######OpenITI# #META# URI: 1373NiqulaHaddad.DawlatSayyidatFiMamlakatNisa.Hindawi79591635 #META# Tags: novels #META# ID: 79591635 #META# Title: دولة سيدات في مملكة نساء #META# AuthorID: 60483937 #META# Author: نقولا حداد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # دولة سيدات في مملكة نساء‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # دولة سيدات في مملكة نساء‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # | دولة سيدات في مملكة نساء # | دولة سيدات في مملكة نساء # تأليف # نقولا حداد # | دولة سيدات في مملكة نساء # أما سمعت أيها القارئ بالأمازونيات؟ أوما عرفت شيئا عن تاريخهن؟ أو قرأت ~~أساطيرهن؟ فقد حدث هيرودوتس المؤرخ اليوناني المشهور عن أصلهن وفصلهن، وعرفنا منه ~~أنهن قبيلة من الإناث المحاربات، كانت تقطن في بنطس في آسيا الصغرى على شاطئ البحر الأسود، ~~وكانت ذات مملكة مستقلة تحت سيادة ملكة من أصل شريف منها، وكانت عاصمتها تاميسيرا على ضفة ~~نهر ترمودون حسب نص هيرودوتس. # وكانت الأمازونيات يزحفن من تلك المملكة لمحاربة أهل سيتيا، وتراقيا، وشواطئ آسيا الصغرى، ~~وبحر إيجه، وكن أحيانا يتطرقن إلى سوريا، وبلاد العرب حتى مصر. # ويقال في أصلهن إنهن قدمن إلى مدينة ترمودون من بالوس ومايوتوس على بحر أزوف ~~(قزبين)، ويقال إنهن حاربن مع الإسكندر الكبير. # ولم يكن يأذن لرجل أن يقيم في مملكتهن يوما واحدا، وإنما لكيلا ينقرضن كن ~~يزرن مدة أسبوع في السنة قبيلة الجاريجاريين في مملكة جارجاريا المجاورة لبنطس مملكتهن، ~~فالذكور الذين يلدنهم بعد هذه الزيارة يقتلنهم أو يرسلنهم إلى آبائهم إذا كن يعرفنهم. ~~وأما الإناث فيحتفظن بهن وتربيهن أمهاتهن، ويعلمنهن الزراعة والصيد وفن الحرب ~~(بحسب قول المؤرخ سترابو)، راجع دائرة المعارف البريطانية. # ورد في إلياذة هوميروس أنهن غزون ليسيا فهزمهن بيليريفون، وهاجمن الفريجانيس الذين ~~انتصر لهم بريام حين كان لا يزال غلاما على الرغم من أنهن أخذن جانبه ضد الإغريق تحت ~~قيادة ملكتهن بتسيليا التي قتلها أخيل (أو أشيل). # كن يعبدن أريس إله الحرب، وإله تراقيا، والإلهة أرطاميس إلهة النور العذراء، والإله ~~أجكس إله القوة، وكانت أزياؤهن وعاداتهن وتقاليدهن يونانية تقريبا. # وسترى في هذه القصة الغريبة الحوادث العجيبة التقاليد أن القوانين والشرائع التي تناقض ~~الطبيعة البشرية لا يمكن أن تطاع طاعة تامة بصدق وإخلاص، ولا أن تنفذ إلا ms01 بالإكراه. فلا ~~يمكن أن تقوى الآلهة على الإله كيوبد (إله الحب)؛ لأن هذا الإله يجاري قوة الله الواحد ~~الأحد الذي قال: «انموا واكثروا، واملئوا الأرض.» # وسترى أيضا أن البشر في العصر الميثولوجي كانوا عن غير قصد ينفذون نبوءات الكهنة أو ~~الكاهنات اللواتي كن يزعمن أنهن نبيات بوحي من الآلهة، يعني أن الناس كانوا متى ~~سمعوا بنص نبوءة يتوجهون إلى تحقيقها من تلقاء أنفسهم، وهم يعتقدون أنهم يفعلون ذلك بدافع ~~من الآلهة، بقوة حافزة في داخلهم، كأن ما يفعلونه قضاء إلهي مبرم لا بد من ~~حدوثه. # وعند التحقيق في حوادث النبوءات كان المحققون يستنتجون أن تلك التكهنات النبوية كانت ~~مكايد ينصبها الكهنة والكاهنات والأشخاص الذين يتصلون بهم وبالهيكل، كهيكل دلفي الذي اشتهر ~~بنبوءاته التي كانت تتحقق بعض التحقيق؛ لأنها كانت مبهمة، وكان المقضي عليهم بمقتضاها ~~يساعدون على تحقيقها منساقين بتأثيرها في أنفسهم. # وسترى في سياق هذه الرواية العجب العجاب من دهاء الكهنة أو الكاهنات، ومقدرتهم في التأثير ~~على الأشخاص والجموع، فاقرأ. # | الفصل الأول # في الهيكل # كان الفصل آخر الصيف، وكان الوقت عيد الحصاد تحتفل فيه الكاهنات، ثم سيدات الدولة على ~~رأسهن الملكة، وبقية الأمة وراءهن، في هيكل أجكس إله القوة، وأرس إله الحرب، وهو هيكل ~~فخم رحيب، ووراءه دير الراهبات متصل به، ومن الدير يدخلن من باب خلفي إلى قدس أقداس ~~الهيكل. # وفي مقدم الرحبة مذبح للمحرقات وفيه موقد. وفي جهات الهيكل الأربع أعمدة ضخمة مزخرفة ~~بنقوش بديعة. وفي زاويتي الرحبة قاعدتان مرتفعتان لتمثالي الإلهين أجكس وأرس. # وما إن سمع الحشد الموسيقى الرخيمة من وراء قدس الأقداس حتى ارتفع الستار الذي يحجب قدس ~~الأقداس عنهم، وبدت رئيسة الكاهنات، ووقفت في الصدر والمذبح أمامها، وتوالت وراءها الكاهنات ~~صفين إلى جانبي الهيكل، ثم شرعن يرقصن رقصة العيد الوقورة. # ثم دخلت الملكة من يمين الرحبة تتبعها بطانتها المؤلفة من أربع وصيفات. ثم دخلت من شمال ~~الرحبة هيئة الحكومة المؤلفة من ست وزيرات، ووقفن مقابل صف الملكة لدى المذابح، والجمع ~~قدام المذبح. # وكانت رئيسة الكاهنات ms02 تلبس جلبابا من الدمقس، طويلا إلى ما فوق القدمين قدر عشر ~~سنتيمترات، بنفسجي اللون، واسع الأكمام، ذا منطقة حمراء. وعنقها مطوق بطوق أحمر، وعلى رأسها ~~قلنسوة بنفسجية تتدلى منها قدتان حمراوان من الأطلس الفاخر، تتدليان على الخدين حتى ~~العنق. # وفي أيسر منطقتها خنجر صغير ذهبي القبضة والغمد مرصع بالجواهر، وفي يدها صولجان ذو شعبتين ~~بحربتين. وفي قدميها حذاء بسيور. وأما سائر الكاهنات فكن يلبسن كالرئيسة بيد أن لون ~~الجلباب أبيض. وما هو أحمر في زي الرئيسة هو أسود في زي الكاهنات، ولهن خناجر صغيرة ~~أنيقة. # أما ثوب الملكة، فكان قصيرا إلى وسط الساق تحت الركبة بخمسة عشر سنتيمترا، ولونه ~~أرجواني، وعلى رأسها إكليل من ورق الغار الصناعي، وفي منطقتها الصفراء الذهبية خنجر ذهبي ~~مرصع، وفي يدها قوس وسهم جميلان. # وكانت أثواب حاشيتها كثوبها، وإنما كان لونها ورديا فاتحا، وليس معهن خناجر، ولا ~~قسي، ولا سهام. وعلى رءوسهن عصائب مزركشة. # وكانت رئيسة الحكومة تلبس كالملكة، وإنما اللون أزرق فاتح، وفي جبهات العصابات ورقتا غار ~~أو ورقة واحدة حسب الرتبة، وفي أقدامهن شبه صنادل. # وأما سائر سيدات الأمة، فكانت أثوابهن بيضا. ~~••• # ولما انتظم الجمع وانتهى رقص الكاهنات رنم الجمع كله هذه الترنيمة بلحن شجوي يشعر بجلال ~~المقام، والراجح أن النغم كان نهوندا أو عجما. # 1 # الترنيمة # فيك يا عيد الحصاد # رمز خيرات البلاد # نجتني اللذات مما # قد زرعنا من جهاد # كم دفنا الحب ميتا # نال في الترب الحياة # من دفين البزر جاء # حيوان ونبات # قوة الأحياء فيض # فاض من قلب أجكس # وبه في الحرب نلنا # النصر من كفر أرس # قوة قد حررتنا # من خضوع للرجال # فتمتعنا بخير الز # زرع والضرع الحلال # وكانت رئيسة الراهبات والملكة تنحنيان نحو المذبح كلما انتهى دور من الترنيمة، فتحذو ~~جميع الهيئات حذوهما. # وبعد انتهاء الترتيل، برزت رئيسة الكاهنات من صدر قدس الأقداس نحو متر إلى الرحبة، ~~وأشارت بيدها إشارة إسكات، فصمت الجمع صمتا تاما لسماع نطق الهيكل من فم الكاهنة ~~العظمى. ثم نطقت الكاهنة التي إلى يمين ms03 الكاهنة العظمى (الرئيسة) بصوت جهوري بكل ~~تؤدة: # سمعا وإصغاء لنطق الهيكل المقدس لأمة أجكس إله القوة، وأرس إله الحرب. ~~نبوءة العام الجديد لأمة الأمازونيات العظيمة التي دوخت الأقطار وخاضت ~~البحار. أمة الإناث التي نفضت عن عنقها نير الذكور. أمة المحاربات التي حطمت ~~قوس كيوبد إله الحب، وتقلدت خنجر أجكس إله القوة وأحرزت قوس أرس إله الحرب، ~~ونالت إكليل الاستقلال المطلق. # سمعا وإصغاء لنطق الهيكل المقدس، واستيعابا لمعناه. # وهنا تقدمت رئيسة الكاهنات خطوتين إلى الأمام، ونطقت بكل تأن بصوت جهوري: «الويل إذا ~~تخطى جسر نهر ترمدون قمر ساطع حين يكمد القمر اللامع.» # ثم سكتت نحو نصف دقيقة وقالت: «والويل ثم الويل إذا انتصر كيوبد إله الحب على أجكس ~~وأرس حين يقترن القمران.» # وفيما رئيسة الكاهنات تتلو هذه النبوءة، كانت الملكة والحاشية ورئيسة الحكومة ينتفضن ~~فرقا. # ولما انتهى نطق الهيكل حدث لغط في الجمع، وكن يتهامسن: «الويل، الويل، لماذا ~~الويل؟» # وقالت أمازونيا - رئيسة الحكومة - بصوت مسموع: «ماذا ارتكب في مملكة بنطس الزاهرة ~~المجيدة من الآثام حتى تنذر بالويل والثبور؟!» # وفي أثناء ذلك انحنت رئيسة الكاهنات 3 انحناءات ببطء لدى المذبح، ثم عادت إلى قدس ~~الأقداس، وخرجت من الباب الخلفي إلى الدير، وحذت سائر الكاهنات حذوها. # وقبل أن تتوارى الكاهنة الأخيرة، أسرعت أوجستينا سيدة القضاء - أي وزيرته - وأمسكت ~~بثوبها وهمست في أذنها قائلة: «بحق الإلهين أجكس وأرس يا سيدتي الكاهنة ملفينا، ~~استوضحي الهيكل المقدس عن بواعث هذه النبوءة الرهيبة.» # على أن ملفينا أفلتت من يدها مسرعة لتلحق موكب الراهبات من غير أن يبدو عليها استياء ~~كأنها تعدها وعدا صامتا. # أما الملكة فكانت في شديد الاضطراب، وقد أمرت أن يخرج الجمع كله حالا. فجعلت النسوة ~~يخرجن، ثم قالت الملكة للحاشية والوزيرات بصوت متهدج: إن الهيكل المقدس ينذر مملكة ~~بنطس الظافرة بويل رهيب. ويلاه، أية جريمة فظيعة ارتكبت هنا فأغضبت الإلهين العظيمين ~~أجكس وأرس. # فقالت أوجستينا سيدة القضاء: لعل في الخفاء يا مولاتي سعاية لتولية كيوبد إله الحب ~~منصب الألوهية في بنطس إلى جانب الإلهين ms04 العظيمين. # فقالت الملكة بنزق: أبدا، لا يمكن أن تعيش يد تنصب تمثالا لكيوبد إله الحب في هيكل ~~أجكس وأرس، بل تعيش اليد التي تحطم تمثالا لكيوبد. # فقالت أمازونيا رئيسة الحكومة: إن امتزاج الزيت بالماء لأيسر جدا من وقوف كيوبد ~~وأجكس أو أرس في هيكل واحد. # فقالت أوجستينا سيدة القضاء: ألا يخشى أن يبنى في الخفاء هيكل لكيوبد ويعبد فيه ~~سرا. # فصاحت الملكة بنزق: الويل لمن تدخل هذه البدعة إلى بنطس. # فقالت أوجستينا: إذن يجب أن تضاف إلى دستور الدولة مادة تقيد الحرية الدينية، ~~وإلا فلا عقاب بلا قانون. # فقالت أمازونيا: هذا التقييد مفهوم من مضمون الدستور نفسه. ~~- ماذا في الدستور يحرم عبادة كيوبد إله الحب؟ # إن الأمة الأمازونية أخذت حريتها بالقوة لا بدلال الغرام؛ ولذلك شادت هيكلا لأجكس ~~إله القوة؛ لأن أجكس يمنح القوة، وكيوبد إله الحب يبددها في ساحة العشق؛ ولذلك تحرم ~~عبادته في بنطس. # فقالت فلومينا وهي مديرة الشرطة والأمن: ويحكن! إن الدماء التي أراقتها جداتنا في ~~سبيل تحطيم نير العبودية للرجال ثمنا للحرية والاستقلال، أعاضنا عنها أجكس قوة ~~ونشاطا، وظفرا في الحروب، فماذا يمنحنا كيوبد إذا بذلنا قوانا على مذبح ~~عبادته؟ # فقالت أمازونيا: لا يمنحنا إلا عبودية للرجال، وذلا في صحبتهم، وهوانا في ~~مقارنتهم. # فقالت فلومينا سيدة الأمن: أجل، ما انتصرت أمة في حرب إلا بتأليه أجكس، وما انكسرت ~~أمة في قتال إلا منذ ألهت كيوبد. # فقالت الملكة: أي وحق أرس، ما رمى كيوبد سهما على بطل إلا صرعه، وما رمى أجكس ~~سهما على صعلوك إلا جعله بطلا، وعندنا الشاهد على ذلك أنطونيوس كليوبترا وأكتافيوس ~~خصمه. # فقالت أوجستينا: لذلك أقول: يجب أن يكون في القانون صريحا في تحريم عبادة ~~كيوبد. # فاستشاطت الملكة قائلة: من هي المرأة التي تجسر أن تقيم تمثالا لكيوبد في بيتها، أو ~~تبني له هيكلا في بنطس. # فقالت فلومينا: هي المرأة الخائنة. # فقالت أمازونيا: هل في بنطس امرأة تجرأ على ارتكاب الخيانة العظمى؟ # فقالت الملكة بصوت متهدج: كلا البتة، إن سيف النقمة مصلت فوق ms05 كل عنق يشرئب إلى هيكل ~~كيوبد. إن هذا الهيكل في مملكة جاريجاريا لا في بنطس جارتها، وفي جاريجاريا فقط نقدس ~~كيوبد ونعبده أسبوعا واحدا فقط لتجديد النسل. وأما في بنطس فلن يقام معبد لكيوبد ~~لكي لا يبنى ضريح للحرية وينصب ضريح للاستقلال. هذا هو دستور الدولة الأمازونية ~~الصريح، وكل امرأة في بنطس تعرف هذا القانون بالبديهة ولا تجرأ أن تخالفه. # فقالت أمازونيا رئيسة الوزارة: لعل بعض سيدات الدولة لم يعلمن حتى الآن أن العداء ~~الذي نشأ أخيرا بين حكومتنا وملك جاريجاريا كان سببه أن ذلك الملك كان يحاول إدخال ~~عبادة كيوبد إلى بنطس؛ لكي يمهد السبيل إلى تبادل الصلات بين القطرين، ولا يخفى عليكن ~~ما في ذلك من خطر على استقلالنا، واحتمال وقوعنا تحت نير العبودية للرجال، كما كانت ~~جدات جداتنا من زمان قبل التحرير. وما نطق الهيكل اليوم إلا نذير بهذا الخطر، فحذار ~~من تسهيل السبيل لعبادة كيوبد، وتفشي الحب والغرام في قلوب الأمة. # فقالت الملكة: أجل، إن نطق الهيكل اليوم إنذار مروع يحتاج إلى درس وتفسير وإلى ~~تقرير الخطة التي تتدارك ويلاته. فإلى ديوان الدولة حيث ينعقد المجلس الرسمي، يجب أن ~~تكون الجلسة سرية. وحذار أن تتسرب كلمة من نطق الهيكل ونتيجة البحث فيه إلى الأمة ~~لئلا تتضارب الأقاويل والأراجيف والتخرصات والإشاعات التي تحدث اضطرابا وقلقا، وقد ~~تفضي إلى فوضى. فإلى ديوان الدولة أيتها السيدات. # وفيما هن يخرجن كانت فلومينا - ضابطة الأمن - تقول: إن ما تحاذرن قد حدث، فما ~~خرجت الأمة من الهيكل إلا والنسوة يتقولن. # 2 # وما إن خرجت سيدات الدولة حتى ظهرت رئيسة الكاهنات في رحبة الهيكل، وإلى جانبها ~~ملفينا الكاهنة المحبوبة عند الرئيسة، والتي تعتبر كأنها كاتبة سرها، وهي التي أمسكت ~~بها آنفا أوجستينا، وطلبت منها الاستيضاح عن سبب إنذار الهيكل، وكانت ملفينا تقول: ~~يظهر يا مولاتي أن بنطس المجيدة قد انغمست في حمأة الجرائم حتى كان نطق الهيكل اليوم ~~مروعا. # فقالت الرئيسة بصوت أجش ضخم كعادتها: أجل، الويل لمملكة بنطس من عبادة كيوبد إله ms06 ~~الحب؛ لأن أجكس إله القوة غيور لا يطيق شريكا له في ألوهيته، وأرس مستمد القوة منه ~~في الحروب، فإذا سيطر كيوبد على بنطس غضب الإلهان واستردا قوتهما منا وذلت الدولة، ~~ووقعت تحت نير العبودية للرجال من جميع القبائل، فالويل للفاجرات، الويل للمنغمسات في ~~الشهوات. ~~- ويحهن، وهل لكيوبد جرأة على أن يغزو مملكة بنطس وهي في حماية الإلهين العظيمين ~~أجكس وأرس؟ # إن كيوبد يسرح ويمرح الآن خلسة في بنطس، فالويل للأمازونيات إذا استوى كيوبد في ~~هيكل، فلسوف يتبوأ عرش بنطس قمر يكسف الشمس. ~~- وا ويلتاه، وا سوء المصير! ~~- إن الهيكل لمنتقم شر نقمة، وستعلم اللواتي يرحبن بكيوبد أي منقلب ينقلبن. ~~عليك يا ملفينا أن تراقبي الدار والأديار والأسواق والأسوار، فإني أحسب حسابا للغزاة ~~السريين الأشرار. # 3 # وكانت أوجستينا كامنة في الهيكل تسمع الحديث، ولا تراها الرئيسة ولا ملفينا، فما إن ~~خرجت الرئيسة حتى نادت همسا: ملفينا ملفينا ملفينا. # فارتدت ملفينا إلى الوراء متخلفة عن الرئيسة وقالت: ليس غير ما سمعت من فم ~~الرئيسة. ~~- أليس في وسعك تسقط الأخبار السرية عما حدث في بنطس مما أفضى إلى هذا النطق ~~الرهيب؟ ~~- ليس في وسعي اليوم، ولكن المفهوم أن النطق جرى بسبب أن الحب يلعب أدوارا سرية في ~~بنطس مع أنه محرم على الأمازونيات كل التحريم إلا في جاريجاريا في أسبوع واحد فقط ~~كما تعلمين، حيث تذهب الأمازونيات إلى هناك لعبادة كيوبد لتجديد النسل. ~~- هذا معلوم، وقد مضى ذلك الأسبوع المقدس منذ شهر، فهل تظنين أن أحد العشاق قد تبع ~~عشيقته سرا ولا يزال متخفيا في بنطس؟ أولا تعتقدين أن الحدود بين بنطس وجارجاريا ~~فاصلة بالفعل بين ساحات الغرام وساحات الصيام؟ ~~- بحسب شريعة الدولة يجب أن تكون الحدود خالية من مسارح الغرام. # فقالت أوجستينا مازحة هازلة: أي نعم، كما يخلو الجو من رطوبة الماء متى كانت الشمس ~~ساطعة، حتى إذا غابت الشمس وانسدل الظلام تقاطرت # 1 # الرطوبة ندى على الأزاهر. # ولا يخفى على القارئ من سياق هذا الحديث أن الراهبة والوزيرة هما على رأي ms07 واحد؛ ولهذا ~~يستلذان هذا الحديث ، ولهذا هما صديقتان تتساران بعض الأحيان. فقالت ملفينا مزكية قول ~~وزيرة القضاء ضاحكة: ولذلك نرى الغرام دائم التقاطر هناك على أزاهر القلوب، أليست هذه ~~طبيعة الحباحب - أي سراج الليل - لا ترى عشاقها في ضياء الشمس الباهر، بل في ضياء ~~غرامها تحت جنح الظلام؟ # فقالت أوجستينا مستطيبة هذا السجال الشعري: إذن حيث لا تقع أشعة الشمس تتلاقى قلوب ~~العشاق تحت أشعة الغرام، فلماذا تلام؟ # فقالت ملفينا جادة: إذا ضعفت أشعة شمس الدولة عند الحدود، فهل يضعف صوت الشريعة ~~الزاجر؟ ~~- بل قولي صوت الطبيعة الآمر. ~~- إنما فارس الشريعة نشأ لكي يكبح جماح جواد الطبيعة، هذه حكمة الآلهة في صيانة قوى ~~الأمة الأمازونية. # فقالت أوجستينا محتجة: حاشا للآلهة أن ترتكب حكمة هوجاء كهذه، إذ لا فائدة من القوى ~~المحبوسة، أيبلغ الجواد إلى آخر شوطه وهو حبيس في إسطبله، لا بد من إطلاق قواه لبلوغ ~~هدفه، والطريقة القويمة لتصريف القوي هي الحب. # فقالت ملفينا مناقشة: يجب أن يكون الحب تحت سلطة القانون؛ لأنه مسراف نزق ~~متهور. ~~- وتنازع الحياة يستلزم النزق والإسراف والتهور، فلا حياة بلا حب. # ويحك الحب عدو استقلالنا، لو اعتنقنا عقيدتك هذه لوقعت بنطس فريسة للأعداء. # فقالت أوجستينا هازئة مقهقهة: حبذا الأعداء! من هم الأعداء، أليس أقرب قبيلة لنا ~~قبيلة جاريجاريا؟ وفيها آباؤنا وإخوتنا وبنونا، وقد ازدحمت بالذكور الذين نلدهم ونرسلهم ~~إلى آبائهم، وقلت عندهم الإناث، وازدحمت بنطس بالإناث اللواتي نلدهن ونستبقيهن، ~~فإذا غزانا أهل جاريجاريا كنا نحن مفترساتهم لا هم مفترسينا. ~~- الويل لك، أتريدين أن نفترس أقرب الناس إلينا؟ ~~- وما قولك إذا كانوا يغتبطون كل الاغتباط بهذا الافتراس؟ # فقالت ملفينا متبالهة: يا لك من مماحكة! أيغتبطون في أن تكون بنطس معارك أبطال تتدقق ~~فيها دماؤهم كالأنهار؟ # فثارت أوجستينا مازحة: أي نعم، يغتبطون في أن تكون بنطس معارك غرام تتدفق قلوبها ~~بدماء الحب. # وقالت ملفينا متمادية بالتباله، ومستلذة هذا النقاش: أوه، أهذه المعارك تعنين؟ ~~- أي نعم، معارك الأحداق والمهج. ~~- هذه معارك لا نستطيع نحن الانتصار فيها، ينتصر ms08 فيها الرجال، ونصبح لهم فيها إماء ~~ورقيقات. ~~- بل يكون النصر لنا حتما، يدخل رجال جاريجاريا إلى بنطس مغزوين لا غازين، ويكونون ~~لنسائها غنائم لا غانمين. ~~- إن تقاليدنا وتواريخ جداتنا تشهد ضد هذه الأماني التي تمنين النفس بها. فما ~~اعتصبت جداتنا ضد الرجال إلا لكي يسحقن نير العبودية لهم، فهل تريدين أن نعود إلى ذلك ~~النير الثقيل؟! # فقالت أوجستينا جادة: آسف أن للتقليد سلطانا على عقلك يا عزيزتي. عند الاختبار ~~تجدين رجال هذا الزمن في معارك الغرام أسارى ونساءه آسرات. ~~- وقينا من شر نظريتك يا سيدة القضاء. أما كانت معارك الغرام تحتدم في أزمان جداتنا ~~القديمات؟ فلماذا كانت جداتنا أسيرات لا آسرات، ورقيقات لا سيدات. # فقالت أوجستينا جازمة: كلا لم تحدث معارك الغرام في زمن جداتنا؛ لأنهن كن ~~أسيرات، وكان الرجال يتمتعون بهن بغير اقتناص كما يتمتعون بأكل الغنم والفراخ والحمام ~~بلا اصطياد. جداتنا قمن بنصف المهمة التي كتبت في سفر تحرير المرأة، هن حررننا من ~~العبودية للرجال، فبقي علينا أن نستعبد الرجال، ولا سلاح لاستعبادهم إلا سهام ~~كيوبد. # فقالت ملفينا مضطربة: ويك أخاف أن كيوبد إله الحب يعيث غراما الآن في البلاد، ويريش ~~سهاما إلى الأكباد إذا كانت سيدة القضاء تتمادى بهذه الفلسفة ... إلخ إني أحس بوقع سهم، ~~فمن أية ناحية ريش هذا السهم إلى هنا؟ (ووضعت يدها على قلبها تتحسس). # فقالت أوجستينا: طبيعي أن يعيث كيوبد في بنطس ويريش السهام على الدوام؛ لأن الحب جوهر ~~الطبيعة، فإذا عاث الجوهر في البلاد كان عيثه زهرا جميلا وثمرا يانعا. ~~- ولكن الحب في شريعتنا جريمة يا سيدة القضاء والعدل، فكيف نتقي هذه الجريمة؟ ~~- هو جريمة في شريعتنا، ولكنه فضيلة في سنة الطبيعة، ولا قبل لنا على مناهضة الطبيعة ~~فيما هو فضيلة في شريعتنا. ~~- ولكن الشريعة نشأت لمقاومة الطبيعة. ~~- حقا ما تقولين. فلنر أيهما تغلب وتفوز أخيرا يا عزيزتي الكاهنة التقية النقية، ~~بالطبع لا تقصي نقاشنا هذا على رئيستك الكاهنة العظمى، وإن كانت قد أوصتك أن ترقبي ~~حوادث كيوبد في بنطس، أثق أنك ms09 لا تقصين عليها هذا الحديث لأنك شريكة فيه. # عند ذلك باغتهما وقع أقدام، فالتفتتا إلى حيث كان الوقع، فإذا رئيسة الكاهنات بادية ~~وهي تقول بصوت جهوري: «في الغد يكمد القمر ويعتقل الحب، فارقبي القمر يا ~~ملفينا.» # ثم توارت وملفينا أجفلت وقالت: ويحي لقد سمعت كل حديثنا، وسينزل الويل علينا. ~~- لا تخافي، هل سجدت لكيوبد؟ إذن لم تعصي الشريعة، فلماذا تخافين؟ وأسرعت أوجستينا ~~إلى القصر لكي تحضر مجلس الدولة. # | الفصل الثاني # في دار الدولة في قصر الملكة # تركنا الملكة في الفصل الآنف تأمر بعقد مجلس الدولة في بهوها، وهو يحتوي على مقاعد من ~~الخشب السنط مزخرف من الطراز اليوناني القديم، وفي وسطه منضدة من خشب مزخرفة، وقد جلست ~~الملكة أمامه وجلست حوله سائر سيدات الدولة، ما عدا الوصيفات وحاشية الملكة طبعا. # وعلى أرض البهو أبسطة جميلة إغريقية الطراز، وفي الزوايا مناضد عليها تماثيل وأزاهر أمام ~~التماثيل. وعلى الأبسطة فراء، وقسي وسهام، وخناجر وحراب ورماح معلقة في الجدران. # 1 # وقد افتتحت الملكة الجلسة بورع قائلة: إن إنذار الهيكل لرهيب يا سيدات. # فتلتها أمازونيا رئيسة الوزارة بالقول: لا بد أن في بنطس الآن جريمة سرية مدنسة ~~قدسية شريعتها. فيجب تطهير البلاد منها، وإلا نزل الويل بالبلاد، وما الويل الذي يخشى ~~منه إلا ضياع استقلالها ووقوعها تحت نير العبودية لدولة جارجاريا الطامعة ~~فيها. # فقالت الملكة: طبعا، لا إنذار إلا تجاه جريمة، فالأمر الذي يجب تحقيقه هو الجريمة ~~نفسها. # فقالت فلومينا مديرة الشرطة: طبيعة الجريمة ظاهرة يا مولاتي في نفس إنذار الهيكل، وهي ~~«الويل إذا انتصر كيوبد إله الحب على أجكس إله القوة»، فالجريمة جريمة حب، وبأكثر وضوح ~~هي جريمة اجتماع حبيبين في بنطس. # فقالت أوجستينا متفلسفة: كيف يكون الحب جريمة ونحن لولاه لما وجدنا. # ففسرت أمازونيا رئيسة الوزراء: ليس الحب جريمة إلا في بنطس، وأما في جارتنا ~~جاريجاريا فلا. # فقالت أوجستينا متململة: لا أفهم كيف يكون ناموس طبيعي جريمة هنا وفضيلة هناك، أليست ~~بنطس جزءا من الطبيعة؟ ~~- أمرك غريب ... هل الطبيعة دستور بنطس؟ وهل ms10 سنت الشرائع إلى لمقاومة الطبيعة. ~~- دستور بنطس لا يحرم الحب، لا يحرم إلا دخول الذكور إلى البلاد. ~~- ويحرم الحب فيها أيضا؛ لأن إباحة الحب تتضمن إباحة دخول الرجال، ودخولهم خطر على ~~الاستقلال الذي اشترته جداتنا بدمائهن. # فتدخلت الملكة بين أوجستينا وأمازونيا حسما للنزاع في سر الحب، وقالت: يجب أن نفسر ~~نطق الهيكل كلمة كلمة لكي نحدد الجريمة التي اقتضت هذا الإنذار المروع. # فقالت فلومينا: التفسير واضح يا مولاتي، القمر الساطع رمز لشيء، فهل يمكن أن يكون ~~رمزا إلا للرجل. # فقهقهت أوجستينا متهكمة وقالت: ألا يحتمل أن يكون رمزا لحمام أو لغزال، أو لتيس ~~سيعبر الجسر. # فقالت فلومينا ساخرة: لا ريب أن ضياء عيني تيسك يخسف القمر. ~~- ومن ذا يقول إن الظباء والحمام والتيوس لا تعشق. الحب كالدم جار في كل عرق من عروق ~~الطبيعة. # فشق على الملكة التمادي بالجدال في موضوع الحب كأنه يحرك فيها شجونا وهو ما تريد ~~تجنبه في هذا المقام، فقالت: يجب أن نبحث لماذا يغضب الإله إذا مر ذلك القمر الساطع ~~على الجسر حين يكمد القمر، إذا كان المراد بالقمر الساطع رجلا، مع أن دخول أي رجل إلى ~~بنطس في كل حال يعد جريمة. # فقالت فلومينا مستدركة: ولكن ليست كل جريمة تغضب الإله هذا الغضب المنذر بالويل ~~والثبور. والظاهر من النطق الهيكلي أن الإله يغضب إذا اتفق مرور ذلك الرجل الجميل على ~~الجسر حين اكمداد القمر، فيجب أن نبحث عن المراد باكمداد القمر. # فقالت أوجستينا متفلسفة: الأمر واضح، ليس تفسير اكمداد القمر بخسوفه أبعد عن العقل من ~~تفسير القمر الساطع بالرجل الجميل. ~~- ومروره على الجسر حينئذ نذير بدخوله إلى بنطس بجريمة الحب التي تغضب ~~الإلهين. # فقالت الملكة مترددة: إذن عليك بالقبض على الرجل الذي عناه الإنذار قبل أن يمر على ~~الجسر ساعة اكمداد القمر؛ أي خسوفه، وإذا مر قبل الخسوف أو بعده فلا ويل. # فقالت الوزيرة أمازونيا نازقة بصوت عال وهي تخبط المنضدة بيدها: يجب القبض عليه ~~واعتقاله ومقاصته ورفيقته بالموت على كل حال، فاليوم رجل ms11 وغدا رجال، وبعد غد أقيال ~~وأخيرا أمراء، وحينئذ على عرش الدولة يا رحمان يا رحيم، وللاستقلال نار الجحيم، ولكن ~~للجميع العبودية. # وكانت الملكة تختلج عند سماع هذا الإنذار فقالت مضطربة: أجل، يجب قطع دابر الذكورة من ~~بنطس وإلا وقعت الأمة الأمازونية تحت نير العبودية للرجال. على ملفينا القيمة على ~~الأمن أن تتخذ التدابير الكافية للبحث عن أي ذكر في بنطس. # فقالت أمازونيا بحزم: ويجب أيضا مراقبة جسر ثرمودون حول ميعاد خسوف القمر واعتقال كل ~~امرأة تمر عليه وتحري أمرها. # فقالت الملكة متلعثمة: وسأنزل العقاب الشديد بكل امرأة يثبت أن لها صلة برجل متخف ~~في بنطس؛ لتكون عبرة لمن تجرأ على تدنيس شريعة الأمازونيات، إني حريصة على استقلالهن ~~كحرصي على عرشي. # فهتفت المؤتمرات: تعيش الملكة، ثلاثا. # ثم قالت أوجستينا: إذن يجب أن نتحقق موعد خسوف القمر فقد يكون قريبا. # فقالت الملكة مؤمنة على كلام وزيرة العدل: على جريجوريا وزيرة الشئون الاجتماعية ~~استدعاء المنجمة الآن لاستفتائها. # فخرجت جريجوريا لقضاء هذه المهمة واستمرت الملكة تقول: حذار أن تتسرب كلمة من هذا ~~المجلس إلى الخارج لئلا تضج البلاد بالأقاويل والأراجيف التي يمكن أن تحدث شغبا. بقيت ~~الفقرة الثانية من نطق الهيكل: «الويل ثم الويل إذا انتصر كيوبد على أجكس إله القوة حين ~~يقترن القمران.» # فقالت فلومينا سيدة المحافظة على الأمن: الظاهر من هذا النص أن المراد بالقمرين ~~القمران المذكوران في الفقرة الأولى: القمر الساطع والقمر المكمد. # فقهقهت أوجستينا وقالت متهكمة: أي نعم، اضبطي قمر الأرض الساطع لئلا يفر إلى قمر ~~السماء المكمد ويقترن به. # فقالت الملكة متحققة أمرا يهمهما: ألا يحتمل يا سيدات أن يكون المراد باقتران ~~القمرين مرور الرجل على الجسر مع حدوث الخسوف في وقت واحد؟ # فقالت أوجستينا: عفو مولاتي، إذا كان هذا هو المراد، فالفقرة الثانية تكرار للأولى، ~~ونطق الهيكل يجل عن التكرار الفضولي أو التوكيدي لأنه أكيد بلا توكيد. # فقالت أمازونيا رئيسة الوزارة باسمة: هذا كلام شخص حقوقي قانوني منطيقي. إذن فلا بد ~~أن يكون المراد اقتران ذكر وأنثى في ms12 بنطس على كل حال. # فقالت فلومينا كأنها تتشفى: أجل الويل لهما، هذا تدنيس للشريعة، يجب أن يشاد هيكل ~~حقير لكيوبد، ويحرق المجرمان على مذبحه لكي يختنق كيوبد بدخان ضحيته. # فقالت أوجستينا ساخرة: وحينئذ يجب أن تعيني حارسات تراقبن ذلك الهيكل ليلا وتحصين ~~الأمازونيات اللواتي يدخلن إليه، ويسجدن لإله الحب. ~~- واجعلي فوق باب الهيكل سيفا يسقط على كل عنق يشرئب إلى داخله. ~~- حاذري أن يقع سيفك خطأ على عنقك يا عزيزتي. ~~- سيفي لا يخطئ، لا يقع إلى على كل من تمد عنقها إلى هيكل الغرام. # فقالت الملكة متلملة من هذا الحديث كأنها هي المقصودة فيه: إذن فعليك يا فلومينا أن ~~تستخرجي القرينين من مخبئهما، ولو كانا في أعماق الخفاء. # فعادت أوجستينا إلى لباب الموضوع وقالت: إذن يجب أن نفهم ماذا عنى الهيكل بالقمرين ~~لكي نعلم إن كانا يصحان رمزا للعاشقين، ليس في السماء إلا قمر واحد، فما هو القمر ~~الآخر؟ # فقالت فلومينا: الجواب عند المنجمة، فمهلا قليلا فإن جريجوريا قد خرجت لاستدعاء ~~المنجمة. # 2 # لم يمض وقت طويل حتى جاءت جريجوريا مصطحبة المنجمة، وانحنتا باحترام كلي لدى جلالة ~~الملكة وسائر الوزيرات. وكان تحت إبط المنجمة درج من رق الغزال يشتمل على علوم الأفلاك ~~والتنجيم، فأمرتها الملكة بالجلوس على مقربة منها، وسألتها: هل لك أيها العالمة أن ~~تنبئينا متى يقع الخسوف القادم. # فحلت المنجمة الثوب الأطلسي عن الرق، ونثرت الدرج مسافة ذراعين منه، وجعلت تحملق فيه ~~إلى أن قالت: «بحسب تقويم بطليموس سيد الفلكيين وأمير المنجمين، يقع الخسوف القادم في ~~موعد تمام البدر القادم.» # فقالت أوجستينا: عمر القمر الآن عشر ليال ... # فقالت الملكة: إذن بعد 4 أيام يقع الخسوف. # فقالت المنجمة: من غير بد. # فسألت الملكة محققة: هل تعرفين في الفلك قمرا ثانيا؟ ~~- كلا وحاشا يا مولاتي، لا تسمح الآلهة إلا بقمر واحد يقرر صنفا واحدا من ~~الطوالع. ~~- صنفا واحدا من الطوالع؟ أي صنف؟ ~~- صنف الطوالع الغرامية يا مولاتي. # فاختلجت الملكة واختلجت معها جميع الوزيرات مرتبكات، وقالت الملكة: يا للعجب. هل ~~للقمر ms13 تأثير في العشق؟ ~~- القمر نفسه عاشق يا ذات البهاء. ~~- يعشق من؟ ~~- يعشق الشمس يا سيدتي، وهل يجد القمر في الفلك عشيقة أجمل من الشمس؟ ~~- أمر غريب. كيف يعشق القمر الشمس؟ ~~- أما رأيت يا ذات الذكاء الباهر القمر يقترن بالشمس حين كسوفها، ولا يفارقها إلا ~~بعد عناق طويل يبثها فيه غرامه. # وكانت جميع الوزيرات مبهوتات من كلام المنجمة. فقالت أوجستينا: أعزك الله يا ذات ~~العلم الواسع، إذن يعنى بانكساف الشمس اقترانها بالقمر، وإذا قيل اقتران القمرين فماذا ~~يعنى؟ # فقالت المنجمة محملقة مشرئبة العنق: من يقول هذا القول البديع؟ إنه لشعر ساحر. ~~- لعل إلها قاله. لا أتذكر. ~~- المجد لهذا الإله، إنه لتعبير بديع يراد به الشمس والقمر جميعا، لعل هيلاس إله ~~الغناء والشعر قاله. ~~- هل تعرفين في ميثولوجيا إحدى الأمم نصا على أن الشمس والقمر متعاشقان؟ ~~- في ميثولوجيا غلاطيه أنهما عاشقان، وفي ميثولوجيا كبدوكيا أنهما أخوان، وفي ~~ميثولوجيا قورنثيا أن الكوكبة أندروميديا ولدتهما وتركتهما فاقترنا، نعم أخوان ~~اقترنا. ~~- متى يحدث الكسوف التالي؟ # وكانت المنجمة تحملق في درجها وتقول: «بحسب تقويم أستاذ التنجيم بطليموس، يقع الكسوف ~~التالي يوم ميلاد القمر التالي.» ~~- إذن بعد ... ~~- بعد 18 يوما كاملة. # فقالت الملكة مضطربة تريد الخلاص من المنجمة: شكرا لك أيتها العالمة الجليلة، لك ~~المكافأة اللائقة بعلمك جزاء إفاداتك. ونهضت المنجمة وانحنت باحترام كلي ثم ~~خرجت. # 3 # حدث اضطراب شديد على أثر خروج المنجمة، وجعلت الوزيرات ينظرن بعضهن إلى بعض كأنهن ~~يتساءلن إلى أن قالت فلومينا: يالله! أخوان يقترنان؟ أليس هذا شرا فظيعا؟ # فقالت أوجستينا: هذا فظيع، ولكنه جائز في قورنثيا، دعينا من تطبيق الشرائع الآن. لقد ~~انجلى فحوى نطق الهيكل جيدا الآن، وهو أن الويلين ينزلان على بنطس إذا اقترن الأخوان ~~المتعاشقان حين كسوف الشمس، أجل إن اقتران الأخوين أعظم جريمة تزلزل بنطس. # وكانت الملكة مبهوتة تفكر فيما جرى من الحديث فقالت: ويحهما، أيقترنان في ~~بنطس؟ ~~- إن العاشقين يا مولاتي ليسا بعيدين عن هذه العاصمة. # فاستشاطت الملكة مختلجة واجفة وقالت متلعثمة: الويل ثم الويل لهما، سأجعلهما ms14 عبرة ~~للأجيال القادمة. # فقالت جريجوريا كاتبة سر الملكة: يمكن حدوث هذا القران الفظيع خطأ يا مولاتي. ~~- وهل يغتفر إلاهانا هذا الخطأ؟ إن دستورنا تدارك حدوث اقتران الأخوين خطأ؛ إذ حتم ~~على كل امرأة أن لا تعرف إلا قرينا واحدا لها، فترسل إليه مولودها إذا كان ذكرا، ~~وتحتفظ به إذا كان أنثى. وهكذا تستطيع أن تنذر بناتها من الاقتران ببنيه؛ لذلك يجب ~~تدارك حدوث هذا الخطأ لئلا تنقض الويلات على بنطس. على فلورينا أن تجمع كل دهاء السماء ~~والأرض لكي تعتقل ذينك العشيقين قبل حدوث الخسوف تداركا للويلات الرهيبة، وعل كل يمكن ~~أيتها الوزيرات أن تفعل ما يجب عليها في اكتشاف هذه الجريمة الهائلة. لقد أعذر من أنذر، ~~وسيكون الانتقام من اللواتي يحاولن بناء هيكل ليكوبد في بنطس انتقاما لا تطبيقه نفس ~~بشرية. سلام عليكن. # وجعلن ينحنين أمام الملكة ويخرجن. # وفيما هي في صحن الدار همست ملفينا في إذن أوجستينا: ما قولك بعظة الملكة. فقالت ~~أوجستينا: هل تستطيع أن تقول غير ما قالت؟ # 4 # ارفض المجلس والملكة دخلت إلى جناح قصرها، وجلست على مقعدها تفكر فيما سمعت، وفيما ~~جرى في الهيكل، وفي نبوءة الكاهنة الكبرى، وقد استوى الهم على نفسها، وجثم على صدرها ~~كابوس الغم، ثم جعلت تحلل النبوءة بنفسها. # لقد انحصر تفسير نطق الهيكل في أمرين صريحين؛ الأول: مرور رجل على جسر ترمودون في حين ~~خسوف القمر، وهذا أمر تداركه أسهل من السهل. # والثاني: اقتران الأخوين في حين كسوف الشمس، وهذا يمكن تداركه إذا نجحت فلومينا في ~~اعتقال أحد الأخوين حين مروره على الجسر، ولكن من هما الأخوان، لا يمكن أن يكون أفريدوس ~~أحدهما. وهب أن هذا الاقتران وقع في بنطس فأنا بريئة منه، والويل لا يقع في ~~القصر. # ثم تقدمت نحو باب حجرة السر وفتحته ثم نادت أفروديت: أفروديت، أفريدوس، ~~أفريدوس! # فجاءها من وراء الحجرة فتى في زي فتى روماني يتشح بوشاح عريض طويل أنيق، وإلى جانبه ~~خنجر جميل صغير، وينحني باحترام وببشاشة ويقول: لبيك يا مليكة فؤادي. # وعانقته ms15 عناقا عنيفا ثم قالت: ما ألذ وأجمل أن أراك بزي الفتى الجميل والحبيب ~~المعشوق يا أفريدوس. يا لقوة الجمال في هاتين الساعدين المفتولتين. قالت هذا وهي قابضة ~~على ساعديه. # ويا لقوة السحر في هاتين المقلتين الوضاءتين! ويا لقوة الشعر في هاتين الشفتين ~~العندميتين! ويا لقوة الضياء في هذا المحيا الساطع! أخاف أن تكون القمر الساطع، ويا ~~لقوة البهاء في هاتين الوجنتين المتوردتين. # وكانت تلمس بأناملها جميع هذه المذكورات. # ثم أردفت: يا لقوة الشباب في هذا القد العادل. # وضمته إلى صدرها ثانية وقبلته قبلة النسيم للغصن. # ثم أفلتته، ولكنها لم تستطع أن تفلت من بين ذراعيه ولا شفتاها من شفتيه كأنه لا يرتوي ~~ولا هي ارتوت. # وعادت تقول: أغتبط أيما اغتباط إذ أراك قمرا طالعا بزي الشاب النبيل. ولكن أشفق أن ~~ينم عليك زيك في حين غفلة، فعد وتزيا بزي الوصيفة أفروديت لئلا تباغتك إحدى الوصيفات ~~فيفتضح الأمر. # فقال أفريدوس: ولكني كما أمرت أتجنب الاختلاط بالوصيفات تحاميا للفضيحة. # هذا التجنب حتم على كل حال حتى في حال تنكرك؛ إذ لا يمتنع أن تصادفك إحداهن على حين ~~غفلة، فعد والبس لباس أفروديت. ~~- أخشى حسدهن لي لتمييزك إياي عليهن، يعرفنني وصيفة حديثة العهد في بلاطك باسم ~~أفروديت. ~~- لقد أوهمتهن أنك فتاة من سلالة تتصل بالأسرة المالكة ففقأت بهذا الإيهام عيون ~~الحاسدات. ~~- ولكن ما الذي طرأ حتى صرت ترغبين في اختلاطي بهن. ~~- أشفق عليك من مللك في وحدتك في انتظاري، حين أكون مشغولة بمهام الدولة. ~~- لا أشعر بملل الوحدة لأنني في غيابك أنظم الشعر لأبث فيه غرامي لك. ~~- أما كفى ما في هذين اللحظين من السحر حتى تضم إليها سحر الشعر. إنك قاتلي بما في ~~هذين الناظرين من السحر، ادخل الآن إلى خدرك وتنكر بزي الوصيفة، وهلم إلي. # فدخل إلى مخدعه، وهي بقيت تغازل نفسها، يا للهوى يا لشعلة الغرام في الفؤاد! كلما ~~نفخها جبروت الملك لكي يطفئها صب عنفوان الشباب زيتا عليها ليزيدها ضراما ... ا ... آه ... ~~طلبت السعادة في انتصارات الحروب فوجدتها لا ms16 تزيد على نبضة واحدة ضعيفة بين نبضات ~~الغارات العنيفة في المعارك . توسلت إليها في مطاردات الصيد فما أصبت منها إلا علفة من ~~قلب غزال تتخم معدة الجسد. وأما معدة النفس فبقيت جائعة، فتطلبت السعادة في سلطة الملك، ~~فما وجدت إلا سلسلة مشاكل ومشاغل لا تنتهي. عبثا بحثت عن سعادة في أي ناحية من نواحي ~~الحياة ... آه. فما وجدتها إلا في الحب، تبا لدستور بنطس الذي يجعل الحب جريمة، فكأنه ~~يحرم الحياة. إذا قتل الحب، فماذا يبقى من هدف للحياة ... آه ... الحب. الحب الحب، هو إله ~~الطبيعة الذي لا يجحد، هلم إلي يا كيوبد إله الحب، إني ملكة عبادك بل أنا خادمة ~~هيكلك. # عند ذاك جفلها قرع على البار الخارجي. ففتحته وإذا أمها الشمطاء العمياء تبدو منه ~~فقالت مبغوتة: ماذا دعاك إلى هذه المفاجأة يا أماه؟ # فقالت أمها: صه، لا تدعي أفريدوس يأتي إلى هنا قبل أن أملي عليك نصيحتي. ~~- نصيحتك؟ بأي شأن يا أماه؟ ~~- بشأن المجلس الذي ارفض منذ برهة، فإن أذني العمياء مرهفتان - استوعبتا كل حوار ~~جرى بينكن من وراء الباب. ~~- كانت جلسة سرية يا أماه. ~~- أتودين أن تكتم أسرارك عن أخلص الناس لك؟ عن أمك؟ عن والدتك الساهرة على سلامتك ~~وسلامة عرشك؟ # فقالت الملكة خافقة الفؤاد متلعثمة: أجل أنت أم، بل أنت الملكة الأولى، وستبقين الأم ~~التي لا غنى عن نصائحها. ~~- فاجأتك قبل أن ترسمي أية خطة بشأن أفريدوس، فماذا نويت أن تفعلي؟ ~~- نويت أن أحتم عليه الاعتكاف في القصر لا يخرج منه كعادته للصيد إلى أن ينقضي موعد ~~إنذار الهيكل. ~~- أي سبب تنتحلين لهذا التحتيم؟ ~~- لم أفكر بعد بتلفيق سبب له. # مهما لفقت من أسباب فلا يطمئن، وإذا اشتد قلقه أفضى إلى فضح سره، فما هو بالأبله لكي ~~يطاوع طاعة عمياء، إن الاحتفاظ به هنا في القصر غير مأمون العاقبة. ~~- إن تنكره متقن جدا يا أماه، فهو يحلق عارضيه وشاربيه كل يوم مرتين، وإلى الآن لم ~~يكتشف أحد سره. # منذ اليوم ستكون العيون محملقة جدا يا بنتي. ms17 ~~- لا يتسنى لأحد أن يتدخل بشئون قصري. ~~- لا تدرين ماذا تكون عاقبة التدقيق في التحقيق الذي قررتنه، فإذا وقعت الشبهة على ~~أفروديت تتبعت الجاسوسات أفريدوس إلى أعماق قصرك. # فقالت الملكة مضطربة: ورأيك الحكيم يا أماه. ~~- رأيي أن يخرج أفريدوس حالا من القصر بأية حجة من غير أن يرتاب بسبب، دعيه يسبقك ~~إلى قصر الصيد على الحدود حيث ابتدأ تعارفكما، حتى متى صار هناك توعزين إليه أن يتريث ~~موعودا بأن تستدعيه بعد حين إذا لم تلحقي به. ~~- أماه، ويلاه، لا أطيق فراقه يوما واحدا. ~~- أشعر بحسرتك، فقد نكبت بها في شبابي أحيانا، ولكن أتطيقين ضياع عرشك إذن؟ ~~- ويحي، كلاهما متعادلان في الميزان. ~~- وكليهما تخسرين. ~~- يمكن أن يسلما كلاهما إذا منحتني دهاءك. # تحتاجين إلى دهاء عظيم يا بنتي؛ لأني أحس أن مكيدة هائلة مدبرة ضدك، فحاذري. ~~- ويحي، أي مكيدة تحسين؟ # عجبا، ألا تشعرين أن نطق الهيكل مبني على تسرب أسرار القصر إليه؛ لأن جواسيس الهيكل ~~يجسن أعماق الزوايا والكهوف، ولعل رئيسة الكاهنات علمت بأمر أفريدوس فنطقت بنبوءة ~~الهيكل بناء على هذا العلم. # فقالت الملكة متفجعة: ويلاه. إذن. دبري تدبيرا ينقذني من هذه المكيدة الهائلة يا ~~أماه من غير أن يفقدني التدبير أفريدوس. هو قمري الذي لا أحتمل غيابه يوما ~~واحدا. ~~- العروش يا بنتي، لا تثبت على أساس العواطف الرملي، يجب أن تكون لك إرادة أصلب من ~~الجلمد، يجب أن تقصي أفريدوس عنك إلى آخر الشهر؛ أي إلى ما بعد حدوث الخسوف والكسوف، ~~وثم نرى ماذا يكون بعد إخفاق نبوءة الهيكل. # فقالت الملكة متضرعة: أماه كيف يمكن السمكة أن تعيش في الوحل إذا نضب الماء؟ وكيف ~~يعيش العصفور في إناء لا ينفذ إليه الهواء؟ وكيف يهتدي الجدي إلى أمه إذا انحجب عنه ~~الضياء؟ وكيف يحيا الحي إذا انقطع عنه الغذاء والضياء والهواء والماء؟ يا أماه، أحين ~~أبلغ إلى قمة جبل الغرام أتزحلق إلى وادي الفراق؟ لا أطيق يا أماه، يجب أن أتبعه على ~~الأثر. ~~- حاذري أن تفارقي العرش في إبان هذه الأزمة الدولية ms18 الهيكلية؛ لئلا تقعي فريسة ~~للمكيدة. ~~- أف، أف، ليت هذا العرش لم يكن، ولا كانت متاعبه ومصائبه ... آه ... ما أسعد الراعية ~~في جاريجاريا، وحبيبها يعزف لها على قيثارته! وما أسعد الفلاحة في قورنثية وهي تشد بحبل ~~رفش حبيبها! وما أسعد الحاصدة في كبدوكية وحبيبها يعرقل منجلها بمنجله مداعبا! كرهت ~~العرش يا أماه. ~~- أشفق عليك، حاذري التفريط بالعرش يا بنتي؛ لأن حياتك مقترنة ببقائه. ولدت ذات عرش ~~ولم تولدي فلاحة ولا راعية. كوني حازمة لئلا تضيعي الملك والعرش والحبيب والحياة ~~جميعا. استدعي أفريدوس وأبلغيه تعليماتك. # وخرجت الوالدة لا تلوي، وبقيت الملكة تناجي نفسها: وا ويلتاه! كيف أستطيع فراق ذلك ~~البدر الساطع؟ هل تستطيع عيناي الغمض وهو بعيد عني؟ كل يوم أقضيه إلى جنبه يزيد غرامي ~~به. كذب الشعراء الذين يقولون: «دوام الوصال يورث الملال.» لعلهم لم يذوقوا طعم الحب، ~~فكيف يبدعون التشبيب والغزل والنسيب؟ آه! ولكن لا بد من إبعاده ريثما يمر زمن ~~الإنذار بالويل، فيا قلب تحمل الفراق على أمل اللقاء. # ثم فتحت الباب ونادت أفريدوس. # ودخل أفريدوس فإذا هو أفروديت إلهة الجمال، لا يمكن أن تظنه شابا؛ لأنه أتقن زي ~~الحسناء من كل وجهة، فتلقته الملكة باشة متهللة، وأخذت بيده وطوقت خصره بذراعها ~~وتمشيا معا، وهي تقول: إلى ينبوع السرور، وهو يقول لها: لبيك يا بحر البهجة ~~والحبور. # فقالت: أليس البحر متجمعا من الينابيع، فكيف لا يتعاظم ويتدفق على مرور الزمن كأنه ~~لا ترويه الينابيع؟! ~~- الينبوع يا عزيزتي سلسال قطرات صغيرة تتلاشى في البحر الخضم، فلا تزيده ~~مقدارا. # فقالت بعد صمت هنيهة وتأمل وتفكير في ما هي فيه من بلبال: أفريدوس، من أين تأتي مياه ~~الينابيع؟ ~~- إنها قطرات المطر تتغلغل في الأرض، ثم تتفجر من منافذها. ~~- ومن أين يأتي المطر؟ ~~- من فيض الآلهة. ~~- أي الآلهة؟ ~~- مطر السرور من فيض كيوبد إله الحب، أتنكر أن الحب مصدر كل سرور وسعادة؟ ~~- لا أنكر. ~~- إذن فلماذا لا تبنين هيكلا لكيوبد؟ # فأجابت بدلال وابتسام ساطع: بنيت. ~~- أحقيقي؟ أين؟ # فأشارت إلى قلبها، وقالت: هنا، بنيت ms19 هيكلا واحدا لمتعبد واحد. # فقال أفريدوس متدللا أيضا: كيوبد إله جميع البشر، فكيف تحصرين عبادته في هيكل واحد ~~لمتعبد واحد؟ ~~- أتريد هيكلا يشترك بالعبادة فيه كل الناس؟ ~~- كذا تكون الهياكل، يجب أن تبني هيكلا لكيوبد في بنطس يقصد إليه كل الناس. ~~- أن تعلم أن لا محل له في بنطس، ولا سلطة لي في غيرها. ~~- حيثما تبنين هيكلا لكيوبد تنقاد السلطة إليك صاغرة. ~~- تغضب أمتي. ~~- غضب كاذب. ~~- كيف يكون كاذبا وهو يزعزع عرشي؟! ~~- بل يثبت عرشك؛ لأني أعلم عباد كيوبد في بنطس أشد حرارة وغراما من عباده في أي مكان ~~آخر. ~~- لو بني هيكل هنا لهدمنه في دقيقة وجعلن مكانه قاعا صفصفا. # فقهقه أفريدوس قائلا: ليتك تمتحنين الأمر؛ فترينهن يترامين إليه ترامي الفراش على ~~المصباح. ~~- يرمينني منه بسهام مسمومة. ~~- يرمينك بأغصان الورد امتنانا وشكرا. ~~- هذه مجازفة يا أفريدوس، لا أجسر أن أقدم عليها. ~~- ليس في الأمر مجازفة، يبنى الهيكل في الحدود قرب قصر الصيد الذي اجتمعنا فيه لأول ~~مرة من غير أن يعلم من بناه، وحينئذ ترين الأمازونيات يتهالكن في التردد إليه خلسة وبعد ~~حين جهارا. وفي زمن غير طويل يتلاشى العداء الذي حدث بين دولتي بنطس وجاريجاريا بسبب ~~الدسائس، وثم يتواتر القران بين الأمازونيات والجاريجاريين. وأخيرا يتحول الخصام ~~الكاذب بين الأمتين إلى ولاء صادق. وثمت يتسنى ضم العرشين في عرش واحد تتبوئينه ~~أنت. ~~- وي. وي. وي. لقد شططت كثيرا يا أفريدوس، تزين لي حلما لا أتصور تحقيقه حتى ~~ولا في السماء السابعة، فكيف يمكن ذلك؟ # فقال أفريدوس جادا: تقترن ملكة بنطس بملك جاريجاري ... # فقالت مبغوتة غاضبة: ويحك، أتخادعني بحبك لكي تزين لي قرانا بملك جاريجاري، وقد صار ~~ملككم عدوا لدودا لأسرتي؟ إذن كنت تتصنع الغرام بي تصنعا لكي يكون السبيل إلى اتحاد ~~العرشين وضم المملكتين بزواج ملكي أكون فيه أمة لا سيدة. لا، لست أصبر على هذا الخداع ~~لحظة. # فقال أفريدوس بدلال وشمم: أتبلغ منك السذاجة أن تفهمي من مقالي قرانك بغيري؟ هل ترين ~~في النذل الذي يسخر عشقه أو ms20 يؤجره لقضاء مأرب لغيره؟! # فقالت مبهوتة: إذن كيف يتحد العرشان بهذا القران، وأنت تقول إنك من سلالة الكهنوت لا ~~من سلالة ملكية؟ ~~- هل تجهلين أن السلالات الملكية مشتقة من السلالات الكهنوتية في كل أمة؟ # إذن فلا بدع أن يصير ابن كاهن كبير ملكا. ~~- هل مسخ ملك جاريجاريا إلى خنفسة حتى لا تحسب حسابا لمقاومته. ~~- أجل في جاريجاريا سلطة العرش مستمدة من سلطة الكهنونت، والشعب الجاريجاري ضاق ذرعا ~~من قانون دولتكن الذي أفضى على مرور الزمن إلى تكاثر الذكور في جاريجاريا، وتجمع ~~الإناث في بنطس؛ لأن الأمازونية التي تقارن جاريجاريا في ربيع المغازلة إذا ولدت ~~بنتا احتفظت بها أو ذكرا أرسلته إلى أبيه. فأصبحت بنطس مملكة نساء، وجاريجاريا مملكة ~~رجال قلت فيها النساء. وكثير من الشبان لا يجدون لهم زوجات، وجميع الآلهة تستنكر هذا ~~التفريق. وكيوبد يتضجر منه، فإلى متى هذا الفسق المنافي لسنة الطبيعة؟ # وكانت الملكة تفكر في منطق أفريدوس هذا وتزنه وترى الصواب فيه إلى أن قالت: تكاد ~~تريني سعادة لا أتصور وجودها حتى في عالم الآلهة. هذا اقتراح خطير الشأن، يجب البحث ~~فيه مليا قبل تقريره، والبحث في خططه قبل تنفيذه؛ لذلك أود أن تذهب الليلة إلى قصر ~~الصيد في الحدود، وتنتظرني هناك إلى أن أوافيك بحاشيتي للصيد. وهناك يخلو لنا الجو، ~~ونتفاوض في رسم الخطة الضامنة النجاح. # فأجاب أفريدوس مبتهجا: لماذا لا أبقى هنا ثم أذهب مع الحاشية؟ ~~- صرت أخشى انفضاح أمرنا، فأود أن تسبقني بدعوى أنك موفد لتهيئة أجهزة الصيد، وهناك ~~سيرونا الوصيفة المخلصة الحارسة قصر الصيد، والقيمة عليه تكون في خدمتك. ~~- لا أرى موجبا لهذا التدبير العاجل، لعلك تريدين بهذا التدبير إقصائي عنك. ~~- كلا البتة، بالعكس، أود أن أضمن بقاءك إلى جنبي إلى الأبد، لا تسئ الظن بي، وأن ~~أعبد كيوبد فيك، اذهب الليلة إلى قصر الصيد وانتظرني هناك. ~~- كم عمرا أنتظرك؟ # فضحكت ملء فمها، وقالت: بعض الأسبوع. ~~- أبعد غد؟ ~~- أو بعده فلا تضجر. ~~- بدأ الضجر منذ الآن. ~~- راع القمر فهو شعاع الحب بين قلبينا. ms21 ~~- سأرى القمر مكمدا حيث لا تكونين موجودة تمدينه بضيائك. # فقالت مجفلة : إذن فلا تساهر القمر، بل ناج الشمس في النهار، فهي جمرة الحب بين ~~قلبينا. # فقال متضرعا: بربك لا تبطئي لئلا تحرق تلك الجمرة قلبي، فلا تجدين حين اللقاء إلا ~~رماده. # فقالت ضاحكة: اذهب أعد جوادك، فالشمس على وشك المغيب، تبلغ إلى قصر الصيد في ضحى الغد ~~إذا لم يخنك الجواد. # ثم تلاثما ملاثمة الوداع، وخرج إلى الإسطبل. # | الفصل الثالث # في دار القضاء # في دار القضاء بهو رحيب أنيق، فيه مقاعد من خشب السنط، مزخرفة زخرفة إغريقية جميلة، وفي ~~وسطه منضدة من نفس الخشب، وإلى جانبي مقدم البهو عمودان ضخمان يتوسطهما تمثالان للإلهين ~~أجكس وأرس، وقد علق في الجدران حراب وسيوف وقسي وسهام. # 1 # وكانت أوجستينا سيدة القضاء أو وزيرة العدل جالسة لدى المنضدة، وفي يدها رق القانون ~~تنشره رويدا كلما قرأت لنفسها بعض أسطره. وما هي إلا هنيهة حتى دخلت أودينا ~~الشرطية الكبرى أو ذات الرتبة العالية بثوب خاص يدل على رتبتها، وفي يدها رمح قصير ذو ~~حربة، وضربت الأرض بكعب رمحها ضربا خفيفا، فالتفتت إليها أوجستينا، وسألت: هل جد ~~شيء بشأن المعتقلات التسع على جسر ترمودون؟ ~~- عثرنا على عاشرة يا سيدتي مشتبه بها في فندق التاجرات، فاعتقلناها منذ ساعة. ~~- أية شبهة ظهرت فيها؟ ~~- أعدم يمناي إذا لم تكن رجلا جاريجاريا متنكرا. ~~- وي. وي، إذن عثرنا على القمر الساطع. # فقالت أودينا باسمة: بل على القمر القاتم يا سيدتي، وأما القمر الساطع فما هو إلا ~~المعتقلة السابعة التي أصرت على عدم الإقرار بهويتها لأن الشبهة قويت عليها. # فاشرأبت أوجستينا مهتمة وقالت: ماذا بها من دلائل الشبهة؟ هل كذبت بحقيقة ~~شخصيتها؟ ~~- بل حقيقتها كذبت شخصيتها. # فابتسمت أوجستينا وقالت: كيف؟ هل شرعت تتحول من صنم إلى إنسان؟ ~~- لا، لم تزل صنما لا يتحول، وإنما أليس هذا هو الصباح الثاني لاعتقالها. ~~- بل مضت عليها ليلتان ونهار في المعتقل هنا، فماذا ظهر من كذب شخصيتها؟ # فقالت أودينا مداعبة ومشيرة إلى خدها: وجنتا الصنم كذبتا ms22 كذبا صراحا. ~~- هل اصفر أحمرها وجلا؟ ~~- بل اخضر ورقا. # فقالت أوجستينا ضاحكة : تبا لك، أتعنين أن شيئا أخضر نبت فيهما؟ ~~- أي وربي، نبت فيهما عذاران ... أ ... جميلان. ~~- ويك، أعذاران؟ أشعر نبت فيهما كما يبدو في خد الفتى؟ ~~- نعم، إذ لم يتسن له أن يحلق منذ وقع أسيرا إلى اليوم، فتأملي أن تري شبحا في ~~ثوب مرأة أنيق وعلى خديه عذاران وعلى شفته شارب. # وجعلت أوجستينا تقلب الرق في يديها وقالت: أما هي سابعة اللواتي قبضت الشرطيات ~~عليهن حين مرورهن على جسر ترمودون حين خسوف القمر؟ ~~- بلى هي، هي. ~~- هل علمت متى عبرت المتنكرة العاشرة على الجسر. ~~- لا، لأن ذلك المتنكر لم يبت في الفندق إلا أمس، وقد جاء إليه متأخرا ولم يخرج ~~منه إلى أن أعتقل. ~~- ائتيني بهذا المعتقل العاشر أولا، وحافظي على السابع جيدا ريثما أنتهي من ~~التحقيق مع ذاك أولا. # وبعد أن خرجت أودينا جعلت سيدة القضاء تخاطب نفسها: حقا، لم يكن نطق الهيكل عبثا، ~~سنرى أي الدواهي في صدري هذين الرجلين المتنكرين، هل لهما غرض واحد، أم أنهما لا ~~يلتقيان عند غرض واحد. # وفي الحال دخلت أودينا تقود رجلا متنكرا بثوب امرأة، وفي يديه غل (سلسلة حديدية) ~~متصل بطوق في عنقه، وعلى وجهه لثام تبدو من خلاله عينان حادتان، لأن السجن في نفس ~~الجدار. # ثم أشارت أوجستينا إلى أودينا أن تخرج، ورفعت أوجستينا اللثام عن وجهه، فبدا لها رجل ~~في آخر سن الشباب، دميم الوجه، ذو أنف أشم. وجلست وهو بقي واقفا أمامها وسألت: كيف ~~دخلت إلى البلد من غير أن تشتبه بك امرأة أمازونية أو شرطية الحدود لكي تصدك عن ~~الدخول. # فقال بأنفة وكبرياء: دخلت مستترا بغلس الليل الماضي. ~~- أين كنت في نهار أمس. ~~- كنت مارا في الحدود. ~~- كيف جرؤت وأنت تعرف أن قانون الأمازونيات يحرم دخول الرجال إلى بنطس تحت طائلة ~~القصاص. # خاطرت مضطرا لأمر ليس فيه مساس بقانون البلاد. # فقالت بنزق: ما هو؟ ~~- لي حبيبة جاريجارية يأباها علي أهلها، وقد اضطهدوها لأجلي، فلجأت إلى ms23 عاصمة بنطس ~~وجئت أبحث عنها لكي نتفاوض بتدبير موافق لكلينا. ~~- وي. وي . لقد أصبحت بنطس ملجأ للعشاق ... ما اسمك يا هذا، وما اسم حبيبتك؟ ~~- مولاتي أرجو أن تعفيني من هذا السؤال. العادة عندكن أن الهاربات إليكن بسبب غير ~~مشين يلجأن إلى الهيكل، وكنت مزمعا أن أقصد إليه لكي أسأل عن حبيبتي هناك، فاعتقلت ~~قبل أن يأتي الليل، فأرجو أن تسمحي بأرسالي إلى الهيكل، وهناك يثبت صدق دعواي. ~~- لا أجيب طلبك إلا إذا اعترفت بهويتك وبهوية حبيبتك. ~~- مولاتي، أعتقد أن قضاء الأمازونيات الجليل الشريف يسمح لي بكتمان هويتي وهوية ~~حبيبتي حرصا على كرامتنا، وأظن أن إبلاغك أمري إلى قداسة كاهنة الهيكل الجليلة يريحك ~~ويريحني من عناء التحقيق. # وهنا نادت أوجستينا أودينا وقالت لها: ردي هذا المعتقل إلى كنه ثم تعالي. # وخرجت أودينا بالمعتقل، وشرعت أوجستينا تكتب على رق صغير: # إلى سيدتي الورعة المبجلة رئيسة الكاهنات في دار القضاء # عندي رجل جاريجاري متنكر معتقل يزعم أن له حبيبة لاجئة إلى الهيكل فرارا من ~~اضطهاد أهلها لأجله، ويأبى أن يبوح باسميهما، فإذا كانت عندك هذه الفتاة فأرجو ~~أن ترسليها مخفورة إلى دار القضاء لأجل التحقيق في دعوى هذا المعتقل. # أوجستينا # سيدة القضاء # ثم لفت الرق وربطته بشريط أحمر، ولما عادت أودينا قالت: أرسلي هذه الرسالة إلى ~~الهيكل، ثم ائتيني بذات العذار؛ لأنه يلوح لي أن هذا المتنكر الآخر الذي كان في الفندق ~~ليس القمر الساطع الذي مر على الجسر حين اكمداد القمر. ~~- حتى ولا نيزك هابط يا سيدتي. ~~- أجل، أظن أن ذات العذار هي بيت القصيد. ~~- نعم هي بيت القصيد الذي يصعب تفسيره. ~~- هل حاولت استنطاقها؟ ~~- لم أستنطق منها إلا لفظة «لا»، فهي مغرمة بهذين الحرفين كأن اللغة كلها مجتمعة ~~فيهما. # فقالت أوجستينا ضاحكة: أوه، كثيرا ما تجتمع اللغة كلها في حرفين. ~~- أفي حرفين بلا معنى كحرفي «لا». ~~- لا بل كحرفي حاء وباء ففيهما كل معاني الوجود. ~~- أي وربي. فيهما كل لاهوت كيوبد وفلسفته، ليتك تشرحينهما يا سيدتي. ~~- ائتيني بذات العذار لعلي أتوفق ms24 إلى شرحهما. # 2 # وما هي إلا دقائق حتى عادت أودينا بفتى بثوب امرأة أمازونية مغلولة اليدين، ~~والسلسلة متصلة بطوق في عنقها، وعلى ظهرها جعبة سهام، وعلى كتفها الأيسر قوس معلقة ~~للدلالة على أنها كانت في الصيد، فقالت أوجستينا: دعيني يا أودينا أستوحي الفلسفة من ~~التي أشرت إلى مصدرها. # فخرجت أودينا، وكانت أوجستينا تتفرس في المتنكرة المعتقلة جيدا معجبة بجمالها، ثم ~~أشارت إلى مقعد لدى المنضدة وقالت آمرة: جلوسا. # فقعدت المتنكرة، واستأنفت أوجستينا التحقيق: أتأسف يا ذات العذار أن دار الاعتقال خلو ~~من موسى يحلق بها عارضاك، ولكنك لو أنبأتني منذ أول ساعة أنك اعتدت الحلاقة كل صباح ~~وكل مساء لاختلقت لك موسى من أعماق الخفاء، فعذرا. أين الموسى التي كنت تحلق بها ~~عارضيك فآتي بها إليك؟ # فتبرم الفتى، ولم يجب بكلمة. ~~- عذرت إقلالك من الكلام أمس إذ كانت رئيسة الشرطة تحقق معك؛ لأن الحياء من طبع ~~النساء الجاريجاريات المتحصنات. ولكن الإقلال من الكلام الآن إنما هو جبن لا يليق ~~بالرجال الجاريجاريين الذين تربطنا بهم أوثق صلة، صلة الدم. فمعظمهم آباؤنا وإخوتنا ~~وأولادنا. هل تريد أن تنكر شهادة هذا العذار اليانع؟ (قالته بابتسامة). ~~- لا أنكره. ~~- حسنا، ولماذا كنت تحصده كل يوم، وهو نصف حسن الفتى الجميل؟ ~~- لأنه مستنكر في بنطس. ~~- ومن هي المرأة التي لم تستنكر وجودك معها بدونه؟ ~~- لا أعرف امرأة أمازونية لا تستنكر وجود رجل معها في بنطس. # فقالت باسمة ابتسامة شعاعية: أما كنت تأوي إلى منزل امرأة حسناء؟ ~~- لا. ~~- أين كنت تبيت؟ ~~- في السجن. ~~- وقبل السجن؟ ~~- كنت في الحدود. # فقالت سيدة القضاء أوجستينا متدللة مبالغة في الابتسام: من هي المرأة السعيدة التي ~~كانت تتوقع قدومك إليها؟ ~~- لا أدري. ~~- إلى أين كنت تقصد إذن؟ ~~- إلى أي فندق في هذه العاصمة. ~~- لماذا قدمت؟ ~~- لأجل النزهة، ولمفاخرة رفاقي في مشاهدة عاصمة مملكة النساء التي لم يدخلها ~~رجل. ~~- هل كنت تجهل القانون الأمازوني الذي يحرم على الرجال الدخول إلى مملكة النساء ~~وعقاب مخالفته؟ ~~- كنت أعلمهما ولهذا تنكرت. ~~- أما حسبت حساب الافتضاح وهذا ms25 المصير الذي انتهيت إليه؟ ~~- إن طيش الشباب يخطئ الحساب يا سيدتي. # وكانت تحملق في عينيه باشة إلى أن قالت: لا يطل من هاتين المقلتين إلا سحر بابل. ~~أمن أصل بابلي أصل سلالتك؟ ~~- ربما. ~~- لا أرى في هذه النظرات الخالبات طيشا. بل أرى ذكاء يضارع البهاء الذي يشع من هذا ~~المحيا الوضاح، فلست أقتنع أنك غبي لا تحسب حساب وقوعك تحت الشبهة. أعتقد أنك لم ~~تقدم على هذه المجازفة إلا اعتمادا على قوة تنقذك. فما هي؟ # فقال الفتى متبسما: ما هي إلا رحمة القضاء بي. ~~- لقد صحت فراستي. لم تطمع برحمة القضاء بك إلا اعتمادا على شفاعة قوية بك. فما ~~هي؟ ~~- ما هي إلا شفاعة القضاء نفسه. ~~- يلوح لي أنك عظيم الأمل بتسامح القضاء، ففي مقابل أية محمدة تمني نفسك بعطف ~~القضاء ورحمته؟ ~~- التسامح يا مولاتي في مقابل محمدة لا يعد رحمة بل هو جزاء للمحمدة؛ لأن المحمدة ~~ثمن له، فأنا آمل برحمة القضاء لأني شاعر بأنه مفعم «رحمة وعطفا بلا ثمن.» # فقالت أوجستينا متهللة كأنها أصابت غرضا في نفسها: ولكن قانون الأمازونيات صارم ~~(مشيرة إلى رق القانون الذي في يدها وناشرة منه بعضه). ~~- القانون كتابة بكماء في رقعة صماء، والقضاء ينشره ويطويه كما يشاء. # حينئذ شعرت أوجستينا بفيض الشعر في مخيلتها وقالت متغزلة: يخيل لي أنك توكل هذه ~~النظرات الساحرات بأن تشل اليد التي تنشر القانون، ثم لفت الرق كما كان وردته إلى ~~موضعه إذ كان الفتى يجيب باسما: إذن لم يخب أملي برحمة القضاء. ~~- هل كانت تلك المرأة المسبية بهذه اللواحظ تطمع برحمة القضاء بك. ~~- عسى أن تعثري على امرأة كهذه فتسألينها. ~~- ما خاطب ظني في سحر هاتين المقلتين الفاتنتين، سحر يشق الطريق إلى الدهاء. سؤال ~~آخر، هل تتفضل بالإجابة؟ ~~- أشكر لسيدة القضاء الموقرة لباقة تحقيقها التي فرشت طريق الإجابة بزهور العطف ~~واللطف، وأطلقت لساني من قيد الاعتصام بالصمت كلما أنذر السؤال بخطر الوقوع في الفخ. ~~فتفضلي بالسؤال: هل تتوقع أن الحسناء التي كانت تتوقع نعيم اللقاء بك تقبل ms26 الرحمة بك من ~~يد القضاء؟ (تشير بيدها). ~~- جواب هذا السؤال يا سيدتي في فم المستقبل. # فقالت أوجستينا متململة: ما أسعد حظ تلك المعشوقة العاشقة التي يختم حبك لها باب ~~أسرارها بختم لا يستطيع أحد فكه، ترى هل هي جديرة بهذا الإخلاص؟ # أشكر حسن عقيدتك بأسيرك يا مولاتي. هل عندك دليل على وجود عاشقة لي معشوقة؟ # فتنهدت أوجستينا وقالت متحسرة: أعرف عاشقة لك، لا أدري إن كانت معشوقة لك (تعني ~~نفسها). # فقال الفتى مختلجا: ما أتعس المعشوق الذي يجهل السعادة التي هو فيها. # فردت أوجستينا: وأتعس منه العاشقة التي غمضت عينا عشيقها عن ملامح غرامها. ~~- تبا لهذا العشيق، أأعمى هو؟ # فوقفت أوجستينا متئدة، فوقف هو أيضا، وقالت: سلمت عيناه. بربك أتعلم كيف يفهم فرخ ~~الحمام شوق قرينته الحمامة له؟ # فأجاب الفتى مترددا: أظن أنه متى هدر لها أحس قلبه ينبض نبضا قويا كنبض قلبها، ~~أعني أن القلبين يتخافقان. ~~- إذا كنت أنت لا تحس هذا الإحساس فبربك هات يدك لعلك تحسه. # وأمسكت بيده ووضعتها على أيسر صدرها، وهو استردها بكل لطف، ففهمت هي من استردادها ~~إباءه ثم قالت: ما أشقى الحمامة التي لم ينبض قلب الفرخ مع نبض قلبها. آه لقد كانت ~~حياتك في يدي فأصبحت وحياة قلبي في يديك أيها الفاتن الفاتر، امنحني نظرة حب وبسمة ~~غرام، وفي ليل ونهار تكون مطلقا إلى الحدود. # ثم قبضت على كفه كأنها تريد ضمه إلى صدرها، وقالت: إن القضاء مرن في يدي. أصدر حكمي ~~بإطلاق سراحك بدعوى أنك فتى طائش لم تقدر العواقب حق قدرها، ولم يثبت عليك سوء قصد، ~~فهل تسمح الآن ...؟ # وهمت به، ولكن أودينا باغتتها قبل أن تنال مأربا منه وقالت: بلاغ رسمي يا ~~مولاتي. # فارتدت أوجستينا مبغوتة وقالت: أدخلي هذه المتهمة إلى الحجرة السرية، وأوصدي الباب ~~دونها. واستدعي ناقلة البلاغ. # ففعلت أودينا كما أمرتها سيدة القضاء، ثم أومأت لها هذه أن تخرج من حيث أتت. # 3 # ما هي إلا دقائق معدودة حتى دخلت جورجيا رئيسة وصيفات الملكة وانحنت باحترام كلي ms27 ~~لسيدة القضاء وقالت: السلام على سعادة وزيرة القضاء. ~~- سلاما، وسمعا وطاعة للبلاغ الملكي الشريف . # فقالت جورجيا بوضوح وصراحة: بلسان جلالتها أسأل: ماذا بدا من الشبهات في أمر ~~المعتقلات؟ ~~- ظهر بينهن رجل متنكر ليس في العير ولا في النفير، ما هو إلا جحش لا يعرف كيف ~~«يبرطع». ثم ظهر آخر متنكرا، وهو فتى قلبه طامور أسرار، وأنا مجدة في استخراج ~~أسراره. ~~- وي. وي. وي. فتى متنكر؟ هذا ما كنا نتوقعه، بأي زي؟ ~~- بزي صيادة. # فقالت جورجيا مازحة: أغزالة كان ذلك التعس يطارد؟ # فقالت أوجستينا تعقب على مزاح جورجيا بمزاح فظيع: لعله كان يطارد أفعى. ~~- أأحمق هو حتى يطارد أفعى إلى قلب بنطس؟ لا بد أنه كان يطارد حمامة كانت تستدرجه ~~إلى أن وقع في الفخ. ~~- إلى الآن لم يبد منه أن له صلة بحمامة ولا بغزالة، يزعم أنه جاء للتفرج ~~والنزهة. ~~- أجاء هذا الشقي لكي «يتفرج» على حمامته كيف يحز عنقها وينتف ريشها. ~~- ينكر أية صلة له بأنثى. ~~- أتبلع منك السذاجة يا سيدتي الوزيرة إلى حد أن تصدقي زعمه بعد أن قضيت عمرا في ~~خدمة القضاء؟ أرجو عدم المؤاخذة على هذه الجسارة مني. ~~- خمسة عشر عاما لم أر في خلالها أحدا طائشا طيش هذا الفتى الأحمق. ~~- بلسان جلالة الملكة أقول: يجب أن تتحققي إلى أن تكتشفي المرأة التي له صلة ~~بها. ~~- قد يكون الفتى صادقا فيما يقول، وليست له صلة بامرأة. ~~- يجب أن تخلقي له صلة بامرأة لكي تتم نبوءة الهيكل بجريمة، ولكي يتم العقاب ويرتفع ~~ويل الهيكل عن البلاد. ~~- إن كان لا بد من ذلك، ففي طوقي أن أجعل دار القضاء دار تمثيل جرائم، ومنصة لتنفيذ ~~الأحكام بالإعدام أيضا لكي يرضى الهيكل. ~~- لماذا تكلفين نفسك كل هذا العناء؟ كلفيها نصفه فقط، ففي قبضة يدك الآن أحد ~~المجرمين، فاختلقي له شريكة بالجريمة، واقضي عليهما. ~~- حتى ولو كانا بريئين؟ ~~- إن كان هذا بريئا فإعدامه لا يسوء أحدا، ولا العالم ينقص فردا واحدا قبل ميعاد ~~نقصه، وفي كل دقيقة يأتي للعالم بدل ما ms28 ينقص منه. ~~- ولكن عدل القضاء غير عدلك. ~~- دعي هذا العدل، ففي بلاط الأحكام يتلون العدل. السلام عليك. # ثم خرجت جورجيا مرحة، وما إن خف وقع أقدامها حتى استدعت أوجستينا أودينا رئيسة ~~الأمن. # 4 # ودخلت أودينا فبادرتها أوجستينا: أما سأل أحد عن المتهمة السابعة؟ # فأجابت أودينا ضاحكة: أذات العذار تعنين؟ من تجسر أن تسأل عنها، وتعرض نفسها للشبهة، ~~ماذا اكتشفت من أسرار وفيها الحاء والباء المحتويان على الوجود المطلق؟ # فقالت أوجستينا: إني اكتشفت في صدرها أبا هول مصريا، وفي عينيها سحرا بابليا، ~~وفي ثغرها شعرا هوميروسيا يونانيا، وفي قلبها حكمة سليمان العبراني، وفي نفسها شمم ~~بلقيس بلميرا، وفي رأسها ذكاء أوقتافيوس الروماني. ~~- لله درها. إذن هي مجموعة أمم. ~~- أجل مجموعة الأمم وقعت في قبضة القضاء اليوم. ائتيني بها من الحجرة السرية التي ~~أودعتها فيها. # وفيما أودينا عائدة من الحجرة السرية بالفتى قالت: أشعر باختلاج في قلبي يا سيدة ~~القضاء، أمن سحر بابل هذا يا ترى؟ # فقالت أوجستينا: لا تنسي أن تقفلي الباب وراءك، ثم أشارت للفتى أن يقعد فقعد، ~~وقالت: من العبث التسآل عن هويتك يا هذا؛ لأنه لا ينتظر من متهم أن يصدق في ~~جواب. # فقالت: إني في إعجاب عظيم يا سيدتي بفهمك الحقائق من غير سؤال. ~~- أتظنني فاهمة الحقيقة منك تمام الفهم؟ ~~- لا أدري ما هي الحقيقة التي فهمتها عني يا مولاتي. ~~- أعني أنك من الطبقة التي تمتطي الجياد، وتحمل النجاد، وتصارع الآساد، وتنازل ~~الأبطال، وتبارز الأقيال. # لقد سبقت فقررت يا سيدتي أنك لا تنتظرين مني جوابا جازما بهذا الشأن، فأخاف أن أجيب ~~جوابا جازما فتنخدعين بصدقي. ~~- يقينا لا يهمني من أنت ما دام القانون عندنا لا يميز بين الأشخاص، فحسبي أن المتهم ~~أمامي بشخصه جسدا وحياة وعقلا وروحا. أجبني على سؤال واحد فقط بلا مراوغة ولا ~~مواربة؛ لأن الأمر باستنطاقك جازم، من هي المرأة التي تتصل بها؟ ~~- تضطرينني يا سيدتي أن أعود إلى صمتي السابق بعد أن أطلقت لباقتك العنان للساني، ~~واستوفى تحقيقك حقوقه. ~~- أجل، لا أرجع بوعدي ms29 لك أن أفسر ذنبك بالطيش والتهور لتبرئتك. ولكن إنجاز هذا ~~الوعد لا يمنعني من الاستقصاء عن المرأة التي لك صلة بها. فإذا لم تبح باسمها وهويتها ~~فلا بد من إنزال العقاب الشديد بك، وهذا ما أريد أن أتداركه ولو بتضحية مني. ~~- شكرا لعطفك الذي لا يقدر بثمن، إذن اختصري الطريق واحكمي بالعقاب الآن، ولا مقتضى ~~لانزعاج كلينا بالتحقيق العقيم. # ووقفت وأمسكت بأذنه وقالت: لله منك عنيدا مكابرا، حاولت إنقاذك فعاونت القدر على ~~معاكستي. # وطوقت خصره بذراعها وهمت أن تضمه إلى صدرها، وإذا بأودينا تفاجئها قبل أن تفعل؛ ~~فانتفضت إلى الوراء بهزة كأن تيارا كهربائيا نفضها، وكأن تيارا عصبيا كلح وجهها ~~وصفره، وقالت: ماذا عسى يا أودينا؟ # 5 ~~- بلاغ رسمي يا ذات القضاء والدينونة والصفح والمغفرة. # فقالت أوجستينا وهي تبتغي أن تختلق عذرا لسبب وقوفها إلى جانب الفتى، أمسكت بيده ~~وقالت: أدخلي ذات العذار إلى حجرة السر هذه. # وبعد أن نفذت هذا الأمر قالت لها: أدخلي جورجيا ناقلة الأمر الملكي. # فدخلت جورجيا وحيت التحية الرسمية، فقالت أوجستينا: أمر جلالتها. ~~- هل اعترف الفتى بشيء؟ ~~- حاولت أن أجرعه مقيئا عسى أن يتقيأ اعترافه الصادق فلم أنجح، ولا أظنني ~~أنجح. ~~- تهدديه بالحكم بالموت، وإن أصر على الكتمان فأصدري الحكم، وأسمعيه نصه، وإن بقي ~~مصرا فأرسلي نص الحكم إلى جلالتها. ~~- سمعا وطاعة. # ثم خرجت جورجيا وبقيت أوجستينا تكتب الحكم إلى أن دخلت أودينا، فأمرتها أن تأتي بذات ~~العذار. # فقالت أودينا: أف من عذارها، لقد أزعجنا كثيرا يا سيدتي، ليتك تأمرين ~~بحصده. # فقالت أوجستينا مازحة: وإذا حلقناه، فماذا يبقى من فلسفة كيوبد التي تودين درسها يا ~~غبية. # دخلت أودينا إلى الحجرة السرية، ثم عادت بالفتى قائلة: يكاد هذا العذار يصبح مرجة ~~زمردية اللون. # وخرجت أودينا بإشارة من ذات المعالي الوزيرة، وهذه تلقت الفتى بابتسامة مشرقة، وقالت: ~~لم يبق في قوس الصبر منزع يا عزيزي المتهم، ولم يعد في وسعي احتضانك، كلما أطال القضاء ~~الأجل قصر القدر، ولا حيلة في القدر الإلهي إلا حيلة واحدة وهي أن ms30 تتقيأ اسم شريكتك ~~في عبادة كيوبد المحرمة في بنطس، لكي تشفى من دائك المميت. فما قولك ؟ ~~- لا يموت الإنسان يا سيدتي مرتين، وأما في هذا التحقيق العقيم فقد مت ثلاثا، ولتكن ~~الرابعة خاتمة الموتات. # فقالت أوجستينا يائسة عابسة: إذن اسمع. # وقرأت: «حكمت دار القضاء الأمازوني على المعتقلة السابعة من معتقلات الرابع عشر من ~~هذا الشهر التاسع اللواتي اعتقلن على جسر نهر ترمدون؛ لأنه ظهر أنها فتى متنكر ~~بزي أمازونية، ولم يقر عن شريكته بجريمة عبادة كيوبد المحرمة في بنطس، حكمت عليه دار ~~القضاء بالموت برمي السهام في قلبه إلى أن ينضب دمه، ولا يقيه من هذا الحكم إلا إقراره ~~عن شريكته قبل التنفيذ.» # ثم استدعت أودينا وأمرتها أن تدخل الفتى إلى كنه في الغرفة السرية، ففعلت أودينا ~~كما أمرت، ثم لفت أوجستينا رق الحكم وختمته، وقالت لأودينا: أرسلي هذه الوثيقة إلى ~~القصر حالا، لم يبق لهذا المنكود الحظ إلا أن يستهدف قلب الملكة لسهامه عسى أن ~~تنفتق لها حيلة لإنقاذه. # 6 # بعد قليل جاءت أودينا إلى سيدة القضاء تبلغها أن رئيسة الحكومة أمازونيا جاءت لمقابلة ~~أوجستينا، فوقفت أوجستينا تقول: على الرحب والسعة بالرئيسة الموقرة. # ودخلت أمازونيا وحيت، فأخلت لها أوجستينا كرسي الرئاسة، ولما استقرت قالت: بلغ إلي ~~أن الذي وقع في الفخ رشأ إلى جانبي أنفه جعبتان للسهام. وختمت كلامها بضحكة ~~وزارية. # فأجابت أوجستينا أيضا بضحكة قضائية: أجل، جعبتان لا تفرغان من السهام، كلما راش ~~سهما منها بدا آخر. ~~- أود أن أستهدف واحدا منها. # فنادت أودينا وقالت: إلينا بذي العذار. # فقالت أودينا: أف. وغدا بذي الشاربين وبعد غد باللحية. # فقالت أمازونيا: يقال إنه ابن كيوبد، وقد جاء ليثير فتنة في بنطس لقلب الحكومة ~~الأمازونية. # فقالت أوجستينا: وفي وسعه أن يشعل بنطس بنار الجحيم. # ثم عادت أودينا تصطحب الفتى، فرفعت أمازونيا نظرها فيه ثم قالت: حاشا لله ما هذا بشر، ~~إن هذا إلا كيوبد بعينيه. وقالت: يقولون إنك ابن كيوبيد، أحقيقي؟ أنت كيوبد ~~بعينه؟ # فقال مبتسما: إن لم أكن كيوبد أو ms31 ابنه فإني من سلالته. ~~- ويقال إنك جئت لكي تثير فتنة في بنطس، أحقيقي هذا القول أم افتراء ؟ ~~- على سيادتك التحقيق. # والتفتت أمازونيا إلى أوجستينا، وسألت: بماذا اعترف هذا الساحر العاثر الحظ؟ # سمعا يا هذا، نحن هنا نجحد السحر والشعر أيضا. # فقالت أوجستينا: عبث استخراج الدر من بحر بلا قرار. # وسألت أمازونيا: من هي المفتونة الخائبة الأمل التي تشاطرك الجريمة يا هذا؟ ~~- أية جريمة يا سيدتي الجليلة؟ ~~- جريمة الحب العظمى. ~~- الحب يا سيدتي فضيلة للإنسان حتى للحيوان، فكيف تصمينه بوصمة الإجرام. ~~- هو جريمة في بنطس، وجريمة مقدسة في غيرها، وعقابه عندنا شديد، أعيذك منه. ~~- لماذا الحب جريمة في بنطس دون غيرها؟ ~~- لأنه خطر على استقلال المرأة، ألا تعلم هذا من تاريخ الأمازونيات؟ أما علمت أنهن ~~لم يتحررن من العبودية للرجل إلا بجحدهن الإله كيوبد وصد سهامه، أولا ترى أنه حيث ~~يباح الحب تكون المرأة أمة للرجل الجائر؟ ~~- لا يا سيدتي، حيث يباح الحب تكون المرأة محبوبة والمحبوب معزور، وأما حيث تكون ~~المرأة أمة للرجل، فلأن الحب قتيل وكيوبد دفين. ~~- ألا ترى أننا نحن الأمازونيات مستقلات لأننا نكفر بكيوبد إله الغرام؟ آه يا للغرام ~~كم أشقى قلوبا! # فقال الفتى محتجا: أأنتن مستقلات؟ لا وربي، ما أنتن إلا «عبدات» رقيقات أسيرات ~~لهيكلكن، منسحقات تحت أقدام كهنوته، لستن معتوقات كما تظنن، ولا حرات كما ~~تعتقدن، ولا تفهمن معنى الحرية. ~~- ما هي الحرية التي تتبجح بها؟ ~~- هي تلبية نداء الطبيعة بلا كبت ولا قمع. الطبيعة تعزف ونحن نغني، نحن نحب والطبيعة ~~تضحك لنا. نحن ننظم الشعر والطبيعة توحي لنا الخيال الجميل. نلحن والطبيعة قيثارتنا، ~~ماذا عندكن، من هذه المطربات المعجبات يا من تدعين الحرية والاستقلال؟ عندكن أوتار ~~بلا أنغام وأشعار بلا ألحان، ووقع بلا رقص، وسماء بلا شموس ولا أقمار. ما أنتن حرات ~~حتى ولا رقيقات، بل أنتن رمم أموات، وأصنام بلا حياة، أنتن بنات الطبيعة، وقد خرجتن ~~على الطبيعة، مهما تمردتن عليها تبقين فيها تحت سلطانها، فإذا كنت يا سيدتي تعملين لخير ~~الأمة الأمازونية ms32 وسعادتها ومجدها، فشيدي هيكلا فخما لكيوبد في بنطس تحج إليه ~~الأمازونيات مع قرابينهن جهارا، حيث تحل عليهن نعمة الحب السعيد. # وكانت أمازونيا وأوجستينا مصغيتين متهللتين كأنهما تسمعان أنشودة الغرام على قيثارة ~~هلاس، ومحياهما يطفحان بشرا. فقالت أمازونيا: وي وي. كأني لم أجئ إلى هنا لكي أحقق، بل ~~لكي أسمع كرازة بعقيدة الحب. ~~- أجل يا سيدتي، الحب ينبوع السعادة والسرور، والقلب بلا حب كالغصن اليابس. هو أول ~~الأغصان التي تتحول إلى رماد إذا لفحها اللهيب، وأول ما تنقصف إذا كسحتها الرياح، وأما ~~القلب المفعم حبا كالغصن الذي تحميه رطوبته من الاحتراق، وتنقذه مرونته من الانقصاف، ~~بل هو الغصن الرطيب الذي تكسوه أزاهره في الربيع، وتثقله ثماره في الصيف. ~~- كفى يا هذا، ما نحن في مباراة أشعار، دع هذا الهذيان. # فقاطعها قائلا: أعلم يا سيدتي أنك لا تحسين ما أقول، فلو كان إلى جنبك زوج وفي حضنك ~~طفل لكنت تفهمين هذا الهذيان، ما أنت إلا الغصن اليابس الذي ينقصف من هبوب رياح ~~هذياني. ~~- كفى كفى. إذن حقيقي أنك ابن كيوبد، وقد جئت لكي تضرم نار فتنة هنا. ~~- إذا كانت الدعوى إلى عبادة كيوبد تسمى فتنة، فقد صدق القول أني جئت لكي أطلق النساء ~~الأمازونيات من أسرهن إلى ساحة حريتهن، وأرشدهن إلى كيفية استعباد الرجل بالحب ~~والإخلاص. ~~- صه، لقد انجلى لنا جرمك بشهادة لسانك، فلا تعفى من العقوبة إلا إذا كنت تبوح باسم ~~شريكتك فيه. ~~- أستنكف جدا أن أشتري العفو بشهادة زور. ~~- على من تعتمد في إنقاذك من الحكم الرهيب؟ # فقال الفتى باسما: على سهم من سهام كيوبد إلهي. ~~- لا حول لكيوبد ولا طول في بنطس. # فقال: يرمي سهامه من جاريجاريا فتقع في قلب بنطس. # ووقفت أمازونيا كأنها غاضبة، وقالت باسمة: يا سيدة القضاء، إن لهذا الفتى صلة بمكيدة ~~هائلة، فإذا لم يعترف بها لكي يكافأ بالعفو، فلا بد أن تحكمي عليه بالموت الأحمر أو ~~الأسود. السلام عليك. # فقالت أوجستينا واقفة: لقد صدر الحكم يا مولاتي. # وخرجت أمازونيا ظافرة مرحا ومترنحة أسفا. # 7 ms33 # وما إن خرجت رئيسة الحكومة أمازونيا حتى دخلت أودينا وفي يدها رق، وقالت: رسالة من ~~الهيكل يا سيدتي رد لرسالتك. # ودفعت الرق لأوجستينا وخرجت توا. # وفضت أوجستينا الرق، وقرأت: # من رئيسة الكاهنات إلى حضرة سيدة ~~القضاء # عندي في الهيكل خمس لاجئات لأسباب مختلفة، وبعضها مجهولة، يكتمن ذواتهن، ~~وليس للهيكل أن يبتزها منهن ابتزازا، فأرجو أن ترسلي المعتقل إلى هنا عسى أن ~~يتعرف على حبيبته إن كانت بينهن. # وفكرت أوجستينا مليا، ثم كتبت الرد هذا: # سيدتي الجليلة رئيسة الكاهنات، حسب إيعازك أرسل إليك المعتقل لكي تتحققي صدق ~~دعواه، ثم أرجو أن ترديه إلى دار القضاء بحيث لا يكتشف أمره أحد. # ثم استدعت أودينا وأمرتها أن تأخذ الرسالة مختومة وذلك المعتقل الذي قبض عليه في ~~الفندق إلى الهيكل. # وما إن خرجت أودينا حتى دخلت جورجيا رئيسة وصيفات الملكة، فبغتت أوجستينا وقالت: خير ~~إن شاء الله. ~~- جلالة الملكة قادمة الآن متنكرة لكي تحقق مع الفتى المجرم العنيد الذي صدر الحكم ~~عليه، يجب أن تخلي دار القضاء من الإنس والجن لكيلا يعلم أحد بوجودها هنا. # استحضري الفتى واحبسيه في هذه الحجرة إلى أن تدخل جلالتها عليه من غير أن يعرف من هي ~~التي تحقق معه؛ لعلها تستطيع أن تستخرج سره من أعماق قلبه. # ألقت جورجيا هذه الرسالة وانثنت راجعة من غير أن تسمع كلمة من سيدة القضاء، فاضطربت ~~أوجستينا وانهمكت، واستخرجت الفتى بنفسها من الحجرة السرية، وقالت: إني بريئة من دمك يا ~~هذا، لقد حاولت إنقاذك، ولكن عنادك جنى عليك، بقي لك خيط ضئيل من الرجاء، إن شئت أن ~~تتشبث به، إني تاركتك إلى المحققة الأخيرة قبل تنفيذ الحكم، فعسى أن ترعوي وتربأ ~~بنفسك. # وخرجت وأقفلت الباب وراءها، فجعل الفتى يخاطب نفسه قائلا: إني أعتصم بغوث إلهي كيوبد ~~من هؤلاء المرائيات اللواتي يعبدنه بقلوبهن ويلعنه بشفاههن، قبل أن يرمينني بسهم ~~واحد مدم. # 8 # ما هي إلا هنيهة حتى انفتح الباب بغتة ودخلت الملكة بثوب عامية، ثم ارتدت ~~مذعورة لما وقعت عيناها على عيني أفريدوس، ms34 وأجفلت إذ رأت عذاره، وترنحت واهية القوى، ~~وأما أفريدوس فبهت واختبل؛ لأنه لم يكن البتة يظن أن الملكة تأتي إلى دار القضاء ~~للتحقيق. # وبعد لأي قالت وهي تتبينه: ويحي. أأنت المعتقل؟ # فقالت أفريدوس: بلى، أنا هو الذي لم تجد الملكة أفضل وسيلة لنبذه إلا أن تلقمه ~~لأنياب القضاء العاتي. # فحملقت فيه ذاهلة: ويلي! وأغلال في يديك وعنقك؟ # وأمسكت السلسلة كأنها تتحقق. ~~- نعم، هذا هو جزاء اليدين اللتين كانتا تضمان هذا الهيكل الملائكي إلى الصدر المتدفق ~~غراما لكي يرتوي من سعادة الحب الطاهر. # فقالت الملكة متفجعة: وسجن أيضا في كن المجرمات؟ ~~- وهل غير كن الكلب أليف للعاشق الذي جعل صميم فؤاده سريرا للملكة تتقلب فيه على ~~وثير الحب؟ # فقالت وكأنها لا تفهم ماذا تقول، وجالت كالمجنونة: أيمكن أن يكون هذا قضاء ~~الهيكل؟ ~~- يا للمكر، أتعزين هذه النقمة لقضاء الهيكل، وأنا ماثل في دار قضائك أستوحي كيوبد ~~إلهي أن يلهمني أجوبة التمويه التي لا تستفيد منها سيدة القضاء شيئا يقرب الظن إلى ~~الملكة. # فقالت وقد لطمت خديها وتركت كفيها عليهما: وا حرباه أهو الغدر الغشوم أم غضب ~~الآلهة؟ ~~- لا هذا ولا ذاك، وإنما أتخمت الملكة من وليمة الحب، فرامت أن تغير ألوان الطعام، ~~فقذفت بالبقية الباقية من طعام الوليمة إلى دار القضاء لكي تحرقها هذه في فرن ~~الإجرام. ~~- صه، كفى تقريعا لي في إبان أزمتي ويأسي. ~~- وي! أزمة؟ حبيب الملكة العزيز بالأمس أذل المجرمين اليوم، وهو يهيأ ليقدم أضحية على ~~مذبح الانتقام من ملاك الغرام. # صمتا عن هذا العتاب المر، كيف اعتقلت وعهدي بك في قصر الصيد تنتظرني. ~~- إذا كنت غبيا صابرا على وعدك لموافاتي إلى قصر الصيد فقلبي ليس غبيا، ولا يطيق ~~صبرا. وإذا كان جسمي طينة حقيرة لا تشعر بالذل، فنفسي سماوية لا تحتمل الهوان. وإن ~~كانت سلالتك ملكية، فسلالتي الكهنوتية ليست أحط منها. ما كان إقصائي عنك يكلفك سوى ~~إعراضة واحدة، فلا تعودين بعدها ترين وجهي إلى أن أقضي بداء غرامي المبرح. ~~- ويك، حسبي هذه الكارثة، فلماذا تضاعف وقرها ms35 على نفسي بهذا التقريع؟ قل أين ~~اعتقلت؟ ~~- على جسر نهر ترمودون. ~~- وكان القمر ...؟ ~~- في إبان خسوفه. # فترنحت الملكة وهي تقول: ويحي، ويحي، الويل، الويل ... ما الذي جاء بك إلى الجسر، وقد ~~أمرتك أنت تنتظرني في قصر الصيد. ~~- القلق عليك والشوق إليك. ~~- الشوق فهمته، والقلق لماذا؟ ~~- لأني فهمت أنك عدلت عن الصيد، فخفت أن يكون قد ألم بك حادث سوء. ~~- لم أقل لأحد إني عدلت عن الصيد، فما الذي أقام الشك في ذهنك بوعدي أن ~~أوافيك؟ ~~- سيدونيا حارسة القصر، وكانت أول من لمحت إلى عدولك عن الصيد بدعوى طروء مشاغل ~~سياسية. # فقاطعته الملكة: تبا لها، كيف تقول هذا ولم أوعز به لها ولا لأحد؟ ~~- طبعا رابني قولها، فبرحت مدعيا لها أني ماض إلى الصيد، ومؤكدا لها أني سأعود ~~مساء حتما. ولكني توجهت إلى جهة العاصمة أتنسم أخبار الحقيقة عن قدوم حاشيتك، فما ~~رحلت مرحلة إلا تسقطت من أنبائك خبر عدولك عن الصيد. وما زلت أتقدم وأتنسم هذا ~~الخبر بعينه إلى أن وقعت في الفخ الذي نصبته لي على الجسر، حيث اعتقلتني 4 شرطيات ~~شاهرات الخناجر البراقة علي، وجردنني من سلاحي، وجئن بي إلى السجن، فماذا تظنين ~~يخطر لي سببا لاعتقالي؟ # وكانت الملكة شديدة الاضطراب والحنق، وقالت: ولكني أرسلت ملدافي بعدك لكي تؤكد لك أني ~~ذاهبة إلى قصر الصيد، على قصد أن أتأكد أنك منتظرني، فعلمت ملدافي من ميدونيا أنك متغيب ~~في الصيد فتركت لك معها خبر إزماعي على الذهاب إلى القصر، وإيعازي بأنك تبقى فيه ~~منتظرني. فلو رجعت أدراجك لوجدت أوامري مطمئنتك. فلا أدري كيف تسرعت. # وتفجعت باضطراب شديد وهي تقول: الويل الويل الويل. # وأفريدوس لا يفهم ما معنى هذا الويل؛ لأنه لم يعلم بخبر نبوءة الهيكل، ولا رامت ~~الملكة أن تنفره بهذا الخبر. فقال حينئذ: أي ويل أعظم من أن أفهم أنك أوعزت باعتقالي؛ ~~لأن وعدك الكاذب باللحاق بي لم ينجح في إقصائي. # فصاحت الملكة كالمجنونة: الويل الويل. وا فجيعتاه! لم أقل إني عدلت عن الصيد، فكيف ~~انتشرت هذه الإشاعة ms36 الكاذبة؟ لا ريب أنها من تدابير الإله لكي تتم نبوءة الهيكل، فوا ~~حرباه وا نكبتاه! # وما زال أفريدوس لا يفهم سر هذا التفجع والويل، فقال: ماذا كانت نبوءة الهيكل؟ لم ~~تخبريني بها. ~~- يا للهول، كانت عبور رجل على الجسر حين خسوف القمر. # فقهقه أفريدوس وقال: ما هذه نبوءة، إن هذه إلا مكيدة من كاهنات الهيكل. ~~- إذا كانت هذه المكيدة قد أتقنت هذا الإتقان الغريب العجيب، فالكاهنات أعظم من ~~الآلهة؛ ولذلك يجب أن نخشى غضبهن. ~~- إن تطيرك بتخريفهن ساعد مكيدتهن، أو أن مكيدتهن أنتجت وهمك الذي وافق ~~تدجيلهن. لو لم توعزي لي أن أسبقك إلى القصر ما حدث عبوري على الجسر بتاتا، ولتم ~~خسوف القمر وانقضى حين لا أزال في قصرك هنا عبد غرامك وأسير بهائك. ~~- ولكني لم آمرك أن تذهب إلى قصر الصيد على الحدود إلا لكي أفسد نبوءة ~~الهيكل. # فقال أفريدوس مقهقها: يا له من إفساد للنبوءة! إن قصر نظرك أفسد إفسادك لها. # فقالت متنهدة: لا حيلة في تدابير الإله الناقم على غرامنا، أعني التدابير التي أتم ~~بها نبوءة الهيكل، ويلي لقد نفذ المقدور. ~~- إذا صدقت عقيدتك فقضاء إلهك لا مرد له. ليت سيدة القضاء أفهمتني ولو تلميحا عن ~~نبوءة الهيكل، فكنت أرجوها أن تستنزل كل ويلات غضب الإله علي لكيلا يقع منها شيء لا ~~على العرش ولا على الأمة. ~~- ويحك. هذا هو الويل الأعظم الذي أبذل كل شيء لكي أتداركه. آه، لا أدري ماذا أفعل. ~~عدمت الحيلة، ونضب معين الدهاء. ~~- لماذا هذا التفجع يا سيدتي، ولم تقع عليك شبهة؟ # لأني لا أستطيع أن أهربك من غير أن أثير الشبهة بي. ~~- لا أهرب ولن أهرب. # ولا أستطيع أن أختلق مبررا لإطلاق سراحك. ~~- أليس عجبا أن تستطيع سيدة القضاء ما لا تستطيعه الملكة؟ # فأجابت الملكة متغيظة: ماذا تستطيع سيدة القضاء؟ ~~- تستطيع أن تنتحل المبرر لإطلاق سراحي، تزعم أن التحقيق لم يسفر إلا عن طيش هذا ~~الفتى ورعونته؛ لأنه لم يدخل إلى بنطس متنكرا إلا لكي يشاهد عاصمة ~~الأمازونيات. ~~- أأوجستينا قالت ms37 هذا القول؟ إذن لماذا حكمت عليك؟ ~~- لأني لم أقبل شروطها. # فقالت الملكة مرتعشة: ماذا كانت شروط تلك الماكرة؟ ~~- ماذا تكون شروط المرأة التي كان في قبضتها فتى تداعبه كما تداعب الهرة الفأرة، أو ~~بالأحرى كما تداعب الغزالة الغزال؟ ~~- وي وي، أحقيق أن تلك الماكرة كانت تنوي أن تفعل ما تقول؟ ~~- لا أدري إن كانت تستطيع التصنع إلى حد أن تحملني على تصديق وعدها. # وكانت الملكة تفكر مليا ثم قالت: يا لمعاندة القدر! كان القدر كالسيف ذي الحدين ~~يجرح من الجانبين. أنا أبحث بالتشديد في التحقيق؛ لأني لم أكن أعلم أن القدر رماك في يد ~~القضاء، وأنت تمردت على قلب متلهف، فاتفق الأمران على قضاء صارم. ~~- هل كنت تعذرين مطاوعتي لمساومة أوجستين لو علمت أني أنا الواقع فريسة بين براثن ~~القضاء، وأن نجاتي تتوقف على قبولي شروطها؟ # فقالت مرتبكة: نعم ... لا بل، لكن لا بأس. ماذا كان في الأمر لو قبلت ثم حنثت؟ # فقال أفريدوس مستهجنا: أوه، لو كان الحنث شيمتي أفما كان التحقيق الدقيق خطرا عليك؟ ~~إذ يحتمل أن أخون عهدك أيضا لكي أنجو من الموت. ~~- أوه، ويلي. وهذا ما يجعل الموقف الآن أعقد من عقدة الإسكندر، وا نكبتاه! من لي بسيف ~~الإسكندر لحل العقدة؟ ~~- الأمر بسيط، لا تهتمي بأمري، دعيني لرحمة القدر. ~~- ويلاه، كيف أؤمن للقدر وقد بدرت بادرته الهائلة؟! الحكم بالإعدام، لا أستطيع ~~تصوره. ~~- اعتبري علاقتنا الماضية حلما قصيرا وانقضى. ~~- كيف ينقضي وهو مطبوع في مخيلتي ولا يمكن الزمان أن ينسخه؟ ~~- احسبي حساب الموت مقدرا لكل إنسان! واتركيني لنقمة القضاء قبل أن تثار ~~الظنون. # فقالت مضطربة: مستحيل أن أسلمك لنقمة القضاء. ~~- لم يبق إلا هذا السبيل لإنقاذ حياتك وعرشك. ~~- وما الجدوى من الحياة بلا حب؟ وما لذة العرش بلا حبيب؟! وا لوعتاه. لا أسلمك للقضاء ~~ولا لنقمة الهيكل إلا وأنا معك أتلقى هذه النقمة الهائلة بصدري لكيلا أراها منقضة ~~عليك. آه دعني أعزي النفس في إبان يأسها. # ثم طوقت عنقه بساعديها وقالت: سأستكد قريحتي لاختراع وسيلة للفرج. # ثم ms38 فتحت الباب واستدعت أوجستينا، وقالت: ردي هذا المعتقل إلى كنه وعودي ~~إلي. # فانحنت أوجستينا، وقادت المعتقل إلى الحجرة السرية حيث كان حبيسا. ولما عادت قالت ~~الملكة: يلوح لي أن لهذا الفتى سرا عميقا، ولا بد من استخراج سره من صدره؛ لذلك يؤجل ~~إعدامه لئلا يدفن سره معه. انتظري مني أمرا باستدعائه إلى قصري عسى أن أوفق إلى ~~حيلة لاستقصاء أمره. ~~- الأمر أمرك يا مولاتي. توفقنا إلى القبض على أسير آخر يا مولاتي. ~~- أسير آخر؟ ماذا علمت من أمره؟ ~~- ادعى أن حبيبته فرت من اضطهاد أهلها لأجله، ولجأت إلى الهيكل، فخاطبت رئيسة ~~الكاهنات بشأنه عسى أن تكون دعواه صادقة، فطلبته الرئيسة إلى الهيكل لكي تعرضه على ~~اللاجئات. # فبدا على الملكة بشر، وقالت: من يدري؟ ألا يحتمل أن يكون هذا هو المقصود بنبوءة ~~الهيكل، أود أن تشددي النكير في التحقيق منه، ولا تثقي بدعواه هذه، فما هي إلا ~~للتمويه. # وخرجت الملكة. وما لبثت أن طلبت ذات العذار إلى قصرها، فأرسلته أوجستينا مخفورا وهي ~~تقول له: جرب سهامك حيث أنت ماض. # | الفصل الرابع # ننتقل الآن إلى الهيكل، حيث نشاهد ألاعيب رئيسة الكاهنات في هذه الحوادث التي أحدثتها ~~نبوءة الهيكل، وهناك نرى الرئيسة واقفة لدى المذبح تتمتم، وإذ دخلت عليها ملفينا كاتبة ~~سرها، ودفعت إليها رسالة قائلة: هذه الرسالة كانت مع شرطيتين تحرسان معتقلة مغلولة. # فضت الرئيسة الرسالة التي أرسلتها إليها سيدة القضاء أوجستينا مع المعتقل الآخر كما علم ~~القارئ. ثم قالت لملفينا: أدخلي المعتقلة إلى هنا. # فأدخلتها ملفينا وأمرتها الرئيسة أن تنتظر مع الشرطيتين أوامرها، ثم رفعت اللثام عن وجه ~~الأسيرة، وارتدت إلى الوراء مبغوتة متجهمة، إذ رأت وجه الرجل المتنكر المعتقل، وقالت: من؟ ~~الكاهن جيهول؟ ويحك! معتقل؟ لماذا؟ وأين ومتى؟! ~~- في فندق التاجرات في هذا المساء. ~~- لماذا عدت إلى الفندق؟ ~~- لكي أتأكد اعتقال القمر الساطع. ~~- أما تأكدت ارتداده قبيل الخسوف؟ # كنت أحتال لحمله على الارتداد إلى أن اقترب إلى الجسر. ~~- إذن لماذا فضولك في الدخول إلى المدينة؟ ~~- لأني لم أتأكد إن كان ms39 قد اعتقل حتى ولا إن كان قد عبر. ~~- كيف كانت صلتك إذن ناقصة؟ ~~- لم تكن ناقصة بل كانت متقنة جدا . رشوت سيدونا حارسة قصر الصيد بسهم من سهام كيوبد، ~~وأوعزت إليها أن تدع أفروديت المزيفة تفهم أن الملكة لا تنتظر أن تأتي للصيد؛ لأنه يقال إن ~~مشكلة سياسية نشأت حديثا فأشغلتها، فعاد المتنكر باسم الوصيفة أفروديت مدعيا أنه سيمضي ~~نهاره في الصيد، وسيعود حتما في المساء، وكنت أسبقه وأنا أزرع أمامه في مراحل طريقه مثل ~~ذلك القول الكاذب الذي يفهم منه أن الملكة عدلت عن الصيد لمشاغل سياسية طرأت عليها، إلى أن ~~رأيته في أول غلس الليل على ظهر جواده يجوس القرية التي قبل الجسر، وبعد ذلك ضيعته، ولم ~~أعد أدري هل عبر الجسر أم لم يعبره، ثم عدت إلى قصر الحدود، فما وجدت له أثرا، فرجعت أمس ~~الأمس، ودخلت المدينة في الغسق، ونزلت في فندق التاجرات لكي أتجسس عسى أن أظفر بخبر عن ~~اعتقال فأطمئن. # فقالت الرئيسة هازئة: مرحى مرحى، لقد ظفرت بأغلال اعتقاله هذه. # وأمسكت سلسلة يديه وهزتها لكي تجلجل. # فقال جيهول: كنت قلق النفس يا مولاتي، ولا أطمئن إلا بالعلم باعتقاله. ~~- أتكون بكرا لرئيس كهنة، ولا تطمئن نفسك لنبوءة الهيكل؟ أم تظن أن هيكل بنطس أقل علما ~~بالغيب من هيكل جاريجاريا؟ ~~- عفوا يا مولاتي، إن جهادي في سبيل اقتناص عرش جاريجاريا من وراثة الطائش الأهوج طوح ~~بي إلى هذا المصير. ~~- هذا جزاء شكك بقدرة هيكل بنطس على معاقبة الحمق والطيش، وعلى وضع الحق في نصابه الذي ~~يحتفظ به. إن هذه الأغلال جزاء ضعف إيمانك بوعد هيكلي أن يؤيد هيكلك في إحباط مكيدة ضم ~~العرشين وتمزيق الدستورين! ستبقى هذه الأغلال في يديك وعنقك إلى أن تحبط المكيدة، وينقلب ~~الأحمقان. ~~- قد ينفذ في حكم القضاء قبل الحبوط المرجو، أفليس في وسعك يا مغيثتي أن تخلقي لي عاشقة ~~من اللاجئات إلى هيكلك لكي تؤيد دعواي، وتسوغ عذري في دخولي إلى المدينة متنكرا؟ # فأجابت الرئيسة بأنفة وسخرية: إن اللسان الذي ينطق ms40 بالنبوءات ينعقد عن النطق بالأكاذيب ~~يا ذا القداسة الكهنوتية. # فقال جيهول وهو يحني هامته ذلا وانكسارا: إن حكمك يا سيدتي أشد وقرا من حكم القضاء، ~~وأنا الآن في حاجة شديدة لنصحك في ورطتي هذه لا إلى قضائك الصارم. ~~- ليس عندي نصيحة مقدسة، فما لك إلا أن تستصبح إله الشرع عسى أن يلهمك الإصرار على كذبك ~~إلى أن ينسج لك القدر مخرجا من هذا المأزق. # ثم ردت اللثام على وجهه وصفقت فدخلت ملفينا وأمرتها أن ترد المعتقلة (جيهول) إلى ~~الشرطيتين اللتين جاءتا به ثم أن تعود إليها، وألا تفتح لهن باب الخروج إلا متى أمرت ~~بهذا. ولما عادت أمرتها أن تستدعي اللاجئة ذات العصابة السوداء، ولما مثلت ذات العصابة ~~السوداء بين يهديها قالت لها: لست أحتم عليك أن تعترفي بهويتك إذا كنت تأبين الاعتراف بها، ~~وإنما أسألك سؤالا ربما كان من صالحك الصدق في الجواب عليه. # فانحنت الفتاة وقالت متذللة: لا بأس يا مولاتي إذا كان الجواب لا يقتضي أن أطلعك على ~~بغيتي من الالتجاء إلى هيكلك فأصدقك فيه. ~~- هل كنت مضطهدة لأجل حبيب، فلجأت إلى هيكلنا محتمية من الاضطهاد؟ # فأجابت الفتاة متنفسة الصعداء: نعم. ~~- هنا شاب متنكر معتقل فادعى أن له حبيبة لجأت إلى بنطس من جراء الاضطهاد لأجله فهل ~~تؤيدين دعواه لكي تنقذيه. # فأجابت الفتاة بلهفة: أحقيقي؟ أظنه حبيبي، أؤيد دعواه. أين هو؟ # فضحكت الرئيسة على الرغم من عبوستها: أسمح لك أن تريه من غير أن يراك لئلا يكون هذا الخبر ~~قد أضل قلبك. ألقي النقاب على وجهك، وانظري من خلال السجف إلى أن أعرضه على نظرك. # فاستترت الفتاة وراء ستار الأقداس والنقاب على وجهها، ثم خرجت الرئيسة وعادت بجيهول، ~~ورفعت اللثام عن وجهه، وهو لا يدري لماذا، ثم ردت اللثام على وجهه وخرجت به، ثم عادت، فبدت ~~الفتاة من وراء الستارة وقالت: لا، لا يا سيدتي، لست أستطيع هذا التزوير على نفسي. ~~- ولكن ما قولك إذا كان يستطيع إنقاذك من الاضطهاد ورد حبيبك لك. ~~- لا أستطيع هذا التزوير، ms41 ولو كان الرجل يستطيع إنقاذي، ليس هذا حبيبي الذي يأبى هذا ~~التزوير علي لأسباب أنا أعلمها. ~~- هل يمكنك أن تخبريني هذه الأسباب؟ ~~- لا يا مولاتي، لقد قلت لك من أول الأمر إني لا أستطيع جوابا لما قد يفضح ~~أسراري. # لا بأس، فلا أحرجك. عودي إلى خدرك متمتعة بحماية الهيكل. # ثم نادت ملفينا وقالت لها: خذي هذه إلى خدرها، ولتمض الشرطيتان بمعتقلهما. # ثم قالت لنفسها: وسيبقى في عقاله إلى أن يشهد اقتران القمرين وانقضاض الويلين. # لله من دهاء هذه الكاهنة! # | الفصل الخامس # 1 # نعود بالقارئ الآن إلى قصر الملكة، وندخل به إلى بهو رحيب مستوفي الرياش كما يمكن أن ~~يتصور القارئ قصر ملكة، والشباك المطل على حديقة غناء يسرح فيها النظر بين نجوم ~~الأرض، ثم نجوم السماء في الليل، وشمس النهار صارت فوق الأفق، ولو كان لفلكي ذلك الزمان ~~منظار عظيم يقرب مسامير السماء لرأى القمر مظلما على مقربة من الشمس، ويكاد يهجم ~~عليها هجوم العاشق على حبيبته. # من ذلك البهو باب خاص يدخل منه إلى حجرة الملكة، وفي هذه الحجرة كانت الملكة جالسة ~~على مقعد طويل عريض. وقد دخلت عليها جورجيا أولى الوصيفات، وقالت: إن أوجستينا سيدة ~~القضاء تستأذن بالامتثال. # فأمرت أن تدخل، وقالت لنفسها: ما وراء هذه الداهية من خبر شؤم. # ودخلت أوجستينا وانحنت، فتصنعت الملكة الابتسام وقالت: هل اقتلعت ولو حصاة من مخ ذلك ~~الشاب الهرم الذي يدعي أن له حبيبة لاجئة إلى بنطس؟ ~~- ليس في ذلك المخ المائع إلا صلصال لا يصلح للبناء. ~~- أما عرفت من أي طينة ذلك الصلصال؟ ~~- لا أرى إلا أنه من طينة الأكواخ. ~~- مهما كانت طينته قذرة، فلا بد أن تكون ذات سلالة، أما تفل اسما له؟ ~~- بل تفل اسم سدرون، وهم اسم أفرغ من عقم أمله بالعثور على حبيبته اللاجئة إلى ~~بنطس. ~~- ألا يمكن أن يكون هو القمر الساطع المقصود بنطق الهيكل؟ # فقالت أوجستينا كاظمة ضحكتها: مولاتي، لم يكن جو بنطس مظلما في زمن من الأزمان كما ~~هو مظلم منذ طلع هذا ms42 القمر الأسود. ~~- لا يعني نطق الهيكل سواه، فيجب عصره في التحقيق إلى أن يتضح كل ما في صدره من ~~أسرار. ~~- مولاتي ، يستحيل أن يكون هو المقصود بنطق الهيكل، وإلا لقبضت عليه الشرطيات. إن نطق ~~الهيكل أصدق على الفتى ذي العذار منه على ذلك الشاب الدميم، فإن كان ممكنا نحت تمثال ~~لمكيدة من هذا الشخص الدميم فمن ذي العذار ينحت برج مكايد. # فامتعضت الملكة وقالت متجهمة: لقد أفرغت جعبة الحيل في استخراج أسرار ذي العذار، ~~فوجدت مخه رقا منفوخا خاليا إلا من الطيش والحمق والرعونة. # فهزت أوجستينا رأسها هازئة وقالت: طبعا لا تصدقين جلالتك تظاهره بالنبالة، فإن ~~وراء الأكمة ما وراءها. # ثم قدمت لها رقا وقالت: تفضلي يا مولاتي، شرفي وثيقة الحكم بإعدامه بإمضائك ~~الشريف. # فذعرت الملكة من هذه المفاجأة، وقالت: ويك، لماذا هذا التعجل، وإلى الآن لم يثبت ~~الجرم على الفتى؟ ~~- ذلك أمر جلالتك وقد تسجل الحكم. # كادت الملكة تتفتت من شدة الغيظ، وبذلت مجهودا عصبيا عظيما في كظم غيظها. وفكرت ~~في إبان يأسها، ثم قالت مرتبكة: لم يزل عندنا متسع من الوقت للتحقيق معه عسى أن نبلغ ~~إلى ضميره. ~~- لقد نفد كل أسلوب للتحقيق يا مولاتي، ولم يبق إلا أحد أمرين: إما تشريف الحكم ~~بإمضائك إن كان مستطاعا، أو إصدار العفو عنه إن كان مرغوبا. # قالت هذا القول وهي تبتسم ابتسامة لؤم، كأنها شاعرة بموقف الملكة الحرج. # فسخطت الملكة وقالت: يستحيل أن يعدم قبل أن يبوح باسم المرأة الشريكة له في جرمه، ~~ولكن هل تجدين مبررا للعفو؟ ~~- ربما كان المبرر ممكنا يا مولاتي قبل أن صارت العاصمة تغلي بثرثرة الأمة كالقدر ~~على وطيس حام، أصبحت العاصمة الآن كالمسرح الذي يتوقع المشاهدون فيه ظهور الأبطال بذاهب ~~الصبر. الأمة تلح بإصدار بيان عن أسرار هذا الاعتقال. # فقالت الملكة مرتبكة: رأيك بالبيان؟ ~~- لا يخمد الأفكار الثائرة إلا التصريح بإقرار الفتى عن المرأة التي يتصل بها، أو ~~إعلان الحكم عليه بالإعدام لإصراره على النكران. # وقد أحست الملكة أن أوجستينا هذه وزيرة القضاء تبتغي ms43 أن تزيد موقفها تحرجا، ولكن ~~الملكة وجدت منفذا للفرج في قول أوجستينا وقالت: إذن دعيني أحقق معه مرة أخرى، فأعرف ~~كيف أنجح، ولا فائدة من إعدامه إذا بقي سره دفينا في صدره. اتركي لي صورة الحكم هنا ~~ريثما أنتهي من التحقيق الأخير. ~~- وإنما دبري يا مولاتي تدبيرا ناجعا يسكن هياج الأمة، فالأمة الآن مثرثرة، وعما ~~قليل مزمجرة. وثم ثائرة، لقد أخلصت البلاغ والنصح يا مولاتي. إذنك بالانصراف. # 2 # وما إن انصرفت أوجستينا حتى نقر الباب الأوسط المؤدي إلى داخل الجناح، ولا يدخل منه ~~أو يخرج إلا خاصة الملكة. فنهضت الملكة، وفتحت الباب، وبدت منه أمها العجوز، ولما ~~قادتها إلى مقعدها قالت الأم: أين نحن من الويل الأول الآن يا بنتي؟ # فقالت الملكة ناحبة متوجعة متواقعة على ذراعي أمها الضريرة: نحن فيه الآن يا ~~أماه. # فقالت الأم مرتبكة: أفي هذا القصر موقعه؟ ~~- نعم يا أماه. # فقالت الأم: ويلاه، أتعنين أن المعتقل هو أفريدوس؟ ~~- هو بعينه. ~~- وا ويلتاه. أما قلت إن ملدافي أكدت لك أنه لا يزال منتظرك في قصر الصيد؟ ~~- إذا كان القدر معاكسا فلا ينجح الحذر، لقد مل أفريدوس الانتظار في القصر! فعاد ~~لكي يتحرى سبب إبطائي، فقبض عليه وهو يمر على الجسر وتمت فيه النبوءة. وا ~~أسفاه! # فقالت الأم مضطربة: وأقر الشقي بالحقيقة؟ # معاذ الله. فهو أنبل من أن يشرك غيره بجرمه. ~~- الحمد للإله. إذن لم يقع الويل بعد. ~~- ويحي، أي ويل أعظم من أن يصدر الحكم عليه بالإعدام؟! # فقالت الأم متحمسة: نفذي الحكم عليه حالا؛ تداركا لوقوع الويل الأعظم. # فأجابت الملكة ساخطة: يا لك من ظالمة! ~~- أعليه أنت مشفقة أم على نفسك وعرشك، بالقضاء العاجل عليه خلاص نفسك، وبهلاكه راحة ~~قلبك. ~~- لله من قلبك الصلد الجلمد، أبالقضاء عليه خلاصي؟ وماذا يبقى لي من سعادة ~~بعد؟ ~~- يبقى لك عرشك الأسنى يا حمقاء. ~~- يا لك من ظالمة جائرة، ألا ترين أن العرش بلا حب ظلام دامس، والعرش بلا حبيب ليل ~~بلا بدر، والحياة بلا حب لا تختلف عن الموت إلا ms44 بالملل والسأم. آه وا شقوتاه! ~~- بئس غرامك هذا. إنك بهذا الجنون فاقدة العرش والحبيب جميعا. وتنفيذ الحكم ينقذ ~~أولهما وينقذك. # فقالت الملكة وكأن بها نوبة جنون: ويحك لا أقنع إلا بسلامة ثانيهما. ~~- سلامة أفريدوس تكلفك حياتك يا غبية، أتهربينه. أتعفين عنه. كلا الأمرين يغضبان ~~الهيكل عليك ويهيجان الأمة ضدك. # فارتمت الملكة على المقعد خائرة. وقالت: أماه، دبريني في نكبتي، أين ذكاؤك؟ أين ~~دهاؤك؟ ~~- لقد فقدت نصف ذكائي وثلاثة أرباع دهائي منذ تنازلت عن العرش لك بسبب فقد نظري، لو ~~بقيت في عرشي عمياء لكنت في حكمي أحد منك بصرا. لقد بسطت لك تدبيري فلم ~~تذعني. # فأجفلت الملكة: ماذا؟ أن أنفذ حكم الإعدام بأفريدوس؟ هذا مستحيل، مسكينة أنت. لقد ~~حرمك إلهك نعمة الحب، فصم قلبك عن نبضاته، يجب أن يبقى أفريدوس ولو فقدت العرش، هل ~~فهمت؟ ~~- وتفقدين حياتك أيضا، وحياته لا تسلم. فنصيحتي الأخيرة: أن تضحي بواحد من الثلاثة ~~خير من التضحية بالثلاثة معا، حياتك وحياته والعرش. ضحي بحياته يبق لك حياتك ~~والعرش. # فسخطت الملكة سخطا عظيما، وصرخت صراخا شديدا: عني يا أماه. إذا لم يكن عندك غير ~~هذه النصيحة التعسة، فدعيني أتلقى الويل المنقض علي بشجاعة الملكة. # حينذاك دخل أفريدوس من باب السر بثوبه الأمازوني، وقال: النصيحة الخالصة ما قالت أمك ~~الموقرة أيتها الملكة، دعيني أمضي إلى دار القضاء حيث أتلقى بسرور النقمة المنقذة لك من ~~الويل. # فقالت الملكة بأمر محتوم: مكانك، إلى بيت سرك، فللزمن رأي، وفي صدره نصائح، فعاد ~~أفريدوس إلى وجاره صاغرا. # 3 # وبقيت الملكة بعد خروج أمها وأفريدوس وحدها، ولو وضع ميزان الحرارة على جبهتها حينئذ ~~لارتفعت حرارته إلى الخمسين، تكاد تنفجر غما وهما، لم يعد القصر يسعها، بل الجو لم ~~يعد يتحمل حر أنفاسها. انتفخ رأسها حتى كاد يصطدم بالجدران حولها، عدمت الحيلة، لم ~~تعد ترى بدا من التضحية بنفسها أولا، وبعد ذلك يبقى أفريدوس والعرش في ميزان القدر ~~الأعمى. # وفي إبان أزمتها طرقت جورجيا الباب ثم دخلت إذ سمعت صوت الملكة بالإذن. ~~- مولاتي، هنا ms45 فتاة جاريجارية تتوسل إلى إذن جلالتك بالامتثال بين يديك لأمر لا تريد ~~أن تفضي به إلى سواك. # فرفعت الملكة رأسها عن صدرها، وقالت لنفسها: «عسى مع هذه الفتاة فرج.» ثم فكرت ~~قليلا، ثم قالت: قولي لها: إن الملكة مشغولة عن مقابلتك، وإنما كلفت رئيسة ديوانها ~~أن تسمع سؤالك. دعيها تدخل من غير أن تشعر أني أنا الملكة، بل يجب أن تعتقد أني رئيسة ~~الديوان، حاذري أن تدعيها تفهم أني الملكة، هل فهمت أنت؟ # فهمت كل الفهم يا مولاتي، يجب أن تفهم أنك رئيسة للديوان، وأنك بأمر الملكة تسمعين ~~سؤلها. ~~- حسن جدا. # ثم بعد قليل أدخلت جورجيا امرأة بثوب عادي كأثواب الأمازونيات، وتركتها لدى الملكة ~~ومضت. وانحنت المرأة قليلا لدى الملكة، أو مندوبة الملكة. فسألتها الملكة: ما ~~اسمك؟ ~~- اسمي أنيدون. ~~- لقد أمرتني جلالة الملكة بأن أهتم بسؤالك جد الاهتمام؛ لأنها مشغولة جدا، فليس في ~~وسعها أن تقابل أحدا في هذه الأيام، فماذا ترومين؟ ~~- شكرا جزيلا لجلالتها ولك يا سيدتي، نمى إلي أن الفتى المعتقل هنا في القصر يزعم ~~أنه خاطر بنفسه في الدخول إلى بنطس ليبحث عن خطيبته اللاجئة إلى هذه العاصمة من اضطهاد ~~أهلها بسببه، فهل تأذن جلالتها أن أقابله؟ ~~- إن الدخيل المدعي هذه الدعوى معتقل في دار القضاء، فهناك اطلبي مقابلته. # فقالت أنيدون: رأيت ذلك المعتقل هناك فما هو فتاي يا سيدتي، فإذا أذنت جلالتها لي ~~بمقابلة الفتى الذي هنا انتفى كل قصد سيئ من وجوده في هذه العاصمة، وخرج منها ~~بريئا. ~~- لا أظن أن هذا الفتى المعتقل هنا هو خطيبك؛ لأني لا أعتقد أن خطيب أية امرأة يخاطر ~~بنفسه في الدخول متنكرا إلى بنطس لكي يبحث عن خطيبته، وهو يعلم العقوبة التي ~~يستحقها. # فقالت أنيدون باسمة: أعذر خطأ حكمك هذا يا سيدتي؛ لأنك أنت أمازونية لا تعرفين ما هو ~~الحب. # فقالت الملكة المتنكرة: أعرف أن الحب ... هو ... هو ... هو ... ماذا؟ ~~- هو يا سيدتي القوة التي تجعل المخاطرة حتى الموت في سبيل الحرص على الحبيب ألذ من ~~النصر في ms46 الحروب، وأمجد من فتح الممالك وقنص العروش. # فقالت الملكة مدهوشة قلقة: هل أنت واثقة أن خطيبك يحبك هذا الحب؟ ~~- إذا كان المعتقل هنا هو إياه فلا يبقى عند جلالة الملكة شك بأنه يحبني هذا الحب، ~~وإلا لما خاطر هذه المخاطرة، ولذلك يصبح ذنبه بسيطا، وجلالة الملكة النبيلة القلب ~~تصفح عنه، وتأذن لنا أن نخرج من المملكة بسلام متمتعين بنعمة الحب. # وكانت الملكة تسمع هذا الكلام وقلبها يخفق وجدا، وعصبها ينتفض حقدا أو غضبا، أيكون ~~أفريدوس خادعها ويلعب عليها دورا إذا صدقت هذه الفتاة فيما تقول؟ فتجلدت وقالت: هل ~~تسمحين أن أقول لجلالتها من أية أسرة أنت لكي تتضح لها درجة سؤالك من الأهمية. ~~- هبي أني من أسرة الكهنوت، فهل تسمح الملكة؟ # فقالت الملكة باضطراب يكاد يفضح قلبها: أظنها تسمح، ولكن لماذا تضطهدك أسرتك لأجله، ~~هل هو وضيع الأصل؟ ~~- أرجو من سيادتك إعفائي من جواب يطلب منه هو. ~~- لعل جلالتها تشترط هذا الشرط للإيذان بالمقابلة. ~~- إن الحب يا سيدتي كالموت يجعل جميع الناس سواء في المقام، فإن كان أحدنا أوضع من ~~الآخر ارتفع إلى مقامه، الحب يرفع لا يضع يا مولاتي، ليتك تعرفين ما هو الحب لكنت ~~تشعرين أن سماح جلالتها لي بمقابلة خطيبي أعظم فضيلة تتحلى بها الملكة. # أصبحت الملكة بعد اعترافات أنيدون على نار، صارت تود أن تعلم الحقيقة من فم أفريدوس، ~~فقالت: انتظري إذن خارجا في الرحبة إلى أن تسمعي ثلاث صفقات فتدخلين. # فخرجت أنيدون حسب أمر الملكة، واستدعت أفريدوس على الأثر من حجرته، وسألته: هل ادعيت ~~في التحقيق في دار القضاء أن لك خطيبة لاجئة إلى الهيكل من اضطهاد أهلها بسببك؟ ~~- لم أدع شيئا حتى ولا أني موجود في الوجود، ما كنت لقاء الأسئلة التي كانت تلقى ~~علي إلا كالعصفور الذي يفر قبل أن تقع عليه اليد التي ترميه بالحبوب. ~~- هنا فتاة جاريجارية تزعم أن الفتى المعتقل هنا يدعي هذه الدعوى وتود مقابلته، فهل ~~تقابلها؟ ~~- أود أن أراها خلسة أولا لأعلم من هي. ~~- هي في الرحبة، اختلس ms47 نظرة منها من خلال الباب. # فوصوص أفريدوس من خصاص الباب، ثم ارتد مبغوتا، وقال: أرجو أن تسمحي لي بأن أختلي بها ~~اختلاء تاما . ~~- إذن صفق 3 صفقات فتوافيك. # ثم خرجت من الباب الآخر وقالت تكلم نفسها قلقة: أيمكن أن يخدعني؟ وبقيت خلف الباب ~~توصوص وتتسمع. # وصفق أفريدوس ودخلت الفتاة. فقال مبغوتا: أنيدون؟ ويحك. ما الذي قذف بك إلى عاصمة ~~بنطس، وأنت ابنة أحد كبار الكهنة المعززة في خدرها. ~~- مثل نفس السبب الذي قذف بك إليها أيها الأمير. ~~- صه، صه. لست معروفا هنا بالأمير، فلا تذكري هذه الكلمة، كيف تعلمين أن السببين ~~متماثلان؟ ~~- هل يكون لدخول فتى إلى مملكة بنطس من سبب غير سبب الحب؟ ~~- وي. وي. هل أنت واثقة أن حبيبك تبعك إلى عاصمة بنطس. ~~- بل أنا تبعته. ~~- أفي بنطس ملجأ العشاق الأمين؟ ~~- كلا، لا أجهل أنه ملجأ خطر، وقد جئت لإنقاذه من الخطر الذي وقع فيه. ~~- من غشك بأنه هنا في القصر؟ ~~- لم أنغش البتة. ~~- أعلم أنه ليس هنا أحد سواي. ~~- وإياك طلبت أن أقابل. ~~- أنيدون، ماذا تعنين؟ ~~- لم تتح لي فرصة أبوح فيها لك بسهم وقع في فؤادي. # فقال خائر القوة كاليائس: آه، وآه: لعلك أشد مني تعسا بهذا السهم. ~~- أتعد ذلك السهم تعسا وأنا أعده سعادة؟ # وكأن أفريدوس يخشى أن تكون الملكة متسمعة من خصاص الباب، فجذب أنيدون إلى ناحية ~~بعيدة، وقال: لا ترفعي صوتك، فللهواء آذان وعيون. إنك لتعسة لأن الخصام الذي احتدم ~~أخيرا بين الكهنوت والعرش في جاريجاريا أضاع عليك الفرصة التي كنت تتوخينها. آسف ~~جدا، إن الفرصة سنحت لك متأخرة يا أنيدون. # لا بأس لم ينقص تأخرها من شعوري بالسعادة التي أتوخاها منها. ~~- هذا الشعور الجميل لا يقل من أسفي يا أنيدون. ~~- لم آت لكي أنتزع شيئا من غبطة قلبك يا سيدي الأمير. # فأجفل أفريدوس من كلمة الأمير، وأشار لها بالكف عن ذكره، واستمرت تقول: بل جئت لكي ~~أتدارك ما يمكن أن يثلم هذه الغبطة. ~~- ما الذي يثلمها فتتداركيه؟ # جئت لكي أبلغك أن جيهول ms48 ابن رئيس الكهنة كان يتتبعك متجسسا حتى إلى هذه ~~العاصمة. # فقال أفريدوس منفعلا متغيظا: ويح ذلك اللئيم! يتتبعني متجسسا؟ ألا تبا ~~له. ~~- ألم تصدق بعد أنه وأباه اختلقا العداء بين دولتي بنطس وجاريجاريا وأوغرا الصدور بعد ~~تصافيها؛ لكي يقلبا عرش أبيك الملك، ويتبوأ جيهول، وتصبح أنت منفيا متشردا؟ فلما علم ~~جيهول أنك متنكر في بنطس انتهز الفرصة لتدبير المكيدة الهائلة ضدك، ولهذا جئت لكي أنذرك ~~قبل أن يتداعى عرشك ويهبط أنقاضا. # وكان أفريدوس ينتفض من الغيظ، فقال: شكرا، وهل جيهول الآن في هذه العاصمة؟ ~~- نعم، معتقل فيها بصفة كونه متنكرا، وأشعر أن الهيكل البنطسي يتحيز له لكي ينقذه من ~~عقاب هذه الدولة؛ لأنه ابن الكاهن الأكبر، والكهنة متضامنون في كل مكان. وأما أنت ~~فعلام تعتمد في النجاة؟ ~~- لا تهتمي بنجاتي يا عزيزتي، فما هي مطمعي، وأما إذا كنت أنت في حاجة إلى خدمة ~~... # فقاطعته قائلة: لم أجئ لأجل نفسي بل لأجلك، فأستطيع أن أشهد مزكية دعواك إذا كنت تدعي ~~أنك ما جئت إلى بنطس إلا لتبحث عني لحمايتي من اضطهاد أهلي، فادع هذه الدعوى، وأنا ~~أزكيها وأؤكدها ونخرج كلانا سالمين. ~~- أشكر قصدك، إنك تفترضين افتراضا يستحيل علي أن أقبله. ~~- لا تظن أني أتوسل بهذا التدبير إلى تقييدك بعهد، إني مقتنعة أن مرمى حظي أقصر جدا ~~من مطمع قلبي، لست أبتغي مكافأة. ~~- شكرا يا أنيدون، يستحيل أن أتذرع إلى النجاة بواسطة العاطفة، لا تهتمي بأمر نجاتي، ~~أنصح لك بالعودة إلى خدرك الشريف الطاهر في دار كهنوت جاريجاريا عسى أن يقيض لك كيوبد ~~حظا أسعد وأمجد. امضي بسلام. # وتراجعت ذليلة بائسة منكسرة النفس متنهدة، ثم انحنت وخرجت وأقفل الباب وراءها. # 4 # وما إن خرجت أنيدون حتى دخلت الملكة منفعلة شديدة الانفعال، وقبضت على ذراعه وهزته ~~قائلة: ويحك! أعلي أنا ملكة بنطس تلعب هذا الدور الهائل؟ # فأجاب أفريدوس بكل برودة وابتسام: أجل، إنه لدور غرام هائل، يا ذات الجلالة. سينقش ~~تاريخه على ضريحي كدرس عجيب للعشاق. ~~- صه، أغرام خداع ينقش على ضريح أمير ms49 منتحل صفة الكاهن؟ هل فقدت صولتك أيها الأمير ~~حتى تتوسل بصولة الكهنوت إلى فؤاد ملكة؟ أم أن سياستك الأفاكة امتطت متن الغرام لكي ~~تضمن الفوز في المعركة، وكسب العرش البنطسي. ~~- تؤدة وحلما يا مليكتي، لما رماني إلهي بسهم حبك وأنت متنكرة بثوب فلاحة في الصيد، ~~كنت أشعر أني واضع عرشي في حب فلاحة نابغة في الصيد، وما دريت أن إلهي جعل قلبي عرشا ~~لملكة، ولما أصاب ذلك السهم نفسه فؤادك كنت تظنين أنك باذلة نفسك في سبيل غرامك بفارس ~~مغوار. فلما اكتشفت أن سهم إلهي الذي نفذ في فؤادي نفذ في فؤاد الملكة التي بين عرشي ~~وعرشها خصومة أشفقت أن يدنس دم الخصومة ذلك السهم، وخفت أن تفسري ذلك الغرام الصادق ~~بالتحايل السياسي، فانتحلت رتبة الكهنوت لنفسي دفعا لهذه المظنة، وتحاشيا لنفورك، ~~متريثا إلى أن تسنح الفرصة الملائمة لبسط الحقيقة لك طاهرة من الدنس، سالمة من لطمة ~~الغش ... لدى دولة الغرام يا عزيزتي تضمحل دولة جاريجاريا ودولة بنطس، وفي عرش الهوى يا ~~حبيبتي يفنى عرش بنطس وعرش جاريجاريا معا، فإن كنت تحسبين انتحالي صفة الكهنوت خدعا ~~لك في فن السياسة، فهو إخلاص في فن الغرام، فسري خداعي هذا بما تشائين اللهم إلا ~~الخداع في الحب. إني أحبك، إني أعبدك، سواء على صهوة الجواد أو في حقل الفلاحة أو على ~~العرش. لم يبق العرش ولا الحكم مطمعي، فقد التهم الحب كل مطمع، فإذا تسنى لي أن أضمن ~~بقائي إلى جنبك كل العمر، ولو في كهف، أثفل على العرش، وأبصق على الدولة. # فقالت الملكة والبشر يطفح من محياها: أما بقيت فلذة من فؤادك مع هذه الفتاة ~~الكهنوتية؟ ~~- لم يبق معها من فؤادي إلا ومضات الشفقة عليها. مسكينة، خائبة الأملين. ~~- الأملين؟ ما هما؟ ~~- نعم، أمل حبي لها، وأملها بإنقاذي. أما استوعبت من مكان تجسسك علينا أنها اقترحت ~~علي أن أدعي أني في بنطس باحث عن حبيبة لاجئة، وأنها تؤيد دعواي؟ فخرجت يائسة حتى من ~~هذا الأمل. ~~- ألا ترى اقتراحها وسيلة لائقة لإنقاذك؟ ~~- أيليق ms50 بأمير أن يسخر قلب فتاة بسراب الأمل لإنقاذ نفسه؟ أيليق بأمير الغرام أن ~~يعلل فؤاد فتاة برجاء الحب الكاذب تذرعا لنجاته؟ إذا أبيت اقتراح هذه الفتاة أفلا أصبح ~~مدينا لها بعطفة قلب؟ أولا تصبح هي شاعرة بهذا الدين وآملة باستيفائه، وإن كانت لا ~~تطالب به؟ أولا يتلطخ وشاح حبي لك ولو بنقطة سوداء؟ وأخيرا كم يكون تمنين أهلها ~~ثقيلا على عاتقي؟ # ونقر الباب فأسرع أفريدوس إلى حجرة السر. # ففتحت الملكة الباب، وإذا جورجيا تقول: رئيسة الكاهنات تطلب مقابلة جلالتك. # فارتبكت الملكة وقالت كأنها تكلم نفسها: ماذا تريد هذه الشيطانة الآن؟ ماذا في ~~طيلسانها أو طي لسانها؟ # فقالت جورجيا مضطربة أيضا: تقول إن عندها بلاغا من الهيكل مباشرة. # فجزعت الملكة ولم يسعها إلا أن تقول: سمعا وطاعة وخضوعا للهيكل. # ولم تنتظر الكاهنة الإذن فدخلت وانحنت للملكة، وقالت بصوت جهوري ضخم: الويل على ~~الأبواب إذا لم تتداركه الضحية. # عند ذلك وقعت الملكة على المقعد منصعقة، وفي الحال خرجت رئيسة الكاهنات، وما لبث ~~أفريدوس أن دخل من باب الحجرة السرية قلقا مضطربا. # 5 # وجلس أفريدوس إلى جنب الملكة عاطفا عليها ممسكا بكفيها، وقال: فديتك يا نعيمي ~~السرمدي. وبعد هنيهة قال: عسى أن تكوني قد اقتنعت أنه لم يبق لنا إلا الفرار الليلة ~~من هذا القصر إلى القصر الجاريجاري. # فتشددت الملكة قليلا وقالت: الويل لي، كيف الفرار من الويل الذي أنذر به الهيكل؟ أما ~~سمعت إنذار رئيسة الكاهنات الأخير الآن؟ ~~- يا للسذاجة، أوما سمعت خبر أنيدون منذ برهة أن جيهول ابن رئيس كهنة جاريجاريا هو ~~المدبر المكدية بالتواطؤ مع الرئيسة. ~~- رئيسة الكاهنات لسان الهيكل، والهيكل مقام الإله، فهي تتكلم بلسان الإله. وا ~~شقوتاه! # فقال أفريدوس مقنعا: إذا فررت معي خاب تدبير الكهنوت، وأخفق إنذار الهيكل، وحبطت ~~المكيدة على مدبريها، فلا بد من تقرير الأمر الليلة وإلا فات كل تدبير. # فقالت الملكة يائسة: لو قبلت أنت اقتراح الفتاة أنيدون لنجوت بنفسك. ~~- لو شئت النجاة وحدي لما احتجت إلى تدبير فتاة حتى ولا إلى تدبير ملكة. ms51 إن قوائم ~~جوادي الأربع تصل إلى الحدود قبل بصره، أستطيع أن أفر في رائعة النهار، وأبرع فارسة ~~عندك لا تستطيع أن تنال مني لمحة عين. ~~- لماذا لم تفر؟ ~~- عجبا، ألم تفهمي بعد أني لا أهتم بخطة تضمن سلامتي، بل بالخطة التي تضمن سلامتك ~~أولا. ~~- دعني للقدر ولدهاء أمي. ~~- لا أثق بالقدر، ولا آمل بدهاء أمك بعد الذي ظهر من استنكارها لحبنا. ~~- لعلك تعذرها إذا علمت أنك أمير جارجاريا الوارث عرشها. ~~- حاذري أن تبوحي لها بهذا السر لئلا يشتد إيجاسها تخوفا على العرش الذي تنازلت ~~عنه لك، حذار فهي الخصم الألد. # فقالت الملكة مستسلمة لليأس: إذن أنا أستسلم للظروف مهما كانت سيئة جزاء لتورطي، ~~فارحل أنت ولا تقاسي نقمة الآلهة، هي ويلات واقعة حتما لا مفر لي منها؛ لأن نبوءة ~~الهيكل صادقة. ~~- يا للسذاجة! ليس لعقل أن يرى حادثا قبل وقوعه، فما نبوءة الهيكل إلى مكيدة ضدك، ~~فإذا فررت كذبت النبوءة وخابت المكيدة، وإذا بقيت هنا كنت أنت المتممة للنبوءة في نفسك. ~~يستحيل أن أدعك للظروف. # فقالت ملتمسة خيطا من الأمل: إذن فماذا؟ ~~- عندي خطتان، ولك الخيار في إحداهما: إما أن أمضي إلى ساحة الإعدام، وفيها تنزل ~~ويلات هيكلك علي وحدي وتسلمين بعرشك ولأمتك، أو أن تفري معي الليلة ويستحيل على أية ~~قوة أن تنال منك، فاختاري إحدى الخطتين. ~~- لا هذه ولا تلك. ~~- فقال بحزم جازما: إذن أنا أختار، أرجو أن تسكني في حجرتك إلى أن تنسيك إياي ألاعيب ~~الأقدار ومكايد الهيكل. # ثم هجم إلى ناحية الخروج، ولكنها أسرعت وصدته صارخة: مكانك. ~~- دعيني أخرج. أوجستينا استبطأت الأمانة، والأمة تلحف بطلبها. ~~- لن تخرج، أنا الملكة صاحبة الأمر والنهي. ~~- الموت أعلى سلطانا من سلطانك، وأمره فوق كل أمر، وهو يدعوني واستبقائي هنا إلى ~~الغد أصبح قضاء مبرما على حياتك وعرشك، فدعيني أفتديهما. # تبا له من افتداء يقض مضجعي، كل حياتي التي أصبحت مفعمة بؤسا، آمرك أن تمتطي جوادك ~~في أول الليل، وتقذف به إلى ما بعد الحدود، وهكذا نسلم كلانا. ~~- أنت ملكة وأنا ms52 ملك أيضا. آمرك أن تمتطي مطهمك وتقذفي به أمام جوادي إلى حيث عرش ~~النعيم يتوقعك بذاهب الصبر. ~~- يتوقعني تمام نبوءة الهيكل. ~~- إذا أطعت أمري لا تتم نبوءة الهيكل، فإن لي هيكلا ينقذك من خرافة هيكلك. ~~- ويلي، ماذا يكون بعدي؟ ~~- يا لك من ساذجة، أإلى الآن لم تدركي قيمة الخطة التي تسلم بها حياتك وحياتي، ~~وتحصلين بها على عرش أمجد من عرشك وأسعد؟ # وفكرت الملكة مليا، ثم قالت: ويحي، وبماذا تقذفني ألسنة الأمازونيات بغير نعت ~~الخائنة؟ ~~- أجل، ولكن قلوبهن تصفك بنعت السعيدة، في الجهر يقلن تبا لها من خائنة، وفي ~~اجتماعاتهن السرية يقلن: هنيئا لها بما يرشه إليه كيوبد من سهام لذات الحب. ~~- يا لها من لذات لا تذوقها الأمازونيات إلا بالحلم. ~~- أما أنت فتذوقينها باليقظة. يبقى العرش الجاريجاري متقلقلا إلى أن تستوي أنت عليه، ~~والدولة تبقى قلقة إلى أن تقبضي على صولجانها. هلم انتقلي من هذا العرش المملوء من ~~المخاوف والإنذارات إلى العرش المطمئن الوطيد. ~~- والشعب الجاريجاري ماذا يقول؟ ~~- يغتبط عظيم الاغتباط إذ يعد جلوسك على عرشه انتصارا لإلهه. ~~- ودسائس كهنتكم؟ ~~- تحبط لدى انتصار إلههم. ~~- وهل يجهل شعبك ماذا يكون حقد الأمازونيات وغضبهن وهن اللواتي قد دوخن الأقطار ~~وفتحن الأمصار. ~~- تنحل قوتهن حالما يبرز كيوبد لهن بسهامه. ~~- ويحي، من ينقذني من غضب أجكس، وأرس العظيمين؟ ~~- لا يتجاوز غضبهما حدود بنطس، وسحر كيوبد يخبلهما ويشل عضلات الأمازونيات كما شل ~~عضلاتك، فاعتنقي دين كيوبد فهو أقوى الآلهة وأوسعها سلطانا وأفعلها سحرا، وأمنحها ~~للسعادة والهناء، هو إله جميع البشر، أبدلي إلها بإله وعرشا بعرش، وحياة سعادة ~~بحياة بؤس. ~~- وأفقد عطف أمتي وحبها، وأتعرض لحقدها. ~~- بل تكسبين عطف شعب آخر مع عطف أمتك التي ستتوسل بك إلى اعتناق دين كيوبد، والتمتع ~~بنعمة الحب التي تجود بها يد الطبيعة. ~~- ويلي، وغضب كاهنات الهيكل؟ ~~- يبقى كالريح تصدم الصخر الجامد، والصخر لا يكترث لأن الأمة تتمرد على الكاهنات ~~اللواتي كن عقبة في سبيل انصياعهن إلى صوت الطبيعة الموسيقي. ~~- يا لك من ساحر خالب تكاد تزين لي الفردوس ms53 في الفلك السابع. ~~- أجل، إن ذلك الفردوس مفتوح الباب للترحاب بك يا حبيبتي، فلنمض إليه حالما ينسدل ~~الظلام. # 6 # في هذه الساعة الحرجة نقر الباب، فأجفلا وأسرع أفريدوس إلى الحجرة السرية، وتقدمت ~~الملكة إلى الباب ففتحته، وإذا بأوجستينا فيه، فقالت لها الملكة بصوت متهدج: ~~ادخلي. # ورأت أوجستينا محيا الملكة متوردا، وعينيها مضطربتين، كأنها كانت في معركة خصام ~~حاد ولما تنته بعد. فانحنت باحترام وارتباك، فبادرتها الملكة: ما وراءك يا ~~أوجستينا؟ # فقالت متلعثمة: ورائي يا مولاتي أمة تطالبني بالأمانة التي ائتمنتك عليها. # فقالت الملكة مرتعدة وجلة: الأمانة؟ ~~- نعم، الفتى المتنكر ذو العذار. # فأجابت الملكة متشددة: وما هو شأن الأمة؟ ~~- الأمة تنفذ الدستور يا مولاتي، وتريد أن ترى شريكة الفتى بالجريمة، أو أن يقتل ~~الفتى قصاصا لجريمته. ~~- عجبا، هل انتقل حق الحكم من العرش إلى سواد الأمة؟ ما هذا التطاول من الأمة على ~~ملكتها؟ ~~- الأمة تخاف غضب الآلهة قبل غضب الملكة. ~~- والملكة حريصة على استرضاء الآلهة على الأمة، يجب أن تترك الأمة التدبير للملكة ~~ولسيدات الدولة، اذهبي وطمئني الأمة بهذا. ~~- لم يبق للأمة قياد يا مولاتي، فحبذا أن تشرفي أنت من قصرك وتلقي كلمة اطمئنان، ~~ففكرت الملكة قليلا، ولم تر مخرجا من هذا المأزق إلا بالوعد، فقالت: سأفعل. اخرجي ~~أنت سكني ثائر الأمة بهذا الوعد. # وخرجت أوجستينا وبقيت الملكة تحدث نفسها: ويلاه، الأزمة تشتد، وهذه الخبيثة أوجستينا ~~تزيدها وقدا بلؤمها، لم يبق للتسويف نفع، يجب بت الأمر عاجلا قبل أن يحدث الكسوف إن ~~كان وقوعه مؤكدا، ويجب تدارك الويلين ولو بالتملص من سلطة الهيكل. # ثم فتحت الباب الأوسط المؤدي إلى حجرة أمها، ونادت أمها، فلبت الأم في الحال، ~~فبادرتها قائلة: أماه، في فمك فصل الخطاب إذا خففت من غلوائك، ورجعت بتذكاراتك إلى أيام ~~صباك، أيام ثورة الطبيعة البشرية. ~~- لقد كنت في صباي أشد صلابة مني في شيخوختي العمياء، فلا تستنجدي بشيخوختي الهامدة، ~~ولا تنتظري مني تحبيذا لخطة خرقاء. # فتنهدت الملكة لشدة غمها، وقالت: لقد دبرت خطة أسلم بها وهي أن أترك أفريدوس ms54 لرحمة ~~الهيكل؛ لأن الكهنة يعطفون بعضهم على بعض، وإنما أود أن أمهد للأمر بالتشفع به لدى ~~رئيسة الكاهنات أولا. ~~- خطة لا بأس بها، ربما كانت أسلم عاقبة من أي خطة أخرى. ~~- ولكن الأمة ثائرة، وأود تهدئتها ريثما أسترضي الهيكل على أفريدوس، وأوجستينا تنصح ~~لي على أن أشرف على جمهرة الأمة من شرفة القصر، وألقي فيها كلمة لتهدئة ثائرها، فما ~~تكون الكلمة يا أماه؟ ~~- حاذري أن تشرفي على الأمة وهي متجمهرة ثائرة؛ لأن الجمهور مجنون فاقد العقل ~~والاتزان، أرسلي حكمتك إلى الأمة بلسان رئيسة حكومتك أمازونيا، ولتلقها أمازونيا ~~باستخدام سلطتك الشرعية بتؤدة وحكمة. ~~- وماذا تكون كلمتي يا أماه؟ ~~- الوعد. ~~- أي وعد أستطيع تنفيذه؟ ~~- الوعد الكاذب الذي لا تريدين أن تبري به يا ساذجة، وما هو إلا هدنة ريثما يسكن ~~ثائر الأمة، لكي يتسنى لك أن تنفذي خطتك. ~~- بأي وعد كاذب أستطيع أن أملك هدنة اليوم فقط. ~~- بوعد أن تسلمي الأمة غريمها لكي تفتك به. ~~- ويحي من وعد يتزلزل به هيكل عظامي، أشكر رأيك يا أماه. ~~- ولكنك لن تبري بالوعد، متى سكن ثائر الأمة نفكر بخطة. # وقادت الملكة أمها إلى باب حجرتها وأدخلتها فيها، ثم استدعت جورجيا كاتبة أسرارها، ~~وأمرتها أن تستدعي أمازونيا رئيسة الحكومة. # 7 # وقبل أن تلبي أمازونيا الدعوة استدعت أفريدوس من حجرة السر، وقالت: لم يبق عندي من ~~خطة إلا الفرار يا عزيزي، فلنستعد له حالما تفرنقع المتجمهرات ونختلس الطريق في أول ~~الليل. # فابتهج أفريدوس وقال مرحا: لقد انتصر الحق على الباطل، كيوبد إله حق، إله الطبيعة ~~الفياضة بالسعادة والهناء. # فقالت الملكة: ولكن الشمس ستنكسف قبل مجيء أول الليل، وعندها يحل الويل، فما ~~التدبير؟ ~~- عندي التدبير، فمهلا قليلا. # وعندئذ نقر الباب، فأسرع أفريدوس إلى حجرة السر، وأذنت الملكة فدخلت جورجيا، وقالت: ~~إن السيدة أمازونيا جاءت من تلقاء نفسها. ~~- فلتدخل. # فدخلت أمازونيا، وانحنت لجلالة الملكة، فبادرتها الملكة بالسؤال: ما وراءك؟ ~~- تحرج الأمر يا مولاتي، لم يعد في وسعي ضبط الأمن، الأمة ثائرة تريد القضاء على ~~الخونة قبل أن تنزل ويلات ms55 غضب الإلهين حين يقترن القمران. # فقالت الملكة واجفة متظاهرة بالشجاعة: أبلغي الأمة أن غدا فصل الخطاب، وفيه ننزل ~~العقاب على الخونة، استعملي حكمتك في تهدئة خواطر الأمة وتبديد الجمهور. # فانحنت أمازونيا وقالت: الأمر أمر مولاتي، سأرى ماذا في مقدوري أن أفعل، ليتني ~~أنجح. # ثم خرجت أمازونيا، ودخل توا أفريدوس، وقال: لقد أعددت المطهمين الأولين. ~~- لا نحتاج إلى شيء غيرهما، في الصباح نكون في قصر الحدود، وفي أول الليل ~~نبرحه. ~~- لا نؤجل السير إلى عاصمة جاريجاريا؛ لئلا تدركنا مطارداتنا. ~~- لا يشعرن بفرارنا إلا صباحا، فلا خوف من مطاردتهن لنا، أود أن أدخل جاريجاريا ~~ليلا بعد أن تكون قد سبقتني لاسترضاء أبيك. ~~- أبي يغتبط عظيم الاغتباط بقدومك، ويتنازل لي عن العرش حال وصولك؛ لأنه يحسب قدومك ~~انتصارا لإلهه. وا سعادتاه إذا صح هذا الحلم، وداعا يا بنطس. ~~- لا تودعيها، فستعودين إليها مكرمة محبوبة وملكة. ~~- هلم أعانقك عناق القران يا ينبوع السعادة والهناء. أظن يجب أن تبرح بنطس بأسرع ما ~~يستطاع لئلا يحدث الكسوف ونحن هنا فتتم نبوءة الهيكل فيقع الويل. # فقهقه أفريدوس وقال: إن نبوءة هيكلك - ولو كسفت الشمس - خائبة؛ إذ لا صلة بين الكسوف ~~وحوادث الأرض. ما هذه النبوءات التي تصدر عن الهياكل إلا خداع للشعوب. أنا ابن كاهن ~~وأعرف كيف أبي يؤثر على الشعب بإصدار النبوءات، لا تعلقي أهمية على نبوءة هيكلك، فما هي ~~إلا قسم من الدسيسة المتبيتة ضدك، والمكيدة المنصوبة حولك. # عند ذلك نقر الباب، فأجفلت الملكة وقالت: داهية جديدة، أسرع إلى كنك. # 8 # ففتحت الباب الملكة وإذا جورجيا تقول لها: رئيسة الكاهنات يا مولاتي! # فتجلدت الملكة وقالت: مرحبا بها، لا ريب أن الإله أوحى إليها أني في حاجة إلى ~~مقابلتها السعيدة، مقابلة موفقة بإذن الإله. # وما خرجت جورجيا حتى فتحت الملكة الباب الأوسط واستدعت أمها بسرعة، فحضرت وهمست لها: ~~أظن أن الخطة موفقة جدا يا أماه؛ لأن رئيسة الكاهنات قدمت من تلقاء نفسها كأن الآلهة ~~أوحت لها خيرا. # فقالت الأم متململة: وقتنا الآلهة من مفاجآت كاهناتها، إني ms56 أتوقع شرا من هذه ~~الخبيثة. # فقالت الملكة مضطربة شديدة الاضطراب: أرجو أن تساعديني يا أماه في إقناعها بأن تأخذ ~~أفريدوس غدا إليها لكي يقدم التوبة في الهيكل، وتصفح الآلهة عنه. # فقالت الأم: تصفح الآلهة أو تنتقم سيان عندنا، يكفي أن نطهر العرش من هذا ~~الرجس. # وهنا، دخلت رئيسة الكاهنات. # 9 # واستقبلت الملكة رئيسة الكاهنات بكل بشاشة وترحاب، فانحنت الرئيسة قليلا، وقالت: ~~تحية لصاحبة الجلالة. # فقالت الأم: وسلام لقداسة سفيرة الهيكل المبجلة، لا ريب أن قدومك أيتها الموقرة بشير ~~الرحمة، وبواسطة سموك يكف الآلهة عن الغضب، وتوسلك يستدرك غضب الآلهة، قررنا أن نضع بين ~~يديك وتحت رعايتك المعتقل المتنكر الذي لم يسفر التحقيق معه إلا عن هوج وطيش، ولا غرض ~~له سوى مشاهدة عاصمة الأمازونيات. # فأجابت الكاهنة وهي جامدة في مكانها لا تبدي حراكا، وقالت بصوت جهوري: فليحضر، ~~فليحضر. # فقالت الملكة بتضرع: لقد ظهر يا ذات القداسة أنه من أسرة الكهنوت، ولهذا يستحق ~~عطفك. # فأجابت الكاهنة بصوت جهوري شديد: فليحضر حالا. # فاستدعت الملكة أفريدوس من حجرة السر، فدخل بثوب رجل وانحنى باحترام كلي. # واستدعت الكاهنة كاتبة السر الملكة جورجيا، فحضرت، وقالت لها: استدعي الكاهنة التي ~~اصطحبتها معي. # فما ترددت جورجيا في أن دعت الكاهنة التي كانت في معية رئيسة الكاهنات المطلوبة، ~~فنزعت رئيسة الكاهنات الثوب عن الكاهنة المزيفة فبدا جيهول بزي كاهن بثوب أسود، وعلى ~~رأسه قلنسوة لا غطاء لها، وإنما لها أربع زوايا. # فانذعر أفريدوس بعض الذعر، ولكنه تجلد وتشجع. وأما الملكة فانذعرت وارتجفت، ووجهت ~~الكلام إلى جيهول قائلة: هل تعرف هذا المزعوم أنه كاهن جاريجاري. # فقال جيهول: كاهن جاريجاري؟ ما هذا كاهنا، وإنما هو أمير جاريجاريا يا مولاتي. فوجهت ~~كلامها إلى أفريدوس: هل تنكر هذا الكلام؟ # فقال أفريدوس بشدة بأس وقوة: لا لست كاهنا، أنا أمير جاريجاري وزوج ملكة بنطس الشرعي ~~حسب شريعة كيوبد، الملكة التي ستتوج ملكة على جاريجاريا أيضا. # فصرخت أم الملكة بملء شدقيها: ويلكما، ويلكما، أنتما أخوان من بطن واحد وصلب واحد، ~~سر لا يدريه أحد ms57 سواي. # فقالت رئيسة الكاهنات: والويل يدريه أيضا. # ربما كانت الرئيسة لا تدريه، وإنما ادعت هكذا لكي تتم النبوءة وتنتصر الرئيسة النصر ~~المبين. # عند ذاك صرخت الملكة صرخة شديدة وانطرحت على ساعدي أمها: ويلاه، ويلاه! الويل، وكان ~~القمر قد شرع يتدرج ببطء على قرص الشمس وكاد يغطيه. # فقال أفريدوس متداركا: وماذا في الأمر؟ بعض أمراء الأمم يتزوجون أخواتهم، وقد تزوج ~~بعضهم أخواتهم كبطالسة مصر، وابن آدم تزوج بنت آدم، وبنت لوط تزوجت أباها ورزقت منه ~~ولدا، وهناك ألف شاهد على زواج الإخوة والأخوات. # الأم: ويلكما، ليس لهم شريعة هيكل ينزل الويلات على الأخوين المقترنين. # فقال أفريدوس: مع ذلك لا أصدق دعواك، فقد كنت معارضة زواجنا بكل شدة، فانتحلت هذا ~~السبب لكي تحولي دونه. # وقالت الرئيسة: القمران يقترنان، انظروا الآن ... والويلان ينقضان. # من غرائب الاتفاق أن الكسوف حدث في تلك الساعة، فمن من الخرافيين لا يصدق أن نبوءة ~~الهيكل تمت. # وصرخت الملكة صرخة تفجع وهي تنظر إلى الشمس مكسوفة: الويل الويل الويل. # واستلت خنجرها بكل سرعة وطعنت به قلبها. وقعت صريعة. # في إبان هذا الويل دخلت أمازونيا ثم تبعتها جورجيا، ثم أوجستينا ثم فلومينا، وبعض ~~حاشية الملكة، وجزعن من جراء هذه المأساة، وانعقدت ألسنتهن عن الكلام، وأي كلام يطرأ ~~عليهن. والأم تفجعت وصاحت بالويل والثبور إلى أن قالت: يا لنقمة الآلهة فطالما حاولت ~~أن أتدارك هذا الويل، ولكن مقدرتي خانتني. # وقالت الكاهنة بصوت جهوري: القمران يقترنان والويلان ينقضان. # وعندما تناول أفريدوس الخنجر من يد الملكة القتيلة وهزه وهو يقول بصوت جهوري بكل ~~تأن: تبا للإله الذي يجعل شريعته فوق شريعة الطبيعة، ويحسب الحب جريمة يعاقب عليها ~~بالموت، فلسوف تمتص الطبيعة ذلك الإله كما يمتص الهواء الدخان والبخار، ولسوف تعاقب ~~الأجيال القادمة خدمة ذلك الإله الجاحد الحق والطبيعة بالحديد والنار. معك يا زوجتي إلى ~~عالم الحق والحقيقة، وهجرا لعالم الغباوة والضلال. # ثم طعن صدره وخر على رجلي الملكة قتيلا. # ثم قالت الكاهنة: القمران اقترنا، والويلان انقضا، ونبوءة العرش صدقت، انظروا الشمس ~~مكمدة. # وحينئذ ms58 تم كسوف الشمس وسكنت الطيور في أوجارها، والحيوانات لجأت إلى أوكارها، ~~واضطرب الجو ونفخت الريح. # وقالت أمازونيا: لقد انتصر أجكس وأرس على كيوبد، وسلم عرش بنطس، وحفظ استقلال مملكة ~~الأمازون . # وقالت الكاهنة: تولي يا أمازونيا عرش بنطس، فأنت أولى من يتولاه الآن. # وقالت أوجستينا: إذا لم ترش يمين كيوبد سهاما فلا يبقى ذكور ولا إناث ولا ~~بطون. ms59