######OpenITI# #META# URI: 1373WadicAbuFadil.MutawaliSalih.Hindawi29392697 #META# Tags: novels :: literature #META# ID: 29392697 #META# Title: المتوالي الصالح #META# AuthorID: 36970358 #META# Author: وديع أبو فاضل #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # مقدمة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # | المتوالي الصالح # | المتوالي الصالح # تأليف # وديع أبو فاضل # | مقدمة # للروايات الأدبية أكبر أثر في الأمة لما تتركه في النفس من عوامل مختلفة؛ فهي تثير ~~الحماسة للخير، وتظهر الباطل بصورة عملية يمجها الذوق وتنبو عنها النفس، وتمثل الفضيلة ~~بأحسن مظاهرها الفتانة؛ فتربي الأخلاق الفاضلة، وتبعد الأميال البشرية عن الوحشية ~~والهمجية والضلال. # ولهذا كان من المترتب على كل من عالج هذا الموضوع من الكتاب ألا ينظر إلى مجرد إيراد ~~قصة تلذ للمطالع؛ بل عليه أولا أن يضع نصب عينيه غاية سامية يمثلها للناس في حياة أفراد ~~محبوبين، فترسخ المبادئ الصحيحة في النفوس المرنة، وتنطبع الأخلاق العالية في أفكار الفتيان ~~والفتيات من تلاوة هذه الروايات، دون أن يكدوا الذهن في درس مبادئ الفلسفة الأدبية أو ~~الاجتماعية، وحفظ القواعد المملة التي أصبح كثير منها بعيدا عن المألوف. # ولما كان من أهم أمراضنا الاجتماعية التفرق أو التحزب الديني أو الجنسي، رأيت أن أعالج ~~هذا الموضوع بمباحث طلية جعلتها في قالب رواية عصرية، أرجو أن تجيء وافية بالغاية التي ~~وضعت لأجلها؛ وهي زرع مبادئ الوطنية الحقيقية في النفوس، والله الهادي إلى سبيل الخير ~~والإسعاد. # | الفصل الأول # تمهيد # السكون مخيم على أعالي لبنان، والناس راقدون ساكنون غير حاسبين لغدر الليالي حسابا، ~~وإذا بصوت استغاثة سمع كأنه صادر من أعالي الجبل، تلته طلقات نارية، ثم عاد السكون ~~فشمل كل ما حول تلك البقاع. # هب نفر من شبان قرية مسيحية صغيرة مجاورة لتلك البقعة، وهم يحملون بنادقهم - ~~وساروا نحو مصدر الصوت - فإذا بهم يسمعون أنين مجروح ووقع أقدام خيل من بعيد. # دنوا إلى حيث وجدوا «ناطور» القرية؛ أي خفير كرومها ملقى على الأرض يتخبط بدمائه، ~~فلما شاهد أبناء بلدته، قال: «قتلني المتاولة.» ولفظ النفس الأخير. # ثارت النخوة في رءوس البعض فعمدوا إلى أخذ الثأر في تلك الساعة، ولكن كان بين ~~الحاضرين فتى شجاع ms01 باسل عرف بشدة بأسه ومراسه، فلم يكن أحد يتهمه بالجبن، إلا أنه ~~كان عاقلا أريبا، فنظر إلى أصحابه، وقال: مهلا! ليس هذا وقت أخذ الثأر، بل الآن وقت ~~دفن الميت وبعدئذ نبحث عن الغريم؛ إذ لا يصح أن يذهب البريء بجريرة المذنب، فقد يكون ~~للقاتل أو القتلة سبب حملهم على ارتكاب هذه الجريمة الشنعاء. # كان هذا يجري في تلك القرية الصغيرة، بينما كان نفر من شبان قرية متوالية صغيرة ~~عائدين إلى قريتهم، وفي مقدمتهم زعيمهم سلمان أحمد، فأبصر بهم الشيخ صالح كبير أهل قرية ~~العمروسة المجاورة لقريتهم، ودنا منهم وقد رابه أمرهم وأدرك غايتهم، فقال: لا حول ولا ~~قوة إلا بالله! تبا لك يا سلمان أحمد، لقد حملتنا وزرا ووصمتنا بوصمة العار، حتى ~~أصبحنا مضغة في الأفواه، وأقمت البلاد وأقعدتها وعطلت الأعمال، وأوقفت المزارعين عن ~~حصادهم وزدت العداء بيننا وبين من يجاورنا من المسيحيين استحكاما، وكنت يا هذا السبب ~~في جر الكثيرين مكبلين بالحديد إلى غيابات السجون، وبعضهم أبرياء لا ذنب لهم إلا ~~أنهم أبناء بلدتك أو أقرباؤك، أو يدينون بدينك، فبئست القرابة إذا كان ما يجنيه الإنسان ~~منها مثلما جنى أهلك منك، وهل تحسب أن الدين يأمر بمثل ما فعلت؟ حاشا للدين أن يكون ~~كما تفعلون وإلا كان الكفر خيرا منه بكثير. # هذا ما قاله الشيخ صالح كبير قرية العمروسة من قرى البقاع الغربي، حينما رأى سلمان ~~أحمد شيخ قرية مجاورة على رأس عصابة من الرجال الأشداء، وقد عاد من لبنان بعدما أوقع ~~الرعب في قلوب المسيحيين، ونكل بكل من تعرض له في الطريق. # كان سلمان أحمد رجلا شديد المراس شريرا فاسقا عرف ببطشه ودهائه، فاتخذه بعض ~~الحكام الأشرار آلة في أيديهم، وهكذا كان هو يستفيد من هؤلاء الحكام الأشرار ~~فيتخذهم معوانا للشر ولابتزاز الأموال وللربح الحرام. # والذي زاد تحرج الحالة أن جماعة من أعيان المتاولة أسسوا جمعية في بعلبك؛ لنصرة ~~أبناء دينهم ورفع شأنهم، فتحول بعض فروعها تباعا إلى نوادي عصابات تعمل للفتك بأعداء ~~الطائفة، وتهديد الآمنين من ms02 أبنائها إذا لم يكونوا من مؤيدي العصابات. فبدلا من أن ~~تعمل الجمعية على لم شعث الطائفة، وإنشاء المدارس والمكاتب لتنوير العقول وتهذيب ~~الشبان، وإقامة الحفلات الأدبية وما أشبه مما كان ينوي القائمون بأمرها أن يفعلوا ~~لرفع مستوى الأخلاق وإعلاء شأن الأمة، أصبحت الجمعية في يد فتيان لا يقيمون للأمور ~~وزنا، ولا يعرفون كيف تعمر البلدان وتصلح الأديان النفوس، فاندس بين أفراد الجمعية ~~السفحة والمجرمون وأفسدوا على المصلحين خطتهم، وضاع ما كانوا يأملون. # ولسوء الحظ أن سلمان أحمد رئيس فرع الجمعية في قريته المجاورة لقرية العمروسة، ~~جعل من الجمعية سلما يرتقي بواسطته إلى أغراضه السافلة. # سار سلمان أحمد في طريقه، وإذا بشاب جميل الطلعة، ممتلئ البدن، تبدو على محياه ~~أمارات الطيبة ومكارم الأخلاق، قد أقبل على الشيخ محييا، وقال: من هؤلاء الذين مروا ~~بك؟ فكأن الشر كان باديا على محياهم، ولولا حرمة الشيخ لكان لي معهم شأن، فقد سمعتهم ~~يشتمون أهل قريتنا ويتوعدون، وعرفت منهم سلمان أحمد، وهو شيخ قريته، وكان الأجدر به أن ~~يتخذ له من الأصحاب غير هؤلاء الأجلاف. # فأنصت الشيخ إلى كلام محمد الهلالي الذي كان يكلمه، وقال: آه يا محمد إن سلمان أحمد ~~زعيم هؤلاء، وهو أكثرهم شرا، وأبعدهم عن الفضائل، وأقلهم رجولية عند اشتداد ~~النوائب؛ فهو جبان يسطو حين لا يجد من يدافع، ويجبن حين يلاقي الشجعان البواسل، وهذه ~~شيمته التي عرف بها، فكم كان علة لخراب بيوت، يتم أطفالها، ورمل نساءها، ثم ~~تظاهر لها بالمودة والإخاء، وأوقع الشر بين أفراد العائلة الواحدة، متهما بالجريمة ~~بعض الأبرياء، وما ذلك إلا حبا بربح يسير، أو بالظهور بمظهر المتنفذ لدى ~~الحكام، أو جرا للمغانم لنفسه ولو على جثث القتلى، فقال محمد - وقد عراه الذهول: ~~ويحه وهو يريد أن يكون لنا صهرا! ثم سكت متألما. # وكان محمد شابا جميل الطلعة، بشوش الوجه، شديد الجسم، مفتول العصب، تلقى مبادئ ~~العلوم على يد الشيخ صالح بعد أن تعلم مبادئ القراءة في مدرسة القرية الصغيرة، أما ~~الشيخ صالح فكان رجلا تقيا فاضلا ms03 ، عكف على درس الكتب والتبحر في العلوم، قانعا ~~بعيش رضي بعيدا عن الفخفخة والمجد الباطل، يجول في الصباح في الحقول عاملا بضع ~~ساعات في زراعته مشرفا عليها بنفسه، ثم يعود إلى منزله فيأخذ في الدرس، أو يقصد بعض ~~إخوانه حيث يجتمع به بعض الطلاب الأذكياء من أبناء القرية، فيأخذون عنه مبادئ العلم، ~~وحيث حل الشيخ صالح كان مجلسه مجلس وقار، فإذا تكلم أنصت كل من حضر إلى سماع ~~أقواله وإلقاء الأسئلة عليه، فكان يجيب السائل بما آتاه الله من علم وشاهده في رحلاته ~~الكثيرة من الاختبار. # وكأن الله أراد الخير لتلك القرية، فأوجد فيها ذلك الشيخ الصالح وزوده بعلم غزير، ~~وعقل راجح، وقلب كبير، وصدر رحب، وخبرة واسعة، وأعده لمثل هذه المهمة؛ إذ دعته أحواله ~~العائلية وهو صغير إلى التغرب عن قريته، فقضى سنوات في دمشق في أيام حداثته، ثم عرضت ~~لوالده أمور حملته على التغرب إلى مصر، فحمل ابنه صالحا معه حيث كان يتردد على الأزهر ~~ويدرس على أئمته، ثم انتقل من مصر إلى جهات مختلفة، فكان يخالط علماءها وأدباءها ~~ويستفيد مما يراه علما واختبارا؛ حتى إذا عاد إلى قريته الصغيرة كان قد خبر حلو ~~الزمان ومره، ودرس أحوال العمران، وشهد من غرائب الأمور ما جعله خبيرا بأمور العباد، ~~عالما فاضلا ساعيا للخير مجردا عن الهوى، ورأى تأخر قومه فسعى سعيا حثيثا ~~لإزالة أسباب الجفاء بين العائلات مبتدئا بقريته الصغيرة، فكانت كلمته مسموعة عند ~~الجميع، خصوصا وأنه لم يظهر تغرضا لعائلته، بل كان في كل أموره عنوان التسامح ومكارم ~~الأخلاق، وكان كريما جوادا لا يبخل بماله عند الحاجة، بل يجود بنفسه وماله في سبيل ~~إغاثة الملهوف وإصلاح الأمور. # وكان أول ما فعله أن حث أهل بلدته على إصلاح زراعتهم والاهتمام بأمورهم الخاصة، ~~فأوجد بينهم حركة جدية أدت إلى تحسين زراعاتهم وجودة غلالهم، وتحسين نتاج مواشيهم، ~~فكان ذلك مدعاة إلى تفضيل التجار حاصلات تلك القرية على حاصلات ما سواها من قرى البقاع، ~~فضلا عما كانوا يجدونه من أهلها من التسامح ms04 وكرم الضيافة وحسن المعاملة. # وكان يوسف الهلالي والد محمد تلميذ الشيخ أكثر أصدقاء الشيخ اجتهادا في إصلاح أموره ~~الدنيوية والانقطاع إلى أعماله، فكان عنوان الاجتهاد، فوفقه الله في أعماله ووسع عليه ~~رزقه ورزق عياله، وكان منزله بمثابة مضافة لأهل القرية ولمن يقصدها من الغرباء. # وكان ليوسف الهلالي أيضا ابنة حسناء شبت على الفضيلة ومكارم الأخلاق، ومع أنها لم ~~تتلق من العلم إلا مبادئ القراءة البسيطة، كانت إذا جلست تتكلم مع رفيقاتها خلتها ~~على جانب عظيم من العلم والتهذيب؛ وذلك لأن والديها كانا من خاصة القوم؛ فأبوها كان ~~- كما أسلفنا - واسع الخبرة عرف بين أقرانه برجاحة العقل، وأمها كانت من فضليات ~~السيدات، اشتهرت بتدبير منزلها وإخلاصها لزوجها، وحسن قيامها بتربية ولديها، فكأن ~~هيفاء ورثت الكثير من خلال والديها، وكانت نفسها تواقة إلى العلم والاطلاع، وهي سريعة ~~الفهم شديدة الملاحظة، فساعدها ذلك على التحصيل، فكانت تأخذ ما لديها من الكتب وتجلس ~~أحيانا أمام أخيها تقرأ ما يعن لها بصوت عال، وتتوسل إليه أن يصلح هفواتها ويساعدها ~~على تفهم ما استعصى عليها، وفضلا عن ذلك فإنها كانت كلما علمت أن الشيخ صالح عندهم ~~تجلس في غرفة محاذية لا يفصلها عن مجلسه إلا فاصل خشبي، وتصغي إلى أقواله وتعاليمه ~~حينما كان يلقي الدروس على الفتيان الذين يجتمعون مع أخيها للاستفادة من الشيخ، وهكذا ~~أخذت هيفاء عن الشيخ كثيرا من آرائه الفلسفية وتعاليمه المتنوعة، دون أن يشعر بها ~~أحد أو تدرك هي سر تأثير ذلك في نفسها. # الأذن تعشق قبل العين أحيانا # بلغت هيفاء الرابعة عشرة من عمرها، فكانت آية حسن جمعت بين الجمال والكمال، مع ما ~~اشتهر عنها من تدبير المنزل، ولطف الحديث، وعذوبة الصوت، فكانت النساء يتزلفن إليها ~~وكل منهن تود لو تستطيع أن تخطبها لابنها أو لشقيقها، وهي لا تظهر ميلا إلى ~~الزواج، بل كلما فاتحها أحد بذلك غضت نظرها أو خرجت من الغرفة خجلا وتجنبا للكلام في ~~هذا الموضوع، وكانت تشعر أنه ليس بين أبناء قريتها من ملأ قلبها حبا أو ms05 قرت عينها ~~بمرآه؛ لأنها كانت تطمح بما لا تجده هنالك. # والذي جعلها تنظر إلى شبان القرية نظرة الإشفاق لا نظرة الإعجاب، ما رأت من الفرق ~~بينهم وبين سليم نجل سمعان إلياس أحد تجار زحلة صديق والدها، الذي كان يأتي كل عام في ~~أيام الموسم فيشتري ما يفيض عن حاجة القرية من الحبوب بأثمان موافقة، كما أن أهل ~~القرية إذا قصدوا محله في زحلة عاملهم أحسن معاملة. # وكان سليم يتلقى دروسه في إحدى كليات بيروت، وقد امتاز بين أقرانه بالذكاء والاجتهاد؛ ~~فأحبه والده لذلك محبة عظيمة حتى كان لا يستطيع مفارقته في أيام العطلة فيصحبه معه ~~أينما ذهب. # جاء هذا الشاب المهذب إلى القرية ظانا أن أهلها لا يزالون في أحط دركات الجهل، ~~كما يتبادر إلى ذهن كثيرين من تلاميذ المدارس إذا زاروا القرى النائية عن العمران، ولكن ~~سليم كان كثير التأدب فلم يظهر الاحتقار لأهل القرية، ونزل مع أبيه ضيفين مكرمين على ~~يوسف الهلالي، ودعي الشيخ صالح لتناول الطعام مع بعض أعيان القرية، فبعد أن أكلوا ما ~~لذ وطاب قاموا إلى بهو كبير حيث جلسوا يتحدثون. # وكانت الثورة التركية في ذلك الحين قد قضت على استبداد عبد الحميد، وأخذ الناس ~~يتحدثون بفضلها ويعظمون قدرها، فقال الشيخ صالح: ما رأيكم فيما آلت إليه الأمور، فلقد ~~سمعت أن القسيس والشيخ تعانقا في بيروت تعانق الإخوان، والله إنني لأحب مثل هذا ~~الاتحاد جدا، ولكنني أخشى أن يكون ما حدث سابقا لأوانه. # ولما كان سليم شابا شديد الحماسة والإخلاص لوطنه، وقد حضر حفلات كثيرة وطنية شهد ~~فيها تآخي الأخوين المتنابذين، وسر كما سر كل متعلم من هذا الاتحاد، وأخذته هزة ~~الطرب ونشوة الحماسة الوطنية، وشعر مع غيره من الشبان أن أمل الشرق في التخلص من ~~العبودية للتقاليد وللجهل أولا، وللاستعباد السياسي ثانيا قد تحقق أو كاد، استفزه ~~قول الشيخ وقال: لم تعتقد يا مولاي أن ما حدث سابق لأوانه؟! ~~- لأن الطفرة محال يا بني، وما ورثناه من التقاليد والعادات من أجيال لا يزول في ms06 ~~يوم أو يومين، والنفوس على ما هي عليه، والجهل والتعصب متفشيان في البلاد، فلو اتفق ~~الناس في بيروت وكانوا في دمشق وبقية البلدان العربية على عكس ما هم عليه في بيروت، لا ~~يلبث هذا الاتفاق أن يزول بالسرعة التي تم فيها، ولكننا يا بني نشعر معكم - شبان ~~اليوم - بضرورة الاتحاد متى توفرت أسبابه، وتوطدت أركان المحبة والإخلاص بين الطوائف ~~المختلفة، وتوحدت الغايات واتفق الجميع على خطة واحدة وسياسة عامة يتبعونها، وإلا ~~كانت المساعي عقيمة، وأولئك الذين يتصافحون اليوم بهذه السهولة يعودون إلى الخصام ~~سريعا. # سمع سليم هذا الكلام من الشيخ صالح ولم يكن يظن أن رجلا قرويا يبلغ هذا المبلغ ~~من العلم فبهت؛ إذ كان يتوقع من رجل قروي معمم أن يتكلم بما ينم عن تعصب ~~وجهل، فإذا به يسمع آراء يعجز عن الإتيان بأفضل منها أساتذته، فنظر إلى الشيخ وقال: ~~مهلا يا أستاذ، إن كلامك لهو عين الصواب، ولكننا - نحن الشبان - نرى غير رأي الشيوخ. ~~أنتم تتمهلون ونحن نحب العجلة. ~~- العجلة من الشيطان يا بني. ~~- بل في الحركة بركة - كما يقولون - وهذا ما نراه نحن؛ لأن التمهل والجمود يضران ~~بالقضية المشتركة، فإننا الآن نتآخى ونتعاضد ونتعاهد على العمل متحدين، وبعدئذ نعد ~~الوسائل التي تؤدي إلى الغاية المطلوبة. # فضحك الشيخ، وقال: «بل أنتم يا بني تبنون فوق أسس واهية؛ فما نفع العهود والمواثيق ~~إذا لم يكن ثمت اتفاق على المبادئ التي هي أساس العمل؟ لا أقول هذا إضعافا للهمم ولا ~~تقليلا من أهمية ما تم للآن، ولكن الأيام بيننا وسنتعثر بالخيبة ونعود بالفشل مرارا ~~قبلما يتم لنا ما نريد.» # فوجم سليم عن الكلام قليلا، ثم قال - محاولا إرضاء الشيخ واستجلاب رضاه، وإقناعه ~~بوجوب تأييد الحركة التي كان سليم يعتقد أنها لا تقوم إلا إذا أيدها رجال الدين ~~والعلم وأصحاب النفوذ: قد يكون ذلك، ولكننا نحن الشبان نعتقد أن الشيوخ الذين ~~يفوقوننا خبرة ومعرفة لا يقفون في سبيل الحركة، بل يشجعونها كلما سنحت لهم فرصة وينورون ~~الأذهان ويفتحون القلوب؛ تمهيدا لليوم ms07 المنتظر، نعم نحن أقل خبرة وحنكة، ولكن يا حضرة ~~الأستاذ ألا تظن أن المستقبل لنا وبيدنا، وأن العمل يحتاج إلى خبرة الشيوخ، ولكن لا ~~غنى له عن همة ونشاط وحماسة، فإذا اتحد الشيوخ والشبان تم لنا ما نريد. # فافتر ثغر الشيخ وارتاح إلى هذا الحديث، ثم قال: «يا بني، لولا الأغراض وتضارب ~~الغايات لكنا الآن على ما نشتهي ونريد، ولكن ما نفعل بطلاب الوظائف وأرباب الألقاب ~~وزعماء الجماعات ورؤساء الطوائف المتنابذة المتنافرة؟ هل يرضى أحد أن يكون للآخر ~~ظهيرا فيهدم بذلك شخصيته، أو يخسر لقبه ويتخلى عن مقامه وعظمته الفارغة وزعامته ~~الزمنية؟ سر يا بني أنت وأمثالك بحول الله، واطلبوا العلم أينما تجدونه، واجتهدوا في ~~بث الدعوة إلى الاتحاد ونبذ التعصب الذميم، وحب التضحية في سبيل الغايات السامية، فكلما ~~ازددتم عددا وزادت قوتكم قربنا من الغاية المطلوبة، وزال ما بين الطوائف من ~~الجفاء. # اعلم أننا ما دمنا نعمل متفرقين طوائف متعددة مختلفة الغايات، وزعماؤنا يسعون للصعود ~~على مناكب هذا الشعب المسكين إلى إدراك غاياتهم الشخصية، مضحين بالأمة في سبيل ~~مطامعهم الذاتية، لا أمل لنا بالنجاح. ولكن يوم الشرق قريب؛ فسوف تفتح هذه الحركة ~~العيون، ويدرك الزعماء أن تضحية النفس والنفيس في سبيل الوطن وإعلاء شأنه هي غاية ~~الغايات، ويتعلم الشعب أن الاتحاد والتضافر على العمل هما الدعامة الكبرى لتحقيق ~~أمانينا المشروعة، وإحلالنا بين شعوب الأرض الحرة في المنزلة التي نستحقها، ليتني كنت ~~أعيش لأرى تحقيق هذه الأمنية!» # هذا ما دار من الحديث بين الشيخ وسليم، بينما كانت هيفاء تتسقط حديثهما من وراء ستار ~~معجبة بآراء ذلك الشاب النبيل والشيخ الجليل. # | الفصل الثاني # السماء صافية الأديم، والأرض مكسوة أبسطة خضراء، وقد برزت الطبيعة بأبواب الربيع البديعة، ~~يزينها الزهر بكل لون زاه وشكل يروق للعين مرآه، ينبعث منه أريج العطر فتطيب به الأرجاء. ~~إلا أن الإنسان الذي أوجده الله ليكون متمما لجمال الطبيعة لا يعرف كيف ينعم بالا ~~ويسعد حالا بمثل هذه المناظر البديعة، فيزيدها حسنا وإبداعا ويتم مقاصد الله فيه. # هكذا ms08 كانت الحالة في البقاع في ذلك اليوم الجميل؛ فإن «المعلقة» مركز القضاء كانت غاصة ~~بمئات الناس من شاكين ومشتكين وأرباب الدعاوى والوسطاء الكثيرين، وكان القائمقام غريب الدار ~~من رجال العهد البائد، عرف بأخلاق الناس في تلك الجهة، فاستغل جهلهم وملأ جيوبه بالدراهم ~~التي كان يجمعها من القضايا الكثيرة، التي كانت تنشأ لسبب أو لغير سبب معقول في كثير من ~~الأحيان. # اجتمع أهل قرية العمروسة كلهم تقريبا هنالك، منهم المتهمون بأمر العصابات ومنهم الأهل ~~والشهود، واجتمع عدد من وجهاء المسلمين الذين جاءوا ليتوسطوا في الأمر، وكذلك عدد من وجهاء ~~المسيحيين الذين سئموا حوادث التعدي وأتوا يخاطبون القائمقام بشأنها، وبينهم المطران الذي ~~زار القائمقام وألح بوجوب محاكمة المعتدين والتشديد عليهم، وإيقاع العقاب بهم؛ منعا ~~لتكرار مثل هذه الجرائم المنكرة، وإلا رفع الأمر إلى قناصل الدول جمعاء. # هكذا كانت حالة القضاء المحزنة في ذلك اليوم العصيب، وبدلا من أن ينصرف القوم إلى ~~أعمالهم، ويعمل أصحاب العقول منهم فيما يعود على البلاد بالخير، كان كل فريق منهم يسعى ~~للإيقاع بخصمه، ويدبر له الحيلة للوقوع في حبائل الحكام، فكان كثير من الأبرياء يذهبون ~~فريسة المساعي، ويفلت القتلة الأشرار من بين يدي العدالة، ويزدادون جرأة على الإيقاع ~~بالخصوم، وتذهب حقوق الأبرياء الضعفاء ضياعا، وكان من بين المتهمين كثيرون من أهل العمروسة ~~وشى بهم المفسدون فسجنوا بحجة أنهم من رجال العصابات، وأفلت سلمان أحمد وجماعته؛ لأنهم هم ~~الذين دبروا هذه الوشايات وأوقعوا غيرهم في غيابات السجون. # وخاف القائمقام من تفاقم الشر، فدعا رجلا من وجهاء البلدة شديد الدهاء، جعله له شريكا ~~وواسطة في أعماله العديدة، فأعرب له عما يخامره من الخوف إذا لم تنته هذه القضية كما يجب، ~~وقال: «ما العمل يا شاكر أفندي والفريقان متشددان؟ إني أرى الخطر قريبا.» ~~- لا خطر يا مولاي؛ فأنا أصرف لك هذه المسألة وتربح من الفريقين. ~~- تبا لك! ماذا تقول؟ ~~- أقول: إن المسألة ليست بذات بال، بل إن هنالك لنا صيدا. ~~- وأي صيد تعني؟ ~~- إننا نربح من المسلمين والمسيحيين على السواء ms09 ، ونرضي الفريقين. # قال: إذن أترك المسألة لك، ولكن حذار أن توقعنا في مشكلة جديدة، فأنا لم أجمع للآن ما ~~يكفي لضمانة الحصول على مركز جديد إذا خسرت مركزي هذا بسبب سوء تصرفك إذا زدت النار ~~اشتعالا. # قال: طب نفسا، فسوف أزيل الخصومة وآخذ مقابل ذلك أجرا حلالا لك نصفه. # فتهلل القائمقام وقال: «حقا إنكم أنتم أهل البلاد تزيدوننا نهما وشرها، ثم تقولون: ~~إن الأتراك يرتشون. والله لو لم تفتح عيني الآن لصرفت الأمر بالحزم، وأرضيت ضميري، وأرحت ~~البلاد والعباد، أو تركت الوظيفة لسواي.» # فقال شاكر أفندي: لكنك لو فعلت ذلك «لقطعت رزقنا»، وأوقعت الضرر بنفسك، فلو كان أهل ~~البلاد على شيء من الحكمة، لما وقع بينهم مثل هذه الحوادث المؤلمة، ولكنه صح فيهم القول ~~المأثور «كيفما تكونون يولى عليكم.» والآن ما لنا ولذلك، فأنا ذاهب وسأعود إليك بعد ~~ساعتين، وقد اتفقت مع المسيحيين على أن أصرف لهم هذه المسألة التي آلمتك كثيرا؛ لأنها ~~وقعت في عهدك، وهكذا أفعل بالمسلمين بعد ذلك فتكون موضع الشكران، وأكون أنا من ~~الرابحين. # وهكذا تم الصلح بين الطائفتين ظاهرا، وبقيت الحزازات في الصدور، وانصرف كل من ~~الخصمين وهو أشد حقدا على خصمه مما كان. # الشيخ صالح والصلح # عرف الشيخ صالح بما تم، وما كان من دخائل القائمقام فأرغى وأزبد، وقال: يا للعار! ~~أيقتل الأبرياء، وتيتم الأطفال، وتحول القرى الآمنة إلى معاقل للصوص والقتلة ~~السفاحين، ثم يتهم الأبرياء ويسجنون ويبقى الجاني حرا طليقا، وينتهي الأمر بأن ~~يأخذ الحاكم أجرا على ما كان، إن ذلك لمنتهى الظلم فإن الحاكم الذي لا يأمر بالمعروف ~~وينهى عن المنكر، ليستحق أشد العقاب وحقت عليه لعنة الله واحتقار الناس أجمعين. ثم ~~ركب الشيخ جوادا وسار إلى زحلة فقصد منزل صديقه سمعان إلياس وقابله مقابلة طويلة، وعلم ~~منه أنه مثله مستاء مما كان، عالم ببواطن الأمور ودخائل القائمقام. # فقال: إذن كيف يسكت المسيحيون عن هذا المجرم الذي يدبر أمور الناس؟ قال: وما يفعلون ~~وهم لم يعلموا بما كان حتى انتهت المسألة، وأخذ ms10 الناس يتقولون بها وليس من يستطيع أن ~~يتفوه بشيء ضده؛ لأنه لم يثبت على القائمقام شيء وإذا رفع أحد دعوى عليه عرض نفسه ~~لانتقامه وللمحاكمة أمام محاكم قضاتها أكثرهم ليس بأعدل من القائمقام ولا بأكثر منه ~~نزاهة، فكان نصيب الشاكين منه نصيب المجرمين المعتدين. # فقال الشيخ: «لا أرى رأيك وأنا أود أن أجتمع بفريق من عقلاء المسيحيين الذين يهمهم ~~العدل ويسعون إلى الصلاح.» فكان له ما أراد واجتمع في ذلك المساء بعدد من كبار مسيحيي ~~المعلقة وزحلة، وكانوا كلهم حاقدين على المتاولة لما جرى، وظنوا الشيخ من أولئك الذين ~~يسعون في التوسط للمجرمين؛ تخفيفا لعقابهم أو طمعا بنيل بعض المال منهم، فحينما ~~قابلوه كانوا ينظرون إليه نظرة الريبة والحذر. # فأخذ الشيخ يوبخهم لسكوتهم على ظلم الحكام؛ لأن ذلك علة فساد الأحكام، قالوا: ماذا ~~تريد إذن؟ # قال: اسمعوا وعوا ولا تقاطعوا حديثي قبلما آتي على آخره «أنتم وجهاء البلاد، ولا أقول ~~وجهاء المسيحيين فقط؛ لأنه لا يجب أن يكون في المعاملات مسيحي ومسلم، بل الكل سواء، ~~فلو رأيتم أن الظلم حاق بكم لوجب أن تقوموا في وجه الظالم، فإذا خشيتم صولته فاجمعوا ~~العقلاء من أهل الرأي في البلاد وخاطبوهم في الأمر، وارفعوا عرائض الشكوى بذلك إلى أولي ~~الأمر موجهين أنظار الحكومة إلى خطر الحالة، فإن أجابوكم فبه وإلا ...» وهنا وقف أحد ~~الحاضرين، وقال: ما العمل إذا كان الظلم من الحكومة نفسها، وهي مسلمة تنظر إلينا كأننا ~~غرباء عنها أعداء البلاد؟ # قال: اسمع يا بني «نحن إخوان إذا اختلفنا في الاعتقاد فلا نختلف في الحقوق والواجبات، ~~ولقد أساءت الحكومة صنعا بأن فرقت بيننا وأوجدت بين الطائفتين هوة عظيمة. # فمن هو المسلم ومن هو المسيحي؟ أليسا كلاهما أخوين من بني الإنسان، تربطهما ربط ~~الإخاء والمصلحة العامة ووحدة اللغة والوطن، والله يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في ~~كل دين، فأي مسلم يجسر أن يقول: إن الإسلام يأمر بالتعدي على الأبرياء وقتل النفس ~~التي حرم الله قتلها؟ إن المسلم الذي يقول بمثل ذلك يستحق أن ms11 يقطع لسانه، والمسيح ~~جاء الناس بدين المحبة والإخاء، وأمر تلاميذه أن ينشروا تعاليمه بين الناس، فهل أنتم ~~تفعلون بما أمركم به السيد الذي تتسمون باسمه؟ وهل تغفرون للناس زلاتهم حتى يغفروا لكم ~~زلاتكم؟ وهل تنظرون إلى المسلمين كإخوان؟ # إذا كان لبعض الرؤساء الدينيين غاية في إيجاد الشقاق، فيجب أن يكون للناس عقول ~~وأفهام، فلا يستسلمون للشهوات ويكونون آلات للهدم في يد الأشرار. # لكل إنسان إرادة وعقل، فإذا وجد من الأمور ما لا ينطبق على الصواب، وجب عليه ألا ~~يعمله أيا كان المحرض عليه، وإذا أساء إليك أخوك المسلم فعاتبه أو استعن عليه بأخ ~~مسلم آخر تجد منه روح العدالة والإنصاف، ولا تجعلوا للمفسدين بينكم سبيلا، فإن ذلك ~~يفسد عليكم أمركم ويوسع بينكم هوة الشقاق، وإذا ظلم مسيحي مسلما فقوموا أنتم عليه قومة ~~واحدة يشعر أنه ظالم مكروه، فلا يعود إلى التعدي فيما بعد.» # فقال أحد الحاضرين: ولكن ما العمل والمسلمون يرون أنهم أفضل منا ويجب أن يكونوا ~~مقدمين علينا في الحقوق؟ فقال الشيخ: «معاذ الله أن يكون هذا من الدين في شيء؛ فإن روح ~~الإسلام هي روح الإخاء، وهكذا هي روح المسيحية، وإن اختلف التعبير لتباين الوسط الذي ~~ظهر فيه الإسلام عن الوسط الذي ظهرت فيه المسيحية، ولكن الإسلام يقول: إن الخلق ~~سواسية، وأحب الناس إلى الله أحبهم إلى عياله؛ أي إن خير الناس هو من كان أكثرهم ~~نفعا للناس، وإنما الجهل هو علة الشقاء، وهو الذي حمل المتعصبين من الفريقين على أن ~~يؤولوا تعاليم الكتب المقدسة - كما يريدون - ألا ترون أن الإسلام في أول عهده كان ~~أكثر تساهلا منه الآن، والمسلمون في ذلك العهد أهل بداوة وعصبية! # إنه لقد حان الوقت الذي فيه يعرف الإنسان أن الدين إنما وضع لخيره ومنفعته؛ حتى ~~يكون له هدى يسترشد به في ظلمات الحيوة، والآن أيها الإخوان، ها أنا أضع يدي بيدكم ~~وأطلب إليكم أن تنضموا إلي في محاربة الشر والتعصب الذميم، وترفعوا من بينكم الأحقاد ~~لنقضي على هذه الروح الشريرة التي تعمل ms12 فينا وتخرب ديارنا، وتفسد أخلاقنا وتصرفنا عن ~~أعمالنا اليومية وتولد بيننا الحزازات.» # فوافقه الجميع على ذلك، ووكلوا إليه وضع الخطة الملائمة التي تكون أفضل أساس ~~للاتحاد. # فسر الشيخ بذلك وخرج وكله آمال بالمستقبل رغم ما يبدو من تعقد الحالة وكثرة ~~المعضلات. # | الفصل الثالث # فعل الحب في القلوب # ذهب سمعان إلياس - حسب عادته - إلى العمروسة لمشتري الحبوب، وصحب معه نجله سليم الذي أحب ~~مرافقته إلى تلك القرية الجميلة، فلما أطلا عليها من بعيد شاهدا الأهالي يشتغلون بالحصاد، ~~وبعضهم على البيادر (الأجران) يذرون القمح، فوقع ذلك المنظر أحسن وقع في نفس الشاب، وقال: ~~ما أطيب أهل هذه القرية وأشد أجسامهم وأصح أفهامهم! فإنني لا أنسى مطلقا ما سمعته في السنة ~~الفائتة من الشيخ صالح، الذي اجتمعنا به في منزل صاحبنا يوسف الهلالي، فقال: نعم يا بني، ~~إن الطبيعة خصت هذه القرية بجانب عظيم من الجمال، وأهلها أهل دعة وإخلاص رغم ما يبثه ~~فيهم ذوو المآرب والغايات. واعلم يا سليم أن قضية العصابات التي اتهم فيها أصحابنا آل ~~الهلالي وأبناء قريتهم، كان مثيرها الشيخ أحمد سلمان شيخ القرية المجاورة للعمروسة، ولولا ~~مساعدة القائمقام لكان الآن ذلك الشيخ مقيدا بالسلاسل الحديدية. ~~- نعم هو لكذلك. # سمعا هذا الصوت من بستان فوق الطريق فبغتا، ثم التفتا إلى فوق، فإذا بالشيخ صالح وفي ~~يده بعض الفاكهة أعدها لهما، فبادراه بالسلام ورحب بهما، وقال: علمت بقدومكما اليوم ~~فبادرت إلى هذا المكان لموافاتكما والترحيب بكما، فترجلا عن جواديهما وصعدا إلى البستان حيث ~~جلسا مدة يتجاذبان أطراف الحديث مع الشيخ، وعلما منه أن أهل القرية يوجسون خيفة من عصابة ~~شريرة تعبث فسادا في تلك النواحي، وهم لا يعرفون إذا كان أفرادها من المسيحيين أو ~~المسلمين، وقد وقع أحد أبناء القرية في أيدي رجال العصابة فأوسعوه ضربا وسلبوه كل ما كان ~~يحمله، وتركوه عاريا بين حي وميت، ويظن أهل القرية أن العصابة مسيحية جاءت للانتقام ~~منهم؛ ولهذا السبب جئت إلى هنا لأنبهكم لتكونوا على حذر تام فيما تتكلمون، وتساعدونني على ~~تهدئة ms13 الخواطر الثائرة. # توجه سمعان إلياس وابنه سليم إلى منزل صديقهما القديم يوسف الهلالي، فرحب بهما هذا ~~الصديق ونجله وأحلاهما على الرحب والسعة، ولكن سمعان لحظ أن هنالك شيئا من الفتور لم ~~يكن يشعر به قبلا في بيت صديقه. # وفي مساء ذلك اليوم توافد الضيوف على منزل الهلالي - حسب العادة - وتحامل بعضهم على ~~المسيحيين غير مراعين أدب المجالس وشعور الضيفين، فكتم سمعان غيظه، وقال لعل ذلك مما جرى ~~لابن قريتهم وهم يحسبون أن المسيحيين فعلوا به ذلك، ولكن الشاب سليم لم يتمالك أن قال: ~~يظهر أن بعض الإخوان لا يعلمون أننا مسيحيان، ونحن ننتظر أن يكرمنا إخواننا المسلمون، ~~كما نكرمهم لو كانوا ضيوفنا ويحبوننا كما نحبهم؛ لأننا نعتقد أنه لا فرق بين مسلم ومسيحي، ~~بل الله والوطن للجميع، ونحن يجب أن نكون كاليد اليمين واليد اليسرى تعاون الواحدة منهما ~~الثانية. # فسر الشيخ صالح بهذا الكلام، وقال «أصبت»، ولكن أحد الحاضرين تهجم على الشيخ وسليم، ~~وقال: «لا، بل إن المسلمين كالرأس والمسيحيين كالحذاء المرقع.» # فنظر الشيخ إليه شذرا وانتهره قائلا: «اسكت أيها الغبي الجاهل! فأنت عدو المسلمين وخزي ~~وعار على الأمة والدين، فلولا أمثالك لكان الإسلام عنوان فخار لنا بين الأمم لا عنوان ~~التأخر والانحطاط، كما يزعم الأجانب عنا والدين براء مما تزعمون وتعملون، لو كان الدم ~~العربي يجري في عروقك لهزتك الأريحية، وجدت بدمك في سبيل ضيف كريم حل في منزل أعز رجل في ~~قريتنا، وله منزلة خاصة في قلوبنا، وضيفنا صديق قديم لم يبادئنا العداء، ولا رأينا منه ~~غير المودة والإخلاص.» # وحدث شغب بين الحاضرين وتكدر صاحب الدار وهم بطرد الرجل لولا أن تداخل سمعان، خشية أن ~~يتفاقم الشقاق، فقال: أخشى أن يكون صاحبنا قال ما قاله متأثرا بأسباب خاصة، والإنسان قد ~~يشتم أخاه وأعز الناس لديه في مثل هذه الأحوال، فأرجو أن ننتهي عند هذا الحد، وانفض ~~الاجتماع تلك الليلة ولم يحدث حادث آخر، ولكن الحاضرين لم يكونوا على مثل ما عهدهم سمعان، ~~فاستغرب الأمر وعزم على ألا يطيل ms14 الإقامة في العمروسة هذه المرة، واتفق مع صاحب الدار ~~على أن ينهضا مبكرين جدا في صباح اليوم التالي ويذهبا إلى البيادر لمعاينة ~~الحبوب. # وفي صباح اليوم الثاني نهض سمعان إلياس وصاحب الدار وابنه وساروا إلى البيادر - ولم تكن ~~بعيدة عن المنزل - وتركوا سليما نائما، ولم يكن أحد من الخدم في المنزل؛ إذ ذهب كل في ~~سبيله. # واستيقظ سليم ونهض ليغسل وجهه ويلبس ملابسه ويلحق بأبيه، فإذا به يسمع وقع أقدام لطيفة في ~~غرفة محاذية، وما أتم لبس ملابسه حتى سمع نقرا خفيفا على الباب، فقال «تفضل»، وإذا به ~~يرى فتاة رائعة الجمال لم تفتح العين على أتم منها شكلا، وألطف قواما، وأصح عافية، يكاد ~~الدم يتدفق من خديها والضياء من عينيها وجبينها الوضاء، دخلت الغرفة وحيت أجمل تحية، ثم ~~قالت: «عفوا يا سيدي إذا أزعجتك.» # تلعثم سليم في بادئ الأمر؛ إذ خيل إليه أن الفتاة دخلت على غير علم بوجوده، ثم تمالك ~~روعه، وقال بعد أن رد التحية: «أخشى أن يكون وجودنا سببا لتعبكم وإزعاجكم، وأظن أن ~~والدي ذهب مبكرا فظننت أنني رافقته، فدخلت على غير علم بوجودي، فأنا آسف لذلك ~~جدا.» # قالت: «بل أنا مسرورة من هذه الصدفة التي جعلتني سعيدة بمرآك، وطالما سمعت عن أدبك الجم ~~وأخلاقك الحسان، فكنت أرجو أن تتاح لي مثل هذه الفرصة؛ لأرى الشاب الذي يحبه أهل القرية ~~ويتمثلون به.» # فخشي سليم عاقبة التمادي معها في الكلام، وظن أنها تستدرجه للغرام، وهو يعلم أنه ضيف ~~رجل معروف بكرمه وحسن سمعته وسمعة أهله، ففي وجوده مع فتاة مسلمة منفردين باعث للريبة ~~والشبهة، ثم قال: «هل تسمح لي سيدتي أن أنسحب وألا أكون مثقلا عليك إذا بقيت؟ فأنا ~~أجلك عن ألسنة الناس.» # قالت: طب نفسا وقر عينا، فما أنا من الرعونة بالدرجة التي تصورتها يا سيدي، ولا أنا ~~آتية الآن لأمر يدعو إلى الريبة وليس في المنزل إلا والدتي، وهي بعيدة عنا في المطبخ ~~تعد الطعام، ولكنني جئت لأمر ذي بال دفعني إلى مجاوزة حد اللياقة ms15 إذا كان في دخولي عليك في ~~هذا الوقت ما يحسب خارجا عن حدود اللياقة، فأنا أحذرك من خطر قريب لا يعرف به أحد من أهلي ~~سواي، وقد عرفته بالصدفة. # لقد كان والدك أحب الناس لأبي، ولقد سمعتك تتكلم مع الشيخ صالح في العام الماضي، فكان ~~حديثك موضع إعجاب الشيخ الذي طالما حض شبان القرية على التمثل بك في اجتهادك وأخلاقك، ~~فجعلني ذلك أشد اهتماما بأمرك، والآن لا وقت للزيادة، فاحذر أنت ووالدك فإن هنالك مكيدة ~~تدبر لاغتيالكما وأنتما عائدان إلى زحلة، حيث يكمن شقيان لكما في طرف الغابة عند الكهف ~~الكبير، فإذا نويتما العودة فأظهرا أنكما عائدان من تلك الطريق، ثم عودا بأسرع ما يمكن ~~وسيرا بطريق الجبل، والآن أستودعك الله وإياك أن تبوح بشيء مما أقوله لك لأحد، فتسيء إلى ~~من أحسنت إليك. # فقال: معاذ الله يا سيدتي! إن مرآك اليوم بهذه الطلعة البهية كان عندي كشعلة الطور، ~~وصوتك العذب كصوت الملاك المنقذ يحذر من خطر قريب، فشكرا لله الذي أرسلك إلي كما كان ~~يرسل للأبرياء رسله الأطهار، فكيف أستطيع أن أكافئك على هذا المعروف الذي لا أنساه، وما ~~دمت في قيد الحياة فأنا أسير لطفك، بئست العادات والتقاليد التي تأبى علينا الاجتماع، ولكن ~~ثقي يا سيدتي أن صورتك لا تمحى من ناظري وفؤادي، وصوتك العذب يبقى في أذني يرن كلما طابت ~~الذكرى وذكرت المودة والوفاء. # نعم، إننا لا نستطيع الاجتماع ثانية، وقد لا يسمح الزمان بمثل هذه الفرصة السعيدة ~~النادرة، ولكن روحي تبقى محلقة في سماء العمروسة ترصد كوكبها الوهاج. # فهزت هذه الكلمات أعطاف هيفاء، وتذكرت أنها سمعت من الشيخ صالح أن سليم شاعر مجيد، ثم ~~نظرت إلى ما حولها، وإذ تأكدت أن المكان لا يزال خاليا قالت: أرى أن كلامك المنثور ~~كأنه عقود الجمان، وهو يتضمن شعرا تنم عنه كلماتك العذبة التي تسيل رقة وشعورا، وأنا ~~مولعة بالأدب والشعر، وهكذا شقيقي محمد فإذا كنت ترغب في مكافأتي على هذه الخدمة الحقيرة، ~~فأرجو أن تهدي شقيقي كتابا من ms16 كتب الأدب يكون لنا خير تذكار منك، وحبذا لو ترفقه بشيء من ~~نظمك فإنني أعدك أنني أتلوه مرات كل يوم ذاكرة لك فضلك على الدوام، لا أستطيع أن أمكث هنا ~~طويلا فأستودعك الله. # خرجت هيفاء وسليم يشيعها بنظراته وفؤاده، وقد سحره جمالها وأسره أدبها وظرفها وكمالها، ~~ثم أخذ يفكر فيما قالته له وحذرته منه، فتعجب كيف يضمر أهل القرية أو أحدهم لوالده شرا ~~وهو أصدق صديق لهم، إن ذلك لمن الطيش والحماقة بمكان - إنسان يقتل إنسانا لم يؤذه في شيء ~~ولا كاد له في أمر، ولم تحدث بينهما عداوة - ذلك عجيب، وخشي أن يقول لوالده شيئا فيضحك ~~والده منه، أو يظهر العناد فيعرض نفسه للخطر وهو يحب والده أشد محبة، ويعرف أنه شجاع مقدام ~~أو يخبر الشيخ صالح أو يوسف الهلالي، فيكون بذلك كمن يبوح بسر هيفاء فسكت على الضيم طول ~~النهار وهو يفكر في هذه الأمور. # السفر والعودة إلى العمروسة # في صباح اليوم التالي نهض سمعان وسليم مبكرين وامتطيا جواديهما وسارا عائدين إلى ~~زحلة، بعدما ودعا صديقهما يوسف الهلالي ونجله محمد وشكراهما على ما أظهراه من الكرم ~~والإكرام، وما أبعدا قليلا عن القرية حتى قال سليم لوالده: «يا أبي، أفضل أن نسير ~~بطريق الجبل ريثما نجتاز أعالي الغابة، ثم نعود إلى استئناف السير بالطريق العادية ~~بعد ذلك بقليل حيث تتقاطع الطريقان، فإن في أعالي الغابة نبع ماء سمعت بعذوبة مائه وأحب ~~أن أشرب منه.» فقال والده: «لا، بل نسير في نفس الطريق التي جئنا منها.» فتوسل إليه ~~سليم حتى أجاب والده طلبه دون أن يعرف حقيقة الدافع الذي دفعه إلى هذا الإلحاح. # وما توسطا الجبل حتى رأيا جزع شجرة كبيرة يسد الطريق، ثم سمعا جلبة وراءهما وفوقهما ~~فالتفتا حولهما وإذا بهما بين عصابة من اللصوص وقطاع الطريق. # وكان سمعان ونجله سليم من الشجعان البواسل، ولكن اللصوص لم يتركوا لهما مجالا لإظهار ~~شجاعتهما، بل صوب بعضهم البنادق إلى صدريهما وتقدم زعيم اللصوص، فقال: «اشلحا.» ~~«سلما تسلما.» # فنظر سمعان إلى سليم ms17 ، وقال: افعل كما أفعل، والتفت حوله فلم يجد سبيلا للنجاة، ~~فالطريق شعب ضيق في الجبال ولا منفذ منه إلا حيث سد بالشجرة الكبيرة التي لا يستطيعان ~~أن يمرا فوقها، ومن ورائهما وفوقهما اللصوص، وقد صوب بعضهم البنادق، فالمقاومة لا ~~تجدي نفعا؛ لأن هؤلاء الأشرار لا يمهلون الرجل إلا ريثما يتحرك حتى يكونوا قد ~~أطلقوا النار عليه فأردوه قتيلا، فنظر إليهم سمعان، وقال: يا أولادي، نحن إخوان لكم، ~~جئنا هذه القرية بتجارة وقد دفعنا كل ما لدينا من المال ثمنا للحبوب التي اشتريناها، ~~فإذا كنتم بحاجة فالله كريم منان، ونحن لا نبخل عليكم بما تبقى معنا، إنما إذا كان ~~لكم ثأر على أهل القرية فنحن غرباء. قال ذلك؛ لأنه ظن أن هنالك عصابة مسيحية تعبث ~~بالأمن في تلك الجهة انتقاما من المتاولة، كما كان يعتقد أهل القرية أنفسهم، ومع أنه ~~رأى من أزيائهم ما غير اعتقاده إلا أنه حسب أنهم ربما غيروا ملابسهم، وتعمم البعض ~~منهم تعمية للناس. # فتقدم زعيم اللصوص وقال: «لا تضيعا الوقت، فنحن لا نريد بكما شرا، إذا أجبتما ~~طلبنا حالا، فانزعا ملابسكما واتركا جواديكما وكل ما تملكان لنا، وإلا فإذا حاولتما ~~الاستغاثة أو المقاومة فليس أمامكما إلا الموت الزؤام.» فتقدم سمعان، وقال: «رويدكم ~~أيها الإخوان! أما الجوادان وما لدينا من مال فنتركه لكم عن طيب خاطر إذا كنتم ~~تتركوننا بملابسنا؛ إذ إنه من العار أن نسير عاريين ونحن غرباء عن هذه الديار، ~~فنستحلفكم بالله ألا تشددوا علينا، وهاكم ساعتي وخاتمي فخذوهما.» فقال الزعيم: «يظهر ~~أنكما رجلان طيبان، فانزعا ملابسكما الخارجية فقط، وأبقيا قسما مما تلبسان لستر ~~عورتكما وسوف نربطكما بشجرة ريثما نبعد عنكما، ويبقى بقربكما رجل منا فإذا رفعتما ~~صوتكما بالاستغاثة، فتك بكما، فإياكما أن تفعلا شيئا، والآن ترجلا حالا فلا موضع ~~لإطالة الكلام.» # فما انتهى من كلامه حتى ارتفع صوت امرأة تستغيث، وتقول: «شباب، شباب، اللصوص اللصوص!» ~~ثم تلا ذلك إطلاق بندقية، فجفل الجواد الذي كان يركبه سليم - وكان جموحا - وجرى ~~مسرعا به، فضرب بصخر بارز ms18 ، ثم انقلب به في حفرة كائنة في أسفل الطريق، فأغمي على ~~سليم ولم يعد يعي على شيء. # | الفصل الرابع # اليقظة # فتح سليم عينيه بعد نحو نصف ساعة فإذا به يرى نفسه وقد أفاق من غشيته نائما على فراش ~~وثير، فنظر حوله، وإذ لم يجد والده صرخ: «أبي، حبيبي، أين أبي؟ بالله قولوا أين هو وأين أنا ~~الآن؟» # فتقدم محمد الهلالي، وقال: «طب نفسا، فأنت في منزلنا، ووالدك هنا يكتب كتابا للطبيب ~~في بعلبك لقربها منا، فالحمد لله على سلامتكما.» ثم علم سليم أن أهل البلدة حينما ~~سمعوا استغاثة المرأة أسرعوا بأسلحتهم وتبادلوا إطلاق النار مع رجال العصابة، فجرحوا اثنين ~~وألقوا القبض عليهما وعلى ثالث من رفاقهما وفر الباقون، فعرفوا اللصوص - وهم غير مسيحيين ~~كما كانوا يحسبون - وقد وجدوا معهم بعض ما سرقوه من القروي الذي سلبوا ماله من قبل. # وكان الألم الذي يشعر به سليم شديدا، فخف أحد الرجال إلى بعلبك وعملوا لسليم الإسعافات ~~الأولية كما يفهمها أهل القرية، وشغل بال سمعان - ولكن ابنه طمأنه - وحاول أن يخفف من ~~انشغال بال والده، فقلل من أهمية ما أصابه، وتحمل الألم بصبر وطول أناة. # وبعد الظهر بساعتين جاء الطبيب فوجد أن حالة سليم تستدعي مزيد العناية والراحة ~~التامة، وأن هنالك كسرا في العظام يوجب عدم نقله من مكانه مدة عشرين يوما. # فصعب هذا على والده، أما سليم فسر؛ إذ كان يرجو أن يرى هيفاء مرة ثانية فيخفف ذلك ~~من آلامه. # وعاد الرجلان اللذان ذهبا للتربص لسليم ووالده في طرف الغابة، وعلما بأمر العصابة الأخرى، ~~وفهما أنها عصابة مسلمة فندما على ما فرط منهما من التسرع، وعلى ما كانا ينويان عمله؛ ~~لأنهما تواطئا مع بعض أغرار البلدة المجاورة على قتل التاجر وابنه انتقاما لابن بلدتهما، ~~الذي كانوا يحسبون أن المسيحيين تعدوا عليه وسلبوه ماله، وعلم الشيخ صالح بالأمر فدعاهما ~~إليه ووبخهما، وأنذرهما بشر العقاب إذا هما عادا إلى التفكر بمثل هذه الأمور، واجتمع أهل ~~القرية في منزله فأظهر لهم خطر الحالة، وفساد فكرة ms19 الانتقام الوحشي، وما يجر هذا العمل من ~~الوبال عليهم أجمعين. # وكان الشيخ صالح أكبر مساعد على تخفيف المصاب على صديقه سمعان، وما زال حتى جعله يشعر ~~كأنه بين أهله وإخوانه، بعد أن كان قد نقم على أهل القرية لما جرى، خصوصا حينما علم أنه ~~لو لم يقع بين أيدي اللصوص لوقع فيما هو أشر منه وأدهى، فشكر الله على ما كان، وشعر بالفرق ~~بين رجل صالح يفهم معنى الصلاح، ورجل متعصب جاهل يتخذ من الدين سلاحا لارتكاب الشرور، ~~وانتهاك الحرمات، وقتل النفوس البريئة، وخدمة مآربه الشخصية، فعظم الشيخ صالح في عينيه ~~وود لو أن جميع الناس - خصوصا رجال الدين منهم - كانوا على شاكلته؛ فقد كان دينه ~~ظاهرا بأعماله الصالحة، وعلمه بينا ساطعا بأقواله الحكيمة وتصرفاته الممدوحة، وكلماته ~~الحلوة الناطقة بإخلاصه وصدق اليقين. # لم يستطع سمعان أن يطيل مكثه في العمروسة؛ لاضطراره إلى العودة إلى زحلة للإشراف على ~~أعماله واستلام ما كان قد اشتراه من الحبوب، فترك نجله المحبوب تحت عناية صديقه يوسف ~~الهلالي وأهل بيته، وأوصى به الشيخ صالح الذي أصبحت له في قلب سمعان مكانة عظيمة لم تكن له ~~من قبل. # مرت ثلاثة أيام وسليم لوحده في منزل الهلالي لم يستطع أن يرى هيفاء، أو يشعر بوجودها ~~بعد سفر والده، وإن يكن في العناية بما يقدم إليه من الطعام ما يدل على اهتمامها به؛ ~~والسبب في ذلك أن الهلالي ونجله محمد وأهل البلدة لم يكونوا يتركونه لحظة واحدة؛ ظنا ~~منهم أن ذلك يسره ويخفف عنه ألمه، ويجعله يشعر بأنهم قاموا بواجب الضيافة، وكان كدر ~~الجميع عظيما خصوصا؛ لأن المعتدين من المتاولة. # وفي اليوم الرابع علم سليم أن في القرية مأتما وقد ذهب جميع من في الدار لحضور المأتم ~~بعد أن نظروا في حاجته، ووفوه حقه من الإكرام، وأوصوا به أجيرا كان يشتغل في زراعة ~~الهلالي. # فاغتنمت هيفاء هذه الفرصة وكلفت الأجير بقضاء عمل خارج الدار يستغرق وقتا طويلا، ~~وانسلت من غرفة داخلية إلى حيث كان سليم نائما يئن متوجعا ms20 ، فدقت الباب بلطف ثم دخلت ~~واجفة فحيت سليم، وقالت: «سلامتك. لقد آلمنا مصابك كلنا، وكان له أشد وقع في نفسي؛ لأنني ~~أحببت أن أنقذك من خطر فوقعت فيما هو شر منه، أما الشريران الجاهلان اللذان كانا ~~ينويان الشر لكما فلما علما بما كان، ندما أشد الندم على ما أصابك، وعلى ما كانا ينويان ~~عمله.» # فأجاب سليم: «إنني سعيد بما أصابني؛ لأنه مهد لي السبيل إلى مثل هذا اللقاء السعيد، ~~وكنت أظن أن أبي سيرسل والدتي إلى هنا، ولكنه - على ما أرجح - لم يشأ أن يخبرها بما ~~أصابني حتى لا يشغل بالها، وهو لو عرف بما أنت عليه من الظرف والكياسة لما تأخر عن إرسال ~~والدتي إلى هنا، وما كان أسعدها لو تعرفت بك؛ فهي تحب الفتيات النبيلات مثلك حبا جما، ~~ولكني أقر أمامك الآن أنني كنت السبب لهذا التأخير.» # فاحمرت وجنتا هيفاء، وقالت: «كنت أود أن أراك على غير هذه الحال، والله كريم فسوف ~~تشفى قريبا بإذن الله.» ~~- لكنني متى شفيت سأفارق القرية وأحرم من مشاهدتك عند ذلك. ~~- ليتني كنت أستطيع أن أقوم بالعناية بك بنفسي وتمريضك مدة إقامتك هنا، فكنت أجد في ذلك ~~كل لذة، ولكن العادات لا تجيز لنا حتى خدمة الإنسانية المعذبة. ~~- بئس العادات؛ فإننا لولاها لكنا أسعد الناس، ولم يكن في حديثي معك ما نؤاخذ عليه أو ~~يدعو إلى الريبة، بل إن محادثة فتاة نبيلة مثلك ترفع النفس وتلجم اللسان عن التفوه ببذيء ~~الألفاظ وتدمث الأخلاق، ولكن ثقي بأن هذه القيود سوف تزول بالتدريج، فأنا أعرف أن شبان ~~المسلمين في المدرسة كلهم متحمسون مثلنا لفك هذه القيود، وللخروج من سجن العبودية المظلم ~~إلى نور الحرية وعالم المساواة والإخاء. ~~- ولكن الدين يمنع اختلاط الجنسين. ~~- لا أرى رأيك في هذا الأمر، والناس يؤولون أقوال الكتب المنزلة حسبما يتراءى لهم. نعم ~~إنني أوافقك على عدم جواز التعجيل بفك القيود دفعة واحدة، ولكن العلم يزيل الجهل والتعصب ~~الذميم، ويبطل كثيرا من القيود التقليدية التي تفصلنا الآن، والتهذيب يزيل ما علق ms21 في ~~النفوس من الفساد ويرفع مستوى الأخلاق؛ إذ ما يمنع أن أكون صديقا لك كما أنا صديق لأخيك؟! ~~أما منع اختلاط الجنسين لمنع الشر والفساد فهذا لا يأتي بالفائدة؛ لأن الممنوع مرغوب فيه، ~~بل إن اجتماع الجنسين يزيل الميل البهيمي، والحشمة أقوى من الحجاب، والمرأة الشريفة ~~العاقلة تحترم نفسها وتحافظ على كرامتها من الامتهان، فلا تشجع الرجل على التهجم عليها، بل ~~تجعله يحترمها ويحبها لسمو أدبها أكثر مما يحبها لجمالها، ونحن نعتقد أن حبس النساء في ~~المنزل لا يمنع عنهن الشر، بل إن ذلك يقوي فيهن الميل إلى الخروج من هذا السجن الضيق، ~~فإذا سنحت لهن الفرصة كن أسرع إلى الشر من المتبرجات. وهناك مثال أقدمه لك؛ فإننا نحن ~~في مدرستنا نعطى الحرية التامة ونعامل كرجال أحرار، ومع أنه يجري أمور كثيرة في المدرسة ~~لا تحمد مغبتها، فإن مستوى الأخلاق عند متخرجي مدرستنا أعلى من مستوى أخلاق متخرجي المدارس ~~الأخرى التي تشدد على التلامذة كثيرا؛ وذلك لأن التلامذة في مدرستنا يعودون على ~~الاستقلال والاعتماد على النفس صغارا، فإذا خرجوا من المدرسة إلى العالم لم تبطرهم الحرية، ~~ولا استسلموا للشهوات والأباطيل. وهكذا تكون الحال لو أفسح المجال للبنات، وأطلقت لهن ~~الحرية ضمن حدود الحشمة وتحت رعاية والديهن، وأحطن بجو صالح من الفضيلة والعفاف. # كان لهذا الحديث أفضل وقع في نفس هيفاء، وكانت تربيتها لا تسمح لها بالتمادي أكثر، وخافت ~~أن تطيل مكثها لدى سليم فيحضر من يراها هنالك، فخرجت إلى غرفة ثانية؛ لترى من النافذة إذا ~~كان أحد قادما، تاركة سليم غارقا في تأملاته، وقد شعر أن قلبه يخفق خفقانا ~~شديدا. # لم ير بين جميلات زحلة وبيروت ممن عرفهن من ارتاح إلى رؤيتها، كما ارتاحت نفسه في تلك ~~البرهة إلى حسناء العمروسة؛ فقد رأى في محياها الوسيم وجمالها الطاهر آيات من الجمال، ~~يفهمها من قرأ سفر المحبة واطلع على أسرار الغرام. # فكأن في كل حركة من حركاتها وسكنة من سكناتها آية من الآيات التي تبهر العقل وتأخذ بمجامع ~~النفس. # عادت هيفاء ms22 بعد أن تأكدت أن لا خطر عليها من البقاء بضع دقائق أخرى تسمع من أقوال سليم ~~ما انغرس في فؤادها وطبع في ذاكرتها، وأحست أن هنالك قوة داخلية تدفعها إلى حيث كان، ~~فلم تتأخر أن دخلت فبادرها بقوله: «ليتني كنت على غير هذه الحال فأقابلك كما تستحقين.» ~~فتورد خداها؛ لأنها قرأت بين عينيه الوضاءتين ما كان يجول في خاطره، وللقلوب لغة تتفاهم ~~بها دون أن تنطق الشفتان، ولكن الحب الشريف يقترن بالحشمة والعفاف، فيقف المحبان عند حد ~~المودة والعفاف وهما مشمولان بالحب، تحيط بهما المسرة والهناء. # تذكرت هيفاء في تلك اللحظة الشاعر، فقالت: سمعت أنك تجيد النظم والشعر ريحانة النفوس، ~~وكنت أود أن أسمع منك شيئا من منظومك، أو أحصل عليه مكتوبا فأتلوه في ساعات الوحدة، ~~فليس كالشعر الرقيق محركا للنفس، منهضا للعزائم مرقيا للأفكار؛ ولذا تراني قد حفظت كل ما ~~وقع تحت يدي من المنظوم، فأنا أحفظ أشعار الفارض ومنتخبات أشعار أدبية والبردة، وبعض ~~الأشعار العصرية. # قال: وهل تقرئين الجرائد والمجلات العصرية؟ # قالت: لا يوجد لدينا منها شيء إلا ما يقع تحت يدي عرضا من حين إلى آخر، فإذا توفقت إلى ~~شيء من ذلك أتلوه بلهفة وشوق. # قال: سوف أهدي شقيقك جريدة يومية ومجلة شهرية وبعض الكتب الأدبية، فتستطيعين أن ~~تطالعيها وتطلعي على أمور العالم إجمالا، فأكون قد وفيت بعض ما علي من الدين لهذا البيت ~~الكريم. # قالت: «هذا خير ما أريد، وحبذا لو استطعت أن أدخل مدرسة عالية حيث أتلقى العلم الذي ~~تتعطش إليه نفسي.» ~~- خاطبي والدك بالأمر، فلا أخاله يرفض مثل هذا الطلب. ~~- بل والدي لا يسمح بذهابي خارج المنزل إلا مع والدتي، أو صحبة الخادم العجوز التي ~~ربتني، ولا يرغب في ذهابي خارج البيت إلا إلى الكرم أو البستان. ~~- ليتني كنت أستطيع أن أخاطبه بشأنك. ~~- إذن بي إليك حاجة. ~~- وما هي؟ فإنني طوع أمرك. ~~- هي أنني أرغب في الدخول إلى مدرسة عالية دون أن يعلم أحد من أهلي بمحل وجودي؛ لأنهم ~~كلهم ضد فكرة تعليم البنات ms23 . ~~- هذا ما لا أستطيعه؛ إذ أكون ناكرا للجميل، خائنا لعهد المودة والإخلاص؛ لأن الناس ~~إذا عرفوا أن سليم إلياس اختفى بهيفاء الهلالي تقولوا بشأننا، وعدوا عملي خيانة. ~~وفرارك مع أجنبي عار وشنار تلحق وصمته بوالديك الكريمين، ولا يصدق أحد أنك إنما سرت ~~معي لغرض شريف وغاية نبيلة، فإذا كنت تطلبين العلم فخاطبي والدتك بالأمر لعلها تساعدك، وأنا ~~أضمن لك مساعدة والدتي إذا قدر لك النجاح، ولي ابنة عم في مدرسة الأميركان تكون لك أعز ~~من أخت، أو إذا شئت الدخول في أي مدرسة أخرى فكلنا نستطيع مساعدتك، وأنا أضمن نجاحك؛ لأنك ~~وأنت بعيدة عن وسائل العلم ومناهل المعرفة تظهرين من الرغبة ما تظهرين رغم ما يعترض سبيلك ~~من العقبات. # قالت: «إن أبي وأمي وأخي جميعهم يعتقدون أنني لم أخلق للمدرسة، وهم من الآن يهتمون في ~~أمر زواجي، وأنا أكره إرغامي على الزواج بمن لا تروق عشرته لي ولا أزال صغيرة السن، فإذا ~~أتيح لي فرصة للتعليم نلت ما تطمح إليه النفس.» # قال: جربي أولا إقناع أهلك ونرى بعدئذ ما يكون. # ودعت هيفاء سليم بعد أن جرى بينهما هذا الحديث الطويل، وهي تود ألا تخرج من أمامه ~~لولا خوفها من الفضيحة والعار، وكان هو أكثر منها قلقا؛ لأنه كان يعتقد أن وجودها في ~~غرفته باعث للريبة مع أنه كان سعيدا جدا برؤيتها، مبتهجا بسماع كل كلمة من ~~كلماتها. # مر عليه يومان كانا كأنهما سنتان، لم ير في خلالهما هيفاء ولا علم شيئا عن ~~والده. # وفي صباح اليوم الثالث حضر الطبيب ونزع الرباط وطمأنه بأنه يستطيع أن يغادر العمروسة بعد ~~أسبوع؛ لأن الكسر قد جبر وأنه يستطيع القيام قليلا في غرفته والمشي خطوة بعد أخرى، وبينما ~~هو يحاول القيام، إذ لم يكن أحد في المنزل، شعر بحركة خارج الغرفة، ثم سمع صوتا لطيفا، ~~يقول: «الحمد لله على السلامة.» فالتفت إلى الوراء ورأى هيفاء تبتسم له، وتقول: «شاء الحظ ~~أن يخدمني اليوم أيضا، فأنا وحدي الآن هنا، وقد جئت لأرى ماذا تحتاج إليه ms24 من الخدمات، ~~ولأرى إذا كنت رأيت شيئا في قريتنا حرك قريحتك الوقادة فأسمع منك ما يحلو ويطيب.» # قال: أي شعر ينظمه رجل متألم موجوع؟! # قالت: يظهر أن قريتنا لا تحرك القريحة الشعرية، ومن فيها لا يستحقون نظم الشعر، وسكتت ~~قليلا. # فحار سليم في أمره، وقال: لا، بل أرجو أن تسنح لي فرصة أخرى أكون فيها صحيح الجسم ~~والعقل، فأنظم في وصف العمروسة ومن فيها من الشعر ما يليق بالمنظوم لأجلهم، والآن ما لنا ~~وللشعر، فالشعراء في كل واد يهيمون، وأنا الآن كطير في قفص لا يحلو له التغريد، فدعينا من ~~الشعر وأخبريني هل نجحت مع والدتك ورضيت أن ترسلك إلى المدرسة؟ # قالت: لا، بل إن والدي لم يسمحا لي بذلك، ولما فاتحت شقيقي بالأمر هزأ بي، وقال: إنه ~~سوف يرسلني إلى مدرسة العالم أتعلم فيها الأمومة عند زوج غني، وأنا أعلم ذلك الزوج المقصود، ~~فهو خامل الذكر مجرم أثيم، جمع من المال مبلغا كبيرا جله، اجتمع لديه من عرق الفلاحين ~~المساكين الذين كانوا يشتغلون له ليلا ونهارا، ثم يأكل أجورهم وتعبهم متعللا تارة ~~برداءة العمل، وأخرى بمحل الموسم أو الخسارة، وهو معروف بلؤم طباعه وخسته، ويقال: إنه كان ~~في بادئ أمره سفاحا أثيما، فلما جمع ثروته أخذ يتظاهر بالوجاهة، وما هو إلا أفاك ~~لئيم. ~~- ولكن الناس إذا رأوا رجلا غنيا احترموه وأحبوه دون أن يعلموا أو يبالوا بمعرفة ~~الطريقة التي توصل بها إلى غناه. ~~- لا وقت لدينا الآن للإطلالة، فأنا أثق بك وأعلم أنك كأبيك صدقا وإخلاصا، وحيث إنني ~~أطلعتك على سري فأرجو أن تمدني برأيك الصائب، ولا تتركني فريسة الأقدار؛ فإنني أفضل الموت ~~ألف مرة على أن أكون زوجة لذلك الغني الشرير، أو بالأحرى عبدة لشهواته فيلتصق اسمه ~~المخزي بي، وإنني أقول لك الحق الصراح، وهو أنك الوحيد الذي فاتحته بهذا الأمر الذي يتوقف ~~عليه مستقبل حياتي، ولا أعلم ما جرأني على ذلك أو دفعني إلى مثل هذا العمل، ولكن ما سمعته ~~عنك جعلني أن أثق بك وأعتمد عليك ms25 ، ففي كلمة منك سعادتي أو شقائي. # فأجاب سليم: «آه! ما أحرج مركزي الآن! فأنا بين عاملين؛ يدفعني الواحد لإنقاذك من هذه ~~الحالة الوبيلة، ويجعلني الآخر أنظر إلى الأمور نظرة عملية وأترك المسألة لتدبير الله ~~وشعور والديك، وما أخالهما يسمحان بشقائك إذا علما أن هذا الزواج لا يحلو في عينيك، ولا ~~أظنهما يرغمانك على قبول هذا الزوج اللئيم.» ~~- أنت لا تعلم العادات، فهما لا يرغمانني بالقوة، بل يجعلاني في حالة لا أستطيع معها ~~التخلص من هذا الزوج السمج الفظ، الذي يظن أن النساء إنما خلقن لخدمة الرجل وإشباع ~~شهواته، ولقد تزوج أربع نساء لا يستحق أن يكون خادما لإحداهن لو كان للأخلاق والصفات قيمة ~~عندنا، وهن الآن يندبن حظهن العاثر، وطلق إحداهن منذ بضعة أيام بعد أن أشبعها إهانة ~~وعذابا، ولعل ذلك تمهيدا لزواجه الجديد. ~~- قاتله الله! فلن ينال قلامة ظفر منك. # قال سليم ذلك، وقد شعر بنار الغيرة تأكل قلبه، ودفعته الحماسة إلى أقصى حد؛ إذ تمثل ~~لديه ذلك الملاك الطاهر في قبضة شيطان رجيم وفاجر شرير، يذل نفسها ويميت عواطفها ~~الإنسانية، ويحط من أخلاقها العالية ويسبب لها الشقاء الأبدي. ثم عاد إلى نفسه، وقال: ~~إنني أتداخل بما لا يعنيني، وهذا يجر إلي مشاكل لا مبرر لها. ثم نظر إلى هيفاء فرأى نور ~~الذكاء يتوقد بين عينيها، وأثر الهمة والإقدام باديا عليها، فقال: وهل يليق أن تكون هذه ~~الفتاة الفتانة امرأة رجل لا يرعى حرمة، ولا يحترم النساء ولا العواطف، ولا يعرف للطهارة ~~والشرف معنى، ولم يعد يملك صوابه، فقال: لا تكونين - بإذن الله - إلا لمن تحبين وتريدين، ~~ولمن يجل مقامك ويرعى حرمتك، ويحبك حبا يقرب من العبادة، فلا يكون له إلاك، وتكونين أنت ~~ملاكه الحارس وفردوسه الأرضي، ومبعث سعادته وهنائه. # فدنت منه، وقالت بصوت خافت: «أواه! ليت ذلك ممكنا!» وأجهشت في البكاء، ثم عادت، فقالت ~~بصوت متهدج: «أنا أتعس بنات جنسي؛ لأنه قدر لي أن أحب من لا أستطيع أن أبادله الحب ~~وأشاطره حلو الحياة ومرها، جرح قلبي وهو ms26 لا يعلم بما فعل وتملك فؤادي وهو لا يبالي ~~بي.» # لم يعد سليم يستطيع السكوت، فقال: «بل هو يهواك بكل جارحة في الفؤاد، وهيهات أن ينساك ~~وإن يكن نصيبه منك البعاد.» ثم فتح يديه كأنه يحاول أن يضمها إليه، ثم تذكر مركزه ~~فعاد إلى الوراء قليلا ورآها ترتعش وقد ارتسمت على محياها دلائل المسرة والابتهاج ممتزجة ~~بالخوف والحذر، ثم قالت: «أواه! لقد تطوحت كثيرا وما كان يليق بي أن أفوه بمثل هذا ~~الكلام وأنت غريب عني للآن، ولكنني أرى أن قلبينا قريبان، ويكاد ما نفتكر به أن يكون ~~واحدا، والفكر والمبدأ إذا اتفقا في اثنين يجعلانهما أكثر قرابة من بعضهم البعض، ممن ~~تربطهم القرابة والنسب إذا كانوا مختلفين في المبادئ والأذواق والأفكار. والآن قل لي بربك ~~ماذا أعمل وكيف أنجو مما أنا فيه، فأنت أكبر مني عمرا وأكثر اختبارا، ولقد فتحت لي قلبك ~~فلا تستطيع أن تغلقه فيما بعد، وإذا لم يكن لنا سبيل للاتحاد في هذه الحياة، فليكن حبنا ~~الطاهر خير رابطة تربط القلبين برابطة الذكرى المفرحة، واعلم أينما سرت أن لك في العمروسة ~~أختا تسر بنجاحك وتبتهج بسعادتك، وتغتبط إذا سمعت عنك خيرا.» وهمت بالانصراف فلم تقو ~~رجلاها على حملها، ثم سمعت نقرا على البوابة الخارجية فأسرعت من داخل العلية الكبيرة إلى ~~داخل البيت، ثم سارت من الجهة المقابلة ففتحت للطارق، فإذا به الشيخ صالح. # وكان أبوها يشتغل في مناظرة فعلة يعملون في حقل له قريب من البيت، فبادرت هيفاء إلى حيث ~~كان ونادته ثم عادت إلى حجرتها تتأمل فيما جرى. # دخل الشيخ صالح على سليم فوجده جالسا على المقعد قلقا، فطيب خاطره حاسبا أنه متضايق ~~من الإقامة في تلك القرية، ثم جاء يوسف الهلالي فأقام الثلاثة يتكلمون في شئون مختلفة، ~~وبعد قليل قال الشيخ ليوسف: «إذا كان لديك شغل يوجب التفاتك للعمال فاذهب للحقل، وأنا أقيم ~~هنا مع سليم أفندي قليلا ريثما تعود.» فقال: إذن أترككما ساعة ثم أعود. # الشيخ الفاضل والشاب العاقل # افتتح الشيخ صالح الحديث ms27 ، فقال: «إن قلبي يطفح بشرا يا بني كلما شاهدتك، فأنت مثال ~~للشبان في أخلاقك وآدابك العالية واجتهادك؛ ولهذا جئت الآن لكي أراك وأباحثك في أمر ~~هام.» ~~- هذا فضل منك يا سيدي، والشاب العاقل هو من يحترم آراء الشيوخ ويعمل بنشاط ~~الشباب. ~~- يا بني، إن التكتم ليس إلا مكرا مضرا، فأنا أمقت التكتم والتستر، وسوف أفتح ~~لك قلبي وأود أن تصارحني الكلام. ~~- سمعا وطاعة سأكون عند إرادتك يا مولاي. ~~- ربما علمت بما كان من أمر العصابات واتهام محمد الهلالي وغيره، ولقد قدر لهذا ~~العاجز أن يخدم بلاده وبني جنسه خدمات إذا لم تثمر كثيرا، فأقل ما يقال فيها إنها ~~كانت صادرة عن إخلاص. # تذكر يا بني ما جرى لنا من الحديث في العام الماضي، ولقد قلت حينئذ: إن الاتحاد لا ~~يكون إلا متى توفرت الوسائل وزالت أسباب النفور والاختلاف، فهاك ما جرى في هذا العام ~~من الحوادث، ألم يأت كله مصداقا لما قلت؟ ألم تكن أعمال العصابات دليلا على فساد ~~الأخلاق ووجود التعصب الذميم؟ ومن هو الذي ينفخ في بوق التعصب، هل من مصلحة أولئك ~~الفقراء الصعاليك الذين ليسوا إلا آلات مسخرة، أم هو من مصلحة الناس الآمنين في ~~بيوتهم العاملين بجد ونشاط، أن يكون مثل هذا الخلاف المستفحل والشر الذي استعصى داؤه ~~ودواؤه؟ إذن أنا منبئك بشيء لست تعرفه. # كاد محمد الهلالي أن يقع في فخ بعض الزعماء ولولا تدخلي في الأمر قبل استفحال الشر، ~~لكان الآن أكبر زعيم للصوص وقطاع الطرق والأشرار، وكانت آخرته إما صريعا من يد شقي ~~آخر أو طريحا في السجون مكبلا بالحديد، ولكنني تمكنت من إقناعه بالعدول عن هذه ~~الخطة، فثاب إلى رشده وعاد أبناء قريتنا كل إلى عمله، وإنني واثق - كل الثقة - أن ~~قريتنا الصغيرة أفضل قرى البقاع حالا، وأوفرها غنى وأكثرها مواشي، والفضل في ذلك عائد ~~إلى انصراف الأهالي لأعمال الزراعة بهمة ونشاط، وأصبح أهل القرية الآن أكثر الناس ~~كراهية للصوص، ألم تر كيف نكلوا بالأشقياء الذين حاولوا سلبكما أنت ووالدك؟ وهنالك ~~أمر ms28 لا أعرف إذا كنت عرفت حقيقته، وهو أن اثنين من شبان القرية كانا يحاولان ~~ترصدكما وأنتما عائدان إلى زحلة، وسلبكما مالكما وإيقاع الأذى بكما؛ اعتقادا منهما ~~أنهما بذلك يخدمان الإسلام والمسلمين، ويحفظان هيبة الطائفة وينتقمان من أعدائهما ~~بإيذاء مسيحيين، فلما علمت بأمرهما دعوتهما ووبختهما، فندما على ما فرط منهما وأصبح أهل ~~القرية اليوم بعد أن جمعتهم وشرحت لهم ما نالني في أسفاري وغربتي مدة عشرين سنة في ~~أكثر بلدان الشرق، وبعض بلدان المغرب من غير الدهر وعبره، وما رأيت من فضل الاتحاد ~~وشر التحزب والتفرق أشد الناس تمسكا بالاتحاد، واعتقادا بأن الناس إخوان وأن كل ~~إنسان يجب عليه أن يعمل على قدر طاقته في سبيل الإصلاح لا متواكلا معتمدا على ~~سواه. # وقد بينت لأهل القرية أن إيواء اللصوص ومساعدة الأشرار إذا كانوا من طائفتنا لا ~~خير فيهما؛ لأن ذلك يشجع غيرهم على الانضمام إليهم، وبالتالي يكثر المجرمون والأشرار في ~~الطائفة ويبعث في نفوس الطوائف الأخرى على الكراهية والمقت، فضلا عن الخوف منا، ~~فيؤلفون العصابات مثلنا لمقاومة أشرارنا، فنكون أكبر معوان على الشر وفساد الأخلاق، ~~وهدم ما قام به السلف الصالح من المدنية والعمران، بيد أننا لو كنا حربا على الأشرار ~~لما تجرأ شرير أن يعتدي على بريء، ولعاش الناس سعداء أحرارا يعاون الواحد الآخر، ~~ويعمل الكل على استجرار المنفعة لنفسه ولأخيه، ثم تمثلت بكما، إذ قلت: هاكم سمعان ~~إلياس وابنه فإنهما أحب إلي من أهلي، فهما أكثر الناس نفعا لقريتنا الصغيرة مع ~~أنهما مسيحيان لا تربطنا بهما رابطة قرابة ولا علاقة طائفية، ولكن الناس إخوان والدين ~~المعاملة، فهل رأى أحد أهل قريتنا في هذا التاجر إلا الخير والنفع؟ هل قصده أحد لأمر ~~إلا وساعده؟ وهل رأيتم في نجله إلا فتى كبير الهمة، صحيح العقل، ماضي العزيمة، يسير ~~على خطوات أبيه في حبه للخير وخدمة الناس، وهو مع حداثة سنه ملم بالعلوم العقلية ~~والنقلية إلماما يجعله مستعدا لتقلد أكبر المناصب، فهل تعلمون السبب في ذلك؟ فسكت ~~الحاضرون، وقلت: إن ما جعل ms29 هذين الرجلين كما هو أخلاقهما العالية، والعلم الذي جعلهما ~~عاملين شريفين يعملان لتحصيل المال وإنفاقه في أقوم السبل، والله إنني لم أر أكرم ~~منهما نفسا ولا أقل منهما ادعاء، ولقد استفز هذا الكلام صاحب الدار، فقال: وما قولك ~~في إرسال محمد إلى المدرسة وهو الآن في الثانية والعشرين من عمره؟ فقلت: لا كبير على ~~العلم، ثم قال: وابنتي، وهي في الرابعة عشرة، هل تظن أن التعليم ينفعها؟ قلت: إن ~~تربية الأمة لا تكون إلا بتربية بناتها وتدميث أخلاقهن، وتعليمهن العلوم التي ~~تؤهلهن لتربية رجال الأمة. والآن ما رأيك يا بني فيما قلت؟ وهل تعرف مدرسة تناسب ~~محمد وأخرى تناسب هيفاء بنت صاحب الدار؟ ولقد بلغني أنها تحسن القراءة والكتابة، وقد ~~اطلعت على كتاب كتبته لأبيها مرة يدل على استعداد فطري نادر. # فأبرقت أسرة سليم، وقال: إن ما يراه الشيخ هو خير ما أراه، ولقد تفضلت يا مولاي ~~فجعلت لنا مقاما لا نستحقه، وأنت البادئ بالفضل والإحسان، فما فعله والدي كان لمصلحته ~~الخاصة، وأما أنت فقد صنعت جميلا لأهل قريتك وأحسنت الظن بنا حبا بالخير، ولو ~~كان يوجد كثيرون مثلك في هذه الديار لما كنا كما نحن الآن، ولكنني أرى أن آمالنا ~~أصبحت قريبة المنال بفضل من هم مثلك علما وفضلا واختبارا. # أما ما تسألني عنه بشأن محمد وشقيقته فالمدارس كثيرة، وأنا أفضل المدارس الأميركية ~~أو المدارس العالية التي يديرها بعض الوطنيين، الذين تربوا في المدارس الأميركية ~~وأشربوا روح تلك الأمة العظيمة وتعاليمها، وقدموا الوطنية والأخلاق العالية على كل ~~اعتبار؛ لأن الأميركيين لا غاية سياسية لهم عندنا، وهنالك مدارس للبنات توافق ابنة ~~صاحبنا الهلالي، وهذه المدارس تعلم البنات مبادئ العلوم العصرية، وتثقف عقولهن ~~وتربيهن التربية القويمة، وتعدهن لتكن زوجات صالحات وأمهات فاضلات، ونساء يفتخر ~~الوطن بانتمائهن إليه، ولا أخفي عليك أمرا، ربما لا تعرفه، وهو أن الفضل في تربيتي ~~وتعليمي العلوم العالية راجع إلى والدتي بالأكثر؛ لأن أبي كان يرغب أن أنضم إليه حينما ~~انتهيت من الدروس الابتدائية، ولكن والدتي، التي ms30 كانت قد أرضعتني حب العلم منذ الصغر، ~~واهتمت بتربيتي اهتماما عظيما، ألحت على والدي أن يرسلني إلى الكلية، ووعدته أن ~~تقتصد من مصروف المنزل وتقطع عن نفسها من الزينة والملبوس، وغير ذلك ما يكفي لسد نفقات ~~المدرسة، وهكذا تمكنت بفضل والدتي العاقلة من استئناف الدرس. # فقال الشيخ: «نعم الأم ونعم الأب والابن، وما أسعد البيت الذي تكون ربته خير رفيق ~~ومعوان لزوجها، وأكبر معلم ومرشد لأولادها! فحيث تعلمت والدتك فهنالك تتعلم هيفاء، وما ~~العبرة يا بني بالمدرسة، بل باستعداد الطالبة ورغبتها، فالمدرسة تمهد السبيل أمام ~~الطلاب وعليهم هم التحصيل، فمن أحب العلم ورغب فيه نال منه ما أراد، وسوف يعود رب الدار ~~عما قليل فساعدني على إقناعه.» # وشعر سليم في تلك اللحظة بوقع خطوات خفيفة في الغرفة المحاذية، فعلم أن هيفاء كانت ~~تنصت لأقوالهما وتسمع ما دار بينهما من الحديث فاغتبط؛ لأنه علم أنها ستنال ما تطلب ~~وترغب فيه. # ثم جاء يوسف الهلالي ففاتحه الشيخ صالح بأمر تعليم ولديه، وما كان من رأي سليم ~~فأظهر الميل إلى ذلك، ولكنه استصعب إدخال محمد إلى المدرسة وهو في الثانية والعشرين من ~~عمره، أما بشأن ابنته، فقال: إنها أصبحت كبيرة على المدرسة ولا يرى فائدة من إرسالها ~~خارج البيت؛ لأن ذلك يضحك أبناء القرية ويبعث على استخفافهم به والسخرية منه، فضلا عن ~~أن هنالك من يود الاقتران بابنته، وقد عرض مهرا يوازي أضعاف ما يأخذه غيره من ~~الوالدين مهرا لبناتهم. # فضحك الشيخ، وقال: ومن هذا الزوج الذي تود أن تبيعه ابنتك بأقل مما تباع به فرس أو ~~بغلة، ثم تقول إنك والد كريم تحب أولادك وتسعى إلى خيرهم، وتحرم ابنتك وفلذة كبدك من ~~العلم والفضل؛ لأجل زوج كهذا تخشى أن يفلت منك، فمن هو يا ترى؟! # قال: هو سلمان أحمد، صاحب الأراضي الواسعة والثروة الكبيرة، وأخشى من أن ابنتي تذهب ~~إلى المدرسة فتحرم من مثل هذا النصيب، فانتصب الشيخ صالح واقفا، وقال: «أف لك يا ~~يوسف! أترضى أن تكون ابنتك الوحيدة المحبوبة امرأة ms31 رجل كسلمان، لا تجهل أنت كيف جمع ~~ماله بطرقه الدنيئة، وهو أخبث رجل عرفته نفسا وأحط قدرا، فالمال لا يشتري السعادة ~~والهناء ولا يرفع قيمة الإنسان، فضلا عن أن صاحبك متزوج وله أربع زوجات عدا ~~المحظيات، وإنه لو كان عندي عبدة ربيت في بيتي لما رضيت أن أعطيها لهذا الوغد الزنيم، ~~فكيف ترضى أن تجعل ابنتك تعسة كل أيام حياتها من أجل بضع ليرات، واعلم أنك إن زوجتها ~~بمثل هذا الرجل الفاسق، جلبت على نفسك العار وعلى أهلك التعاسة والشقاء، فكيف تكون ~~ابنتك راضية بهذا الزواج، وهي تجد أمامها رجلا فاسقا قاسي القلب، عديم الذمة ~~والمروءة، لا هم له إلا إشباع بطنه وشهواته، وهو ينظر إلى النساء كما ينظر إلى ~~الأنعام فدونك، وهذا الزواج الفاسد إذا كنت تريد لابنتك خيرا ولنفسك وأهلك راحة وصفاء. ~~فإذا شئت التخلص من وعدك، ابعث بابنتك إلى المدرسة تشتري لها ولأهلك الراحة والسعادة ~~بثمن قليل.» # الوداع # كان سليم على أحر من الجمر في ذلك الأسبوع؛ فقد برح به الشوق إلى والدته وأهله كما ~~أخذ يشعر بحب حقيقي لتلك القرية الجميلة ومن فيها، وأصبح لا يفكر بشيء كما يفكر برؤية ~~هيفاء قبل الفراق. # مضى عليه يومان لم يخل بنفسه ولا تركه الضيوف وأصحاب الدار ساعة واحدة منفردا، وفي ~~اليوم الثالث شعر أنه يستطيع أن يمشي قليلا مستعينا بعكاز، فخرج إلى البستان المجاور ~~للبيت وجلس تحت ظل شجرة صفصاف كبيرة يتأمل في الماء المتدفق أمامه، وكان يوسف في ذلك ~~الوقت قد أخذ بعض العمال، وذهب إلى كرم بعيد عن البيت فلم يكن أحد قريبا من سليم، ~~وبينما هو كذلك، إذ سمع وقع أقدام ورأى هيفاء مقبلة نحوه وهي تميس بين الأشجار كأنها ~~عود بان. # فخفق قلبه وشعر أن لبه قد طار، ثم أقبلت نحوه وحيته بصوتها العذب الذي كان ~~يضرب على أوتار قلبه فيرن رنات أين منها رنات المثاني والعود! # فحيته وشكرت الله على سلامته، فأجابها بأحسن تحية، وقال: وهل مثل هذا الموقف لا يعيد ~~الحياة إلى ms32 الموتى، فكيف بي وأنا أراك واقفة أمامي وقد اجتمع ما تمناه الشاعر مما ينفي ~~عن القلب الحزن ويطرب له الفؤاد. # قالت: هذا ما خطر لي حينما رأيتك واقفا أمام الماء في ظل هذه الصفصافة الغضة ينبعث ~~السرور من محياك، فهل هذا لأنك مفارقنا عن قريب أم عادت إليك العافية فسررت، وحسن لديك ~~منظر بستاننا الصغير. # قال: بل كل شيء عندكم جميل والطبيعة تحب التناسق، وكأن الله شاء أن يجمع في بيتكم ~~وما حوله جمال ما صنعت يداه، والآن اسمحي لي أن أبشرك بأن أباك رضي أو قد يرضى بإرسالك ~~إلى المدرسة، وتعهد الشيخ صالح بإقناعه، وأنا تعهدت بتدبير المدرسة وتسهيل وسائل ~~التحصيل. # قالت: سمعت ما دار بينك وبين الشيخ بالصدفة، فجزاكما الله عني خيرا، وإن والدي لم ~~يعد يهتم بذلك الغني الشرير الذي طالما ألح علي بقبوله، فإذا وفقني الله ودخلت ~~المدرسة كنت أسعد الفتيات. # لا أستطيع الوقوف هنا طويلا، ولكنني غدا سأراك على انفراد؛ لأن أبي وشقيقي ذاهبان ~~إلى بعلبك بدعوة خاصة لحضور عقد زواج نسيب لنا هنالك، وربما صحبتهما والدتي أيضا ~~فأستودعك الله إلى اللقاء، وسارت يتبعها بنظراته وأفكاره وفؤاده الملهوف، وهو يسمع خرير ~~المياه ولا يرى أمامه إلا شكل المحبوب يملأ الفضاء، مضى ذلك اليوم وكأنه جيل على ~~سليم. وفي صباح اليوم التالي، بينما كان منفردا في غرفته يفكر في لقاء هيفاء، إذا به ~~يسمع وقع حوافر الخيل، فأطل من النافذة ورأى ثلاثة جياد، فعلم أن الوالدة ذاهبة ~~أيضا فرقص قلبه لذلك، وما ابتعد وقع حوافر الخيل حتى أقبلت هيفاء عليه، وكانت هذه ~~المرة أجمل في عينيه من كل مرة أخرى فنهض مسلما، وقال: «يعز علي أن أفارق هذا ~~البيت قريبا، ولكنني سأترك فيه فؤادي الذي لا يستطيع مغادرة العمروسة، ومتى حرمت ~~الفؤاد فماذا بقي مني؟ أواه! ليتني أستطيع أن أبقى هنا أراك إذا سرت، فأطرب لرؤياك ~~وتلذ لي الحياة بقربك، فالوداع الوداع، لقد قضي علينا أن نفترق بجسمينا، وأما قلبانا ~~فسيبقيان مجتمعين وروحانا متمازجين إلى أن ms33 نجتمع بعد القبر حيث لا فراق، أو يجمعنا ~~التوفيق حيث يحلو اللقاء، قاتل الله التقاليد فإنها فرقت بيننا وحرمتنا لذة الاجتماع ~~وسعادة الحياة.» فأجابته هيفاء: «سنفترق عن قريب، وقد يكون هذا الاجتماع آخر فرصة تسنح ~~باللقاء، ولكن ثق أن هيفاء لا تنساك وتنسى هذه الأخلاق العالية، واعلم أنك أنت الذي ~~حببت لي المدرسة، وجعلتني أرى نور العلم الوضاء. وما نفع الحياة مع رجل شرير لا هم له ~~إلا الأكل والشرب، فهو كالبهيم لا يعرف معنى للاجتماع، ولقد اطلعت على مقالات في ~~المجلة التي وصلتك منذ بضعة أيام في الأدب والاجتماع، فصرت لا يطيب لي العيش إلا في ~~وسط من يفهم معنى هذه الأوضاع، فليتك تعدني أن تساعدني على الخروج من هذا المأزق ~~الحرج إذا رفض والدي أن يرسلني إلى المدرسة، وشاء أن يزوجني بذلك البهيم الذي تراه في ~~صورة إنسان، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، وهل تلام إذا ساعدت فتاة تطلب العلم ~~إذا حققت رغباتها وسهلت عليها السبيل.» # فأجابها سليم متأثرا: «مهلا يا هيفاء، سوف أبذل الجهد في رضاك وعمل ما يسعدك حالا، ~~ولا أرى أصلح من الشيخ صالح لإخراجك من الظلمة إلى النور، فربما يساعدنا على تحقيق ~~الآمال.» # ثم وقف الاثنان، وفي صدر كل منهما نار آكلة، ولكن نفسيهما الشريفتين أبتا عليهما ~~أن يزيدا على ما كان، فمد سليم يده مصافحا، وقال: هل تسمحين لي أن أصافحك كأخ يودع ~~أخته العزيزة عند الفراق؟ فمدت يدها فتعاهدا على ألا ينسى الواحد منهما الآخر حتى ~~الممات، وشعر كل منهما باللهيب المتصاعد من صدر الآخر، ولكنهما لم يزيدا تلك النار ~~استعارا. # | الفصل الخامس # الوالدة وابنها # ليس من يجهل رقة عواطف الأم وحنوها وتفانيها في سبيل أولادها، فكيف بها إذا كانت كأم ~~سليم على جانب عظيم من العلم والفضل ورقة العواطف والانعطاف. # كانت على أحر من الجمر لغياب ابنها عنها، وهي تسأل زوجها كل يوم عنه، وهو يحاول أن يجد ~~الأعذار لتغيب سليم مخافة أن تعلم والدته بأمره فلا ترضى أن ms34 تتركه وحده حيث هو، ولم يكن ~~يرغب في أن تذهب إلى «العمروسة»؛ خوفا من ألا توافقها الإقامة أو لا تطيب لها عشرة ~~نسائها، ولم يكن يعلم شيئا من أمر هيفاء وأمها؛ وإلا لما تأخر عن إنباء امرأته بما كان، ~~والسماح لها بالذهاب إلى حيث تستطيع أن تمد يدها لمساعدة وحيدها الذي تفديه بالروح. # وحدث أن سليما أرسل كتابا لوالده مع أحد أهل العمروسة الذي ذهب إلى زحلة لقضاء بعض ~~الحاجات، فلم يجد الرجل سمعان إلياس في محله، فقصده إلى منزله، فعلم منه أهل الدار بما كان، ~~ولكن طمأنهم أن الطبيب سيسمح لسليم بالعودة قريبا، فقلقت والدة سليم وأرسلت، فاستدعت ~~زوجها، وأعربت عن كدرها الشديد لعدم إخبارها بما كان، وقالت: كيف يصاب ابني الحبيب بمكروه ~~ولا أكون إلى جانبه أضمد جراحه وأسليه في وحدته؟ آه! ما أقسى قلوب الرجال! كيف تكتم عني مثل ~~هذا الخبر؟ والآن يجب أن أذهب حالا إلى حيث يكون ابني وآتي به بأول فرصة ممكنة، فلا يقيم ~~بين أولئك القساة القلوب. # قال: «بل هم أعطف من أهله عليه وأطيب الناس أخلاقا، ومتى عرفت الحقيقة من سليم تجدين ~~أن الجماعة الذين أقام بينهم هم مثل أهله يعاملونه كما نعامله نحن لو كان بيننا.» فأصرت ~~على الذهاب، وأخيرا رضخ لإرادتها راجيا أن تنتظر إلى صباح اليوم التالي ريثما يدبر ~~أشغاله، ويرسل خبرا لسليم وأصحاب الدار التي يقيم فيها، ويعد عربة توصلهما إلى أقرب نقطة ~~تسير فيها العربة، ويوصي على جوادين يقابلونهما إلى هناك، واشترى سمعان هدايا فاخرة لصاحبه ~~يوسف وأهل بيته، وأرسلها مع المكاري. # وفي صباح اليوم التالي ذهب مع امرأته إلى العمروسة، وكان سليم ينتظرهما على أحر من ~~الجمر، فلما وصلت والدته ووجدت دلائل الصحة والعافية بادية عليه سري عنها، وشكرت أهل البيت ~~لعنايتهم به. # وأقبل أهل القرية للسلام على سمعان وامرأته، فكان الرجال يقصدون علية كبيرة فرشت ~~بالسجاد، ووضع على أرضها طنافس مختلفة وما يسمونه في تلك الجهة «طراريح» كثيرة حول الغرفة ~~وقرب العامود الذي يتوسطها، وكانت ms35 النساء في مقصورة الحريم التي يفصلها فاصل خشبي عن محل ~~إقامة الرجال، فلقي والد سليم ووالدته من الإكرام ما جعلهما يشكران أهل القرية، وشعرت والدة ~~سليم بعطف خاص نحو أهل تلك القرية، وأحبت امرأة يوسف الهلالي وابنتها اللطيفة حبا ~~جما، ولما اجتمعت في المساء بزوجها وابنها على انفراد أعربت عن سرورها، وقالت: إنها لم ~~تكن تظن أنها ستجد في تلك القرية النائية عن العمران مثل هذا النظام والتدبير في المنزل، ~~وكانت قد شاهدت بستان صاحب الدار الكائن أمام منزله، وهو يروى من ماء نبع غزير يمر في وسطه، ~~فأعجبها تنسيق الأشجار، ولحظت الفرق بين هذا البستان في ترتيب الأشجار وعدم الإكثار من ~~الزرع وحسن الذوق في اختيار المتناسبات وبين بقية البساتين التي مرت بها في الطريق، وكانت ~~قد سمعت عن الشيخ صالح وماله من التأثير على أهل قريته، فقالت: لا بد أن يكون لهذا الرجل ~~الصالح نفوذ أدبي كبير على أهل قريته فهو بعلمه وفضله وسعة اطلاعه وما شهده في الخارج كان ~~أكبر معوان لأهل القرية على إصلاح أمورهم وانصرافهم للأعمال المنتجة مستعينين بأفضل الطرق ~~وأتمها نظاما. # وأعجبت أم سليم بامرأة مضيفها وابنتها، ولم تكن تعلم بأية علاقة بين الفتاة وابنها، ~~فانفردت به يوما، وقالت: لم أكن أظن يا بني أنك تقيم بين قوم متمدنين، بل كنت أحسب أهل هذه ~~القرية فلاحين قذرين - كما يظن أكثر الناس - ولكنني وجدت أهل هذا البيت على خلاف ذلك، فهم ~~لا يفرقون في شيء عن أهل زحلة من حيث النظافة وحسن الضيافة، وإن اختلفوا عنهم قليلا في ~~العادات، وامتدحت أمامه صاحبة الدار وابنتها التي قالت: إنها أحبتها كواحدة من أهلها، وشعرت ~~من أول نظرة أن هنالك جاذبا قويا يربطها بها، وأخبرته أن الفتاة تميل إلى دخول ~~المدرسة، وأنها أقنعت والدتها بفائدة ذلك، ووعدتها أنها إذا قبلت تأخذها معها إلى بيروت، ~~وتجعلها تحت عنايتها مدة إقامتها هنالك كما لو كانت ابنتها، فطربت الفتاة لذلك، وأما أمها ~~فبقيت صامتة، ولكنها شكرت أم سليم لاهتمامها بالأمر. # نزلت ms36 هذه الكلمات على قلب سليم نزول المطر على الأرض العطشانة، وأصبح أمله كبيرا بأن ~~تفوز هيفاء بأمانيها وتحقق رغائبها، وتسنح لها الفرصة التي ترتجيها للدخول إلى المدرسة، ~~فتظهر عبقريتها وما فيها من ذكاء. # وفي اليوم التالي لهذا الحديث برح سمعان إلياس وزوجته وابنه العمروسة شاكرين أهلها - ~~وخصوصا آل الهلالي - لما لقوه في منزلهم من الكرم والإكرام، وتمنوا لو كان لهم حظ أوفر ~~بالبقاء أياما في تلك القرية الجميلة، ودعوهم أخيرا للذهاب إلى زحلة؛ حيث يكونون أعز ~~الأضياف عليهم وأقرب الناس إليهم. # المدرسة # في أوائل شهر أكتوبر قبل افتتاح المدارس ببضعة أيام، بينما كان سمعان إلياس وأهل بيته ~~جالسين في صباح ذات يوم على شرفة منزلهم، يتناولون قهوة الصباح، وإذا بهم ينظرون رجلا ~~وامرأتين مسلمتين من بعيد، وهم يدنون نحو منزلهم، فنهض سليم لفتح البوابة، وكان قلبه ~~دليله، وقامت والدته لإعداد ما يلزم، ولما تبين أهل الدار القادمين خف سمعان إلياس ~~نحو صديقه يوسف الهلالي، فحياه ورحب به وبمن معه، ودعاهم للدخول إلى المنزل، ثم ~~أقبلت أم سليم ترحب بالسيدتين، وأدخلتهما على الرحب والسعة، وأظهر جميع أهل البيت مزيد ~~السرور بالضيوف الكرام. # وبعد أن استقر المقام بالضيوف، رجا يوسف الهلالي أن يسمح له بمخاطبة ربة الدار، ~~فجاءت من الغرفة المجاورة؛ حيث كانت مع هيفاء وأمها، فجلست مع الرجال، ثم خاطبها يوسف ~~الهلالي قائلا: «أتسمحين لي يا سيدتي أن أعهد إليك بابنتي الوحيدة التي أحبها كأخيها ~~العزيز، ولقد جئت بها إليك على غير علم أهلي؛ لأنهم يرغبون في تزويجها بمن لا تريد ولا ~~أريده أنا لها، وإن يكن ظاهر الرجل على ما يرغب الآباء. وابنتي الآن راغبة في الدخول ~~إلى مدرسة تتلقى فيها مبادئ العلم، وتكون محافظة على أخلاقها، وأرجو منك أن توصي رئيسة ~~المدرسة ألا تتعرض لدينها، وتعاملها بالرفق واللين؛ لأنها لم تدخل المدارس بعد، ولا ~~ألفت النظم التي تسير عليها، ولكنها إذا تعودت الحياة المدرسية أرجو أن تكون في مقدمة ~~البنات طاعة لمعلماتها واجتهادا في دروسها.» فوعدته السيدة خيرا، وقالت ms37 : ثق أنها ~~تكون كابنتي، وسأبقيها عندي بضعة أيام لأعدها لدخول المدرسة التي ستفتح ~~قريبا. # عاد يوسف الهلالي وزوجته في اليوم التالي من زحلة سعيدين بما لقيا من الإكرام، كئيبين ~~لفراق ابنتهما التي كانت زينة منزلهما، وقرة أعينهما، وسلوة والدتها طول النهار. # وبعد ذهابهما فكرت أم سليم في وسيلة تسر بها الفتاة وتسري عنها، فقالت: هيا بنا يا ~~بنيتي نذهب إلى الكروم ولا موجب لوضع الحجاب، فتوجهين إليك الأنظار هنا في هذه ~~البلدة المسيحية، فهاك «طرحة» ضعيها على رأسك، فإذا رآك أحد ظنك إحدى قريباتي أو من ~~بنات الجيران، فمانعت أولا ثم اقتنعت بعد أن أفهمتها أم سليم أنها سوف تفعل كذلك في ~~المدرسة، فلا تكون منفردة في شكلها وزيها. # ذهب سليم أمام والدته وضيفتها الحسناء الصغيرة إلى الكرم، وهو يكاد لا يصدق أن ما ~~يراه حقيقة بل يكاد يعتقد أن ما يراه حلم من الأحلام الجميلة التي تتلوها اليقظة ~~المرة، فسار سابحا في عالم الخيال والأوهام، وسبق والدته إلى الكرم، وقصد جهة ظليلة، ~~فلما وصلت والدته وضيفتها إلى هنالك وجدتاه قد أعد لهما حجرين كبيرين للجلوس وبعض ~~العنب اللذيذ للأكل، وقدم لهيفاء عنقودا من العنب اللذيذ، تناولته منه بأيد ترتجف، ~~ثم قام الثلاثة يجولون في الكرم، ويقطفون ما لذ وطاب من العنب إلى أن تعبت أم سليم، ~~فقالت: سأجلس قليلا تحت ظل هذه الشجرة، فسيرا واجمعا لنا قليلا من العنب اللذيذ ~~للبيت، فتناول سليم السلة وسار وهيفاء تتبعه كظله، فلما خلا لهما الجو وأبعدا عن أم ~~سليم نظر الواحد منهما إلى الآخر، وكأن السعادة والهناء تسطع في عيني كل منهما ~~فتبسما، وقال سليم: إنني سعيد مثلك بسماح والديك لك بدخول المدرسة، وسأبذل الجهد في ~~هذين اليومين - إذا شئت - لأساعدك على الاستعداد في الدروس التمهيدية؛ حتى تدخلي صفا ~~أعلى إذا أمكن، ثم أخذا يجولان بين الدوالي ويتبادلان إهداء ما لذ وطاب من العنب، ثم ~~أطلا على «الصفة» من أعالي شاهق، فنظرا الناس يذهبون بالمئات إلى تلك الجهة الجميلة وقد ~~غصت القهوات ms38 بمن فيها، فقال: سنذهب غدا إلى تلك الجهة فتشاهدين ما يسرك. # وفي اليوم التالي جاءت أم سليم وهيفاء إلى النهر صباحا وتبعهما سليم، فلما لحق بهما ~~كانتا قد وصلتا إلى آخر قهوة، فأحبت أم سليم أن تجلس هنالك للراحة عند صاحب القهوة وهو ~~من معارفهم، فامتنعت هيفاء عن الجلوس، وقالت: إنها تفضل أن تسير بجانب الماء قليلا ~~فرافقها سليم وجلست أم سليم تستريح. # سار سليم وهيفاء بين الأشجار الباسقة وهما يسمعان خرير المياه، ويتأملان بالشلالات ~~الصغيرة التي يحلو منظرها للعين، ثم ينظر الواحد إلى الآخر غير مصدق أنه يمشي وإياه على ~~انفراد، وكم تكلمت العيون في تلك اللحظات، وطابت نفساهما بهذه النزهة القصيرة التي مرت ~~كأنها طرفة عين، وبعد أن مشيا قليلا جلسا على صخرة كبيرة، وأخذ سليم يشرح لهيفاء ~~أحوال المدارس، وما قد تلاقي في بادئ الأمر من الصعوبات، ولكن كل ذلك يزول حينما تألف ~~الحياة المدرسية، وعادا بعد قليل إلى حيث كانت والدة سليم، وقد امتلأ قلباهما بالحب، ~~ولكن الحياء منعهما من مفاتحة بعضهما البعض بما كان يتضرم في الفؤاد من لواعج ~~الغرام. # وبعد ذلك بثلاثة أيام نزلت أم سليم وابنها إلى بيروت ومعهما هيفاء، فدخلت مدرسة ~~عالية، وعاد سليم إلى مدرسته، وصرفت أم سليم نحو الشهرين في المدينة عند شقيقها وهي لا ~~تفتر تزور هيفاء كلما استطاعت إلى ذلك سبيلا، وتشجعها وتوصي بها، وكل مرة تسمع من مديح ~~المعلمات وإعجابهن فيها ما زادها تعلقا ولها حبا وبها ولعا، وقبلما عادت إلى زحلة ~~ذهبت لتودع هيفاء، فلما قابلتها هيفاء وعلمت بما تنوي بكت، وقالت: أنت لي كوالدة ثانية، ~~ففراقك يعز علي كثيرا. فأخذتها أم سليم بين ذراعيها، وضمتها إلى صدرها، وقبلتها كما ~~تقبل الوالدة ابنتها، وعلمت من رئيسة المدرسة أنها كانت أكثر بنات المدرسة اجتهادا ~~وأوفرهن ذكاء، حتى إنها اجتازت صفين بمدة شهرين، وربما نقلت إلى الصف الثالث بعد امتحان ~~نصف السنة. # وطلبت أم سليم الإذن لهيفاء لتأخذها معها للسوق لتشتري بعض ما يلزمها، ولكي تنزهها ~~قليلا؛ لأنها ms39 قالت إنها تكون متعبة من كثرة الدرس، فسمح لها بذلك، وكان سليم أيضا ~~حرا طليقا في ذلك اليوم، فنزل الثلاثة إلى السوق، ثم ركبوا عربة إلى «الحازمية»؛ حيث ~~صرفوا ساعتين مضتا على سليم وهيفاء كدقيقتين، ثم عاد كل إلى مدرسته وهو لا يفكر إلا ~~باجتماع آخر. # | الفصل السادس # الجريمة # مضت على هذا الاجتماع تسعة أشهر، فحاز سليم شهادته العالية، وعاد إلى زحلة يتمتع بالراحة ~~التي يحتاجها جسمه، فقضى شهرا كان أسعد أيام الحياة. # وسافر مع رفيق له إلى دمشق لمشاهدة تلك المدينة العظيمة التي تاقت نفسه لمشاهدتها من قبل، ~~وعاد بعد أيام فوجد أن والده ذهب إلى العمروسة، فود لو أنه يسير إلى هنالك إلا أن ~~والدته أخبرته أن والده عائد في المساء، فانتظر للمساء ولكن والده لم يعد في ذلك المساء ~~ولا في صباح اليوم التالي فقلق سليم ووالدته، وذهب سليم إلى السوق ليرى بعض الأصحاب، فسمع ~~أن هنالك قتيلا مسيحيا على طريق بعلبك، وقد أرسلت حكومة المعلقة قوة للتحقيق، فزاده ~~هذا الخبر قلقا، ونزل إلى المعلقة؛ ليستعلم عن حقيقة الحادثة دون أن يخبر والدته، وإذا به ~~يرى محمد الهلالي وبعض أهل العمروسة مكبلين بالحديد، فسأل عن السبب فقيل له: إن هؤلاء ~~قتلوا تاجرا من زحلة، فأصبح النور في عينيه ظلاما، وكاد يسقط على الأرض لو لم يمسك به ~~صديقه، قائلا: «تشدد فلا تخف فسوف تظهر الحقيقة.» # ثم وصلت عربة وفيها جثة القتيل، فأسرع سليم ليرى الجثة، فعلم أن القتيل إنما هو والده، ~~فصرخ صرخة دوى لها الفضاء، وجرى نحو العربة رغم ممانعة الجند، ورمى نفسه على والده ~~يبكيه. # اجتمع فريق من أعيان زحلة وكبارها، ونزلوا إلى المعلقة، وقابلوا القائمقام، وأعربوا له عن ~~استيائهم مما جرى، ومن تعدي الأشرار على أبناء طائفتهم، وقالوا: إن هذه الأمور لا ترضي ~~الحكومة، ولا تريح بال الأهالي، فإذا لم تتخذ الحكومة الاحتياطات الوافية لقطع دابر الأشرار ~~وتأديبهم عم الفساد، فوعد القائمقام القوم بالاهتمام، وخرجوا من لدنه ساخطين. # احتفل بدفن سمعان إلياس في زحلة ms40 احتفالا شائقا يليق بمقامه، ومشى بجنازته كثيرون من ~~علية القوم في زحلة والمعلقة، وكان بجانب سليم شيخ مسلم رقيق الجسم عالي الجبين، تدل ~~سيماؤه على خلق طيب وذهن وقاد ونية صافية، فتساءل الناس: ومن يكون هذا الشيخ الذي يمشي ~~بجانب ابن قتيل قتله المسلمون؟! وما معنى وجوده في مثل هذه الحال؟! هل ذلك كما يقولون «يقتل ~~القتيل ويمشي بجنازته؟» # ولكن الشيخ كان يسير الهوينا، وهو مطرق في الأرض يفكر في أمر هام، غير مكترث بما يقول ~~الناس فيه وما يفتكرون، عاد الناس إلى منازلهم، وعاد الشيخ مع سليم والناس متعجبون من أمره؛ ~~لأنهم رأوه واقفا مع أهل الفقيد يستقبل المعزين، وكأنه من ذوي الفقيد وأقرب الناس إليه، ~~ولما اجتمع الناس عرف بعض الوجهاء الشيخ الذي جاء إلى المعلقة في العام الماضي في حادثة ~~العصابات. # واحتشد في المساء في منزل الفقيد عدد كبير من الوجهاء، وكبار البلدة، وجلسوا يتحدثون بما ~~كان من أمر الجريمة الفظيعة التي قامت لها البلاد وقعدت، وما يجب اتخاذه من التدابير ~~لمعاقبة المعتدين، وكان بين الحاضرين شاكر أفندي صديق القائمقام الحميم، فقال: إن ~~القائمقام شدد جدا على أهل قرية العمروسة، وأمر بإلقاء القبض على محمد الهلالي نجل ~~الرجل الذي كان ينام عنده المرحوم وزعيم عصابة من عصابات الأشرار؛ لأن الشبهة وقعت عليه، ~~وألقي القبض على عدد من أصحابه أيضا، وسمعت أن هنالك من ساعد الحكومة وأبلغها أمر ~~القاتل والمخبر وجيه كبير له صلة بالقائمقام. # فنهض الشيخ صالح، وكان متأكدا من براءة آل الهلالي، وعارفا أنهم آخر من يفكر بمثل هذه ~~الجريمة، وقال: «حبذا العمل، ومن يكون هذا الوجيه الذي ساعد الحكومة هذه المساعدة الكبرى؟» ~~فقال شاكر أفندي: «هو سلمان أحمد شيخ قرية مجاورة للعمروسة، ورجل معروف بثروته وجاهه، وقد ~~خشي أن تقع الشبهة على الأبرياء من أهل بلدته، فأرسل للقائمقام كتابا سريا أنبأه فيه بما ~~فعله الهلالي فيما مضى، وقال: إنه يعتقد أن محمد الهلالي هو القاتل طمعا بمال القتيل، ~~ويرجح أنه لحقه إلى أن خرج من ms41 القرية فقتله هنالك ليضلل المحققين.» # فتأثر الشيخ صالح لهذه التهمة الباطلة، وثارت ثائرته، ثم وقف، وقال: «أيها الإخوان، أنا ~~أعرف الناس بآل الهلالي فهم أبرياء.» وهنا قامت ضجة بين الحاضرين، فهذا يقول من جاء بهذا ~~الشيخ الممخرق، وذلك يقول دعونا نسمع ما يقول وهلم جرا، فنظر الشيخ إلى الحاضرين مليا ~~حتى سكنت جلبتهم، ثم قال: «لم يكن من رجل أحب إلي من المرحوم، فهو أعز الناس لدي ولدى ~~أهل قريتي العمروسة، فليس بينهم من يبغض المرحوم أو ينقم عليه؛ فقد كان أكرم الناس أخلاقا ~~وأطيبهم قلبا وأحسنهم معاملة، ومع أنه تاجر يهمه الربح، فقد كان أبسط التجار كفا، فلم ~~يكن يرضى إلا بالربح الحلال، وهذا ما جعله محبوبا لدى الجميع، وقد تركنا منذ يومين، ~~وودعناه جميعنا بقلوب طافحة بالمحبة والإخاء، فليس بيننا من ينظر إليه كغريب عنا؛ لأنه ~~مسيحي كما سمعت بعض الحاضرين يهمس الآن. # وأنتم تعلمون أن عصابة من أشقياء المسلمين هاجمته في العام الماضي هو وابنه، فكان أهل ~~العمروسة حربا على الأشقياء، وقد ألقوا القبض على بعض أفراد العصابة، وساقوهم إلى السجون، ~~وأنا أعرف آل الهلالي كما أعرف أهلي، فهم يحبون المرحوم ويكرمونه وينزلونه في منزلهم كلما ~~ذهب إلى قريتهم، فلا يعقل أن يرتكبوا مثل هذا الوزر مع صديقهم وأكثر الناس نفعا لهم بعد ~~أن عاد من قريتهم صفر اليدين، ودفع كل ما كان يحمله من المال ثمنا للحبوب وهم أعرف الناس ~~بذلك، وإذا لم يكن لهم مطمع بمال، فأي سبب يحملهم على قتل صديق صدوق، ولو شاءوا أخذ ماله ~~لتربصوا له قبل دخول القرية لا بعد خروجه منها ودفع ما لديه، أما إذا كان أحد الوجهاء دس ~~دسيسة سافلة فتلك مسألة أخرى، وهل يود حضرة المتكلم أن يفهمنا ما عرف الوجاهة عنده؟ فإذا ~~كانت مواجهة الحكام عندما يزورون القرى أو كثرة المال الذي يجتمع لدى الإنسان فهذا ما لا ~~نتفق عليه، فوالله إن صاحب الوجاهة المزعومة الذي تكلم عنه حضرة الأفندي لهو أحقر من كلب ~~إذا قيس ms42 بابن الهلالي، فهذا رجل كريم النفس، طيب الخلق، عالي الهمة، جمع ماله بجده ونشاطه ~~وحسن تدبيره، وذلك رجل سافل غدار، جمع ماله بالتقرب من الحكام، وظلم الناس، وتسخير ~~الضعفاء لقضاء حاجاته وأغراضه. # إننا نود معرفة الجاني أو الجناة، وأن تصل يد العدالة إليهم فتقتص منهم لا أن نوسط ~~فريقا من الوجهاء المداهنين الذين اتخذوا الرشوة وسيلة يتعيشون بها.» # فوقعت هذه الكلمات وقوع الصاعقة على شاكر أفندي، وكأنها قيلت له مع أن الشيخ صالح كان ~~يقولها بإخلاص عن سلمان أحمد، ولم يعلم من أمر شاكر أفندي شيئا، فأجاب هذا بكلمات مبهمة، ~~ثم اغتنم أول فرصة وانسحب من المجلس، وسار إلى القائمقام خلسة، فوصل إلى المعلقة بالعربة في ~~آخر السهرة، وكان القائمقام لا يزال ساهرا، فأخبره شاكر أفندي بما كان. ~~(1) من الجاني؟ # بغت أهل العمروسة كلهم حينما سمعوا بمقتل صديقهم سمعان إلياس، وما كان أشد دهشتهم ~~حينما رأوا الجنود تطوق منزل الهلالي، وتقبض على محمد الهلالي وعلى بعض المقربين منه، ~~فلم يمانع أحد من هؤلاء، وساروا مع الجند عالمين ببراءتهم، راجين أن يطلق سراحهم ~~حال وصولهم للمعلقة. # وكان التحقيق الذي جرى عند وجود الجثة غير كاف، وحاول القائمقام وصاحبه شاكر أفندي ~~أن يستغلا هذه الحادثة حسب عادتهما، ولكن وقوف الشيخ صالح في وجهه، وتأييد وجهاء ~~المسيحيين له حال دون ضياع معالم الجناية حسب العادة، ونجاح ذلك الحاكم الظالم ووسيطه ~~الشرير. # وكان في زحلة رجل عرف ببعد النظر واستنباط الحيل لمعرفة الجناة، فكلفوه البحث ~~والتحقيق بطريقة غير رسمية والدفاع عن الأبرياء؛ لأن سليم والشيخ صالح كانا متأكدين من ~~براءة آل الهلالي، فذهب فارس أفندي هذا إلى العمروسة، وقضى يوما كاملا في البلدة، ~~فعلم من أهلها كل ما يعرفونه من أمر التاجر وآل الهلالي، فعرف سر الجناية، ولكنه أراد ~~أن يجعلها بشكل قانوني، فعاد إلى المعلقة، وقد اجتمعت لديه معلومات تنفي الشبهة عن آل ~~الهلالي وغيرهم من المتهمين، وتوقع الشبهة على ذلك الوجيه الكذاب الذي عمل القائمقام ~~بأقواله، وألقى القبض على محمد الهلالي بناء ms43 على كتابه. # وكان بين رجال الجندرمة في المعلقة رجل نشيط متعلم، تعود مطالعة أخبار البوليس ~~السري والطرق المختلفة التي كانوا يستعينون بها، فقابله فارس أفندي واتفق الاثنان على ~~أن يعيدا النظر في هذه الحادثة من أولها لمعرفة حقيقتها، فذهبا إلى حيث وقعت الحادثة، ~~ودرسا المكان وما حوله، فوجدا أنه يستحيل في مثل ذلك المضيق الذي وقعت فيه أن يجتمع ~~أكثر من رجلين في وقت واحد وأن القتيل كان مترجلا يقود جواده حينما دهمه القاتل من ~~وراء صخر عند منعطف الطريق، فأخذه على حين غرة، وطعنه بخنجر طعنة نجلاء، ثم أجهز عليه ~~وتركه يتخبط بدمه. # فعاد الاثنان إلى زحلة، وطلبا الإذن من أهل القتيل لفتح المدفن ومعاينة الجراح التي ~~كانت قاتلة، فلاحظا أن الضربة الأولى كانت في الصدر قرب الثدي الأيمن، وهنالك خدوش في ~~العنق تدل على أن القاتل أمسك بعنق المجني عليه وطعنه بخنجره، فكانت الخدوش في الجهة ~~اليسرى من أعلى الكتف والعنق، والطعنة فوق الثدي الأيمن وبانحراف داخلي إلى جهة اليسار، ~~ولاحظا أن أظافر القتيل مهشمة فاستدلا من ذلك أنه أمسك بتلابيب خصمه حينما دهمه ليفتك ~~به. # ولاحظا أن الضربة الثانية كانت بذات الآلة في ظهر القتيل بعد أن أكب على الأرض، ~~وقد أصابت الجانب الأيسر مع انحراف إلى اليمين، وكأن القاتل حاول بهذه الطعنة أن يتأكد ~~من موت عدوه، فطعنه هذه الطعنة القاتلة، ثم فر هاربا تاركا كل شيء وراءه. # فتحقق لديهما أولا: أن القاتل أعسر، وثانيا: أن الجريمة لم ترتكب بقصد السرقة، ~~واستنتجا أيضا أن قتل رجل طيب ليس له عدو في تلك الجهة لم يقصد به إيقاع الأذى به ~~بل بآخرين للتشفي والانتقام، ثم إن إرسال كتاب من سليمان أحمد يتهم فيه محمد الهلالي ~~جعلهما يحولان الشبهة نحوه، فإذا لم يكن هو القاتل بعينه، فقد يكون أحد أعوانه وأخصائه ~~المقربين. # فاتفق الاثنان على زيارة سلمان أحمد بحجة أنهما يريدان مساعدته لمعرفة الحقيقة ~~ومساعدة الحكومة على اكتشاف سر هذه الجريمة الشنعاء. # فركبا وقصدا القرية التي يقيم فيها ms44 بعد أن مرا بالنقطة التي وقعت فيها الحادثة، ~~فلاحظا أن هنالك شعبا ضيقا يوصل من محل وقوع الجناية إلى منزله وسط دغل كثيف يستطيع ~~الإنسان أن يسير فيه دون أن يراه أحد أهل القرية، وأطلا من شرفة الدار فلاحظا أن ~~طريق العمروسة إلى زحلة مكشوفة من هنالك، فيستطيع الإنسان من سطح المنزل أن يرى ~~الذاهبين من العمروسة إلى المعلقة أو زحلة، ثم تسير الطريق في منعرج جبلي إلى حيث وقعت ~~الجناية، فيستطيع الإنسان بكل سهولة أن يصل من منزل سلمان أحمد إلى تلك النقطة قبلما ~~يصل الراكب إليها. # وبينما هما جالسان هنالك أقبل بعض أصحاب سلمان أحمد لزيارته ومشاهدة ضيفيه فقدمت ~~القهوة، وما أشد دهشة فارس أفندي؛ إذ رأى رجلا عبل الساعدين مفتول العصب يقدم القهوة، ~~ثم أصلح فنجانا بيده اليسرى مما استدل منه على أنه أعسر، فنظر إلى رفيقه، فرآه يحدق به ~~بصره، فعرف أنه يفكر بمثلما يجول بخاطره. # ثم تأمل الرجل مليا فلاحظ أن هنالك أثر خدوش في الجهة اليسرى من عنقه، يحتمل أن ~~تكون أثر أظافر يد، فوقعت الشبهة على هذا الرجل، وكأن الرجل شعر بأن فارس أفندي يحدق ~~به، فارتجفت يداه، وكادت الصينية التي كان يحملها أن تسقط من يديه. ~~(2) المحاكمة # اجتمع الناس في المعلقة لسماع محاكمة محمد الهلالي ورفاقه المتهمين بقتل سمعان إلياس، ~~وأحضر عدد من الشهود الذين شهدوا أن محمد الهلالي كان زعيم عصابة معادية للمسيحيين، ~~وأنهم شاهدوه أكثر من مرة يجول على أطراف لبنان للتعدي، وكان هؤلاء الشهود ممن دبرهم ~~سلمان أحمد تشفيا من آل الهلالي، وبينهم اثنان من أفراد العصابة التي فرت من أمام ~~أهل العمروسة يوم هاجمت سليما ووالده في العام الماضي استعان بهما سلمان لينتقم من ~~أخصامه. # فتليت ورقة الاتهام، وأخذ المستنطق يورد الأدلة التي تثبت الجريمة على المتهمين، ثم ~~أخذ القاضي يسأل المجرمين عما نسب إليهم، كلا بمفرده، فأنكروا جميعا، وقال أحدهم: ~~إنهم أبرياء وهم أكثر الناس حزنا على المرحوم؛ لأنه كان أكبر صديق لهم، ولو عرفوا ~~القاتل لمزقوه ms45 إربا إربا، فضحك القاضي، وقال: هذا الكلام يثبت الجرم عليكم، ويدل على ~~أنكم قتلة سفاحون، وإلا كيف تقول هذا القول. # وكان فارس أفندي قد طلب أن يتولى الدفاع عن المتهمين فوقف، وقال: ليسمح لي فضيلة ~~القاضي أن أدفع هذه التهمة الشنعاء عن هؤلاء الأبرياء، فإنه إذا ثبتت هذه التهمة على ~~أهل العمروسة كانوا أفظع الجناة الأثمة، بل كيف يعقل أن يقتل الإنسان صديقا أحسن ~~إليه وعاشره مدة طويلة دون أن يثير خاطره أو يسيئه بشيء، أو أن يكون له من وراء ذلك ~~ربح مادي، ولهذا أرجو من عدالة المحكمة ألا تعجل بالحكم قبلما تقف على بواطن ~~الأمور. # ليس لأهل الهلالي أعداء، ولكن لهم حسادا أشرارا، دبروا مكيدة شريرة للقضاء على ~~هذا البيت الكريم، وأهل قرية اشتهروا بالجد والنشاط. # عرف سمعان إلياس بدماثة أخلاقه، وحسن معاملته، وصدق مودته، فأخلص له أهل العمروسة ~~الود، واختصوه بالمعاملة دون سواه، وتمكنت بين الفريقين عرى المودة والاتفاق إلى أن ~~أصبح محله في زحلة بغية الطلاب ومقصد صاحب كل حاجة من أهل العمروسة فضلا عن أنهم هم لا ~~يبيعون حاصلاتهم إلا له، فهذه الصفات الممتازة التي عرف بها الفقيد والمنفعة ~~المتبادلة بينه وبين أهل القرية كانت سببا في تعلق أهل القرية به، فليس ثمة من دافع ~~يدفعهم لقتل رجل بريء لم يؤذ أحدا منهم، بل كان يمد يده لمساعدة كل فرد من أفراد ~~هذه القرية قصده لحاجة أو طلب مساعدته في شأن من الشئون. # بقيت مسألة أخرى وهي السرقة وسلب المال. # لو كان الدافع الذي دفع الجاني إلى هذه الجريمة سلب المال لكان ترصد للقتيل قبل وصوله ~~إلى القرية، وهو يحمل مبلغا كبيرا من المال، لا بعد عودته خالي الوفاض، وقد دفع كل ما ~~كان في يده، وبقي عليه جزء من الثمن (وهنا أبرز أمام المحكمة أوراقا تثبت ذلك). # وأؤكد لكم أنه لم يؤخذ من جيوب القتيل شيء البتة؛ لأنه وجد مبلغا صغيرا في جيبه ~~وساعته وبقي خاتمه الذهبي في يده، فلو كان الجاني أحد اللصوص ms46 لما ترك هذه الأشياء ولما ~~ترك الجواد وملابس القتيل وكل ما كان يحمله معه، فالجريمة إذن مرتكبة عمدا، والدافع ~~إليها شخصي، وهو إما الانتقام من القتيل أو إيقاع الأذى بسواه، ولما كان القتيل رجلا ~~مسالما طيبا فالقتل لم يكن انتقاما منه، بل على ما أرجح انتقاما من آخرين. # ثم تبين من التحقيق الذي قام به أحد رجال الشرطة، ووافق عليه بعدئذ جميع الذين ~~شهدوا موضع الحادثة أنه ليس من متسع لأكثر من شخص واحد يقابل المعتدى عليه حين وقوع ~~الجناية، إذن لا يكون القاتل إلا رجلا واحدا وهو أعسر كما تبين لنا من البحث ~~والاستقصاء (وهنا قامت ضجة في المحكمة وضحك بعض الحاضرين)، فقال القاضي: كيف تبين لك ~~ذلك؟! فقد فقت الذين اشتهروا بالقيافة من العرب، ولعلك تورد لنا الأسباب التي حملتك على ~~هذا الظن. # قال: إن القتيل بشهادة الطبيب (وهنا أبرز ورقة وسلمها للقاضي) قتل بآلة حادة؛ ~~أي سكين، وقد طعن بها طعنة في صدره وأخرى في ظهره، أما الدليل على أن القاتل أعسر ~~فهو أن الضربة الأولى كانت في الجهة اليمنى من الصدر، وقد انحرف الجرح نحو اليمين ~~وهذا يدل على أن الضربة كانت باليد اليسرى، وهنالك خدوش في عنق القتيل وأعلى كتفه ~~الأيمن، ويظهر من ذلك أن القاتل أمسكه بيده اليمنى وطعنه باليسرى، وهذا لا يكون إلا ~~إذا كان القاتل أعسر. # ثم إن الضربة التي أصابت القتيل في ظهره كانت بعد أن أكب القاتل عليه، فكانت الطعنة ~~في ظهره من الجهة اليسرى مع انحراف إلى اليمين. # وقد فحصنا جميع المتهمين، فليس بينهم واحد أعسر، فهم أبرياء من هذه التهمة ~~الشنيعة. # وهنا ليسمح لي القاضي أن أبين له وللمحكمة كيف أن هنالك مساعي لتضليل المحققين؛ ~~فقد ورد لسعادة القائمقام بلاغ من أحد الوجهاء يتهم فيه هؤلاء الأبرياء فلماذا؟ ذلك ~~لأن هذا الوجيه الذي اتخذ السعاية له ديدنا هو المحرض على القتل لغاية في نفسه، حاول ~~هذا الرجل أن يتزوج ببنت الهلالي فرفضوا مصاهرته، فأضمر لهم الشر، وانتقم منهم ms47 ~~متهما محمد الهلالي بقتل أكبر صديق للعائلة، فجرح قلوب آل الهلالي بقتل صديقهم ~~العزيز، ثم جرهم إلى السجون بتهمة فظيعة، جعلتهم في أحرج المواقف. # وظهر من تتبع آثار هذه الجناية أن لهذا الوجيه الذي فعل فعلته الشنعاء أجيرا اسمه ~~«حامد» له صلة قرابة بسيده الذي يثق به كل الثقة، وهذا الأجير أعسر، وهو من أشد ~~الرجال جسما، وأصلبهم عودا، وأقساهم قلبا، وأسرعهم إلى ارتكاب الشر، ولحسن الحظ ~~ألقي عليه القبض أمس بتهمة أخرى لا شأن لها بحد ذاتها، ويستطيع الشرطة أن يحضروه إلى ~~هنا، فمتى مثل أمام القضاء تظهر الحقيقة لديكم، ومتى ظهرت صحة قولي أمامكم يا حضرات ~~القضاة أرجو أن تطلقوا سراح هؤلاء الأبرياء، وتأمروا بإلقاء القبض على المحرض الحقيقي ~~الذي هو علة الشقاء. # فأمر رئيس المحكمة بإحضار «حامد»، ولما دخل إلى وسط المحكمة لم يبق عند أحد ريب في ~~أنه هو القاتل الأثيم، وكانت آثار الخدوش لا تزال بادية على عنقه، فقال فارس أفندي: ~~«هاكم آثار الخدوش بادية على عنق هذا المجرم الأثيم.» ثم نظر إلى حامد، وقال: «يا هذا، ~~أسألك الآن أمام هيئة القضاء التي تمثل العدالة في هذه البلاد، وباسم الدين الذي يأمرك ~~بالمعروف وينهى عن المنكر، وبحق كل ما هو عزيز لديك، أن تتكلم الصدق، فقد ظهر للمحكمة ~~أنك كنت في يوم السبت الماضي واقفا على سطح منزل سلمان أحمد، فرأيت فارسا من بعيد، ~~عرفت أنه سمعان إلياس التاجر، وهو عائد من «العمروسة» إلى «زحلة»، وطريقه يسير في مضيق ~~في الجبل أقرب إليك منه، فجريت ومعك خنجر حاد، ومررت بدغل يفصل بين المنزل والطريق ~~حتى وصلت إلى وراء صخرة بارزة تكاد تسد الطريق؛ حيث كنت ترى ولا ترى، فلما دنا سمعان ~~إلياس - وكان قد ترجل عن جواده لوعورة المسالك - انقضضت عليه، وأمسكت بيدك اليمنى ~~عنقه وطعنته بيدك اليسرى طعنة نجلاء خر على أثرها صريعا، وانكب على وجهه، ولم تكتف ~~بذلك، بل أجهزت عليه بطعنة أخرى في ظهره، وعدت من حيث أتيت غير مشفق عليه أو ms48 راحم زوجته ~~وابنه.» فوجم حامد ووقف شاخصا إلى السماء، وظن أن سيده أقر عليه؛ لأنه لم يعرف ~~بسر الحادثة سواه وتفوه بهذه الكلمات: «من ذا الذي شهد ما حصل؟» فقال فارس أفندي: ~~«إن الله يرقب الظالمين، وهو الذي يأخذ بيد الأبرياء المخلصين، ويعاقب المجرمين، والآن ~~فلا يجديك الإنكار نفعا، فقد وضح الأمر، وليس لديك إلا أن تقرر الحقيقة خدمة للقانون ~~والعدالة، وهذا يخفف من جرمك، ولعل المحكمة ترأف بك بعد ذلك.» # فصمت قليلا، ثم قال: يا مولاي ماذا أقول؟! إنه لم يكن موجودا حينما ارتكبت الجريمة ~~طير يرف، وقد عرفتم تفاصيلها كما لو كنتم حاضرين، فكيف أنكر الحقيقة بعد ذلك، وليس ~~هنالك إلا أحد أمرين؛ إما أن الله أنطق الجواد الذي فر حالما هجمت على سيده، أو ~~أن الشيخ سلمان أحمد خانني؛ خوفا من أن تقع الشبهة عليه «هذه فعلته والله، فكم خان ~~صديقا ووشى بصديق! لعنه الله، فقد كان أخبث الناس، وهو الذي دفعني لارتكاب هذه الجريمة ~~الشنعاء تشفيا من آل الهلالي الذين لم يؤذه أحد منهم طول حياته.» # فقال فارس أفندي: «أرجو من المحكمة أن تقرر ذلك، وأنا أترك أمر هؤلاء الأبرياء للعدل ~~يجري مجراه، ولسوف يعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.» # فكتب القاضي أمرا بإلقاء القبض على الشيخ سلمان أحمد، ولكنه كان قادما إلى المعلقة ~~للسعي في تبرئة خادمه حامد، فقابله الجنود في الطريق، وعادوا به مكبلا بالحديد إلى حيث ~~لقي ما يستحق من القصاص العادل، وأطلق سراح الأبرياء، فعادوا إلى قريتهم يشكرون ~~للشيخ صالح وآل القتيل الذين سعوا في إنقاذهم، وساروا هم ووجهاء القرية لتعزية آل ~~الفقيد، وأقاموا للمرحوم مأتما ثانيا في العمروسة دل على ما كان له في نفوس أولئك ~~القرويين البسطاء من المحبة والإخلاص. ~~(3) سفر سليم إلى أميركا # سئم سليم الحياة في بلدته بعد مقتل والده، فسلم محل أبيه لعمه، وسافر إلى ~~أميركا. # وقبل مغادرته بيروت ودع هيفاء، فحزنت لمغادرته الوطن، وقالت: كيف أستطيع أن أفكر ~~بسفرك وحرمان والدي من صديقه الحميم المرحوم والدك ms49 وسفرك أنت، وقد كنت لنا مع المرحوم ~~خيرا من الأهل، وأنا هنا أعتبر كواحدة من أفراد عائلتكم، وابنة عمك سعدى تنظر إلي ~~كأنني أختك، وتحبني كما تحب الأخت أختها، فلم أعد غريبة عنك كما كنت تقول، والحق يقال: ~~إن أسعد أيامي هي الأيام التي قضيتها عندنا والتي قضيتها أنا في زحلة، فهل تعود تلك ~~الأيام الحلوة ثانية؟! وهل تعود فتفكر بنا وأنت في العالم الجديد؟! أم تنسى العالم ~~القديم ومن فيه؟! # قال: وهل ينسى الإنسان قلبه، فأنت حيث حللت وأنى سرت تبقين ضمن شغاف القلب وطياته ~~بل في سويدائه، وسوف أكتب لسعدى ابنة عمي، وهي تكتب لي عنك دائما، وإذا بقيت في ~~المدرسة، فأكتب إليك بإمضاء سلمى؛ لأنني لا أريد أن يعرف أنك تكاتبي رجلا، وألسنة ~~الناس شديدة على الحسان. # قالت: ليس لي إلا بضع دقائق أقضيها معك الآن، ثم تسافر إلى حيث لا أراك، فما أشد لوعة ~~الفراق! ولكن الفراق للمحبين كالنار للذهب، يمتحن فيها صفاؤه، فإن أحرقتنا نيران البعد ~~والجوى، فليس أعذب من لذة اللقاء، ولكن أين يكون ذلك ومتى يكون؟ # قال: «لا أعلم متى أعود ولا ما يقدر لي الله في ديار الغربة، ولكن لي همة الشباب ~~وحبك الذي سيكون أكبر معوان لي على اقتحام المخاطر وتحمل المشاق، وهو الذي يشحذ ذهني، ~~ويشدد عزيمتي، ويهون علي الصعاب، ألا ليتك كنت تستطيعين أن تذهبي إلى العالم ~~الجديد، فهو جدير بك وأنت جديرة به.» فخطر لهيفاء خاطر مر ببالها بسرعة البرق، ثم ~~قالت: «نعم! إن العالم الجديد جديد في كل شيء، فلا تقاليد قديمة، ولا قيود كذابة تفصل ~~الأخ عن أخيه، فعسى أن نجتمع فيه، فلا يكون هنالك ما يكدر صفاءنا، ويبعد عنا السعادة ~~والهناء.» # مد سليم يده ليصافح هيفاء فمدت يدها، ونظر الواحد إلى الآخر دون أن ينطق أحدهما ~~ببنت شفة، بينما كانت العيون تنقل إلى القلوب والألباب معاني تلك النظرات، وشعر كل ~~منهما كأن سلكا كهربائيا سرى في جسمه، فارتعش الاثنان، ونظر سليم الدمع في عين هيفاء ms50 ~~يترقرق، فقال: «صبرا يا حبيبة القلب، الوداع يا قرة العين، صبرا فسوف تجمعنا الأيام.» ~~ولم يعد يقوى على نفسه، فتغلبت عواطفه عليه، وقد دنا الواحد منهما من الآخر، ووقعت ~~العين على العين، وأحس الواحد بأنفاس الآخر ولهيب الحب يتضرم، فقال سليم: «ما أحلى وقوع ~~العين على العين، وليس أفضل منه إلا التقاء الثغرين.» وضمها إلى صدره وقبلها، وأحس ~~بشفتيها تتحركان، ولكنها بقيت صامتة، فسار وفي قلبه بركان يتضرم. ~~(3-1) الشاب السوري في أميركا # وصل سليم إلى نيويورك حيث كان له قريب قصد تلك البلاد من مدة، فحل سليم على ~~قريبه ضيفا إلى أن توفق إلى عمل بسيط في بادئ الأمر، فكان يصرف ساعات العمل ~~مكبا على أعماله دون انقطاع، فإذا انتهى منها قصد المجتمعات الأدبية والمكاتب ~~العمومية يسمع ويرى ويطالع ما يزيده علما واختبارا. # وكانت معرفته للإنكليزية أكبر معوان له، فلم تمض مدة قصيرة حتى أصبح كل صاحب عمل ~~عرفه وعرف أخلاقه يرغب في استخدامه والاستعانة به، وكأنه ورث عن أبيه الميل ~~للتجارة، فحالما سنحت له فرصة اشترك مع صديق له كان في البلاد من قبله وخبر ~~أحوالها، ولكنه لم يكن يحسن القراءة والكتابة بالإنكليزية فسد سليم هذا النقص، ولم ~~يمض عليهما إلا مدة قصيرة حتى أصبحا في مقدمة التجار السوريين سمعة ~~ونجاحا. # ونشبت الحرب الأوروبية، وأخذ ينسحب من سوق نيويورك الواحد بعد الآخر من التجار ~~الأجانب الذين كانوا مسيطرين على بعض الأسواق التي كان يشتغل بها السوريون أيضا ~~فحل هؤلاء محلهم، وكان لسليم وشريكه نصيب كبير من هذا العمل فأثريا وجمعا مبلغا ~~كبيرا من المال في مدة قصيرة، وأنشآ معملا لصنع البضائع التي كانا يشتغلان بها في ~~«ماديرا»، فاتسعت تجارتهما، وبلغت أرباحهما ألوف الجنيهات. # لم يبطر الربح المادي سليم ولا أنساه هيفاء، بل كتب إليها مرارا قبلما نشبت ~~الحرب، ثم انقطعت أخبار هيفاء، ولم يعد يعلم من أمرها إلا قليلا، وآخر ما علمه ~~عنها أنها تستعد للامتحان النهائي لنيل الشهادة المدرسية، ثم دخلت أميركا الحرب، ~~فلم يعد يعلم من ms51 أمرها شيئا، إنما علم أن أخاها محمدا انضم إلى الجيش التركي، ~~وأرسل إلى ميدان القوقاس، ثم انقطعت أخباره عن الأهل، فخامرت والديه الهموم ~~والأحزان، وضعفت همة والده، وعجلت الكآبة عليه الشيخوخة، فانقطع عن العمل، ولزم ~~بيته يفكر في مصير وحيده، ويلعن الساعة التي نشبت فيها الحرب، ودعي فيها محمد إلى ~~الجهاد. # وذهب في أحد الأيام، وقد أخذ منه الحزن كل مأخذ إلى دمشق، يستفهم عن نجله من ~~رجال الجندية هنالك، وكان كلما حادث فريقا يشكو إليهم همه ويلوم الدولة لدخولها ~~هذه الحرب التي أقفرت الدور، وخربت البلاد، وجرت على الناس الرزايا والويلات، ~~وحدث أنه كان سائرا ذات يوم في أحد الأسواق، فرأى جماعة من اللبنانيين وقد عضهم ~~الجوع، وجار عليهم الدهر فلجئوا إلى دمشق علهم يجدون فيها ما يسد الجوع ويدفع ~~المكروه، وكان بين هؤلاء رجل عرفه يوسف الهلالي وهو ابن نعمة لم تقو رجلاه على ~~حمله، فوقع على الأرض مغميا عليه، فتقدم يوسف الهلالي ليرفعه عن الأرض، وإذا ~~بجندي دنا منه قائلا: «دع أيها الشيخ، هؤلاء الكلاب يموتون جوعا، فإنهم خونة ~~ملاعين.» فنظر إليه الشيخ شذرا، وقال: «دع عنك هذه الأقوال يا بني، فإن مرض الدولة ~~القتال هذا التعصب الذميم، ولولاه لما كنا في أسوأ حال، ولما تفرقنا طرائق ~~وتمزقنا شيعا وأحزابا، فما ذنب هذا المسكين فتميتونه جوعا، أما إنه لو عرف ~~السلطان بما تفعلون لأمر بعقابكم أشد عقاب.» ثم هم برفع الرجل الجائع فلطمه ~~الجندي، وقال: خذ هذا جزاؤك على عملك هذا، ورفس الآخر رفسة أفقدته الرشد، وتركته ~~لا يعي شيئا، وسار كأنه لم يفعل شيئا. # أطار هذا العمل صواب يوسف الهلالي، فرفع رأسه إلى السماء، وقال: «اللهم ارحم هذا ~~المسكين واجز بعدلك الظالمين.» وكان على مقربة منه رجل عرف بالمداهنة والرياء، ~~فاغتنم هذه الفرصة، وسار توا إلى أقرب نقطة للبوليس، وشكا أمر يوسف الهلالي، ~~وقال: إنه سب الدولة ورجالها الكرام، ولعن الساعة التي نشبت فيها الحرب، وجرت ~~الناس إلى البلاء، واستشهد ببعض المارة الذين رأوا يوسف الهلالي ms52 يساعد ذلك الجائع ~~البائس المسكين، الذي رق له قلبه فأحسن إليه، فلم يكن إلا بضع دقائق حتى رأى يوسف ~~الهلالي بعض رجال البوليس يحيطون به، فظنهم أولا قادمين لمساعدته وإنهاض ذلك ~~البائس الذي رثى لحاله ورق له قلبه؛ إذ تصور مصير وحيده، وما قد يكون حل به في أرض ~~الغربة وما فيها من مصاب وبلاء، ولكنه دهش؛ إذ رأى الجنود يقتربون إليه دون اكتراث ~~بذلك الرجل البائس الذي تركوه بين حي وميت، واقتادوا الهلالي إلى السجن وتركوه ~~فيه لا يعرف له ذنبا، ولا اهتم أحد أن يعرف من أمره إلا أنه خائن مفسد ~~شرير. # مضى عليه ساعات وهو في سجنه لا يعلم لذلك سببا، وظن أن ذلك الجندي الجبان شكاه ~~إلى الحكومة خوفا من أن يسبقه هو في الشكاية، فأخذ يزعق وينادي «العدل» «العدل يا ~~ناس.» فكان يحمل كلامه على غير محمل، وكلما سمعه واحد ظن أنه ثائر أو أنه خائن ~~يستحق أشد العقاب. # ودخل عليه السجان بعد برهة وبيده كرباج، فقال: ما لك يا شيخ السوء تزعق وتزعج ~~الناس بهذا العواء؟ وهم بضربه، فقال: «صبرا» إما أن أكون أنا مجنونا أو جن ~~الناس أجمعون. # قال: لا بل أنت المجنون؛ ولهذا ترانا مجانين. فقل لي ما أمرك؟ فأنا أراك ذاهلا ~~لا تعلم ما أنت فيه، ولا تفهم سوء مغبة ما تقول. # قال: هل يلام في عرفكم من يحسن إلى الناس؟ قال: بل يكافأ على الإحسان بمثله. ~~قال: وهل السجن جزاء الإحسان؟ قال: لا، بل هو عقاب المجرمين. قال: إذن لماذا أنا ~~مسجون، فإني قدمت أسأل عن ابني وهو جندي من جنود الدولة الأمناء، فرأيت رجلا ~~مسكينا سقط أمامي من الإعياء والجوع، فانحنيت لأرفعه عن الأرض وأساعده، وخيل ~~إلي أن ابني قد يكون بحالة مثل حالته، فيجد من يعينه وينصره كما أعنت هذا ~~البائس المسكين، وإذا أنا بجندي لطمني على خدي، ثم رفس الرجل رفسة مؤلمة، وتركني ~~ذاهلا ألعن الساعة التي قست فيها القلوب وماتت فيها الضمائر، وإذا أنا بالجند ~~يطوقني، ms53 وأقاد إلى السجن ذليلا مهانا، فهل أنا في يقظة أم في منام؟ فطالما جئت ~~«للشام»، فلم أر مثلما رأيت، ولا عوملت كما عوملت هذه المرة، بل نحن نحب أهل دمشق ~~الذين اشتهروا باللطف والدعة وحب الضيافة والعطف على الغريب، ولم أر في حياتي ولا ~~سمعت أن أحدا عومل في دمشق كما عوملت. # فرجع السجان إلى الوراء مذعورا، وأحس أن هنالك غلطة ارتكبت، ولكنه لم يكن ~~يملك أمرا بإطلاق سراح ذلك الشيخ البريء، الذي ظهر له أنه ضحية وشاية وسعاية، أو ~~أن هنالك من يريد أن يوقع به الأذى، فكاد الدمع ينهمر من عيني السجان، وخرج ~~دون أن يرى الهلالي ما به من تأثر، وسار إلى غرفته يفكر فيما آلت إليه الأحوال، ~~وكيف يظلم الأبرياء، وليس في وسعه إلا أن يكون منفذا لأوامر رؤسائه، فود لو ~~أن في استطاعته إطلاق سراح الشيخ، ولكنه خشي أن يكون في الأمر جريمة توقعه تحت ~~طائلة العقاب، فانتظر ريثما يرده علم من المراجع العليا. وفي اليوم التالي دخل على ~~الهلالي ضابط كبير، وقال: «من تكون؟» فقال: أنا يوسف الهلالي من قرية العمروسة، وقد ~~جئت أستفهم عن ابني، وهو جندي من جنود مولانا أمير المؤمنين، فرأيت رجلا مسكينا ~~واقعا في الطريق، فمددت إليه يد المساعدة، فقادني الجند إلى هذا المكان، وأنا لا ~~أعلم لي ذنبا، قال: بل ذنبك عظيم، فأنت متهم بسب الدولة ورجالها والتفوه بألفاظ ~~تعد جريمة عظيمة؛ لأنك تثير الكراهية في نفوس السامعين. # قال: يا مولاي صبرا، فما أنا إلا شيخ طاعن في السن لم أتدخل في السياسة في ~~حياتي، ولولا وجود ابني في الجندية لما جئت إلى هذه المدينة زائرا، وهل يعاقب - ~~يا مولاي - رجل أحسن إلى رجل بائس؟ قال: كلا! بل يكون مثل هذا رجلا كريما. ~~فأشرق وجه يوسف الهلالي، وقال: «الحمد لله؛ فقد أرسلك الله إلي منقذا.» ثم قص ~~عليه قصته كما هي من أولها إلى آخرها، فكاد الضابط يتميز من الغيظ، وقال: «لعن الله ~~هؤلاء السفلة الخونة الأغرار، فهم علة ms54 العلل ومرض الدولة الذي لا يشفى، فسوف ~~أنكل بهم تنكيلا.» وخرج وبعد قليل دخل السجان بأمر الإفراج عن يوسف الهلالي، ~~فهنأه، وقال: «إياك أن تقيم في هذه البلدة يوما إلا إذا كنت بحاجة إلى أمر، وحاذر ~~من كل إنسان، ومن كل كلمة تفوه بها، فللحيطان آذان وللصخور عيون.» # فتركه وعاد إلى البلدة، فقصد الخان الذي كانت فيه دابته، وجمع حوائجه وما اشتراه ~~من الشام، ثم خرج لا يلوي على شيء عائدا إلى العمروسة، وفي صدره بركان من الغيظ ~~يتأجج. # فلما وصل إلى العمروسة قابله الشيخ صالح، وعلم منه ما كان، فتأثر جدا وقال: ~~«هذا هو الداء العياء الذي ليس منه شفاء، هؤلاء الذين يغارون على الدولة والدين هم ~~أعداء الدولة والدين. ألا من منقذ من هؤلاء! العلم! العلم! نور العرفان! وهدى للذين ~~يؤمنون. قاتل الله الجهل، فهو علة هذا الشقاء! ألا من مصلح عاقل حازم يقضي على ~~الجهل والتعصب الأعمى، فيريح العباد ويصلح البلاد ويرقي الأخلاق؟» # وبينما هو يحدثه بمثل هذا الكلام إذا بهم يرون بعض أبناء القرية قادمين نحوهم، ~~فهنئوا الشيخ يوسف الهلالي بعودته سالما، وسألوه عن محمد، فقال: لم أعرف عنه ~~شيئا، ولا استطعت أن أستفهم من أحد، فأخذ أحدهم جريدة قال إن طيارة رمت بها من ~~حالق، ففتحها الشيخ صالح وقرأها، فإذا بها جريدة مصرية قذفت بها الطيارة من حالق؛ ~~لتعلم الناس بأمر الحرب، وفيها أن جيش القوقاس قد حلت به نكبة كبيرة ففني معظمه ~~وتشتت الباقون، فوقع هذا على الجميع وقوع الصاعقة، ولعنوا الساعة التي اشتبكت فيها ~~الدولة بهذه الحرب الهوجاء، ثم علموا ما كان من أمر الشيخ يوسف، وما جرى له في دمشق ~~فتأثروا جدا، وهنئوه بالسلامة وانصرفوا مكتئبين. # مضت سنة على هذه الحادثة وأهل العمروسة كلما ذكروها تأثروا مما جرى للشيخ يوسف، ~~وفي أحد الأيام جاء بلدتهم رجل من حوران، وأخبرهم بأن العرب انضموا للإنكليز الذين ~~فتحوا بئر السبع وكسروا الأتراك وأن لهم أعوانا في البلاد يؤيدونهم سرا، فنظر ~~الشيخ صالح إلى يوسف الهلالي، ms55 وقال : «هل تظن أن العرب قاموا على الأتراك عبثا؟» ~~ثم أنشد متأثرا: # أعطيت ملكا فلم تحسن سياسته # وكل من لا يسوس الملك ينزعه # هذا ما قاله الشاعر، وهذا ما أصابنا. # لقد كانت دولتنا أكبر الدول شأنا وأعظمها قوة، فأصبحت لا حول لها ولا طول، ولولا ~~أموال الألمان وقواد الألمان لاندحر الجيش التركي من قبل، ولكن تأكد يا يوسف أن ~~الجندي التركي الباسل يقاتل بكل ما أوتي من عزيمة وصدق نية وإيمان، ولكن ما رأيت في ~~الشام ترى مثله في بيروت وأكثر منه في الأستانة، فالناس هنا وهنالك سواء، بل كل ~~يسعى إلى غرضه غير ناظر إلى مصلحة سواه، وكل يقول «من بعدي الطوفان.» فكيف تصلح ~~حال بلاد والناس فيها غير معتقدين بإصلاح الأحوال، بل إن فريقا يحب أن يتخلص من ~~هذا النير الثقيل، نير عدم الاستقرار، ويود لو أن البلاد تخرج من هذه الحالة التي ~~لا قرار لها إلى حالة يعلم الإنسان منها ما يكون، ولو لم يكن ذلك على حسب ما يشتهي ~~ويريد «الله أكبر» وا خيبتاه! وا ذلاه! ضاعت أمانينا وآمالنا بالإصلاح الداخلي، فهل ~~يرسل لنا الله خيرا ممن نحن فيه؟ أم نخرج من الظلم والاستبداد، ثم توضع في أعناقنا ~~أغلال الاستعباد، نخلص من الاستئثار، فنقع في الاستعمار، نخلص من استعباد أخينا ~~الجاهل، فنقع في أسر عدو عاقل. # هل لنا أمل في تكسير الأصفاد والخروج من هذا الاستعباد؟ # إن العرب لم ينضموا للإنكليز عبثا، ولا بد أن يكونوا قد نالوا من الوعود ما ~~حملهم على القيام ضد دولتهم، ولكن وعود المستعمرين خلابة وأعمالهم على عكس ما ~~يعدون. # ثم وجم قليلا، وقال: «يا يوسف، استبشر خيرا، فالإنكليز أفضل المستعمرين، وإنهم ~~إذا دخلوا البلاد أصلحوها، وأغنوا أهلها، ولم يتعرضوا لدينهم أو لتقاليدهم، فهم من ~~هذا القبيل أفضل الأسياد، ولقد علمت أن الشريف انضم إليهم، وهم وعدوه بتأييد في ~~إنشاء دولة عربية، فعسى أن يتم ذلك فنكون قد جنينا من الحرب ثمرة الجهاد، وحققنا ~~أملا طالما جال في الفؤاد، فهاك مصر ms56 إني زرتها قبل الاحتلال الإنكليزي وزرتها من ~~عهد قريب، فأين العهدان؟! فالناس اليوم أحرار في مصر أكثر مما هم أحرار في سوريا أو ~~أي بلاد إسلامية مستقلة، وهم لا يكادون يشعرون بالاحتلال إلا إذا خرجوا عن القانون، ~~أو أرادوا استعمال سلطة لا خير منها للبلاد، ولولا ما تهيم به النفوس من حب الحرية ~~والاستقلال لقلت: إن مصر المحتلة أكثر حرية من تركيا المستقلة وإيران المستقلة، ~~وأي بلاد إسلامية أخرى، بل إن شيوخ الدين في مصر أفضل حالا وأوفر نعمة وأسعد ~~حظا من سواهم في بقية الأقطار؛ فهم يضمنون مرتباتهم ويأمنون على أرواحهم ~~وأرزاقهم، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. # إن الحرية كلمة عذبة اللفظ شديدة المعنى، فطالما استعملها المتشدقون لقضاء ~~الأوتار وسفك الدماء والانتقام من الخصوم، الحرية كلمة مطاطة؛ فهي تكون كما يريدها ~~من بيدهم الأمر، أو من يسعون لقلب نظام الحكم وينجحون، فكم من دماء بريئة ~~أهريقت في سبيل الحرية! وكم من جريمة ارتكبها الأدعياء باسم الحرية المقدس حتى إذا ~~ظهر للناس ما يبطنون كانوا أشد ظلما واستبدادا من الظالمين الذين قاوموا الحرية ~~التي يسعى لها الناس وتخفق لها القلوب! # إن الله مدبر الكائنات، وهو واهب الملك لمن يشاء، فمن يعدل في الناس يدم حكمه، ~~ومن يظلم الناس يهلك رعيته ويضعف ملكه، فيئول به ذلك إلى البوار. فلقد أسس المسلمون ~~ملكهم على العدل، فبسطوا سلطانهم على الشرق كله، واتسع ملكهم حتى الأندلس في الغرب، ~~ثم زاغت القلوب وضل الحكام سواء السبيل فضاع الملك وفقدوا الأمصار. # فهل من سبيل لإرجاع ما ضاع أو حفظ ما هو باق للآن؟ # عسى أن يكون لله يد في هذا الانقلاب، فيعيد للعرب سلطانهم، ويؤيد ملكهم، ويمنع ~~عنهم كيد الكائدين، فقد مزقت هذه الدسائس جسم هذه الأمة الحية تمزيقا، ولكن القوة ~~لا تزال في الصحراء، وهي كامنة كمون النار في الحجر. # ليت التاريخ يعيد نفسه، فيخرج ابن النبي من مكة لتجديد عهد الإسلام، ورفع المظالم ~~عن المسلمين. # هذه آمال تجول في الصدر، ولكن لتحقيق هذه ms57 الرغبات مصاعب تحول دونها؛ منها ما هو ~~داخلي؛ ففي الجزيرة أمراء وأسياد لا يرضى الواحد منهم بالآخر سيدا، وكل يضمر ~~للآخر السوء، فكيف تتحد البلاد ومقاليدها في يد هؤلاء، والعرب أطوع لزعمائهم من ~~البنان، ولكل زعيم قوة من الخارج تؤيده لتربح بواسطته نصيبها من التوسع في بلاد ~~الدولة الواسعة الأطراف المضعضعة القوى، وأكثر هؤلاء الزعماء يعيشون بالمال ~~الأجنبي، ويبقون على سلطانهم بهذا المال، فكيف يكونون مستقلين، وهم عبيد المال ~~أعداء الحرية التامة والاستقلال؛ لأن الحرية تنير عقول الأنصار، فينفضون عن مثل ~~هؤلاء الزعماء، ويصبحون بلا حول ولا طول، اللهم ارفع عنا الحيف، وهب العرب زعيما ~~كريما واسع الصدر، وأيده بقوة من عندك حتى يتغلب على نفسه، فلا يكون عبدا ~~للشهوات، وليتغلب على ما يقف في سبيل بلاده من العقبات، فيتمكن بواسع حيلته من ~~استمالة القلوب والأعوان وبعدله ونزاهته من تعمير البلدان وتقريب القلوب.» # وبينما الشيخان يتكلمان بمثل هذا الكلام جاءهما صديق يخبرهما بوفاة أحد الكبراء ~~في قرية مجاورة، فسار كل في سبيله يستعد للذهاب إلى القرية المجاورة لقضاء واجب ~~العزاء. # ذهب الشيخ صالح ويوسف الهلالي وجمهور كبير من أهل القرية لحضور المأتم الذي أقيم ~~في قرية مجاورة لكبير من أهل تلك القرية؛ حيث ضم المأتم ألوف الخلائق من أهل ~~القضاء، وبينما الناس مجتمعون في ذلك المأتم إذا بطيارة تحوم فوق الرءوس، فخاف ~~القوم شرها، وظنوا أنها ستصب عليهم نارا حامية، وإذا بهم يرون أوراقا متناثرة ~~تسقط من الطيارة فوق الرءوس، فرآها البعض والتقطوا بعضها وتلوا ما فيها، فإذا بها ~~تخبر القوم باحتلال جنود الحلفاء للقدس الشريف، وتبشرهم بأن قوات الحلفاء بمساعدة ~~حلفائهم العرب ستدخل البلاد فاتحة عما قريب، وتطمئن الخواطر، وتدعو الناس إلى ~~الإخلاد إلى السكينة، فقرأ كل من يعرف القراءة من الحاضرين هذه الأوراق ومزقوها ~~تمزيقا؛ لأنهم خافوا من سوء المغبة بعد ذلك، وكانوا محقين في تخوفهم؛ لأنهم أبصروا ~~بعد قليل نفرا من الجنود ومعهم ضابط استخبارات جاءوا إلى حيث كان المأتم، وأخذوا ~~يستقصون أخبار الطيارة وما رمت من ms58 الأوراق ، وفتشوا البيوت والجيوب، وأخذوا في ~~التحقيق، ومع أن جميع الحاضرين أفهموهم أن الطيارة جاءت من نفسها، وأنهم لعنوا ~~من فيها؛ لأنهم رموا بأوراق شريرة لإفساد أفكارهم بما فيها من الأكاذيب، فإنهم لم ~~يصدقوا، واقتادوا لرياق عددا من الوجهاء عوملوا معاملة المجرمين، وأبقوا تحت ~~الحفظ أياما دون أن يعرفوا سببا لهذه المعاملة، والناس يتوسطون دون فائدة، حتى ~~إذا كان ذات يوم وأحد المشايخ الذين أوقفوا يقول: ماذا جرى بنا؟! أنبقى في هذا ~~الأسر ولا نعلم لنا ذنبا؟! أطل عليه السجان، وكان من أهل تلك الناحية، وقد ساءه ~~معاملة أبناء مركزه بمثل هذه القسوة والفظاظة، فقال: «طب نفسا فالفرج قريب»؛ لأن ~~الجيش على وشك الرحيل، وسأفرج عنكم حالما أصبح حرا من القيود، قال: وما تعني ~~بالقيود؟ قال: الجيش يستعد للرحيل سرا والعرب والإنكليز أصبحوا على قاب قوسين ~~منا، وربما أطلقت سبيلكم في الليلة المقبلة، وسرت معكم إذا رأيت من محذور يصيبني، ~~فاستعدوا للفرار، والآن ادخلوا إلى حيث أنتم مخفورين، ولا تظهروا قلقا، ولا تخشوا ~~محذورا، فاجتمع السجناء السياسيون في غرفهم، وأخبروا بعضهم البعض بما كان، وأصبحوا ~~ينتظرون الفرج، ويدعون لله أن يعجل دخول العرب البلاد بعد أن ذاقوا الأمرين في ~~أيام الحرب السوداء. # هكذا مهدت السياسة للخلفاء سبيل الدخول إلى سوريا برضى أهلها، فالمسلمون ناقمون ~~لما أصابهم من الظلم والخسائر المادية، ولفقدان زهرة الشباب في حروب لا خير فيها ~~لأحد، والمسيحيون ناقمون لما ذاقوا من الظلم والاستبداد والخوف على الأرواح ~~والأموال. # دخل الحلفاء سوريا فاتحين، فقابلهم الأهالي حيث حلوا بالترحيب، وكان أكثرهم ~~سرورا بذلك هيفاء؛ لأنها كانت تنقم على الأتراك لما أصاب والدها في دمشق، مما زاد ~~في حزنه على وحيده وعجل منيته، فقضى مبكيا عليه من كل من عرف أخلاقه الطيبة؛ ~~ولأن الحرب جرت عليهم النوائب، وقضت على شقيقها العزيز ووالدتها المحبوبة وحرمتها ~~من أخبار سليم، فكان أول ما فعلته حين دخل الحلفاء بيروت - حيث كانت في ذلك الحين - ~~أن كتبت إلى سليم كتابا رقيقا هذا مؤداه: # لا أدري ماذا ms59 أكتب الآن، ولم يعد لي في هذه البلاد من أحد ألوذ به وأعتمد ~~عليه، فقد قضت الحرب على شقيقي العزيز، فقضى شهيد الواجب، رحمه الله. وكان ~~مصابنا الفادح علة اعتلال صحة أبي الذي قضى إلى رحمة الله حزنا وأسى على ~~محمد، ولم تمهل المنية والدتي إلا مدة قصيرة بعد ذلك، فترى كيف نزلت بنا ~~النوازل، وكانت والدتك لي كأم حنون، فشاء الله أن يحرمني إياها وعم ~~المصاب، ولولا بقية أمل بلقياك لكنت الآن في عداد من ذكرت، رحمة الله عليهم ~~أجمعين. # ولقد شاهدت سعدى ابنة عمك منذ أيام، فعلمت منها أنك تسأل عني، فعلمت أن ~~لي في العالم الجديد سندا يعوض علي ما خسرته في الوطن العزيز. # وإن ما نزل بي من الكوارث أثر على صحتي فاعتلت قليلا، ولكن تغيير ~~الهواء أياما وما علمته عنك قد جدد همتي وحسن صحتي، وأرجو أن أراك ~~قريبا في نيويورك؛ لأنني ذاهبة لحضور مؤتمر للتعليم، وربما أبقى هنالك إذا ~~ساعدني الحظ، وتوفقت إلى دخول مدرسة في تلك الديار، فأستودعك الله إلى ~~اللقاء في نيويورك في آخر الشهر القادم. # تلا سليم هذا الكتاب مرارا، ورأى أن هيفاء حافظت في كتابها كل المحافظة على ~~ألا تذكر شيئا عن حبها له، فعلم أنها لم تختر في تلك الفرصة التي أنبأته فيها ~~بوفاة والديها وشقيقها ووفاة والدته وتعزيته أن تطيل الكلام عن الشوق والغرام، ~~ولكنه علم من كتابها أنها باقية على العهد لم تفتكر بسواه، وهذا ما كان يرجو أن ~~يعلمه من أمرها، فأصبح يعد الأيام والساعات للقاء. # اللقاء # علم سليم بميعاد وصول الباخرة التي تقل هيفاء، فكان أول من ذهب إلى الميناء ~~غير مصدق أن هيفاء ستصل إلى نيويورك قريبا، وكاد قلبه يطير شعاعا حين سمع ~~صفير الباخرة، ورأى المسافرين ينزلون إلى البر، وكان قد بذل جهده مع موظفي قلم ~~المهاجرين لتسهيل نزول أعضاء المؤتمر من السوريين. وبينما هو يتأمل وجوه ~~المسافرين رأى سيدة جميلة، ظنها أول الأمر أوروبية تدنو منه، وتنظر إليه فحول ~~ذلك بصره نحوها، ms60 فعرف هيفاء واقترب منها، وبغتت هي؛ إذ رأت سليما، ولم تكن ~~تنتظره في ذلك المكان، فتصافح الصديقان وضغط على يدها، ثم خرج من دائرة الجمرك ~~إلى حيث تنتظرهما سيارة سليم فركباها، وسار سليم بهيفاء إلى حيث أعد لأعضاء ~~المؤتمر مكان خاص به، وما كان أعظم سرورهما بالاجتماع. # أوصل سليم هيفاء إلى حيث كانت تقصد، وقال: سأتركك الآن ريثما تستريحين من تعب ~~السفر وتغيرين ملابسك، وسأعود إليك مساء حينما تكونين قد انتهيت من العمل، ~~فآخذك في سيارتي لمشاهدة هذه البلدة العظيمة. # فشكرته ومضى وهي تفكر في كيف مهد الدهر لها سبيل الاجتماع بسليم بعد هذا ~~الفراق الطويل، وكيف أن حوادث السنوات الماضية مع ما فيها من نكبات حلت بها ~~انتهت إلى هذا اللقاء السعيد، فشكرت الله الذي بدد أحزانها، وأحيى في قلبها ~~الرجاء بعد اليأس، ومهد لها سبيل اللقاء بمن يحبه قلبها، ويحبها بكل ما في ~~قلبه من حرارة ووداد. واستراحت قبل اجتماع المؤتمر أياما شاهدت في خلالها ~~سليما مرارا، فجددا ما بينهما من مودة، ووجد كل منهما في الآخر ما كان ~~يرجو أن يجده فيه من حب وإخلاص وأنفة وأدب وعلو نفس وحسن تربية، وغير ذلك ~~مما يقرب بين القلوب. # ولما حان ميعاد عقد المؤتمر الذي جاءت سعدى لأجله استعدت لإلقاء محاضرة عما ~~كلفت بدرسه، وعرضت ما كتبته على سليم، فسر جدا بآرائها، وشجعها على إلقاء ~~محاضرتها الإنكليزية بصوت جهوري دون أن تأخذها روعة أو تخشى كثرة ~~المجتمعين. # علم سليم من هيفاء كل ما جرى لها ولأهلها، وكيف نكبت بأخيها ووالديها، وكيف ~~كان الشيخ صالح في كل تلك الأدوار عنوان الصداقة والإخاء وأكبر معز لوالديها ~~حتى حم القضاء، وأنها لم تعد تقدر أن تذهب إلى قريتها بعد كل ما أصابها، وقد ~~زارها الشيخ صالح قبل سفرها، وكلفها إهداء سليم سلامه القلبي، فقال سليم: لا ~~أنسى الشيخ صالح ما دمت في قيد الحياة، فهو الذي كان سبب إنقاذك من ذلك الفاجر ~~الشرير، وأكبر مساعد على إرسالك للمدرسة، فنعم الرجل هو. # وعقدت ms61 الجلسة الأولى للمؤتمر، فكانت حفلة افتتاحية فقط، اقتصرت على توزيع ~~البروغرامات للاجتماعات العديدة في الأيام التالية، ثم انصرف الأعضاء كل في ~~سبيله، فمضت هيفاء إلى غرفتها، وأعدت نفسها لمقابلة سليم، وذهبت إلى قاعة ~~الاستقبال تنتظر قدومه بشوق ولهفة. # وكان هنالك «بيانو»، فجلست تضرب نغما شجيا؛ إذ تذكرت مصائبها التي تنوء ~~تحتها الجبال، فدخل سليم دون أن تشعر به، ووقف يستمع منصتا، ثم عادت فضربت ~~لحنا عربيا مطربا، فرقص فؤاده ودنا منها حتى كاد يلمس جسمها، ثم أحست بأن ~~هنالك شخصا بجانبها، فأدارت وجهها إلى الوراء مجفلة فأبصرت سليم، وكم كان ~~سروره عظيما لسماع تلك الألحان من هيفاء، ورأى الفرق العظيم الذي تفعله ~~المدرسة في النفوس، فطلب إليها أن تستمر في عملها هذا، ثم وقف وراءها يسمع ~~والطرب ملء الفؤاد، وغنى معها قسما من تلك الأنشودة المطربة، ثم جلس وتركها ~~تعزف على البيانو، وكتب على ورقة صغيرة هذه الأبيات: # اضرب على أوتار قلبي والعب # باللب لعبك بالبيانو المطرب # وأعد أناشيد الغرام فإنها # خطرات فكر بالهيام مؤدب # فالشعر لولا وحي حسنك لم يطب # وكذا الغنا لولا الهوى لم يعذب # يا من جمالك قبلتي ومحجتي # وإلى محياك الجميل تقربي # أدنو إليك وقد عرتني هزة # والقلب يخفق من جوى وتهيب # حتى إذا ثمل الفؤاد وساقني # داع إلى ريا عبيرك غر بي # جردت لحظا كالحسام بحده # وطعنت عمدا صدر من لم يذنب # فأعود حيرانا وقلبي داخلي # عاص علي بجنده المتألب # فالشوق يدفعني إليك وصبوتي # واللحظ يمنعني وفرط تأدبي # يهتاج قلبي الشوق لكن الإبا # ء يصون نفسي عن وعورة مطلبي # فأروح أنشد معك أنغام الهوى # متهللا بالروح قرب معذبي # أتلو كما شاء الغرام قصائدا # تروي حديث القلب فاسمع واطرب # ودع الصدود فقد كفى ماضي الجفا # وارفق بمضناك المحب المعجب # وترك هذه الورقة على المكتب تحت محفظة هيفاء، وسار مودعا بعد أن اتفقا على ~~الذهاب في اليوم التالي إلى حدائق نيويورك العمومية، فلما سار سليم أخذت هيفاء ~~محفظتها، وإذا بها ترى تلك الورقة فتلتها مرارا وقبلتها تكرارا، ms62 وأصبحت تعد ~~الساعات للاجتماع بسليم. # وفي الميعاد المضروب أقبل سليم والبشر يطفح من محياه، فتصافحا وخرجا إلى حيث ~~كانت سيارته بالانتظار، فاستقلاها وسارا بين الشوارع العظيمة التي كانت تبدو ~~كأنها أودية صغيرة مسطحة بين جبال مرصوصة عن الجانبين، ثم خرجا من تلك المنطقة ~~إلى ضواحي البلدة، فانتهيا إلى حديقة غناء حيث نزلا من السيارة، ودخلا إلى ~~الحديقة يسيران الهوينا، ولا يصدق الواحد منهما أن من يمشي بجانبه هو الشخص ~~الذي طالما تمنى أن يراه على هذا الحال. # فبدأ سليم الحديث، وقال: كيف رأيت هذه البلاد العظيمة؟ قالت: أرى كل شيء فيها ~~جديدا، فعسى ألا تكون تغيرت فيها، قال: إن ما هو مألوف عندنا من بقاء ~~القديم على قدمه غير مألوف هنا، بل ترين كل شيء متحولا متحركا متجددا ~~والبلاد سائرة بخطى واسعة إلى الأمام، ولكن القلوب لا تتغير والحب لا يتبدل ~~والأفكار لا تتحول إذا رسخت على قاعدة الحب، بل يزيد اجتماع المحبين توقدها، ~~فما أحلى هذا الاجتماع، والآن قد أصبحنا أحرارا في هذا العالم الجديد، فهل ~~تودين البقاء هنا فتشبعين نفسك المتعطشة إلى العلم، وتشبعين نفسا أخرى متعطشة ~~إلى لقياك، وهو اللقاء الذي قال فيه الشاعر العصري: # فلقاء يكون منه دواء # قالت: أراك الآن تميل إلى الشعر، فهل زالت القيود التي كانت تحول دونك ودون ~~النظم أيام كنت في العمروسة؟ قال: تلك أيام مضت كان يحول فيها بيني وبين النظم ~~ما تحظره علينا العادات والتقاليد، أما الآن فنحن في العالم الجديد حيث الناس ~~إخوة مهما اختلفت نزعاتهم وعقائدهم، وليس ما يقف في سبيل اتحادنا بعد الآن إلا ~~إرادتنا، فهل تودين أن تسمعي من الشعر ما طالما تمنيت أن أسمعك إياه قبلا ولم ~~تسمح بذلك الأيام؟ # قالت: قل ما بدا لك، فإنه لا أحلى وقعا في أذني من كلامك، فنظر إليها نظرة ~~أحرقت فؤادها، وقال: ليس كلقاء المحبين بعد الفراق، ولا أرق من حديث الغرام ~~لمن برحت به الأشواق وحركت فؤاده العيون. # لم أستطع أن أنظم لك في العمروسة شيئا ms63 لأسباب تعلمينها الآن، وأما في هذا ~~اليوم البهيج فقد انطلقت القريحة من عقالها، فانظري حولك إلى هذه الأشجار ~~الباسقة والأزهار الزاهية والخضرة النضرة والمياه المتدفقة الصافية، فكأنها ~~أعدت لهذا اللقاء السعيد. # تتمايل الغصون بأزهارها كما تتمايلين، ولكن أنى لها من معاني الحياة وجمال ~~التكوين ما لهذا الجمال الساحر الفتان، وهاك الطيور تغرد، ولكن أين نغماتها ~~من صوتك العذب الرنان الذي يضرب على أوتار القلب فيحرك الشجون. # يذكرني ذلك يوم خلونا معا في كروم لبنان نتدانى بين الأغصان ونتهادى عناقيد ~~العنب، ونحن لاهون ثملون بما تقر به العيون. # بل ما أحسن ذكرى ذلك اليوم الذي وقفنا فيه أمام الشلال وهو يقذف بلآلئه ~~الدرية من شاهق، ثم تجتمع تلك اللآلئ الحسان، وتسير كأنها مجار من البلور ~~المذاب، فتمر بين مخضل العشب الأخضر، وأزاهر الرياض الناضرة، وأغصان الصفصاف ~~المتدلية التي كانت تظللنا عن أعين الرقباء حينما كان قلبانا كأنهما ساعتان ~~دقاقتان تخفقان معا من شدة الطرب والسرور، وأنا أتبعك محاولا الوصول إليك ~~ونظراتك الحادة تفصل بيننا، ومهابة جمالك تلقي حولك درعا منيعا يقي هذه ~~المحاسن الغراء، فبورك في جمالك ما أبهاه، وبورك في طهرك ما أسماه، وبورك في ~~يوم تلاقينا فيه فكان أفضل أيام الحياة. # هاك قلبي المضطرم أطرحه أمامك على مذبح الحب الطاهر، وهاك قريحتي التي أضرمت ~~فيها نار الذكاء أقدمها لك عربون المحبة والولاء، وهاك لساني الذي علمه جمالك ~~الفصاحة والبيان، لا ينطق إلا بما توحين ولا يستعذب إلا ذكر اسمك المحبوب الذي ~~هو أحلى ما ينطق به بين الأسماء. # فهل ترغبين في أن يكون هذا اللقاء فاتحة الاتحاد والسعادة؟ وهل تسمحين لي ~~أن أنظم في جيدك عقدا من الآلئ الحسان يحلو منظره في هذا الجيد الناعم ~~الفتان، وتسمحين لي أن أضع في يدك هذا الخاتم الذهبي الذي أعددته ليكون أفضل ~~علامة للمحبة والإخلاص؟ # ثم وقف وأخرج من جيبه عقدا جميلا فطوق به عنقها، وخاتما عليه اسمه وضعه ~~في يدها، وقال: لك الحرية أن يكون القران مدنيا أم دينيا، إنما أرجو ms64 أن ~~تقبلي هذه الهدية، فتجعلين هذا العاجز أسعد الناس. # فتأثرت هيفاء حتى كادت تسقط عن المقعد ~~الذي جلست عليه، ثم نظرت إلى سليم، وكأن الحب قد تمثل في صورتها البشرية، ثم ~~قالت: آه! ما أحلى كلماتك العذبة! فقد آسيت بها قلبي المكلوم، وجعلتني أشعر ~~بدبيب الحياة الجديدة في صدري، فما أقوى سلطان الحب على القلوب، وما أفعل الشعر ~~في النفس إذا كان صادرا من شاعر يتكلم بقلبه لا بلسانه، أنا أحب نفسك؛ لأنها ~~جميلة وأقوالك لأنها عذبة ومعانيك الحسان لأنها تفتن فؤادي، وتهيج بي عاطفة ~~الاستحسان فالشكران، فالميل إليك دون سواك من عباد الجمال. # أنت تعشق بقلبك وعقلك ونفسك، وأما أولئك فيعشقون بنفوس ملؤها الشهوات، وكم ~~رأيت من الرجال من يتظاهرون بالحب، ويتقربون إلي وهم مملوءون رجاسة وخبثا، ~~هم يحاولون أن يشتروا قلوب العذارى، وأما أنت فتأسر القلوب بالمعروف، وترفع ~~قدر العفاف، وتحيي الذكر الخامل، فيبقى حبك خالدا لا يموت. # فقد أحببتك من أول نظرة، ولكني لم أكن أرجو أن يتم لنا هذا الهناء، ونجتمع ~~بعد طول الفراق، حيث لا يمنع اتحادنا شيء، فهل قدر لنا أن نجتمع فلا نفترق ~~فيما بعد؟ أم إن هنالك ما يكدر هذا الصفاء والهناء؟ ولقد سرني منك أنك لم ~~تنس لغتك ووطنك وأصحابك القدماء، وأنا لم يبق لي في الوطن إلا الشيخ صالح ~~أنظر إليه كأنه والدي الحبيب، وأنت لي بعده كل شيء، وإنني منذ عرفتك، وأنا أنظر ~~إليك كأخ حبيب، بل أكثر من الأخ. # فضمها إلى صدره، وقال: «بل أنت لي كل شيء في الدنيا.» وافترقا ذلك المساء على ~~ألا يفترقا فيما بعد، بل يكونان روحا واحدة في جسمين يعيشان الواحد للآخر، ~~وكلاهما لله وللوطن، فعاش ذلك الحب خالدا في طيات القلبين، وخلده سليم ~~وهيفاء بأول عمل عملاه بعد أن وطدا النفس على الإقامة في العالم الجديد بأن ~~أرسل سليم إلى الشيخ صالح صديقه القديم كتابا رقيقا، هذا مؤداه: # تحية واحتراما وبعد، فقد وصلت إلى نيويورك هيفاء كريمة المرحوم يوسف ~~الهلالي تحمل لي ms65 منك سلاما، هو عندي سلام الوالد إلى ابنه البعيد عنه ~~المتشوق إلى لقياه، وكم كانت تطيب لي أنباؤكم لو كان آل الهلالي كما ~~كانوا حين عرفتهم سعداء يبسم لهم الدهر، فشاء الله أن يشتت شمل هذه ~~العائلة الكريمة التي يحتاج الوطن إلى مثلها كثيرا، فقد كان أفرادها ~~عنوان المروءة، والنخوة، والضيافة، والصدق، والولاء، وهذه أهم ما ~~تحتاجه البلاد من الأخلاق، مع ما كانوا متصفين به من الاجتهاد في ~~الأعمال والاستفادة من خبرة ذوي الاختبار، فقد كانت زراعتهم أفضل ~~زراعة، وحاصلاتهم أفضل الحاصلات، وبيتهم أكرم البيوت. # وشاء الله أن أتقدم هيفاء إلى هذه الديار لأسهل مهمتها، كما شاء أن ~~يعيد صداقة البيتين وعلاقة العائلتين بما هو خير حافظ لذكرى الود ~~القديم، والصداقة التي دامت جيلا كاملا؛ فقد كان آل الهلالي أحب ~~الناس إلى والدي، وكان هو أحب الناس إليهم، فلما شاهدت هيفاء تذكرت تلك ~~الصداقة القديمة ورأيت بها من علو الكعب في الأدب وكرم الطباع وسمو ~~المدارك، ما جعلني أشعر أنها أفضل من أعرف من النساء اللواتي أتين من ~~الوطن العزيز إلى هذه الديار، وتأدبن بآداب الغرب، وحافظن على تقاليد ~~الشرق، واكتسبن من العلم درجة عالية، ومن الأخلاق ما ليس بعده من ~~مستزيد، فكان هذا مما زادنا تقربا، وتعاهدنا على أن يكون الواحد ~~منا للآخر. # ولقد ترددت في بادئ الأمر عن أن أفاتحها بالحب أو أنظر إليها إلا ~~نظرة الأخ إلى أخته؛ لما بيننا من الفروق الدينية التي توجب في الوطن ~~الابتعاد عن بعضنا البعض، ولكننا في العالم الجديد غير ما نحن عليه في ~~الوطن، فالناس هنا إخوان لا فضل لمسلم على مسيحي أو لمسيحي على مسلم، ~~إلا بأخلاقه ومنفعته لأمته وشعبه وللعالم. # نحن ننظر الواحد إلى الآخر نظرة الأخ إلى أخيه، وطالما فكرت في أن ~~مبادئ القوم هي مبادئ الشيخ صالح الراقية، فكما سمعتك تقول: إن الناس ~~إخوان، وإن أفضلهم عند الله أقربهم إلى عياله وأكثرهم إحسانا، وإن ~~الدين المعاملة، وعاملوا الناس كما تريدون أن يعاملكم الناس، وما أشبه ~~ذلك ms66 من التعاليم العالية التي غرست في نفسي، فلا أرى فرقا بين أبناء ~~طائفة وأخرى. وإنني أشعر بأن من تخلق بأخلاقي وتهذب مثل تهذيبي، ~~وكانت مبادئه قريبة من مبادئي أقرب إلي من أهلي الأقربين إذا لم ~~يكونوا كذلك. # والحق يقال: إن هيفاء أقرب الناس إلي ذوقا وأخلاقا وتهذيبا، ~~واعتقادا بالمبادئ الإنسانية السامية، فنحن نكاد نرى الأمور بمنظار ~~واحد، ولقد حرمت من أهلي وحرمت هي من أهلها، وكلانا ينظر إليك كأب ~~ثان، ونرجو أن تبارك هذا القران وترضى عن هذا الاتحاد الذي نرجو أن ~~يكون سببا لسعادة الاثنين، وخير ما نستطيع أن نفعله الآن؛ دليلا على ~~حبنا لأهل العمروسة وإخلاصنا لك، هو أن أرسل من هيفاء تنازلا عن كل ~~ما يخصها من تركة والدها؛ لأنها مع شدة حبها لأهل بلدتها لا تستطيع أن ~~تعود إلى هنالك وتقيم في بلدتها؛ لما فيها من التذكارات المؤلمة لها؛ ~~ولذا أحبت أن تترك ما لها لأبناء قريتها، وأنا أزيد على ذلك حوالة ~~مالية من عندي لتوزعوا قسما من المال على المعوزين، وتنشئوا مدرسة في ~~العمروسة تحت إشرافكم تعلم حب الوطن والاتحاد بين الأفراد وطوائف ~~البلاد، وتكون مثالا للمدارس التي تخدم الله والوطن. # انتهى المؤتمر الذي جاءت هيفاء لحضوره، وكان لهيفاء نصيب كبير في نجاحه، وقبل ~~انفراط عقد المدعوين وصل إليهم دعوة لحضور حفلة إكليل سليم على هيفاء، فبوغت ~~الجميع بهذا الخبر الفجائي، ولما حان الموعد المضروب حضر جمهور كبير من ~~السوريين المقيمين في نيويورك وأصدقاء سليم وهيفاء من الأمريكيين، وتجلت في تلك ~~الحفلة الوطنية الصحيحة والإخلاص بما كان يبدو على العروسين من الهناء، وود ~~كل من حضر لو أن هذه الروح التي ظهرت بأتمها في نيويورك تتمشى في سوريا، ~~فيشعر الجميع أنهم أبناء وطن واحد وشعب واحد ولغة واحدة، وأن الله والوطن ~~للجميع. ms67