######OpenITI# #META# URI: 1373NiqulaHaddad.HukarMuhtalAmrikiCaziz.Hindawi59290207 #META# Tags: novels #META# ID: 59290207 #META# Title: هوكر المحتال الأمريكي العظيم: شخصان في واحد #META# AuthorID: 60483937 #META# Author: نقولا حداد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # العالم الجديد‏ # 1 - الرجل صوت والمرأة صدى‏ # 2 - بائعة الزوج‏ # 3 - الدبوس الألماسي‏ # 4 - الدبوس والأحد عشر ألفا‏ # 5 - قلق إيفا وأفلن‏ # 6 - مؤتمر العصابة‏ # 7 - القبض على هوكر‏ # 8 - التحقيق‏ # 9 - هل يكون شخص في مكانين؟‏ # 10 - من السجن إلى النصب رأسا‏ # 11 - شفلر غير هوكر‏ # 12 - إبليس يجرب إيفا كروس‏ # 13 - مؤامرة في السجن‏ # 14 - سجن ولا سجين‏ # 15 - التقاء هوكر وشفلر في حلم‏ # العالم الجديد‏ # 1 - الرجل صوت والمرأة صدى‏ # 2 - بائعة الزوج‏ # 3 - الدبوس الألماسي‏ # 4 - الدبوس والأحد عشر ألفا‏ # 5 - قلق إيفا وأفلن‏ # 6 - مؤتمر العصابة‏ # 7 - القبض على هوكر‏ # 8 - التحقيق‏ # 9 - هل يكون شخص في مكانين؟‏ # 10 - من السجن إلى النصب رأسا‏ # 11 - شفلر غير هوكر‏ # 12 - إبليس يجرب إيفا كروس‏ # 13 - مؤامرة في السجن‏ # 14 - سجن ولا سجين‏ # 15 - التقاء هوكر وشفلر في حلم‏ # | هوكر المحتال الأمريكي العظيم # | هوكر المحتال الأمريكي العظيم # | شخصان في واحد # تأليف # نقولا حداد # | العالم الجديد # الشرق في واد والعالم الجديد في واد. # المألوف في أميركا غريب في آسيا، غريب في هذه البلاد. فما قولك بالغريب العجيب هناك، ~~وأميركا أم العجائب والغرائب؟! # في هذه الرواية وما يتبعها من الروايات يطلع القارئ على عادات العالم الجديد وطبائعه، ~~ويقف على فنون أهله وأساليبهم في معاملاتهم وعلائقهم، ويعرف حيلهم وألاعيبهم، واستخدامهم ~~عجائب الاختراع وأسرار العلوم، ونظامات الأحكام الدستورية في سبيل تحايلهم. # يندهش القارئ إذ يرى أن الكهرباء والمغنطيسية وما نشأ منهما من العدد والآلات ~~العجيبة، تشترك مع أذكياء البشر في حيلهم وألاعيبهم العجيبة الغريبة. # لذلك آلينا أن ننشر تباعا حينا بعض آخر روايات جاك هوكر - المحتال الأميركي الشهير - ~~الذي دهش الأميركيين بحيله وألاعيبه الغريبة العجيبة، وحير أبطال الشرطة السريين، فلم ~~يستطيعوا أن يمسكوه وهو يتردد بينهم، فكأنه الزئبق بين أناملهم. فكان يبهرهم بطرقه الغريبة ~~المدهشة في الإفلات من مكائدهم؛ حتى كل نك كارتر البوليس السري المشهور من نصب المكايد له ~~واضطر أن يسلم نفسه له طمعا برحمته. # وفي هذه الرواية الأولى ms01 الصادرة في هذا الكتاب حادثة من حوادث جاك هوكر التي لا تعد، ~~يتمثل فيها هوكر بشخصين متشابهين حتى يضطر الناس أن يعتقدوا أن في الوجود شخصين، وهم ~~يتحيرون في أمرهما مع أنه لا يوجد إلا شخص واحد. # وفي الروايات التالية التي تظهر حينا بعد حين يقع الصراع بينه وبين البوليس السري، وهي ~~غرائب لم تخطر على قلب بشر؛ فليتتبعها القراء الكرام. # نقولا حداد # الفصل الأول # | الرجل صوت والمرأة صدى # بعد الساعة الحادية عشرة مساء، كان جمهور من الناس يخرجون من ملعب الهبودروم المشهور ~~في نيويورك، وكان بينهم سيدة تمتاز على غيرها من السيدات بنفاسة ثوبها وحلاها وأبهة ~~مظهرها؛ حتى كان الرائي يخالها ملكة خارجة من قصرها والقوم كلهم حشمها. لم تكن لتقل عن ~~الأربعين عمرا، ولكنها كانت تتراءى في الخامسة والعشرين؛ لأن صبا بنت النعماء ~~طويل. # وكان يمشي إلى جانبها شاب لا يكاد يبلغ الثلاثين من العمر، طويل الطلعة، باهي المحيا، ~~ربع القامة، أنيق الملبس. مشيا إلى أن وصلا إلى أتوموبيل ينتظر، فتوقفت السيدة، وقالت: ~~لا أشعر أني ميالة إلى العودة إلى منزلي الآن، فهل تريد يا مستر هوكر أن تتناول معي كأس ~~شاي في مطعم الهيبودروم؟ # قال: وهل أستطيع أن أرفض هذا منك يا مس كروس؟ # فابتسمت، وقالت: نعم، تستطيع إذا كنت تخاف غضب زوجتك. # قال: إذا كنت تحسبين ذهابي معك جريمة؛ فلا بد أن أخاف غضب زوجتي. # فتوردت وجنتاها خجلا، وقالت: لست أعني ما فهمت، ولكن الغيرة طبع في البشر، ولا سيما ~~النساء؛ فإذا كنت تعهد أن زوجتك ليست غيورة عليك ولا تستاء من تأخرك، فأود أن تتناول ~~معي كأس شاي. ~~- قلت لك يا مس كروس: إن هذا اللطف العظيم ليس لمثلي أن يرفضه في حال من ~~الأحوال. # فالتفتت إلى الحوذي، وقالت: جونستن، أنا في ذلك المطعم المقابل لنا. # وعند ذلك تقدمت ومستر هوكر يأخذ بيدها إلى أن دخلا مطعما فاخرا، تتألق فيه ~~الأنوار الكهربائية حتى صار ليله أبهى من نهاره، وجلسا إلى مائدة منفردة بين حياض نبات ms02 ~~وأزهار، وبعد أن سمع الساقي أمرهما بطلب الشاي وما يتبعه؛ قالت وعيناها تلتهم جاك هوكر ~~وجدا: إذن؛ لا تبالي مهما عرضتك صحبتي. # فقال مبالغا في الابتسام: لا تعرضني صحبتك إلا للسرور والشعور بالسعادة. ~~- إذن تحبني؟! ~~- وأعتبرك أيضا. # فتململت مس كروس قليلا، ثم قالت باسمة متوردة: أوما من خطر من مسز هوكر عليك في ~~حبي؟ ~~- عجيب! أي خطر في ذلك؟! # فأطرقت هنيهة، ثم رفعت نظرها إليه، وقالت: لا بد من أحد أمرين: إما أنك لا تحبني، ~~أو أن زوجتك لا تحبك. # فضحك، وقال: إن منطقك هذا كحبي لك مختصر اللفظ مطول المعنى. ~~- إلى الآن لم تجاوب على قولي، ولم أدرك سر حبك هذا؛ لأن بين حب وحب فرقا ~~كالفرق بين ماء وماء وهواء وهواء. ~~- ما هو الحب الذي تتوقعينه مني؟ ~~- أتوقع منك حبا لي كحبي لك. ~~- ومن أدراك أن حبي أشد وأعظم؟ # قالت: أنا أحلم بك كل ليلة. # قال: وأنا أحلم بك كل نهار أيضا؛ لأني لا أكاد أنام الليل. # قالت: صرف حبك فكري عن كتبي وجرائدي ومراقبة ثروتي. # قال: أما أنا فأصبحت أشغالي لغوا. ~~- أشغلني حبك عن أصحابي. ~~- وأشغلني حبك عن زوجتي. # عند ذلك اغرورقت عينا مس كروس بالدموع، وألقت يدها على كفه، فتناول خمسة أقلام من ~~عاج، وضغطها على شفتيه هنيهة، شعرت في خلالها أن قطرة دمع أحرقت معصمها النضير، فجذبت ~~كفه إلى صدرها. # وقالت: هل تشعر بخفقان قلبي؟ ما زال خافقا منذ ذلك العهد يوم التقينا لأول مرة في ~~المرقص، منذ ذلك اليوم ابتدأت سعادتي وابتدأ شقائي أيضا؛ سعادتي بحبك وشقائي ~~ببعدك. # فأجاب: ومنذ ذلك الحين اضطرمت النار في فؤادي، وما زلت في عذاب دائم - شقاء بلا هناء ~~- وما التقينا مرة بعد ذلك الحين إلا ألقيت وقيدا في أتون صدري. # عند ذلك تنهدت وابتسمت، ثم قالت: الآن أشعر أني في نعيم يا جاك. ~~- أما أنا فما هذه أول مرة ألقيت نفسي في جحيم. # فاختلجت مس إيفا كروس قليلا، وقالت: ماذا تعني؟ ~~- أتظنين أننا التقينا هذه الليلة هنا مصادفة؟ ms03 ~~- كيف عرفت أني آتية الليلة إلى الهيبودروم؟ ~~- ما هذه معجزة! سليني كيف عرفت أنك كنت ذاهبة أمس مثل هذا الوقت متنكرة إلى بناية ~~نادي المراقص في شارع 14؟ # فاضطربت مس كروس ، وشعرت أن قلبها هبط في صدرها، وقالت: يا لله! هل رأيتني؟! # فقال ماكرا: هل ظننت أن الله وحده يعلم أنك تتفقدين الأرملة ويتاماها؟ ~~- أي أرملة هذه؟! ~~- هل تتجاهلين زوجة البواب الذي مات عن 6 صغار منذ أسبوع، وتظنين أني لم أعلم أنك ~~زرت أرملته وتصدقت عليها؟ # فهدأ روع إيفا كروس قليلا، وقالت وهي تظن أنها تمكر عليه: عجيب أن تعلم ما لا يعلمه ~~إلا الله. ~~- الحب أعظم ما خلقه الله، وهو قوة تقدرنا على كل شيء حتى على معرفة ~~الأسرار. ~~- إذن كنت تراقبني! ~~- حاشا، ولكن قلبي كان يقودني إلى حيث يمكن أن أراك أحيانا. ~~- إذن تحبني يا جاك! ~~- وهل تسمين هذا حبا فقط؟ # وكان وجهها قد ضاء بشرا، فألقت كفها في كفه، فطبع فيها قبلة ثانية، فأمسكت بيديه ~~وجذبته، فانتقل إلى كرسي بجانبها، وهمت أن تقبله فنفر مبتعدا فقالت: لا يرانا أحد ~~هنا. ~~- ضميرنا يرانا. # فاحمرت خجلا، وقالت: إذن هو حب عقيم. ~~- لهذا ما زلت شقيا منذ تعارفنا. # وكان سكوت بعض دقائق تنهدت إيفا في خلالها بضع مرار، وأتمت شرب شايها وعيناها تتقدان، ~~ثم قالت: جاك! إني أحبك حبا لا أطيق معه الصبر عنك. ~~- الله كتب لنا الشقاء يا إيفا وإلا لما سهل تعارفنا. ~~- الله لم يكتب لنا شيئا، بل نحن نكتب لأنفسنا إما الشقاء أو السعادة. ~~- كيف نستطيع أن نكون سعيدين مع هذا الحب القاتل؟ # قال: ماذا يمنعنا أن نتمتع به؟! ~~- كيف نستطيع؟ ~~- نكون زوجين. # فاضطرب جاك قليلا، وقال: معاذ الله أن أرتكب جريمة تعدد الزوجات، والقانون يعاقب ~~عليها. # قالت: إذن أنت تضحك علي. ~~- ماذا تعنين؟ ~~- أنت لا تحبني بل تحب زوجتك وتحبها وحدها، فلماذا تكذب في قولك أنك تحبني؟ ~~- قد أكذب إذا قلت «إني أحبك» فقط؛ لأني أعبدك. # قالت: إذن ماذا يمنعك أن تطلق من لا تحب لتتزوج ms04 من تحب؟! # فبهت جاك، وبعد هنيهة قالت إيفا: نعم، نعم، لماذا لا تطلقها لكي تتزوجني إذا كنت ~~تحبني؟! # قال: لم أدر أنه يمكنني أن أنال هذه السعادة يا إيفا، فتنهدت وألقت ذراعها على ظهره، ~~وجذبته بكل قوتها لكي تقبله، فنفر من بين يديها، وعاد إلى كرسيه الأول فقالت: لقد ~~روعتني، لماذا فعلت كذلك؟ إني أكاد أذوب وجدا. # فقال بكل لطف ورقة: إيفا، لم أطلق بعد. ~~- أما صممت أن تطلق؟ ~~- لا يكفي تصميمي، تعلمين أن الطلاق كالزواج لا بد فيه من رضى اثنين معينين. # فخمد في الحال اتقاد إيفا، وفكرت هنيهة ثم قالت: نبحث في الأمر بجد، هل تريد أن ~~تطلق لتتزوجني؟ ~~- أريد من كل قلبي إذا أمكن الطلاق. ~~- هل تحبك زوجتك كثيرا؟ ~~- لا أدري كم تحبني، بيد أني أظن أن الرجل صوت والمرأة صدى. # قالت: ألا يسهل عليك أن تقنعها؟ ~~- بل يصعب علي جدا؛ لأنها لا تجد مستندا سواي، وهي تبتغي أن تعيش منعمة مباهية، ~~ولا تؤمل بأن تعيش هذه العيشة مع سواي. # ففكرت إيفا هنيهة ثم قالت: أعطني عنوان زوجتك. # قال: منزل 28 شارع 110. # قالت: أرجو أن تكتبه هنا. # فتناول برنامج التمثيل في الهيبودورم من يدها، وكتب العنوان على بياض منه، فأودعته في ~~حقيبتها، ونهضت وخرجا وودعا أحدهما الآخر، وهي ركبت أوتوموبيلها وهي تقول له: «غدا ~~مساء تزورني في منزلي.» # فأكد لها ذلك، وركب القطار العلوي - الذي يسير على صقالات فوق الشوارع - وهو يقول: ~~«جئت أصطاد عصفورا، فإذا بي قد اصطدت نعامة.» # الفصل الثاني # | بائعة الزوج # إيفا كروس سيدة غنية تعد ثروتها بالملايين، وتعيش وحدها عيشة الأمراء في منزلها ~~الفخيم بين منازل الأغنياء في زاوية الشارع 35 والأفنيو الخامس (الأفنيو هو الشارع ~~الطويل)، وعاشت كل عمرها عازبة؛ لأنها لم تجد من تحبه الحب الكافي لكي تتزوجه؛ فكانت ~~تكتفي بعشرة من تروق لها عشرته من الشبان الذين تعرفت بهم، وكان الذين يعرفونها ~~يلقبونها «بالمفتونة»؛ لأنها كانت ولوعة بعشرة الشبان، وكان بعضهم يلعبون عليها أدوارا ~~مضحكة لسذاجتها وبساطة قلبها، ومثل إيفا ms05 كروس كثيرات. # والظاهر أن حب جاك هوكر ملأ قلبها حتى لم يعد يسع حبا، وتدفق مع دمها وغلغل في ~~عروقها، فلما افترقت عنه كانت تردد قوله: «الرجل صوت والمرأة صدى.» وقالت في نفسها : ~~«إذا صحت هذه القاعدة - ولا بد أن تكون صحيحة - فلا بد أن جاك يحبني حبا شديدا - ~~كما يقول - وإلا لما كنت أحبه، وبالتالي لا يمكن أن تكون امرأته تحبه؛ لأنه لا يمكن أن ~~يحبها ويحبني معا، وعليه لا بد أن أنجح في فصلها عنه بأي الطريق ولو ملكتها نصف ~~ثروتي، وأنا أعلم أن المرأة تبيع زوجها بثوب وقبعة، أفلا تبيع مسز هوكر - زوجها - ~~بألوف الريالات؟!» # في الساعة الأولى بعد ظهر اليوم التالي، كانت مسز هوكر في منزل مس إيفا كروس، ~~فاستقبلت هذه تلك بترحاب وابتسام قائلة: أشكر لطفك في تلبيتك دعوتي، متى وصلك كتابي يا ~~مدام؟ # أجابت: بالطبع وصلني منذ ساعة تقريبا؛ لأني حالما قرأته تأهبت للقدوم إليك، كما ~~كتبت لي، وأسرعت ما استطعت؛ فعسى أن يكون خيرا. ~~- إن شئت فخير، أو ويل لكلينا. # فقالت مسز هوكر مستهجنة هذا الجواب: إن كان الأمر يتوقف على مشيئتي فلا أريد إلا ~~الخير لكلينا. ~~- نعم، يتوقف على مشيئتك. ~~- ماذا تبغين يا عزيزة؟ ~~- إن ما أبتغيه شيء عظيم وصعب، ولا ينيلنيه أحد غيرك. ~~- إن كان في وسعي فأفعله بسرور. ~~- هو في وسعك إذا شئت. ~~- إذن مري مس كروس فأفعل. ~~- تعرفين المثل السائر «الشغل شغل»، أريد منك أمرا ولكن بثمن. ~~- نعم! ~~- الذي أريده شيء عظيم. ~~- لا نختلف على الثمن، فماذا تريدين؟ ~~- أريد أن تبيعيني زوجك. # فانتفضت مسز هوكر في مكانها حتى رأت إيفا انتفاضها فاختلجت معها، أما تلك فلم تجب، بل ~~كان احمرار وجهها جوابا، فقالت هذه ثانية: أريد أن أشتري زوجك بلا مساومة، ثمنيه ~~فأدفع ثمنه نقدا الآن، فأجابت مسز هوكر متغيظة: هل استدعيتني يا مس كروس إلى منزلك لكي ~~تهينيني؟! ~~- كلا يا عزيزتي، ما من إهانة في ذلك، بل أنت تعلمين أن حب المال في أميركا فوق كل ~~حب، فإذا ms06 كنت أعرض عليك مالا بدل زوجك، فأكون عارضة عليك أعظم محبوب عند البشر - إله ~~البشر اليوم - إلهي وإلهك؛ فأية إهانة في ذلك؟! ~~- تفضلي أن لا تتمادي في هذا الموضوع؛ فما زوجي قبعة حتى أبيعه وتشتريه. ~~- لكل شيء في الدنيا ثمن؛ فللقبعة ثمن، وللخاتم ثمن، وللعقد ثمن، وللكلب ثمن. ~~- ما زوجي بشيء من ذلك حتى يثمن بثمن؛ فأقصري. ~~- ألا تسمعين القول السائر: «معك ريال فتساوي ريالا»؟ فللرجل إذن ثمن أيضا، فلا ~~تستهجني الأمر يا صديقتي، اطلبي الثمن. # فقاطعتها تلك قائلة غاضبة جدا: إذا لم تقصري حديثك جرت بيني وبينك موقعة هائلة ~~هنا. # وكانت مسز هوكر قد تحمست جدا، ووقفت وهمت أن تهجم على مس كروس، أما تلك فلم تتحرك ~~من مكانها، بل بقيت تترجح في كرسيها الهزاز وتبتسم، فقالت لها: اقعدي يا مسز هوكر يا ~~حبيبتي اقعدي، الظاهر أنك لا تزالين تعولين على العواطف أكثر من المال، فدعينا نتكلم في ~~الموضوع من وجه آخر. # فقالت مسز هوكر: كفاني هوانا عندك يا مس كروس، كفى. # وهمت أن تمضي، فتلقتها إيفا وأمسكت بيدها، وأجلستها إلى جانبها بالرغم منها تقريبا، ~~وقالت: دعينا نتكلم بعقل الآن. ~~- أراك جننت، فكيف أنتظر أن تكلميني بعقل؟! ~~- لا، لم أجن بعد إلا إذا عاندتني فتكونين سبب جنوني، فاعلمي أني أحب جاك، وليس حبك ~~له عند حبي إلا كنقطة في بحر. ~~- أنت حرة في أن تحبي من تشائين يا مس كروس، ولكن لست حرة إلى حد أن تهيني ~~سواك. ~~- إذن لا تستائين مني إذا أحببت زوجك؟ ~~- ليس لي حق أن أستاء، ولكني أشفق عليك وأعذرك؛ لأن كثيرات غيرك أحببنه قبلك، بيد أني ~~لم أر من فعلت فعلك هذا. ~~- إذن تعذرينني وتسلمين أن لي حقا أن أحبه. ~~- بالطبع؛ إذ لا سلطة لأحد سواك على عواطفك. ~~- وهل من سلطة لأحد على عواطفه؟! ~~- كلا، ولكن لي أنا مطلق الحق بعواطفه. ~~- الحق يا مدام شيء والسلطة شيء آخر. لك حق أن يحبك، ولكن لا سلطة لك على عواطفه إذا ~~كان لا يحبك. ~~- تعنين أنه ms07 لا يحبني الآن؟ ~~- نعم؛ لأنه يحبني مثلما أحبه، ولا أقدر أن أقول أكثر إذ لا أعتقد أن هناك حبا ~~أشد من حبي له. ~~- إذن أنت تحاولين أن تختلسي زوجي مني؟ ~~- كلا، لا أختلسه اختلاسا، بل أشتري اسمه شراء كما اقترحت عليك أولا، أقول اسمه؛ ~~لأن قلبه وروحه صارا ملكي. # فظهر غضب مسز هوكر شديدا، وقالت: تقرين أنك خائنة لي، ~~عرفتك بزوجي فغازلته وتحببت له لكي تستميليه، ولكني أقول لك: إن زوجي لا يغتر ~~بالغنى والجاه، فقد تزوجنا حبيبين ونموت حبيبين. ~~- إنك لمغرورة يا هذه، إن كنت معتمدة في هذا العناد على اعتقاد أنه يحبك فأنت ~~مسكينة. ~~- ليس من يزعزع ثقتي بزوجي. ~~- لماذا لم تسهري معه أمس؟! ~~- كان في «النادي الثلاث عشري» فكيف أذهب معه؟! ~~- قلت لك مسكينة فلم تصدقي، كان في ملعب الهيبودروم. ~~- تكذبين. ~~- بل أصدق؛ لأنه صرف بعد ذلك نحو ساعة معي في مطعم الهيبودروم. ~~- أنت منافقة تبتغين أن تهيجي طبعي. ~~- لا تسخطي يا حبيبتي، عندي برهان. # ثم خرجت إيفا إلى غرفتها، وفي لحظة عادت وفي يدها برنامج التمثيل في ملعب الهيبودروم، ~~وأرتها إياه قائلة: هذا عنوانك عليه بخط زوجك نفسه، والبرنامج بتاريخ الأمس كما ترين، ~~فهل صدقت أنك مسكينة؟! # فاستلقت مسز هوكر في كرسيها كأنها واهية القوى، وتنهدت، وجال الدمع في عينيها. # ثم قالت: إذن تحفظين هذا البرنامج برهانا على خيانتك لي. ~~- ما أنا خائنة يا مدام، بعد أن قلت: إن لا سلطة لأحد على عواطفي، وإن لي حقا ~~أن أحب من أشاء. ~~- بل أنت خائنة؛ لأنك تستهوين زوجي. ~~- كلا يا مدام، هو يقول: إن الرجل صوت والمرأة صدى؛ أي إن المرأة تحب الرجل لأنه ~~يحبها أولا، وتحبه بقدر حبه لها؛ فهو استهواني وهو استمالني وهو راقبني وتتبعني إلى ~~الهيبودروم؛ ولهذا أحبه، ولهذا لا يحبك فأتعجب كيف أنك تحبينه حتى الآن؟! # فشرقت مسز هوكر بدموعها، فتقدمت إليها إيفا، وأمسكت يدها، وقالت: لماذا تبكين يا ~~حبيبتي؟ إنك لساذجة جدا، لو كنت أنا في مكانك لا أبكي على رجل لا ms08 يحبني، بل بالأحرى ~~أكرهه وأشمخ عليه وأقصيه عني. # فرفعت مسز هوكر نظرها إلى إيفا وعيناها تتقدان، وقالت: إذا كان يحبك وتحبينه، ~~فماذا تشترين مني بعد، فقد صار لك وأنت له؟! ~~- نعم؛ صار لي وصرت له فما أنا شارية قلبه منك؛ لأن قلبه لي على كل حال، وإنما أنا ~~شارية اسمه، فاطلبي ثمنه ما تشائين. # فقالت مسز هوكر بلهجة الهازئة المتمرمرة: وماذا يهمك اسمه وقد حزت قلبه؟! ~~- أريد أن يكون لي كله بحسب الشريعة، أريد أن أتزوجه، أريد أن تطلقيه إذ لم يبق لك ~~إلا اسمه، وقد اتفقت معه على ذلك. # فسخطت مسز هوكر بها قائلة: أطلقه؟! سأريك ماذا أفعل. ~~- ماذا تفعلين؟! ~~- ألا تعلمين ما هو عقاب الخائن والخائنة؟! # فقهقهت إيفا، وقالت: ليس بيني وبين زوجك إلا الحب، والحب ليس خيانة؛ لأنه فوق كل ~~شريعة وسلطان في هذه البلاد. ~~- إذن اكتفي بحبه يا هذه، وأنا أعرف كيف أدبر زوجي، لن أعيش إن كنت أدعه يرى وجهك ~~بعد. # ففكرت إيفا هنيهة، وقالت: أود أن أكلمك بكل تعقل يا عزيزتي، فاسمعي لي ولا تستسلمي ~~لعواطفك الآن، فتهتدي إلى الصواب في مصلحتك. لا بد أنك اقتنعت أن زوجك يحبني ولا ~~يحبك، وإذا راجعت سلوكه معك في الماضي تتأكدين ذلك. # وكانت مسز هوكر قد ألقت خدها على كفها، فهمت أن تستشيط، فأومأت لها إيفا قائلة: هدئي ~~روعك يا حبيبتي، وانظري إلى مصلحتك، فإن للعواطف ثورة تنطفئ في ساعة أو يوم، فإذا كان ~~زوجك لا يحبك؛ فلا يكون زوجك إلا بالاسم، ولو استطعت أن تبعديه عمن يحب، الأمر الذي ~~يستحيل عليك، وإن عقدت النية على الانتقام منه فأنت خاسرة على كل حال، ولو نجحت مع ~~أنك لن تنجحي لأنك لست أقدر مني مالا ولا أذكى منه عقلا، فمن العبث أن تحاولي ~~الاحتفاظ به، وخير لك أن تستعيضي منه بما هو أفيد لك من اسمه ألف ألف ضعف، لا فائدة ~~لك منه إلا أنه يعولك قدر ما يستطيع، فأنا أعوض لك ذلك أضعافا بحيث تقدرين أن ~~تعيشي ms09 بعدئذ أسعد حالا، حتى إذا شئت أن تتزوجي وجدت خير شبان، يتمنى كل منهم أن ~~يتزوجك غنية. # وكانت مسز هوكر قد وضعت وجهها في كفيها كأنها تبكي، فلم تجب كلمة على خطاب إيفا ، وبعد ~~هنيهة قالت هذه لها: كم تريدين أن أدفع لك ثمن طلاق زوجك فأدفع في الحال؟ # فلم تجب مسز هوكر، فقالت: هل تكفيك ثلاثون ألف ريال؟ # فلم تجب فقالت: خذي 40 ألف ريال. # فلم تجب أيضا فقالت: أظن 50 ألفا تكفيك وزيادة. # أكتب لك تحويلا بالقيمة، وأنت تكتبين لي تعهدا أنك تطلقين زوجك غدا أو تردين لي ~~المبلغ. # ونهضت إيفا وأمسكت مسز هوكر بيدها، وقالت: «هلمي معي إلى مكتبي.» وعند ذلك جرتها ~~جرا كأنها تأخذها بالقوة إلى أن دخلتا وجلستا على كرسيين، وتناولت إيفا دفتر ~~التحاويل، وكتبت تحويلا لمسز هوكر بقيمة 50 ألف ريال، ودفعته لها، وقدمت لها ورقا، ~~وقالت: «اكتبي التعهد الآن.» فلم تمد تلك يدها، فوضعت إيفا الورق والقلم في يدها، ثم ~~قبلتها ولاطفتها حتى رضيت أن تكتب، وهي تنظر إلى التحويل، وتنعم النظر في أرقامه، وأملت ~~إيفا عليها صورة التعهد فكتبته وأمضته، فأخذته إيفا ووضعته في محفظة، ثم عادتا إلى ~~القاعة والتحويل في يد إيفا؛ فدفعته لها قائلة: هذه 50 ألف ريال ثمن اسم زوجك؛ فلتكن ~~سبب حب أسعد لك من حب جاك. # لك أن تقبضي القيمة من البنك الآن. # فأمسكته مسز هوكر بيدها، وقالت: أي مجنون في بنك نكر بوكر يدفع لي 50 ألف ريال وهو ~~لا يعرفني؟! ومن يصدق أن هذا التحويل ليس مزورا؟! # فقالت إيفا والفرح قد أخذ منها كل مأخذ: ماذا تريدين؟ هل تريدين أن أذهب معك إلى ~~البنك لكي أدفع شبهة التزوير؟ # فقالت: تذهبين معي؛ لكي يلعن الذين يروننا المرأة التي ساومت على ثمن زوجها؟! كلا؛ ~~لن أذهب ولا أبقى في نيويورك ساعة بعد طلاقه. ~~- إذن؛ ماذا تريدين؟ ~~- لماذا لا تذهبين الآن إلى البنك وتقبضين الثمن؟ ~~- إذن غدا نذهب معا، أنا إلى البنك وأنت وجاك إلى المحكمة. ~~- لا بأس ms10 إذن، أعطيني التعهد حالا. ~~- أبقي التحويل معك. ~~- لا لا، التعهد عندي أكثر قيمة من التحويل؛ فخافت إيفا أن تكون مسز هوكر قد ندمت، ~~وأنها تود أن تفسخ عقد الاتفاق؛ فقالت: إذن أذهب الآن إلى البنك، وفي ساعة أعود إليك ~~بالمبلغ نقدا فانتظريني هنا. # وفي الحال نزلت إيفا، أما مسز هوكر فخرجت إلى رحبة المنزل الذي هو موضع الجلوس ~~العمومي، واطمأنت إذ رأت التليفون، وجلست، وبعد برهة قرع جرس التليفون فأسرعت إليه في ~~الحال، وتناولت بوقه فدنت الخادمة إذ سمعت صوت التليفون، فقالت لها مسز هوكر: الطلب ~~لي. # فقالت تلك: هل مس كروس التي تخاطبك؟ ~~- كلا؛ بل خادمتي. # فعادت الخادمة إلى شغلها وردت مسز هوكر البوق إلى أذنها وجعلت تجاوب المخاطب. # الفصل الثالث # | الدبوس الألماسي # كان الوقت قد تجاوز الساعة الثانية لما خرجت مس إيفا كروس من منزلها، ولم تدر حينئذ ~~أن حبيبا آخر يترقبها عن بعد وهو في ثوب رمادي وقبعة رمادية أيضا، وقد تتبعها حتى ~~أدركها قبل أن وصلت إلى مدخل محطة «القطار النفقي» (وهو قطار كهربائي يسير في نفق تحت ~~شوارع نيويورك)، فلما وقعت عينها على عينه ابتسمت له ابتسامة ضعيفة فحياها، وتقدم ومشى ~~معها؛ فقالت: «أرجو إما أن تسبقني أو أن أسبقك.» ~~- أإلى بناية نادي المراقص حيث كنا أول أمس؟ # فامتقع وجهها، وقالت: ليس من مرقص الآن وما أنا متنكرة؛ فلا تذكر لي نادي المراقص ~~بعد الآن. ~~- إذن إلى أين تريدين أن أسبقك أو تسبقيني؟ ~~- أريد أن لا تماشيني الآن، فإما أن تمشي أمامي أو أن تتأخر عني، أو أن تتخذ طريقا ~~غير طريقي. ~~- عجبا! أراك تغيرت علي؛ فكم مرة ماشيتك قبل الآن فلم تتحذري مثل الآن؟ ~~- لا تطل الحديث معي؛ فإني أود أن أبقى وحدي. ~~- فليكن ما تشائين يا أميرتي، ولكن هل آمل بلقاء آخر نتفاهم فيه؟ ~~- لا تتعرض لي في مكان أو زمان حتى أنا أتعرض لك، فلا تمش معي خطوة بعد. # فتركها عند ذاك ودخل إلى محطة القطار النفقي، وفي بضع دقائق كان في ms11 جهة من شارع ~~برودواي، فدخل إلى حانة، واختلى في قفص التليفون، وأسقط القرش في الفوهة المهيئة لذلك ~~وتكلم. ~~(وهنا نخبر القارئ أن طريقة المخاطبة في التليفون في أميركا ميسرة جدا، فأينما كنت ~~ورغبت أن تخاطب أحدا في التليفون تجد على كل أبواب المحلات العمومية كالحانة والصيدلية ~~والفندق والبقال ... إلخ؛ علامة أن هناك تلفونا عموميا، فتدخل من غير استئذان إلى ~~قفص التليفون (وهو شبه خزانة)، وتقفل الباب عليك، وتخاطب من تشاء من غير أن يسمع أحد ~~ماذا تتكلم.) # وبعد أن تكلم بضع كلمات خرج، ودخل في باب بناية كبيرة عليها رقم 160، وصعد إلى الطبقة ~~التي فيها مراحيض ودخل إلى مرحاض، وفي هنيهة سمع صوتا خافتا يغني، فجاوبه على غنائه، ~~فدخل صاحب الصوت إلى مرحاضه، دخل بثوب أسود وبلا قبعة، وفي دقيقة خرج بثوب رمادي وقبعة ~~رمادية، وبقي الأول في المرحاض وقد أوصده من الداخل، وبعد برهة عاد الذي خرج بالثوب ~~الرمادي، ونقر على المرحاض نفسه 3 نقرات، ففتح ذاك له فدخل، وفي دقيقة خرج بثوبه الأسود ~~وبلا قبعة كما كان قبلا، أما الأول فبعد هنيهة خرج ومضى إلى جهة أخرى من ~~المدينة. # في الشارع الثامن مخزن كبير للجواهر والحلي باسم «أفلن وشركاه»، ففي ذلك الحين دخل ~~إليه رجل، فاستقبله مدير المحل بالترحاب قائلا: أهلا يا مستر هوكر. # فتقدم إليه ذاك باسما وصافحه قائلا: بعت أمس خاتما وسوارا، أما هذا الخاتم فلم ~~أقدر أن أبيعه؛ لأن بعض حجاره مكمدة، فأرجو أن تسترده كما اتفقنا، وهاك 320 ريالا بقية ~~حسابي. # فتناول أفلن الخاتم والنقود منه باسما، وقال: إني مستعد أن أسترد كل حلية لا تقدر أن ~~تبيعها يا مستر هوكر؛ تسهيلا للمعاملة فهل تريد شيئا آخر؟ ~~- أريد أن تعطيني الدبوس الألماسي الثمين الذي أعجب مس كروس. ~~- هل وجدت من يشتريه؟ ~~- مس كروس نفسها تشتريه الآن إن شاء الله، وقد أتيت من قبلها لكي آخذه إليها لتراه ~~ثانية الآن، فكم تدفع لي عمولة؟ ~~- أدفع لك 5 بالمائة. ~~- بل تدفع 10. ~~- ثمنه عشرة آلاف ريال، فيكفيك ms12 منها 5 مائة. ~~- بل ألفا تعطيني. ~~- خذ 700 ريال، خذ 750. ~~- كلا، تعطيني ألف ريال إذا بعته بعشرة آلاف، وليس غيري من يضمن لك بيعه لهذه ~~المفتونة، ولي الأمل أن أتوصل بواسطتها إلى غيرها من الغنيات المفتونات مثلها، ولا سيما ~~حين ينظرن هذا الدبوس على صدرها، فيسهل علي جدا حين ذاك أن أبيعهن حليا كثيرة. # ففكر المستر أفلن هنيهة، وقال له: «أمهلني لحظة.» # ثم ذهب إلى التليفون، وطلب رقم مس إيفا كروس، وعند ذلك جرى الخطاب التالي في التليفون: ~~حضرتك مس كروس؟ ~~- نعم، من أنت؟ ~~- هنا محل أفلن وشركاه. ~~- حضرتك المستر أفلن نفسه؟ ~~- نعم، هل قررت أمرا بشأن الدبوس المعلوم؟ ~~- أريد أن أراه ثانية، فقد وعدني المستر هوكر أن يأتي به إلي في هذا الوقت، أفما ~~مر بك؟ ~~- نعم، هو هنا الآن. ~~- إذن أرسل لي الدبوس معه؛ لأني وعدته أن يتم الشراء عن يده، وإني أرى هذا الفتى ~~مهذبا؛ فأريد أن ينتفع قليلا، كم هو الثمن النهائي للدبوس؟ ~~- أحد عشر ألف ريال يا سيدتي. ~~- هو يقول إنه يمكنني أن أشتريه بقيمة عشرة الآف ريال فقط، فهل تعني أنك تبتغي أن ~~تحصل عمولة هوكر مني؟ ~~- كلا، ولكن ... ~~- أنت حر أن ترسله أو لا. # وعند ذلك شعر أن بوق الجانب الآخر من التليفون عاد إلى مكانه كأن مخاطبته استاءت، ~~فعاد إلى هوكر محمر الوجه وناوله الدبوس قائلا: عسى أن تعود إلينا اليوم بتحويل بقيمة ~~عشرة الآف ريال. ~~- ليس اليوم بل غدا الساعة العاشرة على الأرجح. # عند ذلك خرج هوكر بالدبوس وبلاك يقول في نفسه: «إذا بقي هذا الفتى سائرا على هذه ~~الخطة يتحبب للمثريات ويحببنه، فقد أبيع كل بضاعتي وتربح ألفي ألفا.» # الفصل الرابع # | الدبوس والأحد عشر ألفا # نحو الساعة الثامنة مساء دخل جاك هوكر إلى منزل مس إيفا كروس، فاستقبلته هذه على ~~الرحب والسعة، ودخلت به إلى القاعة، وهمت أن تقبله، فنفر منها قائلا: بربك مس كروس لا ~~تجربيني. # فقالت عابسة: هل ندمت على حبي وتأسفت على وعدك؟ ~~- كلا، بل آسف أني ms13 لم أعرفك منذ أول صباي، فتهللت قائلة: إذن لماذا تضن علي بقبلة ~~دفعت ثمنها 50 ألف ريال اليوم؟ ~~- لم تدفعي الخمسين ألف ريال ثمن قبلات يا عزيزتي، بل افتديت بها قلبا ~~منكسرا. ~~- إذن رأيت مسز هوكر اليوم بعد الظهر؟ ~~- بالطبع، رأيتها مقطبة عابسة فسألتها : ما الخبر؟ فقالت إنها كانت زائرة لك اليوم، ~~وعرفت ما بيننا من الحب والغرام، فسألتها: كيف عرفت ذلك؟ فقالت إنك ساومتها على طلاقي ~~بمبلغ كبير وأرتني بعض المال، فقلت لها متهللا: «يسرني أن تكوني راضية»، فهاجت وسخطت ~~علي فقلت لها: «لماذا تسخطين وبأي حق تستشيطين، وقد قبلت بدلي ثمنا؟!» ~~- وماذا أجابتك حين قلت لها ذلك؟ ~~- عادت تنحب وتقول: «إذا كنت تحبني فأتفل على ألوف الريالات، ها الخمسون ألف ريال ~~ردها لمس كروس وحبني ولو شهرا، وأرضى بعده أن أموت.» ~~- إذن لا تزال تحبك، فماذا أجبتها؟ ~~- رق قلبي لها، ولو لم أتذكرك لدنوت منها ومسحت دموعها. # فهجمت عليه مس كروس وضمته وقبلته بالرغم منه، وقالت: بربك لا تقابلها بعد. ~~- لا بد من مقابلتها الليلة بعد؛ لأنها لم تزل زوجتي حتى غد الساعة العاشرة. ~~- هل رضيت أن تذهب غدا معك إلى المحكمة للطلاق؟ ~~- بعد جدال طويل لم تر بدا من ذلك؛ لأنها يئست من حبي لها، ووجدت في ألوف الريالات ~~تعزية عظمى. # فابتهجت قائلة: إذن صرت في حكم الزوج لي. ~~- غدا بعد الظهر يا حبيبتي الساعة الواحدة أكون هنا لنذهب معا لأخذ الرخصة. # فطوقت خصره بذراعها، ورامت أن تقبله وهي تقول: إذا كنت تضن علي بالقبلات، فكيف ~~تبرهن أنك مخلص في حبي؟ # فتناول جاك من جيبه الدبوس الألماسي، وقال: هاك هديتي لك برهانا. # فدهشت، وقالت: من قال لك أني أحببت هذا الدبوس؟! ~~- أعلم ذوقك وما رأيته إلا شعرت أنه لا يليق إلا لهذا الصدر الناهض. # فابتسمت، وقالت: هل اشتريته لي؟ ~~- لا أشتريه لسواك. ~~- هل دفعت ثمنه؟ ~~- لا تهتمي بأمر ثمنه. ~~- أنا أعلم أنك ظلمت نفسك، فإن ثمنه لا يقل عن 12 ألف ريال؛ فاعذرني إذا استأذنتك أن ~~أدفع ms14 ثمنه أنا. ~~- ولكن لا يبقى هدية مني. ~~- أنا أحسبه كذلك، وحسبي أنك افتكرت أن تقدم هذه الهدية الثمينة لي، وما الفرق أن ~~تدفع ثمنه أنت أو أنا وكلانا واحد؟ ~~- ولكن حتى الآن وأنا أقدم الهدية لم نزل اثنين. ~~- مهما يكن الأمر فإن ثمن هذا الدبوس لم يزل كله أو بعضه دينا عليك، ولا أريد أن ~~تكون مديونا لأحد، فخذ تحويلا بقيمة ثمنه. كم ثمنه؟ ~~- صاحبه يطلب 11 ألف ريال، وأنا لا أريد أن أدفع له إلا عشرة آلاف. ~~- إذن لم تشتره بعد؟ ~~- بل اشتريته، فإن أبى إلا 11 ألفا أضطر أن أدفعها له. # وهمت أن تكتب تحويلا فقال: ماذا تفعلين؟ ~~- أكتب تحويلا بقيمة 11 ألف ريال. # قال: اكتبي التحويل «لناقله»، فأقبض القيمة، وغدا آخذ له الدبوس وعشرة آلاف ريال، ~~فمتى رأى الفلوس يرضى بها دونه، وإن أصر أدفع له الباقي أو بعضه. # الحب يعمي البصيرة حتى البصر؛ فكانت إيفا كروس وهي في إبان حبها كالطفل بين يدي أمه ~~مهما أمرته يفعل راضيا مسرورا، فكتبت في الحال تحويلا «لناقله» بقيمة 11 ألف ريال، ~~ودفعته لجاك هوكر عشيقها، فألقاه إلى جانبه غير مكترث به كأن نفسه شابعة من الفلوس، ~~والتفت إليها فرأى لهبات الوجد تكاد تندلع من لحظيها، فرمى كفه في كفها، فقبضت على كفه ~~بكل قوتها وجذبته إليها، وقبلت فمه حتى كادت تحرقه أنفاسها الحارة، فما شفت منه غليلا ~~حتى نشأ فيها غليل جديد، ولكنه أشغلها برهة بالحديث عن مستقبلهما، ثم ودعها وأخذ معه ~~الدبوس والتحويل، وانصرف على موعد لقائها غدا الساعة الواحدة بعد الظهر. # الفصل الخامس # | قلق إيفا وأفلن # دقت الساعة العاشرة صباح اليوم التالي، فالتفت المستر أفلن إلى الباب، كأنه يتوقع ~~دخول المستر هوكر حسب الاتفاق بينهما، ولا سيما لأنه تعود منه فيما مضى المحافظة على ~~المواعيد بالضبط، ولكنه لم ير أحدا داخلا؛ فقال في نفسه: «لا بد أن يكون قادما ~~الآن.» فنهض من مكانه وتمشى ببطء نحو الباب، ثم خرج وتلفت هنا وهناك، فلم ير هوكر ~~قادما، فعاد ms15 إلى مكانه، والتفت إلى الساعة فإذا بها صارت 5 دقائق بعد العاشرة، فقال في ~~نفسه: «لعل له عذرا ونحن نلوم؛ الفتى أمين، وقد اختبرناه بضع مرات.» # مر نصف ساعة بعد العاشرة وهوكر لم يعد كما وعد، وحاول أفلن مرتين أن يمسك بوق ~~التليفون لكي يخاطب مس إيفا كروس؛ فخشي أن يسوءها، ولكن لم يعد يطيق صبرا؛ فطلب رقم ~~تلفونها، وفي الحال جرى بينهما الخطاب التالي: مس إيفا كروس؟ ~~- نعم، من أنت؟ ~~- أنا المستر أفلن، نهارك سعيد مس كروس. ~~- نهارك سعيد مستر أفلن. ~~- لا بد أن تكوني قد رأيت الدبوس الآن أجمل منه قبلا. # فقالت إيفا في نفسها: «يظهر أن هوكر أخبره شيئا عن علاقتنا المستقبلة؛ فلا بأس ~~لأني سأكون قريبا زوجته.» ثم أجابت المستر أفلن: الحق أن دبوسا كذاك كلما نظرت إليه ~~ازددت حبا له. # فتنهد أفلن الصعداء كأن هما كان على صدره فزال، فقال: إذن قررت أن تشتريه؟ ~~- أما وصل إليك المستر هوكر بثمنه؟ ~~- كلا، كان المنتظر أن يأتي الساعة العاشرة والآن الدقيقة 40 بعد العاشرة. ~~- لعل أمرا فوق العادة أعاقه. # وفي الحال تصورت تلك الغبية المفتونة هوكر وزوجته في المحكمة يتطلقان، وقالت في ~~نفسها: «عجيب كيف يعده أن يعود إليه الساعة العاشرة، وهو يعلم أن عنده موعدا آخر في ~~المحكمة.» فقال أفلن: إذن؛ ننتظره بعد. ~~- بالطبع. # ولما حانت الساعة الواحدة بعد الظهر جعلت مس إيفا كروس تتوقع قدوم المستر هوكر ~~الدقيقة بعد الدقيقة، وفي إبان قلقها ووجدها سمعت الجرس يقرع؛ فخفق قلبها فرحا، ولكن ~~وفي لحظة انقلب فرحها إلى غم؛ إذ دخلت الخادمة، وقالت: مستر أفلن يريد مقابلتك مس ~~كروس. ~~- ماذا يريد؟ أدخليه إلى القاعة. # ولما دخلت إلى القاعة وجدت المستر أفلن لا يزال واقفا وهو مضطرب، فقالت: ألم تر ~~المستر هوكر؟ ~~- ولا أثره ولا سمعت بخبره. # فاسودت الدنيا في عيني مس كروس، وقالت: لا بأس؛ لعل له عذرا. ~~- لعل ذلك يا مس كروس، ولكن التاجر الذي له عشرة آلاف في غير بنكه أو خزنته كالمريض ~~الذي له ms16 روح في يد عزرائل؛ فأرجو من فضلك أن تسألي بنكك الآن إذا كان قد صرف تحويلا ~~لأحد باسمي. ~~- التحويل ليس باسمك بل باسم المستر هوكر نفسه. ~~- فبالأولى إذن يجب أن تسألي عن فلوسك. ~~- أما أنا فلست خائفة؛ لأني أعرف أن المستر هوكر يؤمن على كل ثروتي. # ورأى المستر أفلن في ملامح إيفا كروس عبوسة وشبه غضب، فاحتار كيف يخاطبها؛ فتردد في ~~الخطاب قائلا: إذا كنت لا تخافين على فلوسك في يد المستر هوكر؛ فبالأحرى أنا لا أخاف ~~على دبوسي وهو في مأمن عندك. ~~- ليس لك أن تقول لي هذا القول، بل تقوله للذي بعته الدبوس، وإذا كنت تستخونه فلماذا ~~سلمته إياه من غير أن تقبض ثمنه؟! # فخفق قلب أفلن جزعا، وشعر أن دبوسه صار تحت خطر فقال: سواء استخونته أو ائتمنته؛ ~~فالدبوس أصبح في مأمن عندك يا مس كروس. ~~- كلا، ليس الدبوس عندي بل لا يزال مع المستر هوكر. ~~- كيف ذلك؟ قلت لي أنك أرسلت لي ثمنه مع المستر هوكر. ~~- الدبوس وثمنه كلاهما مع المستر هوكر ليعرضهما عليك؛ لتختار إما الدبوس أو العشرة ~~آلاف ريال. ~~- ولكن لا داعي لهذا التخيير، فقد اتفقنا على عشرة آلاف، ومع ذلك فقد فات الوقت ~~المعين 3 ساعات، وإلى الآن لم أحصل لا على العشرة آلاف ولا على الدبوس. ~~- لعل الرجل منشغل بأمر ضروري، فلا تلمه إذا لم يوافك في الموعد المقرر، وزد على ذلك ~~فإني أعهده فتى أمينا فلا تخف منه. ~~- على أي حال لا أخاف يا مس كروس؛ لأني سلمته الدبوس بناء على أمرك فهو ... ~~- بناء على أمري! متى أمرت؟ ~~- أمس في مثل هذا الوقت تقريبا. ~~- أنا! أمس! لا تمزح يا مستر أفلن. ~~- بل أنت تمزحين مس كروس. # وبدت علائم الغضب والاضطراب على الاثنين. # فقالت: أرجو أن تسترد كلامك مستر أفلن؛ لم أعتد أن أمزح معك قبل الآن. ~~- إذا كنت لا تمزحين مس كروس فإنك تنكرين. ~~- أنكر ماذا؟! ~~- تنكرين أنك أمرتني تلفونيا أمس أن أرسل لك الدبوس مع مستر هوكر! ~~- أنا كلمتك تلفونيا ms17 أمس؟! ~~- نعم؛ أنا كلمتك أولا وأخبرتك أن المستر هوكر جاء إلي من قبلك؛ لكي يأخذ ~~الدبوس إليك لتريه ثانية. هل نسيت؟! # فأوجست مس إيفا شرا من المستر أفلن، وظنته يلعب عليها دورا؛ لأنها حتى تلك الدقيقة ~~لم تشك بإخلاص هوكر وأمانته، وقالت: تقول أنك كلمتني في مثل هذا الوقت. # فالتفت إلى ساعته ، وقال: ليس مثل هذا الوقت تماما، بل كان ذلك نحو الساعة الثانية ~~ونصف على الأرجح. ~~- في ذلك الحين لم أكن هنا في البيت. ~~- إذن؛ من خاطبني من هنا؟ ~~- لا أدري. # فكاد المستر أفلن يجن من شدة قلقه، وقال: راح دبوسي إذن يا مس كروس راح دبوسي، بربك ~~حققي بين الخدم هنا عمن خاطبني في التليفون أمس. # فاستدعت إيفا وصيفتها، وسألتها إن كان أحد قد طلب مخاطبتها أمس وهي غائبة بعد الظهر، ~~فأجابتها تلك: نعم، سمعت جرس التليفون يقرع نحو الساعة الثانية ونصف فوافيت إليه، فوجدت ~~السيدة التي تركتها هنا أمام التليفون، فلما رأتني قالت: إن خادمتها تخاطبها فعدت إلى ~~شغلي ولم أعبأ، وغير ذلك الحين لم يخاطبنا أحد تلفونيا في غيابك. # عند ذلك أمرتها إيفا أن تعود إلى مكانها، والتفتت إلى أفلن وهو ينظر إليها، وكلاهما ~~متحيران، ثم سألها: من هي تلك السيدة التي خاطبتني بلسانك إذن؟ # فاحتارت إيفا ماذا تجيب وشق عليها أن تظن السوء بهوكر وزوجته فبقيت ساكتة، فقال لها: ~~مس إيفا أرجو منك أن تخبريني من كانت تلك السيدة، فإن عشرة آلاف ريال قسم كبير من رأس ~~مال تجارتي. # فخافت إيفا أن يسيء أفلن الظن بها أيضا، فأجابته هي زوجة هوكر نفسه. # فصاح الرجل مضطربا: ذلك اللعين وزوجته خاناك وخاناني، فهي تأخذ الدبوس، وهو يأخذ ~~العشرة آلاف ريال. # وعند ذلك نهض أفلن وهرول مسرعا من غير أن يودع مس كروس، أما إيفا فراحت سكرتها وجاءت ~~فكرتها، وهي لا تكاد تصدق أن هوكر يلعب عليها هذا الدور، فاستدعت خادمها وأمرته أن ~~يذهب إلى منزل 28 غربا في شارع 110، ويسأل إن كان يسكن فيه رجل وزوجته باسم ms18 هوكر، وإذا ~~كان أحدهما هناك يستدعيه أو يستدعيها إليها. # فذهب الخادم وبعد برهة عاد وقال لها: إنه ليس بين السكان في ذلك الرقم أحد باسم هوكر، ~~ولكن إحدى ربات المنازل هناك قالت: إن سيدة استأجرت منها غرفة أول أمس، ونامت فيها ~~ليلة فقط وليلة أمس لم تنم فيها، وأنه ورد إلى المنزل خطاب باسم مسز هوكر فادعته ~~تلك السيدة، وبعد أن أخذت ذلك الخطاب خرجت ولم تعد، والظاهر أنها لن تعود؛ إذ أخذت ~~حقيبتها معها. # فتأكدت مس كروس حينئذ أن هوكر وزوجته لعبا عليها دورا هائلا، ولكن الواحد ~~والستين ألف ريال لا تهمها، فلم تشأ أن تحرك ساكنا لئلا تفضح أمرها. # أما المستر أفلن فخرج من عندها، وفي الحال أبلغ الأمر إلى مدير البوليس ~~بالتفصيل. # الفصل السادس # | مؤتمر العصابة # بعد أن خرج مستر هوكر في الليلة السابقة من عند إيفا، وقد تركها ملأى حبا وسعادة ~~ذهب إلى «تشيناتون». أما تشيناتون هذه (ومعناها بلدة الصينيين) فهي جزء من القسم ~~الشرقي من نيويورك، ومعظم سكانه صينيون، وفيه يرتكب كثير من الفظائع. # ذهب هوكر إلى هناك نحو الساعة الحادية عشرة، ودخل منزلا حقيرا؛ فوجد خمسة ~~ينتظرونه بينهم امرأة، فحياهم بمثل الهمس، وقال: يجب أن ننقص واحدا الآن. # فقال أحدهم: بالطبع لست أنا الذي يجب أن يحذف. ~~- لا أعني أن يحذف أحد، بل أن يبرح واحد منا هذه المدينة. # فقال آخر: هل تريد أن أبرح أنا؟ # أجاب: كلا، بل تبرح ألما. # فقال واحد: لا غنى لنا عنها. # قال: لا بد من سفرها الليلة؛ لأنها لا تقدر أن تتقي تجسس البوليس السري، ولأن الدبوس ~~يجب أن يكون معها، فلا تستطيع أن تعرضه على صائغ هنا لكي يفك حجاره. # فقال آخر: ولماذا لا نبرح كلنا؟! فإن 61 ألف ريال ودبوسا تكفينا قسطا من نيويورك، ~~فالأفضل أن ننتقل الآن إلى بلد آخر. # فقال هوكر: لماذا نبرح نيويورك العظيمة، وحتى الآن لم يظهر منا في مرسح النصب إلا ~~اثنان أنا وألما. أما ألما فتبرح الليلة إلى نيو أورلينس، ms19 وأما أنا فلا أبرح حتى أتمم ~~أدواري كلها، وأشغل صحف أميركا شهرين والبوليس السري عامين. # فقالت ألما: أتعني أني أنتظر هناك. ~~- نعم، تنتظرين هناك إلى أن يرد لك خبر جديد مني، فإذا أرسلت لك تلغرافا أقول فيه: ~~«انتظري تلغرافي من مونتغمري» مثلا كان المعنى أن تذهبي إلى هناك في الحال، تنتظرين ~~رسائلك وتلغرافاتك في دار البريد، تستوطنين كل 3 أيام في مكان، والآن وزعي على كل منا ~~حصته من النقود التي معنا، وها الدبوس خذيه، ولا تحسبي حسابه حتى تباع كل جواهره فهو ~~أمانة معك الآن، ونكل إلى مهارتك أمر فك جواهره وبيعها. # فقالت ألما: ولكن تعلمون أن جواهره منفصلة لا تساوي أكثر من ثلثي ثمنه ~~الأصلي. # فقال أحدهم: ليس أحد منا يستخونك فلك أن تتصرفي بحكمتك. # وعند ذلك وزعت ألما على كل نصيبه من غنيمة ذلك النهار، ثم قال أحدهم: يبقى الآن أن ~~نعلم ما هي واجباتنا غدا، والبوليس يبحث عن مستر هوكر. # فأجاب هوكر: غدا لا يهتدي البوليس إلى جاك هوكر حتى الساعة الخامسة أو ~~السادسة. # فقالت ألما: وهل يقبض عليك؟ # أجاب: من غير شك يا عزيزتي. # قالت: لا أفارقك. ~~- بل تفارقينني لأنني أبقى في إدارة البوليس حتى ضحى اليوم الثاني، ومن ثم أخرج وعلى ~~أثر خروجي يختم الدور الثاني أو بالأحرى الثالث أو الرابع إذا حسبت أننا لعبنا على مس ~~كروس دورين وعلى أفلن دورا. # قالت: ولماذا يقبض عليك مساء حتى تنام في السجن؟ فدع القبض يتم صباحا لكي تخرج ~~مساء. ~~- تعلمين أن البنوك تقفل الساعة الثالثة، فيجب أن أخرج الظهر على الأكثر؛ لكي أقبض ~~من البنك تحويلا كبيرا إن شاء الله. # فالتفت الإخوان بعضهم إلى بعض كأنهم يستغربون، وقال أحدهم: لا علم لنا بهذا ~~التحويل. # قال: لأنه لم يكتب بعد. ~~- لهذا سألنا ماذا علينا أن نفعل غدا؟ ~~- ليس عليك إلا أن تبقى كاتبا أول في مكتب جان شفلر السمسار، وعلى نوبلي أن يبقى ~~الكاتب الثاني. وأما زيمر وبهل فيبقيان بعيدين لا نعرفهما ولا يعرفاننا حتى يعلم ms20 زيمر ~~أني خرجت من دار البوليس فيقابلني في الحانة المعتادة. بقي أن أسألك يا ألما: هل ~~استحضرت لي محلول يودور البوتاس؟ # أجابت: نعم، ها هو وبعض القطن أيضا. ~~- إذن تعالي أزيلي به هذه النقطة السوداء من يمين عنقي. # وتقدمت إليه وهي تقول له: هل تؤكد أنه يزيله؟ # أجاب: لو كنت كيماوية لعرفت أن سواد نترات الفضة لا يزيله عن الجلد إلا محلول ~~يودور البوتاس. ~~- صدقت صدقت، أتذكر الآن أني أعرف امرأة كانت تصبغ شعرها بمحلول فيه نترات الفضة، ~~فإذا أصاب أصابعها منه شيء مسحتها بمحلول يودور البوتاس، وبعد أن أنجزت ألما هذه ~~العملية قبلته، ثم التفت هوكر إلى زيمر، وقال له: هات تقريرك يا زيمر. ~~- أي تقرير تعني؟ ~~- أما ذهبت هذه الليلة إلى ملعب مديسون سكوار غاردن. ~~- نعم ذهبت، وتقريري سطران ها هما: ودفع له ورقة صغيرة، فأودعها هوكر في جيبه بعد أن ~~قرأها، ثم جعلوا يخرجون الواحد بعد الآخر كل إلى مكان. # الفصل السابع # | القبض على هوكر # في مساء اليوم التالي الذي أخلف فيه هوكر بوعده لمستر أفلن ولعاشقته المفتونة مس إيفا ~~كروس، كان دويل الكاتب في محل أفلن وشركاه مارا أمام حانة بالقرب من المحل المذكور، ~~فأبصر شخصا يدخل الحانة، فاشتبه أنه جاك هوكر، فأسرع إلى المستر أفلن وأخبره، فأوعز ~~هذا إلى مركز البوليس، فأسرع بضعة من الشرطة إلى الحانة يصحبهم أفلن بنفسه، وأشار إلى ~~شخص واقف بين الشاربين، فقبض عليه بعض الشرط، وقاده إلى المخفر وهو يقول لهم: «لماذا ~~تقبضون علي؟ ماذا أجرمت؟» فكانوا يقولون له: «ستعلم في المخفر.» أما أفلن فكان يقول ~~له: إن كنت يا خبيث قد دهورت الدبوس، وبذرقت الفلوس؛ فسأقبض على روحك يا لعين. # وكان لما سمع المقبوض عليه كلام أفلن جعل يقول للشرطي القابض عليه: ماذا يعني هذا ~~الرجل فيما يقول، ألأجل دعواه تقودونني إلى المخفر؟ إما أنه مجنون أو أنه غلطان، ما أنا ~~المطلوب. # ولما وصلوا إلى المخفر به أحضروه لدى المستر بنهام رئيس البوليس وأفلن يتبعه، وكان ~~مدير البوليس قد ms21 عرف التهمة من قبل؛ إذ أبلغها إليه أفلن نفسه - كما علم القارئ - ثم ~~جعل المدير يستجوبه فسأله: ما اسمك؟ ~~- جان شفلر. # فنظر فيه المدير جيدا، وقال: اسمك جان شفلر! ~~- نعم، وهل من غرابة في اسمي؟! ~~- كلا، ولكن أجان شفلر أم جاك هوكر؟ ~~- قلت لك إن اسمي جان شفلر، فلماذا تختلق لي اسم جاك هوكر؟ ~~- لأن هذا هو اسمك، وأنت تختلق جان شفلر اسما جديدا لك. # فنظر فيه هوكر أو شفلر نظرة المستغرب المتعجب، وقال: ما أدري ما هي وظيفتك يا ~~هذا. ~~- أنا مدير البوليس والآن أستجوبك. ~~- حسن جدا، سألتني ما اسمي، فقلت لك: جان شفلر؛ فكذبتني وقلت إني جاك هوكر، فإن كنت ~~أعرف عني مني فلا تسلني، أو سلني وجاوب عني. ~~- ولكن، أليس اسمك جاك هوكر؟ ~~- قلت لك: إن اسمى جان شفلر، يا الله! أليس للفرد أن يحافظ على اسمه؟! ومتى جاز لمدير ~~البوليس أن يجرده من اسمه؟! # وكان أفلن ينظر إليه ويتميز غيظا، فالتفت إليه مدير البوليس وسأله: هل تعرف هذا ~~الشخص؟ ~~- نعم، أعرفه جيدا واسمه جاك هوكر لا محالة. # وكان جان شفلر ينظر مبهوتا تارة إليه وتارة إلى مدير البوليس، ثم سأله مدير ~~البوليس: هل تعرف هذا الرجل؟ ~~- كلا، لم أعرفه قط ولا أذكر أني رأيته في حياتي، فلا شك أنه مجنون. # وكان أفلن يحرق الأرم عليه؛ فقال: لا ريب أني كنت مجنونا حين سلمتك الدبوس بلا ~~ضمانة. # فقال مدير البوليس: أنا الذي أستجوبك فجاوب على أسئلتي، ماذا تشتغل؟ ~~- أشتغل بسمسرة الأراضي في «لون آيلند» (لون آيلند جزيرة محاذية لنيويورك)، ولي مكتب ~~مستقل في 160 من شارع برودواي. ~~- هل يعرفك أحد تشتغل بهذه المهنة؟ ~~- بالطبع؛ عندي كاتبان وزبائن، وأمس عقدت شركة مع اثنين على أرض للبناء في «لون ~~آيلند». # وكان أفلن ينظر إليه مستغربا، ثم سأله المدير: أما اشتغلت بتجارة الحلي؟! ~~- كلا، البتة. ~~- ألم تعتد أن تبيع بعض السيدات حليا؟ ~~- كلا كلا، شغلي سمسرة الأراضي فقط. ~~- هل تعرف محل أفلين وشركاه؟ ~~- هل هو محل سمسرة؟ # فقال أفلن مستشيطا: ms22 يا الله من قحته! يتجاهل أيضا. # فقال له المدير: بل هو مخزن حلي وجواهر. ~~- لا رغبة لي في الحلي والجواهر؛ ولهذا لا أعرفه ولا أعرف سواه من زملائه. ~~- ألم تذهب إليه أمس بعد الظهر الساعة الثانية؟ ~~- لا أعرفه قط؛ فكيف أذهب إليه؟! ~~- إذن تنكر كل شيء؟ ~~- لم أنكر شيئا قط، فقد أجبتك حسب أسئلتك. ~~- هل تعرف سيدة تدعى مس إيفا كروس؟ # ففكر شفلر هنيهة وهز رأسه قائلا: لا أعرف سيدة بهذا الاسم البتة. ~~- هي تسكن في الأفنيو الخامس (موطن الأغنياء). ~~- لا أعرف أحدا هناك، والأغنياء لا يمكنهم أن يكونوا زبائني؛ لأن شغلي مع الطبقة ~~الوسطى. # فالتفت المدير إلى أفلن؛ فبادره هذا بقوله: إن مستخدمي الثلاثة هنا ينتظرون أن ~~تدعوهم لكي تستجوبهم. # فاستدعاهم المدير واحدا واحدا، وسأل كلا منهم نفس الأسئلة، فنال تقريبا نفس ~~الأجوبة. سألهم إن كانوا يعرفون ذلك الشخص الذي يدعي أن اسمه جان شفلر. # فأجاب كل منهم: نعم؛ أعرفه. ~~- كم مرة رأيته؟ ~~- لا أقل من 3 مرات في محلنا. ~~- لماذا؟ ~~- كان يأتي فيشتري بعض خواتم ودبابيس وشنوفا، وأخيرا أخذ الدبوس النفيس لكي يريه ~~لمس إيفا كروس. # فنظر المدير إلى شفلر، وقال له: ماذا تقول يا هذا فيما قرره هؤلاء عنك؟ # فلمس شفلر جبينه بيده، وقال: لعلي أنا في حلم الآن، ولكني ألمس جبهتي بيدي، فأتأكد ~~أني في يقظة، فإما أني مجنون وأتوهم ما أسمع توهما، أو أن هؤلاء مجانين لا يفهمون ~~ماذا يقولون، لا أعرف أحدا منهم، فهم من غير شك إما منافقون أو مجانين. # فقال المدير: وهل عندك من يثبت دعاويك؟ ~~- من غير بد، آتيك بألف شخص يعلمون أني أنا جان شفلر السمسار، ومحلي في 160 ~~برودواي. ~~- ولكن هذا لا ينفي أنك كنت تتردد إلى محل مستر أفلن باسم جان هوكر، وقد أخذت منه ~~دبوسا بقيمة 10 آلاف ريال، وأنت تتوارى بهذا الاسم. ~~- نعم، ولا ينتفي أيضا أن يكون مستر أفلن وكتابه مدعين علي زورا. ~~- تقول إنك لا تعرفهم البتة، فلماذا يدعون عليك دون سائر الأنام؟! ~~- لا ms23 أدري لماذا وقع اختيارهم علي، ولكني أقدر أن أقدم تقريرا عن حياتي كلها ~~وأثبت طهارتها. ~~- لا يهمنا تاريخ حياتك، بل يهمنا أن نعلم أين كنت أمس بعد الظهر؟ وماذا ~~فعلت؟ ~~- حسن جدا، كنت في مكتب المستر جوزف بلاك المحامي في 310 برودواي، وبقيت هناك منذ ~~الساعة الواحدة حتى الثالثة ونصف تقريبا. ~~- هل عندك شهود على ذلك؟ ~~- نعم، المحامي وكتابه والمستر إبراهام بكاروف، فقد كنت معهم كل الوقت. # فنظر المدير إلى أفلن كأنه يسأله رأيه؛ فقال: يجب أن يستدعى كل هؤلاء. # فقال المدير بنهام: غدا نستدعيهم ونستدعي غيرهم؛ لأنه يتعذر استدعاؤهم الآن، ولهذا ~~نرجئ التحقيق إلى الغد. # فقال شفلر: لا بأس، وأنا! ~~- تبقى سجينا للغد. ~~- أقدم كفالة. ~~- لا أقبل كفالة قبل استيفاء التحقيق. ~~- إن هذا لظلم واضح. ~~- أتريد أن تخرج لكي تدبر شهود النفي؟ ~~- إنك تهينني يا هذا. ~~- لا هوان للوقح. ~~- غدا متى انجلى التحقيق تندم على هذا القول. # ثم أمر بنهام فأخذه الشرطة إلى سجن ~~المخفر. # بعد ذلك كتب مدير البوليس قائمة بأسماء الأشخاص الذين استشهد بهم شفلر أو هوكر وأفلن، ~~وأخذ عنواناتهم، وأرسل إليهم يستدعيهم في صباح اليوم التالي. # الفصل الثامن # | التحقيق # في صباح اليوم التالي، كان المستر بنهام مدير البوليس جالسا إلى مكتبه، وقد استدعى ~~إليه جان شفلر من السجن والمستر أفلن، وكان مستخدمو أفلن ومس إيفا كروس، وكاتبا شفلر ~~هارتمان ونوبلي، والمحامي جوزف بلاك وكتبته، والمستر إبراهام بكاروف ينتظرون خارج ~~المكتب في قاعة المخفر؛ فاستدعى المدير أولا مس إيفا كروس، فلما دخلت ووقعت عينها على ~~عين شفلر رأت رجلا طلق المحيا باسم الثغر؛ فتذكرت حبها له وتحول غيظها إلى رضى ~~وقساوتها إلى حنو، ونظرت إليه نظرة المستغيثة بحبه، وهو نظر إليها نظرة الاحترام ~~والإعجاب. وبالطبع، كان قد بلغها أن هوكر أنكر اسمه وادعى لنفسه اسما آخر، فلما ~~جلست سألها المدير: «هل تعرفين هذا الرجل؟» فنظرت إلى شفلر كأنها تستفتيه ماذا تجيب، ~~فلم تر منه إشارة قط تستطيع أن تفهم منها شيئا، بل كان ينظر إليها كأنه ينتظر ms24 ماذا ~~يكون جوابها، فلما ترددت قليلا قال لها المدير: ألا تعرفينه؟ ألم تريه؟ # فقالت: إذا لم أكن غلطانة فأعرفه. ~~- من هو؟ ما اسمه؟ # فاستغربت إيفا كروس نظرات شفلر لها التي تدل على عدم معرفته إياها، وقالت بنفسها: ~~أحقيقة أنه ليس جاك هوكر أم هو مقتدر بهذا المقدار في تنكير نفسه؟! فقالت: أعرف شابا ~~بهذه الملامح نفسها من غير فرق تقريبا يدعى جاك هوكر. # فقال لها أفلن: هو جاك بعينه، ألا تعرفينه جيدا؟ # فقال مدير البوليس: «أرجو ألا تتداخل في التحقيق يا مستر أفلن.» ثم قال لمس كروس: ألا ~~توكدين أن هذا الفتى هو جاك هوكر بعينه؟ ~~- إذا لم يكن له شبيه فهو جاك هوكر. # ثم التفت إلى شفلر وسأله: هل تعرف هذه السيدة؟ ~~- لم يحصل لي هذا الشرف قبل الآن. ~~- أما رأيتها قبل الآن؟ ~~- لا أتذكر أني رأيت سيدة بهذه الملامح، وأظن أن سيدة محترمة مثلها لا ترى في أي ~~مكان. ~~- أما زرتها في منزلها وأريتها دبوسا ثمينا لتبيعه لها؟ ~~- قلت لك أمس أن لا شأن لي بمسألة الدبوس؛ لأني لست تاجر دبابيس ولا حلي، وأما هذه ~~السيدة فلم يكن لي الشرف أن أعرفها حتى يحق لي أن أزورها في منزلها، أو أكلمها في ~~مكان آخر. ~~- هل تعرف اسمها؟ ~~- إذا كنت لا أعرفها، فكيف أعرف اسمها، ولعلها هي السيدة التي أشرت إليها أمس في ~~استجوابك لي. ~~- من هي السيدة التي ذكرتها لك أمس؟ ~~- لا أتذكر الاسم الذي ذكرته لي، سوى أني أذكر أنها من سكان الأفنيو الخامس. # ثم التفت إليها وسألها: هل أراك هذا الرجل دبوسا؟ ~~- إذا كان هو جاك هوكر فقد أراني مساء أول أمس دبوسا، وقال لي إنه أخذه من محل أفلن ~~وشركاه، وأن ثمنه 11 ألف ريال، ولكنه يبذل جهده أن يشتريه بعشرة آلاف فقط، وأقنعني ~~أنه إذا رأى المستر أفلن العشرة آلاف ريال نقودا في يد والدبوس في يد أخرى يختار ~~العشرة آلاف ريال، وبناء على ذلك أعطيته تحويلا «لناقله» بقيمة 11 ألف ريال؛ حتى إذا ms25 ~~لم يرض المستر أفلن العشرة آلاف ثمنا للدبوس زاد له الثمن تدريجا حتى 11 ألف ريال، ~~وخرج من عندي على موعد أن يعود بعد ظهر أمس إما بالدبوس أو بالفلوس. ~~- أتشكين بأنه جاك هوكر؟ ~~- لا أكاد أشك لولا أن صوته ضخم قوي وصوت هوكر ناعم لطيف. # فقال أفلن: لا يتعذر عليه أن يكيف صوته كما يشاء. # ثم قال المدير: هل تحققت إن كان التحويل قد دفعه البنك؟ ~~- نعم! ~~- على أي بنك هو؟ ~~- على بنك نيكر بوكر. # وفي الحال، أرسل المدير إلى البنك يستدعي الصراف الذي صرف التحويل الذي قيمته 11 ~~ألف ريال «لناقله» بإمضاء مس إيفا كروس، ثم سألها: لماذا لم تبلغي البوليس عن هذا ~~الحادث؟ # فأجابت: لأني بقيت حتى اليوم واثقة من أمانة الرجل، وظننت أن له عذرا. ~~- متى زارك المستر هوكر لكي يريك الدبوس؟ ~~- الساعة الثانية من مساء أول أمس، وقد بقي عندي حتى التاسعة أو أكثر على ما ~~أظن. # فالتفت المدير إلى شفلر، وقال له: أين كنت في ذلك الحين أول أمس يا مستر هوكر؟ ~~- لو كنت أنا هوكر الذي تزعمونه ما كنت أنكر أني كنت متشرفا بحضرة السيدة الفاضلة، ~~ولكن أنت تعلم - يا حضرة المدير - أني لست هوكر غريمكم، بل أنا جان شفلر، فأرجو ألا ~~توجه إلي سؤالا باسم هوكر. ~~- لا بأس، أين كنت مساء أول أمس؟ ~~- أول أمس تركت مكتبي الساعة السابعة، ثم ذهبت إلى الحانة التي قبض علي فيها أمس ~~وأخذت كأسي بيرا، ثم ذهبت إلى المطعم المجاور وتناولت عشاي، وكانت الفتاة التي تخدم على ~~مائدتي قد رأت معي تذكرة دخول إلى ملعب ماديسون سكوار غاردن، فبسمت لي وأشارت للتذكرة؛ ~~فدعوتها أن تذهب معي وألححت عليها كثيرا، فقالت إنها لا تخرج في ذلك المساء من المطعم ~~حتى الساعة العاشرة، ولكنها في الليلة التالية - أي أمس - تذهب معي إلى أي ملعب، ~~فوعدتها أن آخذها إلى ملعب بيجو، ومن سوء الحظ أن قبض الشرطة علي اضطرني أن أخلف ~~وعدي معها، وها التذكرتان اللتان اشتريتهما صباح أمس ms26 من ملعب بيجو لهذا الغرض. # وعند ذلك ناول شفلر المدير بنهام التذكرتين فتأملهما هذا، ثم قال له: وبعد العشاء، ~~ماذا فعلت؟ ~~- بالطبع، ذهبت إلى مديسون سكوار غاردن. ~~- وحدك؟ ~~- وحدي. ~~- لماذا وحدك؟ ~~- لأني عازب، وإلى الآن لم أجد صديقة. ~~- من رأيت في الملعب؟ ~~- ألوفا. ~~- ألم تعرف أحدا منهم. ~~- رأيت المستر جيروم النائب العمومي في القسم الثاني من الجهة الشمالية من الملعب، ~~وكنت أنا عند الزاوية من القسم الأول. ~~- هل رآك؟ ~~- وهب أنه رآني فلا يعرفني. ~~- كيف تعرفه؟ ~~- كثيرون يعرفون جيروم وهو لا يعرفهم. ~~- أما رأيت أحدا غيره ممن تعرفهم؟ ~~- كلا، البتة، وقد نسيت أن أقول لك: إن المستر جيروم خرج من الملعب نحو الساعة ~~العاشرة؛ أي قبل انفضاض الجمهور بنحو ساعة. ~~- ما اسم الفتاة التي دعوتها للملعب؟ ~~- مس فلو. ~~- واسم المطعم؟ ~~- مطعم تشيلد، في الشارع الثامن على زاوية الأفنيو (الشارع الطويل) التاسع. # وفي الحال، أرسل مدير البوليس يستدعي مس فلو، وخاطب المستر جيروم النائب العمومي ~~بالتليفون، وسأله: أين كنت مساء أول أمس؟ فأجابه: في مديسون سكوار غاردن من الساعة ~~الثانية ونصف. ~~- متى خرجت؟ ~~- نحو الساعة العاشرة. ~~- أين كنت جالسا؟ ~~- كنت في القسم الثاني من الجهة الشمالية في الصف الأوسط تقريبا، لماذا تسأل أسئلة ~~كهذه؟ ~~- لأن شخصا هنا يستشهد بك؛ فهل يمكنك أن تحضر دقيقة إلى المخفر؟ ~~- ها أنا حاضر. # ثم التفت إلى شفلر، وسأله: أتذكر في أي صف كان النائب العمومي جالسا؟ ~~- في الصف الأوسط تقريبا. # عند ذلك جاء صراف (نيكر بوكر)، فسأله مدير البوليس: هل صرفت أمس تحويلا «لناقله» ~~بإمضاء مس كروس؟ ~~- نعم. ~~- هل تذكر شكل الشخص الذي قبضه؟ ~~- لعلي أذكره إذا رأيته. ~~- ألا تراه بين الموجودين هنا؟ # فهز الصراف رأسه، وقال: كلا. # فأشار المدير إلى شفلر، وقال: «تأمل هذا الفتى.» فتأمله الصراف جيدا، وقال: أتذكر ~~جيدا أن الذي قبض التحويل امرأة لا رجل. # فقالت مس كروس في نفسها: «لا بد أن تكون زوجة هوكر.» بيد أنها لم تشأ أن تصرح بهذا ~~الفكر، ولكن أفلن قال: لا بد أن تكون ms27 زوجته. # فقال شفلر: لا زوجة لي. # فقال مدير البوليس: أين تسكن يا مستر شفلر؟ ~~- في ستيفنس هوس (فندق). ~~- من يعرف أين يسكن هوكر؟ # فأجاب أفلن: الذي أعهده أنه يسكن في شارع 116، ولكني لم أتذكر رقمه قط، وقد رأيت مرة ~~معه سيدة، فسألته عنها، فقال إنها زوجته. # فقال مدير البوليس للصراف: تؤكد أن هذا الفتى ليس الذي قبض منك ال ... ~~- أحد عشر ألف ريال؟ نعم ؛ أؤكد ذلك؛ لأن مبلغا كبيرا كهذا يستلفت نظر كل صراف لمن ~~يقبضه. # عند ذلك أذن المدير للصراف أن يخرج، فخرج، ثم وصلت مس فلو فسألها: هل تعرفين هذا ~~الفتى؟ ~~- نعم! أعرفه يأكل على مائدتي. ~~- ما اسمه؟ ~~- قال لي اسمه مرة فلم أعد أتذكر. ~~- هل تذكرين أن اسمه جاك هوكر؟ ~~- لا أظن أن اسمه هوكر ولا جاك، سمعت مرة شخصا لا أعرفه يسميه جان، وأما اسمه ~~الثاني فنسيته. ~~- هل تظنين أنه شفلر؟ ~~- أرجح ذلك. ~~- إذن ليس هو صديقك؟ ~~- لا صداقة قوية بيننا سوى أنه أوعدني أول أمس أن يأخذني أمس إلى ملعب بيجو؛ فأخلف ~~بوعده. ~~- لماذا وعدك وما أنت صديقته؟! ~~- لأني رأيت معه أول أمس تذكرة دخول إلى مديسون سكوار غاردن، فحسدته على ذلك، فدعاني ~~أن أذهب معه، ولكني كنت مقيدة بشغلي، فأخبرته أني أكون حرة من شغلي في الليلة ~~التالية، فوعدني أن يشتري تذكرتين من ملعب بيجو، وبعد العشاء يأخذني، فانتظرته من ~~الساعة 7 ونصف على غير جدوى. # فقال لها شفلر: اعذريني مس فلو؛ لم يحل دون إنجازي بوعدي لك إلا طاعة الشريعة ~~التي يجب أن يكون أمرها فوق كل أمر، فغدا أو الليلة - إن أمكن - أكفر عن تقصيري ~~الحتمي. # ثم سألها المدير: أتعلمين أين ذهب بعد العشاء أول أمس؟ ~~- بالطبع ذهب إلى مديسون سكوار غاردن بعد أن دفع ثمن التذكرة ريالين. ~~- متى خرج من المطعم؟ ~~- قبيل الساعة الثامنة. # عند ذلك قدم المستر جيروم النائب العمومي، فسأله المدير مشيرا إلى شفلر: هل تعرف هذا ~~الرجل؟ ~~- كلا! ~~- هل رأيته في مديسون سكوار غاردن؟ ~~- لا أذكر أني رأيته. ms28 ~~- كان في زاوية القسم الأول من الجهة الشمالية، أما رأيت هناك شخصا بهذه ~~الملامح؟ ~~- لم ألتفت إلى أحد، وهب أني التفت ورأيته، فلا أقدر أن أتذكر بين ألوف الناس الذين ~~أجهلهم كلهم شخصا لم أعرفه من قبل. # فالتفت المدير إلى المستر أفلن كأنه يسأله رأيه، فقال هذا: كل ذلك لا ينفي أن هوكر ~~خرج من عند مس إيفا كروس الساعة التاسعة، وذهب توا إلى مديسون سكوار غاردن، وهناك رأى ~~المستر جيروم قبل أن يخرج الساعة العاشرة. # فانتبه المدير إلى هذه الملاحظة، وبعد تفكر قليل سأل مس كروس: متى جاء هوكر إلى عندك ~~ومتى خرج؟ ~~- جاء نحو الساعة الثامنة وخرج نحو التاسعة، ثم سأل شفلر ثانية متى ذهبت إلى مديسون ~~سكوار غاردن ومتى خرجت منه؟ # قال: دخلت الساعة الثامنة، وخرجت الساعة الحادية عشرة كعادة الناس. # قال المدير وهو مستبشر: حسن جدا، قل لي إذن متى دخل المستر جيروم إلى مديسون سكوار ~~غاردن؟ ومتى خرج؟ ~~- رأيت المستر جيروم يجلس في مكانه نحو الساعة 8 ونصف، ويخرج نحو الساعة ~~العاشرة. # فالتفت المدير إلى جيروم كأنه يسأله هل يوافق على هذا القول؟ # أجاب: نعم، كما يقول. # فتحير المدير، وكاد يجن أفلن، وارتابت مس كروس بحقيقة الرجل، ومالت إلى الاعتقاد أن ~~هوكر لا يزال خارجا. # ولكن هل هو ماكر أو أمين لها؟ لا ريب أنه ماكر؛ لأن عدم وجود مسز هوكر في المنزل الذي ~~زعم أنها تقطنه فضح الدسيسة، على أن الحب ما زال يموه على عقل مس كروس المفتونة، ~~ولا زال يحيي الأمل في فؤادها. # أما أفلن فلم يستطع أن يتمالك طبعه، فنهض مستشيطا، وقال: لا أدري ملعب مديسون سكوار ~~غاردن ولا هذا ولا ذاك، أعلم وأؤكد وأقسم أن هذا الرجل أخذ مني بعد ظهر أول أمس ~~دبوسا قيمته عشرة آلاف ريال على الأقل، لا يهمني إن كان اسمه جان شفلر أو جاك هوكر، ~~فقد يكون له اسمان. # فقال المدير: هدئ روعك يا مستر أفلن؛ فإن التحقيق لم ينته بعد. في أي ساعة كان ms29 ~~المستر هوكر عندك حين أخذ الدبوس؟ ~~- نحو الساعة الثانية ونصف بعد ظهر أول أمس. # فالتفت إلى شفلر، وقال له: ماذا تقول؟ ~~- كنت في ذلك الحين عند المستر بلاك المحامي. # الفصل التاسع # | هل يكون شخص في مكانين؟ # استدعي المستر جوزف بلاك المحامي، فلما دخل حيا فحياه المستر جيروم النائب ~~العمومي تحية صديق لصديق مسميا إياه باسمه، ولما جلس سأله المدير بنهام: هل تعرف رجلا ~~باسم جاك هوكر ؟ ~~- كلا. ~~- هل تعرف هذا الرجل (وأشار إلى شفلر)؟ ~~- نعم؛ أعرفه جيدا وهو صديقي. ~~- ما اسمه؟ ~~- جان شفلر. ~~- هل تعلم ماذا يشتغل؟ ~~- يشتغل بسمسرة الأراضي، وله مكتب في 160 برودواي. ~~- متى رأيته آخر مرة؟ ~~- أول أمس بعد الظهر كان عندي. ~~- أية ساعة كان عندك؟ ~~- من الساعة الواحدة ونصف تقريبا حتى بعد الساعة الثالثة. ~~- ماذا كان يفعل؟ ~~- كان هو والمستر إبراهام بكاروف يتفقان معي على شركة على أراض مقطعة للبناء في «لون ~~آيلند». ~~- ولماذا بقي كل هذا الوقت عندك؟ ~~- لأننا تناقشنا في الأمر برهة، ثم كتبت صورة الاتفاق لكي أطلعهما عليها. ~~- أما خرج من مكتبك كل ذلك الوقت؟ ~~- لا أعلم أنه خرج، وكنت معظم الوقت في غرفتي الخاصة، أكتب صورة عقد الشركة، وكان هو ~~والمستر بكاروف في قاعة المقابلة، فكانا يدخلان علي حينا بعد آخر ليناقشاني في بعض ~~مواد العقد؛ ولذلك لا أعتقد أنه خرج من مكتبي حتى بعد الساعة الثالثة على الأقل. ثم ~~استدعي المستر بكاروف، فسأله المدير: هل تعرف هذا الرجل (مشيرا إلى شفلر)؟ ~~- نعم؛ أعرفه، هو شريكي المستر جان شفلر. ~~- هل اجتمعت به أول أمس؟ ~~- نعم، بعد الظهر في مكتب المحامي بلاك؛ حيث تباحثنا في مشروع شركة على أرض مقطعة ~~للبناء في «لون آيلند». ~~- في أي وقت كنتما معا عند المستر بلاك؟ ~~- منذ الساعة الواحدة ونصف حتى بعد الساعة الثالثة. ~~- أما خرج المستر شفلر من مكتب المستر بلاك في خلال ذلك الوقت؟ # فهز بكاروف رأسه قائلا: لا. ~~- هل كنتما كل الوقت معا؟ # أجاب: تقريبا كنا معا كل الوقت. ~~- لا أفهم معنى لتقريبا، فهل ms30 كنتما معا متلازمين مدة الساعتين؟ ~~- كنا برهة في غرفة المقابلة نتناقش مع المستر بلاك في شروط الشركة، ثم دخل المستر ~~بلاك إلى غرفته الخاصة ليكتب صورة العقد، وبعد قليل خطر لي خاطر فدخلت إلى غرفة المستر ~~بلاك وعرضته له فتناقشنا، ثم عدت إلى شفلر لكي أستدعيه، فنتباحث جميعنا في النقطة ~~المختلف عليها، فلم أجد إلا قبعته على الطاولة، فدخلت إلى غرفة الكتبة لعلي أجده هناك، ~~فقيل لي : إنه خرج من هنيهة ليقضي حاجة نفسه؛ لأنه سألهم عن المكان، ثم عدت إلى المستر ~~بلاك وتناقشنا حتى حمي الجدال بيننا، فعدت إلى قاعة المقابلة لأستدعي شفلر؛ فوجدته ~~مكبا يتألم من مغص، فشجعته على احتمال الألم، وأدخلته إلى غرفة المستر بلاك، وهناك ~~سقاه بلاك كأس (وسكي كنادي) لتسكين مغصه، وبقينا نتناقش على كل مادة من العقد حتى ~~انتهينا منه وبيضه الكتبة وأمضينا عليه، وكانت الساعة تناهز النصف بعد ~~الثالثة. ~~- كم هي المدة التي تركت فيها المستر شفلر وحده في غرفة المقابلة؟ ~~- لا أقدر أن أعلمها تماما؛ لأني كنت منهمكا في جدال مع المستر بلاك. ~~- أتظنها تتجاوز نصف ساعة؟ ~~- لا أظنها تبلغ عشر دقائق؛ لأن المرء لا يبقى أكثر من ذلك في بيت الماء، ولا أظنه ~~يخرج إلى الشارع بلا قبعة (ولا يخفى على القارئ أنه متى كان اثنان يتجادلان يمر الوقت ~~بسرعة فلا يشعران). ~~- من هو أحد الكتبة الذي سألته عن شفلر حين لم تجده في غرفة المقابلة؟ ~~- أظنه يدعى المستر أنس. # ثم استدعي المستر أنس؛ فسأل المدير المستر بكاروف: أهذا هو الكاتب الذي سألته عن شفلر؟ ~~- نعم هو. # عند ذلك، استأذن بكاروف المدير أن يعود إلى معمله، فأذن له فانصرف. # ثم وجه المدير الخطاب لأنس قائلا: هل تعرف المستر جان شفلر؟ ~~- نعم، أعرفه. ~~- من هو من الذين ها هنا؟ # فدل الكاتب عليه؛ فسأل: أين رأيته آخر مرة؟ ~~- في مكتبنا أول أمس بعد الظهر. ~~- أما خرج من المكتب قط في أثناء وجوده هناك؟ ~~- لا أعتقد أنه خرج إلا برهة قصيرة لقضاء حاجته. ~~- كم ms31 هي البرهة التي خرج فيها؟ ~~- لا أقدر أن أعينها لأنه كان جالسا في غرفة المقابلة، ثم قرع جرس تلفوننا، فجاوبت ~~القارع، فسألني عن المستر شفلر إن كان عندنا، فقلت: نعم؛ إنه عندنا. فقال: قل له إن ~~هارتمان كاتبه يريد أن يكلمه، فأتيت إلى المستر شفلر فوجدته وحده في القاعة فاستدعيته، ~~وقبل أن يصل إلى التليفون سألني أين المكان لقضاء الحاجة، فدللته ثم تناول بوق ~~التليفون. ~~- وماذا سمعته يقول؟ ~~- لم أسمع منه إلا كلمة «نعم» بضع مرار متقطعة. ~~- ألم يقل كلمة غيرها؟ ~~- كلا. ~~- وبعد ذلك ماذا جرى؟ ~~- خرج من مكتبنا، وأنا أعتقد أنه خرج لقضاء حاجته ولكني لم أره؛ لأن باب غرفتنا مقفل، ~~فلا نرى من في غرفة المقابلة، ولكن بعد بضع دقائق جاء المستر بكاروف، وسألنا عنه، ~~فقلت: إنه خرج لقضاء حاجته، وبعد ذلك لم أعد أعلم شيئا حتى الساعة الثالثة تقريبا إذا ~~جاء لنا المستر بلاك بصورة العقد لنبيضها. # ثم استدعي هارتمان؛ فسأله المدير: هل تعرف المستر شفلر؟ ~~- نعم، وأنا كاتب أسراره. ~~- أين كان أول أمس بعد الظهر، هل تعرف؟ ~~- أعرف أنه كان في مكتب المحامي بلاك، وقد خاطبته بالتليفون في وسط الساعة الثالثة إلى ~~هناك فأجابني. ~~- ماذا خاطبته؟ ~~- زارنا زبون جديد لا أعرفه يريد أن يشتري أرضا، فأخبرت المستر شفلر عنه، وقلت له: ~~«إنك لا تعود على ما أظن قبل الساعة الرابعة إلى المكتب، فلا يليق أن أدع الرجل ينتظر، ~~فسأقول له أن يأتي غدا.» فكان يوافق على قولي. # وقد استدعي بقية الشهود، فكانوا يؤكدون أنه هو المستر شفلر إلا مستخدمو أفلن، ~~فكانوا يقولون: هو هوكر؛ حتى حار مدير البوليس بهذا الأمر الذي لم يقع له مثله في مدة ~~حياته مع ما مر عليه من الحوادث. # فهمس في أذن النائب العمومي، وهو جالس إلى جانبه، وسأله: «ما رأيك بهذا الحادث؟» وكان ~~النائب العمومي قد عرف ملخص التحقيق كله من سياق ما سمعه منه، ومن أجوبة مدير البوليس ~~لأسئلته حينا بعد آخر. # فقال له جيروم: الحق أن المسألة محيرة، ms32 فلا أقدر أن أعتقد أن المستر أفلن ~~ومستخدميه ومس كروس يتهمون هذا الرجل أو غيره زورا، ومن جهة أخرى لا أقدر أن أعتقد ~~أن شهود الرجل المتعددين متواطئون معه، ولا سيما لأننا نعرف المحامي بلاك ~~جيدا. ~~- إذن لا بد أن يكون هوكر وشفلر شخصين متشابهين جدا. ~~- ولكن أيكون التشابه إلى حد أن لا يقدر أفلن ومستخدموه أن يميزوا فرقا؟ ~~- لا تستغرب ذلك؛ فقد يتشابه الأشخاص إلى ذلك الحد حتى لا يتميز عارفوهم الفروق ~~الزهيدة، وزد على ذلك أن أفلن وحزبه لم يعرفوا هوكر طويلا حتى يميزوا بينه وبين ~~شبيهه، ومع ذلك دعنا نستقص عن الفروق الآن. # ثم نظر إلى أفلن وسأله: هل كان هوكر في هذا الثوب الذي ترى هذا الرجل يرتديه ~~الآن؟ ~~- كلا، بل كان في ثوب رمادي وقبعة رمادية أيضا، ثم سأل المحامي بلاك: في أي ثوب كان ~~شفلر حين كان عندك؟ ~~- في ثوبه وقبعته الأسودين اللذين يلبسهما الآن. وقال كل شهوده: لم نره في ثوب رمادي ~~قط. عند ذلك التفت مدير البوليس إلى أفلن، وقال له: لا نقدر يا مستر أفلن أن نتهم هذا ~~الرجل، وقد ثبت لنا بشهادة العديدين أنه كان في مكتب المستر بلاك المحامي في حينما ~~ادعيت أنه كان عندك. # فكاد أفلن يتمزق غيظا وحنقا، وقال: لا أقدر، أعتقد أن رجلا غير هذا أخذ الدبوس ~~مني. # فقال المدير: سواء اعتقدت أو لم تعتقد، فلا نقدر أن نتهمه ما دامت بيناتك قاصرة عن ~~إثبات التهمة عليه، ولا بد أن يكون جاك هوكر شخصا آخر غير المستر جان شفلر، وأنت ~~ومستخدموك مشتبهون بالمستر شفلر غلطا، فلعل غريمك رجل آخر يشبهه! ~~- يستحيل أن يكون الشبه شديدا إلى هذا الحد. ~~- ألا تجد في ملامح المستر شفلر شيئا يختلف عن ملامح هوكر؟ ~~- كلا البتة، ولا أقدر أن أعتقد أن هذا الرجل ليس جاك هوكر الذي أخذ دبوسي، وإذا ~~نزع طوقه (ياقته) رأيتم في أيمن عنقه نقطة سوداء كأنها أثر خال كنت أراها فيه حين كان ~~يأتي إلى عندي بطوق ms33 قليل العرض، فإذا تشابه اثنان فلا يتشابهان إلى حد أن يكون في مكان ~~واحد من بدنهما نقطة سوداء. ~~- هل أنت واثق من وجود هذه النقطة في أيمن عنقه؟ ~~- رأيتها مرارا، ولا ريب عندي أنه يواريها الآن وراء طوقه العريض. ~~- إذا ثبت ما تقول يا مستر أفلن ... # فقاطعه أفلن قائلا: تثبت دعواي؟ ~~- كلا، بل نضطر إلى إعادة التحقيق من وجوه أخرى؛ لأن شهودا كثيرين شهدوا أن هذا ~~الرجل يدعى جان شفلر، وأنه كان بعد ظهر أول أمس في مكتب المحامي المستر بلاك؛ ولذلك يجب ~~أن نحقق ما إذا كانت دعواك على الرجل صحيحة. # فاستشاط أفلن قائلا: ما أنا مدع زورا. ~~- لا تغضب يا مستر أفلن، إذا لم تكن دعواك زورية كانت شهادات شهود المستر شفلر زورية، ~~وحينئذ نحقق لنعلم أي الجانبين مزورا وكاذبا. # فقال شفلر حينذاك: لا داعي لهذا التنازع يا هذين؛ فقد لا يكون أحد من الجانبين ~~مزورا، ها عنقي فانظروه. # وعند ذلك، نزع شفلر طوقه وأدار عنقه إلى جميع الجهات، فلم ير أحد فيه نقطة سوداء، ~~فبهت المستر أفلن، وقال: هذا هو العجب العجاب، ليتني أعرف هذا السر ولو فقدت ربع ثمن ~~الدبوس. # ثم التفت مدير البوليس إلى مس إيفا كروس، وسألها: هل لاحظت نقطة سوداء في أيمن عنق ~~هوكر؟ # فلم تجب مس كروس، بل كانت عيناها شاخصتين إلى شفلر من غير أن تجولا في محجريهما، ~~فأعاد عليها السؤال فلم تجب، فهزها من كان جالسا إلى جانبها قائلا: أجيبي. # فقالت: ماذا؟ ~~- هل كنت ترين نقطة سوداء في أيمن عنق هوكر؟ ~~- نعم، والآن أراها أيضا. # فالتفت الكل إليها مستغربين، وسألها شفلر: أين ترينها يا سيدتي؟ # فنهضت من مكانها وتقدمت إليه، ووضعت أصبعها على عنقه، وقالت: هنا هي. # فازداد استغراب الحضور، وتهامسوا قائلين: لا بد أن تكون هذه السيدة مخبولة الآن. ~~والحق أن هذا الحادث جنن إيفا وأطار صوابها. # عند ذلك، أعلن مدير البوليس اختتام المحضر، وقال: إن المستر شفلر غير متهم، ~~ولسوف نوالي التحقيق في دعوى المستر أفلن، ولا بد ms34 أن نهتدي إلى الغريم ~~الحقيقي. # أما شفلر فتهدد المستر أفلن بأنه سيرفع قضية عليه يطالبه بشرفه وبتعويض، وما قرعت ~~الساعة الحادية عشرة حتى تفرق الحضور. # الفصل العاشر # | من السجن إلى النصب رأسا # في صباح اليوم التالي، صدرت جرائد نيويورك الصباحية كلها، وفيها تفصيل الحادثة كما ~~عرفت من سياق التحقيق المنصوص. # والظاهر أن هوكر هذا داهية هذا الزمان ولعله زعيم الجان؛ فيعرف الأسرار ويفعل فعل ~~الأشرار باسم الناس الأبرار، فإنه بينما كان الناس يلغطون بهذا الحادث الغريب، وكان ~~المستر إبراهام بكاروف صاحب معمل الأزرار في 12 من شارع بليكر في مكتبه منهمكا في ~~مشاغله دخل عليه رجل بثوب بني وقبعة سوداء في منتصف الساعة الثانية، فرحب به المستر ~~بكاروف قائلا: أهلا وسهلا بالشريك الجديد، أظنك أتيت لتأخذ التحويل بالقيمة؟ # أجاب: لا بأس إذا كنت تعطيه الآن. ~~- قد أمضيته وكنت مزمعا أن أرسله لك في البريد. ~~- لا موجب لذلك، وقد حضرت أنا بنفسي. ~~- هل دفع لك المستر بلاك؟ ~~- أنتظر تحويله اليوم أو غدا صباحا. ~~- متى نسجل الأرض باسم الشركة؟ ~~- يوم الاثنين إن شاء الله. # ثم التفت بكاروف إلى سكريتيره، وقال: أين التحويل الذي باسم المستر جان شفلر؟ # قال: هذا هو. # قال: أعطه للمستر شفلر. # فتناوله المستر شفلر وهو يحك في رقبته، فاستلفت بذلك نظر المستر بكاروف، فنظر إلى ~~عنقه فوجد نقطة سوداء تبان تحت حافة طوقه. # فقال بكاروف: ما هذه في عنقك؟ أظنها شامة. ~~- يقولون كذلك، ولكنها شامة بلا شعر. ~~- أظنك تحلق شعرها، فلو كنت تقصر الموسى عنها لكانت جمالا شرقيا فيك. ~~- أظنك تحب الجمال الشرقي. ~~- أما أنا شرقي الأصل؟! أين منبع الإسرائليين؟! # والدي من جزيرة رودس وجدي من أودسا. ~~- أما أنا فلا يهمني هذا الجمال الشرقي، ولا سيما لأن هذه القبعة واقعة من تحت حافة ~~الطوق. # وبالفعل، لم ير بكاروف تلك النقطة السوداء إلا لمحة واحدة، عند ذلك خرج المستر ~~شفلر مزودا بتحويل بقيمة عشرة آلاف ريال. # ولما كانت الساعة الثانية ذهب سكريتير بكاروف إلى بنك كونصوليداتيد، وبعد أن انتهى من ms35 ~~مهمته وخرج، التقى بالمستر شفلر الذي رآه منذ نصف ساعة في مكتب المستر بكاروف؛ فقال هذا ~~له: «أرجو أن تعرفني بأحد عمال البنك فإنهم لا يعرفونني؛ لأن أشغالي مع بنك نكر ~~بوكر.» # فأجابه: هل تريد أن تفتح حسابا هنا؟ ~~- كذا أفتكر، إذا وجدت شروطهم موافقة لي. # فتقدم شفلر وسكريتير بكاروف إلى صراف البنك، وقال السكريتير للصراف: حضرته المستر جان ~~شفلر، أرجو أن تكون لكم معه معاملة حسنة في المستقبل. # وكان شفلر حينذاك يعرض التحويل الذي أخذه من بكاروف، وقال: وسترى من هذا التحويل أني ~~سأكون زبونا كبيرا إن شاء الله. # فقال الصراف وهو ينظر فيه: تحويل بإمضاء المستر بكاروف؟! # فأجاب السكريتير ضاحكا: نعم؛ فإذا كنت تعلم أن رصيد حساب بكاروف لا يغطي هذا ~~المبلغ، فقد أودعت الآن عندكم ضعفيه. # فضحك الصراف قائلا: أنا عالم أن رصيد حساب بكاروف يغطينا كلينا. # عند ذلك استأذن الصراف، وودع الاثنين، وهرول مسرعا عائدا إلى شغله. أما الصراف ~~فقال: هل تشاء يا مستر شفلر أن تفتح حسابا عندنا؟ ~~- ليس الآن، ولكني أحب أن أعرف شروطكم. ~~- إذن أرجو منك أن تخاطب سكريتير البنك، ولكن لا تجده الآن؛ لأن الآن وقت التصفية، ~~فتعال غدا قبل هذا الوقت. ~~- سآتي غدا، فأرجو منك الآن أن تدفع لي قيمة هذا التحويل. ~~- ماذا تريد القيمة؟ ~~- 9 ورقات كل ورقة بألف، و9 ورقات كل ورقة بمائة، و9 عشرات، وخمستين. # وفي الحال دفع له القيمة ومضى. # أما سكريتير بكاروف، فما وصل إلى مكتبه حتى وجد رجلا يسأل عن المستر بكاروف؛ فدله ~~على غرفته، فلما دخل قال: أرسلني المستر شفلر لكي آخذ منك التحويل. # فرفع المستر بكاروف نظره فيه مندهشا - وقلبه يخفق خفوقا - وقال: أي تحويل ~~هذا؟! ~~- التحويل الذي بقيمة عشرة آلاف ريال، حسب الاتفاق بينكما. ~~- أتى إلى هنا المستر شفلر منذ نصف ساعة وأخذه، فتلفت الرسول إلى ما حوله مدهوشا، ~~وقال: أليس هنا مكتب المستر بكاروف؟ ~~- قال: نعم؛ هو، أنا هنا، وأنا بكاروف. ~~- شريك شفلر على الأرض في لون آيلند؟ ~~- نعم، هنا هنا، ms36 أنا بكاروف. ~~- تقول: إن المستر شفلر أتى إلى هنا؟ ~~- نعم، منذ نصف ساعة، وأخذ تحويلا بعشرة آلاف ريال. ~~- يستحيل أن يكون الأمر كما تقول. # فقاطعه السكريتير قائلا: ولا ريب في ذلك، ومنذ دقائق رأيته في بنك كونصوليدايتد، ~~يريد أن يفتح حسابا هناك. # فأجاب الرسول: يستحيل ذلك، فإن المستر شفلر لم يفارق مكتبه منذ الساعة الأولى بعد ~~الظهر، ولا سيما لأنه كان قبل الظهر متغيبا بسبب القضية الزورية التي علمت أمرها يا ~~مستر بكاروف. # فجال ألف فكر في دماغ بكاروف حينئذ، وصارت مقلتاه تضطربان وقلبه يزداد خفوقا، وقال: ~~قل أنك تمزح. # قال: ليس الآن وقت مزاح يا مستر بكاروف إلا إذا كنت أنت مازحا. # وكانت يد بكاروف قد قبضت على بوق التليفون، وسأل الرسول عن رقم تلفون شفلر، فأجابه ~~9001 برودواي، وفي الحال دار الحديث الآتي: ~~- مستر شفلر؟ ~~- نعم، من أنت؟ ~~- إبراهام بكاروف. ~~- هل وصل رسولي إليك؟ ~~- نعم، هو هنا يمزح ولم يقل ماذا يريد؟ ~~- عجيب! لم أعهده يمزح فكيف ذلك؟ سأطرده إذا صح ما تقول؛ لأني لا أريد كاتبا يضع ~~الهزل موضع الجد. ~~- ولكنه لم يقل ما هي مهمته. ~~- إذا لم يقل يا مستر بكاروف، فأنت عالم أني أنتظر التحويل منك اليوم؟ ~~- أي تحويل؟! ~~- كيف تقول: أي تحويل؟! ~~- أنت تمزح أيضا. ~~- يظهر أنك أنت المازح يا مستر بكاروف. ~~- ما أنا ولد حتى تداعبني يا مستر شفلر. ~~- الوقت عندي ذهب يا هذا؛ فلا أضيعه في المداعبة والممازحة، أرسلت إليك رسولا ~~يأتيني بالتحويل، فأرسله بلا إبطاء قبل أن تقفل البنوك. ~~- تعني أنك لم تكن عندي منذ نصف ساعة؟ ~~- يظهر أنك جننت. ~~- إذن أنت تتكلم بجد؟ ~~- نعم؛ وأستغرب أنك تهزل. ~~- وأنا أستغرب أنك تنكر الشمس وهي طالعة. ~~- أنكر ماذا؟ ~~- تنكر أنك أتيت بنفسك إلى هنا وأخذت التحويل. # وهنا قاطع بكاروف سكريتيره قائلا: وقل له أن سكريتيري رآك في بنك كونصوليدايتد، ~~وعرفك بالصراف، وأريت الصراف التحويل. # فقال بكاروف هذا القول، فأجابه شفلر: تضطرني يا مستر بكاروف أن أقول كلاما قاسيا، ~~ومع ذلك لا يهمني ms37 الأمر جدا ما دمت لم أوقع على ظهر تحويل منك بعد. # عند ذلك، رد بكاروف بوق التليفون إلى مكانه، وبعد هنيهة عاد وأمسكه، وطلب أن يخاطب ~~بنك كونصوليدايتد، وطلب إلى الصرافين أن لا يدفعوا التحويل الذي صدر باسمه بقيمة 10 ~~آلاف ريال باسم جان شفلر، فأجابوه أن التحويل دفع بناء على تعريف سكريتيره عن ~~حقيقة الشخص الذي قبضه. # فالتفت بكاروف إلى سكريتيره، وقال: هل عرفت عن جان شفلر في البنك؟ ~~- نعم، رأيته داخلا وأنا خارج، فقال: «تعال، عرفني بأحد من رجال البنك؛ لأني أريد ~~أن أفتح حسابا.» فدخلت معه وعرفته بأحد الصرافين، وتركته هناك وأتيت. ~~- هل أنت واثق أن الذي عرفت الصراف به هو جان شفلر الذي كان هنا؟ ~~- هو هو بعينه وبثوبه، ولكن جان شفلر ينكر أنه أتى إلى هنا أيضا. # عند ذلك نهض المستر بكاروف من مكانه كالمجنون، وخرج وخرج وراءه رسول شفلر. # الفصل الحادي عشر # | شفلر غير هوكر # وما هو إلا بعض الساعة حتى دخل شرطي على المستر شفلر يستدعيه إلى مركز البوليس، ~~فقال: «إنا لله وإنا إليه راجعون.» ثم قام ومضى، فوجد عند مدير البوليس صراف البنك ~~والمستر بكاروف وسكريتيره، فلما جلس قال له المدير: تهمة أخرى يا مستر شفلر، ولكن ليس ~~فيها هوكر هذه المرة. # فقال شفلر ساكن الخلق: ما هي؟ ~~- هل زرت المستر بكاروف اليوم بعد الظهر؟ ~~- كلا. ~~- أما أخذت منه تحويلا بقيمة عشرة آلاف ريال؟ ~~- حتى الآن لم آخذ، ولا أزال أنتظر أن يدفع لي المبلغ. # وكان بكاروف يسمع ويتغيظ، فقال له المدير: هل تعرف هذا الرجل؟ (وأشار إلى صراف ~~البنك). ~~- كلا. ~~- أما ذهبت بعد الظهر إلى بنك كونصوليداتيد؟ ~~- لم أترك مكتبي منذ الساعة الواحدة حتى الآن. ~~- هل تعرف هذا الرجل؟ (وأشار إلى سكريتير بكاروف). ~~- رأيته منذ بضعة أيام في مكتب الخواجة بكاروف، وأظنه مستخدما عنده. # ثم أراه المدير تحويلا بقيمة 10 آلاف ريال، وباسم جان شفلر وبإمضاء إبراهام بكاروف ~~وعلى ظهره اسم جان شفلر وختم البنك المشعر أنه «قد دفع»، وسأله: أليس ms38 هذا ~~إمضاؤك؟! ~~- كلا، والمستر بكاروف يعرف إمضائي. # فالتفت المدير إلى بكاروف كأنه ينتظر منه جوابا، فقال هذا: نعم، عندي إمضاؤه على عقد ~~الشركة. # ثم أرسل سكريتيره في الحال إلى مكتبه، واستحضر العقد، وقابلوا الإمضائين، فوجدوا ~~فرقا عظيما بينهما، فانذهل بكاروف، وقال: إذا كان بعض الناس يقدرون أن يقلدوا خطوط ~~غيرهم، فلا يتعذر على أحد أن يغير إمضاءه أحيانا. # فحار المدير في الأمر، والتفت إلى صراف البنك، وقال: أتؤكد أن هذا الرجل هو الشخص ~~الذي قبض منك المبلغ بعينه؟ # فأجاب الصراف: لا أجد فرقا إلا في ثوبه؛ فقد كان بنيا أما الآن فأسود. # فقال بكاروف: وقد أتى إلي بثوب بني، فلا يصعب عليه أن يغير ثوبه متى ~~شاء. # فقال المدير لشفلر: هنا المستر بكاروف وصراف بنك كونصوليداتيد يشهدان أنك أخذت هذا ~~التحويل، وقبضت قيمته نقدا. ~~- لا داعي أن أقبض 10 آلاف ريال نقدا، ولي حساب مع بنك نيويورك، فالعادة أن أقدم ~~التحويل إلى بنكي. ~~- ولا ينكر على أحد أن يقبض نقودا من البنك؛ فهل عندك بينات أخرى على أنك لم تزر ~~المستر بكاروف ولا ذهبت إلى بنك كونصوليدايتد؟ ~~- ليس عندي إلا كاتباي، فهما يشهدان أني لم أخرج من مكتبي منذ الساعة الواحدة بعد ~~الظهر حتى جاء الشرطي يدعوني إلى هنا. # وفي الحال، استدعي كاتبا المستر شفلر، وشهدا أنه لم يخرج من مكتبه منذ الساعة ~~الواحدة بعد الظهر؛ لأنه كان يقرأ رسائله ويجاوب عليها؛ إذ كان قبل الظهر لا يزال تحت ~~الحفظ في مركز البوليس بسبب التهمة الأولى. # عند ذلك وقف بكاروف، وقال وهو يرتجف من الغيظ: أنا وسكريتيري وصراف البنك لا نقدر أن ~~نكذب وجداننا ونسلم بسهولة أن كاتبي المستر شفلر لا يمالئانه، ويشهدان معه كما ~~يريد، فإن كان لديه شهود عديدون يؤيد بواسطتهم أنه لم يأت إلي اليوم بعد الظهر ~~فليظهرهم. # عند ذلك وقف المستر شفلر متأثرا جدا، ولكنه تمالك طبعه، وقال: مستر بكاروف، تعني ~~أني كاذب وأن كاتبي شاهدا زور؟! فاسترد كلامك وإلا رفعنا عليك قضية نطالبك ~~بشرفنا، ثم ms39 إني غير مكلف أن أشهد الناس على كل دقيقة من حياتي لكي أدرأ عني تهما ~~باطلة، عندك شاهد واحد أني كنت عندك بعد الظهر، وعندي شاهدان عدلان أني كنت في مكتبي، ~~فدعواك علي زور محض، وأنا سأطالب بشرفي. # فقال بكاروف: والصراف يشهد أنك قبضت المبلغ منه، وسكريتيري يشهد أنه عرفه ~~بك. # فأجاب شفلر محتدا: إن دعوى الصراف زور أيضا، وليس عنده إلا شاهد واحد - كما ~~تزعم - وهو شاهدك بعينه، ومع ذلك فإن الإمضاء الذي على ظهر التحويل ليس إمضائي، فما أنا ~~مسئول لأحد، فإذا لم تكونوا مدعين زورا فابحثوا عمن لعب عليكم هذا الدور، ولا تزد ~~يا مستر بكاروف كلمة بعد وإلا أحوجتني أن أسمعك ما لا تطيق وأريك ما لم تر، وأريد منك ~~أن تدفع لي العشرة آلاف جنيها حتى صباح الغد؛ لئلا يفوت وقتها، لا أريدها إلا ~~نقدا. ~~- دفعت لك تحويلا وقبضته، فلم يبق لك عندي شيء. ~~- قلت لك: ليس هذا إمضائي ولا إمضاء مزورا. # فصاح بكاروف: يا ناس، إن كنت أنا حالما أو مجنونا فسكريتيري وصراف البنك ليسا ~~كذلك. # أما المدير فكان باهتا، فقال: مهلا مستر بكاروف، أما علمت نتيجة تحقيق التهمة ~~الأولى التي اتهم بها المستر شفلر وحققناها صباح هذا اليوم وكنت شاهدا ~~فيها؟ # أجاب بكاروف: خرجت من هنا قبل أن ينتهي التحقيق لأني لم أكن خالي الشغل حتى أسمع ~~تحقيق تهمة لا تهمني. ~~- أما قرأت تفصيلها في جرائد الظهر؟ ~~- كلا. ~~- إذن أنا أخبرك أن التحقيق رجح لنا - بل أثبت - أنه يوجد في المدينة شخص باسم ~~جان هوكر يشبه المستر شفلر كل الشبه، وهو الذي اختلس الدبوس من محل أفلن والأحد عشر ~~ألف ريال من مس إيفا كروس، أفلا يحتمل أن يكون ذلك النصاب هو الذي جاءك باسم جان شفلر ~~وأخذ منك التحويل؟ # فأجاب بكاروف: ولكن كيف يعرف ذاك أن لي علاقة بالمستر جان شفلر؟! ~~- لا ريب أنه عرف ذلك مما كتبته الجرائد؛ فاغتنم هذه الفرصة. # فبهت بكاروف هنيهة، ثم قال: يستحيل أن يكون رجل غير ms40 شفلر قد أتى إلي، كيف يعرف ~~أن لشفلر علي عشرة آلاف ريال؟! # فقال المدير: هل طالبك بعشرة آلاف ريال؟ ~~- كلا، ولكن لما دخل علي ترحبت به، وقلت: «أظنك آتيا لأجل التحويل، كنت مزمعا ~~أن أرسله لك في البريد الليلة.» فقال: «لا داعي لإرساله وقد أتيت أنا بنفسي.» ~~- إذن ترى من كلامك أنه لم يذكر لك تحويلا ولا عشرة آلاف، بل أنت بادأته بذلك أولا، ~~أنت سلمت نفسك له، ولعله كان ينوي أن ينصب عليك بمبلغ أقل أو أتاك لغرض آخر. # فتمرمر بكاروف جدا، وقال: والله لا أقدر أن أعتقد أن الذي جاء لي رجل آخر غير ~~المستر شفلر، هذا هو بعينه. ~~- الناس تتشابه يا مستر بكاروف. ~~- تكاد تجنني يا حضرة المدير، إني أعرف شفلر جيدا، أعرفه بعينيه وأذنيه وفمه وأنفه ~~حتى شامته. # فنظر المدير إلى شفلر، وقال: ما هي شامته يا مستر بكاروف؟ # فقال بكاروف: فليلو عنقه قليلا أو ينزل طوقه قليلا، فترى نقطة سوداء في أيمن عنقه ~~كالشامة. # فضحك المدير، وقال: ذلك خير برهان؛ أزل طوقك يا مستر شفلر. # وكان شفلر قد حل ربطة رقبته، وما لفظ المدير كلمته حتى كان الطوق قد أزيل، وقال: ~~انظروا يا ناس، لا شامة ولا نقطة سوداء في عنقي، فوالله إنها لدعاو باطلة، وإذا كان قد ~~ثبت وجود شخص آخر يشبهني كل هذا الشبه، فإدارة البوليس بل كل الحكومة تكون مسئولة منذ ~~الآن بكل عمل يعمل باسمي ولا أعترف به إلى أن يقبض على ذلك النصاب الذي خلقه الله ~~شبها لي، لا أحتمل بعد الآن أن أؤخذ بجرائر غيري. # وكان المستر شفلر يتكلم بحدة، والكل منذهلون متحيرون، ومدير البوليس يفكر بخطة يتخذها ~~لاكتشاف ذلك المحتال، ثم قال للمستر بكاروف ولصراف البنك: لا أجد حجة أو عذرا للقبض ~~على المستر شفلر؛ لأني أعتقد أنه براء، وأن المجرم غيره. فإن كان التحويل موضوع نزاع ~~بينكم فدونكم والمحكمة؛ لأجل دعوى مدنية، وأنا أسعى لاكتشاف ذلك المحتال. # أما شفلر فودع مدير البوليس مثنيا على همته وذكائه الباهر، ms41 وانصرف غاضبا على ~~البقية، وأما الصراف فعاد إلى بنكه وقدم تقريرا لمديره، وأما بكاروف فعاد إلى مكتبه ~~حزينا متأثرا، وقبل الساعة السادسة كان سكريتيره في مكتب شفلر يقدم له رسالة ففضها ~~شفلر وقرأ ما يأتي: # حضرة المستر شفلر # طيه تجدون تحويلا بقيمة عشرة آلاف ريال، وأظنكم تعذرونني لاتهامكم، وعذري ~~واضح إذا كان في الوجود من يشبهكم خلقا لا خلقا. # بكاروف # فدفع شفلر التحويل لسكريتير بكاروف، وقال: قل لمديرك أني سامحته على اعتدائه اليوم، ~~ولكني لا أقبل منه العشرة آلاف إلا نقدا، وله مني وصل بخط يدي أكتبه أمام عينيه، ~~فليأت غدا قبل العاشرة صباحا إلى هنا بالقيمة. # والظاهر أن المستر بكاروف تحقق من صديقه المحامي بلاك أن المستر شفلر رجل مستقيم ~~جدا لا يمكن أن يفعل أمرا إدا، ولكنه في الوقت نفسه رجل لا يرضى بالإهانة، ولا يسكت ~~على الضيم، ولا يصلى له بنار، ونصح له أن يسترضيه لئلا يقع بينهما مشكل يفضي إلى ما لا ~~يحمد المستر بكاروف مغبته. # أما مدير البوليس فبث الخفية يبحثون عن المدعو جاك هوكر ذي الشامة أو النقطة السوداء ~~في عنقه الأيمن. # الفصل الثاني عشر # | إبليس يجرب إيفا كروس # عاد المستر أفلن إلى مخزنه وهو مرتاب في أن جان شفلر غير جاك هوكر، ولكن التحقيق لم ~~يبق له وجها للدعوى على شفلر؛ لأن شهودا كثيرين شهدوا أن الرجل كان عند بلاك ~~المحامي في حين ادعى أفلن أنه كان عنده، ثم قرأ أفلن في الصحف حادث النصب الذي جاز على ~~بكاروف، فازداد ارتيابه بشخصية شفلر؛ وعليه، صمم أن يستخدم خفية يتجسسون حركات ~~شفلر. # أما مس إيفا كروس، فعادت إلى منزلها نصف مجنونة لما رأت وسمعت. رددت في بالها ماضي ~~ساعاتها مع هوكر فانتعش حبها قليلا، ثم خطر لها حادث الخمسين ألف ريال، وحادث الدبوس ~~والأحد عشر ألف ريال؛ فنفرت من ذكر هوكر، وقد لاح لها أن تستأجر أحد الخفية لكي يبحث ~~عنه وعن زوجته، فخافت أن ينفضح سبب اختلاس الخمسين ألف ريال؛ أي إغراء زوجة ms42 هوكر أن ~~تطلقه لكي تتزوجه هي، فرأت أن تبقى صامتة. # ولكن إبليس لا يريد السلام على الأرض. # في مساء اليوم التالي، جاء إليها الرجل الذي مشى معها بعض خطوات في الطريق حين كانت ~~ذاهبة إلى البنك لكي تأخذ الخمسين ألف ريال - كما يذكر القارئ - وطلب مقابلتها، فردت ~~إليه خادمتها تقول إنها لا تقدر أن تقابله الآن؛ فمتى رأت فرصة مناسبة لمقابلته تكتب ~~له. # فقال للخادمة: قولي لمس كروس: إن مهمتي الآن تختلف عن مهماتي الماضية وأكثر فائدة ~~لها. # فأذنت له بالدخول إلى غرفتها رأسا، فلما حياها وجلس قالت: تعذرني يا مستر زيمر ~~لتمنعي أولا عن مقابلتك؛ لأني أشعر بصداع الآن. # فأجاب: ولولا خوفي أن تندمي على عدم إيذانك لي بالدخول لما ألححت عليك به، فاعذريني ~~على إلحاحي، ولا سيما في هذا الوقت الذي تشكين فيه من وجع الرأس لأني لأجله ~~أتيت. # فاستغربت قائلة لأجله أتيت؟! # قال: نعم، أتظنين أني لم أعلم السبب؟ # فاضطربت إيفا قائلة: أي سبب؟ ~~- سبب وجع رأسك. ~~- كيف تعرف ذلك؟ ~~- قرأت في الجرائد. ~~- ماذا قرأت؟! ~~- قرأت عما فعله جاك هوكر بائع الحلي. # فانتفضت أيضا قائلة: تعني مسألة الدبوس؟ ~~- نعم، وألوف الريالات. ~~- تعني الأحد عشر ألف ريال التي أخذها مني؟ ~~- نعم، ولهذا أتيت لأعرض عليك أمرا. ~~- ما هو؟ ~~- أن تختاريني جاسوسا لأبحث لك عن هوكر كما فعل أفلن، وبكاروف، وشفلر. ~~- ماذا فعلوا؟! ~~- عين كل منهم جواسيس للبحث عن هوكر. ~~- أما أفلن وبكاروف فلأن كلا خسر عشرة آلاف ريال، وأما شفلر فلماذا؟! ~~- لأنه استاء جدا من أن شخصا يشبهه استخدم اسمه، ويخاف أن يستخدمه في المستقبل ~~لأمور كثيرة تضر به (أي شفلر). ~~- أما أنا فأكتفي باهتمام الحكومة وأولئك الثلاثة، فإن اهتدوا إلى هوكر عوقب عن كل ~~ذنوبه. ~~- تعنين أنك لا تريدين أن تعيني من قبلك خفية للبحث عن هوكر! ~~- كلا. ~~- ألا يهمك أن تقع يدك على من اختلس منك ...؟ ~~- أحد عشر ألف ريال لا تهمني كثيرا. ~~- أعلم أنها لا تهمك، وأعلم أنك لا تحصلين عليها، ولو قبض على هوكر؛ ms43 لأنه بذرقها ~~أو أخبأها. ~~- فإذن لماذا أهتم بالقبض عليه؟ ~~- لكي يعاقب على ما جنت يداه. ~~- وما فائدتي من معاقبته؟ ~~- ألا تريدين أن تتشفي وتنتقمي منه؟ ~~- كلا، ليس في قلبي حقد على أحد. ~~- إذن أعرض خدمتي على مستر أفلن. ~~- تقول إنه عين خفية؛ فلا حاجة به إليك. ~~- ولكن الخفية الذين عينهم لا يعرفون ما أعرف. # فتنبهت إيفا جيدا، واختلج فؤادها، وقالت: ماذا تعرف؟! ~~- أعرف أشياء عن هوكر لا يعرفها أحد غيري. ~~- ماذا تعرف عنه الآن؟! ~~- إن ما أعرفه يا مس كروس يدفع المستر أفلن ثمنه ربع ثمن الدبوس على الأقل. ~~- وتنبئ عنه المستر أفلن إذا دفع لك مكافأة؟ ~~- إذا لم يدفع ما أريد أنبئ بكاروف أو شفلر. ~~- وتريد مني ثمن ما تقوله لي عن هوكر؟ ~~- نعم، ولا تؤاخذيني مس كروس فإني لشغل لا لزيارة ودادية أتيتك، وأنت لم تسلمي ~~بمقابلتي إلا لما علمت أنها لشغل، ونتيجة الشغل القبض والدفع. ~~- أنت تعلم أن القبض والدفع لا يهمانني، ولكني أفضل أن تعاملني كصديق لصديقة، ~~والصداقة لا تحول دون الدفع والقبض. ~~- أنت نفيت الصداقة منذ المقابلة الفائتة يا مس كروس، والآن لما طلبت مقابلتك أيدت ~~ذلك النفي، فدعينا نتكلم بالشغل بقطع النظر عن الصداقة. ~~- إذا كنت مستاء مني فأعتذر لك؛ لأني كل هذا الأسبوع كنت مضطربة لمشاغل مختلفة، فكنت ~~سيئة التصرف مع كل صديقاتي وأصدقائي، ولا أود أن نتعامل ولو بالأجرة إلا وأنت صديق ~~مخلص. ~~- تأكدي يا مس كروس أني أمين سواء كنت صديقا أو غير صديق. ~~- إذن تخلص في إخباري كل ما تعرفه عن هوكر؟ ~~- من غير بد أخلص إذا دفعت الثمن. ~~- كم تريد؟ ~~- قلت لك: إن أفلن يدفع ربع ثمن الدبوس. ~~- إذن ساومت أفلن على ذلك؟! ~~- كلا، لم أساوم أحدا ولا أخبرت أحدا بعد، ولكني أؤكد أن أفلن يدفع القيمة متى ~~عرف ما أعرف. ~~- أود أن أعرف ماذا تعرف أولا. ~~- أعرف أين هوكر، وماذا ينوي أن يفعل فيما يتعلق بك، فانتفضت إيفا، وقالت: ~~بي؟! ~~- نعم، بك. ~~- ماذا ينوي أن يفعل؟ ~~- هل رضيت ms44 أن تدفعي الثمن يا مس كروس؟ ~~- أدفع ألف ريال فقط. ~~- بل تدفعين الألفين. ~~- قد أدفعهما بعد أن أصل إلى النتيجة النهائية إذا وجدتها تستحق. ~~- لا أريد منك الآن إلا أن تعدي أن تدفعي الألفين حين تصلين إلى النتيجة، وأنا ~~أؤكد أنك تدفعينهما حينئذ. ~~- أعدك بذلك؛ فأخبر كل ما تعرفه. ~~- لما قرأت في الجرائد قصة هوكر بحثت عنه، وتوقفت إلى الاهتداء إليه والوقوف على ~~أسراره حتى صار تحت رحمتي، ووعدته أن آتيك لكي أخبرك أنه يريد مقابلتك إذا كنت تؤمنين ~~على سلامته، وهو يؤكد أنك متى اجتمعت به وسمعت حديثه تعذرينه وتؤكدين حسن ~~نيته. ~~- إذن قل له أن يأتي الليلة في آخر السهرة. ~~- ولا تشين به قبل أن تسمعي قصته. ~~- يأتي ويذهب ولا أحد غيرك يعرف ذلك. ~~- والألفا ريال؟ ~~- أدفعها متى جئت مع هوكر. ~~- حسن جدا، في أي ساعة نجيء؟ ~~- الساعة التاسعة، ألا توافق؟ ~~- حسن جدا. # وعند ذلك وقف زيمر لكي ينصرف، فقالت له: ولكن لا تخبر إدارة البوليس ولا الثلاثة ~~الذين يبحثون عن هوكر، لا تخبرهم عنه شيئا. ~~- هذا الشرط لم يدخل في اتفاقنا يا سيدتي، فمتى انتهيت من هوكر أخبر البقية عنه، ~~وأقبض ثمن الخبر، وإن شئت أن أكتم أمره عن سواك تدفعين ثمن الكتمان. ~~- أنت كالمنشار تريد أن تأكل صاعدا ونازلا. ~~- هكذا رمت أنت يا سيدتي. ~~- لا بأس، بعد أن أجتمع بهوكر نتساوم على الكتمان. ~~- لك ما ترومين يا سيدتي. # ثم انصرف على موعد اللقاء القريب، وأوعزت إيفا إلى بوابها قائلة: في الساعة الحادية ~~عشرة تفتح لهذا الرجل الذي خرج من هنا الآن ولشخص آخر معه. # وكانت الأفكار تأخذ إيفا إلى عالم الشر، ثم تعود بها إلى عالم الخير، فتارة كانت ~~تتخيل هوكر رجلا شريرا نصابا، ثم لا تلبث أن تذكر شمائله، وحسن أخلاقه، ورقته، ~~وأنفته إلى غير ذلك من المحامد، فتصوره ملاكا كريما، على أنها استعدت للقائه على أي ~~حال وانتظرته بفارغ الصبر. # وما حانت الساعة التاسعة حتى قرع جرس البواب ففتح، فقال له زيمر: أخبر مس ms45 كروس أني ~~أتيت بالرجل. # فأنعم النظر البواب في الرجل الآخر، وقال: المستر هوكر؟ # فقال هوكر: تعرفني إذن؛ فلم تنسني! فأخبر المس كروس عني. # قال البواب: عندي أمر من مس كروس أن أدخل رجلا آخر مع هذا المستر زيمر فأنت هو الرجل ~~إذن، ادخلا. # فدخلا وصعدا إلى القاعة التي تنتظرهما فيها إيفا، وكانت تلاهي نفسها بالقراءة، فلما ~~دخلا اختلجت قليلا، وابتسمت مكفهرة وقالت لزيمر: أرجو منك أن تنتظر في القاعة التي في ~~الطبقة السفلى. البواب يفتحها لك، ومتى انتهينا أدعوك. # قال: سمعا وطاعة يا سيدتي. # ثم نزل إلى الطبقة السفلى. أما هوكر، فجلس على كرسي بإزاء إيفا، وقال: قرأت يا سيدتي ~~إيفا ما كتبته الجرائد، ولولا وجود شخص آخر يشبهني لما حدثت هذه الطنطنة حول ~~اسمي. # فقاطعته قائلة: لولا سوء قصدك لما حدثت الطنطنة، وما كنت أتصور أنك ترتكب هذه ~~الآثام. # فقال: أي آثام يا سيدتي؟ ~~- آثام النصب المتعددة: 50 ألف ريال، ثم 11 ألف ريال مني، دبوس ألماس من أفلن، عشرة ~~آلاف ريال من بكاروف. ~~- إذا لم تسمحي لي يا سيدتي أن أحكي قصتي، فلا تحسني الظن بي، وفي هذه الحالة يجب ~~عليك أن توعزي إلى البوليس أن يقبض علي. ~~- وتعني أنه إذا قبض عليك تثبت براءتك؟ ~~- قد لا أستطيع أن أثبتها لدى القضاء، ولكني أثبتها لدى أرقاء القلوب، وأنت قد قرأت ~~رواية التعساء لفيكتور هيغو، ورأيت فيها جان فلجان أطيب البشر، وفي الوقت نفسه كان ~~يقاسي اضطهاد الشريعة له. ~~- كأنك تقول أنك كنت فيما فعلت من الآثام تنوي خيرا؟ ~~- متى سمعت قصتي تعذرينني. ~~- قلت كثيرا: «لعل له عذرا ونحن نلوم.» ولكن تكرار الجريمة يغير الظن، ويقسي ~~القلوب العاذرة. ~~- ولكن القلوب المحبة لا تتغير ودليلها لا يضل، فأنت قد ظننت في حسنا فلا تغيري ~~ظنك. ~~- خرجت من عندي لكي تطلق زوجتك ولكي تدفع لمستر أفلن ثمن الدبوس، ثم تعود إلي ~~بالدبوس، ونذهب معا لنأخذ أذنا من الحكومة بالزواج، فماذا فعلت من ذلك؟ ~~- نعم، خرجت من عندك على هذه النية ولم ms46 أغير نيتي، ذهبت إلى منزلي. ~~- أين منزلك؟ ~~- كنت أسكن في رقم 16 غربا من شارع 116. ~~- ولكن أنت قلت لي إنك ساكن في رقم 28 غربا من شارع 110. ~~- لم أقل لك ذلك تماما يا سيدتي. # فعبست إيفا في وجهه، وقالت: لا تكذب، تذكر حين سألتك عن عنوان زوجتك؟ ~~- نعم، أتذكر جيدا أني قلت لك ذلك. ~~- إذن ما معنى هذا التناقض؟! ~~- لا تناقض يا سيدتي، فأنا كنت أسكن في رقم 16 غربا من شارع 116، وزوجتي سكنت نهارين ~~وليلة في رقم 28 غربا من شارع 110. ~~- لا أفهم ذلك. ~~- ومن سوء حظي أني كنت أذوق مرارة العيش من امرأتي وأنت لا تعلمين، في ذلك النهار ~~الذي التقينا في مسائه في الهيبودروم، وأخذنا الشاي في مطعم الهيبودروم معا، وقطعنا ~~عهد الحب النهائي الذي لا ينفصم. في ذلك النهار نفسه خاصمتني زوجتي خصاما شديدا لأجلك ~~إذ تأكدت أني أحبك، ثم تركتني ومضت وسكنت وحدها وتهددتني بمصائب كثيرة. ~~- لم تقل لي ذلك يا جاك حينئذ. ~~- ليس من خلقي يا سيدتي أن أمننك بما أقاسيه بسببك، ثم ذهبت إليها ورجوتها أن تعود في ~~ذلك النهار فلم تعد؛ لأنها كانت غاضبة شديد الغضب، وأنا أحاول أن أكتم خصامنا، وفي ذلك ~~المساء ذهبت إلى الهبودروم لكي أراك فأنسى همومي وكانت نتيجة لقائنا سعادة لي. # فتنهدت إيفا، وقالت: تزعم أنك لم تكن تغشني حينئذ، ولكن بعدئذ خدعك الشيطان، فاتفقت ~~وزوجتك على أن تنصبا علي. ~~- معاذ الله أن أفتكر كذلك يا إيفا! وهل أضمن لنفسي سعادة أعظم من سعادة حبك لي؟! ~~ولكن زوجتي نصبت عليك وعلي معا. ~~- كيف ذلك؟! ~~- لما استدعيتها بخطاب منك وأقنعتها أن تتفق معي على طلاقنا؛ لأني لا أحبها بل أحبك ~~وحدك وأغريتها بالمال قطعت كل أمل من حبي لها، وتحول حبها لي إلى غيرة قتالة، ثم تحولت ~~الغيرة إلى بغض شديد وحب الانتقام، وأضمرت الشر لي ولك، واتفق أنه لما خاطبك أفلن ~~بالتليفون كانت عندك وكنت غائبة من المنزل، فقامت مقامك ومثلت دورك لا لمطمع معين، بل ~~لتقف ms47 على شيء من أسرارك؛ ففهمت مسألة الدبوس، وكانت عالمة بطرف منها قبلا حين كنت ~~أسعى بينك وبين أفلن لكي أبيعه لك لأول عهد معرفتنا. # فقاطعته إيفا قائلة: ولكن لماذا يخاطبني أفلن تلفونيا بأمر الدبوس، إذا كنت أنت ~~تساومه عليه لكي تشتريه لنفسك؟! ~~- أتظنين أني أقدر أن أشتري الدبوس لنفسي، من أين لي العشرة آلاف ريال؟! لذلك رأيت أن ~~أدعي أن آخذ الدبوس إليك لكي أريك إياه، وقدرت أنك تدفعين ثمنه متى عرفت أني أود أن ~~أشتريه لك وليس معي ثمنه - كما تعلمين - وقد صح ظني. والحق أقول لك: إني لم أعلم أن ~~أفلن خاطبك تلفونيا إلا من قراءة الجرائد. # فقالت إيفا مستغربة: عجيب! وماذا كان قصد زوجتك أن تجاوب عني؟ ~~- قصدت أن تعلم شيئا من أسرارك لعلها تنتفع به. ~~- ثم ماذا حدث بعد ذلك؟ ~~- بعد أن أخذت الدبوس من أفلن ذهبت إلى البيت على نية أن أستدعي زوجتي؛ لكي أفاوضها ~~بأمر طلاقنا ما دامت لا تريد أن تساكنني، ومن الغريب أني وجدتها هناك عائدة من عندك، ~~فباحثتها في الأمر، فبكت ونحبت، وأنا لا أدري أن كل ذلك البكاء مكر وخبث، فرق لها ~~قلبي، وأخيرا - بعد جدال طويل - اتفقنا على الطلاق في اليوم التالي، ولما عدت في ~~السهرة من عندك كانت لا تزال في المنزل يقظة، فعادت تتوسل إلي أن أتركك وأحبها ~~ونعدل عن الطلاق، وكنت أبذل الجهد في إقناعها به؛ إذ لم يبق فيه مصلحة لأحدنا ما دام ~~قلب أحدنا معلقا في مكان آخر. وأخيرا، اقتنعت، وفي صباح اليوم لم أنهض من سريري حتى ~~الساعة الحادية عشرة، فوجدت نفسي مخبولا، وكأني كنت مريضا مدة عام، ثم التفت حولي ~~فوجدت زجاجة كلوروفورم مفتوحة وفارغة، فأدركت أني كنت مبنجا كل الليل، فنهضت إلى غرفة ~~زوجتي فما وجدتها، فعدت إلى غرفتي وفحصت جيوبي، فوجدت بدل الدبوس الألماسي والتحويل ~~الذي أخذته منك هذه الورقة. # وعند ذلك دفع هوكر ورقة لمس إيفا كروس فقرأتها كما يأتي: # عزيزي جاك، أنت تحب مس إيفا كروس وهي تحبك، ms48 وأنت وهي اختلستما سعادتي، فلا ~~أطيق أن أدعكما تتمتعان بها وأنا يئسة تعسة، فاستعد بعد الآن لاحتمال نقمتي. # مسز هوكر # وبعد أن انتهت إيفا من قراءة الورقة التفتت في وجه هوكر فوجدت مقلتيه مغرورقتين في ~~الدموع. # فقالت: مسكين جاك! ثم ماذا فعلت؟ # فمسح دموعه، وقال: ظننت أنها ذهبت إلى خالتها في فيلادلفيا، فسافرت إلى فيلادلفيا فلم ~~أجدها، فعدت حيرانا لا أدري ماذا أفعل وأين أجدها، وبعد ذلك قرأت في الجرائد نصوص ~~الحادثة الغريبة، فالتزمت أن أختبئ لئلا يقبض علي. ~~- ولكن لم أفهم كيف جسرت أن تختلس العشرة آلاف ريال من بكاروف؟ ~~- بل أنا أستغرب كيف جازت حيلة المسمى شفلر على بكاروف ومدير البوليس وصراف البنك ~~وغيرهم، فهو لما علم أن هناك شخصا آخر يشبهه اغتنم هذه الفرصة ليختلس أموال الناس ~~باسمه، وإلا كلما فعل شفلر فعلة خلص نفسه بدعوى أني أنا هوكر فعلتها، وهو المجرم يجول ~~بين الناس باسم شفلر السمسار الأمين، وأنا البريء اختبئ من وجه العدل باسم شفلر اللص ~~... # وعند ذلك شرق هوكر بدموعه؛ فأمسكت إيفا يده، وقالت: ولكن ثبت أن الذي أخذ التحويل ~~من بكاروف له نقطة سوداء في أيمن عنقه كالنقطة التي هنا في أيمن عنقك. # فأمسك هوكر كفها بكفيه وقبلها قبلات عديدة وهو يقول: لا يتعذر عليه يا حبيبتي إيفا أن ~~ينقط تلك النقطة السوداء عند اللزوم بعد أن عرف أن عندي مثلها. # قالت: صدقت، ولكن فيك شيئا لا يقدر شفلر أن يقلده. ~~- ما هو يا روحي؟ ~~- هو نعومة صوتك، ولين خلقك، وهو خشن الصوت جاف الخلق على ما رأيت. # وعاد يقبل كفها وهي بين كفيه؛ فسحبتها من بينهما بالرغم من ضغطهما عليها، وفي الحال ~~طوقته بذراعها وقبلته، وهو في خلال ذلك يمد يده إلى جيبه كأنه يودع فيه شيئا، ثم مسحت ~~دموعه، وقالت: إني آسفة لما حدث لك، ولكن ما الحيلة بتلك الملعونة؟! ~~- يجب أن أرفع قضية طلاق وأستدعيها إلى المحكمة، فإن اهتدى إليها المحضر وأبلغها ~~دعواي ولم تحضر نلت حق الطلاق، وإن فات ms49 الموعد المقرر ولم يبن لها أثر نلت ذلك الحق ~~أيضا. ~~- إذن تحب أن ترفع قضية طلاق؟! ~~- من غير بد؛ إذا تسنى لي أن أظهر بين الناس وكف البوليس يده عني. ~~- سلم نفسك للبوليس، ومتى رويت قصتك بانت براءتك. ~~- عجيب رأيك يا عزيزتي إيفا! أتريدين أن أروي قصتي كما رويتها لك؟! # فانتبهت إيفا، وقالت: أتروي أني دفعت لزوجتك 50 ألف ريال؟ ~~- إذا لم أرو كل شيء تماما، فكيف يثبت حسن نيتي؟! # فتنهدت إيفا، وقالت: ما رأيك إذن؟! ~~- رأيي أن نرضي أفلن وبكاروف أيضا إذا لزم الأمر، ونسكتهما عن البحث عن ~~هوكر. ~~- إذا كانا يرتضيان بالمال فذلك أمر سهل جدا. ~~- المال يرضي كل غاضب يا عزيزتي. # وعند ذلك تلاثما عاشقين، وقالت: إذن سأسعى بذلك منذ الغد. ~~- وأنا أختبئ ريثما يتعهدان أن حقهما وصلهما ولا حق لهما على هوكر البتة، أما أفلن ~~فأنا أستطيع أن أرضيه إذا قابلته غدا بالفلوس. ~~- وأما بكاروف فلا أعرفه أنا، ولا أدري كيف أرضيه؟! ~~- أظن أن زيمر يعرفه؛ فيمكن أن يكون واسطة بينك وبينه. ~~- ولكن بماذا أقنعه؟ ~~- زيمر يعرف كيف يقنعه. # عند ذلك قرعت الجرس، فدخلت الخادمة، فقالت: استدعي الرجل الذي ينتظر في الطبقة ~~السفلى، ولما دخل زيمر قالت له إيفا: يطلب منك أن تقابل بكاروف غدا. # أجاب زيمر: إذن لا تريدين أن تدفعي ثمن الكتمان. ~~- ماذا تعني؟ ~~- أعني أنك لا تعارضين أن أبلغ بكاروف والبقية عن هوكر ومقره. # فقال هوكر: بربك لا تفعل يا زيمر، أنا تحت رحمتك فأشفق علي، وأنت تعلم أني ~~بريء. # فقالت إيفا: أدفع ثمن كل شيء، أدفع لك ثمن إخبارك إياي عن هوكر واستقدامه إلى ~~هنا. # فقال: هذه ألفا ريال. # ثم استمرت تقول: وأدفع ثمن كتمانك الخبر عن الثلاثة والبوليس. # فقال: وهذه ألفان آخران أيضا، الجملة 4 آلاف. ~~- لماذا ألفان آخران؟! ~~- لماذا؟! إذا لم يدفع أفلن ألفا يدفع خمسمائة على الأقل، وقد قرأت أنه قال في آخر ~~التحقيق أنه يتمنى أن يخسر ربع ثمن الدبوس؛ ليعلم إن كان هوكر غير شفلر، وبكاروف يقبل ms50 ~~اليد فوق الخمسمائة ريال؛ لكي يقبض على عنق السالب العشرة آلاف، وشفلر لا يسأل عن 5 ~~مائة ريال إذا عثر بالرجل الذي يشبهه، ويجترم الآثام باسمه، والشرف الذي أناله من ~~البوليس يساوي أكثر من 5 مائة ريال، وربما نلت وظيفة في إدارة البوليس؛ مكافأة على هذه ~~الخدمة. # قالت: أدفع لك 4 آلاف ريال فكن راضيا، ولكني أريد منك أن تتوسط عند بكاروف بأن أدفع ~~له عن يدك 10 آلاف ريال؛ لكي يكف عن البحث عن هوكر، وذلك بعد أن تقنعه أن هوكر بريء ~~وأن شفلر هو الذي لعب عليه. # فقال زيمر: إذن ألفان وألفان و10 آلاف وألف؛ الجملة 15 ألف ريال. # فقالت: لماذا الألف؟ ~~- أجرة إقناع بكاروف. ~~- يا الله! لا بأس سأدفع لك المبلغ كله متى أقنعت بكاروف. ~~- بل تدفعين الآن يا سيدتي الأربعة آلاف ثمن البلاغ والكتمان، ومتى أقنعت بكاروف ~~تدفعين الألف مع العشرة. ~~- على الرأس والعين، لا أهرب من الحق. # ثم نهضت إيفا إلى مكتبها لتكتب تحويلا؛ فقال: لا أقبل تحاويل يا سيدتي، ~~اعذريني. ~~- لماذا؟ ~~- لأنه يتعذر علي قبضها؛ إذ ليس عندي حساب في البنوك، وليس من يعرفني فيها. ~~- ليس عندي نقد كاف. ~~- كم عندك؟ ~~- عندي نحو 2500. ~~- هاتيها، وهاتي الباقي أسهما من شركة سكة حديد بنسلفانيا. # ففتحت إيفا خزنتها ودفعت له القيمة نقودا وأسهما، ومضى على وعد أن يعود إليها في ~~مساء الغد مقنعا بكاروف. أما هوكر فقبل يدها وقبلته وقبلها مرارا، ومضى على وعد ~~أن يأتي في الليلة التالية ليأخذ العشرة آلاف ريال، ويدفعها لأفلن ويرضيه ~~ويسكته. # حين خرج هوكر كانت الدقيقة ال 40 قبل العاشرة، وبعد نحو 10 دقائق قرع باب مس كروس ~~ففتح البواب، فقال الطارئ: قل لمس كروس: هنا المستر جان شفلر، يريد مقابلتك. # قال البواب: أين هو يا مستر هوكر؟ # فقال: هل أنت أيضا تحسبني المستر هوكر؟! ألم نخلص بعد من هذه الشبهات؟! # فضحك البواب، وقال: أتظن أن تغيير ثوبك وخشونة صوتك يخفيان حقيقتك عني؟! لا أنساك في ~~عشر دقائق إن كنت قد ms51 نسيتك في الماضي. ~~- تعني أن هوكر كان هنا منذ عشر دقائق؟ ~~- تعني أنك تتجاهل أنك كنت هنا منذ عشر دقائق؟ ~~- إنك لبليد على ما أرى، قل لمس كروس ما قلته لك؛ إذ لا جلد لي على مجادلتك. # فامتعض الخادم، وقال: ماذا أقول لها؟ ~~- قل لها إن المستر شفلر يريد مقابلتك. ~~- أين هو شفلر؟ ~~- أنا هو. ~~- أنت هو؟ ~~- قلت لك لا تبطئ. اذهب أخبرها أني أود مقابلتها لأمر يهمها، أو خذ ادفع لها هذه ~~البطاقة. # فصعد الخادم ودفع لها بطاقة جان شفلر، فتأملتها مستغربة، وقالت: المستر شفلر هو الذي ~~يطلب مقابلتي؟! ~~- كذا يقول يا سيدتي ~~- استدعه إلى هنا. # وفي هنيهة كان شفلر جالسا لدى مس إيفا كروس، وهي تتأمله مستغربة صنيعة الخالق في خلق ~~اثنين متشابهين، وكانت تود أن يكون هوكر موجودا لكي تقابلهما، وتتحقق الفروق الدقيقة ~~بينهما، وحاولت أن تجد موضع النقطة السوداء التي في عنق هوكر، حاولت أن تجد موضعها في ~~عنق شفلر لترى بدلها البياض الغادي، ولكن شفلر كان مطوقا بطوق (ياقة) عريض فلم تنظر ~~الموضع المقصود. # ولما استوى شفلر في مكانه جيدا قال: بلغني يا مس كروس أن المستر هوكر زارك ~~الليلة. # فخفق فؤاد إيفا، وقالت: هوكر؟! ~~- نعم، هوكر زارك الليلة. ~~- كيف تعرف إن كان هوكر أو غيره زارني؟! ~~- عندي جواسيس. ~~- بأي حق تقيم جواسيس علي أو على منزلي؟! ~~- لست عليك أقيم جواسيس يا مس كروس ولكن على هوكر، وقد علم جواسيسي أنه جاء إليك ~~منذ قليل. ~~- وهب الأمر كما تقول؛ فماذا شأنك؟! ~~- أود أن تخبريني أين هو أو بالأحرى كل ما تعرفينه عنه. ~~- أنا حرة أن أقول أو لا أقول. ~~- إذن تقرين أنك تعرفين شيئا عن هوكر. ~~- وأنا حرة أن أقول إني أقررت أو لم أقر، أو أقول إني أعرف أو أجهل. ~~- نعم يا سيدتي! أنت حرة أن تقولي أو تكتمي، وأنا حر أن أبلغ إدارة البوليس ما ~~أريد، وحر أن أقيم الجواسيس عليك وعلى منزلك، وأعلم بكل حركة تأتينها حتى أهتدي على ~~هوكر، وأعلم سر ms52 علاقتك به. # فخفق قلب إيفا هلعا، ولكنها تشددت، وقالت: أنت تهينني يا مستر شفلر. ~~- أنت تجرين الإهانة إليك يا مس كروس، أنت تعلمين كما يعلم الناس أن هوكر اختلس ~~منك ومن أفلن ومن بكاروف، فكتمانك ما تعرفينه عنه يلقي الشبهة عليك، ويحمل على الظن ~~أن لك علاقة سرية معه. ~~- الرجل لم يختلس منك ريالا؛ فلماذا تهتم بالبحث عنه؟! دعه؛ فلا بد أن يكون ~~مسكينا. ~~- ولكنه مختلس اسمي وشكلي، ويفعل بهما ما يشاء من الموبقات، والمصيبة تقع ~~علي. ~~- وما أدرانا أنك أنت لا تختلس اسمه وشكله ولا تفعل بهما الموبقات والمصيبة تقع ~~عليه؟! ~~- هل تتهمينني هذه التهمة يا مس كروس؟! ~~- كل شيء ممكن في الوجود، وإذا كنت لا تستحي أن تتهمني أني ممالئة لهوكر، فلا أستحي ~~أن أتهمك أنك تفعل الشرور باسمه. ~~- إذا كان بريئا؛ فلماذا يختفي؟ لماذا لا يظهر ليثبت براءته؟! ~~- لأنك برأت نفسك في حين كان متغيبا، وألقيتم التهمة عليه وجعلتم تطاردونه. ~~- إذن تعتقدين حضرتك أن هوكر بريء من التهم التي ثبتت عليه؛ ولهذا تساعدينه على ~~التخفي! ~~- لم أقل كذلك. ~~- يكفي أن أبلغ إدارة البوليس أنك تعرفين مقره، ويكفي أن أقيم جواسيس على كل من يتصل ~~بك فنهتدي إليه. # فسكتت إيفا هنيهة، ثم قالت بصوت خافت: مستر شفلر. ~~- نعم، مس كروس. ~~- أرجو منك أن تعدل عن مطاردة ذلك الإنسان. ~~- لا أقدر يا سيدتي؛ فإن اسمي أصبح مضغة في الأفواه بسببه، وكل يوم أقع تحت تهمة، ~~وصار شغلي الشاغل أن أبرهن للبوليس وللناس أني لم أفعل الفعلة التي فعلها جاك هوكر ~~باسمي. ~~- جاك هوكر لن يفعل شيئا بعد الآن، كما أنه لم يفعل أمرا إدا في الماضي، وما كان ~~فكله سوء تفاهم. ~~- وأين ذهبت ألوف الجنيهات التي اختلسها؟ ~~- لم يختلس شيئا؛ فقد عاد أو سيعود كل ريال لصاحبه. ~~- والعشرة آلاف التي بيني وبين بكاروف؟ ~~- سترد له بعد الغد؛ إذ كنتم تتعهدون أنكم تكفون من مطاردة هوكر، وإن كان هوكر لم ~~ير بكاروف ولا أخذ منه تحويلا ولا ريالا. ~~- لا أفهم ms53 ماذا تعنين يا مس كروس؟ ~~- لا تهتم بماذا أعني يا مستر شفلر، أرجو أن تكفوا عن الرجل؛ فإنه بريء وسليم النية ~~وطيب القلب ومظلوم، والذي ضاع عليه ريال يأخذه، غدا يصل لبكاروف ماله. ~~- أما أنا فلا أتنازل عن حقوقي يا سيدتي. ~~- ما هي حقوقك؟ ~~- هوكر أضر بي جدا، وكثيرون خافوا أن يعاملوني؛ لأنهم ظنوا أني هوكر أنصب عليهم، ~~وأمس واليوم خسرت بسبب ذلك صفقتين لا يقل ربحي منهما عن 6 آلاف ريال، فأنا أدفع الآن ~~ألف ريال وألفين وثلاثة؛ لكي أجد هوكر ولا بد من إيجاد هوكر. # فجعلت إيفا تفكر وشفلر وقف من شدة الحدة، وجعل يتمشى، ثم قال: لا مناص يا مس كروس من ~~إقرارك عن مقر هوكر، لا بد أن أبلغ البوليس في الحال. # وهم أن يخرج؛ فأسرعت وأمسكته قائلة: تقول أنك خسرت بسبب هوكر 6 آلاف ريال، فأنا ~~أعوضها عليك. ~~- ولكن من يضمن لي في المستقبل أن هوكر لا يرتكب الجرائم باسمي؟! ~~- أنا أضمن لك ذلك. # فسكت شفلر مفكرا، ثم قال: يا سيدتي تضعين نفسك تحت مسئولية عظمى، فدعينا نسلم الرجل ~~إلى البوليس. ~~- بربك لا، سترى هوكر رجلا صالحا، تعال خذ 6 آلاف ريال، وتعهد لي أنك لا تطارده ~~بعد. # وتقدمت إيفا إلى مكتبها لتكتب تحويلا باسم جان شفلر بقيمة 6 آلاف ريال، وعند ذلك دخل ~~البواب يقول: المستر أفلن يريد مقابلتك يا سيدتي. # فقالت: ماذا يريد الآن؟ لا بأس دعه يدخل. # فقال شفلر: أمهل يا هذا ريثما أخرج من هنا؛ لأني لا أريد أن أرى هذا الإنسان. # فقالت إيفا: لماذا؟! ~~- أنسيت كيف كان يهينني أول أمس في أثناء التحقيق؟! # فقال للبواب: أدخل المستر شفلر إلى القاعة التالية ريثما يدخل المستر أفلن إلى هنا ~~لكيلا يتصادفا. # وفي الحال أنهت كتابة التحويل، ودفعته إلى شفلر، فخرج وتبع البواب إلى القاعة ~~المجاورة، ففتحها له، وقال: لك أن تقيم هنا ما شئت يا مستر هوكر أو يا مستر شفلر إذا لم ~~تتنازل عن هذا الاسم. # فانتبه شفلر إلى خبث البواب، ms54 وقال: تعال يا هذا؛ فأدفع لك ما تريد. # وكان البواب قد خرج وابتعد وأجابه عن بعد: سبق السيف العذل يا هذا، وما فات ~~مات. # فأطل شفلر من الشباك فوجد شرذمة من الشرطة محيطين بالمنزل؛ فحار في أمره. # أما أفلن ففي الحال دخل على مس كروس وقال لها: المستر هوكر عندك فأين هو؟ # فبغتت إيفا، وقالت: كلا، ليس هنا. ~~- دخل إلى هنا منذ ربع أو ثلث ساعة وكان هنا قبلا مرة أخرى. # فقالت: كان المستر شفلر هنا، وأما هوكر فلم يأت قط. ~~- لا فرق بين شفلر أو هوكر، فأين شفلر؟ ~~- خرج قبل أن دخلت، فما الخبر ؟ ~~- لا تزالين تنخدعين يا مس كروس، متى كنت مع هوكر يجب أن تعدي أصابعك؛ لئلا يختلس ~~منك إصبعا وأنت لا تدرين. # عند ذلك التفتت إيفا إلى أصابعها، فوجدت أن أكبر خواتمها مفقودا، فظنت أنه سقط من ~~إصبعها، فنظرت إلى الأرض أمامها لعلها تجده، ثم خطر لها أنه لما كان هوكر يقبل راحتها ~~كان ضاغطا على كفها وبالجهد خلصتها من بين كفيه، ورآها أفلن تبحث في أصابعها وفي ~~الأرض؛ فقال: لا تزال أصابعك عشرة! لا تخافي، متى خرج هوكر؟ # قالت: ويلاه! خاتمي خاتمي، أين خاتمي الجميل؟ ~~- أظن أن هوكر سرقه من إصبعك وهو يصافحك؛ فعضت إيفا على شفتيها، وقالت: لعله بين ~~حلاي، أما هوكر فلا أدري أين هو، وأما شفلر فخرج قبيل أن دخلت، أفما التقيت به في ~~السلم؟! # فعاد أفلن كلمح البرق ونزل فوجد غريمه بين أيدي الشرطة وهو يقول لهم: أنا شفلر ألا ~~تصدقون؟! غدا تندمون على هذا الاعتداء، لا بد أن يوقع الله هوكر في يدي، فأصب نقماتي ~~عليه لأجل ما أقاسيه بسببه. # فقال أفلن: كفاك كذبا ونفاقا، لا يهمني إن كنت هوكر أو شفلر فأنت مختلس دبوسي، وما ~~خطا به الشرطة بعض خطوات حتى رآهم زيمر وشفلر بينهم، فمشى نحوهم لكي يلتقي بهم وهو يغني ~~لنفسه أغنية «أحبك ولو كنت تجهلني.» ولما وصلوا به إلى المخفر؛ قال أفلن لمدير البوليس: ~~ها هوكر ms55 فاحتفظ به، وإن كنت تعتقد أنه يوجد شفلر فابحث عنه واجمعه بهذا لنرى شخصين ~~باسمين. # فقال المقبوض عليه: أنا شفلر فأطلقوني وابحثوا عن هوكر فهو غريمكم. # فقال أفلن: أنت غريمنا إلى أن يوجد شخص باسم هوكر. # فقال مدير البوليس: غدا نرى إن كان يوجد شفلر آخر أو هوكر آخر، فإني أكاد أضيع لبي ~~بين هذين الاسمين. # أما زيمر فمضى من هناك رأسا إلى «تشيناتون»، ودخل إلى مجمع العصابة السري، وهم ~~يتوقعون بفارغ الصبر وأخبرهم بمجمل ما كان، ثم قال: بما أن نائب الرئيس يقوم مقام ~~الرئيس في غيابه، فأنا أترأس الجلسة الآن، وآمر أخانا المستر «بهل» أن يبرح الآن إلى ~~وشنطون يمثل فيها دور شفلر، ولا سيما لأن هناك شخصا يعرفه بهذا الاسم، وبالطبع ينزل في ~~فندق آستور ويعود حين نخبره تلفونيا، ولي الأمل أن يمثل دور شفلر جيدا، وأما ~~هرتمان ونوبلي فيبقيان في المكتب - كالعادة - ولا يعرفان شفلر في السجن بل يعلمان أنه ~~في وشنطون، والباقي علي. # وبعد ذلك جرى تفصيل البحث بينهم في هذه المواضيع مما لا موجب لبيانه هنا، وسيعرفه ~~القارئ فيما بعد. # وفي صباح اليوم التالي الساعة 8 جاء مدير البوليس بنفسه إلى مكتب شفلر، فأظهر هارتمان ~~ونوبلي استغرابهما إذ دخل عليهما وسألهما: أين المستر شفلر، ألم يأت بعد؟ # فقال هارتمان: ذهب أمس إلى وشنطون. ~~- متى يعود؟ ~~- قد يعود غدا أو بعد غد، الله أعلم. ~~- أتعرف أين ينزل هناك؟ ~~- أعهد أنه ينزل دائما في فندق آستور. ~~- من من معارفه هناك؟ ~~- المستر هارفي سكريتير بنك سكندناشنال. ~~- أرجو أن تتبعاني. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى حيث أذهب؛ فلا تبطئا. # فأقفلا المكتب وتبعاه إلى أن وصلوا إلى المخفر، فاستقبل المدير سكريتيره وقال له هذا: ~~لقد ثبت أنه هوكر بعينه؛ لأن صوته ناعم والنقطة السوداء في أيمن عنقه. # فهمس هارتمان في أذن نوبلي: هذه غلطة زيمر؛ فقد نسي أن يعطيه زجاجة يودور ~~البوتاس. # فقال نوبلي: بل هي غلطة شفلر نفسه؛ فإنه اكتفى بالطوق العريض غير حاسب حسابا ~~للتقادير. # ثم استدعاهما المدير إلى ms56 رواق فيه بضعة أشخاص، وجاء بالمقبوض عليه إلى غرفة مظلمة ~~يطل شباكها على ذلك الرواق، فكان المقبوض عليه يرى من في الرواق وهم لا يرونه، وقال له ~~المدير: إن كنت شفلر - كما تزعم - فلا بد أن تعرف المستخدمين عندك، فهل ترى أحدا منهما ~~بين القاعدين هناك في الرواق؟ # فقال: ليس أحد منهم هنا. # قال: هل رأيت الكل فلم تجد أحدا من مستخدميك بينهم؟ فأجال نظره، وقال: لا. # عند ذلك عزلهما المدير إلى مكان آخر وحدهما، وسأله: هل تعرف هذين الشخصين؟ ~~- لا. # ثم صرفهما المدير فعادا إلى مكتبهما، وأما هو فأرسل إلى وشنطون التلغرافات التالية: # الأول: وشنطون # مدير البوليس # المرجو منكم أن تبحثوا في فندق آستور إن كان يوجد شخص باسم جان شفلر، ربع ~~القامة، حليق الوجه جميله، أسود الشعر وأسمر العينين، واسألوا سكريتير ~~بنك سكندناشنال إذا كان يعرفه، وليتتبع خفيتكم خطواته سرا إلى أن يبرح ~~وشنطون، وحينئذ تخبروننا إلى أين برحها؟ جاوبونا على تلغرافنا هذا في أول فرصة ~~بعد وصوله. # بتنهام مدير بوليس نيويورك # الثاني: وشنطون # فندق آستور # جان شفلر # أرجو عودتكم من وشنطون اليوم إن أمكن أو غدا من كل بد لأجل شغل ضروري يهمكم. ~~جاوب. # جوزف بلاك المحامي # وأخبر مدير البوليس المحامي بلاك عن هذا التلغراف، وطلب إليه أن يدفع له الجواب إذا ~~ورد جوابه. # ونحو الظهر ورد على مدير البوليس التلغراف التالي: # نيويورك # مدير البوليس # يوجد رجل حسب وصفكم، في فندق آستور باسم جان شفلر، سمسار في نيويورك في مكتبه ~~في 160 برودواي، وهو هنا في شغل سمسرة على ما يقول، وقد سألنا عنه سكريتير بنك ~~سكندناشنال؛ فقال إنه يعرفه وإنه قابله اليوم، ويظن أنه يبرح غدا. # رافل مدير بوليس وشنطون # وورد على المحامي بلاك التلغراف التالي: # نيويورك # جوزف بلاك # أجتهد أن أبرح إلى نيويورك غدا صباحا. # جان شفلر # وفي الحال، أرسل هذا التلغراف إلى مدير البوليس، فقال هذا في نفسه: غدا نستقبله ~~ونجمعه بالسجين ونرى أيهما هوكر وأيهما شفلر. # وعند المساء، ورد تلغراف إلى مدير بوليس ms57 نيويورك من مدير بوليس وشنطون يخبره فيه أن ~~المسمى جان شفلر برح الساعة الخامسة إلى فيلادلفيا على نية أن يبرحها غدا صباحا إلى ~~نيويورك. # وكان كلما أخبر مدير البوليس المستر أفلن شيئا من أخبار جان شفلر في وشنطون يقول: إن ~~كان يوجد جان شفلر حقيقي؛ أي إذا كان يوجد شخص آخر غير هوكر باسم جان شفلر فلا بد أن ~~يظهر في مكتبه سواء عاد من وشنطون أو من فيلادلفيا أو من السماء أو من جهنم. وحينذاك ~~نرى المتشابهين ونحكم على الجاني من الشخصين، وما دام جان شفلر بعيدا عن مكتبه وعن ~~قومه؛ فنحسب جان شفلر وجاك هوكر شخصا واحدا سجينا في سجن مركز البوليس. # الفصل الثالث عشر # | مؤامرة في السجن # في الساعة الحادية عشرة مساء، جاء إلى مركز البوليس رجل في ثوب قديم وسخ كل ~~قطعة منه بلون وشكل، وعلى رأسه قبعة عريضة الحاشية جدا ولقدميتها صارت الحاشية مدلاة ~~قليلا، وطلب إلى مأمور سجن البوليس أن يفتح له إحدى غرف السجن لكي ينام؛ إذ ليس معه ~~أجرة فندق لينام، وهذه عادة مألوفة في أميركا، فإن بعض العمال الذين تشتد بهم الفاقة ~~حتى لم يعد معهم أجرة نوم ليلة يلجئون إلى مراكز البوليس وينامون في سجونها، فلما وافى ~~هذا الرجل وطلب هذا الطلب سأله مأمور السجن: ماذا تشتغل أو بالأحرى ما هي ~~صناعتك؟ ~~- لا صناعة خاصة لي، ولكني اشتغلت بالأكثر في دهن الجدران والأخشاب. ~~- ألا شغل لك الآن؟! ~~- مر علي إلى الآن شهران من غير شغل؛ فأنفقت كل ما جمعته. ~~- أنفقته في الحانات يا تعس! ~~- لا وايم الحق، ولكن قلة الأشغال في هذه الأيام تذل الرجال، على أن المستر برون ~~سكريتير جمعية الشبان المسحيين وعدني بشغل في الجمعية غدا، ولهذا يجب أن أعود باكرا ~~جدا؛ لأني أضطر أن أمشي إلى هناك؛ إذ ليس معي إلا ما أدفعه ثمن فطوري، فأرجو أن ~~تتكرم علي بغرفة أنام فيها الليلة. # ففتح المأمور دار السجن ودخل الرجل وراءه، ثم فتح له غرفة فيها سرير وكرسي ms58 ومائدة ~~ومصباح، ثم دله على المرحاض وعاد، فأقفل باب الدار وأوى إلى غرفته. # أما الرجل فبعد أن قعد في غرفته برهة، وهو يقرأ في إحدى الجرائد، خرج إلى المرحاض وهو ~~يغني بصوت خافت، ثم عاد وهو يغني، وما دخل إلى غرفته حتى وجدها مظلمة، وسمع ~~فيها رجلا آخر يقول له: أخاف أن غناءك يوقظ القوم. ~~- هل شعر بك أحد إذ أتيت من غرفتك إلى غرفتي؟ ~~- كلا، فإن غرفتي الثالثة بعد غرفتك وليس بيننا دخيل، ولكن يوجد سجين واحد فقط أظنه ~~نائما. ~~- حسن جدا، هات ثوبك وحذاءك وقبعتك وقميصك إلى هنا وخذ ثوبي وقبعتي وحذائي في ~~الحال، ثم عد فأخبرك. # وفي الحال نزع ضيف السجن ثوبه؛ فأخذه ذاك إلى غرفته بكل خفة من غير أن يشعر أحد، ~~وعاد بثوبه إلى غرفة الضيف، ثم أقفلا الغرفة - وهي لا تزال مظلمة - وجلسا معا على ~~السرير؛ فقال السجين: ثم ماذا؟ ~~- يجب أن تستيقظ الساعة الخامسة صباحا، وتنقر على باب الدار حتى يصحو السجان، ~~فتقول له: «بربك افتح لي لكي أذهب؛ لئلا يستبطئني المستر برون.» فإذا قال لك: «لم يزل ~~الوقت فجرا.» قل له: «إني مضطر أن أمشي إلى شارع 93، فإذا لم أبكر فلا أصل في الموعد ~~المعين.» ويجب أن تعرف أن صناعتك دهن الجدران والخشب، والمستر برون سكريتير جمعية ~~الشبان المسيحيين ينتظرك صباح اليوم الساعة السابعة لتشتغل عنده، وليس معك إلا خمسة ~~سنوت فقط؛ ثمن فطور بسيط. ~~- بارك الله بهمتك يا زيمر ثم ماذا؟ ~~- متى خرجت من هنا تصعد إلى محطة القطار العلوي الغربية (القطار الذي يسير على صقالات ~~فوق الشوارع)، فتجد هناك «نوبلي» فتدخلان إلى المرحاض الواحد بعد الآخر وتتبادلان ~~ثوبيكما، ويعطيك نقودا وهو يعرف إلى أين يذهب، وأنت تذهب إلى محطة سكة بنسلفانيا، ~~وتسافر في أول قطار إلى ترنتون، وهناك يلتقي بك بهل عائدا من فيلادلفيا ويخبرك ماذا ~~تفعل، فقم. ~~- هل أنت ناعس يا زيمر الآن؟ ~~- كلا، ولكني أخاف أن السجان يداهمنا هنا. ~~- لا تخف؛ السجان أتى مرة فلا يأتي بعد؛ لأجل ms59 سجينين برهن سلوكهما أنهما هادئان ~~إلا إذا كان يوجس منك. ~~- مني لا يوجس قط؛ لأني أتقنت تمثيل دوري كما تعهد. ~~- إذن لا تخف فلا يأتي بعد؛ فقل إذن ما هي وظيفة أخينا بهل؟ ~~- بهل ذهب منذ أمس ليلا أي على أثر القبض عليك إلى وشنطون، وهناك مثل دور جان ~~شفلر. ~~- حسن جدا؛ فإن هناك بعضا يعرفونه بهذا الاسم. ~~- ولهذا ما زلت أنت هوكر في نظرهم هنا، وإن ادعيت أنك شفلر لأن ... # فقاطعه قائلا: لأن النقطة السوداء لا تزال في عنقي، وما حسبنا نحن حساب القبض علي ~~لكي نزيلها، فاكتفينا بتغطيتها بالطوق العريض، ولكن لا بأس فقد فهمت قصدك من أغنيتك ~~«أحبك ولو كنت تجهلني.» فأبقيتهم يعتقدون أني هوكر ويؤكدون ذلك؛ لأن مدير البوليس أراني ~~هارتمان ونوبلي فتجاهلتهما، وبذلك أعتقد أني هوكر بعينه وإن كنت أنا ما زلت أدعي أني ~~شفلر. ~~- صدق ظني بأن تكون فطنا وتلقي تبعة كل الجرائم على هوكر وحده لكي يبقى شفلر بريئا، ~~ونحن نتكفل. ~~- أؤكد أنكم تتكفلون بتخليص هوكر، بقي أنك قلت لي أن بهل عائد من فيلادلفيا، ثم ~~قلت لي إنه ذهب إلى وشنطون، فكيف ذلك؟ ~~- ذهب إلى وشنطون أمس، وفي هذا المساء خاطبناه تلفونيا أن يأتي إلى فيلادلفيا، ~~وينام في فندق ريمون، ومنذ الساعة الخامسة ينتظر تلفونا منك تخبره فيه أنك ذاهب في ~~القطار التالي إلى ترنتون فيلاقيك إليها، ثم تعود في نفس القطار بناء على تلغراف من ~~جان شفلر من فيلادلفيا إلى شريكه جوزف بلاك المحامي يخبره فيه أنه قادم في قطار الساعة ~~التاسعة. ~~- برافو زيمر، الحق إنك لتستحق أن تكون نائب الرئيس، بقي أن أعلم كيف تخلص ~~أنت؟ # هذه مسألة بسيطة لا تهتم بها، فقم نم الآن، وها زجاجة فيها محلول يودور البوتاس ~~لإزالة النقطة قبل الخروج من هنا. # فتناولها شفلر أو هوكر وفتحها في الحال لكي يزيل النقطة فشم رائحة قوية منها؛ فقال: ~~ويحك يا زيمر! هذا كلوروفورم (بنج). ~~- بالله هاتها، هذه زجاجتي، وخذ هذه زجاجتك وقم في الحال. # عند ذاك ms60 عاد هوكر إلى غرفته وأزال النقطة؛ فأصبح في لحظة شفلر، ثم نام. # الفصل الرابع عشر # | سجن ولا سجين # لم ينم شفلر أكثر من 3 ساعات، فلما سمع ساعة السجن تقرع الخامسة نهض ولبس ثوب زيمر، ~~فأصبح ذلك العامل الذي نزل ضيف ليلة في السجن، فخرج وأقفل غرفته، وتقدم إلى باب الدار، ~~ونقر عدة نقرات، فنهض السجان من سريره، وفتح باب غرفته، وهو محاذ لباب الدار، وقال: ~~ماذا تريد يا ثقيل؟ فإني كنت أحلم بالسعادة فقطعت علي حلمي. ~~- وأنا كنت أحلم بالجوع فنهضت مرتعبا، وتذكرت في الحال أن المستر برون ~~ينتظرني. ~~- أي برون هذا يصحو الآن؟! فعد إلى غرفتك يا ثقيل. ~~- بربك أطلقني الآن؛ فإني مضطر أن أمشي على قصب رجلي حتى شارع 93، رحماك يا سيدي ~~إذا لم أشتغل اليوم أموت جوعا. # وكاد صوته يملأ الدار، فعاد السجان بالمفتاح، وفتح له حتى إذا خرج ركله برجله قائلا: ~~لا تعد إلى هنا بعد اليوم؛ فإني لا أقبل ضيوفا يزعجونني في نومي الهنيء. # فخرج وهو يتعثر ببعض الشرطة الذين غلب عليهم النعاس وهو يقول: ماذا أشتري بخمس سنوت ~~لأملأ جوفي يا رباه؟! # فكان يركله الواحد بعد الآخر حتى صار في الشارع. # فلما كانت الساعة الثامنة، فتح السجان باب دار السجن، فوجد السجين الآخر يتمشى؛ ~~فسأله: هل صحا هوكر؟ ~~- يظهر أنه لم يصح بعد. ~~- حان موعد الفطور؛ فإلى متى النوم؟! # ثم تقدم إلى غرفته ونقر فلم يسمع صوتا؛ فحرك مصراع الباب فانفتح فدخل، ودهش إذ لم ~~يجد أحدا ففتح بعض الغرف حتى وصل إلى الغرفة التي يعهد أن الضيف كان فيها، فلما ~~فتحها وجد فيها رجلا نائما خافت النفس، ثم تقدم إليه فوجد على أنفه منديلا. وفي ~~الحال، شم رائحة الكلورفورم، والتفت فرأى زجاجة كلورفورم على الطاولة، ولكنها مقفلة، ~~ولم يبق فيها إلا النزر اليسير، فأسرع واستدعى مدير البوليس فحضر، وفي الحال حملوا ~~الرجل إلى غرفة أخرى نقية الهواء، فعاد نفسه إليه، فأجلسوه وجعل يلتفت حوله وهو يقول: ~~أين أنا؟ ماذا جرى بي؟ كنت ms61 أحلم أحلاما سعيدة؛ فلماذا قطعتموها علي؟ حلمت أن أمامي ~~غرفة من العيش، وقصعة من الأوت ميل، وعجلا كله ستيك، وديكا روميا مقليا. # فالتفت المدير بالسجان، وقال: من هذا؟ # فأجاب السجان مذعورا: مولاي هذا ... هذا هوكر، هذا ... ~~- أراك جننت ما هذا هوكر، من هذا؟ # فأجاب وهو ينتفض من الخوف: هذا ضيف يا سيدي ولكن ... ~~- ولكن ماذا؟ ~~- الضيف خرج، وبقي هوكر. ~~- يا لله! خرج هوكر؟! ~~- أظن كذا يا سيدي خرج بدل هذا. ~~- قبحك الله! ألا تميز بين هوكر وغيره، ثم التفت المدير إلى الرجل، وقال: من ~~أنت؟ ~~- أنا عامل فقير لا أملك شروى نقير، ولم يبق معي أجرة سرير، فأويت إلى هنا في الليلة ~~الماضية، والآن صحوت بين أيديكم لا أدري ما الخبر، كم الساعة الآن؟ ويلاه! المستر برون ~~يستبطئني الآن لا يقبلني بعد فماذا أفعل؟ كيف أحصل قوت اليوم يا ناس ارحموني؟! # وكاد الرجل يعول؛ فجره المدير إلى غرفته التي نام فيها وأجلسه على الكرسي، وجعل ~~يتأمل في الغرفة، فرأى ثوب هوكر معلقا، فقال له: أين ثوبك؟ # فالتفت الرجل إلى الثوب المعلق، وقال: لا أدري أين هو؟ ليس ذاك ثوبي، لعل القسيس ~~أبدله شفقة علي إذ رأى ثوبي رثا. # فقال المدير: أي قسيس هذا؟ ~~- كيف تسأل؟! قسيس السجن زارني أمس، ووعظني وكلمني كلاما حلوا ولطيفا، ووعد أن ~~يساعدني وبقينا ساهرين معا نحو ساعة وهو يسألني عن كل دقيقة من حياتي. # فقال السجان: وهل أخبرته أنك ستشتغل اليوم عند المستر برون؟ ~~- بالطبع؛ لأن المستر برون صاحبه على ما فهمت؛ فقال المدير: والله إنها لفعلة هوكر ~~اللعين لقد خدعنا بحيلة غريبة، ولكن ألم تفتشه قبل أن أدخلته إلى السجن؟ # فقال السجان: فتشته جيدا فلم أر معه زجاجة كلورفورم. ~~- مثل هوكر لا يعجز عن أن يخبئها في مكان لا يهتدى إليه. # ولكن أنت أحمق يا هذا، أما أنعمت النظر في من خرج من عندك لتعلم إن كان الخارج ضيفا ~~أو سجينا؟! ~~- كانت الساعة الخامسة والوقت ظلام، وأنا لم أزل ناعسا فلم يخطر لي أن ms62 هوكر يخرج ~~بهذه الحيلة. # ثم أذن المدير لذلك الضيف أن يلبس ثوب هوكر ويخرج إلى مسترزقه، وجلس إلى مكتبه ~~مكتئبا جدا لفرار هوكر، وما هي إلا هنيهة حتى دخل على المدير المستر جوزف بلاك ~~المحامي باسما، وقال له: ورد إلي هذا التلغراف من جان شفلر يقول إنه يصل إلى هنا ~~الساعة التاسعة، فرأيي أن نستقبله في المحطة، ونأتي به إلى هنا لكي يقابل شبيهه. ~~- فضحك المدير مكفهرا، وقال: يظهر أن هذين الشخصين لن يجتمعا معا. ~~- ماذا تقول؟ ~~- أقول أن هوكر قد فر. # وعند ذلك روى له ما كان في السجن؛ فاستغرب بلاك كل الاستغراب، ثم ذهبا معا إلى ~~المحطة قبل التاسعة، ولما وصل القطار كان شفلر أول الخارجين منه، فصافحهما باسما ~~متوددا، وقال بلاك: وصلني تلغرافك، وأنا على أهبة أن أعد صديقا أن أقبل دعوته للغداء ~~اليوم؛ فأريته تلغرافك واستأذنته أن يعفيني. ~~- هل تلغرافي معك؟ ~~- نعم، ها هو. # ومد شفلر يده إلى جيبه، واستخرج أوراقا منها وتناول من بينها التلغراف بعينه ودفعه ~~لبلاك. # أما مدير البوليس فعاد إلى مقره، وبث الشرطة والجواسيس في كل جهة من نيويورك وضواحيها ~~وشدد عليهم النكير في أن يجدوا هوكر. # وأما شفلر فذهب مع بلاك إلى مكتبه، وهناك سأله عن الغرض الذي لأجله أرسل تلغرافا ~~يستدعيه؛ فقال بلاك: جاءني بعض من معارفي وأقاربي يودون أن يشتروا قطعا من الأرض التي ~~لنا في «لون آيلند»، وإلى الآن لم نقطعها ونخططها ونعلن عنها؛ فوددت أن نهتم بذلك ~~سريعا. ~~- الحق معك، ولكني أتأسف أني منشغل جدا في هذه الأيام؛ فلا أقدر أن أقوم بذلك فإذا ~~كنت أنت أو بكاروف تستطيعان أن تتوليا هذه المهمة، فالذي يقوم بها منكما يحسب أتعابه ~~على الشركة. ~~- وبكاروف يقول كذلك أيضا. ~~- إذن تول الأمر أنت يا مستر بلاك، خذ غدا عملة وخطط لهم الأرض حسب خارتتنا ~~ودعهم يشتغلون. # على هذا الأمر افترق الاثنان. # الفصل الخامس عشر # | التقاء هوكر وشفلر في حلم # في مساء ذلك النهار وردت رسالة في البريد إلى مدير البوليس، هذا ms63 نصها: # مستر بنهام مدير البوليس # في نيويورك # أما بعد: فقد ضقت ذرعا من عيشة الفرار من مكان إلى مكان من وجه الشرطة ~~الجهريين والسريين، وعن نيويورك لا غنى لي؛ ولذلك شعرت أني واقع في أيديهم لا ~~محالة، ولهذا فضلت أن أسلم نفسي إليك تائبا حتى متى سمعت وجدتني رجلا طيبا، ~~وتقبل اقتراحي في أن تعينني شرطيا، فأفيد المدينة أكثر من أن أكون في سجنها ~~يوما ثم أهرب، فإذا مررت غدا أمام مركز البوليس ووجدت عند الباب راية بيضاء ~~علمت أنك وعدت بشرفك أن تعفو عني، وتعينني بوليسا سريا، سأمر من هناك بين ~~الساعة 8 و10. # جاك هوكر # الطريد # فلما قرأ مدير البوليس هذه الرسالة دهش وذهب توا إلى حاكم نيويورك، وعرضها عليه ~~وسأله رأيه، فقال: عده وعدا صادقا، ولا ترى أفضل من هوكر بوليسا سريا، ومن كان في ~~وظيفة كهذه، فلا بد أن يتوب عن أفعاله، فانصب الراية غدا. # وفي صباح اليوم التالي، ظهرت الجرائد ناشرة هذا الخبر وقرار الحاكم أيضا، فتقاطر ~~الألوف إلى أمام دار البوليس لكي يروا هوكر الذي حير البوليس وهرب من السجن، والمستر ~~جان شفلر نفسه سأل في التليفون مدير البوليس عن صحة الخبر فأثبته له، فقال شفلر له: سآتي ~~الآن إليك لكي أرى هوكر هذا؛ لأني رأيته الليلة الماضية في نومي مصافحا لي، ولهذا أتوق ~~أن أراه. # وكانت الساعة الثامنة ونصف حين وصل جان شفلر إلى مكتب مدير البوليس، فحياه تحية ~~الصديق للصديق، وسأله: أما جاء هوكر بعد؟ ~~- لم يجئ بعد، ننتظره الدقيقة بعد الدقيقة، ولكن مرت الساعة التاسعة كلها حتى وافت ~~العاشرة وهوكر لم يأت، فقال شفلر: لقد مللت الانتظار وعندي شغل، فلا أقدر أن أنتظر ~~بعد، فإن جاء في غيابي أرجو أن تكلمني تلفونيا فآتي حالا. # فوعده المدير بذلك، وذهب، ثم مرت الساعة بعد الساعة حتى بعد الظهر فلم يأت هوكر؛ ~~فيئس مدير البوليس والذين انتظروه معه من مجيئه، وقال بعضهم: إن هوكر يهزأ بالبوليس ~~والحكومة، وقال آخرون: لعله غير واثق من وعد ms64 الحاكم بالعفو، فقرر الحاكم أن ينشر العفو ~~عنه في الجرائد رسميا لعله يؤمن فيسلم. # ولما كانت الساعة السابعة مساء طلب مدير البوليس إلى التليفون؛ فتناول البوق ووضعه ~~على أذنه، وقال: من هذا؟ ~~- أنا دولن أحد الشرطة السريين. ~~- ماذا عندك؟ ~~- علمت من مصدر ثقة أن هوكر وشفلر سيجتمعان اجتماعا سريا هذه الليلة الساعة ~~الثامنة في مكتب شفلر، وسيكون المكتب مقفلا مظلما حسب عادتهما؛ لأنهما كان متواطئين ~~دائما، وكذا كانا يجتمعان. ~~- كيف عرفت ذلك؟ ~~- متى التقينا أخبرك، أنا في جرزي ستي الآن؛ فعجلوا بالاستعداد للقبض عليهما ~~معا. # عند ذلك، جمع مدير البوليس قوة من الشرطة الجهريين والسريين، وأوعز إليهم أن يذهبوا ~~واحدا بعد الآخر إلى 160 برودواي، وينبثوا في جهات مختلفة حول ذلك المكان من غير أن ~~يلاحظ أحد، وأن ينتبهوا للإشارة جيدا حتى متى سمعوها أسرعوا وأحاطوا بمنافذ ~~المكان. # وكان مدير البوليس قد أوعز إلى بواب البناية أن البوابة غير موصدة، وكان اثنان من ~~البوليس السري قد دخلا إلى البناية وصعدا إلى السطح، فلما صارت الساعة الثامنة دخل ~~المدير واثنان من الشرطة، وصعدوا إلى مكتب شفلر من غير أن يسمع لوقع أقدامهم صوت، ~~فوجدوا الباب مقفلا كسائر أبواب المكاتب في البناية، فنقر المدير عليه فلم يجب أحد ~~من الداخل قط، فحرك مصراع الباب فانفتح في الحال كأنه غير موصد، ولكن لم ير شيئا في ~~الظلمة؛ فنادى: «شفلر، هوكر»، فلم يجب أحد، فخاف أن يغدرا به إذا دخل. فأشعل أحد ~~الشرطيين عود ثقاب (كبريتا)، ودخل والمدير معه فلم يلمحوا أحدا في المكان، وقبل أن ~~ينطفئ العود ضغط زر النور الكهربائي فضاء المكتب فلم يجدوا أحدا، ولكن وجدوا على ~~الجدار ورقة وقد كتب فيها بالقلم العريض هكذا: «إذا كان شفلر وهوكر قد زاراك أمس من ~~الساعة الثامنة ونصف حتى الساعة العاشرة ولم تهتد إليهما؛ فهل تنتظر أن تهتدي إليهما ~~في هذه المرة؟! الوداع، الوداع يا دائرة البوليس، ويا أفلن، ويا بكاروف، ويا بلاك، ويا ~~مس كروس.» # فبهت مدير البوليس إذ قرأ هذه الكتابة، ms65 وبعد هنيهة قال: إذا لم أستطع القبض على ~~هذين الشقيين فيجب أن أستعفي. # وما انتهى من هذه العبارة حتى دخل بلاك، وقال: قل هذا الشقي ولا تثن؛ لأن هوكر ~~وشفلر واحد، إن شفلر هذا لنصاب عظيم، الأرض التي باعها للشركة التي عقدناها معه ليست ~~ملكه؛ بل ملك رجل آخر لأننا لما شرعنا اليوم بتخطيطها جاء مالكها الأصلي ومنعنا وأثبت ~~لنا أنها ملكه. # عند ذلك دخل دولن أحد الشرطة السريين؛ فقال له مدير البوليس: من قال لك أن شفلر ~~وهوكر سيجتمعان هنا الليلة؟ ~~- لم يقل لي أحد، ولا قلت لأحد كذلك، ولما أتيت إلى مركز البوليس، وسألت سؤالك هذا ~~وعلمت أن واحدا كلمك باسمي كذلك أسرعت لأرى ما الخبر، وخطر لي أن شفلر نفسه هو ~~الذي كلمك باسمي لأنه يعرفني، ويعرف أني بوليس سري. # وعند ذلك عاد الكل بصفقة المغبون، وفي اليوم التالي ظهرت جرائد نيويورك تهزأ بإدارة ~~البوليس التي لعب فيها شفلر ألاعيبه وهي لا تدري، والقراء دهشوا لغرائب هذا الإنسان ~~وصاروا يتوقعون منه أعمالا أغرب وأعجب. ms66