######OpenITI# #META# URI: 1373NiqulaHaddad.SadiqMajhul.Hindawi38381358 #META# Tags: novels #META# ID: 38381358 #META# Title: الصديق المجهول #META# AuthorID: 60483937 #META# Author: نقولا حداد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة الرواية‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الواحد والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل التاسع والعشرون‏ # الفصل الثلاثون‏ # الفصل الحادي والثلاثون‏ # الفصل الثاني والثلاثون‏ # الفصل الثالث والثلاثون‏ # الفصل الرابع والثلاثون‏ # الفصل الخامس والثلاثون‏ # الفصل السادس والثلاثون‏ # الخاتمة‏ # مقدمة الرواية‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الواحد والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل التاسع والعشرون‏ # الفصل الثلاثون‏ # الفصل الحادي والثلاثون‏ # الفصل الثاني والثلاثون‏ # الفصل الثالث والثلاثون‏ # الفصل الرابع والثلاثون‏ # الفصل الخامس والثلاثون‏ # الفصل السادس والثلاثون‏ # الخاتمة‏ # | الصديق المجهول # | الصديق المجهول # تأليف # نقولا حداد # | مقدمة الرواية # | المقاتل الثلاثة # ثلاثة مقاتل أيها أصيب عرض الجسم لخطر الموت: # المقتل الأول: # الرأس مقر المعرفة. # المقتل الثاني: # القلب مصدر الحياة. # والمقتل الثالث: # المجموع العصبي أداة الحركة. ~~«والشرق مصاب في هذه المقاتل بعلل ثلاث: الجهل في رءوسه، والضعف في قلوب شعبه، والتحاسد ~~في أعصاب أعماله.» # في هذه الرواية تشخيص للعلة العصبية. # فإذا قرأتها وجدت كيف أن الحسود يبذل نفسه وعرضه وماله، لكي يجذب المجتهد المفلح إلى ~~درك الانحطاط. # نقولا حداد # | الفصل الأول # - أراك مجافيا لي في هذه الأيام يا عزيزي حسن، وقد شغلت بالي باستمرار رزانتك ~~خلافا لعادتك، فخطر لي أن يكون قد وقع ms001 مني ما ساءك. ~~- لماذا تظن هذا يا عزيزي يوسف، أيمكن أن أستاء مهما وقع منك من الأمور؟ ~~- إذن لماذا هذا التقطيب؟ ألححت عليك أمس أن نمضي إلى غابة بولونيا فلم تصحبني، ~~والآن ألح عليك أن نمضي إلى الكوميدي فرانسز، فتأبى، أفلا تلوح لي ظنون ~~مختلفة؟ ~~- لماذا تفترض أن يكون سبب تقطيبي استياء منك ولا تفترض أن يكون سببه أمرا آخر ليس ~~له مساس بك؟ فلو ساءني منك أمر لما صبرت عن معاتبتك؛ لأن العتاب صابون ~~القلوب. ~~- إذن لست مسرورا. # فصرف حسن وجهه عن يوسف متملصا من الجواب، واستأنف هذا كلامه قائلا: أحس يا ~~عزيزي حسن أنك في استياء عميق، ولا يسعني - وأنا صديقك الحميم - أن أسر وأنت منقبض، ~~فأشركني في معرفة سبب استيائك، إن لم يكن سرا ليس في وسعك أن تبوح به لعل لي ~~رأيا صائبا في تلافيه. # فتنهد حسن قائلا: ليس عندي سر أكتمه عنك يا يوسف، ولكني كتمت هذا السر إلى ~~الآن خشية أن تضحك مني متى عرفته؛ لأنه قد يتراءى لك سخافة في أهم أمر من ~~أموري. # وكاد الدمع يطفر من عينيه فقال له يوسف: إنك غلطان في ظنك هذا؛ لأن الأمر الذي يهمك ~~إلى هذا الحد - مهما كان سخيفا - أعده مهما؛ لأنه يهمك فإن لم يكن ما يمنعك عن القول ~~فقل؛ فإن بثك ما في نفسك من الشجون يصرف أساك ويسري عنك. ~~- إذن اجلس إلى جانبي واسمع حديثي عساك أن تفرج كربي. # جرى هذا الحديث بين حسن بهجت ابن سليم صالح، ويوسف بك رأفت ابن عبد العليم باشا صدقي ~~في غرفة في أحد فنادق باريس؛ فالأول كان يدرس المحاماة، والثاني يدرس الطب في تلك ~~العاصمة الزاهرة، وكلاهما مقيم في ذلك النزل، ومتجاوران كصديقين حبيبين، وكان يوسف بك ~~يلاحظ أن صديقه حسن قد تغير خلقه منذ يومين، فكان يئول تغيره تآويل مختلفة، وقد ~~كاشفه أمره - كما تقدم الحديث - وعند ذلك جلس يوسف إلى جنب صديقه حسن واستمرا في ~~حديثهما. # قال حسن: إن سري لعميق جدا يا ms002 عزيزي يوسف لم أبح به لسواك، ولا ريب عندي أنك ~~تكتمه بل أؤمل أنك تعضدني في الحصول على أمنية عظمى قد وقفت كل قواي لها. ~~- قل يا حسن فلا داعي لهذه المقدمة، إني لك في كل أمر وأنت تعلم. ~~- إن غمي شديد يا يوسف وألم قلبي أشد فبربك سكن آلامي، ألا تذكر كلمة قالها خليل بك ~~مجدي أمس إذ كنا في الحانة؟ ~~- كلا، لم ألاحظ شيئا. ~~- بالطبع لم تلاحظ؛ إذ لا ناقة لك في موضوع حديثه ولا جمل. ~~- ماذا قال، فهل أساءك؟ ~~- ألا تذكر أن الحديث جرنا إلى الزواج؟ ~~- نعم أذكر ذلك جيدا. ~~- ألا تذكر أنه سمى فتاة عروسا له؟ # فافتكر يوسف بك هنيهة ثم قال: نعم أذكر أنه قال: إن نعيمة ابنة حسين باشا عدلي ستكون ~~زوجة له متى انتهى من دراسة الحقوق، فأي أمر في قوله هذا يسوءك؟ # لم يسؤني قوله إساءة فقط بل طعن قلبي طعنة نجلاء لا أعلم إن كنت أبرأ منها أو ~~تقضي علي؟ # فحملق يوسف بك فيه حملقة المستهجن، وقال: هل لك من مطمع بالفتاة؟ ~~- ليس لي بسواها مطمع. ~~- ماذا تقول يا حسن؟ ~~- أقول: إن نعيمة كل آمالي، فإذا لم أنل يدها كان وجودي في هذا العالم عبثا وحياتي ~~لغوا؛ فلأجلها أحيا وأدرس وأسعى إلى العلى. ~~- ولكن ألا تعلم نسبة نعيمة إليك؟ ~~- أعلم أنها كنسبة الثريا إلى الثرى، ولكنني سأجتهد أن أرقى في سلم العلى حتى ارتفع ~~من الثرى إلى الثريا. ~~- لا تؤاخذني يا عزيزي حسن إذا خامرني الظن بغرورك، لا أشك أنك قد تصير كفئا لمثل ~~نعيمة، ولو كنت أباها لما ترددت في أن أهبك يدها - إذا هي رضيت - ولكن أنت تعلم أن ~~أباها يعتد جدا بكرم محتده ورفعة أصله ومقامه الاجتماعي؛ فما هو ممن يجود بيد ~~ابنته لمن هو دونه أصلا ومقاما، وإن كان فوقه علما وهمة؛ لأنه من أهل الزمان ~~الغابر الذين يحافظون أشد المحافظة على الأصل، وهو لا ينسى أنك ابن رجل كان من بعض ~~حاشيته، لا تؤاخذني على هذا ms003 الإفصاح؛ لأننا نتكلم الآن بحرية ضمير. ~~- أعلم ذلك جيدا يا عزيزي يوسف، وما أنا مغرور، ولكنني أتذرع إلى استرضائه بأمرين؛ ~~الأول: أني أجتهد أن أصير في المستقبل القريب ذا شأن في الهيئة الاجتماعية يرضيه؛ إذ ~~أسعى إلى جمع ثروة وإلى مقام سام. والثاني: أن تفصح نعيمة بأنها لا تقبل سواي ~~بعلا، وحينئذ لا أظن أن حسن باشا يكون مستبدا إلى حد أن يزوج ابنته بالرغم منها ~~بزوج لا تريده ويحرمها زوجا صالحا لها، هي تبتغيه. ~~- كلا الأمرين ممكن، ولكنهما صعبان. ~~- لا أنكر أنهما صعبان؛ أما الثاني فهو في حكم المقرر إذا حصلت على الأول، ولذلك ~~سأبذل - إن شاء الله - الهمة القعساء في سبيل الصعود إلى مراتب العلى، ومتى حان الوقت ~~لهذا الصعود أخبرك بما أفعله لأجله، فإن في رأسي أفكارا عديدة بمشروعات مهمة متى ~~أخبرتك عنها عضدتني فيها، فلندع الحديث عنها الآن إلى حينه. ~~- إذن بينك وبين نعيمة علاقة حب الآن. ~~- نعم، ولكن ليس أحد سواك يعرف ذلك. # فسكت يوسف بك هنيهة سكتة المبهوت ثم قال: عجبا! كيف اتصلت إلى نعيمة وهي أعز من جبهة ~~الأسد، وأمنع من بيض الأنوق، أولا؛ لأن أباها مبالغ في حجبها، وثانيا لأنها تمتاز ~~جدا على أترابها بآدابها وحشمتها وبمبالغتها في الاحتجاب، فإنها ما بلغت سن الثامنة ~~حتى تنقبت وتحجبت، فإن كانت في المدرسة فهي كالسجينة، أو في البيت فتلازم خدرها، أو في ~~المنتزه البعيد عن الناس فهيهات أن يراها أحد. ~~- أما رأيتها قط. ~~- رأيتها مرة في العام الغابر، وأنا داخل إلى دار أبيها لزيارة، وكانت بلا نقاب ~~فدهشت لجمالها الفاتن وملامحها الجذابة، ولكنها هرعت في الحال مختبئة مني، وقد تيقنت ~~حينئذ أنها أسمى جمالا وكمالا مما يصفونها به فأتعجب كيف اتصلت إليها وصارت بينكما ~~هذه العلاقة الحبية. # فابتسم حسن وقال: إن لمعرفتي بها قصصا تكاد تكون غريبة لا أكتمك إياها، ولكني أتوسل ~~إليك أن تكتمها. ~~- سبحان الله يا حسن، أما عرفتني حق المعرفة، فما بالك تحذرني؟ أي سر من أسرارك ~~أفشيته؟ ~~- لا شك عندي ms004 أنك كتوم؛ ولذلك أقص عليك ما جرى بيننا؛ لأنه قصة تفكهك وتلذ لي على ~~حد قول الشاعر: # حديثه أو حديث عنه يطربني # هذا إذا غاب أو ذاك إذا ~~حضرا # | الفصل الثاني # عند ذلك استوى حسن في مكانه، وجعل يروي حكايته، قال: لا يخفى عليك أن المرحوم أبي - ~~على ما كان عليه من السذاجة والوضاعة - كان محبوبا كثيرا لدى حسين باشا عدلي أبي ~~نعيمة؛ لأن أبي كان غيورا جدا على مصالح الباشا، وكان يقضي له أحيانا بعض المهام ~~الخطيرة، وكان عدلي باشا يثق بأمانته كل الوثوق، ويعتقد بحسن تربيته وآدابه، وهو الآن ~~يعتقد بي أني ابن أبي في هذه الخصال. # وكانت أمي تتردد كثيرا إلى دار عدلي باشا، وكانت لها دالة كبرى على زوجته، فمنذ ~~حداثتي كنت أدخل معها أحيانا إلى دار الحريم وأرى نعيمة، وبقيت أراها وأجتمع بها ~~أحيانا حتى في أثناء عودتها إلى البيت في الفرصة المدرسية حين كان عمرها يناهز الثانية ~~عشرة، وأنا أكبرها بنحو السنتين، وكانت نار الغرام قد جعلت تلعب بقلبي حتى إني لم أعد ~~أطيق البعد عن نعيمة، وكانت أمها - إلى ذلك العهد - لا تحظر اجتماعنا؛ لظنها أننا في ~~سن لم يقدح فيها شرر الحب بعد، كأنها نسيت عهد صباها وما كان يتحرك في قلبها من كوامن ~~الهوى. # وما هي وحدها بغافلة عن هذه المظنة بل إن جميع الوالدين يظنون أن أحداثهم قبل الرابعة ~~عشرة لا يحسون بنبض أفئدتهم في الحب فيدعونهم يختلطون بناتا بصبيان. نعم إن الحب في ~~عهد الصبوة أقل خطرا، ولا سيما إذا كان الصبي والبنت قد ربيا على التقى ~~والفضيلة؛ لأنه يكون روحيا أكثر منه حيوانيا حينئذ، ولكنه لا يقل في حدته ~~عن الحب بعد سن البلوغ، فمنذ سن العاشرة. كنت أحس بولوعي بنعيمة وألاحظ أنها تحس ~~بشيء مما أحس به. # ولما كادت تتجاوز الثانية عشرة وكنت أبلغ الخامسة عشرة صارت تتحجب عني، وبالطبع كان ~~ذلك بإيعاز أمها؛ لأنها لم تعد تستصوب اجتماعنا. لم أدرك ذلك حينئذ، وأما الآن فصرت ~~أفهمه ms005 ، لم أعد أرى نعيمة إلا أحيانا نادرة، وكان اجتماعي بها هنيهات، ولا يخفى عليك ~~أن هذا التحجب زادني ولوعا بها حتى إني لم أكن أستطيع أن أحول فكري عنها متى لم ~~أكن لاهيا بكتابي أو بدراستي؛ ذلك لأني صرت أفهم معنى الحب وأدرك سر هذا الوداد، وكنت ~~أسائل نفسي هل تفتكر بي نعيمة كما أفتكر بها أم أنها سلتني؛ لأن ودها السابق لي ~~كان ساذجا صبويا، وصرت أفكر بالطرق الممكنة للاطلاع على ضميرها وقراءة صفحة قلبها ~~وجعلت أحاول التحرش بها بأي الطرق المستطاعة. # كانت - لذلك العهد - تدرس في إحدى المدارس الأجنبية الداخلية، فلا تأتي إلى البيت إلا ~~في الفرص المدرسية، وكنت أدرس في بعض تلك المدارس أيضا، وقد برعت خصوصا باللغة ~~الإفرنسية دون سائر رفاقي على ما هي عليه المدرسة من حطة الدرجة؛ لأني كنت مولعا ~~جدا بقراءة الروايات، ولا ريب أنها كانت تحسن فهم الإفرنسية؛ لأن مدرستها تتقن تعليم ~~هذه اللغة، وكانت تفهم العربية بقدر ما يسمح به سنها؛ لأن أباها أقام لها شيخا ~~أزهريا مسنا يدرسها القرآن الشريف وقواعد اللغة ونحو ذلك من علوم العربية، ففي ~~الفرصة المدرسية بعد تحجب نعيمة عني كنت أتردد كعادتي إلى دار حسين باشا وأحاول أن ~~أراها، لكي أكلمها ولو كلمة، فكان يعز علي ذلك؛ لأني لم أعد أقبل في دار الحريم، ~~ولكن كان يحدث أحيانا أن أراها وأمها خارجتين إلى النزهة فأحييهما وأكلمهما كلمات ~~قليلة، ولكني لا أجسر أن أرمي بكلامي إلى غرض لئلا أنبه ظنها إلى ما ينطوي عليه ~~ضميري. # واتفق مرة أن لقيتهما واقفتين في باب القصر الكبير لدى العربة وأمها تتفطن ~~لشيء فقدته ثم رجعت إلى القصر تبحث عنه، وأظن أن المفقود كان حلية؛ بدليل ~~اهتمامها، فبقيت واقفا لدى نعيمة، فقالت لي: أراك كأنك حزين يا حسن أفندي، ولم أكن ~~بالحقيقة حزينا، وإنما كنت كالوجل لوقوفي معها وحدنا، وكان الحوذي في مقدم المركبة ~~ينتظر، فألهمت إلى جواب سريع كان فاتحة اختباري فؤادها فقلت: كنت أقرأ رواية رافائيل ~~فتأثرت منها ms006 جدا، ولم تزل آثار هذا التأثير بادية على وجهي. ~~- إذن هذه الرواية مؤثرة جدا، فلا بد أن تكون بديعة. ~~- نعم وهي أبلغ ما كتبه لامرتين. ~~- أود أن أقرأها إذا لم تكن لغتها عويصة؛ لأني لست ضليعة بالإفرنسية كالواجب. ~~- بل هي سهلة جدا على ما هي فيه من البلاغة وسمو التصورات. ~~- هل تتكرم بإعارتها لي؟ ~~- تتشرف بين يديك يا سيدتي. ~~- أشكرك. ~~- كيف أرسلها إليك؟ # ففكرت هنيهة ثم قالت: مع أمك - إذا شئت. ~~- أليس من محظور؟ # فنظرت في نظرة المستغرب وقالت: أي محظور تعني؟ ~~- ألا ينكر عليك سعادة الباشا مطالعة الروايات؟ ~~- كلا، وهل في الروايات ما تنكر مطالعته؟ # فسكت عن هذا السؤال، وقلت لها: إذن تصلك غدا. # وعند ذلك حييت وانصرفت؛ خيفة أن تأتي أمها وتوجس مني، وكنت أسمع ضربات قلبي وأنا ~~واقف لدى نعيمة أكلمها، وأشعر باضطراب أعضائي كلها إذ أرفع نظري إلى عينيها النجلاوين، ~~وأرى ما ظهر من خديها الأسيلين فوق نقابها التركي، وأتوسم منها السماحة والرقة على ما ~~هي فيه من الرزانة والحشمة، ولم أقدر أن أستطلع سرا من أسرار ضميرها ولكني كنت ~~أحس أن كل تلك الدالة التي مارسناها لعهد صبانا قد انقلبت إلى كلفة واحتشام ومحاذرة، ~~وصار يخيل لي أن كل حركة من حركاتي وكل حالة من حالاتي؛ تفضح لواعج قلبي وربما تسوء ~~نعيمة، ولهذا كنت أبالغ في التحذر والاحتياط. # وفي اليوم التالي زودت أمي بالرواية، وقلت لها أن تدفعها للسيدة نعيمة محاذرا أن ~~تطلع على شيء من أسرار قلبي، وصرت بعد ذلك أتوقع أن ترد نعيمة الرواية وتطلب مني ~~سواها؛ ولهذا جعلت أبحث عن الروايات الجميلة المشهورة وأقتنيها وكانت نفسي المغرورة ~~تحدثني أحيانا بأن نعيمة قد تكتب على بعض حواشي الكتاب كلمات توري بها معاني ~~أفهمها. # صبرت بضعة أيام ونعيمة لم ترد الرواية، فحرت في ذلك، ولم أعد أجسر أن أحاول ~~رؤيتها لئلا تحس بقصدي فتنفر مني، فانظر يا عزيزي يوسف ما كان أسخف عقلي حينئذ ولكن ~~لا، لم يكن ذلك سخافة مني؛ فإن نوع التربية ms007 التي اختارها لي أبي والتي تربت بها ~~نعيمة أيضا عودتني الجبن في مثل هذه الحال. # حاولت أن أستفهم بواسطة أمي عما إذا كانت نعيمة قد قرأت الرواية فلم أهتد إلى أسلوب ~~لذلك آمن فيه تفطن أمي إلى ما أنا عليه من الشغف، ومع ذلك لم أر بدا من أن أقول ~~لها: سلي الست نعيمة هل أعجبتها الرواية؟ ولما عادت أمي سألتها، فقالت: إنها نسيت أن ~~تسألها فقلت لها: «سليها حتى إذا كانت قد انتهت من قراءتها تردها فأرسل لها غيرها إذا ~~شاءت، ولكن لا تطلبيها منها طلبا بل اكتفي أن تسأليها عما إذا كانت قد أعجبتها، فإذا ~~ردتها لك سليها كما قلت لك.» # وفي اليوم التالي عادت أمي من دار الباشا، ودفعت لي الرواية قائلة إنها منذ يومين ~~انتهت من قراءتها ونسيت أن تردها، وسألتها عما إذا كانت تريد سواها فأجابت أنها تنتظر ~~غيرها منك - بالشكر. # وفي الحال تناولت الرواية، وجعلت أتصفحها؛ لأرى فيها كلمة من خط نعيمة فلم أجد، ~~فخاب فألي واقتنعت بسخافة عقلي وغروري، ولكن الحب يرى الغرور ثقة والخيبة أملا ~~واليأس رجاء، فتناولت رواية صغيرة وجعلت أتصفحها وأرسم تحت بعض العبارات خطوطا؛ ~~إشارة لإعجابي بها - كما يفعل بعض القراء المتبحرين - وكتبت بإزاء بعض الجمل عبارات ~~صغيرة تدل على شدة تأثري أو عظيم استحساني. وأكثر تلك الجمل التي استوجهت النظر ~~إليها غزلية ووصفية ونحو ذلك. فعلت كذلك على أمل أن نعيمة تنتبه إلى أني أعني ~~بالإشارة إلى تلك الجمل: حبي لها وانشغالي بها؛ فلعلها ترد لي صدى معناي بمثل هذه ~~الطريقة. # ولما عاد الكتاب من عندها تصفحته، فلم أجد فيه قطرة من قلمها، فقلت في نفسي: ~~إنها لم تدرك قصدي. ففكرت مليا بطريقة أوضح - ولكنها خفية أيضا - حتى إذا ~~كانت نعيمة ذات شغل بي انتبهت وأدركت قصدي؛ فربما تجاوبني، فأخذت رواية أخرى صغيرة ~~وجعلت أرسم خطوطا تحت بعض الكلمات المتفرقة في الصفحة الأولى منها فقط، بحيث إنها لو ~~قرأت تلك الكلمات وحدها كانت جملة قائمة بذاتها معناها: «لقد ms008 أصبحت موضوع افتكاري ~~وملتقى آمالي ومصدر سروري.» ولما عاد الكتاب إلي تصفحته فلم أجد فيه دليلا على ~~أنها فهمت سر رسالتي لها، فقلت في نفسي: لا بد أن تكون قد فهمت، ولكن ما معنى سكوتها ~~عن الإجابة بهذه اللغة السرية، فتناولت رواية أخرى ورسمت تحت بضع كلمات متفرقة في ~~صفحتين كان مجموعها معا على التوالي ما معناه بالعربية: «إني مشغوف بك وقلق لسكوتك، ~~فأخبريني عما في ضميرك بالإشارة.» ولما ردت الرواية إلي تصفحتها جيدا فعثرت في وسطها ~~على كلمتين في صفحتين متظاهرتين تحت كل منهما خط، ومعناهما: «إني كذلك.» فتأملتهما ~~جيدا خافق الفؤاد، وكنت تارة أتأكد أنهما الجواب لما عنيت وتارة أغالط نفسي؛ لأن ~~الخطوط كثيفة ولكن النفس الطموع أقنعتني بصدق ظني، فكنت أمشي مرحا في ذلك ~~النهار. # وكنت في خلال هذه المراسلة الرمزية أتجنب أن أرى نعيمة؛ لئلا أقابلها وقد اكتشفت ~~سر بغيتي فتغضب مني إن لم يكن عندها من الوجد ما عندي. فقضيت عدة أيام قلق القلب ~~والجسم، سوداوي المزاج لا أعرف أن أبش لأحد من أهلي، وهم لا يعلمون سر ما بي سوى ~~انشغالي بالمطالعة. # ولكني لما علمت أن نعيمة فهمت رسائلي الرمزية لها، وأقرت بأنها مثلي في الهوى صرت ~~أشوق أن أراها وانفرد بها هنيهة لكي أبث لها ما في قلبي من الحب العظيم وآخذ منها ~~ميثاقا على حبنا المتبادل. # حاولت أن أجد طريقة للاجتماع بها - ولو بضع دقائق - فلم أفز، فخطر لي أن أكتب ~~إليها رسالة أرسلها في رواية أبعث بها إليها، فخفت أن تقع الرواية بين يدي أمها قبل ~~أن تصل إليها فتعثر على الرسالة؛ ذلك لأن أمها اعتادت أن تقف على كل أمر يخصها. فلجأت ~~إلى طريقة المراسلة الرمزية التي أستنبطها، فأخذت رواية انتقيت من بعض صفحاتها الأولى ~~بعض كلمات متفرقة، ورسمت تحتها خطوطا وكان معناها: «أود أن أراك لحظة على حدة، ~~فكيف السبيل؟» فردت لي الرواية وقد أشارت في بعض صفحاتها الأخيرة إلى كلمات مفادها ~~هكذا: «غدا مساء عند باب الحديقة الخلفي ms009 .» # | الفصل الثالث # ولا أقدر أن أعبر لك عن مقدار سروري حينئذ، فإني لم أنم في ذلك الليل؛ إذ كنت ~~أتخيل رفيقة صباي واقفة إلى جنبي ويدها بيدي نستعيد خلاصة ودادنا أيام كنا كالملاكين ~~نتماشى ونتلاعب في الدار، وكروحين تتجاولان في فضاء ضيق. # فكرت كثيرا في ذلك اليوم، استعددت لكلام كثير، وهيأت أساليب متنوعة؛ لبث غرامي، ~~ولإثارة أشجانها، وتحريك كوامن فؤادها، وإضرام نيران الحب فيه. # ولا يخفى عليك أن الحديقة المكتنفة قصر حسين باشا عدلي معظمها إلى جهتي الجنوب ~~والغرب من القصر، وفي سورها الجنوبي باب صغير ويخرج منه إلى خرائب قديمة، ومنه يدخل ~~البستاني بلوازم الحديقة من سماد وغيره. # فما قارب المساء حتى كنت قد طفت تلك الخرائب عشرين مرة، وقصدت إلى باب الحديقة ~~مثلها، ولم يشرف على تلك الخرائب من القصر سوى بعض نوافذ المطبخ ونحوه، حيث يوجد الخدم ~~ولا أدري إن كان أحدهم قد رآني أطوف هناك، وكان كتابي معي ليدفع المظنة عني. # ولما قاربت الشمس المغيب كنت على الباب أرسل نظراتي من خصاصه، فلا أرى إلا أغصانا ~~غضة، ولا أسمع إلا حفيف أوراقها اللطيف فكدت أنفجر مللا وسآمة، وما غربت الشمس حتى ~~ظهرت شمس حياتي بين تلك الأغصان، ودنت إلى الباب - بكل خفة وتحذر - وفتحته، فكنت ~~حينئذ أحس أنها تفتح باب قلبي، وشعرت أن فؤادي ينتفض جزعا، فتحت المصراع ربع فتح، ~~فلما رأتني رجعت إلى الوراء مبغوتة جازعة كأنها لا تنتظر أن تراني، وابتسمت لي ~~ابتسامة مقرونة بالوجل فتقدمت بغية أن أدخل فرفعت يدها قائلة: بربك. مكانك. ~~- لماذا؟ ~~- أخاف أن يباغتنا أحد. فابق خارج الباب وأنا من داخله؛ حتى إذا شعرت بقادم رددت ~~الباب بسرعة واختفيت أنت في هذه الخرائب. ~~- ليكن ما تشائين. # وحينئذ وقفت خارجا مسندا الجدار بكتفي، وهي قابضة على حاشية الباب. بقينا نحو نصف ~~دقيقة صامتين لا نتكلم، وكل ما جال في خاطري من الكلام والآيات الغرامية في ذلك النهار ~~غاب عن ذهني حينئذ، وشعرت أن العرق يتصبب عن جبهتي. عجيب يا عزيزي يوسف ms010 ، كيف أن دالة ~~سني الحداثة العشر زالت في احتجاب سنة، ولم تعد لي جسارة على مفاتحة نعيمة بخطاب، وأظن ~~أنه لو لم أكن شغوفا بها حينئذ لأمكنني أن أجتمع بها في الدار وأمام أمها بلا حرج، ~~ولكن الحب قضى علينا بكتمه، فصرنا نتباعد دفعا للمظان. # ولما رأت نعيمة أني لم أنطق بكلمة همت أن ترد الباب قائلة ليلة سعيدة. فرجف ~~قلبي في داخلي وقلت: بربك يا نعيمة. ما معنى هذا؟ # قالت: بحياتك. دعني؛ أخاف أن يفاجئنا رقيب. # قلت: إذن لماذا أتيت ولم نتكلم كلمة قط؟ ~~- ماذا تريد؟ قل. # فالتفت إلى ما حولي كأني ألتمس من يلقنني وازدردت ريقي فلم أعلم ماذا أقول؟ ولكن لم ~~أعدم موضوعا تافها للحديث فقلت لها - وهي وجلة مثلي: هل تريدين رواية؟ ~~- أرسل إن كان عندك. ~~- أية رواية تريدين؟ ~~- لا أدري. أرسل ما تشاء. ~~- سأبحث لك عن الروايات البديعة. ~~- أشكر لطفك. # والحق أقول لك يا عزيزي يوسف إننا كلينا تبادلنا هذه المخاطبة القصيرة التي لا فائدة ~~منها ونحن لا نكاد نفهم ما نقول، ولما سكت قالت نعيمة: «بنسوار» وردت الباب فكدت ~~أنشق من الغيظ، فناديتها بصوت خافت، فردت من وراء الباب قائلة: ماذا؟ ~~- افتحي. ~~- رحماك دعني؛ لئلا يرانا أحد. ~~- لم نتكلم شيئا. ~~- ماذا تريد أن تقول؟ ~~- هل أراك غدا مثل هذه الساعة في هذا المكان؟ ~~- ربما. # ورأيتها حينئذ قد ولت ظهرها ومشت متلفتة متغلغلة بين الأشجار والأنجم، فعدت ألعن ~~نفسي وأعض أصابعي لما تولاني من الجبن حين مقابلتها. والحق أني رأيت في وجهها حينئذ ~~من مهابة الحشمة وورع الأدب ما يعقد لسان بسمرك. عدت حزينا وأنا أعلل النفس بلقاء ~~الغد. # وقد قضيت الليل والنهار التاليين كسابقيهما، قلق البال مقلقل الفؤاد، واستجمعت في ~~ذاكرتي عددا عديدا من الجمل التي أبث فيها شعور قلبي وضميري وكل عواطفي لنعيمة. ~~ولما كان المساء التالي كنت لدى باب الحديقة المعهود أنظر من خصاصه إلى داخلها. ~~بقيت أسترق النظرات تارة وأتلفت حولي تارة أخرى، برهة طويلة لا أقدر أن أعلم مدتها ~~ومن ms011 شدة التحديق تعب نظري وجفت مقلتاي تحت مرور النسيم. # ولما أوشك نور النهار أن يبهت على إثر غياب الشمس؛ رأيت نعيمة لدى الباب تفتحه، وما ~~انفتح قليلا حتى كنت أمامها، فقالت: حاذر أن يرانا أحد من الخارج. # قلت: لا تخافي. ~~- بحياتك، لا تدعنا نطيل الوقوف هنا؛ لأني أخاف أن يباغتنا أحد. ~~- لا تخافي. ~~- لا تكلفني هذا الأمر مرة أخرى يا حسن؛ فإنه غير لائق بي، وإذا عرف به أحد أذوب ~~جزعا. ~~- لا تخافي. # أدركت أني لم أتجاوز في حديثي معها لفظتي: «لا تخافي.» ولما سكتت أوشكت أن يغلق ~~علي. ضربت على وتر ذاكرتي فوجدته مقطوعا. استدعيت تخيلاتي فلم يلبني منها شيء ~~فكاد ظلام الاغتمام ينسدل على ضميري. لم تعبر هنيهة حتى استدركتني نعيمة قائلة: لماذا ~~لم تأت إلى الدار في كل هذه المدة كعادتك؟ آه، ليتني لم أزل صبيا صغيرا يا ست ~~نعيمة، فكنت ألتقي بك كل يوم بلا إثم ولا حرج. أما الآن فأخشى أن أضعف حركة من ~~حركاتي تفضح سرائري. # فرأيتها وقد عرتها رجفة كالعصفور بلله القطر. ثم جعلت تتلفت كأنها تبتغي ~~أن تضيع الحديث، وشعرت أن كل ما كان لها من الجراءة السابقة في الحديث - لأن كلامها ~~كان خلوا من معاني قلبها - قد تحول إلي فعدت أقول: نعيمة ألا تزالين تذكرين ماضي ~~مودتنا؟ ما كان أحلاها! ~~- ولكننا الآن قد أصبحنا فتيين، وخرجنا من عدن البساطة إلى بيداء الهيئة ~~الاجتماعية، حيث تقيم الشريعة الأدبية حجابا متينا بيننا، حتى إذا تسلقناه لا نأمن ~~السقوط الهائل. ~~- ولكن هذا الحجاب إذا حال بين شخصيتينا فلا يحول بين روحينا يا نعيمة، وجل بغيتي ~~من هذا اللقاء الذي أتوخاه أن أخبرك صريحا أن تلك المودة الصبوية التي نبتت في عدن ~~بساطتنا أصبحت الآن دوحة حب باسقة في فؤادي، فهل تشائين أن تسقي هذه الدوحة من غيث ~~رضاك؟ # فأطرقت حياء وخجلا، ثم تلفتت وقالت: ويلي! لو رآني أحد هنا ماذا يقول؟ بربك دعنا ~~نفترق. ~~- على أي حال نفترق يا نعيمة. ~~- نفترق كما اجتمعنا. ~~- ولكني ms012 أود أن أسمع من شفتيك الشريفتين هل قلبي مخطئ؟ هل لي في ضميرك أثر يا ~~نعيمة؟ ~~- بربك دعنا من هذا الحديث. كيف تسألني هذا السؤال وأنت تعلم ما حداني إلى هذا ~~اللقاء؟ # وعند ذلك همت أن تقفل الباب، فتناولت يدها وقلت: إلى اللقاء. متى نلتقي؟ ~~- لا أدري بيد أننا لا نلتقي هنا بعد. زرنا لعله يتسنى لنا أن نلتقي. # ثم خرجت وهي قفلت الباب وعدت أحس أن الأرض مرنة تحت قدمي فلا أمشي إلا يستخفني ~~السرور، وجعلت - بعد ذلك - أذهب إلى القصر، وأجتهد أن أعرض نفسي أحيانا إلى دار ~~الحريم؛ لكي تراني نعيمة، وأحيانا كنت أدخل إلى القصر أو أخرج منه في موعد خروج ~~نعيمة وأمها إلى النزهة أو إلى الزيارة، فأحييها وأكلمها قليلا - ولكن بكل ~~تحذر. # على أني لم أستطع الاستمرار على هذه الحالة فكنت أحس بشوق شديد إلى لقاء نعيمة كأن ~~الحياة بالبعد عنها صارت عذابا لي، ولقد فكرت في أن تكون زوجة لي، ولكن صنعتي كانت ~~تميت هذا الفكر؛ إذ أرى أن بيني وبينها بونا شاسعا لا أستطيع أن أعبره إلا بأعجوبة ~~سماوية. # وكنت في بعض الأحيان أتخيل نفسي راقيا في سلم المعالي حتى أبلغ إلى مرتبة وزير ~~وحاصلا على يدها، ولكن لم أكن لألبث أن أذكر ضعفي فأدرك أني أبني قصورا وعلالي في ~~الهواء، فتصغر نفسي وتستولي علي الكآبة؛ إذ أفتكر حينئذ في مصير حبي هذا، وأسائل ~~نفسي عما تكون نهايته وغايته. وكنت متى أغرقت في هذه الأفكار وانتهيت إلى شفا اليأس ~~أنفض عن ضميري هذه الهواجس وأقول: «لكل وقت شأنه، فلأحب الآن وأدع المستقبل لتدبير ~~الله.» # تقت جدا أن أجتمع بنعيمة، ولم أعد أستطيع الصبر عن لقائها وبث المستجد من ~~وجدي لها، وعجبت كيف أنها هي صابرة عن مقابلتي إذا كانت تحبني كما أحبها؛ ولذلك كنت ~~أتوقع يوما بعد آخر أن تشير إلي بأن ألاقيها في الملتقى السري المعهود؛ أي عند باب ~~الحديقة الخلفي، على أن هذا التوقع كان يخيب كل يوم. # وأخيرا لم أعد ms013 أطيق الصبر عن الاجتماع بها ولا سيما؛ لأني أحسست أنها لم تعد تهتم ~~بأن تراني من خدرها إذ أكون في بعض رحبات القصر التي تشرف عليها مقصورتها، فاغتنمت ذات ~~يوم فرصة خروجها مع أمها إلى النزهة وقابلتهما في باب الدار، وغافلت أمها وقلت لها ~~بالإفرنسية: «أود أن أراك غدا في الملتقى المعهود.» فلم تجب، فعذرتها، ولكني رجحت ~~أنها توافيني في الميعاد فانتظرتها في اليوم التالي أمام الباب حسب المعتاد. # لم تخلف ظني فقد وافت وفتحت الباب، وهي تتلفت؛ خوف مفاجأة أحد، ثم قالت: بربك يا ~~حسن لا تغرر بي، فإني أشعر أني أفعل منكرا بهذه المقابلة السرية، وما أتيت تلبية ~~لطلبك بل لكي أقول لك أن تتجنب أقل صلة بي. ~~- اعذريني يا نعيمة إن وجدي يجد بي، ولا أستطيع الصبر عن لقائك ولو لحظة لكي أقول ~~لك من صميم قلبي: إني أحبك حبا لا نهاية له، إني مستسلم للتقادير في هواك. فامتقع ~~لون وجهها وبالجهد استطاعت أن تقول لي: لا تزد من هذا الحديث يا حسن أفندي فإنه غير ~~لائق بي ولا بك ولا لزوم له. # فشعرت أن نبلة عبرت في قلبي فشقته شطرين، وجعلت ذراعاي ترتجفان فقلت لها: ~~رحماك يا نعيمة هل تغير قلبك علي؟ لا أقدر أن أعيش هنيهة بغير روح حبك، إن كنت ~~عدلت عن محبتي فها أنا مائت. أموت حقيقة فارحميني يا نعيمة، وطفر الدمع من عيني ~~وأنا أسند الجدار وأكاد أقع على قدميها. # فنظرت إلي ولمحات الرقة والانعطاف والإشفاق تتموج على سحنتها ثم قالت: إن ~~حبنا لعقيم يا حسن، فالأفضل لنا أن نقتصر عنه قبل أن يبلغ أشده ويتعذر علينا ~~الخلاص منه، ويؤدي بنا أخيرا إلى عقدة صعبة الحل، أو إلى ما لا تحمد مغبته. ~~- بالله، ألم يبلغ أشده بعد يا نعيمة. بربك لا تجرحي فؤادي بمثل هذه النصال، لقد ~~أصبحت في بحر من الحب عميق القرار وليس لي منه خلاص، فبحقك لا تصادمي قلبي بهذا النهي ~~عن الحب؛ فلم يعد في وسعي التخلص منه ms014 ، وإن كنت لا تحبينني فحسبي أن ترضي عن حبي ~~لك. # فتنهدت وقالت: آه يا حسن لماذا تغرر بي وأنت لا تجهل أن بيننا حجابا كثيفا؟ ~~- إني تعس جدا. أنا لا أجهل أن مقامي دون مقامك جدا، ودون الحصول على يدك خرط ~~القتاد ولكن قولي لي لو كنت الآن في مقام يساوي مقام أبيك فهل يكون لي حظ منك يا ~~نعيمة؟ ~~- أتريد بهذا السؤال أن تختبر درجة حبي لك يا حسن؟ الأفضل أن تقصر هذا الحديث لئلا ~~يورطنا في حب عقيم لا ننال منه غير العذاب. ~~- أحب أن أتأكد يا نعيمة ما إذا كنت حاصلا على نعمة في عينيك. ~~- آه يا حسن فكرت كثيرا في أمر حبنا، فرأيت أنه يكون وبالا علينا إذا تمادينا ~~فيه؛ إذ لا نهاية صالحة له. ~~- أعلم ذلك جيدا يا نعيمة، فما أنا إلا نموذج البائسين. ~~- إذن لماذا نتمادى بهذا الحب؟ # ففكرت هنيهة ثم قلت: أما من وسيلة لحصولي على يدك يا نعيمة؟ ~~- لو رجع الأمر إلي لما كان شيء أسهل من ذلك، ولكن أنت تعلم أن أبي ممن يبالغون ~~في اعتبار الأصل والجاه، فإذا لم يطلب يدي ذو وجاهة ومال طائل؛ أبقاني أبي في خدري حتى ~~أقضي نحبي فيه. # ففكرت نحو دقيقة ثم قلت: نعيمة هبي أني صرت ذا ثروة طائلة ومقام سام، فهل أنال ~~نعمة في عيني أبيك؟ الحصول على المال والجاه في مقدور الإنسان، ومجال السعي أمامي ~~فسيح؛ فقد أستطيع أن أرقى حتى أبلغ ذروة العلى فهل أرضي أباك إذا بلغت إلى مقام ~~يساوي مقامه؟ # فتأملت قليلا، وقالت: إذا كانت لك هذه الهمة القعساء، والعزيمة الصادقة حتى تبلغ ~~مقاما جديرا بأن يعتبر، فإذا شاء أبي أن يعرقل أمورنا؛ نفكر في ذلك الحين بطريقة ~~لاجتياز هذه العقبة. ~~- إذن ثقي يا نعيمة بأني إذا لم أبلغ في إبان شبابي المقام الذي يرضيك؛ أنصرف من هذا ~~العالم الفاني. ~~- ماذا تعني أن تفعل؟ ~~- سأخبرك بعد حين. عيني لي موعدا آخر للقائنا وفيه نقرر أمرنا ونفترق على ~~اتفاق. ~~- غدا ms015 هنا كالعادة. # وعند ذلك افترقنا منتعشين، ولا أطيل عليك الحديث؛ فإننا التقينا في اليوم التالي في ~~الموعد المعين بعد أن قضيت ليلي ونهاري أفتكر في مستقبلي افتكار الكهل الذي أحدقت به ~~هموم الدنيا، وإليك نتيجة ما افتكرته مستخلصا من حديثنا التالي. # | الفصل الرابع # بادأتها بالكلام قائلا: فكرت أمس واليوم يا نعيمة بأمر مستقبلي، وكان حبك يشدد ~~عزيمتي ويرفع همتي وينير ذهني، وافتكرت أني إنسان كامل الجسد والعقل كسائر الناس، وأن ~~أولاد الكبراء لا يمتازون علي بشيء سوى المال، وأن الذين نبغوا في الدنيا نبغوا ~~بجهدهم وسعيهم، فماذا يمنع من أن أنبغ وأبلغ درجة الكبراء؟ ~~- لا شيء يمنعك إذا صممت وكنت صادق العزيمة، فماذا عزمت أن تفعل؟ ~~- افتكرت بكل المهن والحرف، وتأملتها بنفسي فتراءى لي أن لصناعة المحاماة ~~مستقبلا زاهرا. أما سمعت أن محاميا كسب في قضية لأحد المثرين ألفي جنيه دفعة ~~واحدة، وأن هذا المحامي يجمع الآن ثروة طائلة؟ فمكاسب هذه الصناعة وافرة جدا إذا ~~كان صاحبها نابغا فيها، وإني أرى الناس يجلون المحامين في هذا الزمان كأهم أعضاء ~~الهيئة الاجتماعية؛ ولذلك افتكرت أن أمضي إلى أوروبا، فأدرس المحاماة، وأعود أجاهد ~~بين أهل هذه الصناعة، فإن أفلحت وارتقيت شأنا وجمعت مالا؛ أقدمت على طلب يدك بقلب ~~قوي، وإلا آثرت الموت على الحياة. ~~- أرى أنه فكر حسن جدا يا حسن، وإنفاذه ميسور. ~~- أما أنه حسن فلا أظن أنه يوجد أحسن منه، وأما أنه ميسور فلا. لأنك تعلمين أن ~~أبي ليس مثريا ولا له مورد رزق غزير لكي يتسنى له أن ينفق علي في مدة دراستي في ~~باريس، إلا إذا باع العقار الزهيد الذي اقتناه بعد جهد طويل في خدمة أبيك. هنا ~~العقدة. ~~- فماذا تفعل إذن؟ ~~- سأجتهد بأن أقنع أبي بأن يبيع عقاره ويعلمني، وإلا فأبحث عن طريقة أخرى. ~~- أتظنه يوافقك على هذه الفكرة؟ ~~- إني ضعيف الأمل جدا يا نعيمة؛ لأن أبي من أهل الجيل الفائت، قلما يدرك أهمية ~~مشروعي، ولا يعتقد أني أهل له؛ لأنه يظن أن عملا كهذا لا يليق ms016 إلا بأبناء الذوات. ~~وزيدي على ذلك أنه لا يثق بفلاحي إلى حد أن يجازف بعقاره القليل الذي صرف معظم حياته ~~في العمل حتى اقتناه. ~~- إذن لم تزل أمامنا كل العقبات يا حسن، وهمتك التي علقت عليها كل الأمل لا ~~تكاد تفيد شيئا فما العمل؟ إنك علقت قلبي ورميتني في بحر اليأس. ~~- ثقي بي يا نعيمة إني أفرغ كل قواي وأطرق كل باب من أبواب النجاح، فعديني أن ~~تحافظي على حبي وعلى قلبي ولا تنبذيه مهما غرك جاه غيري وغناه، وأنا أعدك أني إذا ~~لم أبلغك أمنيتك في عهد شبيبتي فلا أبقي على حياتي. أنا الآن في السابعة عشرة وأنت ~~تدنين من الخامسة عشرة وصبر بضع سنين ليس أمرا جليلا لحديثين مثلنا. فهل تعاهديني يا ~~نعيمة على الحب الثابت والوفاء؟ فأطرقت خجلة ولم تنبس ببنت شفة. # فقلت لها: هاتي يدك يا نعيمة وعاهديني، إن كنت واثقة بصدق عزيمتي لا أدعك تصبرين ~~على هذا العهد طويلا، بل يمكنك أن تعرفي طوالع مستقبلي وصدق آمالي في منتصف هذا الأجل. ~~بعد بضع سنين تقدرين أن تحكمي من نفسك على ما إذا كان في وسعي أن أحقق أملك أو لا. ثم ~~تناولت كفها بكفي وهي ترتجف وعلمت من عدم ممانعتها لي أنها راضية بالعهد، فقلت: إني لك ~~يا نعيمة كل حياتي ولأجلك لا أدخر جهدا في سبيل الفلاح والسعي إلى العلى، فهل ~~تعاهدينني أن ترفضي أي طالب غيري قبل أن ينقطع الأمل من نجاحي؟ # فتمتمت قائلة: إني لك كل حياتي. # وعند ذلك افترقنا وكلانا كتلة آمال عجيبة. # ولا أخفي عليك أني كنت إلى ذلك الحين أتعلم في المدرسة بالرغم من إرادة أبي؛ لأنه كان ~~- رحمه الله - لا يرى للعلم قيمة أو فائدة إذا خرج عن دائرة العلوم الدينية، فتعلمت ~~في المدرسة بعض العلوم الابتدائية وشيئا من الإفرنسية بحيث صرت أفهمها وأعبر عن أفكاري ~~البسيطة فيها، وكان في نية أبي أن أترك المدرسة عامئذ وأتوظف كاتبا في دائرة حسين ~~باشا بماهية جنيه أو أكثر قليلا، أو ms017 أن أتعلم صناعة كالنجارة أو الخياطة أو نحوهما، ~~وكان يحسب أن المزيد من تعلمي أصبح بلا فائدة وما هو إلا إضاعة وقت. # ولأجل ذلك تعذر علي جدا أن أكاشفه رأيه في مشروعي الجديد؛ أي العزم على دراسة ~~الحقوق؛ لأني كنت متأكدا تمام التأكد أنه يستجهلني. على أني لم أر بدا من ~~مفاوضته بهذا الأمر؛ لكي يكون على علم بما أفعل، فجرأت نفسي وباحثته، فأبى أن يسمع ~~تفصيل الأمر لما علم بخلاصته وقال: «ما نحن أبناء باشاوات حتى تدرس في أوروبا وما نحن ~~أهلا لتقلد المناصب العالية» فرجوت منه أن يدعني أفعل ما أشاء إذا أبى أن يمد لي ~~يد المساعدة، فأبى أيضا قائلا لي: «يجب أن تكتفي بالذي تعلمته؛ فإنه أصبح كثيرا ~~عليك، وينبغي لك الآن أن تشتغل، وها إني أترجى سعادة الباشا أن يقبلك بين موظفي ~~الدائرة، فتكون فيها كاتبا معزوزا مكرما يحسدك جميع رفاقك على وظيفتك.» # فقلت له: دعني يا أبت لنفسي سنتين أو ثلاثا، فإذا وجدتني ضالا عن سواء السبيل ~~فتول قيادتي؛ فأنت في غنى عن عملي - والحمد لله - فاتركني لتدبيري، فأدار وجهه ~~مستاء مني، وبعد ذلك تعبت جدا في استرضائه، ورجوت منه أن يمهلني برهة، فإن لم ~~يعجبه مسعاي فعلت ما يري. وبعد اللتيا والتي تركني لنفسي راضيا عني بعض ~~الرضى. # أما ما عزمت على أن أفعله بعد ما تفكرت مليا فهو أن أستخدم في مكتب محام، وقد ~~أملت أن أعجب المحامي فيدفع لي راتبا لا تدفعه لي دائرة حسين باشا عدلي ولو قضيت ~~فيها عشر سنين، وأن أدخر راتبي في سنتين أو ثلاث وأنفقه على تعلمي المحاماة، هذا من ~~جهة النفقة. أما من جهة التعلم فعزمت على أن أدرس في أوقات الفراغ، وأمارس الإجراءات؛ ~~لكي تسهل علي دراسة الفن، وقد نبهني إلى هذا الأمر ما كنت أعرفه عن شاب مستخدم عند ~~محام فكان راتبه في السنة الثانية نحو ستة جنيهات، فقلت في نفسي: ما يمنع أن أكون ~~كهذا الفتى في المستقبل القريب؟ وقد عملت ميزانيتي ms018 هكذا: # جنيهات # 0 # في الستة أشهر الأولى أستخدم مجانا # 6 # في الستة أشهر التالية يكون راتبي جنيها كل شهر # 36 # في السنة الثانية يكون راتبي ثلاثة جنيهات شهريا # 72 # في السنة الثالثة يكون راتبي ستة جنيهات في الشهر # 114 # 14 # أنفق منها نفقات نثرية # 100 # يبقى لي مائة جنيه أنفقها في سنتين في باريس على درس الحقوق، فانظر ما أجهلني، كنت ~~أظن أن خمسين جنيها تزيد على نفقتي هنا! # وقد جريت على هذه الخطة، فقدمت نفسي إلى أحد المحامين فقبلت مجانا، وجعلت أجتهد ~~في إتقان كل عمل أكلف به، ومن حسن التوفيق أن ذلك المحامي صادف في ذلك العام ~~إقبالا غريبا، فكان يحتاج إلى خدمتي في أكثر الأحيان، فكنت ألبيه حتى أعجبته جدا. ~~وفي الشهر الثالث عين لي جنيها راتبا شهريا، ففرحت جدا بالنجاح العاجل الذي ~~لم أكن أنتظره، وتوسمت خيرا. وفي الشهر السادس وجدت أني أنفع المكتب بأعمالي فطلبت ~~زيادة المرتب، فزادني المحامي جنيها، وحينئذ رضي علي أبي؛ إذ شعر بنجاحي، وبدأ ~~يدرك حسن مستقبلي، وصرت أحسن بسهولة إقناعه بأن يساعدني في الإنفاق على تعلمي ~~المحاماة، وكنت أصرف أوقات الفراغ بدرس الإفرنسية وإتقانها استعدادا لدراسة ~~الحقوق. # وما انقضى العام حتى أصيب أبي بحمى شديدة قضت عليه عاجلا، فحزنت عليه حزنا ~~شديدا - بالرغم من وقوفه عثرة في سبيل مستقبلي - ولما كنت وحيدا له ورثت الأفدنة ~~القليلة التي اقتناها في حياته وبعتها من دون أن أستأذن أمي، وتركت لها نفقتها ~~وأتيت إلى هنا لكي أدرس الحقوق - كما تعلم - وها أنا الآن في السنة النهائية ~~لدراستي. # وقبل أن آتي إلى هنا اجتمعت بنعيمة وأطلعتها على مشروعي وما نويت أن أفعله في ~~المستقبل فسرت جدا، وجددت عهدها معي، وأقسمت أنها لا ترضى بسواي مهما كانت ~~حالة من يطلب يدها حسنة. هذا مجمل قصتي مع نعيمة أيها العزيز يوسف، وأنت تعلم أن نعيمة ~~من نوادر أترابها، فحصولي على نعمة رضاها توفيق غريب، فإذا كان خليل بك مجدي ينازعني ~~إياها فكأنه ينازعني حياتي. # | الفصل الخامس ms019 # - إني أحس معك يا عزيزي حسن، وأدرك حرج موقفك، ولكن إذا كنت ضامنا رضى نعيمة ~~وواثقا من عهدها، فلماذا تحسب حسابا لمنازعة خليل إياك؟ ~~- ألا تذكر أنه قال: إن حسين باشا وعد أباه حامد باشا حسني قبل وفاته أن يزوجها له ~~متى عاد من أوروبا بشهادة الهندسة، وأنت تعلم أن خليل بك يعود في هذا العام معنا، فإذا ~~أصر عدلي باشا على أن يزوج ابنته بخليل فماذا تفعل وأي قوة لعهدها؟ هذا ما أخاف منه ~~يا يوسف، مهما كانت نعيمة وفية لي فما هي إلا فتاة، والفتاة تحت سلطة ولي أمرها ~~المطلقة، وإذا غدت نعيمة زوجة لخليل فلك بعدي العمر الطويل. # فتأمل يوسف بك برهة وهو يلاهي نفسه بتقليب كتاب بين يديه، ثم رفع نظره إلى حسن وقال: ~~إني أشعر بحرج موقفك يا حسن وأقول: ليتك لم تعرف نعيمة؛ لأن منازعك خصم شديد وأهله ناس ~~أشداء البأس لا يصلى لهم بنار، وأنت لا سلاح لك لمقاومتهم إلا حب نعيمة لك وهو سلاح ~~ضعيف جدا لا يكاد يفيد، بل يخشى أن يستعمل ضدك، فلقد حرت بماذا أنصحك وأنت في هذا ~~الموقف الحرج؟ وكيف أقدر أن آخذ بيدك في قصدك هذا؟ على أني أقول لك: «دع التقادير تجري ~~في أعنتها» ومتى حان حين النزاع؛ ترى ماذا تفعل؟ ومع ذلك يجب أن تحذر تمام الحذر ~~من منازعك يا حسن؛ فإنه أقوى منك مالا وجاها ونفوذا. ~~- هذا ما لا أجهله يا يوسف؛ ولهذا تراني أفتكر دائما بمشروعات مختلفة بنية أن ~~أدرسها عسى أن أنفذها فأكسب منها كسبا وافرا يقدرني عاجلا على أن أظهر بمظهر ~~الكبراء، وأقدر أن أنازع خليل منازعة القوي. ~~- بأي شيء تفتكر مثلا؟ ~~- لعلك تستجنني إذا سردت لك شيئا من الأفكار التي تخطر لي؛ لأنك إذ قابلتها بي ~~تجدني شيئا حقيرا بالنسبة إليها، ولكن إذا كانت لك ثقة الرجل الحزوم بنفسه لا ترى ~~شيئا عظيما علينا. وما الأفراد الذين قاموا بالمشروعات الجسام إلا بشر مثلنا، وإنما ~~امتازوا عن سواهم بأشياء زهيدة في ms020 حقيقتها عظيمة في نتيجتها، وهي الإقدام والثبات ~~والاستبصار، فإذا كنت تعتقد أن العظيم لا يكون إلا ابن العظيم، وأن الحقير في دنياه ~~حقير في عقله وعزمه وعمله، فلا داعي لأن أبسط لك شيئا من آمالي. ~~- عجيب يا حسن! متى كنت أستخف بآرائك حتى تستهل حديثك الجديد بهذه المقدمة؟ ولماذا ~~تفترض أني أعتقد بأن الرجال العظام لا يكونون إلا من سلالة عظام؟ لم يقم بين البشر ~~أعظم من نابليون مع أنه من سلالة كورسيكية تكاد تكون خاملة الذكر، فهات ما ~~عندك. # وعند ذلك كشف يوسف بك ساعته، فوجدها قد تجاوزت العاشرة، فقال: لقد فات موعد الذهاب ~~إلى الكومدي فرنسيز، فدعنا نقضي بقية سهرتنا هنا؛ فإني أستلذ البحث بالمواضيع ~~الجدية، فقل ما تريد أن تقول. # نحن الطلبة المصريين، نقضي في هذه البلاد وفي بعض ممالك أوروبا ردها من الزمان يكفي ~~لدراستها والاطلاع على أسرار رقيها ونجاحها، إذا وجهنا نظرنا إلى هذا القصد، ولا ~~يخفى عليك أن أوروبا الآن مثال العمران ونموذج التقدم بالرغم مما يعتور تمدنها من ~~المفاسد، وسائر العالم يمشي الآن في تمدنه على خطوات أوروبا ويحذو حذوها بالرغم منه، ~~رضي أناسه أو لم يرضوا، ومصرنا في جملة الممالك الشرقية الجارية في هذا المجرى ~~أيضا، فكل ما نراه من محاسن المدنية ومحامد العمران سنقتبسه شيئا فشيئا على أيدي ~~أناس مختلفين، غالبهم من الأجانب، فلماذا لا يقتبس شيء من ذلك على يدنا نحن الذين ~~نختبر الأحوال هنا بأنفسنا، وندرس مزايا المدنية على مهل زمنا ليس بقصير؟ بل لماذا ~~نقضي الوقت في باريس هذه أم الدنيا ولا ندرس جميع محاسنها، ونقتبس منها لبلادنا ما ~~نستطيع اقتباسه فننتفع وننفع البلاد في وقت واحد؟ ~~- صواب ما تقول، وما هي إلا غفلة منا، ولا ريب أننا إذا بقينا غافلين سبقنا ~~الأجانب إلى جميع موارد الرزق ومصادر الكسب في بلادنا، وقد سبقونا إلى جانب كبير ~~فيما مضى، فلماذا ندعهم يسبقوننا إلى الباقي. ~~- هذا ما أريد أن أقوله. ~~- وماذا خطر لك أن تقتبسه من مزايا المدنية التي هي ms021 مورد كسب لمقتبسيها؟ ~~- لا يخفى عليك أننا الآن في عصر الكهرباء، وللكهرباء مستقبل مجيد، ولسوف ترى أنها ~~مستخدمة في أشياء كثيرة، فلماذا لا نستخدمها نحن في بلادنا كما يستخدمها أهل ~~أوروبا؟ ~~- مثلا. ~~- خذ النور مثلا. لماذا لا نسعى بتأليف شركة في مصر لإنشاء النور الكهربائي فيها ~~وتوزيعه على المنازل والحانات ... إلخ؟ ولا ريب عندي أن شركة تتألف لهذا الغرض تصادف ~~إقبالا من الجمهور وتربح أرباحا باهظة. # ففكر يوسف بك هنيهة ثم قال: مشروع حسن ولكن أمامه عقبات. ~~- لا أنكر أن أمامه عقبات، ولكن لا بد من درسه، حتى إذا ظهر أن منافعه أوفر من ~~متاعبه جعل في حيز الفعل، فما ظنك بالعقبات التي تعترضه؟ ~~- أولا أن شركة الغاز في مصر تنافسه، فلا يقدر أن ينازعها الرواج والانتشار؛ لأنها ~~أقدم منه وأقوى؛ ولأن نفقة الغاز أقل من نفقة الكهرباء فلا يمكن لشركة الكهرباء أن ~~تبيع نورا أرخص من نور الغاز إلا إذا انتشرت انتشارا متسعا. # فقاطعه حسن قائلا: لا بأس دعنا من نور الكهرباء، فما قولك بإنشاء شركة لترام كهربائي ~~في شوارع القاهرة والإسكندرية؟ ~~- ففكر يوسف هنيهة، وقال: إن نجاح هذا المشروع أكثر احتمالا من مشروع النور ~~الكهربائي؛ أولا: لأن مصر مدينة كبيرة مترامية الأطراف ولا غنى للناس فيها عن ~~الانتقال من طرف إلى طرف، أو على الخصوص من أطرافها إلى مركزها الأوسط؛ حيث معظم الحركة ~~والاحتكاك والتواصل في المعاملة. والمشي مسافات طويلة - ولا سيما في الصيف - يكاد يكون ~~تهلكة، فلا ريب عندي أنه إذا جرى الترام في أهم شوارع المدينة وكانت الأجرة زهيدة، لا ~~بد أن يصادف إقبالا، وإذا لم تكن أرباحه إلا ما يربحه الحمارة وأصحاب الأمنبوس ~~وجانب من العربات فحسبه وكفى. ~~- بل إني أؤكد لك أن أرباحه تكون أضعاف ذلك إذا كانت الأجرة زهيدة، بحيث يسهل على ~~كل فرد أن يدفعها، ولا يخفى عليك ما ينجم عن ذلك من سرعة الحركة العملية في المدينة؛ إذ ~~يسهل على الناس التنقل. ~~- والله إنه لفكر حسن جدا يا حسن ولكن ... ~~- لكن ms022 ماذا؟ ~~- لم تدعني أن أذكر لك السبب الثاني الذي يحول دون نجاح شركة النور الكهربائي فالآن ~~أذكره لك؛ لأنه سبب عام يحول دون كل شركة؛ وهو عدم إقبال الوطنيين على إنشاء الشركات ~~والاكتتاب بها، فإذا أنشئت هذه الشركة لا تجد أحدا من أغنيائنا يثق بصحة عملك لكي ~~يشترك معك فيه مجازفا بماله. ~~- هذه العقبة لم أغفل عنها يا عزيزي يوسف، ولا أجهل أن ارتقاءها يحتاج إلى عزم صادق ~~وهمة قعساء وجلد عجيب في السعي والإقناع بحسن مزايا المشروع، ولكني إذا وقفت إلى اثنين ~~أو ثلاثة مثلك يرعوون ويفهمون خلاصة درسي للمشروع وكانت لهم الجراءة على بذل المال له، ~~فإني أذكر لك أن بقية المتمولين متى رأوا الاثنين أو الثلاثة من المتمولين الوجهاء ~~أقدموا على المشروع تبعوهم فيه - بحكم الغيرة - ولو عن غير فهم لما ينتهي إليه. # فأول خطوة أخطوها في هذا العمل العظيم هي أن أدرس المشروع جيدا، وسأغتنم فرصة الصيف ~~القادم للطواف في بعض عواصم أوروبا؛ حيث أزور مكاتب شركات الترامواي والنور ~~الكهربائيين وغيرهما من الشركات التي يتراءى لي أنها لازمة لبلادنا، وأدرس أحوالها ~~وأقف على كل ما يمكن الوقوف عليه من إحصائياتها. ثم اجتهد أن أطبق ذلك على مصرنا، فإن ~~توسمت خيرا بعد ذلك الدرس والبحث وضعت تقريرا ضافيا في المشروع وعرضته على كبار ~~أغنيائنا الذين أتوسم فيهم الفطنة والفهم، وحينئذ أبذل كل ما عندي من قوة الإقناع، ~~فإن أفلحت فخير، وإلا تيقنت أن الأمة في سبات عميق ولا حياة لمن تنادي. # وكان يوسف بك حينئذ يتأمل حسن ويذرعه بنظره من قدميه إلى قمة رأسه وكأنه يقول في ~~نفسه: أفي هذا الجسم الصغير والعمر الحديث يوجد هذا الفكر العالي وهذا الإقدام العجيب ~~وهذه النفس العظيمة؟ وبعد ما تأمله هنيهة قال: إني أرجح فوزك يا حسن، فأقدم وأنا ~~معك. ~~- نعم إذا كنت يا عزيزي يوسف ذا ثقة بنفسك، وتعتقد أن ما يفعله كبراء الأجانب في ~~بلادهم - وغيرها - ليس من أعمال الآلهة وإنما هو عمل بشري في مقدور كل بشر ms023 ذي همة ~~وإقدام وبصيرة. إذا كنت تعتقد ذلك فلا تتوقع إلا الفوز والنجاح لمشروعنا. # فنظر يوسف إلى حسن - مبتسما - وقال: يا لله ما أعظم فعل الحب! لعمري لولا عهودك ~~المقدسة لنعيمة لما كنت أجد فيك هذه العزيمة العجيبة - على ما أظن. ~~- لا أنكر عليك أن حبي لنعيمة يدفعني إلى ركوب متن الشدائد والعظائم ويصور لي ~~المستحيلات ممكنة، على أن هذا الحب الجليل لم يفقدني عقلي بل أزكى نار ذكائي، فلا ~~أدخر جهدا في سبيل الصعود على سلم العلى؛ لكي أعجب عدلي باشا وأكون فخرا لنعيمة، ~~بحيث إنهما يؤثرانني على أي طالب آخر. ~~- ولكن لا تنس يا حسن أن منازعك شديد البأس بأهله، فأخاف أن يفوز عليك. ~~- يستحيل أن يفوز إذا أصرت نعيمة على أن لا تقبل يد طالب كما عاهدتني سرا، ولا ~~سيما إذا كان حسين باشا كما نعرفه يحب ابنته ويعقل الأمور جيدا ويدرك عاقبة الإكراه، ~~وقد جددت نعيمة ذلك العهد معي في العام الغابر لما عدت إلى مصر في فصل الصيف لكي ~~أشاهدها وأطلعها على أخبار نجاحي، وإذا لم أفز بآمالي قبل ذلك الميعاد فلا أكون ~~مستحقا ليد نعيمة، وفي هذه الحالة أنفي نفسي من هذا الوجود وأدعها تنعم بمن اختاره ~~الله زوجا لها. ~~- إني أفضل جدا أن تكون أنت نصيب نعيمة يا حسن، ولكني أخاف عليك من منازعك - كما ~~قلت لك - فأحذرك منه. ~~- لقد أثرت ظنوني يا يوسف بهذا التنبيه المتكرر، فهل هناك من سبب يوجب هذا ~~التنبيه؟ # فحاول يوسف أن يغالط حسن في ظنه قائلا - بلهجة باردة: كلا لا شيء، وإنما أقول لك: ~~إن التنازع في مثل هذا الموضوع يفضي - غالبا - إلى مغبات محزنة. ~~- لا بد أن يكون في المسألة سر فلا تخف علي يا يوسف شيئا له مساس بي؛ لئلا يحصل لي ~~أذى بسبب إخفائه، اللهم إلا إذا كان الأمر سرا يتعذر عليك أن تبوح به. ~~- لا أخفي عليك - وأنت الصديق الحميم - أن هناك سرا جليلا هائلا قد يكون له مساس ~~بعلاقتك مع نعيمة، في ms024 حين أن خليل بك يعد قلبه بقلبها ؛ ولذلك أؤثر أن أسره إليك؛ لكي ~~تكون على بينة من أخلاق خصمك وخفيات قلبه وثبات ذوي قرباه، وأنت تعلم أن خليل بك وأهله ~~أصدقائي، ولكني في الحقيقة لا أسكن لصداقتهم ولا أرضى عن أعمالهم الخفية، ولا أجسر - من ~~الجهة الأخرى - أن أتظاهر بالعداء لهم، بل أداريهم؛ اتقاء لشرهم. ~~- إني لا أعرف هؤلاء القوم إلا معرفة سطحية، وإذا لم يكن بد من مناظرتهم لي فلا بد ~~لي من الاطلاع على جميع أخبارهم وأحوالهم، واكتشاف ما يمكن من أسرارهم، فإن كنت تروي لي ~~ما تعرفه عنهم تخدمني خدمة جليلة يا يوسف. ~~- لا أضن عليك بشيء، فاسمع حكاية سرية أسرها إليك وأرجو أن تقسم لي بأن ~~تكتمها. # | الفصل السادس # قال أقص عليك هذه الحكاية السرية يا عزيزي حسن؛ لأن بدءها يشبه بدء قصتك مع نعيمة؛ ~~ولهذا أخاف أن تنتهي حالتك كما انتهت الحالة في قصتي. ~~- هات، لنرى. ~~- هل تتذكر فتى يدعى شاكر بك نظمي بن إبراهيم باشا خيري. # ففكر حسن هنيهة، وهز رأسه، وقال: كلا لا أذكر أحدا بهذا الاسم، فمن تعني؟ ~~- لا. لا أنتظر أن تذكره؛ لأنك كنت صغيرا جدا حينئذ، ولم يكن لك اختلاط ~~بأمثاله، كم عمرك الآن؟ ~~- نحو العشرين. ~~- عجبا. إن الذي يراك يظنك في الرابعة والعشرين! فقد كنت إذن حينئذ في الثامنة من ~~عمرك، وكنت أنا في السادسة عشرة من عمري؛ لأنه قد مضى على الحادثة نحو اثني عشرة سنة ~~تقريبا. ~~- ماذا تعني بقولك حينئذ؟ ~~- أعني بها يوم فر هذا الفتى الذي أكلمك عنه. ~~- ما قصته؟ ~~- كان شاكر هذا فتى في ريعان الشباب، وكان يشبهك في بعض الأخلاق، وربما تشابهتما في ~~المزاج، بيد أنه كان أرق منك جسما، وكنت أعرفه جيدا كما أعرفك، وكان صديقي كما أنك ~~صديقي، وهو لا يكبرني بأكثر من سنتين أو ثلاث سنين. # كان هذا الفتى مغرما بزينب ابنة حمدي باشا رفعت الذي كان من بعض المقربين لإسماعيل ~~باشا الخديوي الأسبق، وهو - كما لا يخفى عليك - ابن عم ms025 حسين باشا عدلي. ~~- نعم نعم، سمعت شيئا عن الموضوع، سمعت أن فتى طلب يد زينب من أبيها، ثم ظهر أنه ~~مجرم ففر، نعم سمعت أطراف هذه الحكاية في عهد حداثتي، ولكني لم أكن حينئذ ~~لأعبأ بها. ~~- وكان عزيز باشا نصري - وحينئذ كان بك - أخو خليل بك مجدي مناظرك يطلب يد زينب ~~أيضا لا حبا بها، بل طمعا بميراثها العظيم؛ لأنها الوارثة الوحيدة لحمدي باشا رفعت ~~أبيها؛ إذ لم يكن له بنون ولا أقارب سواها، أما زينب فكانت تحب الفتى شاكر بك نظمي؛ ~~لأنه أجمل من عزيز باشا وجها وأوفر عقلا وأرقى أدبا. وهي - كما لا يخفى عليك - من ~~نادرات أترابها في عقلها وآدابها وجمالها، بل هي أفضل امرأة عندنا في آدابها. # على أن أباها المرحوم حمدي باشا كان صديقا حميما لحامد باشا حسني أبي خليل بك وعزيز ~~باشا منذ حداثتهما، وكان لحامد باشا الفضل الأكبر في تقريب حمدي باشا إلى الخديوي ~~إسماعيل باشا، وأنت تعلم أن بيت حامد باشا عريق في المجد والجاه؛ ولهذا كان حمدي باشا ~~أبو زينب يود أن يعطي يدها لعزيز ابن صديقه، ولكن زينب كانت تجاهر لأمها بأنها لا ~~تريد عزيز، وأخيرا جاهرت بأنها لا تقبل غير شاكر بك نظمي حليلا، ولما كان أبوها يحبها ~~ويجلها جدا لم يشأ أن يرغمها إرغاما على التزوج بعزيز وإنما أظهر لها استياءه ~~من استقلالها برأيها. # وقد اتخذت حينئذ جميع الوسائل لإقناع زينب بأن تقبل عزيز زوجا فأبت بتاتا حتى ضاق ~~الكل ذرعا في إقناعها، ولما قلت الحيل على عزيز وذوي قرباه صرفوا همهم إلى ~~استنباط الطرق في إزاحة شاكر من السبيل، فاستعاروا ضمير إبليس وتلقنوا علومه ونصبوا ~~لشاكر فخا مهلكا. # فقال حسن حينئذ: بالله، ماذا فعلوا؟ ~~- كان عزيز باشا مجدي من الشبان المنغمسين بالرذائل فكانت له عشيقة أو قل: رفيقة ~~أجنبية تدعى كارولين، وقد زعموا حينئذ أنها كانت ذات صلة بشاكر بك وأنها كانت تحبه، ~~وأن عزيز كان يستاء منها جدا إذا اتصلت بشاكر لأقل أمر. على أني لم ms026 ألاحظ قط أن ~~شاكرا كان يعرفها أو أنه كان يتصل بها لنكاية عزيز، وقد علمت أن أولئك الأشرار أشاعوا ~~هذا الزعم؛ لأنه من جملة أدوات الفخ الذي نصبوه لشاكر. # وفي إبان الاشتغال بمسألة استرضاء زينب كنت يوما مارا وحدي بعد منتصف الليل أمام ~~سراي حامد باشا حسني أبي عزيز وخليل، فسمعت السائس والحوذي من داخل الإسطبل - والباب ~~مقفل - يتناقشان بالكلام تناقشا حادا، ولكنه خافت، وقد نبهني إليهما قول الحوذي: ~~«لقد انقضى الأمر وقتلت، فالأفضل لك أن تتشجع وتصر على الإنكار لئلا تقع التهمة ~~علينا.» والظاهر أنهما لم يسمعا وطء قدمي؛ لأن الأرض لم تكن محصوبة هناك فوقفت قرب ~~الباب أتسمع ماذا يقولان؟ فقال السايس: إن ضميري يبكتني جدا يا محمد، وأود أن ~~أهرب. ~~- إنك «عبيط» يا علي. ألا تعلم أن فرارك يثبت عليك الجناية، وإلى أين تفر ولا ~~تستطيع الحكومة أن تقبض عليك؟ ~~- إني خايف جدا يا محمد. ~~- لا تخف يا أخي فإن الجناية لاصقة بشاكر بك نظمي؛ فقد ربطنا رأسها بمنديله ووضعنا ~~عقدته في فمها، فضلا عن التحرير الذي وضعناه في جيبها تقليد خطه، وكل الذين يعرفونه ~~يعرفون أنه ينازع مولانا عزيز بك هذه الفتاة الكافرة، فماذا علينا نحن؟ يجب أن نفرح ~~ونسر بالمكافأة العظيمة التي حصلنا عليها؛ فإن عشرة فدادين لكل منا تعد ثروة عظيمة. ~~أطال الله عمر البك، وإياك وأن تتظاهر بأنك صرت ذا أطيان؛ لئلا تنبه الأنظار ~~إليك. # وعند ذلك كنت أسمع نبضات قلبي بأذني من الجزع؛ ولا سيما إذ عرفت أن مكيدة منصوبة ~~لصديقي شاكر، فذهبت في الحال إلى منزله وقرعت ففتح الباب، ولحسن الحظ لم ينتبه أحد من ~~الجيران لي فسألت البواب: «هل عاد شاكر بك؟» فقال: «الآن صعد إلى غرفته.» فصعدت في ~~الحال، وقرعت الباب قرعا خفيفا، ففتح، وإذا هو قد خلع ملابسه ولبس قميص النوم، فقال - ~~باسما: أهلا ومرحبا، خير إن شاء الله؟ # فحاولت في أول الأمر أن أتجنب مباغتته بما يقلقه، ولكنه لم يخف عليه قلقي ~~واضطرابي وأنا أقول له: ليس ms027 إلا الخير. ~~- بل أراك مكفهر الوجه، فقل ، ما الخبر؟ ~~- أتيت لكي أنذرك بمكيدة منصوبة لك. ~~- أية مكيدة؟ ~~- اسمع فأقص عليك ما عرفته وما سمعته مصادفة. # وجعلت أقص عليه حديث السايس والحوذي بحروفه، فاضطرب وجزع، وقال: ماذا فهمت من كل ~~ذلك؟ ~~- فهمت أن عزيز وأهله دبروا مكيدة لقتل الفتاة كارولين بحيث تقع التهمة عليك. ~~- ولكن عزيز يحب كارولين. ~~- لا تحسبه يعرف معنى الحب، بل قل إنه قد استخدم هذا الحب الدنيء لغايته، وقد قتلها ~~على أسلوب يوقع التهمة عليك؛ ليزيحك من سبيل زواجه من زينب. ~~- يا الله! أين قتلوها يا ترى؟ ~~- لم أقدر أن أفهم ذلك من حديث السايس والحوذي. # وكان شاكر ينتفض من الجزع، فقال لي: والآن ما رأيك؟ ~~- رأيي أن تسافر غدا صباحا إلى الإسكندرية في أول قطار، وفي عصر الغد تبحر باخرة ~~إفرنسية إلى أوروبا فانزل فيها كأحد المسافرين، فإن ثبتت التهمة عليك في التحقيق بقيت ~~في أوروبا، وإلا عدت. ~~- ولكن ألا تظن أن سفري يعد هربا، فيضرني أكثر مما ينفعني؟ ~~- كلا؛ لأنه ليس بصورة الهرب، بل أنت مسافر كعادتك من جملة المسافرين الذين ~~يصطافون، والوقت الآن وقت سفر الاصطياف فلا يدعو سفرك إلى الاشتباه بك؛ ما دمت تتظاهر ~~خالي الذهن من هذه الحادثة. ~~- صدقت، فأسافر كعادتي ومن حسن الحظ أن تذكرتي التي سافرت بها في العام الفائت لم ~~يفت موعدها بعد - على ما أظن - فلأبحث عنها بين أوراقي، لعلي أجدها. ~~- ابحث، ابحث عنها فإن وجدتها يكن الله قد دبر لك السفر خير وسيلة للخلاص من هذه ~~الأحبولة المنصوبة لك. # وفي الحال نهض شاكر إلى طامور أوراقه، وبحث فيه فوجد التذكرة كأن الله سهل له طريق ~~الفرار، فقلت له: ولك علي أن أشهد بأنك قلت لي منذ أسبوع إنك تنوي السفر؛ أشهد كذلك ~~لكي يثبت أنك لم تسافر على حين فجأة هربا من التهمة، فإن قبض عليك قبل أن تبرح ~~الباخرة بك فلا يضرك عزمك على السفر شيئا؛ لأنه ليس فيه صفة الفرار، وإن فزت ~~بالهرب خلصت على ms028 أي حال. ~~- ليس لي في بدء الأمر حيلة للخلاص من هذه المكيدة إلا ما تقول، فسأسافر غدا قبل ~~أن تعرف أمي؛ لئلا يحدث بيني وبينها من الوداع غير المعتاد ما ينبه أنظار الخدم ~~ويدعو إلى الشبهة، ولكن عليك أن تزورها في الصباح وتخبرها الأمر بكل حكمة وتسكن ~~بالها وتحثها على أن تكون حكيمة في رواية خبر سفري، وأن تظهر أن لها سابق علم ~~به. # وعند ذلك تركته والأفكار الهائلة المخيفة تقيمه وتقعده، ولا أظنه نام في ذلك الليل ~~من توالي الهواجس عليه، وفي اليوم التالي الساعة الثامنة صباحا زرت أمه فوجدتها ~~جاهلة خبر سفره، فحدثتها الحديث اللازم وحذرتها أن تفلت منها كلمة تؤيد ~~الشبهة. # وجعلت في ذلك الصباح أطوف على القهاوي؛ عساني أتنسم أخبار الجريمة فلم أسمع شيئا، ~~ومن حسن الحظ أنه لم يهتد إلى جثة القتيلة حتى العصر؛ لأنها كانت مخبوءة بين الأنجم ~~الغضة وراء أكمة الجزيرة الصناعية، فعثر عليها أحد الفلاحين مصادفة، وما وصلت إلى دار ~~المحافظة حتى الساعة الرابعة بعد الظهر، ولما فحصت الجثة وجدت مطعونة طعنتين بخنجر في ~~ظهرها ووجد رأسها معصوبا بمنديل حريري ومعقود من وسطه والعقدة في فمها، وفي جيبها ~~رسالة بالإفرنسية مختصرة هذا فحواها: # المدموازيل كارولين # يجب أن تلاقيني في هذا المساء في الجزيرة في نصف الليل فإن لي كلاما أقوله ~~لك. # شاكر نظمي # ولما تحرت المحافظة منزلها، واستجوبت جارتها وأترابها قيل لها: إن عزيز وشاكرا ~~يترددان عليها، ولا ريب أن عزيز لقن أولئك النساء هذه الشهادات فألقيت الشبهة عليهما، ~~وبفحص المنديل وجدت إحدى زواياه مطرزة بهذين الحرفين بالإفرنجية «ش. ن» وهما يصدقان ~~على اسم شاكر نظمي. # وفي الحال بثت المحافظة الشرطة في المدينة للقبض على شاكر بك. # فالذين أحدقوا بمنزله سألوا الخدم عنه فقالوا: إنه سافر إلى الإسكندرية منذ الصباح، ~~وسألوهم عن أمه فقالوا: إنها خرجت في مركبتها إلى النزهة في الجزيرة، فلحقت الشرطة بها ~~وأتوا بها إلى منزلها فاستجوبت عن ابنها فقالت: إنه منذ الأسبوع الفائت نوى أن يسافر ~~إلى أوروبا ms029 للاصطياف كعادته، وقد سافر اليوم إلى الإسكندرية ولا أدري في أي باخرة يبرح. ~~على أن الشرطة أخذوا من البيت بعض مناديله؛ لمضاهاتها بالمنديل الذي كان رأس القتيلة ~~معصوبا به. # وكانت حينئذ قد فاتت الساعة الخامسة، فأرسلت المحافظة تلغرافا إلى محافظة ~~الإسكندرية توعز إليها بالقبض عليه، ولكن من حسن الحظ أن الباخرة الفرنساوية كانت قد ~~أبحرت به وبسائر الركاب منذ الساعة الرابعة فنجا. على أن المحافظة أرسلت تلغرافات ~~متعددة إلى جميع الأساكل البحرية التي ترسو فيها الباخرة الفرنساوية تلتمس القبض عليه، ~~فأخفقت مساعيها، ولم أدر كيف وصل إلى نابولي وأفلت من أيدي الشرطة هناك؟ # كنت أسمع القليل من أخباره حينئذ، فكانت أمه تمده بالمال وسالم أفندي رحيم كاتب ~~دائرته يحرس أملاكه ويتصرف بها كما يشاء بمقتضى توكيل رسمي منه، وهو رجل أمين جدا ~~له، وما مضى نحو عام حتى كانت معظم أملاكه قد بيعت وأرسلت له نقودا - على ما ~~أظن. # وبعد نحو سنة توفيت أمه، وفي خلال ذلك كان عزيز باشا نصري قد فاز بأمنيته فزفت ~~إليه زينب بالرغم منها؛ لأنها كانت ترتاب بصحة التهمة التي ألقيت على شاكر، وعما قليل ~~توفي حمدي باشا فوضع عزيز يده على الثروة وجعل يستغلها، ثم تلا ذلك أن وردت أخبار من ~~إيطاليا تثبت وفاة شاكر هذا فوضع ذوو قرباه أيديهم على النزر الباقي من ثروته. # أما زينب فإنها تقاسي الآن العذاب المر من معاملة عزيز لها - كما تعلم - لأنه يحاول ~~أن يستلب منها ثروتها استلابا قانونيا، وهي تزداد تمسكا بها؛ لأنها توجس ~~منه شرا. هذه مجمل قصتي التي أسررتها إليك بغية أن تتعلم منها كيف تتقي ~~مناظرك. ~~- إنها لقصة هائلة يا عزيزي يوسف، وما كنت أظن هؤلاء القوم أشرارا إلى هذا الحد، ~~ولكن هل تؤكد أن شاكر بريء؟ ~~- من غير شبهة؛ لأني سمعت حديث السايس والحوذي القاتلين بأذني، ولا ريب أنهما ~~صادقان في شهادتهما على أنفسهما - وهما في خلوة لا يعرف بهما أحد. ~~- فإذا كان الأمر كذلك أظن - بل أرجح - أنه كان يمكن أن ms030 يبرأ شاكر لو بقي، وهربه ~~أبقى التهمة ثابتة عليه؛ إذ لم يقم من يدافع عنه. ~~- ولكن فراره كان أقرب إلى سلامته وأضمن. ~~- أما أنا، فلا أدع لخليل مجالا بأن ينصب لي شركا؛ فإني سأجتهد أن أرضي حسين باشا، ~~وإذا دبر لي مكيدة فأعرف كيف أسلم منها. ولكن لماذا لم يخطر لك أن تقوم شاهدا على حديث ~~الحوذي والسايس؟ ~~- لأني لجهلي الأصول القانونية خفت أن أقع تحت مسئولية أو أن يرتاب بشهادتي، وحينئذ ~~رأيت أن الفرار أسهل طريقة، وقد نجحنا فيها - والحمد لله. ~~- من تظن أنه قلد خط شاكر في تلك الرسالة؟ ~~- أرجح أن ديمتري ألكسيوس وكيل دائرة عزيز باشا وأخيه هو الذي كتب الرسالة؛ لأنه ~~جميل الخط الإفرنجي ويتفنن به كثيرا، فلا يبعد أن يكون هو الذي حاول في تلك الرسالة ~~تقليد خط شاكر، ولما قابلت المحافظة الرسالة بخط شاكر في بعض الأوراق الرسمية التي كانت ~~له في المحكمة المختلطة وجدتهما متشابهين جدا. ~~- وكيف اتصل منديل شاكر بالمجرمين؟ ~~- فهمت من كلام الحوذي والسايس أن ديمتري هذا هو الذي اختلس المنديل من جيب شاكر؛ ~~لأنه كان يتردد عليه كثيرا في المدة الأخيرة، وكان أحيانا يتثاقل عليه ويماشيه ويتحبب ~~إليه، وقد خطر لشاكر هذا الظن حين كنت أروي له حديث الحوذي والسايس، وأرجح أن ديمتري ~~هذا هو الذي زور الرسالة واختلس المنديل. ~~- ألا تظن أن زينب عرفت بهذه المكيدة بعدئذ أو خطرت لها؟ ~~- لا أدري، ولكن الأرجح عندي أنها لم تخطر لها، وليس أحد سواي يعرف بخبر هذه المكيدة ~~إلا الذين اشتغلوا بها. ~~- مهما يكن الأمر فإني ألوم زينب لنكثها عهدها لشاكر في حياته، فكان خليقا بها أن ~~تثبت على حبه حتى ينقذه الموت. ~~- ولكن ماذا ترجو منه بعد أن فر بتهمة جنائية. ~~- إذا كانت لا تعتقد بصحة التهمة فكان يجب أن تصبر إلى أن يأتي الفرج من عند الله، ~~وإذا لم تر بدا من نبذه من فؤادها فليس من شرف النفس أن تتزوج بخصمه، وأظن أن ~~العذاب الذي تقاسيه الآن هو ms031 عقاب خيانتها؛ ولا سيما أن أباها لم يرغمها. ~~- إنك تظلمها يا حسن؛ لأني أعرف أنها أكرهت أخيرا إكراها على الزواج بعزيز؛ ~~ولا سيما إذ احتج أهلها عليها بفرار شاكر من وجه تهمة القتل بعد ما كان مؤملها الوحيد. أما ~~العذاب الذي تقاسيه الآن فسببه مجرد لؤم عزيز فإنه جامع لأقبح المساوئ؛ سكير مقامر ~~فاسق، ولا يزال إلى الآن يساكن العاهرة الواحدة ويهجر الأخرى، وقد زاد شره هذا بعد ~~زواجه كأنه كان متظاهرا بالرشد قبل الزواج بغية أن يرضي المرحوم حمدي باشا، وإني ~~أؤكد لك أن حمدي باشا لم يرغب في تزويجه إلا اغترارا بأصله الرفيع وجاه أسرته، ولم ~~ينظر إلى شخصيته بعين الاعتبار؛ فجنى على ابنته أعظم جناية، وعندي أنه لو زوجها رجلا ~~أصغر من عزيز مقاما وجاها وأرقى عقلا وأدبا لفعل معها خيرا ورحمة، ولكن هذا الغلط ~~يرتكبه الكثيرون من أهل بلادنا. ~~- وهل يعد شاكر بك نظمي أوضع من عزيز باشا مقاما وجاها؟ ~~- من غير بد؛ لأن أسرة عزيز باشا قديمة ولولا ميراث شاكر الطائل الذي جمعه أبوه ~~وجده لكان خامل الذكر، ولكني لو كنت أبا زينب لفضلت شاكرا على مائة عزيز بقطع النظر ~~عن ثروته. ~~- أليس عزيز وأخوه غنيين؟ ~~- لا تتجاوز ثروتهما معا الستين ألف جنيه الآن. ~~- عجيب! أهذا فقط؟ ~~- فقط كان يمكن أن تكون أضعافها الآن؛ ولكن السكر والميسر استنزفاها، وذلك الخبيث ~~ديمتري المؤمن على دخلهما وخرجهما أضعفها أيضا حتى صارت له ثروة كبيرة من ~~ورائهما. # | الفصل السابع # كان يوسف بك رأفت وخليل بك مجدي في حانة نحو الساعة الثامنة مساء، ينتظران قدوم حسن ~~أفندي بهجت؛ لكي يذهبوا جميعا إلى الكوميدي فرنسز، فاستبطآه، فقال خليل بك: هلم ~~نسبقه فيوافينا متى جاء ولم يجدنا هنا. ~~- لا يليق بنا أن نسبقه بعد ما وعدناه أن ننتظره هنا، وإذا سبقناه فلا يوافينا كما ~~أؤكد؛ لأنه عزيز النفس جدا. ~~- هبه لا يوافينا، فماذا يكون؟ ~~- يكون أننا زغنا عن قاعدة الأدب. ~~- إني لأتعجب منك يا يوسف بك؛ فإنك تعبأ بفتى مثل حسن ms032 في حين أنك لا تجهل أنه ابن ~~رجل كان من حاشية حسين باشا عدلي، وعندي أنك باكتراثك بمثل حسن تحط من مقامك. ~~- لست من رأيك يا خليل بك؛ لأنك تعتبر الأشخاص بالنظر إلى أصلهم وجاههم الدنيوي، ~~وأنا أعتبرهم بالنظر إلى شخصيتهم وأهليتهم، نعم إن حسن ابن رجل من العامة، ولكنه ~~سامي العقل والنفس، ولو كان في بيوت كبرائنا وذواتنا كثيرون مثله لكانت بلادنا في ~~جملة البلاد الراقية. # فقزت نفس خليل بك واشمأز من هذا الموضوع وأحب أن يقفل بابه؛ لأنه من جهة لا يسلم ~~به، ومن جهة أخرى لم يدع له يوسف بك مجالا للرد، فقال: لا يهمني حسن ولا سواه وأنت ~~وشأنك معه، على أني أستعظم انتظار فتى كحسن، وماذا يضرنا لو سبقناه فلحق بنا. ~~- إذا حان موعد قدومه ولم يأت جاز لنا أن نسبقه، وحق لنا أن نلومه على إخلافه. أما ~~وميعاده لم يحن بعد فلا حق لنا أن نسبقه بعدما وعدناه أن ننتظره بل يحق له أن ~~يلومنا. ~~- وهبه لامنا فماذا يكون من أمره؟ ~~- يجب أن نراعي إحساساته؛ لأنه إنسان ذو مقام معتبر مثلنا. # فتبرم خليل بك من هذا الكلام وسكت، وبعد هنيهة قال: الحق أقول لك: إني لا أستحسن ~~علاقتك الودادية مع هذا الفتى؛ لأنك أرفع منه مقاما ولكنك حر فافعل ما تشاء. # وبعد هنيهة وفد عليهما حسن، فاستقبلاه - ولا سيما خليل بك - بالبشاشة والترحاب كأن لم ~~يكن شيء من حديثهما السابق. # ولما حان الموعد ركبوا مركبة درجت بهم إلى الكوميدي فرنسز. # ولما كانوا واقفين لدى نافذة التذاكر يشترون تذكرة مقصورة ويدفعون ثمنها وافى رجل ~~طويل القامة معتدل الجسم عليه كل دلائل النعماء والجاه والثراء، يتجاوز عمره الثلاثين ~~ومعه فتاة لا تكاد تناهز سن المراهقة، ولكنها ممتلئة الجسم مفتولة العضل شفافة الطلعة ~~صافية الرواء صبحة الملامح خصيبة الشعر. تقدم هذا إلى النافذة وطلب تذكرة مقصورة فقال ~~له صاحب النافذة: إن تذاكر المقاصير قد نفدت ولم يبق إلا بعض الكراسي الأولى. فأحجم ~~صاحبنا كأنه يأبى أن يحضر ms033 التمثيل إلا في مقصورة، وكان يوسف بك حينذاك لم يزل لدى ~~النافذة يدفع ويقبض، وحسن وخليل بك إلى جانبه، ثم قال لبايع التذاكر: أما من طريقة ~~للحصول على مقصورة ولو بضعف الثمن؟ فإني لا أستطيع الإقامة إلا في مقصورة لا لكبر ~~مني، بل لأن أمرا خاصا يحملني على ذلك. ~~- أتأسف يا سيدي على أنه ما من وسيلة لذلك، فلو سبقت بضع ثوان لكانت لك هذه ~~المقصورة التي بيعت الآن. # فالتفت يوسف بك إليه وقدم له التذكرة وقال: «هل تشاء يا سيدي أن تقبل هذه التذكرة من ~~رفيقي؟ فإنهما يقدمانها إليك بكل سرور ويكونان ممتنين لك بقبولها.» ونظر حينئذ ~~يوسف بك إلى رفيقيه كأنه يطلب إليهما الموافقة على تقدمته والتأمين على قوله، فحنيا ~~رأسهما معا، وقال حسن: تفضل يا سيدي بقبولها، وقال خليل بك: «لنا الشرف يا سيدي أن ~~تقبلها.» # فقال الرجل: لا يليق بي أن أحرمكم ليلة أنس اجتمعتم لأجلها. # فقال يوسف بك: كلا يا سيدي فإنا نأخذ كراسي. # فقال: نحن أولى بالكراسي وأنتم بالمقصورة؛ لأننا أتينا متأخرين. # فقال حسن: نرجو منك يا سيدي ألا ترد تقدمتنا؛ لأننا شرقيون يصعب علينا جدا رفض ~~التقدمة. # فتناول ذلك الرجل التذكرة وحنى رأسه شاكرا ودفع ثمنها ودخل بفتاته إلى رواق ~~المقاصير، وعند ذلك اشترى أصحابنا ثلاث تذاكر كراسي ودخلوا فاتفق أن كراسيهم كانت ~~قريبة من المقصورة التي جلس فيها ذلك الرجل وفتاته، فكانت أبصارهم تتلاقى بأبصاره ~~وأبصار فتاته فى خلال التمثيل. # ولما وافت فترة التمثيل التقى أصحابنا بذلك الرجل في منتصف الملعب، وتساقوا بعض ~~الخمور وتعارفوا وتصادقوا. # وفي اليوم التالي دعا طاهر أفندي أصدقاءه الثلاثة الجدد إلى مأدبة فاخرة في أعظم مطعم ~~أنيق في باريس، وأكرمهم لقاء مجاملتهم التي لقيها منهم في ملعب الكوميدي فرنسز، وكانت ~~فتاته معه، ولكن لم يعرفهم بها ولا عرفها بهم فخاطبوها وخاطبتهم من غير تعارف، ولم ~~يدع طاهر أفندي لهم مجالا للتعرف بها والتساؤل عنها، بل كانت رزانتها في معاملتها وفي ~~كل أمر يخصها تصدهم عن أن يسألوه ms034 عنها. # ولم تطل برهة تلك الوليمة كثيرا ؛ لأن طاهر أفندي كان كمن يتحذر من التمادي في ~~مصادقة القوم، ولكنه - مع ذلك - لم يتركهم إلا وقد ترك في أنفسهم ولعا به؛ لما صادفوه ~~من علو نفسه وكرم أخلاقه، وحسن أدبه واستقامة مبادئه، ولطف ذوقه وعشرته، ~~ولما تركته فتاته في قلوبهم جميعا من ثورة الهوى. # وفارقوه وهم يتقولون في حقيقة أمر فتاته، فبعضهم ظن أنها ابنته، وبعضهم حسبها ~~يتيمة وأنه يربيها لكي يقترن بها متى بلغت السن الموافقة، ولم يجسروا أن يسألوه في شيء ~~من ذلك؛ لأن نسق معاشرته إياهم لم يسمح لهم بمثل هذا السؤال، وجل ما دار من ~~الأحاديث بينهم الحديث عن مصر ومحاسنها وحركة الأشغال فيها، وما ينتظر من رواج ~~التجارة فيها، وقد دعوه إلى زيارة مصر وأظهروا استعدادهم لاستقباله فيها بالحفاوة، ~~فأظهر رغبته الشديدة في ذلك، وقال إن في نيته الذهاب إلى مصر لتأسيس محل تجاري ~~فيها. # | الفصل الثامن # أما حسن فكان أشد من رفيقيه افتكارا بأمر طاهر أفندي وما هو عليه من الخلق ~~الغريب، والمسلك العجيب والتحرز النادر، ولكنه أدرك أنه رجل عمل ذو همة وإقدام وحزم، ~~فخطر له أن يسعى في الاستعانة به على مشروعاته، وبعد أن تردد قليلا في مفاوضته قصد ~~إليه ذات صباح في فندق الكونتيننتال، وطلب مقابلته فاستقبله بكل بشاشة ولطف، وجلسا في ~~قاعة الاستقبال وحدهما. وبعد مجاملة قصيرة دارت بينهما كما تدور بين كل المستجدين في ~~الصداقة قال حسن: إني أعتقد فيك رجل جد وعمل، تعبأ بالجوهر دون العرض؛ ولهذا لا أرى ~~داعيا للتمهيد بالمجاملات والمقدمات توصلا إلى الموضوع الذي أود أن أفاوضك به، فلا ~~أخفي عليك إني قصدتك لكي أباحثك في مشروع مهم فهل تؤذن لي بذلك؟ ~~- أسمع حديثك بكل ارتياح وسرور، وأود أن أستطيع خدمتك في كل أمر. ~~- إنني ممتن للطفك العظيم على أن موضوع حديثي هو مشروع النفع فيه متبادل؛ ولهذا ~~أجرأ أن أكاشفك به. ~~- إذن المسألة مسألة شغل، وقد زدتني رغبة في السماع؛ ولا سيما لأني أتوسم فيك ms035 فتى ~~نبيها يعدك الزمان رجلا من رجال الأعمال، فهات ما عندك. ~~- لا يخفى عليك أن مصر سائرة بسرعة في سبيل العمران والمدنية الحديثة؛ بسبب ما دخل ~~إليها من الأجانب الذين ينقلون معهم معالم مدنيتهم؛ وبسبب قابليتها لذلك لوفرة غناها ~~وخصب أرضها، فلاح في بالي بعض مشروعات، لو أنشئت لها شركات في مصر لأتت بأرباح ~~باهظة؛ ولذلك أهتم في أن أستنهض همم بعض الوطنيين عندنا لإنشاء شركة ما حتى لا تكون كل ~~الشركات المالية في أيدي الأجانب وأرباحها لهم وحدهم؛ لأنهم ابتدءوا يتنبهون إلى ذلك، ~~وقد خطر لي أن أستعين بك في هذا الأمر؛ لأني أعتقد أنك تكون للشركة الوطنية خير ~~معين. ~~- إني مصغ إلى كلامك بكل لذة وسرور يا حسن أفندي، فأي المشروعات تراه قابلا ~~للنجاح. ~~- خطر لي أولا نشر النور الكهربائي في مصر وإسكندرية، ولكني رأيت هذا من الكماليات ~~التي لا يضمن رواجها والإقبال عليها. ثم خطر لي إنشاء بنك لتسليف النقود لفئة ~~الفلاحين بطرق سهلة؛ لتخليصهم من براثن المرابي الذي يمتص دماءهم، ولكن لم ينجل لي ~~هذا المشروع مضمون النجاح؛ لاحتمال أن البنوك الأخرى تسابق هذا البنك وتنازعه ~~النجاح والرواج، ثم خطرت لي مشروعات أخرى لم أرجح نجاحها إلى أن انتبهت إلى مشروع ~~الترام الكهربائي فتأملته جيدا؛ فتراءى لي أنه قابل النجاح جدا؛ لأنه أصبح من ~~الضروريات في بلد مثل مصر يزيد سكانها على نصف مليون نسمة، وهم في ازدياد مستمر ~~فالأقدام تتزاحم في شوارعها، وضواحيها تترامى، وحركة الإشغال فيها تستلزم تجاذب الناس ~~بين أطرافها ومركزها. # فتأمل طاهر أفندي كلام حسن هنيهة ثم رفع فيه نظره وقال: أرجح جدا أن مشروعك ~~الأخير ينجح إذا تألفت له شركة قوية؛ لأني اختبرت هذا المشروع عرضا في بعض مدن أوروبا ~~ولاحظت أنه ناجح وافر الأرباح. ~~- على أني لا أكتفي في تحقق المشروع بمجرد الفروض والتخمينات، بل صممت على أن أجول ~~في بعض مدن أوروبا وأطلع على إحصاءات كل شركة من هذا النوع - إن أمكن. ~~- تريد أن تدرس المشروع درسا فعليا. ~~- نعم. ms036 ~~- هذا ما لا بد منه ويدلني على أنك تأخذ الأمور بالاختبار الفعلي الشخصي، ولهذا أطمئن ~~إلى عملك ورأيك وسعيك، وعليه أعدك وعدا صادقا بأني أمد يدي مع يدك إلى العمل في هذا ~~المشروع، وإذا كان يقتضي لك نقفة كبيرة لدرسه فلك مني كلها أو ما تشاء منها. ~~- لا أخفي عليك إني لست ذا مال ولا يد لي في هذا المشروع إلا يد السعي والعمل ~~بهمة ونشاط، والاهتمام في دعوة الناس إلى الاشتراك في الشركة. ~~- حسبنا ذلك ولك مني أن أقدم جانبا كبيرا من المال لتأسيس الشركة، فادرس ~~المشروع جيدا، ومتى انتهيت من دراسته نتباحث مليا فيه. ~~- إني كبير الأمل بالنجاح أيها الصديق، وقد فاوضت قبلك صديقي يوسف بك رأفت فوافقني ~~عليه، ووعد أن يشترك معي به، وها أننا قد صرنا الآن ثلاثة. ~~- وهل يوسف بك غني؟ ~~- نعم، تبلغ ثروته نحو أربعين ألف جنيه. ~~- فقط؟ ~~- ألا تكفي لكسب الثقة في مشروع كهذا؟ # فسكت طاهر أفندي عن هذا الموضوع، وسأل: وخليل بك أليس غنيا؟ ~~- لا تربو ثروته وثروة أخيه على ستين ألف جنيه، ولكن زوجة أخي خليل بك غنية جدا ~~تبلغ ثروتها نحو مئتي ألف جنيه أو أكثر - على ما أظن. ~~- لا تؤاخذني على هذا السؤال يا حسن أفندي، فإنه يتراءى لك فضولا مني، ولكن له ~~سببا أسره إليك؛ لأني أتوسم فيك كتم السر. ~~- ثقتك في محلها يا طاهر أفندي، فقل - إذا شئت. ~~- رأيت خليل بك يتردد على محلات القمار الكبيرة، وقد التقيت به في بعضها غير مرة، إذ ~~أكون برفقة بعض أصحابي الأخصاء الذين يختلفون أحيانا إلى تلك المحلات بغية التسلية، ~~ومع أن الواحد منهم يملك ثروة تساوي مائة ضعف من ثروة خليل بك فقد وضعوا قانونا ~~لأنفسهم من مقتضاه، أن لا تتجاوز المجازفة الواحدة 10 جنيهات ولا الخسارة في لعبة واحدة ~~ستة جنيهات، ولكني رأيت خليل أول أمس ينافسهم في المجازفة حتى خسر نحو ألف جنيه واقترض ~~مني ليلتئذ نصفها، وأمس أتى إلي والتمس مني أن أقرضه 8 آلاف جنيه ms037 فوعدته، ~~والتمست منه أن يشهدك ويوسف بك على الصك ؛ لأني أعرفكما وتعرفانه. ~~- ليتك يا طاهر أفندي لا تقرضه؛ فتصنع معه رحمة من جهة ولا تجازف بنقودك من جهة أخرى؛ ~~لأنه سيقامر بهذه الآلاف، والأرجح أنه يخسرها. ~~- لم يسعني إلا أن أعده يا حسن أفندي، ولم يعد في طوقي أن أنكث بوعدي معه، ولو ~~تأكدت أني طارح هذه الآلاف في البحر، وهبني لا أستردها فلا تهمني قط؛ لأني - والحمد ~~لله - في سعة. # فتأمل حسن هذا الكلام، وقال في نفسه: إذن كم تبلغ ثروة هذا الرجل؟ # | الفصل التاسع # بينما كان حسن أفندي بهجت يفاوض طاهر أفندي عفت في قاعة فندق كونتيننتال كان خليل بك ~~مجدي في غرفة يوسف بك رأفت يتفاوضان المفاوضة التالية: # قال: لو تعلم يا عزيزي يوسف أي حد بلغت المودة بيني وبين طاهر أفندي، فقد أصبحنا ~~صديقين حميمين، وقد صادفت من كرم أخلاق هذا الرجل العجب العجاب. ~~- لا ريب عندي أنه رجل نبيل جدا والظاهر لي أنه ذو ثروة كبيرة جدا. ~~- جدا جدا - على ما أرى - وقد اجتمعت به في هذا الأسبوع في محل من محلات القمار ~~فاحتجت إلى خمسمائة جنيه فقدمها لي في الحال، كما يقدم أحدنا للآخر الجنيه ~~الواحد. ~~- إذن هو مقامر. ~~- لا أظنه من المولعين بالقمار؛ لأنه يأتي مع قوم من أهل الثراء في باريس، ~~يختلفون أحيانا إلى محلات القمار؛ بغية التسلية فلا يلعبون بمبالغ طائلة، أما هو فلم ~~يلعب إلا نادرا، بل كان أكثر الأوقات متفرجا. ~~- ولكن لا بد أن يصبح مقامرا مثلك - بعد حين - إذا طال تردده على هذه ~~المحلات. ~~- لا أظن يا يوسف بك؛ لأنه يظهر أن الزمان تقلب كثيرا على هذا الرجل، حتى لم ~~تعد تؤثر عليه هذه العادات، ومع كل فهو وشأنه، على أنه قد أظهر لي مودة فائقة وذكر ~~لي مرارا أنه يود أن يخدمني أي خدمة أبتغيها، ولا أخفي عليك أني مديون كثيرا وكنت ~~أظن أني أربح من القمار ما يفي ديوني كما ربحت في الأشهر السابقة فخاب فألي. ms038 # فقاطعه يوسف بك قائلا: ليتك خسرت أولا؛ فربما كانت الخسارة تردعك عن اللعب، فإلى ~~متى يا خليل بك أنت مفتون بهذه العادة المدمرة؟ ~~- وحقك، إني شاعر بغلطي وجهالتي وقد حصل ما حصل، وطاهر بك وعدني بأن يقرضني ثمانية ~~آلاف جنيه على أنه طلب أن توقع أنت وحسن على الصك بشهادتكما. ~~- ثمانية آلاف جنيه يا خليل؟! ~~- أتعني: أنه مبلغ كبير علي اقتراضه أم على طاهر أفندي إقراضه؟ ~~- أعني كلا الأمرين. ~~- أما أنا فإني مدين هنا بكثير يا يوسف، وأما هو فالثمانية آلاف جنيه ليست شيئا يذكر ~~عنده، ولما طلبتها منه وعد بها في الحال - كما لو طلبت منك جنيها - ولما ذكرت له ~~مسألة الفائدة استاء مني وقال لي: ليس بيننا مثل هذه الطفائف وإنما أرجو منك أن تشهد ~~فيه صديقيك، ولكن شهادة حسن على الصك أود أن أتجنبها؛ لأنه يصعب علي جدا أن يعرف ~~أني مدين بمبلغ كبير كهذا، ولو لم يكن طاهر أفندي نفسه هو الذي طلب شهادتكما لكنت أبحث ~~عن شاهد آخر غير حسن، فما العمل يا يوسف؟ ~~- لا أظن إشهاد حسن معرة يا خليل حتى تتجنبه، فحسن أنبل مما تظن، وإذا أوصيناه أن ~~يكتم أمر الصك يستحيل أن يبوح به، فلا بأس أن تشهده إذا كان مقرضك يريد ذلك. # فتقمقم خليل وتبرم، وقال: لا أحب أن يكون هذا الغلام مطلعا على أحوالي ~~الداخلية، ولكن لا بأس. دعني أكتب هذا الصك هنا. # وفي الحال جلس إلى المكتب وكتب الصك، وما كاد ينتهي منه حتى دخل حسن باسم الوجه ~~مشرق المحيا، فقال له يوسف: أراك يا عزيزي حسن مشرق الطلعة فعساك مشرق القلب ~~أيضا! ~~- كما تظن؛ فإني كنت أقضي مهمة، فنجحت - والحمد لله. # فقال له خليل بك: أظنك ظفرت بقلب غادة. ~~- بل شيء أفضل من قلب الغادة لي الآن، وأنت تعلم أن الأمور تتمنى بحسب الحاجة ~~إليها، فإذا كنت يوما في ظماء شديد كانت كأس الماء أفضل عندك من الغادة. ~~- صدقت، والآن أنا في حاجة إلى ثمانية آلاف جنيه لمشروع ms039 مهم ومفيد جدا، وقد ~~سألتها صديقنا طاهر أفندي فوعدني بها بكل بشاشة، وها إني قد كتبت الصك فألتمس منك أن ~~تشهد علي أني قبضت المبلغ الذي فيه. # فوقع حسن ثم يوسف وطوى خليل الصك وجلسوا جميعا يتحادثون إلى أن قاربت الساعة العاشرة ~~فتفرقوا. # | الفصل العاشر # انتهت السنة المدرسية وأقفلت المدارس والكليات، ونال أصحابنا الثلاثة كل شهادته، ~~حسن أفندي بهجت شهادة محام، ويوسف بك رأفت شهادة طبيب، وخليل بك مجدي شهادة مهندس. أما ~~حسن فبرح باريس إلى بعض مدن أوروبا في مهمته التي عرفها القارئ، وأما يوسف وخليل ~~فبقيا في باريس؛ ليقضيا فصل الصيف فيها. # في ذلك الحين برح إلى أوروبا عزيز باشا نصري أخو خليل بك؛ لكي يصطاف حسب عادته فوصل ~~أولا باريس حيث التقى بأخيه على نية أن يطوفا معا في بعض حواضر أوروبا ~~الجميلة. # وكان لأول التقائهما أن خليل جعل يقص على أخيه أخبار صداقته وعلاقته بطاهر أفندي عفت ~~التركي، وما ناله من صداقته من الفوائد، وما يؤمله في المستقبل وكان أهم حديثهما ما ~~يلي: # سأل عزيز: من طاهر أفندي هذا؟ # فقال خليل: الذي استفدناه من خلال أحاديثه أن أباه تركي الأصل، من أهل الأستانة، ~~وقد هاجر في صباه إلى مصر وتزوج فيها امرأة مصرية وعادا معا إلى الأستانة حيث رزقا ~~طاهرا هذا، وما كاد يبلغ سن الشباب حتى فجع بأبيه أولا ثم بأمه، ولم يكن له من ~~الميراث ما يستحق الاعتبار فجمع ماله القليل، وتنقل في بعض مدن البلقان وهو يشتغل في ~~التجارة إلى أن وصل إلى فينا عاصمة النمسا، وهناك أنشأ محلا تجاريا نجح فيه شيئا ~~فشيئا حتى أصبح أخيرا من أكبر البيوت التجارية في تلك الحاضرة العظيمة، وقد ساعده ~~التوفيق في بعض عمليات في البورصة فربح أرباحا طائلة جدا. ~~- كم تظن أن تبلغ ثروته؟ ~~- الله أعلم، ولكني أظن أنها فوق المليون جنيه وربما كانت مليونين أو ثلاثة أو أكثر؛ ~~لأني لم أستطع أن أعرف داخلية هذا الرجل؛ فإنه كثير الكتمان لأخباره عن نفسه، على أني ms040 ~~أؤكد أنه غني جدا؛ لأنه ينفق عن سعة ولا قيمة للألف جنيه عنده أكثر من قيمة الجنيه ~~عندي وعندك. ~~- وأي فائدة جنيت من صداقته؟ ~~- أسر إليك أني استدنت منه ثمانية آلاف جنيه بغير فائدة. ~~- يا الله، ثمانية آلاف جنيه! وما حاجتك إليها؟ ~~- كنت مديونا بمعظمها، وقصدت أن ألعب بالفضلة. ~~- وهل تحسب هذا الاقتراض خدمة قدمها لك صديقك هذا؟ ~~- من غير شك؛ لأني لولاه لكنت وقعت بين براثن الدائنين وأوسعوني إهانة، واضطروني أن ~~أكتب إليك بأن تبيع من عقاري وتبعث لي بالثمن لأوفي ديوني. ~~- إنك جاهل غر؛ لأنك لا تدري أن صاحبك هذا بإقراضه إياك مبلغا عظيما من المال ~~سهل لك طريق القمار، فإذا خسرت فماذا توفيه من غير ثمن عقارك بعد هذا؟ قل لي هل ربحت ~~أم خسرت؟ ~~- خسرت. ~~- فإذا كنت بلا بخت في اللعب أو لا تعرف جيدا، فلماذا تورط نفسك؟ وماذا توفي ~~صاحبك هذا غير ثمن قسم من أطيانك؟ # فضحك خليل بك قائلا: لا تخف؛ قد محي هذا الدين من دفتر صاحبنا. ~~- هل أبرأك منه؟ ~~- كلا، بل وقع الصك بين يدي فحفظته، وهاك هو. # وعند ذلك مد خليل يده إلى جيبه وتناول حقيبة واستخرج منها ورقة ودفعها لأخيه، ~~فتأملها عزيز باشا قائلا: كيف اتصل بك؟ أبرضاه؟ ~~- كلا، بل اختلاسا. ~~- كيف حصل ذلك؟ ~~- كنت معه ذات يوم في حانة نشرب ونطرب بأحاديثنا، وقد تمكنت الصداقة بيني وبينه ~~تمكنا متينا، ولما أوشكنا أن ننطلق استدعى بخادم الحانة ليدفع له ثمن الأشربة، ~~وفتح حقيبته وأخذ منها ورقة بنك ودفع منها المطلوب، وحينئذ لمحت هذا الصك بين ~~أوراقه، ولما خرجنا طلب إلي أن أمضي معه إلى الفندق الذي ينزل فيه؛ لأن سؤرة ~~السكر شديدة فيه فصحبته، ولما وصلنا إلى غرفته خلع ملابسه ولبس لباس النوم وخرج ~~لقضاء حاجة، فحدثتني نفسي حينئذ أن أغتنم الفرصة لاختلاس الصك، فغافلته، وفي الحال ~~فتحت الحقيبة التي في جيبه واختلسته منها، ولما عاد قلت له: الأفضل أن تنام الآن ~~فقال: استدع لي فتاتي من الغرفة المجاورة؛ لأنها ms041 مع جارتها فاستدعيتها وودعتهما ~~ومضيت. ~~- إنك لشيطان يا خليل ، فيجب أن تتلف هذا الصك - ومزقه عزيز باشا - ولكن قل لي: ~~من هي فتاته هذه؟ ~~- هي فتاة في فجر الشبيبة، لا تزيد سنها على أربع عشرة سنة، جميلة بقدر ما يمكن أن ~~يكون الجمال. أما ما هي نسبتها إليه فالله أعلم؛ لأنه يعاملها شبه معاملة المخدرات، ~~وندر أن جمعنا بها، وإذا اجتمعنا كان هو في غاية الرزانة؛ لكي يضطرني أن أكون ~~رزينا معها جدا، وإلى الآن لم يكلمها أكثر من عشر كلمات أمامي، ولم أعلم اسمها، ~~ولكني أكاد أقع في حبها. ~~- إياك أن تفعل يا خليل؛ فإنه لا أفضل لك من نعيمة؛ لأنها ذات ميراث كبير وهي ~~كالنعجة تتصرف بها كما تشاء، وتلعب بها لعب الصبية بالأكر، فإياك أن يخطر لك فكر ~~الزواج بفتاة غير نعيمة، ولا أظن تلك الفتاة أجمل منها وإن كانت أجمل منها في عينيك؛ ~~فلأنها قريبة ونعيمة بعيدة، والرجل هوائي ينجذب إلى الجميل القريب. ~~- وهل قررت مسألة نعيمة؟ ~~- من غير بد؛ فقد وعدني بها أبوها حسين باشا الوعد الصادق، ولم يبق إلا أن تعود ~~إلى مصر وتعقد العقد. ~~- ولكني أخاف أن نعيمة ترفض. ~~- لماذا؟ أتنتظر أفضل؟ ~~- لا أدري، وإنما أدركت هذا مرة في الصيف الماضي إذ كنت في مصر، وسمعت بعض الأقاويل ~~بهذا المعنى. ~~- لا تهتم بهذا الشأن، فلا بد أن تقبل بالرغم منها إذا لم تشأ برضاها. ~~- ندع هذا الأمر إلى حينه إذن. ~~- نعم، لكن يجب أن تصرف فكرك عن كل أنثى غير نعيمة، ولنعد إلى حديث صاحبك. أما ذكر ~~لك أمر الصك؟ ~~- كلا البتة، كأنه لم يسرق منه، ولا ظهرت عليه علامات الاهتمام! ~~- أتظنه لم يعلم بعد أن الصك مفقود؟ ~~- لا أدري، ولكنه يفتح تلك الحقيبة دائما؛ تارة لإيداع الأوراق المالية فيها، وطورا ~~لأخذها، ولعله لما افتقد الصك في الحقيبة ولم يجده ظن أنه نقله إلى محفظة أخرى ~~فاطمأن باله، أو أنه نسي أنه في محفظة الأوراق المالية الصغيرة. ~~- ومهما يكن الأمر، فأظن أنه إلى ms042 الآن لم يعلم. ~~- وماذا تظنه يفعل إذا علم؟ ~~- لا أظنه يكترث، وجل ما هناك يقول لي: إنه مفقود. ~~- وحينئذ ماذا تفعل؟ ~~- حينئذ تنتهي صحبتنا؛ لأني إما أن أنكر دينه أو أدعي أني أوفيته إياه؛ لئلا يستشهد ~~علي بيوسف بك رأفت وحسن بهجت اللذين وقعا بشهادتهما على الصك، ولكن لا أظنه ~~يفاتحني بهذا الحديث إذا علم أن الصك مفقود، بل يتركني أوفيه من تلقاء نفسي. ~~- خطر لي يا خليل خاطر، أود أن أنتهز الفرصة لتنفيذه قبل أن يعلم صاحبك بفقد ~~الصك. ~~- ما هو؟ ~~- أن أستدين منه مبلغا طائلا. ~~- وأنا أسرق الصك منه؟ # فضحك عزيز باشا لجواب أخيه ضحكة المؤمن على قوله، وقال: أخاف أن تقع في فخ ينصبه ~~لك الرجل بسكوته. ~~- لا. لا. ظنك في واد والحقيقة في واد؛ فأولا أن طاهر أفندي هذا يودني جدا ويعتقد ~~بي اعتقادا حسنا، وثانيا أن النقود لا قيمة لها عنده البتة، وقلبي يحدثني أنه لو ~~علم بفقد الصك لتناساه. ~~- إذن لا خوف من تنبيهه إذا التمست منه قرضا بعد ما تعرفني عليه. ~~- لا أظن. كم تريد أن تقترض منه؟ ~~- لا أقل من عشرين ألف جنيه. ~~- بأي داع تلتمس منه هذا المبلغ؟ ~~- بداعي أني اشتريت في مصر عزبة كبيرة، ولا أزال أحتاج من ثمنها إلى هذا المبلغ، ~~وبالطبع لا أجسر أن التمس منه قرضا كبيرا كهذا إلا إذا توثقت الصداقة بيننا ~~جدا، وكانت صداقته لك شديدة - كما تقول. ~~- سأجمعك به وسترى. ~~- وماذا يفعل هنا؟ ~~- يتنزه، ويقول إن في نيته أن يذهب إلى مصر؛ لكي يؤسس محلا تجاريا فيها، أو أن ~~يشتغل أشغالا مالية. ~~- حسن جدا؛ إذا كان يريد الذهاب إلى مصر فقد سهل علينا سبك الحيل عليه. متى ~~نجتمع به؟ ~~- في هذا المساء. # | الفصل الحادي عشر # في صباح اليوم التالي كان خليل بك وأخوه عزيز باشا في فندق الكونتيننتال؛ يلتمسان ~~مقابلة طاهر أفندي، فاستهلهما أحد رجال البطانة في قاعة الاستقبال ريثما يقدم طاهر ~~إليهما. # وبعد هنيهة أقبل طاهر عليهما فخفا لاستقباله في وسط القاعة، ودنا ms043 خليل بك منه ~~مومئا إلى أخيه وقائلا لطاهر أفندي : عزيز باشا مجدي، أخي. # فقال طاهر أفندي - موجها الخطاب إلى مجدي باشا: لي الشرف بمعرفة سعادتكم الآن، بل ~~أعتبر أنه قد سبق لي هذا؛ لأن أخاكم خليل بك أعز أصدقائي، ولطالما حدثني عن محامدكم ~~وشمائلكم، حتى إنه طبع في ذهني صورة تطابق هذه الملامح التي أراها فيكم الآن، فأعد ~~نفسي صديقا قديما لحضرتكم. ~~- إنك لطيف جدا يا طاهر أفندي، ونحن نعد صداقتكم فخرا لنا، وبها لنا أسمى ~~شرف. # وكانت أسرة خليل بك تبرق؛ من جراء هذه المجاملة التي حققت ظنه واعتقاد ~~أخيه. ~~- متى شرفتم سعادتكم؟ ~~- أمس. ~~- ليتني عرفت فكنت قدمت واجباتي! ~~- إنني لفي عظيم الامتنان للطفكم يا طاهر أفندي. ~~- عساكم تطيلون الإقامة في باريس! ~~- مدة الصيف فقط، ولكن لا بد من تجوالنا في بعض حواضر أوروبا على أننا نتردد إلى ~~باريس كثيرا. ~~- الحق أنه لا غنى للمصطاف عن هذه المدينة الزاهرة، ولا سيما في بعض الأحيان. ~~- وحضرتكم، باقون هنا في باريس؟ ~~- لا، على أني لا أدري متى أبرحها؛ لأن شغلي فيها نهايته غير معلومة، ولكن أظن أن ~~إقامتي فيها تتجاوز نهاية الصيف. ~~- وبعدئذ؟ لا تؤاخذني يا طاهر أفندي على هذا التساؤل، فإنما أسأل حضرتكم هذا السؤال؛ ~~لأن أخي ذكر لي أمس أن في نيتكم الذهاب إلى مصر. ~~- أفتكر بهذا الآن، ولكني لم أصمم عليه بعد تمام التصميم. ~~- ألم تزوروا مصر قبل الآن يا طاهر أفندي؟ ~~- كلا البتة، أمي من مصر؛ ولأجلها أحب مصر. ~~- مصر جميلة جدا في الشتاء، فأود أن تصمموا على الذهاب إليها. ~~- الأرجح أني أبرح إليها في نهاية هذا الصيف؛ لأن في نيتي أن أشرع بمشروع مهم فيها ~~إذا استصوبته بعدما أدرسه جيدا، فإذا لم أستصوبه سأنشئ فرعا تجاريا فيها - على ~~الأرجح - وهب أنه لم يبد لي من داع كهذا للذهاب إليها فزيارتكم في مصر أهم ~~داع. ~~- أهلا ومرحبا، ما آنس الأيام وأسعدها بلقياكم يا طاهر أفندي، إذن المشروع الذي ~~يجول في خاطركم غير تجاري؟ ~~- نعم. غير تجاري ولا ms044 بد من مفاوضة حضرتكم عنه في حين آخر بغية استشارتكم فيه. ~~- إن رجلا محنكا مثل طاهر أفندي لغني عن مشورة مثلي. ~~- ما هذا إلا مجاملة يا مجدي باشا؛ لأن سعادتك ابن مصر وأنا غريب عنها، فبالطبع أنت ~~أعرف مني بها. # وبعد حديث قصير بمثل هذا الموضوع انصرف عزيز باشا وأخوه على نية الالتقاء بطاهر ~~أفندي. # وفيما هما راجعان دار بينهما الحديث الآتي: ~~- لا أدري يا خليل لماذا شعرت بخفقان قلبي وأنا في مجلس هذا الرجل؟ كأن له رهبة في ~~فؤادي وهيبة في نفسي! ~~- الحق كما تقول؛ لأنه رجل قوي العقل والإرادة، ولكن متى ألفته راقت لك ~~عشرته. ~~- ما أدركت قصدي تماما؛ فإن أمر هذا الرجل يريبني، فالتفت به خليل قائلا: ~~لماذا؟ ~~- يقول إنه تركي الأصل، وقد ربي في الأستانة، وقضى معظم شبابه في بلاد النمسا، ~~ولكنه يتكلم العربية جيدا. أما لاحظت أنه في وسط حديثه عدل عن الكلام بالإفرنسية إليه ~~بالعربية من غير تكلف؟ نعم. في لغته لهجة التركية، ولكن كلامه صحيح بل فصيح، وفيه بعض ~~ألفاظ مصرية، مع أنه يقول: إنه لم يعرف مصر قط. ~~- أنسيت أن أمه مصرية؟ وأنت لا تجهل أن الولد يكتسب اللغة من أمه. ~~- سلمت بذلك، ولكني لم أزل في ريبة منه. ~~- خامرتني هذه الريبة مثلك؛ إذ سمعته يتكلم العربية واللهجة المصرية بادية في ~~كلامه، فقلت له في ذلك، فقال ما قلته لك، إنه أخذ هذه اللغة منذ حداثته عن أمه؛ لأنها ~~لم تكن تعرف لغة غيرها، وأبوه نفسه كان مضطرا أن يكلمها بها في دار الحريم؛ إذ ليس ~~فيها من يفهم التركية حتى إن الجارية كانت اصطحبتها أمه معها من مصر، فماذا تظن في ~~أمره؟ ~~- لا أدري، نعم إن ما تقوله مقنع، ولكني أرى في ملامح هذا الرجل ما يقلق بالي. ألست ~~ترى أن عينيه سوداوان كعيون الأتراك، ولكن شعره أشقر، ولا سيما شعر لحيته كشعور ~~النمساويين وغيرهم من أهل أوروبا، وفي هذين الأمرين تناقض للمألوف. ~~- مهما يكن من أمره فما لنا نحن وإلى ms045 الآن لم نصادف منه إلا كل طيبة؟ فدعنا نغتنم ~~فائدة من طيبته. ~~- وهو كذلك، ومتى اجتمعت به ثانية تحققت أمره جيدا. # | الفصل الثاني عشر # في شارع من شوارع باريس الصغرى التي تقل الحركة فيها منزل متوسط الكبر، وقد وسم ~~بابه برقم 27. هذا المنزل استأجره طاهر أفندي مدة الصيف، وأقام فيه بعد نهاية الحديث ~~السابق، وكان عند طاهر أفندي رجل يدعى فيليب فدار الحديث الآتي: # قال فيليب: لقد دبرت الرجلين طبق المرام. ~~- النشال والمصور؟ ~~- نعم، ولا يعرف أحدهما الآخر، ومن حسن الحظ أن المصور مارس تلوين وجوه المشخصين ~~والمشخصات في بعض التياترات. ~~- وهل توفقت إلى نشال يضارعك قامة وجسامة. ~~- نكاد نكون مصوغين في قالب واحد. ~~- ولكن لا يغب عليك أنه لا يجوز أن تكون هيئاتكما متشابهتين، ولكن يحسن أن تكونا ~~متقاربتين «في التياترات مصورون أخصا شغلهم الوحيد أن يلوثوا وجوه المشخصات والمشخصين ~~بالأصبغة المختلفة؛ لكي يجعلوا سحنتهم موافقة لسحن الأشخاص الذين يمثلونهم ~~تماما.» ~~- أعلم ذلك جيدا. ~~- حاذر أن يكون النشال والمصور متعارفين. ~~- لا معرفة بينهما البتة، وإلى الآن لم يلتقيا ولن يلتقيا إلا في أول السهرة حين يرسم ~~المصور شكلي كشكل النشال. ~~- أي اسم سميت النشال؟ ~~- المسيو جوزيف رينان. ~~- هل فهم شيئا من هذا اللغز؟ ~~- كلا، لم يفهم إلا أنه مأجور لي؛ لكي يحضر مجلسك مدة من الزمان باسم المسيو ~~رينان التاجر. ~~- بأي صفة أفهمته أن يظهر؟ ~~- بصفة كونه تاجرا لم تعرفه من قبل، ولكنه عرفك فأتى لكي يتعرف بك على نية أن يشترك ~~معك في الفرع التجاري الذي تبتغي فتحه. ~~- حسن جدا، يجب أن يكون هنا منذ الساعة الثامنة في هذا المساء. ومتى تجمعه بالمصور ~~لكي يرسم سحنته في وجهك؟ ~~- الساعة السابعة. ~~- هل درى أن لي علما بأمر ما؟ ~~- كلا البتة، وهو يظن أني أنصب مكيدة لك. ~~- أين قررت أن تجعل مكمنك؟ ~~- في الحانة القريبة من هنا، وسأجلس بحيث يقع الظل على وجهي، فلا يرى جيدا. ~~- حسن، حسن جدا. ~~- وأين تجتمعان؟ ~~- في منزل امرأة بغي. ~~- هل استعددت الاستعداد اللازم؟ ~~- كل ms046 شيء مهيأ. ~~- ولما كانت الساعة الثامنة استأذن بالدخول إلى مجلس طاهر أفندي رجل يدعى ~~الموسيو جوزف رينان، فاستقبله طاهر بكل حفاوة. ~~- أقدم نفسي لحضرتكم باسم جوزف رينان تاجر. ~~- على الرحب والسعة. ~~- أتيت من تلقاء نفسي غير مستوسط أحدا بيننا؛ لأني سمعت عن كرم أخلاق حضرتكم، ما ~~يجعلني أن أفاتحكم بأمر قد يهمكم كما يهمني. ~~- خير - إن شاء الله. ~~- سمعت أن في نيتكم أن تفتحوا محلا تجاريا في باريس يكون فرعا لمحلكم الكبير في ~~فينا، فأردت أن أقترح على حضرتكم مشاركتي في هذا المتجر - إذا حسن عندكم. ~~- لا بأس، ولكن من أخبر حضرتكم أن في نيتي هذا الأمر؟ ~~- المسيو جيرار. ~~- لا أعرف هذا الرجل. ~~- ربما لا تعرفونه ولكنه هو يعرف حضرتكم. # عند ذلك وفد عزيز باشا مجدي فترحب به طاهر أفندي وعرفه بالمسيو جوزف رينان، ولما ~~استأنفوا الحديث قال طاهر أفندي: لقد ورد لي اليوم رسالة من حسن أفندي بهجت من برلين ~~تفيد أنه وقف على إحصاءات ترام كهربائي، وأنه قابل بعض أعضاء الشركة واستفهم منهم عن ~~الترام بالكفاية، واستفاد فوائد جمة ومما قاله: إن درسه في حواضر بلجيكا وهولاندا ~~وألمانيا صار كافيا، وسيعود قريبا، ولي الأمل أن يوافق سفره إلى مصر معكم؛ بحيث ~~تشرعون بالاستعدادت اللازمة للمشروع على إثر وصولكم. ~~- إن شاء الله، هل تؤذنون لي أن أراكم في مكتبكم دقيقة تستأذنون بها الموسيو ~~رينان؟ # فقال طاهر أفندي: لكم ما تريدون يا مولاي. # وفي الحال نهض طاهر أفندي واستأذن المسيو رينان، وخرج إلى مكتبه فتبعه عزيز باشا ~~وهناك جلسا إلى المكتب فقال طاهر أفندي: هل أعددت الصك؟ ~~- نعم. ~~- بخمسين ألف جنيه؟ ~~- نعم، كما اتفقنا. ~~- وهل أمضاه يوسف بك رأفت شاهدا؟ ~~- نعم، كما ترى. # ودفعه عزيز باشا إليه لكي يقرأه، فنظره طاهر أفندي، وفي الحال فتح الدرج وتناول ~~أوراقا مالية بالمبلغ ودفعها إلى عزيز باشا، ثم قال له: أتظن هذا المال كافيا لإرضاء ~~ذوي الشأن في منح الامتياز ولإعداد المعدات اللازمة؟ ~~- أظنها تكفي مع ما أضمه إليها من عندي، وعلى كل ms047 حال لا بد أن تصل إلى مصر في أول ~~أكتوبر، وحينئذ نتمم ما ينقص من السعي لدى أصحاب الأمر والنهي. ~~- وماذا قال يوسف؟ هل يريد أن يشترك معنا في المشروع؟ ~~- قال: إنه يريد، ولكنه لا يجسر أن يجازف بماله لأخذ الامتياز، فهو يشترك معنا متى ~~أخذناه. ~~- لا بأس، فلعله ضعيف الثقة بنجاح المشروع. ~~- أما أنا فأؤكد النجاح - إن شاء الله - ولذلك لا أخاف أن أجازف. ~~- دع كل المجازفة لي ولا أريد أن يخسر أحد قرشا في مشروع أنا أرغب فيه، ثم أذكرك ~~ثانية بأنه يجب أن يكون لحسن أفندي ضلع وحصة في هذا المشروع؛ لأنه يد عاملة فيه، ~~وأنا أؤكد أنه يفيد المشروع جدا بسعيه. ~~- أعتقد ما تقول، فلا بأس أن تكون له في المشروع الحصة التي تريدها له. عند ذلك عادا ~~إلى قاعة الاستقبال، حيث اجتمعا ثانية بالمسيو جوزف رينان، وبعد حديث قصير نزل عزيز ~~باشا متهللا بما احتوته يده من المال الجزيل، وهو يفكر في كيف يلتهم أكثره. # | الفصل الثالث عشر # ولما صار في عرض الشارع ركب مركبة درجت به، وكانت حينئذ مركبة أخرى تدرج وراءه ~~إلى أن وصلت المركبتان إلى حانة أولومبيا فنزل عزيز باشا ودخل الحانة، وفي الحال نزل ~~شخص آخر من المركبة الأخرى وتبعه، فما أن استوى في الحانة لدى المائدة حتى بدا أمامه ~~شخص جوزف رينان فدهش إذ رآه، وقال باسما: سرعان ما تتبعني. # وكان جوزف قد جلس إزاءه. ~~- تبعتك في الحال؛ لكي أحادثك في أمر ذي شأن. ~~- عسى أن يكون خيرا. ~~- ليس إلا الخير، عرفت بالمشروع الذي تشترك فيه مع طاهر أفندي، فوددت أن أعرض ~~عليك أمرا بشأنه. ~~- ماذا؟ ~~- أريد أن أسألك أن تكون لي حصة في المشروع، فأدفع من نفقاته ما يصيبني، وما أنا ~~بأقل ثقة فيك من طاهر أفندي الذي خبر الرجل، وما اتصل إلا بكل أمين عاقل حازم. # فأبرقت أسرة عزيز باشا، وقال في نفسه: غنيمة جديدة - إن شاء الله - ثم قال له: ~~لا بأس عندي أنا بكثرة المعضدين للمشروع ms048 بمالهم، فهل فاوضت طاهر أفندي بالأمر؟ ~~- كلا، لم أشأ أن أفاتحه به قبل أن أرى رأيك؛ لأني أعتقد أنك أنت ركن المشروع ~~الأهم. ~~- كيف عرفت بالمشروع إذن؟ ~~- أخبرني عنه طاهر أفندي خبرا بسيطا، فخطر لي أن أفاوضك بأمر مشاركتي أولا، وأود ~~- قبل كل شيء - أن أستفهم عن طبيعة المشروع منك لا منه؛ لأنه هو لا يدري بأحوال مصر ~~مثلك، ولا ريب أنه لم يقدم على العمل إلا بناء على مشورتك، فأود أن أستقي الحقيقة من ~~ينبوعها. ~~- حسن، سل ما تريد فأفيدك. ~~- هل تتفضل أن ننتقل إلى مكان آخر؛ لأن الحانة ليست مكان التفاوض بالأشغال، وهي غاصة ~~بالناس واللغط يدوي فيها. ~~- كما تشاء، أين تريد أن نذهب؟ ~~- هلم اتبعني. # خرجا وركبا مركبة درجت بهما إلى حيث لا يدري عزيز باشا، اجتازت الشارع العمومي ~~وتغلغلت في بعض الأزقة الضيقة، وكان فكر عزيز باشا حينئذ يجول في كيف ينصب أحبولة ~~لرفيقه الجديد، وكان رفيقه يقول له كل هنيهة: «إني أؤمل خيرا بالعلاقة معك يا عزيز ~~باشا.» أو يفوه بعبارة أخرى لا تخرج عن هذا المعنى إلى أن وقفت العربة أمام منزل بسيط ~~ليس في بابه بواب وليس في الزقاق عابر فدفع المدعو جوزف أجرة المركبة فانثنت قافلة، ~~وعند ذلك دخلا باب الدار ويمين جوزف في يسرى عزيز باشا، ولما صارا أمام السلم وهما ~~أن يصعدا كان مسدس في يد جوزف مصوبا إلى دماغ عزيز باشا وجوزف يقول له: لا تنبس ببنت ~~شفة، وإلا طار دماغك مع رصاص هذا المسدس حيث لا يعلم بك أحد إلا الله. # فتزعزع فؤاد عزيز باشا في صدره، ووجفت قدماه، واكفهر وجهه تحت نور المصباح الضئيل ~~الذي ينير باب الدار، وقال له بصوت خافت: ماذا تريد؟ ~~- الأوراق المالية التي معك كلها. # فتردد عزيز باشا، ولكن كف ذلك الفتي كانت قابضة على ذراعه، والمسدس لا يزال على قيد ~~قدم من رأسه، فقال له هذا: لا تبطئ أكثر من بضع ثوان ولا تقل كلمة قط، اشتر ~~حياتك بهذا المال؛ فإنه لي ms049 على كل حال آخذه منك ميتا إذا لم تدفعه حيا. ~~- رحماك، ليس هذا المال لي. ~~- لا فرق عندي سواء كان لك أو لغيرك، لا بد أن تدفعه حالا، ادفعه وإلا خطفت روحك ~~في الحال. # فمد عزيز باشا يده إلى جيبه، وهي ترتجف كأن شللا اعتراها وهو يقول: ليست لي، ليست ~~لي، بربك خذ بعضها. ~~- بل آخذها كلها، هاتها حالا. ~~- ويلاه من أين لي أن أوفيها؟ ~~- أنا اختلس لك الصك الذي كتبته بها. ~~- إذ كان في طاقتك أن تختلس الصك، فلماذا لا تختلس مالا وتدع هذه الأوراق المالية ~~لي؛ لأني مدين بها؟ ~~- المال ضمن الأقفال الحديدية، ولكن الصك خارجها فيسهل علي اختلاسه. ~~- من أين لي ثقة بصدق قولك؟ ~~- لا تناقشني، يجب أن تثق بأن المال الذي معك لي - على كل حال - فادفعه ~~حالا. # وعند ذلك هم المغتصب أن يطلق المسدس، فقال له عزيز باشا: رحماك هاك المال كله، وفي ~~الحال دفعه له. ~~- ما هو عنوانك؟ ~~- فندق «بل فو». ~~- لا تقل شيئا مما تراه لطاهر أفندي، وإلا استحال عليك أن تنال الصك. # وعند ذلك كان جوزف يضع الحقيبة في جيبه وهو يتقهقر، ووجهه إلى عزيز باشا، ويصوب ~~المسدس إلى رأسه، ويقول له: كن أصم أخرس، وإلا أطرت صوابك، وبقي يتقهقر حتى خرج من ~~باب الدار وعزيز باشا ينتفض جزعا وساقاه تتداعيان تحت بدنه حتى وهت قوته فسقط على ~~الدرجة السفلى هلعا. # وبعد نحو دقيقة عادت إليه قوته فنهض من مقعده وهو يخطو خطوة كل بضع ثوان؛ خائفا ~~من رصاص المسدس، حتى صار في الباب، فخاف أن يمد عنقه إلى الزقاق وبقي نحو دقيقة وجلا، ~~حتى جمع من الجرأة ما قدره على الإطلال إلى طول الزقاق فلم ير أحدا، فخرج وهو يتلفت ~~إلى ورائه ومشى إلى أن صادف مركبة فركبها، فدرجت به المركبة إلى منزل طاهر أفندي، ~~وكان يقول في نفسه: لا أخبر طاهر أفندي شيئا، ولكني أسأله سؤالا بسيطا عن صديقه ~~جوزف رينان هذا. # وصلت المركبة إلى منزل طاهر أفندي فصعد، ولما ms050 دخل دهش؛ إذ رأى جوزف رينان كأنه لم ~~يزل هناك يحادث طاهر أفندي، وطاهر أفندي عجب إذ رآه، وقال له: أراك عائدا يا عزيز ~~باشا، هل نسيت شيئا؟ ~~- كلا، بل نسيت أن أسأك أمرا فهل تؤذن أن أراك في مكتبك لحظة؟ ~~- تفضل. # وفي الحال خرجا إلى المكتب، فقال عزيز باشا: هل أطلعت أحدا على هذا المشروع؟ ~~- كلا كلا، لماذا؟ ~~- ألم تخبر الموسيو جوزف رينان هذا؟ ~~- لماذا أخبره؟ ~~- خفت أن تخبره، فأتيت لكي أنبهك إلى أنه يجب أن يبقى المشروع مكتوما ريثما ننتهي من ~~الحصول على وعد ذوي الأمر بإعطائه الامتياز. ~~- كن مطمئنا من هذا القبيل، وإن عرف به أحد سواي فمن غيري. ~~- ألم يزل الموسيو جوزف رينان عندك منذ تركتكما؟ ~~- نعم، لم يزل. ~~- ما شأن هذا الرجل؟ # يقول إنه تاجر، وهو يباحثني عن مشروع تجاري. # وكان عزيز باشا يحاول أن يخفي قلقه معللا نفسه بأن يعود إليه الصك - حسب وعد ~~ذلك اللص - فلم يشأ أن يطيل الحديث مع طاهر أفندي فاقتصر على ما سأل، وعند ذلك ~~ودعه متكلفا الابتسام وعادا إلى القاعة، وجعل الثلاثة يتحدثون بأمور ~~مختلفة، وعزيز باشا يتأمل الموسيو جوزف رينان كل هنيهة، ويعجب من أمره ويغالط نفسه بأن ~~هذا الرجل هو ذلك اللص نفسه، وقد رجح عنده أنهما شخصان متشابهان في الشكل واللبس ~~ولكنهما يختلفان في الصوت بعض الاختلاف، وبعد برهة هم عزيز باشا بالانصراف فتبعه طاهر ~~أفندي إلى الباب وهو يقول له: قد لا أراك بعد؛ لأني ذاهب بعد الغد إلى جنيف. ~~- وأنا مبارح إلى إنكلترا - على الأرجح - فإذا لم يتسن لنا أن نلتقي في بعض حواضر ~~أوروبا فإلى الملتقى في مصر. ~~- إن شاء الله. # وعند ذلك انصرف عزيز باشا والحيرة تأخذه وترده في عرض الشوارع، وهو لا يعلم كيف ~~يعلل هذا الحادث الهائل الذي جرى له؟ # اجتمع بأخيه في إحدى الحانات والدنيا مسودة في وجهه، فدهش أخوه إذ رآه قاتم ~~المحيا مضطربا، فقال له: ماذا تم؟ أراك قلقا جدا. ~~- كنت على شفا الهلاك، فاشتريت حياتي ms051 بالمال الذي قبضته من طاهر أفندي. ~~- ماذا تقول؟ قل لي ماذا جرى؟ # فجعل عزيز باشا يروي على أخيه تفاصيل ما حدث له مع ذلك اللص الشيطان، وخليل يضطرب ~~تارة فرقا، وأخرى حيرة إلى أن انتهى أخوه من قصته فسأله: عجيب أمر هذا النشال، ~~أتؤكد أنه ليس الشخص الذي رأيته أولا، وثانيا عند طاهر أفندي؟ ~~- لا شبهة عندي أنهما شخصان متشابهان جدا؛ لأني كدت أميز الفرق بين صورتيهما، وزد ~~على ذلك أن طاهر أفندي قال لي: أن الموسيو رينان كان لم يزل باقيا عنده لما عدت أنا ~~إليه، فهل تظن أن طاهر أفندي يغشنا؟ ~~- مستحيل. ~~- إذن كيف عرف ذلك الرجيم أن معي نقودا، وأني أخذتها من طاهر أفندي لمشروع مهم، فإنه ~~كان يكلمني في حانة أولمبيا كأنه كان معنا حين كنا نتباحث في أمر المشروع. ~~- إن هؤلاء النشالين لأبالسة شقوا الأرض وخرجوا من بطنها، فلا تدري كيف عرف بما ~~دار بينك وبين طاهر أفندي من الحديث؟ ولماذا لم تخبر طاهر أفندي بما حصل؟ ~~- وما الفائدة من إخباره سوى أنه يتشبث بالصك، فيتعذر على ذلك اللص أن يسرقه ويرده ~~لي؟ - إن كان صادقا بوعده. ~~- هل تنتظر أن يكون ذلك اللص صادقا بوعده؟ ~~- إني قليل الأمل جدا بصدق قوله، ولكني مع ذلك آثرت كتم الحادث عن طاهر أفندي ~~حتى إذا لم يف اللص بوعده أنجزت أنت هذه المهمة. ~~- أسعى في إنجازها، ولكني لا أضمن لنفسي النجاح، ولماذا لم تبلغ الشرطة بهذا الأمر في ~~الحال؟ ~~- ما الفائدة وذلك اللص قد تغلغل في المدينة، وصار من المحال الاهتداء إليه؟ ولكن ~~ماذا تظن ألا يفي بوعده؟ ~~- الله أعلم، سنصبر إلى الغد، فإن أرسله كان خيرا، وإلا نرى طريقة للتخلص من هذا ~~الدين. ~~- وهب أنه استحال عليك أن تسرق الصك كما يستحيل على اللص فماذا تفعل؟ أتذكر نص ~~الصك؟ ~~- أذكر جيدا، وهو كما يأتي: بتاريخه أدناه استلمت من طاهر أفندي عفت التاجر في فينا ~~والتابع للحكومة النمساوية، مبلغ خمسين ألف جنيه عملة ورق دارجة كي أنفقها في ms052 مصر في ~~سبيل الاستعدادات اللازمة لمشروع إنشاء ترام في القاهرة أشترك فيه مع طاهر أفندي ~~المذكور، وفي أول السنة المقبلة يجب أن أقدم له حسابا عنها، أو أن أردها ~~إليه. ~~- لا أدري كيف كتبت هذا الصك الغامض، كيف تقدم له حسابا عن أموال تدفعها رشوة ولا ~~تقدر أن تأخذ بها وصولات؟ وكيف تقدم الحساب عن نفقات سرية؟ ~~- كتبته كذلك إجابة لطلبه، وعلى نية أن ألتهم من المبلغ معظمه وعلى أمل أنه لا يدقق ~~بالحساب معي؛ ولا سيما لأني أراه طيب القلب - كما وصفته لي - فلا أظنه يستغشني إذا قدمت ~~له الحساب غير صريح. ~~- مهما يكن الأمر، كان يجب أن يكون الصك مشيرا إلى أشياء صريحة. ~~- إني أرى أن الصك أميل لمصلحتي منه لمصلحة طاهر؛ لأنه لا يوجب علي أن أقدم ~~الحساب ببينات ووصولات. # ففكر خليل بك هنيهة، وقال: صحيح، إذن هب أننا لم نستطع أن نسترد الصك فيمكننا أن ~~نقدم له حسابا كما نشاء. ~~- نعم وعليه أن يقبل من غير اعتراض. # وحينئذ سري عن عزيز باشا وخمد اضطرابه قليلا. # في مساء اليوم التالي كان عزيز وأخوه ينتظران البريد بفروغ صبر، وأملهما بصدق ذلك ~~اللص أرق من خيط العنكبوت، ولكن دهشهما موزع البريد؛ إذ دفع لهما مغلفا فضاه ~~فوجدا فيه الصك فاستولى عليهما الذهول، فتأملاه وهما لا يصدقان، وعند ذلك انفرج كل ~~كرب عن صدر عزيز باشا وقال: «لا أبقي أثرا لهذه الورقة التي سببت لي قلقا في 24 ~~ساعة كانت كل دقيقة منهما تساوي كل ساعات قلقي في حياتي.» وفي الحال أشعل عودة ثقاب ~~وأحرق الصك حتى انحل إلى دخان ورماد، أما أمر ذلك اللص فبقي سرا يجهلانه ~~ويحيرهما كلما خطر لهما. # | الفصل الرابع عشر # في عصر يوم من أواخر أكتوبر إذ كان الجو صافيا في مصر، والنسيم عليلا، ومروج ~~الجزيرة والجيزة وما بينهما كأبسطة من زمرد؛ لما كسيت من الخمائل ذلك لأن خريف مصر ~~ربيعها؛ لما هو معلوم من أنها ترتوي من النيل، والنيل لا يفيض إلا في الصيف ms053 فيبعث في ~~التربة الحياة في الخريف. # في عصر ذلك اليوم كانت نعيمة ابنة حسين باشا عدلي وزينب زوجة عزيز باشا مجدي في ~~مركبة تدرج بهما في شارع الجزيرة الطويل، إلى أن وقفت بهما لدى حديقة منظمة بهية ~~المنظر - لما حفلت به من الأزاهر - فدخلتا إلى تلك الحديقة وجلستا على مقعد وجعلتا ~~تتحدثان: ~~- عزيزتي زينب. ~~- حبيبتي نعيمة. ~~- أتشكين بأن أعدك شقيقتي الكبيرة التي لها حق المشورة علي، بل أعدك الصديقة ~~الوحيدة التي أكشف لها قلبي إذا دعت الحال إلى كشفه؟ ~~- لا ريب عندي في ذلك يا نعيمة، وأنت تعلمين أني أحبك حب الصديقة الحميمة لا حب ~~القريبة؛ لأن القرابة التي بيننا مهما كانت شديدة فصداقتنا تغلب عليها، نحن ابنتي عم، ~~ولكن قلبينا شطرا قلب واحد، ولذلك أستغرب كيف أنك تستهلين حديثك معي بمثل هذه ~~المقدمات يا نعيمة! أتعرفين أن لي صديقة أعز عندي منك؟ ~~- لا شك عندي بما تقولين يا حبيبتي زينب، ولا عجب في تحابنا؛ هذا لأننا متوافقتان ~~في الأخلاق والمبادئ إلى حد أن بعض معارفنا يقولون إن نعيمة نسخة ثانية من ابنة ~~عمها زينب، وأنا أفرح وأتهلل بأن أعلم أني شبيهة لك في حقيقتك. # فابتسمت زينب قائلة: قلما أسر بصحة التشابه يا نعيمة. ~~- لماذا؟ ~~- لأني أخاف أن نتشابه بكل أمر حتى في حظنا. # فوضعت نعيمة رأسها على كفها ومرفقها على ركبتها، وقالت: آه يا عزيزتي زينب انتدبتك ~~اليوم إلى هذه النزهة لكي أكلمك بأمر ذي بال يتعلق بحظي، فإن الأحوال تنذرني بأنه سيكون ~~سيئا جدا، فإليك ألجأ يا حبيبتي زينب عساك تسعفيني برأي أو بوسيلة أو تنشطيني إلى ~~أمر. ~~- هل من حادث جديد اليوم؟ ~~- أما عرفت أن عزيز باشا زوجك يفاوض الآن أبي في أمر زواجي من خليل بك. ~~- أعرف أن هذا الحديث جرى بينهما من زمان. ~~- والآن يجدده عزيز باشا. # فجعلت زينب تفكر، وبعد هنيهة عادت نعيمة تقول: فما رأيك؟ # بقيت زينب تفكر وبعد سكوت قصير قالت: وقلبك ماذا يقول يا نعيمة؟ ~~- بربك لا تسلي عن قول قلبي؛ ms054 فإني أفضل الموت على هذا الزواج، فلا أسألك رأيك ~~فيما إذا كان هذا الزواج صالحا أو لا، وإنما أسترشدك إلى الوسيلة الممكنة للتخلص ~~منه، فدبريني. ~~- أسألك عن قول قلبك يا نعيمة حتى إذا كان ذا ميل ثنيته؛ فإني أقدر لك شقاء أعظم ~~من شقائي بالزواج من خليل؛ لأنه على ما أرى أن مذامه تزيد على مذام أخيه ~~مذمة الرعونة والطيش. # وإذا كنت تعلمين حقيقة الشقاء الذي أقاسيه يا نعيمة فلا تعدلين عن قولك إن الموت ~~أفضل لك من الحياة مع خليل. ~~- لا أجهل أنك تشقين مع عزيز؛ فإني ألاحظ شقاءك بالرغم من كتمك إياه. ~~- بل هو أعظم مما تلاحظينه يا نعيمة، أعظم جدا ولا يعلم أحد غير الله كم ~~أقاسي؛ لأنه ليس لي من أشكو إليه أمري غير أبيك، ولما حاولت مرة أن أشكو له زجرني ~~قائلا: يجب أن تخضعي لزوجك ولم يدع لي مجالا للكلام. ~~- لا يخفى عليك أن أبي من الجيل القديم الذي لا يحسب للمرأة عقلا أو إرادة مهما كانت ~~عاقلة بل يعدها آلة في يد الرجل، ثم إن عزيز باشا مستميله إليه بدهائه. ~~- آه، ما أشقى المرأة في الشرق! فما هي إلا حيوان. أشقى نساء الشرق المرأة ~~المتعلمة؛ فإنها تفهم حقوقها، ولكنها لا تقدر أن تصل إليها لكي تتمتع بها، فلو بقيت ~~جاهلة لكان أفضل لها؛ لأنها لا تشعر حينئذ بقيودها؛ إذ لا تعلم الحق الذي لها وقد ~~حرمته، وأشقى من المرأة الشرقية المتعلمة المرأة المهذبة المرباة على التقوى ~~والفضيلة، فإن هذه التربية تزيدها ضعفا وعجزا عن المطالبة بحقها أو اكتسابه. وأظن أنه ~~لو لم أكن مرباة تربية حسنة؛ لكانت لي جراءة أن أتملص من يد هذا الزوج الظالم بأي ~~الطرق، ولكن تربيتي تمنعني أن أجاهد بجسارة في سبيل الخلاص خيفة من العار؛ ولهذا ~~ترينني أتحمل شقائي وأكتمه؛ لئلا يقال عني «غير مرباة». ~~- أخاف أن أشقى شقاءك يا زينب. ~~- أكدي أنك تشقينه إذا تزوجت خليل، فلا أريد هذا الزوج لك يا نعيمة؛ لأني ~~أحبك. ~~- إذن ما ms055 العمل؟ ~~- هل فوتحت بهذا الموضوع؟ ~~- ذكرته أمي لي قبلا، وأمس استدعاني أبي إلى غرفته وباحثني به صريحا. ~~- فماذا أجبت؟ ~~- بقيت ساكتة. ~~- وعلى أي شيء افترق عنك؟ ~~- على لا شيء. ~~- كيف ذلك؟ ~~- لأنه لم يسألني إرادتي في الأمر بل أخبرني أن عزيز باشا يطلب يدي لأخيه، وجعل ~~يصف لي محامد خليل وشرف أصله وجاهه. ~~- هذا هو أصل كل شقاء. الاهتمام بمسألة الأصل واعتبار أن الشرف الموروث أهم من ~~المبادئ والأخلاق، ثم ماذا قال لك؟ ~~- لم يقل شيئا، سوى أنه وصف خليل؛ بغية ترغيبي. ~~- إذن اقتصر على الترغيب. ~~- فقط. ~~- وماذا كنت تقولين؟ ~~- لم أفه ببنت شفة، بل كنت مطرقة أشعر أن لهيبا يتوهج من وجهي، وكنت أسمع ضربات ~~قلبي. ~~- وهل لاحظ أبوك عدم رضاك؟ ~~- لا أدري، ولكني أرجح أنه لم يلاحظ، بل حسب إطراقي من قبيل الحياء والخجل والحشمة ~~لا من قبيل الامتعاض؛ وإلا لحاول أن يسألني في ذلك. ~~- فإذن لم تبت المسألة بعد؟ ~~- أظن أن أبي وعزيز بتاها. ~~- ولكن لم تبت معك بعد؟ ~~- كلا، فماذا أقول لو سئلت جوابا؟ ~~- ارفضي. ~~- أخاف أن يلح علي أبي. ~~- ومع إلحاحه ارفضي. ~~- أخاف يا زينب، وأخجل أن أخالف إرادة أبي. ~~- هنا الضعف، لأجل الخوف من أبيك تعرضين نفسك لخطر عظيم. ~~- وماذا أفعل إذا تهددني؟ ~~- قوي قلبك مهما تهددك، لا يجسر أن يأتي أمرا فريا بك. ~~- ماذا أقول له؟ يجب أن أجيبه بكلام معقول. ~~- قولي له: إنك لا تقدرين أن تتزوجي بمن لا تهوين. ~~- أأجسر أن أقول له ذلك وهو يحسب أن الانتساب إلى ذلك البيت شرف. ~~- عجب، كيف لا تقدرين يا نعيمة؟ أإلى هذا الحد أنت ضعيفة وجبانة؟ اذكري الشر المقبل ~~عليك من هذا الزواج، فتتشجعين على الرفض. ~~- آه يا زينب! لقد مرت عليك هذه الكأس قبلي فلماذا تجرعتها؟ لماذا لم تتشجعي؟ ~~- لم تكن حالي كحالك الآن؛ فأولا لم أكن أعلم بوجود هذا الشقاء الذي وصلت إليه، ولم ~~يكن من ينبهني إليه ويحذرني منه كما أحذرك الآن. ثم لم أكن لأرفض «عزيز» خوفا من سوء ms056 ~~معاملته؛ بل لأني كنت أحب فتى جميل الأخلاق والصفات والملامح يدعي شاكر بك نظمي، فكنت ~~أرفض عزيز على أمل أن يتسنى لي أن أتزوج شاكرا، فلما قضت الأحوال بأن يفر شاكر لم ~~يبق لي مطمع فتغلبوا علي في تزويجي من عزيز، ثم إذا كنت أنا قد وقعت لضعفي، فلماذا لا ~~تجتنبين وقعتي؟ ولماذا لا تتعلمين من أمثولتي؟ فتشجعي يا نعيمة ولا تسلمي نفسك رخيصة إن ~~خليل هذا لا يقل عن أخيه رداءة. ~~- سمعت مرة أنك كنت تحبين شابا آخر وأنه هرب ومات في أوروبا ولكني لم أعلم سبب ~~هربه. ~~- اتهم بجناية قتل ففر. ~~- هل قتل أحدا؟ ~~- وجدت إحدى النساء الأوروبيات قتيلة، فاتهموه بقتلها، وأقاموا الأدلة على أنه هو ~~القاتل. ~~- إذا كان سفاك دماء فكيف أحببته؟ ~~- لم يكن كما ظننت يا نعيمة، بل كان كالملاك في طيبة قلبه، ولما سمعت بخبر التهمة ~~والفرار دهشت وكدت لصغر عقلي أصدق في أول الأمر أنه هو الفاعل، مع أني أعلم سلامة ~~طويته، ولكني أخيرا رجحت في ضميري أن التهمة كانت مدبرة بدسيسة. أما كيف كانت هذه ~~الدسيسة؟ فلا أدري، وكانت النتيجة أني لم أعد أستطيع أن أتفوه باسمه أمام أبي؛ خيفة أن ~~يقتلني؛ لأنه كان مقتنعا أنه الجاني وصار يحسب حبي له عارا على أسرتنا، ولما يئست من ~~عودته استسلمت للتقادير فزوجوني من عزيز، فكانت ساعة نحس ساعة عقد له علي، وبعد ذلك ~~ورد نعي شاكر فحزنت عليه جدا وعزيز تهلل. ~~- إني لأعجب من شر هذا الرجل. ~~- لا تعجبي؛ فإن سبب خبث قلبه الطمع والجشع العظيمان فإنه يقصد بتعذبي وإشقائي أن ~~يضطرني إلى استرضائه بأن أهبه ميراثي من أبوي كله. ~~- وما بغيته من استيهاب ميراثك إذا كان الآن يتمتع بريعه كما لو كان له ~~تماما، وما الفرق عنده فيما لو كانت الأملاك باسمه أو باسمك؟ ~~- هذا ما دعاني أن أوجس منه شرا؛ فإني أخاف أن يطلقني بعد أن أملكه ثروتي وثم ~~أصبح فقيرة سيئة الحظ من كل قبيل، ولو كنت أثق - تمام الثقة - أنه ms057 يحبني ويعاملني ~~بالحسنى لكنت أهبه كل شيء لي، ولكني واثقة أنه يستولي على أملاكي ويبيعها قطعة بعد ~~قطعة، ويضيعها في القمار والبورصة، ومتى نفد المال ينبذني فقيرة، أفلا يحق لي أن أتشبث ~~بمالي؛ ليكون عضدا لي عند الشدة والحاجة؟ ~~- بالطبع، إياك أن تهبيه شيئا من أموالك مهما تملقك وأغراك؛ فإن الطموع لا زمام ~~له، عند الحاجة يعدك ويمنيك بالأماني السعيدة، ومتى نال بغيته واستغنى عنك؛ ينسى ~~وعوده. ~~- لا توصي حريصة؛ فقد نفدت كل حيله في تمليقه لي وإغرائي ولما لم تجد نفعا ~~جنح إلى التهديد فأخفق أيضا، فعكف على المشاكسة والمكايدة والمضاجرة؛ بغية أن يستنفد ~~صبري ويضطرني أخيرا إلى استرضائه بأن أعطيه من أملاكي شيئا. أما أنا فصبورة جدا لست ~~أنيله مأربا. ~~- بماذا يعذبك؟ ~~- آه يا نعيمة! لا تسأليني هذا السؤال؛ فإن الجواب عليه مؤلم ومخجل لي، ولكنك لست ~~غريبة فأنت الصديقة الوحيدة التي أشكو إليها آلام قلبي، وإن كانت الشكوى غير نافعة، لو ~~أتيت أسرد لك قصص شره وخبث قلبه في سلوكه معي لقضيت عاما أروي لك، ولكني أذكر بعض ~~الأشياء، فأولا أنه يحظر علي حظرا باتا أن أزور إحدى صديقاتي، وأنت تعلمين أنهن ~~كثيرات وليست واحدة منهن تقصر في زيارتي. فإذا غافلته مرة وزرت واحدة منهن فعرف؛ ~~أوسعني في ذلك اليوم إهانة وسبا ولعنا وشتما حتى يسمع الخدم فيظنون أنه يعاقبني على ~~لقاء حبيب! فكنت أقول له: بماذا أعتذر لزائراتي عن مقاطعتهن؟ فيقول لي: لا تقبليهن في ~~منزلك، فبالله عليك كيف أردهن وبأي عذر أجفوهن إذا زرنني؟ وأنا أكتم عنهن النفور ~~الواقع بيني وبينه. # وأغيظ من ذلك أنه يضع علي رقباء كأني امرأة فاسدة، مع أنه يعلم - حق العلم - ~~أمانتي، وإنما يفعل ذلك لإغاظتي ومضايقتي، والآن قد مر علي نحو عامين لم أخرج فيهما ~~من البيت سوى مرة واحدة لزيارتكم يوم العيد، وإذا خرجت مرة أقام الدنيا وأقعدها ~~حتى يوشك أن يلبسني عارا لست لابسته. فأنا أخجل وأحاول نفي العار والفضيحة، وهو ~~لا يخجل ولا يخاف الله ولا ms058 يهمه أن يشيع أني امرأة فاسدة، بل يريد ذلك لكي يضطرني ~~أن أسترضيه، بل هو يعلم أن نسبة الفساد والفحش لي تروعني فيحاول أن يثبتها علي؛ لكي ~~ينال مني غرضه. ~~- يالله، ما أخبث قلبه! # وعند ذلك اغرورقت عينا زينب بالدموع واستمرت في حديثها قائلة: ولا يكتفي بذلك فإنه ~~لا يريني وجهه إلا كل مدة طويلة، مرة إذ تكون الخمرة تقدح شررا من عينيه فيوقظني من ~~نومي في آخر الليل مذعورة ويروعني بعربدته. # وقد حدث مرة أنه أتى إلي في آخر ليلة من ليالي الشتاء السابق وهو يترنح كالسفينة ~~في الأمواج، وحتم بأن أخرج معه في قميص النوم إلى الحديقة وكان البرد قارصا فجعلت ~~أستعطفه أن يعفيني فأبى إلا أن أخرج فألقيت علي رداء صوفيا توقيا للبرد فنزعه ~~عني ومزقه وجرني بالرغم مني إلى الحديقة، وكان الفجر يشق سجوف الظلام فكدت أموت من ~~البرد، ولكن الحمد لله لم يمكث في الحديقة إلا بضع دقائق، على أني مرضت على إثر هذا ~~البرد نحو شهر، وخفت أن يكون صدري قد تلف. ~~- رباه ما هذا الوحش! ~~- ولعلك لا تصدقيني إذا قلت لك إنه كان في بعض الأحيان يضربني ضربا مبرحا إذا ~~نفرت منه أو سخطت. ~~- بربك لا تزيدي من قصصه، وعجيب أمرك يا زينب كيف تحتملين هذا العذاب؟ ~~- ماذا أفعل؟ ~~- لماذا لا تشتكيه؟ ~~- لمن؟ أبوك لا يسمع شكواي، ومن لي ملجأ سواه؟ ~~- اشكيه للمحكمة الشرعية. ~~- لا بينة لي تثبت شكواي، ثم كيف أفضح نفسي؟ ~~- إنك لجبانة وضعيفة، ولا تظهر شجاعتك إلا في تشجيعي وتنشيطي ما بالك مستميتة ~~هكذا؟ ألا تجدين وسيلة إلى الخلاص من هذا الوحش الضاري؟ ~~- سألته ألف مرة أن يطلقني فأبى، فماذا أفعل؟ ~~- أرشيه. ~~- عرضت عليه مرة عزبة برمتها أهبها له لكي يطلقني فأبى، ولا يطلقني إلا إذا أفرغت له ~~كل ثروتي، وفي هذه الحالة يزداد شقائي، على أنه هو يبالغ في مكايدتي لكي يصل إلى هذه ~~النتيجة. ~~- إياك أن تبلغيه إياها، ابحثي عن وسيلة أخرى للنجاة. ~~- ماذا؟ قولي لي أي وسيلة ms059 غير الطلاق، وهو لا يريد أن يطلق. ~~- ويلاه، ما هذه القيود التي تقيد بها المرأة؟ ليتني لم أخلق يا زينب، إن العدم خير ~~من الحياة تقضى في هذه القيود، كقيد الزوجية وغيرها. ~~- صدقت ولكن ليس كل الزوجات يعانين ما أعاني، بل إن بعضهن يغبطن ويحسدن على قيود ~~زوجيتهن؛ لأنها سلاسل ذهب، بل سلاسل هناء وسعادة، فطوبى للمرأة التي توفق إلى زوج ~~فاضل. ~~- ولماذا لا تترك الفتاة تختار من طلابها الزوج الذي تهواه وتؤمل أن تعيش سعيدة ~~معه؟ ~~- لأن العادات والتقاليد قضت بهذا العسف؛ فإن أبي أصر على تزويجي من عزيز؛ لأنه ~~رفيع الأصل عريض الجاه. ~~- ولكنه نذل القلب سافل النفس دنس الضمير، فما الفائدة من رفعة أصله وعرض ~~جاهه؟ ~~- ما هي إلا جهالة آبائنا، ولو خيرت أنا لاخترت فتى نبيل النفس ولو كان وضيع ~~الأصل وأفقر من الفقر؛ لأني أعتقد أن هذا الجاه الذي يعزونه للأصل باطل، وكثيرا ما ~~يكون شرا لذويه، فهذا عزيز يعتد بجاه أسرته ويفتخر بأنه من أصل شريف ولكنه يكاد يقع ~~في هوة الإفلاس من جراء المقامرة والمضاربة. ولولا ريع مالي لما كنا نستطيع أن ننفق ~~في بيتنا نصف ما ينفقه أمثالنا، فماذا أفادنا أصله وجاهه؟ ولو كان عزيز طيب القلب ~~مهذبا حسن السيرة والسريرة لكنت أعبده عبادة ولو كان أبوه حمارا. ~~- إنك تجرئيني يا عزيزتي زينب على أن أسر إليك أهم أسراري وأعمقها. # فالتفتت زينب بنعيمة وقالت: ماذا؟ ~~- عندي سر عميق ومهم يا زينب، لم أقله لأحد بعد، ولكني لا أرى بدا من اغتنام ~~هذه الفرصة لإباحته لك. ~~- قولي وكوني مطمئنة. ~~- أتعرفين حسن أفندي بهجت، ابن المرحوم علي صالح الذي كان مستخدما في ~~دائرتنا؟ ~~- أليس هو الذي كان يدرس الحقوق في باريس؟ ~~- نعم. ~~- أعرفه وأسمع أنه ذكي جدا وفطن، أظن أن بينك وبينه صلة حب يا نعيمة، أليس ~~كذلك؟ # فابتسمتا معا، ونعيمة أطرقت خجلا، ثم قالت: شيء من ذلك، وما أحد غيرك عرف ~~بالأمر. ~~- لا بأس، لا تخافي إني أتوسم في هذا الفتى النباهة والفطنة، ms060 وأظن أن له مستقبلا ~~حسنا. هل انتهى من دراسته؟ ~~- انتهى وحصل على «الليسانس» (شهادة الحقوق). ~~- برافو. # وعند ذلك ابتسمت زينب، وقالت: أخبريني ما بينك وبين هذا الفتى؟ ~~- لا يخفى عليك أن حسن كان منذ الحداثة يتردد إلى بيتنا كثيرا، وكان يدخل مع أمه ~~إلى دار الحريم، فكنت أجتمع به مرارا ونلعب كما يلعب الأطفال. وكنا كلما نمونا في ~~القامة وتقدمنا في السن تنمو الألفة بيننا، فما بلغنا سن الرشد حتى أصبحت تلك الألفة ~~الشديدة حبا. نعم إنه امتنع علينا بعد ذلك أن نلتقي، ولكني أبوح لك بإثم كنت آثمه ~~على أن ضميري كان يبرره؛ لأنه ليس إلا مخالفة للعادات الشرقية، وليس كل العادات شرائع ~~مقدسة. وأعني بهذا الإثم: اختلاسي أحيانا قصيرة اللقاء بحسن؛ لأجل مخاطبته فيما يتعلق ~~بحبنا. ~~- أين كنتما تلتقيان؟ ~~- في بوابة الحديقة الخلفية عند الغروب، بضع دقائق فقط. وفي حين آخر أخبرك كيف كنا ~~نعين الموعد والملتقى؟ ~~- إذن أنتما على حب متبادل صريح. ~~- نعم، وقد تعاهدنا عهدا مقدسا على أن نثبت على حبنا إلى أن يتسنى لنا ~~الاقتران. ~~- إني أفضل هذا الفتى على خليل يا نعيمة. ~~- وأنا أفضله على كل شاب؛ لأني أحبه، ولو كنت تعرفينه جيدا يا زينب لكنت تجدين ~~أنه نابغة أقرانه. ~~- ولكن يا نعيمة يكاد يستحيل أن يرضي أبوك به صهرا، وليس عدلي باشا ممن يهون على ~~طبعهم أن يصاهروا واحدا من حاشيتهم. ~~- أعرف ذلك جيدا يا زينب؛ ولهذا باع حسن ثروته الزهيدة التي ورثها من أبيه وأنفقها ~~في باريس لكي يعد لنفسه مستقبلا حسنا يمحو أثر ضعته وضعة أسرته، ويظهر بين الناس ~~وجيها معتبرا، وحينئذ لا يبعد أن يرضى به أبي بعلا لي. ~~- يمكن. ~~- وقد نجح في دراسته والحمد لله، وعاد وهو على أهبة الشغل في صناعته الجديدة، وبالأمس ~~رافع أول مرافعة في المحكمة المختلطة فأعجب القضاة جدا - على ما ذكر لي - وهو لم ~~يقتصر على الشغل في صناعته هذه فقط، بل يشتغل الآن بمشروع مالي مهم جدا، بالاشتراك ~~مع رجل متمول تعرف به ms061 في أوروبا. ~~- أي مشروع هذا؟ ~~- الكلام بسرك أرجو أن يبقى مكتوما. ~~- ومن أرى أنا لأخبره؟ ~~- في نيتهما أن ينشئا شركة لتسيير عربات كهربائية في شوارع البلد على خطوط حديدية ~~تدعى «ترامواي» تسير بقوة الكهرباء، وهما يؤملان أرباحا باهظة من هذا المشروع، والآن ~~يتأهبان لطلب الامتياز من الحكومة. # فأعجبت زينب من هذا الفكر، وقالت: ما كنت أظن أن فتى كحسن في أصله وفصله تكون له هذه ~~الهمة العالية. ومن هو هذا المتمول الذي يشاركه؟ ~~- يقول إنه تركي الأصل مولود في الأستانة، ولكنه مستوطن في بلاد النمسا، وهو يحب حسن ~~جدا ويثق به ثقة الصديق بالصديق. ~~- إذا أفلح حبيبك حسن في مشروعه هذا فلا بد أن يصبح ذا مكانة سامية في مصر، ~~وحينئذاك لا يبعد أن يرضي أبوك به زوجا، هذا إذا أمكن التملص من خليل. ~~- هذا هو الأمر الذي يهمني الآن؛ أي التملص من خليل ولو نحو سنة، ريثما يظهر حسن في ~~ذروة الوجاهة التي نتوقعها؛ لأني لا أقدر الآن أن أبوح بحبي له ولا يرضى به أبي زوجا ~~لي إذا هو التمس يدي منه، ما الطريقة لي يا زينب، أسعفيني برأيك؟ ~~- في أول الأمر أعلني عدم رضاك بخليل زوجا؛ بدعوى أنك لا تحبينه ولا تشعرين بميل ~~إليه، أعلني ذلك بكل صراحة وجرأة وأقنعي أباك أنك لا تهنئين بالمعيشة مع زوج لا منزلة ~~له في قلبك؛ فلعل أباك أعقل وأقل تعنتا وتعصبا وتشبثا بالتقاليد القديمة مما ~~نتصور. ~~- أخاف أن يغضب إذا كلمته بكل صراحة وغضبه يروعني. ~~- يجب أن تتعرضي لغضبه، لا بأس، تشددي ولا تخافي؛ لأنه مهما غضب لا يؤذيك بأمر، ~~وقلبه لا يطاوعه على أن يعذبك؛ لأنه أبوك، وهو حنون جدا، وليس له مولود ~~سواك. ~~- أخاف أن مخالفتي له تزيده عنادا وإصرارا. ~~- إذا كانت نتيجة تصريحك بالرفض إصراره على تزويجك من خليل بالرغم منك؛ فاستمهليه، ~~فإن لم يمهلك عاندي، وبغير رضاك لا يصح العقد، وإذا أمهلك برهة ريثما يظهر حسن ~~بمظهر حسن؛ أي المظهر الذي تتوقعانه وتحسبان أنه يعجب أباك. ms062 دعي حسن يطلب يدك من ~~أبيك رسميا وحينئذ أعلني حبك له لكي يعلم أبوك رغبتك الحقيقية. ~~- وهبي أن كل الوسائل لم تفلح وأبى أبي إلا أن يزوجني من خليل، فماذا ~~أفعل؟ ~~- أرى أن تفري وتذهبي مع حسن إلى القاضي الشرعي، فيعقد قرانكما. ~~- ويلاه، كيف تقولين ذلك يا زينب؟ أنسيت بنت من أنا؟ ~~- لما كنت فتاة مثلك كنت أستنكر عملا كهذا وأحسبه عارا، ولكني الآن - إذ أعاني ~~العذاب في فقد الحرية الشخصية - أحلل عملا كهذا متى نفدت كل الوسائل الفضلى، وعندي ~~أنه يجوز لك دينا أن تهربي من رجل لا مطمع له إلا في مالك. ~~- لا سمح الله أن نضطر إلى هذا العمل المخجل يا عزيزتي زينب، ولا ريب عندي أنك ~~تقولينه قولا فقط ولكنك لا تعنينه. # وأنا أسأل الله أن يقيك من هذا العمل المنكر، ولكن إذا لم يكن لا بد منه دفعا ~~لتضحيتك بنفسك؛ فأسوغه لك، وما هو بالأمر المحرم في الدين. ومع ذلك نحن نفرض الآن ~~فروضا يمكن ألا تصح، ولعل الأمر يظهر أهون مما نتخوف، فدعي التقادير تجري في ~~أعنتها، وكل تدبير لحينه. ~~- إني متوقعة كل صعوبة في هذه المسألة يا زينب. ~~- اتكلي على الله، وهو يرى لك مخرجا من هذا المأذق، قاربت الشمس المغيب، ~~فهلمي بنا. # | الفصل الخامس عشر # في حي الإسماعيلية منزل فخيم، تحيط به جنة فيحاء من جوانبه الثلاثة وقفاه إلى ~~الجنوب، والحديقة مسورة بجدار يرتفع عن الأرض ارتفاع خصر الرجل، وعلى الجدار سور من ~~حديد قد تسلقت عليه النباتات المعرشة. # في هذا المنزل الأنيق أقام طاهر أفندي عفت لما جاء من أوروبا؛ بغية تمضية فصل ~~الشتاء في مصر، والمنزل كبير عديد الغرف، وقد قسمته الهندسة إلى أربعة أقسام يفصلها ~~بعضها عن بعض رواقان متقاطعان، كل منهما يشطر البناء شطرين، وفي الربع الغربي ~~الجنوبي أقامت أيدا أو عائدة - فتاة طاهر أفندي - مستقلة بسكناها، تقيم معها وصيفة ~~ومعلمة. # في ذات يوم من أيام دسمبر كان سالم أفندي رحيم ماثلا أمام طاهر أفندي عفت مثول العبد ms063 ~~أمام مولاه يتلقى أوامره. ~~- أظنك يسرك يا سالم أن ترى الطفلة التي استخرجتها من ملجأ اللقطاء في الإسكندرية ~~استخراجا يشبه الشراء وأرسلتها إلي إلى فينا مع رابة نمساوية. ~~- من غير بد يا مولاي. ~~- أتذكر كم كان عمرها حينئذ؟ ~~- نحو أربع سنين - على ما أظن. # وكان طاهر أفندي قد ضغط على زر الاستدعاء فدخل خادم نمساوي الجنسية فكلمه ~~بلغته أن استدع عائدة، وفي هنيهة كانت عائدة في القاعة فجلست إلى جنب طاهر عند ~~الزاوية، فكانت بينه وبين سالم، فقال لها طاهر بالعربية: أعرفك يا عائدة بأقرب ~~الأصدقاء إليك وإلي. # فتفرست عائدة في سالم تتعرفه، فقال لها طاهر: هل تتذكرينه؟ # فزادت تأملا فيه فقال سالم: يصعب عليها جدا أن تتذكر، فقال لها طاهر: هو سالم ~~أفندي الذي أخرجك طفلة من الدير، وقد رويت لك تاريخ طفوليتك مرارا وكان اسمه يرد ~~في الرواية كل مرة. # فقالت: أما الاسم فأذكره جيدا، وأما الملامح فجديدة في مخيلتي؛ لأني لم أره إلا ~~مرة. # فقال سالم: صدقت يا سيدتي، وقد مر على ذلك العهد أكثر من عشرة أعوام صرت فيها - ~~والحمد لله - صبية تفاخر الحور، زادك الله جمالا وبهجة وغبطة. ~~- إني أشكر فضلك وعنايتك. ~~- فعلت الواجب علي يا مولاتي. أراها تحسن العربية جيدا يا سيدي البك. ~~- تنبه جيدا يا سالم فما أنا «بك» الآن اذكر جيدا أن اسمي طاهر أفندي عفت، لا تنس ~~هذا الاسم، فإذا اضطررت يوما أن تفوه باسمي فإياك أن تذكر غير هذا الاسم. ~~- سمعا وطاعة لست أثني الغلطة بعد يا مولاي طاهر أفندي عفت، وابتسم سالم مع هذا ~~الكلام، فأجابه طاهر وعائدة بابتسامتين مؤنستين وطاهر عاد إلى الحديث. ~~- لا بدع أن تستغرب أن عائدة تعرف العربية صحيحة فصيحة كما تعرف النمساوية ~~والإفرنسية؛ لأني كنت أستاذها العربي حتى الآن، وقد بذلت جهدي في أن أطوع لسانها ~~لهذه اللغة؛ لأني قدرت أن مستقبلها يكون في مسقط رأسها، أليس كذلك يا عائدة؟ ~~- إرادتك يا أبي هي مسرتي العظمى، وحيثما تكون أكون. # وكان سالم أفندي يتأملها كل ms064 هنيهة، ويقول في ضميره: «سبحان الخالق» وعند ذلك استأذنت ~~عائدة ، وعادت إلى خدرها. ~~- أتعرف عائدة حقيقة تاريخها يا طاهر أفندي؟ ~~- نعم تعرفه كما نعرفه نحن. ~~- إذن كيف تقول لك: «أبي»؟ ~~- من قبيل المجاز. ~~- إنها لجميلة جدا يا مولاي. ~~- وذكية جدا أيضا. ~~- ما كان أحرى بك أن تعدها زوجة لك لا ابنة إذا كانت نابغة في عقلها وجمالها، بل ~~سامحني يا سيدي فقد سهوت عن أن مولدها دنس. ~~- ليس هذا الذي منعني عن التزوج منها يا سالم، وإنما الفرق العظيم بيننا في العمر ~~هو المانع الوحيد، ولو كان لي ابن لأزوجه إياها؛ لأني لست سخيف العقل إلى حد أن ~~ألصق بها دنس مولدها، فما ذنبها إذا كانت بنت زنا؟ ولهذا آثرت أن أتبناها تبنيا ~~شرعيا بحسب الشريعة النمساوية. ~~- وهل يعتبر هذا التبني هنا يا سيدي؟ ~~- اعتبر أو لم يعتبر لا فرق عندي؛ لأني تابع للحكومة النمساوية. # فضحك سالم أفندي قائلا: إذا أنت أجنبي. ~~- نعم. ~~- أحسدك؛ لأن الأجنبي في هذه البلاد يذبح بسيفه تحت حماية الامتيازات الأجنبية، ألم ~~تتزوج يا مولاي؟ ~~- كلا. ~~- لماذا؟ ~~- لأني مقيد بعهد - كما تعلم. ~~- عجيب، تعد نفسك مقيدا والعهد قد انحل منذ زمان. ~~- نعم انحل، ولكني لم أزل أعده معقودا لمآرب، دعنا الآن من هذا الحديث، فاسمع ~~الآن أوامري. ~~- كلي آذان يا مولاي. ~~- انقضى عهد الموت والخمول والراحة، وجاء وقت الجهاد والعمل فاستعد؛ لأن عليك ~~مهمات خطيرة. ~~- إني طوع إرادتك يا مولاي، وكل ما ادخرته من الهمة في السنين الماضية أفرغه في ~~السنين التالية، وستراني - إن شاء الله - خادما أمينا كما عهدتني. ~~- بارك الله فيك يا سالم؛ فأنت الصديق الحقيقي، يجب قبل كل شيء أن تتجنب المجيء إلى ~~هنا في بحر النهار؛ لأني لا أود أن يعرف أحد أن لك شبه صلة بي. ~~- لا آتي إلا في الفجر أو بعد منتصف الليل. ~~- حسن جدا، يجب أن يكون عندك تلفون. ~~- منذ الغد. ~~- قبل كل شيء أحتاج إلى جاسوس في منزل عزيز باشا نصري. يجب أن يكون أمينا ~~جدا. # ففكر ms065 سالم هنيهة، وقال: ليس بالصعب تدبيره، ولكن بأي صفة تريده أن يكون؟ ~~- الأفضل أن يكون بصفة خادم؛ لأنه في هذه الحالة يقدر أن يتجسس كما يجب، ويتسنى له ~~أن ينقل إلينا أهم أخبار ذلك البيت، وإذا أمكنك أن تهتدي إلى شخص لهذه المهمة يفهم ~~الإفرنسية يكون توفقنا عظيما. # فتأمل سالم لحظة ثم قال: أعرف شابا قبطيا كان سفرجيا في بواخر كوك النيلية، ~~يفهم الإفرنسية ويدعى مرقس، فإذا أمكننا أن نزجه في بيت عزيز باشا بصفة كونه ~~سفرجيا أو طباخا؛ استخدمناه كما نريد. ~~- غرره بالراتب الحسن، أعطه ما يطلب، أيرضى عشرة جنيهات في الشهر علاوة على ~~راتبه الذي يدفعه له عزيز باشا؟ ~~- هذا كثير جدا، يرضى بأربعة جنيهات علاوة على راتبه، بل يرضى بثلاثة، وربما ~~باثنين أو بواحد. ~~- أعطه خمسة، ستة، سبعة، جد عليه؛ لكي يضحي لخدمتنا ما يستطيع. ~~- وكيف الطريق لحمل عزيز باشا على استخدامه؟ ~~- أليس عند عزيز طباخ أو صفرجي؟ ~~- بالطبع عنده. ~~- غر الطباخ الذي يشتغل عنده الآن بماهية حسنة؛ لكي يترك خدمته، وفي الوقت نفسه ~~أرسل ذلك الصفرجي إليه مشفوعا بكتاب توصية به من أحد أصحاب عزيز باشا؛ لكي يستخدمه ~~بدل الخادم الذي استعفي، وأوصه أن يتفق معه على أي حال ويرضى بالراتب الذي ~~يدفعه له، وعده أن تدفع له كل ما يريد من العلاوة حتى العشرة جنيهات. ~~- فكرة حسنة، سأرسل لطباخ عزيز باشا من يزين له الخروج ويغريه بالراتب الحسن ~~عندي أو عند أحد معارفي، وفي الوقت نفسه ألتمس من صديق لي يعرف عزيز باشا معرفة جيدة، ~~وله عليه دالة بأن يزود ذلك الصفرجي بكتاب توصية لعزيز باشا؛ لكي يقبله طباخا ~~عنده. ~~- حسن، ولكن يجب عليك أولا أن تزود ذلك الشاب بالتعليمات اللازمة لوظيفته. ~~- بالطبع. ~~- لا بد أن يعرف أن الجاسوسية مهمته؛ لكي يحسن الخدمة، ولكن لا يجوز أن يعرف لماذا ~~يتجسس؟ ولمن؟ ولا ما الفائدة من تجسسه؟ ~~- إن علاقته ستنحصر بي وحدي. ~~- وحذره أن يدع أحدا من أهل البيت يلاحظ أنه يفهم الإفرنسية؛ لكيلا يتحاشوا ~~التكلم ms066 بها أمامه. ~~- كن مطمئنا. ~~- أخاف أن يخوننا. ~~- لا تخف؛ فإني أعرفه يخدم من يجود عليه بكل أمانة. ~~- إذن استملكه بالهبات، صفراء وبيضاء. # وحينئذ تناول طاهر أفندي حقيبة صغيرة، واستخرج منها ورقة مالية، ودفعها إلى سالم ~~أفندي، وقال له انطلق الآن، وغدا يجب أن يكون عندك تلفون، واذكر أن نمرة التلفون عندي ~~0812 ولا تأت إلى هنا ما لم تخبرني بالتلفون؛ لعل مانعا يمنع من قدومك، وعند ذلك نهض ~~سالم أفندي وصافح مولاه وخرج ممتنا. # | الفصل السادس عشر # كان الوقت صباحا لما خرج سالم أفندي من منزل طاهر أفندي، فما ارتفعت الشمس على ~~قامتين أو ثلاث حتى كان حسن أفندي بهجت على باب المنزل يستأذن بالدخول، وفي لحظة كان ~~جالسا مع طاهر أفندي يتحادثان. ~~- كيف رأيت مصر يا طاهر أفندي؟ ~~- لم يمر علي فيها سوى أسبوع قضيته في إعداد رياش هذا المنزل وأثاثه - كما تعلم - ~~فلم أر بعد شيئا من محاسن مصر، ولكن الذي يتراءى لي - من قليل ما رأيت - أنها ~~جميلة. ~~- إنها لجميلة في فصل الشتاء جدا، ولي الأمل الكبير أنك تسر فيها - إن شاء ~~الله. ~~- أما أن أسر فيها فأمر لا مشاحة فيه؛ ما دام لي فيها أصدقاء أعزاء، وبعد ذلك لا ~~فرق عندي سواء كان البلد طيبا أو لم يكن. وكيف شغلك يا حسن أفندي؟ ~~- الفواتح حسنة جدا - والحمد لله - فقد رافعت مرتين في المحكمة المختلطة، وربحت ~~القضيتين وفي الحال كسبت ثقة الناس، والآن عندي عدة قضايا. ~~- أسأل الله توفيقك، إني أتوقع لك مستقبلا حسنا جدا، فأهنئك سلفا. ~~- أشكر لطفك جدا. ~~- أود أن أستشيرك في أمر قضائي. ~~- مر مولاي. ~~- لقد أخبرتك أني أعطيت عزيز باشا - إذ كان في باريس - خمسين ألف جنيه؛ لكي ينفقها ~~في سبيل الاستعداد لمشروعنا ... ~~- نعم. ~~- وأمس سألته ماذا تم في المشروع؟ فأجاب جوابا لا أذكره؛ لأنه لا مفاد له سوى أنه ~~ينوي إنكار المبلغ. ~~- أخبرتني ذلك إذ التقينا في جنيف، وقلت لي إن لك صكا بالمبلغ، ولما أحببت أن ~~أستفهم عن نص الصك غيرت ms067 الحديث كأنك لا تريد أن تطلعني على حقيقة ما تم بينك وبينه؛ ~~ولهذا خامرني الريب ولم أعد أجسر أن أباحثك بأمر المشروع إلا حين تفاتحني به أنت، ~~فهل تريد أن تخبرني الآن ما كتمته عني قبلا؟ ~~- لست أقصد أن أكتم عنك شيئا يا عزيزي حسن. ~~- بلى كتمت، وأنا ظننت أنك تريد أن تنبذني من المشروع مغترا بترهات عزيز باشا؛ ~~ولذلك عتبت عليك جدا كيف أنك بتت أمرا معه وسلمته نقودا من غير أن تخبرني، ~~والحق أقول لك إني عاتب عليك، ولو أخبرتني لمنعتك من أن تسلمه نقودا؛ لئلا تصل إلى ~~هذه النتيجة، نتيجة إنكاره. فقل لي: كيف كان الاتفاق بينكما؟ ~~- قال لي عزيز حينئذ: إن صعوبة المشروع هي في أخذ الامتياز من الحكومة أولا، وقد ~~خاطبني بهذا الموضوع بإسهاب، حتى إني اقتنعت أن أدفع له ذلك المبلغ الطائل بموجب ~~صك بيننا. ~~- هل لك أن تريني الصك؟ ~~- لماذا لا؟ # وفي الحال استخرجه طاهر أفندي من حقيبته ودفعه إلى حسن أفندي، فقرأه حسن كما يأتي تعريبه: # بتاريخه أدناه استلمت من طاهر أفندي عفت، التاجر في فينا، والتابع للحكومة ~~النمساوية مبلغ 50 ألف جنيه عملة ورق دارجة في باريس ومقبولة في جميع المصاريف؛ ~~لكي أنفقها في مصر في سبيل الاستعدادات اللازمة لنيل الامتياز بإنشاء ترام ~~كهربائي في القاهرة، ونكون أنا وطاهر أفندي المذكور شريكين في هذا المشروع، ~~وقبل نهاية هذه السنة يجب أن أقدم له حسابا عن هذا المبلغ، أو أن أرده، ~~والبيان حرر في 10 أغسطس سنة ... # كاتبه # عزيز نصري # شهد بذلك خليل مجدي، شهد بذلك الدكتور يوسف رأفت. ~~- إن هذا الصك غير صريح يا طاهر أفندي؛ يحتمل التأويل. ~~- يجب أن يكون كذلك؛ لأن الأموال التي يدفعها إنما هي رشوات فلا يمكن تعيين وجوه ~~الإنفاق في الصك. ~~- إذن كيف تطلب منه حسابا؟ ~~- أطلب منه حسابا سريا. ~~- تعني: أن كلا منكما يثق بأمانة الآخر؛ أي أنك أنت تثق بصحة الحساب الذي يقدمه ~~لك وهو يثق بأنك تسلم بصحة حسابه. ~~- كذا، كذا. ~~- إذن ما ms068 فائدة هذا الصك ما دامت الثقة متبادلة؟ ~~- ألا آخذ صكا بمبلغ كبير كهذا ؟ ~~- ولكن هذا الصك لا يفيد؛ لأنه في وسعه أن يقدم لك حسابا غير حقيقي ما دمت ~~مستعدا أن تقبل منه كل حساب يقدمه. # فضحك طاهر أفندي، وقال: لا بأس، أرجو منك أن ترسل إليه كتابا موصى عليه في البريد ~~بإمضائك، باعتبار أنك محام موكل من قبلي، وتطلب منه أن يقدم لنا: إما صورة الحساب، ~~أو المبلغ. ~~- أؤكد لك أنه يقدم حسابا بالمبلغ كله على الاستعدادات التي لزمت للمشروع، وربما ~~قدمها لك بموجب وصولات. ~~- بل أظن أنه يجاوب أنه دفع لي المبلغ، وبعد ذلك لا يستطيع أن يعدل عن هذا الجواب، ~~ويقدم حسابا ملفقا - كما تظن. ~~- عجيب كيف يجسر أن يجيب هذا الجواب والصك لم يزل بإمضائه وإمضاء الشهود ~~عليه. ~~- لا بأس، اكتب له - كما قلت لك - وسنرى ماذا يجاوب؟ وثم نفعل ما نراه موافقا، ~~ويكفي أن تقول له: «نرجو منكم أن تقدموا حسابا عن الخمسين ألف جنيه التي أخذتموها ~~بموجب صك وشهود؛ لكي تنفقوها في سبيل الاستعدادات لمشروع الترامواي، أو أن تردوها قبل ~~نهاية هذا العام.» ~~- يستحيل إلا أن يقدم حسابا ملفقا، وإني أؤكد لك يا طاهر أفندي أن عزيز باشا بلع ~~الخمسين ألف جنيه، ومن الصعب تحصيلها منه. ~~- لا بأس اكتب له، وسنرى. # فتململ حسن من إصرار طاهر أفندي، الذي استدل منه على جهالة ومكابرة وعناد في غير ~~محله، ولكنه أذعن مكرها ممتعضا ووعد أن يكتب، قائلا: سأفعل ما تريد ونرى النتيجة. ~~والآن دعنا نتحدث قليلا في موضوع مشروعنا المهم. ~~- متى يمكننا أن نقابل حمد بك، الذي هو واسطة المسألة؟ ~~- غدا - إن شاء الله. ~~- هل مهدت السبيل إلى ذلك؟ ~~- فهم المسألة مبدئيا، وقد توسمت من محادثته خيرا. ~~- هل يمكن لهذا الرجل أن يضمن لنا النجاح؟ ~~- لي أمل وطيد أنه يستطيع. ~~- عجيب، من أين لهذا الإنسان كل هذا النفوذ؟ ~~- له علائق مهمة جدا مع كبار رجال الحكومة، وليس في وسع أحد سواه أن يفيدنا ~~شيئا. ~~- إذن نزوره ms069 في منزله. ~~- بالطبع، ولا بد أن يكون الحديث ابتدائيا في أول الأمر؛ لكي نرى ماذا تكون ~~مطاليبه. ~~- تظننا نستطيع أن نرضيه ونرضي غيره؟ ~~- لا أدري الآن، على أننا غير مضطرين أن نرضيهم كل الإرضاء بالنقود فقط، بل يمكنا أن ~~ندفع لهم بعض الترضية نقودا وبعضها أسهما، متى أنشأنا الشركة. ~~- عليك إذن أن تهيئ صورة الطلب وتقريرا بالمشروع حسبما استفدت من دراسته في ~~أوروبا. ~~- إني لا أكف عن الاشتغال بهذه المهمة في كل فرصة موافقة. ~~- على الله الاتكال. ~~- إلى الغد إذن. ~~- إلى الغد - إن شاء الله. # | الفصل السابع عشر # في عصر ذلك اليوم زار يوسف بك رأفت طاهر أفندي في منزله، فتلقاه بالترحاب ~~وجلسا معا في القاعة، فدار بينهما الحديث الآتي: ~~- تذكر يا طاهر أفندي أني ألمحت في أحاديثي السابقة معك - ونحن في باريس - إلى أمر ~~جوهري أود أن أباحثك فيه صريحا الآن. ~~- أي حديث؟ # فابتسم يوسف بك قائلا: حديث يختص بشأن السيدة عائدة، فلا أظنك نسيت. ~~- أتريد أن تتخذها زوجة؟ ~~- نعم. # ففكر طاهر أفندي هنيهة وهو مطرق ثم رفع نظره وقال: ليس عندي مانع البتة يا يوسف بك، ~~نعم، إني ربيت عائدة أفضل تربية وعلمتها ما أمكنها أن تتعلم، وقد رأيتها ذكية جدا ~~وعاقلة، ولينة الخلق ولطيفة المزاج بحيث إنها تليق بأن تكون زوجة أمير، على أني من ~~الجهة الأخرى أرى أنك تستحق مثل عائدة وأفضل منها يا يوسف بك؛ لأني عرفتك جيدا ودرست ~~أخلاقك وأميالك فرأيتك أفضل مما ينظر الناس إليك ... ~~- إني أشكر لطفك يا طاهر أفندي ... ~~- لا تظن أني أجاملك أو أطريك بهذا القول، بل إني أعتقد ما أقول؛ ولهذا لا تظن أني ~~أضن عليك بعائدة بل أفضل أن تكون أنت بعلها على أن يكون آخر سواك؛ وذلك لأني أثق تمام ~~الثقة أنها تكون سعيدة معك جدا، ولكن أمرين يحولان أو يحول أحدهما دون هذه ~~الأمنية. ~~- وما هما؟ ~~- الأول: أن تأبى عائدة، وأنا لا أضطرها؛ لأني أطلق لها الحرية تمام الإطلاق بهذا ~~الأمر، فلو آثرت حقيرا على أمير ms070 لآثرته أنا أيضا واجتهدت أن أجعله أميرا لأجل ~~خاطرها ... ~~- إذا أبت عائدة فلا حيلة، بل أعد إباءتها شؤما، على أنه يثبت لي حينئذ أني سيئ ~~البخت. إني لا أظنها تأبى إذا أظهرت لها رغبتك أنت أولا؛ لأنها لا تجسر أن تعلن لك ~~ميلها إلي ما دامت تجهل ميلك، وما اجترأت على أن أفاوضك بهذا الأمر إلا لأني لاحظت ~~من سلوكها معي في عشرتنا السابقة في أوروبا، وفي هذين اليومين الذين تسنى لي فيهما أن ~~أراها أنها تميل إلي بعض الميل، وأظنها لا ترفض طلبي إذا علمت به. ~~- يسرني أنها تقبل، وسنسألها رأيها في حين آخر، إذا رأينا أن المانع الثاني ليس ~~مانعا. ~~- وما هو المانع الثاني؟ ~~- الثاني هو نسب عائدة. ~~- أظنك أدركت من عشرتي السابقة لك أني لست من رأي أسلافنا الذين يحفلون بالنسب، ~~وعندي أن أوضع فتاة تليق أن تكون زوجة أمير إذا استوفت جميع شروط الزوجية وكان الحب ~~بينها وبين طالبها متبادلا، فمهما كان نسب عائدة حقيرا فلا يحط من قدرها الشخصي؛ لأن ~~عقلها وآدابها يجعلانها في مقام الرفيعة النسب، وربما يميزانها في كثير من ~~الاعتبارات. ~~- عائدة فتاة وضيعة الأصل على أني أعرف أبويها؛ ولهذا اتخذتها وربيتها وتبنيتها لما ~~تيتمت. # فهز يوسف بك رأسه وقال: لا بأس، لا يشينها كونها وضيعة الأصل، ومع ذلك حسبها رفعة ~~وشرفا أنها تربت عندك، وأنها تنتمي إليك. ~~- ولكن هب أن أصلها هذا عرف بعدئذ، أفلا يعز عليك أن يقال: في مصرانك بعل ابنة ~~وضيعة الأصل؟ ~~- كلا، دع الناس يقولون ويتقولون ما يشاءون؛ فما أنا ممن يكترث بأقوال الناس إذا ~~كانت زائغة عن محجة الصواب، والرجل لا يعاب بزوجته ولو فسدت، فكيف يعاب بها إذا كانت ~~وضيعة؟ إني أتأكد أن عائدة أفضل من كثير من الزوجات المحصنات. ~~- إني أعجب جدا برجاحة عقلك وسداد رأيك يا يوسف أفندي، وأمدح لك هذه الحرية التي ~~تجاهر بها، فإذا كان نوع مولد عائدة لا يغير من اعتبارك لشخصيتها فالعقبة الكبرى قد ~~ذللت، وما بقي علينا إلا أن ms071 نرى ماذا تريده عائدة نفسها، ولهذا أعطيك الجواب الشافي ~~بعد ما أخابرها بهذا الأمر، فأمهلني بضعة أيام. ~~- فإذن أنت رضيت تمام الرضى، ولم يبق إلا أن تعلم إرادة عائدة. ~~- نعم ولي الأمل أنها ترضى - إن شاء الله - فقد يجوز لك أن تعد نفسك في منزلة الصهر ~~العزيز. ~~- أشكر فضلك جدا يا طاهر أفندي. ~~- انتهينا من هذا الموضوع، فلنتحدث قليلا عن مشروعنا. ~~- كيف تظنه هل ينجح؟ ~~- أرجح جدا أنه ينجح؛ لأن البلد كبير وهو - على ما ظهر لي - يحتمل المشروع، وإذا ~~كانت الأجرة زهيدة يتهافت الناس على الترام، ولا سيما في أشهر الصيف، ولا بد أن تكون ~~أرباحه وفيرة، وإنما العقدة في نيل الامتياز. ~~- حسن أفندي لا يدخر وسعا في السعي وراء هذه الغاية. ~~- إني أعجب بهمة هذا الشاب وإقدامه يا يوسف بك، فلا ريب أنه نابغة وسيكون مستقبله ~~باهرا جدا. ~~- نعم، ولأجل ذلك أحبه جدا. وماذا تم على يده إلى الآن؟ ~~- لقد قابل بعض رجال الحكومة وفاوضهم في الأمر والتمس منهم المساعدة فوعدوه، ولكنه ~~يقول: إن أهم من يترتب نجاح المشروع على مساعدتهم حمد بك الذي هو الواسطة الوحيدة بيننا ~~وبين رجال الحكومة، فإذا أمكننا استرضائه نلنا الامتياز - على الغالب ... ~~- لقد فاوضت بعض رجال الحكومة بهذا الشأن، فقيل لي إن بعض المتمولين عرضوا طلبات لمثل ~~هذا المشروع فحفظت ولم يمنحوا الامتياز، فسألت في سبب ذلك فقيل لي إن الحكومة فحصت عن ~~مقدرتهم المالية فلم تجدها كافية للقيام بالمشروع. ~~- لعل ذلك هو السبب الحقيقي، ولكن ليس كل السبب وربما لم يكن سببا في بعض الأحوال ~~للضن بالامتياز، على أني فهمت من مفاد محاورات حسن أفندي مع رجال الحكومة أن أهم ~~الأسباب في نيل الامتياز إرضاء ذوي الحل والعقد. ~~- نعم نعم، هذا أهم الأسباب. ~~- ولذلك سأضحي بجانب كبير من رأس المال الذي أعددته للمشروع، ومتى حصلنا على ~~الامتياز فلا يتعذر علينا أن نسترد ما ضحيناه من الأسهم التي نعرضها للبيع، وإني ~~أتوقع إقبالا عظيما على تلك الأسهم؛ ولهذا تراني أجازف الآن بالمال. ms072 ~~- أنت أخبر منا يا طاهر أفندي بهذه الأعمال؛ لأنك تعرف أهم مدن أوروبا ، وقد درست هذه ~~المشروعات - إما عمدا وإما اتفاقا - أكثر منا. ~~- صدقت، على أني اعتمدت - بالأكثر - على تقرير حسن الأخير الذي جمعه من اختباره ~~ودراسته الشخصية لشركات الترام في حواضر أوروبا، وحسن أشد ثقة مني بنجاح ~~المشروع. ~~- أما أنا فبناء على ثقتكما بنجاحه اشترك معكما فيه. ~~- الاتكال على الله، وسنرى ماذا تكون نتيجة مقابلتنا لحمد بك غدا. ~~- خير - إن شاء الله. # | الفصل الثامن عشر # أرسل حسن أفندي رسالة رسمية إلى عزيز باشا - كما علم القارئ عن عزمه - يسأله فيها: أن ~~يقدم حسابا عن الخمسين ألف جنيه التي استدانها من طاهر أفندي، أو أن يردها قبل نهاية ~~السنة، وبعد يومين دهش حسن إذ وردت إليه رسالة من عزيز باشا هذا نصها: # حضرت الفاضل حسن أفندي بهجت المحامي # بعد الاحترام، أتى إلي كتابكم الذي كتبتموه لي رسميا بإيعاز طاهر أفندي ~~عفت وفيه تطالبوني بمبلغ الخمسين ألف جنيه أو بتقديم حساب عنه، فعجبت من هذه ~~المطالبة؛ لأن المبلغ المذكور رددته إلى طاهر أفندي، ونحن في باريس لما عدلت ~~عن الاتفاق الذي كان بيننا. # حرر في 27 ديسمبر سنة ... # كاتبه عزيز نصري # دهش حسن أفندي من هذا الجواب؛ لأنه خالف منتظره تمام المخالفة، فمضى به إلى طاهر ~~أفندي ولما اجتمع به في غرفته الخاصة دفع الجواب له، وقال: لقد حيرني جواب عزيز باشا يا ~~طاهر أفندي كيف يتجاسر أن يكتب هذا الكلام، وهو يعلم أن الصك عندك ناطق بالدين. # فابتسم طاهر أفندي، وقال: هذا هو الجواب الذي كنت أتوقعه، فأرجوك أن تعطينيه؛ لأنه ~~برهان دامغ على أنه لم يتصرف بالمال في المشروع الذي اتفقنا عليه، فعليه إذن أن ~~يدفع المال بتمامه بموجب الصك الذي عندي عليه، أليس كذلك؟ ~~- من غير بد، ولكن ما سر المسألة؟ ~~- يريد أن ينكر المال. ~~- عجيب! هل يجن إلى حد أن يدعي أنه دفع المبلغ مع أن الصك لم يزل عندك؟ فضحك طاهر ~~أفندي، وقال: وأنا أتعجب مثلك، ms073 فسنرى بماذا يبرهن على صحة دعواه؟ ~~- دعني إذن أرفع القضية عليه. ~~- لا، دعه الآن ، لم تحن ساعته بعد، هل يضيع حقي إذا تأخرت عن مطالبته بضعة ~~أشهر؟ ~~- كلا، ولكن أخاف أن يعود فيلفق الحساب. ~~- كلا كلا، لا يلفق الحساب؛ لأن تلفيقه أصعب عليه جدا من إنكار الصك أو ~~الإدعاء بأنه أوفى المبلغ، فدعنا من مسألته إلى حين آخر وأصرف همك الآن إلى ~~مشروعنا. ~~- لا أكل عن الجهاد في سبيله، ولكني لاحظت أن بعض الأهالي يناظروننا فيه، وبعضهم ~~يسعون مساعي مناقضة لمساعينا. ~~- عجيب! لماذا؟ ~~- حسد، لا يريدون أن وطنيا ينجح، لما علموا أني ساع في هذا المشروع بكل قوتي ~~أخذوا يقاومونني. ~~- كيف عرفت ذلك؟ ~~- عرفته من بعض رجال الحكومة المخلصين لي. ~~- من هم هؤلاء المعاكسون؟ دعهم يشتركون معنا إذا كان له مطمع. ~~- لم يقل لي من هم، ولكنني ظننت أن عزيز باشا نصري في مقدمة المقاومين، ولعل السبب ~~مسألة الخمسين ألف جنيه التي يود أن ينكرها وتغيظه من مطالبته بها. ~~- هل يبتغي أن أسامحه بهذا المبلغ الجسيم لكي ينكف عن المقاومة؟ ~~- ربما. ~~- خسئ النذل، آخذ حبة قلبه إذا أنكر مالي، فاسع سعيك، وأنا أريك من منا يكيد ~~الآخر أنا أم عزيز هذا؟ لقد خدعت بهذا الرجل، ولكنني أدرس فيه درسا كان ~~ينقصني. ~~- لست أؤكد تمام التأكيد أنه هو المقاوم، ولكن اشتباهي به مجرد ظن قد يكون سيئا ~~حملني عليه بعض الأمور. ~~- ولكنه ظن راجح؛ لأني فهمت أن هذا الرجل طماع جدا. ~~- جدا جدا، وقد قيل لي: أنه كان يعذب زوجته لكي يضطرها أن تهبه أملاكها بالطرق ~~القانونية. ~~- هل هي غنية؟ ~~- إنها أغنى منه أضعافا. ~~- إذن لا يبعد أن يكون طامعا بالخمسين ألف جنيه ويؤمل استبقاءها كترضية له لكي ينكف ~~عن المقاومة، ولكن خاب فأله، غدا يكون حمد بك عندي؛ لأجل العشاء - كما تعلم - فسآكل ~~دماغه. ~~- ولكن لا تنسى يا طاهر أفندي أن «أكل الدماغ» وحده غير كاف؛ لأنه لا يلبث أن ينشأ ~~بدله دماغ جديد، ولكن يجب أن تثقل كفه أيضا، ms074 تثقلها جدا؛ لكيلا يستطيع أن يتزعزع ~~قلبه من مكانه. ~~- لا تخف، لا أضن بأمر من الأمور اللازمة، أرجو أن توافي غدا مساء حسب المنتظر، ~~وإذا رأيت الدكتور يوسف بك فذكره؛ لأني لا أود أن يغيب أحدكما عن مأدبة الغد. ~~- إلى الملتقى إذن. ~~- إلى الملتقى - إن شاء الله. # | الفصل التاسع عشر # عرف القارئ - مما فات - أن عزيز باشا كان يبذل جهده في أن يخطب نعيمة ابنة حسين باشا ~~عدلي لأخيه؛ لكي تصبح ثروة حسين باشا أخيرا تحت تصرفه؛ لأنه ما زال - إلى ذلك العهد ~~- يسيطر على أخيه بحق الدالة الأخوية؛ لأنه أصغر منه، وكان خليل منصاعا لأخيه أيضا ~~لذلك السبب عينه؛ ولأن الانقياد من طبعه؛ ولهذا كان يطمع عزيز باشا أن تئول ثروة حسين ~~باشا عدلي إليه أخيرا. # وقد حدثته نفسه - غير مرة - أن يخطب نعيمة لنفسه لا لأخيه، ولكن لم يجسر؛ لأنه ~~رجح - بل أكد - أن عدلي باشا يحسب زواجه من ثانية نقيصة، وربما يستدل منها على طمعه ~~فصد نفسه عن هذا المطمع، واهتم أن يناله على يد أخيه فصمم على أن يبذل جهده في أن لا ~~يدع نعيمة تفلت من يديه، ولكن لم يتكلف لهذه المهمة عناء كبيرا؛ لأن حسين باشا ~~كان ممن يعبئون بالشرف والأصل والمقام جدا، وكان بيت حامد باشا حسني من بيوت مصر ~~المعتبرة، وأسرته من الأسر العظيمة الوجيهة، فكان حسين باشا يعد مصاهرة هذه الأسرة ~~شرفا؛ ولهذا كان يسره جدا أن يزوج ابنته من خليل ابن حسني باشا. # وقد علم القارئ - مما مضى - أن عزيز باشا وحسين باشا تفاوضا في هذا الموضوع واتفقا، ~~وأن حسين باشا أخبر ابنته به ولكنه لم يسألها رأيها بهذا الموضوع، ولا هو ينتظر رأيها، ~~وإنما يتوقع أن تظهر رضاءها فلما خاب مؤمله في تلك المرة الأولى حسب سكوتها وإطراقها ~~من قبيل الحياء والخجل فاقتصر الكلام معها على نية أن يستجوبها مرة ثانية. # وبعدما تقرر الأمر بينه وبين عزيز باشا اختلى بنعيمة في مخدعها وجعل يفاوضها فبدأها ~~في الكلام قائلا: كلمتك ms075 يا بنتي عن أمر يهمك وإلى الآن لم تطلعيني على فكرك فيه ولا ~~أطلعت أمك، مع أنها ساقت حديثها معك إليه والآن أود أن أعرف فكرك بصراحة. ~~- أي أمر تعني يا أبي؟ # فضحك حسين باشا، وقال: كأنك لا تدرين حقيقة. # فأطرقت نعيمة وسكتت فقال لها أبوها: كلمني أمس عزيز باشا بشأن خطبتك لأخيه فوعدته، ~~والآن أود أن أعرف فكرك بهذا الشأن. # فرفعت نظرها فيه قائلة: هل لمعرفة فكري أهمية بهذا الأمر يا أبي؟ ~~- بالطبع ألا يجب أن نعرف ما إذا كنت تريدين أو لا؟ ~~- لماذا؟ ~~- عجيب! كيف تقولين لماذا؟ أليس من الواجب إطلاع الفتاة على نصيبها واستطلاع ~~أفكارها؟ ~~- إذن أمر زواجي يترتب على إرادتي يا أبي؟ ~~- نعم. ~~- فلماذا وعدت عزيز باشا قبل أن تتحقق إرادتي؟ ~~- لأني أنا أريد ولا أظنك تخالفين إرادتي. ~~- لا أحب أن أخالف لك إرادة يا أبتاه، ولكن إذا كان ميل قلبي مخالفا لميل قلبك في ~~الأمر الذي يخصني ويخصني وحدي، فهل تضطرني أن أوافق إرادتك وأقهر قلبي؟ # وكادت تجهش بالبكاء، فنظر فيها حسين باشا نظرة المستغرب؛ لأنه لم يكن ينتظر هذا الجدل ~~منها، وقال لها: ماذا تعنين بهذا القول يا بنتي؟ ~~- لا أظن قصدي خفيا عليك. ~~- أتعنين أنك لا تريدين ما أريد؟ ~~- إني مطيعة لك يا أبي، وأريد كل ما تريد غير هذا الأمر؛ لأن مسألة اقتراني برجل ~~مهمة جدا وتخصني وحدي، فأرجو أن أترك فيها لمطلق حريتي، أليس هذا حقا يا ~~أبي؟ ~~- كلا، نعم، إن مسألة زواجك تخصك وحدك، ولكنها تهمني أنا أيضا يا بنتي. ~~- لا أنكر أنها تهمك، ولكن هل يجوز أن تتوقف على إرادتك دون إرادتي؟ ~~- لماذا لا يجوز؟ إلا إذا كنت تشائين أن تتزوجي على هواك. ~~- لا، لست أعني ذلك يا أبي، ولكني أقول إنه لا يجوز أن أتزوج من لا أريده. ~~- وخلاصة القول: أنك لا تريدين خليل بك بعلا لك. ~~- نعم، لا أريده. ~~- لماذا؟ ~~- لأن قلبي لا يهواه. ~~- لا أفهم هذا الكلام يا نعيمة؛ لأن مسألة قلب وهوى ونحو ذلك؛ لا ms076 تليق بنا نحن، وعار ~~عليك أن تقولي أهوى أو لا أهوى، ولا يليق ببنت حسين باشا عدلي أن يكون للهوى والقلب ~~دخل في أمر زواجها البتة. # فنظرت فيه نعيمة مبهوتة، وقالت: عجيب يا أبي، إذن ما الذي له دخل في مسألة الزواج؟ ~~وما هو الشرط الأساسي في الزواج؟ ~~- الشرط الأساسي أن يكون الطالب موافقا، وخليل بك أفضل عندي من كل فتى يطلب ~~يدك. ~~- ولكني لا ... # وغصت بكلامها وطفر الدمع من عينيها. ~~- ماذا؟ «لا». # فاستمرت نعيمة تذرف الدمع وتكفكفه بمنديلها ولا تتكلم. ~~- لماذا تبكين يا بنتي؟ ألا إني أحبك، وأريد لك كل الخير، فلماذا؟ ألا تريدين خليل ~~زوجا؟ ~~- رحماك يا أبي! اسمح لي أن أقول: إني لا أحبه فكيف أتزوجه؟ ~~- متى صار زوجك تحبينه حب الزوجة للزوج؛ لأنه فتى جميل الطلعة حلو العشرة ظريف ~~الحديث، وذو مكانة سامية بين الناس. فضلا عن أسرته العريقة في المجد والشرف، ألعلك ~~تطمعين بأفضل منه. ~~- لا أطمع بأفضل يا أبي ولا أناقشك في محامده ولكن الأمر الجوهري أني لا أميل إليه ~~فكيف أستطيع مساكنته؟ وكيف أستلذ عشرته بل هو كيف يستطيب الإقامة معي؟ ~~- متى صرتما زوجين استطبتما أحدكما عشرة الآخر، وحينئذ تجدين خليل أفضل مما ~~تتوهمينه. ~~- إن قلبي نافر يا أبي، فلماذا تضطرني أن أقهره لكي أفعل رغبتك؟ بربك دعني من هذا ~~الزواج الذي أحسبه جحيمي. ~~- ما كنت أظنك يا نعيمة تناقضينني إلى هذا الحد. ~~- إني أحترم كلمتك جدا يا أبتاه، ولكن مسألة الزواج جوهرية جدا، فبالله دع لي ~~الحرية فيها. ~~- أراك يا نعيمة تخرجين عن دائرة الأدب التي ربيتك فيها، كيف أدع لك الحرية؟ أي فتاة ~~غيرك تقول هذا القول. ~~- ألست أنا بشرا كسائر الناس، لي نفس وإرادة وحقوق؟ ~~- نعم، ولكن لا حرية لك ولا لغيرك من النساء. ~~- لماذا تحرم الفتاة حق التمتع بحريتها، وهي ذات نفس وجسد كالرجل؟ ~~- أراك تتمحكين كثيرا، وصرت أخشى أن أستاء منك يا نعيمة، فدعي هذا الكلام الفارغ، ~~ألا تعلمين أن الفتاة المسلمة يجب أن تكون إما تحت أمر ms077 أبيها أو أخيها أو رجلها، وما ~~نحن إفرنج حتى تسير المرأة على هواها - والعياذ بالله. ~~- أليس ظلما أن تقيد المرأة كل حياتها بإرادة غيرها؟ ~~- كلا؛ لأن المرأة صغيرة العقل فيجب أن تكون تحت سيطرة غيرها؛ لئلا تضل عن سواء ~~السبيل، وبما أنك أنت لا تعرفين مصلحتك فأنا انتقيت لك بعلا أعرف جيدا أنه أفضل لك ~~من كل من يمكن أن يطلب يدك، فخير لك أن تطاوعيني يا بنتي. # فتنهدت نعيمة، وتدفق الدمع المدرار من عينيها ولم تعد تتكلم. ~~- لماذا تبكين يا بنتي؟ أتشكين بأني أريد لك كل خير؟ ~~- كلا كلا، يا أبي إني واثقة كل الثقة بحسن قصدك، وهل يمكن أن أرتاب بك؟ معاذ ~~الله ولكن ... ~~- ماذا؟ ~~- لا أقدر أن أتزوج خليل بك. ~~- ولكني وعدت أخاه يا نعيمة، فهل يهون عليك أن أنقض عهدي وكلام الشرف الذي فهت ~~به؟ ~~- لماذا تعد من غير أن تطلعني قبلا على قصدك حتى لا تضطر أن تخلف بوعدك؟ ~~- أخبرتك قبلا. ~~- ولكني لم أجبك جواب الرضى. ~~- سكت، والسكوت جواب في مثل هذه الحال. ~~- إذا كان جوابا فغير صريح؛ لأنه كما يحتمل أن يكون بالإيجاب يحتمل أن يكون ~~بالسلب، وما كان سكوتي حينئذ إلا عن خجل. ~~- هذا ما ظننته حينئذ، وحسبت أنك لا تخالفين إرادتي التي أعلنتها ووعدت بها. ~~- ولكن لم يكن خجلا فقط بل كان خوفا أيضا، خفت أن يثور غضبك فسكت. ~~- والآن لماذا لا تخافين أن تغضبيني؟ ~~- لأني أغتنم فرصة حلمك لأبين لك حقيقة ميلي، فاعذرني يا أبي، لا أقدر أن أتمم ~~رغبتك. ~~- عجيب! لقد وعدت فماذا أقول للرجل؟ ~~- لا بأس، تقدر أن تقول له إنك أنت راغب، ولكن أنا لست راغبة، وأن الأمر لا يتم إلا ~~برغبتي التامة، وبهذا الجواب لا تكون قد غيرت قولك. ~~- أبكل قحة تعلميني ما أقول يا بنة، أأنا حسين باشا عدلي أقول هذا القول ولا أقدر ~~أبت في المسألة ما لم ترغب فيها ابنتي أولا، خسئت يا لضياع التربية والتهذيب، إنك ~~تؤلمينني يا نعيمة، وستكونين علة حسرة في ms078 قلبي كل أيام حياتي. # وعند ذلك نهض وخرج من مقصورتها إلى القاعة غاضبا، فأسرعت نعيمة وراءه ووقعت على ~~قدميه تقبلهما وهي تقول: اعذرني يا أبتي لا أقصد أن أغيظك، ولا يهنأ لي عيش إن كنت ~~غاضبا. ~~- هل رضيت؟ ~~- لست أعني هذا، ولكني أتوسل إليك أن ترضى علي وتتأمل مسألتي جيدا، فتدرك أني محقة ~~فيما قلته. ~~- اخرجي من هنا اخرجي، إنك نقمتي ونغصة عيشي. # وعند ذلك خرجت نعيمة والدموع تنسكب على خديها، وهي تكفكفها بمنديلها وعادت إلى ~~مقصورتها. # وبعد ذلك اجتمع حسين باشا بزوجته عصمت هانم وأخبرها ما كان من رفض نعيمة وقحتها في ~~الأجوبة، وإصرارها على الرفض، وطلب إليها أن تجاهد في إقناعها ما استطاعت، وكان الوقت ~~العصر، فقالت له: ندعها اليوم وغدا أغتنم الفرصة الموافقة لمخاطبتها بهذا ~~الموضوع. # | الفصل العشرون # وكانت عادة نعيمة أنها تقف نحو الساعة الخامسة كل يوم في شرفة دار الحريم وتفتح إحدى ~~نوافذها الصغيرة التي في شرفة الحريم، وترى حسنا مارا في مركبة اعتيادية مقفلة ~~فيراها من نافذة العربة الخلفية. يتراءيان لحظة واحدة فقط كل يوم، فيضرمان نارا من ~~الحب تدوم متلهبة 86400 لحظة؛ إذا كانت اللحظة مساوية ثانية. # في تلك الساعة؛ أي بين الخامسة والخامسة وربع أينما كان حسن يجب أن يطير إلى الحي ~~الذي أودع فيه قلبه، لو كان موعودا بربح ألف جنيه في تلك الهنيهة القصيرة لأغفل الألف ~~جنيه وربما أغفل العشرة آلاف جنيه؛ لكيلا يحرم نظرة من نعيمة، ولكيلا يخيب رجاؤها في ~~انتظاره نحو ربع ساعة في الشرفة. إذا توقع أمرا يشغله في اليوم التالي عن المرور من ~~تحت الشرفة أخبرها باللغة الرمزية التي كانا يتفاهمان بها. # إذا كانت يده خارجة من نافذة العربة الخلفية علمت أنه لا يستطيع المرور في الموعد ~~المعين في اليوم التالي، إذا كانت العربة مكشوفة علمت أنه يريد مقابلتها، ومكان ~~المقابلة معلوم - وقد علم القارئ أنه في باب الحديقة الخلفي - ثم يعود في العربة. أما ~~إذا كانت هي تستطيع مقابلته فإن أرته منديلا بيدها علم أنها ms079 مستعدة أن تقابله في ~~ذاك المساء، وإن كان المنديل مدلى من نافذة الشرفة علم أنها ستقابله في مساء اليوم ~~التالي. إن رأى يدها على خدها علم أنها غير مسرورة من أمر، وهكذا إذا هي رأته، وهناك ~~رموز أخرى لا موجب لاستقرائها. # في ذلك العصر بعدما انتهى حسين باشا عدلي من مفاوضة نعيمة على غير جدوى وقفت نعيمة ~~في الشرفة كعادتها قبل أن تحين الساعة الخامسة وفتحت النافذة ومدت معصمها منها وفي يدها ~~منديل، وجعلت تتوقع بفروغ صبر مرور حسن في العربة. # كالمعتاد كان الوقت 15 دقيقة قبيل الخامسة، فكانت نعيمة كل دقيقة تمل وتجدد الصبر ~~ستين مرة حتى كادت روحها تزهق، حانت الخامسة تماما وصار مرور حسن متوقعا اللحظة ~~بعد اللحظة أكثر من قبل، فكان قلبها هلعا وعضلاتها تختلج جزعا، خافت أن يخرج أبوها أو ~~أمها إلى الشرفة، فيريانها، فيوجسان منها، لماذا لم تخف قبلا؟ كانت تخاف هذا الخوف ~~ولكن كانت واثقة أنها تستطيع التمويه، ولكن في تلك الساعة اشتدت عليها كل ~~المخاوف؛ لأنها صارت تتوهم أن عيون أبويها بالمرصاد عليها، وأنهما يسمعان كل خطرة من ~~خطرات أفكارها ويفهمان كل معنى من ملامحها. # لم يكن مطمعها حينئذ أن ترى حسنا، ولكن كانت تبتغي أن تكلمه كلمة فقط، كانت تريد أن ~~تخبره أنها لبثت على عهدها، وتسأله هل يستطيع القيام بوعده؟ # ما مر بعد الساعة الخامسة دقيقة وفؤاد نعيمة يضطرب خوفا حتى صح حسابها؛ إذ أتت ~~أمها إلى الشرفة فشعرت أن عروة قلبها قد انقطعت، وسقط ذلك الفؤاد الوجل في ~~أحشائها. # سمعت وطأة وما التفتت حتى رأت أمها في الشرفة فسقط منديلها من يدها، لا تدري ما ~~الذي أرخى عصب كفها؟ الخوف أو الأمل بلقاء حسن أو إلهام الحب، الله أعلم، ولو لم يكن ~~الوقت الغروب والشمس آفلة والجو مكفهر بحيث لا تنجلي الأشباح جيدا في شرفة مكتومة ~~بمشبك خشبي لو لم يكن الأمر كذلك لرأت عصمت هانم خدي ابنتها نعيمة يتوهجان بلهبات ~~الجزع والاضطراب، ومع ذلك شعرت بارتعاب ابنتها، فقالت ms080 لها بكل رقة: ما بالك أجفلت يا ~~بنتي؟ ~~- لأن دخولك كان مفاجئا فإني لم أشعر به إلا وأنت هنا، وكم يحصل مثل هذه المباغتة ~~فيعقبها هذا الإجفال. # وعند ذلك سكن روعها قليلا، ولكن قلبها ما زال ينتفض. ~~- ماذا تفعلين هنا وحدك؟ ~~- أستنشق الهواء النقي. ~~- أخاف أن يراك أحد مطلة منها يا نعيمة، فماذا يقول عن ابنة حسين باشا ~~عدلي؟ ~~- لم أطل منها ولن أطل يا أماه، وإن أطللت أحيانا فمن وراء مصراعها الذي لا يزال ~~منحدرا فوقها بحيث لا يراني أحد. # وعند ذلك أطلت نعيمة كأنها تمثل لأمها ما تقول فلم تر المنديل في الزقاق، وأجالت ~~نظرها في طوله فلم تجد أحدا فوجف فؤادها، أين ذهب المنديل؟ من أخذه؟ ربما عثر عليه ~~أحد من الخدمة فعاد به وأعطاه لعصمت هانم فماذا تظن؟ أنها توجس من نعيمة، هذه الأفكار ~~خطرت لنعيمة محفوفة بالخوف والوجل. # عند ذلك أقفلت نعيمة النافذة واجتهدت أن تنتهز فرصة موافقة للخروج من أمام وجه ~~أمها؛ لأنها خافت أن تدقق في تساؤلها، أو أن تتطرق في حديثها إلى الموضوع الذي فاوضها ~~به أبوها، فقالت: إني عطشانة، وخرجت إلى غرفتها. # توقعت أن تحادثها أمها بالموضوع وتحاول إقناعها، فأبت أن تخوض معها فيه قبل أن ترى ~~حسنا، شعرت بضرورة كلية لرؤية حسن في ذلك المساء، لم يكن لها متكل حينئذ سواه، هو ~~ملاذها، وهو الذي يبعث الحياة فيها ويمدها بالقوة. انقضى الربع بعد الخامسة فلا بد أن ~~يكون حسن قد مر فما رآها فماذا قال؟ لا ريب أنه يفترض أن أمرا غير اعتيادي طرأ ~~عليها، ما هذا الأمر؟ يفترض ألف أمر ويحسب ألف حساب، أفلا يخطر في باله أن تكون نعيمة ~~منتظرة إياه عند باب الحديقة الخلفي، هذه الأفكار وأمثالها خطرت لنعيمة، لم يبق لها ~~أدنى أمل في مصادفته من الشرفة؛ لأن الوعد فات وهب أن حسن يعود فيمر مرة أخرى أو ~~مرتين - بناء على أمل ضعيف - فإن أمها لا تزال في الشرفة فهي لا تستطيع أن تشاهده، خطر ~~لها ms081 أنه ربما يكون قد رأى المنديل وهو عابر فأخذه وفهم المقصود، ولكن هذا الفكر نفاه ~~إطلالها من الشرفة حين كانت تكلم أمها، ولم يكن قد مر من الوقت حينئذ أكثر من نصف ~~دقيقة، وهي لم تشعر بمرور عربة لكي يبادر إلى ظنها أن حسن مر فأخذ المنديل؛ ولذلك ~~رجحت أن المنديل وقع في يد غير يد حسن. # مع ذلك نزلت إلى الحديقة، نزلت إلى الحديقة لا لأمل بلقاء حسن بل لأن وجودها في غير ~~الحديقة في ذلك الحين يكون محفوفا باليأس، وكان الفرج لا يأتي إلا من باب الحديقة ~~الخلفي، فنزلت تتيمن بذلك الباب. # أما حسن فمر بمركبته في تلك اللحظة عينها إذ كانت نعيمة تخاطب أمها، ونظر كعادته في ~~الشرفة فلم ير شبحا كالمعتاد مع أنه رأى النافذة مفتوحة بعض الانفتاح فخفق فؤاده ~~للحال، وما قارب موقع المنديل حتى رآه ملقى على الأرض قرب الجدار فاستوقف العربة ~~وتناوله وعاد، ودرجت به العربة حتى توارت في جنينة الزقاق، وحينذاك أطلت نعيمة فلم تجد ~~المنديل فلم يخطر لها أن حسن مر في تلك اللحظة القصيرة وتناول المنديل وتوارى؛ ذلك ~~لأن وقت الجزع لا يقدر الإنسان مدته، فيكاد يكون كوقت الفرح يمر طويله كالحلم. # أما حسن فقلب المنديل فتأكد أنه منديل نعيمة، ولكن لماذا هو مرمي على الأرض؟ وأين ~~نعيمة لم تظهر من النافذة كعادتها؟ تأكد أن أمرا غير اعتيادي قد حصل فبعد ما توارت ~~مركبته أمر الحوذي أن ينثني فألوى العنان، وكانت نعيمة حينئذ قد عادت من الشرفة فلم ~~يرها، ولكن لاحظ في الشرفة حركة غير اعتيادية، ذلك أن عصمت هانم نظرت من النافذة ~~فأبصرته في عربته ولعلها أدركت أنه ينظر إلى الشرفة. # قلق حسن لهذا الأمر جدا وحسب ألف حساب، ولكن رجح له أن نعيمة تبتغي مقابلته، وأن ~~وقوع المنديل منها يدل على أنها كانت تلقيه على خشب النافذة فوقع، وأما من يدها فلا ~~يقع، ومرموز إلقائه إنما هو المقابلة في اليوم التالي، ولكن ما الغرض من هذه المقابلة؟ ~~ولماذا ms082 يقع المنديل على الأرض؟ ولماذا لم تظهر نعيمة؟ كل ذلك حير حسن وأقلق باله فخطر ~~له أن يمضي إلى مكان اللقاء لعل نعيمة هناك ولو عرضا، وهكذا إذا التبس الأمر على امرئ ~~عاد إلى القاعدة الأصلية، وإذا استولى عليه اليأس عاد إلى مصدر الرجاء. كان حسن يطلب ~~نعيمة فيجدها في باب الحديقة الخلفي فلما أضاعها حينئذ قصد إلى ذلك الباب لعله يجد ~~أثرا لها فترك العربة وقصده. # ما وضع عينه على أحد شقوق الباب حتى رأى نعيمة مقبلة على مهلها، وهي تتلفت، وتتظاهر ~~أنها تتمشى متنزهة، وكانت الشمس تأفل حينئذ ولا يزال الجو مكفهرا؛ لأنه كان يوما ~~غائما، وقبل أن تصل إلى الباب سمعت نقرا لطيفا عليه فوقفت تنظر إليه. # فأعاد حسن النقر، فعبرت في بدنها خلجة خفيفة، ووقفت وقفة الظبي بعد النفور، وهي تنظر ~~إلى الباب ثم سمعت صوتا يقول: «تقدمي» فالتفتت يمينا وشمالا، ثم قالت بصوت خافت: ~~«من» ثم سمعت قوله: «تقدمي أنا حسن» فتقدمت حتى صارت على بعد خطوة فسمعت قوله: ما ~~بالك واجفة؟ أنا حسن تقدمي. ~~- أأنت حسن؟ ~~- أنا هو، ماذا جرى؟ لماذا أنت خائفة؟ افتحي. ~~- لا أفتح. ~~- لماذا؟ ~~- أصبحت في ضيق. ~~- ماذا جرى؟ افتحي هنيهة. ~~- كلا كلا، لا أفتح، دعنا نتكلم والباب بيننا؛ لئلا يباغتنا أحد. ~~- لا بأس قولي ماذا جرى؟ ~~- من قال لك أن تأتي؟ ~~- رأيت المنديل على الأرض فتناولته فعرفت أنك ألقيته على خشب نافذة الشرفة فسقط، ~~ولكن سقوطه رابني فأتيت إلى هنا الآن؛ لأني لم أطق الصبر إلى الغد. ~~- عجيب، الله ساقك إلي فإني في حاجة شديدة إليك، والمنديل كان في يدي وسقط من ~~الخوف. ~~- فماذا حدث، تكلمي؟ ~~- باغتتني أمي في الشرفة. ~~- هل لاحظت أمرا؟ ~~- لا أدري، ولكني أرجح أنها لم تلاحظ شيئا. ~~- هل حدث شيء آخر؟ ~~- نعم، ولأجل الشيء الآخر استدعيتك. ~~- ماذا؟ ~~- كلمني أبي اليوم كثيرا بشأن خليل بك مجدي كما نتوقع. ~~- وماذا قلت له؟ ~~- رفضت تمام الرفض. ~~- وكيف فارقك؟ ~~- فارقني غاضبا وأنا لم أزل رافضة، ولكنه سوف يعيد علي الكرة ms083 وستكلمني أمي ~~بالموضوع أيضا، ومنذ الآن يبتدئ اضطهادي الحقيقي يا حسن. ~~- حياتي نعيمة، ماذا تريدين فأفعل ؟ هل تتصورين أمرا فآتيه؟ لا تستكبري أمرا كل ما ~~يمكن عمله جائز، ولو كان مفضيا إلى بذل حياتي، أنا أعلم أنك ستقاسين لأجلي كثيرا يا ~~نعيمة فأكدي أن كل دمعة من دموعك بقطرة من دمي. ~~- لا حاجة بنا إلى هذا التفاني يا حسن، فدعنا نتكلم بتعقل. ~~- قولي، ماذا تريدين؟ ~~- على أي حال لست أطيق أن أكون زوجة خليل بعد الذي عرفته عن سلوكه وسلوك أخيه مع ~~زوجته زينب ابنة عمي - كما ذكرت لك - سواء كنت أنت نصيبي أو لم تكن. ~~- هل تزعزع عهدك يا نعيمة؟ ~~- هذا سؤالي لك. ~~- عهدي لا يزعزعه شيء حتى الموت. ~~- وأين صار مشروعك الخطير؟ ~~- لماذا تسألين هذا السؤال؟ هل يتوقف عهدك على مشروعي؟ ~~- كلا البتة، وإنما أسألك لأرى هل أبوح بحبي لك أو أنتظر ريثما تتأكد فوزك. ~~- مشروعي في منتصف الطريق يا نعيمة ونجاحي فيه أرجح من إخفاقي، ولكني ممن يحسبون ~~حساب الإخفاق قبل حساب النجاح؛ ولذلك أفضل أن تتمهلي في بث ما في ضميرك. ~~- ولكنهم سيضايقونني في الإقناع والاستجواب، وسيحتمون علي أن أبين سبب رفضي، ~~فماذا أجاوب؟ ~~- متى ضويقت فجاوبي ما تشائين، وإذا اضطررت أن تبوحي بحبنا فأقتل نفسي إذا لم ~~أستطع إرضاء أبيك. ~~- أبي يعبأ جدا بالجاه وشرف الأصل. ~~- أما الجاه ففي الإمكان يا نعيمة، أجتهد أن أجمع ثروة بالطرق العاجلة، وبالثروة ~~أكسب الجاه والنفوذ، أما شرف الأصل فلا أستطيع الحصول عليه إلا إذا كان ممكنا أن أولد ~~ثانية. ~~- أعرف استحالة ذلك يا حسن فما أنا غبية، ولكن يمكنك أن تستعيض منه بما يمكن أن يقوم ~~مقامه. ~~- ماذا؟ ~~- أن تحصل على رتبة رفيعة أو نشان مجيد. ~~- هذا سهل جدا يا نعيمة. ~~- إذن متى ضايقوني في الاستجواب أعترف بحبي لك. ~~- لا تفعلي يا نعيمة قبل أن تخبريني؛ لأني أود أن يعرف هذا الأمر مني أولا. ~~- تريد أن تطلبني من أبي رسميا؟ ~~- نعم وإن كنت لا أفلح في بدء الأمر. ms084 ~~- صدقت هذا هو الأفضل؛ لئلا يحسب اعترافي قبل طلبك تبذلا، ولكني يجب أن يصلني خبر ~~عن يد أحد أهل البيت أنك طلبت يدي؛ لكيلا يكتم أبواي عني طلبك وإلا فيتعذر علي أن ~~أعترف بميلي إليك. ~~- أنا أتخذ وسيلة ظاهرة لإبلاغ الخبر إلى أحد الخدم. ~~- يجب أن تطلب مقابلتي كلما خطا مشروعك خطوة إلى الأمام، ماذا تم من أمره؟ ~~- وعدنا بعض رجال الحكومة بتمهيد السبيل لأخذ الامتياز. ~~- إلى الملتقى إذن. ~~- إلى الملتقى، اسمعي، نعيمة نعيمة اسمعي. ~~- ماذا؟ ~~- كيف كانت لهجة أبيك في مفاوضتك؟ ~~- غير عنيفة، ولكنه ناقشني طويلا وأصر على رأيه، وأنا أصررت على الرفض، وأخيرا ~~خرج متغيظا ولكنه حتى الآن لم يتهددني، ولا قال لي كلمة جارحة، على أني أتوقع ~~عذابا مرا فيما بعد. ~~- فديتك يا حياتي، ماذا أفعل لأنجيك من هذا العذاب؟ ~~- اجتهد في مشروعك ورفع شانك، وكفى. # | الفصل الواحد والعشرون # عاد حسن أفندي من مقابلة نعيمة إلى مكتبه نحو الساعة السادسة فوجد بعض أصحاب القضايا ~~ينتظرونه، فأسرع في قضاء أشغاله معهم، ثم انطلق إلى البيت وأبدل ملابسه بملابس نفيسة ~~ومضى إلى منزل طاهر أفندي نحو الساعة الثامنة، فوجد هناك يوسف بك وطاهر أفندي في ~~القاعة، وعائدة جالسة إلى البيانو، وهم ينتظرون وفود حمد بك الوسيط في المشروع بينهم ~~وبين رجال الحكومة - كما علم القارئ - أما يوسف بك فكان إلى جانب عائدة يمازحها ~~ويلاطفها وهي تبسم له، فجلس حسن إلى جنب طاهر أفندي، وقال له: «دعني أفاوضك بأمر ~~جوهري يخصني.» ~~- قل فإني أراك قلق البال، هل حدث لك أمر مقلق؟ ~~- كلا، وإنما أذكر لك أمرا لم أذكره إلا للدكتور يوسف بك. ~~- ما هو؟ ~~- لا أخفي عليك أن عند حسين باشا عدلي الذي عرفتك به يوم كان زائري في مكتبي فتاة ~~عرفتها منذ الصبوة إذ كان المرحوم أبي وكيل دائرة حسين باشا، وكانت أمي تتردد كثيرا ~~إلى دار الحريم وأنا معها، وبقيت التقى بتلك البنية حتى صرنا شابين وقضت العادة ~~الاجتماعية أن تتحجب عني وعن سواي. # ولكن ما صرنا شابين ms085 حتى شب الحب في قلبينا، وسعينا إلى أن تقابلنا مقابلة سرية عقدنا ~~فيها عهدا ثابتا على أن نكون في المستقبل زوجين، وعدتها أني لا أبقي على حياتي ~~إذا لم أصعد في سلم النجاح حتى أبلغ المنزلة التي أرضي بها أباها بحيث لا يستنكف أن ~~يزوجنيها؛ ولأجلها مضيت إلى باريس وتعلمت الحقوق؛ ولأجلها أسعى الآن جهدي في مشروعنا ~~لكي يكون لي بسببه مكانة بين قومي. ~~- نعم المسعى. ~~- ولكن ظهر لي منازع في هذا الأمر، وهو خليل بك مجدي. # فضحك طاهر أفندي وقال: شتان ما بين أعطاف وأغصان. ~~- ولكن حسين باشا ممن يعبئون جدا بالمجد وشرف الأصل والجاه والثروة؛ ولهذا يفضل ~~خليل علي ألف مرة، أولا؛ لأنه من أسرة تعد في مقدمة الأسرات الشريفة في مصر ~~... ~~- يا نعمها أسرة تأكل أموال الناس. ~~- ولكن حسين باشا لا يعرف بهذه المناقص، وإن عرف بها لا يجعلها سببا لاحتقار الأسرة ~~إلى حد أن يرفض طالبا منها لابنته، ثم إنه يحب هذه الأسرة جدا؛ لأن حامد باشا ~~حسني أبا عزيز وخليل كان مقربا جدا من المغفور له إسماعيل باشا، وقد قرب معه حسين ~~باشا فنال بذلك مقامه المعتبر الذي هو فيه الآن، ولا يزال يذكر ذلك الفضل حتى ~~الساعة. ~~- وهل عرف حسين باشا بميلك إلى ابنته؟ ~~- كلا. ~~- ولا طلبت منه يدها؟ ~~- كلا. ~~- لماذا؟ ~~- لأني أؤكد أنه يردني خائبا. ~~- إذن هو جاهل. ~~- ليس هو جاهلا، ولكنه يستنكف أن يمنع يد ابنته من شاب من أسرة شهيرة عريضة الجاه ~~ويمنحها لشاب كان أبوه من جملة حشمه. ~~- هذا هو الجهل بعينه، وإني لأستغرب كيف أن رجلا كحسين باشا لا ينظر إلى الأشخاص من ~~حيث جواهرهم بل من حيث أعراضهم؟ ألا يعلم - حق العلم - أن ابنته تستلذ الحياة معك ~~أكثر منها مع ذلك الأحمق خليل بك. ~~- لا تزال التقاليد القديمة مستولية على عقله. # ففكر طاهر أفندي هنيهة ثم قال: أظنك واهما يا حسن، ما حسين باشا كما تظنه، اقترح ~~عليه الأمر لترى ماذا يقول. وأية خسارة بالاقتراح؟ ~~- لأجل هذا الموضوع ms086 أفاوضك الآن، وبغيتي أن تتمكن المعرفة بينكما بحيث يتسنى لك ~~أن تباحثه بهذا الموضوع، وتعرض عليه الطلب. ~~- أفعل ذلك بكل سرور، فماذا تريد أن أفعل توطئة للأمر؟ ~~- أن تزوره زيارة رسمية في بيته، وأنا أمهد السبيل إليها، وبعد ذلك يرد إليك ~~الزيارة، ومن ثم يتسنى لك أن تخاطبه. ~~- حسن جدا، متى تريد أن أزوره؟ ~~- غدا إذا شئت وسأجتهد أن يرد لك الزيارة عاجلا؛ لأن المسألة عاجلة. ~~- لماذا ... ~~- عزيز باشا طلب يد الفتاة من أبيها لأخيه، والأب وعد، وهو يحاول الآن أن يقنع ~~الفتاة بالقبول، وهي مصرة على الرفض، ولا تجسر أن تبوح بما في ضميرها قبل أن أطلب أنا ~~يدها؛ ولذلك أود أن أعرض طلبي وإن كنت عديم الأمل بالنجاح، وإنما أؤمل أن يعذروها بعض ~~العذر إذا عرفوا أن قلبها مولع بآخر. ~~- كن مطمئنا يا حسن أفندي؛ فإني أبذل جهدي في تحقيق أمنيتك هذه. ~~- إذن غدا أبلغ حسين باشا بالأسلوب الموافق أنك ستزوره في المساء. ~~- نعم ونذهب سوية. # عند ذلك دخل الحاجب يخبر بقدوم حمد بك فضل، فترحب به طاهر أفندي، واحتفى به أي ~~احتفاء ولاطفه الدكتور يوسف بك وحسن أفندي وجاملوه جميعا المجاملة اللازمة، وبعد ذلك ~~جعلت عائدة تضرب على البيانو الألحان المطربة والشجية فطرب الكل وكان حمد بك أشدهم ~~طربا، ولا نطيل الكلام في وصف تلك الحفلة وما اشتملت عليه من مجالي الهناء والسرور وما ~~دار فيها من الأحاديث العمومية الفكهة، ومن النكات الأدبية المستعذبة؛ فإن ذلك يتصوره ~~القارئ من نفسه في حفلة جمعت بضعة من الأذكياء الأدباء. # وكانت عائدة في ذلك المساء بدره وفي المنزل بهجته وللمدعوين ينبوع أنس وسرور؛ ~~أولا بما أطربتهم به على البيانو، وثانيا بما سمعوه من عذب حديثها وما تجلى لهم ~~من بدائع جمالها، وكان حمد بك أكثرهم افتتانا بها، ولكنه كان كتوما لولهه؛ لأنه ~~رزين الطبع عزيز الذات، فصان نفسه من عوامل الهوى ما استطاع. # ولما انتهوا من العشاء خرج حمد بك إلى شرفة المنزل ليستنشق هواء نقيا ويدخن ~~سيكارة، ولم يكن ms087 البرد قارصا فخرج معه طاهر أفندي ليحادثه. ~~- لقد أطربتنا الست عايدة جدا يا طاهر أفندي، والظاهر أن لها هبة موسيقية ~~نادرة. ~~- منذ صغرها أولعت بالموسيقى فأطلقت لها العنان في تعلمها، فما بلغت الثامنة حتى ~~قبضت على عنق الفن. ~~- يظهر من فراستها أنها ذكية جدا ومن محضرها أنها أديبة ذات ذوق لطيف ومزاج رقيق، ~~ولا ريب عندي أن الفضل في ذلك كله لك يا طاهر أفندي بتربيتها. ~~- ليس كل الفضل للتربية؛ فإن للأصل أيضا تأثيرا في الخلق. # فالتفت حمد بك إلى طاهر أفندي وقال على الفور: أما هي ابنة حضرتك يا طاهر ~~أفندي؟ ~~- كلا، وإنما هي ابنة صديق لي تركها يتيمة الأبوين وهي حديثة السن جدا، فتوليت ~~أمر تربيتها. ~~- كذا كذا، إذن هي نصرانية؟ ~~- نصرانية الأم فقط، ومسلمة الأب. ~~- على أي دين هي الآن؟ # فتردد طاهر أفندي في الجواب فقال حمد بك: لا أنكر أن هذا السؤال لا يستحق جوابا، ~~ولكني أقصد أن أقول: لمن تنتمي ألأبيها أم لأمها؟ والذي حداني إلى هذا السؤال إنما ~~هو ما أراه من ظهورها في قاعة الاستقبال كسيدات الإفرنج، فاستغربت أمرها. ~~- لا بدع أن يحدوك استغراب أمرها إلى هذا التساؤل؛ ولذلك لا ندحة لي أن أقول لك إنها ~~تنتمي لي الآن؛ إذ لا تعرف لها أبا أو أما سواي، وما هي إفرنجية المظهر إلا لأنها ~~ربيت في فينا، وليس هناك محجبات. ~~- أما قطنتما بلدا عربية قبل مصر؟ ~~- كلا. ~~- عجيب! كيف تعلمت العربية بحيث إنك تتكلمها مثلنا تقريبا ولا تفرق عنا إلا بما ~~مازج لهجتك من النبرات التركية. ~~- تلقنت العربية عن أمي؛ لأنها مصرية الأصل، وأبي كان يتكلمها جيدا؛ لأنه قضى مدة ~~شبابه في مصر أيضا. ~~- وعائدة؟ ~~- وعائدة تلقنت العربية مني. ~~- تتكلمها جيدا؟ ~~- وتعرف الإفرنسية أيضا جيدا، فضلا عن الألمانية. ~~- إذن تعتبر عائدة كابنة حضرتكم؟ ~~- نعم. ~~- أليس لحضرتكم بنون غيرها؟ ~~- لم يكن لي امرأة قط يا حمد بك. ~~- عجيب! لماذا؟ ~~- لم أعثر على فتاة موافقة من بنات ديني في بلاد النمسا، ولم أغادر تلك البلاد إلى ms088 ~~بلاد إسلامية إلا الآن. ~~- عساك تصادف أمنيتك عندنا يا طاهر أفندي. ~~- إن شاء الله أنال رغبتي بحسن مساعيكم. ~~- إذا كان هذا الأمر يهمك فيمكنك أن تتكل علي عظيم الاتكال بهذه المسألة، ولي الأمل ~~الكبير أن تتوفق إلى عروسة جميلة ووجيهة الأصل ومتربية. ~~- أشكر اهتمامكم وغيرتكم يا حمد بك. ~~- ولكن خطر لي خاطر يا طاهر أفندي. ~~- ما هو؟ ~~- أن تزوج عائدة نفسها، أظن هذا هو مرادك. ~~- معاذ الله؛ فإن الفتاة تنظر إلي نظرة الابنة لأبيها. ~~- ولكن ألا تعلم هي أنك لست أباها الحقيقي؟ ~~- تعلم حق العلم. ~~- إذن لا يصعب عليك أن تحول إحساساتها وعواطفها نحوك من بنوية إلى حب جنسي. ~~- ولكني أستنكف ذلك بعد ما ربيتها كابنة لي، ثم إن بيني وبينها فرقا عظيما في العمر ~~فمن الخطل في الرأي أن تكون فتاة صغيرة كهذه زوجة كهل مثلي. # عند ذلك دخل الاثنان إلى القاعة وعادت عائدة إلى البيانو تطربهم تارة، ويتحادثون ~~أخرى إلى أن كاد ينتصف الليل فارفضوا. # أما حمد بك فضل فعاد ورسم عائدة منقوش في صفحة مخيلته، وعامل الحب يحفر موطنا لها ~~في فؤاده، حدثته نفسه أن يقترن بهذه الفتاة ولكن خشي أن يأبى عليه طاهر أفندي الزواج ~~منها؛ لما بينه وبينها من التفاوت في السن؛ ولأنه بعل امرأة وأب صغار. ولما فكر ~~طويلا بهذا الأمر وافترض أن زوجته الحالية قد تكون أحد الموانع من زواجه بعائدة قال في ~~نفسه: أطلقها؛ لأنه حسبي أكون زوج هذه الفتاة الجميلة الخلق والخلق. # على أن حمد بك وإن كان قد فسح سبيلا للحب في قلبه لم يكن يزال قوي الإرادة يتغلب على ~~هواه فصمم على أن يتأنى في هذا الأمر، ويتردد إلى منزل طاهر أفندي ليشاهد عائدة ويجتمع ~~بها فإن شعر بازدياد حبه لها وولوعه بها نفذ عزمه، وإن فتر حبه لمصادفته ما يغير ظنه ~~بها عدل عنه وكان حبه هذا سحابة صيف، اختط لنفسه هذه الخطة؛ لأن الزمان حنكه وعلمه ~~أن الحب قد يكون أحيانا كزهرة الربيع التي تنبت وتزهر وتذوي ms089 في فصل واحد. # | الفصل الثاني والعشرون # علم القارئ الكريم أن عزيز باشا كان يضاجر زوجته زينب هانم جدا؛ لكي يضطرها أن تهبه ~~أملاكها أو تبيعه إياها بلا ثمن، وقد حداه إلى ذلك اضمحلال ثروته شيئا فشيئا في ~~أبواب المسكر والميسر والبورصة ونحوها حتى كادت تنفذ تماما، ولا يخفي أن المال قوة ~~الرجال فلم ير عزيز باشا بدا من الاستيلاء على ثروة زوجته؛ لكي يستقوى بها ويستطيع ~~الظهور في مظهره المعتاد في الهيئة الاجتماعية. # وكان أحيانا يضارب في البورصة بغية أن يسترد ما خسره في الأباطيل، وفي تلك الأثناء ~~ضارب مضاربة كبيرة فخسر معظم ما بقي له من الثروة التي ورثها من أبيه، فلم ير بدا ~~من بيع بقية أطيانه ووفائها، وحينئذ يكاد يصبح صفر اليدين، فعقد النية على أن يتخذ ~~الوسائل اللازمة لاستيهاب ثروة زوجته بأي الطرق القانونية، فاستعمل كل الوسائل ~~لإقناعها، تارة يتملقها وتارة يتهددها فلم ينجح؛ لأن زينب كانت نبيهة جدا وعالمة أن ~~مصيرها الرذل من قبل زوجها، فإذا رذلها مجردة من ثروتها عاشت عيشة الهوان؛ ولهذا ~~تشبثت بمالها، ولم يجز عليها تمليقه وتحببه ووعوده؛ لأنها عجنته وخبزته وذاقت ~~مره، فلم تعد تعتقد أن ذلك العود المر ينضح حلاوة. # حار عزيز باشا في إيجاد الوسيلة الممكنة لاغتصاب أملاك زوجته، وشعر حينئذ بشديد ~~الحاجة إلى المال والثروة مخافة أن يضعف نفوذه فكاد يتميز غيظا فصوب كل إرادته إلى ~~حملها على أن تمنحه قسما كبيرا من ثروتها، ولما يئس من استرضائها بالحسن أو اضطرارها ~~بالمضاجرة والتهديد عمد إلى وسائل النكاية. # وكانت له خليلة ربة حانة تدعى راحيل، فاتفق معها على أن تسكن في منزله، فأعد ~~في دار الحريم غرفة حقيرة لزينب، وأمرها أن تقيم فيها فسألته في ذلك، فقال: إني ~~أحتاج إلى غرفتك لأمر. ~~- أي أمر يضطرك إلى إخراجي من غرفتي؟ ~~- ليس من شأنك أن تسأليني في أموري الخصوصية. # فسكتت زينب صاغرة، وما خرج زوجها حتى حدثها ضميرها أن شرا مقبلا عليها، وما ~~انتصف الليل حتى جاء عزيز إلى دار ms090 الحريم يصطحب خليلته راحيل. # وكانت زينب في غرفتها حينئذ، ولكنها لم تنم لما توالى في ضميرها من الهواجس، ~~فنهضت مذعورة إذ سمعت صوت امرأة غريبة، وخرجت من الغرفة إلى رحبة الدار فوجدت عزيز ~~يخاصر الخليلة ويقبلها فقالت: ما هذا يا عزيز؟ ~~- لا تفوهي ببنت شفة، أما قلت لك أن تقيمي في تلك الغرفة الصغيرة المجاورة للمطبخ، ~~فإنها أصبحت غرفتك منذ الآن. ~~- وهذه المرأة؟ ~~- هذة تقيم في غرفتك؛ لأنها أصبحت منذ الآن غرفتها. ~~- من هي؟ أزوجة ثانية لك؟ ~~- كلا، أنت تعرفين أنها ليست زوجة، بل هي خليلة. ~~- ويلاه! ما هذا العمل يا عزيز، أتنبذ امرأتك إلى ما بين الخدم، وتجعل مكانها خليلة ~~مبتذلة؟ ~~- أقصري، إنها لأشرف منك. ~~- ما الداعي إلى هذا يا عزيز؟ ~~- اصمتي، انقلي أولادك حالا إلى غرفتك تلك. # وعند ذلك كانت زينب ترتجف من الغيظ والوجل معا، فقالت: يا لك من قاس ظالم، أمن كل ~~قلبك تنبذ زوجتك وأولادك؟ ~~- لا تزيدي كلمة واحدة وإلا نالتك لطمة قاتلة. ~~- ويلاه، لماذا هذه القساوة يا عزيز؟ ~~- قلت لك: لا تثني، اخرجي حالا. # وهم أن يدخل الغرفة ممسكا بيد راحيل، فحمي غضب زينب، وقالت: لا أخرج بل أنتما ~~ترجعان. # فجذبها عزيز بيده إلى الخارج وأدخل راحيل، فعادت زينب وأمسكت براحيل، وحاولت أن ~~تخرجها فلم تستطع؛ لأن عزيز أمسكها بكلتا يديه وجرها إلى الغرفة التي عينها ~~لها. ~~- ويلاه، أإلي هذا الحد بلغت نذالتك يا هذا؟ ~~- اصمتي يا حمارة. # وكان عزيز يشفع كلامه بلطمة شديدة على فمها فنبض الدم منه، وكان صوته قد علا قليلا ~~بالشتم والسباب، فقالت له: بربك لا ترفع صوتك؛ لئلا يصحو الخدم فيضحكوا علينا. # فازداد عربدة؛ لأنه كان شاربا، فقالت له: بالله تسكت، فأفعل ما تشاء. ~~- إذن هلمي انقلي أولادك إلى هنا؛ فإن تلك الغرفة لي ولخليلتي. # فنهضت زينب المسكينة والدموع تتصبب من مقلتيها وجاءت إلى غرفتها وجعلت تنقل صغارها ~~الثلاثة وهم نيام إلى غرفتها الجديدة الحقيرة وهي ترتجف من الغيظ، وفؤادها يهلع من ~~الوجل، وكان في الغرفة سريران فأنامت اثنين ms091 في سرير ونامت مع الصغير في سرير ~~آخر. # لا ريب أن القارئ يحكم من نفسه بأن زينب لم تنم تلك الليلة، وهل ينام من طما عليه ~~الأسى؟ صممت أن تمضي اليوم التالي إلى عمها حسين باشا وتشكو إليه حالها، ولكنها كانت ~~قليلة الأمل بأن يفرج عمها كربها وينصرها على زوجها؛ لأنها لاذت بعمها غير مرة ~~مستنصرة به فردها خائبة من غير أن يسمع شكواها. # وإنما فعل ذلك؛ لأن عزيز كان كل يوم بعد آخر يذهب إلى حسين باشا ويختلق لديه الأراجيف ~~والافتراءات عن زوجته؛ لكي يغرس في يقينه الاعتقاد بأنها سيئة السلوك والسيرة والسريرة؛ ~~حتى إذ لاذت به وشكت إليه ينبذها ولا يسمع شكواها، على أن زينب لا تعرف لها ملجأ غير ~~عمها فصممت على أن تمضي إليه في اليوم التالي وتبذل جهدها في إقناعه بسوء معاملة ~~زوجها، ولما كان الصباح - وعزيز باشا لم يفق بعد من نومه - نهضت وارتدت ملابسها ~~وتأزرت بمئزرها ومضت، فاستقبلها أحد الخدم في باب رحبة الدار وقال لها: عودي يا سيدتي ~~إلى حيث كنت؛ لأنه لا إذن لك أن تخرجي. ~~- اخرس يا وقح، أتقول هذا الكلام لسيدتك. ~~- أقول إنك لا تخرجين يا سيدتي. # فدفعته بيدها لكي تخرج فثبت في سبيلها، وقال: يستحيل عليك أن تخرجي. ~~- ما شأنك يا خسيس؟ ~~- إني مأمور بأن أمنعك عن الخروج يا سيدتي. # فتنهدت وقالت - بالإفرنسية لنفسها: «أكل هذا من أعمال عزيز، الويل لي» ثم عادت ~~صاغرة إلى غرفتها الحقيرة واسترسلت في البكاء ولكن من يسمع بكاءها لكي يرثي لحالها؟ ~~ولما صارت الشمس على قامتين أفاق عزيز وخليلته فاستدعى زينب إليه فلم تشأ أن تأتي ~~فعادت الخادمة تقول لها: «يقول سعادة الباشا: يجب أن تأتي إليه وإلا فلا تنجين من ~~نقمته.» فقالت لنفسها: «ويلي ما أشقاني لقد أصبح الخدم يتأمرون علي!» ثم وافت إلى ~~الغرفة فوجدته جالسا على المقعد إلى جنب راحيل وهو يمنطقها بذراعه، فشرقت بدموعها ~~وأوشكت أن تهوي إلى الأرض خائرة القوى فاستندت إلى كرسي، فقال لها: ائتينا بالقهوة ms092 ~~حالا. ~~- سامحتك على عملك أمس يا عزيز؛ لأنك كنت شاربا، أما الآن فأنت صاح، فلماذا ~~تكيدني ؟ ~~- سأجعلك أذل من كلب، هاتي قهوة لسيدتك وأشار إلى راحيل، فقالت له: رحماك يا سيدي ~~رحماك. ~~- عجلي بالقهوة وإلا نالك شر عظيم. # فخرجت زينب تنتحب، ولولا الحياء من الخدم لأعولت، ثم عادت إلى غرفتها الحقيرة تندب ~~سوء حظها مرت بضع دقائق وزينب لم تعد بالقهوة فوافى إليها عزيز والسم يقطر من فيه، ~~وقال لها: ما بالك لم تأتي بالقهوة؟ ~~- مر خدمك أن يأتوك بها. ~~- أنت خدمي وحشمي. ~~- بل أنا زوجتك وأميرة عندك. # فناولها لطمة طبعت أصابعه على خدها النضير، وقال: امضي حالا وأعدي القهوة ~~وهاتيها، وإلا جعلتك أضحوكة أمام الخدم. ~~- ارحمني يا عزيز، بحياة أولادك. ~~- لا جدوى من هذا الاسترحام، انهضي حالا، وإلا قضيت عليك في الحال، وهم أن ~~يضربها فرفعت يديها ضارعة، وقالت: بعرضك إني عبدتك. ~~- إذن انهضي في الحال وهاتي القهوة، وإذا لم تحضريها في خمس دقائق لا تعلمين ماذا ~~يجري؟ # وبعد بضع دقائق عادت زينب بالقهوة، فذاب قلبها غيرة لما شاهدته من مداعبة عزيز ~~لراحيل، وما وضعت القهوة أمامها حتى سقطت على الأرض مغمى عليها، فعالجها حتى استفاقت، ~~فقال لها: لا ينفعك هذا التظاهر شيئا، فاذهبي وائتينا بالفطور. # فنهضت زينب وهي لا تكاد تستطيع المشي لوهي عزمها، فقالت: رباه ارحمني، وامنحني ~~صبرا لكي أحتمل هذا العذاب. # لا نود أن نتمادى في تفصيل معاملة عزيز لزينب من هذا القبيل؛ إشفاقا على عواطف ~~القارئين من التأثر، وإنما نوجز بالقول أن عزيز بقي يمتهن زينب ويذلها على هذا ~~النحو ويمنع خروجها من المنزل بضعة أيام حتى أخذ منها السقام وأصبحت كالخيال ولم ~~تعد لها قوة. # ففي ذات مساء استدعت زوجها إلى غرفتها وتواقعت على قدميه، وجعلت تقبلهما وتغسلهما ~~بدموعها وتقول له: عزيز، بربك ارحمني؛ كدت أموت غما. ~~- لا أرحمك. ~~- لماذا؟ ~~- كذا. ~~- أي ذنب جنيته يستحق هذا العقاب الشديد؟ ~~- أنت تعرفين. ~~- لا أذكر أني أخطأت إليك بشيء، أما أحببتك حب الزوجة الأمينة لزوجها؟ أما أطعتك ms093 ~~بكل أمر؟ بماذا خالفتك أو عصيتك؟ متى قصرت بواجباتي نحوك؟ ذكرني، قل لي. عاملني ~~بالرحمة، إني زوجتك، أعبدك، أكرس حياتي لحبك ... ~~- لست أريد شيئا من ذلك. ~~- ماذا تريد فأفعل؟ ~~- أريد أن تكوني خادمة لراحيل. ~~- ويلاه، ويلاه، كيف أطيق؟ لماذا تعاملني هذه المعاملة؟ ~~- لأني لا أحبك. ~~- ولكني زوجتك. ~~- بل خادمة. ~~- كلا، بل أنا شريفة وغنية عن الخدمة، بل أنا زوجتك رضيت أو لم ترض. ~~- خسئت لا أريدك زوجة. ~~- إذن طلقني. ~~- لا أطلقك. ~~- ويلاه، ما هذا الظلم؟ ~~- احتمليه رغم أنفك. ~~- هبني عبدتك فأعتقني. ~~- لا أعتقك. ~~- كيف أعمل لأخلص من هذا العذاب؟ ألا رحمة؟ ~~- لا رحمة حتى تموتي كمدا. ~~- بربك طلقني. ~~- لا تطمعي بهذه الأمنية. ~~- تفعل كل هذا لكي تبتز مالي. ~~- لا أبتز مالك، ولكني أحتاج إلى قسم منه. ~~- أليس كل ريعه تحت مطلق تصرفك، متى عارضتك في أمر إنفاقه؟ ~~- لا يكفيني ريعه، أنت تعلمين أني أصبحت لا أملك شروى نقير، وكاد نفوذي يزول لخلو ~~يدي من المال. ~~- من أنفق مالك في البطالة والبورصة غيرك؟ ~~- لا تؤنبيني، إني حر في كل ما أفعل. ~~- أتريد أن تبدد ثروتي كما بددت ثروتك؟ لنا أولاد يا عزيز فيجب أن نورثهم ما يكفل ~~لهم حسن المعيشة، يجب أن ننفق أموالا غزيرة على تعليمهم. ~~- لا أبتغي مالك لكي أبدده. ~~- إذن ما الفرق بين أن يكون لي أو لك ما دام ريعه لنا ولأولادنا. ~~- إذا لم يكن هناك فرق فدعيه لي، سجليه باسمي. ~~- ولكنه إذا بقي باسمي سلم لنا، ألا يحتمل أن تضارب في البورصة فتخسره دفعة ~~واحدة. ~~- ليس من شأنك أن تهتمي بذلك. ~~- كيف لا أهتم، وهب أنك خسرته فماذا نفعل؟ ~~- لا تجادليني كثيرا، إذا شئت أن تشتري راحتك وهناءك وخلاصك من العذاب فسجلي ~~أملاكك باسمي. # فتنهدت زينب تنهيدا عميقا وقالت: لا أفعل ذلك. # فنهض عزيز من مجلسه، وقال: إذن تحملي إن استطعت. # فجذبته زينب قائلة: إذن لا رحمة منك. ~~- لا رحمة. ~~- طلقني وخذ قسما من أملاكي. ~~- أريده كله. ~~- إن هذا لجور ثقيل يا عزيز. ~~- لا أريد إلا ms094 كذا. ~~- وما فائدتي من الطلاق إذا خرجت من منزلك فقيرة؟ ~~- لست مضطرة إلى هذا الطلاق إذا ملكتني كل ثروتك. # فأنت، وقالت: مظلومة على كل حال. ~~- إذن اختاري الوجه الأفضل. ~~- أفضل أن تبيعني طلاقي بنصف ثروتي وتدع النصف الباقي لأورثه لأولادك. ~~- لا يهمك أمر أولادي. ~~- يهمني جدا أمرهم؛ لأنهم أولادي كما هم أولادك وأنا التي ربيتهم، فلا يطمئن قلبي ~~إذا لم أضمن سعادتهم. ~~- إذن لا نتفق. ~~- إذا أحرجتني أقاضيك أمام المحكمة الشرعية. ~~- أتتهدديني؟ لا تستطيعين شيئا يا زينب. # فتواقعت على قدميه، وقالت: رحماك يا عزيز! أسجل نصف أملاكي باسمك والنصف الآخر باسم ~~أولادي. # ففكر عزيز هنيهة ثم قال: رضيت، متى تفعلين؟ ~~- متى تشاء؟ ~~- غدا. ~~- غدا، ولكن يجب أن يكون الطلاق والتسجيل في حين واحد. ~~- لك ما تريدين. # أما عزيز باشا فرضي بهذا الاقتراح؛ لأنه هو الولي الشرعي على أولاده فيتصرف بنصيبهم ~~كما يشاء، وأما زينب فظنت أنها تشتري راحتها من ذلك العذاب الذي لا يطاق بنصف ثروتها ~~وتتحفظ بالنصف الباقي لأولادها. # | الفصل الثالث والعشرون # كانت غرفة زينب الحقيرة محاذية لغرفة أخرى صغيرة تنام فيها إحدى الخادمات وبين ~~الغرفتين جدار رقيق من نوع البغدادلي، وفي أعلاه نافذة صغيرة، ولما كان عزيز باشا يفاوض ~~زينب أو هي بالأحرى تفاوضه المفاوضة المار ذكرها، كان يوسف مرقص السفرجي مختبئا في تلك ~~الغرفة - وقد عرف القارئ فيما سبق أن سالم أفندي رحيم الذي زار طاهر أفندي عفت زيارة ~~سرية سعى إلى تعيين يوسف مرقص هذا في خدمة عزيز باشا؛ ليكون جاسوسا سريا - فهذا ~~الشاب كان في ذلك المساء مختبئا في الغرفة المذكورة يتسمع كل ما دار بين عزيز وزينب، ~~وإذ كان يعرف الإفرنسية فهم أيضا بعض الجمل التي تكلما فيها، وفهم قرارهما ~~الأخير على أن زينب اشترت طلاقها بنصف ثروتها. # ولما خرج عزيز باشا من عند زينب وكان الخدم لا يزالون في الدار السفلى يتعشون ويهرجون ~~خرج أيضا يوسف من مخبئه من حيث لا يدري به أحد وذهب توا إلى سالم أفندي رحيم وأخبره ~~بكل إيجاز ms095 ما كان في ذلك المساء، كما اعتاد أن يخبره فيما مضى بأهم ما يجرى في بيت عزيز ~~باشا. # ولما كانت الساعة الثالثة بعد نصف الليل كان يوسف مرقص ينشق البواب قطنا مبلولا ~~بالكلوروفورم (البنج) حتى خدر أعصابه ولم يعد يصحو لطارق، وعند ذلك فتح يوسف الباب ~~فدخل رجل مشتمل بشملة (أو قل: ملثم بلثام) وكان يوسف يصعد أمامه في السلم ويمشي من ~~رواق إلى رحبة حتى وصلوا إلى أمام غرفة زينب، وكان الكل نياما والرحبة التي لدى غرفة ~~زينب مضاءة بمصباح ضئيل النور، فنقر الرجل الملثم على الباب - ولا يخفى على القارئ أن ~~زينب كانت خفيفة النوم جدا وأكثر الليالي متأرقة - فلما سمعت النقر على الباب أفاقت ~~وقالت: «من» فأجاب: «أنا» فنهضت ودنت من الباب وقالت: «من أنت، أعزيز؟» ~~- كلا، بل مخلصك من جور عزيز وغدره. # فوقفت زينب بعيدة عن الباب نحو متر - وكانت تسمع خفقان قلبها - فأدرك الملثم أنها في ~~قلق، فأردف كلامه بكلام آخر قائلا بصوت خافت وفمه قرب ثقب القفل: لا تنذعري يا زينب، ~~ما أتيت لكي أدخل عليك، لا تفتحي لي إذا كنت موجسة مني شرا ولكن اسمعي لي كلمة ~~واحدة فقط. # فلم تجب زينب بل بقيت في مكانها ثابتة لا تتحرك، وبعد بضع ثوان نقر على الباب ثانية، ~~وقال: زينب، أسامعة أنت ما أقول؟ # فتقدمت إلى الباب وقالت بصوت خافت: من أنت؟ ~~- أنا مخلص لك فاسمعي ما أقول. ~~- ويلاه. ~~- لا تخافي يا زينب، سكني روعك، اسمعي كلمة وعودي إلى سريرك مطمئنة، هل وعدت عزيز ~~باشا زوجك أن تهبيه نصف ثروتك لكي يطلقك وتتخلصي من عذاباته. ~~- من أنت يا هذا؟ ~~- لا يهمك أن تعرفي من أنا وإنما يهمك أن تعرفي الطريق المؤدي إلى خلاصك. ~~- قل لي: من أنت أولا، وكيف دخلت الدار؟ ~~- لا تهتمي أن تعرفيني من أنا يا زينب، ولا كيف دخلت؟ وإنما أقول لك: لا تتنازلي عن ~~شيء من ثروتك لعزيز باشا البتة، ولسوف يضطر أن يطلقك مجانا. ~~- كيف ذلك ومتى؟ ~~- قريبا - إن شاء ms096 الله - تتخلصين من هذا العذاب. ~~- بأي الطرق؟ ~~- ستعرفين كل شيء في حينه، تشددي ولا تستسلمي له . ~~- أخاف من قساوته وتعذيبه. ~~- لا يقدر أن يعذبك أكثر مما يفعل الآن فتحملي كما تحملت فيما مضى على أمل الفرج ~~القريب. ~~- كيف أثق بقولك؟ ~~- مهما كنت خائنا لك فلا أكون كزوجك. ~~- صدقت. ~~- إذن عودي إلى سريرك مطمئنة. # وعند ذلك عاد الملثم يخطو في الرحبة خطى خفيفة لا يسمعها إلا المستيقظ. # وكانت زينب تشعر بابتعاده وقبل أن يتوارى شعرت بقوة غير معتادة في يدها حملتها على ~~أن تفتح الباب في الحال، وإذ ذاك أبصرته قافلا، فنادته قائلة: «هست» فالتفت فأومأت ~~إليه فدنا فراعها منظره فأقفلت، فوقف في وسط الرحبة ففتحت الباب قدر قبضة فدنا حتى صار ~~على قيد باع فراعها ما تقلده من السلاح وكان حينذاك يقول لها: «عودي إلى مرقدك ~~بسلام.» # فأقفلت الباب مرتاعة، وهي تفكر أفي حلم هي أم في يقظة؟ وجعلت تسائل نفسها: من يا ~~ترى هذا؟ وما بغيته، وكيف دخل؟ ولما هدأ روعها شعرت بائتناس بمفاوضته وارتاحت إلى ~~قوله مع أن أمره حيرها، وعزمت على أن تخلف بوعدها لعزيز باشا في اليوم ~~التالي. # أما الملثم فعاد من حيث أتى ويوسف أقفل الباب وراءه والبواب يغط غير دار بما كان، ~~والخدم وسائر أهل المنزل كلهم نيام لم يشعروا بشيء مما حدث. # ولما نهض عزيز باشا في الصباح من نومه جاء إلى غرفة زينب باش الوجه، وقال لها: ألم ~~تزالي مصممة على أن تتخلصي من هذا السجن بما وعدت أن تفعليه؟ # فهزت رأسها هزة رحوية وهي مقطبة الجبين وقالت: كلا. # فبهت عزيز باشا وانقلبت بشاشته إلى عبوسة وقال: لماذا؟ ~~- لأني لا أود أن أضيع ثروتي جزافا. ~~- إذن عدلت عن الطلاق؟ ~~- عدلت. ~~- تبقين في هذا البيت خادمة؟ ~~- لا تكون ابنة حمدي باشا رفعت خادمة، بل أميرة تتمتع بريع أملاكها. ~~- ماذا جد حتى أخلفت بوعدك؟ ~~- كنت مجنونة لما وعدت، والآن عاد إلي رشدي فعلمت أن ضياع مالي بين يديك ذنب ~~مني لا يغتفر. ~~- أراك تتكلمين ms097 بكل قحة! ~~- بل بكل حق. # فلطمها على وجهها وقال: قومي هيئي القهوة والفطور حالا؛ لنرى بنت رفعت باشا ~~أخادمة هي أم أميرة؟ ~~- أفعل ما تقول، لا لأني خادمة؛ بل لأني ضعيفة وأنت قوي، وقد قويت علي كل الخدم ~~بحيث لم يبق لي فيهم نصير وراحم، بل إن شرك حملك على أن توغر علي صدر عمي وزوجته ~~حتى إنهما لا يريدان أن يسمعا لي شكوى، بل حرمتني زيارتهما، فأسأل الله أن ينصفني منك ~~وهو قدير. ~~- ستندمين على عنادك هذا، وسأريك كيف أنفذ بغيتي هذه بالرغم منك؟ وعند ذلك عاد عزيز ~~إلى غرفته وقامت زينب لتلبي أمره صاغرة. # | الفصل الرابع والعشرون # بينما كان عزيز باشا يكايد زوجته زينب هانم كان حسين باشا وزوجته عصمت هانم يحاولان ~~إقناع نعيمة، بأن ترضى خليل بك مجدي - أخا عزيز باشا - بعلا لها، اتخذا كل أساليب ~~الإقناع تارة بالوعود، وطورا بالوعيد فلم يفلحا وأخيرا صمم حسين باشا أن يرغمها ~~إرغاما على ذلك؛ لأنه حسب أن خليل عريس موافق لها، وهيهات أن يطلبها ند له، فأحب ~~أن يغتنم هذه الفرصة، ولم يكن حسين باشا مطلعا على شيء من دخائل عزيز باشا وأخيه ولا ~~كان عارفا بما لحقهما من الخسائر في البورصة؛ لأنهما كانا يبالغان في كتمه. # وفي عصر يوم من تلك الأيام كان حسين باشا في غرفته ونعيمة جالسة أمامه فقال لها: ~~«لقد كل لساني من الكلام معك في ذاك الموضوع يا نعيمة وأنت مصرة على الرفض فحتى متى ~~أصبر عليك وأنت تجهلين مصلحتك؟ ولذلك أرى أن لا أكترث برضاك؛ لأنك صغيرة العقل جاهلة ~~وسأفعل ما أراه موافقا لك، ولسوف تعلمين أني فعلت خيرا فتندمين على عنادك.» ~~- ويلاه، ماذا تعني يا أبتاه؟ ~~- أني أعقد عقد زواجك على خليل بك. ~~- بالله، هل تفعل ذلك بالرغم مني؟ ~~- ما حيلتي فيك؟ ~~- بربك، ارحمني. ~~- بماذا أظلمك حتى تطلبي الرحمة؟ ~~- لا أريد أن أتزوج خليل بك. # فقال بنزق: إذن من تريدين؟ ~~- لا أريد أحدا. ~~- هذا لا يكون فإن العادة أن تتزوج الفتاة متى ms098 طلبها طالب كفء. ~~- رحماك، لا أريد خليل. ~~- قولي لي: لماذا؟ وإلا فيجب أن تقبليه بعلا. # فتنهدت وأنت، وقالت: آه يا أبتاه، أنت لا تدري كم تتعذب زينب ابنة عمي في ذلك ~~البيت؟ ~~- اصمتي، أتذكرين زينب بفمك، أتذكرين تلك الخبيثة، إنها تستحق كل عذاب، أهي قالت لك ~~أن ترفضي خليل؟ # فهلع قلب نعيمة لانتهار أبيها وجعلت ترتجف من شدة الخوف، فعاد يقول لها: أظنك تعاشرين ~~هذه الشقية، وهي التي أفسدت أخلاقك. ~~- معاذ الله يا أبي أن يفسد أحد تربيتك لي. ~~- بل أرى أن تربيتي لك ذاهبة عبثا؛ فما كنت أظنك تخالفين رغبتي. ~~- لا أود مخالفة رغبتك، ولكن قلبي وجل من هذا الزواج يا أبي، فبالله أمهلني لعلي بعد ~~حين أميل ميلك إلى خليل بك. ~~- إلى متى؟ ~~- إلى عام أو عامين. ~~- تريدين أن تراوغيني؟ فاعلمي أني ما اجتمعت بك في هذا العصر لكي أقنعك بصواب هذا ~~الزواج فقد شرحت لك كل محاسنه، ولكنك كالولد الصغير العقل لا تفهمين الخير من الشر، ~~وإذا تركتك على هواك رميت نفسك في هاوية الشقاء، وما دمت أنا ولي أمرك فأشعر أني ~~مسئول عنك. وإنما اجتمعت بك الآن لكي أخبرك أن المأذون سيحضر في هذا المساء لكي يكتب ~~كتابك على خليل بك، فيجب أن تجاوبي بنعم متى سئلت عن رغبتك؟ ~~- رحماك يا أبي لا أقدر أن أجيب بنعم. ~~- اصمتى يا وقحة، كذا قلت وكذا يجب أن يكون، يلوح لي أن طول أناتي أطمعتك بتسامحي ~~وجرأتك على القحة. ~~- بربك يا أبي لا تحملني على أن أخالف ضميري وأقهر قلبي، ويلاه، أليس للمرأة حرية ~~التصرف بشخصيتها على الأقل؟ ~~- كلا، كلا، ليس للمرأة شيء من الحرية ألا تعلمين أن المرأة تحت إمرة الرجل، فهي ~~في طاعة أبيها عذراء وفي طاعة زوجها متزوجة، ولكن واأسفاه إن العلم الذي تعلمته ~~لسم ناقع أفسد تربيتك القويمة، فإني آكل أصابعي ندما على وضعك في مدارس الإفرنج ~~التي استقيت منها هذا التعليم الفاسد بشأن حرية المرأة. ~~- ليس هذا التعليم فاسدا يا أبي، بل هو حق، ms099 والدين يعلمنا أيضا أن الله خلق المرأة ~~مساوية للرجل في العقل والضمير والمسئولية، وبالتالي خلقها حرة فيما يخص نفسها على ~~الأقل، أفليس للمرأة حرية أن ترفض طالبا لا تهواه؟ ~~- كلا، كلا، لا تناقشيني، قلت لك: إن المأذون سيأتي في هذا المساء ويكتب ~~كتابك. ~~- بالله، أمهلني يا أبي. ~~- أمهلك ما تشاءين بعد كتابة الكتاب ولا تزفين قبل نصف عام. ~~- بل أرجو منك يا أبي وأتضرع إليك أن تؤجل كتابة الكتاب سنة واحدة فقط. ~~- وماذا تنتظرين أن تفعلي في هذه السنة. ~~- أحاسب ضميري وأسائل قلبي ... ~~- بل تحاولين أن تلحقي بي عارا - على ما أظن. ~~- معاذ الله يا أبي. ~~- أتريدين أن تدبري حيلة للخلاص من تحت ولايتي. ~~- كلا يا أبي، إني أبقى تحت قدميك. # وارتمت نعيمة على قدمي أبيها تقبلهما وتسكب الدموع عليهما فأنهضها قائلا لها: لا ~~تتسلحي بسلاح المرأة؛ فإنه لا يقطع في، قلت لك إن المأذون سيجيء إلى هنا في السهرة، ~~فإن أظهرت الإباءة جنيت على نفسك. ~~- ويلاه، أقسرا تزوجني؟ ~~- قسرا. # وعند ذلك خرج أبوها وتركها تنحب وتندب سوء حظها، وبعد هنيهة عادت إلى غرفتها وفؤادها ~~في بحر من الأسى طام، وأول ما خطر لها أن تكتب على ورقة صغيرة هكذا: «في هذا المساء ~~يكتب الكتاب، فتدبر، خلصني» ولما جلست إلى مكتبها رأت الساعة قد تجاوزت النصف بعد ~~الخامسة وانتبهت إلى أن الأنوار قد أضيئت في البيت؛ لأن الشمس أفلت، فخرجت إلى الشرفة ~~وفتحت النافذة، فرأت أن نور النهار مول، والليل قد جعل يرخي سدوله، نظرت إلى الطريق ~~فوجدت فيه بعض المارة ولم تسمع فيه دوي عربة فخارت قواها، فات موعد مشاهدة حسن، مر حسن ~~من تحت الشرفة بمركبته ولم يرها ولم تره. # من يبلغ حسن خبر الويل القادم عليها؛ عساه يبحث عن طريقة لخلاصها، عساه يسعى لدى ~~أبيها فيؤخر كتابة الكتاب، دخلت إلى غرفتها، خرجت إلى الرحبة، عادت إلى الشرفة وهي لا ~~تدري ماذا تفعل؟ فكرت جدا، خطر لها أن تلتمس من أحد الخدم أن يبلغ رسالتها إلى حسن، ~~وأن ms100 ترشيه؛ لكيلا يطلع أباها على سرها، فراعها الظن بأن يخونها الخادم ويخبر أباها، ~~لم تعتد نعيمة أن تسار الخدم في أمورها؛ ولذلك لم تصمم على إنفاذ هذا الفكر إلى ~~حيز الفعل، ماذا تفعل؟ أتخبر أباها أنها تحب حسنا؟ الويل لها إذا قالت! يقتلها. طار ~~صوابها ضاع لبها، ضاق ذرعها، عدمت الحيلة، ماذا تفعل؟ لا تدري. # مرت الدقائق والليل يهجم بجيوش الهم على صدر نعيمة، استولى عليها اليأس، طلبها الخدم ~~للأكل إلى المائدة فاعتذرت بأن لا شهية عندها للطعام، حانت الساعة الثامنة فقدم عزيز ~~باشا وأخوه خليل بك وصديقان لهما، ثم قدم بعض أقرباء حسين باشا، بلغ ذلك إلى نعيمة فهلع ~~فؤادها وجعلت تنحب، فدخلت عليها أمها وأخذت تقبلها وتلاطفها وتقول لها: «لا تبكي يا ~~بنيتي ستكونين سعيدة، ستكونين ملكة في بيتك الجديد، أنت غلطانة برفض خليل بك مع أنه ~~أفضل الشبان وأجملهم شكلا وأعدلهم قامة.» إلى غير ذلك من الكلام المرغب المحبب ولكن ~~كانت كل كلمة منها وخزة في قلب نعيمة، فلم تجب ببنت شفة بل بقيت مسترسلة ببكائها، ولما ~~حانت الساعة التاسعة وافى المأذون الشرعي، وكانت إحدى الخادمات تدخل على نعيمة كل ~~هنيهة وتخبرها بقدوم القادمين، فلما أخبرتها أن المأذون وافى لطمت خديها ولولا الحياء ~~لولوت، على أنها صممت تمام التصميم أن لا تجيب المأذون حين يسألها عن وكيلها، وقالت ~~في نفسها: «فليكن ما يكون.» # وبعد أن تحدث الحضور هنيهة بالمواضيع العمومية تطرقوا إلى الحديث بالموضوع الذي ~~لأجله انعقدت الجلسة، وحينذاك انتدب شاهدان من أقرباء حسين باشا فذهبا معه ومع المأذون ~~إلى دار الحريم وسأل المأذون نعيمة من وراء الباب فقبل أن يسمعوا جوابها وافت الخادمة ~~والتمست أن تهمس في أذن حسين باشا كلمة، فدنا منها، فقالت له: «إن في رحبة الدار رجلا ~~يظهر أنه بك أو باشا يريد أن يكلمك كلمة في الحال.» # فخرج حسين باشا إلى الرحبة ليرى القادم، فإذا هو طاهر أفندي فاستقبله بكل احتفاء ~~وترحاب ودخل به إلى القاعة، أما المأذون فكرر السؤال ثلاثا من ms101 وراء الباب فلم تجب ~~نعيمة كانت أمها تهمس في أذنها قائلة: «أجيبي، لا تضحكي الناس علينا .» فلم تجب، عند ذلك ~~رجع المأذون والشاهدان إلى القاعة ودخل طاهر أفندي وحسين باشا وراءهما. # ولا ريب أن القارئ يتصور حالة نعيمة حينئذ إذ سمعت وطء أقدام المأذون والشاهدين وثم ~~سؤال المأذون، «يتصور فؤادها هالعا وعضلاتها منتفضة وجسمها متشنجا» ولما رجعوا كانت ~~تتوقع الهنيهة بعد الأخرى أن يدخل أبوها عليها ويبادرها بضربة قاضية فكانت كل ثانية ~~تموت موتة. # وقد علم القارئ الكريم أنه كان في نية طاهر أفندي أن يزور حسين باشا، ويمكن الصداقة ~~معه تمهيدا لمفاتحته في أمر خطبة نعيمة لحسن، وقد تزاورا حتى أصبحا صديقين، ولما دخل ~~طاهر أفندي إلى قاعة الاستقبال أكرم جميع الحضور وفادته، أما عزيز باشا فتغير لونه ~~قليلا بالرغم من محاولته كظم غيظه، ولا بد من أن يكون قد قال في نفسه: من أين أتى لنا ~~هذا السخط؟ # ولما استوى الكل في مجالسهم قال حسين باشا لطاهر أفندي - وهو إلى جانبه - بصوت خافت: ~~«نكتب الآن كتاب ابنتي نعيمة على خليل بك أخي عزيز باشا أتعرفه؟» ~~- نعم، أعرفه جيدا وقد تعرفت به في باريس. # وهمس طاهر أفندي في أذنه قائلا: هل رضيت به الفتاة رضاء تاما؟ ~~- أبت في أول الأمر كعادة بعض الفتيات الخجولات ولكن بعد مفاوضتها رضيت. ~~- هل أنت متأكد أنها رضيت تمام الرضى أو أنها استسلمت استسلاما؛ لأن الأمر فوق مطلق ~~إرادتها؟ # فتفرس فيه حسين باشا ونظر في عينيه حدة تهاب كأن فيهما قوة صاحب السلطان وقال له: ~~لماذا تسألني هذا السؤال يا طاهر أفندي ونحن الآن على أهبة أن نعقد العقد؟ ~~- اسمح لي أن أختلي بك بضع دقائق في غرفة أخرى قبل أن تبرم أمرا، فإن لي معك ~~حديثا مهما يتعلق بهذا الأمر. # فلم يسع حسين باشا إلا أن يخرج معه معتذرا من الجمهور، وبقوا يتحدثون وهم يظنون أن ~~أمرا بسيطا عارضا اقتضى انفراد طاهر أفندي بحسين باشا بضع دقائق، أما عزيز باشا ~~فأوجس شرا وحاول ms102 أن يخرج ويتجسس، فلم يتسن له؛ لأنهما اختليا في غرفة بعيدة وأقفلوا ~~الباب. # فقال طاهر أفندي : قد يتراءى لك أني أتداخل في أمر من أمورك العائلية تداخل الفضولي، ~~ولكن متى استوفيت حديثي معك تعلم أن لي شأنا بهذا التداخل. ~~- ماذا تريد أن تقول يا طاهر أفندي؟ ~~- قيل لي: إن الفتاة غير راغبة بهذا الزواج، وإنها مكرهة عليه. ~~- من قال لك؟ ~~- لا يهمك أن تعرف من قال لي، وإنما يهمك أن تعرف أني عرفت وربما عرف بذلك غير واحد ~~أيضا. # فنظر حسين باشا في طاهر أفندي نظرة المستغرب وقال: سواء كانت راضية أو مكرهة فليس ذلك ~~من شأن أحد سواي. ~~- بل للفتاة الشأن الأول وإرادتها يجب أن تقدم على إرادة سواها. ~~- ربما كان الأمر كما تقول، ولكن ليس لأحد غير ولي أمرها أن يتفق معها على ما فيه ~~مصلحتها. ~~- ولكن ولي أمرها لم يفعل بحسب رغبتها. ~~- عجيب يا طاهر أفندي! هل أقامتك مدافعا عنها؟ ~~- لا تستأ يا حسين باشا لم آت لأناقشك مناقشة الخصم للخصم، بل لأفاوضك في الأمر ~~مفاوضة الصديق للصديق، فكن حليما واقبل اعتراضاتي؛ لأني مخلص النية فيها. ~~- لا شك عندي بحسن قصدك يا طاهر أفندي فقل بصريح العبارة ما تريد أن تقوله. ~~- أقول: إن الفتاة لا تحب خليل بك البتة بل تحب فتى آخر حبا شديدا ... ~~- فتى آخر! من هو؟ ~~- تحب فتى آخر ستعرفه، وهذا الفتى يحبها جدا أيضا، وهو انتدبني أن أحتج عنها ~~على هذا الزواج الذي لا رضا لأحد الزوجين فيه، وبالتالي ترى أني أحتج بحق بالنيابة عن ~~ابنتك. ~~- من هو هذا الفتى؟ ~~- قبل أن تعرفه أود أن أعرف، هل يجوز لك أن تزوج ابنتك من فتى لا تحبه، بل بالأحرى ~~تكرهه؟ ~~- إذا كنت واثقا تمام الثقة أن الفتى الذي يخطبها خير كفء لها أحاول أن أقنعها ~~بمحاسنه وكفاءته وموافقته لها، فإن اقتنعت فخير وإلا فأتجاوز عن إرادتها وأفعل حسب ~~إرادتي؛ لأني أخبر منها بمصلحتها، وبعد نفاذ الأمر تقنعها الأيام أني أصبت فيما ~~فعلته بالرغم منها، ms103 وتشكر غيرتي عليها، ولكني إذا فعلت حسب هواها لا يبعد أن تندم ~~بعدئذ ولات ساعة مندم ؛ لأنها لا تعرف ما أعرفه من أحوال هذه الدنيا ومما يوافق ~~مصلحتها. ~~- ربما كنت أخبر منها بمصلحتها ولكن ميلها القلبي أقدس من إرادتك فيما يتعلق ~~بشخصيتها، فهب أن من تريده بعلا لها أفضل الأكفاء لها ولكنها تكرهه، فهل تظن أنها ~~تكون سعيدة بمساكنته وقلبها نافر منه؟ ~~- أؤمل أنها تميل إليه بعدما تعاشره وتجد فيه المحاسن والمحامد التي لا تعرفها الآن، ~~وهي لو يمكنها أن تعرف خليل بك كما أعرفه لكانت تحبه أكثر مما أحبه أنا. ~~- إن ما تؤمله يا حسين باشا قليل الاحتمال، ويحتمل أن تزداد نفورا منه كما يحتمل أن ~~تحبه في المستقبل، فماذا تفعل لو صح الاحتمال الأول وكان عيش ابنتك مرا مع خليل ~~بك؟ ~~- تكون جاهلة وغرة ومرارة عيشها عقابا لجهالتها. ~~- ولكن الجهالة ليست ذنبا يستحق هذا العقاب الشديد، فكيف قلبت المسألة تجد أن ~~تزويجها بمن لا تحب عسف، بل ظلم، بل غدر. ~~- ولكني لا أتوقع طالبا ليدها أفضل من خليل بك ولا مساويا له في وجاهته ونسبه وغناه ~~وشمائله الشخصية. # فابتسم طاهر أفندي لهذا البرهان وقال: كل هذا الذي تستحبه أنت في زوج ابنتك لا يضمن ~~السعادة لها بل لا يلافي شيئا من نغصتها إذا لم تكن تحبه، وليس ما يضمن سعادة الزوجين ~~إلا حبهما المتبادل. ~~- ولكن لا يخفى عليك أن بنات المسلمين لا يتزوجن بناء على حب، بل بناء على استحسان ~~أهلهن، وأي فتاة مرباة تربية حسنة تعرف فتى فتحبه فتؤثره على سواه؟ ~~- نعم إن تحجب النساء عندنا لا يؤذن بذلك، ولكن إذا كانت الفتاة لا تحب طالب يدها بل ~~تكرهه فلا يجوز بأي شرع كان أن تكره إكراها على الزواج منه؛ ولذلك يجب أن تعلم أن ~~إرغامك ابنتك على التزوج من خليل بك وهي تنفر منه؛ جرم عظيم لا يغتفر، فضلا عن ~~أنه مخالف للشريعة. ~~- إذن ترى أن أعدل عن هذا الزواج؟ ~~- بالطبع. ~~- وأدعها بتولا؟ ~~- بل تزوجها بمن ms104 تهوى. ~~- بالله، لماذا تحملني على التلبس بهذا العار؟ ~~- أي عار؟ ~~- تزويجها بمن تهوى، هل جرت العادة أن بنات المسلمين تحب؟ ~~- جرت أو لم تجر، هذا هو الواقع في أمر ابنتك ولا أرى قط عارا في تزويج الفتاة بمن ~~تحب؛ لأن قاعدة الزواج الحب الطاهر، بل العار وكل العار في أن تكره الفتاة على الزواج ~~بمن لا تحب؛ لما في هذا العمل من اختلاس حرية نفس بشرية خلقها الله حرة القلب والضمير ~~كما خلق نفس الرجل. ~~- أود أن أعرف من هذا الذي تحبه ويحبها؟ وكيف عرفته وعرفها وأحبته وأحبها، في حين ~~أنها محصنة مخدرة؟ ~~- لا تخف، لا تزال بنتك كما ربيتها محصنة وليس في حبها هذا عار وشين، ولكن قبل أن ~~أجيبك على ما سألت أود أن أعرف هل عدلت عن تزويجها بمن تكرهه سواء كان الذي تحبه ~~موافقا وكفئا لها أو لم يكن؟ ~~- لقد حصرتني في دائرة ضيقة يا طاهر أفندي، ولا أظن أن غيرك يجسر أن يتمادى معي بهذا ~~الموضوع الذي هو من شئوني الشخصية. ~~- لا بأس يا حسين باشا؛ فإني أنوي لك كل خير، والأمر الجوهري الذي يجب أن نقرره ~~أولا هو أن لا يعقد العقد لعدم رضا أحد الزوجين؛ بقطع النظر عن كون الطالب الثاني ~~موافقا أو غير موافق. # فحك حسين باشا جبهته مفكرا، ثم قال: إن العدول أصبح صعبا جدا؛ لأني وعدت ووعد ~~الحر دين، وقد جاء العريس وأهله والمأذون سأل الفتاة ولم يبق إلا كتابة العقد. ~~- وهل رضيت العروس؟ ~~- تركت المأذون يسائلها، فلا بد أن تكون قد أجابت بالإيجاب. ~~- مهما يكن الأمر فإن إرادتها الحرة أساس العقد، ووعدك للعريس بيدها مشترط فيه ~~ضمنا ملء رضاها، فإذا كانت ترفض فلا عيب في انتقاض عهدك؛ لأنك لا تنقضه أنت بل نقضته ~~ابنتك ذات الحق الأول في الرضا، وإذا لم يكن رضاها أهم من كل رضا فلماذا توجب الشريعة ~~الغراء على المأذون أن يسألها عن وكيلها الذي فوضته بالإجابة عنها؟ ولذلك لا أرى عارا ~~قط في أن ترد ms105 العريس وأهله قائلا لهم: إن الفتاة عادت إلى ترددها الذي تعهدونه، فأرجو ~~منكم إمهالنا إلى حين ترضى الرضا التام، وأظن أن الذين يعرفون بذلك يمتدحونك على هذا ~~العمل الحميد. ~~- هب أننا استطعنا تأجيل العقد، فمن هو ذلك الفتى الذي يحبها؟ ~~- الفتى الذي يحبها وتحبه قد لا يرضيك لأول وهلة، ولكني أؤكد لك أنه بعد عام يعجبك ~~جدا وتفخر بمصاهرته، بل أؤكد لك أنك بعد شهر ترى خليل بك دون ما تراه الآن وتعدل من ~~نفسك عن تزويجه. ~~- لماذا؟ ألعلك تعرف خليل أكثر مما أعرفه. ~~- لا تعرف شيئا عن خليل مما أعرفه. ولكني أرى أن لا تسألني عما أعرفه بل ألتمس منك ~~أن تنتظر برهة قصيرة، والأيام تكون أصدق مخبر لك عنه. ~~- أظنك تكن أمورا يا طاهر أفندي. ~~- إني كما تظن، فأرجو منك أن تطاوعني وتتمهل بضعة أشهر فقط، وبعدئذ لك أن تفعل حسب ~~رغبتك المطلقة، فماذا يضرك أن الذي تريد أن تفعله الآن تفعله بعد أشهر قليلة؟ ~~- اقتنعت بما تقول، فقل لي: من الفتى؟ ~~- الفتى هو حسن أفندي بهجت. # فارتعش حسين باشا إذ سمع هذا الاسم وقال: بالله ماذا تقول؟ حسن بهجت ابن أحد حشمي ~~يحب ابنتي. ~~- نعم، ولكن بعد قليل يصبح حسن بك بهجت، وهو الآن في مقدمة المحامين، وبعد برهة ~~يكون من جملة المثرين الوجهاء، فماذا تقول إذا صار كذلك ألا ترضى به صهرا؟ فتأمل حسين ~~باشا هنيهة وسورة الغضب بادية في أسارير وجهه، ثم قال: متى كان بدء هذا الحب؟ وكيف ~~بث لها حبه وبثت له حبها؟ ~~- لا يسؤك ذلك يا حسين باشا، فقد قضت به طبيعة الحال إذ كان ذلك الفتى يتردد إلى ~~بيتكم منذ حداثته، وكان وابنتك ينموان والحب ينمو معهما حتى صارا شابين، فكانا إذا ~~اختليا تفاهما بلغة الهوى وتعاهدا على ثبوت الولاء. ~~- ويلاه، ما هذا العار الذي ألبستنيه ابنتي؟ ~~- ليس في ذلك من عار يا حسين باشا؛ لأنه لم يحدث بين حسن وابنتك وزر يعابان عليه ~~ويلحق بك عارا. ~~- حسبي عارا أن ابنتي ms106 تحب وتحب فتى كهذا. ~~- أما الحب فقد ساقت طبيعة الحال إليه، فلا تلقى التبعة فيه على أحد ولا أحسبه ~~عيبا أو وزرا كما تحسبه أنت، وأما أنها تحب حسن أفندي بهجت فأنا أؤكد لك أنها أحبت ~~أميرا. ~~- مهما يكن من أمر هذا الفتى فإنه وضيع الأصل، وكان أبوه أحد حاشيتنا، وكفاني عارا ~~أن يقال: إن ابنة حسين باشا عدلي أحبت ابن من كان مستخدما في دائرة أبيها. ~~- ليس في ذلك عار يا حسين باشا؛ لأن العقلاء في هذا الزمان لا ينظرون إلى الأصل بل ~~ينظرون إلى شخصية المرء ويكرمونه بقدر ما تستحق شخصيته لا بقدر استحقاق آبائه وأجداده، ~~وهب أن حقارة الأصل نقيصة فنبوغ هذا الفتى وارتقاؤه السريع في سلم الوجاهة والنفوذ ~~يرفعانه من مكانته الحقيرة ويستران وضاعة أصله، وبعد عهد قصير تراه في جملة كبراء ~~البلاد. ~~- أراك تقدر هذا الفتى بشيء عظيم يا طاهر أفندي. ~~- لأني أعرف الناس به، ولي علائق شغل معه، عرفته في باريس جيدا، وهناك عقدت ~~معه اتفاقا على مشروع مهم أظنك عرفت به. ~~- سمعت أن في نيتك أن تأخذ امتيازا بتسيير ترام كهربائي في شوارع هذا البلد، فهل ~~لحسن أفندي علاقة بالمشروع؟ ~~- لحسن أفندي ما لي فيه؛ لأنه هو القائم بأعماله الابتدائية وبهمته ومساعيه سنحصل على ~~الامتياز. ~~- هل ترجح حصولكم عليه؟ ~~- أصبح الحصول عليه في حكم المقرر؛ لأن حمد بك فضل صاحب النفوذ العظيم والتأثير ~~الشديد على رجال الحكومة وعدنا الوعد الصادق بذلك. ~~- وهل تؤمل خيرا من هذا المشروع؟ ~~- أؤمل خيرا عظيما جدا؛ قياسا على ما نراه في حواضر أوروبا، وقد درس حسن أفندي ~~هذا المشروع جيدا في تلك الحواضر، واستدل على أن أرباحه في مصر قد تتجاوز العشرة في ~~المائة، وربما ارتفعت إلى العشرين؛ ولهذا يؤمل الإقبال العظيم على الأسهم وارتفاع ~~أثمانها في عهد قصير، وحينذاك يكون لنا أرباح وافرة جدا. # فتأمل حسين باشا عدلي في هذا الكلام وأدرك خطارته، وجعل ظنه في حسن أفندي بهجت يتغير ~~شيئا فشيئا، على أنه شق عليه جدا ms107 أن يسلم بكفاءته لابنته فقال: مع ذلك لا أزال ~~أفضل خليل بك مجدي زوجا لابنتي على حسن أفندي؛ نظرا لما لخليل من كرم المحتد، وشرف ~~الأصل؛ ولما هو عليه من الجاه والنفوذ والغنى. ~~- وسترى حسن أفندي بهجت أرفع منزلة من خليل بك وأوفر ثروة وأقوى نفوذا، وهو منذ الآن ~~قد حصل على شيء من النفوذ، وبنفوذه سنحصل على الامتياز، هذا فضلا عما صار له من ~~المكانة المعتبرة في عيون القضاة ورصفائه المحامين، ثم إن مكاسبه بدأت تتزايد، ومع كل ~~ذلك لا أحرضك على أن تصاهره؛ فأنت حر من هذا القبيل، ولكنك لست حرا في أن تزوج ~~ابنتك من فتى لا تحبه، وأحتج عليك في ذلك باسم الإنسانية وبالنيابة عن ابنتك أيضا، بل ~~إني أحتج عليك بالشريعة الغراء التي تحظر الإكراه في هذا الأمر. # ففكر حسين باشا هنيهة بهذا الكلام وما سبقه، ثم نظر إلى طاهر أفندي وقال: تركت ~~المأذون والشاهدين يستجوبان الفتاة فلا أدري ماذا أجابت؟ فإن كانت قد أقامتني وكيلا ~~عنها فقد قضي الأمر وإلا نؤجل هذا العقد إلى حين، وثم نرى ما يكون؟ ~~- مهما يكن الأمر فلا يجوز أن تعقد العقد ما لم تتثبت من رضاها وإلا فتكون قد جنيت ~~عليها أعظم جناية وارتكبت إثما لا يغفر، فإذا كانت قد أجابت بالإيجاب فلأنك قد ~~قضيت الأمر بالرغم منها ودست حريتها؛ ولذلك يجب أن تخلو بها وتسألها عن مطلق ~~مشيئتها. # ولكني لا أدري كيف أعتذر للذين دعوتهم إلى منزلي لأجل كتابة العقد؟ ~~- قلت لك: إن الاعتذار بسيط جدا؛ فليس عارا أن تقول: «إني وعدت ولست مخلفا بوعدي ~~ولكن الفتاة بعد ما رضيت؛ عادت تتردد، وفي هذه الحالة تحرم علينا الشريعة الغراء ~~كتابة العقد، فمتى زال ترددها نكتبه.» فكيف ترى هذا الاعتذار؟ ~~- حسنا. ~~- هل صممت عليه؟ ~~- صممت. # وعند ذلك نهضا وخرجا من مجلسهما فرأيا عزيز باشا يتمشى في الدار وعيناه تتقدان ~~غيظا وغضبا فلما رآهما خارجين دخل إلى القاعة، ولما دنيا منها سمعا الحضور يلغطون، ~~ولكنهم سكتوا في الحال إذ ms108 دخلا، ولما استوى كل في مكانه رأى حسين باشا الوجوه مكفهرة ~~فافتتح المأذون الحديث بقوله: سألت الفتاة ثلاثا من وكيلها فلم تجب فاستدللت على عدم ~~رضاها ولم أعد أزدها سؤالا. # فأجاب حسين باشا: فعلت حسنا في اقتصارك على الثلاث؛ لأن الفتاة كانت مترددة في أول ~~الأمر، ولما فاوضتها في الموضوع رضيت، والظاهر أنها قبلت إكراما لي، لا عن طيب ~~خاطرها، فلما حان موعد الجواب البات وحاسبت ضميرها عادت إلى ترددها، وبما أن الشريعة ~~الغراء تحظر علينا أن نعقد العقد إلا برضا العروسين المتبادل فأرجو تأجيل الأمر ~~ريثما نقنع الفتاة. # فقال عزيز باشا: ولكن لم يكن منتظرا أن يرد حسين باشا عدلي مدعويه خائبين. ~~- لم يكن ذلك قصدي يا عزيز باشا - وأنت تعلم أني صادق الوعد - ولكن إرادة الفتاة فوق ~~كل إرادة، والخلاف منها والتي تماثلها تعذر، ومثل هذا يجري كثيرا فليس الأمر فريا. ~~ومع ذلك ألتمس منكم المعذرة. # أما عزيز باشا فبقي يغلي غيظا وحقدا؛ لأنه أدرك أن في الأمر دسيسة، وأن لطاهر ~~أفندي يدا فيها، فلم يشأ أن يتطرف في اللوم بل كتم غيظه، وآثر أن يحافظ على مسالمة ~~حسين باشا، وطوى النية على أن يحارب طاهر أفندي بالدسائس. # ولذلك سكت عن هذا الموضوع، وفتح الحضور حديثا في مواضيع أخرى عمومية، تكلموا فيها ~~بضع دقائق ثم ارفضوا كل إلى منزله. # | الفصل الخامس والعشرون # وصل طاهر أفندي إلى منزله نحو النصف بعد العاشرة، فوجد حسن أفندي بهجت ينتظره ~~متقلبا على مثل جمر الغضا من نفاد الصبر، فلما استقبله قال حسن له: طفت البلد كله ~~أبحث عنك فلم أجدك. ~~- لماذا؟ ما الخبر؟ ~~- ماذا ينفع الآن، لقد نفذ المقدر وصارت حياتي لغوا في هذا الوجود. # وعند ذلك انبثقت الدموع من عيني حسن وجعل ينحب كالولد الصغير، فقال له طاهر أفندي: ما ~~الخبر قل لي؟ ~~- ماذا أقول لك؟ لقد سبق السيف العذل. ~~- لم أفهم شيئا بعد. # وكان طاهر أفندي يتكلم باسما، فقال حسن: عجيب يا طاهر أفندي إنك تضحك غير متأثر لي، ~~ولكن ms109 لا عجب؛ لأن متحمل الجلدات ليس كمن يعدها، فأعذرك؛ لأنك لا تقدر أن تدرك عظم خطبي ~~وجلله. # فعانقه طاهر أفندي وقبله ضاحكا، ولكن دمعات قليلة انتثرت من عينيه فقال له: مهما ~~كان خطبك عظيما فإني أرده. ~~- هل تستطيع أن تحل عقد نكاح شرعي من غير رضا الزوج؟ ~~- ربما أقدر. ~~- لقد عقد لنعيمة في هذا المساء على خليل بك فماذا تفعل؟ ~~- من قال لك؟ ~~- بلغ إلي من بعض أصحابه، وقد طفت المساء حول بيت حسين باشا فلم أر نعيمة كعادتي ~~فاستولت علي الهواجس، ولما قيل لي: أن سيكتب كتابها على خليل بك في هذه السهرة طار ~~صوابي، ورحت أبحث عنك لعلك تستطيع أن تجد طريقة لتأخير العقد فلم أجدك. فانظر ما أسوأ ~~بختي، كل يوم أجتمع بك وأراك ولكني لما كنت في شديد الحاجة إليك لم أرك، فيا لنحس ~~حظي. ~~- خفف عنك يا عزيزي حسن وهون عليك؛ فلا ينال يد نعيمة سواك. ~~- كيف يمكن ذلك وقد كتب الكتاب؟ ~~- كلا، لم يكتب. ~~- بل أكد لي أعز أصدقاء خليل أنه كتب منذ ساعة، وأصبحت نعيمة حليلة خليل. ~~- كلا، لا يعرف الذي أخبرك شيئا من الحقيقة. ~~- على ما تستند بهذا النفي. ~~- على مشاهدتي الشخصية. ~~- فبهت حسن، وقال: ماذا تعني، هل كنت هناك؟ ~~- نعم. ~~- وهل حضرت حفلة العقد؟ ~~- قلت لك: لم يعقد العقد. ~~- إذن ماذا حصل؟ ~~- حصل أن نعيمة لم تجاوب المأذون، وأن صديقك طاهر عفت خطبها لك من أبيها نصف ~~خطبة. ~~- أتمزح؟ ~~- بل هذه هي الحقيقة التي حصلت. ~~- كيف كان ذلك، هل عرفت من قبل أن الكتاب سيكتب في هذه السهرة؟ ~~- عرفت منذ الأمس. ~~- عجيب، من قال لك؟ ~~- العصفورة. # فضحك حسن وقال: اصدقني، لا تمزح، كيف عرفت؟ ~~- إن لي عصفورة في بيت عزيز باشا تطلعني على كل ما يحدث فيه ويقال، فلا يهمك أن ~~تعرف إلا أني عرفت واستدركت الأمر وأخرت كتابة الكتاب. # وجعل طاهر أفندي يقص على حسن ما جرى بينه وبين عدلي باشا، وكيف انتهت الحفلة على ~~خيبة؟ وكان حسن يسمع ووجهه ms110 يهل بشرا. # ولما انتهى الحديث نهض إلى طاهر أفندي وجعل يقبله كالولد الذي يقبل أخاه. # وأخيرا قال طاهر أفندي: عليك الآن أن تبادر بالحصول على رتبة أو نيشان. ~~- أفضل أن أؤجل ذلك إلى حين أستحقه. ~~- أنت أكثر استحقاقا للرتبة من ألوف ممن نالها قبلك. ~~- ولكن ليس لي وسيلة الآن. ~~- عندك أفعل الوسائل. ~~- من؟ أأنت؟ ~~- كلا، بل الأصفر الرنان. # فأعرض حسن أفندي قائلا: أستنكف أن أشتري الرتبة شراء؛ لأني أود أن أنالها بناء على ~~أني جدير بها. ~~- إذن لا تنالها؛ لأن الذين نالوها لجدارتهم بها نادرون فاحصل عليها كما حصل سواك، ~~وأنت أجدر بها من السواد الأعظم من ذوي الرتب. ~~- أخجل أن أسعى إلى هذا الأمر. ~~- أنا أدبره لك عن يد أخينا يوسف بك، ففي أول الأمر تستحصل على الرتبة الثانية، ~~وفي بحر هذا العام تسعى حتى تحصل على المتمايز. # فأبرقت أسرة حسن وتلهب وجهه حياء، وقال: إن هذا كثير في عام يا طاهر ~~أفندي. ~~- كثير أو قليل لا بد منه؛ لنيل أمانينا، وكونك ذا رتبة يفيدنا جدا في ~~المشروع. ~~- ولماذا لا تسعى أنت إلى رتبة سامية؟ ~~- أنا نمساوي التبعية، فحصولي على رتبة عثمانية مستهجن، فدعني من هذا الأمر، ماذا ~~جد في مسألتنا؟ ~~- يقال: إن الشركة البلجيكية التي تسابقنا إلى المشروع تبذل النقود بالمكيال، ولكن ~~بعض رجال الحكومة يؤكدون لي أنه لا يأخذ هذا الامتياز أحد سوانا. ~~- ولكني أرى أن بعض الجرائد الوطنية تعارضنا وتحاول أن تثبت أن للمشروع أضرارا ~~تفوق على منافعه. ~~- ألا تعلم أن الناس في هذه البلاد يكرهون أن وطنيا يفلح بأمر لحسدهم؛ ولذلك لا ~~ينفكون عن مقاومته، ولكننا نحن لا نبالي بهذه المقاومات ما دام أهم رجال الحكومة ~~متفقين معنا، ولا بد أن نرضيهم ما استطعنا. # | الفصل السادس والعشرون # بعد بضعة أيام لتلك الخيبة التي لحقت بعزيز باشا وأخيه اجتمعا في قاعة الاستقبال في ~~منتصف الليل - إذ كان الخدم نياما - وكان الخواجه ديمتري ألكسيوس وكيل دائرتهما ~~موجودا معهما، فدار بينهم الحديث الآتي: # قال ديمتري: فهمت أشياء كثيرة ms111 لم نكن نعرفها من قبل وأهمها؛ أولا أن ما سمعناه عن ~~حب نعيمة لحسن حقيقي لا ريب فيه، وثانيا أن حسين باشا لم يؤخر عقد الزواج لمجرد أن ~~ابنته غير راضية؛ بل لأن طاهر أفندي أقنعه بأن لحسن أفندي مستقبلا عظيما من جراء ~~المشروع الذي يسعيان فيه، وثالثا أن المشروع أصبح في حكم المقرر؛ لأن حمد بك فضل، ~~الذي هو اليد العاملة وصاحب النفوذ الأول في استمناح الامتياز يحب عائدة الفتاة التي ~~عند طاهر أفندي حبا مبرحا، ويقال: إن في نيته أن يتزوجها، ويرجح أن تحقيق أمنية حسن ~~وطاهر مترتب على هذا الحب؛ أي أن حمد بك يبذل الجهد الجهيد في نيل الامتياز ~~بالمشروع؛ إكراما لخاطر طاهر أفندي وسواد عيني عائدة. # فقال عزيز باشا: هذا ما كنت ألاحظه، وقد قدرته وخمنته، فصحت كل تخميناتي ~~... # فقال خليل بك أخوه: إذن علينا خطر من نجاح حسن. # فقال عزيز باشا: بلا ريب، أكد أن نجاح حسن ينيله يد نعيمة وثروتها؛ لأن أباها متى رأى ~~أن الذي تحبه ابنته لا يقل نفوذا ولا وجاهة ولا غنى عن طالب يدها الذي لا تحبه، متى ~~رأى ذلك فبالطبع يزوجها من تحب. # فقال خليل: هب أنه ينجح، وصار في غنى وجاه ونفوذ، فهل يغض حسين باشا نظره عن مسألة ~~الأصل وشرف الأسرة؟ ~~- دع هذا الوهم، لم يعد اليوم أحد يعبأ بمسألة الأصل، إنما أصل الفتى ما قد ~~حصل، فإذا فاز حسن بأمانيه لا نقدر أن نركن إلى أعباء حسين باشا بالأصل، ولا نثق ~~تمام الثقة من استمرار ميله إلينا، ولا سيما إذا كان هذان الأمران؛ الأول إذا أصرت ~~نعيمة على حب حسن، وحينئذ تصر مفتخرة بمحامد حبيبها على رفضك، والثاني إذا عرف ~~حسين باشا أننا أصبحنا على شفا الإفلاس. هذه هي الحقيقة أقولها فيما بيننا؛ لكيلا ~~نكون مغرورين بأنفسنا. # فقال ديمتري: هذا هو الكلام الحق بعينه، وكنت أود أن أقوله لكما فأشكر الله أنكما ~~تعرفانه والآن ماذا تريان؟ # فقال عزيز باشا: لا بد من أمرين معا؛ الأول ms112 إحباط مساعي حسن كلها؛ لكيلا يبقى ~~لنعيمة حجة بحبه، ولا يكون فيه من المحامد ما يستميل حسين باشا إليه، والثاني أن يكون ~~في يدنا قوة مالية نستطيع بها تنفيذ مآربنا؛ لأننا بلا مال لا نقدر أن نقاوم أحدا ولا ~~نفوز بأمر. # فقال خليل: وما العمل إذن للحصول على هذين الأمرين؟ # فقال ديمتري: أما الأمر الأول؛ أي إحباط مشروع حسن، فيتم بإزالة حب حمد بك لعائدة؛ ~~لأن حمد بك لا يساعد في إعطاء الامتياز إلا إكراما لها؛ ولولاها لما كان يساعد في ~~مشروع عظيم كهذا إلا برشوة عظيمة له ولأعوانه، والرشوة لمشروع كهذا المشروع تستنفد ثروة ~~عظيمة. # فقال عزيز باشا: ذلك هو الصواب، فما الطريقة إذن لإزالة هذا الحب؟ # فقال ديمتري: ما من طريقة مضمونة سهلة؛ لأن حمدا يحبها حبا شديدا - على ما فهمت - ~~ويكاد يستسلم بكليته لطاهر أفندي لأجلها. # فقال عزيز باشا: عندي طريقة مضمونة. ~~- ما هي؟ ~~- أن تنقضي حياة هذه الفتاة. # فقال ديمتري: لعل هذه هي الطريقة المثلى، وقد افتكرت بها؛ لأن الفتاة مريضة الآن ~~والدكتور يوسف بك رأفت يعالجها فإذا أمكن أن ندس السم لها في بعض الأدوية أفلحنا وكانت ~~التبعة على سوانا. # فقال عزيز باشا: إذا كان ذلك ممكنا فزنا لا محالة، وماذا يكون لو فقد العالم فتاة ~~أو ألف فتاة؟ # فقال ديمتري: ولا شيء. ~~- أما افتكرت بطريقة لدس السم يا خواجه ديمتري؟ ~~- افتكرت، وأظن أن الطريقة التي افتكرت بها سهلة وناجحة. ~~- وما هي؟ ~~- هي أن نراقب خادم طاهر أفندي عائدا من الأجزاخانة بالدواء فيقابله مبعوث من ~~قبلنا في الطريق فيطلب إليه أن يذهب في رسالة قصيرة المسافة، ويوهمه أنها ضرورية ~~جدا، ويغره بالنقود، ويأخذ منه الدواء وديعة عنده ريثما يعود، وفي غيابه يدس سما في ~~الدواء، وحينئذ يجب أن يكون المبعوث مزودا بحبوب سامة مختلفة الحجم وببرشام سام أيضا ~~وبقليل من محلول الزرنيخ، فإن كان الدواء حبوبا فتح العلبة وأبدل بضع حبات بما معه، ~~وإن كان برشاما فعل كذلك أيضا، وإن كان محلولا فتح الزجاجة وأفرغ ms113 منها قليلا وملأها ~~من السائل الزرنيخي القوي الذي معه. ~~- ولكن إذا كانت الزجاجة أو العلبة مختومة فماذا يفعل؟ ~~- يفك الختم فليس في ذلك ما يدعو إلى المظنة والارتياب؛ لأن الإجزائية لا يختمون كل ~~أواني الأدوية التي تصدر من عندهم، والخادم لا يعلم إن كانت مختومة وقد فض ختمها؛ ~~لأنه تناولها ملفوفة بورقة ولم يفتحها. ~~- فكرة حسنة، ولكن من يقوم بهذه المهمة؟ # فزم ديمتري شفتيه كأنه يقول: لا أدري، فقال عزيز باشا: لا أحد سواك يتقن تمثيل هذا ~~الدور يا مسيو ديمتري. ~~- أمثله إكراما لخاطركم ولكن ... ~~- ولكن ماذا؟ لك جزاؤك، متى خدمتنا مجانا يا مسيو ديمتري؟ أما صرت ذا ثروة من ~~مالنا. ~~- لا أنكر؛ ولذلك لا أتأخر عن خدمتكم فقروا عينا، إني أتولى تمثيل هذا ~~الدور. ~~- ونحن لا نتأخر عن مكافأتك إذا نجحت فيه، ونجحنا نحن في مشروع آخر. ~~- أي مشروع؟ ~~- قلنا إن الأمر الثاني يجب أن يكون في أيدينا مال نستطيع أن ننفذ به مآربنا، وأنت ~~تعلم يا خواجه ديمتري أنني أصبحت على شفا الإفلاس بسبب خسائر البورصة التي لحقت ~~بي. ~~- ألا يمكن أن تنجح في الاستيلاء على شيء من أملاك زينب هانم فترهنه؟ ألا تزال مصرة ~~على صيانة أملاكها منك؟ # فتنهد عزيز باشا، وقال: أف، لست أنت غريبا يا مسيو ديمتري، إن المرأة كرهتني ~~بالنساء، ولم أر امرأة مثلها لا تستأمن زوجها؛ فقد رأتني في كرب من جراء حالتي ~~المالية وعرفت أني في ضيق مالي شديد، ومع ذلك لم تشأ أن تسعفني بشيء من ثروتها ~~الطائلة؛ لكي أنتعش وأسلك بين الرجال مسلك البطل المحنك في الحرب العالمية، وأنت تعلم ~~أن المال ملح الرجال بل قوتهم الحقيقية، أي امرأة غنية ترى زوجها يشقى لفراغ يديه من ~~المال ولا تنجده، أما هذه المرأة فترى أني أكاد أذوب غما؛ لضعف قوتي المالية، ومع ~~ذلك تضن علي بفدان من أطيانها. ~~- إنها لسيئة النية على ما يلوح لي يا عزيز باشا. ~~- خبيثة، صرت أكرهها كرهي لإبليس، ولولا أملي بأن أنتفع بشيء من ثروتها لطلقتها، ms114 ~~فقال خليل بك: أما من وسيلة لاختلاس شيء من ثروتها؟ # فقال ديمتري: إذا قلت الحيل والوسائل فلا أنجح من الإكراه. # فقال عزيز باشا: أنستطيع أن نكرهها على إيهاب أو بيع قسم من أملاكها؟ ~~- لماذا لا؟ اكتب حجة بعزبة من عزبها، ثم نستدعي علي أفندي حامد ومحمد أفندي حفيظ، ~~ونتهددها أن تمضي الحجة بالرغم منها وأنا وحامد وحفيظ نشهد عليها، فقال خليل بك: وهل ~~تظن أن علي حامد ومحمد حفيظ يشهدان؟ # فقال عزيز باشا: لماذا لا يشهدان؟ لا ريب أن اللذين أمكننا أن نستخدمهما في قتل ~~كارولين يمكننا أن نستخدمهما في هذه المهمة، أما أصبحا ذوي ثروة طائلة من فضلنا ~~فعليهما أن يخدمانا هذه الخدمة. # فقال ديمتري: ولهما جزاؤهما. ~~- بالطبع. ~~- إذن ندبر هذا الأمر أيضا. ~~- نعم نعم، ولكن كيف تستصوب أن نفعل ذلك يا ديمتري وأين؟ ~~- نكتب الحجة قانونية، وأنت تحتال عليها، وتأتي بها إلى مكتب الدائرة ليلا لغرض من ~~الأغراض، وهناك تتهددها وتضطرها أن تمضي الحجة ونشهد عليها. ~~- ولماذا لا يكون ذلك في البيت؟ ~~- لأننا نخاف أن بعض الخدم يلاحظون أننا نرغمها على أمر لا تريده، فيكونون شهودا ~~علينا، فالأفضل أن نبتعد عن الناس؛ لكي يكون عملنا هذا سريا لا نمسك به؛ وإلا كنا ~~تحت خطر قضية جنائية. ~~- صدقت. ~~- فإذن علينا أن نستعد الاستعدادات الكافية للأمرين معا؛ أولا تسميم عائدة، والثاني ~~إرغام زينب هانم على التنازل عن قسم من ثروتها. ~~- نعم نعم، وعليك الاتكال ولك الجزاء الحسن - إن شاء الله. # | الفصل السابع والعشرون # في صباح اليوم التالي سمى ديمتري باسم إبليس الرجيم، وتوجه إلى صيدلي صديقه، وقال ~~له: أرجوك أن تبيعني قليلا من الزرنيخ؛ لأني أبتغي أن أصنعه طعما للفار، فباعه بضع ~~غرامات منه، ثم انتقل إلى صيدلي آخر فطلب منه بعض برشامات فارغة مختلفة الحجم وأن ~~يصنع له بعض حبوب ملينة، فأعطاه ما طلب، ثم اختلى في غرفته ومزج بعض الزرنيخ بشيء ~~من الكينا وقسمها في بعض برشامات مختلفة الحجم، ثم عجن تلك الحبوب، ومزج فيها شيئا من ~~الزرنيخ ms115 وقسمها حبوبا مختلفة الحجم أيضا، ثم مزج ما بقي من الزرنيخ في قليل من الماء ~~ووعاه في زجاجة صغيرة، ثم وضع هذه الأجزاء الصغيرة في جيوبه ومضى إلى قهوة قريبة من بيت ~~طاهر أفندي. # وقعد يترقب خروج أحد الخدم من المنزل؛ لكي يتتبعه لعله يذهب، وكان يظن أن الخدم ~~لا يعرفونه، قضى ديمتري الشرير يتردد إلى تلك القهوة ويحوم حول المنزل، وبينه وبين ~~الأجزاخانة القريبة منه عدة ساعات؛ عساه يصادف أحد الخدم المشار إليهم خارجا من ~~البيت أو داخلا إلى الأجزاخانة أو مارا أمام تلك القهوة التي هي على الطريق بين ~~الأجزاخانة والبيت فلم يصدق ظنه. # صار وقت الظهر ومرت الساعة الأولى فالثانية فالثالثة ولم يمر أحد من الخدم فضاق ذرعه ~~وجعلت نفسه تحدثه أن يؤجل هذه المهمة إلى اليوم التالي، وما صمم على التأجيل حتى رأى ~~الخادم المنتظر فراقبه حتى رآه يدخل الأجزاخانة فانتظره في قهوة قريبة حتى عاد وفي يده ~~علبة برشام وزجاجة كبيرة فاعترضه قائلا: بحياتك يا هذا، خذ هذه الرسالة إلى بيت ~~التلغراف وأرسلها؛ فإنها معجلة وأنا مشغول هنا لا أقدر أن أذهب فأرسلها. # فتردد ذلك الخادم قائلا: ليس عندي وقت؛ فإن الدكتور ينتظر هذه الأدوية ليعطي الست ~~منها. ~~- لا بأس، إن المسافة قصيرة جدا فتذهب وتعود في خمس دقائق، وهذا ربع ريال لك، اذهب ~~يا حبيبي لأجل خاطري؛ فإن هذه الرسالة ضرورية وأنا مشغول، أودع هذه هنا. # ثم أخذ منه الزجاجة وعلبة الأدوية وربته على ظهره قائلا: اذهب يا أخي اذهب. # فلما رأى الخادم في كفه ربع ريال قال في نفسه: «من الحماقة ألا أقوم بهذه المهمة ~~الصغيرة في مقابل هذا الأبيض الناصع» وفي الحال ترك الزجاجة والعلبة مع ديمتري ومضى، ~~وما توارى حتى كان ديمتري قد انزوى في القهوة حيث لا يراه أحد وفك العلبة؛ إذ كانت ~~ملفوفة بورقة مخططة ومربوطة بخيط، وأخذ منها أربع برشامات، ووضع بدلها أربعا من ~~البرشامات التي أعدها تساويها حجما وتشابهها شكلا، وعاد فلف العلبة، وربطها ~~كما كانت. # بعد ms116 قليل عاد الخادم يقول: لم يقبل موظف التلغراف الرسالة؛ لأنك لم تذكر فيها اسم ~~البلد الذي تريد أن ترسلها إليه، ففتحها ديمتري ونظر فيها، وقال: صدقت، نسيت أن أكتب ~~اسم البلد، لا بأس، ربما تكون مستعجلا فخذ أدويتك وامض فسأرسلها مع آخر أو أمضي بنفسي ~~فأرسلها. # فلم يتردد الخادم في تناول العلبة والزجاجة ومضى. # أما ديمتري فذهب إلى بيت عزيز باشا فصادفه في رحبة الدار. # فقال له عزيز بالإفرنسية: ماذا عملت من الصالحات؟ ~~- نجحت. ~~- هل تم ما دبرت وتوفقت؟ ~~- على غاية ما نروم. ~~- هل أبدلت الدواء؟ ~~- أبدلت السم بالدسم. ~~- ما هو نوع الدواء؟ ~~- برشام، فأخذت أربعا شافية، ووضعت بدلها أربعا قاتلة. ~~- برافو، إذن نجحنا في المهمة الأولى. ~~- وسننجح في الثانية - إن شاء الله. # جرى هذا الحديث بينهما بالإفرنسية، وهما لا يدريان أن يوسف مرقس السفرجي في غرفة ~~قريبة، يسمعه ويفهمه كما تفاهماه. # وصل الخادم إلى بيت طاهر أفندي، فتناول الدكتور يوسف بك رأفت الزجاجة والعلبة منه، ~~وفضهما ثم دنا إلى غرفة عائدة، فقيل له: إنها نائمة، فقعد ينتظر في القاعة وهو يقرأ ~~بعض الجرائد، وبعد قليل قيل له: إنها صحت، فدخل عليها باسما، وجلس إلى جانبها ~~باشا، وقال: أتريدين الآن يا حبيبتي أن تتناولي برشامة؟ # فأجابت عائدة بصوت خافت: لا طاقة لي الآن على تناول شيء، فأمهلني حتى ~~المساء. ~~- لقد دنا المساء يا عزيزتي، وما هي إلا برشامة صغيرة، ولا بد لك من تناولها؛ فإن ~~فيها شفاء لك - إن شاء الله. ~~- أف! لا أقدر. ~~- يجب أن تكرهي نفسك على أخذها يا حياتي، وليس في البرشام ما يشمأز منه، ~~ضعيها في فمك الحلو واشربي جرعة ماء، فتبتلعيها مع الماء من غير أقل عناء. # ثم ناولها برشامة، وطلب إلى الممرضة أن تقدم لها كأس ماء، فأمسكت عائدة البرشامة ~~بإصبعيها والكأس باليد الأخرى وهي جالسة في سريرها، وجعل يوسف بك يحرضها على تناولها ~~وهي تقول: «أشعر أن نفسي تجيش في صدري وأكاد أتقيأ، دعني منها الآن.» وهو يقول لها: «بل ~~خذيها الآن يا ms117 حبيبتي؛ إذ لا مناص من أخذها لشفاك.» وبينما كان الدكتور يوسف بك يحاور ~~عائدة ليحملها على تناول البرشامة وكان طاهر أفندي في مكتبه يكتب؛ قرع جرس التلفون ~~عند أذنه، فتناول السماعة ووضعها على أذنه. ~~- من؟ ~~- أنت من؟ ~~- طاهر. ~~- أنا سالم رحيم. ~~- ماذا؟ ~~- الدواء الذي وصل إليكم الآن مسموم، فعجل امنعه. # فترك طاهر أفندي التلفون، وبأسرع من لمح البرق كان في غرفة عائدة، فرآها وقد ~~وضعت البرشامة في فمها والكأس على شفتيها، فقال: ابصقيها في الحال ابصقيها، فارتاعت ~~عائدة وبصقت البرشامة في الكأس، وقالت: ويلاه، لماذا؟ # فنهض الدكتور في الحال مرتعبا وقال: ماذا ماذا؟ # وكان طاهر أفندي قد تناول الكأس من يد عائدة وقال: هل تناولت غيرها؟ ~~- كلا، ما الخبر؟ لقد أرعبتني يا أبتاه! ~~- الحمد لله، أين علبة البرشام؟ # فتناولها الدكتور وفتحها، فتناولها منه طاهر أفندي وجعل يقلب البرشامات، فأعرب منها ~~ثلاثا، وقال ليوسف بك: انظر، ألا ترى أن هذه الثلاثة برشامات تختلف عن البقية بقليل ما ~~فيها من العقاقير؟ ~~- وما سبب ذلك، وما معناه؟ ~~- معناه أنك كنت تجرع عائدة سما. ~~- ويلاه! لو تجرعت هي تلك البرشامة لتجرعت أنا هذه الثلاث، كيف حصل هذا؟ ~~- عدو دس هذا السم. # ثم تناول الدكتور البرشامة التي في الكأس والماء يوشك أن يحلها، فانحلت بين أصابعه ~~فرأى المادة الزرنيخية ضمن الكيناء، ثم هم أن يفتح البرشامات الثلاث، فمنعه طاهر ~~أفندي قائلا: دعها كما هي. ثم أقفل العلبة ووضعها في جيبه، فقال الدكتور يوسف: بالله ~~من هذا العدو، أخبرني عنه؛ لكي أمزقه؟ ~~- كلا كلا، اكتموا الأمر الآن؛ لأن وقت الدينونة لم يأت بعد، اطمئنوا ~~واحمدوا الله على السلامة. # أما عائدة فكانت مصفرة الوجه مرتعشة البدن من شدة الوجل، فقالت بصوت مضطرب: من ~~هذا الذي يريد قتلي يا أبي؟ أي ذنب جنيت؟ رحماك يا أبي ارحمني. # فقبلها طاهر أفندي وقال: لا تخافي يا بنتي، طيبي نفسا وقري عينا، لا يصل ~~إليك أذى قبل أن يصير علي. ~~- من ذا الذي يريد بي شرا؟ ولماذا؟ ~~- لو كان الذي يريد ms118 بك الشر عارفا بحقيقة أصلك لربما عض أصابعه ندما إن كان من ~~البشر فاطمئني ولا تبحثي . # ثم عاد طاهر أفندي إلى غرفته واستدعى بالخادم وسأله: من أين أتيت بالدواء؟ ~~- أجزاخانة (...) ~~- من ركبه؟ ~~- الأجزجي الشاب الذي يدعى الخواجه جاك. ~~- أما كان أحد سواه هناك؟ ~~- كلا البتة. ~~- هل أعطاك بيده العلبة؟ ~~- نعم. ~~- هل أمسكها أحد سواك؟ # فتردد الخادم قائلا: نعم. ~~- من؟ ~~- الخواجه الذي في دائرة عزيز باشا نصري. ~~- أي خواجه؟ ~~- الخواجه الرومي لا أعرف اسمه. ~~- لماذا؟ ~~- اعترضني في الطريق وكلفني أن أرسل له تلغرافا. ~~- وهذه العلبة. ~~- استودعتها معه إلى أن عدت. ~~- لماذا قضيت مهمته وأنت في خدمة غيره؟ # فجعل الخادم يرتجف قائلا: ألح علي أن أفعل فاستحيت منه. ~~- اخرج، وإذا التفت بعد إلى أحد وأنت سائر في مهمة تخصني أنزلت بك أقصى ~~عقاب. # | الفصل الثامن والعشرون # إلى الجهة الغربية من منزل عزيز باشا حديقة صغيرة، وفي مقدمة الحديقة الشمالية ~~بناية صغيرة ملتصقة بالمنزل، في القسم السفلي منها بعض غرف يقيم فيها كتبة ~~الدائرة، والقسم العلوي منها يقيم فيه خليل بك، وباب ذلك القسم السفلي إلى الشارع، وله ~~باب يخرج منه إلى الحديقة أيضا، ولكنه مقفل دائما. # في تلك الليلة التي كان ينتظر فيها أن تموت عائدة مسمومة في منتصف الليل تقريبا ~~كان عزيز باشا في إحدى غرف المكتب الداخلية التي تجاور الغرفة ذات الباب المؤدي إلى ~~الحديقة، وكان معه ديمتري ألكسيوس، ومحمد أفندي حفيظ الذي كان منذ عدة سنين حوذيا ~~عنده، وعلي أفندي حامد الذي كان سائسا. وكان أمام عزيز باشا بعض الأوراق. # وكان قد استدعى زينب أن تقدم إلى المكتب من طريق الحديقة، فظنت زينب أن الغرض ~~من استدعائها موافقتها على أمر يختص بغلال أملاكها، أو على صك إيجار أو نحو ~~ذلك. فنزلت من غرفتها بناء على بلاغ خادمتها ومشت في الحديقة مطمئنة؛ ولا سيما أن ~~عزيز باشا كان قد عدل عن سياسة العنف معها، وكان يحاسنها بعض المحاسنة. # ولكنها دهشت إذ دخلت فرأت شبه مؤتمر مؤلف من الأربع السابق ذكرهم، ms119 فأوجست شرا ~~واستطار فؤادها، وهمت أن تعود، فانقض عليها عزيز باشا، وقبض على ذراعيها، وقال: ~~تعالي أمضي هذه الحجة البسيطة. ~~- من كتبها؟ ~~- كتبها علي أفندي حامد كما أمليتها عليه. ~~- ما هذه الحجة؟ ~~- حجة بيع منك لي عن بعض العزب، وإذا شئت فاقرئيها قبل أن تمضيها. ~~- لا داعي للقراءة؛ لم أبع ولم أشتر. ~~- بعت واشتريت أمضي الحجة حالا. # وكانت زينب ترى شرر الغضب يتطاير من حمرة عينيه، ورائحة الخمر تنبعث من فمه، ~~والثلاثة الباقون قد أحاطوا بها، فجزعت جدا، وقالت: أتريدون أن ترغموني على ~~إمضائها؟ ~~- نعم، فأمضيها إذن عن طيب خاطر؛ لأن ما تشتمل عليه لا يبلغ ثلث ثروتك. ~~- وهب أني أمضيتها وادعيت - بعدئذ - أني أكرهت على إمضائها. ~~- هنا شهود ثلاثة يشهدون أنك أمضيتيها بملء رضاك. ~~- وهب أني لا أمضيها. # فتناول عزيز باشا مسدسا، وقال لها: لا تناقشيني طويلا أمضيها في الحال أو أني ~~أبعثر دماغك برصاص هذا المسدس؛ لقد أخذ مني اليأس وتولاني القنوط، فما حياتك عندي ~~أعز من حياتي، وما لحياتي قيمة وأنا في هذا الإفلاس، فأمضي الحجة ولا تبطئي، وإلا ~~كنا كلانا صريعي هذا الرصاص. # فهلع فؤاد زينب وأدركت أن شرا عظيما محدقا بها، وأنه لا يستحيل أن ينفذ ~~زوجها قوله وهو في سورة سكر. # خطر أولادها في بالها وماذا تكون حالهم إذا هلكت، مرت في مخيلتها في تلك اللحظة ~~ألوف من الأفكار، فتناولت القلم بيدها وابتسمت ابتسامة الوجل وهي تنظر إلى عزيز وهو ~~شعلة غضب وجذوة شر، وأمضت إمضاءها الصريح. # ثم تقدم البقية واحدا واحدا، وتناولوا القلم، وسألوها: «هل بعت وقبضت ~~الثمن؟» إلى غير ذلك من الأسئلة القانونية، فكانت تجيب بالإيجاب، فأمضوا ~~شهادتهم. # وما كاد ينتهي الأخير منهم من توقيع شهادته حتى انقض ثلاثة متزيون بزي الأعراب، ~~ومدججون بالسلاح، وفي يمنى الأول منهم مسدس وفي يدي كل من الاثنين الآخرين مسدسان، ~~فتدافع الأربعة المتآمرون إلى الجانب الثاني من الغرفة وراء المائدة الكتابية، وزينب ~~وقعت عند قدمي زوجها. # وحينئذ صوب المباغتون مسدساتهم إلى المتآمرين، وتقدم الأول منهم إلى ms120 مائدة ~~الكتابة وخطف الحجة والمسدس الذي كان في يد عزيز باشا، وقد تركه على المائدة في أثناء ~~التوقيع على الحجة، وقال في الحال بصوت خشن منخفض: لا يفه أحد منكم بكلمة وإلا ~~خطفت روحه، لا مطمع لنا إلا بهذه الحجة، ونحن شهود على الإكراه الذي حصل فيها، ~~إياكم أن تجددوها بعد؛ لئلا تقوم هذه دليلا على الإكراه في تلك أيضا. # تكلم هذه الكلمات بلهجة غريبة كذي سلطة على السامعين، وكان الأربعة ينتفضون من ~~الخوف ويحجبون أفواه المسدسات المسددة إليهم بأكفهم، ويخبئون وجوههم ورآهم ولا ~~يفوهون ببنت شفة. # ولما انتهى المتكلم من كلامه انقلب الثلاثة راجعين، وبعد بضع ثوان اعتدل الأربعة ~~وجعلوا ينظرون بعضهم إلى بعض وغبار الموت على وجوههم كأنهم يتساءلون! ثم شعر عزيز ~~باشا أن زينب منطرحة عند قدميه كجثة لا حراك بها فأنهضها وأجلسها إلى الكرسي ~~فانتعشت، وقالت: رباه ما هذه المخاوف التي أرى يا عزيز؟ # عند ذلك خرجوا واحدا واحدا وهم يخافون شر كمين في الحديقة، كانت الحديقة صغيرة ~~جدا، فتفرقوا فيها فلم يجدوا فيها أثرا، اختبروا بابها الخلفي الذي يخرج منه إلى ~~الزقاق فوجدوه مقفلا بإحكام كما كان، كيف دخل هؤلاء الثلاثة، وكيف خرجوا؟ ومن هم، ~~وما غرضهم؟ ومن أبلغهم بما هو جار في نصف الليل في ذلك المكتب؟ # كل هذه المسائل خطرت لكل منهم، وتهامسوها فيما بين آذانهم، فلم يلح لهم جواب ~~مقنع على واحد منها حتى إنهم كادوا أخيرا يشكون في حقيقة ما رأوا ويعدونه من قبيل ~~الرؤيا. وبعد لغط قليل في وسط الحديقة خشوا أن يفيق الخدم على لغطهم، فخرجوا كل إلى ~~منزله على موعد اللقاء، وعزيز باشا أخذ زوجته بيدها ودخل بها من باب المنزل الذي يؤدي ~~إلى الحديقة، ثم صعد بها إلى غرفتها، ولما جلس وهي لا تزال تنتفض من الخوف والجزع ~~سألها: من هؤلاء؟ ~~- تسألني؟ ~~- أسألك، من هؤلاء؟ # فنظرت فيه نظرة المستغرب ثم قالت: لا أدري. ~~- لا تدرين؟ لماذا إذن أخذوا الحجة وتهددونا بأن يكونوا شهودا على الإكراه ~~فيها؟ ~~- أكذا ms121 قالوا؟ ~~- تتجاهلين؟ ~~- ماذا أتجاهل، أليسوا لصوصا؟ ~~- أما سمعت ما قالوا؟ ~~- لم أسمع شيئا؛ لأني منذ دخلوا عددت نفسي في عداد الموتى، ولم أع على شيء إلا ~~وأنا في الحديقة متشبثة بك. ~~- يستحيل إلا أن تعرفيهم. ~~- أعرفهم؟ ~~- نعم لا بد أنك تعرفيهم وبعلمك أتوا وإلا فلماذا يدافعون عنك؟ ~~- يدافعون عني؟ ~~- حتى متى تمكرين؟ ~~- ويلاه، لا أفهم شيئا من كل هذا الذي تقوله. ~~- متى كنت تحسنين المكر والدهاء. ~~- أتعتقد ما تقول يا عزيز؟ ~~- ليس الآن وقت مزاح. ~~- لا أفهم شيئا من كل ما رأيت في غلس هذا الليل من المشاهد الرهيبة. ~~- إذن لماذا أخذ ذلك الشرير الحجة وحذرنا أن نعيد كتابتها وإمضاءها ثانية، ~~وأنى له هذه الغيرة عليك، من هذا الذي له صلة بك ويدافع عنك؟ ~~- والله لا صلة لي بأحد، ولا أعرف الجد من الهزل من كل ما حصل، وما همي الآن إلا أن ~~أحمد الله على السلامة. # بعد كل هذا الحديث لم يثبت ظن عزيز بتواطؤ زوجته مع أولئك المفاجئين أولا؛ لأن كل ~~نبرة من نبرات صوتها الخافت وكل خلجة من خلجات بدنها المقشعر كانت تثبت سلامة ~~نيتها، وما يعرفه من سكونها وخنوعها في الماضي كان ينفي هذا الظن، فتركها في غرفتها ~~ودخل إلى غرفته. # أما زينب فتجسمت هواجسها في كل ما رأت، وشعرت أنها أصبحت تحت خطر في منزل رجلها، ~~وأدركت أنه أصبح خصمها. # لا يرتاب القارئ في أن أول ما يخطر لزينب بشأن هؤلاء الذين بتروا دسيسة زوجها، هو أن ~~واحدا منهم هو الذي جاءها مرة في الليل وحذرها من أن تشتري طلاقها بنصف ثروتها، ~~فانقلب هول تلك الحادثة في قلبها إلى استئناس، وتأكدت أن ذلك الطارئ يسعى إلى ~~خلاصها، وأنه يحرسها من شرور زوجها فأنست لهذا الفكر وتقوى قلبها على عصيان ~~بعلها وعدم الاستسلام له. # ولكن من هو ذلك الطارق؟ وما بغيته، وكيف يعرف بدسائس زوجها؟ أسئلة حيرتها ولم ~~تهتد إلى حلول لها، وأنى لها أن تهتدي. # لم يذق جفنها الكرى إلا في وجه الصباح نحو ساعة. ms122 # لا يستبعد أن يدرك القارئ - من نفسه - أن أحد أولئك الثلاثة هو طاهر أفندي ومن يكون ~~رفيقاه الآخران غير الدكتور يوسف بك رأفت وحسن أفندي بهجت؟ ولا يغرب عن فطنة القارئ أن ~~يوسف مرقس أحد خدم عزيز باشا الذي أقامه طاهر أفندي جاسوسا له في منزل خصمه هو الذي ~~عرف بالدسيسة قبل وقوعها؛ إذ كان المؤتمرون مجتمعين في غرفة عزيز باشا وحدهم عند ~~المساء يكتبون الحجة، وقد فهم أن موعد التنفيذ في نصف الليل في المكتب من بعض كلمات ~~تبادلها عزيز باشا ووكيله ديمتري ألكسيوس بالإفرنسية. # وكان يوسف هذا قد توقع هذه الدسيسة منذ سمع حديث ديمتري وعزيز باشا إذ دس السم في ~~الدواء الذي أخذ لعائدة - كما يذكر القارئ في الفصل الأسبق - إذ قال عزيز لديمتري ~~بالإفرنسية: «برافو، إذن نجحنا في المهمة الأولى.» فأجابه ديمتري: «وسننجح في الثانية - ~~إن شاء الله.» فمن ذلك فهم يوسف أن هناك دسيسة قريبة فتوقعها وبحث عنها، فعرف ~~بها وأبلغها إلى سالم أفندي رحيم الصديق الأمين لطاهر أفندي، وسالم نفحه عنها خير ~~الجزاء وأبلغها لطاهر أفندي، فتزيا هذا في الحال مع الدكتور يوسف بك رأفت وحسن ~~أفندي بهجت بزي الأعراب، وتدججوا بالسلاح ومضوا قبل منتصف الليل إلى ما وراء ~~الحديقة. # وحسب الاتفاق السابق؛ أدلى يوسف مرقس مفتاح باب الحديقة الخلفي لهم من شباك في ~~رواق الطبقة العليا من المنزل، ففتحوا الباب، وكمنوا في الحديقة حتى لاحظوا أن إمضاء ~~الحجة قد انتهى فانقضوا على المكتب - كما علم القراء - ولما خرجوا أقفلوا الباب كما ~~كان، وفي الحال علقوا المفتاح في الخيط المدلى فانتشله يوسف مرقس ورده إلى ~~مكانه، وعاد إلى مرقده. # | الفصل التاسع والعشرون # في صباح اليوم التالي اجتمع عزيز باشا وأخوه خليل بك والخواجه ديمتري ألكسيوس في غرفة ~~خليل بك، وجعلوا يتحادثون بما داهمهم في الليل السابق، فقال عزيز باشا: سؤالان حيراني ~~كل الحيرة؛ الأول من هم هؤلاء الذين باغتونا ومن أخبرهم بمكيدتنا؟ # فقال ديمتري: لم أزل إلى الآن متحيرا، أما فهمت شيئا من الهانم؟ ms123 ~~- سألتها واحتلت أن أستخرج كلمة منها فلم أجد أن لها علما بشيء، ولا ريب عندي ~~أنها تجهل كل شيء ولا صلة لها بأحد. ~~- أنت لا تعلم مكر النساء يا عزيز باشا! ~~- أعلمه جيدا، ولكني أعرف هذه المخلوقة بسيطة القلب جدا، ولا جسارة لها على إتيان ~~أبسط الدسائس. # فقال خليل: ألا يمكن أن يكون طاهر أفندي وبعض أصحابه تنكروا وباغتوكم أمس، فقال ~~عزيز: خطر لي أن يكونوا هم، ولكن الفكر الأرجح أنهم لا يفعلون شيئا، وإن كانوا ~~يفعلونه، فما غرضهم؟ ~~- من قبيل المعاكسة والمكايدة؛ لأن العداوة بيننا وبين طاهر أفندي أصبحت ~~علنية. ~~- ربما يكونون هم الذين فعلوا، ولكن من أخبرهم حتى إنهم أتوا في الميعاد المعين ~~وكيف دخلوا؟ # فقال ديمتري: لا بد أن يكون بعض الخدم مواليا لهم. ~~- ليس ذلك ببعيد، إذا لم يكن أحد منا خائنا! ~~- كيف يجسر أحدنا أن يخون ونحن تجمعنا جامعة واحدة مهمة، يستحيل علينا حل ~~عراها؟ وهي جامعة الاشتراك ببعض الجرائم الرهيبة. ~~- في نيتي أن أتحرى المسألة من بعض الخدم. ~~- إياك أن تفتح حديثا مع أحد الخدم أو تسأله شيئا؛ لأنك تنبه ظنونهم وتنشئ بينهم ~~لغطا في مسائلنا. ~~- أرى أن نخرجهم من الخدمة ونأتي بخدم أجداء. ~~- كلا كلا؛ لأنهم متى خرجوا من هنا فإذا كانوا يعرفون شيئا أذاعوه وفضحونا، ~~فالأفضل أن يبقى كل في خدمته، وألا نبحث معهم بأمر من الأمور حتى إذا كان أحدهم يعرف ~~شيئا من أعمالنا الماضية يبقى ما يعرفه محصورا فيه، وعلينا أن نتحذر كل الحذر في ~~جميع مؤامراتنا المستقبلة، ويجب أن نقتصر فيها على التكلم بالإفرنسية. ~~- يظهر لي أن جميع مساعينا مخفقة يا خواجه ديمتري؛ لم نسمع شيئا من نعي ~~عائدة. ~~- لا أدري، لقد حيرني هذا الأمر، لم يكن في العلبة سوى 8 برشامات، فأبدلت نصفها، فإن ~~كانت قد تناولت شيئا منها أمس واليوم فلا بد أن تكون قد تناولت برشامة سامة، ~~والبرشامة الواحدة كافية لأن تقضي عليها في الحال؛ لأن فيها مقدارا كبيرا من ~~الزرنيخ. ~~- ألا يمكن أن يكونوا قد ms124 لاحظوا أن في العلبة برشامات غريبة؟ ~~- هيهات أن يلاحظوا ذلك؛ لأن الفرق بين الصنفين غير جلي. ~~- ألا يمكن أن يكونوا قد أوجسوا شرا وسألوا الخادم فأخبرهم أنك أحرزت العلبة ~~هنيهة. ~~- لا داعي لإيجاسهم حتى يسألوا الخادم إذا لم يكن الخادم نفسه قد أوجس مني، والخادم ~~لا يوجس مني؛ إذ لا علم له بما بيننا من التناظر، ولا أظنه يعرفني. ~~- إذن هل يمكن أن الفتاة لم تتناول برشامة سامة حتى الآن؟ ~~- إذا لم نسمع خبرها اليوم فيكون السبب أن الطبيب عدل لسبب طبي عن تجريعها البرشامة، ~~ويكون القدر قد حفظها. ~~- أخاف أن تنفضح هذه الدسيسة يا ديمتري. ~~- لا تخف؛ لأني لا أظن أن الخادم يعرفني، وقد ظهر لي أنه يحسبني رجلا غريبا، وأما ~~أنا فقد عرفته خادما عند طاهر أفندي؛ لأني رأيته خارجا من منزله. ~~- مهما يكن من أمر هذه الدسيسة فلا نعتمد على نجاحها وحده؛ لأنها قد لا تغير خاطر حمد ~~بك، بل ربما زادته انعطافا لطاهر أفندي. # فقال خليل: هذا هو الأرجح، والذي أراه أن نهتم بمعاكسة مشروع الترام الكهربائي من ~~الوجوه الأخرى أيضا؛ فأولا يجب أن نقيم الجرائد كلها ضده، بحيث تبين أخطاره في ~~البلد وتغرس في الأذهان أنه مشروع جهنمي، فلعل بعض الموظفين المساعدين في استخراج ~~الامتياز تفتر عزيمتهم، وإذا لم نحصل على هذه النتيجة من جراء طعن الجرائد على المشروع ~~فحسبنا أن ننفر الناس منه، بحيث لا يقبل أحد على الاكتتاب في أسهمه. # فقال عزيز: أراك تفتكر حسنا اليوم، صدقت، كفانا أن يعتقد الناس أن المشروع غير ~~مضمون النجاح، فيعرضون عن شراء أسهمه وحينئذ يسقط من نفسه. # فقال ديمتري: صواب ما تقول، ولكن لا يجوز أن نكتفي بذلك. ~~- لا، لا نكتفي بذلك فلا بد من التداخل مع بعض الموظفين، ويقال: إن شركة بلجيكية ~~مستعدة أن تشتغل بهذا المشروع، فسأتحرى هذا الخبر، فإن صح ساعدنا الشركة ~~البلجيكية لكي تنجح قبل طاهر أفندي وحسن. # وعندي أن الوسيلة الفعالة للمقاومة هي أن نأخذ لنا حزبا كبيرا من الوجهاء وكبار ms125 ~~الموظفين، ونندد أمامهم بالمشروع حتى نكرههم به، وقد جربت هذه الطريقة فكلمت بعض ~~الأشخاص ونجحت؛ ذلك لأن محاربة مشروع كهذا بالطرق الأدبية تنجح في هذه البلاد ما دام ~~داء التحاسد فاشيا في الأهالي، على أنه مهما يكن الأمر فلا بد لنا من بذل المال لكي ~~نستطيع المحاربة، ولا سيما لشراء أقلام الكتاب. # فقال خليل: إني أضحي بالبقية الباقية التي عندي. # فقال عزيز: لا بأس ضح؛ فإن كل غرضنا من هذه التضحية أن لا ينجح هذا الغلام حسن ~~ويفوز عليك، ويظفر قبلك بيد نعيمة التي تبلغ ثروتها نحو مئتي ألف جنيه، فضح بثروتك ~~الزهيدة في سبيل الحصول على هذه الثروة الطائلة، ولقد ضحيت أنا بكل ما عندي ولم يبق ~~لي إلا الزهيد وما أطمع به من ثروة زوجتي، ولكن يلوح لي أني لا أقدر أن أستولي على ~~شيء من ثروتها قبل القبض على روحها. # فقال خليل: لا تلجأ إلى هذه الطريقة إلا متى نفدت الحيل كلها. ~~- لقد نفدت يا أخي. ~~- كلا لم تنفد، فقد خطر لي أمس خاطر حسن جدا. ~~- ما هو؟ أراك اليوم ذا خواطر حسان. ~~- لا يخفى عليك أن زينب من النساء اللواتي يرتعبن ويترفعن عن كل ما ينافي الحشمة ~~والأدب، وأصعب شيء عليها أن يقال عنها قول يمس آدابها أو عرضها، وتكاد تموت لو ~~اتهمت تهمة مخجلة ... # فقال عزيز مقاطعا: فهمت فهمت ما تريد أن تقول، بالحق إن فكرتك بديعة جدا، أتريد ~~أن تتهمها بأمر؟ ~~- دعني أكمل كلامي، افتكرت أمس بحيلة لطيفة جدا وهي أن نسلط امرأة من القوادات ~~على زينب، بحيث تظهر تلك القوادة بصفة كونها دلالة تبيع لوازم السيدات، وندعها تتردد ~~على زينب حتى تصيرا صديقتين، وتحتال عليها أن تجرها إلى المكان السري المعلوم في ~~الجزيرة. ~~- بأي الطرق تقدر على ذلك يا ترى؟ ~~- على القوادة أن تخترع الطريقة المفلحة. # فقال ديمتري: يمكنها أن تقول لها: «إن بعض الثلاثة الذين أفسدوا دسيسة زوجك تلك ~~الليلة يريد مقابلتك لغاية حميدة تهمك فلا بد أنها تطاوعها على ما أظن.» ms126 # فقال عزيز: فكرة حسنة جدا. # فعاد خليل يتمم حديثه قال: ومتى قادتها إلى ذلك المكان تكون أنت هناك، فتدخل عليها ~~شاتما مهينا بحيث تفهمها أنها في محل دنس وتتهددها بأن تستدعى عمها حسين باشا عدلي ~~لكي يراها في عارها فتجزع جدا، وحينئذ تقترح عليها أن تستر عارها بما تهبك من مالها، ~~ويجب أن تعد قبلا صكا بمبلغ كبير وتحملها على أن توقع عليه، وإذا استطعت أن ~~تستكتبها إياه كله تفعل حسنا، فأبرقت أسرة عزيز باشا جدا، وقال: إنها لفكرة ~~بديعة يا خليل، ولا ريب أنها ناجحة لا محالة؛ لأن زينب لا يروعها شيء مثل ثلم صيتها، ~~فقد عرفت من أين تؤكل الكتف وسأغير سلوكي معها وأحاسنها؛ لأمهد السبيل لدهاء ~~القوادة عليها وأما القوادة ... # فقال ديمتري: أنا أدبرها، كونا مطمئنين، إن هذه الحيلة أنجح الحيل - على ما ~~أظن. # | الفصل الثلاثون # بعد تلك الأيام زار حمد بك فضل ذات يوم طاهر أفندي عفت، واختلى به في غرفته وفاتحه ~~بحديث قلبه قائلا: لا بد أن تكون يا طاهر أفندي قد لاحظت ميلي إلى عائدة. ~~- لاحظت ذلك فحسبته من قبيل الإعجاب بمحاسنها. ~~- بل هو بالحقيقة أشد من غرام؛ ولذا لم أتمالك أن آتي أبوح لك بكل حرية بما في قلبي ~~من الحب الشديد لها، حتى صارت شغل بالي الشاغل، فها أنا أتيت أخطبها إليك ولا أظنك ~~تأبى. # فنظر فيه طاهر نظرة استهجان واستغراب، وقال له: عهدي بك أنك متزوج يا حمد بك ألست ~~كذلك؟ ~~- نعم. ~~- ولماذا تود أن تتزوج ثانية؟ ~~- لأني أحب عائدة جدا، وإن كان زواجي الحالي يحول دون أمنيتي فلا أسهل علي من أن ~~أطلق زوجتي الحاضرة. ~~- عجيب! وأولادك؟ ~~- أضعهم في المدارس. ~~- وزوجتك؟ ~~- تفعل ما تشاء، تتزوج إن شاءت، أو تعيش بمهرها الذي سأدفعه لها. # فهز طاهر أفندي رأسه وقال: «مسكينة المرأة، إنها رهن مشيئة الرجل، متى شاء ~~تزوجها، ومتى شاء طلقها.» ثم التفت إلى حمد بك وقال له: وهل تستحل أن تكون عائدة زوجتك ~~وهي في سن ابنة لك؟ ~~- وما العار ms127 في ذلك يا طاهر أفندي، هل من مانع شرعي للزواج منها؟ ~~- كلا، ولكن هناك مانعا أدبيا، وهو أن الضمير يحرم عليك أن تطلق زوجتك الحالية ~~أم أولادك لغير سبب منها ... ~~- إذا لم يكن عندك من مانع لبقائها معي ضرة لعائدة فلا أطلقها، وأحب الأمور إلي أن ~~تبقى لي زوجتي؛ لأنها وايم الحق فاضلة، لا تكاد تعاب بشيء. ~~- إذن ما الداعي لزواجك ثانية؟ ~~- الداعي أني أحب عائدة حبا مبرحا. ~~- أليس عيبا أن كهلا مثلك يتصابى في حب طفلة ... ما أنت بأصغر مني حتى أزوجك بها ~~وأحرم نفسي منها، وإذا كنت أستنكف أن أتزوجها لكونها أصغر مني جدا فهل أستحل أن أزوجك ~~بها؟ وهب أن كل هذه الموانع بسيطة لا تقف في سبيلك، فعندي مانع عظيم فيه كل ~~الموانع، وهو أن الفتاة أصبحت في حكم الخطيبة للدكتور يوسف بك رأفت. ~~- أصحيح؟ هل خطبها؟ وهل عقد العقد؟ ~~- لم يعقد عقد الزواج بعد، ولكنه خطبها لي ووعدته بها. ~~- إذن لا تتعذر متاركة يوسف هذا، فلك أن تجد وسيلة حسنة لإفهامه أن يقطع كل أمل ~~بالزواج من عائدة، إذا كنت تؤثرني عليه. ~~- هب أني أفضلك عليه، فعائدة لا تفضل أحدا عليه؛ لأنها تحبه، وهو لا يزال في ~~مطلع الشباب - كما تعلم - وفيه كثير من المحاسن التي تحبب الفتيات بالفتى الجميل ~~النضير، فتنهد حمد بك وتأفف وتأمل هنيهة، ثم قال: لا أدري إلا أنك إذا شئت أن تعطيني يد ~~عائدة فلا يتعذر عليك أن تفعل. ~~- ولكني أبنت لك عدة موانع يا حمد بك، وكل واحد منها سبب كاف لتعذر إجابة ~~سؤلك؛ فأولا: أنك متزوج وأب أولاد، وثانيا: أنك أكبر من عائدة ضعفين أو أكثر، ~~وثالثا: أنها تحب الدكتور يوسف بك رأفت، ورابعا: أني وعدته والوعد عندي أمكن من ~~العقد. وليس الخلف من شيم الرجال! ~~- كنت أظن أن اقتراحي هذا يصادف استحسانا عظيما منك يا طاهر أفندي، بل كنت أتوقع ~~أنك تؤثرني على كل طالب؛ نظرا لما بيننا من العلاقات المهمة. # فنظر فيه طاهر أفندي شذرا، وقال ms128 له: أتظن أني أبتاع منك خدمة بفتاة؟ معاذ الله أن ~~أرهن قلامة ظفر من عائدة لأجل مساعدة منك، وإن كنت تبني على إسعافك لي في مشروعي طمعك ~~بيد عائدة فأرجو منك أن تعدل عن هذا الطمع، ليست بغيتي الفوز بهذا المشروع، وإنما هو ~~بغية صديق لي، فإن فاز فخير وإلا فعندي ما يغنيه عن ذلك. ~~- الحق أقول لك يا طاهر أفندي: إن في ديوان الأشغال طلبا آخر غير طلبكم بامتياز ~~ترام كهربائي، وهذا الطلب لشركة بلجيكية تفوقكم استعدادا، وقد سعيت في أن يقبل ~~طلبكم ويخيب طلبها. ~~- يجب أن ينفذ طلبنا دون غيره؛ لأنه أسبق. ~~- ولكن تلك الشركة أقوى منكم، والحكومة يهمها أن تكون الشركة كافلة بنجاح ~~المشروع. ~~- ولكننا نحن قدمنا تقريرا وافيا عنه، وبسطنا الحاجة اللازمة إلى رأس المال، ~~وتكفلنا بهذا اللازم. فما اعتراض الحكومة على تقريرنا؟ إن هذه أعذار فارغة يا حمد بك، ~~ويظهر أن رجال الحكومة غير ناظرين إلى أي اللائحتين أضمن لنجاح المشروع؛ وإلا لكانوا ~~منحوا الامتياز لشركتنا قبل أن تظهر الشركة البلجيكية، بل كان يجب على الحكومة أن تمنح ~~شركتنا الامتياز؛ لأنها شركة وطنية، ولكن دعنا من الاحتجاج ودع تلك الأعذار وقل: إن ~~بعض الأهالي أدركوا أن بعض مواطنيهم يسعون في مشروع جليل نافع للبلاد ومفيد لأصحابه، ~~فمزقهم الحسد وقاموا يقاتلون المشروع. ~~- لا أظن ما تقوله حقيقيا يا طاهر أفندي. ~~- دع هذه المواربة؛ فإني عارف بكل ما تعرفه من هذا القبيل، بل أعرف ما لا تكاد أن ~~تعرفه، أعرف أن شخصا بذل كل قواه في تنشيط أصحاب الشركة البلجيكية ومهد لهم ~~السبيل للفوز، فما أشد الحاسدين مروقا عن الوطنية. ~~- إذن، نعطي الامتياز للشركة البلجيكية؟ ~~- تسألني؟ ~~- نعم أتيت لكي أسألك كما سألتك. ~~- أتعني أني أشتري منك الامتياز بعائدة؟ ~~- شيئا كذلك. ~~- معاذ الله، وإن كنتم تلعبون بالحقوق وتساومون عليها بالأعراض، فخسئتم وأغنانا الله ~~عنكم. ~~- إذن أستودعك الله. ~~- مع السلامة. # | الفصل الحادي والثلاثون # في اليوم التالي جاء حسن أفندي بهجت إلى طاهر أفندي مضطرب الجسم، قلق البال، ~~مكفهر الوجه، ms129 وطلب الاختلاء به. # فاختليا في غرفة طاهر أفندي الخاصة، وفيما هما داخلان ابتدأ حسن بالحديث قائلا: لقد ~~حبطت كل آمالي يا طاهر أفندي. ~~- تريد أن تقول إن الشركة البلجيكية أخذت الامتياز. ~~- إذن عرفت. ~~- نعم. ~~- وماذا تقول؟ ~~- أقول إن الأهالي يقوون الأجنبي عليهم. ~~- هذا أمر معلوم، وهو خارج عن خطتنا الآن. ~~- هون عليك. ~~- كيف أهون وأنت تعلم الداعي إلى كل مجاهدتي فيما مضى؟ ~~- طب نفسا وقر عينا، لا ينال خليل قلامة ظفر من نعيمة كما أن حمد لم ينلها من ~~عائدة. ~~- ماذا تعني بنيل حمد من عائدة؟ ~~- أتاني أمس يساومني على عائدة بالامتياز. ~~- ها ها، كذا قل لي، هذا هو السر في رد طلبنا وإجابة طلب الشركة البلجيكية. ~~- نعم هذا هو معظم السر. ~~- والآن ماذا تفعل؟ غدا يبلغ حسين باشا عدلي إخفاقنا فيعود يزف ابنته إلى خليل بك ~~مجدي، فما العمل؟ ~~- غدا تحصل على الرتبة والنشان. ~~- إن شاء الله، ولكن الرتبة لا تكفي. ~~- هاك كمبيالة على خليل بك مجدي بقيمة ثمانية آلاف جنيه، وكذلك الكمبيالة التي على ~~أخيه بخمسين ألف جنيه (وناوله الكمبيالتين). ~~- لا أظن عندهما كليهما من الأملاك ما يساوي ثلث القيمة، ولا أظن أن عند عزيز باشا ~~بقية بعد. ~~- لا يهمنا، وإنما هاتان الكمبيالتان سلاح بيدك لمحاربتهما. ~~- سأرفع القضية في الحال. ~~- كلا كلا، بل أنذرهما إنذارا فقط. ~~- بالله لماذا هذا الصبر عليهما؟ يجب أن نسعى إلى إعلان إفلاسهما حالا، وفضح ~~ماليتهما لدى حسين باشا قبل أن يبت أمرا معهما بشأن نعيمة. # فضحك طاهر أفندي وقال: لم تزل حديثا يا حسن، فاسمع مشورتي، أنذرهما إنذارا ~~لطيفا فقط؛ فإنهما لا يجسران على التماس العقد من حسين باشا ما لم يأمنا غدرك، ~~وهما لا يأمنانه ما لم يوفين المال أو يتلفا الصكين، أما إتلاف الصكين فيعز عليهما إذا ~~كنت حريصا، وأما إيفاء المال فلا يتسنى لهما ما لم يلعبا دورا جنائيا على زينب لكي ~~يغتصبا منها المبلغ، وهذا الدور أتوقعه بفروغ صبر، وبه أرغب فضيحتهما. ~~- ولكني أخاف أن تلين زينب، فتدفع المبلغ ms130 لزوجها عن طيب خاطر؛ تفاديا ~~لإفلاسه. # فضحك طاهر أفندي، وقال: لا، لا تخف؛ إن قلب زينب كل يوم أقسى وأقوى من يوم. ~~- أخاف جدا أن تفوت الفرصة بهذا الإبطاء؛ بغية اغتنام فرصة أفضل لفضيحتهما. ~~- لا لا، أنا أعرف منك بهذا، ومع ذلك إذا صمموا على كتابة العقد أخبرك قبل بيوم ~~لكي ترفع القضية وتعلن الدين. ~~- إذن نكتفي بالإنذار أولا. ~~- نعم. ~~- اتكلنا على الله، إلى الملتقى. ~~- إلى الملتقى. # ذهب حسن توا إلى مكتبه، وأرسل إنذارين في البريد إلى كل من عزيز باشا وأخيه خليل ~~بك، وأمن عليهما، وبالطبع انتهيا إلى صاحبيهما في ذلك المساء، إذ كان حسن في مكتبه بين ~~كتبته فطن جرس التلفون فوق رأسه فقام يتكلم. ~~- من؟ ~~- أنت من؟ ~~- مكتب حسن بهجت. ~~- حسن أفندي؟ ~~- نعم أنا هو، وأنت من؟ ~~- أنا عزيز باشا، أخذت كتابك. ~~- بماذا تأمر؟ ~~- هل عندك كمبيالتان بالمبلغين؟ ~~- نعم. ~~- عجيب! ~~- لماذا؟ ~~- هل أنت باق في المكتب؟ ~~- نعم. ~~- ها أنا ماض إليك. ~~- أهلا وسهلا. # وبعد بضع دقائق كان عزيز باشا في مكتب حسن أفندي، فطلب إليه أن يختلي به، فقال له ~~حسن: أتريد أن ترى الكمبيالتين فها هما. # فامتعض عزيز باشا جدا؛ لأنه لم يشأ أن يعرف بهما الكتبة، ولكنه كظم غيظه وتناولهما ~~وتأملهما جيدا، فتعجب إذ رآهما وهو يعلم أنهما سرقا ومزقا وحرقا، فمن أين نبتا ~~ثانية؟ خطر له أن يمزقهما، ولكن هاله الموقف؛ والكتبة والحضور شهود على هذه الجناية، ~~فتكون الضلالة الأخيرة شرا من الأولى، فردهما إلى حسن وقال: سأرى. ~~- ماذا ترى؟ أود أن أعرف هل تشاء أن تدفع المبلغين؟ ~~- سأرى. ~~- أأنتظر جوابا منك؟ ~~- انتظر. ~~- حتى متى؟ ~~- بضعة أيام. # ثم انصرف إلى منزله، واستدعى أخاه، فاجتمع به في القاعة وبادره بهذا السؤال: أما ~~أتلفنا الكمبيالتين اللتين اختلسناهما من ذلك الخبيث طاهر؟ ~~- لا أظنك نسيت أنك أحرقت كمبيالتك ومزقت كمبيالتي نتفا. ~~- رأيتهما عند حسن بهجت الآن. ~~- يستحيل. ~~- رأيتهما بعيني. ~~- عجيب! ~~- إن هذا الرجل لإبليس رجيم. ~~- كيف ذلك؟ ~~- الله أعلم. # ثم تأملا هنيهة وبعد قليل قال خليل: يا ms131 لله ما أقدر هذا الإنسان، فهمت. ~~- ماذا فهمت؟ ~~- فهمت حيلته الشيطانية. ~~- ما هي؟ ~~- ألا تعرف الزنكوغراف. ~~- يالله ، عرفت عرفت، أتظن أنه أخذ صورة الكمبيالتين بالزنكوغراف، وطبع منهما نسختين، ~~وأن ما أتلفناه ليس إلا نسخة زينكوغرافية. ~~- هل يمكن تعليل هذه المسألة إلا بواسطة الزنكوغراف. ~~- ليس ظنك بعيدا، ولا بد أن اللص الذي خدعني وأخذني إلى المنزل المنفرد في باريس ~~واغتصب مني النقود كان متواطئا معه، وإلا كيف تسنى له أن يخاطبني عنه كواحد يعرفه؟ وأن ~~يسرق الصك ويرسله إلي في البريد في اليوم التالي، والذي يؤكد لي ذلك أنه كان يشبه ~~الرجل الذي كان عنده ساعة قابلته ودفع لي الأوراق المالية في مكتبه إذ لا بد أن يكون ~~هذا التشابه متعمدا، فإما أن يكون هذا الشيطان طاهر قد توفق إلى اثنين متشابهين ~~فاستخدمهما لحيلته الإبليسية، أو أنه كيف أحدهما تكييفا صناعيا بحيث يشبه ~~الآخر. ~~- ولكن كيف عرف أنك مزمع أن تسرق كمبيالتك منه؟ ~~- لم يعرف أن في نيتي أن أسرق كمبيالتي، ولكنه عرض نسختها لي لكي أسرقها، وأذكر أنه ~~في ذلك اليوم شرب كثيرا حتى سكر، وكان يفتح حقيبته؛ لكي أرى نسخة الكمبيالة فيها، وهو ~~الذي حملني على أن أرافقه إلى غرفته في الفندق، وأخلى لي المكان لكي تكون لي فرصة ~~لسرقتها، وهو توقع أني أسرقها؛ لأنه عرف أني ألعب وأني خاسر والخاسر لا يعف عن ~~السرقة. ~~- وما بغيته من ذلك؟ ~~- لعل بغيته أن يجرئنا على الاستدانة منه حتى نقع في فخه الذي وقعنا فيه الآن، وهو أن ~~نكون مدينين له بخمسين ألف جنيه بعد ما يستردها منا بحيلة. ~~- قاتل الله هذا الشرير! لقد ظهر أنه أشر منا، والآن ماذا نفعل يا خليل؟ ~~الكمبيالتان ناطقتان، ولا مناص من دفعهما. ~~- ليس لنا إلا الحيلة التي قلت لك عنها لأخذ المبلغ من زينب. ~~- إذن يجب أن نرى ديمتري؛ لنعلم ماذا عمل من أعمال هذه المكيدة؟ ~~- ديمتري اهتدى إلى امرأة داهية تدعى دليلة، وقد دربها التدريب اللازم، وقد أتت ~~إلى زينب كدلالة، وزينب أوصتها ms132 على قماش، وستأتي يوما بعد يوم. ~~- يجب أن تعجل بالمهمة؛ لأني سأعد هذا الغلام الثقيل حسن بدفع المبلغ قريبا، ~~بحيث لا يدري أحد بالكمبيالة، وإذا أحوجناه إلى رفع قضية فلا بد أن يربحها، ونقع في ~~هوان لا قيام منه، ولا سيما لدى حسين باشا عدلي، وجل بغيتي أن نتجاوز هذه المعاكسات ~~إلى أن تضع يدك بيد نعيمة، وحينئذ فليكن ما يكون، فأنت تتمتع بمال نعيمة ومتى مات ~~حسين باشا أبوها فلا بد أن تذكرني بشيء من ثروته، أليس كذلك؟ ~~- بالطبع، إلا إذا فعلت نعيمة كما تفعل زينب الآن. ~~- لا أظن؛ لأن نعيمة أضعف قلبا من زينب، ومع ذلك يجب عليك أن تحسن معها الحيلة، ~~وأن تتخذ معها سياسة تخالف السياسة التي اتخذتها أنا مع زينب، يجب - قبل كل شيء - أن ~~تجتهد بكسب قلبها. ~~- متى تعيد الكرة على حسين باشا وتهتم بكتابة العقد؟ ~~- لا نقدر الآن أن نحرك ساكنا إلا متى أوفينا الكمبيالتين، وإلا فضحنا حسن ~~الثقيل بمطالبته لنا بالمال وبرفع قضية علينا، ومع ذلك سأجس نبض حسين باشا في أول ~~فرصة. # | الفصل الثاني والثلاثون # اهتدى ديمتري إلى امرأة أجنبية تدعى دليلة، وهي أشد المحتالات احتيالا ~~كسميتها القديمة دليلة شمشون، فاتفق معها على نصب المكيدة لزينب، ودربها تدريب ~~إبليس، ونقدها أجرة القيادة، ولسان حالها يقول: إني غنية عن هذا التدريب؛ لأني أعلم ~~الناس بالمكر والدهاء. # ذهبت أول مرة إلى منزل عزيز باشا، فأدخلها عزيز إلى دار الحريم، وقال لزينب: «اتفقي ~~مع الست دليلة على استجلاب ما يلزم لك وللأولاد من الأقمشة، فذلك أفضل من أن تذهبي إلى ~~الموسكي وتبتاعي ما تحتاجين إليه، والست دليلة امرأة فاضلة طيبة القلب طاهرة الذمة لا ~~تغشك.» # وعلى إثر هذه المقدمة جعلت دليلة تتردد إلى منزل عزيز باشا، وتعرض على زينب أنواع ~~الأقمشة ونماذج الحلي ونحو ذلك، وفي زيارتين أو ثلاث أصبحتا صديقتين، وما أقرب تصادق ~~النساء، ولا سيما إذا كن محجوبات فاجتمعن، استأنست زينب بدليلة وأنست بعشرتها ~~جدا وارتاحت إلى حديثها، ولما وثقت دليلة من ms133 ظفرها بقلب زينب عمدت إلى القيام ~~بمشروعها فعلا، فمهدت المحادثة إلى الحديث الآتي: # ألاحظ يا عزيزتي زينب أنك سجينة في هذا المنزل، ومهما كنت كتومة فقد أدركت أنك ~~وعزيز باشا لستما على وفاق بل أنك معذبة في عشرته وتودين الخلاص من هذه العشرة. # فارتعشت زينب لهذا الحديث، وقالت نافرة: من قال لك هذا القول؟ ~~- لم يقل لي أحد، ولكني لست جاهلة، بل بالعكس أستنتج أدق الأمور من أبسط البسائط، ~~فلا تحاولي أن تنكري يا عزيزتي زينب؛ فإني أعرف ما بك من وجد على عزيز باشا؛ لما ~~تقاسينه في عشرته، أعرف ذلك، وإن كانت تربيتك الحسنة تأبى عليك أن يعرف أحد ما بينك ~~وبين زوجك. ~~- أرجوك يا ست دليلة أن تطوي هذا الحديث؛ فإني لا أريد نشره بل يسوءني التمادي ~~فيه. ~~- ما أنا غريبة عنك يا ست زينب، أنت تعرفين كم أحبك وأعزك، فأشفق عليك من كربك هذا ~~وأتمنى لك الفرج. ~~- وما قصدك من هذا الحديث يا ست دليلة، أود أن تقصري عنه؛ فقد قلت لك: إنه ~~يسوءني. ~~- لي قصد عظيم يهمك يا زينب، وهو خلاصك. # فتنبهت زينب لهذا الكلام، وقالت: ماذا تعنين؟ # فدنت دليلة منها وهمست في أذنها قائلة: ما أنا دلالة الآن كما ترين وإنما أنا رسول ~~إليك من قبل صديق لك. ~~- من هو صديقي هذا؟ ~~- لا أظنك نسيت تلك الليلة الهائلة التي أكرهت فيها على إمضاء حجة فانقض ثلاثة ~~خطفوا الحجة وتهددوا المؤتمرين عليك. ~~- يا الله! كيف عرفت ذلك، من قاله لك؟ ~~- الشخص الذي يسعى إلى خلاصك من جور عزيز باشا. ~~- من هو هذا الشخص؟ ~~- بالطبع هو أحد أولئك الثلاثة، وهو الذي قبض على الحجة والاثنان الآخران معاونان ~~له. ~~- لقد أرعبتني يا دليلة بما تقولين. ~~- بل يجب أن ترتاحي إلى كلامي؛ لأنه باب الفرج ومفتاح له، فثقي بي يا ست زينب، ~~واسمعي ما أقول لك، ونحن الآن في خلوة ولا رقيب. ~~- من هذا الذي يسعى إلى خلاصي، وما قصده؟ ~~- قصده مجرد خلاصك فقط؛ لأن له أعمالا كثيرة خيرية ms134 وحسنة كهذا العمل، وبما أن قصده ~~محض عمل الخير فلا يريد أن يعلن اسمه. ~~- هل هو أرسلك إلي؟ ~~- نعم، نعم. ~~- وما بغيته؟ ~~- أرسلني إليك لكي أقنعك بأن تقابليه - ولو نصف ساعة فقط؛ لكي يرشدك إلى الوسائل ~~الكافلة لخلاصك. ~~- معاذ الله أن تخرج ابنة حمدي باشا رفعت من منزلها وتقابل - سرا - رجلا لا ~~تعرفه. ~~- لا تخافي يا ست زينب، حسبك برهانا على إخلاصه وحسن نيته أنه سعى إلى اختطاف الحجة ~~التي كادت تفقدك نصف ثروتك من غير أن يسعى إلى إبلاغك من هو، وستلتقين به ويرشدك إلى ما ~~فيه مصلحتك ولا يخبرك من هو ولا تعرفينه، وإذا شئت أن يكلمك من وراء حجاب؛ لكيلا ترتاعي ~~أو تخجلي فيفعل. ~~- كيف عرف بتلك الدسيسة قبل حصولها حتى سعى إلى خلاصي منها؟ ~~- إن لهذا الرجل أسلوبا غريبا عجيبا في اكتشاف الدسائس والمكايد، وكل يوم يطلع ~~على مكيدة أو أكثر، ويخلص منها الذين على شفا الوقوع فيها. ~~- عجيب ما بغية هذا الرجل من هذه الأعمال؟ ~~- الذي أظنه أنه يكفر بهذه الأعمال الصالحة عن ذنوب ماضية، وهو ذو غنى طائل، ~~فتشجعي يا عزيزتي زينب، ولا تخافي، صممي على أن تقابليه والفرج يأتيك على ~~يده. # كانت زينب تسمع كلام دليلة وفي ضميرها يتردد خيال ذلك الطارق الذي قدم إليها في ~~منتصف الليل وحذرها من شراء طلاقها بنصف ثروتها، ووعدها أن يسعى بخلاصها فلا تشك ~~بصدق كلام دليلة ولا سيما أن ذلك المخلص قد نفذ شيئا من وعده في اختطاف الحجة ~~التي أكرهت على التوقيع عليها، وفي تهديده المؤتمرين ووعيده إياهم بالثبور إذا كرروا ~~هذا الإكراه؛ ولذلك مالت إلى مقابلته ولم تشعر بإجفال قلبها عنه، فقالت لدليلة: يكاد ~~يستحيل علي الخروج من هذا البيت إلا إلى بيت عمي حسين باشا عدلي. ~~- لا تهتمي بكيفية خروجك؛ فأنا لي دالة كبرى على عزيز باشا، وهو يعتقد بي الفضل، فإذا ~~التمست منه أن يأذن لك بزيارتي فلا يرفض. ~~- إذن أراه عندك؟ ~~- إما عندي أو في منزل أسرة صديقة لي. سأستدعي عزيز ms135 باشا إلى هنا وألتمس منه هذا ~~الالتماس أمامك؛ لكي تطمئني في خروجك. # وعند ذلك أطلت دليلة من باب الغرفة ونادت إحدى الخادمات، وقالت لها: اسألي سعادة ~~الباشا أن يشرف إلى هنا لأجل كلمة. # وفي هنيهة كان عزيز باشا في غرفة زوجته فبادرته دليلة قائلة: لا يتسنى لي أن آتي بكل ~~العينات التي عندي إلى هنا؛ لكي تراها زينب هانم فلا أظن أن هناك مانعا من تشريفها إلى ~~منزلي؛ لكي ترى فيه جميع ما عندي وتنتقي ما يعجبها منها. ~~- كلا كلا، لا مانع البتة، وإذا كانت زينب هانم لا تزور أحدا فإياك تزور. # ثم التفت إلى زينب، وقال: لك يا عزيزتي أن تزوري الست دليلة متى شئت؛ لأنها سيدة ~~فاضلة وجميع البرنسيسات يزرنها لرؤية العينات عندها. # وعند ذلك خرج عزيز باشا، فقالت دليلة: إذن تشرفين غدا. ~~- متى؟ ~~- الساعة الخامسة أكون منتظرتك في البيت حتما. ~~- الساعة الخامسة تغرب الشمس، فلا أود أن أعود في الليل. ~~- لست أفرغ من أشغالي قبل الخامسة، فلا بأس اذهبي وأعود معك. ~~- أين منزلك؟ ~~- في شارع المناخ نمرة ... أي حوذي تسميني له في الشارع والنمرة يأتي بك إلى أمام باب ~~المنزل، وهو منزل فخيم تقولين للبواب: «دليلة الدلالة» فيرشدك إلي في الحال، أنتظرك ~~في تلك الساعة من غير بد، إلى اللقاء. ~~- إلى اللقاء. # وفيما كانت دليلة خارجة لقيها عزيز باشا في رواق فكلمها بالإفرنسية قائلا: هل ~~اتفقتما على ميعاد؟ ~~- الساعة الخامسة. ~~- تذهب إلى منزلك؟ ~~- نعم وقد أخبرتها عن الشارع والنمرة. ~~- لا تتأخرا؛ فإني أذهب إلى المحل المعلوم في الجزيرة حالما أرى زينب خرجت من ~~البيت. ~~- حالما تصل إلى بيتي أحتال عليها وآخذها، هل من الضروري أن أدخل معها إلى ذاك ~~المحل؟ ~~- بالطبع يجب أن تحضري، لكن قولي لي: هل تتذكرين أن في ذاك البيت تلفون؟ ~~- بالطبع يوجد، وما حاجتك إلى التلفون؟ ~~- ربما تمنعت عن التوقيع على الصك، فإني أتهددها باستدعاء عمها عدلي باشا لكي ~~يراها في ذاك المكان السري، وإن أصرت سأستدعيه بالفعل لكي أذلها إلى الأبد وسأقابله ms136 في ~~هذا المساء وأقول له: «إني شاعر بأن زينب تقابل عشيقا في مكان سري في الجزيرة، ومتى ~~أمكن مباغتتها أخبرك لكي تكون شاهدا وقاضيا عليها، ولكن يجب عليك أن تفهمي صاحبة ~~المحل غدا حقيقة هذه المكيدة لكي تمهد لنا السبل اللازمة وتوافقنا في القول ~~والعمل.» ~~- كن مطمئنا سيتم كل شيء كما تروم. # وعند ذلك نقدها عزيز باشا بعض الجنيهات فمضت يهزها الطرب. # | الفصل الثالث والثلاثون # في ذلك المساء توجه عزيز باشا إلى حسين باشا عدلي، واختلى به في قاعة الاستقبال ~~وبادأه بالكلام قائلا: لي معك يا عدلي باشا عدة أحاديث في هذا المساء. ~~- خير - إن شاء الله. ~~- ليس إلا الخير إن شاء الله، أرأيت كيف أخفق أصحابنا في مشروع الترام؟ ~~- قيل لي إن بعض الأهالي عاكسوهم في المشروع، وأصحاب الأمر والنهي مالوا إلى الشركة ~~البلجيكية؛ لأنها أسخى في العطاء. ~~- قد يكون لما بلغك شيء من الصحة، ولكن الأمر الأساسي أن الحكومة وجدت شركة أصحابنا ~~ضعيفة جدا لا تضمن نجاح المشروع ولا هي أهل له؛ ولهذا حفظت أوراقها كما حفظت أوراق ~~غيرها قبلها، ولما قدمت الشركة المقتدرة على هذا العمل الخطير طلبها قبلته الحكومة ~~في الحال. ~~- كنت أود أن تفوز الشركة الوطنية دون البلجيكية. ~~- ولكن مؤسسي الشركة الوطنية أولهم أجنبي نمساوي، والثاني ولد مغرور فقير، والثالث ~~فتى بسيط، فبالطبع لا ينجحون ولكن لو كان المؤسسون من رجال البلد المهمين المقتدرين ~~في ماليتهم وعقولهم؛ لفازوا لا محالة. ولا أدري كيف أن غلاما كحسن بهجت هذا المعروف ~~أصله وفصله تزين له نفسه أنه أهل للقيام بهذا المشروع الخطير؟ ~~- مهما يكن الأمر فكنت أود أن يساعده مواطنوه ورجال الحكومة؛ لأنه أبدى همة قعساء ~~وغيرة متقدة. ~~- ولكنه جاهل غر، عديم التدبر، متهور جدا، فلا ينتظر منه أن يفلح في عمل. ~~- قيل لي إنه حصل على الرتبة الثانية ولقب بك. ~~- نعم حصل عليها، ولكن بالمال. ~~- وأي رتبة تنال الآن باستحقاق، أفلا ترى أن الرتب والنشانات أصبحت كالسلع تباع ~~وتشرى، فله منها أسوة بسواه، وعندي أنه أجدر ms137 بها من ألوف ممن نالوها بغير اسحتقاق؛ ~~لأنه مجتهد وزكي. ~~- لا تغتر به يا حسين باشا؛ فإنه لولا مساعدة طاهر أفندي عفت له ماليا وأدبيا ~~لما كان شيئا مذكورا. ~~- ولكن قيل لي إنه يكسب كثيرا، وقد أصبح ذا شهرة في صناعته حتى إنه ربح في قضية ~~واحدة نحو ألف جنيه. # فهز عزيز باشا رأسه ضاحكا وقال: يقول عن نفسه ما يشاء، والحقيقة أن طاهر أفندي هو ~~الذي صيره إنسانا، ولا أدري ما بغية هذا الرجل من تعضيده. ~~- لعله يريد أن يزوجه من ابنته. ~~- أستغفر الله، لا يزوج طاهر أفندي غلاما كهذا، ولكنه خطب ابنته للدكتور يوسف بك ~~رأفت. ~~- يعجبني هذا الفتى. ~~- الفرق بينه وبين حسن كالفرق بين الثريا والثرى، وعلى حديث الزواج أقول لسعادتك إن ~~جل مهمتي الآن أن آخذ منك الكلام النهائي بشأن نعيمة، وأرجو أن يكون قولا باتا لا ~~خلف بعده؛ لأني لم أنس الفشل الذي لحق بنا في المرة الفائتة. ~~- لقد باحثت الفتاة مرارا في الموضوع، فلا تزال مصرة على رفض خليل بك. ~~- ألم تزل متعلقة بهذا الجاهل الطائش حسن بهجت؟ ~~- كذا يلوح لي مع أنها تظاهرت أنها سلته لما أخبرناها أنه أخفق في ~~مشروعه. ~~- وأخيرا؟ ~~- وأخيرا، حتمت عليها أن تطاوع إرادتي؛ لأني أخبر منها بمصلحتها. ~~- بالطبع، إذا تركت الفتاة تفعل على هواها تهورت لا محالة. ~~- أي نعم، ومع ذلك نحن لا نود أن نخالف عادات أجدادنا التي جروا عليها بعد ~~الاختبار الطويل، وعرفوا أنها أضمن العادات لصيانة العفاف؛ ولذلك لا أود أن يكون ~~لابنتي رأي في أمر زواجها؛ لأنها لا تفهم خيرها من ضرها. ~~- فإذن متى تريد أن نأتي لكي نكتب الكتاب؟ ~~- أيان تشاء. ~~- أنأتي في آخر هذا الأسبوع مساء الخميس؟ ~~- بعد ثلاثة أيام؟ ~~- نعم. ~~- لا بأس. ~~- ليس من الضروري أن تكون الحفلة حافلة. ~~- كلا دعنا في البساطة، ولك حين الزفاف أن تفعل ما تشاء. # وبعد سكوت هنيهة قال حسين باشا: كيف أنت وزينب في هذه الأيام؟ ~~- زينب مرمرت عيشي يا حسين باشا، ولولا الحياء لطلقتها. ms138 ~~- منذ عهد طويل لم تأت إلينا؛ لأني في المرة الأخيرة وبختها بعنف ولم، أسمع لها ~~كلمة. ~~- وماذا تجسر أن تقول؟ وأي الأعذار تتمحل؟ ~~- هل تلاحظ عليها أمرا الآن. ~~- منعتها عن الخروج مدة، وفي الأسبوع الفائت حدث حادث حيرني. ~~- ماذا؟ ~~- استدعيتها في السهرة إلى المكتب لكي أطلعها على حساب، فما استوت حتى دخل علينا ~~ثلاثة متنكرون مدججون بالسلاح، وجعل زعيمهم يتهددني ويتوعدني بالقتل إذا كنت أواظب على ~~منع زينب من الخروج؛ فجزعت لمباغتتهم الهائلة، ولما خرجوا عدت مع زينب إلى غرفتها وجعلت ~~أستجوبها عن هؤلاء الثلاثة، فأنكرت أنها تعرفهم أو تعرف أحدا منهم، فحيرني أمرهم وإلى ~~الآن أخاف من غدرهم. ~~- إن قصتك لهائلة يا عزيز باشا، من كان يظن أن زينب تتصل إلى هذا الفساد. ~~- كدت أذوب غما يا حسين باشا، فإن هذه المرأة تجرني شيئا فشيئا إلى الردى والعار ~~في وقت واحد، تتغفلني بعض الأحيان وتخرج من البيت، ومتى عادت أسألها: أين كنت؟ فتقول: ~~في زيارة فلانة أو فلانة، وقد تحريت أقوالها فوجدت بعضها كاذبا، فأكدت أنها تمضي بعض ~~الأحيان إلى محلات سرية. ~~- الويل لها هذه الشقية، إنها عار لنا، لا أدري ماذا أفعل بها متى رأيتها؟ ألا تقدر ~~أن تكتشف سرها مرة فنفاجئها ونقبض عليها متلبسة بالجريمة، وحينئذ نعرف كيف ننتقم ~~منها؟ ~~- لقد خطر لي هذا الخاطر فبثثت بعض الجواسيس، ومتى اكتشفت سرها أخبرك؛ لكي تبادر ~~معي إلى مفاجئتها، ويغلب في ظني أنها تذهب إلى بيت في الجزيرة فيه غرف سرية. ~~- يا للهول، سمعت بوجود محل كهذا هناك. ~~- فكن على استعداد حتى إذا أبلغتك أنها في ذلك المحل توافيني إليه فنقبض ~~عليها. ~~- وحينئذ ليس ينجيها من غضبي شيء، قاتل الله هذه الشريرة الشقية، لا أدري كيف ~~انقلبت هذه المرأة، مع أنها كانت مثال الطهارة والعفاف. ~~- إني أقاسي في عشرتها أمر العذاب يا عدلي باشا، ولا أدري كيف أسلك معها؟ ~~- كن صبورا فلا بد أن أذلها تحت قدميك. # | الفصل الرابع والثلاثون # بعد منتصف الساعة الرابعة من مساء الخميس كانت مركبة ms139 للأجرة واقفة في الشارع الذي ~~يشرف عليه منزل عزيز باشا، وكان الحوذي كل بضع دقائق يمر أمام باب المنزل المذكور ~~ذهابا وإيابا ثم يعود إلى موقفه، وما كادت تنتهي الساعة الخامسة حتى ظهرت زينب من ~~باب المنزل الكبير، فدنا الحوذي متظاهرا أنه عابر ولما صار قريبا منها قال: «آجي يا ~~ست؟» فقالت: «استنا» وفي الحال ركبت وقالت: «إلى شارع المناخ نمرة ...» فدرجت بها ~~المركبة من شارع إلى زقاق إلى أن مرت في زقاق يكاد يكون خلوا من السابلة فوقفت العربة، ~~فانحنت زينب لترى ما الداعي لوقوفها؟ فرأت رجلا تقدم إليها وقال: زينب، زينب، لا تذهبي ~~إلى دليلة المحتالة وإلا وقعت في الفخ. # فأجفلت زينب إلى الوراء واجفة الفؤاد وقالت: رباه! من هذا؟ «سوق يا أسطى.» # فلم يطع الحوذي والرجل أجاب: لا تخافي يا زينب، أنا الرجل الذي وقف نفسه؛ لأجل ~~خلاصك. ~~- من أنت؟ ~~- أنا الرجل الذي طرق بابك ليلا وحذرك من شراء طلاقك بنصف ثروتك، وشدد قلبك ~~ووعدك بالفرج القريب، وأنا هو الرجل الذي خلصك من أيدي المؤتمرين عليك واختطف الحجة ~~التي أكرهت على إمضائها، ها هي انظري خط يدك فيها، وكان الوقت مساء والجو مكفهرا ~~والشمس تأفل، فلا يمكن أن ترى زينب إمضاءها جليا فقال الرجل - وهو طاهر أفندي عفت كما ~~يدرك القارئ - للحوذي: «تقدم إلى قرب المصباح.» فتقدم الحوذي حتى وقع نور مصباح الشارع ~~الكبير على العربة فرأت زينب الحجة كما رأتها في تلك الليلة الرهيبة ورأت إمضاءها، ~~ولكنها لم تر وجه الرجل الذي كان يخاطبها؛ لأنه كان في ظل رأسه فقالت له: ولكن دليلة ~~وعدتني أنها تريني الرجل الذي وعد أن يخلصني، أفما أنت الذي استوسطتها للالتقاء ~~بي؟ ~~- إنها لمحتالة ماهرة، إنها تخدعك يا زينب فإياك أن تذهبي إليها وإلا أخذتك إلى ~~أدنس المحلات؛ حيث يقبضون عليك، ويضطرونك أن تمضي صكا بمبلغ عظيم أو يثلمون ~~عرضك. ~~- ويلاه، رباه، وا شقوتي، ماذا تقول؟ ~~- كذا أقول. ~~- أتصدق فيما تقول أم أنت تخدعني؟ ~~- سواء كنت صادقا أو كاذبا فهل يضرك ms140 أن تعودي في الحال إلى بيت عمك حسين باشا ~~عدلي؟ أضرع إليك ألا تذهبي إلى تلك المرأة الشريرة، عودي في الحال إلى بيت عمك لكي يخيب ~~ظن الذين ينصبون لك شركا دنسا. # ففكرت زينب وقالت في نفسها: لو كان هذا الرجل يخدعني لما كان يرجو مني أن أذهب إلى ~~بيت عمي حيث أنجو من الشرك، بل كان يحاول أن يأخذني إليه، ثم قالت: يا الله، من ينصب لي ~~هذا الشرك؟ ~~- زوجك. ~~- وامصيبتاه! بربك، قل لي من أنت؟ ~~- ليس الآن، اذهبي إلى بيت عمك «سوق يا أسطى.» # فحرك الحوذي العنان فانتهرته قائلة: «استنا» ثم قالت لطاهر: بربك أخبرني من ~~أنت؟ ~~- لا يليق بنا أن نقف في قارعة الطريق فهل تريدين أن تقفي معي دقيقة في منزل ~~قريب. # فترددت زينب في بدء الأمر، فقال لها: إذا كنت في شك مني فلا تفعلي، بل عودي حالا ~~إلى منزل عمك. ~~- كلا، لا أشك بك، أذهب معك دقيقة واحدة. # فركب إلى جانبها وفي بضع ثوان كانت المركبة لدى منزل طاهر أفندي وفي الحال دخلا ~~توا إلى غرفة طاهر، وكانت زينب هالعة الفؤاد حياء ومخافة أن يراها من يعرفها، ~~ولكنها لم توجس شرا من طاهر؛ لأنها أنست للهجة كلامه. # وحالما دخلا الغرفة قرع طاهر جرس التلفون، وطلب نمرة 197. # فأجيب في الحال فسأل: من، فقيل له: بيت حسين باشا عدلي فسأل: هل الباشا في ~~البيت؟ ~~- نعم، من أنت؟ ~~- لا يهمك أن تعرف من أنا، وإنما قل لسعادة الباشا أن يذهب إلى الجزيرة في الحال إلى ~~المكان المعهود حسب الاتفاق أمس، لا تسألني شيئا، قل للباشا: أن يمضي في الحال. # وبالطبع لم تسمع زينب من هذا الحديث إلا كلام طاهر فخفق قلبها؛ لأنها لم تفهم معناه، ~~فقالت: من كلمت؟ ~~- عمك حسين باشا، قصدت أن يذهب إلى الجزيرة حيث ينتظر المؤتمرون قدومه إلى هناك؛ ~~لكي يمسكوك في عار، وسيذهب عمك إلى هناك فلا يجدك؛ إذ تكونين في منزله. ~~- رباه ما هذه الألغاز التي أراها، في منزل من أنا؟ ~~- لا ms141 تخافي يا زينب، إنك في منزل صديق قديم. ~~- لا أذكرك قط، ذكرني، متى عرفتني؟ لا أذكر أني أعرف أحدا. ~~- أنا أول من عرفته يا زينب. ~~- بربك، لا ترعني يا هذا قل لي: من أنت، ما اسمك؟ ~~- لا ترتعبي يا زينب؛ إنك أمام ملاكك الحارس لا تخافي، لا يجسر النسيم أن يمس منك ~~ذرة. # وكانت زينب جالسة على كرسي وطاهر واقفا على بعد منها، ثم قال: ألا تذكرين أيام ~~صباك يا زينب؟ # فانتفضت زينب جزعا، وقالت: تفكرني بأيام صباي؟ ~~- يظهر أنك تريدين أن تنسي حبيبك الأول. ~~- أخيال أنت أم بشر، إن حبيبي الأول يطوف في عالم الأرواح الآن. ~~- كلا، بل هو في عالم الأجساد. # ثم كشف ردنه عن ذراعه اليمنى، وأراها ساعده موشوما عليه اسم زينب وقال لها: لا بد ~~أنك تذكرين جيدا هذه الذراع التي وشمت باسمك رمزا لهذا القلب (وأشار إلى قلبه) الذي ~~تطعم بحبك. # فانثنت زينب إلى يسارها ورفعت كفها إلى وجهها كأنها تحجبه به، وقالت: رباه، من أرى ~~أشاكرا أرى؟! ~~- نعم، ترين شاكر بك نظمي يا زينب، فاطمئني. ~~- يا الله، هل قام من بين القبور؟ ~~- لم يزل حيا يعيش بحبك. ~~- فنظرت إليه راجفة قائلة: رحماك يا شاكر رحماك إني أثمت إليك، ولكني عوقبت على ~~إثمي قدر ما أستحق فهل تسامحني؟ ~~- لم أعد إلى مصر متنكرا لكي أدينك يا زينب، بل لكي أخلصك من أيدي الظلمة، ~~فقد عرفت كل حادثة من تاريخ حياتك في حينها، كأني كنت في مصر، فاعلمي أن فرجك قريب ~~وبعده نتحاسب. ~~- ويلاه أتريد أن تنتقم مني؟ ~~- معاذ الله. # عند ذلك نهضت زينب من مكانها وارتمت عند قدمي طاهر - أو بالأحرى شاكر - وقالت: إني ~~بين يديك، فكن أنت إرادتي. ~~- يجب الآن أن تمضي إلى بيت عمك، وتمكثي هناك حتى يعود، وبعد ذلك تحذري من عزيز ما ~~استطعت، ولكن لا تظهري أنك موجسة منه شرا. # نزلت زينب تتنازعها عوامل الدهشة والخوف والفرح والأمل بالخلاص، وركبت المركبة ~~والحوذي أخذها توا إلى أمام منزل حسين باشا عدلي عمها، ms142 فدخلت إلى دار الحريم ~~كزائرة. # وكان قبيل وصولها أن حسين باشا ركب مركبته وقصد توا إلى الجزيرة وهو ينتفض من ~~الغضب؛ لظنه أن زينب أمسكت هناك، فلما دخل استقبله عزيز باشا، فقال له: هل هي ~~هنا؟ ~~- لم تأت بعد مع أنها خرجت قبلي من البيت، فلا أدري أين ذهبت؟ لعلها تصل قريبا! من ~~قال لك أن تأتي؟ ~~- أما أنت الذي تكلم بالتلفون، وقال إنه يجب أن أعجل بالمجيء؟ ~~- كلا! لعل خليل أخي كلمك، ولكنه تسرع؛ لأني كنت أود ألا تجيء إلا وهي هنا. ~~- لعلها ذهبت إلى مكان آخر. ~~- يستحيل؛ لأني مؤكد أنها قادمة إلى هنا. ~~- إذن إلى أين عرجت؟ ~~- من يدري؟ # وبعد تذمر قليل قال عدلي باشا: إني راجع، فإذا أتت تستدعيني تلفونيا، ~~فأحضر. # ولما عاد حسين باشا إلى منزله قيل له: إن زينب في دار الحريم فسأل: متى أتت؟ فقيل ~~له: إنها أتت على إثر خروجه، فحار في أمرها، وخطرت له عدة أفكار منها أنها قد تكون ~~بريئة ومتهمة زورا، وقد يمكن أنها شعرت بأن العيون عليها بالمرصاد، فعدلت عن قصدها ~~السري ولجأت إلى منزله؛ لكي تغير الظنون السيئة. وحاصل القول أنه لم يقابلها ولا ~~طلب مقابلتها، بل آثر السكوت. # أما عزيز باشا فلما مل الانتظار في الجزيرة، ودليلة لم تأت لا بزينب ولا وحدها ~~حار في أمرهما، وخطرت له أفكار متضاربة، فخرج وقصد توا إلى منزل دليلة، ~~فوجدها، فقال لها: أين أنتما؟! ~~- لم تأت زينب. ~~- عجيب! كيف ذلك؟ لقد خرجت من المنزل الساعة الخامسة تماما، فأين ذهبت؟ ~~- لا أدري! لم أزل منتظرة إلى الآن، ولما استبطأتها ظننتها لن تأتي اليوم. # عاد عزيز باشا إلى البيت وسأل عنها، فقيل له: إنها لم تعد منذ خرجت فتضاربت ظنونه ~~فيها، وتمنى أن تكون قد زاغت لكي تثبت دعواه عليها لدى عمها حسين باشا عدلي ~~فيغضبه عليها، ولكن خطر له في أول الأمر أن يسأل عنها في بيت عمها فسأل: وعلم أنها ~~هناك، فخطر له أن تكون قد عدلت عن الذهاب إلى ms143 دليلة كما تواعدتا؛ لشكها ~~فيها. # سأل: عما إذا كان أحد كلم حسين باشا عدلي بالتلفون من المنزل ؟ فقيل لم يتكلم أحد ~~قط، ثم بحث عن أخيه، فوجده، فسأله هل خاطب حسين باشا في التلفون أن يذهب إلى الجزيرة؟ ~~فقال أخوه «لا» فتحير عزيز وقص على أخيه ما كان، فقال: لا بد أن يكون أحد قد اطلع على ~~الدسيسة، فحذرها، وأوعز إلى حسين باشا أن يذهب إلى الفندق بنفسه فلا يجدها هناك، ~~فتثبت له براءتها بدل خيانتها. # من يا ترى يفعل ذلك ونحن نكتم كل أمر ونبالغ في الحرص على أسرارنا؟ ~~- إما أن زينب نفسها شعرت بالدسيسة، فتخلفت أو أن دليلة خانتنا، فيجب أن نتحقق ~~المسألة جيدا. # | الفصل الخامس والثلاثون # في ذلك المساء اجتمع طاهر أفندي بحسن بك بهجت المحامي، وقال له: بعد ثلاثة أيام موعد ~~كتابة كتاب نعيمة على خليل. ~~- ويلاه! ما هذا الخبر المشئوم الذي ترويه لي يا طاهر أفندي؟ ~~- ليس خبرا مشئوما، أقول لك: إنه بعد ثلاثة أيام يكون موعد كتابة الكتاب، ولكن ~~الكتاب لا يكتب - إن شاء الله. ~~- هل دبرت التدابير اللازمة لعرقلة الأمر؟ ~~- التدابير اللازمة عندك. ~~- ماذا تعني، أتريد أن تتركني لنفسي؟ ~~- كلا، أليست الكمبيالتان عندك؟! ~~- نعم. ~~- في هذا المساء أو في صباح الغد طالب عزيز وخليل بالقيمتين حتى إذا لم يدفعا في ~~مدة 24 ساعة ترفع قضية عليهما في الحال، وأعلن بين جميع معارفهما أن عليهما 58 ألف ~~جنيه. ~~- وبعد ذلك ماذا يكون؟ ~~- يتخوف حسين باشا من أمرهما متى عرف أنهما تحت هذا الدين، وعلي الباقي من ~~المسألة. # خرج حسن بك من عند طاهر أفندي وذهب توا إلى مكتبه وهم أن يكتب لعزيز باشا كتابا، ~~ولكن لم يكن عنده صبر، فقرع جرس التلفون وطلب منزل عزيز باشا ومخاطبته، فلما رد ~~عليه قال حسن بك: لم تجبني بكلمة عن أمر الكمبيالتين اللتين عليك وعلى أخيك، فإذا لم ~~يكن المبلغ كله عندي غدا مساء أجريت اللازم. # فوقع عزيز باشا في حيص بيص، وحار في أمره، ماذا يفعل؟ ms144 وعز عليه جدا أن يتوسل ~~إلى حسن بك بهجت أن يمهله فخطر له أن يلتمس الإمهال من طاهر أفندي ، فخاطبه ~~تلفونيا ورجاه فقال طاهر أفندي: «إن الكمبيالتين تحت مطلق تصرف حسن بك بهجت فعليك ~~بمباحثته بهذا الشأن.» # فعاد عزيز باشا يفكر في ماذا يفعل؟ فلم يجد وسيلة لإيفاء هذا المبلغ الجسيم وثروة ~~أخيه لم يبق منها أكثر مما يوفي الكمبيالة التي عليه، ليس له إلا ثروة زوجته الطائلة ~~ولكنها أصرت ألا تمنحه منها فدانا واحدا؛ ولذلك عقد النية على ارتكاب جناية ~~هائلة، وكان له صديق طبيب خبيث القلب مثله، فاتفق معه سرا على أنه إذا ماتت زينب ~~يقرر أن موتها كان لمرض. # خطر له أن يرتكب جناية التسميم؛ لأن زينب كانت مريضة، فوصف لها الطبيب شربة ماء معدني ~~«فيلا كبرا» فاستحضر عزيز زجاجة منها، ودس فيها مقدارا من الزرنيخ كافيا للقتل، ثم ~~أخذها إلى زينب، وقال لها: غدا صباحا تشربين هذه الشربة التي وصفها لك الطبيب، ~~فقالت: «نعم» ولكنها صارت ترتاب بكل عمل من أعمال عزيز باشا فخطر لها أن قد تكون ~~هذه الشربة مسمومة، وإلا فلماذا يهتم عزيز بنفسه أن يقدمها لها؟ فصممت على أن لا ~~تشربها وصارت تحسب حسابا لكل شيء في البيت وتشك بكل ما يقدم لها، واستولى عليها الخوف ~~فصارت تأكل غير ما يقدم لها. # دفع عزيز باشا الزجاجة لزوجته، وجعل ضميره يحاربه، فخطر له أن يصمت صوت ضميره ~~فذهب إلى الحانات يرتشف الخمور؛ لكي تطرد سورة السكر تلك الهواجس المخيفة من نفسه، ~~ويذكر القارئ أن عزيز باشا كان يختلف إلى امرأة تدعى راحيل، فهذه قصد إليها في ذلك ~~المساء سالم أفندي رحيم، واختلى بها، وقال لها: أتيت إليك بمهمة لك منها نفع، فأرجو أن ~~تكلميني وتسمعيني بحرية ضمير من غير مخاتلة. # فأبرقت أسرة راحيل وقالت: لك ما تشاء. ~~- ألا تزالين تحبين عزيز باشا مجدي؟ ~~- لا أحب أحدا غير الأصفر الرنان. ~~- نعم المحبوب! أعني بسؤالي: ألم يزل من جملة أصدقائك؟ ~~- يتردد علي حينا بعد آخر. ~~- لك ms145 هذه الجنيهات العشر الآن، وبعد إنجاز المهمة لك العشرون، فاستوت راحيل في ~~مكانها وكادت عيناها تلتهمان الجنيهات من كفه وهو يريها إياها، فقالت له: ماذا عسى أن ~~تكون هذه المهمة؟ فإني أقضيها بكل اهتمام وعناية. ~~- المهمة بسيطة جدا، وفي وسعك أن تتقنيها بسهولة، إن عزيز باشا هذا موجود الآن ~~في حانة في شارع وجه البركة، فعليك أن تمضي إليه وتلاطفيه وتجامليه حتى تجتذبيه لكي ~~يبات هنا الليلة. # ثم التفت سالم إلى جدران الغرفة، فرأى بابا مقفلا فقال: إلى أين يفتح هذا ~~الباب؟ ~~- إلى الصالون. ~~- لمن الصالون؟ ~~- لي. ~~- حسن جدا، أرجو أن تعطيني مفتاح الصالون في هذه الليلة. ~~- خذه. ~~- ولا تدعي أحدا يعرف أن في الصالون بشرا. ~~- لا أحد يعرف. ~~- ثم عليك وأنت مع عزيز في هذه الغرفة أن تكاشفيه ضميره في أمر مرافقتك، وتتحببي ~~إليه جيدا وتعاتبيه، وتظهري له أنك لا تقدرين أن تعيشي وهو بعيد عنك، إلى غير ذلك ~~من حديث التحبب، وإذا استطعت أن يطلق امرأته ويتزوجك، واجتهدي أن تقدحي بزوجته ~~وتذمي شكلها وتكرهيه فيها. ~~- وما الغاية من ذلك؟ ~~- لا تسألي عن الغاية. ~~- أود أن أعرف النتيجة لعل بالنتيجة أذية لي. ~~- كوني مطمئنة من هذا القبيل؛ فإني أترك الصالون قبل أن يتركك عزيز باشا في هذا ~~المساء، وهاك عشرة جنيهات علاوة. # فلما رأت راحيل الجنيهات عدلت عن التدلل والتحجج، وقالت: ها أنا ذاهبة ~~لاصطياده. ~~- متى يمكنك أن تعودي به؟ ~~- الآن الساعة التاسعة مساء، وربما نعود في منتصف الليل. # ولما عاد سالم من عند راحيل بمفتاح صالونها ذهب طاهر أفندي إلى حسين باشا عدلي ~~والتمس الاختلاء به. ~~- بلغني أن في عزمكم أن تكتبوا كتاب نعيمة على خليل بك غدا أو بعد غد. ~~- نعم الأرجح غدا، كذا قررنا؛ لأني رأيت أن هذا النصيب أفضل لها، ولا مرد ~~لما قررت. ~~- لا أقصد أن أتداخل بهذا الأمر يا حسين باشا، ولكني أرجو منك أمرا واحدا قبل إنجاز ~~العقد. ~~- ما هو؟ ~~- هو أن تصحبني في هذا المساء إلى مكان ما؛ لأريك أمرا. ~~- وما ms146 هو؟ ~~- أريك أمرا تندم إذا لم تره. ~~- هل يتعذر عليك أن تخبرني بهذا الأمر الذي تود أن أراه؟ ~~- نعم أود أن تراه قبل أن تعرف عنه شيئا. ~~- لماذا أندم إذا لم أره؟ ~~- لأن له علاقة كبرى بزفاف ابنتك. ~~- كذا! ~~- نعم، يهمك الأمر وحدك، فإذا كان يهمك أمر ابنتك يجب أن تطلع على هذا الأمر، ~~وإلا ندمت بعدئذ، وأنا أعد نفسي مقدما لك خدمة جليلة بإطلاعك على هذا ~~الأمر. ~~- ولكن ماذا يمنع أن تطلعني عليه؟ ~~- لا يوافقني أن أطلعك عليه قبل أن أريكه، فإذا كنت ذا ثقة بي فهلم اتبعني. ~~- يتعذر علي أن أتبعك وأنا لا أدري إلى أين؟ ~~- أنت حر بأن تتبعني أو لا، ولكني أخبرتك الغاية من ذلك. # فتردد حسين باشا وقال: إن ثقتي بإخلاصك وحدها هي التي تحملني على أن أطيعك الطاعة ~~العمياء. ~~- وستحمد الله على إلهامك هذه الطاعة. # وعند ذلك نهضا وركبا مركبة كانت تنتظر طاهر أفندي أمام المنزل فدرجت بهما إلى حيث لا ~~يدري حسين باشا، دخلا المنزل الذي تقطنه راحيل وهو منفرد عن منازل البغيات، وفتحا ~~الصالون ودخلا إليه وأقاما فيه ولم يكن فيه نور سوى نور القمر الداخل من الشباك ~~فقال حسين باشا: إلى الآن لم أفهم شيئا. ~~- لا بدع، لم يأت حين الفهم بعد، دعنا نتحدث بمواضيع أخرى؛ لنقتل الوقت إذ ربما ~~يطول انتظارنا. ~~- لا أقدر أحادثك بموضوع الآن وأنا بفارغ الصبر أنتظر الأمر الذي أجهله. # عند ذلك سمع طاهر أفندي صوت حركة في رحبة المنزل فنهض وفتح الباب قليلا فوجد سالما ~~فتهامسا، قال طاهر أفندي: هل نجحت؟ ~~- كل النجاح. ~~- متى يأتيان؟ ~~- ربما يكونان هنا بعد بضع دقائق - إذا صدق ظني. # وبعد بضع دقائق سمع وقع أقدام ثم صوت عزيز باشا يحادث راحيل، فدخلا إلى الغرفة ~~المجاورة للصالون وأوصدا الباب وجعلا يتحدثان. وكان حسين باشا وطاهر أفندي جالسين ~~على كرسيين قرب الباب الذي بين الغرفة والصالون يسمعان ما يدور بين راحيل وعزيز من ~~الكلام، قالت راحيل: أنتم الرجال لا عهد لكم، كم امرأة ms147 عرفت يا عزيز؟ ~~- عرفت كثيرات. ~~- ولكن هل وجدت أوفى لك من راحيل؟ ~~- الحق أقول لك إنك الفتاة الوحيدة التي أخلصت الحب لي. ~~- ولكني لم أصادف منك إلا الإعراض والجفاء. ~~- ليس ذلك جفاء ولا إعراضا يا راحيل، بل إن أحوالي لم تكن تسمح لي أن آتي ~~إليك. ~~- مهما كانت أحوالك صعبة فكان يمكنك أن تزورني ولو دقيقة واحدة كل يوم بعد آخر؛ لكي ~~أراك، أنت تعلم أن لا طمع لي بالفلوس، وإذ كنت قد قبلت منك نقودا في بعض الأحيان؛ ~~فلأني كنت في حاجة، ولكن يجب أن تتأكد أني أحبك لأجل شخصك، لا لأجل نقودك على أنك إلى ~~الآن لم تفهم أن حبي لك خالص ليس كما تحب بعض النساء مثيلاتي. ~~- أصادقة فيما تقولين يا راحيل؟ ~~- إذا لم تكن واثقا بصدق قولي فلا فائدة من هذا السؤال. ~~- أسألك؛ لأني لم أعهد فيك هذه الإحساسات من قبل. ~~- أتأسف كل الأسف من أنك لم تعهدها في مع أني أبديتها لك بالعمل دون القول، ولكن ~~نحن النساء مسكينات مهما عملنا أمام الرجال من الحسنات فلا يرونها لنا، أنسيت كيف كنت ~~أعبدك يوم أنزلتني في غرفة زوجتك عندما كنت تقصد أن تستخدمني آلة لإغاظتها، فاغتنمت ~~تلك الفرصة لكي أبرهن لك أني أحبك حبا حقيقيا أسمى من حبك لي. # فهمس طاهر في أذن حسين باشا قائلا: هل سمعت؟ فاختلج بدن حسين باشا. # وعند ذلك قبلها عزيز وقال: والله إني كنت بلا قلب حينئذ؛ لأني لم أقدر عواطفك ~~قدرها. ~~- ولما قضيت غايتك نبذتني ولم تعد تنظر إلي وكدت تنساني، وهذه الليلة لو لم ~~أصادفك في الحانة لما حظيت بك. ~~- يا الله منكن يا نساء ما أدهاكن! # فأجفلت راحيل منه وقالت: لا أنتظر منك أفضل من هذا الجواب لمثل هذه العواطف؛ لأني ~~سيئة الحظ، عرفت كثيرين وأحببت قليلين ولكني لم أصادف حبيبا أكرم عواطفي. # وجعلت تبكي وتذرف الدموع وجعل عزيز يقبلها ويقول لها: لا تبكي يا حياتي إني أمزح ~~معك. ~~- ولكني لست أمزح، بل أنتهز هذه الفرصة لأشرح ms148 لك ما يكنه قلبي، فما أسوأ حظي! ~~- إني أسوأ حظا منك يا راحيل، إني مهموم مغموم جدا. ~~- لماذا يا حبيبي؟ لماذا تغتم، هل أقدر أن أفرج كربك؟ ~~- آه يا راحيل، لا أحد يقدر أن يفرج كربي ما دامت زينب الملعونة في قيد ~~الحياة. ~~- ألا تزال تبخل عليك بعزبة من عزبها؟ ~~- لم أقدر أن أنال منها شيئا؛ لأنها متشبثة بأملاكها كل التشبث. ~~- آه، ما أجهل هذه المرأة لا تعرف قيمة للجوهرة التي معها، آه لو كنت زوجتك وطلبت ~~روحي لكنت فرحة بأن أضعها تحت قدميك، سبحان الله كيف يجمع الكريم باللئيمة وواحدة مثلي ~~لا تتوفق إلى رجل يستحق عبادتها، ألم تصادف وسيلة لانتزاع شيء من أملاكها؟ ~~- لم أدع ولا وسيلة ممكنة، ولكني أخفقت بكل الوسائل، والذي يقسي قلبي على هذه ~~الملعونة أنها تعرف أني في شديد الحاجة إلى المال، حتى إني أصبحت صفر اليدين، ومع ذلك ~~لم تشأ أن تنجدني بشيء من مالها؛ لكي أملأ جيبي ولا أعجز عن الظهور بين أقراني ~~كعادتي. ~~- آه، ليت عندي مالا فأقدمه لك ولو لم تكن زوجي. ~~- لو كان عندك مال لما كنت تقولين هكذا. # فأظهرت راحيل التغيظ من كلامه وذرفت دمعا باردا. # فجعل يقبلها ويقول: ما أرق إحساساتك يا راحيل، إني أسأت إليك عن غير قصد فسامحيني، ~~إني معذور على هذا الكلام؛ لأن امرأتي نزعت مني الثقة بالمرأة. ~~- شتان بيني وبين امرأتك، امرأتك ذات حظ ولكنها بلا قلب، وأما أنا فذات قلب ولكني ~~بلا حظ. ~~- صدقت، صدقت إن امرأتي بلا قلب. ~~- لا أدري كيف أنك تطيقها في بيتك؟ ~~- ماذا أفعل؟ إني أحتاج إلى ثروتها فإذا لم أنل منها شيئا فأتمتع على الأقل ~~بريعها. ~~- أتعجب كيف تحتمل هذه الحال؟ ~~- أصبح الفرج قريبا جدا يا راحيل. ~~- هل دبرت طريقة ناجحة؟ ~~- نعم ربما أتخلص من زينب قريبا وأستولي على ثروتها من غير عناء. ~~- هل دبرت لها مهلكا؟ ~~- شيء كذلك. ~~- ومتى تخلصت منها؟ ~~- أكون لك وحدك يا راحيل. # فاختلجت راحيل وقالت في نفسها: إذا صح ما يقول هذا ms149 الشقي فعلي أن أدفع لسالم رحيم ~~عشرة أضعاف ما دفعه لي؛ لأنه خدمني بهذه المهمة أكثر مما خدمته، وكان طاهر ~~أفندي كلما سمع كلمة من كلام عزيز يجس يد حسين باشا، ويقول له: هل سمعت؟ وعند هذا ~~الكلام الأخير لم يعد يتحمل حسين باشا فهم أن يرفس الباب برجله ويثب إلى الغرفة ~~كالوحش الضاري، فأمسكه طاهر أفندي وقال له: بربك اكظم غيظك الآن، هلم بنا كفى ما ~~رأيت، وإذا شئت أرك خليل في مثل هذه الحال. # وفي الحال خرجا خفيفي الوطأة؛ بحيث لم يسمع أحد وقع أقدامهما، وركبا مركبة ~~وعادا من حيث أتيا، وحسين باشا ينتفض من الغيظ، وبعد هنيهة قال: الله يلهمني الصبر ~~حتى لا أرتكب جناية بهذا الشرير، لا أدع زينب تبقى عنده لحظة، سآخذها إلى منزلي الآن ~~وإلا كانت تحت خطر الهلاك في منزل هذا الشقي. ~~- تفعل حسنا، ولكن ليس في هذا الليل، غدا زرها واستقص أحوالها منها، وثم ~~خذها. ~~- ماذا عسى يا ترى أن تكون هذه التهلكة التي دبرها لها؟ ~~- الله أعلم، ليس من تهلكة مستترة سوى التسميم، فلا يبعد أن يكون قصد أن ~~يسمها. ~~- ويلاه، يا له من نذل خبيث لئيم، لقد طلى علي خبثه وأوغر صدري على هذه ~~المسكينة. # وكانت الساعة الثانية بعد نصف الليل حين رجعا، فذهب كل إلى منزله، طاهر أفندي ~~يستعد إلى يوم دينونة عزيز باشا، وحسين باشا عدلي يقشعر من شدة الغضب ويحرق الأرم ~~على عزيز وينوي الإيقاع به في صباح اليوم التالي. # وأما عزيز باشا فبقي وراحيل يسكران حتى الصباح. # | الفصل السادس والثلاثون # ولما كانت الساعة الثامنة من صباح اليوم التالي قصد حسين باشا إلى منزل عزيز باشا ~~وسورة الغضب لا تزال تزلزل عضلاته من مواضعها، فلما وصل دخل توا إلى دار الحريم، ~~فوجد عزيز باشا يحاول تجريع زينب الشربة التي أعدها لها في اليوم السابق، وهي ~~تمانع بدعوى أنها تتقيأ إذا شربتها، فلما رأت عمها مقبلا هبط قلبها في فؤادها؛ ~~لأنها خشيت أن يكرهها على شربها، فلما رآه ms150 عزيز باشا قال: أتيت في حينك يا حسين ~~باشا، حاول لعلك تستطيع تجريعها الشربة. # فكظم حسين باشا غيظه في أول الأمر، وقال لزينب: لماذا لا تشربينها وفيها ~~شفاؤك؟ ~~- رحماك عماه، أنقذني من هذه الشربة. # فشعر حسين باشا كأن الضراعة نبلة طعنت فؤاده، وخطر له - في الحال - أن زينب ~~موجسة شرا من هذه الشربة، وإلا لما مانعت كل هذه الممانعة في تجرعها، ولكنه ~~أحب أن يتأنى؛ ليرى ماذا تكون خاتمة هذا المشهد؟ فقال: من وصف لها هذه الشربة يا ~~عزيز باشا؟ ~~- الدكتور ف... وقال: إنها ضرورية جدا لها؛ لأن معدتها مختلة الآن، وقد مر ~~علي ساعة وأنا أحاول أن أجرعها إياها، وهي تمانع كأنها ولد صغير. # فنظر حسين باشا في زينب وقال لها: خذيها يا زينب خذيها. # فأمسكت الكأس بيدها وهي ترتجف جازعة من نظرة عمها، وقالت: ربي ارحمني، وعند ذلك مد ~~حسين باشا يده وقبض على ذراعها يريد أن يمنعها عن شربها، وفي تلك اللحظة عينها اندفع ~~طاهر أفندي من غير استئذان وقال عن بعد: لا تشربي يا زينب لا تشربي. # فالتفت الكل إليه مستغربين وحينذاك علت صفرة الوجل وجه عزيز باشا، فقال: ما شأنك ~~يا هذا في دار حريمي؟ ~~- لي كل الشأن. إن كنت مخلصا لهذه المرأة فاشرب نصف هذه الشربة ودع لها ~~النصف. # فجزع عزيز باشا كل الجزع، ولكنه شدد قواه، وقال: هلم فاخرج من منزلي؛ فما أنت ولي ~~أمري ولا وكيل زوجتي. ~~- بل أنا كل ما تقول؛ لأني مرسل من الله لكي أخلص العباد من شرك يا سفاك ~~الدماء. # وعند ذلك هجم عزيز باشا على زينب يريد أن يختطف الكأس من يدها فاعترضه طاهر أفندي ~~وقال: حافظ على الشربة يا حسين باشا؛ لأجل التحقيق، فإنها تحتوي على مقدار كبير من ~~الزرنيخ، فأخذها حسين باشا وأفرغها في زجاجتها وسدها، وبقي قابضا عليها، وعند ~~ذاك كان عزيز باشا قد أخذ منه الوجل كل مأخذ فقال: ويحكم ماذا تريدون ~~مني؟ # وكانت حينئذ قد علت الجلبة في الدار، وسمع اللغط في ms151 الخارج حتى وصل الخبر إلى مكتب ~~الدائرة، وكان فيه ديمتري ألكسيوس والكاتب وعلي حامد ومحمد حفيظ - وهذان الأخيران ~~يأتيان إلى المكتب كل يوم لعل لهما نفعا منه في مقابل خدمة - وكان حسن بك بهجت قد ~~أتى إلى المكتب أيضا بإيعاز طاهر أفندي؛ لكي يطالب بالكمبيالتين، وخليل بك مجدي سمع ~~أيضا اللغط من غرفته. # كل هؤلاء لما سمعوا بما في البيت من اللغط اندفعوا إلى دار الحريم فوجدوا طاهر ~~أفندي قابضا على ذراع عزيز باشا وهو يقول له: لا نريد بك سوءا وإنما نريد أن نحفظ ~~أرواح العباد من شرك، نريد أن نسلمك للعدل. ~~- ماذا فعلت؟ ~~- إن لم يكن في هذه الشربة زرنيخ فاشربها الآن. وإن نجوت من هذه التهمة فلا تنجو من ~~تهمة البيع الإكراهي؛ فها هي الحجة التي أكرهت زوجتك على إمضائها، وأشهدت عليها ~~هذا وهذا وهذا - وأشار طاهر أفندي إلى ديمتري وعلي حامد ومحمد حفيظ. # ثم استرسل في كلامه قائلا: «وإن كنت تتبرأ من كل هذه الأمور فلا تقدر أن تنكر ~~الثمانية وخمسين ألف جنيه التي استدنتها مني أنت وأخوك في باريس وبددتماها في ~~القمار والبطالة، وهذان سندان بها في يد حسن بك بهجت المحامي (وحينذاك فتح حسن بك الملف ~~الذي معه وأرى الجمهور الصكين) وإن استطعت أن تأكل هذا المبلغ أو تنكره فلا تقدر أن ~~تنجو من عقاب جناية تعمدت ارتكابها بالاشتراك مع هذا الشرير ديمتري ألكسيوس، ~~وهي دس السم في هذه البرشامات التي جهزت لعائدة ابنتك، ابنتك من كارولين عشيقتك ~~القديمة، تلك العشيقة التي حرضت هذين (وأشار إلى علي حامد ومحمد حفيظ) على ~~قتلها، فقتلاها في الجزيرة ثم ألصقت التهمة بي حتى اضطررتني أن أفر إلى ~~أوروبا وأنكر حياتي فيها.» ~~- ويلاه، شاكر بك نظمي؟ # عند ذلك جعلت ساقا عزيز باشا تتلاطمان وبالجهد استطاع أن يبقى واقفا، وكذلك ~~ديمتري وعلي ومحمد المشتركون بكل هذه الآثام؛ وهت قواهم وعلت صفرة الموت ~~وجوههم، وبقي طاهر أفندي يتكلم، فقال: ارتكبت تلك الجريمة الفظيعة؛ لكي تحرمني هذه ~~المرأة التي أحبتني وأحببتها، ms152 فنجحت وتزوجتها، فلماذا تعذبها وترتكب هذه ~~الجرائم فيها؟ حتى التجأت في المرة الأخيرة أن تجرها إلى مكان دنس في الجزيرة ~~وتتهمها بالعهارة؛ لكي تبتز مالها، أي نذل يلجأ إلى هذه الدناءة يا خسيس يا ~~لئيم. ~~- أتنتقم مني الآن يا شاكر بك؟ ~~- لست أنتقم منك، ولكنك أنت تنتقم لي من نفسك، لم أحملك على ارتكاب شيء من هذه ~~الجرائم، ولكني راقبتك بعين لا تنام حتى أقي الناس شرك، وأخيرا لم أر بدا ~~من تسليمك إلى يد القضاء. # وعند ذلك اندفع رجال الشرطة إلى الدار ليقبضوا على من فيها من المتهمين ذلك؛ لأن ~~سالم رحيم كان قد أوعز إلى المخفر فقدم الشرطة في تلك الساعة الرهيبة، ولما ~~رآهم عزيز باشا يدخلون هرع إلى غرفته وأطلق مسدسا في رأسه، فخر صريعا لا حراك ~~به. # فانتهز أولئك الثلاثة - شركاء عزيز باشا في الجرائم - فرصة دهشة الجمهور من انتحاره ~~واهتمامهم به وفروا هاربين، ولجأ خليل بك مجدي في الحال إلى غرفة أخرى انسل منها ~~إلى خارج المنزل، فلم يعلم أين ذهب إلا بعد زمان حيث شوهد في الديار الأوروبية ~~متنكرا. # وأما حسين باشا عدلي فشكر الله على انفضاح تلك الجرائم، وأثنى الثناء العظيم على شاكر ~~بك نظمي مندهشا من تنكره الطويل ومستغربا من مساعيه السرية، وحامدا الله على سلامة ~~فتاته من شر ذلك البيت الجهنمي. # ورأى حسين باشا عدلي أنه لم يعد فائدة من إشهار هذا الحادث الفاجع في قاعات القضاء ~~وعلى صفحات الصحف، فاهتم بكتم الأمر، وسعى لدى أرباب الحل والعقد بحفظ هذا السر، ~~وأشيع أن عزيز باشا مات موتا طبيعيا. # بعد هذه الحوادث بأشهر قليلة زفت نعيمة بنت حسين باشا إلى حبيبها حسن بك بهجت. ~~وأما زينب فلما نقهت من المرض الذي اعتراها على إثر تلك المشاهد الهائلة ذهبت إلى شاكر ~~بك نظمي؛ أي طاهر أفندي، وارتمت على قدميه تبلهما بدموعها وتقول له: هل أنت ناقم علي ~~يا مخلصي؟ ~~- لو كنت ناقما عليك يا زينب لما سعيت إلى خلاصك. ~~- نعم إنك تنتقم مني ms153 الآن؛ لأن عذابي في جفائك أشد جدا من عذابي الماضي، فارحمني ~~يا شاكر؛ إني امرأة ضعيفة. ~~- لم يكن في ودي أن أعاتبك يا زينب ولكنك تحوجيني إلى العتاب. حافظت على عهدي لك إلى ~~الآن، وسأبقى إلى الأبد، وأما أنت فلما يئست من عودتي نزعت حبي من قلبك وتزوجت ~~ذلك الخائن، وبعد ذلك أشعت عن نفسي أني مت؛ لكي أسكن ضميرك إذا كان يحاربك لأجلي، ~~ولكني علمت أنك معذبة فأتيت لكي أخلصك، وها أنا لديك أحرص على كل ذرة منك. ~~- لم تأت إلي، ولا سألت عني منذ ذلك اليوم الرهيب، يوم عاقب زوجي نفسه. ~~- لم تكوني في حاجة إلي. ~~- إني في حاجة عظيمة إلى تعزيتك، فلماذا تهملني؟ ~~- لا أهملك؛ فإنك إذا انتابتك نائبة كنت في أقل من لمحة برق بين يديك. ~~- ما معنى هذا القول يا شاكر؟ ~~- معناه بسيط: إذا شعرت أنك في ضيق هرعت إليك؛ أدفع الضيق عنك. ~~- وإذا لم يكن شيء من ذلك أفلا تسأل عني، ألا تدعني أن أراك؟ ~~- وما الغاية من ذلك يا زينب؟ ~~- يظهر لي أنك لم تسامحني، ولم تزل ناقما علي. ~~- كلا، بل نحن صديقان يا زينب، فأنا لك كل حين تحتاجين إلى معونتي. ~~- إني أحتاجك الآن؛ لأني في كرب عظيم من جفائك، لقد أثمت إليك إثما عظيما يا شاكر، ~~فماذا تريد كفارة عنه؟ ~~- هل تردك الكفارة إلى عذريتك السابقة يا زينب؟ ~~- بالطبع لا. ~~- فما الفائدة إذن من هذا التقرب؟ لما تعاشقنا تعاهدنا على أن يصون كل منا نفسه ~~للآخر، فقضت الظروف أن تقعي أنت في يد نذل ابتذلك وأنا بقيت كما وعدت، وهكذا لم يبق ~~العهد الذي بيننا سليما، بل نكثت به، لا فرق عندي إن كان ذلك برضاك أو بالرغم منك؛ ~~فإنك لم تبقي زينب التي عاهدتها منذ بضع عشرة سنة، بل صرت أرملة عزيز باشا نصري ~~وأم ثلاثة أولاد. # فاسترسلت زينب بالبكاء وهي تقول: صدقت، إني سيئة الحظ، هل كنت تنتظر يا شاكر أن ~~أقدر على المحافظة على العهد مثلك؛ وأنت لا ms154 تجهل أن الفتاة في الشرق مسيرة غير ~~مخيرة؟ أي فتاة تستطيع أن تحافظ على العهد الذي نقضته أنا مرغمة ؟! # فرق شاكر بك لدموعها، وجعل يكفكفها ويقول لها: لا ألومك يا زينب، وإنما ألوم ~~التقادير. ~~- أتعاقبني بجريرة التقادير؟ ~~- لا أعاقبك، ولكني لا أقدر أن أحقق أمنيتنا، فدعينا صديقين؛ لأنه يعز علي ~~جدا أن تكون أرملة عزيز نصري زوجتي، وأنا شريكك في هذا المصاب يا زينب فاقنعي ~~بصداقتي، كما أني قانع في صداقتك، كما قنعت فيما مضى بحبك. # وخرجت زينب بعد هذا الجدال الرقيق حزينة باكية. # | الخاتمة # ثم زفت عائدة إلى يوسف بك رأفت، فبقي طاهر أفندي وحيدا. # وبعد ذلك بأشهر قليلة توفي حسين باشا عدلي، فقصد طاهر أفندي إلى زينب ~~ليعزيها فقيل له؛ إنها في فراشها مريضة، وإنها تنتظر مقابلته، فصعد إلى غرفتها ~~وكان لم يرها منذ تلك المقابلة الأخيرة التي خرجت من عنده في ختامها حزينة يئسة، ~~فوجدها في فراشها أنحلها السقام وأضنت قواها الآلام فبادرته قائلة: الحمد لله ~~الذي أراني إياك قبل موتي، ومكنني من أن أوصيك بأن تكون من بعدي أبا حنونا ~~لأولادي الصغار. # فوجف فؤاد طاهر أفندي وترقرق الدمع في عينيه، وقال: كلا يا زينب إنك لا تموتين بل ~~ستعيشين، فنظرت إليه والدموع ملء عينيها وقالت: آه يا طاهر لقد خلصتني من الذل ~~والعار والموت في الأول، ولكنك لم تتم جميلك في الآخر. يكفيني أن تكون أبا ~~لأولادي. # فأطرق طاهر أفندي هنيهة، وقال: سنكون يا زينب لهم أبا وأما معا، فعيشي! ~~أفهمت؟ # فأشرق وجه زينب بنور الحياة وقالت: فهمت فها أنا أعيش ... ms155