######OpenITI# #META# URI: 1373NiqulaHaddad.ThawraFiJahannam.Hindawi61528174 #META# Tags: novels #META# ID: 61528174 #META# Title: ثورة في جهنم #META# AuthorID: 60483937 #META# Author: نقولا حداد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # | ثورة في جهنم # | ثورة في جهنم # تأليف # نقولا حداد # | الفصل الأول # انتقلت إلى رحمة الله تعالى الراهبة التقية النقية القلب الورعة الأخت جوكوندا، وهي في ~~منتصف العمر، فانبرى في الحال ملاكان من جند الله، وحملا روحها الطاهرة على جناحيهما، ومضيا ~~بها إلى العلى. # وكانت أفكار الراهبة البارة تسبح معها في الفضاء، ونفسها تتوق إلى دار البقاء، وكانت ترى ~~ألوف الملائكة ناشطين في الطواف بين الأرض والسماء، وبعضهم يحملون أرواح الأبرار المنتقلين ~~من الدنيا الفانية إلى الآخرة الباقية، وهي مبتهجة بهذه الرحلة الطيرانية. # وبعد برهة انتهرها أحد الملاكين وقال لها: فكري أيتها البارة بالسماويات؛ لأن تفكيرك ~~بالأرضيات المادية يجعلك ثقيلة على جناحينا، فلا نستطيع الارتفاع بك، بل نخشى أن ننوء بك ~~ونهبط إلى أسفل. # فقالت: إني أفكر بمجد الله وبرحمته وأسبحه. ~~- واظبي على التسبيح والتمجيد أيتها الأخت البارة. # هذا الحديث الموجز بينها وبين الملاكين تكرر مرارا، وكانت أحيانا كثيرة ترى ملائكة ~~يمرون بها حاملين أبرارا مثلها، فتناجي أولئك الأبرار تارة وتشترك معهم بالتسبيح ~~أخرى. # ورأت الراهبة البارة المرحلة طويلة فملتها وتململت قائلة: متى نصل إلى السماء أيها ~~الملاكان المحبوبان؟ ~~- نصل متى كففت عن التفكير بالأرضيات. # فتعود إلى التسبيح والتمجيد والترنيم الروحاني إلى أن «هون الله»، ورأت بوابة السماء ~~على مرمى بصرها فتهللت ومجدت الله، وانقذف بها الملاكان إلى الحديقة البهيجة التي لدى ~~البوابة وألقياها فيها. # وتقدمت فرأت قديسا يتمشى أمام البوابة البديعة الزخرف التي تأخذ بالألباب؛ لأنها مبنية ~~من حجارة كريمة متنوعة متعددة الألوان من ألماس وياقوت وزمرد ويشب ولازورد ... إلخ. فكانت ~~مدهوشة ذاهلة من تلك البدائع. # تقدمت إلى القديس وقالت: السلام عليك يا سيدي القديس الكلي الطوبي. ~~- وعليك ms01 السلام ورحمة الله وبركاته أيتها البارة. # ودخل معها إلى مدخل الجنة السماوية حيث رأت بوابة أخرى أبدع وأجمل من الأولى، وهي مفتوحة ~~على مصراعيها، وكانت ترى القديسين يتمشون أفواجا في داخل جنة الله البهيجة، بعضهم يتحدثون ~~بمجد الله، وبعضهم يسبحون جلاله مترنمين، وكانت مبهوتة مما تسمع وترى، والقديس ينظر إليها ~~باسما لدهشتها، ولا يفوه ببنت شفة إلى أن ملكت وجدانها وقالت: تعلم يا سيدي الجليل أني ~~جاهلة كل شيء إلا رحمة الله وقداسته، ولكن لي صديقا هنا، أؤمل أنه يستقبلني ويرشدني إلى ~~المنزل الذي أعده الله الغفور لعبدته التائبة، فهل تتكرم بأن تستدعيه؟ # فقال: من هو صديقك الذي تعنين؟ ~~- هو الأب المحترم الراهب سلفاستروس. # فاشمأز القديس وعطس وقال: لله من هذه الرائحة الخانقة. أهي من بقايا غازات الحرب الأرضية ~~الأخيرة؟ # فقالت مستغربة: أية رائحة هذه التي تشمئز منها يا سيدي؟ ~~- رائحة الاسم سلفاستروس، ألا تعلمين أنه اسم لاتيني ومعناه النجم الكبريتي، أفما ~~وجدت صديقا باسم أطيب عنصرا؟ أوما وجد هو اسما أزكى رائحة من هذا؟ ~~- هذا ما قدر فكان يا سيدي، فأرجو أن تتكرم باستدعائه. ~~- ليس عندنا هذا البار الذي تزعمين يا بنيتي. ~~- لعله غير اسمه. ~~- ولئن غير اسمه نعرفه؛ لأننا لا نعرف الأبرار هنا بأسمائهم، بل بأرواحهم وبرهم، ~~فثقي أنه لم يأت إلى هنا. ~~- عجبا! لقد اشتهر بتقواه وورعه ووعظه وإرشاده ودعوته الناس إلى التوبة والتقوى وعبادة ~~الباري، وفي السنة الماضية كان في ديرنا رياضة روحية، انقطعنا بها عن كل ماديات العالم إلى ~~العبادة والصلاة، وكان هو يعظنا كل يوم إلى أن انتهى زمن الرياضة، فكيف لا يأتي إلى ~~هنا. ~~- لعله لم يتم واجباته الدينية قبل انتقاله من الدنيا، فذهب إلى المطهر لكي يتممها هناك، ~~ويكفر عن بقية الذنوب التي يعرفها والذنوب التي كان يجهلها. # فوجمت الأخت جوكوندا، ثم قالت: لعله لم يكن لديه متسع من الوقت لإتمامها، فقد مات ~~منتحرا، ولكنه مع ذلك كان يدري أنه سيموت، فلا بد أن يكون قد تناول القربان. ~~- مات منتحرا؟ كذا قولي ms02 : أما كان يعلم أن الانتحار خطيئة؟ فهذه الخطيئة وحدها كافية ~~الآن لقطع السبيل بينه وبين السماء. ~~- الانتحار خطيئة؟ لا أدري أنه خطيئة يا سيدي، أليس الإنسان حرا أن ينتحر، وهو بانتحاره ~~لا يؤذي أحدا ولا يأثم لأحد؟ ألم يخلقنا الله أحرارا؟ أما قال الكتاب المقدس: أنتم ~~أحرار؟! ~~- أجل، إن الله تعالى قال إننا أحرار، والإنسان حر أن ينتحر، ولكن شريعتكم التي ~~استنبطتموها تقول إن الانتحار خطيئة، فالديان يدينكم أحيانا حسب شريعتكم. ~~- شريعتنا! ألنا شريعة غير شريعة الله؟ ~~- نعم، شريعتكم غير شريعة الله، لقد ملأت شريعتكم المجلدات، وجعلتم لها أصولا وفروعا ~~وشروحا وهوامش، وأما شريعة الله فغير مكتوبة، شريعة مختصرة جدا. # فبهتت الراهبة وقالت: ما هي شريعة الله غير المكتوبة يا سيدي؟ إني أجهل أن لنا شريعة ~~غير مكتوبة. ~~- شريعة الله هي الضمير يا بنيتي، والضمير النقي وحده كاف لإرشاد الإنسان إلى الصلاح ~~وتجنب الخطيئة، فلو حفظتم هذه الشريعة المختصرة وأطعتموها لكانت وحدها كافية لأن تجعل ~~الأرض في جوار السماء. الضمير الصالح الذي يقيم فيه الله لا يضل، ولكنكم طمستم شريعة ~~الضمير، وجعلتم تتفلسفون في التشريع كأنكم نواب الله في دينونته، فملأتم كتبكم شرائع ~~وقوانين، ولكنكم لم تستطيعوا أن تحفظوها، ولا أن تعملوا بمقتضاها، والديان يدينكم بحسب ~~شرائعكم، فهل ظلمكم؟ ~~- لا، حقا. لا، إن الضمير الصالح يغني عن كل شريعة، الله محبة والمحبة هي الناموس، ~~والأنبياء كما قال سيدنا يسوع له المجد: في المحبة كل شريعة الله. ~~- إذن، لا تستغربي يا بنيتي أن صديقك سلفاستروس لم يأت إلى هنا، وإن كان قد ذهب ~~إلى المطهر فيكون الديان قد رحمه، وأخشى أن يكون غير مستحق المطهر. # فوجمت الأخت جوكوندا وتجهمت ثم قالت: أيحتمل أن يكون قد حرم المطهر أيضا، إني أتأسف ~~جدا إن كان ظني فيه خائبا. ~~- يلوح لي يا بنيتي أن صداقتكما كانت عظيمة جدا، حتى أنك تأسفين هذا الأسف ~~الشديد. ~~- نعم يا سيدي القديس الجليل، كانت صداقتنا متينة، ولها تاريخ طويل لا أخفيه عنك، أعترف ~~لك به عسى أن تتشفع ms03 بصديقي عند الله الديان الرحيم الرحمن. ~~- إني مصغ لروايتك يا بنيتي، والله غفور رحيم، قولي. ~~- لقد أنعم الله الجواد علي بنعمة الجمال يا سيدي كما ترى. # فضحك القديس وقال: أجل، جمال القداسة أعظم نعمة يا بنيتي. ~~- نعم، كنت جميلة جدا في أول صباي، وكانت أبصار الأنام تطوقني أينما ظهرت، إلى أن كان ~~معرض للجمال، فقدمتني عشيرتي إليه، وثمة اصطفتني لجنة من المحكمين ملكة الجمال في كل ~~العالم، وكان ابتهاجي عظيما بهذا اللقب الذي تفردت به. # فقال القديس باسما: بالطبع تبتهجين بهذا الحكم العادل، وربما كنت ترتابين بعدالة أي حكم ~~غير هذا، ولا ريب أنك أيقنت أنك ملكة الجمال، هاه؟ ~~- نعم، إذا كان الذين انتخبوني من بين ثلاثمائة فتاة جميلات لهذا الملك هم من خيار الناس ~~وأصدقهم نظرا، وألطفهم ذوقا وأخبرهم فنا، أفلا أوقن أني ملكة الجمال. # فقال: طبعا، طبعا، يكفي اختيارهم إياك ملكة للجمال برهانا لك على أنهم من خيار الناس ~~الصادقي النظر، اللطاف الذوق، الخبراء بالفن، ولكن لو أن لجنة أخرى من أناس آخرين اختارت ~~سواك ملكة لأيقنت أن أولئك الآخرين بلا ذوق. ترى ماذا كان مقياس الجمال عند مختاريك ~~الصادقي النظر؟ ~~- مقياس الجمال؟ كان المقياس دقيقا جدا يا سيدي - بالمليمتر. قاسوا حدقتي وأجفاني وخدي ~~وشفتي وأذني وعنقي وكتفي وصدري وقامتي وهيفها وضيق قدمي، قاسوا كل هذه بالمليمتر، فوجدوا كل ~~شيء تماما. # فقهقه القديس وقال: تماما؟! لله درهم من محكمين مدققين، بالطبع وجدوا فيك عينين لا ~~عينا واحدة، وأذنين فقط لا أربع آذان، ولسانا واحدا لا لسانين ... # فارتبكت جوكوندا، وقالت: هل يمكنهم أن يجدوا في خلق الله نقصا أو شذوذا؟! ~~- طبعا لا، ولكن أما وجدوا عينا أحدق من الأخرى، وأذنا أطول وأعرض من الأخرى ~~مثلا؟! ~~- لا، بل وجدوا كل شيء تماما. ~~- وإذن لم يجدوا في غيرك كل شيء تماما. ~~- بل وجدوا في غيري كل شيء تماما، ولكن لم يكن كل شيء طبق قاعدة الجمال. ~~- قاعدة الجمال! ما قاعدة الجمال هذه؟ ~~- عندهم قاعدة للجمال. ~~- من وضعها لهم ومن كتبها؟ ~~- ليست ms04 مكتوبة، بل هي في أفكارهم. ~~- ليست أفكارهم إلا شهواتهم، فشهواتهم كانت مقياس جمالك يا ملكة الجمال. ومن كانت ~~رعيتك؟ ~~- أوه، لا تسل يا سيدي، تألب حولي ألوف من الشبان الظرفاء الوجهاء الأغنياء ينظمون ~~الأشعار في وصف جمالي، ويتبارون في تبجيلي، ويتفانون في استرضائي. ~~- إذن، ما كان أسعدك في مملكتك! ~~- آه، إلا السعادة يا سيدي، كنت أطمح إليها فلا أجدها إلا سرابا خلابا. ~~- عجبا! أجمال بلا سعادة! إذن، لماذا الجمال؟ ~~- لم يكن الجمال إلا مشقيا لي، كنت أحسد وردة الربيع؛ لأنها كانت تجد شابا أنيقا ~~يضعها على صدره، وأما أنا فلم أجد ذلك الشاب الأنيق الذي يستحق أن يضع ملكة ورود الجمال على ~~صدره، فمضت بضع سنين والطلاب يتوسلون وأنا الملكة أتمنع، والخطاب يتضرعون وأنا أتدلل، ~~إلى أن تقدم لي نبيل سري غني وجيه ذو نفوذ، فألح على أهلي أن أقبله زوجا قبل أن ~~تذهب نضرة شبابي سدى، فأذعنت وتزوجت ذلك النبيل واثقة أني سأكون سعيدة معه، وما لبثت أن ~~وجدت نفسي في بيئة لا ينقصني فيها شيء من الرخاء والرفاه والعز والمجد، وإنما كان ينقصني ~~شيء واحد ... ~~- ما هو؟ ~~- ملكي، شعرت أني فقدت ملكي، لم أعد أشعر أني ملكة، شعرت أني أصبحت أسيرة الزواج، ~~شق علي الأمر جدا؛ لأني لم أستطع أن أكون ملكة ذات سلطان على زوجي، ذهب ملكي هباء، ~~أدركت أن السعادة ليست بالجاه ولا بالمال ولا بالترف. ~~- إلى الآن لم أفهم ما الذي كان ينقصك. ~~- الحب، شعرت أن هناك شيئا آخر يكفل السعادة وهو الحب، ولكني لم أكن أحب زوجي كل ~~الحب. ~~- لماذا؟ ~~- لم أجده مثلي الأعلى، لم أجده يقدر جمالي حق قدره، لم أجده يذعن لسلطان دولتي، لم ~~أعد أشعر أني ملكة حتى ولا في بيتي، فصرت أتوق إلى الحرية التي تمتعني بالحب التام. وقع ~~النفور بيني وبين زوجي وصرت أتمنى فراقه، ولكن بحسب شريعتنا لا فراق إلا بالموت، فما نجوت ~~من أسري الزواجي إلا بموته، كأن الله أشفق على نفسي فعتقني منه، وصرت حرة، بحثت ms05 عن الشخص ~~الذي كنت أشعر بحب له منذ حداثتي، وما حرمني إياه إلا تاج الجمال، بحثت عنه فقيل لي أنه ~~انتظم في سلك الرهبنة؛ فيئست ولم أجد مفرا عن يأس إلا أن أترهب أنا الأخرى أيضا، فأويت ~~الدير وعكفت على العبادة والتوبة. # فضحك القديس وقال: أظن أن حبيبك هذا كان الأب الجليل سلفاستروس بعينه، وقد ترهب لما ~~علم أنك تزوجت ذلك النبيل، فحذوت حذوه. ~~- هو كذلك يا سيدي. ~~- كيف عرفت أنه ترهب لهذا السبب؟ ~~- لما كان يرشدنا في الرياضة الروحية باح لي بذلك حين كنت لديه في كرسي الاعتراف، ~~وأخبرني أنه لأجلي ترهب لكيلا يدنس قلبه بحب امرأة أخرى، وبقي يحبني حتى بعد ~~الرهبنة. # فقال القديس مستغربا: حتى بعد الرهبنة؟! ~~- نعم، قال لي حينئذ بصراحة: «لا أزال أحبك.» فقلت له: «حرام يا أبانا؟» فقال: «ليس ~~حراما؛ أما قال يسوع: «أحبوا بعضكم بعضا.» إني أحبك حبا طاهرا كما قال يسوع.» ثم ~~قبلني، فاقشعر بدني وقلت: «حرام يا أبتي.» فقال: هي قبلة مقدسة يا ابنتي؛ أما قال بولس ~~الرسول: «قبلوا بعضكم بعضا قبلات مقدسة؟» ثم مضيت عن كرسي الاعتراف، وأنا أفكر بالقبلات ~~المقدسة، وبقيت القبلات المقدسة تلوح في مخيلتي إلى أن سمعت بانتحار أبينا الراهب ~~سلفاستروس، فحزنت عليه حزنا عميقا، وبقي لي رجاء أن أجتمع به في السماء ولكن خاب ~~أملي. ~~- كفى، كفى يا بنيتي، إذا كان الديان قد رحمه، فهو في المطهر الآن يكفر عن قبلته ~~المقدسة. ~~- إذن، هل تسمح أن تستدعي بولس الرسول الموعز بالقبلات المقدسة، عسى أن يرشدني إلى منزلي ~~في السماء. ~~- أتأسف أن أقول لك يا بنيتي إنه لم يعد لك منزل هنا. ~~- عجبا! لماذا؟ لقد أتممت واجباتي الدينية، حتى إني ساعة احتضاري سمعت الأخوات والأب ~~الذي مشحني يقولون: «إنها ذاهبة إلى السماء قديسة.» وقد أبلغني بعض الأبرار الذين صادفتهم ~~في الطريق أني تعينت قديسة منذ فراقي الدنيا، وظهرت عجائب باسمي، ولي في الدير مقام قديسة ~~يزوره الناس بنذور حيث يتوقعون عجائبي فيهم. # فقال القديس مدهوشا: عجائبك! مرحى ms06 مرحى، إذن تشاركين الباري في قدرته. ~~- كذا أخبرني الأبرار الذين صادفتهم في الطريق لاحقين بي بعدي. ~~- عجبا أن يكون لك عجائب، ولا تدرين بها إلا بالخبر عن ألسنة الأبرار الذين تبعوك بعدك. ~~فماذا كان من عجائبك؟ ~~- قيل لي: إن امرأة كانت مريضة، وقد يئس من شفائها نطس الأطباء، فلما نذرت لي ~~شفيت. ~~- مسكينات المريضات الأخريات اللواتي يئس من شفائهن نطس الأطباء، ولم ينذرن لك. لا ريب ~~أنهن قضين نحبهن مأسوفا على شبابهن. ثم ماذا؟ ~~- نذرت لي امرأة أخرى حلية ذهبية إذا كان زوجها يتوفق إلى وظيفة يرتزق منها، فتوفق بعد ~~عطلة عام. # فقال القديس باسما: لقد أحسنت زوجته في نذرها، وإلا لبقي زوجها بلا وظيفة كل عمره. ترى ~~لأية القديسات الأخريات نذرت زوجات الأزواج الآخرين الذين توفقوا إلى وظائفهم؟ ثم ~~ماذا؟ ~~- ونذر آخر أنه يقدم لمقامي عشرة جنيهات إذا تزوج من يحبها وتحبه، ~~فتزوجها. # فقهقه وقال: لقد انفرجت أزمة الزواج إذن. ما على العشاق إلا يسخوا بالنذور لك يا موحدة ~~قلب الأحباب. ثم ماذا؟ ~~- ونذرت امرأة حلية من حلاها المسروقة إذا ردت إليها، فعثر البوليس على السارق، ~~واسترد لها حلاها. ~~- مرحى مرحى، ما على البوليس إلا أن يعلق أيقونتك في دائرة الشرطة فتسهل عليه مهمته، ولكن ~~إذا سرق لص بعض تلك النذور النفيسة من مقامك، فلمن ينذر أهل ذلك المقام بغية العثور على ~~السارق يا ترى؟! # فترددت الأخت جوكوندا، ولم تحر جوابا، فسأل: وماذا كان من أعجب عجائبك أيتها ~~القديسة؟ ~~- حدث قيظ وتأخر المطر طويلا في فصل الشتاء، فنذر الفلاحون عدل الغلال لمقامي إذا نزل ~~المطر، فأمطرت السماء. ~~- لله درها من أعجوبة، لولاها لانقضى الشتاء بلا مطر. ثم ماذا؟ ~~- روى لي الراوون كثيرا من عجائبي، لم أعد أتذكرها كلها. ~~- إن أعجب عجائبك يا بنيتي أنك تفعلين العجائب، ولا تدرين بها إلا من الرواة الذين ~~يأتون بعدك، وماذا كان مصير تلك النذور؟ ~~- قيل لي إن سارقا سرقها. ~~- سرقها سارق؛ عجبا! أما خاف غضب أيقونتك؟! ~~- إذا كان لا يخاف غضب يسوع، فهل ms07 يخاف غضب أيقونتي؟! ~~- لا يسوع ولا سائر الرسل والأنبياء فعلوا من العجائب ما فعلت يا بنيتي. ~~- ويلك يا سيدي، لا تجدف، لقد فعل الرسل والأنبياء ويسوع عجائب لا يفعلها الخطاة ~~مثلي. ~~- لا، لا لم يفعلوا مثل هذه العجائب البتة. أعظم أعجوبة فعلها يسوع هي قوله: # أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى من أساء إليكم. # وأعظم أعجوبة فعلها محمد هي: نداء للعالم بوحدانية الله، وأعظم أعجوبة فعلها ~~موسى أنه استطاع أن يقضي 40 سنة يقود بني إسرائيل لعبور برية سيناء إلى أرض الميعاد، على ~~حين أن القافلة لا تطيق عبورها في أكثر من ستة أيام، والطيارة في سويعات والراديو في ~~لحظة، فأين هذه العجائب من تلك التي رواها لك الرواة؟! # فبقيت جوكوندا مفكرة برهة، ثم قالت: إذن لم يعد لي منزل في السماء؟ هل القديسات ~~اللواتي أعددتم لهن منازل فعلن عجائب أعظم من عجائبي؟ ~~- كلا، لم يفعلن عجائب قط، ولا تعين قديسات على الأرض كما تعينت حتى، ولا عرف ~~أحد أنهن قديسات. ~~- إذن لماذا أحرم منزلا في السماء. ~~- لا تحرمين منزلا، وإنما على الذين عينوك قديسة أن يعدوا لك منزلا في ~~ملكوتهم. ~~- ويحي! إذن لست قديسة من قديسات السماء، هل خدعني الذين قالوا إني قديسة؟ ~~- بل أنت قديسة ساذجة القلب. ~~- إذن لماذا لا تقبلونني في السماء؟ ~~- لأنك تعتقدين أنك ملكة، والسماء لا تسع ملكين، بل يكفيها ملك واحد. ~~- إذن لماذا جاء بي الملاكان إلى هنا؟ ~~- لكي تسمعي حكم الديان عليك. ~~- ماذا حكمه يا سيدي؟ ~~- حكمه أن تذهبي إلى المطهر؛ حيث تخلعين عنك تاجك، وحيث تنتهين من عجائبك، ثم تعودين إلى ~~هنا. ~~- ويحي! لقد كنت مغرورة مخدوعة. أتوب عن تاج ملكي وعن عجائبي يا سيدي. ~~- ليس هنا مكان التوبة يا بنيتي. ~~- إذن أعود إلى الأرض. ~~- لقد انتهى أجلك على الأرض، فتعودين إلى المطهر الذي أعده الديانون الأرضيون لأمثالك؛ ~~فاذهبي إلى حيث حكم عليك ديانوك. # وفي الحال تقدم لها ملاكان وحملاها، وهبطا بها إلى المطهر، وألقياها عند بابه. # | الفصل الثاني # وجدت الأخت جوكوندا ms08 نفسها لدى باب قاتم بلا مصراعين، في سور شامخ مبني من حجارة قاتمة، ~~فتقدمت إلى الباب، وأجالت نظرها وهي هالعة القلب، وإذا الأب سلفاستروس مقبل، فما وقعت ~~العين على العين حتى أسرع إليها مرحبا: أهلا وسهلا أيتها الصديقة البارة، لقد أنبئت ~~بقدومك فتعالي. # فقالت باكية: ويحي من عذاب المطهر يا أبي. ~~- لا تفزعي، لا عذاب هنا إلا الملل والضجر. ~~- الملل والضجر فقط! ~~- نعم، وهو عذاب كاف، عذاب ألوف السنين. ~~- ويحي! إن الراهبات في الدير يصلين لأجلي لكي تقصر سنو مطهري. ~~- ويحهم! إنهم بصلاتهم يزيدون سني مطهرك، أما زعموا أنك قديسة عجائب، وأنك منتقلة إلى ~~السماء؟ فلماذا الصلاة لأجلك إذا كنت في السماء؟ وهل أحكام الديان خاضعة لصلاتهم؟ ~~- لقد انخدعت يا صديقي سلفاستروس، انخدعت. ~~- وهنا عقاب الانخداع، فتعالي نصل ونتوسل إلى الله. # فطاف بها الأب سلفاستروس على جماعات المتطهرين، وهم يصلون ويتضرعون، واشتركا مع جماعة ~~منهم. ~~••• # انقضى زمان حتى ملت الجموع الصلاة، وتفرقت هنا وهناك أزواجا وفرادى، وسلفاستروس يقود ~~صديقته جوكوندا بين الجموع إلى أن قال لها: ستعقد في جهنم غدا حفلة نادرة، فلنذهب ~~ونشاهدها. ~~- ويحك! كيف نذهب إلى جهنم حيث النار المتقدة والعذاب الذي لا يطاق؟! # فقهقه سلفاستروس وقال: لا تخافي ليس عذاب جهنم النار، بل عذابها الشر الأبدي. ~~- لا، لا، بربك دعني في مطهري، دعني بعيدة عن شر جهنم. ~~- نحن لا نشترك مع أهل جنهم بشرهم، بل نمكث في شرفة نطل بها على أهل جهنم ونشاهد ~~الحفلة. ~~- لا لا، لا أذهب، لا أذهب إلى هناك. ~~- لا تخافي ليس في المشاهدة أذى، كثيرون يذهبون كل يوم من هنا إلى هناك للمشاهدة، حتى ~~أهل السماء يزورون شرفات جهنم؛ لكي يروا الفرق بين شقاء جهنم وسعادة السماء، ألا تذكرين ~~حكاية الغني الذي شاهد اليعازر في حضن إبراهيم، واستغاث بإبراهيم عسى أن يرسل اليعازر ~~ليبل بطرف أصبعه لسانه بالماء، إن هذه المشاهدة تجعلنا نعجل بالتوبة لكي نصعد إلى ~~السماء. تعالي لا تخافي. # وما زال يقنعها إلى أن اقتنعت، فتمشيا إلى بوابة أخرى للمطهر، ms09 حيث رأت جوكوندا رهطا من ~~الجن يحفون حول منطاد عظيم جدا. # فقالت مذعورة: ما هذا يا سلفاستروس؟ ~~- هذا هو أحد المناطيد التي تنقل أهل المطهر إلى جهنم، وهؤلاء الجن هم الذين يتولون أمر ~~المنطاد. ~~- عجبا! هل اخترع الجن مناطيد. ~~- بل تعلموا صنعها من أهل الأرض، هلمي قبل أن يمتلئ المنطاد ولا يبقى لنا محل، فنضطر أن ~~ننتظر منطادا آخر، وقد يفوتنا مشهد الحفلة. # ودخلا إلى المنطاد، وجلسا على مقعد واحد، فقالت له: ما هو شأن هذه الحفلة ~~الجهنمية؟ ~~- يقال إنها حفلة انتصار الشياطين في إثارة الحرب العظمى على الأرض وفوزهم فيها. ~~- يا للعجب! إذن كان الحلفاء شياطين لأنهم انتصروا. # فقهقه سلفاستروس وقال: لم ينتصر الحلفاء، ولا ألمانيا وحلفاؤها انتصروا، بل جميعهم خسروا ~~الحرب، والمنتصرون هم الأبالسة فقط. ~~- لا أفهم ماذا تعني؟ ~~- أعني أن الحرب انتصرت على السلم، والشياطين أعداء السلم وأنصار الحرب، أليست ~~الحرب كارثة للجنس البشري وويلا للغالب وللمغلوب جميعا؟ ~~- بلى. ~~- إذن، نجح بها الأبالسة. # ثم نهض المنطاد وانساب في الفضاء، وما هي إلا فترة حتى جعل يهبط إلى أن استقر عند شفا ~~هاوية، وخرج الركاب إلى أرض صخرية كالحة سوداء، فتمشى سلفاستروس وجوكوندا إلى أن بلغا إلى ~~صف طويل من الشرفات المطلة على الهاوية فمكثا فيها، وأطلت جوكوندا وقالت مبهوتة: ما هذا! ~~إني أرى مدينة عظيمة وأبنية شامخة وشوارع؟ ~~- هذه مدينة الأبالسة، عاصمة بعلزبول زعيم الشياطين. ~~- يا للعجب! هل يحذق الشياطين فن البناء أيضا. ~~- تعلموه من ضيوفهم الأشرار الأرضيين. ~~- أرى سيارات وترامات وأسلاكا ... ~~- نعم، ترين كما في جهنم كذلك على الأرض، لقد اقتبس الخطاة الأرضيون كل ما عرفوه على ~~الأرض، فصنعوا مثله في جهنم، وكلما جاء فوج جديد من الأرض اصطنع في جنهم ما جد على الأرض ~~من الاختراعات. ~~- إذن هم يتمتعون بجميع محاسن الأرض، فكيف يتعذبون؟! ~~- يتعذبون بشرورهم، واختراعاتهم تزيدهم عذابا، وهو عذاب أبدي. أليس أهل الأرض أيضا ~~يزدادون بؤسا وشقاء بازدياد معارفهم واختراعاتهم؟ ~~- إذن، رأيك أن العلم والمعرفة سبب الشقاء. ~~- لا، بل رأيي أن سوء استعمال ms10 الناس العلم والمعرفة هو السبب؛ فالأفراد الذين يستخدمون ~~العلم لاستثمار أتعاب الأفراد، والأمم القوية التي تستخدم العلم لاستعمار الأمم الضعيفة، ~~هؤلاء هم الذين يسببون الشقاء والبؤس، وكما فعل هؤلاء على الأرض جاءوا يفعلون هنا، وجاءوا ~~يستعمرون جهنم ويبتزون أهل جهنم. # ما اكترثت جوكوندا كثيرا بهذا الشرح كأنها لم تفهمه؛ ولذلك اقتضبته قائلة: ولكن أين ~~الحفلة؟ ~~- الحفلة ستعقد هنا تحت في هذا الميدان العظيم الذي نشرف عليه، ألا ترين هناك ديوان ~~بعلزبول منصوبا؟ وسيمثل أمامه كبار الرجماء الذين قاموا بمهمة الحرب، والجموع تحف حول ذلك ~~الديوان لتشاهد الحفلة. # | الفصل الثالث # وكانت طلائع الموكب جوقة موسيقية يتقدمها سرب من الراقصات، فلما بلغ الموكب إلى أول ~~الميدان اختلجت جوكوندا وقالت: الموسيقى أيضا وعهدي بالموسيقى أنها وجدت لتسبيح الباري ~~تعالى وتمجيده. # فقال سلفاستروس: ولكن البشر جعلوها من جملة أسلحة الحرب، والشياطين اقتبسوها من ~~البشر. ~~- إن فؤادي يخفق لهذا اللحن، وأشعر برعشة في بدني، كما كنت أشعر حين تعزف الموسيقى في ~~الكنيسة. ~~- إنه لحن حماسي، هو لحن النصر في الحرب، ولعله مقتبس من ألحان الكنيسة. ~~- تبا لهم وألف تب، يدنسون لحن الكنيسة الطاهر، أكره البقاء هنا يا عزيزي، هلم ~~نرجع. ~~- لماذا لا نحول نحن هذا اللحن إلى تسبيح الباري وتمجيده؟ «وكل يغني على ~~ليلاه». ~~- هذا الرقص يشبه الرقص الروماني الذي كنا نرقصه في المدرسة، كما رقصه داود النبي - عليه ~~السلام - أمام تابوت العهد، فهل هؤلاء الراقصات كن راهبات فأثمن؟ ~~- بل هن فنانات التاريخ اللواتي جعلن الرقص عبادة في هياكل الجمال البشري، معابد الشهوات ~~البهيمية، فحرم لأجلهن الرقص في المساجد الدينية. ~~- يتراءى لي أن تلك الراقصة الأولى تشبه القديسة تيودورة الملكة زوجة الملك ~~جستين. ~~- بل هي هي بعينها. ~~- لا أصدق، لا يمكن أن تنزل قديسة إلى جهنم لكي ترقص فيها. ~~- بالطبع لا، ولكن تيودورة هي التي أمرت بأن تعين قديسة، فنفذوا أمرها بعد موتها، وهي ~~قديسة جهنمية. ~~- هل تعرف تلك الراقصة الأخرى؟ ~~- أظنها كليوبترا، وأظن الثالثة ... ~~- تبا لهن جميعا، كان يجب أن يكن راقصات في السماء ms11 أمام العرش الإلهي للتمجيد ~~والتسبيح. ~~- أظن عرش بعلزبول أكثر احتياجا للرقص يا عزيزتي، وأما عرش الله فالكون كله تسبيح وتمجيد ~~له. ~~••• # ثم تلا جوق الموسيقى والرقص صفوف من جنود الزبانية، فدخلوا إلى الساحة، واصطفوا في ~~جوانبها، ودخل الموكب البعلزبولي، فقالت جوكوندا: ويحهم! ما هذا الهودج العظيم على أكتاف ~~هؤلاء المردة؟ ~~- هو عرش بلعزبول ملك الشياطين، والذين يمشون وراءه هم الرجماء، كقولك وزراء الدولة ~~والحكام والموظفون الكبار. ~~- ويل لهؤلاء الملاعين؛ ملك ووزراء ودولة! كأنهم ذوو نظام. ~~- طبعا نظام شيطاني تعلموه من أهل الأرض. ~~- ويحهم من أشرار! أما كان أحرى بهم أن يكونوا رجال دولة السماء يسبحون الله؟ ~~- وهل تريدين أن تكون جهنم بلا سكان. ~~- نعم، نعم، كان يجب أن يكون جميع الخلائق في السماء يسبحون. ~~- يظهر أن السماء لم تعد للجميع، فتعين منذ الأزل فريق للسماء وفريق لجنهم. ~~- إذن لم يكن الناس أحرارا في اختيار إحداهما. ~~- صه، صه، لا تدخلي في هذا البحث لئلا تكفري بنعمة الله. احمدي الله أنك ستكونين من ~~الفريق الأول. ~~••• # ووضع عرش بعلزبول في إيوانه المرتفع، وامتثل أمامه كبار الرجماء، ووقف وراءهم بعض ~~مشاهير الأرضيين، وكان سلفاستروس يسمي بعضهم لجوكوندا؛ انظري ذاك نيرون، وذاك إسكندر ~~الكبير، وذاك نبوخذ نصر، وذاك نابوليون، وهذاك رسبوتين، وذاك جزار عكاء، وسنرى من هم ~~الآخرون. ~~- كيف عرفت من ذكرت أسماءهم؟ ~~- من أزيائهم ومن رسومهم التي شاهدتها. ~~••• # وتكلم بعلزبول قائلا: النصر النصر، ما ألذ النصر! بعد جهاد ألفي سنة، ألفا سنة قضيناها ~~في الاستعداد لهذه الحرب العالمية التي زعزعت أركان السلام، السلام الذي قال به رب السلام ~~على الأرض، وكان نصرنا عن أيدي المنتمين إليه، فهل هناك نصر أعظم من هذا؟! # وكانت إلى جنب بعلزبول عقيلته المتوجسة، فقالت: إنه لنصر عظيم ولكنه ناقص ... # فسألت جوكوندا صديقها سلفاستروس: من هذه المتكلمة إلى جنب الملك الجهنمي بعلزبول؟ # فأجاب سلفاستروس: هي فينوموس زوجة بعلزبول الداهية، التي تزيت بزي أفعى، وأغوت جدتنا ~~حواء، ألا تذكرين الحكاية؟ ~~- وي، وي، لعنة الله عليها، هي سبب الشر كله، لا أطيق ms12 أن أراها، تتراءى لي أنها تتلوى ~~كالأفعى الآن. ~~- هو الغنج الذي اكتسبته بنات حواء من هذه الملعونة. # وكان جواب بعلزبول على قول زوجته: نعم، إنه نصر ناقص ولكنه سيتم بحرب أخرى لا تبقي ولا ~~تذر، فصبرا يا عزيزتي، نعم تزلزلت أركان السلام، ولكن صرح السلام لم يتهدم بعد، يجب أن ~~يتهدم وأن تتبعثر أنقاضه، ولي أمل عظيم بهمة فيرومارس وزير الحرب، وانفنتوروس وزير ~~الاختراع، وجستوروس وزير القضاء، وأرجنتوس وزير المال، وسائر الوزراء النشيطين؛ أننا سنهدم ~~مملكة السلام على الأرض، ونبني على أنقاضها مستعمرة جهنمية عظيمة، تناظر مملكة السماء، ~~ونقيم إمبراطورية هائلة تغزو إمبراطورية السماء. # فصاحت جوكوندا: ويحك يا سلفاستروس! سيغزون ملكوت السماء، فإلى أين نهرب؟ ~~- نبقى في المطهر، فلماذا أنت خائفة؟ ~~- وأهل السماء إلى أين يهربون؟ ~~- يرتفعون إلى سماء أخرى أعلى وأمجد؛ لأن أبانا الذي في السموات عنده سماوات كثيرة ~~لأبراره. # فتنفست جوكوندا الصعداء، وقالت: لقد طمأنتني، وإنما ستصبح الشقة بين المطهر والسماء ~~العليا أبعد. ~~- وماذا يهمك إذا كانت الملائكة تحملك ولا تتعبين؟ على أني أطمئنك بأن أهل جهنم لا يقدرون ~~أن يغزوا السماء حتى ولا الأرض، بل أهل الأرض يغزون جهنم، إن بعلزبول «يفشر ويمعر» لكي ~~يستفز جنوده ليس إلا. # وكان بعلزبول لا يزال يتكلم ويقول: وما بغيتنا الرئيسية من هذا الاحتفال إلا أن نسمع ~~تقارير رجالنا العظام، الذين جاهدوا في هذه الحرب الشعواء، ونترنم بأعمالهم البطلية ~~المجيدة، ولكي نكافئهم على جهادهم الشريف المقدس. # فوكزت جوكوندا سلفاستروس، وقالت: ويحك! اسمع ما يقول هذا البعلزبول الملعون، جهاد شريف ~~مقدس! كبرت كلمة خرجت من فمه النجس الرجس الدنس. # فضحك سلفاستروس وقال: أما سمعت مثل هذا الكلام من أهل الأرض كثيرا، أما سمعته ممن ~~صاروا ضيوف جهنم، أما سمعت ساسة الأرض وحكامهم يستنفرون العامة الجهلة الساذجين إلى ~~القتال وسفك الدماء وترميل النساء وتيتيم الأطفال بأغاني الجهاد الشريف المقدس؟ أما كان ~~أحد الملوك يحمل أيقونة في مركبة، ويطوف بها في الشوارع لكي يستثير شعبه للحرب؟ أوما كان ~~رجال الدين يرافقون الجنود إلى ساحة ms13 الحرب لكي يصلوا لهم ويدعوا لهم بالنصر، كأن الحرب عمل ~~شريف مقدس. فبعلزبول لم يخترع الشرف والقداسة من عنده، إنما هو يقتبس لغة شياطين ~~الأرض. # وتابع بعلزبول كلامه قائلا: وبعد ذلك نبحث في المشروع الأعظم الذي نقضي به على مملكة ~~السلام الأرضية القضاء الأخير، ولا بد أن يكون وزرائي قد استفادوا في هذه الحرب اختبارات ~~كثيرة، وعلموا من السياسيين والحربيين والعلماء الأرضيين فنونا جديدة، يمكننا استخدامها في ~~الحرب القادمة، فلنسمع أولا تقرير عزيزي وزير الحرب فيرومارس، وكيف كانت براعته في ~~التنكيل والتدمير. # فاعترض أرجنتوس وزير المال قائلا: أظن حسن الترتيب يقتضي يا سيدي الزعيم أن نسمع أولا ~~تقرير مسبب الحرب. # فتلفت بعلزبول هنا وهناك وتلفت الجميع من حوله لكي يعلموا إلى من يشير أرجنتوس، إلى أن ~~قال: من هو مسبب الحرب؟ لا أدري أن هنا رجيما خاصا لهذه المهمة، كلنا سعى إلى الحرب ~~وهيأ أسبابها. # فقال أرجنتوس: نعم، كلنا نسعى إلى هذه الغاية الشريفة، ولكن بيننا من اختص بالقسط الأكبر ~~من هذا المسعى الحميد. # فقالت جوكوندا لصديقها: اسمع، اسمع، يقول هذا اللعين: «بالسعي الحميد»! وهل يعرف هؤلاء ~~الأشرار شيئا حميدا؟! # فقال سلفاستروس: طبعا، وهل شيء أحمد من الوصول إلى الغاية المنشودة، أما كان سعي يسوع ~~إلى الصليب حميدا؟ فلماذا لا يكون سعي اليهود إلى صلبه حميدا أيضا؟ إن الحميد شيء نسبي ~~يا عزيزتي، وقد شرح أينشتاين النسبية لكي نفهم كيف يكون سعي الأبالسة إلى الحرب ~~حميدا. ~~- من أينشتاين هذا؟ ~~- هو أعظم إبليس من أبالسة العلم والفلسفة، كاد يستكنه سر الوجود المادي، ويظفر بالمبدأ ~~الأول الذي يتوارى الخالق عز وجل وراءه عن أبصارنا. ~~- لله دره، إن الذي يعلن قدرة الله يجازى في السماء بأفضل منزل. ~~- من قال لك أن الله يرضى أن يعلن عنه مخلوق، إن إعلان ذاتية الله لأعجوبة أعظم من ~~عجائبك مليون مليون مرة. ~~- إذن أيريد الله أن تبقى ذاتيته مجهولة؟ لا بد من مخلوق يختاره الله ليظهرها. ~~- لقد اختار الله لإظهارها نبيا، ومع ذلك لم يستطع ذلك النبي ms14 أن يظهرها إلا ~~بالإشارة. ~~- من هو؟ ~~- داود النبي القائل:السماوات تحدث بمجد الله، والفلك يخبر بعمل يديه. فهل لإعلان ذاتية ~~الله أبلغ وأفصح من هذا الشعر البديع الفلسفي؟! # | الفصل الرابع # وكانت فينوموس عقيلة بعلزبول تتلوى وتتغنج إلى جنبه، وتضحك صاهلة كالفرس البطراء حين أشار ~~أرجنتوس إليها قائلا: هذه الملكة العظيمة هي ذات القسط الأعظم من السعي الحميد إلى حدوث ~~الحرب، بل هي وحدها التي سببت الحرب، فنود أن نسمع تقريرها أولا. # فالتفت بعلزبول إليها باسما وقال: يا للتواضع الكلي! يا للوداعة! يا لإنكار الذات! ~~أتقومين بأعظم مهمة في الحرب، ولا يدري بما فعلت أحد غير أرجنتوس يا عزيزتي؟! # فقال أرجنتوس: لقد دريت مصادفة يا مولاي؛ لأنها كانت تحتاج إلى المال في بعض الأحوال ~~فأخلقه لخدمة غرضها. ~~- مرحى، مرحى، يا ذات الدهاء، قصي علينا كيف أثرت الحرب، فإن حديثك سيكون أندر حديث ~~وأفكه خبر في هذه الحفلة، إن صوتك العذب ترنيم مطرب، قصي فنترنم. # فوقفت فينوموس وهي تتمايل بغنج ودلال، فتمثل فتنة النساء للرجال، وعيناها تغامزان ~~الأبطال، كأن نظراتها ومضات كهرباء تهز الأعصاب، وتحرك الأكف للتصفيق، ثم رفعت يديها كأنها ~~تبارك، فخشع الجمع، وكفت الأكف عن التصفيق، ثم طفقت تتكلم بصوت معدني رنان: كيف يغزو البحر ~~اليابسة فيفتت الصخور؟ بتلاطم الأمواج. وكيف تتلاطم الأمواج؟ بهياج البحار. وماذا يهيج ~~البحار؟ عصف الرياح. وبماذا تعصف الرياح؟ بتغلغل الحرارة فيها، الحرارة شهوة في الهواء. ~~فالشهوة علة العواصف التي تثير الأمواج؛ لذلك قبضت على عنان الشهوات، وجعلت أبذرها في ~~القلوب، فإذا بأقوى القلوب أكثر نموا وخصبا، وإذا بالذكور أحر شهوة وأشواقا للإناث، ~~وإذا بالإناث أوفر جمالا وأعطف على الرجال، وإذا بالجمال فتنة للرجال وبالبطولة فتنة ~~للنساء. # الشهوات هاجت الرجال لاقتناء الجمال، والشهوات حمست النساء لابتداع الجمال، فالمرأة ~~مصنع الجمال، والرجل مصنع المال، تلك تبيع وهذا يشتري، والشهوات تبتلع ولا تشبع، وعواصف ~~الجمال تثير لجج المال، والفريقان يتصادمان بلا ملال. # في إبان ذلك الصدام العنيف وقعت القلوب الشديدة تحت سنابك خيل الفلوس، والقلوب الضعيفة ~~تحت أقدام فنون ms15 الحسن، وأصبح الرجال عبيد الحسن، والنساء أسيرات الذهب. # الرجال يقتتلون لأجل الثراء آسر النساء، والنساء يتنافسن في فنون الجمال فاتن ~~الرجال. # هكذا نشأت الحروب بفعل فاعلين: المال والجمال. ومصدر الفاعلين واحد، وهو ~~الشهوة. # عنان الشهوة في يدي. # فصاح بعلزبول: مرحى، مرحى يا ذات الدهاء ملهمة النساء! # عند ذاك دوى المكان بالهتاف: فلتحي فارسة الشهوات القابضة على عنان اللذات. # ثم ارتفع صوت من الجمع قائلا: الشهوة عاصفة ريح فكيف لربة الدهاء أن تقبض على ~~الريح؟ # فسرحت فينوموس بصرها في الجموع باسمة بسمة مكر ودهاء، ثم قالت: من أغوى أم البشر أن ~~تقطف ثمرة من شجرة الخير والشر؟ ومن زين لها اللذة المودعة في تلك الثمرة؟ ومن أغوى أبا ~~البشر أن يحمل رفيقته على عاتقه لكي تصل إلى الثمرة وتقتطفها؟ ومن زين له الفتنة ~~المودعة في تلك الرفيقة؟ إن القوة والفتنة قد تعاونتا على اقتطاف اللذة، ذاقتها حواء ثم ~~أذاقت آدم، فاستطاباها ثم تناهباها. من ذلك الحين أصبحت تلك الثمرة المشتهاة التي لا تجنى ~~إلا بالقوة والفتنة معا، متنازع البشر، تلك الشهوة المزدوجة الفعل مالا وجمالا، أثارت ~~سلسلة الحروب التي لا تنتهي، هكذا أثرت الحروب منذ مقتل قايين إلى مقتل الجندي ~~المجهول. # وانبرى جستوس الفيلسوف وزير القضاء وقال: عفوا يا ذات السناء والذكاء، أما كان في طوقك ~~أن تغري زميلتك أم البشر بثمرة غير التفاحة؟ # فبدر القول على لسان فينوموس: وما عيب التفاحة؟ ~~- بالتفاحة دخل الخير مع الشر إلى الإنسانية، أفما وجدت ثمرة ذات شر بلا خير كالجوز ~~المقيء # Nux Vomica # ذي السم الزعاف المسمى ستركنين أو ~~كثمرة الأفيون مثلا؟ # فتبسمت فينوموس ابتسامة استهزاء وقالت: لا بدع أن يغرب عن بال فيلسوفنا جستوس ما غرب عن ~~بال الفيلسوف أرخميدس، حين طلب إلى العمار أن يبني كنا لكلبه وهرته المؤتلفين، فلما ~~أنجز العمار بناء الكن انتقده أرخميدس بقوله: هذا كن بباب واحد فقط لدخول الكلب، فأين ~~الباب لدخول الهرة؟ ... فأجاب العمار مستغربا: ألا تستطيع الهرة يا سيدي الفيلسوف أن ~~تدخل من حيث يدخل ms16 الكلب؟ فضحك الفيلسوف من غفلة نفسه، فهل غفل فيلسوفنا جستوس عن أن ثمرة ~~الجوز المقيء مرة المذاق دميمة النظر ومثلها ثمرة الأفيون، فكيف يمكن إغراء زميلتي أم البشر ~~أن تأكل الجوز المقيء أو جوزة الأفيون؟! وهل غفل فيلسوفنا أيضا عن أن هاتين الثمرتين لا ~~تخلوان من الخير؟! فتلك تقوي الفؤاد وهذه تسكن ثورة الأعصاب الأليمة، فلا أفضل من التفاحة ~~للإغراء؛ لأنها جميلة للنظر شهية للنفس. # فقال جستوس مداعبا: ولكن للتفاحة تاريخا غلب فيه الخير على الشر؛ فالتفاحة فتقت ذهن ~~نيوتن لاكتشاف ناموس الجاذبية، ذلك الناموس الذي وسع دائرة المعرفة وجعل قطرها ألف ضعف، ~~فانبثق منه ألوف صنوف المعارف والاختراعات التي أغدقت الخير على الجنس البشري، فكأنك ~~بإغرائك أم البشر بالتفاحة قد أتيت لنا بالخير خصما عنيدا وعدوا لدودا للشر. # فقهقهت فينوموس بالرغم من رزانتها وقالت: إني أحيل نظريتك هذه إلى الوزيرين فيرومارس وزير ~~الحرب، وأرجنتوس وزير المال؛ فهما يفندانها لك، ويريانك كيف أن المعرفة التي يتبجح بها ~~خلفاء نيوتن كانت خادمة الشر، وكيف أن مستحدثات العلم والاختراعات التي يفخر بها بنو ~~الإنسان تحولت إلى أدوات قتال ودمار. # فقال جستوس: بالرغم مما تعنين فإن إله الخير شرع يطارد إله الشر منذ أكل أبو البشر ~~التفاحة الأولى؛ لأنهما حالما تفتحت عيناهما وعرفا الخير والشر جعلا يخيطان من ورق التين ~~مئزرا لهما؛ لكي يسترا عورتيهما احتشاما. فليتهما لم يأكلا التفاحة ولا احتشما؛ لأن ~~احتشامهما كان أول طلائع الخير، ومنذ ذلك الحين أصبحنا منهمكين بمقاتلة الخير. # فقال فينوموس بقليل من الحدة: زه، زه، ما هذا المنطق المحذلق يا معلم، عذرا، أتريد أن ~~يبقى آدم وحواء ساذجين يسرحان ويمرحان في الفردوس إلى الأبد؟! كيف تستطيع إذن أن تحارب ~~ملكوت الإنسان وهو في الفردوس، وباب الفردوس يحرسه ملاكان مسلحان بسلاح لا يتقى، فإذا لم ~~يخرجا من الفردوس فكيف نحاربهما، أليس من خداع الحرب أن تستدرج الخصم ليخرج من حصته، ثم ~~تجاربه في ساحة الوغى! من طرد آدم وحواء من الفردوس؟ ~~- خالقهما لأنهما عصيا وصيته. ~~- لا، بل ms17 أنا طردتهما منه حيث سولت لهما هذه المعصية. ~~- وما فرية طردهما وقد خرجا مؤتزرين مستتري العورة، وهل ستر العورة إلا حشمة، وهل الحشمة ~~إلا فضيلة؟ وهل الفضيلة إلا ضرب من الخير؟ فكأنهما خرجا وفي قلبيهما حصن للخير لا يستطيع ~~سلاح الشر فتحه. ~~- بخ، بخ ... كيف تفسر ستر عورتهما بالحشمة يا معلم؟ ~~- إذا لم تكن هي الحشمة فماذا تكون؟! ~~- لم يكن مئزرهما إلا مولدا للفن، فمنذ طفق الإنسان يكتسي ولد الفن وجعل يترعرع، وهل ~~أناقة الأزياء والحلي والحلل والرياش إلا شعاب من الفن؟ وهل الغزل الشعري والغناء والرقص ~~إلا فروع من الفن؟ وهل التمثيل والتصوير والنقش والنحت إلا غصون من دوحة الفن؟ ~~- إنها لكذلك. # وهل الفن إلا ثمرة الحكمة، وهل الحكمة إلا فضيلة؟ وهل خير أعظم من خير الفضيلة؛ إذن الفن ~~خير أعظم الخير. # فقهقهت فينوموس، ثم قالت: وهل عري الترائب في الرقص ولف السواعد على الخصور، وإطباق ~~النهود على الصدور حشمة ففضيلة فخير؟ وهل نحت تمثال فينوس عاريا حشمة؟ وهل التغزل بأعضاء ~~البدن حشمة؟ أو هل ... إلى آخر ما تعلم من بدائع الفنون؛ هل في كل ذلك قصد الحشمة أم قصد ~~إثارة الشهوة؟! فما في ضروب الفن إلا التفنن في إثارة الشهوات، فلله در التينة التي انبثق ~~من خياطة أوراقها الفن، ولله در التفاحة التي انبثقت منها الحكمة، ورقة التين أم الفن وثمرة ~~التفاح أم الحكمة، غذتا الفن، وكلتاهما تجندتا تحت راية الشهوة. فالحشمة التي حسبتها خيرا ~~يا معلم ليست إلا ذئب الشر في جلد خروف الخير، كذلك كلما تقدم الفن خطوة نشطت الشهوات ~~خطوات في ميدان الخلاعة والتهتك، أليس الإنسان أشد غلمة وشبقا من جده الحيوان ألف مرة ~~وكرة؟! فكيف تريد أن تشب الحروب في ملكوت الإنسان إذا لم يكن في قلبه الخصمان الخير ~~والشر؟! # أيد واحدة تصفق؟! أبشطر واحد من الكهرباء يحدث تيار؟! إذا كان أحد غيري يستطيع أن يبتدع ~~شرا بلا خير فليتفضل، وأنا أتنازل له عن عرشي. ~~- عفوا ومعذرة يا مولاتي، لا تستائي من اعتراضي، فما ms18 هو إلا قبس ضئيل من بارع دهائك ~~وبالغ حكمتك. ~~- أجل لا يمكن أن يبتدع شر محض لا يمازجه خير، ولقد ابتدعت الشر، فعليكم أن تتجندوا له ~~لكي تقاتلوا الخير. تفضلوا أنبئونا ماذا فعلتم في حروب الشر والخير؟! # عند ذلك دوى المكان بالهتاف لملكة الدهاء. # | الفصل الخامس # وكان بعلزبول يترنح طربا من حديث عقيلته الفتانة فينوموس، فلما استوت على عرشها مزهوة ~~تيها وافتخارا، قال بعلزبول: نسمع الآن تقرير صاحب الصولة فيرومارس وزير الحرب، لا بد أن ~~يكون حديثا يشرح الصدر. # فوقفت فينوموس وقالت: أظن أن الترتيب الأنسب يقضي بأن نسمع صاحب الحنكة ميديوموس وزير ~~الخارجية والمواصلات؛ لأني أعتقد أن مساعيه الحميدة بين الجحيم والأرض كانت من أهم العوامل ~~في إثارة الحروب البشرية. # فوقف ميديوموس وطفق يتكلم: أرى لزاما علي أن أستهل خطابي بالثناء على سيدتنا المجيدة ~~ذات الدهاء؛ لأن أعمالها الحكيمة فتحت لنا الطريق العريض للسعي والعمل، فقد قبضت على ~~الشهوات وما زالت تبذرها في قلوب بني آدم وبنات حواء حتى خالطت منهم اللحم والدم، فأخرجت ~~شظأها في صدور النساء وأزهرت زهور فتنة وإغراء أخاذ في ملامحهن وسائر تصرفاتهن، ونبتت في ~~قلوب الرجال، فأمرعت وأينعت ثمار طمع وشره في ظاهرات نشاطهم، أما الفتنة فكانت ازورار الزور ~~في كحل عيونهن، وخطوط المين في تزجيج حواجبهن، وتلون الغايات في تفاح خدودهن وعندم شفاههن، ~~وحلاوة الخلاعة والتهتك في رمان نهودهن، ووقيد الشهوة في ميس قدودهن ونواحل خصورهن وارتجاج ~~أردافهن، وإيماآت الإغراء في أزياء ملابسهن، وبواعث الغواية في حليهن، وعاصفات الأشواق في ~~غمزاتهن وتمايل أعطافهن. # وأما نشاط الطمع والشره في الرجال فكان باديا في صلابة عضلاتهم، ومفتول سواعدهم، وحوافز ~~الطموح في شوامخ أنوفهم، ومغاور النهم فيما لا حد له من أطماعهم، وقواضم الافتراس في ~~جوارحهم، ومناسج الكيد في نزوات رءوسهم، ومعامل سلاح التنازع في خلايا أدمغتهم. # وصفوة القول أن فنون فتنتهن كانت عواصف تثير لجج نشاط الرجال اغتناما للمال بأي ~~الوسائل؛ لكي يقايض الآدميون بذهبهم الرنان جمال الحواءات الفتان، وبهذه المقايضة تتغذى ~~شهوات الفريقين ولكن ms19 بلا شبع . # إن شهوة الفريقين إذن هي المحرك لطلب المال والحرص عليه، إن هذه الشهوة التي زعزعت ~~ملكوت الإنسان كانت من بذار سيدتنا المبجلة ذات الدهاء فينوموس. ~~(وهنا دوى المكان بالتصفيق والهتاف لذات الدهاء)، هذا المحرك القدير للطمع بالمال مهد ~~لنا الطريق للعمل، فشكرا لسيدتنا الموقرة (هتاف لها)، فمنذ خرج أبو الإنسان من الفردوس شرع ~~الطمع يفعل فعله العجيب، شرع الراجم يستغل تعب المرجوم بألف أسلوب وأسلوب، ولا متسع لتعداد ~~الأساليب، ومعظمها يرجع إلى استخدام النعرة الدينية للاستغلال. باستخدام حمير المطامع ابتدأ ~~عملي. # فقال بعلزبول مقاطعا: هل تعني أنك جعلت المطامع حميرا يمتطيها الطامعون. ~~- لا يا مولاي، بل بالعكس، جعلت الناس حميرا تمتطيها المطامع، فكل مطمع يستكد حماره ~~بالموكز في حلبة السباق لكي ينال القسط الأوفر من الغنيمة؛ لذلك تجري حمر السباق، تتزاحم ~~وتتصادم ويثب بعضها على بعض، ويدوس قويها ضعيفها، وينهش لاحقها سابقها؛ لكي تملأ بطون ~~مطامعها من غنائمها. # فاعترض الفيلسوف جسنوف وزير القضاء قائلا: هذا يكون في حالة الفوضى، ولكن حميرك مارسوا ~~النظام حتى صار خلة لهم، فكيف كنت تفسد نظامهم؟! # فأجاب ميديوموس: لم أفسد نظامهم، بل بالعكس كنت أزين لهم حسن النظام والانتظام في ~~جماعات، لكي يتصادموا جماعات لا أفرادا؛ لأني لم أقنع بالربح القليل من «القطاعي»، بل ~~بالكسب الوافر من «الجملة»، وهكذا جعلت النظام بين الأفراد والفوضى بين الجماعات لهذه ~~الغاية. # فقالت فينوموس: لله درك من سياسي محنك، تستنبط الفوضى الكبرى من الأنظمة الصغرى، إنك ~~لصانع معجزة هي أغرب من لغز أبي الهول، فكيف حللت هذا اللغز؟! ~~- ضربة واحدة على المقتل يا سيدتي حلت اللغز، وهل ثمة مقتل أضعف من الدماغ، مهما تكن ~~الضربة هناك ضعيفة فهي تصرع. وماذا في الرأس غير العقيدة؟! لقد ضربت العقيدة ضربة واحدة ~~فتفتت إلى عقائد، وبتفتتها انقسمت الأسرة الإنسانية إلى أقوام تزعم كلا منها زعيم، ~~وكل زعيم يزعم أن عقيدته محض الحق والصواب، بل هي الشرط المستقيم المؤدي إلى النعيم ~~الأبدي، وبهذه الدعوى أخذ كل زعيم يستفز قومه للجهاد في ms20 سبيل العقيدة التي يدينون بها، ومن ~~هنا كان منشأ النزاع. # لقد كان لبني آدم إله واحد، ولكنهم بهذا الانقسام أصبحوا ولهم آلهة عديدة حجبت عنهم ذلك ~~الإله القوي الجبار، كما تحجب السحب الشمس، الشمس تملأ رحاب الكون نورا ولكن الذين تحت ~~السحب لا يرونها، بيد أنهم كانوا يغالطون أنفسهم ظانين أنهم يرونها وما هم راءون إلا ~~أوهامهم وغيهم الذي فيه يعمهون. # وكان الملكوت السماوي ميراثا للنوع البشري كله، فلما تفتت الأسرة البشرية بتفتت عقيدتها ~~صار كل زعيم يدعي الملكوت لقومه وحدهم، فراحت الأقوام وهي على الأرض تتنازع مملكة السماء، ~~ويقاتل بعضها بعضا لامتلاكها، حتى إذا غلبت أمة أمة أخرى احتلت الملكوت، ونصبت رايتها ~~فيه، وطردت الأمة المغلوبة منه. # فالجنة التي أعدها الله في السماء، وجعل الأنهار تجري من تحتها، واصطفى لها الأبرار من ~~عباده، أنزلها العباد إلى الأرض، وجعلوها ساحات للوغى تجري فوقها الدماء. # والملكوت السماوي الذي ملأه الله منازل لقديسيه اغتصبه وكلاؤه الأرضيون المزعومون، وعرضوه ~~للمساومة في سوق البيع والشراء. # فقالت فينوموس ضاحكة: أما قيل كما في السماء كذلك على الأرض؟ وكان الأصوب أن يقال كما على ~~الأرض كذلك في السماء. ~~- لكلا القولين مفاد واحد يا سيدتي؛ لأن تقسيم ملكوت السموات حصصا للعباد ألهى حمير ~~العامة عن تقاسم الخاصة الملكوت الأرضي، ففيما كان وكلاء الله من كهان وحكام يتناهبون أمتار ~~الأرض، كان حميرهم منهمكين بتقاسم أشبار السماء، والمحبة التي أقامها الله ناموسا ~~للإنسانية أطلقها عباده على البهيمة، فإذا بها تصبح ثوبا قشيبا للرثاء، وإذا بحبل المحبة ~~الذي يربط القلوب يصبح في أيدي الأسياد قيدا لإرهاب العبيد وسوطا لتعذيبهم، وإذا بالتسامح ~~يصبح تمثالا والمغفرة جمرة حقد. # ولكن مهما طال الشتاء فالصيف وراءه يطارده، والسحب لا تستطيع الثبات تحت حر الشمس، فانقض ~~الشتاء وانقشعت سحب الغباوة، وامتدت شمس المعرفة تجلو الحقائق ... # فانبرى صاحب الصولة فيرومارس قائلا: ويحك! حديثك ينذرنا بالفشل؛ لأن المعرفة خير يمحق ~~الشر الذي نحن جنوده. # فأجاب صاحب الحنكة ميديوموس: مهلا مهلا يا صاح، لقد سبق حديث سيدتنا ربة ms21 الدهاء أن ~~الخير والشر توءمان منذ الأزل، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، فإذا لم يكن ثمة خير ونحن جنود ~~الشر فمن نحارب؟! ~~- إذن، ماذا نفعل حين تمحق حرارة شمس المعرفة سحب الغباوة فتنجلي الحقائق؟! ~~- إن زفرة واحدة من أنفاسي ملأت الفضاء قتاما، جعل أشعة الشمس الذهبية حمراء ~~كالدماء. ~~- لله درك، أما كان في وسعك أن تجعل ذلك القتام كثيفا يصد أشعة الشمس صدا ويعيد الظلمة ~~إلى سطح الأرض، فتغيب المعرفة وتبقى الغباوة. ~~- متى ظهرت المعرفة وانجلت الحقائق، عندئذ لا تستطيع قوة أن تقصيها عن فضاء العقول، فليس ~~لي إذن إلا أن أستخدم المعرفة نفسها سلاحا لي لا سلاحا علي. # احمرت صفحة الشمس غضبا لمكر الذين عاثوا في الملكوت فسادا، وإذا أولئك الحمير العميان ~~قد انفتحت أعينهم، وجعلوا يتبينون الملكوت في الكون، فإذا هم لا يرون ملكوتا لا في السماء ~~ولا في الأرض. # رصدوا الأكوان كلها، وإذا الملكوت الذي مناهم به أسيادهم وقادتهم في الجهاد، إن هو إلا ~~ظلهم يهرب أمامهم كلما أسرعوا وراءه. # رصدوا جنة السماء، فإذا هي قصية عنهم لا يبلغ إليها نور الشمس إلا بعد ألوف ملايين ~~السنين، وإذا جنة الأرض جرداء ليس فيها غرس للهناء، وإذا هم لا يملكون إلا مساحة متر مربع ~~سبقهم الدود إليه. # وهنا حدث رد الفعل، فقد صار الاحترام احتقارا، والعبادة تجديفا، والغيرة على الدين ~~إلحادا، والطاعة تمردا، والجهاد ثورة. # فقال الفيلسوف جستوس: لله منها نفخة نفختها يا أستاذ فأغضبت الشمس، إن ذلك القتام الذي ~~نفخته لسر عجيب. ~~- ما هو سر يا عزيزي الفيلسوف، إن هو إلا دخان القلوب التي أحرقتها الشهوات النابتة من ~~بذار سيدتنا ربة الدهاء في الصدور، إن هذه الشهوات لهي المعدن العجيب الذي نصنع منه ~~أسلحتنا كلها. # فقال صاحب الصولة فيرومارس: وكان المنتظر أن تقوض تلك الثورة ملكوت الإنسان على الأرض؛ ~~لكي نشيد على أنقاضه ملكوتنا، ولكن خاب الرجاء. # فقال ذو الحنكة ميديوموس: لم تكن تلك الثورة لتقويض الملكوت الأرضي بل لتقويض المثل ~~الأعلى الذي شيد في قلب الإنسان ms22 - الملكوت السماوي - ولذلك وجهت الضربة إلى العروش ~~والكراسي التي كانت أنصابا لهذا المثل الأعلى، فدكتها الثورة دكا، ولكن النوع البشري لا ~~يكف عن طلاب مثل أعلى يوجه أبصاره إليه، فلكيلا يعود فاشلا، ينحت تماثيل أخرى لمثله الأعلى ~~- الملكوت السماوي - جعلت أوري زناد القرائح بالشهوات لكي تقدح شرر مثل أعلى آخر يقوم مقام ~~ذاك. # فقال جستوس: طبعا لم يعد مهماز التحريض يستكد غيرة الدين للجهاد، فكيف يثير الأسياد ~~عبيدهم للقتال في سبيل المغانم؟ ~~- لما زهدت الأقوام في الملكوت السماوي صارت تطمع بالملكوت الأرضي، ولما جابت شهوة النفوس ~~ثارت شهوة البطون، فقام الفتح والاستعمار مقام الغزو والسلب، وانتهز الزعماء اضمحلال المثل ~~الأعلى، ونصبوا بدلا منه مثلا أعلى آخر، أقاموا تمثال الوطن مقام تمثال الدين، أصبح ~~الوطن دين الناس الجديد، وصار شعارهم «حب الوطن من الإيمان». حل الوطن محل الإله، وتحول ~~الجهاد في سبيل الدين إلى جهاد في سبيل الوطن. # ارتفعت راية الوطن وانخفضت رايات العقائد الدينية، وصار ترنيم مختلفي العقائد «الدين لله ~~والوطن للجميع»، فتأبط الله تعالى دينه وتوارى غاضبا، واحتضن الوطن قومه لكي يتغذى ~~بضحاياهم من غير شبع. # خمدت حروب الأديان، واحتدمت حروب الأوطان، وصارت أناشيد الوطن «تنازع البقاء»، وترانيمه ~~«البقاء للأفضل»، وأغانيه الحربية «السيادة للسوبرمان». # تقيأ الجنس البشري «الملكوت السماوي»، وهو يغص الآن بالملكوت الأرضي، ولم يبق لنا ~~إلا ركلة واحدة لكي ندحرجه من ملكوت سعادته إلى جحيم شقائه الأبدي. ~~(هتاف وتصفيق حادان). # ثم انبرى صاحب الصولة فيرومارس وقال: لا تتسرعوا يا إخوان، لم نزل في أول الجهاد، لم ~~يزل النصر للمستقبل. # فقال ميديوموس: لم أعن أن جهادنا قد انتهى هنا، ولا أن مهمتي قد انتهت؛ لأن عملية ~~الاستعمار لو نجحت لباء وزراؤكم بالفشل، ولكن يستحيل أن تنجح ما دام نجاحها لقوم لا يكون ~~إلا على حساب هلاك قوم آخرين؛ ولذلك كاد حمير المطامع يفطنون إلى أن الوطن المعبود إن هو ~~إلا آلة في أيدي القادة، كما كان الدين المفسود آلة في أيديهم؛ لأن إله الوطن ولد إلها ~~جديدا أقوى ms23 من كل إله؛ إله المال، والفضل في ولادته لدهاء زميلنا صاحب الأبهة أرجنتوس وزير ~~المال، وهو يشرح لكم لاهوته. # فوقف أرجنتوس وقال: أشكر لصديقي صاحب الحنكة ميديوموس تنويهه هذا، فهو قد استمر بتمهيد ~~الطريق الذي شقته لنا سيدتنا ذات الدهاء، وأرجو أن لا تظنوا أن عمله قد انتهى ~~هنا. # فقالت فينوموس: إني عالمة أن صاحب الحنكة ميديوموس لم يشرح لنا تفاصيل عمله، وإنما أجمل ~~نقطه الأساسية، فأرجو منه أن يتم شرحه. # فقال ميديوموس: كنت أعتمد في عملي دائما على سلاح الشهوات، ولم يبق من نقطه الأساسية ~~شيء غير مشروح سوى نقطة واحدة، وهي أني كنت أقيم من أمكر أهل الأرض سفراء لنا ينفذون ~~دسائسنا؛ ولذلك أنشأت نظام الجاسوسية، ووكلت أمره لهؤلاء السفراء الذين خدموا جهادنا جليل ~~الخدم، ولا متسع لذكر أبطالهم وخدمهم، وإنما أذكر واحدا منهم كان أدهى الدهاة، وقد استشهد ~~في سبيل خدمه، وجاء إلينا يستقيل من منصبه بالرغم منه، فأقدمه لكم عسى أن تكافئوه جزاء عمله ~~وتشجيعا لغيره، هو الأخ رسبوتين الراهب الروسي الداهية العظيم. # وأومأ ميديوموس إلى رسبوتين، فتقدم هذا، وقدمه إلى الرئيس بعلزبول قائلا: بارك يا ~~سيدي عبدك الأمين. # فبسط بعلزبول يده قائلا: مرحى مرحى يا عزيزي رسبوتين، باسم دولة جهنم أشكرك وأمنحك ~~الجنسية الجهنمية وأرقيك إلى رتبة رجيم، وأقلدك حسام الرجامة، فأنت منذ الآن في مصف ~~الرجماء، ولك جميع حقوق الرجامة الجهنمية. # فقبل رسبوتين يدي بعلزبول وغمغم بكلمة شكر، ورمق فينوموس بنظرة حادة، فبسطت له يدها ~~فقبلها قبلة حارة. # عند ذلك قال بعلزبول: نسمع الآن تقرير عزيزنا صاحب البهاء أرجنتوس وزير المال. # | الفصل السادس # انبرى صاحب الصولة فيرومارس وقال ساخطا: أنا صاحب الحول والطول، أنا الذي أقام قيامة ~~الحرب العظمى، وأنا الذي تحاولون أن تغمطوا فضله وتحقروا فعله. # فقال بعلزبول: ما الداعي لهذا التشكي يا فيرومارس. ~~- كلما جاءت نوبتي في الكلام انتدبتم غيري، فما معنى هذا إلا التحقير لجهادي. ~~- أنت مخطئ، نحن نتتبع أنواع الجهاد بحسب تسلسلها، ومساعي ميديوموس كانت تمهيدا لمساعي ~~أرجنتوس. # فانبرى انفنتورس ms24 وزير الاختراع وقال: ومساعي أرجنتوس تمهيدا لمساعي التي هي تمهيد ~~لمساعي فيرومارس. # فقال فيرومارس متمرمرا: أرأيت يا سيدي الملك كيف يجعل العامل الفعال آخرا؟ هذا ما لا ~~أطيقه، أحتج وأنسحب وأتنازل عن المكافأة. # فقال فينوموس: معاذ الله أن نقبل انسحابك يا صاحب الصولة، بإذن جلالة الرئيس ~~تكلم. # فهدأت حدة فيرومارس وطفق يتكلم: ما دامت بزور الشهوات تنبت فنبتها يزهر وزهورها تثمر ~~وثمارها العداء والخصام، فالنزاع طبيعة في الإنسان، والقتال حتم عليه سواء كان لأجل الأديان ~~أو في سبيل الأوطان، والعبرة في أساليب القتال التي تسقي الأرض دماء، ولا تشبع منها الأرض ~~مهما أمطرت منها السماء إلى أن ينضب معين الملكوت الأعلى، ويتخم بطن الملكوت الأسفل. # تعددت الأسباب والحرب واحدة، فإذا لم يقتتل البشر لأجل الدين اقتتلوا لأجل المال، اقتتلوا ~~لأجل الحب، وإن لم يقتتلوا لأجل الحب اقتتلوا لأجل البغض، فهم يقتتلون على كل حال، والعبرة ~~في درجة احتدام القتال وفي اندفاع الجماهير إلى ساحة النزال، وفي حصد الرءوس «بالجملة» لا ~~«بالقطاعي»، وهذا ما فعله خادمكم المطيع. # جندت الذكور شبانا وكهولا، وشغلت النساء والأطفال والشيوخ في مصانع السلاح، فجميع ~~النساء استخدمت في الحرب. # حولت معامل السلع إلى معامل سلاح وذخائر. # حولت الاختراعات إلى أدوات الهلاك: الحديد للمدافع والدبابات والقطرات المصفحة ~~والغواصات والبوارج والنسافات والأسلاك الشائكة والقنابل، وحولت الكيمياء التي يفاخر بها ~~العلماء إلى مفرقعات وقذائف وغازات سامة ومكروبات فتاكة، والكهرباء إلى صوارع، # 1 # وغذيت الطيارات في بدء طفولتها فترعرعت عاجلا؛ لكي تصب الهلاك من فوق، كما ~~تقذفه النيرات من تحت. # مددت خطوط القتال ألوف الأميال لكي تتقابل فيها ملايين الرجال، والردى بينها يتهادى ذات ~~اليمين وذات الشمال، والأشلاء تتساقط كالنيازك في بطون الخنادق. # فانبرى انفنتورس بلا استئذان وصاح مقاطعا: ها، ها، صه، مه، حتى ما هذا الافتئات يا ~~فيرومارس! تدعي لنفسك كل عامل من عوامل الحرب، وأنت لم تضرب إلا بسلاح غيرك، ولم تهجم إلا ~~بساعد سواك. إذا كانت الاختراعات الحديثة أفتك آلات الحروب، فلأني أنا الذي كنت أوسوس ~~لوزراء الحرب ms25 أن يحولوا كل اختراع جديد إلى أداة دمار وهلاك، فلولا وسوستي هذه لكان كل ~~اختراع جديد لفائدة الجنس البشري وهنائه لا لتدميره وإفنائه. # فأجاب فيرومارس محتدا: ولو لم أوسوس لرجال الحرب أن القتال رياضة الرجال، وأن النصر ~~فخر، وأن أكاليل الغار تنتظر القواد الكبار، لما تواثب الأبطال للنزال. # فقال انفنتورس: وهل تحارب الجنود بلا سلاح وبلا بنود؟ # فقال فيرومارس: وهل تحارب الجيوش إذا لم تستفزها للحرب! فهل اختراعاتك استفزتها؟ ~~- وهل تحارب الجنود لتتصارع كتصارع الثيران يا شيطان؟ ~~- نعم، يكفي أن تتصارع ولا لزوم لاختراعاتك. ~~- خسئت. # وكادا يشتبكان في صراع عنيف لو لم ينتهرهما بعلزبول زاجرا: صمتا وكفا عن الخصام أيها ~~الغبيان، أفي موقف تناظر وتناحر نحن يا أحمقان؟! ماذا تركتم للبشر من صنوف العداء ~~والخصام! نحن نعترف لكل من الرجماء الفخام بقيمة جهاده. الحرب لم تتم بعمل واحد لكي يحتكر ~~هذا الواحد الفضل فيها لنفسه، بل كان جهاد كل واحد لازما. # عند ذلك نبهت المؤتمر ضجة من بعيد فوجهوا أنظارهم إليها، وإذا جمع لا يحصى عدده قادم، ~~فقال بعلزبول: ما هذا؟ ما هذا؟ # فقال انفنتوروس: أظنها مظاهرة. # بعلزبول: مظاهرة! حفاوة بأبطالنا؟ هتاف لهم؟ # انفنتوروس: أظنها مظاهرة تذمر وشكايات، يا ذا الجبروت. ~~- تذمر وشكايات! لماذا؟! ~~- لا أدري تمام الدراية بالحقيقة، وإنما سمعت لغطا بأن الحرب الكبرى كانت ~~فشلا. # فقال فيرومارس: إذن كانت اختراعاتك يا انفنتوروس نكبة لنا لا لأهل الملكوت. # فقال انفنتوروس: ألا تخبرنا ماذا كانت قيادتك لبني البشر في الحرب. # فصاح بعلزبول: صمتا يا خبيثان، أخلافكما أعالج الآن أم هذه المظاهرة المقلقة؟ هل ~~لك يا ميديوموس أن تقابل هؤلاء المتظاهرين وتصدهم بالتي هي أحسن؟ # فقال ميديوموس: من يستطيع يا مولاي أن يقف في سبيل السيل العرم؟ ~~- لعل أوجستوس يستطيع أن يصرف هذا السيل في أقنية يمينا وشمالا حتى لا يصل إلينا إلا ~~نزيز منه. # فقال أرجنتوس: لا يمكن حفر الأقنية في حالة الفيضان يا مولاي، إني أرى فيضانا ~~متدفقا. # فالتفت بعلزبول إلى يمينه مكفهر الوجه كأنه يسترشد بدهاء عقيلته فينوموس، ms26 فنظرت فيه ~~باسمة : لا تخف يا عزيزي دع السيل يتدفق في مجراه ولا تعترضه، لقد اصطنعت سفينة نركب فيها ~~متن هذا الطوفان، إني أحسب حساب هوج الشعب في حالة هياجه، فمهما كان الفرد متعقلا فالجمهور ~~أرعن، مهما تلاطمت الأمواج، فلا تتحطم السفينة إذا كانت بعيدة عن صخور الشواطئ، هلم نقابل ~~الشعب قبل أن يصل إلى هنا. ~~- ويحك! أتريدين أن نوقد ثورة جنونية بتهجمنا عليه. ~~- لا نتهجم عليه بل نشترك معه بالمظاهرة. ~~- سياسة هوجاء لا أفهمها. ~~- لم يبق وقت للجدال، هلموا اتبعوني في الحال؛ فإني لكم قائدة في هذه المباغتة، ~~هلموا. # ونزلت فينوموس عن عرشها ومشت نحو الجمع القادم، فلم يسع بعلزبول إلا أن يسير إلى جنبها، ~~ولم يسع الرجماء إلا أن يتبعوهما. # وفي بضع دقائق لم يبق بين الجمع المتظاهر والجماعة المستقبلة إلا مسافة سمع الهتافات، ~~فإذا جميع المتظاهرين يهتف: لتسقط الوزارة، لتسقط دولة الرجماء، لتحي الديموقراطية، لتحي ~~الجمهورية، لتسقط الدكتاتورية. # فغمغم بعلزبول قائلا: هذا ما اكتسبه شعبي من أشقياء الأرض الملاعين. # وصاحت فينوموس: ليحي الشعب، ليحي الاتحاد، لتحي راية الأمة الجهنمية، لتحي حكومة ~~الشعب. # وكان الرجماء من ورائها يرددون هذه الهتافات. # وما أصبح المجال بين الفريقين على قاب قوسين حتى توقفت المظاهرة، ورفع قادة الجمع أكفهم ~~يعنون إسكات الجمع وتهدئة ثائره؛ لكي يفهموا ماذا يهتف الرجماء. # عند ذلك تقدمت فينوموس إلى مقدمة المظاهرة وأمسكت بطرف العلم الأول، وقبلته قبلات ~~عديدة وهي تصيح: «(ليخفق) علم الشعب متعاليا»، فردد الجمهور هتافها، وقابله قادة ~~المتظاهرين بالهتاف: لتحي ذات الدهاء فينوموس، ليحي ذو الجبروت بعلزبول. # ثم زجت فينوموس نفسها بين القادة وهي تقول: الدولة تشكر للشعب مظاهرته الابتهاجية في حفلة ~~النصر، وتمتن لما أبداه من العواطف نحو الوزارة التي بسطت اليوم تقارير أعمالها المجيدة ~~في حرب الملكوت البشري. # فتصدى لها كبير القادة وقال: ليست هذه مظاهرة ابتهاج يا سيدتي الموقرة، بل هي مظاهرة شكوى ~~وتذمر. ~~- أتذمر من جهاد عظيم لم يسبق له نظير؟ أشكوى من نصر باهر لم نكن نحلم به؟ ~~- بل هي ms27 شكوى من أماني موعودة لم تحقق، وتذمر من تبجح بنصر وهمي. لقد سئم ~~الشعب الانتظار عدة أدهار على أمل الانتصار، وضجر من آمال كالآل (السراب)، ولم يعد يطيق ~~صبرا على هذه الحال، بل يبتغي تقرير المآل. ~~- حسن ما يبتغيه الشعب، فليتفضل بانتخاب لجنة عنه تشترك مع جماعة الرجماء في تقرير ~~المصير، فالحكومة تستند إلى الشعب، والوزارة لا تستغني عن مشورة الأمة، هلموا أيها الزعماء ~~الأبطال معنا إلى دار الدولة لكي نتشاور في الأمر، اجمع زملاءك واتبعونا وفدا من قبل ~~الشعب. # وارتدت فينوموس إلى جماعة الرجماء وقالت: لقد سكنت العاصفة، ولم يبق إلا النسيم يهب ~~بتؤدة، فلنعد إلى الدار حيث نتنسم نسيم أخبار هذه الثورة، ولكل مقام مقال. # فقال بعلزبول: لا عدمتك داهية يا حبيبة القلب، هل أنت واثقة من أن النسيم الباقي ليس ~~ريح سموم؟ ~~- لكل سم ترياق يا عزيزي، فتشجع. ~~- سمعت الهتاف للجمهورية، فهل الدولة دائلة؟ ~~- وماذا يضيرك أن تسمى الدولة جمهورية، وأن يسمى ملك الدولة رئيسا للجمهورية؟ ~~فالدولة تبقى دولتك، ولا يتغير إلا الأسماء. # فسري عن بعلزبول وتنهد الصعداء. # | الفصل السابع # وعاد ملك الجحيم وملكته إلى إيوانهما، وتبوءا عرشيهما، والرجماء استووا في كراسيهم، ووفد ~~إلى دار الدولة وفد المتظاهرين يرأسه مأجوج وهو رجيم عتي صلب العود، وتقدم مأجوج وزملاؤه ~~عن يمينه وعن يساره وقال: الشعب يطلب حكومة ديموقراطية يا سادة. # فوجف بعلزبول وقال: هل خانت الحكومة الشعب حتى يبتغي الشعب حكومة أخرى؟ ~~- لم تخن، ولكنها قصرت، هي حسنة القصد ولكنها كانت سيئة التدبير، والشعب يريد أن ~~يكون الحكم شورى؛ لأن في الشورى الرأي الأسد. # فقالت فينوموس: لتكن إرادة الشعب، وليكن للشعب مجلس نواب يشور على الحكومة فيما ~~تفعل. # فقال مأجوج: ويجب أن تسقط الوزارة وتؤلف وزارة أخرى ينتخبها مجلس النواب. # فقال جستوس: الوزارة لا تسقط إسقاطا. ~~- تستعفي. ~~- الإكراه على الاستعفاء مرادف للإسقاط القهري، كلاهما بمعنى واحد. ~~- فسر ما شئت، الشعب غير راض عن الوزارة. ~~- إذن الشعب يتهم الوزارة، وعليه أن يحاكمها، وعلى الوزارة أن تدافع عن نفسها حتى ms28 إذا ~~ثبتت براءتها تستعفي من تلقاء نفسها بريئة شريفة. ~~- هذا حق، ولمجلس النواب المنتخب أن يصرح بهذا الحق ويقره، وإليه تحتكم الوزارة. # فقالت فينوموس: الحكومة تقبل الوفد نائبا عن الشعب، والوزارة تحتكم إليه الآن. # فهمس بعلزبول في أذنها: ويحك! أليس المطل أقتل للثورة؟ فلنرجئ المحاكمة إلى ما بعد ~~انتخاب النواب؛ إذ تكون حمى الثورة قد بردت. ~~- لا، لا، إني أحس بدسيسة خبيثة، وأشعر بنار تحت الرماد، فيجب أن نطفئ النار قبل أن يزداد ~~السعير، فالآن يجب أن يقضى الأمر، دع الوفد يناقش الوزراء، والوزراء مستعدون للدفاع، ~~والوفد غير مستعد للتجريم. غر الوفد بسلطة لا يحسن استعمالها. # وفي خلال ذلك كان جستوس يقول: رأي سديد، وثقتنا بعدالة الوفد قوية، فليتفضل الوفد ببسط ~~شكواه، هل يقبل الوفد الرجيم مأجوج متكلما بالنيابة عنه؟ # فقال مأجوج: إني مفوض من قبل الوفد بالنيابة عنه. ~~- تفضل تكلم. # فطفق مأجوج يتكلم: مرت أدهار ودولة الرجماء وعلى رأسها صاحب الجبروت الرئيس بعلزبول ~~تمني الشعب الجهنمي باحتلال الأرض، أو امتلاك الملكوت البشري، واستعباد بني الإنسان بحيث ~~يكون لكل شيطان عبد من الناس يأتمر بأمره ويخدم مشيئته، وإلى الآن لم يتحقق شيء من هذه ~~الأمنية، وكان أنه كلما شبت ثورة أو حرب قلتم إن النصر لنا صار قريبا، وإننا صرنا على ~~أبواب الملكوت البشري، فكانت تنتهي الحرب، وإذا أبواب ذلك الملكوت مقفلة في وجوهنا، فلا ~~نستطيع أن ندخل ملكوت الإنسان فاتحين، ثم أبرقت البروق، وأرعدت الرعود إنذارا بشبوب حرب ~~عظمى لا تبقي ولا تذر، وقلتم هذه آخرة الحروب التي تسقط فيها دولة الإنسان، وتتدمر ~~مملكته، فندخلها ونبني مملكتنا على أنقاضها، ولكن انتهت هذه الحرب الشعواء، ومملكة الإنسان ~~لا تزال قائمة، والإنسان يشتغل في تنظيمها من جديد لتغدو أرسخ بناء وأكمل سعادة له، فهذه ~~الحرب العظمى التي منيتمونا بالنصر فيها كانت منتهى الفشل لنا، لا يزال باب الملكوت البشري ~~موصدا في وجوهنا. # فقال بعلزبول: لا أنكر أننا حتى الآن لم نفتح الملكوت البشري فتحا مبينا بحيث نستطيع أن ~~ندخله طغمات، ولكن ms29 هل تنكر يا جناب الرجيم مأجوج أن ألوفا وربوات من الشياطين تسربوا ~~أفرادا إلى هذا الملكوت، وتغلغلوا بين أفراده وأسراته وفئاته وطبقاته؛ لكي يفسدوا ويعيثوا ~~وينقبوا في أسس ذلك الملكوت؟ ~~- هذا التغلغل حادث منذ القديم، ولكنه لم يدك ذلك الملكوت، فما هو إلا مهاجرة بطيئة من ~~جهنم إلى الأرض، والمهاجرون لا يزالون غرباء يخزيهم الناس ويطردونهم مهانين، فنحن لا نرضى ~~بفتح باب المهاجرة، بل نريد فتحا مبينا ونصرا كاملا وامتلاكا تاما للملكوت. ~~- إن ذلك الملكوت مؤيد بقوة عظمى، فلا يسهل فتحه ما لم تصبح جميع قلوب بني الإنسان ~~محتلة بالشياطين، ونحن لا نألو جهدا في الوصول إلى هذه الغاية. ~~- مرت أحقاب وأنتم تدعون هذه الدعوى، فأي جهد بذلتم في هذا السبيل؟! ~~- لو حضرتم مؤتمرنا منذ بدء انعقاده، وسمعتم مجمل تقارير رجال الدولة لعلمتم أننا فعلنا ~~أكثر مما يلوح في بالكم. ~~- لقد حضرت المؤتمر من أوله، وسمعت تقارير البعض فما توسمت منها إلا تقرير أعمال تمهيدية، ~~فكأننا في أول المهمة، وقد تنقضي أدهار ونبقى حيث نحن. إلى الآن لم تفعلوا الفعل الحاسم؛ ~~لذلك نريد إنشاء حكومة جديدة تنتقل من دور التمهيد إلى دور البت. # عند ذلك انبرى ذو البهاء أرجنتوس وقال: استأذن سيدتنا ذات الدهاء وسيدنا ذا الجبروت ~~وزملائي أن أجاوب الأخ مأجوج، وأشرح له الأعمال المجيدة التي عملناها، وأبرهن له أننا ~~تجاوزنا دور التمهيد من زمان، وأننا في دور العمل الناجز، وأن حرب البشر العظمى لم ~~تنته بفشلنا كما يتوهم، بل انتهت بفاتحة دور النصر لنا. إن جهادنا الماضي أفضى إلى ~~تلك الحرب الشعواء التي زعزعت ملكوت الإنسان، وأصبحنا الآن في دور تهديم جدران ذلك الملكوت ~~جدارا جدارا ونقض أحجاره حجرا حجرا؛ لكي يسهل بعد ذلك كشف الأساس الذي نبني عليه ~~دولتنا، لقد فعلنا كثيرا يا سيدي مأجوج، بل فتحنا ذلك الملكوت، ونحن على أهبة أن نبني ~~ملكوتنا فيه، حتى متى تم بناؤه دخلنا إليه باحتفال عظيم، جيوش الحرب تفتح أولا والأمة ~~تدخل بعد الفتح آمنة. # فقال مأجوج: ويحك! هل ms30 تحسب إنشاء جمعية الأمم التي ستكون أساسا لاتحاد الشعب هدما ~~لملكوت الإنسان؟! هل تحسب تنبه طبقات الشعوب لحقوقها من حيث الحرية والمساواة زعزعة ~~لأركان ذلك الملكوت؟! هل تحسب نهضة العوام لتنظيم الأمور الاقتصادية على قاعدة الاشتراكية ~~تهديما لجدران ذلك الملكوت؟! ~~- مهلا، مهلا، وتؤدة يا عزيزي مأجوج، دعني أشرح لك مقدمات النصر واحدة واحدة إلى أن ~~نبلغ إلى هذه الظاهرات الاجتماعية، وحينئذ ترى ظاهرات هدم ذلك الملكوت. ~~- ماذا عساك أن تشرح لنا أعظم من شرح ذات الدهاء وشروح ذوي الحنكة وذوي الصولة وذوي الفن، ~~مما لم نر فيه إلا دعوى التمهيد للجهاد في سبيل الفتح، حتى صرنا نرى النصر أبعد عنا من ~~الفرج عن اليائس ومن الحقيقة عن الحالم. ~~- بل سأريك نصرنا قاب قوسين أو أدنى. ~~- كيف تريني النصر وأنتم إلى الآن لم ترونا الجهاد الذي لا بد منه مقدمة للنصر؟! ~~- أما أنا فقد جعلت النصر مقدمة للجهاد. ~~- وي وي، لماذا الجهاد إذا كان النصر قد تم؟! ~~- لم أقل أنه قد تم، بل جعلته هدفا للجهاد، فهو في حكم الواقع حتما، فقل معي: «النصر ~~تم». ~~- أراك تهيئ الإسطبل قبل أن يولد الحصان. ~~- أي نعم، لو لم أبن الإسطبل لما ولد الحصان المطهم. # فقهقه مأجوج في إبان حماسته ونزقه وقال: أرنا الإسطبل لنرى المطهم الذي فيه. ~~- بل أريك المطهم وقد ابتلع الإسطبل. ~~- زه، زه، أنى كان لك صنع المعجزات يا ذا البهاء أرجنتوس؟ حتى ما تتباطأ عن قيادتنا ~~في موكب النصر إذا كان في وسعك أن تأتي بهذا العجب العجاب، إن من يستطيع فعل المستحيلات ~~يستطيع أن يغزو لا الأرض فقط، بل السموات أيضا. ~~- وهو ما فعلت يا عزيزي مأجوج. # فحملق فيه مأجوج مشدوها ثم قال: أراك ثورا يكسر قرنيه نطاحا للصخرة وهو يحسب الصخرة ~~تتكسر، أرى كأنك الزمان يجري في الفضاء، وهو يتوهم أنه يطوي في أذياله رحاب الفضاء، أو كأنك ~~البيضة تظن أنها خلفت فرخا، وهي لا تدري أنها نتجت من فرخة. ~~- بل أنا الشيطان الذي يخلق آلهة لبني الإنسان. ms31 ~~- ويحك لا تزد . نكاد نخشى أن تزلزل الأرضين والسموات، وتدكها دكا فوق رءوسنا، فتردم ~~بأنقاضها جهنم «حاسب». ~~- لا تخف، إني عملت عمل الحارث الذي يقلب الأرض بطنا على ظهر، إني لرافع جهنم من تحت ~~الأرض إلى فوقها. ~~- حتى ما «الفشار» قل ماذا فعلت إن كنت لم تجن بعد. ~~- أبدلت إلها بإله للبشر، خلقت لهم إلها براقا يأخذ بالألباب والأبصار، فما إن لمع ~~لعيونهم حتى صرفوا قلوبهم وألبابهم عن خالقهم، وسجدوا لهذا الإله الجديد، وطفقوا يتفانون في ~~عبادته. ~~- أمن العدم خلقته؟ ~~- بل من طين الأرض استخلصته وصنعته تمثالا بديعا. ~~- أظنك نفخت فيه نسمة الحياة. ~~- بل نفثت فيه سما زعافا، فظاهره بهاء وجمال، وباطنه شقاء ثم اضمحلال. ~~- وهل له يسبحون ويمجدون؟ ~~- وهل لغير المال يسبح أهل الأرض الآن؟ # فصاح بعلزبول: مرحى مرحى يا أرجنتوس. إن إله المال رب الأجيال وسيد الآجال والقابض على ~~أزمة الآمال. # فقال مأجوج: لبئس إلها خلقت يا أرجنتوس، إله يسعد الناس على الأرض ولا يحرمهم سعادة ~~السماء، فأنت هدام دولة الزبانية وباني مملكة البشر. ~~- بل هو يحرمهم سعادة الدارين معا، فعبادتهم له اقتتال في تنازع ذراته. ~~- أما أفنوه بتنازع ذراته حتى الآن؟ ~~- يفنون هم ويبقى هو. ~~- مهما كان براقا جذابا فما هو إلا مادة ترابية، ولا قوة للتراب؛ إذن لا سلطة له ~~عليهم. # فهز أرجنتوس رأسه مصرا وقال: بل هو إله قدير على كل شيء يا عزيزي مأجوج وحاضر في كل ~~مكان، فحيثما ظهر كان صاحب السؤدد الذي تخضع لسلطانه الجبابرة، وتخر لصولته ~~الجموع. ~~- كفى إطنابا بصولة إلهك هذا الذي اخترعت، فقد رأيناه في أشد الأزمات أضعف من خنفسة، يوم ~~حبس جمال باشا السفاح القمح عن لبنان كان الرغيف أعظم قيمة وأسمى شأنا من مثل وزنه ~~ذهبا. ~~- لأن جمالا جرد صفة المال من الذهب وجعله صفة للقمح، صار القمح مالا يتضرع إليه ~~الجياع. ~~- إذن، مالك هذا الذي تؤلهه ليس إلا صنما أصم أبكم لا عقل له ولا إرادة، فلا تأثير له ~~على حرية البشر، بل هم يجردونه من ms32 صفات الألوهية متى أرادوا، وينسبون هذه الصفات لغيره متى ~~شاءوا. # فعاد أرجنتوس يهز رأسه اعتدادا واعتزازا وقال: بل هو الإرادة المطلقة التي تسير ~~الأنام، وما كان جمال السفاح إلا أداة في يد هذا الإله ينفذ إرادته. # عندئذ انبرى آدمي إلى رحبة المناقشة وصاح بملء فيه: أنا جمال السفاح! أقر وأعترف ~~أني كما قال ذو البهاء البعل أرجنتوس: أداة بيد المال الذي خلقه، وكنت بقوته أفعل وبإرادته ~~أتحرك، ولولا المال الذي وضعت نفسي وجيشي تحت أمره لما استطعت أن أميت لبنان المتمرد جوعا، ~~فالمجد والتسبيح لإله المال. # فقال أرجنتوس: شكرا لشهادتك الناصعة في حينها يا جمال يا بطل الأبطال. # فانبرى هأجوج زميل مأجوج وقال: كفى سفسطة يا هؤلاء! تعزون للمال عقلا وإرادة وسلطانا، ~~وما هو إلا نتيجة عمل الإنسان، فإذا الإنسان متسلط على ماله يتصرف به كما يشاء. # فقال أرجنتوس: مهلا أرك! إن مال الإنسان متسلط على الإنسان. لما صار المال ينوب عن ~~نتيجة العمل أو يمثل العمل، رأى الإنسان أنه في وسعه أن يقتني بماله ما يشتهي؛ فأحب المال ~~وعشقه، شغف به وألهه، وصار يتفانى في سبيل جمعه وادخاره، شعر أن في يده قوة تخضع ~~له من لم يكن ذا مال. # فقاطعه يأجوج قائلا: إذن جعلت المال حصانك المطهم يمتطيه فارسه الإنسان. ~~- بل جعلت الإنسان حصانا يمتطيه المال ويكزه في خاصرتيه حتى يدميهما؛ فهناك عابد للمال ~~طامع به، يتفانى في سبيل جمعه بكل وسيلة، يضحي لأجله براحته وقوته وذمته وشرفه، ثم يضن به ~~على الرحمة والصدقة، ويقتر على نفسه حرصا عليه، ولا يكف عن الحرص والجهد والتقتير والبخل ~~إلى أن يموت ويفنى، والمال هو الحي الباقي. وهناك كافر بالمال سفيه يبدد ما جمعه منه غيره ~~إنفاقا على شهواته وملذاته الجسدية التي تتلف جسده ونفسه معا، إلى أن يهجره إلهه هذا نقمة ~~عليه، حتى متى عضه ناب الفقر هرع إلى هيكل المال متضرعا مستغيثا تائبا، ولكن هذا ~~الإله حقود قاس لا يقبل توبة التائبين، وهناك مسترزق لم يكن يعلم صولة المال، ms33 ولكنه في يوم ~~عصيب احتاج إلى غوثه، فلجأ إلى هيكله متوسلا إلى كاهنه الذي يمجده أن يقرضه رأس مال ~~يستعين به على إدارة عمله، يقترض بربا، ولا يلبث هذا الغبي أن يرزح تحت عبء الدين، فيشقى ~~في الجهاد لتسديد رأس المال والربا معا، وعبثا يسعى ويجاهد؛ لأن ذلك الكاهن المتعبد للمال ~~يتسلط عليه بقوة المال، ويمتص دمه ويرتوي بعرق جبينه. # فقاطعه مأجوج قائلا: تعني أن الناس في دولة المال فريقان: فريق يشقى، وفريق ينعم على ~~حساب شقاء ذاك؟ # فقال أرجنتوس: بل الفريقان يشقيان معا؛ ذاك قلق على ماله، وهذا يبذل عرق جبينه في إناء ~~ذاك حيث يتبلور مالا، وكلا المالين يقدمان في هيكل المصرف محرقة للإله. ~~- ولكن إلى الآن لم نفهم كيف جاهد حصانك المطهم في حرب الفتح؛ فتح ملكوت الإنسان؟! ~~- إن هذا الحصان يا عزيزي مأجوج مجاهد في حرب دائمة بلا انقطاع منذ عهد آدم إلى اليوم، ~~وسيبقى مجاهدا حتى يهلك هو وفارسه معا، وقد اخترعت المصارف لتكون من جملة الهياكل التي ~~يعبد فيها المال، وفيها يقدم العاملون والمتحايلون على استقطار عرق العاملين، قرابين ~~جهادهم العنيف في جمع المال، وهناك يركعون ويسجدون لتماثيل المال ويصلون لإله المال؛ لكي ~~تنمو ثرواتهم وتكثر متوالدة وتملأ الأرض! ~~- تتوالد؟! ~~- نعم، جعلت المال يولد ويلد مالا وينمو ويتكاثر، أليست المرابحة والمراباة مولودي ~~رأس المال؟! ثم لا يلبث الربح أن يشب ويترعرع ويصير رأس مال كأبيه يلد أرباحا، وهكذا ~~دواليك! ~~- ولكنك قلت إن المال نتيجة العمل، هو عرق الجبين المتبلور مالا، فكيف يولد المال ~~بلا عمل؟! ~~- فأجاب: المال المولود من العمل يتغذى من دم العامل، وأما المال المولود من رأس المال ~~فأغذيه من الهواء! ~~- ويحك! إذن جعلت الهواء قوة مال في أيدي البشر، فأنت تقوي البشر! ~~- نعم، لو كان الهواء قوة، ولكن ليس إلا هواء أو هوسا، وأهل المال يبنون فيه قصور ~~ثرواتهم الشامخة الباذخة! وأي بناء يثبت في الهواء؟! ~~- إذن؟ ~~- إذن الإله الذي يتغذى هواء لا يكون أقنومه إلا الريح، فذوو المال يقبضون الريح. ms34 ~~- لم أفهم: كيف يتغذى إله المال بالهواء؟! # حلما يا عزيزي وتعطفا بالإصغاء! استنبطت هياكل تقدم إليها قرابين الأموال، ومذابح ~~تقدم لها ضحايا الجهل والعمل حيث تطبخ لتغذية إله المال. # فقال مأجوج ضاحكا هازئا: إني أشم رائحة زكية شهية في مطابخك يا أرجنتوس. ~~- إنها لشهية جدا يا عزيزي! فأول مذبح هو مذبح الشركات المالية، تضحى فيها رءوس الأموال ~~الكبيرة، وتطبخ طبخا ينضج في عمل كبير يشتغل فيه ألوف العاملين، هؤلاء يكدون ويكدحون ورءوس ~~المال تجني عرق جبينهم أرباحا، والمساهمون كالعاملين يشقون في تغذية إله المال، وهذا ~~الإله يضخم وينتفخ في هيكل الشركة، ولكن ما هو؟ هو إله هوائي أثيري، ليس إلا قيودا في ~~دفاتر المصارف والأسهم والسندات، وأما نتاج العمل فالنزر اليسير منه يستهلكه هؤلاء بتقشف، ~~وأولئك ببذخ وتهتك، والوافر منه مخزون لكي يستهلكه السوس والصدأ وعفونة البلى. ~~- حقا ويقينا أني أشتم رائحة العفونة الكريهة من هذا المطبخ، وأرى السوس والدود ~~والجراثيم تكثر وتملأ الأرض على حساب العمل ورأس المال. فعسى أن تكون رائحة المطبخ الآخر ~~نكهة يا أرجنتوس! ~~- أما المذبح الآخر الذي أغذي بقرابينه إله المال فهو يا عزيزي أعظم من ذاك وأفخم! ~~والقدور فيه أشد غليانا، ومطبخه سوق الأوراق المالية. ~~- الأوراق المالية! وماذا جرى بالتمثال الذهبي البديع الجميل الذي ابتدعته أولا ~~للعابدين؟! ~~- لما عظم هذا التمثال الذهبي واستنفد كل ذهب الأرض نصبته في قدس أقداس الخزائن الحديدية؛ ~~حيث لا يصل إليه إلا كهنة المال، ويبقى محجوبا عن عباده؛ لأن حجبه عن الأعين يزيده قيمة ~~ومهابة وسموا، ويذكي نار الشوق إليه، واصطنعت بدله من الورق أيقونات وصورا رامزة له، ~~فعباد المال يسجدون الآن للورق بدل الذهب! # فقال مأجوج: تعني أنهم يسجدون للصور بدل التماثيل! ولكن موسى قال: لا تصنع لك تمثالا ~~منحوتا ولا صورة ما مما في السماء أو على الأرض، فأنت لم تكسر إلا حرفا واحدا من ~~الناموس. ~~- كسرت الحرف الآخر؛ إذ جعلت الصكوك وقيود الحسابات في الدفاتر تنوب عن عملة الورق، ~~فأصبح البشر حافظي شريعة موسى حرفيا، لا ms35 يعبدون التمثال ولا الصورة؛ صورة البنكنوت، بل ~~يعبدون حبرا على ورق الدفاتر فقط! # فقال هأجوج مقهقها: لا يستبعد أنك ترينا يا أرجنتوس عباد الإله الجديد يسجدون للتراب ~~والهواء والماء. ~~- والنار أيضا يا عزيزي! ستراهم كالفراش يحوم حول لهيب المصباح إلى أن يحترق فيه، سترى ~~إلههم الجديد لهيبا يلتهمهم! ~~- مرحبا بهم! عندنا لهيب لا يطفأ! ~~- إنهم لفي غنى عن لهيبنا يا صاح! إني لجاعلهم هشيما ملتهبا، يأكل بعضه بعضا. # فقال مأجوج: حقا إني أحس بحرارة مطبخ آخر شديد اللسع، فما هو المطبخ الآخر؟ ~~- هو سوق الأوراق المالية كما قلت آنفا، مطبخ تشتعل فيه تلك الأوراق بلا انقطاع، وتختنق ~~بلهباتها ودخانها الأنفاس، صارت أسهم الشركات وسنداتها سلعا تباع وتشرى كأنها الخبز ~~والإدام والكساء، وعباد إله المال يتهافتون على البيع والشراء، والأسعار كلجج البحر الخضم ~~تعلو وتسفل، والعباد يتخبطون فيها فيعتلي بعضهم ظهور بعض، بينا هم يغرقون في تلك اللجج ~~الصاخبة. ليت عينك ترى سوق الأوراق في «وول ~~ستريت # Wall Street ~~» (في نيويورك)، وتشاهد أولئك العباد في حب إلههم هذا الذي يلقبونه ~~«ذي أول ميطي دللر # The Almighty dollar ~~» هناك ترى ~~ألوفا محتشدين في هيكل المضاربات، وقد دفع كل منهم مائتي ألف ريال أجرة كرسي له في ~~السنة، وهم لا يقعدون على ذلك الكرسي؛ لأن حرارة الأسعار هنيهة وبرودتها أخرى تقيمهم ~~وتقعدهم، وصلاتهم في ذلك الهيكل ضجيج ولغط وجلبة وبلبلة ألسن، لم تسمع مثلها يوم برج بابل، ~~لم يبق في الإمكان ابتلاء بني آدم نكبة أفدح من ذلك الجنون، هناك طردوا إله البرايا ~~والأكوان، فولى ظهره عنهم تاركا إياهم لرحمة ربهم الثاني الذي لا رحمة له ولا عدل عنده، ~~ألقاهم هذا الرب في مرجل من الأسعار يغلي، ويرتفعون فيه وسيغلون تبعا لارتفاع الأسعار ~~وهبوطها، فبين ثانية وأخرى ترتفع ثروات إلى الأوج، وتهبط ثروات أخرى إلى الدرك الأسفل؛ ~~لأنها ثروات قائمة في الهواء، هي أحلام في اليقظة، ينقضي النهار ويفرنقع أولئك العباد عن ~~هيكلهم؛ بعضهم إلى البذخ والترف والتهتك والخلاعة والفجور، وبعضهم إلى البؤس ms36 واليأس ~~فالانتحار، هذا مطبخ يغذي رأس المال غذاء هوائيا ويسمنه. ~~- إي وربك! إني أره متورما جدا من شدة سمنته. ~~- أجل هو كالمنطاد المنتفخ وجوفه مملوء غازا، فلا يلبث أن يتمزق من شدة الانتفاخ فيسقط ~~ويكون سقوطه عظيما. ~~- ولكن هذا المطبخ لا يغذي إلا فئة الرأسماليين، أو هو هيكل لا يحتوي إلا المتمولين، كأن ~~إله المال حرم العامة من الغذاء. ~~- لا، لا، لقد بنيت للعامة هياكل تأويهم جميعا، وهم يتزاحمون فيها كأولئك لتقديم ~~القرابين والأضاحي على مذابحها. # فمنها هياكل التأمين (السيكورتاه) ضد الحريق، يقدم المتمولون كبارا وصغارا عشور ~~عقارهم وسلعهم قرابين لشركات التأمين في هيكل العوام هذا، فالمحتال منهم يحرق عقاره أو ~~متجره خلسة، ويأخذ قيمته من مجموع أعشار المغفلين الآخرين الذين لا يعرفون أساليب الاحتيال، ~~وتبقى لرأس المال بقية وافرة تسمن بها الشركة، ومنها هياكل التأمين على الحياة تغري العوام ~~المجاهدين في تحصيل الرزق بوفر كبير من المال لقاء أقساط صغيرة يدفعونها، حتى إذا عجز ~~المؤمن عن تسديد الأقساط التهمت الشركة القسم الأكبر مما دفعه، وهكذا تنمو الشركة وتعظم ~~وتتضخم على حساب العامة المغفلين. وهناك شركات لفنون التأمين العديدة، وكلها أداة نصب يحتال ~~بها لقنص نتاج العامة المغفلين. ~~- تعني أن المحتالين يتنعمون على حساب المغفلين؟ ~~- لا يتنعم أحد؛ لأن المحتالين يحتال بعضهم على بعض أيضا في هيكل المضاربات حيث لا يطمئن ~~لهم بال، فهم كالذئاب يتربصون بعضهم لبعض. ثم استنبطت هيكلا آخر جذابا، لا يضل عنه ~~الفقير المعدم، يطمع بالربح منه كل معلل نفسه بالآمال حتى من الهواء، يؤمل أن تهبط الثروة ~~عليه من الفضاء الخالي! ~~- لقد فقت في اصطناع المعجزات موسى الذي استخرج من الصخرة ماء؛ لأنك تستخرج ثروة من ~~الهواء، كأنك تجعل الهواء يتبلور ذهبا! ~~- نعم، على مذبح «اليانصيب» (اللوترية) يتبلور الهواء ذهبا، بل ماسا! استنبطت مشروع ~~اليانصيب ليغوى به الهائمون وراء الثروة، ينشدونها بقوة البخت، فيتمادون في شراء أوراقه، ~~وكلما خابوا أملا مرة تجدد أملهم بالربح من «نصيب» آخر فيشترون، فهم يقترون على أنفسهم ~~لكي يقدموا جهادهم ms37 ضحايا على مذبح الإله. وقد تفننت «بالنصيب» فنونا ، وجعلته ضروبا مغرية ~~للجمهور، حتى إني جعلت هذا الاختراع الشيطاني أداة للمشروعات الخيرية، يمتص به دم الفقير ~~بدعوى الإحسان إلى الفقير، بل سخرت به القصد الخيري لغرض «النصب»، وابتدعت إلى جنبه فنون ~~المراهنات والقمار المختلفة كوسائل لاستنزاف دماء الناس؛ لكي تحرق على مذبح إله ~~المال! # فقال مأجوج: نعما هذا الإله الذي خلقت يا أرجنتوس! ولكنه إله يسعد فريقا على حساب ~~فريق آخر، فما زالت السعادة ترفرف على الأرض، وقد تدفقت على فئة، وإن كانت قد نضبت عن ~~أخرى! ~~- بل جعلتها سعادة ضئيلة مضطربة، لا يكاد نورها يلمع لقوم حتى ينطفي وينسدل عليهم ظلام ~~الشقاء الدامس، فتكون منفعتهم أعظم من لذتهم، فيهبون لمقاتلة بعضهم بعضا «تنازعا لها»، ~~فهم منذ خلقت لهم هذا الإله الفتان منشغلون في حرب دائمة عن خالقهم، حتى صار في عالم ~~نسيانهم، وفيما هم لاهون في آمالهم ينغمسون في شقائهم، وفيما أن خيرات ربهم الأرضية ~~تغمرهم غمرا يكدحون أي كدح في جمعها؛ لكي يحرقوها على مذبح الإله الذي خلقت، حتى إذا فاضت ~~عليهم أتلفوها في حروبهم. لقد بلغ الشقاء منهم منتهاه حتى كفروا بخالقهم وهم يجدفون عليه، ~~أليسوا لأجل المال يقتتلون؟ إذن لقد ابتدعت المال فتنة لبني آدم وجعلته أداة للآثام ~~والمعاصي، لولاه لما عصي البشر وصايا موسى العشر، بل لولاه لما وجدت تلك الوصايا! أليس لأجل ~~المال يسرق ابن آدم ويقتل ويكذب ويشهد زورا ... إلخ؟ أزل المال فلا يبقى لزوم للوصايا العشر ~~التي نحتها موسى في اللوحين الحجريين، فهل نصر أعظم من هذا يا سادة؟! # فدوى المكان بالتصفيق ثم بالهتاف: مرحى مرحى، أرجنتوس خالق إله المال الشيطاني! # وبقي مأجوج مبهوتا برهة إلى أن قال: ولكن بين البشر حكماء كلما أدركوا أن إله المال ~~شيطاني، وأن الوطن إله إبليسي، قاموا يدعون الناس إلى الاشتراكية التي تكسر تماثيل المال، ~~كما كسر موسى تمثال أخيه هارون الذهبي، وإلى «الأممية» (إنترناسيوناليسم)؛ أي تآخي الأمم ~~الذي يحطم أسلحة الحرب، فإذا نجح هؤلاء الحكماء عاد ms38 البشر إلى خالقهم، وأسبغ عليهم سعادة لا ~~تنقضي ، سعادة الألف سنة الأبدية. ~~- هذه مهمتنا منذ اليوم، وهي أن نحبط مساعي هؤلاء الحكماء، ولنا الأمل الكبير بإحباطها ما ~~دامت الشهوة التي زرعتها سيدتنا ذات الدهاء يانعة في القلوب! # لهذا نريد أن تكون لنا حكومة ديموقراطية تستمد قوتها من مشورة الشعب؛ لكي تنجح في إحباط ~~مساعي الحكماء. # فقالت فينوموس: إني أحبذ هذا الاقتراح، فلينتخب الشعب برلمانه منذ الغد، والحكومة تنزل ~~على إرادة الشعب. # فهتف الجمهور لذات الدهاء فينوموس. # | الفصل الثامن # وكانت الأخت جوكوندا تسمع تلك المناقشات ذاهلة مدهوشة، وصديقها الراهب سلفستروس يهزها كل ~~برهة قائلا: «هلمي نعد. لقد حان ميعاد صلاة العصر.» وهي تجاوبه: «لا بأس من تأجيل فرض ~~الصلاة ريثما ينتهي هذا الاجتماع لنرى ماذا يكون من أمره.» وأخيرا استأذنها سلفستروس لكي ~~ينفرد بعيدا للصلاة، وبعد ذلك انفض الاجتماع، وامتزج الأبالسة بعضهم ببعض. # وكانت جوكوندا معجبة بدهاء أرجنتوس وفصاحته وبلاغته في الدفاع، فندر أن حولت نظرها عنه، ~~فلفت نظره انتباهها الدائم له، فلما انحل عقد الاجتماع رآها تومئ إليه أن يقترب، فتقدم ~~إلى تحت الشرفة التي كانت جالسة فيها وقال: هنيئا لحضرة الحسناء الموموقة، لقد رأيتك يا ~~سيدتي منتبهة جد الانتباه لمناقشاتنا، لعل مؤتمرنا كان تفكهة لك. ~~- بل أثار نفسي وجعلها مضطربة إشفاقا عليكم ومنكم؛ لأنكم عبثا تجاهدون لأجل فتح ملكوت ~~الإنسان واحتلاله بالوسائل الشريرة. # فقال: بماذا نفتحه إذن؟ أبالصلاة والصوم؟ ذلك الملكوت الأرضي هو جنة لنا، وقد طردنا من ~~الجنة طردا، فاضطررنا أن نحارب أهل ذلك الملكوت لكي نفتحه ونحتله، ولا سلاح لنا إلا ~~الشر. # فقالت: ألا تعلمون أن الله حارس ذلك الملكوت؟! فكيف تؤملون أن تفتحوه ~~وتحتلوه؟! ~~- يلوح لي يا حسناء أن دائرة علمك مرسومة في بقعة محدودة من الأرض، ولا تعلمين أن ~~الله المقيم في أعلى السماوات مشرف على الكون العظيم، لا يكاد يفطن لوجود الأرض، وهي ليست ~~أكثر من ذرة في الكون المشتمل على ربوات الأجرام التي أصغر جرم منها يمكن أن يبتلع الأرض ~~ويقول لم أبتلع ms39 شيئا. يمكن الحوت أن يحس بوجود ميكروب في بطنه أكثر مما يحس أي نجم بالأرض ~~إذا دخلت في جوفه، فلا تبقى الأرض في بال الله وهو يرعى ربوات الأجرام في أفلاكها. # فقالت متجهمة: لا أفهم هذا الهذيان أيها الرجيم أرجنتوس! إن الأرض أهم جرم في الكون؛ ~~لأنها تحتوي على الإنسان الذي هو أهم مخلوقات الله. ~~- عفوا ومعذرة يا سيدتي، لا أدري ما هي الفلسفة النسائية التي تلقنتها لكي أتجنب القول ~~الذي يبدو لك هذيانا. ~~- كنت راهبة في الدير، وقد تعلمت اللاهوت وعلمت كل شيء عن قدرة الله وعلمه ~~وقداسته. ~~- مرحى مرحى! لا ريب أنك فيلسوفة بارعة، وفلسفتك الباهرة جعلت الكون كله متقلصا حتى ~~شملته الكرة الأرضية التي هي ملكوت الإنسان. # فقاطعته قائلة: والسماء ملكوت الله، وجهنم ملكوت الشيطان. ~~- أي نعم، وأما ملايين النجوم فليست إلا مسامير ذهبية، ترصع قبة السماء ~~اللازوردية. ~~- بل هي مصابيح أنوار الله تستنير بها الأرض. ~~- لله ما أسعد حظ الأرض التي خصها الله بمصابيح أنواره! ~~- إن الله جعل كل ما في الكون لمسرة الإنسان حتى الملائكة، جعلهم خداما للناس ~~الصالحين. ~~- لله ما أسعد الإنسان وأعظمه حتى جعل الله كل همه مسرة الإنسان! ~~- طبعا؛ لأن الإنسان يمجد الله. ~~- طبعا، طبعا، ولا يظهر مجد الله إلا إذا مجده الإنسان. ~~- طبعا؛ لأن الإنسان وحده يفهم قدرة الله وقداسته. ~~- صدقت، ما كان أسخف عقل داود صاحب المزامير حين قال: السموات تحدث بمجد الله والفلك ~~يخبر بعمل يديه. لأن السموات والأفلاك لا عقل لها لتفهم قدرة الله وقداسته، فكيف تمجد ~~الله؟! لقد أخطأ داود بهذا القول خطيئة لا يعد قتله لأوريا لكي يحتظي امرأته شيئا ~~بإزاء هذه الخطيئة المميتة. ~~- داود عنى أن الإنسان حين يتأمل عظمة الخليقة يمجد الله الذي جعل كل ما في الكون ~~لمسرته. ~~- إذن، الله والإنسان يتبادلان المسرة بالتمجيد، وإذن فضل الإنسان على الله أكبر من فضل ~~الله على الإنسان. # فقالت جوكوندا محتدة: صمتا! ما هذا التجديف الخبيث. ~~- أين التجديف يا سيدتي؟ من كلامك أستنتج مقالي. ~~- لم أقل ms40 أن للإنسان فضلا على الله، أستغفر الله. ~~- أليس التمجيد أعظم من المسرة يا سيدتي؟ أوليس الإنسان فاعل التمجيد والله فاعل ~~المسرة؟! ~~- الإنسان لا يستطيع أن يفعل شيئا إلا بقوة الله، فلا فضل له بتمجيده الله، بل التمجيد ~~والتسبيح واجبان عليه، والله يثيبه عليهما مسرة في الدنيا وسعادة في الآخرة. ~~- لله درك لاهوتية؛ فيلسوفة قديرة في الجدال، فاسمحي لي أن أستفيد من علمك العظيم، كيف ~~يمجد الناس الله ويسبحونه؟ ~~- يمجدونه ويسبحونه في الكنائس والمعابد بالصلاة والترتيل. ~~- كم من الناس يدخلون المعابد والكنائس؟ ~~- ألوف وألوف. ~~- الناس يعدون بالملايين لا بالألوف؛ إذن الذين لا يدخلونها ملايين وملايين، وهل تعتقدين ~~أن أولئك الألوف المصلين المرتلين المسبحين الممجدين لم يكونوا في أثناء صلاتهم وترتيلهم ~~مفكرين باختراع الدسائس والمكائد بعضهم لبعض، حتى إذا انصرفوا من معابدهم يشرع بعضهم بإيذاء ~~البعض؟! ~~- الله فاحص القلوب، يجازي كلا حسب عمله، فينقل الصادقين إلى السماء، ويرذل المنافقين ~~إلى جهنم النار. # فضحك أرجنتوس ملء شدقيه وقال: هل رأيت في السماء قديسين كثيرين؟! ~~- السماء مكتظة بهم. ~~- وما ظنك بنسبة مساحة السماء إلى مساحة جهنم؟! ~~- ما الغرض من هذا السؤال السمج؟! ~~- قصدي أن تعلمي منه أن السماء كقمة الهرم وجهنم كقاعدته، وكلتاهما مكتظتان ~~بأهلهما. ~~- وهب الأمر كما تقول، فماذا فيه؟ ~~- قصدي أن أسأل: أما كان في وسع الله أن يجعل كل الناس صادقين، فينقلهم إلى سماء أوسع ~~وأرحب من قاعدة الهرم، فتصبح جهنم أضيق من قمة الهرم؟! ~~- إن الله خلق الإنسان حرا في سلوكه يختار مصيره لنفسه لكي يستحق السماء أو ~~جهنم. ~~- إذن لم أخطئ حين قلت: إن الله بعد أن خلق الإنسان على الأرض وزوده بالحرية ليختار ~~مصيره تركه في عهدة حريته، ولم يعد يبالي بالأرض الحقيرة، ولعله نسيها؛ لأنه منشغل ~~بإدارة الأكوان العظيمة. ~~- لا تؤاخذني، لا أستغرب هذيانك هذا؛ لأنك تجهل أن الله لا يهتم بالأكوان عشر معشار ~~اهتمامه بالأرض التي خلق فيها أعز مخلوقاته عنده - أعني الإنسان - لكي يمجده، فما نسيها كما ~~تقول، وإلا لما كان يرسل لها كل حين ms41 بعد آخر الرسل والأنبياء لكي يعلنوا مشيئته للناس ، ~~ويدعوهم للتوبة ولعبادته وتمجيده. ~~- كيف يمجدونه؟ وأين؟ وبماذا؟ أفي المواخير والحانات والمراقص والمقاصف وأندية القمار ~~ودور المضاربات؟ أم في فظائع الحروب والاستبداد والاستعباد؟ # فقاطعته: كل هؤلاء الذين تشير إليهم ليسوا من عباد الله الصديقين. ~~- من بقي من الناس غير هؤلاء؟ هل تعرفين أحدا غيرهم؟ ~~- أعرف كثيرين من الكهنة والرهبان والراهبات والأتقياء. # فتبسم أرجنتوس وتلمظ لعابه ثم قال: تعنين بالأتقياء أمثالك؟ ~~- نعم، وهم كثيرون. ~~- وعندنا منهم كثيرون أيضا دعينا منهم، واسمحي لي بسؤال: أما كانت تلوح في بالك أفكار ~~شريرة حين كنت تصلين؟ # فترددت جوكندا في الجواب ثم قالت: لا أنكر هذا. ~~- أوما كان يخطر ببالك أن تبحثي عن سبب تلك الأفكار؟ ~~- طبعا، سببها الشيطان، وكنت أخزيه برسم إشارة الصليب على صدري. ~~- أوليس لهذا يكثر الأتقياء رسم إشارة الصليب لكي يطردوا الأفكار الشريرة؟ ~~- طبعا. ~~- يا ترى لو رسموها ألف مرة كل دقيقة هل كانت تكفي لخزي الشياطين، إذا كانت كل إشارة ~~واحدة كافية لطرد فكر شيطاني واحد. ~~- إشارة واحدة تطرد مليون شيطان. ~~- كيف يستطيع الشيطان أن يصل إلى قلب النقي حين يكون مصليا؟ ~~- الشيطان ملعون لا يكل عن مصادرة قلوب الناس. ~~- والله يا سيدتي الشيطان ليس زائرا متطفلا، فلا يأتي إلى قلب إنسان إذا لم يستدعه ذلك ~~الإنسان إليه، ولو كان أولئك المتعبدون يبتغون دائما أن يخزوا الشيطان برسم إشارة الصليب ~~لكانوا مضطرين أن يرسموها كل هنيهة مدى الحياة، ولو كانت إشارة الصليب تطرد الشياطين لفرغت ~~جهنم منهم؛ لأن فيها الآن من ذوي الصلبان كثيرين، ولا تزال الصلبان معلقة على ~~صدورهم. # فسخطت جوكوندا: هذا الكلام كله كذب، الصديق لا يدعو الشيطان إلى قلبه أبدا، بل هو يتوسل ~~إلى الروح القدس أن يحتل نفسه، ولكن الشيطان اللعين يحاول أن ينجس نفسه ويفسدها. ~~- أنا معك، أسلم بهذا، وإذن فالشيطان أنجح من الروح القدس في احتلال القلوب، وإلا لما ~~كانت جهنم مكتظة بالخطاة. # فتململت جوكوندا وقالت محتدة: إن أولئك الذين رذلوا إلى جهنم طبيعتهم شريرة، فلم ms42 ~~يطلبوا الروح القدس لكي يطهرها من الشر ... # فأتم أرجنتوس الكلام: ... فطلبوا الشياطين، فلبت طلبهم واحتلت قلوبهم. # واسترسلت قائلة: وأما الأبرار الصديقون فلا تستطيع الشياطين أن تحتل قلوبهم. ~~- أين الروح القدس؟ لماذا لا يحتل جميع القلوب ويطهرها من الشرور؟ ~~- الروح القدس لا يدنو إلى إنسان جعل قلبه منزلا للشياطين. ~~- إذن أتعتبين على الشيطان إذا وجد قلبا خاليا فتمكن فيه. ~~- تبا للشياطين الملاعين، لا أفهم ماذا يريدون من تدنيس قلوب الناس. ~~- عجبا! كيف لا تفهمين يا حسناء! أما فهمت بعد أنهم يغزون ملكوت الإنسان لكي يفتحوه ~~ويحتلوه! ~~- لا يستطيعون أبدا؛ لأن الله ساهر على شعبه، يجدد قلوبهم كلما دنستها الآثام. ~~- ونحن ساهرون في نضالنا، فنظل نفسد أهل الأرض، إلى أن يمل الله سهره عليهم، ويتخلى ~~عنهم وعن ملكوتهم، وعنده كون عظيم أجدر منهم بعنايته. ~~- لا يمل الله العناية بشعبه؛ لأنه وعد أن يجعل الأرض دار السلام وهناء ألف سنة، وسنة ~~السلام ملايين الأحقاب، فلا يكف عن بث الفضيلة في الناس إلى أن يصلحوا لذلك الدور ~~السعيد. ~~- ونحن نظل نفسد الأرض لكي نبعد ذلك الدور السعيد، وندخل الأرض فاتحين، فإما أن ننعم بذلك ~~الدور السعيد مع البشر، أو أن يتخلى الله عنهم، ويترك ملكوت البشر، فنحتله نحن ونستعبد ~~البشر. ~~- وكيف تنتظرون أن تبقى الأرض جنة لكم إذا تخلى الله عنها؟ ~~- تبقى أهنأ لنا من جهنم! # فتململت جوكوندا وبقيت صامتة هنيهة مفكرة ثم قالت: سمعا يا سيد أرجنتوس! ~~- وطاعة يا ذات البهاء. ~~- خطر لي اقتراح بديع. ~~- حبذا بداعته! فما هو؟ ~~- أنتم تريدون فتح ملكوت الأرض واحتلاله! ~~- نعم. ~~- فلماذا لا تتوبون عن شركم، وتمجدون الله تعالى وتسبحونه، فيقبلكم الله في الملكوت ~~الأرضي مع أبناء الإنسان، وحينئذ يزول من الأرض الشر الذي تبثونه فيها، ويدنو دهر الألف ~~سنة سلام، وتعيشون مع الناس بسلام ووئام وصلاح، والله يفتح ملكوت السماء للجميع؟! ~~- والله إنه لاقتراح بديع جدا يا ذات الطهر، ولكن الله طردنا من فردوسه طردا مؤبدا، ~~فكيف يمكن أن يقبل توبتنا ويعدل عن حكمه الجازم؟ ~~- إن الله ms43 رحوم شفوق غفور، يقبل توبة التائبين. ~~- أجل، يقبل توبة التائبين الذين أمهلهم، وحدد أجلا لتوبتهم، وأما نحن فلم يمهلنا الله ~~ولا حدد لنا أجلا للتوبة، بل أصدر حكمه علينا على الفور، وأنهى أمرنا ولا مرد لحكمه. ~~أفلا ترين أن الله ظلمنا بعدم إمهاله لنا، ورحم أبناء آدم بإمهالهم؟ مع أننا كنا ملائكة ~~أشرف طينة من طينة البشر، أفلا ترين أن الله لم يعدل بيننا وبين الإنسان؟ إنه ~~لظالم. # فصاحت جوكوندا مذعورة: استغفر الله، استغفر الله، الله عادل ورحيم أيضا، عدل معكم ورحم ~~الإنسان، عدل معكم ولم يرحمكم كما رحم الإنسان؛ لأن إثمكم أعظم جدا من إثم الإنسان، أنتم ~~تكبرتم على الله، وحدثتكم نفسكم أن تشاركوا الله في ملكه، وهذه «خيانة عظمى» تستحق القصاص ~~بالهلاك الأبدي، فما رحمكم ولا ظلمكم، بل عدل بكم. وأما الإنسان فماذا أثم؟ أثم بسيط ~~جدا، قال الله له: لا تأكل من هذه الشجرة. فعصى نهيه وأكل، فطرده من الفردوس إلى الأرض ~~عسى أن يتوب فيقبل توبته، ومنذ ذلك الحين شرعتم تفسدون الإنسان لكي تردوه عن التوبة، ~~وتحولوا دون مغفرة الله له، وبذلك تضيفون إلى إثمكم إثما آخر، فكيف تنتظرون أن الله ~~يرحمكم؟ ~~- والله يا سيدتي لا نحن أثمنا ولا الإنسان أثم، وإنما الله أناني يريد أن يحتكر المعرفة ~~لنفسه، وغيور فلا يطيق أن يكون أحد غيره ذا معرفة، وإلا لما كان يعاقب الإنسان ولا ذنب له ~~إلا أنه أكل من شجرة المعرفة كأن ابتغاء المعرفة جريمة، وإذا كان الطمع بالمعرفة رذيلة فما ~~هي الفضيلة إذن، وهو حكم علينا ذلك الحكم الجائر؛ لأنه اعتبر معرفتنا جريمة. إنه حاكم مستبد ~~وإلا لكان يمهلنا حتى نتوب كما أمهل الإنسان، لقد ندم على أنه خلقنا عالمين مثله الخير ~~والشر؛ ولذلك خلق الإنسان جاهلا لكيلا يغلط بالخليقة غلطة أخرى، وكذلك ندم على أنه تسرع ~~بحكمه علينا، فأمهل الإنسان لكيلا يغلط غلطة التسرع مرة أخرى، لذلك أقول: إنه ظلمنا ورحم ~~الإنسان، فما هو عادل، بل هو ظالم متحيز. # فصاحت جوكوندا به: صه، ms44 كفى تجديفا على الله خالق السموات والأرض وما فيها، إنه كريم؛ ~~لأنه خلقكم ذوي علم، ولكنكم اغتررتم بعلمكم، فطمعتم في أن تساووا الله في مجده فرذلكم بعدل، ~~وخلق الإنسان جاهلا لكي يمنحه العلم رويدا ولا يرتكب إثما كإثمكم، ولذلك أوصاه أن لا ~~يأكل من شجرة المعرفة بنفسه، بل هو يطعمه إياها ثمرة ثمرة، فعصى الإنسان أمره وأكلها، فما ~~عاقبه لأنه أكلها، بل لأنه عصى أمره؛ لذلك أمهله لكي يتوب فيغفر له. ومع أن الإنسان عصى ~~أمره تعالى ما زال يعظمه ويقدسه ويمجده ويستغفره؛ ولذلك يرحمه الله بأن يقبل توبته، وأنتم ~~لو كنتم تتوبون عن وقاحتكم في مقاومة خيره وإفساد شعبه، لكان يغفر لكم ويرحمكم. ~~- والله يا سيدتي هذا حد علمي أن الله يقبل توبتنا، فإن كنت مستوثقة منه أن يقبلها ~~نتب. ~~- إني واثقة أنه يقبلها، فتوبوا. ~~- كيف تستوثقين وحكمه علينا قد نفذ فينا؟! ~~- أتشفع بكم عنده. ~~- تتشفعين بنا عنده! ~~- نعم، وهو يقبل شفاعتي. ~~- من تكونين حتى يقبل شفاعتك بمنبوذين منه إلى الأبد؟ ~~- إني قديسة وكثيرا ما عملت عجائب. ~~- قديسة! تعملين عجائب! ~~- نعم، بقوة الله أعمل العجائب، ولي أمل وطيد أنه يقبل شفاعتي بكم ويرحمكم ويقبل ~~توبتكم. ~~- إذا كان الأمر كذلك، فإني أؤكد لك أننا نجعل جهنم أقل شرا من الأرض وأطهر عبادة لله، ~~وأحر صلاة له تعالى، فهل تتنازلين وتأتين لمقابلة سيدتنا ذات الذكاء فينوموس وتفاوضيها ~~بهذا الموضوع؟ وهي بلا شك ترحب بك، وتسعى لتنفيذ اقتراحك الذي تضمنين نجاحه، ولا ريب أن ~~الله تعالى جعلك رسولا لدعوة أهل الجحيم إلى التوبة، هل تتفضلين وتنزلين؟ هاتي يدك انزلي ~~على عاتقي. # وفيما كانت الأخت جوكوندا تنزل على عاتق أرجنتوس، كان الراهب سلفستروس مسرعا إليها وهو ~~يصرخ: ويحك! إلى أين، أإلى سقر وبئس المستقر؟! # فالتفتت إليه وقد أصبحت على عاتق أرجنتوس وقالت: نعم يا عزيزي سلفستروس، إلى سقر بمهمة ~~عظيمة جدا، بإلهام الله تعالى. ~~- ويحك! ماذا تقولين؟ ~~- أقول: إن الله تعالى انتدبني رسولا إلى جهنم لدعوة أهلها إلى التوبة، فانتظرني في ~~المطهر إلى ms45 أن أعود ظافرة بتوبة أهل الجحيم، ثم أذهب لكي أقدمها إلى الله. ~~- إنك لساذجة يا أختي، لا تعلمين أن سعيك عقيم، بل هو سعي معكوس، الله لا يقبل توبة ~~الأبالسة، وهم لا يتوبون. ~~- سترى، سترى، إنهم يتوبون، وإنه تعالى يقبل شفاعتي بهم، ويقبل مسعاي الحميد كفارة عن ~~ذنوبي المطهرية، ويكون رضاؤه علي عظيما جدا، وسأعود من جهنم إلى السماء مباشرة، ~~وأصطحبك معي إن شاء الله، والله لا يرفض حينئذ شفاعتي بك. # وكانت جوكوندا قد نزلت عن عاتق أرجنتوس إلى أرض جهنم، وسلفستروس يكفكف دموعه أسفا ~~عليها. # | الفصل التاسع # أرجنتوس يقدم جوكوندا للملكة فينوموس. ~~- أقدم لسيدتنا ذات الذكاء الرائع قدس الراهبة القديسة العجائبية القادمة إلينا بالدعوة ~~إلى التوبة! # فرحبت فينوموس بها بكل رحابة قائلة: مرحبا بالقداسة العجيبة! إن تنازلك لمملكتنا شرف ~~عظيم لها! عسى أن يكون بشيرا بانقلاب جديد في نظام الأكوان الروحانية! # فقالت جوكوندا: معاذ الله! أستغفر الله! وقانا الله من شر الانقلاب الذي يجعل الأعالي ~~أسافل! # فقال أرجنتوس: أجل، إن الانقلاب من حظ الذين ظلموا، وإنما تعني سيدتنا ذات الذكاء: ~~البشارة بتعديل القضاء الأزلي. # فقالت جوكوندا: بحسب لاهوت القديس توما الأكويني، القضاء الأزلي أبدي لا يحتمل تعديلا، ~~فالأبد القادم كالأزل المنصرم. ~~- ولكن الله تعالى مشرف على الماضي والمستقبل جميعا، فيستطيع أن يجعل الماضي مستقبلا ~~ويجدد فيه أحكامه، وإلا فكيف يجعل الرحمة فوق العدل كما تؤملين يا سيدتي. # فقالت جوكوندا: نعم! نعم! إني واثقة من رحمة الله بكم إذا كنتم تقبلون دعوتي للتوبة إليه ~~تعالى. # فقال أرجنتوس موجها الخطاب إلى فينوموس: تؤكد لي حضرة القديسة أننا بالتوبة ندخل إلى ~~ملكوت الإنسان بلا نزاع. # فقالت فينوموس: أجوكوندا تدعين يا سيدتي! أنه اسم جميل، ولكنه أقل من أن يرمز عن هذا ~~الجمال البارع! لقد كان جديرا بأبويك أن يسمياك فنيس! # فابتسمت جوكوندا إعجابا بنفسها وقالت: هذا ما لقبني به الذين انتخبوني ملكة الجمال في ~~العالم كله. # فحملقت فينوموس قائلة بتعجب: ألدى جلالة ملكة أنا؟ # ثم انحنت إلى الأرض قائلة: طوبى للعرش الذي ms46 حملك، وللمملكة التي لمع فيها تاجك! ما أعظم ~~حظك من نعم الله الذي وهبك ملك الجمال! كيف طقت خنوع الرهبنة في الدير الضيق، وأنت جديرة ~~بالتمتع بسؤدد السلطة المطلقة في دولة الحسن العظيمة ومملكة الجمال الواسعة؟! # فتنهدت جوكوندا وقالت: آه! لم أجد غبطة في تلك المملكة الواسعة، فعكفت في الدير أبتغي فيه ~~غبطة لنفسي. ~~- عجبا عجبا! يزعم الفلاسفة أن الجمال مصدر الحب، والحب ينبوع الغبطة؛ وأنت تتبوئين ~~عرش الجمال، فكيف لم تجدي الغبطة؟ ألم يكن في يدك صولجان الحب؟ ~~- لا! كنت ملكة على عرش بلا صولجان. ~~- غريب! هل تجردت القلوب على جمالك فاغتصبت منه صولجانه؟ ~~- لا! بل جمالي تجبر مزدريا تلك القلوب، ففزعت منه وتحولت عنه، إلى أن أصبحت ملكة بلا ~~رعية، فاشتريت بصولجاني قلبا، فإذا به صنم. ~~- لعلك رمت أن تقايضي بجمالك حبا فخابت المقايضة؛ لأن الجمال لا يصلح ثمنا للحب بل هو ~~غذاء له، لا تصلح المقايضة إلا قلبا بقلب، فأنت أعطيت جمالا بلا حب فأخذت صنما بلا ~~قلب! ~~- صدقت! لقد كان جمالي في ناحية وقلبي في ناحية أخرى. ~~- كيف يمكن ذلك؟ ~~- كان جمالي مقيدا بقلب غير القلب الذي كان قلبي مقيدا به. ~~- عفوا يا مولاتي! من ابتلاك بذلك القيد الجائر؟ ~~- دولة الجمال يا عزيزتي! آه منها دولة متعبة مشقية، دولة البذخ والبطر تحتاج إلى مملكة ~~وافرة الذهب. ~~- وتركت قلبك كبشا على محرقة تلك الدولة يتألم ويستغيث ولا تغيثينه لئلا تفقدي تاج ~~الملك وصولجانه! # فقالت جوكوندا متنهدة: لم يكن إنقاذه ممكنا ما دامت كتائب أبهة تلك المملكة تحاصر عرش ~~الدولة. # فابتسمت فينوموس وقالت: ما دام ذلك القلب يرقص على مجامر بخور العرش وشجوه، لا يسمع شيئا ~~في ضجيج موكب تلك الكتائب. فكيف تشكين من حرمان الغبطة ورائحة دخان قلبك الملوع أذكى من ~~البخور؟! ~~- قسمتي. ~~- وهل صولة الدولة وحول الملك وطوله تعين القسمة مقلوبة رأسا على عقب. ~~- قسمة مقلوبة! ~~- نعم، لقد خلق الجمال غذاء للحب الذي ينعم به القلب، وأما أنت فقد جعلت القلب غذاء ~~للجمال. كان يجب أن ms47 يتبع جمالك قلبك أينما اتجه. ~~- آه! لو فعلت لكنت ناكثة عهدا مقدسا، ونكثه إثم عظيم. ~~- أي عهد أقدس من العهد الذي يعقده القلب؟ ~~- عقد الزواج. ~~- أزواج جمالك أم زواج قلبك. ~~- عقد الزواج الذي يربطني بزوجي الشرعي. ~~- الزواج الذي استوهب جمالك بدل قلبه الصنمي المذهب؟! ~~- آه، نعم. ~~- والزوج الذي بادلك قلبا بقلب ماذا فعلت به؟ ~~- لم يكن ذاك لي زوجا. ~~- عفوا ومعذرة، لقد أسأت التعبير يا سيدتي القديسة، كان أقرب إليك من زوج، كان شطرك ~~الآخر. ~~- ولكن لم يكن بيني وبينه عقد زواج. # فقالت فينوموس متهكمة: صحيح، فلقتا اللوزة لا تقويان على حجر المكسر؛ لأنه ليس بينهما عقد ~~زواج، وشطرتا الترمسة لا تثبتان بين سبابتي الآكل؛ لأنه ليس بينهما قران، كذا القلبان ~~المتعاشقان لا يصمدان في غلاف واحد؛ لأنه ليس بينهما عقد زواج. ~~- عقد الزواج شيء مقدس. ~~- وما رأيك باتحاد القلبين بالحب، أعقد منجس هو؟ ~~- عقد الزواج مقدس بحكم الشريعة. ~~- الشريعة القائلة: «حيث يكون كنزك فهناك يكون قلبك»؟ ~~- نعم. ~~- حسن، وهل في منطق هذه الشريعة أن الزوج الغني البغيض كنز أثمن من المحب ~~الحبيب. ~~- ولكن حدث ارتباط الزوجية من غير استشارة القلب، وبحكم الشريعة لم يعد ممكنا ~~فكه. ~~- رفضت مشورة القلب ثم لذت بالشريعة لكي تبرري هذا الرفض، فماذا بقي لك من مستشار فيما ~~بعد؟! ~~- لقد ندمت لإهمالي مشورة القلب أي ندم، ولات ساعة مندم. ~~- لماذا بعد الندم لم تستشيري الشريعة التي تعتصمين بها؟ ~~- ليس في شريعة الكنيسة حل. ~~- آ ... لقد خفي علي أن عندكم شريعة أسمى من شريعة الله وأقدس هي شريعة الكنيسة. ~~- لا، لا، أستغفر الله، إن شريعة الكنيسة مستمدة من كلام الله القدوس. ~~- أمستمدة شريعة الكنيسة من كلمة الله حقيقة؟! و«الله محبة»، والمحبة كلمته، والمحبة ~~شريعته، فهل تعدين عاصية شريعة الله إذا كنت تنقضين عهد جمالك لبعلك إذا كنت تبرين بعهد ~~قلبك لحبيبك؟! ~~- الكنيسة تحرم الطلاق. ~~- تعصين شريعة المحبة الإلهية لكي تخضعي لشريعة الكنيسة البشرية! # فقالت جوكوندا متململة: ويحك! أأعصي أمر الكنيسة؟ هذه أعظم الخطايا المميتة. # فضحكت فينوموس ms48 ثم قالت: عفوا يا سيدتي لا تعصي شريعة الكنيسة، بل أعصي شريعة الله، ~~فعصيانها خطية عرضية. ~~- شريعة الله كشريعة الكنيسة. ~~- شريعة الله المحبة، والمحبة هي عقد الزواج الشرعي، فحيث لا حب فلا زواج. ~~- ولكن شريعة الكنيسة مستمدة من كلام الله القائل: «ما جمعه الله لا يفرقه إنسان.» # فقالت فينوموس متمادية في التفلسف: وأنت أيتها الإنسانة فرقت ما جمعه الله! أليس قلبك ~~وقلب حبيبك مجتمعين بقوة المحبة التي هي الله؟ فكيف تفرقين بينهما بزواج جمالك وقلب رجل ~~آخر غير حبيبك؟ ثم تصرين على هذا التمرد على شريعة المحبة خوفا من تحريم الكنيسة؟ ~~- تعنين أنه كان يجب علي أن أطلق زوجي لكي أتزوج من بادلته قلبي بقلبه؟ هذا إثم ~~عظيم. ~~- أوليس إثما أعظم أن تنكثي عهدا مقدسا بحرصك على عهد مصطنع؟! # فتبرمت جوكوندا ثم قالت: ولكن قد يعقد الزواج شرعا وحبا، ثم يطرأ ما ينقض الحب أو ~~يقتله ... فيبقى عقد الزواج الشرعي رابطا. ~~- حينئذ يجب أن ينقض عقد الزواج الشرعي حالا؛ إذ لا فائدة منه بعد أن ينقض قيد الحب، ~~ينقض لأن رابطه - أي الحب - انفصم وإلا صار تمردا على شريعة المحبة الإلهية، وإن لم ينحل ~~عقد الزواج إنهار بناؤه؛ لأن أساسه قد انهار من تحته، وينهار معه صرح السعادة، إن زواجا ~~خلوا من الحب لهو تجديف وكفر بالله. ~~- يلوح لي أنك تبررين شريعة الطلاق! ~~- لا! لا وجود البتة لشيء يدعى طلاقا في مقابل شيء يدعى زواجا أو ضده، لا يوجد في ~~حكم الطبيعة إلا زواج ولا زواج، فالزوجان زوجان طالما هما يتبادلان الحب حتى إذا انتفى ~~حبهما بطل أن يكونا زوجين. ~~- غريب أمرك! هذا يعني أن لا زواج على الإطلاق، بل حيث يتحاب اثنان يقترنان بلا عقد زواج، ~~فإذا تنافرا افترقا! ~~- أجل! إن حبهما هو عقد الزواج الحقيقي بعينه، فإذا انتفى الحب انحل العقد من ~~طبعه. ~~- تعنين أني اليوم أكون قرينة فلان لأني أحبه وغدا أكون قرينة آخر لأني أصبحت أحبه دون ~~ذاك، أهذا يدعى زواجا؟! ~~- وهل يمكن أن يكون الزواج ms49 غير هذا؟! ~~- إذن ما الفرق بيننا وبين الحيوانات؟! ~~- بينكم وبين الحيوانات فروق كثيرة، وبينكم وبينها تشابهات كثيرة ومنها القران، لماذا يجب ~~أن تفترقوا عن الحيوانات في سنة طبيعية هي أساس الحياة، وأعني بها سنة القران؟ لماذا تكون ~~لكم شريعة للقران غير شريعة الحب، وهي شريعة الطبيعة في الأحياء، لماذا تميزون أنفسكم عن ~~الحيوانات بنقض هذه الشريعة، في حين أن هناك فروقا عديدة بينكم وبين الحيوانات تميزكم ~~عنها إذا شئتم هذا التمييز؟ # وانحصرت جوكوندا في هذه الزاوية من الحوار، ولم تحر جوابا إلى أن قالت: يجب أن نمتاز ~~عن الحيوانات بشريعة اجتماعية؛ لأننا اجتماعيون والحيوانات غير اجتماعية. ~~- ألغرامكم بشيء يسمى الاجتماع الإنساني تقيدون أنفسكم بشريعة بشرية أحط من شريعة الحب ~~الإلهية، لكي توهموا أنفسكم أن هذه الشريعة تميزكم عن الحيوانات؟! ~~- لماذا تعتبرين شريعة الزواج أحط من شريعة الحب؟! ~~- لأن الغرض من أي شريعة ضمان السعادة وتلافي التنازع بين الأفراد، وشريعة الزواج التي لا ~~تجيز طلاقا بلا قيد حتى بالرغم من انتفاء الحب، تنافي ذلك الغرض؛ ما فائدة المجتمع من ~~تعاسة زوجين غير متحابين، وأي ضرر للمجتمع يتلافى بإكراه زوجين متنافرين على البقاء تحت سقف ~~واحد؟ وماذا يضر المجتمع أن تكوني اليوم قرينة فلان السعيدة معه، وغدا قرينة فلان الآخر ~~السعيدة معه أيضا لأنك أصبحت تحبين هذا دون ذاك؟ أليس تقيد القران بالحب فقط أنفى ~~للدعارة التي ملأت أرضكم، وأنجى من الخيانة الزوجية التي تعدونها في رأس قائمة ~~الآثام؟ ~~- ولكنك نسيت يا سيدة مشكلة الأولاد التي تنشأ من مسألة إباحة الطلاق متى انتفى ~~الحب؟ ~~- أولاد من؟ ~~- أولاد الزوجين. ~~- ليسوا أولاد الزوجين، هم أولاد الطبيعة أولا، ثم أولاد المجتمع ثانيا، وعلى المجتمع ~~تربيتهم، وإلا فما هي وظيفة المجتمع إذا لم يكن أول واجباته العناية بالأولاد. ~~- أليس في تولي المجتمع تربية الأولاد قتل لعواطف الأبوين الوالدية؟ ~~- لماذا تقتل العواطف؟ بالعكس هي تقوى؛ إذ لا تبقى مهام عائلية تحول دون بثها. # وبقيت جوكوندا مبهوتة برهة بعد هذا الحديث إلى أن قالت: تالله أين أنا! أفي ms50 جهنم أم على ~~الأرض؟! ~~- أنت في جهنم يا سيدتي. ~~- ولكني أسمع فلسفة أهل الأرض، فأنى لك هذه الفلسفة الاجتماعية يا سيدة؟ # فابتسمت فينوموس وقالت: ألا تدرين يا سيدتي أن فلسفة الأرض مستمدة من حكمة ~~جهنم؟ ~~- عجبا! أفي جهنم حكمة تفتقر لها الأرض؟ ~~- أنسيت التفاحة التي أكلتها جدتك حواء ثم قدمتها لجدك آدم؟ ~~- أوه ... لا أنسى أنك أنت أرشدتها إليها. ~~- ألم تفتح تلك التفاحة أعين جديكما لمعرفة الحكمة: الخير والشر؟ ~~- حقيقي أن تلك التفاحة جلبت المعرفة للبشر، ولكنها جلبت معها الآثام والعقوبات؛ لأنه ~~لو بقي الإنسان جاهلا غبيا لما كان يحاسب. ~~- ولبقي حيوانا غير جدير بملكوته الأرضي ولا بطموحه إلى الملكوت السماوي. # ففكرت جوكوندا هنيهة ثم قالت: بالله هل عندكم هنا حب؟ وهل تحبون؟ ~~- بالطبع نحب! ~~- بالطبع! لماذا بالطبع؟ # لأن الحب سنة كل شكل من أشكال الوجود، فالأجرام السماوية تحوم بعضها حول بعض بقوة عاطفة ~~المحب التي سموها الجاذبية، والعناصر تنتظم في مركبات مختلفة بقوة الألفة التي سموها الألفة ~~الكيميائية، والعناصر الأرضية تتألف في أجسام نباتات وحيوانات بقوة التعاشق. وفي جهنم كما ~~على الأرض نظام كوني مبني على تلك القواعد، فبالطبع نحب. ~~- إذا كنتم تحبون لا تكونون محرومين من السعادة. ~~- كلا، نحن نتمتع بسعادة الحب. ~~- إذن ما الفرق بيننا وبينكم؟ ~~- الفرق أننا نحن أسعد منكم جدا. ~~- عجبا! إذن كيف يكون عذاب جهنم. ~~- أخف جدا من عذاب الأرض. # فتحيرت جوكوندا، ثم قالت: أخاف أنك تغررين بي لكي تحببي جهنم إلي. ~~- كلا البتة، لست مغررة بك؛ لأنك قديسة وقد نجوت من عذاب جهنم وعذاب الأرض جميعا، فأغبطك ~~لأنك ستصعدين إلى السماء. ~~- بالله تخبرينني كيف يكون عذاب أهل الأرض أشد من عذاب أهل جهنم؟ ~~- إن مطمح أهل الأرض أشد جدا من مطمح أهل جهنم وأعز منالا. ~~- ما هو مطمحكم وما هو مطمحنا؟ ~~- أنتم تطمحون إلى الملكوت السماوي ونحن نطمح إلى الملكوت الأرضي. ~~- ولماذا طموحنا إلى السماء أشق من طموحكم إلى الأرض؟ ~~- أنتم تطمحون إلى السماء ولا تريدون أن تتخلوا عن الأرض، وتودون أن تأخذوا ms51 الأرض معكم ~~إلى السماء، حتى إذا عز عليكم أخذها معكم ووددتم أن تستنزلوا السماء إليها، تحاولون أن ~~تملكوا الملكوتين معا، تتشبث يسراكم بالسماء وتبقى يمناكم قابضة على حطام الأرض. ~~- أراك يا هذه تزعمين مزاعم باطلة لا حجة لك فيها، ليست حياتنا في الملكوت الأرضي الزمني ~~إلا استعدادا لبلوغ الملكوت السماوي الخالد. ~~- أي نعم، تبتغون أن يبتدئ الخلود على الأرض، فبنيتم الأهرام، وحنطتم الأجسام، ونصبتم ~~الأنصاب، وأعليتم الأبراج، محاولين أن تصلوا الدنيا بالآخرة، أن تصلوا إلى هذه من غير أن ~~تجتازوا عتبة الموت. ~~- هذا بهتان، ولا مؤاخذة، بين الدنيا والآخرة حجاب لا ينفذ إلا من باب واحد، الموت هو ~~الباب الذي تنتهي عنده الحياة الدنيا وتبتدئ بعده الحياة الأخرى الأبدية، فلا بد من اجتياز ~~هذا الباب. ~~- لقد نسفت قدرتكم الحجاب والباب معا، وأصبح الاتصال بين الدارين حرا طليقا. ~~- هذا إفك وليس للإنسان قدرة على زعزعة حجر واحد من ذلك الحجاب. # فقالت فينوموس ضاحكة: لا تستطيعين يا ذات الجلالة أن تصمي أذنيك عن المفرقعات التي تحطم ~~الصخور وتفتح الأنفاق في الجبال، أفلا تستطيع أن تدرك ذلك الحجاب؟ # فقالت جوكوندا بسخط: هذا هذيان شرير. ~~- عفوا وحلما يا ذات الجلالة، إذن لماذا تحاولون أن تحصلوا على سعادة الآخرة من غير أن ~~تتركوا ملذات الدنيا وتقمعوا شهواتكم؟ ~~- دعوى باطلة بلا دليل. ~~- عجبا يا ذات الجلالة! لا أظنك تجهلين أنكم تتنافسون في ادخار حطام الدنيا، وكثيرون ~~منكم قد ادخروا منها ما لا تفنيه دهور الخلود، كأنهم يجهلون أنهم سيموتون عاجلا، تتهالكون ~~في سبيل الادخار بغية أن تتزودوا من ملذات الدنيا للآخرة، كأنكم تخافون أن تجوعوا في ~~السماء. ~~- أستغفر الله، في السماء من النعيم ما لا يبقي في النفس من حاجة إلى ملذات الدنيا ~~الدنيئة. ~~- ولكنكم لا تشبعون من ملذات الدنيا فتبتغون أن تنقلوها معكم. ~~- هذا كلام فارغ، لا يستطيع الإنسان أن ينقل معه ذرة من حطام الدنيا إلى الآخرة. ~~- يستحيل يا سيدتي أن تكون هذه عقيدة الإنسان وهو يتصرف بعكسها، لو كان يعتقد أن بين ~~الدنيا ms52 والآخرة بابا هو الموت، وأنه لا يستطيع أن يجتاز هذا الباب وهو مثقل بحطام الدنيا ~~لما كان يقاتل أخاه الإنسان من أجل هذه الحطام، ألا تقتتلون في سبيل ادخارها؟ ~~- لا أنكر أن بيننا دنيويين يتنازعون الثراء اقتتالا، وأما الأتقياء الصالحون فيزدرون ~~تلك الحطام ويتطلعون إلى النعيم السماوي. # فقالت فينوموس ضاحكة: ليتك يا ذات الجلالة تزورين معبد القديسة جوكوندا العجائبية؛ لكي ~~تري ماذا فيه من كنوز، أحطام دنيوية هي أم نعم سماوية؟! وهو أقل المعابد والصوامع والمناسك ~~كنوزا، ليتك تشاهدين كنوز الإكليروس من تيجان وصلبان وطيلسان في مدينة يسوع ومدينة خلفائه، ~~وليتك تطلعين على دفاتر الأملاك من متاع وعقار ومال؛ لكي تعلمي كم هو نصيب طغمات الصالحين ~~منها، وقد انتقلوا إلى الآخرة ومعهم صكوك امتلاكها إلى اليوم وغدا، فهم في السماء كما ~~كانوا على الأرض من ذوي الأملاك في السماء وفي الأرض. ~~- تبا هذا تجديف لا أطيق سماعه. ~~- عذرا يا مولاتي، أكف عما لا تطيقين سماعه، وإنما أرجو أن تسمحي لي باستفهام ~~واحد. ~~- استفهمي بلا تجديف. ~~- قلت إن الحياة الزمنية إنما هي استعداد للحياة الأبدية، فكيف يكون هذا ~~الاستعداد؟ ~~- بالتعبد لله. ~~- السموات تحدث بمجد الله والأفلاك تسبحه، فبماذا يمتاز تعبدكم؟ ~~- ليس التعبد بالتسبيح والتمجيد فقط، بل بالصلاة والصوم أيضا. ~~- حسن، ليتك يا ذات القداسة تفحصين قلوب المصلين الصائمين؟ ~~- لماذا؟ ~~- لكي تري أن أنجح برامج من برامج الكيد والدس والختل والخداع هو الذي يفكر به ~~المتعبدون في أثناء الصلاة والصوم. ~~- لا يقبل الله صلاة وصياما إذا كانا ستارين للخداع. ~~- إذن لم يبق شيء من التعبد لله غير تسبيح السموات وتمجيد الأفلاك. ~~- وطاعة الإنسان وصايا الله أيضا. ~~- تعنين وصايا الله العشر التي لولاها لما وجدت الخطيئة على الأرض؟ # فوجفت جوكوندا فرقا، وقالت: ما هذا التجديف يا هذه؟ لو لم يخطئ الإنسان لما وضع الله له ~~وصاياه العشر لكي يردعه بها عن المعصية. ~~- سلي فيلسوف اللاهوت بولس الرسول ينبئك أنه لولا الوصية لما وجدت الخطيئة. ~~- مستحيل، القديس بولس عني بقوله ذاك أن الله عالم ms53 أن الإنسان سيخطئ، فحذره من الخطأ ~~بوصاياه العشر التي إذا لم يطعها جلب على نفسه الشقاء في الدارين معا. ~~- أشكر لك تفسيرك كلام الرسول، فلنر هل فهم الناس تلك الوصايا كما عني بها الله؟ وهل ~~أطاعوها كما نص عليها؟ أولها: «أنا الرب إلهك لا يكن لك إله غيري.» # فقالت جوكوندا: لا إله غيره تعالى. # فقالت فينوموس على الفور: لا إله غيره في كل مكان إلا ... # فقاطعتها جوكوندا قائلة: إلا في جهنم طبعا. ~~- لا لا، لا إله غيره حتى في جهنم، وإنما لا إله غيره إلا على الأرض؛ حيث توجد آلهة أخرى ~~سواه. ~~- ويحك! الأرض ملأى معابد لله لا لسواه. ~~- بل إلى جانبها معابد لإله آخر أضخم وأفخم منها، فهجر الناس تلك إلى هذه. # فقالت جوكوندا متذكرة تقرير أرجنتوس: فهمت، تعنين معابد المال التي بناها الداهية أرجنتوس ~~على الأرض، ولكن عباد هذه هم الأشرار الدهاة الذين لا حظ لهم في السماء. ~~- وعباد معابد الله أشد دهاء من هؤلاء؛ لأنهم يخدعون الله والناس. ~~- ويلكم! إن ينبوع الخداع في جهنمكم؛ ولذلك يشدد الله العذاب لكم. ~~- كلا يا سيدتي، لا لزوم عندنا للخداع حتى ولا لمعصية وصية من وصايا الله البتة. ~~- عجبا! من هو إلهكم؟! ~~- لا إله إلا الله وحده خالق الكون هيولى وأرواحا. ~~- ألا تحلفون؟ ~~- لسنا مضطرين إلى الكذب لكي نؤيد كذبنا بالقسم بالله، كلامنا النعم نعم، ~~واللا لا. ~~- غريب، ألا تسرقون؟ ~~- ليس عندنا مال يسرق، وليس لأحد منا حاجة بمتاع لكي يسرقه، كل شيء عندنا مشاع ~~للجميع. ~~- عجيب! ألا تقتلون؟ ~~- ليست لنا مطامع نتنازعها لكي نقتتل لأجلها. ~~- ألا تزنون؟ ~~- لا! ما هو الزنى؟ ~~- عجبا! ألا تعرفين ما هي رذيلة الزنى؟ ~~- ماذا تعنون بها؟ ~~- نعني بها أن يقترن الرجل بامرأة ليست زوجة له أو زوجة رجل آخر، وأن تحب المرأة غير ~~رجلها أو بعل امرأة أخرى. ~~- إذا كان هذا ما تعنونه فهو فضيلة. ~~- ويحك يا هذه! الزنى فضيلة! ~~- لا! لست أعني أن الزنى فضيلة، بل إن هذا الذي تعنونه ليس زنى! ~~- لله من ms54 هذا البهتان! إذن ما هو الزنى؟! ~~- إن استئثار الرجل بامرأة لا تحبه بل تحب سواه لهو الزنى، واستئثار المرأة برجل لا ~~يحبها بل يحب سواها لهو الزنى أيضا! لذلك لا زنى عندنا؛ لأنه لا رجل يستأثر بامرأة لا ~~تحبه، ولا امرأة تستأثر برجل لا يحبها! ~~- ويلك! تسوغين الحب المشاع! ~~- لا، بل أكرر لك القول السابق أن الحب قاعدة الزواج، فنحن لا أنتم طائعون وصايا الله! ~~لا شيء البتة عندنا من الآثام والمعاصي التي عندكم! ~~- يا لله! إنك تصورين لي جهنم كالسماء. # فقالت فينوموس باسمة: أي نعم! هي نسخة من السماء، ولكنها مقلوبة كما لو كنت ترين السماء ~~من كوة عدسة التصوير الشمسي! # وبقيت جوكوندا مبهوتة برهة إلى أن قالت: إذا كان أمركم كذلك، فأبشرك أن رحمة الله بكم ~~أقرب إليكم من قاب قوسين. ~~- أستغرب أن تكون رحمة الله على مقربة منا هكذا ولا نقتنصها، في حين أيدينا طويلة تمتد ~~إلى قلوب البشر على الأرض، فأين هي؟ ~~- لم تروها؛ لأن شركم كغبار الحرب يحجبها عن أبصاركم. ~~- نعقد هدنة ساعة لكي يصفو الجو فهل نرى رحمة الله، أم نراها سرابا، كلما تقدمنا إليه ~~ابتعد عنا! ~~- لا تكفي الهدنة، بل يجب أن تكون توبة أبدية عن كل شر، فترون حينئذ رحمة الله في منال ~~يدكم مهما كانت يدكم قصيرة. ~~- لا نستطيع أن نفرط بتوبة كهذه بلا ضمانة؛ لئلا نخسر المعركة بيننا وبين البشر، ولا نحصل ~~على الرحمة! # فقالت جوكوندا متحرية: ضمانة! ماذا تعنين بالضمانة؟ ~~- أعني ضمانة الرحمة لقاء التوبة؛ هل تبيعين سلعة إذا كنت غير واثقة من قبض الثمن؟ ~~- طبعا لا! ~~- ونحن لا نبيع توبة ما لم نقبض رحمة حالا. ~~- العادة أن يستلم الشاري البضاعة، ثم يدفع الثمن ولو بعد حين. ~~- وإذا كان البائع قليل الثقة طلب ضمانة، فنحن نطلب ضمانة أننا ننال رحمة الله حتما بعد ~~تقديم التوبة إليه. # فقالت جوكوندا: أنا أضمن! # فقالت فينوموس الداهية: أأنت تضمنين الله تعالى خالقك يا ذات الجلالة العليا؟ قبلنا ~~الضمانة. # وخرت فينوموس إلى الأرض ساجدة ms55 وقالت: عزمنا على إجراء عملية التوبة منذ الآن. # فارتعدت جوكوندا وقالت: ويحك يا فاجرة! لقد هورتني بدهائك، واستدرجتني إلى تجديف بالله ~~تعالى لا يغتفر؛ ربي غفرانك! أثمت عن غير قصد مني لقصر نظري. ~~- أي تجديف هذا؟ ~~- استدرجتني إلى أن أضمن الله، والله ضامن الصديقين، وهل يخلف الله وعده حتى تطلبي ضمانة ~~له؟ # وسجدت جوكوندا إلى الأرض مستغفرة، ورسمت إشارة الصليب على صدرها مرارا ثم قالت: تبا ~~لك! أيساوم الله على رحمته؟! معاذ الله. # فقالت فينوموس جادة: نعم يا ذات الجلالة! ألم تكن مساحات السماء في زمن من الأزمنة ~~معروضة للمساومة؟ أما كانت تباع بأثمان وتسجل بصكوك وحجج كضمانة لحصول الشارين لها عليها؟ ~~فلماذا تستنكرين علينا طلب ضمانة أو صك على الأقل؟ اتفقنا أن نتوب إليه تعالى! فما هي ~~الضمانة لنا أو الحجة بامتلاك حق الرحمة؟ # فوجفت جوكوندا تغيظا من هذا التلميح إلى عهد صكوك الغفران وقالت: قلت لك إن الله لا ~~يساوم على رحمته؛ توبتكم هي حجتكم وضمانة لكم؛ لأنه تعالى وعد التائبين بالمغفرة رحمة ~~بهم. ~~- ولكنه لم يعد الملائكة الساقطين بمغفرة لقاء توبة، وإلا لتبنا من زمان، وكنا خدام ~~جلالته. ~~- لا تخافي أن تذهب توبتكم سدى، إن رحمة الله تعالى أوسع من الأرض وجهنم وسائر ~~الأكوان، فإذا تبتم أتشفع لديه تعالى بكم فيشملكم برحمته، وسبحانه يقبل شفاعة ~~القديسين. # فسجدت فينوموس إلى الأرض وقالت: حمدا لله وشكرا لشفاعتك أيتها القديسة، إني أول من ~~يزمع التوبة، فعليك بإقناع سائر الرجماء الزعماء، ومتى اقتنعوا يتبعهم الأبالسة والشياطين، ~~ثم نعقد حفلة التوبة تأهبا لدخول الملكوت الأرضي سالمين. # فقالت جوكوندا متهللة: وحينئذ تنقطع وسوستكم، وينتفي الشر عن الأرض بتاتا. ~~- وأظن أنه يسمح لنا حينئذ أن ننتقل مع البشر الصالحين. ~~- وهل عندك شك بذلك؟ ويكون فرح عظيم في السماء؛ لأن جميع الأرواح التي خلقها الله تابت ~~إليه، واشتركت جميعا بتسبيحه، لله منه يوما حين يدوي فيه «خوروس» (جوقة موسيقية) الأبرار ~~بترنيمة انتصار الفضيلة على الرذيلة، ومحو القداسة لدرن كل دنس. ~~- لا ريب أنه سيكون يوما ms56 سعيدا لا نهاية له، بمجرد تصوره أشعر بغبطة فائقة ما شعرت ~~بمثلها قط! ~~- فكيف بك حين تتمتعين بالسعادة الحقيقية إذن؟ ~~- وا شوقاه! متى يكون ذلك؟ ~~- حين نخرج من جهنم بموكب عظيم مرنمين مسبحين ممجدين الله. # فقالت فينوموس وهي تتلوى دلالا: ولكن لا تنسي يا ذات الجلالة. ~~- ماذا؟ ~~- الصف الأول من ذلك الموكب العظيم. ~~- كيف يكون؟ ~~- صف الرجماء. ~~- طبعا. ~~- وهل تعلمين أني ملكة جهنم؟ ~~- لم أجهل هذا. ~~- إذن. ~~- ماذا؟ ~~- أين أكون في الموكب؟ ~~- طبعا قدام الصف الأول، هذا مفهوم. ~~- وأنت؟ ~~- أنا؟ ~~- نعم، أين تكونين جلالتك في الموكب. ~~- هذا ما لم أفكر به قط. ~~- أظن هذه نقطة جوهرية في الرسميات يا ذات الجلالة، يجب أن نقررها منذ الآن؛ لئلا يقع ~~خلاف حينئذ، فيضطرب الموكب، وتزدحم البوابة، فيقفلها الملائكة في وجوهنا. ~~- لا بأس أن أكون وراء الموكب. # فقالت فينوموس بدلال وغنج: هذا لا يليق بملكة الجمال. ~~- رأيك إذن؟ ~~- رأيي أن تكوني في مقدمة صف قومك الأرضيين الذين كانوا من نصيب جهنم. ~~- فكرة حسنة. ~~- بقيت نقطة أخرى جوهرية. ~~- أراك تفتقين قطبة بعد قطبة. ~~- الشرط نور يا عزيزتي، وإلا أفسد الخلاف المشروع. ~~- «طيب» ماذا؟ ~~- أي صف يكون في المقدمة؟ أصف الرجماء ووراءه الأبالسة، ثم صفكم أنتم الأرضيين، أم ~~العكس؟ ~~- هذه مسألة بسيطة، إذا كنت تفضلين أن تكونوا أنتم في الصف الأول فلا أعارض، ولكن أيحسن ~~أن يواجه الشياطين الله أولا؟ ~~- ماذا يمنع؟ إن الله في رأيكم صديق الخطاة، وهو يقبل التائبين بترحاب، وإلا فهو ~~حقود. ~~- بل هو رحيم يسر بتوبة العصاة، فتقدموا أنتم في الصف الأول. ~~- اتفقنا، تفضلي بثي دعوتك بين الرجماء وعلي بالرئيس بعلزبول. # | الفصل العاشر # ما فارقت جوكوندا فينوموس حتى التقت برسبوتين بزيه الكهنوتي، فرحب بها قائلا: كنت أبحث ~~عنك لكي أسلم عليك؛ إذ بلغني أن جلالة ملكة الجمال القديسة العجائبية في زيارة قصيرة إلى ~~جهنم، فرأيت من الواجب أن أضع نفسي تحت أمرك لخدمتك يا سيدتي. ~~- شكرا لك أيها الأب الموقر، ولكني استغربت أن تكون من نصيب جهنم، وأنت راهب ناذر العفة ms57 ~~والطاعة والفقر لتكون مرشدا الأنام إلى الصلاح وقدوة لهم بحياتك التقوية. ~~- آه، لقد كنت يا سيدتي أكثر من ذلك. ~~- عجبا! ماذا أكثر من ذلك ومجموع تلك النذور الثلاثة هو التقوى؟! ~~- كنت أدعو إلى الاتحاد الروحي، # 1 # وأرشد الأتقياء إلى ممارسته، ولكن هؤلاء أساءوا الممارسة. ~~- كيف كانت الممارسة؟ وكيف أساءوها؟ ~~- كانت بإيحاء الأنفاس رمزا إلى إيحاء الأرواح. ~~- لا أفهم كيف يكون ذلك. ~~- يعني تتنفسين في وجهي، وأتنفس في وجهك، فأتنشق نفسك وتتنشقين نفسي، وتضمينني وأضمك، ~~وذلك رمز لاتحاد روحينا. ~~- وما الغرض من هذا الاتحاد الروحي؟ ~~- ليس الاتحاد سببا لغرض، بل هو الغرض بعينه بمقتضى المحبة الإلهية التي هي سببه. ~~- فكرة حسنة، وفضيلة مبرورة، فما الذي قذف بك إلى هنا إذن؟ # فقال رسبوتين بتذلل وتألم: مظلوم يا سيدتي، عوقبت بجريرة غيري. ~~- مستحيل! إن الله لعادل وعالم ولا يخطئ حكما. ~~- إنه لكذلك تقدس اسمه، وإنما الأشخاص الذين اعتنقوا مذهبي أساءوا استعماله، فعوقبت ~~أنا لأن المذهب مذهبي، وقد أفضى إلي الإثم. ~~- كيف استعملوه؟ ~~- لم يقتصروا على الاتحاد الروحي، بل تمادوا إلى الاتحاد الجسدي، فأفسدوا غاية المحبة ~~الإلهية. ~~- فاستحقوا العقاب طبعا، وأما أنت فما ذنبك؟ ~~- ذنبي أنهم شياطين بأثواب أتقياء، فوسوسوا لي وهوروني معهم، وانقلب اتحادنا الروحي إلى ~~اتحاد جسدي، أف، تبا لهم، لقد دنسوا طهارتي، نجسوا قداستي، لطخوا نفسي بأدران ~~الشهوات. ~~- أوه لو تبت لغفر الله لك! ~~- لم يمهلني البرنس ديمتري لكي أتوب، بل غدر بي واغتالني قبل التوبة. ~~- تبا له! لماذا غدر بك؟ ~~- اتهموني زورا بأني خنت القيصر والقيصرة والدولة بالتجسس لمصلحة الألمان. ~~- لماذا لم تدفع التهمة عنك إذا كنت بريئا؟ ~~- قلت لك غدروا بي من غير أن يحاكموني. ~~- حقا إنك مظلوم يا أبانا المحترم، سأتشفع بك. # فانقض رسبوتين على يدي جوكوندا يقبلهما قائلا: ألف شكر لعطفك يا ذات الجلالة، ما أطيب ~~قلبك النقي الطاهر، أجل لقد أبلغني الرجيم أرجنتوس عطفك العظيم على أهل جهنم، وأنك جئت لكي ~~تدعيهم إلى التوبة على أمل أن يقبل الله شفاعتك بهم، ولا ريب أنه تعالى سيتقبلها، ms58 ما أمجد ~~مسعاك هذا، سيكافئك الله عليه بأن يمنحك لقب ملكة الجمال في السماء كما على الأرض وفي جهنم ~~أيضا، وإن بهاءك هذا لهو السبيل القويم إلى المحبة الإلهية بواسطة الاتحاد الروحي. ~~دعيني أتوسل به إلى محبة الله ورضاه. # ثم طوقها بذراعية الحديديتين، وضغطها على صدره، ولثم فمها، وتنشق أنفاسها، فانتفضت بين ~~يديه ونفرت قائلة: ما هذا أيها الأب المحترم؟ كدت تسحقني سحقا بضغط ذراعيك. # فقال: لا بد من هذا الضغط لكي تتحد الروحان، أما شعرت بروحك تتحد بروحي! ~~- بل شعرت بهيكل عظامي يتزلزل، وبأوتار أعصابي تنسل من جسدي، وبدماغي يترنح في جمجمتي. ~~آه، وهت قواي، انحلت مفاصلي. وكادت تقع إلى الأرض فتلقاها رسبوتين قائلا: هذه كلها مفاعيل ~~الاتحاد الروحي يا سيدتي، فلا تجزعي، سري وافرحي أن روحك لقيت أليفتها فاضطربت حين ~~الاتحاد بها. # ثم قبلها قبلة أخرى فردتها عنه مرتجفة قائلة: دع هذا الاتحاد الروحي الآن، يتراءى لي ~~أنه مزعج في جهنم، ودعني أمضي بمهمتي عسى أن أنجح. ~~- تنجحين بلا شك، وقد بحثنا المشروع أرجنتوس وأنا جيدا وتأكدنا نجاحه؛ لذلك تبرعنا ~~بمساعدتك فيه. ~~- ألف شكر يا أبت رسبوتين، من تظنه يكون عقبة في السبيل. ~~- لا أحد اللهم الرئيس بعلزبول. ~~- تعهدت الملكة فينوموس بإقناعه. ~~- لا أدري إن كانت تستطيع إقناعه. ~~- لماذا؟ ~~- لأن الزعامة عقبة في السبيل، فلا يتنازلان عنها بسهولة. ~~- فلتبق لهما زعامتهما. ~~- أتقبلين أن يدخلا الملكوت الأرضي ملكين متوجين. ~~- ماذا يضرني؟ ~~- عجبا! إذا كان الله قد جعلك ملكة على الأرض وفي السماء، أتكفلين رضاه تعالى إذا سمحت ~~أن يدخلا الملكوت الأرضي متوجين، هذا لا يكون. # ففكرت جوكوندا ثم قالت: ولكني وعدت فينوموس بأن يتقدما الموكب كملكين. ~~- ويحك! تدعين رجيمين، وهما أشر الرجماء، أول من يواجه الله! هل خلا القوم الأرضيون من ~~أناس يتصدرون الموكب لمواجهة الله؟ هذا إذا فرضنا أنك ارتكبت هذه الغلطة، وتنكبت أنت عن ~~تصدر الموكب؛ لأنك أنت أحق وأوجه من يتصدرونه. ~~- إذن رأيك؟ ~~- بالطبع رأيي أن تتصدري الموكب كله أنت ملكة له، الله منحك هذه النعمة، ms59 فهل تزدرين ~~نعمته؟ ~~- أتهيب هذا الموقف العظيم الجليل يا رسبوتين. ~~- إذا أذنت أكون إلى جنبك مشجعا لك وناطقا بإرادتك حين يقتضي الأمر الكلام. ~~- لا بأس بهذا! ولكن ماذا يبرر وجودك إلى جنبي دون غيرك من الأرضيين الأقل إثما؟ ~~- المسألة بسيطة جدا، إذا شئت نعقد زواجنا. ~~- ويحك! كلانا راهبان ناذرا العفة! فكيف نعقد زواجا. ~~- هذا النذر انتهى على الأرض يا قديسة وانقضى بالموت، وهنا نستطيع أن نتزوج بشكل الاتحاد ~~الروحي. ~~- ولكن يسوع قال: هناك لا يتزوجون! ~~- يسوع عنى بقوله: «هناك» السماء، فنحن نخرج من جهنم زوجين، وينحل زواجنا على الأرض قبل ~~الصعود إلى السماء. # ففكرت جوكوندا برهة ثم قالت: لا يدخل هذا التدبير دائرة عقلي أيها الأب رسبوتين! لا أقدر ~~أن أتصور أننا زوجان في حين أننا رحلنا إلى الآخرة من صميم الدير عفيفين. ~~- وحين نعود إلى الدنيا من الآخرة نمثل دور زوجين، ماذا يمنع؟ # فضحكت جوكوندا وقالت: إني أستهجن فكرة التمثيل في الزواج كل الاستهجان. ~~- لأنك تجهلين أن الزواج ليس إلا دور تمثيل يمثله الزوجان. ~~- غريب. ~~- أجل! معظم الأزواج أزواج بالاسم. ~~- كيف يكونون أزواجا بالفعل إذن؟ ~~- يكونون كذلك متى كانوا غير أزواج، لذلك يجب أن نكون زوجين ولو بالاسم؛ لأنه لا بد من ~~الزواج لأجل قانونية الموكب، لا يجوز قط أن يتصدر الموكب بلعزبول وفينوموس، وأنت القديسة ~~العظيمة والملكة البهية تكونين فيه بالتبعية؛ لئلا تثيري غضب الله! يجب أن تتصدري الموكب ~~وإلى جنبك راهب يسر الله بتوبته، لا شيطان ينفر الله من شيطنته! # ففكرت جوكوندا هنيهة، ثم قالت: حل لا بأس به، ولكن كيف نستطيع أن نقنع فينوموس وبلعزبول ~~بالتسليم لنا برياسة الموكب؟ ~~- أوه! هذه مسألة أسهل من السهولة، في إمكاني أن أدع الرجماء يقنعوهما. ~~- إذا كان هذا في إمكانك، فقد توفقت كل التوفيق. ~~- يد العهد! # تصافحا وافترقا على موعد لقاء آخر. ~~••• # ومضى رسبوتين بين الجماهير إلى أن عثر على أرجنتوس، وانفرد به وقال له: تعال إلى هنا، ~~المشروع ناجح إن شاء الله. # فقال أرجنتوس متهللا: كذا أرى، فما خاطبت ms60 به رجيما من الرجماء الذين يودونني إلا ~~استحسنه مسرورا وحكم بنجاحه، وإنما لا يجسر أحد أن يتقرب به إلى بعلزبول. ~~- فينوموس تعهدت بإقناعه بمشروع التوبة. ~~- لا أثق كثيرا بوعد فينوموس، كلاهما يحرصان على الزعامة الجبارة، ويخافان أن تضيع ~~زعامتهما متى انتقلنا إلى الأرض، إذا لم تضع في ثنايا المشروع قبل أن نرحل من هنا. ~~- لا يهمنا رضاهما، يجب أن تسقط زعامتهما. ~~- ويحك! إنهما جباران. ~~- أجل، ليس لبعلزبول المزايا ولا الجدارة التي لك في نظر الشعب، يسقط جبروتهما لدى دهائك ~~الفائق، الشعب معجب بك. # فحملق أرجنتوس قائلا: تعني؟ ~~- أعني أنت أجدر منه بالزعامة. ~~- ويحك! ماذا تقول؟! ~~- أقول أنت الزعيم، أنت ملك مملكة جهنم، الشعب الجهنمي كله أصبح مدركا مقدرتك العجيبة، ~~أية ساعة تنادي بنفسك ملكا تهتف لك الأبالسة «فليحي أرجنتوس الملك» ويبايعك الشعب. ~~- ويحك! إذا لم تحسب حسابا لبعلزبول، فلا بد من أن نحسب لفينوموس حسابا. ~~- فينوموس تبقى الملكة، أما شعرت أنت أنها معجبة بك، تكاد تبجلك إعجابا بدهائك، تكاد ~~تعيدك حبا. # وكان أرجنتوس متعمقا في التفكير إلى أن قال: تكاد تزين لي مكيدة سأقع فيها. ~~- لا تهب، لا تخف، أنا كفيل بإقناع الرجماء جميعا، وحينئذ يسقط بعلزبول، وتبقى فينوموس ~~على العرش، فتجلس أنت إلى جنبها. ~~- علام تستند بهذه الكفالة؟ ~~- لقد جسست نبض بعض الرجماء «وترسملت» منهم. ~~- ومن فيرومارس وزير الحرب أيضا؟ ~~- لم يبق إلا هذا لم أكلمه بعد. ~~- طبعا لا تجرؤ أن تكلمه؛ لأنه معروف بولائه لبعلزبول. ~~- لا، بل هو موال لفينوموس يحبها. ~~- هي تقربه إليها لكي تعتمد عليه حين الدفاع عن العرش. ~~- وهو مغتر بجبروته الحربي، فهو يحب جبروته وأبهته ومجده؛ ولذلك لي أسلوب خاص بمفاوضته ~~بالموضوع. ~~- أي موضوع؟! ~~- موضوع تعديل الحكم. ~~- أتعني أن تزين له العرش! ~~- لا، بل أزين له الدكتاتورية المستقبلة. ~~- أرى تناقضات ومضادات في برنامجك يا رسبوتين، كيف أكون ملكا ويكون فيرومارس ~~دكتاتورا؟! ~~- لا تكون ملكا في أول الأمر بالاسم والفعل والحرف. ~~- ماذا إذن؟ ~~- تكون رئيس الجمهورية أولا، ثم تحول كرسي الرئاسة إلى عرش تدريجيا. ~~- في ms61 ظل ديكتاتورية فيرومارس؟ ~~- فيرومارس لن يكون دكتاتورا، وإنما يوعد بها وعدا، أو يوهم بها إيهاما، والدكتاتورية ~~الحقيقية تكون لك. ~~- بأي ضمانة. ~~- بضمانة دهاء مثلث. ~~- كيف يثلث الدهاء؟ ~~- دهاؤك ينضم إليه دهاء فينوموس ودهاء «محسوبك». ~~- تعني نكون «تريومفير» روحاني! ~~- بالفعل نكون كذا، وأما بالاسم فتعرف أنت الحاكم الأعلى. الشعب يحبك، وأنت ساحره، فلا ~~تقف صولة فيرومارس ولا ألاعيب فينوموس أمام دهائك في جمع كلمة الشعب حولك. ~~- ففكر أرجنتوس ثم قال: الأفضل أن لا تكلم فيرومارس؛ لئلا يفشي السر لبعلزبول. ~~- لن أمس سلطة بعلزبول بحديثي البتة، وإنما أزين لغيرومارس الدكتاتورية تحت سيادة ~~بعلزبول، دع التدبير لي. ~~- بقي أمر لم تحسب حسابه يا رسبوتين. ~~- ماذا؟ ~~- لم تفرض فشل المكيدة ووقوعنا في الحفرة التي نحفر. ~~- هذا محسوب حسابه في رأس القائمة، وتداركه في رأس برنامج التدبير. ~~- كيف تتداركه؟ # يثور الشعب في طلب الدستور الديموقراطي البحت، فإذا استطاع بعلزبول قمع الثورة تظاهرنا ~~بالنقمة على الشعب المتطرف في طلباته، نحن لا نظهر في الميدان إلا إذا رأينا الثورة ناجحة ~~فنقبض على الناصية. ~~- إلى هنا التدبير حسن، ولكن كيف يثار الشعب. ~~- أصبح الشعب متشبعا بروح الديموقراطية التي ما فتئنا نحن الدهاة الأرضيين نبثها منذ ~~جئنا لاستعمار جهنم، والمظاهرة التي حدثت اليوم هي طلائع الثورة، فالثورة مضمونة على ~~الأبواب، وعندي رهط من الدهاة جنود الثورة الدعاة لها، ونجاحها أرجح جدا من فشلها؛ لهذا ~~وددت أن نغنم فرصة الانتقال إلى الأرض لكي نغير نوع الحكم، وما دام الحكم بيد بعلزبول، فلا ~~رجاء بنجاح مشروع التوبة الذي ينيلنا الملكوت الأرضي؛ لأن هذا الشخص رجعي متصلب الرأي، ولا ~~يفهم شيئا من تطور الأكوان والعوالم، فبقاؤه في الحكم عثرة في سبيل الارتحال من هنا إلى ~~نعيم الأرض، كما كان عبد الحميد الرجعي عقبة في سبيل تقدم تركيا. ثق أننا إذا دخلنا ~~الملكوت الأرضي بزعامتك استطعنا أن نجعل الأرض أجمل وأسعد من جنة عدن قبل السقوط. # 2 # وكان أرجنتوس يسمع مفكرا إلى أن قال: من هم جنود الثورة الذين تعتمد عليهم؟ ~~- كثيرون مثل: ms62 نيرون، وأتيلا، وكليوبترا، وتيودورا، ومازرين، ونابوليون ... إلخ. ~~- حسن، إذن أترقب نجاح الثورة، فأظهر حينئذ في صف القيادة. ~~- اتفقنا. ~~••• # وافترق رسبوتين عن أرجنتوس، وما عتم أن التقى بفيرومارس، فحياه باشا وهو يقول: السلام ~~على دكتاتور جهنم العظيم. # فتعجرف فيرومارس معرضا صدره مصعرا خده وقال: لماذا الدكتاتورية؟! ~~- لأن مظاهرة اليوم تنذر بثورة تتمخض عن دكتاتورية. ~~- لكن رشاشا من دهاء فينوموس أطفأها قبل اندلاع لهيبها. ~~- لا تصدق أن نفسية الشعب المتقدة يطفئها دهاء، الشعب متنور وسيدنا رجعي، الشعب يطلب ~~حكما ديموقراطيا وسيدنا يراوغ، الشعب يثور وأنت تقمع الثورة، لا بالسلاح بل بالحكم بين ~~العرش والشعب، وإذا بك ترى نفسك ديكتاتورا. # فضحك فيرومارس وقال: أنبي أنت؟! ~~- نعم، ونبوءتي صادقة، غدا تستل سيف الحكم أيها الدكتاتور العظيم، وإذا احتجت إلى مشورتي ~~تجدني إلى جنبك، ولكن القوم يتحدثون الآن بحفلة توبة لأن الله سيقبلها بشفاعة القديسة ~~جوكوندا. عندي الخبر اليقين، والحفلة بدء الثورة؛ لأن قبول التوبة مستحيل ما دام سيدنا ... ~~وبقية الكلام عندك، السلام عليكم. # وما ولي رسبوتين ظهره حتى أمسك فيرومارس بثوبه قائلا: ويحك! ما هي بقية الكلام؟ ~~- تأهب للقبض على الزمام غدا، اسمح لي، علي مقابلة هامة الآن للقديسة جوكوندا؛ لأجل ~~ترتيب برنامج حفلة التوبة، إلى اللقاء. # | الفصل الحادي عشر # لم تمهل العاصفة السفينة إلى أن تصل إلى الشاطئ، وكذا لم تمهل الثورة حفلة التوبة إلى أن ~~تنعقد. # في اليوم التالي زحف موكب الشعب بقضه وقضيضه، وراياته تخفق فوقه وقد كتب عليها على ~~أساليب مختلفة الكلمات الفخمة: الدستور، الديموقراطية، البرلمان، الجمهورية، الحكم الذاتي، ~~اللامركزية، الحرية، المساواة، الإخاء، الاتحاد، إلى غير ذلك مما اخترعه قادة الأمم على ~~الأرض لإثارة الغوغاء أو الرجماء. # وكانت الهتافات المتوالية تناسب هذه الكلمات، وازدحمت الجموع في الميادين والشوارع وفي ~~ميدان قصر البعلزبولي، فاضطرب بعلزبول وفينوموس، ولا سيما إذ لم يجدا حولهما من الرجماء ~~كبار الدولة إلا النزر اليسير يأتون بأخبار متناقضة وآراء متضاربة، ويعودون بحجة السعي إلى ~~إخماد الهياج حتى كادا يقنطان من تفريج الأزمة. # في إبان قلقهما جاء عبد ms63 الحميد آل عثمان وهمس في أذن بعلزبول: مؤامرة! فاحذرها ! ~~- ويحك! ما هي معلوماتك؟ ~~- دسيسة سرية. ~~- ويحك! من يدسها؟ ~~- رجالك! ~~- أصادق أنت؟ ~~- كاذب إلا اليوم تقطع رأسي إن كنت كاذبا. ~~- ماذا يريدون؟ ~~- خلعك بحجة مماطلتك بالدستور. ~~- أعلنه في الحال! # أعلنته قبلك فمهدت السبيل لخلعي! فحاذر ... ~~- إذن! ماذا يرضيهم؟ ~~- لا شيء. ~~- ما العمل إذن؟ ~~- فرق تسد. ~~- كيف؟ ~~- استدع كل واحد من قادة الثورة على حدة، وعده وعدا كاذبا بأن تستوزره أو ترقيه إلى ~~منصب أعلى من منصبه، حتى متى خمدت الثورة تقبض عليه وتزجه في السجن، ثم في بحيرة الرصاص ~~المصهور. # وكان بعلزبول يسأل ويسمع مضطربا فقال: من تعرف من زعماء الثورة؟ ~~- ربما كان مدير حركتهم في الخفاء أقرب الأبالسة إليك. ~~- ويحك! من تعني. ~~- اسحق رأس الحية، لا أقدر أن أقول أكثر من ذلك. # فازداد اضطراب بعلزبول وقال: تبا لك! أي حية أقرب إلي من فينوموس؟ أأسحق رأسك؟ ~~- لك أن تسحقه لكي تخسر من يصدقك أخبار الأسرار. ~~- ويحك! أي أسرار؟! ~~- كيف تنتظر أخباري وعنقي تحت سيف تهديدك المصلت. ~~- عليك الأمان، ماذا عندك من الأسرار. ~~- أمثل الأمان الذي كان عندي في يلدز؟ ~~- خسئت، بعلزبول لا ينكث عهده، ما هي أسرارك؟ ~~- ليس عندي أكثر مما أفصحت. ~~- ويحك يا إنسان! أيمكن أن تخونني فينوموس؟ ~~- مهلا إلى أن تخمد الثورة وتشرع بالتحقيق. ~~- عم ينجلي التحقيق يا خبيث؟ ~~- عن تنازع الحكم في ساحة الغرام. ~~- سحقا لك، إلام تكلمني بألغاز؟ أفصح. ~~- لا أفصح إلا بعد أن أجمع البينات، وثمت تكون شهادتي صادقة. فأمهلني إذا كنت تعتمد على ~~مشورتي. ~~- ماذا يطمنني في الاعتماد على مشورتك؟ ~~- إن تراجع التاريخ تعلم أنك وقعت على خبير. ~~- كيف أثق أنك تمنحني خبرتك الصادقة؟ ~~- لست أمنحك منحا، وإنما أبيعك بثمن. ~~- حسنا، الثمن مكافأتك بمنصب عظيم إن أصدقتني الخبرة النافعة، أو قطع عنقك إن كذبتني ~~الخبر الصحيح. ~~- اتفقنا، دعني أسع سعاياتي ريثما تتدارك التهاب الهشيم. ~~••• # وتوارى عبد الحميد، وجال بعلزبول يبحث عن فينوموس، فما عتم أن رآها عن بعد تماشي ~~فيرومارس وبينهما حديث تنم إشاراته ms64 عن اهتمام، فتركها ليرى ماذا يكون من أمرهما، وإذا ~~رسبوتين يبدو لديه ويبادره وبصوت خافت: حاذر من دكتاتورية فيرومارس. # فازداد اضطراب بعلزبول وقال: كيف يمكن أن يكون دكتاتورا؟ ~~- يكون دكتاتورا إذا وليته قمع الثورة. ~~- كيف عرفت أن فيرومارس ينويها؟ ~~- نزف من سوائل مؤامرة. ~~- ويحك! ماذا تعرف عن المؤامرة؟ ~~- لا شيء سوى النزف. ~~- تقيأه حالا وإلا فأنت تعلم عقاب النم والوشاية. ~~- غريب أمرك يا سيدي الملك، أليس بصرك أنم من كلامي. ~~- ويحك ماذا أبصر؟ ~~- أتريد تلسكوبا أم ميكورسكوبا أم كليهما، لكي ترى نزيف المؤامرة؟! ~~- تبا لك! أتلفت نظري إلى مسايرة فينوموس لفيرومارس؟ ~~- لا، بل مسايرة فيرومارس لها. ~~- ماذا فيها؟ ~~- مساومة. ~~- علام؟ ~~- ستنجلي لك إن قمع فيرومارس الثورة. ~~- ويحك! أتحرضني على الشك بفينوموس؟ ~~- لست أحرضك بل أحذرك. ~~- ومم؟ ~~- من تولية فيرومارس قمع الثورة لئلا يقمعها لحسابه. # فاشتد قلق بعلزبول وقال: تبا لك! من أولى منه بقمعها وهو وزير الحربية؟ ومن أجدر وهو ~~قائد الجيش؟ ~~- أرجنتوس أولى؛ لأنه أدهى، والدهاء أفعل إذا كانت الثورة في الجيش نفسه. ~~- ما الضمانة على صدق نصيحتك؟ ~~- صدق أخباري التي أبلغتها إليك. ~~- لم تخبرني سوى نية فيرومارس الطمع بالدكتاتورية، فكيف أتحقق صدق هذا الخبر؟ ~~- ستتحققه من فينوموس نفسها وتتحقق معه أمورا كثيرة. ~~- ماذا غير ذلك يا هذا؟ ~~- ستتحقق أن الغرام ينقب تحت العرش. ~~- سحقا لك! أي غرام هذا؟ ~~- سأشرحه لك متى توفرت عندي أدلته. ~~- كيف أثق بصدق أدلتك. ~~- بالوعد أو بالوعيد. ~~- تعني ... ~~- الوعد بالمكافأة على الصدق، والوعيد بالقصاص على الكذب. ~~- حسنا، متى تعود بالأخبار اليقينية؟ ~~- قبل اندلاع اللهيب، اسمح الآن. ~~- امض، أنتظرك. ~~••• # والتفت بعلزبول، وإذا فينوموس مقبلة وفي وجهها أمائر التفكير العميق، فلما التقيا قال ~~متجهما: ماذا ترين؟ ~~- أرى أن نتأهب لمقاومة المظاهرة بالقوة المسلحة؛ لأن دلائل المتمرد أصبحت واضحة. ~~- من يتولى قيادة القوة المسلحة؟ ~~- من غير فيرومارس وهو ابن بجدتها؟ ~~- أرتاب به. ~~- لماذا؟ ~~- لأنه إلى الآن لم يبد منه اهتمام. ~~- لأنه يشترط أن يقلد السلطة المطلقة. # فقال بعلزبول مضطربا: وماذا قلت له؟ ~~- فلتكن له. ~~- ويحك! تتواطئين معه ms65 على دكتاتورية؟ # فتجهمت فينوموس وقالت: ماذا تقول؟ ~~- أقول إني علمت بمؤامرة. ~~- لا علم لي بمؤامرة، فأنبئني ماذا علمت؟ # فقال يجاهر بغضبه: أتتجاهلين؟ ~~- ويحك! أبلغ منك سوء الظن أن تستخونني! ما هي المؤامرة التي اكتشفت أني أعلم بها ~~وأكتمها عنك. ~~- ليس الآن وقت الحساب. ~~- طبعا ليس الآن وقته والثورة على الأبواب، يجب أن نطلق يد فيرومارس عاجلا وإلا سادت ~~الفوضى. ~~- لن يقود فيرومارس الجيش. ~~- من يقوده إذن؟ ~~- أرجنتوس! ~~- بئس الرأي. # فازداد تغيظ بعلزبول وقال: لقد صدقت الأخبار! # فقالت ساخطة: أية أخبار؟ ~~- أخبار المؤامرة التي تعرفينها. ~~- تكاد تخرجني عن دائرة صبري، وتدفعني إلى خصومة مدبرة! أفصح ماذا تعلم من مؤامرة؟ ~~- ليس الآن وقت الإفصاح، ندعه إلى أن نقمع الثورة، يجب أن يتولى أرجنتوس قمعها. ~~- مستحيل! ~~••• # عند ذلك بدا جستوس بينهما مضطربا: أتختصمان ولهيب الثورة يكاد يندلع! # فقال بعلزبول: إني أحس بمؤامرة، فما وراءك؟ ~~- نعم! الثورة بنت مؤامرة هائلة. ~~- أجل! وفينوموس تكتمها عني. ~~- معاذ الله! لا علم لها بها في ظني. ~~- إذن ماذا تعلم عنها أنت؟ ~~- ليس وقت التحقيق الآن، بل وقت المبادرة إلى العمل. ~~- هذا ما أبتغيه، ولذلك قررت أن أولي أرجنتوس قمع الثورة. ~~- كلا! بل تقبض على أرجنتوس الآن. # فقالت فينوموس: أما قلت لك إنه ليس غير فيرومارس جديرا بقمع الثورة! # فقال جستوس: واقبض على فيرومارس أيضا. ~~- واعجباه! لقد صدق عبد الحميد ورسبوتين. ~~- وعليهما اقبض أيضا فهما نواة الثورة. # فدهش بعلزبول وقال: وعلى من أيضا؟ ~~- على كبار الدهاة الأرضيين جميعا، اقبض على الجميع في الحال. ~~- ومن يتولى قيادة الجيش؟ ~~- أنت. أبرز حالا إلى الميدان وأصدر الأوامر، وإلا أضعت الملك والدولة، وأصبحت ~~المملكة الجهنمية ملك دولة بشرية، هاك قائمة بأسماء من يجب أن تقبض عليهم، فمتى اعتقلوا ~~تخمد الثورة من تلقاء نفسها. # فقال بعلزبول وهو في شديد الاضطراب: ومن يتولى عملية القبض؟ ~~- أي من تأمره من الشرطة يتولاها. ~~- لا أدري من هو المخلص منهم. ~~- المخلص لك من يهابك ويخاف بطشك؛ فأصدر أمرك بحزم وشدة يطعك كل مأمور مخلصا برغم ~~أنفه. ~~- وإن خان؟ ms66 ~~- مره بتهديد فلا يجسر أحد أن يخون، مره بشدة ؛ ألست الملك أنت؟ استعمل حق حولك وطولك، ~~أسرع؛ ابطش ولا تخف! # | الفصل الثاني عشر # في ساعات معدودة كان جميع المشتبه بهم معتقلين، وكان قواد فرق الجيش قد قبضوا على ناصية ~~الحال، وجعلت كتل الشعب تتبدد إلى أن انطفأت الثورة تماما واستتب النظام. # ثم انعقد مجلس الملك من بعلزبول وفينوموس وجستوس وانفنتورس وبعض كبار الرجماء لدرس ~~الحالة، وقدم جستوس تقريره الموجز وهذا نصه: # مولاي! خلاصة ما تحققته: أن جمال الحسناء المدعوة القديسة جوكوندا التي تدلت ~~إلى جهنم على عاتق الرجيم أرجنتوس لبث الدعوة إلى التوبة؛ ذلك الجمال الرائع ~~أحدث فتنة أفضت إلى الثورة ... # فقاطعة الرئيس بعلزبول: أعلى منكب أرجنتوس المكار تدلت؟ ~~- نعم يا مولاي! وكان ذلك الجمال مخدرا لدماغ أرجنتوس فصعقه. ~~- عجبا! كيف يمكن أن يصعقه؟ ~~- الجمال البشري المقدس سحر يا مولاي! وأنت تعلم أنه متى سطا على دماغ خبله. ~~- ولكن السحر من اختراعنا - نحن الشياطين - فكيف يخبل شيطانا رجيما؟ ~~- إن سحر الجمال البشري يا سيدي أقوى من السحر الشيطاني جدا - وقاك الله منه - لذلك ~~خبل جمال الحسناء القديسة عقل أرجنتوس حتى أنساه كل شيء. ~~- ماذا أنساه؟ ~~- أنساه أن في جهنم ملكا رئيسا. ~~- ويحك ما الذي دلك على نسيانه هذا؟ ~~- زينت له نفسه المفتونة بذلك الجمال أن تلك الحسناء الملقبة بملكة الجمال هي ملكة ~~جهنم، وأنه هو الذي تلقاها من العلى إلى الدرك الأسفل فجدير بأن يكون إلى جنبها. # فصاح بعلزبول: ماذا؟ ~~- ملكا. ~~- ويحه! ادعه إلى هنا حالا لكي يقطع رأسه. ~~- حلمك يا مولاي! تظلمه لأنه لم يدع تلك الجدارة إلا لأنه تحت تأثير ذلك السحر، فهو معذور ~~ومستحق عفوك، وإلا فليس لنا أرجنتوس آخر يقوم مقامه. # فقال بعلزبول متجهما تغيظا: آتوني بتلك الساحرة التي فتنت جهنم لكي أقطع شأفة ~~فتنتها. # فاضطربت فينوموس وقالت: حاذر يا سيدي أن تستحضرها إلى هنا؛ إني أشفق من سحر فتنتها عليك ~~أن يخبلك، الأفضل أن تطردها. # فقال بعلزبول ساخطا: ليس لسحر علي تأثير، يجب أن يؤتى ms67 بها إلي الآن. # فقالت فينوموس: إن للسحر الأرضي البشري تأثيرا هائلا، لا يعد السحر الجهنمي إلى ~~جانبه إلا خزعبلة. ~~- وا عجباه! تزيدونني رغبة بمشاهدتها، أود أن أراها ولو لمحة. # فقالت له بصوت خافت: هذا يستحيل، إذا كنت تجازف بعرشك فأنا لا أجازف به، إن رؤيتها ~~تفقدك شخصيتك في الحال، فاسمح لي أن أطردها في الحال طردا لبقا. ~~- بل يجب أن أقطع عنقها. ~~- ويك أن هذا الوعيد فاتحة الخبل يا عزيزي، كأن مجرد ذكرها أثر بعقلك. ~~- أبدا كيف؟! ~~- أنسيت أنها إنسانة قديسة يحرسها ملائكة الله، فإذا قطعت عنقها أنبت الله لها ألف وجه ~~جميل، وكل وجه منها يحدث فتنة في جهنم لا نستطيع إخمادها، فأذن لي أن أصرفها بسلام لئلا ~~يشدد الله علينا نكير العذاب. # فغمغم بعلزبول كأنه يكلم نفسه: كيف ترحل من غير أن أتمتع برؤية ذلك الجمال البارع الذي ~~يقولون أنه فاتن. # ثم وجه الخطاب إلى الحضار قائلا: دعوها الآن فنقرر أمر مصيرها بعد تقرير أمرنا، ~~أتوافقون على رأي جستوس بأن نسامح أرجنتوس لأنه مغرور؟ # فوافقوا. ~~- إذن أتم تلاوة تقريرك يا جستوس، تقولون: إن تلك القديسة جاءت لكي تدعو الأبالسة ~~إلى التوبة، فيصفح الله عنا، وندخل إلى الأرض مسالمين بموكب بهيج، فكيف أحدث وجودها فتنة ~~أفضت إلى ثورة؟ ~~- تلك الفتنة نفسها خبلت عقل فيرومارس ... ~~- عندي علم أنه كان ينوي أن يقمع الثورة بقوة الجيش لكي يبقى بعد القمع ديكتاتورا، فيجب ~~أن يقطع رأسه في الحال. ~~- عفوا يا مولاي، تظلمه؛ لأنك تقاصه قبل أن ترتكب الجريمة. ~~- أما كانت هذه نيته؟! ~~- من يدري وهو لم يفعل؟ وإن كانت هذه نيته فهو معذور لأنه كان مخبولا تحت تأثير ~~الفتنة. ~~- إذن لا بد من قطع رأس الفاتنة. ~~- لا بل الفاتن يا سيدي. ~~- من هو؟ ~~- رسبوتين الذي رقيناه إلى رتبة رجيم، فهو الذي بدهائه الساحر خبل عقلي فيرومارس ~~وأرجنتوس. # فبهت عزرائيل ثم قال: يكاد عقلي يتضعضع من هذا الكلام! لا أستطيع أن أفهم كيف أن عقل ~~الداهيتين أرجنتوس وفيرومارس ينصرع تحت تأثير سحر رجيم ms68 دخيل مثل رسبوتين! فأين سحر دهائهما؟ ~~ويلكم نحن ابتدعنا السحر! # فقال جستوس: إن سحر دهاء الأبالسة يتبدد أمام سحر دهاء البشر، كما تبدد سحر ~~سحرة المصريين أمام سحر موسى. ~~- إذن آتوني برسبوتين هذا لكي أتمتع بضرب عنقه. ~~- حاذر يا مولاي! الثورة لم تخمد بعد، إذا ضربت عنقه اشرأبت ألوف الأعناق البشرية ~~بدهاء يطبق سقف جهنم على دركها الأسفل. ~~- إذن لم يكن رسبوتين وحده ال ... ~~- لا بل جميع الذين قبضنا عليهم هم زعماء الدهاء الذين حرضوا على الثورة! ~~- ويحهم! ماذا يريد هؤلاء الأنجاس. ~~- يريدون أن يغتصب البشر الجهنميون الحكم من الأبالسة، فتصبح الدولة الجهنمية بشرية ~~والأبالسة عبدا للبشر. # فهاج بعلزبول وماج وقال: أونصبر حتى الآن على هؤلاء الطغام؟! يجب أن أسحقهم سحقا في ~~الحال. ~~- حلمك يا سيدي، عد العشرة إلى أن يهدأ غضبك، ثم نبحث في أمرهم. # فصمت بعلزبول برهة وهو يفكر منفعلا إلى أن قال: «طيب» ما رأيكم في معاقبة هؤلاء البشريين ~~الذين جاءوا إلى جهنم لكي يزيدوا شقاءنا فيها؟ # فقال جستوس: إذا شئت ثبوت أساس الملك يا سيدي فاسمع الحكم من دار العدل بلسان جستوس ~~وزيرها. ~~- ماذا؟ ~~- لا أصوب من نفي هؤلاء البشر الدهاة الفاتنين. ~~- إلى أين؟ الأرض لم تعد تقبلهم، والسماء نبذتهم منذ الأزل. ~~- على الزميل أنفنتورس وزير الاختراع أن يعد سفينة أثيرية تقلهم إلى الفضاء المجهول؛ ~~حيث يطرحون في أوقيانوس الأثير، ويبقون فيه تائهين إلى الأبد. ~~- رأي صائب، ادعهم إلى هنا لكي أسمعهم نص الحكم عليهم. ~~••• # في هنيهات كان رسبوتين وزملاؤه من عظماء أشرار التاريخ إلى اليوم مصطفين لدى مجلس ~~الرجماء، وأمائر المكر والدهاء تتلاعب في وجوههم، فرفع بعلزبول نظره فيهم وقال: أيها ~~الماكرون الملاعين! لقد رحبنا بكم إذ نبذتكم الأرض إلينا، وأكرمنا وفادتكم وأنزلناكم منا ~~منزلة الإخوان الأصفياء لكي تكونوا أعوانا لنا في جهادنا لغزو الملكوت الأرضي، فإذا بكم ~~تسعون المساعي الخبيثة لكي تغتصبوا الملكوت الجهنمي، تبا لكم لقد أفسدتم قلوب الأبالسة ~~وعثتم في جهنم فسادا، وعكرتم الصفاء بين رعاياي وقلقلتم السلام في مملكتي. # عني أيها ms69 الملاعين الخبثاء إلى الأوقيانوس اللامتناهي، لعل شعبي يطمئن بعد نفيكم ويهدأ ~~ثائره، هذا حكمي على كل بشري يبدو منه مكر في جهنم، فعلى مدير قلم المطبوعات إذاعة هذا ~~الحكم، وعلى الزعيم أنفنتورس تنفيذه! # والتفت عزرائيل إلى جنبه فلم ير فينوموس فراح يبحث عنها، فما عتم أن رآها وعلى كاهلها ~~جوكوندا القديسة الحسناء، والقديس سلفستروس في الشرفة يأخذ بيد جوكوندا لكي يصعدها وهو ~~يقول: لقد بقي ذنب الكلب في القالب عشرين سنة يا عزيزتي ومع ذلك بقي أعوج، أفي يوم ~~تريدين أن تقومي اعوجاج أهل جهنم؟ تعالي إلى مطهرنا حيث نهتم بتطهير أنفسنا، إن خلاص ~~كل امرئ بيده. # وعند ذلك رأت جوكوندا بعلزبول واقفا ينظر إلى جوكوندا ذاهلا ثم قال باسما: مع السلامة ~~يا ملكة الجمال؟ لقد أنقذت برحيلك فينوموس من داء الغيرة. # وأومأت فينوموس إلى جوكوندا بيدها إيماءة الوداع قائلة: أنبئي زملاءك أن عجائبك لا تنجح ~~إلا على الأرض. # وأومأ سلفستروس إليهما قائلا: لا تتعبوا أنفسكم في محاولة إفساد الأرض لأنكم لا تستطيعون ~~أن تزيدوها فسادا، وإن كنتم تصرون على غزوها فجندوا ضيوفكم الأرضيين من أشرارها، فهم أقدر ~~منكم. # فهز بعلزبول رأسه قائلا: نعم، وأقدر منهم من يستطيع أن ينجو من غوايتهم. # وتبودلت تحيات الوداع من بعيد. ms70