######OpenITI# #META# URI: 1373NiqulaHaddad.HaqibaZarqa.Hindawi93524790 #META# Tags: novels #META# ID: 93524790 #META# Title: الحقيبة الزرقاء: رواية عصرية أدبية غرامية #META# AuthorID: 60483937 #META# Author: نقولا حداد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المغزى‏ # 1 - وردة ونرجسة‏ # 2 - إرشاد إلى غرام‏ # 3 - شقيقة لا عشيقة‏ # 4 - ضغط على قلب‏ # 5 - جرح في قلب‏ # 6 - حديثه أو حديث عنه‏ # 7 - تنبيه لجاهل‏ # 8 - حديث قلبين‏ # 9 - وعد بمجهول‏ # 10 - عهد بلا يد‏ # 11 - أمل النفس الكبيرة‏ # 12 - عزم النفس الشماء‏ # 13 - المذلة بقدر الشمم‏ # 14 - ‏ # 15 - فوز النفس الكبيرة‏ # 16 - صعود سريع‏ # 17 - ويأتيك بالأخبار من لم تزود‏ # 18 - موعد فلقاء‏ # 19 - مباغتة‏ # 20 - تصاف‏ # 21 - ما ليس في الحسبان‏ # 22 - قد يسوء العمل من حيث تحسن النية‏ # 23 - يد بيد‏ # 24 - حب وعهد في ساعة واحدة‏ # المغزى‏ # 1 - وردة ونرجسة‏ # 2 - إرشاد إلى غرام‏ # 3 - شقيقة لا عشيقة‏ # 4 - ضغط على قلب‏ # 5 - جرح في قلب‏ # 6 - حديثه أو حديث عنه‏ # 7 - تنبيه لجاهل‏ # 8 - حديث قلبين‏ # 9 - وعد بمجهول‏ # 10 - عهد بلا يد‏ # 11 - أمل النفس الكبيرة‏ # 12 - عزم النفس الشماء‏ # 13 - المذلة بقدر الشمم‏ # 14 - ‏ # 15 - فوز النفس الكبيرة‏ # 16 - صعود سريع‏ # 17 - ويأتيك بالأخبار من لم تزود‏ # 18 - موعد فلقاء‏ # 19 - مباغتة‏ # 20 - تصاف‏ # 21 - ما ليس في الحسبان‏ # 22 - قد يسوء العمل من حيث تحسن النية‏ # 23 - يد بيد‏ # 24 - حب وعهد في ساعة واحدة‏ # | الحقيبة الزرقاء # | الحقيبة الزرقاء # | رواية عصرية أدبية غرامية # تأليف # نقولا الحداد # | المغزى # | تشابه الشمس والحب # إذا وقع شعاع الشمس على بلورة انعكس عنها منحلا إلى ألوان الطيف الشمسي السبعة، كما ~~ترى في قوس قزح، كذا الحب إذا وقع شعاعه على قلب انعكس عنه منحلا إلى عدة مزايا بشرية: ~~كالشمم وطلاب العلا والإقدام إلى غير ذلك مما يتجسم من صفات المتولهين. # في هذه الرواية تحليل واضح لأشعة الحب يتوسمه القارئ الكريم من خلال حوادثها. # نقولا حداد # الفصل الأول # | وردة ونرجسة # جامعة كمبردج في إنكلترا من أكبر جامعات العالم، أو بالأحرى من أهمهن وأرقاهن، ~~وأمثالها في الأصقاع المتمدنة قليلة جدا تعد على الأصابع، ومعظم خريجي هذه الجامعة ~~من فطاحل العلماء؛ ولهذا يؤمها أبناء الأماثل والأغنياء الكبراء، ms01 ويندر أن يتخرج أشراف ~~الإنكليز في غير هذه الجامعة وجامعة أكسفرد التي تضارعها. # في ربيع غير بعيد العهد حفل منتدى تلك الجامعة بجمهور من كبراء الإنكليز، يوم توزيع ~~الشهادات على الذين أتموا الدروس في دوائر تلك المدرسة المختلفة من: علمية، وطبية، ~~وهندسية، وحقوقية ... إلخ. # وقد استوجه أنظار ذلك الجمع الغفير في رحبة المنتدى الفسيح إشراق وجه صبوح كان يلقي ~~أشعة الجمال والأبهة في فضاء ذلك المحفل فيزيده جلالا، نعني به محيا اللايدي لويزا ~~بنتن ابنة اللورد هربرت بنتن أف هندستون. # فقد اشتهرت هذه الفتاة بمزيتين يندر أن تجتمعا في شخص واحد: الأولى الحسن البديع حتى ~~أنها عدت بين مفردات الحسان القليلات في إنكلترا، والثانية جمال العقل؛ فكانت نابغة ~~أترابها في الذكاء والمعرفة، وقد امتازت بقرض الشعر بين رصيفاتها في المدرسة، وظهرت لها ~~منظومات مطربة أبدعها «الوردة الصفراء»، وهي حكاية مؤثرة في قصيدة طويلة أخذت شهرة في ~~عالم الشعر، والفتاة لم تتجاوز لذلك العهد العقد الثاني من العمر. # ومع أنها كانت بين الحشد في يمين المقدمة، إلا أن معظم الأبصار كانت تترامى عليها، ~~والقلوب تتهافت إليها، وقد طمع باستيهاب فؤادها والظفر بيدها أكثر الشبان النبلاء ~~والأغنياء في إنكلترا. ولم يفقد هذا المطمع إلا الجبان وضعيف القلب الذي ليس عنده برهان ~~يقنع نفسه بكفاءته لها بالرغم مما فطر عليه كل إنسان من الغرور. وكثيرون من الشبان ~~اجتهدوا أن يحصلوا على أوراق الدعوة إلى تلك الحفلة لأنهم علموا أن أخاها المستر روبرت بنتن ~~سينال شهادة البكلوريا فلا بد أن تكون هي هناك. # على أن المس لويزا بنتن لم تكن لتعبأ بأحد من الحضور، الذين كانوا يصوبون سهام ~~لواحظهم إليها، فكانت تلك السهام ترتد عن مجن إغفالها مكسرة أو مشعثة الرءوس؛ بل كانت ~~تنظر في الغالب إلى منصة المنتدى قلقة كأنها تنتظر وقوف الخطباء الواحد تلو الآخر على ~~ذلك المنبر السني. # وكانت وقائع الحفلة مقصورة على أربع خطب صغيرة من نوابغ المنتهين من جل دوائر ~~المدرسة، وخطاب ضافي الذيول لأحد مشاهير العلماء، وخطبة توزيع ms02 الشهادات للرئيس. فكانت لويزا ~~تترقب انتهاء أول هذه الخطب بفروغ صبر إلى أن كانت نوبة خطيب الدائرة العلمية المستر إدورد ~~سميث، وهو شاب في الحادية والعشرين من عمره، بشوش المحيا، سعيد الطلعة، رقيق الطبع، ~~رضي الخلق، اشتهر بين أقرانه بطيب قلبه وكرم أخلاقه ونبالة نفسه، كما اشتهر بحدة ذهنه ~~وصفاء مخيلته، وعرف بينهم شاعر المدرسة. # فلما وقف في المنبر دوت رحبة المحفل تصفيقا له، ولويزا بنتن اعتدلت في كرسيها، ومالت ~~شيئا إلى الأمام، كأنها تستعد لأن تستوعب ما يلقيه هذا الفتى. وكانت خطبته قصيدة ~~عنوانها «النرجسة الذابلة» وهي حكاية حال. وكأن ذلك الفتى الشاعر كتلة مغنطيس، فما امتثل ~~في المنبر حتى اجتذب إليه الأبصار كلها عن مس لويزا بنتن، ولم ينته بيت من قصيدته إلا ~~أتبعه الحضور بدوي من التصفيق. ~~••• # ولا نشغل القارئ الكريم بوصف تلك الحفلة الزاهرة، وما اشتملت عليه من مجالي الأبهة ~~والجلال، ولا سيما عند توزيع الشهادة، فنضرب عن كل ذلك صفحا، ونتقدم إلى ما كان عند انتهاء ~~الحفلة. # انتهت الحفلة وامتزج الناس بعضهم ببعض امتزاج الصهباء بالماء، يحيون الصديق صديقه ~~والقريب قريبه، ويهنئون الشبان الذين نالوا الشهادات العلمية والفنية على اختلاف أنواعها، ~~ويتحادثون فيما رأوا وسمعوا من محاسن الحفلة وأمجادها. وكانت «النرجسة الذابلة» موضوع حديث ~~الكثيرين، والفتى إدورد سميث مقصد جميع المهنئين تقريبا، كأنه عريس خرج من تحت يد المكلل ~~أو ملك برز تحت التاج. تجاذبه الكل يعرفونه بأنفسهم ويهنئونه إلا اللايدي بنتن ~~وابنتها وابنها، فبقوا واقفين في مكانهم يمر أصدقاؤهم بهم يهنئونهم بحصول اللورد روبرت على ~~الشهادة العلمية، وكان روبرت وإدورد الشاعر صديقين حميمين جدا، تشابهت أخلاقهما في ~~اعتبارات جمة، وإن كانت قد اختلفت مواهبهما بعض الاختلاف؛ لأنه بينما كان يصعد إدورد في ~~سماء التخيلات الشعرية، كان روبرت يتعمق في أسرار الحقائق العلمية المادية، وقد نال ~~الامتياز في دراسة الطبيعيات. # وكانت لويزا ملكة ذلك الحشد تتبع بأبصارها إدورد في تخلله بين الجمهور حتى رأته وقد صار ~~قريبا من مكانها ووجهته إليها، وكانت وقتها تحادث صديقة ms03 لها تدعى مس ماري جنستون وأخوها ~~روبرت يشترك معها في الحديث، وأمهما لاهية بحديث مع اللايدي جنستون فقالت لويزا: كيف رأيت ~~خطب الاحتفال يا مس جنستون؟ ~~- كلها شائقة، وأظنك فضلت الشعري منها. # فضحكتا معا. ~~- نعم على الغالب. وأنت؟ ~~- أقول لك الحق وإن لم أكن شاعرة، فقد رأيت أن قصيدة المستر إدورد حلية الاحتفال. ~~- أتعرفينه؟! ~~- الآن تعرفت به، فرأيت منه شابا على غاية من التهذيب، وأنت يا مس بنتن ~~أتعرفينه؟ ~~- كلا إلى الآن، مع أنه صديق روبرت. فلم يخطر لي أن أتعرف به قبل الآن، ولكن لما رأيت ~~في لائحة (بروغرام) هذه الحفلة عنوان «النرجسة الذابلة» بجانب اسمه تقت أن أسمعه؛ لأرى ~~كيف يصور هذه النرجسة ذابلة، ولما سمعته صرت أرغب أن أتعرف به. # فقال أخوها روبرت: كيف رأيت صورتها يا لويزا؟! ~~- الحق إنها نرجسة ذابلة. ~~- ها هو قريب لنا. # ثم أومأ روبرت إلى صديقه إدورد أن يتقدم، ولما دنا إدورد منهم قدمه روبرت إلى أمه ~~وأخته ومن معهما؛ فبشت له اللايدي بنتن بشاشة الود لأنها كانت تسمع عنه الثناء الطيب ~~من لسان ابنها روبرت، وتعرف أنهما صديقان، وبعد أن هنأته عادت إلى حديثها مع اللايدي ~~جنستون، ولم تزد على التهنئة لأنها كانت مشهورة بأنفتها وكبريائها. # أما لويزا فبالرغم من خيلائها التي كسبتها من أمها ابتسمت له ملء شفتيها لما قدم لها، ~~وصافحته كصديق قديم قائلة: أهنئك يا مستر سميث «بالنرجسة الذابلة»، أما الشهادة فأهنئها ~~بك؛ لأن مصور النرجسة هذا التصوير لا تزيده الشهادة تعريفا، وإنما هو يزيدها فصاحة في ~~بيان معرفته. ~~- أشكر لك تفضلك بهذا الثناء يا سيدتي، وأراك قد أنعشت النرجسة من ذبولها بهذا ~~الإغراق في الإطراء. ~~- لا إغراق يا مستر سميث، أتظن أن هذه الشهادة تعرف العموم أو الخاصة بك كما تعرفهم ~~هذه القصيدة الرنانة؟ وحسبك شهادة دوي المحفل اليوم بصدى الثناء على إجادتك. ~~- إن كان ل «النرجسة الذابلة» محاسن يا سيدتي، فإنما هي مستمدة من «الوردة الصفراء»، ~~كما يستمد القمر نوره من الشمس. # فصعدت حمرة الحياء إلى ms04 وجنتي لويزا، وومض برق الابتسام من بين شفتيها، وقالت: أظنك قرأت ~~«الوردة الصفراء» في مجلة «حياة المرأة»؟ ~~- بل حفظتها عن ظهر قلبي، ولما كنت أنظم نرجستي كانت وردة المس بنتن توحي الشعر إلي؛ ~~فمنها تنبهت إلى كل تخيلاتي الشعرية من مجاز واستعارة، وكأني كنت أنسخ لا أبتكر. ~~- إذا كنت قد نسخت حقيقة، فلم تكن أمينا في النسخ؛ لأن النسخ جاء أنقى وأصفى وأبدع من ~~المنسوخ عنه، ولكني لا أراك ناسخا بل واضعا نموذجا لمن ينظم في مثل هذا الأسلوب، الذي ~~تحديته في نظم النرجسة؛ فأنا أشكر لك هذا الدرس الذي استفدته اليوم منها، والذي ~~سأستفيده فيما بعد من التأمل فيها متى قرأتها حيث تنشر. ~~- لقد أبكمتني يا سيدتي؛ فإني لا أقدر أن أباريك في مضمار المجاملة، ولا أراني أستحق ~~هذا الإطراء الذي تتفضلين به تنشيطا لي. ~~- معاذ الله أن أجامل مجاملة، وإنما هو اعتقادي أعلنته لك. ~~- إذن أؤمل أن أكون يوما ما شاعرا؛ لأن ثناء من شاعرة مثل اللايدي لويزا بنتن هو أعظم ~~شهادة أتلقاها اليوم، وهو يمدني بقوة جديدة، ويحمسني على استكداد قريحتي في النظم. # عند ذلك قصرت مس بنتن الحديث، كأنها انتبهت إلى أنها تطرقت فيه إلى ما وراء الحد السائغ ~~لمثلها أن تجامل صديقا جديدا، فاستأنفه أخوها المستر روبرت قائلا لصديقه: أفكرك يا ~~عزيزي إدورد مذ الآن بحفلة الأنس، التي ستنعقد من الأصحاب والأقارب في قصر كنستون يوم ~~الإثنين القادم، وبعد غد تنتهي إليك رقعة الدعوة، فإن بدا أي مانع لحضورك أرجو منك أن ~~تزيله؛ فإني أحسب أن وجودك معنا ركن من أركان الحفلة؛ لأني سأكلفك بمحاضرة بعض المدعوات ~~عند اللزوم. ~~- لا أنسى ولن أنسى يا عزيزي روبرت ذلك اليوم السعيد المنتظر، بل أترقبه بصبر، وسيان ~~أرسلت لي رقعة الدعوة أو لم ترسلها، فإني أنضم إليكم وأكون كواحد من البيت. ~~- إني أسر جدا بدالتك هذه يا إدورد وأبادلك مثلها؛ ولهذا أجتنب أن أشكرها لك لأني ~~أعتبر أن الشكر والدالة متنافيان فلا يجتمعان. # عند ذلك دنا أحد أصدقاء ms05 إدورد، فمال هذا إليه بعد إذ اعتذر من آل بنتن وانحنى لهم، وعما ~~قليل أخذ الحشد يفرغ من المنتدى جماعات وأفرادا. # الحق أن لويزا ابنة اللورد بنتن قد سخت جدا بالثناء على إدورد سميث الشاعر الجديد ~~خلافا لعادتها ولخلقها؛ فإنها يندر أن تندهش لمدهش، أو أن تعجب بمعجب ، أو أن ~~تقرظ أمرا حسنا، وإن فعلت فبشح وتقتير؛ كانت كذلك لسببين: أولا لأنها مكتسبة من ~~أمها طبع الخيلاء والتيه والأنفة، وثانيا لأنها كانت ذات مواهب نادرة؛ ولهذا لم يكن الناس ~~ليستنكروا تيهها؛ لأنها كانت تستحقه. # ولكن ما الذي استنزلها عن عرش افتخارها وازدهائها إلى مجاملة إدورد سميث وتبليغ الثناء ~~عليه وإطراء شاعريته، مع أنها هي شاعرة فكان ينتظر أن تكون حسودا؟ هناك قوة تفوق قوة ~~الشمم والخيلاء، وهناك جزء في الشخصية الإنسانية يسود أحيانا على سائر أجزائها. النفس ~~هي الجزء الرئيسي في الشخصية الإنسانية، وإنما تترأس بقوة الشمم، ولكن يحدث أحيانا أن ~~يتغلب الحب على الشمم، ويغتصب القلب عرش الرئاسة من النفس، ويستوي مكانها في منصة ~~السيادة على الشخصية، ويكون الآمر الناهي. # والظاهر أن روحي لويزا وإدورد تماستا في الجو الأثيري؛ فنشأ من احتكاكهما شرر أيقظ ~~الحب في فؤاديهما وجعل يلهبه، هكذا استقوى قلبها على نفسها وغلب حبها خيلاءها؛ فلم يصعب ~~عليها أن تبالغ في إطراء إدورد وتقريظ شاعريته. # أما إدورد فقد لمست قلبه تلك الشرارة، وأيقظت حبه منذ قرأ «الوردة الصفراء» وأعجب بها؛ ~~وصار يتوق أن يرى ناظمتها. نعم إنه كان صديق روبرت أخيها، ولكن صداقتهما حديثة العهد جدا ~~لم تتمكن إلا في العام الأخير، وقد زادها إدورد تمكنا بعد قراءة «الوردة الصفراء»؛ إذ ~~شعر بزيادة الميل إلى روبرت، وصار يراه مجموعة محاسن تحب، كذا النفس إذا طمعت بأمر عرفت ~~كيف تمهد السبيل للوصول إليه. صداقة روبرت سبيل للتعرف بلويزا، هكذا توقع إدورد وهكذا ~~صار. # ولم يكن إدورد ليتمادى في محادثة روبرت عن أخته لئلا ينبه ظنونه؛ فلم يحدثه عنها سوى ~~مرة بعد قراءة قصيدتها مقرظا إياها، ولا ريب أن ms06 روبرت أبلغ إلى أخته ذلك التقريظ في ~~حينه، وكان بلوغه بدء ترفرف الروحين في الفضاء ليتصادفا ويتماسا؛ ولذلك لم يقدر إدورد أن ~~يعرف شيئا عن لويزا لينشئ في مخيلته صورة لها، وجل ما عرفه عنها أنها درست في دائرة ~~البنات في جامعة أكسفورد، وأنها انتهت في العام الفائت . وإنما استنبط ذهنه من معاني قصيدتها ~~صورة تقريبية في مخيلته، فلما رآها وحادثها وجدها تشبه الصورة الخيالية التي صورها في ~~ذهنه بعض الشبه؛ بيد أنها أسمى وأتم، فعاد إلى بيته ملتهب الفؤاد بحبها ولكنه قليل ~~الطمع بها؛ لأنها من الأشراف وهو من العامة، وبين الطبقتين حجاب كثيف يندر أن ينفذ منه، ~~فكان إلى ذلك الحين يقنع بالحب العقيم، ويعلل النفس بلقائها يوم الإثنين القريب في حفلة ~~الأنس التي ستنعقد في قصر كنستن إكراما لنيل أخيها الشهادة. وما كان سروره بشهادته ~~وبإطراء الناس لقصيدته نقطة في بحر سروره بأمل الالتقاء بها. # الفصل الثاني # | إرشاد إلى غرام # في شارع ب. في ضواحي لندن منزل فخيم، يضاهي قصور الأشراف أبهة وجلالا، وحوله حديقة غناء ~~تزيده سناء وجمالا، وفي إحدى غرف ذلك المنزل سرير أنيق، قد اضطجع فيه رجل مريض استتم ~~طور الكهولة، واستوفى حكمة الشيوخ، ولكنه لا يزال يستوعب همة الشبان وعزمهم، يدعى المستر ~~جوزف هوكر، وقد جلست لدى سريره ابنته مس أليس هوكر على كرسي هزاز تشتغل شغل الإبرة وتحادث ~~أباها. # أما المستر هوكر فمثر كبير ذو معامل وأملاك، وليس له من الأولاد سوى ابنته أليس ~~المذكورة وهي وريثته الوحيدة، وقد عني بتعليمها وتهذيبها وتدليلها؛ حتى جعلها كالوردة ~~النضيرة تنتظر قاطفها. وقد تطاولت إليها نواظر قاطفيها، فحرسها أبوها عنهم ضنا بها وطمعا ~~بأن يعد لها نصيبا أمجد وأسمى مقاما. وكان في سره مشروع لهذا الأمر يمهد له السبيل ~~منذ عدة أعوام. # أما أليس ففتاة رقيقة الجسم، عادلة معتدلة القوام، عصبية المزاج، لينة الجانب، صبورة ~~طائعة لأوامر أبيها مهما كانت قاسية؛ لأنه عودها هذه الطاعة منذ صغرها، حتى بلغت الحادية ~~والعشرين من العمر، وكانت أمها ms07 قد توفيت إلى رحمة ربها وهي حديثة؛ ولهذا كان لأبيها ~~اليد الطولى في تربيتها. # بينما كان منتدى جامعة كمبردج غاصا بالمحتفلين كان المستر هوكر يخاطب ابنته قائلا: ~~الآن في هذه الساعة يا أليس يكون إدورد ابن عمتك على المنبر يلقي قصيدته الرنانة «النرجسة ~~الذابلة»، ولا ريب أن المنتدى يدوي الآن بتصفيق الحضور استحسانا وإعجابا؛ لأن القصيدة ~~بديعة، ألا ترينها بديعة يا أليس؟! ~~- بالطبع أراها كذلك، ولكن أتظن يا أبي أن الحاضرين سيستحسنونها كما استحسناها ~~نحن؟ # ولم تفت أباها ملاحظة ابتسامها وتورد خديها القليل. ~~- من غير شك، أعيديها على مسمعي الآن يا أليس، ها نسختها على المكتب، تناوليها. ~~- كأنك تقول يا أبي إنه إذا فاتك حضور الحفلة لسبب مرضك لا يفوتك سماع القصيدة في ~~حينها. # فضحك أبوها ضحكة الإعجاب بتأويلها هذا. ~~- صدقت. إذن لا فرق عندي بين أن يلقيها إدورد أو تلقيها أنت، فكلا الصورتين مستحب ~~عندي، ولا ريب أني تأسفت جدا لعدم إمكاني حضور الحفلة ورؤية إدورد على منصة المحفل، يلقي ~~خطابه معجبا، ويتناول الشهادة المدرسية مفتخرا. وتأسفت بالأكثر لعدم ذهابك أنت يا أليس ~~ورجوعك معه. ~~- كنت أود ذلك جدا يا أبي، ولكن يستحيل أن أتركك مريضا بين يدي الممرضة والخدم. ~~- ولكن حالتي لا تستوجب قلقك يا حبيبتي، ولم تكن داعيا كافيا لأن تحرمك حضور حفلة ~~سارة، هي الحفلة الوحيدة التي ينال فيها ابن عمتك شهادته العلمية. ~~- أسفت جدا يا أبي، ولكن لم يطاوعني ضميري أن أتمتع بمحاسن حفلة كهذه، وأنت تتقلب على ~~فراش الحمى. ~~- بارك الله فيك يا حبيبتي. # ثم تناولت أليس القصيدة، وجعلت تتلوها بتأن، وكانت عند كل مجاز جميل تقف أو يستوقفها ~~أبوها، ويتباحثان في المغزى وأبوها يظهر الإعجاب، وهي تبتسم إلى أن انتهت القصيدة. ~~- أرأيت يا أليس أن إدورد نابغة، وسيكون يوما من فحول الشعراء إن شاء الله وينال شهرة ~~واسعة. ألا يسرك أن يكون إدورد كذلك؟! ~~- من غير شك يسرني وأفتخر به. ~~- أتفتخرين به كحبيب أو كقريب يا أليس؟! # فامتقع وجه أليس حياء من هذا ms08 الإلماع، وخشيت أن يتمادى أبوها في استطلاع ضميرها واكتشاف ~~أسرار قلبها؛ ولذلك أطرقت صامتة. ~~- مالي أراك قد خجلت يا ابنتي؟! أعار أن تحبي ابن عمتك وهو نابغة أقرانه؟! وهل تظنين ~~أن عواطفك نحوه خفيت علي؟! فإني كل يوم ألاحظها فيك مرارا، وأمس سمعت اسمه يتردد بين ~~شفتيك وأنت تحلمين، وأول أمس كنت في الحديقة جالسة تتأملين فبمن كنت تفكرين؟ أليس ~~بإدورد؟! # فابتسمت أليس تحت محيا مكفهر، وانكمشت ضمن ثوب من الخجل؛ حتى كاد تصبح نصفها ~~حجما. ~~- لا تظني أن حبك له خفي علي يا ابنتي، ولا تظني أن هذا الحب يسوءني، بل يسرني جدا ~~إذا كان إدورد يبادلك مثله، فحبي إدورد يا أليس أحبيه، فهو النصيب السعيد الذي أعددته لك ~~منذ حداثته إلى الآن، ولسوف ترين أنك تكونين معه سيدة تفاخر الدوقات والبرنسسات ~~والكونتسات. # فتهلل وجه أليس بشرا وخفق فؤادها طربا لهذا النصح؛ لأنه جاء كالمرهم لجرح ~~فؤادها. ~~- إن إدورد أعظم جدا مما تعرفينه وتتصورينه يا أليس، وهو نفسه لا يدري قيمة نفسه، ~~ولكن إن صرتما زوجين - ولا أهنأ إلا إذا صرتما كذلك - ترين المجد الذي يحف بك وترين إدورد ~~يتبوأ عرش مقامه الذي كتم له في صدر الدهر. # ولم تكن أليس لتقدر مغزى هذا الكلام حق قدره، ولا ابتعد فكرها إلى ما فيه من الألغاز، بل ~~ظنته كلاما اعتياديا يقصد به أبوها مجرد الترغيب والتحبيب؛ ولهذا كانت تراه فضولا لأن ~~قلبها أصبح في غنى عن كل ترغيب، وبعد سكوت هنيهة استأنف الكلام قائلا: بل أزيدك علما أن ~~هذا المجد المعد لكما مترتب على اقترانكما يا أليس؛ فإن كان لكما حظ سعيد، وقدر لكما ~~أن ترقيا إلى قمة مجد باهر، وتجاريا أشراف إنكلترا وتتمتعا بكل حقوقهم. إن كان قد قدر ~~لكما هذا النعيم فتقترنان، وإن لم تصيرا زوجين عاش إدورد كأبسط عامة الناس، ولم تفرقي ~~أنت عن العامة إلا كما يفرق أغنياؤهم عن فقرائهم. # وكانت أليس تسمع هذا الكلام مطرقة حياء لا تنبس ببنت شفة. وماذا تقول؟! بيد أنها فكرت ms09 ~~في كلام أبيها هذا قليلا، ولكن شجون هواها غلبت على أفكارها؛ فما لبثت أن محت من مخيلتها ~~كل فكرة غير الفكر بما يتعلق بإدورد حبيبها، ثم عاد أبوها يضرب على ذلك الوتر نفسه: نعم لا ~~تخجلي يا ابنتي أن تحبي ابن عمتك، ولا تكتمي حبه فهو حب موافق لك وله، ولو كنت تسلمين قلبك ~~لسواه أيا كان لكنت أنكره عليك؛ لأني أضن بك على غير كفئك، ولا أرى أكفأ لك من إدورد، ولا ~~أخشى أن تتهوري في محبته قبل أن تستميليه إليك وتضطريه أن يطلب يدك من تلقاء ~~نفسه. # ولا ريب أن القارئ الذي يجهل خفايا المستر هوكر وأسراره يستهجن حديثه هذا مع ابنته، بل ~~هو مستهجن على أي حال، ومهما كانت الأحوال الداعية إليه، فلا يليق بأي الأبوين أن يغري ~~ابنته أو يزين لها أن تحب شخصا لم يطلب يدها بعد. # كثيرون من الوالدين يرتكبون غلطة المستر هوكر نفسها، ولا يندر أن تفضي هذه الغلطة إلى ~~نتيجتين وخيمتين: الأولى أن الفتاة تخلع برقع الحياء وتتبذل إلى أن يخشى من تهورها، ~~والثانية أن الفتاة كقطعة مغنطيس ذات طرف جاذب وطرف دافع، فجاذبيتها في حشمتها وتعففها، ~~ودافعيتها في تحببها وتبذلها. وكلما ألوت الفتاة إلى الشاب ابتعد عنها، ومهما سعت وراءه لا ~~تقدر أن تناله؛ وبالعكس كلما أعرضت عنه اقترب منها حتى إذا رضيت نالها. # الفصل الثالث # | شقيقة لا عشيقة # في مساء ذلك النهار عاد المستر إدورد سميث من أيدنبرج إلى بيت خاله المستر هوكر، وفي ~~يده شهادته العلمية، وفي صدره آمال وفيرة، وفي قلبه جذوة حب؛ فاستقبلته أليس بثغر بسام، ~~وتلاثما تلاثم الأخوين، وتقدما إلى غرفة المستر هوكر، فرأى إدورد خاله مستلقيا على سريره، ~~فقبل يده وذاك قبله قبلات الأب الحنون، وفي مقلتيه دمعات فرح وسرور، وعلى محيا إدورد ~~تهلل وبشر. ~~- لقد ساءني جدا خبر مرضك أيها الخال العزيز. ~~- لا يسؤك يا حبيبي فإنه عرضي، والحمد لله. ~~- كيف ترى نفسك اليوم؟ ~~- بأفضل حال، والطبيب يقول: إن نوبة الحمى الأخيرة كانت نتيجة ms10 فعل الكينا الذي أخذته، ولي ~~الأمل أن تكون هي النوبة الأخيرة، وغدا أو بعد غد أخلي السرير. ~~- أشكر الله على سلامتكم يا سيدي. ~~- أهنئك يا بني بشهادتك وبما قدرته لك من ثناء القوم على قصيدتك البديعة، وبينما كنت ~~تلقيها في محفل جامعة كمبردج كانت أليس تلقيها علي هنا ، وقلبي يشترك مع المحتفلين هناك ~~بتصفيق الاستحسان. # فحنى إدورد رأسه حنية التواضع والحياء، واستمر المستر هوكر في إطرائه له. ~~- بل نهنئ أنفسنا بك أيها الحبيب، ونتمنى لك مزيد الارتقاء والنجاح، وأسأل الله أن يوفقك ~~في مستقبلك القريب، الذي أتوقعه لك سعيدا مجيدا إن شاء الله. # وكانت عينا المستر هوكر مغرورقتين بدمع الحنان والانعطاف، وعينا إدورد تجاوبهما بدمع أفيض ~~من دمعه. ~~- لا أعجب أن أسمع منك يا سيدي هذا الدعاء القلبي، وأنت مني في منزلة الأب الحقيقي ~~العطوف، ألست أنت الذي ربيتني وعلمتني؟! وهل أعرف أبا سواك؟! فلا بدع أن تسر بأن تراني ~~راقيا ناجحا. وأسأل الله أن يقدرني على أن أكون لك ابنا طائعا بارا. ~~- بل أسر يا حبيبي بأن أرى ثمرة لغرس يدي، وأتحقق أن عنايتي بك لم تذهب سدى. # وبعد حديث هنيهة قرع خادم المائدة الجرس المؤذن بالعشاء، فقام إدورد وأليس إلى المائدة ~~وجلسا إلى الخوان متقابلين، وبعد هنيهة ابتدأت أليس بالحديث قائلة: أسفت جدا يا إدورد على ~~أني لم أستطع أن أترك أبي تحت فعل الحمى وأحضر الحفلة في كمبردج. ~~- وأنا أسفت جدا وتكدرت لمرض خالي، ولا سيما في هذا الوقت الذي كنت أشتهي فيه أن ~~أراكما في تلك الحفلة الزاهرة مع من رأيت من أهل أقراني الذين كانوا يصفقون لهم عند تناول ~~شهاداتهم. ~~- هل افتكرت في يا إدورد وأنت تفتخر بمجدك اليوم؟ ~~- أتشكين بذلك؟ ~~- كلا. لا أشك لأني أذكر الآن جيدا أني لم أفتكر بسواك يوم نلت شهادتي في السنة ~~الماضية، ولكن شتان بين يومي ذاك ويومك هذا وبين شهادتي وشهادتك. # وكان إدورد يسمع هذا الثناء ويعجب بنفسه، ويعجل في تناول الطعام ومضغه وازدراده على ~~غير انتباه كأنه ms11 يتم واجبا عليه، وذلك لأن خمرة الفوز أسكرته. ~~- كنت أتمنى جدا يا أليس أن تكوني بين الجمهور، وتري إعجابهم بابن عمتك، وتسمعي ~~إطراءهم له. ~~- إذن افتكرت بي كثيرا؟ ~~- أليس افتكاري بك طبيعيا؟! ~~- إذا كنت قد افتكرت بي الافتكار الطبيعي، فكأنك لم تفتكر إذن. ~~- عجيب. ماذا تعنين؟ ~~- أعني أنه ليس بدعا أن تفتكر بي، وتود أن أكون مع من كان في الحفلة لأني ابنة خالك ~~وكلانا ربينا في ظل بيت واحد، فافتكارك بي على هذا النحو ينتظر من كل واحد حاله مع ~~قريبته كحالك الظاهرة معي، ولكن سؤالي هو: هل افتكرت بي أكثر من المنتظر؟ ~~- افتكرت بك يا أليس كثيرا، ومهما كثر افتكاري بك فهو المنتظر، ألا ينتظر مني أن ~~أفتكر بك كل الافتكار؟ ~~- نعم نعم، إذن لا تزال تحبني؟ ~~- وهل يمكن أن تنقضي محبتي لك؟! # فضحكت أليس قائلة بلهجة الهازلة: قلت في نفسي: لعلك صادفت من يشغلك عني! # فوجم إدورد عند هذه العبارة، والتهبت وجنتاه إذ خطرت له في الحال مس لويزا بنتن، وكاد ~~يبدو اضطراب منه يفضح أعراض سره. ~~- هبي أني صادفت سواك يا أليس فهل تبطل محبتي لك؟ هل أنسى عشرة أو عشرين عاما؟ وهل ~~أنسى رسائلك لي ونحن في المدارس؟ هل أنسى أيام تنزهنا في قرى الريف؟ ما الداعي لارتيابك في ~~حبي؟ هل رأيت في تغيرا؟! ~~- كلا ليس التغير فيك يا إدورد بل في. ~~- أتغيرت أنت علي؟ ~~- نعم، تغيرت ولكن ليس عليك. ~~- كيف ذلك؟ ~~- صرت أشد حبا لك يا إدورد. # واغرورقت عيناها بالدمع؛ فأدرك إدورد تمام قصدها. ~~- أولم تحبيني قبلا تمام الحب يا أليس؟ ~~- نعم أحببتك من كل قلبي حبا تاما. ~~- فكيف احتمل حبك المزيد إذن؟ # فهمست أليس لنفسها والعرق يندى على جبينها قائلة: لا أدري. ~~- وأنا أحببتك من كل قلبي، ولا أزال أحبك. ~~- ولكن ... # فصمت إدورد هنيهة كأنه يريد أن يختم هذا الحديث؛ لأنه خاف أن ينتهي بما يكدرها أو يكدره، ~~وقد تعذر عليه وهو مرتبك أن يتخلص إلى حديث آخر، فعادت أليس إلى «لكن». ~~- لكن، ms12 أود أن تعرف يا إدورد أن حبي لك الآن يختلف عن حبي لك قبلا. ~~- مهما يكن فهو حب يا أليس، وأنا أحبك قدر حبك لي بل أزيد. ~~- كلا يا إدورد، حب الشبيبة يختلف جدا عن حب الصبوة، ألا تعترف بذلك؟ فأي حب تحبني ~~أنت؟ # وكان صوتها يرتجف شيئا ، ولكنها كانت تتذكر كلام أبيها الآخر لها؛ فتتشجع في ~~الحديث. ~~- نعم أعلم أن المحبة تنمو مع السن فتصير أسمى وأشد إخلاصا، فأنا أحبك حبا يسابقني ~~في النمو يا أليس. # فتململت من زيغانه عن المعنى الذي كانت تحوم حوله وتحاول أن تجتذب ذهنه إليه؛ فلم ~~يجتذب، وعادت تتلمظ الطعام بسرعة كأنها أفحمت، ولم يعد أمامها مجال للحديث، فابتسم ~~إدورد لفوزه في هذه المحاورة، ونشط إلى استئنافها لكي يتغلب تمام الغلبة ولا يدع بابا ~~مفتوحا تدخل فيه أليس إلى هذا الحديث في حين آخر. ~~- إني لأعجب كل العجب يا أليس من تعمقك في البحث عن حبي لك، كأنك تشكين فيه، وما ~~كنت أظنك تشكين مهما طال عليه العهد وتغير الزمان، ولا أرى موجبا لهذا الحديث ~~الآن. # قال هذا الكلام وعلى محياه لمحة الجد؛ فتكلفت أليس الابتسام كأنها تتلافى عبوسته ~~وقالت: لم أشك يا إدورد بحبك لي وليس غرضي أن أتحققه، وإنما بغيتي أن أكشف لك سر فؤادي ~~لتعلم أن حبي لك الآن ليس كحبي لك في الماضي ... # وتوقفت على عزم أن تستمر في البيان، فأجابها في الحال: أعلم أنه صار أقوى مثلما صار حبي ~~لك. ~~- ليس تغيره من حيث القوة يا إدورد، بل من حيث النوع. ~~- لا أعلم كيف الحب يتنوع! ~~- أنت شاعر وعلامة فكيف لا تعلم تنوع الحب؟ كيف تشعر بالحب؟ وإذا كنت لا تشعر بأنواعه ~~فكيف تنظم؟ أنا أعلم أن الشعر من الشعور، فلا أصدق أنك تجهل أن الحب أنواع يختلف بعضها عن ~~بعض كل الاختلاف. ~~- مثلا؟ # قال إدورد هذه الكلمة بلهجة التهكم، كأنه يهزأ من فلسفة أليس، ويأمن فوزها عليه في ~~الجدال وإفحامها إياه. ~~- أتريد أن أضرب لك مثلا على تنوع ms13 الحب؟ أم أن أفصل لك أنواعه تفصيلا؟ ~~- أكتفي بالمثل ومنه يتضح التنوع. ~~- صدقت، ألا تعتقد أن حب الزوجين نوع، وحب الأخوين نوع، وحب الآباء للأبناء نوع، وحب ~~الأصدقاء نوع ... إلخ؟ # فضحك وقال: وهل هناك أنواع أخر أيضا؟ ~~- نعم ولا داعي لعدها كلها. ~~- وأي نوع من هذه يجب أن يكون حبنا يا أليس؟ ~~- لا تقل يجب؛ لأن ليس في الحب وجوب بل قل أي نوع هو. ~~- أي نوع هو؟ ~~- هذا ما أسألك إياه. ~~- أيكون حبنا غير حب الأخوين العزيزين يا أليس؟! أو هل من حب أسمى وأقوى من هذا ~~الحب؟ # وكان هذا الكلام كومضة كهربائية عبرت في بدن أليس؛ فزلزلت عظامها ونفضت عضلاتها، وكادت ~~تجمد الدم في عروقها، فشددت قلبها وطرحت نقاب الحياء عن محياها معتقدة أنها لا تأثم ~~بهذا الإفصاح. ~~- نعم يكون يا إدورد. وأود أن تعلم أن حبي لك حب فتاة لشاب، وهو أقوى جدا من حب ~~الأخوين والأبوين، بل أقوى من كل حب حتى من حب الزوجين. أما أدركت ذلك؟ # فاكفهر وجه إدورد لهذا الإفصاح، وانعقد لسانه فازدادت أليس جرأة في الحديث: إني أحبك ~~يا إدورد حبا يسقمني ببعدك، ويشغل فكري بك دائما، ويحرمني النوم، ويمنعني عن كل لذة لا ~~تشترك أنت فيها معي، وأعد نفسي أسعد العاشقات لأنك أجمل المعشوقين شكلا وعقلا، ولأنك ~~مقيم معي في كل حين أمام عيني كما أنك في قلبي. # عند ذاك أخذ إدورد المسألة بالجد، ورأى أنه من الواجب أن يعلن حقيقة قلبه؛ لئلا تنخدع ~~أليس وتبني القصور في هواء الأوهام. ~~- ولكن حب الأخوين بيننا أغلب من كل حب يا أليس، نحن ربينا في بيت واحد، وتعودنا ~~منذ الطفولية أن نعتبر أنفسنا أخا وأختا، وقضينا نحو عشرين سنة تحت هذا الاعتبار، فكيف ~~نقدر أن ننقض في ساعة واحدة ما بنته طبيعة الحال في عشرين سنة؟! مهما تغيرت إحساساتنا ~~وتنوعت عواطفنا وترقت أميالنا؛ فلا أقدر أن أنظر إليك إلا كأخت، أعاشرك يا أليس وأتنزه ~~معك وأراقصك وأضمك وأقبلك، وأنا أشعر أني أقبل وأضم ms14 وأعاشر أختا، ولا أرى قلبي يحيد عن هذا ~~النوع من الحب. # فامتقع لون أليس، واكمد اكمداد الشمس في حين الكسوف الكلي، ورأت قصور الآمال التي كانت ~~تبنيها في هواء الأوهام هابطة أمام بصيرتها. ~~- أما أنا فأحبك يا إدورد حب عاشقة لا حب أخت. ~~- أستغرب ذلك جدا يا أليس ... ~~- لا تستغرب، ألا ترى في كل ظاهرة من ظواهر الطبيعة نوعا من التحول؟! فالتحول ناموس ~~طبيعي يطلق على كل شيء حتى الحب، ألا ترى البرتقالة في أول أمرها خضراء، ثم تبهت خضرتها ~~شيئا فشيئا حتى متى نضجت مع الزمان صارت مشبعة الصفرة؟ هكذا مرور الزمان وانفصالنا الواحد ~~عن الآخر في المدارس كفيا لتحول الحب من أخوي إلى غرامي. # وكان بعد ذلك سكوت طويل فإدورد يتأمل في كيف يحول قلب أليس عنه، وأليس تتأمل في ماذا ~~يكون جوابه، وتفكر في كيف تجتذبه وقد طمعت جدا في استمالته؛ لأنها ظنت أن إعلان حبها ~~له يستميله. # لم تعد أليس إلى هذا الحديث في ذلك المساء ولا في اليوم التالي، وإنما كانت تلاطف إدورد ~~جدا وتضاحكه، وتعنى به وبكل شيء يخصه، ولا تدخر جهدا في مسرته؛ حتى جعلت الاهتمام ~~به شغلها الشاغل. أما هو فكان يبسم لها عند كل أمر، ويشكر لطفها، ويتجنب ما استطاع عنايتها ~~واهتمامها به. # الفصل الرابع # | ضغط على قلب # وفي مساء اليوم التالي وردت إلى إدورد رقعة الدعوة من صديقه اللورد روبرت بنتن، ففضها ~~بثغر باسم ووجه باش، كأنه يتوقع أن يرى فيها كتابة من يد لويزا ولكن لم ير، ولماذا ~~يرى؟ لم يستغرب ألا يرى كلمة منها في رقعة الدعوة؛ لأنه يعقل الأمور جيدا، ولكن هو القلب ~~يطمع بالكثير حتى بالمستحيل، فهو لم يكن ينتظر كتابة من لويزا، ولكنه كان يتمنى أن يرى ~~كتابة منها له، وكأن قلبه يقول: «ماذا يمنع أن تكتب لي حرفا إذا كنت وقلبها قد أصبحنا ~~في مهد حب واحد. لماذا تقضي النظامات الاجتماعية ألا يتكاتب المحبان حالما يصبحان ~~حبيبين؟ ولماذا تقوى هذه النظامات على الحب؟ بل ms15 لماذا تخضع القلوب المستقوية بالحب للتقاليد ~~والعادات البشرية؟» # صه أيها القلب ما تلك النظامات والعادات الاجتماعية إلا وحي إله الحب، بل هي مستمدة ~~من نظامات الحب ونواميسه نفسها. لويزا تتمنى أن تكتب كلمة لإدورد، ولكن هناك ناهيا أقوى ~~من الآداب الاجتماعية ينهاها عن ذلك وهو إله الحب، وكذلك إدورد يود أن يكتب كلمة للويزا ~~ولكن إله الحب يمسك يده، لماذا يفعل إله الحب هكذا؟ لأنه لو كتب لها وكتبت له في بدء ~~حبهما؛ لانتهى حبهما على أثر ذلك. # وكان إدورد يقرأ الرقعة بكل بشاشة وخاله ينظر إليه: أرى هذه رقعة دعوة يا إدورد. أيمتنع ~~أن تخبرنا أي الأصحاب يدعوك؟ ~~- صديق حميم. وقد تمكنت صداقتنا في هذا العام في المدرسة، وهو اللورد روبرت بنتن. ولا ~~تجهل يا سيدي معزة صديق المدرسة. # ثم ناوله الرقعة فقرأ المستر هوكر: # اللايدي واللورد بنتن يدعوان المستر إدورد سميث إلى حفلة أنس صباح الإثنين من ~~الساعة التاسعة صباحا إلى السادسة بعد الظهر في قصر كنستون في حي كنستون. # وكان إدورد يرى لمحة عبوس تتموج على وجه خاله، وهو يقرأ الرقعة ولم يدر ما الذي كان ~~يدور في خلده. ولكن بعد هنيهة سأله المستر هوكر قائلا: وهل تلبي الدعوة؟ ~~- وعدت. ~~- متى؟ ~~- لما انتهى الاحتفال المدرسي أخبرني اللورد روبرت أنه مزمع أن يعقد حفلته هذه، وطلب ~~إلي بإلحاح أن ألبي دعوته فوعدته. # فتبرم المستر هوكر قليلا وسكت، فعاد إدورد يسأله: ألا ألبي الدعوة؟ ~~- تقول إنك وعدت. ~~- نعم. وهل من محظور؟ ~~- كلا. ~~- إذن لماذا لا أراك راضيا؟ ~~- لا بأس. على أني قلما أسر بصداقة قوم كهؤلاء، يعتدون بأحسابهم، ويتكبرون على ~~الناس، ويستخفون بالغير، ويحتقرون العامة ولو كانوا أسعد حالا منهم وأوسع نفوذا وأعرض ~~جاها. يفعلون كل ذلك لمجرد أنهم متسلسلون من الأشراف؛ مع أن هناك كثيرين غيرهم من طبقتهم ~~أودع من الحمام، يحترمون الفقير قبل الغني والوضيع قبل الرفيع. # فبهت إدورد من كلام خاله، الذي لم يكن ليرتاب بصحته وقال في نفسه: «لا بد أن يكون ~~خالي أخبر مني.» ms16 ولكن قلبه أبى أن يصدق هذه التهمة فسأل خاله: وهل تعرف أسرة اللورد بنتن يا ~~سيدي؟ ~~- كلا وإنما أسمع عنها، وعلى الخصوص عن اللايدي بنتن، فيقال إنها متعجرفة جدا فلا ~~تجامل أحدا. ~~- ولكني لم أر شيئا من أمائر الخيلاء على وجهها لما قدمت إليها، بل جاملتني بكل ~~بشاشة ، ولا لاحظت شيئا من ذلك في ابنها اللورد روبرت كل مدة عشرتي له. # ولم يذكر إدورد اسم لويزا لا لأنه يأبى أن يبررها من الكبرياء؛ بل لكيلا ينبه أفكار خاله ~~إلى شغل قلبه بها. ~~- أما اللورد روبرت صديقك فقد يكون كما تعتقد به، وأما أمه اللايدي بنتن فمشهور أمرها، ~~وكونها بشت لك مرة لا يدل على أن البشاشة من طبعها؛ لأنها تعرف أن اللياقة تقضي عليها أن ~~تكون لطيفة، فتتكلف اللطف على قدر الإمكان، ولكن إذا حاضرتها برهة قتلتك بكبريائها، هل ~~حادثتك؟ ~~- كلا، بل اكتفت بتهنئتي بعد إذ قدمت لها، ثم عادت إلى محادثة اللايدي ~~جونستن. # فهز المستر هوكر رأسه ضاحكا، وقال: لو تسنى لك أن تعاشرها بضع دقائق لثبت لك صدق ~~قولي، ولطالما شكا الكثيرون من تجبرها وتكبرها. # فاستاء إدورد جدا من هذه التهم التي ألقيت على اللايدي بنتن، وأبى أن يصدقها ولكنه ~~لم يقدر أن يكذبها؛ لأن خاله يلقيها وهو لا يشك بصدق قوله. وحاول أن يدافع ولكن ليس عنده ~~برهان ولا حجة؛ لأنه لم يختبر اختبار خاله ولم يعلم علمه، فقال: إذن ما رأيك؟ ~~- رأيي ألا تذهب. ~~- ولكن وعدت. ~~- تعتذر. ~~- يتعذر علي الاعتذار. ~~- ليس شيء متعذر في الوجود. ~~- وماذا يضرني في أن ألبي دعوة صديقي، وإن كانت أمه متعجرفة؟ ليست لي علاقة معها. ~~- ضرر أدبي أهم من الضرر المادي. ~~- ما هو؟ ~~- الهوان الذي لا تطيقه النفوس الأبية. ~~- لا أظن أن اللايدي بنتن تستهين بضيوفها الذين تدعوهم إلى منزلها مهما كانت متكبرة ~~ومتعجرفة. ~~- هي لا تقصد ذلك، ولكن ظهورها بين ضيوفها كله كبر وخيلاء لا يطيقهما من كان عزيز ~~النفس. ~~- ولكني شاب لا شأن لي معها، وإنما أكون أكثر الوقت ms17 مع أقراني، وإذا شعرت بهوان أعاتب ~~في الحال وأنسحب. # عند ذلك اقتصر المستر هوكر الجدال، وأصر على رأيه قائلا: أما أنا فلا أستصوب ذهابك، ~~وأما أنت فلك أن تفعل ما تشاء. ~~- لا أشاء أن أخالف رأيك أيها الخال، ولكني أود أن ألبي الدعوة أولا لأني وعدت، وثانيا ~~لأني أنتظر أن أسر مع عدد عديد من الأصحاب. ~~- وكأنك لا تسر بعشرتنا يا إدورد؟! ~~- أنا معكم كل حين. ~~- ولكن أول أمس أتيت وبعد غد تعود؟ فسرعان ما مللت الإقامة معنا. # وضحك المستر هوكر ضحكة التمليق، وسكت إدورد إذ استنكف أن يجادل خاله في أمر لا يرغب فيه، ~~ولكنه أسف جدا لقيام هذه العقبة في سبيل اجتماعه بلويزا، مع أنه كان يعلل نفسه بلقاء ~~سعيد جدا؛ فانتظر عساه يسترضي خاله قبل الوقت المعين. # الفصل الخامس # | جرح في قلب # وفي اليوم التالي كان إدورد كل الوقت باهت البشاشة، قليل الكلام، نادر الهزل والمزاح ~~كعادته مع أليس، ولم تكن أليس لتجهل أن سبب امتعاضه هو عدم رضاء أبيها عن تلبيته للدعوة، ~~فحاولت بكل جهدها أن تسره؛ فلم تستطع فحارت في أمره لأنها لم تكن تنتظر أن أبسط الحفلات ~~يخطف فؤاده عنها، وما علمت أن هناك حبيبة غيرها شغلت قلبه وسلبت لبه. # ولما كانا جالسين عصر النهار في الشرفة المطلة على الحديقة قالت له: ما كنت أظنك يا إدورد ~~وأنت معي يمقتك سبب بسيط جدا، ألا تجد في حبي لك مؤنسا يغنيك عن أنس تلك الحفلة؟ ~~- لا ريب أنك آنس لي من كل أنيس يا أليس، ولكني وعدت صديقي مشافهة أن ألبي دعوته؛ ولهذا ~~يشق علي جدا أن أخلف بوعدي. ~~- تعتذر له. ~~- بأي عذر مقبول صادق أعتذر؟ ~~- بأي الأعذار مهما كان بسيطا. # فتأمل إدورد هنيهة وقال: كلا لا أعتذر. يجب أن أذهب. ~~- يظهر أنك ستذهب لأنك تود أن تذهب لا لأنك مقيد بوعد، وإلا لما تعذر عليك ~~الاعتذار. # فأجاب إدورد على الفور كأنه يجاوب عن تغيظ خفي: نعم قد أصبت. # فابتسمت أليس ابتسامة الحليم قائلة: ليتني ms18 أعلم ماذا تتوقع هناك من المسرات لعلي أقدر ~~أن أوفرها لك هنا. ~~- أتوقع أصحابا متعددين أقضي الوقت معهم باللعب والهرج والضحك والمذاكرة. ~~- صدقت أن عشرتي لا تغنيك حتى عن عشرة الأصدقاء الاعتياديين، فكيف ترضيك إن كنت تطمع ~~بعشرة أشخاص أخصاء غيري؟! # والظاهر أن أليس أحست أن قلب إدورد مشغول بحب فتاة غيرها، واستدلت على ذلك من تغير ~~أسلوبه في محاضرتها، ومن قلقه في بعض الأحيان وتشوقه إلى حضور الحفلة في قصر ~~كنستون. # وكان سكوت برهة، وهي تغالط نفسها فيما إذا كان إدورد يحبها كما تحبه، وأما إدورد فكان ~~لاهيا عن هذا الأمر بفكر آخر، وهو كيف يسترضي خاله ليذهب إلى قصر كنستون ويرى لويزا، وقد ~~كاد يفجر من الغيظ الذي يكظمه، وشعر أن تحرش أليس به كان كنكاية له في إبان ~~تغيظه. # أما أليس فقد أصبحت على شفا اليأس، وصارت أرغب من قبل في استكناه أفكاره واكتشاف ما ~~في فؤاده من نحوها، وأقلقها جدا ما رأته من فتوره، وغاظها بالأكثر سكوته بعد كلامها ~~الأخير كأنه جوابه الفصيح؛ فاكمد وجهها وصغرت نفسها، وبعد هنيهة اقتضبت ذلك السكوت ~~بصوت خافت كأن مصاريع فؤادها تتكلم لا شفتيها: ماذا أفعل لكي أعجبك يا إدورد حتى تحبني كما ~~أحبك؟ ~~- تعجبينني يا أليس وأحبك. ~~- ولكن أتحبني من نوع حبي؟ ~~- أحبك كأختي. ~~- ولكني أحبك يا إدورد غير حب الأخت للأخ، أحبك حبا شديدا فهل تحبني هذا الحب ولو ~~بعضه؟ # رأى إدورد أن الضرب على هذا الوتر كل حين بعد آخر يصم أذني قلبه؛ فآثر أن يقطعه واستسهل ~~أن يقطعه في تلك الساعة عينها وهو متغيظ، بل رأى أن المغالطة والمراوغة في هذا الحديث غير ~~محمودة العاقبة، وأن الإفصاح فيها أفضل جدا. ~~- أحبك يا أليس أشد حب ولكن حب أخ لأخت؛ لأني لا أرى حبا آخر يقدر أن يتغلب على هذا ~~الحب ويعزله ليقوم مقامه. ~~- إذن تخيب آمالي؟ ~~- بل أكرس نفسي لخدمتك يا أليس. ~~- لا أطلب منك إلا أن تبادلني فؤادك. ~~- أفهم جيدا ... ليس في طوقي يا أليس، ms19 ليت قلبي طوع إرادتي. على أني أبذل لك أعز من ~~قلبي، أبذل نفسي أثمن ما في شخصيتي، أبذلها لك رخيصة، ولكن قلبي لا أقدر عليه، أنت أختي ~~وأنا أخوك إلى الأبد. # فطفر الدمع من عيني أليس، واتكأت على يمين الكرسي، ووضعت خدها في كفها وجعلت تكفكف ~~دموعها بمنديل في يسراها. ثم تنهدت قائلة: آه! منكودة الحظ. ~~- لا تقولي كذا يا أليس، فإن عديدا من الشبان الأغنياء والوجهاء وذوي المقامات العالية ~~يلتمسون يدك، وبينهم كثيرون ممن يفضلون علي بمزايا ذات قيمة، ويعدون لك مكانة ~~سامية، فما أنت منكودة الطالع البتة. # عند ذلك أتى المستر هوكر ملتفا بوشاح كبير من الصوف؛ لأنه مل الاضطجاع في سريره، ثم ~~قعد في جانب الشرفة بعيدا عن مجرى الهواء، وأجال نظره في أليس وإدورد، ففهم حاصل ما كان ~~بينهما، فلم يتعرض لشيء من الموضوع، بل دخل في مواضيع عمومية كأنه لم يلاحظ أمرا، ولكن ~~إدورد لم يقتنع أن خاله خفي عليه ظاهر فشل أليس. # بعد العشاء ذهب إدورد إلى «النادي الأدبي» الخاص بخريجي جامعة كمبردج، والمستر هوكر ~~استقص أليس ما دار بينها وبين إدورد من الحديث، فأخبرته فحواه؛ لأنها استحت أن ترويه ~~لأبيها بحروفه؛ فلم يعقب المستر هوكر عليه بكلمة، بل تأمل برهة وانفرد في سريره. # الفصل السادس # | حديثه أو حديث عنه # في مساء اليوم التالي لليوم الذي انعقدت فيه حفلة الأنس في قصر كنستون اجتمع إدورد بصديق ~~حميم من أقران المستر وليم جراي في النادي الأدبي، فجرى بينهما الحديث الآتي: أسفنا كثيرا ~~لعدم وجودك معنا يا إدورد. ~~- عساكم استوفيتم كل ضروب المسرات. ~~- سررنا جدا، وكل من كان هناك كان يسائل عنك حتى قلق اللورد روبرت بنتن، واكتأب ~~لما طال تأخرك، وكانت مس بنتن تقول: «لا بد أن يأتي، أنا أؤكد أنه يأتي مهما قام في ~~سبيله من العوائق؛ لأنه يحب روبرت جدا.» # فعض إدرود شفته السفلى، وشعر بسهم من الألم اخترق فؤاده، وكاد يلعن خاله لأنه منعه عن ~~حضور الحفلة، وظل ينظر إلى وليم كأنه ms20 يستزيد حديثه؛ فاستمر هذا يقول: ولما وصل تلغرافك، ~~وعرف أنك لن تأتي بسبب انتكاس خالك الفجائي تكدر الكل. ~~- لا تدري كم اغتظت من نكسة خالي، فكان غيظي منها أشد من حزني عليه؛ لأني كنت أود جدا ~~أن أكون بين أصحابي في هذه الحفلة النادرة. ~~- بالحق إنها نادرة يا إدورد، ولو كنت معنا لكان سرورنا ضعفيه بلا شك. ~~- كيف كان أهل البيت لكم؟! ~~- لم يدخروا جهدا في مؤانستنا ومجاملتنا. ~~- قيل لي إن اللايدي بنتن متكبرة بل متعجرفة جدا، فهل لاحظت شيئا من ذلك؟! ~~- نعم لا تخلو من الإعجاب بنفسها وحب الأبهة، ولكنها كانت لكل منا في منتهى اللطف، ~~ولا يخفى عليك أن سيدة كبيرة كاللايدي بنتن لا تقدر أن تتصابى لتلاعب شبانا مثلنا ~~وتضاحكهم، ومع ذلك كنا كلنا ممتنين منها للطفها. ~~- عجيب، قيل لي إنها تتجبر جدا إلى حد أن تزدري محاضريها. ~~- كلا البتة، نعم إنها تترفع وتعجب بنفسها وتفخر، ولكن كما يليق بسيدة جليلة مثلها. ولا ~~أظنك تنكر جلال اللايدي بنتن. ~~- الحق أن الجلال لائق بها، وكيف كانت مس بنتن؟ ~~- أما مس بنتن، فكانت كالحمامة البيضاء، جاملت كل واحد ولعبت وضحكت ومزحت مع كل منا، ~~يا لله! ما أسنى هذه الملكة الصغيرة! فإن كل شيء فيها جميل يا إدورد: حسن صورة، وجمال ~~خلق، وكمال عقل، وذكاء حاد، ومعرفة واسعة. كانت بهجة الحفلة بل كانت ينبوع كل ~~سرور. # فتألقت عينا إدورد غيرة، وهم أن يسأله ماذا قالت عنه وكيف ذكرته، ولكن التعقل ألجم ~~لسانه عن هذا الاستفهام، فحام حوله بسؤال آخر. ~~- أما قرأت لكم شيئا من نظمها الجديد؟ ~~- نعم قرأت قصيدة صغيرة نظمتها لأجل الحفلة خصوصا، بالحق إنها شاعرة يا إدورد، ولكنها ~~تعجب بشعرك جدا، وكانت تسميك «شاعر النرجسة» فتقول: «الآن يجيء شاعر النرجسة، بعد قليل ~~يجيء شاعر النرجسة. قال شاعر النرجسة كذا في قصيدته.» # فاتضح في وجه إدورد صباح البشاشة عند سماعه هذا الكلام، وزقزق قلبه في قفص صدره فرحا، ~~وقال عن تغير ترو: «ثم ماذا؟» # فابتسم وليم لهذا السؤال، ms21 وقال: أظنها تميل إليك يا إدورد. # فتورد وجه إدورد وقال: لا. لا تظن. ~~- بل تميل إليك؛ لأنها ذكرتك كثيرا. ~~- وعلام تميل إلي يا أخي؟ ~~- لأنك شاعر وهي تحب الشعر. # ثم تطرقا في الحديث إلى مواضيع مختلفة، وبعد قليل انصرف إدورد إلى البيت قبل ميعاده ~~المعتاد؛ لأنه آثر الاختلاء بنفسه. # اضطجع في السرير عند الساعة العاشرة، ولكن النوم لم يضطجع في جفنيه، فكان يترجح على سرير ~~التأملات ويترنح في سفين من القلق على أمواج الأفكار، وباله يحوم حوله أمرين: الأول هل ~~تحبه لويزا؟ والثاني لماذا أبى خاله عليه أن يحضر هذه الحفلة؟ # أما أن لويزا تحبه فراجح عنده؛ لأن ما رواه له صديقه المستر وليم جراي أكثر من برهان ~~دامغ على حب لم يزل في مهد الطفولية، فإذا كانت لويزا تذكر إدورد هذا الذكر على أثر ~~مقابلة واحدة، تذكره تكرارا بالإطراء والمدح، وتذكره آملة بمجيئه، وتذكره غائبا أكثر مما ~~تذكر الحاضرين. إذا كانت تذكره هكذا فالأرجح أنها تحبه، أما «لماذا تحبه؟» فلأنه استوفى ~~الصفات والمزايا التي تبتغيها فيمن تحب، فكأنه صيغ في قالب أمانيها؛ فجاء طبق محبوبها ~~المتخيل. أقول المتخيل لأن لكل خال من الهوى حبيبا خياليا يتخيل صورته في ضميره، ~~كما تلهمه نفسه، ولكن ما الفائدة من حب إدورد؟ هل ترضى به بعلا؟ ذلك ما لم يؤمله إدورد ومع ~~ذلك كان قانعا بأن يكون ذا صلة حب بها وكفى. # أما لماذا أبى خاله عليه حضور هذه الحفلة فلم يعلم، حار في هذا السر، وقد ازدادت حيرته ~~لما علم أن اللايدي بنتن ليست كما صورها له خاله تمثال خيلاء ومثال عجرفة، بل هي كسائر ~~المسترات النبيلات الجليلات قدرا والكبيرات عمرا. # ارتاب إدورد في نكسة خاله، ورجح عنده أنها حيلة مصطنعة يرمي بها المستر هوكر إلى غرضين في ~~وقت واحد؛ الأول: أن يمتحن إحساسات ابن أخته نحوه ليرى هل يرق فؤاده ويمتنع عن أي تمتع ~~ليبقى ساهرا على سريره، أو يتركه في فراش المرض ويمضي غير عابئ به. والثاني: أن يعرقله عن ms22 ~~الذهاب ليعلم ما إذا كان في قصر كنستون جاذب قوي جدا يجتذبه بالرغم من داعي نكسته التي ~~تستبقيه في البيت. # الفصل السابع # | تنبيه لجاهل # في ضواحي لندن الشرقية حي متفرق المنازل، ينتهي ببعض الجنائن والغياض التي تتخلل ~~البيوت، وسكان تلك البيوت هم زراع تلك الجنائن يستغلون منها البقول والفاكهة، وفي أحد ~~أطراف ذلك الحي حانوت حقير يحتوي على أهم حاجيات المجاورين من أشربة روحية ومآكل وأمتعة ~~منزلية ونحو ذلك. وفي الحانوت شيخ يناهز الستين، وقد بيض الشيب شعر رأسه ولحيته، ولم ~~تزل فيه بقية من همة الشبان يدعى المستر جاكوب داي وله ابن في الثامنة عشرة من العمر ~~يدعى هنري داي، وكلاهما يتناوبان الإقامة في الحانوت. # وكان ذلك الفتى هنري يذهب في بعض الأيام للصيد في الحقول المجاورة، وفي يوم من أيام ذلك ~~الصيف الذي جرت فيه حكايتنا هذه ذهب للصيد وأوغل في تلك الحقول؛ حتى بعد جدا عن المنازل ~~وأصبح في القفر. وبينا يجول هناك إذ صادف من بعيد شبح إنسان ملقى في سفح رابية بين ~~الصخور؛ فأسرع إليه فرأى فتى صيادا مغمى عليه، والدم يسيل من إحدى ساقيه، فانحنى فوقه ~~وأجلسه ليرى إن كان فيه رمق، فتنهد الصريع في الحال وأن وفتح عينيه وقال: «بربك ~~أغثني.» # فقال له هنري: «ماذا حدث لك وماذا أصابك؟» # قال: «كنت أتنقل فوق هذه الهضاب أتتبع صيدا فزلت قدماي، وتزحلقت بين هذه الصخور من ~~هذا العلاء الشاهق، ولم أشعر إلا وأنا في حجرك لا أدري ماذا تعطل من أعضائي.» # فقال له هنري: «سليم إن شاء الله. لا تخف.» # وعند ذلك كان يفحص بدنه فوجد بعض رضوض في أعضائه وجرحا بسيطا في ساقه، فمسح الدم ~~عنها وعصبها، وقال: «هلم بنا آخذك إلى حانوتنا، وهناك نضمد جرحك، ونرى لك مركبة تقلك ~~إلى منزلك.» # فنهض وكان يمشي في أول الأمر متثاقلا وهنري يسنده؛ إلى أن نشطت قدماه وصار يمشي كالمعتاد ~~بلا تثاقل. # وكان عصاري اليوم لما أدركا الحانوت، فاستقبلهما المستر داي بكل اهتمام، ولما عرف حكاية ms23 ~~الحادثة جعل في الحال يهتم بجرح الفتى، فغسله بماء البوريك مما عنده وعاد فعصبه، وجلس ~~الفتى ساكن الروع يشكر لهنري وأبيه عنايتهما، ثم قال: إني جائع جدا، فماذا عندك يا عم ~~لآكل؟ ~~- ما تشاء من الأسماك المقددة وبعض اللحوم المبردة. ~~- بل هات ما تشاء، فإني استلذ كل طعام بعد هذا الجوع. # وعند ذلك رتب الشيخ مائدة صغيرة، وجلس الفتى إليها يتلمظ الطعام، وجلس الشيخ وابنه ~~إزاءه يذاكرانه فقال الشيخ: متى خرجت للصيد يا بني؟ ~~- في فجر هذا النهار؛ لأني صحوت باكرا جدا، فوجدت الطقس جميلا، فآثرت أن أقضي الصباح ~~في البرية أتصيد، وقد أوغلت في القفر حتى صار الظهر فقفلت راجعا وحدث لي ما حدث. # وكان الشيخ ينظر إليه ويتأمله كأنه يذكر تلك السحنة، أو ألف بعض ملامحها وشعر في قلبه ~~بانعطاف إليه، وكان يظنه أحد أبناء النبلاء؛ أولا لدلالة سيمائه عليه، وثانيا لنضارة ~~جسمه وحسن بزته. ~~- أتتفضل علينا يا بني أن تعرفنا بشخصك الكريم؟ ~~- إدورد سميث. ~~- سميث اسم لأسرات متعددة مختلفة، فمن أي سميث حضرتك؟ ~~- أسرتنا خاملة الذكر؛ فإن المرحوم أبي من قرية بعيدة تدعى «دون هل». ~~- أظنك تمزح يا بني؛ لأني أرى في محياك سيماء الكبراء، وعليك مظاهر الأغنياء. ~~- كلا لا أمزح يا سيدي، فإن أسرة أبي خاملة الذكر، ولكن أسرة أمي غنية، وقد ربيت في ~~بيت خالي وعشت في ظله. ~~- أظنك ربيت يتيما حتى تولى خالك تربيتك. ~~- نعم يتيم الأبوين؛ لأني كنت رضيعا يوم مات أبي، وأمي ماتت على أثر حمى النفاس على ما ~~قيل لي. # فتفرس فيه الشيخ وهو فاتح فاه كأنه يسمع بفمه وبأذنيه معا، وقال له: ما اسم ~~أبيك؟ ~~- جان سميث. ~~- لا تؤاخذني على كثرة السؤال، فإن الإنسان كلما شاخ كثرت سؤالاته، ولعلها مفيدة في بعض ~~الأحوال. ~~- سل ما تشاء يا عم، فإني أسر بعشرة الشيوخ، وإن كنت فتى حديث السن؛ لأني أستخلص ~~من كل حديث فائدة. ~~- من هو خالك؟ ~~- هو المستر جوزف هوكر، لعلنا معارف يا عم داي. # فانتفض الشيخ نفضة ضعيفة جدا، ms24 واعتدل في مجلسه وقال: لا. وإنما أسمع باسم خالك المستر ~~هوكر، أليس هو صاحب معمل القطن في شارع ب؟! ~~- نعم هو. ~~- هو مثر كبير. ~~- نعم، ألعلك تعرف أبي؟ ~~- ربما. لا أتذكر جيدا؛ لأني برحت لندن منذ عشرين عاما إلى ليفربول، ومنذ خمسة أعوام ~~عدت إلى هنا وفتحت هذا الحانوت. ~~- ولكني أراك تدقق في التسآل، كأن لك سابق معرفة بأبي أو بخالي. # فقال الشيخ متلجلجا: كلا، وإنما استغربت كيف أن أباك خامل الذكر، وأمك من أسرة غنية؛ ~~ولهذا تطرفت بالسؤال. ~~- ذلك ما لا أدريه وهو بالحقيقة يوجب الاستغراب. ~~- ألا تعرف أحدا من أقارب أبيك؟ ~~- كلا ولا سمعت عن أحد منهم. ~~- عجيب. أما خطر لك أن تستفهم عن نسب أبيك؟! ~~- ربيت في بيت خالي، ولم يدعني داع للبحث عن أهل أبي. ~~- ولكن إذا لم يدعك داع لذلك، أفلا تسأل وتبحث من قبيل العلم بالشيء؟ # فخجل إدورد بعض الخجل من هذا التأنب اللطيف، ورأى أن المستر داي محق به، فقال: ربما ~~أنتهز فرصة مناسبة لتحقيق ذلك إن شاء الله. ~~- تفعل حسنا. # وبعدما انتهى إدورد من تناول الطعام دفع الثمن أضعافا، فرده الشيخ داي إلا الثمن ~~المعتاد فأخذه، فعجب إدورد من ذلك لأنه كان ينتظر أن يطالباه بأجرة باهظة جزاء خدمتهما له، ~~فقال لهما في هذا الشأن. فقالا إنما فعلنا واجبا، والواجب لا يستحق أجرة. فقال: بماذا ~~أكافئكما إذن؟ # فانفرد به الشيخ قائلا: إن كنت تشاء أن تتفضل علي بمعروف، فانظر خدمة لابني هذا في ~~منزلكم العامر؛ لأني أحب أن تتدمث أخلاقه في منازل الكبراء، وإلا فإذا بقي هنا وهو لا يرى ~~إلا بعض الزراع شب شرس الخلق خشن الآداب، وإن كان قد تلقن مني المبادئ ~~القويمة. ~~- أرسله إلينا في أول فرصة في شارع ب. نمرة 265، وأنا أكلم خالي بأمره. # ثم شكر إدورد لهما فضلهما، وأثنى عليهما ثناء طيبا وودعهما وركب مركبة عابرة ~~ومضى. # وبالفعل ذهب الفتى هنري داي إلى منزل المستر هوكر بعد أسبوع، وتعين رقيبا على المطبخ، ~~ونيط به شراء لوازم الطعام. ms25 # الفصل الثامن # | حديث قلبين # أما إدورد فمكث بضعة أيام في البيت يعالج جرحه ورضوضه، وأليس تؤانسه وتلاطفه وتعنى ~~به، وتتودد وتتحبب إليه جهدها، وإدورد يعترف لها بحبه الأخوي ولا يزيد، حتى ضاقت ~~ذرعا. وكان المستر هوكر متنحيا عن هذا الموضوع، كأن لا علم له بما يجري بينهما من ~~المحاورات، ولكنه لم يأل جهدا في ملاطفة إدورد والتحبب إليه، وكان ينصح له أن يتمرن ~~على الشغل معه؛ ليتولى إدارة أشغاله كلها بعد حين، وأما إدورد فكان يعير كل تلك الأحاديث ~~الأذن الصماء؛ لأن قلبه مضطرم بحب لويزا ولبه منشغل بها. # وما كاد يشفى حتى ورد إليه كتاب من صديقه اللورد روبرت بنتن هذا نصه: # عزيزي إدورد # سنقضي يوم بعد الغد كله في «مونتمار»، ولكي نستوفي كل سرورنا نلتمس أن تكون معنا، ~~فإن لم يتعذر عليك ذلك هيا إلينا الساعة الثامنة صباح الغد إلى قصر كنستون حيث ~~نركب جميعا، ولي الأمل أن نستعيض من عشرتك ما فاتنا في الحفلة السابقة. # روبرت بنتن # فطوى إدورد الرسالة وجعل يفكر، هل يعرضها على خاله ويستأذنه بتلبية الدعوة، أو يكتم ~~أمرها ويذهب في الموعد المعين من غير علمه وعلم أليس؛ ذلك لأنه صمم أن يذهب على أي حال، ~~ولا يدع رادعا يردعه البتة. وأخيرا رأى أن من الجبن أن يكتم أمر الدعوة ويذهب سرا، وأن ~~خاله مهما كان له من الفضل والسيادة عليه فلا حق له أن يستبد في تدريبه ويتحكم بأمياله ~~وعواطفه، ولا سيما لأنه لا يأتي أمرا فريا في مصاحبة أسرة شريفة كأسرة اللورد بنتن. ~~وقرر في باله أنه إذا صادف تعنتا من خاله جادله غير هياب، وفي الحال نهض وذهب إلى ~~غرفة المستر هوكر، وكان الوقت صباحا والمستر هوكر لم ينزل من البيت بعد، فدفع إليه ~~الرسالة وقال: خالاه! اقرأ هذه الرسالة إن كنت تشاء. # فقرأها المستر هوكر وهو يخفي غيظه الذي كان يتقد في صدره، ثم أرجعها قائلا: ~~«وماذا؟» ~~- لا أرى بدا من تلبية الدعوة. # فهز المستر هوكر كتفيه، وأدار وجهه إلى ms26 حيث كان متجها أولا، فعاد إدورد يقول له: ألا ~~تستصوب أن ألبي الدعوة؟! ~~- قلت لك رأيي في المرة السابقة، فهل نسيت؟ ~~- كلا لم أنس، ولكني لا أرى بدا من تلبية الدعوة لأن الآداب تقضي بذلك، ولا سيما ~~لأني لم أزر صديقي بعد تلك الحفلة كما تقضي أصول المجاملة . ~~- إذا لم تر بدا من ذلك فافعل ما تشاء. # رأى إدورد أنه إذا ختم الحديث هنا تلافى القال والقيل والمناقشة والجدال فقال: إذن أبرح ~~غدا باكرا إلى شارع كنستون، وأعود من «مونتمار» المساء. # فسكت المستر هوكر، وخرج إدورد من عنده على هذا العزم. # مونتمار مزرعة كبيرة للايدي بنتن، قلما تبعد عن ضاحية لندن الشرقية الشمالية، وفيها ~~حقول وبستان فسيح غض، وفي وسطه قصر صغير تقصده أسرة بنتن في بعض أيام الصيف ~~للنزهة. # وما كانت الساعة العاشرة صباحا حتى أصبح القصر مأهولا بأسرة بنتن وبعض المدعوين من ~~أقاربها وأصحابها. ولو جئنا نصف ذلك النيروز وما حصل فيه من الألاعيب والأضاحيك وجميع ~~دواعي المسرات لانشغلنا به عن حكايتنا؛ ولذلك نضرب صفحا عن وصف محاسنه ونقتصر على ذكر ~~المهم مما يخص روايتنا، ونعني به ما كان بين لويزا وإدورد. # لا يحتمل المقام أن نصف للقارئ بالتدقيق والتفصيل كيف استقبلت لويزا إدورد وتعاشرا ~~في ذلك النهار، وإنما نلمع إلى ذلك إلماعا، ونورد نموذجا من محاوراتهما المختلفة؛ لكي ~~يعلم القارئ أين صارا في تبادل هواهما بعد مقابلة واحدة قصيرة. # أقبل إدورد على لويزا في الصباح في قصر كنستون، وفؤاده يتشنج في صدره تارة ويثب أخرى، ~~وشعر أن قدميه مرنتان تحت بدنه، فلم يعد يعرف كيف يمشي حتى دنا منها؛ فرأى ملكة بلا ~~تاج، وملاكا بلا جناحين، وثغرا يتدفق ابتساما، وخدين يتوردان توجدا، ولما وضعت كفها ~~على كفه لتصافحه كانت يداهما كسلكين اتصلا فجرى فيهما مجرى كهربائي سريع انتفض به قلباهما، ~~واختلجت عضلاتهما وكان بين لحظيهما حديث لم يلاحظه أحد من الحاضرين، ولم يفهمه غير ~~فؤاديهما. # وكانا في الطريق وفي أكثر فترات النهار يتخاطبان في مواضيع مختلفة، وإدورد ms27 لا تفوته لحظة ~~تأمل بجمال لويزا، وهي ينبوع تبسم لا ينضب. وكان إذا شغلت عنه هنيهة بغيره يعود ~~إلى نفسه، ويقول: أحقيق أن مس لويزا بنتن ابنة اللورد بنتن وابنة اللايدي بنتن المتكبرة، ~~هذه الفتاة التي استوجهت كل الأنظار إليها في حفلة كمبردج، وطارت شهرة جمالها في كل أندية ~~لندن، وتمنى العدد العديد من الشبان النبلاء أن يحصلوا على يدها، أحقيق أن هذه الفتاة هي ~~التي أراها الآن تبسم لي وتلاطفني كأنها دوني مقاما؟ # نعم هي، ولكن ماذا غرها بي؟ لا نسب ولا ثروة. أجمال؟ لا أراني أجمل من سواي. أعلم ~~وأدب؟ كثيرون من شبان اليوم يفوقونني علما وأدبا. أم أن الملاطفة والتودد خلقة فيها؟ ~~كلا. كلا؛ لأني لا أراها تتودد لغيري من المدعوين وتلاطفهم كما تلاطفني. أراها اليوم ~~تكاد تشغل بي وحدي؛ حتى صرت أخشى أن يلاحظ الأمر أبواها وينتقد عليها الباقون. # كاد الحب المتقد في صدر إدورد يستخفه إلى المجون أحيانا، ولكن كان في لبه وفير من ~~الرزانة والتعقل يقعده عن أقل خفة وطيش. # وفي عصر النهار نزل القوم إلى البستان يتمشون بين الأشجار والزهور، وكان إدورد ولويزا ~~يتمشيان معا فقطفت لويزا وردة وقالت: كيف أنت وعلم النبات يا مستر سميث؟ ~~- يلذ لي ككل علم يا سيدتي. ~~- أما أنا فكان يلذ لي تشريح النباتات، وتعليل أنسجتها وتغذيتها ونموها ونحو ذلك، وكنت ~~أتضجر جدا من درس اصطفافها؛ لأنها كثيرة التنوع إلى صفوف ورتب وعائلات عديدة لا تحصيها ~~ذاكرة. ~~- وأنا كنت كذلك يا مس بنتن، ولكني كنت أنظر إلى كل علم من إحدى جهاته، وأضرب صفحا عن ~~الجهات الأخرى، فكانت تلذ لي فلسفة تسلسل النباتات وأتمثل بها مبدأ الارتقاء. ~~- أتذكر من أي عائلة الوردة؟ # تناول إدورد وردة، وجعل يفتلها بين إصبعيه ويتأملها، ثم نظر إلى لويزا وتبسم وقال: ما ~~الوردة إلا حواء النبات أغوت النرجس بجمالها البديع، ولما وبخها الله احمرت أوراق ~~تويجها خجلا، ولم تزل حمراء. وأما النرجس فقاصه الله بالذبول. فضحكت لويزا متوردة ~~الوجنتين وقالت: أفي النبات شعر ms28 أيضا يا مستر سميث؟ ~~- في كل مادة من الطبيعة شعر يا سيدتي. ~~- وكيف تشرح الوردة، وتشرح وظائف أعضائها؟ ~~- تظل الوردة ملفوفة التويج ضمن كمها الأخضر ما دامت طفلة، فمتى بلغت دور الشبيبة انفتح ~~كمها عنها فيظهر جمالها الفتان حتى تصبو إليها النفوس، فتكشف «بتلاتها» عن فؤادها، فتظهر ~~سبلات دقيقة نابتة فوقه هي لهبات الحب، وما دام القلب غير ملتهب حبا يظل الجمال مخبوءا ~~تحت غلاف الكم، وإذا فتحت وردة لم تزل مختومة وجدت تويجها أبيض؛ ذلك لأن القلب لم ~~تمسه جمرة الحب بعد لكي يحمر التويج وينكشف عن القلب. # فابتسمت لويزا وظل الورد يظهر على وجنتيها تارة ويختفي أخرى، وقد استسهلت أن تشرح فؤادها ~~لإدورد باصطلاحات تشريح الزهور التي استنبطها فقالت: إذن تعتقد أن الحب سبب الجمال لا ~~الجمال سبب الحب؟ # وإذ ذاك أشبع خداها حمرة. ~~- أعتقد بكلا الأمرين. # فقالت بصوت متهدج: كيف؟ ~~- متى اضطرم القلب بالحب حمل سائر البدن على التجمل؛ فيكون الحب سبب الجمال هنا، ومتى ~~رأى قلب آخر ذلك الجمال اشتعل بالحب كذلك القلب؛ فيكون الجمال سبب الحب هنا. هكذا ترين ~~الجمال والحب يستقويان الواحد بالآخر كحليفين يتفقان على القلب. # فسكتت لويزا بعد هذا الكلام لأنه لم يبق لها مجال فيه إذ أصبح جريها في مضمار هذا ~~الحديث شططا عن جادة الأدب، ولكنها كانت تود أن تسمع المزيد من إدورد لتستعلن كل أفكار ~~قلبه، فكانت تنظر إليه باسمة، ولسان حالها يقول: «ثم ماذا؟» أما إدورد فصار لسانه قلقا في ~~حلقه، يتعثر باللفظ، والحمرة انتشرت في كل محياه، ولكن الفرصة السانحة ورضاء لويزا عن حديثه ~~شجعاه على الاسترسال فيه فقال: مسكين هذا القلب يشتهي الحب وهو آفته، يستلذه وهو محنته، ~~يحوم حوله كالفراشة حول النور فيلتهمه. ~~- كذا تعتقد؟ ~~- نعم، لأني أعرف من نفسي يا سيدتي. أليس لي قلب؟ # فظلت لويزا ساكتة. ~~- ولعلك تودين أن تسألي ما حال قلبي؟ # فبقيت ساكتة لا «نعم» ولا «لا»، ولكنها التفتت عنه وفي بدنها قشعريرة خفيفة وفي قلبها ~~خفوق. # فأجاب على السؤال الذي ms29 افترضه: هو شعلة وجد إن طالت حاله هذه تطاير شعاعا. # فقالت لويزا، وقد غصت فيما تقول حتى لم يكد إدورد يسمع: متى صار كذا؟ ~~- على أثر حفلة كمبردج يا لويزا. # ولم يستتم إدورد هذه العبارة حتى رأى موجة اختلاج مرت في قامة لويزا، كأن صاعقة انقضت ~~عليها واخترقت جسمها؛ فانثنت عنه مسرعة وانضمت إلى غيره من المتمشين في أرض البستان، أما ~~إدورد فشعر أن روحه أصبحت في أنفه، وقلبه قد انقطع وسقط من بين جنبيه، وقال في نفسه: «خسرت ~~الحياة. ويلاه!» وبقي بين الزهور يوهم أنه متلاه بها، ولكنه لم يعد ليعي ما حوله، ولا ~~يبصر ما أمامه إذ اسودت الدنيا في عينيه، وجعل يؤنب نفسه ويلوم ذاته كأنه أتى أنكر ~~المنكرات، ولو كان في يده آلة للهلاك لانتحر في الحال، وبعد هنيهة رأى اللورد روبرت مقبلا ~~عليه، فخطر له أن لويزا أخبرت أخاها بما قاله لها، وأنه قادم إليه لكي يوبخه على ما كان منه ~~معها، فصمم إدورد أن يخنق نفسه لأول كلمة يسمعها من صديقه روبرت بهذا الشأن، ولكن روبرت ~~ابتدره من بعيد قائلا: لا تؤاخذني يا حبيبي إدورد على قلة انتباهي إليك وانشغالي بغيرك من ~~الأصحاب، فإنما أغضيت عنك لأنك صديق بل أخ لا تعتب كسواك؛ ولأني رأيت لويزا تماشيك. أين ~~هي؟ # فكان قلب إدورد ينتفض عند كل كلمة يقولها روبرت متوقعا أن يكون هذا الكلام مقدمة تهكم ~~يليها التوبيخ، ولكن هدأ روعه قليلا عند سؤال روبرت: «أين هي؟» فقال: إني لفي غاية ~~الامتنان لك يا عزيزي روبرت ولحضرة الشقيقة الفاضلة مس بنتن؛ فإني رأيت من لطفكم وكرم ~~أخلاقكم أكثر مما رأى الباقون كلهم، بل أشكر لك ثقتك التامة بصدق محبتي التي لا يمكن معها ~~أن أرى منك تقصيرا بإكرامي بل تدعني أشعر أني في بيتي. # ثم تقدما وامتزجا مع الآخرين ولكن لويزا كانت بعيدة، وظل إدورد مضطرب الفؤاد ينتظر ~~عاقبة سيئة لحديثه الأخير مع لويزا، وقد صور الوهم له ذلك جرما عظيما جدا، وقطع كل ~~أمل ms30 من رضاها، وصار يتمنى أن ينتهي النهار لكي ينصرف من «مونتمار»؛ لأنه كان يرى ذلك ~~البستان قد أصبح جهنما من غضب لويزا. # وبعد العصاري اجتمع القوم في رحبة من رحبات البستان لتناول الشاي، وكان إدورد يخاف أن ~~ينظر إلى لويزا؛ فلم يجل نظره ليعلم من أي جهة تأتي ، فما درى إلا وهي وراءه تقول ~~لإحدى رفيقاتها: «نقعد هنا.» ثم قعدتا إلى جانبه، فرمقها فرآها تبسم وتبش كأنه لم يكن ~~شيء مما كان، أو كأن سحابة خجل لا غضب مرت على محياها، وانقشعت بذلك النفور القصير، ~~فهدأ روعه تماما وعاد أمله أقوى وأمتن. ثم عاد إلى محادثتها بمواضيع مختلفة بأكثر طلاقة من ~~السابق كأنهما صديقان تعارفا منذ الحداثة، ولم يبق عند إدورد شك بأن لويزا تحبه كما ~~يحبها. # وقد اختلس فرصة موافقة في خلال حديثه معها وسألها: هل يتسنى لي أن أراك كثيرا؟ ~~- في الأوبرا مساء الغد أقول لك أين تراني بعد ذلك. ~~- هل لي أن تذكري الأماكن التي يمكن أن أراك فيها تكرارا؛ حتى إذا لم أكن على ميعاد ~~اهتديت إليك بالإلهام أو بالبحث؟ ~~- في «هيد بارك» في طريق ن. وفي سباق دربي غالبا ... # انقضى النهار وانصرف ذلك الجمهور، حتى إذا دخلوا ضواحي المدينة تفرقوا كل إلى ~~منزله. # أما إدورد فذهب إلى مرقده محفوفا بسعادة روحانية، لم يكن يتصور من قبل أنها توجد في ~~العالم المادي. لويزا بنتن التي تتهافت إليها ألوف من القلوب تكاد تهبه قلبها أو أنها ~~وهبته، تفاهما بلغة الهوى تماما ولم يبق أمامها إلا أن يختما الحب بلثمة مشتركة بين ~~شفاههما، ثم ماذا بعد ذلك؟! أيقدر أن يقول لها يوما ما: «زوجتي»؟ خطر له هذا السؤال، ولكن ~~كما يخطر المستحيل على فكر اليائس العاقل؛ ذلك لأنه كان يقال إن اللايدي بنتن لا تزوج ~~ابنتها إلا لوردا محافظة على عادة النبلاء السلفاء. ولذلك كان يقول إدورد في نفسه: ~~«أحبها وتحبني وحسبي.» أما ماذا بعد ذلك فلا يدري، وأبى أن ينظر إلى ما بعد لئلا يكون في ~~نظره ms31 هذا ما يحزنه. # وكان كل يوم بعد آخر يلتقي بها في الأوبرا، أو في السباق أو في «هيد بارك»، أو أنه ~~يلاقيها على ظهر جواده إذ تكون مع أخيها على جواديهما في طريق «مونتمار»، وكان روبرت يدعوه ~~إلى كل حفلة تعقد في قصر كنستون حافلة كانت أو مقتصرة على الأخصاء. وكان اللورد ~~واللايدي بنتن يستلذان عشرة إدورد وحديثه جدا، ويعجبان بعلمه وأدبه، ويثنيان على ~~سماحة خلقه؛ ولهذا كان يسرهما جدا أنه عشير ابنهما روبرت، وعليه كان يختلف كثيرا إلى ~~القصر ويشعر أنه في بيت أخيه أو قريبه. # إذا اجتمع الحب والذكاء في شخص واحد كان ذلك الشخص خلاصة الإنسانية نقية من كل شائبة ~~مجردة عن كل كثافة بحيث تظهر صافية. فلا عجب أن يظهر إدورد في قصر كنستن مثال الجمال ~~العقلي، ويسطو على كبرياء اللايدي بنتن، بحيث لا تجسر أن تخشى على قلب ابنتها منه. كان ~~إدورد عشير لويزا بل عشيقها وهي عشيقته من غير أن تتنبه الظنون لهما، تلك هي فائدة قيادة ~~الحب بيد الذكاء. # تسنى لإدورد أن يرى لويزا أيان شاء تقريبا، وقد اجتمع بها أضعاف ما كان يتمناه ويعده ~~مستحيلا، وقد شرحا سفر هواهما وعلقا على هوامشه الحواشي، ولم يبق ذلك السفر الطويل ~~ناقصا إلا الخاتمة ولكن كانت تلك الخاتمة تتراءى لكل منهما أعز من تناول الطفل ~~القمر. # الفصل التاسع # | وعد بمجهول # ذلك كان شأن إدورد في هوى لويزا، وأما شأنه مع خاله ولا سيما مع أليس فكان على الضد، كانت ~~أليس تلاطفه إلى حد التذلل، وتتوسل إليه لأجل كل أمر، وتستعطف فؤاده بأساليب لطيفة في ~~خلال أحاديثها معه، ولكن تلك التوسلات والاستعطافات كانت تنزل على قلبه كالكحل ~~(السبيرتو) الحاد فتصلب عضلاته وأوتاره ومصاريعه، خلافا لابتسامات لويزا فإنها كانت تنزل ~~في فؤاده كإكسير الحياة. # على أن أليس علمت مع الأيام أن إدورد مشغول بحب مس بنتن؛ لتعدد زيارته لقصر كنستن ~~ولاجتماعه المتوالي باللورد روبرت صديقه، فكانت تتقد غيرة، ولكنها كظمت غيرتها وتجلدت ~~وواظبت على محاسنته آملة أن ms32 سعيه إلى مصاهرة آل بنتن يخفق، فإذا ظلت تحاسنه لا يستصعب ~~العودة إليها بعد الفشل من لويزا. # أما المستر هوكر خاله فلم يدخر جهدا في ملاطفته والبذل له وتقديم كل ما يلاحظ أنه ~~يبتغيه؛ فاقتنى له جوادا ومركبة، وكان يوصي كل الخدم أن يلبوا أي أمر له، وهكذا لم تنقصه ~~حاجة. # مع كل ذلك كان إدورد في غالب الأوقات كاسف البال في بيت خاله، قليل الضحك والمزاح على ~~غير عادته، وإذا بش ظهر التكلف في بشاشته، لا يسره شيء هناك مهما وفرت دواعي ~~السرور له، نعم لا يسر إذا لم تكن لويزا أمامه بحيث يجثو فؤاده أمام عرش جمالها، وتسكب ~~من روحها ماء الحياة في قلبه. # لم تغب على خاله حقيقة حاله؛ فتأكد أن عين لويزا بنتن سحرت لبه، وأن التعاويذ لم ~~تعد تجدي شيئا في ذلك السحر. # افتكر المستر هوكر طويلا في كيف يرقي قلب إدورد ليرفع عنه تأثير السحر، وجرب كل الرقى ~~المألوفة، فرقاه تارة بجمال أليس وطورا بتدللها، وحينا بتوددها وآخر بتذللها، وآنا ~~بالجاه وآنا بالثروة، فلم تنجع فيه رقية من كل هذه الرقى؛ فقال في نفسه: «إذن بقيت رقية ~~واحدة ادخرتها إلى هذا الحين، فإن لم تنجع فقد خابت كل آمالي وحبطت مساعي في عشرين ~~عاما وأزيد.» # وفي ذات صباح استدعى المستر هوكر ابن أخته إليه وهو في غرفته جالس إلى مكتبه، فجاء ~~إدورد وقعد على كرسي مقابله ينتظر ما يكون من أمره. ~~- عزيزي إدورد، ماذا تعتبر نفسك في هذا البيت؟ # فنظر إدورد إلى خاله مندهشا مستهجنا: أعتبر نفسي في بيتي، كذا صحوت من طفوليتي، وكذا ~~بقيت حتى هذه الساعة. ~~- وكذا تبقى إلى الأبد؛ إذ ليس لي ابن سواك، كما أن لا بنت لي سوى أليس. وماذا تعتبرني ~~بالنسبة لك؟ ~~- عجيب يا سيدي! إذا كنت تعدني ابنك فماذا أعدك غير أبي؟ ~~- هل لاحظت ولو مرة واحدة أني أفضل أليس عليك بشيء؟ ~~- كلا البتة، ولو لم تقل لي إنك خالي لما عرفتك إلا أبي الحقيقي. ~~- هل ضننت ms33 عليك بشيء في العشرين سنة التي ربيتك وعلمتك، كما يتعلم أبناء ~~الشرفاء؟ ~~- كلا. وهل يضن الأب على ابنه؟! ~~- أتعتقد أني أحبك حب الأب لابنه لا حب الخال لابن أخته؟ ~~- لا شك عندي بذلك. ~~- أتظن أني أضحي شيئا من سعادتك لأجل سعادة أليس؟ ~~- ما الذي يدعوك إلى هذا التسآل يا سيدي؟ ألاحظت مني شكا بعواطفك نحوي؟ ~~- كلا وإنما آخذ أقوالك هذه مقدمات أبني عليها حديثي الآتي، فلا تجبني إلا الصدق بكل ~~حرية ضمير؛ وإلا فسدت النتيجة التي نسعى إليها، فإن كنت لا تشعر بأنك في بيتي بمنزلة ~~ابنتي تماما، وأن مصلحتك عندي تساوي مصلحتها، وأني لا أضحي شيئا من سعادتك لأجلها، ولا ~~أهمل مصلحتك لأجل مصلحتها فقل. ~~- كلا، بل إني أشعر أني ابنك كما أن أليس ابنتك، ولا أعرف نفسي غير ذلك. # وعند ذاك كان إدورد يقول في نفسه: «ألا يمكن أنه يقف في سبيل سعادتي لأجل سعادة ~~ابنته؟» ~~- إذن أعرني سمعك وتدبر ما أقول، أرى يا عزيزي إدورد أنك في ثورة غرام. # فتدفعت عضلات إدورد تحت فعل اختلاج عنيف تدفع الأمواج تحت فعل الرياح، واكمد وجهه ~~حتى لاحظ المستر هوكر اضطراب بدنه وظلماء محياه؛ فأشفق على عواطفه واستدرك قائلا: نعم أراك ~~في ثورة غرام، ولكني أعذرك لا أعذلك؛ لأن الغرام جعل لمن هو مثلك وهو سنة الله في ~~القلوب البشرية، وإذا اقتيد الغرام بمقود التعقل كان سعادة حقيقية لذويه. # فاستبشر إدورد قليلا عند هذا الكلام، ولكنه بقي يوجس شيئا من خاتمة العظة. ~~- أتعلم يا إدورد أن الغرام سبيل إلى الزواج، فإن لم ينته به كان ويلا على ~~صاحبه؟ ~~- الحق أقول لك إني لا أعلم ذلك، وإنما علمت أن الحب ثمرة القلب البشري، ومتى نضج القلب ~~أثمر هذه الثمرة لا محالة. ~~- نعم الحب حتم على القلب، ولا قلب بلا حب حتى قلب الطفل، ولكنك لم تصب في تشبيه الحب ~~مع القلب، أنت تتكلم نظريا وأنا أتكلم اختباريا، الحب داء في القلب ولا علاج لهذا الداء ~~إلا الزواج. ~~- لا أراني مقتنعا بصحة ms34 هذه القضية يا سيدي، بل أشعر أن الحب هو هو ولا يشفي المحب منه ~~زواج ولا غيره. ~~- قد يصعب عليك أن تسلم بهذه القضية، ولكني أقولها لك كقضية مسلمة عند الجمهور بحكم ~~الاختبار. وأنت معذور الآن لأنك لا تزال خياليا في الحب، ولكن هذه الثورة الغرامية التي ~~أنت فيها، وتظنها دائمة تخمد على أثر الزواج حالا. ~~- هل ذلك كذلك؟ # قال إدورد هذه الكلمة، وأصغى إلى خاله لعله ينتهي بنتيجة ترضيه. ~~- إذا كنت قد آمنت بهذه القضية - وأقول آمنت لأنك لا تسلم بلا برهان حسي، والبرهان ~~الحسي هو أن تتزوج وعند ذلك تسلم فعلا - إذا كنت قد آمنت، فهاك قضية أخرى: «لا تكون ~~المحبوبة والمخطوبة واحدة دائما.» # ففتح إدورد فاه مستهجنا هذا القول. ~~- يا لله! لم أسمع بأغرب من هذه القضية. ~~- لا تستغرب. تحب فتيات كثيرات، ولكنك لا تتزوجهن كلهن. ~~- أحقيق أن الإنسان يحب غير واحدة؟! # يظهر أن إدورد الشاعر الدارس جاهل في الحب، فكان يظن أن المرء لا يحب في حياته إلا ~~شخصا واحدا، ولا بدع أن يظن كذلك وهو في أول حب؛ لأن كل مبتدئ في الحب يظن حبيبه الحبيب ~~الأول والآخر، على أن خاله برهن له فساد هذا الوهم؛ إذ قال: نعم يحب كثيرات مع الأيام على ~~أنه لا يحب غير واحدة في الوقت الواحد، وكثيرون من الشبان يتزوجون غير الفتيات اللواتي ~~أحبوهن. ~~- تعني الخونة في الحب؟ ~~- كلا، بل الصادقين الأمناء أيضا. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أن التي تحبها إما أنها لا توافقك زوجة، أو أنها تخونك فتغفلها، أو أنها لا تمنح ~~لك لسبب اجتماعي: كأن تكون أشرف أو أغنى منك، أو أن تكون أوضع فتستنكف أن تأخذها زوجة أو ~~نحو ذلك. وإذ تصمم على الزواج تبحث عن فتاة أخرى تلائم حالك وترضي عقلك قبل أن ترضي قلبك، ~~وتوافق مصلحتك لا هواك. ~~- كل هذا يتعذر علي فهمه يا سيدي، وجل ما أعقله من فلسفة الحب أني إذا أحببت ~~أحب واحدة فقط كل حياتي، وأتأكد أنها تحبني، وإذ ذاك لا ms35 أسلم أنها تخونني أو تتغير ~~علي، وسواء كنت أرفع منها مقاما أو أدنى؛ فلا أنا ولا هي نستنكف أن نكون زوجين، وإن قامت ~~في سبيل زواجنا موانع بقينا حبيبين أمينين إلى الأبد بلا زواج. هذا ما أعقله وأشعر به ولا ~~أقدر أن أتحول عن الاعتقاد به. # فسكت المستر هوكر برهة، وهو يتأمل كيف يقنع إدورد بفساد اعتقاده، وبعد هنيهة رفع رأسه ~~ونظر إليه قائلا: أتظن أني أغشك أو أكذب عليك يا إدورد، أو أني أقصد إغراءك؟ ~~- لا. ~~- أتظنني غرا قليل الاختبار؟! أترى أني مكابر في مناقشاتي؟ ~~- كلا البتة. ~~- فأنا أكلمك عن اختبار تام، وأقول لك حقيقة راهنة يعتقد بها كل الجمهور، ولسوف تعلمها ~~بنفسك وهي أن الزوجة قد تكون غير الحبيبة، ومتى صارت زوجة صارت هي الحبيبة الوحيدة إذا كان ~~الزوج ذا مبادئ قويمة. ~~- عجيب! كيف يحب المرء من يشاء؟! هل الحب تحت أمر الإرادة؟ ~~- منشأ الحب حب النفس، فحيث يكون للنفس مصلحة يتجه القلب بقوة الحب، وفي الزوجة الفاضلة ~~المستوفية كل صفات الزوجية أعظم مصلحة للنفس، فإذا حكمت عقلك فقال لك إن هذه الفتاة أفضل ~~لك كزوجة من تلك انصرف حبك عن تلك إلى هذه، وأما إذا استسلمت لهواك عميت عن مصلحة نفسك ~~طبعا. # وساد السكوت نحو دقيقتين، وكل منهما يتأمل: المستر هوكر يتأمل في ماذا يكون تأثير ~~كلامه على إدورد، أيرعوي وينقاد أم أنه يصر على هواه. وإدورد يتأمل في ماذا تكون خاتمة ~~هذه العظة. وفي كيف يكف خاله عن نصحه. ثم استعاد المستر هوكر الحديث قائلا: أظن أن قلبك ~~في قصر كنستون يا إدورد؟ ~~- نعم هناك مودع يا سيدي. # فعيرت لهذا الجواب رجة تغيظ في صدر المستر هوكر، ولكنه أخفاها عن إدورد وقال: ونعم ~~المستودع، لا تظن أنه يسيئني أن تودعه مس بنتن يا إدورد، فقد برهنت بإيداعه هناك على ~~كبر نفسك وأنك نشأة علاء ومجد، وما ذهبت عنايتي فيك سدى، ولكن أتعلم أن حبك لابنة اللورد ~~بنتن أو بالأحرى اللايدي بنتن عقيم ويستحيل أن يثمر، وأن ms36 خاتمته الهوان لك؟ ~~- أما أنه عقيم فأعلم، وأما أن عاقبته الهوان فلا أظن. ~~- بماذا تظن هذا الحب ينتهي؟ ~~- لا أدري. ~~- أنا أدري، إذا لم ينته بزواج فلا بد أن ينتهي بخذلان، وبما أنه لا ينتظر أن اللايدي ~~بنتن تنزل عن كبريائها، وترضى أن تزوج ابنتها لغير لورد مهما كان غنيا فلا بد أن تشعر ~~يوما من الأيام بصلة الهوى التي بينك وبين ابنتها؛ فتخذلك بل تخزيك بل تطردك من منزلها ~~طردا. # عند ذلك ابتدأ إدورد يشعر باشمئزاز من خاله ويحس بمثل الكره له، واستتم هذا كلامه ~~قائلا: وإلا فماذا تظن نهاية حبكما تكون؟ ~~- لا أظنه ينتهي في هذا العالم ولا في الآتي. # فضحك المستر هوكر وهز رأسه قائلا: وهل تقنع بهذا الحب العقيم؟ ~~- قانع ومسرور. ~~- أتظنك تثبت عليه إلى نهاية الحياة؟ ~~- من غير شك. # فضحك المستر هوكر جدا وقال: أعذرك يا بني فإن علم المدارس غير علم الزمان أصغ إلي ~~يا إدورد فإني أحبك جدا. أحبك حبا أبويا. اعص هواك في هذه الساعة، وعد إلى عقلك ~~وحده؛ فتجد أني أبتغي لك السعادة الدائمة. # وأما إدورد فكان يستقبل هذا الكلام كما يستقبل الصخر الصلد نقط المطر، تقع عليه وتتزحلق ~~عنه، وأما خاله فاسترسل في كلامه: دعني أكلمك بحرية ضميري ما دمت مقتنعا أنك وأليس ~~متساويان عندي في كل اعتبار. اعلم أني ربيتك أنت وابنتي معا، واعتنيت بكما عناية واحدة، ~~وجمعت ثروة كبيرة على قصد أن تتمتعا بها معا، وهيأت لكما مجدا لم تحلما به ولا خطر ~~على بال أحد من الناس. أما المال فلابنتي بحكم الشريعة؛ لأنها هي الوارثة الوحيدة لي، ~~ولكني أقسمه بينكما مناصفة على أي حال، وأما المجد - انتبه لهذا المجد - الذي أعددته لكما ~~فهو لكما معا متحدين وهو عدم إذا كنتما منفصلين. # ثم جذب المستر هوكر «درج» المكتب إليه، وتناول منه «حقيبة زرقاء» صغيرة وقال: لا تظن ~~هذا المجد الذي أكلمك عنه شيئا موهوما البتة، بل هو شيء حقيقي مخبوء لكما في هذه ~~الحقيبة. # فنظر إدورد إلى الحقيبة ms37 وهي في يد خاله بعين الاستغراب، وقال في نفسه: «مهما احتوت هذه ~~الحقيبة فلا تغرني.» ولم ينبس ببنت شفة، ولا اهتم أن يعلم ما فيها؛ لأنه يضحي كل شيء في ~~سبيل حبه للويزا، فلو كان في تلك الحقيبة تاج الإسكندر لرفسها برجله، وقال: «حب لويزا ~~أمجد.» ولهذا ما اكترث بها، ثم استمر خاله في حديثه: ولعلك تود أن تعلم ما في هذه الحقيبة ~~فلا تطمع بذلك الآن؛ لأن مفتاح سرها قرانكما لا سواه. # قال المستر هوكر هذا الكلام وقد تجرد من لهجة الانعطاف، فأجابه إدورد على الفور: دعها ~~إذن مقفلة. # فنظر المستر هوكر إلى إدورد بعين الاستغراب، وفي نظرته ظل من السخط ضعيف جدا. ~~- لا تزدرها يا إدورد، فإن المجد المخبوء لا ولأليس فيها لا يقل قط عن مجد اللايدي ~~بنتن. # فقال إدورد في نفسه: «ومهما يكن هذا المجد، فما هو إلا قتام لدى سنا لويزا.» وبقي ~~صامتا. # وبعد سكوت هنيهة قال المستر هوكر: أنت مخير الآن بين أمرين يا إدورد: إما هوان دائم ~~بحب ابنة اللورد بنتن بل خذلان قريب على ما أظن، أو مجد سني جدا بزواجك من ~~أليس. ~~- أؤثر الهوان. # فنظر فيه المستر هوكر شزرا وكاد ينتهره ولكنه امتلك خلقه. ~~- لا تظنني أعرض ابنتي عليك لأني لا أجد لها كفؤا، وإنما أعرض عليك مجدا لا يكون إلا ~~بقرانك بها. # فكان إدورد يسأله «ما هذا المجد؟» ولكنه لم يكن يرضى بشيء حتى ولا بالملكوت الأرضي بدل ~~حب أليس، فألجم لسانه عن هذا السؤال لكي يقصر الحديث وينتهي من هذه العظة العقيمة. ~~- اعلم جيدا يا سيدي أن أليس تجد كثيرين أكفأ مني لها يتمنون يدها. ~~- أتطمع بزوجة أفضل منها؟ ~~- كلا، ولا بمثلها. ~~- إذن لماذا لا تقبلها زوجتك، وتقبل معها مجدا عظيما؟ ~~- هذا فوق طوقي يا سيدي. ~~- أليس تحبك جدا يا إدورد. ~~- وأنا أحبها ولكن كأختي، كذا ربينا معا. # وبعد سكوت قصير قال المستر هوكر: ألا تتأمل المسألة جيدا، فعساك ترعوي وتؤثر ~~نصحي؟ ~~- تأملتها كثيرا قبل الآن، وكنت كلما تأملت ms38 أصل إلى نتيجة واحدة، وهي أن أليس أختي لا ~~أقدر أن أكون زوجها. ~~- بل تأمل في الأيام المقبلة فتجد أني أقصد سعادتك يا إدورد، اذكر هذه الحقيبة الزرقاء ~~واعتقد أني صادق بقولي فلا أغريك ولا أخدعك. ~~- لا أشك بصدق قولك، ولكني لا آمل أن أجبل فؤادي جبلة ثانية . ~~- إذن تصر على هواك؟ ~~- فتنهد إدورد، وكاد الدمع يطفر من مقلتيه. ~~- نعم لأن ما تبتغيه فوق قدرتي، فاعذرني. ~~- إذن ضاعت كل آمالي فيك، بل ذهبت كل عنايتي سدى. ولو لم يكن فيما بذلته عليك نفع لك ~~لندمت على ما فعلت لك، على أني لا أزال آمل أن تثوب إلى رشدك متى خذلوك. # ثم نهض المستر هوكر وهو لا يملك غضبه، وقد طلعت على جبهته غمامة من السخط قاتمة، ثم ذهب ~~إلى معمله وترك إدورد والحزن يقطع في فؤاده، وهو يأكل أصابعه لوقوعه في أزمة شديدة، وصار ~~يفكر في مخرج منها فلم يجد، وأصبح منذ ذلك الحين يوجس خيفة من خاله. # وكان كل هنيهة ينظر إلى الساعة لأنه كان ينتظر العصر للقائه بلويزا على ظهر جوادها مع ~~أخيها في الطريق إلى مونتمار. # الفصل العاشر # | عهد بلا يد # في الساعة الرابعة بعد الظهر كان إدورد في الطريق إلى مونتمار يلوي عنان جواده، فيسير به ~~طردا وعكسا، وهو يترقب قدوم صديقه روبرت بنتن وشقيقته، وما أقبلا عليه حتى نفد كل صبره ~~وكاد يهيم في البرية، ولما أوغلوا بين الحقول ترجلوا برهة وتقدم روبرت لكي يقطف بعض ~~الزهور؛ فاغتنم إدورد تلك الفرصة وأسر إلى لويزا الحديث الآتي: أتحبينني يا لويزا؟ # وكان القلق مقروءا في عيني إدورد، فامتقع لون لويزا ولم تتمالك أن تبتسم وتجيب مندهشة: ~~من يسأل هذا السؤال يا إدورد؟ ~~- اعذريني، لي معك حديث صغير مهم، والفرصة قصيرة. ~~- ماذا؟ ~~- ما غاية حبنا يا لويزا؟ ~~- لا أدري. بالحق لا أدري. ~~- وأنا لم أكن لأدري، ولكن قيل لي إن الهوى إذا لم ينته بالزواج انتهى بالهوان. # فاقشعر بدن لويزا وانعقد لسانها. ~~- أترضين بي زوجا أمينا يا لويزا؟ ms39 # فقالت بصوت خافت: آه! لو يمكن! ~~- إذا رضيت فلا شيء يستحيل. ~~- لا يستحيل يا إدورد ولكن ... ~~- ماذا؟ ~~- أترضى ذلك بعار؟ ~~- معاذ الله! أين العار فيه؟ ~~- لا أكون زوجتك إلا إذا أنكر آل بنتن لويزا، أو إذا زعموا أنها ماتت. ~~- ألا تنصحين لي أن أطلب يدك من أبويك؟ لعل القدر يكتم لنا أملا لم نكن ننتظره! ~~- كلا، أنا أعلم أنه أسهل على أمي أن تقول إن ابنتها ماتت من أن يقال إنها زوجة رئيس ~~الجمهورية الأميركية، أو زوجة كارنجي أو ركفلر إذا لم يكن لوردا. ~~- وأبوك؟ ~~- أمي فقط أمي. ~~- ألا يقدر أبوك وأخوك أن يقنعاها إذا أصررت أنت؟ ~~- الله وحده يقدر. ~~- إذن ما العمل؟ ~~- لا أدري. ~~- أما خطر لك هذا الأمر؟ ~~- كل يوم. ~~- فماذا ارتأيت؟ ~~- لم أجد حلا لهذه العقدة. ~~- وماذا نفعل؟ ~~- لا نفعل شيئا. ~~- أنبقى كما نحن؟ ~~- أما أنا فأبقى إلى الأبد. ~~- أترضين حقيقة بالحالة الحاضرة يا لويزا؛ أي أن نبقى حبيبين أمينين كل الحياة؟ ~~- ماذا أستطيع غير ذلك؟ ~~- حسبي ذلك يا لويزا إذا كان يرضيك. ~~- ذلك أفضل من عدمه. ~~- ماذا تفعلين إذا طلب يدك لورد؟ ~~- إذا كان لأمي أن تمنع يدي عن غير لورد، فليس لها أن تهبها بالرغم مني لملك. ~~- كيف أقدر أن أكون لك كما يجب أن أكون؟ ~~- كن كما أنت. ~~- أأستحق أن أكون محبك كما أنا؟ ~~- إذا كنت أغبط نفسي على كونك حبيبي حتى ولو كنت ملكة، فهي نعمة أن تكون محبي وأنا لويزا ~~بنتن. ~~- أنت مغبونة يا لويزا ... ~~- صه! أتقسم أن تثبت في محبتي؟ ~~- بل في عبادتك. ~~- إذن لا تعد أياما، ولا تعتبر أن في الوجود زمانا يجيء ويمضي، بل اعتقد أن الأبدية ~~ابتدأت منذ حفلة كمبردج، ولويزا التي تلاقيها في عالم الأرواح هي نفس لويزا التي لقيتها في ~~جامعة كمبردج. # فتح إدورد فاه ليتكلم فلم يتكلم، نظر في عيني لويزا، ونظرت في عينيه فكانت نظراتهما ~~حديثا طويلا يملأ أسفارا، من يقدر أن يعبر عما تكلمته عيونهما؟ ومن يشك أن ~~الروحين قد أطلتا من نوافذ ms40 العيون في ذلك الموقف؟ ومن لا يعتقد أن معاني الأرواح أسمى ~~جدا من معاني العقول؟ تلك هي المرة الوحيدة التي جرى فيها حديث أهل السماء على الأرض من ~~عهد أبينا آدم إلى اليوم. # عن غير روية تناول إدورد يد لويزا، وهي وضعتها في كفه، فرفعها إلى شفتيه فشعرت لويزا كأن ~~نسمة روح قد نسمت عليها وجرت في كل بدنها، وشعر إدورد أن نفخة سموية ملأت رئتيه. لم ~~يذكر إدورد ولا لويزا أن عضلات ساعديهما تحركت عند هذا العمل. فماذا حركهما إذن؟ # الفصل الحادي عشر # | أمل النفس الكبيرة # لم ينم إدورد في تلك الليلة، وكيف ينام وعلى صدره همان؟ الهم الأول الخصام الذي نشأ ~~بينه وبين خاله، والهم الثاني تقصيره عن إدراك المقام الذي يستحق فيه يد لويزا. # شعر منذ ذلك الحين أنه في بيت خاله وأن خاله غير أبيه، ورأى أن ثروة خاله لأليس فلا يمد ~~يدا لأقل نصيب منها البتة، وإن كان خاله قد وعد أن يمنحه نصفها، بل شعر أنه أصبح ضيفا عند ~~خاله، ما دام يرفض نصحه ويخيب آماله، بل صار يرى نفسه ثقيلا هناك، بل صار يرى أن فضل ~~خاله عليه أثقل من رضوى على صدره. فصارت نفسه تحدثه أن ينفصل عنه ويعيش لنفسه. ماذا ~~يشتغل؟ ليس في يده مال ولا تعلم صناعة، لم يخطر على باله من قبل أن يعمل عملا سوى أن ~~يحل محل خاله في: إدارة معمله ومراقبة أملاكه تدريجا، فهل يفعل ذلك؟ أجاب نفسه: «لا، إن ~~كنت أؤثر الانفصال عن خالي، فيجب أن أستقل بكل شيء وبالأحرى في العمل، إن جئت أشتغل في ~~معمله بقيت في منزله وتحت فضله.» # ردد في فكره مواهبه ومعارفه ليعلم ماهية أهليته، فلم يجد إلا الشعر من المواهب والقلم ~~من المهن، فخطر له أن يشتغل في الصحافة، في تلك الليلة كان هذا الفكر حبة خردل، وفي تلك ~~الليلة نفسها أصبح شجرة. رأى أن مجال الصحافة رحيب أمامه، فقدر لنفسه ارتقاء سريعا ~~فيها، ثم طمع بعد ذلك الارتقاء ms41 أن ينتقل من الصحافة إلى السياسة، وقدر لنفسه ارتقاء ~~باهرا في هذه أيضا، ثم طمع أن يتربع في دست الوزارة، وينال لقب لورد ويستمنح يد لويزا. ~~تنهد إدورد عند هذه النتيجة، وقال حتى كاد يسمع من خارج غرفته: «آه لو كان لي تاج إنكلترا ~~لوضعته بين يدي اللايدي بنتن لتقدم لي فيه لويزا.» # عند ذلك انتبه أنه يبني قصورا في الهواء، فقال في نفسه: دعني من الأماني الموهومة ~~فلأفتكر بالآمال المفعولة. ماذا يضر أن أطلب يد لويزا من والديها؟ فقد لا يستحيل أن ترضى ~~اللايدي بنتن إذا رأت أن لويزا لا ترضى سواي بعلا، وروبرت صديقي يرضى من غير بد، واللورد ~~بنتن يرضى على الأرجح؛ لأني فهمت من فحوى أحاديثه العديدة أن قيمة الرجل عنده بجوهره الشخصي ~~لا بأحواله الخارجية. ولا حظت أنه يودني جدا ويضعني في مكانة سامية، بل اللايدي بنتن ~~نفسها تعتبرني كذلك. ألا يحتمل أن جبن لويزا وضعف قلبها وخوفها وحياءها كل هذه الأمور ~~توهمها أن الأمر مستحيل؟ أولا يمكن أن هيبة أمها الجليلة توهمها ذلك؟ كم من كبراء العامة ~~الذين صاهروا الشرفاء في هذا العصر! # ثم عاد فافتكر في نفسه أن ذلك لا يكون بلا رضى خاله ووراثة نصف ماله؛ فتنهد وفكر ~~طويلا وقال: «لا بأس. خالي هو أبي الحقيقي، وهو حنون علي جدا ويحبني جدا، فإذا نلت ~~يد لويزا يسر بلا مشاحة كما لو طلب لورد يد أليس ابنته.» وعند ذلك خطر له أنه إذا صار ~~صهرا لآل بنتن، فلا يستحيل عليه أن يجد خاطبا لوردا لأليس، فسر لحل العقدة الوهمي ~~على هذا الأسلوب، وكثيرا ما يصور الغرور الأوهام حقائق، وظل هذا الرأي ينمو في ضميره ~~والآمال تقويه حتى الصباح، فصمم أن يكتب للايدي واللورد بنتن بهذا الشأن. # جلس إدورد إلى مكتبه وجعل يكتب ثم يشطب، حتى إذا امتلأت الصحيفة كلاما مشطوبا جمعها في ~~كفه وعصرها ورماها في سلة الأوراق المنفية. وعلى هذا النحو رمى نحو ثماني صحائف، ولما ~~يتوفق إلى صيغة طلب موافقة، خانه ms42 القلم وقتها وأغفلته آلهة الشعر، وغاب من ذهنه منطقه، بل ~~ضاع كل علمه فلم يعرف ماذا يكتب. أخيرا قال: «المقام ليس مقام فلسفة، يكفي أن أوضح مطلبي ~~بأبسط عبارة.» فكتب هكذا: # سيدي اللايدي واللورد بنتن الأفخمين # درستموني في كل مدة تعارفنا وعرفتم حقيقتي جيدا، وقد ظهر من مجاملتكم لي ورضائكم ~~عن دالتي عليكم أني نلت استحسانكم؛ وذلك جرأني على أن أسألكم: أيمكنني أن أرجو ~~منكما يد مس لويزا ابنتكم؟ أتشرف بأن أخبركم أن ثروة خالي المستر جوزف هوكر الذي ~~كان ولن يزال أبا لي تبلغ نحو مليون جنيه، وقد خصص لي نصفها، والنصف الآخر ~~لابنته الوحيدة، واقبلوا فائق احترامي. # إدورد سميث # ثم طوى الرسالة وغلفها ونزل بنفسه، ورماها في صندوق البريد ولم يعد، دخل المستر هوكر إلى ~~غرفته، فرأى المكتب مختلط المواد، فعلم أن إدورد كان منشغلا كما توقع؛ لأنه لاحظ قلقه في ~~اليوم الفائت. التفت إلى سلة الأوراق المنفية، فرأى ورقا كثيرا مرميا، فتناول الأوراق ~~واحدة واحدة، وعلم ما كان إدورد يحاول أن يكتبه. # ولما كان المساء قال المستر هوكر لإدورد وهما وأليس إلى المائدة: «أظنك تتوقع خيرا غدا ~~إن شاء الله يا عزيزي.» # فارتعش بدن إدورد واكمدت طلعته قليلا؛ لأنه ظن أن خاله عرف بكل ما كان، وفكر في كيف ~~عرف فلم يفطن إلى الأوراق التي رماها في السلة، فاكتفى بقوله: «من يعلم!» ولم يزد؛ كأنه كان ~~يأبى الخوض في الحديث. أما أليس فلم تعلم معنى ما تبودل من الكلم القليلة بين أبيها ~~وإدورد، ولا المناقشة التي جرت بينهما في اليوم السابق. # الفصل الثاني عشر # | عزم النفس الشماء # وفي صباح اليوم التالي ورد إلى إدورد الرسالة الآتية: # مستر إدورد سميث # أنتظرك غدا الساعة الحادية عشرة في قصر مونتمار، وإذا لم ترني في باب الحديقة ~~وحدي فابتعد، لا تدع أخي روبرت يراك، أو يعرف بوجودك هناك. أبد هذه الرسالة من ~~الوجود وإلا كانت الأولى والأخيرة بيني وبينك. # لويزا # قرأها إدورد أولا وثانيا وثالثا، فلم يفهم منها شيئا غير موعد ms43 اللقاء، فحار في أمره، ~~ولكنه رجح اليأس على الأمل، فامتطى جواده فوصل إلى قصر مونتمار الساعة العاشرة، فدنا من ~~باب الحديقة فوجده مقفلا فعاد إلى وراء الآكام، وصار كل هنيهة يشرف على الباب فيجده ~~مقفلا، وما دنت الساعة الحادية عشرة حتى كان قد أطل عشرين مرة، وفي المرة الأخيرة وجد ~~لويزا واقفة في باب الحديقة فترجل ودنا منها فجن؛ إذ رآها وقد تقرح جفناها من البكاء، ~~فامتثل أمامها وفؤاده ينتفض جزعا، وسألها من غير أن يحييها: ماذا جرى يا لويزا؟ ~~- نتيجة ما عملت أمس. أما نصحتك ألا تفاوض والدي بشأني؟ ~~- ماذا جرى؟ ~~- قرأ أبي رسالتك ثم دفعها إلى أمي، فأمعنت النظر فيها قليلا. وكنت أرى ضبابة من الغيظ ~~تتكاثف على محياها، ثم التفتت بروبرت وقالت: «لا يأت إدورد سميث إلى هنا بعد، ولا تجتمع ~~به في مكان.» فسألها أخي عن السبب فقالت: «كذا أريد.» ومن ذا يرد إرادتها! ~~- وماذا قال أبوك؟ ~~- لم يفه ببنت شفة، ولكن كانت ملامحه تدل على موافقته لأمي. ~~- هل قرأت رسالتي؟ ~~- نعم قرأتها أنا وروبرت. ~~- وماذا قال روبرت؟ ~~- لم يقل شيئا، ولكنه لا يسعه إلا مطاوعة أمي. ~~- إذن أصبح روبرت خصمي. ~~- كذا في الظاهر على ما أظن. ~~- أي شيء في الرسالة أغضب أمك؟ ~~- ذلك ما لم أستطع أن أفهمه، فقد كان يمكنها أن ترفض الالتماس من غير أن تغضب ~~وتسخط. # ثم تأمل إدورد برهة، وقال بفكره: «ما هي إلا وشاية خالي. لا يستحيل أنه رآني مصرا على ~~مخالفته ومطاوعة هواي أوعز إلى اللايدي بنتن بأسلوب لا أعلمه أن بيني وبين لويزا صلة حب، ~~فنفرها مني حتى إذا انتهت رسالتي إليها حمي غضبها، ألا يحتمل أن يكون فعل ذلك؟ نعم نعم، ~~هذا هو الأرجح؛ فإني أرى هذا الرجل لا يغفل عن أي وسيلة لرد سبيلي إلى ابنته فما العمل؟» ~~بعد هذا التأمل قال: لويزا. ~~- ماذا؟ ~~- بنيت في الليل الأسبق قصورا في الهواء، ولكني سأبنيها على الصخر إن شاء الله. ~~- لم أفهم. ~~- سيستحق إدورد سميث يدك إن شاء ms44 الله. ~~- لم أفهم بعد. ~~- ستفهمين، ولماذا كنت تبكين؟ ~~- لأني سأحرم رؤيتك. ~~- ستحرمينها إلى حين، وكل آت قريب، لا تفوتني الفرص التي أقدر أن أجتمع بك فيها، ولا ~~أظننا يتعذر علينا أن نجتمع كما اجتمعنا الآن. ~~- ولكن هذا الاجتماع لا يليق بابنة اللورد بنتن يا إدورد ... # فقاطعها قائلا: صدقت ، ولا يليق بحبيبة إدورد سميث؛ فصبرا يا لويزا. # ثم استأنفت قائلة: وقد أتيت مع روبرت اليوم ومنذ هنيهة حملته أن يذهب إلى الصيد لكي يخلو ~~لي المقام وألتقيك في الموعد المعين، ولو لم تقض الضرورة بهذا الاجتماع لما طلبتك. ماذا ~~جرى برسالتي لك؟ ~~- ها هي. # فتناولتها من يده، ومزقتها حتى صارت هباء ونثرتها. ~~- لا بد أن تدعو الضرورة أن نجتمع يا لويزا؛ لكي نتفاوض بشأننا فكيف أرسل لك ~~خبرا؟ # فكرت لويزا هنيهة ثم قالت: اقصد إلى الأوبرا، أو إلى حيث يمكن أن أراك، فإذا رأيت في ~~صدرك وردة صفراء عرفت أن أمرا يقضي باجتماعنا، فأكتب إليك عن الميعاد والمكان الممكنين ~~للقائنا. ~~- ولكن قد تغير عنواني. ~~- ما هو الآن؟ ~~- لا أدري. ~~- كيف لا تدري؟ ~~- لأني صممت الآن ألا أعود إلى بيت خالي بعد. ~~- لماذا؟ ~~- لأني أود أن أعيش مستقلا معتمدا على نفسي. ~~- ماذا تفعل؟ ~~- لا أدري. ~~- أين تسكن؟ ~~- لا أدري. أول رسالة ترسلينها لي أتناولها من دار البريد نفسها، ومتى اجتمعنا ثانية ~~تعلمين عنواني. # تأملت لويزا برهة ثم قالت: لماذا تنفصل عن خالك يا إدورد؟ ~~- لكيلا أكون أسيره على الدوام. ~~- بماذا يأسرك؟ ~~- ما دمت عنده ينصح لي أن آخذ ابنته محفوفة بمال ومجد، أما المال فأعلم أنه وفير، وأما ~~المجد الموعود به فلا أعلمه. # فهبط قلب لويزا عند هذا القول، ولكن تجلدت قائلة: أهذا هو الأسر؟ ~~- بل هو الموت. ~~- بماذا تعاب ابنة خالك؟ ~~- تكاد تكون العذراء مريم. ~~- عجيب! كمال ومجد ثم موت يا إدورد! لماذا تأبى نصح خالك؟ # فطفر الدمع من عينيه وقال: إذن لا تحبينني يا لويزا. ~~- ويلاه! كيف أنا هنا ولماذا؟ ~~- إذن كيف تطيقين أن أصغي إلى نصح خالي؟ ~~- بربك لا ms45 أطيق. ~~- إذن تمتحنين حبي؟ ~~- بربك اغفر لي. # ثم سكتا هنيهة ولويزا اقتضبت ذلك السكوت. ~~- أرى أننا نؤلف رواية حقيقية يا إدورد أو أننا نمثل دورا. ~~- ماذا تعنين؟! ~~- أرى أن المستقبل كثير الحوادث لنا، وربما كان بعضها محزنا. ~~- أتظنين أن الحوادث تؤثر على حبنا؟ ~~- كلا، وإنما أخاف عليك من استقلالك. ~~- إذا كنت تخافين علي، فما أنا المستحق حبك يا لويزا. ~~- أعندك مال تشتغل به؟ ~~- ولا مال لأعيش يوما واحدا. ~~- ويلاه! ماذا تفعل؟ أرسل لك مبلغا في أول الأمر. ~~- أرده ولا تعودين ترين وجهي. ~~- إذن علام تعتمد؟ ~~- على نفسي الكبيرة وعقلي السليم. # فتمتمت قائلة: لا يجديان شيئا في أول الأمر، مهما كان المصباح وفير الزيت لا يشتعل ~~إلا من لهيب الثقاب أولا. ~~- اطمئني علي يا لويزا، فإذا لم أجعل نفسي رجلك الكفء فلا أستحق محبتك. # الفصل الثالث عشر # | المذلة بقدر الشمم # في صباح اليوم التالي نهض المستر هوكر من سريره وهو مضطرب البال على إدورد؛ لأنه لم يعد ~~إلى البيت منذ صباح اليوم السابق، ولما فحص البريد وجد بين الرسائل رسالة منه، هذا نصها: # سيدي الخال مستر هوكر # مهما تغير علي الزمان أظل أسير فضلك، لو ملكت العالم كله وقدمته إليك بقيت ~~مديونا لك. صرت الآن رجلا مستوفيا المعرفة اللازمة للعمل بفضل عنايتك؛ فآثرت أن ~~أستقل بمعيشتي وأعتمد على نفسي فائذن لي بذلك. # تفضل أنت وعزيزتي أليس بقبول فائق احترامي. # إدورد سميث # فقرأها المستر هوكر مرتين وثلاثا، والدمع يكاد بذرف من مقلتيه، ثم دفعها لأليس فما ~~أتمتها حتى أسرعت إلى غرفتها، وجعلت تبكي بكاء مرا وهي لا تدري من تلوم؛ لأنها لا تعلم ~~السبب الحقيقي لهجران إدورد. ثم راجع المستر هوكر الرسالة فلم يجد فيها عنوانا، فحار في ~~كيف يهتدي إلى مقره؟ فانتظر أن يستعلم عنه من أصحابه لعلهم يعرفون محل إقامته. # ثم جعل المستر هوكر يفكر في انفصال إدورد عنه، فلم يجد سببا له سوى إلحاحه عليه برد ~~قلبه عن حب محبوبته إلى حب أليس، ولكن لم يجد هذا السبب كبيرا ms46 إلى حد أن يحمله على ~~الانفصال والاستقلال. # والظاهر أن المستر هوكر نسي مضايقته له بهذا الإلحاح في المرة الأخيرة؛ حتى كاد يكون ~~بصيغة التهديد. # قال في نفسه: «إن هي إلا ثورة طيش أو زوبعة نزق هاجها عنفوان الشباب، ولا تهمدها إلا ~~مذلة الوحدة. أدعه يستقل ويرى قيمة نفسه ويتحقق غروره. ماذا يفعل؟ لا مال في يده، ولا يعرف ~~صناعة فكيف يسترزق ليعيش عيشة الرخاء التي تعودها في هذا البيت؟ لا بد أن يشعر بعجزه ويعود ~~من نفسه صاغرا؛ وإذ ذاك يسهل علي قياده، ولكن أأدعه للأقدار؟ ويلاه! قد يدفعه اليأس إلى ~~ما لا تحمد مغبته. كلا، لا أدعه، بل أمده بقليل من المال حتى متى أنفقه وعضه ناب الفاقة ~~يندم فيعود لين الجانب.» # أما إدورد فكان قد عاد توا من مونتمار إلى منزل خاله، حيث سلم الجواد لأحد الخدم وذهب ~~من هناك إلى إدارة جريدة «الدايلي ميل»، وطلب أن يقابل المدير، فقيل له إنه محفوف بالشغل ~~فليقل ماذا يريد منه، فدفع للخادم قصيدته «النرجسة الذابلة» مع بطاقة، وقد كتب عليها: «أعرض ~~القصيدة للبيع وأرجو وظيفة في إحدى دوائر التحرير.» وبعد برهة عاد الخادم ببطاقة أخرى وقد ~~كتب عليها المدير: «أما القصيدة فتقبلها الجريدة بعشرة جنيهات، وأما من حيث الوظيفة، فبكل ~~أسف لا حاجة لمحرر أو لمساعد محرر الآن.» # رضي إدورد بالعشرة جنيهات ينفق منها على نفسه، ريثما يجد خدمة وقبضها في الحال ومضى إلى ~~فندق س. في شارع ل. نمرة 333 حيث استأجر غرفة بجنيهين ونصف في الشهر دفعهما سلفا ونام تلك ~~الليلة هناك، ولكن لم تغفل له عين؛ لأنه كان ليلتئذ ركام أفكار وبحر آمال. # قرر أن يرضى بأي وظيفة ولو صغيرة، بحيث لا تقل ماهيتها عن عشرة جنيهات في الشهر، وأن ~~يستعيض عن المركبة بالترامواي والسكة الحديدية، وعن البيرا بالماء، وعن الأطايب بالطعام ~~البسيط المغذي، وعن المقصورة (اللوج) في الأوبرا ونحوها من الملاهي بالكرسي مرة في الشهر ~~بدل 5-10 مرات، وهكذا نظم إدورد لنفسه نسق معيشة جديدة بحيث ms47 لا ينفق في الشهر أكثر من عشرة ~~جنيهات. # زار في اليوم التالي أكثر إدارات الجرائد في لندن يلتمس وظيفة فلم يجد، وفي اليوم الثالث ~~جعل يلتمس وظيفة في بعض الشركات المالية فلم يجد؛ حتى ضاق ذرعه وكاد يستولي عليه اليأس، بقي ~~نحو أسبوع يبحث عن مسترزق فلم يهتد. # أما في لندن المدينة العظيمة وظيفة لإدورد؟ أم أن إدورد عديم الأهلية؟ لا هذا ولا ذاك، ~~بل إن إدورد أشم النفس، لا يلتمس وظيفة بتواضع وتذلل ومداهنة وتزلف، في حين أن ~~الناس اليوم لا يقضون حاجة لطالب إلا إذا استوطأوا نفسه تحت أقدام كبريائهم وعجرفتهم. ثم ~~إن الإنسان مهما كان ذا أهلية فلا تعتبر أهليته شيئا إذا لم يكن محفوفا بالتوصيات؛ لأن ~~الناس لا يعتبرون المرء لأجل شخصيته ولو كان نبي زمانه، وإنما يعتبرونه لأجل البئة ~~التي هو فيها، ولأجل من يشد أزره ولو كان أخس من كلب وأجهل من همجي. وإدورد استنكف ~~جدا أن يتوسط أحدا من أصحابه أو أصحاب خاله، أو أن يأخذ كتب توصية منهم، وزد على ذلك ~~أنه لم يشتغل بعد لكي يعلم شأنه في دار العمل، ويكون له من آثار أعماله برهان على ~~أهليته. # العشرة جنيهات التي أخذها ثمن قصيدته لم يبق منها في آخر الأسبوع سوى شلينين؛ لأنه دفع ~~منها أجرة الغرفة سلفا جنيهين ونصفا، واشترى بدلة وبعض الملابس الداخلية بأربعة جنيهات؛ ~~لأنه لم يأخذ من بيت خاله شيئا سوى البدلة التي كان يلبسها، وكان يضطر بعض الأحيان أن ~~يركب المركبات وهو يجول من مكان إلى آخر يبحث عن وظيفة؛ فلذلك لم يبق معه في اليوم السابع ~~سوى شلينين فقط، فإذا جال في المدينة أنفقهما أجرة انتقال من مكان إلى آخر وبقي صائما. وإن ~~أنفقهما على الطعام لم يستطع أن يبتعد عن غرفته لأنه مهما تجلد واحتمل فلا يقدر أن يمشي ~~ساعات على قدميه؛ إذن إما احتباس أو صيام وفي اليوم التالي الأمران معا. # أيستدين إدورد من أصحابه؟ لم يعتد، وقد عز عليه جدا أن يلجأ ms48 إلى أحد منهم وهو شارد ~~من بيت خاله؛ لأنه قدر أنهم يترددون في إقراضه وهو على هذه الحالة لظنهم أنهم قد لا ~~يستوفون ما يقرضونه إياه، بل شق عليه جدا أن يعرف أحد من أصدقائه بفاقته، وقد كان ~~مخطئا بظنونه هذه لأن أصدقاءه لو عرفوا بأمره لتهالكوا في بذل أنفسهم له، وكان أشدهم ~~امتنانا له من يقبل هو أكبر قرض منه، وأعتبهم عليه وألومهم له من يتجنب هو أن يقبل منه ~~خدمته، ولكن أنفة إدورد انتفخت حتى استنكف أن يقبل المنحة، ولو نزلت عليه من السماء، بل ~~استنكف أن يبيع البدلة التي اشتراها لكي ينفق ثمنها على ضروريات معيشته اليومية. # قال في نفسه: «إذا لم يكن بد من الاحتباس والصيام معا منذ غد فليكونا اليوم؛ إذ لا فرق ~~بين اليوم والغد. ولويزا قالت لي: لا تعد الأيام بل اعتبر أن لا زمان في الوجود، فاليوم ~~والغد شيء واحد.» وبعد أن كاد يخرج من غرفته أعمل فكرته قليلا، ثم عاد فأقفل باب الغرفة ~~وجلس إلى مكتبه وجعل يقدح زناد قريحته وينظم قصيدة لكي يبيعها. # الفصل الرابع عشر # | IN. OUT. # على باب كل غرفة في ذلك الفندق بطاقة معدنية مكسوة بالميناء على الوجه الواحد منها ~~مكتوب # IN # أي أن صاحب الغرفة موجود فيها، وعلى الوجه الآخر # OUT # أي إنه غائب عنها، فلما كان إدورد على أهبة ~~الخروج قلب البطاقة فجعل ظاهرها # OUT # دلالة على غيابه، ~~ولما عدل وعاد وأقفل الباب نسي أن يقلبها للدلالة على وجوده في غرفته. # بقي إدورد حابسا نفسه في غرفته كل ذلك النهار حتى أتم القصيدة التي كان ينظمها، فاستلقى ~~على المقعد واهي القوى أولا من شدة التعب العقلي، وثانيا من شدة الخور؛ لأنه منذ ~~المساء الآنف لم يذق طعاما، وبعد هنيهة عاد فقرأ قصيدته وطرب بها جدا، وقدر أنه ~~سينال ثمنا وافرا بها، ثم طواها وأودعها جيبه ونزل إلى المطعم فأكل، ولما قدمت له ~~قائمة حساب وجد أن حسابه يزيد ربع شلن على الشلنين اللذين يملكهما، فتمنى ms49 لو أن الأرض تفتح ~~فاها وتبتلعه. سبق السيف العزل، ماذا يفعل؟ دفع لخادم المائدة الشلينين، وقال له: غدا أدفع ~~لك الباقي مع حساب الوجبة التالية. فنظر إليه الخادم شزرا لأنه لم يعتد مثل هذا الوعد، وما ~~حدث معه ولا مرة أن آكلا عنده يسوف حسابا أو جزء حساب. # عند ذلك شعر إدورد بمنتهى الهوان، وكاد يطفر الدمع من عينيه، وقد أعمل ذهنه لكي يدفع عنه ~~هذا الهوان، فخطر له أن يستعيد عمل حسابه، فأعاده الخادم فإذا بالحساب الأول غلط، والصواب ~~أنه ينقص عن الشلينين 3 بنسات، فأخذها إدورد من غير أن ينظر إلى الخادم مشفقا أن يزيد خجله ~~من نفسه، وعاد وليس معه من النقود الا ربع شلن. # وفيما هو صاعد في سلم الفندق إلى غرفته لكي يبيض القصيدة التقى به الفندقاني، فقال له: ~~كنت كل النهار غائبا يا مستر سميث، تفقدنا غرفتك مرارا فلم نجد على الباب # IN # ولا مرة واحدة. ~~- وما الداعي؟! ~~- أتى رجل إلى هنا وأودع لك عندي هذه الورقة المالية بقيمة مئة جنيه وهذه الرسالة. # فتناول إدورد البطاقة وقرأ: # حضرة المستر إدورد سميث # بعد السلام. إذا كنت تجد استقلالك أهنأ لك وأشرف، فلا أنكره عليك بل أهنئك به؛ ~~صرت رجلا وبذلك أسر أن أراك تتمتع بحريتك الشخصية، وإن كنت ترى نفسك قد أصبحت ~~في غنى عن عنايتي بك، فلا أظنك تستغني عن قليل من المال في أول مرحلة من مراحل ~~استقلالك؛ ولذلك أرجو منك أن تقبل هذه القيمة الزهيدة الآن، ولا أزال لك عند كل ~~اقتضاء، واقبل فائق احترامي. # جوزف هوكر # قرأ إدورد هذه الرسالة غير مرة وهو يستغرب لهجتها؛ لأنها تراءت له جفاء فاشتد غمه ~~وتزايد غيظه؛ حتى صار يشعر أن كل حرف فيها وخزة في فؤاده، ثم سأل الفندقاني: ألم يقل لك ~~إنه سيأتي ليراني؟ ~~- كلا. # فصعد إدورد إلى غرقته، وأودع رسالة خاله والورقة المالية في مغلف مصمما على أن ~~يردهما له في البريد. ثم جلس إلى مكتبه وبيض القصيدة، ونزل فمر بدار البريد ms50 وأرسل المغلف ~~(مسوكرا). على أن إدورد تسرع فيما فعل وفيما ظنه من جفاء خاله؛ لأن خاله لو لم يكن ينوي ~~زيارته لما أتى إلى الفندق وأودع له الورقة المالية عند الفندقاني، بل كان قد أرسلها في ~~البريد. ولكن هو نزق الشباب يتزايد في حال الغضب، ثم قصد إدورد إلى إدارة جريدة «الدايلي ~~ميل»، وعرض القصيدة بواسطة الخادم على المدير، فردها هذا من غير أن يقرأها وكتب له على بطاقة: # نشرنا قصيدة النرجسة فكان صداها ضعيفا جدا؛ ولذلك نأسف على أننا لا نقدر أن ~~ندفع ثمنا لهذه القصيدة الثانية، ومع ذلك نؤمل أنك بمزاولة النظم تبلغ شأوا ~~بعيدا في الشعر. # وقد ظن إدورد أن المدير قرأها وتأملها جيدا فلم ترق له، فعاد إلى غرفته كاسف البال وهو ~~يعتقد أن القصيدة لا تصلح؛ فاستحى أن يعرضها على جريدة أخرى لئلا يخذل أشد من هذا ~~الخذلان. # اضطجع في سريره منتهك القوى لأنه مشى مسافة طويلة؛ إذ فرغ جيبه من بنساته ولأنه كان حزين ~~القلب، وكان ظل اليأس يتكاثف على نفسه، ونور الرجاء يتلاشى من أمام بصيرته حتى امتزجت ظلماء ~~قنوطه بظلمة ذلك الليل ولولا الرجولية لبكى. # ندم على رد الورقة المالية التي أودعها خاله له مع الفندقاني، ولكن نفسه الشامخة قالت: ~~«لا، لا بأس، حسنا فعلت.» ثم خطر له أن يطلع لويزا على حاله، ويستدين منها نقودا لأنه ~~اعتقد أنها هي الصديق الوحيد الذي لا يستهين به في هذه الحال، ولكن اقشعر بدنه عند هذا ~~الفكر وحسبه تجربة من إبليس. # بزغ الفجر وإدورد لم تكتحل عيناه بغفلة، فنهض من سريره وجعل يتمشى في أرض الغرفة وهو ~~يفكر ماذا يفعل. لم يعد يلتفت إلى القصيدة، ولا خطر له أن يسعر إلى الاسترزاق من القلم؛ ~~فصار يفتكر أن يطلب عملا في بعض المعامل بأي راتب، وأن يختصر أسلوب معيشته أكثر من قبل، ~~وأن يغير اسمه ليتنكر حتى عن لويزا ما دام في حال سيئ. # الفصل الخامس عشر # | فوز النفس الكبيرة # ولما كانت الساعة الثامنة، وهو ms51 لم يزل في غرفته قرع بابه ففتح؛ فإذا مع الخادم رسالة ~~يدل مغلفها على أنها من جريدة الدايلي نيوز، ففضها وقرأ ما يأتي: # سيدي، قرأت لجنة المحررين في إدارة «الدايلي نيوز» قصيدتكم «النرجسة الذابلة» ~~المندرجة في الدايلي ميل فأعجبت بها؛ ولذلك قررت أن تقترح عليكم نظم قصائد ~~مختلفة على نمطها وتبتاعها منكم بالثمن الموافق. # المدير # ه. ص . # فسري عن قلب إدورد شيئا، وتناول قصيدته الثانية، وجعل يقرأها فكان يطرب بها، وغالط ~~نفسه مرارا في أنها بديعة، ولكن كان إعجابه بها يتغلب على المغالطة، وأخيرا قال لنفسه: ~~«لا ريب أن مدير الدايلي ميل الذي رفضها بالأمس جاهل لا يفهم الشعر.» ثم لفها ووضعها في ~~جيبه، وقصد إلى الدايلي نيوز فمشى ساعة إلى أن وصل، فلما قرأها المدير نقده ثمنها مئة ~~جنيه، فعاد من إدارة الجريدة بمركبة ونور البشر يمزق غياهب اليأس التي تلبدت في سماء ~~أمانيه في الأيام السابقة. # جاء توا إلى الفندق وكتب لخاله ما يأتي: # سيدي المحترم # أشكر فضلك الذي لن أنساه ولن أقدر أن أفيكه، بعت اليوم قصيدة من نظمي بمئة جنيه. ~~عشرة جنيه تكفيني نفقة شهر، فخذ التسعين الباقية من أصل الأموال الغزيرة التي ~~أنفقتها علي. ما دمت في قيد الحياة، وما دمت أكسب أفيك بعض فضلك، لا تكلف نفسك ~~أن تسعى إلي فأنا أحتاج إليك فأسعى إليك. # إدورد سميث # أما ما كان من المستر هوكر بعد غياب إدورد الفجائي؛ فإنه بحث كل ذلك الأسبوع عن مقامه ~~إلى أن هداه إليه أحد معارفه الذي صادفه مرة خارجا من ذلك الفندق، فقصد إليه لكي يراه ~~ويقدم له المئة جنيه، فلم يتفق له أن يجتمع به فترك له المبلغ مع الرسالة كما ذكر آفا، ~~ومضى على نية الرجوع في فرصة أخرى، ولكن لما رجعت له رسالته والمئة جنيه التي أودعها مع ~~الفندقاني لإدورد بكى، ثم تجلد وعدل عن زيارته ليرى ماذا يكون من أمره، ولما أرسل إدورد ~~له التسعين جنيها طي تلك الرسالة الملأى من الأنفة كبر الأمر عليه، ms52 وصمم على تركه ثم رد ~~المبلغ له، فأرسله إدورد ثانية فقبله المستر هوكر وكتب لإدورد: إني أدخره باسمك في بنك ~~التوفير، فأجابه إدورد: إني أنكرها. وبقيت هذه الأموال موضوع تدافع لا تنازع بين الخال وابن ~~الأخت. # وقد أصر إدورد على كل ذلك؛ أي على هجران بيت المستر هوكر، ورد الأموال التي أنفقها عليه ~~أولا؛ لكيلا يكون مقيدا بجميل لخاله، ولا تبقى له عليه دالة الأب على الابن، فيضايقه ~~حينا بعد آخر بعرض أليس عليه زوجة، وثانيا لتغيظه منه لأنه رجح بل أكد أن سخط اللايدي ~~بنتن وإباءتها دخوله إلى القصر ومعاشرة ابنها روبرت لا يمكن أن يكون سببهما الرسالة التي ~~طلب فيها يد لويزا؛ لأن جل ما للايدي بنتن من الحق هو أن ترفض الطلب لا أن تسخط، فلا ~~بد إذن أن يكون سببهما رسالة بعث بها خاله للايدي بنتن يشي فيها به وشاية تستوجب سخطها ~~عليه، فإما أن يكون قد أرسلها على أثر محاورته الأخيرة معه التي انتهت بنزول المستر هوكر من ~~البيت ساخطا حانقا، أو على أثر إرسال إدورد رسالة الطلب للايدي بنتن. والذي حمله على هذا ~~الظن الثاني إنما هو الكلمة التي قالها له خاله وهما لدى المائدة في مساء اليوم الذي كتب ~~فيه رسالة الطلب وهي: «غدا تنتظر خيرا إن شاء الله يا عزيزي.» فمن هذه الكلمة ظن إدورد أن ~~خاله عرف برسالة الطلب، ولما علم من لويزا أن أمها سخطت قدر أن خاله أردف الرسالة ~~المذكورة برسالة وشاية تغضب اللايدي بنتن، وتكفها عن قبول الطلب إذا كان ممكنا أن تقبله، ~~وأنه فعل ذلك لكي يزيل العقبة الناهضة في سبيل مشروعه؛ أي إغراء إدورد على أخذ يد ~~أليس. # على أن ظن إدورد هذا بعيد الاحتمال جدا، ولكن الإنسان متى خابت آماله توهم كل الناس ~~حتى أقاربه أعداءه، وإدورد نفسه استضعف هذا الظن، ولم يجسر أن يعاتب خاله على موضوعه، ~~وإنما بقي متغيظا في نفسه ومقسما ألا يعود عالة عليه، بل صمم على أن يفيه كل ما ms53 ~~أنفقه، وأن ينشئ لنفسه مجدا يستحق به يد لويزا من غير أن يستعين بفضل خاله. # الفصل السادس عشر # | صعود سريع # ذلك ما كان من أمر إدورد مع خاله، أو ما كان من حاله في عهد استقلاله، فهو أن القصيدة ~~الثانية التي نشرتها «الدايلي نيوز» كان لها صدى بين قراء اللغة الإنكليزية ظل يدوي في ~~العالمين حتى ظهرت في الأسبوع التالي قصيرة ثالثة له فاقت على شقيقتيها بداعة. ومنذ ذلك ~~الحين كانت رسائل مديري الجرائد والمجلات تتوارد إليه، وكلها التماسات لما ينظمه من ~~القصائد، وقد تنافس أولئك المديرون في عرض الأثمان الباهظة لقصائده، حتى بلغ الثمن الذي ~~عرضته الدايلي ميل (التي رفضت قصيدته الثانية) ألف جنيه. # وبعد ذلك طلبت جريدة التيمس إلى إدورد أن يكون بين محرريها الكبار، فرضي على شرط أن يبيع ~~مقالاته لا أن يأخذ ماهية شهرية، وفي عهد قصير اشتهر كاتبا سياسيا كما اشتهر شاعرا، ~~وصارت الجرائد تغريه بالأثمان الباهظة لمقالاته، فاجتهد في دراسة السياسة وقد استكد قواه ~~في دراستها ما وضعه نصب عينيه من أمل الارتقاء في سلمها؛ حتى يبلغ إلى قمتها ويتبوأ ~~منصبا في الحكومة. # ذاق إدورد الذل والهوان أسبوعا واحدا، وبعده أصبح عزيزا وفير الدخل جدا؛ حتى إنه دفع ~~لخاله في ذلك العام ما يساوي كل نفقاته عليه في العشرين سنة التي غبرت، ومع كل ذلك ظل ~~مصمما على أن يدفع له طول حياته كل ما زاد على نفقاته، وكل ما يزيد عليها يبلغ أضعاف ~~أضعافها، وأما المستر هوكر فكان يودعها في البنك الاقتصادي باسم إدورد. # هذا من حيث غنى إدورد، وأما من حيث جاهه فقد أصبح ذا مكانة سامية في أندية الكبراء ~~والشرفاء، وكان يشار إليه بالبنان. أما اللايدي بنتن فما زالت لذلك العهد تأبى أقل صلة ~~به، ولكنها في المجالس العمومية لم تكن لتنكر مكانته الأدبية والاجتماعية، ولا استنكفت أن ~~تمدح ذكاءه ونبالة نفسه؛ حتى كان يستدل أنها توده، وأما إباءتها أن يدخل قصرها أو أن ~~يكون صديقا لأحد من أسرتها فكانت سرا ms54 مكنونا. # وأما لويزا فكانت فرحة جدا بارتقاء إدورد حبيبها، ومؤملة نتيجة سعيدة لها من جراء ~~بلوغه إلى قمة المجد التي كان يرقى إليها بسرعة. وكانت كل حين بعد آخر تراه في المحافل ~~العمومية، ولا تجسر أن تكلمه أمام أمها، ولكنها كانت تغنم الفرص الموافقة للقائه وبث ~~عواطفها نحوه، كأنها بتلك الاجتماعات تلقم وطيس حبه وقيدا؛ لتزيد قواه في السعي إلى ~~العلا وطلاب المجد. # أما أليس ابنة خاله، فلما رأت أنها كلما تقربت منه وتحببت إليه زادته ابتعادا عنها، ~~وأن ضغط أبيها عليه نفره حتى هجر البيت، وأنه كلف بحب اللايدي لويزا بنتن. قالت في ~~نفسها: «حتى متى أترامى عليه؟» وجعلت تلك الغيرة تتحول إلى كره شيئا فشيئا؛ حتى زالت ~~تماما وساد الكره مكانها برهة قصيرة، ثم جعل الكره ينقشع شيئا فشيئا عن صفاء فؤادها حتى ~~انجلى عن الحب الأخوي الثابت، فصارت تتوق أن تراه في البيت كأخ. وفي ذات يوم كانت وأبوها ~~في الحديقة يتمشيان، فقالت: يا أبتاه، ألم تشتق إلى إدورد؟ ~~- جدا يا ابنتي. ~~- ولماذا لا تراضيه، وتدعوه كل يوم بعد آخر؟ ~~- راعيت عواطفك بذلك، فإني كنت أظن أنك أصبحت تكرهينه لأجل إعراضه عنك ومجافاته لك ~~وخشونته في معاملتك. ~~- كنت أكرهه كما ظننت، ولكن لم يدم هذا الكره فصرت أتوق إليه كأخ، سامحه يا أبي وادعه ~~فإن البيت قاتم بدونه، لم أعد ألومه على إعراضه؛ إذ اقتنعت الآن أن قلب الإنسان ليس في ~~يده ليهبه متى شاء لمن شاء. # فتأثر المستر هوكر من كلام ابنته الصادر عن فؤاد كله طيبة، ولكن بقي في قلبه سحابة ~~خفيفة من الحقد على إدورد؛ لأنه بعناده خيب كل آماله الكبيرة التي ظل يحلم بها عشرين ~~سنة، على أنه مع ذلك غلبت عواطفه الرقيقة على حقده، وسعى إلى مراضاة ابن أخته. ولكن كان ~~إدورد قد ارتقى في سلم نجاحه وازداد جفاؤه لخاله بعد الفراق الطويل، فلما تقابلا تعاتبا ~~قليلا وتصافيا، وزار إدورد بيت خاله، ولكنه إذ أصبح لذلك العهد في شواغل وشئون صحافية ~~وسياسية ms55 لم يتسن له أن يزوره إلا كل أسبوع مرة زيارة قصيرة. # الفصل السابع عشر # | ويأتيك بالأخبار من لم تزود # على أن إدورد رأى أن بلوغه إلى قمة المجد الذي يبتغيه - إن كان ممكنا - غير قريب، بل ~~لابد له من أعوام، فلم يطق صبرا طويلا على إمساك لويزا عنه وكتمان هواهما؛ فجعل ~~يفكر عساه يجد حلا قريب المنال لهذه المسألة، فكان لا يتوسد فراشه إلا وهو يهجس فيها. ~~وقد خطرت له وسائل عديدة لمبتغاه، ولكنها تراءت له كلها عقيمة أو صعبة، ومما خطر له أن ~~يبحث عن نسبه لعله يتوصل منه إلى ما يشفي غله، ولكن هذا الخاطر كان أعقم خواطره، بل ~~رآه غرورا وسخافة فيما يتعلق ببغيته، على أنه تذكر في ذات ليلة حديثه مع المستر جاكوب ~~داي صاحب الحانوت الذي ضمد جرحه، وذكر قوله له أن يبحث عن نسبه من قبيل العلم بالشيء؛ ~~فهاجت هذه الملاحظة خاطره، ومال شيئا فشيئا إلى البحث؛ حتى اشتد فيه هذا الميل وصار يفكر ~~في كيف يبحث ومن يسأل. ولا ريب أن يخطر له أيضا أن ذلك الشيخ الحانوتي يعرف شيئا عن نسبه، ~~ولكنه يكتمه لسبب وإلا لما نبهه إليه، فعزم على أن يقصد إليه ويتسقط منه ما يعرفه ~~من الأخبار من هذا القبيل إن كان يعرف شيئا. # وفي اليوم التالي كان إدورد يتنزه على ظهر جواده كعادته في عصر أحد الأيام، فمر ~~بحانوت المستر جاكوب داي، فلما رآه الشيخ خرج من حانوته، وترحب به وألح عليه أن ينزل ~~على ظهر جواده ويستريح ريثما يشرب كأسا من الشراب، فنزل وقعدا يتحدثان. ~~- سمعت أنك تشتغل في السياسة الآن يا بني. ~~- نعم. ~~- مستقبل مجيد إن شاء الله. ولماذا خاصمت خالك؟ ~~- من قال لك؟! ~~- أنسيت أن ابني هنري خادم عنده، وقد عرف كل شيء حتى ما لا يمكن أن يعرفه الخدم وهو يأتي ~~في الأسبوع يوما، ويسرد لي كل ما يعرف. ~~- ماذا عرف؟ ~~- عرف أن خالك عرض عليك أن تتزوج ابنته أليس فتتمتع بمال ومجد معا، وأنك ms56 ضحيت المال ~~والمجد لأجل حب فتاة بعيدة المنال، وأنك افترقت عن خالك وتفيه الآن أمواله التي أنفقها ~~عليك؛ لكيلا يبقى له سبيل لإغرائك على إنجاز أمنيته ... # فدهش إدورد لهذا القول وسأل: كيف عرف ذلك؟ ~~- إن ابني ذكي نبيه ومع ذلك هو طيب القلب يحبك فلا توجس منه. ~~- ولكن كيف عرف؟ ~~- عرف من دموع مس أليس، ومن بعض ألفاظ كانت تبلغ أذنيه عن غير إصغاء منه وأنتم على ~~المائدة، ومن الأوراق المنفية التي كنت تطرحها في السلة، وهو يرميها مع الزبالة و... # فانتبه إدورد إلى ذلك، وقال لنفسه بصوت مسموع: «إذن كذا عرف خالي أمر الرسالة.» ثم وجه ~~خطابه للشيخ داي: نعم أيها العم. فإني أشفق على أليس ابنة خالي؛ تحبني حب الفتاة للشاب، ~~وأنا أحبها حب الأخ للأخت لأننا ربينا معا كالأخوين، فيستحيل علي أن أحبها غير هذا الحب ~~الأخوي، ولا سيما لأني مولع بحب فتاة نبيلة، ولكن حصولي على يدها عزيز علي جدا لأن أمها ~~من سلالة بيت شريف وزوجة شريف، فلا تشاء أن تزوجها إلا شريفا؛ ولذلك تراني أجاهد في عالم ~~السياسة الآن لعلي أرقى إلى قمة الشرف، على أني مللت هذا التوقع ونفد صبري. ~~- على ذكر السلالة فكرتني. ألم تزل تجهل نسبك؟ # فتنبه إدورد لهذا السؤال جيدا، وحزر أن الشيخ داي لا يسأله هذا السؤال اعتباطا، بل لا ~~بد أن يكون ينوي شيئا أو يعرف سرا؛ فصبر ليرى ماذا ينتهي به تسآله الخفي هذا وسأله: وأي ~~فخر بنسبي يستحق أن أبحث عنه؟ سألت خالي مرة فقال لي ما كان يقوله من قبل، وأخاف أني إذا ~~بحثت عن أقاربي لأبي أجر على نفسي عارا أو حقارة من تقربهم إلي إذا كانوا ~~منحطين. ~~- ولكن قد يكونون معتبرين فتفخر بهم، وربما كانوا أعوانك في مطامحك وإلا فتنكر قرابتهم ~~مدعيا أنك من أسرة سميث أخرى غير أسرتهم، لأن أسرات سميث عديدة. # فأشرق وجه إدورد لهذا القول، ورجح في يقينه أن الشيخ يعرف كثيرا عن سر نسبه، فقال ~~متغافلا: دعني مهما كانوا ms57 فإني على ما أظن أرفع مكانة منهم، ولو كانوا شيئا في الدنيا ~~لبحثوا عني ولم يتركوني لعناية أهل أمي. # فسكت الشيخ وعلى وجهه أمائر الكلام، فقال له إدورد: تكلم. في وجهك دلائل كلام أحب أن ~~تقوله، وإن كان سرا فبح به ولا تخف، فإن صدري بئر أسرار بلا قرار. ~~- لا أسرار عندي وإنما خطر لي أن أستفتيك بمسألة مهمة جدا، وأرجح أنك تقدر أن تصيب ~~بالفتيا؛ لأنك تشتغل بالسياسة والصحافة الآن، ومسألتي قضائية سياسية. ~~- قل. ~~- إنما هي حكاية طويلة بعض الطول، فأخاف أن تملها. ~~- كلا، بل أسمعها بلذة مهما كانت؛ لأني ككاتب أعرف كيف أستفيد من حكايتك. # واستوى إدورد في مكانه، وكان كأنه كله آذان يستوعب بها حديث الشيخ داي، وصار ينتظر أن ~~يسمع منه سرا غريبا فقال الشيخ: إذن خذ كأسا أخرى من الوسكي وأعرني أذنك. # وناوله كأسا واعتدل في كرسيه وجعل يتكلم. ~~- كان فتى غني من عامة الناس شريكا لفتى شريف على معمل كبير، وكانت بينهما صداقة متينة ~~جدا، وكان للفتى الشريف أخت، فطمع الشاب الغني بيدها وطلبها إلى أبيها وأخيها شريكه ~~فقبلاه بعلا لها. أما هي فسخطت وغضبت لأنها كانت متكبرة جدا، وحسبت أن قبولهما بطالب ~~ليس من الأشراف إهانة لها، وقالت: «أنا الآن «لايدي» فكيف أرضى أن أصير «مسزا»؟ لا أرضى ~~بعلا إلا لوردا كأبي؛ لكي أبقى لايدي كما أنا، وكما كانت أمي من قبلي.» فأغريت بثروة ذلك ~~الفتى فلم تغر؛ لأنها كانت تؤثر ألقاب الشرف على كل غنى، ولما نفدت حيل الفتى في ~~استمالتها صمم على أن يبذل جهده في تذليل كبريائها مهما استطاع، ووضع نصب عينيه مشروعا ~~لذلك وهو: أن يغري شريكه اللورد أخا تلك اللايدي بأن يتزوج أخته أي أخت الفتى العامي ~~الغني، فكان يبالغ في إكرامه والتودد إليه، والفتاة لم تدخر جهدا في محاسنته؛ حتى ~~وقع اللورد في حبها وطلب أن يتزوجها، فاستشار أباه وأخته في ذلك فأبيا كل الإباءة، وقد ~~كان لأخته المتصلفة تأثير عجيب على أبيها، فحملته أن يتهدده بحرمانه ms58 من لقبه وميراثه ~~إذا تزوج تلك الفتاة؛ لأنه يشق عليها جدا أن تكون امرأة أخيها غير شريفة الحسب. # ولكن الفتى الشريف كان يحب الفتاة حبا شديدا، فأشار عليه أخوها أن يتزوجها سرا ويبقي ~~الزواج مكتوما، ريثما يموت أبوه فيعلن زواجه؛ وإذا ذاك لا تعود إباءة أخته تجدي شيئا. ~~فاستصوب الفتى الشريف هذا الرأي، وعقد الزواج شرعيا سرا ، وكان يتردد على زوجته وهي في ~~بيت أخيها من غير أن يعرف أبوه أو أخته شيئا من ذلك، بيد أن خادمه الأمين الذي كان يحبه ~~جدا كان عارفا بكل ذلك، ولا بد من معرفته ما دام لا مندوحة لسيده وسيدته الجديدة من ~~خدمة. # وما انتهت السنة بعد عقد الزواج حتى ولدت الزوجة ذكرا، وماتت على أثر النفاس؛ فحزن عليها ~~زوجها حزنا شديدا حتى كاد يجن، وعلى الأثر مات أبوه فازداد حزنه وانتظر فرصة موافقة ~~لإعلان زواجه وإظهار ابنه اليتيم لأخته، ولكنه كان في إبان حزنه يسري عن نفسه تارة ~~بالشرب إلى حد السكر، وطورا بالألعاب، وآخر بالمقامرة. # وكان ضعيف القلب جدا بحيث أن تلك الأحزان وأساليب معيشته المختلفة قضت عليه فجاءة في ~~ذات ليل وهو في فندق القمار قبل أن يعلن زواجه وابنه لأخته كما نوى؛ أي بعد بضعة أيام لوفاة ~~أبيه. واتفق أن كان خادمه معه إذ أصابه الخفقان العاجل الذي لم يمهله عشر دقائق، فاستدعى ~~الخادم شريكه أخا زوجته في الحال، فلما دخل هذا عليه ورآه جثة بلا حراك بكى بكاء مرا، ~~وتمتم قائلا: «مات قبل أن أنفذ مأربي، ولكني سأجعل هذا المأرب أتم إن شاء الله.» ثم ~~جلس يتأمل، فقال له الخادم: «يجب أن نأخذه إلى قصره، ولكن لا بد أن تعلم أخته بعض أمره قبل ~~أن تراه؛ لئلا تقضي عليها هذه المفاجأة الرهيبة.» # فقال: «ولكن قبل كل شيء يجب أن أعرف كيف مات.» فقال الخادم: «فجأة مات.» ~~- «لا يمكن؛ لأن لون وجهه يدل على أنه مات مسموما.» # فذهل الخادم من هذا الظن، وقال: «لازمته طوال النهار فلم أر من ms59 يدس السم له، فلا ~~يمكن أن يكون مسموما، وإنما مات فجاءة بعلة قلبية؛ لأني كنت أسمع الأطباء ينصحونه أن يغير ~~أسلوب معيشته؛ لأن قلبه ضعيف جدا فيخشى عليه من السكتة القلبية، وقبل أن يسلم روحه ~~قال: أشعر بخفقان شديد.» ~~- «لا. لا يفيد هذا التعليل.» ونظر إليه نظرة غضب مخيفة. # ثم نهض وخرج خارجا وعلى وجهه أمارات الشر ؛ فأوجس الخادم منه شرا فتبعه من حيث لا ~~يدري، فسمعه يقول لخادم الفندق: «ادع الشرطي حالا.» فسأله خادم الفندق السبب فقال: «إن ~~اللورد الذي مات عندكم مات مسموما، ولا بد أن يكون خادمه قد دس له السم طمعا في ~~نقوده.» # فلما سمع خادم اللورد هذا الحديث المختصر اضطرب وخاف جدا، وقال في نفسه: لعل أحدا ~~دس السم لسيدي فمات فتثبت علي الشبهة بي، فما خطر لذلك المسكين البريء إلا الفرار، ~~فاختبأ في زاوية ريثما عاد أخو زوجة الميت إلى الغرفة، وفي لحظة أصبح الخادم خارج الفندق، ~~فركب مركبة درجت به إلى قرب ضواحي المدينة، فتركها وأوهم أن يدخل منزلا ريثما عاد الحوذي ~~بمركبته، ثم استأنف السير مسافة، واكترى مركبة أخرى نقلته إلى آخر الضواحي، ومن هناك مشى ~~إلى أقرب محطة، فركب السكة الحديدية إلى ليفربول، وأقام فيها باسم غير اسمه، وحلق لحيته ~~وشاربيه وبدل ملابسه؛ فصار رجلا آخر وجعل يشتغل آمنا. وقد مضى على هذا الحادث أكثر من ~~عشرين عاما. فهل يقبض على الخادم كجان الآن لو أعلن نفسه؟ هذه مسألتي لك. ~~- لا أظن أنه يقبض عليه بعد هذه المدة الطويلة. # وكان إدورد يسمع هذه الحكاية مبهوتا، وهو يقول في نفسه: «من هذا اللورد ومن هذا الفتى ~~الغني؟» ولكنه صبر ريثما استتلى حديث الشيخ. # فبعد إذ أجابه على سؤاله سأله: ولكن قل لي هل ثبت أن اللورد مات مسموما؟ ~~- ذلك ما لا أدريه، ولكني أرجح أن الخادم صادق فيما رواه عن موتة سيده بالسكتة ~~القلبية. ~~- ولكن لماذا يتهمه أخو زوجة اللورد بهذه التهمة؟ ~~- فكرت كثيرا في هذا الأمر، فخطر لي أنه يود أن ms60 يكتم أمر زواج أخته ريثما يجد ~~مشروعا آخر لتنفيذ أمنيته في إغاظة الشريفة المتصلفة التي رفضته بعلا لها. وبما أن ~~الخادم هو الشخص الوحيد الذي كان يعرف سر ذلك الزواج لم ير بدا من إبعاده، ففعل ما فعل ~~لكي يحمله على الهرب والاختفاء وإنكار كل علاقة له بالشريف وأهله. ~~- ولكن ماذا يفيده كتم زواج أخته المتوفاة في تنفيذ مأربه؟ # فابتسم الشيخ قائلا: يفيده. ~~- كيف؟ ~~- كان لذلك العهد قد تزوج ورزق فتاة، فيظهر لي أنه خطر له أن يحفظ ابن أخته عنده ~~ريثما يشب مع ابنته فيزوجه إياها؛ وثم يعلن نسبه وحينئذ لا تدري تلك الشريفة المتكبرة ~~إلا ولها ابن أخ شريف، وقد تزوج ابنة الرجل الذي رفضته بعلا. # فحدق إدورد في الشيخ جاكوب داي برهة، ثم قال: عمن تتكلم؟ ~~- ماذا يعنيك؟ ~~- أرى قصتك انتهت بمثل بدء قصتي، فقل بربك من هذا الرجل الغني، ومن ابن أخته وابنته، ومن ~~الشريفة المتكبرة، ومن أخوها؟ قل لي. ~~- ذلك سر يا بني لا أقدر أن أبوح به لئلا يؤذى الخادم. ~~- بربك لا تكتم السر عني، فأني أقسم لك أني لا أبوح به إذا تحققت أن الخادم يؤذي. ~~أفأنت الخادم؟ ~~- نعم أنا هو واسمي الحقيقي جوزف برون، والرجل الغني هو المستر جوزف هوكر، وابن أخته ~~اللورد إدورد سميث ابن اللورد هركورت سميث. # فانقضت صاعقة من الرعب على هيكل إدورد زلزلت مفاصله، وانتصب منها شعر رأسه، وتجمدت ~~صمامات فؤاده؛ حتى كاد يقضى عليه كما قضي على أبيه في فندق القمار منذ عشرين عاما ~~واكفهر وجهه، وفي الحال امتلك روعه وقال: أتقسم أنك صادق فيما تقول؟ ~~- إذا لم تصدقني، فلا تصدق قسمي، فسلني عن بينة حسية. ~~- أعندك بينة حسية؟ تكاد تجنني بهذا البيان حتى أظنني في حلم. ~~- بل أنت في حقيقة يا سيدي اللورد، عر ظهرك فأريك بواسطة المرآة صليبا موشوما على ~~الجانب الأيمن منه هو دليل لتحقيق شخصيتك، وقد أثبت هذا الدليل في ورق بإمضاء أبيك كتب على ~~أثر ولادتك بناء على مشورة خالك. # فما انتهى ms61 المستر داي من الكلام حتى كان إدورد قد خلع ثوبه، وتناول الشيخ في الحال ~~مرآتين صغيرتين ووضع الواحدة مقابل الوشم والأخرى مقابل الأولى، بحيث يرى إدورد فيها ~~العلامة واضحة، وجعل يتأمل الوشم تارة ويفكر في الحكاية أخرى، ثم لبس ملابسه وسأل: أين ~~الورق الذي تسجلت فيه شخصيتي بإمضاء أبي؟ ~~- لا بد أنه يوجد عند خالك مع الأوراق التي تثبت شرعية زواج أبيك. هذا إذا لم يكن خالك قد ~~أتلفها. ~~- ويلاه، إلى عهد انفصالي عنه كانت لم تزل عنده، وبعد ذلك لا أدري ماذا فعل بها. ~~- وهل رأيتها عنده؟ ~~- نعم رأيتها. رأيتها محفوظة في حقيبة، ولكن لم يقل لي ما هي بل قال: فيها مجد عظيم لي ~~ومفتاحها الوحيد اقتراني بابنته، فلم أعبأ بقوله حينئذ ولا خطرت أهميته لي. ~~- أتقدر أن تصف لي هذه الحقيبة؟ ~~- هي من جلد أزرق صغيرة توضع بالجيب، وقد رسم عليها بماء الذهب اسم خالي نفسه. ~~- هي هي إذن بلا مشاحة يا سيدي. ~~- أتظنه أتلفها بعد جفائي لها؟ ~~- لا، لا أظنه يتلفها؛ لأن بقاءها معه يظل مفيدا له بعض الفائدة إذا لم يستطع أن يستفيد ~~منها كل الفائدة التي كان يبتغيها. ~~- ترى ماذا يستفيد؟ ~~- إذا لم يتسن له أن يثبت بها أن صهره هو اللورد إدورد سميث ابن شقيق اللايدي سميث ~~سابقا، فيثبت بها أن ابن أخته هو ذلك اللورد، وحسبه ذلك. ~~- ومن هي اللايدي سميث؟ ~~- علمت بعدئذ أنها هي اللايدي مرغريت بنتن الآن. # فاقشعر بدن إدورد وانتصب شعر رأسه، وما درى نفسه إلا وهو واقف على قدميه وصرخ. ~~- يا للعجب! ألويزا ابنة عمتي؟ ~~- نعم، إن التي أولعت بها يا سيدي اللورد ابنة عمتك. ~~- هنئت بك يا لويزا وهنئت بي، هنئني يا سيدي الشيخ الخادم الأمين لأبي والرسول السعيد ~~لي، قبلني كثيرا يا سيدي العم كابن سيدك كما حملتني صغيرا، فإن سعادتك مقرونة ~~بسعادتي. # فقبله الشيخ وضمه إلى صدره، وذرف دمعتين على خديه. # ثم جلس إدورد وهو كمن يرتاب فيما سمع، ولكن كل لمحة من ملامح الشيخ ms62 كانت تدفع ريبه، وكل ~~حرف من حروف الحكاية كان ينطبق على معاملة خاله له؛ ولذلك كان يتهلل ويبش كأن شمسا تشرق ~~عن جبينه، وبعد افتكار قليل قال: أتظن خالي لم يزل يحفظ الأوراق عنده؟ ~~- أرجح ذلك جدا؛ لأنه عاقل ومهما يكن متغيظا منك فلا يبلغ غيظه هذا إلى حد غيظه من ~~اللايدي بنتن التي شمخت عليه وجرحت عزة نفسه برفضها إياه، بل بالأحرى يفضل أن يعلن نسبك ~~لأنه يغيظ اللايدي بنتن إذ تعلم أن ابن أخيها هو ابن أخت المستر هوكر الذي خذلته. ولا أظن ~~أن خالك يتغير قلبه عليك إلى درجة أن يحرمك مجدا عظيما بلا حرج ولا إثم منك. ~~- وأنا أظن كذلك؛ لأنه يحبني حبا شديدا، ولكن أتظنه يمنحني الورق بلا تردد أو بلا شرط ~~إذا طلبته منه؟ ~~- هذا ما لا أدريه. ~~- أخاف أن يشترط علي أن أتزوج أليس. ~~- ربما يفعل. وماذا يضرك أن تتزوجها؟ ~~- أواه! ليتني أقدر، فإني أودها وأجلها، ولكني أحب لويزا ابنة عمتي. أحبها وحدها فماذا ~~أفعل؟ # وأشرق وجه إدورد عند قوله «ابنة عمتي.» وقال في نفسه: «أحقيق أنا ابن خال لويزا؟ ما ~~أسعدني! حسبي أن أكون ابن خالها.» ~~- إذن لا أظنك وأنت الكاتب الشاعر تعجز عن إقناعه والحصول على الورق. ~~- أخاف أن يغضب ويحتد فيمزق الورق إذا أصررت على عدم موافقته. ~~- إذا لاحظت أنه على وشك الاحتداد، فأقصر الحديث معه ولاطفه ودعه إلى فرصة أخرى. ~~- وبعدئذ؟ ~~- تفتكر بأسلوب آخر. ~~- إذن الآن أستودعك الله إلى عهد قريب فأخبرك النتيجة. ~~- أرجوك أن تكتم أمري لئلا ينقم علي خالك فيؤذيني. ~~- لا تخف، لا أظنك مسئولا عن شيء البتة، ولا أظن أن دعوى خالي بتسمم أبي تجاوزت الفندق ~~الذي هربت منه. # ثم مضى إدورد والفرح يستفزه عن الأرض، ولا ريب أن القارئ الكريم يتوقع أن أول ما يقصده ~~مقابلة لويزا وكذا كان. # الفصل الثامن عشر # | موعد فلقاء # في ذلك المساء ظهرت اللايدي لويزا بنتن في مقصورة من مقاصير الملعب الملكي (الأوبرا)، ~~فاجتذبت كل الأبصار إلى شعاع جمالها الباهر، ms63 سرحت نظرها في جميع جهات الملعب، والابتسام ~~يتدفق من بين شفتيها كينبوع نور. تنقل نظرها على كل المقاصير ثم على الكراسي إلى أن ~~استوقفته «وردة صفراء» في صدر إدورد وهو بالقرب من مقصورتها، وقد علم القارئ أن الوردة ~~الصفراء في صدر إدورد كانت للدلالة على أنه يحتاج إلى مقابلة لويزا لأمر كما اتفقا. فرأته ~~ناظرا إليها وفي محياه وميض سرور أشد تألقا من المعتاد، فابتسمت له ابتسامة خصوصية، ~~وصارت تفكر في: ماذا عسى أن يكون مراده من لقائها بعدما قابلته بالأمس؟ وكانت كل هنيهة ~~تلتفت به فتراه ناظرا إليها، ووجهه يهل حبورا وأمائر اللهفة بادية في أسارير وجهه كأنه ~~قلق. فحارت في أمره وخطر لها ألف خاطر إلا خاطر أنه قريبها، فغمزته أن يلاقيها في مقصورة ~~اللايدي جنستون صديقتها، وفي أثناء إرخاء الستار انتقلت إلى تلك المقصورة وهي قريبة من ~~مقصورتها، وفي الحال كان إدورد في الباب، فحيا اللايدي جنستون ومن معها وهي من أعز صديقاته؛ ~~لأنها صديقة لويزا. # فاغتنمت لويزا فرصة التهاء البقية بالحديث، وهمست: ما الخبر؟ شغلت بالي. أراك فرحا ~~قلقا. ~~- ولا عجب لو رأيتني مجنونا من الفرح. ~~- ماذا ماذا؟ قل لأن الفرصة قصيرة جدا. ~~- لا وقت الآن يا لويزا. أين أراك غدا؟ ~~- في مونتمار من الصبح انتظرني عند بوابة الحديقة من الداخل، فإني أدعها غير موصدة ~~كالعادة. ولكن قل لي ما الخبر؟ ~~- مفرح جدا، وهو مقلق لك إذا عرفته من غير تفاصيله. ~~- وجهله أشد إقلاقا، فقل قبل أن أمضي. ~~- أنا ابن خالك يا لويزا، وأنت ابنة عمتي. # فظنته يمزح في قالب الجد، وقالت مبهوتة: ماذا تقول؟ ~~- كما سمعت. ~~- أتهذي؟ ~~- وإن قرأت ذلك بعد أيام في «التيمس» وسائر الجرائد أتقولين إني أهذي؟ # فتأملت لويزا هنيهة، ثم قالت: لم أفهم. ماذا تقول؟ ~~- غدا تفهمين. ~~- إلى الغد إذن. # وعادت لويزا إلى مقصورتها، والحيرة مقروءة في مقلتيها؛ حتى لاحظ أبواها وأخوها وسألاها ما ~~خبرها، فابتسمت وفي الحال انتبهت لنفسها وغيرت ملامحها، وفي ذلك الليل لم تنم، فكانت تبني ~~قصورا وعلالي، ولكن ms64 ليس في الهواء. # وفي الموعد المعين اجتمع إدورد بلويزا، وصدره أرحب من السماء لها، وفي الحال عانقها ~~ولثمها فدفعته عنها خجلة قائلة: ما بالك تطفر هكذا؟ ما الخبر؟ ~~- الآن صار يحق لي أن أقبلك يا لويزا؛ لأن حبنا لم يبق عقيما، بل صار مثمرا، فإني ~~ابن خالك اللورد إدورد سميث ابن اللورد هركورت سميث أخي اللايدي مرغريت سميث سابقا ~~واللايدي بنتن حالا، وعما قليل تكونين اللايدي سميث كما كانت أمك قبلا. ~~- قلت لي مثل ذلك منذ أمس وإلى الآن لم أفهم. # فأخذ إدورد يروي لها حكاية الشيخ جاكوب داي بالتفصيل وهي تسمع، وقلباهما يرقصان طربا على ~~موسيقى هذه البشارة السارة، إلى أن انتهى إدورد من حكايته فدنت منه لويزا وقبلته ~~قائلة: أقبلك باعتبار أنك ابن خالي الآن. ~~- وبعد الآن يا لويزا؟ # فضحكت وقالت: أقبلك بأي اعتبار تشاؤه. ~~- قبليني باعتبار أنك اللايدي سميث. ~~- لا تكن متسرعا يا إدورد، أما افتكرت أن تحصل على الأوراق من خالك؟ ~~- افتكرت، ولكني أخاف أن يتلفها إذا كان يأبى أن يعطينيها، فما رأيك إذا أخبرت ~~اللايدي بنتن بالأمر، لعل لها رأيا أصوب في الاستحصال على هذه الأوراق؟ ألا تظنين أن الأمر ~~يهمها؟ ~~- بالطبع يهمها أن تعرف أن لأخيها ابنا في الوجود وارثا لقب أسرة سميث؛ لأنها كانت تحب ~~أباك جدا، وإلى الآن إذا ذكرته تتحسر وتتأسف عليه وأحيانا تذرف الدمع، والذي ظهر لي ~~أنها لم تعرف قط أنه تزوج. ~~- ومتى ثبت لها أني ابن أخيها اللورد سميث، فهل تظنين أنها تمنع عني يدك؟ ~~- لا أظنها تمنع لأنها تحبك على ما ظهر لي وكانت تثني عليك؛ ولهذا طالما حيرني أمر ~~إباءتها عليك دخولك إلى قصرنا، وأما الآن فقد انحل هذا اللغز وثبت لنا أن السبب هو كرهها ~~لخالك لا لك. ~~- إذن ماذا تظنين؟ أببشاشة تستقبلني أو بعبوسة إذا زرتها أو أنها ترفض استقبالي؟ ~~- لا أظنها إلا مقابلتك ببشاشة؛ لأني على ما ألاحظ من ثنائها عليك أنها نادمة على أمرها ~~السابق إذ شعرت أنه ظلم وعداوة بلا سبب. ms65 ~~- إذن أزورها اليوم. ~~- تفعل حسنا. فاقصد إليها الآن توا. # الفصل التاسع عشر # | مباغتة # في الساعة الرابعة بعد ذلك الظهر مثل أحد الخدم أما اللايدي بنتن وهي في مقصورتها، وقال ~~لها إن شابا يلتمس مقابلتها، ولما سألت عن اسمه قيل لها لم يشأ أن يذكر اسمه، فأبت أن ~~تقابله ما لم يعلن اسمه، فرجع الخادم يروي للزائر ما كان منها. وبعد هنيهة عاد يقول: «إنه ~~اللورد إدورد سميث يا مولاتي.» فقالت: «لا أعرف أحدا بهذا الاسم.» وأمرت أن تفتح له القاعة ~~فدخل، وبعد قليل أقبلت عليه؛ فذهلت إذ رأت إدورد الذي تعرفه من قبل وقد منعت قبول زيارته ~~فيما مضى، فرحبت به مع حرصها على أبهتها وقعدت ثم سألت: قال لي الخادم إن الزائر اللورد ~~سميث، أفيعني حضرتك بهذا الاسم؟ ~~- نعم يا سيدتي. # فازدادت اندهاشا وقالت شبه هازئة: إذن أهنئك بهذا اللقب الجديد فإنك تستحقه. ~~- ليس جديدا يا مولاتي لأني لم أخدم خدمة تستحق هذا اللقب، وإنما هو قديم موروث. ~~- إذن توجد أسرة من الأشراف باسم سميث غير أسرة آبائي؟ ~~- كلا يا سيدتي ليس غيرها. ~~- ممن ورثت اللقب؟ ~~- من أسرة آبائك يا مولاتي. ~~- ممن منهم؟ ~~- من اللورد هركورت سميث. # فاختلج بدن اللايدي بنتن عند ذكر اللورد هركورت، وقالت برزانة: من هو اللورد ~~هركورت؟ ~~- ائذني لي يا سيدتي أن أقول هو أخوك وأنت عمتي. # ففتحت اللايدي بنتن فاها ولم تعد تتكلم، فعاد إدورد يقول لها: لا تعجبي يا سيدتي، ما ~~أقوله لك هو الحقيقة الراهنة. ~~- لم أفهم. ~~- نعم، هو لغز ما أقوله لك، ولكن إذا سمحت لي أروي لك حكاية نسبي. ~~- ارو لأرى هذا العجب. # وجعل إدورد يقص عليها الحكاية مغفلا منها ما يسوءها وهي مصغية تهز رأسها، ولما انتهى ~~قالت: إن قصتك محتملة الوقوع وأتمنى صحتها، ولكنها تفتقر إلى الإثبات. ~~- نعم يا سيدتي، ولهذا أتيت أستشيرك في كيفية الاستحصال على الورق من خالي. ~~- ليس إلا أن تباحثه بالأمر، ولكن لماذا كتم خالك هذا الورق؟ ~~- أظن أنه كتمه ريثما أشب جاهلا نسبي ms66 لعلي أتزوج ابنته إذا أغراني، وثم يعلن الأوراق، ~~ويفخر أنه زوج ابنته من لورد. وقد أغراني بالفعل ولكن ذهبت مساعيه أدراج الرياح. # فهزت اللايدي بنتن رأسها قائلة باسمة: أما كفاه أنه زوج أخته من لورد؟ ~~- ألا تستصوبين يا سيدتي أن تكتبي له بهذا الشأن، فتقولي أنه بلغك أن أخاك تزوج أخته ~~سرا، وتسأليه ما إذا كان عنده بينة على ذلك لعله يرسل إليك الأوراق من نفسه؟ # فهزت اللايدي بنتن رأسها هزة رحوية، وقالت: كلا، لا حديث لي معه. ~~- عجيب! ألا يهمك الأمر يا سيدتي؟ ~~- يهمني جدا، ولكن يصعب علي أن أكاشفه بأمر ليس له أساس عندي، فالأفضل أن تفاوضه أنت ~~وثم نرى ماذا تكون النتيجة. # عند ذلك استأذن اللورد إدورد أن ينصرف على وعد العودة، وخرج تاركا اللايدي بنتن في هواجس ~~وأفكار، وساعتها ورد إليها البريد فجعلت تفضه. # الفصل العشرون # | تصاف # أما اللورد إدورد سميث، فعاد من عند عمته توا إلى خاله لكي يفاوضه بأمر الورق فرحب به ~~جدا وتهلل وجهه بشرا، ولما دخل إدورد وجده منهمكا بمعالجة كلبه فسأله ما علته فقال: كنت ~~في هذا الصباح في مكتبي هنا أقلب بعض الأوراق، وأكتب رسائل خصوصية إذ سمعت هذا الكلب يعوي ~~عواء شديدا يدل على تألم فخطر لي أن بعض الخدم ضربه، وأنت تعلم أنه عزيز علي جدا ~~فنهضت في الحال واندفعت إلى حيث العواء، فوجدت الكلب في المطبخ كالمجنون فخطر لي أنه قد ~~كلب، فكلمته وجمشته ودلست ظهره ولاطفته، فلم يستكن ولكنه دنا إلي وتعلق بأهدابي ~~كأنه يستغيث بي، ولم أر في وجهه وعينيه أعراض الكلب، فقلت للطباخ: «ما خبره؟» فقال: «لا ~~أدري.» فجعلت أفحص بدنه فلم أجد فيه أثرا للضرب، ولكني رأيت أن شفتيه محمرتان متوردتان ~~جدا؛ فاستدعيت كل الخدم وجعلت أستجوبهم عن أمره، فأنكروا كلهم أن واحدا منهم فعل به ~~شيئا، ولكني رأيت هنري داي وحده مضطربا واجفا دون سائر الخدم فتهددته لكي يقر ~~بالحقيقة، فقال: «إني اغتظت من الكلب لأنه يجلس إلى جانبي وأنا أتلمظ الطعام ms67 وأحيانا ~~يتنفس في وجهي في حين أني أكره الكلاب، فلكي أنفره مني فركت شفتيه وأنفه بالفلفل الأحمر ~~الحار.» # وما انتهى هنري هذا من حكايته حتى دفعت له حسابه وطردته من خدمتي. ~~- إني أتأسف لذلك؛ لأني أعلم أن هذا الفتى أمين وغيور ونبيه. ~~- والحق أقول لك أني أسفت جدا لطرده، ولكن عمله هذا غاظني جدا؛ فلم أتمالك أن أطرده ~~على أنه إذا عاد أقبله. # فافتكر إدورد أن وجود هنري في بيت خاله قد يفيده فيما لو اقتضت الأحوال أمرا؛ فقال: ~~سأكتب لأبيه أن يرده؛ لأن ذنبه لا يستحق الطرد. ~~- تفعل حسنا. أراك قد أتيت إلينا في غير الميعاد المعتاد، عساك تود أن تتناول العشاء ~~معنا. ~~- أتناوله معكم، وإنما أتيت الآن لكي أسألك بعض المسائل وألتمس منك أمرا مهما أيها ~~الخال. ~~- خير إن شاء الله! سل ما تشاء فلا أعز عليك شيئا. ~~- لا أشك في ذلك، بل أؤكد أني لو طلبت مالك كله لما بخلت به، ولكن ما أطلبه ليس مالا ~~وإنما هو خبر صادق. ~~- ماذا؟ سل. ~~- سألتك غير مرة عن أهل أبي، فكنت تقول لي: إنهم أناس خاملون في قرية حقيرة، ولكني لم ~~أر الآن هذا الجواب شافيا؛ فأرجو منك أن تخبرني عن حقيقة نسبي. من هو أبي ومن هم أهله ~~ومن هي أسرته؟ # فضحك المستر هوكر وقال: وما الذي يدعوك الآن إلى هذا التحقيق؟ ~~- قيل لي إني من أصل شريف ... # فبغت المستر هوكر لهذا القول، وسأل: من قال لك ذلك؟ ~~- أسره إلي من يعرفه واستحلفني ألا أبوح باسمه ولا بسره. ~~- عجيب! من يعلم هذا السر؟ لا أعرف أحدا سواي يعلمه. ~~- إذن هذا السر حقيقي يا سيدي. ~~- نعم حقيقي، ألعلك قابلت اللايدي بنتن اليوم؟ ~~- نعم أنا عائد من عندها توا إليك. ~~- إذن هي أخبرتك. ~~- كلا، بل أنا أخبرتها وقد ثبت لي من ملامحها ومن فحوى حديثها أنها تجهل هذا السر تماما ~~ولما أخبرتها به أبت أن تصدقه. ~~- غريب! أما كانت قد تناولت بريد اليوم لما زرتها؟ ~~- كلا، وإنما رأيت الخادم يدخل ms68 به وأنا خارج. ~~- إذن أنت عرفت السر قبلها. ~~- عرفته منذ ظهر الأمس. ~~- عجيب عجيب! لا أعهد أحدا سواي يعرفه. ~~- أرجو أن تدعنا من عارفي السر الآن، فإن النقطة الجوهرية التي أسعى إليها هي أن تتفضل ~~علي بالأوراق التي تثبت أني ابن شرعي للورد هركورت سميث، ولك الفضل الذي لا يكافأ. ~~- لو تأخرت دقيقتين عند عمتك اللايدي بنتن لرأيت الأوراق التي تبتغيها بين يديها. ~~- أأرسلتها إليها؟ ~~- نعم، في صباح هذا النهار. وقبل حادثة الكلب كنت أكتب لها كتابا أفصل فيه حقيقة السر، ~~وهل عرفت أنت الحقيقة تماما؟ ~~- نعم عرفتها. ~~- من أخبرك إياها؟! ~~- ستعرف بعد حين، ولكن قل لي هل مات أبي مسموما؟ ~~- كلا، هل قال لك مخبرك أنه مات كذلك؟ ~~- نعم. ~~- والحقيقة لا، وإنما ادعيت يومئذ تسممه؛ لكي أنفر خادمه لأبعده عني لأنه هو ~~الوحيد الذي كان يعرف السر. # ثم انتبه المستر هوكر، فقال: ألعله لم يزل حيا وقد عثرت عليه فأسر لك ~~الحقيقة! ~~- نعم، كما تقول. ~~- مسكين جوزف برون الخادم الودود الأمين. أين عثرت عليه؟ ~~- في حانوت في الضاحية الشرقية وقد غير اسمه إلى جاكوب داي. ~~- وكيف حاله؟ أظنه أصبح شيخا الآن. ~~- نعم، وهو لم يزل يعتبر نفسه فارا؛ فيخاف أن يعلن اسمه. ~~- فليأت إلي فإني أتوق إلى رؤيته. ~~- هو أبو هنري الذي طردته اليوم. ~~- أكيد ما تقول. ~~- نعم. ~~- عجيب! لكم كنت أقول: إني آلف ملامح هذا الغلام منذ عهد بعيد، ولطالما كان يذكرني بسحنة ~~أبيه. # ثم قص إدورد على خاله كيف عرفه وعلم منه الحكاية، وقال: إذن دفعت الورق إلى عمتي يا ~~سيدي؟ ~~- نعم يا عزيزي. # فابتسم إدورد قائلا: لأي غرض؟ ~~- لكي تعلن لك نسبك وتعرفك أنك ابن أخيها اللورد إدورد سميث، ولا تضن عليك بابنتها ~~عروسا. ~~- ولكن ما الذي حملك الآن على هذا الأمر يا سيدي، وقد كنت تأباه قبلا وتكتم السر؟ ~~- أنت تعلم يا إدورد أني أحبك حب الأب لابنه، وهل تظن أن حب الأب يتغير مهما تغير قلب ~~الابن؟ ~~- كلا، ولكن لم يتغير قلبي من نحوك ms69 يا سيدي. ~~- لا أقول أن قلبك تغير، ولكني أخبرك بقضية راهنة، لما كنت ألح عليك أن تتزوج ابنتي كنت ~~أفعل ذلك لا عن طمع بقلبك لابنتي كما كان قصدي في السنين الغابرة، بل عن حب شديد لك ولابنتي ~~معا، فكان يلذ لي جدا أن أراكما زوجين، ولكن لما رأيت أن أمنيتي هذه بعيدة المنال ~~أبيت وأنا أحبك جدا أن أحرمك مجدك وحبيبتك لويزا بنتن؛ فتهنأ يا بني بها. أسأل الله من ~~صميم فؤادي أن يهنئكما إلى الأبد. ~~- ما أطيب قلبك أيها الخال بل الأب الحنون! # وعند ذلك طفر الدمع من أجفان الخال وابن الأخت، ووقع أحدهما على الآخر وتعانقا. ~~- سامحني يا خالي الحنون؛ فكم أسأت إليك بجفائي لك! وكم جرحتك بكبريائي! وكم صبرت على ~~جهالتي وغروري! بل كم أسأت إلى أليس عزيزتي! وكم تحملت هي من خشونتي! ألا تسامحني أليس ~~أيها الخال؟ ~~- أليس طيبة القلب جدا يا إدورد، وهي التي سامحتك أولا، وهي التي حملتني على أن أعدل ~~عن الإلحاح عليك وأتركك تتبع هواك، وهي تتمنى لك كل خير، ومن أجل كلامها أرسلت الأوراق ~~لعمتك. ~~- أين هي الآن؟ ألا أراها هنا؟ ~~- أظنها تتمشى في الحديقة، ولو علمت بقدومك لأسرعت لتراك. # وفي لحظة استدعيت أليس، وكانت بين يدي إدورد يعانقها عناق الأخت. ~~- سامحيني يا أليس كم كدرتك وأحزنت قلبك! ~~- عذرتك يا إدورد لما عدت إلى رشدي، وعلمت أن الأمر ليس في يدك. أحبك الآن كما تحبني ~~أحبك حب الأخت الحنون، وأحب اللايدي لويزا بنتن لأجلك، أهنئك بها بل أهنئها بك يا حبيبي ~~إدورد. # فوقع إدورد ثانية على قدمي أليس يقبل يدها ويحمدها. # الفصل الحادي والعشرون # | ما ليس في الحسبان # في صباح اليوم التالي ركب اللورد إدورد مركبته، وقصد إلى قصر كنستون فدفع بطاقته إلى ~~البواب يلتمس مقابلة عمته اللايدي بنتن، وبعد هنيهة أقبلت عليه إحدى الوصيفات، وقالت له: ~~تقول حضرة اللايدي بنتن إنها لا تقبل زيارات الماجنين الهازلين، فإياك أن تقصد إلى هذا ~~القصر بعد. ~~- ما السبب؟ لم أفهم ما تقولين. ms70 ~~- كذا أقول لك. # ثم صعدت في سلم القصر غاضبة. # فبهت إدورد من هذه المقابلة المهينة، وجعل يفكر بأسبابها وأول ما خطر له أن عمته تأبى ~~عليه انتسابه لها لئلا يسترد منها ثروة أبيه، وأنها - وقد حصلت على الأوراق الرسمية التي ~~تثبت انتسابه - صار يسهل عليها أن تنكر دعواه بأن تتلف الورق الذي هو حجته، فعاد ساخطا ~~محترق الفؤاد تارة يلعن عمته لطمعها، ويقول: «لو تمنحني يد لويزا فأتنازل عن لقبي وحقي من ~~ثروة أبي!» وطورا يلعن خاله لأجل إرساله الأوراق إلى عمته وعدم تسليمها إياه هو. وقد تمادى ~~بالغيظ والحزن، فلم يدر نفسه إلا وهو أمام منزله، فصعد إلى غرفته فوجد بريد الصباح ينتظره ~~فقلبه، فعثر على غلاف معنون بخط لويزا ففتحه بلهفة وقرأه كما يأتي: # عزيزي إدورد # لا تأت إلى قصر كنستون قبل أن تذهب إلى خالك، وتحتال عليه لتتحقق أمر الأوراق ~~الرسمية منه؛ ذلك لأنه ورد لأمي في المساء كتاب بإمضاء خالك يخبرها فيه الحقيقة كما ~~علمتها أنت من الشيخ المستر داي، أو بالأحرى المستر برون، ويقول: إنه أرسل لها ~~الأوراق ضمن حقيبة جلد زرقاء مرسلة في البريد نفسه الذي أرسل فيه كتابه، فبحثت أمي ~~عن الحقيبة المذكورة بين مواد بريدها فوجدتها، ولكن لما فتحتها لم تجد فيها إلا ~~ورقا أبيض، فغضبت وسخطت جدا وأنت تعلم كيف تسخط وتغضب، وظنت أنك وخالك تمازحانها ~~مكايدة لها أولا لأنها منذ عشرين عاما رفضت خالك زوجا لها، ثم في هذا العام ~~رفضتك زوجا لي، فلا أدري هل يجد خالك أم يهزل حقيقة، وهاك نسخة رسالته لتقرأها ~~لعلك تستنتج منها نتيجة مفيدة في تحقيق الأمر. # لويزا # ثم فتح إدورد الورقة الثانية التي فيها نسخة كتاب خاله فقرأ كما يأتي: # سيدتي الفاضلة اللايدي بنتن المحترمة # تعرفينني وأعرفك منذ أكثر من عشرين عاما يوم كنا كلانا في شرخ الشباب وفي أشد ~~عنفوانه، أما الآن فإذا اجتمعنا رأى كل منا الآخر قد تغير في طبعه ومزاجه كما ~~تغير في سحنته، فحرارة الشباب قد بردت ونزق ms71 الصبا قد تحول إلى أناة وصبر ~~وحلم. # في ذلك العهد كنت كما كنت في أعلى قمة الشموخ والخيلاء، فلما طلبت يدك أبيت ~~بازدراء واحتقار مع أني كنت أعد نفسي أعظم منك بثروتي بمقدار ما أنت أعظم مني ~~بحسبك، ولما رفضتني شعرت بجرح في فؤادي لا يبرأ إلا إذا أذللت كبرياءك؛ ولذلك ~~صممت أن أزوج أختي من أخيك المرحوم اللورد هركورت سميث، وقد حسنتها له وأغريته ~~بجمالها، وملقته بودادها حتى نجح مشروعي. وإذا تأكدنا أن ذلك يسوءك جدا، وأنك ~~تحرضين أباك على أن يحرم أخاك من اللقب والإرث إذا تزوج أختي عقدنا الإكليل ~~سرا. # ولما ولدت أختي غلاما وشمنا الغلام على ظهره بعلامة صليب، وكتب أبوه رقيما ~~وأمضاه بخط يده إقرارا بأنه ابنه بدليل الوشم؛ لأن أختي ماتت على أثر النفاس، وبقي ~~الصبي تحت عنايتي ريثما يتسنى لأخيك أن يعلن زواجه بعد وفاة أبيه، ثم توفي أبوك ~~ولحقه أخوك على الأثر قبل أن يعلن زواجه السري. فخطر لي حينئذ أن أبقي ذلك الزواج ~~مكتوما إلى أن يشب الصبي فأزوجه ابنتي التي ولدت في ذلك الحين حتى إذا تمت هذه ~~الأمنية أكون قد نلت وطري في حالة أفضل. # ولما شب الصبي بعدما بذلت كل غال ورخيص في سبيل تعليمه وتربيته وجدت نفسي أحبه ~~حبا شديدا، وصرت أتمنى أن أزوجه ابنتي لأجل أني أحبه لا لكي أكيدك؛ لأن الجرح ~~الذي جرحتني به اندمل على تمادي الزمان. # وقد عرضت عليه ابنتي وأغريته بالثروة الطائلة وبالمجد المخبوء فلم أفز بفؤاده، ~~وعند ذاك عرفت أنه يحب ابنتك، فحاولت أن أثنيه عن حبها وأحببه بابنتي فلم أفلح، ~~وقد صبرت عليه إلى الآن حتى قطعت الأمل من استمالته؛ ولذلك رأيت أن أعلن له نسبه ~~عن يدك. # واصلك صحبة رسالتي في هذا البريد نفسه «حقيبة زرقاء» تنطوي على الأوراق الرسمية ~~التي تثبت زواج أخيك وشخصية اللورد إدورد ابنه، فافعلي بها ما تشائين. # اللورد إدورد شاب نابغة ولطيف وطيب القلب. أنصحك أن تزوجيه ابنتك، لا تجدين مثله ~~بين طالبي يدها، ms72 واقبلي فائق احترامي. # جوزف هوكر # قرأ إدورد رسالة خاله إلى اللايدي بنتن مرارا وتأملها جيدا، وقابلها بالحديث الذي سمعه ~~منه بالأمس، وبالدموع التي سكبها على خده عندما عانقه، فلم تتراء له هزلا ولا مزاحا. إذن ~~ما هو تعليل هذه الأوراق البيضاء في المحفظة؟ ألعل الأقدار محت نسبه عن تلك الأوراق لكي ~~تحرمه لويزا حبيبته؟ احتدم غيظه واشتد حزنه حتى كادت نفسه تطير شعاعا، فركب مركبته ودرجت ~~به توا تسابق الريح إلى بيت خاله، فدخل المنزل وهو لا يدري بأي لهجة يقابل خاله، أبالعتاب ~~أم بالخصام أم بالحيرة؟ فالتقى به في باب الرحبة على أهبة الخروج إلى معمله، فلما رآه ~~المستر هوكر وعلى محياه غيهب من الغم كثيف حالك اقشعر بدنه، وقال بانبغات: ما خبرك يا ~~حبيبي إدورد؟ ~~- إن كنت تمزح يا سيدي، فالأمر جلل لا يحتمل المزاح، فبربك قل لي الحقيقة: أين ~~الأوراق؟ # فأجاب المستر هوكر بكل رزانة وجد: قلت لك أمس إني أرسلتها إلى اللايدي بنتن. ~~- قل الصدق. # فقال المستر هوكر بسخط وقد اكمدت ملامحه: يا لله يا إدورد! ~~- وصلت المحفظة مشتملة على ورق أبيض. اقرأ هذا الكتاب. # وفي الحال دفع إليه رسالة لويزا فقرأها المستر هوكر، وشعر أن شاربيه يتراقصان، فقال: ~~ويلاه! كيف ذلك؟ أين فقد الورق؟ أي يد لعبت بالحقيبة؟! ~~- إذن أنت تؤكد أن الورق كان في الحقيبة لما أرسلتها؟ ~~- من غير بد، تفقدت الورق فيها فوجدته تاما، ثم أخذت أكتب الرسالة للايدي بنتن، وما ~~انتهيت من تحريرها حتى حصلت حادثة الكلب، فعالجته وعدت فغلفت الرسالة ولففت الحقيبة وختمتها ~~بالشمع الأحمر، ونزلت في الحال ووضعتهما من يدي في البريد. ~~- ألا يحتمل أن يكون أحد عمال البريد قد سرق الورق؟ ~~- ولكن من يدري ماذا كان في الحقيبة، ولماذا يسرقه؟! وماذا يفيده؟ لا أدري لا أدري. ~~حيرني فقد هذا الورق. ~~- ابحث الآن بين أوراقك لعله بقي عندك عن سهو. # فدخلا كلاهما إلى مكتب المستر هوكر وبحثا بين أوراقه كلها، فلم يجدا لذلك الورق أثرا. ~~فقال المستر هوكر: يستحيل أن ms73 يبقى الورق هنا، بل هو مسروق عمدا، وإلا فما معنى وجود الورق ~~الأبيض في الحقيبة. ~~- ولكن كيف يسرق، إنه وايم الحق لأمر عجيب. ~~- هلم بنا إلى قصر كنستون؛ فنتحرى المسألة هناك ونرى المحفظة نفسها لنعلم كيف فتحت ~~واختلس الورق منها. # عند ذلك لم يبق ريب عند إدورد أن خاله يصدق فيما يقول فقال: ولكن اللايدي بنتن لا ~~تستقبلنا؛ لأنها ساخطة جدا وقد قصدت في هذا الصباح إلى قصر كنستون قبل أن تصل رسائلي ~~والتمست مقابلتها، فعادت وصيفتها تنقل إلي إرعادها وإبراقها حتى كأني شعرت برجة غضبها ~~وأنا خارج القصر. ~~- إذن ماذا نفعل؟ لا بد من الاجتماع باللايدي بنتن وتحقق الأمر معها، فمتى وصلنا إلى ~~القصر نرى الوسيلة الممكنة لمقابلتها وتفهم أمر الحقيبة منها جيدا. # وفي الحال ركبا توا إلى قصر كنستون. # الفصل الثاني والعشرون # | قد يسوء العمل من حيث تحسن النية # ولما وصلا إلى باب القصر أرسلا بطاقة كتبا عليها: «المستر هوكر واللورد سميث يرجوان ~~مقابلة اللايدي بنتن الآن لأجل أمر مهم.» # فلما قرأت اللايدي بنتن البطاقة لم يبق عندها ريب بأن المستر هوكر يجد لا يهزل؛ فأذنت ~~أن يدخلا إلى القاعة، وثم أقبلت عليها بمجدها وأبهتها وخيلائها، ففوقفا لها وتقدما ~~فصافحتهما باشة، ثم جلست في كرسي هزاز من الحرير المخملي كالملكة في سرير الملك، ~~فبادأهما المستر هوكر بالحديث قائلا: أظن يا حضرة اللايدي بنتن أنك وثقت برسالتي. ~~- من أي قبيل؟ ~~- من قبيل أني مخلص في كل ما كتبت؛ فقد اعترفت لك بمقاصدي السابقة، وأبنت لك نيتي ~~الحاضرة وأظنك تعذرينني على القديم وتسامحينني عليه، وتقبلين مني اللورد إدورد سميث هدية ~~ثمينة. # فابتسمت قائلة: إن تهذيبك للورد إدورد هو الشافع العظيم بك، وإني أشاركك بكل إحساساتك ~~الجديدة، وقد نسيت الماضي ولي رجاء حسن بالمستقبل الجديد، ويسرني أن نبتدئ منذ الآن يا ~~مستر هوكر على وفاق، ولم يبق عندي ريب الآن أنك أرسلت الحقيبة مشتملة على الورق، ولكن ~~حيرني أمرها فلا أدري كيف اختلس منها. ~~- هل وصلت إلى حضرتك ملفوفة بورق؟! ~~- نعم، ms74 ومختومة بالشمع الأحمر، ولما فتحتها ذهلت إذ وجدت الورق فيها أبيض، وأقر لك أني ~~أسأت الظن بك في أول الأمر، ولكني راجعت رسالتك ثانية وثالثة فتأكدت من لهجتها صدق كلامك. ~~فماذا تظن بهذه الحادثة الغريبة؟ ~~- لقد حيرني أمر هذه الحقيبة يا سيدتي، فإذا كنت قد استلمتها مختومة فلا يمكن أن تكون ~~الأوراق قد سرقت منها في البريد . وكذلك لا يمكن أن تكون قد فقدت عندي؛ لأني قبيل ~~لفها وختمها فتحتها وتفقدتها جيدا فلم تنقصها ورقة. ~~- هنا العجب، تذكر جيدا يا مستر هوكر، ألا يمكن أن تكون قد غلطت فوضعت الورق الأبيض ~~بدل الأوراق المقصودة سهوا؟ ~~- كلا يا سيدتي، فقد فتشنا جميع أوراقي، فلم نجد أثرا للورق المقصود بينها. # عند ذاك استدعت اللايدي بنتن وصيفتها، وأمرتها أن تستحضر الحققيبة فأحضرتها ملفوفة بالورق ~~الذي لفها به المسترالمستر هوكر، وشاهدوا جميعا الشمع الأحمر لم يزل على الخيوط والورق؛ ~~لأن اللايدي بنتن قصت الخيوط قصا، ثم فتحوا المحفظة فرأوا ورقا أبيض من الجنس الدون الذي ~~لا يوجد مثله في بيت المستر هوكر؛ فتأكدوا أن استبدال الورق حصل خارج بيته، فازدادوا حيرة ~~حتى عادوا يخالج ضمير كل منهم الظن السيئ بالآخر. فالمستر هوكر كان يخطر له أن اللايدي ~~بنتن استبدلت الورق بعد فتح المحفظة لكي تخفي نسب إدورد حتى لا يكون ابن أخت هوكر لوردا. ~~واللايدي بنتن كانت تقول بفكرها إذ ذاك: «ألا يمكن أن يكون المستر هوكر كاذبا بدعواه لغاية ~~لا أعلمها؟» واللورد إدورد كان يسيء الظن تارة بعمته كما يسيئه بها خاله، وتارة يسيء الظن ~~بخاله كما تسيئه عمته. ولكن كان كل واحد منهم يغالط ظنه ويؤنب نفسه بسره؛ إذ يرى أمائر الجد ~~والإخلاص والاهتمام بادية على جبهتي الآخرين. # ولما استغرق الثلاثة في الحيرة تنهد إدورد في خلال سكوت قصير، وقال: «أيضيع نسبي بضياع ~~هذه الأوراق؟» # فقالت اللايدي بنتن: كلا، أما أنا فأكتفي بشهادة المستر برون، وإذا رأيته أعرفه حالا ~~وأثق به. يبقى أن يعلن السر للعموم بالصورة المقنعة؛ لئلا يظن أن الحكاية ms75 ملفقة لغايات ~~مذمومة، وأنتما تعلمان الهوان الذي يلحق بنا من انتشار الاعتقاد بتزوير الحكاية. # ففنهض إدورد قائلا: وأنا لا أقبل أن يذاع نسبي إلا مؤكدا عند الجمهور، فماذا نفعل ~~الآن؟ # فقال المستر هوكر: نستدعي المستر برون ونستجوبه لعله يعرف شهودا آخرين لا أعرفهم يعززون ~~شهادته، ومع ذلك نتحقق أمر الحقيبة في دائرة البريد لعلنا نظفر بالأوراق. # فقالت اللايدي بنتن: ليس لنا سوى ذلك. # وفيما كان اللورد إدورد على مثل الغضا من جراء هذه الحادثة؛ إذ كان مجده وغبطته موقوفين ~~على وجود هذه الأوراق مثل أحد الخدم يستأذن اللايدي بنتن بدخول رجل غريب لم يشأ أن يعلن ~~اسمه. # فتمرمرت وتبرمت قائلة: يغيظني جدا هؤلاء الذين يطلبون مقابلتي من غير أن يعلنوا ~~أسماءهم، فقل لهذا الرجل إنه لا يدخل ما لم يعرف نفسه. فقال لها الخادم: ألححت عليه بذلك ~~فأصر على كتمان اسمه، وقال أنه يبتغي مقابلة حضرتك لأمر ذي شأن. # فقالت: يدخل إلى القاعة الثانية. # وكان اللورد إدورد جالسا مقابل باب القاعة، فبعد هنيهة رأى شخصا يتبع الخادم مارا ~~أمام الباب فما شعر إلا أنه يندهه «مستر داي. مستر داي» فالتفت المار، فرأى إدورد وسمعه ~~يقول: «هو برون الخادم يا سيدتي ائذني له أن يدخل إلى هنا.» فقالت: «ليدخل.» فاستدعاه ~~إدورد. # ولما دخل الشيخ جون داي أو جوزف برون دهش إذ رأى أولئك الثلاثة في مجلس واحد، وأول شيء ~~خطر له هو أن إدورد واللايدي بنتن يحرضان المستر هوكر ويحتالان عليه لكي يظهر ~~الأوراق. # فتقدم وانحنى أمام اللايدي بنتن ثم انحنى أمام البقية. # فقالت له: ألا تزال تذكرنا يا مستر برون بعد هذا الغياب الطويل؟ ~~- وهل أنساكم يا مولاتي؟ لو لم تقض علي التقادير بالاختفاء لما فارقتكم لحظة. # فقال المستر هوكر: الذنب ذنبي يا مستر برون، فهل تسامحني؟ ~~- الحمد لله أن عاقبة كل ذلك للخير إن شاء الله. # فقال له إدورد باضطراب: أتيت في حينك يا مستر برون؛ فإننا في أشد الحاجة إليك. ~~- لماذا؟ أتفاهمتم كفاية؟ ~~- بل تراضينا في الحال يا ms76 سيدي برون، ولكن الأوراق ... الأوراق مفقودة. ما أنكد حظي! ~~- وإذا كانت موجودة أفيسمح بها المستر هوكر عن طيب خاطر؟ # فقال المستر هوكر: بل إني وهبتها بسرور من نفسي، فإذا بي أهب ورقا أبيض. # فقال إدورد: نحتاج إلى شهادتك ومعلوماتك يا مستر برون. # فقال برون: لا حاجة إلي في شيء، فها الأوراق. # وقدمها للايدي بنتن فدهشوا جميعا، وسري عنهم كأن خطبا عظيما نزل عن صدورهم. # فقال المستر هوكر: كيف اتصل الورق بك؟ فقد كدنا نختنق غما ونتفتت غيظا بسبب ~~فقده. # فقال برون: اعذروني وسامحوني؛ فأنا سبب استلابه من منزل المستر هوكر، وقد استلبته لغاية ~~حسنة فأرجوكم أن تسمعوا الحكاية، وثم احكموا كما تشاءون فإني كنت ولا أزال خادمكم الطائع ~~الأمين. # فقالت اللايدي بنتن: اقعد وتكلم يا مستر برون؛ فإني لا أشك بحسن نيتك. # ثم جلس الشيخ على كرسي، وقال: رأيت هذا الشاب لأول مرة فلهف إليه فؤادي، وبعد حديث قصير ~~عرفت أنه ابن أخت المستر هوكر؛ فرجحت أنه ابن المرحوم اللورد هركورت سميث سيدي القديم. ~~فحثثته وقتها أن يبحث عن نسبه وقبل أن يمضي توسلت إليه أن يتوسط لدى خاله أن يستخدم ابني في ~~منزله؛ ففعل وخدم ابني هناك حتى أمس، وقد سعيت إلى استخدامه عنده لا لأني في حاجة إلى ~~ماهيته، بل لكي ينقل لي أخبار سيدي اللورد وعلاقته مع خاله، وقد أطلعته على السر وأخبرته ~~حكاية فراري وتغيير اسمي، ولا بد أن يكون اللورد إدورد قد رواها لكما، وبالفعل كان ابني ~~ينقل لي كل أسبوع أخبار بيت المستر هوكر. # وقد علمت من هذه الأخبار أن المستر هوكر لا يعلن الأوراق التي تثبت نسب سيدي اللورد ما ~~لم يتزوج اللورد ابنته، وعلمت أن اللورد يأبى أن يتزوجها؛ فصرت أخاف أن المستر هوكر يتلف ~~الأوراق لكي يبقى نسب ابن أخته مجهولا إذا يئس من إقناعه بتزوج ابنته، فحرت في أمري ~~ماذا أفعل لكي أسرق ذلك الورق؛ لأني لم أكن أعلم أين يودع، وأخيرا مر بي سيدي اللورد أول ~~أمس، ومن حديث ms77 لحديث فهمت منه أن الأوراق محفوظة ضمن حقيبة جلد زرقاء صغيرة توضع في الجيب، ~~وأن الحقيبة مودعة في درج مكتب المستر هوكر، فذهبت بعد مضي سيدي اللورد إلى بيت المستر ~~هوكر واستدعيت ابني إلى خارج المنزل، وأخبرته عن موضع الأوراق وعلامة الحقيبة، وألححت عليه ~~أن يجد وسيلة لاستراق تلك المحفظة. # أما ما كان من ابني فإنه كان يلاحظ أن المستر هوكر لا ينزل من البيت في الصباح ما لم يجلس ~~إلى مكتبه ويقلب في أوراقه ويكتب ويقرأ؛ فراقبه في صباح الأمس حتى لاحظ أنه جالس إلى مكتبه ~~وقد فتح الدرج، ومن حسن المصادفة رآه يقلب المحفظة بين يديه، وكان يعلم أنه يحب كلبه جدا ~~ويدلله ويعنى به، فأخذ هنري قليلا من الفلفل الأحمر الحار (الشطة)، وفرك به شفتي ~~الكلب وأنفه، وكان مستعدا لهذا العمل منذ المساء السابق متوقعا الفرصة المناسبة، فتهيجت ~~شفتا الكلب جدا والتهب؛ فصار يثب ويعوي حتى سمع المستر هوكر عواءه، فخرج من غرفته مبغوتا ~~ليرى ما الخبر؛ فدخل ابني وفتح الحقيبة وأخذ ما فيها من الأوراق ووضع بدلها ورقا أبيض ~~لكيلا تتراءى فارغة وأقفلها وردها كما كانت وعاد، ومن حسن الحظ أن المستر هوكر طرده من ~~خدمته على أثر الحادثة. # فبهت الجميع لهذه الحكاية وضحكوا، وأما المستر هوكر فقال: عجيب! لم يخطر لي وأنا متحير ~~لفقدان الأوراق أني تركت الدرج مفتوحا والحقيبة والأوراق منثورة على المكتب، وهرعت إلى ~~الكلب لأرى ما أمره؛ ذلك لأنه لم يكن ليلوح في بالي أن أحد الخدم يجسر أن يدخل إلى غرفتي، ~~ثم ماذا يا مستر برون؟ ~~- عفوك يا مولاي، إننا فعلنا ذلك لغاية حسنة. ~~- لا بأس يا مستر برون، لست ألومك على ذلك. أتم قصتك. # فاسترسل المستر برون في حديثه: ولما صارت الأوراق في يدي عقدت النية على أن أدفعها للورد ~~إدورد، فذهبت في هذا الصباح إلى الفندق الذي ينزل فيه فلم أجده هناك، فقلت: لا بأس أعود ~~إليه بعدئذ، ثم خطر لي أن أذهب إلى منزل المستر هوكر بحجة أن ms78 أسأل عن سبب طرد ابني، ولكن ~~قصدي أن أستفهم بأسلوب خفي عما إذا كان المستر هوكر قد علم بسرقة الأوراق، ولما وصلت إلى ~~المنزل سألت الخدم عن سيدهم قالوا: «أتى المستر إدورد إليه في هذا الصباح لأمر مهم، ثم ~~سمعناهما يقولان هلم إلى قصر كنستون»، فخطر لي حينئذ أن آتي إلى هنا لأرى إن كنتما هنا، ~~ولأي سبب أنتما هنا لعلي أجد الفرصة مناسبة لعرض الورق، فوجدتها مناسبة والحمد لله. # وكان المستر هوكر واللايدي بنتن واللورد سميث يسمعون حكاية المستر برون، ويبهتون حتى ~~انتهى فضحكوا من هذه الحيلة، وأعجبوا بحرية ضميره في الرواية، وبرروا عمله لحسن غايته ~~وأثنوا على غيرته. # ثم تناولت اللايدي بنتن الأوراق وفضتها، فوجدت كتابة القسيس التي تثبت صحة عقد الزواد، ~~وإمضاءات العريسين والشهود، وكتابة أخرى تثبت عماد اللورد إدورد سميث بإمضاء القسيس وإمضاء ~~أبيه، وكتابة أخرى من أبيه تثبت شخصيته بدليل علامة الوشم، ثم رآها إدورد واحدة واحدة، وكان ~~يتهلل وجهه فرحا وسرورا. # الفصل الثالث والعشرون # | يد بيد # عند ذلك وقفت اللايدي بنتن وتقدمت نحو اللورد إدورد، فنهض في الحال وتقدم إليها، فممدت ~~إليه يدها فقبلها وكان وجهها يطفح سرورا، وقد انقشعت غياهب الخيلاء عن محياها، وتراءت ~~أودع من الحمامة، وقالت له ودمع الفرح يطفر من عينيها: لا أقدر أن أصف لك يا حبيبي إدورد ~~سروري الآن - فخفق قلب إدورد عند سماع هذه الكلمة - سرور يقابل حزن عشرين سنة قضيتها في ~~الحسرات على أبيك؛ ذلك لأني أعتبر أن الله رد لي أخي في جسم ابنه، فلك الآن عندي معزة ~~الأخ وابن الأخ، وأزيد أيضا معزة الصهر؛ لأني أعرف الحب الشديد المتبادل بينك وبين لويزا ~~ابنة عمتك، وأنا أعتبر أنك كنت تستحق يدها بلا لقب، فكيف وأنت الآن شريف وقريب بل ابن؟ وإني ~~لأفخر بك يا حبيبي إدورد بما رأيته من ارتقائك السريع العجيب في الهيئة الاجتماعية، وعلى ~~الخصوص في السياسة والصحافة، وآمل أن ارتقاءك لا يقف عند هذا الحد، بل يستمر إلى أن يتم لك ~~كل ms79 متمنى. ثم إني أشكر عناية خالك المستر هوكر الذي رباك وعلمك لكي تكون أهلا للقب سميث ~~الشريف، بل إني أهنئه بك لأنك ابن أخته كما أنك ابن أخي. # فأجابها اللورد إدورد قائلا: إني أشكر الله لإلهامه إياي أن أحب ابنة عمتي حبا فوق ~~العبادة؛ لأني أعتقد أن هذا الحب كان مفتاح أسراري ومرقاتي إلى مجدي. نعم، إن لخالي الفضل ~~الأول في تربيتي وتعليمي، ولكن لحبي للويزا الفضل الأعظم في طلاب العلى والمجد، بل إن ~~تمسكك يا مولاتي بشرف أجدادنا وحرصك عليه استكدا قواي لكي أطاول هذا المجد الأثيل وأسعى ~~إليه، فقلبي ربيب آل بنتن، كما أن عقلي ربيب خالي الفاضل. # عند ذلك تقدم المستر هوكر إليها فمدت إليه يدها، فقبلها قائلا: إني أحمد الله على أن ~~حرصي على ابن أخيك يا حضرة اللايدي لم يفض إلى نتيجة غير محمودة، فها هو لائق لأن يتلقب ~~باسم آل سميث النبلاء. ~~- لا ريب عندي يا مستر هوكر أنك قصدت كل خير له، وقصدك يبرر عملك، فالماضي مضى ونحن الآن ~~أصدقاء. ~~- إني أمتن جدا لفضلك يا سيدتي. ~~- تأذنون لي أن أترككم دقيقة؟ # ثم خرجت اللايدي بنتن إلى خدر ابنتها لويزا فوجدتها تقرأ، والحقيقة أن لويزا كانت تتظاهر ~~قارئة؛ لأنها كانت عالمة بوجود إدورد وخاله في القاعة ومنتظرة نتيجة المقابلة بقلب خافق. ~~فقالت أمها باسمة: أتريدين أن تقابلي اللورد إدورد سميث يا لويزا؟ ~~- أتوبخينني يا أماه؟ # فضحكت اللايدي بنتن وقالت: كلا بل أسألك غير مازحة. ~~- لماذا أقابله؟ ~~- لأنك تحبينه. # فاحمر وجه لويزا وكاد الدم يقطر منه. ~~- لا تتورد وجنتاك يا لويزا، لم أجهل حبك لإدورد، ولكني جهلت أنه ابن خالك وأنه لا يقل ~~عنك في شرف حسبه. # فصاحت لويزا: هل ثبت نسبه يا أماه؟ ~~- إذن أنت عالمة بحكاية نسبه. ~~- نعم قرأت تحرير خاله لك فسامحيني. # فابتسمت اللايدي بنتن وأمسكت لويزا بيده وأدخلتها إلى القاعة، وقدمتها إلى إدورد وكان ~~إدورد قد دنا منها فقالت اللايدي: قدمي يدك يا لويزا إلى خطيبك اللورد إدورد سميث ابن ~~خالك، ms80 فإنه يستحقك بشخصيته أكثر مما يستحقك بنسبه. # فتناول إدورد يد لويزا وقبلها وقلبه يثب في صدره خفوقا، ثم قالت اللايدي بنتن: إنها ~~الآن خطيبتك يا حبيبي إدورد، وغدا تكون زوجتك إن شاء الله فقبلها يا إدورد وقبليه يا ~~لويزا. # فتعانق الحبيبان في العلانية العناق الذي كانا يشتهيانه في الخفاء ويكفهما عن العفاف، ثم ~~صافحت لويزا المستر هوكر فهز يدها والدمع ملء عينيه قائلا: إني أسر جدا يا حضرة ~~اللايدي لويزا أن أرى إلى جنب إدورد الذي ربيته ابنا وحيدا لي أبهى نبيلات إنكلترا ~~وأجملهن خلقا وخلقا. ~~- كنت يا مستر هوكر أبا اثنين، فصرت أبا ثلاثة. ~~- أشكر لطفك أيتها العزيزة. # عند ذلك قالت اللايدي بنتن: في هذا المساء نتعشى في هذا القصر جميعا، ونفرح معا. # فقال إدورد: وسترين يا عمتي المحبوبة ابنة خالي، بل أختي أليس وتسرين بأدبها ~~وجمالها. ~~- لا ريب عندي أنها تضاهيك في كل محمدة؛ لأنكما غرس يد واحدة. # ثم خرج المستر هوكر، وبقي إدورد في بيت عمته حتى المساء. # الفصل الرابع والعشرون # | حب وعهد في ساعة واحدة # وما سدل الليل سجوفه حتى كان قصر كنستون يتألق أبهة وسناء، وقلب لويزا يرقص بهجة وهناء، ~~واللايدي واللورد بنتن واللورد روبرت يتهللون سرورا لتحققهم أن إدورد نسيبهم؛ ولأنهم كانوا ~~يحبونه جدا لنبوغه، ولما كانوا يقدرونه له من المستقبل المجيد في عالم السياسة، وكل ما ~~كان عند اللايدي بنتن من الكبر والصلف قد لاشاه حبها له وحنانها إليه لأنه ابن أخيها، أما ~~إدورد فلم يكن ليرتوي من النظر إلى لويزا ومحادثتها وملاطفتها؛ حتى إنه كاد يلتهمها حبا ~~بعينيه كما التهمها بقلبه لأنها كانت وميض بشر له وينبوع إيناس. # وقد احتفى الكل بالمستر هوكر وبأليس ابنته، وأعجبوا بما رأوه من جمالها وبهائها وجلالها ~~وحسن روائها؛ حتى إن اللايدي بنتن لم تكن لتتوهمها إلا سليلة النبل والشرف. # وكان في ذلك المساء أن روبرت أعجب غاية الإعجاب بأليس، فأولع بها وظل يحتفل بها ويجاملها ~~حتى لاحظ الكل أمره معها، فبعد تناول العشاء وتفرقهم أزواجا في ms81 قاعات القصر وشرفاته أخذت ~~اللايدي بنتن يد ابنها وأدخلته إلى غرفتها، وقالت له باسمة: أراك يا ولدي روبرت تحتفل ~~كثيرا بمس هوكر. ~~- أليس من الواجب يا أماه أن نحتفل بالضيوف؟ ~~- نعم واجب، ولكنك اقتصرت على الاحتفال بأليس وحدها؛ فلا أظن أن هذه الحفاوة كلها من قبيل ~~الواجب بل هناك داع أكبر لها، داع من القلب. أليس كذلك يا روبرت؟ # فابتسم روبرت قائلا: وهل من مانع أن أحتفي بها كحبيبة يا أمي؟ ~~- كيف ترى أليس يا روبرت؟ ~~- إني أراها آية جمال وكمال وأدب. هل أنا غلطان؟ ~~- كلا يا روبرت، إني معجبة بها وأراها لائقة بقصور الأمراء، فهل تشاء أن تكون زوجة ~~لك؟ ~~- كذا أفتكر يا أماه، فإذا كنت وأبي ترضيانها؛ فإني أسر بأن تحققا أمنيتي. # فاستدعت اللايدي بنتن زوجها وسألته عن رأيه فوافق رأيها بسرور، وقررا أن يسألها روبرت ~~أولا عن رغبتها بأسلوب بسيط، وفي الحال ذهب إليها وانفرد بها في الشرفة وحادثها طويلا ~~أحاديث مختلفة، حتى تطرق معها في الكلام إلى الحديث الآتي: لي الأمل أن تكوني مسرورة في ~~هذا المساء يا مس أليس. ~~- لا أظنك تشك بذلك يا حضرة اللورد. ~~- إذن أعد نفسي سعيدا. ~~- أنا السعيدة يا سيدي، بل أرى أن السعادة محصورة في هذا القصر المجيد. ~~- إذا كان هذا ما تعتقدين يا سيدتي، فإن القصر يتشرف بأن يكون مقامك الدائم إذا ~~شئت. # فاقشعرت أليس لهذا القول ولم تجب، فعاد روبرت يقول لها: لم سكت يا عزيزتي؟ # فقالت متلعثمة: هل تعني ما قلت يا سيدي؟ ~~- إن ما أقوله هو أمنيتي فهل يسوءك؟ ~~- كلا، وإنما زعزع قوامي؛ لأنه سعادة مفاجئة. ~~- كذا كانت سعادتي في هذا المساء يا حبيبتي، وما أعظم السعادة إذا كانت مفاجئة! ~~- إني أخاف يا عزيزي روبرت أن تكون هذه السعادة المفاجئة حلما سريع الزوال. ~~- لا سمح الله يا أليس. # فتنهدت أليس متمتمة لنفسها: أشكر الله لأنه لم ينس صبري وإخلاصي. # ثم رفعت صوتها قائلة: ولكن ... ~~- ماذا؟ ~~- أرى أن بيني وبينك يا سيدي عقبة صعبة المرتقى جدا. ~~- لا ms82 عقبة تستطيع الحيلولة بين القلوب المتفاهمة، فماذا تعنين؟ ~~- أنسيت أن سيادة اللايدي بنتن والدتك قد أنكرت يد اللايدي لويزا على إدورد ابن عمتي؛ ~~لأنها كانت تظنه من العامة لا ينبض فيه دم النبلاء؟ # فضحك روبرت قائلا: حقك أن تظني هذا الظن، ولكن لا أخفي عليك أن سرور أمي بإدورد ابن ~~أخيها خفف جدا من غلوائها، وأزال كل حقد من قلبها على أبيك، وصارت تنظر إليه كصديق ~~كبير عريض الجاه عالي المقام، وإدورد نفسه لم يدخر جهدا اليوم بالتأثير على والدي أن ~~خاله المستر هوكر رجل عظيم في عقله نبيل في قلبه شريف في مبادئه، وأنه - أي إدورد - إذا كان ~~يتصف بحسنة؛ فلأن خاله رباه على يديه، وقد عرض إدورد بذكرك كثيرا في هذا النهار، وامتدح ~~صفاتك حتى تعلقنا كلنا بك قبل أن نراك، ولما رأيناك وجدنا الحبر أفضل من الخبر. ~~- لا ريب أن إدورد خلبكم بسحر بيانه، فأوهمكم أن لي محاسن تستحق ثناءكم، فكم أنا مدينة ~~للطفه! ~~- لم نعد في حاجة إلى شهادة يا أليس، ها أنت بيننا وكلنا معجبون بما أنسناه من لطفك ~~وأدبك، فإذا كنت تتوهمين أن والدي عقبة في سبيل حبنا فأنت مخطئة؛ لأني استشرتهما بالأمر ~~فأظهرا تمام الرضى. # ثم تناول روبرت يد أليس وهم أن يقبلها، فاجتذبتها منه قائلة: عفوك يا حبيبي أنت ~~استشرت أبويك وأنا لي أب. ~~- أتظنينه يأبى؟ ~~- يستحيل أن يأبى، ولكن واجب الأدب ... ~~- يقتضي أن يستشار، نعم يستشار، لا أنكر ذلك، وإنما خاطبتك أنا أولا بهذا الموضوع لكي ~~أعلم رغبتك حتى إذا استحسنت الأمر كلم أبواي أباك بشأنه، وها أنا مخبرهما بنتيجة ~~حديثنا. # وعند ذلك انفرد روبرت بأبويه وأخبرهما خلاصة حديثه مع أليس، فانفردت اللايدي بنتن بالمستر ~~هوكر، وقالت: أي شيء كان ألذ لك في هذا المساء يا مستر هوكر؟ ~~- أن أرى إدورد ولويزا يتمازحان فيتغاضبان هنيهة ويتراضيان أخرى، فكانت كل حركة من ~~حركاتهما نقرة على وتر السرور في قلبي، أما لذ لك ذلك يا حضرة اللايدي بنتن؟ ~~- بالحقيقة سرني جدا، ثم سرني ms83 شيء آخر مثله أيضا، أما لاحظته؟ # فضحك ضحكة المتجاهل قائلا: ماذا؟ لم ألحظ غير أمر إدورد ولويزا. ~~- يستحيل إلا أن تكون قد لاحظت تجامل أليس وروبرت. ~~- نعم، لاحظت شيئا من ذلك فنسبته إلى لطف اللورد روبرت الفائق نحو ابنتي، ولا سيما لأنها ~~ضيفته لأول زيارة. ~~- ما هو لطف يا مستر هوكر، بل هو حب. ~~- لا أظن اللورد روبرت يعبأ بمثل أليس يا مولاتي. ~~- ليست لويزا بأفضل من أليس يا مستر هوكر، والذي ربى إدورد هذه التربية السامية ربى ~~أليس، وكما ربيت لي إدورد ربيت لك روبرت، فأليس وروبرت حبيبان الآن فلا أظنك إلا تسر ~~بأن يكونا زوجين. ~~- ولكن هل تحققت ما تقولين يا سيدتي؟! ~~- نعم، فقد اطلعت على أفكار روبرت بهذا الشأن، وهو نقر على وتر قلب أليس فسمعه مجاوبا ~~لوتر قلبه، وأنا واللورد بنتن فرحان بهذا التوافق، وأنت؟ ~~- لي الفرح الأكبر. # ثم تصافحا وامتزجا بين البقية، وأعلنت اللايدي بنتن الأمر للجميع؛ فبادلوا بعضهم التهاني، ~~وأتموا سهرتهم في منتهى الهناء والصفاء. ~~••• # بعد بضعة أسابيع نشرت جرائد إنكلترا أن قد زفت اللايدي لويزا بنتن إلى ابن خالها ~~اللورد إدورد سميث، والمس أليس هوكر إلى اللورد روبرت بنتن في مساء يوم واحد في قصر كنستون ~~في احتفال أنيق حضره معظم نبلاء لندن وكبارها. ms84