######OpenITI# #META# URI: 1373NiqulaHaddad.FatinatImbaratur.Hindawi85252495 #META# Tags: novels #META# ID: 85252495 #META# Title: فاتنة الإمبراطور: فرانسوا جوزيف إمبراطور النمسا السابق وعشيقته كاترين شراط #META# AuthorID: 60483937 #META# Author: نقولا حداد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # القسم الأول: أزمة الإمبراطور‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # القسم الثاني: أزمات البلاط‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرين‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل التاسع والعشرون‏ # الفصل الثلاثون‏ # الفصل الحادي والثلاثون‏ # الفصل الثاني والثلاثون‏ # الفصل الثالث والثلاثون‏ # الفصل الرابع والثلاثون‏ # الفصل الخامس والثلاثون‏ # الفصل السادس والثلاثون‏ # الفصل السابع والثلاثون‏ # الفصل الثامن والثلاثون‏ # الفصل التاسع والثلاثون‏ # الفصل الأربعون‏ # الفصل الحادي والأربعون‏ # الفصل الثاني والأربعون‏ # الخاتمة‏ # مقدمة‏ # القسم الأول: أزمة الإمبراطور‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # القسم الثاني: أزمات البلاط‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرين‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل التاسع والعشرون‏ # الفصل الثلاثون‏ # الفصل الحادي والثلاثون‏ # الفصل الثاني والثلاثون‏ # الفصل الثالث والثلاثون‏ # الفصل الرابع والثلاثون‏ # الفصل الخامس والثلاثون‏ # الفصل السادس والثلاثون‏ # الفصل السابع والثلاثون‏ # الفصل الثامن والثلاثون‏ # الفصل التاسع والثلاثون‏ # الفصل الأربعون‏ # الفصل الحادي والأربعون‏ # الفصل الثاني والأربعون‏ # الخاتمة‏ # | فاتنة الإمبراطور # | فاتنة الإمبراطور # | فرانسوا جوزيف إمبراطور النمسا السابق وعشيقته كاترين شراط # تأليف # نقولا الحداد # | مقدمة # | الملوك يعشقون والرعايا يشاغبون # الإفراط كالتفريط كلاهما هادم، إذا لها الحكام بشهواتهم وتمادوا في بذخهم وترفهم، ~~شقي الرعايا وتعسوا تحت نير أولئك الحكام. فلا تلم الجمهور إذن حين يغضب غضبة الحنق ~~والحقد. # الإمبراطوار «فرنسوا جوزف» الذي كان يحسبه ms001 الناس ملكا مسالما طيبا، قضى حياته الطويلة ~~عاشقا لممثلة حسناء تدعى «ماري شراط»، خسر بسببها زوجته وابنه. في هذه الرواية تقرأ ~~العجب العجاب من دسائس البلاط النمساوي بين الممثلة الحسناء ووصيفة الإمبراطورة، وفي الوقت ~~نفسه ترى مرسحا من السياسة النمساوية الداخلية ونشاط الحزب الاشتراكي. # نقولا الحداد # مصر في أول مارس سنة 1922م # القسم الأول # | أزمة الإمبراطور # | الفصل الأول # عريضة استرحام وعريضة غرام # في ربيع سنة 1890 كان الإمبراطور فرنسوا جوزف ملك النمسا والمجر مستلقيا في مقصورته ~~الخاصة على مقعد من الدمقس، وكاتب سره فون شلر ينتظر في غرفته الخارجية طنين ~~الجرس الكهربائي لكي يلبي أمر سيده في الحال، فيدخل ويدفع إليه أوراقا ويتناول منه ~~أوراقا. ففي إحدى الدفعات أمره الإمبراطور أن يستدعي وزير الحقانية في الحال. # وما هي إلا دقائق معدودة حتى وافى الوزير والتمس أمر ملكه، وكان الإمبراطور لا يزال ~~يقرأ ورقا بين يديه، فاستمر يقرأ إلى أن انتهى، ثم رفع نظره إلى الوزير وهو يضرب بقفا ~~كفه على الورق الذي في يده، وقال: ماذا فعلتم بقضية شاب شراط هذا؟ ~~- أظن الجلسة غدا يا مولاي؟ ~~- تظن؟ والقضية ضد متطاول على التاج! ~~- مولاي إن جهلي ميعاد القضية لا يدل على قلة اهتمامي بها، وإنما لا يخفى على جلالتكم ~~أن تعيين مواعيد القضايا مختص بالمحكمة، والذي أعلمه أن ميعادها غدا، ومخافة أن أكون ~~مخطئا أقول أظن. ~~- وما ظنك في الحكم على الجاني؟ ~~- وماذا يكون الحكم بغير العقوبة القصوى على من تبلغ به القحة أن يتطاول على مقام ~~جلالة الإمبراطور السامي بقول هراء؟ ~~- وما هي العقوبة القصوى؟ ~~- العقوبة على من يقذف باسم جلالة الإمبراطور الأعظم الأشغال الشاقة من 3 سنين إلى ~~خمس، وسيكون الحكم بالسنين الخمس على شاب شراط. ~~- وهل البينات موفورة؟ ~~- عندنا عدد ممن سمعوا خطاب ذلك الوقح. ~~- إذن فليكن الحكم عشر سنين بالأشغال الشاقة. # فازدرد الوزير لعابه وقال: مولاي، إن ذلك الوقح الخسيس يستحق الموت، ولكن القانون ~~... # فعبس فيه الإمبراطور قائلا: أنا القانون. ~~- ونحن نخضع لهذا القانون، فهل يأمر جلالة ms002 الإمبراطور بإصدار أمر عال بتعديل ~~المادة؟ ~~- عجبا عجبا، تناقشني في مسألة خاصة بي، الحكم سيصدر باسمي في قضية ضد متواقح على ~~تاج النمسا، فيجب أن يكون شاب شراط عبرة لمن يعتبر. # فانحنى الوزير لدى الإمبراطور بكل إجلال، وخرج مكفهرا، وبقي الإمبراطور وحده يفكر ~~ويقلب بعض الأوراق، وبعد بضع دقائق ضغط على الزر الكهربائي فدخل كاتب السر ودفع إلى ~~الإمبراطور بعض الأوراق وتناول منه بعضا آخر. وأول ما وقع عليه نظر الإمبراطور بطاقة ~~مذهبة الحواشي باسم مدام آلدار فون كيس، فسأل كاتب السر: ما شأن هذه المرأة؟ ~~- ترجو يا مولاي أن ترفع بنفسها إلى مقامكم السامي عريضة استرحام، وهي تنتظر صدور ~~أمركم الكريم بقبول امتثالها. # ففكر الإمبراطور هنيهة ثم قال: دع السيدة تنتظر في البهو. ~~- سمعا وطاعة. # وخرج الكاتب وبقي الإمبراطور يقلب الأوراق، ثم جعل يقلب البطاقة الذهبية والرائحة ~~العطرية تنبعث منها، وبعد دقائق نهض وتمشى في غرفته إلى أن بلغ مدخل البهو، وأزاح ~~الستار قليلا؛ فلمح امرأة كأنها البدر على غصن يرتجف تحت خطرات النسيم، فأشفق على ~~اضطراب المرأة ووجلها قبيل مقابلة الملك الذي تخفق لهيبته القلوب، ولما رآها قد لمحته ~~تقدم، فتقدمت المرأة خطوتين وهي تتداعى تحت ثقل الرهبة، حتى لم تعد تحملها ~~ساقاها، فارتمت جاثية ورفعت يديها بورقة ملفوفة كالدرج ولم تنبس ببنت شفة. فألقى ~~الإمبراطور يده على كرسي وقال: إنك يا امرأة في حضرة ملك عادل، فما هي ظلامتك؟ # فأجابت بصوت خافت متهدج: مولاي إني أخاف من العدل، وأرجو الرحمة وجلالتك رحوم وعادل ~~معا. ~~- ماذا تريدين؟ ~~- أتوسل إلى رحمتك أن تعفو عن أخي، فما هو مذنب وإنما طيشه ونزقه مذنبان. فارحمه لكي ~~يتعلم من رحمتك أن يكون حكيما وعاقلا. ~~- من هو أخوك؟ ~~- هو شاب شراط النادم المستغفر، وجلالتك أولى بالمغفرة والصفح. # فتقدم الإمبراطور خطوة واحدة وهو يبتسم، وأمسك تلك اليد العاجية التي ترفع العريضة ~~ورفعها، فارتفعت المرأة معها وهي لا تزال ترتجف، وقال لها: لقد أجبت التماسك يا ~~سيدة، وأنتظر أن تقدمي لي شكرك في حين آخر. ms003 # فانحنت المرأة لديه حتى كادت تبلغ الأرض، وتراجعت إلى الوراء، والإمبراطور عاد من حيث ~~أتى وهو يفكر باسما متهللا. # بعد يومين جاء وزير الحقانية والتمس الامتثال لدى الإمبراطور، ولما وقف بين يديه دفع ~~إليه صحيفة وقال: هذا نص الحكم على شاب شراط بالأشغال الشاقة عشر سنين يا مولاي. # فتناول الإمبراطور الحكم وتلاه، ثم تناول قلما وكتب تحته: «لقد عفونا عن شراط.» ~~ووقعه بإمضائه ودفعه إلى الوزير، فلما اطلع الوزير على الكتابة بهت ونظر إلى ~~الإمبراطور مستغربا، فابتسم الإمبراطور قائلا: أجل، يجب أن يعرف الناس أن قضاءهم ~~صارم وأن إمبراطورهم حليم رحيم، فأصدر أمرك بإخراج شراط من السجن في هذه ~~الساعة. # فانحنى الوزير وخرج مدهوشا. # | الفصل الثاني # نفحات الهوى # في ضحى اليوم التالي دفع كاتب السر إلى الإمبراطور فرنز جوزف بطاقة مدام آلدر فون ~~كيس، فلما رآها الإمبراطور لم يتمالك أن ابتسم ثم قال: قل لهذه السيدة أن تأتي الساعة ~~الرابعة بعد الظهر. ~~- معها يا مولاي فتى تقول إنه أخوها. ~~- بل قل لها أن تأتي وحدها ولا داعي لامتثال أخيها. ~~••• # ولما حانت الساعة الرابعة كانت مدام آلدار كيس ماثلة لدى الإمبراطور فرنز جوزف وهي ~~أربط جأشا من قبل، وقد جمعت في نفسها كل ما عندها من الأبهة والجلال، واستتمت كل ما ~~لها من الحسن والجمال. وكان الإمبراطور يبالغ في الابتسام ليخفي ما يبدو من هيبته ~~الرهيبة مخافة أن ينفر تلك الحمامة الوديعة. # فأمرها أن تجلس على كرسي في مقربة منه، فكان مقابلا لجانبها الأيمن؛ ولهذا كانت ~~معظم الوقت ملتفتة إليه إلا نادرا، ولما جلست قال باسما: عسى ألا يكون قد راعك حكم ~~المحكمة عند صدوره يا مدام. ~~- إنه لحكم عادل يا صاحب الجلالة والعدل، لا يروع بل يطأطئ الرأس له احتراما، وإنما ~~حلم جلالتكم يرفع الرأس للدعاء ويخفق له الفؤاد حبورا. إن أهل فينا بل بلاد النمسا ~~كلها تلهج اليوم بالثناء على جلالة إمبراطورها الذي يؤدب الخطأة من رعيته بالحلم ~~والصفح. # وكان الإمبراطور يتهلل بشرا وبهجة، فقال: لقد أحسنت في طلب ms004 العفو لأخيك يا مدام؛ ~~لأني كنت مصمما على تأديبه في الحبس، لو لم يثر هذا البهاء في قلبي عاطفة الحلم ~~والشفقة. # فتوردت المرأة وقالت مستقدمة كل ما تستطيعه من اللطف والرقة: إن الحلم والشفقة خلقة ~~في جلالة مولانا الإمبراطور. ~~- وللغضب مكان حتى في قلب الملاك يا مدام، ونحن الرجال أقرب إليه منكن، ولا يطفئ ~~سورة غضبنا إلا رذاذ من ماء جمالكن. # فاكفهرت المرأة قليلا، وقبل أن تجد جوابا لهذا القول قال الإمبراطور: أظن زوجك من ~~أسرة معروفة، أظنه من النبلاء، فإني أتذكر اسم كيس. # فأغضت المرأة قليلا ثم قالت: نعم، إنه من نبلاء هنجاريا المخلصين لجلالة ~~مولاي. ~~- ولكني لا أذكر أني رأيته في البلاط. ~~- ربما لم يستحق هذا الشرف العظيم. ~~- مهما يكن السبب فقد أصبح يستحقه منذ الآن. ~~- إن تعطفات مولاي سلسلة لا تنتهي. ~~- إذن أنتظر أن أراكما في التشريفات القادمة. # فصمتت المرأة كأنها حارت ماذا تجيب، فاستغرب الإمبراطور وقال: هل من مانع؟ ~~- أجل يا مولاي، إني أخجل أن أقول إن الفون كيس لا يستحق هذه النعمة. ~~- عجبا! ~~- وليس في وسعي أن أبلغ إليه بشراها. ~~- عجبا، عجبا! ~~- لقد هجرني منذ عام يا مولاي. ~~- السبب؟ السبب؟ ~~- إنه مقامر مسراف، وبدلا من أن ينفق علي وعلى ولدنا أراني مضطرة أن أنفق عليهما، ~~وأن ألقم فم قماره المفغور على الدوام. أرجو أن يصفح مولاي عن جسارتي في أن أشكو من ~~زوجي، ولكن إذا كنت لا أشكوه إلى ولي النعم ومنصف الجميع، فلمن أشكوه؟ # فظهرت ملامح الغضب على محيا الإمبراطور وقال: لا بد أن يكون الفون كيس في منتهى ~~الحمق والطيش، وإلا فلا أفهم كيف يستطيع رجل عاقل أن يغضب ملاكا كريما. # فاشتد ازمهرار المرأة واستمر الإمبراطور يتكلم فقال: إني سأبذل جهدي في تقويم عوج هذا ~~الأحمق، وكيف تنفقين عليه يا مدام؟ هل لك مورد تليد؟ ~~- كلا يا مولاي، وإنما لي مورد طريف؛ إني أكسب رزقي باستحقاق. ~~- تشتغلين؟ ~~- أمثل في ملعب «ستات». # فحملق الإمبراطور قليلا وقال: إذن ممثلة؟ ~~- نعم يا مولاي. ~~- وأظنك كوكبة الملعب. ms005 # فامتقعت باسمة وقالت : كذا يلقبني الجمهور، ولكني لا أثق أني أستحق هذا اللقب قبل أن ~~يوافق عليه جلالة الإمبراطور. ~~- إني أود أن أراك تمثلين في ملعب هوفبرغ الإمبراطوري، أما رآك مديره ~~تمثلين؟ ~~- لا بد أن يكون قد رآني. ~~- أما طلب إليك أن تنضمي إلى جوقته؟ ~~- ربما فعل بأسلوب غير صريح، ولعل الله رام أن يكون حصولي على هذا الشرف العظيم ~~بأمر جلالتكم لا باختيار مدير الملعب. ~~- إذن سأراك تمثلين في ملعب هوفبرغ؟ ~~- إن نعم مولاي متوالية، فلا يمكن أن يشملها شكر وحمد. ~~- سأوعز إليه أن يطلب مدام فون كيس. ~~- بل كاترين شراط يا مولاي؛ لأنه منذ هجرني زوجي استعرت اسمي القديم، وبه أنا معروفة ~~عند جماعة الممثلين والجمهور. ~~- حسنا جدا، وأود أن تحافظي على هذا الاسم اللطيف، إلا إذا كنت ترغبين في إصلاح ~~الأمر بينك وبين زوجك. # وهنا كان نظر الإمبراطور منحرفا عن جهة الممثلة، ولكنه لمح أنها أطرقت وهي تقول: كنت ~~أود أن يكون علاج هذا الموضوع ناجعا؛ ولكني جربت كل علاج بلا جدوى، فيعز علي أن يغدق ~~مولاي نعمة نصحه على من لا يقدرها قدرها. # فابتسم الإمبراطور وقال: ما دمت غنية عنه فدعيه حتى يرعوي من نفسه، وما دمت ~~ذات صلة بالبلاط فأنت في غنى عنه. ~~- إن رضى مولاي لهو الغنى، بل هو السعادة التي يحلم بها الكثيرون ويستحقها القليلون، ~~ولكن قد ينالها من لا يستحقها أيضا. # فضحك الإمبراطور قائلا: كأنك تنتقدين على الإمبراطور وضع الشيء في غير محله، أو أنه ~~يخطئ في منح عطاياه. # فاكفهرت قليلا ثم قالت: بل أعني أن جلالة مولاي حليم جدا يسبغ النعمة على من ~~يستحقها ومن لا يستحقها، لكي يبذل غير المستحقها جهده في أن يجعل نفسه مستحقا ~~لها. # فقهقه الإمبراطور قائلا: كأنك تقولين إن الإمبراطور يمنح الجزاء سلفا. ~~- كذا كذا يا مولاي. ~~- إذن هذا جزاء حسناء ملعب هوفبرغ العتيدة. # وأخذ من جيبه علبة يدل ظاهرها على نفاسة ما في باطنها ودفعها إليها، فنهضت حالا وجثت ~~بين يديه وتناولت العلبة خافقة الفؤاد، ms006 فأمسك الإمبراطور فرنسيس جوزف كفها وضغطها وهو ~~يرفعها حتى وقفت معه. فانحنت مدام شراط على كفه وقبلتها وهو يضغط بكفيها على صدره، ثم ~~قال: أود أن أرى حسناء هوفبرغ تستحق أكثر من هذه الهدية. # فابتسمت عن ثغرها وقالت: ستبذل حسناء هوفبرغ جهدها في أن تكون أمة مخلصة ولائقة ~~للعبودية لجلالة إمبراطورها. # | الفصل الثالث # زوبعة زعزعت فؤادا # ما هي إلا بضعة أشهر حتى جعلت جرائد فينا تطنطن بما سيراه الجمهور في الملعب ~~الإمبراطوري هوفبرغ من سمو موضوع الرواية وعظم مقامها، ومن أبهة حسناء الملعب مدام ~~كاترين شراط وجمالها وبراعتها في التمثيل. وما صدق أهل فينا أن حان موعد افتتاح ~~الملعب الإمبراطوري بالثوب الجديد حتى اكتظ الملعب بنبلاء المدينة وسراتها، ولا سيما ~~لأن الإمبراطور فرنز جوزف والإمبراطورة زوجته كانا في المقصورة الإمبراطورية. # في الفصل الأول ظهرت مدام كاترين شراط فدوى الملعب بالتصفيق لجمالها وجلالها، وكان ~~كلما بدا في تمثيلها معجب صفق لها الجمع حتى الإمبراطور نفسه، ولم يستثن من التصفيق ~~إلا الإمبراطورة. # ولما انتهى الفصل الأول تنحى الإمبراطور إلى القاعة الإمبراطورية المختصة بالتدخين، ~~حيث مثل لديه بعض كبار حكومته؛ أما الإمبراطورة فبقيت في المقصورة بالرغم من إلحاح ~~الإمبراطور عليها أن تتنحي إلى القاعة الأخرى، ثم أمرت أحد الحارسين في باب المقصورة أن ~~يستدعي مدير الملعب، فلبى المدير الأمر في الحال، وراعه ما رآه من عبوسة الإمبراطورة، ~~ولا سيما لأنها لم تأمره بالجلوس، بل بقي ماثلا لديها مثول العبد أمام سيده، فقالت: ~~أرى كل شيء جديدا الليلة. ~~- نعم يا صاحبة الجلالة، فإننا نبذل ما في الوسع لجعل الملعب الإمبراطوري في مقدمة ~~ملاعب أوروبا، فالرواية جديدة وبعض الممثلين جدد أيضا. ~~- والملابس جديدة أيضا؟ ~~- نعم، فعسى أن تكون جلالة الإمبراطورة راضية عن اعتنائنا بإتقان كل شيء. # وكانت الإمبراطورة تزداد تقطيبا فقالت: من صنع ملابس الممثلة مدام شراط؟ # فاختلج مدير الملعب إذ أدرك النقطة التي تسدد إليها غضب الإمبراطورة وقال: صنعت يا ~~مولاتي في المصنع الإمبراطوري. ~~- حيث تصنع ملابس الإمبراطورة؟ # فاختبل الرجل وحار فيما يجيب، واستأنفت ms007 الإمبراطورة الكلام قائلة : لم يبق إلا أن ~~تأتوا بالإمبراطورة نفسها وببطانتها إلى الملعب لكي تسروا الشعب. # فانحنى الرجل وكاد يجثو على الأرض وهو يقول: يا صاحبة الجلالة، لو لم يكن جلالة ~~الإمبراطور قد أذن بأن تصنع ملابس الممثلة مدام شراط في المصنع الإمبراطوري، لكنت ~~ألغي هذه الملابس في الحال. ~~- وقد بلغت القحة منكم أن تستأذنوا جلالة الإمبراطور في أمر لا يدري من شئونه شيئا؛ ~~لأنه من خصائصي. ~~- عفوك يا مولاتي يا ذات الجلالة، إني أستأذن جلالته في إبدال الملابس. # فتغيظت الإمبراطورة شديد التغيظ وقالت: ألا تزال تزج جلالة الإمبراطور في هذه ~~المسألة بعد أن صرحت لك عن إرادتي؟ ~~- ليكن ما تشائين يا جلالة الملكة. ~~- كفى كفى. # فانحنى الرجل أمامها وخرج مرتبكا، وذهب توا إلى داخل المسرح واستدعى مدام شراط ~~قائلا: انزعي ملابسك حالا والبسي ما تشائين من ملابس الملعب الأخرى. # فذعرت المرأة قائلة: لماذا لماذا؟ ~~- جلالة الإمبراطورة غير راضية. # فاكفهرت مدام شراط وارتبكت في الأمر وترددت قائلة: ماذا تقول؟ جلالة ~~الإمبراطورة؟ ~~- لا وقت الآن لقص التفاصيل، يكفي أن أقول لك اخلعي هذه الملابس إرضاء ~~لجلالتها. ~~- هل درى جلالة الإمبراطور بذلك؟ ~~- ليس ذلك من شأن جلالته. # فتقطبت مدام شراط قائلة: ليس من شأن جلالته؟ إذن من شأن من هذا؟ لا نعلم بسلطة فوق ~~سلطة جلالة الإمبراطور، يجب أن نستأذن جلالته في نقض إذنه، وإلا فتتحمل وحدك تبعة هذا ~~النقض. # فتحير المدير واشتد ارتباكه، ثم خرج وأوعز إلى كبير أمناء الإمبراطور أن يستأذن له ~~في مقابلة خاصة قبل رفع الستار عن الفصل الثاني، وفي دقيقة كان المدير في حضرة ~~الإمبراطور وحده فقال: إن جلالة الإمبراطورة غاضبة لظهور مدام شراط بملابس من صنع ~~المصنع الإمبراطوري الخاص، ويصعب جدا إبدال الملابس في أثناء التمثيل. فإذا كانت ~~جلالتها تأذن بتأجيل إبدال الملابس منذ الليلة القادمة نمنع القال والقيل بشأن إبدالها ~~النهائي. # فعبس الإمبراطور وفكر هنيهة ثم ابتسم وقال: استمروا في شغلكم وجلالة الإمبرطورة ~~ترضى بما يرضى به الإمبراطور. # فانحنى مدير الملعب وخرج متنفسا الصعداء. وأما ms008 الإمبراطور فعاد إلى المقصورة وجلس ~~إلى جانب الإمبراطورة، ولم تخف عليه كآبتها، وما هي إلا دقائق قليلة حتى ارتفع الستار ~~عن الفصل الثاني واستؤنف التمثيل، ولو كان الإمبراطور إلى يسار الإمبراطورة لسمع ~~ضربات قلبها وهي تنتظر ظهور مدام شراط. # وما طال الوقت حتى ظهرت مدام شراط بالثوب عينه الذي ظهرت فيه في الفصل الأول، فما كان ~~من الإمبراطورة إلا أن نهضت على قدميها كأن قوة غير منظورة أوقفتها، وقالت: أود أن ~~أرتاح في غرفتي يا سيدي. ~~- عجبا! ~~- إني تعبة غير مسرورة، إذا شئت يا سيدي أن تبقى فأذهب وحدي في حاشيتي. # وما تمهلت لحظة بل خرجت على الأثر حتى ارتبك الحرس، فخرج الإمبراطور آخذا بيدها ~~وقال: الحرس إلى القصر. # فأسرع الحراس الذين عند باب المقصورة وأرسلوا الأمر إلى الحراس المنتظرين في ~~الإيوان الخاص بهم، فركب هؤلاء في الحال وحفوا بالمركبة الإمبراطورية التي درجت في ~~الحال بالإمبراطور والإمبراطورة إلى القصر. # وما أشارت الإمبراطورة إلى سر تغيظها حتى أقنعها الإمبراطور بأن الملعب إمبراطوري؛ ~~فلا حرج أن يكون فيه كل ما يليق بالإمبراطورية، ولم تجسر الإمبراطورة أن تمس الموضوع ~~الذي كان يلعب بظنونها. # وقد مرت أيام فصل التمثيل ومدام شراط تظهر بالثوب الذي كان قذى في عيني اليصابت بنت ~~دوق بافاريا وملكة النمسا. # | الفصل الرابع # رذاذ دهاء على جذوة غيرة # في ذات يوم تأخر الإمبراطور فرنز جوزف في الصيد خلافا لعادته، فلعب الفأر في صدر ~~إليصابات الإمبراطورة، فكانت تطوف في قاعات القصر على غير هدى وهي تلاهي نفسها هنا ~~وهناك بما ترى وما تنظر، ولكن ثورة القلق كانت سائدة، ومتى كان القلق قلق غيرة فلا ~~ينجي منه حول ملك ولا طول دولة. # لم يعد الإمبراطور إلى القصر حتى ضحى اليوم التالي، بعد أن ورد إلى الإمبراطورة ~~بلاغ رسمي أن الإمبراطور قضى ليلته في قصر شن برن لسبب تأخره في الصيد. # وبعد أن دخل الإمبراطور إلى غرفته الخاصة استلفت نظره ما صادفه من تغير بعض الأشياء ~~في مواضعها، فاستدعى إحدى الوصيفات وسألها: هل دخل ms009 أحد إلى هذه الغرفة؟ ~~- نعم يا مولاي، جلالة الإمبراطورة أقامت فيها برهة وهي قلقة لطول انتظارها عودة ~~جلالتكم. # وخرجت الوصيفة وبقى الإمبراطور يفحص ما في الغرفة، ولما أبدل ملابسه قصد إلى خدر ~~الإمبراطورة ودخل إليها هاشا باشا، ولم تخف عليه آمائر كآبتها، فقال بعد أن جلس ~~إلى جانبها: إني متأسف لاضطراري إلى التأخر يا إليصابات، فإن القنص كالقمار يغري، ~~سواء في حالتي الإقبال والإدبار، ولكني توفقت كل التوفيق وستتغدين اليوم من ~~صيدي. # فقالت وهي لا تزال عابسة: لا ريب عندي أنك كنت موفقا، ولست أنتظر طعام الغداء ~~برهانا على توفيقك. # فقال محاولا مضاحكتها: بالطبع، إن تأخري وحده يكفي برهانا على توفيقي. ~~- لا ريب أن توفيقا كتوفيقك يوجب هذا التأخر. ~~- أليس كذلك؟ ~~- من غير بد. ~~- لو كان في وسعك أن تتحملي مشقات المطاردة يا إليصابات لكنت آخذك معي. # فتبرمت قائلة: إن صيدك يا سيدي لا يستلزم مطاردة، فهو موجود تحت أمرك، ولو كنت ~~موجودة معك لنفر صيدك منك، فخير لك أن أبقى بعيدة عن ... # فابتسم الإمبراطور مكفهرا قليلا ثم قال: عماذا؟ ~~- عن حيث يوجد صيدك. ~~- أين؟ ~~- في هيتزنغ. # فقال الإمبراطور مغضوضيا: أحب الصراحة يا إمبراطورة. # فأجابت ممتقعة: وأنا أحبها أيضا. ~~- إذن ماذا تعنين في هيتزنغ؟ ~~- أعني أن مدام شراط هناك. ~~- وغيرها كثيرون هناك أيضا. ~~- ولكنها في الصرح الصغير. ~~- وهبي الأمر كذلك. ~~- في الصرح الذي أهديتها إياه. ~~- لا أرى أمرا مستهجنا في أن يهدي الإمبراطور هدايا ثمينة لنوابغ رعاياه تشجيعا ~~لهم ومكافأة لاجتهادهم، وقد علمت أن كل أهل فينا يطنبون في تمداح الممثلة مدام شراط؛ ~~فرأيت من الواجب أن أهديها هدية. ~~- ليس المستهجن أن يهدي الإمبراطور هدايا لنوابغ رعاياه، وإنما المستهجن أن يهدي ~~الإمبراطور صرحا لكاترين شراط مجاورا لقصر شن برن العظيم. ~~- لا أرى هجنة في ذلك إذا اتفق أن الصرح قريب من القصر. ~~- ولا ترى هجنة في أن ينفتح بين القصر والصرح طريق خاص؟ ~~- هذا الطريق فتح قبل أن يهدى القصر. ~~- نعم، ولكن فتح بعد أن نوي إهداؤه. ~~- وما معنى كل ms010 ذلك يا إليصابات ؟ ~~- معناه أن مدام شراط تؤخر الإمبراطور في الصيد ليلة. # فتململ الإمبراطور وكظم غيظه وقال متضاحكا: إنك تتهمين الإمبراطور تهمة تعاقبين ~~عليها. ~~- أود أن تكون تهمة كاذبة وأتحمل العقاب بصبر. ~~- إني أنكر كل ما تعزينه إلي، وما أكرمت هذه الممثلة إلا مكافأة لنبوغها بعد أن ~~مدحها الجمهور، وصار الشعب يلومني إذا لم أتعطف عليها بهدية. ~~- ولكن لا تنس يا إمبراطور أن مدام شراط لم تنل مدح الجمهور لو لم تظهر في الملعب ~~الإمبراطوري ممثلته الأولى، ولم تظهر فيه كذلك إلا بعد أن أمر الإمبراطور بذلك. فقد ~~أوجدتها لكي تكافئها. ~~- لو لم تكن أهلة للثناء لما نالته، ولو أمر ألف إمبراطور. # فابتسمت قليلا ثم قالت: عسى أن يكون كلامي افتراء، ولكن ما معنى إهداء الصرح بعد ~~إهداء الوفير من الحلي. ~~- كل تلك الحلي التي أهديتها لمدام شراط لا تليق بأن تكون هدية إمبراطور النمسا ~~لنابغة ممثلاتها. ~~- حسنا، وهل الصرح لائق بذلك؟ ~~- بالطبع. ~~- والعقد؟ ~~- أي عقد؟ ~~- عقد اللؤلؤ النفيس الذي لم تهد الإمبراطورة مثله حتى ولا يوم عرسها. ~~- ما شأنه؟ ~~- هدية لمدام شراط أيضا؟ # فازمهرت عينا الإمبراطور قليلا ثم قال: لا علم لي بهذي الهدية. ~~- عجبا أتنكر؟ ~~- لم أهدها عقدا قط، ولا علم لي بعقد لمدام شراط. ~~- لم تهدها إياه بعد، ولكنك لا تنكر أنك أعددته هدية لها. ~~- وبهذا تفترين علي أيضا يا إليصابات. ~~- عجبا هل تريد أن أقنعك بالمحسوس؟ ~~- نعم. ~~- إذن قم معي. # وأمسكت بيده فتبعها، حتى دخلت إلى غرفته وتقدمت توا إلى مكتبه، وأخذت المفتاح من ~~المكان الذي كان مخبئا فيه، وفتحت الدرج وقالت: انظر هذه العلبة. ~~- نظرتها؟ ~~- العقد فيها، أليس العقد فيها؟ لعلك أخفيته. ثم تناولت العلبة وفتحتها فظهر فيها عقد ~~من اللؤلؤ يساوي عشرة آلاف جنيه، وقالت: هذا العقد لمدام شراط أيضا. # فقال: من قال لك أنه لها؟ ~~- إذن لمن هو؟ ~~- اقرئي ما كتب على المادليون الألماسي الذي علق فيه. # فأنعمت الإمبراطورة النظر وقرأت الكتابة مدهوشة، فإذا هي: # هدية من الإمبراطور فرنز جوزف إلى زوجته الإمبراطورة ms011 اليصابت تذكارا لعيد ~~ميلادها. # ثم التفتت إليه مبهوتة وقالت: عجيب، تأملت هذا العقد جيدا، ونظرت في هذا ~~المادليون فلم أر فيه هذه الكتابة، بل لم أر فيه هذا البهاء الباهر، فكأنه غير ما ~~رأيته. # فابتسم الإمبراطور وقال: لا بدع أن لا ترى هذا المادليون كما رأيتيه الآن يا مدام؛ ~~لأن وساوس صدرك أظلمت بصرك، ولو كنت تنفين هذه الوساوس من نفسك لكنت ترين الإمبراطور ~~كما هو لك. # فابتسمت وقالت: أحقيق أن ما في صدري وساوس لا حقائق يا فرنز؟ أتمنى أن أكون مخطئة ~~وألتمس منك الصفح، إن هذه الهدية ثمينة يا فرنز ولكن إخلاصك عندي أثمن جدا. # ثم ارتمت عليه وقبلته، فقبلها وهي تقول له: سامحني يا فرنز سامحني. # فقال: إني أسامح سوء ظنك، ولكني لا أغفر لك بحثك في غرفتي واطلاعك على دخائلي ~~الخصوصية. ~~- أما أنا، فأسمح لك أن تطلع على كل شيء في غرفتي الخاصة، فلا تجد إلا كل برهان ~~على إخلاصي لك. # فقال باسما: أجل، ولكن لا يخفى عليك أن هذه الغرفة غرفة رئيس المملكة كلها، وأما ~~غرفتك فغرفة ربة القصر فقط. ~~- إذن هلم بنا إلى غرفتي حيث أكون صاحبة الأمر والنهي. ~~- سمعا وطاعة يا ذات الجلالة. # ومشى معها إلى غرفتها وهي تبالغ في ملاطفته، ثم جلسا فقالت: «أود أن أفعل في مملكتي ~~الصغيرة هذه ما يسرك، فقل ماذا تريد أن أفعل؟» ~~- أريد أن تأمري وتنهي. ~~- إذن نشرب كأسا معا. ~~- نشرب. # فأوعزت إليصابات في إحضار المشروب وتساقيا برهة وهما يتنقلان في أحاديث مختلفة، ثم ~~قال: إذا كانت أوامرك ونواهيك قد انتهت فاسمحي لي أن أعود إلى مكتبي، حيث أرى بعض أشغال ~~المملكة. ~~- لك ذلك يا عزيزي. ~~- أليس لك أمر آخر؟ # ففكرت إليصابات هنيهة ثم قالت: نعم، نعم، لي رجاء لا أمر، وهو أن تعين البارون ~~هرمن برجن ابن مربيتي مرثا في سكرتيرية البلاط. # ففكر الإمبراطور هنيهة ثم قال: سأنظر في الأمر يا عزيزتي. ~~- ما كنت أظن الأمر يحتمل نظرا. ~~- سأفعل ما يسرك. ~~- إذن قبلني قبل أن تخرج. ms012 # | الفصل الخامس # مرارة النفس # اختلت الإمبراطورة إليصابات في ذلك المساء في غرفتها وهي في منتهى الكآبة، وقلما جسرت ~~واحدة من وصيفاتها أن تدخل عليها وهي لم تدع واحدة منهن قط. # وكانت الإمبراطورة قد اصطحبت معها من دوقية بافاريا مربيتها البارونة مرثا برجن؛ ~~لأنها كانت تثق بها ثقتها بأمها، وكانت البارونة تحبها محبة الأم لابنتها؛ ولهذا كانت ~~موضوع ثقتها وذات دالة عليها، وهي بين بطانة الملكة كانت الوحيدة التي تدخل على ~~الإمبراطورة باستئذان أو بغير استئذان إذا لم يكن ثمة داع للاستئذان. # ففي ذلك المساء قلقت مرثا على الإمبراطورة لطول انفرادها في خدرها، فدقت على الباب ~~مستأذنة أن تدخل، فتنهدت إليصابات ملء صدرها وقالت: تعالي يا مرثا تعالي، لعل الفرج ~~عندك. # فدخلت مرثا ورأت امتقاع لون إمبراطورتها، فاكتأبت وقالت: عفوك يا سيدتي يا حبيبتي، هل ~~من جديد يؤلمك؟ ~~- آه يا مرثا يا عزيزتي، يا أمي يا معزيتي، لقد استوى القديم والجديد عندي، لقد ~~تحققت الآن أنه ليس في الدنيا ما يكفل السعادة لإنسان حتى الملك نفسه لا يكفله، ~~وربما كنت أشقى من أشقى أشقياء رعاياي. ~~- هل ساءك جلالة الإمبراطور سوءة جديدة يا حبيبتي؟ ~~- إن الإمبراطور يسوءني كل دقيقة من حياتي، ما دام ذا صلة بتلك الممثلة ~~الساقطة. ~~- هل تأكدت ... ~~- لا شك أنه كان هناك، ولا يمكن أن تجوز علي تمويهاته. # فتأوهت البارونة قائلة: إنها لامرأة داهية، ولكن جلالته حاذق. وأعجب كيف ... # فقاطعتها الإمبراطورة قائلة: تبا لها من فاجرة، أليس لها زوج مسيطر عليها؟ ~~- بلى لقد تحققت يا عزيزتي أن لها زوجا من نبلاء هنجاريا يدعى البارون الدر فون ~~كيس. ~~- عجبا! وهل يسكت هذا النبيل عن زيغان زوجته؟ لا أدري لماذا لا يحصنها في خدرها كما ~~يليق بنبيل مثله؟ # فابتسمت البارونة مرثا برجن ابتسامة هزء وقالت: لقد تلقفها من حمأة قذرة وبقيت في ~~قذارتها. ~~- تبا له، كيف يتسفل نبيل إلى حمأة؟ ~~- ما هو بأطهر منها يا سيدتي. ~~- تقولين إنه نبيل! ~~- أجل، ومعظم الدرن في كثير من أهل النبل. ~~- إذن ... ~~- هل يعاب الدر ms013 فون كيس أكثر من جلالته؟ # فوضعت إليصابات كفها على عينيها كأنها تريد أن تحجب عارا يقف أمامها وقالت: إنها ~~لطعنة نجلاء من يدك يا مرثا، ولكنها الحقيقة، والحقيقة أشد إيلاما من الشبهة. فما رأيك ~~يا مرثا إني أستطيع احتمال عار العودة إلى بافاريا ولا احتمال هذا المصاب. ~~- صه يا حبيبتي، لا يلوحن في بالك هذا الخاطر؛ فإنه شر الضربات على المملكة وعلى أسرة ~~هيسبرج. ~~- آه لا أطيق، لا أطيق يا مرثا، هل يمكن الطلاق؟ # ووضعت إليصابات وجهها في كفيها وبقيت تنحب، ومرثا لا تزال جالسة أمامها وقد تفجر ~~الدمع من عينيها أسى على ربيبتها، ثم قالت: هوني عليك يا عزيزتي وخفضي عنك، فلكل ~~أزمة مفرج. # فرفعت إليصابات رأسها وقالت: أليس في الإمكان إقناع ذلك النبيل الدر فون كيس أن يحصن ~~امرأته في بيته؟ ~~- خطر لي هذا الخاطر يا مولاتي، ولكني علمت أنه لولاها لكان بلا بيت، فهي التي تجمع ~~وهو الذي ينفق؛ لأنه سفيه مسراف مقامر، فكيف يستطيع إرغامها على أن تلازم منزله؟ ~~- هبي أننا ملأنا وطابه وأغريناه؟ ~~- لا خسار في التجربة والاختبار، فإذا شئت ندس من يباحثه في الأمر. ~~- لا تدخري وسعا في ذلك يا حبيبتي يا مرثا، يا أمي يا سلواني، أكاد أجن من جراء ~~بختي وسوء طالعي. # | الفصل السادس # ما خلونا بقدر أن قلت: أنت الح # فوافى فقلت كيم الطبيب # كانت الساعة الثامنة حين كان الإمبراطور فرنز جوزف جالسا جنب عشيقته كاترينا شراط في ~~الصرح المسمى بصرح كيتي # Villa Kity ~~- مشتقا من اسم ~~كاترينا «صرح كيتي» - هدية الإمبراطور لها في جوار قصره الصيفي شرن برن، وكانت القاعة ~~التي ضمتهما مزدانة بالرياحين والنفائس، وكان لديهما خوان جميل من خشب السنط، وقد بسطت ~~عليه الصحاف والكئوس، ولم يكن يدخل عليهما إلا غلام زنجي ربي في الأستانة وانتقل من ~~خدمة كبير إلى خدمة كبير حتى كان خادما عند سفير تركيا في فينا، فاقتبسه بعض صنائع ~~كاترين شراط وجاءها به، وثبت في خدمتها لما كانت تغدقه عليه من النعم، ولما كانت ms014 تعفيه ~~من الخدم؛ فكان شغله مقتصرا على تلبية نداء الجرس الكهربائي حين يكون الإمبراطور ~~عندها. # وفي هذه اللحظة لا يكون أحد غيره من الخدم موجودا في الصرح؛ بل يطلق الخدم بعد أن ~~يكونوا قد أعدوا كل ما هو لازم قبيل أن تطأ أقدام جلالته القصر. # في تلك الساعة كان فرنز جوزف مورد الوجنتين تحت فعل الكحل، ومزمهر العينين تحت فعل ~~الغرام، وكاترينا تساقيه وتغازله وقد خف ثقل الجلالة فوق بخار الراح، ونزل عرش الصولة ~~وارتفع عرش الصبابة، فألقت كاترين ذراعها العاجية حوق عنق فرانز، وقبلته قائلة: «دع ~~العذول ده من فكرك.» # فقبل ثغرها وقال: «كدنا العذول ولا نلشي مرام». # فلثمته وقالت: الفؤاد مخلوق لحبك. # فلثمها وقال: والعيون على شان تراك. # فقالت: والنفوس تحيا بقربك. # فقال: والملوك تطلب رضاك. # ثم ضمها إلى صدره وقبلها في عنقها، فقالت: إن هذه القبلة في عنقي لأثمن عندي من ~~العقد الموعود له. # فنظر فيها وابتسم قائلا: تعنين أنك تستغنين عن العقد؟ ~~- إني أستغني عن كل شيء ما دام فرنز إلى جانبي. ~~- إذن لا تأسفين إذا لم تحصلي على العقد؟ ~~- بالطبع لا، وإنما آسف لأمر واحد. ~~- وهو؟ ~~- أن الملك ليس أوفى من وعد. ~~- سآتيك بسواه. ~~- والعقد نفسه؟ ~~- أخذته الإمبراطورة. ~~- مبارك عليها، فلها العقد ولي أنت، ولكن ... ~~- أخذته هدية عيد ميلادها. ~~- ولكنك قلت لي أنك هيأت لها مادليونا نفيسا جدا ونقشت فيه عبارة ~~الهدية. ~~- أجل ولقد أخذته بدل مادليون العقد. # ولم يخف على فرنز جوزف اضطراب مقلتي كاترينا شراط في محجريهما، فقال لها: لقد ~~علمت أنها اكتشفت العقد في درج مكتبي الخاص، فلكي أدفع شبهتها نزعت مادليونه وعلقت ~~فيه المادليون المعد لها، ولما جاءت بي إلى المكتب لتحجني وتريني برهانا على علاقتي ~~بك كسفت؛ إذ وجدت أن العقد مهيأ لها لا لك، وهكذا قطعت لسانها فالعقد لها وأنا ~~لك. ~~- إني راضية بهذه القسمة. ~~- ألا تطلبين ترضية مقابل خلف الوعد بالعقد يا كاترين؟ ~~- ترضية؟ ~~- نعم، ترضية علاوة على العقد الذي وعدتك به الآن بدلا من ذاك. ~~- لا أطلب ms015 من مليكي ترضية بل فضلا ، فإذا كان قد اضطر أن يخلف وعده في مسألة العقد، ~~فلا يضطر أن يخلفه إذا وعد بتعيين الفون در فلت ثاني سكرتير البلاط. ~~- الفون در فلت؟ ~~- نعم، فإن لهذا الفتى الغيور فضلا علي أود أن أكافئه عليه، وهو أصدق من يخدمني، ~~ولا غنى لي عن فتيان مثله يقومون ببعض مهامي. # فارتبك الإمبراطور وقال: عجبا! إن مطالبك ومطالب الإمبراطورة متصادمة دائما؛ فقد ~~طلبت مني قبلك مثل هذا الطلب لشخص آخر. ~~- الأمر لك يا مولاي، بيد أني ألتمس أن أقول أنك وعدتني قبلها بالعقد وأخلفت وعدك ~~لي؛ فليس عظيما أن تخلف وعدك لها بأمر صغير كهذا. ~~- ليكن ما تريدي يا كاترين، فلا تستائي. # ثم تعانقا، وفي إبان عناقهما نقر الباب، فأجفل الإمبراطور وقال: هل يجسر الزنجي ~~أن ... ~~- إن في الأمر دسيسة، دعني أرى. # ثم نهضت وخرجت فتلقاها ألماس أغا الزنجي الخادم، وقال بالإفرنسية السقيمة لأنه لا ~~يعرف غيرها إلا التركية: مولاتي، هو ذا رجل في باب الصرح يلح في مقابلتك الآن، بالرغم ~~من تأكيدي له أن الأمر مستحيل. ~~- يا لله! من هو هذا الوقح، اطرده وإن دعت الحالة فاصفعه، لن أقابل أحدا. ~~- لا قبل لي على طرده إلا إذا أذنت لي باستدعاء البوليس تلفونيا والاستعانة به ~~على طرده. ~~- عجبا ألم يقل اسمه؟ ~~- لا. ~~- اذهب واحتل عليه أن يخرج، فإن لم تستطع إخراجه فسله ما اسمه. # فعاد الماس أغا وعادت كاترين تقص على الإمبراطور الحديث، وما هي إلا هنيهة حتى عاد ~~الزنجي فاستقبلته كاترين خارجا، فقال: إن الرجل يصر على مقابلتك وهاك بطاقته. # فتناولت كاترين البطاقة وقرأت: «البارون الدر فون كيس». # فامتقع لونها قليلا وفكرت مليا، ثم دخلت وقالت للإمبراطور: زوجي الفون كيس يريد ~~مقابلتي، يلوح لي أن هذا في حاجة إلى النقود، تبا له من خسيس يعيش بما يبتز من ~~امرأة. ~~- المسألة بسيطة أعطيه واصرفيه. # فخرجت كاترين وقالت لألماس: أدخله إلى البهو، وها أنا ذاهبة إليه. # | الفصل السابع # إذا حل الثقيل بأرض قوم # فما للساكنين سوى الرحيل ms016 # دخلت كاترين إلى البهو فوجدت الدر يتمشى فيه وهو ينظر إلى مفاخره ونفائسه، فقالت: ~~سلاما يا الدر، ماذا تريد الآن؟ هل من حالة مستعجلة؟ # فحملق فيها قائلا: عجبا! إذا جاء الرجل إلى بيته فهل يكون طالب حاجة ~~مستعجلة؟ # فدهشت كاترين لجوابه وقالت: بيتك؟ ~~- نعم، حيث تسكن زوجتي يكون بيتي. ~~- لله منك وقحا! أين حجة بيتك أو أين عقد إيجاره الذي دفعته؟ # فقهقه الدر هازئا وقال: لا فرق بين أن يدفع الرجل أو المرأة ثمن المنزل أو أجرته؛ ~~لأنهما شريكان طول الحياة. ~~- في أي شرع تدفع المرأة ثمن بيت زوجها أو أجرة سكناه؟ ~~- ليس من يضطرك أن تدفعي ثمن بيت أو أجرة سكناه إلا إذا كنت تصرين على سكنى بيت خاص ~~بك، فعليك أن تدفعي ثمنه أو أجرة سكناه. ~~- لا أفهم معنى ذلك كله يا الدر. ~~- معناه واضح جلي، إنك زوجتي فيجب أن نسكن معا. ~~- نسكن معا؟ ~~- نعم. ~~- ولكن هذا الصرح ... ~~- إذا أبيت أن أساكنك في هذا الصرح، فنسكن في بيت آخر. ~~- وأنا أدفع النفقات؟ ~~- لا، بل أنا أدفع كل شيء يجب على الزوج أن يدفعه. # فقهقهت قائلة: اليوم أنت رابح فتدفع، ومتى خسرت فمن يدفع؟ ~~- إذا اضطررت أن تدفعي فاهجري منزلي إلى صرحك. # ففكرت هنيهة ثم قالت: حسنا، متى هيأت المنزل نسكنه؟ ~~- المنزل متهيئ فتفضلي معي الآن. ~~- عجبا متى كانت لك هذه النخوة؟ ~~- ربما كنت قد فقدت نخوتي، ولكنها عادت إلي اليوم. ~~- يسرني ذلك جدا فتعال غدا وخذني إلى منزلي الجديد. ~~- بل تذهبين معي الآن. ~~- لا، لا أريد أن أذهب الآن. ~~- لا بأس، أبقى أنا هنا الليلة. ~~- عجبا! ~~- لا أدري أين العجب في أن يكون الرجل مع زوجته؟ ~~- ولا أدري أنا كيف يحتم الرجل أن يكون مع زوجته متى شاء، وأن يهملها متى شاء؟ ~~- الذنب ذبنك في سكوتك على إهمالي الماضي، فلماذا لم تطالبيني بحقك كما أطالبك بحقي ~~الآن؟ # فأفحمت كاترين وأغلق عليها، فلم تدر بماذا تجيب وكيف تتخلص من هذا المأزق، ~~وهي كل هنيهة تفتكر أن الإمبراطور ينتظرها قلقا، ms017 فتجلدت وتباسمت وقالت: لا بأس ، تعال ~~غدا فنقرر أمر المستقبل. ~~- لا شيء يستوجب التقرير، الأمر مقرر شرعا. إن لم تذهبي معي إلى بيتي فأبقى معك في ~~بيتك، وكلا البيتين لنا كلينا معا. ~~- بل أود أن تعفيني الليلة من هذا اللقاء. ~~- بل أود أن تسمحي لي بالبقاء هنا الليلة. ~~- وهب أني لا أسمح؟ ~~- لك ألا تسمحي، ولكن في هذه الحالة يجب أن تذهبي معي. ~~- وهب أني لا أذهب؟ ~~- تذهبين لأني لا أريد أن تكون امرأتي في منزل وحدها. ~~- لا أذهب. ~~- تذهبين بالقوة. ~~- أية قوة؟ ~~- قوة البوليس الشرعية. ~~- عجبا، لا قبل للبوليس ... ~~- لا قبل للبوليس أن يرفض تنفيذ أمر قانوني. ~~- وهبه رفض؟ ~~- آتي بوزير الحقانية ووزير الداخلية أنفسهما، أقيم القيامة الليلة على رأسك، إن ما ~~أطلبه حق، ونحن في بلاد دستورية يخضع فيها للقانون الكبير كالصغير. فهل فهمت؟ ~~- بالله من لقنك هذا الدرس؟ ~~- إني رجل مستوف للمعارف اللازمة، فلا حاجة بي إلى من يلقنني؟ # فامتقع لون كاترين وحارت ماذا تفعل، وأخيرا قالت: أدفع لك مضاعف حاجتك من ~~النقود. ~~- قلت لك إني في غنى عن نقودك. ~~- إني أتوسل إليك أن تمهلني الليلة. ~~- لا أمهلك لحظة، تبقين أبقى، وإلا فنذهب معا. # ففكرت كاترين لحظة ثم قالت: تفضل اجلس، وسنبحث مليا في الموضوع، اسمح لي أن أرتدي ~~معطفي فإني شاعرة بقشعريرة. # وتركته في البهو وأوصت الماس أغا أن يراقبه ريثما تعود، ودخلت على الإمبراطور مكفهرة ~~أي اكفهرار، وروت له محصل ما جرى، فارتبك فرنز جوزف وقال: ادفعي له كل ما عندك من ~~النقود، وإن اقتضى الأمر فبعض الحلي، القصد أن يذهب هذا الثقيل من هنا الليلة. ~~- ليست المسألة مسألة نقود يا مولاي، وإنما في الأمر. ~~- في الأمر دسيسة، أنا عارف. ~~- إذن يجب إبعاده بأية الوسائل، فماذا يمنع أن تصدر أمرك للبوليس بالقبض عليه ~~الآن؟ # فضحك الإمبراطور وقال: هنا الأمر والنهي لك وحدك يا كاترين. ~~- مولاي. ~~- أقول لك إني هنا بلا حول ولا طول متى كنت في خدرك. فحارت كاترين ولم تدر ماذا ~~تفعل فقالت: والعمل ms018 إذا كنت كشمشون عند دليلة ؟ ~~- الحيلة فقط. ~~- مولاي هاك التلفون، وكلمة إلى وزير الداخلية فيرسل يقبض على الدر هنا. ~~- وتريدين أن يذاع غدا في فينا أن الإمبراطور في «صرح كيتي»؟ ~~- إذن؟ ~~- تملقيه. # فهزت كاترين رأسها وقالت: التمليق لا يقاوم دسيسة يا مولاي، ومع ذلك سأجرب مرة ~~أخرى. # وما همت أن تخرج حتى سمعنا ضوضاء وجلبة وخصاما في رحبة الصرح، ففهما أن الماس ~~والدر يتصارعان، ثم سمعا الدر يقول: إني حر في أن أدخل إلى كل غرفة في منزلي، لا يستطيع ~~أحد أن يمنعني أو يخرجني. # فارتعدت كاترين وقالت: مولاي مولاي، إنه مقتحم إلى هذه الغرفة، ما رأيك أن أبادره ~~برصاصة في صدره. # فانتهرها الإمبراطور قائلا: إياك أن تفعلي، إن فعلتك هذه تزعزع العرش ~~بأركانه. ~~- رحماك يا سيدي، يكاد يفلت من بين يدي الماس، فهل تريد أن يراك هنا؟ # ولم يكن اكفهرار فرنز جوزف بأقل من اكفهرار كاترين شراط، فقال: لم يبق لي إلا أن ~~أخرج خروج اللص الآن لأجلك يا كاترين. # ثم انسل من الغرفة إلى غرفة أخرى مجاورة لها، وفي تلك اللحظة دخل الدر وهو يرغي ~~ويزيد ويقول: إن كان ثمة من مانع لطوافي في هذا المنزل، فلا بد من خيانة ترتكب فيه، ~~علي أن أتحقق كل ما هو جار في هذا الصرح. # فأمسكته كاترين وانتهرته قائلة: إنك في حجرة طاهرة، فلا تدنسها بمظانك السيئة وأنت ~~قادم من حمأة فجور، اجلس وقل لي الآن: ما الذي بدا لك حتى جئت معربدا؟ ~~- لست سكرانا ولا مجنونا، وإنما أنا رجل عاقل، وقد دخلت إلى منزل زوجتي، ومن حقي أن ~~أوجد في أي غرفة فيه، إلا إذا كانت زوجتي تخاف اكتشاف فضيحة، لا تقدري أن تقفي في ~~سبيلي. ~~- لك أن تطوف حيث تشاء. # وتركته يدخل في نفس الغرفة التي دخل فيها الإمبراطور، ثم طاف سائر غرف الصرح ~~ورحباته، وكاترين تصحبه حتى انتهيا في البهو، فتنهدت كاترين الصعداء وقالت: إن كان قد ~~سكن هياجك الآن فتعال نتحدث. # أما الإمبراطور فانسل من تلك الغرفة ms019 إلى الرحبة، حيث أخذ قبعته وأسرع مصطحبا الماس ~~إلى خارج الصرح كحارس له، ثم أمره أن يعود، واستطرق إلى مدخل قصر شن برن السري. # | الفصل الثامن # مساومة على صد # ولما اطمأنت كاترين شراط على الإمبراطور وتأكدت أنه بلغ إلى القصر من غير حدوث ضوضاء، ~~نظرت في الدر فون كيس زوجها نظرة غضب وقالت مزمجرة: ما الذي أخطر في بالك أن تأتيني في ~~غلس هذا الليل لكي تضايقني وتقلق راحتي؟ وما الذي حملك أن تترك شهواتك وتقلع عن موبقاتك ~~وتغفل قمارك وتجيء لمضاجرتي الآن؟ لقد مضت أسابيع وأشهر وأنت لا تسأل عني، فماذا جد ~~الآن؟! ~~- لقد تبت إلى الله وإليك يا كاترين. ~~- لقد سبق السيف العذل يا هذا، عد إلى ملاهيك وبطالتك، ودعني في راحتي. وإن كنت ~~في حاجة إلى نقود، فأعطيك بعض ما أستغني عنه، ولا تقلق راحتي بعد. # فقهقه الدر وتدلل عليها قائلا: لست في حاجة إلى شيء سواك يا عزيزتي. # فنفرت منه قائلة: أما أنا فإني في غنى عنك. ~~- وأما أنا فلا غنى لي عنك، فإن كنت تصرين على طردي من هذا القصر، فإني أصر على أخذك ~~إلى منزلي. ~~- منزلك! ~~- نعم لقد أعددت منزلا لائقا بك يا كاترين، وعندي كل شهر ريع كاف لنا ~~وزيادة. # فتمرمرت قائلة: كفى، كفى. إن الريع الذي تتوقعه ليس أشرف من ريع القمار. ~~- مهما يكن فإنه أشرف من هذا الصرح ومن الريع الذي تنفقينه فيه، لا تقدرين أن تعيبيني ~~بشيء يا كاترين. # فنظرت فيه نظرة غضب وقالت: عجبا هل تريد أن أحبر كتاب ماضيك؟ ~~- لست أيسر مني للتحبير. ~~- الأفضل أن تقفل هذا الباب. ~~- أنت تفتحين الأبواب، أما أنا فلا أطلب إلا أمرا واحدا، وهو أن أعيش مع زوجتي ~~زوجا لها، وهو حق شرعي لا أتنازل عنه. # فحنقت شديد الحنق وقالت: خسئت، غدا أطلب الطلاق. ~~- لا دستورنا ولا نظام كنيستنا يجيزان الطلاق، فلا تطمعي في هذه الأمنية. ~~- الفراق إذن. ~~- لا يتم إلا برضى الفريقين إذا لم يكن للطالب حجج قوية، فما هي حججك وأنا ms020 أعرض عليك ~~ما يعرض الزوج على زوجته. ~~- سأريك أنه يتم. ~~- لا تتعبي نفسك ولا تعتدي بصولتك، واعلمي أنه ما من قوة في الكون إلا وفي مقابلها ~~قوة أخرى تعادلها، ولولا ذلك لاختلت الموازنة، فأحذرك من التذرع بالقوى غير المنظورة، ~~فإن لي مثلها وأزيد عليك بأني أملأ الدنيا صياحا. # فاشتد امتقاع كاترين حتى تغير شكلها، وتنهدت وفكرت برهة ثم قالت: لا تتعب نفسك، ~~فما من قوة شرعية أو غير شرعية تقدر أن ترغمني على مساكنتك إذا كنت لا أبتغيها، فإن ~~كابر القضاء النمساوي هجرت النمسا. # فضحك الدر وقال: أعرف أنك لا تهاجرين النمسا يا كاترين، فلا فائدة من هذا التمويه أو ~~التهويل. ~~- كلا، لن أبرح النمسا وسأبقى فيها، ولكني أبقى حرة غير مقيدة بقيود شرعية أو غير ~~شرعية. ~~- لا تقولي ذلك، ما دمت في البلاد فأنت مضطرة أن تخضعي لقانونها. # فتنهدت ثانية وبقيت صامتة برهة، ثم قالت: دعنا من الحمق والمشاكسة، أنت فاهم ~~أفكاري وأنا فاهمة أفكارك، فلماذا لا نتساوم؟ ~~- نتساوم؟ ~~- نعم، أدفع لك كل شهر راتبا معينا. ~~- راتبا؟ ~~- نعم، جزاء تركك لي في دائرة حريتي. # فابتسم وقال: وأنا؟ ~~- أنت تعود إلى لهوك وحريتك أيضا. ~~- والبيت الذي هيأته؟ ~~- تسكن فيه مع من تشاء، ولك كل شهر ألف فرنك تقبضها ذهبا، ومتى قصرت عن دفعها لك ~~... ~~- ألف فرنك لا تكاد تكفيني أنا وحدي. ~~- عجبا! وهل كنت تنوي أن تنفق في بيتك أكثر من ألف فرنك كل شهر لو سكنت معك؟ ~~- بالطبع. ~~- إذن المسألة مزايدة، فأنت لمن يدفع أكثر؟ # فضحك الدر وقال: ليس في الدنيا شيء مجانا يا كاترين وللسرور ثمن، فأنت تدفعين بقدر ~~ما تبتغين من السرور، وغيرك يفعل كذلك. # فابتسمت في إبان غيظها وقالت: كم دفعوا لك يا الدر؟ ~~- ليس هذا موضوع بحثنا. ~~- لا بأس أدفع لك ألف و400 فرنك كل شهر. ~~- دفعوا أكثر. ~~- إذا لم تقبل ألفي فرنك فافعل ما تشاء إذن. ~~- أجاوبك غدا إذن. ~~- حسنا غدا أنتظر جوابك. ~~- تأذنين لي بالبقاء هنا الليلة، ولا تحسبي هذا اليوم من حساب ms021 الشهر؛ لأني لا أريد أن ~~أذهب وأبحث عن مرقد في هذا الليل. ~~- لا بأس، هاتيك غرفة فارغة. ~~- أراها غرفة خادمة، فإن شئت فنامي أنت فيها وأنا أنام في تلك. # | الفصل التاسع # تعبئة الجيش # دخلت البارونة مرثا برجن إلى خدر سيدتها الإمبراطورة، فتلقتها هذه باسمة وقالت: لقد ~~نجحت المناورة يا مرثا، فقد تأكدت أن الدر فون كيس بات عند زوجته تلك الليلة، ولم تستطع ~~أن ترفضه بوجه من الوجوه ... مالي أراك مقطبة يا مرثا؟ ~~- نعم، لقد نجحت المناورة أولا يا سيدتي، ثم أخفقت بعدئذ. # فأجفلت الإمبراطورة ثم قالت: عجبا كيف ذلك؟ ~~- لقد ساومت تلك الشيطانة زوجها وزادت الجعل، فباعها حريتها بثمن أزيد. ~~- يا للنذالة! يا للخسة! يا للدعارة! كنت أظن ذلك الزنيم يصون شرفه بما عيناه له ~~من الراتب الذي يسد فم زوجته ويلقم حلق شهواتها. ~~- أجل، ولكن هناك من يغالبنا في هذا المزاد. ~~- نزيد أيضا يا مرثا، نزيد. ~~- وغيرك يزيد أيضا، فهل تريدين أن تتحول ثروة النمسا إلى تلك الهاوية الدنسة؟ # فتنهدت الإمبراطورة وقالت: يا ويلتاه، هل ذهب الشرف وتولى الفجور؟ إذا لم تهجر تلك ~~الإبليسة فينا، فإني أهجر النمسا كلها، لا أطيق هذا الحال يا مرثا لا أطيقها، هلمي معي ~~إلى بافاريا إلى بيت أبوي. ~~- الإمبراطورة لا ترمي سلاحها لساقطة يا سيدتي، نحن في حرب وسنحارب. وهل علمت؟ ~~- ماذا؟ ~~- لقد تعين فون درفلت الكاتب الأول في سكريتارية الإمبراطور، أو بالأحرى ثاني ~~السكرتير. # فأجفلت الإمبراطورة وقالت: وابنك البارون هرمن؟ ~~- تعين الكاتب الثاني فقدم استعفاءه؛ لأنه يأبى أن يكون تحت سلطة فون ~~درفلت. # فلطمت الإمبراطورة خدها وقالت: يا لله هذا لا يطاق، لا يطاق يا مرثا، هل فقد ~~الإمبراطور شرف الكلمة؟ لقد وعدني وعدا صريحا، فماذا جرى له؟ # فحرقت مرثا الأرم وقالت: تلك الداهية، تلك اللعينة توسطت لفون درفلت. # فتنهدت الإمبراطورة من أعماق رئتيها ووضعت رأسها بين كفيها كأنها تكفكف دموعها، ثم ~~قالت: إلى بافاريا يا مرثا، يجب أن نبرح فينا حالا. ~~- كلا يا حبيبتي، بل نحارب. ~~- لا قبل لي على ms022 حرب رجسة كهذه. ~~- دعي القيادة لي ، فإني أنزهك عن أن تمدي أصبعك للحرب الرجسة. ~~- ماذا تنوين أن تفعلي يا مرثا؟ ~~- ستعلمين كل شيء في حينه يا حبيبتي، فهوني عليك وخففي من غمك. # | الفصل العاشر # حل جميل # في ذات يوم جاء إلى كاترين شراط شاب أهيف القد رشيق الحركة زلق اللسان، وقدم نفسه ~~باسم ماركوس فورسن المصور، فرحبت به وقالت: ربما سمعت بهذا الاسم فلا أتذكر. ~~- لقد جئت حديثا من تريستا يا سيدتي؛ إذ نصح لي بعض العارفين أن أشتغل فصلا في هذه ~~العاصمة الزاهرة على سبيل التجربة، فإن نجحت بقيت وإلا عدت. ~~- لعل الرواج قليل في تريستا. ~~- كلا، وإنما الذي نصح لي أكد أني أجد رواجا أعظم هنا لشغلي، وقد علمت أن حضرتك ~~راقية الذوق تقدرين الجمال قدره، فوددت أن يكون جلالك نموذجا لريشتي. # فابتسمت كاترين وقالت: هل يمكن أن أرى نماذج من ريشتك يا هرفورسن؟ ~~- معي نماذج صغيرة لا يتضح فيها جمال الفن. ~~- لا بأس، أراها، فإن الصغير ينبئ عن الكبير. ~~- بالطبع، إن نظرك الدقيق لا يضل عن حقيقة جمال الفن. # ثم عمد إلى حقيبة كانت معه وفتحها، واستخرج منها صورة وعرضها لكاترين قائلا: لا بد ~~أنك تعرفين هذا المنظر؟ ~~- فتأملت كاترين الصورة وقالت ضاحكة: هذه صورة قصر شن برن الفخيم، وهذه صورة صرحي إلى ~~جانب حديقة القصر، عجيب، الحقيقة بعينها، متى رسمت هذه الصورة؟ ~~- أول أمس، وكنت جالسا في تلك الحديقة المقابلة. ~~- لله درك من مصور بارع، ليس من رأى هذا المنظر يضل عنه في هذه الصورة. ~~- هدية لك يا سيدتي. ~~- أشكرك جدا، وماذا عندك سواها؟ # فتناول صورة أخرى ودفعها إليها قائلا: وتعرفين هذه السيدة؟ # فما وقع نظرها عليها حتى قالت مدهوشة: أجل، أظن هذه صورة نينا فرست الممثلة، يا لله، ~~كيف رسمتها هكذا نصف عريانة؟ ~~- نقلتها من صورة فوتوغرافية يا سيدتي. ~~- إذن لو ... ~~- لو رسمتها عن الحقيقة رأسا ... ~~- لجاءت الحقيقة بعينها، الحق أنك مصور بارع، من قال لك أني أعرف نينا؟ ~~- هي قالت إنها تعرفك أيام كنت ms023 في تريستا. ~~- أين نينا اليوم؟ ~~- هي هنا منذ بضعة أيام، وتقيم في نفس المنزل الذي أقيم فيه. ~~- أود أن أرى نينا، فقد كانت صديقة مخلصة لي. ~~- سأبلغها ذلك يا مدام. # ودفع إليها صورة ثالثة قائلا: وتعرفين هذه يا مدام؟ # فقالت ضاحكة: هذه كاترين شراط في ثوب التمثيل، إنها لطبق الأصل. ~~- وهي عن صورة فوتوغرافية أيضا يا مدام. ~~- عجبا، والألوان؟ ~~- خيالية. ~~- يا لله، الألوان هي هي بعينها، فكيف قدرت أن تتخيل الحقيقة؟ ~~- المسألة مسألة ذوق يا سيدتي، فإذا كان من خاط الثوب أو بالأحرى من انتقاه حسن ~~الذوق، وكان المصور حسن الذوق أيضا اتفقا في تعيين الألوان. ~~- عجبا عجبا! لا أكاد أصدق لو لم تقل أنت. ~~- وهذه هدية لك يا مدام. ~~- أشكر لطفك جدا بيد أني أدفع ثمن الهديتين. ~~- لا ثمن للهدية يا سيدتي. ~~- إذن أقدم الثمن هدية. ~~- كلا يا سيدتي، بل تتفضلين به ثمن صورة كبيرة أرسمها عن الحقيقة رأسا. # فترددت كاترين في الكلام وقالت: كم تساوي الصورة؟ ~~- لا شرط للهدية يا سيدتي، ولست أطمع بثمن بل بإعلان؛ فالذي يرى جلالك مرسوما يتوق ~~أن يحصل على مثله له. ~~- حسنا حسنا، إني أريد صورة أجمل من صورة نينا. ~~- لا ريب في أن تكون أجمل يا سيدتي. ~~- إذن متى؟ ~~- متى شئت تشرفين إلى محلي في رقم 16 من شارع البرتو. ~~- إذن سأنبئك عن الموعد. ~~- فعسى أن يكون عاجلا يا سيدتي. ~~- لا يتجاوز الأسبوع. ~~- شكرا لك. # ثم نهض وانحنى لها ومضى. # | الفصل الحادي عشر # الرجل الحكيم # في ذلك المساء استقبلت كاترين شراط فون درفلت وأوسعته تبسما، وقالت: عسى أن تكون ~~راضيا في السكرتيرية يا فلت. ~~- إذا لم أكن راضيا فأكون حامدا نعمة رضاك يا مولاتي. ~~- بل قل نعمة رضا جلالته. ~~- بالطبع إن رضا جلالته ينبوع سرورنا، ولكنه يجري في قناة رضاك. ~~- وهل من مضاجر لك هناك؟ ~~- المضاجر ابتعد. ~~- هرمن برجن؟ ~~- أجل فقد استعفى؛ لأنه لا يطمع بغير السكرتيرية نفسها. ~~- بف بف، وربما طمع بالإمبراطورية. ~~- أجل لقد تضخم طحال طمعه يا سيدتي. # فضحكت وقالت: ms024 ثم ماذا يا فلت. # فابتسم وقال: كان عندك مصور اليوم؟ # فبغتت وقالت: كيف عرفت؟ ~~- عجبا، أليس من واجباتي السهر على كل ما يهمك؟ # فقهقت قائلة: وهل أنت جاسوس علي. # فضحك قائلا: إذا اقتضى الأمر ذلك فنعم. ~~- وماذا علمت من هذا المصور؟ ~~- علمت أنه ذو صلة بالبلاط. ~~- الإمبراطور؟ ~~- لا، بالإمبراطورة. ~~- يا لله، ماذا؟ ~~- لا أدري ولكن سوف أدري. ~~- هل نوى أن يصور الإمبراطورة؟ ~~- لا أقدر أن أقول شيئا الآن. ~~- سيصورني. ~~- سيصورك؟ ~~- نعم، في الأسبوع القادم على الأرجح. # ففتل شاربيه ثم قال: لا أقدر أن أقول لك الآن أن تمتنعي عن الذهاب، وإنما أقول ~~حاذري. ~~- يا لله! مم أحاذر؟ ~~- لا أدري شيئا حتى الآن، ولكني سأبحث إن كان ثمة مكيدة فأخبرك عنها، هل عينت ~~الميعاد؟ ~~- لا. ~~- حسنا، لا تعيني ميعادا حتى أقول لك. ~~- ولكني وعدته أن أنبئه عن الميعاد في بحر أسبوع. ~~- وفي بحر الأسبوع أقدم لك معلوماتي. ~~- شكرا لك يا فلت، هل تريد كأس كنياك؟ ~~- من يدك السم دسم. # ثم أمرت الخادم فأتى بالكنياك وتساقيا، فقالت في أثناء التساقي باسمة: وكيف أنت ~~والبارونة؟ ~~- البارونة برجن؟ لقد قلبت لي ظهر المجن. # فضحكت قائلة: هي أو أنت؟ # فتنهد وقال: هي يا مدام. ~~- كان أولى بك أن تقلبه لها. ~~- أجل ولكن البارونة متى اكتسبت عدوا بالغت في عداوته، كأنها تريد أن تضربه لتأمن ~~شره. ~~- عجبا عجبا! كنت أظنها تترك بابا للصلح. ~~- الصلح؟ علام الصلح؟ ~~- أقول ذلك لأني أعتقد أنها لا تجد مثلك عريسا لابنة أختها البارونة ماري ~~فتسيرا. # فضحك الفون الدر فولت مكفهرا وقال: ربما وجدت. ~~- من؟ ~~- البرنس رودلف ولي العهد. # فأجفلت مدام شراط وقالت: تمزح؟ ~~- بل أجد. ~~- وابنة ملك البلجيك زوجته الحالية؟ ~~- لا أدري، ربما كان للبارونة تدبير نجهله. ~~- كلام فارغ. ~~- بل أؤكد لك يا مدام أن البرنس مولع بابنة أخت البارونة ولوع روميو بجولييت؛ لأن ~~ماري مولعة بالشعر الذي يولع به البرنس. ~~- كل ذلك هذيان. ~~- أقول لك إن غرام البرنس ... ~~- الغرام شيء سهل والزواج شيء مستحيل. ~~- من يدري؟ # بالطبع إذا كان الله ms025 يتقبل روح البرنسس زوجة ولي العهد صار المستحيل ممكنا، ولكن ~~انتظار ذلك كانتظار الثروة من ورق اليانصيب. # فتنهد الفون الدر فلت وقال: الله أعلم، وإنما أؤكد لك يا مدام أن البارونة ما قطعت ~~علاقتي بماري إلا لأن البرنس ظهر عاشقا. ~~- عجبا عجبا، ويلوح لي أنك متألم جدا يا فلت ولا تزال تحب ماري. ~~- بل تحول حبي إلى غيرة، والغيرة إلى نقمة؛ لأن ماري تحب البرنس كما يحبها، ولذلك ~~انقطع كل أمل مع انقطاع علاقتي بها، فأنا عدو ماري وخالتها الآن. ~~- والبرنس؟ ~~- لا تحركي غضبي يا مدام. ~~- إذن نحن صديقان. ~~- نعم لأن مصلحتينا تتفقان والصداقة بنت المصلحة. # | الفصل الثاني عشر # الحية الرقطاء # في عصر اليوم التالي دفع الخادم بطاقة نينا فرست إلى كاترين شراط فرحبت هذه بتلك، ~~ولما انتهت المرأتان من التحيات، قالت كاترين شراط: لماذا تركت تريستا يا نينا؟ # فابتسمت نينا وقالت: لما علمت أنك حرمت الملاعب من بهائك، قلت في نفسي إذا توارت ~~الشمس يظهر نور النجوم، فلعل نور نجمي يظهر في فينا يا مدام. # فضحكت نينا وقالت: لا يخفى القمر يا نينا، إني أقدر لك مجدا باهرا هنا، هل قابلت ~~أحدا من مديري الملاعب. ~~- لا، وإنما جئت أستوسطك لدى مدير الملعب الإمبراطوري. # فوجمت كاترين قليلا فتلقتها نينا مستدركة: لم أجسر على التماس هذه الخدمة منك يا ~~مدام إلا لما علمت من المصور ماركس فورسن أنك تودين أن تريني، فشعرت أنك لا تبخلين ~~بمعروف لي. ~~- بل أخدمك بكل قواي يا نينا، وسأغنم الفرصة المناسبة لمقابلة مدير الملعب ~~الإمبراطوري، كنت سمعت أنك انقطعت عن التمثيل مدة يا نينا. # فوجمت نينا وانقبضت قليلا ثم قالت: نعم انقطعت عنه منذ برحت أنت تريستا. ~~- طبعا لو استمررت لكنت شمس الملاعب. # فازمهرت عينا نينا وقالت: لا أقصد ذلك، وإنما أعني أني لو استمررت على ممارسة التمثيل ~~لكان لي فيه مقام، ولكنت ذا مال. ~~- وماذا كنت تفعلين في مدة انقطاعك عن التمثيل؟ # فتنهدت نينا وقالت: كنت متوارية وراء حجاب من الغيب يا مدام. # فحملقت كاترين ms026 شراط فيها وقالت: لا أفهم ماذا تعنين . # فتململت نينا وقالت: في فمي ماء يا مدام. # فوجمت كاترين وقالت: عفوك يا عزيزتي يا نينا، لم أقصد أن أستطلع أسرارك، وإنما تواريك ~~وراء حجاب الغيب يحملني على الاستفهام عن حجاب الغيب هذا. فعذرا. ~~- لم أقصد بكلامي هذا أن أصدك عن الخطاب يا مدام، وإنما عنيت أني حاولت أن أكون شخصا ~~آخر في حظي، آخر يتردد بين السعاة والشقاء. ~~- عسى أن تكوني قد نجحت يا نينا. # فتأوهت نينا وقالت: بل أخفقت إخفاقا أعيذك منه. # فأجفلت كاترين وقالت: تعيذينني منه؟ ~~- نعم، علمت أن جلالته راضيا عليك كل الرضى. # فابتسمت كاترين وقالت: أجل كل الرضى. ~~- أهنئك وإنما أحذرك. # فوجمت كاترين وانقبضت وقالت: مماذا؟ ~~- من مكايد البلاط. # فتجهمت كاترين قائلة: وهل يخشى من مكايد البلاط؟ ~~- كثيرا، فإني لولا تلك المكايد ... ~~- فاعتدلت كاترين في مكانها وقالت: لولاها ... ~~- لكنت سعيدة مثلك. ~~- إذن كانت لك صلة بالبلاط؟ ~~- أجل، ولكنها سرية جدا. ~~- إذن، لا يحق لي التمادي في هذا الحديث، وإنما سمعت أن للمصور ماركوس فورسن علاقة ~~بالبلاط. ترى هل هي علاقة قديمة؟ # فأجفلت نينا وقالت: لا علم لي بذلك. ~~- بلى، سمعت أنه يتردد إلى البلاط. # عند ذلك نقر الزنجي على الباب، فأذنت له كاترين فدخل ودفع إليها بطاقة الفون الدر ~~فلت، فاستأذنت كاترين من صديقتها نينا وخرجت إليه لتقابله على انفراد. # | الفصل الثالث عشر # إبليس في جسم الأفعى # بعد أيام دخلت البارونة مرثا برجن على الإمبراطورة وقالت لها: إن سيدة تدعى ~~الكونتس ألما فورتن من سكسونيا تلح جدا في التماس التشرف بتقبيل يدك يا مولاتي، ولم ~~يعد يسعني ردها. ~~- ما شأنها؟ ~~- لم تشأ أن تقول إلا لجلالتك. ~~- دعيها تدخل؛ لأني أود أن أجنح عن عمل خير أستطيعه. # دخلت الكونتس ألما فورتن وانحنت لدى الإمبراطورة، فمدت لها هذه يدها، فقبلتها ثم جلست ~~حسب إيماء الإمبراطورة، فقالت هذه: لا أذكر أني أعرف هذا الاسم. # فاغرورقت عينا الكونتس وقالت: الأقدار ترفع وتحط يا سيدتي، فإن نسب فورتن قديم ونزوله ~~في سلم الانحطاط ms027 قديم أيضا، فلا بدع أن تجهليه جلالتك . ~~- هل أنت في حاجة؟ ~~- كلا، إني من نعمة مولاتي راضية، وما امتثلت لا لأجل نفسي بل لأجل امرأة لا يهون على ~~جلالتك تركها في حضيض الهوان. # فاعتدلت الإمبراطورة في مقعدها وقالت: من هي؟ ~~- يستلزم الأمر أن أسرد لجلالتك تاريخا مختصرا. تذكرين جلالتك أسرة روش؟ ~~- أعلم أن لأسرة روش نسابة لأحد أجدادي لا أذكر من هو. ~~- هو جد جلالتك الأسبق هنري ملك بافاريا. ~~- أظن ذلك. ~~- نعم، كانت أخت جدك الدوقة ولهلمينا زوجة الدوق جوزف روش. ~~- لا أذكر جيدا، أظن الأمر كذلك. ~~- لهو كذلك يا ذات الجلالة، وقد رزق الدوق روش ولدين ولهلم وكارل. ~~- نعم أظن ذلك. ~~- وكان كارل غير مرض لأبيه في سلوكه فأقصاه؛ لأنه تزوج زواجا لم يوافقه أبوه ~~عليه، وقد رزق الدوق كارل 3 بنين وابنة هي الدوقة هنريت روش، أما البنون فماتوا منذ ~~زمان، وأما الدوقة هنريت روش فلم تزل حية ترزق، ولكن كانت نسيا منسيا؛ لأنها قضت ~~أيامها شبه ناسكة فتنوسيت. # عند ذلك نهضت الإمبراطورة عن مقعدها، فنهضت معها الكونتس وبقيت واقفة مكانها، أما ~~الإمبراطورة فتقدمت إلى مكتبتها وتناولت كتابا صغيرا وجعلت تقلب فيه ثم قرأت، ثم ~~قالت: أجل، إن ما قلت صحيح؛ فإن كارل تزوج ممثلة فأقصاه أبوه، ولم يذكر هنا شيء ~~عما جرى له. ~~- بالطبع لأن اسمه ألغي من كتاب أنساب الأشراف. ~~- والدوقة؟ ما اسمها؟ ~~- الدوقة هنريت روش يا مولاتي. ~~- كم عمرها؟ ~~- تناهز السبعين. ~~- أين هي الآن؟ ~~- هي هنا في فينا؟ ~~- هنا؟ متى كانت هنا؟ ~~- منذ شهر تقريبا. ~~- عجبا! ~~- لا تشاء أن يعرف أحد بوجودها مطلقا ... ~~- عجبا! ~~- لأنها متزهدة، وفي الوقت نفسه لا تتنازل عن كرامة نسبها الرفيع. ~~- بالطبع، هل هي في حاجة؟ ~~- هي في حاجة إلى التعزية يا صاحبة الجلالة. ~~- يا لله! لماذا جاءت إلى هنا؟ ~~- لأنها لم تطق هوان مقامها. ~~- بالطبع بالطبع، أما عرضت أمرها على جلالة الإمبراطور؟ ~~- فضلت أن تطلب التعزية من جلالة الإمبراطورة؛ لأنها أحن قلبا. ~~- أعني جلالة الإمبراطور غليوم. ~~- لعلها حاولت ذلك، ولكن ms028 أنفتها أبت عليها التذلل. ~~- عجبا، زاهدة وأنوفة! ~~- الزهد بالدنيا يزيد التمسك بشرف المحتد يا مولاتي، فهي لا تبتغي نعيما في الدنيا، ~~وإنما تتوق إلى الشعور بأنها لا تزال منتمية إلى الشرف البافاري الأعلى. ~~- إنك يا كونتس تثيرين في عاطفة الشرف البافاري. ~~- لست أنا التي تفعل يا سيدتي، وإنما حرص الدوقة على شرف أجدادها من الطرفين ~~يستصرخ جلالة الإمبراطورة. ~~- وهل الدوقة في مسيس الحاجة؟ ~~- كلا، لأنها قانعة ببسيط العيش، وإنما هي باخلة بشرفها، فهي تلتمس تعزية أكثر مما ~~تلتمس تنعما، وترجو إحياء شعورها أكثر مما ترجو إحياء رفاهتها. ~~- إني أفعل لها ما تروم. ~~- لا تروم إلا نظرة من جلالتك حتى تتحقق أنها لا تزال بنت روش. ~~- إني أرحب بها ترحابي بأمي. ~~- إنها لعاجزة عن المثول يا مولاتي. ~~- ألا تقدر أن تركب أوتوموبيلا؟ ~~- إنها مريضة مقعدة يا ذات الجلالة. # فتململت الإمبراطورة ثم قالت: لا أدري كيف أستطيع أن أزورها، أين هي ساكنة؟ ~~- في مكان يليق بتشريف جلالتك، متنكرة في شارع البرتو. ~~- في شارع البرتو؟ هناك تكثر السابلة. ~~- إلا قبل الظهر يا مولاتي، وإذا كنت جلالتك في ثوب اعتيادي منقبة بنقاب كثيف، ~~فيستحيل حتى على جلالة الإمبراطور نفسه أن يعرف من أنت؟ # ففكرت الإمبراطورة هنيهة ثم قالت: إذن بعد الغد الساعة التاسعة أذهب مع وصيفتي ~~البارونة مرثا، فما هو العنوان؟ ~~- عفوا مولاتي، إن سمو الدوقة تأبى أن يكون هواؤها معرضا، وقد حسبت هذا الحساب ~~وحتمت علي أن أرجو جلالتك ألا تكلفي نفسك مشقة في زيارتها إذا كنت تأبين إلا أن ~~يرافقك أحد، فهي تفضل الصبر واحتمال المضض على أن يطلع أجنبي على هوائها، وتقنع ~~برضى جلالتك ورقة عواطفك ولو من بعيد؛ لأنها تحسب أن مصدر التعزية الوحيد لها إنما ~~هو في هناء جلالة إليصابات نسيبتها الممتازة على سائر أفراد الأسر الشريفة الجرمانية ~~برقة العواطف. # ففكرت الإمبراطورة مليا وقالت: إذن أدع البارونة مرثا في الأوتومومبيل حين أكون ~~في مخدع الدوقة. ~~- أخاف أن وجود الأوتوموبيل في الشارع ينبه المارة للشبهة، فضلا عن أنه قد يفضي ms029 ~~إلى كشف حقيقة زيارة جلالتك، وهو ما تبالغ سمو الدوقة في تحاشيه. فإذا تعطفت جلالة ~~الإمبراطورة فإني ألاقي أوتوموبيل جلالتها في أوتوموبيل آخر في مكان تعينينه جلالتك، ~~وثم تنتقلين جلالتك من الأوتوموبيل الأول إلى الثاني، ومتى انتهت الزيارة تعودين إلى ~~أوتوموبيلك، وهذه الخطة أضمن لكتمان تنكرك وأسر لخاطر الدوقة. ~~- حسنا إذن تنتظرينني الساعة التاسعة تماما في زاوية ساحة بارولد. ~~- الأمر لجلالتك، وإنما ألتمس أمرا بالنيابة عن سمو الدوقة، وهو أن تكون زيارة ~~جلالتك هذه مكتومة عن كل من في البلاط، وبذلك تلأمين جرحا في عواطف الدوقة لا ~~يبرأ إلا من يدك. ~~- أعد بذلك، لم تقولي لي يا كونتس علاقتك بالدوقة. ~~- النسب بيننا بعيد، وإنما عرفتها منذ كنت طفلة وكانت تحنو علي حنو جلالتك على ~~البائسين، فقضى علي الشرف والمروءة أن أكون إلى جانبها بقية حياتها. ~~- إني أشكر عواطفك يا كونتس. # ثم نهضت الإمبراطورة فنهضت الكونتس في الحال وانحنت لدى الإمبراطورة وقبلت يدها ~~ومضت. # | الفصل الرابع عشر # الحمأة # كانت الساعة التاسعة حين كان المصور فورسن في غرفة التصوير ينتظر مدام كاترين شراط ~~حسبما أنبأته عن ميعاد مجيئها، وكان يتمشى في غرفته قلقا كأنه ينتظر أمرا خطيرا. ~~وما هي إلا دقائق حتى دخلت مدام شراط والابتسام ملء ثغرها وقالت: لك يا هرفورسن كل وقتي ~~قبل الظهر، فعسى أن تكون رائق المزاج لكي تتقن الرسم. ~~- إن بهاءك يا مدام يلطف كل مزاج، فكيف تريدين أن يكون الوضع؟ ~~- أود أن أكون متكئة على هذا المقعد الحريري، وهذه الأزاهر من حولي، وقد أتيت بثوب ~~رقيق ألبسه فأين أبدل ثوبي؟ # فابتسم لها فورسن وفتح بابا وقال: تفضلي ادخلي إلى هذه الغرفة المعدة لهذا ~~الغرض يا سيدتي، تجدين فيها كل أدوات التبرج والزينة. ~~- شكرا لك. # ودخلت وأوصدت الباب وراءها، أما فورسن فبقي قليلا ثم نقر على الباب، فأجابته من ~~الداخل، فقال: لا تخرجي يا مدام حتى أدعوك؛ لأن هنا من يشغلني بضع دقائق. # ثم جمع أهم أدواته في حقيبة وحملها وانسل من غير أن يسمع له صوت. ms030 ~~••• # كانت الساعة ربعا بعد التاسعة حين وقف الأوتوموبيل أمام بناية جميلة فخمة في شارع ~~البرتو، فترجلت منه الإمبراطورة وهي بثوب بسيط ومنقبة بنقاب أزرق يشف عن ملامح سيدة ~~رزينة، وإلى جانبها الكونتس ألما فورتن، ودخلتا معا وصعدتا إلى الطبقة الأولى وفتحت ~~الكونتس من رحبة المنزل بابا وانحنت لدى الإمبراطورة، فدخلت هذه ووجدت نفسها في مخدع ~~أنيق الرياش، فيه سرير جميل وسائر معدات التبرج. # فقالت الكونتس: ألتمس عفو جلالتك بأن تنتظري هنا دقيقة بينما أبلغ الدوقة خبر ~~تشريفك، حتى لا تفاجأ بهذا الشرف العظيم الذي قد يؤثر على مزاجها الرقيق؛ لأن الفرح ~~يصدم النفس كالحزن. # فجلست الإمبراطورة على مقعد جميل وهي تقول: أظن هذه غرفتك يا كونتس. ~~- نعم، إنك تشرفين مخدع عبدتك الآن. # ثم فتحت الكونتس بابا آخر ودخلت منه وأقفلته وراءها، وبعد دقائق استبطأت ~~الإمبراطورة الكونتس فبدأت تستاء، ولكنها قالت في نفسها: «لعل لها عذرا.» ثم سمعت ~~لغطا وضوضاء فقلقت وتغيظت، وجعلت الريبة تتطرق إلى نفسها، ثم نهضت من مكانها كأنها ~~تريد أن تخرج، فاتجهت إلى الباب الأول الذي دخلت منه ورامت أن تفتحه لكي تطل على رحبة ~~المنزل الفسيحة فإذا هو موصد لا ينفتح، فاشتد قلقها وأسرعت حالا إلى الباب الذي دخلت ~~فيه الكونتس، وقبل أن تفحصه انفتح ودخل منه إليها رجلان، فاشتد اكفهرارها، فقال أحدهم ~~للآخر: هذه هي مختبئة هنا. # فقال الآخر: بأمر جلالته نقبض عليك. # فوجفت الإمبراطورة قائلة: يا للخيانة. # ثم وقعت على المقعد واهية، فقال أحد الرجلين: لا تخافي يا مدام، الأوتوموبيل تحت ~~مقفل، فلا يراك فيه أحد. # فاشتد جزع الإمبراطورة قائلة: إلى أين؟ ~~- إلى دائرة البوليس. ~~- يا لله، لماذا؟ ~~- إن واجباتنا تبتدئ وتنتهي عند باب البوليس، وداخل ذلك الباب تسألين هذا السؤال يا ~~مدام، فتفضلي الآن معنا. ~~- لا أريد أن أأتمر بأمر أحد وأنا صاحبة الأمر والنهي هنا. # فرفع كل منهما حاشية معطفه، وقرأت على صدريهما شارة البوليس السري، فقالت: أظنكما ~~ضللتما السبيل. ~~- كلا البتة يا مدام، فقد قرأت على باب هذا المنزل رقم 16، وهذه ms031 هي الطبقة الثانية ~~فيه، فما نحن مخطئان. ~~- ولكني من تطلبان؟ ~~- المرأة التي نجدها في هذا المنزل. ~~- لست صاحبة المنزل، وإنما أنا ضيفة دقائق فيه. ~~- ونحن نطلب الضيفة أيضا، لا صاحبة المنزل فقط. ~~- أين صاحبة المنزل؟ ~~- لم نجد أحدا سواك يا مدام، فسواء كنت صاحبة المنزل أو ضيفة فإنك مأمورة أن ~~تصحبينا بلا جدال. ~~- يا لله، منذ دقائق قليلة كانت ربة المنزل هنا. ~~- لعلها فرت قبل أن ندخل. ~~- عجبا، عجبا! ~~- لا تضيعي الوقت سدى يا مدام هلمي. ~~- من أرسلكما إلى هنا؟ ~~- الهر روفر مدير البوليس، فتفضلي. ~~- لماذا؟ أما سمى لكما من تطلبان؟ ~~- لا، بل قال ائتيا في الحال بكل امرأة تجدانها في منزل 16 من شارع البرتو في ~~الطبقة الثانية وكفى، فهلمي ولا تحرجينا إلى استعمال العنف يا مدام. ~~- أقول لكما إني لا أأتمر بأمر أحد في بلدي، وإنما أود أن أعلم لماذا يؤمر بالقبض ~~على من في هذا المنزل؟ ~~- ليس من شأننا الجواب على هذا السؤال، فإذا كنت يا هذه لا تخرجين معنا الآن من هنا ~~جررناك جرا. # وأمسكها أحدهما من يدها يريد أن يجتذبها، فسخطت به في إبان تغيظها واقشعرارها ~~قائلة: ويحك، ألم تفهم أني آمرة لا مأمورة. فقفا بعيدا وأجيباني على أسئلتي. # فقهقها وقال أحدهما: إذا لم تكن هذه المرأة مجنونة، فلا بد أن تكون ماكرة تريد أن ~~تموه علينا. # فصاحت به: اصمت. # فقال الآخر: إن هذا الهذيان لا يفيدك شيئا يا مدام، فالأفضل أن تقفي حالا. # وأمسك بيدها قائلا للآخر: نحملها إذا لم تمش. فصرخت: مكانكما يا هذان، وإلا علقت ~~رأسيكما في ساحة بارولد. # فقهقها وقال أحدهما: لو كانت الإمبراطورة عينها لما كانت تجسر أن تفوه بهذا الهذيان، ~~دعنا نحملها يا فرمان. # فسخطت بهما أشد من قبل وقالت: إني آسفة شديد الأسف أن الهر روفر لا يعرف أن ينتقي ~~رجاله من الأذكياء الذين يعرفون الأشخاص حالا. ~~- كوني من شئت يا سيدتي، فالأمر الذي معنا ... ~~- إني فوق كل أمر. ~~- إنما نحن نقبض عليك باسم جلالة الإمبراطور. ~~- إني شريكة ms032 الإمبراطور في أوامره. # فشرع الشك يتطرق إلى نفس كل من الرجلين وقال أحدهما: لا نعرف أحدا فوق القانون غير ~~جلالة الإمبراطور يا مدام. ~~- والإمبراطورة أيضا. # فوجف الرجلان وتغلب شكهما على اليقين، وقال أحدهما: ولكن جلالة الإمبراطورة لا تأتي ~~إلى مثل هذا المكان. ~~- بل الإمبراطورة تتفقد رعاياها أينما كانوا. ~~- أجل تتفقد رعاياها إلا الساقطين منهم. # فحملقت فيه قائلة: تعني؟ ~~- أعني أن هذا المحل محل دعارة يا مدام، يا صاحبة الجلالة. # فاختلجت الإمبراطورة ووثبت من مكانها وقالت: يا لله، ماذا تقول يا هذا؟ ~~- أقول يا سيدتي إن هذا منزل مومسات سري. ~~- ويلاه ... وأنتما جئتما ... ~~- جئنا لنقبض على امرأة محضة تختلف سرا إلى هذا المكان. ~~- من هي؟ ~~- لا نعلم من هنا وإنما الأمر عندنا أن نقبض على كل امرأة نجدها هنا. ~~- ومن أوعز بهذا الأمر إلى الهر روفر؟ ~~- نظن أن الأمر صادر من البلاط. ~~- فاقشعرت الإمبراطورة وقالت: من البلاط؟ ~~- نعم. ~~- من الإمبراطور؟ ~~- لا ندري، ولا نظن أن الأمر من جلالته، لعله من جلالتها. ~~- لا علم لي بذلك. ~~- هل في البلاط ترتيبا تجهله جلالة الإمبراطورة؟ # فتمشت الإمبراطورة في الغرفة والرجلان ينظران الواحد في الآخر، وهما لا يدريان هل ~~يصدقان أم يكذبان ما يسمعان ويريان، ثم قالت بعد تفكير قليل: أين المرأة؟ ~~- أية مرأة يا مولاتي؟ ~~- المرأة التي جاءت بي إلى هنا منذ ربع ساعة. ~~- لم نر سواك هنا يا مدام. ~~- عجبا! ابحثا عنها، فقد خرجت من هذا الباب الذي دخلتما منه. # واتجهت الإمبراطورة إلى الباب ودخلت فيه والرجلان إلى جانبيها، والواحد يهمس للآخر ~~قائلا: أخاف أن تكون ماكرة بنا. # فرأت الإمبراطورة نفسها في غرفة فيها مقعد من حوله أزاهر وصور زيتية، بعضها معلق ~~في الجدار وبعضها مبعثر، وصقالة خاصة بالتصوير الزيتي، فقالت: عجبا! إني أراني في ~~غرفة مصور. # فقال أحد الرجلين: لعل إحدى المومسات المقيمة هنا مولعة بالتصوير. # فاختلجت الإمبراطورة وقالت: إذن ليس المنزل منزل دوقة. ~~- المنزل معروف يا مولاتي، إنه منزل مومسات. ~~- ويلاه، يا للخيانة، يا لها من مكيدة! # ثم خرجت من باب ms033 آخر، فوجدت نفسها في نفس الرحبة التي دخلت منها أولا، فالتفتت إلى ~~أول باب عن يمينها فإذا المفتاح فيه، ففتحت الباب وتطلعت، فإذا هي في الغرفة التي ~~كانت شبه سجينة فيها حين تركتها الكونتس، ثم قصدت إلى باب آخر فرأت غرفة أخرى كتلك ~~وإلى جانبها غرفة أخرى. وهكذا طافت المنزل كله، فشعرت أنه منزل أدنس، ولكن ليس فيه أحد ~~سواها. فقالت: يا للعجب أين ربة المنزل؟ # فقال أحد الرجلين للآخر: اذهب وانظر صاحبة المنزل، لعل أحد الشرطيين اللذين يحرسان ~~باب المنزل أبصرها. # وغمزه من طرف خفي، فخرج الآخر وبعد دقائق معدودة عاد يقول: هذه ربة المنزل في ~~الأوتوموبيل بحراسة أحد الشرطيين. # فقالت الإمبراطورة: ائتوني بها إلى هنا. # فقال هذا: بل تذهبين يا سيدتي وترينها في الأوتوموبيل، هلمي. فحملقت فيه قائلة: ~~ويحك! ~~- هذا أمر الهر روفر يا سيدتي. ~~- فليأت روفر إلى هنا. ~~- لقد تلفنت له الآن يا سيدتي فقال: هاتوا السيدة التي وجدتموها في المنزل إلى دائرة ~~البوليس حالا، فهي المطلوبة بعينها، ونحن مأموران لا آمران. ~~- قلت لك ... ~~- لا مناص من ذلك يا مدام، هلمي. # وأخذاها بيدها فحرقت الأرم قائلة: ويل لمن كاد هذه المكيدة الفظيعة. # ثم نزلت معهما مكرهة إلى أن دخلت إلى الأوتوموبيل، فوجدت فيه امرأة يدل ظاهرها على ~~حقيقتها، واضطرت أن تجلس إلى جانبها؛ لأنها لم تجد الاحتجاج مجديا، وفي الحال درج ~~الأوتوموبيل بهما، فقالت الإمبراطورة للمرأة التي إلى جانبها: هل أنت صاحبة ذلك البيت ~~يا هذه؟ ~~- نعم. ~~- وأين السيدة التي تدعى الكونتس ألما فورتن؟ ~~- لا علم لي بهذه الكونتس. ~~- من يسكن عندك؟ ~~- 3 فتيات. ~~- أين الفتيات؟ ~~- خرجن كعادتهن منذ ساعة. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى أشغالهن. ~~- هل إحداهن مصورة؟ ~~- تقول إنها تتعلم التصوير. ~~- وماذا يحدث في منزلك غير التصوير؟ ~~- لا شيء يا سيدتي إني متهمة مظلومة. ~~- بماذا اتهموك؟ ~~- يتهمونني بأن منزلي بيت سري، إنهم لمفترون. # | الفصل الخامس عشر # رائحة الحمأة # وبقيت الإمبراطورة بعد ذلك صامتة وهي تضطرب وتغلي غيظا إلى أن وقف الأوتوموبيل أمام ~~دائرة البوليس، ففتح أحد الرجلين ms034 باب الأوتوموبيل (إذ كانا راكبين مع الحوذي)، وقال: ~~تفضلا يا سيدتي. # فخرجت صاحبة المنزل، وأما الإمبراطورة فقالت: ادع الهر روفر إلى هنا حالا. ~~- ليس في وسعنا أن نطلبه إلى هنا يا سيدتي فتفضلي إليه. # فقالت غاضبة: قلت لك ... ~~- لا فائدة من المناقشة يا هذه، نحن آلة في يد سلطة الحكومة، وليس في وسعنا إلا تنفيذ ~~الأوامر. فمتى مثلت لدى روفر ... ~~- صه صه لا تزد، يسرني أن يكون رجال حكومتنا متشبثين بالقوانين وبالأوامر، إني ماثلة ~~لدى الهر روفر. # ثم وثبت من الأوتوموبيل وأسرعت إلى مكتب مدير البوليس، ورفعت النقاب (الفوال) عن ~~وجهها، فلما رآها الهروفر وإلى جانبيها البوليسان السريان، ووراءها المرأة الأخرى صاحبة ~~المنزل انتصب واقفا وانحنى، ونظر في الرجلين عابسا وارتبك لا يدري ماذا يقول، ولكنه ~~قال بعد هنيهة: أخرجا تلك المرأة من هنا. فأخرجا المرأة صاحبة المنزل وعادا، وأما ~~الهر روفر فقال: عفو جلالتك إني رهن أمر جلالتك، فهل تتعطفين بالجلوس، لا أدري كيف حصل ~~هذا الشرف اليوم، هل من أمر يهم جلالتك؟ # والتبس الحادث على الهر روفر، ولم يعد يدري كيف يتصرف، وكان ينقل نظره بين الرجلين ~~اللذين أصبحا أخبلين، فقال أحدهما: لقد تلفنت إلى سعادتكم ... ~~- ويلاه لم أستطع التصديق، بل اعتقدت تمام الاعتقاد أن المتهمة تهول منتحلة مقام ~~جلالة الإمبراطورة لكي تتخلص. عفوا يا صاحبة الجلالة كيف ذلك؟ أرجو من جلالتك التفضل ~~بالجلوس، إني ... # فقالت الملكة مكتمة غيظها: أود البحث الآن عن امرأة تزعم أنها الكونتس ألما ~~فورتن. ~~- من غير بد تقع في يدنا اليوم إذا كانت جلالة الإمبراطورة تعطينا المعلومات ~~اللازمة، إذا كانت جلالة الإمبراطورة تعود إلى البلاط فأتشرف بالمثول لتلقي معلوماتها، ~~إن البارونة برجن هنا تكون في معية جلالتك إلى البلاط، وإذا أمرت فثلة من فرسان البوليس ~~يخفرون جلالتك. ~~- البارونة هنا؟ وماذا تفعل؟ ~~- نعم هنا، وقد شرفت لأمر. # عند ذلك دخلت البارونة مدهوشة وقالت: إذا شاءت جلالتها فلا يبق أحد هنا ~~غيرنا. # عند ذلك دفع الهر روفر الرجلين بصدره إلى الخارج وأقفل الباب وراءه. # أما ms035 البارونة فكانت تضطرب وترتجف غيظا ووجلا في وقت واحد، وقالت : مولاتي، مولاتي، ~~ما الذي جاء بك إلى هنا؟ وكيف جئت؟ # أما الإمبراطورة فازدادت حيرتها وقالت: لا أدري أن البلاط امتلأ دسائس ومكائد. أما ~~كيف جئت إلى هنا، فكمجرمة أشنع جرم، لا أدري كيف يجسر السفلاء أن يجروا أهل العرش إلى ~~دائرة البوليس؟ وأنت ماذا تفعلين هنا؟ # فلطمت البارونة برجن خدها وقالت: يا ويلتاه! إني يا مولاتي خبلاء لا أفهم شيئا، إني ~~هنا أنتظر أن أشاهد بعيني انتصاري في الحرب لأجلك يا عزيزتي، ولكن ليس هنا مكان ~~الاستفهام والتفاهم، أرجو أن تأذني بعودتنا إلى البلاط حالا، وهناك ... ~~- بل أريد البحث حالا عن المدعوة الكونتس ألما فورتن. ~~- الكونتس، يا لله يا للخيانة! ماذا ... بل دعينا الآن نعود إلى البلاط يا مولاتي، لا ~~يجوز أن نبقى هنا. # ثم فتحت البارونة برجن الباب وأومأت إلى الهر روفر، فدخل فقالت: استدع أوتوموبيلا ~~موافقا في الحال. ~~- وحرسا؟ ~~- كلا البتة، لا تريد جلالتها أن تعدل عن تنكرها. # وكانت البارونة تضطرب ووجهها يحمر تارة ويصفر أخرى، وعند ذلك قرع جرس التلفون ~~بحدة، فأسرع الهر روفر إلى التلفون كالمجنون ووضع بوقه على أذنه وقال: من؟ # فأجاب القائل: الإمبراطور. # فاختلج الهر روفر، وفي الحال بسط يده إلى جانبه وقال مضطربا: جلالتكم؟ أمر ~~جلالتكم. ~~- من عندك الآن؟ # فالتفت روفر إلى الإمبراطورة كأنه يستفتيها ماذا يجب، فإذا هي والبارونة برجن ~~مكفهرتين ولم يكن ليستطيع مهلة في الرد فقال: إن جلالة الإمبراطورة هنا بالصدفة يا صاحب ~~الجلالة. ~~- إذن فلتنتظر الأوتوموبيل الإمبراطوري، ففي دقائق معدودة يصل إلى جلالتها. ~~- سأرفع إلى مقام جلالتها إرادة جلالتكم حالا. # وكانت الإمبراطورة صفراء كالسعفران، والبارونة إلى جانبها في اضطراب لا مثيل له، ~~فأومأت إلى روفر أن يخرج فخرج، فقالت الإمبراطورة: يا لها من مكيدة هائلة! إذن ~~الإمبراطور يعرف. ~~- لا، لا يا مولاتي، إن جلالته يجهل كل شيء، ولكن الذين لعبوا الدور أتقونه إلى ~~النهاية، يا لهم من سفلة! # وما هي إلا لحظة حتى كان الأوتوموبيل أمام دائرة البوليس، فركبت ms036 فيه الإمبراطورة ~~والبارونة مرثا برجن، وفي دقائق معدودة كانت الإمبراطورة في خدرها والغضب مخيم على ~~وجهها، والبارونة برجن ماثلة لديها، فقالت البارونة: إلى الآن لم أفهم جيدا كيف حدث ~~ذلك. ~~- ولا أنا فهمت لماذا كنت في دائرة البوليس، كأنك كنت تنتظرينني يؤتى بي كامرأة ~~ساقطة إلى هناك؟ # فرجفت مرثا برجن وقالت: ويلاه ويلاه! لا أكاد أصدق مع أسمع. كيف ذلك يا عزيزتي، إني ~~أفديك بنفسي وأنت تعلمين، لقد فهمت منك أن المدعوة الكونتس ألما فورتن لعبت عليك ~~دورا فظيعا. ~~- يا لها من خائنة! لا أدري كيف جسرت أن تلعبه. ~~- إن وراءها يا مولاتي تلك اللعينة التي ... ~~- كفى كفى، إني شاعرة بعزم الضربة ... أما تلك الخائنة فقد نسجت علي حيلة لم ينسجها ~~إبليس، فقد أوهمتني أن الدوقة هنريت روش هنا في حالة يرثى لها. ~~- الدوقة هنريت روش؟ ~~- أجل، هل تعرفين عنها شيئا؟ ~~- أعرف أنها ماتت منذ عشر سنين. ~~- يا لله! يا للمكر! لقد أوهمتني تلك المرأة الخائنة أن الدوقة موجودة هنا مقعدة، ~~وأنها مكسورة الخاطر وتود أن تراني لتتعزى بي، وأنها لا تريد أن يعلم أحد سواي أنها ~~هنا، وأنها في فاقة؛ فذهبت متنكرة والتقيت بالمدعوة الكونتس ألما فورتن حسب وعدي لها، ~~ثم أخذتني إلى منزل في شارع البرتو. # فلطمت البارونة خديها قائلة: يا ويلتاه في شارع البرتو؟ وأظن في المنزل نفسه. ~~- أي منزل؟ إذن تعرفينه؟ ~~- نعم أعرفه، ثم ماذا يا مولاتي؟ أسمع قصتك ثم أفسرها لك. ~~- فدخلت إلى المنزل وانتظرت في مخدع ريثما تبلغ الكونتس الدوقة، فدخلت في باب ولم ~~تعد منه، ولما استبطأتها ورمت الخروج، دخل علي رجلان فهمت منهما أنهما بوليسان ~~سريان يبحثان عن امرأة، ولما لم يريا سواي أخذاني بالرغم من احتجاجي عليهما، حتى ~~اضطررت أن أعلمهما أني الإمبراطورة، ولما لم يصدقا اضطررت أن أذهب معهما إلى دائرة ~~البوليس، وما بلغت إليها حتى كنت قد علمت من صاحبة المنزل التي كانت مأخوذة معي أن ~~المنزل منزل سري، فتأملي ... ~~- ويلاه ويلاه، إن هذه المكيدة لهائلة! ~~- إني أطلب معاقبة ms037 كل من له أصبع فيها. ~~- مولاتي اسمحي لي أن ألومك ؛ لأنك كتمت عني خبر هذه الزيارة، وأنا مستودع ~~أسرارك. ~~- ظننت أني أحرص على كرامة دوقة، وأنا سليمة الطوية ولم يخطر في بالي أن أحدا من ~~الناس يجسر أن يلعب علي دورا فظيعا. ~~- آه لو أخبرتني في الأمر لنجوت من المكيدة، وهبي أن لا مكيدة فاطلاعي على سر ~~كهذا لا يحط من كرامة من تتوهمين وجودها. ~~- وأنت لم تخبريني ماذا كنت تفعلين في دائرة البوليس؟ ~~- كنت أحارب لأجلك، أما قلت لك أني أحارب عدوتك وسالبة سعادتك؟ ~~- ولكن لماذا لم تخبريني شيئا عن هذه الحرب؟ ~~- لأني أعلم جيدا أنك تمنعينني عنها، فكتمتها عنك لكيلا تقفي في سبيلي، ولكيلا تتخدش ~~طهارتك من معرفتها، ولكن واأسفاه! إن الفخ الذي نصبته لتلك الخصيمة اللعينة وقعت فيه ~~أنت، فقد دبرت مكيدة للقبض عليها وهي في بيت سري، حتى متى بلغ الخبر إلى جلالته ~~غضب عليها ونفر منها، وربما عاقبها شر عقاب وطردها من البلاد. # فأجفلت الإمبراطورة وقالت: ويحك! # فهزت البارونة برجن رأسها وقالت: أما قلت لك يا مولاتي أني لو أخبرتك بذلك ~~لمنعتني. ~~- بالطبع أمنعك؛ لأني لا أريد محاربة الشر بالشر. ~~- ولكن هذه المكيدة لو نجحت لما حطت من مقام تلك الممثلة؛ لأنها طالما أقامت في ~~مثل ذلك المنزل، وإنما كانت بغيتي أن يرى جلالته أين مقام من احتظاها! ~~- ويلاه! رباه! أهذا جزاء الأطهرين؟ ~~- كلا يا مولاتي، ولا ذاك جزاء الأشرار، لا أدري كيف انقلبت المكيدة، فلا بد أن يكون ~~في الأمر خيانة، يجب أن أتحرى. ~~- قبل كل شيء يجب أن أظفر بتلك الخائنة التي تنتحل اسم الكونتس ألما فورتن. ~~- مهلا يا مولاتي، لا أستحسن الضوضاء والجلبة في هذا الأمر تنزيها لاسمك الطاهر من ~~أن يكون مضغة، فاعتبري أن الأمر لم يكن واتركيني أسير في سبيلي إلى الحرب العوان ضد تلك ~~الفاجرة التي سلبت سعادتك. # | الفصل السادس عشر # تتمة الفشل # في ذلك المساء اجتمعت البارونة مرثا برجر بالمصور ماركوس فورسن، فقالت له والغضب ~~ينبت من عينيها: ms038 في المسألة خيانة هائلة، فأود أن أعلم من الخائن. ~~- عفوك يا مولاتي لقد لعبت دوري متقنا. ~~- إلى النهاية؟ ~~- إلى النهاية. ~~- هل جاءت؟ ~~- مدام شراط؟ نعم، أرسلت لي خبرا مساء أمس أنها آتية اليوم الساعة التاسعة صباحا، ~~وقبل هذا الميعاد هيأت كل شيء، ولما وافت كانت خمس دقائق أو أكثر قليلا بعد التاسعة، ~~فرحبت بها وأدخلتها إلى الغرفة لكي تنزع ثوبها وتعد نفسها حسب المطلوب، وبعد هنيهة ~~نقرت على الباب وقلت لها ألا تخرج حتى أوعز إليها لأني مشغول دقائق قليلة ببعض زبائن ~~جاءوا فجأة، ثم أخذت حقيبتي وخرجت وبحثت عن الرجلين، فرأيتهما ينتظران في المكان ~~المعين فأخبرتهما أن يذهبا، فذهبا وبقيت أراقبهما من بعيد، وقبل أن يصلا رأيت ~~أوتوموبيلا ينصرف من أمام الباب، فلم أعبأ به، وبعد قليل رأيت الأوتوموبيل المزركش ~~يقف قرب الباب، ثم رأيت الشرطيين يقبضان على صاحبة المنزل وهي خارجة وزجاها في ~~الأوتوموبيل، ثم رأيت أحد الرجلين دخل إلى حانوت بدال، وبعد هنيهة عاد مسرعا ودخل إلى ~~المنزل بعد أن كلم الشرطيين كلمتين، وبعد دقائق خرج الرجلان ومعهما امرأة وأدخلاها ~~إلى الأوتوموبيل، فدهشت إذ رأيت المرأة غير من أعهد، ثم سار الأوتوموبيل وأنا حيران ولم ~~أعد أجسر أن أعود إلى المنزل إلا مساء، هذا كل ما وقع تحت نظري وفي علمي. ~~- هل تعرف جميع من يقيم في المنزل؟ ~~- لا أعرف إلا نينا فرست، وهي التي استخدمتها بحجة أني أعلمها التصوير. ~~- قلت أنك رجعت إلى المنزل مساء؟ ~~- نعم، لكي أرى نينا فرست، فقالت لي صاحبة المنزل أنها تركت المنزل منذ الصباح ولم ~~تعد، ويظهر أنها لن تعود لأن صاحبة المنزل لما عادت من دائرة البوليس قال لها ~~البواب إن نينا أخذت حقيبتها وهي دافعة الأجرة مقدما. ~~- هل تعرف إن كان في المنزل امرأة ذات لقب كونتس؟ ~~- لا، لعل صاحبة المنزل أخبر مني. ~~- صاحبة المنزل تقول إنها لا تعرف واحدة ذات لقب، فلا أدري إذا كانت تمكر. ~~- لا أظنها تمكر؛ لأنها لا تعرف شيئا من ترتيبنا، فضلا عن أنها ms039 ساذجة. ~~- وهل في المنزل امرأة مسنة؟ ~~- لا أدري، لعل أم صاحبة المنزل مسنة؟ ~~- أما رأيت مدام شراط خارجة من المنزل؟ ~~- كلا البتة، لعلها خرجت قبلي؛ لأني تأخرت نحو خمس دقائق؛ إذ وضعت أشيائي في ~~الحقيبة حتى لا يبقى منها ما يكون علة أو تعليلا. ~~- أود أن أرى نينا فرست هذه. ~~- لا أدري كيف أحظى بها ثانية، والظاهر أنها فرت من العاصمة. ~~- أما عرفت نينا شيئا من ترتيبك. ~~- كلا البتة. ~~- عجبا لا ريب أنها خائنة، أما تقدر أن تبحث عنها، فإني أريد أن أرى وجهها. ~~- ها صورتها الفوتوغرافية. # ودفع إليها صورة فتناولتها وتأملتها وهي تقول: إنها تشبهها كثيرا، لولا اختلاف في ~~التبرج لكنت أقول إنها هي، لا بد أن تكون إياها، بل هي هي تلك اللعينة التي نسجت هذا ~~الدور، يا لها من جسورة فاجرة، ماذا تفعل هذه الشيطانة؟ ~~- كانت ممثلة في مرسيليا، وقد جاءت إلى هنا منذ بضعة أيام، وهي تحاول أن تنتظم في سلك ~~جوقة من الجوقات. ~~- هل تعلم إن كانت ذات صلة بمدام شراط؟ ~~- تعرفها منذ كانتا تمثلان معا في ترسينا. ~~- هل تظن أنها ذهبت إليها؟ ~~- لم ألاحظ قط أنها فعلت. # | الفصل السابع عشر # دفن الجيفة النتنة # في ذلك المساء عينه أيضا دخل الإمبراطور فرنز جوزف إلى خدر زوجته الإمبراطورة وقد ~~فرغ من مهام سياسة النهار، فوجد الإمبراطورة مستلقية على مقعدها وآمائر الاكتئاب بادية ~~في محياها، ولم تنهض لاستقباله كعادتها؛ فقال باسما متهكما: عذرا يا إليصابات، ~~سهوت أن أبلغ إليك خبر قدومي. # فنظرت فيه محملقة وقالت: لم تعتد أن تعتذر يا سيدي، فلماذا تعتذر؟ ~~- ولا اعتدت أن أدخل وأجلس وأنت مستلقية. ~~- صدقت، كانت الإمبراطورة دائما تستقبل الإمبراطور بالحفاوة، فلما لم يبق ~~إمبراطورة زالت الحفاوة. # فعبس الإمبراطور قائلا: لعل الإمبراطورة فقدت امبراطوريتها في دائرة البوليس. ~~- بالطبع؛ لأنه لم يسمع في التاريخ أن الإمبراطورة تساق إلى دائرة البوليس ~~كمجرمة. ~~- من عرض نفسه إلى الهوان يهان طبعا، إلى الآن لم أدر كيف حدث هذا الحادث ~~الفظيع؟ ~~- كيف دريت إذن أني في ms040 دائرة البوليس؟ ~~- إن شخصا مجهولا تلفن إلى السكرتيرية أن جلالة الإمبراطورة في دائرة البوليس، فلما ~~بلغ الخبر إلى مسامعي دهشت، وسألت روفر فحقق لي الخبر. فما الذي أوقعك في يد الشرطة ~~وهم يجهلونك؟ ~~- لو كان الإمبراطور حريصا على هيبته الإمبراطورية لما كان أحد يجسر أن يلعب على ~~زوجته دورا فظيعا كهذا الدور. ~~- إن الإمبراطور حريص على هيبته، ولكن الإمبراطورة مفرطة بكرامتها وإلا لما جسر أحد ~~أن يلعب عليها دورا، إني أريد أن أسمع وصف الحادثة كما حدثت، وبعد ذلك ناقشيني إن كان ~~لك وجه للمناقشة. # فروت الإمبراطورة الحادثة بالتفصيل والإمبراطور يسمع مقطبا، ولما انتهت قال: لا ~~تلومي أحدا إلا نفسك يا إليصابات، ولو كنت محتفظة بكرامتك لأخبرتيني بعزمك على زيارة ~~الدوقة المزعومة، وكفيت نفسك مئونة هذا الهوان. ~~- خفت أن تمنعني وأنا أود أن أفعل صالحا، ولم أكن لأعتقد أن في الأمر مكيدة. ~~- لا أمنعك عن فعل الصالح، وإنما كنت أوعز لبوليس سري أن يخفرك وينقذك من كيد ~~الكائدين. ~~- لقد كان ما كان، والآن أود البحث عن المرأة التي انتحلت اسم الكونتس ألما ~~فورتن. ~~- بالطبع سأوعز بالبحث عنها سرا، بيد أني لا أريد الجلبة حول هذه المسألة لئلا ~~تصبح الإمبراطورة سخرية الأمة. # فتغيظت الإمبراطورة وقالت: الإمبراطور يجعل الإمبراطورة سخرية. # فسخط قائلا: مدام؟ ~~- أجل، إن علاقة الإمبراطور بمدام شراط. ~~- لا تتمادي يا مدام بهذا الكلام، فما مدام شراط إلا واحدة من ملايين من ~~رعاياي. ~~- ولكنها دون الملايين نالت دالة على الإمبراطور فوق دالة الإمبراطورة. ~~- أسفه هذا القول؟ ~~- سفهته أو لم تسفهه فالمكيدة مكيدتها. ~~- إذا ثبت لي أنها مكيدتها سلبت روحها من جسدها. ~~- إذا كنت مخلصا في ما تقول لا تمل التحقيق حتى تحصل إلى هذه النتيجة. ~~- لا أمل التحقيق لأن كلمتي كلمة إمبراطور النمسا والمجر. ~~- إذن أصبر إلى النهاية. ~~- نعم تصبرين، وبعد الآن لا تتحركين حركة لا يكون لي علم سابق بها. ~~- أفعل بكل سرور، اللهم إذا كنت أرى الإمبراطور مصرا على تحقيق هذه المكيدة ~~الفظيعة بحذافيرها. ~~- ما من مسيطر علي في ms041 أعمالي، ومع ذلك يجب أن تعلمي أن الضوضاء والجلبة حول هذه ~~الحادثة الفظيعة لا يليقان بكرامتنا، إلى هنا انتهى الكلام بهذا الموضوع، وبعده لا ~~أنتظر منك تدخلا ولا تساؤلا. # ثم تركها وخرج. # مضت أشهر وبمضيها تنوسيت المسألة وأصبحت في خبر كان، وكل ما نتج عنها أن الهر روفر ~~مدير البوليس والفون أمبرت فرغين وكيل الداخلية عزلا لسبب بسيط، وما هو إلا سبب ~~ظاهر، والحقيقة أنهما مالأا البارونة برجتن على مكيدتها، وكان لعزلهما وقع سيئ في ~~المجالس الداخلية، ولا سيما لأن الفون فرنند فرغتن عم أميرة فرغتن وكيل الداخلية زعيم ~~الحزب الاشتراكي في مجلس النواب، وهو من الزعماء الذين يحسب حساب لضجاتهم. # القسم الثاني # | أزمات البلاط # | الفصل الثامن عشر # مطاردة العصفور إلى عشه # في منتصف ذات ليلة كان جمع عظيم يتدفق خارجا من ملعب فولكس في فينا، وهو ملعب فخم ~~يلي الملعب الإمبراطوري في أبهته، وكانت الأوتوموبيلات والمركبات تتسابق إلى بوابة ~~الملعب الكبرى لأخذ السراة إلى منازلهم. # وكانت امرأة في نحو الأربعين من العمر وفتاة في نحو الخامسة عشرة واقفتين تنتظران ~~مركبة أو أوتوموبيلا، ولكن ما من مركبة أو أوتوموبيل إلا كان له صاحب أو سائق. وكان ~~فتى حسن البزة يتظاهر أنه ينتظر مركبة، ولكنه كان يحاول أن يحتك بهما على أن الفرصة ~~خانته؛ إذ انبرى فتى آخر في ثوب ضابط من رتبة ماجور كان يراقبهما إلى أن انصرف معظم ~~الجمع وتقدم إليهما وانحنى متلطفا جدا وقال: إن الشرف العسكري يلزمني أن أعرض ~~عليكما خدمتي يا سيدتي، فهل تأمراني أن آتي بمركبة لكما. # فقالت كبراهما: ننتظر مركبة خاصة، فلا أدري ماذا جرى لحوذينا، لعله نام ولم يستيقظ ~~في الميعاد. ~~- إذن آتيكما بمركبة. # فقالت الصغرى: لك الفضل، فإني أرى الانتظار مملا في هذا الطقس البارد. # وفي دقائق قليلة كان الفتى في مركبة أمامهما، فترجل وصعدت إليها المرأتان، وقبل ~~أن تشكراه قال: لا يليق بي أن أترككما تذهبان وحدكما في هذا الليل مع حوذي لا تعرفانه، ~~فهل تأذنان لي أن أخفركما إلى منزلكما. ms042 # فترددت الكبرى في شكره وتعجلت الصغرى قائلة: الحق مع جنابه ، والمسافة بعيدة ~~والليل بهيم. # فقالت الكبرى: لا مانع عندنا يا سيدي الأعظم، هذا الدين لفضلك. # فصعد إلى المركبة وجلس بإزائهما وهو يقول: إذا طرحنا هذا الفضل من دين أنسكما أبقى ~~أنا مدينا. # ثم درجت المركبة حسب إيعاز السيدة الكبرى. # أما الفتى الأول، فلما رأى ما كان استقل مركبة أخرى ولحق بالمركبة الأولى. # بعد صمت دقيقة قال الماجور: عسى أن تكونا قد سررتما من التمثيل الليلة يا ~~سيدتي. # فقالت الكبرى: سررنا كسائر الناس. # فضحك الماجور وقال: لم تجد كاترين شراط كعادتها، ولا ريب أنها خيبت مدير الملعب ~~فضلا عن الجمهور. ~~- لعل سمنتها عافتها عن الإجادة. ~~- وتركها التمثيل مدة طويلة أنساها أصول الفن. ~~- هل تظن يا جناب الماجور أن يكون الإقبال في الليالي التالية كما كان في هذه ~~الليلة؟ ~~- لا ثانية لهذه الليلة البتة. ~~- لماذا؟ # فضحك الماجور وقال: لأنه لم يؤذن لها أن تمثل إلا هذه الليلة فقط. ~~- من يسيطر عليها؟ ~~- تتجاهلين يا مدام؟ ولا أقول تجهلين؛ لأنه ما من أحد يجهل صلتها بجلالته. ~~- وهل جلالته يمنعها من التمثيل. ~~- بالطبع. ~~- إذن كيف أذن لها الليلة؟ ~~- يقال إنها هي توسلت إليه أن يسمح، فسمح. ~~- وما بغيتها من تمثيل ليلة واحدة؟ ~~- مدير الملعب أغراها مبتغيا أن يتاجر بشهرتها، وقد أطنب في تمداح مقدرتها على أن ~~تمثل دور ماريا تريزا، وغرها بأنها ستظهر في دورها ملكة، ومن لا يحب الملك ولو ~~في الحلم. ~~- إن هذا المدير لداهية. ~~- بالطبع فقد أقنعها أن الراوية ألفت لأجلها، وأن الشعب يتوق أن يراها ثانية ~~على المرسح، وهي تاقت أن تري مجدها للشعب. # فضحكت المرأة الكبرى وقالت: وقد رأى الشعب مجد الملكة؟ ~~- أجل رأى الشعب مجد الملكة المغتصبة حانقا. ~~- المغتصبة؟ ~~- بالطبع مغتصبة، مغتصبة حظ الإمبراطورة وحلي العرش، ألا يثير ذلك سخط ~~الشعب؟ ~~- وهل تلك الحلي حقيقية؟ ~~- بالطبع، لأن مدام شراط لا تظهر بحلي مزيفة. ~~- يا لله، إذا كانت تلك الجواهر حقيقية، فكم تساوي؟ ~~- قدرها بعضهم بمليوني كرونن، وبعضهم بمليون. ~~- عجبا، ms043 لا أظن الإمبراطورة ترضى بأن تعير جواهرها. ~~- بالطبع لا ترضى قط، ولكن هذه الحلي هدية الإمبراطور لكاترين شراط، ولو لم تهد ~~لكاترين شراط لأهديت لجلالة الإمبراطورة. ~~- ولكن الإمبراطورة مستوفية الحلي، والإمبراطور حر أن يهدي لمن يشاء. ~~- لا لا يا سيدتي؛ لأن المال مال الشعب، وقد سخط الشعب الليلة إذ رأى كاترين شراط ~~تزدان من قمة رأسها إلى قدميها بالألماس والأحجار الكريمة. # ولو كان في المركبة نور، لرأى الماجور ابتسامات المرأة المتوالية في أثناء هذا ~~الحديث، فقالت ضاحكة: ليت الإمبراطور كان حاضرا ليبتهج بمرأى جواهره. ~~- كان حاضرا يا سيدتي، واكفهر من سخط الشعب. ~~- عجبا، كان حاضرا؟ لم نره. ~~- كنتما أولى من يراه؛ لأنه كان متنكرا في المقصورة المقابلة لمقصورتكما. # عند ذلك شعر الماجور بقدم الصغرى مست قدمه، وقالت الكبرى: إذن كنت جنابك في ~~مقصورته؟ ~~- عفوا يا سيدتي، لست ممن حازوا هذا الشرف، وإنما كنت في كرسي بإزاء ~~مقصورته. ~~- وكنت ترانا كما ترى الإمبراطور؟ ~~- النظر لا يحجب يا سيدتي. ~~- والإمبراطورة؟ ~~- ماذا؟ ~~- أما كانت موجودة؟ ~~- بالطبع لا تكون؛ لأنها لا تريد أن توجد في مكان لا بد من التنكر فيه. ~~- عجبا! ~~- لا عجب فيما هو معروف من فضائل الإمبراطورة. ~~- إذن تعجب بالإمبراطورة؟ ~~- كل الشعب يعجب بها ويحبها. ~~- والإمبراطور؟ ~~- مدام! إني جندي خادم الإمبراطور. ~~- وإذا اقتضى الأمر أن تخدم الإمبراطورة؟ ~~- أخدمها بحياتي أولا. ~~- بورك فيك، لا تجهل أن السيدات في كل مكان يكن من حزب ملكتهن. ~~- بورك فيكن يا سيدتي. ~~- أين نحن الآن يا سيدي؟ # فنظر الماجور إلى ما حوله وقال: نحن في آخر شارع فرنز. ~~- إذن لا نكلفك يا سيدي مسافة أبعد. ~~- إني أستلذ مزيد الكلفة يا سيدتي. ~~- شكرا لك يا سيدي؛ فإننا على مقربة من منزلنا. # واستوقفت الحوذي، فاضطر الماجور أن ينزل مودعا مبديا أسفه لعدم تمتعه بالمزيد ~~من أنسهما، وقال: إني أسر إذا كنت أتلقى منكما أمرا بخدمة أقوم بها ~~لكما. ~~- نمتن لك عظيم الامتنان، ونناشدك بالشرف العسكري العظيم أن تعود من هنا تاركا ~~فضلك العظيم دينا علينا. ~~- لا أدري يا ms044 سيدتي سببا لهذه المناشدة. ~~- إنما أناشدك بالشرف العسكري؛ لكيلا تحاول أن تعرف أين مقرنا، أقول ذلك ~~بالصراحة. ~~- أتأسف عظيم الأسف يا مولاتي أن تحرميني لذة هذه المعرفة عاجلا. ~~- أعرف يا سيدي أن التماسي هذا جحود لفضلك، وإنما يعظم فضلك بإجابته. ~~- إني سيئ الحظ يا سيدتي؛ لأني قطعت الأمل من التشرف بخدمة أخرى أمد بها أجل ~~سروري. ~~- إذا شئت أن تتكرم بعنوانك، فلعلنا نستدين منك فضلا آخر. # ورفع إليها بطاقته، ثم تقدم إلى الحوذي يريد أن يدفع له الكراء، فانتهرت المرأة ~~الحوذي ألا يأخذ، ولكن الماجور انتهز الفرصة وهمس للحوذي قائلا: أنتظر هناك. # ثم درجت المركبة وبقي الماجور يتمشى وراءها، وما هي إلا دقيقة حتى مرت به مركبة، ~~فلم يفطن لأمرها، وبعد دقائق معدودة عاد الحوذي فسأله عن مقر المرأتين؟ فقال إنهما في ~~منزل لا يبعد عن القصر الإمبراطوري أكثر من ثلث ميل. # فركب الماجور وأمر الحوذي أن يقف بمركبته لدى ذلك المنزل، ففعل الحوذي، ثم نقده ~~الماجور الأجرة فانطلق. أما الماجور فرأى المنزل شبه صرح صغير في وسط حديقة صغيرة، ~~وقد رأى أشعة مصابيحه تنبعث من بعض نوافذه، فجعل يتمشى لدى المنزل إلى أن رأى شبحا ~~واقفا لدى سور الحديقة، فتقدم إليه، فإذا هو رجل فسأله: أليس لديك عود ثقاب لإشعال ~~سيكارة؟ # فأعطاه ذاك علبة الثقاب، فأشعل الماجور سيكارته، ورأى على نور الثقاب وجه ذلك الرجل، ~~فإذا هو نفس الفتى الذي رآه واقفا على مقربة من السيدتين أمام الملعب، وفطن إلى ~~المركبة التي كانت تتعقب مركبة السيدتين، وخطر له أن يكون هذا الفتى هو الذي كان ~~يستقلها، فقال له: لعلك تنتظر مركبة؟ ~~- لا أنتظر شيئا. ~~- الطقس بارد. ~~- لماذا تركت مركبتك إذن؟ ~~- لأني إلى هنا قاصد. ~~- لعلك فقدت شيئا هنا؟ ~~- أجل، هنا فقدت شيئا. وأنت؟ ~~- أما أنا فلم أفقد شيئا. أقول لك لا يليق بنا أن نقف في السبيل، فالأفضل أن ينطلق ~~كل منا إلى بيته، في أي طريق أنت سائر؟ ~~- في هذا الطريق. ~~- وأنا في عكسه، فلنمض إذن. # ومضى الماجور ms045 وهو يلتفت إلى ورائه ويرى شبح الفتى الآخر متباعدا بتثاقل ، ثم سار حول ~~الحديقة وهو يلتفت إلى الصرح، وما صار في الجانب الآخر حتى التقى بنفس الفتى، فاستمر ~~كل في سبيله، ودار الماجور إلى أن وصل حيث كان أولا، فالتقى بنفس الفتى ثانية، فقال ~~له: أراك كمن أضاع شيئا هنا. # فأجابه: ما هذا شأنك. سر في سبيلك. ~~- هذا سبيلي، فسر أنت في سبيلك. ~~- هذا سبيلي، فإذا لم تكن قد فقدت شيئا فما معنى أن تحوم حول هذا الصرح؟ ~~- ما شأنك أنت؟ ~~- الشأن شأني، والأفضل لك أن تعدل عن فكرتك. ~~- أراك تتدخل فيما لا يعنيك. ~~- أنصح لك أن تذهب من هنا ولا تعود أبدا. ~~- عجبا لهذه القحة. ~~- ليست هذه بقحة، وإنما أريد أن تفهم أنه لا يمكن أن يحوم اثنان هنا. فهل ~~فهمت؟ ~~- فهمت. # ثم انسل الفتى، وما هي إلا دقيقة حتى أطفئت أنوار الصرح؛ فعاد الماجور إلى ~~بيته. # | الفصل التاسع عشر # زلزال عنيف # بعد أيام كان الإمبراطور فرنز جوزف في مكتبه يدخن عابسا مفكرا؛ إذ استأذن سكرتيره ~~أن يدخل فدخل قائلا: مولاي إن وزير جلالتكم يلتمس التشرف بمخاطبة جلالتكم ~~تلفونيا. # فأجاب الإمبراطور على الفور: حول خط التلفون حالا. # وفي الحال تناول الإمبراطور بوق التلفون، وجرى الحديث التالي: ~~- من؟ ~~- وزير جلالتكم. ~~- ماذا جرى في مجلس النواب؟ ~~- الحزب الاشتراكي كله هائج يا مولاي، وقد انضم إليه معظم الباقين. ~~- الأكثرية معه إذن؟ ~~- نعم يا صاحب الجلالة، والهياج شديد جدا جدا. ~~- عجبا ما هي صيغة الاحتجاج؟ ~~- صيغة الاحتجاج أن الشعب لا يقبل بوجه من الوجوه أن يجمع المال من العمال ويعطى ~~هبات وعطايا للغواني. عفو مولاي لا أقدر أن ألطف العبارة أكثر لئلا أكون غاشا ~~جلالتكم. ~~- تعني أن الضجة ... ~~- شديدة جدا يا مولاي؛ فإن الشعب كله هائج لسبب ظهور مدام شراط بتلك الحلي ~~الثمينة. # فارتبك الإمبراطور وقال: وأنت؟ ماذا فعلت؟ ~~- دافعت بكل ما في وسعي من الدفاع، ولكن كنت كمن يطفئ النار بالزيت. ~~- هذه الضجة من زعيم الاشتراكيين فرنند فرغتن؟ ~~- بلا ريب فهو في ms046 المقدمة، ولكن أصوات الضاجين معه أصبحت أعلى من صوته. ~~- ألا يمكن إرضاء فرغتن هذا برد ابن أخيه إمبرت فرغتن إلى وكالة الداخلية؟ ~~- لقد فات وقت هذه الترقية يا مولاي؛ لأن أعوانه استلموا الدفة معه، ولم يعد في ~~وسعه أن يردهم؛ ولهذا يستحيل أن يرجع إلى الوراء بعد أن هجم. ~~- إذن ما العمل؟ ~~- إني أستشير جلالتكم، وقد بذلت جهدي حتى أوقفت الجلسة عشر دقائق بدعوى الاستراحة ~~ريثما أتلقى أوامر جلالتكم. ~~- عجبا، هل عجزت عن إصمات هؤلاء المشاغبين؟ ~~- يستحيل على أعظم قوة أن تصمت الشعب في إبان هياجه؛ فلم تبق من حيلة إلا ~~معالجة الأمر ولو بعلاج وقتي ريثما يسكن ثائر الجمهور. ~~- يا لله، هل تعني أن نخضع لتهديد الجمهور؟ ~~- لا، وإنما نقدر أن ندعي أن تلك الحلى الثمينة، إنما هي حلى العرش نفسه، وقد ~~أعيرت إلى أرقى ممثلة ليلة واحدة لأجل مسرة الشعب. ~~- هذا يستلزم استرداد تلك الحلى. ~~- بعد إسكات حجة الجمهور تكون لنا هدنة لتدبير المسألة، أما الآن فلا حيلة غير هذه. ~~ومع ذلك لا أضمن نجاحها يا مولاي. # ففكر الإمبراطور هنيهة ثم سمع الوزير يقول: إن جرس استئناف الجلسة يقرع يا ~~مولاي. # فقال الإمبراطور: إذن افعل ما تقول، ودبر المسألة بحكمتك، يجب في أثناء الهدنة ~~الضرب على أيدي هؤلاء المشاغبين. ما كنت أظن أن تبلغ القحة منهم أن يعترضوا على ~~الإمبراطور في شئونه الخاصة، المال مالي أمنع أو أمنح من أشاء. ~~- ولكن قضية الاشتراكيين والعمال تناقض هذا المبدأ يا مولاي ... ~~- قبحا لهم ولقضيتهم، إنهم بهائم مخلوقة للعمل، فمن أين لهم الحق أن يمتنوا بعمل ~~الواجب عليهم، لقد غلطنا في أن ندع لهم صوتا يرتفع. # ثم رد الإمبراطور بوق التلفون وجلس مكفهرا مقطبا. # | الفصل العشرون # صدمة راجة # في الصباح اجتمع الإمبراطور فرنز جوزف بزوجته الإمبراطورة إليصابات وهو مقطب الحاجبين ~~وقال: لقد أوعزت أن تبقى ماري فتسيرا ابنة أخت البارونة برجن في بافاريا في مدة الفرصة ~~المدرسية. ~~- لماذا؟ ~~- لأني أخشى من مغبة علاقة البرنس فردريك بها؛ إذ لا يخفى عليك أنه ms047 زوج امرأة الآن، ~~فلا يليق أن يكون ذا عشيقة. فإذا كانت هنا لا نأمن تماديهما في الحب. ~~- إنه لرأي صائب، ولكن ... ~~- لا لكن، ولا بل، لقد صدر أمري. ~~- أمر حكيم وإني معك، فلا يليق بزوج أن يكون ذا عشيقة، وأسر أن يكون هذا قانونا ~~نافذا في البلاط النمساوي. ولكن مرثا تود أن ترى ابنة أختها؛ لأنها لها في منزلة ~~الأم، والفتاة يتيمة الأم لا تتعزى بغير خالتها. ~~- أجل، ولقد قررت أن مرثا تذهب إلى ابنة أختها وتبقى معها كل حياتها. # فأجفلت الإمبراطورة وقالت: ويلاه! ومرثا أيضا؟ ~~- نعم، لن تبقى في البلاط بعد اليوم، فأبلغيها ذلك. # فوقع الأمر على الإمبراطورة كالصاعقة، وقالت: إن هذا الأمر موجه ضدي؛ لأن مرثا ~~تعزيتي الوحيدة. ~~- بل هي فتنة في هذه العاصمة، فلم تقتصر على واجباتها في البلاط بل جعلت تشتغل في ~~السياسة، وهي مصدر الحركة الاشتراكية ضد العرش. ~~- إنها لبعيدة عن كل حركة. ~~- لعلك لا تدرين أنها تجتمع مع الفون فرنند فرغتن زعيم الاشتراكيين، وتشترك معه في دس ~~الدسائس. ~~- لا أظن أن زعيم الاشتراكيين يحتاج إلى مستشار كمرثا برجن، وإذا كان الاشتراكيون قد ~~هاجوا وماجوا فلأن سبب هياجهم خطير جدا. ~~- ليس السبب الذي تشيرين إليه سببا، وإنما مرثا جعلته سببا، فهي تشتغل في السياسة، ~~ولا أريد أن امرأة في البلاط تتداخل في السياسة؛ ولذلك يجب أن ترحل اليوم. نعم، اليوم ~~يجب أن ترحل. # فاستشاطت الإمبراطورة وقالت: إذن تريد أن مدام شراط تشتغل في السياسة. ~~- صه، لا تذكري اسمها فهي براء. ~~- يحظر على فريدريك أن يعشق ولا يحظر عليك. ~~- صه صه، لا تزيدي من هذا. # فصاحت الملكة ساخطة: لا أسكت؛ لأني لا أريد أن ... ~~- لا يكون ما لا تريدين. ~~- حسنا. ~~- إذن البارونة ترحل. ~~- وكاترين شراط ترحل أيضا، لن تبقى في كل النمسا ساعة. ~~- لست صاحبة الأمر والنهي هنا. ~~- إني صاحبتهما فيما يخصني. ~~- ليس ذلك يعنيك. ~~- يعنيني. ~~- افعلي ما تستطيعين. # فاشتد غضب الإمبراطورة وأغلق عليها، أما الإمبراطور فتركها وهو يقول: اليوم تبرح ~~البارونة فينا، هكذا أمرت. ~~••• # وما ms048 كان الظهر حتى بلغ إلى الإمبراطور أن الإمبراطورة ووصيفتها برحتا العاصمة ~~متنكرتين في القطار الراحل إلى بافاريا، فشق الأمر على الإمبراطور جدا وحار ماذا ~~يفعل؛ بيد أنه أصدر أمره في الحال بإيقاف القطار في المحطة التي وصل إليها، ثم ~~استدعى وزيره وشاوره في الأمر، وقرر أن يذهب الوزراء جميعا ويسترضوا الإمبراطورة. ~~وبالفعل أسرع الوزراء في قطار خاص حتى بلغوا إلى حيث أوقف القطار الذي فيه ~~الإمبراطورة، وجعلوا يتوسلون إليها أن تعود حتى أقنعوها، فعادت ووصيفتها معها. # ولما عادت ترامى الإمبراطور على قدميها مستصفحا، ووعدها أن يتوب إلى الله ~~وإليها. # وفي ذلك المساء أولم الإمبراطور وليمة لوزرائه حضرتها الإمبراطورة وهي مبتهجة، وكان ~~حديث الإمبراطور كله في أمور سارة لها. وتأكيدا لوعده لها بأن يسرها أصدر أمره أن ~~يحتفل في البلاط بليلة راقصة يوم عيدها، يدعى لها كبار الحكومة وأعيان ~~المدينة. # | الفصل الحادي والعشرون # المتعصمة # كان الفون درفلت كاتب سر الإمبراطور الثاني في غرفته الخاصة في منزله يتهيأ للخروج ~~من منزله في المساء حسب عادته، فدخل عليه خادمه يقول: هنا يا مولاي سيدة تلح في طلب ~~مقابلتكم، ولم تقل اسمها ولا أعطت بطاقتها. # فبغت درفلت وقطب قائلا: يجب أن ... بل مهلا! دعها تنتظر في غرفة ~~الاستقبال. # ثم أسرع في تهيئة نفسه وأطل من باب غرفة الاستقبال، فإذا سيدة واقفة تنظر في زينة ~~الغرفة، فلما وقع نظره على نظرها دخل قائلا: نينا أو أنا غلطان؟ # فضحكت قائلة: بعض الغلط. ~~- بلى نينا، أهلا ومرحبا نينا، ما الذي ... ~~- صه، لا تقل نينا، أنا البارونة ليوتي الآن. ~~- يا لله، وهل تظنين أن هذا التنكر يخفيك عمن يعرفونك، ثم جلسا جنبا إلى ~~جنب. ~~- قل الذين يعرفونني في فينا يا فلت، والذين يعرفونني قد لا يرونني. وهب أنهم ~~رأوني فلا أظنهم يشتبهون بي؛ إذ لا يخفى عليك أن المرأة تستطيع أن تتقمص كل يوم في ثوب ~~جديد، وتحت نقاب جديد، ووراء تبرج جديد، فإذا ادعى أحد أني نينا أقول له إن الناس ~~يتشابهون. ~~- وما الذي جاء بك إلى ms049 هنا والبوليس السري يدعي أنه يبحث عن الكونتس ألما فورتن ، ~~ويقال إنه توصل في البحث إلى أن هذه الكونتس هي نينا فرست نفسها. ~~- عجبا! كيف عرفوا ذلك؟ ~~- عرفوا من صورتك الفوتوغرافية أن نينا فرست التي كانت تقطن في منزل 16 من شارع ~~البرتو، هي نفس الكونتس ألما فورتن التي زارت الإمبراطورة. # فقهقت قائلة: وهل تظن الآن أن صورتي تلك تشبهني وأنا في تبرجي هذا؟ ~~- ربما. ~~- لا يهمني. ~~- تعرضي نفسك لخطر. ~~- إني مجازفة. ~~- متى أتيت؟ ~~- اليوم. ~~- من أين؟ ~~- من تريستا. ~~- من تريستا؟ كيف تركت مدام شراط؟ ~~- تركتها في شوق شديد إلى فينا. # فضحك فون درفلت وقال: بالطبع، وهل تخلو لكاترين الإقامة إلا في صرحها؟ ولماذا جئت يا ~~نينا؟ # فعبست قائلة: قلت لك إن اسمي البارونة ليوتي. ~~- نعرف بعضنا بعضا جيدا يا بارونة ولا ثالث بيننا، فبالله لماذا جئت إلى ~~هنا؟ ~~- جئت لكي أمتثل لدى الإمبراطور. # فوجف فون درفلت وقال: ويحك! لا تزجين اسم جلالته في معرض مزاح. ~~- إني أجد لا أمزح، أود أن أمتثل لدى جلالته. ~~- لا تقولي ذلك. ~~- إني مضطرة جدا. ~~- لك أن تفعلي ما تشائين. ~~- أجل، أنت تستعطف جلالته. ~~- أنا؟ معاذ الله. ~~- لماذا؟ ~~- لأني لا أود أن أعرض نفسي لخطر كهذا. ~~- أي خطر؟ ~~- خطر تقديم نينا فرست إلى جلالته. ~~- عجبا! سرعان ما نسيت أني البارونة ليوتي. ~~- أجل أذكر أنك البارونة ليوتي؛ ولكني لا أقدر أن أنكر أنك نينا فرست التي ثبت أنها ~~الكونتس ألما فورتن، فإذا اكتشف جلالته ذلك. ~~- تقدر أن تنكر أنك كنت تعرفني. ~~- وإذا جيء بشهود يشهدون أني كنت ذا أصبع في تلك المؤامرة الهائلة. ~~- تعرف شغلك، مدام شراط تأمرك أن تقدمني إلى جلالته. ~~- مدام شراط؟ ~~- نعم. ~~- أين أمرها؟ ~~- هذا هو. # ودفعت إليه بطاقة باسم مدام شراط، وقد كتبت عليها بخط يدها: «المرجو من الفون درفلت ~~أن يساعد البارونة ليوتي، وله الفضل.» # فنظر فون درفلت في المرأة بعد أن أنعم النظر في البطاقة، ثم قال: وهل عرفت مدام شراط ~~أنك تطلبين الامتثال لدى جلالته. ~~- بالطبع. ~~- إذا لم ms050 يكذب ظني، فإنك سفيرها. # فضحكت قائلة: لا تظن ولا تخمن. ~~- عفوا ، إذن ماذا أقول لجلالته عن مطلبك؟ ~~- لدي عريضة أريد أن أرفعها بنفسي إلى جلالته. ~~- وهبي أنه أبى؟ ~~- إذا أبى امتثالي، فلا يأبى قبول عريضتي من يدك. ~~- حسنا، إذن المهمة سهلت بعض السهولة. ولكن اعلمي أني لا أعرف شيئا عنك سوى أنك ~~امرأة تدعين أن اسمك البارونة ليوتي. ~~- لا أعرفك قبل اليوم، بل إني غريبة في فينا. ~~- وبعد أن يكتشف أمرك؟ ~~- لا تخف، لن يكتشف أمري وإني لمسأولة. ~~- مسأوليتك لا تجديني. ~~- ومدام شراط تتحمل كل مسئولية. ~~- إذن بكل سرور ألبي أوامرك يا مدام. ~~- متى؟ ~~- غدا إن شئت. ~~- بالطبع أشاء؛ لأن التسويف ليس من مصلحتي. ~~- لقد تقرر هذا الشأن، تتعشين معي الليلة؟ ~~- أين؟ ~~- هنا. ~~- لا بل في مطعم فريدريك. ~~- لا، يستحيل أن نلتقي في مكان غير هنا. ~~- وفي البلاط أيضا؟ ~~- لا بأس، هناك لا شبهة. ~~- إذن لا تؤجل البيرة إذا كان لا بد من تناول العشاء هنا. ~~- ذلك أقل ما يجب من إكرامك يا مدام. # ثم أوعز إلى الخادم أن يأتي بالشراب ويهيئ العشاء، واستمرا في السمر وهما ~~يتساقيان. # | الفصل الثاني والعشرون # ضرب على أوتار ~~- إذن البوليس السري يبحث عني يا فلت! ~~- كذا يقال. ~~- عجيب أنه لم يبحث عني في تريستا. ~~- لماذا؟ ~~- لأن مدام شراط هناك، ويغلب أن أكون حيث تكون. # فضحك قائلا: ولكن حيث تكون مدام شراط تنحل عزيمة البوليس. # فابتسمت وقالت: عجيب أن يكون لمدام شراط حول حتى في منفاها. ~~- كأنك تجهلين أن زيادة النفوذ مكافأة لها أو تعويض على هذا النفي. # فضحكت نينا وقالت: ترى هل تدري البارونة مرثا برجن هذه الحقيقة؟ ~~- لا أظنها تجهلها وإن كانت تتجاهلها؛ بيد أنها تزعم أنها غائزة في الحرب التي ~~انتهت بنفي مدام شراط من فينا. والإمبراطور يجامل الإمبراطورة ما استطاع. ~~- والبارونة برجن؟ ~~- لا يطيق الإمبراطور وجودها، ولولا تمسك الإمبراطورة الشديد بها لنفاها من كل ~~مملكته. ~~- عجيبة سطوة هذه المرأة على الإمبراطورة. ~~- ليست ذات سطوة عليها، وإنما لا يخفى عليك يا مدام ms051 أن قضية الإمبرطورة خطيرة الشأن، ~~وليس لها من معين فيها إلا البارونة برجن مربيتها القديمة؛ ففوز الإمبراطورة فوز ~~للبارونة أيضا. ~~- ولكن للبارونة قضية بل قضايا أيضا. ~~- وهي فائزة فيها أيضا، فهي رامت أن تكون البارونة ماري فتسيرا ابنة أختها عندها، ~~وقد كان ما رامت. ~~- البارونة فتسيرا هنا؟ ~~- نعم، ولكنها لا تظهر في البلاط إلا نادرا؛ تحاميا لغضب الإمبراطور. ~~- بالطبع الإمبراطور عالم بوجودها هنا. ~~- نعم، ولكنه يتجاهله. ~~- إذن البرنس ... ~~- البرنس رودلف؟ نعم، هو في عيد بالرغم من أن أباه الإمبراطور ناقم عليه بسبب علاقته ~~بالبارونة فتسيرا. # فتنهدت نينا فرست وقالت: عجبا أن ينقم عليه وهو يفعل فعلته. ~~- لا تعجبي يا مدام، إن صاحب السلطة يسوغ لنفسه ما لا يسوغه لغيره، على أني أظن أن ~~الإمبراطور لا ينقم على ولي العهد لمجرد علاقته بالبارونة فتسيرا بل لعلاقته بها؛ لأنها ~~بابنة أخت البارونة برجن التي لا يطيق وجودها في بلاطه. # فتنهدت نينا من أعماق صدرها، فقال فون درفلت منعما النظر فيها: أخاف أن يكون هواء ~~هذه الغرفة غير صالح لأنفاسك يا مدام. ~~- بل جو فينا كله مضيق على أنفاسي يا فون درفلت، وإنما يضطر الإنسان أحيانا أن يكون ~~حيث لا يريد أن يكون. ~~- عسى أن يكون في وسعي أن أخفف عن أنفاسك يا بارونة. ~~- ليس في وسع أحد أن يقاوم السلطة العليا. ~~- إذن الضغط على أنفاسك من ثقل السلطة العليا، ترى ما شأن هذه السلطة بك يا ~~مدام؟ # فتأففت نينا وقالت: أف، عفوا يا فون درفلت لقد شط بي المقال، وإنما أنا أفكر في ~~البرنس رودلف الذي سلبك البارونة ماري فتسيرا. # فانقبض درفلت وقال متجهما: أعلي أم على البرنس تشفقين يا مدام؟ # فقالت منتفضة: بل عليك؛ لأني علمت أنك كنت مولها بالبارونة فتسيرا، وكانت خالتها ~~البارونة برجن تمنيك بها حتى أصبحت معلقا بحبل من الأمل، فقطعت خالتها ذلك ~~الحبل. ~~- خالتها! ولماذا لا تقولين البرنس قطعه؟ ~~- أوه! دعنا من البرنس، علام تزجه في الحديث؟ ~~- كأنك تشفقين على البرنس أيضا من البارونة؛ لأنها تودي به. ms052 # فحملقت به نينا وقالت: تودي به إلى ماذا؟ ~~- دعينا من هذا الحديث. ~~- بل قل من يودي به؟ وإلى ماذا؟ ~~- يلوح لي أن البرنس يهمك أمره. ~~- ربما همني أمره. ~~- إذن لماذا تأبين علي أن أزج ذكره في الحديث؟ ~~- أف، إنك تثير في شجنا. ~~- شجنا! ~~- لا، بل أعني أنك تثير في حب الاستطلاع ثم تردف ذلك بالتكتم؛ فبالله قل من يودي ~~بالبرنس؟ وإلى ماذا يودي به؟ ~~- إذا كان الأمر يهمك ... # فتجرمرت نينا وقالت: بربك لا تضرب على أوتار أعصابي المتوترة، فإن لم تشأ أن تقول ~~فلا تقل؛ إني مودعتك الآن إلى الغد. # | الفصل الثالث والعشرون # من حديث إلى حديث # وهنا لاحظ فون درفلت أن للمرأة سرا يكاد يلمسه؛ ولكنه لم يزل ضالا عنه، وإنما ~~أدرك أن مفتاحه البرنس رودلف. ولكن ما علاقة البرنس بهذه المرأة؟ فقال: لا تذهبي يا ~~مدام قبل أن نتناول العشاء. ~~- إذن تقول ...؟ ~~- أقول إن البارونة برجن تكاد تودي بالبرنس إلى التهلكة. ~~- ويحك! كيف ذلك؟ ~~- ذلك أنها تريد أن يطلق البرنس ابنة ملك البلجيك؛ لكي يتزوج ابنة أختها البارونة ~~ماري فتسيرا. ~~- ويلك! لا طلاق في البلاط النمساوي. ~~- إذا لم يتيسر الطلاق الشرعي، فيتسنى الطلاق الطبيعي. ~~- ماذا تعني بالطلاق الطبيعي؟ ~~- أعني ... دعينا من هذا الموضوع، وحسبك أن تعلمي أن البرنس مقبل على فضيحة هائلة ~~إذا بقي للبارونة برجن نفوذ في البلاط. # فبهتت نينا وبقيت صامتة برهة ثم قالت: وما رأيك بنفوذ البارونة برجن؟ ~~- رأيي أنها ذات نفوذ عظيم حتى الآن، ولولا نفوذها لبقيت مدام شراط في صرحها إلى جنب ~~قصر شرن برن. ~~- عجبا! كيف حصلت هذه المرأة على هذا النفوذ العظيم؛ فإن رضى الإمبراطور وحده غير ~~كاف. ~~- تلعب أدوارا في السياسة تكسبها هذا النفوذ. ~~- أجل، يقال إن لها صلة بالحزب الاشتراكي. ~~- نعم، وهي تشترك مع فرنند فرغتن زعيم الحزب الاشتراكي في تدبير الحملات البارلمانية، ~~ولا بد أن تكوني قد علمت عن حملة هذا الحزب في مسألة الحلي. ~~- أجل أجل علمت، ولكن هل تظن أن الإمبراطورة ترضى أن يساق ابنها إلى ms053 فضيحة ~~هائلة؟ ~~- بالطبع لا، ولكن الإمبراطورة لا تدري بالخطر إلا بعد وقوعه، ولا يمكن أحدا أن ~~ينبهها إلى الخطر ما دامت البارونة برجن في سبيلها. ~~- والإمبراطور؟ ~~- الإمبراطور متغيظ، ولكنه كالإمبراطورة لا يعتقد أن الخطر عظيم، وقد لا يهتم له ~~كثيرا إلا من جهة اغتياظه من البارونة برجن. ~~- يا لله، أليس في وسعه أن يقذف بهذه الداهية إلى البحر. ~~- يظهر أنه لا يستطيع، ولما رام أن ينفيها لم يستطع تحمل غضب الإمبراطورة، أما علمت ~~الحكاية؟ ~~- أية حكاية؟ ~~- حكاية فرار الإمبراطورة. ~~- ويحك! ماذا تقول؟ ~~- أقول إن الإمبراطورة فرت مع مربيتها البارونة برجن حين حتم الإمبراطور بطرد هذه، ~~ولو لم يسرع الوزراء لإدراكها في الطريق وإقناعها بالعودة لما عادت، أما سمعتم بهذه ~~القصة؟ ~~- لا، لعل كاترين علمت بها وكتمتها عني. وماذا فعل الإمبراطور؟ ~~- اضطر أن يسترضي الإمبراطورة وأن يوعز إلى كاترين أن تبقى بعيدة عن فينا، ووعد ~~الإمبراطورة بأن يحيي ليلة ساهرة تكريما لها يوم عيد ميلادها، وإعرابا عن إخلاصه ~~لها. ~~- يوم عيد ميلادها! ~~- نعم، بعد غد يكون عندنا مرقص باهر لم تشهد فينا مثله. ~~- إذن عليك أن تستحصل على تذكرة أدخل بها إلى المرقص الإمبراطوري. ~~- ويحك! إنك مجنونة. ~~- بل أنت غبي، أما أنا بارونة يحق لي ما يحق للأعيان؟ ~~- وتلتقين بالبارونة برجن؟ ~~- ولماذا لا؟ # فضحك قائلا: أظنك تريدين أن تخرجي من المرقص مكبلة بالحديد يا شقية. ~~- إني مستعدة لكل شيء حتى الشنق. ~~- عجبا! ما أمنيتك في هذه المجازفة؟ ~~- أود أن أرى البارونة فتسيرا. ~~- ربما لم يؤذن لها أن تكون. ~~- إذا لم تكن فالبرنس فريدريك لا يكون، وعدم وجوده في المرقص يفتح باب القيل ~~والقال. ~~- ولكن الإمبراطور يأمر من يشاء وينهى من يشاء. ~~- على كل حال أريد تذكرة. # فقال فون درفلت ضاحكا: غدا تمتثلين لدى جلالته، فاطلبي منه تذكرة. ~~- وسأريك أنه يمنحني تذكرة، وهل تكون في المرقص يا فون؟ ~~- بالطبع. ~~- وهبك رأيت البارونة فتسيرا ترقص مع سواك؟ ~~- لا يهمني. ~~- عجبا! إذن ما أنت عاشق. ~~- أوه، بل أنا أمير العشاق. ~~- إذن تحب غير البارونة؟ ms054 ~~- يا لك من حاذقة. ~~- ترى ما نسبة الجديدة إلى القديمة؟ ~~- كنسبة الشمس إلى القمر. ~~- إذن هل نراها غدا في المرقص؟ ~~- لا أظنها تكون. ~~- إذن ليست من الأعيان؟ ~~- الحق لا أدري. ~~- عجبا! ~~- لأني لا أعرفها جيدا. ~~- وهي؟ ~~- كذلك. ~~- إذن؟ ~~- أصل الحب نظرة. ~~- كلام فارغ. ~~- أجل كلام فارغ، ولكن ربما صار ملآنا. ~~- أظن هذا الحب ابن اليوم. ~~- بل ابن هذا العام. ~~- عجبا! وإلى الآن لم تعرف الحبيبة؟ ذلك لا ينطبق على أخلاقك. ~~- لي مزاحم بل مزاحمان. ~~- من هما؟ ~~- أما الأول فهو ضابط مغرور بثوبه العسكري، علمت بعدئذ أن اسمه جوزف شندر من الحرس ~~الإمبراطوري، وأما الثاني فهو سر الفتاة المكنون. ~~- تعني؟ ~~- أعني أن أصل الفتاة محاط بسر مجهول، وقد بحثت عنه فلم أهتد إليه. ~~- عجبا! ماذا عرفت عنها؟ ~~- إن كان في وسعك أن تفيديني عنها شيئا، فأقول لك ما عرفته عنها. ~~- أفيدك. ~~- لله منك! كيف تقولين أنك تفيدينني وأنت إلى الآن لم تعرفي شيئا عنها. ~~- أعني إذا كنت أعرف عنها شيئا، فلا أبخل عليك بقوله لك. فماذا عرفت عن ~~الفتاة؟ ~~- رأيت الفتاة مع امرأة كهلة في الملعب ليلة كانت كاترين تمثل دور ماري تريزا، ~~فسلبت لبي، ولم أستطع ان أكبح جماح فؤادي عنها، فحاولت أن أتحرش بها أو بالمرأة ~~التي معها، ولكن ذلك الفتى الضابط سبقني؛ إذ أخذ المرأتين في مركبة فتبعتهم في مركبة ~~أخرى إلى أن رأيت الفتى يتركهما في الطريق، والظاهر أنهما التمستا منه ذلك لكيلا يعلم ~~منزلهما، ولكنه انتظر الحوذي حتى عاد فأمره أن يأخذه إلى حيث نزلا، وكنت قد سبقته في ~~مركبتي والتقينا هناك. ~~- ثم ماذا عرفت عن الفتاة؟ ~~- لم أعرف شيئا سوى أنها والمراة تسكنان معا في صرح صغير في وسط حديقة في شارع ~~فرنز، وأما ما هي نسبة الفتاة إلى المرأة، ومن هي المرأة، فلم أجد أحدا يفيدني ~~شيئا. ~~- عجبا! أليست المرأة أم الفتاة؟ ~~- ربما ليست، وجل ما علمته أن المرأة تدعى مرغريت ميزل، والفتاة تدعى ~~أميليا. ~~- أميليا ميزل طبعا؟ ~~- الله أعلم، فلا الجيران ولا أحد ms055 في فينا يعرف أكثر من ذلك. فمن أين أتت هذه المرأة ~~وهذه الفتاة؟ وكيف تنفقان عن سعة؟ لا أحد يدري. ~~- عجبا عجبا! ~~- حدث ما حملني على الظن أن للبارونة برجن علاقة بهاتين المرأتين، ولعلها تنفق ~~عليهما. ~~- كيف ذلك؟ ~~- رأيت غير مرة امرأة تتردد على البارونة برجن وعلى هذه المرأة أيضا، كأنها همزة ~~الوصل بينهما. ~~- ظنك في محله. ~~- هل تقدرين لأن تفيديني شيئا عنها؟ ~~- لا، وإنما أصبحت مثلك راغبة في معرفة سرهما، ليتني أرى مرغيتا ميزل هذه، أليس في ~~وسعك أن تسهل لي الأمر؟ ~~- أأدلك على صرحهما وثم تعرفيني شغلي؟ ~~- وماذا كان من أمر الضابط؟ ~~- الضابط قطن في منزل يطل على حديقة الصرح. ~~- وهل نال مأربا؟ ~~- لا أظن، لأنه لا يزال كالغريب للمرأة، وأما الفتاة فتكاد تقع في أحبولة ~~جنونه. ~~- كيف ذلك؟ ~~- لا أخفي عليك أني كنت في بعض الليالي أجعل طريقي أمام ذلك الصرح، واتفق في ~~ليلة في هذا الأسبوع إذ رأيت أشعة النور تشع من خلال روافد الشباك الذي لغرفة الضابط ثم ~~تختفي، وهكذا دواليك، كأن الضابط يحرك الروافد عمدا لغرض. ثم راقبت شباك الفتاة فإذا ~~النور يشع منه على ذلك النمط، كأن هذه الأشعة أجوبة لتلك، ثم رأيت شباك الضابط انفتح ~~ولاح منه الضابط بنفسه مرارا، ثم انقفل وبقي النور يشع من خصاص روافده، وما هي إلا ~~هنيهة حتى انفتح شباك الفتاة ورأيت قامتها الهيفاء فيه تحجب النور، ثم توارت وأقفلت ~~الشباك. ~~- إذن الضابط ظفر بقلب الفتاة؟ ~~- أجل، ولكن المرأة مرغريتا غير دارية بذلك، وأظنها لو درت لانتقلت من هذا الصرح، أو ~~لو كانت راضية عن الفتى لقبلته في صرحها، وحينذاك لا يبقى موجب لمخاطبة الفتاة بهذه ~~الإشارات ... وما اقتصر على ذلك، بل فعل ما هو أبلغ. ~~- ماذا فعل؟ ~~- أراقبه كل ليلة، وكل ليلة يفعل كذلك، وأول أمر رأيته بعد هذه الإشارات قد خرج من ~~منزله، فكمنت بعيدا أراقبه، فرأيته قد اغتنم فرصة خلو الشارع وتسلق سور الحديقة ~~ووثب إليها بكل خفة، فراقبته عن قرب إلى أن قرب ms056 من شباك الفتاة، ولم أر في الظلمة ما ~~جرى، وإنما لم يطل العهد حتى رأيته قد عاد كما راح. ~~- لقد زدتني رغبة في استطلاع أمر ذلك الصرح يا فون درفلت، فهل تشاء أن نذهب ~~لمراقبته في ميعاد الإشارات المتبادلة بين الضابط والفتاة؟ ~~- لا بأس، الساعة العاشرة يجب أن نكون هناك. ~~- حسنا، نتعشى الآن ونذهب. # | الفصل الرابع والعشرين # اصطدام هائل # في شارع فرنز على بعد نصف ميل من القصر الإمبراطوري منزل صغير جميل، في وسط حديقة ~~صغيرة غناء، يحدها من الجنوب هذا الشارع، ومن الشرق شارع صغير، ومن الشمال شارع آخر، ~~وفي الغرب منزل آخر ذو حديقة. # في ذلك المساء عينه حين كانت نينا عند هرفون درفلت دخلت البارونة مرثا برجن إلى ذلك ~~المنزل، فتلقتها امرأة في نحو الأربعين من العمر ولكنها لم تزل نضيرة الإهاب زاهرة ~~الشباب، وبالغت في الحفاوة بها كاحتفاء المرء بولي نعمته، ودخلت معها إلى غرفة ~~خاصة، فلما جلست البارونة جلست تلك بإزائها ثم سألتها البارونة: أما جاء الفون فرنند ~~فرغتن بعد؟ ~~- لا يا سيدتي، إذا كنت تنتظرينه فلا بد أن يأتي. ~~- أجل أنتظره، ولكن لا أريد أن يكون أحد هنا يا مرغريت. ~~- تعلمين يا سيدتي أن الخادمة تنصرف قبيل العشاء عادة. ~~- وأميليا؟ ~~- أميليا في غرفتها تدرس دروسها. # فابتسمت البارونة قائلة: والفتى الضابط؟ ~~- لا يزال يتحرش بالفتاة تحرشا لطيفا، وسيادتك لا تسمحين لي أن أزجره. ~~- لا، لا أسمح لك أن تزجريه ما دام يعلم أنك تجهلين تحرشه، وما دام تحرشه من بعيد ~~لا يستلفت نظر الفتاة؛ لأني أخاف أن زجره يفضي إلى جلبة أو إلى قيل وقال. وماذا كان من ~~تحرشه؟ ~~- إلى الآن لم يكن شيء خطر سوى أنه يظهر أحيانا من شباك غرفته المقابلة، وأحيانا ~~يقفل الشباك ويفتحه مرارا، وفي بعض الليالي يحرك روافد الشباك ليومض شعاع مصباحه ~~ويختفي على التوالي كأنه يريد بذلك أن يستلفت نظر الفتاة. ~~- عجبا، وأميليا؟ ~~- لا ألاحظ أنها تنتبه لذلك. ~~- هل تراقبينها جيدا؟ ~~- بالطبع. ~~- ألا تظنين أنه يتحرش بالفتاة في ذهابها ms057 إلى المدرسة وإيابها منها؟ ~~- ترافقها أنجليك الخادمة في الذهاب والإياب، ولم تقل أنجليك أن أحدا يتأثرهما أو ~~يعترضهما. ~~- أخاف من مكر أنجليك. ~~- بل بالعكس، إن أنجليك مخلصة جدا يا سيدتي، وهي ساذجة لا تعرف المكر. ~~- أخاف أن سذاجتها تعميها عن ملاحظة تحرش الفتى بالفتاة، وربما كانت الفتاة تلعب ~~عليها دورا وهي لا تدري. ~~- لا، لا أعتقد قط أن أميليا تفعل أمرا خفية؛ لأنها عاقلة جدا وتعلم أن ما يفعل ~~خفية إثم. ~~- إذن أنت الساذجة؛ لأنك لا تعلمين أن للصبوة هفوات، لا يقي الصبية منها إلا شديد ~~المراقبة. ~~- إني شديدة المراقبة يا سيدتي وواثقة أن أميليا غير ملتفتة للفتى. ~~- وهل تكررت حركات الفتى الليلية في شباك غرفته؟ ~~- نعم لاحظتها غير مرة. ~~- إذا يجب أن تعلمي أن الفتى لا يكرر هذه الحركات إلا لأنه صادف تشجيعا عليها، متى ~~كانت تبدو حركاته؟ ~~- كانت تبدو عادة بين الساعتين التاسعة والعاشرة، ولكن ليس كل ليلة. ~~- بالطبع لا يبدي هذه الحركات كل ليلة؛ لأنه يكون في بعض الليالي مؤديا وظيفته، ~~فقد علمت أنه من رجال الحرس الإمبراطوري. ~~- إذن ألا تخافين يا سيدتي أن يكون هذا الفتى جاسوسا؟ ~~- ربما كان كذلك؛ ولهذا يجب مراقبته وإنما بكل حذر. الآن الساعة التاسعة والفون فرنند ~~فرغتن لم يأت بعد، فأود أن أراقب حركات هذا الضابط بنفسي، هل تعلم أميليا أني أنا هنا ~~الآن؟ ~~- لا. ~~- إذن لا تدعيها تعلم بوجودي قط، افتحي لها الغرفة المجاورة لغرفتها ولا تضيئيها؛ ~~لأني أود أن أكمن فيها من غير أن تعلم أميليا، يجب ألا يعلم أحد بوجودي في الغرفة. وإذا ~~جاء الفون فرغتن فدعيه ينتظر في هذه القاعة. # وفي الحال دخلت البارونة برجن إلى الغرفة المذكورة وهي لا تزال مظلمة، وجلست لدى ~~الشباك الذي ترى منه شباك الفتى الضابط، وما هي إلا دقائق قليلة حتى رأت النور يومض من ~~خصاص شباك ويختفي، فاشرأبت قليلا حتى صارت ترى النور المعروض من خصائص شباك أميليا ~~يظهر ويختفي أيضا، وكان شعاعه يقع على أشجار الحديقة وينقطع، فقالت في ms058 نفسها: إن حذري ~~صائب، فإن الفتى لا يستأنف هذه الحركات كل ليلة بعد أخرى إلا لأن الفتاة تجاوبه ~~عليها. # ثم رأت الفتى قد فتح الشباك على مداه وظهرت قامته فيه، ثم أقفل الشباك وبقي ظله وراءه ~~ظاهرا، وفي الوقت نفسه رأت النور مومضا في شباك الفتاة وقد ظهر منه خيالها ملقى على ~~أرض الحديقة، وظهرت منه حركات إيمائها كأنها تدعو الفتى أن يأتي، فاستهجنت البارونة ~~الأمر جدا واشتد قلقها، ثم رأت أن نور غرفة الفتى قد انطفأ تماما، وتلا انطفاءه ~~انطفاء نور غرفة الفتاة. # ففكرت البارونة هنيهة، ثم أطلت من الشباك في الظلام بكل خفة، فشعرت أن الفتاة ~~جالسة لدى شباكها وكأنها سمعت صوت أنفاسها، فاشتد قلقها وثار دهاؤها، فخرجت من الغرفة ~~بكل خفة وعادت إلى مرغريت وقالت لها أن استدعي الفتاة إلى الغرفة المطلة إلى الشباك ~~واقفليه، واشغليها معك بأي حديث، لا تدعيها تخرج أو تعلم شيئا حتى أقول لك. وعادت ~~البارونة إلى مكمنها، ومرغريت نفذت أمرها بالسرعة والتدقيق، وما هي إلا دقائق حتى ~~شعرت البارونة أن شبحا وثب بخفة من فوق سور الحديقة وغلغل بين أشجارها، فأسرعت ودخلت ~~إلى غرفة الفتاة وهي لا تزال مظلمة، وجلست حيث كانت الفتاة جالسة لدى الشباك، والشباك ~~مفتوح بعض الفتح. وما هي إلا هنيهة حتى شعرت بالشبح قد أصبح تحت الشباك، والشباك لا ~~يعلو عن أرض الحديقة أكثر من قامة إلا قليلا، ثم سمعته يهمس قائلا: أميليا، قبلة من ~~يدك. # فمدت البارونة يدها، وقبل أن يظفر الشبح بها أومأت إليه بها أن يصعد، فقال: أتعنين ~~أن ... أن ... # فهمست بكل خفة قائلة: تصعد، نعم أن تصعد. فهمس: «ألا خوف.» ~~- لا تخف هي نائمة، ألا تقدر أن تصعد؟ ~~- بل أطير. # وفي الحال وضع كفيه على إفريز الشباك فتراجعت البارونة، وفي لحظة كان الشبح صاعدا ~~بقوة ذراعيه حتى صار في الشباك. # فهمست: انزل إلى هنا بكل خفة. # فنزل إلى أرض الغرفة والبارونة أقفلت الشباك بكل لطف، والشبح يهم أن يطوفها وهي تقول: ~~مهلا. # وأفلتت من ms059 بين ذراعيه، وفي الحال أضاءت المصباح الكهربائي والتفتت؛ فما كانت دهشتها ~~أقل من دهشة الشخص الذي رأته منتصبا أمامها، وما كان اكفهراره بأشد من ~~اكفهرارها. # بقيا واقفين متجهمين يتراسلان النظرات نحو دقيقة؛ ذلك لأن كلا منهما رأى غير ~~من انتظر. # فهو لم ير الفتاة أميليا، بل رأى البارونة برجن. # وهي لم تر الضابط، بل رأت الفون درفلت. # | الفصل الخامس والعشرون # أمواج تتلاطم # البارونة افتتحت الحديث قائلة وهي لا تزال تقطب جبينها مكفهرة: أأنت إذن الذي يسطو ~~على منازل الناس في غلس الليل؟ # فقال محملقا: أوأنت إذن هي التي تغازل الشبان من شباكها وتدعوهم للوقوع في ~~شباكها. # فأكمدت البارونة تغيظا وقالت ساخطة: ماذا جئت تفعل هاهنا؟ ~~- بل ماذا جئت أنت تفعلين هاهنا؟ ~~- أما أنا فدخلت من الباب ولم أصعد من الشباك، ولم أفتح لك باب هذا المنزل. ~~- ولكنك أنت فتحت لي شباكه. ~~- أجل، أنا دخلت من الباب، ولم أثب من فوق السور. ~~- أجل، وأنا وثبت من حيث أومأت لي أن أثب. ~~- إنك لكاذب. ~~- لست كاذبا، في هذا الشباك رأيت الإشارة، وفي هذه الغرفة لا أجد سواك. ~~- الآن علمت يا فون درفلت أنك احترفت حرفة الطواف في الشوارع لمداعبة السيدات إذا ~~ظهرن في شبابيكهن، حتى إذا أوخذت بدعابة أولت ظهورهن بإشارات دعابية. ~~- هل تنكرين يا بارونة أنك هامستني وأنا لم أزل تحت هذا الشباك وقلت لي أن أصعد؛ لأن ~~المنزل خال ولا خوف. ~~- لا أنكر أني فعلت، وإنما فعلت لأرى من هو هذا الذي يسطو على بيوت الناس، ودهشت إذ ~~رأيت أنه كاتب سر الإمبراطور الثاني، فيا للعار! ~~- وأنا لا أنكر أني جئت كما تقولين، وإنما جئت لأرى من هذه السيدة التي تغازل المارة ~~وتداعبهم وتدعوهم إلى منزلها، فدهشت إذ رأيت أنها رئيسة وصيفات الإمبراطورة. فيا ~~للشنار! # فاحتدت البارونة أي حدة وقالت ساخطة: هذا محض إفك وبهتان، إني في منزل محترم ليس فيه ~~شيء مما تقول، وأما أنت فلا تقدر أن تعلل طوافك في هذا الشارع وحول هذا المنزل إلا ~~بالتجسس. فيا ms060 للخسة! ~~- ربما صح ما تظنين، وما يحملك على هذا الظن إلا أنك لا تقدرين أن تعللي وجودك غير ~~المنتظر في هذا المنزل الذي لا علاقة لك به إلا بأنك تشتغلين في مؤامرة. فيا ~~للخيانة! # فارتجفت البارونة تغيظا وقالت ساخطة: إذن لا تنكر أنك محمول على التجسس على رئيسة ~~وصيفات الإمبراطورة، ومن يتجسس على رئيسة وصيفاتها فكأنه يتجسس على الإمبراطورة نفسها. ~~فيا للدناءة! ~~- لا تكثري من هذا البذاء يا بارونة؛ لأن من يتجسس على رئيسة الوصيفات ليس أدنأ ~~ممن يأتمر على جلالة الإمبراطور. # فكالدت البارونة «تنشق» من شدة الغيظ وقالت: إنك لمحاول أن تبرر تجسسك بهذا ~~الافتراء علي، فما وجودي في غير منزلي أو في غير البلاط برهانا على أني مؤتمرة، ولكن ~~وجودك في الشارع في غلس الليل، ووثوبك فوق سور الحديقة يثبتان أحد أمرين: إما أنك ~~متجسس أو أنك ساط. ~~- لا تحتدي يا بارونة، فإذا كنت أنت غير مؤتمرة فما أنا متجسس ولا ساط، فهل تقولين ~~لي لماذا أنت هنا إذا كنت غير مؤتمرة؟ # فتململت البارونة وقالت: لو كنت في موقف تحقيق يا فون درفلت ما كنت أضطر أن أجيب على ~~هذا السؤال. ~~- لا أضطرك إلى أي جواب، وإنما نفي تهمة المؤامرة عنك يضطرك إلى ذلك يا مدام؟ ~~- عجبا! ربما كنت أفعل خيرا هنا؛ فهل أنا مضطرة أن أطنطن بفعلي الخيري لكي أبرر ~~وجودي هنا؟ ~~- لا يدل هذا المنزل على أن سكانه يحتاجون إلى إحسان. ~~- قلت لك إني لست في محكمة الآن حتى أدافع عن نفسي، وأما أنت فمضطر أن تبرر دخولك ~~إلى هذه الغرفة من هذا الشباك في غلس الليل، وإلا فأنت لص. # فضحك الفون درفلت وقال: عفوا يا سيدتي، ما أنا لص وإنما أنا عاشق، والعشق يسوغ أكثر ~~مما عزوته إلي. # فتنهدت البارونة كأن فرجا جاءها من كلمة الفون وقالت: عاشق؟ ~~- نعم. ~~- من تعشق؟ ~~- الفتاة التي هنا. ~~- الفتاة التي هنا لا تقبل عاشقا لا يأتي من الباب. ~~- بل قبلت فتى غيري يأتي من هذا الشباك. # فسخطت البارونة قائلة: ms061 صه، هذا إفك وبهتان. ~~- لا يا مدام، لا أظنك كمنت في هذه الغرفة إلا لأنك شعرت أن الضابط الذي يسكن في ~~مقابل هذا المنزل يختلس مقابلة الفتاة عند هذا الشباك. ~~- هب الأمر كما تقول، فما شأنك أنت؟ ~~- إني طالب آخر للفتاة، وها أنا آت من الباب الذي يأتي منه سائر الطلاب، فما شأنك ~~أنت؟ ~~- إني ولية أمر الفتاة، فلا أقبل طالبا يأتي من الشباك. ~~- إذا شئت فآتي من الباب. ~~- لا، لا أشاء. ~~- لا أنتظر أن تشائي؛ ولهذا لا أطلب هذا الطلب منك يا مدام، بل أطلبه من الفتاة ~~نفسها. ~~- الفتاة تحت سن الرشد، فليس في وسعها أن تقبل، بل لها أن ترفض فقط. ~~- إذن أخاطب بهذا الشأن ولية أمرها الحقيقية. ~~- من تعني؟ ~~- أعني مدام مرغريت ميزل صاحبة هذا المنزل، فلا شأن لي معك، إني أريد مقابلتها ~~الآن. # وهم أن يخرج من باب الغرفة، فاعترضت البارونة في طريقه قائلة: إني صاحبة الأمر ~~والنهي في هذا المنزل، ولا أسمح لك إلا بالخروج المطلق منه. ~~- لا أخرج قبل أن أرى صاحبة المنزل، أو إذا أخرجني البوليس من هنا بأمرها. # فاشتد سخط البارونة وقالت: عجبا لهذه القحة! ~~- لست وقحا، بل أنت الوقحة لأنك تتصرفين هنا تصرفا لا حق لك به وأنت غريبة عن هذا ~~المنزل مثلي؛ فلا تقدرين أن تحجيني بشيء، وإنما لصاحبة المنزل وحدها هذا الحق، ~~فاستدعيها إلى هنا. ~~- قلت لك إني أنا صاحبة الحق الأول هنا. ~~- لا أسلم إلا ببرهان، فهل في وسعك أن تقولي لي ما نسبة الفتاة أميليا إليك؟ ~~- لست ملزمة أن أقول شيئا. ~~- هل هي ابنتك؟ # فسخطت قائلة: لا شأن لك بهذا البحث. ~~- ابنة من إذا لم تكن ابنتك ولا ابنة مرغريت؟ ~~- من قال لك إنها ليست ابنتها. ~~- إذا كانت ابنتها فما أنت ولية أمرها بوجود أمها؛ ولهذا يجب أن أقابل مرغريت. ~~- لقد تجاوزت قحتك الحد، فهل تخرج بسلام أو أستدعي البوليس؟ # عند ذلك سمعا جرس الباب يقرع فقال: أخرج بسلام. # فبغتت البارونة وقالت: مهلا، لن تخرج حتى آذن ms062 لك. # ثم خرجت من الغرفة وأقفلت الباب، أما فون درفلت فأجال نظره في الغرفة، فوقعت عينه على ~~صورة فوتوغرافية للفتاة أميليا، فأخذها وأخفاها في جيبه، وما هي إلا لحظة حتى عادت ~~البارونة وقالت له: الآن تخرج. # فقال: لم تريدي أن أرى القادم يا بارونة، إذن لقد صدق حدسي. # فصاحت: ما حدسك؟ إنك لشديد اللؤم. # فابتسم قائلا: قولي ما تشائين يا بارونة، فإني أكثر مما تقولين بعد الذي أصابني من ~~لؤمك. ~~- لك أن تتلاءم ما شئت، فاخرج الآن. # وفتحت له باب الغرفة، ثم قادته إلى باب المنزل حيث خرج، وأقفلت الباب وراءه وهي تصعد ~~أنفاسها وكأن كابوسا ارتفع عن صدرها. # | الفصل السادس والعشرون # ثعلبة # وهنا يود القارئ أن يعلم ماذا جرى للفتى الضابط جوزف شندر بعد أن أقفل شباكه ونزل ~~لمقابلة الفتاة خلسة. # ذلك أن فون درفلت ونينا فرست التي انتحلت اسم البارونة ليوتي جاءا إلى شارع فرتن ~~وراقبا حركات الضابط والفتاة من شباكيهما، ولما شعرا أن الفتى الضابط وافى للوثوب إلى ~~الحديقة، اتفقا على أن نينا تشاغل الفتى بأي أسلوب لتشغله ريثما يلعب فون درفلت دوره ~~الذي مر ذكره. # فلذلك تقدمت نينا وتلقته في طريقه قائلة: مهلا يا حضرة الماجور جوزف شندر، تحية ~~وسلاما. # فبغت الفتى إذ رأى سيدة حسناء تعترضه في الطريق وتناديه باسمه، وقال: عفوا يا سيدتي، ~~لا أرى وجهك واضحا في هذا الظلام، فلا تؤاخذيني إذا كنت لا أتذكر من أنت. ~~- لا تستكد ذاكرتك فأنت لا تعرفني. ~~- إذن، إذا كنت أستطيع خدمة لك، فأرجو أن تعودي إلي غدا صباحا؛ لأني الآن في ~~شاغل عاجل. # ورام أن يتجاوزها، فأمسكت به قائلة: مهلا، ما أنا التي في حاجة إليك، بل أنت في حاجة ~~إلي. ~~- لا بأس نتكلم غدا. ~~- بل الآن لأن الأمر عاجل. ~~- الآن أنا مضطر أن أسير في سبيلي، فبالله دعيني يا سيدتي. ~~- لا أدعك؛ لأني لم أعترض لك في هذا المكان وفي هذا الغلس إلا لكي أحذرك. ~~- تحذرينني! مماذا؟ ~~- أحذرك من الذهاب إلى حيث أنت ذاهب. ~~- كيف ms063 تدرين يا سيدتي إلى حيث أنا ذاهب؟ ~~- أدري أنك ذاهب إلى هذه الحديقة. # فأجفل جوزف قائلا: من قال لك؟ إنك مخطئة الظن بي؟ ~~- سواء عندي أنكرت أو اعترفت، فعلي أن أحذرك من الخطر الذي في سبيلك ~~هذا. ~~- ما الذي يحملك على تحذيري؟ ~~- لعل الحامل عليه مصلحة مشتركة بيننا. ~~- لا أفهم هذه المصلحة. ~~- إذن اعدل الليلة عن مشروعك هذا، وهلم معي نتفاهم. # فأوجس جوزف وقال: إلى أين؟ ~~- إلى حيث تشاء في غير هذا المكان. ~~- فتردد الفتى ثم قال: كيف تعرفينني يا سيدتي؟ ~~- ستعلم، دعنا الآن نسير في طريقنا إلى حيث تشاء؛ لأن وقوفنا هنا يدعو إلى ~~المظنة. ~~- ولكن ما هو الخطر الذي تحذرينني منه؟ ~~- عجبا لذكي مثلك يسأل هذا السؤال. ~~- لعلك مخطئة؛ إذ لا أرى أن مسيري يؤدي إلى خطر. ~~- ليس الخطر عليك وحدك. ~~- على من أيضا؟ ~~- على الفتاة التي تحاول أن تقابلها خلسة، وربما كان الخطر عليها أشد. # فوجف فؤاد جوزف وقال: أي فتاة؟ ~~- يا لله، ألا تزال تتجاهل علاقتك بالفتاة أميليا التي تقطن في هذا المنزل؟ ~~- عجبا كيف تعرفين ذلك؟ ~~- لا خفي إلا ويظهر. ~~- وما هو الخطر؟ ~~- الخطر شديد قد يقضي بحرمانك رؤية الفتاة بتاتا. ~~- يا لله! وهل تجنب هذا الخطر ينجيني من هذا الحرمان؟ ~~- كذا أؤمل. # فأنس الفتى للسيدة وقال: وهل لك صلة بالفتاة؟ ~~- ربما، والأفضل أن نبرح من مكان الخطر. ~~- إلى أين تذهب؟ ~~- هل تريد أن نذهب إلى حانة هرمن. ~~- نذهب، فما هي ببعيدة، وفي زواياها مختلى لنا. # وفي دقائق قليلة كانا في زاوية منفردة من تلك الحانة، فقال الفتى: ماذا تعرفين عن ~~الفتاة؟ ~~- بل ماذا تعرف عنها أنت؟ ~~- بل قولي أنت. ~~- أقول إنها ليست ابنة المرأة المدعوة مرغريت ميزل التي تقطن معها. ~~- ابنة من إذن؟ ~~- ماذا عرفت أنت عن أبويها؟ ~~- لم أعرف شيئا، فقولي لي ماذا تعرفينه أنت؟ ~~- أعرف أن مرغريت ليست أمها، وإنما هي مربية لها ورقيبة عليها، وما هي بولية ~~أمرها. ~~- إذن من هو ولي أمرها؟ ~~- أناس في البلاط. # فاختلج الفتى وقال: في البلاط! ms064 ~~- نعم، والبارونة مرثا برجن تشرف عليهما؛ لهذا أقول لك إن الخطر شديد عليك وعلى ~~الفتاة معا؛ لأن البارونة في المنزل الليلة لأجل المراقبة، ذلك لأن إشاراتكما ~~المتبادلة أصبحت معلومة، ولو سرت في سبيلك الليلة لوقعت في فخ. # فوجف الفتى وقال: لست أخاف. ~~- ألا تخاف على الفتاة التي تحبها؟ ~~- ما ذنبها؟ ~~- ذنبها أنها تخالس فتى مقابلات سرية غير مشروعة؛ فقد أنجيتها الليلة من عقاب هذا ~~الذنب، وأنجيت نفسك من هجرها فينا كلها إلى حيث لا تعود تدري أنت مصيرها. # فتنهد الفتى وقال: إني أشكر لطفك جدا يا سيدتي، إلى الآن لم تعرفيني باسمك ~~الكريم. ~~- وماذا تستفيد من معرفة اسمي إذا قلت لك أني أدعى جوليا هارتمان مثلا؟ ~~- الحق أني لا أعرف جوليا هارتمان. ~~- إذن حسبك أني صديقة ناصحة لك. ~~- أشكرك، قلت أن ثمة مصلحة مشتركة بيننا. ترى ما هي؟ ~~- هي هذه، أنت تحب الفتاة ... ~~- جدا جدا وهي تحبني أيضا. ~~- حسنا، ويهمك قبل التمادي بهذا الحب أن تعرف حقيقة أمرها؟ ~~- نعم، قد يهمني. ~~- بل يهمك جدا أن تعرف كل من كان ذا علاقة بها لئلا تفضي علاقتك بها إلى مشكلة ~~مستحيلة الحل. ~~- كذا كذا. ~~- ويهمك أيضا أن تكون أنت وولي أمر الفتاة على وفاق، وإلا استحال عليك الوصول إلى ~~الفتاة. ~~- بالطبع بالطبع، إن الطريق الموصول إلى الفتاة هو ولية أمرها؛ فهل في وسعك أن ~~توفقيني مع البارونة برجن؟ ~~- هذا يستحيل. ~~- لماذا؟ ~~- لأن مصلحة البارونة تقضي بإقصاء الفتاة عن كل إنسان. ~~- إذن ما العمل؟ ~~- الوسيلة الوحيدة هي رد الفتاة إلى تحت ولاية ولي أمرها الشرعي الحقيقي. ~~- تعنين أن البارونة مختلسة الفتاة اختلاسا. ~~- نعم، وولي أمرها الحقيقي لا يدري أين هي؟ ~~- وهل أنت تعرفينه؟ ~~- أعتقد أني أعرفه، بيد أني لا أقدر أن أقول شيئا قبل أن أتثبت من الحقيقة. فماذا ~~تعرف أنت عن الفتاة؟ ~~- لا أعرف غير الظواهر. ~~- هل اجتمعت بالفتاة؟ ~~- نعم، ولكن فترات قليلة سرا. ~~- أما سألتها عن أمرها؟ # فتردد الفتى وقال: لعلها لا تعرف غير الظواهر أيضا. ~~- عليك أن تقول لي كل ms065 ما عرفته لكي تسهل لي المشروع الذي اتفقنا عليه. ~~- أي مشروع ؟ ~~- مشروع رد الفتاة إلى ولي أمرها الشرعي. ~~- إلى الآن لم أفهم مصلحتك في كل ذلك يا مدام. ~~- عفوا، لك حق أن تستوثق مني، فما أدراك أن أكون أنا ذات صلة كبيرة بالفتاة؟ # فحملق جوزف في المرأة وقال: تعنين ...؟ ~~- لا أقدر بأن أصرح لك الآن أكثر مما صرحت، وإنما أحذرك من التمادي بحب الفتاة ~~قبل أن ينجلي لك كل غامض من أمورها، وإلا وقعت في ورطة حبك وقعة مهلكة. فلكي تنجو من ~~هذه الورطة يجب أن تتفق معي، وأن تقول لي كل ما تعرفه عن الفتاة تسهيلا لعملي بهذا ~~الشأن. ~~- إن ما أعرفه عن الفتاة قليل جدا قد لا يفيدك. ~~- ما هو؟ ~~- هو سر استأمنتني عليه الفتاة. ~~- من مصلحة الفتاة أن تقول لي هذا السر، ولعل في هذا السر مفتاح مشروعنا. # وما زالت تحرجه حتى قال: إن الفتاة لا تعرف نفسها إلا ربيبة دير الراعي الصالح، ومنذ ~~سنتين سلمتها رئيسة الدير إلى مرغريت ميزل، وإنها لا تعلم لها أبا ولا أما، وإنها ~~مسرورة جدا مع مرغريت. ~~- وهل ذكرت لك البارونة برجن؟ ~~- لا، وإنما هي ترى سيدة تزور مرغريت نادرا، ولكنها لا تعرف اسمها، بيد أنها ~~لاحظت أن هذه السيدة تنفق عليهما بسخاء. # فهزت نينا رأسها قائلة: طبعا. أهذا كل ما تعرفه عن الفتاة؟ ~~- لا أعرف أكثر، وإنما حتمت الفتاة علي ألا أبوح بكلمة من ذلك. ~~- لا تخف إني صديقة مخلصة للفتاة وبالتالي لك، فكن مطمئنا، إني أخدمكما خدمة ~~عظمى، وجل ما أطلبه منك أن تكتم حتى عن الفتاة خبر اجتماعنا هذا، وأن تتئد في مقابلة ~~الفتاة وتحاذر ما استطعت لئلا تفسد مشروعنا، وسنجتمع حين أرى اجتماعنا لازما. إلى ~~الملتقى الآن. حاذر أن تذهب الليلة إلى غير منزلك. # أما الفتى فعاد إلى منزله، وأما نينا فاجتمعت بفون درفلت، وقص عليها ما حدث وأراها ~~صورة الفتاة، فتحايلت عليه وأخذتها منه على وعد أن تردها إليه. # | الفصل السابع والعشرون # مآزق # في عصر اليوم ms066 التالي أذن الإمبراطور فرنز جوزف للبارونة ليوتي أن تمتثل بين يديه ~~بناء على رجاء كاتب سره الثاني فون درفلت؛ لأن الإمبراطور يثق أن هذا الخادم الأمين لا ~~يرجو مولاه في أمر إلا إذا كان واثقا أنه يرضيه. # وكانت البارونة قد استوفت جميع صنوف التبرج تحاميا لأنفة جلالته، فتلقاها راضيا ~~وتناول منها رسالة في يدها قائلا: هذه عريضة منك؟ ~~- بل من أمة مولانا مدام كاترين شراط؟ # فأبرقت أسرة الإمبراطور قائلا: من مدام شراط! هل كنت عندها؟ ~~- نعم يا مولاي، إني موفدة من لدنها. ~~- وأنت صديقتها؟ ~~- صديقة مخلصة يا مولاي. # وفض الإمبراطور الرسالة وقرأ في سره: # مولاي صاحب الجلالة الأعظم # إني عبدة مولاي في حالة غضبه ورضاه، وإني مشمولة بآلائه في حالتي العقاب ~~والثواب، بيد أني أحسب كل مكان في الدنيا سجنا لي، واحتباسي في منزلي الخاص ~~في فينا هو حريتي المطلقة. فإذا رام مولاي استتمام عقابي فليأمر بسجني في ~~منزلي بقية حياتي؛ لأني مللت ترهات تريستا، ولا أرى منتزها في العالم يفرج ~~كربي كما يفرجه إيوائي إلى منزلي الصغير في فينا. # وما من قوة تحت السماء تمنع مولاي أن يفعل ما يريد، والأمر له أولا ~~وآخرا. # إن رافعة هذه العريضة إلى أعتاب مولاي صديقة مخلصة وعبدة خاضعة؛ فحبذا أن ~~يتعطف عليها مولاي بإجابة ملتمسها. # العبدة الخاضعة # كاترين شراط # وقد لاحظت نينا أي البارونة ليوتي أن عيني الإمبراطور اغرورقتا وهو يقرأ الرسالة، ثم ~~رفع نظره إليها وقال: متى عرفت كاترين يا بارونة؟ ~~- عرفتها في هذا العام؛ إذ اتفق أن كنا نلتقي في ملعب هيجي ونجتمع في مقصفه، ~~وأخيرا أصبحنا الواحدة عزاء للأخرى. ~~- إذن كاترين غير مسرورة في تريستا؟ ~~- كلا البتة يا مولاي. ~~- كان في إمكانها أن تطوف في إيطاليا وسويسرا. ~~- لا تطيب لها الإقامة إلا في فينا يا مولاي. ~~- وأنت ... ما هو ملتمسك يا بارونة؟ ~~- إن ملتمسي يا مولاي لهو من رئيسة دير الراعي الصالح، فأتوسل إلى جلالتكم أن تأمروها ~~بإجابته. ~~- ما هو ملتمسك منها؟ ~~- إن لي ابنة في الدير أودعت فيه ms067 رضيعة، وأود أن آخذها الآن والرئيسة تأباها ~~علي. ~~- عجبا! لماذا تأباها ؟ ~~- لي أعداء يا مولاي يحملون الرئيسة على دحض بيناتي وبراهيني التي تثبت أن الفتاة ~~ابنتي، مع أن الرئيسة نفسها تعرف حق المعرفة أني أم الفتاة، فقبل الالتجاء إلى ~~المحكمة أود اتخاذ الطرق السلمية، على أن كلمة واحدة من جلالتكم هي فصل ~~الخطاب. # وبعد أن فكر الإمبراطور هنيهة أدار إلى مكتبه وعنون ظرفا باسم رئيسة دير ~~الراعي الصالح، ثم كتب سطرا على ورقة وطواها، وعند ذلك قرع جرس التلفون فوضع الورقة ~~من يده على الظرف وتناول السماعة، ثم أومأ إلى البارونة أن تخرج، فخرجت في الحال إلى ~~البهو الخارجي. أما الحديث الذي دار في التلفون فهو: ~~- من؟ رئيس الوزارة؟ ~~- نعم، هل جلالة الإمبراطور من أتشرف بمخاطبته؟ ~~- أجل، ماذا حدث في مجلس النواب؟ ~~- الحزب الاشتراكي يعيد الكرة يا مولاي. ~~- تبا لهم من مشاغبين، ماذا يريد هؤلاء الأوباش؟ ~~- مسألة الحلي يا مولاي. # فانتفض الإمبراطور وأكمد متغضبا وقال: ما شأن هؤلاء الطغام بها؟ ~~- يجددون طلبها ويشددون فيه. ~~- هل يريدون أن نوزعها عليهم؟ لعنة الله عليهم. ~~- بل يريدون أن يروا الإمبراطورة محلاة بها كلها في حفلة عيد ميلادها ~~غدا. # فاكفهر الإمبراطور وبقي نصف دقيقة ساكتا، ثم قال: من اقترح هذا الاقتراح ~~الوقح؟ ~~- اقترحه متسنرا وفروسن وفرنر وترمي، ويمكنني أن أقول إن جميع أفراد الحزب، وأيدهم ~~كثيرون من الأحزاب الأخرى، كأن الحملة مدبرة من قبل، وهي حملة شديدة جدا. ~~- عجبا عجبا! أما استطاع أحد من المخلصين أن يصمت هؤلاء المشاغبين؟ ~~- إنهم كالذئاب الضارية لا يريدون أن يسمعوا غير كلامهم، ولا يمكن إسكاتهم إلا بالوعد ~~بإجابة مطلبهم، كأنهم لا يثقون أن الحلي موجودة في حوزة جلالتها. وقد حاولنا أن ~~نفهمهم أن البحث في هذا الموضوع في مجلس النواب أمر معيب، فلم يرعووا. ~~- ورأيك؟ ~~- رأيي أنه يحسن بجلالتها أن تتحلى بالحلي غدا لكي يراها جميع المدعوين. ~~- ألا يمكن العدول عن إجابة هذا الطلب لكيلا يطمع هؤلاء المشاغبون بمزيد التداخل ~~بأمور العرش الخصوصية؟ ~~- لا لا، أخاف من سوء ms068 العقبى يا مولاي. ~~- أي عقبى؟ ~~- أخاف من شبه ثورة. ~~- والآن؟ ~~- أود أن تأمرني بوعدهم؛ لأنهم لا يستكون إلا على هذا الوعد. ~~- تبا لهم من أشرار، عدهم وسأعلم كيف أؤدب أهل الفتنة. # ثم رد الإمبراطور بوق التلفون إلى مكانه واستلقى على كرسيه والغضب يوري زنادا من ~~عينيه، وبقي يفكر برهة ثم ضغط زرا، فدخل الحاجب، فقال له: استدع في الحال الكولونل ~~هان فرنر. # ثم دار إلى مكتبه وعنون ظرفا باسم مدام كاترين شراط، وكتب على ورقة سطرين، ~~وفيما هو يطوي الورقة نقر الحاجب على الباب ودخل يقول: مولاي الكونت الدر فون كيس يلتمس ~~الامتثال الآن لأمر معجل. ~~- دعه يدخل. # فخرج الحاجب والإمبراطور لا يزال ممسكا بالورقة وهو يقول لنفسه: ماذا يريد هذا ~~النذل الآن؟ لقد قبض راتبه أول أمس، هل يحمل هذا الزنيم مكيدة؟ # عند ذلك دخل الدر فون كيس وانحنى ووقف، وأما الإمبراطور فتكلف الهشاشة له وقال: خير ~~إن شاء الله يا كونت. ~~- لا أنال من يدي مولاي إلا الخير. علمت أن كاترين تطلب أن يذهب ابننا من المدرسة ~~رأسا إليها، الأمر الذي لا أحتمله، فأريد أن يكون ابني عندي في الإجازة المدرسية، ~~فأرجو من جلالتكم أن تأمروا أن يبقى ابني عندي. # فابتسم الإمبراطور وقال: لا يكون إلا ما يرضيك يا كونت. ~~- أرجو من جلالتك أمرا يمنع سفر الغلام؛ لأنه سيسافر غدا. # عند ذلك نقر الباب الآخر وأطلت إحدى وصيفات الإمبراطورة وقالت: مولاي، جلالة ~~الملكة تلتمس مقابلة جلالتكم. # فوقف الإمبراطور في الحال مبغوتا، وألقى الورقة التي كانت في يده على الظرف وأومأ ~~إلى الكونت أن يخرج، فتقهقر الكونت يريد الخروج إلى أن بلغ إلى الباب، وكان الإمبراطور ~~قد خرج من الباب الآخر المؤدي إلى البهو الخاص، حيث كانت الإمبراطورة تنتظره. فلما ~~رأى الكونت أن المكان قد خلا له وحده، تقدم بخفة إلى مكتب الإمبراطور وهو يلتفت إلى ~~هنا وهناك، وفحص ما على المكتب بنظره، ثم أمسك ورقة، فرأى تحتها ظرفا معنونا باسم ~~رئيسة دير الراعي الصالح، ثم أمسك الورقة الأخرى ms069 وإذا الظرف الذي تحتها معنون باسم ~~زوجته مدام كاترين شراط، ففتحها بيد ترتجف فرقا، ولكنه سمع أو توهم أنه سمع حركة ~~فطواها بسرعة كما كانت من غير أن يقرأها وألقاها على ظرف رئيسة الدير، ثم غطى ظرف مدام ~~شراط بالورقة التي كانت على ظرف رئيسة الدير، فعل ذلك عمدا أو عن ارتباك الله أعلم. ~~بيد أنه فعله بأسرع من لمح البرق وخرج، لم يبق في الغرفة بعد خروج الإمبراطور ~~منها أكثر من نصف دقيقة. # أما الإمبراطور، فلما خرج إلى البهو الخاص رأى الإمبراطورة مستلقية على كرسي ~~مكفهرة، فاضطرب وقال: ما الخبر؟ # فناولته ورقة وقالت بصوت خافت: اقرأ. # فقرأ: # إلى جلالة الإمبراطورة التي يحبها الشعب كله، إذا كنت لا تتحلين غدا في حفلة ~~عيد ميلادك بالحلي التي رآها الشعب في ملعب فولكس، فاعلمي أنك تعرضين العرش ~~إلى الخطر، وربما كانت حياة بعض الناس في خطر. # الإمضاء # الشعب # فقرأ الإمبراطور وهو يكفهر وقال: كيف بلغت إليك هذه الرسالة؟ ~~- في البريد كسائر الرسائل العادية. ~~- وماذا تقولين فيها؟ ~~- أقول إني أود إرضاء الشعب. ~~- وهل تجهلين أن هذه الحركة كلها مكيدة من أفراد معلومين؟ ~~- ربما كانت كذلك، على أن الشعب كله أصبح متحركا بمكيدة أو بلا مكيدة، فلا فرق في ~~نتيجة تحركه، فهل تستسهل حركة الشعب. ~~- لا، وغدا تتحلين بالحلي نفسها، وإنما يصعب علي جدا أن أكون مأمورا للشعب بسبب ~~مشاغبة بعض الأشرار. ~~- وأنا يصعب علي ذلك، وإنما الحق علينا لأننا نوجد سببا لمشاغبة المشاغبين. ~~- كفى، لك أن تعودي الآن إلى خدرك مطمئنة، وغدا تكون الحلي عندك. # ثم عاد الإمبراطور إلى غرفة مكتبه الخاص وهو ينتفض من الغيظ، وضغط على الزر فدخل ~~الحاجب، فسأله: هل جاء الكولونل هان فرنر؟ ~~- ها هو يا مولاي؟ # ودخل الكولونل فقال له الإمبراطور: تسافر الليلة إلى تريستا وتدفع هذه الرسالة إلى ~~صاحبتها وتعود في الحال. # ووضع الإمبراطور الرسالة التي على الظرف المعنون باسم كاترين شراط في الظرف وختمه ~~ودفعه إلى الكولونل قائلا: الأفضل أن تسافر في أوتوموبيل لكي تصل الليلة. ms070 ~~- سمعا وطاعة. ~~- ستستلم علبة ثمينة جدا. ~~- أحرص عيلها قبل حياتي. ~~- غدا يجب أن تكون هذه العلبة هنا. ~~- لا يحول دون ذلك إلا موتي الفجائي يا مولاي. # فابتسم له الإمبراطور قائلا: عمر طويل إن شاء الله. # وخرج الكولونيل ثم استدعى الإمبراطور البارونة ليوتي، فدخلت فقال لها: هذا كتاب إلى ~~رئيسة الدير وهي لا تتردد في تنفيذ طلبك. # وتناول الورقة ووضعها في الظرف المعنون باسم الرئيسة، ودفعه إلى البارونة قائلا: ما ~~هو عنوانك يا بارونة؟ ~~- الفون درفلت يعرفه جيدا يا مولاي. ~~- ربما احتجت إليك لأمر، فأود أن يكون فلت عالما بمكانك دائما. ~~- إني أضحي بحياتي في خدمة مولاي. ~~- بارك الله بك يا بارونة. # ثم خرجت البارونة والرسالة في يدها، وبقي الإمبراطور يفكر فيما فاجأه من الحوادث ~~إلى أن نبهه نقر الحاجب على الباب، فأذن له فدخل قائلا: مولاي إن الكونت الدر ~~فون كيس لا يزال ينتظر أوامرك. ~~- استدعه، خير لهذا النذل أن يموت. لا أدري متى كان هذا الوغد ذا عواطف حتى يتوق إلى ~~ابنه؛ فلا ريب أن وراء الأكمة ما وراءها. # فدخل الكونت وبادره الإمبراطور قائلا: دع ابنك يذهب إلى زيارة أمه الآن، وبعد ~~إسبوع اطلبه منها، فلا بد أن ترسله إليك، كن مطمئنا. # فانحنى الكونت وخرج. # | الفصل الثامن والعشرون # النفيس من فم الخسيس # كانت الشمس في المغيب حين وصلت البارونة مرثا برجن إلى منزل مرغريت ميزل وهي على مثل ~~الغضا قلقا، فقالت لمرغريت: أود أن يخلو لي هذا المنزل الليلة يا مرغريت. ~~- هل تريدين أن أغادره الليلة يا سيدتي؟ ~~- كلا، بل يجب أن تبقي هنا، وإنما أود أن يترآى كأنه مقفل عن كل زائر أو طارق إلا من ~~آذن أنا لهم بالدخول. هه جرس الباب يقرع فأظن الطارق الكونت، افتحي وأدخليه إلى القاعة ~~الوسطى، وأما أنت فادخلي إلى مخدعك واقفلي شبابيكها حتى لا ينفذ النور، وكوني على ~~استعداد دائم لتلقي أوامري. مهلا يا مرغريت هل جاءت البارونة ماري فتسيرا ~~اليوم؟ ~~- جاءت نحو العاشرة. ~~- وسمو البرنس رودلف؟ ~~- وسموه أيضا، ولكنه لم ms071 يمكث طويلا، وأما البارونة فبقيت حتى الظهر آملة أن سموه ~~يعود فلم يعد. ~~- إذا جاءت ماري فدعيها تنتظر في غرفتك ريثما أفرغ من مهامي، إن مشاغل اليوم تفوق على ~~مشاغل عام يا مرغريت، استقبلي الطارق حالا. # فخرجت مرغريت وبعد دقيقة عادت تقول: هو ذا الكونت الدر فون كيس ينتظرك يا ~~سيدتي. # فنهضت البارونة في الحال ودخلت إلى القاعة الوسطى، وكان الكونت الدر كيس لا يزال ~~واقفا فيها يتمشى، فقالت له باسمة: عسى أن تكون قد نجحت يا كونت. ~~- لا أدري ما الذي تسمينه نجاحا يا حضرة البارونة؟ # فضحكت وقالت: أعني هل يبقى ابنك عندك؟ # فقهقه الكونت قائلا: أشكر الله أن أناسا يهمهم ابني أكثر مما يهمني. ~~- هل أذن جلالة الإمبراطور ...؟ ~~- بامتثالي؟ طبعا. وقد هش لي وبش كثيرا. ~~- وبالطبع أجاب طلبك؟ ~~- قبل أن يجيب طلبي أشغلته جلالة الإمبراطورة. # فضحكت البارونة وقالت: جلالتها ماذا ابتغت؟ ~~- لا أدري سوى أن وصيفة طلبت جلالته لمقابلتها، فأومأ لي أن أخرج، وما كدت أبلغ إلى ~~الباب حتى كان جلالته قد خرج من باب آخر، ولما رأيت المكان خاليا أجلت نظري في ~~الغرفة فوقع على ورق ملقى على مكتب الإمبراطور، فتقدمت إلى المكتب فوجدت ورقتين ~~مطويتين وملقاتين على ظرفين، فرفعت الأولى فإذا الظرف الذي تحتها معنون باسم رئيسة دير ~~الراعي الصالح ... # فاختلجت البارونة وقالت: وهل قرأت ما في الورقة؟ ~~- لا، لأني أعتقدت أنها لا تهمك، فرفعت الورقة الأخرى؛ فإذا تحتها ظرف معنون باسم ~~كاترين شراط. # فرفجت البارونة وقالت محملقة: لا ريب أنك قرأت هذه الورقة يا كونت؟ ~~- لا لا يا سيدتي، لأني خفت أن يباغتني الإمبراطور وكانت يداي ترتجفان فرقا، فألقيت ~~كل ورقة على ظرف. ~~- كل ورقة على ظرفها طبعا؟ ~~- لا، بل بالعكس، كل ورقة على ظرف الأخرى. ~~- يا لله لماذا فعلت ذلك؟ وما الذي أخطر لك أن تفعله؟ ~~- لا أدري، ولكنني لا أظن أن ذلك يغيظك يا مدام. # فضحكت البارونة مضطربة وقالت: لا أنكر يا حضرة الكونت أنها خدمة ثمينة جدا لم أكن ~~أنتظرها، ولا أدري ms072 ماذا قصدت بها، ولكن ألا تظن أن عملك هذا يثير شبهة الإمبراطور ~~فيك؟ ~~- لماذا؟ ألا يحتمل أن يكون الإمبراطور نفسه قد أخطأ هذا الخطأ، لا يمكن أن يشتبه ~~بي؛ لأنه اعتقد أني خرجت من الغرفة قبله، والحقيقة أني لم أجسر أن أبقى فيها بعده أكثر ~~من نصف دقيقة. ~~- ثم ماذا يا كونت، ماذا؟ إن أخبارك لسارة. # فقال متهللا: خرجت وانتظرت في البهو الكبير حيث ينتظر القصاد. ~~- وبالطبع كان غيرك ينتظر أيضا. ~~- أجل كان في البهو سيدة قيل لي أنها تدعى البارونة ليوتي، وفهمت أنها كانت في حضرة ~~الإمبراطور قبلي، وما زالت تنتظر مثلي كأن مهمتها لم تنته بعد. ~~- ثم من كان أيضا؟ ~~- كان آخرون قلما اكترثت بهم، وبقيت أنتظر برهة، وفي خلال ذلك جاء الكولونل هان فرنر ~~أحد الحرس. ~~- الكولونل فرنر؟ ماذا يريد؟ ~~- لا أدري سوى أنه دخل وخرج حالا، ثم طلبت البارونة ليوتي الدخول فمكثت دقائق ~~معدودة، ثم طلبت أنا الدخول فأذن لي ووعدني الإمبراطور أن يعود ابني من عند أمه إذا ~~طلبته بعد إسبوع. ~~- حسنا، ولسوف تطلبه طبعا. ~~- معاذ الله، فإن تريستا أفضل لصحته. ~~- ليتك تطلبه. ~~- والنفقة، إني أكاد أفلس، مع أني قبضت راتبي أول أمس. ~~- عجبا! ~~- لا تعجبي يا بارونة؛ فإن علي ديونا وفيرة، وربما حجز الدائنون على ~~ملابسي. # فضحكت البارونة وقالت: بكم أنت مدين؟ ~~- قولي بألفي كرونن. ~~- هذه أربعة آلاف كرونن، ولا غنى لي عنك يا كونت، وما هي بقية أخبارك؟ ~~- ربما أتيتك بمزيد منها غدا يا بارونة. # ثم تناول الكونت المبلغ وانحنى قائلا: إني تحت أمرك يا بارونة. وخرج. # | الفصل التاسع والعشرون # اختلاس السلاح # أما البارونة فخرجت على الأثر، وركبت توا إلى دير الراعي الصالح وطلبت مقابلة ~~الرئيسة، أما هذه فلما علمت بقدوم البارونة برجن بغتت وارتبكت؛ لأنها تعلم أن البارونة ~~لا تأتي على غير انتظار إلا لأمر خطير، فأسرعت وفتحت البهو. فأوعزت البارونة أنها تريد ~~أن تقابلها مقابلة خاصة، فاستقبلتها الرئيسة في غرفتها الخاصة وهي قلقة. وأما البارونة ~~فكانت باسمة باشة كأنها لا تضمر ms073 شيئا، فسألتها الرئيسة عن سلامة الإمبراطورة قائلة: ~~أرجو أن تكون جلالتها في سلامة تامة يا سيدتي البارونة؟ ~~- إنها بخير وسلامة والحمد لله، ولطالما ذكرتك بالخير يا حضرة الأم خرستينا ~~المحترمة. ~~- ليتني كنت خليقة بانعطاف جلالتها. ~~- إن جلالتها واثقة بإخلاصك يا حضرة الأم المحترمة، ومتي وثقت جلالتها بشخص مخلص لا ~~تزعزع ثقتها فيما بعد، وإذا شملت جلالتها شخصا بنعمتها والت عليه النعم، وأنت ~~تعلمين أن جلالتها ... ~~- إني عالمة يا سيدتي البارونة أني لولا نعم جلالتها لكنت لغوا في هذا الدير ~~ونسيا منسيا في الرهبنة كلها، فحبذا أن يكون في وسعي أن أخدم مولاتي خدمة تليق ~~بعبدة مخلصة ممتعة بنعم مولاتها. ~~- في كل حين تقدرين أن تخدمي جلالتها يا حضرة الأم خرستينا، فجلالتها لا غنى لها عن ~~خدم رعاياها، ولا سيما المخلصين المختصين بتعطفاتها. ~~- هل أستطيع أن أخدمها الآن خدمة؟ ~~- ربما استطعت، فلا أدري. وإنما لك أن تترقبي الفرص المناسبة. # ولم يخف على الرئيسة أن وراء حديث البارونة ما وراءه، فقالت: حبذا لو كانت سيدتي ~~البارونة تتفضل بأن ترشدني إلى هذه الفرص إذا غفلت عنها أو خفيت علي. # فتبسمت البارونة وقالت: الأمر بسيط، مثال ذلك أن تطلعي جلالتها على فحوى الخطاب ~~الذي ورد لك اليوم. # فبغتت الرئيسة وقالت: أي خطاب يا سيدتي؟ ~~- خطاب من جلالة الملك. ~~- من جلالته؟ لم يرد لي خطاب يا سيدتي، ولو ورد لي لأطلعت حضرتك عليه حال ~~تشريفك. ~~- إذن لا بد أن يرد إليك الليلة، فهل تخلصين في قولك أنك تطلعينني عليه لكي أنقل ~~فحواه إلى جلالتها؟ ~~- لا أظنك ترتابين يا مولاتي في أن أطلعك على الخطاب إذا كان فيه ما يهم جلالتها، ~~ولو أفضى الأمر إلى التضحية بحياتي. ~~- لا بد من اطلاعي عليه على كل حال يا حضرة الأم. # فترددت الرئيسة قائلة: إذا علمت أن الاطلاع عليه يهمك فلا أتردد. # عند ذلك نقرت راهبة على الباب، فخرجت الرئيسة وهي تقول: لعل الأمر ما تتوقعين يا حضرة ~~البارونة. # وبعد دقيقة عادت تقول: لا أرى بدا من اطلاعك على ms074 هذه الرسالة الإمبراطورية يا ~~سيدتي البارونة؛ لأني لم أفهم مغزاها، فلعلك أعلم مني باصطلاحات البلاط. # فحملقت البارونة واضطربت مقلتاها في وقبيهما وقالت: لهذا جئت يا حضرة الأم؛ ~~أدركت أنك لا تفهمين الرسالة. # وتناولت الرسالة منها وقرأت: # مدام، حال وصول هذا الأمر إليك سلمي ناقله جميع الحلي التي عندك، وانتظري ~~أوامر أخرى بلا قلق. # الإمبراطور # ثم قالت: من أتى بهذه الرسالة يا سيدتي؟ ~~- أتت بها سيدة أنيقة لبقة تقول أنها تدعى البارونة ليوتي. ~~- وماذا قلت لها؟ ~~- لم أفه ولا كلمة حتى الآن؛ لأني وددت أن تطلعي على الرسالة قبل أن أجول في حديث ~~مع هذه السيدة، ولا سيما لأني لا أفهم معنى لهذه الرسالة، كأنها موجهة لشخص آخر ~~غيري. فهل فهمت شيئا يا بارونة، إني متحيرة ومرتبكة. ~~- ربما فهمت، وإنما إذا فعلت كما أدربك وقيتك من مغبة الارتباك. فعودي إلى ~~السيدة البارونة واسأليها ماذا تريد هي أو ما هي مهمتها؟ ولكن إياك أن تدعيها تفهم ~~مضمون الرسالة أو أن تعلم أنك لم تفهمي مضمونها، وسأكون على مقربة منك في الغرفة ~~المجاورة بحيث أسمع الحديث ولا تراني تلك السيدة ولا تشعر بوجود أحد، فمتى سمعت مني ~~حركة خفيفة اقتصري الحديث واقصريه واستمهليها، وعودي إلي فأرشدك إلى ماذا تفعلين. ~~حاذري أن تشعر أنك لم تفهمي مضمون الرسالة، والغرض أن تستخرجي منها ما تستطيعين عن ~~قصدها بنقل هذه الرسالة إليك. # وذهبت الرئيسة إلى البهو ملبية أمر البارونة وقالت للرسولة: إني مستعدة لخدمتك يا ~~حضرة البارونة، فماذا تريدين؟ # فقالت البارونة ليوتي: أريد أن تنفذي أمر جلالته. # فارتبكت الرئيسة وترددت ثم قالت: إن أمر جلالته مقدس وطاعته فضيلة، فماذا ~~تريدين؟ ~~- يلوح لي أن جلالته لم يعين الأمر ولا صرح به. ~~- أجل، إذا كنت حضرتك تشرحين أمره تسهلين علي طاعته يا سيدتي. # فترددت البارونة ثم قالت: لا بد أنك يا حضرة الرئيسة الموقرة تتذكرين أن سيدة نبيلة ~~جاءتك منذ 13 عاما تقريبا بطفلة لم تتجاوز العام عمرا. # فاختلجت الرئيسة وقالت مترددة: مثل هذا الحادث كثير عندي يا ms075 مدام، فلا أدري أي طفلة ~~تعنين. ~~- أعني الطفلة التي جاءتك بها البارونة مرثا برجن. # فاختلجت الرئيسة وقالت مترددة: أجل أذكر ذلك. ~~- حسنا إن أمر جلالته يقضي بأن تخبريني عن مصير هذه الطفلة. # عند ذلك سمعت الرئيسة نقرا على الباب فقالت: عفوا يا حضرة البارونة، لعل أمرا ~~عاجلا يقضي بأن أستمهلك لحظة وأعود. # وخرجت الرئيسة والتقت بالبارونة برجن، فقالت هذه لها: هل فهمت؟ ~~- فهمت أنها تطلب أميليا. ~~- إذن عودي إليها وعديها أن تقدمي لها جميع المعلومات اللازمة غدا، واختصري ~~الحديث معها جدا. # فخرجت الرئيسة إلى البارونة ليوتي، وأكدت لها أنها ستقدم لها جميع المعلومات عن ~~الفتاة في الغد. # فشكرت لها البارونة ليوتي لطفها وخرجت. # ثم عادت الرئيسة إلى البارونة برجن قائلة: ويلاه! ماذا أفعل يا سيدتي البارونة متى ~~جاءت هذه المرأة غدا؟ ~~- لا تقلقي ولا تخافي، سأخبرك غدا ماذا تفعلين. ~~- إني أخاف غضب جلالته إذا عصيت أمره. ~~- إن جلالته لا يأمر بشيء مما قالته هذه الفاجرة الأفاكة. ~~- إذن عرفت من هي؟ ~~- أجل، عرفتها داهية منافقة، وقد كانت تنتحل اسم الكونتس ألما فورتن، على أني لا أدري ~~لماذا تبحث عن الفتاة أميليا؟ ترى هل هي خالتها تريد أن تنفذ وصية سرية لأختها. إن ~~أمر هذه المرأة يثير الظنون، على كل حال لا تهتمي بشأنها. ~~- ولكن ما رأيك بهذه الرسالة؟ ~~- رأيي أن آخذها. ~~- ويلاه! وماذا أقول لجلالته إذا سألني عن عدم طاعتي لأمره. ~~- هل عندك حلي؟ ~~- لا، ولا علم لي بحلي قط، ولا أفهم ماذا يعني جلالته بهذا الأمر. ~~- فإذا سئلت تقولين أنك سلمت الرسالة إلى البارونة مرثا برجن لكي تستفهم من جلالته ~~عن معنى أمره هذا. ~~- حسنا، ولكن ربما غضب جلالته لأني لم أستفهم بنفسي، أو لأني لم أرد الرسالة مع ~~رسولته مستفهمة عن مغزاها. ~~- إني أتلافى غضبه بسهولة؛ إذ لا يليق أن تطلع واحدة غريبة عن البلاط على أوامره ~~المختومة، ولا سيما لأنه ظهر لك أن هذه السيدة تطلب شيئا لم يأمر جلالته به، فكأنها ~~غير عالمة بمضمون الأمر. وأما استفهامك ms076 أنت عن معنى الأمر، فلا يمكن أن يكون إلا بواسطة ~~من هو في البلاط، ومن هو أليق مني بذلك؟ فإذا أجبت عن أسئلة جلالته بمثل هذا المعنى ~~ثبتت له سلامة نيتك وبقيت بريئة من كل ذنب، وإذا كان ثمة من لوم فعلي يقع، وأنا ~~أعرف كيف أدفعه. ~~- حسنا، وماذا أقول لهذه السيدة متى جاءت غدا؟ ~~- تقولين لها إنك راجعت جلالته بتفاصيل هذا الأمر الذي تبحث عنه، ومتى عاد أمره ~~النهائي تنفذيه. ~~- إذن إني ... ~~- إنك خالية من كل مسئولية، والمسئولية علي وحدي، فلا تخافي. وإنما أطلب منك أن ~~تكتمي هذا الحديث الذي دار بيننا إلى أن يرد أمر باستجوابك من جلالة الإمبراطور، ~~وإني لمؤكدة أن جلالته لن يسألك قبل الغد. # ثم صافحتها البارونة شاكرة، وخرجت فرحة بالكنز الذي في يدها. # | الفصل الثلاثون # عمى الحب # عادت البارونة برجن توا إلى منزل مرغريت ميزل، فوجدت فرنند فون فرغتن (زعيم الحزب ~~الاشتراكي في مجلس النواب) ينتظرها، فقالت له: ما وراءك يا حضرة فون فرغتن؟ # فقال متهللا: هل أعجبتك ضجة اليوم يا مدام؟ ~~- جدا جدا، ولكن يلوح لي أن الإمبراطور أوفد رسولا إلى تريستا للإتيان بالحلي من ~~عند كاترين شراط لكي تتحلى الإمبراطورة بها غدا في الحفلة. ~~- حسنا، وماذا ننتظر غير ذلك؟ ~~- ننتظر أن الحلي تعود بعد غد إلى كاترين شراط. ~~- عجبا! أليس في وسع الإمبراطورة أن تحتفظ بها؟ ~~- قد لا تستطيع. ~~- إذا كانت الإمبراطورة ضعيفة عن حفظ حقوقها التي يحصلها لها الشعب، فخير لها أن ~~... ~~- صه، الإمبراطورة مسالمة والإمبراطور عنيد كما تعلم، وأنا أود أن أحرم كاترين شراط ~~من الحلي حرمانا أبديا. ~~- حسنا، كيف يمكنني ذلك والإمبراطورة ... ~~- يمكن إذا كنت تضع تحت أمري الآن رجلا مخلصا قويا فطنا يطيعني الطاعة العمياء، ~~وأنا أكون مسئولة عن تنفيذه أوامري؛ فهل عندك هذا الرجل؟ # ففكر فرنند فرغتن برهة ثم قال: ماذا تطلبين منه أن يفعل؟ ~~- أطلب منه أن يفعل كل شيء يجوز أن يطلب منه أن يفعله، حتى السرقة، وحتى قطع الطرق، ~~وإذا سار بحسب تعليماتي يغلب ms077 أن ينجح. ~~- إذن تريدين بطلا مجربا. ~~- نعم، فهل عندك هذا البطل؟ ~~- أجده الليلة. ~~- تجده في ساعة أو ساعتين؟ ~~- أعتقد أني أجده. ~~- هل أعتمد عليك؟ ~~- اعتمدي. ~~- إذن أنتظرك هنا، فاعجل ما استطعت. # وما مر على خروج فرغتن دقيقتان حتى نبه البارونة برجن من بحرانها صوت كأنه ~~قرع، صوت عند باب المنزل، تلاه سباب وشتم فأطلت البارونة من شباك مظلم، فإذا اثنان ~~يتصارعان الواحد يريد أن يفلت والآخر ممسك بتلابيبه وهو يكيل له اللطمة على خديه إثر ~~اللطمة، إلى أن أفلت ذاك منه وأسرع مهرولا وهو يقول له: «يا جبان، يا لص، يا نذل.» ~~فهمست البارونة من فوقه قائلة: من هذا يا أيها البطل؟ ~~- هذا لص أو جاسوس لا أدري، وإنما رأيته يتلصص حول هذا المنزل حينا بعد آخر. ~~- وأنت أين تكون حتى تراه؟ ~~- إني مقيم في هذا المنزل المقابل لمنزلكم، فلا أدخل ولا أخرج إلا أرى هذا اللص يحوم ~~حول منزلكم، فلم أطق نذالة كهذه فعاقبته على خسته. ~~- عافاك الله يا بطل يا شريف، هل تتفضل أن تدخل فنشكر لك مروءتك. ~~- إني يا سيدتي قد فعلت الواجب على كل ذي كرامة، فإذا أذنت لي بالدخول لكي أثبت لك ~~إخلاصي في حراسة هذا المنزل أكون شاكرا. ~~- على الرحب والسعة. # ثم أسرعت وفتحت الباب، فدخل وأوصدت وراءه ودخلت به إلى الغرفة الوسطى وهو خافق الفؤاد ~~لا يصدق إن كان هذا القبول تعطفا أو شركا؛ بيد أنه لم يبال بالنتيجة مهما كانت ~~إذا كان هذا المدخل يؤدي إلى صلته بالحبيبة، ولو كانت صلة وقتية. # ولما أصبح في البهو الساطع الضياء الأنيق الرياش، لم يشك أنه في حضرة البارونة ~~برجن؛ إذ علم من السيدة التي اجتمع بها في حانة هرمن أنها هي المسيطرة على هذا المنزل، ~~ولما استقر بها المقام قالت له: هل عرفت حضرتك هذا الشخص الدنيء الذي كان يتلصص ~~هنا؟ ~~- أعرفه بالوجه فقط. ~~- وهل دريت لماذا يتلصص؟ ~~- لا أدري، لعله خبيث القصد غير شريفه، أو كسائر الفتيان الأدنياء الذين يضاجرون ~~الأوانس والعقائل بأساليب ms078 غير شريفة. # وكانت البارونة تبالغ في الهشاشة له والبشاشة، فقالت: وما الذي نبه جنابك إلى ~~تلصصه؟ ~~- تكرار هذا التلصص. ~~- إني يا حضرة الفاضل لممتنة للطفك شديد الامتنان، وأتمنى أن تشرفني بمعرفة ~~جنابك. # فازمهر الفتى قليلا وقال: أدعى يا سيدتي الماجور جوزف شندر. ~~- الماجور جوزف شندر؟ أهلا وسهلا، لقد روت لي مدام ميزل لطفك العظيم ليلة رافقتها ~~والآنسة أميليا من ملعب فولكس إلى هنا، ولطالما تقت للقائك لكي أشكر لك هذه ~~المنة. # فخفق فؤاد جوزف لهذا الحديث المطرب وقال: لقد كنت أسعد حظا في تلك الليلة من جميع ~~ليالي حياتي يا سيدتي، ولطالما تمنيت أن يكون لي مثلها. # فابتسمت البارونة وقالت: إن سكوتنا عن شكرك كنود، وإننا نحمد الله لأنه قيض لنا هذه ~~الفرصة السعيدة لبث امتناننا لك، يجب على مدام ميزل وعلى أميليا أن يعربا عن شكرهما ~~بنفسهما لك. # ثم نهضت البارونة واستدعت المرأتين قائلة: لا ريب أنه يسركما يا مرغريت ويا أميليا ~~أن تشكرا لحضرة الماجور جوزف شندر فضله في حراستكما ليلة مجيئكما من الملعب، وقد أضاف ~~إلى فضله فضلا آخر بأن طرد من حول منزلكما دخيلا دنيئا كان يتلصص حوله ~~الليلة. # فدخلت المرأتان وصافحتا الماجور وأميليا تزمهر تارة وتمتقع أخرى، وقلب الماجور يخفق ~~بين مهاب الهوى، وجرى بين الأربعة حديث لم يخرج عن حد المجاملة والملاطفة. وبعد نحو ربع ~~ساعة أومأت البارونة من طرف خفي إلى الفتاة والمرأة أن تخرجا، فانسلت الواحدة بعد ~~الأخرى والماجور ينتظر عودتهما؛ لأنه لم يشعر بإيماء البارونة، ولما خرجتا قالت ~~البارونة: إن أميليا حيية وخجول جدا، فاعذرها إذا كانت قد قصرت في الإعراب عن ~~امتنانها، على أنها شاعرة بلطفك. ~~- إنك يا سيدتي تبالغين في تقدير الواجب الذي عملته، حتى صرت أشعر أني كنت فضوليا ~~في عمله، وكدت أحسب وجودي الآن هنا تطفلا. ~~- عفوك، لست أعني إلا ما يخامر نفسي من واجب الاعتراف بفضلك والافتخار بصداقتك ~~والسرور بتشريفك، واعلم أن هذا المنزل الذي تحرسه متبرعا لهو كمنزلك، ولك أن تتفقده ~~حين تشاء، وإذا لم ms079 تجد من مدام ميزل ومن أميليا على الخصوص الإكرام اللائق بك، حق لك ~~أن تتهمهما بالكنود والجحود. # فنبض فؤاد الماجور عند ذكر أميليا نبضة كادت البارونة تسمعها وقال: إنك يا مدام ~~تحققين لي الآن حلما طالما حلمته في اليقظة والمنام على حد سواء، وأنا أعد تحقيقه ~~بعيدا عني بعد الملائكة عن البشر. # فبالغت في الابتسام قائلة: إنك لمخطئ يا سيدي؛ فإن الملائكة مخلوقون لكي يختلطوا ~~بالبشر، ولهذا يقال إن لكل إنسان ملاكا يقترب منه دائما إذا كان يسترضيه. # فقال الماجور متهللا: رحماك يا سيدتي، هل يمكن أن يكون ملاكي قريبا مني؟ ~~- الأمر في يدك يا سيدي. ~~- يا سيدتي، إذا كان الأمر في يدي فأنا أعبد ملاكي. ~~- وملاكك لا يحتجب عنك. ~~- إني جندي يا مدام لا أحسن الشعر، واستسهل الصراحة دون التوريات. ~~- ليس ما يمنعك من التصريح يا ماجور. ~~- أظن حضرتك مهيمنة على هذا المنزل. ~~- نعم، ومسئولة عنه أيضا. ~~- أمام من؟ ~~- أمام سلطة أعلى. # فانكمش الماجور قليلا ووجف فؤاده وقال: يا مولاتي، إن ملاكي في هذا المنزل، وإني ~~ضارع على الدوام، فإن كان يحتجب عني ظلمني المهيمنون عليه. # فتبسمت البارونة ملء التبسم وقالت: إن المهيمنين يتحاشون جدا إن يظلموا من لا ~~يسيء إليهم. ~~- وإذا كان متطلب رضاهم يخضع لهم خضوع العبد لمولاه؟ ~~- لا يضيعون ثوابه. ~~- حسنا، لقد عرفت يا سيدتي المهيمنة المباشرة، وإني متشرف في طاعتها، فهل يمكن أن ~~أعلم المهيمن الأعلى لكي أعلم أيضا لمن أنا مدين بالطاعة والخضوع؟ # فأجابت البارونة على الفور: جلالة الإمبراطورة. # فأجفل الماجور واضطرب وامتقع وقال: جلالتها؟ ~~- نعم جلالتها، وهيمنتها سر مكتوم، فإباحته لك تؤيد عظيم ثقتي في شرفك يا ~~ماجور. ~~- إني عبد جلالتها قبل كل شيء، وإذا كنت أضحي بحياتي لأجل جلالتها؛ فلا بدع أن ~~أكتم سرها حتى الموت. وهل تظنين أن جلالتها ترضى بي حارسا أمينا لهذا المنزل؟ ~~- إذا وصفت لجلالتها ما تفعله لأجلها من الخدم الدالة على عبوديتك المخلصة، فلا ~~أظنها ألا تكون راضية، وجلالتها مشهورة بمعرفة الجميل. ~~- بربك ترشيدنني إلى الخدم التي ms080 أبرهن فيها على عبوديتي لجلالتها. ~~- لا أبخل عليك بهذا الإرشاد. ~~- شكرا لك يا مدام، هل تسمحين لي بسؤال؟ ~~- سل. ~~- هل يمكن أن أعلم نسبة الآنسة أميليا إلى جلالتها؟ ~~- نسبة المحسن إلى المحسن إليه. # ففكر الماجور هنيهة ثم قال: إذن ليس في علاقة الآنسة بجلالتها ما يحول دون ... # وتوقف الماجور عن الكلام، فقالت البارونة كأنها فهمت مراده: لا أظن، ومهما كانت هذه ~~العلاقة فجلالتها لا تدع حجابا يحجب خدامها الأمناء عنها. ~~- إذن قد يمكن أن أكتسب رضى جلالتها كما اكتسبت رضاك. ~~- كذا أثق. ~~- إذن حبذا أن ترشيدنني إلى الخدم الجلى التي أكتسب بها رضى جلالتها. ~~- وعدتك بأني لا أبخل بهذا الإرشاد، ووعد الحر دين. ~~- ترى هل يمكن أن تفعلي الآن؟ # فتلمظت البارونة لعابها وقالت: يمكن، ولكنني لا أدري إن كنت تستطيع أن تقوم بالخدمة ~~التي تحتاج إليها جلالتها الليلة؟ # فأبرقت أسرة الماجور وقال: الليلة؟ ~~- نعم، الليلة، جلالتها تحتاج إلى خدمة شجاع أمين. ~~- إني هو العبد الأمين يا سيدتي. ~~- ولكن ... ~~- حبذا أن تخبريني ماهية هذه الخدمة. ~~- لا أقدر أن أخبرك عنها قبل أن أثق بأنك أهل لها. ~~- أعتقد أني أهل لكل شيء يستلزم شجاعة وأمانة يا مدام. ~~- هل تقدر أن تسافر الليلة كل الليل؟ ~~- ما أسهل ذلك! ~~- وهل تقدر أن تدفع من يهاجمك؟ ~~- إني جندي مخلوق للحرب يا مدام. ~~- حسنا، وهل تحسن الحيلة إذا اقتضت. ~~- الموقف الحرج يفتق الحيلة يا مدام. ~~- ربما تعرضت لخطر ما. ~~- لا أعد خطرا إلا غضب جلالة الإمبراطورة. ~~- إذن هل أنت مستعد الآن للقيام بهذه الخدمة العظمى؟ ~~- مستعد. ~~- اعلم يا ماجور، إذا نجحت بهذه الخدمة تحققت كل أحلامك. ~~- بربك أنت تأمرين وأنا البرق سرعة في الائتمار. ~~- حسنا، اسمع إذن، هذا أمر من جلالة الملك نفسه إلى كاترين شراط يقضي بأن تسلم هذه ~~المرأة الحلي التي عندنا لناقل هذا الأمر، فهل تريد أن تكون ناقل هذا الأمر؟ # وأخذت من جيبها أمر الملك الذي أخذته من رئيسة الدير ودفعته إليه. # فتأمله الماجور مبهوتا وقال: إني أرى المهمة أسهل جدا مما ms081 هولت يا ~~مدام. ~~- ربما كانت سهلة جدا، ولكن قد يعرض ما يصعبها . ~~- ماذا؟ ~~- قد تجد مسابقين لأخذ هذه الحلي من كاترين شراط. ~~- وأمر الإمبراطور الذي في يدي؟ ~~- قد يطرأ نقيض له. ~~- إذن؟ ~~- عليك بالإسراع حتى تكون السابق. ~~- أطير في الأوتوموبيل. ~~- حسنا، وقد تصادف من يحاول اختلاس الأمر أو الحلي منك. ~~- أحرص عليها حرص الكلب على الدار. ~~- قد تجد من يغتصبها منك. ~~- لا أترك شيئا قبل أن تترك روحي جسدي. ~~- قد يهاجمك رهط من المغتصبين. ~~- أحتال لكي أفر منهم إذا لم أنجح في الابتعاد عن طريقهم. ~~- قد تؤخذ الحلي منك. ~~- أقاتل أو أتحايل حتى أستردها. ~~- قد تأباها عليك كاترين شراط. ~~- هل تعصي أمر جلالته؟ ~~- ربما عدت الأمر مزورا. ~~- أقنعها بأني استلمته من يد الإمبراطور. ~~- بورك فيك ... وإن الإمبراطورة لا علم لها بهذا الأمر، وإنك لا تعرف من في هذا ~~المنزل. # فقال باسما: وإني لم أجتمع قط بالبارونة برجن، ولا ... ولا ... ~~- حسنا جدا، لقد سبقك في هذه المهمة الكولونل هان فرنر، فهل تعرفه؟ ~~- أعرفه، ولكنه لا يعرفني على الأرجح أو لا يتذكرني جيدا. ~~- إذ سبقك فقد لا يظفر بطائل؛ لأنه لا يحمل الأمر، وهو يظن أنه يحمله ولا يدري مضمون ~~الأمر. ~~- إذن أكون الظافر على كل حال. ~~- كلا، قد يكون سبقه لك سببا في استرداد الأمر منك، أو في نشوء الشك في صحة الأمر ~~الذي في يدك. ~~- إذن أسرع حتى أسبقه. ~~- وإن سبقك؟ ~~- لا أدري، بيد أني أسطو على الحلي أينما كانت وأغتصبها، لا أعود إلا ~~بالحلي. ~~- حسنا، وإلى أين تعود بها؟ ~~- إلى هنا. ~~- إذن بعد ربع ساعة يكون أوتوموبيل فخم تحت أمرك. ~~- مهلا مولاتي! لعل هذه الحلي هي التي ... ~~- نعم، هي التي ضج بها مجلس النواب اليوم كما ضج من مدة. ~~- فهمت، فهمت، وقد قرأت تلميح الصحف هذا المساء. ~~- لله من ذكائك! انتظرني إذن حتى أعود. # ثم دخلت البارونة إلى غرفة مدام ميزل، وهمست في أذنها بعض الكلام وخرجت. # | الفصل الحادي والثلاثون # وقعة ويا لها من وقعة # أما مدام ميزل، فدخلت ms082 إلى البهو وقالت: لا بد أن تأخذ كأسا من الشاي وقطعا من ~~الكعك معنا. ~~- أشكر لطفك جدا يا مدام. ~~- إني أعد الشاي وأميليا تؤانسك في أثناء ذلك، فهل تترك قاعة الرسميات وتشرف مجلس ~~أميليا. # فخفق فؤاد الماجور وقال: إذا كان هذا أمرك يا سيدتي، فما أشهى طاعته! # وفي الحال غلغلت مدام ميزل في المطبخ ودخل الماجور إلى غرفة أميليا، فرآها واقفة وقد ~~توردت وجنتاها وسطعت من شفتيها ابتسامات نورانية لا تطفأ؛ فتقدم إليها قائلا: بربك ~~هاتي يدك لكي ألمسها وأتأكد أني لست في حلم. # وتناول يدها وطبع عليها قبلة إن محيت عن معصمها فلا يمحى أثرها في فؤادها، ~~وكانت تجاذب كفها من كفه وهي تقول: ويحك، هل أنت ساحر؟ ~~- بل أنا مسحور. ~~- لا أفهم كيف دخلت. ~~- إلى المنزل؟ ~~- بل في عقل البارونة وهي أحرص علي من رئيسة الدير. ~~- لا أدري، ماذا لاحظت من أمر البارونة؟ ~~- فهمت أنها معجبة بك شديد الإعجاب. ~~- وأنا أعبدها لأجلك، ماذا قالت لك عني؟ ~~- قالت إنك الفتى الذي تبتغيه. ~~- لماذا تبتغيه؟ ~~- لحراسة من في هذه الدار. ~~- إني الكلب الأمين، وأنت ماذا تقولين؟ # فامتقعت الفتاة وقالت: وأنا الطير المطمئن. ~~- أخاف أن يكون عمر هذه النعمة قصيرا يا أميليا. ~~- وأنا أخاف أن أنقل إلى قفص آخر يا جوزف. ~~- ولكن البارونة وعدت وقالت إن وعد الحر دين. ~~- ويحك، بماذا وعدت. ~~- وعدت بأن آتي إلى هذا القفص حين أشاء. ~~- يا لله إني مدهوشة مما تقول! لأن عهدي بالبارونة أن تحرم مرور النسيم في محضري إذا ~~كان ينقل خبري، فكيف لعبت في عقلها؟ ~~- لا أعتقد أني لعبت في عقلها، بل هي لعبت في عقلي. ~~- كيف ذلك؟ ~~- لا أفهم إني مخبول، لا أدري إلا أنها فتحت لقلبي صدرها كما فتحت لجسمي ~~دارها. ~~- فتحت لك صدرها! ~~- أجل، أمنتني على سر خطير. ~~- يا لله! ما هو؟ ~~- سر وتسأليني ما هو؟ ~~- إذن في نفسك أمور أقرب لقلبك مني؟ ~~- حاشا يا أميليا، وإنما أخاف أن أخسر قربك إذا أفلت سر البارونة. ~~- إذن السر مختص بي؟ ~~- لا، ms083 وإنما حفظه شرط لحصولي على هذه النعمة. ~~- أية نعمة؟ ~~- نعمة لقائك. ~~- ويحك أشغلت بالي، أكاد أثق في إخلاص البارونة لك. ~~- لا أدري، أخاف ... ~~- عجبا! لو علمت السر لاستطعت أن أحكم في قيمة وعد البارونة، ولكن لا، لا تقله ~~إذا كان حفظه شرطا، ترى من يهم هذا السر؟ ~~- لا أكتم عنك أنه يهم جلالة الإمبراطورة. ~~- جلالة الإمبراطورة! ~~- أجل، ولأجلها أنا مسافر في مهمة خطيرة الآن. ~~- إلى أين؟ ~~- عفوك لا تسألي. ~~- إذا كانت مهمتك خدمة للإمبراطورة فثق بوعد البارونة إذن، ولكني أعتقد أن في ~~المهمة ما يخصني. ~~- ما الذي يحملك على هذا الاعتقاد يا أميليا؟ ~~- هو التفات سمو البرنس رودلف إلي في هذه الأيام. # فأجفل جوزف وقال: الله! ماذا تقولين؟ ~~- أقول إن سموه يتردد كثيرا في هذه الأثناء إلينا ويطلب امتثالي لديه، ويلاطفني ~~ويداعبني في دروسي ويحزرني في علومي. وهو كما لا يخفى عليك محب للعلم والأدب ومتضلع ~~فيهما. ~~- أجل، ولكن لماذا يتردد سموه إلى هنا؟ ~~- لا أدري، وإنما تردده واهتمام البارونة بأمري ولا سيما في الآونة الأخيرة، حملاني ~~على الظن أن هناك حركة بشأني لا أفهم ما هي. ~~- وهل تظنينها حركة سيئة. ~~- لا لا، بل بالعكس أشعر أنها حركة سارة لولا ما فيها من الغموض، ولا سيما غموض ~~المستقبل. ~~- ويلتاه! أخاف أن تؤدي هذه الحركة إلى بعادك عني. # فوجفت الفتاة وقالت: معاذ الله، ولكن آه، لا أدري، كل شيء ممكن في هذه الدنيا. ~~- إذن ما العمل؟ ~~- ويحك لا أدري، إني كالسابح في الأوقيانوس العظيم لا يدري أي الشواطئ أقرب ~~إليه. ~~- إن أمرك لعجيب، ألا تدرين ما هي علاقتك بالإمبراطورة؟ ~~- بالإمبراطورة؟ ~~- نعم. ~~- لا أدري أن لي علاقة بها. ~~- البارونة تقول أن جلالتها المهيمن الأول عليك. ~~- ويلاه لا أدري شيئا من ذلك، ولا أعلم بمسيطر علي قبل البارونة وبعدها. ~~- عجبا إنك لا تدرين شيئا عن نسبك. ~~- إني متألمة لجهلي هذا السر، وليس في وسعي البحث عنه، إني كالعصفور السجين في ~~القفص. # فقال جوزف باسما في إبان انشغاله بالحديث: ولا ذنب لهذا العصفور إلا ms084 جماله ~~وتغريده. # فتوردت قائلة: آه، بئس المحاسن إذا كانت علة لاسترقاق ذويها . ~~- عجبا أن تشكي يا أميليا ونعم الإمبراطورة تحف بك. ~~- لست أشكو إلا من غموض أمري الذي أشعرني بأن عناية البارونة بي قيد لحريتي، ولا سبيل ~~لي وأنا في قيدي هذا إلى كشف الستار عن تاريخ حياتي الأولى، لم أع إلا وأنا في الدير ~~ثم انتقلت من الدير إلى دير أضيق دائرة وإن كان أجمل زخرفا وأنفس رياشا. ~~- عجبا ورئيسة الدير لم تقل لك شيئا عن ذويك؟ ~~- لم تقل ولا تقول. # عند ذلك سمعا مدام ميزل تدعوهما لتناول الشاي في المائدة، فقالت أميليا: ها نحن ~~وافيناك. # وقال جوزف: إني مبارح في هذه الساعة على أمل أن أعود إليك غدا، فهاتي قبلة من يدك ~~أتزود بها حياة إلى الغد. # وتناول كفها وقبلها قبلة طويلة، وهي تقول: صه، مه، أخاف أن ترانا مرغريت. ~~- صلي لأجلي يا أميليا لكي أعود سالما، إني معرض للأخطار. ~~- ويلاه! لا تترك في قلبي قلقا عليك. ~~- لا تخافي إني أقاوم الأخطار حرصا على حياتي التي وقفتها على عبادتك. ~~- رباه! أخاف عليك من طوارئ الحدثان. ~~- ألا تسلحيني بتعويذة ضد هذه الطوارئ؟ # وكانت عيناه تتجاولان حول صدرها وعنقها، وكان في عنقها سلسلة ذهبية علق فيه قلب ~~ذهبي مرصع، فخلعت السلسلة من عنقها وقالت: هذا قلب فيه صورة سيدتنا مريم عليها ~~السلام، فاحفظه تعويذة لك والعذراء تحرسك. ~~- إنه لحرز نفيس جدا يا أميليا، لعل مهديه لك ينكر عليك التخلي عنه ولو ~~يوما. ~~- لقد أعطتنيه رئيسة الدير يوم وداعي ديرها، فلا حرج في أن تحرص عليه يوما لتحرسك ~~صاحبة الصورة. ~~- هذا هو رمز القلب يا أميليا، فأين رمز الجسم الذي يعي القلب؟ # فضحكت قائلة: ويلاه! أخاف أن أعطيك رسمي فيقع في يد سواك. ~~- إن كنت تحبينني يا أميليا فلا تخافي شيئا، إن كل أثر منك أعز عندي من ~~حياتي. # وتقدمت إلى مكتبها وتناولت مثل كتيب صغير وقالت: هذه مجموعة رسومي منذ كنت ~~طفلة إلى هذا العام. # ففتحه جوزف وقلبه قائلا: رسوم؟ ms085 ~~- أجل، رسم كل عامين. # فوضع القلب ومجموعة الرسوم في جيبه إلى جنب قلبه وقال: أحمي هذه الذخائر ما دمت أحمي ~~قلبي. # فابتسمت أميليا وقالت: أليس لي أنا ما أحميه وأحرص عليه. ~~- قلبي في يدك يا أميليا، فلك أن تفعلي فيه ما تشائين. ~~- ذاك في يدي فأود شيئا لعيني. # فضحك قائلا: هذه صورتي في غيابي. # وتناول من جيبه رسما فوتوغرافيا صغيرا ودفعه إليها، عند ذلك قالت مرغريت من ~~الخارج: «يكاد الشاي يبرد.» فخرجا إلى المائدة، وما انتهى الثلاثة من تناول الشاي حتى ~~جاءت البارونة مرثا برجن وهي تتهلل بشرا وقالت: إلي يا حضرة الماجور شندر. # فتبعها إلى البهو، فقالت له: هل أنت على عزمك؟ ~~- إن عزمي الآن أشد منه قبلا يا مدام إذا كان فيه إرضاء لجلالتها ولسيادتك. ~~- بورك فيك، هل تعرف تريستا؟ ~~- إني مولود فيها. ~~- حسنا جدا، ولكني أخاف أن تشغل نفسك بزيارة صحبك هناك يا سيدي. ~~- إن قلبي باق هنا ولا أقدر أن أعيش بدونه أكثر من عشرين ساعة، فسأكون في تريستا ~~غريبا ولا صحب لي ولا أهل. ~~- وهل تعرف فندق امبريال؟ ~~- طالما قابلت أصحابي فيه. ~~- إلى جانبه الأيمن منزل هو منزل كاترين شراط، الأوتوموبيل ينتظرك في أول ساحة إرلند ~~اليسرى. هذه حقيبة صغيرة فيها زاد الطريق على الطائر الميمون، اذكر يا جوزف أنك تسترضي ~~جلالة الإمبراطورة، الكولونل فرنر سبقك بساعة فقط. # فودعها جوزف ثم ودع مرغريت وأميليا متهللا ومضى. # | الفصل الثاني والثلاثون # الصدى أسبق من الصوت # كانت الساعة التاسعة مساء حين استقل الماجور جوزف شندر أوتوموبيله، والأوتوموبيل ~~مستوفي المئونة والعدد يدل مظهره على أنه جديد العهد. فقذف به بالسرعة القانونية إلى أن ~~صار خارج فينا، ثم اندفع به ملء سرعته لا يلوي إلا حيثما يلتوي الطريق أمامه، وقد نفى ~~من باله كل شاغل وكل هم إلا الوصول إلى تريستا بأسرع ما يستطاع، وكان كله يقظة ~~وانتباها حتى لا يعثر به جواده الميكانيكي. # قبل أن ينتصف الليل كان يمر في مدينة ماربورغ، وهي أقرب إلى تريستا منها إلى فينا، ms086 ~~ولما تجاوز هذه المدينة مر بحانة في ضاحتيها الجنوبية لم تزل مفتوحة ، فتوقف وسأل صاحب ~~الحانة: هل مر منذ قريب أوتوموبيل فيه ضابط؟ ~~- نعم، وقد توقف هنا نحو نصف ساعة، وأخذ كأسين من اللبن وكأسا من الشاي، وخمسة ~~كئوس من الكنياك. أفلا ترتاح هنا دقائق تنعش فيها نفسك بكأس يا حضرة الضابط؟ ~~- لا بأس بكأسين هاتهما إلى هنا، متى برح صاحبنا الضابط؟ ~~- منذ ربع ساعة تقريبا. ~~- هذا كرونن فأحضر الكاسين. # على أن جوزف لم ينتظره، بل اندفع بأوتوموبيله كالبرق الخاطف وصاحب الحانة يقول: إن ~~هذا لأجن من ذاك، هذا سكران جنونا وذاك مجنون سكرا. # وما بلغ جوزف إلى قمة الجبل الذي يشرف على سهل كارينولا حتى لمح نورا ثابتا، وما ~~زال يرى النور كأنه في طريقه حتى وصل ... فتوقف عنده ورأى رجلا واقفا لدى أوتوموبيل، ~~فبادره هذا قائلا: لقد جئت في حينك يا صاح. # وكان نور أوتوموبيل جوزف متجها إليه، فرآه جوزف وعرفه الكولونل هان فرنر بعينه، ~~ولكن الكولونل لم ير جوزف جيدا؛ لأنه كان وراء متجه النور فتقدم إليه لكي ~~يتبينه، فقال له جوزف: ما بالك؟ ~~- لقد تعطل هذا الأوتوموبيل، وأنا أفحصه ولا أدري علة تعطله. # وكأن جوزف قد أدرك أن الكولونل لا يزال يترنح من فعل الخمرة، فقال له: مهلا إني ~~أفحصه. # وترجل جوزف وتقدم نحو الأوتوموبيل وهو يقول للكولونل: هات المصباح ووجهه إلى ~~أسفل الأوتوموبيل لأرى علته. # وبعد أن فحص جوزف الأوتوموبيل قال: أرى بعض مساميره الحلزونية مرتخية تحتاج إلى ~~تشديد، فهات المفك. ~~- ليس عندي. ~~- أنا عندي. # وأخذ جوزف المفك من خزينة أوتوموبيله وجعل يعالج المسامير الحلزونية، فحل بعضها وشد ~~البعض وسل بعضها، وأخيرا قال له: لقد اصطلح. # ثم ركب جوزف أوتوموبيله فصاح به الكولونل: مهلا يا هذا حتى نمتحنه. ~~- إني مستعجل. ~~- وأنا أشد استعجالا منك. ~~- ليس ذلك شغلي، يكفي ما تأخرت بسببك. ~~- إني آمرك أن تتمهل ريثما أتأكد إصلاح أوتوموبيلي، وإلا فإني أستخدم ~~أوتوموبيلك. ~~- بأي سلطة تأمرني هذا الأمر؟ ~~- بسلطتي العسكرية. ~~- لا قيمة لسلطتك هنا. ~~- إذن ms087 بأمر جلالة الإمبراطور ... # وكان الكولونيل قد أمسك بذراع جوزف، فنفضه جوزف عنه حتى ارتمى بعيدا وقال: وأنا بأمر ~~جلالته أصفعك. # ثم ساق جوزف أوتوموبيله وتركه يلعن ويسخط. # | الفصل الثالث والثلاثون # رجع الصدى # قبل أن تتم الساعة الرابعة صباحا كان جوزف في تريستا، فإذا هي كمدينة الأموات، وندرت ~~الحركة فيها إلا حركة المبكرين إلى أشغال تقتضي الإبكار، فتردد في أمره؛ هل يذهب إلى ~~كاترين شراط توا ويوقظها، فخاف أن تنشأ الشبهة في عجلته، وخاف أيضا أن يتيسر ~~للكولونل أن يسبقه إذا ترك أوتوموبيله ومشى إلى أقرب محطة للسكة الحديدية، أو إذا ~~تسنى له من يصلح أوتوموبيله أو من يؤجره أوتوموبيلا أو ... أو ... # وأخيرا قصد المنزل وتوقف على مقربة منه، وبقي جالسا يفكر، وفي برهة أصابته ~~سنة الكرى، ولما شق الفجر ستار الدجى انتبه جوزف مذعورا لقرع باب، فرأى لبانا ~~يقرع باب كاترين شراط، فترجل وتقدم قليلا إلى أن رأى الباب انفتح والخادم يأخذ ~~اللبن من البواب وهم أن يقفل الباب، فتقدم إليه قائلا: مهلا، إني أريد مقابلة ~~مدام كاترين شراط الآن. # فأوجس الخادم منه وقال: يا لله! هل رأيت أحدا يقلق النيام في ألذ ساعات ~~نومهم؟ ~~- نعم رأيت أهل المريض يوقظون الطبيب في إبان نومه، واللبان يوقظك. ~~- ولكن مدام شراط لا تستقبل أحدا قبل الساعة العاشرة. ~~- أما أنا فيجب أن أقابلها في هذه الدقيقة. ~~- لا أحد يقدر أن يوقظها الآن ويسلم من غضبها. ~~- إذا قلت لها أن رسولا من فينا يريد مقابلتها الآن تكافئك على إيقاظها. # وكان الخادم قد تبين جوزف ورآه في ثوب عسكري ذي رتبة، فقال: إذن أوقظ الخادمة ~~فتوقظ المدام. # وبقي جوزف يتمشى أمام المنزل، وبعد بضع دقائق رأى الشباك قد انفتح قليلا وشعر أن ~~شبحا أطل منه، ثم رأى نورا سطع، وما هي إلا «لا حول ولا» حتى ناداه الخادم أن ادخل، ~~فدخل وقاده إلى البهو، فبقي يتمشى في البهو عدة دقائق إلى أن أقبلت المدام كاترين شراط ~~مجلببة بجلباب صفيق، فبادرها جوزف منحنيا باحترام كلي وقائلا: ms088 عفوا يا مدام ومعذرة، ~~لو لم يكن أمر جلالته أن أتشرف بين يديك حالما أصل إلى هذه المدينة، ما جسرت أن أزعج ~~سيادتك في هذا الفجر، هذه رسالة جلالته بخط يده الكريمة. ولم يدع جوزف لها فرصة ~~للكلام، حتى لا تسأله عن اسمه، وما اطلعت على الرسالة حتى وجفت واكفهرت، ثم قالت: ~~عجيب أن الرسالة غير مغلفة. ~~- عفوا يا مولاتي، إنها شبه أمر، والأمر مكشوف كما لا يخفى على سيادتك، ومع ذلك فإن ~~جلالته يعتبر شخصي غلافا لهذه الرسالة. # فنظرت فيه باسمة وقالت: تريد أن تقول أن ... ~~- إن جلالته يثق أني أتمنى أن أضحي بنفسي في سبيل طاعتي وعبوديتي له؛ ولهذا ترين يا ~~مولاتي أني لم أنم منذ استلمت هذه الرسالة، ولن أنام حتى أضع الحلي في يد ~~جلالته. # فازداد اضطراب كاترين شراط وقالت: هل ذكر جلالته لك الحلي التي يريدها؟ ~~- لم يذكرها، وإنما يريد الحلي التي قامت الضجة لأجلها في مجلس النواب. ~~- أمس؟ ~~- نعم، أمس ضج الاشتراكيون في مجلس النواب بأمر هذه الحلي؛ ولهذا رأت حكمة جلالته أن ~~يستجلبها ولو لأجل حفلة هذا المساء، وربما قرأت في صحف اليوم شيئا من هذا ~~القبيل. # وكانت كاترين ترتجف غضبا ولا تقدر أن تكتم غيظها، فقالت: حفلة عيد ميلاد ~~الإمبراطورة؟ ~~- نعم، في هذا المساء. ~~- ما شأن هؤلاء الاشتراكيين الوقحين؟ ~~- إني يا مولاتي جندي خادم لإرادة جلالة مولاي الإمبراطور، ولا دخل لي في ~~السياسة. # ففكرت كاترين شراط برهة وهي تتقلب غضبا تقلب الحرباء، ثم قالت: ماذا قال لك ~~جلالته غير مضمون هذا الأمر؟ ~~- أوصاني أن أكون شديد الحرص على الحلي. ~~- هل تعلم قيمة الحلي؟ ~~- أعلم أنها ثمينة ونفيسة جدا يا مولاتي؛ ولهذا اختار جلالته أصدق عبيده ~~لنقلها. ~~- ومتى تعود؟ ~~- الآن. ~~- عندك متسع من الوقت؟ ~~- لا يا مولاتي، فإن الأمر يقضي بالعودة في الحال، وقد قتلت من وقتي هنا بضع دقائق ~~وأمام منزلك ساعة؛ لأني أشفقت أن أوقظك على إثر وصولي. ~~- إذن لا مناص؟ ~~- نعم يا سيدتي، لا مناص من تنفيذ أمر جلالته في ms089 هذه الدقيقة، فأرجو من فضلك ألا ~~تحمليني جريمة التأخر. # فعادت كاترين شراط إلى غرفتها مكتئبة، وبعد عشر دقائق عادت وبين يديها صندوق، وفتحته ~~وعرضت على جوزف شندر الحلي التي فيه قائلة: هذه 12 قطعة. ~~- مفهوم يا مولاتي، إني أستلم الصندوق مقفلا وأسلمه إلى جلالته الساعة العاشرة إن ~~شاء الله مقفلا، وداعا الآن. إلى الملتقى إن شاء الله. ~~- أجل، إلى الملتقى في فينا إن شاء الله. # ثم حمل جوزف الصندوق بعد أن أودع مفتاحه في جيبه وانحنى ومضى، وكان الصباح قد اتضح ~~قليلا، وبقيت كاترين جالسة في غرفتها تفكر مكتئبة. # | الفصل الرابع والثلاثون # دوي الصوت # ما هي إلا دقائق معدودة حتى دخلت الخادمة على كاترين شراط تقول لها: إن ضابطا يريد ~~مقابلتها في الحال، فبغتت كاترين وأحست أن داهية مفاجئة، فقالت: «ليدخل.» وفي الحال ~~استقبلت في البهو ضابطا عالي الرتبة، فانحنى لها باحترام ودفع إليها رسالة مغلفة ~~بغلاف معنون باسمها، فلما رأته وجفت إذ علمت أنه معنون بخط الإمبراطور، وفضته وهي ~~تقول لنفسها: ويلاه! أخاف أن أكون قد خدعت. # وقرأت فيه ما يأتي: # على حضرة رئيسة دير الراعي الصالح أن تلبي طلب البارونة ليوتي إذا كان ~~حقا. # الإمبراطور # ما أتمت القراءة حتى صرخت: ويلاه ويلاه! في الأمر خديعة أو حيلة. # فبهت الكولونل هان فرنر وقال: ماذا تعنين يا سيدتي؟ # فعبست قائلة: من أعطاك هذا الكتاب؟ ~~- جلالة الإمبراطور سلمنيه أمس الساعة السادسة مساء يا مدام. ~~- هل كان معك منذ استلمته إلى الآن؟ ~~- لم يفارقني لحظة. ~~- ألا يحتمل أن يكون قد اختلسه أحد منك من غير أن تدري ثم رده إليك؟ ~~- هذا مستحيل يا سيدتي، فإني لم أنم منذ سرت بهذه المهمة. ~~- عجبا! ~~- لم أفهم أين العجب يا سيدتي، إن أسئلتك هذه تقلق البال. أليست الرسالة ~~صريحة؟ ~~- ماذا أمرك جلالته أن تفعل غير تسليم هذا الخطاب؟ ~~- أمرني أن أستلم منك ما تسلمينيه. ~~- ألم يقل لك ما هو الذي أسلمكه؟ ~~- لا يا مولاتي، ما أنا إلا رسول جلالته المنفذ أمره. ~~- اعلم يا هذا إن ms090 كنت شريك اللصوص في هذه الخديعة ... ~~- ويحك ماذا تقولين؟ ~~- أقول إن ضابطا قبلك جاءني بأمر جلالته الحقيقي، وأخذ علبة الحلي ومضى منذ ~~دقائق. ~~- ضابط جاء قبلي بأمر جلالته؟ ~~- نعم، وهذا هو أمر جلالته. # فلما اطلع الكولونل على الأمر استغرب وقال: وماذا يشتمل الأمر الذي جئتك به يا ~~سيدتي؟ ~~- يشتمل على أمر لرئيسة دير الراعي الصالح، هذا هو فاقرأه. # فلما قرأه الكولونل ازداد دهشة وفرقا وقال: لا أدري يا سيدتي، إني استلمت أمر ~~جلالته مختوما وسلمتكه مختوما. تقولين أن ضابطا استلم علبة الحلي؟ ~~- نعم، وقد مضى منذ دقائق في أوتوموبيل. ~~- يا لله! في أوتوموبيل، لقد رأيت ضابطا في أوتوموبيل وقد وقف بأتوموبيله لدى فندق ~~الإمبريال، أظنه لا يزال في الفندق. ~~- ويحك! إليه إليه! ولا تدعه يفلت من يدك، سلمه إلى البوليس حالا. # فاندفع الكولونل من المنزل وهرع مسرعا إلى ذلك الفندق وهو على قيد ربع ميل من ذلك ~~المنزل، وقد سر حين رأى الأوتوموبيل لا يزال أمام الفندق، فسأل بواب الفندق: من ~~صاحب هذا الأوتوموبيل؟ ~~- ضابط ثقيل، قرع بابنا قبل أن نفتح عيوننا لضوء الصباح، ولم أر في حياتي شخصا ~~يقرع أبواب الفنادق في الفجر غير هذا الثقيل، وهو كالمجنون ما لبث أن نزل من أوتوموبيله ~~حتى قال إنه يريد غرفة وفطورا في الحال، وما دخل إلى الغرفة حتى خرج منها وهو يقول إنه ~~سيعود عاجلا، فيجب أن نعد له الفطور حالا، ومضى من غير أن يقول ما هو الفطور الذي ~~يريده. ~~- ألا تدري أين مضى؟ ~~- أظنه مضى ليبتاع بنزينا لأوتوموبيله؛ لأنه سألني ما إذا كان يجد عندنا بنزينا، ~~فقلت له نحن فندقانيون لا بدالون، ولا أدري أين يجد هذا المجنون الآن بنزينا قبل أن ~~تفتح الحوانيت؟! # ففكر الكولونل هنيهة ثم قال: أود أن أنتظره هنا. ~~- تفضل استرح في بهو المقابلات. # فدخل الكولونل وهو يقول: هل كان معه شيء حين دخل إلى الغرفة؟ ~~- كان معه علبة. ~~- أود أن أراها في غرفته. ~~- لقد أخذها معه يا سيدي. # فتغيظ الكولونل شديد التغيظ وقال: ms091 إني خارج الآن وسأعود في الحال، فإن عاد ~~الضابط قبلي فلا تقل له شيئا عني، ولا تدعه يعرف أن أحدا يسأل عنه. # وخرج الكولونل مترددا ثم التفت إلى بواب الفندق وقال: حاذر أن تقول له كلمة عني. ~~خذ هذه وسأكافئك أيضا إذا اجتمعت بهذا الضابط. # فتناول البواب منه قطعة فضية متهللا جدا وقال: إني خادمك يا سيدي، فهل تريد خدمة ~~أخرى؟ ~~- أريد أن تشغل ذلك الضابط عن الخروج إلى أن أعود مهما كلفك الأمر، ولك مكافأة ~~عظمى. # ثم ركب الكولونل مركبة إلى دائرة البوليس وأبلغها أنه يحتاج إلى نفرين في الحال للقبض ~~على محتال، وأوعز إلى النفرين أن يذهبا إلى الفندق ويستوقفا كل شخص يجدانه فيه في زي ~~ضابط. # أما هو، فطاف في بعض الشوارع عسى أن يعثر على ضالته، فلم يجد أحدا، فعاد إلى الفندق ~~فرأى الشرطيين كامنين فيه، وقال بواب الفندق إنه على إثر مزايلة الكولونل لمح الضابط ~~يعبر من شارع إلى آخر، وأسرع لمراقبته فإذا به قد اختفى، فلا ريب أنه لا يزال يبحث عن ~~بنزين، ولا بد أن يعود ما دام أوتوموبيله أمام الفندق. # فبقى الكولونل في الفندق منتظرا برهة، وبعد نحو نصف ساعة جاءت مدام شراط واجتمعت ~~بالكولونل وهي في شديد الاضطراب، فأخبرها الكولونل ما كان من حديث بواب الفندق وما فعله ~~من التحوط للقبض على المحتال، ونصح لها أن تسكن روعها؛ إذ لا بد من الظفر بالمحتال على ~~كل حال. # مضت برهة أخرى والضابط المحتال لم يعد، فاشتد قلق مدام شراط والكولونل معا، فبث ~~الكولونل بعض الشرطة في ذلك الحي يبحثون عن الضابط المحتال، وانقضت الساعة ولم يقفوا له ~~على أثر. # وأخيرا لم تر كاترين شراط بدا من تلغفة الأمر إلى فينا؛ ولكن بأي أسلوب؟ # | الفصل الخامس والثلاثون # رجة في قلب البلاط # ندع تريستا ونعود بالقارئ إلى فينا. # في منتصف الساعة التاسعة ورد تلغراف إلى فون درفلت ثاني سكرتير الإمبراطور هذا نصه: # مكيدة هائلة؛ محتال بزي ضابط سبق الرسول ومعه الأمر الرسمي بلا غلاف، ms092 فأخذ ~~العلبة الثمينة، وجاء الرسول ومعه الغلاف وفيه أمر لرئيسة الدير بشأن البارونة ~~ليوتي. فتدبر. # الإمضاء: ك. ش. # فلما اطلع فون درفلت على التلغراف، وقف مرتعبا وتلا التلغراف مرارا وهو يفكر في ~~الأمر، وأخيرا لم ير بدا من رفعه إلى جلالة الإمبراطور، فأسرع واستاذن في الدخول ~~وألقى التلغراف بين يدي مولاه. فلما اطلع الإمبراطور على التلغراف استشاط غضبا ~~وقال: يا لله! هل أصبح كل من حولي خونة ضدي! كيف كان ذلك؟! # فقال فون درفلت متهيبا: في المكيدة أصبع البارونة مرثا برجن يا صاحب ~~الجلالة. ~~- يا لله من هذه الشيطانة اللئيمة! ولكن هل يمكن أن الكولونل فرنر يمالئ هذه الشريرة ~~ضدي؟ ~~- لا أظن يا مولاي، إن الكولونل لا يحيد قيد شعرة عن الإخلاص لجلالتكم. ~~- ألا يمكن أن تكون البارونة ليوتي ماكرة وخداعة، وهي التي لعبت هذا الدور الفظيع؟ ~~وإلا فكيف يبدل الأمر الذي في يد الكولونل فرنر بالأمر الذي أخذته المرأة مني لرئيسة ~~الدير؟ إن التلاعب بأوامري لوقاحة أقل عقاب عليها السجن المؤبد. ~~- إني واثق تمام الثقة يا مولاي بأن البارونة ليوتي بريئة من تهمة الخيانة لجلالتكم، ~~ولا أبرئ من هذه المكيدة البارونة مرثا برجن. ~~- لا أبرئ البارونة برجن، ولكن هذه البارونة لا يمكن أن تقوم بالمكيدة وحدها، فلا ~~بد أن يكون معها خونة ممالئون لها. ~~- أجل إن فرنند فرغتن من أكبر أعوانها، وهو بلا شك شريكها في الخيانة والمكيدة؛ لأني ~~علمت أنهما كلاهما يجتمعان سرا في منزل منعزل في وسط حديقة في شارع فرنز. # فحرق الإمبراطور الأرم وقال: لعنة الله على فرغتن هذا، فإنه المعول الذي ينقب تحت ~~أركان العرش. ~~- وللبارونة صنيع آخر يا مولاي يدعى الماجور جوزف شندر، وأظن أنه هو الضابط المحتال ~~الذي أشير إليه بهذا التلغراف. ~~- من هذا الماجور شندر؟ ~~- هو أحد رجال الحرس يا مولاي. ~~- يا لله! وهل في حرسي خونة أيضا؟ ~~- أجل يا مولاي، إنه يجتمع بالبارونة برجن في ذلك المنزل الذي تتآمر فيه البارونة مع ~~أعوانها وصنائعها، وقد تثبت أنه كان مساء أمس معها ms093 هناك؛ فلا بدع أن تكون قد ~~ولته تنفيذ هذه المكيدة الفظيعة. ~~- عجبا! كيف يجسر هذا الخائن أن يترك واجبات وظيفته العسكرية ويذهب إلى تريستا ~~لتنفيذ جريمة؟ ~~- إنه في إجازة شهر يا مولاي. # فزمجر فرنز جوزف قائلا: سيكون الإعدام قصاص هذا الخائن. وما شأن ذلك المنزل الذي ~~يأوي إليه أولئك الخونة؟ ~~- إنه لسر مجهول يا مولاي، فإن فيه امرأة وفتاة لا قرابة بينهما على ما يظن، ~~والبارونة برجن مسيطرة عليهما، وكأنها جعلت هذا المنزل مكان مؤتمراتها وملتقى لمن يريد ~~اللقاء سرا كال ... ~~- كمن؟ ~~- كالبارونة فتسيرا يا مولاي. # فسخط الإمبراطور قائلا: البارونة فستسيرا! ~~- أجل يا مولاي، فإنها تختلف إلى ذلك المنزل أيضا. # فحمي غضب الإمبراطور جدا وقال: وبالطبع يذهب البرنس رودلف إلى ذلك المنزل أيضا. ~~بعد هذه الدقيقة لن يجتمع بها البرنس. يجب أن ترحل هذه الفتاة عن مملكتي كلها اليوم ~~وستتبعها البارونة برجن على الأثر. إني أريد أن أنظف البلاط من هؤلاء الخونة، ولكن كيف ~~حدثت هذه المكيدة الفظيعة؟ # وكان فون درفلت يكفهر وقلبه ينتفض فقال: إنها لمكيدة شيطانية يا مولاي لا يمكن فهمها ~~قبل أن يحقق أمرها، إني أخاف أن تذهب الحلي إلى زاوية المجهول وتتحول حفلة المساء ~~المنتظرة إلى شبه فتنة في البلاط. فحبذا أن يعجل مولاي بإصدار أوامره للبحث عن ذلك ~~المحتال قبل أن يدهور الحلي حيث يتعذر الحصول عليها في حينها، ولا يخفى على جلالتكم أن ~~غرض أولئك الخونة إيجاد ذريعة جديدة لإثارة شغب المشاغبين من النواب ~~الاشتراكيين. # فلما سمع الإمبراطور هذا الكلام اشتد تقطيبه، وكادت مقلتاه تثبان من وقبيهما ~~وقال: صه، لا أعهد أن في المملكة من يجسر أن يقف لدى إرادتي التي هي السلطة والقانون ~~والتنفيذ جميعا، وسيعلم أولئك الخونة والمشاغبون أي مصير يصيرون. # وكان الغضب قد أخذ من فرنز جوزف كل مأخذ، فوقف وجعل يتمشى في غرفته كالأسد في عرينه ~~وهو يفكر، وبعد هنيهة قال: لكل أمر وقت كما قال سليمان الحكيم، أما الآن فأريد من ~~يلاقي ذلك الضابط شندر في طريقه ويأخذ منه ms094 علبة الحلي من غير شغب ولا جلبة. ~~- أجل كذا خطر لي يا مولاي ، لأن اتساع الحركة حول هذه الحادثة يفضي إلى ضجة ترتج ~~لها أطراف الأمة، فلا بدع أن تقضي حكمة جلالتكم بأن تستخرج العلبة من ذلك الضابط ~~الخائن شندر من غير ضوضاء ولا قال وقيل؛ لئلا يبلغ المشاغبون وطرهم في حين بذل المجهود ~~في تدارك هذا الوطر. ~~- كذا كذا يا فون درفلت، فهل لك في ذلك؟ # فتردد فون درفلت في الجواب وفكر هنيهة ثم قال: أجل، إذا سلحني مولاي بالأوامر ~~اللازمة، فأثق أني أظفر بالعلبة من غير شغب. ~~- لا أريد مقاومة هذه المكيدة بطريقة رسمية؛ لأن الإمبراطور لا يريد أن يعترف بوجود ~~من يجسر أن يشتغل بمكيدة تخالف إرادته، ففي وسعك أن تفعل كل شيء لاسترداد العلبة من ~~غير التسلح بأوامري. ~~- يكفيني سلاحا أمر مولاي الشفهي، وإنما لما كان بعض المكايدين في البلاط نفسه ~~وبعضهم يستمدون قوتهم من نفوذ البلاط، أخاف أن أجد عثرات في سبيلي من هؤلاء، فإذا كان ~~جلالة مولاي يأمر بغل أيدي ذوي النفوذ ممن لهم صلة بالبلاط؛ فإني أستطيع أن أمسك ذلك ~~الخائن شندر في عنقه وأقوده قياد الكلب. ~~- وهب أني آذن لك أن تفعل ما تشاء ولا تحسب حسابا لأحد غيري. # فتلمظ فون درفلت رضابه وقال: لقد عزم مولاي أن يكسر رأس الأفعى تنظيفا للبلاط من ~~أدران ذوي الفتن فيه، فإذا كنتم جلالتكم تصدرون أمركم المقدس بنفي البارونة برجن ~~والبارونة فيتسيرا الآن ... ~~- صه، أما البارونة برجن فلا ترحل قبل أن تنال عقابها الذي تستحقه، وأما البارونة ~~فتسيرا فحسبها عقابا أن تقصى من البلاد حالا. فهذا أمر برحيلها في هذه ~~الساعة. # وفي الحال عمد الإمبراطور إلى مكتبه وكتب أمرا بسفر البارونة فتسيرا على عجل في ~~برهة نصف ساعة منذ اطلاعها على الأمر، وإلا تقع تحت طائلة العقاب الصارم. # ثم دفع الأمر إلى فون درفلت قائلا: أبلغ هذا الأمر إلى تلك البارونة الصغيرة في ~~الحال. ثم ماذا عزمت أن تفعل؟ ~~- سأنفذ رسولا أو رسولين في الحال، ms095 عسى أن يلتقيا بشندر في طريقه فيراقبانه ريثما ~~ألتقي به في محطة أودنبرغ أو نيوستاد، ومتى وقعت عيني عليه وقعت العلبة في يدي ~~حتما. ~~- وهب أن الرسولين لا يلتقيان به ولا أنت صادفته؟ ~~- أقيم بوليسا سريا يرقبه في محطة العاصمة وفي جميع مداخل المدينة. ~~- قد لا يدخل المدينة اليوم. ~~- لا بد أن يكون الكولونل فرنر قد تأثره، ولا يمكن الكولونل أن يتردد في التلغفة ~~إلى مدام كاترين شراط وهي تتلغف لي حين أنبئها عن مكاني. ~~- هب أن هذا الأسلوب لا ينجح، وأود تجنب الإشارات التلغرافية ما أمكن. ~~- ستكون الإشارات الضرورية غامضة يا مولاي، إني واثق بالنجاح يا صاحب الجلالة؛ لأن ~~شندر سيبذل جهده في تسليم العلبة إلى البارونة برجن اليوم، ولا يمكن أن يصل إليها؛ ~~لأننا سنقف في طريقه على كل حال. ~~- ربما راوغ شندر في طريقه وتأخر إلى ما بعد اليوم. ~~- لا يمكن أن تطمئن البارونة برجن ما لم تظفر بالعلبة اليوم؛ ولهذا أؤكد أنها حتمت ~~عليه أن يأتيها بالعلبة في هذا النهار. # فإذا بقيتم جلالتكم تتجاهلون خبر هذه المكيدة العظمى، فلا تتنبه البارونة لتحذير ~~رسولها بوسيلة من الوسائل، وبالتالي يسهل وقوعه في يدنا. # ففكر الإمبراطور برهة ثم قال: حسنا، هل أعتمد عليك يا فون درفلت؟ ~~- يعتمد مولاي على عبده الطائع الأمين ملء الاعتماد. ~~- إني أريد هذه العلبة اليوم يا فون درفلت. ~~- إذا لم تقع العلبة في يد مولاي اليوم، فيعلم مولاي أني برحت هذه الدنيا إلى ~~الآخرة. ~~- اذهب ولك الجزاء الذي يليق منحه بالإمبراطور. # فانحنى فون درفلت أمام مولاه وخرج وفي صدره آمال جسام. # وما دخل فون درفلت إلى مكتبه حتى تلقته البارونة ليوتي (أو نينا فرست كما عرف ~~القارئ)، فقال لها: ويحك! ماذا جئت تفعلين؟ ~~- جئت أرفع شكوى إلى جلالته. ~~- ما الشكوى؟ ~~- دفعت أمر جلالته إلى رئيسة دير الراعي الصالح أمس، فوعدتني أن تجيب طلبي اليوم، ~~فذهبت إليها فإذا هي تراوغ. ~~- إذن هناك أساس المك ... # وتوقف فون درفلت عند ذلك الحرف، ثم قال: دعي شكاويك الآن إلى ms096 حين تسمع الشكوى، ~~واسمعي أوامري فإنها خطيرة وتنفيذها عظيم الفائدة لك. # فضحكت قائلة : هل انتقل الصولجان إلى يدك؟ ~~- أجل، الصولجان في يدي اليوم فقط فلا تهزئي، إني في حاجة شديدة إلى دهائك اليوم، ~~وقد جئت في حينك. # اذهبي وانتظريني في منزلي، إني موافيك إلى هناك بعد قليل. لا تبطئي لحظة واذهبي ~~الآن. # فاستغربت البارونة ليوتي أمره وقالت: أراك منهمكا جدا فهل ...؟ ~~- ستعلمين كل شيء قريبا، اذهبي الآن. # فخرجت. # وهو أملى أوامر خاصة للكاتب الذي تحت يده ثم خرج. # | الفصل السادس والثلاثون # تفاحة حواء # في الساعة الثانية عشرة من النهار وقف القطار القادم من تريستا إلى فينا في غرتز، ~~والقطار يقف في هذه المحطة نحو ثلث ساعة، بحيث يتسنى لمن يشاء من الركاب أن يتناول ~~غذاءه من المطعم الذي في المحطة. # في هذا القطار كان الماجور جوزف شندر، فلما وقف في محطة غرتز نزل جوزف منه وأسرع إلى ~~المطعم، وفي خمس دقائق تلمظ غداءه مختصرا وعاد إلى القطار من غير أن يلتفت إلى من في ~~المحطة من الداخلين في القطار والخارجين منه أو الواقفين. # وما تحرك القطار حتى دخل إلى الغرفة التي كان فيها جوزف سيدة مقنعة بقناع كثيف ~~وجلست إلى جانبه، وبعد هنيهة رفعت القناع فخالسها جوزف نظرة، فنظرت فيه وابتسمت ~~فتبينها، فقالت مبالغة في الابتسام: أظنني لست غلطانة، حضرتك الماجور جوزف ~~شندر. # فحملق فيها قائلا: أجل إني خادمك، أظنني رأيت حضرتك؟ ~~- لا أظنك تنسى اجتماعنا منذ عهد قريب في حانة هرمن؟ ~~- أجل، أجل، أذكر أنك سميت نفسك حينذاك جوليا هرتمان، أليس كذلك؟ # فضحكت قائلة: نعم نعم جوليا هرتمان، أراك وحدك هنا، فلماذا لا تكون مع ~~المدخنين؟ # فضحك قائلا: آثرت عشرة الحسان على عشرة المدخنين، فقلت في نفسي يجب أن أعتزل غرف ~~الرجال عسى أن أرزق برفيقة حسناء، فكان حظي مضاعف السعد. ~~- لله من رقتك يا ماجور! لو كنت بثوبك العسكري لكنت أجذب لقلوب الحسان. ترى لماذا ~~خلعت ذلك الثوب الجميل وارتديت هذا الثوب الذي لا يميزك عن عامة الناس؟ ms097 ~~- أتأسف يا سيدتي، إني كنت أجهل هذه الحقيقة وإلا لما ارتكبت هذا الخطأ . ~~- أما أنا فسيان عندي، فقد عرفتك قلبا وقالبا، ولا يزيدني ثوبك ودا لك وإعجابا ~~بك. ~~- شكرا للطفك يا مدام، عسى أن يكون حظي من هذا اللطف طويل الزمن، ومن رفقتك ~~أيضا. ~~- أتمتع بعطفك من هنا إلى فينا وبعد ذلك فتبعة الوحشة تقع عليك وحدك. # فتبسم جوزف ملء ثغره وقال: وإذا كنت أجهل عنوانك، فعلى من التبعة؟ # فقهقت قائلة: أوه، ما دامت حانة هرمن موعودة فلا يتعذر عليك أن تعين لي مواعيد ~~اللقاء فيها، إلا إذا كان في شارع فرنز ما يشغلك عن لقاء أصدقائك المخلصين. # فضحك خافق الفؤاد وقال: شارع فرنز؟ ~~- أجل، حيث يكون كنزك فهناك قلبك. ~~- يلوح لي أن عندك أخبارا حسنة عن شارع فرنز يا مدام. ~~- عندي أخبار مهمة، ولا أدري ماذا تعني بقولك حسنة. ~~- أعني معلومات جديدة كانت مجهولة. ~~- أجل عندي كثير منها. ~~- بالله ما هي؟ # فضحكت قائلة: ليس من السهل استخراج المجهول يا ماجور، وما يحصل عليه بعناء ليس ~~رخيصا. ~~- إذن تريدين أجرا في مقابل أخبارك يا مدام؟ ~~- لا أظنك تنكر علي هذا الحق. ~~- عسى أن يكون في وسعي أن أدفع هذا الأجر. ~~- في وسعك دفعه من غير أن تخسر شيئا. ~~- إذا كنت لا أبخل بأي أجر أستطيعه، فبالأحرى أجود بالأجر الذي لا أخسر فيه. فمري ~~يا سيدتي وأنا العبد الطائع. ~~- أريد قبلة من هذا الثغر. # فتوردت وجنتا جوزف وقال مترددا: أخاف أن أقول لك يا سيدتي إن هذا الثغر والقلب ~~الذي وراءه وكل عضو من أعضاء الحب التي في، إنما هي وقف وليس في وسع أحد التصرف في ~~الوقف. # فابتسمت قائلة: تعني وقف على أميليا؟ # فاشتد تورد جوزف وقال: لقد نطقت بما يكفيني مئونة التلميح إليه أو توريته. ~~- أوه، لا تظنني بهذا الطلب أنتهك حرمة هذا الوقف المقدس، بل بالعكس أزكي ~~حجته؟ # فتريب جوزيف وقال: عجبا! لا أقدر أن أفهم كيف يمكن ذلك. # فتبسمت قائلة: الأمر بسيط جدا، وهو أن من يحب ms098 أميليا لا بد أن يحبني أيضا. ~~- لم يزل اللغز لغزا يا مدام. ~~- بعبارة أخرى من تحبه أميليا أحبه أنا أيضا. ~~- القول مفهوم، ولكن يمكن تطبيقه على فروض مختلفة. # فضحكت قائلة: لا أقدر أن أقول من هذا القبيل أكثر مما قلت يا ماجور. ~~- لا بأس، ومن قبيل آخر ماذا تقولين؟ # فقالت مقهقهة: الأجر الأجر أولا. ~~- إني أثق بقولك يا مدام، إن من يحب أميليا يجب أن يحبك. # وتعانقا وتلاثما، فشعر جوزف بأنفاس حرى لا يمكن أن تعلل حرارتها إلا بلهبات الحب ~~الصادق، فقال: ويحك! إنك فتحت خزان الحب في صدري، فحاذري أن يتدفق. ~~- أما خزان صدري فقد تدفق، فبربك حاذر أن يراق ما فيه. # فنظر فيها باسما وقال: مدام. ~~- أليست أميليا تحبك؟ ~~- أجل تحبني. ~~- فثق إذن أني أحبك. ~~- إنك توسعين دائرة المجهول في ظني يا مدام. ~~- يجب أن تعلم أن المجهول أعظم جدا من المعلوم، وإلا خبطت على غير هدى. # فثارت بلابل جوزف في نفسه وقال: شرعت أشعر بعظم قدر المجهول يا سيدتي، وقد أخذت أجر ~~المعلوم سلفا. # فنظرت إليه وقالت: ويك تمنني؟ ~~- معاذ الله يا سيدتي، ولكن ألا تشفقين أن أبقى معلقا بخيط ضئيل فوق هاوية ~~المجهول؟ ~~- ماذا تريد أن أقول؟ ~~- أرجو أن تقولي لي ما عرفت عن شارع فرنز. ~~- سيرحل الذين فيه. # فانتفض جوزف وقال: ويحك! إلى أين؟ ~~- إلى حيث تختفي أخبارهم. # فاكفهر جوزف وقال: بربك لا تقولي هذا القول. ~~- أشفق أن أضلك بعد أن أخذت الأجر منك. ~~- إذن لا تمزحين. ~~- ربما كانت حياتي كلها مزاح إلا اليوم. ~~- وهل تخفى أخبارهم عني؟ ~~- عنك أولا. ~~- وعنك؟ ~~- وأما عني فأخيرا إذا لم أقل لك لن تختفي. ~~- لا أظنك تقسين علي بأن تبخلي بأخبارهم. # كل شيء في الدنيا بين سبب وغاية، فإن كنت أحدهما كانت لك صلة بذلك الشيء. ~~- كيف يمكن أن أكون أحدهما؟ ~~- هذا أمر من شأنك وحدك. # فتحير جوزف وقال: كيف يمكن أن أتذرع إلى أن أكون أحدهما؟ ~~- ربما كانت المقادير خير معلم لك. # ففكر جوزف هنيهة ثم قال: إن ms099 لحديثك هذا يا سيدتي درجة هائلة في فؤادي، إن لي حقا ~~بأن أتردد فيه إذا لم تقيمي برهانا عليه. # فقهقهت قائلة: تظل تظنني مختلقة إلى أن يحقق لك فراغ شارع فرنز صدق ~~قولي. ~~- لا أقول أنك مختلقة، وإنما أعتقد أن معلوماتك خطأ أو هي ضئيلة. ~~- كأنك تستفزني إلى بسط سائر معلوماتي. ~~- إن بسطها ضروري لتأييد بعضها بعضا، فهل علمت شيئا عن السر المجهول الذي هو نواة ~~الأسرار. ~~- تعني نسب أميليا؟ نعم، علمت كثيرا. ~~- ماذا علمت؟ # فابتسمت قائلة: أترى أنك تحاول أن تستخرج مكنوناتي وتستعلم مكتوماتي؟ ~~- لا أنكر أني أتمنى ذلك، فإن كنت تحبينني كما تحبين أميليا فلماذا لا تقولي لي ما ~~أتوق لمعرفته كما تتوق أميليا؟ # فقهقهت قائلة: يا للسذاجة! إن ما يحظر الآن اطلاع أميليا عليه، لحري أن يحظر اطلاعك ~~عليه. ~~- تقولين الآن؟ ~~- أجل، لأن كل خفي سيعلن، وكل سر سيصير جهرا. # ففكر جوزف برهة، ثم قال وهو يتبرم: ما دمت تكتمين يكون لي حق بالشك يا مدام، ~~فالمعذرة إذا لم تبسطي برهانك على معرفتك المجهول. ~~- أوه، لي أيضا أن أشك بعلائقك بأميليا حتى تأتي ببرهان على تلك العلائق. # فاستوى في مكانه وقال: وحق شرفي إن عندي براهين على تمكن هذه العلائق. ~~- وأنا عندي براهين عديدة على صحة معلوماتي. ~~- هاتي بعضها، وأنا أريك بعضها. # فمدت يدها إلى صدرها وتناولت صورة فوتوغرافية وأرتها لجوزف وقالت: هل تعرف هذه ~~الصورة؟ # فلما رآها جوزف أبرقت أسرته وكادت تنبثق عيناه من وقبيهما وقال: ويحك! كيف لا ~~أعرف معبودتي؟ أنى لك هذا الملاك؟ ~~- هذا برهاني الذي أتمنى أن تدفع نصف حياتك ليكون لك مثله. # فضحك جوزف وقال: لقد دفعت كل حياتي يا مدام. ~~- ولم تحصل على مثل هذا؟ ~~- حصلت على أكثر منه. ~~- لا أصدق. ~~- أريك فانظري. # وأراها مجموعة الصور التي أخذها من أميليا. # فبهتت وقالت: ويحك! أنى لك ذلك؟ إنك سارق، إنك مختلس. لو كنت تعرف أن مثل هذا لا ~~ينال، لكنت تعرف قيمته. # وجعلت البارونة تقلب الصور دهشة، وكاد جوزف يسمع خفقان قلبها ms100 تحت تموجات صدرها ~~المصعد المصوب، ورأى مقلتيها تكادان تغرورقان وهي تقول: لا أصدق ! لا أصدق أن هذه التحفة ~~النفيسة تقع في يدك! # فقهقه جوزف وقال: إذن ماذا تقولين إذا أريتك هذا أيضا؟ # وأراها القلب المرصع المعلق في السلسلة الذهبية، فلما وقع نظرها عليه بغتت وبهتت ~~وبقيت نحو دقيقة تنظر فيه نظرة الأخبل، ثم قالت: ويحك! هل تعلم ما في يدك الآن؟ ~~- ماذا؟ ~~- إن في يدك لقلبي. ~~- أيهما تعنين الجماد أم الحي؟ # فتنهدت ملء صدرها وقالت: والهفتاه! كليهما أعني. # ومدت يدها وتناولت القلب من يد جوزف وهي تنتفض انتفاض العصفور بلله القطر، وقالت: ~~رباه! هل حفظت لي عهدي لكي تجدد سعادتي، إن كنت قد أثمت فذنبي في عنق غيري، اللهم ~~ارحمني واغفر لي وجدد سرور قلبي بنعمتك، إن عملك العجيب تمجيد لك ومسرة ~~لعبدتك. # وكانت هذه الصلاة القصيرة تفعم قلب جوزف وقارا وخشوعا، وكانت حينذاك لغة الصمت أفصح ~~بيانا من اللسان، وكانت المرأة خاشعة مفكرة، وجوزف يتأمل معقود اللسان، إلى أن جعلت ~~المرأة تذرف الدمعة إثر الدمعة، حتى أخذ التأثر من جوزف كل مأخذ، فقال بصوت خافت: ~~سيدتي، أخاف أن أكون السبب في إثارة شجونك فعفوا. ~~- ما أنت إلا رسول السلام لقلبي يا سيدي، فشكرا للقدر الذي جمعني بك. # فانحلت عقدة لسانه وقال: يلوح لي يا سيدتي أن لهذا القلب الذهبي تاريخا تعرفينه ~~جيدا. ~~- ربما انحصرت معرفة تاريخه بي. ~~- عجبا! والذين تناقلوه؟ ألا يعرفون تاريخه؟ ~~- قد لا يعرفون بدء تأريخه. ~~- تعنين أنه شيء أثري؟ # فتنهدت وقالت: يا له من أثر هائل! ~~- أشفق أن أستزيدك بيانا بتاريخ هذا القلب يا مدام لئلا تشتد ثورة أشجانك. ~~- لعلك تعرف شيئا من تاريخه. ~~- أعرف أنه كان في عنق أميليا. ~~- آه أميليا حشاشتي ... أوه، والهفتاه! والوعتاه! # وهطلت الدموع من عيني المرأة، فوجم جوزف وبعد قليل قالت المرأة مجهشة: وهل تعرف مع ~~من كان قبلا؟ ~~- لا، ربما كان أمانة مع رئيسة دير الراعي الصالح. ~~- أجل، وقبل ذلك كان معي، كان في عنقي تعويذة حب ووفاء، آه واحر ms101 قلباه. # فتردد جوزف في الكلام ثم قال متلجلجا: هل تريدين يا سيدتي أن تقولي أنك ... أو أن ~~أميليا ... ~~- آه أميليا ابنتي من لحمي ودمي، وقد فقدتها كل سني عمرها والآن وجدتها، آه من جور ~~من سلب مني ابنتي. ~~- إن كنت يا سيدتي تقدرين أن تثبتي أمومتك لها، فلا قوة في الكون تستطيع أن تمنع ~~ابنتك عنك. # فاجهشت المرأة ثانية وقالت: أليس من الظلم أن يضطر المرء أن يبرهن ملكيته ~~لحشاشته. # فتأثر جوزف من انفعال المرأة شديد التأثر، وأدرك أن بدء تاريخ أميليا محاط بأسرار ~~هائلة، فقال: لست وحدك يا سيدتي ذات الحق في ملكية ابنتك. # فحملقت فيه قائلة: ويحك! من شريكي في هذا الحق؟ ~~- عفوا يا سيدتي، أعني أباها، أليس لها أب الآن؟ # فذعر جوزف إذ صرخت المرأة صرخة كادت تنبه سائر من في الغرفة الأخرى من المركبة ~~وقالت: أبوها، الويل لأبيها الويل لذويها، آه واحرباه وغضباه! آه. أواه. ويلتاه! # وسردت مثل هذه المترادفات التي انتهت باغماء المرأة حتى استلقت على المقعد ضائعة ~~الصواب، فذعر جوزف إذ رآها على هذه الحالة واشتد تأثره من أمرها، وجعل يعالجها عسى ~~أن تستفيق، ولكن انفعال المرأة كان شديدا حتى كانت كمن أصيب بصرع شديد، وما فتحت ~~عينيها إلا بعد برهة طويلة، فقالت بصوت متهدج: عفوك يا حبيبي وعذرا، إن الصدمة كانت ~~هائلة. # ثم أغمضت عينيها كأن ملاك الموت يرفرف فوقها، فجزع الفتى وأمسك بذراعيها وهزها، ~~فتنهدت ملء صدرها وفتحت عينيها، فقال لها: فديتك يا حبيبتي، هل أبحث لك عن طبيب؟ ~~- لا، يكفي كأس كنياك إن استطعت. ~~- أستطيع. فمهلا دقيقة. # وخرج جوزف وقصد إلى مطعم القطار وابتاع زجاجة كنياك وعاد، وكانت دهشته عظيمة إذ لم ~~يجد السيدة ولا العلبة ولا القلب المرصع، فعض أصبعه وقال: يا لها من ممثلة ~~داهية! # ثم خرج من الغرفة كالمجنون، وجعل يطوف في القطار من أوله إلى آخره يبحث ويسأل، فلم ~~يصادف إلا أجوبة الاستهجان تارة والهزء أخرى، كانت البارونة حصاة ملح فذابت. # ربما كان جوزف أشد تغيظا لأجل ms102 القلب المرصع منه لأجل العلبة، والله أعلم. # | الفصل السابع والثلاثون # أين العصفور # ما هي إلا دقائق معدودة بعد أن كل جوزف من البحث حتى وقف القطار في محطة ستينا ~~منجر، فنزل من القطار وأسرع إلى مكان يرقب منه مخرج المحطة، حيث لا ينتبه إليه أحد، ~~وجعل يراقب الخارجين منها عسى أن يرى السيدة تخرج، وكان الركاب قليلين فخرجوا جميعا في ~~دقيقة ولم ير السيدة بينهم، فقال في نفسه: لم تزل هذه الداهية في القطار إذن، إلا إذا ~~كانت قد تجنحت وطارت قبل أن يقف القطار. # فعاد إلى القطار غاضبا، فرأى رقيب القطار يخاطب رجلا ويومئ إليه (إلى جوزف) إيماء ~~لطيفا، فتقدم إليهما وهو يرمقهمها، فترك الرجل رقيب القطار ومال إلى جوزف وحياه ~~قائلا: عفوا يا سيدي، هل أنت من الركاب؟ # فأجابه جوزف متبينا أمره: نعم. ~~- أما صادفت بين الركاب ضابطا برتبة ماجور؟ ~~- لا، مع أني رأيت كل الركاب. ~~- إن رقيب القطار يقول إنه ليس بين الركاب ضابط البتة. ~~- لعل الضابط في ثوب ملكي يا سيدي، أفلا تعرف اسمه؟ # فتردد الرجل وقال: ربما كان في ثوب ملكي، وإنما من علاماته أن معه علبة صغيرة، ربما ~~لم يكن معه غيرها. ~~- هل قال رقيب القطار إنه رأى راكبا من الركاب ذا علبة صغيرة؟ ~~- نعم قال. ~~- أين هو؟ ~~- هو أنت الذي دلني عليه، فهل تشرفني باسمك الكريم؟ ~~- بل ما هو اسم الرجل الذي تبحث عنه؟ ~~- كأنك هو؟ ~~- ربما كنت إياه. ~~- هل اسم حضرتك الماجور جوزف شندر؟ ~~- لماذا تبحث عنه؟ ~~- إذا لم تكن إياه فما الفائدة من الحديث؟ ~~- هب أني هو. ~~- إني مرسل لخفارته. ~~- من أرسلك؟ ~~- الذين أرسلوك. ~~- من أرسلني؟ ~~- الذين تركت صورتك عندهم أمس. # فخفق فؤاد جوزف وقال: من قال لك إني تركت صورتي عندهم. # فتناول الرجل صورة من جيبه وأراها لجوزف قائلا: أليست هذه صورتك؟ إن أنكرتها فهي ~~تثبت عليك ولا تقدر أن تنكر أن بيت الشعر هذا مكتوب تحتها بخط يدك. ~~- الله! كيف اتصلت إليك؟ ~~- أعطيتها علامة لتثق بي. # فهمس جوزف قائلا: ms103 هل أرسلتك البارونة؟ ~~- والإمبراطورة أيضا، فأين العلبة؟ ~~- رحماك، سرقت بحيلة شيطانية. ~~- ويحك! ~~- سرقتها امرأة داهية وأنا أبحث عنها كالمجنون. ~~- يا للدهاء! أين هي؟ ~~- لا أدري، إني واثق أنها لم تخرج من هذه المحطة؛ لأني راقبت جميع الخارجين منها فلم ~~تكن بينهم، فلم تزل في القطار إلا إذا كانت قد تجنحت وطارت منه قبل أن ~~يقف. ~~- وهل تختفي في القطار؟ ~~- لا أدري بحثت في كل غرفة فيه قبل أن يقف، فلم أجدها. ~~- هل تعرفها؟ ~~- عرفتها مرة في فينا، ولكني إلى الآن لم أعرف اسمها الحقيقي؛ لأنها توارت وراء اسم ~~جوليا هارتمان. ~~- يا لله! أين هي؟ هل فتشت في غرف مراحيض القطار؟ ~~- لا، لم يخطر لي ذلك. ~~- ولا في القاطرة، لعلها متواطئة مع من فيها وهي مخبوءة هناك. ~~- لم أبحث هناك. ~~- إذن عد إلى القطار وابق فيه وابحث في المراحيض، وأنا أذهب إلى القاطرة. راقب ~~رحبة المحطة قبل أن يسير القطار. # فدخل جوزف إلى القطار ووقف في الشباك يراقب الرحبة، وذلك الرجل أسرع إلى القاطرة وصعد ~~إليها، وعند ذلك قرع الجرس ونفخ بوق القطار، وما كاد القطار يجلو من المحطة حتى رأى ~~جوزف المرأة في صحن المحطة وقد وقع نظرها على نظره، فرفعت يدها وألاحت منديلها كأنها ~~تودعه مسافرا وهي تبتسم، فأسرع إلى باب القطار وفتحه يريد الوثوب، فرأى الرجل الذي كان ~~يخاطبه أمامه وقد نزل من القاطرة على إثر تحرك القطار، فانتهره هذا لئلا يعطب إذا وثب؛ ~~فامتنع جوزف عن الوثوب وصاح له: ويحك! تلك هي في صحن المحطة، أسرع إليها قبل أن تفلت، ~~إن العلبة في يدها. # وكان القطار قد ابتعد والرجل أسرع إلى صحن المحطة وقد لمح المرأة تخرج، ولكنه لما خرج ~~من المحطة لم ير للمرأة أثرا فضلا عن عين. # | الفصل الثامن والثلاثون # صيد العصفور # لقد صدق ظن ذلك الرجل، فإن تلك المرأة الداهية كانت مختبئة في غرفة مرحاض من مراحيض ~~القطار، ولما وقف القطار برزت من الغرفة وتلصصت على جوزف، فإذا هو في رحبة المحطة ~~وعيناه شائحتان، ms104 فعادت إلى مخبئها، ولما تحرك القطار خرجت ونزلت منه. حتى متى زايل ~~الرصيف وهي تنظر إلى شبابيكه لمحت جوزف وحيته باسمه كأنها تسخر به، ثم لمحت الرجل ~~الآخر يكلم جوزف، فأدركت أن هذا الرجل حليفه ولا بد أن يطاردها، ولا سيما إذ رأته ~~مسرعا نحوها، فأسرعت واختبأت في غرفة مرحاض المحطة إلى أن شعرت أن الرجل خرج. وبعد ~~برهة نوت أن تخرج فسمعت لغطا، فأدركت أن الرجل يسأل من في المحطة عنها، فكمنت إلى ~~أن لم تعد تسمع صوتا وهي حائرة ماذا تفعل، إلى أن مضت عدة دقائق فسمعت دوي قطار، ~~فبرزت فإذا قطار من القطارات التي تقف في كل محطة قد وصل وهو يتبع الجهة التي برح فيها ~~القطار السابق، فأسرعت إليه واختبأت فيه، ولم يكن من ينتبه إليها إلا رقيب القطار ~~وناظر المحطة؛ لأن الذين في المحطة قليلون، وما هي إلا دقائق معدودة حتى تحرك هذا ~~القطار فتنهدت الصعداء. # بقيت صاحبتنا جوليا هرتمن - أو البارونة ليوتي، أو نينا فرست، أو الكونتس ألما فورتن ~~كما عرفها القارئ بهذه الأسماء - بقيت في القطار موجسة أن يداهمها أحد، ولكن وقف القطار ~~في بضع محطات صغيرة من غير أن يتعرض لها أحد، فاطمأنت وهي تقول في نفسها: لقد نجوت ~~وظفرت. # ثم وقف القطار في محطة أودنبرج، فأطلت من شباك القطار عسى أن ترى أحدا من حلفائها ~~المنتظرين، وجعلت تنظر هنا وهناك على غير هدى، فما شعرت إلا بيد تقبض على ذراعها، ~~فالتفتت فإذا شرطي في ثوب كبتن وراءها يقول لها: هلمي يا سيدتي معي. # فجزعت وقالت: لماذا؟ ~~- باسم جلالة الإمبراطور آمرك أن تتبعيني. ~~- إني عبدة جلالته وخادمته، فأود أن أعلم لماذا؟ وإلى أين؟ ~~- عليك أن تتبعيني بلا اعتراض يا مدام، وعلي أن أقودك عنفا إذا عارضت، ومتى بلغت ~~بك إلى حيث أنت مطلوبة تعترضين وتستفهمين ما تشائين. ~~- لعلك يا سيدي تطلب غيري وعثرت علي خطأ. ~~- لا لا، وهبي الأمر كما تقولين فلا ضرر عليك إذ يطلق سراحك في الحال إذا لم ~~تكوني ms105 المرأة المقصودة. # فسخطت به قائلة: ويحك! حسبي ضررا أن يسبقني القطار، وأنا مضطرة أن أصل فيه. ~~- تنالين التعويض الذي تعينيه في الحال. ~~- إن ذلك مخالف للشريعة، وأنا واثقة أنك تقبض علي خطأ. ~~- لا إذن لي لسماع الجدال يا مدام، فإذا لم تخرجي في الحال قبل أن يتحرك القطار ~~اضطررت أن أجرك جرا ولو بهوان، فالأفضل أن تنزلي معي حالا. # ورأت صاحبتنا أن كلام الشرطي محتوم ولا مناص ولا حيلة، فانقادت صاغرة وهي تؤمل أن ترى ~~أحدا من أعوانها، ولكن خاب أملها؛ لأن الشرطي قادها إلى خارج المحطة بأسرع ما يمكن وهي ~~محتفظة بالعلبة شديد الاحتفاظ، وأدخلها إلى أوتوموبيل، فدرج بهما كالبرق الخاطف، وفي ~~دقيقتين وقف الاوتوموبيل لدى منزل صغير لكنه جميل، فأدخلها الشرطي إليه ثم أدخلها إلى ~~غرفة أنيقة الرياش بيد أنها مقفلة النوافذ؛ ولهذا كان النور فيها ضعيفا، ثم قال ~~لها: تفضلي يا سيدتي اجلسي، وبعد قليل يسمح لك أن تعترضي وتسألي ما تشائين. # وبقي الشرطي واقفا في الباب نحو دقيقة إلى أن أقبل رجل، ففسح الشرطي له السبيل ~~وانحنى أمامه بكل إجلال، فدخل. # فلما رأته البارونة ليوتي لأول وهلة ظنت أنه الرجل الذي رأته في محطة ستينا منجر ~~يخاطبه جوزف ويرشده إليها، ولكن كيف وصل إلى هنا؟ فلما جلس تبينته جيدا، فوجفت ~~قليلا ثم قالت: لا أدري سر هذه المعاملة، هل أصبح رجال البوليس قطاع طرق ~~أيضا؟ # فقال لها باسما: لماذا تقولين ذلك يا مدام؟ هل أخذ الشرطي شيئا منك؟ ~~- لا، ألا يكفي أنه أخذني عنفا من القطار وجاء بي إلى هنا؟ ~~- وهل ترين هذه الغرفة مغارة لصوص؟ ~~- ولا هي دائرة بوليس، فإن كنت متهمة ففي دائرة البوليس استجوب، وإلا فأنا في ~~مغارة لصوص وأنتم قطاع طرق. ~~- فلنر من هو اللص يا مدام، أنى لك هذه العلبة؟ ~~- قلت إني لا أجاوب إلا في دائرة البوليس. ~~- هنا دائرة البوليس الخاصة بتهمتك يا مدام، فإن كنت بريئة من اللصوصية والسرقة أو ~~الخطف فبرهني لي براءتك من سرقة هذه العلبة. ~~- يستحيل ms106 أن أقول كلمة قبل أن أعلم صفة من يستجوبني، فلا أراني في دائرة بوليس، ولا ~~في محكمة، ولا أمام ذي سلطة قانونية. ~~- إنك أمام ذي سلطة قانونية، إني صاحب الأمر والنهي، فما هو اسمك؟ ~~- اسمي البارونة ليوتي. ~~- ما شاء الله، بارونة لصة. ~~- إنك يا هذا تهينني. ~~- هل تنكرين أنك سرقت هذه العلبة من فتى كان معك في الإكسبريس الذي سبق القطار الذي ~~كنت فيه؟ سرقتها بين محطتي غرتز وستينا منجر. # فتبسمت البارونة قليلا من وراء اكمداد الغضب وقالت: عجبا! كيف تثبت أني كنت في ~~ذلك القطار؟ ~~- رأيتك بعيني قد نزلت منه. ~~- ولماذا لم تمسكني حينذاك؟ ~~- سعيت إليك فاختفيت، خرجت من المحطة فلم أجدك، فسألت عنك البوليس الذي أمام المحطة ~~فقال: إنه لم ير سيدة وحدها خرجت من المحطة بعد انصراف الناس، فعدت أبحث عنك في ~~المحطة فلم أجدك، فخفت أن تكوني قد خرجت من غير أن يلاحظك البوليس، فأوصيته أن يقبض على ~~كل امرأة تخرج من المحطة ريثما أعود، وركبت أوتوموبيلي وطفت كل ذلك الحي المجاور للمحطة ~~فلم أعثر عليك، فعدت إلى المحطة فأكد لي البوليس أنه لم تخرج سيدة وحدها من المحطة ~~قط، فرجحت أنك لم تزالي فيها مختبئة، فسألت ناظرها فأكد لي أنه رأى سيدة في يدها ~~علبة تركب القطار الذي جلا منذ دقيقتين، فركبت أوتوموبيلي وسبقت قطارك إلى هنا، وكان لي ~~الحظ بلقائك يا مدام. ~~- ونعم اللقاء، وإنما لم أكن أنتظر أن تتنازل لأن تطارد لصة وأنت صاحب الأمر ~~والنهي. ~~- إذا كانت اللصة بارونة، فيقتضي أن يطاردها أكبر من بارونة. ~~- إن عملكم هذا اعتداء على الحقوق الفردية، ومصادرة للحرية الشخصية، ومنافاة للشريعة ~~بل لإرادة جلالة الإمبراطور، لا أريد أن أناقش هنا. أريد أن أسأل في دائرة ~~البوليس. # ووقفت تريد أن تخرج، فوقف الرجل وأمسك بيدها قائلا: مكانك وإلا ... # فسخطت به: ماذا تريدون مني؟ ~~- أريد هذه العلبة. # وخطفها من يدها، وبأسرع من لمح البرق انتضت مسدسا من يدها وسددته إلى صدره ~~وقالت: اترك العلبة حالا، وتأكد أنه لا ms107 يستطيع أحد أن يبتعد بهذه العلبة عني قبل أن ~~تبتعد روحه عن جسده ، ردها حالا. # فجزع الرجل واكفهر وجهه وجلا وقال: حاذري يا امرأة أن ترتكبي جناية؛ لأنه لا ~~يستطيع أحد حتى الإمبراطور أن ينقذك من القصاص. ~~- اعلم يا هذا أني إذا ارتكبت جناية، فلا أبتغي نجاة من القصاص. ~~- أقول لك ارمي مسدسك إلى الأرض. ~~- رد العلبة إلى يدي. ~~- إنك لوقحة. # وكانت متجهة نحو الباب مخافة أن يفاجئها أحد منه، وما خطر لها أن ينقض عليها من ~~وراءها الشرطي الذي قادها؛ لأنه كان في غرفة مجاورة يسمع المناقشة، فلما سمع بذكر ~~المسدس فتح الباب الآخر من ورائها وانقض عليها وأمسك بذراعيها؛ فأطلقت المسدس، ~~فأصابت الرصاصة أعلى الجدار، وفي الحال خطف المسدس منها قبل أن تنطلق رصاصة أخرى، ~~وصرعها إلى الأرض وصفد يديها وقيد قدميها، والرجل الآخر واقف. فلما أنجز الشرطي ~~عمله، أشار إليه ذاك الرجل أن يتبعه وخرجا معا. # فجعلت البارونة تصيح وتصخب وهي تقول: إذا تركتماني هنا على هذه الحال أملأ الدنيا ~~صراخا واستصراخا. # وأما الرجل فأوعز إلى الشرطي أن يذهب بالعلبة إلى حيث أرشده، ثم عاد إليها وقال: إذا ~~بقيت تصرخين فلا تجهلين كيف أتقي صراخك. # فقالت: عار على رجلين أن يقسوا هذه القسوة على امرأة ضعفية. # | الفصل التاسع والثلاثون # دهاء العصفور على الصياد # فقال: إن التي تجرأ على أن تلعب دورا فظيعا على جلالة الإمبراطور ليست ضعيفة، بل ~~يجب أن تبقى رابضة في الحديد كل حياتها. # فجزعت البارونة وخافت العقبى الهائلة، ولكنها تجلدت وقالت بتوءدة: إني البارونة ~~ليوتي، ولي معارف من النبلاء يشهدون أني حسنة السمعة، وأني ... ~~- اعلم جيدا أن البارونة ليوتي اليوم كانت الكونتس الما فورتن بالأمس، والله أعلم ~~ماذا كانت قبل الأمس. ~~- إنك يا سيدي حاكم مستبد. هب أني كما تقول، فلماذا لا تسلمني إلى دائرة البوليس ~~والتحقيق القانوني هناك يثبت قولي أو قولك؟ ~~- إني فوق كل سلطة، فإذا كان لديك ما يبرئك من التهمة فقوليه الآن. # وكان الرجل يتمشى غاضبا فقالت له: إذا كنت ms108 يا سيدي حليما، وتمهلني حتى تسمع تاريخ ~~حياتي تثبت لك براءتي. ~~- إذا كنت لا تقرعي أذني بقصة مختلقة، فأسمع قولك، لعل في قصتك ما يفيد. ~~- إني أشكر حلمك العظيم، كنت يا سيدي ابنة لأبوين فاضلين متوسطي الحال، وكانا ~~يعنيان تمام العناية بتربيتي، وكنت في مدرسة القديسة حنة نابغة بين أترابي ... # فاختلج الرجل عند ذلك وحملق فيها واستمرت تقول: واتفق أن عظيما زار مدرستنا فتلوت ~~لديه قصيدة أعجب بها وكافأني عليها، وما لبثت أن علمت أن ذلك العظيم بي أعجب لا ~~بقصيدتي ... # فصاح بها: ويحك! هل تريدين أن تزعمي أنك ... ~~- أجل، إني ماري هوتن التي اصطفاها البرنس رودلف ولي عهد النمسا خليلة له. # فانتهرها قائلا: ويحك! ما الذي جاء بطيفك الآن من عالم الأموات، وعهدي بماري أن ~~الأوقيانوس الأتلانتيكي قد ابتلعها، يا للهول! يا للأقدار! أين كنت يا شقية؟ ~~- لقد تقمصت روحي في هذا الجسد الجديد، وعدت الآن يا برنس للدينونة، وما تقمصت ~~هذا التقمص إلا لكي يتناسى الناس وأهلي خاصة ماري هوتن التي هجرها البرنس بعد أن كانت ~~أمينة في ولائه وطائعة لأهوائه وواثقة بوفائه، ولكن واندماه! لم يدم وفاؤه أكثر مما ~~دام حملي الأليم، فهجرني في إبان توجعي. # فقال غاضبا: ولكنه زودك بكل ما يكفل راحتك وهناءك، فهل تنكرين؟ ~~- أتمننى يا سيدي براحة الجسد بعد أن سلبت راحة النفس إلى الأبد؟ ~~- كنت تعلمين أكثر مما كنت أعلم أن تلك النهاية لا بد منها ما دمت أنا وليا ~~للعهد وأنت من العامة، فلا تقدرين أن تزعمي أني خدعتك. ~~- هل كنت أعلم أني أحرم ثمرة أحشائي؟ ~~- إن ثمرة قحتك حرمتك ثمرة أحشائك، ومع ذلك فأنت تعلمين أني كنت بريئا من تهمك، ~~وأني لم أكن أعرف شيئا أكثر مما تعرفين. ~~- إذا كنت أهتم في سلامتي المستقبلة فهل أعد وقحة؟ ~~- لقد وعدتك بضمانتها، فلم تثقي بوعدي. ~~- سرعان ما علمت قيمة وعودك وعهودك. ~~- صه يا فتاة، بماذا وعدتك وعاهدتك؟ ~~- هل نسيت أنك وعدت ألا تتركني حتى ولو تزوجت؟ ~~- لم تصبري حتى تعلمي إن كنت ms109 أبر بوعدي، بل عمدت إلى الصخب والجلبة حول اسمي فجنيت ~~ثمرة ثرثرتك. ~~- كنت تريد أن أكون عبدة لك أو آلة صماء في يدك ... وهنا ذرفت دموعها وهي تقول مجهشة: ~~فلا بدع أن تثقل يدي ورجلي بالحديد الآن، هذا جزاء التي خسرت مستقبلها في سبيل الحرص ~~على راحتك، هذا جزاء التي أوهمت العالم أنها غرقت مع غرقى الباخرة داكوتا التي كانت ~~مسافرة إلى أميركا، لكي يطمئن قلبك وقلب أبويك وذويك ولا يتهموك بالزيغان عن رغائبهم ~~لأجلي، هذا جزاء التي خسرت عطف أهلها وحنانهم ورحمتهم، وأخيرا خسرت اسمهم في سبيل ~~تضحيتها نفسها لك. # فتأثر البرنس شديد التأثر لكلامها وحل الصفادة عن يدها والقيد عن قدميها، وقال: ~~والله لولا مخافة نارك ما توقيت شرك بهذا الحديد، وإذا كنت قد قلت من فمك أنك عدت ~~إلى هذا العالم لأجل الدينونة، أفما أكون معذورا إذا أوجست منك وحسبت حساب ~~شرك. ~~- لم أتعرض لك، بل أنت اعترضت في سبيلي. ~~- إذن ما الذي دعاك إلى اختلاس العلبة يا شقية؟ ~~- هل ينكر علي أن أتجند في حرب أعدائي للانتقام ممن ظلموني؟ فما اكتفوا بأن ~~حرموني إياك حتى حرموني ابنتي، آه من القساة، آه من الظلمة. ~~- ألهذا إذن لعبت ذلك الدور الفظيع على أمي الإمبراطورة؟ ~~- أجل؛ ولهذا ألعب هذا الدور الهائل أيضا على البارونة برجن التي تنكر على ~~الإمبراطور علاقته مع كاترين شراط التي أنكرت على البرنس علاقته مع ماري هوتن، ولكنها ~~لا تنكر الآن علاقته مع ابنة أخيها البارونة فتسيرا. الإمبراطور ملوم في حب كاترين؛ ~~لأنه زوج امرأة، والبرنس ملوم الآن في حب ماري فتسيرا؛ لأنه زوج امرأة، ولكنه لم يكن ~~ملوما في حب ماري هوتن؛ إذ لم يكن مقيدا بعهد مع زوجة، ما زلت أشفق أن يتصل بك ~~أذى يا برنس فلم أتعرض لك، مع أني عشت على مقربة منك 12 سنة، وعشت عيشة المرأة ~~العمومية بسببك، ولعلك رأيتني غير مرة في مراسح تريستا، وربما حدثتك نفسك بأن تغازلني ~~وتحتظيني وأنت لا تدري أنك تغازل محظيتك الأولى، ms110 ولكني ابتعدت عنك حرصا على راحتك، مع ~~أنه كان في وسعي أن ألعب عليك دورا هائلا فظيعا جدا. # فرق لها البرنس وقال: إني أقدر تصرفك هذا في الماضي قدره يا ماري، ولا أبخل ~~بسعادتك في المستقبل يوم أكون أتم حرية وأعلى سلطانا، فصبرا يا ماري صبرا، وإنما ~~أرجو أن تبعدي من طريق المكايد التي تكاد الآن في البلاط. ~~- أبتعد، أفعل كل ما تأمرني به. اللهم إذا كنت تجدد عهدك، ولا أبتغي منك عربونا ~~على تجديد عهدك إلا أن تضع ابنتي في حجري. ~~- ابنتك؟ ~~- نعم، ابنتي ابنتك. ~~- هل خرفت؟ من يستطيع أن يرد الأموات إلى عالم الأحياء؟ ~~- إن الذي ردني من قعر الأوقانيوس الأتلانتيكي إلى بلاد النمسا يقدر أن يرد ~~ابنتي إلي. ~~- أما أنت فمكرك ردك، وأما ابنتنا ... ~~- فمكرك أيضا يردها. ~~- كأنك تجهلين أو لا تثقين أنها ماتت في الثانية من عمرها. ~~- كأنك تجهل أو تتجاهل أنها لم تمت، فيا للمكر! ~~- ويحك! ماذا تقولين؟ ~~- أثق بما أقول. ~~- بماذا تثقين؟ ~~- أثق أن ابنتنا لم تزل حية ترزق، وقد صارت صبية جميلة تحت رعايتك. ~~- أحلف لك بعنقي وشرفي وبتاجي العتيد أني أجهل ذلك، ولا أصدق بما تقولين. ~~- يا لله! أحقيق أنك تجهل الحقائق في بيت مدام فرنر في شارع فرنز؟ ~~- في بيت مدام فرنر؟ ~~- نعم، ألم تر أميليا؟ # فانتفض البرنس وقال: أميليا؟ ~~- أجل، أميليا، ألا تعلم أنها ابنتنا؟ # فبهت أشد بهتة، وصمت كالأخبل الأبله، وبعد هنيهة قال: ويحك! كدت أعلق الفتاة، كدت ~~أغرم بها؛ لأنها شعلة ذكاء وشعاعة جمال. ~~- لا عجب أن تعجب بابنتك. ~~- إنك يا ماري تمكرين. ~~- لست أمكر، لماذا تذهب أنت إلى هناك؟ ~~- أذهب لأن المنزل ملتقى لبعض أهل البلاط في غير المظاهر الرسمية. ~~- ولماذا يكون ذلك المنزل كذلك؟ ~~- لأن الفتاة وأمها أو مربيتها ممن تعطف عليهم البارونة برجن لعلة قديمة. ~~- أجل والإمبراطورة تنفق على ذلك البيت لأجل هذه العلة القديمة السرية. إن ~~الإمبراطورة امرأة فاضلة لم تشأ أن يكون مستقبل حفيدتها غير الشرعية تعسا، فعنيت ~~بتربيتها من وراء البارونة برجن. ms111 ~~- يا لله! أحقيقة ما تقولين يا ماري؟ ~~- أجل، إني علمت كل مكايد البارونة منذ جعلت تعمل على اغتيالي إلى أن أخفت ابنتي ~~عني، حتى لا تكون حجتي وذريعتي ووسيلتي إليك، إلى أن ادعت موتها لكي تموت تلك الحجة ~~والوسيلة. ~~- كأنك تكلمينني في حلم يا ماري. ~~- بل في اليقظة، وأنت في ملء بصيرتك وبصرك، انظر هذه الصورة. # وتناولت من صدرها صورة أميليا وأرته إياها، فقال: أجل، هذه صورة الفتاة ~~أميليا. ~~- ولا تقول إنها صورة ابنتك! انظر القلب المرصع المعلق في عنقها، ما أظهر ~~شكله. ~~- أراه جيدا. ~~- ألا تذكر أنك علقته بيدك في صدرها على إثر ولادتها. ~~- أذكر ولم أنس. ~~- هذا هو. # وتناولت من صدرها ذلك القلب ودفعته إليه قائلة: تأمله جيدا. # فتأمله ثم قال: عجبا! إني لم أره في صدر الفتاة ولا مرة. ~~- بالطبع لا تراه إذا كانت البارونة برجن لا تريد أن تعرف أن أميليا ابنتك، فهي توصي ~~الفتاة أن تنزعه من عنقها حين تستقبلك. # فقبل البرنس القلب ثم قبل الصورة وقال: واحناناه! واحنواه! واعطفتاه! سأجعلك يا ~~أميليا سعيدة وأنت ثمرة الحب الأول. ~~- إذن تعترف بحقي أن أملك ابنتي. ~~- لا أضن عليك بهذا الحق يا ماري، وإنما أرجو منك الصبر والإمهال. # فتنهدت المرأة وقالت: واحر قلباه، لم يبق في قوس الصبر منزع يا برنس، أخاف أن تكون ~~وعودك الآن كوعودك الماضية. ~~- لا لا، سترين. # فتدللت عليه قائلة: إذن قبلني قبلة جديدة يا فريدريك، وطمئني أنك ستكون لي في ~~المستقبل كما كنت في الماضي. ~~- مه، هل نسيت أني زوج امرأة فاضلة الآن؟ # فأجفلت قائلة: لا لم أنس، ولم أنس أيضا أن البارونة ماري فتسيرا تقاسم زوجتك ~~عشرتك أيضا. ~~- ابتعدي عن هذا الموضوع يا ماري، فما علاقتي بالبارونة فتسيرا إلا علاقة علم ~~وأدب. # فتبسمت له سائلة: ولا تنكر يا برنس أن لها نصيبا من قلبك كنصيب زوجتك. ~~- ربما كان لها ذلك جزاء علمها وأدبها. ~~- ترى ما هو نصيبي منك يا برنس؟ ~~- لك نصيب تعرفينه يا ماري وستحققه لك الأيام المقبلة، فلا تتسرعي، ms112 دعيني الآن في ~~مشاغلي. # فانكمشت المرأة إذ شعرت أن البرنس يعدها لكي يسكتها فقط وقالت: لقد انتهت مشاغلك منذ ~~صباح اليوم يا برنس. # فأجفل وحملق فيها قائلا: ماذا تعنين؟ ~~- أعلم أن مشاغلك محصورة في البارونة فتسيرا. ~~- أجل. ~~- البارونة نفيت اليوم نفيا أبديا من كل النمسا، وحرم عليكما أن تجتمعا حتى ~~في الحلم بعد الآن. # فامتقع البرنس وقال: تكذبين. ~~- هذه هي البينة الساطعة لصدق قولي يا برنس. # ودفعت إليه أمر الإمبراطور بنفي البارونة فتسيرا وقالت: اقرأ أمر الإمبراطور وشاهد ~~بعينك إمضاء البارونة فتسيرا عليه الدال على أنها اطلعت عليه ونفذته. # فانتفض البرنس نفضة المصروع وصاح بها: ويحك! إنها لمكيدة هائلة يا شيطانة. ~~- لا تسخط بي، إني بريئة. ~~- كيف وصلت يدك إلى هذا الأمر الهائل؟ ~~- المقادير يا برنس، المقادير. ~~- والمكيدة يا شقية؟ ~~- المكيدة مكيدة ماري فتسيرا نفسها، إن الإمبراطور ينقم على كل من يشترك في مكيدة ~~ضده، ومتى صرت إمبراطورا تفعل كذلك. ~~- وماري؟ ~~- برحت فينا قبل الظهر، ولا أظنها تقف إلا في أميركا الجنوبية، أو في الصين، أو في ~~الهند. # فاشتد غضب البرنس ولطم صدغيه بكفيه، وصاح: الويل للعاتي الظالم، الويل ~~للباغي. # واشتد انفعاله حتى انقلب مغمى عليه. # | الفصل الأربعون # مطاردة # كانت الساعة الرابعة بعد الظهر حين وصل قطار قادم من نيوستاد إلى أودنبرج، فنزل منه ~~فون درفلت، وما صار في صحن المحطة حتى التقى بالبارونة ليوتي، فقال لها: لقد أخذت ~~تلغرافك الذي أرسلته من سينا منجر وفهمت منه أنك نجحت، فأسرعت لكي ألاقيك في نيوستاد ~~فلم أجدك في القطار الذي انتظرت أن تكوني فيه، وسألت عنك تلفونيا في فينا فعلمت أنك ~~لم تصلي بعد، فخفت أن يكون قد طرأ لك طارئ، فجئت إلى هنا. ~~- أجل، لقد طرأ الطارئ. ~~- ويحك أين العلبة؟ ~~- اغتصبها مني مغتصب، أخذني شرطي برتبة كبتن قسرا وعنفا من القطار الذي كنت ~~تنتظرني فيه في هذه المحطة، وقادني إلى منزل كان ولي العهد ينتظرني فيه، فأخذ العلبة ~~مني وأرسلها مع ذلك الشرطي ولم يطلق البرنس سراحي إلا الآن. ~~- أين ms113 ذهب ذلك الشرطي؟ ~~- ركب أوتوموبيلا، ولا بد أن يكون قد أصبح في فينا الآن أو على أبوابها. ~~- هل أنت واثقة أنه ذهب في أوتوموبيل؟ ~~- لا شك عندي بذلك؛ لأنه قادني إلى ذلك المنزل بأتوموبيل، وبعد ما سلمه البرنس ~~العلبة سمعت دوي الأوتوموبيل وهو يفارق ذلك المنزل. ~~- ويحك! هل عدمت حيلة للتخلص؟ ~~- هل تنتظر من امرأة أن تقوى على رجلين ذوي سلطة؟ ~~- لا أدري ماذا أقول لك، أما استطعت أن تلعبي دورا على البرنس الفيلسوف ~~الساذج؟ ~~- قضي الأمر قبل أن أتمكن من الدهاء على البرنس. ~~- ففكر فون درفلت هنيهة ثم قال: عليك أن تنتظري في المحطة القطار الذي يصل الساعة ~~الخامسة قاصدا إلى فينا فتذهبين فيه، ويغلب أن تري فيه الكولونل هان فرنر فانتظراني أو ~~انتظرا تلفونا مني في محطة نيوستاد. ~~••• # نعود إلى الكبتن ملن الذي استلم العلبة من البرنس رودلف، فإنه ركب الأوتوموبيل قاصدا ~~إلى فينا، وما هي إلا ساعة من الزمن حتى وصل إلى النهر الذي يمر بنيوستاد، وهو رافد من ~~الروافد التي تصب في نهر الدانوب، فرأى الجسر الذي يعبر عليه منسوفا والناس حوله من ~~هنا وهناك وهم يلغطون، فسأل عن سبب نسفه؟ فقيل له إن بعض الأشرار نسفوه لغرض مجهول ~~وفروا، فأدرك أن نسف الجسر كان بدسيسة من الخصوم. # فحار الكبتن ماذا يفعل إذ لا جسر يعبر عليه من ذلك الطريق غير ذلك الجسر، ففكر ~~مليا، ثم خطر له خاطر فلجأ إلى خان قريب أودع فيه أوتوموبيله، وتأبط العلبة وعاد ~~إلى ضفة النهر واستأجر زورقا من الزوارق التي تستأجر لعبور النهر وركب فيه وهو طامع ~~بأن يستأجر أوتوموبيلا من نيوستاد، ولكنه ما لبث أن رأى ضابطين يتمشيان على ضفة النهر ~~الأخرى، فأوجس منهما وأشار إلى صاحب الزورق أن ينحرف به نازلا مع مجرى النهر إلى مكان ~~بعيد، ولكن صاحب الزورق لم يصخ إلى كلامه، فأدرك أن هناك مكيدة ضده، ولطالما حذره ~~البرنس من كيد الكائدين، فانتهر الزورقي فلم يعبأ بانتهاره، فما كان منه إلا أن قبض ~~عليه ms114 بسرعة ورماه إلى النهر، وجذب الزورق بنفسه مبتعدا عن الشاطئ، فأسرع بعض الزورقيين ~~إليه وهم يتوعدونه، ولكنه ما زال مسابقا لهم إلى أن أصبح بالقرب من الجسر الخاص بالسكة ~~الحديدية، وكان أولئك الزوارقة قد أوشكوا أن يدركوه، فوثب من الزورق إلى الشاطئ الأول ~~الذي كان قد تركه وصعد إلى الصقالة، فتحداه الزوارقة يريدون القبض عليه، فوثب إلى اليبس ~~وأطلق لساقيه العنان، وأسرع إلى حيث كان أوتوموبيله فاستقله، ودرج به عائدا في الطريق ~~الذي جاء منه. # وما زال سائرا حتى قارب أودنبرج على بعد بضعة أميال منها، وفيما هو ينعطف في منحنى ~~إذ التقى فجأة بأوتوموبيل قادم عليه ورأى فيه رجلا بثوب ملكي وضابطا، فلوى ~~لأوتوموبيله العنان وكان الأوتوموبيل الآخر قد أصبح على بعد 20 مترا منه، فسمع أحد ~~الاثنين يصيح به أن يتوقف، فلم يعبأ بل استمر سائرا، ولكن الأوتوموبيل الآخر كاد ~~يدركه وأصبح على قيد بضعة أمتار منه، فصاح به الضابط أن يتوقف، فالتفت إليه قائلا: إني ~~مأمور أن أستمر في سبيلي ولا أصيخ لأمر أحد. # فصاح الضابط: إني بصفتي أعلى منك في الرتبة العسكرية آمرك أن تتوقف، وإلا عوقبت ~~عقابا شديدا. ~~- إن الذي أمرني ليس فوق سلطته سلطة، وهو يجاوب عني عند المحاكمة. # فأجابه الضابط: وإني مأمور من أعلى سلطة أن أستوقفك مهما كان آمرك عظيما. ~~- لن أتوقف. ~~- إذا لم تتوقف فإني مأمور بإطلاق الرصاص عليك. ~~- فلم يصخ الكبتن له بل زاد سرعة أوتوموبيله، ولكن إلى أين؟ من الرمضاء إلى النار، ~~من هؤلاء إلى الجسر المنسوف، وكان إلى يمينه فرع طريق يؤدي إلى مدينة راب فعطف إليه، ~~وعند ذلك دوى الرصاص فوق رأسه، فانحنى حتى أصبح مصونا بقفا الأوتوموبيل، فدوت بضع ~~رصاصات فوق رأسه، ثم لم يعد يسمع لا دوي الرصاص ولا دوي الأوتوموبيل، فالتفت إلى ~~ورائه فإذا الأوتوموبيل الذي يطارده قد توقف عند المنحنى كأن عارضا عرض له، فاطمأن ~~قليلا ولكنه ما لبث أن رأى الأوتوموبيل الآخر يتبعه عن بعد، فجد بملء سرعة ~~أوتوموبيله، على أنه خاف ms115 أن يدركه مطارداه، ففكر أن يجد مهربا، وإذا بفارس مقبل ~~عليه فتوقف عنده واستوقفه وقال له: إني مضطر يا هذا بأن أستخدم حصانك نصف ساعة فقط، ~~وأترك هذا الأوتوموبيل في عهدتك إلى أن أعود. # فأجابه الرجل: إني مستعجل في طريقي. # فقال: باسم جلالة الإمبراطور آمرك أن تطاوعني؛ لأني مأمور بالإسراع للقبض على جان، ~~فإذا لم ترعو قبضت عليك باعتبار أنك الجاني. # فهاب الفارس الأمر وترجل عن حصانه، فامتطاه الكبتن ولوى عنانه عن طريق ~~الأوتوموبيلات إلى طريق ضيق مطروق، وبلغ مطارداه إلى تلك النقطة حتى أصبح بعيدا عنهما، ~~فلا أوتوموبيلهما يستطيع اللحاق به، ولا سوقهما تستطيع أن تطارد حصانا. على أن الرجل ~~الفارس أخبرهما أن الطريق الذي سار الشارد فيه يؤدي إلى قرية صغيرة وراء الرابية ~~تدعى «شتل». # فبقي أحدهما وهو فون درفلت في أوتوموبيل يراقب الطريق لئلا يعود الكبتن إليه، والآخر ~~وهو الكولونل فرسن الذي اصطحبه فون درفلت من أودنبرج ركب الأوتوموبيل الآخر واصطحب معه ~~صاحب الحصان إلى قريته، وهي قريبة حيث استعان به على استئجار حصان وقصد إلى قرية شتل، ~~وبحث عنه هناك فقيل له أنهم رأوا فارسا يجد المسير إلى مدينة أودنبرج. # فعاد إلى حيث كان ينتظره فون درفلت وركبا الأوتوموبيلين قاصدين إلى أودنبرج، ولما ~~بلغا إليها وبحثا علما أن الكبتن ركب قطار المساء إلى نيوستاد، فعادا بأوتوموبيل إلى ~~نيوستاد بعد أن تلفن فون درفلت إلى أعوانه أن يستوقفوا الكبتن فيها حال وصول ~~القطار. # | الفصل الحادي والأربعون # ساعة الدينونة # منذ الساعة الثامنة شرع المدعوون إلى الحفلة يتوافدون إلى القصر الامبراطوري الفخم، ~~والقصر كأنه شعلة نور، وقد اشتغل المزينون أسبوعا كاملا في تزيينه، فظهر في حلة من ~~الزينة والزخرف لم يسبق له مثلها منذ زواج الإمبراطور. # وكان حديث بعض الناس المتهامسين: ترى هل تظهر الإمبراطورة بالحلي النفيسة النادرة ~~المثال؟ وإذا لم تظهر بها فماذا يكون من سجن بعض المدعوين من الحزب المشاغب؟ # أما الإمبراطور فكان لا يزال في غرفته الخاصة بحجة أنه لا يزال يرتدي ثوبه اللائق، ~~ولكنه كان ms116 كل دقيقة يسأل عن فون درفلت وليس من يأتيه بخبر، وكان آخر الأخبار عنه أنه ~~وصل إلي نيوستاد ولم يعلم ماذا كان من أمره فيها. # فخامره قلق ثم دخل إلى حجرة الإمبراطورة، فإذا هي في ثوب الحفلة ولكنها بلا حلي، فلم ~~يستطع ان يكتم غيظه فقال: ماذا تنتظرين يا إليصابات؟ ~~- أنتظر أوامرك يا صاحب الجلالة. ~~- عندي أن تتحلى بحلاك الخاصة في الفصل الأول من الحفلة، وفي الفصل الثاني تظهرين ~~بالحلي المنتظرة. ~~- ليكن ما تريد يا مولاي، ولكن بماذا تستطيع أن تتلافى استهجان القوم وهم ينتظرون ~~أن يروا منذ الآن الحلي نفسها التي رأوها في الملعب، ولا يهمهم أن يروا غيرها في الفصل ~~الثاني؟ # فتأفف الإمبراطور وقال: ولكنها متأخرة. ~~- ننتظر. ~~- وهؤلاء المشاغبون لا ينتظرون، أليس من نكد الدنيا أن يضطر المرء أن يكون في بيته ~~مداريا لعبيده؟ ~~- إن صاحب الحق يا مولاي سيدا كان أو عبدا لا يضطر أن يداري أحدا. # فبتر الإمبراطور الحديث وخرج إلى حجرته غاضبا، فوجد وزيره ينتظر لدى بابها، فقال له: ~~ما وراءك يا تسزا؟ ~~- القوم يلغطون يا مولاي، وقد استبطئوا جلالتك وجلالة الإمبراطورة. ~~- عد وأعلن قدومي بعد قليل. ~~- وجلالتها؟ ~~- لن تتأخر كثيرا عني. # ثم سأل الإمبراطور سكرتيره الأول فون هلر عن فون درفلت، فقال: إن آخر أخباره يا ~~مولاي يدل على أنه لم يبرح نيوستاد بعد؛ لأنه لم يتوفق التوفيق المنتظر. # فاشتد غضبه جدا وقال: ويل للكائدين، ماذا تعني أنه لم يتوفق التوفيق المنتظر؟ قل ~~بالصراحة ماذا ورد من أخباره؟ ~~- إن اللص المحتال وصل إلى نيوستاد بعد مطاردة طويلة واختفى فيها، وآخر الأخبار ~~أنهم استدلوا على وجوده في دير الراهبات العازريات. ~~- عجبا! وإلى الآن لم يقبضوا عليه؟ ~~- لا يخرج بل يتهدد بالرصاص كل من يقبل عليه، ولا يدع الراهبات يخرجن من رحبة ~~الدير مخافة أن ينسفوا الدير به، فكأنه يحفظ الراهبات رهائن! ~~- يا لله! لا بد أن تكون نيوستاد قائمة قاعدة الآن لأجل ذلك، ولطالما أوصيت فون درفلت ~~الغبي أن يتجنب الشغب والضوضاء حول هذه المسألة. ms117 ~~- إن فون درفلت يا مولاي لحكيم جدا، وهو يستخدم الحيلة في كل أعماله، ولولا تحاشيه ~~الضوضاء والجلبة لما عجز عن القبض على ذلك الشقي. ~~- أين ولي العهد، ألم يأت بعد؟ ~~- كلا يا مولاي، ولا ظهر في القصر إلى الآن، والبرنسس زوجته قلقة جدا. ~~- عجبا! عجبا! # عند ذلك أطل الوزير تسزا وقال: مولاي إن تأخر جلالتكم دقيقة أخرى غير محمود العقبى، ~~إن بعض المشاغبين شرعوا يغلظون ويتقولون. ~~- ها أنا قادم، أعلن دخولي إلى البهو يا فون هتلر. # ثم مشى الإمبراطور إلى البهو وهو يجاهد في إخفاء اضطرابه، وتقدمه الفون هتلر وصاح ~~بملء صوته: جلالة الإمبراطور. # وساد السكوت في البهو لحظة، ولكنه سمع من يهمس قائلا: «وجلالة الإمبراطورة!» # ثم دخل الإمبراطور وطاف بين الجمع والفون هتلر يقدم له بعض من يكون في سبيله، وما ~~هي إلا لحظة حتى التقى بالفون فرغتن، فانحنى له هذا بكل إجلال، فتعمل الإمبراطور ~~الابتسام له قائلا: عسى أن تكون مسرورا يا فون فرغتن ببهاء هذه الحفلة. ~~- ليعش جلالة الإمبراطور، إن الحفلة لبهية باهرة، وإنما ينقصها بهاء تشريف جلالة ~~الإمبراطورة. ~~- إن جلالتها تعبت من إتقان التبرج، فشاءت أن ترتاح قليلا قبل أن تدخل إلى البهو لكي ~~تسترد قوتها ونشاطها وبهجتها. ~~- لا بدع أن تتعب جلالتها من ثقل الحلي النفيسة التي ستقر بها عيون شعبها ~~الليلة. # فلم يستطع الإمبراطور أن يتمالك غيظه، فتركه وأشغل نفسه بغيره، على أنه ما لبث أن صار ~~يسمع من اللاغطين تهامسهم: «أين الإمبراطورة؟ الحلي لم تصل. الحلي مفقودة.» فلم يعد ~~يستطيع صبرا ولا كظما لغيظه، فخرج من البهو ودخل إلى غرفة الإمبراطورة، فرأى البارونة ~~برجن واقفة بين يدي جلالة الإمبراطور، فاشتد تغيظه ولم يستطع السكوت فقال: هل وصلت ~~الحلي؟ # فقالت الإمبراطورة: تسألني يا مولاي؟ ~~- بل اسأل وصيفتك البارونة برجن. # فاكفهرت البارونة قليلا وقالت: كيف أدري يا مولاي؟ ~~- كيف تدرين؟ هل تنكرين أنك احتلت حيلة هائلة حتى حصلت على الأمر بطلب ~~الحلي؟ ~~- عفو مولاي، لم أحتل قط. # فسخط بها قائلا: عجبا! أما أخذت الأمر من ms118 رئيسة دير الراعي الصالح؟ ~~- لا أنكر أني أخذته منها. ~~- ما شأنك حتى تأخذيه؟ ~~- كنت يا مولاي بالصدفة زائرة لها، فورد لها كتاب من جلالتكم، ولما لم تفهم المقصود ~~منه عرضته علي لكي أفسره لها، فقلت لها إني أعود إلى جلالتكم به. ~~- حسنا، ولكنك لم تأت به إلي. ~~- ذلك لأني فهمت أنه أمر لشخص آخر، وقد أرسل خطأ إلى رئيسة الدير، ولكي لا يفوت ~~الوقت أرسلته إلى من قصدتم جلالتكم أن يرسل إليه مع رسول لا يقل طاعة وأمانة ~~لجلالتكم عن الرسول الأول. # فقدح الشرر من عيني الإمبراطور وقال: أصبحت الإمبراطور الأول في البلاط تمضين وتقضين ~~وتأمرين! ~~- كلا يا مولاي، بل أنا منفذة أمر جلالتكم. # وكاد الإمبراطور يرتجف من الحنق فقال: حسنا، وأين رسولك الطائع الأمين الآن؟ ~~- إن أهل المكايد والدسائس في البلاط راموا يا مولاي أن يشوهوا أمانته ويقاوموا ~~طاعته، فجعلوا يطاردونه من مكان إلى مكان، وهو لا يسلم الأمانة إلا بعد تسليم روحه، ~~فما الذنب ذنبه ولا ذنبي يا مولاي، وإنما هو ذنب ذوي المكايد في هذا البلاط. ~~- صه. مه. لا أعرف كائدا ودساسا في البلاط سواك. ~~- ربما كنت كما تقول جلالتكم. ~~- إذن تعترفين! ~~- إذا كان جلالة الإمبراطور يغمض جفنه عن الدسائس التي تدس والمكايد التي تكاد ~~ضد الإمبراطورة، فلا حيلة لوقاية جلالتها من هذه المكايد والدسائس إلا بمكائد ودسائس ~~مثلها. ~~- صمتا، لا أحد يجسر أن يكيد لجلالتها. ~~- إن الذين يطاردون الآن الرسول الأمين هم أنفسهم الذين كادوا لجلالتها تلك المكيدة ~~الفظيعة التي سيقت بها جلالتها إلى دائرة البوليس كمجرمة، وهم أصحاب الحول والطول في ~~البلاط الآن. ~~- ويحك ماذا تقولين! ~~- أقول يا مولاي إن المدعوة البارونة ليوتي التي تستأمن على أسرار جلالتكم هي نفسها ~~الكونتيس ألما فورتن التي خدعت جلالتها وقادتها إلى المكان الدنس، وهي نفسها نينا فرون ~~الممثلة وزميلة كاترين. ~~- صه. وما شأن نينا هذه بالبلاط؟ ~~- هي يا مولاي صديقة الفون درفلت وشريكته في المكائد. # فتجهم الإمبراطور وانقلبت سحنته وقال: ويحك يا امرأة! غدا تستجوبين عن كل هذه ms119 ~~الأقوال، وغدا أقيم ميزان الدينونة، وغدا أعاقب كل ذي مكيدة شر عقاب. ~~- إن غدا ليوم سعيد في تاريخ البلاط يا مولاي؛ إذ يتطهر البلاط فيه من أهل المكر ~~والخديعة، وتستقل جلالة الملكة في عرشها. فأهلا بالغد. # عند ذلك وافت إحدى الوصيفات تقول: إن الوزير تسزا يرجو الامتثال لدى جلالة الإمبراطور ~~في الحال. # فاستقبله الإمبراطور في غرفته، فقال الوزير: إن الجمع ضج من غياب جلالتكم ومن تأخر ~~جلالتها. # فسخط به الإمبراطور قائلا: ويحك! هل انعقد لسانك؟ أليس لك منطق يسكت الجمع؟ ~~- إن ظهور جلالتكم في البهو لأفصح من منطقي يا مولاي. # فذهب الإمبراطور إلى البهو ووقف في وسطه، فسكت الجمع في الحال، فقال الإمبراطور: إن ~~جلالة الملكة تشعر بصداع شديد وقد أصابها إغماء، وذلك نتيجة الجهد في الاستعداد لهذه ~~الحفلة، وليس في وسعها أن تحضرها. # فسرى في القوم همس كأنه الريح في الغابة، فحواه «ذلك القول إفك وبهتان»، فأتم ~~الإمبراطور كلامه بقوله: «الآن، وستبذل جهدها في أن تظهر في الحفلة ولو دقائق قليلة إن ~~استطاعت.» # فسمع من ورائه من يقول: تستطيع إذا شاءت. # فلم يستطع الإمبراطور أن يكتم غيظه فاستمر يقول: وإذا لم تستطع، فتلتمس من شعبها ~~المحبوب عذرا وتعد أن تقيم حفلة أخرى. # عند ذلك وقعت عينه على فون درفلت مطلا من باب البهو الداخلي الذي وفد منه ~~الإمبراطور أولا، ورأى في وجهه إشراقا، وفي عينيه غمزة، فاستتم خطابه قائلا: على أني ~~أثق أن جلالتها ستنتعش حالا وتبتهج بمرأى شعبها المخلص. # فدوى المكان بالتصفيق الحاد، وعلى إثره خرج الإمبراطور من البهو توا إلى غرفته ~~الخاصة، فرأى العلبة بين يدي فون درفلت وهو متهلل. # | الفصل الثاني والأربعون # الضربة القاضية # فقال الإمبراطور مستبشرا: تأخرت يا فلت. ~~- ولكني والحمد لله نجحت يا صاحب الجلالة. ~~- افتحها يا فلت لنقدم الحلي لجلالة الإمبراطورة. ~~- المفتاح لم يزل مع ذلك المحتال الأول الذي اختفى خبره. ~~- اكسرها إذن وهات الحلي التي فيها. # فأعمل فون درفلت مدية في العلبة، وبعد الجهد الجهيد انخلع الغطاء، وكانت دهشتهما ~~عظيمة إذ لم ms120 يجدا فيها حلى البتة، بل بعض أدوات معدنية مختلفة تشغل مكان الحلي. # فاكفهر فون درفلت ، وصاح الإمبراطور: الويل لكم أيها الأشرار. هل بلغت الوقاحة منكم أن ~~تلعبوا أدواركم علي أيضا؟ غدا يوم الدينونة. # فجعل فون درفلت ينتفض فرقا وقال: مولاي إذا أمرتم جلالتكم بالقبض على البارونة برجن ~~الآن، فإني أستطيع أن أجد الحلي في مخبئها. # الويح لك ولها. ادعها إلي الآن حالا. # فخرج فون درفلت يبحث عن البارونة، وبقي الإمبراطور ينتفض غضبا ويرتجف حنقا. ~~••• # نعود إلى البهو. فبعد أن خرج الإمبراطور منه عاد اللغط بين الجمع بسرعة، وما زالت ~~الجلبة ترتفع حتى تشجع بعض المتطرفين ووقف على كرسي وصاح بالجمع: سمعا أيها ~~السادة. # فسكت الجمهور سكوتا مطلقا ثم قال: إن ما ظهر لنا في هذه الحفلة الليلة حتى الآن يدل ~~على أن الشعب لم يزل ألعوبة في أيدي ذوي السلطة. # فصاح بعض الحضور من حزب الإمبراطور: اصمت وانزل وإلا قبض عليك بتهمة التحريض على ~~الثورة. # فدوى البهو بشبه ضجة كادت تنتهي باضطراب فظيع، لو لم يظهر الوزير تسزا في باب البهو ~~ويصيح ملء شدقيه: يا قوم سمعا. يا قوم إصغاء. # فسكت الجمع فقال: بكل أسف وبحزن شديد أنعي إليكم أميرنا المحبوب المأسوف عليه البرنس ~~رودلف ولي العهد، وغدا صباحا ينشر تفصيل وفاته، عزى الله الأسرة المالكة الجليلة ~~بكم وبسائر الشعب. # فسكت الحضور وسكنوا كأن على رءوسهم الطير، ثم جعلوا يتهامسون بشأن هذا الخطب ~~المفاجئ. ~~••• # في إبان سخط الإمبراطور وشدة غيظه، دخل عليه كاتب سكرتيره فون هتلر وقال: مولاي بكل ~~أسف وبحزن شديد ألقي بين يديكم هذا التلغراف. # فاستغرب الإمبراطور كلام سكرتيره وتناول التلغراف بيد مرتفجة وتلا: # من دائرة بوليس أودنبرج # سعادة فون هتلر # بكل أسف وحزن شديد أبلغ سعادتكم أننا عثرنا على سمو البرنس رودلف ولي العهد ~~المحبوب قتيلا في الصرح الذي اعتاد سموه أن ينزل فيه، ووجدنا إلى جانبه مسدسا ~~وأمرا إمبراطوريا بنفي البارونة فتسيرا، وقد استجوبنا الخادم القائم على ~~حراسة الصرح فقال: إن سمو البرنس جاء إلى الصرح ms121 الظهر، وأمره بأن يذهب ولا يعود ~~حتى المساء إلى الصرح، ولما عاد في المساء وجد سيده على هذه الحالة المفجعة، ~~فأسرع وأنذرنا. لا أدري يا سيدي كيف ترفعون خبر هذه الفاجعة إلى جلالة ~~الإمبراطور والإمبراطورة، غدا صباحا نرفع إليكم تفاصيل التحقيق. # مدير بوليس أودنبرج # فما انتهى الإمبراطور من تلاوة التلغراف حتى لطم خديه وصاح: واولداه! واحشاشتاه! ~~والوعتاه! # وما كان أشد وقع الفاجعة على الإمبراطورة وسائر من في البلاط، وأما جمهور المدعوين ~~إلى الحفلة فانسلوا بسرعة على إثر انتشار الخبر في البلاط. # وهكذا ما تملص الإمبراطور من الأزمة إلا بفاجعة هائلة. ~~••• # وفي صباح اليوم التالي نشرت الصحف نعي البرنس مبهما؛ إذ لم تصدر النشرة الرسمية ~~تنعيه، فتقول الناس أقاويل مختلفة، فاضطر البلاط أن ينشر نشرة رسمية قبيل المساء ~~مفادها أن البرنس وجد في صرحه في أودنبرج منتحرا، وثبت أن انتحاره كان على إثر نوبة ~~عصبية انتابته. # على أن التحقيق السري لم يتوصل إلى إثبات جناية القتل على أحد، فترجح أنه مات ~~منتحرا، ولما سئل فون در عن سبب وصول الأمر بنفي البارونة فتسيرا إلى البرنس قال: ~~إنه بعد أن استلمه من الإمبراطور سلمه إلى البارونة ليوتي لكي تبلغه إلى البارونة ~~فتسيرا، ذلك لأنه كان منهمكا بالمهمة التي نيطت به، وسئلت البارونة ليوتي فقالت: إن ~~البرنس أسرها واغتصب منها العلبة وما معها من الأرواق، ثم أطلق سراحها، فتركته حيا ~~يرزق. # وأما الماجور جوزف شندر فقال: أنه نفذ أمر البارونة برجن؛ لاعتقاده أنه صادر ضمنا ~~من جلالة الإمبراطور، وهو لا يدري غير ذلك. وأما الكبتن ملن فقال: إنه نفذ أمر البرنس ~~بحروفه. # ثم حفظت أوراق التحقيق السري مخافة أن تنفضح السرائر التي لا فائدة من ~~انفضاحها. # أما البارونة ليوتي فأطلق سراحها وتهددت بأن تبقى صامتة وإلا قطع عنقها، وأما ~~جوزف شندر فسجن تهمة مخالفته النظام العسكري، وأما ميزل وأميليا فاختفتا من فينا في ~~ليلة الفاجعة نفسها. # وأما البارونة برجن فبقيت إلى جنب سيدتها الإمبراطورة وليس من يجسر أن يمسها بسوء، ~~وبقيت معها حتى ms122 رافقتها في سياحتها بعد حين كما تقرأ في الخاتمة. # | الخاتمة # بقية التاريخ # بعد وفاة ولي العهد كان الإمبراطور فرنسوا جوزف في حزن شديد وحداد مديد؛ لأنه كان ~~يحب وحيده ولي العهد؛ فتاب عن عشيقته كاترين شراط، ولجأ إلى تعزية زوجته الإمبراطورة؛ ~~فكانت له خير تعزية وسلوان. # على أن الزمان يلأم الجروح، فما عتم جلالته أن تاق إلى عشرة كاترين فاستدعاها، ولما ~~رأت زوجته أن الداء تأصل فيه، برحت فينا بحجة تبديل الهواء والاستشفاء، وساحت في ~~سائر أوروبا إلى أن وصلت إلى سويسرا، فاغتالها هناك فوضوي يدعى لوشيني، فعظم حزن ~~الإمبراطور عليها، ولكنه لم يجد معزيا في إبان حزنه سوى كاترين شراط. # بعد ذلك أصبح الإمبراطور في يد كاترين؛ إذ تعلق بها تعلقا شديدا، وما انتهى ~~الحداد على الإمبراطورة حتى اقتربت كاترين إلى البلاط كثيرا، ودنا النفوذ إلى يدها، ~~وأصبحت صروحها بلاطا غير رسمي، وصار يقصد إليها كل من توسل إلى نفوذ وحول وطول؛ ذلك ~~لأن الإمبراطور كان يمنحها كل رغيبة من رغائبها، وهيهات أن ضن عليها بمطلب، وفي كثير ~~من الأحوال كانت تنال عطايا عزيزة في مقابل الرتب والأوسمة التي كانت تستصدرها ~~لذويها. # وقد أغدق عليها الإمبراطور من النعم ما لم يغدقه حاتم طي من قبله، حتى كاد بسبب ~~ذلك الإسراف يقع في إفلاس كل عام، وكاترين كانت تنفق بسعة ومن غير حساب. # وقد منحها الإمبراطور علاوة على الجواهر والحلي التي تقدم الحديث عنها قصرا فخما ~~في رينغ ستراس في فينا، وصرحا في بوليو في مصايف فرنسا، وقصرا في هتزنبرغ، وصرحا في ~~أشل. # والإمبراطور بعد بضع سنين من ترمله فاجأ العائلة المالكة ووزراءه بعزمه أن يتزوج ~~كاترين شراط ويجعلها إمبراطورة، فبغت وزراؤه لهذا النبأ الداهش، وبذلوا جهدهم في إقناعه ~~أن عمله هذا يحط من مقام العرش بل يزعزعه؛ ولكنه لم يرعو. # فتوسلت إليه ابنتاه الأرشدوقة فاليري أوستريا والبرنسس جيسيلا أميرة بافاريا أن يعدل ~~عن هذا العزم، فازداد إصرارا، فقصدت الأرشدوقة جيسيلا وهي أحب بنيه إليه إلى مدام ~~كاترين شراط، وتوسلت ms123 إليها أن تنقذ الإمبراطور من هذه الورطة التي يلقي بنفسه فيها ~~مخافة أن يخسر العرش برمته، وبسطت لها نتيجة هذا الزواج الفظيعة، فارعوت كاترين، وانتهى ~~الحديث بذرف المرأتين دموعهما، فاجتمعت كاترين في اليوم التالي بحبيبها الشيخ وأخبرته ~~أنها لن تتزوجه، ولكنها تبقى صديقته المخلصة. # ومن ذلك الحين كان زوار الأرشدوقة يرون صورة كاترين معلقة عندها في غرفتها ~~الخاصة، وهي لا تستنكف أن تقول إن كاترين ليست صديقة الإمبراطور وحده، بل هي صديقة ~~ابنته أيضا. # على أن نفوذ كاترين ومقامها انقضى بانقضاء حياة الإمبراطور فرنسوا جوزف فجاءة، ~~ولما ذهبت إلى البلاط لكي ترى جثته لآخر مرة منعتها ابنتاه، فعادت كاترين إلى مقام ~~العامة كما كانت، وحسبها ما لقيت من المجد والعز في عهد حبيبها الإمبراطور. # 1 ms124