######OpenITI# #META# URI: 1373NiqulaHaddad.FalsafatWujud.Hindawi69316182 #META# Tags: philosophy #META# ID: 69316182 #META# Title: فلسفة الوجود #META# AuthorID: 60483937 #META# Author: نقولا حداد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # فلسفة الوجود‏ # الوجود‏ # الباب الأول: النظام المادي‏ # 1 - التجمع‏ # 2 - الدورية1‏ # 3 - التفريع أو التفرع‏ # الباب الثاني: النظام الحيوي‏ # 4 - ما هي الحياة؟‏ # 5 - التجمع والتفرع الحيويان‏ # 6 - مقام الحياة في الكون‏ # 7 - الدورية في الحياة‏ # الباب الثالث: النظام العقلي‏ # 8 - ما هو العقل؟‏ # 9 - العقل الاجتماعي‏ # 10 - الشخصية‏ # الباب الرابع: قضايا فلسفية‏ # 11 - العلل والمعلولات‏ # 12 - اللانهايات الثلاث‏ # 13 - الأزل والأبد: السرمد‏ # 14 - في ما وراء الوجود المادي1‏ # فلسفة الوجود‏ # الوجود‏ # الباب الأول: النظام المادي‏ # 1 - التجمع‏ # 2 - الدورية1‏ # 3 - التفريع أو التفرع‏ # الباب الثاني: النظام الحيوي‏ # 4 - ما هي الحياة؟‏ # 5 - التجمع والتفرع الحيويان‏ # 6 - مقام الحياة في الكون‏ # 7 - الدورية في الحياة‏ # الباب الثالث: النظام العقلي‏ # 8 - ما هو العقل؟‏ # 9 - العقل الاجتماعي‏ # 10 - الشخصية‏ # الباب الرابع: قضايا فلسفية‏ # 11 - العلل والمعلولات‏ # 12 - اللانهايات الثلاث‏ # 13 - الأزل والأبد: السرمد‏ # 14 - في ما وراء الوجود المادي1‏ # | فلسفة الوجود # | فلسفة الوجود # تأليف # نقولا حداد # أهدي الكتاب # إلى ابني العزيز الدكتور فؤاد الحداد الكيماوي. # ذكرى مناقشاتنا في أعماق الذرة وأقاصي الكون الأعظم. # | فلسفة الوجود # هذا العنوان كبير على هذا الكتاب. # لولا أن الكتاب أسرفوا في استعمال «فلسفة»؛ فلسفة الجمال، وفلسفة الحب، وفلسفة الألوان ~~... إلخ؛ ما جرؤت على استعمالها لهذا الموضوع الذي هو أجدر من غيره بهذا اللقب الشريف. # كان التعمق في المعرفة العلمية يعتبر فلسفة، حتى إلى زمان نيوتن وبعده؛ فكان كل ما كتب ~~نيوتن عن الجاذبية والنور والطبيعة ... إلخ يعتبره علماء عصره فلسفة، على أن علماء العصر ~~الأخير رأوا أن كل ما يجوز الامتحان العملي والاختبار المعملي يحسبونه علما، ولذلك نقلوا ~~كثيرا من المواضيع الفلسفية القديمة إلى دار العلم، ولم يتركوا للفلسفة إلا ما يسمونه ~~«ما وراء الطبيعة» - وهذه كلمة مبهمة أيضا - ومواضيع الفلسفة الأدبية # Ethics # كالحق والعدل والحرية، والسبب والمسبب، والعلل ~~والمعلولات ... إلخ. ومع ذلك نقلت هذه أيضا إلى دار العلم. وإذن صارت الفلسفة ثانوية ~~بالنسبة إلى العلم؛ وبهذا الاعتبار ألقينا على هذا الكتاب وشاح الفلسفة، مع اعترافنا ms01 بأنه ~~يضفي عليه كثيرا. # السلك الذي نظمت فيه حلقات هذا الكتاب هو «سنة الجاذبية»؛ وبهذا الاعتبار تكون الجاذبية ~~علة كل حركة في الوجود، هي «القوة القصوى» المحركة الأكوان، وإذا شاء المؤمن فهي في يد ~~الله؛ هو ضابط الجاذبية، وهو محركها، وما هي إلا «الموتور» في يده - تعالى، وهو- ~~تعالى - يمنحها القوة التي هي ينبوع كل القوى. # معظم نظريات هذا الكتاب خاصة بي، لم أقتبسها من مؤلف آخر، ولذلك يحتمل أن يكون فيها ما ~~يقبل الشك أو الاعتراض أو النقد، فأمنن لمن ينتقد. # نقولا الحداد # | الوجود # | تمهيد # الوجود مادة متحركة في حيز «مكان». # المكان عرض أولي عينته المادة. # والزمان عرض ثانوي، هو مقايسة المكان بالحركة. # 1 # فكأن الوجود مبني من ثلاثة عناصر: المادة، والحركة، «الزمان»، والمكان. هذه العناصر ~~مختلفة الطبع كل الاختلاف، واختلافها يهيئ تنظيم البناء وتنويعه. # انحلال كتل الكون إلى ذرات أولية متماثلة - فوتونات؛ أي: ضويئات - يدل على أن أصل المادة ~~«الهيولي» شكل واحد متعدد الذرات أو الذريرات؛ ذرة واحدة لا تبني كونا غير نفسها. # ذرات عديدة متماثلة تبني كونا واحدا بسيطا لا تمايز بين أجزائه، ولكن حدوث حركة ~~الذرات في المكان يؤدي إلى تنويع الأبنية الكونية؛ فالكون على صوره العديدة المختلفة ~~الأشكال مكون من هذا الثالوث: المادة والحركة والحيز. # هل يكفي لبناء الكون مجرد وجود هذا الثالوث؟ نرى تشابها في صور الكون وأشكاله، ثم نرى ~~ارتباطا بين أجزائه وجماعاته؛ فتقيم هذه الرؤية في ذهننا وجودا آخر معنويا لهذا ~~الارتباط وذاك التشابه، وهو وجود نظام تصاغ بمقتضاه صور الكون وأشكاله - هو هندسة ~~الكون. # هذا النظام هو تكافل عناصر الثالوث المذكور ببناء الكون على أساليب تضمن ارتباط أجزائه ~~والتدرج في تطوراته درجات متصل بعضها ببعض. # وهنا تلوح في بالنا الأمور التالية: ~~(1) # هندسة النظام تستلزم عملية تنظيم. ~~(2) # التنظيم يستلزم وجود أعضاء نزوعة للنظام، تنتظم في جسم. ~~(3) # وجود الأعضاء يستلزم أن تكون ذات شخصيات - ذاتيات. ~~(4) # النظام يستلزم وجود منظم. # فهندسة الكون - أي: نظامه - تقتضي وجود أعضاء نظامية وتنظيم ومنظم، فأين نجد هذه ~~الثلاثة؟ ~~••• # الأعضاء ms02 النظامية هي عناصر الثالوث المذكورة آنفا التي لا يمكن وجود واحد منها مستقلا ~~عن الآخرين: المادة وجدت متحركة في حيز؛ فالعناصر المذكورة متوقفة بعضها على بعض، وفناء ~~أي واحد منها فناء لجميعها. # والتنظيم ظاهر في أن جميع أجزاء الكون سائرة على قانون أنظمة واحد، ناف للفوضى نفيا ~~مطلقا. # أما المنظم فهو ما يتعذر إدراكه، هل هو طبيعة في ذرات المادة نفسها؛ أو هو فاعل مستقل ~~عنها؟ # المادة نفسها تثبت وجودها لعقليتنا بنفسها، وتثبت أيضا أنها هي منشأ عقليتنا؛ لأن ~~عقليتنا منفعلة بها. وأما الفاعل المستقل فليس ما يثبت وجوده لنا، وإنما افترضناه؛ لأنه ~~تعذر علينا أن نفهم كيف يمكن أن يكون المنظم طبيعة في ذرات المادة. # فإذا قلنا: إن المنظم الحر الإرادة هو طبيعة في ذرات المادة نفسها غير مستقل عنها ~~تعددت الإرادات الحرة بتعدد الذرات؛ فإن اتفقت كلها على نظام واحد استوى كونها حرة ~~وكونها غير حرة؛ لأن لا معنى للحرية إلا بوجودها إلى جنب قيد، وإن استقل كل منظم بمقتضى ~~حريته كان شكل الوجود فوضى ولا نظام. وإن افترضنا أن إرادات الذرات متماثلة فيما تريد، ~~ولذلك اتفقت على نظام واحد، قام الشك في حريتها؛ لأننا لا نتيقن أنها حرة إلا باختلاف ما ~~تريده، ولذلك يتعذر علينا فهم أن ذرات المادة نفسها نظمت نفسها، كما أنه يتعذر علينا أن ~~نفهم أنها أوجدت نفسها، أو خلقت نفسها. # وإذا افترضنا أن المنظم مستقل عن الثالوث المادي الذي ذكرناه، وأنه فاعل فيه بحسب مشيئته، ~~فكأننا نقلنا مشكلة الخلق من المادة إلى منظم المادة، وتبقى المشكلة مشكلة. # فإذن، مسألة السببية # Causation # تقف هنا حيث لا نستطيع أن ~~نستكشف مسببا للوجود المادي ولا لنظامه، هنا يقف العقل عاجزا؛ لأنه يستحيل عليه أن يفهم ~~أكثر مما ينفعل به، وهو لا ينفعل بأكثر من فعل المادة نفسها فيه، لا يستطيع أن يتخطى إلى ~~الفاعل البدائي - أي: الصلة الأولى - الذي يفعل فيها ويصوغها في نظامها. # العقل نتيجة تفاعلات مادية، كأنه ظاهرة من ظاهراتها، أو نوع حركة من ms03 حركاتها، فإذا توقفت ~~أو تعطلت هذه الحركة انتفى العقل بتاتا؛ فهو كالنور الصادر من الشمس، فإذا سكنت كل حركة في ~~الشمس انقطع انبعاث النور؛ لذلك لا يستطيع العقل أن يستقل عن المادة وينفصل عنها ، ويقيم ~~بذاته في مقام يستطيع منه أن يشرف على المادة ويتبين أصلها وفصلها. # إذن فمقدرة العقل في الإدراك محدودة ضمن دائرة ظاهرات المادة التي هو واحد منها؛ فيستحيل ~~عليه أن يخرج من دائرة الظاهرات ويتغلغل في أعماق كنه الجوهر. هذا المستحيل هو أعظم ~~المستحيلات على العقل البشري من ناحيته، وأبسط أسرار المادة المحجبة من ~~ناحيتها. # فمن ذلك نرى أن العقل على عظمه بين ظاهرات المادة، وعلى تعاليه فوقها للإشراف عليها - ~~على الظاهرات؛ هو ضعيف جدا، وحقير وعاجز عن استكناه جوهر المادة، لا يستطيع في هذا ~~الاستكناه إلا التكهن اعتمادا على قوة الاستدلال والاستنتاج القابلة الخطأ. ~~••• # إذن فلكي نستطيع أن نجعل بدءا للبحث - أي: أن نعين النقطة لأول خطوة فيه - يجب أن نفترض ~~فرضا يتوسط بين الغرضين السابقين، وهو أن النظام نفسه عنصر من عناصر الوجود غير مستقل ~~عنه، هو رابع العناصر الثلاثة التي رأيناها مواد البناء الأولية؛ أي: إن الوجود مبني من ~~أربعة أشياء: المادة، الحركة، المكان، النظام. أعني أن سبب وجود النظام هو نفسه سبب وجود ~~ذلك الثالوث سواء أكان ذاتيا أم من فعل فاعل مستقل. إن الذي خلق الثلاثة خلق الرابع ~~أيضا، خلق أربعة لا ثلاثة فقط؛ فالوجود رابوع لا ثالوث. ~~••• # هنا يتجلى لنا سؤال ذو شأن عظيم: هل كان ممكنا أن يتنظم الكون نظاما آخر غير نظامه ~~الحالي الذي نعرفه؟ أم إنه يستحيل أن يكون له نظام آخر غير هذا؟ # إن كان الأمر الأول ممكنا كان المنظم حرا - سواء كان ذاتا من خواص المادة أو ~~مستقلا عنها - وقد اختار هذا الشكل من الأنظمة دون أشكال أخرى، ويحتمل أنه متى انتهى عمر ~~هذا النظام يعود فينظم نظاما آخر. # ولكن الظاهر لنا من سلسلة السببية؛ أي: سلسلة النظام التي كل حلقة منها سبب لحلقة أخرى ms04 ~~بعدها؛ الظاهر لنا من هذه السلسلة أنه لا يحتمل أن يكون للكون إلا نظام واحد، وهو النظام ~~الذي نعرفه له الآن، اللهم إلا إذا كان ثمت منظم مستقل حر الإرادة في وسعه أن يجعل له ~~نظاما آخر لو شاء، وهو ما لا مبرر لافتراضه أكثر من المبرر لافتراض أن هذا الرابوع المادي ~~موجود كما هو بنفسه. # وإذا كان ذاك الغرض لا يمتاز على هذا بشيء سوى أنه يزيد حلقة في سلسلة السببية بلا داع، ~~فالأفضل أن نبتدئ من فرض أن الوجود وجد مهيئا لهذا النظام. وبعبارة أخرى أقرب ~~منالا: إن المادة وجدت متحركة، في حين أنها نزوعة إلى هذا النظام. النظام رابطة ~~الثلاثة. # ولأننا لا نستطيع أن نتصور نظاما غير هذا، فهو إذن طبيعة في المادة نفسها أو سجية ~~فيها. # الباب الأول # | النظام المادي # ما هو النظام العام؟ # أولا: # عملية التنظيم العام تجري على ثلاثة أشكال: ~~(1) # التجمع. ~~(2) # الدورية. ~~(3) # التفرع. # ثانيا: # حاصل هذا التنظيم أطوار متنوعة في أبنية الوجود، حصل منها إلى الآن ~~ما يأتي: ~~(1) # تكون الذرات فالجزيئات. ~~(2) # تكون السدم والأجرام والسيارات. ~~(3) # تكون الخليات من الجزيئات في فرعي الحياة. ~~(4) # حدوث العقل الفردي. ~~(5) # حدوث العقل الاجتماعي. ~~(6) # والله أعلم ماذا يحدث بعد هذه الخمسة. # ثالثا: # الشخصية. # بحثنا يمضي في هذه المواضيع المتداخلة، نبحث أولا في عملية التنظيم، ثم نفصلها في ~~كل عن حاصلاته الخمس. # ولا يخفى أن أشكال عملية التنظيم تجري معا متكافلة؛ ففي حين يحدث التجمع يكون ~~دوران الوحدات الذرية وغيرها حادثا أيضا، وفي الوقت نفسه يحدث التفرع. # فإذا ابتدأنا بشرح التجمع؛ فلأنه بطبيعة الحال أول ما يلفت النظر. # الفصل الأول # | التجمع # (1) الدرجة الأولى: التجمع الذري # إن أول خطوة في نشوء الكون هي تجمع ذرات الإيثر «أو بالأحرى فوتونات المادة؛ أي: ~~ضويئاتها، إن كانت الفوتونات غير ذرات الإيثر»؛ من تجمعها في كهارب وكهيربات ~~تتكون الذرة. # 1 # الفوتون «الضويء» - على حد علمنا - أبسط وحدة في المادة؛ أي إن ربوات الفوتونات ~~التي تشغل حيز الوجود «المكان # Space ~~» متماثلة. ~~فكيف تجمع بعضها في صنفي جماعتين ms05 مختلفتين - جماعة البروتونات «الكهارب» وجماعة ~~الكهيربات «الإلكترونات»، جماعة البروتون - الكهرب - 1840 ضعف جماعة الكهيرب، ~~وجماعة الكهيرب تعد عشرة آلاف فوتون - ضويء، وكل كهرب يقابله كهيربه. # قلنا آنفا: إن الحركة في الحيز من جوهريات عناصر الوجود، فالفوتونات تحركت ~~متجاذبة فتجمعت في جماعاتها، والتجاذب طبيعة فيها، أو هو سجيتها كما خمناه؛ إذ ~~لم نجد له سببا غير هذا. فكيف تجمعت مبدئيا على شكلين: كهرب وكهيرب؟ لماذا لم ~~تتجمع مبدئيا على شكل واحد أو ثلاثة أشكال أو أكثر؟ # هذا ما يتعذر علينا فهم سببه: على أنها لو تجمعت على شكل واحد لما تنوعت ~~مركباتها، فحدوثها على شكلين كفل تنوعها، ولا لزوم لتجمعها على ثلاثة أشكال أو ~~أكثر، ولو تعددت أشكالها لتفاقمت أنواعها جدا. # نكاد في تحدد تجمعها على شكلين فقط: كهرب وكهيرب، لا شكل واحد، ولا ثلاثة أشكال ~~أو أكثر؛ نلمس المنظم الحر الإرادة الحكيم التدبير. ~~(1-1) التجمع البسيط: تكون البروتون «الكهرب» # رأينا في ناموس الجاذبية # 2 # أن الجذب إلى المركز في جسم يدور على محوره ~~يكفل تزاحم الأجزاء حول المركز إلى حد معين، وبعد هذا الحد لا يكفل ارتباط ~~الأجزاء السطحية فيه لسبب عامل آخر غير الجذب، وهو عامل الدوران المحوري الذي ~~يقاوم الجذب، فيتغلب الدفع عن المركز على الجذب إليه ~~« # Centrifugal # أكثر من # Centripetal ~~»، وقد علمنا من ناموس الجاذبية ~~أيضا أن الدوران المحوري ابتدأ منذ ابتدأ التجمع. وعلمنا أيضا أن قوة الجذب ~~تنقص كمربع البعد، وعلمنا أن قوة التجاذب مناسبة لكتلة الذرات ~~المتجاذبة، فإذا راعينا هذه الحقائق جميعا معا أمكننا أن نتصور أن قوة ~~التجاذب الفوتوني لا تستطيع أن تضبط حول مركز واحد أكثر من عدد معين من ~~الفوتونات متزاحمة حوله على شعاع # Radius # معين ~~مقرر، وقد اكتشف العلم حديثا أن هذا العدد هو 18400000 فوتون، فما زاد عليه ~~تنفضه قوة الدوران المحوري البعيدة عن المركز؛ لأن قوة الجذب عند آخر ~~الشعاع تصبح ضعيفة بالنسبة إلى قوة النفض. فحجم الفوتون، ووزنه، وتزاحم ~~الفوتونات في جسم كروي، وسرعة الدوران المحوري؛ كل هذه ms06 قررت أن لا يزيد ~~البروتون عن 18 مليون و400 ألف فوتون. ~~(1-2) التجمع الأبسط: تكون الكهيرب «الإلكترون» # هكذا تكون البروتون. فكيف تكون الكهيرب - الإلكترون؟ # الكهيرب هو جماعة فوتونات - 10 آلاف فوتون - كانت منجذبة إلى مركز البروتون ~~مع ما انجذب إليه من الفوتونات، ولكن قوة التشريد عن المركز أبعدتها عنه، ~~وجعلها التموج الأيثري الحادث من دوران الكهرب المحوري تدور حول الكهرب على ~~بعد مناسب حسب قانون التسارع؛ فتجاذبت في فلكها وتجمعت في الجماعة التي ~~نسميها: كهيربا، وهي بنوبتها تدور حول مركز الكهيرب دورانا محوريا أيضا، ~~ودورانها هذا مع دورانها في فلكها جعلها أقل كثافة من الكهرب - البروتون - بحيث ~~تساويه حجما مع أنه 1840 ضعفا منها كتلة؛ لذلك يعتبر الكهيرب - الإلكترون - ~~أكثر تعرضا للتفتت أو التفكك من البروتون - الكهرب، كما هو معلوم من أن معظم ~~أشكال التشعع غير الكهرطيسي هي من صنف جاما. وهو فوتونات لا تعبئة كهربائية ~~فيها. ~~(1-3) التجمع المركب: تكون الذرة البسيطة # رأينا آنفا أنه متى تكون البروتون - الكهرب - تكون معه كهيرب - ~~إلكترون، فمن البروتون المفرد وكهيربه تتكون أبسط ذرة في الوجود وهي ذرة ~~الهيدروجين، والغالب أنها أول ذرة تتكون في بدء التجمع الفوتوني؛ ولذلك هي ~~أكثر الذرات عددا في السدم المتكاثفة. # بدء التجمع لا يستلزم أن يكون دائما تكون البروتونات علة لتكون ~~الإلكترونات، فقد يحتمل أن تتكون أولا جماعات لا هي بروتونات ولا هي ~~إلكترونات، وإنما لا تلبث أن تتجمع هذه الجماعات، فتتكون منها بروتونات ~~بحكم سرعة دورانها المحوري التي هي سرعة مقررة أو مستقرة # Constent ~~. وتسبب دوران جماعتها المحوري بسرعة مناسبة لها ولعدد ~~الفوتونات المتجمعة. والجماعة لا يستتب كيانها إلا إذا كان عددها 18 ~~مليونا وذات شعاع «نصف قطر» طوله واحد من 125 مليون من القيراط، ويحتمل أن ~~تتكون إلكترونات وبروتونات، ولكنها لا تلبث أن تتجمع وتتمازج في ~~بروتونات. ~~(1-4) التجمع المركب: تكون الذرة المركبة # سنرى فيما يأتي في هذا الفصل أن عملية التجمع المستمرة تنتج ضغطا على ~~الأجزاء المتزاحمة حول المركز؛ فلنسلم الآن أن من مقتضيات ms07 التجمع الضغط، وأن ~~هذا الضغط المتتابع من ذرات على ذرات يحدث أمرين معا: # أولا: # أن الإلكترونات التي تحت الضغط تضعف سرعتها في أفلاكها حول ~~بروتوناتها فتهبط إلى بروتوناتها. # 3 # وبسبب الضغط نفسه لا تستطيع ~~البروتونات أن تشردها عنها بقوة التشريد عن المركز # Centrifugal ~~؛ لأنها هي نفسها ~~قلت سرعتها أيضا، وهذه الحال هي ما نسميه الحياد الكهربائي # Neutrality ~~؛ أي: ~~إن البروتون المتحد مع إلكترونه ليس في حالة التعبئة ~~الإيجابية - هو النيوترون # Neutron ~~. # ثانيا: # أن هذا الضغط نفسه يحدث انضمام بعض البروتونات إلى بعض، ~~فتتداور بعضها حول بعض بحكم التموج الأيثري الذي يحدثه فيما ~~بينها، وتصبح كأنها جماعة أو أسرة واحدة. يحدث هذا الانضمام ~~بين بروتونات مختلفة في سرعة الدورة المحورية وفي الاتحاد ~~الكهربي؛ أي: إن بعضها معانقة إلكتروناتها وبعضها غير ~~معانقتها، هذا الاختلاف يسهل تجمعها في أسرة واحدة، ~~ولولاه لتعدد تجمعها، ولكان غير مستتب. # هكذا تكونت الذرات المركبة من بروتونين فأكثر، وتعددت حتى بلغت إلى ~~ذرة الأورانيوم ذات ال 238 بروتونا، والبلوتونيوم ذي ال 239 ~~بروتونا. # لذلك نرى في الشمس وأمثالها من الأجرام أن الذرات الثقيلة توجد غالبا ~~حول المركز؛ لأنها تحت الضغط الشديد، والخفيفة توجد بعيدة عنه، وربما وجدت ~~هناك ذرات أخرى أثقل من الأورانيوم لا توجد أنداد لها في أرضنا، ولهذا نرى ~~أن الذرات الثقيلة هذه متى برحت من تحت الضغط صارت عرضة للتفكك بواسطة ~~الإشعاع الموجي # Radiation ~~؛ لأن كل تجمع ~~يكون أكثر عرضة للتفكك كلما كان كبيرا، كما سنرى. # ووجود الأورانيوم وسائر الذرات الثقيلة في أرضنا يدل على أنها ولدت في ~~الشمس حين كان تكاثفها كافيا لإنشاء ضغط كاف لتكوين هذه العناصر الثقيلة، ~~ولذلك نرى أن مقادير هذه العناصر الثقيلة على الأرض قليلة جدا بالنسبة ~~إلى مقادير العناصر الخفيفة؛ لأن الأرض وسائر السيارات تولدت من قشرة الشمس ~~السطحية حين لم يندفع من وسطها إلى سطحها إلا القليل النادر من العناصر ~~الثقيلة، وكلما تقادم الجرم يشتد الضغط بتقلصه فتتكون فيه ذرات عديدة ~~البروتونات، لا وجود لمثيل لها في أرضنا. ms08 أكثف الذرات عندنا الأورانيوم ووزنه ~~الذري 238 وفيه هذا العدد من البروتونات والنيوترونات، ولكن في قلب الشمس من ~~الذرات ما هو مركب من أضعاف هذا العدد من البروتونات، قد يناهز السبع مائة ~~بروتون في ذرة واحدة، وفي بعض الأجرام أكثر من ذلك، ولا يخفى عليك أنه كلما ~~كثر عدد البروتونات في الذرة أصبحت عرضة للتفكك والتشعع إذا خف الضغط ~~عنها. # وسنرى أن الضغط لا ينتج تكون الذرات المركبة فقط، بل ينتج شيئا من ~~الفوضى بين البروتونات والإلكترونات أيضا، بحيث تنقطع الروابط فيما بينها في ~~بعض الأحوال فتصبح الإلكترونات متشردة بين البروتونات بلا نظام. ~~(1-5) مركب المركب # في كتابنا عالم الذرة شرحنا كيفية تكون الجزيئات من ذرات مختلفة شرحا ~~كافيا. فليراجع هناك. # في المركبات المعدنية لا تتجاوز ذرات الجزيء بضع عشرة، ولا تبلغ هذا العدد ~~إلا في النادر، ولكن المركبات العضوية «النباتية والحيوانية» تبلغ ذرات بعض ~~جزيئاتها بضع مئات، وسنلم بها في موضعها. ~~••• # رأينا فيما تقدم أن الجزيء مركب من ذرات، والذرة من بروتونات وإلكترونات، ~~وهذه من فوتونات؛ أي: إن التجمع هنا خطا ثلاث خطوات، والائتلاف في كل منها شديد ~~بحيث إن المركبات متماسكة في الجزيء الواحد تماسكا متينا، يجعلها ~~متمايزة غير ملتبسة في التجمع الأكبر الذي يتألف منها كما سترى. ~~(2) الدرجة الثانية: تجمع التجمع # يعتبر الجزيء نظاما تاما قائما بنفسه مستقلا بتحركه، وبين عناصره تجاذب ~~تام قوي يحفظ كيانه، وإنما يحتمل أن يتفاعل مع جزيء آخر أو أكثر، فينشأ من ~~تفاعلهما جزيء جديد أو جزيئات جديدة أو أكثر، ولكن مهما حدث من التفاعل؛ فلا بد ~~من تجمع الذريرات في جزيئات إلا نادرا - في بعض العناصر الراسخة كالأرجون. وكذلك ~~لا بد من ارتباط البروتونات بالإلكترونات، إلا حيث كان الضغط شديدا محدثا ~~فوضى. # فالتجمع الراسخ هو تجمع الفوتونات في الجزيء على 3 درجات كما رأيت. هنا قوى ~~التجاذب أشد جدا منها في التجمعات التالية. ~~(2-1) التكتل # الجزيئات، والذرات التي لم تتألف بعد في جزيئات، أو لم يتيسر لها هذا التآلف، ~~وإن كانت ms09 مستقلة بنظامها الداخلي، فنظامها هذا لا يمنع أنها تنتظم في نظام آخر ~~أعم وأكبر، بحيث لا يستطيع أي جزء - أو أية ذرة - أن يستقل بحيزه استقلالا ~~تاما بين ملايين أوربوات الجزيئات المجاورة له، ما دام متحركا - دائرا - في ~~حيزه ككل جزيء غيره، وما دام البحر الأيثري يتموج بحركة كل جزيء وتصادم ~~أمواجه كل جزيء. # فالجزيئات والذرات، بتداخل هذه الحركة الموجية، مختلطة الحيزات متبادلتها ~~متجاذبة متدافعة حسب سنة الجاذبية؛ لذلك وهي تتكون تحتشد في حيز أكبر ~~متجاذبة إلى مركز واحد مزدحمة حوله ازدحاما تتوقف شدته: (1) على عدد الذرات ~~التي تتجاذب متكتلة في كتلة واحدة مستقلة عن كتل أخرى مثلها، يفصل بينها حيزات ~~رحيبة. (2) على قربها إلى المركز. وهذا الزحام هو سبب الضغط الذي أشرنا إليه ~~آنفا، وهو يساوي عدد ذرات الكتلة مقسوما على الشعاع - نصف القطر - ذ/ش، ~~ونسبه في مناطقه كمربع البعد؛ فكلما كان عدد الذرات عظيما والشعاع قصيرا ~~كان الضغط أشد، وإذا راعينا الزمان في أمر هذا الزحام كما راعينا المكان ~~أدركنا أن الضغط لا يستمر على وتيرة واحدة، بل يشتد رويدا رويدا حول المركز، ~~وباشتداده تتآلف ذرات وجزيئات جديدة كثيرة البروتونات، كما أنه تتفتت جزيئات ~~أخرى وتتيه إلكتروناتها بلا نظام. # حين تتكون الذرات والجزيئات في أثناء هذا التكتل الذي نحن بصدده يحدث ~~هذان التجمعان متعاصرين، فقد لا يسبق أحدهما الآخر، وإن كان ثمت سبق فهو ~~لتكون البروتونات والإلكترونات، ولا يلبث أن يليه الشروع بالتكتل، وفيما يكون ~~التجمع الأول والتجمع الثاني - تجمع التجمع - حادثين لا يفرغ الحيز من فوتونات ~~غير متيسر لها التجمع بسبب عرقلة التجمعات الأخرى لها. # فالسدم المنفصلة بعضها عن بعض هي التكتلات التي نصفها ونعلل وجودها أو ~~نشأها، وهي في أول عهدها مؤلفة خليطا من بروتونات مجردة من إلكتروناتها، ومن ~~إلكترونات منفصلة عن بروتوناتها، ومن ذرات تامة التكون، ومن جزيئات تامة ~~التكون أيضا، ومن فوتونات حائرة لم تتألف بعد، وكلما تقادم عهد السديم ازداد ~~عدد جزيئاته وذراته، وقل عدد بروتوناته المجردة وإلكتروناته التائهة ~~وفوتوناته الخائرة. ~~(2-2) تكتل ms10 التكتل # الكتلة المتكونة على هذا النحو، المستقلة بحيزها، المنفصلة من جاراتها، ~~تكون نظاما تاما قائما بنفسه ذا مركز تتجاذب ذراته إليه من كل ناحية، ~~ومحور تدور حوله حسب سنة التسارع. # ولكن استقلالها بنظامها لا يمنع أن ترتبط بنظام آخر أكبر وأعم، بسبب أن هذه ~~الكتل - وهي لا تزال متجاورة - ينازع بعضها بعضا كأنها تغزو بعضها بعضا، ~~فتتغلب كبيرة على صغيرة، وتجذبها إليها، أو ترجح جاذبية واحدة على جاذبية أخرى ~~فتسلخ منها نطفة أو كتلة، وهكذا تصبح الكتلة مجموعة كتل كل واحدة منها ذات نظام ~~خاص لها، وجميعها مشتركة بنظام واحد عام، تتجاذب فيه إلى مركزها، وتدور حولها ~~دورة أخرى غير دورتها على نفسها، كما سنشرحه في محله. وفي المجرة كثير من هذه ~~الكتل المستقلة بنظامها من ناحية، والمشتركة بنظام المجرة العام، كالنظام ~~الشمسي والنظم العنقودية والكوكبات # Constalations ~~. ~~(2-3) قوى روابط التجمع # نظرة إجمالية فيما تقدم من الشرح ترينا السنة العامة لروابط التجمعات ~~المختلفة، أو تتجلى لنا فيها سنة الجاذبية كأنها القوة الوحيدة التي تربط ~~هذه التجمعات المختلفة. # نلاحظ أن التجمعات الأولى الدقيقة - الكهارب والكهيربات - أمتن من ~~التجمعات الثابتة - الذرات، وهذه أمتن من التجمعات الثالثة - الجزيئات؛ ذلك ~~لأن فوتونات البروتون أشد تقاربا من فوتونات الإلكترون، وفوتونات الاثنين أكثر ~~تقاربا من الكهارب والكهيربات في الذرة، وتقارب هذه أكثر من تقارب الذرات ~~في الجزيء، وبحسب قانون الجاذبية قوة التجاذب تشتد كمربع البعد عن المركز. ~~وبناء عليه أمتن التجمعات تجمع فوتونات البروتون وأضعفها تجمع الذرات في ~~الجزيء؛ لذلك حل الجزيء وتفتيته أسهل من حل الذرة، وحل هذه أسهل من حل ~~الكهيرب، فالكهرب، كما هو معلوم. ولذلك أيضا نرى أن القوة الصادرة من حل ~~الكهرب أعظم جدا جدا من القوة الصادرة من حل الكهيرب، إن تيسر تفتيت كل ~~منهما، وإلى الآن لم يتيسر إلا تفتيت الذرة ثم تفتيت نواتها إلى بروتونات ~~وإلكترونات متفرقة، وقد ظهر أن القوة الصادرة من تفتيت الذرة عظيمة جدا فما ~~بالك في القوة التي تصدر من تفتيت البروتون والإلكترون إذا تيسر ms11 تفتيتهما ~~صناعيا واعتقال القوة الصادرة منهما واستخدامها - وقد تيسر هذا في القنبلة ~~الذرية كما يعلم القارئ في كتابي «عالم الذرة» حيث يتضح كيف أن تفتيت الذرة ~~يصدر قوة. # نحن نعرف القوة الصادرة من حل الذرة، أو بالأحرى من فصل كهيرب واحد منها ~~ونقله إلى ذرة أخرى، وهي قوة الكهرباء التي تحولها إلى قوة ميكانيكية ~~باستخدامها في مغنطة الحديد، وكذلك نعرف القوة الصادرة من حل الجزيء إلى ذرات ~~تتبادلها الجزيئات المختلفة، وهي قوة الكهرباء الكيماوية في البطاريات، ونعرف ~~جيدا أن القوة الأولى أضعاف أضعاف القوة الثانية. # نسمي النظام الذري نظاما كهربائيا؛ لأن الذرات تتبادل كهاربها ~~تبادلا متتابعا نسميه تيارا كهربائيا، ونسمي النظام الجزيئي نظاما ~~كيماويا؛ لأن الجزيئات تتبادل ذراتها مقايضة، فتتحول من صنف إلى صنف، ~~ولكن هذه التسمية لا تدل على تنوع التجاذب بين الوحدات المتجاذبة سواء كانت ~~فوتونات أو بروتونات أو إلكترونات أو ذرات أو جزيئات؛ فالتجاذب واحد فيها ~~جميعا، وسنته واحدة وهي ناموس الجاذبية بعينه، وإنما الفرق بين التجاذبات في ~~هذه المذكورات إنما هو في حدة الجذب بسبب تقارب الوحدات أو تباعدها. ليس سوى ~~هذا. # وإذا تجاوزنا النظر في الذرة والجزيء إلى النظر في أنواع التكتل المختلفة ~~نرى قوة التجاذب أصبحت أضعف جدا؛ لشدة تباعد الجزيئات بعضها عن بعض، ككتل ~~الغاز وكتل السوائل وكتل البلورات وكتل سائر الجوامد، فهذه سهل حلها جدا، ~~ولذلك فالقوة الصادرة من حلها ضعيفة جدا بالنسبة إلى القوة الصادرة من حل ~~الذرات. حسبك أن تقارن القوة الصادرة من الآلة البخارية بالقوة الصادرة من ~~المولد الكهربائي، بمراعاة مقدار المواد المستخدمة لكل من العمليتين؛ فترى ~~الفرق الهائل. # ونحن نسمي قوة التكتل بجاذبية الملاصقة وجاذبية الالتصاق والجاذبية الشعرية ~~ونحو ذلك، وما خرجت عن كونها الجاذبية العامة بعينها، وإنما هي ضعيفة جدا ~~هنا لتباعد الذرات والجزيئات جدا بالنسبة إلى تباعد وحدات الذرات. # وإذا انتقلنا إلى عالم السدم والأجرام رأينا قوة التجاذب في منتهى الضعف ~~بحيث تدع جسيمات الكتل الغازية متفرقة وكتل السدم والأجرام مبعثرة مشتتة، ~~وهي أميل إلى التباعد ms12 منها إلى التقارب، كما هو معلوم من تمدد الحيز الكوني ~~وانتفاخه، وتشتت السدم والمجرات في الفضاء اللامتناهي. # الفصل الثاني # | الدورية1 # فيما كان التجمع حادثا على اختلاف أنواعه المتعاصرة كانت الحركات الدورانية جارية ~~للقيام بمهمة التجمع؛ أي: إن التجمع كان يحدث بحركات دورانية؛ ولذلك لا نرى بدا من ~~شرح نظام الدورية قبل استئناف الشرح لأطوار التنظيم الأخرى: الحياة، والعقل، والاجتماع ~~- التي هي ضروب أخرى من التجمع بأساليب الحركات الدورانية، كما سيتضح جليا حين بحثنا ~~فيها. ~~(1) الاستدارة # ولا بد أن يكون القارئ قد لاحظ في متن كتابنا «جاذبية نيوتن» أن الحركة التي ~~يقتضيها التجمع إنما هي ذات صفتين؛ الأولى: انتقال قدر من المادة من حيز محدود بها ~~إلى حيز آخر. والثانية: أن هذا الانتقال لا يكون في حال من الأحوال في خط مستقيم ~~بالمعنى الإقليدوسي - أقصر مسافة بين نقطتين، ولا يلتقي طرفاه - بل يكون في خط ~~منحن يلتقي طرفاه في محيط دائرة، أو يكون قوسا من دائرة. فالحركة التي يحدثها ~~تجمع وحدات المادة وتوزعها هي تنقل الوحدات من نقطة إلى نقطة مجاورة حسب قاعدة ~~المقدار «الكونتم # Quantum ~~» على التوالي، بحيث ~~يتكون من النقط المتجاورة التي تتنقل عليها المادة في خط منحن، ولذلك يتراءى ~~لمخيلتنا أن حيز مجال الجسم المتحرك من طبعه منحن. والحقيقة أن تحرك المادة ~~الطبيعي هو الذي رسم حيزه أو خططه # 2 # منحنيا؛ لأن المكان # Space # من طبيعة المادة نفسها، وتحرك المادة من نقطة إلى أخرى في ~~المكان ابتدع الزمن كما علمت في مقدمة هذا الباب، فلو انتفت المادة بتاتا لفني ~~معها المكان والزمن جميعا. # ولا يمكن أن تكون الحركة في خط مستقيم للأسباب التالية: ~~(1) # الانحناء؛ لأن المادة «المتحركة» ليست كتلة غير متناهية، بل هي ~~كتلة محدودة المقدار، فلو تحركت أجزاؤها أو وحداتها في خطوط مستقيمة ~~مختلفة الاتجاهات لتشردت في الفضاء اللامتناهي، ولما حدث شيء من ~~تجمعاتها التي نشاهدها، ولو تحركت جميعا في اتجاه واحد بسرعات متفاوتة ~~لحدث هذا التشرد نفسه، ولو تحركت في اتجاه واحد بسرعة واحدة لكان ~~سكونها ms13 وتحركها سيين؛ إذ ليس ما يميز النسبة بين الحالتين. ~~(2) # لأن المادة ليست كلا غير مجزأ أو غير قابل للتجزؤ، بل هي ~~أجزاء أو وحدات متعددة متجمعة وجماعات وحدات مؤلفة للكل، فلا مقتضى لأن ~~تتحرك كلها جملة واحدة. ولو كانت تتحرك جميعها معا حركة واحدة ما كان ~~من فرق بين كونها كلا قابلا للتجزئة، وكونها كلا غير قابل لها، ~~إذن كونها كلا نظاميا مؤلفا من وحدات مختلفة متحركة في اتجاهات ~~مختلفة يستلزم أن يكون تحركها في خطوط منحنية بحيث تتلاقى أطرافها. ~~وتحركها في خطوط منحنية هو الذي أنقذها من التشرد الذي يفضي إليه ~~التحرك في خطوط مستقيمة. ~~(3) # الكروية: لو كان تحرك المادة في خطوط مستقيمة لأفضى تشردها في ~~الخطوط المستقيمة إلى أمرين؛ الأول: أن يكون الحيز المادي غير متناه، ~~والواقع المعروف الآن أن الحيز المادي متناه وهو ذو حجم محدد. # 3 # الثاني: أن يكون الوجود المادي فوضويا خلوا من النظام. ~~ونحن نرى الواقع نظاما تاما متقنا. # فإذن، تحرك المادة في خط مستقيم في مجتمع منظم أمر مستحيل، أو أن المجتمع ~~المنظم كما عرفناه يلزم أن تكون الحركة فيه في خط منحن حتما، وإلا فقد نظامه ~~وتفكك تجمعه، وتحركه في خط منحن يستلزم أن يكون ذا مركز يتم حوله دائرة الخط ~~المنحني؛ لأن الخط المنحني مهما كان انحناؤه قليلا أو كثيرا لا بد أن ينتهي ~~بدائرة أو شبه دائرة متشاكلة # Symetrical # بالنسبة ~~إلى المركز كالدائرة الإهليليجية مثلا. ومن الدوائر يتكون السطح الكروي فالجسم ~~الكروي، وإذن فالكروية حتمية لكل جسم متناه منظم حول مركز. # وإذا راعينا السنة الأساسية وهي أن سبب الحركة «الجاذبية العامة»، وأن ~~أجزاء المادة تتحرك متجاذبة حول مركز، لا يبقى عندنا وجه للاعتراض على حتمية ~~انحناء خط الحركة. # وإذا كان الجسم أو الذرة أو كل وحدة مادية متحركا في خط منحن يتم بدائرة فإذن ~~يكون تحركه دوريا؛ أي: إنه يجري أدوارا متعاقبة باعتبار أن كل دور هو تحرك ~~الوحدة في دائرة أو شبه دائرة تامة أو قوس محدود من دائرة. ms14 ولهذا سميت الحركة ~~المادية التي هي أحد أشكال التنظيم «الدورية» إطلاقا على كل حركة في خط منحن سواء ~~كان التحرك في دائرة تامة أو في بعض الدائرة في قوس فقط كحركة الرقاص Pendulam ~~، أو اهتزاز الوتر أو التموج ... إلخ. # إذن فبحثنا في الدورية يشمل كل حركة مادية في كل مكان وزمان؛ ولأن التحرك في ~~خط منحن هو نزوع إلى الدوران حول مركز، فالبحث يتناول فن الدوران الذي ابتدعته ~~الطبيعة، وتكاد كلمة الطبيعة تكون مبهمة، وإنما نعني بها هنا تكامل عناصر الوجود ~~الأربعة: المادة والحركة «الزمانية» والمكان والنظام. ~~(2) أساليب الدورية: الدوران # وجدت الهيولي أو خلقت ذات سجيتين رئيسيتين: ~~(1) # ذريرات أو فوتونات تتجاذب أو تتقارب بعضها إلى بعض. ~~(2) # كل ذريرة أو فوتون يدور على نفسه. # السجية الأولى - التقارب - كانت السبب الرئيسي للتجمع. # السجية الثانية - الدوران - كانت السبب الرئيسي للتفرع. # الدوران نوعان: ~~(1) # الدوران المحوري # Rotation # وهو خاصة ~~كل وحدة من وحدات الهيولي كالفوتون والبروتون والكهرب، وكل جسم متماسك ~~الأجزاء كتلة واحدة كالأرض وسائر السيارات والأجرام؛ فأي جسم من هذه ~~يدور كله جملة واحدة على محوره. ~~(2) # الدوران المركزي # Revolutional # وهو ~~خاصة كل جسم أو وحدة مادية كالكهرب أو السيار أو الجرم أو الكوكبة # Constalation # يشترك مع أجسام أو وحدات ~~أخرى، هي الدوران حول مركز عام لها جميعا، وفي الوقت نفسه يكون ~~الجسم دائرا على نفسه الدورة المحورية. ~~(3) أشكال الدورية أو الدوران # للدوران شكل رئيسي؛ وهو دوران الذرات أو الوحدات حول مركز، وإنما هذا الدوران ~~يستلزم أن تكون الذرات في سطح واحد في دائرة لكي تستطيع الوحدات أن تتساوق في ~~دورانها حول المركز، كدوران السيارات حول الشمس في أفلاك تكاد تكون في لوح واحد - ~~قليلة الميل بعضها على بعض. وإنما معظم كتل التجمعات كروية أو شبه كروية، فإذا كانت ~~وحداتها جميعا تدور حول المركز وجب أن تتقاطع دوائر دورانها فتتصادم في تقاطعها، ~~ويئول تداورها إلى فوضى مدمرة. ولذلك إذا كانت كتلة الجسم أو الجرم كروية ~~أو شبه كروية جعلت وحداتها تدور متساوقة حول مراكز متعددة، ms15 بحيث أن نقط تلك ~~المراكز تؤلف خطا واحدا مستقيما هو المحور الذي تدور حوله جماعة الوحدات كتلة ~~واحدة. # فإذن عندنا نوعان من الدوران: ~~(1) # الدوران المركزي # Rotational # الذي ~~تدور فيه جميع وحدات الجسم أو الجرم حول مركز واحد فقط، وهذا الدوران ~~لا يمكن أن يكون في جسم أو نظام كروي، بل في نظام قرصي كلوح دائرة، ~~ولهذا يكاد يكون لا وجود له، أو أنه محول إلى دوران محوري. ~~(2) # الدوران المحوري وهو الذي تدور فيه كتلة الجرم الكروي برمتها حول ~~محور بين قطبي الكرة كدوران الأرض على محورها. # ولما كانت السرعة تختلف باختلاف البعد عن المركز كانت وحدات النظام الواحد، ~~تتساوق في دورانها تساوقا متفاوت السرعات، أقربها إلى المركز أسرعها؛ فمن هذا ~~القبيل عندنا ثلاثة أنواع من الدوران: ~~(1) # الدوران المتساوق: وهو الذي تدور فيه كتلة النظام أو الجرم المؤلفة ~~من وحدات عديدة متماسكة، تدور جملة واحدة، كدوران الأرض على محورها. ~~وهذا لا يكون إلا في الأجسام أو الأجرام الجامدة كسيارات النظام ~~الشمسي والإلكترون والبروتون. ~~(2) # الدوران المتفاوت في نظام واحد: كدوران السيارات حول المركز - الشمس، ~~ودوران كتل السدم حول مركزها، ودوران كتل النجوم الغازية. وفي هذه ~~الحال تكون الكتل الأقرب إلى المركز أسرع بحكم سنة الجاذبية. ~~(3) # الدوران المتداور، أو التداور: وهو أن يكون النظام الواحد ~~مؤلفا من أنظمة جميعها تدور حول مركز واحد دورانا متفاوتا، وفي ~~الوقت نفسه كل نظام فيها يدور حول مركزه أو على محوره دورانا آخر ~~مستقلا عن الدوران العام، كأنظمة الكوكبات العنقودية ونحوها. ~~(4) # ومنه تداور التداور: وهو تعدد درجات الأنظمة في نظام أكبر كالمجرة، ~~حيث تكون أنظمة مركبة كالنظام العنقودي دائرة في الوقت نفسه في نظام ~~أعظم. ~~(5) # التذبذب: هو دوران ناقص غير تام، كتذبذب الرقاص، واهتزاز الوتر، ~~والتموج ... إلخ، فكل ذبذبة إنما هي قطاع من دائرة أو قوس من محيط ~~دائرة. ~~(4) الدورتان الرئيستان ~~(4-1) الدوران المحوري # Rotation # كل ذرة أو جسم، سواء كان بسيطا أو مركبا، متماسك الأجزاء، من الفوتون إلى ~~السديم؛ يدور على محوره؛ لأن الدوران طبيعة في ms16 حركة المادة كما سيتضح في ما ~~يأتي: # أصغر أجزاء المادة الفوتون - الضويء - مخلوق يدور على نفسه؛ أي: إن ~~الدوران طبيعة فيه، وجميع الفوتونات تدور في اتجاه واحد. فبحكم الطبيعة ~~مجموعة الفوتونات المتماسكة تماسكا متينا في البروتون والإلكترون تضطر مجموعة ~~كل منهما أن تدور على نفسها، حول محورها؛ أي: إنها تكتسب خاصة الدوران من ~~أجزائها - وحداتها. وكذلك تكتسب الذرة خاصة الدوران هذه من كهاربها ~~وكهيرباتها، والجزيء يكتسبها من ذراته، والغازات والسوائل تكتسبها من ~~جزيئاتها، والحركة البرونية # Brownian Motion # المعروفة برهان قاطع على دوران السوائل جملة بدوران جزيئاتها. # والبرهان الأعم على صحة هذه النظرية - أي: نظرية أن الأجزاء تكسب الكل ~~الذي يؤلف منها خاصة دورانها - هو أنه إذا انحلت كتلة الكل إلى أقسام أو ~~أجزاء، سواء كانت أجزاءها الأصلية أو أقسام كتلية صغرى؛ توزعت خاصة الدوران - ~~الذي كان للكل - على أقسامه أو أجزائه توزعا متناسبا مع الأقسام، لكل منها ~~حصته على قدره، وهذه السنة الطبيعية معروفة عند علماء الطبيعة ومؤيدة ~~بالاختبارات والامتحانات، وللقارئ أن يدرسها في متون الطبيعيات تحت عنوان ~~القوة الدورانية # Angular Momentum ~~. وهي ~~سنة ذات شأن عظيم تلعب أدوارا مهمة في عمليات التجمع والتفرع، وما يحدث ~~فيهما من دوران محوري ودوران مركزي # Orbital # كما سيتضح في غضون هذا البحث، ولذلك نرجو من القارئ أن يحفظ في باله ماذا يراد ~~ب «القوة الدورانية». # نحن نبني بحثنا في خواص الدوران وأساليبه على الفرض الأعمق، وهو أن الفوتون - ~~أصغر وحدات المادة - خلق مزودا بنزعتين أو بقوتين: القوة الدورانية، وقوة ~~التجاذب. بهاتين القوتين أو النزعتين تتجاذب الفوتونات بعضها إلى بعض متداورة ~~بعضها على بعض، حتى إذا كانت مجموعات متماسكة - كهارب أو كهيربات - كانت ~~المجموعة كلها تدور على نفسها. # فعبارة «المادة المتحركة» التي تكرر ورودها في هذا البحث، أو عبارة «تحرك ~~المادة» المرادفة لها يراد بها «المادة الدوارة»؛ إذ لا حركة للمادة إلا حركة ~~الدوران المحوري والمركزي، وهي علة التحرك. ~~(4-2) التقلص يزيد سرعة الدوران المحوري # أية ذريرة مؤلفة من فوتونات لا بد أن تدور ms17 على نفسها في نفس الاتجاه ~~الذي تدور فيه فوتوناتها على أنفسها، وسرعة دوران الذرة - أو أية ذريرة - ~~تتوقف على مقدار تماسك فوتوناتها فيها؛ أي: كلما كانت الفوتونات متقاربة ~~متماسكة كان حجم مجموعتها أصغر، وكانت فيه أكثف، وبالتالي كان دوران المجموعة ~~المحوري أسرع، وبالعكس كلما كانت الفوتونات قليلة التماسك في الذرة - أي: ~~قليلة الكثافة - كان لكل فوتون قدر من الدوران الذاتي المحوري، ومنح قدرا آخر ~~للمجموعة - الذرة - فيكون دوران المجموع أبطأ، بعبارة عامة: كلما تقلصت ~~الذرة بشدة تقارب فوتوناتها وتماسكها كانت أسرع. # الأرجح أن هذا قانون عام لكل جسم أو جرم مهما كان نوع «تجمعه» ذرة أو ~~جزيئا أو كتلة ... إلخ، وهو أن السرعة «س» تناسب الكثافة «ك». # أي: س/ك = سس/كك. # فإذا فرضنا «س» سرعة الكهيرب - الإلكترون، «ك» كثافته، و«سس» سرعة الكهرب - ~~بروتون، «ب» كثافته؛ فبحسب هذا القانون لنا: # س/ك = سس/ب # وهو معلوم أن كثافة الكهرب - البروتون - تساوي 1840 كثافة الكهيرب - إلكترون؛ ~~أي إن ب = 1840ك. # فإذن: # س/ك = سس/1840ك # إذن: # 1840س = سس؛ أي: إن سرعة الكهرب - البروتون - تساوي 1840 سرعة الكهيرب - ~~إلكترون - في الدوران المحوري. # لذلك لا بدع أن تسبب سرعة الكهرب أو النواة - مجموعة الكهارب - سرعة دوران ~~الكهيرب الفلكي «في مداره حول النواة». ~~«إن كان هذا القانون صحيحا يجب أن ينطبق على دوران جميع الأجرام، وإذا ثبت ~~أنه منطبق عليها جميعا أمكن استخراج أي من الحجم أو الكتلة أو سرعة الدوران أو ~~الكثافة إذا عرف اثنان منها فقط؛ لأن الكثافة تساوي عدد الوحدات مقسوما ~~على الحجم.» ~~(4-3) الدوران المركزي # Revolutional # إذا كان الجسم مؤلفا من وحدات، ذريرات أو ذرات أو جزيئات ... إلخ غير متكاثفة ~~وقليلة التماسك فيما بينها، كالشمس أو السديمة أو السديم؛ فلا يتسنى له أن ~~يدور ككتلة واحدة دورانا محوريا، ولا سيما إذا كان كبيرا؛ حتى لو ابتدأ ~~حياته بالدوران المحوري فلا يلبث أن يفقد هذا الأسلوب من الدوران؛ لأنه واقع ~~تحت عوامل مختلفة تمزق وحدته أو كتلته وهي: # أولا: # أن دورانه ككتلة واحدة على محوره يحرج مناطقه ms18 المتطرفة أن ~~تقطع مسافات طويلة بسرعة فائقة، ولا سيما إذا كان كبيرا ~~جدا. وقد تكون السرعة هناك أكثر من سرعة الذرات في دورانها ~~المحوري الخاص بها، فلا تستطيع الذرات المتطرفة أن تجاري ~~المجموع في تلك السرعة فتتخلف عنها. وإذا كان المجموع ~~يجاري تلك المناطق المتطرفة في السرعة التي تحتملها كانت ~~سرعة المناطق الداخلية القريبة إلى المحور بطيئة جدا لا تصبر ~~عليها ذراتها المتزاحمة هناك، بل تعجل في الدوران المركزي ~~مخالفة سائر المناطق التي حولها؛ وفي كلتا الحالتين تكون ~~النتيجة حتما اختلاف المناطق في سرعة الدوران . # ثانيا: # أن قلة تكاثف المجموع أو لطافته أو قلة تماسك أجزائه، ~~لتباعد ذراته وذريراته بعضها عن بعض؛ تخول قانون التسارع ~~أن يفعل فعله بتوزيع السرعة على المناطق حسب بعدها عن المركز؛ ~~أي: إن المناطق القربى إلى المركز تكون بحكم هذا القانون أسرع ~~دورانا من المناطق البعيدة؛ وإذن لا يبقى ذلك المجموع دائرا ~~كتلة واحدة، بل يصبح طبقات مستقلة بعضها عن بعض في دورانها ~~وسرعاتها. وهذا هو الحادث في النظام الشمسي ونظام الكوكبات ~~ونظام المجرة؛ أي: إن وحداتها القريبة للمركز سريعة والبعيدة بطيئة. # 4 # ثالثا: # أن قانون الجاذبية القاضي بأن الجذب ينقص كمربع البعد ~~عن المركز يجعل الطبقات المتطرفة أقل خضوعا لقوة الجذب ~~المركزي وأكثر خضوعا لقوة التجاذب المتجاور؛ أي: إن ~~قوة تجاذب الذرات المتجاورة تتغلب على قوة الانجذاب نحو ~~المركز العام. فتشرع كل جماعة من الذرات تستقل بحركاتها بعض ~~الاستقلال عن المركز، وتكون لنفسها مركزا خاصا تتداور ~~حوله مع بقائها دائرة حول المركز العام، كما هو الحال في ~~الكوكبات # Constalation # بالنسبة إلى المجرة # Galaxy ~~. # رابعا: # أن الضلع الأول من ناموس الجاذبية، وهو قوة الجذب نحو ~~المركز، يكون أقوى تحكما بالمناطق القربى إلى المركز منه ~~بالمناطق القصوى، فتلك تتقلص نحو المركز، وأقربها إليه أشدها ~~انكماشا نحوه وأكثرها ازدحاما؛ ولذلك يتفسخ الجرم - سديما ~~كان أو نجما غازيا - إلى طبقات منفصل بعضها عن بعض، وقد ~~يتهابط بعض القربى إلى المركز على بعض، تاركة الطبقات القصوى ~~وراءها تحت سلطة ms19 من قوة التجاذب فيما بينها أضعف من سلطة ~~الجذب العام نحو المركز؛ فتتقطع كتلا على نحو ما ذكر في ~~«ثالثا»، كما حدث في نشوء سيارات النظام الشمسي. وتفسخ ~~الجرم إلى طبقات على هذا النحو يخول قانون المسارعة أن يفعل ~~فعله؛ أي: إن الطبقات القربى إلى المركز تدور حول المحور أسرع ~~من الطبقات البعيدة بحسب هذا القانون. # خامسا: # إن تقلص الجرم - أو تقلص طبقاته - يزيد سرعته المحورية؛ ~~أي: كلما تقلص الجرم أسرع دورانه حول المحور # Rotation ~~؛ لأن قيمة ~~الحركة ~~الدورانية # Angular Momentum # التي تملكها الذرات تبقى لها في ~~الحيز الأضيق كما كانت لها في الحيز الأوسع، ولذلك يصيب منها ~~حيزا معينا بعد التقلص أو قدرا أكبر مما كان يصيبه قبل ~~التقلص، لذلك فالمناطق الأشد تقلصا تكون أعجل دورانا من ~~المناطق الأقل تقلصا، ولذلك ينتهي الأمر في «رابعا» ~~و«خامسا» كما شرحناه في «ثالثا»؛ أي: بتقطع الطبقات إلى كتل ~~تدور حول المركز العام، في حين أنها تدور كل واحدة على نفسها ~~دورة محورية كسيارات النظام الشمسي أو كوكبات المجرة. # سادسا: # إن الضلع الثاني من ناموس الجاذبية؛ أي: التشريد عن المركز # Centrifugal force # تساعد الطبقات القصوى أن تتشرد عن المحور، كما أن الضلع الأول ~~- قوة الجذب إلى المركز - تساعد المناطق المحورية أن تتقارب ~~إلى المركز؛ فتكون النتيجة أن الجرم الأصلي بعد أن كان كرويا ~~يتفلطح فيقصر محوره جدا وتطول أشعته - أنصاف أقطاره - ~~المعامدة لمحوره إلى أن يصبح كالقرص؛ وحينئذ تضعف جدا ~~جاذبية حواشي القرص وتقوى قوة التشريد في الحواشي؛ فتتناثر كتل ~~منها وتصبح أجراما مستقلة تدور حول المركز الأصلي بالسرعة ~~التي يؤذن بها قانون التسرع، أو قد ينتثر بعضها في الفضاء إلى ~~أن يصادف جوا جاذبيا آخر فيلتحق به. # ترى مما تقدم أن الدوران المركزي نشأ من الدوران المحوري بسبب تفاعل ضلعي ~~الجاذبية: الجذب نحو المركز، والتشريد عن المركز، وبسبب فعل «التموج الحلزوني» ~~الذي يحدث التشريد عن المركز والذي يحدث التفاوت في السرعة بنسبة البعد عن ~~المركز، كما شرحناه في فصل تعليل سر الجاذبية ms20 في كتابنا فلسفة التفاحة أو ~~جاذبية نيوتن. # بعد هذا الشرح لأحوال الدورانين: المحوري، والمركزي. صار سهلا إيضاح ~~عملية التفرع المضادة لعملية التجمع؛ لأن عملية التجمع تقوم بفعل الضلع ~~الأول من ناموس الجاذبية - الجذب - الذي يكون فيه الدوران محوريا بحتا، ~~وعملية التفرع تقوم بفعل الضلع الثاني - التشريد - الذي يكون في الدوران ~~مركزيا متفاوت السرعة بنسبة البعد عن المركز. ولذلك، فيما نحن نشرح عملية ~~التفرع نكون في الوقت نفسه شارحين عملية التداور؛ أي: تداور الكتل المستقلة حول ~~مركز عام، فضلا عن دورانها حول محاورها. # الفصل الثالث # | التفريع أو التفرع # (1) تعليل التفرع # إذا حفظت في بالك أحوال الدوران الست أو قوانينه التي شرحناها آنفا، ولا سيما ~~قانون ازدياد السرعة بازدياد التقلص، واشتداد الازدحام في المناطق القربى إلى ~~المركز، وقلة الكثافة في المناطق القصوى، وتفاوت السرعة بسبب قانون المسارعة؛ سهل ~~عليك أن تتصور وتفهم كيف تتولد السديمات من السدم والنجوم من السديمات ~~والسدم أيضا، وكيف تتحول السديمات إلى كوكبات عنقودية ... إلخ. # ولإيضاح هذا تصور سديما عظيما - كما كانت المجرة - على أثر انفصاله عن ~~السدم الأخرى المجاورة له - المجرات - تصوره يدور على نفسه دورة محورية بطيئة ~~بالنسبة إلى عظمته - قد تستغرق مئات الملايين من السنين - بسبب قلة كثافته؛ أي بسبب ~~لطافته المتناهية تحت تأثير قوة الجاذبية المتبادلة بين أجزائه؛ فترى بحسب ما ~~علمته من نواميس الحركة: # أولا: # أن قوة الشرود عن ~~المركز # Centrifugal force # تجعل محوره يقصر رويدا عن قطره ~~الاستوائي، فيتحول تدريجا من شكل كروي إلى شكل قرصي سميك جدا ~~في أوائل عهد هذا التحول. # ثانيا: # أن قوة الجذب إلى ~~المركز # Centripetal # من جهة والإشعاع # 1 # من جهة ~~أخرى يجعلانه يتقلص رويدا، ويكون أشد التقلص أقرب إلى المركز تحت ~~تأثير هذين العاملين. # ثالثا: # أن هذا التقلص - أي: صغر الحجم - مع بقاء «القوة الدورانية» على ~~حالها؛ أي من غير نقص فيها؛ يجعلان الدورة المحورية أسرع في منطقة ~~التقلص الأشد. # ينجم عن ذلك أن هذا السديم لا يبقى دائرا على محوره كتلة واحدة، بل تختلف سرعة ms21 ~~الدوران باختلاف إبعاد الطبقات عن المحور، أسرعها أقربها إليه، وفي خلال هذا التطور ~~يحدث أمر آخر وهو تهابط الطبقات القربى إلى المركز دون الطبقات القصوى؛ لأن ~~الطبقات القربى تكون تحت تأثير الجاذبية المركزية الأشد، والطبقات القصوى تكون من ~~جهة تحت تأثيرها الأضعف، ومن جهة أخرى تحت تأثير جاذبية السدم الأخرى المجاورة مهما ~~كانت بعيدة، إذ يفعل فيها كفعل المد # Tide ~~«كما ~~يفعل القمر في الأرض» فتحفظها بعيدة عن المركز الأصلي فيما تكون الطبقات القربى ~~هابطة إليه؛ فيتسع المجال بين القسم المتقلص والقسم المتخلف، ويشرع هذا يملك ~~استقلاله عن ذاك رويدا. # ينتج عن هذا أيضا أن الطبقات القصوى تصبح حلقات حول السديم كحلقات زحل، ويكون ~~تأثير التجاذب بين أجزاء هذه الحلقات أقوى من الجذب المركزي الداخلي والجذب ~~الخارجي من ناحية السدم المجاورة، وتحت تأثير تجاذبها الذاتي تتقطع إلى كتل تتجاذب ~~أجزاء كل منها إلى مركز فيها، وهذه بنوبتها تتقلص بأسرع من تقلص الأم لصغرها: # أولا: # لأن إشعاعها أيسر فأسرع. # وثانيا: # لأن قوتها الدورانية أضعف. # كل كتلة من هذه الكتل تستقل بدوران محوري خاص بها يجعلها في بدء حياتها كروية ~~الشكل، وفي الوقت نفسه تستمر في دورانها المركزي حول الأم بأبطأ جدا من الطبقات ~~الهابطة نحو المركز. # هذا التطور الذي حدث للطبقة القصوى من السديم يتوالى على كل طبقة دونها على هذا ~~النحو تماما، وبنفس العوامل التي ذكرناها؛ فكل طبقة تتخلف بنوبتها عن الطبقة التي ~~دونها، حتى متى قل فعل الجذب المركزي الأصلي فيها عن فعل تجاذب أجزائها تقطعت ~~إلى كتل، وكل كتلة تستقل بدوران محوري خاص تحت تأثير تجاذبها المركزي الخاص بشكل ~~كروي، ولكنها تستمر بدورانها حول الأم على نحو ما فعلته سالفاتها التي ~~بعدها. # على هذا المنوال يتقطع السديم إلى سديمات وكل سديمة قائمة بنفسها ذات دوران ~~محوري خاص بها، وذات دوران مركزي حول مركز الأم بالاشتراك مع أخواتها، كأنها سيارات ~~حول بقية السديم الأصلي، في حين يتقطع معظم السديم على هذا النحو إلى أن يتبقى منه ~~الشيء القليل حول ms22 المركز، فيصبح هذا الشيء القليل تحت تأثير جذب السديمات التي ~~تولدت منه أشد من تأثير جاذبيته الذاتية، فتتنازعه هذه السديمات وتمزقه إلى كتل ~~أخرى مثلها. # في أثناء هذا التطور المتوالي الذي يستغرق ملايين السنين تكون السديمات بنوبتها ~~متقلصة تدريجا تحت فعل العوامل نفسها التي كانت تقلص السديم الأصلي؛ فتتسع الرحاب ~~التي بينها، وبالتالي يضعف تجاذبها نحو مركز السديم الأصلي، وتتغلب قوة الشرود عن ~~المركز، ويستمر تباعدها بعضها عن بعض، كأنها تعود تتوزع على الحيز الذي كانت تملأه ~~حين كانت سديما واحدا لطيفا عظيما، ولكنها تتوزع فيه كرات متقلصة تاركة بينها ~~رحابا فسيحة. # لما كانت سديما واحدا لطيفا كانت ككتلة واحدة تدور على محور واحد، فلما تقطع ~~السديم إليها أصبحت كل واحدة منها تدور على محورها الخاص، وفي الوقت نفسه تدور ~~دورانا مركزيا # 2 # حول نقطة متوسطة بينها بحكم تجاذبها بعضها ~~إلى بعض، وقد تكون هذه النقطة خالية لا سديمة فيها ولا جرم، وبحسب سنة المسارعة ~~الجاذبية تكون أقربها إلى المنطقة المركزية أسرع سيرا حول هذه المنطقة، وأبعدها ~~أبطأها، كما هي الحال في المجرة وكل نظام دوراني، كالنظام الشمسي والنظام العنقودي ~~الذي سيرد وصفه. ~~••• # بقيت مسألة ذات شأن لا يجوز إغفالها؛ وهي: أن دوران السديمات المركزي حول ~~مركز السديم الأصلي الذي تقسم إليها يقضي بتغلب قوة الشرود عن المركز على قوة ~~الانجذاب إليه، ويفضي إلى تحول مجموعة السديمات من شكلها الكروي الأصلي إلى شكل ~~قرصي بحيث يصبح قطرها المحوري الأصلي أقصر جدا من قطرها القرصي. # إذا كنت قد تصورت بجلاء تطور السديم الكبير وتحوله إلى سديمات كما وصفنا؛ ~~تكون قد رسمت في ذهنك شكل مجرتنا # 3 # كما هي الآن، أو بالأحرى منذ صارت سديمات حبلى ~~بنجوم وشموس. كانت مجرتنا هذه سديما عظيما كروي الشكل، ثم صارت مجموعة سديمات ~~تشغل حيزا قرصيا محوره نحو خمسي قطره، وهي تدور حول مركز المجرة بسرعات ~~متفاوتة حسب البعد عن المركز، وفي الوقت نفسه كل منها تدور على محورها. # وإذا علمت أن الكون الأعظم كان أوقيانوسا ms23 من ذرات المادة أدركت كيف أنه تقطع ~~على نحو ما تقدم وصفه وبنفس العوامل إلى ملايين السدم، كل سديم منها يعد مجرة ~~كمجرتنا، وجميعها تدور في هذا الأوقيانوس حول مركزه الأوحد بسرعات متفاوتة بمقتضى ~~ناموس الجاذبية، وبالوقت نفسه كل سديم منها يدور على نفسه دورة محورية خاصة ~~به. ~~(2) درجات الدورية # إلى هنا رأيت ثلاثا من درجات الدورية المركبة من صنفي الدورانين الأصليين ~~البسيطين المحوري والمركزي: ~~(1) # الكون الأعظم - الجامع جميع المجرات - يدور على نفسه دورة ~~مركزية. ~~(2) # سدم تدور متساوقة متسابقة حول مركز الكون الأعظم، وبالوقت نفسه كل ~~سديم منها يدور حول نفسه؛ فلكل سديم دورتان: محورية ومركزية. ~~(3) # سديمات تدور متساوقة متسابقة حول مركز السديم الأصلي الأعظم، ~~وبالوقت نفسه كل سديمة تدور على محورها، وبالوقت نفسه أيضا السديم ~~الأكبر - مجموع السديمات - يدور بها جميعا حول مركز الكون الأعظم؛ إذن ~~لكل سديمة ثلاث دورانات: دورة محورية ذاتية، ودورة سديمية عامة، ~~ودورة كونية أعم. # نترك الآن الدرجتين العظميين الأوليين ونعود إلى الدرجة الثلاثية - إلى ~~السديمة. فإذا تصورناها تتطور كما يتطور أبوها السديم الأصلي تحت تأثير ~~العوامل نفسها، وفي مثل تلك الظروف والأحوال؛ فهمنا جيدا كيف تقطعت إلى ~~مجموعات نجوم وإلى نجوم منفردة مستقلة. # يغلب أن تكون قوة الشرود عن المركز أفعل العوامل في تقطيع السديمة إلى نجوم؛ ~~لأن هذه القوة تسرع بتحويل شكلها الكروي إلى شكل قرصي، قبل أن تتمالك قوة الجذب ~~إلى المركز بتقليصها؛ أي: إن التحول القرصي يكون أسرع من التقلص، ولذلك تتناثر ~~كتلها من محيطها تناثرا، وكل كتلة منتثرة تتحول إلى نجم يدور على محوره فيما هو ~~لا يزال يدور حول مركز السديمة. # في مجرتنا كثير من المجموعات النجمية التي تسمى عناقيد كروية # Globular Cluster # هذه المجموعات العنقودية ~~كانت في الأصل سديمات ثم تحولت إلى نجوم، على أن العنقود النجمي لا يزال يدور ~~على نفسه؛ أي: إن نجومه تدور متساوقة حول مركزه كما كانت السديمة التي انحلت ~~إليه تفعل قبل أن تنحل، وفي الوقت نفسه كان كل نجم منها يدور على ms24 محوره ولم يبق ~~من سديمات مجرتنا بلا انحلال إلا نحو 20 سديمة لا تزال في دور التفكك. ويندر أن ~~تجد في المجرة نجما مستقلا بدورته، وسيره غير مشترك بعنقود من العناقيد أو ~~كوكبة من الكوكبات، وهذه العناقيد أو الكوكبات تختلف باختلاف أحجام السديمات ~~التي اشتقت منها، وقد يبلغ عدد النجيمات في العنقود الواحد أكثر من 150 ألف ~~نجم. # ترى مما تقدم أن النجم في الدرجة الرابعة من الاشتقاق؛ أي: هو ابن سديمة ~~وحفيد سديم، والسديم هو ابن الكون الأعظم؛ لذلك للنجم أربع حركات؛ أولا: دورته ~~المحورية. ثانيا: دورته مع إخوته حول مركز العنقود أو الكوكبة. ثالثا: سيره مع ~~العنقود في دوران هذا حول مركز المجرة. ثم رابعا: سيره مع المجرة في دورانها حول ~~مركز الكون الأعظم. # وقد يتاح للنجم في ظروف لا محل لشرحها هنا أن ينقسم إلى نجمين متساويين أو ~~متفاوتين حجما وكتلة، وحينئذ يسمى النجم ~~المزدوج # Binary Star ~~، وكل من هاتين الفلقتين يدور حول مركز الثقل - التجاذب ~~- الذي بينهما. والأرجح أن القمر مشتق من الأرض يوم كانت في حالة السيولة على نحو ~~انشقاق النجم المزدوج؛ لأن القمر لا يدور على نفسه بالنسبة إلى الأرض، بل وجه واحد ~~منه مواجه الأرض دائما، وكذلك لأن حجمه بالنسبة إلى الأرض كبير # إذا قورن بأحجام أقمار السيارات الأخرى بالنسبة إلى أمهاتها، ~~وإذا تباعد شطر النجم المزدوج كثيرا يصبح كل شطر منهما يدور على نفسه، وإذا كان ~~أحدهما أصغر جدا من الآخر جعل يدور كسيار أو قمر حول الآخر. يظن أن نحو ثلث ~~النجوم مزدوجة؛ بناء على ما تقدم تعتبر الأرض مع قمرها نجما واحدا ~~مزدوجا. # وقد يطرأ على النجم وهو في حالته الغازية ما يسلخ منه نطفات تظل تدور حوله، وثم ~~تدور على نفسها أيضا، فتكون سيارات حوله كالنظام الشمسي، وهذا نادر جدا في رأي ~~السير «تجايمس تجنز»، فالسيارات هي الجيل الخامس في التوالد من الكون الأعظم؛ ولذلك ~~يكون للسيار خمسة أصناف دوران: (1) حول محوره. (2) حول شمسه. (3) هو مع شمسه حول ~~المركز ms25 العنقودي. (4) هو مع شمسه وعنقوده حول مركز المجرة. ثم (5) هو مع المجرة حول ~~مركز الكون الأعظم. وأخيرا يأتي جيل الأقمار المتولدة من السيارات وهو الجيل ~~السادس الذي له 6 دورات، صار القارئ فاهما ترتيبها من سياق الحديث. ~~••• # هنا ينتهي الاشتقاق؛ لأن الأقمار صغيرة جدا في حالة جمود، فلا يمكن أن ~~تتفسخ إلى أولاد أقمار، من السيارات نفسها بعد أن صارت في حالة الجمود لا يمكن ~~أن تستمر في الاشتقاق كما نعلم من حالة سيارات شمسنا. لا اشتقاق في حالة الجمود على ~~الإطلاق، لا يكون الاشتقاق إلا في حالة الغازية أو السيولة. الاشتقاق المزدوج لا ~~يكون إلا في حالة السيولة. # مجمل البحث وصفوته # الدوران - أو الدورية - يلعب دورا عظيم الشأن في عملية التنظيم الكوني. وقد ~~رأيت أن علته هي «الجاذبية-الدافعية» هي محدثة كل درجاته التي سردناها آنفا. ~~وفيما كانت قوة الجاذبية تجمع ذرات الفوتون في كتل كانت تجزئ البحر ~~الأيثري الفوتوني إلى سدم. وكذلك فيما كانت تمعن في هذا التجميع إلى كتل ~~صغرى كانت تجزئ السدم إلى سديمات، وهذه إلى نجوم ... إلخ؛ فالعملية كانت ~~عملية تجميع وتفريع في وقت واحد. # على أن هذه العملية لم تتم بمجرد جذب فقط بخط مستقيم نحو المركز، وإلا ~~لتجمعت كل ذرات الكون حول نقطة واحدة أو في مركز واحد، ولكنها تمت بجذب ~~دوراني أي بجذب في خطوط منحنية حلزونية تبتدئ من مركز وتنتشر إلى المحيط، وهذا ~~الجذب الدوراني هو علة الدافعية كما عللناه في محله؛ فحين نفكر بالجاذبية يجب ~~أن نتصور الدورانية خاصة لها أو طبيعة فيها، وبالتالي هي طبيعة في المادة، ~~وبغير هذه الخاصة لم يكن ممكنا أن يحدث التجمع والتفرع. # ثم إن فعل هذه الجاذبية الدورانية لا يقتصر على إحداث التجمع والتفريع فقط، ~~بل يحدث التشتت أيضا الذي يتسع به نطاق الحيز المادي، كما شرحناه في كتابنا ~~«هندسة الكون حسب سنة النسبية»؛ لأن قوة الجاذبية تقتضي تقلص الجرم أو الجسم، ~~وكلما تقلصت الأجرام اتسعت الرحاب بينها، فيقل التجاذب بينها جميعا، وبتقلصها ~~يعجل دورانها ms26 المحوري ويصبح دورانها المركزي - حول المركز المشترك بينها - ~~أسرع؛ مما يوازن تجاذبها، لا لأن الدوران أسرع، بل لأن التجاذب قل، فتشرد ~~بعضها عن بعض، وهكذا يتسع نطاق الحيز المادي. ~~(3) الدوران الحلزوني # علمت في تعليل سر الجاذبية أن التموج الجاذبي ينتشر بشكل حلزوني، وانتشاره على ~~هذا الشكل هو سبب الضلع الدافعي من ضلعي الجاذبية، وبالتالي هو سبب تناسب سرعة ~~الجرم في دورانه المركزي مع بعده عن المركز، وإذا أنعمت النظر فيما تقدم لحظت أن ~~الدورية لا تعيد نفسها؛ يعني أن الدوران لا يتكرر في المكان في نفس الدائرة؛ لأن ~~الدوران لا يكون في مركز ثابت بل في مكان هو نفسه دائر متنقل، وبعبارة أخرى لا يتم ~~الجرم دورته في الفضاء في دائرة، بل في شكل حلزوني، فلا دائرة تتم باتصال طرفيها، ~~بل تلتف في حيز غير حيزها السابق؛ وسبب ذلك تعدد أصناف الدورانات كما شرحناه، ~~واشتراك المكان والزمان في العملية. # ولإيضاح هذه النقطة نضرب القمر مثلا؛ فهو فيما يدور حول الأرض لا يرسم في الجو ~~الشمسي دائرة كاملة - كما يرسم في الجو الأرضي - بل يرسم دائرة حلزونية؛ لأن الأرض ~~تسير به حول الشمس؛ فلا يتم دورة حول الأرض إلا وقد انتقلت الأرض به ملايين ~~الأميال، فدورته الثانية في حيز آخر، ومع ذلك ليست في دائرة تامة، بل في خط لولبي، ~~وفيما هو يدور في الخط اللولبي حول الشمس تكون الشمس نفسها دائرة مع سياراتها في ~~كوكبتها العنقودية، فتجعل سيره في الفضاء في خط لولبي مركب معقد، وكذلك دورة ~~الكوكبة العنقودية في قرص المجرة تزيد تعقد دورة القمر في الفضاء، كما أن دورة ~~المجرة في الكون الأعظم تضاعف ذلك التعقد في خط سير القمر وسير الأرض وسير الشمس ... ~~إلخ. # أضف إلى هذا التركيب الدوراني المعقد تعقيدا آخر ناجما عن توسع أفلاك الأجرام ~~من صغيرها إلى كبيرها في دورانها، فما من جرم إلا وفلكه يتسع - في الغالب - في كل ~~دورة بعد أخرى بحيث يبتعد عن مركزه «وفي بعض الأحوال يضيق»، فالأرض لا تدور ms27 في نفس ~~فلكها كل عام، بل في فلك أوسع قليلا، وفي رأي بعضهم أن قطر فلكها يزداد في العام ~~مترا واحدا، وعلى تمادي الأعقاب قد تشرد الأرض عن شمسها، وهكذا شأن كل قمر وسيار ~~وكل نجم وكل عنقود وكل مجرة؛ فالكون بحسب رأي «هوبل» و«لامتر» و«دي ستر» يتمدد ~~ويتسع - كما شرحناه في كتابنا النسبية وفي فلسفة التفاحة. # فإذن؛ لا يمكن أن نقيد أية حركة في الكون نفسها؛ لأن مكانها وزمانها يتغيران، ~~وإذن لا تكون فصول السنة الأرضية بعد ألف عام أو ألوف الأعوام كما هي الآن، لا في ~~حرها ولا بردها ولا رياحها ولا زرعها وغلالها ولا ناسها ولا وحوشها، ولا ولا ... إلى ~~ما لا نهاية له. ~~(4) الحركة القوسية # ذكرنا بين سلسلة أنواع الدوران «الحركة القوسية» أي: الحركة في جزء من دائرة ~~كحركة رقاص الساعة مثلا Pendulum ~~، فالرقاص يسير في ~~قوس، ثم يعود في نفس القوس ذهابا وإيابا، فإذا جمعت الأقواس طرفا إلى طرف تكونت ~~منها دائرة نصف قطرها طول حبل الرقاص؛ وإذا كان رقاص الساعة لا يرسم دائرة كاملة ~~فنتيجته أن يحرك دولابا في دائرة كاملة كما هو معلوم. # الموجة هي نوع من الحركة القوسية، هي جزء من دائرة؛ لأنك لو وصلت أطراف الموجات ~~من قمة إلى قمة بعضها ببعض لتكون منها دائرة؛ يطلق هذا القول على كل نوع من ~~أنواع الأمواج: الموجة الكهرطيسية - كالنور، وموجة الصوت، وموجة الماء، وموجة الحبل ~~الذي تهز طرفه بيدك. # وشعاعة النور التي تسير في جو جاذبي تسير منحنية في قوس أيضا، وإذا استقرت كل ~~حركة في الكون فمهما تراءت لك خطا مستقيما تجدها دائرة أو جزء دائرة، ولا سبب ~~لهذه الدورية إلا فعل سنة الجاذبية. # الباب الثاني # | النظام الحيوي # الفصل الرابع # | ما هي الحياة؟ # بسطنا كفاية قوانين التنظيم في العالم المادي غير الحيوي في عناصره الثلاثة: التجمع ~~والتفرع والدوران. والآن نتقدم لبسط هذه العناصر في العالم الحيوي، فنرى لها أساليب ~~أخرى تختلف في الغرض عن أساليبها في العالم المادي ولكنها تتفق في الجوهر ms28 مع ~~هذه. # ولاستيفاء هذا البحث وتسهيل بسطه لذهن القارئ لا بد من تفسير سر الحياة بقدر ما ~~تؤذن به ظاهراتها المادية، فما هو سر الحياة؟ ~~(1) كيف نشأت الحياة؟ # أكثر الذين بحثوا في أصل الحياة فرضوا أو ظنوا أنها ذات مستقلة عن الجسم الحي، ~~ولكنها تمثل فيه، فصوبوا كل همهم إلى تعليل نشوئها، وتأثروها في الأحياء الدنيا ~~إلى أحقر الجراثيم، ففرضوا أن الجرثومة الواحدة متسلسلة عن أخرى، ولم يهتدوا إلى ~~جرثومة تولدت من تلقاء نفسها، ولكن العقل يقول لا بد لها من أول أو أصل. # ومهما يكن من أمرهم فالحياة درجة من درجات الرقي؛ فماذا كان قبل الحياة فاشتقت ~~منه الحياة؟ ظن بعضهم أن الحياة مسلسلة من البلورات؛ لأنهم رأوا في هذه شيئا من ~~خصائص الحياة كالنمو والتولد وانتهاء النمو عند هذا الحد، رأوا أن البلورة تتكون ~~إذا كان في السائل المشبع مادة القابل للتبلور بلورة صغيرة تتجمع حولها المواد ~~فتزيدها حجما إلى أن تستوفي حجمها، ثم تشرع بلورة أخرى تتكون إلى جنبها، وهكذا ~~دواليك حتى يصبح السائل قليل الإشباع فيكف التبلور. # ولكن بين البلورة والجرثومة الحية بونا عظيما، البلورة تنمو من الخارج بإضافة ~~المادة إليها، ولكن الجرثومة تنمو من الداخل بما تمتصه من الغذاء من الخارج. ~~ثم إن الجرثومة تتوالد بالانقسام، الواحدة إلى اثنتين، والبلورة ليست كذلك، بل ~~تتكون من نفسها مستقلة عن أختها. الجرثومة تفرز فضلاتها عن نفسها، والبلورة ليس ~~لها فضلات ... إلى غير ذلك. ثم إن البلورات لا تولد إلا في محلول بارد، ولكن ~~الجرثومة لا تتولد إلا في سائل ذي حرارة متوسطة فوق الصفر وتحت الغليان. ~~••• # إن معظم الأحياء الدنيا موجودة في البرك والمستنقعات حيث الماء راكد، وهو أمر ~~يدل على أن الحياة نشأت في الماء الآسن، أو الوحل، وقبل أن تنشأ الحياة كانت ~~الطبيعة بفعل حرارة الشمس ونورها تنشئ الحامض الكربوني والنشادر والحامض الأميني، ~~وهذه لا تحتاج إلا إلى الكربون والهيدروجين والنتروجين والأوكسجين، فتكونت المواد ~~الكربوهيدراتية أولا بشكل هلامي - جلاتيني - ثم اشتقت منها المواد ~~الزلالية. # والراجح ms29 أن المقادير الصغيرة كانت تتكتل بفعل تجاذب فيما بينها، وكانت تنمو إلى ~~أن تتكون حولها قشرة جامدة بفقد قليل من الماء في ظاهرها، حتى إذا زاد نموها ~~انفجرت القشرة وانقسمت الكتلة إلى كتلتين، ثم تشرع كل كتلة تنمو إلى أن تضخم، ~~فتنشق إلى كتلتين ... وهكذا دواليك. هكذا كانت أول كتلة تحولت إلى جرثومة. # وكانت بعض العناصر تشترك في هذه العملية كالفوصفور والصوديوم والبوتاس والمنازيا ~~وغيرها، والفوصفور مشتق من فوصفات الجير - الكلس - وليس ما يمنع أن يتحول جزء ~~منه إلى الحامض الفوصفوري فيدخل محاوله إلى نواة الجرثومة. # وهو معلوم ولا سيما للكيماوي الذي يفهم جيدا علاقة الطاقة بالمادة أن امتصاص ~~الهلامة للمركبات البسيطة القابلة التحول وائتلاف داخلها بها جعلا الهلامة ~~مخزنا للطاقة؛ أي: إن بعض المواد المتفاعلة تفاعلا كيماويا تصدر حرارة - طاقة ~~- كما يحدث في احتراق الكربون وتنفس الحيوان، وبعضها تمتص الحرارة وتدخرها كما ~~يحدث عند تحول المواد الغذائية في الأجسام الحية، فإذا كانت كتلة الهلام أو ~~الجرثومة في أثناء تفاعل مركباتها مع المركبات المتطرقة إلى داخلها تدخر ~~حرارة تارة وتبثها تارة أخرى، اقتضى أن تكون لها حركة ذاتية بين تقلص وتمدد لتغير ~~التوازن فيها، ومهما كانت الحركة بطيئة وبسيطة فإنما هي حركة. ~~(2) سر الحياة في الكربون # الحياة ألفة كيماوية # الحياة نشوء آخر يختلف في ظاهراته كل الاختلاف عن نشوء الأجسام المادية غير ~~الحية. هو درجة ثانية من درجات الوجود أعلى من درجة المادة «الميتة»، كأنه كون ~~آخر مستقل في ذاتيته وطبيعته كل الاستقلال عن الكون المادي، ولكنه بالحقيقة ~~مادي الجوهر والحركة، بمعنى أن الجسم الحي مؤلف من ذرات المادة، ولكن بنظام ~~آخر يختلف عن نظام المادة، فهل هو متمش على نفس سنن الطبيعة الأساسية ~~كالجاذبية والألفة الكيماوية؟ أم أن له سننا أخرى خاصة به؟ # الظاهر لنا أن الحياة لأنها قائمة بالمادة هي خاضعة لنواميس حركة المادة؛ ~~وإذن حركتها مستمدة من نفس القوى الفاعلة في المادة - جاذبية، وألفة كيماوية - ~~وحركتها ذاتية، بمعنى أنها مختزن القوة المادية، ثم تتصرف بها تصرفا خاصا ms30 ~~يلائم كيانها، وحركتها نتيجة هذا التصرف. # وهذه الحركة نوعان: حركة في داخل الجسم الحي بين أجزائه، شائعة في النبات ~~والحيوان، وحركة تنقل الجسم الحي كله من حيز إلى حيز، وهي خاصة بالحيوان على ~~الغالب. فما هو سر الحياة الذي هو مستودع القوة الحيوية؟ وما هو مصدر هذه ~~القوة؟ # لا نعرف وجودا للحياة كما نعرفها إلا على أرضنا، فلا شأن لنا بها إذا كانت ~~موجودة في جرم آخر، سواء كانت هناك بنفس الخواص التي نعرفها هنا أو كانت تختلف ~~عما نعرفه. # نعرف أن الجسم الحي مهما كان نوعه مؤلف من جزيئات # Molecules # عديدة الذرات جدا ليس لها مثيل بكثرة ذراتها في ~~سائر جزيئات الغازات والسوائل والجوامد ، لا على الأرض ولا فيما استدل عليه ~~في الأجرام الحارة وفي الأجرام الباردة، من أنواع الذرات والجزيئات. فكأن سر ~~الحياة مودع في الجزيء العديد الذرات، فنبحث عنه في هذا الجزيء. # الجسم الحي من أبسط أنواعه - الأميبا - إلى أكثرها تركبا وتعقدا - الإنسان ~~- مؤلف من ثلاثة أصناف من المركبات الكيماوية، وكل صنف منها عديد الأنواع ~~بتعدد أنواع الخليات. وهي: # أولا: # الكربوهيدرات - النشائيات ونحوها، وسلاسل البارافينات، ~~وسلاسل الكحل ... إلخ. وجزيئاتها تحتوي على بضع ذرات إلى بضع ~~عشرة ذرة، وهي الوقيد الذي تصدر منه القوة لإصدار ~~الحركة. # ثانيا: # الدهنيات ونحوها. وجزيئاتها مؤلفة من عشرات الذرات، وهي وقيد ~~آخر مدخر، ولا سيما في الأحياء المنوعة الأعضاء ~~الوظيفية. # ثالثا: # البروتاينيات - الزلاليات. وجزيئاتها مؤلفة من مئات ~~الذرات أو ألوفها في بعض الأحيان، وهي هيكل بنية ~~البروتوبلاسم الذي هو جوهر الحياة الأول. # يلحق بهذه الثلاثة الماء، وهو الوسط الذي تتنقل فيه جزيئات المركبات ~~الحيوية، فضلا عن أنها تتحد أحيانا بجزيئات منه. # ولا نعرف في الطبيعة جزيئات مؤلفة من ذلك العدد العظيم من الذرات إلا في ~~الجسم الحي. وفي غيره لا يتجاوز عدد ذرات الجزيء البضع أو البضع عشرة ذرة؛ ~~إذن سر الحياة هو في الجزيئات العديدة الذرات، فلنبحث عنه في ذرات هذه ~~الجزيئات لكي نعلم في أي منها مقامه. ~~(3) عناصر الحياة # التحليل الكيماوي ms31 يرينا أن أصناف هذه المركبات الثلاثة العديدة الأنواع مؤلفة من ~~أربعة عناصر رئيسية فقط؛ أي: من أربعة أصناف من الذرات؛ وهي: الهيدروجين والأوكسجين ~~والنتروجين والكربون، وأما ما يرى فيها من العناصر الأخرى - الكلسيوم والصوديوم ~~والبوتاسيوم والمغنيزيوم والحديد، وأملاحها الكلورات - كلوريد، والفصفات والسلفات ~~والنترات والكربونات ... إلخ؛ فوظيفتها ثانوية وسيطة # Catalysis ~~. فلنر أي هذه العناصر الأربعة ذو ~~الشأن الأهم في تأليف الجزيئات العديدة الذرات. # أما الهيدروجين والأوكسجين وحدهما فلا يتألف منهما إلا بضعة أنواع من الجزيئات ~~لا يزيد الواحد منها على أربع ذرات، وإذا دخل النتروجين معهما أو مع أحدهما فلا ~~يتألف منها جزيئات تزيد على بضع ذرات أيضا، حتى لو دخلت عناصر أخرى ثانوية غير ~~هذه الثلاثة فلا يناهز عدد الذرات في الجزيء الواحد بضع عشرة ذرة. ولكن إذا نزل ~~الكربون إلى الميدان رأيناه يؤلف مع العناصر الثلاثة التي نحن بصددها جزيئات تعد ~~ذراتها بالمئات وأحيانا تتجاوز الألف، فإذن في الكربون سر الحياة. ~~«هذه ملاحظة وردت عرضا في كتاب «الكون الغامض» تأليف السير «جيمز جينز» ولكنه ~~لم يشرح هذه النظرية.» # فماذا في هذا العنصر - الكربون - من الخواص أو المزايا التي تخوله القدرة على ~~تكوين البروتاينيات والكربوهيدرات والدهنيات التي تتألف منها الخلية الحية # Cell ~~؟ فلنبحث في كل من هذه العناصر ~~الأربعة. # ه = الهيدروجين، ذو بروتون وإلكترون واحد حر. # و = الأوكسجين، ذو 16 بروتونا و8 إلكترونات حرة ما عدا المتحدة ببروتوناتها وهي ~~النيوترونات. # ن = النتروجين، ذو 14 بروتونا و7 إلكترونات حرة ما عدا المتحدة ببروتوناتها وهي ~~النيوترونات. # ك = الكربون، ذو 12 بروتونا و6 إلكترونات حرة ما عدا المتحدة ببروتوناتها وهي ~~النيوترونات. # فلنضرب صفحا عن البروتونات؛ لأن الألفة الكيماوية التي تؤلف الجزيئات لا تتوقف ~~على عدد البروتونات في الذرة الواحدة، بل على عدد الإلكترونات الحرة فيها ~~فقط. # وسنعلم من مقال «فناء المادة» في هذا الباب أن الكهيربات - الإلكترونات الحرة - ~~تدور حول النواة - مجموعة البروتونات - والنيوترونات في مناطق؛ الأولى معدة ~~لإلكترونين فقط. والمنطقة الثانية التي بعدها معدة لثمانية إلكترونات. ولا شأن لنا ~~بالمنطقة الأولى ولا ms32 بالمناطق التي بعد الثانية؛ لأنه ليس في أي من هذه العناصر ~~الأربعة ما يشغل أكثر من المنطقة الثانية، ولأن المناطق الأخرى التي بعدها خاصة ~~بعناصر غير عناصر الحياة. # إذن الإلكترونات التي تدور في المنطقة الثانية هي: # في الأوكسجين 6، يبقى محل لإلكترونين، (2) في المنطقة الثانية - شفع أي ~~زوج. # في النتروجين 5، يبقى محل لثلاثة إلكترونات، (3) في المنطقة الثانية - ~~وتر. # في الكربون 4، يبقى محل لأربعة إلكترونات، (4) في المنطقة الثانية - شفع. # فلعل كون الكربون شفعي الإلكترونات الموجودة وشفعي الإلكترونات الناقصة لتتمة ~~المنطقة هو الأمر المسهل له الاتحاد بالعناصر الأخرى مهما اختلف عدد الذرات في ~~الجزيء، يساعده على ذلك الأوكسجين الشفعي الإلكترونات أيضا، ويساعدهما الهيدروجين ~~لإتمام ما ينقص المنطقة من الإلكترونين في تأليف الجزيء، ولا سيما متى دخل ~~النتروجين فيه وهو وتري الإلكترونات. # وبهذا التسهيل يتضح تآلف الذرات الثلاث باستقرار ومن دون تقلقل، مثال ذلك في ~~الحامض الكربوني «كربون داي أوكسيد = ك و2» الذي يدخل جزيئه كثيرا في المركبات ~~الحيوية، يأتلف الكربون مع الأوكسجين فيشرك كل منهما بإلكترونين من إلكتروناته ~~الأربعة، وتصبح المنطقة الثانية لكل منهما تامة. والجزيء يستقر بهذا الاشتراك ~~متعادل الشحنة الكهربائية، ولا يتفكك إلا إذا طرأ عليه جزيء آخر، فيندمج الاثنان ~~معا في جزيء جديد. # وإذا أنعمت النظر في مركبات الكربوهيدرات والدهنيات وجدت أن ائتلاف الكربون ~~والأوكسجين يحدث على هذا النحو، وفي حالة أن الجزيء ينقصه إلكترون واحد يدخل ~~الهيدروجين بإلكترونه، والهيدروجين مطواع يدخل بإلكترونه في معظم الجزيئات لإتمام ~~النقص. «هذا بحث دقيق جدا لا يكفي التوسع فيه وشرحه مقال أو أكثر.» # وأما النتروجين فلأنه وتري الإلكترونات - 3 في المنطقة الثانية - فغالب الظن أن ~~ائتلافه مع الجماعة لا يسهل إلا بتعدد الذرات الكثيرة في الجزيء الواحد، بحيث ~~يستطاع تأليف جزيئات متعادلة الشحنة الكهربائية، ولذلك لا يدخل إلا في تألف ~~البروتايينات التي تعد ذرات الجزيء الواحد فيها بالمئات، أو أن اندماجه فيها سبب ~~تعدد ذراتها، ولكنه لا يدخل في الكربوهيدرات والدهنيات؛ لأنه بدخوله يجعل الجزيء ~~عديم الاستقرار كما يستدل من معظم مركباته؛ إذ ms33 يظهر فيها قلقا دائما لا يكاد ~~يستقر في مركب منها. فكأن قوة ألفته # affinity # ضعيفة جدا - خلافا للكربون؛ فلأقل طارئ يتنافر مع العناصر الأخرى ويتركها أو ~~تتركه. ومن أبسط الأمثلة على ذلك النشادر # Ammonia ~~، ~~وهو مركب من نتروجين واحد وثلاثة هيدروجينات = ن ه3، ولكنه في هذه الحالة لا يمكن ~~أن يوجد مستقلا؛ لأن إلكتروناته في المنطقة الثانية 3، وإلكترونات الهيدروجينات ~~الثلاثة 3، والمجموع 6؛ فتبقى المنطقة ناقصة إلكترونين ويبقى الجزيء إيجابيا غير ~~متعادل. # لذلك لا يوجد النشادر مستقلا البتة، بل لا بد من اتحاد جزيئه بجزيء آخر ~~كجزيء الماء مثلا ليكون منهما هيدروكسيد الأمونيوم ذائبا في الماء «ن ه3 + ه2 ~~و= ن ه04 ه و» ومجموع إلكتروناتها جميعا 16 تشغل منطقتي الأوكسجين والنتروجين، مع ~~ذلك يبقى هذا النتروجين الشاذ المتمرد قلقا لا يطيق التقيد بأخويه ، فيتطاير بشكل ن ~~ه3 من الماء كما نعلم من رائحته التي لا تطاق ويفلت بانحلال الجزيء برمته، ~~والنشادر موجود أيضا كضلع # Radical # في البولينا # Urea ~~؛ ولذلك يشعر برائحته في المباول التي طرأ ~~عليها الاختمار المفكك له. # ومن الأدلة على قلق النتروجين وتمرده أنه داخل في المواد المفرنقعة ~~كالنيتروجليسرين وتراي نيتروتاليين، وغيره، «وهو سبب افرنقاعها؛ لأن الافرنقاع ليس ~~إلا تنافره مع الذرات الأخرى وإفلاته منها، فتتفكك الجزيئات إلى ذرات تتمدد بسرعة ~~فائقة وهي سبب الضغط.» ~~(4) وظائف العناصر # يستدل مما تقدم: # أولا: # أن وظيفة الأوكسجين والهيدروجين في الحياة إيجاد الوسط - الماء - ~~الذي تنتقل به الحركة، ثم اشتراكهما مع الكربون في إيجاد الوقيد ~~الذي هو مصدر القوة فالحركة. # ثانيا: # أن وظيفة الكربون جمع العناصر الأخرى معه وربطها بالألفة ~~الكيماوية لبنيان هيكل الجسم الحي على اختلاف أنواع خلياته من ~~الميكروبات المتنوعة ذات الخلية ~~الواحدة # Unicellular # إلى ما فوقها من الأحياء المتعددة الخليات # Multicellular # ولولاه ~~لما تألف جزيء حيوي. # ثالثا: # فيما أن وظيفة الكربون البناء تكون وظيفة النتروجين الهدم - من ~~غير إطلاق معنى الهدم - وهي وظيفة ذات شأن لازمة للحركة والنمو ~~ولتطور حياة الخلية؛ فمعظم عملية دخول «الغذاء» إلى الخلية ~~وتمثيله فيها ثم ms34 خروجه منها بشكل مختلف عن شكل دخوله - أي عملية ~~التحول # Anabolism ~~- يتم ~~بتقلقل النتروجين في مركبات البروتايين المختلفة. فمنذ ولادة ~~الخلية إلى أن تزول تحدث تحولات كيماوية متنوعة عديدة متوالية ~~تتجدد بها حياتها، تحدث بواسطة الكربون وتقلقل النتروجين. # في أثناء هذه التحولات التي تحدث بسبب تقلقل النتروجين يحدث تأكسد الكربوهيدرات ~~وأحيانا الدهنيات؛ أي: إحراقها، والنتيجة حرارة، والحرارة صورة من صور الطاقة كما ~~تعلم. وليس ذلك فقط، بل إن تقلقل النتروجين وتنقله من شكل جزيء إلى شكل جزيء آخر ~~يحدث التأين # Ionisation ~~؛ أي انسلاخ بعض الكهارب من ~~الجزيئات وحدوث شحنات كهربائية سلبية أو إيجابية، ولا سيما في الجهاز العصبي؛ إذ ~~يمكن استكشافه هناك وإثبات وجود تيار كهربائي ضعيف فيه، وحدوث هذا التيار هو من ~~جملة مصادر القوة والحركة في الخلية وسائر أعضاء الجسم. # حركة الحي # بقي أن نبحث قليلا في كيفية حدوث الحركة في الحي أو على الأقل في خلية ~~الحي. # ابتدأ البروتوبلاسم، أول أشكال الحياة، هلامي القوام - جلاتينيا - بسيطا ~~ذا نوع واحد من أنواع البروتايينات، وتألفت جزيئات هذه البروتايينات بسيطة ~~جدا، أبسط ما يمكن أن يكون من هذا الصنف من المركبات الكيماوية الرباعية - ~~ذات العناصر الأربعة - تألفت تحت تأثير نور الشمس وحرارتها المعتدلة وتأثير ~~الفوتونات المنتشرة منها، وسائر أنواع التشعع مما لا بد أن يحدث التأين في ~~هذه العناصر تارة بعد تارة، فهذه العوامل المختلفة تؤدي إلى سلسلة التركبات ~~الكيماوية المختلفة التي منها البروتايين. ~~(5) حدوث حركة الحي # وابتدأت جزيئات البروتايين متصلة بعضها ببعض؛ لما فيها من لزوجة وبواسطة جاذبية ~~الملاصقة # Cohesion ~~، فلا تنحل في الماء ولا ~~تذوب فيه، وإنما ينفذها الماء ويتخللها # Osmosis # بما ~~فيه من مركبات كيماوية بسيطة كالحامض الكربوني مثلا، وبعبارة علمية «مضللة»، تمتصه # 1 # وتمتص معه ما يذوب فيه من المركبات والذرات اللازمة لها لكي تتمثل ~~فيها، وتنبذ منه ما لا حاجة لها به. # ولا يخفى أن عملية الامتصاص والنبذ هذه تستلزم حركة انتفاخ وضمور متعاقبين في ~~الجسم الهلامي، وبين هذه الحركة وما في البيئة المائية - الحياة ms35 ابتدأت في الماء - ~~من الحركة الميكانيكية تفاعل لا بد منه؛ أي: لا بد من حدوث تفاعل بين الجسم الحي ~~وبيئته أخذا وردا، أو امتصاصا ونبذا. وفي أثناء هذا التفاعل الطبيعي Physical # يجري السائل في غضون الخلية أو ~~خلالها حاملا مواد خارجية مختلفة كالحامض الكربوني والأملاح من كربونات ونترات ... ~~إلخ. وفيما هذا السائل يتسرب إلى غضون الخلية تحدث تفاعلات كيماوية متوالية بين ~~المواد التي يحملها وبين جزيئات الخلية، تحدث هذه التفاعلات باستمرار ما دامت مواد ~~جديدة تدخل وما دام النتروجين ينشز من جزيء إلى جزيء، وما دام الكربون يتفنن في ~~تجديد الجزيئات بحسب الذرات التي ترد إليه، وفيما يحدث هذا التفاعل الكيماوي يكون ~~من نتائج التحولات انفلات بعض الذرات من المركبات بحالتها الغازية، وهذه الحالة ~~تحدث الانتفاخ والضمور المتعاقبين اللذين أشرنا إليهما سابقا، وبالتالي يحدث مجرى ~~سائلي في غضون الخلية. # فترى أنه ما دام الامتصاص يدخل إلى جسم البروتوبلاسم جزيئات جديدة وأحيانا ~~ذرات أيضا فهذا التفاعل الكيماوي يحدث باستمرار على التوالي وبسرعة، ففي كل هنيهة ~~يحدث حل وتركيب في الخلية مجددان لحياتها ونموها؛ فتخرج منها جزيئات وذرات قد ~~استغنت عنها كما دخلت إليها جزيئات وذرات اندمجت فيها اندماجا كيماويا، فكأن ~~البروتوبلاسم معمل كيماوي دائم العمل - الحل والتركيب - ما دامت الخلية تستطيع أن ~~تمتص من البيئة وتنفث فيها. # لماذا هذا الامتصاص وهذا النبذ؟ هو غاية وسبب معا، هو خضوع للتفاعل الكيماوي - ~~الألفة الكيمية - الجاذبية. # ولأن سطح الخلية الكروي الخارجي ملابس للبيئة، والتفاعل الأول يقع بينه وبينها، ~~فلا بد أن تكون جزيئاته مختلفة ولو بعض الاختلاف عن جزيئات داخل الخلية، وطبيعة هذا ~~التفاعل تجعل ذلك السطح كغلاف أمتن مما هو ضمنه وأقبل للامتصاص، وهكذا تقضي سنة ~~التطور أن تكون وظيفة هذا الغلاف الامتصاص والنبذ، وحماية الداخل من التفاعلات ~~المنافية لمصلحة الخلية التي لا يستطيع داخلها أن يتوقاها كما يستطيع الغلاف ~~اتقاءها، وهكذا يصير جسم الخلية ذا عضوين مختلفي الوظيفة، الخلاف الذي وصفناه، ~~والنواة التي وظيفتها الرئيسية العمل الكيماوي المنمي بالتجديد والتحول # Metobolism & Katabolism ms36 # وبينهما مجرى ~~السائل الذي يحمل المواد الداخلة والمواد المنبوذة. # وما دامت البيئة المختلفة ذات عوامل مختلفة في أحوال مختلفة، فلا بد من تنوع ~~مناطق الجسم أو أجزائه بوظائف مختلفة؛ لكي تقابل مفاعيل البيئة وتنتفع بها، وهذا ~~التفاعل المنوع يسبب تنوعا يضاهيه في العمليات الكيماوية، وكذلك تتنوع جزيئات ~~الأجزاء المختلفة الوظائف. كذا نشأت أصناف البروتايينات والكربوهيدرات والدهنيات ~~على تمادي الزمان بحكم قانون التطور، ففيما كانت الجزيئات تتجمع في هلام كانت ~~تتنوع في بروتوبلاسم. ~~••• # ليس غرضنا من هذا الفصل الاسترسال في وصف العمل الحيوي والتطورات التي تتعاقب على ~~البروتوبلاسم وتنتج أنواعا، فإن هذا البحث من خصائص البيولوجيا، وإنما غرضنا أن ~~نستقصي سر الحياة إلى أعمق ما يستطاع، وفيما استقصيناه من بيئة الذرات الأربع ~~التي تتألف منها جزيئات البروتوبلاسم لم نجد إلا تفاعلات كيماوية متوالية متعاقبة ~~خاصة بالعناصر الأربعة، تحت تأثير حرارة معتدلة وتأثير تشععات الشمس ~~المختلفة. # وقد رأينا أن الدور الأهم في هذه التفاعلات هو الدور الذي يلعبه الكربون؛ لأنه ~~لولاه لما أمكن تكون البروتايينات، ويليه في خطر الشأن الدور الذي يلعبه ~~النتروجين بنشوزه وشذوذه. # فهل سر الحياة هو في الألفة الكيماوية التي تتلاعب بهذه العناصر الأربعة، أم هو ~~في هذه الألفة مع شيء آخر يستخدمها ولا زلنا نجهله؟ ربما كان الكيماوي يقتنع بأن ~~الألفة الكيماوية هذه كافية لإصدار الحياة؛ لأنه لا يرى شيئا آخر غيرها وراءها، ~~وربما كان غير الكيماوي لا يرتاح إلى هذا التعليل؛ فتبقى الحياة سرا غامضا له، ~~فإذا صح أن الحياة ألفة كيماوية بين 4 عناصر خاصة تحت تأثير حرارة خاصة وتشععات ~~خاصة أيضا، فتكون قد ظهرت على الأرض صدفة؛ أي غير مقصودة في الوجود المادي، ولا هي ~~مضمرة في الفوتونات التي تألفت منها البروتونات والإلكترونات. # وأما القول أن وراء العامل الكيماوي عاملا آخر سماه «برغسون» # Elan Vilal ~~؛ أي «الحماسة الحيوية» فما هو إلا ~~تعبير آخر لمعنى العامل الحيوي، ولكنه لا يفسر هذا العامل بل يبقى به غامضا كما ~~كان. # الفصل الخامس # | التجمع والتفرع الحيويان # أما وقد انتهينا ms37 من بيان أن الحياة ليست إلا عملا كيميا محصورا في أربعة عناصر ~~برئاسة الكربون، فنعود الآن إلى تطبيق الحياة على قواعد التنظيم جميعا: التجمع والتفرع ~~أولا، ثم الدورية ثانيا. ~~(1) عملية التجمع والتفرع كيماوية وآلية # رأينا في عملية تنظيم الكون المادي أن التجمع والتفرع جريا معا جنبا إلى جنب، ~~وأن هذه العملية كانت آلية «ميكانيكية»، كانت مجرد تجمع ذرات في جماعات كبرى ~~تربطها الجاذبية العامة، ثم تفرعت إلى جماعات صغرى بفعل الدوران، والجاذبية ~~علة الدوران كما علمت. # وأما عملية التجمع والتفرع في الحياة فكيماوية، فضلا عن كونها ميكانيكية أيضا، ~~وأما التآلف الكيماوي على الإطلاق - حيوي وغير حيوي - الذي كان يحدث في تجمع ~~العوالم فكان عارضا - كان نتيجة، لم يكن ذا شأن في تجمعها وليس له يد فيها، ~~اللهم إلا في تجمع الجزيء، بل كان يصفي الغازات من السوائل وهذه من الجوامد، ~~وكان التجمع الميكانيكي سابقا وممهدا له، على أن هذا التآلف الكيماوي المذكور هو ~~ذو اليد الطولى في التجمع والتفرع الحيويين. والجاذبية سبب كل من هذين التجمعين؛ ~~لأن الألفة الكيماوية ليست إلا شكلا من أشكال الجاذبية أرقى من شكلها العام، ~~نقول: إنه أرقى بمعنى أنه أتى بعده مركبا معقدا، وهذا بسيط، ثم إن الألفة ~~الكيماوية في التجمع الحيوي أرقى من الألفة الكيماوية العامة؛ لأنها أتت بعد هذه ~~أكثر تركبا وتعقدا. # رأينا في عملية تجمع السدم وتفرعها إلى سديمات وأجرام أن التجمع لا يمكن أن ~~يستمر، إلى أن المجتمع الواحد يلتهم كل مادة هيولية في الكون ويصبح الكون كله كتلة ~~واحدة متقلصة، وإنما يبلغ التجمع إلى حد لا يعود يستطيع بعده أن يلتهم مزيدا؛ ~~لأن قوة الجاذبية تضعف عند محيطه المترامي، وهناك ينتهي حد التجمع بحجم لا يقبل ~~المزيد. وثم تبتدئ عملية التفرع؛ إذ تتقطع طبقات الجرم السديمي الخارجية إلى قطع، ~~طبقة بعد طبقة، على نحو ما وصفناه في محله، أما التجمع الحيوي فيختلف عن هذا إلا ~~في بلوغه إلى حد معين لا يتجاوزه؛ وهاك بيان الخلاف. # الخلية البروتوبلاسمية هي أول درجة ms38 من درجات التجمع الحيوي، فهي لم تتكون من ~~تجاذب ذرات متجاورة تجمعت حول مركز جاذبي متبادل بينها، بل تكونت من سلسلة تفاعلات ~~كيماوية متوالية بين جزيئات يربطها «مبدأ حيوي» مجهول الذاتية مودع في عنصر الكربون ~~على نحو ما بسطناه آنفا. وهذه الجزيئات المرتبطة بالمبدأ الحيوي تضم إليها جزيئات ~~من الخارج وتدمجها في نفسها إلى أن تبلغ كتلتها حدا معينا من الكبر فلا تعود ~~تتجاوزه؛ عند ذلك الحد تعتبر ناضجة، فلا تضم لنفسها جزيئات جديدة إلا تأهبا ~~لانقسامها إلى خليتين جديدتين كل منهما بنوبتها تضم إليها جزيئات وتدمجها فيها إلى ~~أن تبلغ حد النضوج المذكور، حيث تنشق إلى خليتين أخريين. وهكذا دواليك إلى ما شاء ~~الله. # فترى أن التجمع الحيوي يحدث باغتنام جزيئات من خارجه وإدماجها في نفسه ~~تدريجيا، خلافا للتجمع السديمي الذي ليس إلا تضام ذرات متجاورة بحكم قوة الجذب ~~فقط. # ثم إن بلوغ التجمع السديمي حده يتوقف على استطاعة قوة الجذب الاستمساك ~~بأقاصي طبقات السديم بتغلبها على قوة التشريد عن المركز، وأما بلوغ التجمع الحيوي ~~حده فلا يتوقف على قوة جذب ولا على قوة دفع، حتى ولا على قوة ألفة كيماوية، بل ~~على استطاعة الخلية الاحتفاظ بالجزيئات الكامنة للقيام بشخصيتها. # ثم إن التفرع السديمي يحدث عند عجز قوة الجذب المركزي عن مقاومة قوة التشريد ~~المتوقفة على سرعة الدوران المركزي، فتستقل الكتل المتطرفة منه بتجاذب فرعي بينها ~~وتنفصل جماعات فرعية قائمة بنفسها. أما التفرع الحيوي فلا يتوقف على قوة التجاذب ~~ولا على قوة التشريد، بل على نضوج الخلية بحيث لا تعود هذه تستطيع الاحتفاظ ~~بالمزيد، أو لا تحتاج إلى مزيد للقيام بشخصيتها فتنشق إلى اثنتين. # إذا اعتبرنا عملية التجمع والتفرع تطورا؛ فالتطور السديمي تألب جماعة ثم تقلصها ~~بفعل الجذب وتفاوت طبقاتها بدرجات التقلص تبعا لقانون البعد عن المركز، ثم تقسم ~~الطبقات المتطرفة إلى جماعات، وأما التطور الحيوي فعمل كيماوي يجتذب الجزيئات من ~~الخارج إلى الداخل ثم يوزعها في الداخل، واللاحق منها يطرد السابق؛ فالعملية إذن ~~عملية امتصاص وإفراز في وقت ms39 واحد تخرج بها الجزيئات المفرزة مختلفة اختلافا كليا ~~عن الجزيئات التي دخلت ممتصة. ~~(2) تجمع التجمع الحيوي # تتوالد الخليات بالتقسيم المشار إليه آنفا وتتضاعف عددا على التوالي، فتبلغ في ~~عهد قصير ألوفا بقدر ما تسمح لها البيئة إلى أن تصبح جماعة كبيرة، فإذا لم تسمح ~~لها البيئة بالتفرق والتشتت، كما لو كانت في مستنقع راكد؛ بقيت جماعة متعاونة، وفي ~~هذه الحال تختلف ظروف أفرادها بحسب مواضعها في تجمعها؛ فالتي في الحواشي والأطراف ~~تكون ذات حظ أوفر من الامتصاص والإفراز، والتي في الداخل تقتبس حاجتها من الممتصات. ~~وعلى التمادي تصبح الجماعة متعاونة في حياتها، وبالتالي أشد ارتباطا بعضها من بعض؛ ~~تصبح أخيرا كجسم واحد متعدد الخليات كالهيدرا # Hydra ~~. هكذا ينشأ حي مؤلف من خلايا حيوية ذات عدة بروتوبلاسمات، # 1 # وعلى التمادي يختص كل فريق من هذه الخلايا بوظيفة من وظائف العمل الحيوي، كالامتصاص ~~والهضم والإفراز ... إلخ، كأنها جماعة اشتراكية فرقت الأعمال فيما بينها، وتقاسمت ~~نتاج أعمالها. # لا ترى في المجتمع السديمي مثل هذا التنويع في الوظائف؛ فالجماعات أو الفروع ~~الصغيرة كالأمهات الكبيرة ذات طبائع وسجايا متماثلة. # ثم إن لهذا التجمع المركب الحيوي - تجمع الخليات والتصاقها - حدا يبلغه أيضا ~~فلا يتجاوزه، حتى متى بلغت الجماعة إليه وصارت ناضجة انفصلت منها خليات لتنشئ ~~بنوبتها جماعة جديدة - كما هو معروف في عمليات التناسل المختلفة - بنفس الطريقة ~~التي نشأت فيها أمها؛ أي: بالامتصاص من الخارج والاندماج في الداخل والتقسم ~~الخليي - الخلوي. # على هذا النحو نشأت أنواع الأحياء من أحقرها إلى أعلاها؛ فتعددت أصناف الخلايا ~~البروتوبلاسمة بتعدد الوظائف اللازمة لحياة كل نوع. تنوعت الأحياء تحت فعل عوامل ~~البيئة من الخارج وعوامل الحياة من الداخل، وإذا بنا نرى هذه الأحياء العديدة ~~الأنواع تجمعات خليات مختلفة - جماعات، وكل جماعة منها مجموعة جماعات أيضا، كما ~~نرى في الأحياء العليا. انظر إلى الفرد منها تره مجموعة أجهزة - هضم، عصب، تنفس، ~~دورة دموية ... إلخ - وكل جهاز منها مجموعة جماعات من الخليات المختلفة بنية ~~وسجية. # ترى مما تقدم أن التجمع الحيوي الكيماوي أكثر ms40 تركبا وتعقدا من التجمع المادي ~~الميكانيكي في الأجرام والسدم، وتفرعه عديد التنوع جدا. أنواع لا تحصى متدرجة في ~~سلم التطور من الهيدرا إلى سائر المائيات؛ فالصدفيات إلى الضفدعيات إلى الفقاريات ~~فاللبونات إلى أشباه الإنسان حتى الإنسان. # فما هو الفرق الجوهري بين نوعي التجمع المادي الميكانيكي والحيوي الكيماوي؟ # الأول: # ضم وتوسع في الحيز تحت سيطرة الجاذبية. # والثاني: # إدماج واقتسام للحيز تحت فعل الألفة الكيماوية وتحت سيطرة المبدأ ~~الحيوي الدفين سره في الكربون - إن كان هناك مبدأ حيوي غير العامل ~~الكيمي. ثم إن الأول يجمع الذرات والجزيئات من غير تضامن فيما ~~بينها، يجمعها في جماعات، إلى أن يستنفذها كلها، فلا يبقى في الكون ~~إلا رحاب خلاء بين جماعات شبه أبدية مقصورة على الحركة ~~الدورانية. # وإن الثاني يتصيد الذرات الأربع من الهواء والماء والتراب ويدمجها في جماعات ~~إلى أجل قصير، حتى متى أفرغت طاقتها في سبيل حياة الجماعة أطلقتها إلى الفضاء، وبعد ~~أن يستخدم طاقتها في عملية النمو والتوالد يطلق طاقتها أيضا. والجزيئات المطلقة ~~تكتسب طاقة جديدة من المتشععات - فوتونات - الواردة من الشمس وتهيئها للاندماج ~~ثانية في خليات حيوية أخرى؛ وهكذا دواليك. # ثم إن الأول يتلاشى بالإشعاع التدريجي على تمادي الزمان من غير أن يفقد ~~شخصيته. # والثاني ينحل متى توقف العمل الحيوي فيه، إما لطوارئ خارجية، أو لانتهاء أجل ~~الحيوية فيه بتسلط عوامل هادئة، فتشتت أجزاءه أو ذراته عاجلا. ~~(3) أشكال التجمعات الحيوية # وقد رأينا التجمعات المادية بسيطة الذرات والجزيئات ولا تتخطى ستة أجيال - من ~~السدم إلى الأقمار كما علمت - ولكن التجمعات الحيوية مركبة الجزيئات في أشكال لا ~~يحصى عددها، ولا سيما في الأحياء العديدة الخليات؛ فلكل عضو من أعضاء الحي صنوف ~~عديدة من أشكال الخليات، خذ خيطا من خيوط العصب تجده ذا لباب وغلافين. وكل منها ذو ~~صنف خاص من الخليات يختلف عن صنف غيره، وقس على العصب أنواع العضل المختلفة في كل ~~جهاز من أجهزة الجسم المتعددة، فلو أحصيت أشكال الخليات في أصناف الأحياء المختلفة ~~لوجدتها تعد بمئات الألوف، وحاصل القول أن ms41 التجمعات الحيوية متعددة الأشكال، وكل ~~يوم ينشأ شكل جديد منها وينقرض شكل قديم، بمقتضى سنة التطور تحت عوامل ~~البيئة. # ثم إن التجمعات الحيوية سلسلة من الأجيال لا تكاد تحصى ولا تكاد تنتهي، تتبدل ~~وتتعاقب على مرور الزمان، وتتغير وتتطور على مدى الدوران. وبهذا التطور نشأت ولا ~~تزال تنشأ أصناف أحياء مختلفة لا عداد لها، فينقرض بعض منها بتغلب بعض فيما ينشأ ~~بعض آخر. وما يسمونه المبدأ الحيوي هو السلك الذي تنتظم فيه التجمعات الحيوية ~~جميعا بفعل الألفة الكيماوية، وأما التجمعات السديمية فسلكها الجاذبية العامة فقط، ~~والألفة الكيماوية هي صورة من صور الجاذبية. # وكان من أهم نتائج النشوء والتطور أن تفرعت الحياة إلى فرعين رئيسيين: النبات ~~والحيوان. ثانيهما يعيش على حياة الآخر، وهذا يعيش على حساب العناصر الأربعة تحت ~~تأثير تشعع النور والحرارة. النبات يختزن جانبا كبيرا من الطاقة - القوة - التي ~~يصطحبها، والحيوان ينفقها في حركته. # فانظر ما أعجب عمل الألفة الكيماوية في العناصر الأربعة التي تكونت منها ملايين ~~أصناف الأحياء وعشرات ألوف أنواع الجزيئات. بل ما أعجب فعل الكربون الذي هو واسطة ~~الائتلافات العديدة بين العناصر الأربعة. وانظر الفرق العظيم بين التجمعات المادية ~~والتجمعات الحيوية. # وما دمنا نجهل ماهية هذه «القوة الحيوية» ولا ندري إلا أن ظاهرات Phenomena # الحياة هي ظاهرات كيماوية بحتة؛ فيحق لنا ~~أن نزعم أن مبدأ الحياة هو في كيمياء الكربون مع شركائه العناصر الثلاثة الأخرى، ~~وسيطرته عليها في تأليف البروتايينات والدهنيات والكربوهيدرات، فسر الحياة كيماوي ~~خاص بالكربون وإخوانه. هذه مزية للكربون ليست لغيره من العناصر الأرضية، كما أن ~~المغنطيسية مزية للحديد ويجاريه - في ترتيب العناصر - الكوبلت والنكل - وهما أضعف ~~منه مغنطيسية. وكما أن الإشعاع # Radioactivity # مزية ~~العناصر العليا - أسرة الراديوم. # فكأن الطبيعة منحت بعض العناصر هذه الخواص الثلاث الممتازة: الحياة، ~~المغنطيسية، الإشعاع، وهي أهم ظاهرات الطبيعة وأعظمها عجبا، وبها تتجلى لنا ~~الطبيعة في هيكل جلالها وهيبتها. # الفصل السادس # | مقام الحياة في الكون # (1) هل الحياة غاية الوجود؟ # كان الفلاسفة والعلماء المفكرون حتى أواخر القرن الماضي يعتقدون أن ms42 سر الحياة ~~«قوة حيوية» أجنبية عن المادة، ومسيطرة عليها، ومحدثة العمليات الكيماوية التي تحدث ~~في كل خلية مفردة أو مشتركة مع خليات ~~أخرى # Molticelular ~~، كأن هذه القوة معمل كيماوي عظيم ينتج ألوف أصناف المركبات ~~العضوية # Organic # نباتية وحيوانية، وبناء على ~~هذه العقيدة رفعوا شأن الحياة إلى أن جعلوها الغاية القصوى من الوجود؛ أي: إن ~~الكون المادي وجد لكي تنشأ الحياة فيه ولكي تستخدمه في ظاهراتها - وجد لأجل ~~خاطرها. # فهل في أشكال الموجودات وظاهراتها ما يؤيد هذه العقيدة؟ بنظرة عامة في نشوء ~~العوالم، كبيرها وصغيرها، وتطوراتها؛ يظهر لنا أن الحياة لم تكن غاية الوجود ~~المادي البتة، بل جاءت عرضا على الأرض؛ لأن الظروف الملائمة لها وجدت عرضا ~~أيضا، ليس الأمر كذلك فقط، بل إن الوجود المادي لم يحبل بها لكي يتمخضها، ولا ~~خطرت له ببال، إذا تصورنا له إرادة حرة، بل بالأحرى إذا تعمقنا في البحث رأينا ~~أن الوجود المادي عدو لدود للحياة، لا يراعي لها شأنا ولا رغبة ولا مصلحة، ~~ولا يحسب لها قيمة. وإليك البيان: # الحياة محدودة بحدين من درجات الحرارة: بين درجتي الجليد والغليان. وبعد هذين ~~الحدين تتلف الخليات الحية وتهلك حيويتها، وبالتالي لا تنشأ بتاتا، حتى إن نمو ~~الأحياء وتوالدها متوقفان على درجات الحرارة الوسطى بين ذينك الحدين، المصحوبة ~~بالأشعة الضوئية وجاراتها القريبة. فهل في العوالم أجرام كأرضنا لا تتراوح الحرارة ~~فيها بأقصى من ذينك الحدين؟ # الفلكيون الذين درسوا السيارات درسا دقيقا وجدوا أن الظروف اللازمة للحياة غير ~~موجودة في غير الأرض، بل بالعكس وجدوا أنه يحتمل قليل الاحتمال وجود شكل من الحياة ~~في المريخ يختلف بعض الاختلاف عن شكل الحياة في أرضنا، أو إنه يختلف عنه أكثر مما ~~يشابهه. # أما في النجوم فلا أمل بوجود الحياة بتاتا؛ لأنها كلها في حالة الغازية، وقل ~~ما هو منها في حالة السيولة أو حالة المزيج من السيولة والغازية، وحرارتها تفوق ~~حرارة الأرض ألوف بل ملايين الأضعاف. بقي الأمل في أن يكون لبعض تلك النجوم القصية ~~سيارات كسيارات أرضنا، ربما ms43 صلح بعضها للحياة كصلاحية الأرض لها، ولكن الكيفية التي ~~تولدت السيارات بها من الشمس تذهب بهذا الأمل وتقطع كل رجاء. # لقد ثبت بالأدلة العلمية اليقينية أن السيارات لا تولد من الشموس بقانون طبيعي، ~~وليس في سنن الاشتقاق الجرمي إلا سنة الاشتقاق السديمي إلى سديمات فإلى نجوم، وسنة ~~اشتقاق النجوم المزدوجة # Binary stars ~~، وجميع هذه - ~~على ما نعلمه - لا تزال في حالة الغازية والسيولة، ودرجات حرارتها عالية جدا، وقد ~~ثبت أيضا أن تولد السيارات كنطفات صغيرة من شموس كبيرة بحيث تبرد عاجلا «نسبيا» ~~لا يكون إلا بعارض طارئ كما حدث في توالد السيارات من الشمس. # 1 # وهذا العارض الطارئ نادر الحدوث جدا قد لا يحدث لواحد من مائة مليون نجم وكل ~~مائة مليون سنة مرة - حسب رأي السير تجايمس تجينز - لسببين: # الأول: # أن رحاب الفضاء الخالية من الأجرام بين نجم ونجم واسعة جدا، ~~فإذا كان معدل المسافات بين النجوم كالمسافة التي بيننا وبين أقرب ~~نجم لنا «ألفاقنطورس» وهي نحو 4 سنين نورية وخمس؛ فلا أمل في أن ~~يقترب نجم إلى نجم آخر اقترابا كافيا للتأثير الجاذبي فيهما بحيث ~~ينشئ مدا وجذرا إلا في مصادفة نادرة جدا جدا. # الثاني: # أن الأجرام في قرص المجرة تسير متفاوتة في اتجاه واحد دائرة ~~حول مركز المجرة بسرعات متفاوتة كما تدور السيارات حول الشمس؛ فعلى ~~تلك الأبعاد السحيقة التي بينها ينقطع الأمل بأن يصادف مرور نجم ~~آخر بحيث يحدث كل منهما مدا يسلخ منه نطفات صغيرة فتتجمد ~~سيارات دائرة حوله. ~~(2) الحياة مقصورة على الأرض # فلذلك يغلب الظن أن شمسنا هي الوحيدة في عالم المجرة التي تلقحت باقتراب نجم ~~آخر إليها فولدت سياراتها، وأرضنا هي الوحيدة التي صلحت لتمخض الحياة، وإن كانت هذه ~~الصدفة قد طرأت لجرم آخر فهيهات أن تكون الظروف المناسبة للحياة متوفرة لها كما ~~توفرت لأرضنا. وإن كانت ظروفها مناسبة أو مقاربة لظروف أرضنا، فإن كان ثمت عمل ~~كيماوي ينتج شيئا كالحياة التي نشأت على أرضنا، فظاهراته تختلف كل الاختلاف عن ~~ظاهرات حياتنا. # زد ms44 على ذلك أن دهر الحياة على الأرض قصير بين دهور التطورات الأرضية؛ فقد سبقه ~~دهر الغازية، فدهر السيولة، فدهر التجمد الذي كانت الحرارة فيه لا تزال فوق درجة ~~الغليان أمدا طويلا، ثم سيليه دهر البرودة والجليد، وهو أطول دهور الأرض، وبعده ~~دهر الفناء التشععي البطيء جدا، وهو أطول من دهورها جميعا. # فعمر الحياة على الأرض قصير جدا بالنسبة إلى عمر الأرض، وبالأحرى بالنسبة ~~إلى عمر الشمس وسائر النجوم. # فترى مما تقدم أن العالم المادي يتطور تطورات مختلفة ليست من مصلحة الحياة، ~~بل بالعكس هي تطورات قاضية على الحياة؛ فإذا تبينت طور الحياة من خلال تلك ~~الأطوار تراءت لك لمعة لمعت مصادفة في مجرى الوجود كأنها فلتة شاذة. # فلو كانت غاية الوجود إنشاء الحياة وخدمتها ووضع نفسه كأداة بين يديها، ما انحصرت ~~الحياة في الأرض، وهي أقل من ذرة في الأكوان، ولا انحصر نشوء الجرم الصالح للحياة ~~بسيار واحد حول شمس واحدة، ولا كان عمر الحياة كلحظة من زمن الوجود. # فإذا حسبنا عملية الحياة مجدا وفخرا في الخليقة فمجرتنا وسائر المجرات غير ~~شاعرة بهذا المجد الذي لا ينطفئ لمعانه لدى لمعان أمجادها السموية، وإنما للأرض ~~وحدها أن تفتخر وتتمجد بأن هذه العملية العجيبة - في نظر العقل البشري - كانت من ~~حظها وحدها. وكانت مهدا لنشوء العقل الذي هو أعجب منها وأمجد، ويمكن أن نسميه ~~فخر الوجود كله. # فعلى سطح هذا السيار الأرضي وحده نشأ مصادفة أعجب آيات الخليقة وأغربها وأمجدها - ~~الحياة. ثم العقل. ثم العقل الاجتماعي. ثم ... ماذا؟ # الفصل السابع # | الدورية في الحياة # (1) التكرار عمل دوري # Rithm # ليست الدورية في الحياة دورانا حول مركز في جو جاذبي، وإنما هي تكرار كل ~~عملية حيوية مرارا لا يحصى عديدها في أمد طويل؛ تعاد العملية نفسها المرة بعد ~~المرة، ولا يحدث فيها تغير إلا بعد زمن طويل بحكم تأثير البيئة، ولا يشعر ~~بهذا التغير إلا بمقارنة جديده بقديمه إن أمكنتك المقابلة. وهذا هو المراد ~~بالتطور. # على أن الدورية على هذا النحو تتضمن العمل الجاذبي في ms45 أدق مجاريها؛ العمل الجاذبي ~~في الذرات بين الإلكترونات والبروتونات، ولولاه لما أمكن حدوث الدورية على الإطلاق؛ ~~إذ لا يخفى عليك أن الدوران الكهيربي - الإلكتروني - حول النواة في الذرة والجزيء ~~هو سبب كل حركة، هو الحركة الأولى الصادرة مباشرة من ينبوع الطاقة - القوة ~~الجاذبية - فحيثما وجدت عملا دوريا فتعقبت علته بلغت إلى دوران الكهيربات حول ~~النوى، يتضح ذلك في ضرب الأمثلة بأهم أنواع الدورية وأظهرها. # في أبسط الخليات الجرثومية ترى تحت المجهر - المكرسكوب - مجرى بين نواة الخلية - ~~بروتوبلاسم - وغلافها يجري فيه سائل دائر حول النواة، إلى هذا السائل تدخل من ~~الخارج المواد المغذية للخلية، وتخرج منه إلى الخارج المواد التالفة، التي انتهى ~~عملها في حياة الخلية. يدور هذا السائل بفعل انقباض جانب من الخلية وتمدد جانب ~~آخر بالتناوب، وهذا التناوب في الانقباض والتمدد ناتج من تعاقب العمليات ~~الكيماوية التي تحدث تباعا في النواة وغلافها وما بينهما من اتصالات، والعمليات ~~الكيماوية هذه نتيجة التآلفات الكيماوية المتعاقبة بين الذرات، وما هي إلا ~~الجاذبية في أفلاك الذرات. # لسائل كل خلية من الخلايا المتنوعة المفردة أو المتجمعة الملتحمة هذه الدورية ~~العامة، وبين الخلايا المتجمعة ~~الملتحمة # Multicelluler # مجار أخرى للسوائل التي تحمل غذاء الخليات الوارد إليها ~~من الخارج، وتحمل مفرزاتها الصادرة من الداخل، وهذه المجاري تحدث بمثل الأسلوب الذي ~~يجري به السائل في بطن الخلية؛ أي: بتقلص الأقنية من الخليات وتمددها، بفعل ما يحدث ~~فيها من العمليات الكيماوية المتعاقبة. # وأظهر دورية من دوريات السوائل التي تطوف في الأجسام الحية الدورة الدموية في ~~الحيوانات ذات الدماء، فهي تندفع من القلب إلى الشرايين وإليه من الأوردة، وفي ~~القلب والشرايين والأوردة صمامات تنفتح لمرور التيار الدموي، وتنقفل لمنع ارتداده، ~~ناهيك عن أن تجاويف القلب تنقبض وتتمدد لدفع الدم واستقباله، والشرايين والأوردة ~~تتقلص وتتمدد بالتعاقب بشكل موجي دوري # Rithm # لتساعد على دفع التيار في مجراه؛ فترى أن عملية الدورية هنا مركبة معقدة، تشترك ~~فيها جماعات متعددة من أصناف الخليات المختلفة، والمحرك الرئيسي فيها الجهاز ~~العصبي. # والتيار العصبي نوع آخر من ms46 أنواع الدورية يشبه كثير الشبه التيار الكهربائي، ~~«والراجح أنه نوع منه»؛ فهو دورة موجية تبتدي من أحد أطراف الجسم مثلا بسبب تفاعل ~~مع البيئة، وترحل رحلة موجية في سلك العصب الحساس، إلى أن تبلغ إلى مركز عصبي في ~~الدماغ، ثم ترتد منه على العصب المحرك إلى أن تصل إلى عضل العضو الذي وردت منه ~~أولا، فتحرك العضل. # التنفس عمل دوري. # الهضم عمل دوري. # التناسل عمل دوري أيضا، وهو أكثر الدوريات تركبا وتعقدا؛ لأنه يتضمن جميع ~~عمليات الحياة من الولادة إلى النمو إلى التوليد حتى الموت. ~~(2) طواف الذرات في الأحياء # وربما كان العمل التمثيلي في الجسم # Anabalism # أعم ~~أنواع الدورية في الحياة وأدقها وأعظمها تعقدا، تصور جزيئا # Molecule # كالحامض الكربوني دخل إلى خلية نباتية واندمج فيها مع ~~جزيئات أخرى من الماء وغيره، فتألف منها جزيء كربوهيدراتي، فاستعملت الخلية ما في ~~هذا الجزيء من طاقة بحلها إياه إلى جزيئات أخرى تطلقها في الفضاء، ثم تدخل هذه ~~الجزيئات المحولة من ذلك الجزيء إلى خلية أخرى في حي آخر، وتندمج في جزيئات أخرى، ~~وهكذا دواليك. فلو أمكنك أن تتبع ذرة من ذرات الكربون أو غيره في تنقلها، فقد ~~تراها تطوف من خلية إلى خلية ومن حي إلى حي إلى ما شاء الله. # فطواف الذرات على هذا النحو هو علة تعاقب الخليات في نسيج الحي، وعلة تعاقب ~~الأفراد من النوع الواحد من الأحياء في توالدها، وعلة تفرع الأحياء إلى أنواع؛ ذرات ~~طائفة تتمثل كل حين بعد آخر بشكل جديد على مرور الزمان. والزمان يطوي هذه الأشكال ~~العديدة في أذياله دورا بعد دور بأساليب مختلفة لا تحصى، هذه الأساليب هي ~~دورانات مختلفة مركبة معقدة متجددة، مبتدعة الصور والأشكال. # لا تجد في الأكوان المادية - غير الحيوية - كالسدم والأجرام مثل هذا الطواف الذري ~~المنظم الذي يظهر جماعات الذرات في أشكال عديدة متنوعة كأنها صنعة فنان. لا تجد ~~في السدم والأجرام طوافا ذريا إلا بشكل كأنه فوضوي لا قاعدة له ولا ~~نظام. # هذا الدوران الذري الذي يجمع الذرات ويفرقها ms47 على التوالي جمع مرارا عديدة ~~كثيرا من ذرات الكربون، مع ما تحتاج إليه من أخواتها الذرات الثلاث الأخرى، في ~~نبات وحيوان حتى انشغلت كل ذرة منها - ما عدا جانب من كربونات العناصر المعدنية ~~كالكلس ... إلخ - في خليات عديدة على التعاقب؛ فكأن كل ذرة اشتغلت بعملية الحياة ~~ملايين المرات التي لا تحصى. # العمل الحيوي استنفد كل ما على الأرض من ذرات الكربون الحرة، وما دفن منها تحت ~~الثرى بسبب العوالم الجيولوجية، وهي تبعث الآن من مدفنها فحما حجريا، وتطلق ~~وقيدا لتعود إلى الحياة في النبات والحيوان. هذه دورات كبيرة عامة تشمل كل ما على ~~سطح الأرض وطبقاتها منذ صلحت الأرض للحياة، وقد تكررت هذه الدورية ملايين المرات، ~~وستتوالى ملايين أخرى إلى أن تذوب الشمس، وتنخفض الحرارة إلى حد لا تستطيع الألفة ~~الكيماوية عنده أن تجمع العناصر الأربعة وتفرقها. # إن عمل هذه الألفة الكيماوية عجيب، تكاد هذه الألفة تتجلى لنا ذات قدرة ذاتية ~~بارعة، وذات إرادة حرة متفننة تتراءى لنا كأنها تتلاعب بأربعة من عناصر الطبيعة دون ~~ال 92 عنصرا الأخرى؛ فتؤلف من ذراتها كل يوم أشكالا مادية حيوية جديدة على مرور ~~الزمان، حتى إذا جعلنا نصف هذه الأشكال ونعلل تسلسلها بذلنا من المجهود ألوف ~~أضعاف ما نبذله في وصف أجزاء الكون المادي وحركاته وروابطه؛ ذلك الكون العظيم ~~العديد العوالم الذي لا يكاد عالمنا الحيوي الأرضي هذا يحسب نقطة وهمية ~~فيه. # ذلك الكون عظيم في ضخامة مادته، وعظيم في رحاب حيزه، وعظيم في أنهار زمانه ~~الجارية في مجاري الوجود. وأما عالمنا هذا الحيوي فبالرغم من ضآلة مادته وحيزه ~~ومجرى زمانه وقصره، فهو أعظم من ذاك جدا في تنظيمه، وأعجب جدا في أنظمته؛ ~~فالبيولوجي والبكتيريولوجي والهيستولوجي والفسيولوجي ... إلخ يرون من أعمال الحياة ~~وتفاعلاتها المتنوعة العديدة العجب العجاب الذي لا يرى الفلكي الطبيعي معادلا له ~~لا في الكم ولا في الكيف. إن متحف تاريخ الحياة القصير يحتوي على صور مختلفة لا ~~يفرغ العقل البشري من استعراضها، وأما متحف تاريخ الأكوان الذي يكاد يكون غير ms48 ~~متناه ففي وسع العقل أن يستعرضه في فترة من العمر. ~~(3) الألفة الكيمية سر الحياة # فلماذا هذا العالم الحيوي الصغير أعظم فنونا من ذلك الكون الأعظم؟ في حين أن ~~كلا العالمين من مجتمعات مادة واحدة - فوتونات فبروتونات فإلكترونات وذرات وجزيئات ~~- ترى أين السر؟ # لا بد أن يبدر إلى ذهن القارئ أن السر هو في الألفة الكيماوية المختصة بالعناصر ~~الأربعة التي هي عتاد الحياة، فهي أقدر من الجاذبية العامة في التجميع والتفريغ ~~وتنويع الدوريات كما رأيت في غضون هذا البحث. ولكن هذه الألفة الكيماوية موجودة ~~في جميع الأجرام التي تجمعت من السدم الشفافة؛ ففي الشموس ترى عناصر متعددة لا وجود ~~لمثلها في أرضنا، وترى جزيئات مؤتلفة منها وبعضها كما في أرضنا، وما هذه الألفة ~~الكيماوية إلا ضرب من الجاذبية. # أجل إن الألفة الكيماوية موجودة هناك ولكن ليس السر في وجودها، بل في قيودها؛ ~~فهي لا تستطيع في أي جرم غير الأرض أن تؤلف حياة من عناصرها الأربعة؛ لأن ~~الحرارة هناك شديدة جدا لا تدع للألفة الكيماوية أن تلعب أدوارها الحيوية في ~~بعض بسائط الجزيئات، وفي الأجرام التي بردت وجمدت كأقزام النجوم المزدوجة لا ~~تستطيع الألفة الكيماوية أن تلعب أدوارها الفنية العجيبة لعدم وجود الحرارة ~~الكافية لعملها. ما وجدت مسرحا لها إلا أرضنا، وربما وجدت مسارح أخرى مثلها لا ~~ندري؛ لأن عملها الحيوي لا يحدث إلا حيث تتراوح الحرارة بين الجليد والغليان، ~~وحيث توجد أشكال المادة الثلاثة - الجمود والسيولة والغازية - في جو هوائي يشمل ~~أوكسجينا، وفي بحر مائي يشمل هيدروجنا، وحيث الكربون والنتروجن مبعثران في ~~الأشكال الثلاثة. # من أين هذه الحرارة المعتدلة في الأرض؟ # ليست من حاصلات الأرض؛ لأن الأرض باردة جامدة لا تشع إلا النزر اليسير من ~~حرارتها، وإنما الحرارة الواردة من الشمس تمون الأرض بحرارة كافية للعمل الحيوي، ~~لا أقل ولا أزيد مما هو لازم. فالألفة الكيماوية التي تلعب أدوارها على مسرح الأرض ~~الحيوي تعتمد على ما تجود به الشمس من الحرارة من غير تفريط ولا إفراط، أو غير ~~تبذير ولا ms49 بخل، ولولا وجود الشمس على بعد كاف لإرسال ذلك القدر من الحرارة ~~اللازمة ما استطاعت الألفة الكيماوية أن تنتج الحياة البتة. # وما هي الألفة الكيماوية؟ أليست فرعا من الجاذبية العامة؟ أليست بنتها وربيبتها؟ ~~فلا بدع في أن الجاذبية العامة التي هي علة الدوران والتشعع تجعل الشمس ترسل إلى ~~الفضاء أشعة فوتونات حاملة طاقة وقوة دورانية، فيصيب منها الأرض رشاش يمنح عناصر ~~الحياة الأربع قوة التجاذب - التآلف - والدوران. فالألفة الكيماوية الحيوية مستمدة ~~من الجاذبية العامة، وانحصارها في مجال قصير من الحرارة الشمسية سمح لها أن تلعب ~~أدوارها الفاتنة وتتفنن بها. لم يكن ذلك عن قصد من الشمس ولا من مجيء الأرض عمدا ~~إلى ظروف مهيئتها ملعبا لهذه الأدوار، وإنما هي الصدفة الغريبة التي لا ندري إن ~~كانت مفعول إرادة مستقلة حرة - حسبنا أن نعلم أننا حينما رأينا صورة من صور الوجود ~~مألوفة أو غريبة وجدنا هنا الجاذبية تعمل عملها تجميعا وتفريعا دوريين. # ولكن هل يقف عملها هنا؟ # إذن كيف نشأ العقل؟ ~~(4) ما هي الحياة التي نراها؟ وكيف نراها؟ # في بحثنا الآنف عنها لم نجد إلا ألفة كيماوية تشتغل في 4 عناصر، فأين الحياة إذن؟ ~~أهي الألفة الكيماوية؟ لا؛ لأننا نعرف ألفة كيماوية بين عناصر أخرى، ولكن ليس فيها ~~حياة، فما هي الحياة إذن؟ # لم يتيسر لنا إلا هذا الجواب: ما هي إلا ظاهرة خاصة بتآلف هذه العناصر الأربعة. ~~وما هي هذه الظاهرة؟ هي صور تركبات كيماوية متعددة من عناصرها الأربعة؛ إذن لا ~~ذاتية ولا شخصية للحياة قائمة بنفسها - إذا لم تكن ثمت ذاتية خفية وراء هذه ~~الظاهرات. هذا الكتاب الذي تطالعه مؤلف من العناصر الأربعة وغيرها، فالعناصر ليست ~~الكتاب، وإنما تجمع العناصر متآلفة على هذا الشكل هو الكتاب؛ فالكتاب صورة من صور ~~تجمعها، والبيت الذي تقيم فيه مبني من مواد مؤلفة من عناصر أخرى، فالعناصر ليست ~~البيت وإنما تجمعها على هذا الشكل هو البيت؛ فالبيت صورة من صور تجمعها. كذا الحياة ~~ظاهرة من ظواهر المادة لا المادة نفسها. فهل العقل كذلك؟ ms50 # الباب الثالث # | النظام العقلي # الفصل الثامن # | ما هو العقل؟ # (1) سر العقل # العقل في بحثنا عنه يتجلى لنا أنه ليس ظاهرة من ظاهرات تجمع العناصر، بل هو ~~ظاهرة من ظاهرات حركاتها، هو ضرب من ضروب حركات المادة، والحياة ضرب من ضروب ~~تجمعاتها. # أما سر الاثنين الأعمق فغامض. # وإذا كان سر الحياة غامضا فسر العقل أغمض منه مائة مرة. # إذا كان العقل كما نظن حركة في مادة الحياة؛ فهو قد نشأ مع الحياة رفيقا لها منذ ~~بزوغها؛ بسيطا في عهد بساطتها، مركبا في عهد تركبها. ~~(2) شعور وشهوة وإرادة وتعقل # العقل شعور، ثم شهوة، ثم إرادة، ثم تعقل، ثم تفكير، ثم تصور، ثم تذكر، ثم تخيل، ~~ثم تفلسف. # في أبسط صور الحياة - الميكروب - كالأميبا مثلا العقل شعور فقط بسيط جدا، ~~وإنما في هذا الشعور جرثومة كل ظاهرة من ظاهرات العقل، الأميبا تصدم ذرة رمل فتصد ~~عنها، ولكنها لا تصد عن حويصلة داي أتوم # Diatom ~~، ~~بل تلتف عليها وتغلفها وتلتهمها. وكرية الدم البيضاء تصدم أية كرية أخرى فتصد عنها ~~ولكنها تصدم ميكروبا مرضيا سبحيا - ستربتوكوك - مثلا فتلتف عليه وتلتهمه؛ ~~أفليس هذا شعورا في الأميبا تميز به بين ذرة الرمل والداي أتوم؟ وشعورا في الكرية ~~البيضاء تميز به المكروب المؤذي من الجرثومة الصالحة؟ فأين منشأ هذا الشعور؟ هل هو ~~الألفة الكيمية فقط، أم هنا شيء آخر معها نجهله؟ # نصعد درجة أو بعض درجات في سلم أنواع الأحياء؛ إلى النبات الصياد مثلا، فنرى ~~هناك زهرة ماكرة مفتوحة تشتهي هوامة لكي تهتضمها، فتظل مفتوحة إلى أن تنقض ذبابة ~~على ما فيها من رحيق مغر لها، فتنطبق هذه عليها وتهتضمها. لو وقعت عليها ذرة من ~~التراب ما أطبقت عليها؛ فهنا شعور يميز بين الذبابة والذرة الترابية، وشهوة ~~تتحين فرصة وقوع الذبابة، فهل السر في الألفة الكيمية بين الزهرة والذبابة؟ لا شك ~~أن للألفة العمل الأول في هذا التصيد، ولكن للشعور والشهوة عملا آخر أيضا علاوة ~~على الألفة. # فما الشعور وما الشهوة؟ لا نرى إلا حركتي انبساط وانقباض في ms51 كل من الأميبا ~~والكرية البيضاء والزهرة: فما سبب هذه الحركة؟ سببه عمل كيماوي أيضا، ولكن ليس ~~بسيطا، بل هو عمل مركب معقد، تحض عليه مصادمات جزيئات لجزيئات، وخليات لخليات، ~~في ظروف خاصة لا يسهل إيضاحها. # نرتقي درجات أخرى في سلم أنواع الأحياء، فنرى العنكبوتة أو الرتيلاء تنسج شبكة ~~لتصطاد بها ذبابة تأكلها؛ فهنا نرى شعورا وشهوة وإرادة وتفكيرا وتعقلا، نراها ~~بسيطة محصورة في أسلوب واحد، هو عملية التصيد. # نترقي إلى الحيوانات الفقارية، فنرى جرثومة التفكير والإرادة والتعقل أوضح وأنضج ~~بأساليب مختلفة، وكلما ترقينا إلى جهة الإنسان في سلم الأحياء رأينا القوى ~~العقلية أظهر وأوضح وأنضج وأوسع دائرة بالأساليب. # فلا نستطيع أن نقول إن العقل ابتدأ من هذه الدرجة في سلم الأحياء. ابتدأ مع ~~الحياة وتطور بتطورها إلى أن بلغ القمة في الإنسان. ~~(3) الجهاز العصبي مقام للعقل # في بسائط الحياة العقل بسيط جدا، شائع في جسم الحي - يدعونه غريزة، ولكنه كان ~~كلما تنوعت أعضاء الجسم وتخصصت لوظائفها الحيوية كان العقل ينحصر في ناحية من ~~نواحي الأعضاء، إلى أن انحصر في الجهاز العصبي في الحيوانات العليا، وكان كلما ~~توالى التطور تعددت وظائف الجهاز العصبي بتعدد أقسامه، حتى أصبح هذا الجهاز في ~~الإنسان عالما عظيما، متعدد الأعضاء، متعدد الوظائف، يسيطر على الجسم كله، ~~وعلى أعمال الجسم الداخلية والخارجية. فأين العقل الأسمى؟ هذا السؤال لغز لا نكاد ~~نجد له حلا. # إن الظاهرات تدلنا على أن مقام العقل هو في الجهاز العصبي فقط، ومركزه الرئيسي في ~~الدماغ. ولكن ما هو؟ # نبحث عنه في أعماق الدماغ، فلا نجد إلا حركات في مراكز الدماغ وسائر الجهاز، ~~متوافقة في اتجاهاتها متكافلة في مآلها، الأمر الذي لا يمكن حدوثه إلا بتواطؤ بين ~~ملايين خليات الجهاز وتعاونها وتكافلها. # فكلما حدث شعور حدثت حركة في جميع الخليات التي يمر فيها هذا الشعور، هذه ~~الحركة تتم بسلسلة تفاعلات كيماوية تعدل فيها الخليات جانبا من جزيئاتها وذراتها ~~كأنها تتجدد تجددا تحوليا # Anabolic ~~، كذلك كل ~~تفكير أو تصور أو إرادة ... إلخ تتم بسلسلة تفاعلات ms52 كيماوية في الخلايا الدماغية ~~المخصصة للتفكير أو التصور أو الإرادة ... إلخ. فلذلك نتصور الجهاز العصبي ~~معملا كيماويا عظيما، تحدث فيه تفاعلات كيماوية بين الجزيئات والذرات سريعة ~~متعاقبة متعددة تعددا لا يتصوره العقل. ~~(4) الأفعال العقلية تفاعلات كيمية # البرهان العملي على أن الأفعال العقلية المختلفة إنما هي حاصل حركات ~~التفاعلات الكيماوية في الخلايات الدماغية؛ هو أنه في حالة الإجهاد العقلي تكثر في ~~بول المجهد أملاح الفوصفات؛ لأن النشاط الدماغي يستلزم نشاطا في التفاعلات ~~الكيماوية، وهذه التفاعلات تستورد كثيرا من ذرات الفوصفور لتستخدمها في جمع الطاقة ~~وتصدرها في أنفاقها، وفي حالة الراحة العقلية تقل جدا أملاح الفوصفات في ~~البول. # لا يرتاح عقلنا الارتياح التام لذلك التفسير لحركة الخليات الدماغية التي يكون من ~~مركب مجموعها العقل أو قوى العقل؛ لأن أقل تأمل في المسألة يستحضر في ذهننا اللغز ~~الأعمق والأعقد، وهو: أن هذه الحركات تحدث في ملايين الخلايات الدماغية متعاقبة ~~متوافقة متساوقة في حركاتها، لكي تؤدي إلى مصير واحد أو غاية واحدة. فما الذي جعل ~~ملايين الخليات هذه تتفق على أسلوب واحد من الحركة لغاية واحدة؟ أهي موجة ماجت في ~~الجميع؟ فما هو مصدر هذه الموجة؟ # لا يبعد أن تكون حركة موجية قد شاعت بين جميع خليات المركز أو خليات المراكز ~~الدماغية المختصة بها، على أثر صدمة شعورية من الخارج مثلا للعصب الحساس، فأحدثت ~~تأينا كهربائيا # Ionisation ~~، وهو انتقال ~~كهيربات من ذرة إلى ذرة وانتقال ذرات من جزيء إلى جزيء بتيار كهربائي، وهو ما يسبب ~~التفاعل الكيماوي أو التحولات الكيماوية بين الذرات في كل جزيء يمر به ذلك ~~التيار، وبالتالي يحدث تحولات # Metabolisms # في ~~الخليات، وهذا التحول المتتابع المتسلسل ينتج الحركة العقلية التي نحن ~~بصددها. # هذا تفسير معقول للحركة الفكرية الصادرة من تفاعل خارجي على نحو ما بسطناه. ولكن ~~هناك من الحركات الفكرية التي تحدث من غير طارئ خارجي؛ تفكير محض كالتفكير الفلسفي ~~أو التفكير الفني، تصور عالما يخلو بنفسه في غرفته ليحل مسألة علمية أو قضية ~~رياضية، ففي هذه الحال ليس ثمت من ms53 محرض خارجي يحرك خليات دماغه للتفكير، ليس العامل ~~إلا إرادة ورغبة في التفكير كما يتراءى لنا، فمن أين صدرت هذه الحركة ~~الفكرية؟ # يتراءى لنا أن هناك إرادة حرة ورغبة في التفكير والإعنات الذهني لحل القضية، ~~ولكن الحقيقة أن وراء تلك الإرادة وهاتيك الرغبة سلسلة محرضات، تكاد تقضي ~~على الحرية التي نغتر بها، وليس هنا محل لبحث هذه القضية؛ فنكف عنها، ونعكف ~~على بحثنا الخاص بنشوء الحركات الفكرية، على افتراض أن الإرادة والرغبة وجدتا ~~حاضتين على البحث والتفكير. # فعملية التحول الخلوي - نسبة إلى خلية # 1 ~~- دائمة في كل عضو من أعضاء الجسم، ودائمة على ~~الأكثر في خليات الدماغ، ففي كل لحظة تتجدد جزيئات في الخليات وتندثر جزيئات ~~وتتأين ذرات أيضا؛ فلا يستحيل أن تصدر الخليات من تلقاء نفسها تفكيرا، ~~والتفكير يتسلسل سلسلة لا تنقطع إلا بطروء طارئ، كما أن التحول الخلوي سلسلة لا ~~تنقطع، وكل حلقة من السلسلة تستوجب صدور حلقة أخرى تليها؛ فمتى ابتدأت سلسلة ~~التفكير في اتجاه خاص تفضي أخيرا إلى الغاية، وهي حل المسألة أو تكوين ~~الفكرة. # وتصور أيضا شخصا فنيا شاعرا أو مصورا يستنبط شيئا فنيا جميلا. ~~فخليات دماغه الفنية تتحول على التوالي تحولات تنتج حركة فكرية فنية على نحو ما ~~وصفناه، لذلك ترى ذا الفن كيفما فكر كان الغالب في تفكيره فنيا؛ لأن جانبا من ~~خليات دماغه تهيأ على تمادي الزمن لإصدار الفكر الفني، إلا متى كان المحرك صادرا ~~من الخارج، فيشغل الخليات الأخرى لإصدار الفكر الملائم. ~~(5) القوى العقلية العليا # التفكير الداخلي المحض طبقة عليا من العقل، تستنبطه الخليات من تلقاء نفسها، ~~بمجرد تحولاتها الذاتية الفسيولوجية، حسبما تعودت بفعل الطوارئ الداخلية كالتدريب ~~والتهذيب، فضلا عن الشعور الحسي والنوابض النفسانية المحرضة. لهذه الطبقة العليا ~~من التفكير الفلسفي والتفكير الفني أعمال عجيبة تضع العقل تاجا على رأس الحياة، ~~كما أن الحياة تاج على رأس المادة «الكربونيترأوكسيهدروجينية». # فنظريات الفلاسفة والعلماء المستنتجة من ظاهرات الطبيعة هي حجار كريمة في ذلك ~~التاج، وكذلك الفنون الجميلة البارزة في الشعر والرسوم ونحوها هي ms54 جواهر أخرى فيه، ~~حتى جميع ظاهرات التمدن في سائر أدواره هي جواهر أخرى فيه أيضا؛ فما أعظم العقل؛ ~~العقل الذي ألبس سطح الكرة الأرضية حلة بهية مزركشة من معالم المدنية، تذهل ~~العقل الفردي بجمالها وأساليبها التي لا تحصى، حلة بديعة جعلت هذا السيار الأرضي ~~يفتخر على جميع سيارات الشمس، بل يفاخر جميع أجرام السماء بجمال له وليس ~~لهن. ~~(6) هل للعقل ذاتية قائمة بنفسها؟ «العقل وظيفة من وظائف الدماغ» # ليس الغرض في هذا الفصل البحث السيكولوجي، وإنما الغرض الأساسي تبيان أن هذا ~~العقل السامي المتوج للحياة هو نتيجة ألفة كيماوية تتلاعب بعناصر أربعة في الدماغ ~~تلاعبا متنوعا لا حد له، وإذا لم يكن العقل حركة «خليية» بفعل الألفة ~~الكيماوية فماذا يكون؟ # إذا كان العقل ذاتا مستقلة عن المادة، ولكنه حال فيها يستخدمها للاتصال ~~بالطبيعة عن طريق الحس العصبي، وجب أن يبقى بذاتيته فيما لو عجزت المادة الدماغية ~~عن خدمته لسبب من الأسباب، يجب أن يبقى له على الأقل تفكيره وتعقله وتذكره إلى غير ~~ذلك، مما لا يحتاج فيه إلى خدمة المادة الدماغية؛ فلماذا تتعطل خواصه هذه بتاتا ~~وتقف قواه عن العمل في حالة النوم العميق مثلا أو في حالة التخدير؟ # قد تقول: إنها لا تتعطل بل تبقى عاملة عملها، بدليل حدوث الأحلام في المنام، ~~فإذا كان النوم عميقا فلا يتذكر المرء أحلامه متى صحا ... ولكن ما قولك فيما إذا ~~تخدر الدماغ بمخدر فلا يبقى إحساس ولا تفكير، فأين يكون العقل حينئذ؟ ولماذا ~~ينقطع عن التفكير بتاتا؟ # في حالة السكر والجنون المطبق يكون الكلام خاليا من الوزن والتعقل والمنطق - ~~يكون هذيانا، فإذا لم يكن العقل حركة فكرية صادرة من تحولات خليية، فلماذا يختل ~~بفعل الخمر وأمراض الدماغ الجنونية إذا كان مستقلا عن المادة الدماغية؟ # يقودنا الموضوع إلى مسألة الروح باعتبار أنها وعاء العقل - إذا صح قول ~~المعتقدين بها - وأنها ذات مستقلة عن المادة تنفصل عنها عند الموت، فأين تكون ~~الروح في حالة الغيبوبة، أو في حالة السكر والعربدة؟ وكيف تعود إلى مقامها ms55 في ~~الدماغ متى انقضت الغيبوبة؟ ولماذا لا تتذكر أفعالها في حالة العربدة؟ # هل يمكن تفسير الأقوال والأفعال في حالة السكر إلا أن التحولات الخليية أصبحت ~~فوضوية غير نظامية، فأصبحت الحركات الفكرية التي تنتجها فوضوية غير نظامية أيضا، ~~لا تستطيع أن تعلل التفكير على اختلاف صنوفه نظاميا أو غير نظامي إلا بأنه حركة ~~ناتجة عن التحولات الخليية؟ # يذهب الروحيون أو بعضهم إلى أن الروح هي جسم غير هيولي، هي جسم أيثري؛ أي: إنه ~~مؤلف من ذرات الإيثر على مثال الجسد الهيولاني، حتى متى انحل هذا بقي ذاك والعقل ~~حال في ذاك، فهو تعليل جميل، ولكن لا برهان عليه إلا ما يزعمونه من مخاطبة ~~الأرواح بعد الموت، وهو زعم لم يثبته اختبار صادق أمين خال من مجرد دعوى ذويه، ~~وأوهامهم التي ما وقعت تحت امتحان خصومهم إلا ظهر بطلانها. # مما يؤيدون به دعواهم هو مسألة توارد الخواطر أي # Telebathy ~~، ولكن التوارد هذا يعلل بالاتصال ~~الأيثري بين مراكز الأدمغة المتباعدة بواسطة الأمواج الكهرطيسية على نحو طريقة ~~الراديو، فهو أمر معقول جدا، فإذا ثبت كان حدوثه ممكنا بين الأحياء لا بين ~~الأحياء وأرواح الموتى؛ لأن ثبوته هكذا يستلزم إثبات وجود الروح المستقلة عن ~~المادة أولا. # إذا صح أن العقل هو نتيجة حركات الخليات الدماغية فقوانين التجمع والتفرع ~~والدورية فيه هي نفسها التي بسطناها في الحياة؛ تجمع خليات خاصة في الجهاز العصبي ~~وتفرعها إلى خليات متنوعة بحسب تنوع وظائفها؛ ذلك لأن العقل حركة خليات كما ~~تبسطنا به. # الفصل التاسع # | العقل الاجتماعي # (1) هو تموج كهرطيسي # رأينا فيما تقدم ثلاثة عوالم في الكون: # الأول: # عالم المادة المؤلفة من الفوتون - أو فوتون الأيثر - والشاغلة ~~حيز الكون وزمانه. # والثاني: # عالم الحياة الشاغل ما بين سطح الأرض والجلد - الهواء. # والثالث: # عالم العقل الذي هو حركة خصوصية من حركات الحياة. # والآن نرى عالما أعلى، هو عالم العقل الاجتماعي. # إذا كان العقل تاج الحياة، فالعقل الاجتماعي هو قمة هذا التاج. # كما أن العقل الفردي هو نتيجة تركب الحركات الحادثة في ملايين خليات ms56 الجهاز ~~العصبي المتوافقة في اتجاه واحد لغاية واحدة، هكذا العقل الاجتماعي هو تركب ~~الحركات الحادثة في ملايين الأفراد المتوافقين في اتجاه واحد لغاية واحدة. # ليس المقام مقام بحث في أنظمة الاجتماع البشري، ولكن دارس علم الاجتماع - والمطلع ~~على مجلدي «علم الاجتماع» اللذين أصدرناهما بهذا العلم منذ بضع سنين - يفهم أن ~~المراد بالعقل الاجتماعي هو اشتراك الجمهور في عقيدة دينية أو رأي سياسي أو في زي ~~واحد أو تقليد واحد، بحيث يسددون جميعا أفعالهم إليه، وهذا يستلزم أن تكون ~~عقيدتهم الفردية قد صيغت في قالب واحد تقريبا، كأنهم يفتكرون فكرا واحدا، ~~ويشتهون غاية واحدة، ويتعاونون في الحصول عليها، لذلك ترى أنه إذا صدرت فكرة من ~~مركز واحد رئيسي كحكومة أو سلطة دينية أو جمعية أو حزب، ~~أو شبه رئيس كزعيم أو عالم أو ذي فن أو مخترع ~~أو نابغة مبتكر؛ إذا صدرت من أي مركز كهذه المراكز حركة نظام أو رأي أو بدعة أو فن ~~جديد؛ انتشرت حركة هذه الموجة على جميع العقول الفردية، وهزتها كلها هزة واحدة، ~~وطبعت فيها الفكرة نسخا متعددة كما تطبع عبارتها على الورق، فكأن الفكرة فكرة عقل ~~جماعة. # يستفاد مما تقدم أن العقل الاجتماعي هو مجموعة عقول فردية مصوغة صياغة واحدة ~~في بيئة واحدة، تتحرك معا في اتجاه واحد كما تتحرك ملايين ذرات المادة معا ~~في جرم واحد حول مركز واحد بسرعة واحدة؛ لارتباط جاذبي فيما بينها وبين المركز؛ ~~فالفكرة أو الرأي الاجتماعي هو المركز الذي تحوم من حوله عقول الجماعة بقوة جاذبية ~~ذلك الرأي لها، وانتشار الفكرة الصادرة من مركز عبقرية أو زعامة إلى الأفراد هو ~~كانتشار الموجة في الجو الجاذبي إلى جميع الجهات، بحيث يصدم كل عقل يصيبه فيحركه ~~ليدور حول الفكرة نفسها. # ليس هذا التشابه بين تجاذب الذرات نحو المركز وبين تجاذب العقول نحو الفكرة ~~تشابها مجازيا، بل هو حقيقي لأن القوة الجاذبة واحدة في النوعين، بالرغم من ~~التباين العظيم في الشكل. # رأينا الحركة الفكرية في الدماغ الواحد تموجا في جميع الخليات؛ لأن ms57 الجو ~~الكهرطيسي الذي تسبح فيه ذرات الخليات يتموج بفعل ذرات المركز الدماغي، فيحرك ~~ذرات الخليات جميعا وينتج فيها حركة واحدة، وتأينا # Ionisation # واحدا وتحولا # Anabolism # واحدا، وهذه الحركة هي التفكير العقلي. # كذلك نرى خليات الدماغ الواحد في المركز الاجتماعي - الزعيم أو العبقري - حين ~~تنتج فكرة أو رأيا تحدث في جوها الكهرطيسي أمواجا تسير في أسلاك الجهاز ~~العصبي وتصدر إلى الخارج في شكلين: # الأول: # صور اللفظ الكلامي الذي تنتقل أمواجه الهوائية إلى الآذان، ~~فالأدمغة، وتحدث نفس الفكرة فيها. # والثاني: # في شكل حركات عضلية كالإشارات الكتابية ونحوها، وهذه تصدر أو ~~تعكس أمواجا نورانية تنتقل إلى العيون فالأدمغة، وتحدث فيها ~~الحركات الخليية التي تصدر نفس الفكرة؛ تلك عن طريق العين، وهذه عن ~~طريق الأذن. # فنرى أن التموج الكهرطيسي هو الوسيط الموجي الذي تنتقل فيه أمواج الفكرة من دماغ ~~إلى أدمغة عديدة؛ إذن الحركة الفكرية تنتشر في جو كهرطيسي كانتقال النور والحرارة ... ~~إلخ، سواء في الدماغ الواحد أو في جماعة أدمغة. ~~(2) العقل مركز التموج # الفكر إذن صورة من صور القوة - الطاقة، وقوته تمتاز بكونها قوة تنظيمية، أو قوة ~~سيطرة تسيطر على قوى المادة، بمعنى أنها إذا تسددت إلى قوة مادية طوعت حركتها طبقا ~~لها؛ فالفكرة الصادرة من مركز زعامة أو مركز ابتكار نبوغ إذا انتشرت أوعزت إلى ~~عقليات أخرى أن تتحرك بفكرات مماثلة لها؛ فقوة هذه الفكرة المركزية لم تتوزع على ~~العقليات العديدة، وإنما هي أثارت قوى العقليات العديدة لكي تحذو حذوها؛ فالفكرة ~~التي نشأت في هذه العقليات العديدة طبقا للفكرة المركزية كانت تحركا بقوة ~~العقليات نفسها، بإيعاز الفكرة المركزية؛ فالفكرة المركزية هي «كالزنبلك» الذي ~~يحركه الميكانيكي بقوة ضعيفة، فيطلق العنان للآلة الميكانيكية أن تدور بالقوة ~~المودعة فيها، لا بقوة الزنبلك. ما كانت حركة الزنبلك إلا إيذانا لها ~~بالدوران. # بهذه القوة الفكرية الممتازة يقود الزعيم القوم والقائد للجيش، وكلاهما يحمسان ~~الجماعة لفعل الأفعال العظيمة، وما كانت قوته الفكرية إلا إيعازا لقوى الجماعة أن ~~تفعل الفعل الموعز به. # ثم إن هذه القوة الفكرية تمتاز بكونها ms58 تخزن ولا تضمحل، ففيما نحن نقرأ ~~مثلا تعاليم موسى أو عيسى أو محمد تنشط في أدمغتنا التفكيرات بمبادئ هؤلاء ~~الأنبياء والرسل وننشط نحن للتحدث بها، أو الكرازة وللعمل بموجبها، وفيما نحن نشاهد ~~آثار الأقدمين التي هي مخزونات فكراتهم ينشط فينا التفكير بها، وقد نضع مثلها ولو ~~بتعديل وتنقيح، وفيما نحن نقرأ تاريخ نيرون تنشط فينا أفكار الحنق عليه. ففكرة ~~الأنبياء والرسل وفكرات الأقدمين الأثريين وفكرة نيرون؛ كانت قوة مخزونة كلما عرضت ~~لنا أثارت فينا فكرات تقتضيها. # فإذا كانت ثمت أرواح خالدة فهي هذه الفكرات المخزونة الخالدة في الكتب ~~والرسوم والآثار التي تثير فينا فكرات مضارعة لها أمس واليوم وغدا إلى ما شاء ~~الله أن تبقى الحياة على الأرض تنتج عقولا. ~~(3) رد فعل العقل على الحياة والمادة # فهمنا أن العقل - فرديا أو اجتماعيا - هو نتيجة تفاعل الذرات الأربع في ~~خليات الدماغ - التفاعل الكيماوي المتواصل السريع بلا انقطاع - فما انقطع في شخصية ~~حي إلا بعد أن تناولته أحياء بعده. بقي أن نعلم أن للعقل تأثيرا على المادة ~~الحية أو التي بلا حياة - وهو رد فعل عظيم - هو تأثير الحي في البيئة، فلا يقتصر ~~هذا التأثير على فعل العقل السامي - عقل الإنسان - بل يعم سلسلة العقول من أدناها ~~إلى أعلاها، ولكن أضعفه في الدنيا منها وأقواه في العليا. # الجيولوجي ينبئنا عن التغييرات التي حدثت على سطح الأرض، حدثت بفعل الحياة ~~الدنيا؛ فالمرجان أنشأ جزرا في البحار، والغابات تستمطر السماء حيث لم يكن مطر من ~~قبل، وأمطارها جرت أنهارا وسيولا جرفت الأتربة من الأعالي إلى الأسافل. تكفي هذه ~~الإشارة المختصرة إلى تطوير الحياة للبيئة كرد فعل لتطوير البيئة للحياة. # وإذا صعدنا إلى العقل البشري وجدنا تأثيره في المادة عجابا؛ العقل سيطر على كثير ~~من نواميس الطبيعة فطوعها واعتقلها واستخدمها؛ سيطر على تيارات الكهارب واستولد ~~منها نورا وقوة ميكانيكية، كما سيطر على حرارة البخار فاستولد بواسطتها هذه ~~القوة، فضلا عن التيار الكهيربائي. # لا متسع لوصف ما فعله العقل البشري من التطورات المادية على سطح الأرض، ms59 كيفما ~~التفت وفكرت وجدت نماذج هذه الأفعال العجيبة التي أنتجتها القوى العقلية، وإذا ~~اطلعت على ما اكتشفه العقل من أسرار الطبيعة، وعلل ظاهراتها في الأرض والسماء وتحت ~~الأرض وما وراء السماء؛ دهشت لمقدرة هذا العقل. # والفلسفة هي عقل أسمى، هي عقل العقل. ~~(4) أنظمة التجمع والتفرع والدوران العقلية # فيما تقدم من البحث فهم القارئ أن العقل خاضع لسنة التجمع والتفرع وسنة ~~الدوران أيضا؛ فالعقل الفردي هو تجمع حركات ملايين الخليات الدماغية في أسلوب واحد ~~منتج فكرة واحدة قائمة بذاتها، والعقل الاجتماعي هو تجمع حركات عقليات الأفراد في ~~أسلوب واحد منتج رأيا أو عقيدة واحدة. # وفيما الفكرة الواحدة تنتشر تتفرع إلى فكرات مختلفة فيما بينها بعض الاختلاف ~~كثيرا أو قليلا، ومن ذلك نشأ الاختلاف في التصورات والأفكار والآراء حتى في صيغ ~~القول، فمع أن الجماعة تتجمع على نظرية واحدة أو عقيدة واحدة، تراها في ذهن كل واحد ~~منهم ذات شكل خاص يختلف شيئا عن الشكل الذي في ذهن الآخر، وقد تتباين في بعض ~~الأذهان تباينا كليا بحيث إن النظرية الواحدة تنفلق إلى نظريتين أو بضع نظريات ~~فرعية، كعقيدة الاشتراكية مثلا؛ فهي عدة نظريات مفترقة بعضها عن بعض بحسب ميول ~~الفئات أو الأشخاص البارزين، وكذلك الأمر في العقائد السياسية كالديمقراطية مثلا؛ ~~فهي فروع مختلفة باختلاف الهيئات الحكومية وعقائد المتفلسفين فيها. # فترى أن التفرع الفكري مصاحب للمجتمع العقلي على الدوام، تجمع العقول على ~~فكرة عامة وتتباين في وجوه هذه الفكرة. # أما التنظيم الدوراني العقلي فهو ظاهرة انتشار الفكرات؛ فكل فكرة صادرة من مركز ~~ابتكاري هي مركز حركة الانتشار، الفكرة تنتشر من المركز إلى عقول الجماعة، فكأن ~~العقول في تأثرها منها تدور حول هذا المركز؛ فكأنها نظام شمسي قائم بذاته. # ولأن العقل نتيجة تركب معقد؛ تركب حركات خليات دماغية، هي نتيجة تركب جزيئات ~~عديدة متنوعة، وكل جزيء هو مركب ذرات عديدة؛ فمراكز الفكرات عديدة لا تكاد تحصى، ~~والدورانات عديدة بتعدد المراكز، يقاطع بعضها بعضا ويصادم بعضها بعضا. ~~فالعالم العقلي هو بحر متعدد أشكال الأمواج تعددا ms60 لا يحصى، بحيث يتعذر عليك أن ~~تتبع دورة حركة فكرية وأن تهتدي إلى مركزها. ~~••• # رأينا أننا كلما صعدنا درجة في سلم ارتقاء العوالم الكونية رأينا التنظيم أكثر ~~تركبا وتعقدا، وأشكال الأنظمة أكثر تعددا؛ ففي العالم المادي لا نرى إلا ست ~~درجات أنظمة «تجمعية - تفرعية»، ذات ست دورانات بسيطة متداخلة، يمكنك أن تميزها ~~بعضها عن بعض وتظفر بمركز كل منها. وفي العالم الحيوي نرى ثلاثة أنظمة متداخلة ~~متمايزة: نظام كل من الذرات الأربع، ثم نظام جزيئاتها، وهذا متفرع إلى ألوف الفروع ~~البروتايينية والكربوهيدراتية والدهنية؛ ثم نظام البروتوبلاسم، وهذا متفرع إلى ~~ألوف الفروع بمقتضى وظائف الأنسجة المؤلفة منها، ولكل من هذه الأنظمة دورانه الخاص ~~الممتاز به. # حتى إذا جئنا إلى النظام العقلي ولا سيما العقلي الاجتماعي لا نعود نظفر بنظام ~~مستقل؛ لأن النظام العقلي يبتدع كل هنيهة نظاما فرعيا جديدا، كل فكرة هي ~~نظام فرعي قائم بنفسه، وبالتالي نستطيع أن نميز دورانا عن آخر. ~~(5) نظام الأدبية # قلنا: إن العقل الاجتماعي هو قمة تاج الأنظمة الكونية. فهل ثمت نظام آخر فوقه ~~أرقى منه؟ # نعم هو نظام الأدبية؛ «أدب النفس»، الأخلاق. هذا النظام ترصيع لتاج العقلية، ~~هو التنظيم الأعلى الذي يعصم النظامين العقلي والحيوي من الفوضى ويقيهما من ~~الفساد، هو الذي يجعل التنظيم مطردا ومتجها إلى المثل الأعلى. # الأدبية تنظيم لتصرف الحي أو سلوكه بحيث يجعل هذا التصرف الحي متقيا الأخطار ~~المهددة لكيانه، ومنتفعا من البيئة: طبيعية واجتماعية؛ حرصا على بقائه. يجعله ~~مطاوعا للبيئة القاسية العتية التي لا تطاوعه، ومكيفا البيئة اللينة التي ~~تطاوعه تكييفا يقدره على أن يدرأ الشر وينتفع بالخير. الأدبية إذن هي التعقل ~~الأسمى، الفضيلة، هي تاج العقل الاجتماعي. # نشأت هذه الأدبية مع الحياة كنشوء العقلية معها منذ أبسط أدوارها؛ أي: منذ نشوء ~~الخلية المفردة، وترقت معها حتى بلغت إلى درجة الإنسانية؛ فهي بسيطة مع الحي ~~البسيط، ومركبة معقدة مع الحي الأعلى المركب المعقد. # الأدبية إذن عالم خامس من عوالم الكون: المادة، الحياة، العقل الفردي، العقل ~~الاجتماعي، الأدبية. ~~(6) فماذا بعد هذه؟ ms61 # هل يقف التطور الكوني عند هذا الحد؟ # لا نظن. بل نعتقد أن التطور مطرد مستمر، لا ندري ماذا يأتي بعد الأدبية من ~~الأنظمة الكونية الرئيسية، ولكننا ننتظر أن يكون في قلب الطبيعة حلقات جديدة من ~~سلسلة الأنظمة، نجهل شكلها وأسلوب حركتها وغايتها، ستبرزها الطبيعة في لوحة ~~المستقبل. # نعتقد ذلك لأننا رأينا أن العقل ما رسا على سطح المادة فقط، بل جعل يبني ~~طبقات فوقها؛ ففي الأحياء الدنيا كانت الغريزة البسيطة كافية للحرص على البقاء، ~~هي ضرب من الفهم، هي فهم داخلي فقط متفاعل مع عوارض البيئة، نقول: إنها فهم داخلي؛ ~~لأنه كان يكيف خليات أعضاء الحي بحسب ما تقتضيه البيئة، ثم ارتقى في الأحياء ~~العليا فصار فهما خارجيا أيضا مضافا إلى الغريزة، صار من جهة يكيف الحي ~~بمقتضى البيئة، ومن جهة أخرى يكيف البيئة ما استطاع لكي تطاوع الحي. في الدرجة ~~الأولى الحي الأدنى آلته أعضاؤه فقط، وفي الدرجة الثانية الحي الأعلى لم يكتف ~~بأعضائه آلة له، بل استنبط آلات خارجة عنه كالعدد الميكانيكية وغيرها يستخدمها في ~~الحرص على بقائه، وقد نجح في استنباط الآلات الخارجية حتى كاد يستغني عن استخدام ~~بعض آلاته العضوية، وقد بطل عمل بعضها بهذا الاستغناء، فلا يدب على الأربع ولا ~~يستعمل أخمص قدمه كفا للقبض ككف يده كبعض أشباه الإنسان، ولا يجتر، ولم يعد ~~يستطيع الركض السريع، ولم تبق له مخالب ... إلخ؛ لأن آلته أغنته عن كل ~~هذه. # ثم ارتقى الفهم في الأحياء العليا أيضا درجة أخرى، إذ صار يدرك أن له إدراكا، ~~وصار يفهم الفهم، وصار يعلل ويفسر ويتفلسف؛ أي: صار له عالم عقلي قائم بذاته مجرد ~~عن المادة؛ فكثير من غرائزه تحولت إلى تعقل مستند إلى الاختبار وإلى استدلال ~~واستنتاج من مجرد التفكير بتحليل الظاهرات. # هنا نشأت درجة التجريد # Abstraetion ~~، والرياضيات ~~أعظم وأظهر نموذج للتجريد هذا، فما أدرانا أن ينشأ من هذا التجريد الذي هو أعلى ~~ظاهرات العقل عالم آخر ليس لنا الآن أقل تصور عنه؟ ما أدرانا أن يصبح الفهم ~~العادي في ms62 المستقبل البعيد كغريزة في الإنسان، فيولد الطفل فاهما أمورا كثيرة كما ~~يولد الآن وهو يفهم أن غذاءه في ثدي أمه فيرضعه بلا تعلم؟ ما أدرانا أنه في ~~المستقبل البعيد يولد وهو يفهم مبادئ الرياضيات والطبيعيات كأن هذا الفهم شيء طبيعي ~~في خليات دماغه سجية من سجاياها؟ وما أدرانا أن شعوره الداخلي يرتقي إلى حد أن ~~يفهم معنى الجاذبية بلا إرشاد ولا تعلم؟ وما أدرانا أنه في ذلك الزمان يفهم النسبية ~~بالبديهة كما يفهم الآن أن القيمتين اللتين كل منهما تساوي قيمة ثالثة هما ~~متساويتان؟ # وما أدرانا أن يقوى التيار الكهربائي في أعصابه فيفهم التموج الكهرطيسي فهما ~~طبيعيا، وحينذاك لا يبعد أن يصبح التفاهم عن بعد بلا واسطة ظاهرة - على نمط ~~الراديو - شيئا طبيعيا في الناس؛ إذ تصبح أدمغتهم شديدة الإحساس بالأمواج ~~الكهرطيسية الصادرة من أدمغتهم، وحينئذ يبزغ عالم سادس من عوالم الكون لا نعرف ~~الآن كيف نصفه؟ # ما أدرانا أن الجهاز العصبي يقوى جدا في الإنسان إلى حد أن يتحول الإنسان كله ~~إلى كتلة أعصاب تكون مقاما لهذا العالم السادس الذي نتكهن بحدوثه، ولا ندري الآن ~~كيف تكون ظاهراته؟ # كل هذا ممكن كما أمكن صدور العقل العجيب من خليات الدماغ؛ فليس لسنة التطور ~~الحيوي حد تقف عنده على نحو ما رأينا في درجاته الآنفة الذكر. # إن ما مر من عمر الحياة إلى الآن - أي: منذ صارت الأرض صالحة لها - ليس ~~إلا دور الحداثة، وإن ما بقي من عمرها - أي: إلى حين لا تعود الأرض صالحة لها - ~~عدة أضعاف دور الحداثة، فإذا كانت الحياة في دور حداثتها قد أنتجت عقلا فلسفيا ~~واجتماعيا وأدبية وفنا أيضا، فهل يمكن أن يتوقف تطورها ويستقر على حاله ~~الحاضرة في ما بقي من عمرها الطويل؟ ولماذا؟ وإذا كان لا بد من استمرار التطور ~~بصورة لا ندري ماذا تكون، أفلا يسير هذا التطور بحسب سنة التسارع؛ أي: إنه يكون ~~أعجل فأعجل في المستقبل؟ وإذا صدقت هذه النظريات فكم من العوالم ستتلو عوالم العقل ~~والاجتماع والأدبية في الدهر ms63 الداهر؟ طوبى لمن يعيشون في دور كهولة الحياة! # الفصل العاشر # | الشخصية # في «تفصيل النظام العام» في أول الكتاب ذكرنا ثلاثة تفصيلات: ~~(1) # عملية التنظيم العام. ~~(2) # حاصل هذا التنظيم؛ أي: أطوار الأنظمة. ~~(3) # الشخصية. # انتهينا من الأولين، ولم نتعرض فيهما بتاتا للثالث، وهو من الوجهة الفلسفية من ~~الأهمية بمكان، وقد أصبح بعد شرح التفصيلين السابقين سهلا تبيانه بإيجاز ~~وبوضوح. ~~(1) الشخصية المادية # لكل تجمع شخصية خاصة به تميزه عن الأجزاء التي تألف منها وعن كل تجمع آخر يختلف ~~عن الأجزاء التي تألف منها كثيرا أو قليلا، بقدر ما بين أجزائه من قوة الارتباط ~~وما فيه من عدد الوحدات. # فحيث تكون قوة الارتباط هي الجاذبية العامة، فلا يكون الاختلاف بين الكل ~~وأجزائه إلا في الأعراض الظاهرة كالشكل الهندسي، والحجم، والوزن، ونحو ذلك. ~~مثلا: البيت لا يختلف عن الحجارة التي بني منها إلا بهندسته وحجمه وزخرفه. وبلورة ~~أي ملح من الأملاح لا تختلف عن الجزيئات التي تألفت منها إلا بشكلها الهندسي ~~المتشاكل # Syhmetrical ~~، والبحر لا يختلف عن ~~جزيئات الماء إلا بكونه خضما عظيما ذا تموج، ولا فرق بين أن يكون بحرا أو ~~أوقيانوسا أو بحيرة. # ولكن إذا كان الرابط بين أجزاء التجمع شحنات كهربائية كان الاختلاف بين الكل ~~وأجزائه أعظم مما ذكرنا، وصار للعدد حينئذ شأن في الشخصية أيضا. # فالذرة تختلف عن كل من البروتون والإلكترون - الكهرب والكهيرب - بكونها متعادلة ~~الشحنة الكهربائية في حين أن البروتون إيجابي والإلكترون سلبي. # ثم إن لعدد الأجزاء شأنا عظيما في الشخصية، فكل من ذرة الهيدروجين وذرة ~~الهيليوم ذات شحنة كهربائية متعادلة، ولكن الأولى تشتمل على بروتون واحد وإلكترون ~~واحد فقط، والثانية تشتمل على 4 من كل من البروتون والكيهرب، فطبيعتهما تختلف كل ~~الاختلاف؛ الأول: قابل الالتهاب - أي يتأكسد. يحترق - والآخر: لا يقبله - لا ~~يتأكسد. # واختلاف الذرات في عدد ما في كل منها من البروتونات والإلكترونات والنيوترونات هو ~~سبب اختلافها في الطباع والخواص، فما في الذرة من عدد البروتونات والإلكترونات ~~والنيوترونات، وما يستلزمه من كمية الشحنات هو الذي يعين لها شخصيتها ms64 التي تعرف ~~بها، وهو الذي يجعل طبيعتها تتميز عن طبيعة غيرها. # وإذا انتقلنا إلى التجمعات التي يكون الارتباط فيها «إلفة كيماوية» وجدنا ~~الاختلاف بين الكل وأجزائه أعظم مما ذكرنا آنفا؛ جزيء الماء يختلف اختلافا كليا ~~عن كل من ذرتي الهيدروجين والأوكسجين اللتين يتألف منهما؛ يختلف في طبيعته أيما ~~اختلاف: هو سائل وهما غازان، ناهيك عن طباع أخرى يباينهما فيها. وما من مركب كيماوي ~~من أملاح وعضويات يظهر فيها الجزيء شيئا من طباع الذرات التي تألف منها؛ فشخصية ~~أي جزيء بعيدة كل البعد عن شخصية أي ذرة من ذراته، شخصية السكر مثلا تختلف عن ~~شخصية كل من الكربون والهيدروجين والأوكسجين. ~~(2) الشخصية الحيوية # نتقدم إلى الخليات الحيوية التي يشترك فيها الرابط الحيوي «للمبدأ الحيوي ~~المجهول» مع الرابط الكيماوي في إدماج الجزيئات المختلفة في جسم خلية، فنجد أن ~~الشخصية الحيوية لا تقل تأثيرا عن الشخصية الكيماوية، فحين تطلع على ظاهرات ~~الخلية من الوجهة الهيستولوجية - أي: تكونها الطبيعي - لا يتمثل لك دهنها وزلالها ~~ونشوياتها، وإنما تتمثل لك نواتها وقناتها المحتوية على سائلها - بلاسما - وغلافها ~~وتيار سائلها ... إلخ، ولا تبدو لك طبيعة الخليات التي تتألف الخلية منها إلا في ~~التحليل المعملي الذي تنحل فيه إلى جزيئاتها. # فالخلية بعيدة في السجية والطبع عن الجزيئات التي تتألف منها، مع أن شخصية كل ~~خلية تتوقف على أنواع الجزيئات التي تتألف منها، وعلى عدد ما فيها من كل نوع؛ هذا ~~ما يميز بين خلية عضل وخلية عصب وخلية كبد وخلية جلد ... إلخ. ~~(3) الشخصية العقلية # ثم نتقدم إلى العقل؛ العقل كما تقدم القول هو حركة جماعة خليات ناتجة عن سلسلة ~~عمليات كيماوية متتابعة في كل خلية، ولكل قوة من القوى العقلية مركز خاص لها في ~~الجهاز العصبي والدماغ على الأخص؛ فشخصيتها تتوقف على شخصية ذلك المركز المؤلف من ~~خليات عديدة متنوعة، ومهيأة لكي تحدث تلك الحركة العقلية الخاصة. # فمجموعة حركات الخليات المتنوعة هي التي تكون شخصية تلك العقلية، كالتصور ~~مثلا أو التذكر أو الاستدلال ... إلخ. وليس بين تلك القوة وخليات ms65 المركز من تشابه ~~البتة لا في الطبيعة ولا في الشكل. فالشخصية العقلية قائمة في تآلف حركات الخليات ~~الكيماوية. ~~••• # إذا تقدمنا إلى المجتمع الإنسان الذي يتألف عقله الاجتماعي من عقليات الأفراد نجد ~~اختلافا بين عقل الجماعة وعقل الفرد، ولكنه ليس الاختلاف العظيم الذي نجده بين ~~الجزيء وذراته، أو بين الخلية وجزيئاتها، بل هو أضعف؛ لضعف الرابطة بين عقليات ~~الأفراد، وهي الرابطة «الأدبية». # لذلك لا نجد الفرد يفنى فناء تاما في الجماعة كما تفنى الذرة في الجزيء، قد ~~يشتد هذا الرباط الاجتماعي في المستقبل ويصبح المجتمع أشد توثقا، فتبرز شخصيته ~~بروزا أتم، حينئذ يفنى الفرد في الجماعة كما يفنى الجندي في الفيلق، ويفقد كثيرا ~~من حريته وإرادته. # ترى مما تقدم أن الجاذبية التي هي ينبوع كل قوة وعلة كل حركة في الوجود قد صاغت ~~من أعداد الوحدات المختلفة شخصيات مختلفة متمايزة، من ذريرات وجزيئات وخليات ~~وعقليات وغرائز ... إلخ، فجعلت الكون قطعة فنية بديعة عجيبة. # الباب الرابع # | قضايا فلسفية # تنظر الآن إلى الكون الأعظم ككل بقطع النظر عن أجزائه # الفصل الحادي عشر # | العلل والمعلولات # (1) هل لحلقات هذا الكون التي شرحناها سلك واحد تنتظم فيه من أدناها - البحر ~~الفوتوني - إلى أعلاها - العقل الاجتماعي وأدبيته؟ # لا نرى هذه الحلقات تشترك بشيء سوى قوة الجاذبية، هذه القوة عاملة في كل حلقة من ~~الحلقات الست التي أجملناها آنفا، وفيما سوى ذلك فكل درجة من درجات التطور الكوني ~~عالم مستقل بظاهراته وتنظيمه مع تشابه النظم في مجملها. # فالأجرام تجمع بلا تركب، والجزيئات تجمع وتركب، بحيث إن المركب يختلف في ~~ظاهراته عن الأجزاء التي تركب منها، وتركبها يكاد يكون ثابتا أو قليل ~~التغير. # وفي الحياة تجمع وتركب متعدد معقد دائم التحول والتنوع، وتحرك ملازم للتركب ~~والتحول. # وفي العقل تجمع وتركب وتحول، وتحرك خليات سريع. # وفي الجميع يمكنك أن تتقصى الجاذبية. ~~(2) ما هو كائن فلا بد أن يكون # هل التطورات الطارئة في هذه العوالم ناتجة حتما؟ أو كان ممكنا أن ينتج الكون ~~المادي غير هذه العوالم التي نتجت منه؟ # إذا ms66 كانت طبيعة الكون المادي تستلزم حتما نشوء تلك العوالم التي شرحناها كانت ~~هذه العوالم مضمرة في كل فوتون من فوتونات المادة؛ أي: إن طبيعة الفوتون نزوعة ~~للنشوءات التي نشأت منه. وإذا كان الأمر كذلك وجب أن تكون أجزاء الكون متماثلة ~~تمام التماثل في كل مكان وزمان، ووجب أن تكون الحياة وتاجها العقل في كل جرم من ~~الأجرام؛ وبالتالي وجب أن تكون الأجرام متشابهة حجما وحرارة وتشععا ... إلخ، ولا ~~تفاضل بينها ولا تفاوت ولا تباين؛ لأنها جميعا متجمعة من فوتونات ذوات طبيعة ~~واحدة. # والواقع غير ذلك؛ فإننا نرى جماعات المادة مختلفة الأحجام والأعمار والكثافة ~~ونشاط الحركة، نرى أن التجمع في كل جرم أو جسم ينشئ بيئة خاصة، تؤدي إلى ظاهرات ~~خاصة، تختلف عن بعض ظاهرات جرم آخر خاصة به. # فإذن، ما نراه من اختلاف ظواهر أجزاء الكون ليس نتيجة نزعة عامة في الفوتون، بل ~~هو نتيجة تجمعات الفوتونات على أنماط مختلفة غير مقصودة ولا مضمرة فيها، هي أعراض ~~تلك التجمعات، وكل نمط يفضي إلى نوع أو أنواع من التطورات والظاهرات، وكل ظاهرة هي ~~نتيجة لظاهرات عديدة سبقتها مجتمعة، لا لسبب متسلسل من سبب أول في الفوتون؛ لذلك ~~كان محتملا أن يكون للكون المادي عوالم غير هذه العوالم، تختلف عن هذه ولو بعض ~~الاختلاف، ولا ندري كيف تكون، فالكون إذن متطور بلا تقيد في تطوراته سوى تفاعل ~~السوابق المباشرة له، فليس له مجرى خاص اختطته له طبيعة خاصة بحيث لا يستطيع أن ~~يحيد عنه ... ولو كان له مجرى خاص لا ثاني له لأمكن للعقل البشري أن يرى هذا ~~المجرى حاضرا ومستقبلا كما يراها، وماضيا بكل ضبط وبلا خطأ، ولكانت أساليب ~~التطور بسيطة جدا لا تعتورها استثناءات واستدراكات عديدة مختلفة كما هي ~~الحال. # إن مجرى التطور الكوني متعرج متفرع متنوع، وفروعه يعارض بعضها ~~بعضا، وكلما تقدمت في الزمان تواتر تعارضها وتفرعها وتعرجها، الأمر الذي يجعل ~~التطور تحت حكم المصادفات أكثر مما هو تحت حكم التنسيق المتسلسل؛ يجعل النتيجة ~~الواحدة مسببة عن أسباب متعددة ms67 مجتمعة ومتقاطعة، لا عن سبب واحد يجعل المجرى ~~ملتويا غير مطرد في خط مستقيم. # إن تفرع مجاري التطور وتنوعها وتعرضها وتقاطعها هي التي تجعل بعض الظاهرات ~~متباينة متعاكسة، كدوران بعض أقمار السيارات عكس دوران الأقمار الأخرى في ~~الاتجاه، وكنشوء جزيئات وذرات في نجوم وأجرام ليس لها وجود في أجرام أخرى، ونحو ~~ذلك. # لو كان سبب التطورات الكونية سجية من سجايا الفوتون لاقتضى أن يكون لكل فوتون ~~سجية خاصة به تختلف عن سجية غيره، والمعلوم أن الفوتونات متماثلة تمام ~~التماثل، فليس سبب تلك التطورات إلا تعدد الفوتونات، وتجمعها في جماعات متعددة ~~بفعل تجاذبها ودورانها، فالفرق بين جماعة وأخرى هو في عدد الفوتونات وكثافتها وسرعة ~~دورانها - بسبب الجاذبية كما علمت. هذه هي أسباب اختلاف جماعاتها في الخواص، وهذا ~~الاختلاف سبب الاختلاف في نتائج تفاعلها - تطوراتها. فالسر في اختلاف أشكال ~~الجماعات وتطوراتها هو في العدد والكثافة والحركة في الحيز؛ هو عدد الفوتونات في ~~جماعة، والحيز الذي تشغله الجماعة بكثافة خاصة بها، وسرعة حركتها، فبين عدد ~~الفوتونات وحيز كثافتها تلعب الجاذبية أدوارها المختلفة في التطور. # فما هو كائن لم يكن بد من كينونته. ~~(3) سلاسل الأسباب والنتائج # هل النتائج والأسباب سلسلة متصلة بحيث إن لكل نتيجة معينة سببا خاصا لا ~~ينتج غيرها، وهي لا تنتج عن غيره؛ وبالتالي يمكن التنبؤ عن النتائج من معرفة ~~الأسباب؟ # السببية طبيعة حتمية في جاذبية الذرات - فوتونات أو مجموعات فوتونات. التجاذب ~~يجمع الذرات، والدوران يفرع تجمعاتها؛ فلذلك لا يمكن أن يحدث حادث إلا من جراء ~~حادث آخر أفضى إليه، لا يمكن أن يحدث حادث من تلقاء نفسه، ولا يمكن أن ينتهي حادث ~~بنفسه؛ لأن القوة لا تفنى، بل لا بد أن يفضي إلى حادث آخر. # فالحوادث سلاسل متصلة، ولما كانت الحركات المادية متعددة ومتنوعة كثيرا، ~~ومتجاورة في الحيز يصادم بعضها بعضا؛ كانت كل حادثة نتيجة لعدة عوامل متصادمة ~~أفضت إليها؛ فلا يمكن أن تعثر على حادثة نتجت من عامل واحد فقط. # لذلك لا نتيجة نتجت من سبب واحد، بل من ms68 عدة أسباب تضافرت على إنتاجها، ويندر أن ~~تستطيع الإحاطة علما بجميع الأسباب التي أفضت إليها، بل يكاد يستحيل ذلك. وبقدر ما ~~نعرف من الأسباب للنتيجة الواحدة يمكننا أن نحسن التنبؤ عنها، فالحكم الأرجح في ~~التنبؤ عن النتيجة يتوقف على العدد الأوفر من الأسباب - أو العوامل - التي نعرفها، ~~فإذا استطعنا أن نحيط علما بجميع الأسباب بلا استثناء ظفرنا بمعرفة النتيجة ~~المطلقة. ولكن هذا أمر يكاد يكون مستحيلا؛ يمكن الفلكي أن يقدم لك جدولا عن ~~مواعيد الكسوف الشمسي أو الخسوف القمري لبضع مئات أو ألوف من السنين لا إلى أبد ~~الآبدين، وكلما تمادى في تعيين المواعيد البعيدة قل التطابق بين حدوث الكسوف ~~وميعاده المحسوب. لماذا؟ لأنه لا يستطيع أن يحيط علما بجميع حركات الأفلاك ~~العديدة المتفاوتة في دورياتها # Rithm ~~، وحاصل القول ~~أنه لا نتيجة واحدة لسبب واحد فقط، وإنما هي نتيجة لمجموعة عوامل متعددة متعارضة ~~غير متساوقة تمام التساوق. # يلزم عن هذا أن النتائج والأسباب ليست سلسلة واحدة متصلة مترامية ماضيا ~~ومستقبلا، بل هي سلاسل لا تحصى متشابكة معقدة بحيث إنك لا تستطيع أن تسلسل ~~حادثا إلى أن تصل راجعا إلى سببه الأول، ففيما أنت تسلسله لا تلبث أن ترى ~~السلسلة متفرعة طردا وعكسا؛ أي: تراها متفرعة إلى أسباب من ناحية ومتفرعة إلى ~~نتائج من ناحية أخرى فتتيه في شبكة الأسباب والنتائج. # لذلك لا يبقى عندك شك في أن النتيجة الواحدة بنت المصادفة التي اجتمعت عندها ~~العوامل المتعددة المفضية إلى تلك النتيجة. فالصدفة التي نعنيها لا تنفي السببية، ~~وإنما هي مآل تعدد عوامل السببية، ولأننا لا نعرف العوامل نقول: إنها ~~صدفة. ~~(4) سبب سلاسل السببية # إذا كانت الأسباب المتعددة سلاسل متفرعة، فلا بد أن تكون متفرعة من سلسلة ~~واحدة، أو من أصل واحد، فما هو السبب الأصلي؟ # سلاسل السببية - الأسباب والنتائج - متعددة تعددا لا يحصى ولا يحصر، ولكنك ~~تستنتج بوضوح من غضون أبحاثنا الماضية أنها كلها ترجع إلى خاصتين رئيسيتين في أصل ~~المادة - أي: الفوتون - وهما التجاذب والدوران؛ المادة = فوتونات متجاذبة ~~دوارة، فيمكنك ms69 أن ترد كل حركة أو حادث في الكون فيما أنت متتبع راجعا إلى أي ~~سلسلة من سلاسل العوامل التي تقدمته - ترده إلى هذه العلة الأصلية - التجاذب ~~والدوران. # وقد لا ترتاح إلى الوقوف هنا بل تسائل: ما علة هذين: التجاذب والدوران؟ ~~(5) العلة الأولى # ما هي العلة الأولى التي أحدثت التجاذب والدوران؟ # أضف إلى هذين الأمرين المادة أيضا، وقل: ما هي العلة الأولى التي أبدعت المادة ~~وأحدثت تجاذبها ودورانها؟ لأن إحداث التجاذب والدوران ليس أسهل من خلق المادة، ~~فالذي يستطيع أن يحدث تجاذبها ودورانها يستطيع أن يخلقها أيضا، فالمادة إذن موجودة ~~ولها هاتان السجيتان، فلا تسل. # في تعليل العلل والمعلولات، وتفسير الأسباب والنتائج، حتى في ظاهرات الطبيعة ~~الثانوية؛ نبلغ أحيانا إلى نقطة أو نقط لا نجد عندها سببا حتميا لنتيجة حتمية، ~~فنكاد نشعر أن للذرة هناك إرادة حرة؛ مثال ذلك: تنبثق من الشمس - وسائر ~~الأجرام - فوتونات بسرعة النور يصيب أرضنا منها رشاش، ومن هذا الرشاش ما يصيب سطح ~~بركة أو غدير. فبعض أمواج هذه الفوتونات تنعكس عن سطح الماء الهادئ وترتد إلى ~~أعيننا؛ بدليل أننا نرى طيفنا في الماء ، ونرى سطح الماء نفسه، وبعضها يخترق الماء ~~وينعكس عن قعر البركة أو قعر الغدير؛ بدليل أننا نرى الحصى في القعر. فالفوتونات ~~متماثلة لا تباين بينها، والموجات كذلك، فما الذي جعل هذه الفوتونة - أو موجتها - ~~أن ترتد عن سطح الماء إلى أعيننا، وتلك الفوتونة تخترق الماء وترتد عن القعر إلى ~~أعيننا؟ ألست تشعر كأن لهذه إرادة حرة تختلف عن إرادة تلك، فأرادت غير ما ~~أرادته تلك؟ # لا بد أنه يتعذر عليك أن تتصور للفوتونة الواحدة إرادة حرة فتقول لا بد ~~من سبب لتخالف الفوتونتين في المصير. وإنما نحن نجهل هذا السبب؛ إذن مهما برعنا ~~في تعليل الظاهرات وردها إلى أسبابها، فلا بد أن نبلغ إلى نقطة يتعذر علينا عندها ~~التعليل؛ فنقول: إن العلة الأولى مخبوءة وراء هذه النقطة، وبعضنا يسميها ~~«الله». # ثم افرض أننا بمواظبتنا على البحث والاستقراء والامتحان اهتدينا إلى عاملين ~~مختلفين سببا ms70 افتراق الفوتونتين في المصير: الواحدة انعكست عن سطح الماء، ~~والأخرى عن قعر الغدير؛ فلا نلبث أن نشعر أن هناك سببا أقصى لذينك العاملين ~~نجهله، فنضطر أن ننقل العلة المجهولة من وراء تلك النقطة التي اكتشفنا عندها ~~العاملين إلى وراء نقطة اختلاف هذين العاملين؛ أي: موضع سبب اختلافهما. # بعد هذا التمثيل نعود إلى موضوع العلة الأولى التي نحن بصددها. أمكننا أن نرد ~~أسباب ظاهرات الكون إلى عاملين رئيسيين: تجاذب ذرات المادة، ودورانها. وإلى اليوم ~~لم نستطع أن نعلم سببهما، ولذلك نحن مضطرون أن ننقل عرش العلة الأولى إلى ~~ما وراء هذين العاملين ونقول: إن العلة الأولى - القوة القصوى - هي التي أوجدت ~~بحر الفوتونات من العدم بأسلوب لا نفهمه أو لا نستطيع تصوره؛ فجعلت كل فوتونة تدور ~~على محورها، وجعلت الفوتونات تتجاذب متداورة حول مركز عام ... إلى ما هناك من تجمع ~~وتفرع كما علمت. # أراك متململا، كأن نظرية «العلة الأولى» كما بسطناها لك غير مقنعة لعقلك، ~~تكاد تقول من أوجد هذه العلة الأولى التي تستطيع المستحيل؛ أي: إيجاد شيء من لا ~~شيء؟ # صه، هل يمكنك أن تنتهي من الأسئلة ؟ إذا علمت أن علة عليا خلقت هذه العلة ~~الأولى ألا تسأل: «ومن خلق هذه العلة العليا؟» - إلى ما لا نهاية له من ~~الأسئلة؟ # إذن أنت حر بين أمرين. فاختر أحدهما. # إما أن تفرض أن ما وراء الكون المادي علة أولى لا سابق لها أوجدت هذا الكون كما ~~تراه وكما علمته، وتكم فم عقلك عن التساؤل المتسلسل اللامتناهي. # أو أن تستغني عن هذه العلة الأولى التي لا تحل المسألة وتقف عند هذه النقطة: إن ~~الوجود = مادة متجاذبة دوارة موجودة - أو واجبة الوجود - ولا لزوم لموجد لها؛ ~~لأنه إذا كان لا بد من وجود موجد لها وجب أيضا أن يكون لهذا الموجد موجد ~~أيضا، ولا بد من موجد له ... إلى ما لا نهاية له من تسلسل الإيجاد، وإذا قلت إن هذا ~~الموجد واجب الوجود ولا لزوم لموجد له، فلماذا تزيد سلسلة الوجود حلقة لا حاجة ms71 بك ~~إليها؟ ولماذا لا تقول: إن المادة المتجاذبة الدوارة واجبة الوجود ولا لزوم لموجد ~~لها؟ # لا أفهم ما الداعي لفرض العدم ثم إيجاد المادة من العدم. لا أفهم لماذا نعقد ~~المسألة بفرض العدم سابقا للوجود. لا أفهم لماذا استنبطنا فكرة العدم. ولا أدري ~~ماذا نعني بالعدم. ومن يستطيع أن يفهمنا ما هو العدم؟ أليس طبيعيا وبديهيا أن ~~نقول: إن الكون «موجود» بلا سبب، بل إن وجوده هو العلة الأولى لكل حدثان فيه، ولا ~~معنى لفكرة العدم بتاتا، «الكون موجود» والسلام؟! ~~(6) العقل الأول # لعلك تقول: إن هذه المادة المتجاذبة الدوارة غير عاقلة، ولكن تنظيم هذا الكون ~~يدل على وجود عقل فوقه منظم له، فالعلة الأولى تمتاز على المادة بكونها عاقلة، ~~ولذلك لا بد من افتراض وجودها علة لوجود المادة، وإحداث تجاذبها ودورانها. # أراك تجعل للعقل شأنا أعظم من شأنه الحقيقي في هذا الكون الأعظم. # لقد علمت أن العقل السامي - الإنساني - ليس إلا حاصلا من حاصلات كتلة خليات ~~حيوية؛ هي الدماغ، أعني أنه وليد أربعة عناصر من عناصر المادة الأرضية. فمهما تراءى ~~لك شيئا عظيما فما هو إلا تفلة تفلتها الهيولي صدفة على هذا السيار الأرضي. فهل ~~تريد أن تجعل هذه التفلة أنموذجا لعقل يدبر الكون برمته؟ # فإذا كان للكون مدبر كما نود فلا نفرض له عقلا شبيها بعقل الإنسان الذي لم ~~يكن إلا لمعة ضئيلة في الكون كلمعة الحباحب في الليل الدامس؛ فإذا شئت أن تسمي ~~مدبر الأكوان قوة عاقلة فحذار أن تتوهمه ذا عقل من طبيعة عقلك، وإلا عجز عن إدارة ~~هذه الأكوان مهما عزوت لعقله من السمو. # إن مدبر الأكوان قوة لا تدرك ولا توصف وتسميتها بالعقل - الذي يعد عقل ~~الإنسان أنموذجا له - تحط من قيمتها. # هي قوة قصوى مجهولة، يستحيل على العقل البشري إدراكها أو وصفها؛ لأنه ليس إلا ~~لمعة في بحر نورها، يتلاشى فيها، وإنما يحس العقل البشري بوجود مقرها وراء الجاذبية ~~إذا لم تكن هي بعينها. # سبب توهم أن القوة المنظمة الكون ذات عقلية من طبيعة ms72 العقل البشري هو أننا نحسب ~~التنظيم من مقتضيات العقل، فنعتقد العقل ينظم، وأن العقل يحكم بين النظام ~~والفوضى، وهذا خطأ؛ العقل لم يوجد النظام، ولا هو الذي استنبطه، وإنما النظام ~~استنبط العقل، فالعقل حين يدرك النظام يكون كالمرآة التي صنعها الإنسان ورأى خياله ~~فيها، فالعقل مرآة النظام الطبيعي، والنظام خلق العقل مرآة له ليرى طيفه ~~فيه. # في نهاية الفصل التالي تعلم سبب محدودية القدرة العقلية. # الفصل الثاني عشر # | اللانهايات الثلاث # ذكرنا في أول الكتاب أن الوجود ذو ثلاثة عناصر: المادة والمكان والزمان. والآن نود أن ~~نعرف هل هذه العناصر متناهية؛ أي: هل لكل منها قدر مقرر؟ أم هي غير متناهية، يعني لا ~~بداية لها ولا نهاية؟ ~~(1) لا نهائية المادة # علمنا أن أبسط أجزاء المادة وأصغرها هو الفوتون - الضويء - الذي يساوي ~~10 آلاف منه إلكترونا واحدا؛ أي: إن الإلكترون مؤلف من 10 آلاف فوتون وسينحل ~~إليها - انظر صفحة 156 من كتاب تجينز # The New Back Ground of ~~Science ~~- وإلى الآن لم نكتشف إن كان الفوتون يتجزأ إلى جسيمات ~~أصغر منه، فهو في نظر العلم الحديث «الجوهر الفرد» الذي لا أصغر منه ولا يقبل ~~التجزئة. # ولكن لما كان أي جسم من أجسام المادة مهما كان صغيرا ذا ثلاثة أبعاد؛ أي: طول ~~وعرض وسماكة؛ فلا بد أن يكون الفوتون هكذا ذا ثلاثة أبعاد؛ لأن الذرة مؤلفة من ~~ملايين الفوتونات، والجزيء مؤلف من الذرات، والقلم الذي في يدي مؤلف من جزيئات، ~~وهو ذو ثلاثة أبعاد، فلا بد أن تكون الأجزاء التي تألف منها ذات ثلاثة أبعاد أيضا، ~~وإلا فكيف يمكن أن يتكون جسم ذو أبعاد من أجسام لا أبعاد لها؟ # وبناء عليه يمكن أن يقطع الجسم من أحد أبعاده، ولو بالعقل إن لم يتيسر ذلك ~~بالفعل، فيمكنا أن ننصف - بالعقل - الفوتون، ثم أن ننصف كلا من نصفيه، ~~وهكذا دواليك إلى ما شاء الله، ما دام للفوتون قوام مادي ذو أبعاد. # إذن فالمادة قابلة التجزئة إلى ما لا نهاية، أو هي مؤلفة من جسيمات لا ms73 نهاية لها ~~في الصغر، هذه هي اللانهاية الأولى. ~~(2) اللانهاية المكانية # علمنا أن عالمنا الحالي تألف في الأصل من فوتونات ضويئات كانت تملأ حيزا عظيما ~~في الفضاء، وعلمنا أن الذرات ثم السدم تجمعت من هذه الفوتونات بفعل خاصتين ~~من خواصها، وهما التجاذب والتداور - الدوران. وهذا يستلزم أن هذه الجسيمات ~~والأجسام تشغل حيزات محدودة، وبالتالي نفهم أن بينها رحابا مختلفة السعة ~~والمدى. # فجميع الأجرام من كواكب وشموس وكوكبات ومجرات تتداور في الفضاء بعضها من حول بعض ~~حسب سنة الجاذبية، وبحسب هذه السنة نفسها تتقارب الأجسام والأجرام، وبمقتضاها ~~ينبغي أن تطبق بعضها على بعض، ولكن هناك عاملا آخر يصد هذا الإطباق؛ ففيما كانت ~~ذريرات المادة تتجمع وتتكاثف، كانت كلما تلبدت في مكان تنطبق الكهيربات على ~~الكهارب، فتتنافى كهربتاها الإيجابية والسلبية وتتفتتان إلى فوتونات لا شحنة ~~كهربائية فيها، وتنطلق إشعاعا في الفضاء بشكل حرارة ونور كما هو معلوم - وقد شرحنا ~~هذا في كتابنا «عالم الذرة». # وبهذا الإشعاع يصغر حجم الجرم فتضعف قوة جاذبيته لغيره، واستمرار عملية الإشعاع ~~في كل الأجرام يضعف قوة الجاذبية العامة، فتقوى الدافعية # Centrifugal Force # أي قوة الابتعاد عن المركز، وهذا الابتعاد، يئول ~~إلى تباعد الأجرام والمجرات بعضها عن بعض، وهذا هو الواقع المشاهد الآن في الأرصاد ~~الفلكية كما أثبته الفلكي الكبير «هوبل» مدير مرصد جبل ويلسن. # فالمشاهد الآن أن الكرة الكونية العظمى - مجموعة المليوني مجرة - الشاملة جميع ~~الأجرام والمجرات تتمدد وتتسع على نحو تمدد فقاعة رغوة الصابون إذا نفخت فيها؛ ~~أعني أن الحيز الذي تشغله العوالم المادية الآن ينتفخ على حساب الفضاء الفارغ، فإذا ~~استمر هذا الانتفاخ فإلى أي حد يبلغ؟ هل هناك حد يصده؟ وإن كان هناك حد فما ~~وراء ذلك الحد؟ بعبارة أخرى هل للفضاء الحالي مدى محدود يشتمل الأجرام الشاردة فيه؟ ~~وماذا وراء فسحة الفضاء؟ وهل لها وراء؟ وما وراء هذا الوراء؟ يمكننا أن نسأل هذا ~~السؤال إلى الأبد ولا ننال جوابا؛ لأننا لا نقدر أن نتصور لهذا الفضاء بداية ولا ~~نهاية مهما تطوح تخيلنا في استقصائه. ms74 # هذه هي اللانهاية الثانية الخاصة بالمكان - الحيز - الفضاء. ~~(3) اللانهاية الزمانية # علمنا فيما تقدم أن العوالم المادية تكونت من تجمع الفوتونات التي هي ذريرات ~~أيثرية كما يظن، ثم جعلت أجرامها تتقلص بفعل الجاذبية والدوران، وهذا التقلص أفضى ~~إلى انضغاط ذريراتها، وانطباق إلكتروناتها على بروتوناتها، وتفتتها إلى فوتونات ~~تنطلق في الفضاء تشععا. وفي الوقت نفسه كانت الرحاب بين السدم والأجرام تتسع، ~~فتضعف الجاذبية بينها وبالتالي تتباعد، ومنطقة الوجود المادي تنتفخ؛ يعني فيما كانت ~~الذرات في الجرم الواحد يضغط بعضها بعضا وتشع فوتونات، كانت الوحدات السديمية ~~والجرمية تتباعد. # الوجود المادي الآن في شدة هذا الدور؛ تشعع مستمر تذوب به الشموس والأجرام ~~ذوبانا، وعلى التمادي تفنى هذه الأجرام وتذهب فوتونات في الفضاء، في بحر الإيثر أو ~~الفوتونات؛ فهي من الإيثر وإلى الإيثر تعود، وأخيرا يصبح الحيز الكوني أوقيانوس ~~إيثر كما كان في الأصل. ثم ماذا؟ # يعود الوجود المادي يكرر سيرته: يعود إلى التجمع فالتشعع الذي تذوب فيه الأجرام ~~كما تقدم شرحه، وهكذا دواليك من دور إلى دور، فكم مرة مثل هذا الدور؟ # هذه العملية - عملية النشوء من الإيثر، ثم إلى الفناء في بحر الإيثر - استغرقت ~~بلايين لا تحصى من الدهور، ولا يعلم كم تكررت منذ الأزل وكم ستكرر إلى ~~الأبد. # وهنا نسأل: متى ابتدأ الأزل ومتى ينتهي الأبد؟ # ماذا كان قبل الأزل؟ وماذا يكون بعد الأبد؟ هل للأزل قبل وللأبد بعد؟ # لا قبل ولا بعد، ولا بداية ولا نهاية، هو السرمد الذي لا أول له ولا آخر، هذه هي ~~اللانهاية الثالثة. في الفصل القادم تفصيل علمي لهذا. ~~(4) العقل في اللانهايات # هنا ينبري الفيلسوف المتبحر في فلسفة ما وراء الطبيعة فيسأل: هل يستطيع العقل ~~البشري أن يتصور النهاية تارة واللانهاية تارة أخرى؟ وكذلك البداية ~~واللابداية؟ أو بالأحرى المحدودية واللامحدودية؟ # إذا شاء العقل أن يتصور لهذا الفضاء العظيم شكلا كرويا أو أي شكل هندسي آخر، ~~كان كأنه يجعل له حدا لكرويته أو شكله ويفرض له قياسا مقررا؛ فإذا تصور له ~~هذا الشكل بدر له في الحال ms75 أن يتخطى ذلك الحد إلى ما وراءه، لا يستطيع أن يقتصر على ~~تصور حد من غير أن يتمادى إلى ما وراء ذلك الحد، وإلى ما وراء ورائه؛ لأنه لا ~~يستطيع أن يتصور في خياله حدا للفضاء ما لم يبدر له أن لذلك الحد وراء؛ ~~فيتخطاه إلى ذلك الوراء. # إذن لا يستطيع العقل أن يتصور النهاية، ولا أن يتصور اللانهاية، وكذلك الأمر ~~في البداية واللابداية؛ لا يستطيع أن يرسم في خياله صورا لأحد الوجهين، وإذا ~~حاول ذلك خبلته الحيرة. # أليس غريبا أن هذا العقل الذي اكتشف إلى الآن معظم أسرار الكون يعجز عن أن يفهم ~~سر النهاية أو اللانهاية، أو أن يفصل بينهما، أو أن يوفق بينهما؟ # العقل يبحث عن سر الحياة، ويرى أن هذا البحث مستطاع، ويؤمل أن يقبض على هذا ~~السر، وكذلك يبحث عن أصل العقل نفسه، ويرى أنه يكاد يدرك سر العقل ومصدره، وطالما ~~حار في أمر الكهرباء وسرها إلى أن قبض على سرها أو كاد. ولكن مهما تبحر في تفهم ~~اللانهاية واللابداية لا يرى بارقا من الأمل في فهمها، يرى لغزا لا ينحل أو ~~يستحيل حله. فلماذا؟ # هل سبب هذه الاستحالة في اللانهاية نفسها، أو في العقل الذي يغزوها فيعود ~~مندحرا؟ ~~(5) العلة في العقل نفسه # العقل يستمد تصوراته من العالم المادي الخارج عنه بواسطة المشاعر الخمس، وأهمها ~~البصر؛ فجميع المعلومات التي علمتها عقولنا عن العوالم الكونية وردت إليها عن طريق ~~البصر، بواسطة التموجات النورانية وأخواتها من الأمواج الكهرطيسية، وفي كثير من ~~المرئيات القصية والدقيقة نستعين بالآلات البصرية المختلفة كالمقراب - التلسكوب، ~~والمجهر - الميكروسكوب، والمطياف - السبكتروسكوب. # ومن هذا الطريق عرفنا نهاية الحيز المادي أو حدوده، فما ليس ماديا لا يمكن أن ~~يتجاوز المحسوس المنظور مباشرة، أو بواسطة الآلات البصرية؛ فهو إذن محدود بالدماغ ~~الذي ينتجه، وبالجهاز العصبي الذي يعاون الدماغ في إنتاجه. # واللانهاية التي نحن بصددها تتجاوز حدود المادة التي نشأ الدماغ منها، فصدر ~~العقل منه، فلذلك يستحيل على العقل المحدود بالمادة أن يتطاول إلى ما وراء المادة ~~- ما ms76 وراء الطبيعة، حسبه أنه استطاع أن يشمل حيز المادة، وأما أن يتخطاه إلى ~~اللانهاية، وهي أوسع منه، فهو حكم منطقي سخيف أخرق. # اللانهاية خارجة عن دائرة المحسوس، لا تقع تحت الحواس ولا تتأثر بها المشاعر ~~الدماغية والعصبية، فكيف يمكن أن يدركها العقل وهو لا يتناول معلوماته إلا عن ~~طريق المشاعر؟ فإذن هذا العقل الذي نتبجح به وبعظمته وقدرته وشموله هو صغير ~~جدا بالنسبة إلى الوجود اللامتناهي، ولا يمكن أن يشمل الصغير العظيم. # فلذلك حين نقول «عقل الله» ننسب لله عقلا من شكل عقلنا وطبيعته، ونقول إنه أعظم ~~من عقلنا، ولكن مهما عظم لا يدرك اللامتناهي ما دامت طبيعته كطبيعة عقلنا، وإن ~~قلنا إن طبيعة «عقل الله» تختلف عن طبيعة عقلنا، فإذن ليس هو عقلا، بل هو شيء آخر ~~لا نعلم ما هو، فليس لنا أن نتكلم عن المجهول المطلق، ولنكف عن محاولة تعريفه، ~~وإلا فنحن نحقره بدل أن نقصد تعظيمه، فلندعه في عالم المجهول المطلق. # إن الإنسان لما عجز عن إدراك اللامتناهي في حين كان يتوق إلى معرفة أسرار ~~الوجود استنبط هذا المجهول، ونسب إليه قدرة وعلما أعظم من قدرته وعلمه. # فالحقيقة أن المجهول والجاهل هما الإنسان نفسه . # الفصل الثالث عشر # | الأزل والأبد: السرمد # بداية الكون المادي ونهايته # 1 # رأينا في عرض هذه الفلسفة أن الوجود المادي هو «المادة المتحركة» التي بدونها لا ~~نستطيع أن نتصور المكان والزمان؛ فالحيز الذي تشغله المادة هو الذي يحدد المكان، وما ~~وراءه مجهول في حكم العدم، وتحرك المادة على التوالي هو الذي يعين الزمن في ~~تصورنا؛ فليس قبل وجود المادة وتحركها زمن، وليس بعد سكونها زمن؛ فالمكان والزمان ~~نسبيان للمادة وحركتها. فهل المادة أزلية أبدية، أو لها بداية ونهاية؟ # إذا قلنا إنها أزلية أبدية وقعنا في مشكلة «اللانهاية» التي يتعذر على العقل ~~تصورها والتي تناقض «نظرية الحدوث»، ونظرية الحدوث هذه تنص على أن «الكون حادث ~~متغير»، والحدوث والتغير يستلزمان البداية والنهاية، وإذا قلنا إنها ذات بداية ونهاية ~~انحصر بحثنا في «متى» - متى وجدت وإلى ms77 متى تبقى؟ وما هي طبيعة التغير التي تطرأ ~~عليها منذ البداية إلى النهاية؟ ~~(1) الأزلية والأبدية في الميثولوجيا # أما أنها ذات بداية ونهاية فقد لاح للعقل البشري منذ قديم الزمان كأنه أمر ~~بديهي، نرى ذلك في ميثولوجيا جميع الأمم التي كان لها قسط وافر من الحضارة والتفكير ~~العلمي والفلسفي؛ فإن جميع هذه الميثولوجيات القديمة تنص على بداية للكون وبعضها ~~تشير إلى نهايته، ولذلك سببان: # الأول: # تعذر تصور اللانهاية على العقل. # والثاني: # وهو سبب نظنه ظنا - هو ما لاحظه القدماء من التغيرات الطارئة ~~على الوجود المادي. # وفي كتب الوحي في الشرق الأدنى نصوص صريحة على بدء الخليقة المادية وانتهائها ~~بساعة المعاد، حتى لا يبقى إلا العالم الروحي. # ذلك ما يستفاد من الميثولوجيات وكتب الوحي، وأما ما يستفاد من الفلسفة والعلم ~~فمبني على ملاحظات علمية تكاد تكون في حكم الحقيقة، وعلى اختبارات علمية عملية ~~هيهات أن تند عن الحقيقة، وإذا طرقنا الموضوع من ناحية العلم آثرنا أن نبحث أولا ~~في الأدلة على أيلولة الكون المادي إلى الانقضاء - الأدلة المستخرجة من الحقائق ~~العلمية المشار إليها - ثم يسهل علينا أن نعود ثانيا إلى كيفية بدئه ~~ونشوئه. ~~(2) النهاية: اشتقاق الأجرام من السدم # أما أن الكون حادث متغير فقد قرره العلم تقريرا لا مشاحة فيه. فالسديم الذي هو ~~مجتمع عظيم من المادة في الحالة الغازية اللطيفة جدا، يتقلص تدريجا فيما هو يدور ~~على نفسه، وتزداد سرعة دورانه كلما تقلص، وفي خلال ذلك يكون بعض أجزائه أسرع تقلصا ~~من أجزاء أخرى، فتتكون منها النجوم وتنفصل عنها، وتستمر كل نجمة في تقلصها ~~مستقلة، وفي أثنائه قد تنفلق إلى نجمتين متلازمتين في دورانهما - ولذلك أسباب ~~وتعليلات لا يسعها المقام - أو تنتثر منها أجزاء تدور سيارات حولها - وهو نادر؛ ~~وهكذا يتجزأ السديم إلى أجرام متفاوتة الحجم والتكاثف، وبالتالي يتجمد بعضها قبل ~~بعض. # وهنا لا بد أن يلوح في البال هذا السؤال: «ما هو سر هذا التقلص؟ وماذا يحدث في ~~خلاله؟» # أما سره فهو قوة التجاذب بين أجزاء المادة حول مركز مشترك ms78 بينها، وأما ما ~~يحدث في خلاله فهو انطلاق القوة من المادة متشععة # Radiating # في شكل أمواج حرارة ونور، وتوزعها في الفضاء. ولما كان ~~علماء العصر قد برهنوا على أن المادة والقوة شيء واحد، أو أن القوة هي المادة ~~متحركة؛ فهذا التشعع أو الإشعاع إنما هو اندثار كهارب المادة ونواها متحولة إلى ~~أمواج نور وحرارة؛ إذن سر هذا التغير الذي نحن بصدده هو ذلك الإشعاع الموجي الذي ~~ينتج عنه أن كل جرم ينقص مادة وقوة في أثناء إشعاعه. # وبناء على حساب السير «تجايمس تجينز» - أحد أعاظم علماء العصر، والذي نستمد منه ~~زبدة هذا المقال - أن الشمس تنقص في كل يوم 360000 طن بسبب الإشعاع الصادر منها، ~~والأجرام المتجمدة كالسيارات أقل إشعاعا، فالأرض تنقص في اليوم 9 أرطال ~~فقط. # أما اندثار الكهيرب والنواة الذي هو سر الإشعاع فسببه التحول الدائب في ذريرات ~~المادة، وفي أرضنا نماذج كثيرة له؛ ومنها تحول عنصر الأورانيوم إلى ثوريوم ثم ~~أكتينيوم ثم إلى الراديوم، وهذا إلى عنصرين آخرين أبسط منه وهما الهيليوم والرصاص. ~~وفي أثناء هذا التحول ينطلق شيء من القوة إشعاعا، وتصبح مادتا هذين العنصرين أقل ~~وزنا من وزن العنصر الأول الذي انحل إليهما؛ بسبب ما خسره في الإشعاع، على هذا ~~النحو تنفلت القوة من الأجرام، في خلال تحولات متوالية تذوب الأجرام رويدا ~~كذوبان الثلوج في الربيع. ~~(3) ناموسا القوة # بعد هذا البيان الموجز يلوح لدارس الطبيعيات أن يعترض قائلا: إذن كلتا المادة ~~والقوة آيلتان إلى الفناء، وهو نقيض ما ينص عليه علم الطبيعيات من أن المادة ~~والقوة غير قابلتين للفناء. وللتوصل إلى جواب مقنع على هذا الاعتراض لا بد من ~~سلسلة بحث طويل في طبيعة التحول الذي أشرنا إليه لا محل للتبسط به هنا، فنقتصر على ~~أول حلقة في هذه السلسلة، وهي البحث في بعض نواميس القوة من حرارة ونور: # الناموس الأول: # أن القوة تتحول من شكل إلى شكل؛ فالقوة الكيمياوية الكامنة في ~~الوقود تتحول إلى حرارة تدفع السفن والقطارات والسيارات ... إلخ. ~~والقوة الكامنة في أطعمتنا ms79 تتحول إلى قوة عضلية، وقوة حرارة الشمس ~~ونورها تتحول في النبات إلى قوة كامنة تظهر في الوقود والطعام ~~المشار إليهما آنفا، وقس على ذلك. فبحسب هذا الناموس القوة لا ~~تفنى بل تتحول من شكل إلى شكل، ولأن هذا الناموس شامل جميع الأجرام ~~يلزم عنه أن القوة الموجودة في الأجرام جميعا لا تفنى، وكيفما ~~تحولت تبقى قيمتها كما هي، فلو جمعت القوات التي تشععت وتوزعت في ~~الفضاء إلى القوات الباقية في الأجرام لساوى مجموعها مجموع القوات ~~التي كانت في السدم منذ تكونت الأجرام. # وقد يلوح للقارئ كما لاح لكثيرين أن هذه القوات المتشععة في ~~الفضاء يمكن أن تتألف من جديد سدما على التو تتولد منها أجرام ~~جديدة، وهكذا يبقى الكون في استمرار إلى الأبد ... ولكن ناموس القوة ~~الثاني يتدارك هذا الظن. # الناموس الثاني: # القوة غير قابلة للفناء من حيث كميتها، ولكنها قابلة للتحول من ~~شكل إلى شكل كما تقدم القول، على أن هذا التحول الذي هو نواة ~~الناموس الثاني يتخذ اتجاها واحدا فلا يرتد إلى اتجاه معاكس له. ~~وتسهيلا لتفهم هذا القول نعبر عن الاتجاه بالانحدار من أعلى إلى ~~أدنى؛ فالقوة إذا نزلت من أعلى إلى أدنى في تحولها لا تعود تصعد من ~~أدنى إلى أعلى. # مثال ذلك: النور والحرارة هما شكلان من أشكال القوة «بل هما الشكلان الرئيسيان»، ~~فقدر معين من النور يمكن أن يتحول إلى قدر مساو له من الحرارة، ولكن هذا القدر ~~نفسه من الحرارة يستحيل أن يتحول إلى قدر مساو له من النور، بل إلى أقل، والباقي ~~يشع أمواجا في الفضاء. هذا مثل خاص لقاعدة عامة، وهي أن القوة المتشععة # Radiating # تميل دائما إلى التحول من ~~أمواج قصيرة إلى أمواج أطول - إذ لا يخفى عليك أن الإشعاع يحدث في شكل أمواج. مثال ~~ذلك: التألق # Fluorescence # يزيد موجة النور طولا، ~~فالمادة المتألقة - أو التي يحدث النور العابر فيها تألقا - كبعض الأحجار الشفافة ~~أو كزيت البرافين مثلا، تمتص أشعة النور من جهة وتبرزها من جهة أخرى أطول أمواجا، ~~يدخل ms80 النور في سائل البرافين أبيض فيخرج أزرق، ولو أدخلت فيه نورا أزرق لخرج منه ~~أخضر أو أصفر؛ فالتألق يحول النور الأزرق إلى أخضر فأصفر فأحمر «والأحمر أطول ~~الأمواج»، ولكنه لا يحول الأحمر إلى أصفر فأخضر فأزرق «وهو أقصرها موجة». # فالقوة المتشععة إذا تحولت من موجة قصيرة إلى موجة طويلة لا تعود تتحول بالعكس ~~من طويلة إلى قصيرة، وتعتبر الموجة القصيرة أعلى منزلة في سلم الأمواج؛ لأنها أسرع، ~~وتعتبر الطويلة أدنى منزلة؛ لأنها أبطأ، كما هي الحال في السلم الموسيقية ~~مثلا. # هذه هي قاعدة تموج القوة المتشععة في كل حال، وتحت أي ظرف وأي سبب. # بناء على ما تقدم ينبغي ألا ننظر إلى القوة من حيث الكم فقط، بل من حيث ~~الكيفية أيضا. إن مجموع القوة في الكون لا ينقص بل يبقى كما هو، وإنما تحول ~~القوة من حال إلى حال يستمر في اتجاه واحد ولا ينعكس بتاتا. هذا هو ناموس القوة ~~الثاني، ولكن ليس كل ما تقدم شرحه هو كل ما يعني بهذا الناموس الثاني، بل هناك شيء ~~آخر جوهري لا بد من بسطه. ~~(4) عاملية القوة في حياة الأجرام # إن القوة عامل جوهري في بناء المادة الكونية، وفي حياة الأجرام منذ نشوئها إلى ~~انقراضها ، فتحولها من أعلى إلى أدنى كما تقدم بيانه إنما هو تحول عامليتها - أي: ~~عملها - من أقوى إلى أضعف، أو من أنفع إلى أقل نفعا. قد يمكن أن يسهل على القارئ ~~فهم هذا الناموس إذا مثلناه بماء يجري من جبل إلى الساحل في مجرى متعرج، فهو يجري ~~في مجرى مائل إلى تحت تارة، ثم في مجرى أفقي تارة أخرى، ثم في مجرى مائل إلى تحت، ~~وهلم جرا، ولكنه لا يستطيع أن يجري في سبيل مائل إلى فوق من أسفل إلى أعلى، بل ~~يستمر جاريا من أعلى إلى أسفل، إلى أين؟ إلى البحر حيث ينتهي جريه. # هكذا القوة تتحول من حال أعلى فاعلية إلى حال أدنى، ولكن لهذا التحول نهاية، وهو ~~بحر الفضاء، فالكون المادي وهو يشع أمواج ms81 القوة # 2 # إلى ~~الفضاء لا يستطيع أن يستمر في إشعاعها إلى الأبد؛ لأنه يندثر رويدا بشكل أمواج ~~شعاعية، إلى أن يضمحل في ذلك البحر الفضائي العظيم الذي هو أدنى أشكال التحول. ~~وهناك تنتهي حياة الكون وتنتهي حياة القوة العملية. القوة كلها باقية في ذلك البحر ~~ولكنها فقدت «خاصة التحول». # قد يلوح في بال القارئ أن مجرى القوة المنحدر من ذرات المادة في سلسلة تحولات إلى ~~أن يبلغ إلى بحر الفضاء؛ يحتمل أن يعود من ذلك البحر مكونا عالما ماديا آخر، ~~فتعيد القوة الكرة ثانية من أعلى إلى أسفل على نحو ما فعلت سابقا - كما أن ماء ~~النهر المنحدر من أعالي الجبال إلى البحر يعود فيصعد بخارا في الهواء، ثم يهطل ~~مطرا على الجبال ويعود إلى جريه السابق، وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية له. # ولكن هذا قياس مع الفارق. النهر يستمر في جريه ما دامت المياه ترتفع بخارا في ~~الهواء وتنهطل مطرا، ولكن ما الذي يرفع الماء بخارا؟ حرارة الشمس. فما دامت الشمس ~~ذات حرارة فالبخار يرتفع والمطر يهطل والنهر يجري، فأين العامل الذي يرفع القوة من ~~بحر الفضاء بحيث تستأنف عملها ثانية؟ لا نعرف قوة أخرى ترفع القوة «التي هبطت إلى ~~أوقيانوس الفضاء» إلى مقامها الأول، لكي تستأنف إنشاء الكهارب والنوى وتأليف ~~الذريرات في سدم ... إلخ، وتعود إلى نمط التحول النازل الذي بسطناه آنفا. # فقياس «تنازل القوة» إلى مجرى الماء غير تام من هذه الوجهة، ناهيك بأن الشمس ~~التي حرارتها ترفع الماء ستذوب في المستقبل؛ إذ تنطلق كل حرارتها ونورها إشعاعا في ~~الفضاء. وهكذا مصير كل جرم، هذا المصير يحتمه ناموس القوة الثاني، ويؤيد هذا ~~الناموس الاختبارات العلمية الصادقة، وليس في نواميس الطبيعة ومظاهرها ما يؤيد مظنة ~~عودة القوة إلى مقامها الأول وإعادتها الكرة ثانية كما يتكهن بعض أهل العلم. # وأما متى تبلغ العوالم المادية هذا المصير؛ ففي إمكان الحاسبين من العلماء أن ~~يقدروا له أجلا بملايين ملايين السنين، وإنما يقال بالإجمال إن ما بقي من عمره ~~أكثر مما ms82 مضى، فهل ينتج مما تقدم أنه «لا أبد» للوجود المادي بل هو متناه؟ # إذن ماذا سيكون بعد، هل يستقر الوجود المادي على هذا النحو - ماذا يمنع أن يتجدد ~~الدور؟ ~~(5) البداية: عمر الأجرام # فيما تقدم كنا ننظر إلى الأمام في مراحل المادة ونتبين أنباءها في مستقبل الزمن ~~إلى أن تضمحل، كنا نرى قدر المادة ينقص بالإشعاع، ونستنتج أن نهاية هذا الإشعاع ~~اندثار آخر ذريرة من المادة، فإذا التفتنا إلى الوراء وجعلنا نتبين أنباء ماضي ~~الزمن نرى أن مادة الأكوان كانت أكثر قدرا مما هي الآن، وكلما توغلنا في تبين ~~الماضي رأينا الأجرام ألطف مادة وأكبر حجما، وأكثر قدرا، وجملتها أكثر وزنا، ولو ~~كان المقام ذا سعة لكنا نبين أن أوزان النجوم كما بلغت إليه الآن لا تتفق مع ~~تقدير عمر لها أكثر من 5 إلى 10 ملايين مليون سنة. وقبل ذلك كانت كلها في الحالة ~~السديمية. # قدر العلماء هذا العمر للنجوم منذ ولادتها من السدم بناء على درس وزن النجم ~~وحجمه، ومقدار سطوعه، وما يخسر من وزنه بالإشعاع كل عام، ومقدار تباعد الجرم الواحد ~~عن الآخر ... إلى غير ذلك من الاعتبارات التي لا محل للتبسط فيها هنا. وإنما نذكر ~~طريقة واحدة بسيطة لحساب عمر النجم منذ ولادته من السديم، نذكرها لكيلا يظن القارئ ~~أن علماء الفلك الطبيعي يتكهنون تكهنا في تقدير أعمار النجوم من غير حساب وعلى ~~غير قاعدة. # فلنتصور الآن أن الشمس والنجم قنطوروس الأول Proxima Centaurus # الذي هو أقرب النجوم إلينا شرعا يتكونان من ~~السديم متجاورين، ثم جعل كل منهما يتقلص فصارت المسافة بينهما تتسع رويدا رويدا ~~إلى أن صارت الآن نحو 4,27 سنين نورية، أي 25 مليون مليون ميل. فإذا كنا نعرف ~~معدل تقلص الشمس # 3 # وتقلص قنطوروس كل عام أمكننا أن نعلم كم من ~~السنين مضى منذ ولادتهما إلى الآن، بقسمة المسافة بينهما على معدل تقلصهما السنوي. ~~بمثل هذا الحساب مع إدخال اعتبارات أخرى وحسابات أخرى تختص بالإشعاع والسطوع ونقص ~~الحرارة والنور ... إلخ؛ استطاع العلماء أن يقدروا ms83 نحو 5-10 ملايين مليون سنة. ~~(6) عمر السدم والذريرات # وقبل أن تولد الأجرام كانت الذرات # Atoma # متكونة ~~في السدم منذ عهد أطول جدا من أعمار النجوم، فمتى ائتلفت النواة - البروتون - ~~والإلكترون في الذرة؟ هذا دهر من أدهار تطور المادة الكونية، وليس بالسهل تقدير ~~سنيه. لقد حسبوا وزن كثير من السدم، وعرفوا أن السديم المسمى «المرأة المسلسلة» # Andronida 31 M # يزن قدر 3500 مليون شمس كشمسنا، ~~ومجموع الضياء الساطع منه يساوي سطوع 660 شمسا، وبناء على هذا التقدير، ~~ولاعتبارات أخرى تختص بالنسبة بين الوزن والسطوع، قدروا أن عمر الذرة في هذا السديم ~~نحو 80 مليون مليون سنة. وكذلك حسبوا وزن السديم المسمى # N. G. ~~4594 # يساوي وزن 2000 مليون شمس، وسطوعه يساوي سطوع 260 شمسا، ~~فقدروا عمر الذرة فيه 110 ملايين مليون سنة. فالمعدل الأوسط لتكون الذرة نحو ~~100 مليون مليون سنة منذ تكونها في السديم إلى اليوم. # لا نستطيع أن نستمر بالتوغل في الماضي وفي تصور أشكال المادة؛ لأننا كلما تقهقرنا ~~إلى الوراء مرحلة نجد المادة في كل دور سابق أكثر قدرا أو زنة منها في كل دور ~~لاحق. فإذا استمررنا بهذا التوغل إلى ما لا نهاية له اقتضى أن يكون وزن مادة الكون ~~في الأزل ما لا يستطيع العقل تصوره، ولا يمكن أن يتفق مع نواميس الطبيعة. لا بد ~~أن نصل في التقهقر إلى حد من كثافة المادة، لا يمكن أن تكون قبله أكثف منها في ~~الحيز الذي تشغله. # بلغنا في التقهقر في سلم الماضي إلى الدور الذي بدأت فيه الذرة تتكون في السديم ~~من النواة والكهيرب؛ فماذا كان قبل ذلك الدور؟ ~~(7) يد القوة القصوى # لا نستطيع أن نتصور شيئا قبل ذلك الدور إلا أن الحيز - الفضاء الكوني - كان ~~مملوءا سدما لطيفة جدا كلطافة الأيثر - وإذا شئت فهي الأيثر بنفسه - وكانت ~~منتشرة فيه، ومنها نشأت نوى الكهارب والكهيربات غير مؤتلفة في ذريرات، بل بقيت ~~منثورة مبعثرة متفرقة بلا انتظام، ولا يمكن أن يكون هذا الدور أزليا، فلا بد ~~أن يكون ms84 قد سبقه دور آخر أو بضعة أدوار كانت فيه المادة والقوة تتأهبان للانتظام، ~~ومهما تقادم هذا الدور فلا يكون أكثر من 200 مليون مليون سنة. وماذا كان قبل ~~ذلك؟ # قلنا إننا لا نستطيع أن نتصور أزلية للوجود المادي ما دمنا نرى له تطورا من ~~حالة إلى حالة، فلا بد أن نسلم بأن «قدرة قصوى» عينت حيزا متناهيا من ~~الفضاء، ثم أفرغت فيه قدرا متناهيا من الهيولي - أصل المادة - التي نشأت منها ~~النوى والكهيربات. وإذا كنا نسلم بأن المادة والقوة شيء واحد وجب أن نتصور أن ~~قوة مشعة ذات أمواج أقصر ما عرف من الأمواج إلى الآن وأسرعها كانت في البدء، ولم ~~تكن أطول من جزء من 13 إلى يساره 13 صفرا - فعلامة الكسر العشري هكذا ~~0,000000000000013 - من السنتيمتر، وهي أقصر الأمواج المعروفة وأسرعها. # هذه الموجة تسحق الكهرب والكهيرب إذا سلطت عليهما في بعض الأحوال، وتنشئهما في ~~بعض الأحوال الأخرى، كما هو ثابت بالاختبار العملي العلمي؛ يجب أن نتصور قوة بهذه ~~الشدة أفرغت في ذلك الحيز الفارغ وجعلت تتبلور أو تتجمد في كهارب وكهيربات تألفت ~~منها الذريرات فيما بعد. من هذه القوة المتجمدة تكونت السدم اللطيفة التي كانت ~~تملأ الحيز المعد لها، ومن كهاربها وكهيرباتها تألفت أجرام بعدئذ، أو يمكننا أن ~~نتصور - بحسب تعبير السير تجايمس تجينز - أن الله ملأ الحيز أيثرا أو فوتونات، ثم ~~حركه بأصبعه، فجعلت ذريرات الأيثر أو الفوتون تتألف منها الكهيربات والبروتونات، ~~منذ ذلك الحين ابتدأ المكان وابتدأ الزمن. # ترى مما تقدم أننا لا نستطيع أن نتوغل في الماضي بلا نهاية؛ لأن نواميس ~~المادة تمنع هذا التوغل، ومهما توغلنا فلا نستطيع أن نتملص من تصور قوة قصوى ~~بدأت الوجود، ولكن هل هذه «القوة القصوى» هي نفس القوة التي كتبت بأصبعها لوحي موسى ~~الحجريين، وهي التي قست قلب فرعون على موسى وشعبه؟ لا نستطيع أن نتصور إلا أن هذه ~~القوة القديرة الغامضة السر أودعت في الحيز الكوني مادة السدم مشفوعة بقوى التجاذب ~~والدوران، ومن ثم شرعت ذريرات المادة ms85 تتحرك بهذه القوة، وبتحركها صارت تتألف في ~~كتل، ثم صارت تتطور على نحو ما تبسطنا به. # فلو تصورنا أن ذريرات المادة متفرقة في الفضاء المقدر لها تفرقا متساويا في كل ~~ناحية لكان في كل سنتيمتر مكعب منها جزء من 15 وإلى اليسار 37 صفرا ثم علامة الكسر ~~العشري إلى اليسار؛ ذلك من الجرام، بحسب حساب العلامة هوبل. # وإن تصورنا أن المسافات بين كل واحدة والأخرى من الذريرات الأيثرية متساوية، فقوة ~~التجاذب بينها متوازنة، ولذلك تبقى ساكنة، فلا بد من قوة أجنبية عنها تحركها لكي ~~يختل هذا التوازن إذ يصبح بعضها أقرب إلى بعض، وعندئذ يحدث التجاذب فتتكتل المواد ~~وثم تتكون الأجرام. انظر # الفصل الأول # في «التجمع»، ~~وانظر أيضا الفصل التاسع «تطور الكون» من كتابنا «فلسفة التفاحة أو جاذبية ~~نيوتن». # ما هي الغاية القصوى؟ # بعد كل هذه الفلسفة نسأل: ما الغاية القصوى من كل هذه الضجة أو «الهيزعة» ~~الكونية التي تطويها الأحقاب والدهور ولا تنتهي؟ نترك هذا الموضوع لفيلسوف يؤلف ~~فيه كتابا ضخما. والسلام على من اتبع الهدى. # الفصل الرابع عشر # | في ما وراء الوجود المادي1 # موضوع كتابنا هذا هو الوجود المادي. بقي أن نسأل: هل يوجد وجود آخر غير مادي كما زعم ~~بعض المفكرين المتبحرين المتفلسفين؟ فلنر. ~~(1) الروح وعالم الأرواح ~~(1-1) بماذا نحس # أعرف وأحس أن لي جسدا مركبا من عناصر مادية كيماويا كسائر الحيوانات ~~والنباتات، وأعرف أن هذا الجسد يتغذى من تلك العناصر، وينمو ويلد كما ولد ~~ويموت، وبين الولادة والموت يتحرك حركات ذاتية بقوة فيه يستمدها من غذائه، ~~والعلماء يسمون هذه القوة حياة. # وأعرف أني أحس وأشعر وأفتكر وأتذكر وأستنتج، وأعرف أني أعرف. ومجموعة هذه ~~الأفعال تسمى عقلا. # إذن أعرف وأحس أن في ثلاثة أشياء: جسد، وحياة، وعقل. وأشعر بوجود هذه ~~الأشياء في مختلفة بعضها عن بعض، وأرى أن شخصيتي مركبة من هذه الأشياء ~~الثلاثة، وأعلم أن هذه الأشياء مرتبطة بعضها ببعض ارتباطا وثيقا، وأن أي خلل ~~يطرأ على أحدها يخل الاثنين الآخرين. تنمو هذه الثلاثة معا وتهلك ms86 معا. أعلم ~~كل ذلك جيدا بوضوح وبغير التباس في فهمه. # ولكني أعرف أنه ليس في شيء آخر رابع يتميز عن هذه الثلاثة كما تتميز هي ~~بعضها عن بعض، وأن هذا الرابع من ضروريات ذاتيتي بحيث إني إذا فقدته فقدت ~~ذاتيتي كلها برمتها. هذا شيء لا أشعر به. # وإنما قيل لي منذ حداثتي أن لي روحا - أو نفسا - وأن هذه الروح مستقلة ~~عن الجسد بحيث إنها تبقى بعد فنائه. والآن وقد تعلمت مبادئ العلوم المادية ~~والجسدية والعقلية، وطالعت كثيرا، صرت أفكر وأبحث عن هذا الشيء الرابع الذي ~~سموه لنا روحا. فما هي الروح؟ # هذا السؤال كنت أوجهه إلى بعض المعتقدين بالروح، فبعضهم يقول: هي الحياة. ~~وآخر يقول: هو العقل. وآخر يقول: إنه شيء مستقل عن الجسد والحياة، ولكنه ~~يحمل العقل وما احتواه من أفكار وتذكارات. ~~(1-2) التفنيد # أما أن الروح هي الحياة فلا قيمة لهذا القول؛ لأنه لا يفيد عن الروح سوى ~~أنها لفظة مرادفة للفظ الحياة، والحياة لا تزال سرا غامضا، ولا يرضاه ~~الخلوديون؛ لأن لحياة الفرد نهاية بالموت، كما أن لها بداية بالولادة أو ~~بتكون الجنين، فمتى مات الفرد اضمحلت الروح - إذا كانت هي نفس الحياة. وإذن ~~لا تكون الروح المرادفة للحياة شيئا رابعا في شخصية الإنسان. # وأما القول إن الروح هي العقل فيستلزم أن تكون الروح عرضة لخطر الفناء بموت ~~الجسد؛ لأن العقل نفسه مرتبط بالجهاز العصبي الذي هو بعض الجسد، بل ما هو ~~إلا مجموعة أفعال ننعتها بالعقلية، وهي بالحقيقة من مفاعيل خليات الدماغ ~~التي تتعاقب فيها التفاعلات الكيماوية بين ذرات العناصر التي تؤلف منها تلك ~~الخليات وبين جزيئاتها، وما وظيفة الخليات الدماغية إلا إصدار تلك الأفعال ~~العقلية، فالعقل ليس ذاتية بل هو عمل أو وظيفة للدماغ. # وأما أسباب تلك التفاعلات التي تسبب تلك الأفعال العقلية، فلم تزل قيد البحث ~~عند «الفزيكوسيكولوجيين» أي: علماء العقل ووظائف أعضاء الجسد. ولا بد أن ~~يتوصلوا يوما من الأيام إلى تعليل كيفية صدور الأفعال العقلية تعليلا ~~فزيولوجيا - جسديا. # فيستفاد مما تقدم ms87 أن العقل ليس ذاتا قائمة بنفسها، بل هي عمل دماغي يبطل ~~بانحلال الجسد؛ فإذا كانت الروح عقلا فهي فانية بفنائه. ~~(1-3) البراهين على وظيفة الدماغ # وهنا يطالبنا القارئ بالبرهان على أن الأفعال العقلية ليست إلا نتيجة ~~تغيرات في خلايا الدماغ وسائر الجهاز العصبي بسبب تفاعلات كيمية فيها، وأن ~~وظيفة الدماغ إصدار تلك الأفعال. فالبرهان الإيجابي منوط بتوفيق الأبحاث ~~العلمية «الفزيكوسيكولوجية» في المستقبل، ولكن عندنا الآن أدلة واضحة وجازمة ~~على صحة هذه الدعوى. # فأولا: # إن هذا العقل العجيب أمره ينمو مع نمو الجسد، بل ينمو ~~متأخرا عنه - إذا صحت نسبة النمو إلى الأفعال. والتعبير ~~الأصح هو أن هذه الأفعال العقلية تتعاظم وتتنوع وتتعقد ~~مجاراة لنمو الجسد. فالجنين خال من العقل حتى من الإحساس، ~~والطفل في بدء شعوره أو إحساسه لا يختلف إحساسه عن إحساس بعض ~~النباتات، ولا يبتدئ أن يميز بين الأشياء إلا بعد بضعة أشهر، ~~ولا يتكامل نمو العقل إلا بعد بضع عشرة سنة، فإذن العقل خاضع ~~لنفس السنن البيولوجية - المادية الحيوية - التي يخضع لها ~~الجسد. # ثانيا: # إنه في حالة راحة أعضاء الجسد في النوم يكون العقل كأنه غير ~~موجود؛ أي: إن الأفعال العقلية كالتفكير والتذكر ... إلخ تكون ~~متوقفة تماما كما تتوقف حركة أدوات العمل؛ لأن خليات ~~الدماغ متوقفة عن الحركة حينئذ، وإن لم تتوقف عن الحركة ~~تماما كما في الأحلام مثلا فتكون خليات الأسلاك العصبية ~~متوقفة عن الحركة؛ فيفكر الحالم وهو نائم، ولكن أسلاكه ~~العصبية لا تنقل هذه الحركة لا ذهابا ولا إيابا، ولهذا لا ~~يعرف الحالم أنه يحلم إلا حين يستيقظ؛ إذ تتحرك خليات أسلاكه ~~العصبية، وتتنبه إلى أن ما كان يراه في النوم لم يكن حقيقة ~~واقعة فعلا، بل كان مجرد أوهام. # ففي النوم دليل على أن الأفعال العقلية هي نتيجة قيام ~~الخليات الدماغية بوظائفها، فلما توقفت هذه الخليات عن الحركة ~~توقفت الأفعال العقلية أيضا، ولم يبق شيء يسمى ~~عقلا. # ثالثا: # في حالة التخدير ب «الكلوروفورم» ونحوه تتوقف معظم مراكز ~~الدماغ عن العمل بتاتا، ويتوقف عمل الأسلاك ms88 العصبية الممتدة ~~من الدماغ والحبل الشوكي إلى سطح الجسد، ويفقد الإنسان رشده ~~وإحساسه وشعوره فقدا تاما كأنه ميت، فلا يحس بألم ولا بلذة ~~ولا يفكر ولا يتذكر. ومتى زال فعل المخدر عنه تنبه، وشعر كأنه ~~كان في عالم الفناء، فعاد إلى عالم الحياة؛ يختلف شعوره هذا عن ~~شعوره عند صحوه بعد النوم. وفي أثناء غيبوبته بفعل المخدر قد ~~يتكلم كلاما لا تعقل فيه؛ فيهذر ويهرف ويهذي، كأن بعض ~~مراكز دماغه الخاصة بالنطق لم تتخدر تماما؛ فتبقى تبدي ~~حركات ذاتية ميكانيكية كما يبدي ذيل الورل حركات ذاتية بعد ~~قطعه وفصله عن جسمه. مما تقدم يستدل على أن الأفعال ~~العقلية إنما هي نتيجة أفعال مراكز دماغية، تحدث بفعل تفاعلات ~~كيماوية في خلاياها. # رابعا: # قد يطرأ طارئ مرضي كالزهري مثلا على أحد المراكز الدماغية ~~فيعطله، وبالتالي يتعطل معه الفعل العقلي الذي هو وظيفة ذلك ~~المركز، فقد يتعطل المركز الخاص بالذاكرة مثلا فينسى الشخص كل ~~ماضيه، أو يتعطل مركز التعقل فيصبح الشخص أبله، إلى غير ذلك من ~~النواقص العقلية التي تنتج من تعطل مراكزها الدماغية، ولا يخفى ~~ما في ذلك من الدلالة الساطعة على أن ما نسميه قوى عقلية ~~إنما هو نتيجة حركات فقط تصدر من خلايا المراكز ~~الدماغية. # وقد يولد الشخص وفي دماغه شيء من النقص، فيعيش مختل العقل ~~كل عمره، وقد يعجز الطب عن علاجه. # خامسا: # بعض العقاقير تفعل في بعض خليات الدماغ «أفعالا خاصة»، ~~فتجعل بعض الأفعال العقلية مضطربة أو شاذة كالخمرة والحشيش ~~مثلا، وظواهر أفعالها معروفة، وهناك عقار يدعى سكوبولامين # Scopolamin # يؤثر في بعض ~~مراكز الدماغ، فيعرض الشخص إلى فضح أسراره. # فيما تقدم كفاية على أن الأفعال العقلية إنما هي أفعال خلايا الدماغ، وما ~~نسميه عقلا ليس إلا مجموعة هذه الأفعال، تصدرها وظائف المراكز الدماغية، ~~فمتى توقفت حركات الدماغ بسبب النوم أو التخدير أو المرض أو الموت لا يبق شيء ~~يدعى عقلا. # إن كان العقل ذاتا مستقلة عن الجسد والدماغ، فأين يذهب بجميع قواه أو خواصه ~~في حالة النوم أو ms89 التخدير، ثم يعود عند الصحو؟ # فإذا سلمنا أن الروح هي العقل نفسه؛ فإذن هي فانية بتوقف الحياة ~~وبفناء الجسد؛ لأن الأفعال العقلية تتعطل بتعطل فاعلها، والروحانيون لا يسلمون ~~بفناء الروح. ~~(1-4) أيثرية الروح # يزعم بعض الروحيين أن للإنسان جسما أيثريا مندغما في جسده المادي، حتى ~~إذا تعطلت حياة الجسد المادي - بالموت - انسلخ منه الجسم الأيثري واستقل عنه، ~~وهذا الجسم الأيثري هو الروح. # فما هي خواص هذا الجسم الأيثري، إذا كان هو الذاتية التي تبقى للإنسان بعد ~~موت جسده؟ فهل يتقلد هذا الجسم وظائف دماغ الجسد العقلية؟ وكيف يمكن ذلك؟ وقد ~~ظهر لنا من البحث الآنف أنه حيث لا دماغ مادي فلا يوجد عقل بتاتا؛ لأن ~~العقل ليس ذاتا بل هو عمل، فلا تفكير ولا تذكر ولا استنتاج ولا غير ذلك مما ~~نسميه قوى عقلية - أو على الأصح تسمى أفعالا عقلية - إذن، ذلك الجسم الأيثري ~~ليس إلا هيكلا يبقى بعد الجسد، كما يبقى الهيكل العظمي بعد بلى اللحم والدم ~~- هذا إن صح أن له وجودا، ولا برهان عندنا أن له وجودا. # نحن نستطيع أن نثبت أن لنا جسدا ماديا مؤلفا من بعض عناصر كيماوية، ~~ونستطيع أن نثبت أن لنا حياة هي من مفاعيل الائتلاف الكيماوي لتلك العناصر، ~~وأما كيف تصدر هذه الحياة من ائتلاف تلك العناصر، فهو أمر لا يزال قيد بحث ~~العلم العملي الاختباري المعملي، وقد يكتشفه العلم في المستقبل القريب أو ~~البعيد، ونستطيع أن نثبت أن ما نسميه قوى عقلية إنما هو أفعال وظائف المراكز ~~الدماغية. # نحن نستطيع كل ما تقدم، ولكننا لا نستطيع أن نثبت أن للإنسان هيكلا أيثريا ~~يتقلد شخصيته تقلدا تاما بحيث تبقى هذه الشخصية تامة بعقليتها بعد تعطل ~~وظائف الجسد بتعطل أدوات الحياة ومراكز الدماغ؛ ليس عندنا أي برهان على وجود ~~هذا الهيكل، ليس عندنا شعور أو إحساس بوجود هذا الهيكل فينا بتاتا، وما هو ~~إلا فرض لتفسير وجود شيء سموه روحا، ولكنه فرض بلا برهان، وفي طوق كل إنسان ~~أن يفرض ألف فرض لتعليل ms90 ما يدعيه، ولكن العقل لا يسلم بفرض بلا برهان. # والأيثر نفسه لا يزال فرضا غير يقيني؛ إذ لا برهان علمي معملي على وجوده، ~~وما فرضه العلماء إلا لتعليل بعض الظاهرات الطبيعية، وإذا أمكنهم أن يعللوا تلك ~~الظاهرات بدونه استغنوا عنه. # ونظرية النسبية تقول إنه يستغنى عنه؛ لأن الظاهرات الطبيعية تتعلل ~~بها، ولا يعتبر الأيثر حقيقة علمية ثابتة، إلا إذا أمكن إثبات وجوده بعمليات ~~معملية، كما يثبت وجود الراديوم والهيليوم والفيتامين مثلا. # 2 # وإذن وجود الهيكل الأيثري الروحاني للجسد الإنساني فرض محض ضمن فرض آخر بلا ~~برهان، ولو ثبت وجود الأيثر ثبوتا علميا يبقى الهيكل الأيثري الروحاني ~~فرضا معلقا لا يقر له قرار في فضاء الوهم والخيال، إذ لا أدلة على وجوده مع ~~الجسد بتاتا، ما هو إلا خيال شعري جميل في مخيلة الروحانيين. ~~(1-5) تطور الروح # ننظر إلى نظرية أيثرية الروح نظرة أخرى من ناحية التطور. أصبحت نظرية التطور ~~الدرويني حقيقة راهنة عند العلماء، حتى إن اللاهوتيين سلموا بها، وقالوا إنها ~~سنة طبيعية من جملة السنن التي سنها الله لخليقته. # فإذا كان للإنسان روح تتمثل بهيكل أيثري متداخل في جسده، ففي أي دور من ~~أدوار تطور الحياة شرع ذلك الهيكل الأيثري يتكون مع الجسم المادي؟ فعندنا ~~الإنسان النندرثالي كان قبل الإنسان الآدمي، وكان قبله ستة أصناف أناس ~~متفاوتون في التطور، وقبل الإناس السبعة في سلم التطور كان أشباه الإنسان - ~~الغورلا والشمبانزي ... إلخ، وكان قبل هؤلاء القرود على اختلاف أنواعها، وكان ~~قبلها غيرها حيوانات تدرجت في سلم التطور من الميكروب فما بعد كما يعلم ذلك ~~جيدا دارس البيولوجيا؛ ففي أية درجة من درجات التطور ابتدأ وجود الروح؟ أو ~~ذلك الهيكل الأيثري؟ # وإذا عينا الدرجة التي ابتدأت عندها الروح فيجب أن نحدد الفاصل بين ~~الدرجتين ونقدم تفسيرا بيولوجيا لكل من الدرجتين، وفي تدرج الأحياء في سلم ~~التطور لم يوجد أي فاصل ظاهر بين درجة ودرجة؛ لأن التطور ليس توثبا ~~بينا، بل هو شبه استمرار. # أما الظاهرات «الشبه عقلية» أو «الشبه عصبية» فتبتدئ ms91 منذ أول درجة من درجات ~~الحياة. فجرثومة الأميبا مثلا إذا صدمت ذرة رمل انكمشت عنها، ولكن إذا صدمت ~~جرثومة «داي أتوم» # Diatom # مدت منها نواة ~~تقبض عليها وتغلفها وتهضمها، فهنا شبه إحساس أو شعور، والدودة التي تعيش في بطن ~~الطين إذا انكشف عنها التراب تململت لوقوع أشعة الشمس عليها، وكلما ترقيت في ~~ملاحظة الأحياء وجدت الشعور أقوى حتى يكاد يظهر في الحيوانات العليا كأنه عقل ~~بسيط. فهل تصح نسبة الهيكل الأيثري لجميع هذه الأحياء؟ هل للدودة والقرد ~~والغورلا أرواح كالإنسان؟ # وإذا حددنا الطور الذي ابتدأ فيه الجسد الإنساني أو «الشبه إنساني» يندغم ~~فيه ذلك الهيكل الأيثري الروحاني، فهل كان هذا الهيكل يتطور بتطور الجسم ~~الحيوي البيولوجي؟ أو أنه جاء لأول وهلة هيكلا روحانيا تاما، يتحمل ~~المسئولية الأدبية والدينية، ويتقلد الحرية ويتصرف بأعماله وأفعاله مختارا؟ ~~أو أن أدبيته تتطور بتطور العقل؛ أي بتطور الدماغ ووظائفه العقلية؟ ~~(1-6) مادية الأيثر # بقي نظر آخر في المسألة، وهو أن الأيثر الذي فرضه العلماء لتعليل الظاهرات ~~العلمية، إن ثبت وجوده كان ضربا من المادة يختلف عن عناصرها بدقة ذراته، وقد ~~اعتبر بعض العلماء الأيثر نفس الفوتون الذي ينحل إليه الكهيرب - إلكترون - حين ~~اصطدامه بالكهرب - البروتون - وصدور القوة منهما لمعة شعاع، ويقول السير ~~«تجايمس تجينز»: إن الكهرب ينحل إلى عشرة آلاف فوتون، وليس للفوتون شحنة ~~كهربائية، وهو آخر ما تنحل إليه دقائق المادة. # فإذا صح الظن أن الأيثر هو فوتونات فيكون هذا الأيثر مادة، والروحانيون ~~يقولون إن الروح شيء غير مادي، وإذن فالروح أو الهيكل الأيثري جسم مادي ~~لطيف جدا، والمادة تشغل حيزا في المكان وتتحرك في الزمكان - أي: المكان ~~الزمان. # وإذا كانت تلك الهياكل الروحانية مؤلفة من هذا الأيثر فلا بد أن تشغل ~~حيزا أي مكانا في الفضاء الأيثري، فهل تبقى فيه أجساما هيكلية سابحة في ~~الفضاء، أو أنها تنحل فيه إلى فوتونات تمتزج مع فوتونات الأوقيانوس الفوتوني ~~كما يمتزج ماء النهر بالبحر؟ وإن بقيت هياكل كما تكونت فما الذي يوطد قوامها ~~ويحفظها من الانحلال ms92 إلى الأبد؟ # وإذا تمادينا في تصور هذه الهياكل الأيثرية الروحانية بدت لنا أسئلة عديدة ~~عن وجودها وخلودها وتمتعها، إلى غير ذلك مما يحار الفكر فيه. # وأغرب ما تعجز المخيلة عن تصوره هو علاقة ذلك الهيكل الأيثري الروحاني بالجسد ~~المادي العنصري الكيماوي، وأغرب من هذا أيضا التفاعل بين الهيكلين من غير أن ~~يحسه الإنسان أو يشعر به، وأغرب من هذا وذاك اتصال الدماغ الإنساني بالهيكل ~~الروحاني المجرد عن المادة؛ أي: بعد موت الجسد من غير اعتبار للزمان والمكان عن ~~يد وسيط يستحضر ذلك الهيكل ولو كان يبعد عنه ملايين الفراسخ النورانية؛ أي لو ~~اتفق أن كان ذلك الهيكل الروحاني في الطرف الآخر من الكون. # فمهما كان لدماغ الوسيط من قوة الاتصال اللاسلكي - على مبدأ الراديو مثلا - ~~فلا يمكن أن يكون أسرع من الإشعاع الكهرطيسي - كالنور - فكيف يمكن أن يتصل ~~بهيكل الشخص الذي يبتغي الاتصال به على بعد المسافة السحيقة التي يعجز العقل ~~عن تصورها؟ ~~••• # وخاتمة القول: إننا لا نستطيع أن نسلم بلا برهان بوجود هيكل روحاني سواء ~~أكان إيثرا ماديا أو غير مادي، بحيث إن هذا الهيكل يؤثر في الدماغ ~~والدماغ يؤثر فيه، ويتفاعلان، وهما من طبيعتين مختلفتين كل الاختلاف، ولا سيما ~~إذا صح أن الهيكل الروحاني غير مادي. # ما دمنا لا نحس بالروح كما نحس بالجسد والحياة والعقل وكما نحس بالكهرباء ~~والمغنطيسية، أيضا فلا نستطيع أن نسلم بصحة فرض الروح. نريد برهانا إن تعذر ~~الشعور. # يقول بعض المناقشين بهذا الموضوع: إذا كنت لا تحس ولا تشعر ولا تجد برهانا ~~فلا تستطيع أن تنكر؛ لأنك لم تحط علما بكل شيء، فما تجهله لا تستطيع أن ~~تنكره. # فهل منطق أسخف من هذا المنطق؟ # أجل، لا يحق لي أن أنكر ما أجهله، اللهم إن كان ثمت أشخاص آخرون يعلمونه، ~~وهل يحق لك أن تفرض ما تجهله أنت؟ فهل يستطيع هؤلاء المناقشون أن ينبئونا ماذا ~~علموا وماذا فهموا، وكيف علموا وكيف فهموا، لكي نفهم نحن أيضا؟ # أليس غريبا أن تطلب مني أن أعتقد بالمجهول ms93 كأنه شيء موجود وأنت نفسك أشد ~~جهلا به مني؟ # إذن تستطيع أن تفرض ألوف الفروض وتعطي لكل مفروض اسما، ثم تفرض علي ~~الاعتقاد بوجودها من غير أن تحدد ماهيتها على الأقل. هل تستطيع؟ وتبرهن لي ~~هذه الماهية. # هذا منطق أسخف من السخافة. # إذا كنت لا تفهم سر هذا المجهول فكيف علمت بوجوده؟ # تحاول أن تثبت لي وجود الروح وخلودها، فأرجو أن تفهمني أولا ما هي الروح ~~لكي أعلم ماذا تريد أن تثبت، وإلا فكأنك تريد أن تثبت لي وجود الأحرف ~~الثلاثة - ر. و. ح - وهي لا تحتاج إلى إثبات. ~~هي موجودة بين الحروف الأبجدية ... ا.ه. # والنتيجة: أنه لا يوجد شيء وراء الوجود المادي سوى الفراغ اللامتناهي - ~~العدم. ~~••• # بقي بحث في موضوع الخلق نكف عنه رحمة بالعقول السقيمة. ms94