######OpenITI# #META# URI: 1374AhmadZakiAbuShadi.AndaFajr.Hindawi28057251 #META# Tags: poetry #META# ID: 28057251 #META# Title: أنداء الفجر #META# AuthorID: 63709470 #META# Author: أحمد زكي أبو شادي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء الديوان‏ # شعر الديوان‏ # دراسات أدبية‏ # إهداء الديوان‏ # شعر الديوان‏ # دراسات أدبية‏ # | أنداء الفجر # | أنداء الفجر # تأليف # أحمد زكي أبو شادي # | إهداء الديوان # | إلى زينب # ربع قرن مضى وهيهات تمضي # شعلة الحب عن وثوب وومض # لم أزل ذلك الفتى في جنوني # وفؤادي بنبضه أي نبض # ذكريات الهوى وأشباحه النش # وى أمامي في كل صحو وغمض # أنا منها فكيف أرتد عنها؟! # مرحبا بالخيال لمسي وقبضي! # نشرت في السطور بعد احتجاب # كنثير الحيا على زهر روض # فإذا بي أعود طفلا صغيرا # باكيا لاهيا بأنسي وركضي # فاقبلي يا سماء وحيي زهورا # من حياك السخي لا جود أرضي # وأعيدي على الصبا في نظيمي # نظرة الحب ينتفض مثل نفضي # كم شقينا تفرقا وحياء # وخضعنا لحكم دهر ممض # ورجعنا ننوح نوح يتيمي # ن على ذلك الصبا المنقض # علم الحب ليس غيرك مجدي # في وفاء وليس غيرك خفضي! # يولية سنة 1934 # أحمد زكي أبو شادي # | تصدير # بقلم محمد عبد الغفور # لا أعرف لذة روحية أشهى لدي من كتابة هذا التصدير للطبعة الثانية من ديوان (أنداء ~~الفجر) - أول دواوين أبي شادي - فقد تجاوبت روحي مع عواطف هذا الشاعر العبقري وأخيلته ~~العلوية تجاوبا هو سر سعادتي النفسية كلما اصطحبت روائعه الساحرة وتمثلت شخصيته ~~الآسرة. # لقد مضى ربع قرن على هذا الشعر الفتي، وأعلم أن أبا شادي هو أول ناقد له، فهو دائم ~~التطلع إلى الكمال ولا يرضى عن آثاره الحاضرة فما بالك بآثاره القديمة، ومع ذلك فآثار الصبا ~~لها جمالها ولها ذكرياتها العذبة وإن اقترنت بالألم الدفين، وإن لم تخل من ضعف ... وإذن فقد ~~أحسن شعراء أبولو الذين ألحوا بإعادة طبع هذا الديوان الصغير، فإن فيه ذكريات عزيزة لا ~~يستطيع أبو شادي نفسه أن يتجاهلها؛ فهو ما يزال يقتات منها، وإن فيها لبذرة من بذور الإصلاح ~~التي كونت مدرسة الشعر المصري الحديث، وإن فيها لدلائل كافية على الشمائل الأدبية والمواهب ~~الفنية التي طبع عليها شاعرنا وضمنت له ما نال من تفوق. # لا أريد أن أسهب في هذا التصدير فآرائي ms01 في شعر أبي شادي معروفة، # 1 # وسأكتفي بالتنبيه إلى المواضع النقدية البارزة: ~~(1) # يلاحظ بسهولة أن أبا شادي الفتى هو أبو شادي الكهل: شاعر الحب والجمال، ~~ومن الطبيعي أن يكون ذلك من روح الصبا ولكنه روح قوي متصل الأسباب ~~والنوازع حتى الآن. وأبو شادي الفتى يتآمر عليه الحياء (وهو يصرح بذلك في أكثر ~~من موضع في شعره)، ولا يزال هكذا أبو شادي الكهل، ولا ترى شذوذه عن ذلك في شعر ~~كهولته إلا نادرا، وربما لم يكن له شخصيا فضل في مصارعة ذلك الحياء الذي أفسد ~~عليه حياته العاطفية، وهو دائم التسامي في حبه، ولو حاول عكس ذلك فسرعان ما يلتجئ ~~بفطرته ثانية إلى ذلك التسامي. وهذا الديوان الصغير لا يمثل نكبته الغرامية فيما ~~بعد، ولكنه يمثل قلقه أصدق تمثيل في تلك الفترة من حياته. ~~(2) # نرى أن الألم الممض يلج بالشاعر منذ حداثته: وآية ذلك أنه نشأ نشأة حزينة ~~قاسية مبعثها الفرقة بين الوالدين، فذاق ألوانا من الحرمان والهموم واقتات بالكآبة ~~والألم منذ طفولته، وزاده اعتلال صحته في صغره. بيد أنه مثال مجسم للشمم وعزة النفس ~~منذ نشأته، معتدا دائما بها ولكن في غير غرور، شأن الفنان الموهوب الكمالي ~~النزعة. وقضى الشاعر صباه في عهد من القلق السياسي الذي ثارت فيه نفوس الشبان، فنرى ~~آلام الوطنية متوثبة متأججة من بيوت شعره، ونسمع صيحته: # قليل على الأحزان ما انهد من جسمي # إذا كان عيش الحر أشبه بالإثم! ~~(3) # نرى أن ولوع أبي شادي بالمعنويات هو هو منذ حداثته (انظر قصيدته «المعنى ~~الأقدس»)، كما نرى افتتانه منذ نعومة أظفاره بحياة الطبيعة ورموزها - ولا أقول ~~بمشاهدها فقط - متغلبا عليه، ونلمح حبه للاطلاع (انظر قصيدة «موسيقى الوجود»)، ~~وجراءته في التخيل والتعبير (انظر قصيدة «الخالق الفنان»)، وإنسانيته العميقة ~~وتأملاته الفلسفية (انظر «فؤادي» و«مسرح الليل» و«أنداء الفجر» وأمثالها من شعره). ~~وإن كانت نماذج ذلك الشعر بعيدة بطبيعة الحال عن أن تمثل نضوجه الفني الحاضر، ~~ولكنها جميعا لها طابع شخصيته الطليقة القوية. ~~(4) # لا يمكننا أن نحدد شعر أبي شادي فنضعه ms02 في قسم معين؛ لأن نفسه طموحة متعددة ~~الجوانب عالمية النظرات، وشواهد ذلك لا تخفى على الناقد حتى في شعر صباه الذي يسبق ~~سنه بمراحل بعيدة. # ولكن لنا أن نقول: إن أبا شادي في شعره لا يخاطب جيله وحده بل يخاطب أجيالا لم ~~توجد بعد ويخاطب الغيب والمجهول، وله شره فكري وروحي فلا يقنع بشيء مما ~~يراه أو مما ينظمه. وهو برغم قوته أمين كل الأمانة للطبيعة، فلا ترى فيه الخيال ~~الفاسد ولا الأوصاف الميكانيكية ولا المغالطات المنطقية ولا المحاكاة التي يلجأ ~~إليها الضعفاء وأهل الصناعة، وإنما تجد روحا جبارة شاملة، عظيمة الشره، قوية ~~الطاقة إحساسا وتفكيرا، طموحة إلى الكمال الفني، تستلهم الوجود بأسره كما تستلهم ~~ملكاتها الذاتية، لا تقنع أبدا بإبداعها وإن عظم ذلك الإبداع، وتشعر دائما بحسرة ~~على ما عجزت عن تبيانه، متناسية ما أنجبته كأنه لا شيء، فتعيش دائما في قلق وظمأ ~~ولهفة. ~~(5) # نلمح السخط على البيئة في شعر أبي شادي منذ صباه، ونلمح هذا السخط مضاعف الشعلة ~~في دواوين شعره الحديث بعد غيابه الطويل في إنجلترا. ولا عجب في ذلك فقد نشأ شاعرنا ~~من الوجهة الثقافية والنفسية نشأة عالية لم تفسدها المتاعب والهموم العائلية في ~~طفولته وصباه وإن صبغتها بلون قاتم، واتخذ خلقه الإنساني صورا عملية شتى من البر ~~والوطنية والتضحية لازمته منذ نشأته، فكان رجلا ناضجا وهو في سن الشباب. ولبث ~~يعمل ويضحي بينما يقنع كثيرون بالثرثرة والدعابات إلى وقتنا هذا، فيلاقي الوفاء مرة ~~ويلاقي الجحود مرات، وقد صدق عليه قول الأحوص في لاميته المشهورة: # متحمل ثقل الأمور حوى له # سبق المكارم سابق متمهل # وتكون معقلهم إذا لم ينجهم # من شر ما يخشون إلا المعقل # وأراك تفعل ما تقول، وبعضهم # مذق الحديث يقول ما لا يفعل # وما زال على هذا الخلق الفذ النبيل والنشاط العجيب إلى وقتنا الحاضر الذي يحمل فيه على ~~كتفيه من الأعباء العامة ومن خدمة الثقافة العالية ما تنوء دونه الجماعات ... والرجل يبذل دم ~~قلبه وعصارة روحه ونور عينيه ورزقه ورزق أولاده فيما ms03 كلف به من مثل عليا، فلا يلاقي في ~~معظم الأحوال غير الإساءات والجحود، بل والمن أيضا من كثيرين ممن غمرتهم ديمقراطيته ~~الأدبية بحبه وإحسانه ومؤازرته الجمة، فلم يعنهم من كل هذا إلا أن يترعرعوا بفضل رعايته، ~~وإلا أن يصعدوا على أكتافه ثم يعضوا اليد الكريمة التي خلقتهم من لا شيء، أو التي ~~أخرجتهم من الظلمات إلى النور ... ولا أتردد في أن أقول غير مدافع: إن أبا شادي الرجل ~~الإنساني والمثالي الشاعر، هو رجل التضحية المنقطع النظير في هذا البلد الذي كثيرا ما ~~اعتز فيه المهرجون وأدباء المقاهي. ولم يحاربه ولن يحاربه إلا المخدوعون وأهل الأراجيف ~~والأدعياء، وحيويته العملية هي حيوية شعره الخالد، وشكواه من البيئة هي شكوى الطعين الغبين ~~الذي مهما شكا فلن يعرف الحقد سبيلا إلى قلبه الطاهر، ولن تنال الأحداث مثقال ذرة من ~~عزمه الفولاذي ولا من نفسه الوديعة القاهرة. ~~••• # هذه هي الصفات النفسية البارزة التي تألف وما يزال يتألف منها شعر أبي شادي، والتي نحييها ~~في شعر صباه كما نحييها في شعر شبابه وكهولته. # وشاعرنا واسع الاطلاع والتجاريب، بعيد الجراءة، كاره للتقاليد الجامدة وإن لم يكن هو ~~من المتجردين، وكل هذا ملموح في غاياته الشعرية وفي أساليبه. وإذا استثنينا زفراته ~~وصرخاته المتكررة في وجه البيئة الجاحدة العاقة، فإننا لا نجد أبا شادي من يعبأ بعد ذلك ~~بالناس إلا من ناحيتين: الناحية المثالية التي يتطلع إليها تطلع الأنبياء للتسامي ~~بالإنسانية، والناحية الفنية المحضة من اتخاذهم مادة كبقية مواد الطبيعة لشعره ~~الحي. # | شعر الديوان # (1) أنداء الفجر # من دموع النجوم، من سهر العا # شق صيغت ومن رجاء الحياة # في حنان ورقة وهي لا تم # لك من عمرها سوى لحظات # في ثغور الأزهار، في ألق العش # ب، وفوق الغصون تحيا وتفنى # وهبت حسنها الضحية للشم # س كأن الفناء للشمس أغنى # ويعود الفجر الوفي بها بع # ثا ولكن تعود تمضي الضحيه # هي ملك لنا حياة وموتا # وهي بالروح صورة الأبديه ~~(2) الحب والأمل (نظمها الشاعر وهو عليل) # وفى الربيع فحي الحب والأملا # وسائل ms04 الذكر إن كان الفؤاد سلا # واحفظ حديث الغواني في أزاهره # واحرص على النفس أن يدنى لها الأجلا # من كل هيفاء إن ماست وإن نظرت # لم تترك القلب إلا حائرا وجلا # رنت إلي بلحظ ناطق لعب # والسحر إن عز لا أبغي له بدلا # يا رائق الشعر هل بلغتنا نبأ # عن حال من كان لولا العهد مرتحلا # 1 # يخطو إلى الموت والآلام تلفته # إلى العهود فيثنى جازعا خجلا # ليت الوفي الذي تنسى مروءته # ما عاهد البدر أن يرعاه ممتثلا # إن عاش كانت على التسهيد نضرته # أو مات أزجى المنى من قبره رسلا # لا يستقر له رأي على سبب # ورب صوت ثنى # 2 # من همه وجلا # سهل لديه التأسي عن مدامعه # يوم اللقاء، فأما في الوداع فلا! # رأى النعيم هموما في صبابته # وقرب الحسن مثواه له فحلا # ما أجزع الصب يبكيه متيمه # من الجمال، وما أهناه لو وصلا ~~••• # ودعت همي، وهمي كله أمل # يا رب لحظ ولفظ في الهوى قتلا # مرت كحلم يجاريه الدلال فلا # نمت عليه، ولا أخفت له مثلا # وداعبتني بصوت خافت وبكت # وقربتني وقالت حسبنا جدلا! # الدهر فرقنا، والدهر ألفنا # فانس الذنوب، ولا تعتب لما فعلا # الكون زاه قشيب، والظلام سنا # والنور كنز معان تبهج المقلا # فاجل القريض وحدث طائرا غردا # وادع النسيم ولحن بعده زجلا # فسرت في الروض من فرط الهوى ثملا # مثلي النسيم بدا من رقة ثملا # والطير دان فلما جئته خطرت # فيه الظنون فخلى إلفه وعلا # والله لست الذي يرضى السهاد له # حتى يخاف، ولكن لست من عذلا # يا طير آلمت نفسي - كلنا دنف # ما كنت باعدتني لو كنت من عدلا # ويا زهورا كساها من مدامعه # هذا الغمام عقودا نضرة وحلى # ويا شعاعا سحرنا من تألقه # يبكي ويلعب بساما ومقتتلا # ويا نجوما توافينا وما برحت # تفشي حديث الدجى، لا تعرف الخجلا! # ويا أديما جلسنا في بدائعه # يأبى علينا الهوى أن نترك الغزلا # ويا ملاكا يحيينا وما فتئت # منه اللحاظ سهاما ... ليته غفلا # ويا زمانا نعمنا من نضارته ms05 # والأنس وقف عليه دام أم أفلا # ويا ربوعا وقفنا في معابدها # أسرى الجمال، نزف الحب والأملا # لا قلت معنى يروق الشعر جوهره # لو أن بعض نعيمي من هواك خلا! ~~(3) حياتان # أمي (الطبيعة)! في نجواك إسعادي # وفي ابتعادي أعاني دهري العادي # وفي حمى إخوتي من كل طائرة # وكل نبت نبيل وحيك الهادي # ما بالها هي صفوي وحدها فإذا # رجعت للناس لم أظفر بإسعاد # كأنما الناس أعداء: فبعضهمو # حرب لبعض وحساد لحساد! ~~(4) حظ الناقمين # فؤادي برغم الحادثات كبير # وطرفي وإن عز العفاف كسير # تلين لي الأيام في كل شدة # ولو أن جل الفاتحين أسير # سلخت من الأعوام بضعا وعشرة # أقيم على دين العلى وأسير # وفي النفس حاجات وفي القلب لوعة # على أن كلي همة ومرير # 3 # وما انقطعت أسباب أنس ونعمة # ولكن حظ الناقمين عسير! ~~(5) التبرم # يا رب! كيف خلقتني متبرما # بالناس حين وددت هذا الناس # أتراك أنت معلمي، وكأنما # قد عشت في ندم وعشت تواسى! ~~(6) الألوهية # ملكت قلبا عليلا # جنى الغرام عليه # فراقب الله فيمن # فؤاده في يديه # 4 # وسائل اللحظ عمن # يذوب شوقا إليه # وسامح العبد يوما # فأنت رب لديه ~~(7) الشاعر المصور ~~(أصلح الشاعر ببراعته صورة حبيبته التي لم يحسن المصور إخراجها) # كذب الضياء على المصور مرة # أخفى بها المشهود من آياتها # فوضعت في كفي يراعة عاشق # كان البيان يجول في لفتاتها # ونقشت تأثير العيون لأنني # أدرى بوقع السحر من نظراتها ~~(8) قوس قزح # ملهى السماء يرشنا بنثيره # والماء ذوب أشعة وأغاني # والسحب تلعب فيه لعبة صاعد # أو هابط درجا من الألوان! ~~(9) على صفحة الماء # يشق القارب المزهو مثلي # طريقا في المياه مع ابتهاجي # فيكسر صفحة للماء راقت # ونسمع صوت تكسير الزجاج! ~~(10) إلى سجين القلم (محمد فريد بك) # من كان يدرك في الوجود هواكا # أسفا عليه إذا بكى ولحاكا # لست الذي يجد الحياة بغفلة # ويعاف في بث اليقين حراكا # نفس لديها المجد خدمة قومها # تستعذب الآلام والإنهاكا # تشقى وتضرع أن تموت على هدى # لا ترهب الأغلال والأشراكا # حجبوا سناك عن العيون ms06 وما دروا # أن القلوب خلالهن سناكا # أكرمت نفسك هاديا ومفاديا # شعبا يقيم على الدوام فداكا # والحر أولى أن يجود بنفسه # من أن يروم عن الصواب فكاكا # سيان كنت بنعمة أو نقمة # ما دمت ترضي بالجهاد حجاكا # سيان كنت مقربا أو مبعدا # ما دام حرب العابثين مناكا # وكفاك فخرا أن تناضل دولة # كم أرهقت من مصلحين سواكا # والعمر ساعات يطيب أمرها # لو أن في حسم الضلال هلاكا ~~(11) عهد الصبابة # خطرت فمكنت الهوى تمكينا # وشدت فرجعت القلوب رنينا # نزعت برقتها الشعور فأشفقت # وبكت فكان أنينها التأبينا! # تخشى الملامة في الغرام إذا عفت # فجفت وكنت على الشقاء أمينا # عودت مر العيش حتى لم أبت # إلا بصيرا بالهموم رزينا # ما ينفع الصب الكئيب من الجوى # حتى يحن إلى البكاء حنينا! # أسفي على عهد الصبابة لم يكن # إلا شعاعا كاذبا مظنونا! # أسفي عليه وقد فقدت شبابه # ووهبت فيه فؤادي المغبونا # وظللت محزونا أكفكف أدمعي # أملا، وعشت متيما مفتونا # متصدعا من لوعة، متراجعا # من هيبة، مستغفرا، مسجونا # يا حسرة القلب الضعيف إذا رجا # من لا يزال على الوفي ضنينا! ~~(12) غدر الجمال # بسمت فما فتكت وما عبثت # إلا بمهجة صبها العاني # ورنت فما أحيت وما قتلت # إلا المشوق لطرفها الراني # الله في حسن يحيرنا # من لحظها المتخشع الجاني! ~~(13) بعد الفراق # ويوم أثار البين كامن لوعتي # وأغرقت في شكوى تخفف من همي # 5 # نفضت الكرى وارتحت للبث بعد ما # تهالكت ما بين الصبابة والسقم # يكاد يكون الحب دينا أعزه # وهذا الشقاء العذب من منتهى همي # 6 # ولكن يهون البؤس في كل لحظة # إذا زاد حفظ العهد غما على غمي # نزحت عيوفا عن بلاد أحبها # تساق بها الأحرار للخسف والضيم # أقمت بها عمرا على الوجد صابرا # وخلفتها بين التلفت والأم # ذكرت بها بدرا ضللنا لبعده # فأرسلت توديع الفؤاد على اليم # سلام على حسن دفنا سهامه # بأضلعنا بين التكتم والنم # سلام وفي نفسي شجون كثيرة # تفيض لدى التذكار في مدمعي الجم # تحملت قلبا دام رهن ودادهم # وما زال مملوكا على ms07 الطوع والرغم! ~~(14) الطب الحائر # نظر الطبيب إلي نظرة ناقد # أعياه مكمن علتي ودوائي # والطب يقصر عن شفاء مسهد # ألف الأسى لتسفل الأهواء # ما كل بأس في الجسوم بصحة # أو كل وهن للجسوم بداء # والعيش عيش حقائق ودقائق # والموت موت سلامة الآراء # نفسي تحركها الهموم إذا بدت # مكنونة في أنفس الضعفاء # والناس في هذي الحياة غنيهم # قد يستطيب تحرق التمساء # أين العقول وأين أرباب النهى؟ # أين الشعور وحكمة الرحماء؟ # في القلب هم لا أجل بغيره # والمرء صورة حسه المترائي ~~(15) دمعة على قبر ~~(قيلت في حسناء انتحرت يأسا لفقد عزيز لديها) # مودعة الأيام والعمر شقوة # عليك سلام الحب في القرب والهجر # فزعت من الدار التي طال همها # وبنت، وهذا البين أقرب للغدر # نفوس على الوجد الذي فيك كله # تقلب بين الموت واليأس والصبر # تلمس في الأحزان سلوى، وهكذا # يعيش شقي العمر في السقم والمر # أميطي لثاما أسدل الموت تشرقي # حنانا ... عساه الآن يطفئ من جمري # حرام على قلب عرفنا كماله # يرد رجاء الحي للترب والقبر # حرام على شمس أضاءت بطهرها # تغيب ونحن اليوم أحوج للطهر # حرام على روض نمونا بمائه # يجف بلا ذنب جنينا ولا عذر # أكان الردى حلوا لفقد فقدته # فأحببته حبا وإن كنت لم تدري # وخلفت آمالا على العسر لم تحل # وكنت أظن العسر يخلف باليسر؟! # فيا دهر ما أقساك! للبأس غاية # وأنت تخال اللين يعقب بالخسر # حنانا ورفقا بالألى غاب أنسهم # وشتته فقد الملاحة والبر # دموعي وإن قلت - وفي الدمع راحة - # نداء شجون يزدحمن على صدري! ~~••• # وأنت أيا سرا من الله لم نكن # لنذكره إلا على الطهر والبشر # ذكرتك مبكيا شباب خذلته # وحسن حواه النعش في غيبة البدر # بخلت على الوافين بالعيش والردى # ولا بد هذا الجمع يتبع في الإثر # فلا تهزئي من عبرة هاجها الأسى # فما كل دمع سال عن ذلة يجري # ولا تضحكي من دار جهل ونقمة # وأوحي إلى الأحياء عن مخبأ الفجر # فما البؤس كل البؤس في الفضل والهدى # وما الحظ كل الحظ في الشر والمكر ms08 # وليس جزاء الميت بالحي يرتجى # وكيف وكل الناس في حيرة السفر # فخارك في الدنيا عفاف عبدته # ونبل رواه النبل في ذكرك العطر # إذا قلت لم أنطق عن الزيغ والهوى # وحسبك أني لا أرخص من شعري # جمالك في نفسي، وذكرك في فمي # وشخصك في عيني مقيم وفي فكري ~~(16) الدنيا # لمست قلبي بكف مسها وجل # من الخفوق فلم أعرف له سببا # إن كان همي من الدنيا وفتنتها # عم الهوان فما بات الشقا عجبا ~~(17) الراحل المقيم ~~(قيلت في جنازة المرحوم محمود عبد الغفار بك النائب الوطني الكبير والعضو بمجلس ~~المعارف الأعلى) # ماذا تؤمل من رحيم صامت # والموت حق والمؤمل راحل؟ # يبكي عليه الناشئون وما بكوا # جسدا يشيعه الجبان الغافل # والذكر يفقده الخؤون لقومه # والحر يرفعه الشعور الكافل # والعقل أسخف ما يكون مؤلها # بأسا يعز به الذليل السافل # غضوا العيون فما الرجال بكثرة # وابكوا فقد ذهب الحكيم العامل # واصغوا إلى صوت تردد داويا: # إن الحياة مآثر وجلائل # فالموت أصدق ناطق عن عبرة # والفضل يعرفه الأبي الفاضل # والخلد أقرب ما يكون لو انما # تعزى إليه رواتب ومنازل! ~~(18) شفيعي # شفيعي لدى الحسن الذي لاح سره # بعيدا وما أدريه في لحظة القرب # خيال أطال الحب مثواه آمنا # بنفسي، وصفو العيش في سكرة الحب # إذا كان لا يرثي لضعفي وشقوتي # فإني برغم «العهد» أشكو إلى ربي # أروم النوى - والبعد في ذكره جوى - # وهيهات بعد البين يسعدني قلبي # ومن كان لا يحييه سخط ولا رضى # فكيف يقضي العيش في حيرة اللب؟ ~~(19) عيش الحر # قليل على الأحزان ما انهد من جسمي # إذا كان عيش الحر أشبه بالإثم # بكيت وما أبكي على سالف الهوى # وحولي الألى يبكون من خشية الفهم! # يصيحون من خوف على سر عيشهم # إذا غاب نور الحس بالحالك الجم # جسوم على الإفساد تفني رجاءنا # وتدفعها الأطماع للخسف والضيم # جسوم برغم الزجر أسرى لعصبة # تحركها الغايات في القيد والكم # ومن كان لا يرضيه إسعاد قومه # أحق بفقد الذكر لا القدح والذم! # تريدون إعزاز النفوس التي هوت # وما يصنع المغلوب ms09 بالسيف والسهم؟ # تريدون تسخير العقول التي سمت # وتخشون من بأس الحقيقة والعلم # أفيقوا فإنا أمة الدهر لم نزل # نهش إلى الذكرى فكونوا على وجم! # أفيقوا فلسنا اليوم نغضي على القذى # وردوا الرزايا من غرور ومن وهم # فهيهات تستعلي على الحق قوة # وهيهات أن يبقى بناء على ظلم # وأقسم أن الشعب لا بد يعتلي # وكل فساد أو ضلال إلى هدم # ولو شاء رب الملك إسقاط أمة # تقدسه لارتد بالخزي والغرم # فيا مجد من يسعى بنفس أبية # ويا ذل من يرضى عن الذل والهم! # إذا صح أن الأمس ولى بخيبة # فلا بد من فوز المجاهد في اليوم! ~~(20) إلى الصديق الشاعر الرقيق عبد الحليم حلمي المصري # يا ناشر السحر في يوم بكيت به # عذبت خلا بحكم الحب لم ينم # ما كان ضرك لو أمهلتنا زمنا # فرقة الشعر تحيي ميت الألم؟ # من البيان شفاء النفس سالية # وما عرفت شفاء الصب في القلم # يهفو الجمال لشعر قلت أعذبه # ويبسم الزهر في سكر وفي حلم # ورب قلب - لمعنى روحه فتن # يحيا الجمال بها - ناج من العدم # أحنو عليه وأتلوه كأن به # وعد الحبيب، وأدني لفظه لفمي! # فما عبست قليلا في بدايته # إلا طربت وولى بعدها ندمي # وأقدر الناس يبكيهم ويفرحهم # من روحه الحي في شعر وفي نغم ~~(21) المعنى الأقدس # حبيبتي! أنت لي معنى أبجله # فوق المعاني التي تحكى بتعبيري # معنى تقدس في طهر وفي ألق # كالنور، لكن تسامى عن سنى النور # معنى أظل سنين العمر أنشده # ولست أعرف منه غير تقصيري # وكل مغزاه أن ألقاك في شغفي # كلاهما في مداه غير محصور! ~~••• # رضيت هذا الصبا قربان آونة # يجيب فكرك فيها كل تفكيري # ما دمت نائية عني ففي طربي # هم، وفي مرحي شتى الأعاصير! ~~(22) بحر الأماني # حمدت من الصبا بحر الأماني # ففيه سفينتي وبه أماني # ولولاه ارتطمت بكل صخر # فكم في العيش من نوب الزمان # نشأت على الدموع غذاء روحي # فدان إلى بواعثها كياني # فصرت إذا ابتسمت رأيت دمعي # هو البسمات في صور المعاني ~~••• # أزينب! إن حييت ms10 فما حياتي # سواك، وما عداها الآن فاني # ترى هل بعض أشواقي يرجى # لديك، أم الطفولة لا تعاني؟! # كلانا في الهوى طفل، ولكن # أنا الطفل الغبين، أنا المعاني # ويا بحر الأماني أنت عوني # ولو غرق الهوى بين الأماني! ~~(23) فؤادي # تشجع في المصائب يا فؤادي # وكن بصلابة الحجر الكريم # ألست كجوهر في طي جسمي # خبيء لا يعرف للئيم؟ # إذا الأحداث عضت فيك فاكسر # نيوبا لن تنال من العظيم # ولا تك في الأسى لحما ورخوا # فتدمى بالكلوم وبالكلوم # فؤادي ما عددتك بعض جسمي # فما أصل القلوب من الجسوم # ولكن نفحة طافت ووافت # على خفق الشعاع من النجوم # ففيك من النجوم شواظ نار # وفيك تدفق النور العميم # تلوذ بك الحياة وأنت منها # بمنزلة اليتيم من اليتيم # فصاحبها مصاحبة المفدي # ولازمها ملازمة الحكيم # ولا تجزع على دنيا تساوي # نفوس البهم بالحر الصميم # ففيما تشتكيه نعيم يأس # وبعض اليأس من صور النعيم! ~~(24) أول الشهداء # لا تندبوا هذا الشهيد فإنه # لتراث أجيال وفخر قرون # ذهب الضحية للحياة بشعبه # متنزها عن مشبه وقرين! ~~(25) إلى صديقي الشاعر المجيد علي الغاياتي # 7 # رددت شعرك مطربا وعليلا # ولكم أرد من الجمال قتيلا # صح الشعور به فشاق تهافتي # وحلا الأنين به فكان قليلا # قبلته ووعيته فوجدته # عذبا بآمال الأبي كفيلا # وإذا المهيب ترقرقت آياته # وجد النداء إلى القلوب سبيلا # قلم إذا أجرى الوفاء دموعه # أجرى البيان مهذبا وصقيلا # أنا من معان نضرة متمايل # جذلا، وأعشق ذلك التمثيلا # وإذا البيان سمت به حسناته # طبع الجلال به فعاش جليلا # فاربأ بشعرك أن يذال، ولا تقل # إلا لتنظم للهدى إكليلا # إن اليراع وإن تدفق سحره # يبدو بأيدي العابثين ضئيلا # فاذكر لنا قيم الرجال وقل لنا # حر المقال وأنت ترضي (النيلا) # حسب العظيم جلالة وسعادة # أن لا يروم عن الصواب بديلا ~~(26) أوهام ... # غرامك لا عذل عليه ولا رد # فما للسنى حد، وما للهوى حد # بيانك غلاب، وعذرك مفحم # ولحظك بسام، وقلبك منقد # يبيت عليلا خافت النبض متعبا # يئن، فلو أصغى المغرد لم يشد # إلى العين ما ms11 يحييك من خطرة حلت # وللقلب داء فيك يسري ويشتد # ولولا اللقا ما كنت جذلان عابسا # ولولا الجفا ما كنت تبكي وتحتد # حياتك لغز، والهوى كله جوى # يهون، فلا غم لديك ولا سعد # فيا لشباب فيك لم تبقه النوى # ويا لجلال منك ما فاته الصد # تركت لحكم الحسن نفسا عزيزة # وأي عظيم النفس في شرعه عبد # ومهما يكن من دفعك السقم والأسى # فأنت على الحالين تفنى وتنهد # ورب صفاء عز في مذهبي عنا # ورب شقاء دام في مذهبي رغد # نعيم الفتى فيما يرى الأنس حوله # وهم الفتى فيما يخال به الوجد ~~(27) حول تمثال مصطفى كامل # ودع القلب بين مضنى وخال # وتناس الأسى وهم الليالي # وانظر العقل ناطقا من جماد # وارقب المجد صادقا في خيال # نظرات على الهوى باقيات # تدع الحر في إسار المعالي # وشباب ما زال تصويره الحق # ق منار الشعور والإجلال # وحياة ما زال تذكارها العذ # ب مقر الحياة والآمال # يا أمير النفوس هل ينقضي العم # ر وركن الهدى حليف الزوال؟! # نحن أسرى على الحياة وإن جل # ت، وأنت العظيم في كل حال ~~••• # لك غال من الهوى غير بال # لوفاء على المدى غير بال # صمتك اليوم مثل سعيك بالأم # س مهيب لمخلد الأعمال # ضجعة الموت رقدة السهد والوج # د لقلب على الردى غير خال # دم حليف الجلال في حفرة القب # ر كما كنت يا حليف الجلال # وادكر مصر وارفع الصوت والذك # ر، كما شئت يا فقيد المعالي # تخطب الدهر من مبيتك في الخل # ق وتأتي بأصدق الأمثال # وتهز العقول للحزم والعز # م إذا أخفقت فحول المقال # وقفة الشعب عند تمثالك اليو # م فخار له وللتمثال # آه! كم يخطئ المضلل في الخل # د وكم يزدرى بحسن الفعال # إن مجد الإنسان في خدمة الإنسان # لا فرق بين دان وعال # خافقات لك القلوب من الحب # ب وإن لم تثب لبأس ومال # واهبات لك الحياة على المو # ت، وإن لم تكن قرين الزوال # يا كبير اليقين في قوة الحق # ق ويا بانيا قلوب الرجال ms12 # يا كثير الإباء في دولة البغ # ي ، ويا ناسفا صروح الضلال # أمة تحفل الزمان بماضي # ك وتعزو إليك حسن المآل # وتحيي خيالك الليل والفج # ر بدمع على الهوى فيك غال ~~••• # أيها الصانع المصور إجلال أمة ~~- تعبد الهدى - في جلال # كيف وفقت بين عهد ومجدي # ن وما بين وصف تلك الخلال؟ # صنعة تخجل البيان من الحس # ن وتزهى عن كل سحر حلال # صورة تفتن المفكر مبهو # تا وعبدا لصمت هذا الجمال # ثق بشكر القلوب والفضل والجو # د، وته فاخرا بذاك الكمال # ليس بدعا إذا حلفت بما أت # قنت صدقا واختلت أي اختيال # ولك اسم يصونه أثر العل # م ورسم بنضرة المجد حالي ~~(28) أنفاس الخزامى # أي عطر فاق أنفاس الخزامى # في حنان يملأ الروح سلاما # بنت مصر في حياء زهرة # وخشوعا وسلاما وابتساما # لا يراها غير من كانت له # روحها أو من يحاكيها غراما # تجذب النحل إلى أكوابها # وهي سكرى ترشف الشهد المداما # تتوارى عن عيون لا ترى # دقة الحسن وأخرى تتعامى # أيها الأنفاس طيبي وانشري # خطرات الحب حتى يتسامى # كم وقفنا في مجالي نشوة # عند مرآك فتونا واحتشاما # لم نقبل غير معنى حائم # حولنا منك عشقناه دواما! ~~(29) هجر الكريم (إلى أستاذي خليل مطران) # سل النجم كم أودعته الحب من فني # فإن له من صحة القول ما يغني! # ورب جماد صادق الذكر مفصح # وأي حياة لا تحوم على أفن؟ # أراقبه في كل ليل وعندها # أبث له ما يشتكي السهد من جفني # وأسأله تبليغ عتبي لهاجري # لعلمي أن الحسن أطوع للحسن # وأحسبه أشجاك في وصف حالتي # وهل كان هذا ما يخفف من حزني؟ # أمير القوافي! أنت في اللب ماثل # وليس بياني عن سناك بمستغن # توخيت دارا شئت أن نلتقي بها # لقاء الوفا بالمجد والخدن بالخدن # فلما رأيت الوعد آمال حالم # وأسلمني طول الترقب للوهن # نثرت بها من أدمعي كل درة # وكلفتها تبليغ صدق الهوى عني! ~~(30) عالم وعالم # أرسل الأستاذ الجليل حامل لواء النهضة الأدبية خليل مطران إلى صاحب هذا الديوان قصيدة ~~ودية رائعة ms13 مطلعها: # يا ابن أخي بشرتني مرة # بملتقى السبت ولم تحضر # ما دمت في خير وفي صحة # فانس الذي تنساه أو فاذكر # ومنها: # تحكي سهيلا قطرة من دم # وتكفؤ الذرة للمشتري # كلاهما في نوعه عالم # أدقه يدهش كالأكبر! # فأرسل إليه صاحب الديوان الرد الآتي: # يا سيدي العم ويا من له # أدين بالحلو وبالمزهر # ما كنت إلا بضعة من هدى # أهديته أنت إلى معشري # هيهات أن أنسى مواعيدنا # لكن تخالفنا فلم نحضر! # 8 # وكيف أنساها وأنت الذي # لولاه لم أزهر ولم أثمر؟ # مقالة الصدق، وحسبي غنى # مقالة الصدق وحبي السري ~~••• # يا شاعر العصر ويا مرشدي # ورافع الخلق ويا مظهري # نصائح الود التي سطرت # في شعرك الحي جنى أسطري # تفتر بالإلهام وضاءة # كعهدك الدائم بالمبهر # حببت لي الطب كأني به # كفرت بالدنيا ولم أكفر # أستصغر العالم من عزة # بالعلم والجهل وبالمنكر! # كأنما العرف وإنكاره # سيان في الروح وفي الجوهر # ما زلت بالباب ولكنني # كالهارب التائه في عسكر! # والمجهر # 9 # الكاشف لا ينثني # يشوقني وهما ولا يمتري # أستنبط الأحياء في نوره # كأنني مستنبط عنصري! # كأنني الخلاق في دقة # والعالم الأكبر في مجهري # 10 # كأنما الإنسان في قبضتي # مستحدثا حيا لدى مخبري! # 11 # أو أنما تشريحه نفحة # تحييه بالعلم وإن يقبر! ~~••• # ما أعجب الطب وإلهامه # للشاعر الناثر والمجتري # أقصى الخيالات لأشعاره # لا شيء جنب العلم في المخبر! ~~(31) لوعة الخريف # إلى أستاذي خليل مطران # شعري لدى العم الخلي # ل صف الهوى في مدمعي # صف لوعتي حين الخري # ف يئن في ألم معي # حين الصبا رهن الذبو # ل وحين قلبي لا يعي # متقطعا متوجعا # في حلمه المتقطع # حلم يرويه الصبا # فيجف عند المنبع # لهفي على الحلم الجمي # ل مضيعا ومضيعي! # وعلى الهوى بين المعا # ند والمكابر والدعي! # وعلى الصبا يذوي عقا # با للغرام المبدع! ~~••• # شعري لدى العم الخلي # ل عزاء قلبي الموجع # عبر له عن كل آ # لامي ووجدي واسمع # وعد الطيوف من المح # بة هامسا في مسمعي # عد بين آمال الربي # ع من الحنان الممرع # فهو ms14 الكفيل بحبه # طبا لحرقة أضلعي # أدبي يدين إلي # ه بل قلبي وغاية مطمعي # وقوام تفكيري الجدي # د ووثبتي وتدفعي # ولديه أغتنم الربي # ع بوحشتي وتفجعي # يطوي الفصول بسحره # فإذا الخريف مودعي # وإذا الربيع أضمه # في نشوة المستمتع # وإذا الحبيب كأنه # ما غاب أو هو مبدعي # سحر من العهد القدي # م بفنه المترفع # يحيي الموات من القلو # ب بلذة المتبرع ~~••• # شتان بين هوى يجو # د وبين حب يدعي # شتان بين هوى به # مجدي وآخر مصرعي! # رد أستاذي مطران # أزكى تحيات الفؤا # د إلى الزكي الأروع # أهدى إلي قصيدة # كخريدة لم تفرع # عمرت مكان الأنس # عندي من فؤاد بلقع # حسناء بارعة المعا # ني في نظام أبرع # تجلى فتحلى أو تغي # ب فحليها في المسمع # من لي بمنصرم الشبا # ب وفكري المتوزع # فأجيد في رد الثنا # ء على الأخ المتبرع # قصرت في شأو البلا # غة عن تمادي مطمعي # أهلا بحاملة الكتا # ب أمينة المستودع # أهلا بناقلة البدي # ع من الطراز الأبدع # أهلا بصادحة شجت # قلبي وأجرت مدمعي # بثت حكاية وجده # بأنينها المتقطع # وشدت على توقيع سر # ب من حمام سجع # نغم الملائك بين مبدو # ء وبين مرجع # أحسنت تأدية البلا # غ عن الصفي الألمعي # كوفائه ليكن وفا # ء الخدن غير مصنع # وكوده فليشرع ال # ود النقي المشرع # وكعزمه في المجد فل # يك عزم كل سميذع # لا خلق أنزع للعلى # بجمال هذا المنزع ~~(32) المتصرف ~~(كتبت على صورة أهداها الشاعر إلى أحد أوفيائه) # القلب لا يرجو دنو مآله # ما دمت أنت مصرفا في حاله # كن كيف شئت مقدرا لجلاله # ونعيم مهجته وحظ «خياله» # لو رمت أسعدت الأسير بأسره # أو شئت أذللت العزيز بآله ~~(33) الاستشفاء # دع الرحيل لدار الحب والغيد # واصبر على القيظ في قاس من البيد # فمدمع العين من حسن تقر به # ولذة السمع في أسر الأغاريد # يحلو الهجير إذا صح الفؤاد به # عن النسيم بتعذيب وتسهيد ~~(34) على قبر الشهيد # وددتك مشنوقا وزرتك مقبرا # ولست على الحالين أبخس من قدري # وقفت عليك اليوم وقفة عابد ms15 # يحج لآي الله يا صاحب القبر # وطأطأت رأسا لم تشأ خفضة له # يخر لدى ذكرى مماتك لو تدري # إذا مت محروما مدى النطق بالهدى # فيا حسرة الفاني وآها على عمري # إذا مسني من خشية الظلم هزة # فإني على الإحجام أقرب للكفر! ~~(35) وطني! وطني! # وطني! وطني! # يا ابن الزمن! # أولم تدر # سر الدهر؟ # هيهات يسود # باغ وحسود # فيم الأحزاب # والخلف خراب؟ # حب ووئام # سر الأيام # فإذا ذهبا # تركا العطبا! ~~(36) الطائر الجديد ~~(لمناسبة اجتياز بليريو خليج المانش بنجاح باهر وانتعاش حركة الطيران) # أيها الإنسان يا ابن الأرض فيما # تشتهي أن تعتلي هذا السديما # لك أن تسمو ما شئت ولكن # أصلح الأرض تجد فيها المفاتن # قبل أن تمضي لهوا وتطير # عمر الأرض ولا تنس المسير # كم خراب شامل فيها نراه # أنت تبقيه على غير انتباه # عمر الأرض تكن فيها آله # إن هذا وحده مجد وجاه # عمر الأرض وعش عيش أخيك # ليس في الإنسان عبد ومليك # ثم طر ما شئت ولتغز الجواء # ليس للأحلام حد وانتهاء! ~~(37) مسرح الليل # مسرح الليل! أي ملهى عجيب # أنت تبدو للشاعر الفنان؟ # كم مراء خلقتها وهي شتى # من مديد التناقض الفتان # أنت ملقى العباد والطهر بينا # أنت مجلى التهتك المتفاني # كل راء يرى الذي يشتهيه # ويذوق الذي يرى من معاني # والنجوم التي تطل علينا # في حنان ورعشة وافتتان # بين حب لنا كأم رعتنا # والتياع كخفق قلب الجبان # حبست دمعها فإن بذلته # فشآبيب دمعها النوراني # شهب تستحيل من دمعها الصا # في إلى حرقة إلى صوان # فكأن الأجواء للأرض آذت # ها فحاكت طبيعة الإنسان! ~~(38) نبع الصبابة # هذي الأنامل من أباح لوقعها # قلبي سوى عينيك يا حسنائي؟ # لولاهما ما كنت أفهم وقعها # سحرا يميت كما يعيد رجائي # جودي بأنغام الحياة وجددي # ما شئت إلهاما على إلهام # لغة العواطف تستساغ كأنها # نبع الصبابة فاض بالأنغام # أصغيت كالطفل الرضيع لأمه # ورشفت منك بمسمعي حياتي # ونعمت قربك في صلاة حرة # للفن لم تقرن بأي صلاة! ~~(39) لم يحجبونك؟ # يا «زين» دنياي التي ما نالني # منها سوى ms16 قلقي على حرماني؟ # لم يحجبونك؟ هل أثمت بكل ما # أعطيت حسنك من جمال بياني # هل لي سوى دين الطهارة ملة # أو لي سواك حماي أو دياني؟ # فإذا حجبت فمن أخص بمهجتي؟ # ولمن أعيش؟ ومن له وجداني؟ ~~(40) عبادات # ما لعيني كلما ألقاك بالفرحة تدمع؟ # أهي لي الفرحة أم خشية حلم يتصدع؟ # بي رجاء ليس يخبو ورجاء ليس يلمع # وأنا كالتائه العاني إلى الأوهام أفزع # هاك قلبي يا حياتي! نبئيه كيف يصنع! # هو في القرب بعيد عنك يهفو ثم يجزع # آه كم يجني حيائي! آه من شوق مضيع! # كم تلاشت قبلاتي في غرام يتورع! # قبلاتي في امتناع هو بعث لي ومصرع # وحياء هو تسليمي بعقل ليس يخضع # وعبادات تناهت وأبت لي كل مطمع! ~~(41) موسيقى الوجود ~~(نظمها صاحب الديوان متأثرا بقصيدة للشاعر جبرائيل سيتون) # حدثوني عن الوجود المغني: # كل ما فيه صادح يتغنى # من جماد ومن نبات وأحيا # ء، فليس الغناء منهن يفنى # وعجيب إذا تناءيت عني # لم أجد للغناء فيهن معنى # وإذا ما ظفرت منك بأنسي # صار هذا الوجود لحنا وفنا! ~~(42) باقة أنغام # إذا استمعت إليك # فتنت من توقيعك # كأن سمعي لديك # عيني بمجلى ربيعك # أصغي إلى هذه الألحان زاهية # كأنها نخب الأزهار للعين # فكل لحن له لون يضيء به # وجمعها باقة من زهرك الفني # وكل لحن له عطر يفوح به # وإن تخيله غيري من الظن # وأنت كوني، وكوني في حقيقته # جم المعاني التي غابت عن الكون # إذا استمعت إليك # فتنت من توقيعك # كأن سمعي لديك # عيني بمجلى ربيعك ~~(43) الإكسير # هو ساعة الدهر يأبى منحها # إلا بتوقيت له وقيود # قد عدت يا أملي إليك فجددي # عمري بنفحة روحك المعبود # ألقاك لقيا خاشع متعبد # والقلب يخفق للعناق سؤولا # فيصدني هذا الخشوع كأنني # أجد العبادة أن أعيش خجولا! # ضيعت أحلامي وسني هكذا # في الشوق والتعذيب والحرمان # أنا لا ألومك يا حياتي بل أرى # حظي كحظ الحارس البستاني # فأنا الأمين عليك غير محاسب # إلا محاسبة الضمير القاسي # فإذا لحظتك كالغريب فإنما # أنا وحدي القربان دون ms17 الناس # هذا هو الأسبوع مر وها أنا # قد عدت فرحانا إلى إكسيري # متناولا في الوهم كأس رحيقه # من صمتنا المغني عن التعبير! ~~(44) الخالق الفنان # تبارك ربي مبدعا ومصورا # لقد خلق الآيات كالسحر للورى # يراها الفتى لكن كأن الذي يرى # خيال وخلف الكون كون تسترا # وما عظم الخلاق إلا احتجابه # فسبحانه يبدو ويخفى مكررا # وما شاقني في الكون إلا خفيه # فإن وراء الكون عقلا مدبرا # يعاف نهى الفنان إعلان ذاته # ويعلن عنه الفن أضعاف ما يرى # كذلك خلاق الوجود فإنه # تحجب واستهوى به عقل من درى # فهذا هو الفن الإلهي للذي # يرى الفن والفنان في النجم والثرى # وهذا هو المجلى العجيب لمبصر # يرى الخالق الفنان عينا ومضمرا ~~••• # وكونت أنت الحب لي عالما كما # تحجبت كالخلاق إذ باعد الورى! ~~(45) بنات الخريف # هلمي! هلمي! بنات الخريف # وطوفي وطوفي بهذا الحفيف! # نراك بأوهامنا جائله # كباحثة عن تراث فقيد # وقد حرمت منه في يوم عيد # فتمضي بلهفتها سائله! ~~••• # نراك تطوفين ولهى شريده # تهزين حتى الغصون الوحيده # وتذرين حتى الرياح التي # تظنين فيها خفايا الجمال # وقد حجبتها أيادي الليال # فهل تنتهين إلى غاية؟ ~~(46) الساعة # نمنا جميعا وأنت يقظانه # وقد غفلنا ولست غفلانه # بل كلنا فيه روح غفلته # كفيلسوف يعاف إنسانه # كم دقة منك جد منذرة # فما انتفعنا ودمت لهفانه! ~~(47) الوساوس # هل في الهواء من الحديث محجب # إلا عن الفنان بين الناس؟ # ما لي أحس بهاتف وبهاتف # وبعوالم شتى من الإحساس؟ # ملئ الفضاء بها وكم في طيها # صور من الماضي العزيز الفاني # فكأنها كل الذي ظفر الورى # بالخلد بين مشاعر الإنسان! ~~(48) الطائر الرقيب # رقيب ولكن يغني لنا # ويعطي الحديقة معنى الغنى # لعل الربيع وقد فاتنا # أهاب به ليريه لنا! # نتابعه في حبور الصبا # ونصغي إلى الشدو مستعذبا # فيا مرحبا ثم يا مرحبا # بهذا الرقيب وما حببا! # ويا طائري أنت يا طائري # بسمت إلى روحي الشاعر # وأصغيت للشاعر الطائر # فهلا أصخت إلى خاطري؟ # إذن لعرفت غرامي الدفين # وما لج بي من جوى أو حنين # وحبي الذي مثل حي ms18 الغصون # تفرع، بل مثل حي الفنون! ~~(49) وحي المطر # أنا ظامئ والكل حولي ظامئ # فتقطري يا سحب كيف حننت # هذي الغصون تناولت ما خصها # ولبثت في ظمئي لوحيك أنت # تتساقط القطرات من يد زهرة # ليد، لأخرى، والجميع سكارى # وأنا الوحيد فأين أين حبيبتي # حتى ترد جوى وتطفئ نارا؟ # هلا بعثت إلى دفين شعورها # برسالة الحب الوفي الباكي # فلعلها تأتي وتنثر عطفها # كالقطر فوق الزهر والأشواك! ~~(50) القطة اليتيمة # جلست قربي كأن قربي # عزاء إحساسك اليتيم # وكم تألمت في حنوي # عليك في صمتك الأليم # فقدت أما وما فقدنا # لكن في عزلتي افتقاد! # كأنني ثاكل شبابي # وسائد الصمت من حداد # أحببت في وحدتي عزاء # مذ لم أنله من الجمال # قد أسرف الحسن كبرياء # أو بره يشبه المحال # فلتغنمي أنت من حناني # ما شئت يا طفلة الغرام # فالحب جان وأي جان # والحب كم يتم الأنام # | دراسات أدبية # (1) شاعرية أبي شادي # هزت مشاهد الفجر من القدم عبقرية الشعراء، فتغنى جوت الشاعر الألماني بلون الفجر ~~الأرجواني، وذكر أثره الجليل على شاعريته في رواية فوست، وأرسل الشاعر الإنجليزي ~~كولريدج نشيدا ناجى به مظاهر الطبيعة قبل طلوع الشمس في وادي شاموني. وأثر جلال ~~الفجر في أبي شادي وهو في صباه، فوصف أنداء الفجر بأنها صيغت في حنان ورقة من دموع ~~النجوم ومن سهر العاشق وأن عمرها لحظات نقضيها في ثغور الأزهار وفي ألق العشب وفوق ~~الغصون والأشجار: # من دموع النجوم، من سهر العاش # ق صيغت ومن رجاء الحياة # في حنان ورقة وهي لا تم # لك من عمرها سوى لحظات # في ثغور الأزهار، في ألق العش # ب، وفوق الغصون تحيا وتفنى # وهبت حسنها الضحية للشم # س كأن الفناء للشمس أغنى! # وليست هذه الأنداء إلا رمزا لقلب شاعر تأثر بمشهد الفجر الشاعري فترقرقت من قلمه ~~أنداء على زهرة الشعر في مملكته المقدسة، فإذا بديوان بكر وسمه الشاعر (أنداء ~~الفجر)؛ ديوان تنفس الحب العفيف الصادق وهتف بمرائي الطبيعة الرائعة، ورسم خوالج النفس ~~الحالمة الشاعرة وتأملات الزهد الخفية العميقة، وإذا بنا ننشق عطر ms19 الشاعرية فيه ونلمح ~~وميض العبقرية يخطف بالبصر في داج من الظلم . # وعجب أي عجب لنزوع هذا الشاعر في سن مبكرة إلى انتقاء عناوين شعرية لدواوينه وقصائده ~~ومقطوعاته انتقاء فاتنا يتمازج فيه العنصر الشعري بالعنصر الجمالي كما تتمازج أضواء ~~القمر الجميلة بموجات النهر الساجية. # وها نحن نلمس العنصر الشعري في ديوان (أنداء الفجر) في مثل مقطوعته «وحي المطر» التي ~~هتف بها الشاعر في أوائل الشتاء جامعا فيها بين الطبيعة والحب في نفس واحد، وفي ~~قصيدته «بنات الخريف» يناجي بها روح الخريف مناجاة شعرية قوية، وقصيدة «موسيقى ~~الوجود» يغني فيها بمشاهد الوجود من جماد ونبات. وهذا العنصر الشعري يغمر جميع دواوينه، ~~ونذكر بخاصة ديوان (الينبوع) الذي وعى من القصائد الشاعرة «رعشة الحور» و«الأوراق ~~الميتة» و«الورود الحمراء» و«مصر العازفة» و«الأشعة الصادحة» وغيرها، ونقصد بالعنصر ~~الشعري تلك البيئة التي تنزع بالشاعر إلى المرائي والخوالج وتلف قلبه وحواسه في شبه ~~غيبوبة، وتبتعث شعوره إلى أن يهيم في أودية خفية وذهنه إلى أن يجول في آفاق مجهولة! ~~فأوراق العشب، وأنفاس الزهر، وصمت الكون، وأحزان القمر، وظلال السحب، وأنداء الفجر، ~~وتوفز الطير ... كلها وأشباهها من مواد الشاعرية، بينما القصر الجديد، والطيارة ذات ~~الأزيز، والخيل الجارية في السباق، والسيارة الناهبة للأرض، والآلة الميكانيكية، ~~والاختراع الحديث، وكل مظهر من مظاهر الحياة الصناعية، قد تكون جميلة أيما جمال، ولكنها ~~لا تبض بشاعرية، ولا تتفتح عن خيال. وما عرف أبو شادي الجمال متجردا عن الشاعرية، ~~ولا ترنم في ديوان من دواوينه بمظاهر الجمال البحتة. اسمع إليه يقول في قصيدته ~~«حياتان»: حياة الطبيعة التي يجد فيها موضوعاته الشعرية، وحياته اليومية التي يتقزز ~~منها، يبث حنينه للأولى وشجاه من الثانية ... يقول: # أمي الطبيعة في نجواك إسعادي # وفي ابتعادي أعاني دهري العادي # وفي حمى إخوتي من كل طائرة # وكل نبت نبيل وحيك الهادي # وهذا النزوع إلى المواطن الشعرية أكثر من الجمالية ملحوظ في الشعراء الحقيقيين أمثال ~~كولريدج الذي ناجى «البلبل»، ووردزورث الذي هام بالطبيعة، وكيتس الذي آثر الشاعرية على ~~الجمال؛ فتغنى بالزهر وهتف بالطير ms20 ولم يهتم بمرأى أبدعته يد الإنسان. # وفيكتور هيجو الذي لم يجاره أحد في تنوع موضوعاته لم يهتم بالجمال المصنوع مثل ما ~~اهتم بالمثابات الشعرية. يقول الفيلسوف الشاب جييو # Guyau # في كتابه (فلسفة الفن والجمال): إن فيكتور هيجو الذي أحاط بكل ~~ضروب الشعر وتحدث في فنونها المنوعة لم يتغن بكنيسة نوتردام دي باري، وكذلك شرب ~~الشاعر الأمريكي الجريء ثورو من الطبيعة فعاش مع الحيوان والطير والزرع وأحب مواطن ~~الشاعرية لذاتها وابتعد عن الناس وعما أبدعته أيديهم من جمال! # وأبلغ العجب أن يند أبو شادي عن هذا النزوع الشعري في قصيدة واحدة من ديوانه هي ~~«عالم وعالم»، فيحدثنا بعظمة وجمال «المجهر» و«المخبر» وآثارهما للعالم، ويحدثنا عن ~~الطب وعجائبه، وهذه الأدوات العلمية الحديثة من المواطن التي ينبو عنها الشعر. يقول: # ما أعجب الطب وإلهامه # للشاعر الثائر والمجتري # أقصى الخيالات لأشعاره # لا شيء جنب العلم في المخبر! # بيد أني لا أنكر على الشاعر أن يبرز من مثل هذه الأدوات معاني شعرية، ولكن لا يجعلها ~~هي بالذات موضوع الشعر، كما فعل أبو شادي في قصيدته «الطب الحائر» التي لم يتحدث فيها ~~عن الطب المجرد لا من قرب ولا من بعد، ولكنه أبرز من ملابسات الطب فلسفة عميقة ذكية. ~~يقول: # ما كل بأس في الجسوم بصحة # أو كل وهن للجسوم بداء # والعيش عيش حقائق ودقائق # والموت موت سلامة الآراء # نفسي تحركها الهموم إذا بدت # مكنونة في أنفس الضعفاء # وقراءة متعمقة في ديوان (أنداء الفجر) تكشف لنا عن روح شعرية مبكرة لشاعر حقيقي. ~~وتتألف تلك الروح الشعرية من انفعال ينبض نبض القلب في الجسد، وعاطفة تسري سريان النسيم ~~اللطيف في الأفق، وفكر يضيء كشعاع وردي في ليل بهيم! # سرى الانفعال الشعري في قوته في هذا الديوان البكر، ومن آيات ذلك قصائده «عبادات» ~~و«موسيقى الوجود» و«بنات الخريف» وغيرها. اسمع إلى الشاعر يقول في قصيدة ~~«عبادات»: # هاك قلبي يا حياتي! # نبئيه كيف يصنع! # هو في القرب بعيد # عنك يهفو ثم يجزع # آه كم يجني حيائي! # آه من شوق مضيع! ms21 # ويقول الشاعر في قصيدة «بنات الخريف» يخاطب الريح في انفعال وثاب: # هلمي! هلمي! # بنات الخريف! # وطوفي وطوفي # بهذا الحفيف! # وأبرز ما يبهر العين أن هذا الانفعال الشعري اقترن بعاطفة الحب غناء متنوعا حتى ~~ليكاد الديوان يتنفس حبا نابضا، وأبلغ مثال لاقتران الانفعال بالعاطفة نجده في بعض ~~أبيات جاءت في قصيدة «بحر الأماني»: # أزينب! إن حييت فما حياتي # سواك، وما عداها الآن فاني! # كلانا في الهوى طفل، ولكن # أنا الطفل الغبين، أنا المعاني! # وقوله وهو يصرخ صرخات العاطفة الطاهرة في مقطوعته «لم يحجبونك؟»: # لم يحجبونك؟ هل أثمت بكل ما # أعطيت حسنك من جمال بياني؟ # هل لي سوى دين الطهارة ملة # أو لي سواك حماي أو دياني؟ # فإذا حجبت فمن أخص بمهجتي؟ # ولمن أعيش؟ ومن له وجداني؟ # وهذه العاطفة الطهورة مقرونة بهزة الانفعال النبيل هي من مميزات كل فن خالد. ونجد ذلك ~~بارزا في موسيقى بيتهوفن وفي شعر ملتون وفي قصائد تنيسون وكولريدج، فإذا عبر الشعر عن ~~عاطفة حسية تعبيرا قويا منفعلا فإن هذا أدخل في فنية الشعر لا في سموه الخلقي ~~وخلوده. ومن نماذج الشعر الفني الذي لم يصل إلى المرتبة العالية مقطوعة لعباس محمود ~~العقاد دعاها «حسرة متلفة» يمثل بها القبلة في انفعال قوي واشتهاء حسي، يقول: # يا له من فم # يا لها من شفه # يا لشهد بها # كدت أن أرشفه # يا لزهر بها # كدت أن أقطفه # حلوة ويحها! # غضة مرهفه # حسرتي بعدها # حسرة متلفه! # وقد سبقنا شعراء الغرب إلى إبراز قوة انفعالاتهم في بعض قصائدهم الخالدة، ومن هؤلاء ~~الشعراء من دق شعورهم وصفا حتى لتكاد تسمع نبض أعصابهم، ومن هؤلاء نذكر دي موسيه ~~الحساس، وبودلير الهوائي، وشيلي العصبي، وكيتس النابض، وويليام بليك المنفعل، ولعل ~~أغنية الأخير «الوردة المريضة» هي من الشعر العبقري، وقد وصف حالتها في انفعال أليم ~~فذكر أن دودة مجهولة طارت إليها في الليل على أجنحة الزوبعة الزائرة ودخلت في مخدعها ~~الفارح وبيد خفية قتلتها! وقد استهلها بقوله: # O Rose! Thou art Sick! # وليس من شك في ms22 أن أبا شادي تغلب عليه نزعة التفكير والتأمل في شعره ، وهذه أظهر ما ~~تكون في دواوينه الجديدة لا في ديوانه البكر. وأخص بالذكر من هذه الدواوين «أطياف ~~الربيع» و«الينبوع» و«أشعة وظلال». وتبدو فيه هذه النزعة التفكيرية من صباه الباكر إلى ~~يومه الحاضر، ومن دلائل تفكيره العميق وتأثره الفني قصيدته «أنفاس الخزامى» وقصيدته ~~«الخالق الفنان». أما قصيدته «أنفاس الخزامى» فهي قصيدة فريدة في طرازها ولم يسبق شاعر ~~من قبل - على ما أظن - إلى التفكير في هذه الزهرة والانتباه إلى وجودها بهذه المعاني، ~~ولعل الذي نبهه إليها اشتغاله بالنحل من عهد الفتوة، وهو بهذا التفكير يحاكي شيلي الذي ~~تنبه إلى صوت «القبرة» وبيرنز الذي تنبه إلى جمال زهرات اللؤلؤ في حقول اسكتلندة، ~~ويحاكي كيتس وكولريدج في مناجاتهما «البلبل» وفيكتور هيجو في وصفه لزهرة المرغريت ~~الوديعة. يقول أبو شادي في مطلع هذه القصيدة الفذة: # أي عطر فاق أنفاس الخزامى # في حنان يملأ الروح سلاما # لا يراها غير من كانت له # روحها أو من يحاكيها غراما! # تجذب النحل إلى أكوابها # وهي سكرى ترشف الشهد المداما! # وبودي لو يتم القارئ تلاوتها في الديوان، ليتبين ما فيها من رائع المعاني، وبودي ~~أيضا لو يرجع القارئ إلى قصيدة «الخالق الفنان» فإن فيها معاني تتطلب التفكير، وفيها ~~شعور بالإيمان الصوفي، وبودي أيضا لو يرجع القارئ إلى قصيدة «مسرح الليل» فإنه سوف يجد ~~فيها أفكارا عميقة وخيالات قوية جريئة. # وليس من شك في أن بث الفكر الأصيل في الشعر من سمات كبار الشعراء البارزين، وذلك ~~لأن أصالة الشعر لا تأتي إلا بالفكر الواسع، وأصالة التأمل لا تكون إلا بالذكاء لا ~~بالحواس. يقول جيبو «المفكر الحقيقي هو الفنان الحقيقي»، فالشعر عند إمرسون كان ~~أفكارا، والشعر عند بروننج كان أفكارا عميقة غامضة تحتاج إلى التروي وتقليب الرأي، ~~والشعر عند كولريدج ينزع إلى التفكير. # استمع مثلا إلى قصيدته «ذكريات الحب» التي تطفر بجمال الفكرة وهو يصرخ إلى حبيبته ~~صرخات العاطفة فيصفها بأنها فكرة وأنها حلم يذكر في حلم! يقول: # You stood before ms23 me like a thought, # A dream remembered in a dream. # But When these meek eyes first did seem # To tell me, love within you wrought, # O Greta, dear domestic stream. # ولقد خلع أبو شادي على الروح الشعرية رداء منسجما مع هذه الروح وملونا بلونها دون ~~أن يهتم بتجميل القافية ولا بتفخيمها، وجمع في هذا الديوان على الخصوص إلى صفاء الفكرة ~~لطف الديباجة، وإلى براعة الخيال قوة الأداء، وهذا مما يرضي نزعات المحافظين والمجددين ~~على السواء، وأبرز مثال على هذا الشعر الرصين قصيدته «عيش الحر» وهو خطاب حار ناري ~~موجه إلى مساوئ الاستعمار، وقد استهلها بقوله: # قليل على الأحزان ما انهد من جسمي # إذا كان عيش الحر أشبه بالإثم # وقصيدته «أنفاس الخزامى» وقد أتينا عليها آنفا، وقصيدته «الحب والأمل» ومقطوعته ~~«الاستشفاء» التي تلمس فيها الديباجة البدوية الرصينة وقد استهلها بقوله: # دع الرحيل لدار الحب والغيد # واصبر على القيظ في قاس من البيد! # وقصيدته الرصينة «دمعة على قبر» تلك التي رثى فيها حسناء انتحرت يأسا لفقد عزيز ~~لديها جاء فيها: # حرام على قلب عرفنا كماله # يرد رجاء الحي للترب والقبر # حرام على شمس أضاءت بطهرها # تغيب ونحن اليوم أحوج للطهر # حرام على روض نمونا بمائه # يجف بلا ذنب جنينا ولا عذر # ويختم هذا القصيد ببيت رائع المعنى بارع الأداء يتنفس الإخلاص الصادق، يقول: # جمالك في نفسي وذكرك في فمي # وشخصك في عيني مقيم وفي فكري! # وهذا الجميع بين صفاء الفكرة وجمال الديباجة وبين براعة الخيال وصدق العاطفة هو سمة ~~كل شعر يشق لنفسه طريق البقاء ويحمل في ذاته عناصر الحياة، وقد امتاز شعر الشعراء ~~النابهين بهذه السمة أمثال المتنبي، وأبي العلاء المعري، وشكسبير، وتنيسون، والبارودي، ~~وشوقي، وحافظ، في طائفة من قصائدهم. # وديوان (أنداء الفجر) يضم كثيرا من أمثال هذه القصائد المقفاة الرصينة، ولكن يلاحظ ~~إلى جانب هذه القصائد المقفاة نوع جديد من القافية المزدوجة أو شبه الطليقة تظهر نزوع ~~الشاعر إلى الطلاقة وإلى التحرر من عبودية القافية الواحدة، وهذه الطلاقة تعطي في ms24 كثير ~~من الأحايين مسحة جميلة للتعبير الشعري. فإنا لنرى أن طائفة من قصائد هذا الديوان تعلن ~~الثورة على القافية الواحدة كما يتجلى ذلك من قصيدة «الطائر الجديد» التي أتى في كل بيت ~~منها بقافية مغايرة، وقصيدته «بنات الخريف» التي نوع القافية فيها. ورأينا أبا شادي ~~يلجأ أيضا إلى القافية المزدوجة في كثير من قصائده التي نذكر منها «وحي المطر» و«القطة ~~اليتيمة» و«الوساوس» و«الطائر الرقيب» و«الإكسير» و«أنداء الفجر». وهذا الميل إلى ~~الطلاقة والتحرر من عبودية القافية في سن باكرة يحمل بذور ثورته التي تجلت اليوم في ~~شعره المرسل، ذاك الشعر الذي كان هو وعبد الرحمن شكري من رواده، وتجلت أيضا في شعره ~~الحر الذي كان هو أول من أدخله في الشعر العربي، وهذا الميل إلى التحرر من القافية هو ~~الذي أثار هائجة المحافظين فزعموا أن هذا التحرر يذهب الموسيقى ويضيع النغم. وهذا ~~القول صادر عن جهل بأبسط المعارف الموسيقية: فإن آلات الأوركستر مثلا لا يلزم أن تكون ~~كل الأصوات المتصاعدة منها منسجمة النغمة بل قد تكون بعض الأصوات غير منسجمة ولا ~~منغومة، والعبرة بوحدة الأصوات التي تكون النغم الموسيقي. فإذا فهمنا هذا الأساس ~~أمكننا أن نفهم عدم ضرورة القافية الواحدة، ما دامت القافية المنوعة تكون وحدة ~~موسيقية منسجمة، ويكفي أن يخرج من كل بيت صوت موسيقي ولا يلزم أن يكون في كل بيت نغمة ~~موسيقية. # فالموسيقى ولا شك توجد في القافية المنوعة، ومن الملحوظ أن أعلام الشعر البارزين ~~كانوا من أنصار الطلاقة في النظم ومن زعماء القافية المحررة. وقد لجأ الكثير منهم إلى ~~القافية المنوعة إذا آنسوا أن المعنى قد تفسده القافية الواحدة أو أحسوا أن القافية ~~الواحدة تخمد العاطفة وتطفئ الانفعال. ونعرف من شعراء الغرب الذين لم يهتموا بالنغمة ~~الموسيقية الشاعر الفرنسي الحساس «ألفرد دي موسيه» الذي لجأ في بعض الأحايين إلى الشعر ~~المرسل ووجه إلى محبي القافية الواحدة من جماعتي الرومانتيكيين والبرناسيين عبارته ~~الحادة الساخرة: «لا تنظروا إلى ردائي وأحذيتي بل انظروا إلي وجها لوجه، انظروا إلى ~~وجهي وحاولوا ms25 أن تقرأوا فكري من أعماق عيني.» # ولكنا نجد في كل زمان ومكان جماعة التقليديين والمحافظين والحفريين لا يحبون هذه ~~الطلاقة لا في اللفظ ولا في المعنى ولا في القافية، ولا يميلون إليها جميعا، ونعرف من ~~هؤلاء في فرنسا المسيو دي بانفيل الذي كان يرى أن تفكير الشاعر هو القافية، وأن الشاعر ~~لا رأي له، وإنما الشاعر هو من يؤلف القوافي ذات النغمات الموسيقية! ويتجاوب مع هذا ~~التقليدي المريع جماعة المحافظين في مصر، وأولئك جميعا يكفرون بالفكرة ولا يعرفون ~~موسيقاها ... أولئك لن تعمر أعمالهم أكثر من تعمير رنينهم في الآذان الأسيرة، بل أولئك ~~جعلوا - مع الأسف - من الشعر صناعة وأفقدوه رسالته المقدسة التي جاء من أجلها وهي تثقيف ~~الشعور وتنبيه الفكر وشحذ الانفعالات وتهيئة الطمأنينة للروح، وأولئك قد شنوا حربا ~~شعواء على شعراء الشباب المجددين واستقبلوا بصيحات الغربان قصائد المجددين الذين يرون ~~الجمال والموسيقى في الفكر وفي انسجام الترتيل. ولقد حملوا على شكري حملة غير شريفة، ~~وها هم الآن يوجهون سهامهم إلى أبي شادي القوي المراس، وإلى غيره من الذين ينادون ~~بالشخصية في الأدب وبالطلاقة والحرية والذين يهتمون بالفكرة ويدخلون الألفاظ الشعرية ~~الجديدة والأخيلة الطريفة في أساليبهم الشعرية ويلبسون قصائدهم مسحة من الجاذبية ~~الحبيبة لذوي النفوس المتصوفة والطبائع السمحة. وسوف تذهب هذه الصيحات الناعبة أدراج ~~الرياح، وسوف يتجاوب الناس بشعر المجددين لأنه الشعر الطبيعي ولأنه القائم على تفهم روح ~~الأشياء وعلى العاطفة الشعرية والتأثر الصادق والفكرة العزيزة، والزمن كفيل بأن يعيد ~~المتعنتين إلى مهيع الصواب وسبيل الإنصاف، فيتجاوبون مع نفوس المجددين ويستمعون إلى ~~مقياس أبي شادي الصائب في الحكم على الشعر حين يقول: # كن أنت نفسي واقترن بعواطفي # تجد المعيب لدي غير معيب # شعري - الذي تأباه - أنفس مهجتي # وكفاه أن يحيا بنفس أديب # عبثا تحاول فهمه بتحامل # إن العداء يرد كل حبيب # لو طرت في دنيا خيالي لم تكن # إلا رفيق مسرتي ووجيبي # ما كان هذا الشعر من لغة الورى # لكنه قلبي وروح حبيبي! # ولعله يأتي قريبا ذلك اليوم الذي يتجاوب ms26 فيه سواد الناس مع هذا الشعر الجديد، عندما ~~يدركون مذهب الشعر ورسالته، وليس من شك في أن أرواحا تتجاوب مع شعر المجددين في أقطار ~~الشرق يجهلها المجددون كما يقول الشاعر الموهوب لامارتين في قصيدة «الخريف»: # لعل في سواد الناس روحا أجهلها تفهم روحي ~~وتتجاوب معي Peût être dans la foule, une âme que j’ignore # Aurait compris mon âme, et m’avait répondu. # ونحن نرحب بهذا الديوان الصغير العزيز لا باعتباره ذكرى من ذكريات حب الشاعر التالد، ~~بل باعتباره نفحة من نفحات تورثه الفتية، وآية من آيات التجديد في أغراض الشعر ومعانيه ~~وأسلوبه. ورجعة خاطفة إلى الديوان ترينا الشاعر قد احتفل بذكر الحب في كثير من ~~القصائد، ونجد الروح الوطني ينعكس علينا من مرآة الماضي. فها هو الشاعر يرسل تحية ~~بارعة إلى سجين القلم محمد بك فريد ويعتز بعاطفة الآباء في قصيدته «عيش الحر» ويحيي ~~صديقه الشاعر البارع علي الغاياتي، ويحيي شهيدا من شهداء السياسة، ويقف متحدثا بخلال ~~مصطفى كامل رحمه الله في حجه حول تمثاله، ويضم إلى صدره وطنه الكليم في حنو وإشفاق، ~~ويذكر في تأثر ودموع الخلف بين الأحزاب المصرية من ربع قرن بروح نزاعة إلى القومية ~~الصادقة عازفة عن التحزب البغيض، وهي الروح الصافية التي صاحبته منذ حداثته إلى الآن. ~~فها هو مثلا يخاطب المجاهد النبيل فريد بك قائلا: # سيان كنت بنعمة أو نقمة # ما دمت ترضى بالجهاد حجاكا # سيان كنت مقربا أو مبعدا # ما دام حرب العابثين مناكا # وكفاك فخرا أن تناضل أمة # كم أرهقت من مصلحين سواكا # وها هو يصف الزعيم الأبي الشجاع مصطفى كامل بقوله: # يا كبير اليقين في قوة الحق # ق ويا بانيا قلوب الرجال # يا كثير الإباء في دولة الب # غي ويا ناسفا صروح الضلال # إلى جانب هاتين العاطفتين المنبثتين في شعر أبي شادي، وهما عاطفة المحبة الطاهرة ~~وعاطفة الوطنية المتحمسة، نجد الديوان يحوي نماذج من الشعر الفلسفي والشعر الغنائي وشعر ~~الطبيعة. فشعره الفلسفي يتجلى في قصائده «التبرم» و«حظ الناقمين» و«الدنيا» وغيرها من ~~القصائد. ms27 والشعر الغنائي ظاهر في قصيدته «وطني! وطني!». أما شعر الطبيعة فما أحفل ~~الديوان به، وقد أتينا على نماذج منه في قطعة «حياتان» التي يذكر الشاعر الطبيعة فيها ~~ويجد في حنانها ووداعتها لذته وأنسه، وفي «أنفاس الخزامى» التي فاح في الديوان عطرها، ~~وفي قطعة «وحي المطر» وفي قصيدة «مسرح الليل» التي وصف فيها الليل بأنه مسرح للطهر ~~والتهتك: # مسرح الليل! أي ملهى عجيب # أنت تبدو للشاعر الفنان # أنت ملقى العباد والطهر بينا # أنت مجلى التهتك المتفاني! # ثم يصف فيها وحي النجوم وصفا دقيقا إذ يقول: # والنجوم التي تطل علينا # في حنان ورعشة وافتتان # والذي يثير إعجابنا حقا أن نجد الشاعر الشاب يسبق جيله في طرق موضوعات تبدو ~~تافهة، موضوعات غريبة على معاصريه، كما نجد ذلك واضحا في قصيدته «القطة اليتيمة» التي ~~أخذ يخاطبها بقوله: # جلست قربي كأن قربي # عزاء إحساسك اليتيم # وكم تألمت في حنوي # عليك في صمتك الأليم # ثم ينتهي بمخاطبتها في حنان ورقة إذ يقول: # فلتغنمي أنت من حناني # ما شئت يا طفلة الغرام # وهذا الميل إلى الخطرات التأملية ومعالجة الأشياء البسيطة ظهر واضحا جليا في شعره ~~فيما بعد، وقد أتينا على نماذج من هذه الخطرات في مقال عن «أبي شادي الشاعر» نشر بملحق ~~(السياسة) الأدبي، ولعل هذا الميل أيضا هو آية من آيات المزاج الشعري الدقيق والذي ~~سبقنا إليه بعض شعراء الغرب الكبار مثل شاعر الطبيعة الإنجليزي وردزورث الذي كان يرى أن ~~أحقر الأشياء تصلح للشعر، ومثل الشاعر الفرنسي بودلير الذي رأى «كلبا ميتا» مسجى على ~~العشب بين الأزهار النضرة، فأخذ يصفه وصفا غريبا مدهشا، والذي وصف قطه الجميل ذا ~~العينين الزمردتين والذي تمثلت له فيه زوجته! فنظراتها كنظرات هذا الحيوان ~~الوديع! # وما أروع وأبدع ما قاله أبو شادي في وصف هذا الميل الشعري في أبياته الساخرة الحنونة: # من كان يشعر دائما بشعوري # في الليل أو في الفجر أو في النور # ويصاحب الأجرام في حركاتها # ويجوز عيش الناس كالمسحور # وجد التجدد دائما إلفا له # في النفس أو في ms28 العالم المعمور # ورأى الحياة بما تجدد دائما # أسمى من الإفصاح والتعبير # توحي وتوحي دائما، فإذا الذي # أوحته بعض جديدها المقدور # لو أنصف الشعراء ما قنعوا بما # خلقوه من شعر ومن تصوير # كم في الحياة مجدد لا ينتهي # ولكم حقير وهو غير حقير # من هذا نرى أن شعر أبي شادي تأثر في حياته الأولى بالحب الطهور، وامتزج بالعاطفة ~~الوطنية الحارة، وتأثر بالطبيعة المصرية، وتلون بإيحاء أعلام الشعراء وإن تجلت فيه ~~شخصيته بدرجات مختلفة. تلون بوطنية حافظ الصادقة، وموسيقى شوقي المنغومة، وأخيلة ~~مطران الحرة. وهذا التأثر ظاهر في كثير من قصائده، ويتجلى ذلك مثلا في قصيدته «الحب ~~والأمل» التي جاء فيها: # وفى الربيع فحي الحب والأملا # وسائل الذكر إن كان الفؤاد سلا # واحفظ حديث الغواني في أزاهره # واحرص على النفس أن يدني لها الأجلا # من كل هيفاء إن ماست وإن نظرت # لم تترك القلب إلا حائرا وجلا # فإن أثر شوقي محسوس في هذه القصيدة. ولكن أبا شادي لم يقف عند حد مثل هذا التأثر ولا ~~عند حد تجاوبه مع زعيم المجددين خليل مطران، بل تحول إلى الأدب الإنجليزي وتأثر به ~~على قدر مطالعاته في ذاك الحين. وظهر أثر هذا التأثر في قطعة «موسيقى الوجود» التي ~~نظمها متأثرا بقصيدة «موسيقى العالم» للشاعر جبرائيل سيتون. وإلى هذا فإنا نلحظ في هذا ~~العهد نزوع الشاعر النسبي إلى الابتكار وإلى التفكير الحر وإلى الطلاقة الشعرية، كما ~~يتجلى ذلك في قصيدته «أنفاس الخزامى» وهي من أفكاره الأصيلة، وفي قصيدته «بنات الخريف» ~~التي نزع فيها نزعة مستقلة متجردة عن آثار كبار الشعراء في عصره، وهذا ينم عن وجود ~~شخصية فنية فتية تعمل للبروز وللحياة، شخصية بدأت مرحلتها الفتية مدفوعة بعاطفة الحب ~~الفردي والحب القومي وأخذت تتطور إلى العاطفة الإنسانية العامة، وغمرت تلك العاطفة ~~الأخيرة دواوينه التي نشرت حديثا. فعاطفة الحب الفردي اختفت تقريبا من دواوينه ~~الأخيرة وإن كان قلبه لا يزال يندلع به اللهب، وعاطفة الوطنية المتحمسة هدأت واعتدلت ~~وتسيطرت عليها العاطفة الإنسانية التي جعلته يميل إلى «الأسلوب ms29 المتعادل» يعبر به عن ~~شعوره، وينزع إلى الطلاقة في التفكير والصدق في الطبيعة، وإلى الانسجام في الترتيل، ~~وإلى الروح الشعرية العامة التي تجعل شعره قابلا للترجمة إلى أية لغة، وبهذا كون أبو ~~شادي لنفسه نزعة خاصة، وشخصية فنية مستقلة. ~~••• # ولنا كل الحق بعد هذا أن نرحب بهذا الديوان البكر في ثوبه الجديد لأنه قطعة من نفس ~~الشاعر وعمل يفتخر به كبار الأدباء في نشأتهم، ولأنه من البذور الأولى لأزهار الشعر ~~الحديث ومن الإرهاص الأول لحركة التجديد الأخيرة. # ونكرر التأكيد بأن هذا الديوان سوف يرضي بجمال ديباجته جمهرة المحافظين وقد أرضى ~~أمثالهم من قبل، كما سوف يبهج بجرأة أخيلته وبراعة تصويره أذهان المجددين. ونحن بلا ريب ~~نفخر بجهود أبي شادي التعاونية الحاضرة وبروحه الأدبية النبيلة المتسامحة، التي لا ~~نجدها في جمهرة أدبائنا، ولا نريد أن نترك القلم حتى نسجل أسفنا للحملات المجنونة التي ~~يشغب بها فريق من المحافظين وبعض العاثرين من عجزة الأدباء ضد أبي شادي وضد أدباء ~~الشباب، بل نأسف أكثر من ذلك لتلك الطعنات التي يوجهها إليه حتى بعض من أشاد أبو شادي ~~بذكرهم. ويسرنا أن أبا شادي يقابل تلك الحملات بالسماحة، وبالإنتاج الفكري المطرد، ~~تاركا لأعماله ذاتها إنصاف نفسها بنفسها، وقد تعود الآلام والجحود من قديم في بيئتنا ~~المصرية المتأخرة فناجى نفسه مناجاة قوية في قصيدته الرائعة «فؤادي» التي يقول فيها: # تشجع في المصائب يا فؤادي # وكن بصلابة الحجر الكريم # ألست كجوهر في طي جسمي # خبيء لا يعرف للئيم # إذا الأحداث عضت فيك فاكسر # نيوبا لن تنال من العظيم! # ولا ريب أن الأدب المصري يغتبط أشد الاغتباط بمثل روح أبي شادي كما يشجى أشد الشجى من ~~تصرفات الأدباء الناقمين، وأن التاريخ الأدبي ليجذل أيضا بخروج هذا الديوان من اعتكافه ~~لأنه يحمل ذكريات أيام طيبة خالية، ويزيح الستار عن صورة التطور الروحي للشاعر، ويكشف ~~عن شخصيته الفتية التي بدأت تتفتح للنور وتشق طريقها إلى الفن وإلى المجد. ولكأنى به ~~يرسم خطرات نفسه الطموح في عهد الحداثة بقوله في مقطوعة ms30 «حظ الناقمين»، يقول: # سلخت من الأعوام بضعا وعشرة # أقيم على دين العلا وأسير # وفي النفس حاجات وفي القلب لوعة # على أن كلي همة ومرير! # وبودي لو يتنبه جمهرة القراء إلى جهود هذا الشاعر الإنساني، ويتمعنوا في شعره ~~وأخيلته ليلمسوا ما يعيه من شاعرية صافية ويمسوا ما فيه من جمال محجب . # ولا يسعني أخيرا إلا أن أقدم للشاعر إعجابي بروحه الأدبي النبيل، وثنائي على ديوانه ~~البكر الفريد، # مصطفى عبد اللطيف السحرتي ~~(2) شخصية أبي شادي ومميزات شعره # إنها لفرصة سعيدة، تلك التي أتاحها لنا الشاعر المجدد الدكتور زكي أبو شادي بإعادة ~~طبع ديوانه الأول (أنداء الفجر) لنتحدث عنه وعن الباكورة الأولى، وما اشتملت عليه من ~~شعر الطبيعة والتصوير والعاطفة، ومميزات الشخصية في هذا الشعر، وخصائص التجديد ~~فيه. # وإذا أردت أن أتحدث إليك عن الشاعر أبي شادي أو أرسم لك صورة عنه فلا تظن أني سأجمع ~~كل أدوات التهويل والتضخيم مستعينا بها! كلا، فما تصورت أن أتناول الناس بمثل هذا، ولا ~~أحسبه يرضى بذاك، ولكن سأحاول أن أرسم لك صورته دون زيادة أو نقصان، وإن كنت لم أره ~~غير مرة واحدة إلى اليوم. إن أبا شادي رجل اعتيادي لا يروعك صامتا، ولكنه إذا ما تحدث ~~إليك راعك منه أنه يحيا في الحياة، بنفس طفل، وقلب شاعر، وفكر فيلسوف. وهو لا يحاول ~~التحامل على الغير كاتبا أو محدثا، فهو إذا حدثك عن أديب أو شاعر، ذكر لك محاسنه ~~ومساوئه كما يرى هو دون تحيز أو افتئات، وموقفه ممن يسيئون إليه دائما هو موقف الرثاء ~~لهم، أو الإشفاق عليهم، وكم مطاعن وجهت إليه فاستقبلها باسما ثابتا، كما يثبت الطود ~~الأشم للإعصار العتي، وكثيرا ما عادت عليه هذه المطاعن، بعكس ما كان ينشده أصحابها: # كم من مطاعن لي تكال كأنها # شرف يكلل هامتي بالغار! # وهو لا يندم إذا ما جزاه الناس على حسناته بالقحة والتقول، ولكنه يلتمس لهم ~~المعاذير، لعلمه أن هذه هي طبيعة الحياة: # فيم الندامة إن شتمت دناءة # وجزاء ما أسديت من حسنات؟ # النحل ms31 يعطي الشهد جودا سائغا # ولكم يكافئه الورى بأذاة! # فهذا الشاعر هو في الواقع رمز التسامح والنبل، وكلما أحرجت صدره المحرجات هرب من هذه ~~الدنيا الخسيسة إلى دنيا التفاؤل والخيال، ليتلهى بمناظرها وليغرق في محيطها ما علق به ~~من أوشاب حياتنا الذميمة: # وأعيش في دنيا التفاؤل ناسيا # دنيا تفيض قساوة وعداء ! # ولم يخدم الأدب والشعر في هذه الأيام أحد بمثل ما خدمهما ذلك الشاعر، فلقد أنشأ مجلة ~~(أپولو) وجعلها منبرا حرا للشعر والدراسات الشعرية، فأوجد بذلك نهضة في الشعر حرية ~~بالالتفات إليها، كما كشف لنا عن أكثر من خمسين شاعرا، كانوا لولاه سيظلون مغمورين ~~مجهولين، لا يحس بهم أحد، ولا يعلم من أمرهم شيئا. وأكثر من هذا أنه كان وما زال ينشر ~~الأبحاث ناظرا لأهميتها دون أصحابها، وكثيرا ما كان ينشر الأبحاث لأعدائه، يذمونه ~~فيها ويعيبون طريقته، وكثيرا ما كان يؤثر هذه الأبحاث على أبحاث أخرى ترد إليه وكلها ~~مدح فيه، واستحسان لطريقته ومذهبه، فقل لي بربك من رئيس التحرير هذا الذي ينشر لخصومه ~~سهامهم المفوقة إليه؟ أما أنا فلا أعلم أن أحدا من رؤساء التحرير بلغ به النبل أو ~~التسامح إلى هذا الحد، ولكني أعلم أنهم يفرقون كل الفرق من النقد الخفيف يوجه إليهم، ~~كما أعلم أنهم لا يتورعون عن أن ينشروا كل كلمة من مدح أو استحسان تصاغ فيهم، حتى ولو ~~كان صاحبها يقصد بها إلى المداعبة والسخرية من طرف خفي. # ذلك هو شاعرنا المتجدد أبو شادي في كلمات قصار. وأعود الآن بك أيها القارئ إلى ديوانه ~~الأول (أنداء الفجر) بعدما تشعب بنا وبك الحديث، فالكلام عن هذا الديوان هو الغرض الأول ~~وبيت القصيد، ولعل الذي حفز الشاعر إلى إعادة إخراج هذا الديوان من جديد هو تحقيق رغبة ~~حبيبته الأولى «زينب» صاحبة هذا الديوان، وموحية فرائده، والتي يهدى إليها الديوان في ~~قصيدة رائعة مؤثرة منها: # ربع قرن مضى وهيهات تمضي # شعلة الحب عن وثوب وومض # لم أزل ذلك الفتى في جنوني # وفؤادي في نبضه أي نبض # ذكريات الهوى وأشباحه ms32 النشوى # أمامي في كل صحو وغمض # نشرت في السطور بعد احتجاب # كنثير الحيا على زهر روض # كم شقينا تفرقا وحياء # وخضعنا لحكم دهر ممض # ورجعنا ننوح نوح يتيمين # على ذلك الصبا المنقض # علم الحب ليس غيرك مجدي # في وفاء وليس غيرك خفضي! # ولعل الذي دعاه إلى ذلك، هو إلحاح إخوانه وأصدقائه عليه بإعادة طبعه، لما فيه من روح ~~الصبا، التي لم يبق له منها غير الذكريات التائهة والحنين الشارد. ولعل الذي دعاه أكثر ~~من ذلك، هو شوق أشقاء هذا الديوان وهم كثر بين أنين ورنين، ومصريات، وزينب، ووطن ~~الفراعنة، والشفق الباكي، وأشعة وظلال، ووحي العام، والشعلة، وأطياف الربيع، والينبوع ... ~~وغيرهم، إلى أن يجدد والدهم البار شباب شقيقهم الأكبر فيسعدوا بطلعته، ويحيوها ليلة ~~شاعرية في مولده. # أما نحن فإنه ليهمنا كثيرا أن يظهر هذا الديوان، ولو لم يعمل الشاعر على إظهاره ~~مؤثرا كعادته الإنتاج الجديد لطالبناه به لأننا نريد أن نعرف، هل كان المذهب الشعري ~~الذي يدعو إليه شاعرنا في هذه الأيام متميزا في أشعاره الأولى أم هو طارئ عليه بعد ~~الدراسة الطويلة في الآداب الفرنجية؟ وهل شخصيته التي تطالعنا في دواوينه الحديثة هي ~~شخصيته الأولى، أم أصابها شيء من التحوير؟ وما هي الأغراض والدواعي التي كان يقول فيها ~~الشعر، في الوقت الذي كان فيه كثرة الشعراء المعاصرين يفنون أوقاتهم في معارضة المتنبي ~~أو البحتري أو أبي فراس وغيرهم؟ أو في نظم القصائد المهلهلة في مدح من لا يستأهل المدح، ~~أو رثاء من لا يعرفون، رغبة في الظهور على جثث الموتى وأشلاء الذاهبين؟ ~~••• # يتلخص مذهب أبي شادي الشعري في تجديد اللفظ والأسلوب والقافية والمعنى، فهو كثيرا ما ~~يترفع عن الألفاظ والأساليب التقليدية حتى يظن المتزمتون أنه يتهاون في ألفاظه ~~وأساليبه، وهو يحل نفسه من قيود القافية في كثير من شعره، حتى ليخيل إليهم أن ذلك ضعف ~~وعدم قدرة على مسايرة القافية الواحدة. وهو يتعمق في كل معنى يلمسه، ويجيل طرفه في كل ~~ما يحيط به كبر أو صغر، فيخرج منه معنى ms33 شعريا جديدا، فيحسب الجامدون أنه لا يتخير ~~موضوعات شعره، فإذا سمعوه ينظم في «ذباب الصيف» صاحوا به: أوحتى الذباب يستأهل منه ~~العناية والالتفات؟ يا للعجب! وما يبقى للشاعر أيها الفقيه إذا لم يسجل كل ما تنفعل له ~~نفسه هان أم عظم؟ ولكن الشاعر لا يجشمنا مشقة الرد عليهم في ذلك ، فيدحض هو هذه الفرية ~~في قصيدة «التجدد»: # لاموا شبوب عواطفي وتخيلي # وتدفقي بالشعر ملء شعوري # وأنا الخجول أمام ما أنا ناظر # من كل موح بالغ التأثير # فيهزني هزا، ولكني الذي # مهما أجدت أحس بالتقصير # وأكاد أوقن أن من هو لائمي # إما ضرر أو شبيه ضرير # إنا بكون كله شعر بلا # حصر، وكم من عاجز مغرور! # وقد جمع أبو شادي في (أنداء الفجر) ألوانا من شعر الوصف، والحب، والوطنية، والهيام ~~بالطبيعة، والفلسفة، وهو في كل ناحية من هذه النواحي، لم يشذ عن طريقته أو يخرج على ~~مذهبه. # فاستمع إليه وقد أخذ يصور لك أنداء الفجر، على ثغور الأزهار، وفي ألق الشعب، وفوق ~~الغصون، بشعر لم يسعد الشعر العربي بأبدع منه لفظا ومعنى ورقة وعذوبة، فيقول: # من دموع النجوم، من سهر العا # شق صيغت، ومن رجاء الحياة # في حنان ورقة، وهي لا تم # لك من عمرها سوى لحظات # في ثغور الأزهار، في ألق العش # ب وفوق الغصون تحيا وتفنى # وهبت حسنها الضحية للشم # س، كأن الفناء للشمس أغنى # ويعود الفجر الوفي بها بع # ثا ولكن تعود تمضي الضحيه # هي ملك لنا حياة وموتا # وهي بالروح صورة الأبديه # إن هذه المقطوعة البارعة من الشعر التصويري حسنة من حسنات الشاعر، ولو لم يكن له ~~غيرها في الوصف لكفته غنى فنيا. # ويرى شاعرنا القارب يشق طريقه على صفحة الماء في زهور وابتهاج، فيشجيه هذا المنظر ~~ويسترعي خياله، فإذا به يطرفنا بصورة صغيرة: # يشق القارب المزهو مثلي # طريقا في المياه مع ابتهاجي # فيكسر صفحة للماء راقت # ونسمع صوت تكسير الزجاج # فهنا يذكرنا أبو شادي بأيام طفولته وابتهاجه، أيام كان يكسر الزجاج وغيره كما يكسر ~~القارب صفحة ms34 الماء الرائقة. # وأزهار الخزامى، ماذا كان شأنها مع الشاعر؟ إنها لأزهار مصرية صميمة ومن مصر ~~انتشرت إلى سائر الأقطار، ولقد وقف أمامها الشاعر يحدثنا في غزل صوفي عن أنفاسها ويصف ~~ما توحي به إلى النفوس الشاعرة، من خطرات ومعان ساميات: # أي عطر فاق أنفاس الخزامى # في حنان يملأ الروح سلاما ؟! ~~••• # لا يراها غير من كانت له # روحها أو من يحاكيها غراما # تتوارى عن عيون لا ترى # دقة الحسن، وأخرى تتعامى # أيها الأنفاس طيبي وانشري # خطرات الحب حتى يتسامى # كم وقفنا في مجالي نشوة # عند مرآك فتونا واحتشاما # لم نقبل غير معنى حائم # حولنا منك عشقناه دواما! # واستمع إليه وهو يصف لك مسرح الليل وما يختلف عليه من مراء ومشاهد عجيبة، تخلقها ~~يد الليل الساحرة، أو تمعن في مقطوعته «بنات الخريف» والتي يقول في مطلعها: # هلمي! هلمي! # بنات الخريف # وطوفي وطوفي # بهذا الحفيف # نراك بأوها # منا جائله! # فإنك لا شك واجد ضروبا من الوصف جديدة تشهد لصاحبها الناشئ بأن سيكون له في ~~المستقبل شأن عظيم في الوصف. أوليس هو القائل بعد في ديوان (الينبوع) عن فتيات ~~الريف قد اجتمعن على شاطئ الغدير يملأن الجرار ويغسلن الثياب: # ما بالهن لدى الغدير حوانيا # ينشدن للماء النشيد الغالي # والماء يضرب في حنان دافق # أقدامهن فما تراه يبالي؟! # يغسلن عابسة الملابس تارة # والشط مزهو بهن مبال # إني لأكاد أسمع من خلال هذه الأبيات أناشيد الريفيات وامتداد الماء إلى الشاطئ ~~مرتميا على أقدامهن في حنان دافق، كما أكاد ألمس فرحة الشط بهن، ومع ذلك يتصايح ~~الجامدون: أين الشاعر المصري الذي يصف الحياة المصرية؟! # ثم أليس قد أبدع أيضا إذ وصف الجدول الصغير جاريا كما تجري الطفولة في ابتهاج على ~~حين قامت حوله الحور كأنها تحرس جسمه العاري فيقول: # وبدا الصغير الجدول الجاري كما # تجري الطفولة فرحة وحنانا # فغبطته، والحور قامت حوله # كالأهل تحرس جسمه العريانا # ويجب أن ننبه هنا إلى أن أبا شادي يكثر دائما من تقديم الصفة على الموصوف للتنبيه ~~الشعري كما يقول «وبدا الصغير ms35 الجدول»، وأنا لم أر ذلك لشاعر من قبله ولعلها إحدى ~~حسناته. # فمما تقدم تستطيع أن تدرك أيها القارئ مدى تفوق شاعرنا في الوصف، وقدرته على أن يريك ~~ذوات موصوفاته كائنات حية تفرح وتغتبط. # أما الغزل فله النصيب الأوفى من الديوان، وما هو إلا صلوات يتقرب بها إلى حبيبته ~~الأولى «زينب ». ولقد اشتدت العلة بشاعرنا يوما، فإذا هو ينشد بين الحب والأمل قصيدا ~~سائغا، يصف فيه حاله، ويعتب على الدهر، ويعد عليه ذنوبه، ويوسع معبودته جدلا طويلا ~~على نومها عنه، وهي تداعبه وتبكي له وتقربه: # مرت كحلم يجاريه الدلال فلا # نمت عليه، ولا أخفت له مثلا # وداعبتني بصوت خافت وبكت # وقربتني، وقالت: حسبنا جدلا # الدهر فرقنا، والدهر ألفنا # فانس الذنوب، ولا تعتب لما فعلا! # فانظر إلى قوله: «قربتني.» في البيت الثاني، وإلى حذف متعلق الفعل، ثم قل لي: أي سحر ~~أو حسن، وأي أفق من النعيم، يختفي وراء هذه الكلمة العذبة بعد الحرمان الطويل؟ وتقذف ~~الأمواج من على شاطئ الحب، وتباعد الأيام بينه وبين عهود صبابته الأولى، ثم يلتفت فجأة ~~ليرى أين هو من هذه العهود، فإذا هو قد بعد عنها، أو قد بعدت هي عنه، وإذا هو لا يرى ~~معلما يهتدي به، أو شرفا مطمئنا يأوي إليه، وإذا هو ينشد في لوعة جازعة، وحسرة ~~غائرة: # ما ينفع الصب الكئيب من الجوى # حتى يحن إلى البكاء حنينا؟ # أسفي على عهد الصبابة لم يكن # إلا شعاعا كاذبا مظنونا! # أسفي عليه وقد فقدت شبابه # ووهبت فيه فؤادي المغبونا # وظللت محزونا أكفكف أدمعي # أملا، وعشت متيما مفتونا # متصدعا من لوعة، متراجعا # من هيبة، مستغفرا، مسجونا # يا حسرة القلب الضعيف إذا رجا # من لا يزال على الوفي ضنينا! # وهو لا يمكن أن يتلهى عن «زينب» أو يحيا في غير «زينب»، بل هو ما زال إلى اليوم يسير ~~على وحي «زينب» مهما غبنته ومهما عانى في سبيلها: # أزينب! إن حييت فما حياتي # سواك، وما عداها الآن فاني # ترى هل بعض أشواقي يرجى # لديك، أم الطفولة لا ms36 تعاني؟ # كلانا في الهوى طفل، ولكن # أنا الطفل الغبين! أنا المعاني! # وتشيع أشعاره في «زينب» فإذا قومها حانقون عليه غاضبون، وإذا هم يحجبونها، ويبالغون ~~في الحجاب، وما أشق الحجاب على نفس الشاعر العاشق، وإن الموت لأهون عليه من أن يحترق ~~بنار الحرمان وجحيم الحجاب، ولولا التقاليد القاسية ما حال بينه وبينها حجاب أو باب، ~~وماذا يحد لو ظهرت المرأة في مجتمعنا المصري، وهل ينتظر التقدم لشعب نصفه مفقود، أو ~~سجين بين الجدران، فلا يستنشق الهواء، ولا يتمتع بنور الشمس؟ إن المجتمع الذي لا تباركه ~~المرأة لا يمكن أن تقوم له قائمة بحال، ذلك أقل ما يطوف برأس الشاعر عندما يذوده الناس ~~عن مورده، كما أنه يرى العدم حيزا من حياة تتحكم فيها التقاليد، وذلك ما حدا بأبي ~~شادي عندما حجبوا «زينبه» أن يصيح: # يا «زين» دنياي التي ما نالني # منها سوى قلقي على حرماني # لم يحجبونك؟ هل أثمت بكل ما # أعطيت حسنك من جمال بياني # فإذا حجبت فمن أخص بمهجتي؟ # ولمن أعيش؟ ومن له وجداني؟ # وتهطل السحب بالمطر مدرارا، فإذا هو يوحى إليه بالظمأ على حين قد رويت الغصون ~~والأزهار، وإنه ليعجب كيف تتساقط القطرات من يد زهرة ليد أخرى، وهو وحيد ينشد الري، ~~وكيف لا يذكر القطر حبيبته برسالة الحب فعساها تذكر، وتعطف عليه كما يعطف القطر على ~~الأزهار والأشواك؟ وإني لأحس حقيقة بظمئه عندما أقرأ هذه الأبيات: # أنا ظامئ والكل حولي ظامئ # فتقطري يا سحب كيف حننت # هذي الغصون تناولت ما خصها # ولبثت في ظمئي لوحيك أنت # تتساقط القطرات من يد زهرة # ليد، لأخرى، والجميع سكارى # وأنا الوحيد! فأين أين حبيبتي # حتى ترد جوى، وتطفئ نارا؟! # هلا بعثت إلى دفين شعورها # برسالة الحب الوفي الباكي؟ # فلعلها تأتي وتنثر عطفها # كالقطر فوق الزهر والأشواك! # وكثيرا ما أبت عليه عبادته المتناهية لزينب كل مطمع، وكثيرا ما جنى عليه حياؤه، ~~وأضاع أشواقه، فإذا كان قريبا منها بجسمه فهو بعيد عنها بقلبه، هذا القلب الذي قد ~~حرم كل شيء، فهو القريب البعيد، ms37 وهو هنا في حيرة بين عقله وعاطفته، فهو يريد كل شيء، ~~ولكن عقله يصده عن أي شيء! فماذا يصنع؟ لا شيء إلا هذه المقطوعة من الغزل ~~الرفيع: # ما لعيني كلما ألقاك بالفرحة تدمع؟ # بي رجاء ليس يخبو، ورجاء ليس يلمع # وأنا كالتائه العاني إلى الأوهام أفزع # هاك قلبي يا حياتي نبئيه كيف يصنع؟ # هو في القرب بعيد عنك يهفو ثم يجزع # آه! كم يجني حيائي! آه من شوق مضيع! # وعبادات تناهت فأبت لي كل مطمع! # ونحن لا نستطيع أن نستقصي بالدرس والتحليل كل ما قاله الشاعر في هذا الديوان من شعر ~~الحب والوجدان، ويكفي أن نعرض عليك زهرات من رياض حبه الأول لتعرف أن الرجل كان يعاني ~~لوعة حب صادق، وأنه كان يتفجر عن معين عذب سائغ، على حين كان كثرة معاصريه في الوقت ~~ينحتون من الصخر شعرا فاترا، يتغزلون به في «ليلى» و«هند» و«دعد» و«الرباب» و«مي» دون ~~أن ينبض قلبهم بحب أو يختلج بعاطفة! # ولكن لن نخرج من الكلام عن غزله حتى نختمه بموشح رائع، هو في الواقع مسك الختام، وفيه ~~يتجلى لك مذهب أبي شادي الشعري واضحا قويا، وإنه ليدلنا دلالة واضحة على أن هذا ~~المذهب ليس وليد الدراسة الجديدة أو وليد اليوم، ولكنه يرجع إلى مبدأ عهده بالشعر، فهو ~~رسالة، كأنه أمر بتبليغها، مهما ناله في سبيلها. فاستمع إلى هذا الموشح «طاقة أنغام» ~~تجد فنونا من المعاني الجديدة، كما تجد ولعه بكل ما هو فني وبكونه المليء بالمعاني ~~التي غابت عن كوننا نحن: # إذا استمعت إليك # فتنت من توقيعك # كأن سمعي لديك # عيني بمجلى ربيعك # أصغي إلى هذه الألحان زاهية # كأنها نخب الأزهار للعين # فكل لحن له لون يضيء به # وجمعها طاقة من زهرك الفني # وكل لحن له عطر يفوح به # وإن تخيله غيري من الظن # وأنت كوني، وكوني في حقيقته # جم المعاني التي غابت عن الكون # إذا استمعت إليك # فتنت من توقيعك # كأن سمعي لديك # عيني بمجلى ربيعك # ولا أبيح لنفسي التعليق على هذه القطعة الفريدة، ms38 فإن كل تعليق مهما دق لا يوفيها ~~حقها، وإنما أقول لك: اقرأها مرة ثانية وثالثة فإنك ستلقى فيها فنونا من الغذاء ~~الروحي، قلما تقع على مثلها في ديوان بجملته لشاعر آخر في عصر لم يعرف معظم شعرائه غير ~~التقليد والمحاكاة، ولا عجب في ذلك فالشاعرية لا تتقيد بسن أو عصر أو ثقافة. ~~••• # وبعد، فنريد أن نعرف هل في الديوان الأول للشاعر أبي شادي ما يدل على ولعه بالطبيعة ~~وفنائه فيها هذا الفناء الذي يتجلى في مثل قصائده: بحر السماء، الأشعة الصادحة، أستاذي ~~المصور، أمنا الأرض، الشروق الهادئ، حزن الفجر، صلاة الصباح، وغيرها من القصائد التي ~~يندمج فيها بالطبيعة، وتندمج الطبيعة فيه؟ والجواب على ذلك هين سهل، فأنت إذا قرأت ~~ديوان (أنداء الفجر) تستطيع أن تعثر للشاعر على مقطوعات هي في الواقع بذور صالحة لشغفه ~~بالطبيعة، وعباداته إياها، فقصيدة «موسيقى الوجود» ليست إلا فناء أمام جمال الكون ~~وجلاله وتقديسا لمظاهر الوجود الرائعة: # حدثوني عن الوجود المغني # كل ما فيه صادح يتغنى # من جماد ومن نبات وأحياء # فليس الغناء فيهن يفنى # وعجيب إذا تناءيت عني # لم أجد للغناء فيهن معنى # وإذا ما ظفرت منك بأنسي # صار هذا الوجود لحنا وفنا # واقرأ له مقطوعة «حياتان» تجد فيها هياما بالطبيعة لا حد له، ففي مناجاته إياها يرى ~~السعادة، وفي الابتعاد عنها يعاني الشقاء، وفي حمى إخوته من طيور ونبات يبدو له وحي أمه ~~الطبيعة رائعا جذابا: # أمي (الطبيعة)! في نجواك إسعادي # وفي ابتعادي أعاني دهري العادي # وفي حمى إخوتي من كل طائرة # وكل نبت نبيل وحيك الهادي # ما بالها هي صفوي وحدها فإذا # رجعت للناس لم أظفر بإسعاد؟ # كأنما الناس أعداء: فبعضهمو # حرب لبعض، وحساد لحساد! # بل إن هذه المقطوعة لتذكرنا بشقيقتها «أمنا الأرض» من ديوان (أطياف الربيع): # أماه إن لديك صفو حنيني # وإليك مرجع فرحتي وأنيني # ألقاك في كنف السكون عبادة # وأقبل الترب الذي يحييني # وأروح أعشق كل ما أنجبته # فجميعه شعر إزاء حنيني # ما النحل، ما هذي الدواجن كلها # والغرس إلا الشعر ms39 ملء رنيني # وأرى الألوهة فيه بين توثب # وتطاير، ووداعة، وسكون # والناس تعجب من توزع خاطري # وهو الموحد فيك غير غبين # أماه! موئل كل لب شاعر # نجواك فهي مفاتني وفنوني # وإذا كنت قد عرفت الآن أن ولع الشاعر بالطبيعة أصيل في نفسه منذ حداثته، فإني أريد ~~أن أزيدك علما بشخصيته، وأنها واضحة قوية في ديوانه الأول، كما هي واضحة قوية في ~~ديوانه الأخير، وأنك تستطيع أن تنقل قصيدة من (أنداء الفجر) إلى (الينبوع) وقصيدة أخرى ~~من (الينبوع) إلى (أنداء الفجر) فلا تكاد تحس أن هناك فارقا، وذلك مما يدل على أن ~~شاعرنا مطبوع وأن شعر صباه يستطيع أن يقف مع شعره الأخير جنبا لجنب، دون تواضع أو ~~استخذاء. ولا أظنك الآن بحاجة إلى أن نحدثك عن خصائص شعر أبي شادي فهي جلية واضحة، وقد ~~سبق أن ألمعنا إليها. # وكنت أحب أن أحدثك أيضا عن وطنيات أبي شادي، وفلسفته، وحبه العام، وإنسانيته، لولا ~~خشية الإطالة، فليكن لذلك بحث آخر، وعسى أن أكون قد وفيت الشاعر بعض حقوقه، فكم له ~~علينا وعلى الأدب والشعر من أياد بيضاء، وبحسبه أن قد بعث الشعر من مرقده، واستثار ~~عناية النقاد بالشعر إلى درجة بعيدة، حتى قامت حوله معارك خطيرة، ودفع الشعراء في طريق ~~التجديد والإنتاج الصحيح، كما قضى على النظم السطحي في المناسبات الطارئة، هذا النظم ~~الرخيص الذي ينسب زورا إلى الشعر. # وما أحوج ناقدي أبي شادي أن يتذكروا دائما بيته المشهور: # كن أنت نفسي واقترن بعواطفي # تجد المعيب لدي غير معيب! # وستريهم الأيام خطر رأيهم فيه وفي شعره، فالأيام وحدها هي الفيصل، وهي لا شك كفيلة ~~بالإنصاف. # عبد العزيز عتيق ~~(3) مطران وأثره في شعري # بقلم صاحب الديوان # لو لم أهد من أهديت إليها هذه المجموعة الأولى المستقلة من شعري لما قل سروري ~~بإهدائي إياها إلى أستاذي الجليل خليل مطران، فقد عرفت محبة هذا الرجل الإنساني ~~وأستاذيته منذ ثلاثين سنة؛ إذ تعهدني صغيرا فبقيت أهتدي بهديه، وكان أول ناقد لأدبي ~~وأنا لم أتجاوز بعد الثانية عشرة ms40 من عمري. ولي أن أقول عن تأثيره على شعري ما قاله ~~المازني عن أدب شكري: فلولا مطران لغلب على ظني أني ما كنت أعرف إلا بعد زمن مديد معنى ~~الشخصية الأدبية ومعنى الطلاقة الفنية ووحدة القصيد والروح العالمية في الأدب وأثر ~~الثقافة في صقل المواهب الشعرية . ومع هذا التأثير العميق في نفسي شبت روح الثورة ~~والاستقلال فتحملت مسؤولية خواطري وتعابيري، وبهذا الروح لم أغير كلمة من هذا الشعر ~~الذي له في نفسي قداسة الصبا وذكرياته وإن صرحت الآن في هذه الطبعة ببعض الأسماء ~~وببعض المناسبات، وبهذه العقيدة ربطتني بأستاذي هذا العمر الطويل رابطة مقدسة من المحبة ~~المتبادلة والتجاوب الشامل لم ينل منها كر السنين مثقال ذرة، فكانت وما زالت مضرب ~~المثل في عالم الأدب والصداقة. # وليس هذا هو كل شعري في سنة 1910، فقد كنت مكثرا - إذا جاز هذا التعبير - منذ ~~حداثتي، وإنما هو مختارات منه، وقد سبقته مختارات نشرت في الجزئين الأول والثاني من ~~كتابي (قطرة من يراع في الأدب والاجتماع). فأما الجزء الأول من ذلك الكتاب فمعظم شعره ~~من نظم الطفولة وسني ما بين الثانية عشرة والرابعة عشرة وأقله في الخامسة عشرة، وأغلبه ~~تقليدي النزعة وإن تكن فيه على قلتها حسنات أصيلة. وأما الجزء الثاني ففيه من شعري ما ~~نظمته في السادسة عشرة والسابعة عشرة متأثرا جد التأثر بتعاليم مطران، وهو بدء نضوجي ~~الشعري. وكان مأمولا طبع ديواني الأول كاملا طبعة فنية فيما بعد، ولكني نكبت نكبة ~~عاطفية قاسية غيرت مجرى حياتي فغادرت مصر إلى إستانبول ثم إلى إنجلترا في أوائل سنة ~~1912 ولبثت مغتربا عن وطني أكثر من عشر سنين نظمت فيها الكثير من الشعر كعادتي ما ~~بين أصيل ومترجم، إلى جانب آثاري الأدبية الأخرى وفي مقدمتها ترجمة كتاب الأستاذ نكلسون ~~في أدب اللغة العربية، وقد تركت ترجمته في مصر مع أوراقي الأدبية الكثيرة. وعدت إلى ~~وطني في أواخر سنة 1922 وحقيبتي مثقلة بآثار أدبية شتى وبرسائل لها أهميتها مع كثيرين ~~من أكابر الرجال وفي مقدمتهم المرحوم محمد ms41 فريد بك، فإذا بالجمرك يتشبث بالاحتفاظ ~~بهذه الأوراق وقتيا لفحصها، وقد كان سيف الأحكام العرفية مصلتا فوق الرقاب، وإذا ~~بهذه الأوراق لا تعود رغم ما بذل من المساعي لإرجاعها، وإذا بها قد أبيدت كما أبيدت ~~مأثوراتي التي تركتها في مصر. وما أحسب أديبا جنى عليه الاغتراب والحرب بأكثر مما ~~جنيا علي، وقد ترك كل هذا في نفسي أثرا أليما جدا، ولولا تشجيع أستاذي العزيز ~~مطران وأخي الحبيب حسن الجداوي لزهدت في نشر أي جديد من شعري، فضلا عن جمع ما تيسر ~~جمعه من شتيته القديم، دع عنك إعادة طبع شيء من ذلك القديم ... وأين هذا وقيمته من جيد ~~شعري المفقود ومترجماتي وتصانيفي في أكثر من عشر سنين؟ ومن لي الآن - في كهولتي ~~ومتاعبي - بعواطف الصبا والشباب وبتلك الأحلام الذهبية وبتلك الموسيقية الثائرة التي ~~تلاشت أصداؤها في المحيط؟ # ومهما يكن من شيء ففي هذا الديوان الصغير ذكريات عزيزة عندي عاطفيا وأدبيا: ~~فأما الأولى فملموحة في ثناياه، وأما الثانية فترجع إلى ما فيه من التجاوب مع أدب ~~أستاذي مطران خاصة. فطلاقة التعبير وحرية التأمل والاتجاهات الفكرية الجديدة؛ كل هذه ~~تتمثل في معظم مقطوعات الديوان وقصائده، ومنها تدرجت إلى مذهب تحرير النظم كما أومن ~~بتحرير النثر، متأثرا بأدب الجاحظ قديما وبأدب مطران نفسه حديثا وقد تجلى أبدع ~~التجلي في (المجلة المصرية) التي حررها ببراعة أدبية منقطعة النظير. # وقد كان والدي برغم تربيته الأزهرية عصري الروح في كثير من تصرفاته، وكان السلاملك ~~بداره الكبيرة في سراي القبة (من ضواحي القاهرة) بمثابة صالون أدبي في كل خميس، فكان ~~يجتمع لديه الكثيرون من أهل الفضل والأدب والمنزلة الاجتماعية، وبينهم أشهر رجال ~~الصحافة والأدب والشعر في مصر حينئذ، وكان واسطة عقدهم أستاذي خليل مطران. وهكذا ~~تعلقت بحب هذا الرجل النبيل منذ طفولتي، وأتاح لي إصدار والدي لجريدة (الظاهر) اليومية ~~و(الإمام) الأسبوعية فرصا شتى للاتصال بأعلام الأدب حتى أشربت حب الصحافة والأدب ~~منذ صغري، فجرى قلمي بأول كتابة أدبية صحفية في سنة 1905 على أثر حصولي على شهادة ms42 ~~الدراسة الابتدائية وقد كان لها ما كان من الشأن في ذلك الوقت، وكأنما كانت بمثابة ~~شهادة أدبية لي أيضا! فلا عجب إذا عنيت في سنة 1908 بإصدار مجلة قصصية هي (حدائق ~~الظاهر) وبإصدار كتابي الأدبي الأول (قطرة من يراع في الأدب والاجتماع)، وإن لم يتجل ~~نضوجي الأدبي قبل سنة 1909، وهو نضوج نسبي على أي حال لا يقاس بجانبه نضوج الشباب في ~~هذا الجيل الحاضر. ولولا افتتاني بمطران لكان الأرجح أن لا تثور روحي الأدبية تلك ~~الثورة في محاولتي أن أقتفي خطواته السريعة، ولولا مطران لما اجتذبت عناية كل من شوقي ~~وحافظ بي. ومطران هو الذي فرح بديواني الأول هذا على صغره أكثر من فرحي، وكان واسطة ~~التحية الكريمة من حافظ لهذا الشعر. وقد أحببت في حافظ وطنياته وحماسياته الفياضة ~~بأصدق الشعور، فسحرتني بساطتها وصدقها واعتبرتها منسجمة مع العناصر الشعرية العالية في ~~أدب أستاذي مطران الذي رأيت فيه مثلي الأعلى ... وهكذا بقي هذا الثالوث مؤثرا في نفسي ~~زمنا، ثم انفرد بالتأثير مطران، وإن كان هذا لا ينفي تأثري في صباي كذلك بشخصيتين ~~بارزتين: الأولى شخصية أحمد محرم الذي أعده في شعره الوطني والاجتماعي أسمى منزلة من ~~حافظ في جميع عناصر الشاعرية، ولكن له نفسية النجم البعيد المتواري لا يلمح تألقه وقوته ~~إلا أهل البصر المديد، والأخرى شخصية مصطفى صادق الرافعي الذي لمحت فيه آيات الذكاء ~~والشاعرية، ولكن يكاد ذكاؤه يفسد عليه عاطفته، فأحببت إلى الآن ذلك الذكاء المتوقد وقد ~~بلغ ما كان ينتظر له بلوغه من الإبداع الأدبي والشهرة الفائقة. # فهذا الديوان في حسناته من ثمار مطران الأولى وفي عيوبه من آثار سني المبكرة، ولا ~~أحب لدي من نشر تهنئته التي تفيض بالغبطة الأبوية وبفرحة المعلم بتلميذه، فهي منه ~~وإليه: # ديوانك الأول فتح له # ما بعده في عالم الشعر # أبرع ما كان بإطلاقه # ممهدا للخلق الحر # أصعدت بالإلهام فيه على # أجنحة النسر إلى النسر # علام لا يطلب مستأسر # فكاكه من رهق الأسر؟ # وما يرجى من رقي إلى # أوج المعاني قيد الفكر؟ ms43 ~~(زكي) هذي نهضة للنهى # في العصر كانت حاجة العصر # للفن سر ضن دهرا به # وأنت مبدي ذلك السر! # تشف عنه المحكمات التي # نظمتها من فاخر الدر # فالحسن من كل مظناته # يبرز فيها لأولي الذكر ~~(تهنئة مطران بخطه - مصغرة في النقل.) # مسودة قصيدة مطران العينية بخطه (مصغرة في النقل)، وقد فقد الأصل بين ما ~~فقد من أوراق الصبا. # والناقد الأدبي المؤرخ الذي يدرس آثار مطران وآثار تلاميذه - ولي الحظ والشرف أن أكون ~~بينهم - يجد أن روحانية هذا المعلم الجبار وقوته الفنية قد تركت في نفوسنا أبعد ~~الآثار، وأننا إنما نتابع رسالته في خطوات معقولة. فما نشوء الشعر المرسل ولا الشعر ~~الحر ولا ما بلغناه من الحركة التحريرية للنظم ولا ما نتناوله من الموضوعات الإنسانية ~~والعالمية إلا الرقي الطبيعي لرسالة مطران، ولا يستطيع مطران نفسه أن ينكر ذلك بل هو ~~يبارك بإخلاص هذه الجهود وإن شاركناه في تقدير ألوان الجمال عند مخالفينا من أصحاب ~~المذاهب الأخرى قوية كانت أم ضعيفة، وهذا التسامح الفني - وإن يكن تسامحا في حدود - هو ~~خلق مطران المعهود، خلق من يفتش عن ألوان الجمال والسليقة الفنية أينما كانت وإن كان له ~~ذوقه الخاص ومذهبه الخاص. # ومنذ استحسن صديقي الأديب حسن الجداوي أن يضم ما يتاح له من الدراسات القيمة لآثاري ~~المنشورة مساعدة على تفهمها، وجدت من كثيرين من الأدباء مشاركة له في هذا الاستحسان، ~~وعلى هذا النسق الأدبي تصدر هذه الطبعة من (أنداء الفجر). وقد كان في مقدمة من استحسن ~~هذا النسق صديقي الشاعر الناثر الدكتور زكي مبارك؛ لأن هذه الدراسات تنقل القارئ إلى ~~الجو الذي يتنفس فيه الشاعر فيتبين عن كثب حقيقة خواطره وعواطفه والعوامل المؤثرة عليه، ~~وحينئذ تستطيع أن تتذوق آثار الشاعر أحسن التذوق. # يقول الأستاذ جارود (أستاذ الشعر في جامعة أكسفورد، في دراسته للشاعر كيتس، سنة 1926) ~~ما خلاصته: إن الشعر الذي يستحق المطالعة ربما لا يطالعه معظمنا بالعناية الواجبة التي ~~قد تجعلنا أهلا للاطلاع عليه. نحن بطبيعة الحال نطالب الشعر بالمتعة، ولكن الشعر كذلك ~~يطالبنا ms44 بالجهد حتى نستمتع به. فقد ألف الناس قراءة الشعر بغير ذلك التأهب الروحي الذي ~~يعد ضروريا في العبادات الأخرى وبغير التنبه الوجداني الحتمي. والناس درجات في تفهم ~~الشعر حتى إن وردزورث قسمهم إلى أربعة أقسام ... وما كانت دراسة الشعر العالي أو نقده ~~بالأمور الهينة، فإن ذلك يتطلب غاية المواهب الفنية ومنتهى الثقافة والدقة حتى يوزن ~~الشعر بمنتهى العناية والأمانة، كما يفحص الصيرفي الجواهر غير مخدوع بمظاهرها الخلابة ~~ولا بصورها المتواضعة ... # ونحن نقرأ الكثير من نقد الشعر في وقتنا هذا مسرورين لاعتبار واحد وهو تنبه الناس ~~إلى أهمية الشعر بين الفنون الجميلة وأثره في تهذيب المدارك وصقل الشعور، وما هذا ~~بالقليل في ترقية الأمة فكريا، ولكننا لا نكاد ننعم النظر في معظم ما ينشر من نقد ~~حتى يتملكنا الأسف الشديد على ما نلحظه من الاستهتار بالدرس والنقد، وعلى تدخل عوامل ~~خارجية (كالحزبية السياسية وما إليها) في الأحكام الأدبية، حتى جرف هذا التيار الغاشم ~~في طريقه غير واحد من مشهوري النقاد، فأصبحنا نرى المتصنعين واللصوص من الشعراء تخلع ~~عليهم ألقاب العبقرية لا لسبب سوى التضليل والحزبية والاعتبارات الشخصية، ونجد غيرهم من ~~الموهوبين ينكر عليهم حتى التشبيه والاستعارة والمجاز والكناية ولو وردت نظائرها في ~~القرآن الكريم وفي أشعار الفحول من المتقدمين مع أنها أدوات فنية لا غنى عنها للشعراء ~~المتعمقين، وتؤخذ عليهم قوة الاندماج والتصوف فيما حولهم من عوالم جليلة ودقيقة، ~~ويمتهنون لتجاوبهم الكوني ولشعورهم بالشعر في كل شيء وبفنية الحياة المختلفة ... ومحال ~~إقناع هؤلاء السادة بأنهم لم يستكملوا بعد أدواتهم النقدية، ومع ذلك يجيزون لأنفسهم أن ~~يعيبوا على الشعراء المطبوعين عدم استكمال أدواتهم الشعرية، ولو استكملوها باطلاعهم ~~وبمرانتهم الطويلة أو بلغوا منها شأوا كبيرا، وأنه لا يكفي لنقد الشعر أن يكون الناقد ~~شاعرا في روحه نزاعا إلى الإنصاف، بل ينبغي أن يكون كذلك واسع الثقافة واقفا على ~~المذاهب الأدبية وعلى أحدث أصول النقد. وبعد كل هذا فالغالب أن يأتي النقد صورة من ~~نفسية الناقد ومن ذوقه وميوله لا من الحق المطلق الذي ms45 لن يتحقق ... فالجزم في الأحكام ~~النقدية أو التعسف إزاء هذا إنما يكون عبثا واستهتارا بالشعر وبالنقد معا. # إن من أولى تعاليم مطران التي تشبعت بها منذ حداثتي وجوب الاطلاع، وقد أكببت على ~~الاطلاع المتواصل منذ نشأتي حتى كنت أقلب «الأغاني» وغيره من أمهات الأدب العربي ~~الميسورة في منتصف العقد الثاني من عمري تقليب المستهام بها، كما أن من أولى تعاليمه ~~ترك التصنع والحذلقة وإرسال النفس على سجيتها ولكن إرسال المستعد المتمكن لا إرسال ~~المستهين المهمل. وقد علقت بهذه المبادئ وطبقتها وترعرعت في نفسي وفي أدبي، فإذا خطوت ~~تحت تأثيرها خطوات جريئة غير مسبوق إليها فلا يعني هذا بتر صلتي بها وإنما يعني بري ~~التام بروحها وغايتها. ولو تدبر الزملاء الناقدون وحاولوا التخلي عن المؤثرات الشخصية ~~ونحوها لما وجدوا في تصرفاتي ونزعاتي الأدبية وفي تصرفات أقراني ونزعاتهم إلا تقدما ~~طبيعيا بتعاليم مطران التجديدية، فالحياة حركة واطراد وأما السكون فهو العدم. # يعتمد الشعر التقليدي وكثير من الشعر الحديث على الاستهواء الموسيقي لتخدير الأعصاب، ~~ذلك التخدير الخفيف الذي يجعل المشاعر قابلة للتأثر برسالة الشاعر أقوى التأثر. ونحن لا ~~نعيب اقتران الشعر بالموسيقى، وكيف نعيب ذلك وقد نظمنا ما نظمنا من المسرحيات الغنائية ~~ومن شعر الغناء وبينما نرى خيرا كثيرا في تزاوج الفنون الجميلة؟ ولكن ما نعيبه هو ~~عبودية الشعر للموسيقى حيثما ينبغي أن تكون للشعر سيادته، فبدل استهواء المشاعر ~~بالأوزان وبالقوافي الرتيبة وحدها، نرى أن الشعر جدير بأن تكون له ذاتيته المستقلة ~~الجميلة المؤثرة، وأن يكون الاستهواء والتأثير الوجداني منه ذاتيا، أي من إيحاء ~~المعاني ومن روعة الخيال، لا من الموسيقى اللفظية أولا وأخيرا. # والشاعر الذي يقول: # الشاعر الساحر من أسكره؟! # من علم الشاعر هذا الشره؟! # عيناك يا روحي ويا نعمتي! # عيناك إلهام الذي صوره! # إلى آخر هذا الشعر الغنائي، وقصائد أخرى كثيرة مثله، لا يشق عليه أن يلتزم هذا ~~الطراز من الأداء الخلاب الرنان، ولكنه يؤثر أن يؤدي رسالة «الشعر بالشعر للشعر» وهي ~~التي يعتبرها مربية للمواهب الشعرية ضامنة لاستقلالها، حتى إذا ms46 ما أراد الشاعر في أي ~~وقت تزاوجها والموسيقى اللفظية كانت رائدة ولم تجئ تابعة، بعكس شعر العامة والشعر ~~البدائي الذي تكون فيه الموسيقى هي الغالبة، وهو الشائع الآن. # ولا أستطيع أن أدعي أن في هذا الديوان شاعرية تفوق ما فيه من موسيقية، ولعل هذا هو سر ~~رضاء أصدقائي المحافظين عنه رضاء خاصا، بعكس دواويني الأخيرة التي تتجلى فيها ~~الشاعرية المسيطرة كل التجلي فتؤثر فورا على النفوس المهيأة لها ولا تتحايل عليها ~~بالإيقاع الرتيب، فهذا الشعر الجديد المتحرر لا يرضى عنه أصدقائي المحافظون. ومن هؤلاء ~~الأصدقاء من يعرف مبلغ عنايتي بنقد نفسي بنفسي بشدة وقسوة، فلا يتورط في اتهامي ~~بالإهمال أو بالعجز عن البيان التقليدي؛ لأنه يعلم علم اليقين مبلغ طواعية اللغة لقلمي ~~نظما ونثرا، وإن لم أقنع أبدا بإنتاجي. ومنهم من لا يعرف ذلك فيتورط ذلك التورط، ~~ويساعد سكوتي وقلة مبالاتي على سريان العدوى إلى النقاد - وحتى إلى أذكيائهم - فيهرفون ~~بما لا يعرفون عن طاقتي البيانية وقدرتي على التعبير، في حين أني لو شئت لجعلت كل ~~شعري في مثل ذلك الأسلوب المدرسي الذي رثيت به المثال مختار فهللوا له طويلا وتمنوا ~~علي الإكثار منه، وقد جاء في استهلاله: # 1 # مناحة الفن! مات الفن والعيد # وماتت اليوم في الجو الأناشيد! # ولو تدبروا وتفهموا لما لجأوا إلى مثل ذلك النقد العجيب، ولحصروا همهم في دراسة ~~مذهبنا الفني في الشعر، معتمدين على القوة الشعرية في ذاتها لاستهواء المشاعر حتى يؤدي ~~الشعر رسالته، من إعزاز الخير وتقديس الجمال، تأدية حرة قوية مستمدة من صميمه، فلا يكون ~~فيها تابعا لفن آخر ... ونتيجة هذا المذهب تقوية المواهب الشعرية إلى درجة بعيدة، فلا ~~نعود نسمع أن الشعر شعر قبل كل شيء، وأن القائل المتوجس: «إني لأسمع صوتا يقطر منه ~~الدم!» هو شاعر شاعر وإن لم تقع ألفاظه في نسق موسيقي، ولا في سلك منظوم وإن لم يعده ~~قومه شاعرا. # وأكرر أني أعد مذهبي هذا هو وحده التطور الطبيعي لمذهب مطران. ومما يؤسف له أن يتصدى ~~لنقدي وللنقد ms47 الأدبي عامة كثيرون ليست لديهم المؤهلات لذلك ولا الموهبة النقدية، ~~وهؤلاء يفسدون بجلبتهم الجو الأدبي ويؤثرون عن طريق الإيحاء النفساني حتى على خاصة ~~النقاد أو على بعضهم أحيانا فيخلطون خلطا في أحكامهم، حتى لا يتورع معظمهم عن الحكم ~~على الأعمال المتزنة بالإسفاف، متناسين أن الأديب الناضج المطاع لا يمكن أن يسف، وإنما ~~تنوع آثاره يوهم الناقد السطحي أن فيها العالي والمتوسط والمنحط، بينما لا تكون إلا ~~صورا مختلفة من الحياة المتنوعة التي يعالجها، فحتم أن تجيء مختلفة البيان والروح ~~والقوة والموسيقى حتى تنسجم وموحياتها وظروفها. ولن يكون النقد لشاعر من الشعراء منصفا ~~- على فرض أهلية الناقد - إلا إذا أخذ جميع آثار الشاعر كوحدة أدبية متماسكة. # وإذا ضربنا صفحا مؤقتا عن الشعراء ونظرنا إلى المصورين أمثال محمد حسن ومحمود سعيد ~~وشعبان زكي، فإننا نجد الأول في تصوير أشخاصه يميل إلى نزعة تصوفية تمثل كنه المرسوم ~~وشخصيته المستترة، بينما يميل الثاني إلى ما سميته بالفن التوكيدي الذي يجعل الصورة ~~كالتمثال المجسم الحي، في حين أن الأخير يحن دائما إلى التعبير التأثري الذي يعطيك في ~~نظرة خاطفة الشمائل البارزة للصورة. ولك ولي أن نختلف على أي من هذه المذاهب أفعل في ~~نفسك وفي نفسي، ولكن ليس لي ولا لك أن نتهم أحدا من هؤلاء الفنانين البارعين بالعجز ~~وأن اختيار هذه الطريقة أو تلك راجع إلى قصور في الأداء بدل رجوعه إلى اختلاف في الذوق ~~الفني، بل الأولى بي وبك أن نتفهم رسالة كل منهم في تقدير واحترام وإن لم تجتذبنا إلا ~~إحداها، فكل منهم أستاذ لمدرسته. وهذه الروح السليمة هي التي ما تزال تنقص نقاد الأدب ~~عندنا لتضع حدا لأحكامهم المدهشة ولشططهم وتهورهم. # يقول أستاذي مطران في تصدير (ديوان الخليل): «قال بعض المتعنتين الجامدين من ~~المتنطسين الناقدين: إن هذا شعر عصري، وهموا بالابتسام، توهم أن من بوارق أسرتهم ما ~~يكون أشد من وقع السهام. فيا هؤلاء، نعم، هذا شعر عصري وفخره أنه عصري وله على سابق ~~الشعر مزية زمانه على سالف الدهر. هذا ms48 شعر ليس ناظمه بعبده، ولا تحمله ضرورات الوزن أو ~~القافية على غير قصده، يقال فيه المعنى الصحيح باللفظ الفصيح، ولا ينظر قائله إلى جمال ~~البيت المفرد ولو أنكر جاره وشاتم أخاه ودابر المطلع وقاطع المقطع وخالف الختام، بل ~~ينظر إلى جمال البيت في ذاته وفي موضعه وإلى جملة القصيدة في تركيبها وفي ترتيبها، وفي ~~تناسق معانيها وتوافقها، مع ندور التصور وغرابة الموضوع ومطابقة كل ذلك للحقيقة ~~وشفوفه عن الشعور الحر وتحري دقة الوصف واستيفائه فيه على قدر ... على أنني أصرح غير هائب ~~أن شعر هذه الطريقة - ولا أعني منظوماتي الضعيفة - هو شعر المستقبل لأنه شعر الحياة ~~والحقيقة والخيال جميعا.» # وقد سمعت من أستاذي مطران في مدى السنين الطويلة التي نعمت فيها بصداقته وأستاذيته ~~الكثير من الشواهد والتفاسير لهذا المذهب الذي تعلقت به نفسي منذ نعومة أظفاري وعملت ~~تدريجيا على التوسع فيه توسع النشوء والارتقاء عن طبع موات، متابعا نضوج سني ونمو ~~ثقافتي وازدياد تجاريبي وتأملاتي، فتطورت لغتي كما تطور العصر الذي نعيش فيه، وتطورت ~~نفسيتي التي أحبت وتعذبت وساحت وجربت، وتطورت تبعا لذلك أخيلتي وتعابيري ومثلي ~~العليا. مثال ذلك تجاوبي والطبيعة، فقد كان ذلك محدودا في ديواني الأول، تقليدي ~~العبارة غالبا، ولكنه لم يكن تقليدي النزعة بل مستمدا من الحياة ذاتها كما في قصيدتي ~~«أنفاس الخزامى» (ص49)، فإني نشأت أحب هذه الأزهار وأحب النحل التي شغفت بها منذ سنة ~~1910 ولاحظت افتتان النحل بها، ثم تبينت من أستاذي في علم النبات أنها أزهار مصرية ~~صميمة فازداد إعجابي بها. وفي القصيدة المذكورة بعض التطلع إلى المعنويات ولكنها لا ~~تقارن بقصيدتي «حلم الفراشة» (ص77 من ديوان «الينبوع») التي أقول فيها: # تطير إلى الزهر في خفة # لتمتص منها الرحيق الشهي # وما تتمنى سوى زهرة # تبادلها لونها القرمزي # تحوم عليها وتنشق منها # جميل الشذى، فالشذى نفسها # وتأبى التحول في النور عنها # فإحساس زهرتها حسها # كأنا بزهرتها أصبحت # فراشتنا الحلوة العاثره # وتلك الفراشة حين انتشت # على النور زهرتها الطائره # تبادلتا ما لكلتيهما # من الحظ والصورة ms49 الفاتنه # فصان التبادل نفسيهما # وعاشا به عيشة آمنه! ~~••• # كذلك تحلم في لهوها # فراشتنا الحرة الباسمه # فدعها تغازل في وهمها # خيالات ساعاتها الحالمه # فهذه الأبيات هي وليدة الطبيعة التي أعشقها والتي تلقيت عن مطران كما تلقيت عن صميم ~~وجداني إيماني بها. وهي متحررة في أسلوبها، عصرية الألفاظ، آخذة بأيسر وأصدق مذاهب ~~البيان، ولكنها إلى جانب ذلك قوية الخيال مندمجة كل الاندماج في الطبيعة. وليس تشبيه ~~الزهرة بالفراشة بالتشبيه المستحدث، فهو شائع في الأدب العالمي، ولكن هذه الصورة ~~المركبة المتشعبة الدقيقة بأخيلتها ومعانيها هي صورتي، ولا يمكن أن يكون لغيري أي نصيب ~~فيها، لأنها من صنع نفسي وخيالي وعبادتي للطبيعة ومن توليد شاعريتي الحرة. وأنا أدين في ~~كل هذا لمطران، فقد غرس في نفسي حب الاطلاع على سفر الطبيعة، إلى جانب اطلاعي العام ~~الذي شمل مئات الكتب والمراجع في ثلاثين عاما سلختها محبتي للأدب من حياتي، كما غرس في ~~نفسي الاعتداد الفني الذي يزجيني بعد كل هذا إلى إرسال شعري على سجيتي. # وقد تعلمت من مطران احترام المذاهب الأدبية المختلفة واحترام النقد، مهما حق لي أن ~~أتشبث بآرائي الخاصة، فإن الأعمال الأدبية بعد إنتاجها ملك للجمهور، والجمهور حر في أن ~~يقبل عليها أو لا يقبل، والطبائع الإنسانية جد مختلفة، وللنقاد كل الحق في حرية النقد ~~فيجب احترام حريتهم كما نطالبهم باحترام حرية المؤلفين، ولا يجوز أن يعدو نقاشهم البحث ~~الأدبي المحض الذي يستفيد منه الأدب، لا أن يكون لونا من الملاكمة التي تخالف أدب ~~النفس. ولعلي وفقت في حياتي الأدبية إلى تطبيق تعاليمه هذه، وإن تعصب لي في مواقف ~~كثيرة من تعصب من أصدقاء ومريدين. # ولا شك في أن نفسية مطران المتسامحة المستوعبة هي التي ألهمتني حب الجمال على اختلاف ~~صوره وكراهية الفردية ورغبتي الملحة في التفتيش عن مواطن الحسن في كل ما أقرأ من نثر ~~ونظم. فمذهب الفردية في الأدب لم يؤمن به مطران بل كان ضده دائما، وكذلك كنت وما زلت ~~ضده كما تدل كتاباتي الكثيرة وأحدثها كتاباتي في مجلة ms50 (أپولو)، واحترام الغير وبغض ~~الإباحية هو في نظرنا كاحترام النفس والحرص على الكرامة سواء بسواء، فاعتدادنا بمذهبنا ~~الأدبي وإنتاجنا لا ينافي تقدير مجهودات من يخالفنا مذهبا ولا يسيغ إباحتها ~~والاستهتار بها. ولذلك أنحى مطران كما أنحيت على من يختطفون خواطر شعراء الفرنجة وغيرهم ~~في غير تورع، بل في انتقاص لمن ينقلون عنهم ... فلكل شاعر أن يطلع، بل عليه أن يطلع، ~~وأن يهضم ما يطالعه، وأن يتأثر بمن يعجب بهم، ولكن عليه بعد هذا أن لا يسقط شخصيته، ~~وعليه أن يرسل نفسه على سجيتها، وأن يعترف بفضل من تأثر بهم حيثما وجدت المناسبات، ~~وتبعا لذلك كانت إشارتي إلى الشاعر جبرائيل سيتون وإن كنت لا أذكر الآن مبلغ تأثري ~~بشعره عندما نظمت أبيات موسيقى الوجود (ص64) فإني لم أهتد إلى قصيدته المشار ~~إليها. # وإذا أخذنا على سبيل المثال الشاعر الروسي بوشكين حامل جائزة نوبل في الآداب فلا جدال ~~في أنه تأثر بشعراء كثيرين من شعراء الغرب كما تأثر شكسبير في إنجلترا وجيته في ~~ألمانيا، بل وعباقرة الشعراء في أنحاء العالم، ولكن تغلبت شخصياتهم على أعمالهم في ~~النهاية، وهذا ما اعترف به دستويفسكي في رسالته عن الشاعر بوشكين. ولقد تأثرت بمطران ~~وشوقي وحافظ ومحرم والرافعي في نواح مختلفة، ولم أنكر مرة فضل هؤلاء الأعلام، حتى في ~~الوقت الذي ثارت ثائرة المدرسة الشوقية على الشعراء المجددين ونالني الكثير من لفحات ~~نيرانها، فإني أبيت إباء مجاراة أصدقائي الذين تعصبوا لي أشد التعصب ... فإذا تجلت ~~شخصيتي وازداد تجليها وسيطرتها التامة على عناصر شعري وقد دانيت منتصف العقد الخامس من ~~عمري فليس في ذلك بدعة، بل لي كل الحق في التمكين لمذهبي الحر الذي أعتبره متفرعا على ~~مذهب مطران أو صورة منه هي صورة الرومانطيقية الشاملة. # يذكر بالخير لسانت بيف انتصافه للشاعر الوجداني ألفريد دي موسيه من زميله ومنافسه ~~الشاعر الشهير لامارتين، وهو انتصاف قوامه الشجاعة الأدبية الجمة. وكم بودي أن أرى ~~مثاله متكررا أمامنا، فتنصف مواهب شعراء الشباب بدل هذه الغيرة الحمقاء التي نراها من ~~بعض ms51 الكهول والشيوخ شعراء ونقادا. وروح الإنصاف هذه ملموسة عند مطران، ولولاها لما ~~أنصف مثلي في دوائر الخاصة على الأقل، فهذا فضل آخر لمطران كان له أثره البهيج في ~~شعري بقدر ما كان لجحود البيئة عامة من آثار أخرى في شعري الثائر. # الشخصية الفنية الحرة - بل حسبي أن أقول الشخصية الفنية - هي أهم ما يقدسه مطران، وهي ~~ما تعودت أن أقدسه في ذاتي وفي غيري صديقا كان أم خصيما، وما أعرف إلا الخصومة ~~البريئة: خصومة التفكير، وأما ما عداها فليس أهلا لأن يعد خصومة، بل هو ما يزدرى ~~وينسى. وهذه الشخصية الحرة هي روح شعري، وآبى أن ينكر علي استحقاق حريته، فقد عشت وما ~~زلت أعيش تلميذا على الطبيعة وعلى الثقافة الإنسانية، أجمع بين الاعتداد بنفسي وبين ~~نهم الفنان الذي لا يرضى عما بلغ من مستوى فني ولا تنتهي مطامحه، فهو يتشبث بمذهبه ~~وباعتداده وبكرامته، ولكنه في الوقت ذاته يعزف عن التصنع الشائع وعن الادعاء الباطل وعن ~~الكبرياء السخيفة، فهذه ألوان من التزوير التي تعادي روح الأدب الصميم، وما ابتلي أحد ~~بها إلا كان شرا على الأدب والأدباء. وما ترجع المعارك الدامية المشبوبة الآن بين ~~الأدباء عامة إلا إلى هذا الطراز من المتصنعين والأدعياء، بلغت ما بلغت مكانتهم وذكاؤهم ~~وآثارهم، ومعظمهم ممن انغمسوا في السياسة انغماسا طغى على ضمائرهم وعلى موازينهم ~~الأدبية. # وصفوة القول إن أثر مطران في شعري هو أثر عميق لأنه يرجع إلى طفولتي الأدبية ويصاحبني ~~في جميع أدوار حياتي، وإذا كان استقلالي الأدبي متجليا الآن في أعمالي فهو في الوقت ~~ذاته يمثل الاطراد الطبيعي للتعاليم الفنية التي تشربتها نفسي الصبية من ذلك الأستاذ ~~العظيم، وما زالت تحرص عليها نفسي الكهلة الوفية ناظرة إلى آثار الصبا وإلى معلمي ~~الأول بحنان عميق هو أشبه الشعور بالتقديس والعبادة. ms52