذا الاستقطاب لم يكن من قبل، أو أنه كان ~~ضعيفا، ولم يستفحل هذا الاستفحال الهائل إلا في عصر الاختراعات؛ ولذلك اختل ~~التوازن في المجتمع، وانتفى مبدأ المساواة أو مبدأ العدالة في الحقوق ~~والواجبات، تلاشى الرق شكلا أو صورة، ولكنه تجدد جوهرا، وأصبح الرق الاقتصادي ~~أفظع من الرق الشخصي، فالعامل الذي يشتغل الآن وهو حر الإرادة والفعل أصبح ~~عبدا للمتمول القابض على ناصية المشروعات العملية، أصبحت أسباب معيشته تحت ~~رحمة المتمول، أصبح عرضة للهلاك جوعا، مع أن الرقيق الذي كان قبله كان أقل ~~عرضة منه للفناء؛ لأن سيده كان ضامنا معيشته. # كانت الديموقراطية وجهة تطور المجتمع، فلما تلاشت الأريستوقراطية السياسية ~~برسوخ الديموقراطية السياسية نشأت للأسباب المتقدم ذكرها أريستوقراطية أخرى، ~~وهي أريستوقراطية المال: أصبحت السلطة الاقتصادية في يد فريق المتمولين. وهكذا ~~تقلقل المبدأ الأدبي الأعلى، وتداعى مبدأ التساوي أو مبدأ التكافؤ في الحقوق ~~والواجبات، أصبح لفريق حقوق عظيمة جدا وواجبات خفيفة جدا، ولفريق آخر ~~العكس؛ أي حقوق قليلة وواجبات ثقيلة. إذن المثل الأعلى الذي يضمن بقاء المجتمع ~~وسلامته ورقيه انتقض؛ ولذلك مني المجتمع بثورات الاشتراكيين ومشاغباتهم ~~واعتصاباتهم إلى غير ذلك مما يهدد المجتمع بالخراب. # إذن لا بد من تعديل الأنظمة الاقتصادية تعديلا كبيرا؛ لكي يعود المثل ~~الأعلى - التكافؤ بين الحقوق والواجبات - إلى مقامه الأول؛ ولكي يتوطد المجتمع ~~على أساس العدل والإنصاف، يجب أن تستتب الديموقراطية الاقتصادية في المجتمع كما ~~استتبت قبلها الديموقراطية السياسية بعض الاستتباب أو معظمه. هذا هو العيب ~~الرئيسي الأول الذي يعاب به المجتمع الإنساني في الوقت الحاضر؛ فهو عيب في ~~نظامه الاقتصادي بالأكثر، وهو يدل على أن الروحانية الأدبية في الأشخاص لم تزل ~~ضعيفة. يدل على أن هذه ms196 الروحانية لم تشمل جميع الأفراد، يدل على أن فريقا ~~كبيرا من الناس لم يزالوا منحطي الأدبية؛ ولا سيما لأن معظمهم يعلمون هذا ~~العيب، ويفهمون أن الحق غير قائم، وأن العدالة مثلومة، ولكنهم لا يريدون أن ~~يضعوا الحق والعدالة في نصابهما. ~~(4-2) فظاعة الاستعمار # ذلك عيب في كل مجتمع في كل أمة تقريبا، هو عيب شعبي داخلي على كل أمة أن ~~تصلحه على حدة. وأما العيب الثاني فهو دولي موجود في علاقات الأمم بعضها مع ~~بعض، هو عيب الأريستوقراطية الدولية؛ وهو أن بعض الأمم تتسلط على أمم أخرى، ~~وبواسطة هذا التسلط تبتز حقوقها، وتستثمر أتعابها. وفي كثير من الأحوال تعاملها ~~بالاستبداد والإرهاق كأنها رقيقة لها. وحجتها في هذا التسلط: أولا؛ أن الحق ~~للقوة، ثانيا: أن هذه الأمم الضعيفة غير متمدنة، وتلك تدعي أنها تمدنها، ~~ثالثا : أن بلادها ضاقت بها، فهي مضطرة أن تستعمر بلادا غيرها لكي تعيش؛ ولا ~~سيما لأن بلادا غيرها واسعة تحتمل زيادة السكان. ونحن نفند هذه الحجج تفنيدا ~~أدبيا. ~~(1) # أما إن الحق للقوة فيناقض المبدأ الأدبي الأعلى؛ لأن الحق حق ~~سواء أيدته القوة أو لم تؤيده، وإلا لكان حق الحياة والبقاء ~~منحصرا في أمة واحدة؛ أي أقوى الأمم، بل لكان هذا الحق منحصرا في ~~شخص واحد أو جماعة واحدة صغيرة على الأكثر. إذن لماذا المعاهدات ~~الدولية؟ وعلى أي أساس أقيمت هذه المعاهدات؟ أليست مبنية على أن ~~الحياة حق لكل فرد ولكل أمة؟ ولماذا الرفق بالحيوان وهو أضعف من ~~الإنسان؟ فالحق للقوة مبدأ فاسد أدبيا، ثم إنه فاسد اجتماعيا؛ ~~لأن الهيئة الاجتماعية الكبرى لا تستتب على مبدأ «الحق للقوة»، ~~فالحروب الدولية المتعاقبة نتيجة هذا المبدأ. # وما دام هذا المبدأ قائما؛ فالسلم مهدد دائما، ولو كان مبدأ ~~«الحق حق» نافذا لأنه المثل الأعلى للمجتمع الإنساني العام؛ ~~لانتفت الحروب. الحق الذي «يعلو ولا يعلى عليه» هو حق كل أمة ~~بالبقاء والحياة على قدر جهادها في العمل على قاعدة العدل، هو ~~العدل بين الأمم. ~~(2) # أما أن الأمم القوية تتسلط على الأمم الضعيفة ms197 لكي تمدنها، فهو ~~إفك وبهتان فظيعان؛ لأن الواقع مناقض لهذه الدعوى على خط مستقيم، ~~فما من أمة استعمرت أمة أخرى إلا كبلتها بسلاسل من حديد، ومنعت ~~تقدمها في المعارف والأعمال والمشروعات، وأوجبت عليها أن تبقى ~~متأخرة لكي تستطيع الاستحكام منها، واستثمار أتعابها، ولا نظننا في ~~حاجة إلى ذكر الشواهد وهي ناطقة في جميع بلاد الشرق بلا استثناء، ~~وسلوك الدول المستعمرة سبة لها ولعنة عليها؛ لأنه محض ابتزاز ~~واغتصاب واستعباد، ولا ندري كيف تكون الحرب الأفيونية المشهورة ~~تمدينا. # إذا كان الغرض من الاستعمار هو التمدين - كما يزعمون كذبا بلا ~~خجل - فلا بد له من أمرين؛ الأول: أن يكون صادرا عن نية حسنة من ~~الفريقين؛ أي تريده الأمة القوية المستعمرة والأمة الضعيفة ~~المستعمرة. وهذه الإرادة غير موجودة لا عند هذه ولا عند تلك، ~~ثانيا: وإذا فرضنا أن الأولى حسنة النية، ولكن الثانية ليست ~~حسنتها، فلا بد من وجود سلطة عليا تخول الأولى حق التسلط على ~~الأخرى لكي تمدنها، ولا نعرف سلطة عليا تمنح هذا الحق غير سلطة ~~الله. وأما أن تتفق بعض الدول العظمى على ادعاء هذا الحق لها، ~~وتتقاسم المستعمرات فيما بينها، فلا يبرهن على سلامة نية هذه ~~الدول. والواقع يشهد على أنهن سيئات النية، وإذا كانت نياتهن فيما ~~بينهن سيئة ورديئة، فكيف ينتظر أن يحسن النية نحو الأمم ~~الضعيفة؟! وإذا كانت جمعية الأمم التي اقترحت لكي تكون كمحكمة عدل ~~بين الأمم لم تنصف أمة، فكيف ينتظر أن تكون سلطة الدول المستعمرة ~~عادلة؟! فهذه الحجة فاسدة أيضا. ~~(3) # بقيت حجة الاستعمال المستندة إلى ضيق البلاد بأهلها: بهذا العذر ~~تدعي الأمة حق استعمار بلاد واسعة قليلة السكان لكي تعيش. في ~~هذه الحجة شيء من الحق. إذا كانت مجاهل أفريقيا لا يقطنها إلا ~~قبائل متوحشة قليلة، وهي واسعة جدا تحتمل أضعاف أضعاف ما فيها من ~~السكان؛ فيحق للأمم المتمدنة أن تستعمرها، ولكن على شرط أن لا ~~يبيد هذا الاستعمار أهلها؛ فهم بشر لهم حق البقاء ~~والحياة. # والإنسانية التي هي المثل الأعلى في الأدبية توجب ms198 على الأمم ~~المتمدنة أن تحفظ هذا الحق للسكان الأصليين، كما فعلت الأمة ~~الأميركية الحديثة في معاملة سكان أميركا الحمر. وأما استعمار آسيا ~~وشواطئ أفريقيا الشمالية فلا مبرر له؛ لأن سكانها يملئونها وهم في ~~درجة من التمدن تقدرهم على مجاراة سائر الأمم المتمدنة في ~~المدنية، فاستعمار بلادهم إنما هو اغتصاب وانتهاب، ولا رائحة ~~للتمدين فيه البتة. # هذا عيب ثان في الهيئة الاجتماعية، عيب استفحال الأريستوقراطية الدولية، عيب ~~ينقض المثل الأعلى الإنساني، عيب يدل على انحطاط الروحانية الأممية، عيب يهدد ~~الهيئة الاجتماعية كلها بالخراب إذا بقيت هذه الأريستوقراطية الأممية مستفحلة ~~هذا الاستفحال. # هذا العيب يدل على أن الشخصيات المتمدنة - الأوروبية خاصة - لا تزال ناقصة ~~الروحانية الإنسانية؛ لأنها لا تزال تنظر إلى الحق الطبيعي محصورا في ~~قومياتها، كما كان الإسرائيليون لعهد موسى ينظرون إلى أن حق الحياة والبقاء لهم ~~وحدهم، وأنهم هم شعب الله الخالص. # فالعالم الإنساني لا يضمن سلمه، ولا يستتب مجتمعه ما لم يتأيد المبدأ ~~الإنساني الأعلى، وهو أن حق البقاء والحياة والتمتع هو حق كل أمة على الأرض. ~~وهذا يستلزم أن يتعدل النظام الدولي على قاعدة الديموقراطية الدولية. # فإذا استتبت الديموقراطيتان الاقتصادية والدولية في العالم الإنساني قرب ~~العالم إلى المثل الأعلى كثيرا، ولكن هل يقف العالم الإنساني عند هذا الحد ~~في الرقي؟ ألا يمكن أن تحدث تطورات اجتماعية جديدة في العالم تنشئ أنظمة جديدة ~~كهذه الأنظمة تقلقل المثل الأعلى كما فعلت سابقاتها؟ هذا في عالم الغيب، ~~ولكنه محتمل، والله أعلم. ms199