######OpenITI# #META# URI: 1373NiqulaHaddad.HawaJadida.Hindawi60626970 #META# Tags: novels #META# ID: 60626970 #META# Title: حواء الجديدة #META# AuthorID: 60483937 #META# Author: نقولا حداد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المقدمة‏ # غرض هذه الرواية‏ # 1 - لهفة فؤاد‏ # 2 - حديث الحمى‏ # 3 - وقدة الحب‏ # 4 - لقاء فيه الداء‏ # 5 - نسمات باردة‏ # 6 - سلسبيل حديث‏ # 7 - الهوى العذري‏ # 8 - صاعقة‏ # 9 - نار ولا نور‏ # 10 - وقد الوجد‏ # 11 - الملاك الساقط‏ # 12 - الحقد على الشرائع‏ # 13 - الولادة الثانية‏ # 14 - أنا الغريقة ما خوفي من البلل‏ # 15 - الضحية العظمى‏ # 16 - ثقل الجسد على الروح‏ # 17 - الصراع الأخير‏ # آراء بعض العلماء في «حواء الجديدة»‏ # تذييل‏ # المقدمة‏ # غرض هذه الرواية‏ # 1 - لهفة فؤاد‏ # 2 - حديث الحمى‏ # 3 - وقدة الحب‏ # 4 - لقاء فيه الداء‏ # 5 - نسمات باردة‏ # 6 - سلسبيل حديث‏ # 7 - الهوى العذري‏ # 8 - صاعقة‏ # 9 - نار ولا نور‏ # 10 - وقد الوجد‏ # 11 - الملاك الساقط‏ # 12 - الحقد على الشرائع‏ # 13 - الولادة الثانية‏ # 14 - أنا الغريقة ما خوفي من البلل‏ # 15 - الضحية العظمى‏ # 16 - ثقل الجسد على الروح‏ # 17 - الصراع الأخير‏ # آراء بعض العلماء في «حواء الجديدة»‏ # تذييل‏ # | حواء الجديدة # | حواء الجديدة # تأليف # نقولا الحداد # من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولا بحجر # | المقدمة # طلب إلينا كثيرون من مشتركي هذه المجلة أن نطبع رواية حواء الجديدة، التي لم يبق ~~منها ولا نسخة في المكاتب، ونقدمها بمثابة جزء من المجلة، فلم نر بدا من تلبية ~~رغبتهم، وها نحن ننشرها بدل عددي السادس والسابع ونقدمها لجميع القراء، وسنطبع ~~منها عددا محدودا لغير المشتركين بثمن 12 قرشا مصريا. # نقولا الحداد # مصر. شبرا، صيف 1929 # | غرض هذه الرواية # في حين أن المدنية الحاضرة تتباهى بتأييد الحرية والإخاء، والمساواة نرى هيئتنا ~~الاجتماعية تئن تحت جور ثقيل؛ ذلك لأن ناموسا أدبيا يتساهل مع أحد شطريها - ~~«الرجل» ويظلم الشطر الآخر - «المرأة» يجر الرجل المرأة إلى الدنس، والمرأة ~~وحدها تشقى به، فأين ما تدعيه المدنية من المساواة إذا كان التمدن قد بلغ إلى ~~القمة الآن، فلم يزل هذا الظلم الفاضح الباقي من آثار الهمجية ندبة تشوه ~~وجهه. # لا أقصد أن أبرئ المرأة من الإثم الذي تشارك فيه الرجل، وإنما أشكو من اغتفار هذا ~~الإثم للرجل الذي ms001 يجرها إليه وآسف لشقائها فيه وحدها، ومن سوء الحظ أن الأمم ~~الغربية السابقة في مضمار التمدن الحديث أخذت تتسامح به مع المرأة، كما تسامحت مع ~~الرجل كأنها تقول: إذا لم يكن بد من اغتفاره للرجل فلماذا لا يغتفر للمرأة؟ ~~لماذا تسام المرأة وحدها العذاب به، وهي الضلع الثاني فيه؟ # كان هذا الموضوع الاجتماعي يغلي في ضميري، وأنا لا أدري كيف أبث أفكاري فيه إلى ~~أن حضرت ذات يوم تمثيل رواية مترجمة كان من جملة حوادثها العرضية أن سيد المنزل ~~أغوى فتاة كانت وصيفة زوجته، ولما فضحت الطبيعة عارها نبذها نبذ النواة، وبقي ~~سيدا في بيته عزيزا في قومه، وأما الفتاة فانقذفت في العالم ملطخة ~~بعارها. # ولم يكن لهذا الحادث شأن خطير في سياق تلك الرواية، ولا كان بيت القصيد فيها بل كان ~~كما قلته آنفا حادثا عرضيا فيها، ولم يعلق واضع الرواية أهمية عليه البتة ~~كأنما هذا الحادث عندهم أمر عادي، ولعل السبب أنهم أصبحوا يغتفرون هذه الزلة ~~للمرأة كما يغتفرونها للرجل. # فخرجت من دار التمثيل متأثرا من حادثة الفتاة، ومن إغفال مؤلف الرواية أهميتها، ~~وعقدت النية على أن أضع رواية تحوم حول هذا المغزى، وقد أطمعني بالنجاح ما رد ~~إلي من صدى الاستحسان لرواياتي الصغيرة، وما نمت تلك الليلة حتى تكون في مخيلتي ~~هيكل «حواء الجديدة»، وفي الصباح التالي شرعت في إنشائها فنجز في أسبوعين، ثم ~~عرضتها على من أثق بحكمهم؛ لكي يصدقوني رأيهم فيها خشية أن يخدعني الغرور، ~~فأجازوا أنها مما يقرأ، ولولا ذلك ما أقدمت على طبعها. # ولما كانت مباحثها تمس حياتنا الأدبية اليومية كل المساس وضعتها في أفواه ~~أشخاصها، وجعلتها من ضروريات محاوراتهم؛ لكيلا يملها القارئ بل يتلقنها من غير ~~إعمال ذهن ويتفهمها بقليل روية، فقارئ «حواء الجديدة» يقرأ تشريحا لعضو جوهري في ~~جسم الشريعة الأدبية؛ ولذلك يتعين عليه أن يقرأها متئدا، ويحسن أن يقف عند كل ~~عبرة متأملا عسى أن يكون له رأي آخر، ولعله يخطئ إن عجل في قراءتها ليعلم ماذا ~~يكون من أمر ms002 أشخاصها، إذ يفوته الغرض الجوهري المقصود منها. # يونيو سنة 1906 # نقولا الحداد # الفصل الأول # | لهفة فؤاد # لي صديق طبيب قص علي قصة تصور للقارئ الاعتساف الذي ذكر آنفا أجلى تصوير، فآثر ~~أن أرويها عبرة للقراء في الشرق لعلهم ينصفون المرأة من الرجل، أو يعدلون بينهما، ~~وينصرفون عن الكلام فيها إلى الكلام فيه، فحسبنا وحسب المرأة ما كتب عنها وشكي ~~منها إلى الآن، فقد آن أن يكون الرجل موضوع الشكوى والتذمر، وقد اتخذت لأشخاص ~~الحكاية أسماء أجنبية دفعا للمظان والشبهات. # قال صديقي الطبيب: في ذات يوم من أيام الربيع انتهيت من عيادة مرضاي بعد الظهر، ~~فلما رجعت إلى منزلي وجدت شابا ينتظرني، وهو في شرخ الشباب يناهز الخامسة ~~والعشرين، طويل القامة قليلا ممتلئ الجسم غير بدين جميل الطلعة، يكاد يتوهج لهيب ~~الذكاء من مقلتيه ويرتسم فؤاده على محياه، رأيته يتمشى في القاعة مضطربا، فلا ~~تكاد قدماه تستقران على الأرض وقد غشي وجهه اكفهرار الجزع والقلق، فما دخلت عليه ~~حتى ابتدرني بالتحية متكلفا الابتسام وجلسنا، وقال: أظن أن الدكتور بوشه هو من ~~أتشرف بمجالسته الآن. ~~- نعم، يا سيدي أتشرف بمعرفة حضرتك. ~~- موريس كاسيه. ~~- على الرحب والسعة. ~~- أتأذن يا مولاي أن أستفهمك عن أمر. ~~- أجيبك يا سيدي على أسئلتك كل جواب أستطيعه. ~~- أشكر فضلك جدا وأرجو أن تسامحني على كل سؤال يعز عليك أن تجيبني عليه، فقد ~~أسألك ما لا يجوز أن أسأله. ~~- عسى أني أستطيع إطلاعك على كل ما تشاء. ~~- تعالج المدموازيل إيفون مونار؟ ~~- نعم. ~~- أي مرض تعاني هذه السيدة؟ ~~- علة قلبية. ~~- هل من خطر على حياتها؟ # وقد توسمت في لهجة تساؤله منتهى القلق والاضطراب، فأشفقت أن أطلعه على الحقيقة ~~صريحة فقلت له: حياتها في يد الله على أني أؤمل شفاءها. # فازداد امتقاع وجهه وقال: إذن هي على شفا الخطر؟ ~~- كلا، على أني لا أنكر عليك أن العلة القلبية قد استحكمت فيها، ومع ذلك فإني شديد ~~الأمل بشفائها إذا تلطفت انفعالاتها النفسانية التي تهيج أعصابها، وتستكد قلبها ~~الضعيف. ~~- هذا ما أتخوف منه؛ ms003 لأني أعرفها شديدة الانفعال، فهل تظن أن المنية أقرب إليها من ~~السلامة؟ ~~- لا سمح الله. ~~- لا تؤاخذني يا دكتور بوشه، أتعتقد أن العلاج ينجع فيها؟ ~~- نعم أعتقد. ~~- إذن تؤمل أنها تشفى؟ ~~- نعم بإذن الله. ~~- هل ترى أن خادمتها تقدر أن تمرضها التمريض الواجب؟ ~~- كذا أرى، وقد ظهر لي أنها تحبها جدا، وتعنى بها بكل غيرة وإخلاص. ~~- ما أطيبك يا فانتين! # وكنت إذ ذاك أرى سحابة الكآبة تنقشع شيئا فشيئا عن محياه، وألاحظ أن سورة اضطرابه ~~تسكن تدريجا، وقد سري عنه قليلا، وبعد هنيهة تكلم بصوت خافت كأنه يحاذر أن يسمعه ~~أحد خارج القاعة: هل لاحظت أنها في حاجة إلى شيء؟ ~~- لا أدري شيئا من دخائلها. # فوجم عن الكلام هنيهة، وعيناه تفحصان الأرض أمامه ثم نظر إلي، وقال بلهجة ~~المتضرع: مولاي أتجرئني على أن التمس منك فضلا عظيما؟ ~~- أخدمك يا سيدي كل خدمة أستطيعها. ~~- أشكر فضلك، هل لك أن تتحرى ما إذا كانت إيفون في حاجة إلى شيء فتخبرني؟ ~~- لا أدخر وسعا في ذلك. ~~- أتوسل إليك أيضا أن تبذل جهدك في معالجتها، وتلازمها ما استطعت، فإذا عجزت عن ~~مكافأتك أوفيك حياتي. ~~- إني مفرغ كل عنايتي في هذه العليلة؛ لأني تأثرت من حالها وحسبي شفاؤها أجرا ~~عظيما. ~~- إن هذا لطف عظيم يا دكتور بوشه، بقي أمر آخر أرجوه منك، فاعذرني على هذه الأثقال ~~التي أحملك إياها. # وكانت لهجة الالتماس التي خاطبني بها موريس تفتت الفؤاد لما فيها من التخشع ~~والتأثر، فأشفقت عليه جدا وتمنيت أن أواسيه فقلت: مر ما تشاء فإني أتمنى أن ~~أستطيع خدمة لك. ~~- أتسمح لي أن أزورك كل يوم لأسمع أخبار المدموازيل إيفون؟ ~~- المنزل منزلك يا سيدي، على الرحب والسعة كل حين. # عند ذلك دخل الخادم بالقهوة، وتناول موريس فنجانا ورأيت أنه يكاد يغص في كل نهلة ~~منه، وشعرت أنه يترشفه مرغما بحكم آداب المجاملة، ويتمنى لو أعفي منه ~~فقلت: ~~- أراك يا مولاي في منتهى التأثر، فإن كانت القهوة لا تلذ لك الآن، فلا بأس من أن ~~تتركها. # وفي ms004 الحال رد الفنجان قبل أن يرشف الرشفة الثالثة منه، ولاحظت ارتياحه إلى ذلك كأن ~~عبئا أنزل عن عاتقه، وأدركت أن غمه بلغ أقصى ما تبلغ إليه الغموم، وشعرت حينئذ ~~أن مؤاساته واجبة، ولكن أغلق علي أن أجد الأسلوب الأفضل لذلك؛ لأن معالجة القلوب ~~أصعب جدا من معالجة الأبدان، بيد أني استفتيت اختباراتي الماضية، فرأيت أن أفضل ~~علاج لآلام قلبه وأحزان نفسه أن أستدرجه إلى الحديث عن تلك المرأة، التي جزع ~~لأمرها؛ لأن بث ما في النفس من الشجون خير مصرف لما في القلب من الغموم، ~~فلما انتهيت من ترشف القهوة قلت: لا أجسر أن أسألك أيها العزيز عما يحملك ~~أن تقلق هذا القلق الشديد بسبب عياء المدموازيل إيفون مونار، ولكن أرى اضطرابك ~~أغرب من اضطراب الوالد على ولده، فأشعر أنه يجب علي أن أقاسمك أساك، ولكني لا ~~أدري كيف أواسيك. # فتنهد تنهدا عميقا كأن سؤالي فرج شيئا من كربه ثم قال: مولاي! إيفون خلاصة ~~حياتي، فإذا نابتها نائبة خسرت حياتي. ~~- إذن الصلة بينكما صلة حب لا صلة نسب؟ ~~- الظاهر كذلك ولكن الحقيقة أن صلتنا أعظم. # فاستغربت قوله هذا؛ لأني أعلم أن الناس يضعون الحب فوق كل مرتبة، وقلت: عجبا! أي ~~صلة غير الحب أعظم من صلة النسب؟ ~~- مولاي إن صلة النسب للتناصر ومصدرها الوجدان، وصلة الحب للتواصل ومصدرها القلب، ~~وأما صلتي بإيفون فلا أعلم اسمها، وإنما أعلم أنها ليست للتناصر ولا للتواصل، بل ~~للحياة، ومصدرها الروح المجردة المترفعة عن المادة، فأنا أشعر أن إيفون لازمة ~~لكياني لزوم الروح للجسد. # فعلمت من هذا الكلام أن كلف الفتى المسكين بتلك الفتاة نادر الشدة، ولكني ظللت في ~~حيرة إذ لم أدر ما هي علاقته الفعلية بها، بل بالأحرى لاحظت من حديثه السابق أنه ~~لا يلازمها ملازمة العاشق الكلف، ولعله لا يتردد إليها البتة فقلت: أشعر أيها ~~العزيز أن أساك لا يؤاسى إلا بشفاء المدموازيل إيفون، ولي أمل كبير أنها تشفى ~~بإذن الله، فاطمئن. ~~- إني بين يدي الله ويديك يا دكتور بوشه. ~~- لا أضن ms005 بشيء من العناية بها، وإذا شعرت بأقل لزوم لاستشارة أطباء آخرين في علتها، ~~فلا أستنكف أن أعقد مجمعا من كبار الزملاء لهذه الغاية. ~~- أمتن لك بمقدار حبي لإيفون، والآن سامحني على ما اتخذته من الدالة عليك لأول ~~معرفة. ~~- إن هذه المعرفة الأولى يا مسيو كاسيه تساوي عندي معرفة عمر، فليتها كانت لغير هذا ~~السبب لأقول: إني ممتن للظروف التي احتوتها والأسباب التي دعت إليها. ~~- أشكر لطفك جدا يا سيدي ولولا ما توسمته من كرم أخلاقك، لما طمعت بفضلك هذا ~~الطمع. ~~- إلى الملتقى غدا يا سيدي. ~~- مع السلامة. # ثم ضغطت على يده وقلت له باشا: تشدد يا عزيزي موريس لا تجزع. # انصرف خفيف الخطى رشيق الحركة، وأنا أشيعه إلى خارج الباب، ولما توارى عدت إلى ~~غرفتي متأثرا من حالته، وشاعرا بميل قلبي إليه. # تمثلت منزل تلك المرأة البائسة صومعة قديسة يتعبد فيها ذلك الفتى. # الفصل الثاني # | حديث الحمى # كنت إلى ذلك الحين قد عدت تلك العليلة بضع عيادات مختصرة، فلم أكن أعرف عنها شيئا، ~~وكان منزلها في عابدين وكنت أجدها وحدها في منزلها لا يحف بها صديق ولا نسيب سوى ~~وصيفتها فانتين وخادم وطني، فسألت فانتين عن سر وحدتها فقالت: «إن المدموازيل ~~إيفون غريبة لا أهل لها في مصر»، فلم أستزدها بيانا، غير أني افتكرت حينئذ أن ~~جواب فانتين لم يكن لقصد التبيان، بل لمجرد الإجابة فقط، وإذ لم يكن أمر إيفون ~~يهمني جدا لم أكترث أن أتحرى عن حقيقته، ولكن لما كان موريس يسائلني عن صحتها ~~تقت أن أسأله عن ملخص سيرتها، فلم أجسر على هذا الفضول. # وفي اليوم التالي عدت جميع مرضاي وجعلت زيارة إيفون الأخيرة؛ لكي يتسع لي الوقت ~~لمحاضرتها، ومن حسن الحظ وجدتها أحسن حالا بالرغم مما هي فيه من السقم والهزال ~~والونى، وظهر لي حينئذ أن ثورة انفعالاتها شرعت تخمد. ~~- أراك اليوم أحسن حالا يا مدموازيل إيفون ولي الأمل أن يكون شفاؤك قريبا. ~~- الشفاء والفناء عندي سيان يا دكتور بوشه، وإنما أتمنى الخلاص من هذا العذاب ms006 بأي ~~منهما. ~~- أظن أن سبب مرضك الحالي الهواجس المحزنة، فيجب أن تصرفيها وأنا أضمن شفاءك بإذن ~~الله. # فتنهدت قائلة: آه، ليت ذلك في طوقي، كل شيء يستطيعه الإنسان إلا تحويل الفكر عن ~~وجهته. ~~- لا أجهل هذه الحقيقة يا مدموازيل إيفون، وإنما عندي لدفع الأفكار المحزنة المؤلمة ~~وسيلة فلسفية وهي «حب النفس»، أحبي نفسك فوق كل شيء تضحي بكل العالم لأجلها، ~~وحينئذ لا تبالين بغير مسراتك، أرى أن هذه القاعدة هي العلاج الوحيد للأفكار ~~المحزنة والهموم المزعجة؛ لأني لم أجد مريضا بداء الفكر إلا من يهتم بشئون ~~الآخرين. # فابتسمت ابتسامة لطيفة جدا تشف عن تسامي عقلها عن هذه الفلسفة، وانقلبت عن جنبها ~~إلى ظهرها ولم ترد جوابا، وكان سكوتها أفصح دلالة على أنها لم تقتنع بقولي، ولكن ~~لم يكن لها جلد على مجادلتي، وبعد هنيهة قلت لها: زارني المسيو موريس كاسيه أمس، ~~وسألني بتدقيق عنك. # فتململت، وفي الحال أدركت أن الحديث عنه يهيج عواطفها، ولكني لم أفهم البتة ~~لماذا. ~~- أشكر لطفه، أتعرفه من قبل يا دكتور؟ ~~- كلا ولكن معرفتي له أمس كانت كمعرفة عمر، فإني أعجبت بذوقه ولطفه وعظم ثقته ~~بي. ~~- ماذا قلت له عني؟ ~~- قلت: إنك مقبلة على الشفاء بإذن الله، على أنه كان قلقا جدا عليك، ودقق في ~~التساؤل عنك. # بقيت إيفون صامتة كأنها تأبى الخوض في هذا الموضوع؛ ولذلك رأيت أن اقتضاب هذا ~~الحديث أفضل لئلا يسوءها التمادي فيه، فنهضت وودعتها ومضيت وأنا أشعر أني خارج من ~~حضرة ملاك؛ لأن صورة تلك المرأة رسمت أثرا جميلا في صفحة مخيلتي، ولم أزل إلى ~~الآن كلما تنبهت لها ذاكرتي تخيلت رسم فتاة وديعة سليمة الطوية أبية النفس سمحة ~~الخلق. # ولما عدت إلى البيت وجدت بربريا ينتظرني، وفي يده رسالة لي ففضضتها وقرأت: # سيدي الدكتور بوشه # أصبحت اليوم والصداع يجنني والحمى تشويني شيا، وكنت أنتظر أن تخمد ~~قليلا؛ لكي أستطيع أن أزورك في الموعد المعين وأتلقن منك أخبارك ~~السارة عن مدموازيل إيفون مونار، ولكن خاب فألي فهل تتفضل علي ~~بهذا الفضل ms007 العظيم، وهو أن تعودني في أفرغ أوقاتك؟ أمتن لك على كل ~~حال. # موريس كاسيه # فشعرت على أثر قراءة هذه الرسالة أني أتوقع لذة من الاجتماع بموريس، والاطلاع على ~~حقيقة صلته بإيفون، فركبت مركبتي والبربري إلى جانب الحوذي يرشده إلى منزل ~~سيده. # وجدت أمه والخادمة عنده فحييت ودنوت منه، فوجدت وجهه لا يزال يتورد والحمى آخذة ~~بالخمود، وعلمت أن أنفلونزا شديدة هاجمته، فطمأنته وأمه ووصفت له العلاج الناجع، ~~وبعد هنيهة أوعز إلى أمه والخادمة أن تتركانا وحدنا؛ لأنه كان على مثل نار الغضا ~~في توقع أخبار إيفون، ولما خرجتا نظر إلي والأمل يشع من مقلتيه، وهو ملقى في ~~سريره على يمينه ووجهه إلي، وقال: عدت إيفون اليوم؟ ~~- من غير بد. ~~- كيف حالها؟ ~~- أحسن من أمس، ولي الأمل أن تكون غدا أحسن من اليوم، فأبرقت أسرته وقال: ~~أكيد؟ ~~- لست أخدعك لكي أطمئنك فقط، بل الحقيقة هي ما أقول. ~~- إذن تؤمل أن إيفون تشفى؟ ~~- نعم. ~~- إني مدين لك بحياتي. ~~- أما زرتها يا مسيو موريس؟ ~~- كلا. ~~- عجيب! # فسكت، وبعد هنيهة قلت له: ألا تزورها غدا حين تستطيع الخروج. ~~- لا أظن. ~~- عجيب، كيف تطيق وأنت تحبها أن تجفوها في أثناء مرضها؟ ~~- أراك يا دكتور بوشه تحرجني أن أطلعك على سر حبي لإيفون. ~~- اعذرني على فضولي. ~~- بل سامحني أيها العزيز، فإني أكتم عنك مصيبتي بإيفون مع أني أشعر أنك أصبحت موضع ~~ثقتي الوحيد بالرغم من حداثة تشرفي بمعرفتك، أما أنت صديق حقيقي الآن؟ # لم يكن عندي ريب بأن موريس اتخذني صديقا أمينا لأول مقابلة، وامتلأ ثقة بي وتمنى ~~أن أبادله مثل هذه الثقة، وتلك الصداقة على أنه تسرع في ذلك قبل أن يعرفني جيدا، ~~ولماذا؟ السبب بسيط، وهو أني كنت أعود مدموازيل إيفون كل يوم، ولو كان طبيب آخر ~~سواي يعالجها لنال من حب موريس ودالته وثقته ما نلت، فأجبته على سؤاله: لا أظنك ~~تشك بذلك. ~~- إن إيفون تأبى مقابلتي، فأخاف أن تتأثر إذا زرتها. ~~- ألا تحبك؟ ~~- لا أظن أنها لا تحبني. ~~- فلماذا تأبى مقابلتك إذن؟ ms008 # فتنهد قائلا: هنا كل مصيبتي. # وعند ذلك ضغط على زر جرس الاستدعاء فدخلت الخادمة فقال لها: اقفلي الباب ولا يدخل ~~علينا أحد بغير استئذان. # ارتفع قليلا على مخدته ووضع كفه تحت رأسه، وقال: يلذ لي أيها الصديق أن أقص عليك ~~حكايتي مع إيفون؛ لأن قصها يفرج كربي، آه إيفون، إيفون، ما أهنأ الموت عند ~~مدخل بابك. # فتبسمت قليلا فقال: لا تضحك يا عزيزي بوشه بل ارث فإن الحب أعظم ما في العالم، ~~ولولاه لما كنت أنت بوشه الطبيب البارع، فلأجل من تهوى - ولا بد أنك تهوى واحدة؛ ~~لأنك لم تزل شابا مثلي - تسعى إلى طلاب العلى؛ ولأجلها تمتاز عن الجماد، لا ~~تؤاخذني على هذه السماجة في التعبير. # فأعملت الفكر في هذه الفلسفة المختصرة وقلت: صدقت، ما الإنسان إلا حيوان يحب، وما ~~الحيوان بلا حب إلا حجر أصم، فلست أهزأ بك يا عزيزي، ولكني ابتسمت لتمنيك. إني ~~أحترم حبك. ~~- تبتدئ قصتي مع إيفون بحادثة نزق وطيش، وسترى أن النزق يكون أحيانا فال الخير؛ ~~فلذلك النزق أنا مدين بحب إيفون. # ثم شرع موريس يحكي حكايته، وأنا أسمعها صامتا إلا نادرا، قال ... # الفصل الثالث # | وقدة الحب # منذ أشهر كنت في عصاري يوم أحد في قهوة الجيزة المشرقة على النيل، # 1 # وإذ كانت تلك القهوة مستحدثة، وقد اتصل بها خط الترمواي من عهد قريب ~~كانت تغص كل مساء بالمتنزهين، ولا سيما مساء الأحد؛ لأن إيثار الجديد غريزة في ~~الإنسان. # جلست مع بعض الأصدقاء إلى إحدى الموائد كسائر الجلوس، وكان إلى الجنوب منا جماعة من ~~الشبان يترشفون الأشربة الروحية، وقد تمادوا في الشرب حتى لعبت الخمرة بألبابهم، ~~فصاروا يهزلون ويقهقهون إلى أن نبهوا جميع الحضور إلى مزاحهم. # وما قعدنا وطلبنا الشراب كغيرنا حتى بدت في القهوة سيدة إفرنجية هيفاء القامة رقيقة ~~الجسم، وضاءة الطلعة نجلاء العينين كحلاؤهما، ولولا لبسها ولغتها لقلت: إنها ~~تركية؛ لأن النجل والكحل نادران في الإفرنجيات كما تعلم، أما جمالها فلا أعرف كيف ~~أصفه لك؛ لأنه قليل الأشباه وإنما تدرك أنه عجيب ms009 إذ تعلم أنه كان للقوم كالمغناطيس ~~للحديد، فما بدت في الجلاس حتى طوقتها نواظرهم كلها. # هذا مجمل وصف إيفون الجسماني أذكره لك؛ لأنك لم تعرفها لعهد نضارتها، ولم ترها إلا ~~الآن وهي زهرة ذاوية. # جلست إيفون إلى مائدة إزاء الشبان اللاغطين، وإذ كانت وحدها حسبها أولئك السكارى ~~إحدى البغيات، فجعلوا يعرضون بها في هزلهم ومزاحهم، ويصوبون إليها مغزى تغزلهم وهم ~~يتكلمون بالإفرنسية. # لا ألومهم على ذلك الظن؛ لأنه من أخلاق هذا الزمان أن لا يرى الناس سيدة وحدها في ~~مكان عمومي، إلا حكموا بأنها مبتذلة واستباحوا لأنفسهم امتهانها أو مداعبتها، كأنه ~~أصبح حراما على المبتذلة أن تكون شريفة النفس، بل أمسى عجيبا أن تكون غير ~~المحصنة متعففة. # استفزت نشوة الخمر أولئك المجانين، فتمادوا في رقاعتهم ومزاحهم حتى صاروا يرشقون ~~إيفون بألفاظ التحبب المستنكرة، ويرمونها بالنكات الفظة وهي صامتة رزينة كأن ~~الكلام ليس لها، أو كأنها ليست إزاء أولئك الممازحين، ولكنها كانت تتميز غيظا ~~وتحاول أن تخفي تغيظها. # تمادى أولئك الأغرار في تحرشهم بإيفون حتى اتضح تغيظها، ولم تعد تطيق الصبر وكنت ~~كسائر الحضور ألاحظ تقطب وجهها، وأسمع هراء أولئك الأسافل، بيد أني كنت أختلف عن ~~بقية السامعين بأني أتغيظ في داخلي وهم يضحكون لأولئك الماجنين، فيشجعونهم على ~~التمادي في بذيء الكلام، ولما أفرط أولئك الأراذل في سفههم قلت لمن معي: عرفت ~~أكثر مدن أوروبا وبعض مدن الشرق، فلم أجد فيها ما أجده في هذا البلد من تحرش ~~الرجال بالسيدات، ولا أدري من أين تأتي للشبان الجرأة على أن يتحرشوا بسيدة لا ~~يعرفونها، والأغرب أنهم وهم يرون منها النفور والاشمئزاز والاقشعرار يستمرون ~~يغازلونها بقحة، ويطارحونها الكلام الذي يورد وجنتيها. # فقال أحد رفاقي: الحق أن كل حسنة من حسنات التمدن، الذي اتصل بهذه البلاد تمحوها ~~هذه السيئة القبيحة. # فقلت: وايم الحق إن مواظبة الوقح على مطارحته الكلام لمن يشمئز منه لغلاظة لا ~~توجد حتى عند همج أفريقيا، فلا أعلم بأي جرأة يفعل ذلك مدعو المدنية هنا. # فقال رفيق آخر: الذنب ذنب الحكومة؛ ms010 لأنها لا تشدد على الشرطة أن يقبضوا على كل ~~متحرش بسيدة لا يعرفها. # فقلت: والأنكى أنه لا يوجد بين كل هؤلاء الذين هنا يسمعون هراء هؤلاء المهاذير إلا ~~من يضحك لهم ويقهقه معهم، وليس فيهم ذو هيبة وحمية ينتهرهم، ويؤنبهم على ~~بذاءتهم، ويدفع عن هذه السيدة قحة هؤلاء الأسافل. # كنت أقول هذا الكلام على مسمع ممن حولي، وأنا أنتفض من الغيظ وربما سمعت إيفون ~~بعض قولي، وكان بالقرب مني شاب وطني عليه دلائل النعماء، وكان أكثر الحضور قهقهة ~~ونفسه تحدثه بأن يشترك مع الماجنين في مزاحهم البذيء، ولاحظت أنه ذو معرفة بإيفون ~~وأنه يتعمد نكايتها، وقد سمع أكثر قولي ولا سيما آخره فقال وقد ظهرت على وجهه ~~أمارات الغضب: حسبها أنت مدافعا عنها. ~~- نعم أدافع عنها، وكان الأحرى بك أن تعقل لسانك لا أن تدلعه بهذا المجون، وتقفل ~~فمك لا أن تفتحه بهذه القهقهة القبيحة. ~~- ما شأنك أنت؟ ~~- شأني كشأن كل ذي عرض يحمي العرض. ~~- كن ما شئت ولكن لا شأن لك مع سواك، الناس أحرار. ~~- المكان عمومي فعلى كل من فيه أن يتحامى المساس بإحساسات الآخرين. ~~- ليس من يتعرض لك بأمر. ~~- بل إن التحرش بهذه السيدة بالبذاءة والقهقهة يسوآن الآخرين، فالأفضل أن تلزم ~~أدبك. # وكان التحمس حينئذ قد أوقفني على قدمي من غير أن أنتبه، وهو قد وقف مثلي وكلانا ~~يتحفز للوثوب على الآخر، وسائر من في المكان ينظر إلينا متوقعا شرا، وبعضهم ~~يتساءلون ما الخبر، ولما رأى خصمي أن عيني حمراوان وأني متصد للقتال: قال: أتعلم ~~أنك تدافع عن امرأة مبتذلة؟ ~~- ولكنها أشرف نفسا منك، وأكثر تأدبا من كل معرض بها. ~~- أراك عديم الأدب قليل الحياء. ~~- بل أنت بذيء اللسان سافل النفس. # وهجمت عليه أريد أن أضربه فاعترض بيننا الأصدقاء، وعند ذلك وقعت من عيني لمحة على ~~إيفون فرأيتها واقفة مع الواقفين، وهي ترتجف جازعة، وشاهدت وجهها كأن صفرة الموت ~~قد علته - سلامتك يا إيفون يا حياتي - وسمعتها تقول: «يا الله يا الله» كأنها تخاف ~~أن ينتهي خصامنا ms011 بسفك دماء، فقلت لها: لا تخافي يا سيدتي لا أبتغي القتال، وإنما ~~ابتغيت أن أقطع ألسنة السفهاء. # فرأيت حينئذ شفتيها تتحركان ولم أسمع ماذا قالت، وفي الحال ولتنا ظهرها وتوارت، ~~وعاد الناس كل إلى مكانه، وصحابي مضوا بي تحاشيا للشر. # وبعد هنيهة خمدت جمرة انفعالي، وشعرت بارتياح إلى ما فعلت وكنا وأصحابي نتحدث ~~بإيفون وجمالها الباهر، وسماحة طلعتها ورزانتها وخيلائها وحشمتها، وتعجبوا كيف أن ~~مومسا تتصف بصفات المحصنات. # فسألت موريس: إذن إيفون مومس؟ # فأجاب: نعم هي مومس في عرف الجمهور، ولكنك متى اطلعت على سيرتها تستخلص منها وصفا ~~لغير مومس. # فارقت أصحابي في آخر السهرة إلى البيت والسهاد يحاول ألا يفارقني، اضطجعت في سريري ~~والأرق مضطجع في سرير أجفاني لم أتضجر من ذلك السهد، بل كانت مقلتاي تستلذانه، ~~فكانت أفكاري ترفرف في جو الخيال فتعلو تارة وتهبط أخرى، وهي مجنحة بأجنحة من ~~تذكار إيفون. # تصفحت سفر مخيلتي مرارا عديدة لأرى رسم إيفون، ورددت ما انطبع فيه من حالاتهما في ~~حادثة الجيزة، وتمثلت جلستها إلى مائدة الشراب ويدها تتناول الكأس، وشفتيها ~~تترشفانه ومنديلها يلثم ثغرها ويمتص السائل عن شفتيها، وتخيلت رزانتها بين ~~الماجنين وغليان غيظها، وحلمها يبرده، ثم تصورت أزيزه وفورانه حتى كاد ينفض غطاء ~~الكظم عن مرجل الغضب. # استعرضت في مخيلتي سيناماتوغراف هذه الحوادث مرارا، فكنت دائما أتمثل إيفون فيها ~~ملكة بلا تاج وملاكا بلا جناحين. # كلما تصورتها مومسا قام ضميري يغالطني في هذا التصور؛ لأن مظاهرها العرضية ~~والجوهرية كانت تختلف بعض الاختلاف عن مظاهر المومسات، كان ثوبها بسيط الزي ولكنه ~~نفيس جدا وحلاها قليلة، ولكنها ثمينة ومركبتها فخمة جدا كمركبات ~~العظماء. # تراءت لي إيفون حينئذ سامية المقام عزيزة الجانب شماء النفس شريفة العواطف الخلق ~~طاهرة القلب، اعتقدت حينئذ أنها تتصف بكل هذه المحامد لماذا؟ لأني لم أكن أعرفها ~~ولا أعرف عنها شيئا، فتأملت مظهرها في قهوة الجيزة، فكان يروي هذه ~~المعاني. # لا يقع نظرك على شخص لأول مرة إلا ينطبع في ذهنك رسم لأخلاقه منسوخ عن ملامحه، ولا ~~يندر ms012 أن تجده بعد الاختبار مطابقا أو مقاربا لرسمه الأول الذي انطبع في ~~ذهنك. # ظهرت لي إيفون بعدئذ أسمى مما تخيلتها، شغلت بالي معظم الليل؛ لأنها ملأت قلبي، ~~كانت تحدثني نفسي بأن أكون عشيقها وكان الأمل يصور لي وجودي بقربها متنعما بهواها ~~متمتعا برضاها، ثم لا ألبث أن أكشف عن رسمها في ذهني فأرى عظمتها، وأشعر بجلالها ~~فأتوهمها أسمى من أن تعبأ بمثلي. # لماذا؟ # لأنها مضت بعد الحادثة من غير أن تثني علي ثناء صريحا، ولا اهتمت أن تعرف من ~~هو الذي دافع عنها، بل أدارت ظهرها ومشت قبل أن ننتهي من مشاجرتنا القصيرة، لماذا ~~لم أؤاخذها على هذا الإهمال، بل عزوته إلى سمو قدرها؟ لأن الحب الذي يعظم المحبوب ~~في عيني المحب يختلق المعاذير. # أظن أن دجية الهجوع لم تنسدل على قضاء خيالاتي حتى الساعة الثالثة بعد نصف الليل، ~~وما طنت السابعة حتى فتق بصري غشاء الكرى، وشعرت كأن عيني قد استوفتا حاجتهما من ~~النوم. # قضيت ذلك النهار وفكري حائم حول إيفون لا يصرفه شاغل عنها، حتى يعود فينتهي ~~إليها. # ذهبت في ذلك المساء إلى قهوة الجيزة، ولماذا لم أذهب إلى مكان آخر؟ أليس طبيعيا ~~أن أذهب إلى هناك لعلي أصادف إيفون؟ هناك رأيتها أول مرة، وإلى هناك ظننتها تتردد ~~لم أعلم أين يمكن أن أصادفها في غير الجيزة. # كانت قهوة الجيزة مزاري كل مساء في ذلك الأسبوع من الخامسة، حتى السابعة وإيفون لم ~~تومض لها بارقة في ذلك الأفق. وبعد السابعة كنت أعود، فأطوف الحانات الكبرى ~~والصغرى، فلا أعثر حتى على طيف منها، لم أكن أعرف اسمها حينئذ لأسأل عنها. # إذا كانت مومسا فلماذا لا توجد في الأزبكية؟ لماذا لا تتمشى مع رصيفاتها بين وجه ~~البركه ونيوبار؟ لماذا لا تصادف في «سنت جايمس» ولا في «السفنكس» # 2 # وإذن كانت من البغيات. وإن كانت محصنة أو محظية فلماذا ذهبت وحدها ~~إلى الجيزة؟ حرت في أمرها وكنت أزداد افتكارا بها يوما بعد آخر حتى صارت شغل ~~بالي الشاغل، لم أعد أستطيع ms013 أن أفكر بسوى إيفون، فكان فكري كالغصن المعتدل المرن ~~إذا لوته المشاغل عنها هنيهة، فلا يعتم أن يعتدل مصوبا إليها. # لماذا كلفت بإيفون هذا الكلف مع أني لم أعرفها، ولا رأيتها إلا مرة واحدة قصيرة؟ ~~لأن النفس كانت تطمعني بقلبها بالرغم مما توهمته من خيلائها، حدثني ضميري أنها إذا ~~رأتني فلا بد أن تثني علي وتلاطفني، وفي خلال ذلك على ولوعي بها فتميل ~~إلي. # خطر لي في اليوم التاسع - وكان يوم الاثنين - أن أعدل عن التنزه في الجيزة في ذلك ~~اليوم، لم أدر لماذا؟ مع أن نفسي كانت ميالة إلى التنزه هناك، فركبت مركبة وقصدت ~~إلى الجزيرة وأنا أقول لنفسي: «لعلي أراها هناك.» # دارت المركبة بي في دائرة الجزيرة الصغرى دورتين، وإذ كانت قرب الجسر (الكبري) الذي ~~يعبر عليه إلى طريق الجيزة لمحت على حين غفلة إيفون في مركبتها الفخمة مرت أمامي ~~كالبرق الخاطف واجتازت الجسر. # رأتني كما رأيتها ولم تبد أقل إشارة، ولا استوقفت عربتها لتكلمني كما كنت أؤمل ~~فاستولى علي اليأس حالا، وصرت أعلل ذلك بأنها تناست ما كان مني ولم تحسبه ذا ~~أهمية كما ظننت، وجعلت أقنع نفسي بأن ما أحسبه مأثرة لي ليس إلا سخافة. # وكانت مركبتي قد انثنت لتستأنف دورة ثالثة، ولكن بعد هنيهة تجدد أملي؛ لأنه حيث ~~يوجد الميل ينشأ الأمل، فأوعزت إلى الحوذي أن ينثني وينطلق إلى الجيزة؛ لأني ~~قدرت أن إيفون قاصدة إلى هناك. # درجت بي المركبة مسافة في ذلك الطريق والوهم يصور لي أني إذا أدركت إيفون، واجتمعت ~~بها فقد لا تعبأ بي كثيرا بل تضحك مني، وتقول في نفسها: «ما أسخف عقله! ما رآني ~~حتى تبعني»، تجسم بي هذا الوهم؛ لأنها لم تحيني إذ رأتني ولا أمهلتني حتى أحييها؛ ~~لذلك قلت للحوذي أن يرجع، فألوى العنان متجها إلى الجزيرة. # وما كدت أصل إلى الجسر حتى ندمت على رجوعي، ولمت نفسي على جبني وقلت: أتبعها إلى ~~الجيزة ولتقل ما تقول، وأمرت الحوذي أن يلوي العنان ثانية فدرجت بي المركبة ~~إلى هناك ms014 وأنا أفكر في كيفية الالتقاء بإيفون، وماذا أفعل إذا رأيتها في الحانة ~~وماذا أكلمها، ولكن فؤادي كان شديد الخفقان حتى كنت أسمع خفوقه بأذني، وكثيرا ما ~~ترددت في أمر لحاقها، وهمت غير مرة أن أقول للحوذي أن يرجع بي ، ولكني أسكت لساني ~~عن ذلك مخافة أن يظنني الحوذي أهوج أو مجنونا. # ما أدركت مركبتي حانة الجيزة حتى رأيت إيفون خارجة من مدخلها الكبير، وحوذيها يدنو ~~بالمركبة إليها، فقلت لحوذي مركبتي: أن يستمر في طريقه وغضضت نظري عنها؛ لأني خفت ~~أن تعلم أني أتبعها، وأوهمت أني أتقدم في طريق الأهرام، أما هي فلا أدري إن كانت ~~قد رأتني. # لعنت نفسي ألف لعنة لترددي السابق في اللحاق بها؛ لأني لو اتبعتها في الحال ~~لأدركتها في الحانة. # وما تقدمت بي مركبتي نحو ربع كيلو متر حتى أمرت الحوذي أن يعود مسرعا ما استطاع؛ ~~لعله يدرك عربتها فأتبعها إلى حيث تنتهي فأعلم مقرها، ولكن خاب ما أملت لأن ~~مركبتها كانت مشدودة إلى مطهمين يسابقان الرياح، عضضت أصابعي ندما ولكن لات ساعة ~~مندم، مر على هذه المصادفة نحو شهرين من غير أن تعاد، قل ترددي إلى الجزيرة ~~والجيزة، وفتر وجدي حتى كدت أنسى إيفون؛ أولا لأني لم أعد أصادفها فضعف أملي ~~بلقائها؛ ثانيا لأني لما رأيتها في الجزيرة تراءت لي كأنها لا تعرفني. علمت بعد ~~ذلك أنها كانت في الإسكندرية مدة ذينك الشهرين. # الفصل الرابع # | لقاء فيه الداء # جاء فصل الشتاء وفتحت الأوبرا الخديوية قلبها للمغرمين بالتمثيل، قصدت إليها لأول ~~ليلة في ذلك العام، وكان كرسي في وسط الجانب الأيمن من الدرجة الأولى، جعلت أجيل ~~نظري في جهات الملعب؛ لأنظر القادمين لا لأترقب إيفون؛ لأني كنت قد يئست من ~~لقائها، ومع ذلك خطرت على بالي ليلتئذ، خاطر عار من الرجاء. # بعد بضع دقائق بدا في مقصورة (بنوار) على يميني شاب جميل الطلعة جدا أنيق المظهر ~~عليه النعماء يلبس طربوشا، ومعه سيدة تزري بالملكات في جمالها وبهائها، ونفاسة ~~زيها فشككت في أنها إيفون؛ لأن مظهرها كان ms015 يختلف عن المظهر الذي رأيتها فيه لأول ~~مرة. # لا تعجب من ذلك يا دكتور بوشه، فإن التبرج يغير منظر المرأة كل التغيير، فقد ترى ~~أختك في الأوبرا فلا تعرفها. # كنت أختلس النظرات منها كل هنيهة، وهل أستطيع أن أكف نظري عنها؟ بعد حين لاحظتني ~~أخالسها النظر، فعادت ترمقني بألحاظ غير حادة كأنها مصوبة إلي عفوا لغير معنى؛ ~~ولهذا لم أتأكد أنها هي نفسها، على أنها أصبحت شاغلا لبالي. # ولما انتهى الفصل رجعت عن مطل المقصورة، وجعلت تحادث الشاب الذي كان معها وفي خلال ~~حديثهما دخل عليهما فتى إيطالي أعرفه جيدا يدعى أوغستو سلا فأنعش دخوله عليهما ~~فؤادي، بقي معهما حتى نهاية الفصل الثاني وحينئذ لم أختلس منها إلا نظرتين أو ~~ثلاثا، وصممت على أن أراقب أوغستوجين يخرج وأقابله وأسائله عنهما. # ومن حسن حظي أنه خرج عند نهاية الفصل الثاني، فالتقيت به في فناء الملعب فحييته ~~تحية الصديق الحميم مع أنه لم يكن قبلا من جملة أصدقائي الأخصاء، فأجابني بتحية ~~ودودة، وما تكلمنا جملتين حتى استدرجته إلى الموضوع الذي أنويه، فقال: إن ~~المدموازيل مونار أعجبت بهذا الجوق الجديد. ~~- ما شأن هذه المدموازيل؟ ومن هذا الذي معها؟ # فقال متعجبا: ألا تعرف المدموازيل إيفون مونار؟ ~~- كلا. ~~- عجيب جدا أنك لا تعرفها، وكثيرون يعرفونها لشهرتها في الجمال واللطف ~~والأدب. ~~- لسوء حظي لا أعرفها، ولعلي رأيتها قبل الآن، من هذا الشاب الذي معها؟ ~~- الأمير ص. ك. وهي محظيته الآن. ~~- كذا. ~~- نعم، وهو على علم وأدب. ~~- أظنه أتى بها من أوروبا؟ ~~- كلا بل كانت مقيمة في منزل كبير في حي الإسماعيلية، وقد جعلت بيتها شبه حانة خاصة ~~بالكبراء المتأدبين، وفيه تعرف بها الأمير، ثم وافقته على ترك الحانة والإقامة في ~~منزل خاص بها وهو ينفق عليها سرا. ~~- إذن لا يزورها الآن غيره. ~~- بل يزورها أي من شاء من معارفها في أوقات الزيارة. ~~- هل يعلم الأمير بذلك؟ ~~- من غير بد؛ لأنها لا تتظاهر محظية له؛ ولذلك تعيش على هواها غير أنها محافظة على ~~عهودها معه وأمينة له ms016 أمانة الزوجة للزوج، وهو مهذب يقدر الأشخاص قدرهم؛ ولهذا ~~وثق بها ولم يشأ بل لم يجسر أن يقيدها بقيد. ~~- أظنك عرفتها لعهد حانتها الخاصة. ~~- نعم؛ لأن لي صلة شغل بالأمير، فكنت أتردد معه إلى منتداها قبل أن احتظاها، والآن ~~أزورها كثيرا مع الأمير ووحدي. ~~- هل ترى التعرف بها عزيزا الآن؟ ~~- أتريد التعرف بها؟ # فزممت شفتي كأن الأمر لا يهمني، فقال: إنها لفي منتهى اللطف يا مسيو كاسيه، وكل ~~معارفها عشاقها لطيب عشرتها، فإذا شئت أعرفك بها فهلم. ~~- والأمير؟ ~~- أعرفك به أيضا. ~~- لا ليس الآن. ~~- أظن أن الأمير يمضي قبل نهاية التمثيل، فإن شئت أقدمك إليها وهي وحدها. ~~- بأي صفة؟ ~~- عجيب! ألعل التعريف عقدة سياسية؟ ~~- لا لست أحسبه عقدة، ولكني أود أن تقول لها في ذلك أولا، فلعلها تأبى استقبالي ~~مراعاة لخاطر الأمير، فأعود كاسف البال. ~~- قلت لك: إن الأمير لا يحظر عليها ذلك، على أني أستأذنها من أجلك. ~~- لا تدعها تفهم أن الأمر كان بإيعازي، وإنما كان باستحسانك لما بيننا من ~~الصداقة. # إذن أشير إليك من المقصورة أن تأتي. ~~- كلا كلا، بل أرجو منك تأتي إلي وتأخذني إليها؛ لكي تجعل قيمة لصديقك الذي تقدمه ~~لها. ~~- حسن. # عدت إلى مقري فنظرت الأمير يودع إيفون وأوغستو، فطفر قلبي فرحا في صدري، وإذ كنت ~~أرى أوغستو يسامرها جعلت نفسي تحدثني أنها قد تكون دون ما أنا أتوهمها، فلماذا ~~أمثلها في نفسي شيئا عظيما؟ ولكني لم أكن أرمقها بنظرة حتى أرى من جلالها ما ~~يوهمني أنها أرفع من أن تطولها عزة نفسي. # اجتهدت أن أرد نظري عن مقصورتها مدة الفصل الثالث حرصا على عزة نفسي وتجاهلا ~~لمعرفتها، لماذا؟ لا أدري، ولما انتهى الفصل خرجت إلى رحبة الملعب الخارجية أنتظر ~~أوغستو، لم يأت إلا بعد دقيقة تراءت لي ربع ساعة فسألته: ماذا قالت؟ # فضحك قائلا: «مرحبا به.» ~~- ماذا قلت لها؟ ~~- «أود أن أقدم لك أحد أصدقائي، وهو شاب ظريف مهذب يدعى المسيو موريس ~~كاسيه.» ~~- هل دللتها علي؟ ~~- لم تسألني ذلك. ~~- إني لممتن لك جدا يا ms017 مسيو سلا. # صعدنا في الدرج المؤدي إلى رواق المقاصير، وأنا أكاد أتعثر بالدرجات، وأتوهم أن ~~الأرض مرنة جدا تحت قدمي فلم أعلم كيف أمشي، ولما دخلنا شعرت أن لهيبا يتوهج من ~~وجهي، فاستقبلتني إيفون بابتسامة كانت نسمة حياة لقلبي ، لا أنسى تلك الابتسامة ~~السماوية ولكني لاحظت أنها بوغتت بمقابلتي، كأنها لم تكن تنتظر أن أكون أنا ~~المقدم لها، قدمني أوغستو لها فمدت إلي يدها مصافحة، ثم قعدت على ~~الكرسي المقابل لها، شعرت حينئذ أني لدى ملكة جليلة، وما أمهلتني أن أخاطبها ~~بموضوع الرواية حسب عادة المتخاطبين في مثل ذلك المقام فبادأتني سائلة: أظن حضرتك ~~الذي رأيته في حانة الجيزة منذ مدة. ~~- ربما. # وحينئذ اتضح لون الحياء في وجهي فتفرست في وقالت: لا أظنني غلطانة، أما أنت الذي ~~أنب يومئذ ذلك البذيء لمضاحكته أولئك السكارى؟ ~~- أتأسف لما حصل يا سيدتي. ~~- إني أشكر مروءتك جدا يا مسيو كاسيه، وأعترف أني قصرت عن أداء الشكر لك إذ لم ~~يتسن لي في حينه. # فقال أوغستو: ما المسألة؟ # فراوغت من سبيل سؤاله قائلا: ليس الأمر ذا أهمية. كيف رأيت الرواية يا مدموازيل ~~مونار؟ ~~- استحسنتها جدا؛ لأنها كلها عواطف، كدت أبكي في هذا الفصل، فابتسمت قائلا: إذن ~~تميلين إلى الروايات الإحساسية. ~~- جدا، وأنت؟ ~~- لا أقرأ سواها تقريبا. ~~- تفعل حسنا؛ لأن الروايات التي اقتصر فيها على ذكر الحيل والدسائس تعجب القارئ ~~إعجابا فقط لأنها تدل على قدرة واضعها في اختلاق حوادثها الغريبة، ولكنها لا ~~تفيده فائدة أدبية، وأما الروايات الإحساسية فتؤثر على نفسه التأثير المقصود منها، ~~فإن كان مغزاها أدبيا مفيدا هذبت خلقه ودمثت طبعه، وأنا أشعر أن أخلاقي ~~ربيبة الروايات. ~~- ولكن مزاجك يا سيدتي لا توافقه مطالعة الروايات الإحساسية؛ لأن حوادثها المؤثرة ~~تفعل في نفسك ما يؤثر على صحتك أحيانا. # فنظرت إلي نظرة حادة كأنها لم تعهد قبلا مثل هذا الإحساس نحوها من أحد معارفها ~~وقالت: نعم أعلم ذلك، ولكني أشعر بلذة فائقة حتى حين أبكي متأثرة. # وعند ذلك التفتت إلى جهات الملعب وتناولت منظارها، وقدمته ms018 لي باسمة فتقبلته شاكرا، ~~ونظرت فيه نظرة قصيرة ورددته إليها، أما هي فكانت ناظرة إلى صحن الملعب من غير ~~اكتراث، أجلت نظري في المقاصير المقابلة لمقصورتها، فوجدت بضعة عشر منظارا متجهة ~~إلينا، ولاحظت بعد ذلك أنه ما من منظار في الملعب إلا صوب إليها مرارا، أما هي ~~فندر أنها نظرت في منظارها، بقينا بعد ذلك هنيهة ساكتين فاغتنمت فرصة استرسال ~~نظرها في فضاء الملعب، وتأملت ذلك الجمال السماوي. # لو اجتمع مهرة المصورين وصانعي التماثيل، وأفرغوا كل جهدهم في أن يجمعوا في تمثال ~~واحد صفوة المحاسن، وخلاصة الجمال نقلا عن مخيلاتهم لكان ما يصطنعونه تمثال إيفون ~~بعينه. # هيكل متناسب الأعضاء كأنه صب في قالب مصوغ من الأذواق السليمة، لم أقدر حينئذ ~~أن أتمثل قامتها؛ لأنها كانت جالسة، على أني ذكرت إذ رأيتها في الجيزة أنها أميل ~~إلى الطول بالنسبة إلى جسمها، ولكنها معتدلة بالنسبة إلى سائر النساء؛ ذلك لأنها ~~كانت أرق جسما من معدل الأجسام النسائية، ومع رقة جسمها لم تتراء لي نحيلة فكان ~~وجهها ممتلئا، ونظرت إلى كفها العارية من القفاز (الجوانتي) فوجدتها مكسوة السطوح ~~كالبطحاء لا منخفضات فيها ولا مرتفعات، وأناملها مستطيلة قليلا تكاد تظهر منتفخة ~~عند عقدها الأولى، وهذا من دلائل عصبية مزاجها، وأظافرها لا تتميز عن اللؤلؤ النقي ~~الشفاف إلا بكونها ضاربة إلى الحمرة الوردية قليلا. # ولولا كثافة شعرها الفاحم لتراءى رأسها صغيرا بالنظر إلى بدنها؛ لأن وجهها يتراءى ~~كذلك، لم أشهد في حياتي رواء أصفى من رواء وجهها، فكنت أتوهم أن لأهداب جفنيها ~~ظلا في أعماق وجنتيها كظل العشب النابت على ضفة النهر في الماء الصافي، ولا رأيت ~~قط نجلا كنجل عينيها إذا أطرقت ظننت الجفن العلوي يغطي الجفن السفلي، وإذا رفعت ~~نظرها فمهما انفرج جفناها لا تظهر حدقتها كلها، لا ترى لها من المقلة إلا شكل نواة ~~لوزة مستدقة أوسطها حالك السواد وجانباها عاجيا البياض، وفوق عينيها حاجبان ~~مقوسان دقيقان، ولكنهما حالكان - يتكاثفان حيثما يتطرفان، ولكنهما لا يتلاقيان، ~~ويستدقان حيثما يتطرفان ولكنهما لا ينطلقان، وبينهما ms019 أنف يوناني تتوهمه شفافا، ~~وتحته شفتان كأنهما ورقتا شقيق ملتفتان حيثما تتماسان، وبينهما قناة منحنية قليلا ~~متحدرة الضفتين، وقد فرش قرارها مثل اللآلئ كأنها مجرى للابتسام وعذب ~~الكلام. # كل لمحة من ملامحها تدل على عاطفة في داخلها. # إذا تكلمت تصورت قلبها بين شفتيها، ومتى تفرست خلت روحها تطل من عينيها، وإن سكنت ~~توهمت أنك تسمع خطرات أفكارها، أو أنك ترى ضميرها يرتسم على محياها، فكأن روحها ~~وضميرها وذكاءها وكل عواطفها قد تجسمت حتى بدت جسدا يحوي جسمها، الذي رق ولطف ~~وشف حتى صار خيالا روحيا، رأيتها رزينة جدا ولكن البشاشة خلقة في طلعتها، ~~ونور البشر خالد الإشعاع عن وجهها. # ولما أوشك الستار أن ينكشف عن الفصل الرابع استأذنتها وصافحتها، وعدت إلى مكاني، ~~وبعد ذلك لم أعد ألتفت إليها إلا نادرا، فكرت بكل كلمة قالتها إيفون، أعملت ذهني ~~في أن أستدل من حديثها معي على اكتراثها بي فلم أجد دليلا مقنعا، ذبت وجدا ~~واحترقت غيرة؛ لأنها لم تحفل بي ولا دعتني لزيارتها ولا استبقتني في مقصورتها إلى ~~أن ينتهي الفصل على الأقل، ولا فسحت لي مجالا لمحادثتها فوهن خيط رجائي. # بعد التمثيل ركبت مركبة، وتبعت مركبتها حتى وقفت أمام منزل باذخ في التوفيقية، وكان ~~أوغستو معها فصعد أمامها إلى المنزل، صرفت مركبتي وبقيت أتمشى منتظرا رجوع أوغستو ~~فلم يرجع حالا، ثم انتبهت إلى أنه لا يليق بي أن يعلم أوغستو بلحاقي بهما فانصرفت ~~حالا. # قضيت ذلك الليل يقظ البال مضطجع الجسم، وطيف إيفون يرفرف فوق سريري واليأس والرجاء ~~يتجاذبانني، يئست لعدم إعبائها بي كما كنت أنتظر. ولكن تيهها علي هو الذي زاد ~~ولوعي بها، ولو لاطفتني كثيرا لعدت زاهدا بها ورافضا نعمة ساقتها الأقدار ~~إلي، حدث لي غير مرة أني صادفت فتاة جميلة، فشغلت بالي كما شغلته إيفون حتى إذا ~~اجتمعت بها، وظفرت منها بقبلة عدت زاهدا بها. # خطر لي أن أتذرع إلى زيارتها بواسطة أوغستو، ولكن لسوء حظي برح في اليوم التالي إلى ~~الإسكندرية لأجل غير مسمى. # الفصل الخامس # | نسمات ms020 باردة # ذهبت بعد ذلك ليلتين إلى الأوبرا فلم أجدها، فكنت أطوف الحانات الكبرى مثل سنت ~~جايمس وغيرها، فلم أصادفها قط، تمشيت بعض الليالي حول منزلها، وأخيرا خشيت أن ~~يلاحظ الخفير أمري فيوجس مني. # رأيتها ذات ليلة في الأوبرا والأمير معها، وبالرغم من مجاهدتي أن لا أنظر إليها ~~وقعت عيني على عينها مرة، فاستدعتني بإشارة لطيفة فترددت في أول الأمر تخوفا، ~~ولكني نفضت الجبن عني وذهبت إلى مقصورتها، فاستقبلتني والأمير بكل بشاشة وقالت له: ~~المسيو موريس كاسيه الذي ذكرت لك مروءته. # فحنى الأمير رأسه وصافحني قائلا: أشكر لطفك يا مسيو كاسيه. # فرددت له صدى المجاملة، وانتقلت في الحال إلى حديث التمثيل، ومع أن الأمير لاطفني ~~وهي بشت لي شعرت أن انصرافي العاجل أليق بي من البقاء، فخرجت بعد بضع دقائق أتعثر ~~في سبيلي. # وفي ليلة أخرى ذهبت إلى الأوبرا مع أختي وخطيبتي وابن خالها ... # قال الطبيب: فقاطعته قائلا: إذن أنت خاطب؟ # كنت خاطبا حينئذ وفككت عقد الخطبة لسبب سأذكره لك متي انتهيت من قصتي مع إيفون، ~~رأيتها وفانتين وصيفتها في مقصورة مقابلنا، وقد صوب من معي المنظار إليها ~~فجعلوا يقولون: «من هذه الجميلة؟» فقلت: إنها فرنساوية زوجة أمير شرقي، وإني ~~تعرفت بهما مصادفة. # نظرت إليها كثيرا فلم أرها تلتفت نحونا إلا نادرا كأنها لا تعرفني، حيرني سبب ~~تجاهلها إياي حينئذ وذبت وجدا من إعراضها. # ولما انتهى التمثيل مضيت ومن معي إلى نيوبار؛ لكي نتناول بعض الأشربة ودخلنا إلى ~~إحدى الزوايا، فدهشت إذ رأيت إيفون والأمير أمامنا، نظر إلينا الأمير باشا ~~فحييته مصافحا، وقدمته لمن معي وقدمتهم لإيفون فبشت لهم، ألح الأمير أن نجلس ~~معهما فجلسنا. # كانت إيفون قليلة الكلام حينئذ، ولكنها لم تبخل البتة في ملاطفة أختي وخطيبتي، ~~والابتسام لهما بالقدر اللائق وكذلك الأمير لم يدخر جهدا في مجاملتنا وإكرامنا، ~~بعد بضع عشرة دقيقة التمست إيفون من الأمير أن ينصرفا فانصرفا. # صادفت إيفون بعد ذلك بضع مرار في مركبتها، ولكنها مرة واحدة رأتني فأشارت لي إشارة ~~تحية بسيطة، كنت أتوقع أن ms021 أراها في الأوبرا لكي أزورها في مقصورتها، وصممت أن أبث ~~لها حينئذ بعض ولوعي بها، ولكن عبرت عدة ليال وسناؤها لم يسطع في ذلك ~~الأفق. # نفد صبري ولم أعد أطيق الاصطبار، صرت أشعر أن لقاء إيفون أهم لحياتي من الماء ~~والهواء، نفر النوم من جفني وخفت أن تلاحظ أمي وأختي أرقي فتقلقان، وتبحثان عن ~~سببه، أصبحت نزقا سوداوي المزاج فكنت أتكلف البشاشة تكلفا، قلت زياراتي ~~لخطيبتي، وصارت توجس خيفة من زهدي بها. # وأخيرا قلت لنفسي: ماذا يمنع أن أزور إيفون في منزلها، وإن لم تكن قد جرأتني على ~~ذلك، صممت على زيارتها مؤثرا الساعة الثالثة لذلك على أمل أن يكون مجلسها خاليا ~~من الزوار. # الفصل السادس # | سلسبيل حديث # يممت ذلك المقام السامي خافق الفؤاد. ما بالك تضحك يا عزيزي بوشه من تخوفي هذا؟ لم ~~أكن أخاف من إيفون ولا من الأمير، وإنما كنت أخاف أن آتي أمرا تستنكره إيفون ~~فتستثقلني فكنت أبذل جهدي أن أظهر لها خفيف الروح رقيق المزاج. # أرسلت مع البواب بطاقتي، وبقيت في المركبة، وبعد بضع دقائق عاد يقول: «تفضل»، ~~فأوجست من تأخره وقلت: لا بد أنها ترددت، استقبلتني فانتين بطلعة باشة وفتحت لي ~~القاعة، فوجدتها على غاية من الترتيب والنظام. # كنت أظن أن إيفون تستقبلني بثوب المنزل؛ لأني كذا أعهد رصيفاتها في منازلهن، ولكنها ~~وافت إلي بعد عشر دقائق بثوب أنيق كأنها تستقبل زائرا نبيلا، وبعد التحية قالت ~~باشة: كنت أنتظر زيارتك قبل الآن يا مسيو كاسيه. ~~- ليتني عرفت أني حاصل على هذه النعمة يا سيدتي. # فابتسمت قائلة: أما خطر لك لأول تعارفنا أن تزورني. ~~- نعم تمنيت ذلك بيد أني لم أعلم في أي الأحوال تجوز زيارتي. ~~- ولكن كيف علمت الآن؟ # فتوقفت هنيهة ثم قلت: أتيت الآن مقدما رجلا ومؤخرا أخرى؛ خيفة أن تزعجك ~~زيارتي. ~~- أراك حذورا جدا يا مسيو كاسيه. ~~- لأني أعلم أن بعض الزائرين يلجئن السيدات أمثالك أحيانا إلى أن يبتسمن لهم في ~~وجوههم، ويضحكن عليهم في أقفيتهم وهم يعلمون ذلك ولا يبالون. ~~- ولكنك ms022 لست من أولئك الزائرين. ~~- وأنت تجلين عن أولئك السيدات فأحمد الله على ذلك. # وكان البشر حينئذ يسطع عن محياها، وشعرت أن كل نغمة من نغمات كلامها اللطيف جذبة ~~لي نحو فؤادها حتى صرت أتخيلها أخيرا منطرحة على ذراعي، أو متكئة على صدري، وكل ~~ما كنت أراه من خيلائها وتيهها في الماضي أصبح حينئذاك وداعة ورقة، وكل ما توقعته ~~من تدللها وإعراضها وجدته لطفا ورضى وتعطفا؛ ولذلك انقلب تخوفي السابق إلى ~~جرأة، وتحول ترددي إلى دالة ويأسي إلى أمل، وبعد سكوت هنيهة قالت بلهجة رقيقة ~~جدا وبثغر باسم، وقد لاحظت أن ظليلا من الحمرة غشي وجهها: ما الذي حملك يا مسيو ~~موريس على زيارتي الآن؟ ~~- ألعلك لا تستقبلين الزوار الآن؟ # فتململت قليلا وقالت: لست أعني أن زيارتك لي أمر محظور في حين من الأحيان، وإنما ~~أستفهم عن الداعي الذي ساقك إلي. # وكان ثغرها يتدفق ابتساما ووجهها بشاشة، وشعرت أن وجهي يتلهب والدم يتدفع في ~~عروقي، فقلت: لا أظن يا سيدتي أن داعي زيارتي أمر خفي، ظننت نفسي أحد أصدقائك ~~فرأيت أنه من الواجب علي أن أزورك، وما أراني أسأت الظن. ~~- بل أحسنته، مرحبا بك. # ثم أدارت نظرها في القاعة إلى أن انتهى عند البيانو فقالت: لا بد أنك تحب ~~الموسيقى؟ ~~- جدا. ~~- فتود أن تسمع الآن لحنا؟ ~~- إنه لطف عظيم جدا يا مدموازيل. # بعد ما ضربت على البيانو عدة ألحان هممت أن أمضي، فأمسكتني قائلة: لست تذهب، بل ~~تبقى إلى أن نتناول الشاي، فإني منتظرة صديقين قد دعيا نفسيهما لتناوله ~~عندي. ~~- أشكر لطفك جدا. # ثم جلسنا نتحدث فكنت أراني حينئذ في بحر من السرور عميق القرار، وما دنت الساعة ~~الرابعة حتى وافى إلينا صديقاها المنتظران: المسيو أوكتاف بوشار، والمسيو فكتور ~~تينارديه، وهما شابان في عنفوان الشباب، فعرفتهما بي، أما المسيو تينارديه فخفيف ~~الحركة جدا، ولكنه كان ثقيل الظل على قلبي؛ لأنه منذ دخل لم يهدأ له ثائر، فكان ~~تارة يجلس إلى البيانو فيلعب عليه، ثم يجلس إلى جنب إيفون فيمازحها، ثم إلى ms023 جنب ~~فانتين فيداعبها، وأما إيفون فكانت تضحك منه كثيرا؛ ولهذا غرت منه وخفت أنها لا ~~تستلطف الأصدقاء إلا إذا كانوا مهاذير كالمسيو تينارديه وما أنا كذلك، أما المسيو ~~بوشار فكان أقل خفة من فكتور وأقل رزانة مني. # وبينما كان فيكتور يداعب فانتين جذبها إليه، وهم أن يلثم ثغرها فنفرت منه نفور ~~الظبي من الذئب، فانتهرته إيفون غاضبة قائلة: إنك لوقح. # فضحك قائلا: وماذا يكون لو فعلت؟ ~~- قلة أدب. # فاكفهر وجهه؛ لأنه رأى انفعال إيفون شديدا وقال: كلا بل هو الأدب بعينه. ~~- بل هو التسفل بعينه. # فضحك ضحك الساخر قائلا: لسنا في كنيسة. ~~- الأدب واجب في كل مكان فالزمه أو فامض. ~~- إني أعلم في أي منزل أنا. # وعند ذلك كانت إيفون تنتفض من الغضب، وفكتور يقدح شرر الغيظ من عينيه فقالت له: ~~ماذا تعني؟ ~~- أعلم أني في منزل يجوز فيه كل شيء، فهل تريدين أن توهمي يا إيفون أن منزلك دار ~~للملائكة. ~~- متى رأيت فيه مثل ما فعلت. # وحينئذ كان بركان غيظي قد انفجر، فنهضت من مكاني إليه كأني أهم أن أضربه وقلت له: ~~نعم إنه منزل الأطهار وأنت تدنسه، فاسترد كل أقوالك. # فوقف قائلا لي: ما شأنك أنت؟ ~~- إنك تدنس هذا المقام ومن فيه. # وحينئذ اعترض المسيو بوشار بيننا، وتينادريه أجاب: ليس في هذا المكان نقتتل، ~~عين مكانا للمبارزة وشهودك. ~~- بل الآن أو ترجع عن قولك. # وعند ذلك غشي الاكفهرار وجه إيفون، واستلقت على المقعد مغمى عليها، فتركت فكتور ~~ودنوت منها وجعلت أعالجها ووافى البقية يساعدونني، وبعد هنيهة أفاقت فأخذناها إلى ~~سريرها، أما فكتور فاعتذر وتأسف على ما جرى، ثم مضى هو ورفيقه بوشار، وبقيت جالسا ~~إلى سرير إيفون صامتا وهي مضطجعة لا تطيق التكلم، وفانتين جالسة عند قدميها تنتظر ~~إشارة منها بأمر، وبعد برهة أمرتها أن تعد لها بعض اللبن، ثم التفتت إلي ~~وقالت: موريس! # فخفق فؤادي لهذا النداء الذي رن فيه رنة القيثار السماوي، فأجبت: مولاتي. ~~- إنك الرجل الوحيد الذي يحبني، كما أن فانتين المرأة الوحيدة التي تحبني ms024 ~~كنفسها. ~~- فانتين تحبك كنفسها، وأنا كم تظنين أني أحبك؟ ~~- أعلم أنك تحبني كثيرا يا موريس، تحبني أكثر من جميع الرجال الذين عرفتهم. ~~- أحبك أكثر من نفسي ... ~~- لا تتسرع يا موريس لئلا تندم. ~~- بل أعبدك. ~~- لا تبالغ فتكذب. ~~- آه يا إيفون لو تعلمين متى أحببتك، وكم أحببتك وماذا قاسيت في حبك. ~~- علمت أنك أحببتني حبا حقيقيا، ولكن قل لي: هل تعرف حقيقة أمري؟ ~~- أعرف أنك محظية الأمير ... ~~- ... لا زوجته. ~~- نعم. ~~- إذن قد برهنت لي على حبك الصادق ثلاث مرات، والثلاثة عدد كاف للتوكيد، وأما غيرك ~~ممن يدعون حبي حتى الأمير نفسه، فلم يوردوا برهانا واحدا. ~~- بل إن كل لحظة من حياتي بعد إذ عرفتك هي دليل واضح على حبي لك يا إيفون، ولسوء ~~حظي لم تطلعي على هذه الأدلة. ~~- لا، لا تدري أنت أي البراهين أقنعتني بحبك، فاسمع أذكرك منها البرهان الأول في ~~الجيزة ... ~~- لا تذكري تلك الحادثة يا إيفون، فإن المروءة شيمة كل من يدعي ~~الرجولية. ~~- أصغ، لا تقاطعني، إنك لم تدرك ما عنيت، لا أحسب دفاعك عني برهانا على حبك لي؛ ~~لأن دفاعا كهذا شيمة كل ذي مروءة ينبض في عروقه دم شريف كما قلت، ولكن قولك لذلك ~~الوغد: «أرى أنها شريفة النفس»، هو البرهان الذي يقنعني، قد يمكن أن أنسى تلك ~~الحادثة، ولكن هذه العبارة تظل تلوح في ضميري حتى متى صرت في عالم الأرواح؛ لأنها ~~شهادة لنفسي الخالدة لا لجسدي الفاني، والله يشهد أني شريفة الروح. والبرهان ~~الثاني في نيوبار إذ لم تستنكف أن تعرفني بأنسبائك مع علمك أني في عرف الناس ~~امرأة ساقطة، والبرهان الثالث الآن إذ قلت لفكتور عن منزلي: «إنه منزل الأطهار ~~وإنه يدنسه.» # سمعت ذلك الكلام الشريف مطرقا فقلت لها: إنك يا إيفون جوهر حياتي فأجدر بأهم جزء ~~في شخصيتي أن يكون شريفا. # فابتسمت ونظرت إلي نظرة جسمت الرجاء في فؤادي، واسترسلت في كلامها: يعدني الناس ~~ساقطة يا موريس ... ~~- إنهم يفترون عليك. ~~- أنت وحدك تعتقد كذلك؛ ولكن جمهورهم على أن المرأة المبتذلة الساقطة ms025 دنسة الجسد ~~والنفس، وهب أنها جمعت كل الفضائل فلا يغتفرون لها ذلك الإثم لأجل فضائلها. # إنهم جائرون؛ لأني لا أرى فرقا بين المبتذلة والمحصنة التي تأثم نفس الإثم فضلا ~~عن سواه، ومع ذلك يتسامحون لها. # بل هناك فرق عظيم وهو أن المحصنة تأثمه مختبئة وراء رجل تشركه بأذى إثمها، ومع ذلك ~~يتعامى الناس عنه، وأما المبتذلة فتأثمه لاجئة إلى حريتها الشخصية، ولا يؤذي ~~بإثمها سواها، ومع ذلك يرجمونها كأنهم بلا خطية، ويعاقبونها كأنها لهم أذنبت، كل ~~أصدقائي يكرمونني ويعظمونني ويبذلون الغالي والرخيص لي ويتمنون رضاي، يفعلون ذلك ~~في منزلي أو في خلوتي معهم، ولكنهم يأبونه علي في مجالسهم الخصوصية، ويستنكفون ~~دخولي إلى منازلهم، يقبلون الأرض عند قدمي في غرفتي، ولكنهم ينكرونني في ~~السبيل، يأكلون على مائدتي ولكنهم لا يقبلونني في حفلاتهم، وهو ذا الأمير وهو ~~يساكنني استنكف أن يصطحبني إلى المرقص الخديوي، يتوددون إلي ويتغزلون بجمالي ~~ويطنبون بمدح لطفي ويغالون في الثناء على دماثة خلقي، ولكنهم كلمة واحدة لا يقولون ~~على طهارة نفسي، بل عند أقل خلاف بيني وبينهم يطعنون فؤادي طعنات نجلاء بنبال ~~التعبير، كما فعل فكتور اليوم، لماذا يفعلون كذلك؟ # لأنهم يحتقرون شخصيتي الروحية، ولا يكرمون شخصيتي الحيوانية؛ إلا لأنهم يحبون ~~أنفسهم؛ فلأجل شهوتهم يتوددون إلي لا لأجلي، فمتى لا يكونون في حاجة إلى رضاي ~~ينبذوني نبذ النواة، ولو كانوا يحبونني الحب الحقيقي لكانوا يذكرون لي محامدي ~~الكثيرة ويمحون لي هفوة واحدة جرني إليها خداع الرجل، ودفعني إليها ضعف البشرية، ~~ولما كانوا يستنكفون أن يترحبوا بي في منازلهم ويذكروا مآثري في حفلاتهم ~~ومجالسهم. # قضي علي يا موريس أن أهفو مرة، فكانت تلك الهفوة علة ابتذالي وهواني كل العمر، ~~أعلم يا موريس أني في نظر الآداب الاجتماعية امرأة ساقطة، ولكن ليس كل ما في ~~شخصيتي ساقطا، لم تزل في نفس شريفة جدا، جاهدت طويلا في عمل المبرات، وتقلد ~~الفضائل والحرص على العفاف، ففي حين كان الكذب ينقذني من مخالب الشر، أو يغنيني ~~كنت أقول الحقيقة عن نفسي، وحين كنت ms026 قوية على هضم حقوق سواي كنت أتنازل عن حقوقي، ~~وقد افتكرت بالفقراء وأنا في قمة عزي ومجدي، وآسيت الحزانى وأنا في نشوة سروري، ~~وقد ضحيت بحياتي - آه حياتي - كلها حرصا على عرض سواي، فعلت كل ذلك لكي أمحو ~~عاري ، فأبى الناس أن ينسوا زلتي ويذكروا لي حسنة من حسناتي. # وكانت حينئذ قد بلغت منها الحدة شدتها، فجلست في سريرها وألقت كفها على مخدتها ~~مقومة ذراعها، وكادت عيناها تلفظان من وجهها، وأما أنا فكنت مبهوتا من هذا ~~الخطاب، الذي لم أكن أتصوره يلوح في ضمير امرأة يعدونها ساقطة، وقد استرسلت ~~فيه. ~~- آه يا موريس كفرت كثيرا عن هفوتي الأولى، ولا ريب عندي أن الله قبل كفارتي ~~وغفر خطيئتي، وأما عبيده فلم يزالوا إلى الآن يدينونني ويرجمونني بحجارة التعيير، ~~والتحقير والازدراء، فهم يقتلون ويشهدون زورا ويسلبون ويغتصبون، ويظلمون ويزنون ~~ونساؤهم تفعل المحرمات كلها ومع ذلك يتساهلون بعضهم لبعض، وينسبون واحدهم للآخر ~~الفضل والشرف والنزاهة، وأما نحن النساء غير المحصنات فمخزيات مهما فعلنا من ~~الصالحات، تعرفت بكثيرين فلم أجد واحدا يأخذ بيدي ويرفعني إلى مقام نفسي الحقيقي، ~~تردد علي كثيرون من المحبين، ولكن كانت غايتهم سافلة، فإذا لم أنلهم إياها ~~تفلوا في وجهي ومضوا، الأمير أفضل وأشرف من صادقني، ومع ذلك لا أراه يكرم في ~~غير الجزء الحيواني، وأما نفسي الشريفة فلم يكترث بها ولم يعرف لها قيمة. # لم أجد غيرك يا موريس رجلا أجل حياتي الروحية، وتجاوز عن حياتي الجسدية فأنت ~~الوحيد الذي أحبني الحب الحقيقي، ورفع نفسي إلى مقامها. # عند ذلك لم أتمالك أن تناولت كف إيفون الرخصة ورفعتها إلى شفتي ودموعي تبلها، بعد ~~هنيهة تلاشت حدتها فنظرت في باسمة وقالت: إذن تحبني يا موريس. ~~- إلى حد الجنون منذ رأيتك لأول مرة في الجيزة. ~~- كيف ذلك وأنت لم تعرفني؟ ~~- عرفتك حينئذ، عرفت أن لك قلبا كبيرا لم يزل خلوا من الحب الحقيقي، وروح ~~ملاك طاهر وعواطف امرأة شريفة، ألا تكفي هذه المعرفة لأن تضرم نار حبك في ~~قلبي؟ ~~- عجيب! كيف اعتقدت ms027 ذلك في؟ ~~- كان في كل لمحة من ملامحك بيان فصيح لمبادئك وأخلاقك. ~~- لماذا لم يدرك ذلك سواك؟ ~~- لأن الناس يحكمون عليكن حكما واحدا. ~~- لماذا لم تسع إلى مقابلتي على الإثر؟ ~~- جعلت قهوة الجيزة مزاري كل مساء، أين أتوقع أن أراك إلا هناك؟ ~~- ندر أني ذهبت إلى هناك، ليتني علمت ذلك. ~~- لم تفتكري بي وإلا لحدثك ضميرك أن تكون تلك القهوة ملتقانا. ~~- افتكرت أن أراك لكي أشكر معروفك. ~~- إذن لم يحدثك قلبك كما حدثني قلبي؟ ~~- كلا. ~~- ولا خطر لك أن تكلميني كلمة إذا صادفتني. ~~- أنت قاس وإلا فلا تخز ضميري بهذا الكلام. ~~- رأيتني في عربتك في الجزيرة، فكأنك لم تريني. ~~- أنا؟ ~~- أنت. ~~- غلطان. ~~- مؤكد. ~~- لا أتذكر قط. ~~- وقع نظرك على نظري كما هو واقع الآن. ~~- إذن لم أعرفك. ~~- أرأيت أنك نسيتني سريعا؟ ~~- أتنتظر أن مثلي تذكرك في الحال؟ ~~- ألم يكن هناك داع خاص لتذكيرك؟ ~~- ولكنني لم أع طيفك في مخيلتي. ~~- أنا وعيت. ~~- لا ريب أنك نظرت إلي حينئذ كثيرا؛ لأن أولئك السكارى لفتوا الأنظار إلي، ~~أما أنا فلم أرك إلا قدر لمحة إذ وقفت تناقش ذلك البذيء. ~~- لم تتمهلي حتى تعرفيني جيدا. ~~- لم يدع لي روعي مهلة لذلك، أما رأيتني بعد ذلك؟ ~~- لم أرك بعد مصادفتي إياك في الجزيرة. # عند ذلك فكرت هنيهة وقالت: كنت مدة في الإسكندرية. ~~- رأيتك أول ليلة من ليالي التمثيل في الأوبرا ... ~~- رأيتك في كرسيك وأنت تخالسني النظر، فخطر لي أن لهذه الملامح صورة في مخيلتي، ~~ولكني لم أفطن أين رأيتك قبلا حتى دخلت علي، ولما سألني أوغستو أن يقدمك إلي ~~لم يخطر لي أنك أنت المعني. ~~- لم تعبئي بي وأنا لديك في المقصورة. ~~- رأيتك رزينا جدا فحاذرت أن أتمادى في مسامرتك. ~~- لم تطلبي مني ولو من قبيل المجاملة أن أزورك. ~~- لم أعتد أن أطلب ذلك من أحد. ~~- أما علمت أني سعيت إلى التعرف بك بواسطة أوغستو؟ ~~- فهمت أن ذلك كان بغية أوغستو لا بغيتك. ~~- كذا كان الظاهر والحقيقة أني أنا التمست منه ذلك. ~~- أترى أنك كنت ms028 أنوفا محاذرا؟ ~~- نعم حاذرت خشية الفشل. # فضحكت قائلة: ولد، لماذا لم تزرني بعد تلك المقابلة؟ ~~- تبعت عربتك إلى منزلك. ~~- لماذا لم تصعد؟ ~~- كيف أجسر؟ ~~- مجنون. ~~- اجتمعت بك ثانية إذ كان الأمير معك. ~~- كنت أشد رزانة من قبل. ~~- خشيت أن أسوء الأمير. ~~- معذور. ~~- رأيتني مرة وأنت في عربتك. ~~- أذكر جيدا أني حييتك بابتسامة. ~~- لماذا لم تستوقفي العربة؟ ~~- هل كنت تنتظر ذلك؟ ~~- أما كنت حينئذ قد أحببتني؟ ~~- كنت قد بدأت تشغل قلبي، ولكنك إلى ذلك الحين لم تزرني. ~~- لما كنت مع أنسبائي في الأوبرا لم تعيريني نظرة واحدة. ~~- حاذرت أن يعرف أنسباؤك أن لك صلة بي. ~~- كنت أود أن يعرفوا. ~~- إذن قصدتم إلينا قصدا في نيوبار؟ ~~- بل لقيناكم مصادفة. ~~- لو عرفت أننا هناك؟ ~~- لما كنت أتردد في أمر الاجتماع بكما إلا لأجل ما لاقيته من إعراضك ~~ليلتئذ. ~~- عرفتهم أني حليلة الأمير لا خليلته. ~~- أليس ذلك أفضل؟ ~~- أرأيت أنك تستنكف أن تعرف ذا صلة بمبتذلة؟ ~~- توبخينني؟ ~~- بل أعذرك، بل كنت ألومك لو لم تقل أني زوجة الأمير، إذا كنت أنت لا تستنكف أن ~~يعرفني ذووك كما أنا فهم يستنكفون. ~~- لم تمكثي حينئذ طويلا. ~~- للسبب الذي ذكرته لك الآن. ~~- والآن يا إيفون؟ إني أحبك كل الحب. ~~- لا شك عندي بحبك. ~~- أصبح اجتماعي بك من ضروريات حياتي. ~~- تزورني حينا بعد آخر. ~~- ألا يمكن أن أراك غدا؟ ~~- في الأوبرا. ~~- أزورك في مقصورتك؟ ~~- من غير بد، لا تنس يا موريس أنك تحبني الحب الحقيقي، وأنك تعتبرني شريفة ~~العواطف. ~~- لماذا هذا التنبيه؟ ~~- أخاف أن تندم فتستبدل حبك هذا بحب آخر. ~~- ماذا تعنين؟ ~~- أخاف أن لا تجد سرورك في هذا الحب، فتطلبه من حب فاسد. ~~- إني راض بما قسمت لي يا إيفون، وهو نعمة لم أطمع بها من قبل. ~~- عند ذلك قبلت يدها وكانت الشمس على وشك الغياب، فخرجت من عندها وقد أصبحنا ~~حبيبين متعاشقين. # كأننا في الحب بين الورى # نموذج يجري عليه الأنام # ما صدقت أن وافى موعد التمثيل في الأوبرا حتى ذهبت وزرتها تلك الليلة في مقصورتها ms029 ~~بحضور الأمير، وكنت أظن أنه يمتعض مني فأخلف ظني بحسن عشرته، ووفرة بشاشته كأنه ~~كان شديد الاطمئنان من قبلي ووطيد الثقة بإيفون. # وبعد ذلك لم أعد أطيق الصبر عن زيارة إيفون، فصرت كل يوم أتوقع العصر بفروغ صبر؛ ~~لكي أذهب إليها، وهي صارت تعرف موعدي فتنتظرني، وأحيانا كنت أجد الأمير عندها ~~فيحسب أن التقائي به عندها مصادفة لاعتقاده أن زيارتي لها نادرة، وأخيرا لم أعد ~~أصطبر إلى العصر فصرت أذهب إليها أحيانا قبل الظهر بعد إذ أتأكد أن الأمير خرج من ~~عندها، وفي عهد قصير صرت وإيفون عشيقين متلازمين تلازم الظل للشبح. # الفصل السابع # | الهوى العذري # وفي ذات يوم من أيام مارس كان الطقس دافئا جدا، والأمير غائبا عن مصر، فذهبت ~~وإيفون وفانتين والخادم إلى القناطر الخيرية؛ لنقضي نهارا بين الأزهار والخضرة ~~والماء. # شعرت أن إيفون قد أفعمت حبا في ذلك الخلاء، وكأن كل ذرة من ذرات جسمها تنعطف ~~نحوي، تأملتها وهي متكئة عند جذع الشجرة بثوبها البنفسجي والزهور منثورة أمامها، ~~فوجدتها تحفة الخالق للطبيعة، تصورت حينئذ ذلك الكيان بلا إيفون ناقصا، وأنه لو ~~ذهبت منه لبقي مكانها من جمال الطبيعة فارغا إلى ما شاء الله. # لم أتمثل إيفون حينئذ إلا غمامة عواطف أرق من الهواء، بل ألطف من الأثير وقد تقلصت ~~تلك الغمامة حتى صارت كتلة يحويها ذلك الثوب المادي. # كانت كل الوقت باسمة متهللة، فكنت أتخيل أن مياه سعادتي تجري في أخدود بين شفتيها، ~~وكل ابتسامة شعاعة من نور حياتي، وكنت أحس أن كل نسمة من أنفاسها غذاء ~~لروحي. # جردنا الحب حينئذ عن كل مادة، فكنت أرانا روحين تتمازجان في فضاء الخيال، فما ~~أوردت إيفون معنى إلا شعرت أنه حلقة في سلسلة تصوراتي، ولا لفظت لفظة إلا كانت ~~نقرة على وتر من أفكاري. # كنت أرى بعين ذهني أشباح معانيها السامية، وأسمع بأذن ضميري حفيف أفكارها اللطيف، ~~ما أهنأ تلك الساعات بل تلك الأيام التي قضيتها إلى جنب إيفون! # لا تقدر يا عزيزي بوشه أن تتصور كيف قضينا ذلك ms030 النهار في صفاء روحاني، فكانت ملائكة ~~السماء تحف حولنا لتتلقن حديث الهوى البشري، وتنشره في عالم الأرواح لتطلع سكان ~~السماء على سفر الحب السامي. # قلت لإيفون: بقيت لي أمنية واحدة. ~~- ماذا؟ ~~- أن تنقضي حياتي بانقضاء هذه السعادة. ~~- تنقضي حياتنا يا موريس وسعادتنا لا تنقضي، بل تتم إذ نتجرد من أثقال هذه ~~الحياة. ~~- بل تنقضي بانقضاء هذا النهار. # فحملقت بي مضطربة وقالت: لماذا تتشاءم! لا أعتقد أن السعادة تنقضي إلا بانقضاء ~~الحب، لقد روعتني. ~~- لم أحسن التعبير يا إيفون، لا تنقضي وإنما تنثلم إذ يمازجها كدر. ~~- لا أفهم ماذا تقول. ~~- إننا سنفترق عند المساء. ~~- ولكن تبقى روحانا متحدتين، فهل نفترق إلا مفكرين فكرا واحدا إلى أن نلتقي ~~ثانية؟ ~~- ولكن الأمير يشغل قسما من أفكارك. # فابتسمت قائلة: أتغار يا موريس! ~~- كيف أحب إذن! ~~- الأمير بعيد عن قلبي. # إني أحرص على كل ذرة منك يا إيفون، أبخل بهدب ثوبك على الأمير، أضن بلمسة كفك، ~~أقتر بنسمة أنفاسك، أريد أن تكوني لي كلك كما أني لك بجملتي. ~~- أراك يا موريس موشكا أن تفسد حبنا. ~~- لأني أحرص على كل جزء منك! ~~- بل لأنك تمزج حياتنا الروحية بالحياة الجسدية؛ أحببتني لأنك اعتقدت أن روحي ~~طاهرة، وتجاوزت عن حياتي البشرية، وأنا أحببتك وحدك لأجل هذا الاعتقاد، فحياتي ~~الروحية لك وأما حياتي الجسدية فدعها لي. ~~- لا أطيق يا إيفون، لا أطيق أن أرى الأمير إلى جنبك، إني أحبك وأضع قلبي تحت ~~قدميك، فلماذا يدوسه شخص آخر معك؟ ~~- إن الأمير سند حياتي الجسدية يا موريس فدعني أتكل عليه. ~~- بل اتكلي علي، كل مالي فهو لك فلماذا لا نقضي بقية العمر متمتعين تمام التمتع ~~يا إيفون إذا لم يكن ما يحول دون ذلك؟ ~~- أتريد أن أحبك حبي للأمير؟ يعز علي أن تحل محله؛ لأنك أرفع من هذا المحل، ~~أرأيت أنك أخذت تفسد حبنا وتغير ظني فيك؟ ~~- كوني زوجة لي كما أنك حبيبة لقلبي. # فتنهدت من أعماق رئتيها وطفر الدمع من عينيها، وقالت: ليتني أصلح لك زوجة بل ~~خادمة! ~~- أي زوجة ms031 أجد مثلك يا إيفون؟ ~~- كلا، لا تشط عن الصواب يا موريس، أنا والناس خصوم إن التصقت بك انفصل الناس عنك ~~وأهلك في مقدمة المنفصلين، فابق مبتعدا عني إذ لا غنى لك عن الناس، وأنا أحرص ~~عليك في قلبي. ~~- أنت كل الناس لي يا إيفون، أكتفي بك عن كل شيء، وأستغني بحبك عن كل مقام ومجد، ~~أنت مجدي وغناي بل حياتي، فلماذا لا تتحدين بي فنقضي العمر كله منفصلين عن ~~العالم، وماذا أبتغي من العالم إذا كنت إلى جنبك؟ ~~- تعلم منزلتي يا موريس، إذا حاولت أن ترفعني حاول العالم أن يحطنا معا، فلماذا ~~تنحط بي؟ ارعو، إني أحبك فلا أضحي بك، فابق لأهلك ولزوجتك المنتظرة، ولذويك ~~ولمقامك السني المجيد، أنت في عنفوان الشباب وأمامك مستقبل زاهر فلا تنبذه لأجلي، ~~لست أدوم لك، إني أكاد أسبقك سنا وقد استنفدت معظم حياتي فيما مضى من أيامي ~~القصيرة، ولا بد أن تذبل زهرة جمالي بعد قليل فأمضي تاركة لك شوهة في جبين ~~حياتك. ~~- لا أعد نفسي حيا بعدك يا إيفون، ولا أحسب من عمري إلا الأيام التي أقضيها ~~معك، فلماذا لا تريدين أن تتمي سعادتي؟ # فتأففت وكفكفت دموعها قائلة: إن نفسي تكاد تلتهمك حبا يا موريس وأوشك أن ألبي ~~شهوتها، فلا تطمعها بما ليست لائقة له، لا تغرني؛ لأصبح لك زوجة. ~~- لا حياة لي إلا بأن تكوني لي، زوجة أو غير زوجة لا فرق عندي، أتحمل عدوان العالم ~~لأجل حبك يا إيفون، إني غني عن كل الناس، فلماذا نضحي بسعادتنا ولذتنا لأجل ~~التقاليد البشرية الفاسدة؟ ~~- أراك تضطرني أن أعود إلى حياتي السابقة، تضطرني أن أجدد الحانة وأفتح منزلي لكل ~~غر، وأتكلف الابتسام لكل أحمق جاهل وأتحمل ثقالة الثقلاء، وفظاظة الهمج وأصبر على ~~سفاهة الأراذل، بربك لا تدفعني إلى هذا العذاب يا موريس، لم يعد لي جلد ولا طاقة ~~على تكلف المجاملة ومعاشرة من أستثقلهم. ~~- ما الموجب لذلك يا إيفون؟ إنك عديمة الثقة بي. ~~- بل إني غيورة عليك، أضن بمالك كما أضن بشرفك، إني لك ms032 إلى أمد قصير يا موريس، ~~فأود أن يبقى شرفك لك ولذويك ومالك لبنيك. ~~- ليس لي بعدك أهل يا إيفون، فلأنفق ثروتي على حبنا ولنعش هنيئين. ~~- إنك غبي يا موريس بل متهور، ولكن حبي لك يقيك من السقوط، إني مسرفة والأمير غني ~~يستطيع أن يلقم فم إسرافي ما دمت حية، فدع حياتي الجسدية تعيش على سخائه. ~~- كلا لا أطيق لا أطيق. # إذن تضطرني إما أن أعيش بالتقتير أو أفتح الحانة ثانية، وكلا الأمرين فوق ~~طاقتي. ~~- بل تعيشين معي كما أعيش. ~~- أعيش لك ولكن لن أعيش معك، حسبك ما أبنت لك من جهلك لمصيرك، إني أحبك جدا يا ~~موريس فأشفق عليك. # وجعل الدمع ينهمر من مقلتيها، وقد اتكأت على ذراعي وطوقت عنقي بذراعها، فشعرت أن ~~ملاكي الحارس ينعطف علي، فمزجت دمعي بدمعها وقلت: آه يا إيفون، إني أرضى أن أتحد ~~بك وأتطعم بشرفك الروحي، وعارك الجسدي وأترك هذا العالم بما فيه من الفساد ودعوى ~~المدنية والفضيلة، ولكن أنت لا تريدين أن تتممي سعادتي فماذا أفعل؟ ~~- لست تعلم ماذا تقول يا موريس، فكفى أن تجرح فؤادي، بقدر ما يكون القلب مضطرما ~~بالحب تكون النفس مولعة بالمجد، فأنا أتوقع لك مجدا باهرا جدا فيه لذة فائقة ~~لك، والحب بلا المجد كالمصباح المطفأ، فابق في العالم لينير فيه بهاؤك، وإلا فإذا ~~تركت العالم والتصفت بي كنت بلا بهاء، إني أحبك يا موريس فأشتهي أن أرى مجدك ~~متألقا، حبيبي موريس، لا تطرح نفسك في ظلمتي. ~~- أبقى في العالم يا إيفون وأكون معك في الخفاء كما يفعل الأمير. # ففكرت هنيهة متحيرة، ثم قالت: إذن أبيع رياش منزلي وبعض حلاي، وأنفق ثمنها فيما بقي ~~من حياتي، وأعيش عيشة بسيطة. ~~- إنك تجرحين فؤادي بهذا الكلام يا إيفون، مهما كان الأمير أغنى مني، فإني أقدر أن ~~أقدم لك ما يقدمه. ~~- اطو هذا الحديث فإن الخوض فيه يسوءني، إذا انفصلت عن الأمير لا أحمل أحدا ثقلا ~~من أثقالي، كن مطمئنا يا حبيبي موريس إني لك بجملتي. # وعند ذلك لم أتمالك أن ms033 ضممتها إلى صدري، وقبلتها قبلة حارة، وقبل أن تأذن الشمس ~~بالمغيب قمنا نتمشى إلى المحطة، فكنا كالولدين الصغيرين بسيطي القلب لا نعرف كدرا ~~من أكدار هذه الحياة. # الفصل الثامن # | صاعقة # بعد ذلك كنت كالظل لإيفون لا أفارقها ما دامت الشمس مشرقة، وأختفي عنها متى خيم ~~الظلام، نقضي معظم النهار معا نتساقى خمرة الحب ولا نصحو من نشوته، وكنت أصرف بعض ~~السهرات عندها، وشرع الأمير يرقب حركاتي وسكناتي موجسا مني، على أني لم أكن ~~لأبالي به بل بالأحرى كنت أذوب منه غيرة، وما من مرة عدت إلى البيت إلا متغيظا من ~~تصوري أنه عند إيفون، فأعقد النية على أن أفصلها عنه في اليوم التالي، ومتى اجتمعت ~~بها أثنتني عن هذا العزم. # ما طال هذا الحال كثيرا، ففي ذات صباح ذهبت إلى إيفون حسب عادتي، فذعرت إذ ~~استقبلتني فانتين بوجه مكفهر، وتوقعت شرا عظيما قبل أن أسمع منها كلمة، فقلت: ~~أراك مكتئبة فما الخبر؟ أين إيفون؟ # فتكلفت الابتسام قائلة: لست مكتئبة إلا لأن إيفون تشكو صداعا خفيفا. # فاندفعت إلى غرفة إيفون كالمجنون، فوجدتها متكئة في سريرها تبتسم فارتميت عند ~~سريرها أقبلها باكيا وأقول: ما لك يا حياتي؟ # فطفر الدمع من عينيها وامتزج بدموعي، وقالت: لا شيء مهم، إني أشكو صداعا ~~خفيفا. ~~- أتتألمين وحدك يا إيفون؟ ... لا، يجب أن أتألم معك أو تشفي، هل تجرعت ~~مسكنا؟ # كلا، لا حاجة بي إلى ذلك، فإن ألمي خفيف ولا بد أن يزول الآن بوجودك معي. # وكنت حينئذ قد صرت في الباب، فمضيت إلى أقرب صيدلية، وأخذت بعض جرعات من ~~الميجرانين وعدت إليها، فجرعتها جرعة واحدة، وكنت كل الوقت قلقا عليها خائفا من ~~طارئ مرضي يطرأ على صحتها؛ لأني لاحظت أن وجهها شحب قليلا والهزال ظهر في ~~جسمها، فحسبت ألف حساب لذلك. # رأيت أنها لم تكن معتدلة المزاج في ذلك النهار، وبالرغم من ابتسامها لي أدركت أنها ~~غير مسرورة كالمعتاد، فخامرتني الريب في أمرها وكنت أسألها عن الحقيقة، فتنكر ~~علي ما ساءها، وقد اغتنمت الفرصة وسألت فانتين ms034 بإلحاح، فقالت: «ليس هناك أمر غير ~~صحتها»، على أني لم أقنع بجوابها ولا بجواب إيفون. # وفي ذلك اليوم طرأت مهمة جوهرية جدا اضطرتني أن أسافر إلى الإسكندرية، ولولا ~~إلحاح عمي علي أن أذهب لأقضيها لما اكترثت بها، فذهبت إلى إيفون لكي أطمئن على ~~صحتها، وأودعها آملا أن أعود إليها بعد يومين أو ثلاثة على الكثير، فقابلتني بكل ~~بشاشة كأن اكتئابها لم يكن إلا سحابة صيف. # في ذلك المساء كتبت لها من الإسكندرية كتابا مطولا أفرغت فيه كل إحساساتي ~~وعواطفي، فأجابتني جوابا مختصرا وصلني في مساء اليوم التالي، وفيه خلاصة ~~روحها. # وفي ذلك المساء كتبت جوابا مطولا أيضا رسمت فيه قلبي، وسكبت مهجتي وشرحت كل ~~عواطفي، وفي مساء الثالث عدت إلى مصر، فوجدت عمي ينتظرني في المحطة؛ لكي يستطلعني ~~أخباري ويعلم ما فعلته بشأن المهمة التي سافرت لأجلها، شغلني في تلك السهرة عن ~~إيفون فلم يتسن لي أن أزورها. # في صباح اليوم التالي ذهبت إلى منزلها، فاستقبلني البواب برسالة منها كانت قضاء ~~مبرما على سعادتي، ناولني الرسالة قائلا: «من مدموازيل إيفون»، فتناولتها ويداي ~~ترتجفان؛ لأني تشاءمت منها كأن ضميري أنذرني أنها تنطوي على شر لي فسألته، وأنا ~~أفضها: «أما هي في المنزل؟»، فأجاب: «انتقلت إلى منزل آخر.» # وكنت حينئذ قد بسطت الرسالة، فقرأتها وأنا أقشعر وها هي: # عزيزي موريس # إني أنصح لك ألا تبحث عني بعد الآن، والأفضل أن تنسى إيفون مونار ~~فإن ما يتراءى لك من السرور في صلتك بها إنما هو وقتي جدا، ولكن ~~الكدر الذي يمازج حياتك بعده يدوم، فلا تكن لي يا موريس بعد الآن؛ ~~لأني لم أعد لك. # إيفون مونار # فما أتيت على آخر هذه الرسالة حتى جعلت ~~عضلاتي تتشنج، وكدت أطحن أضراسي بعضها ببعض. وهت قوتي فجلست على كرسي ~~البواب، وقلت: أين ذهبت إيفون؟ ~~- أمس نقلت كل أثاثها إلى منزل آخر لا أدري أين هو. ~~- ألم تسأل خادمها البربري؟ ~~- سألته فقال: «إلى منزل قريب من الأزبكية»، ولكنه لم يوضح لي كفاية. ~~- ألم تقل إيفون لك ms035 شيئا؟ ~~- قالت قبل أن برحت: «احفظ هذا الكتاب معك إلى أن يأتي المسيو موريس وادفعه له يدا ~~بيد.» ~~- متى برحت؟ ~~- مساء أمس. ~~- هل كان الأمير عندها أول أمس؟ ~~- منذ ثلاثة أيام لم يعد يأتي. # فلاح لي أن أمرا جرى بينها وبين الأمير فساقني الإلهام إلى قصره، وهناك سألت ~~البواب عنه فقال: إنه برح إلى الإسكندرية منذ ثلاثة أيام لشاغل، ولم يعد بعد فتغير ~~ظني. # اندفعت كالمجنون إلى حي الأزبكية، ولكن أين أبحث وكيف أفتش، ثبت إلى رشدي وقعدت ~~في زاوية من نيوبار أعيد قراءة الرسالة، وأغتم حتى كادت نفسي تنبثق من صدري، ~~حرت ماذا أفعل فلم أر أفضل من أن أرسل إليها رسالة في البريد، فلا بد أن تكون قد ~~أخبرت إدارته عن عنوانها الجديد فكتبت: # عزيزتي إيفون # لا بد أن تكوني قد قدرت كيف انقضت على قلبي صاعقة رسالتك، فإذا ~~كنت لا تزالين مصرة على مجافاتي أستعطفك أن تستقبليني مرة واحدة ~~أيضا، وأعدك أني أأتمر بأمرك وبعدها افعلي كل ما تريدين، أخبريني ~~أين منزلك الجديد لأزورك مرة واحدة فقط إذا كنت تبتغين ~~مقاطعتي. # موريس # حاشية: # إني أوجد في نيوبار أو ما ~~حولها من الحانات، فإذا أنعمت باستقبالي فأرجو منك أن تأمري الخادم ~~أن يبلغني نعمتك هذه حالا، ويرشدني إلى مقامك. # ارثي لي يا إيفون وإن كنت قد عدلت عن ~~حبي. # موريس # قضيت ذلك النهار حائرا أتردد بين الحانات ودار البريد ومنزل إيفون، سألت إدارة ~~التوزيع في البريد عن عنوانها الجديد فقيل لي: إنها لم تخبر عن عنوان جديد لها، ~~انتظرت عند شباك البريد غير مرة لعلي أرى من يطلب كتابا باسمها فلم أجد، سألت ~~موزع الرسائل في الشباك: هل لها رسالة عنده، فأفضى تساءلي إلى التنافر بيننا؛ لأن ~~وظيفته لا تؤذن له أن يجيب على سؤالي، ومع ذلك فتش فلم يجد رسالة باسمها ولم يتذكر ~~ما إذا كان قد ورد لها رسالة تحت يده واستلمها أحد، انتظرت موزع البريد الطواف عند ~~منزلها لأرى ألم تزل ترد رسائلها إلى هناك، ms036 فلم أجد معه رسالة لها: سألت البواب ~~مرارا عن منزلها الجديد ورشوته، فلم يجبني غير ما أجاب؛ لأنه لا يعلم سواه، ~~انتظرت خادمها في الحانات فلم أره، وفتشت رسائلي التي وردت إلي فلم أجد جوابا ~~منها، في الصباح التالي ذهبت إلى «سوق الخضار» لعلي أجد خادمها هناك يشتري لوازم ~~المطبخ فلم أعثر عليه، حرت في أمري، لم أهتد إلى طريقة لاكتشاف مقرها. # لماذا انتقلت إيفون من منزلها فجأة؟ لماذا جفتني هذا الجفاء؟ فكرت كثيرا في ذلك، ~~فخطرت لي تعاليل مختلفة له، ولكن ضميري لم يستقر على واحد منها؛ لأني مقتنع أن ~~إيفون تحبني كما أحبها. # هل ترى أسأت إليها؟ كنت أتعبدها هل ملت عشرتي؟ كانت إلى يوم ذهبت الإسكندرية ~~تعاتبني إذا تأخرت عن لقائها، هل وشى بي أحد لها؟ إن إيفون أسمى عقلا من أن يجوز ~~عليها الكذب، وأشد ثقة بي من أن تصدق وشاية، هل أبعدها الأمير عني غيرة عليها؟ ~~ولكنها لا تطاوعه فيما يخالف رغبتها، هل علقت شخصا آخر غيري فجفتني؟ ليست إيفون ~~من متقلبات القلب، إذن لماذا تكتب لي: «لا تكن لي بعد الآن؛ لأني لم أعد لك؟» ~~حيرني هذا الجفاء المباغت، كدت أجن. # ماذا تعني بقولها: «إن ما يتراءى لك من السرور في صلتك بي وقتي جدا، ولكن الكدر ~~الذي يمازج حياتك بعده يدوم؟» أتعني به ما كانت تنهاني عنه قبلا من الاتحاد بها ~~كزوجة؟ لقد قنعت بما قسمت، فلماذا جفت! # مثل هذه الأفكار خطر لي ألوف، فلم أظن منها واحدا صائبا، وفي مساء اليوم التالي ~~كنت في سبلندد بار، فسمعت اثنين إلى جانبي يذكران اسم إيفون، فانتبهت لحديثهما ~~فسمعت منه ما يأتي: ... إيفون مونار؟ سمعت بها. # كانت محظية الأمير ص، بك، ك، وقبل ذلك كان بيتها شبه حانة يتردد إليه بعض ~~معارفها. ~~- وهي الآن صاحبة حانة؟ ~~- ليست حانة بكل معنى الكلمة، وإنما استأجرت حديثا منزلا في عابدين، وجعلته شبه ~~حانة فهلم بنا نزرها. ~~- تبلصنا بمبلغ كبير بلا فائدة. # لا نمكث طويلا، نشرب قليلا وحينئذ ترى ms037 إيفون بجلالها وبهائها ورقتها. # وعند ذلك نهضا وركبا مركبة، فتبعتهما بمركبة أخرى إلى منزلها الجديد، فإذا هو أصغر ~~قليلا من منزلها الأول، انتظرت ريثما صعدا فصعدت والوجد يتدفع مع عواطفي، والجزع ~~يتنازع كل حاسة وشعور في، نقرت على الباب ففتح لي خادم جديد غير خادمها، فأدركت ~~في الحال سر عدم عثوري على خادمها في دار البريد، فقلت له: «افتح لي غرفة إيفون ~~وادعها إلي.» # فقال: تفضل إلى الصالون. ~~- افتح لي غرفة وادعها إلي ولا تدع أحدا يلاحظ أني هنا. # ففتح غرفة قريبة من الباب، وفي الحال دخلت علي فانتين محمرة الوجه فبادرتها ~~بالسؤال مضطربا: أين إيفون؟ ~~- هنا. ~~- أريد أن أراها. ~~- ستأتي عما قليل. ~~- أما وصلت رسالتي إليها؟ ~~- لم أر معها رسالة منك. ~~- لماذا انتقلت إلى هنا؟ ~~- كذا استحسنت. ~~- تركت الأمير؟ ~~- نعم. ~~- لماذا؟ ~~- لا أدري. ~~- لماذا تمكرين علي يا فانتين! أتنسين سريعا عشرتنا الجميلة؟ قولي لي لماذا غيرت ~~إيفون أسلوبها السابق، وعادت إلى الحانة! ولماذا جافتني! ~~- يظهر أنها آثرت هذا الأسلوب لاعتقادها أنه أفضل لها. ~~- ما ذنبي حتى قضت علي بهذا الجفاء المشقي؟ ~~- يلوح لي أنها تريد الاستقلال التام. ~~- تأخرت، ادعيها، ادعيها حالا. ~~- أمهلها ريثما يخرج الزائران اللذان دخلا الآن. # فتململت وتأففت ثم أشارت فانتين لي أن أجلس على المقعد وخرجت، وجعلت أنتظر فأفرغ ~~الصبر تارة، ثم أستمده أخرى فلا ألبث أن أعود فأفرغه، وما مرت ثلاث دقائق حتى ~~عدمت الاصطبار، فأومأت إلى الخادم فأتى، فقلت: «ادع المدموازيل إيفون إلى هنا ~~حالا.» # بعد هنيهة دخلت إيفون وحيت ولكن ليس في تحيتها ما عهدته من الانعطاف، ولا على ~~وجهها مسحة من البشاشة التي تعودت أن أراها، فانقبض قلبي جدا وصغرت نفسي ولم تعد ~~لي الجرأة التي ألفتها في محادثتها كأني لم أكن صديقها الوحيد، على أني تشددت ~~وجذبتها إلي وأجلستها إلى جنبي، وكان الدمع ينبثق من عيني قطرات قليلة، فقلت لها ~~بصوت أجش: ماذا تعنين بما كتبت لي يا إيفون؟ ~~- إن ما كتبته صريح. ~~- أتعنين أنك لم تعودي لي بعد الآن؟ ~~- نعم. ms038 ~~- لماذا؟ ~~- ذكرت لك السبب يا موريس. ~~- تعنين أن حبي لك وقتي لا يدوم. ~~- عجيب يا موريس! إن ما كتبته لك واضح الفحوى فلماذا تحاول أن تأوله، أفي حاجة ~~نحن الآن إلى تحقيق إخلاصنا الواحد للآخر؟ ~~- «إذن لماذا تقولين: إن سروري في صلتي بك وقتي؟» ~~- لأني أعلم أن ما قدر لي من العز والبهاء والنضارة قد استنفدته في سني ~~شبيبتي القصيرة، فأنا الآن صبية في العمر، ولكني شيخة في الحياة، إن زهرة حياتي ~~على وشك الذبول يا موريس، فبعد سنة أو سنتين لا تعود تراني إيفون مونار التي تراها ~~الآن، لا تراني إلا هيكلا ماثلا قد تجرد من المحاسن المادية. ~~- إنك تجرحين فؤادي بهذا الكلام يا إيفون، بربك أقصري عنه. ~~- ولكن هي الحقيقة التي أعلمها وأتوقعها، أقولها لك لكيلا تنفق زهو شبيبتك في حب ~~عقيم سريع الزوال، وبعدئذ تبتغي أسلوبا للحياة جديدا؛ فلا تجد لأنك لا تقدر أن ~~تجدد طور الشبيبة البهي المجيد، إن عمر عزي قصير جدا يا موريس، فلماذا تقصر ~~أنت عمر مجدك وسعادتك معي؟ اغتنم زهوك الحالي وعزك الحاضر لحب خصيب دائم ~~هنيء. ~~- ألعلك تهزئين بي أو توبخينني لسبب لا أعلمه؟ ~~- بل هي الحقيقة التي أعرفها وأوكدها فأعلنها لك. # ففكرت في هذا الكلام ولم تخف علي الحكمة فيه، ولكني لم أكن حينئذ لأكترث ~~بمستقبلي فلم يقتنع ضميري أن إيفون تبعدني عنها حرصا على مستقبلي وضنا بسعادتي، ~~بل خطر لي أنها تغيرت علي فلجأت إلى هذا الأسلوب في ردي عنها بالحسنى والملاينة. ~~فنهضت من مكاني هاما أن أمضي وقلت: تقدرين يا إيفون أن تقولي لي بصراحة: «لم أعد ~~أحبك»، فلماذا هذه المراوغة؟ إنك كاذبة منافقة. # وما سمعت هذه العبارة حتى تشنجت وتطاحنت أسنانها، وجعلت دموعها تنهمر سخية سخينة ~~فقلت لها بنزق: ومع ذلك تبكين؟ وماذا أبكاك؟ ~~- إنك ترتاب بي. ~~- متى جننت أصدق أنك وأنت تقصينني عنك تحبينني. ~~- إنني أبغي لك الخير. ~~- لا تعرفين مصلحتي أكثر مني، ولو كنت الآن تحبينني الحب الحقيقي كما كنت تحبينني ~~قبلا لما كنت تطيقين ms039 فراقي لحظة، لم أنس أيام كنت أجدك موجعة الرأس إذا تأخرت ~~عن موعد لقائك. ~~- كنت حينئذ أحب نفسي أكثر منك يا موريس، أما الآن فقد ارتقى حبي حتى صرت أحبك ~~أكثر من نفسي. ~~- كفاك كذبا بعد، إنك لا تمتازين عن مثيلاتك إلا بمثل هذه الفلسفة. # فاستلقت على جانب المقعد، وتنهدت وجعلت تبكي، وكنت حينئذ أتمشى في الغرفة والباب ~~مقفل، فسمعت خطوات ذينك الشابين يخرجان وفانتين تشيعهما، فخطر لي أمر انتقال إيفون ~~إلى البيت الجديد، فقلت لها: ولماذا انتقلت إلى هنا، هل أغفلك الأمير؟ لا أقبل ~~أن يكون منزلك حانة عمومية. ~~- ماذا يهمك؟ لا تزرني. ~~- فهمت الآن يا إيفون، فهمت أنك تنبذينني. # عند ذلك اندفعت من الباب والغضب يرج الأرض تحت قدمي، فركضت ورائي قائلة: «اصبر ~~قليلا»، فلم أجبها ونزلت وهي تقول: «لسوف تعذرني يا موريس ولسوف ترحمني.» # الفصل التاسع # | نار ولا نور # خرجت من عند إيفون والغيرة تلتهم فؤادي والغيظ يغلي في صدري، وصرت أفكر في السبب ~~الذي حملها على مجافاتي، فلم يخطر لي أني أتيت ما يغضبها أو يسوءها قط، خطر لي ~~مرارا أنها لا بد أن تكون مشغولة بحب جديد لم يظهر بعد، ولكن ضميري كان يغالطني ~~في هذا الظن. # رأيت أن الواجب علي في تلك الحالة أن أحملها على إلغاء الحانة، فأرسلت إليها في ~~ذلك المساء ورقة مالية ورسالة هذه صورتها: # عزيزتي إيفون # لا أطيق أن يكون منزلك حانة عمومية للرائح والغادي، ضمن رسالتي هذه ~~ورقة مالية بقيمة زهيدة تغنيك عن ذلك العمل المكروه، ومتى أنفقتها ~~يكون في يدك غيرها، ولي الأمل أن أزورك قريبا وقد تغير شكل ~~منزلك. # موريس كاسيه # أرسلت الرسالة مع خادمي وبعد برهة عاد إلي بظرف قائلا: «تقول لك: مارسي.» فضضت ~~الظرف فوجدت فيه الورقة المالية مردودة وحدها ولا حرف معها من إيفون. ففار دم ~~الغيظ حتى تدفع في رأسي وكاد يجنني. # صممت أن أغفلها لظني أنها لا تصبر على إعراضي طويلا، فلا بد أن تستدعيني وإلا ~~فيكون حبها قد فتر، وفي هذه ms040 الحالة يجب أن أنساها. # لم أزرها في ذلك المساء ولا في اليوم التالي، فكنت هائما كالمجنون، ولكني أعلل ~~النفس بأنها لا بد أن ترسل إلي رسولا أو رسالة، فكنت أذهب إلى البيت فأسأل: «هل ~~أتى أحد فسأل عني؟» فلا أسمع غير «لا» جوابا، ثم أنتظر البريد فأفتشه رسالة رسالة ~~فلا أجد فيه رقعة منها، كنت أطوف الملاعب كل مساء آملا أن أراها في واحد منها ~~فأعود خائبا، ثم أذهب حول منزلها فأرى النور شاعا من نوافذه، مرة واحدة رأيت ~~اثنين يصعدان إليه فكدت أذوب من الغيرة، وهممت أن أتبعهما وأدهورها عن الدرج، ولكن ~~عاد إلي صوابي فاسترددت حلمي. # مضي علي يومان بعد المساء الذي زرتها فيه وأنا أتوقع خبرا، أو كلمة أو رسولا ~~منها فخاب رجائي ونفذ صبري، ولم أعد أطيق الإعراض عنها، فخطر لي أن أذهب وأرتمي ~~عند قدميها وأتوسل إليها أن تفعل بي ما تشاء غير إقصائي عنها، ولكن نفسي الشماء ~~أبت علي هذا الهوان، بل خفت أن تذللي هذا يطعمها بي لا يشفقها علي. # وأخيرا آثرت أن أستفزها إلى استدعائي لأجل مناقشتي، فكتبت رسالة هذا نصها: # حضرة السيدة إيفون # لم يبق عندي شك بأنك كنت تموهين علي في بيان السبب الذي حملك ~~على مجافاتي، وقد أفقت من جهلي وفطنت إلى أن عهد أمثالك أثبت من ~~الندى في أيام الهجير، وأبقى من الظلمة أمام النور، وأن أقوالهن ~~أصدق من كلام المنجمين، وأحق من دعوى الجاهلين، وددت أن أرفعك من ~~وهدة هوانك فأبيت، ورغبت أن أجدد هناءك فرفضت، فعودي إلى ~~الحمأة التي انغمست فيها فإنك أجدر بها. # موريس # وبعد إذ ألقيت الرسالة في صندوق البريد راجعت مسودة ما كتبت، فعضضت أصابعي ندما؛ ~~لأني رأيته عنيف اللهجة جدا فهممت مرارا أن أسبق الرسالة إلى إيفون، واعتذر لها ~~عنها سلفا، ولكني تذكرت جفاءها وفتور مقابلتها الأخيرة لي فحمي غضبي. # ورأيت أن لي عذرا فيما كتبته، وتوقعت أن تستدعيني؛ لكي تقابلني وتستدعيني إلى حبها ~~فلم تفعل، مللت هذا التوقع حتى لم يعد ms041 لي صبر عن زيارتها، ولكن في مساء اليوم ~~التالي ورد إلي ظرف معنون بخط يدها، وما تهللت إلا بقدر أن فضضته فوجدت رسالتي ~~نفسها مردودة إلي فقلبتها لعلي أجد فيها كلمة منها، فخاب مؤملي فتشت الظرف ~~ثانية فوجدته خاليا ، كاد مرجل غيظي ينفجر، وأخذت غيرتي على إيفون تتحول إلى بغضاء ~~شيئا فشيئا، وصارت نفسي تحدثني أن أسعى إلى الانتقام منها ونكايتها، بيد أني ~~صبرت بضعة أيام آملا أن تسأل عني فلم تفعل. # لما عيل صبري ذهبت إليها مع صديق لي ذات صباح حين لم يكن عندها زائرون فاستقبلتنا ~~فانتين، وقالت: إن المدموازيل إيفون لم تزل نائمة. # فقلت: لم نأت لأجلها وإنما أتينا لكي نشرب، وحسبنا أن تكوني أنت معنا. # فترددت فانتين في قبولنا فقلت لها: ما بالك لا تفتحين المقصف؟ أما هي حانة هنا لكل ~~زائر؟ # ففتحت قائلة: تفضلا. # ثم دخلت أمامنا إلى القاعة المعدة للشرب وجلسنا إلى مائدة، وطلبنا أشربة مختلفة ~~وأجلسناها بيننا، وطلبنا إليها أن تشرب فتمنعت في أول الأمر فأحرجناها، وجعلنا ~~نشرب ونمرح ونثرثر ونقهقه حتى ملأنا المنزل ضحكا وجلبة، وكان لغطنا يدوي في جميع ~~غرفه، ولما لعبت الخمر في ألبابنا جيدا سألت فانتين: أين إيفون؟ لماذا لا ~~تجيء؟ ~~- لم تزل نائمة. ~~- يستحيل أن تبقى نائمة إلى الآن والساعة قد بلغت الحادية عشرة. ~~- سهرت حتى الثانية أمس. ~~- هل كان لها عشاق كثيرون؟ # اكفهر وجه فانتين لهذا السؤال وأجابت: كان بعض الزوار. ~~- من بقي منهم إلى هذا الصباح؟ # امتقع وجهها ولاحظت أن غضبها كان ينفض عضلاتها وغيظها يتدفع مع كلامها: أأنت ~~المسيو موريس كاسيه تسأل هذا السؤال! ~~- أما هي حانة هنا! فادعي إيفون. ~~- قلت لك: إنها نائمة. ~~- أيقظيها، يجب أن تأتي إلى هنا لتنادم الزبائن. # فأوجست فانتين شرا منى ونهضت إلى غرفة إيفون، وبعد قليل عادت قائلة: إنها ترتدي ~~ملابسها. ~~- لا بأس أن تأتي بثوب غرفتها فاستدعيها حالا. ~~- ألا تمهلها هنيهة؟ # فضربت بيدي على المائدة قائلا: كلا بل يجب أن تأتي حالا. # فجزعت إذ رأت شرر الغضب يورى ms042 من عيني، ونهضت إلى غرفة إيفون؛ لكي تستعجلها ثم عادت ~~قائلة: أمهلها دقيقة فقط لكي ترتدي أبسط ملابسها. ~~- يجب أن تحضر حالا. # وعند ذلك هاج غضبي فتناولت الزجاجة التي أمامنا، وقذفتها إلى الخزانة التي تحتوي ~~زجاجات الأشربة فتكسر بعضها ، ثم أردفتها بالطبق وما عليه من الأقداح، ثم دفعت ~~المائدة التي أمامي برجلي فانقلبت، وكان للمنزل رجة منها، وعند ذلك دخلت إيفون ~~بثوب النوم، ونظرت إلى الخزانة وما أمامها من الزجاجات المكسرة وإلى المائدة ~~المقلوبة، فلم تنبس ببنت شفة سوى أنها نادت الخادم، وأمرته أن يلم الزجاج المكسر، ~~ويمسح السوائل التي جرت على الأرض. # رأيت أمارات الحزن في محياها تتغلب على أمارات الغضب، ثم التفتت إلينا وقالت: لا ~~بأس، تفضلا اقعدا. # فقلت: قعدنا طويلا ولم تحضري والآن حان أن نمضي، ومشيت آملا أن تمسك بيدي ~~وتستوقفني وتقعدني بالرغم مني، ولكني خرجت من غير أن تقول كلمة أو تخطو خطوة، وكنت ~~كلما بعدت يعز علي أن أقف أو أن أعود إليها، وبقيت أنفتي تدفعني إلى الخارج ~~حتى صرت في عرض الشارع، فشعرت أن قلبي ذاب وجدا، وجعلت أعض أصابعي ندما ~~لنزولي العاجل بهذا الحمق من غير أن أعاتب إيفون، أو أوبخها أو أغيظها بأمر من ~~الأمور أو أن أصالحها. # وقبل أن يتلاشى النهار كان غيظي قد خمد، فجعلت أندم على كل ما فعلت وشعرت أن عملي ~~يخجل من إتيانه الهمج والمتوحشون، وأخيرا قررت أن أنزل عن ذروة كبريائي وأعتذر ~~لإيفون، ولكني استصعبت مشافهتها بالاعتذار، فتناولت القلم والورق، وكتبت لها هذا ~~الكتاب المختصر: # عزيزتي إيفون # لا بد أنك تؤكدين أن الغيرة هي التي دفعتني إلى ذلك الجنون، ~~والغيرة بنت الحب العميق، فهل تسامحينني يا إيفون؟ لا تزال سعادتي ~~بين يديك ألا تزالين تحبينني؟ # موريس # ألقيت الكتاب في صندوق البريد، وأنا شديد الأمل بأن إيفون تجاوبني جوابا أتذرع به ~~إلى زيارتها ومعاتبتها، وتجديد عهد الحب بيننا، ولكن مر يوم ويوم ويوم، وأنا ~~أتجرع مر الصبر وإيفون لم تجب، خطر لي أن يكون كتابي قد ms043 فقد في دار البريد، ~~فأرسلت خادمي يسأل فانتين سرا عما إذا كان قد وصل ليد إيفون، فقالت: إنه وصل ~~وإنها قرأته. # وعند ذلك تأكدت أني فرغت من قلب إيفون، وإلا لما أصرت على مجافاتي من غير أن ~~تبين السبب إن كان ثمت سبب مني، فكرت طويلا في سبب تغير قلبها، فرجحت أنها ~~شغلت بسواي ولا سيما؛ لأنها كانت تستلذ عشرة شاب يدعى المسيوف، فخامرني الظن ~~بهما. # تغير نظري في حقيقة إيفون، لم أعد أتخيلها دائرة في الفلك الذي كنت أرصدها فيه، ولا ~~أستجليها في العرش الذي بوأتها عليه، ولا أرى روحها بعين بصيرتي شفافة متألقة كما ~~كنت أراها قبلا، صرت أقول في نفسي: أما هي مومس؟ إذا عمر حب المومس عاصر وردة ~~الربيع، ومهما طال عهدها فلا يطاول مطلها، وإذا وفت مرة قال الناس: نحن في عصر ~~العجائب. # ولكن هذه الظنون كانت تصدق علي لا على إيفون. # عقدت النية أخيرا أن أنتهج أي المناهج لسلوها فرحت أستشفي من داء بداء، عثرت في ~~تلك الأثناء على غادة من رصيفاتها تدعى المدموازيل «ميراي»، فعمدت إلى التحبب ~~إليها فما كلفتني أن أسعى وراءها خطوتين حتى صرنا عشيقين، لم أمل إليها من قلبي في ~~بدء الأمر؛ لأني لم أكن قد شفيت من حب إيفون بيد أني جالدت قلبي في هواها، كما ~~يجالد العليل نفسه في تجرع الدواء، وبعد بضعة أيام أصبحت أسكن إلى عشرتها وأطمئن ~~لمجلسها، ولكني كنت إذا تذكرت أيامي القصيرة مع إيفون شعرت أني كنت ممتعا منها ~~بقلب حي، ومن ميراي بتمثال أصم، فأين الجماد من الحياة. # كانت ميراي تبش لي وتلاطفني وتضاحكني، وتغار إذا جاملت غيرها وتغاضبني إذا تأخرت ~~عن ميعادي بلقائها، ولكنها كانت تجود بعديم الثمن لتنال الثمين، تتاجر بلا رأس ~~مال. # ميراي باعتني جمالها بالمال، وقايضتني دلالها بالحلي، وأما إيفون فأهدت إلي ~~عواطفها ووهبتني قلبها فكنت كنودا. # إيفون مستثناة بين زميلاتها؛ ولهذا أروي لك قصتي معها. # الفصل العاشر # | وقد الوجد # في تلك الأثناء كنت وأحد أصحابي المسيو ريشار وعشيقتي ms044 ميراي وفتاة أخرى تدعى ~~المدموازيل روشل في حانة، وقد أخذ منا السرور، فخطر لي خاطر مفاجئ فاصطحبتهم إلى ~~إيفون قبيل المساء، استقبلتنا إيفون مبهوتة ولم يسعها إلا أن تفتح لنا المقصف، ~~جلسنا حول مائدة وطلبنا أشربة مختلفة، وسألنا فانتين أن تجلس معنا، فتمنعت في بدء ~~الأمر فأرغمتها، فخافت إيفون أن مخالفتها لي تفضي إلى شر فغمزتها كأن توعز إليها ~~أن تطاوع، وعند ذلك أرسلت الخادم لكي يشتري لي سيجارا، واغتنمت فرصة غيابه وقلت ~~لإيفون: كاس وسكي لفانتين. # فنهضت فانتين قائلة: «أنا آتي به» فأمسكت بيدها وأقعدتها قائلا: «بل اقعدي ليس ~~هذا شغلك الآن»، فقعدت مكرهة وفي الحال أحضرت إيفون كأسا، فقلت لها: كأس فرموث ~~لمدموازيل ميراي، فأتت بها، ثم قلت: كأس فرموث آخر للمدموازيل روشل، فأحضرتها ثم ~~قلت: كأس كونياك للمسيو ريشار، فجلبتها، وحينئذ لم تتمالك دمعها فأسرعت إلى ~~غرفتها؛ لكي تخفي حزنها الشديد الأليم، ولكني لم أمهلها دقيقة واحدة فصفقت لها ~~فأتت، فقلت: كأس وسكي لي، فقدمتها وهي تجاهد في رد دمعها، عند ذلك أتى الخادم ~~فخرجت إلى غرفتها، ولا ريب أنها أغرقت في البكاء هناك. # أما نحن فكنا نمزح تارة ونهزأ أخرى، وصدى لغطنا وقهقهتنا يتردد في غرف المنزل ~~ويصدع آذان إيفون، ولما لعبت الخمور في رءوسنا صرنا نتلاثم ونتضام، وشعرت أن ~~فانتين كانت مرتعبة حينذاك وتحاول أن تفر من بيننا، ولكني كنت قابضا على كفها. # أرسلت الخادم ثانية إلى السوق لحاجة أخرى، وصفقت لإيفون فحضرت تلبي مطالبنا ورأتني ~~أضم ميراي مرة، وأحاول عناق فانتين أخرى، عند ذلك انقطع وتر صبرها فقالت: «اللهم ~~رحماك»، فتقطع قلبي لتنهدها العميق وشكواها الأليمة، ولكن خمرة الانتصار عليها ~~شددت نفسي فلم أرث لها. # بقينا على هذه الحال حتى الساعة السابعة وإيفون تتقلى على نار الأسى في مقلاة ~~الغيرة، والصبر يغطي قدر غيظها الفائر إلى أن وافى رهط من الشاربين والندامى ~~فخرجنا. # وبعد بضعة أيام مثلنا الدور نفسه، فلم تشأ إيفون أن تحضره، بل هربت من المنزل إلى ~~حيث لا ندري وتركت فانتين ms045 معنا، فكانت هذه المسكينة تبالغ في مداراتنا خيفة أن ~~نعقد شجارا، ونثير نقع القتال في البيت، على أننا لم نمكث طويلا؛ لأن إيفون كانت ~~غائبة. # انتبهت إلى أن هذه الزيارة تغيظ إيفون جدا، فعقدت النية على أن أعيدها حتى تذل لي ~~وتلتمس مصالحتي، فبعد بضعة أيام زرناها ثالثة في الميعاد نفسه فقيل لي: إنها مريضة ~~في سريرها فدخلت عليها من غير استئذان. # وا حر قلباه، وجدتها منطرحة في سريرها شاحبة اللون، وقد غشى وجهها قتام الغم ~~والأسى. # فما رأتني حتى تدفق الدمع من عينيها، فتقدمت إليها مسيطرا على عواطفي معتصما ~~بأنفتي وقلت بنزق: ما لك؟ مم تشكين؟ # فقالت بصوت خافت: هل أنت آت لكي تجهز علي؟ إن كنت تبغي الانتقام فقد اهتديت إلى ~~شر نقمة، وما فعلته كان فوق احتمالي، فإن شئت أن تعيد الكرة علي فأمهلني ريثما ~~أتقوى قليلا؛ لكي أحتمل سهام انتقامك ... # وعند ذلك تمادت بالبكاء، فلم أعد أفهم كلامها الأخير، فقلت لها: قد زهدت بي يا ~~إيفون، فلماذا يغيظك أن أعبأ بسواك؟ ~~- إنك حر فافعل ما تشاء، ولكن إذا كان في قلبك شفقة تتركني وشأني. ~~- إذن لا تزالين مصرة على مجافاتي. ~~- أرى ابتعادك عني خيرا لك. ~~- حجة غير مقبولة يا إيفون، فقولي: إنك تقصينني من أمام وجهك؛ لأن قلبك نبذني، ~~تقصينني لكيلا أكون عقبة في سبيل من استبدلته بي وفتحت له قلبك. ~~- إني متوقعة كل هذه السهام منك يا موريس، ولكنك سوف تتحقق أني أحببتك أكثر من نفسي ~~حتى ضحيت بقلبي لك. # وعند ذلك استرسلت في البكاء حتى سحقت فؤادي، فقلت لها بعد هنيهة: ألا تزالين ~~تحبينني يا إيفون؟ ~~- موريس، لا تذك الوجد في قلبي حسبي ما أقاسي، إني أحبك مجانا. # فلم أتمالك أن انحنيت فوقها انحناء المرضع على الرضيع، وقبلت ثغرها واستنشقت ~~أنفاسها ومزجت دمعي بدمعها. ~~- ارحميني يا إيفون إن آثامي لك لا تغتفر، إني أعبدك، أجثو لدى سريرك ما دمت ~~حيا. ~~- إذا كنت تحبني يا موريس تفعل ما أريد. ~~- أفعل ما تشائين إلا البعد عنك. ms046 ~~- إذن فلا تحبني وإلا فتطيعني مطلق الطاعة. ~~- لا أستطيع البعد عنك يا إيفون، فكيف تستطيعينه إذا كنت تحبينني؟ ~~- أقاسي فيه مر العذاب يا موريس، ولكني أجالد نفسي. ~~- لماذا تقاسين مرارة البعاد، وفي طوقنا أن نجتمع على الدوام؟ لقد حيرتني يا إيفون ~~ما الداعي لهذه المكابرة؟ ~~- قلت لك يا موريس غير مرة: إن صلتك بي ضارة بمستقبلك أنا لا أدوم لك، ولكن عاري ~~يدوم لك إذا لازمتني، إني أحبك أكثر من نفسي؛ ولذلك أبتغي أن أقيك شر إثمي. ~~- هذا التعليل ضعيف جدا يا إيفون لا أقبله، فلا بد أن يكون هناك سبب آخر تموهين ~~عليه بهذا السبب الباطل. ~~- وحياتك هذا هو السبب الحقيقي. ~~- لا أصدق أنك وأنت تنبذينني تحبينني، فإما أن تقبليني في منزلك كل يوم، وإلا ~~فأتأكد أنك لا تحبينني. ~~- تنهدت عند ذلك وسكتت، فاستأنفت الكلام بعد هنيهة قائلا: ماذا تقولين؟ ~~- ماذا؟ ~~- إني سأزورك كل يوم. ~~- إني أتعذب من بعادك يا موريس، ومع ذلك أراني مضطرة أن أتحمله. ~~- إذن لا تريدين أن تقبليني. ~~- أريد ولكني لا أقدر. ~~- لماذا؟ ~~- لا أقدر، لا تسلني لماذا. ~~- إذن أنت مخادعة، حسبي ما لقيته من مجافاتك، وكفاني ما أغالط نفسي فيه، إني أثبت ~~الدناءة على نفسي بهذه المغالطة، فها أنا أتركك. # وعند ذلك كنت قد نهضت، فخرجت غاضبا لا ألوي، وبعد قليل تبعني رفاقي إذ عرفوا أني ~~خرجت. # في خلال تلك الحوادث المؤلمة كانت خطيبتي قد يئست من استردادي إليها، بعد ما بذلت ~~جهدها في الحرص على قلبي فلم تفلح، كنت أرثي لها لأنها كانت مغبونة معي، ولكن بلغ ~~أمي وعمي حينذاك أنها ابنة بغي، وقد رباها خالها مانعا أمها عنها؛ لكيلا تلتطخ ~~بعارها ثم أنكرها عليها بعدئذ مدعيا أنها ماتت، فكبر عليهما الأمر وأبيا أن تزف ~~إلي فحلا عقد خطبتنا. # قال الطبيب: فلم أتمالك أن قلت: «مسكينة هذه الفتاة، هل كانت سيئة السلوك يا مسيو ~~كاسيه؟» فقال: «بل هي من أطهر الفتيات قلبا، ألا تعرف المسيو جوزف ماتون؟» فقلت: ~~«أعرفه»، قال: «هي ابنة أخته»، ms047 فقلت: «إني رأيت في منزله فتاة أليست ابنته؟» فقال: ~~«بل هي ابنة أخته وتدعى ماري مارتال بزعم أنها يتيمة الأبوين، وأن أباها يكنى ~~بمارتال»، فقلت: «ولماذا تعاقب بجريرة أمها إذا كانت طاهرة القلب؟» قال: لم أطاوع ~~عمي وأمي في حل عقد الخطبة استنكافا من الزواج بابنة بغي، ولا أدين الابنة بجريرة ~~أمها جريا على مذهبهما، وإنما تركت تلك الفتاة؛ لأني كنت أبتغي إطلاق حريتي من ~~قيود الزوجية، إذ كنت مشغولا بأمر إيفون ومنصرفا عن كل أمر غير ~~استرضائها.» # منذ بضعة أيام كنت وميراي صباحا في مركبة في ~~طريق الجزيرة، فنظرنا إيفون وفانتين معها في عربة، فهاجني الوجد والشوق إلى ~~زيارتها ولم أدر لماذا، لعلي مللت عشرة ميراي فتذكرت ماضي إيفون، فاستيقظ غرامي ~~الأول، ما صدقت أن حان المساء حتى ودعت ميراي، وذهبت إلى إيفون فاستقبلتني فانتين ~~والدموع تنسكب من عينيها المدرارتين فقلت: «ما الخبر؟ فصفقت ولطمت خديها قائلة: ~~إيفون، إيفون، في خطر الموت. ~~- ويلاه ماذا تقولين؟ ~~- واندفعت إلى الأمام لكي أدخل إلى غرفتها، فأمسكتني بكلتا يديها قائلة: لا ~~تدخل. ~~- لماذا؟ ~~- أمر الطبيب أن تترك هادئة في سريرها؛ لأن أقل حركة تؤثر عليها وتعجل في ~~أجلها. ~~- أنائمة هي الآن؟ ~~- نعم. # فجذبت فانتين إلى قاعة الاستقبال، وجعلت أسألها: ماذا جرى لها؟ ~~- أتعلم أننا رأيناك اليوم مع المدموازيل ميراي في طريق الجيزة؟ ~~- نعم. ~~- فيما نحن راجعتان اعترى إيفون شبه نوبة عصبية، فضاق صدرها وكانت تتشنج، فارتعت ~~لأمرها وأمرت الحوذي أن يعجل إلى البيت، وبالجهد أمكنها أن تصعد متوكئة علي وعلى ~~الخادم، وفي الحال استدعيت لها الدكتور بوشه أقرب الأطباء إلينا، ففحصها باهتمام ~~ووصف لها العلاجات الوقتية المنعشة سألته عن أمرها، فقال: إنه علة قلبية فيخشى ~~عليها من الانفعالات النفسانية، وأمر أن يخلو المكان من كل ضوضاء وحركة، وأن لا ~~يدخل عليها أحد البتة. ~~- هل قال: إنها في خطر؟ ~~- نعم، إني أخاف على حياة إيفون يا موريس، أطلب حياتها منك؛ لأنك أنت سبب غمها ~~وكدرها. ~~- ماذا قالت عني؟ ~~- لم تقل شيئا، ولكنها كانت دائما ms048 تتنهد متحسرة، أنت سبب حسرتها، يستحيل أن تدرك ~~كم غممتها وقهرتها فيما فعلته لنكايتها، ولو قدرت فاعليته لأشفقت أن تقدم عليه؛ ~~لأنها لا تزال إلى الآن تحبك منتهى الحب. ~~- آه لا تفكريني بفظاظتي يا فانتين، لعل لي بعض العذر . # عند ذلك كان الحزن قد طمى في فؤادي، والغم تلبد على صدري، والدنيا اسودت في عيني، ~~ومرت في مخيلتي تذكارات إيفون الماضية بأسرع من لمح البرق، وشعرت أن ما عملته ~~لكيدها لا يقدم عليه همجي، فطوق الأسى قلبي وكاد يزهق روحي، فقلت لفانتين: والآن ~~بماذا أكفر عن ذنوبي؟ أود أن أراها. ~~- الطبيب حتم علي أن أتركها مستكنة وهي الآن نائمة. ~~- أبقى هنا إلى أن تصحو فأجثو عند قدميها. ~~- أخاف يا موريس أن تثير شجونها وتجدد انفعالها. ~~- لا، لا، أصغر لديها، أتذلل لها، أقبل قدميها، ولا أدعها إلا راضية. # وبعد هنيهة تفقدتها فانتين، وتأخرت عندها فتبعتها إلى باب المخدع فسمعتهما تتناقشان ~~في أمر دخولي عليها، فدخلت غير مستأذن وفي الحال جثوت أمامها وقلت: ~~- إني نادم على كل آثامي الماضية فاغفري لي يا إيفون، أضحي بكل شيء لأجل سلامتك، ~~فماذا تأمرين؟ # فلم تتمالك أن بكت البكاء المر، وفي هنيهة ~~عاودتها النوبة فضاق نفسها، ورأيت أنها تكاد تختنق، فتقطع قلبي عليها فرقا وجعلت ~~فانتين تعالجها بالمنبهات، وتهمس في أذني قائلة: «ليتك لم تدخل، الأفضل أن تخرج»، ~~فخرجت جازعا وجلا ألطم خدي تارة، وأعض أصابعي أخرى، نادما على مقابلتي لها ~~التي هاجت عواطفها في إبان ضعفها. # وبعد هنيهة عادت فانتين تقول: إنها انتعشت قليلا واستكنت، فالأفضل أن تبتعد عنا ~~بتاتا ريثما تشفى إيفون الشفاء التام وحينئذ تسترضيها. ~~- كيف أطيق أن أغفلها في إبان مرضها؟ ~~- إن كنت تحبها فاحترم إرادتها، وهي تريد أن تكون بعيدا عنها، فإغفالك إياها الآن ~~أفضل خدمة لها. # فأنعمت النظر في كلام فانتين وأنا مضطرب جدا، وقلق على صحة إيفون، ثم قلت والدموع ~~تنهمل من عيني لقاء دموع فانتين: إني أخضع لكل حرف من أوامر إيفون، وأقدس كل ما ~~يتجلى من إرادتها، ms049 أفعل الآن كل ما فيه فائدة لصحتها، لا آتي إلا متى شفيت تماما ~~وأذنت لي بزيارتها. # خرجت من منزلها وأنا كالطفل إرادة، أمتثل لكل ما تأمر به فانتين، فلو قالت لي: إن ~~سلامة إيفون موقوفة على نفيي إلى سيبيريا لنفيت نفسي مسرورا، إلى الآن لم أزرها ~~وإنما أرسل خادمي إلى منزلها كل يوم، فيعود إلي بأخبار صحتها، وأمس كنت شديد ~~القلق عليها؛ لأني علمت أنها في خطر فذهبت إليك لكي أستعلمك الحقيقة. ~~••• # هذه حكايتي مع إيفون النادرة المثال في طيبة قلبها، درست هذه المرأة درسا مدققا، ~~فانتهيت إلى هذه النتيجة: # ليس جسدنا إلا غلافا منطويا على ~~حقيقة إنسانيتنا الحقيقة هي الروح. # 1 # أفعال الروح هي نور حياتنا الإنسانية، وأفعال الجسد هي ظل حياتنا الحيوانية، إذا ~~كانت حياتنا الحيوانية شفافة يسطع نور حياتنا الإنسانية، وإذا كانت كثيفة قاتمة ~~ألقت ظلا حالكا، «فالهيئة الظاهرة غشاء والإنسان الحقيقي مخبوء وراء ذلك ~~الغشاء، فإذا شئنا أن ندرس الإنسان الحقيقي يجب أن ننعم النظر في داخليته.» # 2 # البصر لا يقدر أن يميز بين نور الروح وظل الجسد؛ لأن هذا التمييز من وظيفة البصيرة، ~~الغلط الفاضح أن نحكم على الأشخاص بحسب مظاهرهم، من غير أن نحلل تلك المظاهر، ونرى ~~بعين البصيرة ما هو ظل الحياة الحيوانية منها، وما هو نور الحياة الإنسانية، تنظر ~~إلى الفتاة فتراها ملاكا متجسدا، ولكن انظر إلى حقيقتها فتعرف إن كانت ملاكا ~~هابطا أو ملاكا صاعدا. # النساء أربع: # الأولى: # امرأة محصنة فاضلة، حياتها الروحية ساطعة النور، ~~وحياتها الحيوانية شفافة الغلاف لا تكاد تلقي ظلا، ~~ففضائلها ظاهرة. # والثانية: # امرأة محصنة ولكنها فاسدة حياتها الإنسانية ضئيلة ~~النور، وحياتها الحيوانية شفافة الغلاف قليلا، فيظهر ~~نورها مكمدا كنور الشمس في ساعة كسوفها، وهو اكمداد ~~الفساد. # والثالثة: # امرأة دنسة فاسدة حياتها الإنسانية قاتمة؛ لأن ~~الفساد أطفأ نورها وحياتها الحيوانية غير شفافة لما ~~غشيها من سواد الدنس. # والرابعة: # امرأة دنسة ولكنها غير فاسدة، حياتها الإنسانية ~~ساطعة النور، وحياتها الحيوانية قاتمة لما غشيها من ~~الدنس، فتحجب ذلك النور، ولكن ms050 إذا أنعم المستبصر ~~النظر فيها استشف من خلال حياتها الحيوانية الكثيفة ~~شعاع الحياة الإنسانية الساطع، فهذه يمكن ~~إصلاحها. # إيفون من الصنف الرابع. # أرى حياتها الروحية ساطعة نورا؛ لأني توسمت فيها مبادئ وأخلاقا ليست إلا في الذين ~~أشربوا إكسير الفضيلة مع لبن أمهاتهم، ولكن حياتها الحيوانية لم تكن شفافة؛ لأن ~~الدنس غشيها فلم ير ذلك النور اللامع جيدا، لا يراه إلا ذو البصيرة ~~الحادة. # إيفون دنسة ولكنها غير فاسدة. # تحتاج إشعاع الحب الحقيقي؛ لكي يجلو عن حياتها الحيوانية ذلك الغشاء الذي ألقاه ~~الدنس عليها، فيظهر نور حياتها الإنسانية. # التمست يد إيفون زوجة، فأبت حرصا على شرفي زاعمة أن العالم بأسره يعدها ساقطة، فلا ~~تليق لي ولكنها لو رضيت بي زوجا لمحا حبي عارها، وظهر للملأ نور طهارة روحها، ~~واضطر الناس أن ينسوا ماضيها ويجلوا حاضرها. # ألا تظن أن بين البغيات كثيرات مثل إيفون حياتهن الإنسانية ساطعة النور، فلو أصاب ~~حياتهن الحيوانية المظلمة نور الحب الحقيقي لبدد ذلك الظلام، وسطع النور ~~المحجوب. # قال الطبيب: وما انتهى موريس من قص حكايته الطويلة حتى خيم الظلام، وكانت الحمى قد ~~أعادت الكرة عليه من شدة تأثره، فاضطجع في سريره والدموع تفيض من مقلتيه، ~~فودعته وعدت إلى منزلي وأنا أفكر في إيفون وغرابة أخلاقها، وأتعجب من مجافاتها ~~لموريس. # الفصل الحادي عشر # | الملاك الساقط # ما صدقت أن انتهيت في اليوم التالي من عيادة مرضاي حتى توجهت إلى منزل إيفون، ~~وأنا شديد الشوق إلى لقائها. # وجدتها أسوأ حالا من قبل، وعلمت أن نوبة شديدة هاجمتها، وما قعدت حتى بادأتني ~~بالسؤال قائلة: هل رأيت موريس؟ ~~- رأيته أمس وطمأنته عنك، إني لأعجب من إعراضك عنه يا مدموازيل إيفون. # فنظرت في مستغربة ثم قالت: من قال لك؟ ~~- أصبح موريس صديقا حميما لي وأخبرني بذلك، فلا يسوءك ذلك يا مدموازيل؛ لأنه لا ~~بد لكل عاشق من صديق يسر إليه أخبار حبه تفريجا لكربه. ~~- إذا كنت صديق موريس يا دكتور بوشه، فأنت صديقي أيضا؛ ولذلك أثق بإخلاصك ثقته بك ~~وأسر إليك أن كل ms051 بغيتي من مجافاته في الظاهر أن يبقى لخطيبته، التي ستكون نصف ~~حياته المستقبلة؛ لأني أنا لا أبقى له. ~~- ولكن عقد خطبته انحل. ~~- أكيد؟ لماذا؟ ~~- اكتشف أهله أن خطيبته ابنة بغي فحلوا عقد خطبتهما. ~~- ابنة بغي؟ ~~- نعم. ~~- وهو طاوعهم في تركها؟ ~~- نعم لأنه يحبك. # فتنهدت إيفون تنهدا عميقا، وأطبقت جفنيها فخفت أن تنتابها النوبة فسكت، وبعد ~~هنيهة فتحت عينيها وقالت: ما ذنب الفتاة إذا كانت أمها بغيا؟ لقد فسد عملي يا ~~دكتور بوشه. # بقيت ساكتا؛ لأني لم أشأ أن أجرها إلى حديث طويل، وبعد هنيهة قالت: أتسمح لي أن ~~أستودعك وديعة؟ ~~- أحرص على وديعتك حرصي على نفسي يا سيدتي. # فمدت يدها إلى ما تحت مخدتها، وتناولت كتيبا صغيرا وقالت: أشعر أن أيامي أصبحت ~~معدودة، فمتى تجردت عن هذه المواد الترابية تدفع هذا الكتاب لموريس، أرجو أن تكتمه ~~عندك إلى ما بعد وفاتي. ~~- عمر طويل يا مدموازيل، لماذا تتشاءمين؟ إنك صبية ولا خطر عليك. # فضحكت قائلة: إن عمري استنفذته كله في شبيبتي القصيرة، فأنا هرمة ولم يعد لي مطمع ~~في الحياة، بل أشتهي الانتقال إلى العالم الثاني حيث أتوقع الرحمة والراحة ~~الدائمة. # بعد ذلك آثرت أن أقصر الكلام معها؛ لأني رأيتها قد أخذت تتأثر، فودعتها بعد ما حقنت ~~ذراعها بالستركنين، وتركت لفانتين الإيضاحات اللازمة. # وصلت إلى البيت وأنا أفكر في الكتاب الذي استأمنتني عليه إيفون، فلم أصبر عن أن ~~أفتحه، أولا: لأن استطلاع الأسرار داء في كل إنسان، ثانيا: لأن إيفون لم تشترط ~~علي ألا أفتحه، وثالثا: لأن نفسي حدثتني أن الاطلاع عليه عاجلا قد يفضي إلى ~~نتيجة حسنة، فانزويت في غرفتي وجعلت أقرأه كما يأتي: # 6 أبريل سنة ... # عزيزي موريس # كانت الأيام الأخيرة تنبئني بدنو أجلي، وإذ كنت أنت الصديق الوحيد الذي عثرت عليه ~~في هذا العالم المفعم من المظالم، والدائر حول محور الاعتساف آثرت أن ألهي نفسي في ~~ساعات أرقي الأليم، بأن أروي لك ما لم تعرفه من تاريخ حياتي القصيرة الزمان ~~الطويلة الحوادث؛ لأني وجدت أن مناجاتك في خلوتي ms052 هي التعزية الوحيدة التي بقيت لي ~~في لجج شقائي الطامية، قبيل وصولي إلى شاطئ الحياة الأخرى، لا تظن أن مكايداتك ~~الأخيرة لي غيرت قلبي عليك، كان قلبي لك وسيبقى لك حتى في خلودي إذا التقينا في ~~عالم الأرواح تستقبلك روحي باسمة متهللة حامدة. # لا تظن أنك أسأت إلي فيما فعلته معي، ولا أنك أغضبتني فيما أغظتني؛ لأني كنت ~~أتوقع كل ذلك منك؛ ولهذا اصطنعت من الصبر دروعا ومن الجلد تروسا أتلقى بها سهام ~~نقمتك المسددة إلي، ونصال سخطك الحادة، اصطنعتها قوية جدا؛ لكي تشعث تلك ~~السهام وتثلم تلك النصال بل تردها مكسرة. # وقد قواني على تحملها منك بالرضا أني كنت أسعى إلى غاية حميدة، أحسبها كفارة عن ~~ذنبي الذي جر علي كل هذه الويلات المحدقة بي، وكنت أموهها بعزي القصير ومجدي ~~الباطل. # أذنبت في حياتي كما يذنب سائر الناس، ولا بد أن يكون الله قد غفر ذنوبي كلها؛ لأني ~~استغفرته وهو رحيم، ولكن ذنبا واحدا حسبه العالم عظيما جدا، وأبوا أن يغفروه ~~لي فعاقبوني عليه بأشد من عقاب الله لبني الهلاك لماذا؟ لأني فتاة والفتاة ضعيفة ~~لا نصير لها. # ما أشقى المرأة يا موريس! متى اطلعت على تاريخ حياتي أدركت أن بنت حواء مظلومة مع ~~ابن آدم، فهل لك أن تكون رسول الإنسانية العادلة، وتبلغ رسالتها مخبرا أن المرأة ~~مظلومة؟ لا أظن أن أحدا سواك يعلم البشر بهذا الحق. # كنت أحسب أن الحب الحقيقي، والإخلاص القلبي يشفعان بي عند العالم، ولكني وجدت الناس ~~لا يحسبون لهما قيمة، فكيف يحسبونهما لامرأة ساقطة في عرفهم؟ إنك وحدك تحسبهما ~~لي. ~~••• # كنت ابنة لأبوين فاضلين تقيين، فربيت في حجر التقوى والفضيلة، توفي أبي وأنا حديثة ~~السن فقام أخي الوحيد مقامه في السيادة على البيت، وكان هو وأمي يدللانني جدا ~~تدليل أهل اليسار، ويعدانني لزوج موسر عريض الجاه كما يفعل جميع الأهل ~~لبناتهم. # وكان لعهد حداثتي بيننا وبين أسرة أخرى ألفة شديدة - لعل سببها الأول المجاورة - ~~وكان من أفراد تلك الأسرة فتى جميل الطلعة يكبرني ms053 بضع سنين، فكنت أجتمع به كثيرا ~~تارة في منزلنا، وطورا في منزل أهله، ولما ناهزت الرابعة عشرة كان يتردد علينا ~~كثيرا، ويبالغ في إكرامي والتودد إلي، وكنت أرى أمي وأخي يحتفيان به كثيرا ~~ويلاطفانه، ففهمت أنهما لا يحظران علي عشرته. # في ذلك العام انفتحت عينا قلبي، وصرت أشعر أن ذلك الشاب ينبوع سروري لا أستلذ ~~الحياة إلا بقربه، وما استتممت الخامسة عشرة حتى رأيت نفسي سيدة بين السيدات، وقد ~~مضى نهار الصبوة، واتضح صبح الشبيبة وصرت أميز بين هناء الحياة وشقائها، فإذا كان ~~فتاي حاضرا معي كنت فرحة، وإن كان غائبا كنت كئيبة، صار شغل قلبي الشاغل بل ~~موضوع حياتي، بل مصدر غبطتي وينبوع هنائي. # ما صحوت من غفلة حداثتي إلا على صوت الحب يناديني في صباح شبيبتي أن أنهض لأناجي ~~الحبيب المؤمل، أحببت ذلك الفتى جدا؛ ولكي تعلم يا موريس مقدار حبي له أقول: ~~أحببته كل هذا الحب؛ لأني لم أكن بعد قد فهمت شيئا من أكاذيب هذا العالم، كنت أظن ~~أن الناس جميعهم طاهرو القلب أنقياء الضمير متفقون على إحقاق الحق وتقلد الفضيلة، ~~متمسكون بحبل الأمانة والاستقامة. # أخلصت حبي لذلك الفتى، واستخلصت حبه وصرت أحسب أنه أوفى لي مني له إن كان وفائي ~~يفضله وفاء، كان شغلي الشاغل أن أفتكر بما يبتغيه وأفعل ما يسره ويرضيه، وما ادخرت ~~جهدا في أن أكيف نفسي حسب رغبته وهواه. # إن علمت أنه يأبى أن أجامل زيدا من الناس تجنبت مجاملة زيد، وإن شعرت أنه يرغب أن ~~أفعل أمرا فعلته، وإن استاء لأمر استرضيته، كان أغلى الأمور عندي رخيصا له ~~وأعزها مبذولا لأجله، وبالجملة فإني كنت له كما يشاء، ملكته قلبي ونفسي وإرادتي، ~~وكنت سعيدة بهذا التمليك؛ لأني كنت أرى منه مثل هذا الحب، وأعتقد فيه مثل هذا ~~الإخلاص. # وقد اتضح لأمي وأخي حبنا فكانا يفسحان لخطواته السبيل على أمل أن يطلب يدي ويكون لي ~~بعلا، الآن أفهم ذلك وأما حينئذ فلم أكن لأفتكر أن هذه هي بغيتهما، وإنما حسبت ~~أنهما يتسامحان ms054 له؛ لأن أهله أصدقاء قدماء أوداء فيسوغ له ما لا يسوغ ~~لسواه. # لذلك كنت أخلو به كثيرا في القاعة وفي غرفتي وفي الحديقة، وفي المتنزهات، ولم يخطر ~~لأمي أو لأخي أن يحسبا حسابا لخلواتنا، والذي يلوح لي الآن أنهما لم يتوقعا ~~مغبة سيئة لتلك الخلوات؛ لأنهما كانا واثقين تمام الثقة من حشمتي، ومن حسن مبادئ ~~ذلك الشاب. # هذه هي الغلطة التي تفضي إلى كل إثم كإثمي، وهي أن يكتفي الأهلون بتربية بناتهم على ~~المبادئ القويمة، وتجسيم الحشمة والعفاف والأدب فيهن، ثم يزجونهن بعد ذلك بين ~~الشبان، ويتركونهن لأنفسهن يجرين على تلك المبادئ بقدر طاقتهن، حتى إذا سقطت ~~الواحدة منهن كان سقوطها عظيما وعقابها قاسيا جدا، فمثلها مثل الهرة التي ~~تركها صاحبها أمام الجبنة، فلما عاد رآها قد أكلتها فجعل يضربها ضربا ~~مبرحا. # ووجه الغلط في ذلك أن في الطبيعة البشرية هوى أقوى جدا من تلك المبادئ مهما كانت ~~راسخة في النفس، فإذا أطلق له العنان جرى في سبيله وحطمها تحت قدميه. # قضت النواميس الاجتماعية بأن يعصي كل من الفتى والفتاة هواه الحيواني ما داما غير ~~زوجين، وأوجبت العادات الاجتماعية أن يجتمعا لكي يتعارفا، ولكن الطبع البشري لا ~~يقوى على هذا العصيان مهما أشرب من الفضائل والمبادئ الأدبية، فلو أخلي المكان ~~للراهبة القديسة وللعابد الناسك معا لاستحال عليهما أن يقمعا شهوتهما، فمن ~~يلام إذا أثم الفتى والفتاة، حيث يفسح لهما أهلهما خلوة الإثم؟ أفلا يتعين على ~~الأهل أن يقيموا أنفسهم منفذين لتلك النواميس الاجتماعية التي دربوا أبناءهم ~~عليها. # متى صرت أبا يا موريس فلا تكتف بتلقين أولادك المباركين تلك المبادئ بل نفذها ~~فيهم، لا تغض الطرف عن ابنتك وابنك مهما وثقت بحشمتها وأدبهما، وإلا فاعذرهما ~~ولم نفسك في آثامهما؛ لأن الهوى الحيواني أقوى من تلك المبادئ. # لست أبرر نفسي يا موريس، ولكني ألوم أخي وأمي لوما عظيما؛ لأنه قبل أن تنضج في ~~الفضيلة والمبادئ الأدبية التي لقنتها في حداثتي تركاني أصون عفافي بنفسي، وأنا ~~لم أزل ضعيفة أجهل ما في هذا ms055 العالم من الشرور والخدع. # ومع كل هذا لا تظن أني استسلمت لذلك الفتى استسلاما، بل أؤكد أني تمنعت كثيرا، ~~وتعززت عليه جدا، ولكنه سحرني بآيات حبه حتى صرت أعده أقرب إلي من أمي وأخي، ~~كنت أسر إليه ما أكتمه عنهما، كنت أثق به في حين أرتاب بهما، كنت أؤمل فيه متى ~~يضعف رجائي بهما، وبالجملة أصبح ذلك الفتى موضع ثقتي ومؤملي وملجئي ومفزعي وسروري ~~وحياتي، أصبح لي كل ذلك؛ لأنه أراني من الحب أعظمه وأقواه وأخلصه، وكنت أحبه مثل ~~حبه، فكيف أستطيع الامتناع عنه إذا خلوت به. # قبلني مرارا إلى أن صرت أقبله، ثم ضمني مرارا إلى أن صرت أضمه، ولطالما مناني ~~بالدعوة ومع كل ذلك كنت أخيبه، وأتملص منه بأسلوب لا يغضبه، وليتني أغضبته. # وثقت به تمام الثقة، واعتقدت أنه عاقل حكيم، فكنت أصدق كل كلمة يقولها واستصوب كل ~~عمل يعمله، واستحال علي الظن أنه يخونني، أو يفرط بي أو يسلم بهواني، أو يضن ~~بشيء حتى بحياته في سبيل دفع الأذى عني. # قال لي يوما: ليس حب الزوجين كحبنا يا إيفون، فنحن أقرب بعضنا لبعض من الزوجين ~~والآباء والأولاد والإخوة، وإن كان الناس لا يرون ذلك فينا الآن فنحن نراه. # شعرت حينذاك بعظم جرمي، ولكني كنت مطمئنة لوعده أنه يتزوجني قريبا فيمحو ~~إثمي. # بعد برهة شعرت أني حامل، فقلت له: أن يعجل بستر عاري، فأظهر كل الاهتمام به وكان كل ~~يوم يأتيني بخبر عن آرائه بشأني وبشأن زواجنا، وكان بعض تلك الأخبار سارا، ~~وبعضها محزنا، وأنا أثق بكل كلمة يقولها. # وأخيرا قال لي: أهله لا يستصوبون زواجه الآن، وهو لا يقدر أن يفعل شيئا بغير ~~رضاهم؛ لأنه غير مستقل عنهم، وكان يظهر أمامي كل غيظ وحزن من جراء معارضة ~~أهله، فكنت لسلامة قلبي أرثي له وأطيب خاطره، وأنا على شفا اليأس من سوء حالي ~~معللة نفسي بأمل أنه لا يدخر جهدا في إقناعهم، ومع شدة ثقتي به كنت جازعة لظني ~~أن أهله يقفون في سبيل زواجنا. # ولما أوشك حملي ms056 أن يتضح لأهلي شكوت له أمري، وقلت: «دبرني» فبكى أمامي بكاء ~~مرا، وقال: «ماذا تريدين يا إيفون فأفعل؟» # فأشفقت عليه كأنه هو المبتلى، وفكرت وقلت: أصبحت أشعر أن أهلي أعدائي؛ لأنهم إذا ~~عرفوا بأمري لا يرثون لي، ولا يرحمونني فخلصني من نقيمتهم بأي الوسائل. # ففكر هنيهة ثم قال: أتذهبين معي خفية إلى حيث أمضي بك؟ ~~- أذهب إذا كانت العاقبة أفضل من فضح عاري هنا، بماذا افتكرت؟ ~~- افتكرت أن أستأجر منزلا صغيرا بعيدا عن الأهل والمعارف، وآخذك إليه، ونتكلل ~~فيه ريثما يرضى أهلنا، ومتى علموا أن الأمر قد تم فلا بد أن يرضوا. # فتهللت لهذا الرأي؛ لأنه أفضل وسيلة لصيرورتي زوجة شرعية لذلك الفتى الذي كنت ~~أحبه، إذ لا يستر عاري إلا زواجي به، وكان على أثر هذا الاتفاق أنه استأجر منزلا ~~حقيرا في حي بعيد، وفررت معه إليه من غير علم أهلي، آملة أنهم لا يقلقون ~~لغيابي؛ حتى يكون قد بلغهم خبر إكليلنا، فيعلمون بالمصيبة وبتلافيها في وقت واحد، ~~فلا يشتد وقعها عليهم. # في ذلك النهار ادعى أن القسيس الذي طلب إليه أن يعقد إكليلنا وعده بأن يسترضي ~~أهله على زواجنا، فنتكلل في حفلة رسمية لائقة بنا، وأنه طمأن أهلي عني وكفل لهم ~~حسن مصلحتي بالبقاء معه، اطمأننت لهذا الخبر بل سررت، ومن العجيب أنه مهما استولى ~~علي من الجزع والغم كان إذا اجتمع بي فتاي يهون علي الأمر جدا، ويسكن ~~اضطرابي ويريح ضميري، أولا ببراهينه القوية، وثانيا بما يبديه من الانعطاف ~~علي، وإظهار التفاني في سبيل راحتي ومحو عاري، وثالثا بما كان يبثه لي من وجده ~~وغرامه. # أوقت طويل مر علي في ذلك المنزل الحقير، وأنا أعلل النفس بمواعيد فتاي ~~المختلفة؟ كل مدة حملي. # ولدت طفلة وأنا لم أزل خليلته لا حليلته، طاوعته بكل أمر كل تلك الأشهر عسى أن ~~يفرج كربي، ويستر عاري فكان يمنيني بالأماني الكاذبة. # شعرت لذلك الحين أن حبه لي أصبح فاترا، وصار يغفلني أكثر من قبل، وبعد ولادتي ~~انقشعت غياهب الوهم عن عيني إذ ms057 تلاشى حبي له لما اتضح لي من مراوغته أخيرا، ~~فأدركت أني أصبحت في هاوية عميقة القرار، وأن ذلك الفتى غرر بي وخدعني وخانني، ~~لم أعد أعذره ولو كان صادقا في كل ما قاله عن معارضة أهله؛ لأنه كرجل كان عليه أن ~~ينكر أهله، ويعترف بي زوجة ويخلع عني ثوب العار الذي ألبسنيه، فقلت له بعد انتهاء ~~مدة نفاسي التعس: إن هذه ابنتك أفما حان تكون أمها زوجتك؟ # فقال: ما الفرق بينك وبين الزوجة الآن؟ ~~- إذن تنوي أن أبقى هكذا؟ ~~- وما المانع؟ # فلم أتمالك أن استشطت به وقلت: إنك نذل، لو كنت ذا شرف لفعلت فعل الرجال. # وكان جسمي ينتفض من شدة الغضب، وشعرت حينئذ أن لي قوة شمشون، فوثبت عليه لا أدري ~~ماذا أفعل به ففر من أمامي فرار الثعلب، فقلت: «اخرج أيها اللئيم، لا ترني وجهك ~~بعد، لست أرضى أن أعيش على جيبك»، ومضى. # الآن تعبت من الكتابة أيها العزيز موريس، وقد أصبحت الساعة الرابعة بعد نصف الليل، ~~فأستأذن طيفك أن أستلقي في سريري مرتاحة الجسم قلقة الروح. # الفصل الثاني عشر # | الحقد على الشرائع # في 7 أبريل سنة ... # اتكأت في سريري في آخر الليل الفائت، ولم أستطع أن أكفكف دموعي؛ لأني بعد ما تركت ~~القلم جعلت أفتكر بأعمالك، فأجد أنها محزنة جدا ومنذرة بإخفاق سعيي إلى الغاية ~~التي أتوخاها، وستعلمها في حينها من كتابي هذا. # وجدت أن فكرك ضال فخفت أن يتطوح ضلاله في، اصطحبت أمس المدموازيل ميراي والمدموازيل ~~روشل لكي تغيظني، وقد بالغت في تمثيل دور غيظي يا موريس، ما كنت أظنك قاسيا بهذا ~~المقدار يستحيل أن تكون هذه فكرتك؛ لأني أعهد أنك رقيق القلب جدا، هل توهمت أني ~~أذنبت لك ذبنا من نوع عملك حتى تعاقبني هذا العقاب الشديد؟ # لا أنكر أن قلبي انسحق حين كنت تأمرني أن أقدم كأسا لميراي وأخرى لروشل، ولكني كنت ~~أعتصم بما وهبني الله من الحكمة والصبر في ذلك الحين، وبقهر عواطفي لكيلا أنقض ~~عهدا مقدسا عقدته لأجلك. # ولكني كنت أخاف جدا ms058 أن تستسلم لميراي، وتزيغ عن السبيل الذي كنت أنوي أن أردك ~~إليه هذا التخوف هو الذي أحزنني جدا؛ ولذلك خلوت في غرفتي وأطلقت لعبراتي ~~العنان، وطلبت إلى الله أن يسدد خطواتك ويقيك شر الغواية، ولما رأيت أن ذلك النحيب ~~لا يمكن أن يكون له آخر استلهمت الله أن أضع حدا له، فألهمني أن أشغل وقتي في ~~عزلتي بكتابة هذا الكتاب لك. # أعود إلى قص حكايتي لك: # خرج ذلك الفتى من منزلي الحقير، ولم يعد، كأنه كان ينتظر داعيا لهجري كذلك ~~الداعي. # لا بد أن تتصور يا موريس شقاء حف بي في ذلك الحين، ويأسا خيم على قلبي، ولكني ~~أؤكد لك أن ما تتصوره إنما هو ظل الحقيقة، استسهلت الانتحار جدا حينئذ، ولولا ~~ما طبعت عليه نفسي من الشمم لأتيته، ولكني أنفت أن أفترق عن الناس مخلفة ذكرا ~~مذموما، فوضعت نصب عيني أن أسترد الشرف الذي فقدته، وأستعيد المقام الذي نفيت ~~منه قبل أن أموت. # تراءى لي حينئذ أن جرمي عظيم جدا، وأن سواد عاري حالك، حكمت نفسي في أمر إثمي ~~فوجدت أن لي شركاء فيه، أولهم ذلك الفتى؛ لأنه غرر بي وأغواني إلى حد الإكراه، ~~وأراني أن هذا الإثم عرضي يمحى بزواجنا، ثم أمي وأخي؛ لأنهما فسحا السبيل لذلك ~~الوغد وأخليا له الجو، وما أوجسا منه شرا علي في حين أني حديثة السن ضعيفة ~~القلب والعقل والإرادة، ومن مظالم البشر أن يتعمد الأهل زج الفتيات بين الفتيان، ~~وتعريضهن لفخاخ غوايتهن يعاقبونهن على وقوعهن في تلك الفخاخ. # حذر الفتيات يا موريس من وعود الفتيان، فإنها مهما كانت صادقة لا يستحيل أن ~~ينقضوها، فعليهن أن يعتصمن بعفافهن؛ لأنهن وحدهن مسئولات عنه، وإن كان لهن شركاء ~~فيه، لا يرحمهن ولا يعذرهن أحد. # مع أن لي شركاء في إثمي فقد وقع العقاب علي وحدي، ذلك الفتى تركني وعاد إلى ~~مكانته في العالم كأنه لم يأت أمرا منكرا، وأهلي أنكروني والناس ~~احتقروني. # قضيت بضعة أيام أفكر في ماذا أفعل لأعيش؛ ولأرقى من وهدة حطتي إلى ms059 مقام سيدة بين ~~الناس، فأغلق علي لا أعرف صناعة أسترزق منها وطفلتي غل ليدي، كادت النقود التي ~~بقيت معي بعد فرار ذلك الخئون تفرغ من جيبي، ولا يبقى عندي بعدها سوى خاتم حفظته ~~تذكارا لحبه، وما هو إلا تذكار لشقائي. # خطر لي أن أطالب ذلك الغادر بحق الزوجية مطالبة قانونية، فتحمست وقصدت إلى محام ~~أستشيره في قضيتي، وقصصت عليه موجز قصتي فسألني: هل عندك دلالة كتابية، أو شهود ~~على أنه وعدك بأن يتزوجك؟ ~~- كلا ولكنه ساكنني أشهرا كمساكنة الزوج للزوجة. ~~- ولكنك رضيت بهذه المساكنة فلم يعد لك أقل حق عليه. ~~- لقد شاركني في إثمي وأنا وحدي أعاقب. ~~- الشريعة لم تعاقبك. ~~- ولكن الناس يعاقبونني؛ لأنهم يسلبون حياتي الأدبية بل سعادتي، أفلا حق لي بتعويض ~~من خسارتي هذه؟ ~~- ليس في الشريعة نص على ذلك يا سيدتي. ~~- إذن الشريعة ناقصة أو غير عادلة. ~~- الشريعة المدنية يا سيدتي غير الشريعة الأدبية، أنا أرى أن ذلك الفتى ظلمك وغبنك ~~ولكن القضاء يبرره. # فتنهدت وقلت: آه والشريعة الأدبية بررته أيضا؛ لأن الناس ضربوا صفحا عن ~~جريمته، وقبلوه في عداد الأفاضل، وبقيت أنا وحدي ملتحفة بهذا العار، ويلي أنا ~~الشقية! إلى أي محكمة ألتجئ؟ # وحينئذ شرقت بدموعي واسترسلت في نحيبي، فلم يتمالك ذلك المحامي أن يغرورق بالدمع ~~أيضا. # لو كنت معي حينئذ يا موريس لوثبت من مكانك كالأسد الهائج، وأسرعت إلى ذلك الغادر، ~~وأنشبت أظفارك في عنقه؛ لأني أعلم أنك وحدك تنصفني، على أن المحامي رثى لي قائلا: ~~ليس لك يا سيدتي إلا محكمة العدل الإلهي، فلا بد أن تنتقم لك من ذلك الغادر ~~وتعاقبه شر عقاب. # فقلت: أليست المحاكم الأدبية والمدنية تمثل محكمة الله على الأرض، وشرائعها مستمدة ~~من شرائعه تعالى؟ ~~- كذا يدعي المشترعون، ولكن الحقيقة أن تلك الشرائع الأدبية والمدنية، وضعها ~~الأقوياء مراعين فيها مصلحتهم وحدهم. # فاستشطت غيظا وزمجرت كالوحش الثائر قائلة: إذن أشقى؛ لأني ضعيفة لا لأني أثيمة، ~~رحماك يا رباه خذ بيدي، ألا تقيم عدلك في هذا العالم الظالم! ألا تصلح هذه البشرية ms060 ~~الفاسدة؟ # موريس موريس، ألا تستطيع أن تجند من ذوي العقول الثاقبة والقلوب الصالحة جنودا ~~يناضلون معك عن الإنسانية، ويدكون أركان تلك الشرائع الجائرة والمحاكم الظالمة، ~~ويفسقون دعاوي الأقوياء الكاذبة؟ هؤلاء هم الفريسيون المراءون. # إني أرى هذا العالم جبلة شر، وليس فيه إلا الرذيلة مموهة بطلاء الفضيلة الكاذبة، إن ~~لم تستطع أن تضع أساسا للفضيلة الحقيقية، وتبني عليها العدل الحقيقي، فكن بين ~~الناس شرا منهم، واهجم على ضميرك بنبل النقمة واطعنه في قلبه طعنة قاضية؛ لأنه ~~بقي حيا يجرك إلى الشقاء الدائم إذ لا تقدر أن تستوفي حقوقك من سواك بموجب هذه ~~الشرائع البشرية، بل بالقوة والقساوة والطمع والغدر تستحوز على أمانيك، فلماذا ~~تسكت عن حقك إذ كانت الشرائع لا تنصفك، والناس لا يعدلون. # أنا ضعيفة وذلك الوغد قوي، فلا الشرائع تنصفني منه ولا الناس يرثون لي، ولا حول لي ~~ولا قوة على أخذ حقي، فماذا أفعل؟ # وهت قوتي يا موريس حتى إن القلم يضطرب في يدي، إني أستسلم لحكم الهيئة الاجتماعية ~~مكرهة؛ وألزم الفضيلة لأنها معزية لضميري وإن تكن عاجزة عن حفظ حقوقي أقضي الحياة ~~شقية، ولكني أموت متعزية بتوبتي، هذا جل ما أستطيعه في هذا العالم المتعب. # خرجت من عند ذلك المحامي وصدري مرجل يغلي فيه الحقد على هذه النظامات البشرية ~~الظالمة، خطر لي أن أنتحر ولكن لم يصدني عن الانتحار الخوف من الموت، بل الأمل بأن ~~أسترد حياتي الأدبية، وأبرهن للملأ أن الزلة الواحدة لا تسقط المرأة إلى ~~الأبد. # رجعت إلى بيتي فاستقبلتني الخادمة في الباب، وهمست في أذني قائلة: «إن سيدة هنا ~~تنتظرك»؛ فعجبت لأني أعلم أن الناس وخصوصا السيدات يبتعدون عني ابتعادهم عن الحية ~~الرقطاء، ويتجنبونني تجنب السليم الأجرب؛ لأني ساقطة دنسة في اعتبارهم؛ ولأنهم ~~في الرأي العام صالحون أبرار، قضيت تلك الأشهر في منزل فلم تدخل إليه إلا واحدة من ~~جاراتي، إذ عرفن حقيقة أمري، بل حاول صاحب المنزل أن يخرجني من قبل أن تنقضي المدة ~~المعينة في صك الإيجار، صادفت مرة إحدى صاحباتي عابرة ms061 أمام منزلي فأغضت نظرها عني ~~لا تريد أن تعرفني، فمن ترى تلك المرأة التي تنتظرني في بيتي؟ # دخلت فدهشت إذ وجدت أمي حاضنة طفلتي وعيناها مقرحتان، فانطرحت عند قدميها أبلهما ~~بدموعي قائلة: أماه! إن العالم كله يعاديني وينتقم مني؛ لأني أذنبت ذنبا لم يؤذ ~~به أحد سواي، فهل لي منك رحمة لا أستحقها؟ # فقبلتني قبلة شعرت أنها باردة، ولكني لا أدري إن كانت بالحقيقة هكذا، أو أن يأسي ~~أوهمني أنها كذلك، قالت: اجلسي يا بنيتي لنبحث في أمرك. # فجلست وقد تجسم الرجاء أمامي، وقلت: عسى أن تكوني قد أتيت إلي بما ينفس كربي يا ~~أماه. ~~- أتيت إليك بالرغم من رضاء أخيك؛ لأنه يخجل أن يعرفك. ~~- ويلاه أيشارك أخي سائر الناس في الحكم علي؟ ~~- أنسيت يا إيفون أنك ربيت في بيت أساسه الفضيلة وجدرانه التقوى، فكيف لا نقفل ~~بابنا في وجه العار الهاجم علينا بسبب جرمك العظيم! من كان يظن أن فلانة ابنة فلان ~~ربيبة الفضيلة والأدب والتقى تفر من بين أهلها؛ لتبذل عفافها في مرقد الدنس، لم ~~نعد نستطيع أن نرفع أعيننا إلى الناس من الخجل والحياء، وأخوك لم يعد يجسر أن ~~يلتمس من المسيو (...) يد ابنته؛ لأنه لم يعد يتوقع إلا الخزي بسببك. # فتململت وتنهدت وقلت غاصة بكل لفظة: أماه لا تدينيني فقد دنت نفسي، وحكمت على ~~نفسي وحسبي ما أقاسيه من أساي وشقائي، الآن وقت الرحمة فارحميني بأي فرج ~~أتيتني؟ ~~- قولي لي أولا على أي حال تركك ذلك النذل؟ ~~- تركني إلى الأبد بلا رحمة ولا شفقة. ~~- كنت أستقصي أخبارك فأعلم أنه كان يجتهد في إقناع أهله أن يقترن بك اقترانا ~~شرعيا؛ ولهذا آثرنا إهمالك لكي يعلم هو وأهله أنهم ملزمون بك، وقد استخدمنا كل ~~الوسائل الممكنة لاسترضائهم فلم نفلح؛ لأن أباه كان يرفض كل الرفض قرانكما ~~لاعتباره إياك دنسة لا تليقين أن تكوني كنة له. ~~- ويلاه ما أشقى الفتاة؟ أليس ابنه مدنسي وشريكي في دنسي؟ فهل برأه؟ ~~- ألا تعلمين يا ابنتي أن هذا الدنس لا يلصق منه شيء ms062 بالشاب إلا إلى حين قصير؟ فقد ~~تناسى الناس عمل ذلك الخئون، وعاد يطوف في بيوتهم ينتخب زوجة منها، وكلهم يتمنون ~~أن يزوجوه! ~~- لم أكن أعلم ذلك من قبل يا أمي فلا أدري من ألوم على جهلي هذا، ومع ذلك لا أظن أن ~~أهله وحدهم السبب في تركي، فقد كان في وسع ذلك الغادر أن يعصاهم لأجل من غرر ~~بها، وبنى لها من الوعود قصورا وعلالي. ~~- لا ريب أنه نذل، خاف من تهديد أبيه أن يحرمه نصيبه من ميراثه الطائل. ~~- إنه جبان، كنت حديثة جاهلة لا أفهم إلى أين أصل، والآن لات ساعة مندم، فماذا ترين ~~الآن يا أمي؟ ~~- فاوضت أخاك طويلا بأمرك فوعد أن يمدك بالمال على قدر طاقته، وإذا شئت أن تعملي ~~عملا تستفيدين منه لمعيشتك، فضعي طفلتك هذه عندنا فأربيها، وأنت تكونين مطلقة ~~اليدين للعمل. ~~- إذن لا يقبلني أخي في منزله! ~~- ليته يقدر يا ابنتي! فإنه مضطر أن يتزوج ووجودك في بيته عقبة في سبيل زواجه، وإن ~~تسامح مصاهروه بذلك، فأنت لا تستطيعين احتمال إمرة زوجته عليك، ولا تأمنين أنها ~~تجرح عواطفك حينا بعد آخر مهما كانت طيبة القلب ورقيقة العواطف، فالأفضل أن تعيشي ~~مستقلة ونحن لا نضن عليك بكل ما نستطيعه من إمدادك بالنقود. ~~- ويلاه حتى أهلي يتحاشونني ويخافون أن يتدنسوا بدنسي؟ ألأجل زلة واحدة أسام كل هذا ~~الهوان؟ ويلاه! أوحدي أنا أثيمة والناس كلهم أبرار؟ # وطفقت وأمي نبكي البكاء المر، وبعد هنيهة قالت: صبرا يا بنيتي صبرا، ليكن الله ~~معك، إن ما ارتأيناه بشأنك حسن لك. ~~- لا لا، لا أكلفك وأخي شيئا يا أماه، الله يدبرني. # عند ذلك أخرجت أمي من جيبها بضع جنيهات، ودفعتها لي فلم أمدد لها يدا فوضعتها على ~~المقعد إلى جانبي، ثم قالت: متى تريدين أن آخذ الطفلة؟ أو تريدين أن تبقيها معك ~~إلى أن تفطم. ~~- لن أفارق ابنتي يا أماه، ورزقي على الله. ~~- لا تيأسي يا ابنتي، إني أمك، أبقى لك كل حياتي، ليكن الله معك، أودعك إلى حين ~~قريب. # ثم ms063 نهضت ونفحت الخادمة جنيها، وقالت لها: ألا تحبين سيدتك؟ ساعديها يا بنيتي ~~وسريها. # ثم خرجت وتركت مهجتي تتردد بين ترقوتي، وجعلت أفكر فيما آلت إليه حالي فصغرت الحياة ~~في عيني، ولكني ما عتمت أن استرددت أنفتي واستنجدت بتجلدي، فأخذت ورقة وكتبت: # سيدتي الأم الحنون # أعيد إليك مع خادمتي الجنيهات التي تركتها هنا، إني إلى الآن في غنى ~~عنها ولي الأمل أن لا أكلف أخي شيئا بشأني، أقبل يديك ويدي ~~أخي. ~~(...) # وأرسلت النقود والرسالة كما كتبت. # وفي يوم التالي وافت أمي إلي، وقالت: لماذا فعلت هكذا يا ابنتي؟ إنك سخيفة العقل ~~أتردين عطية أخيك؟ ليس متصدقا عليك، إنما هو يفعل الواجب عليه. # وبختني كثيرا على هذه الأنفة وقبلتني مرارا وأرغمتني على قبول النقود، وكانت كل ~~مدة بعد أخرى تزورني، وأحيانا تدفع لي نقودا فكنت أعيش بها عيشة بسيطة. # اقتنيت آلة للخياطة وكنت ألتمس من خياطة مجاورة لي أن تعطيني بعض قطع قطنية، ~~فأخيطها بأجرة زهيدة حين تكون طفلتي نائمة، أو على يدي خادمتي، على أن الخياطة لم ~~تتكل علي أن أخيط القطع الحريرية وغيرها مما هو ثمين؛ لأني لم أكن أحسن الخياطة ~~جيدا. # وبعد بضعة أشهر قالت لي أمي إذ كانت زائرتي - ولم يحو بيتي زائرة سواها: إن أخاك ~~راحل إلى باريس؛ لكي يطلب عروسا ولعله يقيم هناك، والآن صار يمكنك أن تفطمي ~~ابنتك وتطرحيها عن يديك، وتتفرغي لشغلك، فدعيني آخذها معنا فنربيها ونعدها ~~لمستقبل حسن؛ لأنها إن بقيت عندك ظلت غلا ليديك، وكان مستقبلها مظلما وتعسا بلا ~~إثم منها ولا حرج. # فشق علي جدا أن أفارق ابنتي؛ لأنها كانت تعزيتي الوحيدة، ولكني عدت إلى عقلي ~~وتأملت الأمر جيدا، فرأيت أن من الحكمة أن أطاوع أمي وأقاوم قلبي فأفك يدي من ~~أغلال تلك الطفلة، وأتفرغ للعمل لكي أعد لنفسي مستقبلا حسنا وأجدد حياة ~~شريفة، سرني هذا الفكر بقدر ما آلمني تصور فراق ابنتي، وأخيرا قلت: «من لي مثل ~~أمي مربية لطفلتي؟ وماذا لي مثل بيت أخي منزل لها؟» فقبلتها مرارا بدموع ms064 غزيرة ~~وسلمتها لأمي وقلبي يتقطع. # آه يا موريس، ندمت جدا على تسليم ابنتي فلذة كبدي؛ لأنه بعد برهة ورد إلي كتاب ~~من أمي تنعيها إلي وتعزيني بها؛ فلطمت خدي وقرعت أسناني ندما على تركها؛ لأني ~~تصورت أنها ماتت من جراء الإهمال، وأنها لو بقيت معي لظلت حية، وكانت تعزية عظمى ~~لي وحارسا على حياتي الأدبية، ولكن الشقاء كالمال يجر بعضه بعضا حسب قول المسيح: ~~«من له يعطى ويزاد»، فأنا كان لي الشقاء فأعطيت منه وزيد لي. # كتبت كثيرا اليوم وأنا أشعر بلذة فائقة في كتابة هذه الرسالة، الآن تعبت وقارب ~~المساء وصرت أتوقع قدوم زائرين، وأهيئ نفسي لتحمل فظاظة البعض منهم؛ لأنهم سافلو ~~المبادئ، بعض زائري حانتي لطفاء أشعر أنهم يجلونني، فهؤلاء أحادثهم بمواضيع ~~اجتماعية وأصرف نظرهم عن الغايات السافلة، مع ذلك أشعر بسآمة من هذا العمل الشاق ~~على النفس، أحب أن أعدل عنه؛ لأني لا أقدر أن أكسب منه كسواي، ولكن كيف ~~أسترزق؟ # الفصل الثالث عشر # | الولادة الثانية # في 12 مايو # مر علي أربعة أيام لم أكتب فيها شيئا من كتابي؛ لأنني لهوت بمجالسة زائر تردد ~~علي مرارا أرتاح لعشرته؛ لأني وجدته أديبا، والظاهر أنه هو أيضا ارتاح إلى ~~عشرتي؛ لأنها تختلف عن عشرة زميلاتي. # لم أزل إلى الآن أرتجف من عملك أمس، إذ أتيت ثانية مع ميراي وروشل وصديقك الذي أظن ~~أنه صنيعتك، خرجت من المنزل حرصا على عواطفي؛ لأني لا أطيق أن أرى ميراي إلى جنبك ~~يا موريس، يقشعر بدني إذ أراك تقبلها، يا لله أنى لك هذه القساوة البربرية؟ إني ~~أسامحك من أعماق قلبي؛ لأنك معذور؟ # عدت في آخر السهرة وعرفت أنك لم تمكث طويلا، فتأكدت أنك تفعل ذلك لنكايتي لا حبا ~~لميراي، فهدأ روعي، ولكني كنت في الليل أتململ من الحزن فلم أنم فنهضت أكتب ~~لك. # قلت لك: إن أمي أخذت طفلتي وبرحت بها مع أخي، فبقيت في مصر وحدي بلا أهل احترق قلبي ~~حزنا على فراق ابنتي، وذبت غما إذ نعيت إلي ولكني بعد ms065 برهة سلوتها؛ لأنها ~~صغيرة. # صادفت تلك الخياطة التي كانت تنعم علي ببعض أكسية لأخيطها، وتحملت بكل صبر صلفها ~~وشموخها علي وسخطها؛ لكي أتعلم منها التفصيل والخياطة المتقنة، وأحيانا كنت ~~أخدمها في منزلها لكيلا تضن علي بفائدة. # ذقت المر حينئذ يا موريس فكنت أعود في المساء إلى بيتي تعبة لا قوة لي، فأضطجع ~~في سريري وأطلق لعبراتي العنان لأجل هذا العناء الذي أعانيه في مقابل لذة قصيرة، ~~وجزاء زلة وحيدة دفعني إليها ماكر نذل كنت كلما افتكرت بهذا الأمر أكاد أتفتت، ~~وأهم أن أمزق لحافي عني، بعد أشهر صرت أثق بمعرفتي فاستقللت عن معلمتي، وثبت في ~~منزلي أخيط ملابس بعض السيدات اللواتي عرفنني بواسطتها، وكنت أشتغل لهن بأرخص منها ~~لكي أجتذبهن وصديقاتهن إلي، وفي برهة قصيرة اعتدلت أشغالي فصرت أكسب في شهري نحو ~~6 جنيهات فانتعشت قليلا. # عند ذلك صرت أجتهد في أن أتقرب إلى الناس بقدر ما يتيسر لي، فكنت أزور بعض «زبائني» ~~وأجاملهن وأدعوهن إلى زيارتي، فبعضهن كن يحتفين بي ويلبين دعوتي، وبعضهن قلما كن ~~يكترثن بي، بل كنت أشعر أنهن لا يرضين عن زيارتي لهن فأقتصر عنهن، وأكتفي بصداقة ~~اللواتي يبادلنني مجاملتي فقط. # ولما درست جيدا تلك البيئة التي كنت أتحرك فيها، وعرفت حقيقة صديقاتي اللواتي ~~يؤنسنني وجدت أن معظمهن، بل كلهن من فئة قليلة القيمة في الهيئة الاجتماعية ومن ~~طبقة غير راقية، فأدركت أني لم أخط خطوة كبرى إلى الأمام كما كنت أتوهم، وقررت أن ~~أرقي نفسي إلى طبقة أرقى شأنا ومقاما وأدبا. # طفقت أتقرب إلى الأسرات المعروفة بالأدب والفضيلة غير ناظرة إلى مقامها في الجاه ~~والثروة؛ لأني وضعت نصب عيني أن أسترد مكانتي الأدبية قبل جاهي، فتعبت كثيرا في ~~التودد والتلطف والإكرام، وبالغت في التأدب والحشمة ومع ذلك لم أجتذب إلي من تلك ~~الفئة إلا النزر القليل، وكنت ألاحظ أن بعض الأسرات تستنكف أن تعرف أنها ذات علاقة ~~معي. # ومن شواهد ذلك مما عرفته بنفسي أن رجلا أبى على ابنته أن تأتي إلى بيتي؛ لكي تقيس ms066 ~~فسطانها عليها، وطلب أن أمضي أنا إلى منزل جارتي؛ لأنها صديقة أسرته فألتقي بابنته ~~هناك وأقيس فسطانها، حتم بذلك وإلا فلا يأذن أن أخيط ملابس أسرته. # وسمعت مرة أن رجلا سخط على زوجته؛ لأنها كلفتني أن أخيط ثوبها، وكانت تتردد علي ~~لكي تقيسه عندي، وحرم عليها إعادة هذا الذنب. # ومرة كنت في بيت إحدى «زبائني» في يوم زيارتها، وإذ وفدت عليها زائرة فعرفتها ~~بجميع زائراتها ما عداي، فشق علي ذلك وما عتمت أن خرجت مقسمة ألا أعود إليها، ~~وكنت أنتظر أنها تعلم سبب خروجي العاجل، وتعتذر لي أو تسترضيني بمجاملة فلم ترني ~~وجهها. # ومرة صادفت إحداهن في منتزه مع أسرتها، وبعض أصدقائها فأعرضت عني كأنها لم تعرفني ~~قط. # وقيل لي مرة: إن فلانا عدل عن خطبة فلانة؛ لأنه عرف أن بيني وبين أمها ~~تزاورا. # وأنكى من كل هذا أن شقيقة ذلك الذي خانني صادفتني مرة في السبيل، فأعرضت عني مقطبة ~~كأني قاتلة أبيها. # وأما معارفي القدماء الذين عرفتهم قبل سقطتي، فقل منهم من كان يجاملني بعض المجاملة ~~إذا صادفني، وأكثرهم كانوا يعرضون عني، وما من آنسة أو سيدة من صواحبي القديمات ~~سألت عني أو زارتني. # أما الشبان فلم يتودد إلي أحد منهم إلا ظهرت أخيرا غاية تودده دنيئة، مع أني كنت ~~أبذل جهدي أن أظهر محتشمة أديبة، ما رأيت رجلا يتقرب إلي باحترام لشخصيتي كأنهم ~~لم يثقوا بما كانوا يرونه من حسن أخلاقي، ولا صدقوا ما ظهر لهم من احتشامي وأدبي، ~~ومهما تودد إلي بعضهم كنت أكتشف مداهنته، فلا ينطلي علي رثاؤه. # صبرت مدة طويلة على هذا الحال، واحتملت كثيرا من استخفاف الناس بي وغضهم من مقامي ~~على أمل أن يمحى عاري شيئا فشيئا فلم أفز بأمنيتي، نعم إني اجتذبت إلي بعض ~~الصديقات الفاضلات، وأقنعتهن بحسن خصالي واستقامة مبادئي، ووفرة آدابي ولكنهن بقين ~~يذكرن عاري، فإذا مال إلي شاب يجهل سيرة حياتي أخبرنه عنها، وأغفلن ذكر محامدي ~~فيضرب صفحا عني. # أخيرا اقتنعت أن عاري وشم في معصم حياتي لا يمحى ms067 مهما فعلت من المبرات، وأتيت من ~~الحسنات وتقلدت من الفضائل. # فكرت طويلا بطريقة لخلع ذلك الثوب الدنس، فلم أجد من وسيلة نافعة إلا أن أولد ~~ثانية أو تتقمص روحي بجسم آخر غير جسمي، أي: يجب أن أستبدل شخصيتي. # قررت في ذات يوم أن أفعل كذلك ، فأعلنت لجميع معارفي أني راحلة إلى باريس رحيلا ~~أبديا، ولكني سافرت إلى الإسكندرية وأبدلت اسما آخر باسمي الحقيقي، وادعيت أني ~~أرملة لا أهل لي في القطر المصري، ولا بد أنك تتوق يا موريس أن تعرف اسمي الحقيقي ~~فأسره إليك؛ لأنك أنت أقرب الناس إلي وإنما أرجو منك أن تكتمه عن سواك؛ لكيلا ~~يتجدد في ضمائر الناس أن لأخي أختا مبتذلة بعد ما تنوسي ذلك، اسمي الحقيقي جوزفين ~~وأخي جوزف ماتون، وقد علمت أنه عاد من باريس مع أسرته منذ مدة، بيد أني بقيت ~~متنكرة عنه حرصا على سمعة أهل بيته. # كذبت على الناس باسمي وبترملي، ولكنني لا أشعر أني أذيت أحدا بهذا الكذب، بل ~~بالأحرى أرى أني سترت عاري وعار أهلي، ولا شك عندي أن الله رحيم يغفر لي هذه ~~الكذبة. # أقمت في الإسكندرية في مكان منفرد وأعلنت نفسي خياطة، وقللت من التجوال بل امتنعت ~~عنه تقريبا، بذلت كل جهدي في أن أظهر لزبائني مثال الفضيلة والعفاف والاستقامة، ~~فكنت أتبرم إذا سمعت من إحداهن كلمة بذيئة أو نميمة أو اغتيابا لأحد، وكنت أذهب ~~إلى الكنيسة كل صباح بعد آخر، وبالفعل كنت أرتاح إلى العبادة جدا وأشعر بلذة ~~الصلاة، وفي أثناء مجالسة السيدات، ولا سيما الفتيات كنت أجتهد أن أبث فيهن ~~المبادئ القويمة، وكنت أهادي الجمعيات الخيرية نقودا وملابس للفقراء. وبالاختصار ~~لم أغفل عن صلاح استطعته، ولا جفوت محمدة ممكنة. # ما مر علي ثلاثة أعوام وأنا في شخصيتي الجديدة «أي: فلانة الأرمة» إلا التف حولي ~~عدد عديد من الصديقات، وكلهن يحتفين بي ويسعين إلى ودادي، وقد وفرت أرباحي جدا ~~وصرت ذات ثروة صغيرة، ورأيتني في مكانة معتبرة بين معارف عديدين يجلونني من رجال ~~ونساء. # وكان رهط ms068 من الشبان يحفون حولي، بعضهم موسرون وبعضهم متوسطو الحال، وقد حاولوا أن ~~يتنازعوا فؤادي فلم يظفروا بطائل، فالأديب منهم كان يزداد إكراما لي واللئيم ~~يجفوني كالا. # وكان بينهم شاب مهذب خياط حسن الحال أعجب بي، وأحبني وتوسم مني ميلا إليه، فطلب ~~يدي وخطبني وجعل يتردد علي تردد الخطيب على خطيبته بلا حرج، فيزداد إعجابا بي، ~~وسولت له نفسه يوما أن يداعبني مداعبة غير لائقة، فزجرته بلطف باسمة، فخجل واعتذر ~~لي وتاب عن نيته؛ ولذلك ازداد ولوعا بي، كنت فرحة به ومعللة نفسي بأمنيتي العظمى، ~~وهي أن أعود إلى مقام سيدة معتبرة بين السيدات. # بيد أن ضميري كان ينذرني، ويحذرني من مخادعة ذلك الفتى الذي أخلص الحب لي؛ لأني ~~زورت شخصية غير شخصيتي الحقيقية، وزيفت ذاتيتي وكذبت عليه في أمري. # وقد رام غير مرة أن يتحقق نسبي بأسلوب لطيف، فكنت أزيغ من سبيل تحقيقه؛ لأني لم ~~أعرف كيف ألفق خبر أهلي وذوي قرباي بأسلوب مقنع. # ولعل الريبة في شأني خامرته في حين من الأحيان، ولكن حبه العميق كان يغالطه في ~~ظنونه، ويبدد غيهب شكوكه في وربما كان يؤول غوامض أمري تأويلا حسنا. # وبالرغم من استسلامه لهواه وحسن ظنه بي، وثقته بصلاحي كان ضميري يؤنبني حتى جسم في ~~نفسي مظنة غشي لذلك الفتى الطيب القلب، ولم أعد أطيق السكوت على هذا ~~الخداع. # وأخيرا قلت في نفسي: إني الآن امرأة صادقة الطوية صالحة القلب طاهرة النفس، والتي ~~لا تشوبه ريبة في كوني هكذا، فإذا اعترفت له بزلة فاتت لم يعد يدري بها أحد بعد أن ~~أبدلت اسمي وضللت معارفي عني، وأقنعته أنها زلة طيش في الحداثة، وقد كفرت عنها ~~وتبت إلى الله، فلا بد أن يغتفرها، ويمتدح صدقي في شكوى نفسي إليه. # ففي ذات يوم غنمت فرصة ابتهاجه بمجلسي واغتباطه بحبي، وتصريحه بشدة ثقته بي وقلت ~~له: يا فلان لي سر مكتوم إلا عن الله تعالى، فلا يليق بي أن يبقى مكتوما عنك ~~وأنت ستكون أقرب الناس إلي، بل أصبحت أقربهم إلى نفسي، ms069 وليس لأحد سواك صلة ~~بقلبي. # فاعتدل في مجلسه وسدد نظره إلي، وقال: ولا ريب أني أحرص الناس على سرك وأكتمهم ~~له. ~~- لا أشك في ذلك، وهذا ما يجرئني على أن أكشف لك سري، وأنا واثقة أنه مهما كان ~~سرا مسيئا لا يدع أثرا سيئا في نفسك، إذ ليس فيه أذى لك. # فحملق بي كأنه يريد أن يتفهم الخبر عاجلا، وقال: ما هو؟ # فقالت: أنت تعرف أني أرملة. ~~- نعم. ~~- وأنه كانت لي ابنة وماتت. ~~- نعم كذا قلت لي. ~~- لم أكذب عليك إلا في أمر واحد لا أريد أن تبقى جاهله؛ لئلا أكون خادعة لك، بل ~~أريد أن أطلعك عليه حتى تكون على بينة من أمري، وأنا واثقة أنك لا تحاسبني ولا ~~تدينني. ~~- أرجو أن تختصري التوطئة وتأتي رأسا إلى السر؛ لأني أفهمك جيدا ومقتنع بحسن ~~طويتك، فما هو الأمر. ~~- إن أبا ابنتي لم يكن زوجي الشرعي. # فاختلج قليلا ولكن وجهه تورد ولم يخف علي اضطراب نفسه، وقال: كيف ذلك؟ ~~- أشكر لك حلمك وما بدر إلى ظنك من أن لذلك سببا قاهرا، وتود أن تطلع على تفاصيل ~~هذا السبب القاهر حتى ينجلي لك عذري. ~~- يسرني جدا أن أقتنع بعذرك. ~~- ويسرني جدا استعدادك لإعذاري متى ثبت لك أنه غدر بي، وأن طهارتي اقتنصت ~~اقتناصا، فإليك حكايتي أرويها بالأمانة والصدق، من غير تحريف أو تمويه أو تضليل، ~~وأرجو أن تثق بصدقها؛ لأني لو كنت أود أن أخدعك أو أكذب عليك في الرواية ما كنت ~~أعترف لك بزلتي. # فأجاب وهو يكظم قلقه: إني لواثق في صدقك. ~~- شكرا لك، وإنما أرجو منك ألا تسألني عن أسماء أشخاص حكايتي؛ لأنها حكاية مضت، ~~وشخصيتي الأثيمة قد انقضت وأنا الآن غير تلك الآثمة التي لم يعد أحد يعرف عنها ما ~~آل إليه أمرها، والناس لا يعرفونني الآن إلا كما تعرفني أنت، مرأة متصونة حريصة ~~على عفافها وفضائلها، فلا أريد أن أكدر صفاء مودتنا بتذكار أشخاص تنوسي أمرهم، وجل ~~بغيتي من قص حكايتي أن أعترف لك بزلتي حتى تغفرها لي، ms070 ولا أدخل في باب بيتك إلا ~~شخصا ممحصا طاهرا. ~~- إني ممتن لحسن قصدك. # وهنا رويت له الحكاية بالتفصيل كما رويتها لك يا موريس، ولم أتمالك نفسي عن البكاء ~~وذرف الدموع حتى كان ذلك الفتى يشاركني فيهما متأثرا شديد التأثر، وأحيانا كان ~~يستشيط ويسخط على ذلك الوغد حتى إنه لو كان يظفر به لأنشب أظفاره في عنقه وخنقه، ~~وكان يتخلل تأثره هذا رثاؤه لي وإشفاقه علي. # وما فرغت من حكايتي حتى كان أشد الناس تألما من ظلم الهيئة الاجتماعية لي، وقد ~~ثبت لي من تأثره وكلامه أنه لم يرتب بصدق كلمة من حكايتي، وأخيرا جعل يطيب خاطري ~~ويواسيني، ويرجو مني أن أنسى ذلك الماضي وأعتبره كأنه لم يكن. # فشكرت عواطفه الرقيقة وقلت: إذن أنت لا تدينني. ~~- لست في يقيني آثمة، بل أعتقد أن الله لا يدينك، فالبشر الذين يدينونك يتطاولون ~~على رحمة الله. ~~- إنك تنتشل نفسي من هاوية اليأس يا عزيزي، فهل ترى أني أستحق أن أكون زوجة ~~لك. ~~- إن اطلاعي على سرك هذا زادني اعتبارا لك ورغبة فيك، فلا تشكي بحبي لك. ~~- وستجدني أخلص لك من نفسك. # وانتهى اجتماعنا ذاك باغتباط مشترك بيننا لا مثيل له، لعلك تتصور قدر سعادتي وسروري ~~حينئذ يا موريس، إنه مضارع لسروري وغبطتي بحبك. # ولكن والوعت أن هذه الغبطة لم تدم طويلا، فإن ذلك الفتى لم يعد في زياراته التالية ~~الشخص الذي تعودت عشرته، بل كان كثيرا ما يذهل وهو يفكر، فأدركت أن الوساوس تطرقت ~~إلى يقينه، وخفت سوء المغبة، وحاولت أن ألتمس منه أن يصارحني قصده فكان يتحاشى ~~المصارحة. # لم يزرني بعد ذلك إلا ثلاثة، ثم قاطعني فجاءة ففي حين كنت أنتظر قدومه وردت إلي ~~رسالة منه انقض معناها على قلبي انقضاض الصاعقة، وهاك نسختها: # سيدتي المحترمة # لا يدور في خلدي أني أفضل منك بمزية قط، ولكن بدت أسباب تحملني بكل ~~تأسف على أن أفك عقد خطبتنا، لا أزال أحترمك وأعتبر خصالك الحميدة، ~~وأتمنى أن أبقى في عداد أصدقائك، لي أمل بأن الأمر لا ms071 ~~يسوءك. # فلان # حزنت جدا واغتظت لهذه العقبى، واحترت في سبب انقلاب رأيه بعد اغتفاره زلتي وتجديد ~~عهده لي، على أني ما ترددت في إيفاد خادمتي إليه بهداياه وعلامة الخطبة والرسالة: # سيدي فلان # أظنك تدرك من نفسك عمق الحزن الذي سببه لي كتابك اليوم، فإنه لا ~~يقل عن عمق حبي لك، ومع ذلك لا قبل لي على مخالفة مشيئتك، إليك ~~هداياك وعلامة العهد بيننا مع الخادمة، ومع أنه لم تبق لي عليك دالة ~~بعد الآن أترجى منك رجاء واحدا فقط، وهو أن تزورني مرة أخرى لكي ~~أعلم منك السبب الذي أفضى إلى ذلك بعد أن تفاهمنا، وإلا فأكون ~~مظلومة بهذا النبذ لغير سبب ظاهر، إنك كريم الأخلاق فلا أظنك تخيب ~~طلبي. ~~(...) # فعادت الخادمة تقول: «يرجو منك إعذاره؛ لأنه لا يقدر أن يزورك»، فازداد تغيظي واشتد ~~حزني وعاد إلي يأسي الماضي، ولكن خطر لي في الحال أن أمضي إلى الصديقة التي كانت ~~واسطة الصلة بيننا؛ لكي أرجو منها أن تستطلع أفكاره لعلها تقدر تزيل سبب نقضه ~~العهد، فدخلت عليها وكل عضلة من عضلاتي تختلج اضطرابا، ودفعت إليها رسالة خطيبي ~~فقرأتها وقالت: إني أدرك مقدار غمك يا حبيبتي وأعتقد أنك مظلومة، ولكن ليس خطيبك ~~الذي ظلمك بل تقاليد البشر وعاداتهم، إني أرثي لك جدا. ~~- إذن تعرفين السبب، فأخبريني. ~~- أظنك عرفته من نفسك. # فتزلزل فؤادي عند هذا الجواب، وشعرت كأنه وقع من بين جنبي؛ لأني أدركت أن سري انكشف ~~لغير خطيبي أيضا، فوهت قوتي واستلقيت على المقعد لا أكاد أستطيع كلاما، وبعد ~~قليل تجلدت وسألتها: أخبريني تفاصيل الحكاية أيتها الصديقة العاذرة. ~~- يعز علي جدا يا حبيبتي أن أنقل إليك ما يسوءك. ~~- لا تحاذري فقد تخرق هذا القلب من السهام التي أصابته، وكيفما رمي هذا السهم ~~الجديد يقع في ثقب قديم. ~~- مسكينة، إنك تعسة يا حبيبتي فالله يأخذ بيدك، علمت أنك فررت من بيت أهلك وساكنت ~~المسيو (...) مدة كخليلة له لا كحليلة، وقد رزقت منه طفلة أخذتها أمك منك إلى باريس ~~إذ رحلت مع أخيك ms072 من وجه العار الذي لحق بهما بسببك، إن هذا الكلام يؤلمك يا عزيزتي ~~جدا وأنا أشفق عليك. ~~- تكلمي يا حبيبتي فإني مخلوقة لهذه الآلام؟ ~~- ... وإن ذلك الفتى تركك بعد أن كان مصمما على استرضاء أهله على أن يتزوجك زواجا ~~شرعيا، ولكن أهله أقنعوه أنك فاسدة الطبع سيئة التربية، وأنه لا يمكن أن يثق ~~بأمانتك له في المستقبل، فإذا كنت قد خنت نفسك وأنت عذراء شديدة الحرص على عرضك ~~فلا بد تخونينه وأنت زوجة حين لا يتعذر عليك أن تصلي عشاقك متسترة ~~بزوجيتك؟ # عند ذلك شعرت أن دمي الفائر يتدفع في عروقي إلى رأسي وأطرافي، حتى خلته يتفجر من ~~بدني تفجر الماء من الصخرة، فرميت ذراعي على مداهما واستلقيت على المقعد وقلت: ~~ويلي! أين الجبال فتنقلب علي. ~~- لا تقنطي يا حبيبتي، أعتقد أن حكم الناس عليك قاس. ~~- أكملي حديثك فإني عجيبة الجلد. ~~- بلغ ذلك إلى خطيبك فجاهد في تكذيبه؛ لأنه لم يستطع تصديقه لما يعلمه من حسن ~~خصالك، ولكن الدلائل على صحة الوشاية كانت كالصبح، وقد ثبتت بشهود فاقتنع. # ففهمت أن خطيبي لم يبح بسري الذي كشفته له معترفة بزلتي، ولكنه لما عرف أن سري أصبح ~~مفضوحا تتداوله ألسنة الناس استنكف صلته بي، فقلت جريئة: نعم وأنا أعترف بتهمة ~~الوشاية، أقر أني أثمت إذ استسلمت لذلك المخادع بعد جهاده الطويل في إغوائي، ~~وتمنيتي بالأماني العديدة المغررة، وإغرائي بوعوده المؤيدة بأيامينه العظيمة، حتى ~~إنه لم يخطر في بالي قط أنه يخونني ولو افتدى وفاءه بدمه، ولكنني كنت حديثة السن ~~جاهلة طبائع البشر ضعيفة الإرادة فوقعت في فخه، زللت زلة واحدة، ولما استفقت من ~~غفلتي وصحوت لنفسي وثبت لي غدر ذلك الخئون جمعت قواي، وجاهدت في أن أسترد عرضي ~~المفقود وشرفي الضائع فلم أفلح، فاضطررت أن أتقمص باسم آخر لكي أستر عاري، وأثبت ~~حسن سيرتي ففزت بأمنيتي هذه إذ اتضح لكل معارفي أني آية العفاف ونموذج الحشمة ~~... ~~- إني أشهد بذلك علانية. ~~- ولكن الناس الذين عرفوا سري لم يقبلوا توبتي، ولا اغتفروا إثمي بل ms073 تفرغوا ~~لمؤاذاتي، ووقفوا قواهم على مكايدتي مجانا، فماذا يضرهم أن يكتموا عاري، ~~ويعاونوني على إظهار نفسي امرأة جديدة باسم جديد وبثوب أدبي نقي طاهر. ~~- إن الذين فضحوا سرك هم أعداؤك الغادرون المجانيون. ~~- أيجوز لي أن أسألك من هم؟ ~~- هم أهل ذلك الخائن. # عند ذلك لم أتمالك أن أنشبت أصابعي في صدري، ومزقت ثوبي عنه تغيظا وحرقت الأرم ~~وصرخت: آه، يا لرداءة الإنسان! أيتبعني أذى أولئك الأردياء إلى الأبدية؟ # ضاع صوابي وأغمي علي وما صحوت إلا وتلك الصديقة المخلصة تعالجني بالمنبهات، ولما ~~سكن روعي استرسلت في البكاء، فكانت تبكي معي، حارت في كيف تعزيني ولكنها بعد قليل ~~قالت: خففي عنك يا عزيزتي، إن الله يجازي من نفس العمل، ذلك الخائن ينال الآن بعض ~~جزائه. # فالتفت إليها متيقظة لكلامها وسألتها: إلام تشيرين؟ ~~- إلى حالة ذلك الرجل الآن مع امرأته. ~~- أرى أنك تعرفين عنه كثيرا. ~~- نعم إني أعرفه وأعرف أهله جيدا الآن. ~~- إذن تزوج؟ ~~- نعم، عرفت أسرته في السنة الماضية إذ كنت في مصر، وكان حينئذ يبحث عن فتاة ~~ليتزوجها، فما سمع بخبر آنسة إلا سعى وأهله إلى رؤيتها، وبحثوا عن سيرتها جيدا ~~ودرسوها، طافوا بيوتا كثيرة وتعرفوا بأسرات عديدة، فلم تعجبهم فتاة ممن ~~رأوا. ~~- أما عرف أهل الفتيات بخيانته لي؟ ~~- كلهم عرفوا. ~~- وسمحوا له أن يرى بناتهم؟ ~~- كانوا يتنافسون في استرضائه لأنه غني. ~~- يا لسفالة البشر، إذن لم ينظروا إلى فساد قلبه ولا حسبوا فعله معرة. ~~- ألا تعلمين أن حياة الشباب، ولطخة العار كالزيت والماء لا تمتزجان. ~~- حيرتني اصطلاحات الناس التي يسمونها آدابا ونظامات اجتماعية، أنا وذلك الماكر ~~اشتركنا بإثم واحد، وهو السبب الأول فيه؛ لأنه جرني إليه متذرعا بكل صنوف الخداع، ~~وقد قاومته بكل قوتي ولكنه تغلب علي وأشركني فيه، فلماذا يسامحونه من غير أن ~~يتوب، ويكفر عن جرمه ويعاقبونني غير مكترثين بتوبتي وكفارتي؟ # فتأملت تلك الصديقة كلامي وقالت: إن هذا ظلم ثقيل وهو وصمة في محيا الإنسانية، ~~والأنكى أن ذلك النذل كان ينتقد كل فتاة عرفها ويحسب عليها أقل عيب ms074 فيها، وكان ~~يقول: «أطلب فتاة لم يمسها النسيم قط»، يا لضياع الإنصاف! دنس يطلب عفيفة طاهرة بل ~~ملاكا كريما، وعذراء وديعة لا تجد إلا خاطبا أنفق شبابه في الفساد. ~~- وأخيرا ماذا كان من أمره؟ ~~- بعد ما اختبر كل الفتيات انتخب فتاة اعتقد أنها مثال العفاف وجبلة الطهارة، وقد ~~دفعها إليه أهلها فرحين وهم يعلمون أنه قازورة رجاسة، وما مضى على قرانهما بضعة ~~أشهر حتى صارت تلك المرأة متنازع العاشقين. ~~- يا لله وماذا فعل بعلها؟ ~~- لم يستطع كبح جماحها، فهو وأهله صابرون على الضيم كاظمون غمهم، يموهون على دنس ~~تلك المرأة الخائنة بالثناء على سيرتها، ويسترون عارهم بامتداح خصالها، والناس لا ~~يزالون يجلون مقامها، ويكرمونها في مجالسهم وحفلاتهم كأنها العذراء، مع أنهم ~~يعرفون حقيقة أمرها؛ ذلك لأنها تفعل منكراتها متوارية وراء بعلها، ومستترة ~~بزوجيتها الشرعية. ~~••• # أرأيت يا موريس مبلغ فساد الهيئة الاجتماعية الحاضرة؟ لا أظنك تجهل أن بين المحصنات ~~ألوفا يبذلن أعراضهن لغير أزواجهن حتى لخدمهن، ومع ذلك يغض الناس نظرهم عن ~~دنسهن، ولكنهم يسددون سهام التعيير والازدراء بغير إشفاق إلى نسوة أسقطهن الحدثان، ~~بيد أنهن بقين يتعززن على الأمراء والنبلاء. # كم يد يتناولها المتباهون بالشرف والطهر؛ ليقبلوها تشرفا بها، وهي أدنس من قدم ~~المومس التي يبصقون في وجهها؟ على أنهم لو تسامحوا مع هذه كما تسامحوا مع تلك، ~~وأخذوا بيدها لرفعوها إلى مقامها الأصلي. # ينسب الناس شقاء الجنس البشري إلى حواء القديمة؛ لأنها أغوت آدم القديم مرة، فلماذا ~~لا ينسبون هذا الشقاء إلى آدم الجديد وهو يغوي حواء الجديدة كل يوم ألف ~~مرة؟ # دعا الله على حواء بالآلام والأوجاع؛ لأنها أكلت من شجرة معرفة الخير والشر، وأغوت ~~آدم فأكل وقيل: إن الجنس البشري كله سقط بسبب إغوائها، فهل يدعو الله الآن على ~~الرجل بالويل؛ لأنه يغوي المرأة ويجر على الإنسانية الوبال؟ # سبحانك اللهم في خلقك ما أبعد أسرارك عن مدارك البشر! # شق الفجر ستار الظلماء وقلمي يندفع في مجراه كأنه يستلذ هذا الإملاء، ولكني أشعر ~~بوهي جسمي، فأودعك الآن إلى ms075 فرصة أخرى، وها أنا جانحة إلى سريري أحاول أن أنام أو ~~أن أرتاح. # الفصل الرابع عشر # | أنا الغريقة ما خوفي من البلل # في 13 أبريل # أشعر بشوق إلى استئناف الكتابة لك عن تاريخ حياتي، نمت مرتاحة مطمئنة نحو أربع ~~ساعات، وصحوت شاعرة بالراحة. # أتصور أنك وأنت تقرأ رسالتي تحرق الأرم على ذلك الخئون الذي ضحى بي على مذبح ~~شهواته، وعلى أهله الذين منعوه أن ينتشلني من سقوطي ثم وشوا بي، ولكن ما هم غرمائي ~~الحقيقيين، وإن كانوا قد أردفوا الأذية بأذية مجانا، وإنما غريمي الحقيقي تلك ~~العادات التي يسمونها شريعة أدبية، فإنها تصر على تسويد عاري كلما أبهت الزمان ~~سواده، وتصبغ به حياة خطيبي أيضا، فأولئك الذين وشوا بي بلؤم خدموه في عرف ~~الجمهور من حيث يقصدون أذاي. # العجيب أني كدت أنسى خيانة ذلك الوغد لي، ولكنه وأهله لم ينسوا عاري فنبهوا الناس ~~إليه إذ خفي عليهم. # بل الأعجب يا موريس أن أصدقائي وصديقاتي في الإسكندرية الذين لم يشهدوا شخصي الأول، ~~ولا رأوني في حالة دنسي وهواني، ولم يعرفوني إلا «فلانة الأرملة» الفاضلة القديسة ~~المحسنة نفروا مني وتجافوني لما وقفوا على حقيقة أمري، فكل ما شهدوه عيانا من ~~صلاحي وتثبتوا منه بالبراهين الحسية من حسن سيرتي كذبوه وأنكروه، ولكنهم صدقوا ~~مجرد الخبر عن هفوتي فتأمل ما أشد فاعلية تلك الهفوة. # كل ما أتيته من الحسنات وفعلته من الصالحات، وصنعته من المعروف وبرهنت عليه من ~~العفاف والطهارة بتقشفي، وتعبدي وتصوني بغية أن يكون حجابا كثيفا قويا أحجب به ~~إثمي الوحيد لم يستطع الثبات أمام هجمات الناس على سيرتي، دكوا ذلك الحجاب المتين ~~إلى أساساته وفضحوا عاري. # تأملت كثيرا في العادات والآداب البشرية، فوجدتها عكس المعقول فحرت كل الحيرة في ~~سرها، هل انتبهت يا موريس إلى أمر غريب فيها؟ هو أن الآثام التي لا تؤذي إلا آثمها ~~وحده يصر الناس على معاقبته عليها، ولن يغتفروها له ولو تاب وكفر وصان نفسه عن ~~سائر الآثام، لماذا؟ وأما الآثام المؤذية لغير آثمها، فيغتفرونها له ms076 من غير أن ~~يتوب، فالسرقة مثلا يؤذى بها المسروق وينتفع السارق فيغتفرونها، والكذب يضر ~~بالمكذوب عليهم فيغتفرونه للكاذب، والظلم يضنك المظلومين فيغتفرونه للظالم، وأما ~~الزنا فلأنه لا يضر إلا بالتي زنت وحدها إذا كانت بلا بعل فلا يغتفرونه لها، بل ~~يعاقبونها عليه أقسى عقاب، ولكن زنا الرجل الذي يضر بالزانية وزنا الزوجة الذي ~~يضر بزوجها يتسامحون بهما، ويغتفرونهما بلا كفارة حتى بلا توبة. # لو قام المسيح الآن وقال ما قاله يوم قدم له الفريسيون زانية، وسألوه حكمه عليها: ~~«من كان منكم بلا خطية فليرم إيفون مونار بحجر»، لرماني كل الناس حتى ذلك الذي ~~لم يؤذ سواي، بل هم الآن يرمونني بما هو أقتل من الحجارة، يرمونني بسهام الاحتقار ~~والازدراء، أظنك أنت وحدك يا موريس تقول ما قاله المسيح لتلك الزانية: «اذهبي يا ~~امرأة ولا أنا أدينك.» # بعدما تركني خطيبي عرف كل معارفي سبب تركه لي، وعرفوا حقيقة أمري فقللوا من اعتباري ~~جدا، وحطوا من شأني حتى إن الذين لم يشكوا بتوبتي وإخلاصي وصدقي في سلوكي، ~~ومظاهري تغير نظرهم في، وصارت زلتي الماضية أداة تعييري، فإذا استاءت إحدى ~~السيدات مني لأمر بغير حق بالرغم من اجتهادي في إرضاء الكل تنتقم مني بأن تعيرني ~~بهفوتي الماضية، إذا ذهبت إلى الكنيسة قال بعضهم: «إنها لمرائية»، إذا أحسنت إلى ~~فقير قالوا: «تتظاهر بالفضيلة لتستر عارها»، إن زارني أحد من الرجال غير مرة ~~قالوا: «عشيقها»، وإن ترددت على صديقة مرارا قالوا: «متفقتان على البغي؟» # لما ذهبت إلى الكنيسة لأول مرة في تلك الأثناء كانت أكثر العيون ترمقني، وبعض ~~الأصابع تشير إلي خفية وبعض السيدات يتهامسن (بالطبع بحديثي)؛ لأن حكايتي جديدة ~~وغريبة، وإن كانت زلتي مألوفة عندهم. # مرضت على الأثر فاستدعيت الطبيب الذي كان يعودني قبلا، فتخلف عن عيادتي وعلمت ~~بعدئذ أنه اضطر إلى ذلك؛ لئلا يظن الناس فيه سوءا يؤثر تأثيرا سيئا على مصلحته ~~ووظيفته، فترى أنه لولا مصلحته لما استنكف أن يعودني. # والذي يجنني أني كنت وصديقتي مرة في سان استفانو، فصادفت سيدة مع ms077 شقيقة ذلك الخئون ~~تنظر إلي تارة وتكلمها أخرى، وأحيانا تقهقهان، فسألت صديقتي: «من هذه السيدة؟» ~~فتوسمتها وقالت: «هي زوجة ذلك الغادر مع أخته»، حيتهما صديقتي فلم تردا التحية، ~~فقلت لها: «إنهما تنكرانك الآن لأجلي»، فقالت: «لا تعجبي لا يراشق بالحجارة إلا من ~~كان بيته من زجاج »، عند ذلك لم أطق البقاء هناك فعدت وصديقتي حالا؟ # لم يعد أحد من الشبان يعاشرني ويجالسني إلا على نية دنيئة لم يعد يتقدم طالب ليدي ~~البتة؛ لأني في عرف الناس ساقطة، وإذا تقدم إلي شاب يجهل أمري فلا يلبث أن يطلع ~~عليه فينثني عني. # تقدم إلي بعض الشبان طمعا بالمال اليسير الذي جمعته من وخز الإبرة، ولكن لم يكن ~~بينهم أحد ذا مكانة معتبرة يستطيع أن يرفعني من حطتي، فأي من أرضاه بعلا منهم ~~يزيدني حطة؛ ولذلك رفضتهم جميعا؛ لأني لم أبتغ الزوجية إلا لاسترداد مقامي الذي ~~خسرته. # مر علي بعد ذلك ثلاث سنين أخرى، وأنا أغالط الناس في اعتقادهم بي وأجاهد في ~~إثبات توبتي وطهارتي الحقيقية، فلم يمحوا عاري ولا شاءوا أن يردوني إلى مكانتي ~~الأولى. # كنت أتحسر من أعماق قلبي وأتنغص كلما رأيت امرأة تمشي مع زوجها في متنزه أو نحوه، ~~وبينهما ولد ومعارفهما يلتقون بهما ويرفعون لهما قبعاتهم، وإذا رأيت رجلا يعني ~~بامرأته أغبطهما وأقول: «هل ترى أحصل على زوج يعني بي فأعبده، ويرفع مقامي فأسجد ~~له؟» وإذا رأيت امرأة تتسيد في بيتها والأسرات تزورها وأولادها يحفون حولها وزوجها ~~يمازحها يطفر الدمع من عيني، وأقول: «أنى لي مثل هذه السعادة؟» # مللت وحدتي، قنطت من استرداد شرفي، يئست من إقناع الناس بأني لا أقل عن أفضل ~~نسائهن فضلا وطهارة، فقلت في نفسي: «إذا كان الناس يصرون على رفض توبتي، ولا ~~يحسبون لي حسناتي ولا يغضون الطرف عن زلتي القديمة، فإلى متى أجاهد في مقاومة ~~شهواتي، وأحرم نفسي لذاتها؟» # ما حدثتني نفسي هذا الحديث إلا بعد، إذ هاجم الغاوون من الشبان عفافي، فكانوا ~~يرتدون خائبين، وأخيرا اتصل بي شاب لطيف مثر له بعض ms078 المبادئ الحسنة، فأبدى لي من ~~الحب أعظمه، واقترح علي أن يغنيني عن إبرتي ويريحني من سهر الليالي أمام آلة ~~الخياطة إذا ساكنته. # وكنت كلما كرر علي هذا الاقتراح عدلته له بقولي: إني أغنيه عن كل أمانيه، وأكون ~~نسخة آماله الأصلية إذا كان يتزوجني، فصرح لي أن ذلك يستحيل عليه للسبب الذي ~~أعلمه، فعذرته بعد الذي رأيته من تمسك الناس بتلك المبادئ العسوفة. # ولما قطعت الأمل من نيل وطري بتمامه كما وضعت نصب عيني، ومللت عيشة الوحدة ووهنت ~~قواي الأدبية عن مقاومة الميل الطبيعي إلى إلف قلت: أنا الغريقة ما خوفي من ~~البلل. # الناس يتنعمون وأنا أشقى وما هم بأبر مني، فلماذا لا أنعم؟ # وكان ذلك الشاب يقطن في مصر، فانتقلت إليها، وسكنا في منزل حائد عن بيئتنا، وحينئذ ~~اخترت لنفسي اسما ثالثا وهو اسمي الحالي: «إيفون مونار»؛ لأن اسمي الثاني أصبح ~~مرادفا لاسمي الأول، فلم يعد يواري ماضي. # انتقلت من بين معارفي وعمدت إلى تغيير اسمي عند إبدال الحياة الدنسة بحياتي ~~الطاهرة؛ لكي يبقى شخصي الحقيقي مصونا من الدنس؛ ولكي يسلم شرف أهلي من العار كذا ~~تفعل البغيات إذا كن طيبات الأصل، فأحرجن إلى البغاء هل رأيت مومسا تقول لك اسمها ~~الحقيقي؟ هل عرفت امرأة بغيا تقطن في بلد أهلها؟ لماذا؟ - لأنها وهي تنتهج نهجا ~~فاسدا لا تزال تتشبث بالمبادئ الشريفة، وتحرص على عرض أهلها؛ ولذلك تكتم اسمها ~~الحقيقي؛ لكي تخفي معه شخصيتها الشريفة وتتقلد اسما كاذبا؛ لكي تخلق لنفسها ~~شخصية جديدة لمظاهرها. # إذا التقت بمن يعلم حقيقتها ويعرف أهلها تخجل منه، وتهرب من وجهه مهما كانت فاجرة ~~سليطة، لماذا؟ لأن شخصيتها الحقيقية لا تزال تتمسك بأهداب الشرف فتخجل من العار، ~~وأما الشيء العاري من ثوب الحياء فيها فهو شخصيتها المزورة. # أما المرأة المحصنة فيمكن أن تسلم شخصيتها الحقيقية وعرضها معا، تسلم اسمها وجسمها ~~جميعا ولا تخجل بفسادها. # ساكنت ذلك الشاب نحو سنتين فكنت منعمة معه، ولكني خسرت كل أصدقائي ولم يعد يعرفني ~~إلا مثيلاتي، على أني لم أعد أعبأ ms079 بنظر الناس السيئ إلي، وما كنت أهتم إلا بلذتي ~~وسروري وإرضاء ذلك الشاب؛ لأنه كان يحبني جدا، ويعتبرني ويدرك قيمتي ~~الحقيقية. # بعد السنتين اتفق له أن تزوج زواجا حسنا فتركني. # فكرت أن أعود إلى الخياطة، فشعرت أنها شغل شاق جدا لم يعد لي جلد عليه، فأقمت في ~~بيت فخيم، وجعلته شبه منتدى أو قل حانة لكبار الغواة. # باسم «إيفون مونار» أطلقت لهواني العنان، وتمتعت بكل شهواتي؛ لأني رأيت أن العمر ~~واحد سواء قضي بالتقشف أو بالتنعم وأن فضيلتي لا قيمة لها؛ لأن الناس ينكرونها ~~علي وعلى مثيلاتي في حين أنهم يغضون الطرف عن رذائل غيري. # في ذلك الحين درست العالم جيدا، وهذه الحقائق التي أدونها لك لم تتجل لي في حينها، ~~وإنما الآن صرت أفهمها بعد ذلك الدرس. # بذلت عرضي يا موريس في تلك الأيام؛ لأني لم أجد من يشتريه غاليا، مع أني غليته ~~جدا وزينته بالفضائل، وطهرته بالتوبة فظل بلا قيمة في عيون الناس. # نعم إني بذلت عفافي، ولكنني لم أترك مبادئي القويمة، ولم أعدل عن حشمتي وأدبي وصدقي ~~وعدلي وإخلاصي وإحساني، لم أبذل إلا العرض الذي أبى الناس أن يقبلوه مني ~~نفيسا. # عاملت كل الذين كانوا يزورون حانتي بكل استقامة، وشرف نفس، صدقت معهم في مواعيدي ~~وفي كلامي، حافظت على عهودي لهم، أخلصت لهم صداقتي، عزيتهم في أحزانهم، فرجت ~~كروبهم، لم أتأخر عن أي فعل مروءة أستطيعها، تصدقت على بعضهم، سامحت المسيئين ~~لي. # لم يعاملني من نوع عملي إلا النزر اليسير منهم، وهم الذين عرفوني جيدا وكانوا ذوي ~~مبادئ قويمة، ومع ذلك لم يتفوقوا علي بذلك، وأما السواد الأعظم من معارفي فكانوا ~~يكذبون علي، ويخلفون في مواعيدهم وينقضون عهودهم، ويسرقونني ويستحلون أذيتي، ~~لماذا؟ # لأني امرأة ساقطة. # كانوا إذا صادفوا مني وفاء أو إخلاصا يدهشون، ولا يصدقون، ويحاولون أن يؤولوه ~~بمعنى غير ظاهر ويحسبونه دهاء عظيما سره فوق مداركهم؛ ذلك لأنه عجيب عندهم أن ~~تكون الساقطة ذات مبدأ قويم. ~~••• # بين المومسات والرجال تنازع يتوارى وراء دعوى الحب، وهو أحد ms080 من التنازع بين ~~البائع والشاري، فالرجل يجتهد أن يشتري اللذة من المومس رخيصة، وهي تحاول أن ~~تبيعها غالية، فهو يتحبب مرائيا لكي يروي شهواته، وهي تتدلل متصنعة لكي تبتز ~~ماله. # بل بين الفئتين عداء شديد، الرجل يستبيح حقوق المومس كما يستبيح عرضها، فيستحل ~~انتهابها، ويأبى عليها مكانتها وينكرها خارج منزلها، ويضن بمؤاساتها في حزنها ~~وبعيادتها في مرضها، ويمسك الإحسان عنها في شدة فاقتها، ويقطع حبل رجائها في ساعة ~~يأسها، هل أحسنت جمعية خيرية إلى مومس فقيرة؟ هل آوى مستشفى خيري بغيا ~~مريضة؟ # لست أدري لماذا يقسو الرجال على الساقطات قسوة الظالمين المنتقمين؟ ماذا أذنبن ~~لهم؟ إذا كانت البغي تحاول أن تلطخ الرجل بعارها، وتزرع فيه جرثومة دائها وتزور ~~حبها له؛ لكي تسلب ماله وتمكر عليه بدلالها لتبخسه سمعته، فإنما تفعل ذلك انتقاما ~~مرا منه؛ لأنه أسقطها ولم يشأ أن يرفعها، قطف أزاهرها ثم داسها تحت قدميه عمدا ~~لغير سبب. # بعكس ذلك يعامل المرأة المحصنة، يستر عارها وقد يفتدي سمعتها بدمه. # شقاء المرأة الساقطة على الأرض أشد من عقابها في جهنم. # لو أتيح لها أن تسترد مكانتها الحقيقية الأدبية، وهي إلى جنب زوج وضيع لتركت مقصورة ~~بغائها، ومقصف لهوها وحلي بهائها ورضيت بالكوخ وشظف العيش. الساقطة تتمرمر في ~~بأسائها، والبغي المنعمة تشعر بالويل المقبل عليها، فلماذا لا تفر من شقائها؟ ~~لأنها مقصوصة الجناحين والهاوية عميقة، وليس من يمد يده إليها لينتشلها. # الويل للفتاة التي لا تتشبث بعفافها تشبث الجسد بالروح. نعيم الفتاة عفافها، فموتها ~~أفضل لها من فقده. ~~••• # لا موجب أن أفصل لك جزئيات حوادثي في تلك الأيام؛ لأن ما أجملته عنها يكفي لبيان ~~تاريخ حياتي. # مالت الشمس إلى المغيب، وصرت أتوقع قدوم الزائرين، ولكني أشعر بكآبة؛ لأني صرت ~~أستثقل الناس كلهم. # الفصل الخامس عشر # | الضحية العظمى # 16 أبريل # كدت يا موريس أندم على مجافاتي لك في حين أني أحبك فوق العبادة؛ لأني ذبت غيرة أمس ~~إذ رأيتك إلى يسار ميراي في مركبة، رأيتكما ولكن أحمد الله أنكما لم ترياني، ولو ms081 ~~رأيتماني لتضاعف غمي، ومع ذلك أتيت إلى البيت واسترسلت في البكاء، ثم انطرحت في ~~سريري أشكو ألما بين ضلوعي، ولكي تزيد نكايتي أتيت أنت وميراي وروشل وصاحبك أمس؛ ~~لكي تمثلوا المأساة التي مثلتموها منذ مدة، ولا بد أنك تذكر دخولك علي وتجلدي في ~~مجافاتك، وخروجك حاقدا. # خرجت من عندي يا موريس حينئذ خاطفا راحتي وروحي؛ لأنه على أثر خروجك عرتني نوبة ~~لا أعلم اسمها، ضاق نفسي جدا حتى خافت علي فانتين، فاستدعت الطبيب حالا، ~~والطبيب أنذرها بالخطر المحدق بي فهمت من الطبيب أن علتي قلبية، وأن منيتي على ~~الأبواب فلم آسف لها بقدر أسفي على تعلقك بميراي؟ # أصبحت اليوم أحسن حالا، فتناولت القلم لكي أناجيك وأنم لك سيرة حياتي. # بلغت فيما كتبته لك إلى النقطة التي يبتدئ منها علمك عني، فقد عرفت أني بعد أن ~~لازمت الحانة، أو بالأحرى المنتدى الذي أعددته للغواة الأغنياء، عرفت الأمير، ~~وأحبني وأحببته دون سواه، واقترح علي أن أترك الحانة وأعيش مختصة به، ~~ففعلت. # بعد ذلك عرفتك وقد ذكرت لك السبب الذي حداني إلى أن أحبك حبا لم أحب سواك مثله، ~~وهو أنك أنت الوحيد الذي نظر إلى شخصيتي الروحية، وأغضى عن شخصيتي الجسدية والشخص ~~الوحيد الذي «لم يرمني بحجر.» # أحببتك حينئذ يا موريس؛ لأنك أحببتني معتقدا أني أستحق هذا الحب كما تستحقه ~~المحصنة من زوجها، والخطيبة من خطيبها. # أحببتك منتهى ما يستطيعه القلب البشري من الحب؛ لأنك أحببتني لأجل نفسي لا كما ~~أحبني أولئك الفريسيون لأجل أنفسهم، كانوا يبجلونني في منزلي ويتمنون أن يقبلوا ~~يدي في قاعتي، ولكنهم كانوا ينكرونني في الخارج أمام الناس؛ ليتبرءوا من دنسي ~~وما هم أبر مني. # أما أنت فقد ناقضت أولئك المرائين، وأكرمتني واحترمتني في العلانية كما في السر، ~~وشهدت بشرف نفسي وعرفتني بخطيبتك في نيوبار، ولم تقل حينئذ: إنها خطيبتك لكيلا ~~تثير غيرتي. # لم أبتذل لك يا موريس؛ لأني كنت واعدة أن أبقى أمينة للأمير ما دمت أعيش بماله، ولم ~~أشأ أن أنزلك منزلته؛ لأني أنزلتك مقاما أرفع ms082 من مقامه، وأشفقت أن «أستنفقك» ~~فرنكا واحدا علي؛ لأني أحبك حبا حقيقيا. # ولكن الأمير لم يجهل مقدار حبي لك، فغار منك علي كما غرت أنت منه، ولما رأيت أني ~~لا أقدر أن أرضيكما معا أبلغت الأمير أني مستقلة عنه، وصممت أن أعود إلى الحانة ~~لأسترزق منها، وأعيش لك وحدك. # كنت حينئذ غائبا في الإسكندرية يا موريس، وقد كتبت لك ولم أخبرك شيئا من ذلك؛ ~~لكيلا تسرع إلي قبل إنجاز شغلك وتمنعني عن فتح الحانة، فانتهزت فرصة غيابك وبحثت ~~عن منزل لائق. # في اليوم التالي لسفرك أي: في الصباح الذي انفصل فيه الأمير عني، وصممت فيه على ما ~~صممت حدث الحادث المهم غير المنتظر الذي حملني على مجافاتك بالرغم مني، وحملني ~~كل هذا العذاب الذي أعانيه في بعدك. # في ذلك الصباح إذ كنت أفكر في ماذا أفعل وفانتين خرجت لتفتش عن منزل، وأنا لم أزل ~~في غرفتي بثوب النوم قرع الخادم على بابي، ودخل يقول: «إن فتاة في القاعة تلتمس ~~مقابلتك يا مولاتي»، فقلت: «من هي؟» فقال: «لم تقل لي عن اسمها»، فقلت: «قل لها أن ~~تنتظر ريثما ألبس ثوبي.» # بعد بضع دقائق دخلت إلى القاعة، فوجدت فتاة تراءت لي ملاكا ارتدى الجسد البشري ~~لكي يتجلى لي؛ لأني رأيت لأول وهلة في وجهها الصبوح كل أمائر الكمال، وشعرت ~~بانعطاف قلبي إليها، ولاحظت اضطرابها شديدا فتوقعت أن مهمتها عظيمة، فبادأتها بعد ~~التحية قائلة: أذكر أني رأيت هذا الوجه يا مدموازيل قبل الآن، فهل تشرفينني ~~بمعرفتك؟ ~~- لست مخطئة يا سيدتي، فقد قدمني إليك المسيو موريس كاسيه في نيوبار مرة. # فكان كلامها هذا سهما ناريا عبر في صمامات قلبي، فكتمت ألمي وقلت: نعم، نعم، ~~ذكرت الآن، اعذريني قد نسيت الاسم يا عزيزتي بل إن موريس لم يفصح في التعريف ~~يومئذ، أو أني لم أنتبه حينذاك للأسماء. ~~- ماري مارتال. ~~- لي الشرف، هل أقدر أن أخدمك خدمة يا سيدتي؟ ~~- أتؤذنين يا مولاتي أن أقفل الباب؛ لأن حديثي معك سري؟ # فضغطت على زر جرس الاستدعاء؛ لكي يأتي ms083 الخادم فيقفله، فنهضت في الحال وأقفلته ثم ~~عادت إلى جنبي وقالت: إن المعروف الذي ألتمسه منك يا سيدتي عظيم جدا، لا أظن ~~أحدا التمسه قبلي. ~~- عسى أن أستطيعه فأسر أن أخدمك به. ~~- إنه صعب جدا يا سيدتي؛ ولهذا أعده عظيما حتى إذا استطعته صنعت أعجوبة في عالم ~~الإنسانية، ولقد لجأت إليك؛ لأني قرأت في سمائك يوم تعرفت بك في نيوبار أنك كريمة ~~الأخلاق جدا، فطمعت في كرم أخلاقك. # فأنهض هذا القول نفسي وجسم في كل مبدأ شريف، ونبه كل عاطفة، ولكني كنت أسمع ~~حينئذ نبضات قلبي السريعة كأن كلام الفتاة كان نذيرا بشقائي فتجلدت وقلت: قولي ~~يا عزيزتي ماذا تريدين فأفعله إذا كنت أستطيعه. ~~- إني يا سيدتي يتيمة الأبوين، وقد ربيت في بيت خالي وخالي عني بتربيتي جيدا كولد ~~له، وفي العام الماضي خطبني المسيو موريس كاسيه ... # فقلت مبغوتة: أخطيبك موريس. ~~- نعم يا سيدتي خطبني منذ عام تقريبا. ~~- عجيب! لم يقل لي. ~~- إنه يحبك ويعلم أنك تحبينه، فكيف يذكر لك ذلك؟ إنه يداري إحساساتك. # فبهت عند ذلك وشعرت أن بدر سعادتي قد أظلم في الحال، لم أدر لماذا أو كيف توقعت ~~شقاء هائلا، وبعد سكوت هنيهة استأنفت حديثها قائلة: لطالما ذكر موريس أمام ~~أصدقائنا، ومعارفنا أنك امرأة شريفة النفس جدا طيبة القلب قويمة المبادئ، وقد ~~ذكر ذلك مرة أمامي فكنت إذا سمعت هذا القول أتذكر ملامحك، فيتراءى لي أنه غير ~~مغرور، والآن أتمثلك أمامي بهذه الصفات. # عند ذلك بدأ الدمع ينبض من مقلتي قليلا لتأثري من كلام الفتاة؛ لأنه كان يصدر بملء ~~الثقة وبحرارة، ثم قالت: قلت لك يا مولاتي: إن موريس خطبني منذ عام، ومنذ عرفك ~~قل تردده علينا، والآن لا يزورنا في الأسبوع سوى مرة قصيرة أو مرتين، وقد عرف ~~أهلي أنه مشغول بك، وأن شغله هذا يفضي به أخيرا إلى تركي، فهموا غير مرة أن يردوا ~~له علامة الخطبة، فكنت أمانعهم وألتمس أن يمهلوه لعله يعود لي. # حينئذ بدأ دمع ماري يتفجر وهي تتكلم مجهشة: إني أحب ms084 موريس يا سيدتي منتهى الحب، ~~وأتصور أنه مؤملي الوحيد؛ ولا سيما لأني يتيمة وخالي لا يدوم لي، والحب يقوي ~~الأمل؛ ولهذا منعتهم أن يجافوه مهما جافى، ورجوتهم أن يتسامحوا له، ويصبروا عليه ~~كصبري مهما نأى وصد، وأخيرا خطر لي خاطر لو ذكرته لسواك لضحك مني، ولكني أقدمت ~~عليه وأنا واثقة أنك تجلينه؛ لأني أعتقد فيك ما يعتقده موريس، خطر لي يا سيدتي أن ~~آتي إليك، وألتمس منك قلب موريس. ~~- ويلاه، إنك يا هذه تطلبين حياتي مجانا. # وعند ذلك استرسلت في البكاء، ولم أستطع أن أكف دموعي أو أفوه بكلمة، فاستردت ماري ~~قوتها وعادت تقول: سبق وعد موريس لي قبل أن عرفك وعرفته، وأحبني قبل أن أحبك ~~وأحببته، ومع ذلك ما أتيت إليك يا سيدتي العزيزة؛ لكي أنازعك حقا لي، بل لكي ~~أرجو منك أن تتفضلي به علي إذا كان في وسعك، أسلم أن ما أطلبه منك فضل عظيم لا ~~يقابل بفضل، وإن تنازلك عنه صعب جدا، ولكنك تقدرين عليه إذا شئت. # إني يا مدموازيل إيفون فتاة، والفتاة كالزهرة في حديقة حافلة بالزهر تنتظر قاطفها، ~~فإذا لم يتيسر لها قاطف في مدة زهوها القصيرة؛ ليجعلها زينة لصدره فهيهات أن توفق ~~إلى قاطف يعرف قيمتها قبل أن تذوي وينتثر ورقها على الأرض. # إذا تركني موريس فهيهات أن يطلب يدي فتى آخر أحبه حبي لموريس، وإذا مالت نفسي بعده ~~إلى سواه، فكيف أضمن أن أستميله إلي، ليس لي يا سيدتي إلا موريس أما أنت فإذا ~~تركته فلك من تشائين من الشبان، الكل يتمنون رضاك، أما أنا فندر الذين يعرفون ~~بوجودي. # أنت تقدرين أن تتسلي عن موريس، وتسليه بمن يحفل بك من الظرفاء، وبما يحف حولك من ~~مسرات الحياة وأمجادها، أما أنا فأبقى سجينة في منزل خالي خاضعة لزوجته وأولاده، ~~وبعد خالي لا أدري ماذا يكون مصيري. # سكتت ماري هنيهة فلم أجبها بغير البكاء، ثم قالت: إنك يا سيدتي بتضحية حب مستفاض ~~تفتدين سعادة فتاة لا ترى نورا للسعادة إلا في محيا خطيبها، فإذا ms085 غاب عنها ذلك ~~المحيا خيم البؤس على قلبها كل عمرها، فإذا ضحيت هذه التضحية أحرزت مجدا لم ~~يسبقك أحد إليه، فحسبك أن يقال: إن المدموازيل إيفون مونار قهرت قلبها؛ لكي تنصف ~~فتاة منه إذ اغتصب منها حبيبها. # سكتت هنيهة وأنا أخبئ وجهي بكفي وأكفكف دموعي، ثم سألتني : هل تحبين موريس يا سيدتي ~~لكي تتزوجيه؟ # فأجبت على الفور مجهشة: كلا، ولو طلب بإلحاح؛ لأن الناس لا يعدونني صالحة ~~له. ~~- إذن ما دام يحبك فهو مقيد بك شارد عن الصواب، فقد يصرف عهد الشبيبة بل معظم العمر ~~سدى، فإذا أغفلته خدمته الخدمة الكبرى النافعة، وبذلك تبرهنين له على حبك ~~الحقيقي، لا أنكر أنك تغالبين حب نفسك وتضحين بأنانيتك إلى حين، ولكنك تولين اثنين ~~معروفا عظيما، وحسبك فخرا أن تكوني أول من ضحى بأنانيته لأجل من يحب؛ لأنه ما ~~من محب حتى الآن حبس نفسه عن حبيبه بغية خيره، فكوني أنت فريدة بين المحبين بهذه ~~المروءة الغريبة، وأضيفي هذه المحمدة إلى محامدك الوفيرة، إني أجلك جدا يا ~~سيدتي؛ ولذلك أتيت أتوسل إليك. # ماذا كان تأثير هذا الكلام علي يا موريس! إني أحببت خطيبتك كما أحببتك رفعت نظري ~~إليها، فتصورتها حملا وديعا يضرع إلى ذابحه، فتقطع قلبي شفقة عليها. # لم أستطع أن أجيبها بكلمة، بل بقيت مسترسلة في نحيبي كالولد الصغير فدنت مني ~~وطوقت عنقي بذراعها، وقبلتني في خدي قبلة حارة وقالت: إنك تفتتين فؤادي بهذا ~~البكاء يا حبيبتي إيفون، فإن كان ملتمسي عزيزا عليك، فإني أغالب قلبي وأقهره لأدع ~~نصيبي لك، لا مناص من التضحية، فعلى واحدة منا أن تضحي بأنانيتها. # تصورتها عند ذلك ملاكا أرسل من السماء؛ لكي يطهر قلبي ويغسل نفسي بقبلته، أو ~~رسولا أتى إلي؛ لكي يحثني على أن أكفر عن ذنوبي الأخيرة بكفارة عظمى، وهي أن ~~أحبس قلبي عنك؛ لكي تسلم لخطيبتك، حدثتني نفسي أن أنطرح أمامها أقبل قدميها، ~~وأبلهما بدموعي ملتمسة الغفران منها؛ لأني لها أخطأت في حبك، أشفقت أن ألثم ثغرها ~~الطاهر وأنا دنسة الشفتين، وإن كنت ms086 طاهرة القلب، نظرت فيها لما قبلتني وقلت: إن ~~موريس أصبح مبدأ حياتي الروحية، فكيف أطيق أن أفارق حياتي؟ ~~- إن حبك الصادق يا سيدتي يطالبك بالحرص على مستقبل موريس، فإن كنت ترين أن مستقبله ~~معك مجيد فاستبقيه، وشرف مبدئك يقضي عليك أن تنصفي قلبي من قلبك، فإن كنت تعتقدين ~~أن قلبك أحق به فاستحوذيه، أنت خصمي وأنت حكمي فاقضي كما تشائين، فإني راضية ~~بقضائك. # اعتدلت في مجلسي وكفكفت دموعي بمنديلي، وقد أصبحت عيناي متورمتين، وكان سكوت عدة ~~دقائق وأنا أشرق كل لحظة بدموعي وأتنهد، وأخيرا التفت إلى ماري وهي كالولد ~~الصاغر، وكل ذرة منها ضارعة إلي وقلت: إن ثقتك بي يا عزيزتي غير ضالة وظنك غير ~~مخطئ، فلطالما ضحيت برغائبي لأجل شرفي، فلتكن هذه أعظم الضحايا، أقسم لك يا ماري ~~بشرفي وبنفسي الطاهرة ... # فقاطعتني قائلة: لا تقسمي، إنك صادقة؟ ~~- ... إني أجفو موريس مغالبة هواي وشوقي إليه وقاهرة قلبي لكي يعود إليك، فأنت خير له ~~مني وأبقى، أضحي بأنانيتي وحب الذات لكي يثبت للناس أن بين جنبي إيفون مونار قلبا ~~شريفا، وإن عفافها لم يبذل إلا بحكم العادات الاجتماعية العسوفة. # ثم ملت إلى ماري وقبلتها في وجنتها، فتعلقت بعنقي كالطفل يعانق أمه، وجعلت دموعها ~~الحارة تنهل على صدري فضممتها إلى قلبي وقلت: قري عينا يا حبيبتي إن موريس لك ~~وحدك منذ الآن، وبعد قليل يبرأ من حبي. فرفعت نظرها إلي قائلة: بربك لا تدعي ~~موريس يعلم بزيارتي هذه لك، إن علم تنعكس الآية. ~~- لن يعلم قط؛ لأني لم أعلم أنه خاطب. # ثم فككنا عناقنا وجلسنا متحاذيتين، والأسى بيننا يعقد قلبينا بعروة حب لا تنحل، لم ~~نتمالك أن نستأنف البكاء صامتين، ولكن ماري اقتضبت ذلك النحيب بأن نهضت إلي ~~وقبلتني مرارا، ومضت من غير أن تنبس ببنت شفة. # أتصدق يا موريس أني قاسيت بمجافاتي لك أكثر منك؟ # بقيت وحدي بعد ذلك نحو ساعة أفكر فيك وفي خطيبتك، وأشعر بارتياح إلى تعهدي لها أن ~~أردك إليها، صممت أخيرا على ذلك وأنا لا أجهل صعوبته، ms087 بل أتوقع أن أعاني فيه أعظم ~~عناء، ولكن نفسي الكبيرة كانت تشدد قلبي لاحتمال ذلك العناء. # في ذلك المساء وصلني كتابك من الإسكندرية، ورددت لك جوابه بسيطا، ولما انتقلت إلى ~~المنزل الجديد تركت لك الرسالة المختصرة التي رجوت منك فيها الابتعاد عني لأنه ~~خير لك، ولقد لقيت منك بعد ذلك كل ما توقعته من غيرتك ومكايدتك لي، فكنت أتحمله ~~بالصبر آملة أن تصل إلى الغاية التي كنت أبعدك عني إليها، ولكني أتأسف لتعلقك ~~بميراي، وأخاف أن تضلك عن صوابك، إني صابرة إلى النهاية؛ لأني أقسمت لماري خطيبتك ~~أن أتركك بالرغم مني. # الفصل السادس عشر # | ثقل الجسد على الروح # 22 أبريل # كنت أكثر هذا الأسبوع في السرير أشعر بشوق شديد إلى عشرتك، أرى المنزل مظلما ~~لبعادك والساعات طويلة جدا، فأتوقع كل يوم قدومك، ليتك تأتي ولو لأجل مكايدتي، ~~أخاف أن تكون قد سلوتني وشغلت بميراي، نعم إني قصدت من مجافاتك أن تسلوني، ولكني ~~أجزع إذ أفتكر أنك سلوتني، ليس لي يا موريس تعزية سواك، فما أشد ظلمة الحياة وأنت ~~بعيد عني! # كنت قد أخبرت فانتين عن تعهدي لخطيبتك أن أتركك لها وأجفوك، وحرضتها أن تكتم الخبر ~~عنك، أتظاهر أمامها أني سلوتك، ولكني أشعر أن هذا التظاهر صلف وسخافة وكدت أندم ~~عليه؛ لأنه حرمني التحدث عنك، تتجنب فانتين محادثتي عنك لظنها أنها تسوءني، وهي لا ~~تدري أن تجنبها هذا يكاد يجنني، وأنا لا أزال متشبثة بكبريائي وآنف أن أبادئها ~~بكلمة عنك. # اليوم صحتي أحسن وفي نيتي أن أتنزه غدا في الجيزة على أمل أن أصادفك هناك، ليتني ~~أعرف أين تكون غدا مساء فأذهب. # 30 أبريل # مضى كل هذا الأسبوع وأنا في صحة حسنة، ولكن الهزال واضح في، قل زائري لأنهم لم ~~يعودوا يلتذون بعشرتي، أخذت فانتين تقتصد في نفقاتنا خوفا من الفاقة، خرجت ~~مرارا إلى المتنزهات فلم أرك ولا مرة، ألعلك سلوتني؟ لا أدري إن كانت ميراي تشغلك ~~أو أنك عدت إلى خطيبتك، إن خطيبتك جميلة ولطيفة وحساسة يا موريس، أحببتها، فعد ms088 ~~إليها ولو إكراما لي، ليتني أعيش إلى أن تتزوجا، لا أظنها تستنكف استقبالي ~~حينئذ. # إني حزينة جدا يا موريس، وأشعر بشديد الحاجة إلى تعزيتك، أكاد أندم على تعهدي ~~لخطيبتك إن أغفلك، ولكني أجالد قلبي وأغالب غيرتي ووجدي، أمس ضربت على البيانو ~~اللحن الذي كنت تحبه، وغنيته أنا وفانتين، فهاجت عواطفي نحوك فتفجر الدمع من عيني، ~~وأدركت فانتين أن قلبي يحاربني. # 2 مايو # عدت وفانتين في هذا المساء من القناطر الخيرية، قصدت إلى هناك؛ لأن صدري ضاق من ~~الوحدة، كان الهواء لطيفا جدا، ولكن لم يستطع أن ينفس كربي، كنا كل الوقت نذكر ~~نزهتنا السابقة إذ كنت إلى جنبي تحت الشجرة، وكانت أشعة الحب تشع من روحينا، ذكرنا ~~كل كلمة قلتها، وقلدنا كل حركة فعلتها، كنت اليوم مبتهجة بهذه الذكرى. # ذكرت فانتين اسمك مقرونا بميراي، فهاجت غيرتي واسترسلت بالبكاء، ولم ألبث أن ~~اعترتني نوبة ضيق النفس، توهمت أن ملاك الموت يقبض على عنقي لكي يخنقني، أغلق باب ~~رئتي وخلت روحي صارت بين ترقوتي ولكنها لا تستطيع الخروج، مزقت ثوبي عن صدري، آه ~~لو كنت معي لنفخت في فمي نسمة الحياة. # أصبحت يا موريس شديدة الاعتقاد بالبخت؛ لأني قضيت حياتي القصيرة مجاهدة في استرداد ~~مكانتي الأدبية؛ لكي أحصل على الهناء فذهب جهادي أدراج الرياح، ألوف أدنس مني ~~يهنأون وأنا أشقى، أليس السر في البخت؟ لما عرفك قلبي واحتواك قلت في نفسي: سيكون ~~موريس موضوع سروري في بقية أيامي وتعزيتي في آخر حياتي، فحسبي هذا جزاء طيبتي ~~وجهادي، ولكن انظر ما أسوأ بختي! لم أكد أقف نفسي لك بجملتي حتى بدا من عالم الغيب ~~ما أبعدك عني، ألا تعزو هذا إلى البخت؟ # 15 مايو # رأيتك أول أمس مع ميراي في مركبة واحدة في الجزيرة، فغلت غيرتي في صدري حتى أطارت ~~صوابي، عرتني نوبة ضيق النفس شديدة جدا حتى خافت فانتين أن تكون قاضية علي، ~~فأسرعت بي إلى البيت، ودعت الدكتور بوشه في الحال فعالجني حتى هدأ روعي، وكان يحسب ~~حسابا لانقضاء أجلي، في ms089 تلك الليلة لاحظت أن فانتين المسكينة بكتني في خلوتها، ما ~~أطيب هذه الفتاة يا موريس! أرجو منك أن تلتفت إليها لأجلي، حفظت لها من حلاي ~~خاتما نفيسا جزاء أمانتها وفضلها. # أتيت إلي ليلتئذ تسترضيني وأنا في منتهى انفعالي، فعاودتني النوبة شديدة، حزنت ~~جدا إذ تركتني مع أني علمت أن فانتين أشارت عليك بذلك حرصا على سلامتي. # عادني بعض أصدقائي أمس واليوم ومن جملتهم الأمير، وقبل أن يبرح وضع في كف فانتين ~~ورقة بخمسين جنيها فردتها له قائلة: «إن إيفون تغضب جدا»، ولم تدعه يخرج حتى ~~استردها. # أشعر أن أيامي أصبحت معدودة، وأتوقع الموت كما يتوقعه المحكوم عليه به، أرى الدقائق ~~طويلة جدا وأحتار كيف أقتلها، لو كنت معي لمر ما بقي من عمري القصير كالحلم، ~~الطبيب يحقن ذراعي بمقو للقلب لكي يقوي قلبي الضعيف، كأنه يحاول أن يمد أجلي ~~وما درى أنه عمر شقائي وعذابي، ليت بقية حياتي تختزل بربع ساعة تكون أنت فيها إلى ~~جنبي. # كل ساعة أتوقع قدومك، فأين أنت يا موريس؟ إني في شديد الحاجة إلى تعزيتك. ويلاه! ~~ألا أجد حولي محبا غير فانتين، ما أعظم أجرك يا فانتين! السماء لك. ما أقسى قلبك ~~يا موريس! إني متغيظة منك، إذا أتيت إلي فلا بد أن أوبخك بكلام مر. # 17 مايو # موريس! أين أنت؟ لماذا لا تأتي؟ كادت النوبة تختنقني الآن فجزعت فانتين، وأرسلت ~~الخادم ليستدعي الطبيب فلم يجده، وجعلت تفتح الشبابيك وتهوي وجهي بالمنشفة، لم أكن ~~أظن أن الجسم البشري يحتمل هذا العذاب، لم أجزع من الموت ولكني أتعذب كثيرا، أخاف ~~أن أموت ولا أراك، نضبت غددي الدمعية فصرت أعول وأنوح بلا دموع، ويلاه! الموت ولا ~~العذاب؟ # 18 مايو # إلي موريس! إلي! إني مائتة، ويلاه أموت وليس حولي أحد ممن أحب؟ ليت أخي يعرف ~~أني لدى باب الأبدية! لا أشك أنه يزورني، ينسى ماضي، أموت سعيدة إذا كان ملاك ~~الموت يتناول روحي من بين يديه، ليتني أرى زوجته وأولاده. # لم يزرني أحد منذ بضعة أيام، تأثرت مستاءة ms090 جدا من كل أولئك الأصدقاء الذين كانوا ~~يتنافسون في مرضاتي، وفي ساعات احتضاري أغفلوني، ما أقل وفاء الرجل وما أحبه ~~لنفسه، وهت يدي قد لا أستطيع أن أكتب لك بعد. # إيفون مونار # 19 مايو # اليوم حالي أحسن قليلا، لم تعاودني النوبة، ومع أني لا أطمع بالسلامة أشعر ~~بارتياح، ولعل سببه أن الدكتور بوشه أخبرني أنك قلق علي بيد أني مشفقة عليك ~~لقلقك، لا تحزن لموتي يا موريس، أموت فداك مسرورة بثباتي إلى النهاية على عهدي ~~لخطيبتك الجميلة الطيبة القلب، متى قرأت كتابي هذا فلا بد أن تحقق أمنيتي بتزوجك ~~إياها هذه هي تعزيتي الوحيدة الآن، أسر إذ أتصور أنك ستقرأ هذا الكتاب، آه، ليت ~~خطيبتك تعرف باحتضاري فلا ريب أنها تعودني ولو خفية، ليتها تعودني فأضع كفها ~~الرخصة النضيرة على قلبي فينتعش، لم أعد أود أن تراني يا موريس؛ لئلا تبكي كثيرا. ~~رأيت وجهي في المرآة فارتعت. # إيفون # ويلاه ما أمر الموت! جزعت جدا يا موريس لأن النوبة كانت أشد من كل نوبة سابقة، ~~وتأكدت أنها القاضية، عجيب أنها عبرت من غير أن تفصل روحي عن جسدي، وعجيب أن صوابي ~~لا يغيب هنيهة كأن حواسي وأفكاري متيقظة دائما؛ لكي تزيد آلامي، سأرجو من الدكتور ~~أن يستدعيك؛ لأني لم أعد أطيق مجافاتك لا بد أن تغتفر لي خطيبتك هذا الإثم، إنها ~~رحيمة وأنت تتوسل إليها أن تغفره، رحماك موريس! تعال دقيقة قبل أن أموت. # إيفون # الفصل السابع عشر # | الصراع الأخير # قال الطبيب: وما أتيت على آخر هذا الكتاب حتى كنت قد استنزفت آخر دمعة من عيني، ~~وكانت الصفحات الأخيرة منه مكتوبة بقلم رصاص، ووهن يد إيفون ظاهر فيها، والصفحة ~~الأخيرة لا تكاد تقرأ؛ لأن حروفها مضطربة والإمضاء الأخير ليس إلا خطا ~~متموجا. # دهشت لما أدركت أن المدموازيل ماري مارتال خطيبة موريس إنما هي ابنة إيفون، وأنها ~~قصدت إليها واستوهبتها منها قلب خطيبها، وهما تجهلان إحداهما الأخرى، هممت في ~~الحال أن أمضي إلى موريس؛ لكي أطلعه على كتاب إيفون، فإذا هو داخل ms091 علي يضطرب ~~كالمجنون فبادأني قائلا: قد استبطأتك فهل جد لك ما أعاقك؟ ~~- كنت الآن على أهبة المضي إليك اجلس. ~~- كيف إيفون؟ قيل لي: إنها أسوأ حالا اليوم. ~~- بل هي كالأمس فلا تجزع، اجلس فإن لي حديثا معك. ~~- خير إن شاء الله. # جلس فناولته كتاب إيفون وقلت: خذ اقرأ هذا الكتاب بهدوء وسكينة، وأقسم لي أنك لا ~~تخرج من هنا حتى أعود إليك. ~~- ما هذا الكتاب؟ ~~- من إيفون لك، وقد أوصتني أن أحفظه عندي إلى حين، ولكني رأيت أن من الصواب أن ~~أدفعه إليك الآن. # فتناوله بلهفة وقال: إني سجين هنا إلى أن تطلق سراحي. # من حسن الحظ أني كنت أعرف المسيو جوزف ماتون معرفة بسيطة، فذهبت إلى منزله فلم ~~أجده؛ لأن الوقت كان المساء فبحثت عنه فوجدته في سبلندد بار، التمست مقابلته على ~~انفراد فاعتزلنا في إحدى زوايا الحانة، فبادأته قائلا: إن لي معك حديثا خطير ~~الشأن يا مسيو ماتون، فلا أعلم كيف أفتتحه إذ لا أدري ماذا يكون وقعه في نفسك، ~~ولكن إذا وثقت بحسن نيتي سهلت لي محادثتك فيه. ~~- أراك شديد الاهتمام يا دكتور بوشه، وأخاف أن يكون حديثك سيئا، فابسطه بكل حرية، ~~إني هادئ الخلق. ~~- إذن أرجو أن تصدقني الجواب، ألم يكن لك أخت تدعى جوزفين؟ # وجم عن الجواب، فقلت له: أما أذنت أن أبسط لك حديثي بكل حرية، ووعدت أن تكون هادئ ~~الخلق؟ فأرجو أن تسامحني إذا كان تسآلي يسوءك. ~~- نعم لي أخت بهذا الاسم. ~~- والمدموازيل ماري ابنتها؟ ~~- نعم، ولكن ليس من يعرف ذلك إلا زوجتي؛ لأني أخذت الفتاة من أمها طفلة إلى باريس ~~ثم نعيتها إليها؛ لكي أقطع كل صلة بينهما، وهي لا تعلم إلا أنها يتيمة ~~الأبوين. ~~- هذا ما أدركته، هل تعرف شيئا عن أختك الآن؟ ~~- لماذا هذا التسآل يا سيدي؟ ~~- أتيت لكي أخبرك أنها مريضة وتتوق أن تراك. # فاغرورقت عيناه بالدموع وقال: تريد أن تقول: إنها تتأهب للرحيل إلى الأبدية أين هي ~~الآن؟ ~~- هي هنا في مصر باسم إيفون مونار. # وعند ذلك لم ms092 يستطع أن يتمالك عبراته فقال: نعم أريد أن أرى أختي. ~~- إذن هلم معي. # وفي الحال نهضنا وركبنا مركبة إلى منزلي، وكان كل هنيهة يسألني سؤالا وهو ممتقع ~~الوجه خافق الفؤاد، ولما صعدنا قلت: أتيت بك يا سيدي إلى منزلي أولا لكي أطلعك ~~على تاريخ أختك قبل أن تراها، وهنا ترى المسيو موريس كاسيه فأرجو منك أن تقابله ~~بالبشاشة مقابلة الصديق للصديق. # فنظر في مستغربا كأنه يسمع ألغازا، فقلت له: لا تستهجن أمرا الآن، فسيتضح لك ~~كل شيء. # ولما دخلنا إلى القاعة وجدنا موريس جاثيا على الأرض ومرفقيه على المقعد، ورأسه بين ~~كفيه، فلما شعر بدخولنا التفت، فوجدت عينيه قد تورمتا من فرط البكاء، ومنديله ~~يذرف دموعا، وفي الحال هب إلى المسيو ماتون وهز يده، ولم يستطع أن يفوه ببنت ~~شفة؛ لأن الحزن أخفت صوته بيد أنه دفع كتاب إيفون له، فقلت للمسيو ماتون: اقرأ هذه ~~الكتاب لكي تعلم كيف تقابل أختك. # ثم خرجت وموريس إلى غرفتي وتركنا المسيو ماتون يقرأ وحده، استأذنني موريس أن يمضي ~~إلى إيفون، فاستمهلته ريثما يفرغ المسيو ماتون من قراءة الكتاب، ولكني بعد برهة ~~قصيرة رأيته أنه أصبح شعلة من شدة الحمى، وخفت أن إمساكه عندي دقيقة أخرى يجنه، ~~فأوعزت إلى الخادم أن يرشد المسيو ماتون إلى منزل إيفون متى شاء ومضيت وموريس ~~إليها. # كنت خائفا جدا أن تقع مقابلة موريس لإيفون موقعا سيئا على سلامتها، فأوصيته أن ~~يكون هادئا حكيما لديها، واستحلفته أن يطاوعني في كل ما ألتمسه منه، فانقاد ~~إلي انقياد النعجة إلى الراعي، وجدنا إيفون في خمود يدل على اقترابها من شفا ~~المنية؛ لأن النوبات توالت عليها في ذلك الحين فلم تبق لها همة، وصرت أتوقع النوبة ~~القاضية عليها ساعة بعد أخرى، ومع ذلك تراءت لنا كالملاك السماوي، فزال امتقاع ~~وجهها وأصبح محياها متلألئا شفافا كحجر الكهرمان. # ولما رأت موريس ابتسمت له ابتسامة سماوية من غير أن تضطرب، وجاهدت أن تمد إليه ~~يدها فتناولها موريس، وقبلها مرارا وكانت دموعه قد نضبت من فرط ms093 البكاء السابق، ~~واجتهد أن يبش لها كما أوصيته، ثم جلست لدى رأسها وموريس جلس لدى صدرها، وبعد ~~هنيهة قالت باشة: أتيت يا موريس؟ ~~- بماذا تشائين أن أكفر عن ذنوبي يا إيفون؟ بل أرجو منك أن تغفريها؛ لأنه ما من ~~كفارة تستطيع أن تمحوها. ~~- سامحتك على كل إساءة في حينها يا موريس، وعذرتك عليها، ولكني ألتمس منك أن تكافئي ~~حبي الخالص بأن تعود إلى خطيبتك التي ضحيت بقلبي لأجلها ولأجلك، إني مائتة يا ~~موريس وماري باقية، فاستعض بها مني إن كنت لا تزال تحبني. # فجعل موريس يمرغ وجهه بيدها ويقول: إني أعبدها؛ لأنها نسخة منك يا إيفون. # فالتفتت به التفاتة استغراب فعاد يقول، قرأت كتابك يا إيفون، وعرفت منه أنك شقيقة ~~جوزف ماتون خال ماري. # فقالت مدهوشة: يا لله ماذا تقول؟ ~~- أقول: إن ماري ابنتك يا إيفون، وأنا أعبدكما معا. # فعادت تستلقي على ظهرها، وتنهدت وقالت: إذن لم تزل ابنتي حية، أريد أن أرى ابنتي ~~قبل أن أموت يا موريس، بربك استقدمها إلي، أريد أن أضمها إلى قلبي قبل أن ~~أموت. # فالتفت موريس إلي كأنه مني ينتظر الجواب على هذا الطلب فقلت: بعد قليل يكون أخوك ~~هنا يا سيدتي فنطالبه بابنتك. # فقالت: بربكما أريد أن أرى أخي وابنتي. # فقلت: إذا استبطأناه ذهبت إليه لكي أستقدمه. # فقالت: هل عرف أمري؟ # فقلت: إنه في منزلي الآن يقرأ كتابك. # فأنت وقالت: ويلاه! ثم ارتخت قواها فأغمضت عينيها وعراها مثل سبات، وكان موريس ~~ينظر إليها نظر العابد إلى المعبودة تارة، ثم يضع شفتيه على كفها أخرى، وفانتين ~~واقفة عند قدميها، وقد وضعت وجهها في منديلها. # وبعد برهة سمعت دوي مركبة فأطللت فوجدت المسيو ماتون وابنة أخته يخرجان من ~~المركبة، ولما دخلا أحست إيفون بدخولهما ففتحت عينيها، وابتسمت ابتسام ملاك وتفرست ~~فيهما، فأسرع إليها المسيو ماتون وانحنى فوقها وجعل يقبلها قبلات لطيفة ويهذرم ~~فوقها كأنه يهذي من شدة التأثر، وما فهمت من كلامه إلا قوله: «فديتك يا أختي، أضحي ~~بنفسي لأجلك، سامحيني على ماضي إغفالي لك»، ms094 ثم اعتدل وأخذ يد ماري ابنتها وهي تشرق ~~بدموعها، وتشهق في نحيبها وقدمها إلى إيفون قائلا: «هذه ابنتك يا أختي قد صنتها ~~منك، ولكني أقدمها لك الآن لكي تنال بركتك.» # فتفرست إيفون بماري هنيهة من غير أن تفوه بكلمة، ثم جمعت آخر قوة عندها ورفعت ~~ذراعيها، فكان عنق ماري بينهما وشفتاها على شفتيها، ورأيت حينئذ إيفون تتصعد ~~طويلا كأنها تملأ رئتيها من أنفاس ابنتها، وبقيتا متعانقتين هكذا نحو دقيقتين إلى ~~أن نفدت قوة إيفون، وارتخت عضلات ذراعيها فسقطتا على ظهر ابنتها واهيتين. ~~وحينذاك نهضت ماري عن أمها، فرأيت إيفون تسكب آخر دمعة ادخرتها لابنتها. # أما موريس فكان حينئذ واقفا منحني الهامة مكتوف اليدين خاشعا، وفانتين واقفة عند ~~قدمي سيدتها تلتقم منديلها. # ثم قعد المسيو ماتون حيثما كنت قاعدا، أي: قرب رأس شقيقته، وماري قعدت حيث كان ~~موريس، أي: قرب صدر أمها، وكان سكوت نحو دقيقتين وإيفون مغرورقة العينين مطبقة ~~الجفنين، ثم فتحت عينيها فوقع نظرها على ماري، فقالت بصوت خافت جدا لا يكاد ~~يسمع: «هل عوقبت بذنبي يا فلذة كبدي، لقد كفرت أعظم كفارة عنه لموريس، فغسل إثمي ~~بدموعه ومحا عاري بحبه»، فأعطيه يدك يا ماري، إن موريس طيب القلب جدا ويحبك كما ~~أحبني. # فنزفت عيوننا حينئذ آخر ما فيها من الدموع، ثم استعادت إيفون قوة من عالم الأرواح، ~~وقالت بصوت مرتفع قليلا مرتجف: «موريس لم لا تتقدم إلى ماري فتعطيك يدها؟» فأسرع ~~موريس وتناول يد إيفون بيمناه ويد ماري بيسراه، وجعل يقبلهما الواحدة بعد الأخرى ~~ويمرغ وجهه بهما. # ثم التفتت إيفون بكل عناء إلى أخيها المسيو ماتون، وقالت له: «هل غفرت لي يا أخي ~~جوزف؟» فأجابها: «إني أقضي بقية شيخوختي يا أختي جوزفين أكفر عن ذنبي لك، فبأي ~~كفارة أستطيع ذلك؟» # فأجابت: «بأن تحب موريس؛ لأنه هو الوحيد الذي أحب نفسي الطاهرة، وتغاضى عن جسدي ~~الدنس. وأنت يا ماري هل صفحت عن موريس؟» # فأجابت ماري والحياء يصبغ وجنتيها: إني أحبه يا أماه؛ لأنه أحبك. ~~- وهل تحبين فانتين؟ ~~- فانتين أختي؛ ms095 لأنها خدمتك خدمة البنت لأمها. ~~- أتزورين معهما قبري؟ # فاسترسلت ماري بالبكاء، ووضعت وجهها على صدر أمها وقالت: لن تفارقينا يا أماه، إنك ~~ستشفين، نستوهب الله الجواد روحك بصلاتنا الحارة ودموعنا السخينة. # وعند ذلك كانت كل قوة في إيفون قد نفدت، وكل عزيمة قد تلاشت فأطبقت جفنيها ووجهها ~~يهل بشاشة وبشرا، وكنا كلنا سكوتا حولها نتوقع بكل أسى صوت ملاك الله يقرع باب ~~حياتها؛ لينقل روحها إلى العالم الثاني السعيد، وبعد برهة قصيرة فتحت عينيها ونادت ~~أخاها المسيو ماتون قائلة: أخي جوزف، إني مائتة لا محالة، فاستدع لي الطبيب ~~الروحي؛ لكي يداوي نفسي قبل رحيلها. # وفي الحال أرسلنا الخادم ليستدعي قسيسا، وفي نصف ساعة كان القسيس الشيخ جالسا إلى ~~سريرها، فأفاقت له في الحال وطلبت إليه أن «يمشحها»، استأذننا القسيس عندئذ أن ~~نخلي له المكان؛ لكي يعرفها فخرجنا والحزن ملء أفئدتنا، وبعد نحو ربع ساعة صفق ~~القسيس، فدخلت في مقدمة الكل فوجدتها والنوبة تهاجمها والقسيس يصلي ذارفا عبراته، ~~وهي تحاول أن تقول: «إلهي، إلهي»، فتفطرت قلوبنا لمنظرها وهي تمزق قميصها عن ~~بدنها، وبعد بضع دقائق كانت تقاوم فيها ملاك الموت طرحت ذراعيها على جنبيها معياة، ~~وكنت إلى جنبها فجسست نبضها فوجدته ينبض متلاشيا، وبعد هنيهة سكن، فهمست للمسيو ~~ماتون أنها قضت، فاسترسل الكل بالبكاء والقسيس من الجملة، وهي أول مرة رأينا ~~قسيسا يبكي ميتا، كما أنهم رأوا طبيبا يبكيه أيضا، عند ذلك قال القسيس: عاشت ~~خاطئة وماتت بارة، وكانت شقية والآن سعيدة. ~~••• # في اليوم التالي شيعت جثة إيفون بمأتم بسيط جدا لم يمش فيه سوانا، وموريس ابتنى ~~لها ضريحا فخما، وهو وماري زوجته يزورانه كل أسبوع مرة، وينثران عليه الدموع ~~والأزهار إلى الآن. # قال الطبيب: وما رأيت في حياتي امرأة استنزف السقام دماءها، وأذاب جسمها إلى أن ~~صارت رسما أو خيالا إلا زالت كل مسحة جمال فيها، أما إيفون فكان السقام كأنه ~~يبدد كثافة إقنومها الروحاني، فتراءت لي في ساعة احتضارها أجمل امرأة يتصورها ~~العقل، ولا ريب عندي أن تلك المرأة ms096 احتملها الملائكة الأبرار إلى عالم الأبدية ~~السعيدة؛ لأنها ماتت قديسة مطهرة، والله غفر لها جزاء حبها الصادق وإنكارها ~~لنفسها. # مصر في 5 مايو سنة 1906 # نقولا الحداد # | آراء بعض العلماء في «حواء الجديدة» # لما فرغت من طبع هذه الرواية خطر لي قبل نشرها أن أستوضح آراء بعض علمائنا الأفاضل ~~فيها، لا سيما في الفكرة التي دارت وقائع الرواية على محورها، والنهج الذي انتهجته ~~لها؛ لأن كل امرئ يرى عمله حسنا مهما كان، فإذا لم يعرضه على نظر الغير لم ينتبه ~~إلى ما فيه من الأخطاء؛ ولذلك بعثت ببضع نسخ من الرواية إلى بعض من عرفوا ~~بالأريحية والفضل في عالم العلم والأدب، ورجوت منهم أن يطالعوها، ويتفضلوا علي ~~بأفكارهم فيها، فأتتني منهم رسائل لم تخل من الاستحسان والتشجيع مع ما فيها من ~~الانتقاد والاقتراح المبنيين على حرية الضمير وسلامة النية وحسن الظن، فأشكر لهم ~~استحسانهم شكرا عظيما، وانتقادهم شكرا أعظم، ولا أراني ذا حق بمناقشتهم هنا ~~فيما خالفوني فيه من الرأي، وإن كان لي نظر آخر في شرح ما كتبت. # وها أنا أنشر تلك الرسائل الغراء في ختام هذه الرواية حلية لها، وإثباتا لامتناني ~~لأولئك العلماء الأفاضل. ~~(1) رسالة حضرة العالم المفضال والكاتب البليغ السيد محمد رشيد رضا منشئ مجلة ~~المنار الغراء # مصر في 8 جمادى الثانية سنة 1424 # عزيزي الفاضل # رغبت إلي أن أقرأ قصتك الجديدة «حواء الجديدة»، وأكتب إليك برأيي فيها ~~وأثرها في بعد القراءة. # أراك أحسنت في التصوير والتخييل، واعتصمت بحبوة النزاهة والأدب في التعبير، ~~وأراني استعبرت لغير ما عبارة في القصة، أما الموضوع الاجتماعي الذي نفخت ~~فيها من روحه فليس طريفا عندي، قرأت وسمعت فيه شيئا عن الإفرنج وفكرت فيه ~~كثيرا، ولعل ما قرأته لك فيه خير من قليل ما علمته عنهم، وأبشرك بمستقبل ~~حسن في خدمة أدب النفس والاجتماع، بما توجهت إليه من وضع أمثال لهذه القصة ~~في غايتها دون خصوص موضوعها. # كل بغي شقية في هذه الحياة قبل الحياة الآخرة، ولكن يعز أن يوجد في بلادنا ms097 ~~بغي لها من مكارم الأخلاق وشرف النفس وجودة الذهن بعض ما رويت عن «إيفون ~~مونار»، ويوشك أن يوجد لها ند في بلاد الإفرنج لمكان التربية الدينية ~~والأدبية عندهم، كما وصفت من تربيتها، فأكثرهن - إن لم نقل كلهن - قوارير ~~أقذار وقرارات وقاحة، وصغار لا فائدة من تصغير جرائرهن وعطف القلوب عليهن ~~إلا جذب من بقي عندنا سليم الفطرة إليهن ، أقول هذا وأنا على تعجبي من فساد ~~فطرة من يستطيع الدنو منهن ممن يحزن لشقائهن، ويصدق أن أكثرهن مكرهات على ~~الفجور كارهات للبغاء، لو وجدن مخرجا منه لهرعن إليه، حتى إنه سبق لي بحث ~~مع بعض أهل الفضل في وجوب السعي لإنشاء ملجأ يؤوي من يريد التوبة منهن، ~~ويغنيهن عن طلب الرزق بأعراضهن، ولو وجد من يسعى الآن في مثل هذا لكاد يكون ~~للاعتذار عنهن، والاستعطاف عليهم فائدة. # لك أن تصف من شقائهن بما شئت من إسهاب لتنذر الممرضات لمثل فعلهن أن يتدهورن ~~في مثل هاويتهن، ولك أن تصف من فساد الفاسقين وإفسادهم، وتشوه من سيرتهم ~~بما استطعت من إطناب لتنفر عن مثل عملهم، وتحذر الفتاة الغر من تغريرهم، ~~فتكون على بصيرة من عاقبة فجورهم، وما يتوسلون به من بهتانهم وزورهم، وليس ~~لك في رأيي أن تجعل ما تكتب منظارا يكبر مخازي الفساق من جهة؛ ليصغر فضائح ~~الفواسق من الجهة الأخرى. # إذا انتقدت عليك تصغير فاحشة المسافحات في مقابلة تكبير فاحشة المسافحين ~~مرة، فإنني أنتقد الاحتجاج على تصغيرها بشيوع الفاحشة في ربات البيوت ذوات ~~البعول سبعين مرة؛ لا لأن ذنب المسافحات أشد ضررا من ذنب ذوات الأخدار؛ بل ~~لأن إظهار ذلك وبيان أن الناس يتسامحون مع ذوات الأخدار، وهم يعلمون ~~بخيانتهن لأزواجهن مما يضر نشره في قصص يقرؤها النساء من العذارى والأيامى، ~~إذ لا تتصور التي تلين للفاسق أن بذل عرضها يفضي إلى أن تكون بغيا ~~مسافحة، وإنما يغلب على ظنها أنها تصادف زوجا يستر فضيحتها بغفلته أو قلة ~~غيرته. # قرأت ما كتبت إيفون عن خداع ذلك الشرير لها، وعن اجتهادها في ms098 استرداد ~~شرفها بالسيرة الحسنة عسى أن تصادف زوجا مهذبا تعيش معه عيشة راضية ~~شريفة، وعن عجزها وإعواز ما رامت، وانتقادها إطلاق الوالدين العنان للبنات ~~وسماحهم لهن بمعاشرة الشبان، فتمنيت لو يقرأ ذلك العذارى اللواتي أصبحن ~~عرضة لمثل ذلك البذل لأعراضهن بإطلاق أهليهن العنان لهن مع كثرة ما يحاول ~~الفساق من مخادعتهن، وقرأت ما كتبت عن شيوع الفاحشة في ربات البيوت وإغضاء ~~الناس عنهن، فتمنيت لو لم تطلع عليه قارئة لا سيما إذا كانت عذراء. # هذا ما كان من أثر القصة في نفسي، استحسان لما عدا الأمرين المنتقدين من ~~ناحية ما ينتظر من تأثيرهما في القارئات، وأرجو أن تتوخى فيما ستكتسب ~~الغاية والفائدة أكثر مما تتوخى من حسن الوضع ولطف التعبير، وقوة التأثير، ~~وأجدر بمن يعرض عمله لنقد الرجال أن يبلغ فيه غاية الكمال. # المخلص # محمد رشيد رضا ~~(2) رسالة حضرة العالم النحرير الحميد الأثر الدكتور شبلي شميل # حضرة الكاتب الفاضل نقولا أفندي الحداد المحترم # تلوت رسالتك مسرورا، وتناولت هديتك شاكرا وقرأت كتابك معجبا بأسلوبه ~~وموضوعه، أما الأول والثاني فهزة طرب من حكة جرب، وقل من يسلم منها من ~~الناس ولو حاول سترها وأراد التنصل منها، الناس يخدعون الهيئة الاجتماعية ~~بما يحملونها به على أن تسمهم بسمة الاتضاع، ملتمسين هكذا لطربهم بدل الهزة ~~هزتين، ولجربهم بدل الحكة حكتين، وهو لعمري الكبر المركب ولكن مع الرياء، ~~ونفاق في التعبير عن الشعور ولكن مع الدهاء، وربما عدوه من الذكاء، وهو ~~بالحقيقة لهذه الهيئة من بعض المفاسد التي يعدونها محامد. # لم تقع «حواؤك الجديدة» تحت نظري حتى استغوتني كما استغوت حواء آدم من قبل، ~~فقمت أطالعها ولا ألوي على شيء حتى استنفدت في قراءتها بعض ليلة ويوم، وقد ~~أعجبني جدا منهاجكم فيها إذ جعلتموها في أسلوب رواية اجتماعية حسنة السبك ~~مؤثرة منبهة تشوق القارئ مطالعتها، وتؤثر في عواطفه وقائعها وتستفز حميته ~~مظالمها، حتى إذا انتقل من ذلك إلى إعمال الفكرة في نظام الاجتماع لم يقف ~~عند هذا الحد من الحيف، بل بدت له معائبه الكثيرة ms099 في شرائعه وعاداته ~~وأحكامه، والتي لم ينظر فيها إلا إلى تأييد جانب القوة وهضم حقوق الضعيف في ~~كل أموره، حتى جاء نظامه المصطنع مخالفا لمبدأ نظامه الطبيعي، ففسدت ~~التربية العائلية والاجتماعية والمدرسية، وكانت سببا لمتاعب الإنسان ولكل ~~الشرور التي شكا الاجتماع منها في الماضي، ولا يزال يشكو منها في الحال، ~~والإفاضة في ذلك من المباحث الاجتماعية الكثيرة التشعب ، التي لا يسمح ~~المقام في هذه العجالة إلا بالإلماع إليها على وجه إجمالي، والتي يعبر عنها ~~بأفصح بيان هذا الاضطراب الذي نشاهده كل يوم في أحوال العمران لرده إلى ~~مجراه الطبيعي؛ لأن النواميس الطبيعية كالأجسام المرنة إذا فسرتها، فهي ~~تحاول دائما أن تعود إلى حالتها الأصلية، وكلما كان الضغط عليها شديدا ~~كان رد الفعل فيها شديدا كذلك. # خذ مثلا بسيطا لفساد التربية التي أشرت إليها الانتحار الكثير الشيوع في ~~الطبقة المهذبة حسب مبادئ هذه التربية، أليس سببه تربية الناشئة على مبادئ ~~خيالية وهمية مخالفة لنواميس الطبيعة، كما بسطت ذلك في مقالة سميتها ~~الانتحار نشرت في جريدة البصير من عهد غير قريب؟ وخذ لذلك مثلا آخر الكذب ~~أليس سببه الأول معاقبتنا الإنسان على الصدق، ومحاولتنا تفريق مصالحه في ~~الاجتماع؟ أو ليست السرقة مسببة عن منعنا الإنسان عما يحتاج إليه؟ أو ليس ~~الرياء والاحتيال سلاح الضعيف لصد القوي عن التعدي عليه إذا بدت له فرصة ~~ضده كان انتقامه منه شديدا؟ وإلى ذلك أشار الشاعر العربي بقوله: # والظلم من شيم النفوس فإن تجد # ذا عفة فلعلة لا يظلم # فحواؤك الجديدة من الروايات الحسنة جدا في موضوعها؛ لأنها بتوجيهها الفكر ~~إلى عيب واحد من عيوب هذا الاجتماع تنبهه إلى النظر في سائر أحواله، وتكشف ~~له عيوبا أخرى كبيرة وتفسح له المجال للتفكير بها. وإذا لم يكن في ذلك - ~~كما قال الإمام الغزالي - إلا ما يشككك في اعتقادك الموروث لكفى به نفعا، ~~فإن من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمى ~~والحيرة. # فالمرأة بالطبع لما كانت أضعف من الرجل ms100 في تكوينها الطبيعي - وهذا الضعف ~~ربما لم يكن أصليا فيها، بل من نوع التربية والعمل - كانت شرائعه كلها ~~حيفا عليها، ولكن لا تظن أن رد فعل ذلك على الرجل لا يكون شديدا، فإذا ~~كان سلاحه ضدها القوة فهي تقاومه بسلاح ضرره عليه أشد، وهو الرياء ~~والاحتيال، ولقد أجاد من قال فيها مشيرا إلى حال الرجل معها: # فهي شيطان إذا أفسدتها # وإذا أصلحتها فهي ملك # ولا يخفى أن الروايات الشائعة بين الناس بعد القصص الخرافية ثلاث تمثل ~~الأدوار التي مر عليها الإنسان في ارتقائه: روايات خيالية تصور لك ~~الإنسان كما تريد لا كما هو، وروايات طبيعية تصفه كما هو حقيقة، وروايات ~~اجتماعية يقصد منها كشف معائب العمران لإصلاح حال الإنسان فيه. وقد توسمت ~~من مطالعة حوائك الجديدة ميلا بك لمثل هذه المباحث الاجتماعية، فإذا جاز ~~لي أن أعطيك رأيا فأرى أن تسير في رواياتك على هذا النمط، فالمواضيع ~~الاجتماعية كثيرة، وكلما خطوت خطوة بدت لك فيها عيوب كثيرة، ولا ريب عندي ~~أنك بسلوكك هذا المسلك تستفيد وتفيد. # شبلي شميل # رمل الإسكندرية 30 يوليو سنة 1906 ~~(3) رسالة العالم الفاضل والمؤرخ المدقق المرحوم جورجي بك زيدان مؤسس مجلة ~~الهلال الغراء # رأس البر في 4 أغسطس سنة 1906 # حضرة الصديق الفاضل # أدركتني روايتك «حواء الجديدة» في رأس البر، وقد جئته للاشتغال بالبطالة ~~والدأب على الفراغ التماسا للراحة من عناء القلم، فهجرت الكتب والورق وعفت ~~الأصول والمسودات والبروفات، وعاهدت نفسي أن لا أطالع كتابا مهما يكن ~~موضوعه على حين أن المطالعة تسلية رجال العمل في ساعات الفراغ، أما جماعة ~~الكتاب فإنها تذكرهم بأوقات المشقة، فراحتهم بالبعد عنها، فلما جاءتني ~~روايتك لم أر بدا من قراءتها قياما بالواجب، فبدأت بتصفحها وأنا أصبر ~~نفسي على ذلك؛ لأني أكثر رغبة في مطالعة كتب التاريخ والعلم مني في مطالعة ~~كتب الفكاهة، لكنني ما كدت أتصفح بعضها حتى خيل لي أني أطالع كتابا ~~فلسفيا علميا أخلاقيا، فبعد أن كنت أصبر نفسي على المطالعة أصبحت لا ~~أصبر عنها، واستغرقت في الموضوع ms101 ولذ لي إعمال الفكرة فيه، فأعجبني ما ~~تضمنه الكتاب من الأدلة على فساد الرجل، وإلحاقه عار فساده بالمرأة، فهو ~~يأكل الحصرم وهي تضرس، فتمثلت لي فظاعة ذلك الأمر تمثيلا واضحا، ولم أعجب ~~من إجادتك في وصف العواطف وتشريح الأخلاق، فقد عهدتك من نوابغ هذا العصر في ~~هذا الشأن ومؤلفاتك شاهدة على ذلك، وإنما أعجبت ببراعتك في أسلوب تعبيرك عن ~~حال إيفون وغيرهما ، وانتقادك العادات الشائعة في الزواج، وتربية البنات بين ~~أظهرنا وتبيانك ما يقع على المرأة من الظلم في أحكام الناس، وما تقاسيه في ~~سبيل المحافظة على شرفها، وأنها تشترك في الذنب مع الرجل، وتتحمل العقاب ~~وحدها. # سبكت ذلك في سياق رواية غرامية ضمنتها من القواعد الاجتماعية والمبادئ ~~الأدبية الإحساسية ما يجدر أن يكون مثالا ينسج على منواله، لا سيما في ~~حالتنا الحاضرة وهيئتنا الاجتماعية في أوائل انتقالها إلى نظام التمدن ~~الحديث، ولا يزال معظمها فوضى. # فأهنئك بذلك وأرجو أن يكون كتابك بدء نهضة جديدة في تأليف الروايات ~~الأخلاقية، ولي ملاحظات تتعلق بما وصفت به إيفون عروس روايتك من الطهارة، ~~وسمو الآداب مع ما سوغته لنفسها من مساكنة رجل بلا زواج، وقلت: إنها فعلت ~~ذلك اضطرارا وما رأيناها يئست من العيش الحلال، فلم تقص شعرها ولا اقتلعت ~~أضراسها كما فعلت عروس «البؤساء»، وإذا قيل: إنها فعلت ذلك رغبة في الرجل، ~~فقد نزلت عن المكان الذي وضعتها فيه، ولا عبرة بما ذكرته من الفصل بين ~~ذاتها الجسدية وذاتها الروحية، فإن ذلك يخالف المألوف والمعقول فكيف يكون ~~جسد الإنسان دنسا وروحه طاهرة، والكلام في ذلك يطول ولا محل له ~~هنا. # على أني أغتنم هذه الفرصة لإبداء ملاحظة تتمة لما تركته حواء الجديدة من ~~الأثر في ذهني، ذلك أن الرواية فلسفية أخلاقية حسنة التناسق، شريفة المغزى ~~تنصر المرأة على الرجل في أمور يشعر بها القارئ، وتشترك عواطفه مع المرأة؛ ~~لأنها مظلومة وينقم على الرجل؛ لأنه ظالم، ولكن هذه العلة عامة في العالم ~~المتمدن وغيره، وقد كانت شأن البشرية من أقدم أزمنة التاريخ ولن ms102 تزال إلى ~~ما شاء الله، وإذا كان إصلاحها ممكنا فأساتذتنا في العلم والفلسفة أولى ~~منا به، فإذا كان مرادك مجرد تصوير هذا الظلم فقد أحسنت وأجدت، وأما إذا ~~كان المراد إصلاحه فقد أضعت الكلام عبثا. # ولا يخفى عليك أننا في حاجة إلى إصلاح داخلي حقيقي في آدابنا الاجتماعية على ~~نحو ما جاء عرضا في أثناء كتابك، ولكنه قليل لا يشفي غليلا. إن في آداب ~~اللغة فراغا كبيرا لكثير من ضروب التأليف، ولا سيما الروايات وخصوصا ~~التهذيبية الأخلاقية، وقد ثبت مما قرأناه لك حتى الآن أنك كاتب أخلاقي، ~~فاصرف جهدك إلى سد هذا الفراغ، اكتب الروايات في انتقاد العادات والأخلاق ~~المضرة في هيئتنا الاجتماعية التي يرجى إصلاحها. # اجعل أبحاثك نقد حالتنا الاجتماعية، وما يعتورها من النقص أو الفساد، ومثل ~~أضراره تمثيلا واضحا، واستعن بالخيال للتنميق والترغيب وبين ظهرانينا ~~عشرات من العادات الأصيلة والدخيلة تفتقر إلى إصلاح، وإصلاحها ميسور وقريب، ~~وإنما نحتاج إلى من ينبه إليها تنبيها مؤثرا، وليس أفضل من الروايات ~~للوصول إلى هذه الغاية، إما على المراسح أو في الكتب لعكوف الناس على ~~مطالعة الروايات كبارا وصغارا، فأقترح عليك باسم آداب هذه اللغة أن تؤلف ~~الروايات في تقبيح الرذائل الشائعة، كالكذب مثلا ولا سيما المستتر منه ~~وراء المجاملة مع الحث على اتباع الصدق ونحوه من الفضائل، ألف في بيان ~~فظائع المقامرة والمسكر والبورصة وغيرها من الرذائل والمنكرات، التي نئن ~~تحت أعبائها. على أن الروايات الفلسفية على نحو ما بسطته لي «حواء الجديدة» ~~كبيرة الأهمية، وتفتقر إلى قريحة وقادة وعلم واسع، ولكنها من الكماليات ~~بالنظر إلى حالنا، وأنت تعلم أننا في عصر الحقائق، وقد سبقتنا الأمم ~~المتمدنة مسافات بعيدة بتعويلهم على الأبحاث الإصلاحية من العملية الوجهة Pratique ~~، وقد آن لنا أن نفعل ~~مثل فعلهم، هذا ما أتقدم به إليك راجيا الإغضاء عن جسارتي، فإني إنما أردت ~~الخدمة العامة التي نحن شريكان فيها، ولكل امرء رأي، والسلام. # جورجي زيدان ~~(4) # عزيزي نقولا # طالعت حواء الجديدة لا كرواية للتفكهة، بل كبحث في موضوع اجتماعي ms103 خطير يلذ ~~لي الوقوف على رأي الكاتب فيه، فرأيتك قد أحسنت الوصف بل أجدت التمثيل، ~~فأهنئك وأكتب إليك ببعض ما كان لكتابك هذا من التأثير في نفسي. # لا أرى دفاع إيفون البليغ عن نفسها في شرح سبب سقوطها مبرئا لها من وصمة ~~الزلل التي وصمت بها جبينها بأثر لا يقبل الزوال، ولا ما كفرت به عن ~~أخطائها من السلوك الجميل المشكور معيدا لها تلك الكرامة الضائعة، فلقد ~~أخطأت خطأ وجب أن تحتمل عاقبته إلى الممات، كما كانت حياتها في الرواية، ~~وعبثا تتظلم من حكم الهيئة الاجتماعية عليها؛ لأنه حكم عادل، والمصلحة ~~العمومية تقضي بأن يكون ذنبها هذا المضيع للكرامة من الذنوب التي لا تقبل ~~العذر، بل يجب أن تكون الفتاة الساقطة هذا السقوط مثل الزجاجة كسرها لا ~~يجبر، اللهم إلا إذا شاء أن يرحمها كريم من الناس، فيرد لها بعض كرامتها ~~بزواجه منها. # على أن إيفون ذات حق في احتجاجها المصيب على الهيئة الاجتماعية، التي لا ~~تراعي الإنصاف في قضية كهذه فيها اثنان متشاركان في الجرم، فإنها تصب كل ~~عقوبتها على الشريك الضعيف، وتترك القوي مع أن ذلك الضعيف شطره في الجريمة ~~أخف؛ ولهذا كان لإيفون ساغ لأن تطلب من الهيئة الاجتماعية أحد أمرين: إما ~~أن تسامحها كما سامحت الرجل الذي أسقطها بلؤمه وخداعه، وإما أن تقضي عليه ~~بما قضت به عليها من العار والشنار بل بأشد؛ لأنه هو المغري. # وإذا لم يكن في حواء الجديدة غير هذه المسألة موضوعا للتفكر والتبصر فكفى ~~بها، والإنسانية تطلب من الهيئة الاجتماعية أن تعدل قانونها فيما يختص ~~بالحكم على فعل مثل ذلك الرجل الخئون، فإذا فعلت قلت هذه الجرائم التي ~~تزداد شكوى الإنسانية منها كل يوم. # ولقد أجادت إيفون أيضا في لوم أهلها على إهمالهم لها في ساعة الخطر، فإن ~~تصرفهم هذا عظة بالغة للآباء والأمهات الذين يتركون، بل يدفعون بناتهم ~~للسير في السبيل الصعب الحرج كأنه سهل أمين، ويلومونهن إذا عثرن، وكان ~~الأولى أن يأخذوا بأيديهن فيه للتوقي من عقباته. # هذا ما ms104 عن لي قوله الآن في هذا الموضوع الجليل، وأؤمل أن تتحف القراء ~~بروايات أخرى عن الأزواج تكون نتيجتها أن يعرف كل من الزوجين مركزه الحقيقي ~~في الهيئة الاجتماعية، ومكانته قبل الزوج الآخر، والسلام. # إبراهيم الجمال # مصر في 12 أغسطس سنة 1906 ~~(5) حواء الجديدة # 1 # في البدء حواء أغوت قلب آدمها # فلقبوها بأم الغين والياء # واليوم قل لي أتدري يابن آدم كم # من ابن آدم يغوي بنت حواء # أهدى إلي صديقي الكاتب الاجتماعي المدقق نقولا الحداد نسخة من الطبعة ~~الثانية من قصته البديعة «حواء الجديدة»، فراقني جمال موضوعها، وشاقني حسن ~~أسلوبها وتملكت قلبي براعة المؤلف في تنسيق حوادثها وترتيب وقائعها، وبعدما ~~انتهيت من مطالعتها تدبرت المرامي السامية التي توخاها المؤلف في وضعها، ~~والمغازي الشريفة التي بنى حوادث القصة عليها وأدراها حولها، ثم قرأت ~~الفصلين الملحقين بها أحدهما «آراء بعض العلماء فيها»، والآخر «تذييل» دافع ~~فيه المؤلف عن «إيفون مونار» بطلة هذه القصة، وبحث في محاباة الشريعتين ~~المدنية والأدبية للرجل المشارك للمرأة في الإثم، ولخص المغازي التي ~~اشتملت قصته عليها، وهي ستة كل منها خطير ذو شأن ولست في مقالتي هذه ~~متحريا تقريظ «حواء الجديدة»، والثناء على مؤلفها البارع وحض القراء كافة ~~على اقتنائها، ومطالعتها للانتفاع بفوائدها الأدبية الاجتماعية فوق التفكه، ~~والاستمتاع بحوادثها الغرامية؛ لأنه تقدمني إلى الكلام على هذه الأمور ~~الثلاثة كثيرون من الكتاب، فلم يغادروا فيه من متردم، وكان الفضل لمن تقدم؛ ~~ولأن في سعة انتشار هذه القصة وشهرة مؤلفها في عالم العلم والأدب، وكثرة ~~إقبال القراء عليها غناء تاما عن تقريظي وإطرائي وحضي وإغرائي. # بقي لي غرض واحد وهو البحث في الفصل الأول، الملحق بالقصة وهو «آراء بعض ~~العلماء فيها»، فإن المؤلف بنى حكايته على ملك كريم أغواها شيطان رجيم، ~~وبعد ما دنس عفافها وطهارتها وسلبها شرفها وكرامتها نبذها نبذ النواة، ~~ومالأه على الإعراض عنها والنفور منها كل من عرفها، أو سمع بها حتى أهلها ~~وذوو قرباها، جميع هؤلاء أثموها واستذنبوها ثم خذلوها، وخيبوها وتنقصوها ~~وتجنبوها. # فهوت إلى حضيض ms105 الذل والخزي والعار، وهامت على وجهها في قفار الضلال توغل في ~~الزيغ، وتتمادى في العثار وتتجرع غصص البؤس والشقاء، وتعاني من شدة التعيير ~~والتحقير جهد البلاء، أما ذلك الفتى الذي أغواها فظل آمنا في سربه، ناعما ~~بين أهله وصحبه، مرفوع المقام محفوفا بما شاء من صنوف التجلة والاحترام، ~~لا يسمع من لسان ناطق زجرا ولا يلحظ من مقلة رامق شررا؛ لأن محكمة الهيئة ~~الاجتماعية أصدرت حكمها في هذه القضية بأن إيفون مونار تستوجب ما أصابها؛ ~~لأنها سعت إلى حتفها بظلفها، وأن من أغواها بريء كل البراءة، فلا إثم عليه ~~ولا حرج. # هذه أخصر خلاصة للقصة، أما المغزى الأولي الذي عني المؤلف باستخراجه منها، ~~ووجه إليه التفات قرائها على الخصوص فهو ملخص على ظهر غلافها في فقرتين إحداهما: # دنس يطلب عفيفة طاهرة ويلتمس ملاكا كريما، وعذراء وديعة لا ~~تجد إلا خاطبا أنفق شبابه في الفساد. # صديقة إيفون # والأخرى: # ينسب الناس شقاء الجنس البشري إلى حواء القديمة؛ لأنها أغوت ~~آدم القديم مرة، فلماذا لا ينسبون الآن هذا الشقاء إلى آدم ~~الجديد، وهو يغوي حواء الجديدة كل يوم ألف ~~مرة. # إيفون # ومع شدة حرصه على تمكين هذا المغزى من نفوس القراء، وترسيخه في أذهانهم لم ~~يغفل في أثناء سرده للوقائع عن تنبيههم، واستمالة أفكارهم إلى بقية الشئون ~~الهامة الخطيرة في المغازي الخمسة الباقية، التي سبقت الإشارة ~~إليها. # ولما عرضها على فريق من جهابذة النقد بعثوا إليه بآرائهم فيها، فأثبتها في ~~الملحق الأول وعقب عليها في الملحق الثاني. # وقد أنعمت النظر في آرائهم، فوجدتهم مجمعين على امتداح المؤلف واستحسان بحثه ~~في هذا الموضوع الفلسفي الاجتماعي، وإفراغه في قالب فكاهي روائي بأسلوب ~~جميل فصيح يقرب مسائل هذه القضية الهامة من أفهام العامة، ويسهل عليهم ~~تناولها واستيعابها. # ولكنهم اختلفوا في الحكم على المغزى الأول الذي أثبته المؤلف. # وهو: «أن المرأة والرجل يشتركان في الإثم، والرجل غالبا هو الذي يغوي ~~المرأة ويجرها إلى الإثم، ولكن الهيئة الاجتماعية تعاقب المرأة وحدها ~~عقابا أبديا قاسيا، وتسامح الرجل تمام المسامحة، ms106 فلماذا يسامح؟» # فبعضهم وافق المؤلف عليه وأيده فيه، وصوب تخطئته لأحكام الهيئة الاجتماعية ~~في هذه المسألة وغيرها من المسائل الأدبية، وبعضهم خالفه كل المخالفة في ~~هذا المغزى وصوب حكم الهيئة الاجتماعية القاسي على كل فتاة ساقطة، وصرح: ~~«أكثرهن - إن لم نقل: كلهن - قوارير أقذار وقرارات وقاحة وصغار، لا فائدة ~~من تصغير جرائرهن وعطف القلوب عليهن إلا جذب من بقي عندنا سليم الفطرة ~~إليهن.» «لقد أخطأت (أي : إيفون) خطأ وجب أن تحتمل عاقبته إلى الممات، ~~وعبثا تتظلم من حكم الهيئة الاجتماعية عليها؛ لأنه حكم عادل، يجب أن تكون ~~الفتاة الساقطة هذا السقوط مثل الزجاجة كسرها لا يجبر.» # ولما كنت من أكبر الناقمين على الرأي العام والهيئة الاجتماعية - سمها ما ~~شئت - أحكامها في المسائل الأدبية عموما، وفي هذه المسألة خصوصا؛ لأنها ~~تبنيها إما على ظواهر لا يصح الاعتماد عليها، وتسندها إلى قواعد لا يجوز ~~الأخذ بها والاستناد إليها، فتصدرها عاطلة من حلية النزاهة والعدل ~~والإنصاف، حافلة ببرقشة المحاباة والجور والاعتساف عمدت إلى البحث، ولو ~~بالاختصار فيما قاله مخالفو المؤلف في الملحق الأول، وإن يكن هو قد سبقني ~~إلى الرد عليهم في الملحق الثاني (التذييل)؛ لأن الموضوع أوسع وأهم من أن ~~يستوفي الكلام عليه كاتب أو كاتبان. # للمعارضين في الدفاع عن الفتاة أو المرأة الساقطة، ومحاولة إصلاحها الرفق ~~بها، والصفح عنها، حجج كثيرة تنحصر غالبا في ثلاث: # الأولى: # أنها بنت حواء أغوت آدم كما جاء في سفر التكوين من ~~كتاب التوراة، فالإغواء من طبعها وهو جار في نفسها ~~مجرى الدم في عروقها. # والثانية: # أن الفساد تملك قلبها، واستأثر بكل جوارحها وعواطفها ~~«فلا يصلح العطار ما أفسد الدهر»، والطبع أغلب ~~والزجاج المكسور لا يشعب، ومحاولة إصلاحها مجازفة ~~قلما يسلم منها المخاطر؛ لأنه يتعرض فيها لخطر ~~إفسادها له؛ لأنها كمشرف على الغرق يأخذ بعنق من ~~يحاول إنقاذه ويغرقه معه. # والثالثة: # لأنها فرطت في الاحتفاظ بطهرها وعفافها، وأفرطت في ~~مطاوعة هواها فلتلق جزاء ما قدمته يداها «وعلى نفسها ~~جنت براقش»، وكفى بالتشديد في عقابها نفعا أنه ms107 يكون ~~عبرة وذكرى لغيرها من بنات حواء؛ فيصن أنفسهن عن ~~الابتذال، وينكبن عن الزيغ في متايه الغي ~~والضلال. # ولننظر الآن في كل من هذه الحجج على حدة: # فالأولى - وهي شديدة الشيوع بين معظم أبناء آدم، وكثيرة الدوران في ألسنتهم ~~- نراها لأول وهلة واضحة البطلان واهية البنيان، وأحر برواية الكتاب المقدس ~~عن سقوط الإنسان الأول أن تكون حجة للمرأة لا عليها؛ لأننا من مطالعتها نرى ~~جليا أن حواء أغويت قبل أن تغوي، والمغوي الأول إنما هو الحية أو إبليس، ~~إذن تلقيبها بأم الإغواء افتئات وافتراء، والحق كل الحق أن تلقب بأم ~~المغويات؛ «لأنها أغويت أولا» كما قال بولس الرسول، ومن ذلك الحين إلى ~~الأبد نرى بناتها المنكودات الحظ يغوين كما أغويت أمهن، حواء أغواها شيطان ~~رجيم بصورة حية، وبناتها يغويهن كل يوم شياطين إثم وفساد، وغدر وخيانة ~~ونذالة، بصور ملائكة طهر وصلاح، وأمانة ووفاء وعزة نفس وإباء؟ # ولماذا أغواها الشيطان أولا ولم يغو آدم قبلها؟ لأنه وجدها أضعف من رجلها ~~جانبا، فكان مثله مثل القائد المحنك الذي يتخير من حصون عدوه ما كان أقل ~~مناعة، فوجه هجومه إليه طمعا في سهولة الاستيلاء عليه. # ومما يستوقف النظر في هذه الحادثة أنه - سبحانه وتعالى - وهو أعدل الحاكمين ~~عد ضعف حواء من أكبر الأسباب المصغرة لجرمها، والمخففة لعقابها فاقتصر فيه ~~على تكثير أتعاب حبلها وآلام ولادتها، ولكنه عاقب الحية بأن تلعن من جميع ~~البهائم والوحوش وآدم بأن تلعن الأرض، ويأكل منها بالتعب كل أيام ~~حياته. # فضعف المرأة الذي عده الله في حكمه العادل مصغرا لجرمها، ومخففا لعقابها ~~تتخذه الهيئة الاجتماعية سببا للقضاء بأقسى حكم عليها، وتوجيه أحد المطاعن ~~إليها. # أما الثانية وهي عدم فائدة السعي في إصلاحها، وخطر التعرض له، فليست بأقل ~~بطلانا من الأولى، ويكفي لدحضها أن الأطباء كافة يتحتم عليهم أن يواصلوا ~~معالجة المرضى المصابين بأدواء عضالة لا شفاء لها إلى آخر رمق من حياتهم، ~~فيعانون في هذا ما لا يوصف من المشاق ويتعرضون لخطر العدوى بأخبث الأمراض ~~الوبيلة القتالة أملا بإمكان ms108 تخليص حياة الجسد، وهي ليست شيئا مذكورا في ~~جنب حياة النفس التي يليق بنا - بل يجب علينا - أن نمد يد المساعدة إلى كل ~~مغواة لإقالة عثرتها وإنهاضها من كبوتها. # وإذا سألني سائل: «أولا يدلنا الاستقراء على أن عدد اللواتي نجح فيهن هذا ~~الدواء قليل؟» أجبت على الفور: «بلى؛ وذلك لأن عدد الذين حاولوا معالجتهن ~~به أقل!» # وهنا مجال واسع لندب الشجاعة الأدبية ورثاء النخوة والمروءة والإنسانية ، ~~والترحم على الأمانة والصدق والوفاء وغيرها من الفضائل التي يدعيها كثيرون ~~من شبان هذا العصر، وما أبعدهم عن صحة هذا الادعاء. # بقيت الحجة الثالثة وهي ساقطة من نفسها لسقوط الحجتين السابقتين، وإني لأعجب ~~لأصحابها كيف يتعدون على عدل الله في حجتهم الأولى فينقضونه، ويغيرون هنا ~~على رحمته تعالى فيرومون حصرها وهي ملء الأرض والسماء، ويبتغون أن يخصوا ~~هم بها دون بنات حواء، كأني به - عز وجل - لهم وحدهم غفور رحيم تواب، ~~ولأولئك التاعسات البائسات جبار منتقم شديد العقاب، وفي هذا كفاية لذوي ~~الألباب. # وبعد هذا كله أرى أن هذه المسألة قد انحصر تناولها إلى الآن في أقلام ~~الرجال، وقلما تناولها قلم إحدى النساء، مع أنها إن لم تكن لهن أهم منها، ~~فهي على الأقل تهم الجنسين على السواء، فحتام تبقى الكاتبات سواكت جوامد ~~وقضيتهن هذه توشك أن تنطق الصخور الجلامد؟ # القاهرة # أسعد خليل داغر # إلى منجد المرأة الساقطة # إن كانت قيثارة هيلاس الذهبية قد أوحت إلى ملتون أن يندب بخت حواء الأولى، ~~فقد أوحت إليك «إيفون مونار» أن تندب بخت حواء الثانية، ولكن الأولى أعيد ~~لها فردوسها المفقود، وأما الثانية فالهيئة الاجتماعية تنكره عليها؛ ذلك ~~لأن هذه الهيئة فاسدة ونظامها مختل، فهي بمعاقبتها الزانية تشجع الرجل على ~~الزنا كأنها تقول له: كل الحصرم فغيرك يضرس. # صديقك # سليم عبد الأحد # | تذييل # دفاع عن إيفون مونار وحواء الجديدة # تبسط في محاباة الشريعتين المدنية والأدبية مع الرجل في الإثم الذي يشترك فيه مع ~~المرأة. # صدى حواء الجديدة # كان لهذه الرواية حظ في عالم الأدب العربي جعلها موضوعا ms109 للنقد والتقريظ، ~~وأنزلها منزلة المطبوعات التي يلتفت إليها وتمحص مباحثها، ولعل ما أكسبها ~~هذا الشأن مساس موضوعها بأمر حيوي من أمور حياتنا الاجتماعية. # فما انتشرت الطبعة الأولى حتى تناولتها أقلام الأدباء من مقرظة ومنتقدة، ~~وكان حسبي أن يعدوا على سيئاتها لا حسناتها كأنهم يبتغون الكمال ~~فيها. # وكان للصحافة عموما فضل كبير في إفراغ فسحات أوسع من المعتاد في الصحف ~~والمجلات لنقدها وتقريظها، وقد بلغ من عناية بعض الصحف بشأنها أن إحداهن ~~(وهي «الجوائب المصرية» التي كان ينشئها لذلك العهد الشاعر الكبير خليل بك ~~مطران، ويحرر فيها أيضا الشيخ يوسف الخازن) لخصت مغازي الرواية في بضع ~~قضايا، وعرضتها لبحث الكتاب وأهل النظر، وعدت سائر الرصيفات مقصرات في ~~إيفاء الرواية حقها من النقد، وعاتبتهن في ذلك التقصير. # وجرايد سوريا همت أن تتوسع في نقد «حواء الجديدة» وتقريظها، ولكن ~~«المكتوبجي» أي: رقيب الصحافة هناك غل أقلامها عن الإفاضة بالموضوع؛ لأن ~~حواء في نظره «عليها السلام» لا يجوز أن تكون موضوع حديث الأقلام، والشيء ~~بالشيء يذكر؛ لأجل «خاطر حواء» حذف ذلك المكتوبجي بيتا من قصيدة لي عن شرب ~~الخمرة نشرتها «النشرة الأسبوعية» وهو: # لقد كنت حواء وقد كنت آدما # لدن كان إبليس الغرام يجرب # على أن ما كتبه الأدباء عن «حواء الجديدة»، ونشرته الصحف والمجلات كثيرا أو ~~قليلا لهو أكثر مما تستحق، وأجدر بكل ثناء مني وشكر، وأخص منها جريدة ~~«الإكسبريس» الغراء، فقد أسبغت عليها من جودة قلم صاحبها الأديب اللوذعي ~~محمود أفندي إبراهيم ما لا يوازنه أعظم ثناء. # وحاصل القول: إنه ارتد إلي من صدى حواء الجديدة ما دلني على إقبال ~~القراء عليها، واهتمام الأدباء بنقدها، ولما كانت قضية إيفون مونار مسألة ~~فيها نظر، وموضوع مناقشة رأيت أن أستأذن الناقدين في الدفاع عن إيفون لعل ~~لها عذرا وهم يلومون. # وقبل الاسترسال في هذا الدفاع أود أن أدفع تهمة الاقتباس عن «حواء ~~الجديدة». # أشباه حواء الجديدة # مما انتقده أو لاحظه بعضهم أن حكاية حواء الجديدة مقتبسة من رواية أجنبية، ~~فبعضهم قال: إنها مأخوذة من ms110 «البؤساء» # Les miserables # لهوغو؛ لأن إيفون مونار تشبه فانتين ~~«البؤساء» في كونها اغتصبت وسقطت، وآخر قال: إنها منتحلة من رواية «بولس ~~وفرجيني»؛ لأن الحديث في هذه منقول عن شيخ جالس يقص تاريخهما وفي تلك منقول ~~عن طبيب، وقال آخرون: إن موضوعها مأخوذ من رواية «ذات الورود» # La damme au eamihas ~~؛ لأن إيفون ~~تشبه مرغريت جوتيه في كونها ساقطة، وقد ظن بعضهم أنها معربة عن رواية في ~~الإفرنسية تدعى بذلك الاسم، وراهن أحد أصحابي على ذلك وأرسل رسالة في طلب ~~الرواية، ولم أدر بعد ذلك إن كان قد دفع الرهن لصاحبي أو أنكره عليه، # 1 # وأغرب من كل ذلك أن الذي زعم أنها مقتبسة من «البؤساء» جعل يؤيد ~~قوله بما بين اثنتين من جمل «البؤساء» ترجمة الشاعر الكبير حافظ بك ~~إبراهيم، واثنتين من جمل «حواء الجديدة» من التوارد المعنوي، كأن الذي يؤلف ~~حواء الجديدة مع ما فيها من وحدة الموضوع، وانتساقه جمع جملها من مؤلفات ~~القوم. # أما ما بين حوادث حواء الجديدة، وبعض الروايات من التوارد فليس بالأمر ~~الغريب البتة، وإذا كان توارد الخواطر جائز في الشعر، فأحر به أن يجوز في ~~الروايات التي تبنى على الحوادث والمشاهدات اليومية التي تقع تحت حسنا، ~~وتنقش في حافظتنا وكثير منها متشابهة، وبين فكتور هوغو وديماس وايجان سو ~~ولتن وسكوت وشكسبير، وغيرهم من الروائيين ألوف من أمثلة التوارد، وإذا قرأت ~~رواية «المساء والصباح» للورد لتن و«البؤساء» لفكتور هوغو بدر إلى ظنك أن ~~لتن قرأ «البؤساء» مرارا، قبل أن كتب «المساء والصباح»، ولكن ما دام غرض ~~هذه غير غرض تلك والحكايتان مختلفتين، فلم يعبأ الناقدون بما بينهما من ~~التشابه في بعض الأحوال. # وإذا كان هوغو مثلا يفخر «بالبؤساء» أو ديماس الصغير «بذات الورود»، فما ~~فخر الواحد منهما بالقصة التي استنبطها لروايته، وإنما فخره بما كسا تلك ~~القصة من المغازي الأدبية والمباحث الفلسفية، ولولا ما في «ذات الورود» من ~~تلك العواصف والفلسفة لما كانت موضوعا للإعجاب، بل لما أظهرها ديماس ~~الصغير إلى عالم الروايات؛ لأنه ليس ms111 فيها شيء من الإعجاز القصصي كما في ~~سائر قصصه وقصص أبيه، ولكن مزيتها على سائر رواياته أنها تجلو موضوعا ~~أدبيا وتمثل عواطف سامية، وبهذه المزية العظيمة عدت تحفة، وبسببها رقي ~~ديماس الصغير إلى المجمع العلمي الفرنساوي، وبهذه المزية وحدها تحيا هذه ~~الرواية بين المؤلفات النفيسة إلى الأبد، وكذلك بمزية أخرى أو بمزايا أدبية ~~وفلسفة شعرية تحيا رواية «البؤساء»، ورواية «بولس وفرجيني» وغيرهما من ~~الروايات النفيسة لا بقصصها المستنبطة؛ لأن قصصها ليست معجزات في عالم ~~الروايات، وأين قصة «ذات الورود» من قصة «الحراس الثلاثة» مثلا من حيث ~~الحوادث، ولكن أين مغازي هذه ولعبها بالعواطف من مغازي تلك ~~وتأثيرها. # وعلى ذلك سواء كانت «حواء الجديدة» مشابهة لتلك الروايات (التي قيل: إن ~~حكايتها مستمدة منها) قليلا أو كثيرا، أو غير مشابهة لها فلا أحسب قيمتها ~~في حكايتها؛ لأنها بسيطة ولي غيرها من الروايات أفضل منها من حيث توقيع ~~القصة، واستنباط الحوادث وترابطها. # ولكني أحسب قيمة «حواء الجديدة» فيما تضمنته من المغازي الأدبية ~~والاجتماعية، حتى إن القراء أنفسهم الذين استحسنوها لم يكن إعجابهم بغرابة ~~قصتها، بل بما كسيته من هذه المغازي الأدبية الدائرة حول مركز واحد، وبهذا ~~الاعتبار تختلف شديد الاختلاف عن سائر الروايات التي ظن الناقدون أنها ~~مصادر لها، أو أنها هي مقلدة لها. # مضاهات «حواء الجديدة» بذات الورود من حيث القصة # ومع كل ذلك أرى أن حكاية حواء الجديدة (بقطع النظر عن مغازيها) قصصية أكثر ~~من «ذات الورود»، ولا أرى قصة أبسط من قصة «ذات الورود»، فإنها تقال بكلمات ~~قليلة، وهي أن أرمان أحب مارغريت غوتيه وهي من بنات الهوى حبا صادقا حتى ~~استمالها، وأحبته مثل ذلك الحب وتركت كل شيء لأجله، ولما جاءها أبوه بغير ~~علمه هو وترجاها أن تترك ابنه حرصا على مقامه، وسمعة بيته أذعنت وتركت ~~أرمان بالرغم من حبها له من غير أن تخبره السبب حتى ينقم عليها ويتركها، ~~وبقيت كاتمة الأمر حتى ماتت، فعرف ذلك أرمان من مدونات يوميتها. # هذا فحوى حكاية ذات الورود، وأظن أن الذي ms112 يقرأ «حواء الجديدة» يجد فيها ~~حوادث وقصصا أوسع من تلك، ولعل بين هذه وتلك تشابها في بعض النقط، فلا ~~أرى أن هذا التشابه هو الذي جعل لحواء الجديدة قيمتها إن كانت قد صادفت ~~قيمة في أعين بعض الأدباء الكرام، بل أحسب أن قيمتها في مغازيها كما تقدم ~~القول. # مغازي حواء الجديدة # وما أبعد الفرق بين «حواء الجديدة» و«ذات الورود» من حيث المغزى، فإن ديماس ~~الصغير دار في روايته التي هي تحفة للآداب الفرنساوية حول محور واحد، وهو ~~أنه حاول أن يثبت للقارئ أن مرغريت غوتيه الساقطة كانت ذات نبل وشرف نفس، ~~وغرضه من هذا أن يرفع شأن المرأة الساقطة في عيون الناس؛ لكي يكفوا عن ~~احتقارها؛ لأن بين هؤلاء النسوة المخزيات كثيرات أشرف نفسا، وأشد إخلاصا ~~من كثير من أولئك الناس الذين يلعنونهم، وقيل: إنه رمى إلى هذا الغرض؛ لأنه ~~هو ابن غير شرعي لديماس الكبير، ومع ذلك لم يقدر أن يصل إلى ذلك القصد ~~تماما، أي: إثبات إخلاص مرغريت جوتيه بدليل أنها لما جافت أرمان جوفال ~~حبيبها إكراما لخاطر أبيه لم تصن نفسها عن سواه، بل بذلت نفسها لأصدقائها ~~السابقين في حين أنها كانت تدعي أنها لم تزل تحب أرمان، فأي شيء كرسته أو ~~ضحت به لأجل حبه؟ هذا ما ينتقد على مغزى «ذات الورود»، ولكن «ذات الورود» ~~تمثل حقيقة بل هي حقيقة جرت؛ لأنه يقال: إن أرمان لم يكن إلا ديماس نفسه ~~ومرغريت ليست إلا الفونسين أو بليسي عشيقته. # نعم إن «حواء الجديدة» تشتمل على هذا المغزى الذي اشتملت عليه «ذات الورود»، ~~ولكن هذا المغزى واحد من عدة مغاز انتظمت في سلك رواية «حواء الجديدة»، ~~وهاك أهم تلك المغازي: # أولا: # وهو أهم ما رمت إليه الرواية أن المرأة والرجل يشتركان ~~في الإثم، والرجل غالبا هو الذي يغوي المرأة، ويجرها ~~إلى الإثم، ولكن الهيئة الاجتماعية تعاقب المرأة ~~وحدها عقابا أبديا قاسيا، وتسامح الرجل تمام ~~المسامحة فلماذا يسامح؟ # ليس الغرض من حواء الجديدة أن تسامح الفتاة، كما يسامح ~~الشاب بل ms113 أن يعاقب هو كما تعاقب هي، وهو واضح في ~~الرواية جيدا. # ثانيا: # أن الرجل وهو فاسد يطلب أن تكون المرأة عفيفة، والفتى ~~وهو يسعى وراء الفساد، ويغوي الفتيات يبتغي عروسا لم ~~تمسها يد بشر، فإذا كان الرجال يريدون أن تكون النساء ~~عفيفات، فلماذا يطاردون عفافهن، وإذا لم يرجعوا هم ~~أنفسهم عن الفساد، فكيف تبقى النساء عفيفات، أليس بين ~~ما يبتغونه ويفعلونه تناقض هو الاستبداد الذي يستبده ~~القوي بالضعيف، وما أجمل القول هنا: «عفوا تعف ~~نساؤكم». # ثالثا: # إن التربية القويمة الدقيقة غير كافية لصيانة عفاف ~~الفتاة، ولا سيما إذا كانت في أوائل شبيبتها ضعيفة ~~الإرادة رخصة الفؤاد تميل مع نسمة الهوى كيفما هبت؛ ~~ذلك لأن الطبيعة البشرية أقوى من الشريعة الأدبية، ~~فلا يؤمن سقوط الفتاة إذا لم تقرن تربيتها الصالحة ~~بالمراقبة الفعلية عليها؛ ولهذا يخطئ الوالدون كل ~~الخطأ في أن يدعوا سبيلا لخلوة الفتيات مع ~~الفتيان. # رابعا: # إن عقاب الفتاة الساقطة فوق المحتمل والعالم لا ~~يعذرها، ولا يرحمها ولا يسامحها مهما بالغت في ~~التوبة، فعلى الفتاة أن تصون نفسها وتحرص على عفافها ~~حرصها على حياتها. # خامسا: # إن الزلة الأولى لا تسقط المرأة إلى الأبد، فليس من ~~المستحيل أن تتوب الساقطة توبة حقيقية، وترجع إلى ~~مقامها الأول إذا شاء الناس أن يسامحوها. # سادسا: # الساقطة قد لا تخلو من بعض الأخلاق الحسنة، كالصدق ~~والإخلاص والأمانة والإحساس الشريف، وإن كانت هذه ~~الفضائل لا تستر فاحشتها الفظيعة وحياتها ~~الدنسة. # ورواية «ذات الورود» لديماس الصغير لم تدر إلا على هذا المبدأ الأخير، وأما ~~«حواء الجديدة» فاستقلت بتلك المبادئ الخمسة السابقة، وبذلك تختلف كل ~~الاختلاف عن سائر الروايات التي اتهمت بأنها مستمدة منها، فإذا كانت حواء ~~الجديدة تعبأ بنقد وتحسب حسابا لمنتقد، ففي هذه المبادئ التي تبثها لا ~~بأسلوب حكايتها. # محاباة الشريعة # الاعتراض على المغزى الأول: ~~(1) # لم يستنكر بعض الناقدين محاباة الشريعتين المدنية والأدبية ~~(وهذه بالتخصيص) في الحكم القاسي على الزانية، ولا سيما ~~الآنسة كإيفون والتسامح مع الزاني كالذي خان إيفون والعفو ~~عنه، فبعضهم عد هذه المحاباة ms114 إنصافا وعلله قائلا: ما ~~دامت المرأة ولا سيما الآنسة تعلم أنها هي الخاسرة، أو هي ~~التي تعطب، وأن إثمها يظهر عليها وقد يتعذر عليها كتمانه، ~~فهي وحدها مسئولة عن ذنبها، وعليها أن تحافظ على عفافها، وما ~~دام الرجل يعلم أنه لا يعطب وأنه يمكنه أن يتخلص من معرة هذا ~~الإثم، فهو غير مسئول ولا عقاب أدبي له؟ # وقد مثل أحد الظرفاء ممن باحثوني بهذا الموضوع ذلك التمايز ~~بين الرجل والمرأة بقوله : إنه لشيء طبيعي أن ينكسر الزجاج، ~~ويسلم إناء المعدن إذا التطم أحدهما بالآخر. # أجل، هذا هو قضاء الطبيعة: الطبيعة تسوغ لك أن تفعل كل ما ~~فيه مصلحة، أو لذة لك من غير التفات إلى ما يؤول إليه فعلك ~~من الأذى لسواك؟ # ولكن الشريعة مدنية أو أدبية جعلت لمقاومة الطبيعة، ولوضع حد ~~لحرية الإنسان، بحيث لا يجوز لك أن تفعل إلا الفعل الذي لا ~~أذى فيه لغيرك حتى ولو رضي ذلك الغير بفعلك؛ لأن رضاه في هذه ~~الحال لا يكون إلا عن اضطرار، فقد يرضى المستدين بدفع فائظ ~~المال مضاعف الفائظ القانوني، ولكن الشريعة تعاقب الدائن؛ ~~لأنه اغتنم فرصة اضطرار المستدين لكي يسلبه، ومن هذا القبيل ~~تعاقب الشريعة البائع بأكثر من التسعيرة، وإن تم البيع برضا ~~الشاري، وفي الشرائع المدنية في هذه البلاد وغيرها كثير من ~~أمثلة ذلك، وتراضي الفريقين المؤذي والمؤذى لا يكفي لتبرير ~~الأذى، والأذى الذي أصاب إيفون لعمر الحق أعظم جدا من ~~الأذى الذي يصيب المستدين بمضاعف الفائظ والشاري بأغلى من ~~التسعيرة، وإذا كان الناس يمقتون المرابي، والتاجر الجشع، ~~فأحر بهم أن يمقتوا الزاني. # وإذا كان الغرض من الشريعة حماية الضعيف من جور القوي وغبنه، ~~وجب أن يعاقب الزاني كالزانية بنفس العقوبة، أو بالأحرى يجب ~~أن يعاقب بأشد، وإلا فإذا كان يعلم أن الهيئة الاجتماعية ~~تغضي عنه، وتسامحه يبقى مستقويا على المرأة الضعيفة، ولا ~~يرتدع عن إغوائها حتى يسقطها. # أجل إن الشريعة المدنية تقضي بالتعويض للفتاة إذا أغواها ~~الفتى متذرعا لغوايتها بالوعد بالزواج ولم يف بالوعد، ولكن ms115 ~~التعويض ليس عقابا، ولا يردع المغوي عن الإغواء ولا يرده عن ~~انتهاك الأعراض، ومهما كان التعويض عظيما، فلا يساوي سقطة ~~الفتاة وضياع منزلتها في الهيئة الاجتماعية، وإنما إذا كان ~~ينتبذ من الهيئة الاجتماعية كما تنبذ شريكته في الإثم استوى ~~العدل، ورجح ارتداع الآثم. ~~(2) # ظن بعضهم أني أبتغي تبرئة الفتاة الزانية، وهو ظن خاطئ فما هو ~~مستدل من فحوى الرواية، وفي مقدمتها نص صريح على أنها غير ~~بريئة، وعلى أن شريكها في الإثم مذنب مثلها يجب أن يعاقب ~~عقابها. # نعم إن لسان حال إيفون يفيد أحيانا أنها تعد عقابها ظلما، ~~فلا يستهجن القارئ ذلك منها؛ لأن التسامح مع شريكها يحرجها ~~إلى التظلم، وعادة المتهم أن يتبرأ من جرمه، فالقاتل وهو ~~يصعد إلى المشنقة يقول: أنا مظلوم، ونحن في رواية إيفون التي ~~نروي فيها الواقع كما هو ونروي الكلام على علاته، نعبر عن ~~إحساسها الحقيقي وعن أفكارها، فلا يصح أن نقتصر على قول كلام ~~القضاء عليها، ولا نعزو لها كلام الدفاع عن نفسها والتظلم من ~~محاباة الهيئة الاجتماعية مع من خانها، على أنها كانت في ~~بعض أحاديثها تعترف باستحقاقها ذلك العقاب، بيد أنها حسبت أن ~~مقاساتها كافية لتطهيرها من إثمها؟ ~~(3) # وقد سلم بعض الناقدين بأن الهيئة الاجتماعية محابية بهذا ~~الشأن مع الرجل دون المرأة، ولكنه يرى أن هذا الخلل ~~الاجتماعي كان شأن البشرية من أقدم الأزمنة، ولن تزال كذلك ~~إلى ما شاء الله، فمن العبث الحث على مقاومة هذه ~~المحاباة. # ربما كانت هذه المحاباة قديمة، ولكن الارتقاء الاجتماعي ~~الأدبي يقضي بإصلاح كل خلل قديم. # والحقيقة أن هذا الخلل الاجتماعي غير عام، فهو قليل أو كثير ~~في بعض الأزمنة وعند بعض الأمم، ومن شواهد ذلك أن العرب، ~~وكثيرا من القبائل غير المتمدنة تنتقم من كل من يسطو على ~~عرض. # وبعض الأمم التي تتسامح مع الرجل تتسامح مع المرأة أيضا كما ~~ترى في بعض أمم أوروبا وأميركا الآن، وقد لا يختص الرجل ~~بالتسامح دون المرأة، إلا في الأمم التي ابتدأت في التمدن ~~ولا تزال ms116 تستهين بالمرأة وتستضعفها، والتي يغلب فيها أن تكون ~~قيمة الرجل في ماله ونفوذه لا في سمو آدابه، وعندي أن أصح ~~دليل على رقي الأمة الأدبي هو محاسبة الرجل على آدابه ~~كمحاسبة المرأة، وتجافي الجماعة له عند إتيانه أي موبقة، ~~وإلا فلا بدع أن يجرأ الرجل على إغواء المرأة، وهو آمن ~~عواقب الحساب. ~~(4) # حسب أحد الناقدين المتحذلقين أن الرجل الذي خان إيفون قد عوقب ~~على خيانته لها بخيانة زوجته له بعدئذ، وعد هذا العقاب ~~إنصافا لإيفون، وكأن الذي يحسب هذا الحساب يسوغ لزوجة ~~الخائن أن تخون زوجها، ولا يخفى ما في هذا التسويغ من الخطل ~~والخطر، ناهيك عما فيه من التناقض؛ لأنه وهو يذنب امرأة بذنب ~~يبرر نفس الذنب لأخرى. # والصواب أن خيانة زوجة ذلك الخائن إثم تستنكره الهيئة ~~الاجتماعية استنكارها لإثم إيفون، ولا يعد قط عقابا لذلك ~~الرجل الذي أثم مع إيفون وخانها، وإنما العقاب الحقيقي هو أن ~~تنبذ الهيئة الاجتماعية ذلك الرجل، كما نبذت إيفون لا أن ~~تسامحه، وتأذن له أن ينال فتاة أخرى صالحة وهو أثيم، هذا ما ~~تطالب به إيفون الهيئة الاجتماعية. # توبة ولا مغفرة ~~(1) # أكثر الناقدين لوموا إيفون على جنوحها إلى البطالة والفساد، ~~بعد تمسكها بالعفاف والطهارة برهة طويلة في مقرها الأول، ~~واحتمالها مشقات العمل لعهد تنكرها آملة أن يتناسى الناس ~~زلتها، ويغتفروها لها وتسترد منزلتها المعتبرة في الهيئة ~~الاجتماعية، لوموها على ذلك؛ لأنهم يريدون منها أن تبقى ~~تائبة متعففة حتى الممات، وإن كان الناس لا يقبلون توبتها، ~~ولا يغتفرون لها إثمها بل يستمرون على مجافاتها، واحتقارها ~~في حين اغتفارهم نفس الإثم لمن خان عهده لها وأغواها، فكأنهم ~~يريدون منها أن تكون يسوع المسيح، ويريدون مع ذلك أن ~~يصلبوها. # ولا أفهم لماذا يجب على إيفون أن تفعل ذلك؛ ألكي يسامحها ~~الناس؟ لقد فعلت ذلك برهة فما سامحوها. ألكي يغفر لها الله؟ ~~فما شأنهم؟ ولماذا يدينونها هم؟ أتفعل كذلك تحاميا للمزيد ~~من رذل الناس لها؟ لم يبق عندهم من مزيد، فماذا تخاف ~~بعد؟ # إن إيفون لم تستسلم ms117 إلى شهواتها عن فاقة وحاجة إلى سد الرمق ~~وإنما استسلمت؛ لأنها لم تجد لعفافها قيمة، فقالت: «أنا ~~الغريقة فما خوفي من البلل»؛ بل فعلت لأنهم لم يساووها بمن ~~أغواها، إذن الناس دفعوها إلى حمأة الفساد بإصرارهم على ~~رذلها، وتسامحهم مع من أغواها. # والظاهر أن هؤلاء الناقدين يبتغون أن يكون المراد من رواية ~~«حواء الجديدة» تصور الكمال في المرأة، وهو غير المقصود الذي ~~ألمعت إليه في المقدمة، وهو تصوير ما هو واقع لا ما يجب أن ~~يكون، إن مثيلات إيفون اللواتي دفعهن إلى مهاوي الفساد ~~إصرار الناس على خزيهن كثيرات، ويستحيل على إيفون ~~ومثيلاتها أن يثبتن على توبتهن إذا ثبت الناس على ~~رذلهن. # وفانتين «البؤساء» التي باعت شعرها وأضراسها؛ لكي تعول ابنتها ~~ليس لها، ولا لأمثالها وجود إلا في مخيلة هوغو، وجميع أشخاص ~~البؤساء من هذا القبيل، والغرض من البؤساء تصوير الكمال غير ~~الموجود لا الخلل الحادث الذي هو المقصود من حواء. ~~(2) # زعم بعضهم أن التسامح مع الفتاة في الزلة الأولى يسهل السبيل ~~للزلة الثانية، ويجرئ أترابها على ارتكاب إثمها، زعم وجيه، ~~ولكن لماذا نجعل الفتاة الزالة وحدها عبرة لأترابها، ولا ~~نجعل الذي أزلها وأفسدها عبرة لأقرانه أيضا حتى يكف الرجال ~~عن إغواء النساء. # وأظن أن الناس إذا سامحوا التائبة توبة صادقة أنقذوها من التمادي في الفساد، ~~من غير أن تفقد العبرة المبتغاة من رذلها؛ لأن ما تقاسيه من الرذل والهوان ~~في عهد توبتها يكفي لردعها عن الزلة الثانية. # مقام الزالة ~~(1) # أنكر بعض الناقدين التفصيل بين ذات إيفون الجسدية، وذاتها ~~الروحية فيما ورد من تقسيم النساء إلى أربعة أصناف تختلف ~~اختلاف الظواهر والبواطن (الفصل العاشر)، والقصد من ذلك ~~التفصيل بيان أن إيفون (ومثيلاتها) لا تفقد بزلتها جميع ~~فضائلها وسجاياها الحميدة، وآدابها الراقية إن كانت في الأصل ~~على شيء من ذلك، فلا بدع أن تكون فتاة سقطت، أو مومس مبتذلة، ~~عزيزة النفس كريمة الخلق صادقة العهد إلى غير ذلك من ~~الشمائل، فليس من العدل أن تنكر عليها فضائلها هذه، وإذا ~~كانت هذه ms118 الزلة تضيع كل الفضائل، فلماذا لا تضيعها أيضا أية ~~رذيلة أخرى كالسكر والقمار. ~~(2) # استهجن بعض الناقدين الإشفاق على الساقطات، وذهب إلى إيجاب ~~خزيهن والمبالغة في رذلهن، والذي أراه أن هؤلاء الساقطات ~~المسكينات أحق من غيرهن بثورة السخط على الهيئة الاجتماعية، ~~التي قضت برذلهن دون رذل شركائهن في الفحشاء، وأولى بأن ~~يستنزلن غضب السماء على البشر؛ لأن الأنام الذين ركلوهن ~~ودهوروهن إلى أسفل مهاوي الشقاء والفساد هم الذين أفسدوهن ~~وأغووهن، فإذا لم يأت إليهن الرجال ويقرعوا أبوابهن، ~~ويساوموهن على أعراضهن، فلا يجدن من يفحشن معه وبالتالي لا ~~يكن فاحشات، وإذا لم ترذل ذا الفاحشة فلا يرتدع ~~عنها. # وبعد هذا البيان الوافي أجرأ أن أقول: إن لإيفون (ومثيلاتها) العذر وكل ~~العذر في أسلوب حياتها من أوله إلى آخره، ولا تستحق شيئا من نقمة الهيئة ~~الاجتماعية، ورذلها فما هي التي أذنبت بل هم المذنبون: # أولا: # أهلها الذين لم يصونوها في عهد ضعف إرادتها، ~~وشبوب الطبيعة والحيوانية فيها. # وثانيا: # الشاب الذي أغواها. # وثالثا: # الجماعة التي غضت النظر عن جريمة ذلك الشاب، ~~وسددت سهام النقمة إليها وحدها. # ورابعا: # ذلك الذي خطبها ولما علم تاريخ حياتها ~~رفضها. # بل هي تستحق العطف؛ لأنها وحدها قاست بلايا الرذل، بل يحق لها أن تشكو ~~وتتذمر وتلعن الهيئة الاجتماعية التي لم تؤذن لها بالعيش الطيب، ولا تسمح ~~لها أن تمتع نفسها بلذات الحياة كسائر الناس إلا ببذل أعز ما عندها. ~~••• # واستنكر البعض أن يشتم من الرواية كل ما فيه إعذار لإيفون؛ لئلا تصغر ~~الجريمة في أعين القارئات، وهو استنكار لأمر غير واقع؛ لأن قارئ حواء ~~الجديدة شعر بفظاعة الإثم وبمرارة نفس الآثمة. # وما رأيت أحدا من القراء استنكر أن تقع حواء الجديدة في أيدي السيدات، أو ~~أيدي الأوانس وهن يقرأن ويرين في دور الصور المتحركة ما هو أنفى للحشمة ~~ألف مرة من «حواء الجديدة»، وإذا كان بعضهم يبالغ في الاحتشام حتى يحظر على ~~السيدات قراءة «حواء الجديدة»، فليس كل ما يؤبى على فئة من ذوات الخمار ~~محرما على الجمهور. ms119