######OpenITI# #META# URI: 1374AhmadZakiAbuShadi.Yanbuc.Hindawi35938090 #META# Tags: poetry #META# ID: 35938090 #META# Title: الينبوع #META# AuthorID: 63709470 #META# Author: أحمد زكي أبو شادي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تصدير‏ # إلمامة‏ # إهداء الديوان‏ # شعر الديوان‏ # كلمة ختامية‏ # تصدير‏ # إلمامة‏ # إهداء الديوان‏ # شعر الديوان‏ # كلمة ختامية‏ # | الينبوع # | الينبوع # تأليف # أحمد زكي أبو شادي # | تصدير # يستقبل هذا الديوان عام 1934م بمجموعة شعري غير الدرامي منذ صدور ديواني «أطياف ~~الربيع» حتى نهاية سنة 1933م، التي أودعها وأنا أحبر هذه السطور بين أطيافها ~~الأخيرة. # ولي كلمة أوجهها إلى مريدي هذا الشعر وإلى غير مريديه على السواء: تلك هي أنه لا سلطان لي ~~على قرضه، بل أنا مرغم إرغاما عليه بدوافع نفسية لا أملكها تزجيني إلى هذه التعابير ~~النظمية، فليس محتوما على غير مريديها أن يطلعوا عليها حتى أكون معرضا لمؤاخذتهم ~~إياي، وليس محتوما على مريديها أن يدافعوا عنها إلا في مجال النقاش الفني، فللناس أذواق ~~تتباين، ولا بد لتذوق الآداب والفنون من وجود تجاوب بينها وبين ناقديها، ومن الخير الأدبي ~~وجود هذا التباين في مبلغ هذا التجاوب، واحتكاك المذاهب الأدبية بعضها ببعض، لا أن نستاء ~~من ذلك الخلاف البريء، ونعمل عى القضاء عليه؛ فإن هذا الاستياء في ذاته ينافي الروح ~~الفنية، ومحاربة الجهود البريئة المنوعة التي هي عوامل النهضة الفنية وقوامها - حتى ولو ~~كان بعضها مصطبغا بالصبغة التقليدية المحافظة - إنما تعد وصمة للفن ~~والفنانين. # وما كان ثمة داع لنشر هذه الأشعار ولا ما سبقها من دواويني لولا نوازع صوفية وجدانية ~~تحبب ذلك إلي كأنما أنا مكلف برسالة أؤديها، فإن عهدي بشعري ينتهي حينما أنتهي منه، ~~وقلما أحفظ منه شيئا، ولولا ذلك لما ضاع ما ضاع من شعري الكثير من عواصف السياسة أثناء ~~اغترابي الطويل عن وطني، فضاع بضياعها سجل طويل لحياتي العاطفية. وعذر آخر - إن كنت ~~مطالبا بعذر - لوفرة دواويني: ذلك أني على كثرة إنتاجي الشعري لا أنشر إلا النزر اليسير ~~منه في الصحف، ولا أستثني حتى مجلة «أبولو» الشعرية التي أوثر وقف معظم صفحاتها على ~~الكثيرين من شعراء الشباب، وعلى الشعراء المجيدين المغمورين؛ مما أتاح لهؤلاء المعاصرين أن ~~يذيعوا آثارهم، خلافا لمثلي الذي لم يبق له منبر حر غير صفحات دواوينه. # إن ms001 الشاعر الفنان تستهويه روح الجمال، وتحفزه إلى إبداع المثل الجميلة التي ~~يرتضيها ذوقه، وهو لا يعنيه أصلا أن يخدم النزعات الخلقية ولا غير الخلقية بشعره، فهذه ~~وظيفة إضافية قد يؤديها الفنان، ولكنها ليست مهمته الأولى ولا الأخيرة، وإذا أصبحت ~~مثل هذه العوامل دوافع فيه صريحة عنده فسد فنه حتما؛ فإن الفنان يجلو لنا فنه، ~~ولكنه لا يصيح ولا يعلن عن دوافعه الخلقية والوطنية وأمثالها، بل هي تعلن عن نفسها إعلانا ~~هادئا يلمح من خلال العمل الفني ولا يغطيه. ولا يغرب عن البال أن مقاييس الفضيلة ~~والرذيلة المعهودة ليست في معظهما بالمقاييس المستقرة التي تحتم الإيمان بها، وحتى إيمان ~~الفنون. # وليست هذه هي النقطة الفريدة التي يشعر مثلي بالحاجة إلى معالجتها في هذا التصدير تعليقا ~~على نقد بعض الأدباء على الشعر الحديث، وعلى شعر صاحب هذا الديوان خاصة، فهناك من يرون ~~أن من الواجب حصر الشعر في موضوعات معينة كأنما الشاعر المفتن يعجز عن التعبير ~~الجميل إذا ما تجاوبت عواطفه وأخيلته مع أي عامل من عوامل هذا الكون الفسيح المدهش، ~~كيفما دقت أو عظمت. # من العبث أن يقصر الشاعر همه على الفضيلة؛ فالفضيلة والرذيلة على السواء من مواد ~~الفنان كما يقول أوسكار وايلد، وليست مرائي الشعر عند استيعابه هي مرائي الحياة ولكنها ~~نفوس قرائه، والشعر الذي يثير خلافا حادا حوله يدل على حيويته وقوته. كذلك كانت ~~أشعار المتنبي وابن الرومي وأبي العلاء المعري بين أعلام الشعر العربي ... والشعر فن ~~تعبيري لا يقصد منه إلى الفائدة، ولكنه كفيل بها في تربية الروح الفني، وما يؤدي إليه ~~ذلك من التسامي بنفسية الأمة بل بالإنسانية عامة، شأن جميع الفنون الجميلة. فلا غبار إذن ~~على فائدة الشعر إذا جاءت عفوا، وكل شعر عظيم له فائدته الثقافية، ولو كان في أصله ~~لهوا؛ لأن العبرة بنبعه الفني الخالص. # ولا مشاحة في أن الإنسانية في القرن العشرين تقدمت كثيرا من الوجهة المادية التي ~~تتفق وأهواء العقل المدرك، ولكن أحوالها النفسية والخلقية ما تزال متأخرة تأخرا بليغا ~~... وللعقل الباطن ms002 ارتباط بهذه الوجدانيات، فالعناية ~~بتهذيبه وتنظيم صلاته بالعقل الواعي المدرك مما يعود بأجزل الفوائد على الإنسانية، وهذا ما ~~تستطيع الفنون الجميلة - وبينها الشعر - أن تقوم به خير قيام؛ فتشجيع الفنون الجميلة واجب ~~حتمي، ونحن أحوج إليها في هذا العصر المادي القاسي من حاجتنا إليها في أي عصر مضى. وعندي ~~أن أديب الذكاء والصناعة يعتمد أولا على عقله الواعي خلافا للأديب المطبوع، ويلوح لي أن ~~العقل الباطن متصل بجوانب الخلق والغريزة اتصالا خطيرا، ويتعاون العقل الواعي والعقل ~~الباطن بنسب مختلفة في تكييف طباع الأدباء وطوابع آدابهم. والشاعر الحي هو الذي يكون ~~شعره مثال نفسه، وهذا معناه الانسجام التام بين العقل المدرك والعقل الباطن، وقد لا يكون ~~الانسجام تاما في جميع الظروف. ومهما يكن من شيء فهذا ما أراه تفسيرا للتباين وللاتفاق ~~في أحوال الشعراء ومظاهر شعرهم من معان ومرام وديباجة وموسيقى هي موسيقى النفس ~~والخواطر قبل أن تكون موسيقى الحروف التي لا تتعدى في الواقع الرموز لحالات الوجدان ~~والفكر، وهم في كل ذلك غير مستقلين، بل يتفاعلون مع البيئة ومع الحياة عامة، وتتجلى ~~مرائيها في نفوسهم قبل أن يبرزوها، كما تتردد أصداؤها في نفوسهم قبل أن يلحنوها. # وإذا كنت أومن إيمانا عميقا بأن الفنون الجميلة من أقوى عوامل السلام ورسول الإنسانية ~~المشتركة، فلست أعني بذلك أن تقديرها شامل في الظروف الحاضرة، فكم تتباين الأذواق. ~~وعلى حد تعبير برونزلاو هوبرمان لا يرتقب أن يجيد عزف موسيقى بيتهوفن إجادة المتذوق ~~المعجب بها من ليست لديه أثارة من عواطف بيتهوفن، وكذلك شأن الشعر وغيره من الفنون ~~الجميلة، فإن أصدق المتأثرين بالشعر - مثلا - هم من يشاركون الشاعر عواطفه وأهواءه، ولا ~~ينتظر مثل ذلك من غيرهم، وبنسبة هذه المشاركة تختلف درجة التجاوب بين الشاعر وقرائه ~~ونقاده. # ومن الطبيعي ألا يرضى عن شعر صاحب هذا الديوان كثيرون من الخاصة ومن غير الخاصة كما ~~هو المعهود إزاء كل أدب غير مألوف، فإن أكثر الناس يؤثرون من الشعر ما يخيل لك عند سماعه ~~أنك سمعته قبل ذلك مرارا ولو ms003 في صور متقاربة، وهذا الجفاء هو وحده المبرر للتعاون الأدبي ~~من أقران الشاعر ومريديه شرحا ودراسة، إذ لا أنسى كيف قوبل صدور ديواني «أشعة وظلال» ~~منذ بضع سنوات بنقد كثير لتجرده التام عن كل تصدير وتعقيب. بيد أني أرجو من صميم ~~قلبي أن يحين اليوم الذي يستغنى فيه عن نظير ذلك في دواويني المقبلة، فتصير نماذج هذا ~~الشعر مألوفة معهودة، وتسترعي الأنظار والحوار بدلها النماذج الجديدة القوية لشعراء ~~الشباب الثائرين. وبودي الصادق ألا يحمل القارئ هذه الدراسات والشروح على أكثر من ~~محمل التجاوب الأدبي مع نفسية الشاعر؛ فإن فيها الكريم من التمجيد والإشادة بمحامد لا ~~أعرفها في نفسي، ولكنها فيما عدا ذلك لها قيمتها الأدبية الممتازة في تصوير مواقف ~~المدارس الأدبية نحو الشعر العصري. # إن الشعر العصري هو قبل كل شيء لسان الحياة ~~العصرية، والحياة العصرية ذات صلات شتى بالماضي وذات تطلع إلى المستقبل، فليس غريبا في ~~الثورة الروحية والفكرية الحاضرة أن يأتي هذا الشعر مزيجا منوعا لا في مصر وحدها بل في ~~العالم الأدبي بأسره، ولا ينتظر من مثلي أو من أي شاعر عصري آخر إلا أن يكون صادق ~~الشعور والتعبير، فلا غبار على هذا التنويع الصادق ما دام نتيجة أحاسيس شتى، هذا ~~التنويع الذي نجده في العواطف والتأملات والأساليب، كما حدث في عهد الشاعر الألماني العظيم ~~«هنريش هيني # Heinrich Heine ~~»، فقد جمع شعره بين نفحات ~~القديم وبين النزعة الرومانطيقية التي كان آخر شعرائها في قومه وبين نزعة التحرر العصري ~~التي ساعد على تكوينها، وقد أصبحت الصورة الغالبة على الشعر العصري في الغرب صورة ~~الرومانطيقية الواقعية # romantic realism ~~. # ونزعة التحرر هي صديقة الأسلوب الشخصي الذي هو سمة من سمات الأدب الحي، فإن ~~الثالوث العظيم في الشعر العربي «المتنبي، والمعري، وابن الرومي» يمتاز بهذه النزعة التي ~~تشمل الأسلوب وغير الأسلوب، وإنه لخير ألف مرة أن يكون الشاعر غامضا في بعض نواحيه ~~ويكون مستقلا في تعابيره، من أن يكون ببغاويا أو صاحب شعر مستعار، فهذا «هيني» على ~~عظمته الليريكية كان غامضا ms004 عميقا في مناسبات كثيرة، حتى أن أبياته ترى حائمة حول ~~خواطره لا متناولة لها مباشرة، كما لاحظ مترجمه الشاعر «لويس أنترميير # Louis Untermeyer ~~». # وقد كان شعراء العربية السالفو الذكر يعابون في حياتهم على أساليبهم جزاء ما كانوا ~~يبذلونه من جهد لتجويد أدواتهم اللغوية القاصرة، ثم دار الزمن دورته فإذا بتلك الأساليب ~~الطريفة تكتسب حرمة، ويصبح جديدها مألوفا محترما، وما كان يحسب بعيدا عن الأناقة ~~لطرافته وخروجه على التقاليد صار يعد غير ذلك في معظم الأحوال. ومهما يكن من شيء ~~فالأناقة التي ترادف التصنع مرذولة بغيضة، وهي تنافي روح الفن، ولخير منها ألف ~~مرة الجمال المتواضع، بل الجمال العربيد. وليست العبرة في الواقع بالأساليب ذاتها بل ~~بالاستعداد للتأثر بها، وهذا الاستعداد يختلف بين جيل وآخر، وبغير وجوده لا يستطيع الشعر أن ~~ينشئ في النفوس تصوير الحالات التي خلقته. # وما دمنا قد أشرنا إلى الأسلوب فحتم أن نصرح بأننا نحترم أصول اللغة وتراثها، ونعنى ~~بمفرداتها، ونوصي باستيعاب روائعها، ولكننا نوصي في الوقت ذاته بأن يطلق الشاعر نفسه ~~على سجيتها ما دام قد أخذ قسطا وافرا من أدب اللغة. وكل شاعر لا يستطيع أن يملك حرية ~~التعبير عن أزماته النفسية، وعواطفه الشعرية، وعالمه الوجداني تعبيرا خالدا مستقلا تتجلى ~~فيه براعته الطليقة، يعد بعيدا عن الكمال الفني. وكم من عائب لأساليب اللغة ~~المبتكرة وهو جاهل بمرونة اللغة، وغافل عن كنوزها التي لا تجد المستغلين القادرين، بينما ~~هؤلاء العائبون يتغاضون عن توجه الشعراء إلى تغذية العامية بإنتاجهم في الأغاني ~~وغيرها؛ مما يحولها تدريجيا إلى لغة فنية، ويجعلها خطرا أدبيا إلى حد ما على ~~اللغة الفصحى التي تفقد جهود أولئك الشعراء لخيرها. ولست أنكر أن للغة العامية رسالة ~~تؤديها في أوساطها، ولكن من الممكن إبلاغها منزلة العربية البسيطة السهلة. # إن الفن فن في أية لغة وفي أية صورة وتعبير، ولو كانت اللغة العربية السلسة ~~السليمة عاجزة عن البيان السائغ لعذرنا أنصار العامية من غير أهلها على اللجوء إليها. ~~أما والواقع نقيض ذلك فهذا التدلي بلغتنا لا ms005 معنى له ولا موجب، والأولى بمن يأخذون ~~علينا تطويع لغتنا للتعبير عن كل ما توحي به الحياة بدل أن نواجهها كالبكم المشدوهين، ~~الأولى بهم - إذا لم يعرفوا تقدير ذلك لنا - أن ينظروا في الخطر الداهم على اللغة الفصحى ~~من سيل العامية الذي يعززه أولئك الشعراء المتقربون إلى الجماهير على حساب الإساءة إلى ~~الأدب الرفيع، وإن عانت الفصحى من وراء ذلك ما تعاني من إعراض وإصغار. # ويرى بعض الشعراء المقلين وبعض النقاد أن الوزن والقافية من أعداء الفكرة، ومن هذا ~~يتدرجون إلى تثبيط المنجبين من الشعراء، وينتقدون محاولاتهم الجريئة، وهذا خطأ ظاهر؛ فالشعر ~~ليس ميدانا لدراسة الموضوعات العلمية وغير العلمية المجردة، كما أن الشاعر الناضج ~~القوي الإيقاع لا تعوقه مطلقا الأوضاع عن التعبير الحي، ولا عن التسامي أو التعمق، بل ~~يدفعه نضوجه، وثقته بنفسه، ومرانته إلى تكييف اللغة وأوزانها وقوافيها التكييف الذي ~~يناسب موضوعات شعره بعيدا كل البعد عن المحاكاة، مطلقا نفسه على سجيتها كالطائر الحر ~~الغرد حينا، وكالحكيم الذي يملي عليه القدر وحي الحياة الطليقة حينا آخر. ومن ثمة ~~اختلفت أساليب الشعراء المتحررين حسب أمزجتهم ونزعاتهم وموضوعاتهم، بل قد يختلفون في نفس ~~الموضوع الواحد بحكم اختلاف الطابع الشخصي؛ فأسلوب ملتون الإنجليزي شاعر القرن السابع عشر ~~في «الفردوس المفقود» غير أسلوب بيير جان جوف الفرنسي شاعر القرن العشرين في نفس هذا ~~الموضوع، وهو اختلاف طبيعي ولا غبار على ذلك، بل هو أمر ممدوح. # الشعر ليس صناعة بل هو فن من الفنون، وجميع الفنون في أصلها مواهب، والروح التي ~~خلفها شائعة في مظاهر الطبيعة التي يستوحيها جميع الفنانين من شعراء وموسيقيين ~~ومصورين ومثالين وغيرهم. ووحدة هذه الروح التي تلمح خلف مرائي الطبيعة والحياة هي ~~التي تجعل النقاد يصفون التصوير بأنه شعر الأصباغ، والنحت بأنه الشعر الصامت، ~~والشعر بأنه التصوير الناطق، وهلم جرا ... وما ذلك إلا بسبب المشاركة الروحية بين جميع ~~هذه الفنون. وأما النظم فيرجع إلى طبيعة إيقاعية توجد عند كثيرين من الناس، وقد لا تكون ~~قوية عند بعض الشعراء، بل قد ms006 لا توجد عندهم بتاتا، فهؤلاء أمين الريحاني، وفؤاد صروف، ~~وأحمد الصاوي محمد، وإبراهيم المصري، وتوفيق مفرج بين شعراء العربية المجيدين، ولكنهم لا ~~ينظمون لأن سليقتهم لا تواتيهم بالنظم وإن تفجرت بالشعر الصافي. وإذا كانت كلمة «شعر» ~~مأخوذة أصلا من كلمة «شير» العبرية بمعنى غناء، فليس كل شعر غناء، كما أنه ليس كل ~~شعر نظما. والشاعر المثقف البعيد التأملات يستطيع بفطرته أن يجعل شعره مسرحا ~~لفنون ومعارف شتى في غير كلفة يحس بها، كما أنه بقدرته النظمية - إذا كانت ناضجة لديه ~~- يستطيع التعبير عن شتى الخواطر الوجدانية بحرية تامة، فليس النثر وحده اللغة ~~الحرة للتعبير عن الآراء. والشاعر الممتاز هو الذي يجمع بين صفتي النضوج والتحرر، ~~وكلتاهما وليدتا المواهب أولا، والاطلاع أو التأمل ثانيا، والمرانة ثالثا؛ فالموهبة ~~الشعرية ودقة التأمل والمرانة هي التي أنطقت الشاعرة العربية حميدة بنت زياد بهذه ~~الأبيات الرائعة تصف واديا: # وقانا لفحة الرمضاء واد # سقاه مضاعف الغيث العميم # نزلنا دوحه فحنا علينا # حنو المرضعات على الفطيم # وأرشفنا على ظمأ زلالا # ألذ من المدامة للنديم # يصد الشمس أنى واجهتنا # فيحجبها ويأذن للنسيم # يروع حصاه حالية العذارى # فتلمس جانب العقد النظيم! # وهي التي أوحت إلى الشاعر الإنجليزي توماس هود ~~(Thomas ~~Hood) # بهذه المقطوعة في «أوان الورود»: # It was not in the winter # Our loving lot was cast; # It was the time of roses ~~- # We plucked them as we passed. # That churlish season never frowned # On early lovers yet: # Oh, no, the world was newly crowned # With flowers when first we met. # Twas twilight, and I bade you go; # But still you held me fast. # It was the time of roses ~~- # We plucked them as we passed. # ومثل هذه الروح القوية البعيدة عن التكلف نجدها في صور شتى بأشعار جميع الموهوبين ~~الناضجين المتحررين من قدماء ومحدثين في الشرق والغرب، وهي روح «متعادلة # Neutral ~~»، قابلة لأن تنقل من لغة إلى أخرى؛ لأنها لا ~~تعتمد على بهرج الألفاظ، والثرثرة الجوفاء. # نعود إذن ms007 لنكرر أن النهضة الشعرية التي تعنى بإنصاف المواهب وتغذية النضوج ثم تقاوم ~~التحرر تنعكس عليها جهودها، فالتحرر عنصر هام من عناصر التبريز؛ لأن قوامه ~~الصدق والسماحة الفطرية والبساطة الصريحة، ومحال أن يكون الشاعر شاعرا كاملا إذا كان ~~يكبت عواطفه كيفما كانت، ويكذب على نفسه وعلى غيره. وبهذه المناسبة لا ننكر أن بعض ~~الغاشمين المنتسبين إلى الأدب أو إلى الدين يهرع إلى الاتهام بالزندقة والإلحاد كل نزعة ~~تصوفية، ولكن الشاعر الموهوب المتحرر يسخر من كل هذا؛ لأنه بوجدانه يحس بما ننعته ~~«نقط التركيز» للألوهية في مخلوقات الله وبدائعه - سبحانه وتعالى - فيمجد فيها ~~الفنان الأعظم ... ولخير للشاعر أن يوصم بألف وصمة غاشمة من أن يكون أسير الروح عبدا ~~للتقاليد، أو خادعا لنفسه ولغيره. وقس على ذلك ما ينعت بالاستهتار في الشعر حينما لا ~~يتعدى هذا «الاستهتار» التعبير الطبيعي لجوانب قوية من الحياة ... # ولعل من الخير أن ننظر نظرة نقدية في سيرة الشاعر الوجداني الكبير چون كيتس # John Keats # فإنها تشرح لنا ما أجملناه من قبل، وتنبهنا ~~إلى عوامل أخرى في رفعة الشعر والشاعر، وما اخترنا ذكراه إلا لأنه من أسبق الشعراء إلى ~~ذهننا، كما أنه أصبح من أحبهم منزلة لدى جميع الأدباء والمتأدبين. # عرفت عن كيتس في طفولته الروح الثورية، ثم عرف عنه فيما بعد الاطلاع الواسع، ~~وأخذ بنصيب يذكر من الدراسة العلمية والطبية، ثم استولت عليه فكرة الحياة الشاعرة، ~~والعمل على تحقيقها وهو في الحادية والعشرين، فتبع هذا أن كانت روحه التجديدية طبيعية ~~لا مصطنعة، وأن كان هداما ثائرا في شبابه. وعرفنا عنه غرامه ~~بجورجيانا - زوجة أخيه فيما بعد - ولمحنا صورة التسامح ~~لنفسه الصافية، وقدرنا كيف كانت هذه الحبيبة نبعا صافيا علويا لشعره الوجداني، كما ~~كانت محبوبته الثانية «فاني» نبعا آخر جميلا. كذلك عرفنا أن حياته الواقعية كانت شعرية؛ ~~فقد كان إشفاقه على أهله وعنايته بهم بمثابة قصائد رائعة مدهشة ... وكان كيتس بروحه ~~الرومانطيقية المبدعة كثير المحاولات التجديدية، ولكن الجمهور لم يكن ليكترث لأشعاره ~~الأولى بالرغم من كتابة «هنت» عنها. وقد ms008 تعاون فيما بعد مع الأدباء: هايدن، وبراون، ~~وسفرن، وغيرهم، ثم حملت عليه مجلتا بلاكوود وكوارترلي الشهيرتان، وتنكر له هايدن ~~صديقه القديم، ولكن كيتس بقي عظيم الجلد، عظيم الرجولة، سامي الخلق، طيب القلب، بدليل ~~تسامحه إزاء هايدن وأمثاله ... وكان كيتس يعجب كثيرا بسبنسر، وكان متأثرا به، ولكنه قلما ~~كان يحتذيه، بل كان محتفظا غالبا بطابعه الشخصي، واستوعبت شخصيته الأصيلة مطالعاته ~~(وبينها الكثير من الأساطير والميثولوجيا الإغريقية وغيرها) دون أن تخضع لها. ومات في ~~شبابه بذات الرئة، وهو إلى آخر لحظة في حياته شعلة باهرة ما كان يجوز أن تنطفئ لولا ~~قسوة القدر ... # ومن هذه الأثارة عن حياة كيتس نلحظ: ~~(1) # النفس الشاعرة الثائرة بفطرتها التي لم تتحول طول حياته، وأنه مثال ~~للشاعر الذي يكون في حياته شاعرا كما يكون في نظمه شاعرا. ~~(2) # أن دراسته ومطالعاته لم تفسد شعره، بل زادته صقلا، وجعلت شهده ~~منوعا شهيا. ~~(3) # أنه شعر بما نسميه «طاقته الشعرية» وتمنى أن يكون شاعرا مجيدا وعمل ~~لذلك، لا عن طريق الصناعة، بل عن طريق التعبير الجريء، وجراءة التعبير الفني ~~جزء أصيل من العبقرية، وبغير هذه الجراءة الطليقة ما كانت تتجلى قوة ~~شكسبير، ولا دانتي، ولا أبي العلاء المعري، ولا عمر الخيام، ولا أمثالهم من ~~رواد الفن الأدبي. ~~(4) # أنه انتفع بالمعاونة المادية التي قدمها له أصدقاؤه الأدباء والناشرون، ~~ولولا هذه المعاونة لما انتفع الشعر بكل هذه الآثار التي أنجبها وودعها في ~~شبابه ... وفي الواقع إنه لولا عون المال الذي استند إليه كبار الأدباء ~~والشعراء لما بلغت آثارهم ما بلغت من الكثرة والروعة، وهذا مشهود في الشرق ~~والغرب على السواء، وآخر شاهد على ذلك بيننا المرحوم أحمد شوقي بك. ومهما يكن ~~لشاعر من إنتاج في بؤسه وفقره فهذا الإنتاج لا يقارن بطاقته المتجلية في ~~ظروفه المواتية. ~~(5) # أن الحب كان عنصرا قويا بين العناصر التي ألهبت شاعريته المطبوعة، ~~وقد جاء شعر الحب في نظم كيتس قويا صريحا مستقلا. ~~(6) # أن ثقته بنفسه وفنه جعلت النقاد المتحاملين ينهزمون في النهاية ~~أمامه، فكل محاولاتهم لم تصلح لتزييف ms009 جوهره الصحيح. ~~(7) # أن أساليبه ونزعاته التجديدية لم ترض جمهرة الأدباء في البداية، ولكنها ~~استحالت فيما بعد إلى مفخرة من مفاخر الأدب الإنجليزي، بل الأدب ~~العالمي. ~~(8) # أن شخصيته الأدبية القوية لم تهضمها البيئة ولا المطالعات، بل هو ~~الذي هضمها، فخدم الشعر الإنجليزي حتى من الناحية الثقافية خدمة قيمة؛ ~~لأنه ضمن شعره لطائف الميثولوجيا الشائقة، وتأملاته العميقة، وقد كان ~~مرضه في ذاته مشعلا لذكائه، مبررا لشذوذه، ومن العبقريات ما يقترن بشذوذ ~~المرض. ~~(9) # أن المواهب الجديدة قد لا يعترف بها اعترافا منصفا إلا بعد زوال ~~صاحبها ، وعلى الأخص إذا كان من الشباب؛ لأن الناس غالبا عبيد ما تعودوه، ~~ويؤثرون الشك في كل جديد حتى ولو تجاوبت نفوسهم معه. # هذه الدروس نستفيدها من سيرة كيتس، وقد نستفيد نظائر لها من سير غيره من أعلام الشعر ~~في الشرق والغرب على السواء، وهذه الدروس تتناول الرد على ما يوجهه النقاد إلى شعراء ~~العربية المجددين في كثير، فإن من النقاد من ينادي بنفسه حاكما بأمره لا يطيق ~~حتى النقاش الفني، ويعلن بأعلى صوته أن ما نعتبره تصوفا جميلا هو مثال مروع للشعر ~~الإلحادي الذي يجب أن يصادر، وينسون في أي قرن يعيشون، بل ينسون حتى أبسط الأدب العلائي ~~الذي يدعون فهمه وتقديره، وقد ذهب أبو العلاء المعري إلى درجة تحدي القرآن بينما ~~الشعراء المعاصرون لا يشغلهم شيء من ذلك ... ويبلغ الشطط ببعض النقاد أن يستنكر تطعيم أدبنا ~~العربي بالميثولوجيا الإغريقية الرائعة التي نفتقر إليها أشد الافتقار، بينما الإنجليز ~~(وقد استوفوا نقل الروائع الأجنبية الأوروبية القديمة) يرقصون لترجمة الخيام، والمعري، ~~والبهاء زهير، وابن الفارض، وغيرهم من شعراء الشرق إلى لغتهم، ويهللون أخيرا لمجهود ~~الأستاذ أستارو مياموري ~~(A. Miyamori) # في نقل ~~الهيكوات اليابانية (وهي أشبه النظيم بالرباعيات عند الفرس) إلى اللغة الإنجليزية، ~~فنحن على فقرنا نستنكر النقل والتطعيم، وغيرنا على غناه يرحب به، ونحن نحب القديم ~~والمحافظة على ما لا جدوى منه، والإنجليز على رعايتهم للتقاليد، وحرصهم الشديد عليها أضعاف ~~حرصنا يؤثرون أن يكونوا عمليين في إحياء لغتهم بمفرداتها ms010 وآدابها، حتى أغناهم هذا النشاط ~~الفذ وهذه الحيوية الفريدة عن إنشاء مجمع لغوي لهم! ونحن نغبن شعراءنا وأدباءنا، ~~ونتركهم يعانون الخصاصة الممضة وهم الرغيف، ثم نقول إن هذا لخير إنتاجهم الأدبي، ~~وإن قرع آذاننا قول صائحهم: # 1 # بواد كدار الخلد بر المنازل # حييت، فما لي لا أفوز بنائل؟ # أقاسي به في ليله ونهاره # معيشة أفاق ووحدة ثاكل # وكم سألوني: كيف تشقى مع الحجى # وفي شعرك الهامي عذاب المناهل؟ # فقلت: بهذا الشعر بؤسي وشقوتي # كما قتل الصداح زهر الخمائل # فلا تسألوني عن دمائي وسفكها # سلوا بدمي الغالي جريمة قاتلي! # فكم مرت النعمى علي بسيمة # فأبعدني عنها وضيع الوسائل # ورفض لئيم كاشح القلب حاقد # منالي أرزاقي بهمة عامل # بكت بلدتي حزنا علي وحسرة # وأحزن ما أبصرت دمع المنازل! # إن عقل الفنان (العقل الباطن) هو عقل الطفل الكبير الذي يصاحبه ولي أمره (العقل ~~المدرك) ليرشده ويراعيه، ولكنه كثيرا ما يجامله، وإن استفاد هذا الطفل من ~~تأملات مرشده وفلسفته بدرجات مختلفة حسب أهوائه وفهمه العجيب ... ولكنه إذا ~~ترك وشأنه، وكانت له حيويته الفطرية وحريته المطلقة، فإنه يجيء لنا شعرا بما ~~يشبه تصويرا «حلم ميكي» - وهو من تلك التصاوير المتحركة المفتنة التي طالما أحببناها ~~عن ميكي ماوس ووالت دزني - فلو أنصف النقد لترك الشعراء يبدعون نماذجهم المنوعة من ~~شعر خالص، وشعر فلسفي، وشعر تصويري، وشعر قصصي على اختلاف أساليبهم، فنحن بحاجة ~~إلى كل هذا إنماء لثروتنا الشعرية، وها نحن الآن نرى في فرنسا بعثا شعريا جديدا ~~منوعا للشعر يعمل له أمثال بول كلوديل، وفرنسيس جام، وبيير جان جوف في حرية تامة. # وإذا كان لمدرسة أبولو جريرة أقضت مضاجع الفرديين المتصنعين فهي تبشيرها بالمبادئ ~~السابقة لخير الفن والفنانين، فقد أبت إباء عبادة الأصنام، واحترمت شخصية كل شاعر، ~~وعملت على إظهار روائع كل منهم، ووضعت إبداعهم جميعه في بوتقة واحدة، إذ الواقع أن ~~الفنان الصحيح غير أناني، وإن يكن شخصي التعبير ... كذلك شجعت النقد الأدبي، واحترمت ~~النقاد سواء أكانوا لها أم عليها، ولكنها لم تحترم أصنامهم كما ms011 لا تحترم أصنام ~~الشعراء! وبهذه المبادئ يدين صاحب هذا الديوان من الوجهة الثقافية العامة، وحول هذه ~~المبادئ تدور حرب طاحنة يعززها من الجانب الآخر من يريدون الظهور الأناني على حساب ~~المجموع، وعلى حساب الأدب، كلفهم ذلك ما كلفهم من تحامل وإسفاف! # إن الشاعر ككل فنان يعمل على تخليد صور الحياة الفانية وذكرياتها في النسق الذي ~~يستطيع به استرجاعها لروحه العالمية كلما تأمل ذلك النسق الفني سواء أكان شعرا أم ~~تصويرا، أم نحتا أم عزفا، أم غير ذلك، وهو حينما يتأمل التسجيل الفني لم يقتصر على ~~تصورها بالذات، بل تصور أيضا علاقاتها بالوجود بحكم طبيعته التصوفية التي جعلت شكسبير ~~يقول: # Tongues in trees, books in the running brooks # Sermons in stone, and good in everything. # والحياة في ذاتها عالم إيقاعي، فإذا أحس الإنسان بالحاجة إلى العزاء جنح إلى الاندماج ~~في عالم الحياة اندماجا أوفى كأنه يطلب حمايتها، والإيقاع هو الممر الذي يسلكه أو هو ~~أدنى المسالك الميسورة، وهذا هو ما يفسر النزوع الفطري إلى الجمع بين الروح الشاعرة ~~المتصوفة والإيقاع. وبديهي أن ألوان هذا التزاوج تتعدد إلى ما لا نهاية، ومن ثمة ~~وجب علينا احترام شخصيات الشعراء، وتشجيع التنويع بدل الالتفاف حول شخصيات قليلة معدودة لا ~~يمكن أن تجتمع روائع الفن الشعري ولا الفن الموسيقي فيها وحدها، كيفما عظمت هذه الشخصيات في ~~ذاتها. # كان الشاعر اليوناني السكندري كافافي ~~(C. P. Cavafy) # يقول: «لا تحتقر أي شيء في الحياة، بل خذ كل ما تعطيه لك.» وذلك نفس شعوري؛ فإني ~~لا أحتقر شيئا غير التصنع، وأما كل ما في الحياة من جمال ومادة فنية فحبيب ~~إلي، ومنير لشاعريتي، وأشعر بالقصور أمام روعته مهما حاولت أن أعبر وأجيد، مدفوعا ~~بدوافعي الوجدانية، واعيا أم غير واع. وإزاء هذا التنوع في الحياة يتنوع الشعر ويبدو ~~متناقضا أحيانا في مظاهره، ولكن حقيقة الحياة واحدة. ومن جميع مآثر الحياة ومعالمها أود ~~أن أخص المرأة بتحيتي وتقديري، وإني لأذكر كيف عشت مشغوفا في طفولتي وصباي وشبابي ~~بوالدتي، وقدست المرأة ms012 بتأثير حنو هذه الوالدة علي، وزاد من عمق هذه القداسة ~~فقداني إياها، وفقداني من علقت بها وأنا غريب عنهما عشر سنين كاملة تحت رحمة الحرب ~~... فإذا بقي لشعري تعلقه بالمرأة، بل تقديسه إياها ~~في شتى الصور فهو تعلق طبيعي، وإذا كان من أثر هذا الشعر أن تعنى ~~الرجولة بالأنوثة العناية الواجبة بدل إغفالها الحاضر فإن هذا الشعر يكون قد أدى ~~وظيفة تهذيبية ضمنية ولو لم يقصد إليها عمدا. ~~••• # زعم أحد أفاضل النقاد «أن من عادة المؤلفين أن يقولوا إنهم ينتظرون نقدا لا ~~تقريظا، فإذا نقدناهم عادونا أشد المعاداة!» وسواء أصح هذا أم لم يصح فمثلي يبرأ إلى ~~الأدب من هذه الوصمة، وأعتقد أن جميع زملائي أعضاء أبولو يتعففون معي عن ذلك ... إن ~~النقد الأدبي جزء متمم للحركة الأدبية، ولا يجوز أن يتعالى عنه الشعراء، وفي الوقت ~~ذاته لا يجوز للنقاد أن يتغاضوا عن الشعراء، ولا يسوغ لأحد الفريقين أن يستاء من نقاش ~~الآخر؛ إذ الفائدة كل الفائدة بنت الحوار الأدبي لا بنت التقرير، والحكم المطلق من ~~أحد الفريقين على الآخر # 2 ~~... ومن الأسف يبلغ الغرور ببعض الأدباء أن يتوهموا أن أعمالهم لا يجوز أن ~~تنقد ولو بمعنى الدرس والتحليل، ويبلغ مثل هذا الغرور وفساد الرأي بطائفة من ~~النقاد أن يتوهموا أن النقد الأدبي ليس سوى لون من الهدم أو صورة من التشفي ~~وكلا الفريقين لا ينصف نفسه، ولا ينصف الأدب ولا الأدباء، وكأنما يشتهي أن يكون وحده ~~دكتاتورا أو حاكما بأمره! # وإني أرحب بكل نقد نزيه يوجه إلى هذا الديوان وإلى شعري عامة لخدمة الأدب في ذاته، ~~وأما صلتي بهذا الشعر فهي أوثق من صلة الأديب المألوفة بأدبه، فهو دمي وأنفاسي، ومهما ~~قيل له أو عليه فلن أجحد ما هو من صميم نفسي، ولن أنشد له ثناء لن يزيد من نبض ~~حياته المستمدة من كفاية حيويتي وحدها. # ضاحية المطرية، مصر # في 27 ديسمبر سنة 1933 # أحمد زكي أبو شادي # | إلمامة # | الأدب العربي في العصر الحاضر # ليس غرضي وأنا أكتب هاته ms013 الإلمامة لديوان «الينبوع» تقديم أبي شادي إلى قرائه، فما كان ~~أبو شادي بحاجة إلى التقدمة، ولعل الكثير من قرائه يعرف عنه أكثر مما أعرف، ولا الإشادة ~~بسجاحة خلقه، وسماحة نفسه، وطيبة قلبه، فتلك صفات يستطيع أن يدركها كل من يطالع آثاره، ~~فيلمس فيها صوفيته العميقة التي تعاطف العالم، وتشمل كل شيء فيه بفيض من العطف والحنان، ~~ولا التنويه بجهوده العظيمة المتعددة التي ينوء بحمل أعبائها فريق من الناس أولي العزم، فقد ~~عرف الناس له هاته المزية، وآمنوا بها في شيء من العجب غير قليل. # أجل، فأنا لا أريد أن أعرض لكل ذلك، بل ولا أريد أن أعرض لشعر أبي شادي أيضا ببحث ~~مفصل، ونظرة مستوعبة، فقد فاجأ أبو شادي الناس في شعره بروح جديدة ونزعة مستحدثة، ~~وأسلوب طريف، وطريقة لم يعهدوها من قبل، فقابلوه بشيء من الاستنكار غير قليل، ثم أخذ ~~الزمان يعمل عمله، فاستساغه فريق من الناس وألفه، وأخذت فئات أخرى تشيد به وتنضح عنه، ~~وظلت طائفة من الناس على رأيها الأول ونفرتها القديمة لا تتحلحل عنها أو تميل، فاختلف الناس ~~فيه وما زالوا، ولا يزالون مختلفين فيه إلى ما شاء الله، وأعتقد أن كلمتي لا تنقص من هذا ~~الخلاف قليلا ولا كثيرا؛ ولهذا فقد آثرت أن أتحدث حديثا أعم من ذلك وأشمل، وأن أتخذ ~~موضوع هذا الحديث «الأدب العربي في العصر الحاضر»، ثم لا أتحدث عن شعر أبي شادي إلا كظاهرة ~~من ظواهر هذا الأدب، لها وجهها الخاص، ولونها الذي تعرف به. ~~••• # أعتقد أنني لا أكون غاليا في شيء إذا قلت إن عصرنا الحاضر يمتاز عن كل ما سبقه من العصور ~~بامتزاج الثقافات فيه امتزاجا عظيما لا نظير له، وإن الأدب العربي الحديث قد اختلط بآداب ~~العالم اختلاطا لم تعرفه تواريخ الآداب في عهودها السالفة. # ففي أطوار الانقلابات الكبرى، التي يريد فيها التاريخ أن يدور دورته المحتومة الخالدة، ~~تأخذ نفسيات الشعوب التي ستولد مرة ثانية في التطور والتحور والاستحالة، فتستيقظ أحلامها ~~النائمة، وتتوهج أشواقها الخامدة، وتصبح نفسها شعلة ms014 متأججة بنار الحنين، وينقسم قلبها ~~الثائر إلى شطرين: شطر ملول، متبرم بالحاضر وما فيه، وشطر مشوق، طامح إلى المجهول وما فيه، ~~وفي مثل هاته الحالة النفسية المعقدة التي تصبح فيها روح الأمة مشبوبة بحمى الحياة، يندفع ~~الناس في لهفة اليقظة الطامحة إلى ثقافات العالم وفنونه وآدابه يطفئون بها ما في أعماق ~~نفوسهم من جوع وظمأ إلى الحياة، فتتلاقح ثقافات، وتتمازج آداب، وتصطفق آراء وأفكار، وينتج ~~من هذا المزيج ثقافة جديدة وأدب طريف لهما سحر وفتنة وجمال. كان ذلك في الروح اليونانية، ~~حينما انتصرت على الفرس، واتصلت بروح الشرق في فارس وآشور ومصر، وكان ذلك في الروح ~~الرومانية حينما مكن الله لها من اليونان فانتهبت ما لها من علم وأدب وفن، وكان ذلك في ~~الروح العربية في العصر العباسي وما يليه، حينما اطلع العرب على ما لفارس والهند واليونان ~~والرومان من حكمة، وأدب، وعلم، وفلسفة، وتشريع، وكان ذلك في الروح الأوروبية منذ عصر ~~«النهضة» حينما اتخذت مثلها الأعلى في الأدب والفن ما لليونان والرومان من فن وأدب، وأخيرا ~~كان ذلك أيضا في الروح العربية الحاضرة بعد يقظتها من سبات الدهور. ولكن امتزاج الأدب ~~العربي الحاضر بغيره من الآداب قد كان على صورة من القوة والشمول لم يعهد لها مثيل في جميع ~~العصور والأجيال، ولعل ذلك يرجع إلى «المطبعة» التي أعطت للحركة الثقافية هذا المظهر القوي ~~الساطع، كما يرجع إلى طبيعة حضارة اليوم التي تمتاز بالسرعة والحركة والاتصال، فإن الأدب ~~العربي في العصر العباسي وما يليه لم يتأثر إلا قليلا بأدب الفرس والهند وما لهما من حكمة ~~وأمثال، وبقليل من أساطير اليهودية والمسيحية، وبشيء من الفلسفة اليونانية، وبعض المذاهب ~~والنحل الشائعة إذ ذاك، وبنزر مشوه من أدب الرومان، فهو لم يتأثر تأثرا قويا بآداب ~~هاته الأمم، ولا حاول أن يتصل اتصالا وثيقا بما لها من تاريخ ودين وأساطير، بل تأثر بها ~~تأثرا بسيطا لعله لم يكن مقصودا ولا معنيا به، ولكنه على كل حال قد أحدث نتيجته ~~المنتظرة، فاستحدثت معان وأخيلة وأساليب ms015 وطرائق من البيان لم يعهدها العرب من قبل ولا ~~ألفوها. والأدب الأوروبي لم يتصل في عصر «النهضة» بغير الأدب اليوناني والروماني، ثم ~~بقليل من الأدب العربي في صقلية والأندلس، ثم إنه عاد بعد ذلك إلى تاريخه يستلهم ما فيه من ~~أقاصيص الفروسية وسير الأبطال، ثم رجع إلى دينه فأخذ يستوحي الأساطير المسيحية، ويتخذ منها ~~غذاء لروحه وأحلامه، ثم إنه عثر على كنزه المفقود فأخذ يستمد من الروح الأوروبية نفسها ~~مادة حياته التي لا تنفد، فكانت ثورته الرومانتيكية الحاسمة التي فتحت أمامه آفاقا جديدة، ~~ووقفت به على حدود المجهول الذي لا تنتهي صوره وأشكاله، وعلمته كيف يستلهم الحياة نفسها، ~~ويستوحي جمال الوجود، بعد أن كان يتخذ الوقائع والأحداث مادة وحيه وخياله، والتي ما زالت - ~~فيما أرى - حية في صميمها، وإن اختلفت فيها الأسماء والحدود. # ذلك كل تأثر الأدب الأوروبي بغيره، أما الأدب العربي الحديث فإنه لا يريد أن يتصل ببعض ~~آداب العالم دون بعض، كلا، وإنما هو يتصل بجميع آداب العالم، لا يستثني منها واحدا، سواء ~~في ذلك القديم والجديد، والقريب والبعيد؛ فهو يتصل بالأدب الفرنسي والإنجليزي والألماني ~~والإيطالي والروسي والإسباني والإسكانديناوي والأمريكي، بل وحتى الروماني واليوناني ~~القديمين، وهو لا يريد أن يمر بهاته الآداب مر المجانب، بل يريد أن يتصل بروحها اتصالا ~~وثيقا، وأن يتأثر بهذا الروح ويستوحيه، وهو لا يكتفي بهذا بل يستلهم تواريخ هاته الأمم ~~والشعوب، وما لها من أساطير وخرافات، ثم هو يأبى إلا أن يستغل في استلهامه ما لها من فن ~~وفلسفة وعلم، ثم هو لا ينسى أن يستوحي مع ذلك ما في أدب اللغة العربية وتاريخها وأساطيرها ~~من صور الفن وآيات الجمال، ثم هو يضيف إلى كل ذلك ما في حياة الأمة العربية الحاضرة من ~~أحاسيس مختلفة، وأحلام مشبوبة، وأطوار تشتبك فيها الحقيقة بالخيال، كل ذلك يتخذ من الأدب ~~العربي المعاصر مادة لروحه، وغذاء لقلبه، وشرابا لأشواقه الجامحة. # وقل بين أدباء العربية الآن من كانت ثقافته مقصورة على العربية وحدها، بل إن الكثير ~~منهم ليدين ms016 في إنتاجه إلى أكثر من ثقافتين وثلاث. والحق أنه قد أصبح من العسير جدا على ~~الأديب العربي المعاصر أن يعصم نفسه من التأثر بالروح الأجنبية، فهو لا بد أن يتأثر بهذا ~~الروح ولو تأثرا لا شعوريا، مهما كانت ثقافته خالصة في عروبتها، ومهما كان غاليا في ~~التشيع لأنصار القديم، وما ذلك إلا لشيوع الترجمة والنقل عن الآداب الأجنبية شيوعا لم ~~يعرفه تاريخ الآداب في عصر من عصوره. # وقد كان لاتصال الأدب العربي بغيره من آداب العالم هذا الاتصال القوي أن اكتسب الأدب ~~ثروة فنية ضخمة في الصور والمعاني والأخيلة والأساليب بصورة لم تعرفها الآدب العربية من ~~قبل، وإن أفادت اللغة العربية مرونة ودقة أصبح بهما الأديب الشاعر يستطيع أن يعبر عن ~~أخفى العواطف المستسرة، وأدق الأحاسيس الغامضة، وأعقد الحالات النفسية التي كان أديب الأمس ~~لا يستطيع تصورها وإدراكها، فضلا عن التعبير عنها، ونفخ الحياة فيها، وإعطائها ما ~~يلائمها من أضواء وظلال. ولكن ذلك الاتصال الوثيق كما أنتج تينك النتيجتين الجميلتين ~~أنتج نتيجة أخرى لا ندري على التدقيق ما سيكون أثرها في الأدب العربي الحاضر، فقد أدى إلى ~~بلبلة في فهم الشعر، وضبط مقاييسه، وموضوعه، وغايته، لا نحسب أن تواريخ الأدب في العالم قد ~~سجلت مثلها، حتى لقد كاد يصبح لكل أديب مقياسه في فهم الشعر وتقديره، وأصبح النقد فوضى لا ~~تضبط لها حدود ولا تقوم على أساس محترم من الجميع. # فهناك المدرسة القديمة، وشعراؤها ونقادها، وآراؤها عن الشعر وما يجب أن يكون عليه، وهناك ~~المدرسة الحديثة بما فيها من شعراء ونقدة على اختلاف نزعاتهم وثقافاتهم وأطوارهم النفسية، ~~ومن خلفهم طوائف المتأدبين الذين لهم أحكامهم الخاصة على الشعر والشعراء والنقد والناقدين، ~~والتأليف والمؤلفين، والذين لا تضن عليهم الصحافة ولا المطبعة بنشر ما يرتئون من رأي ~~وحوار، ومن وراء كل ذلك جماهير القارئين في مختلف جهات العالم العربي بآرائهم المتقلبة التي ~~تبنيها الغدو وتهدمها الآصال، ويعبث بها جزر الحوادث ومدها في خضم ~~الزمان. # وإنه ليعيي المرء - مهما حاول - إحصاء هاته المذاهب، أو ms017 النزعات إذا تحرينا دقة ~~التعبير، التي تضطرب في رءوس الشعراء والنقاد والمتأدبين، والتي تتقاذف الأدب العربي ~~المعاصر أخذا وردا وجزرا ومدا، ولكن سنحاول أن نتحدث بإيجاز عن أظهر هاته النزعات في ~~محاورات اليوم، وأقواها أثرا في نفوس الأدباء. # فمن هاته النزعات النزعة «الخيالية»، وهي نزعة لا تعتبر الشاعر شاعرا إلا إذا كان شعره ~~عالما سحريا، لا تنتهي أطيافه وخيالاته ولا أضواؤه وظلماته، وتشعر فيه نفس القارئ ~~أنها قد ارتفعت إلى ما وراء الغيوم وما خلف النجوم ... ومنها النزعة «الرمزية»، وهي نزعة لا ~~تريد من الشاعر إلا أن يتحدث للناس من وراء السحاب، أو ملفوفا في مثل الضباب، ولا تتطلب ~~منه إلا كلاما مبهما لذيذا، شبيها بالموسيقى في لغتها الغامضة التي كلما أصغى لها ~~السامع حركت في نفسه ضروبا من الحس والتصور والخيال غير ما حركت من قبل، وعبرت له في ~~كل لحظة تعبيرا جديدا لا تنتهي ألوان المتعة والطرافة فيه. ومنها النزعة «الفلسفية»، وهي ~~نزعة لا تفهم الشاعر إلا أن يكون فيلسوفا له فلسفة مضبوطة محكمة لا تضطرب مقدماتها، ولا ~~تختل نتائجها، ولا تتناقض أجزاؤها بتناقض حالات الشاعر النفسية واضطرابها بين الشك ~~والإيمان والثورة والسكون واللذة والألم. ومنها النزعة «الثورية»، وهي نزعة لا تعترف للشاعر ~~بالشاعرية إذا لم تكن له في آثاره قوة العاصفة الداوية والبراكين الطاغية، ينطق فتنطلق ~~كلماته مجلجلة جامحة ترج الحياة في أعماقهم رجا، وتزلزل هدوء الأحلام، ويتكلم فيندلع ~~اللهيب من كلماته المتوهجة بنار الحياة. ومنها النزعة «المتعمقة»، وهي نزعة تأبى على ~~الشاعر إلا أن يكون عميقا كالليل، لا يناجي أبناء الإنسان بهاته المعاني الواضحة البادية ~~التي تستوعبها اللمحة الخاطفة والنظرة الطائرة في الفضاء، وإنما تريد منه أن يناجيهم بما في ~~أعماق الحياة والموت والوجود والعدم، وما في خفايا ذلك العالم المجهول الذي يحمله قلب ~~الإنسان من عبودية عريقة للحياة، وثورة على نواميسها العاتية. ومنها النزعة «التاريخية»، ~~وهي نزعة تنكر على الشاعر كل شيء إلا أن يكون ظلا واضحا لهاته الحياة العابرة، يستطيع ~~المؤرخ أن يجد في ms018 آثاره صورة حية من عقائد الشعب وعاداته وأطواره، وتقلباته وأحلامه ~~وخرافاته. ومنها النزعة «السياسية»، وهي نزعة لا تريد من الشاعر إلا أن يكون زعيم قوم ~~يدعوهم إلى النهضة والحياة، ويهيب بهم إلى الضرب في سبيل الزمان الذي لا تنتهي تعاريجه ~~وعقباته. ومنها النزعة «الصحافية»، وهي نزعة تريد من الشاعر أن ينظم في أحداث اليوم ومشاكل ~~الساعة ويقدم للناس صحفا منظومة يسجل فيها حوادث العالم في السياسة والاقتصاد وكل شيء آخر، ~~وعلى الإحساس والفكر والعاطفة رحمة الله ... ومنها النزعة «الغزلية»، وهي نزعة لا ترضى عن ~~الشاعر إلا إذا قدم حياته قربانا للمرأة، وأحرق مواهبه بخورا تحد قدميها الجميلتين، ولم ~~يتكلم بغير لغة الحب والدموع، أما بقية لغات النفس وعواطفها الأخرى فعليها لعنة الشعر ~~والحياة ... ثم لعنة حضرات السادة الغزليين ... # وهناك نزعات كثيرة أخرى، ولكنها ضعيفة تافهة، ليس لها من قوة الأثر ما يحملنا على تدوينها ~~في كلمتنا هاته: نزعات غريبة، وأخرى ذابلة، وأخرى ميتة بالية، فلندعها تختلج اختلاجة الموت ~~في أدمغة بعض غلاة القديم، وبعض متطرفي الجديد، ولندعها تقضي ساعة الموت في سكون الظلام؛ ~~فهي ذاهبة لا محالة إلى هوة الفناء المحتوم ... # ولكن هناك نزعة غريبة يدين بها بعض الناس ممن يحملون التجديد على غير محمله، ويفهمونه ~~على غير المراد منه، فهم يحسبون التجديد أن يأتي الشاعر في أسلوبه ومعناه بما لا عين رأت ~~ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشيء، وأن يخلق آثاره من عدم، ويأتي بها غير مسبوقة بصورة ~~أو مثال! وهي فكرة غريبة لا نفهم كيف يستطيع اعتقادها فريق من الناس، ولكننا نسوق إليهم ~~هاته الكلمة الصغيرة: # إن الحياة نفسها ليست إلا حرية ترسف في القيود، وسلسلة يتصل فيها الطريف بالتليد، ~~وإننا حين نطالب الشاعر بالتجديد لا نطالبه بأكثر من أن يترسم خطى الحياة في ~~فنها، فالزهرة - وهي فن من فنون الحياة - ليست إلا بعض ما في التراب والماء ~~والسماء من روح الحياة، ولكنها مع ذلك فن منها جديد يخيل إلينا أنه بعيد عنها جد ~~بعيد. ونحن ms019 - أبناء الإنسان - ننحدر إلى هاته الدنيا وفينا مشابه من آبائنا الأولين ~~في الملامح والميول والأطوار، ولكن لكل منا روحه الخاصة، وطابعه الممتاز. وكذلك ~~تتدفق الكائنات من قلب الحياة الأزلي الذي لا ينضب، وكأنها صور ممتازة متباينة ~~رغم ما بينها من وشائج الرحم والقربى، ولولا ذلك التباين الحكيم لأصبح عمل الحياة ~~عبثا متواصلا، وعناء معادا لا جدوى وراءه ولا متاع. # كذلك يصنع الشاعر الفنان، وكذلك ينبغي أن يصنع، فهو لا يستطيع أن يخرج عن نفسه التي بين ~~جنبيه وما في هذا العالم من سحر ولذة وألم، وما خلفته الإنسانية من فن ورأي ودين، ولكنه ~~حين يتحدث إلينا بذلك في آثاره لا يتحدث به إلا بعد أن يحيا في قلبه، ويتوهج في حياته، ~~ويتضرج بأضواء نفسه المشرقة، فتبرز آثاره للدنيا موسومة بوسمه، ومطبوعة بطابعه الذي لا ~~يزول، وذلك هو التجديد بمعناه الواضح الصحيح. ~~••• # والشاعر ماذا يصنع بين هاته السبل المتعرجة، وفي لجة هاته الأصوات التي تهيب به من كل ~~ناحية ومكان؟ # أما إذا كان ضعيف النفس خوار العزيمة فإن مواهبه وألحانه تضمحل وتفنى في هذا الأفق ~~الداوي بالأضواء، وتذهب حياته أباديد في مهاب هاته الرياح، وأما إذا كان موثق العزم قوي ~~الإيمان برسالته، فهو يسلك سبيله في عزم وقوة غير آبه لتلك الأصوات الكثيرة المتباينة، وهو ~~يمضي قدما، صاما سمعه إلا عن صوت «الحياة» المتردد في أعماق قلبه المتدفق في جوانب ~~نفسه تدفق أمواج البحار، مطبقا بصره إلا عن نور السماء المشرق في آفاق روحه الحالمة، ~~وفي أعماق الوجود. وهو يمشي وعلى شفتيه بسمة مشفقة ساخرة بكل هاته الأصوات التي تريد أن ~~تحصر روح الشاعر في قفص مطبق محدود الجوانب؛ لأنه يعلم أن روح الشاعر روح حرة لا تطمئن إلى ~~القيد، ولا تسكن إليه، حرة كالطائر في السماء والموجة في البحر، والنشيد الهائم في آفاق ~~الفضاء، حرة فسيحة لا نهائية لا تحدها نزعة واحدة، ولا مذهب محدود، وإن كانت لا تضيق بكل ~~هاتيك النزعات مجالات نفس الشاعر، ولا تتقيد بصورة أو مثال. ms020 # والحق أننا نخطئ كثيرا إذا حاولنا أن نفرض على الشاعر آراءنا ومذاهبنا وأحلامنا فرضا، ~~ولن نجني من وراء ذلك إلا تضليل المواهب الجديدة الناشئة، وسخرية المواهب الكبرى السائرة ~~إلى النور، وأنه ليس لنا أن نطالب الشاعر في شعره بغير «الحياة»، وإذا جاز لنا أن نطالبه ~~بأكثر من هذا فلنطالبه بأن تكون هذه «الحياة» رفيعة سامية، تتكافأ مع ما للشعر من قدسية ~~الفن وجلاله، ففي الحياة كثير من الحماقات والدنايا، يتعالى الفن عن التدلي إليها من سمائه ~~العالية. # فإذا قرأنا شعر الشاعر فوجدنا فيه إنسانا من لحم ودم، يحيا ويتنفس، ويشعر ويفكر، ~~ويجاوبنا بالعطف والحس والخيال، وينسينا لحظة وجودنا المحسوس بما يخلعه علينا من جمال ~~الفن وصوره، ويرتفع بمشاعرنا فوق دنايا هذا العالم ومحقراته، إذا وجدنا هذا الشاعر ~~فلنقرأه في ثقة وإيمان بأنه الشاعر حقا، وليس بعد هذا أن يكون رمزيا أو رومانيكيا ~~أو غير هذا وذاك. فما تلك في الحقيقة إلا أطوار نفسية يتشكل الشعر بما لها من ألوان وظلال ~~وأضواء، وليست هي الشعر نفسه؛ فإن لباب الشعر «الحياة». # ولقد قلت مرة عن الفن بمعناه الواسع: إنه «حياة موسيقية مصطفاة»، سواء كان قطعة ~~تنشد، أو لحنا يعزف، أو صورة ترسم، أو تمثالا ينحت، فهو «حياة»؛ لأن الفن في ~~صميمه إنما هو صورة من تلك الحياة التي يحيا بها الفنان في هذا الكون الزاخر الرحيب، أو ~~في دنيا خياله وأحلامه، وكيفما كانت تلك الصورة في اللون والشكل والعرض، وهو حياة ~~«موسيقية»؛ لأن الفن في جميع صوره وألوانه إنما هو مجموعة نسب موسيقية، يوازن الفنان ~~بينها موازنة حكيمة ملهمة، يحس بها في قرارة نفسه ويأتيها، وربما لا يفهمها كل ~~الفهم أو بعضه؛ فالشاعر العظيم هو الذي يوفق في فنه إلى المعادلة بين نسب العاطفة ~~والفكر والخيال والأسلوب والوزن، بحيث يحصل بينها التجاوب الموسيقي الذي ينسجم في القصيد ~~انسجام النور والعطر والماء والهواء في الزهرة الجميلة اليانعة. والرسام العظيم هو الذي ~~يوفق في الصورة إلى الموازنة الموسيقية بين الألوان والأضواء والظلال، والروح الفنية ms021 ~~الشائعة في كل ذلك شيوع الضياء في السماء، وليقل مثل ذلك في بقية ضروب الفن ~~وأصنافه. # وهو حياة موسيقية «مصطفاة»؛ لأن الفنان المخلص لفنه لا يعبر أو هو مكره على ألا ~~يعبر بفنه إلا عن أرفع صور الحياة وأسماها، وعلى هذا فإن الشعر الرفيع حياة موسيقية مختارة ~~تعبر عن نفسها في فن من الكلام. والموسيقى حياة موسيقية مختارة ترفرف بألحان مجنحة في ~~جو منغم موزون، وكذلك يقال في سائر أنواع الفن. ~~••• # وقد تحدثت عن المدرسة القديمة والمدرسة الجديدة في الشعر العربي الحديث، فما هي حدود ~~كل من المدرستين، وما هي غاياتهما؟ # أما المدرسة القديمة، فهي تزعم أن للغة العربية مزاجا خاصا لا يسيغ إلا ضروبا ~~محدودة من التفكير والحس والخيال، وهي تنقم على المدرسة الحديثة أنها تستحدث في الأدب ~~العربي فنونا من البيان مشبعة بما في الروح الأجنبية وآدابها من طرائف التفكير والخيال ~~والإحساس، وهي تدعي أن ذلك لا يلائم طبيعة اللغة العربية، ولا ينسجم على ما تسميه ~~«الأسلوب العربي الصميم». # وأما المدرسة الحديثة فهي تدعو إلى كل ما تكفر به المدرسة القديمة بدون تحرز، ولا ~~استثناء، هي تدعو إلى أن يجدد الشاعر ما شاء في أسلوبه وطريقته في التفكير والعاطفة ~~والخيال، وإلى أن يستلهم ما شاء من كل هذا التراث المعنوي العظيم الذي يشمل كل ما ~~ادخرته الإنسانية من فن وفلسفة ورأي ودين، لا فرق في ذلك بين ما كان منه عربيا أو ~~أجنبيا، وبالجملة فهي تدعو إلى حرية الفن من كل قيد يمنعه الحركة والحياة، وهي في كل ذلك ~~لا تكاد تتفق مع المدرسة القديمة إلا في احترام قواعد اللغة وأصولها، بل إن فريقا من ~~متطرفي المدرسة الحديثة لا يعدل بحرية الفن شيئا، ولا يحفل في سبيل ذلك حتى بقواعد اللغة ~~وأصولها، غير أن صدى هاته الطائفة قد أخذ يخفت ويضمحل ولا شك أنه سيفنى مع الزمان؛ فهو ليس ~~إلا طفرة جامحة لكل الطفرات التي تصحب كل انقلاب في حماسة الدعاية الأولى. # ولكن، ما غاية هاته المدرسة الحديثة ms022 وما حدودها؟ # أما إذا أردت يا صاحبي أن تجعل لهاته المدرسة حدودا مضبوطة فاصلة على النحو الذي كان ~~عليه المذهب الرومانتيكي أو الرمزي أو البرناسي أو الواقعي، أو غير هاته المذاهب التي ~~سيرت الأدب الفرنسي في طرق خاصة، وأملت عليه من روحها القوي الثابت، أقول إذا أردت ذلك ~~فإنك غير واجده؛ فالمدرسة الحديثة لم تصبح بعد مذهبا واضح الحدود والمعالم، ولكنها ما زالت ~~ثورة مشبوبة هائجة، وإيمانا قويا عميقا، ثورة في سبيل حرية الشعر وكماله، وإيمانا بسمو ~~الغاية وجلال المبدأ. أجل، هي ثورة ما زالت تختلط فيها المطامح والميول، وتضطرب فيها أصول ~~المذاهب اضطراب البذور في حميل السيل، وآية هذا ما أسلفت من اختلاف في المقاييس الأدبية ، ~~والأساليب والنزعات، وذلك سر هاته الحيرة العميقة الغائمة التي تعانق أرواح أغلب شعراء ~~هاته المدرسة، فكل واحد منهم واقف بشعره على تخوم عالم مجهول، لا يعرف له مبدأ ولا غاية، ~~تستفز نفسه أصوات وأنغام، وتستهوي خياله أشواق وأحلام، وتسحر طرفه أشعة وأطياف، ولكنها لا ~~تأسر نفسه حتى تتوارى وراء السحب البعيدة النائية، ثم تضمحل وتفنى في سكون الفضاء. وما أشبه ~~حال شعراء هاته المدرسة اليوم بحال «البحار وجنية البحر» فيما تقصه الأساطير! ولذلك فكل ~~شاعر من شعراء هاته المدرسة يكاد يمثل في نفسه مدرسة مستقلة لها مذهبها الخاص، وطابعها ~~الممتاز، ولها وجهتها في فهم الشعر وإنشائه. # على أنك تستطيع أن تلمس في آثارهم رغم ذلك روحا قوية متأججة مشرقة كالصباح، متوهجة ~~كاللهيب، هاته الروح هي طلاقة الحياة والحنين إلى المجهول ... فالحياة الحرة المطلقة، ~~والأشواق التائهة المبهمة، أو «الطموح» بأشمل معانيه، هو الروح الغالبة البادية في آثار ~~هاته المدرسة التي تجاهد في سبيل الكمال الفني المنشود. # وأبو شادي كشاعر من شعراء هاته المدرسة المجددة له مذهبه، وأسلوبه، وروحه الخاصة ~~الممتازة. # أما مذهبه الشعري - فيما أرى - فهو أن يحرص الشاعر كل الحرص على التعبير عما يدوي في ~~أعماق نفسه من أصداء الحياة، وما يخالجها من وحي هذا الوجود، وعلى ألا يضيع من ذلك شيئا ~~ما ms023 استطاع إليه سبيلا. ولعله يؤمن بأن كل تقصير في ذلك يعد خيانة لأمانة الفن؛ فالشاعر ~~لم يوجد إلا ليؤدي رسالة هذا الكون الذي لا تسكت ألسنة الهواتف فيه، وكلما قصر الشاعر في ~~أداء هاته الرسالة كان خائنا لرسالته، وغير مخلص لفنه، وهذا هو السر في وفرة إنتاج ~~أبي شادي بالنسبة لغيره من الشعراء. # فهو إذن صاحب مذهب جديد في الشعر، وأنا أعتقد أن مذهبه هذا يرجع إلى طبعه أكثر من كل ~~شيء آخر، فهو ذو طبع عملي ممتلئ بالعزم، والحياة لا تكاد تولد الفكرة في أعمال نفسه حتى ~~تحولها طبيعته العملية إلى كائن موجود؛ ولذلك فهو لا يستطيع أن يحس إحساسا لا يعبر ~~عنه، ولذلك فهو يعجب كيف يؤثر الشاعر وأد عواطفه على بعثها حية في شعره تتنفس بروح ~~الحياة! وكيف يقتل الكسل والاستسلام روح الخلق في الفنان الذي لم يوجد إلا ليخلق! وهو ~~يعبر عن مذهبه هذا في كثير من نثره وشعره، ولكنه يعبر عنه بحرارة وإيمان في قصيده ~~الجميل الرائع: «التجدد» من هذا الديوان. # وأما أسلوبه فهو يمتاز بجمال الطبع والسهولة، والبساطة الحرة الواضحة التي لا تحب ~~التكلف ولا تسعى إليه، وهو يرسله إرسالا، كما قال «مثل الأتي ومثل الجدول الجاري» لا ~~يتأنق فيه ولا يتعمل، ولا يحرص على ما يحرص عليه بعض الشعراء من ظهور آثارهم بمظهر المترف ~~الأنيق، ولكنه يحرص كل الحرص على أن يكون صادقا دقيقا في التعبير عن ذات نفسه ولو أدى ~~به ذلك إلى الغموض أحيانا. # أما بعض الناقدين الذي يجردون أسلوب أبي شادي من الجمال فإنهم يظلمون الرجل ويتحاملون ~~عليه، فإن أسلوبه لا يفقد الجمال ولكنه يفقد الأناقة، وشتان بين الأناقة والجمال، والحق أن ~~الشاعر إما أن يضيع غير قليل من أحاسيسه وأصوات قلبه في سبيل الأناقة والاندفاع مع ~~الرنين الموسيقي، وإما أن يضيع غير قليل من هاته الأناقة في سبيل التعبير عن ذات نفسه بدقة ~~وأمانة، وأبو شادي لا يؤثر التضحية بمذهبه الذي يدعو إليه ويؤمن به في سبيل التزويق ~~والتنويق. ms024 # وأما الروح التي يمتاز بها شعر أبي شادي فهي روحانية عميقة، وصوفية بعيدة المدى، ~~وإحساس مرهف مشبوب، وخيال متنقل سريع. وبهاته الروح المركبة ينظر أبو شادي إلى ~~هذا الوجود فلا يرى فيه إلا أحياء جديرة بالمحبة والعطف، يعاطفها وتعاطفه، وتشاركه الأنس ~~والحياة، وبهاته الروح يهتف قائلا من أعماق قلبه: # وكم في الظل والأنوا # ر أحلام أناديها! # أبو القاسم الشابي # تونس # | إهداء الديوان # لما رأيت عواطفي وخواطري # ومنى الحياة لديك أنت تضوع # أيقنت أنك أنت وحدك خالقي # وعرفت أن جمالك «الينبوع» # فجعلت قرباني إليك عواطفي # إن الحياة حنانك المطبوع # أبو شادي # | شعر الديوان # الصبا المبعوث # يا زهرة لحبيبتي قد مثلت # أعوام فرقتنا إليك أحن # 1 # لم ألق غيرك من تجسم ما مضى # من لوعة في روعة تفتن # مضت السنون فكيف كيف أعيدها # إلا بحبك أنت حين أجن؟ # لم لا أجن وذاك عمري ذاهب # كالنبع قد خانت جداه المزن؟ # عمري مضى إلا الأقل، وإنه # عمر على الحالين فيه الحزن # وأحبه ذاك الشباب المنطوي # ولديك أنت خياله المفتن # فإذا عشقتك أنت عشق حبيبتي # فالبر يوحي بالهوى والفن! # قد صرتما لي صورتي حبي الذي # منه نفيت، ومنه منه الغبن # وله حييت وما أزال أعيش في # حلمي، فلولا الحب مات الكون! # من ذا يلوم توددي لك بعدما # عانيت مما قد جناه البين؟ # من مرجع أمسي الذي كفنته # فيعود عطف منه ليس يمن؟ # أنت التي هي صورة من أمها # فلها الرشاقة والصبا والحسن # وبها زمان تلهفي وتحرقي # يرنو إلي، كما شجاني الأن # ما أنت إلا فلذة من مهجتي # بعثت فكيف ترد شوقي السن؟ # وإذا انتسبت فإنني أولى بما # مثلت من روح إليه أحن # الألحان الصامتة # لغة الحواجب والعيون # لغة من الشعر الحنون # أغنت عن اللحن الشجي # وفسرت معنى الفنون # وكأنما الألحان إن # حرمت صداقتها تهون # وقفت تغني والغنا # ء يذوب من فمها فتون # ورشاقة الصوت الحبي # ب كأنها عذب الجنون # قد رنحت منها القوا # م وأسبلت منها الجفون # واستنطقت شغف العيو # ن فلحنت لغة العيون # فلبثت ms025 مأسورا بصو # ت كم يبين ولا يبين # أهواه من نظراتها # فجميعها شدو مصون # حاكت تبسمها الرقي # ق فما تشذ وما تخون # بل تغمر الروح الوفي # من الصبابة والمجون # يوم مروع ~~(في جيرة البحر) # يلوح الأفق أغبر في دخان # وهذي الشمس تحرق إذ تغيب # كأن السحب جمعها بخور # بمجمرة لها سحر عجيب! # يضيق الأفق في قلبي ونفسي # وما يغني المنى الأفق الفسيح # إذا اكتأب الوجود فإن نفسي # تئن وكل محمود قبيح # أهاتيك الصخور لها شخوص # سوى البادي على تلك الصخور؟ # أفيها من قديم العهد روح # تراث للشعور وللضمير؟ # لقد مضت القرون وتلك سكرى # على موج الحوادث والقرون # وهذا البحر أهون ما تلاقي # فما موج سوى موج السنين! # أهذا اليوم من أهل الشتاء # وقد أوفى دخيلا في الربيع؟ # وما جدوى السؤال وذاك يومي # يصد عن الإجابة كالمروع؟! # بحر السماء # هتفت بي الأضواء فاستيقظت من # نومي على فلق من الأضواء # ونظرت في أفق السماء فلم أجد # إلا حديث الموج والدأماء # السحب تجري في اصطخاب الموج لا # ترضى بهدأة لحظة لندائي # ناديتها فتلفتت، لكنه # كتلفت الأطياف للشعراء # لا تستقر هنيهة، وتسير في # لهف، كوثب الموج فوق الماء # وكأنما الزمن العجيب يسوقها # كالخيل في ركض وطول عناء # تخشى سياط الدهر تجري خلفها # فالدهر قاس دائما ومرائي # وتغيب في بحر السماء كما مضى # حلمي وأنفاسي ووحي رجائي! # البحر الصغير ~~(من مشاهد المنصورة البديعة) # هنيئا أيها البحر الصغير # تنير بك السفين وتستنير # 2 # وتجري فيك أمواج خفاف # وكل روحها طفل صغير # تطوف على الحقول وأنت تسدي # حياة ليس يشبهها النظير # أيا ابن النيل أنت أبوك لونا # وخلقا تستعز ولا تضير # تبنتك المدينة وهي أهل # فسرت وأنت مزهو قرير # تضيف الوز ألوانا وتجري # بك الأحمال يزجيها الخرير # وتختلط الحياة لديك شتى # فينظمها لك الحسن القدير # ويحيا فيك نوتي وطير # كما يحيا بك النور الأسير! # رعشة الحور # الشمس تضحك للأصيل، وماؤه # في النيل مصطفق يحن إليها # والحور غازلها النسيم معانقا # وكأنما ارتعش النسيم لديها # فترف أوراق الغصون بلا ونى ms026 # في رعشة والسحر رف عليها # هذي الطبيعة في احتضان دائم # فعلام نهزم نحن بين يديها؟ # عيون المنصورة # عيون كلها فتن # وأصداء من الفتن # أحن لسمرة فيها # كسمرة مائها الفني # فكم فيه تحيات # من الأجيال والزمن # وكم فيه عبادات # لنهر روحه وطني # نظرت إلى معانيها # كأني لست أدريها # فكم من سبحة فيها # لروحي إذ تناجيها # تناجي ظلها الحاني # ونورا حائرا فيها # وكم في الظل والأنوا # ر أحلام أناديها! # اللهفة الخالدة # في القرب أم في البعد يغمر مهجتي # من لهفتي قلق يدوم وجوع؟ # ما لي أراك كأننا لم نجتمع # قبلا وقلبي هائم ومروع؟! # أرنو إليك كأنما الدنيا أبت # هذا اللقاء وإنني المخدوع # أرنو إليك كأنني أرنو إلى # كون يحار به النهى ويضيع # أرنو وأرنو ثم أرنو مثلما # يرنو إلى الأم الحنون رضيع # أرنو وهذا الصمت يشملني كما # شمل الوجود أشعة ودموع # ويحار حسنك من سكوتي بينما # أنا وحدي المتكلم المسموع! # أواه من لهفي ومن حرقي الذي # لا ينتهي وكأنه المطبوع # عالجت كل وسيلة أشفى بها # فإذا الشفاء محرم ممنوع # وإذا نعيمي أن أراك وحرقتي # تتساويان وقلبي المصدوع # وإذا بي الصادي الذي لا يرتوي # وإذا جمالك وحده الينبوع # إنا ربينا في الشقاء وفي الهوى # فهواي - مهما ينعم - المفجوع # وكأنما نصفو بمأتم حبنا # والذكريات تحوطنا وتروع! # الأم الحنون # ضممت الكمنجة مثل ابنة # وأدبتها ثم لاعبتها # وهذي الأنامل تجري عليها # حنانا ينوع من صوتها # فمنها السرور ومنها البكاء # كأنك بالعزف عاقبتها # ومن قوسها المستحب العزيز # تثار البلابل من صمتها # فيا عجبا بين أم حنون # وبين التدلل من بنتها # نذوق الحياة بألوانها # أغاني تعبد في ذاتها! # إلى مودعتي # ودعتني وكأنما ودعت بي # أملا جريحا قد طواه الهم # يممت شاطئ «أفرديت» # 3 # وطالما # جذب الجمال إليه ذاك اليم # بلد تنفس بالملاحة روحه # والحسن منه يعود وهو أتم # فلمن تركت وقد نأيت وهذه # دنياي يمشي في جناها السم؟ # ولمن أزف عواطفي وتهافتي # ولديك لطف عن هواي ينم؟ # صور الجمال حياة نفسي بينما # لا أشتهي إلا سناك يضم # إن ms027 غبت حرت بكل ما أنا عاشق # وجميع ما أنا أرتضيه يذم # شعر المعابد # 4 # أين أين رواؤه # إلاك؟ أين سواك سحر جم؟ # أنت التي مهما لثمت جمالها # فالقلب لا يرويه هذا اللثم # أنت التي هي توأمي # 5 # فبمن سوى # هذا الحنان مواهبي تأتم؟ # هل لي سوى هذا الجمال مثابة # تختار أو حسن سواك يشم؟ # العيون المتكلمة # شاهدت نهديها وقد خفق الهوى # بهما كما قد رف من خديها # ونظرت هذا الجسم أجمل ما اشتهى # رب وأفتن ما ادعاه لديها # فعرفتها معنى الألوهة قدست # فوق الحياة وقد حوت روحيها # 6 # وأطلت من نظري إليها حائرا # في وحي هذا الظل من نهديها # فتكلمت لغة العيون بما حكت # من قبل حين رنا الإله إليها # رثاء الجمال ~~(عند شاطئ البحر) # أنشد رثاء الأماني أيها الفاني # واندب مآل الجمال الضاحك الهاني # دنيا حواليه يبنيها ويهدمها # كالموج يهدم ما يبنيه في آن # اترك تفاؤلك المعهود آونة # وانظر مصارع أطياف وألوان # انظر إلى الحسن في إعجازه صورا # لا تنتهي، وعجيب كلها فاني! # كأنما هي أنفاس نرددها # ملء الحياة فتدعو موتنا الداني # من هذه الغادة الهيفاء ساحرة # بناظر ذاهل كالفجر وسنان # تمشي وفي لونها الخمري ما سمحت # دنيا الحياة بإغراء وإيذان # ترى الحياة تناهت في تطلعها # منها بفرحة أضواء وألحان # لا يستقر قرار من تخطرها # كأنما هي من أطياف نيسان # من هذه غير رمز للحياة حوت # أشهى البيان وأحلاه لوجداني # أنا الذي أتفانى في مواهبها # تفاني اللحن في أوتار عيدان # كأنما الخالق الرسام صورها # في جرأة ونمتها روح لهفان # فصار يعبدها الخلاق في لهف # وبات تصويرها إيمان إنسان # أهذه سوف يطويها الفناء كما # يطوي جمال أمانينا الجديدان؟ ~~••• # وذلك الموج من أبقاه مضطربا # يدعو إليه حنين الناس وثابا # أحيا صخورا بأصداء يرددها # وأطلع العشب بالإيحاء جذابا # يجري ويمرح في لهو وفي قلق # ويشرب النور أطيافا وأكوابا # ترنو الحياة بإحساس يفيض به # إلى الأنام فيمسي الناس أحبابا # والموج مهما تناهى في تلاطمه # يأبى التخاذل في مجراه غلابا # مشاهد الحب في لون ms028 وفي صور # من التهافت تحيي الناس ألبابا # لقد وقفت قليلا في مباءتها # فكنت أشهد أكوانا وأربابا # عوالم الفطرة الأولى بما جمعت # من الجمال الذي قد زاد أنسابا # كم يأسر الموج في أصباغه مهجا # وكم يعذب هذا الموج من تابا # زرق العيون حوت من روحه فتنا # كما حوت روعه المحبوب إرهابا # وقفت في الشاطئ المأهول في شغفي # والقلب ملء خشوع بالغ طابا # والشمس في الأفق المهجور رانية # مثلي إلى البحر ترثي النور إذ غابا # تبكي بنيها وإن خلنا أشعتها # متاعنا، فإذا المبكي ما آبا # حتى تذوب بهذا البحر في غسق # كما رأيت جمال اليوم قد ذابا ~~••• # وذلك الرمل كم حسن أطاف به # وكم غرام، وكم وجد، وكم صور! # كم جلسة لي في أفيائه جمعت # ما طاف في خلدي الوهاب للنظر # وكم نعمت قريرا بالظلام كما # نعمت في الأفق بالمبثوث من شرر # 7 # ملك يسود به الصوفي ما ملكت # حواسه لذة الإيمان والعبر # وأي دين وإيمان يقاس بما # في ظلمة الليل من حب ومن خطر؟ # والبحر يزخر بالأشواق ضائعة # كمن ينادي حبيبا لج في سفر! # أما أنا فأمير عند ساحته # أعانق الحسن في طوع وفي خفر # ولا أفوت عزيزا من مناهله # ولا صغيرا، فما في الحسن من صغر # ولا أمل مذاقا من حلاوته # ولا شميما من الأنداء والزهر # وصدرها الخافق المهتز في جذل # وجيدها الناعم الموحي إلى صوري # لكل جزء عبادات أوزعها # من لهفة الحب لا تفنى على السهر # والرمل يعجب من ناري ومن ظمئي # والنجم يضحك مني ضحكة القدر! # وأحسب الحسن معنى خالدا أبدا # كالحب في الكون لا يفنى على العصر # فيقتل الليل أحلامي ويطردنا # ويغتدي الشعر مأوى لي من الذكر! # غليون الشاعر ~~(إلى صديقي الشاعر الفنان الدكتور إبراهيم ناجي.) # يا حبيبي! إن ما نهديه أسمى من هديه # كله لي ذكريات وأناشيد شجيه # حبذا الغليون من رمز إلى الروح النديه # دائم النفح بأحلام إلى نفسي الشقيه # روحك السمحة عندي من معاني الأبديه # كل ما تهدي وما تنشد نجوى قدسيه! ~~••• # أشعل الغليون ms029 من ناري وحيدا في الظلام # ناظرا نحو سماء في ضرام كضرامي # خبأتها غير لمع في نجوم كابتسامي # حرقة الدنيا أطلت من ثقوب في الغمام # كل ما فيها جميل هو قلب في اضطرام # وكأن الخالق الفنان يشقى بالتسامي! ~~••• # يا حبيبي! إن ذاكراك بقلبي في شجوني # أنا والليل غريقان بأصداء الأنين # كل ما في الليل يستهوي إلى دنيا الجنون # فإذا لي ملجأ في حبك الباقي الأمين # منشدا من شعرك العذب أفانين الفنون # شاربا أنفاس غليوني كأنفاس الفتون ~~••• # يا حبيبي! هذه أمواج نفسي في الهواء # كل ما يبدو دخان حينما يخفى الرجاء # كل أنفاسي مناجاة، وكم ضاع الدعاء # هي دنيا كل ما فيها غباء في غباء # آه لو تدرك ما يعني بنوها الشعراء! # آه لو تفهم من دقات قلبي ما أشاء! ~~••• # حبذا الغليون من خل إذا غاب الخليل # ساهرا مثلي زميلا حينما مل الزميل # كأسه السم كترياق، وكم سم جميل # هذه دنيا بنوها قد أباحوا المستحيل # جعلوا الحق ضلالا فإذا الكون عليل # وإذا بي أشرب السم كسقراط النبيل! ~~••• # أنت يا من كله عطف على وجدي الأليم # أنت يا من يخلق الرحمة إن مل الرحيم # يا صفي ومناديني لأجتاز الجحيم # أنا في ناري كما قدرت أمضي وأهيم # وهي لم تخب ولن ألقى سوى وهم النعيم # محرقا نفسي كهذا النجم في الليل البهيم! # نفرتيتي الجديدة ~~(إلى الممثلة الفنانة الآنسة أمينة رزق.) # في ذلك الأمس العزيز النائي # في جيرة الأمواه والأضواء # 8 # جلست مليكة مصر يجبل رسمها # للفن في تمثالها الوضاء # مثال مصر «تحتمس» الفنان في # إبداعه، والفذ في الإيحاء # ومضى الزمان وما تكامل صنعه # فالفن عند الحب جد مرائي # جلسا وكم جلسا، فما شبع الهوى # منها، وما كمل المثال لرائي # وجلست أنت تحدثين حديثها # وتحبذين روايتي # 9 # ورجائي # فخشيت أني لن أتم نظيمها # حتى يدوم لك الحديث إزائي! # روح كروحك كلها نبل فما # خلقت لغير الشعر والشعراء # جبلت من الطهر الصميم كأنما # جبلت من الأضواء والأنداء # وتشبعت برشاقة علوية # كرشاقة النجم الحنون النائي # وتجملت بملاحة ms030 من لونها # في سمرة كجمال هذا الماء # ما أنت إلا رمز مصر ونيلها # وجنى الفنون الحلوة الزهراء # فإذا رأيتك تحفة قدسية # فالفن أول مؤمن بندائي! # ديمقراطية الجمال ~~(في خليج إستانلي) # زعموا الجمال تمنعا وتحجبا # حين الجمال رشاقة التعبير # لم يدره المتنطعون، وإنما # يدريه كل مغرد بشعوري # يا بنت أفروديت حسنك ماثل # في جسمك المتموج المسحور # سحرته أمواج الهواء وكل ما # حمل الهواء من الندى والنور # تمشين عارية كأنك شعلة # للرب تستوحى كوحي الطور # من كل جزء نفحة علوية # مشبوبة في قلب كل بصير # هي خير ما تهب الحياة لشاعر # إن فاتها الموتى ولحظ ضرير # يا بنت أفروديت لا تتهيبي # وخذي الحياة مجال كل حبور # وتخطري ظلا لنا وأشعة # ما كن غير عواطف وشعور # نهداك أم ساقاك ما نطقا سوى # بالشعر في لغة من التصوير # من ذا يحجب نبعك الحر الذي # وهبته أفروديت للتقدير؟ # وهبته كي يحيا ويعبد بيننا # جسما وروحا في مثال الحور # أيذوقك البحر الطروب مقبلا # ومعانقا في وصله المبرور # ونظل نحن العابديك على أسى # ما بين حرمان ويأس صخور؟! # في حمى الموج ~~(عند شاطئ إسبورتنج) # تدفق أيها الموج الطروب # فلي قلب على ألمي يذوب # يذوب من الأسى الدفاق حتى # كأن أساه ما شكت القلوب! # أعني من خريرك فهو طب # إذا ما خاب في الناس الطبيب # تحجر كل من أرجو رضاه # فأين للوعتي أين الحبيب؟ # تدفق أيها الموج المغني # فلي من روحك العالي نصيب! # أعيش ببيئة كالصخر موتا # وكم في الصخر تحنان عجيب! # أنست إلى الجماد ففيه عطف # ومزقني المصاحب والقريب # وأصبح لي القريب قريب موج # يداعبني، وصادقني الغريب! ~~••• # ويا هذي الرمال وعيت نفسي # فنفسي شعلة ولها لهيب # 10 # تكاد النار تلفظ منك لفظا # وتطفئها المياه ولا تغيب # أحن إليك تحناني لأصلي # وأصلي فيك جذاب مهيب # فخليني إذن أفنى وهمي # ففيك يبدد الروح الكئيب # وعندك ينشد الموج الأماني # ويلتجئ المعذب والأديب # وداع الشاطئ ~~(في الإسكندرية) # فرغ التمثيل يا قلبي وقد حان وداعي # ما مجالي الحسن إلا من تهاويل الخداع ms031 # حظها للجهل بالحسن وللوهم المطاع # حينما أنت غبين في لهيب والتياع # أنت يا قلبي الذي ما زلت في حب مضاع # أنت يا من خفقه كالوحي في هذا الشعاع # أنت يا من يعرف الحسن كحرمان الطباع # يحرم الحسن ويعطى كالضحايا للسباع # 11 ~~••• # إيه يا قلبي! تأمل! # هذه دنيا الصراع # يبدع الفنان لكن # هو كالنور المشاع # خاسر مهما تفانى # في وفاء وابتداع # هذه دنيا جنون # في نزاع وامتناع # كل ما فيها غريب # لابس ألف قناع # وكأن البحر لو فت # تشت من وهم المتاع # وكأن الحسن لم يخ # لق ولم يجذبه داعي! # في قطار البحر ~~(في عودة من الإسكندرية) # ورجعت محروما كأني لم أزر # وطن المفاتن والفنون الأولى # حكمت عليه كليبطرة مثلما # سحرته فتنة أفرديت طويلا # فجلست محزونا كأني راحل # جزعا أيمم عالما مجهولا # فإذا بأفرديت تبعث سلوة # لمناي من وطن الجمال رسولا # ملك بصورتها، فأقبل مثلما # جاء الربيع من الشتاء بديلا # جلست أمامي في توهج ملبس # وبسمرة تذر المساء أصيلا # جلست وفي بسماتها لغة الهوى # والحسن تأبى أن تترجم قيلا # جلست وقد عرضت نماذج حسنها # نورا وظلا بالحنو ظليلا # وتتابعت نظراتها، وكأنما # أوحت بها المأمول والمجهولا # حتى إذا طاب النعاس أطاعها # سمحا وإن كان النعاس بخيلا # نامت بأوضاع منوعة وقد # تخذت من النوم الغريب زميلا # فسهرت أحرسها كأني لا أرى # إلاي أولى أن يصون جميلا # فإذا الأنيس هو الفقير لسلوتي # وإذا الخيال يذيبه تقبيلا # وإذا أنا أقضي سعادة رحلتي # في الوهم لا خلوا ولا مشغولا! # في حفلة ذكر # سمعت صدى كنهيق الحمير # ولكنه آدمي المثال # فرحت لأبحث عن سره # إلى مسجد مفعم بالضلال # إلى حيث ينتفض الراقصون # بملء الصفوف انتفاض الخبال # وكل يدور على لولب # وكل بوصمته لا يبالي # يسيل اللعاب ويدوي الصياح # وتلوى الرقاب بأي اختيال # جنون وكم في جنون فنون # وكم من وجود شبيه المحال # فقلت: وما ذاك؟ قالوا: جلال # من الذكر لله رب الجلال # فسبحان ربي يعد الجنون # دعاء له بل أجل ابتهال! # الجمال النبيل # ولم أر في الجمال ms032 العذب مرأى # كمرأى النبل في الجسم الجميل # رأيتك والحياة لديك حلم # وكم في الحلم من معنى نبيل # وجسمك شف لي مبنى ومعنى # وروحا في تبسمه البليل # يلوح نداه بالإشراق لطفا # كروح الفجر في جسم الأصيل # ذريني أرشف الساعات منه # معاني الضوء والظل الظليل # فما الدنيا سوى نور وظل # وقد خلقا كخلق المستحيل # وقد جمعا لديك على انسجام # كوقع النور في اللحظ الكحيل # ذريني ناظرا في غير رشد # إليك بنظرة الراجي العليل # فكم من نظرة فيها شفاء # وكم سقم من الحسن البخيل # ذريني فالحياة تفيض حولي # بأصداء الجنون وبالعويل # وتنشد غاية الثارات عندي # كأن الثأر رد للجميل! # أيسأم حسنك الوهاب شوقي # وينسى لهفة العمر الطويل؟ # نشأت على هواك كأن روحي # هواك، فيا منى روحي أنيلي! # أقيلي عثرة الظامي، فإني # عييت من الظماء، ولا تميلي # ولا تمضي جفاء أو دلالا # كما يمضي العزيز عن الذليل # فأنت أنا بأنفاسي وروحي # ولن ينأى الأصيل عن الأصيل # ولو قاطعت تقبيلي ووصلي # لما حجبت عن حلمي المثيل! # الينبوع # يا جمال النور في الظل الحبيب # يا جمال الروح في الجسم الرطيب # هذه الدنيا لأحلام الأديب # هذه غايات آمال الأريب! # أيها الينبوع كم ساع إليك # يدعي بغضا لما أهوى لديك # كل ما يرجوه موقوف عليك # فإذا الإنعام منك وإليك # أنت سحر غامض للعالم # أنت ينبوع الرجاء الدائم # أنت موسيقى الخلود الباسم # أنت ومض للشريد الهائم! # أيها الينبوع يا رمز الأبد # يا شعاع الله في طيف الجسد # كم معان فيك كادت لا تحد # وعزاء عن حياة تفتقد! # إنما أرنو إليك في خشوعي # ما ابتسامي غير لون من دموعي # أنا لحن بين أطياف الربيع # من طيور وغدير وزروع! # أنا أحيا حينما أجني رضاك # حينما جسمي وروحي عانقاك # حينما لبيت مسحورا نداك # فإذا بي لا أرى العيش سواك! # كل همي في حياتي يستحيل # حينما أخشع للفن الأصيل # حينما أروى من النبع النبيل # ذاك نبع الحب في الجسم الجميل! # قبلة الابتسام # وأتى الوداع فرحت ألثم راحة # أشبعتها من مهجتي تقبيلا # وتبسمت فجذبتها ms033 ووهبتها # في ثغرها شغفا يعيش طويلا # فكأنما قبلت إذ قبلتها # معنى التبسم حاليا ونبيلا # وكأن روحي قد حكتها بسمة # لما رشفت حبورها المبذولا # التجدد # من كان يشعر دائما بشعوري # في الليل أو في الفجر أو في النور # ويصاحب الأجرام في حركاتها # ويجوز عيش الناس كالمسحور # وجد التجدد دائما إلفا له # في النفس أو في العالم المعمور # ورأى الحياة بما تجدد دائما # أسمى من الإفصاح والتعبير # توحي وتوحي دائما، فإذا الذي # أوحته بعض جديدها المقدور # لو أنصف الشعراء ما قنعوا بما # خلقوه من شعر ومن تصوير # كم في الحياة مجدد لا ينتهي # ولكم حقير وهو غير حقير # لاموا شبوب عواطفي وتخيلي # وتدفقي بالشعر ملء شعوري # وأنا الخجول أمام ما أنا ناظر # من كل موح بالغ التأثير # فيهزني هزا، ولكني الذي # مهما أجدت أحس بالتقصير # وأكاد أوقن أن من هو لائمي # إما ضرير أو شبيه ضرير # إنا بكون كله شعر بلا # حصر، وكم من عاجز مغرور # قد أفحم الإنسان حين تجاوبت # أمواج هذا الماء ملء خرير # وأبيت صمتي، فالممات متى وفى # سيفي ديون حديثي المنشور # ما أعجب البكم الذين استعذبوا # خرس القدير كهيكل مقبور! # زهر الحب ~~(للفنان الفرنسي هنري مانويل.) # قفي للحب أنت وحدثينا # حديث الزهر يشبعنا فنونا # حديث كله شرك حبيب # نطاوعه فيقهرنا فتونا # كأن جمالك المعبود صفو # من الجنات وهابا ضنينا # تملينا المفاتن منه شتى # فأطمعنا وإن كنا كفينا! ~~••• # عرضت لنا تقاسيم الجمال # وإشعاع الحقيقة والخيال # تلألأ بالهوى القدسي بينا # تدفق بالتجاوب لابتهالي # فأبصرت النجاة لكل عان # وذوقت الحنان لكل سال # وإزهار الفنون بعصر جدب # بلا عوض، وأحلام الأوالي! ~~••• # تغلغل في دمي وصميم نفسي # شعاع الحسن ممتزجا بحسي # سواء كنت جسما أم خيالا # أثيريا تباعد دون لمسي # فإنك كالنجوم ترام ضوءا # وسرا حائرا وغريب همس # وما ظمئي وما نظري إليها # سوى شغف التبتل والتحسي! ~~••• # وقفت وشعرك الذهبي زاه # كتاج الشمس أو كيد الإله # وجسمك كالرسالة من نبي # وقد بلغت قداستها التناهي # فتحفزنا إلى أسمى الأماني # إذا حفزت إلى أشهى التلاهي ms034 # فواكهها قطوف دانيات # لإمتاع العواطف والشفاه ~~••• # نعم، مرآك عنوان الحياة # يبث حنانها في النيرات # سواء في نفوس أو نجوم # وفي زهر الرياض العاطرات # وهل غير الجمال حديث رب # ونشوة نعمة وسمو ذات؟ # نقشت فكنت زهر الحب جسما # ولكن أنت روح الكائنات! # من نافذة القطار # هذي الحقول تلوح لوحة راسم # كالصحب كل باسم جذلانا # فالقطن يضحك حينما الأرز ازدهي # نضرا، وداعب ثالث إخوانا # أمم من الغرس العجيب عرضتها # بينا القطار مسافر لهفانا # جمعت على جد اختلاف بينها # والمرء يبغض خله الإنسانا # وافت لتلبية الحياة وقد دعت # إن الحياة تؤلف الخلانا # طغت الحضارة، والحضارة إن طغت # أضحى الملاك بروحها شيطانا # فالناس بين تنابذ وتخاذل # يتسابقون إساءة وطعانا # في حين هذا النبت يضحك في غنى # متجاورا متآلفا فرحانا # وبدا الصغير الجدول الجاري كما # تجري الطفولة فرحة وحنانا # فغبطته والحور قامت حوله # كالأهل تحرس جسمه العريانا # والشمس تلثمه فتحسب أنه # يجري بنور ماؤه جريانا # وترى السوائم في تحرر سرحها # بين الحقول تفوقنا إيمانا # تمضي منعمة وتنسى عيشها # نسيانها الإنسان والديانا # والناس تحرمها الخلود كأنما # وجد الخلود لجنسنا إحسانا! ~~••• # ما أعجب الخطرات تجري حرة # مثل القطار تسابقا ورهانا # ولو انني سجلت جل خواطري # شملت بوثب جموحها الأكوانا! # طالب القوت ~~(مهداة إلى زعيم من جبابرة التصنع.) # حييت حتى رأيت مجدا # يذال، والضيم عد مجدا! # كم بائع رأيه رخيصا # وأي رأي يباع نقدا؟ # ومسرف في اكتساب مدح # وعندي الألعبان أجدى # يملق الشعب كي يعلى # ولو هوى الشعب أو تردى # يهاب نقدا لذي أناة # وأي حر يهاب نقدا؟ # ويزدهي في شموخ وهم # وكبرياء لمن تصدى # ويرسل الصحف لاعنات # من عده صاحبا وندا # أحسنت يا طاعني ويا من # ظننته نابغا وفردا! # نبغت حقدا أضعاف ما قد # نبغت بين الأنام حمدا! # صنعت ما كنت تزدريه # فبئس ما قد صنعت عمدا # أتشتري الذم: ذم مثلي # أنا الذي لا أسيء وغدا؟! # أنا الذي أشتهي حياتي # تسامحا شاملا ورفدا؟! # أأنت في الحق من يراني # في السلم مستسلما وعبدا؟! # أأصبح الفضل رهن حرب # وبات ms035 صابا ما كان شهدا؟! # صدقت! ما أنت أهل لوم # فطالب القوت ما تعدى! # جناية الأجيال # مهما سخطت فلا تجبن إذا نظرت # لك الحياة بروح الناقد الداري # دنياك هذي كملهى أنت تجهله # وما خصصت به ما بين أدوار # قد خبئت عدسات الدهر # 12 # في حجب # وأنت بين خيالات وأقدار # طورا تمثل في أمن وفي دعة # وتارة أنت ذاك الماخط الزاري # فلم الحياة لكل فصله، وله # نصيبه بين إكبار وإصغار # والخالق المخرج الرسام في فرح # بما تمثل وهو الناظر القاري! # كأنما نحن أوهام وتسلية # تشوقه بين أطياف وأنوار # لا ينتهي ذلك التمثيل في صور # وكم يجدد أدهارا بأدهار! # أرفيوس ويورديس ~~(كان أرفيوس ابن الملك إيجرس - ملك تراقيا - ذا مواهب خارقة في عزفه الموسيقي كأن ~~في لوره صوت الألوهة، ولا غرو فقد كان ذلك اللور منحة من أبولو - إله الفنون ~~والشعر خاصة - فاستطاع بقوته الخارقة أن يجتذب معشوقته يورديس الفاتنة من معتصمها ~~الجبلي. ولكنه - ككل فنان أصيل - لم يكن راضيا عن نجاحه الفني، وتطلع إلى أقصى ~~غايات الكمال، فكان يلجأ إلى الغاب يستوحي الطبيعة كل جديد جميل معتمدا على سمع ~~زوجته يورديس، وعلى ذوقها الفني في نقده، وكانت هي ترى الخطر عليها في غيابه، ولكنها ~~لم تشأ تثبيط همته حتى يبلغ مشتهاه الفني البعيد، إلى أن أحست أخيرا بالخطر الداهم ~~من شغف الأمير أرستييوس بها فهربت إلى الغاب، وما أحس هذا هروبها حتى أخذ يطاردها، ~~ولكن أفعى عضتها في قدمها أثناء جريها فوقعت ميتة. ورآها أرستييورس على هذه الحالة، ~~فعاد يعض أصابع الندم ... ثم وفق أرفيوس إلى لحن رائع فعاد فرحا ليعزفه أمام ~~زوجته، فإذا به يجدها شبه نائمة في طريقه، فحاول إيقاظها بلحنه الجديد الساحر، ولكنها ~~لم تستيقظ، وحينئذ أدرك أنها ميتة، فهوى يقبل جسمها القدسي في جنون من الحزن ... ثم شعر ~~أنه لا ملاذ له سوى الالتجاء إلى بلوتو وبرسفون، مليكي مملكة الموت؛ ليردا إليه ~~حبيبته. فذهب في جنونه، وكل عدته لوره وألحانه الساحرة التي تأثر منها الصخر ~~فتفتح لها، كما ms036 تأثر منها سربروس حارس مملكة الموت فلم يعترض سلوكه إلى داخلها، وتأثر ~~منها بلوتو وبرسفون - ولكل منهما صلات سابقة بالأرض وغرامها - واستمعا إلى سؤله، وهو ~~الرجوع بمحبوبته يورديس إلى حياته الأرضية، فأجاباه بشرط ألا يحدثها، ولا يلتفت ~~إليها حتى يجتاز ظلال مملكة الموت، ولكنه في شغفه نسي هذه النصيحة، فكانت العقبى ~~استحالة محبوبته يورديس إلى خيال أسيف عاتب النظرات وما لبث أن افتقدها ... وعاد يحاول ~~مرة أخرى أن ينالها، ولكن على غير جدوى، فخسرها إلى الأبد، وعاش ليذيب في الألحان نجوى ~~روحه الحزين.) ~~••• # عرف الحياة صبابة ونشيدا # فمضى يبث جمالها تغريدا # واستصحب اللورا # 13 # كأن خيوطها # تستنطق الدنيا هوى ونشيدا # لم لا وقد أهدى «أبولو» وحيها؟ # لم لا وقد جعل الفتون فريدا؟ # سحر الأنام بعزفه، ولطالما # بالعزف قد جعل الأنام عبيدا # وأبى الغرور بفنه وفنونه # مستوحيا فنا أجل بعيدا # فمضى إلى الغابات يخطف وحيها # نورا وظلا شائقا ممدودا # ويصوغه لغة الحنان عجيبة # فينال من إعجازه التوحيدا # وتطيعه المهج العصية بعدما # كانت تعاف الطوع والتقييدا ~~••• # ما «أرفيوس» سوى الألوهة في لغى # للحن، واللحن الوجود الباقي # تمضي النجوم به على دورانها # وكأن منه طبيعة الخلاق! # يأبى القناعة، فالقناعة ميتة # للفن، بل يعتز بالإغراق # كل الوجود موقع بجماله # حتى الهواء وخافق الأوراق # ما في الحياة إذا وعيت كبيرة # وصغيرة إلا بلحن راق # اللحن أبدعها وسوف يميتها # كتجدد الأحلام والأشواق # من فاته استيعابها أو فهمها # بشعوره المتوثب الدفاق # فهو البعيد عن الحياة وسرها # وهو الجدير لذاك بالإشفاق! ~~••• # نال العزيزة «يورديس» بفنه # قبلا وكانت في ملاذ جبال # أصغت إلى اللحن الشهي فصادها # والفن لا يرعى إباء جمال # جاءت من الجبل الأشم مطيعة # وهي المثال بحسنها المتعالي # لكنه لم يرض حتى نصره # ولو أنه قد عد شبه محال # واشتاق أبعد من تخيل فنه # ورأى خيالا فوق كل خيال # سحرته أحلام العباقرة الألى # خلقوا مثالا بز كل مثال # نشد التناهي في الجمال بفنه # وأحس نقصا عند كل كمال # ومضى يجوب الغاب يستوحي به # آي الفنون بروحه الجوال ms037 ~~••• # لم يدر حين مضى مخاطر حظه # وغدت تحاذر «يورديس» همومه # لم ترض إلا أن يحقق حلمه # في الغاب حيث رأى النشيد نعيمه # رشف الندى والضوء والظل الذي # يحنو عليه كأن منه نسيمه # وأحال ما يهواه لحنا معجزا # والليل مصغ لا يفك نجومه # لكن «أرستييويس» لم يرحم هوى # لهما، وكم فقد الغرام رحيمه # ورأته يزمع خطفها عمدا كما # خطف الجريح المستثار غريمه # ريعت فلم تر ملجأ لنجاتها # إلا الهروب وما رأت تسليمه # ومضى يتابعها فأنقذها الردى # والموت ينقذ خله وخصيمه ~~••• # سقطت بعضة أفعوان خاتل # في حين تهرب من محب خاتل # وأتى «أرستييوس» يحسبها هوت # أثر العناء فذاق هم القاتل # ومضى بلوعته يعض بنانه # ويئن في ألم المحب الغافل # وكأنما قد عاد عود مقاتل # ليرى الحياة بروح ألف مقاتل # مهما يكفر عن ذنوب عقوقه # من ذا يرد سنا الجمال الزائل # ماتت فأيتمت النشيد فروحها # كانت ملاذ ملحن متفائل # كانت حبيبة «أرفيوس» وسمعه # لنشيده المتطلع المتسائل # واللحن إن لم يلق سمعا واعيا # لغناه ضاع ومات ميتة عاطل! ~~••• # سخت الطبيعة والسخاء بذاتها # لكننا قد لا نرى كلماتها # فإذا تفنن «أرفيوس» مثالها # إذ ضمن اللحن الجديد صفاتها # بلغ الكمال به وعاد كأنه # غاز تحدث ناره عن ذاتها # وكأن إكسير الحياة بلحنه # وضياع هذا اللحن أصل مماتها # فإذا بجثة «يورديس» أمامه # في الغاب شبه غريقة بسباتها # فأطل من فرح عليها عازفا # نغماته بل عازفا نغماتها # لكنها لم تستثر بنشيده # وهو الذي أعطاه سحر حياتها # فرأى الممات مروعا متكبرا # فهوى يودع روحه برفاتها ~~••• # غلبت مشاعر «أرفيوس» شجونه # ورأى الحياة تضله وتخونه # فاختار مملكة الردى لتصونه # ما دام ملك العيش ليس يصونه # لم لا وفيها «يورديس» مقيمة # رهن الممات كما أقام يقينه؟ # فمضى وكل قواه حيلة عزفه # ولعل ما أذكى قواه جنونه # فانشق صخر من فتون نشيده # ولكل صخر روحه وفتونه # وتدفق النغم الحنون إلى مدى # فأثار رحمة «برسفون» فنونه # وإذا «سربروس» الرقيب مخدر # وإذا «بلوتو» قد عداه # 14 # سكونه # وأهاب ينشد «يورديس» لعيشه # والفن كافل سؤله وضمينه ms038 ~~••• # جارى «بلوتو» «برسفون» بمنحه # أمنية هي كل غاية روحه # أمنية هي بنت حب رائع # ولطالما عرفا الغرام بجرحه # لكنما اشترطا الصموت بعوده # حتى يعود من الظلام لصبحه # فمضى يحاذر من حديث فؤاده # وفؤاده يأبى موانع نصحه # فأعاد نظرة واله متهالك # متحدث بغرامه وبلفحه # فأضاع منحة «يورديس» لعيشه # وغدا خيالا ما أنيل بفتحه # نظرت إليه بكل ما يعني الهوى # من عتبه أو لومه أو قدحه # واحتال ثانية بلا جدوى له # فأذاب في الألحان نجوى روحه! # عاهل العرب ~~(رثاء الملك العظيم فيصل الأول.) # هكذا هكذا شعوب تيتم! # أيها الموت ساء غنمك مغنم! # رزؤنا بالعظيم «فيصل» لا يح # صر في الخطب، إنما الرزء أعظم # علم كان للعروبة إيما # نا وذخرا وعزة تتجسم # قد نمته الحروب والفتح والبأ # س كما قد نماه مجد تقدم # والصريح الصريح من روحه الحر # ة في بيئة بها الحر ينعم # الزعيم الجريء، الفاتح الغازي # أبو «غاز»، المليك المكرم # بطل الثورة التي لم تزل تح # كى أعاجيبها وتروى بدم # بطل السلم والمعارك، سيا # ن بتدبيره الحصيف المقدم # جدد الملك من على آل عبا # س، وكم عاهل وملك تهدم # كم ترامت عليه أحداث أعدا # ء شداد وحزمه يتبسم # وتجنى عليه أقصى عدو # فإذا الموت - بعدما مات - يهزم # وإذا بابنه المرجى المفدى # يحمل التاج في إباء تجهم # وإذا عالم العروبة وثا # ب وفي، وباسمه اليوم أقسم! ~~••• # أيها الشعب يا سليل الألى سا # دوا، وما زال مجدهم يتنسم # نحن في مصر نسمع اللوعة الكب # رى لبغداد والنواح المنغم # ذاك شعر الحياة من روحك الحي # وإن كان في رثاء ومأتم # نفخ الروح في فؤادك من قل # ب كبير على رضاك تحطم # مات في قمة الجبال، كما عا # ش مثالا من التسامي ومعلم # كالشهيد الذي تكفل بالرا # ية في الغزو فوق حصن ميمم # يخطف النصر بالدهاء ويمضي # طائرا جارحا إذا النسر هوم # إن بكاه العراق، أو أجفل النه # ر، وسيف بغمده يتضرم # فالأنين الأنين أصداؤه شت # ى عميم، وقل خطب يعمم # وقليل من ساد في ms039 الناس للنا # س، ومن علم الورى وتعلم # وقليل من عاش في الشعب للشع # ب زعيما بعبئه وتألم ~~••• # ذاك شعري من نار نفسي التي ثا # رت ونامت فكدت لا أتكلم # هو نفسي، تسير في موكب الغا # زي وقد عاد كالكمي الملثم! # من القلب # عابوا تفنن ريشتي، وكأنما # نطقت بأصباغ الخيال الكاذب # ولو انهم وهبوا «الطبيعة» نظرة # صدقت لما عابوا فنون عجائبي! # الخالق الرسام لم يحفل بهم # في ألف لون من غريب خياله # يرنو إليها الملهمون فينتشي # كل بروح جماله وجلاله # هذي «الطبيعة» موئلي ومعلمي # وأنا الأبر بروحها الفنان # أنطقت لوحاتي بروح حنانها # ومزجت من ألوانها ألواني # والآن قد مضت السنون وأثقلت # عبئي وناء به فؤادي الباكي # وأنا أحارب في صميم تفوقي # حتى أطيع الببغاء الحاكي # مضت السنون وقد شقيت وهدمت # تلك السنون من الكفاح قوايا # فإذا نصفت # 15 # فكم جهود ضيعت # وكأن إنصافي يقول رثايا # إني أسير كأنما من ملبسي # كفني، وإن أك في إباء حياتي # هذا هو الموت الأليم، ومن يعش # بين القبور يعد في الأموات ~~••• # وطني! إلام النابغون على الأذى # يفنون حين تنام أنت هينئا؟! # حتى إذا شربوا العذاب وكفنوا # أرسلت دمعك راثيا وبريئا؟! # يا هول ما تجني، فكم من ثروة # ضيعتها، ولكم قتلت حبيبا # العبقرية رأس مالك وحدها # فعلام تلقى الذل والتخريبا؟ # الحج الأخير ~~(أهداها الشاعر إلى صديقيه الأديبين علي محمد البحراوي، وأحمد علي عوض عضوي «جماعة ~~الأدب المصري» بالإسكندرية.) # إلى العليين من نبل ومن أدب # إلى الحبيبين في جد وفي طرب # أهدي تحيات مشتاق ومغترب # عن منبع الحسن أو عن منبع الأدب ~~••• # أهدي تحيات روحي فهي ما برحت # رهن المحبة إن ناحت وإن فرحت # وأنتما في أمان طالما مرحت # يا للأماني التي تلهو وقد جرحت! ~~••• # الصيف ولى وكم للصيف من نعم # في هدأة البحر أو في ثورة النغم # وكم عبدنا معاني الحسن عن أمم # فجدد الحسن ألوانا من الألم ~~••• # والآن تفرض حجي فرض توديعي # هذي الحياة وتحناني وترجيعي # كم عشت ما بين تشويق وترويع # رهن الجمال، فهل ms040 يعنى بتوديعي؟! ~~••• # يا صاحبي وفودي موشك دان # فهيئا لي رجاء عند دياني # وهبت روحي وأطيافي وألحاني # إلى الجمال، فهل ما زال ينساني؟ ~~••• # إن لم يزل بفنون اللهو مسحورا # ولم يزل بغرور الحظ مغمورا # فالبحر يزخر بالسلوان موفورا # وسوف أرجع مدحورا ومسرورا! # العودة ~~(نظمت في قطار البحر في صحبة الدكتور زكي مبارك مساء 17 سبتمبر سنة 1933.) # وداعا للرمال وللمغاني # وداعا للملاحة يا صديقي! # أتذكر كيف كان الموج يجري # كما يجري الشقيق إلى الشقيق؟ # وقفنا في جوار اليم سكرى # كسكر الناظرين إلى الرحيق # نرى في البر ألوان التناجي # وفي البحر المشارف والعميق # كأن الحسن ذاب بكل لون # نراه وفي المياه وفي الطريق # سكرنا سكرة الحرمان حتى # كلانا كالأسير وكالطليق # وهذا الجو يملؤه حنان # ولو أن الغروب من الحريق # وأبنا أوبة المهزوم لكن # بنا طرب من الأدب الحقيقي! ~~••• # وحين مضى القطار يقل وجدي # ووجدك كالرفيق من الرفيق # رأينا الحسن وثابا جريئا # يحاصرنا كأحلام العشيق # فعوضنا من التبريح صفوا # ومن صور الخشونة بالرقيق # وأضحكنا من السفر الموافي # بألوان الأثاث وبالزعيق # رموه خنادقا وقلاع حرب # فصار مدى الطريق من المضيق # وذا طست الغسيل يداس حتى # يزمجر بالرعود وبالبريق # وتمضي الغانيات على تثن # تثني النور في الجو الصفيق # فسبحان المكافئ والمعزي # وما أدنى الرجاء بكل ضيق! # لقد عدنا بقهقهة وأنس # وأحلام الرشاقة والرشيق! # أبو شادي ~~(رد الدكتور زكي مبارك بعد شهر من ذلك التاريخ.) # أبا شادي، وأنت فتى طروب # أسير العين في قلب طليق # تذكرني؟ وهل أنسيت يوما # جمال اسكندرية يا صديقي؟ # وكيف؟ وفوق شاطئها المفدى # يحوم القلب موصول الخفوق ~~••• # رعاه الحب من شط جميل # خفيف الروح مصقول أنيق # بهي الرمل تحسبه سجوفا # مطرزة بحبات العقيق # أطوف به فيغلبني خشوعي # كأني طفت بالبيت العتيق ~~••• # أيا حرم الظباء أنرت روحي # بمشكاة من الحسن الرفيق # يراك الأكمهون حمى مباحا # يذكرهم بأسواق الرقيق # ولو كشفت غشاوتهم لقالوا # صبايا الخلد تسبح في الرحيق! ~~••• # رجعت إلى الشواطئ بعد شهر # أشق إلى الملاح بها طريقي # فألفيت الخريف جنى عليها # جنايته على الدوح ms041 الوريق # وعدت مروع الأحلام أشكو ~~- ولما أصح - صرعات المفيق # زكي مبارك # في سفر # غلب السرور على السرور تجاوبا # كتمازج البسمات بالبسمات # دنيا الوصال ولا وصال سوى المنى # وتعانق الخطرات والنظرات # سفر يطول، وإنما في طوله # قصر من الإيناس والحسنات # لو أن عيشي مثل هذي سفرة # لعددت من صور النعيم حياتي # عيدان ~~(رفعت إلى صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول لمناسبة عيد جلوسه في 9 أكتوبر سنة ~~1933.) # مولاي عيدك عيد مصر الباني # صرحا من الإيمان ليس بفان # عيد تجيش به الخوطر في مدى # كالبحر: بين توثب وتفان # حاولت أخفي ما ارتضته خواطري # لكن تغلب باليقين بياني # وتدفق الشعر الذي هو مهجتي # فانساب من روحي ومن إنساني! ~~••• # مولاي! ما مدح الملوك سجيتي # لكن مدحي للعظيم الباني # ورأيت مصر تلفتت لك بعدما # عانت من الأخصام والأخدان # منيت بأحزاب تعد، وكلها # يوم البطولة ليس في الحسبان # لا تستفيد من الصروف كأنما # تحيا على كرة بلا دوران # وطن الخلود بكل ما يحوي الثرى # تركته في حكم الجريح الفاني # يا ليت صائمة السيوف تذوقت # من هذه الأحزاب دون توان # أودت بحق الجيل بين تناطح # وتحاكمت للهو والبهتان # والنيل محمر بخجلة محسن # في الوالدين أسيء للإحسان # وإذا الزعامة في البلاد مهازل # من بعد ما كانت رموز أماني! ~~••• # مولاي! رأيك ثم حكمك للحمى # في هذه الأزمات يلتقيان # ما شئت مر من تضحيات جمة # لجلال مصر يضح كل جبان # إن الشجاعة في النفوس، وإنما # خذل الشجاعة خاذلو الأوطان # الشعب أن بما يعاني ريفه # وكأنه قفر بلا سكان # والعابثون الصائحون تنعموا # وكأن هذا الريف ليس يعاني # والزارعون المحسنون تمرغوا # في الترب كالموتى بلا أكفان # حتى أتى العيد الجليل فأملوا # وإذا حنانك أنت عمر ثان! # 16 ~~••• # مولاي! نصر الشعب غضبة عاهل # يسميه فوق مراتب الإمكان # يحيي الموات بحذقه وبحزمه # وبروحه المتأجج المتفاني # يأبى سبيل الظلم، لكن لا يني # في سحق كل مغرر أو جان # ولقد رفعت إليك وحي عقيدتي # فإذا بعيدك للمنى عيدان! # لهو القدر # كم يعبث القدر العتي، وكم له # لهو ms042 من «الأبطال» و«الأبدال» # 17 # يدع الحقير يلوح أعظم فاتح # وسواه قام بدوره المتعالي # فترى البطولة أرخصت أو ضيعت # ما أشبه الأبدال بالأبطال! # يمضي المخاطر للفناء وغيره # تعزى إليه عجائب الأجيال # يا أرض! أنبت الممات خديعة # فإذا الحياة تعد شبه محال # أين الجريء الألمعي؟ وأين من # يحيي موات الناس دون ضلال؟ # يمضي الضحية حين يحيا غيره # في ذروة الإسعاد والإقبال # ويصفق المتفرجون وكلهم # ميت كتصفيق المكان الخالي # فإذا المواهب كالعثير كريهة # وإذا العليم مطية الجهال # في العواصف ~~(إلى الحبيب الغائب في الإسكندرية.) # قد طال بعدك يا حبيبي! لم يعد للصيف صائف! # أنا في بعادك كالمسخر للوساوس والمخاوف # لم يبق إلا أن تطل على المياه وأن تشارف # تتلو صحائفها، وكم حوت الأسى تلك الصحائف # كم في اصطخاب الموج من صخب المشاعر والعواطف # كم فيه غرقى للأماني أو ضحايا للعوارف # انظر! تأمل يا حبيبي! إن روحي ثم طائف # يهفو إليك وليس يعرف أين أنت ولست عارف! # أنا في بعادك لست أدري من أحب ومن أخالف # حتى الطبيعة خاصمتني وهي ملجأ كل خائف! # حتام تنأى يا حبيبي والحنين لديك هاتف؟ # أنا كاليتيم: يتيم روحي بعد حسنك في العواصف! # الحزن الوديع # تأملتها بفؤادي الحزين # فألفيتها مثل حظي الغبين # تطوف عليها أماني السنين # ولكنها في سرور الحزين # سرور الوداعة للمستهين # إذا ابتسمت فابتسام الربيع # بكى في سرور وحزن وديع # بكى والشتاء قتيل صريع # وقد مزجت بالأغاني الدموع # فصار المشوق مثل المروع # تأملتها وهي بنت النعيم # كأن النعيم قرين الجحيم # كأن المتاع بقايا الهشيم # فتنظر عن لوعة تستقيم # وهذا الوجود الودود اللئيم # أللحكم نظرتك الشاعره؟ # أللشعر بسمتك الآسره؟ # أللحزن هذي المنى القاهره؟ # لقد زدت همي يا ساحره # وحببت لي الحسرة الناضره! # اللحود # بني مصر أين النبل فيكم وأنتمو # سلالة شعب أمسه النبل والمجد # لقد علم الدنيا الحضارة حينما # تمشى بها ليل من الجهل منأد # 18 # أأصبحتمو حتى تراث جدودكم # تعافون؟! بئس المجد هذا أو السعد! # أروني أروني من متانة خلقكم # بروقا إذا ما جلجل القاصف الرعد # أروني ms043 جمالا للتسامح رائعا # يرد حقوق الشعب إن عثر الجد # يقضقض أحداث الزمان ويعتلي # بكم كلما هم التنابذ والحقد # بني مصر كونوا السيف للمجد مصلتا # فأنتم بهذا الموت موتكمو الغمد # حرام حرام أن توارى عظائم # بغفلتكم قبلا وسقطتكم بعد # سئمنا الوصوليين في كل مضرب # وكل بخذلان المكارم يعتد # كنوز بوادي النيل أولى بملكها # من الناس شعب لا ينام ويرتد # غيور على أن يرفع الجمع فرده # وأن يرفع الجمع العزيز به الفرد # حريص على دين الأخوة، جوه # تنفس فيه الصدق جذلان والود # وإلا فخلوا مصر تحيا بأهلها # فلستم لها أهلا وإن عظم العد # ولكن أهليها لحود عزيزة # ومن كل لحد يشرق النبل والمجد! # المهزلة # ويلي من الدهر! يبكيني ويبتسم # ولا يرد عوادي جوره السقم # قد عد شر ذنوبي ما يفيض به # قلبي إلى الناس من حب ويزدحم # ويلي من الدهر! ويلي! من أقر له # هذا العتو؟ وهل في الحب متهم؟ # أطل دمعي وماء العين مضطرم # وهاج وجدي وسخط القلب محتدم # أنا الذي في شكاتي يزأر الشمم # وفي بكائي وناري يهزم الألم! # سخرت من بيئتي لما برمت بها # ونحت لكن نواحي كله كرم! # لست الذي إن تغالى في محبته # فساءه الدهر عمرا ناله الندم # لن ينصر الحق إلا في مصارحة # ولن تعيش على علاتها الأمم # أنا ابن مصر، فما لي لا أقرعها؟ # هي الطفولة حاكى حالها الهرم! # هرمت يا مصر لا عن أعصر درجت # لكن قفرك فيه يسكن العدم # الخصب وارته أخلاق مدنسة # والشيب أدناه ما دانت له الهمم # دانت وضاعت فلا المغبون منتصف # له بغبن، ولا المأفون متهم # إذا استوى الناس في فضل ومنقصة # فقد تساوى البيان العذب والبكم! # وهازل جعل الأحلام مهزلة # يلهو فتعنو له الأخلاق والذمم # أراد جرحي وكم أسلفته منني # وكل جرح لمثلي سوف يلتئم! # فلم أذد عن فؤادي طعن ضربته # حتى يطهر من ود حواه دم! # إنا لفي زمن فاز اللئيم به # وما لغير رضاه مسمع وفم! # لولا ضآلة من ضجوا ومن صخبوا # ما عاث فينا سفيه أو ms044 هوى علم # أعزز علي بأن ألقى كرامتهم # وهما، وقد صغروا شأنا كما وهموا # من لم يصونوا بأيديهم كرامتهم # فليس يجديهمو سمع ولا صمم # هان الرجال، وساد الساخرون بهم # لولا التهيب ما هانوا ولا انهزموا # وعشت في عزلتي الموفور في شرفي # أبكي وأضحك والأحداث تلتطم! # هرقل وديانيرة # هرقل وديانيرة. ~~(كان هرقل مضرب المثل في البأس، وكان كثير العشق كثير التقلب، وكانت مليكة ~~حبه أخيرا الفاتنة ديانيرة التي عشقها قبله أخلوس أحد آلهة الأنهار، وكان أخلوس ~~إلها قويا واسع الحيلة، فحاول التغلب على منافسه هرقل إذ كان أخلوس يتشكل بصور ~~شتى ليفاجئ هرقل منافسه ويصرعه وهو بعيد عن الحيطة والحذر. فكان هرقل يتغلب عليه ~~دائما بالرغم من مفاجآته، وكانت آخر صورة له ظهوره في مظهر ثور قوي غلاب، ولكن هرقل ~~تمكن من مغالبته، وإحراز نصره الأخير عليه إذ انتزع أحد قرنيه، فقدمه قربانا إلى ~~ديانيرة، وأقيمت بمناسبة ذلك حفلة عرسهما. وكثيرا ما كان هرقل ينسى بأسه وقوته، فحدث ~~في حفلة العرس أن غضب على أحد الخدم لسوء تصرفه فضربه ضربة أفضت إلى موته، بينما لم ~~يكن يعني سوى نهره ... وجاءت الآلهة تحاكم هرقل فحكمت بنفيه، ولكن عزاه أنه سيصطحب معه ~~ديانيرة.) # سار هرقل وديانيرة إلى منفاهما، وفي الطريق اعترضهما نهر عظيم، وقد بحثا عند شاطئه ~~عن وسيلة لعبوره فلم يوفقا، وأخيرا وجدا إفينس، ذلك الجواد العجيب الإنسي الصورة ~~الممتلئ حكمة وعاطفة، وقد أحب العزلة، فواجهاه وسألاه المعاونة لاجتياز النهر، ~~فلبى عن طيب خاطر وبدأ بنقل ديانيرة. ولكن هرقل لحظ تباطؤه فقدر سر ذلك وهو ~~شغف إفينس بديانيرة، وعزز ذلك صياحها حينما اقتربا من الشاطئ الآخر، فأسرع هرقل ~~وسدد إلى إفينس سهما أصماه، ولكن قبل وفاته أدرك بها الشاطئ، وحينئذ صرح لها بأنه ~~يموت شهيد حبها، ثم خضب رداءها بدمه، وقال لها إن هرقل كثير الملال والتقلب، ~~وسيأتي يوم قريب يعطي فؤاده إلى غيرها، وحينئذ عليها أن تهدي إليه هذا الرداء الخضيب ~~فتجتذب قلبه ثانية، ثم مات ... # وأدركها هرقل أخيرا فإذا به يجد ms045 إفينس ميتا، ورأى في سلامتها حياة جديدة له، ~~ولكنهما لم ينعما طويلا بحياتهما الغرامية إذ قضى تقلب هرقل بأن يهجر ديانيرة، ~~ويحب بدلها أيول الجميلة، فأحزن ذلك ديانيرة حزنا عظيما، ولكنها تذكرت الرداء ~~الخضيب فأرسلته إلى هرقل، وكان مع أيول حينئذ، فضحكا من هذه الهدية التي أرسلتها ~~ديانيرة الغبية في عرفهما، وألقى هرقل بالرداء على كتفه فسقط ميتا ...! # ولما أتى ديانيرة النعي الأليم بكت بدموع البريئة الأثيمة وهي في أشد الندم والحيرة ~~لا تدري كيف مات هرقل، وما مبلغ نصيبها ونصيب الرداء الخضيب في موته، وأي سر في ذلك، ~~ولبثت تشتهي الموت منقذا لها من حزنها العظيم، ولبثت تسأل الآلهة، ولكن الآلهة أبت ~~أن تجيب ... ~~••• ~~«هرقل» وكم لهرقل العظيم # وقائع تنسي فخار القديم # وقائع في بأسه لا تحد # وفي عشقه دائما لا تعد ~~«هرقل» على بأسه صار ينسى # مدى بأسه، وكذا البأس ينسى # ففي ساعة الحظ من عرسه # وقد جمع الصفو في أنسه # أصاب بضربته خادمه # جزاء تصاريفه الغاشمه # وما كان يعني سوى نهره # فراح الشهيد إلى قبره ~~••• # وجاءت تحاكمه الآلهه # ولكن على أسف والهه # فكان له النفي منها الجزاء # وفي النفي معنى كمعنى الفناء # ولكن أباحت له زوجته # رفيقا، فألفى بها رحمته ~~••• # وكانت «ديانيرة» الغاليه # جمالا تجسم في غانيه # تشوق مفاتنها الآلهه # بروعتها الحلوة النابهه # فجن بها «أخلوس» الجليل # وكان إلها لنهر جميل # وحاول في ألف لون وحيله # يخادعها لتكون الخليله # وكم مرة راح يسعى ليردي ~~«هرقل» فلم يزدجر عند حد ~~«هرقل» العزيز القوي الحبيب ~~«هرقل» المذل القوى والقلوب # إلى أن بدا مثل ثور عنيد # يروع حتى «هرقل» الشديد # ولكن «هرقل» الجريء القوي # تغلب مثل الأتي العتي # تغلب منتزعا قرنه # فأفقده أبدا فنه # وكان له تحفة يوم عرسه # ولكنما العرس أفضى لبؤسه # وإن كان قد غنم الفاتنه # وصارت بها نفسه آمنه ~~••• # إلى النفي قد أزمع العاشقان # فسارا بروح الشجاع الجبان # وللحب معنى يبز المعاني # وهل يشمل الحب إلا التفاني؟ # فكل عسير لديه يسير # وساوى الخطير لديه الحقير # وجاءا بسيرهما ms046 عند نهر # كثير المخاطر بالموت يجري # ولم يجدا قاربا للعبور # وقد سخط الموج سخط الدهور # وبينا هما في هموم ويأس # تراءى جواد شبيه بإنسي # وما هو إلا الشريد الحكيم # على عزلة هي سر النعيم # تخلى عن الناس مستوعبا # حياة التأمل مستعذبا # وكم فيه من حكمة للألوهه # ومن ضعف دنيا الأنام السفيهه # فجاءا إليه لكي يسألاه # معاونة في عبور المياه # فرحب بالعون في مقدره # وأظهر نخوته الخيره # وأعطى «ديانيرة» أولا # عنايته لامحا مأملا # ولكن «هرقل» رأى عبره # بطيئا، فألهمه سره # وعزز هذا صياح الفتاه # وقد أوشكت أن تجوز المياه # فأصمى «هرقل» بسهم مصيب ~~«إفينس» ذاك الجواد العجيب # ولكن «إفينس» رغم الإصابه # تمكن من أن يؤدي حسابه # وقبل الممات هوى في وفاء # وخضب بالدم طرف الرداء # وقال لها: أنا رمز الغرام # أموت شهيدا أحيي الحمام # أموت وأعطيك سري العظيم # بروح المحب البخيل الكريم # إذا حان يوم وأعطى «هرقل» # سواك فؤادا له كم يمل # فأعطيه أنت الرداء الخضيب # يعود إليك الوفي الحبيب # فإن دمي من صميم الغرام # يعيش ولو ذاق جسمي الحمام! # ومات ضحية هذا الهوى # ومن ذا الذي خافه وارعوى؟ # ولما استطاع عبور المياه ~~«هرقل» رآها جديد الحياه! ~~••• # وما مر عهد سعيد طويل # على نشوة في الغرام الظليل # فإن جموح «هرقل» الغرير # مضى بالنعيم العزيز القصير # وخلفها في أسى واغتراب # تنوح على قلبها والشباب # وحينئذ ذكرت كنزها # وقد لمحت إثره عزها # فأهدت إليه الرداء الخضيب # هدية قلب يناجي الحبيب # وكان «هرقل» طروبا يغني ~~«أيول» الهوى وأحب التغني # وقد هزئا بالرداء الهديه # لعرسهما من فتاة غبيه # فألقى «هرقل» به فوق كتفه # فكان الرداء كسهم لحتفه! ~~••• # ولما أتاها النعي الأليم # بكت بدموع البريء الأثيم # بكته «ديانيرة» النادمه # وناحت لآلهة ظالمه # وحارت وثارت تود الممات # فليس سواه كريم الصفات # وليس سواه طبيب يرام # إذا خذل الدهر أهل الغرام # ولم تدر هل خدعت أم أصيب ~~«هرقل» بموت خفي غريب # وكم سألت في الأسى والهه # فصمت ولم تنبس الآلهه! # خذ يا فؤادي! # خذ يا فؤادي قبل أن ms047 يستيقظ الدهر العنيد # خذ ما تيسر من نعيم لا يحلل للعبيد! # أنا لا أعيش بغير صفوك يا فؤادي في الحياه # لولاك ما ساوى الحجى شيئا ولا مجد وجاه! # ما أظلم الدنيا إذا حرمت مناجاة القلوب! # ما للحياة من المعاني غير ما يهب الحبيب! # بادر إلى عطف الحبيب ولا تقل عطف ضئيل # هو عند مأساة الحياة من انتهاب المستحيل! # بادر وبادر سوف يفنى العمر في الألم الدفين # إن لم تشأ بعض السلو فعش إذن عيش الحزين! # الجراح المفتعلة # هذي جراحك يا فتى # بيديك تفتعل افتعالا! # فيم النواح ولست تم # لك أن تحملنا المحالا؟ # نطقت جراحك بالهوا # ن وأعلنت عنك الخبالا # أسفي على هذا الذكا # ء يحول أكثره ضلالا # أسفي عليه وكم أرا # ه ينوء محموما مذالا # عانيت بالتهريج والت # دجيل أعباء ثقالا! # النجوم الهاوية # يا للجهود تضيع بين عداء # بتحالف الأحباب والأعداء # وطني! بنوك النابهون همو العلى # لك حين نسحقهم بروح عداء # لو كنت تعرف قدرهم لذخرتهم # كنزا ونلت ولاءهم بولاء # لا قدر للأوطان إن لم تنتفع # برجالها العلماء والأدباء # همم تضيع ولا رجاء لها، وكم # أفنى حماة الشرق كل رجاء # كم يتركون مدى النبوغ مبددا # كتبدد الإشعاع في الصحراء! # ويحاربون المنشئين كأنما # المجد بالإتلاف لا الإنشاء! # وطني! إذا لم تستغل موفقا # أهل الحياة فلست في الأحياء # فوضى حياتك، ما أرى معنى لها # إلا معاني الجهل والجهلاء # دجل، وتضليل، وإفك شائع # ورخاء أوهام لغير رخاء # وحروب أحزاب تصيح وتنتهي # كتناوح الأطياف بالأصداء # بينا الأباة المبدعون تراجعوا # لم يجدهم فضل وصدق إباء # ولو احتفلت بهم وسست نبوغهم # كانوا جواهر تاجك الوضاء # لم ألق مثلك في غناه وفقره # يأبى غناه بروحه العمياء! # حياة الضجر # علام السرور وفيم النشيد # وملء الحياة بمصر الضجر؟! # حياة تغلغل فيها الهوان # فما لامرئ من أذاها مفر # وشعب يذلل دون السوا # ئم حتى جهلناه بين البشر # حليف التراب، ولكنه # يرى حظه في التراب اندثر # أجير يسخره الأجنبي # بلا عوض، وبه كم سخر # يحارب من كل ما حفه # كأن بما ms048 حفه قد عثر! # لمن هو يسعى وما حظه # بغير الرغام وغير الحفر؟ # ولم يغن إلا بشتى الهموم # وشتى السقام وشتى العبر # مآسيه لا تنتهي، بينما # أمانيه أقسى له أو أمر! # حبا غيره بالنعيم الجزيل # وأبقى له ما اشتكى من ضرر # ومن عجب ينتمي قدره # إلى كل مجد جليل الخطر # فمن علم الشعب هذا الهوان # ومن أصغر المجد حتى صغر؟ # أليس التناطح بين الرءوس؟ # أليس التطاحن بين الزمر؟ # دعونا إذن من مديد الصغار # وخلوا إذن كل هذا الهذر! # دعوا كل هذا الهتاف الطويل # فكم فيه مهزلة للقدر # أليس لكم عبرة في الشقاق؟ # فما الظفر إلا لمن يعتبر # فهبوا إلى وحدة لا تضام # وهموا إلى عزة تنتظر # ولو أنكم من عنيد الصخور # لأذكى المصاب دفين الشرر! # ثمن الحرية # سوف أعطي فوق ما يعطي الذي # يتناهى بمساع ومنن # سوف أرضى شظف العيش كما # سوف أرضى من تجنى وغبن # سوف أرضى ما أعاني إن يكن # فيه من حرية الشعب ثمن # لن ينال الشعب آمالا له # في حمى التغرير أو قيد الرسن # إنما الشعب حمى أفراده # فإذا أفراده هانوا وهن ~~••• # أيها الأحزاب أنتم داؤنا # قد تفرقتم حيارى في الزمن # فتركتم مصر لا تعرف من # من بنيها يرتجى أو يؤتمن # لو وقفتم مثل سد رائع # ثابت البنيان مرفوع القنن # خشع الدهر لكم من نبلكم # وتخلى عن غرور وضغن! # الذهول # كم بي حنين للتقشف بينما # يلهو ويعبث بالفؤاد غرام # وأحن للترب الذي هو غايتي # وكأنما هو منزلي البسام! # وأنوح لكن لا لنفسي نوحها # مهما شقيت وخانت الأيام # بل كل نوحي للأنام، فهمهم # همي، وإن جحدوا هواي وهاموا # وأئن في قلبي المصدع مثلما # تتصدع الأطياف والأحلام # ما كان لي جرم سوى جرم العلى # لمواطن فيها العزيز يضام # حتى حسبت من الذنوب تقشفي # وكأنما حرب الحياة سلام # وذكرت قول أبي علي # 19 # ذاهلا # تنتابني الأحلام والآلام: # ولقد نهزت مع الغواة بدلوهم # وأسمت سرح اللهو حيث أساموا # وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابه # فإذا عصارة كل ذاك أثام! # سجن الشرف # إني ms049 أشم وفاء الناس مدخرا # لهم من الحب أضعاف الذي عرفوا # وليس تقنعني دعوى وإن لطفت # وليس يقهرني بأس ولا صلف # ولا أجرب إلا مرة، فإذا # خذلت صنت فؤادا حبه تلف # فراسة الحب تجري في صميم دمي # وقد أعاندها حينا وأعترف # لكن أعود ألوم القلب في شغفي # بالناس حين عذابي ذلك الشغف ~~••• # يا من بكى أو تباكى بعدما صدفت # نفسي، رويدك! حسبي الصمت والشرف! # دعني بربك في سجن ألوذ به # وارتع كما شئت، ولينعم بك الخرف! # آلام الريف # زغردن بين تدافع الآمال # وضحكن بين تضاحك الآصال # أترى نسين مدى الشقاء وقد سرى # مسرى اللهيب على الهشيم البالي؟ # أم أن أحلام الشباب كفيلة # فتعيد للأضواء هم ليال؟! # ما بالهن لدى الغدير حوانيا # ينشدن للماء النشيد الغالي؟ # والماء يضرب في حنان دافق # أقدامهن فما تراه يبالي # يغسلن عابسة الملابس تارة # والشط مزهو بهن مبال # ويعدن يرشفن المياه كأنها # صفو الحياة ونشوة الأجيال # ويسرن بين تهلل وتأمل # وكأنهن من النبات غوال # فتيات مصر المنجبات بطينها # وبمائها المتبرج المتلالي # حاكين أرض النيل ملء وداعة # وسماءها في نورها المتوالي # وجعلن ملبسهن فضفاضا كما # أوحت طبيعة مصر بالآمال # وطن السماحة والجمال فجوه # متشبع بالسلم والإقبال # ما باله أضحى مجال تنابذ؟! # أكذا السلام يحول شبه قتال؟! # ما بال هذا الكنز يصبح خصبه # جدبا، وهذا التبر مثل رمال؟! # أين الرجال المصلحون؟ أأقفرت # مصر وأضحوا في عداد خيال؟! # ما للزعامة ليس تعرف مرة # صدق الزعامة أو فروض رجال؟ # يتناحرون وما التناحر حكمة # إن التناحر أصل كل ضلال # أين التجرد؟ أين أين تخلق # بالنبل؟ أين شجاعة الأبطال؟ # صاد الغريب وما دروا أو قد دروا # لكنهم حرموا شعور جلال # ومشوا على أشلائهم في حمقهم # كالفاتحين مشوا على الأوصال # والدهر يضحك والمجاعة مثله # تبكي وتضحك في أسى وخبال # وفتوح ذاك المجد تخجل مثلما # خجلت رءوس للزروع حيالي # وكأن زغردة الحسان من الأذى # صوت الجنون وصرخة الآجال # وكأن هذا الريف مقبرة المنى # والموت بين مخاصم وموال # وكأنما اختلط الوجود مع الردى # وتزاحم الآمال والأهوال! ms050 # النعاج # قل للنعاج إذا لج الثغاء بهم # أنتن والله أعدى الناس للناس # يا من أخص بتأنيث مذكرهم # قد حار فيكن تفكيري وإحساسي! # يا آية الضعف في حمق وفي هذر # ما في المذلة بعد الضعف من باس # من كان يقبل هذا الضيم من شبح # فإنما هو معنى الضيم والياس # عار على أمة أمثالكن لها # أو أن تكن بها معدود أنفاس # دعوا المقاعد رعيا في مناكبها # بين الحشائش لا سادات جلاس # هذي المجالس للأخلاق عالية # ليست معارض أوشاب وأنجاس # أنشودة الأناشيد # THE SONG OF SONGS ~~«مارلين»! # 20 # تلك مناحة الفنان # ذل البريء بها وعز الجاني # لا ترجعي الأحداث عن ثورانها # لن ترجع الأحداث عن ثوران! # هيهات ننعم بالخديعة بينما # الغبن كل الغبن للفنان # لا توهمينا بالحياة جديدة # في جنة خلقت من النيران # إن الزمان لساخر ومعاند # وأنا الخبير بما يكن زماني! ~~••• ~~«مارلين»! أشبعت الطبيعة نضرة # بالفن في فرح وفي أشجان # يرنو إليك الملهمون كأنما # يرنون فيك إلى نهى الديان # هذي المعاني الدافقات عواطفا # ليست منال عواطف ومعان # هي فوق ما تهب الحياة لأهلها # من قوة الإلهام والإيمان # بحر الألوهة فيه نسبح عن هدى # وبلا هدى بأشعة وأغان # فيصيب حظ الشط غر ماكر # ويغيب في اليم الفتى المتفاني # ويظن في هذا الفناء نعيمه # وهو الشريد وإن يظن الهاني! ~~(وكأنه سيف هناك مشطب # ألقته يوم الروع كف جبان) # 21 ~~••• ~~«مارلين»! من قال الحياة رحيمة # بالحب، حين نعيش كالعبدان؟! # نهب الحياة أعز ما خلدت به # ونغص نحن بكل ما هو فان # مثلت معنى الريف حلوا ساذجا # كالزهر فوق العشب في نيسان # ثم الحياة بخيرها وبشرها # من حيث بين الناس يلتقيان # فإذا الغنى وإذا الثقافة والمنى # لا شيء حين يفرق الإلفان ~~••• ~~«مارلين»! من هو بالجمال أحق من # واعيه في نحت وفي ألوان؟ # أهل الخلود، وكلهم متشرد # كالحق بين معالم البهتان # لا كانت الأيدي التي لمسته إن # لم تصطبغ بعواطف وبيان # حملت قرابين الجمال شعورها # فبكل كف شعلة وأماني! # والدهر يقطعها فترجع في أسى # لا كالأسى، وتنوء ms051 بالأحزان! ~~••• ~~«مارلين»! يفنى الكون قبل قطيعة # بين الجمال ومبدع الإتقان # ولئن تخيل للفنون حياتها # في عزلة، فبروحها روحان # إن الجمال هو الفنون توحدت # وتدفقت بشعاعه الفتان # فإذا البصير يصد عنه مولها # وإذا الضرير يخص بالإحسان! ~~••• ~~«مارلين»! غير العدل في الدنيا لنا # عقبى فليس العدل للإنسان # مهما أضاءت لن يكون مصيرها # غير الظلام لأنفس ومغان # ولقد أثرت مدامعي ومباهجي # فإذا السرور مع الدموع رثاني! # بعد الكفاح # هذي بقايا القطن ترقد في الثرى # كجنود حرب بعد طول كفاح # صرعى مجندلة ولكن بعدما # ضحت بأجمل نورها الوضاح # حتى النبات يرى الضحية واجبا # ومنى فليس يضن بالأرواح # ويعيش بالبذل السخي، وموته # عيش، وكم في الموت من إفصاح # وينال منه الناس ثروة عيشهم # وكأنما هي ثروة الأشباح! # جهلوا التجارب للسمو فما سموا # وغدا متاح الحظ غير متاح # وتطلبوا مجد الحياة، وإنما # مجد الحياة لمنقذ مناح # يفنى ويعطي غيره من روحه # فتبث في الأرواح والأوضاح # الشهوات # عظمت! ... أنت وأنت وحدك من لها # دين الهزيمة في بلاد النيل! # من ذا سواك يفت في أعضادنا # ويخص بالإصغار كل جليل؟ # كم من جهود ثم كم مال وكم # فضل أضيع ضياع مال بخيل # 22 # ضاعت وضاعت كالهباء، وكلنا # ذاك الذليل محاربا لذليل # لو أن ما قد ضاع طوع خصومة # صناه كان تراث هذا الجيل # عدلي يكن ~~(رثاء الزعيم المصري الكبير وقد مات في باريس.) # عد يا ابن مصر إلى الترب الذي قدرك # إلى المغاني التي أودعتها زهرك # إلى الأماني التي لقنتها سهرك # إلى المعالي التي أكسبتها أثرك # عد يا زعيما جحدنا فضله زمنا # حتى غدونا حيارى في إسار شرك # يا رب ميت كأن الرشد مؤتلق # من قبره، فكأن الرشد قد قبرك! # ما في الحياة حياة بين أخيلة # حراكها كسكون والسكون حرك # في موطن ما ترى للواجبات به # إلا عقوق لئيم يشتهي ضررك # أبكيك لكن بكائي كله حرق # على بلاد أضاعت ضلة خطرك # تمشي الحزازات فيها جد ثائرة # وأنت تقنع بالحب الذي غمرك # مناهل اللطف والإيمان رائعة # وعيتها فإذا للخسر من ms052 خسرك ~~«عدلي» وما اسمك إلا رمز منقبة # كأنما هي للوحي الذي عمرك # عد يا ابن مصر إلى حضن أحق به # وفاؤك السمح لا تهريج من غدرك # كم من حيارى ادعوا إنصافها، ولها # منهم وبال عليها طالما قهرك # روح كروحك لم تخلق لمعركة # لكن على كل سلم ربها فطرك # بذلتها بذل مناح لأمته # فعد تنظر مدى الحزن الذي انتظرك # هذي رواية مصر كلها شجن # الحي يشقى ويلقى ميتها كدرك # فلسطين الثائرة # تقصف يراعي! واصمت الآن يا فمي! # قد آن عهد الحر يكتب بالدم! # علام صياح الناس حين كلامهم # هباء إذا الأسياف لم تتكلم؟ # وإن لم يدو الحق من كل مدفع # وإن لم يغن الموت في كل مأتم؟ # حرام علينا أن ننادي بيقظة # إذا كانت الأرواح أرواح نوم! ~~••• # وثائرة في نخوة العرب آمنت # بعزتها بالرغم من كل أعجمي # مشت للردى في جحفل من شيوخها # وشبانها في وحدة لم تقسم # تهز حصون الظلم في صيحة دوت # وتكتسح العسف الذي راح يحتمي # وترجع كلمى في شموخ وكسرة # فإن انكسار الحر للنصر ينتمي # وتضمن للأجيال بالدم حقها # فمنه سطور الحق يقرؤها العمي # تهش لممطور الرصاص كأنه # سخي من الوسمي للرائد الظمي # وهيهات تحيا أمة ما تعرضت # لوابله، فالموت في جبن منعم! ~~••• ~~«فلسطين»! يا دار النبوة! هكذا # تصير جنان الخلد دار جهنم! # تخذت من النار المطهرة الحمى # حليفك في يوم البلاء المحتم # فعلمتنا معنى الكرامة والعلى # وكيف العلى رغم الشقاء المخيم؟ # وكيف يعد الموت أكرم منقذ # إذا المرء بالأحداث لم يتعلم؟! # وكيف العذارى كالشباب وأهلهم # بناء لهذا الهيكل المتهدم؟ # بأشلائهم صانوه من صدمة العدى # وقد ثملوا لكن بغير محرم # وما ندموا إلا على أن من هووا # قليل، كأن الحي يحيا لمندم! # تهاووا أمام الموت نشوى بفرحة # كأن لهم في الموت فرحة موسم # جسوم وأرواح تضحى رخيصة # ولكنها كالشهب بالنور ترتمي # فتوحي وتفنى، والفناء بقاؤها # وتشعرنا بالنبل والروح والدم! # دنيال في جب الأسود # دنيال في جب الأسود. # مثل المكيدة من حسود ~~«دنيال» في جب الأسود # عبد الإله ms053 موحدا # لا عن ثواب أو وعيد # بل عن عقيدة مؤمن # يكفيه إيمان يذود # 23 # وأبى له حساده # إلا النكاية والجحود # جعلوا المليك محرما # لسوى المليك دعا المسود # لكن «دنيال» النبي # ل أبى التحول بالعهود # ما كان عهد الرب إلا # عهده، فله السجود # ومضى على إخلاصه # للرب لا يخشى الشهود! ~~••• # وإذا الوشاة تعلقوا # بعقابه عند الملك # لم يلق عذرا أو مفرا # وهو يشعر بالشرك # فمضوا به للجب وال # ملك الأسيف كمن هلك # يشجى «لدنيال» الحبي # ب كما شجا # 24 # داجي الحلك # ودنا الصباح فراح نح # و الجب في جزع الفلك # ودعا وفيه من التوجس # والتخوف ما امتلك # فأجابه «دنيال» في اط # مئنان من لم يرتبك # أنا في أمان يا «ملي # ك» بفضل ربي من ملك! ~~••• # في الجب روعت الأسو # د وقد بدا ملك لها # زأرت وكل فاغر # فاها، تخاف مآلها # ردت عن الملك العزي # ز كما رعت «دنيالها» # حرسته في الليل البهي # م تخاله آجالها # حتى تلقاه الملي # ك وقد رأى إجلالها # في فرحة، وكأنما # أعطى البلاد نوالها # ولقد غدا إيمانه # إيمانها وجمالها ~~••• # ورأى المليك جزاء من # خدعوه نفس جزائهم # فلدى قرار الجب عد # ل مآلهم وثوائهم # بعثوا إليه فما حمى # 25 # مكر وثوب فنائهم # كم مفسدين تورطوا # بغرورهم وذكائهم # نال التمادي منهمو # ما نال من أشلائهم # بذلوا الذي بذلوا لشر # الناس في غلوائهم # فإذا الأذى لحظوظهم # وإذا الردى لرجائهم! # نبل الخصومة # وما النبل ما تلقاه من ود صاحب # ولكنه نبل رعاه خصيم # إذا طغت الأحداث جاز امتحانها # كريم، ولم يصمد وزل لئيم # فلا نبل في ود إذا حال لم يكن # عزيزا نبيلا، فالكريم كريم # عائدة ~~(أهديت إلى «عائدة الجديدة» الآنسة الفنانة فتحية شريف لمناسبة تمثيلها البارع لدور ~~عائدة.) ~~«رداميس» قد عاد يا «عائده» # فعودي إلى روحه البائده # إلى أمل الحب ملء الحياة # فما غيره نعمة سائده # أفيقي من السنة المنتهي # إليها هوى مهجتي الشارده # أفيقي وحيي غرام الفنون # بطلعتك الحلوة الماجده # لسمرتها نشوة في العيون # وأخرى بأفئدة عابده # أفيقي وعودي ms054 كعود الحيا # إلى التربة الرثة الهامده # تطلع بعد الحيا للحياة # وتنشق من روحك الخالده ~~••• # تعالي إلى مسرح للحياة # برقصتك السمحة الآمنه # لقد نسخ الدهر آي الممات # وعدنا إلى غيرها فاتنه # لئن لم تنالي أماني أمس # فلليوم أخرى لها دائنه # تعالي! تعالي! فدنيا الفنون # تحيي مفاتنك الكامنه # تعالي إلى عارفي قدرها # أولي الشعر في اللهفة الصائنه # يصونون رقصك أشعارهم # ولو نظروا نظرة ماجنه # وما الفن إلا حياة التجا # وب بين عوارفك الهاتنه! # ديوني # لقد زاد عبئي من ديون كثيرة # علي فخليني أرد ديوني # ولست وإن حاولت أرضى سدادها # وهيهات مهما قد أطعت جنوني! # وكيف لمثلي أن يرد مفاتنا # تناولتها من ساحرات عيون؟! # دعيني إذن كالطفل ألهو محاولا # سداد ديون فوق كل ديون # أقبل هذا الحسن من كل مشرع # على نهم من روعة وفنون # لعلي وإن قصرت أبلغ محسنا # رضاك بتقبيلي ووحي فتوني! # شيخ الصحافة ~~(رثاء الصديق الكاتب الطائر الصيت الأستاذ داود بركات رئيس تحرير «الأهرام».) # ودعت يوم رحلت أحزن دار # وتركت ذكرك لوعة الأشعار # وحي البيان السمح أين مجاجه؟ # لأفيض عن ألمي ولذعة ناري # ذهبت بشاشتك الحبيبة مثلما # ذهب الأصيل بنوره المتواري # وهب الغروب حنانه وجماله # ومضى يطوف بكل طيف ساري # حتى غمرنا من تجاوب روحه # في النور والأطياف والآثار # فإذا الصدى ملء الصدى وإذا الشجا # يزجي الشجا في الضوء والأوتار # وإذا المسامع والعيون كليلة # فالحزن في الأسماع والأبصار! ~~••• ~~«شيخ الصحافة»! تلك أكرم رتبة # قد زدتها قدرا على أقدار # لو أن لي النعت الأبر بربها # آثرت أن تدعى «أبا الأحرار» # هيهات أنسى ما وهبت تألقا # وتحررا كالنور في النوار # سكن الأباة إليك في إعيائهم # وأتى الهداة إليك في الأخطار # ولكم وصفت مؤرخا ومحدثا # كالدهر بين بنيه غير مجاري # تلقي العظات كأنما في وزنها # وجلالها هي لفظة المقدار # ومن القلوب النابضات عوالم # ومن القلوب الباليات عواري! ~~••• # أدب الروائع أين أين زعيمه # في مجلس الأعلام والأخيار؟ # جذبوا إليه، كأنجم وضاءة # جذبت حيال الكوكب السيار # شاخ الزمان وعشت أنت فتيه # وكبا الشباب وأنت في ms055 المضمار # فتؤلف الشمل الذي آثرته # لحياة مصر بعقلك الجبار # فكأنما الأهرام قد أوحت بما # أوحيت من روح ومن أسرار # وكأن آلاف السنين استودعت # أنهارك المعبود من أنهار # فجرت بروح الشرق في فيضانها # جري الحياة على مديد صحار # حتى انتبهنا عند فقدك في أسى # فوق الأسى من صدمة الأقدار # وكأننا غرقى المصاب، فكلنا # متخبط في صاخب التيار! ~~••• ~~«داود» لن أنسى محبتك التي # عمرت وسوف تجل في الأعمار # وحديثك العذب الذي نفحاته # صلوات «داود» على المزمار # أحيت وقد حفلت بمصر وأهلها # حفل الأصيل بأهله الأبرار # منن علي ولست واحدها فكم # أسديت من منن ومن إيثار # حتى ثأرت من الزمان وأهله # بالنبل واستعذبت أخذ الثار # وحييت كعبة كل حر مصلح # وبقيت ملجأهم من الفجار # فاليوم تدمع للمروءة عينها # واليوم نمشي في فجاج النار! ~~••• # لا كنت يا يوم المصاب تجنيا # وشجى على الآمال والأوطار # أدريت أنك قد نكبت مروعا # أمم العروبة في الزعيم الداري؟ # تربد آفاق على حسراتها # والشهب تلمع خلفها بشرار # وتكاد تلمح للممات وإن جنى # قبل الحياة شعوره بالعار # أعلمت أن البر يفجع بعده # في المحسن المتنكر المتواري؟ # صلوا عليه ومثله يغنى غنى # بالنبل عن صلوات هذي الدار # ومشوا مئات في الخشوع، ونعشه # كالفاتح المحفوف بالأنصار # أغناه إكليل المآثر وحدها # عن أن يكلل نعشه بالغار # ساد السكون كأنما ساروا به # متحدثين إليه في الإضمار # وتأملوا دنيا الغرور بحسرة # عزت، ووحشة أدمع أبكار # وكأنما الدنيا خيال مزعج # يتجلدون إزاءه بوقار # فإذا المودع في الخلود موسد # وإذا المودع في أسى وصغار # نحيا بعصر للمناحة وحدها # فكأنما هو مدفن الأعصار! # فندق الحياة # جئنا إلى الدنيا ضيوف خداعها # فإذا الضيافة كلها إرهاق # ونرى بفندقها الحياة تناقضا # في طيها الإثراء والإملاق # تجري الحوادث بيننا بتناسق # وجميعها متنافر أفاق # ندري وما ندري علاقة بعضها # بالبعض بل قد يطرق الخلاق! # حتى كأنا في تخيل حالم # بالصفو والدم في يديه يراق # دنيا الخداع فلا حقيقة عندها # وقوامها الأوهام لا الأرزاق! # الشارع الخلفي ~~«أيرين» # 26 # فيك عواطفي وحياتي # فيك الحياة تفوق ms056 كل حياة # مثلت دنيا الحب خان حظوظها # قدر مؤات وهو غير مؤاتي # قدر يعد من الخطيئة كل ما # أوحاه بالأحكام والعادات # كم نحن نصفح عن مدى إجرامه # ولديه نشقى نحن بالهفوات # يشقي الأنام إذا أضاعوا لحظة # وهو المضيع أنفس اللحظات # قدر أبى لك ما اشتهيت من المنى # وهو الغباء أو الجنون العاتي # فحييت أشرف ما حييت على الضنى # والوهم والحسرات والعثرات # أعطيت عمرك للغرام وفية # وقضيت عمرك في جحيم عداة # وحييت عنوان الضحية عذبت # واستعذبت أشجانها النضرات # ترعين من أحببته وحبوته # بالحسن والأحلام واللذات # والدهر يأبى أن تعيشا عيشة # سلمت من التجريح والحسرات # فخلقت من أحزانه فرحا كما # أبدعت من نيرانه جنات # حتى إذا القدر الغشوم أصابه # ورأى الوفاة دعاك قبل وفاة # فسمعته همسا بسمع مسرة # 27 # وأجبته بالدمع والصيحات # وحييت ترجين الممات وقد دنا # فذهبت ظافرة بغنم ممات! # الحسناء والهيكل العظمي # رأت حسنها الأخاذ للحب عالما # وهل عالم بالحسن والحب ضائع؟ # رأته حياة ينبض الخلد ملأها # وتنبع منها للحياة الروائع # معان يبين الحسن عنها، وكلها # معان تناءت عن مداها المنابع # هي المبهم المجهول مهما يبن لنا # فصيحا نحيي سحره ونطالع # فصارت تناجي حسنها كلما بدت # معانيه لم تفسد سناها الطبائع # تناجيه في المرآة حينا وتارة # تناجيه في الكون الذي هو تابع # وما خدعت مرآتها أو جمالها # فليس لمرأى الحسن في الكون خادع ~~••• # وقد يجمع الضدين في الفن جامع # كما يجمع الخصمين في العيش جامع # وإلا فكيف الهيكل الميت اللغى # قرين لحسن كل ما فيه ساجع # دنت منه في مثل الخشوع كما بدا # وفيه حنان للملاحة خاشع # تسائله: هل غاية الحسن غاية # لديه، أم الحسن المقدس شائع؟ # وهل تغتدي في صورة كعظامه # ويذهب ما تحنو عليه الأضالع؟ # إلى أي حظ ينتهي في جلاله # وهل هو من قبل المنية ضائع؟ # فراقبها في بسمة من صموته # وكم من صموت ساحر النطق رائع # وحيرها من راحة لفنائه # ومن عزة حين المعزز جازع # كأن به للفيلسوف بصيرة # وفيه تناهت ما تكن الشرائع # تمر به ms057 الأحداث وهو مراقب # حكيم، وتمشي بالحظوظ الفجائع # وقد وقفا صنوين، حين كلاهما # حياة وموت ضيق الحصر شاسع # وحارا وحارا في الوجود وما به # إذ العلم مثل الجهل لهفان وادع # هو العيش في الدنيا سكون بثورة # وكم من سلام داعبته المصارع # وكم من جمال يملأ العين روعة # وفيه مجال للمنية صادع # وهل كان في الدنيا سوى الموت عزة # تصانعه الدنيا وليس يصانع؟ ~~••• # فلما أطالت لهفة بعد لهفة # تسائله حينا وحينا تسامح # مشت في أسى كالهيكل الرث ساقه # على البحر غمرا موجه المتدافع! # عقاب الغدر # نزهت نفسي عن إساءة غادر # باع الصداقة باسم كل صغار # وأخذت أرقب كل ما أوحت به # نزواته بالعار بعد العار # فإذا المآسي والمهازل جمعت # في طيشه المتفنن الغدار # ملهى الحياة، وهل لها ملهى سوى # ما ساء من أبنائها الأغرار؟ # لم ألق غير النأي منصف حكمتي # إن عد طيشي الود أو إيثاري # كم من مطاعن لي تكال كأنها # شرف يكلل هامتي بالغار! # قوميتي # أبناء قومي إني لا أمالقكم # ليس التملق من طبعي ولا دابي # أنفقتم العمر أخصاما كأن مدى # هذي الخصومة ملهاة لأحزاب # أما علمتم بأن الحق مضطهد # وإن يكن أهله أرباب أرباب # لم يعرف الحق يأتي منحة أبدا # بل يؤخذ الحق دوما أخذ غلاب ~~••• # أحيا وأفنى أناجيكم وأنصحكم # ولو رجمت بأشياعي وأحبابي # لن تبلغوا حقكم إلا بوحدتكم # لا أن تبيتوا ضحايا كل إرهاب # ولن يكون بخير من يفرقكم # إلا وأنتم كأنعام وأسلاب # خير لمثلي أن تؤذى كرامته # بالصدق عن مدح أفاق وكذاب # وأن أعيش كجندي على شرفي # من أن أعيش بخزي عيش أقطاب # الخيانة العظمى ~~(لهفة إلى صاحب العرش.) # مولاي! وحد بالزعامة أمة # تلقى من الأحزاب كل هوان # صغروا وخانوا عهدهم لبلادهم # بخيانة الإخوان للإخوان # لم يتركوا شغبا ولا حقدا ولا # سوءا ولا ضغنا من الأضغان # ومن العجائب أنهم لو محصوا # كانوا رجال النبل والعرفان! # فبأي حلم أو لأية ملة # يتقاتلون تقاتل الحيوان؟ # ولأي حال يستمر كفاحنا # بعد الذي نلقاه من خذلان؟ # لم يبق غير العرش ملجأ ms058 همنا # ومثابة الآمال والإيمان # غنمي وديني # كم من مطاعن لي تزف فأشتهي # ألا تزول، فلن أكون غبينا # كفلت ظهور ذوي الدناءة بعدما # كانوا يدسون الأذاة فنونا # أهلا بهذا الغدر يكشف ستره # فأرى بعيني الخسيس الدونا # وقد اشتريت كرامتي بشرورهم # حتى أعيش منزها ومصونا # لو أدرك السفهاء غنمي بعدما # جانبتهم عدوا الأذاة جنونا # إني المدين لبرهم بجنونهم # وسأعيش ما حملوا علي مدينا! # القلب المتفجر ~~(إلى الممثلة الشهيرة السيدة زينب صدقي.) # سمعت شكاتك يا غانيه # وضحكتك الحلوة العانيه # فهل كنت إلا فؤادي الكليم # تفجر بالأدمع القانيه! # أعيدي علي حديث الشجون # وقصي مصارعها الباقيه # وزيدي تأجج ناري التي # أعيش بها شعلة فانيه # فما النار إلا لأهل الفنون # ولو سكنوا الجنة العاليه # أعيدي أعيدي الهوى والعذاب # علي فأحياهما ثانيه # أطهر نفسي بما أسبغاه # عليك من اللهفة الساميه ~~••• # ضحكت فما كنت إلا السماء # تقهقه عن ثورة خافيه # تجلت بألوان وحي الربيع # ولكنها في أسى باكيه # وجادت بسحر الجمال الطروب # ومن خلفه حسرة جانيه # وكم من ورود برغم الأسى # تسر بمهجتها الداميه # وليس لها غير روح الفنون # عزاء، ولكنها قاسيه # 28 # يا للغباء! # يا للغباء! أصار مثلي يستحي # من شتمه وأنا العزيز بذاتي؟ # أهلا دعاة السوء! ليس يضيرني # إلا افتقاد شجاعتي وأناتي # قولوا كما شاء الجحود وأسرفوا # حتى تبين # 29 # عن الجحود حياتي # هيهات أندم، فالعقوق وإن قسا # نعم الصديق، فكم يبين # 30 # عداتي # فيم الندامة إن شتمت دناءة # وجزاء ما أسديت من حسنات؟ # النحل يعطي الشهد جودا سائغا # ولكم يكافئه الورى بأذاة # ويظل يدأب في وفاء بالغ # لرسالة الأحياء والأموات # يشقى ويشقى مانحا، فإذا أبى # عسف الطغاة شكوه أي شكاة # فسدت مقاييس الزمان فلم يعد # إلا التخبط في المحيط العاتي! # بعض العزاء # حمدا لك اللهم! لم أر مرة # شرا سوى ممن وفيت إليه # خير عنائي من خيانة غادر # من أن يقال فتى جنيت عليه # بعض العزاء - ومره حلو الجنى - # ألا أقاتل من طعنت لديه # آثرت أن أفنى شهيد مبادئي # ودمي الوفي يراق بين يديه! # تجني ms059 الرياء # يا من تجنوا على قلبي وما رحموا # هيا تجنوا فإني زاهد فيكم # بكيت لو أنني أرضى مودتكم # لكنها من رياء في مبانيكم # كفت سنين منحت الود أخلصه # لكم، فضاع ودادي في تجنيكم # لا تذكروا ذلك الماضي فقد دفنت # زهوره بقبور من مآسيكم # لا خير في الود لا يحيا على زمني # ولا بوصل تناهى في تنائيكم # ولا بقرب جديد جد مصطنع # وذاك وجه المرائي في مرائيكم! # موت النسور ~~(رثاء الطيارين المصريين فؤاد عبد المجيد حجاج وشهدي دوس، وقد سقطا ميتين في أرض ~~فرنسية في طريق عودتهما إلى مصر في 18 نوفمبر سنة 1933.) # كذا فليطر للموت من مات واستغنى # عن المجد في دنيا نضيق بها مغنى # كذا فليكن هزل الحياة وجدها # فنفتقد الروح الذي نظم الكونا # كذا فليضم الموت أحلام أمة # فترغمه ردا وتثقله دينا # طلبنا الهواء السمح عند اختناقنا # فلما بلغناه لقينا به الغبنا # فيا فرحة قد أعقبت شر حسرة # وقد تعقب الأفراح في وثبها الحزنا # أكان عزيزا أن يؤجل روعنا # إلى أن ينال الطير في وكره الأمنا؟ # شهيدان قد راحا ضحية جرأة # ولكنما قد جردا الموت من معنى # لئن فاتنا تكليل رأسيهما على # فقد بلغا فوق الذي نحن بجلنا # وقد سقطا في حب مصر بشعلة # وفي شعلة عاشا، فعاشا بها مثنى # شباب لهم إلهام شعب مكبل # وقد أقسموا يفنون عزما ولا يفنى # فإن فقد السرب الفخور كليهما # فما عرف الفقد الذي رادف البينا # وقد بعث الموت الحياة بأمة # وكم قد رأينا الموت بالخلق مفتنا # فهبوا على الآلام هبة مؤمن # بما ينصف الأوطان والذكر والفنا # سبيل الضحايا وحده نهج أمة # تشق الدجى كي تبلغ المأرب الأسنى # ونهج الأماني في سكون وغفلة # هو المدفن الأوفى لمن يرتضي الدفنا ~~••• # برغم الشباب الحر يا رمز روحه # مماتكما في نكبة رمزها أهنا # تحوطكما أنفاسنا وحناننا # إذا القدر العاتي تأبى وما حنا # فلم تحرقا إلا وأنفاسنا لظى # وقد نلتما التخليد أو حزتما عدنا # ولم تطعنا من خدعة الحظ ميتة # فنحن الألى ذقنا المنية والطعنا! # عيش ms060 الألوهة # من لي بأن تدع الحياة تغلغلي # في كل ألوان الجمال أمامي # حتى أعيش بلبه وصميمه # عيش الألوهة في مدى الإلهام # لا ترجعوني للحياة بيقظة # هي كالممات قتيلة الأيام # بل فاتركوني في سعادة حالم # ذاق النعيم الحلو في الأحلام # ينساب في روح الطبيعة روحه # فكأنما هي روحه المتسامي # وكأنما الأشجار من خلانه # وتجاوب الأصداء وقع كلامي # وكأنما النيل الحبيب خواطري # تجري أمام تلهفي المترامي # ومن الحقول مسارح لعواطفي # وبكل نبت لهفتي وأوامي # ومن الأشعة حاملات رسائلي # لهواي، أو من حاملات غرامي # يتجاذب الكون الفسيح تهافتي # بين الظلام ونوره البسام # وكأنني أنسيت نفسي عنده # وصعدت فوق مشارف وغمام # فغدوت من أجزائه، ولمحت في # أندائه، وعرفت فيه سلامي # فإذا رجعت إلى الحياة وأهلها # فلقد رجعت إلى أذى الظلام! # وحدتي # وحدتي! ودعت أطيافي وقد غاب وداعي # أنا كالصخر ولكن ميت دون نفاع # أطفأت أحلامي الأيام إطفاء الشعاع # لم تعد لي ذكريات لمحب أو شجاع # كل ما حولي خواء فهو زادي ومتاعي # سئمت نفسي غرور العيش والحب المضاع ~~••• # أيها الصوفي في لهو وفي دين مطاع # أنا من يهديك للنعمة لو ترضى اتباعي # قد بلوت الحلو والمر وألوان الطباع # فإذا العزلة عن كل طموح وطماع # وإذا الغفلة عن دنيا جنون وصراع # وإذا الإيمان بالوحدة والموت المشاع # هي ذخر من حياة وسمو وابتداع # رب ميت دون نفع هو بأس في قناع # كمنت فيه حياة الموت في مثل القلاع # لا يبالي، وهو في مثواه في مثوى الزماع # يجذب الأحياء والأحياء حيرى في نزاع! ~~••• # وحدتي إن كنت موتا فوق سن واشتراع # فلقد جددت عمري بعد عمري المستطاع # إن أقسى الموت في صحبة أحبابي الجياع! # نشيد النيروز # عيدي يا غصون # وافرحي مثلنا # قد حواك السكون # في جلال الغنى! # يا عوالي النخيل # في شموخ الطهاره # والثبات والحياة # لك عيد نبيل # هو عيد الحضاره! # عيد ماض عيد آت # راح عام كريم # وأتى غيره # هو مجد مقيم # بيننا سره! # مجد مصر القديم # وهو كنز ثمين # للحياة المعاده # كم له في النسيم # من ms061 هوى أو حنين! # وهو يحيي بلاده # راح عام كريم # وأتى غيره # هو مجد مقيم # بيننا سره! # أقبل النيروز # وهو بشرى الجديد # هاتفا بالربيع # هو عيد عزيز # هو عيد السعيد! # كالمليك الوديع # راح عام كريم # وأتى غيره # هو مجد مقيم # بيننا سره! # فلنهن النخيل # بابتهاج القرون # في احتفاء واعتلاء # كل معنى نبيل # رمزه لن يهون! # بين أهل أمناء # عيدي يا غصون # وافرحي مثلنا # قد حواك السكون # في جلال الغنى! # النار والجنة # أنا نار وأنت جنة روحي # خلق الحب بيننا المستحيلا # أطفئيني إذا أردت، فحلمي # أن تحول الحياة طيفا جميلا # جنة أنت قد وعت من لهيبي # شعلا زادها فمي تقبيلا # كلما ضمنا وصال نسينا # حرقتي حبنا وعفنا الدليلا # أتلاشى لديك حلما نبيلا # وتعودين لي رجاء نبيلا ~~••• # أنا نار وأنت جنة روحي # خلق الحب بيننا المستحيلا! # ألحان الحياة # أزهاري الحيرى تناجي الحياه # كما أناجي في صلاتي الإله # هل أنت في شوقي وفي لوعتي # أم أن قلبي وحده في هواه؟ # تصغين إذ أصغي إلى فاتني # كأنما العود بشير الحياه # حساسة أنت وما صوته # إلا غنى الحس وأحلى لغاه # غذيت بالصوت ومن قبله # غذيت بالحسن غذاء الدهاه # واللحن كالإكسير في وقعه # قد يحفظ الزهر وينمي صباه # صداه في الزهر نماء له # في حين للشم شذاه صداه # كأنما العود رسول الهوى # إن باح، واللحن حنان الشفاه # النور رباك بتحنانه # والأرض والجو بما أودعاه # والحسن بالحب وألحانه # أحياك للحب معاني مناه # كأنما دمع الندى دمعه # وحمرة اللون مرائى لظاه # إن تبسمي كنت له بسمة # وإن بكيت كان هذا بكاه! # أنشودة الهاجر # أيا حبيبي كفى بعادك # كفى صيامي على هواك! # وهل فؤاد له فؤادك # سوى فؤادي الذي افتداك؟ # أنا شهيد الهوى البريء # في شعلة الحب منتهاي # فإنما حسنك الوضيء # المشعل النار في نهاي # كم أشرب الخمر من عيونك # ومن جنى خدك الوسيم # فإنها مشتهى فنونك # ومنتهى الخلد والجحيم # وأجتني ثغرك المحلى # فأجتني الحب والجمال # هجرتني الآن واستحلا # لي الفناء الذي استطال # ما بين شوقي ولوعتي # وفي جنوني من ms062 البعاد # أستودع الآن مهجتي # وكيف أحيا بلا فؤاد؟! # سيف دامقليس # أينصب سيف دامقليس عمدا # أسير فوقه سيف تراءى؟! # لمن هذي السيوف وكل سيف # يهددنا ويشبعنا عداء؟ # أهذا ما يزينه التآخي؟! # إذن بئس الذي مدح الإخاء # خدعتم بعضكم بعضا بحرب # منوعة وتنتظم الفناء! # إذا كانت سلاما أو سكونا # فبعض السلم نغصنا رياء! # ومن ضحى أخاه لكي يعلى # وما يعلو، فما يدري الحياء! # ولكن كل ما يدري التدني # وقد فقد الأخوة والرجاء! # كأس الظمأ # أنت قدسية الشباب # في الأغاني وفي القبل # قد عرفنا بك العذاب # وعرفنا بك الأمل # طائر بل فراشة # عمرها ما له حساب # هي نور وشعلة # تتهادى مع الشباب # حلم طاف حولنا # نسجته يد الربيع # من تراءى له اغتنى # من حبور ومن دموع # عبق الحسن والهوى # ذكرك المزهر الندي # ذقت من ناره الظما # بينما الكأس في يدي # من فنون ومن فتون # أشرب الوهم والجنون # كله سائغ حنون # من ندى هذه العيون! # موسيقى العدم # أنا ماض في سبيل الموت، زادي # ما شجا وهمي وحسي من نغم # يملأ الجو حنان غير بادي # يملأ الروح بموسيقى العدم # ذلك اللحن أنا أسمعه # حينما غيري غريب عنه ساهي # هو يحدوني كما أتبعه # في شفاء من عذابي المتناهي # أيها العازف فوق السحب لي # طائرا أو راكبا متن السحاب # سئمت نفسي فليست تجتلي # غير ما توحي لأطياف الضباب # كم سلام، كم نعيم، كم حياه # كم غنى في كل ما يزجيه لحنك # أنة الناي كتقبيل الشفاه # وبكاء العود قد واساه فنك # أي موت ذاك تحدوني إليه # مثلما يحدو هوى الطفل أخاه # هاتفا حينا علي وعليه # فإذا الموت طريق للنجاه! # ملك العصاة ~~(إلى زعيم الثورة الدرزية سلطان باشا الأطرش.) # ملك العصاة مشردا وطريدا # صيرت ذكرك في المناحة عيدا # ما ضر قدرك أن تعيش بوحدة # فمن الزعامة أن تعيش وحيدا # اليوم أشرب نخب ذكرك بينما # ألقاك أقرب من يخال بعيدا # من لي بمثلك في بلادي بعدما # أضحى وفاء الأقربين بليدا # الفارس المغوار يضمد جرحه # بيديه مرتقبا سواه جديدا # ويشق في ms063 جيش العدو طريقه # ويعود مخضوب اليدين سعيدا # ويعلم الأبطال صدق بطولة # والحرب تعزف للممات نشيدا # يمشي على الأهوال مشية فاتح # رجمته ساخطة لظى وحديدا # لم يدرع إلا الإباء، وما بكى # يوما فقيدا لن يموت فقيدا # جعل الضحية نفسه لا غيره # فإذا المنية تتقيه عنيدا # وإذا به بطل المعارك كلها # متغلبا أو عاجزا وطريدا! # خلق الكماة الفاتحين يصونهم # والخلق يخلق وحده الصنديدا ~~••• # عش يا أبا الأحرار في حرية # النفي مجد شأوها تمجيدا # حردا بلا زاد، ولا مال، ولا # جند سوى مجد يشع تليدا # عش مثل آمال الحياة تحجبت # لتعود صبحا للحياة أكيدا # نحيا على أحلامها في ظلمة # حتى تلوح أشعة وقصيدا! # مصور البحر ~~(رثاء الفنان هارلد فاراوي الذي تملكه الهم لبيعه مضطرا صوره الفنية التي ~~رسم فيها البحر، ثم استرد عزاءه لما علم بغرق الباخرة ألباتروس التي كانت ~~تقلها، ثم نال منه الحزن العميق غايته لما علم بأن البحر لفظ الصندوق الحاوي ~~تلك الصور دون أن تمس بأذى، فتخيل أن البحر لم يقدر فنه الكشاف لأسراره، ~~وأن «النور الأسمى» ازدراه ... فانتحر يأسا ~~وحزنا.) # ماذا نقمت من الوجود الفاني # يا معجزا للفن والفنان؟ # يا خاطف السر العميق برسمه # للبحر في تصويره الفتان # لم أحظ إلا بالقليل لظله # فإذا به والبحر يلتقيان # صور بإحساس الخلود تألقت # وبها لألوان الفنون معاني # الموج فيها خافق متوثب # حي، وخلف الموج موج ثان # روحان من رسم يلوح وآخر # خاف وغيرهما إليه روان # فكأن هذا الرسم دنيا ما لها # حد من التبيان والإحسان # غلبت شعور الملهمين وعبرت # عن كل إحساس بكل لسان # فنحس بالصفو الرخاء # 31 # حيالنا # آنا، وبالإعصار والثوران # والأفق مبتسم يفيض بشاشة # حينا، وحينا ساخط النيران # والموج من أجناده متدافع # للحرب بين لظى وبين طعان # وسواه يغلبه العناق كأنه # خلان في التوديع يعتنقان # ونرى رذاذ الماء يلمس بالرؤى # والعين لم تمدد إليه يدان # ونكاد نلمح فوقه أو تحته # من راقصات البحر سرب غواني # الآخذات من المياه خيولها # والجاريات بها على الشطآن # والضاحكات اللاعبات أمامنا # وكأنها في ms064 اليأس وهم أماني # خلقت بروح البحر فهي جريئة # هزأت بتيه المدلج # 32 # الحيران # ودعت وصاحت والمياه حيالها # ما بين صخب تارة وأغاني # صور الحياة كأنها صور الردى # تبدو كمزج مخافة وأمان # ونطل في المعنى العظيم بكنهها # فنعود بالإمتاع والحرمان ~~••• # أمصور البحر الخضم كأنه # حبس الشعاع برسمه النوراني # والفاتح الغازي مكامن سره # بالحب والإلهام والإيمان # والخاطف العبرات من قطراته # والكاشف الآيات في الألوان # والمستقل بريحه وبجوه # ببصيرة عزت على الأقران # والعاشق الجولات في أنحائه # وكأنه في روحه متفان # فتح الفنون شجاعة علوية # فوق ادراع شجاعة الفرسان # والبحر ينقشه كمي رائد # كالبحر يركبه العظيم الشان # ميدان كل بسالة عذرية # والفتح لم يخلق لعجز جبان # أغليت صنعك فوق كل مثمن # بالمال أو بنفائس التيجان # وعددته ذخر الحياة كأنما # أودعت فيه رسالة الرحمن # وأبيت إغواء الزمان لبيعه # وحسبته كنزا لكل زمان # حتى إذا اضطرتك ما حكمت به # دنياك من بيع ومن حرمان # ذوقت معنى الفقر بعد قناعة # وعرفت كيف خصاصة الإنسان # وحقرت هذا المال في يدك التي # طرحته طرح اليم للأدران # وسهدت في حزن على حزن على # حزن، فصرت فريسة الأحزان # حتى علمت بفقد فنك ذاهبا # للبحر كالأخوين يصطحبان # ففرحت فرحة من أغيث ولاؤه # من بعد ما عاناه من كفران # وفرضت أن البحر أغرق مركبا # حملت نفائسه بلا استئذان # هي ملك جنياته لا ملك من # عاداه في الإنسان أو في الجان # أخذت من الوطن العميق وعودها # حق إلى الأعماق والأوطان # غاصت إليها مثلما أحرزتها # بالغوص بين الدر والمرجان ~~••• # البحر ثاب فرد بعد وفاؤه # هذي الوديعة في أعز صيان # فحزنت أقسى الحزن، ما لعزائه # سبب، كحزن الثاكل اللهفان # وعددت رد البحر ما استودعته # نجواك أشجى الرزء والخسران # وكأنما هو ساخر بأعز ما # أبدعت أو ألهمت من إتقان # قد كنت تحسبه الغيور فصان ما # أعلنته بتهافت الغيران # قبس من الديان عاد لأصله # فالبحر كان مثابة الديان # والآن هذا اليم يلفظه بلا # عذر كأن اليم منه يعاني # فرأيت في هذا الهوان ولم تطق # للفن عيشا في عذاب ms065 هوان # وأبيت إلا أن تموت، وهكذا # بالموت يثأر ناقم ومعاني ~~••• # قالوا: جنون الفن! قلت أجلنا # خطرا وذا المجنون يستويان # ذاق المصاب بفقده أحبابه # فالبعد ألوان من الفقدان # ورأى الطبيعة سخريات كلها # في حين أعطاها أعز مكان # وكأنها سكنت وما خفقت له # وفؤاده يشقى من الخفقان # فأراح مهجته وحيرته، وهل # غير الفناء إراحة الحيران؟ # الآن أستوحي المياه أنينها # وأبث لوعتها شجي بياني # أنا شاعر الموج الذي هو غامر # هذي الحياة وهادم إنساني # فإذا رثيتك فالرثاء لمهجتي # وإذا بكيتك فالحنان بكاني # ضاقت بك الدنيا وضقت برحبها # فإذا نسيت فلست في نسياني # وأنا أرى دمك الزكي بحرقة # للأفق في هذا الغروب القاني # وأرى زفيرك في العواصف كلما # هبت على البحر العزيز الجاني # وأرى حنانك في توثب موجه # أبدا وملء تجاوبي وحناني # ستعيش ما عاشت خواطر شاعر # أو عازف أو ناقش فنان # إن كان للأموات أول هادم # فالفن للأحياء أول باني # موسى في اليم # موسى في اليم. # أنقذته من شاطئ اليم، واليم حريص عليه حرص ~~الأبوه # بنت فرعون في رعاية خلاق يراعي بالحب روح النبوه # أنقذته في سلة وضعته في حماها وفي حمى العشب أمه # إن عدل الأقدار أن يمنح المظلوم عدلا بل منتهى العدل ~~خصمه # كلل اللوتس النقي جبينا مثلما كلل القميص قواما # رمزا بالبياض للطهر، والطهر عريق بنفسها إلهاما # وبدا الجو في حنان غريب بين نور وصبغة وابتسام # وبدا العشب في اخضرار حبيب كانتعاش الرجاء عند السلام # وتلوح النخيل منفردات في مثال الهياكل المنثوره # وكذاك الأتباع حاكوا التماثيل خشوعا وروعة مستوره # وتراءى النيل الوفي بلألاء رشيق وساكن الشط ساجي # فهو فرحان بالوليد ولكن ذلك الشط منذر لا يداجي # فرحة ثم في ارتياب وخوف وضياء بظلمة في سبات # هكذا جانب المنية «موسى» وهو طفل مشرد في الممات # لعبت دورها المقادير حتى خلقت حوله من الروع ~~أمنا # إن لهو المقدار والحظ فنان جريء، وكم حبا الشعر فنا! # النساء الغلمان # أسفي على هذا الجمال مزيفا # أكذا الحسان تعد في الغلمان؟ # أين الأنوثة؟ أين أين دلالها ms066 # وحنانها بحديثها الفتان؟ # لا كان قص الشعر إن ضحى لنا # حلو الشعور وعطفك الروحاني # أعرفت يا من جنسها شرف لها # مجدا ولست له الأصيل الباني؟ # لم ألق في دنيا العظائم حادثا # لم ترعه لك بالنشوء يدان # وكأنما كنز الحياة وسرها # في حسنك المطبوع والفنان # فإذا عبثت به عبثت بحظنا # وبغاية الفنان من إحسان # وإذا رعيت جلاله وكماله # خلدت سلطانا على سلطان # الشرر # هنيئا لكم بجنان الحياة # وأهلا بنيرانها تستعر! # سأحيا بها وهجا من ضياء # وأفنى بها رجما من شرر # وأشرب من كأس هذا اللهيب # وأضحك من ضحكة للقدر! # وما النار إلا شراب الحياة # فأرضعت الدهر حتى ابتدر # أعيش كما تسبح النيرات # بهذا الأثير بعيد الأثر # أجوب الوجود ولي مهجة # تعادي الأمان وتهوى الخطر # تئن ولكن أنين اللهيب # إذا هو أوشك أن ينفجر! # وأعتنق الحب دين الحياة # ودين الممات الذي لا يذر # يرف علي بأمواجه # رفيف النسائم فوق الزهر # ويشبع لي لهفة لا تنام # وإشباعها نهم ما استقر # فأمرح بين اللظى والشعاع # كما يمرح الموت ملء الشرر! # قدسية المرأة # غبنوك حتى لم يعد لك بينهم # شأن سوى شأن المتاع الفاني # وكأنما لم تخلقي أحلامهم # وسعادة الإنسان بالإنسان # ورضيت غبنك في خضوعك تارة # أو في التوسل بالشذوذ الجاني # فتدفقي يا نبع آمال الورى # بحنانك المزري بكل حنان # وتجملي بإبائك العالي الذي # يفتر عن فن وعن إيمان # ودعي لشاعرك الوفي غرامه # بجمالك الروحي والجثماني # حتى يرتل للخلود بيانه # وروائع الفنان للفنان # ويصان حسنك عن غباوة عالم # لاه عن الحسن العظيم الباني # ويثار في تقديسه آياته # فيتوب عن عبث وعن كفران ~~••• # من ذا يجلك ثم يحسب وصفه # لك غير تقديس وغير تفان؟ # ولكم يصيح العمي باسمك بينما # هم ينعمون بظلمة العميان # نعتوا الإباحي الأثيم تفنني # في الوصف عن صدق وعن إحسان # والصدق لون من عبادة مهجتي # وعبادتي شتى من الألوان # الحكمة الخالدة # راح يسعى طالبا من كل شي # قبس الحكمة أو بأس العتي # راح يسعى دائبا في فرحة # وهو كالمعتز في نصر الكمي # جاهدا ms067 حتى إذا أوفى على # غاية الحكمة والمجد الأبي # صار لا يغبط إلا جاهلا # أو غبيا يفهم الكون الغبي! # الأوراق الميتة # ترعرع روضي يوم حان ربيعه # ولكن من الأوراق ما سقطت رغما # وما كل نبت مورق عند ريه # ويا رب نبت كاد بالماء أن يظما # كذلك بعض الناس حين تصونهم # وتنفحهم ودا وتشبعهم علما # كأن خلقوا للجدب في كل حالة # فإن نقلوا للخصب زادوا به لؤما # وما أنا من يأسى على فقد جهده # فمن عثرات الفهم نستكمل الفهما # تكشف روضي عن غصون مريضة # وهل كان يرضاها سوى البصر الأعمى؟ # لقد سقطت أوراقها من سقامها # كما يقع المرضى فرائس للحمى # فطهرت روضي من كريه أبوة # وأعليت نفسي أن تكون لها أما # وما كل سقم ذاهب من رعاية # فإن سقيم العطف قد يورث السقما # ألا فليغن الشامتون فإنني # أعيش بدنيا لن تبادلهم ذما # حوت مثل العليا لنفس أبية # فمن خانها لاقى الدنية والوهما # ومن شاء أن يهوي إلى الترب لم يكن # بأهل لأن يلقى لمحمدة طعما # وفي الناس من يحيا نضيرا على المدى # وآخر ترعاه فتستشعر اليتما # ومن قال إن النفس والجسم واحد # ففي وهمه لم يفقه النفس والجسما # المرسم # يا مرسم الألوان والأضواء # هلا ادكرت خصاصة الشعراء! # أرصدت للنهم المصور بينما # نحن الأحق بأنفس ومرائي # الشعر أحوج للمثال معززا # معناه أو مبناه في الأحياء # عيناي في ظمأ إليك ومهجتي # ظمآنة كتخيلي ورجائي # من لي بساعات الخشوع طويلة # تقضى لديك مع الجميل النائي # فأعود أنقش باليراعة مؤمنا # بالسحر والإعجاز والإيحاء؟ # هذي الأشعة والظلال جميعها # صور الفنون تدثرت برداء # والشاعر الكشاف ينفذ خلفها # فيرى الجمال بروحه الوضاء # لا خير في شعر إذا هو لم يكن # من هذه الألوان والأضواء! # أرنو إلى الحسن الأصيل كأنني # أستوعب الدنيا بعين الرائي # فإذا حرمت فأي دنيا مثله # للشعر في الأطياف والأصداء؟ ~~••• # يا مرسم الألوان والأضواء # هلا ادكرت خصاصة الشعراء؟ # حلم الفراشة # تطير إلى الزهر في خفة # لتمتص منه الرحيق الشهي # وما تتمنى سوى زهرة # تبادلها لونها القرمزي # تحوم ms068 عليها وتنشق منها # جميل الشذى، فالشذى نفسها # وتأبى التحول في النور عنها # فإحساس زهرتها حسها # كأنا بزهرتها أصبحت # فراشتنا الحلوة العاثره # وتلك الفراشة حين انتشت # على النور زهرتها الطائره # تبادلتا ما لكلتيهما # من الحظ والصورة الفاتنه # فصان التبادل نفسيهما # وعاشا به عيشة آمنه! ~~••• # كذلك تحلم في لهوها # فراشتنا الحرة الباسمه # فدعها تغازل في وهمها # خيالات ساعاتها الحالمه! # في السماء # كم دعاء وبكاء ورجاء # بعضها بالبعض في الجو اصطدم # قد تناهت في أني الكهرباء # وتلاشت في وجود كالعدم! ~~••• # مجمع الأضداد، كم معنى به # مضحك والمحزن المشجي أخوه # كل معنى تائه في سربه # كل معنى ليس يدري من ذووه! ~~••• # تعجز الأرباب عن حل لها # فهي ألغاز بنعمى ونقم # أي رب لو يلبي سؤلها # ينصف الأحياء أو ينفي الألم! ~~••• # هي فوضى من أعاجيب الحياه # بين أنفاس ضعاف ثائره # أبرياء الناس فيها والجناه # جمعتهم داعيات الآخره ~~••• # أي قاض باسم عدل يستطيع # حكمه في رغبة الخلق السواء؟ # أي عدل إن مشى بين الجميع # يعرف الجاني ويدري الأبرياء؟ ~~••• # هذه أنفاسها قد حملت # ما حوت أجواء هاتيك السماء # كم نفوس حكمت أو ذللت # وزعت أنفاسها ملء الهواء! ~~••• # هكذا الماضي بما فيه لنا # ذكريات وغذاء وهواء # إنما الماضي ومستقبلنا # أخوا الحاضر أو كالرفقاء! # ذباب الصيف # هجم الذباب كأنما ثأر له # هذا الهجوم بغضبة متطايره # ما باله مثل الهموم تتابعت # أو كالرشاش من الجيوش الكاسره # نفنيه، لكن لا يزال وفوده # فكأنما يحيا ببعث الآخره! # العناكب # حاكت مصائدها وما غفلت بها # لكنها عرفت ضلالة صيدها # سكنت إلى حيل الدهاء بنسجها # فإذا الضحية خودعت في زهدها # كم من رجاحة مبصر في ضعفه # غلبت نزاقة أكمه من جندها # الدهر أستاذ الدهاء فمن يعش # غرا بدنياه تمته كعبدها # المتمنية # لمن تسوقين منك أمنية؟ # أدنى أمانيك بات أقصاها! # لم يقبل الدهر ذل غانية # إلا وقد عاف حلو مرآها # لا خير في مقبل وقد فضحت # دنياك عن منتهى نواياها # لا تخدعي بالرجاء واقتصدي # فقلب دنياك من ضحاياها! # ماتت ومتنا نحن ميتتها # فمن عجيب رجاء موتاها! ms069 # الثمن المدفوع # وذي غدر يود خداع حلمي # وبعد الغدر يدعوني صديقا! # فقلت له: خسئت! أبعد شتمي # وإيذائي تضللني الطريقا؟! # دفعت جميعه ثمنا لبعدي # عن الغدر الذي طعن الرفيقا # فكيف تريدني من بعد دفعي # أطيقك أو أجدده مطيقا؟! # طفلتي الشاعرة # أولعت طفلتي «هدى» بالمعاني # في جميع المشاهدات الحسان # فهي تعنى بما حوته الشفاه # كيف صاغ الجمال منها الإله؟ # وهي تعنى بالموج حلوا صغيرا # كصغار الأطفال حاكوا الهديرا # وهي تعنى بالزهر والعطر فيه # أين قد خبأته أيدي ذويه؟ # والنجوم التي تطل حيارى # كيف تبدو وكيف تخفى مرارا؟ # والهلال الذي مع الليل ينمو # أتراعيه في حمى الليل أم؟ # والندى والضباب من أي نار # طوقا الأرض هكذا بالبخار؟ # أتعبت ذهنها الصغير بكد # وأبوها بالفكر أتعس عبد # قلت: يا طفلتي وقيت الخيالا # فهو يبني ويهدم الآمالا # قد بحثنا الوجود لفظا ومعنى # ورجعنا والكل باك معنى # وبلغنا بالشعر أرقى السماء # ثم عدنا بذلة الكبرياء! # المستبد العادل ~~(رفعت إلى جلالة الملك فؤاد الأول لمناسبة عودته إلى عاصمة ملكه في 25 نوفمبر سنة ~~1933.) # ضجت لرحمتك البلاد وأعولت: # أين العظيم المستبد العادل؟ # أين ابن إسماعيل؟ أين أبو النهى # والحزم: من نعنو له ونقاتل؟ # من ذا سواك وهذه أحزابها # طاشت، وكل في المهازل غافل؟ # لم يبق غير التاج موئل خوفها # وحماك لا يرجو سواه الوائل # غرقت ببحر الحادثات وحاولت # تجد النجاة، فأين أين الساحل؟ ~~••• # مولاي! تقصف بالمدافع فرحة # وتهش بالبشر الوفي منازل # والناس تهتف في رجوعك سالما # ويظلهم أمل وحب شامل # فاسمح لشعري أن يردد فرحة # أخرى يرددها المروع الذاهل # قتلت # 33 # كموتى الريف لم يعبأ بهم # أحد، ولم يخش القضاة القاتل # هو ذلك الفقر العميم، ومثله # ترعاه في كنف الولاة مهازل # لو أن أهل الحكم هبوا هبة # ليصان ما ديس الكدود العائل # لكنهم قنعوا بما عهدوا فما # عبأوا كأن الحادثات مهازل # لولا رعايتك الأبية لم يقم # في مصر صرح مشرف متطاول ~~••• # أزجي إلى العرش السني تجلتي # وأبث عن قومي الذي أنا حامل # وأزف تهنئة البلاد وإن تكن # في الموت ms070 يخفق تربها ويسائل # فرحت بعودتك الوفي لحبها # والندب إن فقد الوفي الباسل # والعبقري بكل جدب نفحة # لذكائه، وبكل خطب صائل # خذ أنت بين يديك كل زمامها # ما كان غيرك في العظائم جائل # شورى الحياة غدت شرور حياتنا # والكل فيها العاجز المتخاذل # ونرى الوزارات الحصون كأنها # للعابثين المفسدين معاقل # قد ذقت منها اللوعتين، وربما # يمتن بالعبث المسيء الجاهل # هذي بيوت الداء يفقر شعبنا # منها، ويهتبل # 34 # الغبي الخامل # وتزينها الرايات لكن تحتها # يلهو ويسحقنا ويجني الباطل! ~~••• # مولاي هذي مصر يؤكل أهلها # بعضا لبعض، والعتو الكافل # ولديك أنت وما لغيرك عدلها # فاصدع فأنت المستبد العادل # في الأصفاد # أعود إليكم أنتمو أهل موطني # أهيب لعلي أستثير جوابا # على أي مجد فرقة بعد فرقة # أم المجد أن نلقى البلاد خرابا؟! # يئست ولكني على اليأس آمل # وإن نلت منكم لعنة وعذابا # أترضون هذا الذل دستور عيشكم # وتحيون للوهم العميم غضابا # وقد بيع هذا الترب غبنا وضلة # ولم تعدلوا في الحالتين ترابا؟! # إذا عدت الأصفاد زينة أهلها # فلا بدع إن عدوا الممات غلابا! ~~••• # سخطت وهل لي غير أبناء موطني # لحبي وسخطي مغفلا ومجابا؟ # سخطت وهذا بائس إثر بائس # تمرغ في هذا التراب وغابا! # لقد ملك الدنيا العريضة أمسهم # فما بالهم حالوا لقى ويبابا؟ # أعنفهم تعنيف من روحه لهم # ومن ذاق ما ذاقوا أذى وعقابا # أرى الدهر يملي كل وعظ وحكمة # عليهم فيأبون الصواب صوابا # ويحيون في أمن الجبان بذلة # ولو عقلوا خاضوا الممات عبابا # هو السلم في نار المدافع والقنا # هو العيش أن نأبى الحياة كذابا # وأن نرغم الأعداء إرغام مؤمن # يغيث رقابا أو يطير رقابا # وأن نملك الأرض التي نحن أهلها # ونخلق من هذا السحاب قبابا # وإلا فما أخزى الحياة مهينة # وأعقلنا ألا نعيش كلابا # وأن نجعل النيران سقيا لغرسها # ونبعث من هذا المصاب مصابا! # رقصة على بركان # أجل! هذه رقصة للجنون # على حافة اللهب المستثار # سئمتم دعائي، سئمتم حنيني # فماذا انتفعتم بغير الدمار؟! # إذا كنت أقسو عليكم فإني # أغار عليكم فداء بنفسي # وكم من ms071 مجاملة محض جبن # ويأس، ولست لجبن ويأس # تركتم مواطنكم للهلاك # وبركانه قاذف بالحمم # وصرتم إلى رأسه في عراك # كأن البطولة محض العدم! # وأين البطولة غير الفداء # بأرواحكم لبناء الوطن؟ # فأما النزاع لغير انتهاء # فعار، وعار دوام الفتن # أترضون موت الخصام العنيف # ورقصتكم فوق هذا اللهب # وتأبون صدق الإخاء الشريف # لموطنكم وهو يلقى العطب؟! # عباد الشمس # يا زهر عش للنور والشمس # أنا ما حييت فداهما نفسي # شمسي وشمسك ما لنورهما # إلا أماني الروح والحس # بددت ما بددت من شجن # وطرحت ما ألقيت من يأس # إنا كلانا للفناء، فما # أغبى الذي يبكي على أمس! ~~••• # ترنو إليها دائما فرحا # وتبوح بالخطرات في همس # ما أنت أول من تتبعها # بالروح في أحلام ملتمس # كم أمة عبدت مشارقها # فإذا بها نهب لدى الغلس # تهفو وتضحك أنت في شغف # والدهر في تصميم مفترس # وأخوك قلبي في تطلعه # كتطلع المسجون من حبس # لا شيء إلا الموت غايته # ويعيش مثلك عابد الشمس! # الباكية # أبكيتها في لهفة والدمى # ترنو إليها في أسى ساهمه # أبكيتها لا عن مدى قسوة # لكنما عن مهجتي الراحمه # لم أبكها إلا وفي ظنها # أني الأب القاسي وأني الخصيم # ففارقتني وهي في همها # تستصحب النوم بطرف أليم # فبللت خدا كما بللت # بالدمع خد الدمية النائمه # يا ليتها قد أبصرت عبرتي # إذ شمتها في نومها باسمه # كأنما البسمة من سخرها # وهذه الدمية لي عاذله # ما هذه اللوعة من طفلتي # والبسمة السمحة والقاتله؟! # لطفية النادي ~~(تحية أول طائرة مصرية في يوم فوزها.) # لطفية النادي. # يا يوم أنت قرين أعياد # وسناك خلف جمالك البادي # ما كل يوم يستعز به # ولرب يوم رمز عباد # قد كدت أيأس من بني وطني # فنقمت من يأسي وإلحادي # وأريتني لفتاته مثلا # يحيي الرجاء ويلهم الشادي # إن ينس فتيان الحمى زمنا # روح الفداء فروحها الفادي ~~••• # أهلا برائدة الهواء لنا! # أهلا بها «لطفية النادي»! # سبقت إلى مجد تسجله # والمجد مخلوق لرواد # ذهبت بكل قيود غفلتنا # وسمت بنبل شعورها الهادي # طارت وعين النسر في خجل # وكأنها طارت ms072 لآباد # وعيوننا أسرى تتابعها # وترى الدقائق طول آماد # غزت الهواء كغزو غفلتنا # وسمت على معهود أسداد # وتجول في ميدانه فرحا # فرح العزيز بفخر أشهاد # والشمس ترسل من أشعتها # جيشين من خاف ومن باد # حرسا لها ولنا تطلعها # فكأنها حيطت بأجناد # وكأنها رمز لأمتها # في حلمها وضراعة الوادي ~~••• # يا بنت مصر أرى بطولتها # مثلتها ألقا لمرتاد # عدتك آثار لها شمخت # كالوحي من دعوات أجداد # لبثوا قرونا في مقابرهم # يترقبون نهوض أحفاد # ناموا فما نامت رسالتهم # وكأنها طارت بميعاد # فإذا هتفنا اليوم من فرح # فهتافنا من أمسنا الصادي! # الوفاء الذبيح ~~(إلى الصاحب الغادر) # مدحت ما مدحت لكن # هيهات أن أنظم الهجاء # يسرني ما مدحت يوما # لا ذم خلي إذا أساء # سأحفظ الذكريات شدوا # يزين الشعر والغناء # وكلما لم أجد وفاء # أو كلما زدتني عداء # رجعت أستنشق الأماني # في مدحي المزدهي ولاء # وعشت في الذكريات أبكي # وليتني أرتوي بكاء! ~~••• # قد بعتني غادرا ولكن # ما نلت من بيعتي ثراء # بل زدت فقرا وأي فقر # فأنت من بدد الإخاء # رضيت والله أن تفدى # لو كنت من ينشد الفداء # لا الختل إذ تزدهي جحودا # بالود أو تزدهي رياء # وكل ذنب يهون لكن # لا ذنب من يذبح الوفاء # ومن يجازي بكل كيد # من يشتهي الناس أصدقاء! ~~••• # تواضعي ذقته طويلا # فهاكه الآن كبرياء! # عذراء بختن # The Maiden of Bekhten # ذاك «رمسيس» والوفود حواليه بأشهى الحلي والعبدان # والأغاني تسيل في لهف العيدان حينا وفي حنين الغواني # زن منه اليمين في جلسة الفن كما زان مطمح الفنان # وعيون الأتباع في شرف الملك تباهوا بين الهدايا الحسان # وضخام المراوح الجمة الوشي تزف النسيم قبل الأوان # ونقوش البهو البهية ألوان تحاكي الربيع في الطيلسان # والهدايا تختال من كل ركن يتسامى وكل ركن يداني # والمليك العزيز ينظرها شزرا وإن حملت فنون المعاني # ما يبالي بها وإن أكبرتها تحف للجمال ملء الزمان # حين حكامه تفانوا بما أهدوا وجازوا به حدود التفاني # ثم لاحت «عذراء بختن» في الشف فكانت حورية المهرجان # هي أشهى ما يستطيع ms073 أبوها من هدايا تبز سحر البيان # فتخلى رمسيس عن عرشه الفخم إليها والعرش في الزهو ران # جذبته إلى صباها وكانت آية الملك والمنى في ثوان! # جل مجد الجمال، فالمجد في الدنيا فناء ومجده غير فان # ورموز الأرباب شتى ولكن هو رمز الموحد الديان # الدهر الساخر # سمعنا صياح الدهر في الرعد ساخرا # بأبنائه والدهر يوغل في السخر # لقد جعل الزنديق في الناس مؤمنا # كما جعل الإيمان لونا من الكفر # وبدل من مقياس كل حقيقة # وتوج إحسان البرية بالغدر # وما فاه إلا للخئون بحكمة # ويا ما أقل الوعظ والصدق للدهر: # 35 ~~«لئن كانت الدنيا أفادتك ثروة # فأصبحت منها بعد عسر أخا يسر # لقد كشف الإثراء منك خلائقا # من اللؤم كانت تحت ثوب من الفقر» # بائع الأحلام # جمعت أحلامي ورحت مناديا: # هل مشتر يهفو إلى أحلامي؟ # فتضاحكت حولي الطبيعة حلوة # كالأم عاطفة على إلهامي # أنا بائع الأحلام شتى، كلها # عجب من الأضواء والأنغام # لم أبنها يوما بفضل معلم # إلا الأسى وهوى فؤادي الدامي # لعب الخيال، وكم بها من مظهر # يستجمع السامي وغير السامي # فيها المثلم والجريح، كما بها # ما اختال من حال ومن بسام # وأنا الصغير الطفل في فرح بها # وكسيرها كسليمها لغرامي # والأم تضحك من غروري تارة # وهنيهة تأسى على أوهامي # لم ألق في الدنيا جميلا يقتنى # ويباع غير روائع الأحلام! # قطتي المتصوفة # لقد تقشفت عمري # فما خسرت كثيرا # فهل تصوفت مثلي # وقد هجرت القصورا؟ # رضيت خبزا كسيرا # ونلت قلبا كسيرا! # ليلة في الصيف # A Summer Night # آمن بالبدر المطل حنانه # حتى ينام على بساط الماء # فخلعن أردية كأن بقاءها # كفر بما للحسن من آلاء # وجلسن والنوم المخادع ساحر # أحلامهن بروحه المشاء # فلبثن بين تناعس لا ينتهي # والنوم في شغف وفي استحياء # والدفء في الجو الحنون كأنه # أمل الحياة يبث في الأحياء # وكشفن لليل الصديق نماذجا # للشعر فهو معلم الشعراء # من كل جسم نوره وظلاله # مجلى الفنون بنفحة عذراء # نتسمع الأنغام ملء سكونه # ونعد رؤياه من الصهباء # ونرى به فصل الربيع وإن ms074 يكن # في الصيف فتانا لحلم الرائي # وإذا الطبيعة في سكون شامل # والحب فيه يثور كالأنواء! # السعادة المجنحة # أتحسبها تقر لديك خلا؟ # فهل أنسيت أهواء الغواني؟ # فداعبها إذا ما شئت طيفا # يمر كما تمر بك المعاني # إذا حاولت تخطفها تلاشت # تلاشي الوهم في دنيا العيان # أبت عيش الإسار فباعدتنا # ونحن بأسرنا أبدا نعاني # تراها كالضياء بكل لون # وتمسكها فتفقدها اليدان # كأن السحر يملؤها حياة # ولكن كلها بالسحر فان # تطير إذا تتبعها حبيب # وتهبط حيث لا يرجى التداني # ولم نترك محلا لم تزره # على صور منوعة حسان # وكل يشتكي وصلا وهجرا # وقد باتا بها يتساويان # وكم جادت وكم بخلت ولكن # لها سوق تروج من الأماني # نبيع حياتنا لننال منها # خيالا يستحيل إلى دخان # فتخدعنا وتقهرنا وتمضي # بأجنحة القساوة والحنان! # الجاسوس # حاربتني الحياة حتى دعتني # أن أعاف الرضى وآبى السلاما # ذقت منها العذاب والمر ألوا # نا فدعني أذيقها الانتقاما! # لست بعد الذي تجرعت منها # أشتهي عطفها وأرضى هواها # سوف أمضي منقبا عن مداها # ثم أفشي عيوبها وأذاها # أنا بالفن دائب الكشف عنها # فهو نعم الجاسوس نعم الحليف # أنا أحيا بالفن فهو غذائي # وانتقامي، فما الحياة الرغيف! # أخت أفرديت ~~(لمحة من فرين Phryne ~~، أروع مثال أبدعته ~~الحياة.) # في قديم الزمان عاشت على جمع البراعيم من نضير الحقول # شبه فلاحة يصاحبها الفقر وإن أسعدت بحسن نبيل # ثم زارت في «إلوسيس» # 36 # حلى البحر بعيد للحسن زاه مؤات # فتجلت في نشوة ومراح من حنان الصبا ووثب الحياة # وجرت للمياه في غير حرص والغواني مداعبات إباء # فنزعن الإزار عنها ولكن صانها البحر عفة وحياء # ذاك يوم «فرين» قد سجلته في حياة الفنون والفنان # ألهمت فيه عبقريا وفنا «لأبليس» # 37 # سيد الألوان # قد رآها ذاك المصور إعجازا وآي الطبيعة الفتانه # فأبى أن يفوته بعض جدواها ومن حسنها رأى إحسانه # ودنا والجموع ترقبها حيرى وقد أوشكت تفوت المياها # داعيا وهي من جلالته تصغي وترعاه رهبة وانتباها # وإذا منتهى أماني «أبليس» اتخاذ النموذج الحي ربه # راسما وحيه مفاتن دنياه، مذيبا ms075 له كما شاء قلبه # وإذا «أفرديت» تاركة البحر تجلت عنها برسم الخلود # صورة تنبض الحياة بها نبضا وتوحي لنا بمعنى الوجود # كم أديب وشاعر فيلسوف وعظيم مصور معدود # صار لا يرتجي سوى الوحي منها ويراها مآل حلم السعيد # فإذا بالفنون أسرى لديها وإذا سحرها حياة الفنون # وتملى «بركستيليس» فيها ما يراه الفنان أشهى الجنون # شام فيها «فينوس» واختار أن يودع هذي الألوهة الصخر نحته # يقطع الصخر في ذهول عجيب بينما ينسخ التفنن موته! # هكذا أصبحت «فرين» مثالا للجمال المقدس التياه # كل فن يرى بها ربه العالي، فمنها استمد روح الإله # بلغت غاية النفوذ وصارت في الغنى قوة وأي مليكه # حمدتها دنيا الجمال ولكن لم تهب مرة أذى أو شريكه # بل أفاضت على روائع يونان بهاء من سحرها العلوي # كم جمال في صورة وقريض هو بعض من وحيها الأبدي # غير أن الدنيا الحقيرة شاءت أن يجازى الجمال شر إساءه # فادعت ما ادعت عليها لتلقى موتها وهي شمسها الوضاءه! ~~••• # وتولى الدفاع «هيبريديس» # 38 # ولكن رأى النجاة محالا # لم يفدها دفاعه الرائع الداوي ولم ينقذ الذكاء الجمالا # وبدا اليأس شاملا، فتمادى نازعا عن جمالها الحي ستره # صائحا: أيها القضاة! إليكم قدرة غلبت على كل قدره! # هذه لمحة الألوهة جاءت في «فرين» العزيزة المحبوبه # ألهمت كل شاعر وزعيم في الفنون المآثر الموهوبه! # هي فوق القانون في كل شيء فهي رمز الحضارة الفنانه # ولها الحق أن تصان وتحمى قبسا من ألوهة فتانه! # هي مرأى الإعجاز تبعثه الأرباب للناس كي يشيموا الألوهه # هي فخر الحياة في هذه الدنيا نسينا بها الهموم السفيهه! # إن جسما كذلك الجسم لا يقتل بل يحتويه للفن معبد! # أي قاض ضميره يحمل الوزر إذا ما قضى بموت وأيد؟! ~~••• # فإذا بالقضاة قد برءوها ودوي الشعب المحيي كريم # فمضت في الأسى لتشكر «فينوس» كما يشكر الحميم الحميم # ساعة الأبدية # تركنا خلفنا الضوضاء تطغى # ويبسطها على الأحياء حمق # وجئنا «النيل» نقرؤه هوانا # وتشرحه على الأفنان ورق # كأن «النيل» معبدنا المفدى # وفي أعماقه للحب عمق # جرى ms076 فجرى به أبد سحيق # من الأحلام ليس لهن أفق # خواطر من فؤاد الدهر سالت # وفي لألائها أمل وشوق # تملينا الجمال يرف فيها # فليس جماله مما يعق # إذا حق الخشوع على جماد # أليس على الحياة إذن يحق؟ # تملينا بهدأته نعيما # له في هذه النسمات نسق # وقبلنا العواطف في شفاه # كأنا شبه أفراخ تزق # وكنا وحدنا لكن شعرنا # بدنيا للملاحة تستدق # تحف بنا وتمنحنا رضاها # من الوهم المحبب وهي صدق # وتحسب وحدها في العمر عمرا # فليس لنا سواها يستحق # نشق لها من الظلماء حصنا # عتيا في الصبابة لا يشق # ويحمينا النخيل فما نبالي # أيحجب خلفه برق وصعق # وتهتف حولنا الأطياف سكرى # وليس لهن حين لهن نطق # ويخفينا الغرام فلا ترانا # وإن ملأ الهواء منى وعشق! # الألحان السجينة # تلك القماري والكروان صادحة # كأنها أنبياء الحب للناس # هي الحياة بأفراح ترددها # لليائسين فتجلو ظلمة الياس # هيا استمعها ودع طيرا كلفت به # رهن المحابس في أموات ألحان # لحن الطليق ترى روح الحياة به # تطير ما بين أفنان وأفنان # يا صاحبي! كل ما في العيش من أثر # حال تراه عدوا للتقاليد # ما في الطبيعة إلا كل محسنة # فاغنم حياتك من هذي الأناشيد # اذهب إليها ودع أسرا تضيق به # ذرعا وحرر أسير الطير يا صاح! # لن يغنم الفن صداحا يقيده # بل يبعث القيد أتراحا لأتراح! # الزائر الخائف # أهلا بزائرنا الجديد «الهدهد» الخاشي أماني! # ماذا؟ أتخشى يا عزيز الحسن فنانا يعاني؟ # أبدا يتابع كل حسن كعزاء لهواه # ويصونه أضعاف ما صانته غايات الحياه # انظر! تأمل ما تنال دواجني من صحبتي # فأنا الأسير لها وإن عدت أسيرة رغبتي! # النحل مالكة الهواء سعيدة بحديقتي # وحبيسة الغالي الدجاج أليفتي وصديقتي # وأرانب الصوف الجميل تألقت نظراتها # الحب يجمعنا ولم تدر الهموم حياتها # بينا الحمام يطير في فوج كأحلام الربيع # لم يخش من شغفي فعاد إلي في نسق بديع # فإذا أردت فمرحبا بك ضيفنا وصديقنا # وإذا أبيت فليتنا ندري رضاءك ... ليتنا! # القديس ~~(أهداها الشاعر إلى صديقه الفنان شعبان زكي.) # شعبان زكي (بريشته). # يا ms077 صديقي أنت كالقديس في هذي الحياة # أنت حي بين أموات أساءوا للممات! # ثاويا في عزلة كالصخر في بحر الطغاة # تقبس النور من الظلمة بل من ظلمات # ترسم الأصباغ شعرا قد تعالى عن رواة # لغة يفهمها الأحياء من دون اللغات # أين هم يا فن؟ أين الناس؟ في أي الجهات؟ # لا أرى إلا نجوما هامسات باسمات # علها الأحياء في الدنيا وأهل النظرات # هن لن يخذلن فنانا على الأرض الموات # سابحات في محيط الدهر في ماض وآت # باحثات عن فقيد الفن بين النيرات # عازفات في مجاري الكون لحن الكائنات # عش وترجم أنت من أسرارها أغلى الصفات # في نقوش كلها آيات فن أو صلاة # تبعث الألحان في النفس بلمح الخطرات # كلها صدح وصمت هو كالصدح مؤاتي # قنصت أطياف أضواء على لحن شتات # لهجت بالصفو حينا ثم حينا بالشكاة # يتمشى الحب فيها بالمعاني الخالدات # أي وحي غير وحي الحب يبقى للحياة؟ # لا أرى إلاه نورا ضائعا بين الهواة # مجمع الألحان، لكن أين أفواه الشداة؟ ~~••• # يا صديقي! ذلك الإلهام فيض النشوات # يتوالى في ازدحام بالمعاني الرائعات # عبقري الوحي يهوى عبقري اللمحات # أوحيد أنت يا من نال هذي الملهمات؟! # من دهور تعرض الكون ببعض اللحظات # من نعيم سرمدي في ثوان قلقات # كلها طوع لما تهوى بأشهى السكرات # كلها صاد إلى الفنان محيي كل ذات # وكأن الخلق وهم دونه حتى يؤاتي! # فتقبل حبها الغالي ومحسود الهبات # هي في الأحلام سكرى وهي سكرى اليقظات # راويات سيرة الدهر وآيات العظات # هي أقصى من محال وهي أدنى الراويات # ثائرات خاضعات، خاضعات ثائرات # كلنا الجاهل ما تعني، سوى الفن ... فهات! # هات ما تبدع في محض خشوع وتقاة # من مراء ومعان وصفات وسمات # كلها من عالم خاف وطوع اللمسات # تتجلى فتراها بنهى للفن عات # ثم تحييها ضروبا من حياة شائقات # أنت يا فنان شعب خاسر في الغمرات # إن تناس الناس لم تخسر سوى عطف الجناة # كم ضحايا لفنون وضحايا لأذاة # فلتعش للفن قربانا وعش أسمى أداة # وإذا الناس تناسوا فتقبل قبلاتي! # المتعبد # هدأة ms078 الليل أنت صومعة الحب فروح تهفو وقلب يرف # ظلمات هي الضياء لنفس بسمو الإيمان تسمو وتصفو # نام أهل الغرام بعد سهاد وأنا ساهد به أستخف # سكروا بالهوى ولكن سكري بمعان عن الإله تشف # خمرتي ذلك التأمل في الليل فأعلو في حين غيري يسف # قد تذوقت كل راح وعندي أن راح التعبد الحر صرف # نظراتي إلى الوجود عبادات لربي وصمته السمح عطف # لي عيون من صفو نفسي تناجيه فما يسعف التصوف طرف # وأنا ذلك الضعيف ولكن في حماه لا يعرف النفس ضعف # لغتي من حنان هذي المباني والمعاني # 39 # وما لها بعد حرف # لغة للصموت وهو بليغ، رب صمت له بيان ووصف # إنني سابح وكوني محيط ومماتي أمن وأمني حتف # وحياتي لولا مناجاة خلاقي فناء، فإن نبعي يجف # خمر الحياة # لم أذقها إلا قليلا ولكن # أنا دوما كالشارب المتحسي # أتملى الحياة شعرا وأحكي # وقعها الحر في جوانب نفسي # لا تظن الظنون بي فشفيعي # خاطر طائف على كل حس # كم عرفت العميق من سكرة الحر # مان في حين تملأ الخمر كأسي # 40 # أكتفي بالدنو منها وأرنو # للظاها كعابد نار شمس # لا تلمني فلست تعرف ديني # هو أسمى من كل طهر ورجس # هو معنى يجل عن كل وصف # وهو صدق يجل عن كل حدس # هو نفس الألوهة المتفاني # في مداها مدى رجائي وأنسي # من ضياء الإله قد خلقت نف # سي ومن ظلمة الورى جاء يأسي # وأرى الله في الحياة فدعني # عابدا غافرا لأبناء جنسي # إن هذا «الينبوع» لله قربا # ن فهمسي له إلى الرب همسي # كم طهور من نظرة الرجس رجس # وسواه بالطهر للطهر يمسي # فأنا عابد الألوهة في كل # مجال، وللألوهة نفسي! # ليالي الرمل # قد سألنا الآمال عنها ولكن # ما تزال الآمال عطشى سغابا # عللت بالغرام فيها فشابت # في ارتقاب وما برحن كعابا # حلل السحر حينما حرم الشع # ر متاعا نحسه وانتهابا # في ليال كأننا أفقر النا # س جميعا ونشبه الأربابا # وكأن الغريب عنها غريب # عن غناها يرى الضياء الضبابا # كم عرفنا ms079 الجمال طيفا عجيبا # وشربنا الهوى خيالا عجابا # ثم عدنا وما ملكنا سوى البث # كأنا بها فقدنا الشبابا # ونظمنا له الأناشيد لهفى # في خريف يقضي الليالي انتحابا! # صلاة # لدى سرر لأولادي # أبث الحب منفردا # صلاة الليل من قلبي # وقد ناموا كما سهدا # على نظرات مفتون # تقبلهم فما ويدا # تتابع حلو أنفاس # ونحصيها لهم عددا # وأركع شبه مبتهل # ولم أك داعيا أحدا # كأن الليل عابدهم # فحالي حال من عبدا # أرى الإيمان يغمرني # فلست بمسرف أبدا # ولكني أب حان # أحب الله والولدا # وقد جمعا بنظرته # وفي أحلامها خلدا! # مدام رولان # مدام رولان صاعدة درجات المقصلة. ~~(كانت مدام رولان قدوة فرنسا المتأهبة لثورة الإخاء والمساواة والحرية، وكانت تكره ~~التمادي في العنف لفطرتها الشاعرة الرقيقة، وقد تألف برعايتها ورعاية زوجها حزب ~~الجيروند، ولكن المتطرفين «اليعقوبيين» أساءوا الظن بهؤلاء الأحرار الذين احتضنوا ~~الثورة فنكلوا بهم، وقد فر بين من فروا السيد رولان، وسجنت زوجته شهورا، وعوملت ~~أسوأ معاملة، ثم أعدمت في النهاية ... ويؤثر عنها أنها لما صعدت درجات المقصلة أظهرت ~~منتهى الشجاعة، وكانت تود قبل إعدامها أن تدون خواطرها، فأبوا عليها ذلك، وحينئذ ~~التفتت إلى تمثال الحرية في ميدان الإعدام، وقالت بأعلى صوتها جملتها الخالدة: «أيتها ~~الحرية! كم من جرائم ترتكب باسمك!» وحفظ التاريخ لمدام رولان أنها أنبل امرأة عرفتها ~~فرنسا الحديثة.) # ألا في سبيل العدل تلك المظالم # فقد عز مظلوم كما هان ظالم # خلدت بدنيا الحق والحق خالد # ومت بدنيا البطش والبطش راغم # لئن خانك القوم الذين خلقتهم # بروحك فالحي المسامح غارم # وما هذه الدنيا بدار عدالة # ولو أن روح العدل حي ودائم # حضنت لهم أسمى المبادئ حرة # فلما نمت عادت عليك المغارم # فيا عجبا! هل يحصد الغدر منقذ؟ # ويا أسفا! هل يطعم الموت راحم؟ # وهل تسكن السجن التي لم يكن لها # سوى الطهر مأوى لم تنله الجرائم # وهل تعرف النطع التي من سنائها # تبسم محزون وأسعد حالم # حياة هي الفن الجميل لقومها # ففي كل مسعى للجمال تساهم # تناهت إلى أسمى الشجاعة وارتقت # إلى منتهى ms080 ما جازه قط سالم # ويدفعها الوحي الذي ما درت به # جموع ولم تفصح لغاه التراجم # هو القبس الأعلى الذي من شعاعه # أضاءت على دنيا الصغار العظائم # على هذه الأرض التي صار أهلها # ملوكا ولكن النفوس بهائم # يعاقب فيهم بالإساءة محسن # وينعت بالنعت المقدس غاشم # وتحيا المآسي في تواريخ مجدهم # كأن معاني المجد تلك الجماجم! ~~••• # أتاركة الذكر المعطر بيننا # وذكرك لم يبلغه جان وناقم # حييت على الأرض الخئونة مرة # ونبلك للذكر المخلد عاصم # صدقت! فللحرية الناس أجرموا # وكم باسمها مد السلاسل جارم # صعدت إلى الموت العزيز قريرة # كما يبلغ النبع المشوق صائم # وقد عانق الآباد صوتك داويا # ولم تسمع الآباد تلك الغماغم # 41 # الهازلون # لن يقدر الناس موهوبا يحررهم # إلا إذا خلقوا من روحه الحي # كم من ذكاء مضاع بين من عبثوا # والكل باك ولكن شبه مبكي # الواهب الفرد يشقى وهو متهم # والعابثون بجاه غير مطوي # تشكو وتبكي جموع وهي غافلة # عن جرمها حين تفني كل علوي # والفرق ما بين موهوب وغامطه # كالفرق ما بين إنسي وصخري # هيهات يفلح قوم كل مأربهم # هدم الرجال وتشييد الأماني # يبكون في العجز حين العجز سخرهم # لما أحلوه في أسمى الكراسي # ويرحمون عظيما لا يخادعهم # حتى يموت ذليلا موت منسي # وكلهم هاتف باك على صور # من المهازل تشجي والأغاني # مسلة المطرية # يتيمة الدهر في بؤس وفي خرس # ألم تكوني منار الوحي والقبس؟! # لا تجزعي ودعي الأحداث غاشمة # لأنت في غنية دوما عن الحرس # لم يدر قدرك أحفاد كم افتخروا # بالأمس، والأمس يشكو بطش مفترس # يا رمز تبجيل «هوراس» لمن خلقت # هذي الأشعة في الدنيا لمقتبس؟ # عافوك ما بين أدران يئن لها # هذا الثرى كأنين الضوء والغلس # كانت تحج لك الأحلام في فرح # واليوم ترجع في آلام مبتئس # سكنت في قرية بالذكر عاطرة # والحسن ناضرة كالخود في عرس # فكيف تمسين بعد المجد آفلة # وكيف تبقين بعد الطهر في دنس # أمشي إليك وما أدري على تلفي # أمشي على الماء أم أمشي على اليبس! # والعير يأبى إباء أن ms081 يعاونني # على المضيق وتأبى عزة الفرس # والوحل حولك صخاب إذا نسيت # أقدامنا فيه أو في مائه النجس # والغرس عندك كالفرحان ظاهره # وكله في شجى من دهره الشرس # ومن بنيه وكل صائح مرح # يستلهم الأمس مجدا غير مندرس # حتى إذا لاح ذاك الأمس يرمقه # ويضرب السمع بالإيحاء والجرس # أغفى وأشبعه الخذلان في عمه # وفاته بين مغبون ومختلس # الشروق الهائب # صعدت إلى مرقبي المستعز # وللفجر إيماؤه الغاضب # تلكأ حينا فلما مضى # مضى واللهيب له تابع # فمدت له في مجال الشروق # خنادق يرهبها الناظر # وراحت تحاذرها الجاريات # من السحب والريح والطائر # ومن عجب كل هذا السكون # وللحرب مشهدها الرائع # وقد أبطأت في شروق «ذكاء» # كأن الشروق هو الهائب! # الورود الحمراء # يا ورودا بحرقة واحمرار # نحن سيان في الهوى والنار # يطفئ الليل شعلة لك مثلي # وكلانا بحزنه المتواري # آه من خدعة الظلام وما تخ # في من النار والهوى الجبار! # عمرنا بالنهار حتى إذا ما # راح متنا بميتة للنهار # فعرفناك بالشذى في الضحايا # وعرفت اللهيب في أشعاري # وعددنا كالرسل في عالم الحب # وكالحب في غناء القماري # أنا أحنو عليك صنوا لنفسي # وشعارا، يا للجوى من شعار! # إدي كنتور ~~(الممثل الغنائي المضحك الشهير.) # يا مضحك الدنيا وأبرع ساحر # أتعيش عمرك في خيال الشاعر؟! # نلقاك للأنغام أحذق صائد # ونراك للأحلام أجرأ طائر # وكأن روح الكون روحك دائما # بخيالك المتوثب المتطاير # تصغي إلى ألحانه وفتونه # وتصوغها بروائع لمشاعر # الهزل فيها الجد حين حياتنا # كالكرنفال على غرور دائر # إن أحسنت سلبت فليس لحظنا # حظ الغني ولا الفقير العابر # ما ساعة تقضى لديك بفرحة # إلا محال من نعيم ساحر # في جنة الوهم الحبيب وإنها # لأجل معنى من وجود ساخر # ونراك كالطفل الكبير وكلنا # يلهو وراءك كالصغير الكابر # دنيا الجنون وإنها دنيا المنى # والحب بين مباسم ومزاهر # الرقص بعض لغاتها، واللحن من # أدواتها، بين الجمال الثائر # نمشي على الأحلام والأضواء، لا # نمشي على هم وحظ عاثر # ونرى الربيع حيالنا في كل ما # يوحيه طيفك آسرا للناظر # ننسى وجود الناس حتى ذاتنا ms082 # ونعب من نبع الفنون الطاهر # فاضت لنا ألوانه ومزيجها # عبق من الككتيل بين أزاهر # وكأنما الدهر العنيد حليفنا # يرنو ويشرب كالعتي الفاجر # فينال منا الصفح ساعة أنسه # معنا ونمنحه صفاء الغافر # قد كان يجري تائها حتى إذا # أبدعت عاد من الضلال الحائر # فنرى الحياة تجمعت في يقظة # كالحلم مالكة جميع الخاطر # وكأنما الكون العظيم بأسره # قد صار منسيا بذهن الذاكر # وغدت أماني الحياة رهينة # للعبقرية في مداك الباهر! # بين ذنوبي # عاتبتني فشكرت عتبك حينما # آلمتني بعتابك المحبوب # أنا في جحيم لا انطفاء لناره # أيعد موتي فيه بين ذنوبي؟! # لم ألق إلا عزلتي في حرقتي # توحي العزاء إذا استطال عذابي # النار تضحك في اللهيب وها أنا # كالنار أضحك فاللهيب شرابي # آثرت وحدي أن أحمل عبء ما # أسلفت للدنيا من الإحسان # والآن في غصص أجرع حسرة # في حسرة من كل غر جان # في سالف الأحلام لم أبخل بها # أبدا على من ناشدوا أحلامي # والآن ما لي غير آلام لها # عمري فخليني على آلامي # ما كل عتب لي يكال سوى شجى # وأذى ولو خلقته روح وداد # من ذا يلوم على الجريح سكوته # وعلى الحزين عزوفه بحداد؟ # الصمت أكرم لي وأوفى نعمة # من كل شكوى أو تكلف أنسي # وأنا الشكور لمن يعز محبتي # ومن المحبة أن تحرر نفسي # لصوص الخلود # تعالي لنخطف هذي الدقائق من فجر هذا الصباح الوسيم # ونخلدها قبلا للحياة وكنزا لهذا الزمان العديم! # تعالي إلى ساهمات النخيل يداعبها النور في وجدها # لننهب لذة ما أضمرته من الذكريات على بعدها! # تعالي تعالي فللصبح لحن حواه الندى وشذى لن يعود # تعالي لنسرق منه الهوى ففيه الوجود وفيه الخلود! # تعالي فكم أخذ الدهر منا حظوظا ولم يبق حتى الشفق # وكم قتلت فرص للنعيم وحتى الخيال لهن احترق! # وعشنا نسائل عنها الغدير وتلك الزروع وذاك الحصى # وقلب الوجود الذي نبضه ينال الثرى وينال السما! # فلم نلق إلا السكوت العميق، فبعض الصياح شبيه السكوت # وما الحي إلا حياة المعاني فكل الذي قد عداها يموت! # ولم نر ms083 إلا خلود الهوى تسجله قبل خالده # من الكون آنا ومن روحه لديك على اللهفة العابده! # وتحفظ في الفن محسوسة وإن قرئت في نظيم السطور # وتنبض بالشعر نبض الحياة ونبض الجمال برغم الدهور! # البعوضة والببغاء # الببغاء ترى البعوضة ذرة # في الوهم لا خطر يخاف لديها # وهي التي أفنت جيوشا في الوغى # والسلم سلطها الإله عليها! # يا هذه! إن البعوضة ذاتها # شخصية في نقمة وهلاك # ماذا لديك سوى غرور كاذب # وغباوة لممثل أو حاكي؟! # خصومي # وليس خصومي من أرادوا إساءتي # ولكن خصومي رفقتي وصحابي # همو مكنوا الأشرار مني بصفحهم # وقد خدعوا من بسمة وشراب # أعرني رجالا يفقهون عقيدتي # ويسعون لا خوفا ولا لثواب # وبعد فسائل: أي حصن ممرد # نجا إن طغى من غضبتي وعقابي؟! # لئن شمت الأعداء بي في غرورهم # فما بلغوا مني كوهم صحابي! # أنشودة الفناء # الشمس تخطف بالأشعة كل ما # في الليل هيئ للصباح من الندى # وخطفت أحلامي وما عوضتني # إلا التحرق بالأشعة والصدى # حسدوا حياتي وهي بين ظلالها # وضيائها وتنوع الألوان # صبغت كأوراق الخريف بهية # وجميعها صور من الأحزان # ولربما ضحكت وغنت وانتشت # في الريح طائرة أمام فنائها # وأنا كذلك ضاحكا ومغنيا # والنفس مدركة مصير غنائها! # في مرقص النجوم # فتن السماء أراك ملء مسائي # كمراقص العشاق في الصحراء # صدحت بموسيقى الخلود فهل ترى # صدحت بتلك الأنجم الزهراء؟! # أصغي إليها وهي سحر شامل # للكون من ملكوتها الوضاء # وأنا بها فرح كفرحة طفلتي # بكراتها دحرجن فوق الماء # أو فرحة الأزهار رش عبيرها # عبث من النافورة الحسناء # أو فرحة الأطيار قبل شتائها # في سكرها بهوى الربيع النائي # روح الطبيعة كم يحس ولا يرى # ويبوح للعشاق والشعراء! # مصر العازفة ~~(تصدير كتاب «سيد درويش» للأديبين السكندريين علي محمد البحراوي وأحمد علي ~~عوض.) # تقبل! ذلك الأدب المصفى # يزف إليك والفن اللباب # وأصغ إلى الصدى في الشعر يحكى # وفي النقد الوفي ويستطاب # أديبا الثغر قد كفلاه معنى # من القربان زكاه الشباب # بقايا من شعاعك في غناء # وفي أدب إذا انطفأ الشهاب # لقد عرفاك في عيش وموت ms084 # وقد جافاك بينهما الصحاب ~~••• # عزفت وأنت «مصر» بكل لون # عرضت، ونبعك البحر العباب # ولولا خدعة الأقدار كانت # حياتك كلها أملا يجاب # ولكن جئت بالألحان سحرا # وضل الغافلون فما أصابوا # فصانتك «الطبيعة» في اعتزاز # وكم حرس الكنوز لها التراب ~~••• # ليشك العقم من يهوى شكاة # فقد غفرت وقد كشف الحجاب # وهذي العبقرية فيك ثكلى # ولن يطفي بنا الظمأ الشراب # وكيف ونحن نرمق كل أفق # ومرأى سائلين ولا جواب # ولا نجد المغني السمح يشدو # معانيها فيرفعها السحاب ~~••• # مغاني «النيل» بعدك عاطلات # فإن ملوكه الأرباب غابوا # ولحنك سرهم قد ضاع حتى # كأن الفن ليس له إياب # فمن يحكي الشروق وكل لون # روته له المنازل والقباب؟ # ومن يحكي الغروب على لهيب # تقبله المياه وقد يذاب؟ # وأنغام الحياة بمصر لما # مضى القمري واعتز الغراب؟ # وأصداء المعابد وهي تروي # من التاريخ ما ترك الحساب؟ # قرون في الرمال وفي المباني # وفي الأمواه يجمعها العتاب # تلوح كأنها خرس ولكن # أغانيها يساورها العذاب # ذهبت فما مضى للفن حزن # وبعض الحزن ليس له ذهاب # وهذي الذكريات إليك تهدى # كما يهدى لملهمه الكتاب # الحياة الذاتية # سنسمو برغم الفقر ما دام عيشنا # من النفس لا من غيرها يتسامى # وليست حياة غير ما في قلوبنا # فإن عدمت بات الضياء ظلاما # ستفنى أعاصير الحياة ببؤسها # ويبقى غناها في النفوس سلاما # وإن حياة عمرها رهن ثروة # وفقر لموت في التستر داما # وما الشعب إلا من صميم يقينه # فإن غاب أمسى كالمضلل هاما # إلى أن يجازى حتفه أو خساره # ذليلا، وإلا هم ثم تسامى # ليالي رمضان # خرست بالنهار ألسنة الحب # وغنت بالليل لحنا شجيا # واستحال النهار ليلا وديعا # وتراءى الظلام نورا بهيا # والأفاويح من طعام شهي # هي ملء الآناف عند المساء # أفلحت حينما تعثر داع # في اجتذاب الأحباب والأصدقاء # ويموت النهار في فرحة الناس # وقد صوبوا إليه المدافع # 42 # ولكل ثأر لديه ويأبى # صائم في نجاته أي شافع! # وتراءى المؤذن الرائع الصوت # حبيبا وساحرا بالأذان # كغريب من عالم الوهم حيا # نا بروح يتيمة الألحان # وكأن الدنيا أصاخت ms085 إليه # وهي في حيرة لما يعنيه # شقيت كالغدير في متعب السي # ر وقد ناح فوق صخر كريه # وهو يمضي مؤذنا في حبور # ويغطي الأتراح والآلاما # وتعود الدنيا فتلقاه معنى # يهب الحب والغنى والسلاما # وتقضى الساعات في الليل ألوا # نا من الأنس والمنى والشباب # فكأن الدنيا تعيد فيها # من عناء وتشتفي من عذاب! # وحوي! وحوي! # وحوي! وحوي! # صاح الأطفال # وجروا خببا # بين الآمال # والنور بدا # كالأحلام # والهم لهم # جد حرام # غنوا فرحا # والليل قرير # في صدحتهم # إلهام بشير # رمضان بهم # زاه وسعيد # فيكافؤهم # من حلوى العيد # في طلعتهم # والدهر بخيل # نعم سلفت # بين التقبيل # فأرى فيها # أمسي المحبوب # وأحييها # صيحات قلوب! ~~••• # يا أبنائي! # يا أبنائي! # رسل أنتم # للسراء! # الأشعة الصادحة ~~(الشمس) # أشرقي! أشرقي! فدتك الليالي! # واغسلينا طهرا من الأحزان # جندل الحارس الذي سمي اللي # ل فأهلا صديقة الإنسان! # تلك أضواؤك الحبيبة لاحت # صادحات في حسنها بالأماني # صدحات ترن في أعمق النف # س وليست ترن في الآذان # فإذا الطير شاعرا يتغنى # فهو كالرجع وهو كالترجمان # وإذا الزهر عاطرا يتثنى # فهو معنى خلقته في البيان # كل ما أعلن الصباح نشيد # مستمد من لحنك النوراني # هتفات ترى بكل حياة # وحنان يرى بكل مكان # يتجلى بها التفاؤل للمن # هوم بالعيش في حياة المعاني # وكأن الوجود حين تلوحي # ن صلاة في روحه الفتان # كل ما فيه مشرق النفس حتى # غيب الموت في حياة التفاني # ريشة الفن في ضيائك تحيي # نا وتحيي الجماد بالألوان # في خيوط منغومة الوحي تختا # ل من الوقع في نهى الفنان # أنت أنت الحياة في كنهها الصا # في وليست في الجرم أو في الزمان # خلدت في القرون، لكن نراها # بنت طرف رأى وبنت ثوان # وهي سحر الألوهة الغامر الخل # ق ومدنيهمو إلى الديان! ~~••• # أشرقي! أشرقي! فدتك الليالي! # واغسلينا طهرا من الأحزان! # رسل الرجاء ~~(تحية النسور المصريين في عودتهم إلى العاصمة من إنجلترا يوم 7 ديسمبر سنة ~~1933.) # أقبل السرب فأهلا بالرجاء # يتهادى بين أطياف السماء # قد بذلنا من ضحايانا له # ما بذلنا من جهود ms086 ودماء # فاستثار اليوم من عزتنا # واستعاد اليوم ماضي الكبرياء # وأتانا بعزاء ما له # في المعالي من نظير في العزاء # هذه العزة لا شيء سوى # روحها يحيي نفوس الشهداء # عرفوها روح مصر المعتلي # هضبات الجو أو سيل الضياء # فاتحا للنيل أنهار العلى # إنما العلياء في فتح الفضاء # فهتفنا والضحايا قبلنا # في هتاف من قبور وسماء # وكأن الشمس لما أشرقت # ثم غابت في تهان ورثاء # هو يوم جامع أحلامنا # بين آمال وآلام سواء ~~••• # اهتفي يا مصر ما شئت اهتفي # بحياة لبنيك البسلاء! # هو يوم من تفان رائع # أو كيوم الوحي عند الأنبياء # اهتفي! هذي حياة لم تكن # غير أحلام الشعوب السعداء # خلقتها راحة العلم كما # خلقتها أنفس تهوى الفداء # ترفض الموت بإطلال الثرى # وتحييه بأبراج الهواء # من إباء وطموح ولظى # صوغها، والروح روح الشعراء # وإذا الشمس لها قبلتها # والهلال الحي في الأفق اللواء ~~••• # أقبل السرب ولم يحمل سوى # من لمجد النيل بالمجد كفاء # فجرى والتاج ألاق السنا # واستوى فوق صعيد من ولاء # أي مجد فاق مجدا باقيا # من قلوب لم يروعها الفناء؟ # أنصفت للعصر ما لم تستطع # في أمانيها قلوب القدماء # أنصفت ما أنصفت من شعلة # أودعتها في أمانينا ذكاء ~~«عين شمس» للعلى ما اكتحلت # بجمال قد شأى هذا العلاء # بنت ماضينا التي قد حفلت # من قرون بفتوح العظماء # ضحكت لما تجلوا وانتشت # بمعاني الثأر نبلا والإباء # ليس من يثأر للنبل كمن # يجعل الثأر فخار الجبناء # رف ذاك الرمل في أضوائها # كرفيف الحب من فرط الظماء # وحروب النور في أرجائها # لم يهادنها سوى هذا الرجاء # رحبت ملء حبور وسنى # ببنيها الأذكياء الأوفياء # الألى هموا وطاروا وأبوا # نظرة الخوف أماما أو وراء # الألى لما بنوا أحلامهم # شيدوا الأحلام في أعلى بناء # ألهمونا الشعر من أشعارهم # والأغاني في صباح ومساء # التركيز ~~(يرى الشاعر أن الألوهة قد تتجلى أشعتها مركزة في آية من آياتها حسب تجاوب ~~النفوس الإنسانية، كما تتجلى الشمس قاهرة بتركيز أشعتها بالعدسة البلورية، فتمثل ~~نقطة التركيز الشمس وإن نأت جد النأي عنها، ms087 وكذلك تتمثل الألوهة في الجمال ~~القاهر للنفس المتصوفة التي تتأثر به على ذلك النحو.) # جمعوا الأشعة ركزت في نقطة # فكأنما هي إذ جمعن الشمس # وأراك أنت من الجمال ألوهة # جمعت لديك وفي سناك تحس # وتوهموا الإلحاد فيما خلته # ونسوا تصوف مهجتي وحياتي # إني عرفت الشمس مجمع ضوئها # والله فيك نهاية الآيات! # حمام الفيلسوف # لا تنكروا أحلام حي شاعر # فهي التصوف في الجمال تعالى # نبعت شرابا للنفوس لعلها # تسمي الرجال وتنضج الأطفالا # عبثي هو الفن الجميل، وروحه # روح السمو وإن يعد ضلالا # فتذوقوه وأسرفوا بتذوق # فالفن أول من يصوغ رجالا # وتألموا مثلي إذا آلمتكم # بالطعن واختطفوا الفلاح عجالى # مهما شكوت أو استبحت معنفا # فأنا المحب لكم هدى وكمالا # مهما يئست بثورتي فطبيعتي # روح الحنان توزع الآمالا # لا تركنوا للوهم بين تعنت # فج وأوهام تطيش خبالا # أو تسرفوا كالفيلسوف مخرفا # حتى غدا تخريفه أمثالا # نسي الوجود وراح يغنم ذاهلا # حمامه خرفا يعد محالا # فنراه في طست الغسيل وفوقه # سطل ينقط ماءه إذلالا # وله جهاز كله عجب ولا # تدريه صدقا أم تراه خيالا # ويعد هذا من مبادئ علمه # بينا الحياة تضج منه وبالا # والناس جد المعجبين بحذقه # ويقلدون فنونه استبسالا # فتضيع دنياهم وأخراهم معا # في الوهم، يأبون الحياة مجالا # والدهر يضحك من صغار عقولهم # وهم الذين غدوا بها أبطالا! # مواسم الفناء # أهلا بأعياد نسر بعودها # وبعودها تغتالنا الأيام # كتبت صحائف موتنا بسجلها # وتعيش رغم مماتنا الأحلام # كل يهنئ خله وكأنما # في التهنئات السخر والإيهام # ما أعجب الإنسان يخدع نفسه # فرحا وكل نعيمه الأوهام! # والأرض تحتمل الشتاء فبعده # يأتي الربيع وتسمع الأنغام # أما بنوها الذاهبون فعمرهم # حيل الفناء مشت بها الأعوام! # الخئون # لئن هانت الدنيا وهانت نفوسها # فهيهات مثلي يشتري من يبيعه # وشتان بين المذنب النادم الذي # تحرر مما قد جناه صنيعه # وبين الذي من طبعه الغش دائما # سواء لديه ضحكه ودموعه # وما كنت من يأبى التسامح، إنما # كفاني كفاني أن قلبي صريعه # وليس مسيء مثل من عاش خائنا # تملكه من كل شيء وضيعه ms088 # فحسبي زمان قد تولى بخدعتي # وحسبي وفاء لم يصنه مضيعه # الإنسان الإله # أحببت فيك الله حبا خالصا # وعرفت معنى جوده وحنانه # وغفرت زلات الأنام لأنني # ألقاك معنى الله في إنسانه # يا من تعلمت المحبة للورى # من حبها وأسرت من إحسانه # أنا عبدك الحي العبادة دائما # والعبد موقوف على ديانه! # أستاذي المصور # لا تسأمي يا شمس من نظري إلى # هذا الجبين هنيهة الإشراق # هي لحظة، لكنها لي حقبة # من نعمة أخذت من الخلاق # الله أستاذي المصور، لا أرى # إلاه من ربى عباقرة النهى # في كل يوم من عجيب رسومه # فتن، وليس لهن يوما منتهى # لن يخلد الرسام في أصباغه # معنى أجل من ابتسام الشاعر # روح الفنون مشاعة فإذا بها # في الرسم شعرا أو صوادح ساحر # الفن روح تشمل الكون الذي # يتمازج الإحساس فيه بوحدة # فإذا الرسوم قصائد غريدة # وإذا الهياكل في جمال قصيدة # هذي خفايا القلب ما أنا شاهد # بشعاعك المتألق الوهاج # قلبي على الظلمات يشرق طيه # حبي فيطرد كل هم داج # وأعود قبل الفجر أرقب هانئا # هذا الشروق عبادة وحياة # متناولا منه ذخائر مهجتي # من قبل أن أجد الحياة مماتا! # لولاك! # لولاك لم أعرف محبة خالقي # عرفان قلب شاعر ... لولاك! # ولعشت في الظلمات عيشة جاهل # نور الألوهة وزعته يداك # ولفت أسرار الحياة وما وعت # للروح والإيمان والإدراك # هبة الألوهة أنت، بل ورسولها # للفن، ثم ملاكها لفتاك # أين المعاني للسمو إذا مضى # معنى الجمال ولم تزنه حلاك؟ # ولمن أصور ما أصور شاعرا # إن لم تجب أذناك أو عيناك؟ # إن التجاوب والحياة تجاوب # لك، فالحياة ونورها معناك! # قلبي البالي # بحسبك ما ألقاه من قلبي البالي # فما عمره عمري ولا حاله حالي # أراه طعينا فوق ما قد حملته # من الطعن في يأسي ولوعة آمالي # فهل عاش في شتى العصور التي خلت # وهل ذاق ما يشكوه في الزمن الخالي؟! # وهل عرف الدنيا الكئيبة وانتشى # من الهم أضعاف الذي ذاقه بالي # فأصبح يرثي للأنام وحظهم # ويصفو ويشجى كالشجي وكالخالي؟! # لك الله من قلب تخطى معاركا ms089 # مع الدهر حتى بات كالأثر البالي! # له كل ألوان الحياة وما له # حياة من الحظ المكافئ والعالي # ولم تكفه تلك القرون التي مضت # فعاد يعادي كل غر وختال # تمهل! هي الدنيا كما قد عرفتها # فدعها فما فيها كريم ولا غالي # وتكفيك هاتيك الجروح، فبرؤها # عزيز، فما تسلى وما أنت بالسالي! # عالم الذهول # ضحك الصحاب وربما وجموا كما # ضحكوا أمام تخيلي وذهولي! # لم يضحكون؟ أليس ذلك عالما # أسمى وأجدى من سفاسف قيل؟ # كم ينفق المتشدقون حياتهم # في غير محمود ولا معقول # والحلم أولى بالتفاتة شاعر # من عالم متضائل مخبول # حنين الكهولة # رجعت أنغامي كعهد صباها # وفرحت بالقلب الذي غناها # ونظرت للدنيا التي أبدعتها # في الحلم أرقب عطفها ورضاها # فإذا الصبا بين المخابئ معرض # عني، ولو أني خلقت غناها # دنيا الخيال تمردت، وأنا الذي # قد كنت أحسب موئلي بحماها! # ما روعة الأنغام من فم شاعر # كالقلب إن فات الزمان صداها؟ # تخذ الخفوق حنانه ونواحه # يستصرخ الآمال في مثواها # فتلفتت وتضاحكت من جهله # وكأنه غر يعيب إلها! # والدهر مستمع إليه كأنما # بشجونه الدهر العتي تلاهى # غنى ودنيا الحرب شتى حوله # في الأرض أو بمدى السماء مداها # واشتاق أيام الصبا ولو انه # يدري المآل لما أطاق لقاها # خادعته بهوى الخيال، وهل أنا # إلا شريد في الخيال تناهى؟! # قد ماتت الأيام، لا رجع لها # كالمومياء، فلو أفاق رثاها # أسفي عليها في تناوح لهفة! # فكأنها ذكرى تود أباها! # والموت يجحبها ويحجب عطفه # عنها فرد نداءه ونداها ~~••• # سقيا لأطياف الصبا وجمالها # حتى تعيد الذكريات شذاها! # رقصت بتجديد الصباح وربما # لثمت بإشعاع الصباح شفاها # ومضت إلى أقصى الكواكب خلسة # فكأنها ما أشرقت لولاها! # فإذا استمعت إلى هتاف غائب # للحب خلت بروحه معناها # تاهت ببحر الغيب فوق كواكب # كالسفن تحمل للزمان رؤاها # واستعذبت شعر الجنون نيشدها # وأبى لنا شعر الجنون سواها! # في المعترك # عييت من قلقي فيما وجدت له # وفي المعاني لكوني أو لأحلامي # أسائل الدهر عنها وهو مضطرب # مثلي وأصحب كالمبهوت أعوامي # وأنتحي عن وجودي شبه منعدم # في ms090 الصمت، والصمت آمالي وآلامي # في حيرة وكأني عالم يئست # منه الحياة فعافت روحه الدامي # أبكي وأضحك في نفسي فإن بها # من التناقض إيساري وإعدامي # ما بين ضدين قد عاشت وليس لها # من شاغل غير معنى عيشها السامي # تصدرت لهموم الناس تسعدهم # وعوقبت بين أحباب وأخصام # ولو تسلت عن الدنيا ونقمتها # ولم تبال بأنعام وأصنام # لقدسوها جميعا في رعايتهم # ومجدوها بأفواه وأقلام! ~~••• # يا للحياة التي استوعبتها شغفا # بها، وفجرتها شعري وأنغامي # أنا الحريص عليها وهي تنبذني # وكم تمزق صدري عند إرغامي # وحامل الراية المحسود حاملها # وهو الذي يتلاشى تحت أقدام # الرافع الرأس في الحرب العوان وإن # غدوت ما بين أشلاء وصمصام # ممردا ورياح الدهر عاصفة # مسودا رغم خفض الدهر للهام # وثائرا بين صرخات يرددها # سمع الزمان إلى ويلات أيامي # يكاد حب بقائي يستثير بها # حب الفناء، وحب الحق أوهامي # كأنما الموت والأوهام أخيلة # من الجمال تعالت فيه عن ذام # كأنما طهر آلامي يحببها # إلي أو أنها من نبع إلهامي # وهذه صور الأحياء صارخة # باليأس صرخة هذا الصاخب الطامي! # الصيد الحلال # تركوا مطاردة الوحوش وآثروا # صيد ابن آدم مرهقا وذليلا # كم من جموع ليس تعرف عيشها # إلا الأسى والموت والترميلا # ساد الجبابرة الطغاة، وسلحوا # بالغدر، وابتدعوا «السلام» دليلا # وهم الذين تمثلت نعماؤهم # في الحرب تحصد أمة وقبيلا # هذا هو الصيد الحلال بعرفهم # لم يصطنع شرحا ولا تأويلا # والناس تشكو ثم تشكر، ما لهم # عقل، وهل تدري الجموع عقولا؟! # اللوام # ما أكثر اللوام حين شقاوتي # عيشي وحين تحجبي سلواني # كل يرى العاني أحق بأن يرى # في الهم شبه مهرج متفاني # 43 # يا للأناني الذي لا يستحي # ويلوم ثم يلوم وهو الهاني! # أوما كفى عمري الذي ضحيته # للمبدأ السامي وللإنسان # حتى أسخر في تحيات الورى # وأنا أكافح مفردا وأعاني؟! # فلسفة الحب ~~(مقتبسة من الشاعر الإنجليزي المشهور شيلي P. B. ~~Shelley ~~.) # الينابيع في مدى النهر تنصب وفي البحر تذهب الأنهار # ورياح السماء بين امتزاج وحبور، فما لهن نفار # ليس شيء فردا، فهذي جميعا رهن قدسي ms091 شرعها في امتزاج # فلماذا وهذه سنة الخلق كلانا يحيا بغير اندماج؟! # انظري للجبال قبلت الأوج وهذي الأمواج بين احتضان! # لن تنال الغفران في الزهر من عافت شقيقا لها على الحرمان! # تلثم الشمس بالأشعة هذي الأرض، والبدر هذه الموجات # أي معنى لها إذا لم تجودي بالحبيب الشهي من قبلات؟! # الزمان ~~(مقتبسة من شيلي) # أيهذا البحر الذي ما له غور ويا من أمواجه السنوات # يا خضم الزمان أمواهك اللوعات، للناس ملؤها العبرات # لذعت بالشجى، وأنت بلا حد زعيم على حدود الفناء # بين مد وبين جزر تعاف الصيد جما وتستزيد العطاء # ثم تمضي تمج منك حطاما عند شط من العبوسة أظلم # أنت عند السكون يملؤك الغدر وعند الإعصار عات تجهم # من ترى ذلك الذي سوف يمضي جارئا خائضا عبابك فكره؟! # أيها البحر! أنت يا من عجزنا عن مداه، فليس يسبر غوره! # طائر الحب # سمعتك هاتفا عندي # ولكن لم أزل وحدي! # أفتش عنك في قرب # فهل في القرب من بعد؟! # وأبحث عنك من وهمي # على غصن، ومن وجدي # وأتبع جاريات السح # ب في خوف من الصيد # وأرجع سائلا نخلى # عليك، وسائلا وردي # وهذا البدر وهو يسب # ح في الدنيا من المهد # وموسيقى الكواكب وه # ي تصدح صدحة الخلد # وأطياف الضياء وكم # تصاحبني على سهدي # فألقاها محيرة # وشاردة بلا رشد # كأن جميعها بحثت # عليك وأنت في زهد! # أمير الصعيد ~~(تحية صاحب السمو الملكي الأمير فاروق لمناسبة إسناد إمارة الصعيد إلى سموه في ~~يوم 12 ديسمبر سنة 1933.) # أمير النيل والوطن المجيد # لتهنأ بانتسابك للصعيد # بلاد يستعز «خنوم» فيها # بمعنى الحزم واليأس الرشيد # وقد ولدت بها أحلام «مينا» # فأسس دولة المجد التليد # كما عرفت قنا «هاتور» رمزا # لمعنى الصدق والنبل الأكيد # وتاهت للخلود «بأخنتون» # إمام الحب للرب السديد # كما أوحى «تحوت» لها حياة # من العرفان والنور السديد # معابد للفخار بكل ركن # ودور أهلها أهل الخلود # فإن نسبت إليك فأنت منها # بنسبتك الفريد إلى الفريد # فتيهي يا ربوعا توجتها # أيادي الشمس بالشعر النضيد # وعيشي للإمارة ذخر مصر # فإنك ms092 أنت ملهم كل عيد # ليالي الخريف # أشعلت بالنجوم ملء سكون # وصفاء تخليا عن حياة # فكأن الطبيعة الآن قامت # تحتفي في جنازة الأموات # قد تولى عام وكم فيه من عم # ر تولى ومن عناء وقصف # فإذا الموت عامر كل شيء # بجمال قد جل عن كل وصف # كل شيء ساج، وحتى نسيم الل # يل ميت يطوف كالأطياف # وله نفحة البرودة تحكي # نفحة الموت في الوجود الخافي # آه! كم لي من راحة بوقوفي # في أعالي السطوح أرنو وحيدا # أرقب الكون مثلما يرقب الحا # لم موتاه وهو يفنى شريدا # أتملى الحياة نشوان في الصي # ف وفي لهفة الربيع العجول # وأحب الممات ملء خريف # وشتاء في عاصف من عويل # هو ديني الذي تصوفت فيه # وعليه أموت حين أموت # حبب العيش لي كما حبب المو # ت فناجى الفؤاد هذا السكوت! # السماء الشاعرة # كأن دموعها وصدى جواها # صدى العانين من بين الأنام # وكم غول ينوح بها طريدا # من الأرض الغنية باللئام # وقد هجر الملائكة الحيارى # منازلها وغابوا في الظلام # فباتت مثل هذي الأرض يأسا # وأعلن يأسها فزع الغمام # وسحت ألسن بالشعر فيها # فصاحا بالدموع وبالضرام! # مآتم مهجتي # كثرت بلا حصر همومي كثرة # أنستني الدنيا وحق حياتي # وصفحت عن لؤم الجناة ولم أزل # ألقى من الأصحاب لؤم جناة # أصبحت أحوج ما أكون إلى مدى # من عزلة قدسية للروح # علي وحيدا أستطيع شفاءها # مما تعاني من أسى وجروح # والناس حتى في عنائي استعذبوا # لومي كأني لست غير سميرهم # لا يرحمون مكبلا بقيوده # عاش الضمين لخيرهم وحبورهم # والآن لا أرجو كثير نوالهم # لكنني أرجو السلام بعزلتي # فلم الملام وما ألوم معذبي # وأنا الوحيد لدى مآتم مهجتي؟ # الفنان البائس # تأمل في كون يرى الموت شاملا # له، ويرى مرآه نظما بلا معنى # وهيهات يدري هل هو الميت مثله # أم الميت من بالجسم عن روحه استغنى # كأن أفلس الكون العظيم فلم يجد # سوى الموت عونا حينما افتقد العونا # ومن عجب ملء السكون عواصف # وملء الظلام اليأس قد أرهق الظنا # هواجس تجري ثم تمضي ms093 طوائرا # حواليه كالأشباح تسلبه الأمنا # أيشكو من الناس الألى ليس بينهم # سوى ميت هيهات يستأهل الدفنا؟! # أم الدهر من يشكى وقد مات مثلهم # وأشلاؤه بعثرن قرنا شأى قرنا؟! # بكى ما بكى لكن بعزة مؤمن # رأي الكون ظلما للحقيقة أو غبنا # تجرأ لكن كالسفيه مشردا # يهد ويبني ما يهد فلا يبنى! # ولا غاية يرمي إليها وطالما # أنيل من الأعذار ما بعده جنا # فأفسد إفساد الممرد ذاهلا # عن الحسن حتى بدد الحق والحسنا # وقد ناله غول الفناء، وإنه # على الرغم يأبى أن يقيم له وزنا # فلم يبق إلا هيكل من كيانه # يدل عليه بعد أن لم يعد كونا # وشر من الموت الأكيد مسخر # لدى الموت إذ تلقاه يفنى ولا يفنى! ~~••• # بكى بؤسه في ليله وهو ما درى # أفي الوهم يبكي أم بكى ما رأى عينا # وهل كل شيء ميت وهو وحده # فبات يتيما لا حبيب ولا مغنى # أم الدهر يلهو بالشقاوة حوله # طروبا، وبالأحداث والناس مفتنا # فإن كان، فليدفع أذى الدهر لاهيا # به مثلما يلهو، فينصف به الفنا! # السابقة الأولى ~~(في تهنئة الآنسة لطفية النادي وقد نالت جائزة الشرف في سباق الطيران الدولي بين ~~القاهرة والإسكندرية ذهابا وإيابا يوم 24 ديسمبر سنة ~~1933.) # أنت زين السابقات في التسامي بالحياة # لم يعد للأرض شأن في الشعوب الخالدات # كلها ثارت إلى السحب على رغم الممات # كلها دانت بدين الثأر من أرض موات # قد عشقت الجو حتى عفت أسباب السبات # وتنفست التعالي من معالي الكائنات # أنت يا عنوان «مصر» في هوى للمجد آت # هكذا تعتز «مصر» بك بين المحسنات # كم تعاني الفقر والحرمان من دنيا الجناة # هل يزيل الضيم إلا مثل هذي الوثبات # من قلوب عامرات ونفوس ثائرات # لا ترى السخط كفيلا بالغنى دون الهبات؟! # إنما الأمة تحيا بتوالي التضحيات # بجهود ملهمات وهموم مغنيات # امرحي يا مصر! تيهي بعلى مصر الفتاة! # حومت فوق نسور لا تبالي بالنجاة # وبنت في الجو ذكرا من أعاجيب البناة ~~••• # طرت لكن بين آلاف القلوب الطائرات # كلها ترعاك بنت «النيل» في أبهى ms094 تقاة # طرت كالإلهام لكن في مسير النيرات # في سماء من شعاع ودعاء وصلاة # وخطفت النصر بالجهد برغم العقبات # في مدى كالحلم قد أهدته أحلى اليقظات # لحظة للمجد عندي هي أسنى اللحظات # شرفت أبناء قومي فهي أولى بحياتي! # سنتكلوز # مدحت «سنتكلوزا» مداعبا أطفالي # فحدثوني طويلا عن خلقه المتعالي # وكيف يبدو حفيا بهم بدنيا الخيال # وإن تحجب عنهم كأنه لا يبالي # قالوا: تحجبت عنا وأنت رهن اشتغال # فلا نراك نهارا ولا طوال الليالي # أأنت «سنتكلوز» منوع الأشكال # أم والد لا يرجى جنت عليه المعالي؟! ~~••• # يا ضيعة لأديب مسخر للجمال # يقتات منه ويقضي حياته في ابتهال # وللسلام يغني وللإخاء يغالي # ينسى ذويه ويفنى على ضنى واشتعال # ويخدم الناس لكن يذم في كل حال # فمجده من خيال وحظه من محال! # محال! # محال أن تحاول هدم حبي # وإن لم ألق بين الناس حبا # صفحت عن الخصوم وإن أساءوا # وكادوا واعتبرت الكل صحبا # لهم أسفي وإشفاقي وقلبي # وإن لم يعرفوا أسفا وقلبا # ومهما خلتني أشكو بيأسي # ذنوب الناس خلت اليأس ذنبا # سيطوينا الزمان، وكل ذنب # سيمحوه الزمان لمن تأبى! # 44 # أنشودة الحزين # لا الظل ظل ولا الأضواء أضواء # إذا تناوب نفسي الهم والداء # فزعت حزنا إلى أم كلفت بها # كما تدفق في أحضانها الماء # أنا الذي فتها في دمعها نزقا # فطوحتني تعلات وأهواء # ورحت أنفق عمري دائبا فرحا # للناس، والناس للإحسان أعداء # فعدت واليأس يشقيني ويقتلني # وللطبيعة إشفاق وإحياء # تعود نفسي إلى مجلى عنايتها # كما تعود إلى الأفنان ورقاء # بات الخريف ربيعي بعدما كفرت # تلك النفوس بطبي وهي شوهاء # أعود أمنحها روحي وتمنحني # روحا جديدا يناجيه الألباء # ما لي وللناس أحييهم وأعبدهم # وكلهم ساخر بالسوء مشاء؟! # إني لغافر ما قالوا وما صنعوا # كما حبا بالأغاني المرهق الناء # 45 # لكنني عازف عنهم وإن وهبت # نفسي لهم كيفما شاءوا وإن ساءوا # إني لملك لنوعي # 46 # لست أجحده # ولو جزائي ضراء وضراء # في عزلة كصلاة لا انتهاء لها # حين الطبيعة بكماء وغناء # أعطي زكاة حياتي ما أخلصه # من الحياة ms095 وأعطي الحب من شاءوا # عييت بالناس من لؤم يساورهم # وما عييت بما تجنيه أنواء # هلم يا نور واغمرني فقد ظمئت # روحي إليك، ففي معناك صهباء # ويا ظلال أعيدي كل ما فقدت # روحي فعندك للأرواح أصداء # ويا طبيعة غذيني مسامحة # فإن أنفسنا لولاك جرداء # لولاك لولاك ما كانت مشاعرنا # ولا بكت في وداع الأمس حواء! # صومعتي # إليك ألجأ يا أفياء # 47 # صومعتي # بعد الذي ذقت من صحبي وأيامي # هبي حياتي سلاما منك أعهده # ترعرعت فيه أطيافي وأنغامي # لقد سئمت هواء كاد يخنقني # من الرياء وكم عانيت أسقامي # كما سئمت ضياء كله ظلم # فعدت أوثر ليلي بين أوهامي # مالي ودنيا تسامى للجحود بها # مجد، وهان الحجا من مجده السامي # تشقى وتشقى حياة المصلحين بها # وكلهم بين أهليها كأيتام # ويرحمون مرارا كلما ضمدوا # جرحا، وكل بقلب مثقل دامي # دنيا غرور ولؤم لا يهذبها # عصر ولا حمل أعباء وآلام # دنيا الغرائز ما زالت طبيعتها # طبيعة الجود في حرب وآثام # نفني الضحايا لها، لكن بلا أمل # حي، فآمالنا أضغاث أحلام! # | كلمة ختامية # صاحب الديوان # شعر الجيل # لما أصدرت الأديبة الناقدة إيمي شارب في سنة 1891م كتابها البديع عن الشعراء الفكتوريين # Victorian Poets ~~- أي الذين عاصروا الملكة ~~فكتوريا، وعصرها عصر حافل بالأدب - أشارت في مقدمته إلى اعتبارات نقدية وجيهة نبسطها ~~فيما يلي: ~~(1) # إن الشعر لن تعرف روحه الحقيقة ما لم يتقدم إليه الناقد بعطف ~~واحترام وخشوع، وأما التعصب ضده من البداية والاشمئزاز منه فمما يقضي ~~على قدرة النفاذ إلى لبه، وتمييز غثه من سمينه، فليس التحامل مشكاة ~~للحقيقة بل قبرا لها. ~~(2) # إن دراسة شعر العصر لها ميزة الوقوف على لغته وتاريخه وعاداته مما يجعل ~~البصر بآثار الشعراء صحيحا، ويجعل هذه الدراسة نابضة بالحياة، بعكس دراسة ~~الشعر في عصر قديم، فإنها تحتم أولا الوقوف على تلك التفاصيل قبل التمكن ~~من النقد النزيه؛ لأن من الحتم ربط الشعر بالمناسبات المشتقة من تراجم ~~أصحابه. ~~(3) # إن الشاعر كلما كان مبتكرا ~~أصيلا صعب على بيئته فهمه وتقديره في البداية، وقد تعودنا ms096 التهكم على ~~برود العصر الذي لم يدفع ثمنا «للفردوس المفقود» أكثر من اثني عشر ~~جنيها، والذي لم يحفل بشعر وردزورث، ولكن إذا كانت البيئة قادرة على ~~التسامي إلى منزلة العبقري فإن الحاجة إلى إظهار مواهب العبقري وتتويجها ~~تكون حينئذ هينة. ~~(4) # إن الخطر من دراسة الشعراء في عصرهم يرجع إلى التغالي في تقديرهم، ~~والإصغار من شأن العصور الأخرى وشعرائها، ومثل هذا الخطر يجب التحرز ~~منه. ~~(5) # إن صحبة الشعراء هي خير مدرسة للتعرف إليهم؛ لأن الوقوف على ~~طباعهم، وعلى دقائق المؤثرات الموحية إليهم والمغذية لنبوغهم أو عبقريتهم ~~يساعد خير المساعدة على الحكم على أعمالهم المعبرة عن شخصياتهم ~~وسيرهم. ~~(6) # إن مجموع الحسنات لصغار الشعراء المقلين ذخيرة أدبية عظيمة لا يجوز ~~بحال إغفالها، والحفاوة بشعرهم ودراسته مما يساعد فيما بعد على دراسة كبار ~~الشعراء، ولو أقدم الجمهور أولا على العناية بأولئك المقلين المجددين ~~لاستساغ فيما بعد كبار الشعراء بعكس الحال فيما لو عني أولا بمحاولة ~~دراسة الأخيرين؛ مما قد يؤدي به إلى كراهية الشعر على الإطلاق! ~~••• # رجعت إلى هذه الملاحظات على أثر فراغي من الإمعان في الدراسات الأدبية النقدية التي ~~اقترنت بهذا الديوان، والتي أشرت إليها في تصديره، فإنها - فيما أعلم - من إيحاء ~~أمثال هذه العوامل التي تأثر بها الزملاء الأفاضل الذين تقدموا لدرسه ونقده، وقد ~~تناول كل منهم بحثا يعد في حكم المتخصص فيه. ومن الإنصاف أن أقول إنه من ~~النادر في هذا الزمن أن يؤدي الإعجاب المتبادل بين نفر من الشعراء إلى مثل هذه ~~الرغبة في التحقيق والإنصاف ونصرة الأدب، فالروح السائدة هي روح الإصغار والتحامل ~~والتحاسد والإثرة، وهي روح لا تساعد على الوقوف على نماذج الجمال المتنوعة، ولخير ~~منها ألف مرة «المغالاة» التي أؤاخذ عليها في شغفي بالتفتيش عن الجمال المستور في كل ~~شيء ... بيد أني أنتسب إلى مدرسة اشتراكية في الأدب تؤمن بالتعاون إيمانا لا يضحي ~~بالشخصية، ولا بالآثار الذاتية لأي فنان، وإنما تنزع إلى التساند على إظهار المواهب ~~المتنوعة، وتعترف بأن صور الجمال غير محدودة، وأن جميعها جديرة بأن ms097 تتبوأ مكانها ~~تحت الشمس، وأن أهلها حريون بمنازل الكرامة، وبعكس ذلك المدارس الفردية التي تخلق ~~لعبادة الأصنام، ويحارب بعضها بعضا؛ لأنها تحفل قبل كل شيء بتمجيد زعمائها، بل لم ~~تخلق أصلا إلا لتمجيدهم، ومن أجلهم ومن أجل أهوائهم تقوم الخصومات والحروب بين فريق ~~وفريق على غير فائدة خالصة للأدب ذاته! # فالحفاوة بشعر هذا الديوان في حدود النقد ~~الأدبي إنما هي حفاوة بشعر الجيل الذي تعود النقاد من قبل إصغاره متطلعين إلى ~~الوراء، مشغوفين بتقديس القديم وحده ... فمن علامات ~~التطور السليم أن يحفل جديا بنقد الشعراء المعاصرين وتقديرهم، وأن يكون نصيب ~~شعري من ذلك نموذجا للتقدير العام للشعر العصري، وإن لم يزل بعد هذا التقدير في ~~بدايته. وهذه هي الروح التي تعنيني، وفيما عدا ذلك فلن يرضيني على الإطلاق تمجيد أدبي ~~على حساب أي أديب آخر، بل يسرني كل السرور التغني بتفوق أقراني وإبراز مواهبهم، ~~ولولا احترامي لحرية الرأي والنقد لما أبحت شيئا من الإشادة بشعري مما أعده فوق ~~كفايتي، وأنسبه إلى سماحة زملائي النقاد، وإلى نبل نفوسهم الحرة الشاعرة. # إني لعظيم الرجاء في الشباب الذي أعده روح ~~الجيل الحاضر وأمل المستقبل، وما نحن إلا حلقة اتصال بينه وبين تراث الماضي المجيد، ~~وقد أوشكنا أن ننتهي من تأدية الأمانة إليه بعد أن أضفنا إليها غاية مجهودنا الصغير. ~~وليس من الرجاحة أن نغالي في تقدير هذا المجهود، وفي تقريظ شعر الجيل الحاضر، ولكننا ~~لا نقول غير الإنصاف إذا صرحنا بأن الشعر العربي في هذا العصر قد بلغ عند أقطابه ~~ونابهيه غاية لم يظفر بمثلها من قبل، بل لم يحلم بها، وإن من نماذجه الراقية ما لا ~~يقل عن أسمى الشعر الغربي إن لم يفقها شأنا. # وليس عجيبا أن يتنكر الجمهور أولا لكل تجديد، فقد تغافل زمنا عن مطران وشكري ~~والعقاد وأمثالهم، وما يزال بين أفراده من يتوهم أن هؤلاء النابهين معدودون بين الشعراء ~~ظلما! فما من أمة إلا وتمثل فيها هذه المآسي، وعلى الأخص نحو شعراء الشباب، وقد ~~أنكرت البيئات الجامدة من ms098 قبل شاعرية أبي العلاء المعري، وابن الرومي، ومارلو، وشيلي، ~~وكيتس، وكثيرين غيرهم من أقطاب الشعر العالمي. # وأظهر الأمثلة لعزاء شعراء الشباب ما لاقاه أمثال مارلو (صديق شكسبير ومرشده، ~~وإمام الشعر المرسل في قومه، ومبدع التراجيدية في الأدب الإنجليزي)، وشيلي (الشاعر ~~الغنائي الحر الفنان الذي حرم حتى إبراز اسمه على قصائده ومؤلفاته، وكانت تغفل ~~إغفالا)، وكيتس (قرين شيلي في ليريكيته وإبداعه وفتنته بالطبيعة) من العنت والإصغار ~~والتحامل عليهم، ثم أصبحوا في ذمة التاريخ من كواكب الشعر الخالدة وفخر أممهم! # وفي الحق لا موجب لأسف الفنان ولا لعزائه، ما دام يعنى بفنه وحده، فيرغم البيئة ~~عاجلا أو آجلا على مسايرته ومطاوعته بدل أن يرضخ هو لها ويضحي بفنه. ولو أجمع شعراء ~~الجيل على هذه القاعدة لارتفعوا بمستوى الشعر ارتفاعا عظيما، ولأنصفوه أيما إنصاف، ~~وأنصفوا معه أنفسهم وزمنهم وأمتهم، ولكن ضعف النفوس، والفتنة بالألقاب والتقريظ، ~~والشغف بإنشاء الأحزاب الشخصية، والتزلف إلى النقاد والجهلاء، والتفنن في المنافسات ~~العقيمة التي لا تمت بصلة إلى الفن، كل هذه العوامل أساءت، وما تزال تسيء إلى ~~النهضة الفنية التي نعمل لها. # ولقد نادينا تكرارا بمثل ما نادت به إيمي شارب في جيلها منذ نيف وأربعين سنة عن ~~أهمية العناية بالشعر العصري، ووجوب الاتصال المباشر بشعراء الجيل، والوقوف عن كثب على ~~المؤثرات، والعوامل المكيفة لشعرهم، ثم تجيء الدراسات النقدية صادقة نزيهة مستوعبة ~~أدق الاستيعاب لإبداع أولئك الشعراء، كذلك نادينا بواجب الحفاوة بجميع الشعراء ~~صغارهم وكبارهم على السواء، إذ لو لم يكن لكل شاعر صغير مقل سوى قصيدة أو اثنتين ~~رائعتين لنجمت لنا من حسناتهم ثروة فنية عظيمة، في حين أننا لا نغنم شيئا بتجاهلهم، ~~بل نكون ويكون معنا الأدب من الخاسرين. # ولا أنكر أن كثيرين ينتسبون إلى النقد الأدبي، وهم لا يعرفون شيئا عن أصوله، وعلى ~~دعاية هؤلاء تقوم بين وقت وآخر هبة الفتنة بالإمارات والزعامات الشعرية، وإلهاء ~~الشعراء عن أعمالهم الفنية الصحيحة، وإشغالهم بالعرض دون الجوهر، بل تعريضهم لما ينافي ~~كرامتهم والروح الفنية التي يجب أن تكون وحدها ms099 نبراسهم. # وقد بلغ الجهل ببعض النقاد ألا يفرقوا بين اجتماع الفنون وافتراقها، وبين الشعر ~~والنظم والنثر والموسيقى! فإذا قلت لهم إن كلا من البحتري وشوقي موسيقار قبل أن يكون ~~شاعرا، وإن كلا من ابن الرومي ومطران شاعر قبل أن يكون موسيقارا أسقط في أيديهم! ... ~~ويصعب على أمثال هؤلاء أن يفهموا أن النظم يقابله النثر، وليس الشعر هو الذي يقابل ~~النثر، فإن الشعر جوهر وليس صياغة، وقد يوجد في النظم والنثر على السواء، وإنما ~~الشاعر يلجأ إلى النظم بفطرته في كثير من الأحوال ليستعين بموسيقيته على الاستهواء: ~~استهواء نفسه المتأثرة المعبرة، ثم استهواء قارئيه عن طريقها، وأن بعض الشعراء يكون ~~موسيقيا بفطرته في كل شعره تقريبا؛ فيجتمع له فنان مثل اللورد تنيسون، وبذلك ~~يزداد تأثيره على قرائه، ومعظمهم لا يخلو شعره من اجتماع الشعر الأصيل بالموسيقى في بعض ~~النماذج، وآخرون تجد الشاعرية القوية هي وحدها البارزة في شعرهم، كما أن بعض الشعراء ~~ينبغ في فنين أو أكثر مثل: روزيتي، وجبران، فقد كان كلاهما شاعرا بارعا ومصورا، ~~فإذا أخرج الشاعر ديوان شعر جامع بين الروح الشعرية القوية والموسيقى اللفظية الرائعة ~~والصور الفنية الساحرة، فإن اجتماع هذه الفنون الثلاثة يكون عظيم الأثر في نفوس ~~الأدباء، ولكن الناقد الأدبي الذي يفتش عن الروح الشاعرة لا يعبأ بكل هذا، وإنما ~~يعبأ بالروح الشاعرة وحدها، مثال ذلك: الناظر في ديوان عبد الرحمن شكري نظرة شعرية ~~بحتة فإنه لا يهمه أن يكون ديوانه مطبوعا على ورق رخيص مجردا عن الرسوم الفنية، ~~ولا أن ألفاظه بعيدة عن موسيقى الرنين المألوفة، وإنما كل ما يعنيه أن يضع يده على ~~شواهد الشاعرية العظيمة في كل صفحة من صفحات الديوان، وحينئذ يصيح قريرا: هنا تطوف ~~روح شاعر عظيم! # وقد بلغ الجهل والخلط بكثيرين ممن يتصدون للنقد ألا يفقهوا أن من روائع ~~الشعر ما يسكن النثر، وأن للنثر موسيقية خاصة فاتنة، كما ترى في مقطوعات أمين الريحاني، ~~وحسين عفيف، وتوفيق مفرج، وفي آثار غيرهم من الشعراء الناثرين، وأن موسيقى النظم كثيرة ~~التنوع ms100 حسب الأوضاع والمناسبات، ويجب أكيدا أن تتنوع. وبلغ بهم الشطط ألا يفهموا ~~معاني التصوف في الشعر، ومنزلة المرأة في الفنون، فصاروا يؤاخذون حيثما ينبغي أن ~~يمتدحوا، وفتنوا بحلاوة الألفاظ أو برنينها الفتنة التقليدية المعهودة فباتوا يصفون ~~صاحب الرنين الحلو بالشاعر العظيم بدل أن ينعت بالموسيقي مثلا، وصاروا ينسبون إلى ~~عبقريات الوصف المعاني الشائعة ما دامت تنتظمها الموسيقى اللفظية، ويكفرون بآيات الشعر ~~التي لا تكون في نظام من الموسيقى التقليدية ... ولو كانت هذه الروح الضالة مسيطرة ~~على رجال الفنون جميعا لما قامت لنا قائمة، فإنها روح لا تتطلب الكمال، وإنما تتشبث ~~بكل عتيق مألوف، ولا تعرف معنى الابتداع الفني وإن تشدقت به؛ لذلك يجيء نقدها ~~رخيصا عاثرا، بل ميتا لا جدوى منه. # وأين هذا من تشدد الغربيين في النقد؟ أين سونبرن الآن؟ بل أين أستاذه فكتور ~~هوجو؟ وما أدراك من سونبرن وفكتور هوجو في زمنهما؟! بل إن سونبرن في نفس زمنه برغم ~~عظمته الليريكية، وتمجيده الشعري للطبيعة، وبعثه التراجيديا الإغريقية، وبرغم عبقريته ~~الدرامية كما ترى في ملحمته «أطلنطا في كاليدون» كان معدودا موسيقارا أكثر منه ~~شاعرا، وهو هو صاحب هذا الشعر الفلسفي البديع: # From too much love of living, # From hope and fear set free, # We thank with brief thanksgiving # Whatever gods may be # That no life lives for ever; # That dead men rise up never; # That even the weariest river # Winds somewhere safe to sea. # وهذا البطر من الغربيين هو دليل ثروتهم، ونحن لا ندعو إلى التشبه بهم في ذلك، ~~ولكنما ندعو إلى الإنصاف وحده، فلا يحجر على الشعراء ولا تبخس أعمالهم قدرها، ~~وذلك في مصلحة الجمهور نفسه؛ لأن الفن ذاته لا تعنيه العقبات الوقتية ولا جحود ~~البيئة إذ سوف ينتصر في النهاية سواء أفي هذا الجيل أم فيما بعده، فالفن معنى حي ~~خالد، وإنما الخاسر بالتغاضي عنه هو وحده الجيل المتغاضي. # ومن الزراية بالشعر أن يعين بعض النقاد للشعراء الموضوعات التي يجب أن يحصروا ~~اهتمامهم فيها، بينما من حق ms101 الشعر كفن أن يقول ما يشتهي ما دام يقول ذلك في أسلوب ~~جيد، على حد تعبير سونبرن نفسه. وكم ألقيت التهم المرذولة جزافا على شعراء لا ~~يعنيهم غير التسامي بالأدب، وتقديس الجمال، ونقد الحياة نقدا صادقا، وخلق المثل ~~العليا. كذلك من الزراية بالشعر والشعراء أن يقال إن في النثر غنية عن الشعر كأنما ~~النثر مقابله أو منافسه، وينسى هؤلاء المتصدرون للنقد والإرشاد أثر الفنون الجميلة ~~(والشعر بينها) في تهذيب الأمم أحسن تهذيب بتثقيف العقل الباطن الذي لا تنسب ويلات ~~الإنسانية إلا إلى جموحه؛ لأنه جماع الغرائز، ومكمن الإنسان البدائي ... ومن نكد ~~الدنيا على الشعر والشعراء أن يلاموا على تآلفهم وتعاونهم الأدبي والمادي، وإن احتفظوا ~~كل الاحتفاظ بمذاهبهم الخاصة وشخصياتهم وإنتاجهم المستقل، بينما كثيرون من شعراء ~~العربية أسوأ حالا من الشاعر الفرنسي رينيه ليسليه الذي أعلن عزمه على الطواف في ~~شوارع باريس ليبيع ديوانه الأخير «لما كان النحل يغني» ... # إن شعر الجيل هو الشعر الصميم الصادق المطبوع، وهو جوهر في ذاته له قيمته السامية، ~~كما لكل فن يقترن به قيمته الأخرى، وشعراء هذا الجيل يأبون تحكم الغرض والتقليد ~~والقصور في الفن، وإن رحبوا كل الترحيب بالنقد الفني الدقيق، فمن شاء أن ~~يتذوق هذا الشعر ويقدره فليقرأه بروح الشاعر، وبروح الشاعر وحده، وإلا فليكتف بنظم ~~القرون السوالف، ولا أقول بشعرها؛ فشعرها أيضا حي خالد، ولن يعرف قيمته غير ذوي ~~البصر بالشعر الصحيح. # ولا يسعني أخيرا إلا تكرار الشكر للزملاء الشعراء المبرزين من تونس والعراق ومصر، ~~الذين تضافروا من شتى النواحي على دراسة هذا الديوان بنفوسهم الصافية الكريمة، فجاءت ~~دراساتهم تحية للشعر العصري عامة لا لشعري وحده، وأرتقب باطمئنان من اطراد الرقي ~~الثقافي في بيئتنا ألا يحتاج مثل هذا الشعر في المستقبل إلى أمثال هذه الدراسات؛ ~~إذ يصبح شذوذه مألوفا، ويسترعي الانتباه بدلا عنه شعر الشباب الوثاب، وهذه هي ~~السنة الطبيعية للحياة. فليكن إذن هذا الديوان وما سبقه وما سوف يتبعه من ~~دواويني بين درجات الرقي للشباب الشاعر المتسامي إلى الكمال، لا منبرا ms102 لشهرتي الخاصة ~~التي قد بلغت منها الكفاية، وهي أول ما يسأمه الفنان المتجرد لفنه. ms103