######OpenITI# #META# URI: 1374AhmadZakiAbuShadi.CibratTarikh.Hindawi80272839 #META# Tags: novels #META# ID: 80272839 #META# Title: عبرة التاريخ #META# AuthorID: 63709470 #META# Author: أحمد زكي أبو شادي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # إهداء الرواية‏ # شيء عن المهدى إليه1‏ # تمهيد‏ # 1 - كوبريلي أحمد باشا‏ # 2 - الديت‏ # 3 - البولاندية الحسناء‏ # 4 - كامنياك‏ # 5 - جوقزين ولمبرج‏ # 6 - زراونو ومعاهدتها‏ # 7 - في وارسو‏ # 8 - الانتخاب (سعادة الأمة بعدل الأمير)‏ # التقسيم الأخير‏ # مقدمة‏ # إهداء الرواية‏ # شيء عن المهدى إليه1‏ # تمهيد‏ # 1 - كوبريلي أحمد باشا‏ # 2 - الديت‏ # 3 - البولاندية الحسناء‏ # 4 - كامنياك‏ # 5 - جوقزين ولمبرج‏ # 6 - زراونو ومعاهدتها‏ # 7 - في وارسو‏ # 8 - الانتخاب (سعادة الأمة بعدل الأمير)‏ # التقسيم الأخير‏ # | عبرة التاريخ # | عبرة التاريخ # تأليف # أحمد زكي أبو شادي # | مقدمة # إلى عشاق العدل والوطنية، ومحبي الإنصاف والمساواة، إلى الباكين على مصائب الأمم، ~~وكارثات الشعوب، أزف روايتي الأولى التي تبحث في أحوال بولاندا في القرن السابع عشر، ~~وكيف قام أبراشياؤها بها فدافع وانتصر، بل كيف يكون الاتحاد ومبلغه، والتآزر ~~وقوته. # ومن ثم؛ كيف قسمت تلك المملكة المسكينة بين روسيا وألمانيا والنمسا؟ وكيف يتعدى ~~الإنسان على أخيه الإنسان فيسلبه أغلى شيء لديه وهو حريته؟! # تلك روايتي، أول ما أخرجته فكرتي، تركتها بلا تهذيب لتكون تذكارا لي من أيام صغري ~~إذا ما بلغت يوما ما مبلغ الرجال، وهو جل ما أريده وتتمناه نفسي. # فعذرا أيها القوم الكرام إن مرت عليكم بعض الغلطات، والعذر عند كرام الناس ~~مقبول. # المؤلف # | إهداء الرواية # إلى روح مؤلف حماة الإسلام، وأحلام الأحلام، أهدي روايتي وأول ما أخرجته ~~فكرتي. # إلى تلك الروح التي اختفت خلف ستار الأبدية أقدمها - فإذا ما نظرت إلي فهذه أفكاري ~~دليلي على نفسي، وأنا ما تعودت إلا أن أكتب ما أعتقد. # المؤلف # مصطفى نجيب بك (الكاتب المشهور) # تبدو عليك مخايل العظماء # وتلوح فوقك صورة الحكماء # لله درك والهدى بك مغرم # كيف اصطبرت على هوى وعناء # أحمد زكي أبو شادي # | شيء عن المهدى إليه1 # لا أصعب وأقسى على نفس الأديب من أن ينعى إليه إمام من أئمة العلم وأستاذ من أساتذة ~~الإنشاء واللغة، سيما إذا كان المنعي ممن نصبوا فكرهم على إيضاح الحقيقة وتجليتها في أجلى ~~المظاهر، واقفا قلبه على البحث واستقراء مصادر العلل ms01 الاجتماعية ومداواتها بأنجع الوسائل، ~~ومعدا ما هو معد من الخير الجزيل والنصح الغالي لأمته في طيات أسفاره التي ينتظر من ~~المستقبل أن يعاونه في إخراجها إلى أيدي المطالعين فتنشب فيه المنية أظفارها، وتغدو صروح ~~آماله كأنها بنيت على شفير هار. # هكذا كان شأن فقيد النثر والنظم المغفور له مصطفى نجيب بك فلقد ألف ثمانية مؤلفات ~~نفيسة، وأخذ يشتغل في تأليف غيرها، وكان عاقدا نيته على أن يتولى طبعها بعد انقضاء سنتين ~~من ذلك الحين، ولكن حل به القدر المحتوم؛ فترك تلك الآثار يعبث بها الدهر بعد أن كان يضن ~~بها، وقد بيع بعد وفاته كل ما كان في مكتبته من كتب نافعة، ومؤلفات غزيرة بالمواد العلمية ~~النادرة، فوصل إلى أهل النبل والفضل؛ أمثال أحمد تيمور بك من علماء القاهرة قليل منها، ~~ولا سيما ما أنشأه وألفه، وانتهت جلها إلى أيدي أفراد تهاونوا بها، ولم يراعوا حرمة الأدب؛ ~~فنشروا بعضها - كما بلغني - ونسب إليهم. # ولم أقف في أوراقي على شيء دبجته يراعته سوى بعض ملاحظات استعان بها على تأليف كتاب يبحث ~~في تاريخ الآثار بمصر، واسمه: «الخرائب والأطلال المصرية»، وآخر في «حسنات المدنية ~~الإسلامية» غير أنها متفرقة وإن تكن تدل على قدرة الكاتب وليست سهلة التناول أو قريبة ~~المأخذ، بل يعسر عليك ترتيبها ومعرفة قصد الكاتب من بعضها والعلاقة التي تربطها بما يسبقها ~~أو يليها. # هذا ما لحق بمصنفات ذلك المنشئ المبدع بعد أن سكن القبر وجاور الترب، ولقد كان شاعرا ~~ضليعا وأديبا قادرا على خلب الألباب والعقول بسحر مقاله؛ يجيد الشعر ولا يكثر منه، وإذا ~~حرك قلمه بين أنامله فما يكتب إلا حكمة كهلة، ولا يسطر غير الحق الصريح. # وإذا رمت أن أصف لك خلقه ذكرت لك الكرم والمروءة والغيرة على الشرف والوطنية الصادقة ~~والولاء الخالص والوفاء بأكمل المعاني، غير أنه كان متلافا للمال، لا يحسب غالبا حساب ~~العواقب، ولذلك ما كان ليبقي لخلفه شيئا من الثروة مع أنه كان يتناول من عرق جبينه ما يسد ~~هذه الثلمة دون عناء ms02 أو مشقة. # وإني أقتصر للقارئ في هذا الموضع على ما ذكرته الصحف يوم وفاته بمدينة الإسكندرية، وأنقل ~~من بينها ما نشره اللواء الأغر يوم الثلاثاء 18 جمادى الأولى سنة 1319 هجرية. # امتدت يد المنون إلى عرش الفضل، فانتزعت منه أميرا من أمراء الكلام، ومليكا من ملوك ~~الكتابة، ملك رق النفوس بعبارة بيانه، وتصرف فيها ببراعة بنانه، حتى كأن قلمه إذا جرى على ~~الطرس جرى بقدر مقدور لا تتعدى محتومة في مآخذها ومتاركها، فكنت تراها إن صر استمعت وأنصتت، ~~فإن وعظ اتعظت، وإن زجر ازدجرت، وإن استفزها لمكرمة فزت، وإن هزها لمحمدة اهتزت، هو كاتب ~~تلك الرسائل التي كان ينشرها «اللواء» تارة بتوقيع «الواعظ» وطورا بتوقيع «حاذق»، هو ~~المرحوم مصطفى بك نجيب وكيل قسم الإدارة بنظارة الداخلية. # فقدنا منه طبيبا من أطباء أمراض الأمم، وآسيا من أساة كلومها، كان - رحمه الله - يرى ~~أن خير الدواء لأعضل الأدواء تذكير النفوس بجلال ماضيها لتنتعش أرواحها، وتفكيرها بشرف ~~أصولها وطول منابتها وكرم أعراقها؛ ليجري دم الخير في عروقها، فتتماثل من خمولها، وإيقافها ~~على مجد أسلافها وشرفهم لترفع رأسها، وإحاطتها بما كان لآبائها وأجدادها من نفوس للمعالي ~~عاشقة، وهمم في السمو راغبة، وعزائم في طلب السعادة والسيادة ماضية؛ لتحمي حميتها، وتهم ~~همتها، فتنشط من عقالها وإرشادها إلى الصراط السوي الذي نهجوه، ونقتفي آثارهم فيه؛ فتبلغ من ~~الغاية ما بلغوه؛ هو المؤلف في هذا المقام لكتاب «حماة الإسلام». # عدمنا منه عالما من كبار علماء الأخلاق، عارفا بما يصلحها من فسادها، ويقومها من ~~اعوجاجها، عاملا لما يؤصل فيها الفضائل، ويستأصل منها الرذائل، هو الذي شغله انحراف أخلاق ~~المصريين حتى في المنام، واشتغل بتدبير ما يقومها حتى في الأحلام، ووضع في ذلك «أحلام ~~الأحلام». # فقدنا منه مؤرخا عليما بتقلبات الدهور على الأجيال، وتصرفات الأيام وحسناتها وسيئاتها ~~على الأنام، وله في ذلك أثر حفظه صدر (اللواء) وصانته حوافظ القراء عنوانه: «وداع القرن ~~التاسع عشر واستقبال القرن العشرين»، ولقد كان - رحمه الله - مشتغلا بتأليف كتاب في تاريخ ~~محمد علي باشا؛ ms03 يتوج به قرنا مضى على حكم مصر وإحيائه لما اندرس من معالمها، وكان عهد إلى ~~بعض إخوانه مهمة الحصول على بعض أمور تتعلق بعمله هذا في غير هذه البلاد، وعين له مواضعها ~~ومظان وجودها من «الكتبخانات»، ولقد قام له هذا الصديق بهذه المهمة، وعثر بجميع ما كلفه ~~بالحصول عليه، وترجمه، وأراد تقديمه إليه؛ فوجده يودع الحياة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ~~فبقيت تلك الآثار في ظرفها المختوم. # وافته المنون - رضوان الله عليه - وهو بين دفتر يناجيه، وقلم يسيره، وطرس يحبره؛ فلقد بعث ~~إلينا بعض رسائل قبل وفاته بيومين اثنين بقصد نشرها، ومنها رسالة عنوانها: «نظرة في بلاد ~~العرب» سننشرها غدا إن شاء الله. # توفي - رحمة الله عليه - عقب علة في الفؤاد لازمته الزمن المديد، ولم ينجح فيها طب ~~الطبيب، فمات في سن الخامسة والأربعين، وله من الخلف الصالح ولدان؛ أكبرهما في السادسة من ~~العمر، وفيه من مخايل أبيه الذكاء النادر، والفطنة الباهرة. # منتخبات من قلمه # قال يصف حاكي الصدى: # مثال القوة الناطقة، من غير إرادة سابقة، يقتطف الألفاظ اقتطافا، ويختطف ~~الصوت اختطافا، مطبعة الأصوات، ومرآة الكلمات، ينقل الكلام من ناحية إلى ~~ناحية، نقل كلام عمر - رضي الله عنه - إلى سارية، أشد من الصدى في فعله، في ~~إعادة الصوت على أصله، كأنه الحرف عن يد الطابع، والوتر عن يد الضارب، والقصب ~~عن فم القاصب، يحفظ الكلام ولا يبيده، ومتى استعدته منه يعيده من غير أن يبقي ~~لفظا في صدره، أو يكتم شيئا من أمره، كأنما حفظ الوديعة، في نفس طبيعة، فلو ~~تقدم له الوجود في مرتبة الزمن لما احتجنا في الأخبار إلى عنعنة، ولا في ~~الدعاوى إلى بينة، بل كان يسمعنا كلام السيد المسيح في المهد، وصوت عازر من ~~اللحد، وكانت استودعته الفلاسفة حكمتهم، وأنشدوه كلمتهم، فرأينا به غرائب ~~اليونان وبدائع الرومان، وربما سمعنا خطب سحبان، وشعر سيدنا حسان؛ بذلك اللسان، ~~وأصبح وجود الإنسان غير محدود بزمن من الأزمان، لله دره من تلميذ يستوعب ما عند ~~المعلم ويستخلصه في لحظة، ms04 معيدا لقوله، ناقلا صوته ولفظه. # لقد وجدت مكان القول ذا سعة # فإن وجدت لسانا قائلا فقل # نديم ليس فيه هفوة النديم ، وسمير لا ينسب إليه تقصير، تسكته وتستعيده، وتذمه ~~وتستجيده، وتنقصه وتستزيده، وهو في كل هذه الأحوال راض بما يقال، لا يكل من تحديث، ~~ولا يمل من حديث، نمام كما ينم لك ينم عليك، وينقل لغيرك كما ينقل إليك، فهو المصور ~~لكل فن، المتكلم بكل لغة، المحدث عن كل إنسان، المؤرخ لكل زمان، الشاعر الناثر، ~~المغني العازف؛ لا تعجزه العبارة، ولا يجهده الأداء، ولا يضره اختلاف شكل ولا تباين ~~أصل، بل تعدت شدة حفظه البشرية من اللغات إلى حفظ أصوات العجماوات، إلى حركة اصطكاك ~~الجمادات. # فيا لله من أيهما نعجب! ولأيهما نطرب! أمن حاكى الصدى وقد نقل صوتنا كما نطقنا؟ أم من ~~شقيقه المصور الشمسي إذ ينقل صورتنا كما خلقنا فنرى من في أقصى أقطار الأرض ~~وكلانا عن مكانه لم يتحول؟! ويسمعنا حديثه المعنعن ونسمعه حديثنا المسلسل. # وله من رسالة يصف نظاره ويشكر من أهداها: # ورد الكتاب المطرز بحلي الكرم، المحلى بجميل النعم، واستلمت الهدية؛ فسلمت ~~يد أهدتها، وحفظت السجايا التي لمحاسن الأعمال هدتها، ودامت رحاب لمثل هذه ~~الحسنات فيها مجال، وللمحسنات بهاء وجمال، وللآمال محط ورحال، وللمقاصد ~~كعبة إقبال، وطابت نفس تعالى الله أن تماثلها نفس عصام؛ # 2 # فإنها نسخت آية الكرم والإقدام # 3 # بآية الجود والإكرام، وفعلت في القلوب بالعطاء والنوال # 4 # ما قصرت عنه الرماح الطوال، وتأملتها فأرتني ما لا عين رأت، رأت ~~وأظهرت من محاسن المناظر ما أعمرت، وقربت كل منظور بعيد، وتلت: # فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم ~~حديد # وصفا وقتي بصفائها، فلم أشته شيئا إلا جمعت بينه وبيني، ~~وصح علينا قول القائل: (رأيت بعينها ورأت بعيني) ثم سرحت نظري في الإطلاق ~~والرسوم، حتى نظرت نظرة في النجوم، فلم تخف عني شجرا ولا مدرا ولا نجما ~~ولا قمرا: # يزيدك وجهها حسنا # إذا ما زدته نظرا # ببهاء يخيل لي أنها صيغت من ضياء، فلا عيب فيها غير ms05 أني نظرت بها في سماء ~~فضلك الباهر، وافق شرفك الطاهر. فلم ينكشف لي بها لجودك آخر، لا زال كرمك ~~بعيدا حده على كل ناظر وباصر، وفضل مناهلك غاية تقصدها الأوائل ~~والأواخر. # وكتب يرثي صديقه عبده الحمولي، وكان مشهورا بكرمه ووفائه ورقة شمائله، وعن ذلك يروي ~~المتأدبون قصصا لطيفة تدل على شهامة النفس التي كانت لذلك الرجل، قال الفقيد: # مني على عهد السرور سلام # فقد انطوت بجماله الأيام # وتقطعت أسباب كل لذاذة # وانحل من عقد الصفاء نظام # نعي أتى شق المرائر بأسه # وتحيرت في هوله الأحلام # جنت المنية في الذي نختاره # فالشجو باد والهموم لزام # أودى الزمان بمفرد قد كان في # مهج الأنام له هوى وهيام # وإذا المنية أجهزت أجنادها # مضت الضريبة والحتوف قيام # لهفي على نفس يقصر كفها # عن كف كأس الموت وهو زؤام # وأراك في أمل كرقدة حالم # حسن اليقين تعودك الأوهام # لهفي عليك مؤملا قد خانه # أمل وغير حاله استسلام # وثويت في لحد وقبل حلوله # لم تلق ليلا قد عراه قتام # يا طالما ناديت دعوة واله ~~(يا ليل) من كيد بها إضرام # لو أحسن الليل المكافأة ازدهى # بالبدر وهو بضوئه بسام # فنخال أن الليل قد سمع الندا # وقد استطال على الصباح ظلام # فإذا شدا بالأوج خلق ساميا # وغدا له فوق السماك مقام # نغماته مقرونة بصوابها # سيان فيها مبدأ وختام # تحيي المويسيقى الفؤاد لأنها # لغة النفوس حروفها الأنغام # وأدق من وزن القريض وزانها # أبدا فلا قطع ولا إصلام # إذ ربما قد كان ملك قيادها # بيديه وهو بأمرها قوام # إن أفهم الأرواح سر خطابها # تتنعم الأرواح والأفهام # يبكي الشجي ويقدم البطل الكم # ي على القتال وحبذا الإقدام # قد ضم شتى من أغانيك التي # في أسرها الأفكار والأوهام # ذياكم الحاكي الذي حفظ الصدى # كالصك إذ حفظت به الأقلام # خليته جدثا عليك وأنت في # جنبيه حي لم يرعك حمام # أودى فأودع كل شاد حسرة # لما ترحل ظاعنا وأقاموا # كدرت في عيني السرور فصار لي # في كل مشهد بهجة إيلام # فاعجب لحزن في ms06 مقام مسرة # واعجب لحرب والزمان سلام # أيقنت أن الدهر بعدك قد عفا # والدار خلو والزمان عقام # ولقد أسنت مصر بعد شبابها # ونتاجها وأصابها الإعقام # مني على تلك الليالي لوعة # فسلوهن على المحب حرام # من كان يدرك أنسها ونعيمها # وبكى لها أسفا فليس يلام # كانت مدينة «مصر» ربعا آهلا # بك حيث تمرح والزمان غلام # في دولة خدم السعود ركابها # وله عليها ذمة وذمام # كانت شموسا للهناء منيرة # فيها معالم للسرور تقام # أفلت وكنت سنا شعاع سرورها # دوما وأنى للشعاع دوام # وطوت نضارتك المنية مثل ما # يطوى بأيدي القاصرات لثام # عبثت بك الأيام حتى أنها # لو أدركت لرثت لك الأيام # إن التي فتكت بروحك قسوة # قدما شكاها بلبل وحمام # لم يستمع فيك البكاء بمصرنا # إلا بكاك عراقها والشام # من للدفين بأن يفرج لحده # ويرى الذي فعلت بنا الآلام # ويرى الديار ومن بها في أنسهم # سهر النواظر والعقول نيام # وكتب: # إن الحكيم الذي ينصب نفسه لتربية الأمة يجب عليه أن يدخل بها في كثير من ~~أبواب الرياضات ويريضها على صنوف من مكارم الأخلاق ليتحقق من استعدادها الفطري ~~ويظهر له الوجه الذي تصبو إليه، والموطن الذي تألفه، والمقصد الذي تتوجه إليه، ~~حتى إذا دعاها الولوج معه من ذلك الباب الذي رآه صالحا لها لبته لأنه أصبح هو ~~وشوقها عليها. # وقد رأينا أن الذين نصبوا أنفسهم لوعظ أمتنا هذه ونصيحتها قد قلبوها على أوجه ~~كثيرة من التربية والتهذيب فأخذوها بالرفق والدعوة للخير، ثم واجهوها بالزجر ~~والإعنات وضربوا لها الأمثال، وحذروها عواقب ما هي فيه، ودعوها إلى محاذاة ~~الأمم ومجاراتها، وأهاجوا فيها نار الغيرة، وقدحوا لها زند الشوق لكل فضيلة، ثم ~~رأينا ورأوا أنهم على طول هذا الزمان لم يصلوا إلى كل ما أرادوا، بل قصرت بهم ~~النتائج عن كثير من المبادئ الشريفة التي نهجوها وأرادوها. # تحقق لهم أنهم كلما اجتهدوا فسدوا عليها بابا من أبواب الشر فتح أهل الشر ~~عليها أبوابا من المفاسد ولم يأمن فيها العثور، ومزلة القدم، والحيد عن جادة ~~الصدق، إلا قليلهم. ms07 # ظهر لهم أن الأمة لم يكن لها نقطة وسط ترتكز عليها، بل هي في مهب ريح الأغراض ~~سائرة مع كل قائد، وعلى الخصوص لو عزز الداعي لها دعوته بالبهتان الذي أصبح ~~منطليا على أكثرها، فما أسرع أن تلبيه إذا دعاها، وتضافره إذا سألها. # ثبت لهم أن في الأمة عددا عظيما نسوا ملتهم ودينهم ووطنهم، بل نسوا الله ~~فأنساهم أنفسهم، فلا بد لهم من مذكر يقرع أسماعهم بصوت آخر يكون له في القلوب ~~رنة، وفي النفوس صدى يبعث فيها ميت الهمة. # تبين لهم أن في حواس الأمة خدرا جعلها لا تتأثر لمصابها، كصاحب العاهة الذي ~~تعيره الصبيان بها فيتألم منهم في أول أمره حتى يضرب قريبهم، ويشتم بعيدهم، ~~ريثما يعرف أن الناس تسامعت بعاهته واشتهر بها فيسكن ويضحك على نفسه كما تضحك ~~الناس منه. # ولا عجب في هذا؛ لأن فقدان الفضائل وارتكاب أضدادها وسلوك الطرق المبتدعة، ~~وانتقاض الأخلاق، ونسيان العوائد الجميلة، والإفراط في أسباب الحضارة من الرياش ~~والترف، والتناهي في عدم القناعة، بدل الخلق من أصله، وحول العالم بأسره، ~~وكأنما خلق جديد، ونشأة مستأنفة وعالم محدث. # نعم يجب على الناصح أن ينادي في الأمة بذلك الصوت من غير أن يدعوه حالها ~~لليأس، أو يسد عليه باب الأمل، أو يقطع عنه طريق الخير، أو يمانعه في وصول ~~النفع، فإن أبواب الصلاة لا تحصى ولا تستقصى يعرفها الناصح الأمين، والواعظ ~~المشفق يرجو بها تحقيق الخير والنفع إن شاء الله. # وإن من أبواب التربية التي لم تقرع، وطرقها الجسيمة التي لم تسلك، وشرعها ~~الغزيرة التي لم تقصد، دعوة الأمة للنظر في ماضي أمرها وأولية شأنها؛ لتعلم من ~~هي، عساها تخجل من أن تكون خاتمة سوء لذلك المفتتح الشريف، عساها تأسف على ~~حالها من كونها أصبحت بمنزلة السفيه ولي ملكا فلم يحسن سياسته، ورزق سعة ~~من المال فلم يدبر أمر تنميته. # هذا الباب من أحسن الأبواب التي تثقف أفكار الأمة، وأقرب ما تتربى على خيرة ~~طباعها، فإن تذكارها بمجدها القديم، وتمثيل عزها السالف لها، وتشخيص ms08 مجدها ~~الشامخ أمام عيونها يدعوها - بلا شك - للتنافس بخلالها الحميدة السابقة. # أحسن رادع للإنسان عن شهواته أن يلتفت وراءه؛ فيرى في أمته وملته العلماء ~~والحكماء والعظماء والحكام والقواد عاشوا ولا شغل لهم إلا مجدا أقاموه، وعزا ~~شادوه، وشرفا حفظوه وأكبر مسهل له لاحتماله الضيم والذل: جهله بحالة نفسه، ~~ونسيانه مجد آبائه وأجداده، حتى تسترت عنه كرامة أخلاقهم، وتحجب عنه جميل ~~طباعهم، ولم يذكره مذكر بسابق أعمالهم الشريفة: أنه لا يأنف أبدا من إتيان ~~الدنيئة، وعمل كل ما يخالف تلك الطباع الجميلة والأخلاق الطاهرة. # لذلك ترى الدهاة من الفاتحين - خصوصا رجال الممالك الغربية الآن الذين لا ~~يغفلون عن تجربة ولا يغضون عن فرصة - إذا فتحوا بلدة إسلامية أو احتلوها تسلطوا ~~على أهلها فأنسوهم دينهم وعوائدهم ولغتهم وتاريخ حياتهم ومجدهم، واستبدلوهم ~~بذلك شيئا آخر، فتراهم إذا نسوا تاريخ حياتهم وأشربوا في قلوبهم تاريخ حياة ~~غيرهم، ذهب كل فريق منهم بما اشتهى، وشبت النفوس على ما سبقت إليه، وبدت على ~~الأمة أخلاق منكرة مبتكرة بعوائد غربية لا تنسب بالمرة لسوابق عوائدها، وتقربوا ~~من تلك الأمم الطارئين بكل طريقة، وابتعدوا عن ذلك الأصل الشريف الذي هم ~~منه. # ثم يتبع ذلك تقلص ظل الدولة الحاكمة، وفل حدها، ووهن سلطانها، وتتداعى ~~للتلاشي والاضمحلال، وينتقص من عمرانها، ويندرس من سبلها ومعالمها، بمقدار ~~انحراف رعيتها عن عوائدها الشريفة. # ثم تتناهى الأمة في الفجور، وتتفانى في البغي والضلال حتى تعود باللائمة على ~~أصل دينها وعوائدها وأخلاقها، تقول - وهي لا تستحي من الله ولا من الخلق ولا من ~~نفسها - إنها ما أخذت إلا من جهة تقصير دينها وتقاليده عن مقتضيات الحياة ~~المدنية ومستلزماتها، وأفرادها يجهلون غاياته البعيدة في المآخذ والمتارك، ~~يودون من صميم أفئدتهم أن لو استبدلوا بطباعهم وعوائدهم شيئا آخر ليخرجوا من ~~ذلك الجنس، كما هو واقع الآن من بعض أهالي هذه البلاد المصرية، ووقع من قبلها ~~في كثير من بلاد الإسلام كالأندلس وغيرها. # عذر أولئك أنهم يغدون ويروحون بين رجلين: إما عدو لهذه الملة يدعي عدم ملاءمة ~~دينها ms09 للمدنية الجديدة (كبعض فلاسفة هذا الزمان)، وإما جاهل تاريخ حياتها؛ فلا ~~يعرف منها شيئا لا خيرا ولا ضرا (كأغلب شبان هذا العصر). # لذلك هم يفرون من النسبة لهذا الدين، ويتجنبون القرابة لأمته وملته؛ لأنهم ~~أقل الناس دراية به ومعرفة بفضائله، لا يعلمون - وهم أهله - مكرمة له يعدها ~~المنتسب منهم إليه مفخرة إذا نازعه منازع في الانتساب إليه. # ينبغي لهم أن يتألموا من أن يكونوا مسلمين؛ لأنهم لا يدركون للمسلمين فتحا ~~أبلوا فيه بلاء حسنا، ولا يعرفون لهم حربا ولا ضربا، ولا يتحققون في أي ~~بقاع الأرض نشأ المسلمون وفي أي جهة كانوا شرقا أم غربا، ولا يحصون لهم عددا ~~ليعلموا أنهم - وهم على قلتهم - فاجأوا حصون الممالك البعيدة ومعاقل العواصم ~~النازحة؛ فأنزلوا حماتها من عروشهم، وبثوا فيها معالم دينهم، وصيروها حنيفية ~~بعد أن كانت جاهلية. # كيف لا يأنفون من المسلمين وهم يعتقدون أنهم قوم نشأوا وسط البداوة، لا ~~يعرفون غير جوب القفار وقطع الأودية، عاشوا في جهالة وماتوا في جهالة؟ # لا يعقلون أن جميع مكارم الأخلاق إنما هي منتزعة منهم مأخوذة عنهم، وأن ما ~~يدعيه المدعي من الخلال الحميدة - كالدعة والرحمة والشفقة والعدل والإنصاف ~~والإحسان - إنما هو مجاز بالنسبة له حقيقة بالنسبة إليهم، وأن هذه الأمة جاهلية ~~كانت وحنيفية لم تفارقها مكارم الأخلاق كحفظ الجار والجوار ومراعاة الشرف ~~والذمة، وإحقاق الحق وقول الصدق، ومحاسن الأعمال وجميل الخصال. # من يعلمهم أن ملتهم هذه هي أول من تنافس أهلها في الخير، وتحدوا غيرهم بخلال ~~الكرم كالعفو عن الزلات، والاحتمال من غير القادر، والقري للضيوف، وحمل ~~الكل، وكسب المعدم، والصبر على المكاره، والوفاء بالعهد، وبذل الأموال في ~~صون الأعراض، وتعظيم الشريعة، وإجلال العلماء الحاملين لها والوقوف عندما ~~يحددون لهم من فعل أو ترك، وكرامة أهل الدين، والحياء من الأكابر وتوقيرهم ~~وإجلالهم، والانقياد إلى الحق مع الداعي إليه، وإنصاف المستضعفين ومنع التبذل ~~في أموالهم، والتواضع للمساكين، واستماع شكوى المستغيثين، والتجافي عن الغدر، ~~والمكر والخديعة ونقض العهد. # من لهم بأن يتحققوا أن ملتهم هذه نشأت ms10 على هذه الفضائل التي هي أجمل وأكمل ~~خلق السياسة حتى استحقوا بها أن يكونوا ساسة الأمم التي تحت أيديهم، ولم يوجد ~~ذلك فيهم سدى ولا عبثا، وأن الله قد تأذن بوجوده فيهم لوجود علاماته في ~~قبيلهم. # من يدلهم أن رجال الدين الإسلامي كانوا خير مجتمع لتأسيس قواعد الحرية ~~والإخاء والمساواة، وأن أهله هم الذين جابوا القفار وقطعوا الأودية وركبوا ثبج ~~البحر لفتح باب العلم والانتفاع به، وأنه لم يزهر في دولة إزهاره في دولتهم، ~~ولم يعتز كعزته في سلطانهم، حتى تقوت حجته، وانتصر لواؤه، وأذعن الناس لقوته، ~~وأشرقت عقولهم بنور برهانه؟ # لا بد لهم من مذكر بذلك كله، ليعلم المتوسدون سرير الملك والحالمون للواء ~~الدولة والمباشرون للأمر أنهم لم يتطاولوا لهذه المراتب عن تطفل ولم يرثوها عن ~~كلالة، وليتحققوا أنهم أهلها، وأن الفضائل التي أخذت في الذهاب عنهم، والملك ~~الذي صارت الأعداء ترتقب زواله من بين أيديهم إنما سببه جهلهم بتاريخ حياة ~~قادتهم وسادتهم، وعدم علمهم بفضيلة أصولهم وعشيرتهم، ورضوخهم لمن لا يناهضهم في ~~الشرف والنسب، وتجاذبهم حبل الفخر والمجد مع من لا يدانيهم وحبهم تقليد سواهم، ~~واستبدالهم عوائد أممهم وأجيالهم بعوائد غيرهم. # | تمهيد # خذ بيدي - أيها القارئ الكريم - شرقيا كنت أو غربيا، ولنخط خطوة واسعة في عالم ~~الخيال، نترك في أثناءها مصر وطني وبلادي العزيزة، واهبط بنا في صميم أوروبا، ثم اصعد معي ~~حسبما شاءت إرادتك في (بالون) أو طيارة هوائية. # دع مطيتنا ترتفع ارتفاعا هائلا في الجو حتى نتمكن من استعراض القارة الأوربية كلما ~~نتمثلها على الخرائط الجغرافية إذا تيسر لنا كل ذلك، فالق بنظرك على ذلك العالم الشرير ~~الذي يطلقون عليه اسم المدنية والحضارة، وابحث في مخيلتك عن اسم (بولاندا)، تلك المملكة ~~التي كانت تتقلب في نعيم الحرية والاستقلال، فقلب لها الدهر ظهر المجن، وتركها سليبة ~~السعادة والهناء. # أتعرف بماذا ابتليت؟ # انقض عليها الدب الروسي، وفغر فاه، وازدرد ثلثها بجشعه الاستعماري، فنكل بها وجرعها ~~كؤوس الظلم والاستعباد الأشعبي ووحشيته المتناهية. # ومن ثم انحط عليها النسر الألماني؛ فانتشل ms11 بمخالبه الحادة نصف ما تركه سابقه. # وبعد ذلك، أتعرف ماذا جرى؟ تجرأت النمسا؛ فمدت يدها الأثيمة فسلبت ما بقي من ذلك الهيكل ~~المقدس، وراحت بولاندا التعسة ضحية أعداء الإنسانية. # محيت بولاندا من خريطة العالم السياسي، وعفت آثارها، ولكنها لم تمح من قلوب أبنائها ~~المخلصين العاملين لاسترداد وحدتها. # إيه أيها الإنسان! ما أشد كفرك وجحدانك! ماذا؟ أهل ضاقت بك بلادك الرحبة وأراضيك الواسعة؛ ~~فصوبت سهام انتقامك إلى أخيك الإنسان لتسلبه ما له؟ وتسرقه حياته حتى زهد الحياة ورغب في ~~الموت؟ وأخذ يردد قول الحكيم: «ما أجمل الحياة لولا لؤم الإنسان!» # فيا أيها القارئ الكريم الصاعد معي ليرى ما فعلته يد الإنسان بأخيه الإنسان، بل ليرى ما ~~اجترمته يد الظلم والعدوان، لا، أستغفر الله، بل ليرى فظائع الجشع الاستعماري ومنتهى ~~سفالته. # إذا ذكرت الممالك المسكينة التي قضت عليها أحكام الدهر ومشيئة الزمن أن تموت وتعدم فاذكر ~~بولاندا في أولها. # اللهم رفقا أنك تنزل الخلق من رحم أمهاتهم أحرارا، فيأتي من فسد من عبيدك ويستبد بهم ~~ويريهم الموت عيانا، ويكيل لهم بصاع الظلم حتى يزهق أرواحهم. # فاهدهم يا رب العالمين، إنهم كانوا من الضالين. # الفصل الأول # | كوبريلي أحمد باشا # كانت سنة 1656 ميلادية سنة ويل وثبور، بل سنة ظلام ومصائب على الدولة العثمانية، فإن ~~القائمين بالأمر فيها كانوا من ذوي الآراء الضعيفة والأفكار الواهية، بل على كل حال كانوا ~~ضعاف الإرادة. # في تلك السنة أظلم جو السياسة، واكفهرت سماؤها؛ فهاجم أسطول البندقية (فنيستا) جزيرتي ~~لمنوس وتنيدوس، واحتلتا احتلالا انتهى بالقبض على أزمة الأمور فيها. # ومن ثم جر الطمع أولئك المشاغبين السفلة؛ فهاجموا الدردنيل واحتلوه رغما من مناعته، ~~فهددوا القسطنطينية أمل الإسلام وقوته. # ولكن أبى الله إلا نصرة الإسلام على أعدائه، فقيض له من أبنائه عائلة كوبريلي الألبانية؛ ~~فنجتها من خطر محدق بها كادت تركيا تضيع بسببه. # وكان رأس تلك العائلة كوبريلي محمد باشا، وهو رجل ولا كل الرجال له حنكة الشيوخ وهمة ~~الشبان، ألف الدهر وعاركه. # كان في الثمانين من عمره حين قبض ms12 على أزمة الرئاسة؛ فأبدى من سياسة المحافظة على المملكة ~~خير سياسة، فكان خير حاكم أخرج للناس في ذلك العهد، كان عادلا محبا لخير الأمة ~~العثمانية ، ناشرا العدل والمساواة في أنحاء البلاد، متخذا الحرية قاعدة له، يسير على منهج ~~الخلفاء الراشدين، متبعا قاعدة الشرع الشريف، يسير على طريقها القويم. # بدأ هذا الشهم حياته السياسية بتغير سياسة الدولة؛ فبدلا من اتباع سياسة سليمان القانوني ~~والرجوع إليها في صداقة فرنسا وغيرها ابتدأ بتغير دفتها، وسار ميمما سياسة الوحدة، أي ~~اتباع تركيا طريقا تكون فيه بعيدة عن التأثر بسياسة أي دولة من دول أوروبا. # أما سياسته الداخلية فكانت مقصورة على: تنظيم المديريات والمقاطعات، وإقامة حكام يراعون ~~العدل في نظامهم، والتؤدة في سياستهم، والحنكة في أمورهم. # وقد باشر طرد الأسطول الفنيسي عن لمنوس وتنيدوس، فانجلوا في أقرب وقت تاركين الأوطان ~~لأهلها، والبلاد لسكانها. # وبهمته المعهودة ضرب بيد من حديد على ثورة كان للانكشارية يد فيها؛ فأسكتهم وأمن ~~اضطراباتهم. # وعلى كل حال؛ فإنه أحيا تركيا حياه طيبة، وألبسها ثوبا قشيبا خاطته يد الحنكة السياسية، ~~والتدبير والعدل والروية. # ولكن هو الدهر لا يؤتمن # وفي قوسه منزع للسهام # فإن المنية فاجأت هذا البطل سنة 1661. # تولى بعده الصدارة كوبريلي أحمد باشا ابنه الأكبر، فكان خير شبل لخير أسد. # هو ذلك الرجل الذي توجنا باسمه الجليل (الفصل الأول)، وهو أيضا قد اتبع سياسة الوحدة، ~~فكان لا يحيد عنها قيد شبر. # ابتدأ في جهاده لرفعة المملكة العثمانية بتجريد جيش يبلغ عدده نيفا ومائتي ألف مقاتل ~~وهاجم النمسا والمجر. # وما بلغ هذا الخبر مسامع فرنسا حليفة الأتراك بالأمس حتى أرسل لويس الرابع عشر ثلاثين ألف ~~مقاتل ليساعدوا النمسا بالنسبة لما أبداه كوبريلي محمد باشا من قطع العلائق معه واتباع ابنه ~~سياسته. # كان قائد النمساويين في ذلك الوقت منثكوكولي الإيطالي، فانتصر على الأتراك بعد واقعة شابت ~~لهولها ناصيته، وتلك هي واقعة سان جوتار على نهر الراب. # ولكن رغما عن هذا الانتصار فإن الفوز الحقيقي كان في جانب الأتراك. # فقد خاف الإمبراطور ليوبولد إمبراطور ms13 النمسا وقتئذ سطوة لويس وتداخله؛ فعقد صلحا أبرمه ~~مع أحمد باشا في مدينة فاسفار سنة 1664. # فنال أحمد في هذا الصلح حصنا في المجر، واحتلال ترانسلفانيا أدار بعد ذلك هذا البطل وجهه ~~فوجد أن الأتراك أراقوا دماءهم الزكية في جزيرة كريت، وأن فنسيا قد احتلتها. فجرد جيشا، ~~وحاصرها سنة 1669، وهاجم القائد الفنيسي مروسيني واضطره للتسليم وعمل صلح. # انتهى من تلك الحرب، فذهب إلى القسطنطينية ليستريح من وعثائها، فلم يستقر حتى هبت في وسط ~~أوروبا ريح تحمل صراخ قوازق الأكرين، وتبلغ آلامهم إلى جميع ممالك أوروبا. # وقد استغاث أولئك الأقوام بأحمد باشا؛ فاستعد ليحارب بولاندا، وينصف أقوامها. # ونحن إنما جئنا بتاريخ ذلك البطل هنا ليكون منسجما مع بقية الحديث. # ندع الآن تلك الوقائع والمعاهدات، والحروب والإغارات، ونرجع إلى القسطنطينية محط رحال آل ~~عثمان بهجة الإسلام وقرة عينه. # سر أيها القارئ في ناحية بيوكدرة، تلك الناحية المشهورة بجمال موقعها، وطيب هوائها، وحسن ~~أخلاق سكانها، جل بنظرك في أنحائها تجد في الشرق على شاطئ البحر قصرا شامخ البنيان عالي ~~الأركان مرمري العمد، فخم الأثاث، حافلا بآله، عامرا بصحبه، ادخل إليه تجده ملآن بالخدم ~~والحشم، ولا عجب فهذا هو قصر الصدر الأعظم ثاني رجل في الإسلام. # ودعنا الآن من وصف داخل القصر، وسر بنا إلى أوسع قاعات الدور الأسفل، تجد غرفة مفروشة على ~~النمط الغربي المحض. # جلس في صدرها رجل، وخط الشيب ناصيته، بشوش الوجه، ربع القامة، كبير الشاربين، ينبعث ~~الذكاء من عينيه، تدل ملامحه على التؤدة والروية، وهو رجل الدولة ومصباحها، وقائدها ~~وهاديها، هو أحمد باشا كوبريلي. # وأمام ذلك الوزير جلس رجل يدل لباسه على أن قوزاقي، من سكان الأكرين، ابتدأ الحديث ~~بينهما، فكان كما يأتي: # قال القوازقي: إنا لم نلجأ لجناب الوزير الكبير إلا ونحن على علم تام بأنا سنلاقي عضدا ~~قويا، وكنفا نحتمي به، فننجوا من مصائب كادت تقضي على حياتنا لسوء معاملات النبلاء لنا ~~واستعبادهم إيانا كأنا خلقنا لنكون لهم خدما وعبيدا. ~~- وهل هناك أيها الرجل فرق كبير بين الشعب وما ms14 يسمونهم النبلاء؟ ~~- نعم يا مولاي فإني أصرح بذلك، والأسف يقطع نياط ذلك القلب المسكين، الذي إنما يبكي على ~~دولته التي سوف يمحيها حكم الدهر، بل حكم حكامها السفلة الذين ينقادون إلى ما يفعلون بطمعهم ~~الأشعبي، واستبدادهم المميت. # أصرح يا مولاي أن نبلاء بولاندا يرون في أنفسهم حكام المملكة وأصحابها، يستعبدون الشعب، ~~ويجرونه بيد من حديد سوف تقذفنا وإياهم في هاوية التعاسة والشقاء، إنهم يا مولاي يقودون ~~الشعب للعمل بلا أجر، يكممون من يقول الحق، يقتلون من يعارضهم، يسوقوننا للموت كالأغنام ~~للذبح. ~~- ولكن أهل فقدت العدالة؟ وساد الظلم؟ وعدمتم محاكم تنجيكم مما أنتم فيه؟ أليس في الأمة ~~من رجل بمعنى الكلمة يقودها حيث ترقى وتعتز؟! ~~- إن لبولاندا يا سيدي الوزير مجلسا يطلق عليه اسم «الديت» وهناك تنفذ القوانين ويصدق ~~عليها، هناك يحكمون على الشعب حكمهم الذي لا يقبل النقض والإبرام، ولكن الغريب المزري بشرف ~~الأمة البولاندية، هو أنه إذا تغيب نبيل وقت التصديق على قانون، بل كان حاضرا وعارض، فإن ~~ذلك القانون يعد لاغيا، فهم والحالة هذه يصدقون على قوانين في صالحهم أكثر مما هي في ~~صالحنا، فهم في نعمة ورفاهية، ونحن في نقمة وبلاء. ~~- يا للفظاعة! هل الإنسان يفعل ذلك بأخيه في الإنسانية وشريكه في المرافق الحيوية؟!! ولكن ~~على كل حال إنكم استعنتم بتركيا، وهي ستعينكم، وهي في غنى أيضا عن أية مساعدة حربية كانت ~~أو مالية. # ولكن الإنسان بطبيعته ميال إلى صالح نفسه، فجلالة السلطان إذا رأى مثلا أن فتح بولاندا ~~لا يكلفه إلا القليل من المال والرجال ما دمتم أنتم مساعديه؛ ليخلصكم من رق واستعباد فهو لا ~~يرفض ذلك أبدا، ونحن إن هاجمنا فإنما نهاجم لصالحكم؛ فلا يصح أن ننصب ونتعب وأنتم على مهاد ~~من الراحة نائمين. # فأفصح لي عن مواضع الضعف فيكم، عن حصونكم وأحوالها، عن عدد جنودكم، عن قوادكم المشاهير، ~~حتى ندبر للأمر عدته ونحارب على بينة. # وهنا لو دخل عليهما ثالث، وحقق النظر إلى وجهه القوزاقي لعجب من منظره، فإنه كان أحمر ~~الوجه بدرجة غير ms15 محدودة، وذلك إنما لأنه كان يخون وطنه، ويلقى بأسراره إلى غريب لا يحق له ~~أن يطلع عليها، ولكنه في هذه الحالة يبوح مضطرا بحكم المعاملة التي يلقاها في ~~بلاده. # وبعد دقائق معدودات رفع القوزاقي رأسه وقد ألقى إلى الوزير الكبير كل ما أراده، ثم تابع ~~حديثه، وقال: وإني أحذر سيدي الوزير من نائب حر اسمه سوبيسكي، شديد الغيرة على مصالح ~~بلاده، يتنبأ له الكثيرون بأنه سوف يكون عضدا قويا لبولاندا، وينجيها من عدو سوف يقضمها ~~بين أشداقه خضمة الإبل نبتة الربيع. ~~- إنا سنكون على حذر أكثر من اللازم، وبعد شهر أو أقل سترى ملائكة الرحمة متقدمة جيش أمير ~~المؤمنين الظافر، وسترون كيف ينتصر آل عثمان للعدل والحق والإنسانية. # انتهى الحديث بينهما على هذه الصفة، فقام مندوب القوزاق متمهلا إلى أن خرج، وهنا خلا ~~الجو لذلك الرجل الكبير الذي تعلق عليه الدولة آمالها، فجلس يمعن الفكر فيما هو قادم عليه، ~~وجعل يحدث نفسه قائلا: # أي أحمد، ألم يزل علم السعد خفاقا، وما برحت من الفائزين، وأنت يا أبي نم في قبرك ~~مستريحا، وأنت أيتها الروح استقري في قبرك مطمئنة، واعلمي أني متبع وصيتك لا أحيد عنها ~~أبدا، تلك الوصية التي تقول لي فيها: «إياك والركون إلى أعداء الدين، وطع في الدنيا اثنين ~~ربك وملكك، واسع لخير أمتك ودولتك.» فأنا بإذن الله منجز وعدي، ومبلغ بدولتي مقرها الذي ~~ينبغي أن تكون فيه. # وبولاندا لا بد من افتتاحها، وأني أرى الطريق تنفتح أمامي؛ إذ لا أسهل من افتتاح مملكة ~~تنافر عنصراها، وانطبق عليها قول السياسي: «فرق تسد»، مملكة ضاعت أواصر المحبة والاتحاد ~~بين أفرادها، مملكة نصرت الظلم، وطمست العدل، مملكة قبض على أزمة أمورها أمير ضعيف ونبلاء ~~أقوياء يديرونه كما يشاءون. # وهنا دخل عليه خادم غرفته الخصوصي سعيدا منبئا أن هناك حاجبا من يلدز يستدعيه لمقابلة ~~خليفة المسلمين؛ فقام توا ملبيا الأمر، فلندعه سائرا حيث المهابة والجلال، والخلافة ~~الإسلامية بأسمى معانيها، ولنسر إلى بولاندا لنرى حال مملكة ضاعت وانمحت. # الفصل الثاني # | الديت # الديت ms16 اسم أطلق على ذلك المجلس النيابي الذي أخذه البولانديون بعد شق الأنفس، بل بعد ما ~~جاهدوا جهاد الأتراك سنة 1908، ولا غرو؛ فإنهم ما كانوا يحاربون عبد الحميد واحدا، بل ~~كانوا يحاربون ما يفوق ألف نبيل يماثل كل واحد منهم طاغية كهذا الطاغية المستبد. # أخذوا ذلك المجلس الذي ليس له من المجالس النيابية إلا اسمها، وإنما أعطاه سالبهم إياه ~~ليسد أفواها ملأ صراخها آذان العالم المتحضر، وأزعج أنينها قلوب المتمدنين من ممالك ~~أوروبا، بل أيقظ من كان نائما لم يسمع أن بولندا لا تزال تحت أثقال من الظلم راسخة. # كان أعضاء ذلك المجلس كلهم من النبلاء، لا يصدقون على قانون يكون مخالفا لمصلحتهم، ولو ~~قامت ثورة كثورة الفرنسيس تنتهي بقتل زعماء الحكام، كما انتهت بقتل لويس وماري. # فهم إنما كانوا يلبسون لكل حادثة لباسها، ويمثلون على مرسح الأطماع رواية هم الفائزون ~~فيها. # كان أولئك الذين ليس لهم من النبل إلا اسمه لا يصدقون إلا على قوانين توافق مشاربهم ~~وتلائم مصالحهم، فقضوا على الشعب المسكين وأضاعوه. # فأصبح عدوا لهم، وهكذا غدا من السهل اقتناص بولاندا وضربها ضربة قاضية في حريتها ~~واستقلالها، ما دام التنافر أخذ محلا في قلوبهم، متمكنا في أفئدتهم، فالنبلاء يستعبدون ~~الشعب استبعاد العبيد، ويجرونه، بل يسوقونه كما تساق الشاه للذبح، بل كما كان فرعون يسوق ~~المصريين للعمل في بناء الأهرام بدون أجر؛ فكافؤوه بعدم دفنه فيها. # وهكذا يتملك المستبد الرقاب، ويتحكم بالعباد إلى أن تحين لهم فرصة فيهجمون عليه هجوم ~~الذئاب الجائعة على معتقليها، فيزلزلون عرشه، ويجعلونه مزعزع القوائم. # ندع الآن النصح لذلك المستبد السافل الذي لا يجد عبرة في هدم عرش شارل الأول وسفك دمه، ~~وبتر رأسه بسيف الجلاد. # بل لا يجد عبرة بانتصار الشعب على لويس السادس عشر وقتله إياه مع عقيلته ماري أنطوانيت ~~التي شربت الكأس نفسها. # بل لا ينتصح بالقريب الذي ملأ آذان العالم المتمدين من قلب عرش المستبد إلى مجلس شورى ~~وإنزال طاغية القسطنطينية من عرشه ونفيه إلى سالونيك. # ندع كل ذلك ونسير بالقارئ ms17 خطوة كبيرة، نترك بها دار السعادة، ونحط برحالنا في وارسو عاصمة ~~بولاندا وحاضرتها. # هناك بعد أن نستقبل المدينة من الجهة الشرقية شارع يقال له شارع جونسكي، إذا توسطته وجدت ~~به بنيانا فخما، يكاد يسد منافذ القبة الزرقاء، وقد أطلق عليه ذلك الاسم الذي صدرنا به ~~الفصل الثاني. # الديت # ففي الخامس من شهر (آب) سنة 1672 كان السائر في هذا الطريق يلفت أنظاره كثرة الازدحام ~~حول باب الديت؛ وذلك لأن اليوم موعد انعقاد جلسة للمباحثة في تقرير ضريبة جديدة، ~~والمناقشة فيما يتعلق بقانون جديد سينشئونه ضد قوازق الأكرين. # أما الضريبة؛ فسنعلم قريبا من أي نوع هي. # أما القانون فكان يقضي على كل قوزاقي وجد في منزله اجتماع واشتبه فيه أن يجازى بدفع ~~غرامة لا تقل عن خمسماية روبل، وإن توانى عن الدفع فأمامه خمسة أشهر يقضيها بعيدا عن ~~أعين إخوانه مسجونا. # وهذا هو ما كان يخرجه أولئك المستبدون من القوانين القتالة للحرية الشخصية ~~والعمومية. # خذ بيدي - أيها القارئ الكريم - وادخل بنا إلى ذلك المجلس لترى فظائع تعصب النفس ~~للنفس، بل لترى الأنانية، وكيف يكون مبلغها، بل لتنظر مبلغ احتقار الإنسان لأخيه ~~الإنسان. # هناك بين أوسع قاعات المجلس قاعة تسمى قاعة الجلسات، فما وافت الساعة التاسعة صباحا ~~حتى توافد نبلاء القوم ليقرروا القوانين ويصدقوا على المواد، ويضربوا الضرائب على شعب ~~آن من الظلم، وبلغت شكايته عنان السماء. # انتصفت الساعة التاسعة فنادى مناد بالانتظام، فسكن الجميع وانتظروا أقوال رئيس ~~المجلس الكونت سمولنسكي حيال هذه القوانين والضرائب. # قرع جرس، فقام الرئيس خطيبا، فقال: # أيها الإخوان، هنا اجتمعنا اليوم لنقرر ما يدفع عنا صرخات ذلك الشعب الثقيل ~~الذي لا يريد إلا أن يكون صاحب الأمر والنهي، لا يلوي على أي سيد كان. # ونحن إنما نسينا ذلك المثل العربي القائل: «لا تطعم العبد الكراع فيطمع في ~~نيل الذراع.» # فنحن بيدنا زعزعنا مراكزنا، وآثرنا عليها ذلك الحيوان الممقوت، فقد أعطيناه ~~ما أراد، فظن أننا طوع أمره، فطلب الزيادة، وجب إذن أيها الإخوان إيقافه عند ~~حده خيفة أن ms18 يمتد لهيبه المحرق، فيزعزع الملكية والنبلاء، ويهدم ما شيده ~~أجدادنا (تصفيق حاد من الشمال). # فكرت في ذلك أنا ورفاقي - أولو الأمر وأصحاب السيادة في وطننا العزيز - ~~فوجدنا أن خير قانون هو معاقبة أي قوزاقي اشتبه فيه محرضا لاجتماع أن يسجن ~~خمسة شهور، وإن أراد أن يفدي نفسه فيدفع خمسمائة روبل لحكومة جلالة الملك، فهل ~~أنتم موافقون؟ # نعم موافقون، نعم موافقون (حزب الشمال). # كلا، إن ذلك قاتل مجحف (بعض حزب اليمين). # وهنا قام أحد أعضاء حزب اليمين جون سوبيسكي فقال: أيها الرئيس، أيها الإخوان، إن ذلك ~~القانون الذي أخرجه جناب الرئيس وزملاؤه ووافقتهم أنتم عليه لأنه موافق لمصلحتكم قاتل ~~لغيركم، قاتل للشعب، قاتل لذلك الملك الذي ينقلب بالإرهاق شيطانا. # فهل فكرتم كلكم في أن مراكزكم التي أنتم فيها لم تحفظ وأن أموالكم لم تبق، وأن ~~حياتكم لم تسلم، إلا لأن الشعب هادئ لا يحرك ساكنا؟ ألا وشرف بولاندا إن نفخة واحدة في ~~تلك النار المدفونة لكافية أن تكشف عنها الرماد؛ فنرى رجلا ككروميل يمثل على مرسح ~~البلاد البولاندية رواية شارل الثاني (ضجيج تافف). # اسكت، اسكت، لا نريد أن تتكلم (حزب الشمال). ~~(سوبسيكي في وسط الصخب) دعوني أتكلم أيها الإخوان؛ فتروا صحة كلامي حتى إذا مت يوما ~~ما وذكرتم اسمي ترحمتم على فرد يسوؤه انحلال بولاندا. # فيا أيها الرئيس ويا أيها الإخوان، أفيقوا واعلموا أن تلك القوانين تثير الشعب، وإنكم ~~إنما تحفرون قبوركم بأيديكم، أنتم تثيرون النار بنفخ الرماد، رفقا بأنفسكم، ورفقا ~~بشعب تقودونه، بل بشعب أنابكم ووكلكم أموره. ~~(حزب الشمال وبعض حزب اليمين) اسكت يا نصير الشعب، ها ها ها، لا نريد أن تتكلم، كفى ~~هذيانا. ~~(الرئيس) سنأخذ أغلبية الأصوات بطريقة سرية، فليكتب كل عضو رأيه في ورقة وليلقها في ~~هذا الصندوق. وأشار إلى صندوق وضعه على طاولة أمام المصوتين. # وهنا تمتم سوبيسكي قائلا: الآن تمت الغلبة للظلمة، وصار النصر في جانب العسف، وضاع ~~العدل بين أولئك الذين ليس لهم من النبل إلا اسمه، فيا ويح أمة أنتم نوابها! # وبعد ردهة ms19 من الزمان سكتت الجلبة على صوت الرئيس؛ إذ قال: أيها الإخوان سيسري القانون ~~بأغلبية الأصوات. # والآن فإن أمامنا ضريبة نريد أن نقررها؛ لأن المالية في حاجة إلى المال لتحسين الحالة ~~الإدارية في المملكة. # وما انتهى الرئيس من كلامه حتى قام جون سوبيسكي وقال: إنك يا جناب الرئيس ويا حضرات ~~النبلاء لو كنتم تخالطون الشعب لأدركتم حالته المالية، فلا بد أنكم كنتم بدلا من ضرب ~~الضرائب تخففونها عنه؛ لأنها أصبحت حملا ثقيلا على كاهله يئن تحتها، فرفقا بالأمة يا ~~قادتها، ورفقا بالشعب يا نوابه، ورفقا بالمملكة يا رؤساءها. # الرئيس: ذلك أمر جلالة الملك، ومع كل فسنرى بأغلبية الأصوات، فيا حضرات النواب هل ~~توافقون على ضرب ضريبة جديدة؟ ~~(من اليمين ومن الشمال) نعم، نعم، ذلك من حق جلالة الملك وحقنا. وبعد قليل وافقت ~~أغلبية المجلس على ضرب ضريبة جديدة. # وما هي تلك الضريبة؟ # إنها كانت على قطع الأخشاب من الغابات، إذ قرر أن كل طن من الخشب يؤخذ عليه ثلث ثمنه ~~رسما. # وهكذا كان ذلك المجلس يضيق على أنفاس الشعب ويذيقه كؤوسا يضيق لها صدر ~~الحليم. # انفض الاجتماع أخيرا، فكان أول المجتمعين خروجا جون سوبيسكي الذي دافع بكل قواه عن ~~الشعب، وبذل كل مجهوده للذود عن حوضه. # فما ظهر أمام الجمع المحتشد أمام باب المجلس حتى هتفوا هتافا بلغ عنان السماء كان ~~يتخلله قولهم: «ليحي النائب الحر» «ليحي سوبيسكي» «ليسقط الظلم» «ليسقط الاستبداد»، ~~وهكذا كان الشعب يحيي قائده والمدافع عنه، ويظهر له ما يمكن أن يعبر به عن سروره ~~واحتفائه به. # وبالجملة فإن جون سوبيسكي لم يمكنه أن ينسرق من هؤلاء الذين يودون الموت فداءه إلا ~~بكل عناء، فذهب توا إلى قصره واستراح، وبعد أن تناول غذاءه ركب عربته وسار متنزها، ~~فما توسطت عربته طريق ميخائيل حتى تقدم إلى العربة رجل لابس لباس الخدم البولانديين ~~وبيده رسالة، وما لبث سوبيسكي أن رآه حتى أوقف العربة وقال: خيرا يا سرجيوس. ~~- إن شاء الله يا سيدي، ولكن سيدتي أرسلتني لأقابلك وأعطيك هذه الرسالة. # فأخذ ms20 سوبيسكي الرسالة وأمر سائقه بالمسير، وفضها فوجد بها سطرا واحدا هو: «قابلني ~~الليلة بغار السعادة» والإمضاء صوفيا. # فقال: يا ترى أي أمر جد؟ وأي حادث حدث وأنا تاركها بالأمس قريرة العين؟ ولكن على كل ~~حال سأراها اليوم. # وقف السائق أخيرا أمام قصر سيده، فنزل سوبيسكي من المركبة وصعد القصر. # فلنتركه الآن، ولنسر بالقارئ حيث يلتقي العاشقان. # الفصل الثالث # | البولاندية الحسناء # صوفيا جاركوف غادة بولاندية تسكن وارسو عاصمة بولاندا وحاضرتها، وهي معروفة فيها بحبها ~~للخير والإحسان ومد يد المعونة لفقراء وارسو وعائلاتها، وطالما رأوها سائرة متبرقعة بقناع ~~كثيف حاملة بيدها مؤونة أو مالا تريد أن تحسن به مخترقة أزقة ضيقة وأماكن قذرة لا يسكنها ~~إلا الشعب الفقير الذي صار في النزع الأخير من حياته؛ لما أصابه من تضييق في الحرية، وسلب ~~في الأموال، وضياع في القوى. # تسير تلك الغادة الحسناء حتى تقف ببيت خيم عليه الفقر، فصارت أيام ساكنيه أشد سوادا من ~~حظ المنكود؛ فتنقلب تعاستهم سرورا وأحزانهم حبورا، ولا غرو؛ فقد كانت كملائكة الرحمة، لا ~~تنزل في مكان إلا وتترك به أثرا من آثار النعمة، تواسي المرضى فتسقيهم، وتساعد الفقراء ~~فتنجيهم، وتطعم الأطفال فيفترون عن ثغر باسم شاكرين لها تلك اليد. # ومن ثم تخرج محفوفة بدعوات خارجة من قلوب مخلصة، تود لها الخير من صميمها، تخرج ووراءها ~~ألسنة منطلقة بشكرها والثناء عليها. # تسير في الطرقات فيشيرون إليها قائلين: «هذه ملاك وارسو صوفيا جاركوف ذاهبة إلى منزلها ~~بعد أن ساعدت عائلات فقيرات خيم البؤس على منازلهن، فما خرجت منها حتى صيرتها جنة.» ~~«إن الطيور على أشكالها تقع» ذلك مثل عربي طالما ساعد الدهر على إثباته ولا غرو؛ فإن ~~صوفيا جاركوف ملاك وارسو - كما يلقبونها - كانت حبيبة ذلك النائب الحر والبولاندي الطاهر ~~المدافع عن الحق، الذائد عن المروءة «جون سوبيسكي». # رآها ذات يوم جالسة في حديقتها تخيط ثيابا لا شك في أنها كانت لعائلة فقيرة، وكان قلب ~~ذلك البطل الذي صار فيما بعد أشجع قائد في زمانه خلوا من الهوى، فما رآها ms21 وصادفت عيناه ~~عينيها حتى امتزجت روحاهما، ومالا إلى بعض كل الميل، ولم يمض يوم أو يومان حتى تقابلا، ~~وتلك سنة الغرام الطاهر والحب الشريف. # نظرة فابتسامة فسلام # فكلام فموعد فلقاء # تلاقيا بعد ذلك مرارا، وإنما كانا يتلاقيان في غار بعيد عن المدينة، يطلق عليه اسم «غار ~~السعادة». # كان ذلك لأن أبا صوفيا الكونت سمولنسكي رئيس «الديت» يكره أن تتلاقى ابنته مع رجل ~~كسوبسيكي يساعد الشعب على النبلاء، مع أنك لو سألت ذلك الرجل بشرفه ونبله عن رأيه في ~~سوبيسكي لصاغ لك المدح عقودا وأعجب به أيما إعجاب، ولكنه لا يمكنه أن يصرح بذلك خيفة أن ~~ينتزعوه من مركزه عنوة واقتدارا ويبدلوه بغيره. # وإن مركز رئيس الديت لمركز تتوق إليه نبلاء بولاندا، فكلمة شك تبدر من فم الكونت ~~سمولنسكي تودي به، وتنزله من حالق مجده. # وكان لصوفيا خادم أمين، تربى في بيت أبيها من صغره، فكان هو الوحيد المطلع على غرامها ~~الطاهر، بل كان الرسول بين الروحين، المقل للرسائل بينهما بأمانة قلما يشاركه فيها آخر من ~~بني آدم. # تقابلا ذات يوم في غار السعادة، ولم يلبث سوبسيكي قليلا حتى استأذن حبيبته بالانصراف؛ ~~وذلك لأنه قد ورد له خطاب من الديت يفيده بأن موعد الانعقاد باكر، وأنه لا بد من حضوره ~~لحصول أمور ذات أهمية وتقرير قرارات كبيرة. # وإنما كان ذلك اليوم هو الخامس من شهر (آب) الذي دافع فيه جون سوبيسكي عن الشعب دفاع ~~المستميت، بل هو اليوم الذي قابله فيه خادمها سرجيوس بخطابها الذي تدعوه فيه. # وذلك لأن ميخائيل ملك بولاندا استدعى الكونت سمولنسكي أباها بعد اجتماع المجلس وتقريره ~~تلك القوانين. # فلما عاد استفسرته ابنته عما دار بينه وبين الملك أجابها قائلا: اطمئني يا ابنتي، فإنه ~~لم يدعني إلا ليخبرني أن الأتراك برئاسة أحمد باشا كوبريلي صدرهم الأعظم قد احتلوا كامنياك ~~احتلالا نهائيا، وأنهم يتقدمون بانتظام نحو العاصمة، وقد خيرني في انتخاب قائد لهم ~~فأشرت عليه بانتخاب جون سوبيسكي. ~~- ماذا يا أبي؟ هل ضاع حب الوطن من أفئدتكم؟ فإنك تروي ms22 لي خبر احتلال الأتراك لبادوليا ~~وكامنياك بكل سهولة وبساطة، ثم تفاجئني بتعيين سوبيسكي أهل تريدون بهذا التعيين أن تبعدوا ~~عن المجلس خيرة نوابه وأرقى منتخبيه؟! ~~- ألا فاسكتي فإنه تقرر نهائيا ولا مرد لأمر جلالة الملك ونبلائه. # خرجت صوفيا من غرفة أبيها، وقد غص ريقها، وصار تعيين ذلك الحبيب قائدا لجيوش بولاندا قذى ~~في عينيها، وشجى في حلقها، ولا ريب فإنهما ما يكادا يرتشفان كؤوس الحب الطاهر والغرام ~~العذري حتى وافى نبأ الفراق، وحتم عليهما أن لا يتلاقيا بعد، وربما وافى حبيبها أجله ~~المحتوم في تلك الحرب التي ولا ريب سيقاتل فيها مقاتلة الشجاع المستميت. # فكتبت تلك الرسالة ونادت سرجيوس، وقالت له: # سرجيوس، عليك بمقابلة جون، وإعطائه هذه الرسالة يدا بيد، ولا بد من إيجاده، وإن كان في ~~المجلس فانتظره، وإياك أن تأتيني إلا بخبر يسرني، وما هو إلا إيجاده وإعطاؤه ~~الرسالة. ~~- سترين كل ما يسرك يا سيدتي. # غاب سرجيوس ورجع، فكان أول من قابله صوفيا؛ إذ كانت جالسة في حديقتها فسألته: ~~أقابلته؟ ~~- نعم يا سيدتي، وقد أخذ الرسالة، واستفسر من صحتك. # إذن فاستعد يا سرجيوس الليلة - في منتصف الليل - لأننا سنذهب إلى غار السعادة، فقد بلغ ~~الأمر من الأهمية أكبرها. ~~- سمعا وطاعة يا سيدتي. # انتصف الليل، ونامت وارسو، وساد عليها السكون، حتى الطبيعة فإنها شاركتها في ذلك السكون؛ ~~فلم تكن تسمع غير حفيف الأشجار، وخرير نهر الفستيولا، فلم يكن هناك من انتبهت عيونهم ولم ~~يشاركوا ذلك المجموع الآخر في نومه إلا ثلاثة، هم: جون سوبيسكي، وحبيبته صوفيا، وسرجيوس ~~ملاكهما الحارس. # فلو سار القارئ في ذلك الوقت قاصدا ذلك الغار ملتقى العاشقين لوجد سرجيوس واقفا على ~~بابه حارسا، وهما في الداخل يتشاكيان الغرام، ويتبادلان كؤوس المحبة. # فلنتخذ من الظلام سترا لنكون على مقربة منهما، فنسمع آيات الحب يفوه بها ذلك الفم اللطيف ~~الطاهر. # ابتدأ سوبيسكي الحديث؛ فقال: # أي صوفيا، خيرا إن شاء الله، فإني تركتك أمس قريرة العين، جذلة الفؤاد، فما الذي دعاك ~~إلى إرسال هذا الخطاب؟ # ما هذا الكلام أيها ms23 الحبيب؟ ألا تريد أن نكون على مقربة من بعض؟ ألا فاعلم أنا عن قريب ~~سنفترق، فإن الأتراك هاجموا بولاندا، وقد عينوك قائدا لجيوشنا. # فتجهم وجه جون وصاح: ماذا أيتها الحبيبة؟ إن ذلك لخبر لم أسمع به حتى الساعة إلا منك! ~~وإذا كان خبر كهذا له من الأهمية ما له، ولا أسمع به حتى الساعة، بينا الأتراك يتقدمون ~~ممتلكين بلادنا ونحن نسكت حتى الآن؟ ألا إنه خير لبولاندا أن تنحل من أن تكون في مركز كهذا، ~~أما أنا؛ فإني أتقدم لا لأكون قائدا، بل لأتطوع كجندي بسيط أحارب أعداء وطني، وما أعداؤه ~~في الحقيقة إلا مليكه ونبلاؤه، والآن كيف يتسنى لهم جمع الجيش وصد هجمات أولئك الأتراك ~~الذين طالما سمعنا عن خبر انتصاراتهم العديدة؟! # فيا رب كن مساعدي، وقو ساعدي؛ حتى أرد غارات قوم سوف يبتلعون وطني العزيز فيذهب ضحية ~~أولئك السفلة القابضين على أزمة الأمر فيه، أما أنت أيتها الحبيبة ففراق - إن شاء الله - ~~يعقبه تلاق بانتصار وخير، ودعيني - أيتها الحبيبة - التي إن مت فليس أمامي إلا شبحان ~~يهيجان قلبي وضميري؛ أولهما بولاندا، والثانية أنت يا صوفيا. # فصلي وادعي لي في صلواتك بالنصر، عساني انتصر؛ فأكون ممن جاهدوا في سبيل ~~أوطانهم. # وأنت - أيتها الحبيبة - ألا ترين ذلك الضعيف ميخائيل؟ وكيف لم يصل إلينا خبر الحرب ونحن ~~أعضاء مجلس الشورى لبولاندا؟ بل لولاك لم يصل إلي إلا ربما حينما يكون الأتراك على أبواب ~~وارسو، والآن - أيتها الحبيبة - ودعيني، قبليني، دعيني أتملى من حسنك الفتان، فآخذ لي ~~منه زادا أتزود في غمار تلك الحرب الشعواء. ~~- أواه - أيها الحبيب - أتفارقني ولم يكبر للآن غرامنا ويشب؟! ما هذا يا رباه؟ أهل قدر ~~علي التعاسة والشقاء؟ أيها الحبيب، استحلفك بغرامنا الطاهر أن تبقى بجانبي، ولا تقدم على ~~حرب سوف تنتهي بانخذالنا. # رفقا يا صوفيا فنحن لسنا في موقف غرام، بل في موقف وطن وإقدام، فشخصك لا يبرح مخيلتي، ~~ولكن وطني، وطني الذي إن مات متنا، وإن عاش عشنا، لا بد من إنقاذه، وإلا ذقنا من ms24 يد الأتراك ~~كأس الموت، وصرنا سبة الدهر، وعار التاريخ، والآن وداعا أيتها الحبيبة، وسأترك بجانبك ~~سرجيوس، فهو ملاكك الحارس. # وهنا كانت الساعة المؤلمة ساعة الوداع؛ فغص ريقهما، وبللت دموعهما خديهما، وودا لو أن ~~الساعة تقوم، فيموتان معا ويحشران معا. # ولكن سوبيسكي قاوم نفسه، وهرب مودعا إياها. # فلنتركهما الآن، ولندع مواقف الغرام وراءنا، ولنستقبل ساحة الحرب ومواقف الطعان لنرى حب ~~الوطن، وكيف يكون مبلغه. # الفصل الرابع # | كامنياك # نسير الآن زحفا إلى بدوليا، قاصدين كامنياك، حصنها الحصين، بل تلك القلعة التي حصنتها ~~أيدي الطبيعة، ودبجتها يد العناية الإلهية؛ فكانت كالأسد الرابض المنيع الجانب. # فلا مرتفعات واترلو التي تحصن بها ولنجتون، فقهر نابليون، وأطفأ بيده نجم سعوده، وقهره ~~بيد القادر المتمكن، وأنزل ذلك الجبار الذي أطلق عليه لقب الرجل الذي لا يغلب من سماء مجده ~~إلى أسفل سافلين. # بل ولا مضيق ملونا الذي تحصن به اليونان في حربهم الأخيرة وقهرهم فيه أدهم باشا بهمته ~~المعروفة وحيلته الهائلة. # ولا غرو؛ فقد كان كامنياك حصنا حصينا قائما في وسط سهل كبير، لا يمكن لأحد أن يحمي ~~نفسه بأي شيء تحت نيران مدافعه وبنادقه، فالذي يتعرض للهجوم عليه كمتعرض لأسد بلا سلاح، أما ~~ارتفاعه فقد كان هائلا، ولكن حكومة بولاندا أهملته إهمالا فظيعا، ونبذته نبذ النواة، فلم ~~تعد دفاعه كما كان المطلوب. # فصار من السهل افتتاحه واحتلاله على قوم كالأتراك يقول عنهم نابليون «لو كان لي جيش من ~~الأتراك لفتحت العالم بأسره.» # فقد كان، وسار أحمد كوبريلي باشا بجيش يزيد عن ربع مليون جندي مدرب يحمل عدة كاملة، وكلهم ~~ذوو عزيمة حادة قوية، طالما حببتهم إلى الحربيين من كل مملكة. # فقد كان الجندي العثماني يقاتل بشجاعة واطمئنان قتال الحافظ للمثل القائل: «من مات في ~~سبيل وطنه مات شهيدا»، فهو شجاع يعلم أن الموت موت واحد، ولكن عدوه جبان يموت مائة مرة قبل ~~أن يدخل في غمار الحرب. وزيادة على ذلك فهو صبور لدرجة لا تطاق يكتفي بالقليل من ~~الطعام. # تقدم كوبريلي أحمد باشا بهذا الجم الغفير، ms25 وكلهم قلب واحد يودون النصر، وكلهم مشتاقون ~~لذلك. # ففي التاسع من شهر نوفمبر سنة 1672 ظهرت طلائع جيش أحمد باشا، فرأتها الحامية التي في ~~الحصن، ولم تكن تزيد عن خمسة آلاف جندي، ليس عندهم من المؤونة إلا ما يكفيهم أياما ~~قلائل. # رأى أولئك الجنود ذلك الجيش الذي سوف يهاجمهم عن قريب، فعولوا على الدفاع إلى آخر نقطة ~~من حياتهم، والموت شرفاء يذكرهم التاريخ بأنهم لم يسلموا وفيهم نقطة دم، بل يذكرهم بأنهم ~~ماتوا دفاعا عن أوطانهم. # فعسكرت جنود أحمد في السهل على مقربة من الحصن، وعولوا على المهاجمة بعد قليل. # وقد باشروا الهجوم على الحصن في صباح العاشر من شهر نوفمبر، فكانت قذائف الأعداء تنهال ~~عليهم كالوابل الهتون، فيثب عزرائيل قابضا روح هذا مستمهلا ذاك، والحي منهم يجعل الميت ~~ترسا يحمي عنه رصاص الحامية وقذائفها، فلم ينتصف النهار حتى كان الأتراك على قاب قوسين أو ~~أدنى من الحصن. # ومن ثم صرخ أولئك الشجعان صياحهم المعروف وقت النصر: «الله أكبر» «الله أكبر» فاهتز ~~الوادي والحصن معا لهذا الصياح المخيف من فم ربع مليون جندي، كل له صوت يدك ~~معقلا. # فكان صياحهم كالقذائف أصابت قلوب البولانديين؛ فهلعوا وصاروا كالجرذان لحقتها السنانير ~~فسكنت أصوات الحامية، ولا غرو؛ فإنهم دافعوا عن الحصن إلى أن خلصت المؤونة. # كان لكل جندي عثماني فأس في حزامه، فأخرجها وتحطمت الأبواب، ودخل الأتراك منتصرين، ثملين ~~بخمرة الفوز عادتهم في كل موقعة. # أما البولانديون فإنهم عمدوا إلى السيوف فأخرجوها من أغمادها واستعدوا للموت. # وقلدهم الأتراك، فكانت مذبحة انتهت بقتل جميع البولانديين حامية الحصن عن آخرهم، حتى ~~قائدهم؛ فإنه أسلم الروح من يد ضابط انكشاري، ضربه ضربة فصل بها رأسه عن جسده. # وهكذا بر البولانديون بوعدهم، وقاوموا إلى النهاية؛ فذهبوا ضحية حبهم لوطنهم، يحفظ لهم ~~التاريخ ذكرا حسنا ما كر الجديدان. # دخل أحمد كوبريلي الحصن، وأمر كشافي الجيش بالذهاب ليروا جيوش البولانديين، وهل تقدمت أم ~~لا. # هبت ريح نقلت أنباء الحرب إلى جميع أنحاء بولاندا؛ فعلم القاصي والداني، الصغير والكبير ~~بما ms26 آلت إليه حال مملكته، وكيف هزم الأتراك جيوشها، بل كيف يتهاون ملك بولاندا ونبلاؤها في ~~الدفاع عن وطنهم ضد عدو مخيف كالأتراك. # فلم تصل أخبار الانتصار إلى قوزاق الأكرين حتى هبوا ثائرين سائلين الإصلاح، طالبين العدل ~~والإنصاف، ولا غرو؛ فقد جاءت الفرصة وحان وقتها، والزمن فرص؛ إن تركت عادت غصصا. # ولغاية ذلك الوقت لم يهتم نبلاء بولاندا - بل ولا مليكها الذي كان يجب عليه أن يخاف على ~~عرشه من الاضمحلال - أي اهتمام. # بل ولم يعقدوا مجلسا ليبحثوا عن أحسن الطرق لرد ذلك العدو الذي يتقدم باطمئنان. # ولكنهم بهذيان المحموم أمروا أن يولى على الجيش جون سوبيسكي، وأن يجمع الجيش بسرعة ~~زائدة. # وعلى هذا الدرب سار أولو الأمر في بولاندا، فولوا جون سوبيسكي قيادة الجيش؛ لأنه رجل يحبه ~~الشعب، ويود لو يفديه بأرواحه. # فلم يكد يصل نبأ هذا التعيين إلى المدن والقرى المجاورة حتى توافدت الجنود المنظمة، ~~والأهالي المتطوعة، زرافات ووحدانا؛ ليكونوا تحت إمرة قائد يحبونه ويجلونه. # فلم تمض أربعة أيام حتى استعد الجيش للمسير ليحارب عدوا هائلا وأسدا رابضا، سار ~~الجيش وصراخه يصم الآذان؛ قائلا: لتحي بولاندا، ليحي الوطن، ليسقط الأتراك، ليعش جون ~~سوبيسكي. # وهكذا نسي الشعب في ذلك الوقت أضغانه السابقة، لأولئك الذين جعلوا همهم قتله، والتضييق ~~على حريته. # تناسوا الأضغان، وإنما لأن الوطن في ضيق يجب عليهم أن يساعدوه بكل قواهم، وأن يبذلوا ~~جهدهم لينقذوه من مركزه الحرج، وبعد ذلك يولون وجوههم شطر أولي الأمر؛ فيحاسبونهم على ~~غلطاتهم الماضية، على استبدادهم وتعسفهم على قوانينهم القتالة. # وعلى هذا النمط سار ذلك الجيش تحت أمر قائد مدرب خبير وكلهم قلب واحد، يطيعون أمره إطاعة ~~الرضيع لوالدته. # فلنسر معه خطوة خطوة حتى نلتقي بالأتراك في جوقزين؛ فنرى كيف يكون الغلط أصل التقهقر بل ~~كيف ينتصر الجيش ما دام متحدا قويا يقوده رجل محنك وطني كسوبيسكي. # الفصل الخامس # | جوقزين ولمبرج # جوقزين ولمبرج هما اسما تلك الواقعتين اللتين حارب فيهما سوبيسكي محاربة الضعيف اليائس، ~~ولكن بعزيمة لا تفل، وقوة لا تمل، فقد استعمل ms27 قواه وأجهد فكرته في إيجاد طريقة لهزيمة ~~عدوه. # وقد كلل عمله بالنجاح وظفر أخيرا على الأتراك وهزمهم شر هزيمة في الواقعة الأولى ~~«جوقزين»، ومن ثم سار متبعا إياهم إلى أن لحقهم في «لمبرج» وبقوة المنتصر ألحق بهم خسارة ~~عظيمة وهزمهم. # تحققت نبوءته يوم قال لصوفيا: «تلاق يعقبه انتصار وفرح» فانقلب يأسه شجاعة، وود لو قابل ~~الأتراك ليقهرهم ثالثة، ولكن هي الدنيا «يوم لك ويوم عليك». # والآن فلنصف قدر الإمكان جوقزين، ومن ثم لمبرج ليعلم كل كيف يريق الناس دماءهم دفاعا عن ~~وطنهم بل كيف يستميتون في الدفاع عن حقوقه. # قلنا: إن الأتراك دخلوا كامنياك بانتصار كبير، وأرسل أحمد كوبريلي باشا كشافة الجيش ليروا ~~كيف يتقدم الجيش البولاندي الذي خرج من وارسو قاصدا كامنياك ليخلصه من أعداء الوطن. # فلم يزل متقدما سائرا ببطء حتى وصل جوقزين، وهي قرية في منتصف المسافة بين كامنياك ~~ووارسو، فعسكروا خارجها بأمر من سوبيسكي. # منتظرين جديدا من قائدهم الباسل. # وقد عسكر سوبيسكي خارج هذه القرية، وإنما كان غرضه الوحيد في هذا العمل هو أن يسحب ~~الأتراك إلى ناحية ليقاتلهم في واقعة منظمة يكونون فيها أمامه. # وذلك لأنه فكر وهو في الطريق إلى كامنياك فوجد أن الحصن منيع، والأتراك قد زودوه بما معهم ~~من مدافع وذخيرة فصار أمنع، وعلى هذا فإنه يلقي بنفسه فى أتون من نار إذا تقدم يريد الدخول ~~إلى الحصن وأخذه. # بل هو يلقي بنفسه في فم الليث بدون أن يتخذ له درعا أو شيئا يدفع عنه الضرر الذي سوف ~~يلحق به. # وقد ساعده الحظ على إتمام مراده، فإن أحمد سار قاصدا إياه، وذلك لأن الكشافة بعد أن ~~تنسموا الأخبار وعلموا علم اليقين أن البولانديين معسكرون خارج قرية جوقزين ساروا قاصدين ~~كامنياك، فأخبروا أحمد بحقيقة الأمر. # وأخيرا بأمل الانتصار كما انتصر قبلا عول على الزحف ليلاقي عدوه. # فأمر أركان حربه باتخاذ معدات السير ولزوم السكون والتؤدة. # وفي اليوم الثاني نادى مناد بالرحيل، فتحرك ذلك الجيش الجم الكثير، تاركا القلعة لحامية ~~غير قليلة، وترك معها ms28 مؤونة كافية، وسار الكل قاصدين جوقزين، وكل يمني نفسه بانتصار كبير ~~على سوبيسكي وجنوده. # وهكذا يمني المنتصر دائما نفسه بالانتصار حتى إذا غلب وكان من ذوي النفوس الضعيفة ~~اليائسة رجع القهقرى، أما إذا كان من ذوي النفوس الكبيرة والهمم العالية علل نفسه ~~بالانتصار؛ منشدا قول الشاعر: # على المرء أن يسعى لما فيه نفعه # وليس عليه أن تتم المقاصد # ومن هذا الصنف الأخير كان كوبريلي أحمد باشا؛ فقد كان رجلا قوي الهمة على الآمال، لا ~~تعجزه أية عقبة، ولا يقف في طريقه أي مانع، يسير إلى مرمى فكره ولبه، ولم يغب عن العالم ما ~~فعله هذا الرجل العظيم، بل لا يجهل المؤرخون تلك المواقع التي كتبها بحد حسامه، وإن هزم ~~أولا فإنه انتصر أخيرا، والعبرة بالآخر لا بالأول. # سار أحمد يقوده جيشه العرمرم، وكله آمال بالانتصار، فوصل إلى ضواحي جوقزين في سهل هناك ~~وعسكر. # وصل خبر الأتراك إلى البولانديين؛ فأحدث هرجا بين الجنود الذين لم يلبثوا أن سمعوا ~~نفيرا يأمرهم بالاجتماع، فاصطفوا، وخرج سوبيسكي من خيمته ممتطيا مركبه الأدهم الجميل إلى ~~أن توسط الجيش فوقف، ووجد في هذه الساعة أن خير مشجع هو أن يلقي على جنوده خطابة صغيرة، تبث ~~فيهم روح الإقدام، ولو أنهم كانوا في غنى عن أي مشجع. # ساد السكون، فلم تكن تسمع وقتئذ إلا ضربات القلوب التي لم تلبث أن هدأت حينما أدار ~~سوبيسكي رأسه، ونظر نظرة المرتاح إلى جنوده، وابتسم، وقال مقلدا هنيبال في خطابه إلى ~~جنوده: # أيها الجنود الشجعان # أدير رأسي وأوجه نظري فلا أرى أي ثغور باسمة، ولاوجوه نضرة دلالة على أنكم جنود ~~بمعنى الكلمة تريدون النصر، وسيكون إن شاء الله حليفكم. # إنكم اليوم ستقاتلون عدوا مخيفا، قاهرا، طالما سمعتم عن انتصاراته العديدة، ~~ولكن ذلك لا يمنعكم عن الانتصار، انتصارا باهرا يذكره التاريخ وكتبه، ويفتخر به ~~أبناؤنا من بعد. # كونوا متحدين قلبا وقالبا، تغلبون أعداءكم، وتسعدون وطنكم الذي هو في حاجة ~~كبيرة إلى الانتصار؛ إذ إنه يتوقف عليه سعادتكم أو ذلكم. # قاتلوا جنبا إلى ms29 جنب، ولا تجبنوا يتم لكم النصر، واعلموا أن العالم كله سينظر ~~إلى هذه الموقعة؛ إذ تهزمون قوما يقول عنهم بقية إخوانكم الأوربيون إنهم لا ~~يغلبون. # والآن هيا إلى الحرب، هيا إلى الأتراك. # فأجابه أصوات الجند التي تحركت وقتئذ للأمام؛ قائلة: «إلى الأتراك.» «إلى ~~الانتصار.» # فكان يجيبهم كصدى على صياحهم قول الأتراك: «الله أكبر»، «الله أكبر»، الذين تقدموا ~~باطمئنان نحو عدوهم. تلاقى الجيشان في سهل يطلق عليه الآن سهل تيرونوفتش، فأطلقت القذائف، ~~ولمعت السيوف، واحتلت السهل جنود عزرائيل، واكفهرت السماء، واغبر وجه الجو. # وفي أحرج أوقات المعركة بينما كانت ميمنة العثمانين زاحفة بانتصار، أمر أحمد كوبريلي باشا ~~أحد أركان حربه بالذهاب إلى بعض فرق الميمنة يأمرها بالانضمام إلى الميسرة؛ لأنها كانت على ~~وشك الانهزام لضعفها. # فبدلا من أن يطيع الأمر اختلط عليه الأمر؛ فذهب إلى الميسرة فأمر بعض فرقها بالذهاب إلى ~~الميمنة. # وبهذه الحالة أمكن البولانديون من التغلب على ميسرة الأتراك، ومن ثم تقدموا إلى القلب ~~فهزموه أيضا. # وفي هذا الوقت تم النصر للبولانديين؛ فتعقبوا الأتراك الذين التجئوا إلى قرية لمبرج ~~فدخلوها وعسكر الباقي هناك، وتوافدت الجنود العثمانية إلى لمبرج يتبعها قائدها أحمد كوبريلي ~~باشا الذي عول على القتال إلى النهاية. # أما سوبيسكي وجنوده فانتظروا إلى أن هجم الليل بجيوشه وساروا قاصدين لمبرج بآمال المنتصر ~~ليجهزوا على العثمانيين الباقين. # فوصل إلى المعسكر منتصف الليل فدوت أبواق الحراس، وقام الأتراك إلى سلاحهم، ولكن التعب ~~الذي لاقوه والنصب الذي قاسوه أثر عليهم، فلم يلبثوا أن انهزموا بانتظام تحت أستار الظلام، ~~وكلهم يردد قائلا: «إلى سهل كلاستكي.» # وهو أمر تلقوه من قائدهم الأكبر، فساروا جميعا إلى ذلك السهل الذي يشرف عليه ~~«كاميناك». # فلم ينبلج الصباح حتى كنت ترى معسكر الأتراك وخيمه في ذلك السهل مبعثرة هنا وهناك، ~~والجميع تحت سلطان النوم؛ فلم يؤذن مؤذن بالصلاة حتى كنت تراهم بملابسهم الحمراء كزهور ~~أرجوانية نابتة في سهل من الحنطة. # وأحمد باشا كوبريلي في خيمته يفكر في طريقة يهزم بها جون سوبيسكي؛ فأرسل العيون والكشافين ~~من القوزاق. ms30 # فلم يلبثوا أن أتوه بالخبر اليقين، وهو أن سوبيسكي معسكر في زراونو، فعول على مهاجمته ~~في مقره. # فجمع أركان حربه، وقسم جيشه قسمين، أمر الأول بالمسير تحت إمرة أحد كبار قواده سيف الدين ~~باشا، ولا يعلم أحد وجهته إلا قائده. # أما هو فإنه بعد يومين شد رحاله إلى زراونو وسار ميمما إياها. # الفصل السادس # | زراونو ومعاهدتها # يقول المؤرخون: إن «أحمد باشا كوبريلي» حاصر «جون سوبيسكي» في زراونو محاصرة عنيفة، ولكن ~~كان اسم سوبيسكي كافيا لأن يدع أحمد باشا وجيشه يسلم بعمل معاهدة مع البولانديين أهم ~~فقراتها أن يأخذ الأتراك بادوليا، والبولانديون الأكرين. # ولكن جميع من لهم ذرة من العقل والفكر يحكمون بأن هذه الحقيقة وهم كاذب لا نصيب له من ~~الصحة. # إذ كيف يعقل أن يحصر «أحمد باشا كوبريلي» «سوبيسكي» بفئة أكبر وأكثر من فئته ثم يسلم على ~~زعم أن اسم «سوبيسكي» كان كافيا لأن يدع الأتراك يسلمون؟ # رباه، إنهم كلما جاؤوا إلى حقيقة في جانب الإسلام قلبوها كذبا، فهم يحاربوننا في بلادنا، ~~في أموالنا، في نسلنا، في علومنا، بل وفي تاريخنا. # إن جيش أحمد باشا لو كان سنانير لكانت كافية لأن تسحق قوة سوبيسكي وفئته التي لا حول لها ~~ولا قوة، بل محصورة تحت رحمة الله ويد أحمد باشا، فالحقيقة المرة التي تصيب قلوب أولئك ~~المؤرخين هو أن أحمد باشا كوبريلي إما أنه سلم بعمل معاهدة حسما للنزاع، أو أنه وجد أنه ~~خير له أن يباشر هذه المعاهدة من أن يطيل أمد الحرب. # فقلبوا الآية، وقالوا: إن اسم سوبيسكي كان له رعب كاف لأن يجعل الأتراك يبرمون ~~معاهدة. # نرجع الآن إلى سياق الحديث، إذ تركنا أحمد باشا كوبريلي سائرا بنصف جيشه بعد أن أمر ~~النصف الثاني بالمسير قبل يومين تحت قيادة سيف الدين باشا. # وزراونو قرية محاطة بتلال عالية، احتلها جماعات البولانديين، وجعلوها كدرع يحمي المدينة ~~غوائل عدوهم المبين. # ففي السادس من شهر دسمبر سنة 1675 بانت طلائع الأتراك من الجهة الشرقية للمدينة فأصلتها ~~الحامية نارا من مدافعها جعلتها ms31 تقهقر للوراء، ومن ثم عسكرت بعيدا عن مرمى قذائف ~~العدو. # نسير الآن حيث سيف الدين باشا قائد النصف الآخر بأمر رتبه كوبريلي باشا، فقد ذهب هذا ~~البطل وقبلته زراونو، فسار قاصدا إياها، ولكن من طريق يقتضي زمنا كثيرا، وحدد له كوبريلي ~~باشا أن يهجم على المدينة من الجنوب نصف الليل تماما في ليلة 7 دسمبر سنة 1675، حيث يهجم ~~هو من جهة الشمال، وعلى هذا يمكنهما القضاء على سوبيسكي وآماله. # هجم الليل والسكون ضارب أطنابه مخيم على زراونو وضواحيها، والقمر يشرق آنا ويحتجب آخر، ~~والظلام سادل سترا على الجيش، فلم تكن تسمع إلا خطوات الحراس المنتظمة، ولكن في الساعة ~~الحادية عشرة أي قبل منتصف الليل بساعة كان المار بقرب معسكر الأتراك يرى حركة غير عادية ~~والكل في يقظة كأنهم على قرب أن يلتحموا مع عدوهم في موقعه. # وقبيل نصف الليل بقليل تحرك الكل بسكون حتى إذا كانوا على قاب قوسين أو أدنى من المعاقل ~~البولاندية احتجب القمر وراء السحاب، فزحفوا على بطونهم، ومن ثم أصدر كوبريلي باشا أمره؛ ~~فهللت تلك الجموع وكبرت، وهجمت هجمة الآساد على معتقليها. # التحم الجيشان، ولمعت السيوف، وكنت تسمع صفير الرصاص يمر كالوابل الهتون، فتقدم الشجاع، ~~وفر الجبان. # كانت هجمة الأتراك شديدة جدا بدرجة أن البولانديين تقهقروا قليلا بانتظام، ومن ثم ~~أعادوا الهجوم فكانوا على قاب قوسين أو أدنى من الفوز لو لم يحدث ما حدث. # وإليك أيها القارئ ما حصل: فإن سيف الدين باشا هجم بجيشه على البولانديين من الجنوب، ~~بينما كان الأتراك مبتدئين بالهجوم من الشمال. # ففازوا فوزا مبينا، وقهروا البولانديين، ودخل الأتراك فائزين، واتجهت منهم قوة كبيرة ~~إلى الشمال؛ لينجدوا كوبريلي باشا وجنوده؛ فجاؤوا في الوقت الملائم. # جاؤوا وقت أن بدأ البولانديون بتجديد الهجوم فحوصروا بين قوتين قويتين؛ فسلم من سلم وقتل ~~من حارب. # فلنقف هناك بعد الساعة الرابعة؛ حيث ابتدأ النهار أن ينبلج والصبح أن يتنفس؛ لنرى الأوصال ~~الممزقة؛ والجسوم المفرقة. # لنقف هناك حيث ضاق رحب الفضاء، بآكام الأشلاء، لنقف ولا تنقل قدما، ms32 فإن على الأرض ~~أجساما لم ينضب ماؤها، وقلوبا لم تجف دماؤها، ووجوها لم يزايلها حياؤها. # لنقف وتذكر قول أبي العلاء: # سر إن اسطعت في الهواء رويدا # لا اختيالا على رفات العباد # اللهم إن القلم ليقف بين الأنامل مشدود الوثاق، والقلب لينعصر من الجزع والإشفاق، ليسطر ~~نكبات الحرب ومصائبها ودواهيها وكربها، بل وما تجلبه على الأهلين من موت وخراب ديار، وتبديد ~~عائلات وضياع آثار، بل وما يجنيه العالم من رزاياها السافلة، فالمقهور يقاسي آلام ~~الانكسار، والمنتصر يتلذذ بنعمة الانتصار، ولكن كلاهما أضاع نفوسا زكية، وبدد أموالا، ~~وأسال دماء بريئة. # فالحرب داهية شعواء، فهي كغراب البين، ما وجدت في بلد إلا دمرته، وما الانتصار إلا غطاء ~~خفيف، إذا ما انكشفت ظهرت آثار الجرح التي لم تندمل، وبقايا المصائب التي لم تذهب ~~آثارها. # دخل أحمد كوبريلي باشا زراونو ظافرا منتصرا بعد أن سلمت له الحامية بأجمعها. # ولكن ذلك المنتصر الظافر أمر عند تسليم المدينة كف القتال، وعامل جيوش بولاندا الباقية ~~وقائدها جون سوبيسكي معاملة الخدن للخدن، فلم يتعسف ويستبد بهم، بل فاق في تلك الحالة في ~~الرحمة أولئك المتمدنين أبناء أوروبا في القرن العشرين، الذين يدعون أنهم ملائكة ~~الإنسانية. # وإنا لا نضرب مثلا بالبعيد الماضي، بل بالقريب الحاضر، بإيطاليا التي فتكت بالطرابلسيين ~~شر فتك، ومثلت بأسرى الحرب أشنع تمثيل، وفتكت بالأيامى والأطفال والأرامل، فكانت طرابلس ~~مدينة النجيع حقا؛ فالدماء تدفع، ورؤوس الأبرياء تقطع وقلب المدنية عليهم يتوجع. # اجترمت إيطاليا ذلك الجرم في رابعة النهار على رؤوس الأشهاد، وأوروبا واقفة ناظرة بعين ~~وضع عليها حجاب ولسان أخرس لا ينطق، خرقت المعاهدات والمحالفات، ولم تحرك أوروبا ساكنا ~~كأن لم يحدث هناك حادث. # نرجع إلى زراونو لنرى الرحمة، وكيف تكون، والرأفة وكيف يصير مبلغها؟ وذلك في وسط القرن ~~السابع عشر، أي حينما كانت أوروبا لا تزال، ومحكمة التفتيش راسخة الأقدام بها، والاضطهاد ~~الديني منتشر بها، والخزعبلات قائمة على ركن متين. # ذهب أحمد باشا إلى سوبيسكي في قصره، وقد كان يبكي آسفا على انتصار أعقبه خذلان، ولكنه ms33 ~~عزى نفسه بجوقزين ولمبرج، تقابلا فأنست سوبيسكي رؤية أحمد باشا كل ما كان يقاسيه من آلام، ~~وما يعانيه من متاعب. # وقد كانت نتيجة تلك المقابلة عقد معاهدة أطلق عليها اسم زراونو، وكانت هي التي يقول عنها ~~المتخرصون الساسة الاستعماريون، والمؤرخون الذين يراعون في تاريخهم حب النفس والأنانية: ~~إنها نتجت عن خوف الأتراك من سوبيسكي، كانت نتيجة المعاهدة وأهم فقراتها: أن تأخذ تركيا ~~بادوليا وأن تأخذ بولاندا الأكرين على شرط أن تدفع لهم كل سنة جزية مخصوصة. # انتهت الحرب على خير، فسار أحمد كوبريلي باشا ووجهته القسطنطينية، فكان هذا آخر عهدنا به، ~~أما جون سوبيسكي فإنه توجه وقبلته وارسو محط رحاله وآماله. # سار إلى حيث يدعوه غرامه الطاهر، وحبه الشريف، سار إلى حيث يلاقي صوفيا، تلك التي كان ~~خيالها لا يبرح ذهنه طول هذه الحرب الشعواء. # فسار حيث يلاقي غرامه ومجده، فإنه بلا شك كان منتظرا من الأمة والحكومة أن يكافئاه على ~~ما قام به لهما من خدمات جليلة، لولاه لكان قضي الأمر، وصارت بولاندا مستعمرة تركية. # فلنسر معه حتى نرى كيف تكافئ الأمم الحية قادتها، بل كيف تفرح الشعوب بمنقذيها، وكيف ينال ~~العاملون من خير رغما عن سعي أعدائهم وكيدهم، والله يجازي كلا على قدر عمله، إنه خير ~~المحسنين. # الفصل السابع # | في وارسو # سار سوبيسكي خارجا من وارسو في أول الحرب قاصدا ميدانها وبلاده تنظر إليه بعينين ~~تائهتين كفتاة عذراء هجم عليها عدو ليغتصبها أو كاد؛ فبرز إليه من حيث لا يعلم قرن يناجزه ~~فتناطحا وتبارزا. # هلعت الفتاة فاحتبست أنفاسها، ووقفت دقات قلبها، وسرى الدم باردا في عروقها، منتظرة ~~نتيجة الكفاح لترى هل ينصر الله منقذها أم يرديه فتموت معه. # هكذا كان شأن وارسو مع الأتراك وسوبيسكي؛ فإنها كانت ساكنة هادئة، والأهلون لا ينبسون ~~ببنت شفة، كأنما على رؤوسهم الطير، منتظرين وصول الأتراك بخوف وقلق. # حتى إذا ما بلغهم خبر جوقزين وانتصار سوبيسكي فيها هبوا كأنهم كانوا في قيود وانطلقوا، ~~فكانت أصواتهم بالغة عنان السماء، ولا غرو فإنهم انتصروا على ms34 الأتراك خير أمة حربية أخرجت ~~للناس. # ومن ثم وصلهم خبر لمبرج فزادهم سرورا على سرور، وصار ليل بولاندا نهارا، والاحتفالات ~~آخذة مجراها، والشعب قد نسى إساءات نبلائه فاحتفل معهم بالانتصار. # وكيف لا ينسى في ذلك الوقت وهو زمن الفرح، زمن سرور الأمة. # ولكن في وسط تلك الاحتفالات اعتلت صحة ميخائيل مليك بولاندا وأميرها، وكانت صحته كل يوم ~~تنتقل من سيئ إلى أسوأ، وكان الأمل في شفائه قليلا جدا. # فكان البلاط مقر النبلاء كل يوم، والأطباء من كل جانب، كل يسعى جهده ليخفف آلامه. # والمقربون منه يقولون: «أفي ساعة السرور والنصر تعتل صحة المليك؟» ولكن الشعب كان لا ~~يهمه؛ مات الملك أو عاش، فإنه لم ينس أنه الرأس المدبرة، وأن النبلاء إنما كانوا اليد ~~المحركة لإساءته؛ فلم يعبؤوا بمرضه أو موته. # بخلاف ذلك: إذا كان الملك مراعيا خير شعبه ودولته؛ فإنه إذا اعتل لبست الأمة عليه ثياب ~~الحداد، وتكدرت من طفلها إلى شيخها، ولا غرو فإن الرأس الصالحة إن مرضت مرض باقي ~~الجسم. # أصيب ميخائيل بفالج عجز نطسة الأطباء عن مداواته، فكان هناك سؤال يدور في خلد جميع ~~النبلاء، «وهو» من سيخلفه على عرش بولاندا ولا وريث له؟ إن الديت إذا اجتمع فلا بد أنهم ~~ينتخبون سوبيسكي. # وهكذا أتى اليوم السادس من شهر فبراير سنة 1676، ومات ميخائيل، فاحتفلت بجنازته؛ حيث دفن ~~باحتفال لائق لمليك مثله. # ولكن تلك الحفلات التي قامت كان الشعب لا يشاركه فيها، فكانت حفلات خالية من الروح ~~الوطنية، والأسف العام. # وفي عصر ذلك اليوم عينه وصل وارسو جندي بولاندا يحمل رسالة إلى الكونت سمولنسكي رئيس ~~الديت من جون سوبيسكي، فاجتمع النبلاء في الحال، ولما انتظم عقد المجلس قام الكونت رئيس ~~المجلس خطيبا، فقال: # أيها الإخوان # إنكم بلا ريب تعلمون خبر انتصار جنودنا الظافرة على الأتراك في واقعتي جوقزين ~~ولمبرج، وإنه لانتصار سيذكره التاريخ، ويتحدث به الحربيون في كل آن. # وقد حوصر قائدنا الهمام جون سوبيسكي في قرية زراونو وهاجمهم الأتراك، ولكنهم أوقعوا على ~~عمل معاهدة هي في جانبنا ms35 أكثر مما هي في جانبهم. # تلك المعاهدة تقضي أن يأخذ الأتراك بادوليا، ونأخذ نحن الأكرين مع دفع جزية ~~معلومة. # وهي نتيجة لو تعلمون باهرة، كان الساعي في تحقيقها جون سوبيسكي، الذي كد واجتهد لينتصر ~~ذلك الانتصار الباهر. # والآن فقد مات الملك بلا وريث؛ فوجب على المجلس أن ينتخب رجلا يقوم مكانه، فلنؤجل ~~اجتماعنا إلى الغد؛ لأن المسألة في غاية من الأهمية، وإن غدا لناظره قريب. # انتشر خبر رجوع سوبيسكي إلى وارسو؛ فعم الفرح أرجاءها، ورقصت القلوب طربا، وكان أشدها ~~فرحا قلب صوفيا، تلك الحبيبة التي كانت تقضي وقتها مصلية له داعية بالنصر والفوز، حتى إذا ~~وصلها خبر رجوعه كاد يثبت قلبها من الفرح، وقبلت سرجيوس خادمها الأمين بين عينيه جزاء ~~لتلك البشرى التي لا يعادلها شيء. # لو عمر أحد البولانديين الأمناء إلى أبريل سنة 1908 وشاهد دخول شوكت باشا ظافرا، بل ولو ~~رأى بعينيه احتفالات الأتراك ومعالمهم لقال: «حقا إن التاريخ يعيد نفسه.» # ولا ريب فقد كانت وارسو بعملها هذا تكافئ من أنقذها من الموت وهيأها لأن تكون مملكة قائمة ~~مستقلة. # وصل الجيش وعلى رأسه جون سوبيسكي قبيل الغروب، فكانت وارسو شعلة من نار، بل كما قال ~~أحدهم: لم يعرف لها في ذلك اليوم ليل. # فقد كان في كل منزل احتفال، وفي كل طريق أعلام وسرادق، كل ذلك ليظهر البولانديون بمظهر ~~العارفين للجميل، المقدرين الرجال حق قدرهم. # وفي منتصف الليل بينا كان الاحتفال بالغ أشده، والقوم لاهين غير محتفلين إلا بما هو ~~أمامهم، انسل جون سوبيسكي من بين إخوانه النبلاء إلى الخارج؛ حيث سار ميمما غار السعادة ~~ليلقى من يحب بعد أن غاب عنها زمنا مديدا. # فكان قلبه يكاد يثب من بين جنبيه في الطريق حتى إذا وصل إلى الغار وجد صوفيا واقفة فاتحة ~~له ذراعيها. # فكانت مقابلة تجلى فيها الحب الطاهر بأسمى معانيه، وشوهد فيه مغرمان فرقتهما أيدي ~~الدهر، ومن ثم سمحت لهما بالتلاقي، جلسا وكل ينظر إلى وجه الآخر ليشبع منه النظر إلى أن ~~قالت صوفيا: إيه أيها ms36 الحبيب، تلك فرص سمح بها الدهر فتلاقينا بعد أن كنت سائرا في مواطن ~~الخطر، ورجعت بحمد الله سالما، إن فرح وارسو وأهلها لا يعادل شيئا من فرحي أنا التي كنت ~~أهتز كالسنبلة حركتها الريح فرحا بانتصاراتك على أمة كالأتراك. # وساعة وصلنا خبر حصار زراونو كاد قلبي تقف دقاته، ودمي يجف مع عروقي، وتجلى أمامي شبحا ~~للموت يريد أن يخطف روحي، وما أحلاه! فإن الموت يحلو إذا عيش السرور مضى، وكيف تحلو الحياة ~~وأنت بعيد عني؟! # وكانت صوفيا تتكلم وسوبيسكي سكران بخمرة الانتصار والحب، إلى أن انتبه وقد قبلته صوفيا، ~~فقال: الآن أيتها الحبيبة زالت الأشجان، وولت الأحزان، وابتسم ثغر الدهر بعد عبوسه، ونجا ~~الوطن المفدى، وأديت واجبي، فلنبادل بعضنا غراما شريفا طاهرا، وحبا عذريا. # فآه أيتها المحبوبة! كم كنت أفكر في تلاقينا بعد تلك الحرب الشعواء، وهل نلتقي؟ # ولكن هي العناية الإلهية تساعد المخلص وتقوي مركزه، وأنا قسما بحبنا الطاهر، والسماء ~~اللازوردية، والشمس والقمر، لا يتأثر مثلي على هذا الوطن الأسيف الذي سوف يلاقي حتفه إن لم ~~يلاق قائدا رشيدا، ولا يغرك ظواهر النبل التي على وجوههم، فإن بين تلك الجوانب قلوبا ~~كقلوب الذئاب وأشر، وتحت تلك الثياب شراهة النمر وفتكه، وبين تلك الرؤوس عقول أشد حلكا من ~~السواد. # فأنا أسأل الله أن يبقي هذا الوطن، وأن يقيض له من أبنائه من يقوده في دجى المشاكل، ~~وغوامض المسائل بيد رشيدة، تعرف الصالح من الطالح، وذلك بعد موتي، وأما غرامي أيتها ~~الحبيبة؛ غرامي الذي أقدسه وأعبده، أنت تعرفين ذلك، وبرهاني عيناي وقلبي، حركاتي وإخلاصي، ~~وأنت على علم من ذلك كله. # والآن فاعلمي أن الانتخاب سيكون باكرا، فبعيده سأقدم لأبيك طلبي لأكون زوجك، فإني ~~على ما أرى صرت كفؤا لأن أخطب إلى نفسي ملاك وارسو الحارس، وأجمل غادة في الوجود، والآن ~~أيتها الحبيبة آن الصبح أن ينبلج، فهيا بنا، وموعدنا بعد غد في منزلكم؛ حيث أتقدم طالبا ~~يدك. ~~- ساعدك الله أيها الحبيب في انتخابك وقرانك. دعوة صادرة من قلب يحبك ويهواك، والآن ms37 إلى ~~الملتقى. # افترقا، فسار سوبيسكي إلى منزله مخترقا طريق جونسكي، فوجد جماهير الشعب ترد زرافات ~~ووحدانا، فعلم أن الانتخاب أيقظ الشعب، وأن ذلك الحيوان - كما يلقبه إخوانه النبلاء - قام ~~ليطالب بحقوقه المهضومة. # الفصل الثامن # | الانتخاب (سعادة الأمة بعدل الأمير) # أشرق فجر يوم الثامن من شهر فبراير سنة 1676 وسكان وارسو لم يغمض لهم جفن، فقد قضوا ليلهم ~~في احتفالاتهم بانتصار سوبيسكي على الأتراك، وإنهاء الحرب بسلام، كما كان يود كل محب ~~لوطنه. # وقد زادهم يقظة على يقظة: أن في الغد سينعقد الديت لانتخاب ملك على بولاندا ليبتدئوا حياة ~~جديدة غير حياتهم الأولى. # حياة متعلقة بذلك الذي سينتخبونه، فإن كان من أولئك النبلاء المتشبثين بعاداتهم القديمة ~~كميخائيل ذلك الملك الضعيف الإرادة، المسلم أموره إلى نبلاء أضعف منه رأيا وأقل عقلا؛ ~~فإنهم ولا شك ملاقون حياة تبدأ بالاستبداد وتنتهي بالموت، حياة يقضونها تحت نير الظلم، ~~يستغيثون ولا من مغيث. # أما إذا انتخب رجل من رجال الأمة المحبين لخيرها، الساعين لمصالح الشعب، الساعين في تقويض ~~أركان الظلم، وإقامة معالم العدل؛ فإنهم بلا شك سيحيون حياة طيبة يكون لبولاندا منها الشطر ~~الأوفر. # وعلى هذا؛ فقد كان أمر الانتخاب مهما جدا؛ لدرجة أن وارسو ازدحمت بالوافدين من القرى ~~والضواحي ليشاهدوا انتخاب مليكهم الذي عليه تتوقف سعادتهم أو مصيبتهم. # سار الشعب كالسيل المنهمر، فكان طريق جونسكي يتموج بذلك البحر الزاخر المنتظر نتيجة ~~الانتخاب بفروغ صبر. # وكان النواب يفدون كل بعربته، فيفتح له منفذ في ذلك البنيان المتماسك إلى باب المجلس، ~~فيصعد. # دقت الساعة النصف بعد الثامنة، فأقبلت عربة كان الراكب فيها ذلك الرجل العظيم «جون ~~سوبيسكي». # فما رآه الشعب حتى افتر عن ثغر باسم وصاح قائلا: «ليحي سوبيسكي»، «ليحي مليك اليوم»، ~~«ليحي منقذ الوطن»، «ليسقط الظلمة» وهكذا صار جون سوبيسكي كالعروس يزفها الشعب إلى أن وصل ~~إلى باب المجلس، فصعد وهو يقول: (مليك اليوم يا ليتها تحقق فأقوم بأمتي) ومن ثم اكتمل نظام ~~الجلسة فنادى مناد بالانتظام. # وقف الكونت سمولنسكي، فقال: # أيها الإخوان # إن قضيتنا اليوم ms38 قضية أمة، بل قضية شعب يصيح طالبا ملكا يضع ذلك التاج على ~~رأسه، فليكن التروي قائدنا، والاطمئنان رائدنا. # مستقبل الأمة بيدكم، فانتخبوا من ترون فيه الكفاءة لأن يتولى قيادتنا، وليضع كل ~~منكم رأيه في ورقة ويقذفها داخل هذا الصندوق. # وما انتهى الكونت من خطابه حتى فتح باب القاعة عنوة، ودخل رجل لابس لباسا يدل على أنه ~~أحد العمال من الشعب، فأدار وجهه، ثم استقر نظره أخيرا على رئيس المجلس الكونت سمولنسكي، ~~فقال له: # أيها الكونت، ويا أيها النواب # أنا إن تصديت للكلام هنا في هذا المكان؛ أي حيث لا يدخل إلا النبلاء والنواب؛ ~~فإنما أنساق إليه بقوة الواجب؛ لأن أطهر سمعة الشعب وشرف الأمة التي أنا ~~منها. # وإن هذا المجموع الواقف تحت نوافذ المجلس منتظر بفروغ صبر أن ينتخبوا ما قد ~~انتخبه هو أيضا. # أتعرفون يا حضرات النبلاء من هو؟ إنه أوفدني لأقول لكم إنه انتخب ذلك الذي أنقذ ~~بولاندا، ونجاها من عدوها المخيف، وكان في كل وقت نظير صداقته للشعب والأمة، إنه ~~جون سوبيسكي أيها السادة. # وفي الوقت نفسه سمع من تحت نوافذ المجلس أصوات كهدير الأمواج وهي تصيح «ليحي جون ~~سوبيسكي» «ليحي مليك بولاندا». # وكان العامل يتكلم ويعلن هذه الأقوال، والشمم ظاهر على وجهه مشوب بالحياء والشرف، وهو ~~يتكلم ببساطة، إلى أن قال: والجيش أيها السادة مقر على انتخاب سوبيسكي؛ إذ كيف لا ~~ينتخبه وهو قائده الذي كان له الفضل الأكبر في انتصاراته الأخيرة؟! # وأنا أتنحى تاركا لضميركم الحر أن تساعدوني، أنا مندوب الشعب الذي به حياة الأمة في ~~تحقيق فكرته. # وهنا قام الكونت رئيس المجلس، فقال: # أيها الرجل، بل يا مندوب الشعب # اعلم أن الانتخاب سيكون سريا، وسينتخب بأغلبية الأصوات، فقل للشعب أن يطمئن ~~فإن الحق سيجري مجراه. # والآن أيها الإخوان ابتدئوا في الانتخاب؛ فإن الوقت قد حان لأن يجلس على عرش ~~بولاندا أمير يقودها؛ لأن تكون مملكة حرة عاملة، وقد نطق الكونت بكلامه هذا وهو ~~مطمئن على مركزه؛ فإنه علم أن الشعب في جانب سوبيسكي، والعاقل ms39 من اتخذ الكفة ~~الراجحة. # كتب كل نبيل ما يريد في ورقة وقذفها في الصندوق، وابتدأ الرئيس يفتح الأوراق. # فنال الأغلبية جون سوبيسكي إذ نال 123 صوتا، ونال الكونت تيروفسكي أغنى أغنياء بولاندا ~~92 صوتا، أما الخمسة والأربعون الباقون فكانوا متفرقين بين النبلاء الآخرين. # وفي الحال أطل الكونت سمولنسكي من شرفة المجلس، ونادى الشعب قائلا: «تم الانتخاب وصار ~~سوبيسكي ملكا على بولاندا.» # وفي هذا الوقت انتشر الخبر في وارسو انتشار الهباء، فقامت لهذا الخبر وقعدت، والبولانديون ~~يصيحون صياح الجذل الفرح المستبشر بالمستقبل، كأن الله ضمن لهم السعادة، ولم يدروا ما خبأ ~~لهم الحظ في صفحات كتابه. # تم الأمر كما أراد الشعب، وتوج سوبيسكي ملكا على بولاندا، ولم يلبث أن أعلن رغبته في ~~اتخاذ قرينة له تشاركه سعادة الحياة، وأن يتقدم له الكونت سمونسكي ليخطب ابنته ~~صوفيا. # فكان فرح الشعب في هذا الوقت مضاعفا؛ فقد اقترن سوبيسكي بصوفيا ملاك وارسو التي يحبها ~~الشعب من كل قلبه، ويريد لها الخير. # أما عن يوم اقترانهما فلا تسل عن فرح الشعب وحبوره بهما. # وعلى كل حال فإن سوبيسكي نال ما تمنى واقترن بصوفيا، فابتدأ يكد لسعادة مملكته. وكيف لا ~~وهو مدين لها بحياته وعزه وشرفه، ونجاحه في غرامه؟ # كيف لا يكد ليرقيها وسعادتها مرتبطة بسعادته؟ إذا سقطت سقط، وإن ارتقت ارتقى، والملوك ~~بأممهم، فكان سوبيسكي في حياته مثالا للملك العادل المحب لرعيته، المتفاني في إحيائها، ~~المرخص حياته وكل ذلك في سبيل ارتقائها. # أما الشعب فقد كان في مدة حكمه غارقا في الرفاهية والعز، لا يقاسي آلاما كالتي كان ~~يقاسيها في الزمن الماضي، فقلل الضرائب والجبايات، وسعى سعيه المشكور في إقامة جيش يدافع عن ~~المملكة وحدودها. # وأقام على ولايات مملكته ولاة ممن على مشربه، اتخذوا العدل ديدنا لهم، فسعدت العباد، ~~واستراح الشعب، وكنت إذا جلت في بولاندا لا تسمع إلا آيات المدح تنظم عقودها في ذلك المليك ~~الذي لم يترك لحظة تمضي من حياته دون أن يسعى ليريح أمته، ويهيئها لأن تكون مملكة قائمة ~~برجالها. # وإنا ms40 إذا كنا نريد مثالا للحياة الطيبة فإن حياة سوبيسكي كانت خير مثال. # فقد كانت حياته المنزلية مثال الدعة والسكون، وإنه ليغبط على ما هو فيه، كما قال «قاسم ~~أمين»: # إذا كان هناك إنسان جدير بالحسد فهو الزوج المحبوب. # أما حياته الخارجية: فكانت نعم الحياة؛ إذ لا خير من ملك ارتكز عرشه على القلوب، وسوبيسكي ~~ذو عرش ثابت يحبه شعبه وجنده، وعلى هذه الحالة استمرت بولاندا ترتقي تحت إمرة تلك العائلة ~~الكبيرة؛ فكانت بين الممالك التي يخاف جانبها، إلى أن وقعت تلك الحروب الكبيرة بين تركيا ~~وروسيا فكانت بولاندا مرسحا للخراب؛ إذ لا ويل أكبر من الحرب. # فكان لا بد من التهامها، وحيث إن كاترين كانت ترى الممالك الأوروبية فاتحة عيونها فشاركت ~~معها النمسا وألمانيا. # وهكذا تعاون الثلاثة على ابتلاع بولاندا ومحو اسمها من عالم الوجود، وإضاعة آثارها من ~~الدنيا. # ولم ذلك؟ # لأنها وقفت في سبيل إحداهن فضربتها الضربة القاضية، وإنما كان ذلك لأن القائمين بالأمر ~~فيها كانوا من أمثال ميخائيل ضعاف الإرادة فوقعوا، ولم يكن هناك رجل كسوبيسكي يقود جيشا ~~كجيشه سنة 1676. # وعلى هذا كانت نهاية بولاندا، فعفت آثارها، وراحت ضحية الجشع الاستعماري، والطمع ~~الإنساني، وتألبت عليها ثلاث دول من خيرة الدول التي تتمشدق بإدعاء المدنية والبر ~~بالإنسانية فأماتتها. # إيه بولاندا، تأكدي أن لك في قلوب المحبين الحقيقيين للإنسانية أثرا لا يمحى، وذكرا لا ~~يبلى ما كر الجديدان وما هبت الصبا. # | التقسيم الأخير # ماريا وكاترين وفريدريك # أتى على بولاندا حين من الدهر بعيد حديثنا الأول عنها، فما لبث أن اختل نظام الأمور ~~فيها، وقام كل نبيل في قصره كأنه ملك متوج يدبر أرضه كأنه سيد العالم المطلق. # أما سكان مقاطعته فكانوا كالعبيد يمثل بهم تمثيلا؛ كأنه خالقهم أو أكثر، وعلى هذه الحالة ~~صارت بولاندا إلى القهقرى خطوة كبيرة، ورجعت إلى الوراء شوطا كبيرا. # أما ملكها فقد ألقى مقاليد أموره إلى وزراء لا هم لهم إلا الحصول على الوظيفة، حتى إذا ~~تم ذلك لهم تمسكوا بأهداب التزلف والتملق للملك، محبذين كل ms41 عمل، مقرظين لكل مشروع، سواء ~~أردى البلاد أو أماتها. # وهم يكنزون الذهب أكواما، فكانت الحالة تشبه تلك التي كانت تركيا عليها أيام رب ~~القسطنطينية، مشبع الحوت من لحوم البرايا، نزيل سلانيك عبد الحميد خان. # وفي هذه الآونة كانت دول أوروبا واقفة لها كالسنانير تنتظر وقوع الجرذ لتقتسمه. # قال جمال الدين الأفغاني للسلطان عبد الحميد يوما: «يا أمير المؤمنين، إن الحيوانات التي ~~تأكل لا تؤكل.» # ويا لها من كلمة جمعت فأوعت من صحيح الحكم ما لو فقه له عبد الحميد بقي للآن متربعا على ~~عرش الخلافة! # وعلى هذا النسق وقعت بولاندا، فإن الدول لما علمت أنها ضعيفة الجانب، ذليلة القدر، لا ~~يمكنها حماية نفسها بجيش يدافع عنها ويذود عن حوضها، اجتمعت ثلاث منها؛ فقسمتها بينها كقطعة ~~اللحم تنهشها ثلاثة كلاب كلية. # أما هذه الدول فقد كانت روسيا وعلى رأسها كاترين الثانية التي يقول عنها المؤرخون: إنها ~~روح نابليون تجسمت في جسم امرأة. # وألمانيا وملكها فريدريك الأكبر خير من تولى إدارة الأمر فيها، بل أعظم ملك تربع على دست ~~أمورها. # والنمسا ومليكتها ماريا تريزا التي كانت من خير الأميرات يذكرها التاريخ بكل خير لدفاعها ~~أمام فريدريك في الحروب السياسية. # وقد استوزرت كاترين وزيرها تومكين الذي كان أول من أيقظ في فكرتها محاربة الدولة ~~العلية. # فأخذت كاترين في حربها هذه جميع الولايات التي في شمال البلقان حتى إنها كادت تغص من كثرة ~~ابتلاعها الولاية إثر الولاية. # فوجب إذن عليها أن تشركها تلك الممالك الأخرى الواقفة لها بالمرصاد ليمكنها أن تنال ~~مآربها في جهة أخرى: «أطعم الفم تستح العين». # فعقدت لذلك محالفة ثلاثية سرية؛ ضمت وإياها النمسا وألمانيا، فقسمت بولاندا التقسيم الذي ~~انتهى بابتلاعها وضياعها. # إن ألعن تلك المحالفات التي يعقدها أولئك الأوغاد السفلة المستعبدين للإنسان، المقرين على ~~استبداده، الذين يشيدون دولا للظلم على جدار من دماء الإنسان وعظامه. # بأي حق أكون أنا في منزلي، ويكون حالي مختلا، ونظامي معتلا، فيدخل الغريب بجراءته ~~مدعيا أنه يريد إصلاح ذات البين. # ماله ومالي؟ لم لا يدعني ms42 مستريحا بعيدا عنه وعن سفالته وتعديه أن يقول إن ذلك باسم ~~الإنسانية والمدنية، ورعاية الحقوق؟ # ألا لعمري إن الإنسانية لبريئة من قوم أدنياء؛ يدخلون بيوت غيرهم بدعوى أنهم يريدون ~~إصلاحها. # خير لهم أن يتركوا البيت لصاحبه، والبلاد لأهلها، والأوطان لسكانها، ولا يدخلوها فيعكرو ~~عليهم صفو الحياة ولذة المعيشة، يدخلونها وكأنهم رسل عزرائيل يتقدمهم الموت، ويسير بين ~~أيديهم الردى. # مالك أنت أيها الأجنبي النازح ليصلح وطنا غير وطنه، المتطلع لبلاد غير بلاده؟ ألا خير لك ~~أن تهتم ببلادك قبل أن ترحل إلى أخرى لتسلب أهلها الراحة أو تحتلها باسم الإنسانية وهي براء ~~منها؟ # لنرجع إلى حديثنا الأول إذ تركنا بولاندا تقسم كأنها سقط المتاع. # قام من وسط البولانديين جورج كوسكيوسكي، ذلك الرجل الذي يلقبه التاريخ بالبولاندي الوطني ~~الحر. # وإنه لجدير بهذا اللقب وأكثر؛ فإنه قام في وجه ثلاث دول كبار تعتبر من أعظم دول الأرض ~~مكانة، واستمر يجاهد ويناضل لا يعرف اليأس إلى قلبه سبيلا، فكأنه كان متحققا أن الله ~~ناصره؛ فلم تتزعزع ثقته بنفسه وبجيوشه. # ولكن الذي أسقطه ودك عزيمته هو مقاومته لثلاث دول مرة واحدة، فكان كناطح صخرة ~~ليوهنها. # وعدا ذلك فإن سعي روسيا المتواصل في ضم القطعة التي أصابتها من التقسيم كان قاطعا لآمال ~~جورج وأمانيه. # فقد انتشر العمال الإداريون الروسيون في أنحاء المملكة، وزاد استبدادهم وعم، حتى ضج ~~الآهلون لذلك، وقاموا كلهم يتألمون لحريتهم المفقودة، ولكن اليد الاستبدادية كانت شديدة ~~الوطء، فضربتهم بيد من حديد، أخمدت بها أنفاس تلك الوطنية المستعرة، وأطفأت بحر أنفاسها ذاك ~~اللهيب المتقد. # ولكن الوطنية الحقة لا تمحى أبدا ولو عاكسها الدهر، وناوأها الزمن، ولا ريب في ذلك؛ ~~فإنه واجب محتم، يجب على الإنسان حفظه وكتابته بحروف من نار، خصوصا إذا كان وطنه مهانا ~~ضاعت حقوقه. # ومن هذا الصنف كان وطنية كوسكيوسكي، فإنه لبث يناضل حتى قبض عليه في مؤامرة، فقتل برصاص ~~الروس، وراح ضحية حب الوطن. # ولا زال البولانديون يقاومون إلى اليوم حكم أولئك الممالك الثلاث، ويجتهدون في التخلص من ~~استبدادهم، ولكن ms43 لم يحن الوقت الذي تستقل فيه بولاندا المعدومة الذكر، والتي سوف تسمع عن ~~قريب بأنها نهضت فزعزعت القيصر في سان بطرسبرج، والإمبراطورين في برلين وفينا. # فيا أيها البلد الأمين الذي قضى عليه الإنسان بالزوال، وحكمت عليه سنة الجشع الاستعماري ~~بالضياع؛ فذهب ضحية لسفالة الإنسان ودناءته، تيقن أن ذكراك لا ينساها إنسان، ولا يخطر لك أن ~~تلك الحوادث التي انتهت بانمحائك يطويها عالم النسيان، وأن البلاد المستعبدة إذا ذكرت ~~مصيبتك هانت مصائبها. # وأنت يا روح جورج كوسكيوسكي خير وطني مثل على مرسح الفضيلة دوره بإتقان، تأكد أن حبك ~~وذكراك راسخة في الأذهان، لا تبلى ما كر الجديدان. # وكيف تفنى وأنت قدمت نفسك قربانا لوطنك المقدس، وفدى لبلادك المحبوبة، فكنت خير مثال ~~يتبع في الوطنية، وصار الكل يلهج باسمك والشكر قرينه، والمدح خدنه. # أي كوسكيوسكي نم في قبرك واسترح، فقد صنعت الواجب وزيادة، جاهدت إلى أن قتلت في سبيل حب ~~الوطن. # فإن ذكر الوطنيون فإنك في مقدمتهم. وإن عد الشهداء فأنت في أولهم، فيا أيها القائمون ~~في وجوه الأعداء، المتقدين حمية لإنقاذ أوطانكم من البلاء، إذا أردتم مثالا صادقا تتخذوه ~~لكم في أعمالكم آية وشعارا؛ فخذوا حياة جورج كوسكيوسكي، فإنها ذخيرة من خيرة الآثار، ~~ولقنوها أبناءكم من بعدكم، وذروهم يحفظونها في قلوبهم، لتعلمهم حب الوطن وكيف يكون، بل كيف ~~يسهل فيه شرب كأس المنون. # ودانتون يقول: «إذا أردت أن تتغلب فأقدم ثم أقدم ثم أقدم.» ومصطفى كامل كان ينادي: «لا ~~معنى للحياة مع اليأس ولا معنى لليأس مع الحياة.» فجاهدوا في سبيل بلادكم، فإن مصر تناديكم ~~أن اعملوا على خيرها، وكونوا يدا واحدة حتى يمكنها أن ترتجي منكم خيرا فتستقل استقلالا ~~مشهودا يذكره العالم والتاريخ، والله يجازي كلا على قدر عمله إنه خير المحسنين. ms44