######OpenITI# #META# URI: 1373NiqulaHaddad.WadacanAyyuhaMashriq.Hindawi81713528 #META# Tags: novels #META# ID: 81713528 #META# Title: وداعًا أيها الشرق #META# AuthorID: 60483937 #META# Author: نقولا حداد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة لازمة‏ # 1 - هزة مقدمة لزلزال‏ # 2 - جوزفين مصطفى‏ # 3 - شرارة حب تحولت إلى شرارة غضب‏ # 4 - التنقيب تحت عرش‏ # 5 - ففراق يكون فيه دواء ... أو فراق يكون فيه الداء‏ # 6 - عواطف وأفكار في عالم الخفيات والأسرار‏ # 7 - ويل أهون من ويلين‏ # 8 - رسالة من عالم الأرواح‏ # 9 - مؤامرة ضد مؤامرة‏ # 10 - خيالات ذات قيمة‏ # 11 - واشرح هواك فكلنا عشاق‏ # 12 - جنية البحر‏ # 13 - حرب سياسية في المجلس الوطني‏ # 14 - المعركة الفاصلة‏ # 15 - البعث‏ # 16 - سامع شتيمته بأذنه باسم‏ # مقدمة لازمة‏ # 1 - هزة مقدمة لزلزال‏ # 2 - جوزفين مصطفى‏ # 3 - شرارة حب تحولت إلى شرارة غضب‏ # 4 - التنقيب تحت عرش‏ # 5 - ففراق يكون فيه دواء ... أو فراق يكون فيه الداء‏ # 6 - عواطف وأفكار في عالم الخفيات والأسرار‏ # 7 - ويل أهون من ويلين‏ # 8 - رسالة من عالم الأرواح‏ # 9 - مؤامرة ضد مؤامرة‏ # 10 - خيالات ذات قيمة‏ # 11 - واشرح هواك فكلنا عشاق‏ # 12 - جنية البحر‏ # 13 - حرب سياسية في المجلس الوطني‏ # 14 - المعركة الفاصلة‏ # 15 - البعث‏ # 16 - سامع شتيمته بأذنه باسم‏ # | وداعا أيها الشرق # | وداعا أيها الشرق # تأليف # نقولا حداد # | مقدمة لازمة # هذه الرواية تبسط الحد التاريخي بين عصر العثمانية البائد وعصر الطورانية المستجد: فهي ~~ديباجة الفصل الجديد في حياة الأتراك. # قضي أن تتحول الدولة العثمانية إلى جمهورية، وأن تصبح الخلافة عند الترك أمرا معنويا ~~مضمونا في الجمهورية - كما قال عصمت باشا. وقدر أن يكون عامل هذا التحول يدا ~~أجنبية: فلا أمراء بني عثمان كانوا مذنبين، ولا الغازي مصطفى باشا كمال وأعوانه كانوا ~~مفتئتين، وإنما شيطان البلشفية كان آلة في يد القضاء. # ففي هذه الرواية ترى الدور الذي لعبه هذا الشيطان أعجب درس في فن الدهاء، وأغرب أمثولة في ~~علم المكر. في هذا الحادث المتفرد في تاريخ الشرق انفصمت آخر عروة من عرى علائق العرب ~~بالترك، وانفصل جنين الوحدة العربية من أمه وبدأ يحبو مستقلا، ولكنه لم يزل طفلا. # ألفت هذه الرواية على إثر إلغاء الأتراك الخلافة؛ لأن الموضوع اقتدح زناد القريحة، ~~فاقتبست ms01 شررها على الفور قبل أن ينطفئ. وإنما لم يصبها نصيب النشر عاجلا إذ كان غيرها من ~~روايات المجلة يزاحمها. ولما كثر التحدث بأمر مؤتمر الخلافة، رأيت أن الوقت وقتها فلم أعد ~~أسوف نشرها. # وإذا كان القارئ ممن تتبعوا أنباء تلك الحوادث في حينها، فلا بد أن يرى أن كثيرا من ~~حوادث هذه الرواية وقائع حقيقية. # نقولا الحداد # مصر، شبرا # الفصل الأول # | هزة مقدمة لزلزال # كانت الساعة العاشرة والنصف حين سمع دولة الغازي مصطفى باشا كمال دوي رصاصة لدى بوابة ~~صرحه. فاستغرب الأمر جدا؛ لأنه يعهد أنه لا أحد يجسر أن يحرك ساكنا تحت ظل سؤدده. فمن ~~يجسر أن يطلق طلقا ناريا لدى داره. هل من ثائر أو نذير بثورة؟ # الرجل العظيم من حسب حساب كل صغيرة. فهب الغازي من مكانه وخرج إلى رحبة الدار يسأل: ما ~~الخبر؟ فقال الخدم: إن الحارس الداخلي يا مولاي خرج يستجلي الخبر. # وفي لحظة ظهر يقول: مولاي، جاء رجل مجنون يصر على مقابلة دولتكم في هذه الدقيقة، ولما ~~كان ميعاد المقابلات للأشخاص المجهولين قد فات رده الحارس، فأصر، فرده ثانية، وأخيرا ~~رام أن يدخل عنوة وقهرا، فأطلق الحارس مسدسه تهويلا له فولى. ~~- أين هو. ألا يزال هنا؟ ~~- أظنه ما زال واقفا في آخر الشارع. ~~- أما ذكر من هو؟ ~~- قدم بطاقة باسم مجهول. ~~- استدعه حالا وقل له أني أود أن أراه. أسرع! # بعد دقائق عاد الحارس يقود شابا في شرخ الشباب، عالي الجبين وضاح المحيا، حديد الباصرة ~~حداق الحدقة، طويل القامة أنيق الملبس. # ثم أومأ الغازي مصطفى باشا كمال إلى الحارس فخرج، وبقي الشاب وحده لديه. فقال الغازي: ~~ماذا تريد هنا في آخر السهرة؟ ~~- جئت بمهمة إليك. ~~- من أنت أولا وما اسمك؟ ~~- اسمي رجاء الدين أفندي موظف في السفارة الروسية. # فاستغرب الغازي وقال: عجبا! لا أتوقع رسولا من السفارة الروسية في مثل هذه الحال، ولا ~~أعتاد أن يأتي إلي مندوب من السفارة بهذه الكيفية وفي مثل هذا الوقت. فلا ريب أنك ~~... # فقاطعه رجاء الدين أفندي قائلا: ms02 مهلا يا فخامة الغازي، لا أسهل من إثبات شخصيتي. وضرب ~~الشاب يده في جيبه واستخرج بعض أوراق. ومن غير أن يتناولها الغازي قال: ولكن لماذا لم تقل ~~للحارس إنك مندوب من السفارة الروسية؟! قدمت له بطاقة باسم غير معروف عندنا، فهو معذور فيما ~~فعل. ~~- كلا يا صاحب الدولة، إنه غير معذور؛ فقد رجوته أن يقدم بطاقتي للحارس الداخلي فأبى. ~~فرجوته أن يسمح لي بمقابلة الحارس الداخلي كي أتفاهم معه فلم يسمح. فحاولت أن أدخل لمقابلة ~~الحارس الداخلي عنوة فتهددني بإطلاق الرصاص. ~~- ولكن بطاقتك لا تدل على وظيفتك. ~~- ليس هذا شغله. كان عليه أن يقدمها لدولتكم وأنتم تفهمون. ~~- كيف أفهم وأنا لا أعرف هذا الاسم؟ ~~- أما خاطب سعادة السفير حضرتكم بالتلفون منذ برهة؟ ~~- كلا. ~~- عجبا! لقد أخبرني سعادته أنه سيخاطب دولتكم تلفونيا وينبئكم بتشرفي! ~~- لم يفعل. وهبه فعل، فماذا كان يضرك لو قدمت بطاقة تدل على وظيفتك؟ ~~- إني مأمور بزيارة سرية لدولتكم، وأستغرب أن سعادة السفير لم يتلفن لدولتكم. # عند ذلك رن جرس التلفون، فتقدم الغازي إلى السماعة ووضعها على أذنه، فإذا سفير روسيا ~~يخاطبه وسخط على مصلحة التلفون لأنها لم تلبه. ثم أخبره أن مندوبا من قبله سيصل إليه ~~ويبسط له أمرا. # فقال الغازي: لقد وصل والحمد لله بالسلامة ونجا من خطر. ~~- عجبا! ماذا جرى؟ ~~- حدث سوء تفاهم بينه وبين الحارس، وسيروي لك ما حدث. # فقال السفير: وهو سيروي لك الآن ماذا حدث. # عند ذلك خاطب مصطفى باشا مركز التلفون ووبخ الإدارة، وكان عذرها أن عطلا حدث ~~كالعادة. # فتمرمر الغازي لنفسه وقال: يالله! متى نستطيع أن نتقن أعمالنا كالإفرنج! إن هذا الشرق ~~عليل، عليل، عليل، يجب أن نطلقه. # ثم انفرد الغازي بمندوب السفارة الروسية في مكتبه الخاص، ونظر إلى رجاء الدين أفندي كأنه ~~يسأله ماذا يريد أن يقول. فقال رجاء الدين: إن سعادة السفير يرجو من دولتكم الرفق بوليد بك، ~~فهو أخف جرما من سواه. # فنظر فيه الغازي مستغربا كلامه وقال: أهذا ما لقنكه سعادة السفير؟ ~~- نعم يا سيدي، هل ms03 فيه ما يسوءك؟ ~~- كلا، وإنما لا أعرف من هو وليد بك. ~~- عجبا! ألا تعرف وليد بك صاحب جريدة توحيد أفكار في الآستانة؟ ~~- لعلي لا أعرفه، وإنما أعرف أن صاحب توحيد أفكار يسمى وليد بك. ~~- حسنا. هو الذي يرجو السفير منك أن ترفق به؛ لأن ذنبه أخف من ذنوب آخرين. # فتململ الغازي وقال: إلى الآن لم أزل غير فاهم ما تقول. ~~- عجبا! أما أمرت بالقبض على وليد بك؟ ~~- كلا، لماذا نقبض عليه؟ ~~- أولا أمرت بالقبض على سواه من الصحفيين في الآستانة؟ ~~- لا. لا. ~~- إذن لقد تأخرتم دولتكم عن القبض عليهم، ولا بد أن تفعلوا غدا. ~~- ولكن لا أدري لماذا نقبض عليهم. ~~- الله! أما بلغت إلى دولتكم رسالة علي أغا خان، النبيل الهندي؟ # فاختلج الغازي مصطفى باشا مضطربا، وجعل عقرب القلق يلسع صدره، فقال: رسالة أغا خان ~~الهندي؟ لا أعرف شيئا عن رسالة لأغا خان، فما هي هذه الرسالة؟ # فتمايل رجاء الدين أفندي في خيلاء وقال: وي وي! رسالة أغا خان الموجهة إليكم وفيها يطلب ~~منكم إعادة السلطة والنفوذ للخليفة، وإلا تضعضعت صولة الدولة التركية. # فانتفض الغازي وقال: ولهذا جئت من قبل سعادة السفير؟ ~~- نعم، سل سعادته، إني لست حائدا عن موضوع المهمة التي وكل إلي سعادته قضاءها. ~~- إن الحديث الذي ترويه يا هذا أشبه عندي بالتخيلات الشعرية منه بالحقائق. # فضحك رجاء الدين أفندي وقال: إذن لم تزل الصولة في الآستانة كما كانت يا مولاي، فلماذا ~~لا تقيمون دولتكم في الآستانة. # فامتعض مصطفى باشا كمال من هذا الغمز وقال: لا تخرج عن دائرة مهمتك، قل ما تريد أن تقوله ~~باختصار وصراحة. # فأجاب: أريد أن أقول لدولتكم: إن جرائد الآستانة تنشر الرسائل الواردة عليكم قبل وصولها ~~إليكم. فنفوذ الدولة لا يكون في أنقرة بل في الآستانة. فحبذا أن تنقلوا العاصمة إلى ~~الآستانة لكي تنقل السفارة معكم؛ لأني ضجرت من العيشة في أنقرة وميداني في الآستانة. عذرا ~~يا دولة الغازي، كلامي الأخير هذا خارج عن دائرة مهمتي، وجل ما أريد أن أقوله لدولتكم: ~~إن ms04 رسالة أغا خان المرسلة إليكم نشرتها صحف الآستانة اليوم، وبعضها علقت عليها تعليقات لا ~~تسركم. فلا بد أن تقبضوا على تلك الأقلام التي علقت عليها. ولا بد أن يكون وليد بك من جملة ~~المغضوب عليهم الضالين. فأرجو بلسان سعادة السفير أن ترأفوا به لأنه أقل إثما وأسلم ~~نية من سائر الصحفيين. وسعادة السفير يود أن تتغاضوا عنه إكراما لخاطره. # أما الغازي مصطفى باشا كمال فلم يكن يسمع الكلام الأخير جيدا؛ لأن باله اشتغل قلقا لهذا ~~الخبر الغريب، وقال: ويحك يا هذا، إن كان كلامك هذا إفكا فالويل لك! كيف عرفت كل هذا وكيف ~~تثبته؟ هذا مستحيل. # فتبسم رجاء الدين وهو لا يتقلقل من مكانه، كأنه صاحب الصولة والدولة ومصطفى كمال الصعلوك ~~أمامه، وقال: أما كيف عرفت كل هذا فقد جاء تفصيله من قنصلنا في الآستانة إلى السفارة هنا ~~في تلغراف جفري سري، وأما إثبات هذا الكلام فعلى دولتكم يا سيدي، على دولتكم أن تتحققوا ~~إن كان إفكا أو حقيقة. ولو شئت يا مولاي التحقيق الدقيق لرأيت أن الرفيقين شيشرين ~~وتروتسكي عرفا برسالة أغا خان الهندي لكم قبل أن يكتبها. # فازداد الغازي تأثرا ودهشة وقال: مهلا يا هذا، إني مشغول على التلفون بضع ~~دقائق. # ولكن قبل أن ينهض الغازي من مكانه وافى الحارس الداخلي بتلغراف، ففضه الغازي. وما وقعت ~~عينه على الإمضاء إلا ضرب بيده على المكتب، فصاح: تبا له من بارد بليد. جعلناه حاكم ~~الآستانة لكي ... # ثم أمسك عن الكلام؛ إذ فطن أنه لا يزال مع شخص غريب لا يليق أن يطعن برجال حكومته أمامه، ~~ولكن رجاء الدين تناول الحديث معتذرا عن حاكم الآستانة وقال: عذرا يا صاحب الدولة، ليست ~~مصلحة التلغراف أحسن حالا من مصلحة التلفون، راجع التاريخ. # وكان الغازي يقرأ التلغراف وهو ينتفض غضبا، ثم طواه وقال: لقد ثبت ما تقول يا رجاء الدين ~~أفندي. وسيعلم الذين ... أبلغ سعادة السفير أن خاطره عزيز عندي. # وكان كلام مصطفى باشا كمال الأخير يدل على أنه خاتمة الحديث، فقال له رجاء ms05 الدين: إن ~~سعادة السفير لا يزال يترقب بفروغ صبر الأدلة الواضحة على تنفيذ وعودكم. # فنظر إليه الغازي مستفهما وقال: أي وعود؟ # فقال رجاء الدين مبتسما: الوعود المقدسة المختصة بالفائدة من محالفة الجمهورية التركية ~~لحكومات السوفيات. ~~- اسمح لي الآن. إن لي شغلا مع ... ~~- عفوا يا دولة الغازي. أعلم أن لكم شغلا الآن مع عصمت باشا وغيره. ولكن شغلكم معنا ~~أهم. # فقال مصطفى باشا كأنه يريد أن يختصر الحديث: نعم. نعم. أنا عالم أن شغلي معكم أهم. سلم ~~على سعادة السفير وقل له أن يرجئ الموضوع إلى جلسة خاصة بيني وبينه. ~~- عفوا يا دولة الباشا، إن كل أشغالك التي تشغلك بعد هذه الدقيقة تتوقف على معلوماتي ~~التي لا تعلم منها شيئا بعد، والتي لا تأتيك بتلغراف من حاكم الآستانة ولا يقدر أن يفيدك ~~إياها أحد. فمهلا، تسلح قبل أن تناضل. أنا الجبخانة يا باشا، فخذ مني السلاح ~~والذخيرة! # فازداد الغازي دهشة لحديث هذا الرجل الذي لا يعرفه أكثر من كاتب في السفارة، وقال: هل ~~عندك أخبار أخرى مهمة؟ ~~- من غير شك، وإلا لما جئت أنا إليك، بل كان السفير يجتمع بك وكفى، فمهلا، إن شغلك مع ~~عصمت باشا وشكري بك ومظهر مفيد بك ومحمد أمين بك وإحسان بك وغيرهم يمكن تأجيله. وأما حديثك ~~معي فلا يؤجل دقيقة. ~~- حسنا. تفضل قل ما عندك. ~~- قبل كل شيء أرجو أن تجيب على سؤالي الأول، وهو: متى تنفذون الوعود المقدسة التي ~~وعدتموها، وأعني بها: متى تتبلشفون تماما! # فتجهم مصطفى باشا وقال: هل أنت مفوض بهذا الحديث! ~~- نعم، السفير يتحاشى أن يجتمع بكم كثيرا حتى لا يجعل سببا لاتهام أعدائكم لكم. ولكنه ~~يود أن يعلم متى تنفذون وعودكم. ~~- يالله! أما كفاه أننا فصلنا الدين عن السياسة، وألغينا التعلم الديني أو حصرناه بفئة ~~رجال الدين الذين جعلناهم تحت سلطتنا، وألغينا المحاكم الشرعية، ورفعنا الحجاب عن المرأة، ~~ومنعنا تعدد الزوجات. أما كفى كل هذا؟ ~~- فعلتم كل ذلك، ولكنكم لم تعلنوه، كأنكم تهابون مغبة إعلانه. فمتى تعلنونه؟ ~~- تدريجيا. أما أعلنا ms06 نزع السلطة الزمنية من الخليفة! ~~- ولكن العالم الإسلامي لا يزال يتطلع إلى منصة السلطة التركية كالركن المتين أو الحمى ~~المنيع. ولهذا ترى أغا خان وأمثاله لا يزالون يشدون إزر الخليفة ويطالبون برد السلطة ~~الزمنية له. والخليفة بما له من أمثال هذه المؤازرة يكيد المكايد ويدس الدسائس وينقب تحت ~~أساس جمهوريتكم حتى يقلبها رأسا على عقب. # فانتفض مصطفى باشا كمال وازبأر شعر رأسه، وقال: ويحك! ماذا تقول؟ ~~- أقول: إن مؤامرة عظيمة تدبر لأجل هدم الجمهورية، وستسمعون دولتكم خبرها في ~~حينها. ~~- أخبرني الآن ماذا تعرفه عنها، من هم القائمون بها! ~~- ليس الآن يا باشا، ليس الآن، بل حين أستوفي معلوماتي، وإنما أقول لك: إن فريد باشا ~~الدماد زنبلكها. ~~- والسلطان وحيد الدين؟ # فوجم رجاء الدين عن الكلام، ثم قال: يكفي الآن يا دولة الباشا أن تعلم أن هناك مؤامرة، ~~وحين تنضج تطلع عليها جيدا، فلا تتعب نفسك كثيرا في البحث عن ذويها، لا تكسر البيضة ~~قبل أن ينضج الجنين، وإلا فلا تستطيع أن تقتل «الكتكوت» ولا «الفرخة» ولا الديك، فمهلا، ~~وإنما يجب أن تقتل الديك أخيرا وإلا ... ~~- لا تكلمني ألغازا. ~~- بل أكلمك بصراحة يا دولة الباشا، يجب أن تقطع الرأس. ~~- أجل، أنا عالم أننا سنضطر إلى خلع الخليفة الحالي عبد المجيد. # فضحك رجاء الدين وقال: لا لا. هذا وحده لا يكفي. ~~- وسننفي كل من يشد أزره أو يلتف حوله. ~~- لا لا. كل هذا لا يفيد شيئا يا دولة الباشا؛ تخلعون خليفة فيأتي خليفة آخر. ~~- إذن! ~~- يجب إلغاء الخلافة برمتها، كما ألغى لنين البطركية بتاتا وكما ألغت فرنسا الدين ~~والإكليريكية والرهبنات. # فاختلج مصطفى كمال، وقال: ويحك يا هذا! إن الخلافة رأس ثلاث مائة مليون مسلم. فهل تريدون ~~أن أقطع رأس ثلاث مائة مليون مسلم! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ~~- نحن قطعنا رأس مائة وثمانين مليون أرثوذكسي، وسنقطع رءوسا أخرى. وإلا فكيف يتحرر ~~العالم من قيود التقاليد القديمة لكي يستطيع أن يرتدي رداء المدينة الجديدة. # فبهت مصطفى كمال. قال: هل أنت أرثوذكسي؟ ~~- كلا، بل أنا ms07 تركي مسلم. ولكني الآن موظف بلشفي. فبأمر سيدي السفير البلشفي أتكلم، وباسم ~~البلشفية أقول. # فكان لفظ البلشفية يعبر في مسمعي مصطفى كمال الجبار كعبور كهرباء السمك الرعاد في ~~بدن فريسته. # وبعد بهته هنيهة قال: إن سفيرك يطلب مني أن أحمل نقمة ثلاثمائة مليون مسلم على ~~رأسي. ~~- لا بأس يا باشا، إن لنين حمل نقمة ألف وخمسمائة مليون آدمي على رأسه. سمعا يا سيدي ~~الباشا، إذا لم تستطع أن تحمل نقمة فريق من الناس، فكيف تتوقع لقب إمبراطور تركيا ~~وتركستان؟ # فانتفض مصطفى كمال وقال: ويلك، لا تجربني أيها الشيطان. من قال لك: إني أتوقع ... ~~- التاج الطوراني؟ أجل، إذا لم تتوقعه فهو يتوقعك. إن نابليون لم يكن يتوقع أن يأخذ التاج ~~من يد البابا ويضعه على رأسه، يا نابليون طورانيا العظمى. # فحملق فيه مصطفى كمال وقال: تبا لك من رجيم مجرب. كيف تظن أني أتشبه بنابليون. # وكان رجاء الدين لا يزال في برودته يجاوب مبتسما، فقال: ما أنا ظننت يا سيدي الباشا. ~~وإنما كل الأتراك، بل كل العالم يقول عنك الآن: إنك نابليون الأناضول. فإذا ألغيت الخلافة ~~شرعوا يقولون عنك نابليون طورانيا. فلا تضع هذه الفرصة. إن أبواب سراي طولمة بغجة العظيمة ~~وسائر سرايات الآستانة مفتوحة لجلالتكم وجلالة الإمبراطورة لطيفة هانم عقيلتكم. # فسخط به مصطفى باشا كمال وقال: ويحك يا وقح، ما هذا الكلام الذي تتطاول به؟ # وهم مصطفى باشا أن يضربه، فرفع رجاء الدين يده كأنه يرد الضربة وقال: حاذر يا باشا أن ~~ترفع يدك علي، فكأنك ترفعها على لنين. لا تنس أني موظف في سفارة روسيا. # فارتد مصطفى باشا كمال واجما وامتلك عنان خلقه، ثم قال: ولكنك تماديت في الحديث معي ~~كأنك تمازحني. ~~- كلا يا مولاي، لست أمازحك. وإنما أريك المستقبل في مرآة جلية واضحة. فإن لم تشأ أن ~~تنظره فلا تلم إلا نفسك. الخليفة يخلع والخلافة تلغى، وإلا فالجمهورية التركية ~~تنسف نسفا والحلم الطوراني يذهب وهما بعد أن كان حقيقة. # وهم رجاء الدين أفندي أن ينهض لكي يخرج، فأمسك ms08 به مصطفى باشا قائلا: مهلا. ~~- أظن أنه حان الوقت يا مولاي لاجتماعكم بعصمت باشا وغيره من الأعوان. ~~- مهلا. أود أن أسألك أمورا. ~~- تفضل يا سيدي سل، إني في خدمتك بكل إخلاص. ~~- تقول إنك تركي. وما الذي قذف بك إلى حضن السفارة الروسية؟ ~~- وماذا يمنع هذا يا مولاي؟ يقول المثل: «حيث ترزق الزق.» ~~- ليس ما يمنع ذلك يا صاح. وإنما رجل مثلك تحتاج إليه الجمهورية أكثر من روسيا. ~~- لا بأس! أستطيع أن أخدم الجمهورية وأنا في سفارة روسيا أكثر مما كنت خارجها، ولا سيما ~~لأن مصلحة الجمهورية تتفق مع سياسة الحكومة الروسية البلشفية. ~~- كيف تستطيع أن تخدم الجمهورية؟ ~~- بما يتسنى لي من الاطلاع على خفايا أعدائها وأسرارهم. ~~- كيف يتسنى لك ذلك؟ # فضحك رجاء الدين وقال: أوه! إني أعرف كل أعداء الجمهورية. ومعظمهم في قصور الأمراء. وأعرف ~~الأمراء واحدا واحدا. وأعرف أصل كل واحد وفصله. ~~- لعلك كنت متصلا بهم جميعا. ~~- بل كنت متصلا ببعضهم. كنت سكرتيرا مدة عام للداماد فريد باشا، وكاتبا في دائرة ~~البرنس برهان الدين أفندي، وبعد حين مديرا لأشغال البرنسس خديجة هانم بنت السلطان مراد. ~~وأخيرا كنت سكرتيرا للبرنس سناء الدين. وأعرف جميع الأمراء. ~~- ولكن هذا يستلزم أن تكون في الآستانة يا صاح. # فابتسم رجاء الدين وقال: أقدر أن أكون حيث أشاء متى أشاء يا سيدي. ~~- وإنما إذا كنت تجد أقل صعوبة أو عرقلة، فإني أسهل لك كل سبيل. ~~- إن السبيل سهل يا سيدي بإذن الله. أستودعكم الله الآن يا صاحب الجلالة الإمبراطور ~~العتيد. إن طورانيا وضعت فيكم كل آمالها. فحققوا هذه الآمال. أظن جرس التلفون ... لعل عصمت ~~باشا يريد أن يخاطبكم الآن. وداعا! ~~- إلى ملتقى قريب يا رجاء الدين أفندي، أود أن أراك من حين إلى آخر. # الفصل الثاني # | جوزفين مصطفى # وكأن رجاء الدين أفندي كان نبيا، فإن حرم عصمت باشا كانت تخاطب دولة الغازي بالتلفون ~~لأن عصمت باشا ضعيف السمع، فسألت: هل عند دولتكم أخبار جديدة من الآستانة؟ # فأجاب الغازي: نعم يا هانم. سلي سعادة الباشا هل ms09 يمكنه أن يأتي إلى هنا الآن. هل ورد له ~~خبر؟ ~~- نعم، ورد تلغراف من حاكم الآستانة الدكتور عدنان بك. ~~- إذن هو نفس نص التلغراف الذي ورد إلي. قولي للباشا أن يحضر. هل يقدر؟ ~~- لقد انتصف الليل يا باشا. ~~- نعم. ونحن ما تعودنا أن نفرق بين الليل والنهار يا هانم. # وحدثت فترة خاطبت الهانم فيها عصمت باشا، ثم قالت: نعم، الباشا يقول أنه في برهة قصيرة ~~يكون عندكم. # ثم خاطب الغازي كلا من سيد بك وزير الحقانية، وشكري بك نائب أزمير، وطلب إليهما أن ~~يأتيا إليه. # ثم دخل إلى قسم الحريم فوجد لطيفة هانم زوجته لا تزال مستيقظة. فنظر فيها ونظرت فيه، ~~وقال: ما بالك يقظة؟ لماذا لم تنامي؟ # فأجابت: وأنت ما بالك متجهما هكذا؟ إن من يراك يظنك تبتغي المصارعة. # فحاول الابتسام وقال: نعم، إني أستعد لاحتمال نقمة ثلاث مائة مليون. ~~- ثلاث مائة مليون ليرة ورق أو ذهب؟ دع هذا الحمل على رأس وزير المالية أو على المجلس ~~الوطني الكبير. # فقهقه مصطفى باشا بالرغم من اضطراب مقلتيه في وقبيهما بسبب خفقان فؤاده، وقال: لله منك! ~~ألا تلهجين بغير الذهب؟ ولكنك معذورة، فإن النساء نساء حيثما كن وكيفما كن، لا يخلب ~~ألبابهن إلا بريق الذهب والجواهر. ~~- إذن ضعوا هذه المسئولية على أعناق السيدات وكل واحدة تنزع عقدها من جيدها وتقدمه للوطن. ~~وأنا أفعل ذلك في مقدمتهن. ~~- بورك بك وطنية غيورة يا عزيزتي. لست أقصد ثلاثمائة مليون ليرة، بل ثلاثمائة مليون نفس ~~سأتعرض لنقمتها. # فهبت لطيفة هانم من مكانها مذعورة، وقالت: ويلاه! لماذا؟ # فقال الغازي ممازحا: لكي أجعلك إمبراطورة في قصر طولمة بغجة. ألا تريدين؟ # فتوردت لطيفة هانم زوجته وقالت: بالله ماذا تقول يا مصطفى؟ # فقال متظاهرا بالجد: أقول: سأخلع الخليفة والخلافة معا، وأطرد كل بني عثمان من تركيا ~~الجمهورية. فاستعدي لكي تتوجي إمبراطورة في الآستانة. # فقالت ومقلتاها تضطربان في وقبيهما اضطراب الزئبق في كف الأشل: أتمزح يا مصطفى؟ إن كثيرا ~~من المزاح يتحول إلى جد. لقد كان نابليون يمازح جوزفين قبل ms10 أن صار إمبراطورا. # فكادت نشوة الغرور ترفع فؤاد بطل أنقرة إلى أعلى صدره. ولكن فخر رجال اليوم بالزعامة أعظم ~~من فخر رجال الأمس بالتيجان، فقال مستدركا غرور زوجته: نحن نهدم إمبراطورية لكي نبني ~~جمهورية يا لطيفة. ولا محل لإمبراطور في الجمهورية. # فقالت: ولكن في عهد نابليون احتاجت فرنسا الجمهورية الجديدة إلى إمبراطور، فولت ~~نابليون. أو هو تولى وخلع سلطة البابا عن أوروبا كلها. أفلا يحتمل حدوث ذلك في جمهورية ~~تركية لعهد مصطفى كمال نابليون تركيا؟ # فقال باسما ومبالغا في الممازحة: ولكني أخاف أن تنوئي تحت تاج الإمبراطورية التركية يا ~~لطيفة! # فقالت: أما زلت تظن هذا مستحيلا والناس يعتقدونك نابليون تركيا الذي ليس في قاموسه لفظ ~~المستحيل؟ ليتك تفكر في المسألة بجد يا مصطفى. إن عرش تركيا الجديدة يكاد يكون تحت قدميك. ~~الفرصة سانحة فلا تضيعها. # فقال الغازي مبالغا بالممازحة: وتريدين أن تكوني جوزفينا لنابليون تركيا؟ # فقالت: لا وربك. أتجهل ماذا كان حظ جوزفين مع نابليون حين صار إمبراطورا. # فطوق عنقها بذراعه وقبلها قائلا: معاذ الله أن يكون حظك كحظها؛ لأنه لا يوجد لنابليون ~~تركيا «أنة» بنت ملك نمسا. فأنت «أنة» مصطفى و«جوزفينه» معا. # فنظرت إليه نظرة دلال وقالت: إذا لم توجد «أنة» بنت ملك نمسا فتوجد نميقة بنت الأمير ~~سناء الدين. ~~- ما الذي جعلها تخطر على بالك الآن! ~~- الحديث. والحديث أعاد ذكرى ماضية. ~~- أي ذكرى؟ ~~- أتتجاهل أن نميقة كانت في قائمة العرائس اللواتي افتكرت فيهن. ~~- انا لم أفتكر بواحدة. وإنما عرضت علي فتيات كثيرات فما اخترت سواك. ~~- أوما كانت نميقة من جملتهن؟ ~~- لقد حاول أبواها أن يصاهراني فلم أرد. ~~- عجبا! كيف ترفض أميرة معروضة عليك عرضا كالسلعة؟ ~~- لأني لا أريد أميرة مؤمرة، بل أريد أن أبدع أميرة أنا أؤمرها. ~~- هل رأيت نميقة؟ ~~- لا، حتى ولا أبويها، ولا أعرفها. ~~- إنها جميلة. ~~- أتعرفينها؟ ~~- نعم، كنا معا مدة في مدرسة واحدة. ~~- إذن تعرفين كثيرا من أحوالها. ~~- نعم، إنها تمثال الكبرياء والحسد والغيرة والغرور والتهور والطيش. ~~- عجبا عجبا! ~~- نعم، وأمها قبلها. وإذا تسنى الآن ms11 لنميقة أن تذبحني فلا تتأخر. ~~- خسئت. لا تستطيع أن تنال منك قلامة ظفر. ~~- بل استطاعت. ~~- عجبا! كيف؟ ~~- لما ذهبنا بعد زواجنا إلى الآستانة، زارتني بعض البرنسات وبعض حريم الباشاوات، إلا هي ، ~~فقد استنكفت أن تزورني. وبعض الزائرات نقلن إلي حديثا جرى في مجلس البرنسيس سنية هانم أم ~~نميقة حرم البرنس سناء الدين، مفاده أنها تحتقر كل أميرة تزورني. وكانت تقول: من هي هذه ~~الحقيرة لطيفة التي تزرنها! ومتى كانت أميرات آل عثمان يزرن عبيدهن؟ ومن هو مصطفى كمال حتى ~~تصبح زوجته، وهي من عاميات أزمير، مزارا للأشراف والأميرات؟! ما هو إلا جندي متمرد. بمثل ~~هذا الحديث كانت سنية وبنتها نميقة تتدفقان. # فقهقه مصطفى كمال باشا وقال: خففي من حقدك يا عزيزتي، إن سنية هانم وبنتها معذورتان أن ~~تهيجا غضبا وحقدا بعد أن رفضت أنا نميقة زوجة. # فتدللت لطيفة هانم وقالت: من يدري أن لا تتزوج نميقة وتجعل أباها خليفة، فيكون مؤتمرا ~~بأمرك. ~~- هذا ما كان يحلم به البرنس سناء الدين فيما أظن، ولكن لم أنله وطره. ~~- ليس ما يمنع أن تنيله إياه يا مصطفى إذا اقتضت السياسة، كما اقتضت سياسة نابليون أن ~~يتزوج «أنة» بنت ملك النمسا. ~~- يستحيل. لأننا قررنا في قانون الجمهورية تحريم تعدد الزوجات. ~~- نابليون لم يتزوج «أنة» إلا بعد أن طلق جوزفين. ~~- وقررنا في قانون الجمهورية تحريم الطلاق إلا لسبب يقتضيه. وحيث يوجد حب فلا يكون ~~طلاق. ~~- ما أظن نابليون أحب امرأة كما أحب جوزفين. ومع ذلك طلقها لأن السياسة اقتضت ذلك. ~~- نابليون كان مغرورا يريد ولي عهد، فما بقي ملكه ولا ولي عهده. ~~- إن ولي العهد في يد الله يا عزيزي. ~~- لست أطلب منك إلا الحب يا لطيفة، وأعاهدك على أن أقلب ملك آل عثمان عن العرش ... أظن عصمت ~~باشا جاء، فيجب أن أقابله الآن. # وخرج مصطفى من خدر زوجته إلى بهو المقابلة. # الفصل الثالث # | شرارة حب تحولت إلى شرارة غضب # ننتقل بالقارئ الكريم إلى الآستانة، حيث نجد البرنس سناء الدين جالسا في مجلسه الخاص ~~ومعه ms12 صديق يدعى نامق بك، وهو يرتجف غضبا أو غيظا، ويقول: ما خطر لي قط أن الشخص الذي أحسن ~~إليه يكون عقربا فيلسعني في أرق عواطفي. خذ يا عزيزي نامق بك اقرأ هذه الرسالة. # ودفع إليه ورقة، فقرأ ما يأتي: # صاحب السمو البرنس عثمان أفندي # إني عارف بسر تجهله، ولا أدري إن كان يعرفه شخص آخر أيضا. ولما كان يهمك أن ~~تعرفه رأيت أنه يجب علي أن أبوح لك به. # لقد خطبت سمو الأميرة نميقة هانم كريمة سمو البرنس سناء الدين أفندي، وإلى الآن ~~لم تدر أنها عشيقة شخص آخر يدعى أمل الدين أفندي رغبت. فقد كان مدة في خدمة سمو ~~البرنس سناء الدين وأتاحت له الظروف أن يتعرف بالأميرة نميقة وتنقدح بينهما شرارات ~~الحب. وإثباتا لذلك أرجو أن تتأمل الصورة التي تجدها طي هذا. ومتى تيقنت صحة هذا ~~السر فهمت لماذا لا تجد من الأميرة نميقة الميل الذي تبتغيه؟ بل لماذا تجد منها ~~الجفاء الذي يؤلمك؟ ها قد عرفت الحقيقة، فلا تلم في المستقبل إلا نفسك إذا عرضت لك ~~أمور لا تسرك. قد تسخط على من يفضح لك هذا السر، ولكنك تشكره على كل حال. # المخلص # صديق من بعيد # فلما انتهى نامق بك من تلاوة هذا الخطاب امتقع قليلا، وقال: كيف وصل هذا الخطاب إلى سموك ~~يا مولاي؟ # ورد مع هذه الرسالة من البرنس عثمان. تفضل اقرأها. # فتناول نامق بك ورقة أخرى، وقرأ: # سيدي البرنس سناء الدين # ورد إلي أمس هذا الخطاب، وطيه الصورة التي تجدها معه. وبعد تردد طويل رأيت أن ~~من الواجب أن أرسلهما إليك لأن أمرهما يهمك. واقبل فائق احترامي. # ونظر نامق بك إلى البرنس سناء الدين أفندي، ففهم هذا أنه يريد أن يرى الصورة، فقدمها له ~~بيد ترتجف. فلما رآها نامق بك اكفهر وقال: هذه صورة نميقة هانم، وإلى جنبها ... هل هو أمل ~~الدين المشار إليه بالرسالة؟ ~~- أي نعم يا عزيزي. هي صورة ذلك الساقط الذي كان جائعا فأشبعته وعاريا فكسوته. وكان ~~يتواطأ على قدمي تذللا ms13 وعبودية. ~~- ولكن كيف أمكنه أن يتصور والأميرة إلى جنبه. ~~- أيصعب عليه يا عزيزي أن يسرق صورتها ويكلف مصورا أن يحتال على وضعها بأسلوب شيطاني إلى ~~جنب صورته، ويأخذ عنها صورة فوتوغرافية واحدة كأنهما كانا واقفين جنبا إلى جنب؟ # فقال نامق بك: والله إنها لبراعة. والله إنها لقباحة ووقاحة لا مثيل لهما، إن ذلك الخائن ~~يستحق قطع العنق. ~~- قد لا أعتب على ذلك الرذيل القبيح السافل المنحط الذي فعل هذه الفعلة الشنيعة. وإنما ~~أعتب على البرنس عثمان لتصديقه إفك هذه الرسالة التي يراد منها الفتنة بيننا وبينه، وأما ~~ذلك الوغد الزنيم الذي يحاول التطاول على أعراض الأمراء فلا يستحق أن نلتفت قط إلى رذائله ~~أو أن نهتز لها. أما البرنس عثمان، وهو العزيز في الأسرة والمؤمل بأن يكون فخرها، فلم يكن ~~يظن أن تؤثر عليه هذه السعاية الشنيعة تأثيرها الذي أراده فاعلها، بل كنت أومل أن يكون ~~ساخطا على ذلك الوغد الزنيم. # فقال نامق بك: ولكني لست أرى في رسالة البرنس عثمان ما يفيد تغيير قلبه. ~~- عجبا يا عزيزي نامق بك، ما الداعي أن يرسل هذه الرسالة مع رسول خاص. وماذا يمنع أن ~~يأتي بها هو بنفسه إذا لم يكن قلبه متغيرا؟ لقد انقطع عن زيارتنا من أول أول أمس. فما معنى ~~هذا؟ # ففكر نامق بك قليلا، وقال مترددا: وإنما هل يمكنني أن أسأل يا سمو البرنس عن صحة كلام ~~ذلك الأفاك الزنيم بشأن جفاء نميقة للبرنس؛ لأن في نيتي أن أباحث البرنس في الأمر، ولذلك ~~أود أن أكون على بينة من كل شيء. ~~- لا بأس أن تخاطبه يا عزيزي نامق بك. وإنما أود أن يفهم من مخاطبتك له أنه ليس الغرض من ~~مخاطبته العودة إلى نميقة؛ لأن ذلك لم يعد يهمني. وإنما أود أن يقتنع أن هذه الصورة مفتعلة ~~بلؤم ومكر، وأن الأميرة نميقة بريئة من كل ما يتهمها به ذلك الوغد الزنيم. ~~- بالطبع هذا أول ما يجب أن أقنعه به؛ صونا لطهر كريمتكم المصونة الأميرة نميقة، ~~ولاعتصام مقامكم السامي ms14 بالنبل والمجد والشمم. وبعد ذلك نرى ماذا يكون بيننا وبينه. ~~- حسنا، وأنا أدعو نميقة الآن وأنت تسمع كلامها. فأنت كعمها وهي لا تستحي في مجلسك ~~الشريف يا عزيزي نامق بك، بل أتركها معك لكي تقول لك كل ما في نفسها، حتى إذا كانت تكتم عني ~~أو عن والدتها أي عاطفة فلا تكتمها عنك. # وفي الحال استدعى البرنس سناء الدين بنته الأميرة نميقة، فبدت بدو البدر من وراء الغيوم. ~~سبحان مقسم المحامد والمواهب. بهاء تستتر الشمس من أمامه خجلا وتضطرب الدراري في السماء ~~لديه غيرة وحسدا. وهي القامة التي قال فيها الشاعر: # سافر الوجه عن محاسن بدر # مائس القد عن معاطف بانه # لست أدري أراكة هز من أع # طافه الهيف أم لوى خيزرانه # وهما اللحظان اللذان قال فيهما آخر: # وألحاظ بأسياف تنادي # على عاصي الهوى الله أكبر # وهما الوجنتان اللتان قال فيهما المعز: # أطلع الحسن من جبينك شمسا # فوق ورد في وجنتيك أطلا # وكأن الجمال خاف على الور # د جفافا فمد بالشعر ظلا # وهو الثغر الذي قال فيه شهاب الدين الأعزازي: # ثم اتخذن من المدام مراشفا # ونظمن من حبب المدام ثغورا # ولما استوت في مقعدها كاستواء الشمس على نصف قامة فوق الأفق، وبادلت نامق بك التحية، خرج ~~البرنس سناء الدين مستأذنا بحجة أنه فطن لأمر كان قد سها عنه. # ولما خلا المكان لها ولنامق بك سألها هذا: اسمحي لي يا بنتي يا أميرة نميقة أن أغنم هذه ~~الفرصة القصيرة لأسألك سؤالا بيني وبينك، قد لا يتسنى أن أسألك إياه في فرصة أخرى. هل بينك ~~وبين البرنس عثمان من جفاء؟ # فأجابت الأميرة نميقة بصوت خافت: لا. ~~- اعلمي يا بنتي أن على جوابك هذا تتوقف سعادتك. إذا كان لم يكن منك رضى تام فلا يحسن أن ~~تكوني له زوجة في المستقبل لئلا يتنغص عيشك. # فازدات الفتاة توردا وقالت: إن هذا الحديث قد انبت فيه يا سيدي نامق بك، وقد سلمت ~~الأمر لوالدي لأنهما أعظم مني علما وحكمة وخبرة. وهما قد قررا قرارهما وانتهى ms15 ~~الأمر. # وهنا شعر نامق بك كأن الحديث انتهى، ولكن ضميره غير مطمئن للنتيجة، فسكت هنيهة ثم قال: ~~وهل كان من علاقة بينك وبين أمل الدين أفندي رغبت؟ ~~- كان أمل الدين كاتبا عندنا وكان يقضي مهام أبي البرنس. ولم تكن بيني وبينه أية علاقة ~~سوى هذه المعرفة البسيطة. ~~- وما قولك بالرسالة والصورة؟ # فامتقع لون الأميرة نميقة أي امتقاع، وكان من يراها في تلك اللحظة يظن أنها تشتعل ~~تأثرا، فقالت:عفوا يا سيدي نامق بك، لا رأي لي في ذلك البتة. ولا أدري كيف يجوز أن أسأل ~~هذا السؤال أو أن أكون مسئولة عن عمل أجهل مصدره وسببه ولا طوق لي بتلافيه. ألا توافقني يا ~~سيدي على أن الناس أحرار في أعمالهم ساءت أم حسنت؟ ~~- نعم. نعم. وإنما كل غرضي من هذا الحديث يا بنتي أن أعلم حقيقة ضميرك لكي أعلم كيف أباحث ~~البرنس عثمان في المسألة، ليس فقط لإزالة أي عثرة أو عقبة بينكما بل للحرص على شرف ~~الأسرة. # عند ذلك باغتهما دخول البرنسيس سنية هانم زوجة البرنس سناء الدين. وهي كالفرس الجموح التي ~~ازدرت فارسها ولم تعد تطيق عنانها في يده. # دخلت وارتمت توا على المقعد واكمداد الغضب على وجهها كالدخان فوق الأتون المتقد. وما أن ~~استوت على المقعد حتى قالت: عذرا يا سعادة نامق بك، إن الشخص الذي يجب أن أبرهن له شرفي ~~وطهارتي ولا يسلم بهما إلا ببرهان، لا يستحق أن يكون زوج بنتي. أحمد الله أنه حتى الآن ~~لم يكتب عقد الزواج. إن البرنس عثمان من أنبل نبلاء الأسرة العثمانية السليلة المجد، فهو ~~حفيد سلطان، وكذلك زوجي ابن سلطان وأنا حفيدة سلطان أيضا وبنتى حفيدة سلطان. وإذا كان ~~بيننا وبينه من تمايز فنحن المتمايزون. ولذلك أرجو منك يا حضرة الصديق المخلص ألا تكلف نفسك ~~أي مشقة في مخاطبة البرنس عثمان. إذا كان سموه يريد بنتي فيجب أن يسعى كثيرا للحصول عليها ~~بعد أن يبرهن كفاءته بكل وسيلة. # وكانت البرنسيس سنية هانم تزداد حدة جملة بعد جملة. فما أتت ms16 على الجملة الأخيرة حتى كادت ~~تختنق بالكلام. فتداركها نامق بك قائلا: عفوا وعذرا وحلما يا سمو البرنسس السلطاني. لست ~~أنوي قط أن أرجو البرنس عثمان رجاء أن يتزوج العزيزة الأميرة نميقة. أظنك تثقين أني أعرف ~~كيف أتكلم. ~~- نعم. ولكني كنت أظن يا حضرة الصديق أنك تستنكف مخاطبة البرنس عثمان بأي أسلوب بعد أن ~~يقبل خطابا وسخا كذلك الخطاب وصورة مصطنعة بيد شيطانية كتلك الصورة ولا يتردد في إرسالهما ~~إلينا. وأخيرا يقرر أن يرسلهما ولا يخجل أن يرسل لنا نتيجة مكيدة لخزي بنتنا وعارها. ولو ~~كان نبيلا حقيقة لكان أقل ما يجب أن يفعله هو أن يمزق ذلك الخطاب القذر ويحرق تلك الصورة ~~المخزية، لا أن يرسلهما إلينا لكي تطلع بنتي على أمر مشين. وإن كان الأمر قد همه فقد كان ~~حريا به أن يبحث عن الدساس الكائد ويحرض أحد رجاله أن يلطمه كفين ويصفعه صفعتين. نعم، كان ~~يجب أن يفعل ذلك من غير أن يدعنا نعرف شيئا. أما وقد أرسل لنا الخطاب البذيء والصورة مع ~~خطاب بارد فصرنا نخجل أن نقول: إننا نعرف شخصا يدعى البرنس عثمان ويدعي أنه نبيل. لا لا، ~~أرجو منك يا نامق بك ألا تخاطبه بهذا الأمر بتاتا. لقد انتهت كل علاقة بيننا وبينه. هلمي ~~يا نميقة. # وقامت البرنسيس سنية تتبعها نميقة من غير أن تدعا لنامق بك فرصة لكلمة. # عند ذلك دخل البرنس سناء الدين مستغربا خروج زوجته في حالة تأثر شديد. فسأل نامق بك في ~~أمرها. فأخبره ماذا كان من حديثها. # فقال سناء الدين: إني أعذر نفسها الكبيرة، فإنها تتأثر كثيرا. فاعذرها يا عزيزي نامق ~~بك. ~~- إني أمتدح أنفتها هذه. وإنما سأعمل عملي بحسب ما تعهده من حكمتي يا سيدي البرنس. هل ~~تسمح لي بالخطابين والصورة إلى حين؟ ~~- لا بأس، وإنما أرجو ألا يراهما أحد. # الفصل الرابع # | التنقيب تحت عرش # ثم قال البرنس سناء الدين بصوت خافت، كأنه يريد أن يدخل في حديث يخشى عليه من كيد ~~الجواسيس: وماذا عندك يا نامق من الأخبار ms17 الجديدة من جهة سان ريمو؟ ~~- أهم أخباري من جهة أنقرة يا مولاي. # فاشرأب البرنس سناء الدين وقال: ماذا يا نامق. ماذا عندك من أخبار أنقرة؟ ~~- إن زوبعة هائلة قادمة من أنقرة يا سيدي البرنس. فإذا لم تتأهبوا لها أطارتكم بين السماء ~~والماء. ~~- ويحك ماذا؟ هل ينوون خلع الخليفة عبد المجيد؟ ~~- لو كانت الزوبعة تقتصر على خليفة فقط لكانت نعمة؛ لأنها قد تئول إلى تنصيبك أنت في عرش ~~الخلافة. ولكنهم يتحدثون عن إلغاء الخلافة برمتها. # فانتفض سناء الدين في مكانه كأنه جالس على كرسي مكهرب، ثم قال: ويحهم من مجانين. كيف يكون ~~ذلك! لا أظنهم يجنون هكذا يا نامق. لا تصدق كل ما تسمع. ربما كان بعض غلاة الجمهورية ~~المتفرنجين يتحدثون به في مجالسهم. وأما مصطفى وعصمت وغيرهما فيستحيل أن يتهوروا إلى هذا ~~الحد. ~~- كذا أعتقد يا سيدي البرنس. ولكن ألا تعلم أن العجين يختمر كله من خميرة صغيرة؟ فإذا لم ~~تقابل حركة الغلاة حركة مقاومة لها بشدة امتدت إلى نفوس العقلاء كمصطفى وعصمت وغيرهما. وكل ~~فكرة ثورية ابتدأت أولا عند المتهورين المتهوسين. الفكرة الثورية لا تنشأ في رءوس ~~المتعقلين المتبصرين ولا في رءوس الزعماء والقادة ولا في أدمغة أهل العلم والحنكة وأساطين ~~الساسة. بل تبدأ في العصبيين المتهوسين من عامة الشعب، بل قل: في المجانين. ثم تسري في ~~الجمهور سريان الداء في البدن، فتعدي الطبقة الوسطى ثم الخاصة ثم أهل الحنكة والسياسة. ~~وثم تستنبت منهم زعماء وقادة للحركة. # وكان البرنس سناء مضطرب النفس يبدو اضطرابه في كلامه وجلسته وحركاته، فقال: يستحيل يا ~~نامق، يستحيل. لا أعتقد أن مصطفى وأعوانه يجنون هذا الجنون ويتركون من يدهم قوة سياسية ~~عظيمة كانت فيما مضى مصدر عز الدولة وصولتها وسؤددها، ولا تزال كذلك حتى هذه الساعة، ~~بالرغم من فصل السلطة الزمنية عنها. لا تزال تركيا حتى هذه الساعة كلما هاجمتها الدول ~~الغربية تتحرك لها الهند ومصر وتونس ومراكش وكل بلاد إسلامية في العالم. فلا أصدق أن هؤلاء ~~المستفحلين المتغطرسين يجنون إلى حد أن يخسروا ms18 هذه القوة بلا ثمن أو عوض أعظم. ~~- يعتقدون يا سيدي البرنس أنهم يستعيضون منها بالتمدن الغربي الذي لا مناص منه لكل أمة ~~تريد السير في سبيل النجاح إلى جنب الأمم الغربية، وإلا هلكت. كذا يعتقدون. ~~- ولكن الخلافة لا تقف في سبيل تقلد محاسن التمدن الغربي. ولا سيما لأن الحسن والجيد من ~~التمدن الغربي مقتبس من تمدن شرقي سبقه. فنحن يمكننا أن نسترد كل محاسن التمدن الغربي ~~الحاضر ونظل ضمن دائرة شريعتنا الغراء السمحاء. فإذا كانوا لهذا الغرض يريدون إلغاء الخلافة ~~فلا ريب أنهم مجانين. يستحيل أن يرتكبوا هذا الضلال. ~~- لا شيء مستحيل يا سيدي. إن لمصطفى وعصمت وغيرهما نظريات غير نظرياتنا. # فتململ البرنس سناء الدين وقال: لا يا نامق، لا تظن أن مصطفى كمال وعصمت وأعوانهم يجسرون ~~أن يحملوا على رءوسهم نقمة ثلاثمائة مليون نسمة بسبب إلغاء الخلافة. # فضحك نامق بك وقال: لا ينقم عليهم أحد يا سيدي البرنس. بل جميع الأمم تسر بإلغاء الخلافة ~~من تركيا؛ لأن إلغاءها منها ليس معناه إلغاء الخلافة من العالم الإسلامي كله. فإذا ألغوها ~~من تركيا تنازعتها الأمم الإسلامية الأخرى. # فتبرم البرنس سناء الدين وقال: مهما يكن الأمر، فلا أظن أن مصطفى وعصمت يفاديان بقوة ~~الخلافة العظمي لقاء أي فدية أخرى؛ إذ لا تعادلها قوة أخرى يمكن اكتسابها بإلغائها. فهل أنت ~~واثق بصحة هذا الخبر؟ ~~- نعم يا سيدي البرنس. إني واثق بأن الخبر آخذ شأنا بين بعض الأمراء الآن لأن مصدره ~~وثيق. والظاهر أن الحركة تجاوزت المتهوسين إلى المتعقلين. وصار مصطفى وأعوانه يتباحثون ~~فيها. ~~- من هم الأمراء الذين تشير إليهم؟ ~~- برهان الدين وفريد باشا الداماد ومحمد سيف الدين أفندي وعبد الكريم أفندي، وغيرهم. وهم ~~يتحادثون الآن بعقد مؤتمر من جميع الأمراء يقررون فيه خطة السير مع الجمهورية، من غير أن ~~يغض من مقام الخليفة أو حقوق الأسرة. وإلا فإن مصطفى وأعوانه يتمادون في اهتضام حقوق الأسرة ~~وإضعاف نفوذ الخليفة. # فتململ سناء الدين وقال: إن المصيبة كلها أتت من قبل الخليفة عبد المجيد؛ لأنه ما ms19 صدق أن ~~تربع في العرش من غير قيد ولا شرط كما يريد الكماليون، فضيع حقوق الخليفة وحقوق الأسرة ~~جميعا. ولو جمعنا - نحن الأمراء - كلمتنا في ذلك الحين واتحدنا اتحادا متينا لأمكننا أن ~~نحول دون خلع السلطان وحيد، وكان السلطان وحيد قد ثبت في عرشه لو وجد حوله معضدين ومناصرين. ~~نعم، كان يبقى في العرش ولا يهرب ولو عرض نفسه للخطر. ولكننا نحن نهدم مصلحتنا بأنفسنا. فهل ~~رجع هؤلاء الأمراء إلى رشدهم الآن وصاروا يودون أن يعقدوا مؤتمرا يوحدوا كلمتهم! لقد فات ~~الوقت وضاعت الفرصة واستفحل الكماليون، فماذا يفعل الأمراء! ~~- الظاهر أن فريد باشا الداماد يريد أن يجدد اتحاد الأمراء. والسلطان وحيد يوعز ~~بالتعليمات. والمسألة آخذة الآن دورا اللهم من غير علم الخليفة عبد المجيد. ~~- عجبا! ماذا علمت من هذا الدور؟ ~~- لقد وفد إلى الآستانة منذ عهد قصير شخص ذو شأن يظهر أنه ذو اتصال بالسلطان وحيد، واسمه ~~رجاء باشا راغب، ويقال: إن نسبه من جهة أمه يتصل بالأسرة العثمانية الكريمة. ~~- رجاء باشا راغب؟ لم أسمع بهذا الاسم من قبل. ~~- نعم، لم يكن معروفا لأنه قضى برهة طويلة في أوروبا. وقد اتصل أخيرا بالسلطان وحيد في ~~سان ريمو وجاء برسالة منه إلى الداماد فريد باشا. وهو الآن يفاوض الأمراء ويأخذ رأيهم في ~~عقد هذا المؤتمر قبل أن يتقرر عقده. ~~- أخاف أن الكماليين يخنقون هذا المؤتمر وهو جنين يا نامق. ~~- رجاء باشا يقول إنه يتحمل كل مسئولية، ولا سيما لأن الغرض من المؤتمر ليس مناهضة ~~الكماليين بل الاتفاق معهم على كيفية معينة لمعاملة العيلة. # ثم قال نامق بصوت كالهمس: وأخيرا يمكن الاتفاق معهم على خلع عبد المجيد؛ لأنهم ليسوا ~~مسرورين منه كثيرا، وإعادة السلطان وحيد الدين إلى العرش أو تعيين أمير آخر. ولماذا لا ~~تتعين أنت يا سمو البرنس؟! # فأبرقت أسرة البرنس سناء الدين وقال: لا، لا أريد أن أزاحم، وإنما أود أن يتقرر أمر ~~الأسرة تقريرا نهائيا ولا يكون موضوع مساومة بين عبد المجيد وعصمت ومصطفى. ~~- كل شيء ممكن يا سمو ms20 البرنس إذا كان الأمراء يتكاتفون. فلماذا لا تزور رجاء باشا وتتباحث ~~معه في الأمر وتبدي له رأيك، فهو يقيم في منزل فخم. # لماذا لا تدعوه إلى هنا؟ ~~- الأفضل ألا يأتي لئلا يشتبهوا بمؤامرة، وأما زيارة الأمراء له فتقصر الشبهة عليه، وهو ~~محتاط لكل مسئولية. والظاهر أنه مسلح بحمايات دولته. ~~- إذن زرته؟ ~~- نعم، فقد انتدبني فريد باشا الداماد لمقابلته لأجل مسألة بهذا الموضوع؛ لأن فريد باشا ~~يتجنب أن يتردد عليه كثيرا، ولا يخفى عليك أن فريد باشا يثق بي كما تثقون سموكم. وتعلمون ~~أني كنت سكرتيره في سفارة ... ~~- نعم لا أنسى، وإذا كان رجاء باشا هذا حاصل على حماية دولية قوية فلا خطر من تداخله. ~~وإنما هل هو أهل؟ ~~- يلوح لي يا سمو البرنس أنه داهية عظيم يعرف أمورا كثيرة، وله نظر صائب في الأمور. ~~فحبذا أن تزوره. ~~- لا بأس أن أزوره، متى؟ غدا؟ ألا يوافق غدا؟ ~~- حسنا، أنا اليوم أبلغه أنك مشرف غدا بعد الظهر. وسأقابل البرنس عثمان اليوم وفي جلسة ~~واحدة ينتهي الأمر معه، وأفهمه أنه أخطأ بقبول خطاب وسخ كهذا على علاته. وكان يجب أن يفهم ~~من نفسه أن كل الحكاية مفتعلة بسوء قصد. ~~- أي نعم. ولا تعلق أهمية كبرى على كلام البرنسيس سنية هانم. فهي من شدة غيظها ... ~~- أي نعم. إني أعرف مزاجها وطبعها، وقد عذرتها، وسأبذل جهدي بإقناع البرنس عثمان أن يعيد ~~مياه الود إلى مجاريها. ~~- نعم. نعم. هذا ما يهمني جدا يا عزيزي نامق. أود أن يتم الأمر عاجلا. إذا أمكن أن ~~نكتب الكتاب في هذا الأسبوع كان أفضل؛ تجنبا لمثل هذه السعايات الدنيئة. # فتلمظ نامق بك لعابه، ثم قال: إني أود أن أكون مسلحا بكل السلاح يا سمو البرنس حتى ~~أستطيع النصر. هب أن البرنس عثمان فاجأني بحكاية أخرى كهذه أو بتفاصيل عن هذه الحكاية كان ~~علمه بها سببا لإحجامه هذا، فيجب أن أكون عارفا بكل شيء حتى أعلم كيف أجاوبه. فاسمح لي أن ~~أسأل بحرية سؤال صديق مخلص: هل كان بين سمو الأميرة ms21 نميقة وذلك الوغد أمل الدين رغبت شيء ~~من التودد؟ # فتمهل سناء الدين باشا، وقال: كان ذلك الزنيم كاتبا عندي، وكنت أكل إليه كثيرا من ~~أشغالي، فكان يقضيها كالواجب لأنه ذكي . ولذلك كنت أعامله كخادم أمين وأقربه، حتى أصبح ذا ~~دلال علي. وكان يأتي أحيانا إلى المنزل لقضاء أشغال الأميرتين، فصارت له علاقة معرفة ~~بهما، كمعرفة الخادم بالسيد. وما خطر لي أن تسامحنا معه يجرئه أن يتواقح ذات يوم ويطلب ~~مني أن أزوجه نميقة. فلطمته على وجهه وشتمته وحذرته أن يفوه ثانية بمثل هذا الكلام. فأجاب ~~بكل قحة أنه ليس تحت السماء من قوة تمنعه أن يفوه بمثل هذا الكلام وبأعظم منه، لأنه يحب ~~نميقة ولا يكف عن طلبها. فغضبت عليه غضبا شديدا وقلت له: من أنت يا هذا حتى تتجاسر على ~~طلب يد أميرة لا تستطيع أن تنال منها موطئ نعلها. ونهضت لكي أضربه ففر من أمامي. ثم انتهز ~~فرصة وقصد إلى الأميرة سنية وطلب منها نفس الطلب، وقال لها إنه يحب نميقة ويجب أن يتزوجها. ~~فما تمالكت الأميرة سنية أن أوسعته ضربا بالشبشب حتى خرج خروج الكلب المطرود. لهذا السبب ~~هو يحاول أن ينتقم بمثل هذه السعايات الدنيئة. ~~- لعنة الله عليه وألف لعنة. ولكن سعاياته لا تؤثر قط في مقام لا يستطيع أن يناله. على ~~أني أود أن تسمح لي يا سيدي بسؤال آخر: هل كانت سمو البرنسيسة نميقة توده أو تمازحه حتى ~~تجرأ هذه الجرأة؟ ~~- لا أعتقد قط. وإنما هو وقح يسوغ لنفسه ما لا يسوغ. وقد خاطبت نميقة فماذا قالت ~~لك؟ # قالت إنها طوع لإرادة والديها. ولكن الفتاة المرباة لا تقول إلا هكذا وتكتم كل ما في ~~ضميرها. فأخاف أن يكون بينها وبين البرنس عثمان جفاء حقيقي. # فتبرم البرنس سناء الدين وقال: لا لا، لا تخف. اجتهد في إقناع البرنس أن يكتب الكتاب في ~~هذا الأسبوع ونحن كفيلون برضى نميقة. لا تستغرب يا عزيزي نامق بك إلحاحي هذا. فإن ابنتي هذه ~~سيئة الحظ، ولطالما عرض لها في ms22 حياتها مثل هذه الحوادث. قبلما كنت سفير الدولة في روسيا ~~كانت في أول صباها وكاد يحدث لها مثل هذا الحادث هناك، إذ إن موظفا روسيا حدثته نفسه أن ~~يخطبها، إذ كان قبلا يدرسها قواعد اللغة الروسية وقد برعت بها. وأعجب بها ذلك الموظف ~~الروسي وطمع أن يتزوجها. فانظر سخافة هؤلاء المغرورين. يكونون مستخدمين عندنا فنعاملهم بكل ~~حسنى فيتطاولون علينا. لذلك اضطررت في الحال أن أعزل ذلك المترجم الروسي من السفارة اتقاء ~~لتماديه في غروره، ولذلك صرت تراني أود أن أزوج نميقة عاجلا حتى لا تبقى تطمح أنظار ~~المغرورين، ولا يخفى عليك أن نميقة جميلة، والجمال يعرض صاحبه للأخطار. فأرجو أن ... ~~- اطمأن يا سيدي البرنس. سآتيك بالخبر السار عاجلا إن شاء الله. إلى الملتقى ~~غدا. # ثم ودع نامق بك البرنس ومضى مفكرا. # الفصل الخامس # | ففراق يكون فيه دواء ... أو فراق يكون فيه الداء # ننتقل بالقارئ الآن إلى منزل فخم أحاطت به حديقة غناء صغيرة وامتلأ رياشا فاخرا، ~~تعنى به مدبرة أوروبية على جانب من التبرج والأبهة تليق بأن تستقبل الزائرين في خير فنادق ~~باريس. وفي بابه خادم يفتح للطارقين، حسن المرأة أيضا مشرق الطلعة. وبالإجمال يقال: إن ~~منزل رجاء باشا كان مضارعا قصور الأمراء ولائقا لاستقبالهم. # كانت الساعة الثالثة حين دخلت المدموازال «راين» إلى غرفة رجاء باشا وقالت: هنا يا صاحب ~~السعادة هانم تريد مقابلة سعادتكم. ~~- من هي؟ بطاقتها؟ اسمها؟ ~~- كل ذلك محفوظ لسعادتكم يا سيدي. # فنظر رجاء باشا إلى الساعة وقال: إني أنتظر زيارة البرنس سناء الدين باشا الساعة الرابعة. ~~والآن الساعة الثالثة ونصف. لا بأس، أدخليها إلى الحجرة الآخرى لا إلى البهو. بعد دقيقة ~~أكون هناك. # وما تأخر رجاء باشا دقيقة حتى دخل إلى الحجرة، فبهت إذ وقعت عينه على عين الزائرة، وأجفل ~~وانتفض. ثم تمالك روعه وأقفل باب الحجرة ودنا إلى مقربة منها وقال: لقد لاحت لي خواطر ~~مختلفة حين أنبأتني مديرة المنزل أن سيدة تريد مقابلتي، ولكن ما خطر لي أن تكوني أنت يا ~~نميقة. ~~- أمديرة منزل ms23 هذه الحسناء؟ ~~- نعم، إن المنزل المعد لاستقبال الأمراء يجب أن تكون مديرته حسناء هكذا. فهل جئت لكي ~~تنتقدي منزلي يا نميقة؟ ~~- كلا، أنت مستقل بشئونك. وإنما جئت لكي أتحقق إن كان رجاء هو أمل الدين نفسه. ~~- كيف خطر لك أن يكون الاثنان واحدا؟ ~~- لأن الرجاء والأمل لفظان لمعنى واحد. ويهمني المعنى. ~~- أراك قلقة جدا، كأن جميع أعصابك ترتج وجميع جوارحك ترقص، فماذا طرأ عليك؟ ~~- إني على أبواب أزمة هائلة يا أمل الدين. ~~- ماذا؟ أنبئيني. ~~- هي أن أدفن حية أو ميتة. ~~- ولماذا تدفنين حية أو ميتة، ولا تعيشين كما يعيش البشر؟ ~~- جئت إليك لكي تسهل لي طريق الحياة. ~~- من أسهل الأمور عندي تسهيلها، ولكني لم أفهم كيف تدفنين حية أو ميتة؟ ~~- لقد أحرجوا موقفي، فإما أن يزوجوني للبرنس عثمان أو أن أنتحر. ~~- أما وجدوا خيرا من هذا العلج زوجا لك؟ فهل يصلح هذا زوجا وهو لا يعود إلى قصره في ~~الأسبوع مرة، ويقضي أيامه في المواخير. ~~- لهذا لا أجد أمامي إلا الانتحار. وإنما قبل أن أقدم عليه جئت إليك. ~~- أهلا وسهلا. أنت تعلمين كم أحببتك، وسأجدد ذلك الحب، فها هو بيتك، والمأذون يحضر ~~لكتابة الكتاب في نصف ساعة إذا شئت. ~~- ويحك! هكذا تتزوج بنت البرنس سناء الدين؟ ~~- بل هكذا يتزوج رجاء باشا راغب. ~~- لا أظنك تعني ما تقول. ~~- ماذا تريدين أن أعني؟ ~~- أريد أن تجدد الطلب لأبوي وأنا أؤيد طلبك. # فنظر فيها نظرة كادت تشق فؤادها نصفين، وقال: ويحك! لم أنس ولن أنسى «شبشب» أمك ولا كف ~~أبيك. هل تظنين أني أصغر قلبا من سلطانك أو ملكك أو ... لا تدعيني أكفر. # فقالت نميقة بصوت تضرع: لا بأس يا أمل، لقد أصبحت الآن في منزلة الكبراء، ونلت ثقة ~~الأمراء، فلم يعد أبي ولا أمي يستنكفان مصاهرتك. فإذا طلبت يدي من أبي فأنا أقنعه بأن ~~يرضى. ~~- ويحك! هل يسلم عقلك بأن أطلب يدك من غيرك. فإذا كانت يدك ملك الآلهة فلا أطلبها منهم. ~~هل تظنين أني صفحت عن أبيك وأمك! لن أصفح، بل ms24 يصعب علي أن أصفح عنك لأنك لم تعصي أمرهما ~~وفوق ذلك نكثت عهدك لي. # فتجهمت نميقة وقالت: معاذ الله، لم أنقض عهدنا. # فصاح بها: لا تمكري يا نميقة، لا تعظمي إثمك بالكذب. أما طمعت في أن تتزوجي الغازي مصطفى ~~باشا كمال؟ ~~- هذه كانت أمنية أبواي؛ لأنهما لما رأيا أن قوة السلطان بادت وأصبح الخليفة بلا حول ولا ~~طول فصار موقف الأمراء مزعزعا والأمراء لم يعرفوا أن يتحدوا، افتكر أبي أن يعزز مركزه ~~بمصاهرة مصطفى باشا كمال. ~~- إذن تعترفين أن أباك كان يتاجر بك. # فتمرمرت نميقة وصاحت: لقد تجاوزت الحد يا أمل الدين. ~~- ما أنا أمل الدين الآن، بل أنا رجاء باشا زعيم الأمراء. أما بلغ هذا إلى مسامعك؟ ~~- نعم، بلغ إلى مسامعي أنك تحاول جمع كلمة الأمراء. ولهذا جئت إليك لظني أن الفرصة مناسبة ~~لإتمام العهد. ولكن وا أسفاه، لا أرى منك إلا شموخا وصلابة. ~~- عجبا! أتحسبين هذه الرحابة مني بعد صدك وجفائك شموخا؟ أوتعدين هذا التسامح مني ~~بعد إهانة أبويك لي صلابة. قلت لك: إني أجعلك أفضل الزوجات في كل شيء حتى في الجاه. ~~- ولكن لا بد من استرضاء أبوي حتى لا أكون مضغة في أفواه الأميرات والأمراء. # فصاح بها رجاء باشا أو أمل الدين: ويحك! هل تظنين أن الأمراء والأميرات يقدرون أن يكسبوك ~~شرفا أو يسلبوك نبلا. فلينظروا إلى أنفسهم أولا وثم يدينوننا. ~~- مهما يكن الأمر يا أمل الدين، لا يليق أن تخرج فتاة من منزل أبويها من غير علمهما لكي ~~تتزوج. هل تقبل أنت بذلك؟ ~~- إنه أمر غير مألوف، ولكنه ليس بفرية. ناهيك عن أني لا أستطيع أن أذل نفسي لأبويك بعد ~~الذي جرى منهما. ~~- ماذا يمنع أن تكلف أحدا من الأمراء أن يكون واسطة بين أبي وبينك. أليس فريد باشا ~~الداماد صديقك؟ كلفه أن يخاطب أبي في الأمر وهو صديق أبي. # ففكر رجاء باشا هنيهة، ثم قال: لا أدري إن كان فريد باشا أو غيره يتوسط في الأمر بالصيغة ~~التي أريدها. ~~- يكفي أن يكون في أول ms25 الأمر وسيلة للصلح بينكما. وبعد ذلك يسهل الطلب وأنا أعززه. وقد ~~أصبح كل ذلك سهلا الآن. ~~- عجبا. كيف ذلك؟ ~~- لأن المقام الذي بلغت إليه كالتلسكوب الذي يقرب الأبعاد أو الميكروسكوب الذي يكبر ~~الأمجاد. ~~- أستغرب كيف عرفت كل ذلك يا نميقة. ~~- لقد أصبح أمرك حديث الأمراء في جميع أنديتهم، وإنما أنا أستغرب كيف وصلت إلى هذا ~~المقام! ~~- إن أبويك هما اللذان دفعاني في هذا الطريق. إن كف أبيك جعلتني أجري بلا انقطاع، وشبشب ~~أمك منحني قوة لا تفنى. فهما صاحبا الفضل الأول في توصيلي إلى هذا المقام. ~~- إني آسفة لما حدث يا أمل الدين، ولكن النتائج حسنة، فأود أن تخفف من غلواء حقدك. سوف ~~تتكيف المسائل وتتحول كلها إلى الخير. فلا تغال في غيظك ولا عنفوانك. هل تظن أن مؤتمر ~~الأمراء يأتي بفائدة؟ # عند ذلك طرقت المدموازيل راين الباب، فنهض رجاء باشا وفتحه، فهمست قائلة: قدم البرنس سناء ~~الدين مع صاحبك نامق بك. # فالتفت رجاء باشا إلى نميقة وقال: مهلا، انتظريني ريثما أعود. قد أتأخر نحو الساعة أو ~~أقل. فانتظري هنا. # وخرج رجاء باشا إلى البهو، ولما دخل قال نامق بك: سعادته رجاء باشا يا سمو البرنس. # أما البرنس فلما وقعت عيناه على الباشا ارتد إلى الوراء كأنه ذعر من رؤيته. ولو تيسر ~~حينئذ تصوير ذلك اللقاء الغريب لرأيت في الصورة عيني البرنس تقدحان شررا ووجهه قد تجهم ~~وبدنه ينتفض، ولرأيت رجاء باشا يحدق فيه بحدقتين كأنهما قطبا مغنطيس وفي فمه شبه ابتسامة، ~~وفي جميع محياه مسحة من الأنفة والاستعلاء. # دام هذا المنظر نحو ربع الدقيقة، كان فيها شاربا البرنس يتراقصان غيظا وحنقا، والغيظ ~~يشتد حتى صار البرنس ينتفض كله. ثم التفت إلى نامق بك وقال له: ويلي منك يا نامق! أإلى هذا ~~الرجل الحقير الدنيء الوغد السافل تأتي بي! أإلى هذه القاذورة تجرني! أبهذه الوساخة تلوثني! ~~تبا لك! # فدهش نامق بك وجزع لهذه المقابلة الغريبة التي لم يفهم سرها، وقال مرتعدا: عفوا يا ~~مولاي لا أفهم شيئا مما تقول، ماذا ms26 تعني؟ ويلاه، ماذا طرأ على سيدي البرنس؟ # فقال البرنس سناء الدين: ويحك! أما كان يجب عليك أن تتحقق من هو الشخص الذي تدعوني ~~لزيارته، وما هو المنزل الذي تدخل بي إليه؟ هل نسيت أن لي مقاما لا أنزل عنه، وأن لي كرامة ~~يجب أن تبقى مصونة، وأن لي ... # فتناول رجاء باشا الحديث وقال: أجل، إن لك سموا لا تدانيه الكواكب في أفلاكها، فكيف ~~استطعت أن تصل إلى هنا متجاوزا الكواكب؟ # فأعرض البرنس سناء الدين عنه والتفت إلى نامق بك قائلا: هلم يا نامق من حيث جئنا. لا ~~أستطيع أن أصفح عن ذنبك هذا. # فازداد نامق بك ارتباكا وقال: ويلاه! أفصح يا مولاي، لا أفهم ماذا جرى. # فصاح به البرنس: أتمكر علي! أتنكر أنك كنت تعلم أن هذا الوغد هو الذي كتب ذلك الكتاب ~~للبرنس عثمان، وهو الذي اصطنع تلك الصورة المهينة المشينة؟ # فقال نامق بك مستعطفا: مولاي! تيقظ جيدا. لقد قلت لي: إن مفتعل تلك الصورة يدعى أمل ~~الدين رغبت. ونحن الآن في قصر سعادة رجاء باشا راغب، جامع كلمة الأمراء. ~~- ويحك! أما رأيت الصورة؟ أما تأملت ملامحها؟ ألا تراها في وجه هذا الوقح؟ أما رأيته أمس ~~وقبل أمس؟ أو ما فهمت أن أمل ورجاء لفظان بمعنى واحد؟ فكيف تأتي بي إلى من تهجم على عرضي ~~وحاول ثلم شرفي؟ هلم يا صاح، هلم. كفاني هوانا. كفاني تدنسا تحت سقف هذا الأفاك القبيح. ~~إني أستغرب كيف جازت حيلته على الأمراء! أمس مكان يلتمس الرزق من فضلات موائدهم، والآن ~~يخدعهم بوجاهة كاذبة ونبالة مزيفة. هلم يا نامق، هلم نخرج من هذا الماخور. # واتجه البرنس سناء الدين إلى الباب. وإنما رده في الحال أمران: الأول انتهار رجاء باشا له ~~قائلا أن قف مكانك لتفوز بحياتك. والثاني صرخة أنثوية سمعها البرنس من خارج البهو ولم يعلم ~~مصدرها ومعناها. فالتفت إلى رجاء باشا فإذا هو ينتضي مسدسا قد سدده إليه. فنظر فيه البرنس ~~وهو يجالد ويكابر وقال: وقاتل أيضا؟ # فأجاب رجاء: نعم، في استطاعتي أن ms27 أفعل كل شيء، أجل، كل شيء مما لا تتصوره. ولكن لا أفعل ~~إلا إذا أحرجتني. فلا تحرجني. قبل أن تخرج من هنا أريد أن تفسر أقوالك الأخيرة. لقد فهمت ~~أني وغد، وقح، قذر، نجس، دنس، دنيء، حقير، شرير ... إلخ؛ ~~لأني في يوم من الأيام طلبت يد ابنتك، وأنت تحسب أن الأمراء من طينة غير طينة البشر، فلا ~~يجوز أن تتزوج الأميرات بشرا. هذا قد فهمته سابقا، والآن فلا أستغربه. ولكن حكاية الصورة ~~والخطاب لم أفهمها. فلا أدعك تخرج من هنا حيا إلا إذا فسرت لي حكاية الصورة. # فاعترض بينهما نامق بك وقال: حلمك يا سيدي الباشا. حلمك. إن سمو البرنس معذور. فقد ورد ~~إلى خطيب بنته البرنس عثمان خطاب بإمضاء مجهول يخبره فيه أن البرنسس نميقة تحب كاتب سر ~~أبيها السابق «أمل الدين أفندي رغبت»، وضمن هذا الخطاب صورة نميقة وأمل الدين أفندي معا. ~~والحق يا سيدي الباشا أني لم أفطن إلى أن الصورة صورتك حقيقة، كأن الإنسان تتغير ملامحه ~~متى ترقى من أفندي إلى باشا. فاعذر سمو البرنس واعذرني أنا أيضا، لأني ما كنت أتصور أن ~~أكون سبب هذا الموقف الحرج الخطر يا سيدي. أما الآن فأود أن أصلح الأمر بينكما إن ~~أمكن. # فصاح البرنس: نامق. نامق. # فقال رجاء باشا: أما أني أحببت الأميرة نميقة فلا أنكر. ولا أزال أحبها ولن أعدل عن حبها. ~~وأما الصورة والرسالة اللتان تذكرانهما فلا علم لي بهما البتة. إني أحب الأميرة حبا جما ~~وأنزه اسمها وسمعتها عن كل شين كهذا. إنما قد أفعل هذه الفعلة لو كنت أحتقر الأميرة. وأما ~~وأني أحبها كالعبادة فيستحيل أن أحتقرها بمثل هذه الفعلة الشنعاء، صدقتما أو لم تصدقا لا ~~يهمني. وإذا لم يشأ سمو البرنس أن يعلم أن في طينة البشر من النبل والشرف أكثر جدا مما في ~~طينة الأمراء المتألهين فلسوف يعلم. إني أتجاوز عن كل بذاء صدر من البرنس تجاوز الكريم عن ~~سفه اللئيم. إني أرد مسدسي إلى جنبي الآن إذ انتهى مطلبي. وأنتم حران ms28 أن تحسبا نفسيكما ~~زائرين أو مرتدين من قارورة أوساخ. # أما نامق فأصبح في حالة من الارتباك لا يدري كيف يتصرف. وصار ينتظر قرار البرنس. أما ~~البرنس فرام أن يتكلم ولكن خانه لسانه، بل عقدته كبرياؤه عن الكلام. فأشار إلى نامق أن ~~اخرج. وخرج الاثنان غير مودعين. ~~••• # أما رجاء فبقي يتمشى في البهو مضطربا هائجا كثور المصارعة الإسبانية. وما أن ضعف وقع ~~الأقدام في درج المنزل حتى سمع شهيقا مزعجا. فأسرع إلى حيث ترك نميقة. فإذا هي مستلقية ~~على المقعد والمدموازال راين تعالجها بالمنبهات. وقالت المدموازال راين همسا: يلوح لي يا ~~سيدي الباشا أن الهانم اعتادت أن تصاب بنوبة عصبية. ~~- أين كانت؟ ~~- أظنها كانت في الحجرة الثانية التي بين هذه والبهو. ~~- لا بأس. دعيها الآن. وأرجو أن لا تنسي أن ما حدث في هذا المنزل مهما كان يجب أن يبقى ~~خبره دفينا فيه. ~~- إني عالمة بهذا يا سيدي. # ثم خرجت المدموازال راين وأقفلت الباب وراءها، وبقي رجاء إلى جنب نميقة وهي مسترسلة في ~~تأثرها بين شهيق وتنهد، فقال لها: هدئي روعك يا نميقة. هدئي روعك. لقد أنقذني وجودك هنا من ~~جريمة. # فنظرت فيه متنهدة، ثم قال متلجلجة في الكلام: لله منك شريرا. ليتك تفرغ إحدى رصاصاتك في ~~صدري الآن فكنت تنقذني من موقفي الحرج. ويحك! هل كنت تنوي أن تقتل أبي بمسدسك؟ ~~- لو عصى أمري ليتمتك اليوم. ولولا وجودك هنا لنقص الأمراء أميرا الآن. ~~- ويحك من سفاك! ~~- وويح أبيك من بذيء! من يستطيع أن يحتمل قباحة لسانه غير فتى عاشق بنته. ما خطر لي أن ~~يكون متغطرسا إلى هذا الحد. ما خطر لي أن يبلغ منه الغرور هذا المبلغ. لسوف أريه مقام ~~الأمراء. ~~- ويلاه. أما كان عندك علم أنه آت لزيارتك؟ ~~- بل علمت وعينت له هذا الميعاد. ~~- ولماذا لم تقل لي؟ ~~- لم أشأ أن أقول لك؛ لأني خفت أن أجفلك أو أن تعودي على أعقابك، وأستغرب كيف أنك عرفت ~~بزيارات الأمراء لي ولم تعرفي بموعد زيارة أبيك. ~~- عرفت أن نامقا كان ms29 يقنع أبي أن يزورك. ولكن ما خطر لي أن تكون الزيارة عاجلة هكذا. وما ~~جئت إليك إلا لأمهد طريق السلم لهذه الزيارة. فسبق السيف العذل. يالله من مشاكسة ~~الأقدار! ~~- أي نعم، إن هذه المشاكسة قطعت كل أمل بالصلح بيني وبين أبيك. ~~- بربك يا أمل الدين ... ~~- لا تستغيثي. لقد قضي الأمر ونفد الصبر. وسيرى هؤلاء الأمراء الذين ربوا على أن ~~يعدوا الرعية كلها عبيدا لهم أن لفظ الإمارة سيرادف لفظ التشرد. ويحهم من نقمتي، ويلهم ~~من غضبي! # فقالت نميقة: رحمة يا أمل الدين، لا توسع الخرق. ~~- كيف لا أوسعه يا مجنونة بعد كل صبري واحتمالي وطول أناتي، وتأكيدي لأبيك أني لست كاتب ~~الخطاب ولا مصطنع الصورة. خرج وهو لا يعتذر حتى ولا عدل اعتقاده، ولا قال كلمة تشم منها ~~رائحة التصديق لكلامي. فكيف يمكن أن نتفق بعد؟ وهل تريدين عاشقا لا يتأثر من إهانة ولا يحس ~~بتحقير؟ لا لا، لا أطيق. لا أحتمل. قطعت جهيزة قول كل خطيب. لقد أعلنت الحرب بيني وبين ~~أبيك، فالويل للمغلوب! # فجزعت نميقة كل الجزع إذ رأت رجاء باشا أو أمل الدين يزداد هياجا، وقالت: ليتك أخبرت ~~نامق بك حين كلمك عن إزماع أبي لزيارتك أنك أمل الدين رغبت الذي كان سكرتيرا، وأنك قد ~~ترقيت، حتى لا يفاجأ أبي بأمر ليس في حسبانه. ~~- كنت أظن أنه متى حضر إلى منزلي وشهد حالتي يكون ألين عريكة، فأصلح ذات البين بيني ~~وبينه. فخاب ظني، وإذا به قد ازداد شكاسة وغطرسة وكبرياء وغرورا. ~~- لعل له عذرا. ~~- ربما كان الخطاب والصورة يوجدان له عذرا، فلو كنت أعلم من افتعل الخطاب واصطنع ~~الصورة! ~~- ماذا كنت تفعل به؟ ~~- أهدر دمه هدرا. ~~- إذن لك أن تفعل الآن وتخلصني من موقفي الحرج. # فحملق فيها رجاء باشا وقال: ويحك! ماذا تعنين؟ هل أنت ...؟ ~~- نعم، أنا اصطنعت الصورة وافتعلت الخطاب وأرسلتهما إلى البرنس عثمان، عسى أن يعدل عن ~~الزواج بي. وكدت أنجح، لولا أن أبوي كلفا نامق بك أن يصلح الأمر مع البرنس عثمان. وقد ~~أصلحه. ms30 وهم يصرون الآن على كتابة كتاب الزواج في الأسبوع التالي. فهل تسلم بذلك؟ ~~- لا تخرجي من هنا بعد الآن، في هذه الساعة أستدعي المأذون ليكتب كتاب زواجنا. ~~- هذا يستحيل يا أمل الدين. إني أميرة، ولا أريد أن أتزوج إلا كأميرة. ~~- وأنا يستحيل أن آخذك من بيت أبويك. إذا كنت تريدين زوجا بلا كرامة فابحثي عن ~~غيري. # فقالت متنهدة: لا نعدم وسيلة لإصلاح الأمر بينك وبين أبي. ~~- أقول لك: هذا مستحيل، ومستحيل. لقد صممت على الحرب، وسأضرب الأمراء كلهم ضربة قاضية. ~~سترين. وسترين أن ما يقوله رجاء مفعول لا محالة. إن رجاء اليوم ليس أمل الدين من قبل. ما ~~غيرت اسمي إلا لأني غيرت فعلي. سترين الأمراء يترامون لدي مسترحمين. ~~- بربك يا أمل الدين. دبر أمري بلا هوان ولا فضيحة. ~~- لقد دبرته. لا تخرجين من منزل رجاء باشا زعيم الأمراء. فهل تريدين شرفا أعظم من هذا؟ ~~إذن سأريك عرش آل عثمان في قبضة يدي. ~~- دعني من كل هذا التهويل إذا كنت لا تتفق معي ... ~~- يستحيل يا نميقة. يستحيل. ~~- ويستحيل أن آخذ البرنس عثمان. إذن آخذ من يأخذه الجميع بلا استثناء. وداعا يا أمل ~~الدين. # فنهضت نميقة تريد الخروج. فأمسك رجاء باشا بيدها، وقال: لن تخرجي من هنا إلا وقد صرت ~~زوجتي. ~~- يستحيل. وداعا أبديا. ~~- بالقوة أبقيك. ~~- لا أريد. يستحيل. لا تستطيع. ~~- إنك لعنيدة. بنت أمك. ~~- إني لكذلك. وأنت أعند. دعني الآن، لقد آذن الوقت بالعودة إلى المنزل. ~~- إذن نلتقي في أول فرصة. ~~- هيهات! # وخرجت كالعصفور أفلت من قفص، وبقي رجاء يفكر في حوادث النهار. # الفصل السادس # | عواطف وأفكار في عالم الخفيات والأسرار # هنا نرانا مضطرين أن نعود بالقارئ برهة قصيرة إلى أنقرة؛ تقريرا لحادث حدث شديد العلاقة ~~بهذا التاريخ الخاص. وقد غير مجرى الحوادث تغييرا جوهريا. # ورد إلى دولة الغازي مصطفى باشا كمال في أنقرة من دائرة البوليس في الآستانة أن البوليس ~~السري اكتشف مؤامرة سرية يشترك فيها جانب من الأمراء، والغرض منها قلب الجمهورية. # فاضطرب فخامة الغازي أي اضطراب، ولا ms31 يخفى أن البناء العالي أكثر تأثرا بالزلزال من ~~الأبنية الواطئة. فأمر دولته في الحال بالقبض على كل من تقع عليه الشبهة، وبإرسال الأشخاص ~~الذين يعدون زنبلك الحركة إلى أنقرة واعتقال الآخرين، إلى حين تصدر أوامر أخرى. # فتنفذ الأمر بلا ضوضاء ولا جلبة حسب إيعاز فخامته. وما هي إلا بضعة أيام حتى كان ثلاثة من ~~المقبوض عليهم في أنقرة وما وصلوا حتى جعل الغازي يستدعيهم واحدا واحدا. ولما دخل الشرطة ~~بالشخص الأول منهم عليه، دهش إذ وقعت عينه على عينه، وقال: يالله! رجاء أفندي كاتب السفارة ~~الروسية؟ ~~- نعم يا فخامة الغازي. ~~- عحبا. هل تركت السفارة لكي تعقد مؤامرات ضد الجمهورية؟ ~~- نعم يا مولاي. ~~- عجبا. وبكل قحة تعترف بذلك! ~~- أجل يا مولاي؛ لأني لست أكذب في أعمالي. إن الصدق يريحني أكثر من الكذب. ~~- ولكنك وعدتني غير ذلك. ~~- بل إني أفعل كما وعدتك. ~~- لله منك. تعقد مؤامرة وتقول: إنك تفعل كما وعدتني. ~~- نعم يا سيدي. هل تستطيع أن تعاقب أحدا قبل أن يجرم؟ ~~- لا. طبعا لا. ~~- أنا أدبر لك مجرمين، وأنت عاقب. ~~- كيف ذلك؟ ~~- أنت تريد أن تثل عرش آل عثمان، فكيف تستطيع ذلك إذا لم يجرم الأمراء وتعاقبهم ولو ~~بالنفي على الأقل؟ فأنا كنت أمهد سبيل الإجرام للأمراء. ولكنك أفسدت عملي قبل أن ينتهي ~~وأضررت نفسك. ~~- كيف ذلك؟ أما كان في الآستانة مؤامرة؟ # كلا. بل كان فيها استعداد لعقد مؤتمر. والمؤتمر أحوله إلى مؤامرة. على أن جواسيسك ~~تسرعوا، وهم يظنون أنهم بهذا التسرع يبرهنون على سهرهم على مصلحتك. ~~- لا تقل: مصلحتي، بل مصلحة الجمهورية. فأخبرني الآن ماذا كان من أمر هذه ~~المؤامرة؟ ~~- قلت لك يا سيدي أن لا مؤامرة حتى الآن بل مؤتمر. وقد شرعت أن أطبخ الطبخة فما انتظرتم ~~حتى تنضج، بل سكبتموها نيئة. لست أطلب منكم جزاء ولا شكورا حتى ولا مصاريف. لا أطلب إلا ~~أن تكفوا مراقبة جواسيسكم عني وكفى. السلام عليكم الآن. # وهم رجاء أفندي أن يقوم لكي يخرج، فأمسك الغازي بيده قائلا: إلى أين؟ أنسيت أنك ~~معتقل؟ ms32 ~~- لا لا ياسيدي. لا تقدر الجمهورية التركية بكل ما لها من حول وطول أن تعتقل أصغر صعلوك ~~بلشفي. فكيف إذا كان هذا الصعلوك موظفا في السفارة الروسية؟! ~~- عجبا. ألا تزال في السفارة؟ ~~- نعم، وإلا فبأي حول وطول ومال أشتغل وأخدمكم يا سيدي الباشا. # فاستغرب الغازي حديث هذا الماجن، ثم دخل إلى غرفة أخرى وتناول التلفون وخاطب السفارة ~~الروسية: هالو. حضرة السفير؟ ~~- نعم، فخامة الرفيق الغازي؟ ~~- نعم، هل رجاء الدين أفندي لا يزال موظفا في السفارة؟ ~~- نعم نعم، هل تعرف أين هو؟ ~~- هو عندي الآن. ~~- إذن أرجو أن ترسله حالا؛ لأني في حاجة شديدة إليه. أستغرب أن يذهب إليكم قبل أن يأتي ~~إلى السفارة. هذا ذنب يعاقب عليه. ~~- بل أرجو أن تعذره؛ لأنه جيء به إلينا معتقلا. ~~- عجبا! كيف تعتقلون موظف سفارتي بلا إذني؟ ~~- عذرا يا سعادة الرفيق السفير، لقد حدث الأمر خطأ. ~~- إذن أرجو أن ترسله حالا. # ثم عاد الغازي إلى رجاء وهو يقول في نفسه: ما هذه السفارة الروسية إلا بؤرة شياطين ~~وأبالسة. ما معنى كل هذا؟ يدفعون الأموال ويعرضون الرجال للأخطار والأهوال في سبيل قلب بني ~~عثمان عن عرش السلطنة والخلافة. فلماذا؟ وماذ يهمهم من الخلافة؟ إن هذه الدعوة البلشفية سر ~~من الأسرار التي لا يفهمها أهل هذا الجيل. أما رجاء أفندي فداهية من أكبر الدهاة، يجب أن ~~أحاذر منه بقدر ما أرجو منه النفع بل أزيد. ما الذي يدفعه إلى خدمة بلاشفة الروس وهو ~~تركي؟ # ولما دخل إلى الغرفة قال لرجاء: إذن تقول: إن الطبخة لم تنضج بعد. ~~- نعم، وقد «دلقتها» يا مولاي قبل أن تنضج. ~~- وترى أن المقبوض عليهم أبرياء؟ ~~- إذا شئت نصيحتي فأطلق سراحهم من غير تحقيق حالا. ولا تدعهم يفهمون التهمة التي اعتقلوا ~~لأجلها؛ وبذلك تسهل لي أن أطبخ طبخة أخرى. ~~- أشكرك. إن سعادة السفير ينتظرك، ففي إمكانك أن تذهب إليه الآن. ~~- قبل أن أذهب أقول: إن لي عليكم قضية لا أدري كيف أقاضيكم بها؟ ~~- ما هي؟ ~~- إن اعتقالكم إياي أفضى إلى ارتكاب انتحار ms33 هائل. ~~- انتحار؟ ماذا تعني؟ ~~- أعني انتحار الأميرة نميقة بنت البرنس سناء الدين أفندي. # فاختلج الغازي وقال: الأميرة نميقة انتحرت؟ كيف ذلك؟ ~~- نعم، وجدت ملابسها على شاطئ البحر بعد اختفائها يومين . وظهر أنها أثقلت جسمها بسلسلة ~~حديدية حتى لا تستطيع أن تعوم. ولعل الحيتان أكلت جسمها. ~~- يالله! كيف عرفت ذلك؟ ~~- قرأته في الجريدة التي ابتعتها بعد اعتقالي بيومين، وحين أخذوني من الآستانة. ~~- وكيف كان اعتقالك سببا لهذا الانتحار؟ ~~- لأني لو لم أعتقل لتلافيته. ~~- إذن أحل المسألة على القضاء والقدر يا رجاء أفندي، فقد اعتدنا أن نصب على رأس القضاء ~~والقدر كل مصيبة تصيبنا. أليس كذلك؟ ~~- إذن تقضون يا مولاي ببراءتكم من هذا الإثم؟ # فأجاب الغازي مصطفى باشا باسما: الإثم الذي نرتكبه على غير علم منا لا يعد إثما، وإن عد ~~إثما فلا يستحق عقابا. يلوح لي أنك تعرف هذه الأميرة. ~~- أظن أني ذكرت لك مرة أني كنت سكرتير أبيها في حين من الأحيان، ولهذا كان في إمكاني أن ~~أنقذها. ~~- ترى ماذا كان سبب انتحارها؟ ~~- أظن سببه أن أبويها كانا يرغمانها على زواج لا تريده. ~~- وكيف كان يمكنك إنقاذها؟ # فوجم رجاء عن الكلام كأن غصة وقفت في حنجرته، وقطرت عيناه دمعتين كأنهما بقية ما بقي من ~~دموعه التي ذرفها في مدة السفر، ثم قال متلجلجا: يلوح لي يا باشا أنك تستلذ الحديث في هذا ~~الموضوع. ~~- الحديث يجر بعضه بعضا يا رجاء أفندي. فهل يسوءك أن أتحرى شكل الذنب الذي ارتكبناه ~~باعتقالك. أود أن أعلم هل كان اعتقالك سبب انتحارها أو مانعا لك من إنقاذها. # فتمهل رجاء وقال: لا ريب يا باشا أنك داهية في التحقيق والاستجواب. سواء كان اعتقالي هذا ~~أو ذاك فهو ذنب في عنقكم؛ لأنه كان سبب انتحار الفتاة ومانعا من إنقاذها معا. ولا أدري ~~كيف أقتص منكم أو كيف تستطيعون أن تكفروا عن هذا الذنب العظيم؟ ~~- دع الاقتصاص والتكفير للأقدار يا رجاء أفندي، وما علينا إلا أن نترحم على تلك ~~الفتاة. ~~- هل كنت تعرف هذه الأميرة يا باشا؟ ~~- كلا. ms34 ~~- إن زوجتكم لطيفة هانم تعرفها، ولا بد أن تكونوا قد سمعتم بخبرها. # فاختلج الباشا وبدا في وجهه امتقاع، وقال: هل كان لها خبر يسمع؟ ~~- نعم، كانت مشهورة بجمالها العصبي لا العضلي، أعني أن جمالها لم يكن في شكل جسمانها بل ~~في عواطفها. ومع ذلك فقد كانت في نظر البعض جميلة الصورة جدا. ولكن هذا لا يهمني أبدا. ~~وإنما كان يعجبني فيها توقدها: توقد عينيها وقلبها ولبها وعصبها. فعيناها تتواثبان دائما ~~من محجريهما، وقلبها يندفع مع لسانها في كلامها، ورشاقة جوارحها تتبارى مع نباهتها ويقظتها ~~ونشاطها. يقولون: إنها خفيفة؛ أي قليلة الرزانة، وهذا ما أستحبه أنا في المرأة، حتى لو ~~قالوا: إنها متهورة، بل مجنونة، لزادوها قيمة في عيني؛ لأن التهور والجنون هو الطرف الأخير ~~من النشاط. لقد أسفت على نميقة عظيم الأسف يا باشا. ~~- عزاك الله يا رجاء أفندي. وما زلت أنتظر خدمك الصالحة. ~~- لا تشك بخدمي الصالحة يا باشا؛ لأن غرضي متوقف مع غرضكم. الآن أرجو الإيذان لي بالخروج ~~حتى لا يطول انتظار السفير. # ثم ودع رجاء الدين الغازي مصطفى باشا وخرج، وفي نفس كل منهما عواطف وأفكار لا تظهر إلا ~~لعالم الخفيات والأسرار. # ثم أمر الغازي في الحال بإطلاق سراح المتهمين الآخرين، وبإطلاق سراح المقبوض عليهم في ~~الآستانة جميعا من غير تحقيق، بزعم أن القبض عليهم كان بناء على سعاية كاذبة. # الفصل السابع # | ويل أهون من ويلين # بعد حين كان دولة الغازي مصطفى باشا كمال في أزمير، بلد عقيلته لطيفة هانم. وفي ذات يوم ~~كان راكبا أوتوموبيله من المنزل إلى دار الحكومة. وفي أثناء الطريق رماه شخص مجهول بقنبلة، ~~فوقعت على مقربة من الأتوموبيل ولكنها لم تنفجر. فأمر بإيقاف الأوتوموبيل في الحال. واتفق ~~لسوء حظ هذ الجاني أن رآه بعض الناس يفعل فعلته فقبضوا عليه. ثم أمر الغازي بالقنبلة أن ~~توضع في الأتومبيل وأخذ الجاني معه توا إلى دار الحكومة، واختلى به. # وكان الشخص متوسط الجسم والعمر حسن البزة، تدل ملامحه وحركاته على أنه عصبى المزاج، يعد ~~ممن ms35 يتهوسون لما يعتقدون. ولما أصبح مع الغازي وحدهما في مكتبه الخاص قل إكفهراره، وصار ~~يحاول أن يبتسم كمن لم يرتكب وزرا. # أما الغازي فكان متجهما مقطب الجبين حداق العينين، فسأله : من أنت يا هذا؟ ~~- أنا أحد الناس العامة الذين لا تعرف عنهم شيئا ولا تفيدك المعرفة عنهم شيئا. ~~- ما اسمك؟ ~~- لا يهمك اسمي، بل يهمك جسمي، وها هو تحت سلطانك. ~~- بل يجب أن تقول. ~~- ليس الامتناع عن قول اسمي أعظم فرية مما حدث. فاقض ما أنت به قاض. # فسكت الغازي هنيهة، ثم قال محاولا الملاطفة: ولكني أود أن تعلم أن اعترافك بكل شيء ينجيك ~~من العقاب. # فضحك الجاني بالرغم من كابوس جنايته على نفسه، وقال: إن الإنسان يادولة الباشا يختار من ~~الويلين أخفهما. إن قضاءك مهما كان عنيفا فهو أسهل عندي من هذا التحقيق الذي لا يجديك ~~نفعا. لقد شهدت الجناية وها الجاني أمامك. والحمد لله أن القدر كتب لك حياة طويلة سعيدة، ~~فتمتع بها، وعاقب غريمك العقوبة التي يستحقها، ولا تضيع وقتك فيما لا فائدة منه. # فاستغرب الغازي أمره كل الاستغراب، ولا سيما إذ جعل يملك روعه كلما تقدم في الكلام. وقال ~~له: أين تقطن؟ ~~- لست من أزمير. ~~- أين بلدك؟ ~~- لا أقول. ~~- ما هو عملك؟ ~~- لا أقول. # وفتشه الغازي تفتيشا دقيقا، فما وجد معه ورقا ولا أداة ولا شيئا يدل على هويته، سوى ~~بعض نقود ورقية قليلة في جيبه. فسأله: هل لك أهل هنا؟ ~~- لا أقول. ~~- عجبا عنادك يا هذا! ~~- ما أنا العنيد يا سيدي الباشا، بل أنت العنيد. إن معرفة أصلي وفصلي لا تفيدك شيئا، ولا ~~هما ذوا علاقة بالجناية. ~~- أود أن أعرف من هم شركاؤك في المكيدة، فأعفو عنك. ~~- لا أطمع بالعفو. فثق أنه لا شريك لي فيها. أنا مستقل بها كل الاستقلال. ~~- عجبا! تقول إن العقاب أهون ويلا عليك من الإقرار، كأن لك شركاء يتهددونك بالتعذيب إذا ~~أقررت عنهم. # فضحك الجاني وقال: كلا. كلا ياسيدي، كلا. ليس لي شركاء ولا تعذيب شركاء أهون ويل علي، ~~ولست ms36 هاربا من التعذيب ولا من القتل. # فتحير الغازي في أمر هذا الجاني الغريب وقال: هل لك من ثأر علي؟ قل فأنصفك. ~~- كلا، كلا يا سيدي. ليس في نفسي شيء ضدك البتة، ولا أنا ممن احتكوا بك. ~~- إذا لم يكن أحد قد حرضك، فلماذا قصدت أن تقتلني؟ ~~- الحمد لله أنك سلمت يا مولاي وأنا فشلت. فماذا يهمك بعد؟ ~~- هذا كلام فارغ. قذفت القنبلة علي لكي تهلكني، فإذا لم تفصح عن سبب تعمدك قتلي فلا بد أن ~~يكون لك شركاء، فيجب أن تقول عنهم. ~~- أقسم لك بأعز عزيز عندي أنه ليس لي شركاء ولا أنا عضو في جمعية سرية. ~~- من هو أعز عزيز عندك؟ ~~- هذا سر من أسراري يا سيدي. ~~- إذن أنت عضو في مؤامرة. فإذا لم تقل كل ما تعرفه أعذبك تعذيبا. ~~- لا بأس يا سيدي. التعذيب يبلغني إلى النتيجة التي أسعى إليها. ~~- ما هي النتيجة التي تسعى إليها؟ ~~- هي أن أموت. لم أستطع أن أنتحر فارتكبت هذا الوزر لكي يحكم علي بالموت. ~~- عجبا! ألا تريد أن تموت ما لم تقتل شخصا آخر؟ إن هذا لجنون. # ثم استدعى الحارس وأمره أن يأخذ الجاني إلى السجن ويبقى فيه حتى يطلبه. # وأوفد مندوبا يمنع الجرائد أن تشير أقل إشارة إلى الحادث. وأبلغ الخبر تلغرافيا إلى ~~عصمت باشا، وقال له: «إني أبشرك أن المؤامرة وجدت وأسباب الخلع والإلغاء تهيأت. ولا ~~ينقصنا إلا كلاب لاستخراج الأسرار من دماغ هذا الجاني. فتعال جرب دهائك فيه.» # الفصل الثامن # | رسالة من عالم الأرواح # نعود ثانية بالقارئ الكريم إلى الآستانة أم مدائن الشرق الأدني، التي كانت - ولا تزال - ~~أوسع مسارح السياسة وأكثر المسارح غرفا خلف الأستار للمكايد والدسائس. # في تلك الأثناء وافى إلى نامق بك رسول من قبل صديقه الحميم البرنس سناء الدين يدعوه لحاجة ~~به إليه. # وفي نحو نصف ساعة كان نامق بك في مجلس البرنس سناء الدين، وهذا يدخن النارجيلة. فقال ~~نامق: أراك تفرط بالتدخين يا سيدي البرنس، فأشفق على صدرك. # فتنهد البرنس والدمع يكاد يطفر من ms37 موقيه، قال: آه يا نامق! إن نميقة تركت فى قلبي حسرة لا ~~تزول. وأحاول أن أخففها بالتدخين. لقد جرنا عليها والذنب ذنبنا، فلا أجد تكفيرا ~~لذنبنا. # ثم تناول البرنس ورقة من جيبه وقدمها لنامق قائلا: أرجو منك أن تقول لي ماذا تفهم من هذا ~~التلغراف يا عزيزي نامق؟ # فتناول نامق بك ورقة التلغراف وقرأ: # سمو البرنس سناء الدين أفندي # حاذر أن تزور الدوقة! # ثم نظر نامق وقال: بلا إمضاء؟ ~~- بلا إمضاء. هذا هو التلغراف الذي ورد بعينه كما تراه، فما علمت من هو مرسله ولا فهمت ~~منه شيئا؟ لعل في المدينة أميرا آخر باسم سناء الدين. ~~- كلا يا مولاي. والأرجح جدا أن التلغراف موجه إليك شخصيا ولا خطأ فيه. ~~- إذن من هي هذه الدوقة. هل سمعت بخبر دوقة في ستمبول؟ # فنظر نامق بالبرنس مبتسما قليلا وقال همسا: لاح لي خاطر قريب الاحتمال جدا يا مولاي. ~~لعلك سمعت بمدموازال دلزل. # فهز البرنس رأسه وقال: كلا، لم أسمع بهذا الإسم. فمن هي هذه المدموازال؟ ~~- هي ممثلة في جوقة أفرنجية الآن في ستمبول، تدعي أنها ألزاسية من أصل ألماني. وهي على ~~غاية من جمال الوجه والصوت، ومن رشاقة الحركات والرقص، ومن لطافة المعشر والحديث، حتى افتتن ~~بها كثيرون من الكبراء والأمراء، وهم يتزاحمون في مجلس زيارتها، وهي تتيه تارة وتتلطف أخرى. ~~وسمعت أخيرا أن بعض الأمراء اكتشف انها دوقة روسية قريبة النسب للقيصر نقولا، آخر قياصرة ~~روسيا. وبعضهم يدعي أنها بنت الغراندوق نقولا عم القيصر، وبعضهم يقول: بل حفيدته. والله ~~أعلم. ~~- هل رأيتها يا نامق؟ ~~- نعم، رأيتها في التياترو تغني وترقص وتخلب الألباب بجمالها ودلالها. ~~- هل حضرت مجلسها؟ ~~- لا. لم يتسن لي؛ لأنها لا تقبل زيارة أحد إلا بعد وسائط، كأنها سلطان البرين وخاقان ~~البحرين، وإلى الآن لم يحظ بزيارتها إلا بعض الأمراء. ~~- والأغنياء أيضا طبعا. ~~- كلا؛ لأنها ليست من النساء اللواتي يبذلن أنفسهن لأجل الليرة. وقد رووا عنها حكايات تدل ~~على تعففها وكبر نفسها، مما يرجح دعواها السرية أنها دوقة حقيقة. وإنما ms38 تتنكر باسم حسناء ~~ألزاسية ألمانية؛ تحاميا لغدر البلاشفة بها. فلعل لمقصود بالدوقة في هذا التلغراف هذه ~~المرأة. ~~- والتلغراف يحذر من زيارة الدوقة، فهل في زيارتها من خطر؟ ~~- لا أدري يا مولاي الأمير. ولا أعلم أن زائرا من زوارها وقع في خطر. فما زارها زائر إلا ~~عاد معجبا بنبلها وشرف نفسها وعفافها، وهو يقول: حقا إنها دوقة، يقينا إنها نبيلة. وقد ~~اعتادت كلما زارها أمير أو عظيم أن تطلب منه أن يكتب جملة حكمية أو أي جملة جميلة في دفتر ~~مذكراتها ويمضي بإمضائه، وتحفظ ذلك كتذكار عندها. ~~- هل يمكن أن يكون الخطر في هذه الكتابة يا نامق؟ ~~- لا، لا أظن. ولعل الخطر في زيارتها من التعرض لانتقام البلاشفة؛ إذ لا يخفى عليك أن ~~البلاشفة لا يزالون يطاردون أفراد هذه الأسرة القيصرية. وهي في ستمبول تحت خطر منهم أكثر ~~منها في أي مكان آخر؛ إذ لا يخفى عليك أن أصحابنا الكماليين جعلوا البلاد دارا ~~للبلشفيك. ~~- معقول. ولكن من أرسل هذا التلغراف يا ترى؟ لا بد أن مرسله أدرك أن في زيارة هذه الدوقة ~~خطرا إن كان يعنيها ولا يعني سواها ... ~~- لا يهمك مرسل التلغراف قدر ما يهمك التلغراف نفسه. فلا تزر هذه المرأة والسلام. ~~- بالطبع لا أزورها، ولا خطر لي أن أزورها أو أزور غيرها وأنا في إبان حزني. ولكني أود أن ~~أفهم أسرار هذا التلغراف. ~~- لا تهتم كثيرا به يا سيدي البرنس، دع الأيام تفسر لك أسراره. فإن الأمور مرهونة ~~بأوقاتها. ~~••• # عند ذلك أبلغ الخادم البرنس أن رجلا وضابطا من ضباط البوليس يرجوان مقابلته. فأذن لهما ~~بالدخول، فالتمسا مقابلته وحده، وفي الحال نهض نامق وخرج. ثم قال أحد الرجلين: داعيكم موظف ~~في مصلحة التلغراف. وقد ورد تحت يدي في السهرة أمس تلغراف معنون باسم سموكم. فهل هو ~~لكم؟ # فقال البرنس: عسى أن يكون التلغراف مرسلا لي خطأ يا هذا. ~~- هل هنا أمير آخر باسم البرنس سناء الدين أفندي؟ ~~- لا أعرف أميرا غيري بهذا الاسم. ~~- إذن التلغراف لكم بلا جدال. فهل تعرفون ms39 سموكم من أرسله لكم؟ ~~- كلا. لهذا شككت أنه لي. ~~- هذا هو أصل التلغراف بخط مرسله، فهل تعرفون هذا الخط؟ # فما وقع نظر البرنس سناء الدين على أصل التلغراف حتى انتفض انتفاضة المجفل الفازع، وقال: ~~ويحكم. هذا خط ... خط يد يشبه ... خط ... يد ... بنتي ... آه بنتي ... آه بنتي ... أحقيق؟ # وجعل البرنس ينتفض كمن أصيب بنوبة عصبية. # فقال التلغرافي: أتذكر أن الذي قدم لي هذا التلغراف مع قيمة أجرته غلام في العاشرة من ~~العمر، وأرجح أنه أجنبي. وقد كلمني بالفرنسية. وكانت النقود ملفوفة بورق التلغراف. تناولتها ~~منه وفحصت النقود فإذا هي على قدر الأجرة تماما. أما الغلام فمضى في الحال. # وكان الأمير لا يزال مضطربا، فقال متلجلجا: أجل هذا الخط يشبه خط بنتي كثيرا. آه بنتي. ~~هل يمكن أن تكون في قيد الحياة؟ ~~- أين هي بنتك يا مولاي البرنس؟ ~~- آه. أرجو منك أن تنادي نامق بك، فهو يجاوبك عني، لقد كنا الآن في حديث التلغراف. بربك ~~لا تسألني مزيدا. لا أحتمل هذا، إني أرى طيف بنتي يلوح أمامي الآن. # فنادى الضابط نامق بك من البهو. فوافي هذا سريعا، وجزع إذ رأى البرنس في حالة تأثر شديدة ~~وهو يقول: نعم، نعم، إن طيف نميقة يتمثل أمامي يا نامق، انظر، هذا خطها. هل هي في قيد ~~الحياة؟ أو هل هي روحها تظهر لي؟ رباه، لقد ظلمتها. لقد قسوت عليها. # وكاد البرنس يغمى عليه من شدة التأثر، فسأل نامق بك: ما الخبر؟ # فقال له التلغرافي: هل اطلعت على التلغراف الذي ورد إلى البرنس صباح اليوم؟ البرنس يقول: ~~إنكما كنتما في حديثه الآن. ~~- نعم. ~~- وهذا هو الأصل. وقد جئت به إليه لكي نسأله بشأنه، فلما نظره قال: إنه خط بنته. فأين هي ~~بنته؟ ~~- أما قرأت يا سيدي في الصحف أنها غرقت في البحر وأكلتها الحيتان، وما ظهر أخيرا غير بعض ~~ملابسها ممزقة. # فنظر التلغرافي في الضابط وقال: أجل، إني قرأت هذا الخبر ولم أنتبه للأسماء جيدا. # فقال الضابط: وأنا قرأته. # فقال التلغرافي لنامق بك بصوت واطئ: ms40 هل ترى أن هذا الخط يشبه خط المرحومة؟ # فنظر فيه نامق وقال: الحق أني لم أر خط المرحومة إلا نادرا، فلا أدري إن كان هذا الخط ~~يشبهه. أريه للأميرة حرم البرنس. ولكني أخاف من تأثرها أيضا. # فقال البرنس وهو لا يزال متأثرا شديد التأثر: أجل هو خطها، أو خط روحها، آه نميقة! هل ~~روحك تزور الأرض أم أنت في قيد الحياة؟ # فقال نامق: حقق الله ظنك يا سيدي الأمير. # فقال البرنس للتلغرافي: ألا تعرف الغلام الذي جاءك بهذه الورقة. ابحث عنه، فلا بد أن يكون ~~عارفا بمقر بنتي. آه! بربكم أين الغلام؟ # فقال التلغرافي: لو أمكن أن نعرف الغلام لما جئنا إليك يا سيدي البرنس. فماذا خطر لك يا ~~سمو البرنس حين ورد لك هذا التلغراف؟ أما خطر لك خاطر عمن أرسله؟ ~~- كلا البتة. بل كنت في حيرة لا أدري سره؛ ولهذا استدعيت صديقي نامق بك ليحل ~~رموزه. ~~- من هي هذه الدوقة المشار إليها هنا؟ ~~- لا أعرف دوقة يا ابني. أخبره يا عزيزي نامق الحكاية التي قلتها لي. # فانتفض نامق، ونظر في البرنس كأنه يلومه على هذا الافصاح. فقال البرنس: لا بأس يا عزيزي ~~نامق. قل له ما تعرفه. لا أنت ولا أنا ممن لهم شأن في دسائس أو مؤامرات. # فاضطر نامق بك أن يروي حكاية المدموازال دلزل الممثلة وأنها تدعي لبعض زائريها أنها ~~دوقة. # فقال الضابط: وماذا تظن غرض مرسل هذا التلغراف من إنذار سمو البرنس؟ ~~- لا أظن شيئا يا سيدي. ولا أعرف مدموازال دلزل إلا كما يعرفها كل من حضر رقصها وسمع ~~غناءها. # ولما لم يستفيد الضابط والتلغرافي شيئا، ودعا البرنس والبك وخرجا. # الفصل التاسع # | مؤامرة ضد مؤامرة # نعتذر للقارئ الكريم أننا لم نستطع أن نمكث معه كثيرا في ستمبول الجميلة، بل نرانا ~~مضطرين أن نعود معه إلى أنقرة عاصمة تركيا الجديدة؛ وذلك لأن الحوادث المتشابكة المعقدة ~~تأخذنا وتردنا كمكوك الناسج بين العاصمتين. وفي العاصمة الأولى القوة التقليدية المتقلقلة. ~~وفي الثانية القوة الجديدة المستقوية. وكلتاهما تتجاذبان حوادث التطور. ms41 # كان عصمت باشا ومصطفى باشا كمال يتغديان معا في منزل مصطفى باشا؛ تذرعا للتحدث الشخصي ~~فيما بينهما، فقال عصمت باشا: هل علمت أن فوزي باشا رئيس أركان الحرب لما كان في ستمبول زار ~~الخليفة؟ ~~- نعم، وكاظم قرة بكير باشا زاره أيضا. ~~- كاظم لا يهمنا كثيرا يا مصطفى. وأما فوزي فلا نقدر أن نتسامح معه لمكانته في ~~الجيش. # إن فوزي ينذعر إذا قلت له بإلغاء الخلافة؛ لأنه متدين، ويعتقد أن الخليفة شخص ~~مقدس. ~~- لذلك أرى أن نتخلص منه. ~~- كيف نتخلص منه وقد كان كما تعلم يدنا اليمنى في حربنا مع اليونان، ولا يزال صديق ~~الجمهورية إلا من حيث الخلافة. فلا نقدر أن نعزله بتاتا وكثيرون من الضباط محازبون ~~له. ~~- إذن ننقله من وظيفة عسكرية إلى وظيفة ملكية. ~~- ما هو غبي حتى لا يفهم معنى هذا النقل. ~~- إذن نفصل منصب أركان الحرب من الوزارة. ~~- هذا هو الرأي المعقول أكثر من كل رأي؛ لأن رئاسة أركان الحرب ما كانت في أي نظام من ~~أنظمة الدول ذات ضلع في الوزارة. وما جعلناها نحن هكذا إلا ترضية له لتمسكه بها. أما الآن ~~فإذا فصلناها عن الوزارة رددنا الشيء إلى طبيعته. ~~- يجب أيضا أن نمنع اشتغال الجنود في السياسة بتاتا. # فضحك عصمت وقال: يا سلام، الغرض مرض. الآن صرت تقول الجندي والسياسة لا يلتقيان، ونحن ~~قمنا على التقائهما. وما قولك برءوف بك (كان رئيس الوزارة سابقا)؟ ~~- رءوف أقل تدينا وتمسكا بالخلافة من فوزي، ولكن إذا أحرج يتمسك بها ويناضل لا لأجلها ~~بل لأجل غرضه. ~~- وكاظم قرة بكير باشا؟ ~~- لا يهمنا كثيرا؛ لأنه لا يقدر أن يكون زعيم حزب. ~~- نعود إذن إلى النواب لنرى من منهم تخشى معارضته؟ ~~- لا خوف من معارضة أي نائب مهما كان قوي العارضة مادامت الأكثرية معنا. ~~- ما قولك بعبد الله عزمي بك، نائب إسكي شهر. # فتململ عصمت وقال: هذا النائب قليل الذوق حقيقة؛ لأن أي نائب من إسكي شهر لا ينتظر أن ~~يكون معارضا؛ لأن إسكي شهر مديونة للثورة بإنقاذها من فظائع ms42 اليونانيين. وما قولك؟ ~~- ليس غير عزمي من يجعجع في المجلس، فلا تحسب حسابا لغيره. ~~- حسنا، فلنر الآن على من نعتمد نحن بالأكثر؟ أعني أصحاب الأصوات العالية الذين يسكتون ~~أصوات المعارضين . ~~- عندك سيد باشا وزير الحقانية. ~~- هذا دعه على جنب. فهو ركن قضيتنا وليس أحد غيره يخرس الشيخ مصطفى فوزي وزير ~~الشريعة. ~~- نسيت زكي بك نائب كموشخانة، فهو ممن يعارضون أحيانا. ~~- نعم، يرفع صوته أحيانا، ولكنه جبان وأحيانا يتذبذب. ففي خطيرات المسائل لا يجسر أن ~~يعارض. عندك من أصحاب الأصوات العالية رجب بك نائب كوتاهيه، وواصف بك نائب صاروحان، وشكري ~~بك نائب أزمير، ومظهر مفيد بك نائب دنزلى. # فقال عصمت باشا: ولا تنس محمد أمين بك شاعر الطورانية. # فضحك مصطفى باشا وقال: ولكن لم تكن الحرب بالشعر إلا عند العرب. ولا تنس أننا مودعو ~~العرب بل الشرق كله. ~~- لا أنسى ذلك. ولكن لا تنس أن ناظم المارسلياز أسس جمهورية فرنسا. فقد تأتي ساعة نحتاج ~~فيها إلى قصيدة من نظم شاعر الطوراينة تثير الأناضول كله على الخلافة. # فقال مصطفى باشا: المهم الآن أن نعين ميعادا مناسبا لقذف هذه القنبلة الهائلة التي سترج ~~العالم الإسلامي. ~~- هذه موقوفة على الحوادث يا عزيزي مصطفى. إذا لم يكن من حادث يرج البناء ويزعزعه فلا ~~تقدر أن تهدمه. علينا أن نصبر حتى يبدو لنا حادث من الخليفة أو من أسرته لكي يكون لنا سبب ~~لخلعهم جميعا عن كراسيهم، وإلا فيخشى أن نهيج الرأي العام ضدنا. # فهز مصطفى كمال رأسه وقال متململا متبرما: لقد ورد علي اليوم تلغراف من الآستانة ربما ~~كان فيه بارقة أمل. خذ اقرأ. فتناول عصمت الورقة وقرأ: # مولاي دولة الغازي # عثر اليوم مفتش التلغرافات على تلغراف للبرنس سناء الدين أفندي واشتبه به، وهذا ~~نصه: «سمو البرنس سناء الدين، حاذر أن تزور الدوقة!» فأرسلت مندوبا من قبلي مع ~~مفتش التلغراف إلى البرنس يسأله من أرسل إليه هذا التلغراف، عسى أن نعلم من هي هذه ~~الدوقة؟ ولماذا يجب أن يحاذر منها؟ وأرسلنا إليه أصل التلغراف لكي ms43 يطلع عليه؛ لعله ~~يعرف من خطه من هو مرسله؟ أما البرنس فلما اطلع على أصل التلغراف ورآه مشابها لخط ~~بنته، هاجت عواطفه، وجعل يناجي روح بنته الغريقة ويقول: هذا خط بنتي! ولذلك لم ~~نستفد منه شيئا البتة. وإنما اتفق أن كان عنده صديق له يدعى نامق بك، وكان قد ~~استدعاه قبلا إليه لكي يساعده على تفسير هذا التلغراف، وبعد تحقيق مندوبي مع نامق ~~بك فهم أنه يوجد في ستمبول الآن ممثلة تدعى مدموازال دلزل يتردد إليها الأمراء، ~~ويقال: إن بعضهم اكتشف أنها دوقة روسية متنكرة، وهم يزورونها ويجتمعون بها. فماذا ~~تأمرون بشأنها؟ # عدنان حاكم الآستانة # فبعد أن اطلع عصمت على هذا التلغراف مرتين، نظر في مصطفى وقال: وماذا أجبت عليه؟ ~~- وهل هناك جوابان؟ أمرت بالقبض على الدوقة وتفتيش منزلها. # فقال عصمت متبرما: لا أظن وراء هذا البرق سحابا. ~~- يجب يا باشا أن نهتم بكل صغيرة وكبيرة. ما أدرانا أن يكون بين هذه الدوقة الصحيحة أو ~~المزيفة وبين السجين رامي القنبلة علاقة. ~~- ربما كان بينهما اتصال، ولكن القبض على المرأة لمجرد ورود لفظة دوقة في تلغراف لشخص ~~آخر يعد تسرعا. كنت أفضل الاقتصار على مراقبة هذ الممثلة حتى تقوى الشبهة بأنها بؤرة ~~مؤامرة. ~~- إن تردد الأمراء عليها كاف للشبهة يا عصمت. ونخاف أن التأخر أو التأني يورث الندم. ~~وأعتقد أن تهجم السجين الذي ألقى القنبلة التي لم تنفجر لهو نذير بوجود مؤامرة. ولا سيما ~~لأن السجين مصر على التكتم. فقد بذلنا جهدا في أزمير وهنا أن نستقطر روح أسراره فلم ~~نستطع. ~~- أظن أن تفويض تحقيق أمره لشخص يماثله في المزاج والعقلية قد ينجح. ~~- أجل. لقد أذكرني قولك هذا برجاء الدين الموظف في السفارة الروسية، لعله يستطيع كشف سره. ~~فإذا اكتشفنا علاقة بين هذا العنيد والممثلة دلزل قبضنا على مفتاح المؤامرة. # عند ذلك جاء خادم بتلغراف، ودفعه إلى الغازي مصطفى كمال وقرأه على مسمع عصمت باشا: # سيدي صاحب الفخامة الغازي # باغت ثلاثة من ضباط البوليس السريين منزل الممثلة دلزل أو الدوقة الروسية ms44 وفتشوه. ~~فوجدوا عندها أوراقا هائلة الأسرار لم تبق شكا بوجود مؤامرة بين الأمراء، وهذه ~~المرأة مركز المؤامرة. والظاهر أنها دوقة حقيقية ولها أغراض بعيدة لم تنجل تماما. ~~وإنما لي الأمل أن التحقيق يجلوها. بين الأوراق التي وجدناها عندها رسائل ثورية ضد ~~الجمهورية المقدسة من الأمراء: برهان الدين، وفريد، وناظم، وعبد الكريم، ونظام ~~الدين. وقد وضعنا المرأة تحت الحفظ ريثما نرى ماذا يكون رأيكم! # عدنان # حاكم استمبول # ولما انتهى مصطفى من القراءة نظر إلى عصمت متهللا مبتهجا وقال: لقد تهيأ السبب الذي كنت ~~أنتظره يا عصمت لإلغاء الخلافة. فهل تصبر بعد هذا؟ يجب أن نقبض على المشتبه بهم ونشرع ~~بالتحقيق حالا. ~~- لا تتسرع يا عزيزي مصطفى. لا نقبض على أحد الآن حتى ولا على المرأة. يكفي أن نجعلها تحت ~~المراقبة. يجب أن نطلع على رسائل الأمراء التي تثبت التهمة عليهم، ثم نقرر هنا إن كنا نقبض ~~عليهم أو لا. يجب أن نتجنب الضوضاء في أول الأمر. ~~- إني ضد رأيك يا عصمت. يجب أن نضرب الضربة عاجلا، وإن تأنينا وجعلنا ندقق في كل شيء ~~ضيعنا الفرصة. ~~- لا أخالفك كثيرا. وإنما أود أن أنبهك لأمر، وهو أن الضربة التي تضربها يجب أن تهيئ لها ~~الأفكار أولا، حتى يكون تيار عواطف الجمهور معها لا عليها. يجب أولا أن نستوثق من قيمة ~~تقرير عدنان بك؛ لكي نعلم مبلغ أهمية هذه المؤامرة. وهذا يستلزم أن نطلع على الأوراق التي ~~اكتشفوها عند هذه المرأة. وثانيا قبل أن نعلن اكتشاف هذه الدسيسة يجب أن نثير التيار في ~~المجلس الوطني معنا. ثالثا نعلن أمر هذه المؤامرة تقريرا لمشروعنا. وحينئذ مهما عملنا ~~كان عملنا مبررا وكان الجمهور معنا. # فقال مصطفى باشا: وإنما أخاف أن المطل في العمل يفضح التدبير. # فقال عصمت: لا تخف. ألق التبعة علي. أرسل الآن تلغرافا لعدنان واطلب الأوراق كلها ~~حالا مع رسول خاص، ودعه يكتفي بمراقبة المرأة والأمراء. # وبعد مناقشة قليلة بهذا الموضوع على هذا النحو، أذعن الغازي مصطفى لرأي عصمت باشا، وتلفن ~~إلى حاكم ستمبول ms45 بالأوامر التي صاغها عصمت باشا. # ثم قال عصمت باشا: وأنا أتعهد الآن بمفاوضة أنصارنا في المجلس كل على حدة، حتى أخمر ~~فكره. وهكذا أعد أذهانهم للمعركة الفاصلة في المجلس في جلسة واحدة، وثم نأخذ التقرير من ~~المجلس بالتنفيذ وننفذ في الحال. ~~••• # في اليوم التالي كان رجاء الدين أفندي الموظف في السفارة الروسية جالسا في حضرة دولة ~~الغازي يبتسم. فبش له الغازي قائلا: أهلا وسهلا! هل لك مؤامرة ضدنا يا رجاء؟ ~~- معاذ الله يا سيدي الباشا. أنا خادمكم المطيع. وإنما توجدونني أحيانا في مواقف حرجة ~~تعرقل عملي. لقد قبضتم على امرأة روسية فأغضبتم الرفيق سعادة السفير. ~~- هل تعني الدوقة مدموازال دلزل؟ ~~- نعم الدوقة أو المدموازال دلزل. ~~- إذا كانت دوقة روسية حقيقة أسلمها للسفير؛ لأن الدوقات ضد البلشفيك. ~~- ليس هذا شغلك يا باشا، بل هو شغلنا. نحن نعرف أعداء البلشفيك أكثر من غيرنا. فسعادة ~~السفير يرجو منك أن تأمر الآن بإطلاق سراحها حالا. ~~- يالله! ليس هذا في وسعي؛ لأنها وجدت بؤرة مؤامرة ضد الجمهورية. فلا بد من التحقيق معها. ~~إننا في حاجة إلى معلوماتها، فيجب أن تبقى في يدنا حتى نستخرج آخر معلوماتها. # فتجهم رجاء الدين، وقال كأنه ذو سلطان: كلا يا دولة الغازي. يجب أن يطلق سراحها في ~~هذه الساعة لا بعد ساعة. # فقال مصطفى باشا غاضبا: عجبا! هل أنت تملي علي أوامر؟ ~~- كلا، بل موسكو تملي عليك. وما أنا إلا لسان موسكو. ~~- عجبا! أهكذا أوامر سفيرك! ~~- نعم. ~~- لماذا هذا الإصرار؟ ~~- لأنكم لا تستحقون معلومات مفيدة. # فامتعض الغازي وقال: كلمني بأدب. ~~- أجل يا سيدي. بأدب أقول لك: إنك رجل ملحاح عديم الصبر متسرع. تريد أن تصعد إلى العرش ~~بخطوة واحدة، مع أني أقيم لك عرشا عاليا جدا لا يمكن الوصول إليه إلا على درجات متعددة. ~~قلت لك قبلا: إنك تسكب الطبخة قبل أن تنضج. تقطف البرعمة قبل أن تفتح أكمامها عن ~~الزهرة. ~~- يالله! وهل نصبر على المؤامرة حتى تصبح ثورة يتعذر قمعها؟ # فتبرم رجاء الدين أفندي وقال: أوه يوه! ما كنت ms46 أظنكم مغمضي العيون إلى هذا الحد. من قال ~~لك: إنه سيكون في البلاد ثورة؟ أنتم الثورة الأولى والأخيرة. ~~- إذن ما الغرض من المؤامرة؟ ~~- الغرض منها أن تكون حجة بأيديكم على تنفيذ مشروعكم. ~~- ما سمعت بمؤامرات باردة كهذه. ~~- يجب أن تسمع وتعلم أنه يوجد نور بلا لهيب ودخان بلا نار. نعم، هذه مؤامرة باردة كمصباح ~~أدسون تنير سبيلكم من غير أن تحرقكم. ولكنكم أطفأتموها قبل أن تريكم الطريق واضحا. ~~- إنك يا هذا لتذهلني. هل تريد أن تقول لي: إن هذه المؤامرة مدبرة؟ ~~- لم آت لأقول شيئا سوى أن مدموازال دلزل الدوقة الروسية يجب أن تطلق حريتها قبل نهاية ~~هذه الساعة. حسبكم أوراقها. وحسبكم أنها تخرج من ستمبول؛ لكيلا يبقى وجودها سببا للظن أن ~~المؤامرة زائفة. لا تتعجلوا وإلا خسرتم حججا أخرى مدبرة، وقوة أضمن لتدبير مشروعكم وإنجاز ~~وعودكم لنا. # فقال الغازي مرتبكا: ويك يا رجاء! أهذا الكلام ... ~~- نعم هو كلام السفير نفسه. ~~- إذن خسرنا كثيرا بهذا التسرع؟ وما العمل الآن لإصلاح هذا الخطأ. لقد نصح عصمت بالتمهل ~~فحسبت التمهل خطأ. ~~- الأفضل أن يكون عصمت الدماغ وأنت اليد الضاربة. ~~- وهو كذلك. ولكن الآن نود أن نصلح هذه الغلطة يا رجاء. ألا تسمحون ببقاء الدوقة سجينة ~~بضعة أيام لكي نستفيد منها معلوماتها؟ ~~- قلت لكم: إنها لا تقدر أن تفيدكم بمعلومات؛ لأنها لا تملك من المعلومات غير الأوراق ~~التي أخذتموها قبل أن تتم وتنضج. # فتمهل الغازي وقال: تكاد يا هذا تجنني. كيف لا تملك معلومات؟ إذن ماذا كانت تفعل لو ~~أغضينا عنها؟ ~~- كانت تنجز عملها الذي انتدبت إليه. أما الآن فقد خربتم العش ونفرتم العصافير. فاكتفوا ~~بما وصلت إليه أيديكم من المعلومات أو الأوراق ودبروا أشغالكم. إني نافض يدي من مهمتكم. ~~أرجو أن ترسل تلغرافا الآن إلى عدنان بك وتأمره أن يطلق سراح الدوقة في الحال، ونحن نوعز ~~إليها أن ترحل إلى حيث لا يدري إلا علام الغيوب. لقد أعذر من أنذر يا باشا! السلام ~~عليكم. # وهم رجاء أن يخرج، فأمسك الغازي بتلابيبه وقال: ms47 مهلا، إني في حاجة إليك. # ثم نهض الغازي إلى التلفون وخاطب السفير الروسي، فبادره السفير قائلا: افعل ما يقوله لك ~~رجاء أفندي. ~~- حلما يا سعادة السفير. ~~- بل حلما يا باشا ، إني مشغول جدا مع موسكو الآن، والأهم يتقدم عن المهم، ~~عذرا! # ثم رد السفير السماعة. فعاد الغازي إلى مكتبه. وفي الحال أرسل تلغرافا إلى عدنان يوعز ~~إليه أن يطلق سراح الدوقة. ثم اجتمع ثانية برجاء أفندي. # الفصل العاشر # | خيالات ذات قيمة # جاء الوفد الاستمبولي يحمل الوثائق التي يتسجل فيها قضاء الله والقدر على الدولة ~~العثمانية، بل يحمل الفصل الأخير من تاريخ آل عثمان. أو قل: إنه جاء بالقنابل التي تنسف ~~أساس العرش العثماني وتدك والعياذ بالله صرح الخلافة. # رقص فؤاد مصطفى كمال في صدره حين تقدم إليه رجلان أنيقا البزة شامخا الأنفين، معجبان ~~بالهدية التي يقدمانها لرأس الحكومة التركية الجديدة، أو بالأحرى فخورين برأس الحية الذي ~~كان يخشى أن يلدغ قلب الجمهورية. # تناول مصطفى منها طامورا كبيرا من الأوراق والوثائق المختلفة. وقلبها في أول الأمر ~~تقليبا عاما. ثم جعل يقرؤها ورقة وقة، ويفرز الأهم من المهم ويرتبها ترتيبا متناسبا. ~~فكان في مقدمتها ورقة دعوة مطبوعة «بالطيب ريطر»؛ أي مكتوبة بالآلة الكاتبة باللغة ~~الفرنسية، هذا نصها: # سمو الأمير (من غير تعيين شخص) # إن الموقف الحرج بل المقلقل الذي بلغت إليه أسرات الشرف في كل أوروبا والشرق ~~يستلزم أن يعقد مندوبون من هذه الأسرات مؤتمرا عاما، يبحثون فيه بأمورهم ويرسمون ~~خطة لضمانة حياتهم الاجتماعية. ولذلك أتشرف بأن أرجو من سموكم التشريف إلى منزلي ~~للبحث التمهيدي في هذا الموضوع. # أرجو أن تثقوا أن هذه المقابلة سرية الآن وأن تدعوني أثق هذه الثقة أيضا. # الدوقة # مريم رومانوف # ثم الرسالة التالية بالفرنسية أيضا: # حضرة صاحبة السمو الدوقة مريم رومانوف # تشرفت ببطاقتك العطرة. وقد قابلت الأشخاص الذين اتفقنا على مباحثتهم في المسألة، ~~فاستحسنوا الخطة. وإنما هم يتخوفون من سوء المغبة. ولذلك أقترح أن يعقد مؤتمر ~~علني ليس فيه ما يدل على عداء للجمهورية، فيكون تمويها وإظهارا ms48 لحسن القصد. وفي ~~خلال ذلك يعقد مؤتمر خاص سري تبسط فيه المسائل وتتقرر فيه الخطط. # من فريد هذا؟ خطر للغازي أولا أن يكون البرنس فريد. ثم لاح في باله فريد باشا الداماد. ~~ثم قرأ الرسالة التالية بالتركية، وقد أضيفت إليها ترجمتها بالإفرنسية، كأن شخصا آخر ~~ترجمها للدوقة: # سمو الدوقة # إذا زارك اليوم سمو البرنس برهان الدين أفندي، فأرجو ألا تذكري له الحديث الخاص ~~الذي جرى بيننا؛ لأنه سيء الظن، قد يفهمه على غير ظاهره، ولا سيما؛ لأنه يطمع ~~بالخلافة. فأرجو أن ترجئي مباحثته بالموضوع إلى حين أكون معكما فأشرح له قصدي. أرجو ~~ألا تبحثي مع البرنس سيف الدين في الموضوع؛ لأنه متهور وقد يضر ولا ينفع. ثم أرجو ~~أو تستوثقي من نية النبلاء الذين أخبرتنا عن قصدهم، هل يستطيعون أن يبروا بعهودهم ~~وينجزوا وعودهم؟ # ثم هذه الرسالة بالتركية: # سيدتي الدوقة العزيزة # إن القصد الشريف الذي ترمين إليه يجعلنا نتهالك في سبيل رضائك. إن ما رسمته من ~~حيث مفاوضة بعض الأمراء قد تم حسب مرغوبك. فعسى أن نراك بعد حين في صدور مجالسنا ~~مكللة بإكليل العز. # إني أسير لطفك. # عبد الكريم # ثم هذه بالتركية، ولا ترجمة تحتها: # عزيزي عبد المجيد # لقد قضيت أمس نصف ساعة عند الدوقة كانت فيها مثال الغيرة والحماسة. الحق أن ~~مسألتنا سهلة إذا كنا نتحد. ويمكن أن نرد السلطة إلى مركزها باتحادنا من غير عمل ~~ثوري. سلم على الدوقة وأخبرها أني عائد بعد غد. وأود أن أتشرف بزيارة أخرى إذا ~~كانت تسمح. # نظام الدين # ثم هذه بالتركية: # عزيزي نظام الدين # بحثنا مليا. لم نر بدا من الاستنجاد ببعض الضباط المخلصين لنا. يجب أن نكون ~~على استعداد تام للطوارئ وإلا تعرضنا للخطر. وقد دبرنا مشروعا حسنا جدا. ومتى ~~قابلت الدوقة تشرحه لك. إن الدوقة شعلة ذكاء وغيرة ونبل. # عبد المجيد # ثم هذه بالألمانية: # سيدتي الدوقة # أحذرك من عبد الحميد؛ فقد علمت أنه يكلم بعض الأشخاص بعكس خطتنا. أخاف ~~خيانته. # نظيم # من نظيم هذا؟ لم يلح في بال مصطفى ms49 باشا شخص بهذا الاسم. لعله ليس أميرا. هل يمكن أن يكون ~~من ضباط الجيش؟ # ثم هذه بالألمانية أيضا: # سيدتي الدوقة # باحثت بعض الذين تكلمنا عنهم فوجدتهم على استعداد عند أول إشارة. وإنما أرجو ~~الإسراع بالأمر قبل أن تنفضح المسألة. # الزائر أمس # ثم هناك رسائل أخرى من أشخاص أجانب فيها ما يدل على مفاوضات ثورية سابقة مع الدوقة. ثم ~~دفتر مذكرات الدوقة بعضه بالإفرنسية وبعضه بالألمانية، وفيه أقوال مبهمة وأقوال صريحة، ~~وإليك نموذجا منها: # زارني اليوم البرنس صباح. إنه رزين. يعتمد عليه. باحثته في ... فوافق، ولكنه قليل ~~الجرأة. # خطر لي أن أشرك بعض الهوانم في المسألة، فلما زارني الكبير سرا استشرته فما ~~وافق. # آه لو كنت أكسب فؤاد م ... كنت أجعل العرش له. تبا للحب فهو خطر على السياسة، وإن ~~كان أحيانا يخدمها. وإنما أمانة الحب آفته. فليفهم العشاق هذا. # وهناك أوراق أخرى لا طائل تحتها. # ثم تلفن الغازي إلى عصمت أن يحضر حالا. وفي بضع دقائق كان عصمت باشا عند مصطفى باشا، ~~فاستقبله هذا متهللا وأدخله إلى مكتبه، ثم بسط له الوثائق العظيمة الشأن. فجعل عصمت يطلع ~~على الأوراق واحدة واحدة ويتأملها، حتى انتهى منها كلها. فنظر إلى مصطفى باشا باسما، فقال ~~هذا له: ماذا رأيت يا عصمت؟ # فتبرم عصمت. ثم قال: أتصور وأنا أقرأ هذه الأوراق أني أطلع على ألاعيب صبيان المدارس. لا ~~أقدر أن أتصور أن هذه الرسائل يكتبها أمراء، إلا إذا كانوا ممازحين. # فقال مصطفى باشا هازئا: وهل كنت تنتظر أن هؤلاء الأمراء أكبر عقلا من غلمان ~~المدارس؟! ~~- لكني لا أقدر أن أستنتج من هذه الرسائل شكل مشروع أو خطة لثورة. لا أدري ارتباطا ~~تاما بين رسائل الأمراء والدعوة. ~~- يلوح لي أنهم غيروا شكل الموضوع بعد اجتماعهم بالدوقة. فكان المشروع في أول الأمر شكل ~~مؤتمر سلمي وبعد المفاوضة صار شكل مؤامرة. # فتململ عصمت وقال: ما زلت أرى أن هذه المؤامرة مؤامرة أولاد. ~~- عجبا! ألا ترى أنهم يعتمدون فيها على قوات أجنبية؟ لاحظ قول ناظم في رسالته: «أرجو ms50 أن ~~تستوثقي من نية النبلاء الذين أخبرتنا عن قصدهم!» فلا ريب أنه يعني نبلاء أجانب. ثم لاحظ أن ~~بين أوراقها رسائل من أجانب تفيد عن حركات ثورية. ~~- أي نعم، لاحظت كل ذلك. ولكني لم أزل أشعر أنه ليس في هذه الرسائل روح ثورة ولا روح ~~مؤامرة. وأستغرب أن حبر هذه الرسائل المختلف الألوان يشبه كتابة أقلام الرصاص الملونة. لاحظ ~~اللون البنفسجي في رسالة نظيم فما هو معروف إن كان حبرا أو قلم رصاص. ما قولك بهذه الخطوط ~~والإمضاءات؟ هل هي صحيحة؟ # فقال مصطفى: وعندي رسالة من البرنس عبد الكريم كان قد كتبها لي يوصيني بشخص بصفة أنه صديق ~~لي. فقابلتها برسالته فلم أجد فرقا في الخط. ~~- وهل تظن أن جميع الإمضاءات صحيحة قياسا على إمضاء هذه الرسالة؟ ~~- كذا أعتقد. ولا أرى وجها للشبهة في هذه الإمضاءات يا عصمت. ~~- ورأيك الآن؟ ~~- رأيي القبض على هؤلاء الأمراء والتحقيق معهم حتى نثبت تهمة المؤامرة عليهم. ~~- وهبها لم تثبت. ~~- عجبا يا عصمت! هل نعجز عن إثباتها! ~~- لا، لا نعجز عن إثباتها. ولا نعجز عن إعدام الأمراء بلا محاكمة أيضا. # فتبرم مصطفى باشا وقال: لا أعني أننا نستبد ونظلم. ~~- لا تستطيع أن تظلم لئلا تفقد قوة الجمهور، لا تقدر أن تظل قابضا على عنان الشعب إلا ~~ما دمت مقنعا إياه بأنك تقول الحق وتفعل الحق وتؤيد الحق، ولو بالإفك والحيلة. ~~- نعم. نعم. ولهذا إذا ظهر من التحقيق أن الشبهة ضعيفة نثبتها بأي الطرق ونحكم عليهم ~~بالإعدام. ثم نبدل هذا الحكم بالنفي وبذلك نكسب عطف الجمهور. # فتململ عصمت وفكر برهة، ثم قال: وهب أن التحقيق أثبت لك أن هذه الأوراق كلها إفك وزور ~~وبهتان، وثبتت براءة هؤلاء الأمراء ثبوتا تاما. # فتمرمر مصطفى باشا وقال: عجبا! يستحيل أن تثبت براءتهم. أمس رماني بعض صنائعهم بقنبلة لو ~~انفجرت لأطارتني هباء منثورا. لقد ندمت على كتمان خبرها. ~~- يمكنك أن تذيع خبرها بعد أن يعترف ذلك الجاني بأسباب ارتكاب جنايته. ولكن هب أنه ثبت ~~عدم وجود علاقة بينه وبين مؤامرة ms51 الأمراء. ~~- لا بد أن تظهر علاقة كهذه يا باشا. نحن لا نعرف لنا أعداء في الشعب. إن أعداءنا في ~~الأسرة العثمانية وبعض الذين لا يزالون يشدون إزرها من الرجعيين. فأنا واثق أن هذا الجاني ~~متى أفرغ جراب معلوماته رأينا بينها بريق سعايات الأمراء والخليفة عبد المجيد والسلطان وحيد ~~الدين وغيرهما بلا محالة. فلذلك لا يرتاح رأس الجمهورية إلا بقطع رأس الأفعى. فرأيي أن ~~نبادر بالقبض على هؤلاء الأمراء. # فهز عصمت باشا رأسه وقال: أما أنا فلست من هذا الرأي، بل رأيي أن نحقق سرا حتى تتوفر ~~عندنا الأدلة والبراهين، فنظهر هذه الأوراق لتعزيز التهمة. # فتبرم مصطفى باشا وقال: إن هذا التحقيق السري الذي تتصوره يفضح المسألة قبل أن نستفيد ~~منها. فإذا لم نغنم هذه الفرصة الآن لضرب الضربة القاضية. لا تتسنى لنا فرصة أخرى. يجب ~~ألا نضيع الفرصة. ~~- لا بأس لا نضيعها. وإنما نخاف أن تضيعنا؛ ولهذا أود أن نحتاط كل الاحتياط. ~~- كيف نحتاط؟ # فضرب عصمت بيده على المكتب وقال: إذا قبضنا عليهم وجب أن نحاكمهم جهرا. وكيف نستطيع أن ~~نثبت عليهم جهارا تهمة يمكن أن تكون غير صحيحة؟ ولكن إذا حققنا سرا كان عندنا مجال ~~للاحتياط أكثر. إلى الآن لسنا على ثقة أننا نستطيع أن ننفذ مشروعي خلع الخليفة وإلغاء ~~الخلافة من غير خطر، إذ ليس في أيدينا من الحجج ما يبرر هذا العمل الخطير الشأن. فالتحقيق ~~السري يرينا إن كنا نستطيع أن نظهر للعالم ما يبرر عملنا أو لا يبرره. # وطالت المناقشة بين مصطفى وعصمت على هذا النحو، حتى اتفقا على تحقيق سري أو شبه سري ~~يتولاه نور الدين بك من غير جلبة ولا ضوضاء، وأن يتولى عصمت بك عجم أعواد النواب ليعلم قدر ~~استعدادهم للموافقة على إلغاء الخلافة وخلع الخليفة ونفي الأمراء. # الفصل الحادي عشر # | واشرح هواك فكلنا عشاق # نعود إلى السجين الذي رمى القنبلة على فخامة الغازي في أزمير ولم تنفجر. وقد نقل إلى ~~أنقرة ووضع في سجن انفرادي، فضجر وابتأس وتمنى النهاية الفاصلة، فعزت عليه. ms52 وقد عاوده ~~المحققون مرارا فلم يأخذوا منه حقا ولا باطلا. وأحيانا كانوا يهينونه ويتهددونه ~~بالعذاب لكي يقر بما يعلمه عن المؤامرة، فلم يقل شيئا. ثم أعيد إلى سجن أزمير ~~ثانية . # وفي ذات يوم وهو في سجن أزمير أدخلوا إلى غرفته سجينا آخر وهو ينحب ويتضرع ويستغيث ويقول ~~إنه مظلوم بريء. ولكن ليس من يرثى ولا من يرحم. وبقي يندب حظه ويعول ويولول حتى تضايق منه ~~السجين الأول، وسخط به قائلا: ويحك! هل أنت خلو من أخلاق الرجال تولول كالنساء والعيال ~~وتنحب كالأطفال! لقد أزهقت روحي. إني أرى فيك شكل الرجل، أفلا تخجل أن تبكي هكذا؟ # فأجاب السجين الثاني: والله يا صاح ضقت ذرعا. فكل يوم يأخذونني لدى الضابط فيحقق معي ثم ~~يردونني. وبعد أيام قليلة يأخذوني لدى ضابط آخر فيستجوبني فأعيد نفس الكلام فيردونني إلى ~~السجن، وهلم جرا. ولم أعلم إلى الآن متى تكون نهاية هذه الرواية؟ زهقت روحي، ضاق خلقي. ~~حرت كيف أقنعهم أني بري؟ في أيام عبد الحميد ما ذاق الناس مثلما أذوق. ~~- بماذا يتهمونك؟ ~~- والله يا سيدي إلى الآن لا أدري. ~~- إذن بأي حالة قبضوا عليك؟ ~~- كنت في ذات يوم سائرا في الطريق، فإذا بي أرى أوتوموبيل الغازي مسرعا ثم توقف بغتة، ~~وسمعت بعض المارة يقولون: «قنبلة»! فأسرعت هاربا من تلك الناحية، ولكن ما ركضت عشر خطوات ~~حتى كان أحد الناس قد قبض علي وطوق صدري بذراعين كأنهما كلاب من حديد. ثم ساقوني إلى ~~المخفر. ~~- وهل أصيب أحد بأذى من القنبلة؟ ~~- كلا؛ لأن القنبلة لم تنفجر. ~~- إذن أنت متهم برمي القنبلة؟ ~~- كلا البتة. بل قالوا لي: إنهم قبضوا على رامي القنبلة. ~~- إذن لماذا قبضوا عليك؟ ~~- لأني هربت خوفا من القنبلة ومن عواقب المسألة. قلت لهم كذلك فقالوا: بل هربت؛ لأنك ~~شريك رامي القنبلة ولك شركاء. فأقسمت لهم بكل إله ونبي أني لا أعرف رامي القنبلة ولا رأيته. ~~ولكنهم أصروا على أني شريك الجاني وأن لنا شركاء. ~~- قل لهم عن شركائك. ~~- عمن أقول؟ ومن أظلم؟ وأي شخص أساء ms53 إلي حتى أرميه بهذ المصيبة. لا يا سيدي، لا أريد ~~أن أظلم أحدا. ~~- خفف من غمك يا صاح، إن الدنيا مملوءة مصائب ومظالم. ~~- أظن حضرتك مثلي متهم بريء. ~~- بل أنا مجرم وما أنكرت جرمي. أنا رامي القنبلة الذي قبضوا عليه متلبسا ~~بالجريمة. ~~- ويحك! إذن ... بربك قل لهم إنك لا تعرفني ولا علاقة لك بي. هل تقابلنا يا سيدي غير اليوم! ~~بربك خلصني بكلمة أنا مظلوم. ~~- أعدك أني أقول إن كانوا يصدقون. ~~- أحمد الله أني وجدت رفيقا في هذا السجن أستأنس به. لقد قضيت أياما وحدي في سجن آخر ~~فكدت أجن من العزلة. ~~- من أي بلد أنت؟ ~~- من أزمير. ~~- وماذا تشتغل فيها؟ ~~- أستاذ في المدرسة العليا، أدرس الطبيعة والرياضيات. ولي كتاب في كل منهما. ~~- إذن كان يجب أن تكون طويل البال؛ لأن حرفة التعليم تعود المرء على طول البال ~~والصبر. ~~- إني يا سيدي طويل البال، إلا في السجن. # وما انقضى يوم حتى ائتلف السجينان واستأنسا، وشعر السجين الثاني الدخيل أن رفيقه ليس ~~ضعيفا إنما هو ذو عواطف رقيقة يتأثر لأقل شيء. فقد استشف من أحاديثه أنه على ذكاء وعلم ~~وأخلاق. وفي خلال الحديث سأله: إلى الآن لم تشرفني باسم حضرتك أيها الزميل. ~~- هذا ما يريد المستنطق أن يعرفه. ~~- هل حضرتك من أزمير أيضا؟ ~~- وهذا ما يود المستنطق أن يفهمه أيضا. ~~- عجبا! وماذا يصير لو أخبرتني اسمك وبلدك و... ~~- كل هذا يدفع ثمنه المستنطق غاليا. ~~- يا أخي نحن صديقان. ~~- المستنطق أقدم عهدا بصداقتي منك. فقد اجتمع بي إلى الآن عشر مرات. وأما أنت فمنذ أمس ~~فقط. ~~- إذا كان يضرك أن تقول اسمك وبلدك وحرفتك فلا تقل؛ لأن معرفة هذه الأمور لا تزيدني ~~اعتبارا لشخصك. فقد فهمتك ذا نبل. ولعل لك عذرا فيما فعلت. # فبقي السجين الأول ساكتا. ثم قال الثاني: يلوح لي أنك شاعر أو تحب الشعر، لأني أراك تزج ~~في حديثك أشعارا. ~~- لا أنظم الشعر وإنما أحبه. ~~- أظنك عاشقا. ~~- ومن لا يعشق؟ أما عشقت أنت؟ ~~- أنا الآن عاشق. وما صعب علي ms54 إلا أن عشيقتي تندب حظي الآن. آه لا أود الحياة إلا ~~لأجلها! ~~- يلوح لي أنك لم تتلوع في الحب قبل الآن. ~~- كيف يكون التلوع في الحب؟ ~~- اعني أنك لم تقع في حب خليلة كانت تتيه عليك أو أعرضت عنك أو خانتك مثلا؟ # فتنهد الثاني وقال: لا. ~~- إذن لماذا تتنهد؟ ~~- لأني وقعت في حب حبيبة تحول حبي لها إلى بغض. # فقال الأول: أظنها خانتك. ~~- لا أقدر أن أقول: إنها خانت. ~~- إذن لم تكن تحبك. ~~- كلا بل كانت تحبني. ~~- إذن أنت ظالم. وإلا فما علتها؟ # فتنهد الثاني وقال: تغلبت طاعة أبويها على حبها لي. مع أن الحب يجب أن يكون فوق كل ~~سلطان. ~~- صدقت. أظنها تزوجت سواك. # وترقرق الدمع في عيني السجين الثاني، وقال وهو يغص في القول: لا. لا. # فقال الأول: إذن بقيت محافظة على عهدك. ~~- لا أدري. دعني من هذا الحديث. # وشعر السجين الأول أن ضيفه الجديد أصبح شديد التأثر. فأحجم عن تساؤله. وأمهله ريثما ملك ~~روعه وقال: أظنك تعني حبيبة غير حبيبتك الحالية. ~~- نعم. نعم. ~~- يظهر أنك تحب تلك أكثر من هذه. ~~- كنت أحبها حبا شديدا، لم يذق أحد حبا مثله. والآن أكرهها. ~~- عذرا وعفوا. ألعلها عالية المقام جدا حتى حال أبواها بينكما؟ ~~- لك أن تقول: إنها ملكة. ~~- يالله! كل حبيبة لعاشقها ملكة. # لا لا. إنها لفي مقام ملكة. فهل عشقت في حياتك ملكة لكي تدرك قيمة حبي؟ # فتمطى السجين الأول كأن أعصابه تتشنج، ثم قال: إنك يا هذا تثير في شجونا كانت آخذة ~~بالسكون. # فقال الثاني: تعني أنك عشقت ملكة؟ # فقال الأول متململا: أجل، عشقت عشيقة كنت أجهل أنها شبه ملكة. فلما بدأت أكتشف حقيقتها ~~أفلتت من يدي. # كنت كآدم في الجنة. فلما أكلت من شجرة معرفة الخير والشر طردني الله من الفردوس. # فقال الثاني راثيا: الحق أن مصيبتك أعظم من مصيبتي. فماذا فعلت؟ ~~- لا تسل. كدت أجن، بل جننت. آه، إن قصتي قصة يا صاحبي. تؤرخ كتاريخ. # فقال الثاني: يا أخي، لكل إنسان قصص. ~~- لا لا. مثل ms55 قصتي لم يحدث. ~~- وأنا أقول لك قصتي وانظر. # فقال الأول يريد اختصار الحديث: تريد أن تقول لي إنك أحببت بنت ملك أو بنت أمير أو بنت ~~ذات مثلا، وهي لحداثة سنها أظهرت لك الحب ثم لما كبرت شعرت أنها أخطأت فأعرضت؟ # فقال الثاني: لا لا. بل لما شعر أهلها بحبنا زجروها وبقيت تحبني. أليست هذه قصة ~~أليمة؟ # فقال الأول متبجحا: لا لا. هذه حادثة بسيطة تحدث كل يوم. أما حكايتي أنا فلا مثيل لها. ~~فاسمع واعتبر. # فاشرأب عنق الثاني وقال: ها أنا سامع. # فقال أول: كنت في مدينة عظيمة. ~~- في استمبول؟ ~~- لا لا. دع هذا التحقيق. لا أود أن أقول أين. كنت في مدينة عظيمة وتعرفت بمرأة ~~جميلة الصوت وبارعة في فن الموسيقى. وكانت تدرس الغناء والبيانو في المنازل. وقد أعجب ~~معارفها بآدابها ونبالة أخلاقها وسمو مبادئها. وما مضى على تعارفنا برهة حتى وقعنا كلانا ~~فريسة للحب. وأما أنا فشعرت أن حياتي هي حب هذه المرأة. فإذا قتل هذا الحب ضاعت ~~الحياة. # فتبسم السجين الثاني وقال: يا أخي كل حب حقيقي هكذا يكون. # فتمرمر السجين الأول وقال ساخطا: سمعا يا سيدي سمعا. رضيت مني كل شيء، ولبت كل طلب ~~إلا الزواج. فاستغربت أمرها؛ لأن الزواج كان من مصلحتها. وكانت في أصبعي مثل الخاتم في ~~الخنصر. انتقلت بها من بلد إلى بلد ومن حي إلى آخر، ومنعتها من تعليم البيانو، فطاوعتني. ~~وقد رجوتها بكل جوارحي أن نتزوج حتى أضمن بقاءها لي، فذهب كل رجاء كالهباء. ~~- لعلها كانت مرتبطة بسواك. ~~- لو كانت كذلك لما تجاسرت أن تستسلم لي كالنعجة، بل كانت تؤكد لي أنها غير مقيدة مع أحد. ~~في ذات يوم وقع في يدي خطاب وارد لها كان في درج المكتب نسيته خطأ. فكان فضولا مني أن ~~أفتحه وأقرأه، فدهشت؛ إذ هو مبدوء هكذا: حضرة صاحبة السمو الدوقة فلانة الفلانية. # وبعد ذلك خطاب من مرأة كانت خادمة لها، تقول لها إنها تود مقابلتها لأمر. ثم دخلت ورأتني ~~أقرأ الخطاب. فاستاءت جدا؛ لأني ms56 اطلعت على الخطاب. وبالغت بالاعتذار لها. ولكن الاعتذار ~~لم يجد؛ لأن اطلاعي على الخطاب كان كاشفا لسرها، ولم يعد ممكنا إخفاء السر عني. منذ ذلك ~~الحين فهمت لماذا لم تشأ أن تتزوجني؟ أجازت لنفسها أن تعيش كسائر الناس وهي في الظاهر من ~~عامة الناس، وإنما حسبت حساب أن تعرف بعدئذ دوقة أو أن تود أن تعود إلى طبقة الأريستوقراط. ~~فرامت أن تبقى مطلقة الحرية. # وكان السجين الثاني قد سمع منصتا مستغربا، فقال: يا عزيزي عفوا، لقد كنت فضوليا في ~~أن تقرأ خطابا لها وهي ليست زوجتك. # فلطم السجين الأول خديه، وقال: أي نعم، كنت فضوليا، وقد كلفني هذا الفضول كل سعادتي. في ~~اليوم التالي اختفت من الوجود. بحثت عنها فلم أجدها لا في سماء ولا في أرض. ~~- يالله! كيف استطاعت أن تختفي عنك؟ أين الحب؟ أين الدهاء؟ أما استطاع فؤادك أن يطير ~~وراءها حيثما كانت؟ # فتنهد السجين الأول - رامي القنبلة - ملء صدره، وأن وقال: أجل، طار قلبي شعاعا. طفت ~~المدينة العظيمة كلها. ثم انتقلت إلى مدن أخرى. ولكن هل إذا طفت العالم كله باحثا عنها ~~أجدها؟ هذا شبه المستحيل. فوكلت أمري للقدر والقدر خدمني. # فاشرأب السجين الثاني قائلا: وجدتها؟ ~~- حلمك. دخلت ذات يوم إلى ملعب كبير فخم أنيق، بغية أن أسري عن نفسي؛ لأني كدت أذوب ~~غما. وفي الفصل الثاني ظهرت على المسرح امرأة آية في الجمال والأبهة، وجعلت تغني غناء ~~شجيا. فحدثتني نفسي أن تكون هذه المرأة دوقتي. الملامح ملامحها بيد أنها ازدادت أبهة ~~وجمالا. والعينان عيناها بيد أنهما أشد بريقا. والقامة قامتها على أنها أرق خصرا. وما ~~غالطت نفسي قط؛ لأن الصوت صوتها وقد ازداد شجوا. لم يبق عندي ريب في أنها هي. فطار لبي ~~شعاعا وهاج قلبي خفوقا، وخفت أن يستخفني الطيش فأثب إلى المسرح؛ لأني لم أكن بعيدا عنه. ~~ما صدقت أن انتهى الفصل حتى خرجت وقصدت توا إلى جناح الممثلين في الملعب، وطلبت مقابلة ~~«كوكب المسرح» مقدما بطاقتي. فقال حارس الباب: إنها لا تقبل زوارا ms57 هنا بتاتا. فقلت: لا ~~بأس أعطها هذه البطاقة وانظر ماذا تقول؟ # فعاد بالبطاقة وقال: إنها لا تقبل بطاقات. # فقال السجين الثاني: ألا تشعر أنك أخطأت بتقديم بطاقتك لها وهي نافرة منك؟ أما كان يجب أن ~~تباغتها مباغتة في منزلها مثلا؟ ~~- نعم. نعم. كذا كان يجب أن أفعل. وقد ندمت بعدئذ على تسرعي هذا. سألت عن منزلها فأنكر ~~الحارس أنه يعرفه. فصبرت حتى انتهى التمثيل وترصدتها عند باب الجناح الخلفي في أوتوموبيل. ~~فإذا بها خارجة يختصرها شخص، فهمت حينئذ أنه من العظماء؛ لأن الذين كانوا وقوفا هناك ~~أعظموا قدره في التحية. فاعترضت في طريقهما لكي أكلمها، فانتهرني ذلك الرجل العظيم قائلا: ~~«يا لقلة الذوق والأدب!» فخجلت وارتددت وأنا أقول بصوت خافت تسمعه هي: أهكذا تعاملين ~~فلانا يا فلانة؟ ~~- وماذا بدا منها حين رأتك أو سمعت كلامك؟ ~~- تصرفت كأنها تجهلني بتاتا. فذبت غيظا ووجدا. وركبت أتوموبيلا مع ذلك الرجل العظيم. ~~فتبعتهما في أوتوموبيلي وراءهما إلى أن وقف أوتوموبيلهما لدى قصر فخم، فحسبته قصر ذلك ~~العظيم. ولكن لما دخلا فيه ترجلت من أوتوموبيلي وسألت البواب عن صاحب القصر، فقال: هذا قصر ~~الممثلة فلانة. فاستغربت ذلك كل الاستغراب، وقدمت بطاقتي للبواب وطلبت إليه أن يقدمه لها في ~~الحال؛ لأني أود أن أقابلها لأمر ذي شأن. # فعاد البواب بالبطاقة يقول: إنها لا تقابل أحدا قط. فكدت أجن من شدة الغيظ. وعدت أفكر ~~ماذا أفعل لكي أحصل على لقاء بها؟ ففي تلك الليلة كتبت كتابا مسهبا لها أشرح فيه ما ~~قاسيته من العذاب لهجرانها. وبالغت في الاستغفار منها والاعتذار عن فضولي، وفي الاستعطاف ~~والتذلل والترجي والتمني والتوسل، إلى غير ذلك مما يمكن أن يحرك قلب المعشوقة عطفا على ~~العاشق. وفي صباح اليوم التالي أخذت هذه الرسالة وأعطيتها لبواب القصر لكي يقدمها لها. فما ~~لبث أن عاد وردها لي مختومة كما أخذها وقال: إنها رفضت قبولها ولا تريد أن تأتي ثانية. ثم ~~قال البواب من نفسه: أرجو يا هذا ألا تعود ثانية إلى هنا؛ لأني لن أدخل ms58 بطاقتك ولا رسالتك ~~إليها لكيلا أسمع كلاما باردا كما سمعت الآن. # ثم أرسلت الرسالة في البريد مسجلة. وصرت أحضر التمثيل وأنا أتقلى على مثل الجمر. وكلما ~~ظهرت في المسرح وغنت كانت تهيج كل بلابلي. ومتى خرجت أتبعها إلى دراها والبواب يزجرني ~~قائلا: حاذر أن تدنو من هنا. فبقيت أحوم حول ذلك القصر وأنا أستغرب كيف أنها تعيش في قصر ~~عظيم كهذا؟ فمن أين لها المال حتى تدفع أجرته وتفرشه وتنفق هذه النفقات الوافرة؟ هل تكسب ما ~~يوازي هذه النفقة؟ وهل ينفق عليها هذا العظيم الذي يرافقها إلى منزلها؟ بيد أني فهمت أنه ~~ليس غنيا كثيرا. وبقيت بعد ذلك أسبوعين على هذا الحال: أحضر التمثيل في الملعب، ثم ~~أتبعها إلى منزلها، وأحوم حول قصرها حتى يتولاني الكلال والملال، فأعود حزينا وأكتب لها ~~متضرعا فلا تجيب. ثم كتبت لها ذات يوم مهددا أن أفعل كل منكر إذا لم تسمح بمقابلتي. ~~فأوعزت للبواب أن يسمح لي بالدخول، فدخلت إلى مجلسها فإذا عندها رجل. فقالت: إلى متى هذا ~~الجنون؟ ما هذه الخطابات التي ترسلها إلي؟ وما هذه الحكايات التي تلفقها؟ متى عرفتك ومتى ~~التقيت بك؟ # فقلت لها: إن الذين يعرفوننا معا كثيرون يا فلانة، فأستغرب أن تتجاسري على ~~الإنكار. # فسخطت بي قائلة: أين هم الذين يعرفونني ويعرفون أني أعرفك؟ لا أعرف شيئا من هذه الأسماء ~~التي تذكرها والمحلات التي تشير إليها في رسائلك هذه. لعلك تعني امرأة أخرى غيري! # فتململت وقلت لها: لا بأس يا سيدتي، إذا شئت فنرجئ الحساب والعقاب إلى حين آخر. وقصدت ~~بذلك أن يكون اجتماعنا وحدنا وليس معنا غريب. فقالت: بل الآن أود أن أصفي هذا الحساب ~~الثقيل. فإما أنك يا هذا غلطان تعني امرأة أخرى غيري تشبهني، أو أنك مجنون. وأنا غير مسئولة ~~عن عواقب جنونك أو أخطائك. فإن كنت تحرك أقل ساكن بعد الآن فثق أني أقدم كل هذه الرسائل ~~التي أرسلتها لي إلى المدعي العمومي وأقاضيك. إني أحفظها لهذا القصد. تفضل يا سمو الأمير ~~اقرأ رسائل هذا ms59 الأحمق واحكم! # وناولت الرسائل كلها إلى ذلك الضيف لكي يقرأها. فذبت خجلا وكدت أغالط نفسي. # فقال الثاني: لا ريب أنك غلطان؛ لأن الناس يتشابهون كثيرا. فلطالما حدثت مثل هذه الأغلاط ~~بسبب المشابهة. ~~- مستحيل أفندم، مستحيل. غالطت نفسي فلم تقبل المغالطة: المرأة التي عشت معها أكثر من ~~عامين وكانت كل دقيقة من دقائق ملامحها، وكل نبرة من نبرات صوتها، وكل حركة من حركاتها ~~مطبوعة في أعماق ذاكرتي، يستحيل أن أضل عنها. هي هي بعينها، فما أنا سكران ولا مجنون. وإنما ~~هي رامت أن تنكر شخصيتها السابقة بتاتا. # فقال الثاني: يلوح لي أن قلبها تغير عليك. ~~- نعم نعم. وثقت حينئذ أنها لم تعد تحبني ذلك الحب. ~~- لعل نسق المعيشة الجديدة الذي حصلت عليه كان السبب. ~~- نعم، إني لا أستطيع أن أجعلها في مثل ذلك البذخ ولا في مثل ربعه. ولكنها لما فارقتني لم ~~تكن تحلم بمثل هذا البذخ. ولا أعتقد أن الحب تؤثر عليه ... # فقاطعه الثاني قائلا: آ ... يا ... يظهر يا صاحبي أنك قليل الخبرة أو جديد في عشرة النساء. ~~إن البذخ والترف عند المرأة فوق الحب، بل هما غذاء الحب لها. ~~- لا أدري يا أخي لا أدري. آه! لا تقدر أن تتصور ماذا كان تأثير هذا الجفاء الهائل علي. ~~شعرت أنها لم تعد تحبني، وأن الاستعطاف لا يلين قلبها. فصرت أتمنى علاجا ناجعا لشفائي من ~~حبي. فماذا تفعل لو كنت مكاني؟ # فتمايل الثاني في مجلسه قليلا، ثم قال: أنا مكانك أبغضها إلى حد الحقد وأنتقم منها شر ~~نقمة. أقل ما أفعله أني أفرغ رصاصة في صدرها. # فهز الأول رأسه وقال: إذن أنت لست من طائفة العشاق، بل من طائفة محبي النفس القساة. لقد ~~لاح لتلك المرأة أني قد أنتقم منها فأغدر بها فأقامت حراسا لها. فكتبت لها كتابا يلين ~~الحجر لو يحب، وقلت لها فيه: إني أحبك إلى حد أن أضحي بنفسي لأجلك، فإذا علمت يوما أني ~~انتحرت فثقي أني لم أجد علاجا لمرض حبي غير الانتحار. # فقال الثاني: حقا إن ms60 الناس أصناف في الحب. أنا لا أستطيع أن أفعل هكذا مهما عظم حبي ~~واشتد وجدي. إذا عظم الأمر أقتلها وأقتل نفسي على الأثر. # فتنهد الثاني ملء صدره، ثم سكت كمن يأخذ هدنة. # الفصل الثاني عشر # | جنية البحر # ودام السكوت نحو عشر دقائق كأن السجين الأول لم يعد يستطيع الكلام لشدة تأثره. وأما ~~السجين الثاني الذي لا يطيق الصبر على قصة مبتورة فقال: ما فهمنا كيف انتهت المسألة؟ # فتنهد الأول وقال: لا تسل كيف انتهت المسألة، بل كيف ابتدأت؟ جئت أستشفي من حب فوقعت في ~~حب آخر. بل قل: جئت أموت في الحب فولدت ثانية. كأن الحب لا يعتقني من عبوديتي له. # فاعتدل الثاني في مكانه وقال: إن حكايتك لذيذة جدا يا صاحبي. فهات أخبرني ما هو الحب ~~الآخر؟ يظهر أنك موجود في جو مشبع بالحب. ~~- نعم. لقد أصبحت أعتقد أن الأرواح تتقمص مرتقية. فقد انتقلت من عالم حب عادي إلى عالم حب ~~أرقى. فاسمع الحكاية الثانية وادهش واستغرب. ~~- هات. لقد كدت أستلذ السجن معك يا صاحبي. ليتهم يبقوننا معا في سجن واحد. هات قل لي يا ~~أمير العشاق! # فاعتدل الأول وقال: بعد ذلك الخطاب الأخير انتظرت منها كلمة عطف فلم ترد على خطابي. فعدت ~~إلى الملعب وحاولت أن أسترق نظرة منها لي فما استطعت. انتظرت خارج الملعب عسى أن تشير إشارة ~~عطف فخاب المؤمل أيضا. ومضت في أوتوموبيلها مع رجل عظيم فذبت وجدا وعدت إلى منزلي في ~~منتهى اليأس وشعرت أن منزلي لا يسعني. بل شعرت أن العالم كله ضاق بي. خرجت من المنزل الساعة ~~الثانية بعد نصف الليل وأنا أتخيلها إلى جنب ذلك العظيم في الأتوموبيل، فخيل لي أن السماء ~~أطبقت على الأرض. # تمشيت على غير هدى كمن يهرب من لهيب حريقة، فإذا بي أشعر أن اللهيب في بدني. أريد إطفاء ~~هذا اللهيب. ما وجدت نفسي إلا على شاطئ البحر. فخطر لي أن أطلب فرجا من هذا الكرب عند ~~نبتون إله البحر، وأن ألتمس مطفئا لهذا اللهيب في اللجة. ms61 أي نعم، أي نعم. البحر خير مدفن ~~للقلوب الملوعة. لعل عشرة جنيات البحر تلطف هذا الهياج الغرامي! ولعل رقصهن يسلي الفؤاد ~~فيهدئ روعه. أي نعم إلى عشرة جنيات البحر! # ما زلت أتمشى على الشاطئ إلى أن بلغت إلى بعض الصخور حيث المياه عميقة عند الشاطئ، فقلت: ~~لا ريب أن هنا مرتع جنيات البحر. إليك أيتها الجنيات التي كنت معبودة أسيا الصغرى. إليك ~~قربانا على مذبحك. كلي جسده وسري روحه. # وما ترددت في أن ألقيت بنفسي إلى الماء الذي يصادم تلك الصخور. ما أزعجني حينئذ سوى برد ~~الماء إذ كان الفصل فصل برد. على أني ما لبثت أن أحسست بشيء يتخبط أمامي وقد صدمني صدمة ~~خفيفة. فارتددت مذعورا. فما ارتددت حتى رأيت الاختباط قد ازداد أمامي. ثم ظهر شبه رأس من ~~وراء الموجة، فقلت لنفسي مرتعبا: لقد صح ما ظننته خرافة تاريخية. هذه جنية البحر. # عند ذلك حدث الاختباط ثالثة، فإذا بي أرى مثل ملابس تخفق مع الموجة على بدن. الله! ما ~~هذا؟ ظهر القمر قليلا من وراء الغيم، واتضح لي ما رأيت بعض الاتضاح، شبح في الماء، أهذه ~~جنية البحر؟ # لا أدري كيف أني شعرت بدافع يدفعني إلى هذا الشبح المختبط الذي يظهر لحظة ثم يغوص؟ فوثبت ~~إليه. فإذا بي أقبض بكفي على كف. ثم شعرت بكف أخرى تقبض على ذراعي. وإذا بجسم كأجسام البشر ~~قد ارتفع فكدت أغوص تحته. ثم سمعت مثل صرخة خافتة. الله أكبر! أهكذا تكون الجنيات؟! لماذا ~~لا تخطفني إلى قعر اليم؟ # ما عتمت أن انتفضت نفضة حتى أفلت من تينك الكفين وابتعدت. تالله، إن الجنية في ضيق. ~~وثبت وثبة أخرى نحوها وقبضت على ذراعها وقذفت بنفسي قذفة شديدة إلى جهة الصخور. فإذا البدن ~~يرتفع قليلا كأن العمق أقل. ثم جذبت الذراع قليلا ووثبت وثبة أخرى نحو الصخور، وأمسكت ~~بنتوء فيها وجذبت نفسي إليه حتى اقتربت بذلك البدن إليه. ثم تمكنت من الصعود إلى ذلك الصخر ~~وأصعدت ذلك البدن، فإذا هو بدن امرأة. يالله! هل جنيات ms62 البحر كالبشر؟ وهذه الملابس المبتلة، ~~إنها من نسيج البشر. غريب! أصعدت الجنية إلى الصخر تماما وهي واهية القوى لا تكاد تستطيع ~~حراكا. وإنما استغربت أمرا وهو أني رأيت سلسلة تقيد القدمين ومعها قطعة من الحديد مرتبطة ~~بالسلسلة. الله، ما هي جنية! إن هي إلا بشر كريم. # وكان الثاني يسمع مبهوتا، فاختلج وقال: امرأة هي؟ لا ريب أنها مرأة. ~~- نعم، إنها مرأة بنت حواء. وأول ما خطر لي حينئذ أنها أغرقت نفسها عمدا وكان الحديد ~~والسلسة لأجل تثقيلها حتى لا تعوم. والظاهر أنها كانت تنتفض في القعر فتظهر فوق الموج. ثم ~~تغوص. فأسرعت ورفعت ساقيها إلى فوق وأفرغت ما دخل من الماء إلى صدرها، واجتهدت في الحال ~~بإعادة التنفس إليها. # عاد التنفس في الحال. وجعلت أدلك صدرها حتى أرد لها شيئا من الحرارة. فتحركت ثم جلست. ~~فقلت لها: يجب أن نذهب حالا من هنا. # فما أجابت بكلمة قط، وإنما شعرت أنها لا تسطيع النهوض. فما ترددت أن احتملتها على منكبي ~~ومشيت بها وأنا لا أحسب حسابا للعواقب. في وقت قصير جدا وصلت إلى بيتي. ليس عندي أحد في ~~البيت. دخلت إليه بها، وألقيتها على المقعد ونزعت بعض ملابسها، وألقيت عليها لحافا ~~وحراما من الصوف، ثم أوقدت النار، وجئتها بكأس من الكنياك ممزوج بالماء، وكنت أجرعها كل ~~هنيهة جرعة، وأفرك يديها وذراعيها وقدميها، حتى دفئت قليلا وصارت تستطيع أن تتحرك. فجئتها ~~بدثار من الصوف وبقميص من الفلانلا وألقيتهما إلى جنبها، وقلت لها: قومي إني أتركك وحدك ~~هنا ريثما تبدلين ملابسك. فتركتها ودخلت إلى مخدعي وجعلت أبدل ملابسي المبتلة. إلى أن ~~انتهيت. فكلمتها من وراء الباب فلم تجب. ففهمت أنها لا تزال في حالة ونى. فدخلت وكانت ~~الغرفة قد دفئت جيدا، فجرعتها جرعة من الكنياك. وتأملت ذلك الوجه تحت النور فإذا بي أرى ~~ملاكا. إذا قلت لك: إني كنت أرى وجه ملاك فلك أن تتصور ما تشاء من لطف الملائكة وأخلاقها. ~~شعرت أن كل عواطفي الطيبة تجسمت في في تلك الساعة، وكل طبائعي ms63 الشريرة انتفت. أصبحت ~~قديسا بكل معنى الكلمة. ركعت لديها وهي لا تزال في سباتها ولكنها تتنفس تنفسا طبيعيا ~~مطمئنا. جثوت لديها وحدثتني نفسي أن أقبلها، فجزعت من هذه الفكرة وقلت : ويحك يا إنسان، لا ~~تدنس طهارة الملائكة. فارتددت ثم قلت: أقبل يدها! كلا. لا فرق بين اليد والوجه. إذن أقبل ~~رجلها! لا، لا. لا فرق بين الرجل واليد. فبقيت جاثيا أتأمل ذلك البهاء الغريب العجيب. ثم ~~تنهدت وتململت وفتحت عينيها قليلا، وتنهدت ثم جعلت تبكي. # وكان الثاني يسمع مدهوشا وهو يترنح كل هنيهة بعد أخرى في مكانه ويختلج لكل كلمة يسمعها، ~~فقال: ويحك يا هذا! هل أنت مختلق حكاية أو تروي حقيقة؟ # فتمرمر الأول وقال: أبعد كل هذا الذي رويته لك تقول لي إني مختلق حكاية؟ قبحا لك، هل ~~تحسبني مازحا في أقدس أخباري وحوادثي؟ ~~- عفوا وعذرا يا صاحبي. إن ما تقوله غريب جدا، يكاد يتوهمه الإنسان رواية ~~تخيلية. # فاستأنف الأول الكلام وقال: جعلت تبكي بكاء مرا، فقلت لها: ثقي يا سيدتي أنك في مكان ~~أمين وفي منزل حصين، ليس منزلك أكثر تحصنا منه، وأنت فيه صاحبة الأمر والنهي المطلقين. ~~فلا توجسي شرا. # فقالت بصوت خافت: ويلاه. أين أنا الآن؟ # فأجبت: في منزل عبدك هذا. ومنذ هذه الدقيقة أصبح المنزل تحت أمرك وصاحبه خادمك الطائع، ~~والمنزل أمين وليس أحد يعرف أنك هنا سواي. # فتململت وقالت: من جاء بي إلى هنا؟ # فقلت: عبدك الجاثي أمامك. ~~- لماذا جئت بي إلى هنا؟ ~~- لم أعرف أين تريدين أن تذهبي يا سيدتي فكنت آخذك. # فظهر عليها التمرمر وقالت: ولكن لماذا جئت بي؟ لماذا؟ ~~- مولاتي! ماذا كنت تنتظرين مني أن أفعل؟ ~~- أين كنت أنت؟ ~~- أنا كنت هناك أيضا. ~~- ماذا كنت تفعل؟ ~~- الأقدار ساقتني إلى هناك ثم وجدتك تتخبطين في الماء فانتشلتك. # فتأففت وقالت: من قال لك أن تنتشلني؟ ~~- العواطف الإنسانية يا سيدتي. # فقالت متألمة: آه. ويلاه! ما الذي جاء بك في تلك الساعة إلى هناك؟ # فاستغربت أمرها كل الاستغراب، وقلت لها: هل أسأت السلوك؟ ~~- نعم. لقد ms64 تعرضت لما لا يعنيك. # فصحت: ويلي، ويلي! ما خطر لي أني أجني بهذا التعرض عليك يا سيدتي. فسامحيني! ~~- يجب أن تردني إلى حيث وجدتني. # فانتفضت وقلت: ويلاه! أما أنت بشر ؟ ~~- نعم، أنا امرأة من البشر وحرة فيما أفعل، وأريد أن أعيش في قعر البحر. لقد أسأت لي ~~إساءة عظيمة يا هذا. يجب أن تدعني الآن حرة. # وحاولت أن تنهض فخانتها قوتها. فقلت لها: لا تقدرين أن تخرجي الآن. # فقالت ساخطة: شرعت تتعرض لحريتي منذ الآن. ~~- كلا، لا أعارضك يا سيدتي. وإنما تمهلي ريثما تستطيعين الخروج. ~~- أنت تأخذني كما جئت بي. ~~- إني سأفعل يا سيدتي كما تقولين، وإنما أوشك الصبح أن يأتي فقد يصادفنا أحد فيسلمنا ~~للبوليس. # فتململت وقالت: أف. أف! لقد أسأت إلي يا هذا إساءة عظيمة. والآن تقيم العقبات في سبيل ~~عودتي. ~~- أعترف أني أسأت إليك يا سيدتي وقد حدث الذنب. فأمهليني إلى الليلة التالية فأنفذ أمرك ~~هذا حين لا خوف من أن يرانا أحد. # فتململت تململا شديدا وسكتت هنيهة، ثم قالت: ما الذي ذهب بك إلى تلك الصخور في وسط هذا ~~الليل؟ ~~- ذهب بي ما ذهب بك. ~~- ماذا كنت تفعل هناك؟ ~~- كنت أفعل مثلما كنت تفعلين. كنت أختبط مثلك في الماء مقدما نفسي قربانا لآلهة البحر ~~أو جنياته. ثم اشتبهت بأن الشبح الذي يختبط بشر لا جن، فجاهدت حتى رفعتك إلى البر. فوجدت ~~قدميك مثقلتين بحديدة وسلسلة. ففهمت أنهما مثقلان عمدا لكي تغرقي. وبالطبع أول ما لاح لي ~~أن شخصا أو أشخاصا فعلوا كذلك بك عمدا لكي يغرقوك. ~~- يالله! أما رأيت يدي مطلقتين. لو كان ذلك فعل آخرين يريدون أن يجنوا علي جناية لكان ~~أقل ما يفعلونه أنهم يوثقونني جيدا ويثقلون جسمي. # فقلت: إذن أنت تتعمدين إغراق نفسك؟ ~~- طبعا. ~~- هل كان أحد هناك؟ ~~- يستحيل أن يكون أحد غيري هناك؛ لأني قصدت إلى حيث لا يكون أحد. أين السلسة ~~والحديد؟ ~~- ما زالا على الصخور. ~~- إذن دعني أذهب إلى هناك. ~~- قلت لك يا سيدتي السبب في عدم صواب خروجك من ms65 هنا في آخر الليل. فأنت حرة. لا أستطيع أن ~~أعارضك. # فسكتت هنيهة، ثم قالت: إذن رأيك أن أبقى هنا إلى الليلة الآتية، وهل تكتم كل شيء؟! ~~- قلت لك: إني مأمورك الأمين. # وكانت قد انتعشت واستعادت جانبا من قوتها، وصار صوتها أفصح لفظا وجعلت مقلتاها تضطربان ~~في وقبيهما، وبدأ يظهر شيء من اضطرابها وقلقلها. # ثم قالت: إذن قم وامض إلى الصخرة وعد بالسلسلة والحديد. لا أريد أن يعثر عليهما ~~أحد. ~~- حسنا. وإنما أرجو أن تعديني بألا تفارقي هذا المنزل في غيابي. ~~- طبعا، لا أخرج منه. لقد اتفقنا على أن أؤجل رحلتي النهائية إلى البحر إلى منتصف الليلة ~~القادمة. ~~- حسنا. وأنا ذاهب معك الليلة القادمة. ~~- لماذا؟ ~~- لكي أنجز عملي. ويسرني أن أجد رفيقة تقدم نفسها معي قربانا لآلهة البحر. ~~- حسنا. إذن أسرع الآن وعد بالسلسلة والحديدة، وأنا أنتظرك هنا وأكون ضيفتك غدا ~~فقط. ~~- في دقائق معدودة أعود. هنا جنبك قميص صوف ودثار وجوارب، وإن كنت تحتاجين إلى شيء آخر ~~فقد تجدين في الغرفة الأخرى. # وخرجت وأوصدت الباب بالمفتاح وأنا خائف أن تمكر علي وتأتي بنفسها أمرا إدا. فأسرعت ~~إلى الصخرة ثم عدت بالسلسلة والحديدة، وفي نحو 15 دقيقة كنت في البيت ثانية. فإذا هي قد ~~خلعت ملابسها وتدثرت بالدثار الذي تركته لها، وجعلت تجفف ملابسها أمام الموقد. وكانت أمائر ~~الأسى بادية على وجهها كأن غما مخيما فوق صدرها. # وكان السجين الثاني يسمع ويختلج حسب حوادث الحكاية، فقال: أما سألتها: من هي وما اسمها؟ ~~وبنت من؟ ولماذا؟ # فقال الأول متبرما: أو هل تظنها يا غبي تجيب على هذه الأسئلة؟ وما الفائدة من سؤال ليس ~~له إلا جواب واحد وهو «ليس ذلك من شأنك» مثلا. ولذلك كنت أحاورها محاورة في الخطاب حتى ~~أستخرج منها أسرارها باختيارها لا باضطرارها. فقلت لها: أظنك تأخذين الآن كأسا من ~~اللبن. # وناولتها الكأس ثم قدتها بيدها إلى المقعد، وجلست على كرسي لديها وقلت: بعد قليل تأخذين ~~إذا شئت كأسا أخرى مع صفار البيض فيشدد فؤادك. # فقالت: وما حاجة الراحل ms66 إلى جنيات البحر بالطعام البشري؟ ~~- لكي تقويك في الطريق إلى البحر. # ثم تنبهت إلى أمر فسألتني: هل يكون خادمك هنا في النهار؟ ~~- ثقي أني سأدفع له أجرته في الباب وأقول له : إني مسافر ولن أعود. ~~- بل قل له أن يعود غدا. فلماذا تتركه؟ ~~- أما اتفقنا على السفر معا إلى دار جنيات البحر؟ ~~- لا لا. افتكرت أنه لا يليق بي أن ترى جثتي مع جثة شخص آخر، ولا سيما إذ لا علاقة لي ~~بهذا الشخص. ~~- صدقت. لا يليق. إذن أعدك أني أدعهم يرون جثتي في شاطئ آخر بعيد. ~~- ولماذا تفرط بنفسك وما زلت في شرخ شبابك؟ ~~- ولماذا أنت يا سيدتي تفرطين بشبابك وأنت في الدور الملائكي السامي؟ # فتململت وقالت: هذه مسألة أرجو أن تتحاشاها. ثم هل تعرفني من قبل؟ ~~- كلا يا سيدتي. وما زلت لا أعرفك. ~~- حسنا. أود ألا تبحث عن هويتي بتاتا. ~~- لا أبحث. ثقي أني لا أخالف لك أمرا. ~~- في أي حي نحن الآن؟ ~~- في حي كذا. # فقال الثاني على الفور: في أي حي منزلك؟ # فقال الأول: هذا السؤال مثل قولك: ما اسمك ومنزلك وصفتك ... إلخ. # فقال الثاني: عذرا يا سيدي. لقد وقع مني هذا السؤال سهوا بسبب تسلسل الحديث. إن حكايتك ~~يا سيدي مؤثرة، ثم ماذا؟ ~~- فقالت: أخاف أن يعرف بي الجيران. # فقلت لها: لا أعرف أحدا منهم ولا يعرفني أحد. وإذا شئت فننتقل من هنا بعدئذ. ~~- متى بعدئذ؟ في النهار لن أخرج من هنا. وفي الليل إلى الصخور. # فقلت: صدقت. لم يبق من العمر إلا يوم. # فقالت: ولكني مستغربة لماذا تريد أن تغرق نفسك؟ ~~- عندي سبب يوجب الانتحار يا سيدتي. ~~- أينتحر شاب مثلك مستقل حر يستطيع أن يفعل ما يشاء؟ # فقلت متوسما حسن المستقبل: هل أستطيع أن أجبر شخصا على أن يحبني؟ ~~- إذن قصتك قصة حب. ~~- وهل ينتحر الرجل لغير الحب يا سيدتي. ~~- ولماذا تجبر شخصا على حبك؟ ~~- لأني أحبه. ~~- ولماذا تحب من لا يحبك؟ ~~- ليس هذا في اليد يا سيدتي. الحب سلطان لا يقدر أن يعصاه ms67 إنسان. ~~- وهل إذا لم تحبك من تحبها تنتحر لأجلها؟ ~~- لا. لست أنتحر لأجلها بل أنتحر لأني جربت كل علاج لكي أنساها أو أبغضها أو أشفى من حبها ~~فلم أجد علاجا ناجعا غير الانتحار. ~~- إذن ما زلت تحبها حتى الآن. ~~- كلا يا سيدتي. بل بقيت أحبها إلى أن رميت بنفسي في البحر، ثم عدت منه فإذا بي شفيت من ~~حبها. ~~- حسنا. إذن لماذا تزمع أن تغرق نفسك الليلة القادمة في البحر؟ ~~- لأني أصبت بحب آخر أصعب من الحب الأول. # فأغضت نظرها وابتسمت، ثم قالت: هذه مداعبة في الحديث يا صاح. # فقلت لها: أقسم بالله العلي العظيم إني مغرق نفسي في البحر الليلة القادمة إذا كنت أنت ~~ترمين بنفسك فيه. # فقالت: تظلم نفسك بلا سبب. لا أعرفك ولا تعرفني. فلا شأن لك بي. ~~- لست أدعي أن لي بك شأنا يا سيدتي. إن تعرضت لك بأمر كان لك علي حق المجني عليه على ~~الجاني. ~~- إذن لماذا تنتحر إذا أنا انتحرت؟ ~~- ألست حرا يا سيدتي بحياتي؟ # فسكتت برهة. ثم قالت: هل كانت حبيبتك تعلم أنك تنتحر بسببها؟ ~~- نعم. ~~- عجبا. ولماذا لم تحبك؟ ~~- لسبب ليس مني ... دعينا من ذكر الأسباب. أحمد الله أني شفيت من حبها. ~~••• # انقضى الليل وجاء الصباح، وضيفتي انتعشت تماما واهتمت بطعامها اللطيف، وبذلت جهدي في ~~تلطيف ثورتها النفسية ما استطعت إذ كان قلقها عظيما واضطرابها شديدا. حاولت أن أتحقق ما ~~بها فلم أستطع أن أفهم شيئا. تحايلت عليها حتى أعلم من هي فلم تبح بشيء عن شخصيتها. وإنما ~~ظواهرها تدل على أنها ذات نبل وأدب وعلم أيضا. لم يوجد معها شيء يدل على شخصيتها أو ~~منزلتها سوى خاتم في إصبعها ثمين وسوارين نفيسين. ملابسها اعتيادية الزي وإنما هي ثمينة ~~المادة. حيرني أمرها. # فقال الثاني: كم عمرها بالتقريب؟ ~~- شابة وأرجح أنها عذراء. وقد قضت كل النهار وهي تتضجر لطوله. وكانت تسخط كلما لاح في ~~بالها أنها لم تنته من مهمتها أمس. وأخيرا قلت: لماذا تخسرين حياتك يا سيدتي مجانا؟ ومهما ~~كان من ms68 تبذلين حياتك بأجله عظيما فحياتك أثمن. ومهما كان السبب الذي حملك على الانتحار ~~قويا عظيما فيمكنك أن تتحايديه. # فحاولت الابتسام في إبان غمها وقالت: عجبا! لماذا لم تقل لنفسك هذا القول ؟ ~~- أقول لك الحق، لقد كنت على ضلال وقد عدت إلى رشدي الآن. لقد كان الحب قبلا يزين لي أن ~~حياتي قد أصبحت عبئا على نفسي وأني ما دمت حيا فأنا معذب بسبب هذا الحب. أما الآن فصرت ~~أرى أن الحب مهما كان عذابا فهو عذب ومهما كان شقاء فهو سعادة. فلذلك صرت أود أن أعيش ~~لأشقى بالحب. # فتململت وقالت: إن مسألتي تختلف عن مسألتك يا سيدي. إن حياتي أصبحت مرة لخلوها من ~~الحب. ~~- غيري مجرى حياتك وحوليها إلى مجرى الحب وعيشي سعيدة، إذ لا سعادة إلا بالحب. # فانتفضت وجعلت تنتحب وتقول: يستحيل. يستحيل! هل تظنني أعود إلى قومي وناسي وأعيش سعيدة ~~بعد هذه الغيبة الوحيدة التي غبتها عنهم في كل حياتي. آه، لا أدري ماذا هم فاعلون الآن؟ لا ~~ريب أنهم أقاموا الدنيا وأقعدوها بالبحث عني آه، متي ينتهي هذا النهار وأفارق هذه الحياة ~~فلا أعود أشعر ولا أعلم بما يكون بعدي؟ # وهنا شعرت أني قد ملكت ناصية الأمل، فقلت لها: لكل كربة فرج، ولكل أزمة حل يا سيدتي. ~~وأزمتك سهلة الحل جدا. # فنظرت في نظرة المتضرع، كأنها تؤمل أن تجد فرجا لكربها في رأيي، وقالت: كيف؟ # فقلت: إنك يا سيدتي حاولت الانتحار لكي تهربي من مصيبة أو أزمة أو شقاء، وصرت تستصعبين أن ~~تعودي لقومك وأهلك. ~~- نعم، فقد اشتدت أزمتي بعد أن حلت أنت دون انتحاري. ~~- لا أنكر ذلك، وأشعر باشتداد أزمتك. فأنت قد فارقت أهلك خلسة لكي تنتحري، فاعتبري أن ~~الانتحار قد تم وأنك غرقت، ولم تعودي أنت فلانة بنت فلان، بل أنت شخص آخر. أنكري شخصيتك ~~القديمة وانتحلي شخصية جديدة، كما فعلت صديقتي التي حملني جفاؤها على الانتحار. # فأمسكت عنان نفسها وكفت عن البكاء، وقالت كأنها ترعوي: لكن الذين يعرفونني إذا ~~رأوني. ~~- تقدرين أن تعيشي في ms69 جهة لا يعرفك فيها أحد. وتغيرين كل شيء في أزيائك. اجعلي النقاب ~~كثيفا قليلا، شعرك فاتح فأكثري سواده أو اجعليه ذهبيا. على أنك لا تضطرين أن تفعلي ~~شيئا من كل هذا إذا عشت بعيدة عن قومك. # وكانت تسمع الكلام مفكرة كأن الفكرة وجدت في ضميرها اقتناعا. ثم قالت: ولكن أهلي يظلون ~~يبحثون عني؛ لأنهم لا يجدون لي جثة لكي يقتنعوا أني انتحرت. # فقلت: أوهو ... هذه مسألة بسيطة جدا جدا. ندعهم يعثرون عند الصخور على ملابسك وعلى ~~السلسلة والحديد المثقل لبدنك. وإذا وجدوا الملابس ممزقة قالوا أن حوتا أخذ جثتها وأكلها ~~وبقيت بقايا ملابسها. # فقالت على الفور: فكرة حسنة، ولكن ... وتوقفت عن الكلام، فاستأنفت أنا قائلا: إذن في منتصف ~~الليل آخذ ملابسك وأمزقها بعض التمزيق، والسلسلة والحديد وأبعثرها كلها في البحر على بعد من ~~تلك الصخور. من تاريخ الغد تصبحين في يقين ذويك ومعارفك فريسة الجنيات وروحك في الأبدية. ~~وأما أنت كما أراك الآن فتصبحين شخصا جديدا باسم جديد وحياة جديدة. وتعودين إلى ~~الحياة البشرية حرة تفعلين ما تشائين. فقد تجدين السعادة التي تنشدينها. لماذا تموتين ~~مجانا بلا ثمن وليس من يحسب هذه التضحية لك؟ # ففكرت هنية ثم قالت: ويحك يا هذا! إنك تقترح علي مشروعا هائلا يحتاج إلى عصب أقوى من ~~أعصابي، بل إلى قلب أقوى من قلبي. # فبادرتها بالرد حالا قائلا: لا تنسي يا سيدتي أني وضعت نفسي تحت سلطانك بلا مكافأة ولا ~~تمنين. فما يحتاجه مشروعك هذا من الأعمال الرجلية أسر بأن أعمله ولا أقبل أي ثمن له. فلك ~~أن تختاري المنزل الذي تريدينه وأنا أقوم بجميع النفقات. # فصاحت: يستحيل. يستحيل. لا أسكن مع رجل ولا مع أحد قط. ~~- حلمك يا سيدتي. لست أقول: إنك تسكنين معي أو مع غيري. تسكنين وحدك وتنفقين من ~~يدك. # فقالت: شكرا لهذه العواطف، ولكني لا أدري لماذا تفعل هذه المكرمة مجانا؟ ~~- لست أفعلها مجانا يا سيدتي. إن لذتي بمجرد فعلها وحده خير مكافأة لي. # فقال السجين الثاني: لله درك من داهية في ms70 سياسة الحب! # فقال الأول: بالطبع يا صاح. لا أقدر أن أكسب فتاة طاهرة كهذه ما لم أكسب قلبها أولا. ولا ~~أقدر أن أكسب قلبها إلا من طريق التضحية لأجلها. بعد مناقشة طويلة بهذا الموضوع سلمت ~~بتنفيذه كما اقترحته. وفي منتصف الليل كنت في البحر عند الصخور أسبح مبعثرا بعض ملابسها ~~الممزقة هنا وهنالك. ثم عدت بسلام معتقدا أني قد ملكت ذلك الملاك الطاهر. وفي اليوم التالي ~~استأجرت لها منزلا صغيرا في مكان بعيد عن الشبهة، وأخذتها إليه في السهرة، وهي ادعت ~~لمن يراني أتردد إليها أني أخوها. ومنذ ذلك الحين هي صارت شخصا جديدا وأنا صرت شخصا ~~جديدا أيضا. # فقال الثاني، مهتما بالتساؤل: وماذا كان من أمر أهلها؟ أما عرفت؟ أما قرأت في ~~الجرائد؟ ~~- لم أعرف شيئا ولم أقرأ شيئا؛ لأني كنت كل الوقت منهمكا بتدبير أمورها. # فقال الثاني وهو قلق، كأنه يريد أن يعرف النتيجة: وفزت أخيرا بحبها إذن؟ ~~- نعم، شرعت أكسب رضاءها؛ لأنها وطنت النفس على أن تعيش متناسية ذويها ومجددة حياتها، ~~وصارت عشرتها أنيسة أكثر من الأول. # فقال الثاني ملحاحا: إذن ظفرت أخيرا بقلبها، هل أحبتك؟ ~~- صه يا هذا. لما أوشكت أن أنال عطفها ورضاها حدث هذا الحادث المشئوم الذي قذف بي إلى ~~السجن. # فتنهد الثاني وقال متلعثما: إذن لم تساكنها. ~~- لا، بقيت بعيدا عنها أزورها في المواعيد التي عينتها لي في عصارى النهار. وأحيانا كنت ~~أخرج معها مساء لنزهة ثم نعود في أول السهرة، فأودعها عند الباب وداع الأخ للأخت ~~وأعود. # فقال الثاني وصوته يتهدج قليلا: إذن لقد كنت كالأخ الأمين لها. كسبت محبة الأخت منها ليس ~~أكثر. ~~- بل كدت أكسب محبة العشيقة لولا هذه المحنة. بل أقدر أن أقول: إني كسبت محبتها تماما ~~ولكن ... # وهنا أجهش السجين الأول وقال: آه. لا أدري كيف حالها الآن؟ لقد تركتها وليس معها إلا نفقة ~~شهر، وهي ممن يقلقون للمستقبل. ~~- قلت: معها خاتم وسوارين فتستعين بهما. ~~- أظنها لا تجسر أن تبيعهما مخافة أن ينما عن شخصيتها. # فقال الثاني مؤنبا: ms71 أتكون عاشقا ملاكا كريما كهذه ثم ترتكب جناية كهذه؟ ما هذا الطيش؟ ~~إن عاشقا مثلك يجب أن يكون حذورا جدا لا يعرض بنفسه للتهلكة حرصا على راحة ~~عشيقته. # فجعل السجين الأول ينتفض غيظا ولم يتكلم كلمة، بل كان يجهش بالبكاء كالطفل. وبعد هنيهة ~~قال الثاني: أستغرب أنك تفعل هذه الفعلة وأنت عاشق، ثم تصر على إنكار رفاقك، على أن الإقرار ~~يفيدك إذ يعفى عنك ويطلق سراحك. ~~- والله يا سيدي لا رفاق لي ولا أنا مدفوع من أحد. ~~- ولا جمعية فوضوية؟ ولا مؤامرة سرية؟ إذا كان ثمة شيء من ذلك فأخبرني لعلي أستطيع أن ~~أبدي لك رأيا مفيدا تجهله. ~~- والله وتالله وبالله لا مؤامرة ولا جمعية سرية ولا فوضوية ولا أنا من هذه الفئة من ~~الناس. ~~- لعلك تخاف انتقام شركائك. ~~- لا لا. ألا تفهم ما أقوله لك بصراحة أن لا شركاء لي، ولا أخاف انتقاما! وهل أنا في خطر ~~منهم أكثر مني الآن وأنا في قبضة الحكومة؟ قد يمكن أن أفر من وجه نقمتهم إذا خرجت من السجن، ~~وأما من السجن فلا أستطيع الفرار. ~~- والحكومة تحميك من نقمتهم، وأقل ما تفعله أنها تسهل لك طريق الفرار منهم إلى بلاد ~~أمينة. ~~- أنا أعلم ذلك جيدا، ولهذا ما كنت أسكت عن الإقرار لو كان لي شركاء أو كنت عضوا في ~~جمعية فدائية. # فقال الثاني ساخطا: إذن كيف تقدم على ارتكاب هذه الجناية يا حمار وأنت متعهد بواجبات نحو ~~فتاة تحبها وتطمع بحبها وقد غررت بها؟ كان أحرى بك أن تدعها في البحر تغرق من أن تعرضها ~~لفضيحة عتيدة. لا ريب أنك مجنون. لا أفهم لماذا ترمي قنبلة على مصطفى باشا كمال. هل لك من ~~ثأر عليه؟ # فتمرمر الأول وقال: كلا البتة. دعنا من هذا الحديث يا صاح دعنا! ~~- كيف أدعك يا بغل. لا أنت مكلف من قبل جمعية فدائية، ولا أنت شريك مؤتمرين في مؤامرة، ~~ولا لك ثأر على مصطفى باشا، وأنت عاشق ومعشوق وكنت على وشك الحصول على حب حبيبتك. فلماذا ~~إذن ms72 ترتكب الجناية يا جاهل؟ ~~- اسكت يا هذا، اسكت، كل هذا الذي تراه من التناقض سببه الحب. إن سلطان الحب ظالم ~~غشوم. ~~- لا أفهم معنى هذه السخافة. ~~- طبعا لا تفهم. لا تفهم كيف الحب يحكم؟ وكيف العاشق يحب أن يطيع؟ الحب كالنوم ~~المغناطيسي. ~~- أظن حبيبتك غررت بك. فأحرجتك لارتكاب هذه الجناية. لعل لها ثأرا على مصطفى ~~كمال. # فقاطعه الأول مضطربا وقال: لا لا لا. دعنا من هذا الحديث. لقد أخطأت في أن رويت لك قصة ~~كهذه. دعنا من هذا الحديث يا سيدي. # وجعل يثور تغيظا ويهيج تغضبا، فكان تارة ينحب وأخرى يغضب. فسكت الثاني صابرا. وبعد ~~برهة طويلة قال الثاني: خطر لي خاطر يا صاحبي: إذا كنت تؤكد للمحقق أني لست شريكك في ~~الجناية ولا تعرفني ولا أعرفك، فأنا أسعى لمقابلة حبيبتك من قبلك وأخدمها وأقدم لها ~~حاجتها، ونسعى كلانا فى إنقاذك. # فضحك الأول في إبان حزنه وغمه وقال: أما أني أؤكد لهم أنك لست شريكي في الجناية فهذا ~~سأفعله بلا قيد وشرط ولا تمنين؛ لأني إذا أقسمت على ذلك لا أكون كاذبا. وأما أنك تذهب ~~إليها من قبلي فهذا هو الرأي الأخرق الذي يدفعها ثانية إلى البحر. فلا تتعب نفسك يا ~~صاح. ~~••• # بعد حين استدعاهما المستنطق. وكان أول ما فعله السجين الأول أن أقسم أن الثاني ليس شريكه ~~في الجناية. فأطلق المستنطق سراحه. وأعاد الكرة في الاستنطاق على الأول، فعاد إلى خطته ~~الأولى من حيث التكتم عن سبب ارتكابه الجناية. فردوه إلى السجن. # لا بد أن يكون القارئ قد أدرك أن السجين الثاني هو أمل الدين أو رجاء باشا، وكان سجنه ~~حيلة لاستخراج الحقائق من ضمير رامي القنبلة، وأن الفتاة هي نميقة بنت البرنس سناء الدين. ~~وهنا يسائل القارئ نفسه: إن صح أن الفتاة أحرجت هذا الرجل أو غررت به ليقتل الغازي كما ظن ~~رجاء، فما السبب يا ترى؟ سترى. # الفصل الثالث عشر # | حرب سياسية في المجلس الوطني # كان الغازي مصطفى باشا كمال منهمكا شديد الانهماك بمقابلة بعض رجال حزبه، ms73 وغيرهم ممن ~~يأخذون منه التعليمات ويعطونه المعلومات عن أفكار النواب الذين يوافقون على المشروع، والذين ~~يعارضونه، والذين يريدون تعديله، والذين يتقلبون مع الأهواء أو يتذبذبون إلى غير ذلك. وقد ~~أصبح مشروع إلغاء الخلافة وطرد آل عثمان حديث جميع النواب وغيرهم من رجال السياسة في أنقرة ~~وفي أزمير وفي الآستانة، وتضاربت الأقاويل والإشاعات. # في إبان هذا الانهماك جاء رجاء أفندي وقال: لا تعلق يا باشا أهمية البتة على رامي ~~القنبلة، واعتبر الحادثة كأنها لم تكن. ~~- ويحك يا رجاء أفندي. إننا نحسبها من أمهات البينات والبراهين. فكيف تقول هكذا؟ ~~- أقول؛ لأني تأكدت أن الرجل فعل فعلته من تلقاء نفسه، وليس له شركاء ولا هو عضو في جمعية ~~فدائية، ولا شريك في مؤامرة بتاتا. ~~- إذن، ماذا غرضه؟ ~~- مدفوع من جراء حب جنوني لعشيقة! ~~- إذن يجب أن نقبض على العشيقة. ~~- هذا مستحيل؛ لأنه لا يقر عنها. ~~- إذن، هل تعرف شيئا عنها؟ ~~- قد أعرف، سأبحث. وإنما لا تعلق أهمية على التحقيق معها. ~~- لماذا؟ ألا تكون تلك العشيقة متصلة بجمعية سرية أو مؤامرة؟ ~~- لا لا. بل أظن أن لها ثأرا خاصا على الأرجح. سأتحقق كل شيء وأخبرك. وإنما ثق أن حادثة ~~القنبلة مهما حققت فيها فلا تكشف لك مؤامرة. دعها فتستفيد من غموضها أكثر من وضوحها. # فنظر فيه مصطفى باشا كمال مستغربا وقال: إذن كيف نستطيع أن نعزز قضيتنا في المجلس ~~الوطني؟ صرت ميالا إلى العدول عن المشروع؛ لأن حججنا واهية كما تعلم. # فقال رجاء: الذنب ذنبك؛ لأنك متسرع. لقد أنذرتك قبلا فما استفدت من إنذاري. نعم، إن ~~المؤامرة كانت مفتعلة كأنها دور تمثيل فقط، ولكنك لو تركتها حتى تنضج لكان ممكنا أن تصبح ~~حقيقة وتكون وثائقك ذات قيمة. وربما صار بعضها حقيقيا حينئذ. # فتجهم مصطفى باشا كمال وقال: لقد تحرج موقفنا وكدنا نكون مجازفين. أظن أننا سنضطر إلى ~~تلطيف المشروع. # فاعتدل رجاء في مكانه وقال: كيف؟ ~~- نعدل عن إلغاء الخلافة الآن ونكتفي بخلع الخليفة. ~~- ما ظننتك ضعيفا بالسياسة هكذا. أنت الجراح الماهر وستشق البطن على ms74 كل حال لأجل عملية ~~واحدة، فاعمل العمليتين معا بشق واحد، اخلع والغ واطرد أيضا. # ففكر كمال باشا وقلبه يكاد يثب إلى دماغه من شدة إغراقه في التفكير، ثم قال: إذن نلغي ~~الخلافة بلا خلع، فيكون الخلع حادثا من تلقاء نفسه. ونبقي الأمراء في مكانهم ~~مهددين. # فصاح رجاء: بل تطرد الأمراء أولا وإلا بقي الدرن في مكان العملية. ~~- هذا صعب. لا أفعله. ~~- إذن لا أدعك تستفيد شيئا من الوثائق التي في يدك. # فصاح كمال: ويحك! تتهددني؟ ~~- بلا شك. إني اشتغلت لعرشك مجانا، ولا أطمع بأمر سوى طرد الأمراء كلهم، وإلا فإني ~~أسترد خدمتي. ~~- ويلك! كيف تسترد خدمتك؟ ~~- أفضح الدسيسة كلها وأفسد مشروعكم وأحبط آمالكم. # فازداد الباشا تجهما وقال: إذا كنت ترد الدوقة الروسية أو مدموزال دلزل لقبضتي لكي ~~أستعين بشهادتها، أطرد الخليفة والأمراء. ~~- دع الدوقة؛ لأن شهادتها تضرك أكثر مما تنفعك. اعتمد على ما معك من الأوراق والوثائق ~~مهما كانت. لا تتهم الأمراء رسميا حتى لا تضطر إلى القبض عليهم. بل اتهمهم أمام النواب ~~بأسلوب غير رسمي، واجعل التغاضي عنهم شفقة عليهم وسترا لخيانتهم. كذا يتوهم النواب أن ~~الأمراء خونة يستحقون الطرد. اقترح المشروع على المجلس الوطني حالا؛ لأن الأفكار ثائرة ~~الآن ومستعدة للتأثر من فصاحة الخطباء وبلاغتهم. استشهد بحادثة القنبلة ولكن لا تحقق بها. ~~أسرع أسرع. جازف وأقدم ولا تخف، وإلا خسرت العرش يا جلالة الإمبراطور مصطفى! وداعا ~~الآن. # ثم هز رجاء يد الغازي مصطفى وتركه في مثل بحران من شدة التفكير. ~~••• # هنا يجب أن نوجز للقارئ الكريم مجمل الحوادث التي حدثت في أواخر فبراير من ذلك العام سنة ~~1924 استعدادا للعمل العظيم الذي أقدم عليه الكماليون؛ وهو إلغاء الخلافة. # فقد نشرت جريدة «توحيد أفكار» تلغرافا من مراسلها في أنقرة بتاريخ 26 فبراير أن مصطفى ~~باشا كمال دعا إليه الشيخ مصطفى فوزي وزير الشريعة في الساعة الرابعة والنصف بعد ظهر ذلك ~~اليوم. # وجعل الغازي ورئيس الوزارة عصمت باشا يتفاوضان مع الوزير المذكور بشأن إلغاء الخلافة ~~ووزارة الأمور الشرعية؛ بغية توحيد ms75 الإدارة في النظام الجمهوري، وإلغاء المحاكم الشرعية؛ ~~لأجل توحيد القضاء في المحاكم الدينية على حد ما فعلت فرنسا وغيرها من الجمهوريات، وإلغاء ~~المدارس الخاصة بالمشايخ؛ بغية توحيد التعليم الأهلي، وإزالة الأوقاف وجعلها ملكا حرا ~~للأمة تحت تصرف الحكومة. وقد دامت هذ الجلسة الخصوصية ساعة كاملة أفحم فيها وزير ~~الشريعة. # وفي 27 فبراير انعقد المجلس الوطني للمناقشة في ميزانية الحكومة، فأثارت هذه المناقشة ~~نفوس الأعضاء لما فيها من التبذير على أمور لا فائدة منها للأمة، وأطلقت ألسنة كثير من ~~الأعضاء في الإعراب عما تكنه أفئدتهم عن مسألة التخلي عن آل البيت العثماني، وعن مسألة ~~توحيد الإدارة والقضاء والتعليم، إلى غير ذلك مما تختصر به النفقات وتتحسن الإدارة. # ووقف في هذه الجلسة واصف بك نائب مقاطعة صاروحان خطيبا في موضوع الميزانية جملة، واستطرد ~~منه إلى موضوع عزل شئون الدين عن الدولة. فدافع عن البيانات التي صرح بها شكري بك نائب ~~أزمير بشأن الخلافة والقضاء والتعليم وغيرها، وبشأن اختصار نفقاتها. واندفع في موضوع تجديد ~~بناء الدولة وتجريدها من هذه الزوائد التقليدية حتى تستطيع النهوض. ثم استطرق إلى موضوع ~~نفقات العائلة المالكة التي تعد عالة على البلاد ولا نفع منها لها. ثم جنح إلى تهمة الأسرة ~~المالكة بخيانة الجمهورية. # ثم قام بعده خطباء آخرون ضربوا على الوتر نفسه بالنغمة نفسها، وعارضهم معارضون وناقشهم ~~مناقشون. وأخيرا نهض مظهر مفيد بك نائب دنزلي وضرب على نفس الوتر، وختم كلامه بقوله: «أنا ~~أرى أنه لا يكون في الميزانية قرش واحد لآل عثمان. فنحن كنا نحترم هذه العيلة؛ لأنها تنتمي ~~لمنصب ديني، فإذا هذا المنصب وأهله يسيئون إلينا إساءة الكفار.» # فصاح بعض الأحرار: أفصح لا تكتم! # فقال: ماذا أقول لكم أكثر من أنهم خانونا وكادوا ضدنا؟ فليس لهم مكان في تربة الجمهورية ~~التركية المباركة. # فقال فوزي باشا: نود برهانا على هذا الادعاء، وإلا فهو تهجم. # فصاح آخرون: سترى البرهان، سترى. سوف يأتي يوم الدينونة. # وفي يوم 28 فبراير زار أحد محرري جريدة «توحيد أفكار» الرجل الذي يمثل حزب ms76 الكماليين في ~~الآستانة، وهو علي بك العضو في المجلس الوطني الكبير. فسأله عن حقيقة ما عزم عليه الكماليون ~~بشأن الخلافة وسائر الأوضاع الدينية، فقال النائب: «أنتم ترون أن تقويم هاشت المطبوع في ~~باريس عن هذه السنة كتب عن الجمهورية التركية أن لها صفة إسلامية، وهذا يدل على أن أوروبا ~~لا تزال تنظر إلى بلادنا وإدارتنا بهذا النظر؛ لذلك أؤكد لكم أنه قد آن أوان التوحيد في ~~ثلاث مسائل: توحيد الإدارة بإزالة الخلافة ووزارة الأمور الشرعية، وتوحيد القضاء يإزالة ~~المحاكم الشرعية، وتوحيد التعليم بإزالة المدارس الخاصة بالمشايخ.» # وقال شكري قايا آلب بك نائب «منتشا» في المجلس الوطني الكبير لمحرر جريدة «مستقل»: «إن ~~بعض أعضاء المجلس يرون بعد إزالة الخليفة أن تكون الخلافة ممثلة في الشخص المعنوي للمجلس. ~~وأنا ضد هذا الرأي. فإذا كان في العالم من يريدون الخلافة فليأخذوها.» # وفي 28 فبراير أرسل مكاتب «توحيد أفكار» تلغرافا من أنقرة قال فيه: «إن عددا كبيرا من ~~حزب مصطفى كمال باشا وضع تقريرا يتضمن البراهين العلمية والتاريخية على أن الخلافة في ~~الدين الإسلامي والتاريخ الإسلامي إنما هي إمارة وحكومة. من أجل ذلك هم يطلبون إلغاءها ~~بتاتا وهم أقوى حزب في المجلس الوطني الكبير.» # وفي يوم 29 فبراير قال إحسان بك رئيس محمكة الاستقلال بالآستانة لمحرر جريدة «أقشام»: «إن ~~الخلافة لم تنفع المسلمين بشيء في ثلاثة عشر قرنا مضت، وهي أيضا لم تنفع الترك بشيء من ~~أيام السلطان سليم إلى الآن. وإن قوانيننا ومحاكمنا وحقانيتنا لمن لا يكون لها علاقة قط ~~بالأحكام النقلية بعد الآن. ولا يوجد في حزب الشعب - الحزب الذي أسسه مصطفى باشا كمال - ولا ~~رجل واحد يخالف هذه الحقائق.» # بعد ذلك اجتمع مصطفى باشا كمال وعصمت باشا بواصف بك نائب صاروحان، وشكري بك نائب أزمير، ~~ومظهر مفيد بك نائب دنزلي، ومحمد أمين بك الشاعر، ورجب بك نائب كوتاهيه، وغيرهم من ألسنة ~~حزب اللبرال القوية. وهنأهم مصطفى باشا بفوزهم في النضال الخطابي في المجلس الوطني وشكر لهم ~~غيرتهم. ثم سألهم ماذا رأوا ms77 من لهجة الخصوم؟ وماذا شعروا من روح المجلس العمومية بعد هذه ~~المناقشات؟ وهل حان الوقت للاقتراع على المشروع؟ فقالوا كلهم تقريبا: إن المشروع نضج في ~~أذهان المجلس، وهيهات أن يجد معارضة ذات شأن. فقال مصطفى باشا: إني لا أزال أحسب حسابا ~~لمعارضة فوزي ورءوف وغيرهما من زعماء المحافظين. # فقال واصف بك: نناقشهم حتى نخذلهم. # فقال واصف باشا: إنهم يطلبون منا إثبات اتهام الخليفة والأمراء بالخيانة. # فقال شكري بك: حينئذ نظهر أوراقنا ونقبض على الأمراء ونحاكمهم. # فنظر مصطفى باشا إلى عصمت نظرة كأنه يقول: إن شكري بك لا يفهم ما يقول؟ ولا يدري أن حججنا ~~مؤسسة على الرمل. # فتدارك عصمت بك الحديث وقال: إذا دخلنا في تحقيق فلا نعود ننتهي. نحن نود أن نبت في ~~المسألة عاجلا، فإذا لم نستطع التعجيل فشلنا. # فقال مصطفى: ولكن فوزي يهددنا بقوله: إنه في إمكانه أن يظهر إفك سنداتنا وبطلان تهمة ~~الأمراء. فعلى من يستند يا ترى؟ # وقال رجب بك: إن فوزي يناضل بالظاهر عن الخلافة، والحقيقة أنه يناضل عن الخليفة عبد ~~المجيد والأسرة العثمانية. فإذا كنا نعفو عن هؤلاء الأمراء فيمكن أن تخف حدة ~~المعارضة. # فقال مصطفى باشا: إن طرد الخليفة والأمراء هو الفوز الحقيقي. فإذا لم نطردهم نبقى عرضة ~~لمكايدهم ودسائسهم، ونبقى كأننا مقيدون بالخلافة. # فقال عصمت: أي نعم. يجب أن نقلع الشجرة من جذورها، وإلا نبتت ثانية. يجب أن نقيم حجابا ~~منيعا بيننا وبين الماضي، ولا يبقى أمامنا إلا المستقبل. # وتكلم البقية بهذه الروح أيضا، وأخيرا قال مصطفى باشا: إذن ما رأيكم النهائي؟ هل نصوغ ~~المشروع ونطرحه للاقتراع في الجلسة القادمة؟ # فقال الجميع: نعم. يجب بت المسألة في الجلسة التالية. ولا ريب أن الاقتراع ناجح. # وبعد مناقشة قصيرة اتفقوا على صيغة المشروع، وعلى أن يخطب مصطفى باشا خطبة ضافية ثم يطرحه ~~للاقتراع. ~~••• # في أول مارس سنة 1924 انعقدت جلسة المجلس الوطني والأفكار ثائرة؛ لأن الموضوع شغل بال ~~جميع الأعضاء، ولغطوا به في كل مجلس ومجتمع، وأصبح حديث الأندية والمجتمعات، وما من أحد ms78 ~~إلا تكلم فيه وقال قولا. فلما التأمت الجلسة كان كل الأعضاء حاضرين، وكان الناس حول ~~المجلس متجمهرين ينتظرون النتيجة مهما كانت. # ثم وقف الغازي مصطفى باشا. وألقى خطبة رنانة استغرقت نحو ساعة، حام فيها حول موضوعين ~~رئيسيين؛ الأول : أن أعضاء الأسرة المالكة، الذين هم عالة على الأمة، ينقبون تحت أساس ~~الجمهورية لكي يهدموها. والثاني: أن الخلافة كانت عبئا ثقيلا على الدولة، وأن أوروبا ~~محمرة العينين من تركيا بسبب الخلافة التي هي مركز تآلب المسلمين. ولذلك يجدر بتركيا ~~الجديدة أن تطرح هذا العبء عن عاتقها وتلقيه على أمة إسلامية أخرى. وثم يتسنى للأتراك أن ~~يرقوا أنفسهم من غير أن تناهضهم أوروبا. # وما زال يطرق على هذا السندان ويتلقى الاعتراضات من جهة فيصدها بترس أشد منها، والتحبيذات ~~من جهة أخرى فتشد أزره، حتى انتهى بين التصفيق العام والتحبيذ من معظم النواب، وصاح كثيرون: ~~فلتلغ الخلافة من عندنا وليأخذها العرب. # فهاج آخرون وقالوا: هذا إلحاد. فلتحيا الخلافة! # واشتدت الضجة، وحاول مصطفى باشا أن يرد النظام، فهدأت الضجة. وظهر بعدها صوت فوزي باشا ~~واضحا، وقال بصوت عال: إني أتكلم بلسان حزب كبير في هذا المجلس، فأرجو أن يصغى لكلامي ~~حتى لا يحدث في المجلس ما لا يليق. إن هذا الكلام الذي سمعناه من فخامة رئيس الجمهورية لا ~~غبار عليه. إذا كان الذين ملئوا مقام الخلافة لم يحسنوا ملء هذا المقام، ما ذنب الخلافة ~~نفسها حتى نصب عليها جام الغضب؟ وإذا كانت بعض الأمم الإسلامية عقت الخلافة وخرجت عليها، ~~فما ذنب الخلافة؟ وإذا كانت دول أوربا تعادينا لأجل الخلافة بصفة كونها مقاما سياسيا، ~~فقد نزعنا من الخلافة الصبغة السياسية وأبقيناها نظاما دينيا بحتا. فهذا التهجم على ~~الخلافة سببه قصد التهجم على الأمراء؛ آل عثمان. فإذا صح أنهم خونة فليعاقبوا ليس بالطرد ~~بل بالصلب كما اقترح بعضهم. فأنا وإخواني لا نسلم بطرد آل عثمان بلا محاكمة. ~~(أصوات: خونة. خونة. فليهلكوا!) # واستمر فوزي يتكلم فقال: أنا لست من أعداء الجمهورية، وأنتم تعلمون أني من جملة القوات ~~العاملة ms79 في تأسيسها. ~~(صوت من بعيد: أما زرت الخليفة عبد المجيد؟ أما كان يتآمر ضد الجمهورية؟) ~~- زرته وأزوره؛ لأني لا أعلم أنه خائن. فإن كان خائنا كما تقولون يجب أن يحاكم، وأما أن ~~تنقموا على الخلافة بسبب تهمة ضد الأمراء لم تثبتوها بعد فذلك جرم يعاقبكم عليه ~~التاريخ. ~~(صوت: إنهم خونة. خونة. عندنا براهين.) ~~- هاتوا براهينكم، فلعلي أستطيع كشف فسادها. إن هذه الطريقة في التجريم والحكم غير ~~مألوفة. والمجالس النيابية ليست محاكم. # ثم انفضت الجلسة لتناول الطعام، ولما التأم المجلس ثانية حاول المحافظون أن يقنعوا حزب ~~الشعب على أن يقتصروا على خلع الخليفة وإبقاء الخلافة. فلم يرعوا هؤلاء. # ثم بسطوا الاقتراح للاقتراع، فهب فوزي باشا وطلب تأجيل الاقتراع إلى الغد؛ لأن الموضوع ~~خطير يجب أن يتناقش فيه أيضا قبل البت فيه. وقال إن عنده براهين وأقوالا معارضة لآراء ~~وزير الحقانية، وعنده معلومات جديدة. وانتصر له المحافظون في تأجيل الاقتراع إلى اليوم ~~التالي. وساد اللغط، وأخيرا نجح المحافظون بالتأجيل، وقال الأحرار فيما بينهم: لا بأس منه ~~ما دام القرار النهائي معروفا والأكثرية ساحقة. # فتأجل الاقتراع إلى الغد. # الفصل الرابع عشر # | المعركة الفاصلة # في ذلك المساء زار رجاء الدين أفندي مصطفى باشا كمال، فوجده باشا أكثر من قبل، ولكنه لا ~~يخلو من شيء من القلق. فقال له: كيف الحال يا باشا؟ ~~- لم يبق شك في النجاح؛ لأن أكثرية المجلس أصبحت معنا على كل حال. ~~- وهل أنت واثق أنه لا يبدو شيء من غامض علم الله يقلب أفكار المجلس أو يعرقل ~~الاقتراح؟ ~~- الكل مقتنعون بصواب إلغاء الخلافة، وهو الأمر الجوهري. ~~- وهل تسمح ببقاء آل عثمان في البلاد؟ ~~- متى ألغيت الخلافة سهل طردهم. ~~- وهب أن نورا من البينات على براءتهم سطع في جو أنقرة غدا، فهل تستطيع أن تحجب هذا ~~النور بكفيك؟ وإذا لم تستطع أن تحجبه فلا تقدر أن تطردهم. وإذا لم تطردهم بقي ظل الخلافة ~~كالخلافة نفسها يهدد إمبراطوريتك. ~~- ويحك يا رجاء. ألا تدع المزاح؟ وما الذي حملك على هذا التخوف؟ ~~- أما سمعت ms80 فوزي باشا يقول: إن عنده معلومات جديدة؟ ~~- لله درك! تنتبه لكل كلمة. فماذا يمكن أن يكون عنده من المعلومات يا رجاء؟ # وظهر قلق مصطفى باشا بالرغم من مكابرته، فقال له رجاء: لا أدري. وإنما الحكيم من حسب ~~الحساب للصغيرة كالكبيرة. فهو يقول: إن عنده معلومات جديدة، فلماذا لم يقلها في ~~الحال؟ ~~- ماذا تظن في تأجيله قولها إلى الغد؟ ~~- أظنه ينتظر معلومات جديدة غدا؛ ولذلك يجب أن تتحقق إن كان فوزي على اتصال مع بعض ~~الأمراء سرا. ~~- كيف يمكن تحقيق ذلك؟ ~~- يجب أن نبحث في البريد والتلغراف. يجب أن نخترق كل قانون الآن. يجب أن نحجز رسائل فوزي ~~والتلغرافات التي ترد إليه. ~~- صدقت يا رجاء، صدقت. يجب أن أعرف أشياء الليلة. # وفي الحال طلب مصطفى باشا مأموري التلغراف والبريد، وسألهما أسئلة مختلفة وأمرههما أن ~~يأتيا بكل رسالة ترد لفوزي ورفاقه. وبعد ساعة عاد إليه مأمور التلغراف بهذه الرسالة البرقية ~~بلا إمضاء: # فوزي باشا. تصلكم المعلومات اللازمة غدا مع مندوب خاص. # فلما اطلع مصطفى كمال عليها اضطرب، وفي الحال أوعز باستدعاء رجاء الدين أفندي. فلباه هذا ~~كالبرق الخاطف. # فلما جاء قال له مصطفى باشا: هل كنت تعلم شيئا يا رجاء أو أنك نبي؟ اقرأ هذا ~~التلغراف. # فلما اطلع رجاء على التلغراف دهش، وقال: ماذا فهمت من هذا يا باشا؟ ~~- أخاف أن تكون دوقتك خانتك وهي التي أرسلت هذا التلغراف لفوزي، وقد أرسلت له حججا ~~ضدنا؟ ~~- لا لا. دوقتي لا تستطيع أن تحنث بيمينها؛ لأنها تعلم أن وراء الحنث عذابا أليما ولو ~~كانت في زحل. ~~- إذن ما رأيك؟ ~~- لا أدري. وإنما يجب اتخاذ الاحتياطات وإلا فضحتنا معلومات فوزي المنتظرة، وقلبت عرش ~~الإمبراطورية الذي نبنيه. # فانتفض مصطفى باشا وقال: ويحك! كيف ذلك؟ ~~- لقد ارتكبت جرما عظيما بتأجيل الاقتراع، لظنك أن الأكثرية مضمونة لك. ولكن إذا ظهرت ~~المعلومات فلا يبعد أن تنقلب الأفكار والآراء. ~~- ويحك! وما العمل إذن؟ ~~- يجب أن تزودني بكل سلطة وحق في أن أستقبل القطار الحديدي القادم غدا في أي مكان قبل ms81 ~~أن يصل إلى أنقرة؛ لأني أظن أن المعلومات التي ينتظرها فوزي آتية مع رسول في قطار ~~الغد. ~~- هذا أمر سهل. ~~- وأرجو أيضا أن تكون معي سلطة بوليس فوق كل سلطة بوليسية. ~~- لك ذلك أيضا. بعد ساعة. ~~- حسنا جدا . إذن أعدك بالفوز التام. ~~••• # في اليوم التالي انعقدت الجلسة في المجلس الوطني الكبير. وافتتح فوزي باشا المناقشة ~~بإلقاء خطبة، كان يرد فيها على جميع النقط التي ذكرها أعداء الخلافة. وكان المحافظون يصفقون ~~له والأحرار يضحكون تارة ويهزءون أخرى. وأخيرا جعل بعضهم يقولون: لقد اكتفينا من ~~المناقشات، نريد الاقتراع! الاقتراع! الاقتراع! # فصاح فوزي باشا قائلا: قلت لكم أمس: إن عندي معلومات خطيرة الشأن ستصل في هذه الساعة، ~~وستظهر لكم حقائق فتغير كل يقينكم. أفلا تصبرون ساعة! # فصاح بعضهم: لقد صبرنا وكفى. فهمنا معلوماتك. نريد الاقتراع. # وحدث لغط واضطراب في المجلس، فوقف زكي بك نائب كموشخانة، وارتقى على المنبر وقال: «إن ~~الوقت لم يحن بعد لإلغاء الخلافة، وليس هنالك مناسبة بين الثورة الفرنسوية الكبرى والانقلاب ~~الذي نحن أحدثناه. وهنالك أعمال كثيرة اقتصادية وسياسية يجب علينا أن نقوم بها قبل إلغاء ~~الخلافة.» # ولما سمع رجال الأكثرية هذه الأقوال انهالوا على الخطيب بالأقوال الجارحة. وقامت ضجة ~~عظيمة في المجلس، فكان القوم يقاطعون الخطيب ولا يمكنونه من الكلام، وقال له بعضهم: انزل عن ~~المنبر، اسكت! # علي رضا بك ~~: # أنت صديق الداماد فريد باشا. # زكي بك ~~: # وأنت الذي كنت تتجر باحتكار قوت الفقراء أثناء الحرب بقوة الحكومة! # وقال إحسان بك نائب جبل بركت: وأنت كنت جاسوسا! # وازداد الهرج والمرج في المجلس، وجعل الأعضاء يضربون بقبضات أيديهم وبأكفهم على المناضد ~~التي أمامهم. وبصعوبة عظيمة تمكن الرئيس من إعادة السكينة. فاستمر زكي بك في كلامه، ومما ~~قاله: «إن الميثاق الذي أعلنه حزب الشعب وقانون التشكيلات الأساسية الذي قام عليه هذا ~~المجلس لا يجيزان لنا إلغاء الخلافة. فيجب عليكم أن تعودوا إلى التصويت على هذه ~~المسألة.» # عند ذلك حدثت جلبة واشتد اللغط وجعل بعضهم يصيح: الاقتراع! الاقتراع! # فصاح فوزي باشا: لقد ms82 وعدتكم بمعلومات جديدة. # فصاح آخرون: لقد انتهت الساعة ومعلوماتك لم تظهر. # فقال: لم يزل باقيا نحو نصف ساعة من الوقت. أفلأجل نصف ساعة تضيعون حقائق ~~وحقوقا! # وجعل يصيح. فاقترح بعضهم أن تتوقف الجلسة نحو نصف ساعة هدنة. فتوقفت . وسرى بين الجمهور ~~لغط شديد في ماذا عسى أن تكون هذه المعلومات التي ينتظرها فوزي باشا؟ وتضاربت الأقاويل ~~بشأنها، واضطرب الزعماء من الجانبين. وأما فوزي باشا فرؤي يهامس رسلا من قبله فيذهبون إلى ~~المحطة. # انقضت الساعة أو وصل القطار الذي كان ينتظره فوزي باشا. وانعقدت الجلسة ثانية ولم يكن ~~فوزي باشا فيها. وحدث الاقتراع فاقترعوا على إلغاء الخلافة، وتقرر إلغاؤها. كما تقرر طرد ~~جميع آل عثمان من رجال ونساء إلى خارج البلاد في خلال عشرة أيام على الأكثر. أما المنسوبون ~~إلى أمهات من آل عثمان لا إلى الأمراء فلم يعودوا من آل عثمان الذين جردوا أيضا من صفة ~~الوطنية التركية وحرموا من التصرف في أملاكهم الموجودة في تركيا. والذين تركوا الملك منهم ~~تنتقل جميع أملاكهم إلى الخزينة. # وجميع قصور وسرايات وأملاك السلطنة الملغاة، وكل ما فيها من مفروشات ولوحات مصورة وآثار ~~الفنون الجميلة وسائر الأموال، صارت ملكا للأمة. # وقد وافق حزب الشعب في ذلك اليوم بأكثرية عظيمة على جميع ما تقدم من الأمور. # وعقد الحزب جلسة ثالثة، قرر فيها: فصل رئاسة أركان الحرب عن الوزارة، وفصل وزارة الأمور ~~الشرعية عن الحكومة. فاعترض على هذا القرار الأخير كل من الشيخ عبد الله عزمي والشيخ موسى ~~كاظم، فخطب رجب بك نائب كوتاهية مسفها رأيهما ومثبتا أن قرار الحزب في هذه المسألة هو ~~الصواب. وعلى ذلك تقرر إلغاء وزارة الأمور الشرعية والأوقاف أيضا. # الفصل الخامس عشر # | البعث # ترى ماذا جرى للرسول الذي كان قادما إلى أنقرة ومعه المعلومات الخطيرة الشأن التي تبرئ ~~الأمراء من التهم التي بنى عليها الكماليون حججهم في إلغاء الخلافة؟ # تجد بيان ذلك في هذا الفصل العجيب. # القطار القادم إلى أنقرة حاملا ركاب الآستانة يصل الساعة الرابعة بعد الظهر. ففي الصباح ~~ركب ms83 رجاء الدين أوتوموبيلا واتجه به إلى الجهة التي يأتي منها القطار، وانتظر في محطة تبعد ~~عن أنقرة نحو 150 كيلومترا تقريبا. وانتظر هناك إلى أن وصل، فصعد إليه بصفة كونه راكبا ~~كسائر الركاب. ولما سار القطار قام من مكانه يتمشى من مركبة إلى مركبة كمن يبحث عن شخص ~~افتقده أو عن مقعد يقعد عليه، حتى طاف جميع المركبات وشاهد كل الركاب، فلم يشتبه بأحد منهم ~~كرسول لفوزي باشا. وكيف يشتبه؟ وهل لرسول فوزي باشا علامة خاصة حتى يستطيع أن يتحقق أنه ~~هو؟ # وبعد أن قدح زناد فكره طويلا قصد إلى مفتش القطار، وقدم إليه ورقة قائلا: أرجو منك أن ~~تنفذ ما في هذه الورقة. # فنظر المفتش في الورقة مستغربا اقتراح رجل من الركاب لا يعرفه، ورأى أنها من أوراق مصلحة ~~السكة الحديدية، فتناولها وقرأ فيها هذه العبارة: # على أي موظف من موظفي السكة الحديدية متى قدمت إليه هذ الورقة أن يفعل ما يأمره ~~مقدمها مهما كان. وله أن يطلب من مقدمها أن يكتب فيها شكل الطلب الذي طلبه منه. ~~وعلى الموظف أيضا أن يحتفظ بهذه الورقة لحين لزومها. # مدير مصلحة السكة الحديدية # فلما اطلع المفتش على هذه الكتابة، استغرب أمرها كل الاستغراب، وخشي أن يكون مقدمها ~~محتالا أو مزورا. فقال له رجاء بلهجة السيد الآمر: هل فهمتها جيدا، وهل تحققت إمضاء ~~المدير؟ # فجزع المفتش وقال: نعم. ماذا تطلب مني يا بك؟ ~~- لا أطلب إلا ثوبك، أو على الأقل معطفك الذي يدل على وظيفتك، لأني أريد أن أفتش ركاب ~~القطار. فلا تتردد في تنفيذ أمري. وها أنا أكتب لك صيغة أمري على هذه الوثيقة واحفظها معك ~~حجة لك. # وتبادلا في الحال الملابس الكافية والأدوات اللازمة للتفتيش. وجعل رجاء يطوف على الركاب ~~يفتش تذاكرهم، فمن رأى أن تذكرته تدل على أنه قادم من الآستانة كان يسأله همسا: هل جنابك ~~قادم إلى أنقرة لمقابلة شخص خاص؟ # فقد يسأله صاحب التذكرة: «لماذا هذا السؤال؟» أو «أي شخص خاص؟» أو ينظر فيه مستغربا ~~ويقول: «لا». ms84 # فكان رجاء يتوسع في السؤال حسبما يتوسم من ملامح الشخص ومن جوابه. فقد يقول له: أعني هل ~~أنت قادم لمقابلة المشير؟ # فقد يجاوب: «لا» أو «أي مشير؟» # فيجيبه: فوزي أو فوزي باشا. # على هذا النحو كان رجاء يحاول أن يستفهم من القادمين من الآستانة، ومع ذلك لم يستطع أن ~~يهتدي إلى ذلك الرسول، فعزت حيلته. وكاد القطار يصل قبل أن يبلغ هذه الأمنية. فما كان منه ~~إلا أن قصد إلى سائق القطار وقدم له ورقة كتلك التي قدمها للمفتش بعد أن كتب عليها: ~~«أطلب إيقاف القطار حيث هو الآن إلى أن آمر بتسييره.» # وبعد مناقشة قليلة أذعن سائق القطار وأوقف قطاره، فظن الركاب أن سبب توقف القطار عطل بسيط ~~وسيسير بعد قليل. # أما رجاء فرأى أن خير وسيلة لعرقلة معلومات فوزي باشا هي أن يؤخر القطار ريثما يضيق ذرع ~~النواب وينفد صبرهم، فيقترعون غير منتظرين معلومات فوزي باشا. ثم خطر له خاطر آخر فجاءة ~~وقال لنفسه: ألا يمكن أن يكون الرسول في إحدى حجرات الحريم؟ # وفي الحال جعل يطوف على حجرات الحريم واحدة واحدة، إلى أن اشتبه باثنتين مؤتزرتين مقنعتين ~~باليشمق، وثالثة بغير إزار وبقبعة ولكنها مقنعة بقناع قليل الشفافية - فوال كثيف. فلما وقع ~~نظرها عليه رأى في بدنها خلجة ظاهرة. ثم أغضت نظرها مطرقة، وقدمت إليه التذكرة ويدها ترتجف ~~كثيرا، فتناولها منها وأبقاها معه. وفحص تذكرتي السيدتين الأخريين. وخرج حالا وقال للمفتش ~~الآخر: افتح حجرة فارغة واستدع إليها السيدة ذات القبعة والقناع الكثيف التي في هذه الحجرة ~~حالا. وقل لها أن تقابل المفتش الكبير لأجل مسألة تخص تذكرتها. # ثم دخل رجاء إلى الحجرة التي فتحها المفتش وانتظر. وما هي إلا دقيقة حتى دخلت المرأة ذات ~~القبعة ترتجف وتقشعر، وأقفل رجاء الباب وهو يقول: أظن أن حضرة الهانم تريد أن تستوثق أني ~~مفوض من قبل المشير فوزي باشا لاستقبالها. # فلم تجب، فقال: ثقي يا هانم أني مندوب من قبله لمقابلتك قبل أن يصل القطار إلى أنقرة، لكي ~~أقول لك كلاما ms85 عن لسانه. # فلم تجب. بل كانت تزداد اضطرابا، فقال: لا تخافي يا سيدتي. ثقي أني من قبله، وهاك ~~التلغراف الذي ورد إليه مبشرا بقدومك إليه. فهل المعلومات التي معك له شفهية أو ~~مكتوبة؟ # فازدادت انتفاضا وسمعها تقول بصوت خافت : ويحك! ويلي! ويحي! بالله! إلى غير ذلك. فما كان ~~منه إلا أن رفع النقاب الكثيف عن وجهها. فلما وقعت عينه على عينها انتفض جازعا وارتد إلى ~~الوراء قائلا: ويلي! أطيف نميقة أم حقيقتها؟ يالله! لقد تصورتك حية ترزقين حين كان ذلك ~~السجين رامي القنبلة على مصطفى كمال يصف حادثة عودتك من عالم الأموات إلى العالم البشري ~~ثانية، وقد غالطت ظني كثيرا، لأني كنت أقول: إن الملجأ الذي تلجئين إليه في حياتك الثانية ~~هو أنا لا سواي. يالله! أحقيق أن الله ردك إلي؟ # أما هي فما زالت تنتفض من شدة التأثر وهو يجزع لتأثرها. ثم أمسك بيدها قائلا: ويحك! ~~اصدقيني الخبر اليقين. ألي أم لغيري حفظك الله؟ # فلم تستطع الإجابة لشدة تأثرها، فأمهلها هنيهة ثم قال: ويحك يا هذه! لقد التقينا في تقاطع ~~الطرق، فأخبريني هل قدر لنا أن نسير في طريق واحد أو أن نفترق. # فهزت رأسها علامة الإيجاب، فقال: لا أفهم. انطقي. هل كنت لي أولا وثانيا وما زلت ~~لي؟ # فأومأت إيماء مختصرا بالإيجاب. # فقال: إذن. إذا قبلت هذه اليد كنت مقبلا يدا لم يعتد عليها أحد ولا دنستها شفتان ~~أخريان. # فأومأت قائلة بهمس: نعم. نعم. فرفع معصمها إلى شفتيه وهو يقول: إني أعتقد أنك لا تستطيعين ~~أن تخدعيني. # وطبع عليها قبلة لطيفة وقال: ماذا جاء بك إلى هنا؟ وإلى أين؟ # فقالت بصوت خافت: إلى فوزي باشا. # فاستغرب وقال: عجبا! أحقيق؟ # فقالت بصوت يكاد يسمع: أليس أقل تكفير عن ضلالي أن أسعى جهدي لرد القضاء الرهيب عن ~~قومي؟ ~~- يالله! إذن أنت الرسول حامل المعلومات للمشير فوزي باشا؟ ~~- بل أنا المعلومات نفسها. ~~- الله أكبر. إذن ... # ثم رد رجاء نفسه عن الكلام ونهض الباب وفتحه ونادى المفتش قائلا: قل للسائق أن يسير ms86 ~~بالقطار حالا رأسا إلى أنقرة. # فأجاب المفتش: بعد نصف ساعة نصل إلى أنقرة يا مولاي. # فقالت نميقة: ويلاه! أخاف أن يكون الوقت قد فات. ما هو الكلام الذي كلفك المشير فوزي باشا ~~أن تقوله لي؟ ~~- كلفني أن أقول لك أن تطاوعيني وأن تذهبي معي حيث أشاء. ~~- لا لا. بل أريد أن أذهب إليه أولا لئلا يفوت الوقت وتضيع الفرصة ويقرر المجلس قراره ~~الفظيع الهائل ضد الخلافة والخليفة والأمراء. ~~- لا تخافي. إن المجلس أجل الجلسة إلى اليوم لكي يسمع المعلومات التي ينتظرها المشير ~~فوزي باشا من الآستانة. هل أنت قادمة من الآستانة؟ ~~- من ضواحيها. ~~- ماذا يقول الأمراء؟ ~~- وهل تظنني كنت بين الأمراء؟ لقد مت وفنيت من ذلك الجو. أنا الآن امرأة عامية عاملة ~~واسمي تريزا برسكا الروسية. فحاذر أن تذكر اسم نميقة أو أميرة. # فضحك رجاء وقال: وما هي حرفتك؟ # فأجابت: أكون كاتبة إذا وجدت سيدة تستخدمني كاتبة سر لها. ~~- إذن كيف عرفت بالحالة السياسية الحاضرة؟ ~~- عرفتها من الجرائد ومن لغط العامة بها. ~~- أما سمعت شيئا عن الأمراء؟ ~~- سمعت أنهم واقعون في حيص بيص لا يدرون ماذا يفعلون. إن مصطفى كمال باشا لهو رسول إبليس ~~الرجيم. من كان يعرف أن هذا الشرير وأعوانه يجسرون أن يفعلوا ما يفعلونه الآن. يالله! خلع ~~الخليفة وإلغاء الخلافة وطرد الأسرة كلها. ياللفظاعة! ~~- وما هي معلوماتك لفوزي باشا؟ ~~- إن معلوماتي أوراق سأبسطها له حين أقابله وستكون أنت حاضرا. ألا تكون؟ # وكان رجاء يجاوبها وفكره يشتغل بأمور أخرى، فقال: بلا شك. وهل أنت أرسلت هذا ~~التلغراف؟ ~~- نعم، أرسلته بهذه الصيغة للتمويه خوفا من أن يقع في يد سواه: فوددت أن يفهم أن ناقل ~~المعلومات له رجل لا مرأة. # فقال رجاء باسما: حسنا فعلت. وهل تعرفين المشير فوزي باشا شخصيا؟ ~~- لا. ~~- كيف خطر لك أن تقدمي هذه المعلومات له؟ ~~- لأني اطلعت في الجرائد أن المشير فوزي باشا يدافع عن الخليفة والأمراء. وعلمت من ~~الجرائد أن أعداء الأمراء يتهمونهم بالخيانة وأن عندهم وثائق ضدهم. ولما كنت أعلم طبيعة هذه ms87 ~~الوثائق وأصلها وتزويرها وعندي وثائق ضدها كتبت لفوزي باشا تفصيلا بذلك. فكتب لي أن أرسل ~~له الوثائق حالا مع شخص مأمون. ~~- لله درك! وكيف حصلت على هذه الوثائق الهائلة؟ ~~- ستعلم ذلك في حينه. أرجو أن تأخذني توا إلى المشير فوزي باشا. حاذر أن تدعه يفهم أني ~~أميرة أو بنت أمير. لأن صديقتك الجديدة الآن تدعى تريزا برسكا الروسية. # فقال رجاء: أجل الروسية والبلشفية أيضا. ألست بلشفية؟ ~~- معاذ الله! إن هؤلاء البلاشفة سبب مصيبتنا. وهل كنت كل هذا الحين في أنقرة؟ ~~- كنت حيث تدعوني الظروف، تارة في أنقرة وأخرى في أزمير. ~~- ماذا كنت تفعل في أزمير؟ ~~- كنت سجينا مع صديقك الذي رمى القنبلة على مصطفى باشا. ~~- ولماذا سجنك ذلك اللعين مصطفى؟ ~~- لأني كنت حاضرا ساعة رمي القنبلة هناك. وركضت فظنوني شريكا للجاني فقبضوا علي وزجوني ~~في السجن. ~~- لله من شرهم! بالطبع برهنت على براءتك واقتنعوا أنك بريء. ~~- أي نعم. وأما الرجل رامي القنبلة فلم يزل في السجن. وقد روى لي حكاية طويلة غريبة من ~~غير أن يسمي أشخاصا، فهمت منها أنك رميت نفسك في البحر وهو انتشلك. وحاولت كثيرا أن أفهم ~~منه عن مقرك فلم أستطع لأنه كان شديد التكتم. وما زلت الآن مستغربا إقدام ذلك الأهوج على ~~قتل مصطفى باشا. هل ذلك الأحمق كان عضوا في جمعية فوضوية؟ # فابتسمت نميقة أو تريزا وقالت: كلا، وإنما فعل ذلك بناء على إيعازي له. ~~- ويحك! لماذا؟ ~~- لأن الخبيث مصطفى باشا اعتقلك. ألا تذكر أن ذلك كان بعد يومين لالتقائنا في قصرك وأنت ~~باسم رجاء باشا؟ ~~- نعم. ~~- لما علمت أنه اعتقلك أكدت أنه سيقضي عليك بلا محالة. فلما قطعت الأمل من اللقاء بك ~~ثانية، وصار أبواي يحرجانني للزواج بالأمير عثمان، لم أعد أجد فرجا لي إلا في الانتحار. ~~فرميت نفسي في البحر. واتفق أن ذاك المسكين كان يريد أن ينتحر أيضا، فعثر علي وأنقذني ~~وهو يظن أنه يفعل خيرا. فنقمت عليه وغضبت. ولكن ما الفائدة! وما لبث أن أقنعني بأن أغير ~~شخصيتي وأبقى حية. ms88 فاقتنعت برأيه وسميت نفسي تريزا برسكا الروسية. وكان ذلك المسكين يتضرع ~~إلي ملتمسا رضاي وأنا أتمنع. وأخيرا مللت توسله وتضرعه، فاقترحت عليه أن يسعى لاغتيال ~~مصطفى باشا كمال. فإن اغتاله وسلم من العقاب أتزوجه، وإلا كان بخته سيئا. وما ظننت أنه ~~يقبل هذا الشرط. فما تردد في أن برح إلى أزمير وشرع بالاغتيال ولكنه ما نجح. # فقال رجاء متوردا: وهل كنتت تفين بالوعد لو نجح؟ ~~- بالطبع، ولو بالرغم مني، لأن وعد الحر دين، ولا سيما لأني يئست من اللقاء بك بعد أن ~~علمت أنك وقعت في قبضة مصطفى كمال كمتهم بجريمة الجناية العظمى التي لا أمل ببراءتك منها. ~~وكان جل ما أفعله أني أنتقم لك. وخير وسيلة للانتقام أن أحرض الرجل على فعلها. وقد ~~أقدم ولكنه فشل. فهذا بخته وبختي أيضا إذ تخلصت من مضايقته لي. هل هذا يسوءك يا أمل أو يا ~~رجاء؟ ~~- كلا يا نميقة. لقد وفيت حق الحب. ~~- بربك لا تقل: نميقة بعد الآن. قل لي: كيف نجوت من نقمة مصطفى كمال؟ ~~- ستعلمين ذلك في حينه. # عند ذلك وصل القطار إلى أنقرة وهب الركاب للخروج، فأخذ رجاء الدين نميقة وركبا ~~أوتوموبيلا وهي تقول: بربك توا إلى المشير فوزي باشا. أين نجده؟ # ومن غرائب الصدف أن رجاء لمح فوزي باشا حينئذ في زحمة المحطة وعيناه شائحتان هنا وهناك ~~كأنه يبحث عن الرسول القادم بالمعلومات، فقال لها: إن فوزي باشا ينتظرنا الآن في منزله. ~~فإلى منزله. فهناك تبسطين المعلومات أولا وبعد ذلك نعود نحن إلى معلوماتنا الخاصة. # الفصل السادس عشر # | سامع شتيمته بأذنه باسم # في دقائق معدودة كان الأتوموبيل أمام دار مصطفى باشا كمال، فخرجا منه ودخلا بين الحراس، ~~ودخل رجاء مع نميقة إلى غرفة خاصة بسيطة وقال: انتظري هنا يا عزيزتي. سيأتي المشير فوزي ~~باشا لمقابلتك حالا. # وبقيت نميقة وحدها خافقة الفؤاد وهي تجيل نظرها في الغرفة، فلا ترى فيها إلا بعض الأسلحة ~~المعلقة في الجدران كتحف، ومنضدة وبعض كراسي ومقعد. # وبعد نحو عشر دقائق دخل رجاء يصحب ms89 الغازي مصطفى باشا وهو في ثوب جندي برتبة مشير، وقال ~~له: حضرتها الآنسة تريزا بريسكا الروسية يا دولة المشير فوزي باشا. وقد وصلت الآن لكي تقدم ~~لك معلوماتها. # ثم جلس الغازي في مقعده لدى المكتب وتريزا لديه، وقال: إني شاكر اهتمامك أيتها السيدة ~~المحترمة في إعطائنا المعلومات الثمينة، التي يتوقف على إعطائها تقرير المصير. فتكرمي بها ~~الآن. # فقالت تريزا - أو نميقة: إن معلوماتي يا سيدي جاءت عرضا إلي، ولا بد من رواية حكاية ~~اتصالي بها بالاختصار الممكن، لأني أخاف يا دولة المشير أن يفوت وقت الحاجة إليها. ~~- لا تخافي، لقد اتخذنا الاحتياطات اللازمة. # فقالت: إني يا سيدي فتاة روسية من أودسا، ولكن أبوي أقاما في الآستانة، فأصبحت كأني ~~تركية وتعلمت في مدارس الآستانة. ~~- أنعم بك من روسية تركية. ~~- ثم رزئت بوالدي وأصبحت ولا ملاذ لي إلا الله ونفسي. وقد عني أبي بتعليمي فتعلمت بعض ~~اللغات والعلوم جيدا، وكنت أسعى أن أشتغل في تدريس دروس خصوصية. وأخيرا نمى إلي أن في ~~الآستانة دوقة روسية متنكرة وأنها غنية وتحتاج إلى كاتبة أسرار. # فقاطعها المشير قائلا: ما اسمها؟ ~~- قيل يا سيدي: إنها تدعى الدوقة مريم رومانوف، وإنها بنت الغراندوق نقولا أو حفيدته ~~والله أعلم. وإنما كانت تنكر باسم المدموازال دلزل. وكانت تغني في أحد الملاعب لأن ~~صوتها بديع. ولما كنت أنا أعرف اللغة الروسية جيدا قصدت إليها وعرضت نفسي كاتبة سر لها. ~~فقبلتني بكل سرور ولاطفتني جدا. ولكني ما لبثت أن شعرت أن منزلها مزار للكبراء والأمراء ~~ممن يتحببون إليها ويتوددون. فقلت لها: «إني أود أن أكون منفردة في مكتبي ولا أود أن أختلط ~~مع أحد من زوارك يا سمو الدوقة، فإذا كنت تحتاجين إلي في خدمة أو عمل فأرجو أن تشرفي إلى ~~المكتب.» # فقال الغازي: ونعم الشرط! فعسى ألا تكون قد أبته. ~~- كلا، بل كانت مسرورة بشرطي هذا. واغتنمت فرصة مناسبة ذات يوم وقالت لي: إنها تثق ~~بأمانتي واستقامتي، ولهذا لا تتخوف من اطلاعي في بعض الأحيان على أسرارها. وأفهمتني أنه ليس ms90 ~~لها من الأسرار والمساعي ما يخالف الضمير والعدل، وإنما هي تسعى لصيانة مقامات الكبراء التي ~~صار يخشى عليها من تطاول عامة الشعب. فشكرت لها حسن قصدها، وفهمت أنها طريدة البلشفيك، ~~وأنها تسعى لعقد جمعية سرية أو شبه سرية لجمع كلمة الأمراء والكبراء في كل البلاد لاتخاذ كل ~~الوسائل المشروعة لوقاية مقاماتهم. # فقال المشير الغازي: نعم المسعى! وهل عندك بينات ومعلومات عن هذا المسعى؟ ~~- نعم، فقد استكتبتني ذات يوم دعوة عمومية لعديد من الأمراء والكبراء لعقد اجتماع أو ~~مؤتمر عندها. وعندي نسخة منه. # وفتحت تريزا - نميقة - حقيبتها واستخرجت عدة أوراق، وانتقت منها تلك الورقة وقدمتها ~~للمشير الغازي، وكان رجاء إلى جنبه يطلع عليها معه. فإذا هي نسخة نفس الدعوة التي وجدوها ~~بين الأوراق. ثم قال مصطفى باشا: وهل عندك أوراق أخرى؟ ~~- نعم، سأري دولتكم كل شيء. ثم قدمت لي الدوقة ذات يوم ورقا منضدا بكل عناية، وأمرتني ~~أن أكتب عليه أسطرا قليلة مكتوبة على ورقة أخرى، فكتبت. ~~- ماذا كانت الكتابة؟ ~~- لا أتذكرها بالحرف الواحد لأنها غامضة، وإنما يستدل منها أنها رسالة من أحد الأمراء ~~لها. فاستغربت الأمر كل الاستغراب. ثم كلفتني بكتابة أسطر أخرى على ورق آخر منضد، أعني عدة ~~صفحات بعضها فوق بعض، وبينها أوراق أخرى من غير شكلها، ولاحظت أيضا أن هذه الأسطر كرسالة ~~من شخص لآخر. وفي ذات يوم قدمت لي رسالة مكتوبة وقد قطع منها العنوان والإمضاء، وسألتني ~~إن كنت أستطيع أن أكتب خطا مشابها لخط هذه الرسالة. فمارست الكتابة حتى استطعت أن أكتب ~~خطا مشابها لها. وعند ذلك أملت علي كلاما كتبته على أوراق منضدة أيضا. وقد تكرر ~~الأمر واستكتبتني أسطرا مختلفة على أوراق مختلفة، حتى ارتبت فيها وأوجست منها وشغل بالي ~~شغلها هذا. وفي ذات يوم عثرت على مكتبي بنضيد من هذا الورق كأنها نسيته، وعليه كتابة من خط ~~يدي. فقلبت الورقة التي كتبت عليها فإذا تحتها ورقة من ورق الكربون الجيد جدا البنفسجي ~~اللون، فقلبت هذه الورقة فظهرت كتابتي تحتها تماما كأنها مكتوبة بحبر ms91 بنفسجي. والغريب أني ~~رأيت في آخر الكتابة إمضاء أحد الأمراء مع أني لم أكتب إمضاء. فاستغربت كل الاستغراب كيف ~~جاء هذا الإمضاء في آخر الكتابة؟! وبعد تفكير قليل أدركت أن الإمضاء كان مكتوبا من قبل على ~~الورقة المغطاة بورقة الكربون التي كانت تحت الورقة التي كتب عليها، وأن كتابة الإمضاء ~~نفسها كانت بلون الكربون، كأن ذلك الأمير أمضى إمضاءه على ورقة غير تلك التي كانت فوق ~~الكربون. فظهر الإمضاء على الورقة التي تحت الكربون. ولكن لماذا أمضى ذلك الأمير إمضاءه؟ ~~وفي أي حال وكيف؟ هذا هو السر الذي بقي غامضا عندي. # وكان مصطفى باشا يسمع الكلام مستغربا وينظر في رجاء ورجاء يبتسم. ثم قال: وهل بقي هذا ~~السر مكنونا؟ ~~- كلا، بل اكتشفته أخيرا. # فاشرأب الغازي وقال: كيف؟ # فقالت: لما صرت أرتاب بأعمال الدوقة وحركاتها، صرت أحتاط لنفسي؛ بمعنى أني أتجنب ما أمكن ~~أن ألبي أوامرها هذه، وصرت أفتكر في أن أنفصل عنها مخافة أن أقع تحت شبهة. ولكن قبل أن ~~أبت أمرا قالت لي ذات يوم: «أرجو منك أن تأخذي إلى منزلك هذه الحقيبة وتنتظري مني رسالة ~~أنبئك إلى أين توافينني بها، لأني مسافرة اليوم. وبعد يومين أو ثلاثة ترد إليك مني رسالة ~~بتعليماتي. وهذه عشرة جنيهات لأجل النفقات.» فأخذت الحقيبة. وفي اليوم التالي علمت أن ~~الحكومة قبضت عليها وعلى بعض الأشخاص الذين كانوا يزورونها. فدهشت وجزعت وخفت أن تكون ~~الحقيبة التي عندي مشتملة على أذية لي. ففتحتها فإذا فيها أوراق كتلك الأوراق التي كانت ~~تستكتبني عليها. فجعلت أفحص تلك الأوراق، فما لبثت أن فهمت الحيلة الشيطانية. فهمت أن تلك ~~الدوقة كانت تغري أولئك الأمراء الساذجين السليمي النية وتقدم لكل زائر منهم ذلك الورق ~~المنضد، وتلتمس منه أن يكتب أي جملة ويوقع تحتها لتحفظها كتذكار عندها، فكان يكتب هذا ~~مثلا: «الله جميل يحب الجمال» ويوقع اسمه تحته. وذاك يكتب: «العدل أساس الملك» ويوقع اسمه ~~تحته. وكانت تضع تحت الورقة ورقة صغيرة من ورق الكربون الجيد اللون في نفس النقطة التي ms92 يوقع ~~عليها كاتب الجملة، بحيث لا تظهر الجملة على الورقة التي تحت الكربون بل يظهر الإمضاء فقط. ~~ثم كانت تضع تلك الورقة - التي أصبحت ممضاة على بياض - تحت ورقة الكربون وتضع فوق ورقة ~~الكربون ورقة بيضاء وتستكتبني عليها الأسطر التي تريدها. وكانت تعين لي المكان الذي يجب أن ~~أكتب عليه حتى تقع الكتابة فوق الإمضاء لا بعيدة عنه ولا طامسة عليه. # فتمايل مصطفى باشا في مكانه وقال: يا للعجب! يا للدهاء! ولكن ماذا كان غرضها من هذه ~~الأوراق التي تزور فيها رسائل من الأمراء، وهي تزعم أنها تريد جمع الأمراء في جمعية تعمل ~~حرصا على حقوقهم؟ ~~- الحق يا سيدي المشير أني تحيرت بدهاء هذه الماكرة وعملها. فخطر لي أنها ليست دوقة كما ~~تدعي. وقد تكون جاسوسة لذلك الكافر الملحد المتبلشف مصطفى باشا كمال. # فاختلج الغازي ونظر إلى رجاء وهما يتباسمان، فقال رجاء: لو كانت هذ الدوقة جاسوسة الغازي ~~مصطفى باشا لما كان يأمر بالقبض عليها. # فقالت نميقة: وما أدراك أنه أطلق سراحها وكان قبضه عليها تمويها. ألا تظن كذا يا فوزي ~~باشا؟ # فقال مصطفى باشا: لا يهمنا أمرها، وإنما يهمنا أن نطلع على هذه الأوراق الآن. # ففتحت نميقة الحقيبة وجعلت تستخرج تلك الأوراق التي شرحت أمرها. وكانت تشفع كل ورقة بشرح ~~خاص. وأخيرا قالت: ترى يا دولة المشير فوزي باشا أن هذه الأوراق إذا أظهرت بإزاء أوراق ~~كمال وعصمت التي يرومون بها أن يثبتوا تهمة الخيانة على الأمراء أظهرت كالصبح لذي عينين ~~فساد تلك. وأمكنك يا دولة فوزي باشا أن تفقأ حصرمة في عيون مصطفى وعصمت وأنصارهما. # فقهقه مصطفى باشا ورجاء، وقال الأول: أود أن أعلم يا آنسة ما الذي حملك على حفظ هذ ~~الأوراق وتقديمها لنا لكي ندفع بها التهمة عن الأمراء؟ ~~- الضمير والحق يا سيدي. علمت أن الأمراء سيطردون مظلومين مضطهدين بتهمة مزورة. وفي يدي ~~براهين على براءتهم. أفلا أكون لئيمة أو شريرة أو بلا مروءة إذا كنت لا أظهر هذه ~~البراهين؟ ~~- بارك الله غيرتك يا آنسة. بقي ms93 أني أود يا سيدتي أن أعلم: ألست أنت التي أرسلت ذلك ~~التلغراف بلا إمضاء إلى البرنس سناء الدين تحذرينه من زيارة الدوقة؟ # فامتقعت نميقة وحارت ماذا تجيب وبقيت صامتة. فقال مصطفى باشا: إنما أسألك هذا السؤال لأن ~~ذلك التلغراف هو الذي جاء بالنكبة على الأمراء؛ بسبب أنه كان مفتاحا لفتح باب المكيدة. ذلك ~~التلغراف نبه الحكومة لتفتيش بيت الدوقة والعثور على تلك الرسائل التي تثبت الخيانة على ~~الوزراء. # فقالت: ما زلت مستغربة يا سيدي فوزي باشا أن الدوقة لم تضع تلك الرسائل في الحقيبة مع ~~سائر الأوراق التي رامت تهريبها؟! ولهذا اعتقدت أنها كانت تكيد المكيدة للأمراء؛ لكي توقعهم ~~في يد الحكومة، فكانت تشتغل لأجل مصطفى كمال. ولا ريب أن تلك الأموال التي كانت تنفقها ~~بغزارة كانت من خزينة حكومة مصطفى كمال اللص البلشفي. # فامتقع لون مصطفى باشا وهو يسمع شتيمته بأذنيه صامتا، وإنما أخفى امتقاعه بضحكة مصطنعة ~~اشترك بها رجاء، وقال: إذن كانت الرسالة منك للبرنس سناء الدين، وأستغرب أنك خصصته بها دون ~~غيره من الأمراء. ~~- اختصصته بها إكراما لروح بنته التي كانت صديقتي في أيام المدرسة. # فقال الغازي: يظهر أن هذه العشرة الطويلة جعلت خطك كخط بنته نميقة، حتى إن البرنس لما رأى ~~نسخة التلغراف الأصلية صاح: «هذا خط بنتي! إن روح بنتي حاضرة.» أليس هكذا حدث يا رجاء الدين ~~أفندي؟ # فقال رجاء الدين: لم أسمع بهذه الحكاية يا باشا. ربما حدثت حين كنت سجينا. # فضحك الغازي وقال: لا. لعلك لم تسمع بها لأنها لم تنشر في الصحف، وأنت لا تعرف إلا أخبار ~~الصحف. أظن حضرة الآنسة قد جادت بكل ما عندها. # فقالت نميقة: نعم يا سيدي المشير، وأظن هذه المعلومات كافية لتبرئة الأمراء، فحبذا أن ~~ترغم بها أنف مصطفى كمال. # فقال رجاء: إن دولته لعامل اليوم على إرغام الأنوف يا آنسة. ولك الآن أن تقترحي على دولته ~~المكافأة التي ترغبينها. # فقالت نميقة: لا أطلب إلا إنقاذ الأمراء مكافأة وحسبي. # فقال مصطفى باشا: ثقي أن سناء الدين أبا ms94 صديقتك لا يمسه الضر. وفوق هذا لك يد رجاء ~~مكافأة، فهل تكتفين بها؟ ومعها أيضا وظيفة عالية له. فما قولك؟ # فأطرقت نميقة ولم تجب. فقال الغازي: السكوت خير جواب. قم يا رجاء واستدع المأذون لعقد ~~زواجكما، فهو منتظر أمرنا الآن. # وفي بضع دقائق كان المأذون معهم يكتب عقد الزواج والغازي شاهد. فلما طلب المأذون إلى ~~الغازي أن يوقع شهادته على عقد الزواج كتب هذا إمضاءه، وقدم العقد لنميقة لتطلع على ~~الإمضاء. فلما رأت أنه اسم الغازي مصطفى باشا كمال انتفضت وصاحت: ويلي! أهكذا خدعتني يا ~~رجاء؟ ويحك! # ولطمت خديها. أما الغازي فصافحها قائلا: أهنئك بهذا الزوج الداهية الذي لا يصلى له ~~بنار. # فصاحت: ويلي! والأمراء يا باشا؟ ~~- وعدتك بألا يمس أبواك بضر وإني على الوعد. وأما سائر الأمراء فاطلبي حياتهم من ~~رجاء. # وخرج الغازي وبقيت نميقة مع رجاء تصيح وتصخب: ويحك! ما هذا الخداع؟ الأمراء. الأمراء! ~~الخليفة! # فقال لها: اشكري الله أن الغازي منحك سعادة أبويك. أما سائر الأمراء والخليفة فغدا ~~يبرحون الآستانة، ونرتاح من وطأة غطرستهم. قلت لك: إني منتقم. وقد انتقمت. ولولا الغازي ~~لسحقت أبويك أيضا، فهما أعدى أعدائي وبسببهما وجهت نقمتي للأمراء كلهم. فاشكري الله أنهما ~~في حمى الغازي. ~~••• # في ذلك المساء ذهب رجاء بزوجته نميقة إلى دار السفارة الروسية، فاستقبلهما السفير وعيلته ~~بكل ترحاب واحتفلوا بهما وأولموا لهما وليمة فاخرة. وقال السفير: أهنئك يا رجاء بسليلة ~~السلاطين. # فقال رجاء: وأنا أهنئك يا سيدي ببلشفة تركيا. ها قد انضم إلى عقيدتكم عضو جديد، هو الشعب ~~التركي. # فقال السفير: العقبى للشعوب الأخرى، بهمتك يا رجاء. # في تلك الساعة ضرب جرس التلفون، فتناول السفير السماعة. ~~- من؟ ~~- مصطفى باشا كمال. ~~- أهلا يا دولة الغازي. ~~- ها. هل سكتت ثورة نفسكم يا سعادة السفير؟ لقد نفذنا كل برنامح اتفاقنا الشفهي. فهل ~~تريدون بلشفة أقوى من هذه؟ ~~- لا لا. كفى كفى! إني أصافحك يا باشا سلكيا، وموسكو تصافح أنقرة لاسلكيا! ms95