######OpenITI# #META# URI: 1374AhmadZakiAbuShadi.MamlakatCadhara.Hindawi25868084 #META# Tags: novels #META# ID: 25868084 #META# Title: مملكة العذارى #META# AuthorID: 63709470 #META# Author: أحمد زكي أبو شادي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # | مملكة العذارى # | مملكة العذارى # تأليف # أحمد زكي أبو شادي # | الفصل الأول # - «لا فائدة يا أمين من نقاشي، فهكذا خلقت ... هكذا تكويني وميولي ... هكذا أنظر إلى الحياة، ~~ولست شاكية ... وما أنا يا ابن عمي بالتي تجهل مواهبك وشمائلك ... ولو كنت من تستسيغ الحياة ~~الزوجية لما وددت سواك زوجا لي، ولكني أنفر منها ولا أهرب من مسئولياتها كما تدعي.» ~~- «بل أنت تهربين من هذه المسئوليات يا بثينة، ومن أجل ذلك تكبتين عواطفك كبتا وتتذرعين ~~بالمنطق المعكوس لإيهام نفسك وإيهامي!» # دار هذا الحوار ختاما لنقاش طويل في منزل بثينة ... كانت الفتاة في العقد الثاني من العمر، ~~ولكنها في تفكيرها وحوارها تبدو كأنها في العقد الرابع. كانت رشيقة هيفاء صبيحة الوجه ذات ~~نضارة وجاذبية هما التعريف الناطق بالصبا والحياة، وعلى جدها كانت كثيرة الدعابة إذا ما ~~تهيأت الفرصة لها أو طاب لها أن تخلقها. لا يستطيع الناظر إليها أن يصرف نظره عنها في سهولة ~~دون أن يدري سرا لذلك يستطيع تحديده وإن عمم الواصفون في نعته «بالسكس أبيل». لم تكن ~~رائعة الجمال ولكنها في مجموعها بشخصيتها وتكوينها كانت نموذجا خلابا لأنوثة مهذبة، وهي ~~هي التي تتبرأ من أنوثتها. كانت بعينيها النجلاوين وتقاطيع وجهها السمح وبألفاظها الموسيقية ~~الناعمة وبحركاتها الرشيقة وبدماثتها الحلوة وبأحاديثها الفاتنة وبثقافتها العصرية التي ~~اكتسبتها من كلية الأمريكان وبمسحتها السكندرية الخاصة وبرقتها - على الرغم من تصنعها ~~الرجولة أحيانا - كانت بكل هذه الصفات وبتحاشيها التزين النسوي المألوف، صورة من صور ~~الطبيعة الجميلة التي تعبث بها يد الإنسان ... ولا يراها الفنان الشاعر إلا استساغها قصيدة ~~وهاجة لشاعر عبقري مفطور حبس الشعر في نفسه أمدا ثم أطلقه مجلجلا رائعا خلابا دون تصنع ~~ودون بهرج كأنما الطبيعة سكنت طويلا قبل أن تجيش بخلق هذا النموذج الفذ ... ولا يراها ~~الفيلسوف إلا ms01 عرف معنى جديدا للحياة، وحقد على الموت كيف يمكن أن يمتد يوما ما إلى مثل ~~هذا الهيكل المقدس، وعجب من الإنسانية التي لا تعرف معنى السعادة في ذاتها، وأمامه المثال ~~الذي يرضي العقلين الواعي والباطن معا، وفي إرضائهما معا استكمال السعادة ... ولكن هذه ~~الربة المثالية تتنازل راضية مختارة عن أنوثتها الفذة، وتتسم بالرجولة، وتتعلق بالمثاليات ~~المجردة وبالأخيلة الشعرية الجامحة، وتنهمك انهماكا في المطالعة وفي الموسيقى والتصوير وفي ~~الفنون الجميلة عامة وقد اقترنت حياتها بها ووهبتها ميولها وغرائزها وهواجسها، واستمدت منها ~~كل صفوها وأبت دونها بديلا. # وكان أمين يكبرها بسنوات قليلة، وقد عاد حديثا من الولايات المتحدة الأمريكية بعد تخرجه ~~في جامعة كاليفورنيا متخصصا في الصناعات الزراعية. كان دمث الأخلاق وافر الشهامة والمروءة ~~مشغوفا بالعمل المنتج ذا روح اجتماعية سامية. فكان لا يشغل بنفسه وحدها، وكان يدأب على ~~الكتابة إلى الصحف بمشوراته الفنية وبمقترحاته لما فيه الخير العام، وكان لا يتردد في ~~معاونة غيره من القصاد ولو نافسوه في عمله آجلا، وكان من أسرة ميسرة، شأنه شأن بثينة التي ~~أحبها حبا عميقا، فما رآهما أحد على ألفة إلا تخيلهما زوجين - فما كان يصلح لأحدهما إلا ~~الآخر. # كانت لأمين فرص صالحة للزواج في أمريكا حيث للفتاة الأمريكية من الثقافة والوسامة ~~والجاذبية ما لها، ولكنه عاش تلك السنوات يحلم بفتاة طفولته وفيا لها، وإن لم يفاتحها ~~برغبته في الزواج منها إلا بعد عودته بعامين بعد أن انتظمت أعماله الزراعية ووفق إلى نجاح ~~مناحله ... وها هي ذي بثينة في صراحة قاسية تخيب آماله وتحيل قصائد غزله إلى مراث ~~باكية! ~~••• # وهكذا مرت الأعوام على أمين وبثينة وهما أقرب الأحباء وأبعد المتناجين، وفتاتنا سادرة في ~~أحلامها الفنية وصاحبنا مكب على أعماله، ولكن دون أن ينعم بالحياة الزوجية، وقد حاول أهلها ~~أن يقنعوها بالتزوج من ابن عمها دون جدوى؛ لأنها لم تستطع أن تقنع نفسها بقيمة الزواج ولا ~~باستساغته، وأشفق أهله عليه فحاولوا أن يحببوا إليه الزواج من قريبة أخرى مثقفة، ولكنه لم ~~يعرهم إلا أذنا صماء ms02 ، ووقف حبه العذري ووفاؤه على رفيقة صباه. # ناهز أمين الثلاثين، وتعود أن يجد من اليأس راحة ومن التشاؤم تفاؤلا، وجاء الربيع ~~متمهلا إلى الإسكندرية وجيرتها وحل شهر مايو، وكان أمين في زيارة بثينة في إحدى الأمسيات ~~يستمع إلى عزفها الجميل على الكمنجة لإحدى المختارات الحبيبة إليه وهي «أمابولا» فقال لها ~~معجبا: عشرات المرات يا بثينة سمعت هذه القطعة الجميلة ينثرها معزفك وتجود بها أناملك وفي ~~كل مرة أستوعب منك سحرا جديدا، فالنغم هو أنت وليس لحنا لموسيقى ولا عزفا لمؤلف! ~~- تماد يا شاعري تماد، أو اسخر، إن شئت! ~~- وأي تماد يا عزيزتي في الصراحة الساذجة؟ ألم نتعاهد دائما عليها؟ ~~- لقد سمعت هذه الأمداح كثيرا حتى أصبحت أخشى التقريظ! ~~- إذن فاسمعي تقريظا آخر من نوع جديد، وربما لم تعتبريه تقريظا لك ... إنني لن أستطيع ~~التنزه معك غدا خلافا لوعدي السابق؛ إذ طرأ ما يدعوني إلى زيارة منحلي الرئيسي لأني أخشى ~~من انثيال النحل، فإذا وافقت يا بثينة على صحبتي وتمضية اليوم في المنحل، فإني أعدك بنزهة ~~أجمل من نزهتنا في المكس التي كنا على وعد بها، كما أنك ستسمعين من أناشيد النحل ما ينافس ~~ألحانك! ~~- ألم أقل لك يا أمين إني أخاف لسعات النحل، وهذه ليست أولى دعواتك، فما الذي جد يا عزيزي ~~حتى تريد مني تغيير رأيي؟ ~~- الذي جد يا حبيبتي هو موكب الربيع، فقد جاء هذا العام متأخرا، ولكن في بهاء يفوق بهاءه ~~في سابق الأعوام، وسترين يا بثينة نحلي في فرحة كفرحة الأطفال بالحلوى واللعب، وفي غناء ~~متواصل، وهن يجمعن الرحيق من الأزهار، وكأنه صلوات للطبيعة تفيض بالحنان وبالشكر لها ... وإني ~~أعدك بأن النحل لن يمسك بسوء، وعلى كل حال فنحلي مؤدبات يعرفن حرمة الجمال ... أنت تمضين ~~أيامك وأعوامك في عوالمك الخيالية الجميلة، فتنازلي بصحبتي إلى عالمي الصغير الجميل ... إلى ~~«مملكة العذارى». # فتضاحكت بثينة وسمحت له بقبلة على جبينها، وافترقا متواعدين على تمضية الغد في «مملكة ~~العذارى». # | الفصل الثاني # وقفت سيارة أمين أمام منزل بثينة مبكرة في صباح ms03 ذلك اليوم الباسم البهج الذي تجمعت فيه ~~مناقب الربيع، وبدت السيارة ذاتها كأنها متهللة تهلل صاحبها. أسرع أمين إلى بثينة يستعجل ~~خروجها كأنما هما والطبيعة على موعد في وليمة روحية - وليمة الحب الطليق، وغادرا المنزل ~~فرحين قريرين، وقد أخذا معمها ما طاب من زاد أعدته بثينة بيدها، ولكنه أبى عليها أن تأخذ أي ~~كتاب محتجا بأنها لن تجد الوقت لاستيعاب حتى صفحة واحدة من سفر الحياة التي ستتهافت عليها ~~... فاستسلمت لإرادته كأنما تتحدى قدرته على إسعادها الكامل في ذلك وهي تقول: سنرى! # ومضت السيارة في طريقها حتى تجاوزت مدينة الإسكندرية، وسارت في الطريق الريفي محاذية ترعة ~~المحمودية إلى أن بلغت المنحل المقصود، وهو يبعد زهاء العشرين من الكيلومترات عن قلب ~~المدينة. # وكانت الساعة حول التاسعة صباحا، وقد كان اليوم في صباحة الفتى الرياضي الرشيق الذي ~~استحق بتفوقه أن تنثر حوله الرياحين، أو هكذا تخيلته بثينة ... أما أمين فرآه مولود الطبيعة ~~الجميل وقد عبق الجو بأنفاسها، ولطفت الأشعة رعاية لهذا الوليد الحبيب، وتبرجت الأزهار ~~وتراقصت مع النسيم الرقيق، وسقسقت العصافير ما بين طائرة ومتخطرة في أثواب جديدة احتفاء ~~بميلاد الحب الجديد بين أحضان الربيع. ولم يفت الفراشات أن تساهم في هذا العيد البهيج ~~مجاملة لأخواتهن النحل التي ملأت الفضاء بغنائها، كما انتعشت شتى الحشرات وشعرت بكيانها ~~وبنصيبها في نظام الطبيعة البديع ... وقد ملأت الجو روح لا تكيف من التعاطف بين النبات ~~والحيوان، وكاد الجماد ذاته يستجيب إليها فوقف الإنسان بينها مشدوها حائرا مأخوذا بسحر ~~هذا الجمال! # فتح أمين الباب الخشبي للمنحل، ووقف وبثينة في خشوع وصمت كأنهما في صلاة قدسية، وما أكثر ~~الصلوات في محراب الطبيعة لمن يؤمن بها! وبقيا على هذه الحالة دقائق حتى أفاقا ... ثم أخذ ~~وبثينة يفتحان حجرات المنحل الثلاث، ويتهيآن لإعداد ما فيه متعة يومهما. كان المنحل يتألف ~~من سبعين خلية خشبية موزعة بنظام على صفوف عشرة، وبين كل خلية وأخرى مسافة متر من الجهات ~~الأربع تيسيرا للعمل فيها ولتنقل النحال فيما بينها، وقد غرس بعض أشجار ms04 الفاكهة ~~كالمشمش والموالح والرمان وبعض الأشجار المزهرة العسلية هنا وهناك توفيرا للظل ولتعلق ~~النحل بفروعها إذا ما انثال في أوان تكاثره، وكان يحيط بالمنحل سوق من القوائم الخشبية ~~والأسلاك الشائكة، وجرت حوله قناة ماء، كما أحاطت به أشجار البقم والسسبان فأكسبته سياجا ~~ناضرا وظلا وارفا، واتصلت القناة بساقية في جوار المنحل كانت تتعهده أحيانا بمائها كما ~~كانت تتعهد أحلام صاحبه بدورانها وبأنينها الشجي وبصوت الصبي الحادي للسائمتين إذا ما ~~غافلتاه وتوقفتا عن العمل مجاراة لسنة الناس أنفسهم ... وكانت في إحدى جوانب المنحل مضخة ماء ~~مركبة على حوض من الأسمنت يصب في القناة الحافة بسور المنحل، وقد احتاط أمين فصانها في ~~صندوق خشبي متين مقفل لا يفتح إلا عند استعمالها، وذلك منعا للإغراء على سرقة أجزائها التي ~~باتت نادرة في زمن الحرب ندرة الأمانة في المعاملة، وفي الجوانب الثلاثة الأخرى أقام أمين ~~ثلاث حجرات خشبية ممتازة متينة الأقفال خصص إحداها لاستراحته ومكتبه، وفيها كان يبدل ملابسه ~~تأهبا للعمل في المنحل وبعد الفراغ من العمل، وأودع فيها من أدوية الطوارئ وحاجاتها ما ~~أراح باله، وخصص الثانية بقسمتها مخزنا لأدوات المنحل ولأدوات الطهي ومكانا يعد فيه ~~الطعام والشراب له ولنحله ولضيوفه، وقد أودع فيها بعض الكراسي والمناضد والحصير وتوابعها ~~وبعض الزاد والماء مما قدر فيه الكفاية للراحة والمتعة إذا ما أمضى وصحبه يومهم في المنحل، ~~وخصص الثالثة لفرز العسل من الأقراص وهو حادث لا يتكرر إلا مرات معدودة في العام، ولكنه ~~حادث خطير يستحق أن يفرد له مكانا خاصا يتسم بالنظافة التامة التي من أجلها عني أمين ~~بتركيب مضخة الماء لتزوده دائما بحاجته منه في وفرة وسخاء، وقد وضع في هذه الحجرة أحدث ~~أدوات الفرز على الأساليب العلمية الحديثة التي تسمح باستخلاص العسل من الأقراص دون تلف ~~لها، حتى إذا ما أعيدت إلى النحل جدد مخزونه من العسل فيها ما دام للأزهار جودها بالرحيق، ~~وجدد النحال فرز هذا العسل متى نضج ومتى كانت الظروف سامحة بهذا التكرار. # قال أمين: هذه يا بثينة مملكتي ms05 الرئيسية وإن تحدتني النحل في هذا الادعاء، وسأحاول يا ~~عزيزتي أن أجعلك شريكتي في حكمها وفي التآلف معها، ولن أثقل عليك الآن بشرح مسهب لتكوينها ~~حتى ولا لتقسيم النحل، فحسبك أولا هذه النظرة الإجمالية المستوعبة لصورته العامة ولروحه ~~الفنية ... ألا توافقيني يا حبيبتي على أن فيه شيئا من السحر الذي تحتفظ بأغلبه هؤلاء ~~العذارى المجنحات وإن تلقنت منها الكثير من أسراره وطقوسه؟! # فضحكت بثينة، وقالت: يا لك من شاعر، لقد مضى علي الآن نصف ساعة أو يزيد وأنت مستغرق في ~~تأملاتك إلا أن تجري هنا وهناك كالطفل الغرير فرحا بحشراتك هذه بينما لا أزال وجلة، ولم ~~تفكر في أن تعرض علي كرسيا لأقعد وأستريح! ~~- عفوا يا محبوبتي. # وهرع أمين فجلب كرسيين بوسادتين ووضعهما إلى جوار الحجرة المقاربة لباب المنحل وهي ~~المخصصة للأدوات والمطعم، ودعاها إلى الجلوس، ملاحظا أنه اختار هذا الموضع؛ ليكونا بمنأى ~~عن مسارب النحل في طيرانها إلى الحقول وإلى غدير الماء المجاور حتى لا تصطدم بهما في أثناء ~~طيرانها فتضطر إلى لسعهما. # كانت الخضرة الزبرجدية من الأرض والصفرة الذهبية من الشمس متحالفتين على غمر الخلائق بكل ~~ما يوحيه اللون من حاسة الغبطة والاطمئنان، وكانت لحظة شعر أمين وبثينة فيها بسعادة تصوفية ~~غالية حينما لبثا صامتين ذاهلين يتأملان في كل ما حولهما من نضرة وشباب ولون واعيين وغير ~~واعيين، وبدا كل شيء كأنه حالم مسحور، حتى أشرعة القوارب المنخفضة الماضية في ترعة ~~المحمودية كانت تبدو في مظهر عجيب لاحتجاب قواربها عن الناظرين، وكأنما تسير بمفردها شارات ~~لحوريات الماء المتدللات، فلم تفق بثينة من هذا الاستهواء الذي دبرته الطبيعة لأبنائها ~~البررة إلا على القبلات الحارة يطبعها أمين على وجهها الحلو وهي تدفعه عنها في دلال العطف ~~والشكران. # قال أمين: والآن يا حبيبتي، هلمي إلى العمل. ~~- أي عمل يا أمين، وأنا لا أزال خائفة من النحل ... كل شيء هنا جميل فاتن، وقد يستملح حتى ~~منظر الأشواك ولا يستطاب تناولها ... فلماذا لا تحدثني حديثك المشوق عن نحلك العزيزات فحسب، ~~وكفى الله المؤمنين ms06 شر القتال؟! ~~- إني أتعهد لك يا بثينة أضعاف ما تعهدت لك من قبل بأن النحل لن تمسك بسوء ما دمنا لا ~~نضرها ولا نسيء إليها، فهلمي إلى إبدال ملابسك بملابس العمل، والبسي احتياطا القناع الواقي ~~للرأس وسأفعل ذلك بعدك، ولا تنسي لبس السروال، وسأعد المدخن زيادة في الاحتياط لتهدئة ~~النحل. # وهكذا تحايل عليها فلبت رغبته. ~~••• # ليست ملابس النحال وأدواته الرئيسية للعمل سوى أشياء بسيطة ميسرة؛ فأولها: القناع، وأفضل ~~أنواعه ما كان يحتفظ به أمين لنفسه ولزائريه، وهو عبارة عن سياج من السلك الرقيق الخفيف ~~المسود كاف لإحاطة الرأس، وقد جزئ وربطت أجزاؤه بشرائط من الجلد بحيث يمكن ثنيه وتطبيقه ~~كما يطبق الكتاب، وخيط في كل من أعلاه وأسفله نسيج متين شبكي، وهيئ لهما من الخيط المتين ما ~~يسمح بربط الجزء الأعلى حول قبعة النحال، وما يسمح بربط الجزء الأسفل حول وسطه، وهكذا ~~يستطيع النحال أن يحمي رأسه وصدره حماية تامة من لسع النحل دون أن تضايقه حرارة الجو إذا ما ~~اشتدت؛ لأن القبعة تقيه من أشعة الشمس، ولأن النسيج الشبكي يسمح للهواء بملاطفته فيستمر في ~~عمله مطمئنا مرتاحا، وهذا الطراز من القناع أمريكي الأصل كسائر أدوات النحالة العصرية ~~الممتازة التي جلبها أمين معه من أمريكا، وإن عمل على محاكاتها في مصر خلقا لصناعة جديدة ~~في بلاده بدافع من وطنيته. كان أمين يحتفظ في كل منحل من مناحله بأدواته الخاصة، ولو أن ~~هذه الأدوات الأمريكية العملية المتينة مصنوعة في أشكال وأحجام تسمح للنحال المتنقل المقتصد ~~أن يكتفي بمجموعة واحدة منها يضعها في حقيبته الصغيرة ويحملها معه حيثما ذهب، ولكن أمين مع ~~تنويهه بالروح العملية عند الأمريكيين وبمتانة مصنوعاتهم كان يؤثر استقلال كل من مناحله - ~~وكان يغالي في الاحتياط؛ فيعدد أدواته حتى لا يتعطل عمله إذا ما تلف بعضها. # أما ثاني هذه الأدوات الرئيسية: فمدخن من النحاس مرتبط بمنفاخ من الجلد والخشب، يصعد ~~الدخان البارد الهادئ من فوهته إذا ما أوقدت داخل أسطوانته النحاسية لفيفة من الورق الأصفر ~~المقوى الملائم لذلك، والغرض ms07 من التدخين عند باب الخلية قبل فتحها ثم في أثناء العمل: ~~إيهام النحل بأن خليتها في خطر من الاحتراق، فتهرع إلى أقراص العسل لتتزود منها استعدادا ~~لهجرة الخلية إذا ما اضطرت إلى ذلك فيشغلها هذا عن لسع النحال، كما أن امتلاء كيسها العسلي ~~في بطنها بالعسل لا يجعلها تواقة إلى اللسع، وربما لا يجعلها متمكنة منه بإبرتها الجاثمة في ~~طرف بطنها. # وأما ثالث هذه الأدوات الرئيسية: فالعتلة، وهي غالبا صغيرة الحجم يبلغ طولها نحو العشرين ~~سنتيمترا وعرضها نحو خمسة سنتيمترات، وقد ثني أحد طرفيها؛ لينتفع به النحال في تنظيف ~~جدران الخلية وإطاراتها ونحو ذلك، وترك الطرف الآخر حادا نسبيا؛ ليستعمله مفكا، ~~وليستعين به على فصل إطارات الخلية بعضها عن بعض وعلى تنظيفها أيضا، وثمة أشكال منوعة ~~للعتلة ولكنها أساسيا لا تخرج عن هذه الصورة وعن هذه الغاية وإن اختلفت الأحجام، ولكنها ~~جميعها تصنع من الصلب المنكل اتقاء لكسرها وحرصا على نظافتها مع تجنب الثقل في ~~وزنها. # ولا بد للمنحل من أدوات أخرى هي أساسيا أدوات النجارة؛ لإصلاح ما يصيب الخلايا وأثاثات ~~المنحل من تلف، ولكن النحال في عمله المباشر بين النحل لا يحتاج إلى أكثر من قبعته المصنوعة ~~من القش الخفيف وقناعه ومدخنه وعتلته. # أما الأدوات الأخرى الخاصة بمنتجات النحل من فراز للعسل ومنضج له وفراز للشمع ... وما إلى ~~ذلك، فاستعمالها محدود معين، ولا تصحبه في تنقلاته بين الخلايا حينما يفحصها. ~~••• # لبس أمين قبعته وقناعه، وأعد المدخن حتى إذا ما أقبلت بثينة عليه شعر كأنه صاحب ~~مملكتين بل من رعايا كليهما ... فبادرها قائلا: ما أجملك يا بثينة في ملابس الرجال، وما أشهى ~~قبلة منك في سمتك هذا، ولكني عاقبت نفسي بهذا القناع، وها أنذا أسير لك وله! # فتضاحكت بثينة ملء مرحها، وقالت: أيشتهي نحال من زميله النحال مثل هذه القبلة؟! ~~- لقد علمتني يا بثينة أن يكون حبي أفلاطونيا. ~~- الحقيقة يا أمين، أنكم معشر الرجال إذا ما تعلقتم بالأنوثة عادة فإنكم تعشقونها أكثر ~~إذا امتزجت ببعض الرجولة، فإذا لم تجدوها في ms08 النفس تلمستموها في الملبس. # لم يشأ أمين أن يثقل على بثينة في درسه الأول بالكثير من المعرفة، فاكتفى بفتح خلية فحسب ~~بعد أن دخن على بابها قليلا، وقد اختار طائفة هادئة، وأراها كيفية ترتيب الأقراص داخلها، ~~وتجمع النحل فيما بينها عاملة دون جلبة، فاستأنست لما رأت وطالبته بالمزيد فتمنع في مكر، ~~واستدرجها إلى التعاهد على مزاملته والدراسة عليه دراسة منتظمة، واتفقا على أن تصحبه ~~أسبوعيا إلى هذا المنحل وإن لم تعفها هذه المصاحبة من التردد معه على المناحل الأخرى إذا ~~ما دعت الحاجة التعليمية إلى ذلك. # قالت بثينة: لقد جرى الوقت أضعاف سرعته، وها هي ذي الشمس تؤذن بانتصاف النهار، فلأذهب ~~لأعد الطعام، وكان يحسن بي أن لا أتعبك اليوم وأن نقضيه في مرح شامل. ~~- وأي مرح ألطف من هذا يا بثينة، يا أنشودتي الحلوة ويا نعيمي؟! # فمرقت بثينة إلى حجرة المكتب، واستبدلت ملابسها وكلها بشر واطمئنان، ثم عادت إليه ~~بهديتها ملفوفة في ورق فني وهاج، وناولته إياها وهي تقول: هذه صورة من تحبها أكثر ~~مني. ~~- محال ذلك يا بثينة. # وفض أمين الورقة فوجد بطاقة تهنئتها، وقد رسمت عليها بريشتها صورة خيالية جميلة ملونة ~~لمنحل عصري وأمين يعمل فيه، ومع البطاقة كتابان نفيسان باللغة الإنجليزية؛ أحدهما كتاب ~~الدكتور مالكولم فريزر عن النحالة في العاديات ~~“Becheeping in Antiquity by ~~H. Malcolm Fraser, Ph. D.” ~~، وقد سرد فيه بأسلوبه الشائق سيرة النحل ~~والنحالة في أقدم عصور التاريخ، وأما الكتاب الثاني: فالطبعة الإنجليزية من كتاب ذهن النحل ~~لجوليين فرانسون ~~“The Mind of the Bees by Julien Françon” # وقد ترجمه عن الأصل الفرنسي أحد علماء الإنجليز المعدودين وهو ه. إلترنجهام من أعضاء ~~الجمعية الملكية البريطانية. ففرح أمين بهذه الهدية - بل الهدايا - فرحا عظيما. # قالت بثينة: لقد تعمدت أن أنظر في مكتبتك منذ شهرين في إحدى زياراتي لك فلم أجد هذين ~~الكتابين، وكنت قرأت إعلانا عنهما فطلبتهما لك من إنجلترا وجاءا في الوقت المناسب، ويسرني ~~أنهما أرضياك. ~~- لا أدري كيف أشكرك، وكيف أحييك يا بثينة، ms09 فهل أكتفي بقول الشاعر: «أحلى التحيات أخلاها ~~من الكلم»؟! ~~- هيا نسأل أمنا الطبيعة - كما ننعتها - عن رأيها . ~~- ولكنك نسيت الغداء، وإن تشربت منك أهنأه. ~~••• # ولما أعاد أمين بثينة إلى منزلها قبيل الغروب كما يعيد الجوهري نفائسه إلى حرزه، كان ~~وجهها الجميل الذي صانته عن الأصباغ والذرور قد اكتسب من كئوس الشمس ومن دعابات النسيم في ~~جولاتها مع أمين بين الحقول وفي وثباتها فوق القنوات والغدران ومن حنانه وقبلاته لونا ~~خمريا لم ينم عن الصحة وحدها، وكانت في عينيها أحلام جديدة لم تجرؤ على الإفصاح عنها له ~~ولا لنفسها، وكان كل ما تردده ساهمة: يا له من يوم! # | الفصل الثالث # لم يحتج أمين إلى أي استهواء لاجتذاب بثينة إلى المنحل الرئيسي، وقد تعاهدا على أن يخصصا ~~يوم الجمعة لزيارته، وحان موعد الزيارة الثانية فوجد بثينة على استعداد تام قبل حضوره ~~لمبارحة المنزل، فغادراه وهي مرحة متهللة. # قال أمين في الطريق، وهو حريص على ألا يسرع بسيارته إرضاء لها: لقد أمتعتني يا بثينة ~~بهداياك متعة عظيمة، وقد طالعت الكتابين خلال الأسبوع فاستفدت فوائد جمة، وزاد تقديري ~~للنحلة؛ بل للإنسانية ذاتها التي مجدت النحلة من قديم العصور، واعترفت بذهنيتها التي ارتفعت ~~فوق مستوى الغريزة، وحيرت علماء الحشرات. ~~- إني لسعيدة بإسعادك يا أمين ... وقد نظرت قبلك في هذين الكتابين فأعجبت بهما، ولم يدهشني ~~- وأنت من أنت بروحك الشاعرة - أنك أحببت النحل كل هذا الحب؛ فحياة النحل وصحبته من صميم ~~الشعر، وقد ترنم بحياته شعرا منظوما ومنثورا كل من خبر النحل من فرجيل إلى ماترلنك، ولم ~~يفت شكسبير إلى جانب التغني بالنحل أن ينوه بنظام مملكتها الرائع. ~~- سأغار منك يا بثينة وأنا أراك تنافسيني في محبة النحل. ~~- حسبتك تقول إننا شخص واحد، وأنت على أي حال المذنب؛ لأنك تؤثر النحل علي. ~~- أنت المنتصرة دائما. # وبلغا المنحل، وكأنما كل زهرة وعشب فيه وكل نبت حوله قد استعد لاستقبالها في بسمة مرحبة، ~~وتهيآ للعمل مبكرين، فقال أمين: حظنا عظيم مع الجو يا بثينة، ففي مثل هذا الجو ms10 المعتدل تكون ~~النحل وديعة لطيفة، فلا نسيء إلى النحل ولا نسيء إلى أنفسنا بالكشف عنها، وإن من الخطأ أن ~~يحاول النحال - إلا لضرورة قصوى مما سأبينها لك فيما بعد - فتح الخلايا إبان الجو البارد أو ~~الجو الحار، وسأبدأ أولا بفتح خلية نموذجية خالية من النحل لدراسة تركيبها وأجزائها، ثم ~~بعد ذلك نفتح إحدى الخلايا المأهولة. # وتوجها إلى الخلية النموذجية فشرح لها أمين كيف تطورت تربية النحل من حالتها الآبدة ~~في جذوع الأشجار المجوفة وفي تجاويف الصخور وما إليها مما أشار إليه (القرآن الكريم) في ~~سورة النحل، إلى استعمال الإنسان الأنابيب من خزفية وفخارية وطينية خلايا لها، ثم إلى ~~استعمال الصناديق المقفلة ما عدا أبوابها، ثم إلى استعمال المراجين المصنوعة من القش ~~المضفور، ثم إلى استعمال الخلية الخشبية ذات الغرف والإطارات المتحركة، ثم إلى اهتمامه ~~بصناعة خلية قياسية دولية للاستعمال الموحد في شتى الممالك. # قال أمين: هذه هي (خلية لانجستروث) الدولية يا بثينة، وقد دعا إليها العلامة لانجستروث ~~“Langstroth” # وما أحسبني مخالفا أي قانون لحماية ~~الألقاب في زمن سيطرت عليه الفوضى إذا لقبته «بالعلامة». # كان لانجستروث قسيسا فهوي النحالة - شأن كثيرين من رجال الدين، وابتدع في منتصف القرن ~~الماضي (سنة 1851م) الخلية الموسومة باسمه، وقد أصبحت الخلية القياسية المنتشرة في المناحل ~~العصرية بمصر كما انتشرت في جميع الممالك الراقية التي تعرف استغلال النحالة الاستغلال ~~الاقتصادي الواجب، وأكبر ميزة لهذه الخلية كما ترين نظام الإطارات المتحركة - وإن سبق إليه ~~في صورة ما العالم السويسري هيوبر ~~“Huber” # في أوائل القرن ~~الماضي - وتنسيقها مجاورا بعضها بعضا على مسافة معينة هي ما نسميه «مسافة النحلية» وهي ~~ربع بوصة ما بين كل إطار وآخر مما يسمح للنحل بالتحول بينها، وقد كشف الأب لانجستروث هذه ~~الحقيقة واستغلها في تنظيم أثاث الخلية العصرية، فهو أولا: زودنا بالإطارات المتحركة التي ~~يمكن بناء أقراص النحل داخلها، وهكذا يمكن رفعها من الخلية وفحصها وإعادتها أو نقلها من ~~خلية إلى أخرى أو إلى جهة نائية، إلى غير ذلك من التصرفات العملية. وهو ms11 ثانيا: عرف مقياس ~~الفراغ الواجب بين الأقراص لتتحرك فيه النحل دون أن تلجأ إلى لصق هذه الأقراص بعضها ببعض أو ~~إلى سد هذا الفراغ، فاتخذه قاعدة للمسافات ما بين الإطارات والأقراص في هذه الخلية العصرية، ~~وخلية لانجستروث بسيطة التركيب، يسيرة الأجزاء: فهي مصنوعة في جملتها من الخشب الجيد الذي ~~يحتمل تقلبات الجو، ومدهونة بدهان زيتي ذي لون واق من حرارة الشمس كالأزرق السماوي أو ~~الأبيض، ومغطى سقفها بلوح من الزنك المتين أو من الألومنيوم؛ ليحول دون تسرب المطر إلى ~~داخلها، وهي مؤلفة من حامل لرفعها عن مستوى الأرض تجنبا للضفادع والسحالي والنمل وما إليها ~~من أعداء النحل، وقد توضع أرجل هذا الحامل (في المناطق التي يكثر فيها النمل وتشتد هجماته) ~~في أطباق ذات ماء لوقايتها من النمل المتسلق، ولكن لا حاجة بنا إلى مثل هذه الحيطة في ~~المناطق الزراعية، ويوضع فوق الحامل ما يسمى باللوح الأرضي، ثم غرفة تسمى غرفة التربية ~~وأخرى تسمى العاسلة، ثم لوح حابس يسمى بالغطاء الداخلي، وأخيرا الغطاء الخارجي المكسو ~~باللوح المعدني للوقاية من المطر، ولا تفوتنا قطعة الخشب المثقوبة التي توضع فوق اللوح ~~الأرضي أمام غرفة التربية؛ ليتألف منها باب الخلية، ولتكمل لنا حائطها الأمامي ... هذه هي ~~خلية لانجستروث على بساطتها كما تستعمل في مصر، وهي خفيفة الوزن نسبيا، سهلة التركيب، ~~عملية إلى أقصى حد. # فقالت بثينة: ولماذا تصنع من الخشب؟ ~~- لأنه واق من التقلبات الجوية. بيد أنه من الجائز أن تصنع الخلية مستقبلا من المواد ~~العجينية المقاربة للخشب بل المتفوقة عليه في وقاية النحل من الحرارة والبرودة والرطوبة ~~معا، ويمكن بيع أجزائها ألواحا أو قطعا؛ ليسهل شحنها ثم تركيبها في المنحل، والمقدر أن ~~مثل هذه الخلية قد تكون أصلح للنحال وللنحل وأطول عمرا من الخلية الخشبية. ~~- ولكن العجيب ألا ترتفع إلى أكثر من طابقين أو غرفتين كما تسميهما؟ ~~- ومن قال لك ذلك يا عزيزتي؟ ... إن خلية لانجستروث قابلة للارتفاع أدوارا إبان موسم العسل ~~حسب قوة الطائفة التي تشغلها، وحسب قوة الفيض الذي تجلبه النحل ms12 من رحيق الأزهار، وفي ~~المناطق الغنية بالرحيق قد يضطر النحال إلى إضافة الأدوار على خليته حتى لترتفع وترتفع حتى ~~لتستحق أن تنعت حينئذ بالقياس إلى غيرها من الخلايا «بناطحة السماء» ~~“Skysraper” # فلا يبلغ أعلاها إلا بسلم. ~~- وما هي قوة الطائفة التي يمكن أن تنتهي إلى هذه الغاية؟ ~~- سأشرح لك هذا يا عزيزتي في أوانه، فصبرا قليلا، ولنبدأ الآن بفتح إحدى الخلايا ~~العامرة. ~~- لا يا أمين! هذا الدرس يكفيني ولو إلى حين. ~~- حسبتك متشوقة يا عزيزتي ومتسائلة. ~~- ولكنك تريد أن تطرق موضوعا جديدا وستطيل حتما، فلنسترح قليلا. ~~- لن أطيل في شرحي يا صغيرتي المدللة التي تتحدى جلد الرجال، فلماذا إذن كان استعدادنا ~~للعمل، ولبسنا القناع وإشعالنا المدخن؟ ~~- الحق يا أمين أني أغار من معشوقاتك، وهذا ما يثبط همتي وربما أدى إلى هجراني لك. # فاستثارت بثينة ضحكه وذهبا يدا بيد إلى مقعديهما للاستراحة بعد أن خلعا قناعيهما، وهناك ~~تابعت بثينة حديثها: لك أن تضحك يا عزيزي ضحكة الواثق من نفسه ... فأنت تعلم أنك ولدت معلما ~~كما ولدت شاعرا ... ~~- والشعراء يتبعهم الغاوون. ~~- لا أرمي إلى هذا، ولكنك يا شاعري العزيز الذي تترنم بالحب لا تتورع عن المحاضرة ~~الجامعية فتصدمني بها صدما ولا تنثر خلالها شيئا من أزهاره وألحانه. ~~- حسبتك تتململين يا معبودتي. ~~- لو كان عندي مسجل لحوارنا لألزمتك الحجة. ~~- وأخشى أيضا أن أعتاد ذلك في أثناء الدرس فيزل لساني أمام تلميذاتي وتلاميذي في مواقف ~~أخرى. ~~- لا يا أمين، هذه مغالطة شاعر غاو ... إن الحب غذاء روحي، ولكنه الحب الذي عده جورج ساند ~~“George Sand” # تشوق الجانب الأثيري من الروح إلى ~~«المجهول». ~~- وأي نصيب لي في هذا «المجهول»؟ ... لا شيء يا ناقدتي العزيزة، ... إن الحب الذي أومن به هو ~~الذي قال فيه ليبنتز ~~“Leibnitz” # الفيلسوف الألماني الكبير ~~«إنه الشعور بالسرور لسعادة الغير، وإلا فجعل سعادة الغير سعادتك الذاتية» ... وأنا لا آلو ~~جهدا يا بثينة في محاولة إسعادك، فما هو ذنبي بعد ذلك؟ ~~- أراك يا أمين تحمل دعابتي على محل الجد ... ومهما يكن من شيء ms13 فسأسامحك هذه المرة، وإياك ~~أن تدع حديثك العلمي مجردا عن روح الفن وإلا أنكرت صدوره ~~عنك ... ~~- سمعا وطاعة يا مولاتي. # وجلسا يتأملان الخضرة الناضرة المنبثة فيها الأزاهير، وينصتان إلى أناشيد النحل أحدهما ~~بأذن صديقة عارفة والأخرى بأذن متوددة مستطلعة. # فقال أمين: إذا كان مايو قد هيأ فيه العمال عيدا لهم، فإن عاملات النحل قد وجدت فيه ~~عيدها. ~~- ونحن أيضا يا أمين قد أحببنا فيه عيدا جديدا هو عيد حبنا المستنير في رعاية أمنا ~~الطبيعة. ~~- تسعدني ملاحظاتك هذه يا بثينة، ولعل هذه الأم الكريمة توحي إليك بعواطف جديدة أكرم ~~وأسخى إلي. ~~- أحسب أني بلغت الغاية يا ناكر الحب. ~~- إن من يتذوق الحب كما تذوقته لا يقنع بما يشرب من خمره ولا يثمل منها ولا يتوقف عن طلب ~~المزيد، ومعلماتي النحل في دأبهن شعارهن مثل شعاري وطموحهن عين طموحي ومثاليتهن رائد ~~مثاليتي ... لولا تأخر الموسم يا بثينة لامتلأت الخلايا الآن بالرحيق، ولكن استمرار المطر ~~والبرد طويلا أخر الربيع فتأخر زهر البرسيم، وأزهاره تمثل المصدر الرئيسي للرحيق في منطقة ~~الإسكندرية، ولولا تأخره لكانت جميع الطوائف مهيأة خلاياها لاستقبال الرحيق الجديد، وعلي ~~الآن أن أقوم بالاستعداد لذلك في حين أني كنت في أعوام سابقة أقوم به في شهر أبريل، وأما في ~~هذا العام فقد اضطررت إلى تغذية النحل بالشراب السكري في الشهرين الماضيين تعويضا عن إمحال ~~المصادر الطبيعية حتى تستعين النحل بهذا الشراب، وبما تجمعه من دقيق الأزهار على تغذية ~~يرقاتها النامية وتغذية أنفسها معا ... ~~- ولكن ألا يوجد الآن في الحقول ما يكفي من الأزهار لإفراز الرحيق وتغذية النحل وإسعاد ~~النحال مع أني أرى اليوم أزهار البرسيم وافرة. ~~- ملاحظاتك سديدة يا بثينة، وأعتقد أننا بعد أسبوع أو عشرة أيام سنشهد بداية فيض العسل، ~~وعلى الأخص بعد أن توقف ري البرسيم بأمر الحكومة في سبيل المقاومة لدودة القطن؛ إذ إن نتيجة ~~ذلك أن أزهار البرسيم التي حرمت أشجارها الري ستتهافت على الفرز الرحيقي لتجتذب الحشرات وفي ~~طليعتها النحل كي تقوم بوظيفة تلقيحها فتنجم عن ذلك ms14 البذور التي هي وسيلة التكاثر لهذه ~~النباتات، وهذا من آيات الطبيعة. ~~- ولكن ألا توجد أزهار أخرى مغنية للنحل في هذا الأوان عن أزهار البرسيم ؟ ~~- نعم، توجد أزهار أخرى متعددة كانت أيضا متحلية في الشهر الماضي، ولكنها غير كافية ولا ~~تغني، فلا تمنحنا فيضا رحيقيا، وها هي اللبا والعليق والخلة من الأزهار الريفية البرية ~~الماثلة أمامنا ولكن في قلة نسبية، وبين ما تزهر من الفواكه في هذا الشهر الفراولة وعنب ~~الديب والجوافة والتين الشوكي والعجور والبطيخ والشمام، وبين ما تزهر من الخضر الكوسة ~~والقرع والخيار والرجلة والباميا والخس والبصل والمقدونس والاسبرجس إلى جانب أشجار الزينة ~~ونباتاتها المزهرة كعباد الشمس والزينيا والبرتولاكا أو أرجلة الزهور، وإلى جانب أشجار الظل ~~كاللبخ والكافور والبونسيانا والاستركوليا والحكوراندا ... وما هذه إلا أمثلة من كثير، وما ~~دام الجو مشجعا للنحل على السرح ودافئا منبها للإفراز الرحيقي فلن تجوع النحل في هذا ~~الشهر؛ بل ستستطيع التكاثر بتنبيه ملكتها إلى البيض الوافر وبحسن تغذية يرقاتها وصغارها، ~~وقد تجمع وتخزن الرحيق في اعتدال ما لم تكن الخلايا وسط منطقة غنية غنى ظاهرا بمثل تلك ~~الأزهار. أما الفيض الحقيقي فيعتمد على سخاء البرسيم وعلى تجاوبه مع النحل وإلى جانب ~~الاستعداد بالأقراص الخالية لهذا الفيض لا بد من منع انثيال النحل نتيجة تكاثره البالغ ~~عادة، ولا بد لي إذن يا عزيزتي من الكشف عن جميع الطوائف مرة كل أسبوع، ومن حيث إني لا أملك ~~من الوقت والهمة - رغم مساعدتك المرتقبة يا تلميذتي الغيور - ما يكفي للكشف عن هذه الطوائف ~~في يوم واحد، فلا بد لي من التردد على هذا المنحل ثلاث مرات أسبوعيا إلى أن يزول خطر ~~الانثيال ... وقد عهدت إلى مساعدي بالكشف عن المناحل الأخرى وإن كان لا غنى لنا عن التردد ~~عليها أيضا للإشراف على ما يجري فيها. فهل لنا الآن أن نستأنف العمل؟ ~~- ما رأيك إذا اعتصبت عن العمل؟ لقد أشبعتني يا أستاذي غذاء حلوا بهذا الحديث الشهي، ~~ومثل هذا الغذاء الفكري كالغذاء البدني يورث شيئا من البلادة نتيجة ms15 التخمة. ~~- هذه تحية لطيفة منك يا عزيزتي، وإيذان بصمتي. ~~- وهذه تحية أخرى مني مؤذنة لك بالكلام ... # وطبعت بثينة قبلة لطيفة على فمه أشرقت لها أساريره وشجعته فعاد يطالبها باستئناف ~~العمل. ~~- إذن هلمي بنا يا معبودتي لتحية النحل ومحادثتها وتلقي أسرارها ... ~~- أعدك بهذا، ولكن من الغد يا أمين، ولنحضر يوميا إذا شئت حتى تنجز جميع أعمالنا كما ~~نود، أما اليوم فعلينا أن نشغل بمناجاتنا العاطفية، وسأطالع في المساء بعض كتاباتك عن ~~أوليات النحالة حتى أتابع من الغد أحاديثك في يقظة ترضيك. ~~- رضيت أمرك ومعاهدتك، فهل هي مبرمة؟ أم هي من قبيل المعاهدات التي قد تثير الحروب فيما ~~بيننا؟ ~~- هي معاهدة سلام، ولكن أتكره أن تثار الحرب بيننا؟ ~~- الحرب بيننا لم تنته بعد، وإنما نحن في هدنة. # وفي ظلال هذه الهدنة غنما يوما لا تجود به الحياة إلا في رعاية الحب. # | الفصل الرابع # كانت بثينة تحاور أمينا ذلك الحوار بدافع من أنوثتها دون وعي لتزيده تعلقا بصحبتها، ~~حينما هي في الوقت ذاته تأبى بعقلها الواعي الحياة الزوجية؛ لأن شخصيتها القوية أو أنانيتها ~~تجانب المسئوليات الزوجية والخضوع لأي رجل، وهي لو أنصفت نشأته وخلقه وثقافته لقدرت أنه لا ~~يمكن أن ينظر إلى شريكة حياته إلا نظرة سمحة مكرمة، وأن معاملته إياها وهي زوجة لا يمكن أن ~~تقل إعزازا لها عن معاملته إياها وهي صديقة حبيبة. فليس الزواج في نظر أمثاله إلا ارتباطا ~~معينا. لكن الأساس العاطفي واحد - ألا وهو الحب الصادق، ولكنها كانت طوع عواملها الوجدانية ~~الدفينة قبل تأملها وتفكيرها؛ بل دون تأملها وتفكيرها ... وكان أمين - وهو لا يعاشرها - يعدها ~~في قرارة نفسه زوجته الوحيدة الدائمة ويهبها كل أحلامه وعواطفه، ويعلق عليها آماله ~~المستقبلة وإن لم يجرؤ على التعبير عنها أمامها من جديد. ~~••• # دفع بثينة إعجابها بأمين وإخلاصها له وتقديرها لرسالته النافعة إلى تنظيم مطالعتها عن ~~النحل فقرأت في تلك الليلة طرفا صالحا من أوليات النحالة استعدادا لزيارتها التالية، وقد ~~أحست في نفسها بأن من الواجب عليها أن تجاري أمينا في جهوده الطيبة ms16 - وإن لاحت شاقة عليها ~~ما دام يريد لها الأنس والخير، وما دام يريد لأبناء وطنه الإصلاح والسعادة، وساهم في ~~التأثير عليها تشيعها للحركة النسائية التي تأبى الاعتراف بعجز المرأة عن مجاراة الرجل في ~~جميع الميادين. # فلما صحبته إلى المنحل هذه المرة لم تكن تلبس كبنات جنسها بل صحبته مترجلة، وقد عقدت ~~العزم على العمل في جلد يرضي كبرياءها ويرضي نشاطه الذي لا يكل، وما كادا يدخلان من باب ~~المنحل حتى حام حولهما عدد من النحل ولكن دون أن تمسهما بسوء ... وكادت بثينة تبدي تخوفها ~~ولكنها ضبطت نفسها فلم تخنها شجاعتها، واكتفت بالسؤال: ما بال النحل يا أمين قلقة حولنا؟ ~~- لا قلق يساورها يا عزيزتي، وإنما هي فرحة مرحبة بك. ~~- ولكن النحل معروفة بكدها وتعرف قيمة العمل والوقت، فكيف ترتضي ترك الحقول وإضاعة وقتها ~~سدى؟ ~~- وكيف تتهم بتضييع وقتها سدى وهي تتهافت على رؤيتك يا نور عيني؟! ~~- إذا أنت تشاركها في إضاعة وقتك ووقتي أيضا بمثل هذا الكلام. ~~- هذا الكلام؟ ألم تطالبي يا مهجتي بأزاهير الحب وألحانه على الدوام؟ ~~- لا يا أمين، سأكتفي بتموينك إياي دون محاباة. ~~- كأنما أنا جاحد حق الجمال. ~~- لقد نجحت ونجحت نحلك في إشعاري بقيمة الوقت. # وبقيت هذه النحلات الشاردة تطوف بهما فقال أمين: أرأيت كيف تلحف في دعوتنا إلى فتح ~~خلاياها؟ ... لا تضحكي فأنا لم أفهم لغتها. ~~- لم أقرأ أن للنحل لغة تخاطب بينها وبين الآدميين. ~~- لو كنت قرأت يا بثينتي مؤلفات النحالة في القرن الماضي لكنت وجدت فيها بعض العجب من ~~هذا القبيل! ... فلقد كان يدعي بعض النحالين الخياليين القدرة والسلطان على النحل إلى درجة ~~تنظيمها في عرض عسكري على المنضدة أمام الناظرين المشدوهين، أما العلم الحديث فليست له هذه ~~السيطرة التهريجية على النحل، ولكن له السلطان المنظم النافع الذي يزيد من رفاهية النحل ~~وقوتها ويكسب النحال ثروة من جهده وجهدها. ~~- ومع ذلك فهذه نحلاتك لا تريد أن تتركنا نستريح أو نتكاسل فهلم بنا إلى العمل. ~~- يسرني أن تكوني الآن الحافزة لي. ~~- والمديرة للمنحل؟ ~~- ولم ms17 لا؟ لن يمر الموسم إلا وأنت صاحبة السلطان عليه فوق سلطانك علي. # كانت بثينة في البداية تحتاط ضد لسع النحل بلبس قفاز من الجلد ، فأخذ أمين يوضح لها أن لبس ~~القفاز غير جدير بأي نحال فنان فضلا عن نحالة رشيقة مثلها؛ لأنه يعطل المرء عن العمليات ~~الدقيقة، كما أنه غالبا يستثير النحل نظرا لكراهيتها رائحة الجلد، وفوق هذا فلا موجب له ~~ما دامت النحل الشائعة في المنحل غير شرسة، وما دام النحال رفيقا في معاملته لها، وأخيرا ~~ليس لسع النحل في اعتدال ضارا بالإنسان بل هو مفيد في الوقاية من بعض الإصابات ~~الروماتزمية وفي علاجها، حتى إن تحاضير منوعة من سمه أصبحت في متناول الأطباء للحقن تحت ~~الجلد وللدهان في هيئة مراهم فوق المفاصل المريضة، ومهما يكن من شيء فمتى اعتاد المرء لسع ~~النحل اكتسب مناعة ولم يصبه ورم محسوس، وإن كان الورم على أي حال وقتيا وسليم ~~العاقبة. # قالت بثينة: ولكني قرأت عن حالة وفاة نتيجة للسع النحل. ~~- لا يا أستاذتي! هذا نتيجة لفرط الحساسية قبل لسع النحل، وهذه حالة شاذة نادرة جدا، ~~ومن ثمة وجبت معرفة استعداد المرء للعمل في النحالة وتأثره بلسع النحل قبل إقدامه على ~~اقتناء الخلايا والنحل لنفسه، ويجب في كل منحل يرتاده الزوار أن توجد حقن الأدرنالين ~~والكلسيوم لمواجهة الطوارئ. ~~- إني لا أعني هذا يا أمين، وأحسب أني أخطأت في التعبير. حالة الوفاة التي أشرت إليها ~~نشأت على ما أذكر نتيجة لسع عدد كبير من النحل، وقد أصابت فلاحا فمات في يومه اختناقا كما ~~نفقت بقرته. ~~- توجد ضروب من النحل شرسة بفطرتها كالنحل التونسي والنحل القبرصي وبعض سلالات النحل ~~المصري متى كانت طوائفها قوية، وكلا الضربين الأولين لا وجود لهما الآن في مصر، فأغلب ظني ~~أن ما وقع هو أن فلاحا تعرض لثول من النحل متجمع أو عبث بإحدى الخلايا المعمورة فأصابه ~~وأصاب بقرته القريبة منه شر الجزاء ... وعلى كل حال أرجو يا عزيزتي ألا تتصوري أني أتعمد أن ~~أهون عليك لسع النحل دون ms18 تدبر لأعرضك للسوء فأنت أعز علي من نفسي. # وقد استجابت بثينة لمشورته فتخلت عن قفازها، وهكذا اكتسبت الثقة بالنفس ورشاقة الحركة في ~~عملها، وما أشد كراهية النحل لخشونة المعاملة وللجفوة في حركات النحال حينما يفتح الخلية ~~ويتناول الأقراص. # راحت تطوف بانتظام مع أمين بطوائف المنحل، وقد قسما فحصها على ثلاثة أيام، وساعدته بثينة ~~بمطالعتها المنزلية وبروحها الجدية المتوثبة للعمل على الفحص المجدي السريع، فكان يشرح لها ~~ما يستحق الشرح في أثناء العمل ولكن دون إسراف، وقد عودها على كيفية الفتح المنظم، ولقنها ~~كيف أنه لا يجوز للنحال أن يفتح أية خلية مأهولة بالنحل إلا إذا كان له سلفا غرض معين من ~~هذا الفتح. أما الكشف عن النحل لشهوة الكشف فإضاعة للوقت وإساءة للنحل. # وما كان أبهج من منظر بثينة وقد تشجعت على العمل؛ إذ جاء الجو مسعفا وهدوء النحل ~~معينا ودخول الرحيق في الخلايا مطمئنا، وصارت هي الأستاذة النحالة وأمين يساعدها. عرفت ~~كيف تدخن في اعتدال عند باب الخلية، وبعد انتظار برهة (ثلاث دقائق أو نحو ذلك) ترفع الغطاء ~~الخارجي وتضعه على الأرض مقلوبا ومجاورا للخلية، ثم الغطاء الداخلي وتقيمه إلى جانب ~~الخلية، ثم ترفع العاسلة إن كانت موجودة بأقراصها وتضعها فوق الغطاء الخارجي، ثم تأخذ في ~~فحص الأقراص في غرفة التربية. # كانت تبدأ - كما علمها أمين - بفحص الأقراص في أحد جانبي الخلية، وهي الأقراص التي ~~اعتادت النحل أن تختزن فيها العسل ودقيق الأزهار، مخصصة الأقراص التي في الوسط لوضع البيض، ~~ومن هذه الأقراص يتألف العش كما ينعتها النحالون، وكانت تخرج هذه الأقراص واحدا واحدا، ~~وبعد تدبر وإمعان وتأكد من خلوها من الحضنة - أي خلفة النحل - كانت تضعها قائمة خارج الخلية ~~مستندة إلى حائطها الجانبي أو الخلفي بعيدة عن طيران النحل وغير معترضة لعمل أمين أو ~~لعملها، ولما كان فيض العسل قد بدأ والجو الدافئ مستمرا فقد علمها أن تنقل الأقراص ~~العسلية التي في غرفة التربية إلى العاسلة، أي غرفة الغسل، لتشجع النحل على الصعود إليها، ~~وتنقل محلها الأقراص الفارغة ms19 التي في العاسلة، وبذلك تشجع الملكة على البيض وتوسع العش، ~~وكان للملكة هذه ولرعاياها حديث طويل بينهما قبل أن تنهمك بثينة هذا الانهماك في الإجراءات ~~العملية لإنتاج العسل. # كان حديثا خلابا ساحرا سحرها أي سحر، فإن كل وصف قرأته لم يكن ليقارن بما شاهدته ~~بعينيها ولمسته بيديها وأحسته بنفسها من مظاهر هذه الحشرة الجميلة وتكوينها وتصرفاتها حتى ~~كانت بثينة تقف الوقفات الطويلة مع أمين دون كلال أو ملل، وكادت تنسى أو تهمل طعامها ~~وشرابها وقد أصيبت بما يسميه الهواة «حمى النحل»، وليس هذا فحسب، فقد اكتشفت نفسها - كما ~~يقال - وأحست بشخصية جديدة وبعالم جديد، وشعرت بأنها أضاعت أعواما من حياتها في قشور ~~حسبتها لب الجمال وروح الطبيعة، في حين أنها كانت في الواقع غير ممتزجة بها وبعيدة عن ~~صميمها ... وها هي ذي الآن مندمجة فيها أي اندماج حتى لتكاد تحس في تحمسها أنها من أسرة ~~النحل، وأنها عاملة من العاملات ... ~~- لا، بل أنت أغلى ملكاتي يا بثينة. # | الفصل الخامس # فيم إذن كانت تلك الدروس الأولى، وما هي عجائبها وطرائفها التي أثرت في نفسها ذلك التأثير ~~البالغ؟ # قال أمين، معرفا بسكان الخلية أو بالشعب المكدود كما نعت بنات هذه المملكة: انظري يا ~~بثينة إلى باب هذه الخلية وحدثيني عما تلاحظينه على النحل. ~~- وددت لو حدثتني أنت أولا. ~~- سمعا وطاعة ولو إلى حين. ~~- إذن دعني أسألك: لماذا يقف بعض النحل هكذا متجها إلى باب الخلية برءوسه ومثبتا أرجله ~~حيث يقف ومروحا بأجنحته في قوة هكذا؟ وما هي هذه النحل الغادية الرائحة فيما بين صفي النحل ~~المروحة؟ ~~- أحسنت يا عزيزتي، لقد سألت وأجبت في آن واحد، إن هذه النحل المروحة يا بثينة تؤدي ~~وظيفة هامة ألا وهي تهوية الخلية لضبط درجة الحرارة والرطوبة فيها، وعلى الأخص درجة ~~الحرارة، وذلك بتشجيع التبخر وتلطيف الهواء داخل الخلية، وهكذا قلما تزيد درجة الحرارة في ~~الخلية، وعلى الأخص وسط «العش» حيث تكون الخلية على درجة 37 بمقياس سنتجراد، أو ما يقارب ~~درجة حرارة الإنسان، بل إن استمرار ms20 هذه الحرارة العالية نسبيا قد يقتل الحضنة، فإذا زادت ~~درجة حرارة الجو على ذلك استعانت النحل بالتهوية على تخفيضها وإلا تعرضت الأقراص الشمعية ~~للذوبان فيموت النحل غرقا في العسل السائل منها كما تموت الحضنة، وإن النحل بتهويتها هذه ~~لتحدث تيارا شديدا من الهواء - إذا ما كثر عدد النحل المهوية - كفيلا بإطفاء شمعة موقدة ~~أمام باب الخلية، بل لقد عرف أن حريقا أصاب حائطا جانبيا من خلية دون أن يذيب أقراصها ~~وذلك بفضل سيطرة النحل على درجة حرارة الخلية، وتلاحظين يا بثينة أن هذه النحل المروحة تقف ~~خلف بعضها البعض في نظام تاركة مجالا ما بين صفوفها الطويلة لتمر منها النحل السارحة رائحة ~~غادية. ~~- ولكنك لم تحدثني يا أمين عن درجة حرارة النحلة ذاتها، وعن العوامل التي تؤلف حرارة ~~الخلية. هل النحلة مثلا باردة الدم كحضرتي أو دافئة الدم مثلك؟ وإذا كانت مثلي فما الذي ~~يدفئها؟ هل تباح في الخلية أمثال مغازلاتك لتدفئة النحل أم هي تحت رحمة الجو؟ ~~- الحقيقة يا بثينة أنك أصبحت مطلعة ماكرة، وإني أمامك أجتاز امتحانا عسيرا، ولعلك ~~تعتمدين هنا على حماية بنات جنسك أو على رعاياك ... اسمعي يا سكرتي: النحلة في الواقع لا تملك ~~وسيلة أو جهازا لتكوين حرارة منتظمة لجسمها، كما أنها من ضروب الكائنات الباردة الدم، ~~ولكنها إذا هبطت حرارتها إلى درجة 7 س. باتت حياتها في خطر، ولكي تحقق النحل تلك الحرارة ~~العالية نسبيا داخل الخلية، تعتمد على حيلتين: فإذا ارتفعت حرارة الجو عمدت إلى التهوية ~~كما رأيت، أما إذا هبطت درجتها فإن النحل تعتمد على الحركات العضلية - وعلى الأخص بتحريك ~~عضلات أجنحتها تحريكا هادئا - وعلى تفاعل أجسامها الحيوي من التغذية؛ لتوكيد الحرارة ~~الإضافية اللازمة، وإذا ما هبطت درجة حرارة النحل إلى 14 س كونت النحل لمة ليدفئ بعضها ~~بعضا بهذا التجمع الشديد على الأقراص الوسطى في المعتاد دفعا لبرودة الجو، حتى إذا ما ~~عادت حرارة الجو إلى الارتفاع انحلت اللمة وبدأت النحل تطير وتسرح لجلب حاجتها من الماء ~~والرحيق والعكبر - أي دقيق ms21 الأزهار أو حبوب اللقاح كما تسمى - ولا بد لهذا النشاط من حرارة ~~عامة في الخلية لا تقل درجتها في المعتاد عن 21 س، ولكن الملكة لا تبيض في حرارة تقل درجتها ~~عن 34 س في عيون الأقراص، وسأريك النحل في خلية الرصد الزجاجية وهي مشغولة بفرز الشمع من ~~غدد خاصة في بطنها لبناء الأقراص، وهي في هذه الحالة تحتاج إلى درجة حرارة في محيطها لا تقل ~~عن 37 س، ولكن استمرار هذه الحرارة، أو ما هي أعلى منها، قد يؤدي بالحضنة كما أخبرتك من ~~قبل، وعندما يتكاثر النحل وينثال من الخلية تكون درجة الحرارة فيها عامة زهاء 35 س، وقد ~~ترتفع الحرارة إلى درجة 40 س إذا ما حدث اضطراب داخل الخلية يزيد من حيوية النحل وحركاتها، ~~ولذلك أوصي تلاميذي بتحاشي كل الأسباب التي ينتج عنها اضطراب النحل، ويجب أن يكون ديدنهم ~~دائما الهدوء واللطف في معاملة النحل على اعتبار أنها شخصيات صديقة لها حياة تصان وكرامة ~~تراعى ووفاء يؤدى. أما الطامة الكبرى التي تصيب الخلية، أو على الأصح سكانها ومتاعهم نتيجة ~~الحراة العالية، فمن التعرض لأشعة الشمس المباشرة في جو حار إذا ما ترك النحال باب الخلية ~~ضيقا وعاق النحل عن أداء واجب التهوية وكانت قوة النحل المروحة غير وافية، ولذلك يجب على ~~النحال أن يحتاط ضد هذا الخطر بتظليل المنحل ورشه بالماء إذا تيسر ذلك، وبتمكين النحل من ~~حسن تهوية الخلية وإلا ارتفعت درجة الحرارة إلى نحو 60 س، وحينئذ تسقط الأقراص ويسيح العسل ~~ويغرق النحل وتتلف الحضنة فيصيب الطائفة البوار. ~~- يظهر يا أمين أنك تعمل سرا في مصلحة الطبيعيات وتحسبني مرشحة للتوظف فيها حتى صرت ~~تهاجمني بدرجات الحرارة هذه ما بين هبوط وصعود وهكذا. ~~- لا صعوبة يا مولاتي في بياني المجمل، وأنت التي شجعتني على التسلسل في هذا الموضوع، ~~وعلى كل حال أعتذر إليك إذا كنت ضايقتك. ~~- وهل هكذا يكون الحزم مع تلميذتك؟ ألم تقرأ كتاب ~~“Good Bye Mr ~~Chipps” # أو لعلك شاهدت هذا الفيلم البديع ورأيت ms22 كيف ينبغي أن يكون ~~المعلم الناجح مع تلاميذه؟ ~~- ألم أقل إنك أصبحت ماكرة يا بثينتي، وقد أصبحت في حيرة ما بين جدك ودعابتك وسخطك ~~ورضاك؟ ~~- وكيف أسخط عليك يا أستاذي العزيز المحبوب؟ وهل يمكن أن تصدق أني أسأم من حوارك أو ~~حديثك؟ أو لعلك تريد أن تتهرب من السؤال الذي أود أن أطرحه عليك في نفس هذا الموضوع؟ ~~- وما هو يا فاتنتي؟ ~~- قرأت أن النحل قد تطير حتى ولو كانت درجة حرارة الجو 7 س إذا استثارها الضوء في الخارج ~~إبان الشتاء، في حين أنك تقول: إن حياة النحل في خطر إذا هبطت درجة الحرارة الجوية إلى هذا ~~الحد. فكيف تفسر هذا التناقض؟ ~~- المسألة بسيطة: عند ما تكون درجة حرارة الجو 7 س، أو حتى أقل من ذلك، لن تكون درجة ~~الحرارة وسط لمة النحل أقل من 14 س. فإذا طار بعض النحل من الخلية بتأثير استهواء الأشعة في ~~الخارج فإنه يتعرض للخطر ما لم يكن طيرانه في أشعة الشمس ولبرهة قصيرة، ولذلك يوصى في ~~الممالك الباردة الجو بتظليل أبواب الخلايا في الشتاء حتى لا تشجع النحل على الخروج بتأثير ~~أشعة الشمس إذا كان الجو غير مأمون. ~~- وكيف تكون التشتية في المناطق الشديدة البرودة والمغمورة بالثلج؟ ~~- إذا سمحت يا تلميذتي النجيبة بل يا أستاذتي المتبحرة فلنترك هذا البحث إلى حينه، ولنأخذ ~~بما هو معجل بحثه اليوم بيننا ... ~~- نصحتك الحزم في معاملتي، فما علي إلا أن أقول: سمعا وطاعة. # وراح أمين بمعاونتها يفتح الخلايا الواحدة تلو الأخرى، ويقيد المذكرات عن كل منها في ~~بطاقة أثبتها من الداخل في غطاء الخلية الخارجي، وقد ذكر على البطاقة رقم الخلية وصنف النحل ~~وقوة الطائفة وحالتها من جميع الوجوه في عبارات مقتضبة أو في حروف أو إشارات رمزية، ولم ~~يكتف بهذا بل كان يكتب بالطباشير - (وقد انتهى موسم المطر) - بحروف رمزية على واجهة ~~الخلايا ما يعتبره هاما من ملاحظات توجيهية، حتى إنه كان يباهي بأنه في نظرة جائلة يستطيع ~~أن يقدر ما عليه أن يعمله ms23 في المنحل وحالة المنحل إجمالا. # قال في أحد دروسه الأولى مستكملا تعريفه بسكان الخلية: هذه الملكة صبية يا بثينة، فهل ~~تعرفين لماذا أحكم هذا الحكم؟ ~~- لأنك سرقت نظرة إلى بطاقة الخلية؟ ~~- كلا يا جاسوستي الحسناء، هذا متروك لك. ~~- ربما لأن وجهها ليست عليه تجاعيد الشيخوخة التي على وجهي. ~~- مع اعترافي بذلك، فليس هذا هو السبب الرئيسي، وإذن فلأخبرك قبل أن تغلبيني، انظري أولا ~~إلى نشاط الملكة في وضع البيض، فإنه والحضنة الناشئة عنه قد ملأت جميع أقراص غرفة التربية ~~اللهم إلا مساحات قليلة في شكل الأهلة وفي أعلى الأقراص اختصها النحل بخزن العسل فيها، وفي ~~المعتاد لن تستطيع ملكة أن تبيض بهذه القدرة إلا في عنفوان شبابها، وزيادة على ذلك انظري ~~إلى تكوين جسمها في صحة وامتلاء وعلى الأخص بطنها الذي يحتوي المبايض، وانظري إلى نضرتها ~~وإلى زغبها الذي لم تنل منه الأيام، وتأملي ألوانها الطبيعية التي لم تغبر ولم تقتم خلافا ~~لحال الملكات العجائز ... إن الملكة يا بثينة هي مركز الحياة في الخلية، هي الأنثى الكاملة، ~~هي الأم، وجميع النحل التي في الخلية خلفتها المتطورة من البيض إلى الحشرة الكاملة، ولا ~~توجد للطائفة الواحدة في المعتاد وفي حالتها الطبيعية سوى ملكة واحدة، فيهمنا جدا أن تكون ~~معرفتنا بها وافية. الملكة يا عزيزتي ليست حاكمة بالمعنى المفهوم وليست زوجة ملك ولا بنت ~~ملك، وأليق ما تنعت به هو أنها «الأم» وحسبها ذلك تعظيما ... انظري كيف تتخطر على القرص ~~والنحل تحف بها في مثل الهالة حول القمر متجهة برءوسها نحو تغذيها إذا ما طلبت الغذاء، ~~وتلمسها في رفق وحنان بمشاعرها، ولو كان هذا اللمس حثا على العمل فهو حث رشيق جميل قد ~~يحرمه كثيرون من الآدميين، من الجنس اللطيف ... ~~- أهذا تعريض بي؟ ~~- معاذ الله، ونحن في هدنة يا بثينتي ... بل لماذا لا أعترف أنه بفضل صحبتك صار المنحل أبهج ~~في عيني في هذا الموسم وطاب لي العمل فيه ...؟ ولكن لنعد إلى ملكتنا فليس من اللائق في حضرتها ~~أن ننصرف عن جلالتها ms24 إلى التحدث عن عواطفنا ... لاحظي كيف أني أحمل الإطار أفقيا تقريبا ~~حتى لا يتأثر القرص من ثقل محتوياته إذا ما حملته عرضيا فيتشقق أو يسقط بعضه، وهذا جائز ~~في الجو الحار وعلى الأخص إذا لم يكن القرص مثبتا جيدا في سلك الإطار لوقايته، ولاحظي كيف ~~أني حريص على حمل القرص فوق غرفة التربية بحيث لو سقطت الملكة عفوا نزلت إلى داخل الغرفة ~~ولم تقع على العشب أو على الثرى خارج الخلية فتتعرض للضياع. ~~- وكيف تتعرض للضياع ولها أجنحتها؟ ~~- ربما استطاعت أن تطير وتعود إلى خليتها، وربما تعلقت بإحدى أرجل الخلية أو بأحد ~~الأعشاب، وقد يتعرف إليها بعض النحل بفضل رائحتها المتميزة فيلتف حولها وينبه النحال إليها، ~~ولكن الغالب أنها تنزوي وتعجز عن الطيران بسبب ثقل جسمها نتيجة نشاط مبايضها وازدحامها ~~بالبيض مما يدل عليه كبر بطنها، وهكذا يخسرها النحال وتخسرها الطائفة التي تحار في البحث ~~عنها زمنا قبل أن تبدأ في تربية غيرها وهي كسيرة النفس مبلبلة الخاطر، ودفعا لهذه النكبة ~~أحتاط في الفحص كما أعلم الملكة. ~~- وما هي الدروس التي تعلمها الملكة؟ أهي من نوع دروسي؟ وبأية لغة تتخاطبان؟ وما هي ~~مراسيم التخاطب مع جلالتها؟ ~~- لا يا حبيبتي، إن ما أعنيه هو أن أجعل لها أمارة ألصقها خلف صدرها لتعرف بها، وإني ~~أستعمل لذلك جهازا خاصا سأمرنك على استعماله، وها أنت ترينها مميزة بدائرة حمراء صغيرة ~~من الورق الزاهي المتألق فلا يشق علي اكتشافها من بين آلاف العاملات، ومع هذا الجهاز ~~ألوان شتى من الورق أخصص كل لون لسنة معينة، وهكذا أعرف أيضا عمر الملكة عند مشاهدتها، ~~وسأعمم استعماله إذا فاتني تعليم بعض الملكات، فليس من الحكمة الإغضاء عن ذلك فإن التعب ~~اليسير في تعليم الملكة يوفر تعبا كبيرا في البحث عنها، ولو أن النحال الخبير اليقظ لا ~~يشق عليه الاهتداء إليها وسط الأقراص التي تكون العش إذا ما كانت هذه الأقراص في غرفة ~~واحدة، أما إذا اتسع العش وشمل غرفتين واضطربت الطائفة لأمر ما في أثناء الفحص فمعنى ms25 ذلك ~~البحث عن الملكة وسط آلاف من النحل الأخرى، وقد تكون على اللوح الأرضي للخلية أو على أحد ~~جوانبها، وقد لا تسمح حالة الجو أو المراعي أو ظروف المنحل بإطالة الفتح فتتعرض الملكة ~~للأذى من جراء ذلك وفي غير موجب ، في حين أن تعليمها بذلك الورق الملون أو بصقال ملون سريع ~~الجفاف حماية لها وعون للنحال على الاهتداء إليها وصيانتها. ~~- ولكن ألا يسيء إلى صحتها لصق ذلك الورق أو ذلك الدهان الملون؟ ~~- كلا؛ لأن ذلك الموضع السطحي من ظهرها خال من أي جهاز حيوي، وما دمت قد سألت هذا السؤال ~~فيجب ألا يفوتني تنبيهك إلى أن النحل تكره الروائح الحادة في العطور والطلاء وما إلى ذلك؛ ~~لأنها تهيج شعبها النفسية، ولذلك ينبغي عند تعليم الملكة بالصقال أن يجري ذلك باحتراس، وأن ~~تراقب حتى يجف الصقال وتمنع النحل من التعرض لها بالأذى؛ إذ قد يختلط عليها الأمر تحت ~~تأثير حاسة الشم فتحسب هذه الملكة المعلمة غريبة عنها لتغلب رائحة الصقال على الرائحة ~~الطبيعية للملكة، ولكن هذه مسألة لحظات فحسب ... ولنعد الآن إلى موضوعنا الأصلي: إذا كانت ~~الملكة غير متوجة وغير مملكة بالمعنى العرفي فهي مع ذلك معززة مدللة مكرمة حتى ولو أرهقتها ~~النحل بالعمل. إنها بمثابة آلة للبيض، ومع ذلك فالنحل بغريزتها تقدر أنها روح الطائفة وسر ~~مناعتها وعزها، ولذلك تحرص عليها أشد الحرص، ويهمها أن تكون دائما على أتم صحة وأوفى مقدرة ~~لخير المجموع. فإذا ما تخلت عنها في يوم ما واستبدلتها طواعية بسواها فذلك تحت تأثير هذا ~~الدافع، وهو وضع مصلحة المجموع فوق مصلحة الفرد مهما كانت منزلته، وتضحية الفرد عند الحاجة ~~لرفاهية المجموع. فالنظام الأساسي لمملكة النحل لا يقوم على رعاية الفرد وإنما يقوم على ~~رعاية المجموع، وليست الملكة بمستثناة من أحكام هذا النظام الصارم! ... انظري يا بثينة إلى ~~قوامها المنسجم أبدع انسجام، وإلى مشيتها التي كأنما تنم عن اعتزازها بذاتها، وإلى شخصيتها ~~التي تتعلق بها آمال أمة بأسرها كل فرد من أفرادها مدين لها بالوجود، وإلى رونقها ms26 الذي ~~تنفرد به فوق جلالتها. إنها في شكلها وحجمها ولونها متميزة متفردة لأي عين. ليس يغطيها ~~الزغب كما يغطي العاملة أو الذكر ولكن ذلك لا ينقصها، ولها من اللون الخاص الضارب إلى ~~الحمرة الذهبية أو السمرة الحبشية أو الصبغة البرونزية ما يكسبها جاذبية خاصة إلى جانب ~~طولها وقصر أجنحتها نسبيا، وليس للملكة من رسالة في حياتها إلا الإكثار من النوع وهي ~~رسالة مقدسة في قانون الطبيعة تهب حياتها لها هبة كاملة إلى أن يدركها الإعياء أو الفناء، ~~وهذا شأن النحل جميعا حتى الذكور التي يضرب بها المثل في الكسل فإنها على العكس تدأب ~~دائما باحثة عن الملكات العذارى، وليس ذنب الذكور أن الطبيعة أسرفت في خلقها احتياطا ~~وضمانا حتى لا تبقى ملكات عذارى في حاجة إلى تلقيح وحتى لا تتعطل رسالة التكاثر ... إن ~~الحديث عن الملكة وعن سحرها للنحل والنحال حديث طويل محبب، فلنقفل هذه الخلية وقد فرغنا من ~~فحصها - حتى لا نطيل عطلة النحل، ولنفحص غيرها، وسأكمل لك حديثي عندها عن صاحبة ~~الجلالة. # ويفتح أمين خلية أخرى، وتساعده بثينة على رفع الأقراص العسلية - ولم تكن كثيرة - إلى ~~الطابق الأعلى، أي إلى العاسلة وإنزال أقراص خالية من العاسلة إلى غرفة التربية محلها موزعة ~~بين أقراص الحضنة؛ لتنتفع بها الملكة في وضع بيضها الجديد، وفي هذه المرة اكتشفت بثينة ~~الملكة ولم تكن معلمة، ولكنها لاحظت أن لونها برتقالي ذهبي فاتح، فقال لها أمين: إن لون ~~الملكات يختلف حسب ضروب النحل، فمثلا الملكات المصرية برونزية اللون مع شيء من الحمرة، ~~والملكات الإيطالية تختلف من اللون الذهبي البرتقالي الذي ترينه إلى لون الجلد الأصفر ~~البني، والملكات الكرينولية والقوقاسية سمراء حبشية اللون، والملكات التونسية زنجية أبنوسية ~~... وهكذا تتعدد الظلال والألوان حسب ضروب النحل، وربما اختلف اللون في سلالات الضرب الواحد، ~~وسندرس كل هذا معا في فرصة أخرى. ~~- هذه اعتبارات لذيذة؛ إذ يخيل إلي أنها تساعد على معرفة صنوف النحل والتمييز بينها ~~تمييزا عاما. ~~- هذا صحيح، ولن يفوتني بحثه معك، وأما الآن فيهمني أن أبث ms27 في ذهنك الحقائق الإضافية ~~الهامة التي تخص الملكة ... يهمني أن تعلمي أن قدرة الملكة على وضع البيض تترتب بعد ميراثها ~~الحيوي - وأعني به صنفها وسلالتها - وبعد سنها وصحتها وقوة الطائفة وحالتها الاقتصادية، ~~تترتب على مقدار التغذية الذي تناله من وصيفاتها ، أي من النحل العاملات الملتفة حولها ~~والملتفتة إلى رعايتها، وقد تضع الملكة بانتظام مدة غير قصيرة إبان الموسم (في ثلاثة أو ~~أربعة أسابيع) ثلاثة آلاف بيضعة في اليوم، وقد يصعد هذا الرقم لدى الملكات الممتازة إلى ~~خمسة آلاف بيضة يوميا، وقد شوهدت ملكات تبيض ست بيضات في الدقيقة أي حوالي 7200 بيضة ~~يوميا، ولكن هذا الإسراف في البيض لا يطول، ويكفينا أن تبيض الملكة يوميا ألفي بيضة في ~~عز الموسم؛ إذ معنى ذلك في النهاية تكوين طائفة لا تقل في قوتها عن 84000 نحلة على اعتبار ~~أن متوسط حياة النحلة في موسم العمل ستة أسابيع، وهذه القوة تكفي لملء طابقين من الخلية ~~بالنحل، فإن عدد النحل الذي يغطي القرص يتراوح ما بين أربعة آلاف وخمسة آلاف نحلة. والواقع ~~أن الملكة إذا كانت منتظمة الوضع لألفي بيضة في اليوم تحتاج إلى جمع أقراص في غرفة التربية ~~مخصصة لها، وهكذا يجب على النحال ألا يترك أقراصا من الغذاء في غرفة التربية، والملكة بعد ~~خروجها من بيتها الشمعي تبقى في الخلية بضعة أيام في المعتاد، ولا تغادرها طائرة للتلقيح ~~إلا وسنها من خمسة إلى ثمانية أيام، بشرط أن يكون الجو صالحا مشجعا على طيرانها (درجة ~~الحرارة في الظل 16 س)، لأنها وهي أثمن عامل في طائفة النحل تأبى عليها الطبيعة أية مجازفة. ~~- ولماذا لا يكون التلقيح داخل الخلية؟ ~~- الظاهر أن هذا احتياط أرادت به الطبيعة ألا يظفر بالملكة سوى القوي الجريء من الذكور، ~~وهذا ما يؤدي إلى تحسين النوع؛ إذ يطاردها الذكور في أثناء طيرانها إلى أن يظفر بها أحدهم، ~~ثم يموت بعد تلقيحها! ~~- ولكن ألا يجوز أن يقع هذا مصادفة؟ ~~- نعم، هذا جائز، ولكنه نادر، والنادر لا يقاس عليه. ~~- وماذا يحدث لو ms28 أن الجو كان غير مسعف - كما يحدث في الخريف أو في الربيع المبكر - وبقيت ~~الملكة حبيسة في خليتها أسابيع؟ ~~- في المعتاد لا تتلقح الملكة تلقيحا كاملا منتجا إذا مرت عليها ثلاثة أسابيع دون أن ~~تخرج للتلقيح، ولو أني أعرف حالات شاذة ناجحة تخالف هذه القاعدة. هذا، ومتى تلقحت الملكة ~~استراحت يومين في الخلية ثم تبدأ بعد ذلك في البيض، وربما بدأت تبيض بعد مرور 36 ساعة من ~~وقت تلقيحها، كما أنه من الجائز أن تؤجل بيضها إذا كان الجو باردا بضعة أيام بل وأسابيع ~~كما يحدث للملكة التي تلقح في أواخر الخريف ثم يقبل الجو البارد قبل أن تبدأ البيض فهي تبقى ~~معطلة حتى اعتدال الجو، ويصح أن نقول إجمالا إنه في الظروف الجوية المعتدلة تبيض الملكة ~~بعد مرور 7-10 أيام من حين ولادتها أي من وقت خروجها من بيتها الشمعي، والبيض الذي تضعه ~~الملكة صنفان: ملقح وغير ملقح، وهي تعتمد على سائل التلقيح الذي تختزنه في بطنها للانتفاع ~~به في تلقيح البيض الذي تضعه إذا شاءت أن يكون ملقحا ... وقد يبدو لك هذا التعبير غريبا، ~~ولكنه يصور الحقيقة: فالملكة قبل أن تبيض تتطلع إلى العين السداسية الخالية أمامها في القرص ~~فإذا كانت كبيرة الحجم خاصة بتربية الذكور وضعت فيها بيضة غير ملقحة، وأما إذا كانت العين ~~صغيرة الحجم فإنها تضع فيها بيضة ملقحة تنشأ عنها في النهاية نحلة عاملة، وتتلقح البيضة في ~~أثناء خروجها من جهاز الملكة التناسلي طوع إرادة الملكة؛ إذ تعرض البيضة لتأثير أحد ~~الحيوانات المنوية من سائل التلقيح المختزن في جسمها، وهكذا ترين أن ذكر النحل لا أب له، ~~ويسمي علماء الحياة هذا النوع من التناسل «التناسل العذري»، وهناك ظاهرة عجيبة أخرى وهي أن ~~النحلة العاملة (أو الخنثى) والملكة (أو الأنثى الكاملة) كلتاهما أصلها بيضة ملقحة دون ~~تمييز، وإنما التمييز يحدث فيما بعد بتغذية اليرقة أي الدودة التي تفقس من البيضة تغذية ~~سخية بواسطة تراضع النحل إذا شاءت النحل أن تربي منها ملكة، ولن يفوتني أن ms29 أشرح لك كل هذا ~~عمليا شرحا وافيا في حينه. ~~- لا أدري ما هو الأعجب فيما ذكرته يا أمين: أهو خصوبة الملكة إلى هذه الدرجة المدهشة حتى ~~إني لأحار في وزن البيض الذي تضعه يوميا بالنسبة إلى وزن جسمها؟ أم هو قدرتها على التمييز ~~بين عيون الأقراص وتكييف صنف البيض الذي تريد وضعه؟ أم هو نشوء الذكور بطريقة التوالد ~~العذري؟ أم هو هذه الطريقة الفذة في التلقيح؟ أم هو كيفية تحويل اليرقة الناشئة من البيضة ~~الملحقة إلى ملكة أو إلى عاملة حسب رغبة العاملات اعتمادا على التغذية وحدها؟ سبحان ربي ~~المبدع الحكيم، لقد طالعت شيئا عن كل هذا اتباعا لمشورتك، ولكن شرحك زادني متعة وجسم ~~لي ما قرأت. ~~- هذا وسام جديد أضمه إلى أوسمتك اللامعة. ~~- ثق يا أمين بأني أصدقك الشكر، وكنت أتمنى اجتذاب بعض صديقاتي لحضور هذه الدروس العملية؛ ~~إذ أرجو ألا يستمر الاهتمام بالنحالة مقصورا في مصر على الرجال. ~~- إن العناية بالنحالة بل وبكثير من الصناعات الزراعية الأخرى مشاعة بين النساء والرجال ~~في الولايات المتحدة، وفي مصر فسحة عظيمة لهذه الشركة بين الشطرين لو أنصف الرواد المصلحون، ~~وفي الحركة التعاونية وسيلة قويمة لتحقيق هذه الأمنية لو خلصت الحركة التعاونية ... ولكن لنعد ~~إلى تكملة حديثنا عن صاحبة الجلالة: لقد تساءلت حائرة عن وزن البيض الذي تضعه الملكة ~~يوميا بالنسبة إلى جسمها، فاعلمي يا مهجتي أن وزن ما تبيضه الملكة يوميا كثيرا ما ~~يتجاوز وزن جسمها نفسه، وهذه حالة تدعو حقا إلى العجب؛ لأنها تدل على سرعة غريبة في ~~الاستحالة الغذائية، وهي تفسر لك حاجة الملكة إلى التغذية السخية المتتابعة بألسنة الوصيفات ~~المحيطات بها. ~~- لي سؤال علمي يا أمين وقد يبدو شاذا: لقد قرأت عن التلقيح الاصطناعي بين الفصائل ~~المختارة من الحيوانات بل وبين الآدميين، فما الذي يحول دون ذلك بين النحل؟ ~~- لا حائل يا عزيزتي، وهذه عملية تجرى في حالات معينة لخلق ضرب معين أو سلالة خاصة من ~~النحل وقد تجرى ميكروسكوبيا كما فعل الدكتور وطسن بالولايات المتحدة منذ سنة ms30 1927، ~~ولكنها عملية غير ميسرة لجمهرة النحالين ونتائجها غير مضمونة في المعتاد ضمان التلقيح ~~الطبيعي. ~~- هذا تقدم مدهش في تربية النحل. ~~- ستنسيني أسئلتك الذكية تكملة حديثي عن الملكة، ولو أنه لن يكون ختام ما يقال عنها فإن ~~دراستها متعددة الجوانب وستتاح لنا مناسبات شتى لهذه الدراسة المنوعة. فلنقفل هذه الخلية، ~~ولننتقل إلى «خلية الرصد» القائمة على المنضدة هناك؛ لنراقب الملكة وعاملاتها وما فيها من ~~ذكور في هدوء واطمئنان. ~~••• # وعلى تلك المنضدة في جانب من المنحل قامت خلية مصنوعة من الخشب والزجاج تحتوي قرصين ~~أحدهما فوق الآخر ومفصولا عنه مسافة حركة النحلة، وعلى جانبي كل منهما حائط زجاجي يغطيه ~~لوح من الخشب المبطن بالجوخ قابل للتثبيت والرفع، ولها باب يمكن قفله وفتحه، ولها فتحة عليا ~~في الغطاء الأعلى ذات ثقوب صغيرة صالحة لتغذية النحل، كما أنها تساعد على تهوية هذه الخلية ~~وإن كان قد أقام فوقها مظلة دفعا لحرارة الشمس، وبالإجمال كانت هذه الخلية الصغيرة الجميلة ~~المصنوعة من خشب التيك المتين ومن الزجاج البلوري الصافي أصلح ما تكون للرصد، أي للمشاهدة ~~الطويلة لتصرفات الملكة ونحلها في كل شيء دون أي حجاب، وهي مما يستعان به على الدراسة عند ~~استقرار الجو وتعميرها بالنحل كما أنها من أصلح الوسائل لتعليم النحلة في المدارس، فاتخذها ~~أمين وسيلة محببة لبثينة للمشاهدة المبدئية وللدرس الأولي، وثمة وضعا كرسيين إلى جانب ~~المنضدة وجلسا يرقبان ما يجري داخل الخلية، وقد سمح الجو المعتدل البديع برفع الأغطية ~~الجانبية، فقال أمين مشيرا إلى الملكة وقد تجلت بعلامتها وسط القرص الأسفل: ها هي ذي ~~الملكة يا بثينة فلننظر إلى تكوينها الجسماني نظرة أدق، وها هي ذي معي نماذج من ملكات ميتة ~~محفوظة يمكننا أن نتأملها أيضا مستعينين بعدستي المكبرة. # قال ذلك وأخرج من جيبه علبة خشبية صغيرة ذات غطاء زجاجي حفظت فيها بضع ملكات مرشوقة على ~~دبابيس ... فتأملتها بثينة معجبة بألوانها المختلفة وبأشكالها التي لا تباين الوصف العام الذي ~~ذكره أمين، إلا واحدة بينها كانت صغيرة الجسم نسبيا فسألته عنها. ~~- هذه يا ms31 بثينة ملكة عذراء وهذا سبب ضآلتها النسبية، فكبر حجم الملكة الملقحة يرجع إلى ~~كبر بطنها بسبب نشاط مبايضها وازدحامها بالبيض، ولو أن بعض الملكات العذارى قد تكون أكبر ~~حجما ... فلنتأمل الآن تكوين هذه الملكة البديعة التي تطالعنا في «خلية الرصد» ولنقارن بين ~~تكوينها وتكوين العاملة ثم بينهما وبين الذكر، وهذه فرصة أيضا لمشاهدة بناء القرص على ~~الأساس الشمعي داخل الإطار كما ترين في الدور الأعلى من هذه الخلية. تأملي في هذه الملكة ~~الحية، وتأملي كذلك في هذه النماذج المحفوظة للملكات، وطبقي ملاحظاتي ووصفي عليها، وعندما ~~ندرس العاملة وذكر النحل - أو اليمخور كما يسمى أحيانا - فأمامنا نماذج حية وميتة كثيرة في ~~المنحل فلن تشق علينا المقابلة بينها ... إن الملكة من الوجهة التشريحية الظاهرة تتميز - كما ~~ترين وكما لاحظنا من قبل - بكبر حجمها وطول بطنها الذي ينبغي في الملكة الجيدة أن يكون إلى ~~جانب طوله عميق المظهر، لا عريضا ومسطحا، أو قصيرا غير منساب إلى طرف، وصورة الملكة ~~إجمالا أنها أطول جسما وأرفع شكلا من كل من العاملة والذكر، ومعظم هيكلها خارجي لا ~~داخلي - شأنها في ذلك شأن بقية الحشرات - خلافا لحال المخلوقات ذوات الأثداء فهيكلها ~~داخلي، وهو في النحلة مؤلف من درعة أو خيتين وهي مادة قابلة للتشكل في صور شتى، فمنها مادة ~~القرنية الشفافة التي تغطي عيون الحشرات، كما أن منها المادة الواقية التي تغطي أجسام ~~الحشرات وتقيها، وتختلف ما بين الصلابة والليونة وما بين الكثافة والرقة حسب موضعها ووظيفة ~~العضو الذي تغطيه، ويغطي هذا الهيكل الخارجي شعر دقيق أو زغب مزود بأعصاب تنقل الإحساس؛ لأن ~~الهيكل ذاته غير حساس، كما أنه بمثابة كساء واق من التقلبات الجوية إلى حد ما، وبعض هذا ~~الزغب يساعد على تنظيف جسم النحلة، أي أنه بمثابة فرشاة. كما أن بعض هذا الزغب يكون ~~مستقيما وصلبا متينا كما هو الحال فوق العيون لوقايتها، وغيره شبكي الوضع - وسنرى ذلك في ~~النحلة العاملة - ليساعد على حمل الطلع أو دقيق الأزهار في السلة المخصصة له في الأرجل ~~الخلفية، ms32 وبعضه يعاون في قبض الأشياء أو في منع الحركة السريعة إلى غير ذلك من الفوائد، ~~ولجسم الملكة كما لجسم أية نحلة أخرى ثلاثة أقسام مستقلة: الرأس والصدر والبطن، وها نحن نرى ~~في الرأس في كل جانب عينا مركبة، كما أننا نشاهد بالعدسة المكبرة بل حتى بالعين المجردة - ~~إذا دققنا النظر - مثلثا بينهما فيما يصح أن نسميه الجبهة وقاعدته إلى أعلى، وفي زوايا هذا ~~المثلث الصغير ثلاث عيون بسيطة، وكذلك نرى المشعرين أو القرنين (وهما من الزوائد المفصلية ~~الحساسة) ناشئين من الجبهة فيما بين العينين المركبتين، كما نرى أعضاء الفم تحت هذين ~~القرنين. # وفائدة العينين المركبتين المشاهدة البعيدة، فبهما تستعين الملكة (كما تستعين العاملة ~~والذكر) على الطيران، وتقدير المعالم التي في المنحل وخارجه؛ لتجول جولتها ولتعود إلى ~~خليتها سالمة. وأما فائدة العيون البسيطة: فالمشاهدة عن كثب كما يقع داخل الخلية مثلا وفي ~~تأملات النحل القريبة. ~~- ولكن إذا كانت الملكة لا تطير في حياتها إلا للتلقيح أو للهجرة مع جانب من طائفتها أي ~~مرة أو مرتين في المعتاد، فما حاجتها إلى كل هذه العيون؟ ~~- يسرني يا عزيزتي، ألا تدعيني أسترسل في الحديث، وأن تحلي الكلام من آن إلى آخر بمثل هذا ~~السؤال المنبه؟ ~~- أتعني أنه سؤال تافه؟! ~~- كلا، كلا يا أستاذتي إنه سؤال وجيه، ولكن لا تنسي أن أهمية الملكة الفائقة تجعل طيرانها ~~ذا أهمية سواء أكان مرة أم مرات؛ إذ إن فقدها يكون وبالا على طائفتها أو على الثول المصاحب ~~لها أعني جماعتها المهاجرة في وقت التكاثر، ومع ذلك فعدد العدسات في العين المركبة للملكة ~~يبلغ 4920 عدسة، في حين أنه يصل إلى نحو 6300 عدسة في عين النحل العاملة أو الشغالة، ويرتفع ~~عدد هذه العدسات إلى 13090 في العين المركبة للذكر، وسر ذلك: أن النحل العاملة في سرحها ~~اليومي أحوج إلى عيون مركبة أقوى من نظيرتها للملكة، حينما الذكر يحتاج إلى عيون مركبة أقوى ~~من عيونهما؛ لأن عليه مهمة شاقة وهي البحث عن الملكات العذارى الطائرة، وقد يستعين على ~~الكشف ms33 عنها بحاسة الشم من ثقوب خاصة متعددة في جسمه، وهذه الحاسة حادة جدا في النحل عامة ~~(حتى ليلاحظ عليها نفورها من رائحة العرق لبعض النحالين) ولكن لا غنى للذكر عن العين ~~المركبة القوية التي تكشف له المرئي في جهات شتى. ~~- هذا مدهش حقا! ~~- إن دراسة تشريح النحلة ووظائف أعضائها، فضلا عن كيفية نشوئها كلها مثيرة للإعجاب ~~أحيانا وللدهشة. فهذان المشعران أو القرنان اللذان ينبتان في الرأس واللذان يتألف كل منهما ~~من اثنتي عشرة عقلة في كل من الملكة والعاملة ومن ثلاث عشرة عقلة في الذكر هما أحد أدوات ~~التخاطب بين النحل بحركاتها المنوعة، فهما قادران على الحركة في كل جهة، كما أنهما من أعضاء ~~الاستشعار باللمس بواسطة ما عليهما من الزغب الوفير. بحيث تستطيع الملكة حينما تدخل رأسها ~~في بيت من بيوت القرص، أو الشغالة حينما تطل داخل كأس من الزهر أن تتبين دقائقه الداخلية ~~تفصيليا كأنما تراها في الضوء الساطع. ~~- ولكن الذكر من النحل لا يفتش داخل عيون الأقراص أو بيوتها، فما فائدة هذا الزغب ~~له؟ ~~- أصبت بملاحظتك الدقيقة يا بثينتي النابغة، فالواقع أنه لا يوجد زغب على قرني ذكر النحل ~~إلا سطوحهما الخارجية والأمامية، وهي السطوح التي تستعملها النحل جميعا في لمس التخاطب مع ~~قرون النحل الأخرى، وأما باقي الزغب على السطوح الأخرى للقرنين فلا وجود له على قرني الذكر؛ ~~لأنه لا يستعملها - كما لاحظت - في الاستشعار الدقيق في الظلام، وها هي العدسة المكبرة شاهد ~~على صحة ذلك؛ فتأملي بها في قرون الملكة والعاملة والذكر وقارني بينها جيدا. ~~- مدهش! مدهش! ... وماذا يحدث لو أصيب القرنان بضرر أو لو قطعناهما مثلا؟ ~~- ستزدادين دهشة عندما تعلمين عن نتائج التجارب العلمية التي أجريت، وكيف ساهم فيها ذلك ~~العالم الطبيعي الضرير هيوبر ~~“Huber” ~~. عاش هيوبر في القرن ~~الماضي، وهو أول من استعمل الإطارات المتحركة في خليته المسماة «الخلية الورقية» # Leaf Hive # كأنما هي كتاب ذو أوراق تفتح وتقفل على ~~نحوه، وعلى أساس ذلك أبدع العلامة لانجستروث خليته الوافية التي ننعم بها الآن ms34 ونعم بها ~~النحالون أجيالا من قبل. # فقد هيوبر بصره وهو شاب، وكان قد تزوج قبلا، فوجد من خادمه الأمين برننز ~~“Burnens” ~~(الذي وصل بعصاميته إلى وظيفة مأمور قضائي في ~~قريته) ومن زوجته الوفية خير معينين له في بحوثه عن أسرار الطبيعة في حشرتنا الجميلة، ~~وهؤلاء الثلاثة جديرون بقصة سينمائية لن تقل في قيمتها الإنسانية عن قصة مدام كيوري. فهذا ~~فرانسوا هيوبر الضرير يمثل لنا الذكاء المفرط والملاحظة النفاذة والجلد التأملي الفائق، ~~وهي صفات تجلت في ثلاثة أدباء عالميين؛ أحدهما معاصر وهو منافسي في ولوعك الأدبي، والآخران ~~المعري وملتون، كأنما هذا الحجاب الذي قام بينهم وبين عالمنا المشهود قد أعفاهم من شائهه ~~ومن تبعية حواسهم لعجزه وقبحه، وفتح لهم عوالم أخرى وليدة أخيلتهم ومثالياتهم السمحة ~~اللطيفة. # ولا مشاحة في أن عمى هيوبر جعله يفكر في نقط دقيقة عدة ما كان يأبه لها أو يعني بها لو ~~أنه اعتمد على نظره فحسب، فأدى ذلك إلى أبحاث عظيمة في موضوعها وفي نتائجها، وقد حاول خصومه ~~انتقاصه؛ لأنه ضرير، ولأن خادمه المعين «جاهل»، ولم يكتفوا بذلك بل حاولوا إغراء زوجته ~~الشابة الجميلة على تركه. فأما خادمه فقد أثبت بأخلاقه الوفية الكريمة وبأمانته العلمية ~~وطاقته في الدرس والبحث وتحقيق ما كان يكلفه به سيده ما أنزله منزلة الاحترام في مواطنيه ~~الذين اختاروه أخيرا مأمورا قضائيا وفاخروا بسيرته، وأما هيوبر نفسه فغفر لهم تطاولهم ~~عليه كما يغفر الرجل الحليم الرحيم ذنوب الصغار الذين لا يقدرون ولا يفقهون. فإذا كان العمى ~~نقصا في ناحية فقط يكون مزايا في نواح أخرى، وقد يعوض عن الإبصار أي تعويض؛ كما أثبت ذلك ~~هيوبر بتجاريبه الدقيقة المستقصية التي لم يفكر فيها المبصرون، وأما زوجته الشابة الجميلة ~~فقد عرفت روحها النبيلة كيف تساهم وزوجها في خلق السعادة لكليهما، فكانت تندمج في تفكيره ~~وميوله وتروض نفسها على الغبطة بالاشتراك في أعماله، وهكذا أبدعت لنفسها مثالية من الرضا ~~والطمأنينة والمحبة المتبادلة، وأحست بسعادة خاصة في إسعاده، وقتلت بيديها الأنانية التي ~~حاول خصومه إثارتها في ms35 نفسها، وكأنما أحست بعد ذلك في طهرها الروحي أنها أصبحت المرأة ~~النبيلة الكاملة، وقد عاشا معا في سعادة سنين طويلة. # وشأنهما في ذلك يذكرني بالأديب البلجيكي الجهير ميترلنك وزوجته الصبية التي لم تتجاوز ~~منزلة ابنته، فقد عجبت الصحف الأمريكية - بعد نزوحهما إلى العالم الجديد - من أمرهما، وهل ~~يشعران حقا بسعادة على ما بينهما من تفاوت السن. فهداها البحث إلى أنهما حقا من أسعد ~~الناس؛ لأن سعادتهما قائمة على الانسجام التام في ميولهما وتفكيرهما ونوازعهما، وعلى ~~التقدير المتبادل بينهما، وعلى المحبة السليمة التي يدعمها صفاء الروح وتساميها، واعتزاز كل ~~منهما بعواطف الآخر وفهمه له فهما صحيحا، ولو لم تكن خلقت له وخلق لها وكأنهما توأمان ~~لكانت تأثرت بالعرف الغبي وباعدته لعلو سنه، فكانت هي الخاسرة لطافة روحه وشاعريته الجياشة ~~بحب الجمال وإعزازه لها الذي يبعد بل يستحيل أن تلقاه من سواه، وتفانيه في إرضائها وتدليلها ~~وخلق ضروب السرور والمتعة لها، وهي مغانم أعظم بكثير مما تناله من فرد دونه سنا وأكبر مما ~~يستأهله شبابها أو نضرتها، وما أكثر الشباب الضائع والنضرة الذابلة عند أقدام الفتيان ~~اللاهين ... وهكذا كانت مدام هيوبر في مثل عقلية مدام ميترلنك، كل منهما تعرف قيمة الجوهر ~~الذي ساقه الحظ إليها فحرصت على ألا تفرط فيه من أجل بريق سواه الذي لا يساميه منزلة ولا ~~يدانيه صفاء ولا يقاربه فائدة ولا نافسه أو جاوزه رونقا، وهكذا كانت زوجة هيوبر بحصانتها ~~ووفائها عونا عظيما له، كما كانت ابنة ملتون التي تفانت في حب والدها العزيز وخدمته فخورة ~~بذلك، وكما كان شأن مدام ميترلنك إزاء زوجها العبقري ... ~~- مهلا يا أمين مهلا، أراك تسترسل في خطبة أدبية أولى بها معاهد الأدب، وحديثك شائق ~~شائق، ولو تركت دون مقاطعة لأخذت عنك سيرا وفصولا ودروسا أجمل بلا ريب مما دونه ~~فيزتيلي ~~“Vizeteily” # في كتابه «غراميات الشعراء # Loves of the Poets” # وأراك تحدثني هذا الحديث العاطفي ~~بحماسة، وفي توجيه خاص فأين مبلغ انطباقه عليك أو علي؟ وما هي علاقة كل هذا بقرني ~~النحلة؟! ~~- لا ms36 يا ظالمتي وحاكمتي، لا انطباق لما قلت في شيء علينا، ولكن الحديث ذو شجون، ولا يملك ~~من يعجب بالطبيعة والنحل وبالروح العلمية الصادقة إلا أن ينوه بهيوبر ومعاونيه، وبأمثال ~~هيوبر ومعاوينهم، كما حاولت أن أنوه ... ولنعد إلى تجاريب هيوبر الذي نعت عن جدارة «أمير ~~النحالين»، بل إلى بعض تجاريبه: فقد عمد إلى قطع أحد قرني الملكة قرب جبهتها فلم يحدث أي ~~تبدل في طباعها وسلوكها. ثم قطع كليهما فإذا بالملكة التي كان النحل يكرمها ويرعاها تفقد ~~منزلتها لدى النحل، وحتى غريزة الأم زالت عنها، فبعد أن كانت تعني بفحص عيون القرص فحصا ~~دقيقا قبل أن تضع بيضها في هذه العيون صارت لا تعبأ بها، وصارت تبيض كيفما اتفق خارج هذه ~~العيون. وكذلك شأن تجاريبه على قرون العاملات والذكور، فإن العاملات التي تفقد قرونها تعود ~~إلى الخلية فاقدة النشاط وسرعان ما تغادرها إلى غير عودة لا يجذبها شيء سوى الضوء الخارجي، ~~وكذلك الحال في الذكور، فكان من المستنتج أن للقرنين أثرا حاسما في توجيه النحل داخل ~~الخلية حيث يتضاءل النور أو يسود الظلام - إذ لا تكفي العيون البسيطة وحدها، كما أن لها ~~أثرا في «معنوية» النحل، ويدلنا الفحص الميكروسكوبي على وجود آلاف الثقوب الحساسة الدقيقة ~~على قرن النحلة، وقد تضاربت الآراء فيها، وهل هي مشاركة في حاسة الشم أو حاسة السمع أو في ~~كليهما، ولكنها إجمالا صورة مدهشة محيرة لعلماء الحياة، فلا عجب إذا لم تستطع النحلة أن ~~تحيا بدون قرنيها، فليس في الإمكان نموها ثانية كما ينمو مخ الحمامة بعد استئصاله إذا أبقيت ~~عليها حية بالتغذية الصناعية إلى أن يتم هذا النمو وتعود إليها بتمامه جميع حواسها وغرائزها ~~كما أوضح لنا كلود برنارد # Claude Bernard # في تجاريبه ~~العلمية. كذلك أرجل سرطانات البحر وذيول السحالي قابلة للنمو ثانية إذا ما قطعت، ولكن ~~هيهات حدوث ذلك لقرون النحل. وفي الرأس أعضاء أخرى هامة داخليا وخارجيا. فمن الخارج لا ~~يفوتنا التأمل في أجزاء الفم، وهي كما ترين من فحص النماذج الميتة بالعدسة المكبرة ms37 تتألف من ~~شفة عليا تحت سطحها الأسفل يوجد فص صغير أملس تستقر فيه أعضاء حاسة الذوق، ومن فكين خارجيين ~~ومن فم فتحته عند قاعدتي الفكين، ومن خرطوم عبارة عن امتداد عضو مركب واقع خلف الفكين، ومن ~~فكين داخليين يكونان بالاشتراك مع لامسي الشفة أنبوبة يعمل داخلها اللسان، ومن فكين ثالثين ~~تتألف باتصالهما الشفة السفلى وموقعها تحت فتحة الفم، وأخيرا من اللسان أو المذرب وهو يتصل ~~عند جذوره بالذقن، ويمكن إخراجه وإرجاعه بواسطة عضلات خاصة، ويغطي اللسان غمد مكسو بشعيرات ~~بعضها حساس، وفي نهاية اللسان توجد شبه ملعقة عليها شعيرات دقيقة، وعندما تجمع النحلة ~~الرحيق أو تمتص العسل أو عندما تتناول النحلة أي شراب نجد اللسان يتحرك سريعا إلى الخلف ~~وإلى الأمام بواسطة قضيب مطاط ممتد في وسطه، فيجمع بهذه الحركة السائل على شعيراته ويمتصه، ~~وعندما لا تستعمل النحلة لسانها تسحبه طي فمها قليلا ثم تطوي الجزء الخارجي تحت الذقن، ~~وبعض ضروب النحل أطول لسانا من غيرها مثل النحل القبرصي والنحل القوقازي، ومع ذلك لا يكفي ~~طول اللسان لأن يكون النحل جماعا للعسل، بل هذه غريزة في بعض الضروب. مثال ذلك أن النحل ~~الإيطالي أكثر نجاحا في جمع العسل من النحل القبرصي مع أن الأخير أطول لسانا منه، والنحل ~~الكرنيولي أكثر توفيقا في ذلك من النحل القوقازي مع أن النحل الكرنيولي أقصر لسانا من ~~الأخير. ~~- صدقت في ملاحظتك، فقد وصفتني إحدى زميلاتي المؤدبات بطول اللسان، ولا أعرف أني نجحت ~~يوما في جمع العسل. # | الفصل السادس # الناس صنفان رئيسيان في نظرتهم بعضهم إلى بعض وبعضهم إلى المجتمع، وبين هذين الصنفين صنوف ~~عدة متدرجة في الصفات ما بين رأس القائمة وقاعدتها: فأما الصنف الأسمى فطراز من الناس ~~جبلتهم الطبيعة على الإيثار، وكيانهم الحيوي قائم على التفكير في المجموع يشغلون به أيما ~~إشغال، وقد يساء إليهم من جراء ذلك مرارا، وقد يتألمون ويعانون وقد يردد حالهم: # سيعيش في هم ويشقى دائما # من عاش مشغولا بهم الناس # ولكن تكييفهم البيولوجي يبقيهم أسرى هذه النزعة الإنسانية ms38 مع عرفانهم أن جزاءهم المحقق قد ~~يكون الجحود والطعن والاضطهاد وقلما يكون الوفاء والإنصاف، ومن بين هؤلاء ينشأ القادة ~~والرواد، وأما الصنف الأدنى فيمثل الوصوليين الطفيليين الذين يتقنون التمسكن للتمكن، ولا ~~هم لهم إلا الانتفاع بمواهب غيرهم دون جزاء، ولا معنى للأريحية ولا للشهامة عندهم، ~~وغايتهم أن يغنموا دائما على حساب غيرهم دون مبالاة بأي قانون أدبي، وأن يبطشوا إذا ما ~~تمكنوا بمن تضعهم الأقدار تحت رحمتهم، ومن بين هؤلاء الآلاف من الأفراد الذين يقلون أو ~~يكثرون حسب دماء الشعوب، ولا يجدي فيهم علم ولا منصب، وهم أكثر المادة التي ابتعثت بالسخط ~~العلائي وتشاؤم كثير من الفلاسفة الاجتماعيين وكفرهم بالنفس الإنسانية وسيبقون كثرة ما دام ~~النسل البشري لا ينهض على أساس علمي حكيم. # وأمامنا بلا ريب في أمين وبثينة نموذجان من ذلك الصنف الأول الرفيع من الناس؛ ليس لأنه ~~مقدر لهما أن يكونا بين الرواد، فقد يتحقق ذلك أو لا يتحقق حسب الظروف والعوامل، ولكن ~~لأنهما من معدن نفيس لا يمكن أن يتدنى. كان أمين يشفق على بثينة من خواطرها الاجتماعية ~~الثائرة ومن تهافتها على الإصلاح ومن تألمها المتواصل لما يعانيه أبناء وطنها ومن قلقها ~~الذهني لخير المجموع. ولكنه فيما بينه وبين نفسه لم يكن إلا صورة من إحساس بثينة ذاتها. فما ~~تقدمت دراستهما المشتركة للنحل والنحالة إلا وكان ما يشغلهما قبل العلم وقبل الكسب الشخصي ~~كيفية انتفاع المجموع بهذا العلم، وكيف يستفيد الاقتصاد القومي منه، وكيف يمكن نشر النحالة ~~العصرية على أحدث المبادئ العلمية بين الشعب رفعا لمستواه المعاشي وترفيها عنه، وكانت ~~رحلاتهما إلى المنحل وجولاتهما فيه وجلساتهما المتنوعة ينتظمها دائما هذا الخاطر ~~النبيل. # قال أمين: سرني يا عزيزتي إقبالك على الدراسة العلمية للنحلة، وقد قرأت وصفك التشريحي ~~وتأملت رسومك الميكروسكوبية البديعة فرأيت بنان الفنانة فيها. ~~- شكرا يا أمين، وحمدا على أن تلميذتك نصف خائبة فقط. ~~- ولماذا تبخسين نفسك حقها يا بثينة؟ ~~- لا بخس ولا انتقاص، ولن أعد نفسي ناجحة حتى أفوز بغايتين: أولاهما: أن أوفر عليك التعب ~~وأحقق ms39 الإدارة الكاسبة لمناحلك كما اتفقنا، وينطوي تحت هذه الأمنية تفوقي العلمي، وأين أنا ~~من كل هذا؟ ... وثانيهما: أن أنشر مبادئك الإصلاحية نشرا عاما فيتبدد أمامها الفساد والجهل ~~كما يتبدد الظلام والضباب أمام أشعة الشمس الوهاجة. # فابتسم أمين ابتسامة المؤمن المبشر لرسالته التي أخذت تتمكن من التربة الصالحة وآذنت ~~بالاستقرار فيها. ~~- حقيقة يا بثينة ما استحق أن يولد من عاش لنفسه، ولكن لكي نعيش لأمتنا بل الإنسانية عامة ~~لا بد من التمكن من معرفتنا ومن الوسائل اللازمة لتطبيقها، فالحماسة وحدها لا تجدي، وستتاح ~~لك فرص كثيرة لفحص ما أقول ونقده والنظر في كيفية تطبيقه للصالح العام، فلا كان الخير الذي ~~يختصنا وحدنا ولا كان المذهب الأناني القائل: أخف ذهبك ومذهبك وذهابك. # ولو أني حبيت الخلد وحدي # لما آثرت بالخلد انفرادا # سأحدثك اليوم عن أثاث الخلية وعن ضروب النحل وعن كيفية نشوء النحلة، وأظن أن هذا الحديث ~~كاف بشرط أن تتزودي بقرص من الأسبيرين وقاية من الصداع، وبقرص من الثيامين ضمانا لانتباهك ~~وانتعاشك، كما أني سأكافئك ببعض العسل الشمعي الجديد فسأقطفه خصيصا لك مع تحياتي الشعرية ~~عند أوان الشاي. ~~- أنت متأخر جدا يا أمين بهذه المظاهرة المفتعلة التي تتصنع بها بخس نفسك، لو كنت تقدمت ~~بها منذ أسابيع وأنا لم أزل بعد «مادة خامة» لكان لها بعض المعنى، أما الآن فهي فاترة ~~وبائخة تماما، إن حماستي يا أستاذي النجيب لا تقل ولن تقل عن حماستك، ولن أطالبك الآن ~~بالرهان على تفوقي، ولكن سيأتي يوم قريب يطيب لك فيه هذا الرهان مطمئنا. ~~- لقد زللت، فصفحا، وهلم يا روحي وإلهامي إلى خلية الرصد قبل أن نعود إلى عملنا الرتيب ~~في الخلايا الأخرى. # ولكنهما ما كادا يخطوان بضع خطوات في اتجاه خلية الرصد حتى سمعا «تهليلا» عجيبا في الجو ~~مبعثه آلاف من النحل الطائرة التي كانت تترامى في شتى الجهات كأنها مقذوفات المدافع ~~الرشاشة، ثم أخذت تتكيف في مجموعها في هيئة دائرية وتتجمع رويدا رويدا إلى أن حطت على فرع ~~من إحدى أشجار المشمش التي ms40 تظلل المنحل، وقد ترك أمين بثينة مشدوهة لهذا المنظر الساحر وهو ~~يهتف «هذا ثول خرج من إحدى الخلايا» وهرع فأحضر دلوا من الماء ومضخة نثر بها الماء على ~~النحل الطائرة كأنما يوهم النحل بسقوط المطر فدفعها بذلك إلى سرعة التجمع على الشجرة. قالت ~~بثينة: حسبتك يا أمين تقول إننا بقطع بيوت الملكات في الخلايا التي تنشأ فيها نصون طوائفها ~~من الانثيال، وأظن أننا فعلنا ذلك بكل دقة خلال الأسبوع الماضي، فماذا جرى يا عزيزي حتى ~~نفاجأ هذه المفاجأة التي تفسد علينا ترتيبنا، وتفسد على إحدى الطوائف القوية ~~إنتاجها؟ ~~- لا ضرر إن شاء الله ... الواقع أنه قد فاتنا بيت ملكة ربما كان مختبئا في طرف قرص، فلما ~~خرجت منه الملكة العذراء أو أوشكت على الخروج إنثال جانب من الطائفة مع الأم أي مع الملكة ~~الأصلية المخصبة، وكان ما رأينا، وعلينا الآن أن نبحث عن الطائفة التي خرج منها الثول وأن ~~نضعه في خلية جديدة، ونحن لم نخسر شيئا بتغيير مجرى حديثنا، وبتناولنا موضوعات غير التي ~~كنا ننوي الحديث فيها، ومن يدري فقد يسمح لنا الوقت بتناولها أيضا، ولذة الحديث والعمل في ~~المنحل ألا يكونا مقيدين. إن في وسعك وفي وسع أي طالب أن يقرأ كتابا موجزا أو مسهبا عن ~~النحالة في المنزل وفيه الغنية عن كل حديثي، ولكننا هنا نقرأ كتاب الحياة بالقراءة ~~المتسلسلة فيه، بل لنا أن ننظر في أية من صفحاته كما نشاء، فكل منها مستقلة وكل منها مرتبطة ~~بغيرها، وأهم ما يعنينا أن نلم بروحها جميعا، وهذا الإلمام بروح المنحل هو أعظم ما نغنمه، ~~ولا خير في نحال لا يتشرب هذا الروح. # وبعد أن رش أمين النحل بالماء جيدا أحضر من حجرة الأدوات صندوقا مصنوعا من السلك ~~والخشب ذا غطاء وقطعة من النسيج، واتجه مع بثينة إلى حيث موضع الثول، وكان لحسن حظهما في ~~موضع واطئ إذ لم تكن الشجرة مرتفعة، فطلب إليها أن تحمل الصندوق - بعد أن رفع غطاءه - تحت ~~الثوب مباشرة، ثم هز الفرع هزة قوية ms41 موفقة فسقطت النحل أو معظمها داخل الصندوق فوضع أمين ~~غطاء الصندوق عليه، ثم غطاه أيضا بقطعة النسيج، وأحله في مكان ظليل بجوار حجرة الأدوات، ~~وكان غرضه من التغطية بالنسيج حجب الضوء بقدر الإمكان عن الثول ليبقى مستكنا في حين أن ~~السلك الذي في الصندوق كفيل بالتهوية الوافية، كما أن وضع الصندوق في الهواء الطلق وفي مكان ~~ظليل بدل إحدى الغرف يحميه من ارتفاع الحرارة المؤذية للنحل. ثم أخذ بثينة وراح يتأمل أبواب ~~الخلايا عله يهتدي إلى الخلية التي خرج منها الثول، فوجد خلية ذات طابقين مأهولين بالنحل، ~~ومع هذا لا يتجلى النشاط عند بابها، فقدر أن الراجح خروج الثول من هذه الخلية. لم يعبأ ~~أمين ولا بثينة بلبس القناع عند جمع الثول من فوق الشجرة؛ لعلمهما بأن النحل المنثالة وديعة ~~وأبعد ما تكون ميلا إلى اللسع، ولو أن الحكمة تقضي بلبس القناع على أي حال اتقاء لأي ~~طارئ. أما وقد اضطرا إلى فتح خلية مأهولة بطائفة قوية فلم يكن بد من التأهب الكامل لذلك، ~~وفتحا الخلية فوجدا في غرفة التربية عددا من بيوت الملكات في أدوار شتى من التكوين، كما ~~وجدا بيتا مرفوع الغطاء دالا على خروج ملكة منه، وسرعان ما وجدا ملكة عذراء تجري كالصبية ~~الطائشة على أحد الأقراص فأعادا هذا القرص إلى الخلية مطمئنين، وعمدا إلى قطع بقية بيوت ~~الملكات اتقاء لأية هجرة تابعة، وهي ما يطلق عليها اسم «التطريد» كما يطلق على النحل ~~المهاجر مع ملكة عذراء اسم «الطرد»، وبعد أن دون أمين ملاحظاته على بطاقة الخلية أغلقها ~~وكتب على واجهة الخلية بالطباشير الحرفين (م ع) إشارة إلى أن فيها ملكة عذراء، ونبه بثينة ~~إلى أنه لن يفتح هذه الخلية اللهم إلا عاسلتها حين يريد فرزها - قبل مرور أسبوعين أو ثلاثة؛ ~~ليعطي الملكة العذراء دون مقاطعة تخيفها فرصة للتلقيح ولوضع البيض في هدوء، حتى إذا ما عاد ~~إلى فتح الخلية كان أمام نتيجة يصح له الاطمئنان إليها. # قالت بثينة: ولكن ألا يجوز أن تضيع الملكة العذراء في ms42 أثناء التلقيح، فما الذي نغنمه من ~~الانتظار كل هذا الزمن قبل إعادة الفحص؟ ~~- إن في تصرفنا هذا ضمانا لمنع عصبية الملكة التي قد تلزمها الخلية ولا تشجعها على ~~الخروج للتلقيح، وليس ثمة أسوأ من تهافت المبتدئ على التطلع إلى الملكة العذراء بين يوم ~~وآخر للتأكد من أنها لقحت، فإن نتيجة ذلك اضطراب الطائفة، وتثبيط اهتمام الملكة بالخروج ~~للتلقيح؛ إذ قد يتغلب الخوف على الغريزة. ~~- أليس من الجائز أن هذه الطائفة قد انثالت بالأمس مثلا في أثناء غيابنا، وأن الخلية ~~التي خرج منها الثول هي غير هذه؟ ~~- هذا جائز لولا أني لاحظت في أقراص هذه الطائفة بيضا عمره يوم واحد، وهو الذي يبدو ~~واقفا على قاعدته دون ميل، وإن جاز لك أن تعترضي بأن الملكة قد تكون باضت بعد ظهر أمس قبل ~~خروجها، وها هو لم يمر - ونحن في الصباح التالي - يوم كامل عليه؛ إذ يجوز أن ينثال النحل ~~عند الأصيل كما ينثال في الصباح وإن كان انثيال الصباح هو الأكثر حدوثا، ومهما يكن من شيء ~~فلدينا حيلة بسيطة وهي أن نجمع في صندوق آخر بقية الثول الجاثمة على فرع الشجرة، وننثر ~~فوقها بعض الدقيق وندعها تطير، فإذا دخل بعض هذا النحل الذي سيتميز بما عليه من بياض الدقيق ~~في هذه الخلية كان ذلك توليدا تاما لاستنتاجنا الأول. # ونفذ أمين قوله فتحقق استنتاجه وسرت بثينة بما رأت، ثم سألته: وماذا تنوي عمله لهذا ~~الثول المحبوس؟ ~~- سأهيئ له خلية صالحة له أزودها بقرص من الحضنة المختومة، وبآخر من البيض واليرقات ~~الصغيرة وذلك من إحدى الطوائف القوية، كما أزوده بقرص من العسل والعكبر من قبيل التشجيع على ~~الاستقرار، ولو أن الحقول وفية الآن للنحل بأزهارها العسلية. فأما الحضنة المختومة ففائدتها ~~أنها تستبقي الثول في خليته الجديدة فلا يفكر في هجرتها، وأما قرص البيض واليرقات الصغيرة ~~فإليه يلجأ النحل لتربية ملكة جديدة لو أن الحظ عاندنا وفقدت الملكة لأي سبب في أثناء إدخال ~~الثول وإقراره في الخلية الجديدة، وأما قرص العسل والعكبر فيزود الثول ms43 بحاجته من الغذاء إلى ~~أن تبدأ نحلة السارحة في الجمع الوافي في الحقول، وأما الأقراص الخالية المكملة بها غرفة ~~التربية فلتكون تحت تصرف المملكة في وضع بيضها. # وفتحا خلية ذات طائفة قوية، وأخذا منها تلك الأقراص الثلاثة، وأحلا محلها ثلاثة إطارات ~~بأساساتها الشمعية المثبتة في السلك الواقي لها، واختارا خلية خالية فوضعا فيها قرص العسل ~~والعكبر في أحد جانبيها ، ووضعا القرصين الآخرين في الوسط، وأعدا بقية الأقراص الخالية للوضع ~~داخل الخلية بمجرد نفض الثول فيها. فأحضر أمين الصندوق، وبعد رش النحل رشا جديدا بالماء ~~من خلال السلك حتى لا يتهافت على الطيران عند نفضه داخل الخلية، رفع غطاء الصندوق، وهز ما ~~عليه من نحل داخلها، ثم هز ما في الصندوق نفسه وأسرع فوضع الأقراص الخالية في أماكنها من ~~غرفة التربية، ثم وضع فوقها الغطاء الداخلي، وقد أقفل فتحته المتوسطة بقطعة من الخشب حتى ~~تبقى النحل ملازمة لغرفة التربية في بداية تعميرها لها، ثم وضع العاسلة الخالية فوق الغطاء ~~الداخلي كأنها غرفة مساعدة على التهوية إذا ما صار الجو حارا، ثم أقفل الخلية بالغطاء ~~الخارجي بعد أن ثبت داخله بطاقة عليها البيان الكافي عن الثول على غرار ما يكتبه من بيان ~~عن كل طائفة. # قالت بثينة: ولماذا تكتفي يا أمين بغرفة واحدة لهذا الثول مع أنه كبير الحجم؟ ~~- صحيح إنه كبير الحجم بالنسبة لأثوال النحل المصري ولكني لا أعده إلا وسطا، وقد يزن نحو ~~ستة أرطال، أي يشمل زهاء ثلاثين ألف نحلة، ولكن حسبي أن أقلد النحل في حبها للتركيز ~~والنظام. لقد أعطيت الثول أقراصا خالية وفي وسع ملكته أن تبيض فيها فورا، وبعد بضعة أيام ~~يمكننا أن نعطي هذه الطائفة الجديدة طابقا ثانيا من الأقراص، وعدد النحل على أي حال لا ~~يزيد عن حاجة غرفة واحدة، وإن من الأخطاء التي ترتكب في معاملة النحل إعطاءها فراغا أكثر ~~من اللازم في الوقت الذي يراد فيه توجيه عنايتها إلى عمل معين وتركيز التفاتها إليه. ~~- وهل تظن أن نحل الطائفة التي خرج عنها ms44 هذا الثول تستطيع الاستمرار في جمع ~~الرحيق؟ ~~- من حسن الحظ أن هذا الثول تركها بعد جمع معظم الرحيق، ولا يزال للطائفة الأصلية على كل ~~حال عدد وافر من النحل السارحة؛ لأن النحل التي تؤلف الثول معظمها من النحل المتوسطة العمر؛ ~~أي أنها ليست من النحل المراضع وهي النحل الصبية وليست من النحل البالغة التي انقطعت للسرح ~~وتفرغت له، والآن لنعد إلى خلية الرصد لنسائل صاحباتها العزيزات عما يشغلهن. # وتوجها إلى خلية الرصد فكشفا أغطيتها الجانبية فإذا بثينة تلاحظ أن بعض النحل ترقص رقصات ~~غريبة، فقال أمين: لاحظي كذلك يا عزيزتي أنها تحمل طلعا أزرق زاهيا في السلال التي ~~بأرجلها الخلفية، وأن الغرض من هذا الرقص تنبيه زميلاتها إلى هذه الثروة الجديدة، حتى تتجه ~~إلى مصادرها، فالرقص إذن من لغة التخاطب بين النحل العاملات. ~~- سأقلدهن يا أمين، وسأمرنك على هذه اللغة العصرية. ~~- إنها لغة أزلية بالنسبة إليهن ... ولكن انظري يا بثينة ها هي الفرصة متاحة لك لمشاهدة ~~النحل متعلقة بعضها ببعض في هيئة سلاسل مشغولة ببناء قرص جديد على الأساس الشمعي الذي في ~~الطابق الأعلى، والآن يمكنك الانتفاع عند مراقبة عملها بالمعلومات التي وعيتها مني ومن ~~مشاهداتك الميكروسكوبية عن تشريح النحلة فلن تتململي بل ستشكرين معرفتك إياها ... # ولا تنسي أن هذا الأساس الشمعي نعمة من نعم النحالة الحديثة ولو أنه من نعمها الأولى، فإن ~~مبتكراتها تتوالى وأحدثها القرص الصناعي من الألومنيوم والباغة ومن العجائن المتينة العازلة ~~للحرارة وللبرودة ... هذا الأساس الذي تشاهدينه من صنف ممتاز، ويسمى «أساس داوانت السلكي» ~~فإنه إلى جانب جودة شمعه الطبيعي وجودة صناعته مغروز فيه أسلاك متموجة تكسبه قوة ومتانة لا ~~غنى عنهما في المناطق الحارة حيث يؤثر الجو على درجة احتمال الأساسات الشمعية، وهو مطبوع ~~طبعا جيدا بقواعد بيوت العاملات بنسبة 27-29 بيتا للبوصة المربعة، فتبني النحل بيوت ~~العاملات على هذه القواعد فتكون النتيجة قرصا حسن الانتظام يكاد يكون خاليا من بيوت ~~الذكور نظرا لمراعاة النحل للمشق الذي أمامها، وهكذا لا تبيض النحل في هذه البيوت ms45 إلا ~~بيضا ملقحا فتكثر نسبة العاملات كثرة محسوسة في الطائفة، وهذا ما يتمناه النحال تحقيقا ~~لحسن إنتاجه، وتلاحظين أننا لا نكتفي بهذه الأسلاك المتموجة المغروزة طوليا في لوح الأساس ~~بل نثبت في الأساس أسلاكا مستعرضة كذلك، وهكذا نزيد تماسك القرص الذي يبنى على هذا الأساس ~~في الإطار الذي يحتويه، وسأعطيك فرصا كافية يا عزيزتي للتمرن على تسليك الأساسات سواء ~~بواسطة الجهاز الكهربائي المخصص لذلك أو بواسطة عجلة التثبيت التي تجري ساخنة - بعد إخراجها ~~من الماء المغلي - فوق السلك فتساعد على غرزه في اللوح الشمعي، وليس راء كمن سمع، ولا ~~يفوتني تكرار تنبيهك إلى أهمية نقاء الشمع في صناعة ألواح الأساس، وعلى الأخص في المناطق ~~الحارة حتى لا يتمدد الشمع بدرجات متفاوتة فينبعج القرص ويتثنى في مواضع وقد يسقط بتأثير ~~الحر فلا يصيب النحل والنحال غير الخسارة، ولذلك يهمني دائما الحصول على أجود أنواع ~~الأساس. ~~- ولماذا لا نصنع هذا الأساس في وطننا فنخلق صناعة جديدة ونوفر مالنا؟ ~~- هذا أحد الأهداف الإصلاحية في النحالة المصرية التي أرمي إليها بالرغم مما ألاقيه من ~~عقبات. ~~- وأي عقبات يمكن أن تخلق في وجه مثل هذا العمل؟ ~~- لا تسأليني يا عزيزتي، وإنما سلى روح الجمود والهوى، وسلى روح الجسد الأثيل الخالد في ~~المجتمع البشري ... وسأسبقك إلى سؤال لا شك أنه في خاطرك: أيها أولى بالتفضيل: الأساسات ~~الشمعية أم الأقراص الصناعية؟ ~~- عمرك أطول من عمري يا أمين. ~~- لا سمح الله يا حياتي، إن لكل من الأساسات الشمعية والأقراص الصناعية فوائدها، ولو خيرت ~~لاقتصرت على استعمال الأقراص المعدنية في العاسلات لادخار العسل نظرا لمتانتها في أثناء ~~الفرز بالآلات الخاصة به خلافا لحال الأقراص الشمعية المتعرضة للتكسر والتلف، وستتأكدين من ~~هذه المزايا بنفسك عندما نتولى فرز العسل قريبا، وأما الأقراص الباغة والأقراص العجينية ~~المصنوعة من السليكون ~~“Silicone” # مثلا فهي جد صالحة لغرفة ~~التربية؛ لأنها جامعة ما بين المتانة ومقاومة التقلبات الجوية، فإذا أهمل النحال المبتدئ في ~~كيفية استعمالها لم يكن ضرر ذلك خطيرا، وأما الأساسات الشمعية فإني أوثر قصرها ms46 على إنتاج ~~العسل الشمعي أي الذي يؤكل بشمعه، وفي هذه الحالة نستعمل أساسا أقل سمكا من الأساس الذي ~~نستعمله لأقراص التربية؛ إذ لا حاجة بنا حينئذ للمتانة والكثافة، وإنما نريد رقة الشمع الذي ~~يؤكل مع العسل كأنه البسكويت الرقيق. أما الأقراص الباغة والعجينية التي لا تستأثرها ~~الحرارة والبرودة فهي أصلح ما تكون لغرفة التربية، كما أنه من الممكن استعمالها في الخلية ~~عامة، أي للتربية ولإنتاج العسل على السواء. ~~- ولكني لم أر أقراصا عجينية في المنحل فأين هي؟ ~~- هي في ذهني يا عزيزتي. ~~- ماذا تعني؟ ~~- إنها إحدى مقترحاتي لتحسين أدوات النحالة، وقد تحققت من إمكان تنفيذ ذلك متى سمحت ~~الظروف بعد الحرب إذا ما قامت بصنعها شركة قديرة متوثبة، فيصنع القرص وإطاره قطعة واحدة من ~~هذه المادة العجينية العازلة، كذلك سيتيسر صنع أجزاء الخلايا من نفس المادة، وستظفر النحالة ~~الحديثة حينئذ بأدوات جيدة اقتصادية، بل بأدوات مثالية لا ينال منها الزمن ولا تعبث بها ~~تقلبات الجو فتبقى لها جدتها ورونقها، ومتى انخفضت تكاليف الإنشاء والصيانة في المنحل ~~انخفضت نسبيا أثمان العسل والشمع والنحل، وعوض النحال ذلك بالتوفر على زيادة الإنتاج ~~وكثرة البيع فيستفيد النحال ويستفيد الشعب الذي يجب أن نوفر له ضروب الغذاء الصالح بأقل ثمن ~~مستطاع، فلا سعادة لطائفة من الأمة بدون سعادة المجموع، ويجب دائما أن يكون أفقنا واسعا ~~عند التفكير في أي مشروع في ثمراته وعواقبه. ~~- ولكن لماذا لا نكتفي الآن باستعمال الأقراص المعدنية مثلا، وقد رأيت النحل تدخر العسل ~~فيها دون تردد بكميات عظيمة كما رأيت الملكة تبيض فيها دون تحفظ؟ ~~- لا مانع في المناطق المعتدلة لو أن جميع النحالين لهم مثل ثقافتك، ويعرفون كيف يحتاطون ~~الاحتياط المعقول لحماية حضنة النحل من التقلبات الجوية، ولكن أكثرهم يتساهل بل يستهتر ~~فيقضون على الحضنة بإهمالهم ويخربون الطائفة. إن الأقراص المعدنية يمكن إعطاؤها للطوائف ~~القوية لا للنويات الضعيفة بالاشتراك مع أقراص الشمع، وإني شخصيا أستعملها أولا في إنتاج ~~العسل حيث تكون النحل قد بنت على الحوافي المعدنية لبيوتها امتدادات شمعية ms47 عازلة، وبعد ~~الفرز أعطي ما أشاء للملكة في غرفة التربية، وسرعان ما تملؤها الملكة بالبيض، ومتى فقس ~~البيض وتطورت الدودة وشرنقت العذراء في البيت وختمت النحل عليها نقلت مثل هذا القرص ~~المختوم إلى العاسلة؛ ليستكمل حضانته، حتى إذا خرجت النحل الوليدة من بيوت القرص نظفت النحل ~~هذه البيوت ولمعتها وادخرت الجديد من العسل فيها. أما النحال المبتدئ فما أسهل خطأه؛ إذ لا ~~يتورع عن إعطاء أقراص معدنية جديدة - وفوق الحاجة عددا - إلى طرد صغير من النحل لا يكفي ~~لتغطيتها ووقايتها من التقلبات الجوية، وهكذا تسوء العاقبة أو يعطي نواة ضعيفة مثل هذه ~~الأقراص الجديدة فيصيبها الفشل. أما الأقراص المصنوع من الباغة (وقد تستعمل لصناعتها ~~الأفلام السينمائية القديمة المستغنى عنها) فلا تحتاج إلى مثل هذا التحفظ وكأنها أقراص ~~شمعية، ولكن للأسف لا توجد وفرة منها في السوق، فلا هي صنعت محليا ولا هي جلبت من ~~موطنها في الولايات المتحدة حيث كان للمهندس النحال المبتدع جورج ماكدونالد فضل السبق إلى ~~ابتكارها وإلى ابتكار الأقراص الألومنيوم، فكان موفقا توفيقا عظيما، وأدهش عالم النحلة ~~بترويضه النحل على هذه الأقراص الصناعية في سهولة ويسر، والواقع أنه لم يكن مناهضا لطبيعة ~~النحلة باختراعه هذا بل كان مستغلا لها، والنحلة بمرونتها العملية طاوعته راضية قريرة؛ إذ ~~لم يفتها في النهاية أن تحول القرص الصناعي إلى ما يشبه الطبيعي بفضل الامتدادات الشمعية ~~التي ألصقتها بحوائط البيوت، واكتسبت المتانة التي زوده النحال بها. ~~- وهل تبطن النحل هذه البيوت بالشمع؟ ~~- كلا، إنها لا تفعل شيئا من ذلك، وإنما تطيل حوائط البيوت بالإضافات الشمعية؛ لأن ~~الشركة التي تصنع هذه الأقراص تتعمد ألا تجعل عمق البيوت كاملا حتى تتيح للنحل فرصة هذا ~~البناء الإضافي المناسب جدا لها، والموائم للنحال حينما يريد كشط الغطاء الشمعي عن ~~الأقراص العسلية، بعكس الحال فيما لو كانت الحوائط المعدنية كاملة، وأظنك رأيت كثيرا من ~~البيض على القواعد المعدنية اللامعة لبيوت القرص، وعانيت صعوبة في رؤيتها أحيانا، وهذا ~~يثبت لك أن النحل ذاتها لا اعتراض لديها على الأقراص ms48 المعدنية في ذاتها. ~~- لاحظت يا أمين أن الأساس الشمعي الذي قام النحل عليه شبه مكحوت فهل هذا صحيح؟ وهل يستغل ~~النحل ما يكحته من الشمع في بناء القرص؟ ~~- هذا هو الواقع دون أن يعفي النحل من فرز شمع إضافي من غددها الشمعية الخاصة لتكملة ~~البناء، ومن أجل هذا الاعتبار تصنع ألواح الأساسات الشمعية لغرفة التربية بمعدل سبعة ألواح ~~للرطل وزنا، حتى تكون كثيفة بدرجة كافية؛ لينتفع النحل من كحتها في بناء القرص دون الإخلال ~~بمتانتها. ~~- لست أدري أيهما أعجب: أهو اختراع الأساس الشمعي الذي يوفر على النحل جهدا عظيما وينظم ~~لها أقراصها حتى تساعد على نشوء أفراد الطائفة أفضل نشأة، أم هو ابتداع القرص الصناعي الذي ~~ينقل النحل من أساليب فطرتها إلى أحدث ما تزودها به المدنية لنجاحها ورفاهتها؟! ~~- كلاهما عجيب، ولكن الأعجب هو العقل الإنساني الذي درس طباع هذه الحشرة، ثم طوعها ~~لمصلحتهما المشتركة. لقد جاء ابتداع مهرنج ~~“Mehring” # الألماني للأساس الشمعي مكملا لابتداع لانجستروث ~~“Langstroth” # الأمريكي لخليته ذات الإطارات المتحركة، ~~كان ذلك في العقد السادس من القرن الماضي، فقد ظهرت خلية لانجستروث في سنة 1851م، وبعدها ~~بست سنوات (1857م) قدم مهرنج هديته النفيسة إلى عالم النحالة، وبعد ذلك بتسع سنوات (1866م) ~~صنعت شركة روت الشهيرة أول مطبعة أسطوانية لطبع الأساس الشمعي طبعا واضحا غائرا بحيث لا ~~يتردد النحل في البناء المتقن عليه، وما زالت صناعة الأساس الشمعي منذ ذلك الوقت في تقدم ~~مطرد حتى أدخلت شركة داوانت المعروفة أساسها السلكي المعرج، وقلدتها في ذلك شركات أخرى، ~~وتفنن الجميع في حسن صناعة الأساس إرضاء للنحالين. ~~- ولكن يخيل إلي مما سمعت منك أن أهم ما يعنينا من الأساس الشمعي قبل جودة طبعه بقواعد ~~البيوت أن يكون مصنوعا من شمع النحل النقي، وإلا تعرض النحل والنحال إلى خسائر، وربما ~~أصيبت الطائفة بكارثة نتيجة تثني الأقراص وسقوطها بالنحل وعليها إذا ما اشتدت حرارة الجو، ~~فكيف تضمن نقاء ما تشتريه من الأساس الشمعي المصنوع محليا؟ هل تلجأ إلى مصلحة الكيمياء ~~لفحصه؟ ~~- أصبت في ms49 ملاحظتك، ولكني لا ألجأ إلى مصلحة الكيمياء بل أطبق امتحانا بسيطا تعلمته في ~~أثناء الدراسة من أستاذي في الجامعة، فقد نبهنا إلى طرق يسيرة ولكنها صائبة اعتمادا على ~~حاستي الشم والذوق، ثم اعتمادا على تجربة هينة. كان يقول لنا إن غش الأساس ينطوي إما على ~~إدخال شمع البرافين أو الشحم الاعتيادي أو الدهن أو ما ماثل هذه المواد في صناعته، والغالب ~~أن النحل ترفض استعماله إذا كان الغش كبيرا. فإذا كان الأساس مغشوشا بالشحم فإن رائحته ~~تنم عليه إذا ما كسرت قطعة منه وشممناها، وأما إذا كان مغشوشا بشمع معدني فإن مضغ قطعة منه ~~يجعلها تتحول تحول اللواك حينما يدار في الفم فتصير متماسكة كالعجينة بعكس ما لو كان الأساس ~~نقيا فإن القطعة الممضوغة منه تتفتت في الفم ... ~~- وهل هذه تجربة يمكن التعويل عليها؟ ~~- كلا، وإنما هي امتحان مبدئي، وأما التجربة العملية التي أوصينا بها باعتبارها تجربة في ~~متناول كل منا، وأنها قد تغنينا عن الالتجاء إلى المعمل الكيميائي إلا في حالة الاشتباه ~~القوي فيمكن إجراؤها كالآتي: تملأ كوبة إلى نصفها بالماء، وتوضع فيها قطعة صغيرة من الشمع ~~النقي (أي من إنتاج النحل نفسه من إحدى الخلايا) حيث تبقى عائمة؛ لأن الثقل النوعي لشمع ~~النحل (960-970) أقل من الثقل النوعي للماء (1000). فإذا أضفنا تدريجيا بعد ذلك قليلا من ~~الكحول إلى أن تهبط قطعة الشمع إلى قاع الكوبة بعد أن كانت عائمة ودون أي إضافة زيادة على ~~ما نحتاج إليه لتحقيق ذلك، فإننا نكون بذلك قد ساوينا بين الثقل النوعي للماء ولشمع النحل ~~النقي، ومن حيث إن الأساس الشمعي الملوث بالبرافين وما إليه له ثقل نوعي أخف من الثقل ~~النوعي لشمع النحل النقي فإننا إذا وضعنا قطعة من هذا الأساس المغشوش في هذه الكوبة فإنها ~~بطبيعة الحال تعوم على سطح السائل حينما تبقى قطعة الأساس النقي في قاع الكوبة. ~~- بديع! هذه ولا ريب طريقة ميسورة لكل نحال. ~~- نعم، وفي إمكان كل نحال أن يعد هذا السائل الكحولي، ويحتفظ به في زجاجة ms50 محكمة الغلق؛ ~~لاستعماله في الفحص هكذا عندما يريد، ثم يعيده إلى الزجاجة بعد الفراغ من الفحص. ~~- أليس للون الشمع علاقة بنقائه؟ ~~- ربما تكدر لون الأساس الشمعي إذا لم يكن حديث الصنع، كما يكون أقل مرونة أي أقرب إلى ~~التكسر، ولكن تدفئته قليلا تحسن طبيعته ورونقه. ~~- ولماذا تبني النحل عيون القرص سداسية؟ ~~- لعل من أسباب ذلك أن هذه الصورة من البناء تعطينا أكبر عدد من البيوت في أقل مساحة ~~ممكنة مع التوفير في الجهد وفي مادة البناء، وقد نبه إلى ذلك من قديم العلامة الطبيعي ~~تشارلس داروين وغيره، وأشاروا بمتانة القرص المبني على هذا النسق. ~~- كأنما النحلة بفطرتها مهندسة عظيمة! ~~- بلا ريب. ~~- لي بضعة أسئلة أخرى متعلقة بما ذكرته: ~~(1) ما هي مزايا الأقراص الصناعية إجمالا على الأقراص الشمعية عدا ~~متانة الأولى؟ ~~(2) ألا يضر النحل قصر إنتاجها الشمعي نتيجة تربيتها على الأقراص ~~الصناعية؟ ~~(3) ألا تحد الأساسات الشمعية المطبوعة بقواعد بيوت العاملات، وكذلك ~~الأقراص الصناعية المؤلفة من بيوت عاملات فحسب من تربية الذكور حدا أكثر ~~من اللازم، وإذا صح هذا أفلا يوجد علاج له؟ ~~- مهلا، مهلا، يا عزيزتي، هذه أسئلة جامعة بل جامعية، والإجابة عنها تستحق الإسهاب، ~~ولكني سأوجز قدر الطاقة. فاعلمي يا حبيتي، أن النحل لا تقوم بعمل هين عند بناء الأقراص ~~الشمعية. إنه يكلفها جهدا ووقتا كما يكلفها عسلا. فلا بد للنحل إذا ما فرزت غددها رطلا ~~من الشمع من هضم جملة أرطال من العسل لتستحيل بطريقة التمثيل الغذائي إلى شمع تفرزه الغدد، ~~وفي هذا خسارة غير هينة للنحال أيضا إذا ما قدرنا الفرق ما بين سعر العسل المستعمل وسعر ~~الشمع الناتج، وهذا من أسباب ارتفاع سعر العسل الشمعي ولكنه ارتفاع لا يعوض بالقياس إلى ~~سعر العسل المفروز وإنتاجه، ويجب ألا ننسى أن الأقراص الشمعية معرضة للتلف التام إذا ما ~~تمكنت منها العثة الشمعية، وهي حشرة تبيض في الأقراص الشمعية، وتقوم يرقاتها بحفر سراديب في ~~هذه الأقراص تبطنها بما تلفه حولها من غزل الحرير وهي تنساب في هذه السراديب، ومتى استوفت ms51 ~~تغذيتها غزلت فيلجا أبيض حولها وشرنقت سواء داخل الأقراص أو على إطاراتها أو على حائط من ~~حيطان الخلية أو على أي جزء منها حافرة في الخشب قبل نومها مكانا لها حينما يستقر الفيلج ~~أو الشرنقة، وستتاح لك فرص لمشاهدة هذه الحشرة بنوعيها الكبير والصغير، والأخير هو الأكثر ~~شيوعا، ولا تكتفي يرقاتها بأكل الشمع بل تقضي أيضا على ما في الأقراص من حضنة وطلع وعسل ... ~~إلخ، ولذلك لا بد للنحال الذي يستعمل الكثير من الأقراص الشمعية في منحله إذا ما خزن الزائد ~~منها أن يضعه في صناديق خاصة أو في غرفها الزائدة عن حاجة الخلايا بعد إحكام قفلها ~~وبتبخيرها بغاز الكبريت المحترق «ثاني أكسيد الكبريت» أو بإحدى المواد الفعالة ضد العثة مثل ~~التحضير الكيميائي المسمى ميتكس # Mitex # وفي كل هذا عناء ~~وتكاليف وخسارة، إلى جانب ما لا بد أن يفقده النحال سنويا بنسبة تتراوح ما بين 10٪ و15٪ ~~من الأقراص التي تشوه أو تتكسر في أثناء العمل مما سترين أمثلته بنفسك في ظروف شتى، وصحيح ~~أنه يمكن إذابة الشمع المشوه والمكسور، وصبه بعد تصفيته في قوالب للبيع، ولكن هذا لا يعوض ~~خسارة النحال إلا تعويضا جزئيا. أما الأقراص الصناعية المشغولة أي التي بنت عليها النحل ~~امتدادات شمعية فإن الحشرة الشمعية إذا ما أصابتها لا تتلف منها سوى تلك الإمدادات ويبقى ~~أصلها سليما، ولا تنسي أيضا أن الفيران لها حظها أحيانا في العبث بالأقراص الشمعية في ~~حين تبقى الأقراص الصناعية سليمة. كذلك تبخير الأقراص الصناعية وتطهيرها إذا ما تلوثت ~~بميكروبات ممرضة للنحل، وعلى الأخص لليرقات؛ إذ من ألد أعدائها جراثيم ذات بذور مقاومة ~~جدا للمطهرات في حين أنه لا بد من إذابة الأقراص الشمعية، وفي هذه الحالة وقد نضطر ~~أحيانا إلى حرقها وحرق إطاراتها أيضا، وفي كل هذا خسارة فادحة للنحال، وصحيح أننا لحسن ~~الحظ، لا نعرف هذه الأمراض في مصر، ولكن من الجائز أن تتسرب إلينا بعد أن قضت المواصلات ~~الجوية على الحدود الجغرافية وكادت تقضي على الحوائل الجمركية، كما أني أنظر ms52 إلى هذه ~~المسألة نظرة غير محدودة بمنفعتنا الخاصة؛ إذ لماذا لا نعاون الأقطار الشقيقة كذلك على ~~النهوض بنحالتها وفيها مع الأسف بذور تلك الأمراض التي سببت خسائر عالية فادحة؟ ... وقد ~~سألتني عما إذا كان يسيء إلى النحل تثبيط إنتاجها الشمعي نتيجة استعمال الأقراص الصناعية، ~~والواقع أن النحل الموكلة ببناء القرص (وهي في المعتاد النحل المتوسط العمر) لديها الفرص ~~الكافية لذلك في أثناء الموسم في بناء الامتدادات الشمعية على هذه الأقراص الصناعية إلى ~~تغطيتها ونحو ذلك، ومع كل فأغشية فرز الشمع الغددية تخلق طبيعيا ولا وجود لها في الملكة ~~ولا علاقة لخلقها بمقدار استعمال النسل لها، وعلى الأخص لأن حياة النحلة العاملة محدودة ~~جدا، وليس الخوف على النحل العاملة من قلة استعمال هذه الغدد بل من إرهاقها في بناء ~~الأقراص ... # وأما عن سؤالك الخاص بحد الأقراص الصناعية والأساسات الشمعية المطبوعة بقواعد بيوت ~~العاملات من تربية الذكور حدا يتجاوز ما ينبغي فحسبي في الرد عليه أن أذكر لك أن النحل ~~لا تتقيد بطبع الأساسات الشمعية. هذا إذا ما شعرت بالحاجة إلى تربية الذكور، وغاية الأمر أن ~~تلك الأساسات الشمعية تحد من إسرافها في بناء بيوت الذكور؛ إذ تستهويها إلى الإكثار من بناء ~~بيوت العاملات التي هي أمنية النحال، وحتى الأقراص الصناعية المخصصة لتربية العاملات قد ~~تبيض فيها الملكة عددا من البيض غير الملقح، أي الذي تنشأ عنه الذكور، فهل يحدث هذا مصادفة ~~أم بتأثير عوامل خارجية كحلول موسم الانثيال والتكاثر الذي يسبقه طبيعيا ازدياد عدد ~~الذكور؟ هذا ما لا أستطيع الحكم عليه، والنتيجة أن الذكور التي تربى في بيوت العاملات تنشأ ~~صغيرة الحجم وإن لم تكن ضئيلة الحيوية. ~~- ولكن ألا يمكن تخصيص أساسات شمعية أو أقراص صناعية لتربية الذكور؟ ~~- هذه توجد فعلا، ولكن أكثر استعمالها مقصور على المناحل المتخصصة في تربية الملكات، ~~والتي يهتم أصحابها تربية وفرة من الذكور الممتازة المختارة إلى جانب تربية الملكات ~~الممتازة المختارة، وبذلك يضمنون إلى حد بعيد التلقيح النافع المطلوب، وأما في مثل مناحلنا ~~التي تتجه عنايتها ms53 إلى إنتاج العسل فحسبنا أن نمنع نشوء الذكور غير الممتازة، فتترعرع ~~الذكور الجيدة. ~~- وكيف يتحقق ذلك؟ ~~- المعتاد أن يصطحب النحال معه - إلى جانب العتلة والمدخن - شوكة كالمستعملة على مائدة ~~الطعام يتلف بها أغطية بيوت الذكور الزائدة عن الحاجة أو التي لا ترضيه سلالتها، وتقليل ~~الذكور في الطائفة من عوامل تثبيط الانثيال ... وعلى ذكر مائدة الطعام، لك أن تقاضيني يا ~~بثينة على تأخير الغداء، ولكني سأسترضيك بتحفة من العسل الشمعي للتحلية بعد الغداء وبغيرها ~~للشاي، أي سأضاعف وعدي لك. ~~- لك أن تسرف يا أمين، ما دمنا في شهر العسل. ~~- أتمنى يا ملكتي المحبوبة أن تعني ما تقولين. # | الفصل السابع # قال أمين بعد استمتاعهما بغداء هنيء: أظنك لاحظت بنفسك عند دراسة تشريح النحلة أنها، ~~خلافا للشفافير والزنابير، ليس فكاها من القوة التي تمكنها من إتلاف الفاكهة، مع أن ~~الطبيعة على أي حال لم تخلقها لذلك، بل لها وظيفة صريحة، وهي تلقيح صديقاتها الأزهار الإناث ~~بطلع الأزهار الذكور بعد جمعها لهذا الطلع في أثناء تنقلها من زهرة إلى زهرة أخرى، ولذلك ~~حرصت الطبيعة على أن تجعل من عادة النحل الاقتصار على زيارة نوع واحد من الأزهار في وقت ~~واحد، وقد عملت تجارب شتى فأثبتت أن النحل لا يمكن أن تمس أية فاكهة سليمة، وإن جاز أن تمص ~~عصير الفاكهة المعطوبة، وإذن فهي المؤتمنة على الفاكهة التي هي ثمرة تلقيحها شأنها شأن ~~البذور، ولولا إدخال النحل في زيلاندا الجديدة التي كانت خالية من النحل لما تيسر لها إنتاج ~~بذور البرسيم، ولولا النحل لما نشأت محاصيل الفاكهة الهائلة في كاليفورنيا، وأما عن أمراض ~~النحل الوبائية فلا وجود لها في مصر فيما أعلم، وبغض النظر عن هذه الحقيقة فأمراض النحل لا ~~تصيب الإنسان ... فهذه دعاية عجيبة أساسها الجهل المطبق، وربما كان مصدرها أولئك الجهلة من ~~النحالين القدامى الذي يربون النحل المصري في الكوارات الطينية ولا يريدون أن ينافسهم أحد ~~فتدفعهم الأنانية إلى اختراع أسباب التنفير من النحالة، ولو كان ولاة الأمور عنوا باستئصال ~~أسباب تأخرهم، وسنوا ms54 التشريع الواجب لإصلاح حالهم، كما فعلت ممالك أخرى، لما بقيت هذه ~~النحالة القذرة العتيقة قذى في العيون، ومصدرا من مصادر الدعايات الفاسدة. ~~- ومع ذلك فهم يكسبون! ~~- إن مكسبهم نسبيا صغير، وكواراتهم، أي خلاياهم الطينية، عبارة عن مصانع لتربية الحشرة ~~الشمعية، وهي مجردة عن النظافة، قليلة الإنتاج، لا يمكن الكشف التام عنها، بل هي كالصندوق ~~المغلق غالبا، ولذلك لا يمكن ضبط الانثيال منها؛ إذ محال ضبط تهويتها أو تربية الذكور ~~والملكات فيها، ولا يمكن تغذية طوائفها تغذية فردية في يسر، وهي بالإجمال تمثل التعب ~~والقذارة، ولذلك حرصت جميع الممالك التي تعنى بالنحالة المنتجة باستبدال أمثال هذه الكوارات ~~والصناديق المقفلة بخلايا ذات إطارات متحركة، كما عنيت بترقية النحل الشائع في مناحلها، ~~وأظن أنه آن لنا يا بثينة أن نلقي اليوم نظرة فاحصة على ضروب النحل التي لدينا، وأن نتحدث ~~عن نظام العمل في الخلية قبل أن نشغل في المرة الآتية بفرز العسل. # وتوجها يتأملان تباعا أبواب الخلايا، وعلى كل منها ~~كان يبدي أمين ملاحظته، وكان يجتهد في أن يعود بثينة التشخيص المبدئي لحالة كل طائفة من ~~النظر إلى باب الخلية، ووقفا عند خلية نحلها سنجابي اللون كبير الحجم نسبيا وقال: هذا ~~مثال للنحل الكرنيولي المربى في مصر في محطة معزولة، وهي خلية عامرة جدا كما ترين، فهي ~~تشغل ثلاثة أدوار، وربما بلغ عدد سكانها خمسين ألفا ومائة ألف نحلة، وهذا الضرب من النحل ~~مشهور جدا بوداعته فهو النحل الذي يصلح لنشز النحالة في ضواحي المدن، وإذن ففي وسعنا أن ~~ندرس على هذه الطائفة القوية الوديعة - ولو أن هذه دراسة مكررة بعد مشاهداتك السابقة - كل ~~ما تهمنا معرفته عن نظام العمل في الخلية، وتقسيمه بين طبقات النحل المختلفة، وكيفية نشوء ~~النحلة متطورة من البيضة، وسأدعك أنت تتولين الفتح وإن شئت فلك أن تتولي الحديث، وسأكتفي ~~بأن أكون خادمك المساعد الأمين، وهو شرف يكفيني ... # وفتحت بثينة الخلية بمساعدة أمين، وهي فخورة بالترويح عن معلوماتها في هذه المحاضرة ~~الأولى، قالت وقد بلغت أحد الأقراص الوسط ms55 من أقراص التربية: ها هي ذي الملكة يا أمين، ~~معلمة وجميلة! وها هو ذا البيض الجديد في عيون القرص! لقد وضعت اليوم؛ لأنه قائم غير ~~مائل ... ولكني سأعيد هذا القرص، وسأنظر في غيره ... ها هو ذا بيض عمره يومان لأنه مائل قليلا ~~إلى جانبه، وها هو ذا بيض عمره ثلاثة أيام لأنه راقد على قواعد البيوت، وها هي ذي يرقات ذات ~~أعمار شتى: انظر هنا بدقة تجد يرقة لعلها فقست الساعة من البيضة لأنها راقدة في هيئة خط ~~مستقيم وطولها لا يتجاوز خمس قطر البيت الراقدة فيه، وانظر ثمة تجد يرقة عمرها يومان، راقدة ~~في هيئة نصف دائرة وقد لمس رأسها ذنبها وهي تشغل تقريبا نصف قطر البيت الراقدة فيه، وعلى ~~مقربة منها في بيت آخر توجد يرقة أخرى عمرها ثلاثة أيام تشغل خمسة أسباع قطره، أما اليرقة ~~التي أوجه لها المؤشر فهي تشغل قطر بيتها جميعه وعمرها أربعة أيام. ~~- برافو يا بثينة، هكذا العلم والتدريس وإلا فلا. ~~- هل أخطأت في ملاحظاتي؟ ~~- كلا يا عزيزتي، لقد أجدت وأحسنت، ولكن لي ملاحظة عارضة في هذا المقام: إن نظرتك ~~الفاحصة التي هدتك إلى اكتشاف أعمار اليرقات وأناملك الدقيقة كفيلة ببراعتك في تربية ~~الملكات صناعيا حينما أمرنك على هذه التربية التي تقوم على محاكاة الطبيعة واستغلال ~~العوامل التي تحت تأثيرها تربي النحل ملكات جديدة، وأهمها النزوع إلى الانثيال وفقدان ~~الملكة، وفي هذه الحالة متى كانت النحل متريثة تختار أصغر اليرقات الفاقسة من بيضة ملقحة ~~لتغذيتها بالغذاء الغددي الفاخر الذي نسميه «الفالوذج الملكي»، والمتخصص في تربية الملكات ~~يدقق فلا يختار يرقة يتجاوز عمرها 36 ساعة؛ بل يؤثر أصغر اليرقات التي عمرها يوم فحسب، ولن ~~أثقل عليك الآن بشرح هذه العملية البديعة التي لها أوانها فيما بعد، وقد نؤجلها إلى الربيع ~~الآتي، ويكفي من آياتها أن أذكر أن المربي يقلد الطبيعة أولا بحرمان طائفة قوية من ملكتها، ~~وبعد أن تحس اليتم وتشرع في تربية ملكات يقطع هذه البيوت حينما يكون قد أعد لها إطارا ~~مثبتة ms56 عليه أسس شمعية صناعية لبيوت ملكات على قواعد صغيرة خشبية بحجمها مغروزة في الإطار ~~الذي يمكن تقسيمه في وسطه بقطعة مستعرضة من الخشب، وتثبيت عدد من هذه القواعد تحتها زيادة ~~على المثبت تحت القضيب الأعلى للإطار، وهكذا يمكن أن يحمل مثل هذا الإطار عددا وافرا من ~~هذه القواعد التي يطعمها الفالوذج الملكي المخفف بالماء، ثم يقوم عليه في كل بيت يرقة واحدة ~~صغيرة ثم يعطيه النحل، وبعد 24 ساعة يراجع ما صنع، وقد يعيد هذه العملية أو بعضها إذا وجد ~~النحل لم تستجب إليه واكتفت بمص الفالوذج الملكي وأهملت اليرقات، ومتى عنيت النحل بتكملة ~~هذه البيوت وبتربية اليرقات حتى تنمو وتشرنق وتختم، فإن النحال ينقل حينئذ هذه البيوت إلى ~~إطار آخر ويحميها داخل أقفاص سلكية واقية كلا منها في قفص خاص، ويعهد بها إلى طائفة أخرى ~~يتيمة لتتولى حضانتها، حتى إذا ما فقست تولت النحل تغذيتها من عيون السلك دون أن تسيء إليها ~~ودون أن تسيء هذه الملكات العذارى بعضها إلى بعض، ولو أن من المناسب أيضا أن يحتوي القفص ~~وتحت غطاء فتحته قليلا من السكر الناعم المعقود بالعسل لتلجأ إليه الملكة العذراء عند ~~الحاجة، وهكذا يستطيع النحال المربي أن يستعين بهذه الملكات في تكوين نويات جديدة من ~~طوائفه، أو يستطيع بعد إدخالها على نويات صغيرة من النحل مخصصة لها لكي تستضيفها حتى تتلقح، ~~أن يبيع الملكات الملقحة بعد اختبارها - أي بعد التأكد من فحص حضنتها أنها ملقحة - بثمن ~~يجزل عليه الربح. ~~- إن وصفك يا أمين لهذه العملية مشوق، ويبدو لي أنها سهلة، فلماذا نؤجلها إلى الربيع؟ ~~- لقد تعمدت تبسيطها لك، وهي في الواقع عملية غير شاقة للمتدرب، ولكن فيها نقطا عملية ~~دقيقة تحتاج إلى التمرين، وليس أهونها كيفية نقل اليرقة الدقيقة بالإبرة المخصصة لذلك من ~~القرص إلى البيت الصناعي، ولا أدري إذا كان يحق لي أن أسميه بيتا صناعيا؛ إذ كل ما هو ~~صناعي فيه أساسه المشبه الكستبان الصغير أو قمع الخياطة، وفيما عداه فالنحل هي التي تبني ~~البيت ms57 من أوله إلى آخره، وبهذه المناسبة أؤكد لك أن بيوت الملكات الطبيعية متى فقست منها ~~الملكات هدمتها النحل ولا تعيد استعمالها خلافا لبيوت العاملات والذكور المعتادة في القرص ~~فإن النحل بعد تنظيفها وتلميعها بالمادة الصمغية (العلك) التي تجمعها من براعيم الأشجار ~~وتحملها على أرجلها الخلفية كما تحمل الطلع تهيئها للملكة للبيض فيها مرة أخرى أو تستعملها ~~لخزن العسل أو لخزن الطلع. ~~- ما رأيك في أني لم أكمل بعد محاضرتي، وطبعا لن تجيز امتحاني دون تكملتها؟ ~~- عفوا يا معلمتي ... صحيح، عليك أن تشرحي كيفية تطور النحلة من بيضة إلى حشرة كاملة، ثم ~~وظيفة هذه الحشرة في أدوار حياتها، وما يتبع ذلك من تقسيم العمل بين أفراد الطائفة. ~~- سؤال ضخم، أستحق بلا ريب درجة الدكتوراه العلمية على إجابتي عنه، وعلى أي حال فلن أدعك ~~تضحك مني ... اسمع يا تلميذي النجيب: إن تطور النحلة من بيضة إلى حشرة كاملة هو من غرائب ~~أعمال الطبيعة نظرا للتفاوت في التشكيل بين طور وطور، فإن التأمل في استحالة دودة إلى حشرة ~~مجنحة لها أعضاء ووظائف مختلفة كل الاختلاف عن أعضاء الأولى ووظائفها لمن الأمور المحيرة ~~للعقل، وقد شرحت كيف أن البيضة تعمر ثلاثة أيام قبل أن تفقس مع اختلاف وضعها خلال تلك ~~الأيام الثلاثة، ثم كيف تتجلى اليرقة في نموها وفي وضعها بعد ذلك، ولكني لم أستكمل هذا ~~الشرح، كما أنه ينبغي أن أبين أنه يوجد تباين بين نمو الحضنة في الملكة والعاملة ~~والذكر، ولعل خير وسيلة للمقارنة أن أعرض الجدول الآتي ~~للتأمل فيه وللمقارنة: # طور النمو # الملكة # العاملة # الذكر # البيضة # 3 أيام # 3 أيام # 3 أيام # تغذية وغرفة اليرقة # 5 أيام # 5 أيام # 6 أيام # نسيج اليرقة للشرنقة # 1 يوم # 2 يوم # 3 أيام # فترة الاستقرار # 2 يوم # 3 أيام # 4 أيام # تحول اليرقة إلى عذراء # 1 يوم # 1 يوم # 1 يوم # تحول العذراء إلى حشرة كاملة # 3 أيام # 7 أيام # 7 أيام # مجموع المدة من يوم وضع البيضة إلى خروج النحلة من بيتها # 15 ms58 يوما # 21 يوما # 24 يوما # وقد تختلف هذه المدة بالنسبة للملكة على الأخص، فقد ~~تهبط في الجو الحار إلى 14 يوما وقد ترتفع في الجو البارد إلى 16 يوما، وتكون الزيادة أو ~~النقص أولا في مدة تغذية اليرقة ونموها فقد تطول إلى خمسة أيام وربما هبطت إلى أربعة أيام ~~ونصف، ولعل لسخاء التغذية إلى جانب حرارة الجو أثرا في ذلك، كذلك فترة تحول العذراء إلى ~~حشرة كاملة - وهي فترة استقرار - قد تطول إلى ثلاثة أيام ونصف يوم وقد تهبط إلى يومين ونصف ~~يوم تبعا لدرجة حرارة الجو، أي أن هذا الاقتضاب النسبي في مدة الحضانة قلما يسري على ~~الممالك الباردة الجو، وقد يكون لبعض ضروب النحل بل لبعض سلالاته أثر بيولوجي في مدة التطور ~~هذه وفي اختلافها، أما عن تعمير النحل بعد ولادتها - إذا جاز لي هذا التعبير - فالملكة قد ~~تعيش نظريا خمس سنوات وربما أكثر، ولكن الواقع أن النحل قبل النحال قلما يسمح لها بأن ~~تعيش أكثر من ثلاث سنوات؛ إذ سرعان ما يدركها الكلال أو الشيخوخة نتيجة جهدها العنيف في وضع ~~البيض فلا يبقى النحل عليها، وكثير من المناحل العصرية تبدل ملكاتها في كل عام من محطات ~~التربية الممتازة، والمعتاد أن يحتفظ النحال بالملكة ~~عامين فقط إلا إذا كانت فذة متفوقة، وذلك لأن الملكة هي أساس الحياة في الطائفة فيجب على ~~النحال الحصيف ألا يبخل بثمنها، وبتكاليف استبدالها؛ لأنه سيغنم أضعاف ما ينفق في النهاية ~~إذا ما رزقته بطائفة جيدة منتجة، وأما عن العاملات فيختلف حياة كل منها باختلاف زمن ~~ولادتها، فإن عمر النحلة العاملة - كما يقال عن الإنسان بل عن كل كائن حي - هو عمر غددها ~~التي تترتب عليها صحة أعضائها. فالنحلة والعاملة التي تولد في الخريف ولا جهد عليها تؤديه ~~تستطيع أن تعيش ستة أشهر، في حين أن النحلة التي تولد في الربيع وعليها واجبات جمة متتابعة ~~قد لا تعمر أكثر من ستة أسابيع، وأما الذكور فتستطيع أن تعمر شهورا لو أن النحل العاملات ~~تتركها وشأنها، ms59 ولكن يندر أن يحدث هذا إلا في المناطق الدافئة الجو المتوالية المراعي ~~الوفيرة الرحيق، وأما الغالب فقضاء العاملات عليها حينما يقبل الخريف وينقطع الرحيق ويبرد ~~الجو ولا تبقى لها وظيفة مرعية - حينئذ تطردها العاملات شر طرد، وتعض أجنحتها وأرجلها ~~تشويها لها وتعجيزا، وعلى أي حال لا تسمح لها بالبقاء في الخلية فتموت في خارجها جوعا، ~~ومن عادة النحل ألا تقبل في خليتها غير أفرادها في العائلات وإن سمحت لبعض جيرانها بالدخول ~~في خليتها إذا جاء ذلك عفوا وكانت محملة بالعكبر على أرجلها الخلفية ومنتفخة مزهوة بما ~~تحمله من الرحيق في كيس العسل، أما الذكور فلديها جواز مرور من أي طائفة إلى أخرى ومن أي ~~منحل إلى آخر، إلا إذا استقر رأي النحل على التضحية بها، وحينئذ لا يكون حظها غير الفناء، ~~وقد تتكدس أمام أبواب الخلايا حتى لينعت ما يصيبها بمذبحة الذكور. ~~- ما هذا الإبداع يا بثينة؟! إني أراك تتفنين في وصف ما لم تشاهدي اعتمادا على مطالعتك، ~~فانتظري حتى تري هذه المذبحة المزعومة ... ولا شك أن تتحدثين بروح من التشفي فهل من جنسي أو ~~شخصي؟ ... إن أخوف ما أخافه أن تعامليني يا عزيزتي مثلما تعامل صاحباتك العاملات زملائي ~~اليماخير. # فقهقهت بثينة ضاحكة، وقالت: يظهر يا أمين أنك شاعر ~~بذنوبك الكثيرة، وليس أقلها أنك تقاطعني، ولا تريد أن أكمل محاضرتي، وهذه هي غيرة الرجال ~~المأثورة ... إن العاملات فعلا مصدر السلطات في الطائفة، وهن يكون جمهورية متوجة، وهن ~~المثل الأعلى لحياة العمل ولنظام العمل ولتوزيع الاختصاص ~~وللدأب المتواصل ولمحاربة البطالة، وهاك بيانا بواجبات النحلة العاملة من أول يوم بعد ~~الفقس إلى حين وفاتها: # العمر # الواجبات # الأيام الثلاثة بعد الفقس # تشتغل بتنظيف عيون الأقراص وبالحضانة. # اليوم الرابع # تكمل قدرتها على اللسع فتتهيأ للدفاع عن وطنها. # اليوم السادس إلى العاشر وأحيانا إلى الخامس عشر. # تغذي اليرقات الصغيرة. # اليوم السابع # أول طيران لها لترويض أجنحتها إذا سمح الجو بذلك، وربما حدث هذا الطيران ~~في اليوم الثالث في أثناء الصيف، وقد يتأخر إلى اليوم العاشر. ms60 # اليوم الثامن إلى السادس عشر # تبدأ من تناول الرحيق والعكبر والعلك (المادة الصمغية) التي تجلبها النحل ~~السارحة لإيداعها في الخلية. # اليوم التاسع إلى الثامن عشر # تمتنع عن تناول الرحيق والعكبر والعلك (المادة الصمغية) التي تجلبها النحل ~~السارحة لإيداعها في الخلية. # اليوم الثاني عشر إلى الثامن عشر # تشتغل ببناء الشمع. # اليوم الرابع عشر إلى العشرين # تبدأ بحراسة باب الخلية، وبالسرح لجمع الرحيق والعكبر والماء ... إلخ، ~~وتستمر على ذلك حتى وفاتها. # اليوم الخامس والعشرون # تبدأ بجمع العلك. # وبالرغم من بعض الاختلاف في تاريخ البداية بهذه الوظائف، وفي مدة القيام بها، فالمهم أن ~~بين النحل العاملات توزيعا محكما للعمل وتقسيما دقيقا له وتقديسا مستمرا لروح العمل، ~~وها هي ذي نظرة إلى باب أي خلية عارمة - فضلا عن مراقبة «خلية الرصد» - ترينا كيف تقسم ~~النحل العمل فيما بينها: فها هي ذي النحل المروحة عند الباب، وها هي ذي غيرها تبدو على ~~أرضية الخلية وعند الباب أيضا مشغولة بتنظيفها لفكوكها، وها هي ذي بعض النحل تنقل إلى ~~الخارج ما تساقط من قشر الشمع وأي أدران على قاعة الخلية وأي نحل ماتت داخلها، وها هي ذي ~~نحل أخرى مزدحمة عند حافة الغدير حول العشب تجمع الماء لتستعين به في تهيئة غذائها ولتساعد ~~بوضعه في الخلية على عملية التبخر المائي التي يترتب عليها ضبط درجة الحرارة في الخلية، هذا ~~إلى أفواج النحل المشغولة بجمع الرحيق والطلع والعلك وإلى جماعاتها المشغولة ببناء الأقراص ~~أو بتغطية عيونها سواء بالشمع الخالص كما يحدث لعيون العسل أو بالشمع الممزوج بالطلع كما ~~يحدث لأغطية بيوت الحضنة ولبيوت الملكات؛ لأن هذا المزيج يهيئ للبيت ثقوبا دقيقة تساعد على ~~تنفس الحشرة داخلها، وتبدو هذه الأغطية قاتمة بالنسبة لأغطية بيوت العسل، وأغطية بيوت ~~الذكور تتميز بأنها محدبة كالقبة، وهكذا ترى أن اسم «العاملات» هو اسم على مسميات حقا. ~~فلقد يبلغ ببعض العاملات التوق إلى أداء الواجب، بل إلى ما هو أكثر من الواجب، أنه عند ~~افتقاد ملكة الطائفة لحادثة من الحوادث أن تهرع في لهفتها ms61 - وقد تنبهت مبايضها الضئيلة ~~الأثرية - إلى البيض رغبة في التعويض عن فقدان الملكة، ولكن هذا البيض الذي تجود به إناث ~~غير كاملات أو خناث لا ينتج سوى ذكور هزيلة، وقد يعاني النحال من هذا الوفاء الغاشم من هذه ~~«العاملات البياضة» التي قد تدل من البداية على لهفتها بتهافتها على وضع عدد من البيض - بدل ~~بيضة واحدة كما هو شأن الملكة - في كل عين تحت تأثير عامل الأمومة الجديدة والغيرة على حياة ~~الطائفة، ولذلك تنعت أحيانا هذه العاملات البياضة «بالأمهات الكاذبة»، ويضطر النحال ~~بأساليب شتى إلى التخلص منها أو إلى إضاعة نفوذها تمهيدا لإعطاء الطائفة ملكة جديدة أو بيت ~~ملكة على وشك الخروج منه نقلا من طائفة أخرى، وربما كان من أيسر الوسائل المهيئة لذلك ~~إعطاء هذه الطائفة التي تظهر فيها العاملات البياضة أقراصا من الحضنة المختومة من طوائف ~~أخرى قوية؛ لأن هذه الحضنة متى خرجت من بيوتنا المختومة خلقت جوا جديدا وعقلية جديدة في ~~الطائفة، وأرجعتها إلى حالتها الطبيعية في نفسيتها فتقبل الملكة الجديدة أو بيت الملكة التي ~~على وشك الخروج. ~~- برافو يا بثينة، ... هل من عجب بعد ذلك إذا تعلقنا بحب نحلتنا العزيزة، وهي التي بلغت نفس ~~منزلتها الحاضرة قبل أن تعرف الكرة الأرضية الإنسان الأول؟ وهل من عجب إذا قدسها أجدادنا ~~المصريون فنقشوها على معابدهم وعلى توابيت ملوكهم؟ ~~- وهل من عجب يا أمين إذا كان فرجيل # Virgil ~~- وكان شاعرا ~~نحالا مثلك - قد تغنى بالنحل في كتبه اللاتينية وأشاد بها، وقد أعطت الإنسان غذاء شهيا ~~ومصدرا كريما لإضاءته، فإلى القرن السادس عشر الميلادي لم يكن الإنسان يعرف سوى عسل النحل ~~معينا على تحلية غذائه، ولم يكن يجد أفضل من شمعها لصناعة شمع الإضاءة وعلى الأخص في ~~كنائسه. لقد اكتشف الإنسان قصب السكر حول القرن الأول الميلادي، وقد ذكر الكاتب العالم ~~استرابو ~~“Strabs” # كيف أن أمير البحر لأسطول الإسكندر ~~المقدوني أبلغه بإعجاب عن اكتشاف هذا «القصب العسلي» في طريقه إلى الهند، ولكن لم يفكر أحد ~~قبل الأسبانيين في القرن الخامس ms62 عشر في استخراج العصير من القصب وفي صناعة السكر المتجمد ~~حيث أقاموا مصنعا له في ماديرا، وحتى في ذلك الوقت كان السكر من الكماليات فلم يكن في ~~متناول عامة الناس، وبقيت النحل ترعى الجماهير وأطفالها الصغار كما رعتهم من قبل ... ~~- ولكن الآية انقلبت الآن يا بثينة، فقد كاد عسل النحل يعد من الكماليات، وبعد أن أثبت ~~علم التغذية فائدته لأطفالنا ولمرضانا، فضلا عن أصحائنا حتى إن الدكتور بك ~~“Dr. Beck” # في أمريكا ألف كتابا عن ذلك سماه «العسل ~~والصحة» ~~“Honey and Health” # جمع فيه آراء العلماء الثقات من ~~شتى الأمم وآراء الهيئات الطبية المحترمة، أصبح لا غنى للنحالين ولهيئاتهم العاملة عن السعي ~~لنشر النحالة الحديثة المنتجة حتى يصير عسل النحل شائع الاستعمال بسعر مقبول يستطيع أن ~~يدفعه كل إنسان، فشتان بين القيمة الغذائية، فضلا عن المذاق والخواص الطبية التي لعسل ~~النحل السهل الهضم الشهي الطعم الزكي الرائحة وبين المحضرات السكرية المغشوشة التي يخدع بها ~~الجمهور وتسمى عسلا في حين أن الأزهار والنحل تتبرأ منها ولا تتبناها إلا آلات المصانع ~~الحديدية، ولا يمكن أن يقر هذا الغش إلا جاهل أو مغرض، ولن تكون عاقبته إلا الإساءة للصحة ~~العامة ... لقد صدق القدماء حينما سموا عسل النحل «شراب الآلهة». # وبينما هم في هذا الحديث الحلو وقفت سيارت بجوار المنحل ونزل منها شاب أنيق، وأقبل على ~~المنحل وفي يديه علبة صغيرة، وهو يهتف: «لقد وصلت الأمانة يا أمين». ~~- أهلا وسهلا، أي أمانة يا فريد؟ ~~- إحدى لعبك يا عزيزي، وقد وصلت بالبريد العاجل من المنحل التعاوني في السويس، فتفضل يا ~~حبيبي، وافرح بها ... # لقد ذهبت إلى منزلك زائرا فلم أجدك، وأصرت والدتك على أن أحضر لك هذه اللعبة فورا، ~~فانظر كيف تستبدان بي؟ # كان فريد طالبا في السنة النهائية بكلية الطب بجامعة فؤاد، وقد حضر إلى الإسكندرية ~~لتمضية إجازته الصيفية، وكانت بينه وبين أسرة أمين وشائج قرابة فكان يعرف بثينة ولكن دون ~~اختلاط، بل لعله لم يرها منذ سنوات كما أنه لم يتبينها في قناعها ms63 وفي ملبسها الرجالي ... ~~وكانت أسرته موسرة فبدت عليه علائم الثروة والترف، وبعد تبادل التحايا، وبعد الاعتذار إلى ~~بثينة لتقصيره في تحيتها، قال أمين: لقد جئت لي بخير هدية يا فريد، بل بهديتين، فقد أوحشني ~~بعدك عنا في القاهرة، فجاءت زيارتك أول هدية نفيسة من صداقتك الباقية، وجاءت هذه الملكة ~~الكرنيولية النقية الهدية النفيسة الثانية. فما رأيك وأنت في إجازتك السنوية لو أمضيت ~~أياما معنا في المنحل مؤنسا ومؤنسا ومتعلما؟ ألا تزال تخاف النحل؟ ... فقال فريد وقد ~~شجعه وأدهشه مرأى بثينة التي لم تستثن أنوثتها أحدا من جاذبيتها: أخشى أن أكون تلميذا ~~بليدا ويخيب أملك في، بل وأكون باعثا لتعطيل أعمالكما. # فقاطعته بثينة كما قاطعه أمين بعبارات التشجيع والترحيب، واتفقوا على أن يحضروا معا ~~بانتظام إلى المنحل، كما وعدهما فريد بأن يحضر شقيقته صفية إلى المنحل في الأسبوع التالي ~~للمعاونة على فرز العسل للمرة الأولى، أو على جمع «القطفة» الأولى كما سماها أمين، وجاء ~~لفريد بقبعة وقناع فلبسهما ووقف معهما يستمع ويتأمل معجبا. قال أمين: أتدري لماذا فرحت ~~بهذه الملكة الكرنيولية يا فريد؟ ~~- سمعت كثيرا يا سيدي عن مزايا هذا النحل الذي قيل إنه لا يلسع. ~~- لا يا فريد، ليس هذا هو السبب، وعلى الهامش يجب أن تعرف أن جميع نحل العسل المستعمل في ~~مصر يلسع فعلا، ولكن النحل الكرنيولي (نسبة إلى كرنيولة موطنه، وهي إحدى مقاطعات ~~يوغوسلافيا) يمتاز مثل قريبه النحل القوقازي بالوداعة المتناهية نحو صديقه الإنسان، وإن كان ~~أبعد ما يكون عن الوداعة إزاء أعدائه الطبيعيين كالشفافير والزنابير، ولكن فرحتي بهذه ~~الملكة؛ لأنها من أول ما أنتجته محطة التربية التعاونية في السويس، وإني رجل أومن بالتعاون، ~~وأعتقد أن الحركة التعاونية كفيلة بحل جميع متاعبنا الاقتصادية وغيرها، وأنها مدرسة الشعب ~~البرلمانية، وها هي ذي تسعف النحالين المصريين بملكات هذا النحل الممتاز الشحيح في العالم، ~~إن النحل الكرنيولي كما ترى سنجابي اللون كبير الحجم، بل لعله أكبر نحل الخلايا حجما، ~~وملكته كبيرة الحجم كذلك ولونها البني أميل إلى القتامة، وإذا نظرتما ms64 إلى داخل هذا الصندوق ~~بعد رفعي الغطاء الورق الذي كان عليه العنوان من فوق الغطاء السلكي فإنكما ستريان الملكة ~~وحولها بعض العاملات الصبية لتعهدها بالتغذية في أثناء سفرها في البريد، ولو أن في نهاية ~~الصندوق مستودعا صغيرا يحتوي قندا مكونا من العسل المعجون بدقيق السكر، وهذه العجينة ~~لا هي بالجافة التي لا تستطيع النحل التناول منها ولا هي بالمائعة التي تغرق النحل فيها، ~~فلو اتفق أن ماتت النحل المرافقة للملكة لأي سبب وبقيت الملكة حية فإن الملكة تستطيع تغذية ~~نفسها من هذا القند مؤقتا حتى ينتهي سفرها ما دام مقصورا على يوم أو يومين. أما عن كيفية ~~إدخال الملكة على النحل فلها مراسيمها وهي تختلف حسب طرائق الإدخال، ولكنها تشترك في اعتبار ~~واحد وهو ضرورة شعور النحل أولا بفقد ملكتها، ثم إبداؤها الألفة نحو الملكة الجديدة قبل أن ~~نسمح لأنفسنا بالإفراج عنها واختلاطها بالنحل، ومن الجائز إزاء النحل الكرنيولي أو النحل ~~القوقازي - وكلاهما بعيد عن العصبية أو الشراسة - أن ندخل الملكة عليه فورا، ولكن لا بد ~~قبل الإفراج عنها من تعود النحل عليها، والوقت الحاضر ملائم جدا لإدخال الملكات، فالحقول ~~ما تزال سخية بالرحيق، وفي ذلك ملهاة لها عن تتبع استبدال ملكة بأخرى، ولكني على أي حال ~~سأريكما كيفية إدخال هذه الملكة بطريقة هينة لا أقول إنها الطريقة المثلى، فطرق إدخال ~~الملكات توحيها الظروف وأحوال الطوائف والنويات، ولكن حسبي أن أقول إنها من أمثل ~~الطرق. # واتجه أمين معهما إلى طائفة كرنيولية قوية ففتح خليتها وأخذ منها ثلاثة أقراص من الحضنة ~~المختومة وقرصين من العسل والطلع وعليها جميعا نحلها المعطى لها ولكن دون الملكة، فقد حرص ~~على تركها في الخلية ووضعها في صندوق يسع ستة أقراص، وهو على شكل خلية صغيرة على حامل، وله ~~غطاءان: غطاء داخلي من الخشب والسلك بمقبض في الوسط وغطاء خارجي مغطى بالصاج، وأحل محل تلك ~~الأقراص إطارات بأساساتها الشمعية بعد أن وزعها ما بين أقراص الحضنة الباقية في غرفة ~~التربية للخلية التي فتحها، مبينا أن هذا ms65 إجراء مباح في هذا الوقت؛ لأن الفيض من العسل ~~الذي لم ينته بعد سيسمح للنحل ببناء أقراصها الجديدة على تلك الأساسات كما سيسمح للملكة ~~بالبيض فيها، وأما عن ذلك الصندوق الذي وضع فيه تلك الأقراص الخمسة وعليها نحلها فقد قال ~~عنه إنه يسمى «صندوق نواة» - والنواة عبارة عن طائفة صغيرة - وأنه سيدخل الملكة الجديدة ~~فيه (وكان قد وضعها في مكان ظليل حتى لا تسيء أشعة الشمس إلى الملكة، ولو أن الوقت كان ~~أصيلا والجو لطيفا)، وأنه ترك محل القرص السادس خاليا زيادة في التهوية داخله إلى أن ~~ينقل النواة فيما بعد متى ترعرعت إلى خلية كبيرة حيث يزودها بأقراص شمعية خالية أو بإطارات ~~ذات أساسات؛ ليعطيها الفرصة لاستكمال قوتها حتى تصبح طائفة كاملة، وقال أمين إنه سيقفل هذا ~~الصندوق مؤقتا مسافة نصف ساعة قبل إدخال الملكة الجديدة، وذلك حتى يلاحظا تصرف النحل حينما ~~تكتشف فقدان ملكتها، وكذلك تصرف النحل البالغة بهرعها عائدة إلى خليتها الأصلية، وفي أثناء ~~مرور هذا الوقت شرح لهما أمين أن سبب اختياره لأقراص الحضنة المختومة هو تعويض النواة عما ~~تفقده من النحل السارحة العائدة إلى خليتها الأصلية؛ لأن النحل التي ستخرج من البيوت ~~المقفلة ستحل محل النحل الهاجرة بل ستزيد، وستكون خير رفيقة للملكة الجديدة حينما يحين وقت ~~بيضها فترعى حضنتها وتشجع الملكة على البيض، وسرعان ما يحين وقت سرحها مع أخواتها السابقات، ~~وسرعان ما تصبح النواة جديرة بالحلول في خلية كبيرة وأهلا لأن تعد طائفة، وقال: إن صندوق ~~النواة هذا قابل لأن يكون صندوق سفر لإرسال النواة به في قطار المساء إلى أي عنوان في القطر ~~بحيث يصل النحل في أول النهار أي قبل اشتداد الحر، وما على النحال إلا أن يسمر أطراف ~~الإطارات داخل الصندوق، ويحكم قفل غطائه الداخلي المؤلف من السلك والخشب، ويسد بابه بعد أن ~~تأوي النحل السارحة إليه - إذا كانت النواة قديمة فيه - وينزع الغطاء الخارجي محتفظا به في ~~مخزنه إلى أن يعاد إليه الصندوق فارغا فيعيد استعماله، أو يمكن استعمال ms66 صناديق سفر أبسط ~~وأخف وأرخص فتباع مع النحل دون احتياج المربي النحال إلى إعادتها إليه، ويجب أن يلصق أعلى ~~صندوق السفر تحذير من وضعه في الشمس أو بالقرب من النار أو في مكان حار ساكن الهواء أو من ~~تعريضه للمطر أو لأي إصابة أو رجة عنيفة، ويجب أن يبقى قائما هكذا في أثناء السفر بمعنى ~~أنه لا يجوز قلبه أو وضعه على جانبه. # وأخذ أمين يشرح لهما في إسهاب ضروب النحل الرئيسية المستعملة تجاريا لإنتاج العسل. ~~وخلاصة قوله: إن ثمة ثلاثة ضروب من النحل تنعت بالنحل القياسي. ألا وهي النحل الكرنيولي ~~والنحل القوقازي والنحل الإيطالي، وقد نعتت هكذا لأنها ثابتة في صفاتها قابلة للتأقلم، كما ~~أنها كبيرة الطوائف منتجة للعسل، وقد جربت جميعا في المناطق الباردة والمعتدلة ~~والاستوائية، فكانت تتأقلم وتعيش وتنتج خيرا من إنتاج النحل الأصيل في تلك المناطق، وهذه ~~أمريكا كان نحلها الأصلي أسمر أو بني اللون ولم يكن منتجا إنتاجا مذكورا، فجلبت من ~~إيطاليا ملكات إيطالية جيدة حولت بها وبما ربته محليا من ملكات إيطالية في محطات معزولة ~~لطوائف ذلك النحل الهزيل إلى طوائف إيطالية على مر السنين، وأخيرا أدخلت النحل الكرنيولي ~~والنحل القوقاسي؛ لما ثبت لهما من مزايا خاصة لا بالنسبة للوداعة فقط بل في إنتاج العسل ~~الشمعي الفاخر، ولما اتصفت به ملكاتها من الخصوبة، ولطول عمر هذا النحل السنجابي نسبيا، ~~ولتعففه عن السرقة من الطوائف الأخرى، ولعزوفه عن جمع المادة الصمغية المفسدة لقطاعات العسل ~~الشمعي، ولسهولة إدخال الملكات عليه، ولسهولة الاشتغال به عامة، وقد دلت تجربة النحل ~~الكرنيولي في مصر على أنه حري بالتقدير، واستفدنا فائدة إضافية من إنتاج الهجين الأول ما ~~بين الكرنيولي السنجابي والمصري الأصفر، أي من تلقيح الملكات الكرنيولية العذارى بذكور ~~مصرية، أو من تلقيح ملكات مصرية عذارى بذكور كرنيولية؛ إذ جاء هذا النحل الهجين الأول ~~منتجا أحسن إنتاج مستطاع مقبول الطباع (وإن لم يكن في وداعة الكرنيولي الأصيل)، وكان لنا ~~بمثابة نحلة مصرية جديدة نافعة. أما النحل القوقاسي فكثير الشبه به ms67 ولكنه أصغر منه حجما، ~~ولذلك كانت مصلحتنا في الاكتفاء بالضرب الأول، بل لا شك أن مصلحتنا القومية تدعو إلى جعل ~~مصر محطة قومية عالمية لتربية النحل الكرنيولي استغلالا لما فيها من جهات معزولة متعددة في ~~الواحات وفي منطقة القنال وفي الفيوم وفي دمياط وفي جهات أخرى، وانتفاعا بظروف مصر الخاصة ~~من اعتدال الجو وسبق الربيع فيها وانعدام أمراض النحل الوبائية وقلة تكاليف الإنتاج وحسن ~~مواصلاتها الجوية مع ممالك شتى مما ييسر لها إنتاج ملكات هذا النحل الممتاز إنتاجا مبكرا، ~~وتوزيعها على شتى الممالك توزيعا سريعا، وبأثمان اقتصادية هي في الوقت ذاته غنم لنا نظرا ~~لقلة تكاليف الإنتاج نسبيا عندنا، وسيكون من الميسور لنا إذا ما أخذنا جديا بسياسة ~~إنشائية إصلاحية أن ننتج الآلاف العديدة من الملكات الكرنيولية العذارى، ونوزعها بأسعار ~~يسيرة على شتى المناحل المصرية؛ لنحقق في النهاية إبدال نحلها العصبي الهزيل بهجين ~~الكرنيولي الأول المتفوق. هذا، والملحوظ أن جميع النحل الأصفر كالمصري والسوري والقبرصي ~~والإيطالي عصبي المزاج وإن يكن على درجات متفاوتة، ولا شك أن النحل الإيطالي أهدأ هذه ~~الضروب وأوفرها إنتاجا وأصلحها للتأقلم، ولذلك عد أحد ضروب النحل القياسية الثلاثة، ولكنه ~~أقل صلاحية لنا في مصر من النحل السنجابي بنوعيه (أي الكرنيولي والقوقازي) إلا إذا كان ~~نقيا؛ لأنه متى تهجن فإن هجينه مع الدم المصري سيكون عصبيا، وقد يحتمل هجينه الأول، ~~وربما جاء في مثل هدوء هجين الكرنيولي الأول، ولكن الهجين الثاني وما بعده لا يمكن أن توصف ~~طباعه بكلمة خير، ولذلك ليست لنا مصلحة في تشجيع التوالد بين الضروب الصفراء، التي كثيرا ~~ما يحدث الغش في بيعها بعكس النحل الكرنيولي النقي فلا مجال للغش في لونه السنجابي ~~الواضح. # ولما بلغ أمين بحديثه هذا المبلغ كان قد مر نصف ساعة على تكوين تلك النواة، فتطلع مع ~~صاحبيه إلى باب صندوقها حيث رأوا النحل قلعة حائرة ما بين طائرة ومتمشية مسرعة تفتش حول ~~بابه داخلة خارجة كأنما منها استوحى شكسبير وصفه لطائفة النحل الغاضبة في روايته (هنري ~~السادس)، وحينئذ ms68 ذهب أمين وأحضر دلوا صغيرا من الماء، والعلبة الصغيرة التي وردت فيها ~~الملكة ووصيفاتها وقفصا مستديرا من السلك والمعدن في هيئة قبة، وقال لهما: الآن يمكننا ~~إدخال هذه الملكة على النواة، وطريقتي أن لا أستعمل هذه العلبة التي جاء فيها لحبسها في ~~أثناء فترة الإدخال خصوصا؛ لأن النحل الوصيفات غريبات عن النواة، ففي وجود هذه الوصيفات ~~إثارة إضافية لبغضاء النحل، وإنما طريقتي هي أن أغمس هذه العلبة كما هي في الماء نحو عشرين ~~ثانية هكذا، ثم أصفي ما فيها من الماء وأرفع الغطاء السلكي وعيني على الملكة واضعا القلب ~~على غطاء إحدى الخلايا المجاورة كأنه منضدة، وفي سرعة أستدرج الملكة للدخول في قفص الإدخال ~~هذا، وحينما تصعد إلى أعلاه أضعه وفتحته إلى أسفل، وفي سرعة أفتح صندوق السفر أو صندوق ~~النواة وأستخرج منه أحد قرصي العسل والطلع، وأزيح النحل عن أحد أركانه العليا، وبعد تجريح ~~غطاء العيون العسلية تجريحا خفيفا بالشوكة، وحينما ألحظ الملكة في أعلا قبة قفص الإدخال ~~السلكي كما هو الحال الآن، أنقل القفص سريعا إلى المكان الذي أعددته؛ لتثبيته عليه من ~~القرص حتى يصل إلى أساسه الشمعي، وهكذا أعيده إلى محله وأقفل الصندوق دون أن تفوتني كتابة ~~المذكرة الواجبة عن النواة وما جرى لها ووضعها تحت الغطاء الخارجي للصندوق، وبهذه العملية ~~سيتاح لنحل النواة الاطمئنان إلى وجود ملكة جديدة، وسيتعرف إليها عن كثب، ثلاثة أيام مثلا، ~~حتى تكتسب رائحة النواة قبل الإفراج عنها في هدوء وأمان، وهي في أثناء حبسها تبقى في مأمن ~~من الجوع، وبديهي أنه ممكن إجراء هذه العملية - بعد نفض النحل داخل الصندوق - في إحدى غرف ~~المنحل بعد قفل بابها. حتى إذا ما طارت الملكة مصادفة (والغرض من غمسها في الماء تعطيلها عن ~~ذلك) لم تقع في يد النحال. # سرت بثينة وفريد من هذه المشاهدة ومن شرحها، ولكن فريد استأذن في الانصراف؛ لارتباطه ~~بمواعيد أخرى، وتركهما على وعد من تكرار الزيارة لهما وللمنحل - تركهما وقد أكملا يومهما في ~~حبور، ولكن بثينة بدا عليها اهتمام ms69 جديد لم يلحظه أمين في البداية، وقد أخذت تفكر ~~وتفكر. # | الفصل الثامن # رأت بثينة وأمين أن لا بد لهما من الإكثار من زيارة المنحل، وقد انتصف شهر يونية، وانضم ~~إليهما فريد، وقد تشجع واستثيرت رغبته، فكان ثلاثتهم صحبة منسجمة للدرس والائتناس. فكانوا ~~يتبادلون الملاحظات والأسئلة والأجوبة في زياراتهم اليومية للمنحل حتى صار فريد وبثينة ~~توأمين في الخبرة والمعرفة، وكان فريد وشقيقته صفية عونا لأمين وبثينة في إجراء عملية ~~الفرز الأولى وقد بكرا لها، وزاد من أنسهما أن أحضرت بثينة معها شقيقتها الصغرى نادية، وفي ~~أصيل اليوم السابق هيأ أمين الخلايا المراد فرزها بوضع جهاز خاص لفرز النحل من العاسلات في ~~فتحة الغطاء الداخلي الذي أحله ما بين العاسلات وغرفة التربية، مفسرا بأنه متى جاء الصباح ~~فسيهبط النحل جميعه من العاسلات، وستتاح لهم فرصة فرز أقراصها دون أي عناء أو مضايقة للنحل ~~أو لهم. # وفي صباح اليوم التالي حضر الجميع مبكرين، واتفقوا على أن تتولى الآنسات الثلاث عملية ~~الفرز داخل الغرفة المخصصة له، وأن يقوم أمين وفريد بنقل أقراص العسل إلى غرفة الفرز، ثم ~~إرجاعها إلى الخلايا بعد إتمام فرزها، وبدأوا متعاونين بغسل حجرة الفرز، ثم بغسل الفرازين ~~والفناطيس المعدة لتلقي العسل المفروز فيها والمواعين المخصصة لوقوع الأغطية الشمعية من ~~أقراص العسل عليها عند كشطها، وكذلك أدوات الفرز والغرف الصغيرة من سكاكين وشوك ومغارف ~~ونحوها، ولكن أمين رأى قبل البدء لعملية الفرز أن يوجه إلى الجميع ملاحظات عامة للاسترشاد ~~بها وبيانا عن أسباب تصرفاته فقال: إذا كنت أتعبتكم بهذا الغسل الشامل لغرفة الفرز ~~ومحتوياتها قبل إجراء عملية الفرز كما سأتعبكم بمثله بعد الفراغ منها، فلا ريب أنكم تقدرون ~~مثلي السبب الموجب لهذه العناية، وهو أننا نتناول مادة غذائية سلمتها إلينا النحل نقية فوجب ~~علينا أن نحافظ على نقائها، ولو بيدي لما اكتفيت باستبدال الخلايا الطينية القذرة، بل لوضعت ~~قانونا لهجين المناحل أسوة بمعامل الألبان وجميع المصانع المنتجة للمواد الغذائية، ولا ~~يعفينا من ذلك أن عسل النحل بطبيعته مادة غير صالحة لنمو ms70 الجراثيم الممرضة فيها مثل جراثيم ~~التيفود والديسنطاريا وما إليها، وأحب قبل أن نبدأ العمل أن أوجه نظركم إلى بضعة اعتبارات ~~هامة: فأولها أن استعمال مصرف النحل ينبغي أن يقترن بسرعة الكشف عن العاسلات؛ إذ لو حدث خلل ~~في هذا الجهاز - على بساطته - فستكون النتيجة حبس النحل في العاسلات، وسيقضي عليها حتما ~~إذا اشتد الحر كما ستصاب الأقراص بتلف، ولذلك وضعت المصارف في أماكنها من الأغطية الداخلية ~~في خمس وعشرين خلية، أمس عصرا، استعدادا لعملية الفرز هذا الصباح، واكتفيت بهذا العدد ~~لفرز اليوم؛ لأني قدرت أن في ذلك ما يشغل وقتنا وأوعيتنا أو يزيد، فإن فرز خمسمائة قرص تحوي ~~زهاء خمسة وعشرين قنطارا من العسل ليس أمرا هينا، وقد اتفقت مع مساعدي على الحضور قبل ~~الغروب في سيارة من شركة النقل الأهلية لنقل فناطيس العسل، كما اتفقت مع شريكتي العزيزة ~~الآنسة بثينة على تولي تصفيته ثم تعبئته فيما بعد، وتعهدت بأن لا أغالطها في نصيبها الحق ~~جزاء تعبها بعد تسويق العسل والحصول على ثمنه، والآن أعلن تعهدي لكم أيضا بأن لا أغالطكم، ~~وسيكون لكم نصيبكم أيضا من هذا النضار السائل تحت أقدامكم وفي متناول أيديكم، بل أخشى أن ~~تسخطوا عليه؛ لأنكم لن تتموا عملية الفرز إلا وتجدوا هذا النضار السائل منثورا ومفروشا ~~أينما سرتم ولاصقا بأجسامكم ... فضحك الجميع، وقالت صفية: إنهم مكتفون «برائحته» ... وقال ~~فريد: بل إنه متطلع إلى فكرة المشي على بساط العسل ... فقال أمين: لا تعجب لهذه الملاحظة، ~~فبالرغم من كل حيطة لا أدري كيف يتسرب العسل إلى أرضية غرفة الفرز وإلى جوانبها وإلى كل من ~~فيها وإلى كل محتوياتها، ولذلك فإني أخصص لمن يعملون في فرز العسل طاقيات أو قبعات بيضاء ~~خاصة، وكذلك أردية خارجية بيضاء، محاولة لصيانة العسل من التلوث ومحاولة لصيانة الفارزين من ~~أن يعسلوا ... وبهذه المناسبة تحضرني أسطورة «الطريق الذهبي» أي المفروش بالذهب، فهي ووصف ~~الطريق العسلي سيان في الخيال والحقيقة ... وتجيء سيرة الطريق الذهبي في قصص شتى للأطفال حتى ~~رآه الكبار رأي العين في ms71 غينيا الجديدة، وقد رصف العمال بين أحراجها ميلين من طريق جديد ~~فلما جفت الأرض وجدوا الطريق يتألق براقا في أشعة الشمس وقد حوت الحجارة التي يستعملوها ~~في رصف هذه المسافة الصغيرة منه ما قدر بخمسة وأربعين ألف أوقية من الذهب يبلغ ثمنها ~~مليونا من الدولارات ...! وهكذا تجيء سيرة العسل المفروش في الطرق المزهرة في كتب الأطفال ~~الخيالية، وكيف تخطر عليه الحوريات، وكلما سارت عليه زاد حلاوة فتوزعه ذات اليمين وذات ~~اليسار، وكلما لمسته استحال إلى حلوى مبلورة هي أمنية الأطفال ... وسنرى اليوم العسل تحت ~~أقدام الآنسات. # فقاطعته بثينة قائلة: أراك قد عدت إلى استرسالك القديم يا أمين، ولن ينفعنا ظرفك ومؤانستك ~~إذا ضاع الوقت فإننا لم نبدأ بأي عمل بعد، ولم تتعد في ملاحظاتك أولاها ... # فقال أمين: صدقت يا عزيزتي، فأنت أدرى الجميع بعيوبي، وأنت جديرة بوقفي عند حدي ... إن ~~ثاني الاعتبارات التي أريد توجيه أنظاركم إليها يا ضيوفي الأعزاء: هو أن الاستغناء عن مصرف ~~النحل والاكتفاء بنفض الأقراص واحدا بعد آخر سواء بهزها أو بواسطة مسحها بفرشاة ناعمة ~~طويلة الشعر ليس معناه المشقة والعطلة فحسب، بل تعريض الطائفة كذلك إلى اضطراب شديد نتيجة ~~هذا العمل، وقد يكون من عواقبه فقدان الملكة، وعلى الأخص إذا أضاف النحال إلى هذا الخطأ خطأ ~~آخر وهو إجراء الفرز بعد انقطاع الرحيق حينما تنزع النحل إلى السرقة بعضها من بعض فتهجم ~~النحل الغريبة على ملكة الطائفة وتقتلها وتضايق المشتغلين في غرفة الفرز مهما أحكموا قفلها ~~واحتاطوا ضد دخولها إليهم لسرقة العسل. أما ثالث الاعتبارات: فهو أني أتحاشى فرز الأقراص ~~غير المختومة، ولذلك لا أتعجل الفرز بل أنتظر حتى تغطيها النحل بطبقة من الشمع إيذانا ~~بنضوج ما فيها من العسل، وحينئذ لا خوف على هذا العسل من الاختمار بعد فرزه؛ لأن كثافته ~~وتركيز السكر فيه ستحول دون نشاط جراثيم الاختمار، وهأنذا لم أتلهف على الفرز المبكر حبا ~~في اكتساب السوق ولو بعسل ناضج قابل للاختمار، ولم أتباطأ أكثر مما ينبغي حتى ينقطع الرحيق ~~وتضايقنا النحل ms72 السارقة، وكثيرا ما يحدث في هذه المنطقة ما بين منتصف يونية ومنتصف يوليه ~~أن يشح الرحيق، وذلك قبل تزهير القطن أو الخضر تزهيرا كافيا، وفي مقدمتها البامية التي ~~تعتبر من الوجهة النباتية من فصيلة القطن وتدر مثله رحيقا وفيرا مدة طويلة تعد بالأسابيع، ~~ولكن الغالب في هذا العام بسبب تأخير فيض البرسيم نتيجة تأخر الربيع أن لا تنشأ فترة الجدب ~~المعتادة، وأن يلاحق فيض العسل من الخضر والقطن - على قلة المزروع منه في هذه المنطقة في ~~زمن الجدب - فيض البرسيم، وقد اعتاد النحالون في مثل منطقتنا هذه في فترة الجدب أن يبتعدوا ~~ما أمكن في أثناءها عن فتح الخلايا إلا لضرورة قصوى، وعن عمل النويات، وعن إدخال الملكات ~~وما إلى ذلك من عمليات لا نتيجة لها غالبا إلا الفشل بسبب شيوع النحل السارقة، وجسها النبض ~~عند أبواب الخلايا، واستعدادها لمهاجمة أية طائفة يتيمة كسيرة الجناح أو أية نواة ضعيفة، ~~وإن نجاح إدخال الملكات ليساعد عليه أن يكون في أثناء فيض الرحيق أو في أثناء تغذية صناعية ~~سخية بشراب سكري أو بعسل مخفف بالماء حتى تشغل النحلة بهذه التغذية عن التربص للملكة ~~الجديدة، وهو مبدأ سيكولوجي له اعتباره في الحشرات والحيوانات كما له اعتباره في عقلية ~~الإنسان، ولعلكم تذكرون خطبة الحجاج بن يوسف الثقفي في المسجد الجامع بالكوفة حين ولي ~~العراق، وكان متلثما بعمامة خز حمراء كما نتلثم نحن بهذه الأقنعة فقد قال منذرا فيما قال: ~~« ... أو لأدعن لكل رجل منكم شغلا في جسده!» أي عقابا جسديا يشغلون به عن مناوأته، ~~ومبدأنا واحد، ولكنا لا نشغل النحل في هذه الحالة بالعقاب بل بالثواب، وهو ما يفعله كثير من ~~قادة الشعوب فيشغلونها بمسائل صغيرة تثير اهتمامها حينما تكون عنايتهم موجهة إلى مسألة كبرى ~~تعنيهم وحدهم، ومسألة المسائل للنحال في تلك الحالة هي التوفيق في إدخال الملكة وسلامتها ~~وتلاحظون ... # فقاطعته بثينة قائلة: لا يا أمين، يظهر أنك تريد تقليد شيشرون ... دعنا بالله من التاريخ ~~والاجتماع، ولنؤجل إكمال محاضرتك اللذيذة الممتعة إلى جلسة سمر ms73 في بيتي أو إلى فرصة أخرى، ~~فإن الوقت يضحك منها ويهرب معجلا، وقد مضت علينا ساعة في غسل وحديث ولم ننجز شيئا بعد من ~~عمل اليوم، مع أنك أنذرتنا بوجوب إنجازه ... ~~- سمعا وطاعة يا مولاتي. # وبزعامة بثينة وبإرشاد أمين بعد أن تعاون وفريد على نقل العاسلات تباعا إلى غرفة الفرز ~~تمكنوا من إنجاز عملهم على أحسن وجه (وإن لم يستطيعوا فرز جميع الأقراص) ومن إعادة الغرف ~~بأقراصها المفروزة إلى الخلايا بعد أن رفعوا الأغطية الداخلية إلى أعلا العاسلات، ونزعوا ~~مصارف النحل منها، واتفقوا على أن يستريحوا يوما؛ ليكملوا فرز بقية المنحل على دفعتين بمثل ~~ذلك الاستعداد، وقال لهم أمين: إن النحل كفيلة بتنظيف الأقراص المفروزة، وجمع ما عليها من ~~عسل، وإيداعه في بعض عيون القرص، ثم استئناف عملها في الحقول للمحصول الثاني، حتى إذا ما ~~حان شهر أغسطس كان لهم أن يتطلعوا لفرز «القطفة الثانية» من العسل الناتج من القطن والخضر، ~~وهو زيتي اللون وأكثف قواما من عسل البرسيم الأبيض ومن عسل الموالح الذي لا يشبهه إلا في ~~اللون، والذي يتيسر في مناطق الدلتا الغنية بأشجار الموالح وعلى الأخص في مديريتي المنوفية ~~والقليوبية، وذكرهم بأن العسل كالأنبذة شتى الألوان والطعوم، فمنه عسل الفول الأبيض الذي ~~اشتهرت به بعض المناطق في الصعيد وعلى الأخص مديرية المنيا، ومنه العسل القاتم الناتج من ~~الأشجار العسلية في جيرة البساتين كبعض أعسال القاهرة والإسكندرية والقناطر الخيرية، ومعظمه ~~من إنتاج المدن التي تكثر فيها الحدائق؛ إذ ليست لنا الغابات الشائعة في أقطار أخرى، وقال: ~~إن العسل المصري على اختلاف صنوفه من أفخر أعسال الدنيا، فهو على أي حال جدير بعنايتنا، وقد ~~علمهم أمين طريقة بسيطة لإعداد الأقراص للفرز، فما كان يلجأ إلى السكين الطويلة الساخنة ~~لإزالة أغطية الأقراص قائلا إنه لا يرى موجبا لاستعمال هذه السكين، أو كبديلتها السكين ~~البخارية والسكين الكهربائية، إلا في المناحل الكبرى - وقد سبق له استعمالهما في أمريكا حيث ~~تستعمل أيضا الفرازات الكهربائية - وحسبه في منحله الصغير هذا (وإن اعتبر منحلا كبيرا ms74 في ~~مصر) أن يلجأ إلى كشط أغطية الأقراص تجريحا بالشوكة فقط؛ وسيكفي هذا لخروج العسل من عيون ~~القرص بالقوة الدافعة للفراز حين إدارته، وقد عني أمين من البداية بالتأكد من عدم صعود ~~الملكات إلى العاسلات قبل وضع مصرف النحل ما بينها وبين غرفة التربية، فكانت الخلية التي ~~يجد في دورها الثاني أقراصا من الحضنة يتركها حتى يفحصها في مرة تالية، ولو أن مصرف النحل ~~كفيل على أي حال بهبوط الملكة مع نحلها، وحدث فعلا أن فاتته رقعة من الحضنة، في أحد ~~الأقراص العاسلة فبقيت النحل عليها ومعها الملكة فتدارك ذلك، وقال إنه لا يجاري الداعين إلى ~~استعمال «حاجز الملكة» ما بين غرفة التربية والعاسلات؛ لأنه معطل لعمل النحل. والحاجز عبارة ~~عن مسطح من الزنك مساحته السطحية مساحة غرفة الخلية، وهو مثقوب بثقوب تسمح بمرور العاملات، ~~ولا تسمح بمرور الملكة إلا إذا كانت شاذة في صغر حجمها كبعض الملكات المصرية، وهو يوضع فوق ~~غرفة التربية، أي ما بينها وبين العاسلات، وثمة أشكال أخرى من حواجز الملكات بعضها مصنوع من ~~السلك المتين المضفور والخشب، ولكن أمين كان ينفر من هذه المعدات التي تضاعف العمل وتضيع ~~الوقت وتعرقل النحل، ومن أجل ذلك كان يضحك من استعمال مصايد الذكور على أبواب الخلايا، ~~ويجعل شعاره «الوقاية خير من العلاج». # كان ذلك اليوم يوما من أيام النصر لأمين وبثينة، فعادا مخمورين بحلاوته، كما عاد الجميع ~~في مثل نشوتهما، ولكن كانت لكل منهم آمال خاصة وإن اشتركوا في أحلامهم المجنحة. # | الفصل التاسع # مرت الأسابيع سراعا، ولكنها مرت حافلة عامرة، وقد انتظم ثلاثتهم - أمين وبثينة وفريد - ~~في الحضور إلى المنحل، دون أن يفوتهم التردد أيضا على المناحل الأخرى، وتخلى أمين عن ~~أنانيته وحبه الاستمتاع وحده بصحبة بثينة رغبة منه في استفادتها علما وتمرينا وإنتاجا، ~~فكان يعرفها إلى أصدقائه النحالين المتعلمين، وكان يعطيها كل الفرص المتاحة للمشاهدة ~~والخبرة، وأجاز أحلامها فهيأ لها فرصة في أثناء فيض عسل القطن والخضر لتربية الملكات ~~صناعيا مختارا يرقات طائفة كرنيولية ممتازة، فكانت فرحة ms75 بثينة عظيمة بنجاحها، وتردد ~~الطلبة على المنحل فتهيأت منهم حلقات للدرس، وكانت بثينة وفريد يتبادلان معا إرشاد ~~المبتدئين طورا تحت إشراف أمين وتارة مستقلين، وكان أمين في تدريبهما يجهد كأنه يسابق ~~الزمن، كأنما يريد أن يلقنهما في أسابيع ما يستأهل شهورا من الدرس، وأن يمرنهما على تلك ~~المعرفة تمرينا قويا جبارا، والمثل يقول: «حيثما وجدت الرغبة وجدت الوسيلة» وقد كانت ~~الرغبة قوية في المعرفة والتمرن عند بثينة وفريد، فكانا متجاوبين مع أستاذهما تجاوبا ~~تاما، وكانت حماستهما لا تحد. درس أمين معهما شتى الأزهار التي يهواها النحل، وكثيرا ما ~~كان يصحبهما إلى الحقول وإلى شاطئ الترعة وإلى حوافي الجداول لجمع الأزهار ثم يدرسونها معا ~~- في مكتبه وعلى الأخص الأعشاب الآبدة منها - مستعينين بما لديه من مراجع علمية عن النباتات ~~العسلية، ولم يفته معهما فحص نماذج من العسل ميكروسكوبيا بعد ترسيب محتوياته من الطلع؛ ~~للاستدلال منها على مصادره ومعرفة صنفه، وهكذا كان ينتقل بهما من النظريات إلى العمليات ومن ~~العمليات إلى الفحص العلمي الخالص وإن كانت له قيمته التطبيقية. # ودرس معهما بصفة خاصة كيفية ضبط الانثيال في المنحل (وإن كان وقت الترويح إليه محصورا في ~~مدة معينة تختلف باختلاف كل منطقة، وإن عمها إجمالا جانب من فصل الربيع) وكيف يمكن عمل نول ~~صناعي، أي تقليدا للطبيعة، وذلك بأخذ أقراص الحضنة بما عليها من نحل من الطائفة النزاعة ~~إلى الانثيال المصرة على بناء بيوت الملكات وتربيتها ونقلها إلى خلية جديدة في مكان آخر مع ~~بيت ملكة جيد النضج، على أن يترك في الخلية الأصلية قرص من الحضنة المختومة، وتنزع البيوت ~~الأخرى إذا لم توجد حاجة إليها أو تستعمل في خلايا أخرى تحتاج إليها إما بسبب يتم طوائفها ~~وإما استبدالا لملكاتها المسنة أو العاجزة، وإما لتأليف نويات جديدة، وهكذا لا يبقى في ~~الخلية الأصلية سوى أقراص العسل والطلع والملكة وبعض النحل الصبية والمتوسطة العمر وجمهرة ~~النحل، وفي المعتاد يكفي هذا لتثبيط روح الانثيال التي يعدها أمين من أخطر ما يسيء إلى ~~المناحل الخارجية أي ms76 المناحل الريفية البعيدة عن المنحل المركزي، أي عن مكان ~~الإدارة. # كذلك أراهما كيف يمكن عمل ثلاث طوائف من طائفتين مستعينا بأقراص من الحضنة وبيت ملكة من ~~إحداهما وبالنحل من الطائفة الأخرى حيث يضع الخلية الجديدة محلها، كما أراهما عمليات شتى ~~على هذا النحو وغيره بالإكثار متى توفر النحل وبيوت الملكات والملكات، وإنما كان يشترط ~~لنجاح كل ذلك أولا: مواتاة الظروف بالنسبة للجو والرحيق، وثانيا: استغلال رغبة النحل ~~ذاتها في التكاثر، فكان يأبى تقسيم أي طائفة لا تنزع إلى بناء بيوت ملكات إلا إذا كانت في ~~متناوله ملكات جديدة مخصبة، وكان مع ذلك الجو والرحيق يسبب ما يطرأ من ظهور «أمهات كاذبة » ~~أي «عاملات بياضة»، وهذه وإن لم تكن مألوفة بهذه الصورة في هجين النحل الكرنيولي الإيطالي ~~إلا أنها كثيرا ما تظهر في هجين النحل الشرقي والأفريقي متى أحست الطائفة بفقد ملكتها، ~~فتكون هذه «العاملات البياضة» مبعث متاعب عديدة. # ودرس أمين معهما علامات السرقة، سرقة النحل من بعض، وكيفية تحاشي ذلك بعدم فتح الخلايا في ~~أثناء النهار عندما ينضب الرحيق بالحقول، وبتحاشي عرض أية مادة سكرية في المنحل إبان فترة ~~الجدب، وبالامتناع عن أية تغذية إلا قبيل المساء وعلى وجه السرعة وعند الضرورة فقط حتى لا ~~تنتبه النحل الطائرة إلى هذه العملية، فتهاجم الطوائف المغذاة حتى ولو كان لدى طوائفها هي ~~الغذاء الكافي بل نفس التغذية الصناعية. # وعودهما الاستماع إلى أصوات النحل المختلفة، وتبين الفروق بينها - من صوت الملكة التي ~~تنادي طائفتها للانثيال، إلى صوت النحل الصبية التي تطير لأول مرة راقصة مرحة مستمهلة أمام ~~باب الخلية دارسة معالمها وجيرتها قبل أن تجازف بالابتعاد عنها، إلى صوت النحل اليتيمة ~~المستكينة، إلى صوت النحل الخائفة، إلى صوت النحل القانعة الراضية، إلى صوت النحل الغاضبة، ~~إلى صوت النحل السارقة، إلى صوت الذكور المتميزة الطنين في أثناء طيرانها، وكان يبين لهما ~~فائدة هذه المعرفة من الوجهة العملية، ووقعت مرة حادثة سرقة لنواة فعمل على وقف السرقة بنقل ~~النواة من محلها مؤقتا وبدهن بابها بمحلول ms77 الكربوليك فلم يجد ذلك نفعا، وأخيرا ضمها إلى ~~طائفة صغيرة لم تعجبه ملكتها فقتلها واضعا جريدة مبسوطة فوق غرفة التربية وقد ثقبها ثقوبا ~~متعدة بمسمار صغير واضعا أقراص النواة بنحلها في الدور الأعلى، ثم قافلا الخلية بعد ذلك ~~حتى يتيح للنحل فرصة قرض الجريدة في مواضع الثقوب، ثم الاختلاط بعضها ببعض دون نزاع بعد أن ~~تتوحد رائحتها، وقد أوضح لهما أن هذه هي الطريقة المثلى للتوحيد (أي الضم)، وأن الواجب ~~اللجوء إليها كلما وجدت طوائف يتيمة أو نويات ضعيفة ولم تسمح الظروف - كما قد يحدث في ~~الخريف عند نهاية الموسم - بتربية ملكات جديدة، وبالحصول على ملكات مخصبة جيدة؛ إذ لا فائدة ~~من محاولة تشتية نحل ضعيفة الطوائف وتعريضها لعبث الجو البارد الممطر بها ولمهاجمة الأعداء ~~لها. # وتناول معهما مسألة تدريج العسل وإعداده في حالة جذابة للسوق وكيفية خزنه، ولم يفته قبل ~~التشتية، وبعد انتهاء آخر فرز من التعاون معهما على تغذية الطوائف بعض التغذية السريعة؛ إذ ~~كان قد صرح أن ما في الحقول من خضر وذرة كاف إلى حد بعيد بموافاة النحل بحاجتها من الغذاء ~~حتى شهر مارس «المقبل» حين تشتد حاجة النحل إلى زيادة الغذاء بسبب التوسع في تربية ~~الحضنة. # وكان مما ذكره عن تدريج العسل أنه من الوجهة التجارية تحسن بنا دراسة ذوق الجمهور الذي ~~نبيع له أعسالنا، فإذا كان شديد الانقسام بعضه يحب العسل الأبيض، وبعضه يؤثر العسل الأصفر، ~~وغيرهما يؤثر العسل القاتم؛ فمن المصلحة حينئذ فرز هذه الأعسال على حدة وتدريجها، وتعيين ~~أثمان خاصة لكل منها حسب المقدار الميسور من الفرز ومزاياه؛ إذ من المعقول مثلا أن يكون ~~عسل الأشجار العطر الرائحة - ولو أنه قاتم اللون - أغلى ثمنا من عسل القطن، وعلى الأخص ~~بعد أن أثبت التحليل الكيميائي وجود الحديد في العسل القاتم مما يجعله ملائما للأطفال، أما ~~إذا كان الجمهور لا يهمه هذا الاختلاف اللوني، ويعني على الأكثر بطعم العسل، فمن الحكمة مزج ~~الأعسال وضبط لون قياس لها يعرف به إنتاج المنحل إلى جانب اسمه ms78 ووسمه. # وكرر أمين التنويه بأهمية التعبئة الحسنة، وإن كانت وحدها لا تكفي لرواج العسل، وإذا خدع ~~بها بعض المشترين أولا فسرعان ما يكشف عيب العسل وغشه فينصرف الجمهور عنه، ومن أبرز هذه ~~العيوب الواضحة: بيع عسل الكوارات باسم عسل ناتج من خلايا فرنجية حديثة. أو بيع عسل مغشوش ~~مخلوط بشراب الجلوكوز كأنه عسل نحل نقي، ولكن ليس معنى اغترار أي نحال بإنتاجه النظيف الجيد ~~أن يهمل تعبئته الحسنة أو يقصر الدعاية له، ولعل أفضل الأوعية من وجهة الدعاية هي الأوعية ~~الزجاجية البلورية، وقد برعت أمريكا في صناعتها بأشكال وأحجام شتى، وبعضها في هيئة مرجونة ~~النحل، وقد رسم شكل النحل بارزا عند بابها، فمن هذه الزجاجات يلوح العسل جذابا للناظرين ~~ويراودهم لشرائه، ولو أن لعلب الورق المشمع وللصفائح مزاياها إما من جهة الرخص وإما من جهة ~~المتانة والقابلية للتصدير متى لحمت أغطيتها، وكلتاهما مما يمكن وضع اسم المنحل وعنوانه مع ~~تصوير النحل والأزهار وما إلى ذلك عليها في صورة جذابة. # وأشار أمين إلى أنه من مصلحة النحال أن يبيع إلى جانب العسل المفروز بعض العسل الشمعي أو ~~على الأقل يعرضه في متاجر بيع العسل كإعلان له، ولو أن إنتاج العسل الشمعي وعلى الأخص في ~~هيئة القطاعات - وهي العلب الصغيرة المعدة لإنتاج رطل من العسل الشمعي في كل منها - يحتاج ~~أولا إلى طوائف بالغة القوة، وثانيا: إلى مناطق عظيمة السخاء غزيرة الفيض بالرحيق، ~~وثالثا: إلى جهات غير شديدة الحرارة حتى لا تأبى النحل الاكتظاظ في عاسلات ~~القطاعات. # وانتهز أمين نجاح الفرزين فنوه من جديد بالأقراص الصناعية التي كان امتلاؤها بالعسل قرة ~~للعيون، والتي كانت تسمح لمتانتها بالفرز السريع دون أي خشية عليها من التلف، في حين أن ~~عددا من الأقراص الشمعية - وعلى الأخص الأقراص الجديدة - ما كان يستطاع فرزها فرزا ~~كاملا، وتعرض بعضها للتلف. # كذلك نوه أمين في دروسه بالانتفاع بمنتجات المنحل الانتفاع الأوفى، وبالإكثار منها؛ إذ ~~لا يجب أن تقتصر العناية على تسويق العسل والشمع فحسب، وذكر أن في أمريكا توجد ms79 شركات تعني ~~بصناعة خل العسل باعتباره ألطف طعما وأصلح نفعا من الخل التجاري المعتاد، وحتى خل المولت ~~(أي الخل المصنوع من الشعير المنبت أو شعير الجعة)، وثمة شركات تعني بصناعة المشروبات ~~الروحية لا يفوتها صنع التبغ أو خمر العسل، وهو من المشروبات الروحية النقية ~~الفاخرة. # ولو وجدت جمعية تعاونية مركزية تعني بالتوسع في منتجات المناحل وفي تسويقها في محلاتها ~~الخاصة لوجدت مجالا فسيحا لعملها، ولنشأت فيها أقسام مختلفة لكل منها اختصاصه ومحاله في ~~التحضير والبيع، فعدا صناعة الخل والمخللات من خضر وفواكه توجد صناعة التبغ، وصناعة ~~المشروبات كالليموناده وأمزجة العسل باللبن والشيكولاتة وصنوف الكوكتيل، ثم صناعة الفواكه ~~المحفوظة بالعسل، فضلا عن الكعكة والهلام ومخاليط الزينة وغيرها من صنوف المأكولات ~~المتعددة التي يجملها العسل، ثم صناعة المربيات العسلية، وصناعة صابون العسل، والدهانات ~~الطبية، والورنيش الذي تطلى به الأثاثات والأرضية الخشبية للغرف ... وغير ذلك من التحاضير ~~التي لا حصر لها. # وما ظهر الوروار أو آكل النحل حتى كان أمين شديد السخط على عدم التعاون على محاربته، وكيف ~~أن القانون يحميه باعتباره من آكلي الحشرات، مع أن تشريح حوصلته أثبت على أن جل محتوياتها ~~إن لم يكن كلها عبارة عن نحل أو أجزاء من النحل. فهذا الطائر عدو لدود للنحل، وهي تسمع ~~لصوته المنفر المخوف، وتراه يتبعها أفواجا بل ويكاد يقف في الجو وهو طائر ويلتقط أخواتها ~~غنيمة باردة، وبعضها في شجاعتها تجري وراءه تريد لسعه، ولكن هيهات! وهكذا يعطل الطوائف عن ~~العمل بل قد ينكبها في أعز شيء لديها وهي ملكاتها إذا ما عادت إلى الخلايا للتخصيب، وقد ~~يؤدي ذلك إلى خراب مناحل التربية. فمن الغرابة بعد ذلك أن يحمى مثل هذا الطائر هذه الحماية ~~العمياء، وهناك طيور لاقطة غير الوروار ولكن هذا الطائر الشره كان أشدها خطرا. # أما سخط أمين على الشفافير فكان أشد من سخطه على الوروار، وقد عد ضررها للنحالة المصرية ~~مقابلا لضرر الأمراض المعدية للنحل في أوروبا وأمريكا، وكان تألمه منصبا على التهاون في ~~محاولة استئصالها أو على ms80 الأقل محاربتها كما يحارب الجراد، فكلاهما ضار بالزراعة، والشفافير ~~لا تقضي على المناحل فحسب بل تسيء كذلك إلى محصول الفاكهة، وإن النحالين ليعانون منها ~~كثيرا ما بين تعطيل النحل وما بين الإنفاق على صيدها في المناحل وما بين حبس الطوائف ~~بالحواجز المعدنية المشابهة لحاجز الملكة مثبتة على أبواب الخلايا، في حين أن التشريع ~~بمسؤولية كل مالك عن تسميم أعشاشها في ملكة مع مراقبة تنفيذ ذلك كفيل باستئصال شأفتها في ~~سنوات قليلة بدل الخسائر الفادحة التي تصيبنا منها عاما بعد عام. # وأما عن أعداء النحل الأخرى كالفيران والضفادع والسحالي والعناكب والنمل فأمرها هين ~~بالنسبة إلى هذه الشفافير المتوحشة، وقد يعد من أعداء النحل النحال الجاهل والنحل المنحطة. ~~فالنحال الجاهل بسوء تصرفه قادر على إتلاف خير الطوائف وأقواها، والنحل المنحطة إذا استقرت ~~في منحل أفسدت ذكورها تلقيح الملكات العذارى، وبلبلت بطباعها الشاذة النظام الهادئ في ~~المنحل ما بين لسع مفاجئ لا مبرر له وسرقات متعددة وغير ذلك من المتاعب المضايقة، ولذلك يجب ~~على النحال الحصيف أن لا يسمح أبدا بإقامة مثل هذا النحل في منحله، وكفى شيوع الذكور ~~المصرية وتنقلها الذي لا يحد ما بين المناحل. # ولما اقترب الشتاء هم أمين أن تكون جميع الخلايا مثبتة جيدا بحواملها في الأرض حتى لا ~~ينال منها عصف الرياح، كما همه أن تكون جميع طوائفها قوية، وقد عمل على تحقيق ذلك، ولم ~~يعبأ بما اعتاده سواه من وضع قش الأرز وما إليه في غرفة خالية فوق الغطاء الداخلي؛ بل كان ~~يصرح بأن أفضل غطاء للنحل هو النحل، أي أن الطوائف القوية في غنى عن أي غطاء خارجي، وأن ما ~~يؤذي النحل ليس البرد ما دام في حدود الاعتدال كما هو الحال في مصر، وإنما هي الرطوبة، ~~ولذلك يجب أن يكون سقف الخلية محكما لا يسمح بتسرب المطر إلى داخلها. ~~••• # وهكذا انتهى الموسم على أحسن الأحوال من تعليم وصحبة وإنتاج، فانقطع المتعلمون وانفض ~~السامر، ووزع أمين الهدايا على أصحابه، وخص بثينة بهدية غالية نفيسة، وحسب أن ms81 فريدا قد عاد ~~إلى القاهرة مفاجأة لاستئناف دراسته فإذا به يزوره ويبلغه أنه حول دراسته إلى كلية الطب ~~بجامعة فاروق الأول، فسر أمين من ذلك؛ لأنه كان يحب فريدا ويستظرفه ويعجب باستقامته ~~وبتنزهه عن الغرور، ولكن مضت الأيام ولم تتكرر الزيارة، فحسبه في البداية مشغولا بدراسته ~~ورأى من الواجب أن يسأل عنه، وعلى الأخص؛ لأنه فاتته رؤية بثينة زمنا، وكان كلما سأل عنها ~~قيل له إنها ما تزال متغيبة في العاصمة ... # وذات مرة توجه إلى منزل فريد فإذا بشقيقته صفية تبلغه أنه ذهب إلى السينما مع الآنسة ~~بثينة لمشاهدة عرض رواية (الأرملة الطروب) الغنائية. # فذهل أمين، وأسقط في يده، ولكنه تمالك نفسه وسأل صفية: حسبت أن الآنسة بثينة ما تزال في ~~القاهرة. ~~- لا أعرف أنها سافرت بعد، فهي كثيرا ما تزورنا مع شقيقتها الآنسة نادية، وقد كنا نتحدث ~~عنك أمس فقالت الآنسة بثينة إنك مشغول جدا في هذه الأيام. # يا لله! أهذه نهاية الحب؟ أكذا يكون الوفاء؟ أيمكن أن تفكر في شاب صغير مثله لم ينضج بعد؟ ~~ثم ما هذه الزيارات المتواصلة المتبادلة بينها وبين فريد في حين أنها كان تهرب من لقاء ~~أمين؟ وما هذه السينما التي تجمعهما في مشاهدة أوبريت غرامية قائمة على الاستهواء ~~والمجازفة؟ أكان سخيفا أبله في ابتعاده هو عن الاستهواء والمجازفة؟ ... لقد فقد كل شيء، ~~حينما كان يأمل في قرارة نفسه أن تكون فاتحة العام الجديد المقبل فاتحة سعادة جديدة ~~له. # ولبث حائرا بعد انصرافه تتلاطم هذه الخواطر في ذهنه، وكله لوم لنفسه على تهيئة الفرص ~~لفريد للظفر ببثينة، بينما أطار حظه من يديه غباء وإهمالا ... وبقى زمنا في غم وكرب لا يدري ~~ماذا يصنع، أيواجه فريدا ويستوضحه حقيقة ما بينهما، أم يذهب إلى بثينة التي حسبها محبوبته ~~الخالدة؛ ليشكو ويؤنب دون مواربة؟! # وأخيرا انتهى عزمه على مقابلة فريد في اليوم التالي، فتوجه إليه في الصباح الباكر فإذا ~~به على وشك الخروج من المنزل. ~~- خيرا يا أمين؟ صباح الخير! ~~- جئت لأراك في مسألة هامة وعاجلة ms82 يا فريد. ~~- أهي مسألة تتعلق بأعمالنا؟ ~~- كلا، بل هي مسألة شخصية تعنيك وتعني بثينة أيضا. ~~- إني فاهم ما تريد أن تقول، ولكني مضطر إلى سرعة التوجه إلى الكلية، وقد كنت مع بثينة ~~ونادية نتحدث عنك أمس، فإن شئت فقابلنا اليوم في منزلها الساعة الخامسة بعد الظهر وستسمع ~~منا الكلمة الحاسمة عما يجول في خاطرك. # وقبل أن يستوعب أمين هذه العبارات الجافة التي كانت تقرع سمعه كالحصى، وقبل أن يفيق من ~~صدقها، كان فريد قد مرق وأسرع إلى الترام فركبه ... # عاد أمين إلى منزله منكس الرأس حزينا، وكان قد علق إلى جوار مكتبه قصيدة إذا ~~“IF” # للشاعر كبلنج، وكان مغرما بتلاوتها من وقت إلى ~~آخر، ولا يغادر مكتبه دون أن يلقي نظرة عليها كأنما يستمد منها العزم، ولكنه في هذه المرة ~~أراد أن يستمد منها العزاء والسلوى إذا عجز عن استثارة جلده وتدعيم رجولته، فقرأ قول ~~كبلنج: ~~«إذا استطعت حلما دون أن تجعل الذي تراه من الأحلام فوقك سيدا # إذا استطعت فكرا دون أن تجعل الذي تراه من الأفكار غايتك القصوى # إذا استطعت أن تلقى (انتصارا) و(نكبة) وعاملت ذين الخادعين سواء» ... # ولكن لا فائدة من استمرار القراءة أو من محاولة فهم ما يقرأ، وفي هذا المأزق ذهبت تربيته ~~الأمريكية مع الريح، وما الفائدة من مخادعة نفسه وإيهامها أن حلمه ببثينة ليس متسلطا عليه، ~~وأنه ليس غايته القصوى؟ وما معنى التظاهر بأن يضع «نكبته» الحاضرة التي لا ريب فيها موضع ~~المساواة مع «انتصاره» الذي كان يحلم به؟ ... لا، لا، هذا رياء في رياء، وهذه حكم زائفة تنشد ~~للعبث واللهو، وليس لها الآن أي طعم أو معنى أو وقع في نفسه ... وانتزع الورقة من الحائط ~~ومزقها ... ~~••• # وحانت الساعة الخامسة بعد الظهر فكان أمين يطرق منزل بثينة وإذا بها شخصيا تستقبله، ~~وكأنه لم يحدث منها أي حادث عكر صفوه وكاد يقضي على نفسيته، ولاحظ أنها تلبس رداء جميلا ~~ولم يذكر أنه رآها أبهى رونقا مما رآها في تلك اللحظة. كذلك لاحظ أن شقيقتها نادية ms83 في مثل ~~حلتها وقد توافقا، فللأختين مسحة واحدة من الجاذبية، وتمالك أمين نفسه وأخذ يحدثها على ~~انفراد وهو يظهر الثبات والاطمئنان: يا بثينة يا حبيبتي، لقد جئت إليك عاتبا وغير عاتب، ~~فأنت جميلة متوجة، ولك أن تختاري من تشائين من رعاياك، ولكن وعدك القديم ما يزال مصونا في ~~قلبي يرن في أنحائه. ~~- وماذا حدث يا أمين حتى تستفز إلى العتاب والشكوى؟ وهل قطعت عهدا بالزواج منك، أليس من ~~صفات الحياة التغير والتجدد؟ أتنكر أنك أنت ذاتك تغيرت؟ ~~- ماذا حدث يا مهجتي؟ وهل بعد ما جرى حدوث؟ أهذه عقبى تأميلي فيك يا بثينة؟ إني أدع ~~لضميرك أن يعترف بعهدك المقطوع لي وهو عهد الحب والوفاء الصريح، فأين ذهب؟ أما أنا فلن أحول ~~دونك أبدا، وأنا أعبدك الآن كما كنت في كل وقت، فلا تذلي رجولتي يا بثينة. ~~- اسمع يا أمين، إن بيني وبين فريد كلمة صريحة ستسمعها الآن، وسأرى كيف تحتملها، ويجب أن ~~يكون معنا بعد لحظة. # فلم تزد كلماتها خاطر أمين إلا بلبلة وهما، وكاد يهم بمغادرة المنزل لولا أن طرق الباب ~~ثم دخل فريد، فإذا به يستقبل أمين هاشا باشا، ويحتضنه مداعبا خلافا لما عهده منه في ~~الصباح، وقبل أن يفيق أمين من ذهوله المجدد فاجأه فريد بقوله: إني أعدك في منزلة الأخ يا ~~أمين، وأومن بأني لم أر صديقا أنبل منك أو أطيب قلبا وأكرم نفسا، وقد اعتبرت نفسي وكيلك ~~وتآمرت مع بثينة عليك، فاتفقنا أن يكون زفافك لها في يوم زفافي بنادية، وأن يتم العقد في ~~الساعة السابعة هذا المساء، وبالفعل أرسلنا الدعوات لهذه الحفلة العائلية السعيدة، وها هي ~~ذي السيدة والدتك قد حضرت فعلا ... # ولم يدعه أمين يتم كلامه بل هوى عليه وعلى بثينة يقبلهما تقديرا ومحبة ... ~~••• # كان العام قد مر على هذا الزواج السعيد، وفي ذكراه الأولى اعترفت بثينة لأمين بتبدل ~~نظراتها العاطفية منذ صحبتهما في المنحل تبدلا محسوسا فإن الحياة في حضن الريف وما كانت ~~تراه من أمومة النحل ومن رسالة الطبيعة أثر في ms84 نفسها عن وعي وغير وعي، فشعرت بأنه إذا كان ~~لا قيمة للرجل بغير رجولته المكافحة القائدة، فكذلك ليس للمرأة من قيمة بغير أنوثتها التي ~~ترعى الرجل، وإذا كان للرجل أن يدللها ويسعدها إلى جانب حمايتها وهي وظيفته الأولى نحوها، ~~فإن عليها دون أن يسألها أن تلهمه وتؤانسه وتسعده فهذه وظيفتها الأولى نحوه، وهكذا يكون ~~التجاوب السليم والتضافر على الحياة. # تعاونت بثينة وأمين تعاونا قلبيا في كل أعمالهما فذاع صيتهما في النحالة والأدب، ونعما ~~بحياتهما الزوجية الموفقة، ونجحا ماديا كما نجحا أدبيا، واقتنيا منزلا ريفيا جميلا ~~زينا حديقته بالخلايا البيضاء الزاهية المأهولة بالنحل الكرنيولي الوديع، وكان المارة ~~يشاهدون أحيانا سيدة مشرقة في ردائها الأبيض وإلى جانبها طفلها الصغير الجميل وهي تشير ~~بأصبعها إلى باب الخلية وتشرح له ... وتوقفت النحل عن الطيران وقد سمعها تقول: «انظر يا سمير ~~إلى هذه النحل فهي أخواتك، وهي التي جمعت بين بابا وماما، فيجب يا حبيبي أن تحبها كما تحبنا ~~...» ms85