######OpenITI# #META# URI: 1374HannaKhabbaz.JumhuriyyatAflatun.Hindawi30280728 #META# Tags: politics :: philosophy #META# ID: 30280728 #META# Title: جمهورية أفلاطون #META# AuthorID: 74625860 #META# Author: أفلاطون #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 95361607 #META# Translator: حنا خباز #META# Related_books: 0001Plato.Politeia (TRANSL) #META#Header#End# # مقدمة المترجم‏ # الكتاب الأول: العدالة‏ # الكتاب الثاني: المدينة السعيدة‏ # الكتاب الثالث: دستور المدينة‏ # الكتاب الرابع: الفضائل الأربع‏ # الكتاب الخامس: المسألة الجنسية‏ # الكتاب السادس: الفلاسفة‏ # الكتاب السابع: المثل‏ # الكتاب الثامن: الحكومات الدنيا‏ # الكتاب التاسع: المستبد‏ # الكتاب العاشر: التقليد وجزاء الفضيلة‏ # مقدمة المترجم‏ # الكتاب الأول: العدالة‏ # الكتاب الثاني: المدينة السعيدة‏ # الكتاب الثالث: دستور المدينة‏ # الكتاب الرابع: الفضائل الأربع‏ # الكتاب الخامس: المسألة الجنسية‏ # الكتاب السادس: الفلاسفة‏ # الكتاب السابع: المثل‏ # الكتاب الثامن: الحكومات الدنيا‏ # الكتاب التاسع: المستبد‏ # الكتاب العاشر: التقليد وجزاء الفضيلة‏ # | جمهورية أفلاطون # | جمهورية أفلاطون # تأليف # أفلاطون # ترجمة # حنا خباز # | مقدمة المترجم # الدولة برجالها والأمة بآحادها. على هذا المحور يدور القسم الأكبر من مباحث الجمهورية، ~~والتاريخ كله أدلة قاطعة تثبت هذه النظرية؛ فقد أنشأ الإسكندر المكدوني الدولة اليونانية، ~~وشارلمان بابين الدولة الفرنسية، وبطرس الكبير الدولة الروسية، وغاريبلدي ورفقاؤه الدولة ~~الإيطالية، وقس على ذلك مئات الشواهد في كل العصور. # تحيا الأمة أو تموت، وتعلو أو تسفل، وتسعد أو تشقى؛ بقياس ما فيها من الآحاد - النوابغ - ~~وبقياس معاملتها أولئك الآحاد، فأمة أو دولة تقدر آحادها أقدارهم وتطلق أيديهم في ~~إبراز ما أوتوا من علم أو فن أو إبداع، وتمهد لهم الوسائل للفوز والفلاح؛ هي أمة أو ~~دولة سعيدة خالدة، أما الدولة التي تغل أيدي نوابغها وتقيم العقبات في سبيلهم، فهي ~~دولة معتسفة تاعسة. # فتربية الرجال ومكانتهم ورعايتهم وما لهم من النفوذ في الدولة، يشغل القسم الخيالي في ~~جمهورية أفلاطون، وقد رمز بذلك إلى الرجل الفذ الأريحي، الحكيم الشجاع العفيف العادل، ~~الذي يدعوه «المثل الأعلى»، وهو ركن الدولة المثلى. فإذا سرح القارئ رائد طرفه في ~~الجمهورية رأى أمامه جوا صافيا حافلا بالمثل، مزدانا بغرر الأفكار، فتثور في نفسه ~~محبة الجمال، وتنطبع تلك النفس بطابع الجمال الذي رأت مثله في تفكير أفلاطون من نزاهة نفس، ~~وسديد رأي، وثاقب نظر، وعالي همة، وترفع عن التقليد والزلفى، وعن مسايرة البيئة؛ ~~وبالإجمال، عن كل ما يغل الفكر من عادات وتقاليد وأوهام؛ ففي هذا الموقف يتجلى للذهن ~~جمال الحقيقة الخلاب، فتصير ms001 ضالته المنشودة وإلاهته المعبودة. هذا هو الرجل الذي يفتقر ~~شرقنا إليه، وهو ما أرجو أن تكون هذه الجمهورية من وسائل خلقه وتنشئته. # فالنتيجة الصحيحة لهذه المقدمة في منطق القارئ النبيه، هي أن تكون ترجمتي سهلة المأخذ، ~~واضحة البيان، لتكون في متناول العامة إذا أمكن، فتقود النفس بسهولة إلى رؤية الجمال. ذلك ~~ما توخيته في الترجمة، وقد علقت على صفحات الكتاب الهوامش، وبدأت كل فصل منه ~~بتمهيد يشتمل على خلاصته، ووضعت في الهوامش الأرقام التي تسهل على المطالع المراجعة ~~والاستشهاد؛ كل ذلك لتسهيل فهمه على مطالعيه. # وقد كان بين يدي ثلاث ترجمات إنكليزية، هي ترجمة تيار، وترجمة سبنس، وترجمة دافيس ~~وفوغان، فكنت أقابل كل جملة فيها من أول الكتاب إلى آخره، وأقف على صورة التعبير في ~~كل منها، وقد بذلت وسعي في اختيار أصحها؛ لأنها تختلف في كثير من مواقفها اختلافا ~~كبيرا؛ فكنت أوثر أقربها لروح أفلاطون، معتمدا بالأكثر ترجمة دافيس وفوغان؛ لأني علمت ~~أنها معتمدة في جامعة أكسفرد، ولأن أكابر الكتاب والفلاسفة والعلماء يعتمدونها، ~~كدورانت ورسل والإنسكلوبيديا. # ولا يسعني إلا التنبيه إلى ما ورد في كتاب الجمهورية من الأشعار من نظم هوميروس ~~وهسيودس، وغرض أفلاطون في ذلك نقدها وتفنيد ما تتضمنه من المبادئ الفاسدة والتعاليم ~~المنكرة؛ فلا يضعن القارئ قلبه عليها، فإن مسألة شاعريتها وبلاغتها غير مرادة ~~هنا. # ولا يفوتني إثبات شكري الوافر لحضرة فؤاد أفندي صروف، رئيس تحرير المقتطف، صاحب الفضل ~~في نشر هذا الكتاب، وفي معاونته لي في مراجعة مسوداته، وقد راجعت مع ابني توفيق (ب. ع.) ~~مدرس الترجمة في كلية غردون بالخرطوم - بالسودان - ~~كل الكتاب، والترجمات الثلاث بين أيدينا؛ فأصلح وعدل في الترجمة شيئا كثيرا. فإذا ~~شام القارئ في الترجمة شيئا من الضبط والاتساق، فالفضل بالأكثر لشريكي المذكورين، ~~أما الأغلاط والخطيئات الواردة فيه فهي على مسئوليتي وحدي. # ورجائي إلى القارئ النبيه ألا يسرع في تقليب صفحات هذا الكتاب؛ لأنه ليس كتاب تسلية ~~ولهو، بل هو من تحف الأدهار، وكما هو من نتاج أزكى العقول، فهو عشيق أزكى ms002 العقول. ~~وحسب مؤلفه أفلاطون فخرا أنه قد مر على تأليفه نحو 2300 سنة، وهو يدرس اليوم في ~~أرقى جامعات الدنيا، مع أن ملايين من المؤلفات التي صدرت من عهد أفلاطون إلى اليوم قد ~~أصبحت نسيا منسيا، وكأي من مؤلف ضربت العناكب على تأليفه ولم تفسد أكفانه. وهذا ~~كتاب الجمهورية يحسبونه كتاب الكتب في عصر بلغ النقد فيه أسمى مبالغه؛ فأرجو القارئ أن ~~يتأنى في قراءته، وأن يعطيه حقه من الروية والإمعان؛ لأنه خير كاشف عن باطن أكبر ~~فيلسوف عاش في كل الأجيال. # أجل إننا لسنا نوافق أفلاطون في كل نظرياته، وقد نشرناها على مسئوليته، ولكنا معجبون ~~وأكثر من معجبين بنظام تفكيره، ورحابة صدره، وضبطه في الأحكام، وفيض بلاغته وبيانه، ~~ونشاركه في غرض التأليف العام وهو «السعادة»، وفي الوسيلة الخاصة المؤدية إلى ذلك الغرض وهي ~~«الفضيلة»، ونوافقه في أن الفضيلة تراد لذاتها ونتائجها، وفي أن الفرد دولة مصغرة ~~والدولة جسم كبير، وأن ما يسعد الدولة يسعد الفرد، وأن الرجل الكامل - المثل الأعلى - ~~هو الذي تحكم عقله في شهواته، وانقادت حماسته إلى حكمته، وعاش ومات في خدمة ~~المجموع. # حنا خباز # مصر، 12 أغسطس سنة 1929 # أفلاطون (نقلا عن كتاب «قصة الفلسفة»، تأليف الدكتور ول ~~دورانت). # | الكتاب الأول: العدالة # خلاصته # لما انحدر سقراط وغلوكون إلى بيرايوس لحضور حفلة العيد الذي اقتبسوه حديثا من ~~الثراكيين، التقى ببوليمارخس وأديمنتس ونيسيراس وغيرهم من الأصحاب، فأقنعهما هؤلاء أن ~~يصحباهم إلى بيت سيفالس والد بوليمارخس، وتحادث سقراط وسيفالس في محن الشيخوخة ~~وآلامها، فأفضى بهما الحديث إلى هذه المسألة: ما هي العدالة؟ فانسحب سيفالس تاركا ~~ميدان البحث لولده بوليمارخس. # فبدأ بوليمارخس البحث بإيراد حد العدالة المأثور عن سيمونيدس، وخلاصته: العدالة هي ~~أن يرد للإنسان ما هو له. فاعترضتهما مسألة أخرى، وهي: ماذا عنى سيمونيدس بكلمة ~~«له» أو حقه؟ لأنه واضح أنه أراد بها أكثر قليلا من حق التملك، وعنده أن طبيعة الحق ~~تتوقف على طبيعة العلاقة بين المتعاملين؛ وعليه: جعل العدالة «نفع الأصحاب ومضرة ~~الأعداء». # فسأله سقراط أن يحدد ms003 «الأصحاب»، ولما أجابه بوليمارخس أن الأصحاب «هم الذين نعتقد ~~فيهم الأمانة والصلاح»، رد عليه سقراط قائلا: لما كنا معرضين للخطأ في الحكم في ~~صفات الناس، فإن ذلك - ولا شك - يجرنا إما إلى مضرة الصالحين، وهو تعليم فاسد، أو ~~إلى أن العدالة هي مضرة الأصحاب، وهو ضد حد سيمونيدس على خط مستقيم. # فللتخلص من هذا المشكل عدل بوليمارخس موقفه، وأفرغ نظرية سيمونيدس بهذا القالب: ~~العدالة هي مساعدة الأصحاب الأمناء ومضرة الأعداء الأشرار. # فبرهن سقراط في رده على أن الإضرار بالإنسان يجعله أكثر شرا وأقل عدالة، فكيف ~~يمكن أن يضعف الإنسان العادل بعدالته عدالة الآخرين؟ فحد سيمونيدس، حسب التعديل ~~الأخير، غير صحيح. # فتعرض ثراسيماخس للبحث، وبعد اللتيا والتي حدد العدالة بأنها: منفعة ~~الأقوى. وأسند تحديده إلى البرهان الآتي: # انتهاك حرمة الشريعة يحسب تعديا عند كل حكومة. # تسن الشرائع لصيانة مصلحة الحكومة. # الحكومة أقوى من الرعية. # والنتيجة أن العدالة هي مصلحة الأقوى، أو: «الحق للقوة.» # فرد سقراط بأن الحكومة قد تخطئ في سنها شرائع مضرة بمصلحتها، والعدالة في ~~رأي ثراسيماخس توجب على الرعية إطاعة الشريعة في كل حال؛ فإذا: كثيرا ما تكون ~~العدالة إضرار الرعية بمصلحة الحكومة، فتكون العدالة ضد مصلحة الأقوى. فلا يمكن ~~قبول هذا الحد. # فهربا من هذه النتيجة تراجع ثراسيماخس من موقفه هذا وقال: إن الحاكم اصطلاحا لا ~~يغلط باعتبار حاكميته، فالحكومة كحكومة تسن دائما ما هو في مصلحتها، وذلك ما ~~توجب الشريعة على الرعية إطاعته. فأثبت سقراط في رده أن كل فن - وبالجملة فن الحكم - ~~لا يتناول مصلحة أربابه أو الأعلى، بل مصلحة المحكوم أو الأدنى. فاقتضب ثراسيماخس ~~الكلام محولا الموضوع إلى أن الحكام يعاملون الشعب معاملة الراعي قطيعه، ~~فإنه يرعاه ويسمنه لمصلحته هو؛ ولذلك فالتعدي أفضل وأنفع كثيرا من ~~العدالة. # فأصلح سقراط هذا القول بأن الراعي لا يسمن المواشي لمصلحته الخاصة، وأخذ من قاعدة ~~ثراسيماخس أن غرض الرعاية الخاص توخي مصلحة الرعية. زد على ذلك: كيف نعلل ~~قبض الحاكم راتبا على عمله إن لم يكن ذلك العمل لخير ms004 الشعب وليس لخيره ؟ فكل فني، ~~بأدق معاني الكلام، يكافأ بفنه مكافأة غير مباشرة، ولكنه يكافأ مباشرة بما أسماه ~~سقراط «فن الأجور»، وهذا يصحب غيره من أنواع المكافأة. ثم أعاد النظر في القول: ~~التعدي الكلي أنفع من العدالة التامة؛ فاستخرج من فم ثراسيماخس الاعتراف ب «أن ~~العدالة فطرة صالحة»، و«التعدي سياسة حسنة»؛ وبالتالي سياسة حكيمة صالحة فعالة، ~~فقاده سقراط بذلاقة لسانه إلى التسليم بما يأتي: ~~(1) # يحاول المتعدي خدعة العادل والظالم معا، أما العادل فيقتصر على خدعة ~~الظالم فقط. ~~(2) # كل حصيف في فن وهو صالح وحكيم، لا يحاول غلبة الحصيف، بل غلبة ~~الغبي. ~~(3) # فلا يحاول الصالحون سبق أمثالهم، بل سبق الأغيار، فينتج من ذلك أن ~~العادل حكيم وصالح، والمتعدي شرير وجاهل. وحينذاك تقدم سقراط لتبيان ~~أن التعدي يلد النزاع والانقسام، أما العدالة فتؤدي إلى الاتساق والوئام، ~~وأن التعدي يقضي على كل ميل إلى الاتحاد في العمل، في الأفراد وفي ~~الجماعات؛ لذلك كان التعدي عنصر ضعف لا قوة. # وأخيرا أوضح سقراط أن النفس كالعين والأذن وغيرهما من الحواس، لها عمل أو وظيفة ~~تتمها، ولها أيضا فضيلة بها تتمكن من ذلك الإتمام، وتلك الفضيلة في النفس هي ~~العدالة، فلا تستطيع النفس إتمام عملها إتماما حسنا دون سلامة فضيلتها؛ لذلك لا يمكن ~~أن يكون التعدي أنفع من العدالة. مع ذلك صرح سقراط أن هذه الحجج غير قاطعة؛ لأنه ~~لم يتوصل بعد إلى اكتشاف طبيعة العدالة الحقيقية. # متن الكتاب # المتكلمون: سقراط، وسيفالس، وبوليمارخس، وغلوكون، # 1 # وأديمنتس، وثراسيماخس. # الرواية بلسان سقراط. المكان: بيت سيفالس في بيرايوس. # قال سقراط: انحدرت البارحة إلى بيرايوس، صحبة غلوكون بن أريسطون، لتقديم العبادة ~~للإلاهة، مع الرغبة في مشاهدة حفلات العيد وكيفية إقامتها، وقد اعتزموا على ممارستها ~~للمرة الأولى؛ # 2 # فسرني موكب مواطني الأثينيين، على أن موكب الثراكيين لم يكن دونه ~~بهاء. وبعد الانتهاء من مراسم العبادة، وإشباع عاطفة حب الاستطلاع، قفلنا راجعين إلى ~~أثينا، فرآنا بوليمارخس بن سيفالس عن كثب ونحن راجعون، فأرسل غلامه يستوقفنا ريثما يصل ~~هو، فأمسك الغلام بأطراف ردائي ms005 من وراء قائلا: سيدي بوليمارخس يرجوكما انتظاره ~~قليلا. فالتفت وسألته: أين هو؟ قال: ها هو قادم، فانتظراه. قال غلوكون: إنا ~~منتظران. وللحال وصل بوليمارخس، وأديمنتس أخو غلوكون، ونيسيراتس بن نيسياس، وآخرون ~~غيرهم كانوا راجعين من الحفلة، فبدأ بوليمارخس الكلام. # بوليمارخس ~~: # يا سقراط، إذا لم أخطئ الظن، فأنتما عائدان إلى المدينة؟ # سقراط ~~: # لم تخطئ الظن. # بوليمارخس ~~: # أفلا تريان وفرة عددنا؟ # سقراط ~~: # دون شك إنا نراها. # 3 # ب ~~: # فعليكما إما أن تبرهنا على أنكما أقوى منا فتسيران، أو مكانكما. # س ~~: # بل إن هنالك رأيا آخر، وهو أن نقنعكم أنه يجب أن تأذنوا لنا ~~بالذهاب. # ب ~~: # أويمكنكما إقناعنا إذا نحن أبينا الإصغاء؟ # غلوكون ~~: # كلا. # ب ~~: # فكونا على يقين أننا لن نسمع لكما. # أديمنتس ~~: # أولا تعلمان أنه سيكون الليلة طراد بالمشاعل إكراما للإلاهة؟ # س ~~: # أعلى متون الخيل؟ إنه شيء جديد، أفعازمون هم على تبادل المشاعل بالأيدي ~~والخيول مغيرة بهم؟ أو ماذا تعني؟ # ب ~~: # إنه كما تقول، عدا ذلك سيكون عندنا الليلة احتفال يستحق الفرجة، فسنقوم عن ~~العشاء ونشهد الحفلة، فنجتمع بكثيرين من الشبان ونطارحهم الحديث. ~~فالمرجو أن لا ترفضوا التماسنا. # غلوكون ~~: # يظهر أن بقاءنا لازم. # س ~~: # فلنبق إذا شئت. ~~(فسرنا إلى بيت بوليمارخس، حيث لقينا أخويه ليسياس ~~وأثيديموس، وثراسيماخس، وشارمنتيدس البيوني، وكليتيفون بن أريستونيموس. وكان سيفالس ~~والد بوليمارخس أيضا في البيت، وقد تبينت فيه ملامح الهرم؛ إذ لم أكن قد رأيته ~~من عهد بعيد، وكان جالسا في سريره مكللا بإكليله الكهنوتي؛ لأنه كان يقدم ~~الذبائح في السراي. فجلسنا حوله، ولما رآني حياني قائلا): # سيفالس ~~: # أطلت الغيبة يا سقراط، فلم تزر بيرايوس، والأمل أنك لا تبخل زيارتنا، ولو ~~كان الصعود إلى المدينة سهلا علي لما كان عليك أن تتحمل مشقة المجيء ~~إلينا، أما وإنا على ما ترى فأتوقع أن تواصل افتقادنا، وأؤكد لك أني ~~وجدت ضعف الملذات الجسدية يتناسب مع زيادة ميلي إلى المحادثة الفلسفية، ~~والرغبة في المسرة الناشئة عنها؛ فلا ترفض طلبي ولا تحرم هؤلاء الشبان ~~فوائد الاجتماع بك، بل زرنا كأصدقاء حميمين. # س ms006 ~~: # حقا أيها السيد سيفالس إني أسر بمحادثة الشيوخ، رغبة في الإفادة منهم ~~كسابقين تقدمونا في طريق ربما بلغناها بعدهم فنعرف منهم ما هي؟ أوعرة أم ~~سهلة؟ أو هينة أم عسرة؟ ويسرني أن آخذ عنك وأنت قد بلغت الموقف الذي يدعوه ~~الشاعر «عتبة الأبدية»، فأعرف ما هو رأيك في هذا الطور، أثقيلة الحياة فيه أم ~~ماذا؟ # سيفالس ~~: # إني أفضي إليك باختباري الخاص يا سقراط، فإننا نحن الشيوخ نجتمع معا حينا ~~بعد حين، ونحن أقران سنا، طبقا للقول: «شبيه الشيء منجذب إليه.» فيندب ~~أكثرنا سوء حاله أسفا على مسرات الصبا، وما فيها من ولائم وغرام وحلقات شرب ~~وطرب، وما إلى ذلك؛ فيندبون زمن الفتوة وخسرانهم مسراته المستحبة، ~~وأنهم كانوا حينذاك يعيشون عيشة راضية، أما الآن فيحسبون أنفسهم في عداد ~~الموتى، ويشكو بعضهم ما يلقى ضعفهم من ازدراء الأقارب، حاسبين الهرم علة ~~هوانهم. على أني يا سقراط لا أراهم يلمون بسبب تعاستهم الحقيقي، فلو أن ~~الهرم هو العلة لكنت شريكهم فيها، ولكان كل هرم من مذهبهم، والواقع خلاف ~~ذلك كما أكد لي كثيرون من الشيوخ، أخص بالذكر منهم صفوكليس الشاعر، فإنه ~~لما سئل في حضرتي: ما هو شعورك بلذائذ الغرام يا صفوكليس؟ أقادر أنت على ~~التمتع بها؟ أجاب السائل قائلا: يا صاح، يسرني أني نجوت من تلك اللذات، ~~نجاتي من سيد غبي غضوب. فرأيت أنه بحكمة أجاب؛ لأن في دور الهرم سلاما طافحا ~~وحرية تامة من القيود الثقال، فمتى خفت حدة الشهوات وهانت ~~مغالبتها، حق قول صفوكليس وتحررنا من سادة عنف. أما الشكاوى التي ~~ذكرها رصفائي، وما يلقونه من معارفهم من صنوف الهوان، فلها سبب واحد لا غير، ~~ليس هو الهرم يا عزيزي سقراط، بل هو خلق الشيوخ، فلو أن لهم عقولا حسنة ~~الاتزان، لينة العرائك، لما كان الهرم عليها حملا ثقيلا، وإلا فكلا ~~الأمرين - الشيخوخة والشباب - ثقيل. ~~(قال سقراط: فاعتبرت ما أملاه علي سيفالس، ورغبت في ~~استدراجه استزادة للفائدة، فقلت له): # س ~~: # أظن يا سيدي سيفالس أن الكثيرين لا يوافقونك في ذلك، ms007 بل يرون أنك استسهلت ~~الشيخوخة ، لا لحسن خلقك بل لثروتك الطائلة؛ لأن في الغنى تعزيات ~~جمة. # سيفالس ~~: # أصبت في قولك إنهم لا يوافقونني في ذلك، وفي ما قالوه شيء من الحق، ولكن ~~ليس بقدر ما وهموا؛ فلقد أجاد ثموستكليس القول ردا على من ازدراه من ~~السيرافيين، زاعما أن شهرته لم تستند إلى كفاءته الشخصية بل إلى قوميته؛ ~~قال: «ولو كنت سيرافيا نظيرك لما اشتهرت، ولا أنت لو كنت أثينيا نظيري.» ~~وهو قول ينطبق على فقراء الشيوخ الذين يئنون تحت أثقال الهرم: لا يهون حمل ~~الهرم على الفقير وإن كان ذا كفاءة، ولا يريح الثراء عديمها. # س ~~: # أوطارف ثراؤك أم تالد يا سيدي سيفالس؟ # سيفالس ~~: # تسألني هل جنيت ثروتي، فأجيبك أني من حيث المالية بين أبي وجدي، فلما ~~كان جدي وسميي «سيفالس» في سني، كان يملك ما أملك الآن، وقد ضاعف ثروته ~~أضعافا؛ أما والدي ليسباس فأنقصها عما هي الآن، وأنا راض بأن يرث أولادي ~~ليس أقل مما ورثت عن والدي، بل أكثر قليلا. # س ~~: # سألتك هذا السؤال لأني أراك معتدلا في حب الثروة شأن الذين ثراؤهم تالد، ~~أما الذين جنوه فحرصهم عليه أضعاف حرص أولئك، وكما يولع الشعراء بحب ما ~~نظموا، والوالدون بحب من نسلوا، هكذا الذين جنوا ثروة هم كلفون بها، ~~لا لمجرد استخدامها كما يفعل السوي؛ بل لأنها جني حياتهم، وذلك يجعلهم ~~عشراء سوء؛ لأنهم لا يمتدحون إلا الثروة. # سيفالس ~~: # هذا صحيح. # س ~~: # فقل لي بحقك، ما هو الخير الأعظم الذي جنيته من الثروة؟ # سيفالس ~~: # إذا أبديت رأيي، فقلائل هم الذين يوافقونني فيه، فكن على يقين يا سقراط ~~أنه متى شعر المرء بدنو الأجل، خامرت قلبه المخاوف والهموم التي لم تكن ~~تروعه فيما سلف، يوم كان يهزأ بروايات ما وراء القبر، ومعاقبة الإنسان ~~عما جنى. أما الآن فغدا يضطرب جزعا مخافة أن تكون تلك الروايات صحيحة، ~~ويزيده تصديقا لها إما ضعفه الناشئ عن الهرم، أو قربه منها فعلا. ~~ومهما يكن العامل فإنه تملؤه المخاوف والريب، فيأخذ يفكر: ترى ms008 هل أساء إلى ~~أحد بشيء ؟ فإن كان قد أساء كثيرا في حياته، فإنه يستيقظ حينذاك من غفلته ~~يقظة الأحداث من نومهم، وقد علت فوقهم الصيحات، فيسوده الذعر والشقاء. أما ~~إذا لم يشعر بأنه أساء، فهو كما قال بندار: # يظل مبتهجا مهما يطل أجلا # وفي الرجاء له بشر وتهليل # وكلماته البديعة يا سقراط توضح إيضاحا جميلا أن كل من اتصف بالعدالة ~~والطهارة، ففيه القول: # نور الرجاء جلا داجي الخطوب وقد # أحيا مسرته في لجة الهرم # 4 # وإن نأت عن سواه كل تعزية # فقلبه راتع في دوحة النعم # ففي شعر بندار هذا أدب ناضج وحكمة بالغة؛ وعليه: أرى أن الثروة جزيلة النفع، ~~ربما ليس لكل إنسان، بل لصلحاء القلوب؛ لأنها تحررنا من التعرض للغش ~~والخداع، فتنقذنا من مخاوف الانتقال من هذا العالم مدينين بشيء من الذبائح ~~للآلهة، أو بشيء من الأموال للناس. وللثروة فوائد كثيرة غير ذلك. أما أنا، ~~فبعد أن وزنت كلا منها، فإني أرى أن ما ذكرته منها هو أقل فوائد الثروة ~~للحكيم. # س ~~: # أحسنت البيان يا سيدي سيفالس، ولكن ماذا نفهم بالعدالة؟ وماذا نقول فيها؟ ~~أنحدها بأنها ليست أكثر ولا أقل من صدق المقال ورد ما للغير؟ أم نقول إن ~~الفعل الواحد يحسب في بعض الأحوال عدلا، وفي بعضها تعديا؟ أعني أن كل ~~إنسان يسلم أنه إذا استعار من صديقه أسلحة خطرة، وصديقه سليم العقل، فليس ~~من العدالة أن يردها له وقد أصيب في عقله وصار وجودها في يده خطرا على ~~حياته، فلا يحسب من ردها عادلا، كما لا يحسب عادلا من أخبر إنسانا ~~كهذا، في حال كهذه، كل الحقيقة. # سيفالس ~~: # أصبت. # س ~~: # فرد العارية وصدق القول ليس تحديدا صحيحا للعدالة. # بوليمارخس ~~: # ليس إلا صحيحا يا سقراط، إذا كنا نثق بسيمونيدس. # سيفالس ~~: # وعلى كل فإني أترك الحديث لكما؛ إذ قد حان وقت ذهابي للذبائح. # س ~~: # فيرثك بوليمارخس في الحديث، أليس كذلك؟ # سيفالس ~~(مبتسما) ~~: # من كل بد ~~(قال ذلك وخرج لإتمام فريضة ~~الذبائح) ~~. # س ~~: # قل لي يا وارث الحديث، ما ms009 هو حد العدالة المأثور عن سيمونيدس ؟ # بوليمارخس ~~: # العدالة هي أن يرد لكل ما له. وأرى أن سيمونيدس قد أجاد بهذا ~~التحديد. # س ~~: # يعز علي أن أرفض تحديد سيمونيدس لأنه حكيم وملهم، وربما تفهم أنت ~~معناه يا بوليمارخس، أما أنا فلم أوفق إلى فهمه؛ لأنه واضح أنه لا يعني ~~شيئا مما ذكرنا، أي: «رد الإنسان لصديقه مجنونا، ما أودعه إياه ~~عاقلا»، مع أني أسلم أن الوديعة هي لصاحبها، أليست له؟ # ب ~~: # بلى. # س ~~: # ومع ذلك فإذا طلبها في حال جنونه، فلا يجوز ردها له، أيجوز؟ # ب ~~: # حقا إنه لا يجوز. # س ~~: # فالظاهر أن سيمونيدس قصد شيئا آخر بقوله: «إن العدالة هي أن يرد للمرء ~~ما هو له.» # ب ~~: # مؤكد أنه قصد شيئا آخر؛ لأنه يرى أنه على الأصدقاء أن يفعلوا لأصدقائهم ~~خيرا لا شرا. # س ~~: # فهمت، فمن رد ذهبا أودعه، وكان في الرد والاسترداد مضرة للصديق، ~~فليس رده عدالة، مع أن الذهب هو لمن استرده. أليس هذا ما ترتئي أن ~~سيمونيدس يعنيه؟ # ب ~~: # هذا هو بالتأكيد. # س ~~: # حسنا، أفنرد لأعدائنا ما هو لهم؟ # ب ~~: # دون شك نرد ما هو لهم، فللعدو على العدو دين، قد يكون ضارا، والضرر ~~مأثور في موقف كهذا. # س ~~: # فيظهر أن سيمونيدس أعطانا حدا مبهما كاللغز في ما هي العدالة، وظاهر أنه ~~يفهم جيدا أن العدالة هي إعطاء كل ما يوافقه. ذلك ما أسماه «حقه»، أو ما ~~هو «له»، فائذن لي أن أسألك أن تجود علي هنا برأيك؛ لو أن سائلا سأله ~~قائلا: يا سيمونيدس، إذا كان ذلك كذلك، فما هي الأشياء المقدمة للناس كواجبة ~~ومفيدة في فن يدعونه طبا؟ وما الذي يتناولها؟ فماذا تظن أنه يجيب؟ # ب ~~: # لا ريب في أنه يجيب أن المتناول هو الجسم، والأشياء المقدمة هي العقاقير ~~والطعام والشراب. # س ~~: # وما الفن الذي يؤتي المواد ما يلائمها ويدعى طهيا؟ وما الذي ~~يتناولها؟ # ب ~~: # الأشياء هي التوابل والبهارات، تتناولها أنواع الطعام. # س ~~: # حسنا، فماذا يقدم الفن الذي يدعى عدالة؟ ومن الذين يتناولونه؟ # ب ~~: # إذا ms010 رمنا الصواب يا سقراط، باعتبار ما قررناه آنفا، فالجواب هو: أن ~~العدالة تقدم النفع والضرر، والذين يتناولونهما هم الأصحاب ~~والأعداء. # س ~~: # فسيمونيدس يحسب نفع الصديق ومضرة العدو عدالة، أهذا معناه؟ # ب ~~: # هكذا أظن. # س ~~: # فمن هو الأقدر على منفعة أصحابه ومضرة أعدائه إذا مرضوا، باعتبار الصحة ~~وعدمها؟ # ب ~~: # هو الطبيب. # س ~~: # ومن الأقدر على صنع الخير للأصدقاء أو الضرر للأعداء في أسفار البحار بالنسبة ~~إلى أخطارها؟ # ب ~~: # الربان. # س ~~: # حسنا، ففي أي عمل وأية حال يكون العادل أقدر على نفع الصديق ومضرة ~~العدو؟ # ب ~~: # في حال الحرب، بمحالفته الفريق الواحد وعدائه الفريق الآخر. # س ~~: # حسنا، فالطبيب يا عزيزي بوليمارخس عديم النفع للأصحاء؟ # ب ~~: # حقيقة. # س ~~: # والملاح عديم النفع لمن هم على اليابسة؟ # ب ~~: # نعم. # س ~~: # فهل العادل أيضا عديم النفع لمن ليسوا في حرب؟ # ب ~~: # لا أظن. # س ~~: # فالعدالة إذا مفيدة حتى في وقت السلم. # ب ~~: # مفيدة. # س ~~: # وكذلك الزراعة، أليس كذلك؟ # ب ~~: # بلى. # س ~~: # وذلك لاجتناء ثمر الأرض؟ # ب ~~: # نعم. # س ~~: # كذلك فن السكافة نافع؟ # ب ~~: # نعم. # س ~~: # كواسطة للحصول على الأحذية. # ب ~~: # حقيق. # س ~~: # فأي نفع أو نيل تضمن العدالة في السلم؟ # ب ~~: # العهود يا سقراط. # س ~~: # ألشركة تعني بالعهود أم شيئا آخر؟ # ب ~~: # الشركة لا غير. # س ~~: # أفالعادل هو الشريك الأنفع في لعب النرد أم اللاعب البارع؟ # ب ~~: # اللاعب البارع. # س ~~: # وفي رصف الحجارة وتنضيد القرميد، العادل أنفع أم البناء القانوني؟ # ب ~~: # البناء القانوني. # س ~~: # فباعتبار أية شركة يمتاز العادل على العواد، ما دام العواد أمهر منه ~~بضرب الأوتار؟ # ب ~~: # أظن في الشركة المالية. # س ~~: # ربما يستثنى من ذلك يا بوليمارخس حال استعمال المال، كما في شراء حصان أو ~~بيعه؛ فحينذاك يكون تاجر الخيل أنفع من العادل. # ب ~~: # ظاهر أنه أنفع. # س ~~: # وفي شراء سفينة أو بيعها، بانيها أو ربانها أنفع من العادل. # ب ~~: # هكذا أرى. # س ~~: # فوالحالة هذه، متى يكون العادل أنفع الناس طرا في أمر الفضة ~~والذهب؟ # ب ~~: # حين تروم إيداع أموالك في حرز حريز ms011 يا سقراط. # س ~~: # أي حين حفظه في الخزنة وعدم استعماله في أي عمل؟ # ب ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # ففائدة العدالة ماليا محصورة في حال عدم التصرف بالمال. # ب ~~: # هكذا يظهر. # س ~~: # والعدالة مفيدة أيضا للفرد والشركة حين حفظ المكسحة، ولكن في حال استعمالها ~~تخلي العدالة الميدان لفن التشذيب؛ لأنه هو الأنفع. # ب ~~: # الأمر جلي. # س ~~: # أوتعني أن العدالة نافعة في حال حفظ الدرع والناي وعدم استعمالهما، ولكن ~~في حال استعمالهما تحتاج إلى فن الجندي والموسيقي؟ # ب ~~: # لا بد. # س ~~: # وهكذا الحال باعتبار كل شيء، العدالة عديمة النفع حين استعماله، ولكنها نافعة ~~في حال إهماله؟ # ب ~~: # هكذا يظهر. # س ~~: # فلا يمكن أن تكون العدالة يا صاحبي أمرا ذا شأن كبير، إذا انحصر نفعها في ~~حال الإهمال. ولكن دعنا نبحث هكذا: أليس الخبير في الملاكمة - حربا أو لعبا - ~~خبيرا أيضا في تلقي الضربات؟ # ب ~~: # أكيد. # س ~~: # أوليس أكيدا أيضا أن الأخصائي في دفع المرض وصد هجماته، بارع أيضا في ~~نفثه في الآخرين؟ # ب ~~: # هكذا أظن. # س ~~: # ولا ريب في أن الخفير الساهر على الجيش هو قادر أيضا على سرقة خططه ~~وحركاته. # ب ~~: # بالتأكيد. # س ~~: # فكل ما الإنسان بارع في حفظه هو بارع في سرقته؟ # ب ~~: # هكذا يظهر. # س ~~: # فإذا كان العادل خبيرا في حفظ الدراهم، فهو خبير أيضا في سرقتها. # ب ~~: # أعترف أن المحاورة تتمشى في هذه الوجهة. # س ~~: # فأدى بنا البحث إلى أن العادل لص باعتبار ما. والظاهر أنك أخذت ذلك عن ~~هوميرس، فإنه قد أعجب بأوتوليخوس جد أوليسيس لأمه؛ لأنه فاق الجميع في ~~السرقة والبهتان. فبناء على كلامك وكلام هوميرس وسيمونيدس، تظهر العدالة نوعا ~~من اللصوصية، والغرض منها نفع الصديق ومضرة العدو. أهذا ما تعني؟ # ب ~~: # كلا، لكنني لا أعرف ما عنيته. وعلى كل أرى نفع المرء أصحابه ومضرته ~~أعداءه عدالة. # س ~~: # أفمن يبدون الصداقة تحسبهم أصحابا، أم الذين هم حقيقة أمناء وإن لم ~~يبدوها؟ وعلى القياس نفسه تحدد الأعداء؟ # ب ~~: # أتوقع أن يحب الإنسان كل من يحسبهم أمناء، ويبغض من ms012 يعتقد أنهم ~~خبثاء. # س ~~: # أولا يخطئ الناس في ظنهم، فيعدون الخائنين أمناء، والأمناء ~~خائنين؟ # ب ~~: # يخطئون. # س ~~: # فيصير الصالحون أعداءهم، والأشرار أصدقاءهم. ألا يصيرون؟ # ب ~~: # يصيرون بالتأكيد. # س ~~: # فالعدالة - والحالة هذه - عندهم هي مساعدة الشرير ومضرة الصالح. # ب ~~: # واضح أنه هكذا. # س ~~: # ولكن الصالحين عادلون، والتعدي غريب عن طبعهم. # ب ~~: # حقيق. # س ~~: # فينتج من كلامك أن العدالة هي الإساءة إلى العادلين؟ # ب ~~: # لا سمح الله يا سقراط، والظاهر أن ذلك تعليم فاسد. # س ~~: # فالعدالة مضرة المتعدي ونفع العادل؟ # ب ~~: # هذا القول أفضل من سابقه. # س ~~: # والنتيجة يا بوليمارخس أنه قد يخطئ كثيرون من الناس في كثير من الأحوال، ~~لجهلهم حقيقة صحبهم جهلا مطبقا، فيحسبون مضرة أصحابهم الأبرار عدالة؛ ~~لأنهم توهموهم أشرارا، ويوجبون نفع أعدائهم لحسبانهم إياهم صالحين. ~~فتكون العدالة عكس المعنى الذي نسبناه إلى سيمونيدس على خط مستقيم. # ب ~~: # هذه هي النتيجة، فدعنا نستأنف التحديد، فإن تحديدنا الصديق والعدو غير ~~صحيح. # س ~~: # فكيف حددناهما يا بوليمارخس؟ # ب ~~: # أن من يظهر أمينا فهو الصديق. # س ~~: # فما هو التحديد الجديد؟ # ب ~~: # أن من دل ظاهر أمانته على حقيقة باطنه فهو الصديق، أما من أظهر ~~الأمانة وأضمر نقيضها فليس بصديق، بل هو متظاهر بالصداقة تظاهرا. وعلى ~~القياس يحدد العدو. # س ~~: # فالصالح بحسب هذا الكلام هو الصديق، والشرير هو العدو. # ب ~~: # نعم. # س ~~: # فتروم أن نضيف إلى مدلول العدالة معنى آخر علاوة على ما أعطيناها لما ~~قلنا إنها نفع الصديق ومضرة العدو؟ وإذا كنت قد فهمتك فأنت تبغي جعل حد ~~العدالة هكذا: العدالة نفع الصديق صالحا، ومضرة العدو رديا. # ب ~~: # بالتمام هكذا. وأظن أن هذا تعبير صحيح. # س ~~: # أفمفروض على العادل أن يضر أحدا؟ # ب ~~: # بلى، فيجب أن يضر أعداءه الأشرار. # س ~~: # إذا ضرت الخيل فماذا تصير؟ أأفضل أم أردأ؟ # ب ~~: # أردأ. # س ~~: # وبأي اعتبار؟ أكخيل أم ككلاب؟ # ب ~~: # كخيل. # س ~~: # أفتزداد الكلاب رداءة ككلاب لا كخيل؟ # ب ~~: # دون شك. # س ~~: # أفلا تقول بحكم القياس يا صديقي أن الناس إذا ضروا صاروا أردأ ~~إنسانيا؟ ms013 # ب ~~: # بالتأكيد. # س ~~: # أوليست العدالة فضيلة إنسانية؟ # ب ~~: # إنها كذلك بلا شك. # س ~~: # فإذا ضر الناس يا صديقي صاروا أقل عدالة. # ب ~~: # هكذا يظهر. # س ~~: # أفيقدر الموسيقيون أن يجعلوا الناس بالموسيقى لا موسيقيين؟ # ب ~~: # لا يقدرون. # س ~~: # أويجعل الخيالة الناس بطرادهم ضعاف الفروسية؟ # ب ~~: # لا. # س ~~: # وعليه: أفيقدر العادلون بعدالتهم أن يجعلوا الناس ظالمين؟ # ب ~~: # لا، إن ذلك مستحيل. # س ~~: # حقا، فإذا لم أكن مخطئا فليس من خصائص الحرارة أن تجعل الأشياء باردة، ~~بل ذلك من خصائص ضدها. # ب ~~: # نعم. # س ~~: # وليس من خصائص الجفاف أن يجعل المواد رطبة، بل إن ذلك من خصائص الضد. # ب ~~: # أكيد. # س ~~: # فليس من خصائص الصالحين أن يضروا أحدا، بل إن ذلك من خصائص ~~الطالحين. # ب ~~: # واضح أنه هكذا. # س ~~: # فهل العادل صالح؟ # ب ~~: # يقينا إنه كذلك. # س ~~: # فليس من خصائص العادلين يا بوليمارخس أن يضروا أحدا، بل إن ذلك من خصائص ~~المتعدين. # ب ~~: # يظهر أنك مصيب كل الإصابة يا سقراط. # س ~~: # فإذا قال قائل: إن العدالة إعطاء كل حقه. وهو يفهم بذلك أن من الحق ~~مضرة العدو ونفع الصديق، فليس هو بحكيم؛ لأن هذا التعليم ليس حقا؛ إذ قد ~~اكتشفنا أنه ليس من العدالة في حال من الأحوال أن نضر أحدا. # ب ~~: # أسلم بأنك مصيب. # س ~~: # فلندفع متحدين كل من ينسب إلى سيمونيدس أو بياس أو بيتاكس أو أي إنسان ~~آخر من الحكماء المنعمين ما هو من هذا القبيل. # ب ~~: # حسن جدا. إني على تمام الأهبة لمشاركتك في الدفاع. # س ~~: # أفتعلم لمن أعزو هذا القول: العدالة نفع الصديق ومضرة العدو؟ # ب ~~: # لمن؟ # س ~~: # أعزوه لبرياندر، أو لبرديكاس، أو زركسيس، أو أسمانياس الثيبي، أو غيرهم من ~~الأغنياء ممن ظن في نفسه المقدرة. # ب ~~: # أنت مصيب كل الإصابة. # س ~~: # وإذ حبط سعينا في تحديد العادل والعدالة، فأي حد آخر يمكن ~~اقتراحه؟ ~~(وكان ثراسيماخس قد هم مرارا بمقاطعتنا في عرض الحديث ~~باعتراضاته الشديدة، ولكن الحضور منعوه رغبة منهم في سماع تتمته. فلما قلت ~~عبارتي الأخيرة وتوقفنا ms014 عن الكلام، لم يقدر أن يضبط نفسه بعد، فجمع قواه وانقض ~~علينا كوحش ضار يروم أن يمزقنا، فذعر كلانا أنا وبوليمارخس لما صاح في وسط ~~الجماعة قائلا): # ثراسيماخس ~~: # أي كلام فارغ يشغلكما يا سقراط ويا بوليمارخس؟ ولماذا تخدعان الناس ~~بتأنقكما المتبادل؟ فإذا كنت حقيقة تريد تحديد العدالة، فلا تقتصر على ~~توجيه الأسئلة وتتسلى بإفساد الأجوبة الواردة عليها؛ لأنك عالم أن توجيه ~~الأسئلة أسهل من إجابتها، فأجب أنت وقل: ما الذي تدعوه عدالة؟ وحذار أن ~~تقول إنها هي ما يجب، أو ما ينفع، أو يربح، أو يليق، بل اجعل حدك جامعا ~~مانعا، فلن أقبل لك جوابا وهو من لغو الكلام. ~~(قال سقراط: فلما سمعت الكلام دهشت، ورفعت نظري إليه مذعورا، ~~ولو لم أكن قد سبقته بالنظر لأبكمت # 5 # وجمدت كالصنم، ولكن كانت قد حانت مني التفاتة إليه لما بدأ بالقول ~~فسبقته بالنظر؛ ولذا تمكنت من مجاوبته، فقلت بقليل من الرعشة): # س ~~: # لا تقس علينا يا ثراسيماخس، وإذا كنا أنا وبرليمارخس قد أخطأنا في بحثنا ~~فكن موقنا أن ذلك لم يكن تعمدا، ولا يبرحن فكرك أننا لو كنا نبحث ~~عن الذهب لما تساهل أحدنا مع الآخر مستسلما فضل عن العثور عليه، فأرجوك ~~أن لا تظن أننا ونحن نبحث في العدالة - وهي أثمن كثيرا من شذور الذهب - نكون ~~أقل دقة في تمحيص الآراء بغية إدراك الحقيقة، ويمكنك أن تعلم يا صديقي أن ~~الموضوع فوق طوقنا؛ فنحن بإشفاق حصيف نظيرك أجدر منا بملامه ~~وتعنيفه. ~~(فقهقه ثراسيماخس أوقح قهقهة لما سمع جوابي وقال): # ث ~~: # يا لهرقل! إنها إحدى مظاهر الاتضاع التهكمي المتمكنة من نفس سقراط، ~~ولقد عرفت ذلك فيك وقلته لمن حولي، أعني أنك لا تجيب عن مسألة البتة إذا ~~سئلت، بل تتجاهل. # س ~~: # أنت حكيم يا ثراسيماخس، وتعلم جيدا أنك لو سألت أحدا: كم هي أضلاع العدد ~~اثني عشر، وقلت له حذار أن تقول إنها ضعفا الستة، أو ثلاثة أضعاف الأربعة، أو ~~أربعة أضعاف الثلاثة، وقلت له إنك لا تقبل منه هذه السخافات، فإني ms015 أجرؤ على ~~القول إنك تعلم أن لا أحد في الدنيا يجيب عن سؤال مقدم على هذه الصورة. فإذا ~~قال لك المسئول: يا ثراسيماخس، أوضح فكرك؛ أيمكنني أن أجيب بغير ما ذكرت؟ أو ~~أن أجيب بغير الحق؟ وإلا فماذا تعني؟ فبماذا كنت تجيبه؟ # ث ~~: # لو أن هذه كتلك لأجبت، ولكن أين هذا من ذاك؟ # س ~~: # إنهما سيان، ولكن هب أنهما ضدان، ولكن المسئول ظن أن أحد هذه ~~الأجوبة صحيح، أفتظن أن إنكارنا عليه جوابه يحوله عن إعطاء الجواب الذي ~~يراه معقولا؟ # ث ~~: # ألا تعني أن ذلك ما تنوي أن تفعله الآن؟ وأنك ستجيب بأحد الأجوبة التي ~~أنكرتها عليك؟ # س ~~: # لا يستغرب أن أفعل ذلك إذا لاح لي بعد الإمعان أنه صواب. # ث ~~: # وما قولك إذا أريتك طريقا أصلح وجوابا أوضح من الأجوبة التي نبذتها في ~~حقيقة العدالة، وهو يفوقها جمعاء؟ فأي قصاص ترى أنك تستحق؟ # س ~~: # قصاص الجاهلين، وهو أن يتعلموا من الحكيم. هذا هو القصاص الذي أرى أني أستحقه ~~مع زملائي. # ث ~~: # حقا إنك شخص طروب، ولكن عليك - علاوة على الإرشاد - أن تدفع مالا. # س ~~: # سأدفع حين أملك شيئا من المال. # غلوكون ~~: # إنك تملك، فإذا كان الأمر متوقفا على المال فقل يا ثراسيماخس، فإن كلا ~~منا مستعد أن يسلف سقراط. # ث ~~: # ذلك مؤكد وعليه: فيمكن سقراط أن يتبع معي أسلوبه الخاص؛ أي إنه لا يجاوب، ~~بل ينتقد ويفند أجوبة غيره. # س ~~: # وأنى يجيب المرء يا ثراسيماخس الجزيل الاحترام، إذا كان أولا لا يحسن ~~الجواب وقد أقر بعجزه. وثانيا، إذا كان عنده آراء ولكن حظر عليه إنسان غير ~~غبي إيراد شيء منها، فالأقرب إلى حكم العقل إذا أن تكون أنت المجيب؛ لأنك ~~قلت أنك عالم بالأمر، وأن عندك ما تقوله لنا، فلا تتأخر بل تفضل علي ~~بالجواب، ولا تتردد في إفادة غلوكون والآخرين. ~~(عندها سأله غلوكون والرفاق أن يجيب، وظهر أنه يميل إلى ~~التكلم ليربح الاستحسان؛ إيماء إلى أن عنده فصل الخطاب، فطلب أولا أن أكون ~~أنا المجيب، على أنه أخيرا ms016 عدل عن ذلك، وارتضى أن يكون المجيب . قال): # ث ~~: # هذه حكمة سقراط، فإنه إذ لا يريد أن يعلم، يجول مقتبسا عن الغير ولا يشكره ~~على الدروس. # س ~~: # أما أني أتعلم من الغير، فقد قلت الحق يا ثراسيماخس، وأما قولك إني لا ~~أعوضه شكري فهو خطأ منك، فإني أدفع كل ما في إمكاني، وإذ لا مال لي فإني ~~أرد الشكر، وسرعان ما أشكر إذا رأيت المتكلم مصيبا كما ستتبين ذلك ~~سريعا؛ لأني واثق أنك ستحسن القول. # ث ~~: # فاسمع إذا. تعليمي هو أن العدالة إنما هي «فائدة الأقوى». حسنا، فلماذا لا ~~تشكرني؟ إنك لا تريد ذلك. # س ~~: # كلا، بل إني أنتظر أن أفهم معناك، فإني لم أدركه بعد. إنك تقول إن فائدة ~~الأقوى عدالة، فماذا تعني بذلك يا ثراسيماخس؟ فإني أرتئي أنك لا تعني هذا: إذا ~~كان بوليداماس الرياضي أقوى منا، وكان أكل لحم الخنزير مفيدا له لتقوية ~~جسمه، كان ذلك الطعام مفيدا لنا نحن الضعفاء؛ ولذا فهو عدالة. # ث ~~: # ذلك عيب يا سقراط؛ لأنك فهمت تعليمي بصورة تسهل عليك إفساده. # س ~~: # لا لا يا صديقي الفاضل، فزد إفصاحا عما تعني. # ث ~~: # ألا تدري أن بعض المدائن يحكمها الخاصة، وبعضها الديموقراطيون، وغيرها ~~الأرستقراطيون؟ # س ~~: # من المؤكد أني أعلم ذلك. # ث ~~: # أولا تستقر القوة في كل بلد في الطبقة الحاكمة؟ # س ~~: # مؤكد أنها تستقر. # ث ~~: # وأن شرائع كل حكومة مصوغة في قالب يضمن فائدتها؟ فشرائع الديموقراطيين ~~ديموقراطية، وشرائع الأوتقراطيين استبدادية؛ فكأن هذه الحكومات بعملها هذا ~~تصرح أن ما فيه مصلحتها عدل لرعيتها، ومن عرج عن ذلك عاقبوه كمجرم ضد ~~العدالة والقانون. فمعناي يا سيدي أنه في كل بلد منفعة الحكومة هي العدالة، ~~وأرى أن القوة العليا في حيازة الحكومة. فنتيجة البحث الحق هي أن منفعة الأقوى ~~هي العدالة في كل مكان. # س ~~: # قد فهمت ما تعني، وسأرى أصحيح هو أم لا. فأنت تثبت يا ثراسيماخس منفعة ~~العدالة، مع أنك أنكرت علي هذا القول، إلا أنك أضفت إليه كلمة ~~«الأقوى». # ث ~~: # ولكنها إضافة زهيدة. ms017 # س ~~: # سنرى هل هي زهيدة أو عظيمة . ولكنا مرتبطون بهذا الأمر: أحق كلامك أم لا؟ ~~فقد سلم كلانا أن العدالة نافعة، لكنك أزدت على ذلك أنك حصرت نفعها في ~~«الأقوى»، وأنا أرتاب في صحة ذلك؛ ولذا نحن ملزمون أن ندرس الموضوع. # ث ~~: # أرجو أن تدرسه. # س ~~: # فتفضل أجبني عن هذه المسألة: لا ريب في أنك مصر على أن من العدالة ~~إطاعة الحاكمين. # ث ~~: # إني مصر على ذلك. # س ~~: # أفمعصوم الحاكمون في مختلف المدائن، أم معرضون للخطأ؟ # ث ~~: # لا شك في أنهم معرضون للخطأ. # س ~~: # أفيعرض لهم في اشتراعهم أن يسنوا بعض الشرائع صوابا وبعضها خطأ؟ # ث ~~: # هكذا أظن. # س ~~: # وهل الصواب في سنها كونها نافعة لهم، والخطأ كونها ضد مصلحتهم؟ أو ما هو ~~حكمك؟ # ث ~~: # كما تقول تماما. # س ~~: # أمصر أنت على أن ما سنه الحكام هو العدل الواجبة إطاعته على ~~الرعية؟ # ث ~~: # مصر من كل بد. # س ~~: # فينتج عن حكمك أن العدالة لا تنحصر فيما يفيد الأقوى، بل قد تكون فيما ~~يضره. وبعبارة أخرى، أنها «نقيض المطلوب». # ث ~~: # ماذا تقول؟ # س ~~: # أظن أني أقول نفس ما قلته أنت، فلنفحص المسألة بأكثر تدقيق. ألم ~~نقرر أن الحكام قد يخطئون أحيانا فيما هو الأفضل لمصلحتهم فيما ~~يسنونه من الشرائع؟ وأن ما سنوه هو العدالة الواجبة إطاعتها؟ # ث ~~: # هكذا أظن. # س ~~: # فقد اعترفت إذا بعدالة غير النافع للحكام «والأقوى»؛ لأن رجال هذه ~~الطبقة، إما جهلا أو سهوا، قد يوجبون ما يضرهم، ولما كنت مصرا ~~على أنه من العدالة أن يطيع الناس ما أوجبه حكامهم في كل حال، أفلا ينتج عن ~~ذلك حتما - أيها الفائق الحكمة ثراسيماخس - أنه قد يكون من العدالة أن نفعل ~~ضد ما قلته على خط مستقيم؟ لأنه قد يتحتم على الأضعف أحيانا عمل ما ~~يضر مصلحة الأقوى. # بوليمارخس ~~: # نعم يا سقراط، إن ذلك غاية في الوضوح. # كليتيفون ~~: # نعم، إذا كنت أنت شاهد سقراط المزكى. # ب ~~: # وما الحاجة إلى شهود؟ فقد سلم ثراسيماخس أن الحكام قد يوجبون ما ~~يضرهم، وأن ms018 من العدالة أن تطيعهم الرعية. # ك ~~: # لا يا بوليمارخس، إن ثراسيماخس قرر أن إطاعة أمر الحكام هو ~~العدالة. # ب ~~: # نعم يا كليتيفون، وقد قرر أيضا أن منفعة «الأقوى» هي عدالة، وبعدما قرر ~~هذين الركنين سلم أيضا أن «الأقوى» قد يأمر «الأضعف» - رعاياه - أن يعملوا ~~ما هو ضار بمصلحته. ونتيجة هذه المقررات أن منفعة «الأقوى» ليست أعدل من ~~مضرته. # ك ~~: # ولكنه أراد بمنفعة الأقوى ما فهم «الأقوى» أنه لفائدته الخاصة، فمركزه هو أن ~~هذا ما يجب على «الأضعف» أن يعمله، وأن هذه هي وظيفة العدالة. # ب ~~: # ليس ذلك ما قاله. # س ~~: # لا بأس يا بوليمارخس، فإذا كان ثراسيماخس يختار أن يورد رأيه الآن بهذه ~~الصورة فلا نضادنه. # فقل يا ثراسيماخس، أهذا هو حد العدالة الذي عنيته؟ أن ما لاح «للأقوى» ~~أنه في مصلحته، نفعه أو ضره، أفتحسب ذلك تحديدا منك للعدالة؟ # ث ~~: # كلا البتة. أفتظن أني أحسب من يخطئ أقوى في حال خطئه ممن لا ~~يخطئ؟ # س ~~: # هكذا ظننت، لما سلمت أن الحكام غير معصومين، وأنهم قد ~~يخطئون. # ث ~~: # إنك تحرف الكلم عن مواضعه يا سقراط في معرض الإدلال، أفتدعو من أساء ~~معالجة المرضى طبيبا باعتبار إساءته؟ أو تدعو من أخطأ في الحساب محاسبا ~~باعتبار خطئه؟ من المؤكد أننا نقول إن الطبيب أخطأ، وإن المحاسب أو الكاتب ~~مخطئ. على أني أرى أن كلا من هؤلاء لا يغلط في فنه ما دام كما ندعوه، فلا ~~يخطئ في فنه كفني، وعليه: فبأدق معاني الكلم - لأنك تحاج بالتدقيق - ~~لا فني يخطئ كفني، ومن خطئ فقد خطئ لنقص علمه بالفن، فلا يكون ~~فنيا في حال خطئه، فلا فني ولا فيلسوف ولا حاكم يخطئ إذا كان اسما ~~لمسمى، مع أنه يقال عادة أن الطبيب يخطئ وأن الحاكم يخطئ. فاعلم أني ~~بهذا الاعتبار جاوبتك لتفهم رأيي، ولكن أضبط صورة للجواب هي أن الحاكم كحاكم ~~لا يخطئ، وبما أنه لا يخطئ فهو يسن الأفضل لنفسه، وذلك ما يجب على الرعية ~~اعتباره، فأنا عند قولي الأول: أن العدالة هي ms019 منفعة الأقوى. # س ~~: # لا بأس يا ثراسيماخس ، أفتزعم أني أتلاعب في الكلام؟ # ث ~~: # نعم، وتلاعبا كبيرا. # س ~~: # أوتظن أني وجهت إليك هذه المسألة لقصد سيئ لإفساد حجتك؟ # ث ~~: # ذلك ما أتيقنه، ولكنك لن تجني منه نفعا، فلا تضرني بأخذك إياي على غرة، ~~ولا تتمكن من الفوز علي في ميدان المحاورة. # س ~~: # لم أفكر في ذلك يا صديقي العزيز، وأرجو أن لا يتكرر ذلك فيما بعد. فقل ~~الآن: هل تعني «بالحاكم» و«الأقوى» ما يدل عليه المعنى المألوف؟ أو ما يدل عليه ~~أدق معاني الكلم؟ وأنك بهذا الاعتبار تقول إن على الأضعف أن يعمل ما هو ~~لمصلحة الحاكم لكونه الأقوى؟ # ث ~~: # بل أعني «الحاكم» بأدق معاني الكلمة، فتلاعب ما شئت إلى التلاعب والتحريف ~~سبيلا، فلست لأسترحمك، ولكن محاولتك عقيمة. # س ~~: # أفتظنني أحمق فأحاول حلاقة الأسد بتحريفي أقوال ثراسيماخس؟ # ث ~~: # لقد حاولت ذلك، ولكن ساء فألك. # س ~~: # كفى مزاحا، فقل: هل الطبيب الذي تعنيه بأدق معاني الكلمة هو جامع المال أو ~~شافي المريض؟ ولا يفوتنك أنك عن الطبيب الحقيقي تتكلم. # ث ~~: # هو شافي المريض. # س ~~: # ومن هو الربان؟ أأحد البحارة أم رئيسهم؟ # ث ~~: # رئيسهم. # س ~~: # فلا نهتم بكونه يقلع بالسفينة أو في كونه ملاحا؛ لأنه ليس لهذا السبب ~~يدعى ربانا، بل باعتبار فنه وسلطته على الملاحين. # ث ~~: # هذا حق. # س ~~: # أفليس لكل من هؤلاء الأشخاص نفع خاص في فنه؟ # ث ~~: # بالتأكيد. # س ~~: # أوليست الغاية القصوى في فنهم أن يطلبوا ما هو لمصلحة كل منهم ~~ويحرزوه؟ # ث ~~: # بلى. # س ~~: # وهل للفنون غاية أخرى تنشدها غير كمالها الأسمى؟ # ث ~~: # ماذا تريد بهذا السؤال؟ # س ~~: # لو سألتني أيكفي الجسم الإنساني كونه جسما أم يحتاج إلى شيء آخر؟ لأكدت ~~لك أنه يحتاج إلى شيء آخر؛ لذلك لزم استنباط الطب؛ لأن الجسم ناقص، فلا يكفيه ~~كونه جسما، فلإمداده بما يتطلبه من المنافع وضع الطب. أمصيبا تراني بكلامي ~~أم مخطئا؟ # ث ~~: # مصيبا. # س ~~: # أفناقص فن الطب وكل فن آخر في ذاته فيحتاج إلى مزية إضافية، افتقار العيون ~~إلى البصر ms020 والآذان إلى السمع، فتحتاج هذه الأعضاء إلى فن يتقصى إبلاغها ~~غاياتها الآتية؟ أفي الفن نقص فيفتقر كل فن إلى فن آخر يرعى مصالحه؟ وهل هذا ~~الفن بدوره يفتقر إلى فن ثالث للغرض نفسه، وهلم جرا؟ أو أن كل فن يتقصى ~~مصلحته لنفسه بنفسه؟ وهل هو غير ضروري للفن، ولا لغيره من الفنون، أن يبحث عن ~~علاج ناجع لشفاء أدوائه؟ إذ ليس هنالك من نقص في فن ما من الفنون، ولأنه ليس ~~من واجب الفن السعي في مصلحة غير ما لأجله كان فنا؟ لكونه حرا وسليما كفن ~~حقيقي ما دام في حال سلامته التامة؟ فاعتبر المسألة بأدق معاني الكلم كما سبق ~~الاتفاق، أفهكذا هو الحال أم لا؟ # ث ~~: # ظاهر أنه هكذا. # س ~~: # فلا يهم الطب ما هو لنفعه كفن، بل ما هو لنفع الجسم. # ث ~~: # نعم. # س ~~: # ولا يعني فن سياسة الخيل بما ينفع الفن، بل بما ينفع الخيول، وليس من فن ~~آخر يتناول ما هو لنفعه الخاص؛ إذ ليس من حاجة فيه إلى ذلك، بل يتناول ما ~~لأجله وضع. # ث ~~: # هكذا يظهر. # س ~~: # جيدا، ويمكنك أن تسلم يا ثراسيماخس أن الفن يسوس ويحكم، وأنه أقوى مما ~~وضع لأجله. ~~(وبصعوبة عظيمة سلم ثراسيماخس بهذه القضية.) # فلا علم يتوخى منفعة الأقوى أو يوجبها، بل يتوخى ويوجب منفعة الأضعف؛ ~~المحكوم. ~~(وبعدما أفرغ ثراسيماخس وسعه في المقاومة سلم، فاستأنفت ~~على الأثر كلامي قائلا: أليس حقا أيضا أن لا طبيب كطبيب يوجب ما هو ~~لمصلحته، بل كل الأطباء يسعون إلى ما فيه خير مرضاهم؟ لأننا اتفقنا أن الطبيب ~~الحق هو حاكم الأجسام لا حاشد الأموال. ألم نتفق؟ فسلم أننا اتفقنا.) # وأن الربان - بحصر المعنى - هو رئيس الملاحين، لا أحدهم. # ث ~~: # اتفقنا. # س ~~: # فربان أو حاكم كهذا لا يطلب فائدته الشخصية ولا يوجبها، بل يطلب فائدة ~~البحارة والمحكومين. ~~(فأذعن ثراسيماخس مرغما.) # وهكذا يا ثراسيماخس كل أرباب الأحكام في مناصبهم لا يكترثون لمصالحهم الشخصية ~~ولا يوجبونها، بل يكترثون لمصالح الرعية التي لأجلها يمارسون مهنتهم. وفي كل ما ms021 ~~يقولون ويفعلون يصرفون النظر عن أنفسهم ، وعما هو مفيد وملائم لهم. ~~(فلما بلغنا هذا الحد في البحث، ووضح للجميع أن تحديد العدالة ~~هو عكس ما قال ثراسيماخس، قال عوضا عن الجواب): # ث ~~: # أفلم تكن لك مرضع يا سقراط؟ # س ~~: # ولم هذا السؤال قبل أن تجيب؟ أفما كان الأجدر بك أن تجيب عن أسئلتي من أن ~~تسأل؟ # ث ~~: # لأنها أهملت أنفك فلم تمسحه، وأنت في حاجة إلى ذلك، ونتيجة إهمالها أنك ~~صرت لا تميز بين الراعي والرعية. # س ~~: # وما الداعي إلى هذا الظن؟ # ث ~~: # لأنك تقول إن رعاة المواشي يرعونها ويسمنونها، وعيونهم على غير منفعتهم ~~الخاصة ومنفعة أربابها، فتزعم أن الذين يحكمون الأمصار يهتمون بالمحكومين غير ~~اهتمام الرعاة بالمواشي، وأنهم يسهرون عليها آناء الليل وأطراف النهار لغير ~~أرباحهم ومنافعهم الشخصية. فأنت في أقصى البعد عن مواطن الصواب في أمر ~~العدالة والتعدي، وأمر العادل والمتعدي؛ ولذا يفوتك أن العدالة إنما هي ~~لمصلحة الغير؛ أي لمصلحة الحاكم والأقوى، وأن خسارتك أنك تابع وعبد، أما ~~المتعدي فعلى الضد من ذلك، يسود العادلين والبسطاء، فيعملون كرعية ما هو ~~لمنفعة المتعدي الذي هو أقوى منهم، فيزيدون سعادته بخدماتهم دون سعادتهم ~~الخاصة، ويمكنك أن ترى أيها الساذج سقراط فيما يلي من الأمثلة، أن العادل في كل ~~الأحوال ينال أقل مما يناله المتعدي، أولا في معاملتهما المتبادلة كالشركة ~~بينهما، فلا ينال العادل أبدا قسطا زائدا عن قسط أخيه في حل الشركة، بل ~~دائما يأخذ أقل منه؛ كذلك في المصالح المدنية، حيث يجب دفع رسوم متساوية عن ~~حاصلات متساوية، فالعادل يدفع دائما أكثر مما يدفعه الظالم، ولكن حين القبض ~~تنقلب الآية، فيئوب العادل صفر اليدين، ويطمع الظالم بالكل، ومتى تربع كلاهما ~~في دست الأحكام، خسر العادل على الأقل إدارة مصالحه الخاصة اشتغالا بالمنصب، ~~فيعمل فيه التشويش والضرر. زد على ذلك أنه لا يجني من المنصب نفعا لأنه ~~عادل، فتمنعه عدالته من أن يمد يده إلى أموال الدولة، ثم إنه يصير مكروها من ~~خدمه وصحبه كلما أبى أن يؤثر مصالحهم ms022 على العدالة، أما المتعدي فعلى الضد ~~من ذلك. أشير فيما سبق بيانه إلى المتعدي الذي في طوقه أن يجعل ميدان التعدي ~~واسعا. إلى هذا يجب أن توجه تأملك إذا رمت أن تحكم حكما صائبا في مدى ~~الفائدة، ومتى يجنيها المتعدي بعروجه عن سنن العدالة. # ويمكنك أن تفهم ذلك بأتم درجات السهولة إذا وجهت نظرك إلى أفظع صور ~~التعدي، التي تجعل مقترفها المتعدي سعيدا، والمظلومين الذين أبوا ~~الانتقام شر التاعسين. هذا هو الاستبداد الذي ينتزع الأرزاق من أيدي أربابها ~~إما جهرا أو سرا، سواء كانت مقدسة أو محرمة، شخصية أو عمومية؛ فيفضي ~~الأمر به إلى جرائم لو ارتكبها أحد الأفراد لحل به العقاب ونزل به احتقار ~~الناس، ويلقب من اجترح واحدة من هذه الجرائم باسم ما اجترحه: سارق هياكل، ~~لص، ناقب، سالب ... إلخ. # وإذا تعدى على الأشخاص أنفسهم بدلا من ممتلكاتهم لقب - بدل تلك ~~الألقاب الشائنة - بصاحب السعادة والغبطة، لا بلسان مواطنيه فقط، بل أيضا ~~بلسان الكثيرين من الناس الذين علموا ما اقترفه من الجرائم. # وحين ينبذ الناس المنكرات فلا يكرهونها لذاتها، بل مخافة تبعتها الممقوتة؛ ~~فقد وضح يا سقراط أن التعدي أوفر حرية ونفوذا وقوة من العدالة. وكما قلت ~~في البداءة، إن العدالة هي مصلحة الأقوى، ولكن التعدي هو مصلحة الإنسان ~~وفائدته الشخصية. ~~(قال ثراسيماخس ذلك وهم بالذهاب، بعدما صب كلامه في آذاننا ~~صبا كما يفعل خادم الحمام، بسيل منهمر من حديثه المتواصل، فلم يدعه الأصحاب ~~يذهب، بل حملوه على البقاء للمناقشة فيما قال، وأنا نفسي ألححت عليه كثيرا، فقلت ~~له): # س ~~: # يا ثراسيماخس البار، أتتركنا بعدما ألقيت على مسامعنا هذا البحث الغريب ~~قبلما تكمل تعليمنا، أو قبلما تعلم هل كلامك في محله أو لا؟ أتظن أنك تعاني ~~أمرا طفيفا هو دون المبادئ التي عليها يشيد كل منا حياته ليبلغ أوج ~~السعادة؟ # ث ~~: # ليس هذا هو الواقع في حسباني. # س ~~: # هكذا يظهر وإلا فلا يهمك أمرنا، وسيان عندك أشقياء عشنا أم سعداء، ونحن ~~نجهل ما قلت إنك تعرفه. فأرجوك يا ms023 ثراسيمخاس الصالح أن تجود علينا بأن نشاطرك ~~تلك المعرفة، ومهما تسبغ على هذه الجماعة الغفيرة من نفع فلن يضيع لك فضل. أما ~~أنا فأصارحك أنني لم أقتنع بصحة ما قلته، ولا أصدق أن التعدي أنفع من ~~العدالة، ولو أطيلت يد المتعدي دونما قيد أو نظام، فعمل ما تشتهيه نفسه بلا ~~معارض. وبالعكس يا سيدي الكريم، هب أن إنسانا تعدى فأفلح بالتعدي، إما ~~بالتستر أو بالقوة، مع ذلك لا يمكنك أن تقنعني أن التعدي أنفع من العدالة، ~~وربما كان بعض الحاضرين من رأيي، فأقنعنا يا صديقي الفاضل أننا مخطئون بوضعنا ~~العدالة فوق التعدي. # ث ~~: # وكيف أقنعكم إذا كان ما قلته آنفا لم يقنعكم؟ أفأحقن عقولكم بأدلتي ~~حقنا؟ # س ~~: # لا سمح الله أن تفعل ذلك، ولكن قبل كل شيء اثبت على ما قلته، وإذا كنت ~~تروم أن تغير فكرك فغيره صراحة ولا تغشنا؛ لأنك يا ثراسيماخس (دعنا لا ~~نحيد عن بحثنا) لما حددت الطبيب الحقيقي، لم تر أن من الضرورة قياس الراعي ~~الحقيقي عليه في خدمة قطيعه، بل بالعكس ترى أنه كراع يرعى قطيعه غير ناظر إلى ~~ما هو لخير النعاج، بل كالنذير المزمع أن يؤدب مأدبة يأكله بها رغبة في نيل ~~الثناء والمديح، أو كتاجر يربح من بيعه. على أن فن الرعاية ليس له غرض آخر إلا ~~ما وضع لأجله؛ أي ليوافي المواشي بالعلف على قدر ما يتطلبه كمالها، وذلك ~~على ما أرى كل ما يشتمل عليه لقبه الخاص، وعلى نفس القياس يخيل إلي أن ~~الضرورة تحتم علينا أن نسلم أن كل حكومة لا تطلب كحكومة إلا ما هو لخير ~~المحكومين، الذين أنيط بهم أمرهم، خصوصية كانت تلك الحكومة أو عمومية. ~~أوتظن أن السياسيين وحكام الدول، الذين هم حكام بمعنى الكلمة، يحكمون ~~باختيارهم؟ # ث ~~: # لا أظن ذلك ظنا، بل أتيقنه يقينا. # س ~~: # ألا تلاحظ يا ثراسيماخس أنه في الحكومات الراقية لا أحد يتقلد منصب ~~حاكم إذا أمكنه التنصل منه؟ وأن كلا منهم يطلب المكافأة على الحكم؟ لأن ~~فائدته لا تعود على ms024 الحكام بل على المحكومين. أولم نقل أن كل فن يمتاز ~~على غيره من الفنون بمزية خاصة؟ فتفضل أجبني يا سيدي العزيز عن هذه ~~المسألة، ولا تجب ضد اقتناعك، وإلا فلا يمكننا أن نحرز شيئا من الفوز في ~~هذا البحث. # ث ~~: # نعم، إن ذلك ما يميز كل فن. # س ~~: # أولا يسدينا كل فن فائدة ممتازة؟ فيهبنا فن الطب الصحة، وفن الملاحة ~~السلامة في الأسفار البحرية، وهكذا بقية الفنون؟ # ث ~~: # بالتأكيد. # س ~~: # أولا يسدي فن المرتزقة مكافأة مالية، وهو غرضه الخاص؟ فهل الطب ~~والملاحة عندك سيان؟ فإنك إذا حددتهما تحديدا تاما كما أوجبت ذلك ~~سابقا، فإنك ترى أنه وإن ربح الملاح صحته بأسفار البحار، فإن حصوله على ~~الفائدة الصحية بصفة استثنائية لا يجعل الملاحة طبا. أيجعلها؟ # ث ~~: # حقا إنه لا يجعلها. # س ~~: # ولا أراك تدعو فن المرتزقة طبا؛ لأن المرتزق يحتفظ بصحته وهو يتقاضى ~~أجوره. # ث ~~: # كلا، لا أدعوه. # س ~~: # أفتدعو الطب مرتزقا لأن الطبيب يقبض مكافآت مالية على تطبيبه؟ # ث ~~: # كلا. # س ~~: # أفلم تعترف بوجود فائدة ذاتية في كل فن؟ # ث ~~: # وهو كذلك. # س ~~: # فكل نفع خاص يعود على أرباب الفنون كافة، وبسعي واحد. # ث ~~: # هكذا يظهر. # س ~~: # وقد أصررنا على أن هؤلاء الأشخاص استفادوا بقبض الأجور، فذلك عائد إلى فن ~~الربح، وهو إضافي للفن الخاص. ~~(فسلم ثراسيماخس بذلك مرغما.) # أفلا تشمل هذه الفائدة قبض المكافأة؛ كل ذي فن بفنه؟ ففائدة الطب عند الحصر ~~هي سلامة الصحة، وفائدة المرتزقة حشد الأموال، وفائدة البناء الحصول على ~~المسكن، ولكن قبض الأجرة فائدة ترافق الفائدة الخاصة، فلكل فن فائدته ~~الخاصة، ومنفعته الخاصة، التي لأجلها وجد. فإذا لم تكن هنالك مكافأة، فهل من ~~فائدة للفني في فنه؟ # ث ~~: # واضح أنه ليس له من فائدة. # س ~~: # أفلا يفيد إذا عمل مجانا؟ # ث ~~: # بلى، على ما أرى. # س ~~: # فترى واضحا يا ثراسيماخس أن كل فن (أو حكومة) يسعى (أو تسعى) ليس للمنفعة ~~الذاتية، بل كما قلت آنفا: إنها توجب حصول تلك الفائدة للأدنى أو المحكوم وليس ~~للأقوى؛ ms025 ولذا قلت يا عزيزي ثراسيماخس إنه لا أحد يحكم مختارا، أو يتحمل مشقة ~~إصلاح شئون الآخرين المختلة ما لم يتقاض أجرة؛ لأن من رام النجاح في فنه ~~فلا تتناول تلك الممارسة فائدته الشخصية، ولا يروم في حكمه ما هو أفضل له، بل ~~ما هو لخير الآخرين الذين يحكمهم ما دام ضمن حدود فنه؛ ولذلك وجب إغراء رب الفن ~~بالمال أو بالشرف لقبول الوظيفة، أو بالقصاص إذا هو رفضها. # غلوكون ~~: # وكيف ذلك يا سقراط؟ فقد فهمت نوعين من المكافأة، أما أن يكون القصاص ~~مكافأة، وأنك تدرجه في صف المكافآت، فذلك أمر لم أفهمه. # س ~~: # إنك لم تعرف مكافأة أفضل الناس، التي لأجلها يرضى أكثرهم جدارة أن يحكم، ~~ألا تعلم أن الطمع والنهم محسوبان عارا؟ وحقا إنهما عار. # غ ~~: # أعلم ذلك. # س ~~: # فلذلك لا يسعى الأفاضل إلى تبوء المناصب رغبة منهم في حشد المال، ولا ~~طمعا في إحراز الشرف. أما الأول فلأنهم لا يريدون أن يدعوا مأجورين بقبضهم ~~المال علنا، أو لصوصا بقبضه سرا؛ وأما الثاني، أي إنهم لا يرغبون في ~~المنصب لأجل الشرف؛ فلأنهم ليسوا من ذوي الأطماع، فبالضرورة إذا أنهم ~~يتربعون في دست الأحكام مخافة العقوبة إذا هم أبوا، وربما كان هذا ~~السبب في حسبان قبول الإنسان منصب الحكم مختارا، وعدم انتظاره حتى يرغم على ~~قبوله، عارا عليه. # وأثقل مصائب الناس أن يحكمهم أسافلهم إذا رفض فضلاؤهم الأحكام، فأرى أن ~~الأفاضل يتبوءون منصات الحكم تفاديا من حصول هذه النتيجة، فيقبضون على ~~أزمة الأحكام لا لأنها خير بالذات، ولا ليجنوا منها نفعا ذاتيا، بل لأن ~~الحاجة المعنوية اضطرتهم إلى قبولها، لا لمسرة ذواتهم بل لأنهم أكثر فضلا ~~وأقل شرا. فإذا عم الفضل العالي أمة من الأمم، رغب رجالها عن مناصب ~~الأحكام، وصار النزاع بينهم ليس على نيل الوظائف كما هو الواقع بيننا، بل على ~~الانسحاب منها بنفس الرغبة التي بها يتهافت الأدنياء على تسلم مقاليدها، ~~وحينذاك يتضح أن من يقبل وظيفة حاكم، لم يرم فيها إلى خير نفسه، بل إلى ~~خير ms026 المحكومين. وكل رجل حكيم القلب يؤثر نفعه الذاتي على نفع الآخرين، وذلك في ~~رأيي لا ينطبق على مذهب ثراسيماخس «أن العدالة هي منفعة الأقوى»، وسننظر في ذلك ~~فيما بعد. أما الآن فنخص بالنظر ما قاله ثراسيماخس، وهو: «أن حياة ~~المتعدين خير من حياة العادلين.» لأن هذا عندي أجدر بالاهتمام؛ ففي أي ~~الجانبين أنت يا غلوكون؟ وأي الرأيين تؤثر وتراه الأقرب إلى الصواب؟ # غ ~~: # أرى أن حياة العادل خير من حياة المتعدي. # س ~~: # أوسمعت كم عدد ثراسيماخس من الجواذب في حياة المتعدي؟ # غ ~~: # سمعت ولكنني لم أقتنع. # س ~~: # أفتستحسن أن أقنعه، إذا كان إبراز الحجج ميسورا لنا، أنه ليس من صحة فيما ~~قال؟ # غ ~~: # بلا شك، أستحسن. # س ~~: # فإذا قرعنا الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان، فنحصي منافع العدالة، ~~وثراسيماخس يرد علينا، فنعيد الكرة بالرد عليه، فيلزمنا إحصاء مزايا كل من ~~الجانبين والموازنة بينهما، وأخيرا يلزمنا حكم يصدر قرارا بالفصل بيننا، ~~ولكن إذا بدأنا أبحاثنا كما عملنا مؤخرا بنظام التسليم المتبادل، فإننا نجمع ~~في أشخاصنا وظائف المحكمين والمحامين. # غ ~~: # حتما هكذا. # س ~~: # فأية خطة تؤثر؟ # غ ~~: # الأخيرة. # س ~~: # فهلم يا ثراسيماخس نستأنف البحث، وتفضل علينا بالجواب. أتدعي أن ~~التعدي الكلي خير من العدالة التامة التي توازنه؟ # ث ~~: # بأعظم تأكيد ادعيت، وقد أوردت الحيثيات. # س ~~: # فكيف تنعتهما باعتبار آخر؟ الأرجح أنك تدعو أحدهما فضيلة والآخر ~~رذيلة. # ث ~~: # بلا شك. # س ~~: # أي إن العدالة فضيلة والتعدي رذيلة؟ # ث ~~: # على كيفك يا صديقي المازح! لأني أسلم أن التعدي مفيد، والعدالة ~~بالعكس. # س ~~: # فماذا تقول إذا؟ # ث ~~: # بالعكس فيهما تماما. # س ~~: # أفتدعو العدالة رذيلة؟ # ث ~~: # لا، بل أدعوها فطرة صالحة خارقة. # س ~~: # أفتدعو إذا التعدي فطرة ردية؟ # ث ~~: # لا، بل أدعوه حسن سياسة. # س ~~: # أفتظن يا ثراسيماخس أن المتعدين حتما حكماء وصالحون؟ # ث ~~: # نعم، القادرون منهم أن يمارسوا التعدي إلى حد التمام، ولهم قوة على إخضاع ~~مدن وأمم برمتها واستعبادها. ربما تظن أني أتكلم في النشالين، ولكن حتى عمل ~~هؤلاء أسلم بأنه مفيد إذا ظل أمرهم مكتوما، ms027 على أنهم لا يستحقون المقابلة ~~مع من ذكرتهم الآن. # س ~~: # فهمت مرادك تماما، وأتعجب من درجك التعدي في سلك الفضيلة والحكمة، ووضعك ~~العدالة فيما هو عكس ذلك. # ث ~~: # ولكنني هكذا أرتبهما. # س ~~: # إنك اتخذت الآن موقفا أكثر تعنتا، فلم يبق سهلا علينا الكلام معك. ~~ولو أنك جعلت التعدي مفيدا، وحكمت أنه رذيلة كما يفعل بعضهم، لكان عندنا ما ~~نجيبك به بناء على المبادئ المسلم بها عموما، ولكنه واضح تمام الوضوح أنك ~~مصر على حسبانه جميلا وفعالا، وتنسب إليه كل ما تنسبه إلى العدالة، ~~حتى بلغت بك الجرأة أنك تحسبه قسما من الفضيلة والحكمة. # ث ~~: # إنك تتكهن بدقة فائقة. # س ~~: # ولأني أراك تعني ما تقول فلا أتنكب عن البحث معك؛ لأني إذا لم أكن مخطئا ~~لا أراك تمزح يا ثراسيماخس، بل تقول ما تعتقده حقا. # ث ~~: # وما الفرق عندك اعتقدته أو لم أعتقده؟ أفلست بقادر على دفع ~~حججي؟ # س ~~: # لا فرق عندي، ولكن أتريد أن تجيبني عن مسألة أخرى؟ وهي: أتظن أن العادل يرغب ~~في تجاوز عادل نظيره؟ # ث ~~: # كلا، وإلا لما كان ساذجا كما هو. # س ~~: # أفيتجاوز العادل حد العدالة في سلوكه؟ # 6 # ث ~~: # لا، ولا في هذا يرغب. # س ~~: # أفيرمي إلى تجاوز حدود المتعدي دون تردد، حاسبا ذلك عدلا أو ~~لا؟ # ث ~~: # بل يحسبه عدلا، لا يتردد في فعله، لكنه لا يقدر. # س ~~: # لم أسأل عن ذلك، بل هل يروم العادل أن يتجاوز رجلا متعديا لا رجلا ~~عادلا، وبرغبة يفعل ذلك؟ # ث ~~: # هذا هو الواقع. # س ~~: # وكيف الأمر مع المتعدي؟ هل ينوي تجاوز العادل وتجاوز حد العدالة في ~~تصرفه؟ # ث ~~: # دون شك، عندما يأخذ على عاتقه سبق كل أحد في كل شيء. # س ~~: # أفلا يتجاوز المتعدي حدود متعد آخر نظيره موغلا في التعدي، قصد بلوغ ما ~~لم يبلغه سواه؟ # ث ~~: # بلى يتجاوز. # س ~~: # فلنفرغ الجملة في هذه الصيغة: إن العادل لا يتجاوز نده، بل ضده، أما ~~المتعدي فيتجاوز الاثنين، نده وضده. # ث ~~: # أحسنت. # س ~~: # وإن المتعدي حكيم وصالح، والعادل ms028 خلافه في الأمرين. # ث ~~: # وبهذا أيضا أحسنت . # س ~~: # أفلا يماثل المتعدي الحكيم والصالح، بينما العادل لا يماثلهما؟ # ث ~~: # من كل بد، فإن من كان ذا سجية فإنه يماثل أربابها، أما ضده فلا ~~يماثلهم. # س ~~: # فسجية كل امرئ بادية فيمن يماثلهم هو. # ث ~~: # أوعندك غير ذلك؟ # س ~~: # جيدا يا ثراسيماخس، أفتدعو أحدهما موسيقيا والآخر لا موسيقيا؟ # ث ~~: # نعم أدعوهما. # س ~~: # فأي الاثنين تدعوه حكيما، وأيهما غير حكيم؟ # ث ~~: # الموسيقي حكيم واللاموسيقي غير حكيم. # س ~~: # أفلا تحسب هذا صالحا بقياس كونه حكيما، وذلك شريرا بقياس جهله؟ # ث ~~: # بلى. # س ~~: # أوتقول هذا القول في الطبيب؟ # ث ~~: # أقوله. # س ~~: # أفتظن يا صديقي الفاضل أن الموسيقي يرمي حين دوزنة أوتاره إلى تجاوز موقف ~~موسيقي نظيره وادعاء التفوق عليه؟ # ث ~~: # لا أظن. # س ~~: # أيروم أن يدعي التفوق غير الموسيقي؟ # ث ~~: # لا ريب في أنه يروم. # س ~~: # أويروم أن يتجاوز طبيب طبيبا آخر، ويفوت حدود الطبابة فيما يتعلق ~~بالأطعمة؟ # ث ~~: # كلا البتة. # س ~~: # فهل يبغي أن يتجاوز غير الطبيب؟ # ث ~~: # نعم. # س ~~: # فانظر الآن باعتبار كل أنواع المعرفة وأضدادها؛ هل تحسب العالم عالما من ~~أي نوع كان إذا هو اختار أن يتجاوز عالما آخر قولا أو فعلا، غير مكتف ~~بمماثلته في فعله، وهو نده في حذقه؟ # ث ~~: # الرأي الثاني هو الصحيح. # س ~~: # وما قولك في الجاهل؟ ألا يتجاوز العالم وغير العالم على السواء؟ # ث ~~: # أرجح ذلك. # س ~~: # ولكن العالم حكيم. # ث ~~: # نعم. # س ~~: # والحكيم صالح. # ث ~~: # نعم. # س ~~: # فالحكيم الصالح لا يرغب في تجاوز من ماثله، بل من غايره وضاده؟ # ث ~~: # هكذا يظهر. # س ~~: # أما الشرير الجاهل فيروم تجاوز الاثنين: نده وضده. # ث ~~: # بكل وضوح. # س ~~: # حسنا يا ثراسيماخس، أفلا يتجاوز الجاهل حدود نده وضده؟ أليس هذا ~~حكمك؟ # ث ~~: # هذا هو. # س ~~: # ولكن العادل لا يروم سبق نده، بل سبق ضده فقط. # ث ~~: # نعم. # س ~~: # فالعادل يشبه الصالح الحكيم، أما المتعدي فيشبه الشرير الجاهل. # ث ~~: # هكذا يظهر. # س ~~: # ولكنا اتفقنا أن صفات كل منهما تحكي صفات نده. ms029 # ث ~~: # اتفقنا. # س ~~: # فوضح أن العادل حكيم وصالح، والمتعدي شرير وجاهل. ~~(فسلم ثراسيماخس بهذه القضايا، ولكن ليس بالسهولة التي ~~بها أروي الحديث، فكان يسلم بعد تردد كثير وعرق غزير، كما لو كان في فصل ~~الصيف الحار. هنا رأيت في ثراسيماخس ما لم أره قط، وهو أنه قد احمر ~~خجلا. ولما تقرر أن العدالة من الفضيلة والحكمة، وأن التعدي رذيلة وجهل، ~~استأنفت الكلام قائلا): # حسن جدا، فقد انتهت المسألة. ولكنا قلنا إن التعدي شديد الساعد، ~~ألا تذكر ذلك يا ثراسيماخس؟ # ث ~~: # أذكره، ولكني غير مقتنع باستنتاجاتك الأخيرة، وعندي ما يقال فيها، على أني ~~إذا أفصحت عن أفكاري فإني مؤكد أنك تقول إني أخطب خطابة، فاختر لنفسك إذا ~~أحد أمرين: إما أن تأذن لي بأن أتكلم قدر ما أشاء، أو أني ألتزم جانب السؤال ~~إذا كنت تؤثر ذلك، وأتصرف معك تصرف العجائز في حال القصص، فأقول ~~«حسنا» وأنغض رأسي مصادقة، أو أهزه إنكارا حسب مقتضى الحال. # س ~~: # إذا كان هكذا فلا تسئ إلى آرائك. # ث ~~: # إني أعمل ما يسرك؛ لأنك لا تأذن لي أن أتكلم، أفتريد مني أكثر من ~~ذلك؟ # س ~~: # أؤكد لك أني لا أريد أكثر ولا أقل، ولكن إذا كنت تفعل ذلك فافعله وأنا ~~أسألك. # ث ~~: # فابتدئ إذا. # س ~~: # إني أكرر السؤال الذي قدمته سابقا، فنستأنف البحث فيه، فبماذا تقوم ~~المقابلة بين العدالة والتعدي؟ فقد قيل إن التعدي أقوى من العدالة وأعظم فعلا، ~~أما الآن وقد رأينا أن العدالة حكمة وفضيلة، والتعدي جهل مطبق، فبسهولة يثبت ~~أنها أقوى من التعدي، وليس من يجهل ذلك. ولكني لا أختار فصل الخطاب بهذه الصورة ~~الجازمة يا ثراسيماخس، بل أعالج القضية بهذه الصورة، أتسلم أن الدولة ~~المتعدية قد تستعبد غيرها ظلما وتنجح في ذلك، فتخضع لها الأمصار؟ # ث ~~: # دون شك إني أسلم، فإن أفضل الدول - أي أكثرها غزوا - هي أكثر من سواها ~~اغتصابا. # س ~~: # فهمت أن هذا مركزك، ولكن المسألة التي نعالجها هي: أتتوطد صولة الدولة ~~الغاصبة دون عدالة؟ أم بحكم الضرورة لا غنى ms030 لها عن التزام العدالة؟ # ث ~~: # إذا صح رأيك أن العدالة حكمة، فمن اللازم الحصول على نجدتها. ولكن إذا صح ~~رأيي، فالتعدي هو المستند. # س ~~: # ويسرني أنك لم تكتف بإنغاض الرأس وهزه، بل أراك تجيب بكل وضوح. # ث ~~: # وقد فعلت ذلك لأسرك. # س ~~: # فلك علي الفضل والمنة، فسرني أيضا بالإجابة عما يلي: هل من مدينة أو ~~جيش أو عصابة لصوص أو أية جماعة أخرى وطنت النفس على انتهاج منهج التعدي ~~بالتضامن، أتنجح في مسعى وقد فشا التعدي فيما بين أفرادها؟ # ث ~~: # مؤكد لا. # س ~~: # وإذا عرجوا جميعا عن الشنآن المتبادل، أفليس ميسورا نجاحهم؟ # ث ~~: # بلى تأكيدا. # س ~~: # لأن التعدي يا ثراسيماخس ينشئ انقساما وبغضاء بين الإنسان وأخيه، أما ~~العدالة فتوثق أواصر الصداقة والوفاء، أليس هذا أثرها؟ # ث ~~: # ليكن كذلك، لكي لا أنازعك. # س ~~: # شكرا لك يا صديقي الفاضل. فقل لي إذا كان شأن التعدي، أين فشا، خلق ~~العصيان والشنآن، أفلا يلزم عن ذلك أنه متى شجر النزاع بين الأفراد، أحرارا ~~كانوا أو عبيدا، أبغضوا بعضهم بعضا، فتوترت علاقاتهم وتخاذلوا، فعجزوا عن ~~العمل؟ # ث ~~: # هكذا الحال بالتأكيد. # س ~~: # وفي حال سقوط العدالة بين فردين، ألا يدب بينهما دبيب الخلاف، فيبغضان ~~أحدهما الآخر، ويبغضان العادلين من الرجال أيضا؟ # ث ~~: # يبغضان. # س ~~: # أفيفقد التعدي في الفرد الأثر الذي له في الجماعة أم يحتفظ به؟ قل ~~يا ثراسيماخس الحبيب. # ث ~~: # نقول إنه يحتفظ به. # س ~~: # أفليس ذلك الأثر هو هو أين حل؟ سواء في مدينة، أم في عائلة، أم في جيش، أم ~~في غير ذلك؟ فإن التعدي يستحيل معه التعاون في العمل، لما ينشئ بين الناس من ~~الشقاق والنزاع، بل إنه يجعل المرء عدو نفسه، وعدو كل إنسان، ولا سيما ~~العادلين، أليس هكذا؟ # ث ~~: # مؤكد هكذا. # س ~~: # فإذا ملأ التعدي قلب امرء كانت مآتيه الطبيعية ما يأتي؛ أولا: العجز عن ~~العمل لسبب النزاع والتقسم في داخله. ثانيا: يصير عدو نفسه وعدو العادلين. ~~أليس كذلك؟ # ث ~~: # بلى. # س ~~: # ولكن الآلهة عادلة أيها الصديق. # ث ~~: # هكذا نفرض. ms031 # س ~~: # فحليف البطل والتعدي عدو الآلهة، أما العادل فصديقها. # ث ~~: # علل النفس بالحجج، فإني لن أضادك لئلا أكون خصما لجماعة «الآلهة». # س ~~: # فلنكمل التعلل، فأجبني كما فعلت آنفا. إن العادلين أوفر حكمة ~~وفضلا، أو أوفر قوة على العمل متساندين، أما المتعدون فيتعذر عليهم السير ~~معا، وما أوردناه من أن الأشرار يعملون متعاونين هو غير واقع، فإنه لو بلغ ~~الظلم في نفوسهم حده الأقصى لاستحال عليهم الاتفاق، أو أن يسلم أحد منهم من شر ~~الآخر، فواضح أن في نفوسهم بقية من العدالة تؤذن بالتئامهم، وتهيب بهم عن إيقاع ~~كل بأخيه وبفئته، وبهذه البقية الباقية من العدالة يتلاءمون. أما الذين ~~تفاقم شرهم وفقدوا العدالة والإنصاف كل الفقد، فيستحيل عليهم التعاون ~~والاتفاق. هذا هو الواقع على ما أعلم. ولننظر الآن في: هل يحيا العادلون حياة ~~أفضل من حياة المتعدين وأسعد؟ وقد سبق القول إننا سننظر في الأمر، فقد حان وقت ~~النظر؛ أما أنا فأرى أنهم يحيون حياة أفضل، ومع ذلك يجب أن ندقق البحث في هذه ~~النقطة؛ لأننا لسنا نعالج مسألة ثانوية، بل ما يتعلق بكيفية قضاء المرء ~~حياته. # ث ~~: # فباشر في البحث. # س ~~: # سأباشر. فقل: أتدعو ما يعمله الحصان أو غيره من الحيوان عمله الخاص إذا ~~كان هو آلة إتمامه الوحدة؟ أو الآلة الفضلى؟ # ث ~~: # لم أفهم. # س ~~: # فانظر إذا على هذا النمط: أيمكنك أن تنظر بغير العين؟ # ث ~~: # كلا. # س ~~: # وهل تقدر أن تسمع بغير الأذن؟ # ث ~~: # لا. # س ~~: # أفليس بحق ندعو النظر والسمع وظيفتي هذين العضوين؟ # ث ~~: # هذا أكيد. # س ~~: # ثم إنه يمكنك تشذيب أغصان الكرمة بسكين أو بأزميل أو بأي آلة حادة؟ # ث ~~: # دون شك أن ذلك في الإمكان. # س ~~: # ولكن لا آلة تحسن تشذيب الأغصان كالمكسحة المصنوعة خصيصا لهذا النوع من ~~العمل. # ث ~~: # هذا حقيق. # س ~~: # أفلا نحدد التشذيب أو التقليم بأنه عمل المكسحة الخاص؟ # ث ~~: # من كل بد. # س ~~: # فأراك تفهم ما استفسرتك إياه لما سألتك: أليست وظيفة الشيء هي العمل الخاص ~~الذي هو آلة إتمامه الوحدة ms032 أو آلته الفضلى؟ # ث ~~: # فهمت تماما، وظهر لي أجلى ظهور أن هذه وظيفة الشيء في كل عمل. # س ~~: # حسنا جدا، أفلا ترى أن كل ما له وظيفة خاصة له أيضا فضيلة أو مزية ~~ملائمة؟ فلنعد إلى المثل نفسه: أفليس للعينين وظيفة خاصة؟ # ث ~~: # لهما. # س ~~: # ولهما أيضا فضيلة أو مزية خاصة؟ # ث ~~: # نعم. # س ~~: # أوتخص الأذنين بوظيفة؟ # ث ~~: # نعم. # س ~~: # وهل لهما فضيلة؟ # ث ~~: # نعم. # س ~~: # أوهذا هو الواقع في كل الأشياء؟ # ث ~~: # هذا هو. # س ~~: # فتأمل الآن: أتستطيع العينان إتمام وظيفتهما الخاصة دون فضيلتهما الملائمة؟ ~~أي إذا حل محلها علة؟ # ث ~~: # وكيف يمكنها ذلك؟ فقد تعني حلول العمى محل البصر. # س ~~: # أية كانت فضيلتهما لم أسأل عن ذلك، بل سألت: هل تتم العينان وظيفتهما ~~بواسطة مزيتهما؟ أو أنهما تعجزان عن إتمامها بسبب علتهما؟ # ث ~~: # تعجزان. # س ~~: # أفنعمم هذا الحكم في كل المسائل من هذا النوع؟ # ث ~~: # هكذا أظن. # س ~~: # فهلم ننظر في النقطة الثانية: هل للنفس البشرية وظيفة خاصة لا يمكن إتمامها ~~إلا بها؟ # ث ~~: # مؤكد. # س ~~: # مهما يكن من أمر ذلك الغير، مثلا: أيمكنك أن تعزو عادلا الترأس والحكم ~~والتبصر وما شاكلها من الأفعال، إلى غير النفس؟ أو أنك تقول إن هذه الأفعال ~~خاصة بها؟ # ث ~~: # لا نقدر أن نعزوها إلى غير النفس. # س ~~: # وما قولك في الحياة؟ أيمكنك ان تعزوها لغير النفس؟ # ث ~~: # إنها خاصة النفس. # س ~~: # أولا تجزم أيضا أن للنفس فضيلة؟ # ث ~~: # بلى. # س ~~: # أتستطيع النفس إتمام وظيفتها دون فضيلتها؟ أم أنك ترى ذلك مستحيلا؟ # ث ~~: # أراه مستحيلا. # س ~~: # فيلزم إذا أن النفس المعتلة تسوس سياسة خرقاء، وتعنى شر عناية، والنفس ~~السليمة تتم هذه الوظائف أفضل إتمام. # ث ~~: # من كل بد. # س ~~: # فالنفس العادلة والرجل العادل يحيا حياة راضية، والمتعدي يحيا حياة ~~ردية. # ث ~~: # هذا أكيد حسب إدلالك. # س ~~: # فيمكننا القول: «إن من يحيا حياة العدالة هو سعيد ومبارك، وعلى الضد من ذلك ~~من يحيا حياة التعدي.» # ث ~~: # من كل بد. # س ~~: # فالعادل سعيد والمتعدي ms033 تاعس. # ث ~~: # فلنقل إنهما كذلك. # س ~~: # ومعلوم أن السعادة هي النافعة لا التعاسة. # ث ~~: # دون شك معلوم. # س ~~: # فليس التعدي يا ثراسيماخس الفاضل أنفع من العدالة. # ث ~~: # حسنا يا سقراط، فليكن ذلك تعللك في وليمة بنديس. # س ~~: # وعلي أن أشكر لك ذلك يا ثراسيماخس؛ لأنك استعدت خلقك وعدلت عن السخط ~~علي. مع ذلك لست أتعلل التعلل التام، على أن اللوم في ذلك علي لا ~~عليك؛ لأنه كما أن النهمين يذوقون كل صحن أولا ليروا ما يختارون بعده، هكذا ~~أنا أراني أهملت المسألة الأولى التي كنا نفحصها فيما يختص بطبيعة العدالة ~~قبلما آخذ الجواب عنها، مندفعا حول هذا الشيء المجهول لأرى أفضيلة هو أم ~~رذيلة، أوحكمة أم جهل؟ ثم برزت مسألة «أن التعدي أنفع من العدالة»، فلم ~~يمكنني إلا الخروج عن حدود المسألة الأولى والدخول في البحث الجديد؛ ولذلك ~~كانت نتيجة بحثنا الحالي أني لم أعرف شيئا؛ لأني إذا كنت لا أعرف ما هي ~~العدالة، فلا يمكنني أن أعرف أفضيلة هي أم رذيلة؟ أوسعيد صاحبها أو ~~تاعس؟ # | الكتاب الثاني: المدينة السعيدة # خلاصته # يشغل غلوكون وأديمنتس في أول الكتاب ميدان البحث الذي أخلاه ثراسيماخس، وهما يسران ~~باليقين أن حياة العدالة تؤثر على حياة المتعدي، على أنهما لا يمكنهما التعامي عن ~~مغالاة المدافعين عن العدالة في صفاتها العارضة، معرضين عن صفاتها الذاتية، أفليس ~~الإنسان ميالا للتعدي متى أمن العواقب؟ أوليست العدالة تسوية قضت بها ~~الضرورة الاجتماعية؟ وهل مدحها الشعراء لذاتها؟ وبناء على اعتقاد وجود الآلهة فكيف ~~تعامل هذه الآلهة العادلين والمتعدين من بني الإنسان؟ ألا تصفح عن آثام الأشرار ~~بواسطة ذبائح التكفير؟ فيكون المتعدون كالعادلين من حيث السعادة الأخروية، وهم أوفر ~~سعادة منهم في العالم الحاضر؟ # فاعترف سقراط بصعوبة المسألة، واقترح أن يفحص طبيعة العدالة والبطل في ميدان أوسع ~~ووسط أكبر. ألا تتصف الدول بالعدالة كالأفراد؟ وعليه: أفليس تجليها في الدول ~~أتم وأوضح؟ فلنقتف أثر الدولة منذ نشأتها، فنتمكن من تبين نشأة العدالة ~~والتعدي. # إن المرء لا يستغني عن إخوانه، هذا هو منشأ ms034 الهيئة الاجتماعية والدولة، ولا بد فيها ~~من أربعة أو خمسة رجال على الأقل يمثلون العناصر الأولى في توزيع الأعمال، ويتسع مجال ~~ذلك كلما نمت الجماعة، فتحتوي الحياة في بدء نشأتها على الزراع والبنائين والحاكة ~~والأساكفة، يضاف إلى هؤلاء لأول وهلة النجارون والحدادون والرعاة، ومع الزمان ~~تنشأ التجارة الخارجية التي تستلزم زيادة المنتوجات في الوطن لدفع بدل الواردات من ~~الخارج، وازدياد المنتوجات يستلزم وجود طبقات ~~من الباعة وأصحاب المخازن والصرافين، وتحتاج الأمة إلى تجار وبحارة ومستخدمين ~~وعمال، وإذا نشأت الأمة على هذا النسق حصلت على حاجاتها، إذا لم يزد عددها على ثروتها ~~نسبيا. على أنها إذا جهزت بالكماليات مع الحاجيات لزمها طهاة وحلوانيون ~~وحلاقون وممثلون وراقصون وشعراء وأطباء، وذلك يستلزم طبعا مجالا شاسعا. # وقد ~~يفضي إلى اشتباكها في الحرب مع جيرانها، فتحتاج الدولة إلى جيش دائم وطبقة حكام، فكيف ~~يختار هؤلاء الحكام؟ وما هي الأوضاع التي يمتلكونها؟ يجب أن يكونوا أقوياء، ~~سراعا، شجعانا، حماسيين، ولكن ودعاء وفيهم ميل إلى الفلسفة. فكيف يهذبون؟ ~~أولا يجب أن نكون غاية في التأنق في انتقاء القصص التي تملى على أسماعهم في ~~حداثتهم، فلا يباح في هذه القصص ما يمس كرامة الآلهة، فلا يقال فيها أنها تشهر حربا ~~بعضها على بعض، أو أنها تنقض العهد والميثاق، أو أنها تنزل الكوارث بالناس، أو أنها ~~تتلون في مظاهرها في الأرض، أو أنها تخدعنا بكذبها. # متن الكتاب # قال سقراط: لما قلت ما قلت خلت أننا انتهينا من المباحثة، والظاهر أنه لم يكن سوى ~~مقدمة؛ لأن غلوكون الشجاع في كل معمعان لم يستحسن انسحاب ثراسيماخس من الميدان، فبدأ ~~الكلام قائلا: # غلوكون ~~: # يا سقراط، أمجرد الظهور تروم أنك أقنعتنا؟ أم الإقناع الحقيقي، أن العدالة ~~خير من التعدي؟ # سقراط ~~: # إذا كان في إمكاني فإني أوثر إقناعكم إقناعا حقيقيا. # غ ~~: # فلست عاملا ما تهوى إذا، فقل ما رأيك فيما يأتي: أتوجد خيرات يسرنا ~~امتلاكها لذاتها لا للمنافع الناجمة عنها؟ كعاطفة السرور واللذات البريئة، ~~فمع أنه لا ينشأ عن هذه اللذات نفع، فمجرد امتلاكها ms035 يسرنا. # س ~~: # نعم، توجد خيرات من هذا النوع. # غ ~~: # أوترى أنه توجد طائفة أخرى من الخيرات؟ وهي ما يراد لذاته ولنتائجه، ~~كالحكمة والصحة والبصر، فإننا نرغب في هذه الخيرات طلبا للغرضين. # س ~~: # نعم، توجد خيرات من هذا النوع. # غ ~~: # أوتظن أنه توجد طائفة من الخيرات كالرياضة البدنية، واحتمال المعالجة ~~الطبية في حال المرض، والطبابة، وكل الأعمال المنتجة؛ فهذه الأشياء مزعجة ~~ولكنها تفيدنا، فمع أنها لا تراد لذاتها فإننا نقبلها لأجل الفوائد والمكافآت ~~الناجمة عنها؟ # س ~~: # لا شك في أنه يوجد خيرات أيضا من هذا النوع، فماذا تقصدان بعد ذلك؟ # غ ~~: # ففي أي هذه الأنواع الثلاثة تدرج العدالة؟ # س ~~: # أظن أنها تدرج في أفضلها؛ أي إنها من الخيرات التي يقدرها من ينشد ~~السعادة الحقيقية، فتراد لذاتها ولنتائجها. # غ ~~: # ولكن الكثيرين من غير رأيك، فهم يرون أن العدالة من الأشياء المزعجة، فهي في ~~ذاتها مكروهة ومنبوذة، ولكنها ترام لما فيها من الثقة بالمكافآت والصيت ~~الحسن. # س ~~: # أعلم أنها تظهر هكذا؛ ولذلك فندها ثراسيماخس وزكى التعدي، فالظاهر أني ~~تلميذ خامل. # غ ~~: # فاسمعني إذا وقل لي هل توافقني في رأيي، فإني أرى أنك قد رقيت ثراسيماخس، ~~كما يرقي الحاوي الحية، بأسرع مما يلزم، أما أنا فلا أرى ما قيل في شرح العدالة ~~والتعدي كافيا، فأحب الوقوف على ماهية كل منهما، وما لهما من النفوذ في ~~النفس، مع صرف النظر عن الجزاء والنتائج الناشئة عنهما، فإذا كنت تريد فإني ~~أبدأ البحث على المنوال الآتي بيانه: أستأنف حديث ثراسيماخس، فأخبرك أولا رأي ~~الناس العام في طبيعة العدالة وأصلها. وثانيا أبين أن جميع الذين أرادوها ~~لم يرغبوا فيها لذاتها، بل قبلوها مرغمين كحاجة لا غنى عنها، لا لأنها خير ~~بالذات. وثالثا أن تصرفهم هذا نشأ عن تعقل وروية؛ لأن حياة الإنسان ~~المتعدي - على قولهم - أفضل كثيرا من حياة العادل. إني لا أذهب مذهبهم يا سقراط، ولكن كلمات ثراسيماخس وألوف من أضرابه ما زالت تطن بها أذناي، فأراني ~~في حيرة من أمري، فإني لم أسمع حديثا مفعما في ms036 أفضيلة العدالة. فأروم أن ~~أسمع امتداحها منك وحدك على ما هي في ذاتها، وسأطنب في امتداح حياة المعتدين ~~وأفضليتها على حياة العدالة، فأهب لك نموذجا به أحب أن أسمعك تفند البطل ~~وتوجب العدالة، أفتستحسن رأيي؟ # س ~~: # كل الاستحسان، فماذا يسر العاقل أكثر من المداولة في موضوع كهذا المرة بعد ~~المرة؟ # غ ~~: # أحسنت، فاسمع إذا كلامي في القضية الأولى، وهو «طبيعة العدالة وأصلها». ~~يقولون إن التعدي مأثور لذاته، ولكن عاقبته ردية؛ لأن الشر الناشئ عن وقعه ~~يربي كثيرا على الخير الناجم عن اقترافه؛ ولذا بعدما ظلم الناس بعضهم بعضا ~~زمنا طويلا، وتحملوا ثقل وطأته على النفوس، واختبروا العدالة والتعدي كليهما، ~~رأوا أن الأفضل للذين لا يقدرون أن ينبذوا أحدهما ويختاروا الآخر، أن يتفقوا ~~ألا يظلموا ولا يظلموا، هذا منبت الشرائع والمعاهدات بين الإنسان وأخيه، ~~فحسبوا ما أوجبته الشرائع عادلا مشروعا. قالوا: هكذا نشأت العدالة، وهي حلقة ~~متوسطة بين الأفضل وهو التعدي دون عقوبة، وبين الأردأ وهو الانظلام مع العجز عن ~~الانتقام، فالعدالة المتوسطة بين هذين الطرفين مرغوب فيها، لا لأنها خير ~~بالذات، بل لأنها التحفت بشرف دفع التعدي. ويقولون إنه متى امتلك المرء ~~المقدرة على التعدي مع اكتسابه أوضاع الرجال، فإنه لا يرضى قطعيا أن ~~يستضعف، فيتقيد بنبذ التعدي. هذا ما قيل في طبيعة العدالة وفي أصلها. ~~الحقيقة الثانية في بياني: يتبع الناس سنن العدالة غير مختارين، ويتنكبون عن ~~الضرر لعجزهم عن إضرام ناره، ويمكن إيضاح ذلك إيضاحا تاما بالشاهد ~~التالي: # لو أطلقنا أيدي العادلين والمتعدين سواء، وأبحنا لكل منهم أن يعمل ما تهوى ~~النفس، وتتبعنا آثارهما لنرى إلى ماذا قادت كلا منهما ميوله؛ لوجدنا ~~العادل منحدرا بكليته في تيار التعدي، كعديم العدالة تماما، راغبا في إحراز ~~ما تجوع إليه نفسه من الملاذ وتنشده كل خليقة، كالخير المراد بالذات، ولكن ~~الشرائع هي التي ردعته عن مطاوعة الشهوات وأرغمته على احترام المساواة. # ويمكن تحقق ذلك إذا تمتع الناس بالحرية التامة في العمل، من الأسطورة ~~التي يروونها عن جيجيس الليدي. تقول الأسطورة: ~~«كان ms037 راع يرعى مواشي ملك ليديا، ففي ذات يوم هطلت الأمطار وثارت العواصف؛ ~~فتصدعت الأرض بفعل زلزال شديد، وحدثت في أرض المرعى هوة عميقة، فتعجب ~~الراعي مما حدث، وانحدر إلى أسفل الهوة، فرأى غرائب جمة جاء وصفها في ~~الأسطورة، منها حصان نحاسي مجوف، في جانبيه كوى، أطل منها الراعي فرأى ~~في جوف الحصان جثة ميت أكبر من جسم الإنسان العادي، فلم يأخذ منها سوى خاتم ذهب ~~كانفي إحدى الأصابع، ثم صعد من الهوة. فلما اجتمع الرعاة على جاري عادتهم ~~الشهرية لينظموا قرارا يرفعونه إلى الملك في تبيان ما حدث لقطعانه، كان صاحبنا ~~بينهم والخاتم في يده، وفيما هو جالس في الجماعة وهو يلعب بالخاتم، عرض أنه ~~أداره في أصبعه، فلما صار الختم إلى باطن اليد اختفى لابس الخاتم عن النظر، ~~فصار الرعاة يذكرونه بصيغة الغائب، فأدهشه منهم ذلك، وجعل يعالج الخاتم ليرده ~~إلى موضعه، وحينذاك عاد فظهر للناظرين، وكرر التجربة ليرى هل للخاتم هذه ~~المزية؟ فتكررت النتيجة، فثبت له أنه كلما دار الخاتم إلى باطن الكف غاب ~~لابسه عن النظر، وإذا عاد إلى موضعه عاد لابسه إلى الظهور، فتطوع الراعي ~~لمرافقة الوفد الذي يحمل التقرير إلى الملك، ولما وصل القصر راود الملكة، ~~وكاد معها للملك فاغتاله وانتزع عرشه.» # فلو أن في الدنيا خاتمين من هذا النوع، أحدهما في يد العادل والآخر في يد ~~المتعدي، لما تشبث أحدهما بالحرص على الإنصاف، فنكب عى سلب أموال جيرانه، وفي ~~طاقة يده الحصول عليها وعلى ما يريد في الأسواق وفي البيوت دون رهبة؛ فيدخل ~~البيوت ويواقع من أراد منهن، ويقتل من يشاء أو يفك أغلال من يشاء، ويفعل ~~في الناس فعل الله في خلقه، فلا يختلف بذلك عن المتعدي، بل يسير كلاهما في سنن ~~واحد، وذلك دليل قاطع على أن لا أحد يعدل مختارا، بل مرغما؛ لأن العدل ليس ~~خيرا للأفراد، وكل يتعدى حيث يكون التعدي مستطاعا؛ لأنهم يرون أن التعدي ~~أنفع كثيرا من العدالة، وهم مصيبون حسب هذا القسم من بحثنا، فلو أن لكل ms038 هذه ~~الحرية ولم يمس ما للغير، لحسب في نظر العقلاء ذا مس من الجنون، مع أنهم ~~يمدحونه في الوجه مخافة أن تصيبهم أضرار تعدياته. # أما ما يتعلق باختلاف حياة الرجلين المار ذكرهما، فيمكننا بلوغ نتيجة صحيحة ~~فيه إذا قابلنا أعظم الناس عدالة بأوفرهم تعديا، وبذلك فقط يمكننا حل ~~المسألة، فكيف نقابل بينهما؟ دعنا لا ننزع شيئا من تعديات المتعدي، ولا من ~~عدالة العادل، بل يكون كل منهما كاملا في سجيته؛ أولا ليتصرف المتعدي ~~تصرف رب الفن الحاذق، كربان من الطراز الأول، أو كنطاسي خبير، فيما يمكن ~~أن يعمل وما لا يمكن أن يعمل في فنه، فيفعل هذا ويعرض عن ذاك، وإذا زل في ~~خطوة كانت له قدرة على إصلاح الزلل. على هذا النحو يجري المتعدي تعدياته ~~بمهارة خارقة، ويتمكن من إخفاء عمله عن الأنظار إذا أراد أن يكون ظلاما، ~~وإذا ظهرت حقيقته حسبناه أخرق. وأقصى حدود الارتكاب أن يتلبس صاحبه بالعدالة، ~~وهو خلو من حقيقتها. فنسلم للكلي التعدي أوسع الميادين في دوس العدالة، ~~وأنه مع ارتكابه الكبائر يربح اسم العادل وشهرته، ويتمكن من ترقيع ما تمزق من ~~سياسته بواسطة البلاغة في الخطابة، فيقنع الناس بعدالته إذا فشا أمر ارتكاباته، ~~أو يقنعهم بالقوة والشجاعة والأصحاب والمال حيث يلزم ذلك. # وبعدما صورنا رجلا بكل هذه الأوصاف، فلنضع بإزائه لاستيفاء البحث رجلا ~~طيب القلب، وليكن هذا الرجل عادلا حقيقيا طاهر الوجدان، ويرغب في العدالة ~~كما قال أسخيلس، لا ظاهرا بل حقيقة، ولنجرد هذا العادل من ظاهرات بره ~~وصلاحه؛ لأنه إذا اشتهر بالعدل فنال من الناس مكافأة وشرفا، لا يمكن التيقن ~~إذ ذاك، هل رغب في العدالة لذاتها؟ أو لنتائجها؟ فلنجرده من كل شيء إلا ~~العدالة، وليكن في عكس حال الرجل الآخر إلى جانبه، ومع سلامته من كل مغايرة ~~يشاع عنه أنه مرتكب من الطبقة الأولى، فتمتحن عدالته امتحانا شديدا، ~~فيشهر برهانا على سوء السمعة وما ينتج عنها، فيعاقب بالتعذيب عملا ~~بأحكام العدالة، ولكنه لا يثنيه عن كماله خزي ولا عار، بل يظل ثابتا ms039 حتى ~~الموت، وقد ظهر لنظر الناس غير مستقيم في حياته مع فرط استقامته وبره، وبهذا ~~الاعتبار يبلغ كلا الرجلين أقصى مداه، الواحد عدالة، والآخر تعديا؛ وعندئذ ~~يمكننا أن نعرف أيهما أسعد حالا. # س ~~: # ما أعجب تجريدك كلا منهما لحكمنا كمثالين عريانين! # غ ~~: # على قدر الإمكان، وبعدما وصفناهما كما سبق لا تبقى صعوبة في معرفة الحياة ~~التي تترصد كلا منهما، فدعني أصفها، وإذا بدا الوصف سمجا فلا تنسبنه ~~إلي كأنه مني يا سقراط، إنما هو ممن يؤثرون التعدي على العدالة، فإنهم ~~يقولون إنه في موقف كهذا يجلد العادل المتهم ويعذب ويوثق بالأغلال، ~~وتسمل عيناه بأسياخ حديدية محمية بالنار، وبعد أن يذوق كل صنوف العذاب ~~يصلب، فحينذاك يعلم أن الأفضل له ليس فقط أن يكون عادلا، بل أن يعرف أنه ~~عادل، وأن كلمات أسخيلس هي أكثر انطباقا على المتعدي منها على العادل؛ لأنه ~~تأيد وتزكى كعادل لاذ بالحقيقة، ولم يعش حسب أهواء الناس الشريرة، وأنه لم ~~يظهر ظهورا، بل كان بالحقيقة متعديا، وهذا هو قوله: # مستغلا دوحة النفس وقد # أينعت باللب خير المشورات # فتمكن أولا من تبوء المناصب لاشتهاره بالعدالة، وثانيا يختار من شاءها ~~زوجا له، ويصاهر أولاده الأسر التي يريدها، ويعقد الاتفاقات المالية، ~~والشركات التجارية مع من اختار، وفوق الكل ينمي ثروته بالدخل الوافر، ولا ~~يعثر بما في نفسه من كوامن الخداع، ويكون فوازا في كل مضمار سرا وجهرا، ~~ويتفوق على مزاحميه ويكيد أعداءه، ويتوشح بجلباب الفضيلة والتقى، فيقدم ~~القرابين الثمينة إكراما للآلهة، وله حظ الرجل العادل بواسطة تقدماته للآلهة، ~~ولمن اختار من الرجال، فهو أدنى من العادل الحقيقي لربح رضا السماء؛ ولذلك ~~قالوا أيها العزيز سقراط: إن حياة المتعدي خير من حياة العادل، عند الله ~~والناس. ~~(ولما قال غلوكون ذلك هممت بالجواب، ولكن قبلما أفتح فمي قال ~~أخوه أديمنتس): # أد ~~: # لا تتصور يا سقراط أنه قد قيل ما يكفي لشرح التعليم. # س ~~: # ولماذا لا؟ # أد ~~: # لأنه ينقصه القسم الأعظم مما يجب إيراده في هذا المقام. # س ~~: # فقد أحسن من قال: ms040 الأخ عضد قريب، فأنت عضد أخيك، تقيه شر الاندحار، ~~وسنده المتين، فتصونه من غوائل العثار، مع أن ما أبداه غلوكون كاف لسقوطي في ~~الميدان، وغل يدي عن نصرة العدالة في ساحة الرهان. # أد ~~: # إنك تتهكم، فاسمع ما يلي: فإن علينا أن نورد من الشواهد ما يعاكس منهج ~~غلوكون، فنمدح العدالة ونذم البطل لتجلية ما أظن أنه المعنى الحقيقي الذي أراد ~~الإعراب عنه، فأقول: يحث الوالدان أولادهم، والمعلمون تلاميذهم، وكل من تعاطى ~~تهذيب الأحداث أحداثه؛ على اتباع سنن العدالة، ولكنهم لا يوجبونها لذاتها، بل ~~لما تهب لهم من كرامة واحترام، فمرادهم أن يربح المرء لاشتهاره بالعدالة، ~~فيضمن له هذا الاشتهار الفوز بالمناصب وبالزواج، وبكل ما ذكره غلوكون أنه ~~مضمون للعادل بسامي صفاته. على أن الاشتهار بالعدالة يؤدي بأربابها إلى أبعد من ~~ذلك، فإن فوزهم برضا الآلهة ينيلهم - على ما قالوا - سعادات لا توصف تسبغها ~~على الناس، كما قال هسيودس وهوميرس الحكيمان. قال أولهما: # 1 # أن الآلهة تجعل أشجار العادلين السنديانية. # أفنانها بالجنى تزداد زينتها # وتحتها ما جناه النحل من عسل # وشاؤهم بجزاز الصوف زاهية # كأنها الثلج يكسو ذروة الجبل # وقال ثانيهما: # 2 # فيجلس سيدا مثل الإله # محاطا بالمفاخر والمباهي # كثيرا خيره زرعا وضرعا # وصيدا لا يدانيه تناهي # وقد وصل الإلهين موزيوس وابنه أومولبوس أنهما يسبغان على الأبرار بركات أسمى ~~مما ذكر، فقد حملاهم إلى هادز، فاتكئوا مع جماعة الأبرار في الولائم ~~المعدة لهم، مكللين بأكاليل المجد، وقضوا الزمان برشف كئوس الصفا، حاسبا ~~رشف الكئوس إلى الأبد أسمى مجازاة الفضيلة. على أن بعضهم لم يقف عند هذا الحد ~~في وصف البركات التي تسبغها الآلهة، فقالوا إن التقي حافظ العهود يترك ~~وراءه أحفادا وذراري خالدة. هذه بعض الخيرات التي ينالها المرء جزاء اتصافه ~~بالعدالة. # أما الفجار والظالمون فيغوصون في أوحال المستنقعات في هادز، ويقضى عليهم ~~أن ينقلوا الماء بالغربال جزاء ما صنعت أيديهم، وأن يلتحفوا في حياتهم ~~بالفضيحة والعار، فيحل بهم كل ما ذكره غلوكون من العقوبات التي حلت بالعادل ~~الذي حسب متعديا، ms041 فيحلون بالمعتدين هذه العقوبات، ولا يستطيعون حمل ~~أكثر منها . هذا هو نمطهم في إطراء الصفة الواحدة وذم الأخرى. # واعتبر أيها العزيز سقراط في أمر العدالة والتعدي نوعا آخر من البحث، وهو ما ~~ورد في كتابات الشعراء وفي الحياة العادية، فقد أجمع الناس على أن الاتصاف ~~بالعدالة والعفاف فضيلة عسرة المرتقى، وأن الانغماس في التعدي والفجور لذة سهلة ~~المنال، ولكن الشرائع والرأي العام تنكرها، ويقولون إن الأمانة عموما أقل ~~نفعا من الخيانة، ويغالون في تغبيط الأشرار وفي إكرامهم سرا وجهرا، من ~~أغنياء ومتسودين، وفي نفس الوقت يزدرون الفقراء والضعفاء ويحتقرونهم، وهم ~~يعلمون أنهم أفضل من أولئك. # وأغرب من كل ما ذكر ما قالوه في الآلهة وفي الفضيلة من هذا القبيل، ومنه: ~~أن الآلهة تبلو كثيرين من الأبرار بالكوارث والمحن، وتسبغ على الأشرار ~~سوابغ النعم، فيقرع المملقون والدجالون أبواب المثرين، ويؤكدون لهم نيلهم ~~السلطان الإلهي ليغفروا لهم ما اجترحوه هم وآباؤهم من المظالم والفجور، لقاء ~~القرابين والتسابيح والولائم وحفلات السرور. وإذا أراد أحدهم الإيقاع بعدوه ~~أمكنه ذلك بنفقة زهيدة، بارا كان خصمه أو مجرما، فيقول لهم أولئك المداهنون ~~إنهم يسترضون الآلهة بالتوسلات والطلاسم، فيحملونها على إجابة سؤلهم، ~~ويستشهدون بالشعراء لإثبات ادعائهم في تسهيل الارتكاب، ومنها قول أحدهم: # 3 ~~«كن كيف شئت فإن الله ذو كرم # وما عليك وإن أخطأت من باس» # إن الخطيئة سهلا بات مرتعها # تزينه فائحات الورد والآس # أما الفضيلة فالخلاق يقرنها # بما يذيب الحشا في أفضل الناس # ويقولون إن سبل الفضيلة عسرة المرتقى كالشم الرواسي، ويستشهدون بهوميرس ~~لإثبات تأثير الناس في نفوس الآلهة وتحويلها عن مقاصدها. قال: # 4 # حتى الإلاهات ترشى في محاكمها # فتعلن الصفح عما قد جنى الرجل # تجود بالعفو عنه بعد نقمتها # حتى غدا برضاها يضرب المثل # وقد أصدروا عددا عديدا من الكتب من تآليف موزيوس وأورفيوس ابني القمر ~~والزهرة - اثنتين من إلاهات الفنون على ما يزعمون - فيها طقوس لإقناع الأمم ~~والأفراد فقط أنه بواسطة الذبائح والولائم للأحياء والأموات، وبواسطة الرياضات ~~الروحية التي يدعونها أسرارا، تغسل ذنوبهم ms042 وتستر عيوبهم وتطهر قلوبهم، ~~وأن هذا هو سر نجاتهم من العذاب الأبدي الذي يحل بمن لم يستعدوا للفوز بالبر، ~~بواسطة الذبائح والقرابين. فماذا عسانا أن نتصور يا سقراط أن يكون تأثير هذه ~~الأقاويل وأمثالها في الفضيلة والرذيلة وجزائهما، في عقول شبابنا، وهي تملى ~~على مسامعهم كل يوم بصور عديدة متنوعة؟ وبعضهم حصفاء أرباب فطن، قادرون ~~على بلوغ قنن الأفكار كما تبلغ الجوارح قنن الجبال، فيتذوقون هذه الأقوال، ~~ويفكرون بأية طريقة وأية أوصاف يمكنهم أن يجتازوا معارج الحياة؟ فمن أرجح ~~الممكنات أن يناجي الشاب نفسه بقول بندار: # 5 # سيان إن كنت طودا للعلى شمخت # فيه العدالة والآداب والحلم # أو كنت ذا نقمة يغتال صاحبه # فالله يرضى بذا والشرع والأمم # فالرأي العام يقول: لا فائدة في كوني بارا إذا لم يذع فضلي ويشتهر بري ~~وصلاحي في الملأ، فلا يصيبني من جراء ذلك سوى الاضطراب والخسران، مع أني لو ~~كنت متعبدا وانتحلت شهرة عادل، فلي حياة سعادة لا توصف، فما دامت المظاهر ~~الخارجية راجحة على الحقيقة الداخلية كما أوحي إلى الحكماء، وهي أول معارج ~~السعادة، فيجب أن أستسلم بكليتي إليها، مستترا برداء الفضيلة، وأجر ورائي ~~ذيلا ثعلبيا # 6 # من المكر والدهاء، على قول أرخيلوخس. # ورب قائل: إنه ليس من السهل استتار المنافقين طويلا. فنرد عليه أن ليس ~~شيء من العظائم سهلا، وإذا رمنا السعادة فهذا هو سبيل الفوز بها، كما أثبت ~~بحثنا ذلك؛ فلكي نخفي حقيقة خداعنا يجب أن نؤلف جمعيات سرية، وننشئ أندية ~~أدبية، وهنالك أساتذة بارعون تجري البلاغة على ألسنتهم، قادرون على الإفحام في ~~ميادين الشرع والبيان، وبهذه الوسائل الإقناعية، حسنت أو ساءت، نفوز ~~بأغراضنا ونواصل أعمالنا الخداعية دون عقوبة. على أنه يقال إن مخادعة الآلهة ~~والتغلب عليها مستحيلان. فنجيب: إذا كانت الآلهة غير موجودة، أو إذا كانت ~~موجودة لكنها عديمة الاكتراث لشئون الخلائق، فلماذا نزعج أنفسنا مخافة مراقبتها ~~أعمالنا ومعرفتها سرنا وجهرنا؟ وإذا كانت الآلهة موجودة وساهرة على مراقبة ~~أمورنا، فلسنا نعرف عنها شيئا غير أساطير الشعراء الذين أوردوا أنسابها، ms043 فقد ~~أخبرنا هؤلاء الثقات أن الآلهة تسترضى فتؤمن غوائلها وتحول عن مقاصدها ~~بالذبائح والنوافل والتضرعات، فإما أن نؤمن بالقولين كليهما أو نرفضهما ~~كليهما. فإذا قبلناهما سلكنا سبل التعدي وترضينا الآلهة بالذبائح المقتناة ~~بالأموال التي ربحناها بجناياتنا؛ لأنه إذا كنا عادلين نجونا حقا من العقاب ~~بين أيدي الآلهة، ولكنا بذلك ننفض أيدينا من الفوائد الناجمة عن التعدي. أما ~~إذا كنا متعدين فلا نحرز هذه الفوائد فقط، بل نتمكن من التأثير في الآلهة ~~بصلواتنا المرفوعة إليها بعد ارتكابنا المعاصي والآثام، فتعفو عنا. على أنه ~~يعترض بأننا سنعاقب في هادز عن خطايا هذه الدار، التي نرتكبها نحن أو ~~أحفادنا، بل بالحري يا صديقي ~~(يستمر بطل الجدل في ~~كلامه) # أن الطقوس السرية والآلهة الغفورة لها فاعليتها العظمى، ~~كما اتصل بنا من أعظم الدول ومن أبناء الآلهة الذين تجسدوا شعراء وأنبياء ~~ملهمين، فأثبتوا لنا صحة ذلك. # فماذا بقي إذا من الاعتبارات التي تحملنا على إيثار العدالة على شر صور ~~التعدي، ما دام الحال معنا أننا إذا قرنا تعدينا بخشوع زائف، فزنا برضاء ~~الآلهة والناس في هذه الحياة وفي الأخرى؟ استنادا إلى شهادة أكثر الثقاة عددا ~~وأعلاهم كعبا. باعتبار كل ما تقدم يا سقراط، علام يحترم العدالة رجل هو ~~على شيء من المزايا، كالمواهب السامية أو الثروة أو الشخصية البارزة أو شرف ~~المحتد، عوض أن يستخف بها حين تتلى محامدها على سمعه؟ فلو أن إنسانا ~~تمكن من كشف زيف ما قلناه، مقتنعا اقتناعا تاما بأفضلية العدالة، ~~لاغتفر الكثير من الخطيئات ولم ينقم على الجناة، لعلمه أن لا أحد بار ~~باختياره إلا الذين فيهم روح إلهية تحملهم على نبذ الفجور، أو الذين في نفوسهم ~~من تأثير العلوم والفنون ما يصرفها عنه، إلا أنهم يطرحون التعدي لجبنهم، أو ~~لهرمهم، أو لعلة أخرى تجعلهم عاجزين عن اقترافه. والدليل على صحة ذلك أنه متى ~~امتلك أحد هؤلاء العاجزين قوة تمكنه من التعدي، كان أول من تهافت عليه ~~بكليته، والعامل في كل ذلك هو ما أوردناه أنا وأخي في مستهل هذا ms044 الخطاب ~~يا سقراط، قائلين مع الاحترام اللازم إنكم، أنتم المدعين نصرة العدالة، ~~ابتداء من أبطال القديم الذين انتهت أخبارهم، إلى أبناء هذه العصور؛ قد جعلتم ~~- بلا استثناء أحد منكم - امتداح العدالة وذم التعدي وسيلة توسلتم ~~بها لنيل الشهرة والمجد والنعم الناشئة عنهما، ولكن ماهية كل منهما بما ~~فيه من قوة خاصة كامنة في نفس صاحبها، خافية عن أعين الآلهة والناس، هذه ~~الماهية لم توف حقها من البحث نظما أو نثرا، فترينا أن التعدي أقتل سم ~~يتسرب إلى الجسم، وأن العدالة أعظم بركة، فلو كانت هذه لهجتكم بادئ ذي بدء، ~~وحاولتم أن تقنعونا بها منذ حداثتنا، لما كانت ثمة حاجة لمراقبة أحدنا الآخر ~~خشية تعديه، بل كان كل رقيبا لنفسه، لئلا يصمها بالعار بارتكابه ~~التعدي. # فهذا يا سقراط، وربما أكثر من هذا، يمكن أن يقوله ثراسيماخس وغيره، وأجرؤ على ~~القول، في العدالة والتعدي، فيقلبون على ما أرى - جهلا منهم - التأثير ~~الطبيعي لكل منهما، أما أنا فأعترف لك - لأني لست أريد أن أخفي عنك شيئا - أني ~~شديد الرغبة في أن أسمعك تدافع عن الوجهة المناقضة؛ ولذلك تكلمت بأقصى ما في ~~من قوة. # فلا تحصر دفاعك في أن العدالة أسمى من التعدي، بل أرنا تأثير كل منهما ~~في نفس صاحبه، بحيث يكون أحدهما خيرا والآخر شرا، واحذف شهرة كل منهما على ~~النحو الذي رغب فيه إليك غلوكون؛ لأنك إذا تمنعت عن حذف شهرة كل منهما ~~وإحلال ضدها محلها، قلنا إنك تمدح ظاهر العدالة لا حقيقتها، وإنك تقدح في ظاهر ~~التعدي لا في حقيقته، وإنك إنما تنصح المرء بارتكاب التعدي مستترا، وإنك توافق ~~ثراسيماخس في أن العدالة هي لخير الغير؛ لأنها مصلحة الأقوى، وأن التعدي هو ~~منفعة المرء الذاتية، لكنه ضد مصلحة الضعيف؛ لأنك سلمت أن العدالة في مرتبة ~~أسمى الخيرات، وأن امتلاكها بركة ثمينة لذاتها ولنتائجها، كالبصر والسمع والعقل ~~والصحة، وغير هذه البركات التي هي خير بالذات لا بالاسم فقط، فخص بمدحك هذه ~~الوجهة من العدالة، أريد بها فائدتها التي تسبغها على صاحبها، ms045 بإزاء الضرر الذي ~~يحله التعدي في نفس صاحبه، ودع مدح الشهرة والمكافأة لغيرك ؛ لأني أتسامح مع ~~الغير في مدحهم العدالة وذم التعدي، وهو منهم عبارة عن إطراء الظاهرات والنتائج ~~المقارنة لها أو ذمها. أما معك فلا أتسامح هذا التسامح، إلا إذا كنت تطلبه؛ ~~لأنك أفنيت الحياة في فحص هذه المسائل، فلا تكتف بأنك تبرهن لنا على أن ~~العدالة أفضل من التعدي، بل أرنا تأثيرهما الخاص في نفس صاحبهما، الذي به يكون ~~أحدهما بركة والآخر شرا، سواء عرف أمره عند الله والناس أو لم ~~يعرف. # قال سقراط: فاحترمت مواهب غلوكون وأديمنتس كليهما، وعندها صارحتهما أن ~~بيانهما سحرني، وقلت لهما: بحق قال فيكما من أعجب بغلوكون، يا ابني الرجل ~~الوارد ذكره في أول بيت من إلياذته، على إثر فوزكما في معركة ميغارا: # إن أبناء أريسطو # أقدس الأبناء أصلا # ولدي شهم كريم # بلغ النجم وأعلى # فأراه أصاب كبد الحقيقة بهذا النعت يا صديقي؛ لأن في عقليكما أثرا إلهيا ~~واضحا، إذ لم تسلما بأن التعدي خير من العدالة، وأنتما قادران أن توردا ~~فيه ما ذكرتماه الآن، وإني لواثق بأنكما لن تسلما ذلك التسليم؛ لاستدلالي ~~بما تبينته من مجموع سجاياكما، ولو اقتصر الأمر على خطابيكما لكانت لي ~~فيكما غير هذه الثقة. على أني كلما زدت ثقة بكما زدت حيرة في كيف أتصرف بهذا ~~الموضوع؛ لأني مع كوني لا أدري كيف أساعدكما بناء على عدم جدارتي الظاهر في ~~رفضكما ما قلته لثراسيماخس، وأنا أزعم أني أثبت أفضلية العدالة على ~~التعدي، أقول مع حيرتي هذه: لا أجرؤ على التنكب عن النجدة؛ لأني أخشى أن ~~أرتكب إثما عظيما إذا أنا سمعت العدالة تمتهن، فانحلت عزيمتي ~~وتخليت عنها وفي نسمة، فأرى من الحزم أن أنصرها بما لي من حول. ~~(فألحف علي غلوكون وكل من حضر أن أنصر العدالة بكل ما في ~~وسعي، ولا أسمح بانصرام الحديث، بل أبحث بالتدقيق في طبيعة كل من العدالة ~~والتعدي، وما هو التعليم الحق النافع في كل منهما، فأبديت حينذاك شعوري، وهو أني ~~لا ms046 أرى البحث الذي نخوض عبابه أمرا زهيدا، بل أراه يحتاج إلى ثاقب النظر . ولما ~~كنت غير حصيف استحسنت صيغة خاصة للبحث تمكننا من إيضاحه، وهذا بيانها): # س ~~: # افرض أننا سئلنا قراءة كتابة بحروف من قطع صغير عن بعد، ولم نتمكن من ~~تبينها، ولكن أحدنا اكتشف أن تلك الكلمات نفسها مكتوبة في موضع آخر بحروف ~~كبيرة وعلى رقعة أوسع، فمن المعقول أننا نقرأ الكلمات كبيرة الحروف أولا، ثم ~~نحول نظرنا إلى الكتابة ذات الحرف الصغير، ونفحصها لنرى هل الكتابة واحدة في ~~الرقعتين. # أديمنتس ~~: # لا شك في أن ذلك واجب. ولكن أية علاقة بينه وبين بحثنا الحالي في ~~العدالة؟ # س ~~: # سأريك العلاقة بينهما: العدالة عدالتان؛ عدالة في الفرد، وعدالة في الدولة. ~~أليس كذلك؟ # أد ~~: # أكيد. # س ~~: # والدولة وسط أكبر من الفرد. # أد ~~: # أكبر. # س ~~: # فالأرجح أن العدالة أظهر في الوسط الأكبر وأسهل تبينا، فإذا شئتم فإنا ~~نبحث أولا في العدالة في الدولة، وبعدئذ نطبق البحث على العدالة في الفرد ~~بالأسلوب نفسه، ملاحظين وجه الشبه في الاثنين. # أد ~~: # أراك على هدى في رأيك. # س ~~: # فإذا تتبعنا في أفكارنا نشأة الدولة التدريجية، أفلا نرى فيها نشأة ~~العدالة ونشأة التعدي؟ # أد ~~: # الأرجح أننا نرى. # س ~~: # أولا يكون لنا أساس للثقة بأننا سنجد ما ننشده بأوفر سهولة؟ # أد ~~: # أسهل جدا. # س ~~: # فهل من رأيكم أن نجد في إنفاذ خطتنا؛ لأن الأمر ليس قليل الشأن؟ فتأملوه ~~جيدا. # أد ~~: # إنا لمتأملون، فجد كل الجد. # س ~~: # أرى أن الدولة تنشأ لعدم استقلال الفرد بسد حاجاته بنفسه، وافتقاره إلى معونة ~~الآخرين. أتتصور سببا آخر لنشأة الدول؟ # أد ~~: # كلا، فأنا أوافقك. # س ~~: # ولما كان كل إنسان محتاجا إلى معونة الغير في سد حاجاته، وكان لكل منا ~~احتياجات كثيرة، لزم أن يتألب عدد عديد منا من صحب ومساعدين، في مستقر واحد، ~~فنطلق على ذلك المجتمع اسم مدنية أو دولة، # 7 # ألا نطلقه؟ # أد ~~: # بلى، من كل بد. # س ~~: # فيتبادل أولئك الأشخاص الحاجات، وكل منهم عالم أنه سواء كان آخذا أو ~~معطيا في ms047 ذلك التبادل، فالأمر عائد إلى فائدته الشخصية. # أد ~~: # مؤكد. # س ~~: # فلنختط في بحثنا مدينة خيالية، مبتدئين بها من أول أركانها، فيظهر إذا ~~أنها أنشئت سدا لحاجاتنا الطبيعية. # أد ~~: # بلا شك. # س ~~: # وأول تلك الحاجات وأهمها القوت، قوام حياتنا كمخلوقات حية. # أد ~~: # من كل بد. # س ~~: # وثاني تلك الحاجات المسكن، وثالثها الكسوة، وهكذا. # أد ~~: # حقا. # س ~~: # فلننظر كيف يمكننا أن نجعل مدينتنا تقوم بسد حاجات عديدة. أفلا نبدأ ~~بالزارع، ثم البناء فالحائك؟ أفيكفي هؤلاء أم نضيف إليهم الإسكاف واثنين أو ~~ثلاثة من العمال القائمين بسد حاجاتنا الجسدية الضرورية؟ # أد ~~: # من كل بد. # س ~~: # فأصغر ما يمكن تصوره من المدن يتألف من أربعة رجال أو خمسة. # أد ~~: # هكذا نرى. # س ~~: # فلنتقدم في البحث. أفيعمل كل من هؤلاء الأربعة ما يلزم للجميع من منتوجه، ~~فيعد الفلاح مثلا، وهو أحدهم، ما يحتاج إليه أربعة أشخاص من الطعام، فيقضي ~~في إعداد طعامهم أربعة أضعاف الوقت اللازم له لإعداد طعامه، ثم يقاسم إخوانه ~~الثلاثة منتوجه، أم أنه يهملهم ويعمل ما يسد حاجته، فيقضي ربع وقته في إعداد ~~ربع مقدار الطعام، ويقضي الثلاثة الأرباع الباقية في إعداد مسكنه وكسوته ~~وحذائه، ولا يتعب نفسه في مبادلة إخوانه الحاجات، بل يعمل ما يحتاج إليه بذاته ~~لذاته؟ # أد ~~: # الأرجح يا سقراط أن التعاون أسهل من الاستقلال بالعمل. # س ~~: # رأيك غير بعيد عن الصواب، فقد خطر على بالي على إثر كلامك أن كل اثنين غيران، ~~وكل واحد يختلف عن غيره موهبة، ففي الواحد من الناس استعداد خاص لنوع من ~~الأعمال، وفي غيره استعداد لعمل آخر، ألا تظن هكذا؟ # أد ~~: # أظن. # س ~~: # فأي أنجح؟ أتوزيع قوى الفرد العقلية على أعمال عديدة؟ أم حصرها في موضوع ~~واحد؟ # أد ~~: # الأنجح حصرها في موضوع واحد. # س ~~: # وأراه أمرا بينا أن الإنسان إذا أهمل الفرصة السانحة للعمل فإنها لن ~~تعود. # أد ~~: # واضح. # س ~~: # لأن العمل في رأيي لا ينتظر وقت فراغ العامل، بل يجب أن يلوذ بعمله بحكم ~~الضرورة، ولا يستهتر أو يحسبه أمرا ثانويا. # أد ms048 ~~: # ذلك واجب. # س ~~: # فينتج مما تقدم أن كل الأشياء تكون أوفر مقدارا وأجود نوعا وأسهل إنتاجا ~~إذا التزم العامل ما يميل إليه طبعه من الأعمال، وأتمه في وقته الخاص غير ~~متشاغل عنه فيما سواه. # أد ~~: # بكل تأكيد. # س ~~: # ولكنا يا أديمنتس نحتاج إلى أكثر من أربعة رجال أو خمسة لإعداد ما ذكرنا من ~~الحاجات؛ لأن الفلاح لا يصنع محراثه بنفسه إذا أريد به أن يكون محراثا ~~متقنا، ولا يصنع معوله ولا غيره من آلات الحراثة، وكذلك البناء لا يمكنه أن ~~يصنع الآلات العديدة اللازمة له، وهكذا الحائك والإسكاف. # أد ~~: # حقيق. # س ~~: # فيلزمنا نجارون وحدادون، وغيرهم من الصناع على أنواعهم، فيصير هؤلاء ~~أعضاء دولتنا الصغيرة، ويؤلفون وإخوانهم شعبا. # أد ~~: # مؤكد. # س ~~: # على أن المدينة لا تكبر كثيرا، إذا أضفنا إلى هؤلاء رعاة المواشي ومن هم من ~~هذا القبيل، لإمداد الفلاحين بالثيران وغيرها من الحيوانات لجر المحراث، ومواد ~~البناء للبنائين، ونقل الجلود والأصواف للأساكفة والحاكة. # أد ~~: # فليست إذا مدينة صغيرة وفيها كل هؤلاء. # س ~~: # على أنه يندر اختطاط مدينة، في أي واقع كان، دون افتقارها إلى ~~واردات. # أد ~~: # يندر. # س ~~: # فيلزمنا أشخاص آخرون يجلبون ما نحتاج إليه من المدن الأخرى. # أد ~~: # يلزم. # س ~~: # إذا ذهب المندوب فارغ اليد مما يحتاج إليه الأقوام الذين نستمد منهم ما ~~نفتقر إليه من المواد، عاد بخفي حنين، أليس كذلك؟ # أد ~~: # هكذا أظن. # س ~~: # فلا تقتصر المدينة على ما تستهلكه، بل يلزم أن يزيد منتوجها على استهلاكها؛ ~~ليكون لها ما تدفعه بدل ما تستورده من الخارج. # أد ~~: # يجب ذلك. # س ~~: # فتحتاج مدينتنا إلى زراع وصناع أكثر مما سبق ذكره. # أد ~~: # تحتاج. # س ~~: # وإلى وكلاء كثيرين لتصدير البضائع وتوريدها، وهؤلاء هم التجار، أليسوا ~~كذلك؟ # أد ~~: # بلى. # س ~~: # فإذا نحتاج إلى تجار أيضا. # أد ~~: # مؤكد. # س ~~: # وإذا كانت التجارة بحرية لزمنا كثيرون غيرهم من حذاق الملاحين. # أد ~~: # كثيرون حقا. # س ~~: # فأخبرني: كيف يتبادل أهالي المدينة أنفسهم المنتوجات؟ فإنك عالم أنه لأجل ~~تبادلها ألفنا الجماعة وأسسنا الدولة. # أد ~~: # واضح أن ms049 ذلك يتم بالبيع والشراء. # س ~~: # وهذا يؤدي إلى فتح الأسواق وتداول النقود لتسهيل المعاملات . # أد ~~: # بالتأكيد. # س ~~: # فإذا فرضنا أن الفلاح أو غيره من الصناع جلب بضاعته إلى السوق ولم يحضر ~~من يبادله إياها، أفلا يلبث في السوق كل الوقت ويعطل شغله؟ # أد ~~: # من كل بد. # س ~~: # فهنالك أناس يرقبون هذه السانحة، وقد وقفوا أنفسهم لاغتنامها، ورجال هذه ~~الفئة في المدن الكاملة التنظيم هم على العموم هزال الأبدان، لا يصلحون لعمل ~~آخر، وشغلهم الخاص هو الإقامة في الأسواق، يمدون من يروم بيع بضاعته ~~بالدراهم لقاء تسلمهم إياها، وقبض الدراهم ممن يروم شراء بضاعة ~~وتسلمها، ويستدعي ذلك وجود تجار المفرق في المدينة. أفلا ندعو المقيمين في ~~السوق للبيع والشراء «الباعة بالمرفق»، والذين يجولون من مدينة إلى مدينة ~~تجارا؟ # أد ~~: # بالتمام هكذا. # س ~~: # وهناك طبقة أخرى ممن ليست لهم قوى عقلية تؤهلهم لمصاف من ذكرنا، ولكن ~~لهم قوة بدنية تمكنهم من العمل الشاق، فيبيع هؤلاء قدرتهم البدنية ويدعون ~~ثمنها «أجورا»، وهم يدعون «عمالا». أليسوا كذلك؟ # أد ~~: # حتما. # س ~~: # فالعمال المأجورون هم تتمة المدينة. # أد ~~: # هكذا أظن. # س ~~: # أفنقول يا أديمنتوس أن مدينتنا بلغت معظم نموها؟ # أد ~~: # على الأرجح. # س ~~: # فأين نجد العدالة والتعدي فيها؟ إلى أي العناصر الذي ذكرناها ~~يتسربان؟ # أد ~~: # لا أدري يا سقراط، إلا إذا كان في العلاقات المتبادلة بين الأشخاص المذكورين ~~أنفسهم. # س ~~: # من الممكن أنك مصيب، ولكن علينا فحص المسألة دون إحجام. # فلننظر أولا في نوع الحياة التي يحياها الناس المجهزون بما ذكرناه، وأظن ~~أنهم يجنون ذرة وخمرا ويصنعون ثيابا وأحذية، ويشيدون لأنفسهم بيوتا، ~~ويمكنهم العمل صيفا أكثر الوقت بدون أحذية ولا أردية. أما في الشتاء فيجهزون ~~بما يلزمهم منها، ويقتاتون بالقمح والشعير، ويصنعون خبزا وكعكا، وينشرون ~~الخبز الجيد والكعك اللذيذ على حصر محبوكة من القش، أو على أوراق الأشجار ~~النظيفة، ويجلسون على أسرة مصنوعة من أغصان السرو والآس، ويتمتعون بصفاء ~~العيش مع أولادهم، راشفين الخمور، مكللين بالغار، مسبحين للآلهة، ~~معاشرين بعضهم بعضا بسلام، ولا يلدون أكثر مما ms050 يستطيعون أن يعولوا، احتسابا ~~من الفاقة والحرب. ~~(فقاطعني غلوكون الكلام قائلا): # غ ~~: # يظهر أنك حصرت ولائم صحبك بالخبز، دون إدام وتوابل. # س ~~: # بالصواب تكلمت، فإني نسيت أنه سيكون لهم من كل بد إدام وتوابل، كالملح ~~والزيتون والجبن والبصل والملفوف، وسنضع أمامهم الفواكه والحلويات من تين ~~وحمص وفول، ويشوون حب الآس والجوز، ويأكلون ويشربون باعتدال، ويقضون حياتهم ~~بصحة وهناء، ويموتون ميتة صالحة، تاركين للذراري بعدهم أساسا لحياة سعيدة ~~كحياتهم. # غ ~~: # ولو أنك اختططت مدينة للخنازير فماذا كنت تطعمها غير ذلك؟ # س ~~: # فكيف تريد أن يعيشوا يا غلوكون؟ # غ ~~: # عيشة مدنية، فيتكئون على الأسرة إذا لم يرضوا شظف العيش، ويأكلون عن ~~الموائد ألوانا من الأطعمة والحلويات من الطراز الحديث. # س ~~: # حسنا جدا، لقد فهمتك، فإننا لسنا نبحث في مجرد إنشاء مدينة، بل في كونها ~~سعيدة رخية، ولا أرى ذلك فكرة سيئة؛ لأننا باعتبار هذا البحث قد نتبين منبت ~~العدالة والتعدي في المدن؛ فمدينة كالتي وصفناها هي حقيقية وصحية، وإذا رمت ~~النظر في جعلها ضخمة رفيهة فليس ثمة مانع، فإن بعض الناس لا يكتفون ~~بالضروريات على ما مر بك وصفه، بل يرومون أيضا أن يقتنوا أسرة وموائد، ~~وكل أنواع الرياش، مع اللحوم والطيوب والعطور والحظايا، مع الإكثار من هذه ~~الطيبات، فلا نحصر أنفسنا في الضروري من المواد التي ذكرناها ابتداء - القوت ~~والمسكن والكسوة والحذاء - بل يلزمنا النقش والرسم والذهب والعاج وكل متاع ~~ثمين. ألا يلزم إحراز كل هذه الأشياء؟ # غ ~~: # يلزم. # س ~~: # فنضطر حين ذاك إلى توسيع المدينة؛ لأن المدينة الأولى الصحية ضاقت عن وسع ~~كل ما ذكر، واستدعى الأمر مد أطرافها، وأن تملأ بالمهن المنوعة التي لا ~~توجد في المدن لمجرد سد الحاجات الطبيعية، مثال ذلك الصيادون وأرباب الفنون ~~النقلية - بما فيهم من مصورين ودهانين وموسيقيين - والشعراء والمنشدون ~~والممثلون والراقصون والقصاصون والمقاولون، وصناع الأدوات على أنواعها، ~~وصانعو البهارج وحلي النساء، فيلزمنا عمال كثيرون، أولا نحتاج أيضا إلى ~~المربين والمراضع والممرضات والوصائف والحلاقين والطهاة والحلوانيين؟ ~~ونحتاج أيضا إلى رعاة الخنازير - طبقة من الناس ms051 لم نكن نحتاج إليها في مدينتنا ~~الأولى، ولكنا نحتاج إليها في هذه - ويلزمنا أيضا كثير من المواشي لأجل من ~~يرغبون في أكل لحومها. ألا نحتاج؟ # غ ~~: # من كل بد. # س ~~: # أولا نحتاج في هذه الحال إلى الأطباء أكثر من ذي قبل؟ # غ ~~: # بالتأكيد. # س ~~: # أفلا تضيق أرباض المدينة ومسارحها الآن، بعدما كانت كافية للقيام بأود سكانها ~~الأولين؟ أنقول هذا القول؟ # غ ~~: # بالتأكيد. # س ~~: # أفلا نضطر إلى التسطي على أصقاع جيراننا الواسعة لمد نطاق مراعينا ~~وحقولنا، اضطرار أولئك إلى عمل المثل، إذا كنا في سعة وهم في ضنك، فيتجاوزون ~~حدود الضروريات، ويوغلون في طلاب الثروة بغير حد؟ # غ ~~: # لا مندوحة عن ذلك يا سقراط. # س ~~: # أفنحارب يا غلوكون؟ أو ماذا نفعل؟ # غ ~~: # كما تقول. # س ~~: # ولنعرض في هذا الموقف من بحثنا عن الحكم بمضرة الحرب أو نفعها، مقتصرين على ~~القول إننا قد تتبعنا أصلها ومنبتها إلى أسبابها، وهي مصدر شر الويلات التي ~~تحل بالدولة جماعة وأفرادا. # غ ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # فيلزم دولتنا إضافة أراض واسعة لكي تسع جيشا لجبا يجول ويصول لصد غارات ~~الغزاة، والذود عن الأرزاق والنفوس التي أتينا على ذكرها. # غ ~~: # ألا يكفي الأهالي وحدهم لذلك؟ # س ~~: # كلا؛ لأننا اتفقنا جميعا، أنت والآخرون، في تصديق الخطة التي قررناها ~~لإنشاء الدولة، فقد سلمنا إذا كنت تذكر أنه يستحيل على الفرد أن يتم ~~أعمالا عديدة معا. # غ ~~: # حق. # س ~~: # وما قولك في الحرب؟ ألا ترى أنها فن قائم بذاته؟ # غ ~~: # دون شك. # س ~~: # أوليس لنا داع كاف للاهتمام بفن الحرب كما بفن السكافة مثلا؟ # غ ~~: # بالتمام. # س ~~: # ولكنا شرطنا على الإسكاف أن لا يكون مزارعا ولا صانعا ولا بناء، إذا ~~رمنا أن يتقن صنع أحذيتنا، وعلى القياس نفسه أنطنا بكل صنف من الصناع ~~نوعا واحدا من الأعمال حسب جدارته، وأطلقنا يد كل منهم في الحرفة التي ~~اختارها دون غيرها ليجيد صنعها واقفا حياته لها، وغير مضيع الفرص. والآن ~~نتساءل بخصوص الحرب، أليس إتقانها من أهم المصالح؟ أوسهلة هي فيستطيع أي ~~واحد ms052 أن ينجح فيها، ويكون في الوقت نفسه فلاحا وإسكافا وعاملا بحرفة أخرى ~~مع الجندية ؟ مع أنه لا يمكن أحدا في الدنيا أن يبرع في ألعاب النرد والداما، ~~إذا اقتصر على مزاولتهما ساعات الفراغ بدل اتخاذهما موضوع درس خاص منذ حداثته. ~~أفيستطيع المرء بمجرد تقلد السيف والترس وغيرهما من أدوات الحرب أن يصير ~~بارعا في فن الضرب والكفاح، قادرا على تمثيل دور كبير في الملاحم الكبرى، أو ~~في غيرها من الأعمال العسكرية؟ مع أن مجرد استعمال أدوات أخرى لا يؤهله إلى ~~إتقان الصناعة أو الرياضة دون مرانة، ولن تكون هذه الآلات مفيدة لمن لم يدرس ~~أغراضها ويتمرس باستعمالها. # غ ~~: # إذا كان الأمر هكذا فآلات حربية كهذه ثمينة جدا. # س ~~: # وقياسا على كون إدارة المدينة أهم الأعمال التي يقوم بها هؤلاء الحكام، يلزم ~~أن يتفرغوا لها وأن يعيروها انتباها وحكمة فائقين. # غ ~~: # هكذا أرى تماما. # س ~~: # أولا تستلزم أيضا صفات فطرية تتناسب مع هذا العمل الخاص؟ # غ ~~: # بلى، دون شك. # س ~~: # فواضح أنه علينا، إن أمكن، اختيار الأوصاف الخاصة التي تؤهل أربابها لإدارة ~~الدولة. # غ ~~: # علينا أن نفعل ذلك. # س ~~: # وأؤكد لك أننا أخذنا على عاتقنا عملا ليس طفيفا، على أننا لن ننكص ما دام ~~فينا رمق من الحياة. # غ ~~: # لن ننكص. # س ~~: # أوتظن أنه يوجد فرق بين كلب أصيل وبين شاب شجاع، باعتبار الصفات اللازمة ~~للحراسة؟ # غ ~~: # لم أفهم. # س ~~: # أقول إنه يلزم كليهما أن يكون نبيها في اكتشاف العدو، وثابا في ميدانه، ~~بطاشا في نضاله إذا التحما. # غ ~~: # حقا إن كل هذه الأوصاف لازمة. # س ~~: # فيجب أن يكونا شجاعين يحسنان النضال. # غ ~~: # دون شك. # س ~~: # أويخفى عليك شأن الحماسة التي لا تقهر، وبما تبثه في نفس صاحبها يكون ~~كل مخلوق غير هياب في اقتحام الأخطار؟ # غ ~~: # قد أدركت ذلك. # س ~~: # فقد عرفنا المزايا الجسدية اللازمة في حاكمنا. # غ ~~: # عرفنا ذلك. # س ~~: # وعرفنا أيضا المزايا العقلية التي تضرم فيه روح الهمة. # غ ~~: # نعم. # س ~~: # وإذا كانت هذه أوصافهم يا غلوكون، أفيحظر ms053 عليهم أن يكونوا شرسين بعضهم مع ~~بعض ومع بقية الأهالي؟ # غ ~~: # يحظر. # س ~~: # فمن الضروري أن يكونوا ودعاء مع أصحابهم، شداد الشكائم مع الأعداء فقط، ولا ~~ينتظروا هلاك العدو بيد غيرهم، بل يكونوا السابقين إلى القضاء عليه ~~بأيديهم. # غ ~~: # حقيق. # س ~~: # فماذا نعمل؟ أين نجد خلقا حماسيا ووديعا معا؟ لأن الوداعة تنافي الحماسة ~~على ما أرى. # غ ~~: # واضح أنها كذلك. # س ~~: # وإذا تجرد المرء من إحدى هاتين الصفتين، الوداعة والحماسة، لم يصلح للحكم. ~~ولما كان اجتماع الضدين محالا، فالحاكم الكامل غير موجود. # غ ~~: # هكذا يظهر. ~~(وبعد الذهول هنيهة، وترديد الفكر فيما تقدم من البحث ~~قلت): # س ~~: # حقا يا صديقي إننا ذهلنا؛ إذ شط بنا المزار عن المثال الذي وضعناه ~~أمامنا. # غ ~~: # وكيف ذلك؟ # س ~~: # ألم يطرق سمعنا أنه توجد طباع تجمع بين هاتين المزيتين المتضادتين، وقد ~~توهمنا عدم وجودها؟ # غ ~~: # وأين يجتمع الضدان؟ # س ~~: # ترى ذلك في كثير من الحيوانات، ولا سيما في الحيوان الذي اتخذناه مثالا ~~لحكامنا، فإني أثق أنك تعرف أن صفة الكلب الطبيعية إذا تربى تربية حسنة أن ~~يكون غاية في الوداعة والرقة مع أصحابه ومعارفه، وعلى الضد من ذلك مع ~~الغرباء. # غ ~~: # أعرف ذلك بالتحقيق. # س ~~: # فذلك من الممكنات، ولسنا بمعاكسين الطبيعة، إذا أوجبنا هذا الخلق في ~~حاكمنا. # غ ~~: # هكذا يظهر. # س ~~: # أوأنت من الرأي القائل إنه يجب أن يكون حاكمنا فلسفي النزعة مع حماسته، ~~ليكون أهلا لمنصب الحكم؟ # غ ~~: # وكيف ذلك؟ فإني لم أفهم. # س ~~: # صفة أخرى تلاحظها في الكلب، وهي أمر عجيب في الحيوان. # غ ~~: # وما هي؟ # س ~~: # حين يرى إنسانا غريبا يثور غضبه عليه ولو لم يلق منه إساءة، ولكنه إذا ~~لقي من يعرفه أبدى الدعة والتحبب ولو لم يلق منه معاملة حسنة. ألا ~~تتعجب من ذلك؟ # غ ~~: # لا ريب في ذلك، على أني لم أنتبه له قبلا. # س ~~: # وهذه الفطرة حكيمة جدا في الكلب، وهي ظاهرة فلسفية حقيقية. # غ ~~: # وكيف ذلك؟ # س ~~: # تعليقه الصداقة والعداء على مجرد معرفته هذا وجهله ذاك، أفليس ms054 ذلك كناية عن ~~محبة المعرفة في الكلب؟ فجعلها أساس الألفة، وجعل عدمها أساس الجفاء ؟ # غ ~~: # إنه محب المعرفة. # س ~~: # أوليست محبة المعرفة ميلا فلسفيا؟ # غ ~~: # بلى. # س ~~: # ألا نقول واثقين أيضا في أمر الإنسان إنه إذا أبدى الوداعة لذويه ومعارفهم ~~كان ولا بد ذا ميل للمعرفة والفلسفة؟ # غ ~~: # فليكن ذلك. # س ~~: # فالحاكم الكفؤ في عرفنا، الذي تعد مواهبه بمسيره نحو الكمال، فلسفي ~~النزعة، عظيم الحماسة، سريع التنفيذ، شديد المرأس. # غ ~~: # دون شك. # س ~~: # هذه هي أوصاف الحكام الفطرية، فكيف نربيهم ونهذبهم؟ وهل في تتبعنا هذا ~~البحث شيء من المساعدة لنا في فهم غرضنا الخاص في كل هذه الأبحاث؟ أعني معرفة ~~نشوء العدالة والتعدي في الدولة، لكي لا يفوتنا قسم من البحث، ولا نشغل أنفسنا ~~بما لا طائل تحته؟ ~~(هنا قال أديمتنس أخو غلوكون): # أد ~~: # حسنا، أنا أرى ذلك جزيل المساعدة لنا في استجلاء موضوعنا. # س ~~: # حقا يا عزيزي أديمنتس، إنه إذا كان الأمر هكذا وجب ألا نغفل البحث ولو ~~كان مطولا. # أد ~~: # حقا لا نغفله. # س ~~: # فلنصف كيفية تهذيب هؤلاء الرجال، كما يفعل القصاصون الكسالى في ~~محادثاتهم. # أد ~~: # فلنصفها. # س ~~: # فماذا يجب أن يكون تهذيبهم؟ ربما يشق علينا أن نجد تهذيبا أفضل مما جلاه ~~الاختبار، وهو مؤلف - على ما أتيقن - من الجمناستك للجسد، والموسيقى ~~للعقل. # أد ~~: # يشق. # س ~~: # أفلا تؤثر الابتداء بتهذيبهم بالموسيقى على الابتداء بالجمناستك؟ # أد ~~: # دون شك نؤثر ذلك. # س ~~: # أوتدرج في الموسيقى القصص أو لا؟ # أد ~~: # أدرجه. # س ~~: # وهنالك نوعان من القصص؛ حقيقي ووهمي. # أد ~~: # نعم. # س ~~: # فنهذب تلاميذنا بالنوعين، ولكنا نبدأ بالوهمي. # أد ~~: # لم أفهم ماذا تعني. # س ~~: # ألا تفهم أننا نبدأ بالقصص الوهمية في تعليم الأطفال؟ ويقال إجمالا في ~~هذا النوع من القصص أنه وهمي، لكن مغزاه حقيقي، فنلقن الأحداث الأساطير ~~قبلما نمرنهم بالجمناستك. # أد ~~: # حقيق. # س ~~: # ذلك ما عنيته بقولي: «تقديم الموسيقى على الجمناستك.» # أد ~~: # إنك مصيب. # س ~~: # أولا تعلم أن البداءة في كل شيء هي على أعظم جانب من الخطورة، ولا سيما ~~فيما ms055 هو متصف بالحداثة واللين؛ لكونه في أوفق الأوقات لسهولة طبع ما يراد طبعه ~~عليه ؟ # أد ~~: # حتما هكذا. # س ~~: # أفنأذن لأولادنا أن يسمعوا كل أنواع الأساطير من أي شاعر كان بلا استثناء، ~~وأن يقبلوا في قلوبهم آراء تتنافى مع ما يجب أن يرعوه متى بلغوا رشدهم؟ # أد ~~: # لا نأذن بذلك بوجه من الوجوه. # س ~~: # فأول واجب علينا هو السيطرة على ملفقي الخرافات، واختيار أجملها ونبذ ما ~~سواه، ثم نوعز إلى الأمهات والمرضعات أن يقصصن ما اخترناه من تلك الخرافات على ~~الأطفال، وأن يكيفن بها عقولهم أكثر مما يكيفن أجسادهم بأيديهن. ويجب أن نرفض ~~القسم الأكبر مما يملى عليهم من الخرافات في هذه الأيام. # أد ~~: # وأيها تعني؟ # س ~~: # يجب أن نتبين أصغر الأساطير من أكبرها؛ لأن شكلها واحد، وكلها كبيرة وصغيرة ~~واحدة الصيغة والأثر. ألا تظن هكذا؟ # أد ~~: # بلى، على أني لم أفهم ما تعني «بالأكبر»؟ # س ~~: # أعني ما رواه هسيودس وهوميرس وغيرهما من الشعراء، فقد نظموا روايات خيالية ~~للبشر ونشروها في الملأ، وما زالت تملى على الأسماع. # أد ~~: # وأيها تعني؟ وماذا تجد فيها من الخطأ؟ # س ~~: # الخطأ المستوجب أكبر وأثقل دينونة، ولا سيما في الأسطورة عديمة ~~الجمال. # أد ~~: # وما هو ذلك الخطأ؟ # س ~~: # هو تمثيل المؤلف صفات الآلهة والأبطال تمثيلا مشوها، فهو كالمصور الذي لا ~~يشبه رسمه ما صوره من الأشياء. # أد ~~: # يحق لك أن تلومهم على ذلك، فزدني إيضاحا واضرب مثلا. # س ~~: # أولا اختلاق الشاعر قصة قبيحة فيها أشنع كذب في أهم المواضيع، كما أخبرنا هسيودس # 8 # ما صنع أورانوس، وأن كرونس انتقم منه. وكذلك ما روى عن كرونس، # 9 # فإن كانت فعال كرونس ومعاملة ابنه له حقائق بينة، لا أرى من ~~الحكمة أن تتلى على السذج والأطفال دون أي تحفظ، بل بالعكس أرى أنه يجب ~~حذفها بتاتا، وإذا مست الحاجة إلى تلاوتها فلتتل سرا، وعلى أقل عدد ~~ممكن من الناس، وليس بعد تضحية خنزير، # 10 # بل بعد ذبح عظيم مقدس، فلا يسمعها إلا القليلون. # أد ~~: # حقا، إنها أساطير ردية. ms056 # س ~~: # نعم ردية؛ ولذلك يا أديمنتس لا يجوز أن تتلى في مدينتنا، ولا نقولن ~~لسامعنا الفتى أنه لم يجن نكرا إذا ارتكب شر الموبقات، أو إذا عاقب والده ~~على جرائمه بأبلغ صنوف الهوان؛ لأنه لم يفعل إلا ما فعله كبار الآلهة ~~قبله. # أد ~~: # أؤكد لك أني أوافقك كل الموافقة في أن قصصا كهذه غير لائقة. # س ~~: # وكذلك القول إن الآلهة تشهر حربا بعضها على بعض، وتكيد، وتتقاتل؛ فلا يناسب ~~أن تقال مثل هذه الترهات في حال من الأحوال؛ لأنها غير صحيحة، وإذا كان ~~حكام دولتنا يحسبون التباغض والنزاع فيما بينهم، لأسباب تافهة، أمرا ~~خسيسا، فإنه أمر أكثر خساسة وعيبا أخبار منازعات الأبطال، والضغائن ~~المنسوبة إليهم، والتحام القتال بين الأبطال والآلهة، وبين أقاربهم وذويهم، ~~واتخاذها موضوع نسج الأساطير وتزويق القصص. وإذا كان في الإمكان إقناعهم أنه ~~عيب وحرام أن يبغض المتمدين أخاه أو يحاربه؛ لأن ذلك عمل غير مقدس ولا يرتكبه ~~أحد أبناء الآلهة، فتلك هي الصيغة التي بها يجب أن تتلى على أسماع أولادنا في ~~زمن الحداثة، بألسنة الشيوخ والشيخات، وهذا هو القيد الذي يجب أن يتقيد به ~~الشعراء في صوغ منظوماتهم. أما أخبار الإلاهة هيرا التي قيدها ابنها بالقيود ~~وكبلها بالأغلال، وقصة طرد هيفاستس من السماء لأنه حاول إنجاد والدته لما ~~كان والده يجلدها، وكل حروب الآلهة التي رواها هوميرس؛ يجب حظرها في دولتنا، ~~سواء صيغت في قالب الحقيقة أو في قالب المجاز؛ لأن الطفل لا يميز بين الحقيقة ~~والمجاز، فيطبع في عقله ما سمعه في هذا السن، ويرسخ في نفسه حتى يتعسر ~~نزعه، وغالبا يتعذر؛ ولهذه الأسباب أرى أنه يجب كل الاحتراس فيما يسمعه ~~الأحداث؛ لئلا يكون في صيغة لا تلائم ترقية الفضيلة. # أد ~~: # ولذلك سبب كاف، فإذا سئلنا ما هي الأساطير والقصص التي يوافق أن يلقنوها، ~~فبماذا نجيب؟ # س ~~: # يا عزيزي أديمنتس، لا أنت ولا أنا في موقف شعراء، بل في موقف مؤسسي دولة، ~~ويجب أن يعرف مؤسسو الدولة الصيغة التي يجب على الشعراء أن يصوغوا بها ms057 ~~أساطيرهم، ويحظروا عليهم تجاوز حدودها. على أن المؤسسين غير ملزمين أن ينظموا ~~لهم الأساطير. # أد ~~: # أنت مصيب ، ولكني أستعمل كلماتك نفسها، فأقول: ماذا يجب أن تكون تلك الصيغ ~~في اللاهوت؟ # س ~~: # أرى أن تكون كما يلي: يوصف الله في كل حال على ما هو في ذاته، سواء كان ذلك ~~في الشعر القصصي أو الغنائي أو الروائي. هذا هو الحق. # أد ~~: # نعم، إنه حق. # س ~~: # فمن المؤكد أن الله صالح، ويجب وصفه بالصلاح والحق الذي فيه. # أد ~~: # لا شك في ذلك. # س ~~: # جيدا، ولا شيء من الصالح ضار. أيكون ضارا؟ # أد ~~: # لا أظن. # س ~~: # وما ليس بضار هل يصنع ضررا؟ # أد ~~: # كلا البتة. # س ~~: # ومن لا يضر هل يصنع شرا؟ # أد ~~: # أجيب كما سبق، لا. # س ~~: # ومن لا يصنع شرا لا يسبب شيئا من الشرور؟ # أد ~~: # وكيف يمكن أن يسبب شرا؟ # س ~~: # حسنا، وهل الصالح نافع؟ # أد ~~: # نعم. # س ~~: # فهو إذا علة الخير. # أد ~~: # نعم. # س ~~: # فليس الصالح علة كل شيء إنما هو كما هو الواجب بريء من ابتداع ~~الشر. # أد ~~: # بالتمام. # س ~~: # وإذا كان الأمر كذلك، فالله على قدر ما هو صالح لا يمكن أن يكون علة كل ~~الأشياء كما هو الشائع، بل على الضد، هو علة القليل من أحوال الناس، وليس هو ~~علة القسم الأكبر منها؛ لأن شرورنا تفوق خيراتنا عددا، فلا نسند الخيرات إلى ~~غيره، بل نفتش عن علة الشرور في غيره لا فيه. # أد ~~: # يظهر لي أن هذا هو الحق الصراح. # س ~~: # فيجب أن نبدي إنكارنا تعدي هوميرس أو غيره من الشعراء على حقوق الله بقوله: # 11 # على باب رب العرش حوضان فيهما # نرى البر والآثام كلا بتربة # وقد مزج الآنام من كل عنصر # لذلك كان الله أصل الخطية # فطورا ينيل المرء خيرا ونعمة # وطورا يوافيه بأثقل لعنة # أما الإنسان الذي ليس في جبلته هذا المزج، بل جبل من عنصر واحد فقال ~~فيه: # يتيه بأرباض السعادات في الدنى # بجوع وعري وابتئاس ومحنة # ولسنا نقبل ما يأتي: # وقد ms058 وزع الآلاء والشر في الملا # إله تسامى فوق هذي البرية # وإذا زعم أحد أن زفس وأثينا نكثا العهود والمواثيق # 12 # التي وضعها بنداروس فلا نوليه استحسانا، ولا نأذن أن يقال إن ~~طاميس وزفس أثارا النزاع واستعمال القوة بين الآلهة. # 13 # ولا نأذن للشبيبة أن تصغي إلى القول المنسوب لأخلس: # 14 # وإذا أراد الله قلب أمة # أنبت شرا وشقاقا بينها # وإذا نظم أحد الشعراء آلام نيوب كما فعل أخلس في الرواية التي اقتبست منها ~~هذا البيت، أو كارثات بيت نيوب، ونكبات طروادة، أو ما هو من هذا النوع، فعليه ~~إما أن يبحث عن الباعث له تعالى على ذلك، أو أن الذين تألموا فلخيرهم ومنفعتهم ~~كان ألمهم. ولكنا لا نسمح لشاعر أن يقول إن الله سبب العقاب الذي آل إلى ~~شقاء عبده، كلا، ولكن إذا كان يقول: لأن الأشرار تاعسون لزم أن يتألموا، وأن ~~الله أحسن إليهم بأنه آلمهم لأجل خيرهم، فلا نعارض في ذلك. أما الادعاء أن ~~الإله الصالح علة شر كائن من الناس فهو قول يجب أن نحاربه بما أوتينا من ~~قوة؛ لأن المبدأ الذي تتضمنه أسطورة كهذه شعرا أو نثرا لا يقال ولا يسمع ~~في المدينة، ولا يبيحه من يروم خير الدولة وارتقاءها، شيخا كان أو فتى؛ لأنها ~~أقوال تنافي طهارة الحياة، وهي ضارة ومتناقضة. # 15 # أد ~~: # أثني على اقتراحك سن هذا القانون، فإنه يسرني. # س ~~: # فأولى الشرائع الإلهية التي نوجب على خطبائنا ومؤلفينا أن يطبقوا خطبهم ~~وتآليفهم عليها، هي أن الله تعالى صانع الخير ليس إلا. # أد ~~: # ولقد أقمت الدليل القاطع على صحتها. # س ~~: # وثاني تلك الشرائع الجديرة بالاعتبار: # أتظن أن الله تعالى «مشعوذ» فيظهر بمختلف المظاهر في مختلف الأغراض؟ فتارة ~~يظهر في شكل ما، ثم يغير شكله ويتخذ صورة جديدة، وآونة يخدعنا ويقودنا إلى ~~الاعتقاد بأن تلك الصور حقيقية، أفتسلم بذلك؟ أوترى أن الله جوهر بسيط، ~~فلا يتكيف ولا يخرج عن المظهر اللائق بذاته؟ # أد ~~: # لا أقدر أن أجيب فورا. # س ~~: # فأجبني عما يأتي: إذا تغير كائن ms059 عن شكله العادي، أفليس بالضرورة أن ذلك ~~التغير قد حصل حتما بفعله هو أو بتأثير كائن آخر؟ # أد ~~: # حتما. # س ~~: # أوليس أفضل الأشياء في الوجود أقلها قبولا للتغير بتأثير خارجي، ~~كتغير الجسم بالطعام والشراب والإجهاد، وكتغير النبات بحرارة الشمس والرياح ~~والعواصف ونحوها من العوامل؟ أوليست التأثيرات على أضعفها في أقوى الأجسام ~~وأصحها؟ # أد ~~: # بلى دون شك. # س ~~: # ومن جهة العقل: أليست الاضطرابات الخارجية أقل تأثيرا في العقل الأوفر ~~شجاعة وحكمة؟ # أد ~~: # بلى. # س ~~: # ويصح هذا القول في كل مصنوع، من أثاث وبيوت وثياب، فأمتنها صنعا أقلها ~~تغيرا بتأثيرات الزمان وغيره من العوامل. # أد ~~: # هذا هو الواقع. # س ~~: # فكل ما هو في حال حسنة باعتبار الطبيعة أو باعتبار الفن أو باعتبار كليهما ~~هو أقل تعرضا للتغير بتأثير غيره فيه. # أد ~~: # هكذا يظهر. # س ~~: # فالله والأشياء المختصة بالألوهية هي في أفضل الحالات وأكملها. # أد ~~: # دون شك. # س ~~: # فهو تعالى أقل الأشياء تغيرا وتبدلا بفعل المؤثرات الخارجية. # أد ~~: # نعم أقلها. # س ~~: # أفيغير تعالى ذاته بذاته؟ # أد ~~: # الأمر واضح أنه إذا كان تغيره تعالى ممكنا فهو الفاعل في ذلك ~~التغير. # س ~~: # أفإلى مثل أفضل وأجمل يغير الله ذاته؟ أم إلى مثل أقل جمالا وصلاحا ~~مما هو؟ # أد ~~: # لو كان تغيره تعالى ممكنا فلا يمكن أن يكون ذلك التغير إلا إلى مثل ~~أدنى؛ لأننا لا نقدر أن نقول بوجه من الوجوه أن فيه تعالى شيئا من النقص ~~جمالا وسموا. # س ~~: # أصبت، وإذا تقرر ذلك أفتظن يا أديمنتس أن عاقلا، إلها كان أو إنسانا، ~~يختار تغيير نفسه إلى ما هو أدنى؟ # أد ~~: # مستحيل. # س ~~: # فمستحيل إذا أن يرضى الله بأن يغير نفسه، بل إن كل إله على قدر ما هو ~~فائق جمالا وسموا يرغب في استمرار جماله وسموه، بدون تغيير مظاهره. # أد ~~: # وأظن أن هذا الاستدلال ضروري. # س ~~: # فلا ندعن شاعرا - أيها الوقور أديمنتس - يقول فيه تعالى ما ورد في هذا ~~البيت: # يغير شكله في كل حين # كسفار يجول بكل أرض # 16 # ولا نسمح لأحد أن ms060 يكذب بروتيوس وثاطيس، ولا أن يصف الإلاهة هيرا في المآسي ~~أو في غيرها من الأشعار أنها تنكرت في شكل كاهنة: # تجول جامعة إحسان ذي سعة # لكي تعول بني أرجيف عن سغب # 17 # ولا ندعن أحدا يملي على المسامع أكاذيب كهذه، ولا يجوز أن تقوي ~~الأمهات ضلالات الشعراء، فيروعن أولادهن بقصص وهمية، منها أن الآلهة ~~تتجول ليلا في شكل غرباء في كل بلد: # بزي السائحين بكل قطر # بمختلف المظاهر ~~والمجالي # لئلا تكون قصصهن قذفا بالآلهة، فيغرسن في قلوب صغارهن الخوف ~~والجبانة. # أد ~~: # فلنحظر ذلك. # س ~~: # ولكن الآلهة مع كونها عديمة التغير في ذاتها قد تغرينا بالسحر والخديعة، ~~لتحملنا على الاعتقاد بأنها تتلون في مظاهرها؟ # أد ~~: # قد تفعل الآلهة ذلك. # س ~~: # أفتظن أن إلها يكذب قولا أو فعلا، فيضع مثلا شبحا نصب عيوننا؟ # أد ~~: # لا أؤكد ذلك. # س ~~: # ألا تؤكد أن الكذب الصريح إذا جاز استعمال هذا الاصطلاح مكروه من الله ~~والناس؟ # أد ~~: # لا أدري ما تعنيه. # س ~~: # لا أحد يقدم باختياره على استخدام أسمى ما فيه للخديعة، في أسمى مطالب ~~الحياة، بل بالضد، كل واحد يحذر تسرب الخديعة إلى ذلك القسم كل الحذر. # أد ~~: # لم أفهم مرادك. # س ~~: # لأنك تتصور أني أتكلم في الغوامض والأسرار، بينما أنا أقول بكل بساطة أن ~~الكذب أو كون المرء فريسة الكذب وخلو عقله من المعرفة في ما هو من أثبت ~~اليقينيات، أن يسكت عن تسرب الكذب إلى نفسه، هو أبعد ما يرضاه عاقل؛ لأن كل ~~الناس يكرهون الباطل في النفس كل الكره. # أد ~~: # كرها شديدا. # س ~~: # حسنا، ولكن كما كنت أتكلم الساعة، أن هذا ما يدعى بأكثر تدقيق كذبا صريحا، ~~أي جهلا مستقرا في عقل الرجل المخدوع؛ لأن الكذب باللسان هو من نوع التقليد، ~~وتجسيم ما كان مصورا في عقله وليس كذبا صراحا، أفمخطئ أنا؟ # أد ~~: # لا، بل أنت غاية في الإصابة. # س ~~: # فالكذب الصريح ممقوت من الآلهة ومن الناس أيضا. # أد ~~: # هكذا أظن. # س ~~: # فلنعد إلى المسألة ثانية، متى تظن أن الكذب مفيد؟ ولمن ms061 يكون كذلك؟ أي متى لا ~~يكون مكروها؟ أيكون كذلك حين استعماله ضد الأعداء؟ أو حين يكون الأصحاب في خطر ~~الإضرار بأنفسهم وهم في حال جنون أو نزق من أي نوع كان؟ أفلا يحسب الكذب حين ~~ذاك مفيدا كعلاج لتحويلهم عن عزمهم؟ وفي الأساطير التي نحن في صددها، ولا ندري ~~حقيقتها القديمة، أليس الكذب مفيدا لأنه يقربنا إلى الحقيقة؟ # أد ~~: # إنه كذلك تماما. # س ~~: # ففي أي هذه الأحوال يكون الكذب مفيدا لله؟ أفيكذب في حكم تقريبي لأنه لا ~~يعلم ما في القدم؟ # أد ~~: # ذلك سخيف. # س ~~: # فليس في الله مجال لكذب الشعراء. # أد ~~: # لا أظن. # س ~~: # أفيكذب تعالى خوفا من أعدائه؟ # أد ~~: # تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # س ~~: # أو تنازلا لجنون أصفيائه وحماقتهم؟ # أد ~~: # لا مجنون ولا أحمق صفي للآلهة. # س ~~: # فلا باعث في الآلهة للكذب. # أد ~~: # لا باعث. # س ~~: # فطبيعة الآلهة وما مثلها من الطبائع على كل حال خالية من آثار الكذب. # أد ~~: # كل الخلو. # س ~~: # فالله تعالى كلي النقاوة والحق في القول والفعل، فلا يغير ذاته ولا ~~يخدع الآخرين، لا بالرؤى ولا بالكلام، ولا بالظواهر الخادعة، في يقظة ولا في ~~منام. # أد ~~: # حقا إنه يبدو لي هكذا، بعد أن قلت ما قلت. # س ~~: # أفتوافقني إذا في أن المبدأ الثاني الواجب اتباعه في ما نقوله أو ننظمه في ~~الآلهة هو أنها لا تتلون تلون المشعوذين، ولا تضلنا بالكذب لا قولا ولا ~~فعلا. # أد ~~: # أوافقك. # س ~~: # فوإن أجزنا أشياء كثيرة في أشعار هوميرس فلا نجيز الحلم الذي ألقاه زفس ~~على أغممنون، # 18 # ولا قول أسخيلس # 19 # الذي عزاه إلى ثاطيس تصف به إنشاد أبولون في زفافها: # بعد الولادة قامت # ذات البها بالصفاء # غنى أبولو ولاحت # فيه مجالي الهناء # أنت ملاذي وفخري # ومنيتي ورجائي # وبالشفاء حياة # قدسية اللأواء # قد كان قبلا عدوا # واليوم رب ولائي # أراش سهما فأصمى # بنبله كبريائي # فاغتال مهجة قلبي # توغلا بالعداء # واليوم صار قريني # وفيه طاب ثنائي # فحين يستعمل لغة كهذه في وصف الآلهة نغضب منه ولا ms062 نأذن له باعتلاء المسرح، # 20 # ولا نأذن لمعلمينا أن يستعملوا كتاباته في تهذيب الأحداث، إذا ~~كنا نروم أن يكون حكامنا أنقياء روحيين خائفي الآلهة، على قدر ما يتاح ~~للإنسان. # أد ~~: # إني أوافقك في تأييد هذه المبادئ، وسأدرجها في الدستور. # | الكتاب الثالث: دستور المدينة # خلاصته ~~(تتمة ما ورد في خلاصة الكتاب الثاني في تهذيب الفتيان المعدين ~~للحكم) # ولا يجوز تشجيع مخاوف الموت في قلوبهم بإخبارهم أن الحياة في العالم الآتي مظلمة، ~~ولا تمثيل صفات أكابر الرجال لبصرهم وسمعهم بصورة محقرة أو مضحكة أو دنية، بل ~~يجب أن تكون الشجاعة والحق وضبط النفس لحمة كل القصص المستعملة في تهذيبهم وسداها، وفي ~~المقام الثاني: أن الصورة التي بها تزف القصص إلى عقولهم تؤثر في طبيعة نفوذها أعظم ~~تأثير، فيجب أن يكون قرض الشعر إما تمثيليا صرفا كما في الرواية، أو قصصيا صرفا ~~كما في خمرية باخس، أو مركبا من النوعين كما في الشعر القصصي. ولا يمكن الشخص ~~الواحد أن يعمل أو يجيد تمثيل أشياء كثيرة، فمن ثم إن أتيح لهم درس التمثيل ~~فليقتصروا على تمثيل رجال الصفات السامية المحترمة. والنسق الذي يستعمله أناس هذه ~~الطبقة في الإلقاء وفي التأليف بسيط فعال، يندر أن يتلبس بالتمثيل، فهذا هو النسق ~~الذي يجب أن يؤذن للحكام بأن يستعملوه في إلقائهم والذي يتبعه الشعراء القائمون على ~~تهذيبهم، ويجب أن يسن لهم نظام شديد التدقيق في الأغاني والألحان والآلات الموسيقية، ~~فلا يسلم لأمة كاملة آلات موسيقية تنشئ فيها الرخاوة وثبط العزائم، فيحظر عليهم كل ~~الآلات الموسيقية إلا العود والقيثارة والزمر، ويحظر عليهم أيضا كل الألحان ~~المركبة، والبسيط من هذه هو المباح لهم، وغرض كل هذه القوانين هو أن يتربى ويرتقي ~~في عقول التلاميذ الشعور بالجمال والاتساق والاتزان، وهي صفات تؤثر في سجيتهم وفي ~~علاقاتهم المتبادلة. # وبعد ما بحث سقراط بحثه السابق في الموسيقى الإغريقية، تقدم للنظر في الجمناستيك ~~فقال: يجب أن يكون طعام الحكام بسيطا ومعتدلا وصحيا، وذلك يغنيهم عن الاستشارة ~~الطبية إلا في أحوال استثنائية، وقد نخطئ ms063 في هذا الموقف إذا اعتبرنا أن نسبة ~~الجمناستك للجسد هي نفس نسبة الموسيقى للعقل، ويجب القول إن الجمناستك يراد لترقية ~~العنصر الحماسي في طبيعتنا، كما تراد الموسيقى لترقية العنصر الفلسفي، وأقصى أغراض ~~التهذيب إعداد هذين العنصرين ومزجهما معا على نسبة عادلة متزنة. # هذا ما يقال في شأن تهذيب الحكام وتدريبهم، فمن هذه الطبقة العالية يجب انتقاء ~~القضاة، ويلزم أن يكونوا من أكبر أعضاء الجسم الاجتماعي سنا، وأوفرهم فطنة، ~~وأعظمهم جدارة، وأعرقهم وطنية، وأقلهم أنانية، هؤلاء هم الحكام الحقيقيون، ~~والذين دونهم يسمون: مساعدين. ولكي نقنع الأمة بعدالة هذه الأنظمة وحكمتها ينبغي لنا ~~أن نقص عليهم القصة التالية، وهي: أنهم كلهم قد نسجوا أولا في أحشاء الأرض، أمهم ~~الكبرى، وقد سرت الآلهة أن تمزج بجبلة بعضهم ذهبا، وفي جبلة بعضهم الآخر فضة، وفي ~~غيرهم نحاسا وحديدا، فالفئة الأولى: هم الحكام، والثانية: المساعدون، والثالثة: ~~الفلاحون والصناع، ويجب رعاية هذا القانون وتخليده، وإلا حل بالدولة ~~الدمار. # وأخيرا، يجب وقف محلة في المدينة لهؤلاء الحكام ومساعديهم، يعيشون فيها عيشة شظف ~~وتقتير، ساكنين الخيام لا البيوت، معتمدين على تبرعات الأهالي. وأخيرا يجب أن لا ~~يمتلكوا ملكا خاصا، وإلا انقلبوا ذئابا بدل كونهم كلابا حارسة. # متن الكتاب # قال سقراط: فهذه الأشياء وأمثالها هي ما يقال وما لا يقال في الآلهة على مسامع ~~الجميع، منذ الحداثة فصاعدا، ممن يتوقع أن يكرموا الآلهة والوالدين، ولا يزدرون حقوق ~~الصداقة والوداد. # أديمنتس ~~: # نعم، وأظن أن آراءنا صائبة. # س ~~: # فإذا كنا نروم أن ينشأ شبابنا على الشجاعة والبطولة، أفلا يجب أن نضيف إلى ~~ذلك دروسا تحررهم من مخاوف الموت؟ أوتظن أنه يمكن أن يكون أحد شجاعا ما ~~دامت المخاوف مستولية عليه؟ # أد ~~: # حقا إني لا أتصور إمكان ذلك. # س ~~: # أوتظن أن من يؤمن بوجود «هادز» وأهوالها يمكنه أن يعيش حرا من مخاوف ~~الموت؟ فيؤثره في ساحة القتال على هون الانكسار وذل الأسر؟ # أد ~~: # كلا البتة. # س ~~: # فيتحتم علينا أن نسيطر على الذين أخذوا على عاتقهم تلفيق هذه الأساطير ~~وأمثالها، فنلحف عليهم أن ms064 لا يشنعوا بوصف العالم الآخر تشنيعا فظيعا، بل ~~يحسنوا فيه المقال؛ لأن ذلك غير مفيد ولا صحيح، ولا يوافق الذين سيكونون ~~جنودا. # أد ~~: # ذلك واجب علينا بالطبع . # ص ~~: # فلنلغ هذه الأبيات وكل ما ماثلها، ومنها: # فأرى استعباد نفسي # لفقير في الأنام # 1 # هو خير من عروش # في أعاميق ~~الظلام # وهذا: # ويكره الله دارا خص بالميت # حيث المخاوف ~~زادت وحشة البيت # 2 # وهذا: # يا لهول الموت في داجي اللحود # حيث أمسي دون بشر أو سعود # 3 # وهذا: # يستمر المرء فردا # في قتام وقيود # 4 # ما له خل صفي # في مخيفات اللحود # وهذا: # فتترك النفس مغنى الجسم في كرب # وتسكن الرمس أدهارا بلا أمل # 5 # تبكي مصيبتها في دار محنتها # إذ بت شرخ صباها أقتل العلل # وهذا: # ونفسي كالدخان بلا سكون # تروعها مخيفات المنون # 6 # وهذا: # تصيح أرواحهم في دار محشرهم # كأنها سرب في موضع عال # 7 # يود كل جناحا يستعين بها # على النجاة ولكن ساء من فال # ونرجو أن لا يسوء هوميرس ولا غيره من الشعراء حذفنا هذه الأبيات وأمثالها؛ ~~لأننا نحذفها لا إنكارا لشاعريتها ورغبة الكثيرين في سمع تلاوتها، بل قياسا ~~على ما فيها من الشاعرية، نحظر سمعها على الكبار وعلى الصغار، الذين يجب أن ~~يظلوا أحرارا، وعندهم الموت ولا ذل الاستعباد. # أد ~~: # فلنحظرنها. # س ~~: # ويجب أن نحذف كل الأسماء المخيفة المرجفة المتعلقة بهذه الموضوعات، مثل ~~كوكيتوس، وستيكس، والزبانية، وتمزيق الأوصال، وكل الألفاظ المصوغة في هذا ~~القالب؛ لأنها تروع سامعيها وتهز أعصابهم. قد تصلح ألفاظ كهذه لمقصد ~~آخر، أما حكامنا فنخشى أن يصيروا فاتري العزم مخنثين فوق الحد. # أد ~~: # وليس خوفنا هذا بدون أساس. # س ~~: # أفنحذف هذه الاصطلاحات؟ # أد ~~: # نعم نحذفها. # س ~~: # أويجب أن يكون الكلام والكتابة على عكس هذه الصيغة؟ # أد ~~: # ذلك واضح. # س ~~: # ونحذف أيضا عويل مشاهير الأبطال وندبهم. # أد ~~: # ذلك ضروري أيضا إذا حذفنا ما قبله. # س ~~: # وتأمل في هل نصيب أو نخطئ في حذفه، والذي نتوخاه هو أن الرجل الصالح لا ~~يحسب موت صديقه الصالح فاجعة. ms065 # أد ~~: # نتوخى ذلك. # س ~~: # فهو لا يندب شخصا كهذا كأن الخطب به جلل. # أد ~~: # لا يندب. # س ~~: # ونقول إن رجلا كهذا له في نفسه أوفر نصيب من كل ما هو ضروري لسعادة الحياة، ~~ويختلف عن باقي الناس باستقلاله الخاص عن المصادر الخارجية. # أد ~~: # حقا. # س ~~: # فهو أقل الناس ذعرا لفقد ابن، أو أخ، أو ثروة، وما شاكل. # أد ~~: # حقا. # س ~~: # فهو أقلهم ندبا وعويلا، ويهون عليه تحمل الخطوب بوداعة وصبر. # أد ~~: # بالتمام هكذا. # س ~~: # فيحسن بنا أن نلغي ما عزى من الندب إلى مشاهير الرجال وفضلائهم ونعزوه ~~للنساء، ولأدنى طبقات الرجال، فيربأ المرشحون للحكم بأنفسهم أن يكونوا نادبين ~~على هذه الصورة الشائنة. # أد ~~: # يحسن بنا أن نصنع هكذا. # س ~~: # وثانيا: نطلب إلى هوميرس وغيره من الشعراء أن لا يصفوا أخلس ابن الإلاهة ~~أنه: # قد غدا يبكي وحيدا # خوف أهوال اللحود # 8 # باضطجاع وانكباب # وقيام وقعود # ولا أنه: # فيذري بيديه حزنا # من رماد النار فوق رأسه # 9 # ولا أنه أوغل في العويل كغيره من الضعفاء كما نسب إليه هوميرس، ولا ننسب إلى ~~بريامس سليل الآلهة أنه كان ينغمس بالأرجاس: # داعيا كل شجاع # باسمه كي ينجدوه # 10 # ونلحف على الشعراء بالأكثر أنهم مهما يكن من أمر فلا يصفوا الآلهة ~~أنهم: # ويلنا مما ولدنا # فاق بالشر الجميع # 11 # ونرجوهم أنهم إذا لم يوقروا الآلهة كافة إلى هذا الحد، فعلى الأقل لا ~~يصوروا أسماها صورة لا تليق بجلالة قدرها، كالقول: # دار محبوبي بأسوار البلاد # وأراني شر ما راع العباد # 12 # والقول: # ويح قلبي قد ردى بتروكلو # سر بدونا خير من حل الفؤاد # 13 # لأنه يا عزيزي أديمنتس إذا أصغى شبابنا إصغاء جديا إلى أقوال كهذه ولم ~~يهزءوا بها كأوصاف سخيفة، ندر أن يحترم أحد منهم نفسه كرجل، مترفعا عن ~~إتيان نظيرها قولا أو فعلا، متى توافر الداعي إليها، فيتمادى إذا لم يردعه ~~الحزم أو الحياء في النواح والعويل لأصغر مصيبة. # أد ~~: # كلامك غاية في الصواب. # س ~~: # وذلك ينكر عليه كما تعلمنا من بحثنا الحالي، ms066 وسنحرص عليه إلى أن يقنعنا أحد ~~بما هو أفضل منه. # أد ~~: # حقا إنه ينكر عليه. # س ~~: # ولا يجوز لحكامنا أن يغربوا في الضحك؛ لأن استسلام الإنسان للضحك المفرط ~~يعقبه رد فعل عنيف. # أد ~~: # هكذا أظن. # س ~~: # فإذا مثل شاعر كبار الرجال مغربين في الضحك، أبدينا الأنفة من ذلك، ~~وبالأحرى جدا إذا وصف الآلهة به. # أد ~~: # بالأحرى، نعم. # س ~~: # فلا نأذن لهوميروس أن يقول في الآلهة: # علت ضجاتهم بالضحك لما # رأوا هيفست يخمع كالظليع # 14 # لأنه جريا على مبادئك لا يجوز استعمال لهجة كهذه. # أد ~~: # إذا شئت أن تحسبها مبادئ فلا شك في أنه لا يجوز. # س ~~: # ويجب الاحتفاظ بقدر الصدق؛ لأنه إذا كنا قد أصبنا في ما قررناه وكان الكذب ~~عديم النفع للآلهة وانحصرت فائدته في الناس كعلاج، فواضح أنه ينبغي حصر وسيلة ~~كهذه في أيدي الأطباء، ولا يتدخل بها غيرهم من العامة. # أد ~~: # واضح. # س ~~: # فإن جاز الكذب لأحد فللحكام فقط في مخادعة الأعداء، أو في إقناع الأهالي ~~بما هو لخير الدولة، ولا يباح لأحد الاشتراك معهم في هذا الامتياز، بل نحسب ~~كذب الناس في ما يضير الدولة مساويا على أقل تقدير كذب العليل على طبيبه، ~~والتلميذ على مدربه في أمر صحته، وكذب الملاح على ربانه في ما يتعلق ~~بحال السفينة وبحارتها، ووصف حاله أو وصف حال رفقائه. # أد ~~: # غاية في الإصابة. # س ~~: # فإذا وجدت الحكومة كاذبا في المدينة: # من جماعات الأطبا # أو أساطين الفنون # 15 # أنبياء أو رغام # ساء ما يبتدعون # وجب أن تعاقبه؛ لأنه أحل بالأمة من عوامل الدمار ما يضارع تعطيل ~~سفينة. # أد ~~: # نعم، إذا كان الفعل يتلو القول. # س ~~: # أولا يفتقر شبابنا إلى العفاف؟ # أد ~~: # دون ريب. # س ~~: # أولا يدرج تحت الرصانة بمنطوقها العام المبادئ الآتية؛ أولا: إطاعة ~~الحكام، ثانيا: قمع اللذات التي تستلزم استرسالهم في الطعام والشراب ~~والهوى؟ # أد ~~: # هكذا أرى. # س ~~: # نخص بالاستحسان من كل أقوال هوميرس ما رواه ديوميدس: # اسمعوا قولي صحبي # بهدوء ووقار # 16 # وقال في البيت التالي: # أظهر اليونان بأسا ms067 # طوع قواد كبار # وما ماثل ذلك من الأقوال. # أد ~~: # نستحسنها. # س ~~: # ولكن أيمكننا استحسان لهجة كهذه؟ # يا شاربا مثل كلب والغ قلق # وقلبه كغزال في الورى شردا # 17 # وكل ما يتلو هذا البيت من التقريع شعرا ونثرا، إذ وجهه العامة نحو ~~حكامهم. # أد ~~: # كلا ، لا يمكننا استحسانها. # س ~~: # فإني أظن أن سمعها لا يرقي صفة الرزانة في الشباب، وإذا أنشأت فيهم مسرات ~~جمة فلا عجب. أهذا رأيك؟ # أد ~~: # هذا هو. # س ~~: # فإذا صور أحكم الرجال، يتلو ما يحسبه أبهى منظر في الدنيا بقوله: # كثرة الخبز مع اللحم # ووفرة الشراب # 18 # حولها الولدان تملا # من دنانها القعاب # أفتظن أن هذه الأقوال تؤدي بالشاب إلى ضبط النفس؟ وكذلك القول التالي: # ساء حظ المرء حظا # حينما يهلك جوعا # 19 # وما قولك في وصف زفس وقد ثارت فيه الشهوة الجنسية فذهل عما سواها، وظل ~~ساهرا وجميع الآلهة والناس نيام، فخلبت لبه رؤية الإلاهة هيرا، حتى خانه ~~الصبر فلم ينتظر دخولها البيت، قائلا إنه قد تملكه الهيام تملكا أشد منه ~~حين اجتمعا لأول مرة: # في خفية عن عيون الوالدين كما # يخفى اللصوص بأكناف الفراديس # وما قولك في مباغتة هيفاستس # 20 # الحبيبين أريس وأفروديت في مثل هذا الحال، فكبلهما ~~بالأصفاد؟ # أد ~~: # وذمتي أن قصصا كهذه لهي أدنى من أن تقال. # س ~~: # أما أفعال الشجاعة التي تتحمل كل أنواع المحن المنسوبة إلى آحاد الرجال ~~بالأفعال والأقوال، فإليها نصغي وبها نفكر، كالبيت التالي مثلا: # قرع الصدر بعنف قائلا # احتمل يا قلب ما جنيته # 21 # أد ~~: # من كل بد. # س ~~: # ولا نسمح لأحد رجالنا أن يقبض رشوة أو يكون محبا للمال. # أد ~~: # كلا بالتأكيد. # س ~~: # ولا ننشدهم بيتا كهذا: # تربح الرشوة قلب الآلهة # وملوك الأرض أرباب الجلال # 22 # ولا نمدح فينكس مهذب أخلس، أو نجيز القول إنه كان حكيما بمشورته # 23 # عليه أن يساعد الإخائيين إذا قدموا له هدايا، وأن لا يخمد غضبه ~~حتى يتسلم المال، ولا نصدق ولا نسمح أن يقال إن أخلس جشع، حتى إنه قبل هدايا ms068 ~~أغممنون، وأنه لم يسلم الجثث دون فدية. # أد ~~: # ليس من الصواب إباحة قصص كهذه. # س ~~: # ولا يؤخرني إلا احترامي هوميرس عن القول: أن إسناد مثل هذه الأشياء إلى ~~أخلس خطية عظيمة، كذلك تصديقها إذا رويت، أو تصديق القول إن أخلس قال ~~لأبلو: # قد دهاني طعنكم يا ذا الإله # فقت أجناد الأعالي ضررا # 24 # ليتني أملك أقصى قوة # لانتقام فيه أقضي الوطرا # أو أنه أبدى شكاسة نحو نهر أرجيف # 25 # الذي هو إله، حتى إنه هب لنضاله وأنه أبدى سماجة أخرى لنهر سبرخس ~~قائلا: # إنني أهدم هاتيك السدود # فتلاقي بتركولو في اللحود # 26 # وذلك حين كان الجبار بتركولو صريعا، وأنه فعل ما قال (هدم السدود). # وكذلك الروايات المتعلقة بجره جثة هكتور حول ضريح بتركولو، # 27 # ولا نصدق ذبح الأسرى في مأتم الجنازة. # ولا ندع شبابنا يعتقدون أن أخلس سليل إلاهة وبيليوس - الأمير الحصيف المحسوب ~~ثالث زفس - وقد هذبه شيرون الكلي الحكمة، ينشأ فيه تشويش معيب، فتتفشى في ~~نفسه علتان متضادتان، هما: الطمع تدنيا، واحتقار الناس والآلهة ~~غطرسة. # أد ~~: # إنك مصيب. # س ~~: # فلا نقبلنها فيما بعد، ولا نسمح أن يقال إن ثيوس بن بوسيدون وبيريثوس بن ~~زفس يرتكبان اغتصابا كهذا، ولا أن أحد أبناء الآلهة الأبطال يقدم على فعال ~~خسيسة، كالتي أشاعوها عنهم كذبا في هذا الزمان. فلنوجب على شعرائنا إما أن ~~ينفوا عن أولئك السامين ما نسبوه إليهم من الأعمال، أو أن يقولوا إنهم ليسوا ~~أبناء الآلهة، والأفضل أن يعرضوا عن هذه وتلك، فلا يؤلهوهم ولا يذموهم، وأن ~~يعرضوا عن تعليم أولادنا أن الآلهة ولدت الشرور، وأن الأبطال ليسوا أفضل من ~~الناس، وقد أسلفنا أنه يستحيل أن يصدر مثل ذلك من الآلهة، وأن هذه الأمور ~~سفيهة وكاذبة. # أد ~~: # لا شك في أننا أسلفنا ذلك. # س ~~: # زد على ذلك أن هذا الكلام يخدش آذان سامعيه، ويحمل الناس على الاستباحة حين ~~يرون أن هذه الأشياء كان يمارسها حتى المقربون من الله، الذين: # من ذراري زفس قد تسلسلوا # وبهم روح الأعالي تلمح # والألي في ms069 رأي إيدا قد بني # لأبيهم زفس نعم المذبح # 28 # فنستأصل أساطير كهذه لئلا تنشئ في ناشئتنا ميلا عظيما إلى الشر. # أد ~~: # أوافقك في ذلك كل الموافقة. # س ~~: # فأي نوع من البحث بقي علينا، في ما يباح وما يحظر من الأساطير؟ فقد ذكرنا ~~القوانين الواجبة مراعاتها في الكلام في الآلهة، والجبابرة، والأبطال، وأرواح ~~الموتى؟ # أد ~~: # ذكرنا ذلك. # س ~~: # فالباقي يختص بصيغة الكلام في الناس. أليس كذلك؟ # أد ~~: # واضح. # س ~~: # لكنه يتعذر علينا أيها العزيز إنجاز ذلك في الدور الحالي من بحثنا. # أد ~~: # وكيف ذلك؟ # س ~~: # لأني أرى أن الشعراء والناثرين سيان، خطلا في الكلام في أهم المصالح ~~البشر، كقولهم إن أكثر الناس سعداء حال كونهم غير عادلين، وإن العادلين تاعسون، ~~وإن فعل الشر يفيد فاعله كثيرا إذا خفي أمره، وإن العدالة تفيد الغير وتضر ~~فاعلها. فنحظر هذه الأقوال، وما لا يحصى من أمثالها، ونأمر جميع الكتاب أن ~~يعربوا عن نقيض هذه المعاني في أغانيهم وفي أساطيرهم. ألا تظن كذلك؟ # أد ~~: # لا بل أؤكده. # س ~~: # فإذا كنت تسلم أني مصيب فيه أفلا يجوز لي أن أؤكد أنك سلمت معي في الفرض ~~الذي هو موضوع بحثنا؟ # أد ~~: # فرضك صحيح. # س ~~: # أفلا يجب أن نؤجل أمر الاتفاق اللازم اعتباره في الكلام في الناس، لكي نكتشف ~~أولا طبيعة العدالة الحقيقية، ونبرهن على أنها مفيدة لصاحبها، عرف عادلا ~~أو لا؟ # أد ~~: # إنك مصيب كل الإصابة. # س ~~: # فلنحتم إذا البحث في الأقاصيص. # وخطوتنا الثانية على ظني: هي فحص الصيغة اللازمة لها، وإذا تسنى لنا ذلك ~~وجهنا كل التفاتنا إلى ما يقال والصيغة التي بها يقال. # أد ~~: # لم أفهم ماذا تعني بذلك. # س ~~: # ومن المهم أن تفهم، قد تفهم أكثر إذا أنا أفرغته في هذا القالب: أليس كل ما ~~أملاه الشعراء أو كتاب الأساطير أقاصيص عن الماضي والحاضر والمستقبل؟ # أد ~~: # وماذا يكون غير ذلك؟ # س ~~: # أولم يوردها مؤلفوها بصورة القصص أو بصورة التمثيل أو بالصورتين ~~معا؟ # أد ~~: # وهذا أيضا يجب أن أفهمه أتم فهم. # س ~~: # يظهر أني معلم ms070 عي؛ ولذا أتقدم لشرح كلامي كمن يعوزه البيان، ولا أتناول موضوع ~~البحث إجمالا، بل أقتصر على وجهة خاصة منه، وأجهد في جعل كلامي واضحا لك، ~~فقل: أتعرف مطلع الإلياذة؛ حيث يقول الشاعر: «فرجا كريسس أغممنون أن يطلق سراح ~~ابنته، فغضب أغممنون عليه، فلما رأى كريسس أن طلبه قد رفض سأل إلهه أن ينتقم ~~له من الإخائيين»؟ # أد ~~: # أعرفه. # س ~~: # فتعرف إذا ما تقدم هذا البيت: فدعا على كل الإخائيين، لكن خصص ابني ~~أثريوس القائدين. # مع أن الشاعر نفسه هو المتكلم، ولم يورد أقل إشارة لإفهامنا أن المتكلم شخص ~~آخر غيره، لكنه في ما تلا يتكلم بلسان كريسس، وقد بذل الجهد ليحملنا على ~~الاعتقاد أن ليس هوميرس المتكلم، بل الكاهن العجوز. # وعلى هذه الصورة نظم تقريبا كل وقائع طروادة وأثكا، وكل كارثات ~~الأودسي. # أد ~~: # هذا أكيد. # س ~~: # فهي قصص. أليس كذلك؟ سواء كان الشاعر يروي خطبا تاريخية أو يصف الحوادث ~~المتوالية. أد: لا شك في أنها قصص. # س ~~: # ولكن إذا تكلم بلسان رجل آخر ألا نقول إنه في كل موقف كهذا يقصد أن يمثل ~~الشخص الذي كان يتكلم بلسانه أقرب تمثيل؟ # أد ~~: # نقول دون شك. # س ~~: # ولكن حين يتكلم أحد بلسان غيره، ويبدي أعظم مماثلة له في نغمته وإشاراته، ألا ~~نقول إن ذلك تمثيل؟ # أد ~~: # لا شك في أنه تمثيل. # س ~~: # فإذا لم يخف الشاعر نفسه كل الإخفاء لم يكن شعره أو قصته تمثيلا، ولئلا ~~تقول إنك لم تفهم أيضا أفيدك: لو أن هوميرس تكلم بلسانه لا بلسان كريسس، بعد ~~ما قال كيف التمس كريسس من اليونانيين - وخاصة من ملوكهم - أن يطلقوا سراح ~~ابنيه، وهو يحمل إليهم فديتها، لكان كلامه قصصا لا تمثيلا، ولكانت الحكاية ~~هكذا (إني أوردها نثرا لأني لست بشاعر): # فجاء الكاهن وتضرع إلى الآلهة، أن يفتح اليونان طروادة ويعودوا سالمين ~~إذا أطلقوا ابنته وقبضوا الفدية خائفين الله، فعندها شملت الرهبة جميعهم، ~~ومالوا إلى إعطائه سؤله، على أن أغممنون امتعض، وأمره أن ينصرف حالا ولا ~~يعود لئلا ينثلم صولجانه ms071 ويذوي إكليل الغار المقدس، فإنه لن يرد له ~~ابنته حتى يدركها الهرم عنده في أرغس، فليبرح وليكف عن إزعاجه إذا أراد ~~أن يغنم سلامته. فخاف الشيخ لما سمع ذلك وانصرف صامتا، ولما خرج من ~~المحلة رفع تضرعات حارة لأبلو متوسلا بأسماء الله الحسني ومواعيده ~~الكريمة أن يستجيب له دعاءه بأن ينتقم منهم لدموعه بقوته الإلهية ، قال ذلك ~~وأطلق سهمه في الهواء نحوهم، رمزا لحلول النقمة عليهم. # فذلك قصص بسيط أيها الصديق، لا تمثيل. # أد ~~: # فهمت. # س ~~: # أريدك أن تفهم أيضا أنه قد يعكس الحال وتحذف كلمات الراوي - الشاعر - ~~الواردة بين أقسام الكلام، بحيث لا تبقى إلا واقعات الحادثة. # أد ~~: # فهمت، والمأساة هي من هذا النوع. # س ~~: # أصبت ظنا، وأظن أني أقدر أن أوضح لك الآن ما لم أقدر أن أوضحه قبلا، وهو ~~أنه في الشعر كما في الأساطير ثلاثة أقسام: أحدهما تمثيلي كالمأساة والكوميديا، ~~والآخر رواية الشاعر نفسه رواية بسيطة، وتجد هذا النوع بالأكثر في خمريات ~~باخس، والثالث يجمع بين هذين النوعين: القصصي والتمثيلي، وهو يلاحظ في الشعر ~~القصصي وكثير من أمثاله إذا كنت قد فهمتني. # أد ~~: # الآن فهمت تماما ما عنيته بإشارتك السالفة. # س ~~: # فاذكر ما قلناه سابقا، وفيه المسألة المتعلقة بمادة الإنشاء. بقي علينا ~~النظر في أسلوبه. # أد ~~: # إني أذكر. # س ~~: # وهذا ما عنيته بالضبط: أنه حتم علينا أن نتفق في هل نأذن لشعرائنا أن ~~يوردوا قصصهم تمثيلا كليا أو جزئيا (وما هو المقياس الذي يتبعونه إذا ~~جاز لهم التمثيل)؟ أو أنه لا يجوز لهم التمثيل مطلقا؟ # أد ~~: # أظن أنك تفكر في: هل نبيح المأساة والكوميديا في مدينتنا؟ # س ~~: # ذلك ممكن، وقد ينظر في قضايا أخرى عدا المأساة والكوميديا. حقا إني ما زلت ~~مترددا، ولكن علينا أن نستسلم للبحث استسلام السفينة للرياح الهابة. # أد ~~: # إنك مصيب تماما. # س ~~: # فإليك مسألة تنظر فيها يا أديمنتس: أيحسن بحكامنا أن يمثلوا أم لا؟ ~~أوترى أنه يلزم عن أبحاثنا السالفة أن يختص الإنسان بنوع واحد من الأعمال لا ~~أكثر، وأنه إذا حاول ms072 ذلك فاشتغل بأمور عديدة معا فشل فيها كلها، ولم يبلغ ~~أربا ولا بواحد منها؟ # أد ~~: # لا شك في أن هذا هو الواقع. # س ~~: # ألا يتمشى هذا الحكم نفسه على فن التمثيل؟ أي هل يمكن الفرد الواحد أن ~~يجيد أنواعا عديدة من التمثيل، كما يجيد النوع الواحد منه؟ # أد ~~: # مؤكد أنه لا يمكنه. # س ~~: # فمن أندر الأمور أن من يشغل منصبا مهما يتمكن معه من التمثيل على أنواعه، ~~فيكون ممثلا بارعا مع عمل منصبه؛ لأنه حتى في نوعي التمثيل: المأساة ~~والكوميديا، وهما لصيقان، لا يمكن الفرد الواحد أن يبرع، كما في تأليف المأساة ~~والكوميديا، وقد صرحت الآن أن النوعين تمثيل، ألم تصرح؟ # أد ~~: # بلى. # س ~~: # وبحق نقول إن الإنسان لا يمكنه أن يجمع بين النوعين معا، ولا يمكن الإنسان ~~أن يكون راويا في الشعر القصصي وممثلا معا. # أد ~~: # حقيق. # س ~~: # بل إنه لا يمكن الممثل الواحد أن يمثل المأساة والمهزلة معا، مع أن كليهما ~~تمثيل. أليسا تمثيلا؟ # أد ~~: # إنهما تمثيل. # س ~~: # وأرى يا صديقي أديمنتس، أن الطبع الإنساني يذهب في تقسيم الأعمال إلى أبعد من ~~ذلك، فلا يمكن أن يحسن المرء تمثيل أشياء عديدة معا، أو يقوم بما يرمز إليه ~~التمثيل من الأعمال المنوعة. # أد ~~: # بكل تأكيد. # س ~~: # فإذا أصررنا على رأينا الأول، وهو أنه يجب إعفاء حكامنا من كل مهنة أخرى ~~غير الحكم ليمكنهم أن يبلغوا أعلى مراتب الحذق في إحراز حرية الدولة، غير ~~متعاطين إلا ما يؤدي إلى هذه النتيجة، فلا يرغب في أن يمثلوا أو يمارسوا أي ~~عمل آخر، وإن عرض لهم أن يمثلوا فليمثلوا منذ حداثتهم ما ينطبق على مهنتهم، ~~كتمثيل الرجل الشجاع الرزين المتدين الشريف وأمثاله. ولا يمارسوا أو يمثلوا ~~الدناءة وكل أنواع السفالات؛ لئلا يلصق بنفوسهم ما مثلوه فيصير لهم سجية، ~~أولا تدري أن التمثيل يتمكن في النفس بتأثير الإشارات، ونغمة الصوت، وطرائق ~~الفكر، إذا مارسوه منذ الحداثة، فيصير عادة فيهم كطبيعة ثانية؟ # أد ~~: # أدري بالتأكيد. # س ~~: # فلا نأذن لمن صرحنا أننا نهتم بهم ونرغب ms073 في صيرورتهم صالحين، أن يمثلوا وهم ~~رجال واحدة من النساء، صبية كانت أو عجوزا، في حال مهاترتها الرجل أو ~~تبجحها لدى الآلهة اعتدادا ببرها، ولا في نوائبها وأحزانها وشكواها، ولا ~~نأذن لهم أن يمثلوا مريضا أو عاشقا أو عاملا. # أد ~~: # هكذا بالتمام. # س ~~: # ولا يؤذن لهم أن يمثلوا عبيدا، ذكورا أو إناثا في حال ممارستهم ما تقضي به ~~العبودية. # أد ~~: # كلا، لا يجوز لهم. # س ~~: # ولا يمثلوا أسافل الناس كالجبناء، والذين سلوكهم على العموم ضد ما ذكرناه ~~الساعة، كشتمهم بعضهم بعضا، وتحقيرهم أحدهم الآخر ببذيء الكلام، صاحين كانوا ~~أو سكارى، في حال اقترافهم إحدى هذه الإساءات ضد الآخرين، أو بعضهم ضد بعضهم، ~~مما يجعل الرجال مجرمين قولا أو فعلا، وأرى أنه لا يجوز أن تبيح لهم أن ~~يمثلوا المجانين في عملهم وكلامهم؛ لأنه وإن جاز لهم أن يعرفوا المجانين فلا ~~يجوز لهم أن يعملوا أعمالهم ولا أن يمثلوها. # أد ~~: # بكل تأكيد. # ص ~~: # وهل يمثلون الحدادين وغيرهم من الصناع كالمجذفين بالسفن، أو رؤسائهم أو ~~ما هو من هذا النوع؟ # أد ~~: # غير ممكن، ولا نسمح لهم بالالتفات إلى هذه المهن. # س ~~: # وهل يمثلون صهيل الخيل، أو جئير الثيران، أو خرير الأنهار، أو قصف الرعود، أو ~~هدير البحار، ونحو ذلك من الظاهرات؟ # أد ~~: # كلا، فقد حظرنا عليهم الجنون وتقليد المجانين. # س ~~: # فإذا كنت قد فهمت كلامك فهنالك أسلوب خاص من القصص، يختاره الرجل الشريف ~~الحلو الشمائل إذا لزم أن يقص أي قصص، وهناك أسلوب ضده يلوذ به من كان على ~~خلاف هذه السجايا في طبعه وتهذيبه. # أد ~~: # وما ذانك النوعان؟ # س ~~: # أولهما: إذا بلغ الرجل الحسن الخلق في قصصه كلام الصالحين أو فعالهم تلاها ~~عن رغبة دون خجل؛ لأنه يؤثر أن يمثل الرجل الصالح إذا اقترن ذلك التمثيل ~~بالرصانة والتعقل، ولكنه حين يمثل رجلا اختل اتزانه لمرض أو عشق أو سكر ~~مثله بأقل رغبة. ومتى بلغ في تمثيله ما لا يليق بكرامته فإنه يخجل من تمثيله، ~~عوض الظهور بمظهر من هم دونه، إلا ms074 إذا كان التمثيل قصير المدى؛ لأنه متصف ~~بالصلاح، ولأنه لم يألف مثل هذا النوع من التمثيل، أو لأنه لدى إمعان الفكرة ~~ينفر من التبذل والتداني، على منوال السفلة، إلا إذا كان على سبيل ~~التسلية. # أد ~~: # وذلك ما ينتظر منه. # س ~~: # أفلا يستعمل الأسلوب القصصي الذي ذكرناه في كلامنا السابق لما أشرنا إلى ~~أشعار هوميرس؟ فيشتمل أسلوبه على الشعر الذي يجمع بين التمثيلي والقصصي العادي، ~~وقلما يرد النوع الأول في سياق كلامه المطول. أفمخطئ أنا في كلامي؟ # أد ~~: # كلا، بل قد أبنت بمزيد التدقيق الصيغة الواجب اتباعها في قصص ~~كهذا. # س ~~: # ومن الجهة الأخرى، إن الإنسان الذي يختلف سجية عمن ذكرنا لا يجنح إلى حذف ~~شيء من قصصه كلما زاد خساسة، ولا يترفع عن شيء مهما يسفل، فيمثل كل شيء بمزيد ~~الجد، حتى على مرأى الكثيرين من الناس، بلا استثناء شيء مما ذكر آنفا، كقصف ~~الرعود، ودمدمة العواصف، وتساقط البرد، وقعقعة العجلات، وأصوات الزمور، وكل ~~آلات العزف، وعواء الكلاب، ومعاء الأغنام، وتغريد الطيور. فإما أن يكون كل همه ~~تقليد الأصوات والملامح المقترنة بها، أو يقتصر على مزجها بالقليل من ~~القصص. # أد ~~: # بالضرورة القصوى. # س ~~: # فهذان هما الأسلوبان اللذان عنيتهما. # أد ~~: # حقا إنه يوجد هذان الأسلوبان. # س ~~: # وهل ترى التنوعات الحاصلة في أحدهما طفيفة؟ وإذا طبقت اللحن والإيقاع ~~على الأسلوب فقد يمكن في الإلقاء الصحيح أن تبتدئ بدون تعديل في الأسلوب، وفي ~~نغم واحد - لأن التنوعات غير مهمة - وإيقاع واحد أيضا. # أد ~~: # هذا هو الواقع حتما. # س ~~: # أولا يستلزم الأسلوب الآخر كل أنواع الألحان والإيقاع إذا أريد إلقاؤه ~~إلقاء لائقا، لكثرة ما فيه من التنوعات؟ # أد ~~: # يستلزم. # س ~~: # وهل يستعمل جميع الشعراء والقصاصين أحد هذين الأسلوبين أو واحدا ~~مؤلفا من كليهما؟ # أد ~~: # يلزم أن يستعملوا أحد هذين. # س ~~: # فماذا نعمل؟ أنقبل في مدينتنا كل هذه الصور؟ أم نقتصر على إحداها؟ أعني: ~~البسيطة أو المركبة؟ # أد ~~: # إذا كان رأيي مقبولا فأرى أن نختار الصور البسيطة التي تمثل الرجل ~~الصالح. # س ~~: # ولكن الصورة المركبة ms075 جذابة يا أديمنتس، ولا سيما للأطفال، ومن هم في حكم ~~الأطفال، والسوقة، وذلك غير ما آثرته. # أد ~~: # حقيق. # س ~~: # ولكن قد تقول إنه لا يلائم طبيعة دولتنا؛ لأنه ليس فينا رجل متعدد المنازع، ~~لاقتصار كل واحد على نوع خاص من العمل. # أد ~~: # أنت مصيب أنه لا يلائم. # س ~~: # أفلا نرى في دولتنا لهذا السبب دون غيرها من الدول، أن الإسكاف إسكاف فقط، ~~وليس هو ربانا مع السكافة؟ والزارع زارع فقط، وليس قاضيا مع زراعته؟ ~~والجندي جندي فقط وليس تاجرا مع جنديته؟ وهكذا بقية الصناع. # أد ~~: # هذا حقيق. # س ~~: # فإذا عرض أن مر بدولتنا إنسان بارع، قادر أن يتلبس بكل مظهر، وأراد إعلان ~~مواهبه ونتائج أدبه بيننا، فإننا نبدي نحوه كل احترام كإنسان مقدس معتبر ~~فتان، فنخبره أن لا يقطن مدينتنا شخص نظيره، وأن قانوننا المدني قاض بإقصاء ~~من كان على شاكلته، فنرسله إلى بلد آخر بعد أن نسكب على رأسه الأدهان والطيوب، ~~ونزين رأسه بعمامة صوفية بيضاء دليل الإكرام، ونستخدم بدلا منه شاعرا ~~بسيطا ميثولوجيا أقل فتنة وأكثر ترصنا، فيفرغ قصصه في القالب الذي وصفناه ~~في مستهل حديثنا حين تكلمنا في ما يتعلق بتهذيب جنودنا. # أد ~~: # هكذا نفعل إذا كان الأمر راجعا إلينا. # س ~~: # يظهر يا صديقي العزيز أننا قد أنجزنا البحث في القسم الموسيقي المختص ~~بالوهميات وغيرها من القصص، فقررنا ما يجوز أن يقال وكيف يجب أن ~~يقال. # أد ~~: # هكذا أظن. # س ~~: # فموضوعنا التالي في الأغاني والألحان. أليس كذلك؟ # أد ~~: # الأمر واضح. # س ~~: # أفيعسر على أحد اكتشاف ما يجب أن نقول فيها وفي صفتها إذا رمنا الاعتصام ~~بما سبق فقررناه؟ # غلوكون ~~(ضاحكا) ~~: # أخاف يا سقراط أني لا أدخل تحت كلمة «أحد»، أي إنني لا أقدر الساعة أن أبلغ ~~نتيجة مرضية في ما هي الأنواع التي نعتمدها؛ لأني على شيء من الريبة. # س ~~: # أظنك على كل حال قادرا أن تعلم أن النشيد مؤلف من ثلاثة أركان: هي ~~الألفاظ، واللحن، والإيقاع. # 29 # غ ~~: # نعم، إني أقدر أن أؤكد ذلك. # س ~~: # لا ms076 تختلف الألفاظ الغنائية عن غيرها من الألفاظ في شيء، باعتبار أنها منظومة ~~في نفس الأساليب التي رسمناها. # غ ~~: # دون شك. # س ~~: # وتسلم أن اللحن والإيقاع يجب أن يلائما الألفاظ. # غ ~~: # دون شك. # س ~~: # وقد أسلفنا أن لا محل للندب والتذمر في المنظومات. # غ ~~: # لا محل. # س ~~: # فما هي الألحان الشجية؟ قل فإنك موسيقي. # غ ~~: # هي الليدي المركب، والهيبر ليدي، وما ضارعهما. # س ~~: # تلك ألحان يجب نبذها لأنها باطلة، لا تليق بالنساء فضلا عن الرجال. # غ ~~: # أكيد. # س ~~: # وأنت مسلم أن السكر والتخنث والكسل أقل الأشياء لياقة ~~بحكامنا. # غ ~~: # لا شك في ذلك. # س ~~: # فما هي الألحان الأنثوية المطربة؟ # غ ~~: # هي الأيوني والليدي اللذان ندعوهما: اللحنين «الرخوين». # س ~~: # أفتستعمل هذين اللحنين يا صديقي في تهذيب رجال الحرب؟ # غ ~~: # كلا، فإذا لم أكن مخطئا فلم يبق لك إلا اللحن الدوري، والفريحي. # س ~~: # أنا لا أعرف الألحان، ولكن اترك لي اللحن الخاص الذي يمثل رنة صوت ~~الجندي الشجاع وهديره في حملة حربية وفي اقتحام شديد الخطر، حيث يضع الجندي ~~روحه في كفه إذا يئس من الفوز أو إذا أصيب بالجراح وقارب الموت أو نزلت به ~~أية كارثة، تراه في كل هذه الملمات يدفع نوازل القدر بعزيمة لا تخور. واترك ~~لي أيضا لحنا آخر، يعلن شعور رجل منهمك في شغل غير عنيف، بل هادئ لا إكراه ~~فيه، فقد يكون إقناعا وتوسلا أو ابتهالا لله، أو تعليما وإرشادا، وقد ~~يكون تقبل الابتهال أو الإرشاد أو الاقتناع من آخر، ويلي ذلك فوزه بالمرام، ~~فلا يتصرف بغطرسة، بل يعمل في كل هذه الأحوال بترصن واعتدال، راضيا ما يأتي ~~عليه، فاترك لي هذين اللحنين، المثير والهادئ، اللذين يمثلان بأبدع أسلوب ~~حالي الرجل في الشدة وفي الرخاء، في الشجاعة وفي الهدوء. # غ ~~: # إنك تحتم علي أن أترك لك ما ذكرته الساعة من الألحان. # س ~~: # لسنا نحتاج في أناشيدنا وألحاننا إلى أوتار كثيرة. # غ ~~: # كلا كما أثق. # س ~~: # فلا نعبأ بصانعي العود والسنطير، وغيرهما من الآلات الكثيرة الأوتار، التي ~~تعطي ms077 ألحانا متنوعة. # غ ~~: # كلا. # س ~~: # وهل تقبل في دولتك صانعي الناي والعازفين بها؟ وهل تراني مصيبا في قولي ~~إنها أكثر أصواتا من كل آلة موسيقية، وأن «البنهرمونيوم» ليس إلا تقليد ~~الناي؟ # غ ~~: # واضح أنك مصيب. # س ~~: # بقي العود والقيثارة، وهما ذات فائدة في المدينة، أما في الأرياف فيستعمل ~~الرعاة نوعا من القصب. # غ ~~: # هذا هو مؤدى البحث في أقل تقدير. # س ~~: # فلا بدع يا صديقي إذا آثرنا أبلو وآلاته على مارسياس وآلاته. # غ ~~: # لا بدع في ذلك. # س ~~: # أقسم أننا على غفلة منا نظفنا المدينة التي قلنا الساعة إنها في حال أعظم ~~رفاهية. # غ ~~: # وبحكمة فعلنا. # س ~~: # فدعنا إذا نكمل التنظيف؛ فالأمر الثاني بعد الألحان هو قانون الإيقاع، مما ~~يوجب علينا ألا نتبع كثرة الأنواع منها، أو أن ندرس كل الحركات دون تمييز، ~~بل يجب أن نلاحظ الإيقاع الطبيعي الملائم حياة الرجولة المتزنة، ومتى اكتشفنا ~~هذا وجب تطبيق التفعيل والنغم على شعور حياة كهذه، لا ذلك الشعور على التفعيل ~~والنغم. ولكن ما هو هذا الإيقاع؟ هذا هو شغلك؛ لأنك ملحن. # غ ~~: # كلا وذمتي لا أقدر أن أقول. أجل إني أستطيع أن أقول بناء على سابق ~~ملاحظاتي واختباري: إنه توجد أربعة أصوات إليها ترجع كل الألحان، ولكن أي نوع ~~من الإيقاع يعبر عن أي حال من أحوال الحياة؟ ذلك ما لا أعلمه. # س ~~: # حسنا، فنستدعي دمون للمشورة في هذه المسألة، فيهدينا إلى أنواع الإيقاع التي ~~تنفق مع الدناءة والسفاهة والجنون، ونحوها من الرذائل، والتي تتفق مع أضداد هذه ~~الأوصاف. وأظن أني سمعته يذكر ثلاثة أنواع منها: هي إيقاع حربي مركب، وإيقاع ~~عروضي، وآخر بطولي، ولا أدري كيف رتبها ليبين أن التفاعيل يوازن بعضها ~~البعض الآخر في ارتفاعها وفي انخفاضها بحلها إلى مقاطع طويلة أو قصيرة، ~~وسمى بعضها «رجزا» وبعضها «خفيفا»، واضعا لبعضها علامات طويلة أو قصيرة، ~~ويستهجن في بعضها سير التفعيل أو يستحسنه، وكذلك يفعل بالإيقاع، وربما يدمج ~~الاثنين في حكم واحد، وحكمي في ذلك ليس قاطعا، فلنترك هذه المسائل كما ms078 أسلفت ~~لحكم دمون؛ لأن تسويتها تستلزم بحثا مستفيضا. أتخالفني في ذلك؟ # غ ~~: # كلا، لا أخالفك. # س ~~: # على أنك في أقل الدرجات تقدر أن تقرر هذه المسألة، وهي أن الإجادة والركاكة ~~ترافقان صحة الإيقاع أو فساده. # غ ~~: # ذلك أكيد. # س ~~: # وأما صحة الإيقاع وفساده فينتجان عن حسن الأسلوب أو قبحه، ويتمشى الحكم ~~نفسه على اللحن الصحيح أو الفاسد، أي إن الإيقاع واللحن يطاوعان الألفاظ، ~~إلا أن الألفاظ لا تطاوعهما. # غ ~~: # يطاوعان الألفاظ. # س ~~: # وما قولك في الأسلوب والألفاظ؟ ألا تعينهما نزعة النفس الأدبية؟ # غ ~~: # طبعا تعينهما. # س ~~: # وهل يعين الأسلوب بقية الأشياء؟ # غ ~~: # نعم. # س ~~: # فحسن البيان وصحة الوزن والجزالة والإيقاع كافة تتوقف على الطبيعة الصالحة، ~~ولا أقصد بها السذاجة التي مجاملة ندعوها طبيعة صالحة، بل أقصد بها العقل ~~السليم سلامة حقيقية، تجلت سلامته في السجية الأدبية الشريفة. # غ ~~: # حتما هكذا. # س ~~: # أفلا يجب أن يتصف شباننا بهذه الخلال في كل حال إذا كنا نروم أن ~~يتموا عملهم الخاص؟ # غ ~~: # بلى، يجب أن يتصفوا بها. # س ~~: # وأظن أن هذه المزايا تدخل إلى حد بعيد في فن النقش، وفي كل الفنون التي ~~تحاكيه كالحياكة والتطريز والبناء، والصنائع المنوعة بمختلف الآلات، بل ~~في بناء الأجسام الحية وكل أنواع النبات؛ لأن للرشاقة والمعاظلة دخلا في كل ~~هذه الأوساط. وفقدان الجزالة والإيقاع واللحن حليف الأسلوب الفاسد والخلق ~~الرديء. أما وجودها فحليف الخلق الحميد، أي الشجاعة والرزانة وإعلان ~~له. # غ ~~: # مصيب كل الإصابة. # س ~~: # وإذا الحال هكذا، أفنحصر أنفسنا في مراقبة شعرائنا، فنوجب عليهم أن يطبعوا ~~منظوماتهم بطابع الخلق الحميد وإلا فلا ينظموا؟ أو نوسع نطاق مراقبتنا ~~فتشمل أساتذة كل فن، فنحظر عليهم أن يطبعوا أعمالهم بطابع الوهن والفساد ~~والسفالة والسماجة، سواء في ذلك رسوم المخلوقات الحية، أو الأبنية، أو أي نوع ~~آخر من المصنوعات، ومن لا يستطيع غير ذلك فننهاه عن العمل في مدينتنا؟ لكي لا ~~ينشأ حكامنا في وسط صور الرذيلة نشوء الماشية في مراع ردية، فتتسرب ~~الأضرار إلى نفوسهم فتفسدها بما تلتهم يوما ms079 فيوما من الأقوات من مختلف ~~المواقع، فيتجمع في نفوسهم مقدار وافر من الشر وهم لا يشعرون. وعلى الضد من ~~ذلك، أولا يجب علينا أن نستدعي فنيين من طراز آخر، فيتمكنون بقوة ~~عبقريتهم من اكتشاف أثر الجودة والجمال، فينشأ شبابنا بينهم كما في موقع صحي، ~~يتشربون الصلاح من كل مربع تنبعث منه آي الفنون، فتؤثر في بصرهم وسمعهم ~~كنسمات هابة من مناطق صحية، فتحملهم منذ حداثتهم دون أن يشعروا على محبة ~~جمال العقل الحقيقي والتمثل له ومطاوعة أحكامه. # غ ~~: # إن ثقافة كهذه هي أفضل الثقافات. # س ~~: # أفلهذا يا غلوكون نعزو إلى تهذيب الموسيقى شأنا خارقا؟ فإن الإيقاع واللحن ~~يستقران في أعماق النفس ويتأصلان فيها، فيبثان فيها ما صحباه من الجمال، ~~فيجعلان الإنسان حلو الشمائل إذا حسنت ثقافته، وإلا كان الحال بالعكس، ومن ~~حسنت ثقافته الموسيقية فله نظر ثاقب في تبين هفوات الفن وفساد الطبيعة، ~~فيفندها ويمقتها مقتا شديدا، ويهوى الموضوعات الجميلة ويفتح لها أبواب ~~قلبه فيتغذى بها، فينشأ شريفا صالحا، وإذا كان منه ذلك وهو بعد فتى دون سن ~~الرشاد قبلما يبرز في تلك الأمور حكما عقليا، فإنه متى بلغ رشده يزداد ~~ولعا بها عن معرفة؛ إذ تربى عليها وألفها. # غ ~~: # لا أرتاب في أن هذه هي أغراض التهذيب الموسيقي. # س ~~: # ولست تجهل أننا في تعلمنا القراءة لا نحسب أننا قد أتقناها حتى نحيط ~~علما بالحروف التي منها تتألف الكلمات، فلا نحتقر تلك الحروف ولا نهملها في ~~كلمة كبيرة أو صغيرة، كأنها شيء لا يستحق الالتفات إليه، بل نبذل الجهد في ~~تمييزها حيث ثقفناها، موقنين أنه يستحيل علينا أن نحسن التعلم ما لم يكن هذا ~~ديدننا. # غ ~~: # حق. # س ~~: # أوليس حقا أيضا أننا لا نتمكن من تبين صور الحروف معكوسة عن مرآة ~~صقيلة، أو عن سطح ماء ساكن، ما لم نعرف أولا الأصل الذي عنه انعكست؛ لأن ~~معرفة الأصل ومعرفة ما انعكس عنه ترجعان إلى فن واحد ودرس واحد؟ # غ ~~: # حق بكل تأكيد. # س ~~: # فقل لي: لكي أنتقل من المثل إلى ms080 ما أروم تبيانه به، أليس على القياس نفسه ~~نعجز عن أن نكون موسيقيين حقيقيين، نحن والذين نعني بتنشئتهم حكاما، ما ~~لم نعرف الصور الجوهرية للعفاف والشجاعة، والحرية والأريحية، وكل نسيبات هذه ~~الفضائل؟ وما لم نميزها عن أضدادها أين عثرنا عليها؟ إما هي بنفسها أو ~~صورها، فلا نستهين بكبيرها ولا بصغيرها، عالمين أن معرفة الصيغ الأصلية ومعرفة ~~صورها المنعكسة عنها ترجعان إلى فن واحد ودرس واحد؟ # غ ~~: # يجب أن يكون الأمر هكذا بلا نزاع. # س ~~: # فليس أجمل في عين كل ذي لب وإدراك من الرجل الذي جمع بين جمال الظاهر ~~وجمال النفس الباطن، وقرن هذا بذاك؛ لأن كليهما منسوج على منوال واحد. # غ ~~: # لا أجمل من ذلك. # س ~~: # وأنت تسلم أن أجمل الأشياء أحبها إلى القلب؟ # غ ~~: # دون شك إنها كذلك. # س ~~: # فالموسيقي الحقيقي يهوى الذين جمعوا جمعا تاما الجمال الأدبي والجمال ~~الطبيعي، ومن ساده التنافر فلا يحب. # غ ~~: # كلا لا يحب؛ لأن في نفسه عيبا، أما إذا كان العيب محصورا في جسده فإنه ~~يحب تلطفا. # س ~~: # فهمت أن لك حبيبا، أو أنه كان لك حبيب من هذا النوع؛ ولذا أسلم بذلك. ~~ولكن قل لي: هل للتطرف في الملذات من صلة بالعفاف؟ # غ ~~: # وكيف يمكن أن يكون ذلك، والعقل وقد برحه العفاف حليف التألم؟ # س ~~: # أولها صلة بالفضيلة عامة؟ # غ ~~: # مؤكد لا. # س ~~: # حسنا، أفلها صلة بالسفالة والفجور؟ # غ ~~: # بكل تأكيد. # س ~~: # أفيمكنك أن تذكر لذة أعظم وأقوى مما يصحب التمتع بلذة الحب؟ # غ ~~: # لا يمكنني ذلك. ولا يوجد من تجاوز حدود العقل فيحاول ذلك. # س ~~: # أوليس من طبع الحب المشروع الرغبة في الجميل المتزن بطبع رصين ~~متزن؟ # غ ~~: # مؤكد أنه كذلك. # س ~~: # فلا يجب أن يلامس الحب الشرعي شيء من الجنون والدعارة. # غ ~~: # يجب أن لا يلامسه جنون ولا دعارة. # س ~~: # فاللذة التي نحن في صددها لا تداني الحب، ولا يأتي المحب وحبيبه الذي ~~يبادله الود المستقيم شيئا من هذا النوع. # غ ~~: # حقا إنه لا يجوز أن يأتياه يا سقراط. ms081 # س ~~: # فمن الواضح إذا أنك تسن في شريعة الدولة التي تنظمها الآن ما يتعلق بهذا ~~الشأن: إنه مع أن المحب يلاصق محبوبه ويرافقه، ويقبله قبلة الأب ابنه لسبب ~~جماله إذا ارتضى المحبوب منه ذلك، يجب أن ينظم علاقاته به على وجه لا يأذن ~~بتجاوز هذا الحد إلى ما وراءه، وإلا عذل لفظاظته وعدم ذوقه. # غ ~~: # سنسن ذلك. # س ~~: # أفتشاركني في ظني أن نظريتنا الموسيقية انتهت؟ وعلى كل قد انتهت حيث يجب؛ ~~لأن الموسيقى في مذهبي يجب أن تنتهي في محبة الجميل. # غ ~~: # أوافقك في ذلك. # س ~~: # وللجمناستك المقام الثاني في تهذيب شبابنا. # غ ~~: # حقيق. # س ~~: # لا شك في أن التمرين الجمناسكي كالتمرين الموسيقي، يجب أن يبدأ منذ نعومة ~~الأظفار وأن يستمر مدى الحياة، ولكن ما يأتي هو الرأي القويم فيه حسب ظني، ~~فبين رأيك. أما رأيي فهو أن الجسد مهما يكن من أمره لا يجعل النفس صالحة، ~~وبالعكس إن النفس الصالحة هي التي بفضيلتها تجعل الجسد كاملا على قدر الإمكان. ~~فما رأيك؟ # غ ~~: # رأيي فيه كرأيك. # س ~~: # فإذا بدأنا أولا بالمعالجة اللازمة للعقل، ثم فوضنا إليه وصف المعالجة ~~المختصة بالجسد، أفلا نكون مصيبين إذا اقتصرنا على ملاحظة المبادئ العمومية ~~حذرا من التلبك؟ # غ ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # فقد قلنا إن على الرجال المذكورين أن يتجنبوا المسكر؛ لأن الحاكم على ما ~~أرى هو آخر شخص في الدنيا يباح له أن يشرب فيفقد صوابه. # غ ~~: # حقا، إن من السخافة أن يحتاج الراعي إلى من يرعاه. # س ~~: # ومن جهة الطعام، إن رجالنا مجاهدون في أهم الميادين. أليسوا مجاهدين؟ # غ ~~: # بلى مجاهدين. # س ~~: # أفيناسب أشخاصا كهؤلاء عادة الجري على النظام المتبع في تمرين الأجسام ~~في مدرسة الرياضة؟ # غ ~~: # ربما ناسب. # س ~~: # ولكنه طعام يجلب النعاس ويهدد الصحة، ألا تلاحظ أن الرجال في أثناء التدريب ~~يقضون الحياة نياما، وإذا حادوا عن أطعمتهم قيد أنملة انتابهم شر الأمراض في ~~أشد حالاتها خطرا؟ # غ ~~: # إني ألاحظ. # س ~~: # فيلزم أفضل طعام لرجالنا الحربيين الذين يجب أن يكونوا يقظين كالكلاب ms082 ~~الحارسة، وأن يكون لهم أسرع سمع وأحد بصر؛ لأنهم معرضون في أثناء تأدية ~~الخدمة لتغير طعامهم وشرابهم، وتقلبات الحر والقر، لئلا تفقد أجسادهم ~~مناعتها، فلا يوافق أن تكون لهم صحة مهددة. # غ ~~: # أثق أنك مصيب. # س ~~: # فهل أفضل جمناستك هو صنو الموسيقى التي وصفناها آنفا؟ # غ ~~: # ماذا تعني؟ # س ~~: # أعني به النظام البسط المعتدل، ولا سيما المعين لجنودنا. # غ ~~: # وكيف يكون؟ # س ~~: # يمكننا أن نأخذ درسا في هذه الأمور حتى من هوميروس، فإنك تعلم أنه لم يقدم ~~لأبطاله في الولائم في الميدان شيئا من السمك، مع أنهم كانوا على ضفاف ~~الدردنيل، ولا سلقوا لحما، بل شووه شيا، وهو عند الجنود أسهل إعدادا؛ لأن ~~المرء يرى إضرام النار أين حل أقرب تناولا من حمل الحلل والمقالي. # غ ~~: # بالتأكيد. # س ~~: # وإذا لم تخني الذاكرة فهوميرس لم يذكر المرق قطعيا؛ لأنه معلوم عند جميع ~~المدربين، حسب وصف هوميرس أن من يروم أن يبقى في حال الصحة فليتجنب كل استرسال ~~من هذا القبيل. أليس كذلك؟ # غ ~~: # معلوم؛ ولذلك أصابوا في إمساكهم. # س ~~: # فإذا استحسنت الإمساك أيها الصديق الصالح فلا أراك تستحسن موائد ~~السيراقوسيين، ولا كثرة أنواع الطعام عند الصقليين. # غ ~~: # لا أظن أني أستحسنها. # س ~~: # وتنكر على الرجال الذين يحبون أن يحرصوا على سلامة أجسادهم تسري الفتيات ~~الكورنثيات. # غ ~~: # بكل تأكيد. # س ~~: # وهل تنكر على الاثنين تأنقهم في صنوف الحلوى؟ # غ ~~: # تأكيدا أنكره. # س ~~: # فليس من الخطأ مقارنة نظام المعيشة والطعام بنظام الموسيقى والغناء المنطبق ~~على البنهرمونيوم المستعمل في مختلف الأوزان. # غ ~~: # لا شك في أنها مقارنة صحيحة. # س ~~: # أوليس صحيحا أيضا أنه كما يولد التنوع الموسيقي فجورا في النفس ~~تولد الأطعمة عللا في الجسد؟ أما البساطة في الجمناستك فتولد صحة، كما ~~أنها في الموسيقى تولد العفاف؟ # غ ~~: # بكل تأكيد. # س ~~: # وإذا انتشرت في المدينة الأمراض وصور الفجور، أفلا نضطر لإنشاء المستشفيات ~~والمحاكم؟ أولا يتيه الطب والحقوق عجبا متى وقف كثيرون من الشرفاء حياتهم على ~~هذه المهن بوافر الرغبة؟ # غ ~~: # وماذا عسانا أن نتوقع ms083 غير ذلك؟ # س ~~: # فأية حجة على سوء تهذيب المدينة وانحطاط سكانها أقطع من افتقار أهاليها ~~إلى نطس الأطباء وأساطين القضاة؟ ليس فقط بين طبقات العمال الدنيا، بل ~~أيضا بين من يدعون شرف النبعة. أولا تراه انحطاطا أدبيا ودليل نقص ~~وتهذيب، اضطرارنا إلى شريعة يسنها الأجانب كسادة وقضاة لنا بسبب فقر ~~الوطن؟ # غ ~~: # لا إهانة أعظم من ذلك. # س ~~: # أوتظن أنها إهانة أخف على الإنسان أن يقضي الجانب الأكبر من حياته في ~~المحاكم، بين مدع ومدعى عليه؟ بل إنه زاد على ذلك أنه جهلا منه يفتخر ~~بأنه حريف في ارتكاب الكبائر، وأستاذ في الحيل والمواربة والدهاء والمكر، ~~بتملصه من قبضة العدالة والنجاة من براثن العقاب، وكل ذلك لقاء أشياء طفيفة ~~تافهة، جاهلا أفضلية الحياة المنظمة المستقيمة وجمالها على مثوله أمام ~~قاض خامل؟ # غ ~~: # تلك إهانة أعظم مما سبق ذكرها. # س ~~: # أولا تحسب الاحتياج إلى المعالجة الطبية عيبا، اللهم إلا ما كان لجرح أو ~~لمرض موسمي وافد؟ أعني به احتياجنا إلى المعالجة بسبب كسلنا ونوع معيشتنا، ~~فتملأنا الرياح والإخلاص كما تملأ المياه القذرة الحمأة، فيلزم أبناء ~~أسكولابيوس أن يستنبطوا أسماء جديدة للأمراض كتطبل البطن والزكام؟ # غ ~~: # حقا إن هذه أسماء جديدة غاية في الغرابة. # س ~~: # مما لم يعرف في عهد أسكولابيوس على ما أظن. أستنتج ذلك من أنه لما جرح ~~يوربيلس في طروادة، لم يلم أبناؤه المرأة التي قدمت له جرعة مصنوعة من خمر ~~براميني ممزوجا بدقيق الشعير والجبن، ولا أنبوا بتروكلس الذي ضمد الجراح. ~~وغني عن البيان أن جرعة كهذه يظن أنها تسبب الالتهاب. # غ ~~: # حقا إنها جرعة غريبة لمن كان في مثل حاله. # س ~~: # كلا، إذا اعتبرت أن تلاميذ أسكولابيوس وأولاده لم يستعملوا طريقة المعالجة ~~الحالية إلى عهد هيروديكس، وهي الطريقة القائمة بخدمة الأمراض خدمة العبيد ~~أولاد أسيادهم، ولكن هيروديكس - وهو أستاذ ماهر - حل به السقام، فجمع بين ~~الطب والجمناستك، فكان أول من أزعج نفسه بها، وقفى الآخرون على مثاله. # غ ~~: # وكيف ذلك؟ # س ~~: # بتأجيله مصرعه، إذ تتبع مرضه الخطر ms084 حذو القذة بالقذة، ولما كان عاجزا ~~عن نيل الشفاء على ما أظن وقف كل وقته لمعالجته، فعاش معذبا كل يوم ~~بالإمساك عن الطعام ومصارعة الموت زمنا طويلا، فتمكن ببراعته من بلوغ دور ~~الهرم. # غ ~~: # يا لها من مكافأة أحرزها بفنه. # س ~~: # ذلك ما ينتظر ممن جهل ان أسكولابيوس لم يكتشف هذه المعالجة ولم يورثها ~~لذريته جهلا منه أو نقص خبرة؛ بل لأنه عرف أنه في الهيئة المنظمة لكل عمل ~~خاص يجب أن يتمه، وليس لأحد وقت فراغ يضاع بين يدي الطبيب. هي حقيقة نفهمها ~~من حياة العمال، ومن التناقض المضحك أننا لا ندركها في حياة المترفين ~~المحسوبين أغنياء وسعداء. # غ ~~: # وكيف ذلك؟ # س ~~: # إذا مرض النجار مثلا، تناول من طبيبه علاجا لإفراز مرضه بالقيء، أو ~~بالإسهال، أو بالكي، أو بعملية جراحية، أما إذا أشار عليه طبيب بالمعالجة ~~الدائمة، كالإمساك عن الطعام، والأربطة على الرأس، ونحو ذلك من أساليب العلاج ~~نفر حالا، وأجاب مشيره الطبي أن لا وقت عنده لملازمة الفراش، وأن الحياة على ~~هذا النظام لا تستأهل عناء الآلام الدائمة والمخاوف الشديدة، مهتما بمرضه ~~مهملا عمله، فيودع طبيبه ويعود إلى حياته العادية، فإما أن يستعيد صحته ~~ويستمر في عمله، أو - إذا لم تحتمل بنيته ذلك - أراحه الموت الزؤام من ~~شقائه. # غ ~~: # نعم، ذلك ما يظن أنه نفع المعالجة الطبية لرجل في مثل هذه الحال. # س ~~: # أوليس ذلك لأن الرجل ذو عمل لا يجدر به أن يحيا ما لم يتمه؟ # غ ~~: # واضح. # س ~~: # على أن الفني لا شغل له من هذا النوع، بحيث إنه إذا أهمله كانت الحياة عنده ~~لا قيمة لها. # غ ~~: # يظن أن ليس له. # س ~~: # فلم ننتبه لقول فوسيليدس، وهو: متى حصل المرء على الكفاف فعليه أن يمارس ~~الفضيلة. # غ ~~: # نعم، بل وقبل حصوله على الكفاف أيضا. # س ~~: # فلا نشاجرنه في ذلك، بل دعنا ننظر في هل يمارس الأغنياء الفضيلة كغرض ~~الحياة؟ أو أن السقام وإن عرقل عقل النجار وإخوانه الصناع، فلا يعرقل ~~المرء عن إطاعة وصية فوسيليدس؟ ms085 # غ ~~: # لا وذمتي، إني لم أجد عائقا في سبيلها أعظم من العناية بالجسد، عناية زائدة ~~عما يفرضه الجمناستك؛ لأنه سيان عند المرء عائقا له اشتغاله بمصالح ~~البيت، أو بالعمل في الحقل، أو بمنصب القضاء المدني. # س ~~: # وشر ما في الأمر هو أن توقع الصداع والدوار عائق خطير لكل أنواع الطلب ~~والتبحر والإمعان، فينحي المرء باللائمة على الفلسفة كأنها السبب في ذلك. ~~ولما كانت الفضيلة تمارس وتؤيد بالدرس العقلي كان المرض قيدا لها؛ لأنه يحمل ~~المرء على التوهم الدائم أنه مريض، فيقض مضجعه قلقه على صحته. # غ ~~: # نعم، هذا هو فعله الطبيعي. # س ~~: # أفلا نصر على أن أسكولابيوس لما فهم ذلك وضع فن الطب لفائدة الذين ~~بنيتهم سليمة بطبيعتها، ولم يتلفوها بالعادات الضارة، إنما طرأ عليهم توعك ~~خفيف، فيحاول استئصاله بالعلاجات والفصد دون تعرض لأشغالهم اليومية لئلا ~~تتعطل مصالح الدولة؟ على أنه لم يعن بشفاء البنية التي تغلغلت فيها الأدواء ~~والعلل، فلم يبلغ إطالة حياة شقية بتعيين نوع خاص من الطعام ينقصه حينا ~~ويزيده حينا آخر بالتدريج، آذنا لمرضاه أن يلدوا أولادا يغلب أن يكونوا ~~مصابين بأمراضهم؛ لأنه ظن أن المعالجة الطبية هي في غير محلها إذا تناولت ~~عليلا لا أمل في استئنافه أعماله العادية؛ لأن مريضا كهذا عديم المنفعة لنفسه ~~وللدولة. # غ ~~: # إنك تجعل أسكولابيوس سياسيا كبيرا. # س ~~: # كونه كذلك أمر واضح، ولا يفوتنك أنه لهذا السبب برهن أولاده على أنهم ~~صناديد في معارك طروادة، ومارسوا الطب على ما سبق بيانه. أنسيت أنه لما جرح ~~بنداروس منلاوس «غسلوا الجراح وضمدوها جيدا»؟ # 30 # ولم يصفوا له ما يتعلق بطعامه وشرابه إلا ما وصفه يوربيلس، ~~عالمين أن العقاقير والحشائش كافية لشفاء صحيحي البنية منتظمي المعيشة، ولو ~~أنهم شربوا على إثر جراحهم مزيج خمر وجبن ودقيق، أما ضعاف البنية ~~والمتهتكون فإن أولاد أسكولابيوس لا يرون أن بقاءهم غنم لهم وللدولة؛ لأنهم ~~عالمون أن فنهم لا يراد به معالجة أناس كهؤلاء؛ ولذا رأوا من الخطأ محاولة ~~شفائهم، ولو كانوا أغنى من ميداس. # غ ~~: # فأبناء ms086 أسكولابيوس دهاة بناء على إفادتك. # س ~~: # كونهم كذلك أمر مسلم به، ولكن مؤلفي المآسي و«بندار» يخالفوننا، فإنهم ~~يقولون إن أسكولابيوس هو ابن أبلو، ومع ذلك يدعون أن الذهب أغراه فعني بشفاء ~~غني كان في فم الموت؛ ولهذا السبب أصيب بالصاعقة. ونحن لا نسلم بالأمرين ~~احتفاظا بمبدئنا، بل نصر على القول إنه إذا كان ابن إله فلم يكن طماعا، ~~وإن كان طماعا فليس ابن إله. # غ ~~: # فنحن في جانب الصواب في ذلك. وما رأيك يا سقراط في ما يأتي: ألا يجب أن يكون ~~في مدينتنا نطس الأطباء؟ وإني أرى جريا على القياس نفسه، أن أبرع القضاة هم ~~الذين امتزجوا بكل طبقات الناس. # س ~~: # حتما أسلم بأن يكون لنا أطباء، ولكن أتعلم من هم الذين أحسبهم ~~نطسا؟ # غ ~~: # أعلم إذا كنت تقول لي. # س ~~: # سأحاول ذلك. على أني مقدمة له أقول إنك ترمي إلى أمرين مختلفين بنص ~~واحد. # غ ~~: # وكيف ذلك؟ # س ~~: # صحيح أن الأطباء يحرزون مهارة عظيمة إذا قرنوا منذ الحداثة درس الطب ~~بمعالجة عدد وافر من شر الحوادث المرضية، واختبروا في أشخاصهم كل أنواع المرض؛ ~~ولذلك لا تكون لهم صحة جيدة، لأني لا أظن أن جسد الطبيب هو الذي يشفي أجساد ~~الآخرين - وإلا لما جاز له أن يكون ذا علة أو أن يمرض - ولكن عقله هو الذي ~~يشفي، فإذا أصيب في عقله تعذر عليه أن يكون طبيبا ماهرا. # غ ~~: # إنك مصيب. # س ~~: # ولكن القاضي يا صديقي يحكم العقل # 31 # بالعقل، فلا يجوز أن ينشأ عقله منذ نعومة أظفاره في بيئة فاسدة ~~العقول، ويأتلف معشرها ويقترف كل أنواع الشرور اقتداء بها لكي يختبر في نفسه ~~ماهية الإجرام، فيتمكن بهذا الاختبار من اكتشاف زلات الآخرين بقياسهم على ~~نفسه على نحو تصرف الطبيب في الأمراض الجسدية، بل بالعكس يجب أن يكون الحاكم ~~منذ الحداثة حرا من هذا الاختبار، وبمعزل عن عوامل الشر والفساد إذا أريد ~~أن يتصف بالكمال الفائق ويحسن رعاية العدالة، وهذا هو السبب في سهولة انخداع ~~الصالحين في شبيبتهم، إذ ليس ms087 في نفوسهم مثل يقيسون شرور الأردياء به. # غ ~~: # نعم. وهم معرضون كثيرا لهذا الانخداع. # س ~~: # ولذا لا يكون أفضل القضاة شابا، بل شيخا عرك الدهر وخبر الباطل لا كشيء ~~استقر في نفسه، بل كأمر خارجي أدركه ودرسه درسا طويلا مدققا في حياة ~~الآخرين، وبعبارة أخرى: إنه يقاد بالمعرفة لا بالاختبار الشخصي. # غ ~~: # حقا إن ذلك أشرف نوع في الحكام. # س ~~: # وهو صالح أيضا، هذه هي نقطة البحث؛ لأن ذا النفس النقية صالح، أما القاضي ~~المريب الذي اقترف كثيرا من موبقات الآثام، وهو يزعم أنه بارع لكونه عاشر ~~أمثاله من الشبان، فيبدو شديد الحذر قياسا على ما في داخله من نماذج الشر، ~~وهي نصب عينيه كل يوم. على أنه متى اجتمع بالشيوخ والأبرار ظهر بإزائهم غرا ~~أحمق، بريبته الشاذة وجهله السجية الكاملة لفقدانه مثلا لها في نفسه، وإنما ~~لأن علاقاته بالأشرار أكثر منها بالأبرار لاح له ولأمثاله أنه حاذق لا ~~أحمق. # غ ~~: # غاية في الصواب. # س ~~: # فلا ننشدن حاكمنا الصالح في هذا الصف، بل في سابقه؛ لأن الرذيلة لا يمكنها ~~أن تعرف نفسها والفضيلة معا. أما الفضيلة في الكامل التهذيب فإنها بمرور الزمن ~~تتمكن من معرفة الأمرين، نفسها والرذيلة، فالقاضي الحكيم في مذهبي هو هذا ~~الفاضل، لا ذاك الرذيل. # غ ~~: # أوافقك في ذلك. # س ~~: # أفلا تنشئ في مدينتك إدارتين: طبية وقضائية، تتصف كل منهما بما ذكرناه من ~~الأوصاف، فتسبغان بركات خدمتهما على أصحاء الأبدان والعقول، مع إهمال ~~سقماء الأبدان فيموتون، وإعدام الأشرار الفاسدين غير القابلين للإصلاح؟ # غ ~~: # نعم، وقد تبرهن أن ذلك خير للدولة ولأولئك السقماء. # س ~~: # وواضح أن الشبان يحترسون من افتقارهم إلى هذه الشريعة ما داموا يمارسون ~~الموسيقى البسيطة التي قلنا إنها تنشئ رزانة النفس. # غ ~~: # دون شك. # س ~~: # فإذا اتبع الرجل المكمل في التهذيب الموسيقي هذا النوع من الجمناستك، أفلا ~~يمكنه أن يستغني عن الطب إذا شاء ذلك، إلا في الأحوال الخارقة؟ # غ ~~: # أظن أنه يمكنه ذلك. # س ~~: # وغرضه في التدريب (الرياضي) وفي الأعمال الشاقة التي فرضها على ms088 نفسه تربية ~~حماسته لا ازدياد قوته البدنية، فلا ينحو نحو الرياضيين في أمر الأطعمة، بل ~~يقصر جهوده على تقوية عضلاته. # غ ~~: # إنك مصيب تماما. # س ~~: # أومصيب أنا يا غلوكون في قولي إن الذين وضعوا نظام التهذيب «الموسيقي ~~الرياضي» لم يكونوا مدفوعين إلى وضعه بالمقصد الذي يعزوه إليهم الآخرون، وهو ~~ترقية النفس بأحد الفنين والجسد بالآخر؟ # غ ~~: # فماذا قصدوا، إذا لم يكن هذا مقصدهم؟ # س ~~: # الأرجح أنهم وضعوا الفنين معا لأجل النفس. # غ ~~: # وكيف ذلك؟ # س ~~: # ألا تلاحظ الصفات التي تميز عقول الذين ألفوا الجمناستك كل الحياة دون اتصال ~~بالموسيقى، وأيضا عقول الذين جروا على نقيض هذه الخطة؟ # غ ~~: # إلى ماذا تشير؟ # س ~~: # إلى الخشونة والقسوة في الفريق الواحد، واللين والرقة في الفريق ~~الآخر. # غ ~~: # أجل، فالذين لاذوا بالجمناستك دون سواه صاروا خشني الطباع فوق حد الاحتمال، ~~والذين اقتصروا على الموسيقى هم أكثر لينا مما يليق. # س ~~: # وعلى كل فإننا نعلم أن الخشونة ثمرة طبيعية للعنصر الحماسي الذي إذا حسن ~~تهذيبه كان صاحبه شجاعا، أما إذا تجاوز حده اللازم كان شرسا مشاغبا. # غ ~~: # هكذا أظن. # س ~~: # أوليس لين العريكة من أوضاع الخلق الفلسفي؟ فإذا تجاوزت هذه الصفة حدها غالت ~~في الرقة واللين، فزادت نعومة عما يليق، ولكنها إذا هذبت تهذيبا صحيحا ~~أفرغت في قالب اللياقة؟ # غ ~~: # حقا. # س ~~: # ولكنا نرى أن حكامنا يلزم أن يجمعوا بين هاتين الصفتين. # غ ~~: # ذلك واجب. # س ~~: # ألا يجب التلاؤم المتبادل بينهما؟ # غ ~~: # بلا شك. # س ~~: # وحيث كان ذلك التلاؤم فالنفس شجاعة وعفيفة. # غ ~~: # مؤكد. # س ~~: # وحيث لا يكون فالنفس جبانة سمجة. # غ ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # وعليه: فحين يسلم الإنسان نفسه للموسيقى ويقبل عن طريق الأذن أن تفيض على ~~نفسه سيول الأنغام الشجية البديعة التي مر بك وصفها، ويقضي الحياة ~~مرنما هائما بالألحان، فمهما يكن في إنسان كهذا من النزق الشديد القسوة ~~كالفولاذ فإنه يلين ويصير حرا بدل كونه قصما غير نافع. وإذا ثابر على ذلك ~~منذ طفولته دون فتور وسر به نفسه، أذاب فعل الموسيقى ms089 ما فيه من نزق وغضب ~~وحللها تحليلا، ولطف أخلاقه تلطيفا تاما، فيستأصل من أعماق نفسه جذور ~~طبع غضوب، ويجعله محاربا دمثا. # غ ~~: # بالتمام هكذا. # س ~~: # فإذا كانت نفسه بطبيعتها عديمة النزق حصلت فيها هذه النتيجة سريعا، وإذا ~~كانت نقيض ذلك فإنه بهذه الوسيلة يخفف حدتها ويلطف حماستها، فتصير سهلة ~~القياد، تثار وتهدأ لأقل سبب. رجال كهؤلاء يصيرون شكسين غضوبين، فريسة نكد ~~الطبع عوض كونهم ذوي حماسة. # غ ~~: # حتما هكذا. # س ~~: # ومن الجهة الأخرى، إذا واظب المرء على الجمناستك بمزيد الجهد، وعاش عيشة ~~الترف، مع الإعراض عن الموسيقى والفلسفة، أفلا يوحي إليه حسن صحته الجسدية ~~الاعتداد بالذات والحماسة، فيتشجع فوق طوره؟ # غ ~~: # بلى، إنه يصير هكذا. # س ~~: # فماذا تكون نتيجة الاشتغال بعمل كهذا مع هجر الموسيقى الهجر كله؟ حتى لو ~~فرضنا أنه كان فيه أولا شيء من الذوق العلمي، ولكن إذا لم يتغذ ذلك الذوق ~~باكتساب المعرفة أو طلب العلوم، ولم يشترك في المباحث العقلية ومنازع العرفان، ~~ألا تضعف نفسه فيصبح أصم وأعمى البصيرة لافتقاره إلى المنبهات والغذاء الروحي، ~~ولأن ذهنه لم يتنق التنقية التامة؟ # غ ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # فيصبح رجل كهذا أميا يمقت البحث والطلب، ويهجر كل ما هو من ملكوت العقل، ~~ويعمد إلى حل مشاكله كالوحش الضاري بالقوة والخشونة، ويعيش بالجهل وسماجة النفس ~~بلا اتزان ولا جمال. # غ ~~: # هذا هو الحال تماما. # س ~~: # فلإصلاح الخلقين: الحماسي والفلسفي، أعطى أحد الآلهة على ما أرى فني الموسيقى ~~والجمناستك، لا لإصلاح الجسد والنفس مستقلين إلا في أحوال ثانوية، بل للتوفيق ~~بين هذين الخلقين، بشد الواحد ورخي الآخر (كأنهما وترا الحياة) إلى الدرجة ~~المطلوبة، فيحصل التلاؤم المتبادل. # غ ~~: # هكذا يظهر. # س ~~: # فمن قرن الموسيقى بالجمناستك على أفضل أسلوب وأحلهما في نفسه في أضبط مقياس ~~دعوناه عن جدارة أكمل الموسيقيين وأرقى المنشدين، وهو أرقى كثيرا من ~~الموسيقي الذي يدوزن الأوتار. # غ ~~: # نعم، وبتعقل عظيم تنطق يا سقراط. # س ~~: # أولا تحتاج دولتنا احتياجا لازبا إلى ناظر كهذا يا غلوكون إذا رمنا ~~خلودها؟ # غ ~~: # حقا. إن ms090 موظفا كهذا لا يستغنى عنه. # س ~~: # هذه هي خلاصة التهذيب والتدريب في نظامنا، ولماذا يشتبك المرء في أبحاث ~~مستفيضة في ما يتعلق بالرقص في دولة كدولتنا، وبالصيد والرياضيات في الحقول ~~والأرياف، أو بالجمناستك وسباق الخيل؟ لأنه واضح أنه يجب تطبيق هذه الأشياء على ~~ما سبق بيانه، وليس من الصعب إدراكها. # غ ~~: # الأرجح لا. # س ~~: # حسنا، فما هي النقطة الثانية للبت في أمرها؟ أليست هذه: أي الأشخاص ~~الذين تهذبوا على ما وصفنا يجب أن يكونوا حكاما وأيهم رعايا؟ # غ ~~: # لا شك في لزوم البت فيها. # س ~~: # ليس من شك في أن الشيوخ يجب أن يكونوا حكاما والشبان رعايا. # غ ~~: # حق. # س ~~: # وأن يكون الحاكمون أفضل أولئك الشيوخ. # غ ~~: # وهذا أيضا حق. # س ~~: # أفليس أفضل الفلاحين أكثرهم ميلا إلى الزراعة؟ # غ ~~: # بلى. # س ~~: # أولا نجد أفضل الحكام الذين ننشدهم بين أكثرهم قدرة على إدارة ~~الدولة؟ # غ ~~: # بلى. # س ~~: # أولا يكونون لذلك ذوي فطنة وقوة وحرص على مصلحة الدولة؟ # غ ~~: # يجب أن يكونوا هكذا. # س ~~: # والمرء كثير الحرص على ما يحب. # غ ~~: # من كل بد. # س ~~: # ومن المؤكد أنه يحب أعظم حب الذين يعتقد أن مصلحتهم ومصلحته واحدة، وأن مصيره ~~مرتبط بسرائهم وضرائهم. # غ ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # فيلزم أن نختار من جمهور الحكام الأفراد الذين ظهر لنا بعد المراقبة اللازمة ~~أنهم ممتازون بالغيرة على القيام بكل عمل مفيد للدولة مدى الحياة، وينبذون ما ~~يحسبونه ضارا. # غ ~~: # نعم، هؤلاء هم الأشخاص المناسبون. # س ~~: # فأرى من اللازم أن نراقبهم في كل أطوار الحياة؛ لنرى هل هم حكام ثابتون في ~~هذا اليقين، ولا تزحزحهم عنه قوة ولا رقية لاطراحه ظهريا، بل يحرصون على ~~الاقتناع بأنهم يجب أن يعملوا الأفضل للدولة. # س ~~: # عن أي اطراح تتكلم؟ # س ~~: # سأقول لك: إني أرى أن الآراء تبرح العقل إما اضطرارا وإما اختيارا، فالرأي ~~الفاسد يبرح العقل عفوا حين يقف صاحبه على خطئه، أما الرأي السديد فيبرح العقل ~~اضطرارا. # غ ~~: # فهمت البراح الاختياري، أما الاضطراري فلم أفهمه. # س ~~: # أفلا تسلم معي ms091 أن الناس يتجردون من الأشياء الحسنة بدون اختيارهم، لكنهم ~~باختيارهم ورغبتهم يهجرون الأشياء الردية؟ أوليس شرا مستطيرا أن لا يكون ~~الإنسان صادقا حين يصف الأمور بما هي عليه؟ # غ ~~: # بلى، إنك مصيب. وأرى أن المرء يترك الآراء السديدة بغير اختياره. # س ~~: # أولا يحصل ذلك بالسرقة أو الرقية أو الإرغام؟ # غ ~~: # لم أفهم. # س ~~: # أخشى أني أتكلم كلاما غامضا ككلام المأساة، فإني أعني بمن سرقت أفكارهم ~~الذين ضلوا أو نسوا يقينهم؛ لأن الحجة سرقتهم في الحال الأول، والوقت خانهم في ~~الثاني، فأظن أنك فهمت. # غ ~~: # نعم. # س ~~: # والذين أرغموا هم الذين تغيرت آراؤهم بالآلام والأمراض. # غ ~~: # وهذا أيضا فهمته، وأراك مصيبا فيه. # س ~~: # والذين رقوا أظن أنك تقول هم الذين أغرتهم المسرات، أو ثبطت عزائمهم ~~المخاوف. # غ ~~: # نعم؛ لأن كل ما يخدعنا يرقينا. # س ~~: # فكما قلت الساعة يجب أن ننشد أفضل الحكام ذوي الاقتناع الداخلي بأنهم يجب أن ~~يفعلوا ما يحسبونه أفضل لمصلحة الدولة، ونراقبهم منذ حداثتهم، فنعطيهم من ~~الأعمال ما يسحر الناس عادة ويقودهم إلى النسيان. فمن غلب هواه عوامل ضلاله ~~وغلبت ذاكرته بواعث النسيان فإياه نختار للحكم، ومن لم يكن كذلك نبذناه ~~قصيا. أليس كذلك؟ # غ ~~: # بلى. # س ~~: # وعلينا أن نمتحنهم بالأعمال والآلام ونرقب خوضهم معمعانها لنرى ظاهرات ~~صفاتهم. # غ ~~: # بالصواب هكذا. # س ~~: # ونمتحنهم ثالثة بالنوع الخلاب ونرقب تصرفهم، وذلك كتعريض المهاري ~~للصيحات والضجات لتبين جبنها، هكذا نمتحن الشبان بالمروعات ثم ~~بالمسرات، ونمتحنهم ولا امتحان الذهب بالنار؛ لنرى أصلب عودهم في كل ~~الأحوال فلا يخدعهم التدجيل؟ فتثبت كياسة تصرفهم حسن الإدارة لأنفسهم وللموسيقى ~~التي ثقفوها، مبرهنين في كل حادثة على محافظتهم على قوانين اللحن والإيقاع، ~~ساعين جهدهم ليكونوا أعظم النافعين لأنفسهم وللدولة، فمن جاز الامتحان المرة ~~بعد المرة حدثا وشابا وكهلا، وخرج من كور التجربة سليما، فهو الذي نختاره ~~حاكما ومديرا، ويجب إكرامه في حياته وفي مماته، ويخول أعظم الامتيازات ~~بمراسم الجنازة والذكريات بعدها. ومن كانت صفاتهم نقيض ذلك نرفضهم. هذا هو ~~يا غلوكون النمط الأفضل لاختيار حكامنا الذين ms092 مر بك وصفهم مختصرا دون ~~تدقيق. # غ ~~: # أنا من رأيك تماما. # س ~~: # أوحقا تسمية هؤلاء «بالحكام الكاملين» لاتصافهم بالعناية والسهر حتى ~~لا يريد أصحابهم في الوطن ولا يقدر أعداؤهم في الخارج أن يحدثوا أدنى ضرر ~~للدولة؟ والشبان الذين دعوناهم الساعة حكاما نسميهم «مساعدين»، وهم الذين ~~وظيفتهم إنفاذ قرارات الحكام؟ # غ ~~: # هكذا أرى. # س ~~: # وإذا كان الحال كذلك ، أفيمكننا أن نخلق وسيلة حكيمة نتمكن بها من تمثيل دور ~~وهمي، كالقصص التي ذكرتها آنفا، فنقتنص حتى الحكام بأفعل الذرائع، وإلا ~~فنقنع العامة فقط؟ # غ ~~: # أي نوع من القصص؟ # س ~~: # ليس شيئا جديدا، بل قصة فينيقية تداولتها ألسنة الشعراء، والناس موقنون ~~بصحتها، على أنها لم تحدث في عصرنا، ولا علم لي بأنها حدثت في غيره من العصور، ~~ولكنا نقدر أن نجعلها خبرية موثوقا بصحتها، فنحتاج إلى حيلة نافذة ~~لإقناعهم. # غ ~~: # أرى أنك تتردد في الإفصاح. # س ~~: # وسترى ترددي طبيعيا متى أخبرتك إياها. # غ ~~: # فقل غير هياب. # س ~~: # سأقول، ولا أدري بأية جرأة وأي إيضاح أوردها. فأولا: أحاول إقناع الحكام ~~أنفسهم، ثم إقناع الجنود معهم، وبعدهم سائر الأمة، أن كل ما أمليناه عليهم ~~لتهذيبهم حدث كأمر واقعي، ولكنه حلم، وفي حقيقة الأمر أنهم هذبوا وثقفوا في ~~جوف الأرض حيث طبعوا أسلحتهم وأدواتهم وكمل تهذيبهم، وحين ذلك ولدتهم أمهم ~~الحقيقية، وهي الأرض، أي إنها قذفت بهم إلى سطحها، فيجب أن يهتموا بالمنطقة ~~التي هم فيها كأم ومرضع، فيصدون عنها الغزاة، ويحسبون سكانها إخوتهم، ~~أبناء الأرض. # غ ~~: # ولسبب كاف كنت تخشى أن تورد هذه الخزعبلة. # س ~~: # فسمعا لبقية القصة: سنخبر شعبنا بلغة ميثولوجية: كلكم إخوان في الوطنية، ~~ولكن الإله الذي جبلكم وضع في طينة بعضكم ذهبا ليمكنهم أن يكونوا ~~حكاما، فهؤلاء هم الأكثر احتراما، ووضع في جبلة المساعدين فضة، وفي ~~العتيدين أن يكونوا زراعا وعمالا، ووضع نحاسا وحديدا، ولما كنتم متسلسلين ~~بعضكم من بعض، فالأولاد يمثلون والديهم، على أنه قد يلد الذهب فضة، والفضة ~~ذهبا، هكذا يلد كل ما يلد، وقد أودع الحكام من الله قبل ms093 كل شيء وفوق كل شيء ~~هذه الوصية: أن يخصوا أولادهم بالعناية ليروا أي هذه المعادن في نفوسهم، ~~فإذا ولد الحكام ولدا ممزوجا معدنه بنحاس أو حديد فلا يشفقن والدوه عليه، ~~بل يولونه المقام الذي يتفق مع جبلته، فيقصونه إلى ما دونهم من الطبقات، فيكون ~~زارعا أو عاملا، وإذا ولد العمال أولادا ثبت بعد الحك أن فيهم ذهبا أو فضة ~~وجب رفعهم إلى منصة الأحكام، أصحاب الذهب حكاما، وأصحاب الفضة مساعدين، ولقد ~~جاء في القول الحكيم: أن المدينة التي يحكمها النحاس والحديد فهي إلى البوار. ~~فهل عندك من حيلة لإقناعهم بهذه الخزعبلة؟ # غ ~~: # لا حيلة في إقناع أبناء هذا الزمان، على أنني سأبتدع حيلة تقنع أبناءهم ~~وأحفادهم وكل الأجيال التالية بصحة هذه الأسطورة. # س ~~: # وحتى هذه تفيد في جعلهم أكثر اهتماما بالدولة وبعضهم بالبعض الآخر، فإني أظن ~~أني فهمتك، ولكنا سنترك الأسطورة إلى ما قضي به عليها، وإذا تقلدنا زمام ~~أبناء هذه الأرض فلنقدهم إلى الأمام بإدارة قوادهم، ومتى بلغوا المدينة ~~اختاروا فيها محلة تمكنهم من حفظ النظام، فيجلون عنها الأهالي ويحلون محلهم، ~~وإذا وجد متمرد أو أجنبي دفعوا الأجانب والعصاة دفع الذئاب، ثم يضربون خيامهم ~~فيها ويقدمون الذبائح للآلهة المحلية، وبعد ذلك يعدون مواقع مبيتهم. أصواب كل ~~ذلك؟ # غ ~~: # صواب. # س ~~: # ويلزم أن تكون تلك الخيام كافلة وقايتهم من تأثير الإقليم صيفا ~~وشتاء. # غ ~~: # حسنا، فيظهر أنك تعني بها أن تكون بيوتا لا خياما، هذا إذا لم أكن مخطئا ~~في ظني. # س ~~: # نعم، ولكن بيوتا عسكرية، لا بيوت أغنياء. # غ ~~: # فما الفرق بين هذه وتلك؟ # س ~~: # سأريك، فإن من أفظع أعمال الرعاة وأدعاها إلى الخزي في الرعية أن كلابهم التي ~~ربوها لحراسة القطيع تهجم على الأغنام، إما لسبب جوعها أو نهمها، فتمزقها ~~بأنيابها، فتكون ذئابا لا كلابا حارسة. # غ ~~: # حقا إنه أمر شائن. # س ~~: # أفلا يلزم الاحتياط لئلا يفعل مساعدو حكامنا هكذا بالأهلين لأنهم أقوى ~~منهم، فيصيرون وحوشا ضارية بدل كونهم حلفاء صادقين؟ # غ ~~: # يلزم ذلك. # س ~~: # أولا يتسلحون بأفضل ms094 ضمان إذا تهذبوا تهذيبا حسنا؟ # غ ~~: # لقد سبق أن سلمنا أنهم مهذبون. # س ~~: # ليس من الضرورة يا عزيزي غلوكون الوقوف عند هذه النقطة، ولكن الأمر الأجدر ~~بأعظم أهمية هو الإصرار على ما قلناه، وهو أنه يجب أن يهذبوا تهذيبا ~~صحيحا مهما يكن من أمرهم، إذا أريد بهم الحصول على أعظم مؤهلاتهم للحنان ~~واللطف نحو رفاقهم ونحو الذين يحكمونهم. # غ ~~: # حق. # س ~~: # علاوة على ذلك التهذيب فإن الرجل الحكيم يقول: يجب أن تكون بيوتهم مما لا ~~يحول دون كونهم حكاما كاملين، ولا تمكنهم من الإضرار بالآخرين. # غ ~~: # وبحق يقول. # س ~~: # فاعتبر الرأي التالي: أيوافق حياتهم وسكنهم إذا أريد أن يكونوا على ما ذكرت ~~من الأوصاف الأمور التالية؟ ~~(1) أن لا يتملك أحدهم عقارا خاصا ما دام ذلك في الإمكان.(2) ولا يكون لأحدهم مخزن أو مسكن يحظر دخوله على الراغبين، فليكونوا في أسمى ~~ما يتطلبه الأعفاء الشجعان المدربون تدريبا حربيا، ويجب أن يقبضوا من ~~الأهلين دفعات قانونية أجرة خدمتهم، بحيث لا يحتاجون في آخر العام ولا ~~يستفضلون، ولتكن لهم موائد مشتركة كما في ثكنات الجنود، وأن يخبروا أن الآلهة ~~ذخرت في نفوسهم ذهبا وفضة سماويين، فلا حاجة فيهم إلى الركاز الترابي، وعيب ~~عليهم أن يدنسوا بصناعة الآلهة السامية بمزجها بالذهب الفاني؛ لأن نقود العامة ~~فيها دخل كثير، وهي مجلبة لكثير من الشرور، ولكن ذهب الحكام السموي عديم ~~الفساد، فهم وحدهم من بين كل رجال المدينة مستثنون من مس الفضة والذهب، فلا ~~يدخلونهما تحت سقفهم ولا يحملونهما ولا يشربون بكئوس صيغت منهما، وبذلك يصونون ~~أنفسهم ودولتهم. لكنهم إذا امتلكوا أراضي وبيوتا ومالا ملكا خاصا، صاروا ~~مالكين وزراعا عوض كونهم حكاما، فيصيرون سادة مكروهين لا حلفاء محبوبين، ~~ويصبحون مبغضين ومبغضين، يكاد لهم ويكيدون، فيقضون الجانب الأكبر من ~~حياتهم في هذا العراك، وخوفهم العدو الداخلي أكثر جدا من خوفهم العدو ~~الخارجي. # ففي حال كهذه يسرعون بالدولة إلى الدمار. فلأجل كل ما ذكر، هل نبرم ما ~~قررناه في مصير حكامنا بالنظر إلى بيوتهم وغيرها، ونربط ذلك بأحكام ms095 ~~الدستور أم لا؟ # غ ~~: # نبرمه ونربطه. # | الكتاب الرابع: الفضائل الأربع # خلاصته # هنا اعترض أديمنتس قائلا: إن حياة طبقة الحكام على هذه الحال لن تكون سعيدة. فأجابه ~~سقراط: ذلك ممكن، ولكن ليس إسعاد الحكام غرضنا، فغرض الشارع الخاص إسعاد طبقات ~~السكان الثلاث: الحكام، والمنفذين، والمنتجين. فقاده ذلك إلى النظر في واجبات ~~الحكام، وهي: ~~(1) # أن يحولوا دون الميل إلى إثراء بعض الأهالي وفقر غيرهم فقرا ~~مدقعا. ~~(2) # أن يسهروا ضد اتساع الأراضي اتساعا سريعا. ~~(3) # أن يشددوا في قمع البدع في فني الموسيقى والجمناستك، مع ترك بقية ~~القوانين لفطنة القضاة في وقتها، وتوكل الطقوس الدينية والحفلات لوحي أبلو ~~إله دلفي. # وبعد ما تتبع سقراط نشأة الدولة من أولها إلى آخرها أعاد الكرة على المسألة: ما ~~هي العدالة؟ وفي أي أقسام الدولة توجد؟ # الدولة إذا حسن تنظيمها كاملة الصلاح، وإذا كانت صالحة فهي ولا بد حكيمة شجاعة ~~عفيفة عادلة. فإذا حسبنا فضيلتها عبارة عن الحكمة والشجاعة والعدالة والعفاف فإنا إذا ~~وجدنا ثلاثة من هذه تمكنا بواسطتها من اكتشاف الرابعة، فحكمة الدولة تستقر في طبقة ~~القضاة والحكام القليلة العدد، وتستقر شجاعة الدولة في المساعدين والجنود، وهي تقوم ~~بقدرهم قدرا صحيحا، ما هو مخيف أو غير مخيف، ولباب العفاف ضبط النفس، وخلاصته ~~سياسيا تقرير حق الحكام إطاعة الأمة وولاءها، فلا ينحصر العفاف في طبقة واحدة من ~~الأمة كالحكمة والشجاعة، بل ينبث في الأمة عامة، وهي عبارة عن رضا شامل بهذا الشأن، ~~فعليه قد وجدت الثلاث، فأين الرابعة؟ # فبعد إخراج الثلاث: الحكمة والشجاعة والعفاف، بقيت الرابعة، وهي تئول إلى تأصل ~~الثلاث المذكورة في جسم الدولة وصيانتها، فهي ولا بد: العدالة. ويمكن تحديدها بأنها: ~~التزام كل عمله الخاص، وعدم التدخل في شئون غيره. # فهي تمزج طبقات الأمة الثلاث معا، وتحفظ كلا منها في مركزها، ونقيضها التعدي ~~السياسي، وهو: روح الفضول الذي يلابس الطبقات الثلاث، فيقود كلا منها إلى التدخل في ~~وظائف غيرها وأعمالها وواجباتها، فلنطبق هذه النتائج على الفرد؛ لأن في الدولة ما في ~~الفرد، وإنما وصل الدولة عن ms096 طريق الأفراد الذين منهم تتألف، فنتوقع أن نجد في الفرد ~~ثلاثة مبادئ نقارن طبقات الدولة الثلاث، فلننظر هل كان ذلك الترفع على أساس. # في العقل عاملان متضادان لا يمكن نشوءهما عن أصل واحد: إنسان عطشان ولا يريد أن ~~يشرب، ففيه إذا مبدآن، أحدهما يدفعه إلى الشرب، والآخر يصده عنه، فالأول يصدر عن ~~الشهوة أو الرغبة، والآخر عن الذهن، فوجدنا في النفس عنصرين متمايزين: الواحد عقلي، ~~والثاني غير عقلي، فهو شهوي. وعلى المبدأ نفسه ترانا ملزمين بأن نجد عنصرا ثالثا، هو ~~مقر الغضب والحماسة والغيظ، ويمكن أن يدعى القسم الغضبي، فإذا تنازع المبدآن: العقلي ~~والشهوي، كان هذا الثالث أبدا في جانب العقلي، ففي الفرد ثلاثة عناصر: هي العقلي، ~~والغضبي، والشهوي، يقابلها في الدولة: الحكام، والمنفذون، والمنتجون. # فالفرد حكيم بفضيلة الحكمة في عنصره العقلي، وشجاع بفضيلة الشجاعة في عنصره الحماسي، ~~وعفيف حين يسود عنصره العقلي، مع القبول التام من جانب العنصرين الآخرين، وأخيرا هو ~~عادل حين تقوم كل من هذه الثلاث بعملها الخاص، غير متدخلة في عمل غيرها. أولا يتجلى ~~اتفاق قوى العقل الداخلية بإتمام كل الأعمال المحسوبة عادلة وتجنب التعدي؟ # أما التعدي فيشوش هذه الصفات ويلبكها، ويتجلى هذا التشويش في الأفعال ~~الجنائية المتنوعة، فالعدالة نوع من الوئام الطبيعي، وهي حال العقل الصحية، والتعدي ~~نوع من التنافر غير الطبيعي أو المرض، فمن تحصيل الحاصل السؤال: أي الاثنين أنفع ~~لصاحبه. # متن الكتاب # قال سقراط: هنا تدخل أديمنتس في البحث، قال: وبماذا تدفع عن نفسك يا سقراط إذا ~~احتج أحد عليك بأنك لم تبلغ برجال هذه الطبقة (الحكام) أوج السعادة؟ مع أن اللوم ~~عليهم في عدم سعادتهم؛ لأن الدولة دولتهم عند التحقيق، ومع ذلك فليس لهم فيها حظ الذين ~~يملكون الأراضي ويشيدون الأبنية الفخمة ويفرشونها فرشا يتفق مع فخامتها، ويضحون ~~للآلهة، ويولمون للأصحاب، ويملكون الفضة والذهب وكل ما هو ضروري لإسعاد الناس، وقد ~~يقال إنهم كصغار المستخدمين، ليس لهم في المدينة إلا الخفارة. # س ~~: # نعم، بل يظهر أنهم يقتصرون على القوت، ولا يأخذون معه ms097 مالا كالآخرين، فلا ~~يمكنهم السفر على نفقتهم إذا أرادوه، ولا تقديم الهدايا للحظايا، وإنفاق ~~الأموال على الرغائب الأخرى كما يفعل المحسوبون سعداء، وأمثال ذلك من الأمور ~~مما طويت عنه كشحا. # أديمنتس ~~: # فأضيف إلى ذلك شكواي. # س ~~: # أفتسألني أي دفاع أقدم؟ # أد ~~: # نعم. # س ~~: # أظن أننا إذا استأنفنا السير في الجهة نفسها أدركنا الدفاع المطلوب، مع أنه ~~لا يستغرب كون هؤلاء الحكام أسعد السعداء، حتى في هذه الأحوال. على أننا لم ~~نؤسس الدولة لمجرد إسعاد قسم من أهلها، بل لإسعاد الجميع معا على قدر ~~الإمكان، فغرضنا في إنشاء الدولة اكتشاف العدالة. كما أننا في دولة أخرى ساء ~~نظامها نكتشف التعدي، وبعد اكتشاف هذي وتلك يمكننا البت قي المسألة التي ~~أمامنا، فنحن جادون في الوقت الحاضر في إنشاء دولة سعيدة، لا في أن نخص ~~أفرادا منها بالسعادة، بل أن نسعد جميع أفرادها على السواء. ثم ننظر في دولة ~~هي نقيض هذه أحوالا، فلو صورنا شخصا بشريا فانتقدنا منتقد بأنا لم نزين ~~أجمل أقسام الصورة بأبهى الألوان لأن العيون - وهي أجمل أعضاء الجسم - لم ~~تلون بالأرجواني، بل بالأسود، فيجب أن نفكر في أنه دفاع كاف قولنا له: ~~أيها الناقد مهلا، لا تتوقع منا أن نلون العيون باللون الجميل بحيث لا تبقى ~~عيونا. وهكذا يقال في بقية أعضاء الجسم، ولكن انظر أنا جعلنا الجسم كله ~~جميلا، بتلوين كل عضو فيه باللون الملائم. # فجريا على الطريقة نفسها في مثلنا الحالي توجب علينا أن نسبغ صنوف ~~السعادة على الحكام، فيصيرون غير ما هم؛ لأنا نعرف جيدا أنه تمكنا على ~~المبدأ نفسه أن نكسو الفلاحين الملابس الفضفاضة، ثم نأمرهم أن يحرثوا الأرض على ~~خاطرهم، ونتوجهم بتيجان الذهب، أو أن ندع الخزافين تجاه الأتون، مرخين ~~أيديهم آكلين وشاربين، مهملين دولاب الخزافة، ولا يشتغلون إلا كما يروقهم، ~~فإننا إنما نسبغ البركات على الجميع لإسعاد الدولة بمجموعها، فلا تنصحنا نصحا ~~كهذا؛ لأننا إذا وافقناك في رأيك لا يبقى الفلاح فلاحا، ولا الخزاف ~~خزافا، ولا غيرهما من أصحاب المهن اللازمة لتكوين ms098 الدولة. # أما بالنظر إلى ~~وظائف غير الحكام فالأمر أقل شأنا، فإن عدم جدارة الإسكاف أو عدمها أو ~~ادعاءه فوق جدارته ليس فيه كبير خطر على الدولة، ولكن إذا عدم الحكام وحماة ~~الدولة والقانون الحقيقة، واقتصروا على الظاهر، فإنك ترى مقدار الدمار الذي ~~يحلونه بالدولة؛ لأنهم هم وحدهم القادرون على توفير أسباب النجاح والسعادة ~~العمومية. فإذا عينا حكاما للدولة أقل الناس إضرارا بها، فإن الخصم ينشئ ~~صفا من الفلاحين يسرحون ويمرحون في الولائم والحفلات الرسمية، لا مدنيين ~~ممتازين، وذلك يعني شيئا آخر غير الدولة. فيلزم النظر في: # هل غرضنا في تعيين الحكام أن نضمن لهم التمتع بأوفر نصيب ممكن من السعادة؟ أو ~~أن واجبنا باعتبار السعادة هو أن نرى الدولة كلها سعيدة؟ موجبين عليهم كحكام ~~مخلصين ومساعدين أمناء للحكم، القيام بواجباتهم خير قيام، وتحقيق غرض وجودهم، ~~وعلى القاعدة نفسها نعامل جميع الطبقات. ومتى نمت المدينة وكمل نظامها نفتح ~~أبوابا للقبائل، فيدخلونها ويشتركون في السعادة التي تشتهيها نفوسهم على قدر ~~استعدادهم. # أد ~~: # إن ما أبديته هو في أتم صور الهدى. # س ~~: # أوتراني على هدى أيضا في شقيق هذا الموضوع؟ # أد ~~: # وما هو؟ # س ~~: # هو النظر في أرباب الحرف الأخرى، هل فسدوا هم أيضا بالحالات الآتية؟ # أد ~~: # أية حالات تعني؟ # س ~~: # الغنى والفقر. # أد ~~: # وكيف ذلك؟ # س ~~: # هكذا: أترى الخزاف، وقد أثرى يظل مكترثا لفنه؟ # أد ~~: # مؤكد لا. # س ~~: # أفلا يتهاون في فنه ويكسل، خلاف ما كان عليه في سالف عهده؟ # أد ~~: # كثير جدا. # س ~~: # أفلا يصير خزافا أردأ حينذاك؟ # أد ~~: # بلى، أردأ كثيرا. # س ~~: # ومن الجهة الأخرى: إذا حاق به الفقر فغل يده عن إحراز ما تحسن به صنعته من ~~آلات وغيرها من أدوات فنه، انحطت صناعته وقصر أولاده وصناعه في ~~الفن؟ # أد ~~: # لا مهرب من ذلك. # س ~~: # فبهذين الأمرين، الغنى والفقر، تنحط منتوجات الصنائع ويضعف ~~الصناع. # أد ~~: # هكذا يظهر. # س ~~: # فقد اكتشفنا أشياء أخرى تستدعي سهر الحكام، فيلزم أن يتيقظوا كل التيقظ ~~لئلا تفوتهم ملاحظتها، فتتسرب إلى جسم الدولة. # أد ~~: # وأية ms099 الأشياء تعني؟ # س ~~: # الغنى والفقر، ينشئ أولهما الرخاء والكسل والملاهي، والثاني ينشئ، عدا ~~الملاهي، الخساسة ويفسد المصنوعات. # أد ~~: # هكذا بالتمام. ولكن تأمل يا سقراط كيف يمكن لدولتنا أن تخوض غمار الحرب إذا ~~عدمت الثروة؟ ولا سيما إذا نازلت دولة غنية كثيرة السكان؟ # س ~~: # واضح أنه يصعب عليها أن تحارب دولة واحدة كهذه، ولكن محاربة دولتين معا ~~أسهل . # أد ~~: # ماذا تقول؟ # س ~~: # إذا اضطروا أن يحاربوا، أفليس عدوهم غنيا وهم جنود مدربة؟ # أد ~~: # هذا صحيح. # س ~~: # أفلا تصدق يا أديمنتس أن الملاكم الخبير ينازل اثنين أو أكثر معا من ~~الأغنياء وهم عديمو الخبرة في فن الملاكمة؟ # أد ~~: # قد لا يستطيع ذلك مع الاثنين معا. # س ~~: # كيف لا؟ فإنه يتراجع حتى يفصلهما، ثم يبدأ في قتال الأقرب إليه، ثم يوالي هذه ~~الحركة في حر الشمس. أفلا يستطيع ملاكم كهذا أن يغلب أكثر من اثنين على هذه ~~الصورة؟ # أد ~~: # مؤكد، وليس في ذلك كبير غرابة. # س ~~: # أولا تظن أن الغني أكثر خبرة في فن الملاكمة نظريا وعمليا منه في فن ~~الحرب؟ # أد ~~: # أظن. # س ~~: # فالأرجح أنه يهون على جنودنا المدربة أن تحارب ضعفي عددها أو ثلاثة ~~أضعافه. # أد ~~: # أسلم معك لأني أراك مصيبا. # س ~~: # وإذا فرضنا أن جيوشنا أرسلوا سفارة إلى سكان إحدى الدولتين يخبرونهم بواقعة ~~الحال، وقالوا إننا لا نقتني فضة ولا ذهبا لأن اقتناءهما محظور علينا، أما ~~أنتم فمباح لكم، فحالفونا في القتال ولكم المغنم. أفتظن أن أحدا سمع ذلك يكون ~~أكثر رغبة في محاربة الكلاب الهزيلة منه في محالفة الكلاب على كباش سمينة ~~رخصة؟ # أد ~~: # أظن لا. أولا تظن أن حشد المال في دولة ما خطر يهدد دولة فقيرة؟ # س ~~: # أهنئك برأيك، فلا دولة تستحق أن تدعى دولة إلا ما كانت على شاكلة الدولة التي ~~تنظمها. # أد ~~: # لماذا؟ ماذا عندك؟ # س ~~: # يجب أن تدعى المدن الأخرى بأسماء أعظم؛ لأن كلا منها مؤلف من أقسام عديدة ~~لا من قسم واحد، كما في ألعاب المدائن، # 1 # ففي كل دولة قسمان، قسم غني ms100 وقسم فقير، وفي كل من هذين القسمين ~~فروع عديدة، فإذا اعتبرتها كلها قسما واحدا فقد أخطأت خطئا عظيما، ولكن إذا ~~اعتبرتها عديدة الأقسام وخصصت أحد أقسامها لامتلاك الأرزاق والقوة، حتى ونفوس ~~الناس، كنت أبدا كثير الحلفاء قليل الأعداء. وما دامت مدينتك محكومة بفطنة، ~~جريا على المبادئ التي أسسناها عليها، فيجب أن تكون كبيرة، ولا أقول إنها ~~ستتمتع بالشهرة ، بل إنها تكون الكبرى ولو لم يزد حماتها على الألف؛ لأنه يعز ~~وجود بلد كهذا في اليونانيين والبرابرة، مع أنه يمكنك أن تجد مدنا كثيرة ~~تظهر أكبر منها أضعافا. # أد ~~: # كلا لا يوجد. # س ~~: # فيمكن اتخاذ ذلك مقياسا لحكامنا في تنظيم حجم المدينة، فتتفتق مساحة ~~أراضيها مع حجمها. # أد ~~: # وما هو ذلك المقياس؟ # س ~~: # المقياس هو: ما دامت المدينة محافظة على وحدتها فلا بأس في نموها، ولكن يجب ~~أن لا تتجاوز ذلك الحد. # أد ~~: # حبذا القانون. # س ~~: # فيجب أن نلقي على عاتق حكامنا هذا القانون الإضافي، وهو أن يعتنوا اعتناء ~~زائدا بأن لا تكون المدينة صغيرة ولا كبيرة، بل تظل معتدلة الحجم مع حفظ ~~وحدتها. # أد ~~: # الأرجح أن هذا واجب خفيف عليهم. # س ~~: # وسنضيف إليه ما هو أخف منه كثيرا، وقد لمسناه آنفا لما قلنا إنه يجب ~~إقصاء من سفل من مواليد الحكم إلى فئة أدنى، ورفع من تفوق من أنسال العامة ~~إلى مصاف الحكام، والقصد من ذلك تأهيل كل فرد من سكان المدينة لممارسة الفن ~~الذي أهلته الفطرة له، فيتمكن بذلك من إنجاز عمله، ولا يكون متعدد ~~الذاتية، بل إنسانا واحدا، وعلى هذا القياس تكون المدينة كتلة واحدة غير ~~منقسمة. # أد ~~: # حقا إن ذلك أخف مما سبق ذكره. # س ~~: # وليست أوامرنا هذه واجبات ثقيلة أيها العزيز أديمنتس كما يظنها الآخرون، ~~ولكنها تهون إذا اعتصم حكامنا بالنقطة المهمة جريا على القول: مدينة مكتفية ~~خير من مدينة عظيمة. # أد ~~: # وما هي تلك النقطة؟ # س ~~: # هي الإعالة والتهذيب، فإذا صاروا بالتهذيب الراقي عقلاء تمكنوا من التبصر ~~في هذه الأمور بسهولة، وفي غيرها مما نغضي ms101 عنه الآن، كالعلاقات الجنسية، ~~والزواج، وانتشار النوع؛ لأن في هذه الأمور جميعها تجب إطاعة المثل القائل: «كل ~~شيء مشاع بين الأحباب». # أد ~~: # نعم، إن ذلك أصوب رأي. # س ~~: # وإذا تألفت دولة على هذا النسق كانت كالحلقة محكمة الاتصال، ومضمونة الثبات ~~والسعادة، استنادا إلى نظام الإعالة والتهذيب، وحيث توافرت الثقافة والتعليم ~~أنشأ فطرا صالحة، وإذا حازت الفطر الصالحة على التعليم الصالح صارت أفضل، ~~وارتقت في أبنائها صفة التوليد، كما ترى ذلك في طوائف الحيوان الدنيا. # أد ~~: # بالطبع هكذا. # س ~~: # وإذا رمنا الاختصار قلنا: يجب أن يحرص نظار الدولة على هذا المبدأ ~~لئلا يفسد على غفلة منهم، بل يجب أن يسهروا عليه فوق كل شيء، أعني به المبدأ ~~الذي يحظر إدخال أية بدعة في الموسيقى أو الجمناستك على النظام المقرر، ويحرصوا ~~عليه كل الحرص مخافة أن: # يعشق الناس نشيدا # فيه للبدعة دخل # 2 # وقد يظن أن الشاعر لم يعن أغنية جديدة، بل أسلوبا موسيقيا جديدا، فيبيح ~~البدعة، مع أن البدعة يجب أن لا تباح ولا تزكى، ولا أن نفهم الألفاظ هكذا، ~~ويجب الحذر من قبول نوع جديد من الموسيقى؛ لأنه يهدد كل الدولة، فلا يحدث ~~تشويش في أساليب الموسيقى ما لم يحدث ذلك أعظم أثر في الدوائر السياسية. هكذا ~~يجزم دمون وأنا أثق به. # أد ~~: # ويمكنك إدماجي في عداد الواثقين بهذا الرأي. # س ~~: # وأظهر ما يكون أنه يجب على حكامنا أن يشيدوا مخافرهم هنا في ميدان ~~الموسيقى. # أد ~~: # وعلى كل فإن الفوضى تتسرب إلى هذا الميدان دون أن يشعر بها. # س ~~: # نعم، تتسرب من باب التسلية حيث لا يتوقع ضرر. # أد ~~: # لا، لا يتوقع منها ضرر، إلا أنها تتسرب خلسة إلى المسالك والعادات، وتبرز ~~فيها بأعظم قوة وتتطرق إلى العقود، ومنها تتخطى إلى الهجوم على الشرائع ~~والقوانين، مبدية في ذلك صفاقة يا سقراط، فينتهي بها الحال إلى قلب كل شيء ~~فردي وعمومي. # س ~~: # حسنا. أهكذا هو؟ # أد ~~: # دون شك. # س ~~: # وكما قلنا سابقا، ألا يقتصر أولادنا من البداءة على الملاهي والتسليات ~~المشروعة؟ ms102 لأنه متى كانت الملاهي غير مشروعة، وانغمس الأحداث فيها، استحال أن ~~يشبوا رجالا مخلصين. # أد ~~: # دون شك. # س ~~: # وعليه: فإذا بدأ صغارنا بتسليات قويمة منذ حداثتهم، حل الولاء في عقولهم ~~بواسطة الموسيقى، فتكون النتيجة نقيض ما سبق بيانه؛ لأن الولاء يلازمهم في كل ~~شيء ويوسع نطاق نجاحهم، ويرفع منشآت الدولة بعد خفضها. # أد ~~: # نعم، هذا حق. # س ~~: # فيكتشف هؤلاء حتى القوانين التي عطلها الآخرون إذ حسبت زهيدة في نظر من ~~سبق ذكرهم من الرجال. # أد ~~: # وأي قوانين تعني؟ # س ~~: # أمثال هذه: التزام الصمت والاحتشام في حضرة الشيوخ، الوقوف لهم متى دخلوا، ~~الاكتراث الكلي للوالدين، كذلك قوانين الزينة ولبس الأحذية، وملابس الجسد ~~عموما، وكل ما كان من هذا القبيل. أفما هذا رأيك؟ # أد ~~: # بلى. # س ~~: # على أنه من الحماقة سن هذه الشرائع على ما أظن، وأني أتيقن أن ذلك لم يعمل ~~قط، ولا يتناول هذه الأشياء تشريع شفاهي يوجب دوامها. # أد ~~: # فما العمل؟ # س ~~: # الأرجح يا أديمنتس أن ميل الإنسان الناشئ عن تهذيبه هو الذي يعين هذه ~~الأشياء، أفلا يلد الشيء نظيره؟ # أد ~~: # لا شك في أنه يلد نظيره. # س ~~: # وأخيرا يجب أن نتوقع أن يختم نظامنا بنتيجة كاملة وعظيمة، خيرا كانت أو ~~شرا. # أد ~~: # حقا إنه يجب. # س ~~: # فلهذه الأسباب لا أحاول أن يمتد تشريعنا فيتناول نقطا كهذه. # أد ~~: # أنت على حق. # س ~~: # فأخبرني أيضا عما يتعلق بالمعاملات العمومية بين الأفراد في الأسواق، ~~مشتملة إذا شئت عقود الصناع، والقدح، والتحامل، ولوائح المحاكم، وقرارات ~~المحلفين، ونظام الضرائب، ونظام جمعها في الأسواق وفي الثغور. وعلى العموم، كل ~~القوانين والمسائل المتعلقة بالأسواق والبوليس والجمرك وأمثاله، أفيلزم سن ما ~~يختص بها؟ # أد ~~: # كلا، لا يناسب تحديد هذه الأمور للأقوام الصالحين المهذبين، فإنهم في أكثر ~~الأحوال قلما يجدون صعوبة في استنباط ما يلزم لها من التشريع اللازم. # س ~~: # نعم يا صديقي، إذا قدرهم الله على الاستمساك بما سننا من الشرائع. # أد ~~: # وإلا قضوا العمر في التعديل والتغيير في شرائعهم المتعلقة بهذه الأمور، ~~مغذين السير فيها ms103 نحو الكمال. # س ~~: # إنك تعني أن أشخاصا يقضون الحياة كالمرضى؛ نظرا إلى ضعف سلطتهم على أنفسهم، ~~فلا يتمكنون من التنكب عن مسلك الحياة المضر. # أد ~~: # حتما. # س ~~: # ولا بد أن أولئك يحيون حياة محيرة! ومع كونهم أبدا بين أيدي الأطباء ~~لا يستفيدون، بل يسيرون من رديء إلى أردأ، وعلى الدوام يرجون أن يرشدهم أحد ~~إلى علاج به شفاؤهم. # أد ~~: # هذا هو الحال في هذا النوع. # س ~~: # أوليس مدهشا أيضا أن أبغض الناس إليهم من يصارحهم الحقيقة، ويؤكد لهم أنهم ~~ما لم يعدلوا عن النهم والشرب والفجور والتراخي فلا يفيدهم عقاقير ولا كي ولا ~~بتر أطراف ولا تعاويذ ولا أربطة ولا شيء آخر من أمثال هذه؟ # أد ~~: # لا خير في من يكره مرشده. # س ~~: # والظاهر أنك لا تعتبر هذا النوع من الناس. # أد ~~: # حقا إني لا أعتبره. # س ~~: # حتى ولو أجمعت المدينة كلها على هذا التصرف فلست تستحسنه. أولا ترى أن الدول ~~تتصرف تصرف أفراد كهؤلاء؟ فحين يكون لها نظام سيئ تأمر رعاياها أن لا يتعرضوا ~~لدستورها تحت طائلة الإعدام، بينما كل إنسان إذا كان في استطاعته أن يخدمهم ~~خدمة مرضية ضمن حدود سياستهم الحالية ملتمسا رضاهم بالمصانعة والتمليق ~~وببراعته في استطلاع رغائبهم وسدها، حسبوه فاضلا مملوءا بباهر الحكمة، ~~فأوجبوا إكرامه. # أد ~~: # نعم، إني لا أرى فرقا بين الأفراد والدول من هذا القبيل، ولا يمكنني أن ~~أستحسن هذا التصرف. # س ~~: # ومن الجهة الأخرى، ألا تعتبر براعة وشجاعة من الراغبين في خدمة دول ~~كهذه؟ # أد ~~: # أعتبرهم، إلا حينما تخدعهم براعتهم وشجاعتهم، فيتوهمون أنهم من كبار ~~السياسيين؛ لأن الكثيرين يمدحونهم. # س ~~: # وماذا تقول؟ ألا تتسامح معهم؟ وهل تظن أن رجلا يجهل القياس جهلا تاما، ~~ينكر أقوال الكثيرين من الجهلاء أمثاله، إذا قالوا إن طوله ست أقدام؟ # أد ~~: # كلا، ذلك غير ممكن. # س ~~: # فلا تغضبن عليهم؛ لأنهم حقيقة أغرب أهل الدنيا، فإنهم يظنون أنهم بواسطة ~~شرائعهم الخالدة وتعديلاتها، فيما يتعلق بمواضيع ذكرناها آنفا سيجدون طريقا ~~لإبطال الحيل المستعملة في عقودهم، والمشاكل التي أتيت على ms104 ذكرها، وقلما ~~يشعرون أنهم إنما يحاولون قتل الهيدرا الكثيرة الرءوس. # أد ~~: # حقا إنهم لا يحاولون غير ذلك. # س ~~: # أما أنا فلا أظن أنه يتحتم على الشارع الحقيقي أن يعبأ كثيرا بفروع هذه ~~الحكومات والشرائع، سواء كانت دولته معتلة النظام أو سليمة الأحكام، أما في ~~الأولى فلأن لا فائدة في قوانين كهذه، وأما في الأخرى فلأنه سهل على كل فرد من ~~أهاليها إدراك بعض القوانين الملائمة بذاته لذاته، والبعض الآخر يتلوها بسبب ~~حسن التهذيب الباكر. # أد ~~: # فما بقي علينا كشاعرين؟ # س ~~: # لم يبق علينا شيء، ولكن بقي لأبلو إله دلفي أن يسن أشرف الشرائع وأعظمها ~~وأسماها. # أد ~~: # وما هي؟ # س ~~: # هي تشييد الهياكل، وترتيب الذبائح، وغير ذلك من طقوس العبادات لإكرام الآلهة ~~والجبابرة والأبطال، وإحراق الموتى، وكل الطقوس المتعلقة بهم التي علينا ~~إدراكها لموافقة سكان العالم الآخر، ولا نقدر بذواتنا أن نفهمها في حال تأسيس ~~دولة، ولا نقبل شرحا، إذا عقلنا، إلا شرح إله البلاد؛ لأن هذا الإله هو ~~المفسر الأوحد لجميع الناس في مواضيع كهذه، جالسا في نقطة الكون ~~المركزية. # أد ~~: # أصبت كل الإصابة، وذلك ما يجب أن نفعله. # س ~~: # قد تم إنشاء مدينتنا يا ابن أريسطون، والشيء الثاني الذي عليك أن تعمله هو ~~أن تفحصها، وتستمد النور اللازم من أية ناحية ممكنة، فاستدع لمساعدتك أخاك ~~وبوليمارخس ورفقاءهما، وسلهم مساعدتنا لنعرف «مقر العدالة والتعدي فيها»، ~~وبماذا يتباينان؟ وأيهما يؤثر من يروم أن يكون سعيدا، عرفه جميع الآلهة والناس ~~أو لم يعرفوه. ~~(فصاح غلوكون: ذلك غير كاف، فإنك وعدت أن تبحث فيه على أساس ~~أنك تكون مجرما إذا تنكبت عن نصرة العدالة بما لك من حول.) # صدقت في ما ذكرتني به، ويجب أن أعمل بموجبه، ولكن يجب أن تساعدوني. # غلوكون ~~: # سنساعدك. # س ~~: # وأرجو أن نكتشف موضوع بحثنا هذا، فإني أرى أن دولتنا، وقد أحسن تنظيمها، ~~تكون دولة صالحة. # غ ~~: # بالضرورة. # س ~~: # فواضح أنها تكون حكيمة، عفيفة، شجاعة، عادلة. # غ ~~: # واضح. # س ~~: # فإذا وجدنا بعض هذه الصفات في الدولة، ظلت الصفات التي ms105 لم تكشف ~~مجهولة. # غ ~~: # دون شك. # س ~~: # فافرض وجود أربعة أشياء من أي نوع كان، في أي موضوع كان، وافرض أننا كنا ~~نبحث عن أحدها، فإذا عثرنا عليه قبل الثلاثة الباقية اكتفينا. ولكنا إذا لم ~~نجده واكتشفنا الثلاثة الأخرى عرفنا الرابع الذي ننشده؛ إذ لم يبق سواه، ~~استدلالا بالمعلوم على المجهول. # غ ~~: # مصيب. # س ~~: # أفلا نختار هذا النوع من التفتيش في البحث عن الغرض الذي بين أيدينا؟ فإن ~~الصفات المذكورة هي أربع أيضا. # غ ~~: # وجوب ذلك واضح. # س ~~: # فلنبدأ إذا. أولا أرى أن الحكمة ظاهرة في موضوعنا، ولكن يلابسها شيء من ~~التناقض. # غ ~~: # وما ذلك؟ # س ~~: # إذا لم أكن مخطئا، فالمدينة التي أتينا على وصفها حكيمة ما دامت مشورتها ~~حكيمة. أليس هكذا؟ # غ ~~: # بلى. # س ~~: # ومن الراهن أن الحكمة في المشورة هي نوع من المعرفة؛ لأن المعرفة لا الجهل ~~تجعل الناس يفكرون بحكمة. # غ ~~: # واضح. # س ~~: # على أن في الدولة أنواعا عديدة من المعرفة. # غ ~~: # فيها، دون شك. # س ~~: # فهل تكون الدولة حكيمة المشورة باعتبار معرفة النجارين؟ # غ ~~: # كلا، فإنها باعتبار هذا النوع من المعرفة إنما تكون راقية في ~~النجارة. # س ~~: # فليست إذا معرفة الأواني الخشبية في أحسن شكل، هي التي تزكي تسميتنا ~~المدينة حكيمة. # غ ~~: # مؤكد لا. # س ~~: # أفبالمعرفة المتعلقة بالأواني النحاسية وما هو من هذا النوع، تدعى المدينة ~~حكيمة؟ # غ ~~: # لا، ليست في شيء من هذا النوع. # س ~~: # ولا تحسب الدولة حكيمة بمعرفتها طريقة استغلال الأرض، بل تحسب بهذا ~~الاعتبار دولة ناجحة في الزراعة. # غ ~~: # هكذا أرى. # س ~~: # فقل لي إذا، هل في دولتنا المستحدثة نوع من المعرفة يستقر في قسم من ~~أهاليها، يتناول البحث ليس في قسم خاص فيها، بل في شئونها إجمالا، ليسير ~~بعلاقاتها الداخلية والخارجية في أفضل اتجاه؟ # غ ~~: # أؤكد ذلك. # س ~~: # فما هو ذلك النوع من المعرفة؟ وعند من يوجد؟ # غ ~~: # هو علم الوقاية، ومعرفته تستقر في طبقة الحكام الذين أسميناهم الساعة: ~~«كاملين». # س ~~: # وبماذا تصف المدينة باعتبار هذه المعرفة؟ # غ ~~: # أصفها بأنها حسنة ms106 الإدارة و«حكيمة». # س ~~: # ومن هم أوفر عددا في المدينة؟ النحاسون أم الحكام الحقيقيون؟ # غ ~~: # النحاسون أوفر عددا من الحكام. # س ~~: # فهل الحكام أقل عددا من الفئات العديدة التي في كل منها معرفة خاصة بفنها، ~~ولها لقبها الخاص؟ # غ ~~: # أقل كثيرا. # س ~~: # فالمعرفة مستقرة في أصغر طبقة أو أصغر قسم، أعني في الطبقة الحاكمة التي حادت ~~على الدولة، المنظمة تنظيما يتفق مع الطبيعة باسم «حكيمة» بمجموعها، تلك ~~الطبقة التي من حقها وواجبها الاشتراك في المعرفة التي بها وحدها بين كل أنواع ~~المعرفة، تدعى المدينة «حكيمة»، هي على ما يظهر القسم الأقل عددا في ~~الدولة. # غ ~~: # هو ما تقول. # س ~~: # فقد عرفنا بطريقة من الطرق واحدة من الصفات الأربع، وعرفنا في أية طبقة من ~~الدولة تستقر. # غ ~~: # معرفة تامة حسب حكمي العقلي. # س ~~: # فيمكنا أن نؤكد أنه لا تعسر علينا معرفة «الشجاعة» والفئة التي فيها تستقر، ~~وبسبب شجاعتها تدعى المدينة شجاعة. # غ ~~: # وكيف ذلك؟ # س ~~: # من ينظر في تسمية الدولة شجاعة أو جبانة إلى غير الفئة المحاربة، القائمة على ~~الدفاع وخوض المعمعان في مصلحتها؟ # غ ~~: # لا أحد ينظر إلى قوة أخرى. # س ~~: # كلا؛ ولذلك لا أرى شجاعة الدولة أو جبانتها تستقر في الفئات الأخرى. # غ ~~: # لا تستقر. # س ~~: # فالدولة تكون شجاعة كما تكون حكيمة بالنظر إلى قسم خاص من سكانها؛ لأن لها ~~في ذلك القسم قوة تمكنها من حفظها سالمة انقطاع بالرأي السديد، في ما يخيف من ~~الأشياء التي تنبئ أنها هي ما قصده الشارع في التهذيب المقرر. أليس ذلك ما ~~تدعوه شجاعة؟ # غ ~~: # لم أفهم كنه ما قلته، فتفضل بإعادته. # س ~~: # أقول إن الشجاعة نوع من التأمين على النفس. # غ ~~: # وأي نوع من التأمين تعني؟ # س ~~: # تأمين الآراء التي كونتها الشريعة في سياق التهذيب، في ما يخشى من الأشياء ~~باعتبار ماهيتها ونوعها. وحينما قلت «حفظها سالمة بلا انقطاع»، عنيت حفظها ~~سالمة «في اللذة والألم»، في الرغبة والنفرة على السواء، فلا تسقط أبدا، وإذا ~~كنت تريد فإني أصوره لك بمثل أراه ملائما. ms107 # غ ~~: # إني أريد. # س ~~: # حسنا، ألا تعلم أن الصباغين حين يباشرون صبغ الصوف باللون الأرجواني ~~الثابت مثلا، يختارون من شتى الألوان الصوف الأبيض أولا؟ ثم يعدونه ~~بعمليات عديدة ليمكنه قبول اللون المطلوب على الوجه الأتم، وبعد إعداده ~~كذلك يصبغونه. فإذا صبغ الصوف على هذه الصورة كان لونه ثابتا لا يزول ولو ~~غسل بالصابون أو بغيره، ولا يزول بهاؤه ، وإذا لم يعد على ما تقدم فأنت أدرى ~~بما يكون من أمره، سواء صبغ بالأرجواني أو بغيره. # غ ~~: # أعلم أن لونه يزول بالغسيل على صورة مضحكة. # س ~~: # فاعلم أننا نحن أيضا بما فينا من مزية قد نحونا هذا النوع لما انتقينا ~~جنودنا وعنينا بتهذيبهم بالموسيقى والجمناستك، فكانت عنايتنا تتجه بنوع خاص ~~إلى إطاعتهم الأوامر، وتشربهم الشرائع على أفضل وجه تشرب الصوف الصباغ؛ ~~ليكون رأيهم سديدا في ما يخشى وما لا يخشى، بعامل فطرتهم وتهذيبهم القانوني، ~~فلا تقوى شداد العوامل على إحالة صبغتهم الفكرية، ومن تلك العوامل «اللذات»، ~~وهي أفعل في حل الصبغة الروحية من القلي والبوتاس في حل الأصباغ والألوان، ~~ومنها «الخوف»، و«الرغبة»، وهي أفعل المحللات في الدنيا، بل يتغلبون عليها ~~كلها، فالقوة التي تتشبث تشبثا راسخا بالرأي السديد في ما يخشى وما لا ~~يخشى، هي ما أدعوه شجاعة، إلا إذا كان عندك رأي آخر. # غ ~~: # ليس عندي اسم آخر لها. ويلوح لي أن قوة كهذه إذا نشأت في النفس بدون تهذيب ~~كما في الهمج والعبيد حسبت غير شرعية، وإنك تدعوها باسم آخر. # س ~~: # بكل تأكيد. # غ ~~: # فأسلم بهذا البيان في أمر الشجاعة. # س ~~: # فسلم أيضا بشجاعة رجال الدولة تكن مصيبا، وسنبحث فيها فيما بعد أوفى ~~بحث إذا شئت؛ لأنها غير مقصودة بالذات في بحثنا الحاضر، وإنما غرضنا الخاص هو ~~«العدالة»، وأظن أن ما أوردناه في الشجاعة كاف. # غ ~~: # مصيب. # س ~~: # بقي أمران في الدولة يلزم اكتشافهما، وهما: العفاف والعدالة، والأخيرة هي سبب ~~كل هذه الأبحاث. # غ ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # فإذا رمنا إراحة أنفسنا من البحث في العفاف، فهل لنا من وسيلة ms108 لاكتشاف ~~العدالة؟ # غ ~~: # لا أدري. ولا أريد الابتداء بالعدالة قبل استيفاء البحث في العفاف، فإذا كنت ~~تسرني فابدأ به. # س ~~: # أريد ذلك على قدر ما أنا أمين. # غ ~~: # فابدأ بحثك. # س ~~: # سأبدأ. لقد لاح لنا من موقف بحثنا الحالي أن العفاف أكثر شبها بالوئام من ~~أختيه السابقتين. # غ ~~: # وكيف ذلك؟ # س ~~: # العفاف على ما أظن: نوع من الاتساق وامتلاك أعنة الرغائب واللذات، ~~وعليه: نسمع الناس يقولون: أن فلانا سيد نفسه باعتبار ما، وما ماثل ذلك من ~~الاصطلاحات الشائعة المعربة عن المعنى المراد. # غ ~~: # وهي كذلك بكل تأكيد. # س ~~: # ولكن أليس الاصطلاح «سيد نفسه» أمرا سخيفا؟ لأن كونه «سيد نفسه» يستلزم أنه ~~«عبد نفسه» أيضا، فيكون سيدا ومسودا في وقت واحد. # غ ~~: # دون شك. # س ~~: # والظاهر أن مفاد هذا الاصطلاح أن في الإنسان - أي في نفسه - مبدأ صالحا ~~ومبدأ شريرا؛ فحين يسود مبدؤه الصالح المبدأ الشرير نعبر عن ذلك بقولنا إنه ~~سيد نفسه، وهو مدح، أما إذا تغلب فيه المبدأ الشرير، إما لسوء تربيته، أو ~~لتأثير المعشر الردي من صحبه الكثيرين، نعت في هذه الحال بأنه «عبد نفسه» ~~و«زنيم» تهكما. # غ ~~: # يظهر أنه بيان كاف عنه. # س ~~: # فنظرة ثمة إلى دولتنا الجديدة، تجد فيها أحد هذين الحالين، فإنك تسلم ~~بدعوتها «سيدة نفسها» إذا سادها العفاف وضبط النفس سيادة العنصر الصالح العنصر ~~الردي (في الإنسان). # غ ~~: # قد نظرت حسب إشارتك، وأرى قولك حقا. # س ~~: # فبالأحرى تسلم أن هذه الرغائب واللذات والآلام الكثيرة المنوعة توجد على ~~الخصوص في الأحداث، والنساء، والخدم، وفي جمهور العامة، وأيضا بين الأحرار ~~اسما. # غ ~~: # هكذا. # س ~~: # أما الرغائب المعتدلة البسيطة المقارنة العقل، والرأي السديد المسترشد ~~بالتفكر، فإنما توجد في فئة قليلة من الناس، هي متصفة بأفضل المزايا ~~الطبيعية وأسمى آثار التهذيب. # غ ~~: # حقيق. # س ~~: # أولا ترى ما يوازي ذلك في دولتك؟ وبعبارة أخرى أن رغائب الأكثرية من عامة ~~الناس وأهل الطبقات الدنيا هي محكومة برغائب فئة المهذبين القليلة العدد ~~وفطنها؟ # غ ~~: # بلى، إني أرى ذلك. # س ~~: # فإذا كان ms109 هنالك دولة بحق تدعى سيدة نفسها وضابطة رغائبها ولذاتها، ~~فدولتنا الحائزة على هذه الصفات هي تلك الدولة. # غ ~~: # بالتأكيد. # س ~~: # أفلا ندعوها عفيفة بناء على كل هذه البيانات؟ # غ ~~: # تأكيدا ندعوها. # س ~~: # وإذا ساد دولة الاتحاد بين الحاكم والمحكوم في من يجب أن يتولى الأحكام، ~~ففي دولتنا ذلك الاتحاد. ألا تظن هكذا؟ # غ ~~: # بكل تأكيد. # س ~~: # ففي أي القسمين نقول إن العفاف يستقر إذا سلك أهلوها هذا المسلك؟ أفي الحكام ~~أم في الرعية؟ # غ ~~: # في الفريقين. # س ~~: # وهل ترى أننا لم نسئ التكهن لما زعمنا أن العفاف نوع من الاتزان؟ # غ ~~: # ولماذا؟ # س ~~: # ليس العفاف كأختيه: الشجاعة والحكمة، ينحصر في فئة خاصة من الناس، وبها تكون ~~الدولة حكيمة أو شجاعة، بل هو صفة تعم جميع الفئات على السواء، فينشئ ترابطا ~~بين الأقوى والأضعف ومن بينهما، سواء قست هذه الطبقات بقياس القوة البدنية، ~~أو بالفهم، أو بالعدد، أو بالثروة، أو بما تشاء من الأقيسة، فيحق القول: إن ~~الجامعة العامة هي العفاف: وهو رباط يضم أفضل عناصر الدولة طبعا إلى أسوئها ~~فطرة، سواء في ذلك الفرد والمجموع، في ما يتعلق بمن يحق له الحكم. # غ ~~: # أوافقك كل الموافقة. # س ~~: # حسنا، فقد اكتشفنا في مدينتنا ثلاثة مبادئ من أربعة على أقل تقدير. هذا هو ~~اقتناعنا الحالي، فما هو المبدأ الرابع الباقي الذي به تشترك الدولة بالفضيلة؟ ~~إننا نؤكد أنه: «العدالة.» # غ ~~: # واضح أنه العدالة. # س ~~: # فيجب أن نكون الآن يا غلوكون كالصيادين الذين يحيطون بالغابة كي لا تفلت ~~طريدتهم، فلننتبه لئلا تفلت العدالة من بين أيدينا؛ لأنه ثابت أنها موجودة، ~~فنظرة في المحيط علك تلمحها قبلي فتخبرني. # غ ~~: # أتمنى لو أن ذلك يتسنى لي، وإنك لتحسن إلي كثيرا إذا عاملتني عوض ذلك ~~معاملة من يقتفي خطواتك ليتمكن من رؤية ما يشار إليه. # س ~~: # فهلم ورائي بعد أن تشاركني في الصلاة. # غ ~~: # سأتبعك فابدأ. # س ~~: # حقا إن الطريق أمامي عسرة المسالك كثيرة الشعاب، وسبيل الاكتشاف أبدا وعر ~~مظلم، ولكن يجب أن نتقدم. # غ ~~: # نعم، ms110 يجب أن نتقدم. # س ~~: # هنا أرى قبسا. هه، هه، أمامنا آثار يا غلوكون، فلا أظن أن الطريدة تفلت من ~~أيدينا. # غ ~~: # يا للبشرى. # س ~~: # حقا إننا كنا في وهدة الحماقة. # غ ~~: # وكيف ذلك؟ # س ~~: # يظهر يا سيدي العزيز أن ما ننشده مضى عليه زمان طويل وهو أمامنا ولم ننتبه ~~له، بل أتينا عملا سخيفا كالذين يفتشون عما هو بين أيديهم، هكذا نحن، عوض ~~التحديق في ما هو أمامنا أرسلنا النظر بعيدا ففاتنا إدراكه. # غ ~~: # وماذا تعني؟ # س ~~: # ذلك ما أعني، كنا نتحدث في العدالة، وفاتنا أننا قد أبناها. # غ ~~: # ويا طولها مقدمة على المشتاق إلى الإيضاح! # س ~~: # فاسمع وقل أمصيب أنا أم لا؟ إن القانون الذي وضعناه في بدء تأسيسنا الدولة ~~هو العدالة، فقد قررنا وأعدنا القول مرارا إذا كنت تذكر أنه: على كل من ~~أبناء الدولة أن يلوذ بشيء واحد تمثيل إليه فطرته. # غ ~~: # قلنا ذلك. # س ~~: # فيظهر يا صديقي أن: العدالة هي اقتصار الإنسان على ما يخصه. أتعلم من أين ~~اقتبست ذلك؟ # غ ~~: # لا، فقل من أين؟ # س ~~: # ظننت أن الباقي في الدولة بعد طرح الصفات التي نظرنا فيها - أي العفاف ~~والشجاعة والحكمة - هو الذي يجعل الدخول إليها ممكنا، ويحفظ من دخلها ضمن ~~حدودها، وقد قلنا الساعة إن الفضيلة الباقية من طرح ثلاث من الأربع هي ~~العدالة. # غ ~~: # نعم، إنها كذلك دون شك. # س ~~: # وإذا رمنا الحكم في أي هذه الفضائل الأربع إذا جدت في المدينة كان لها أعظم ~~أثر في إكمال فضيلة سكانها، عسر علينا القطع، أهي الوئام بين الحكام ~~والرعية؟ أم هي ثاقب الرأي في الجيش في ما يخشى وما لا يخشى؟ أم في حكمة ~~الحكام وسهرهم؟ أم في ظهور آثار هذه الرابعة (العدالة) في كل ولد وكل سيد، ~~وكل عبد وكل حر، وكل صانع وكل حاكم، في الدولة كافة؟ موجبة عليهم أن يلزم كل ~~منهم عمله ويحذر الفضول. # غ ~~: # لا شك في أنه يصعب القطع في الأمر. # س ~~: # فالظاهر أنه في ترقية فضيلة الدولة، تستطيع ms111 القوة التي تحمل كلا على ~~القيام بعمله الخاص، أن تباري حكمتها وشجاعتها وعفافها. # غ ~~: # حقا إنها تباري. # س ~~: # وإذا كان هنالك مبدأ يباري هذه الصفات في ترقية فضيلة الدولة، أفلا تجزم أنه ~~«العدالة»؟ # غ ~~: # بكل تأكيد. # س ~~: # فانظر إلى المسألة نظرا آخر، وقل هي تنتهي إلى النتيجة نفسها. هل تخص حكام ~~الدولة بالقضاء في الدعاوى؟ # غ ~~: # بالتأكيد. # س ~~: # أفلا يكون رائدهم في قضائهم فوق كل شيء، أن لا يمس أحد مال غيره، ولا يمس أحد ~~إلا ماله؟ # غ ~~: # بلى، هذا هو همهم الخاص. # س ~~: # ألأن ذلك عدل؟ # غ ~~: # نعم. # س ~~: # فنسلم جريا على هذا الرأي «أن عمل ما يخصنا وتمتعنا به هو ~~العدالة». # غ ~~: # حقيق. # س ~~: # فتفكر في نفسك، أمن مذهبي التالي أنت؟ إذا أخذ النجار على عاتقه أن يعمل عمل ~~الإسكاف، أو الإسكاف عمل النجار، إما بتبادلهما الأدوات والميزات، أو بقيام ~~أحدهما بعمل الاثنين معا، مع ما بين المهنتين من التباين، فهل يحل بالدولة ~~كبير ضرر من جراء ذلك؟ # غ ~~: # ليس كبيرا. # س ~~: # على أني أرى أنه إذا ترفع قلب أحد الصناع أو المنتجين من أي نوع كان، إما ~~بعامل الغنى، أو بعامل القرابة، أو اعتدادا بالقوة البدنية، أو بأي عامل كان، ~~فتطاول إلى مصاف المجاهدين، أو إذا تطفل أحد المحاربين على مجلس الأعيان عن ~~غير جدارة، أو إذا تبادل هؤلاء الأدوات والميزات، أو إذا زعم أحدهم أنه يقوم ~~بكل هذه الأعمال معا، فأرى أنك تسلم معي أن ذلك الفضول وتلك الفوضى يؤديان ~~حتما إلى دمار الدولة. # غ ~~: # بكل تأكيد. # س ~~: # فأي تدخل من هذه الأنواع الثلاثة أو تبدلها إحداها بالأخرى يسبب دمارا ~~عظيما في الدولة، وبكل عدالة وبأصدق تعبير يدعى عملا شريرا. # غ ~~: # هكذا تماما. # س ~~: # أولا تسلم أن إساءة الإنسان إلى الدولة شر إساءة هو تعد؟ # غ ~~: # دون شك إنه تعد. # س ~~: # فهذا إذا تعد. وإذا تقيد كل منهم بعمله الخاص المنوط به، معرضا ~~عما لا يعنيه في دوائر الصناعة والحرب والحكم فذلك التصرف عدالة، وبه تكون ms112 ~~المدينة عادلة. # غ ~~: # أسلم كل التسليم. # س ~~: # فلا نجزمن في الأمر كثيرا، ولكن إذا وجدنا في تطبيق هذا الحكم على الفرد ~~أن ذلك منه ظاهرة عدالة أعلنا مصادقتنا، وماذا نروم أكثر؟ وإلا حاولنا ~~الدخول في بحث جديد، أما الآن فلنتمم بحثنا الذي بدأناه، موقنين أننا إذا ~~تصورنا العدالة في الوسط الكبير أولا هان علينا إدراكها في الوسط الصغير في ~~الفرد الواحد من الناس، وقد رأينا الدولة أفضل وسط نختاره لهذا الغرض؛ لذلك ~~أنشأنا المثل الأعلى من الدول، عالمين أن العدالة تستقر في أفضلها. فلننتقل ~~إذا من المثال الذي وضح لنا في الدولة إلى تطبيقه على الفرد، فإذا طابقت ~~النتيجة فيه النتيجة في الدولة فبها ونعمت، وإذا اختلفت فيه عنها فيها في أمر ~~من الأمور عدنا إلى الدولة لاستئناف الامتحان. وبوضع الدولة والفرد جنبا إلى ~~جنب والجمع بينهما تسطع منهما شرارة العدالة سطوع النور لدى فرك قطعتين من ~~الخشب الجاف إحداهما بالأخرى، ومتى سطعت أنوار العدالة أمام عقولنا حكمنا في ~~حقيقتها. # غ ~~: # في اقتراحك أسلوب حسن فلنتبعه. # س ~~: # فأتقدم إلى السؤال: إذا دعونا شيئين مختلفين مقدارا باسم واحد باعتبار ~~الصفة المشتركة بينهما، أفمثلان هما أم غيران؟ # غ ~~: # مثلان. # س ~~: # فلا يختلف الفرد العادل عن الدولة العادلة، بل الاثنان سيان باعتبار ~~اشتمالها على حقيقة العدالة. # غ ~~: # سيان. # س ~~: # فنحكم إذا يا صاح في أمر الإنسان الفرد إذا هو امتلك في نفسه أنواع الأقسام ~~المذكورة، أن من الصواب تلقيبه بالألقاب التي أطلقناها على الدولة باعتبار وحدة ~~رغبات هذه الأقسام في الدولة وفي الفرد. # غ ~~: # لا مندوحة عن ذلك. # س ~~: # فقد عرضت لنا أيها الصديق الفاضل مسألة ثانية سهلة بخصوص طبيعة النفس ~~البشرية، وهي «الأقسام الثلاثة فيها أم لا؟». # غ ~~: # إنها مسألة لا يستهان بها. ولقد حق القول يا سقراط «إن الجميل عسر ~~المنال». # س ~~: # هكذا يظهر، وأقول لك صراحة يا غلوكون أننا حسب رأيي، لن نبلغ حقيقة هذا ~~الموضوع بالأساليب التي نجري عليها في بحثنا الحالي، ولا يزال السبيل المؤدي ~~إليها طويلا وعرا. ms113 وأجرؤ على القول إننا قد ندرك الحقيقة بواسطة أساليبنا ~~الحالية في صورة ليست دون أبحاثنا وحججنا السالفة. # غ ~~: # أفلا نكتفي بذلك؟ أما أنا فأكتفي الآن. # س ~~: # وأنا أيضا أكتفي. # غ ~~: # فلا يفت في عضدك إذا، بل اشرع في البحث. # س ~~: # فقل: أيمكننا أن ننكر أن في كل منا نفس المبادئ الأصلية والأوصاف التي في ~~الدولة؟ فلست أرى أنها تسربت إلى الدولة من غير هذا الأصل. ومن المستهجن ~~التصور أن المبدأ الحماسي اتصل بالدولة إلا عن طريق الأفراد المتصفين ~~بالحماسة، كما هو الحال في الثراكيين والسكيثيين وسكان الأقاليم الشمالية ~~كافة، وكذلك حب المعرفة الذي بحق ينسب إلى أمتنا، وحب الثراء المنسوب إلى ~~الفينيقيين والمصريين. # غ ~~: # حقيق. # س ~~: # ذلك حق واضح لا يعسر علينا فهمه. # غ ~~: # كلا لا يعسر. # س ~~: # هنا تبرز صعوبة، وهي: هل نتم كل أعمالنا بقوة واحدة سائدة فينا؟ أو أن ~~هنالك ثلاث قوى تعمل كل منها على حدة في أعمالنا المختلفة؟ فنتعلم بإحداها، ~~ونغضب بأخرى، وبثالثة تتوق نفوسنا إلى لذائذ الطعام والشراب والتوليد؟ أو أننا ~~نعمل كلا من هذه الأفعال بمجموع قوى النفس كتلة واحدة؟ إنه يعسر علينا ~~القطع في هذه المسألة قطعا مرضيا. # غ ~~: # هكذا أظن. # س ~~: # فلنجرب الخطة الآتية لنرى أمتمايزة القوى العاملة فينا أم واحدة؟ # غ ~~: # وما هي خطتك؟ # س ~~: # من البين أن شيئا واحدا لا يمكنه أن يعمل عملين متضادين، أو يكون في ~~حالين متباينين في وقت واحد وفي موضوع واحد، فحيثما اتفق لنا أن نكون في ~~موقف كهذا حكمنا أن الموضوعات ليست واحدة بل متعددة. # غ ~~: # حسنا جدا. # س ~~: # فتأمل في ما سأقوله. # غ ~~: # تفضل. # س ~~: # أيمكن أن يكون القسم الواحد في الشيء الواحد ساكنا ومتحركا معا في وقت ~~واحد؟ # غ ~~: # كلا لا يمكن. # س ~~: # فلنتفاهم أكثر لئلا نختلف متى تقدمنا، فإذا قيل إن الإنسان الذي يقف ~~ويحرك يديه ورأسه هو ساكن ومتحرك في وقت واحد، فلا نسلم بصحة هذا ~~القول؛ لأن قسما من ذلك الإنسان ساكن، وقسما آخر متحرك. أليس هذا هو ms114 ~~الواقع؟ # غ ~~: # بلى. # س ~~: # وإذا قال الخصم موغلا في المداعبة في قالب لطيف: إن الدوامات «النحلات» ~~تكون ساكنة ومتحركة معا حين يدور أعلاها ورأسها مستقر في موضع خاص لا ~~يبرحه، أو إن أي شيء آخر يدور في نفس المكان فهو ساكن ومتحرك معا، فلا نقبل ~~هذه الأقاويل؛ لأن تلك الأشياء ليست ساكنة ومتحركة في وقت واحد باعتبار واحد. ~~وردنا على الخصم هو: أن لها محورا أو محيطا، فهي ساكنة باعتبار المحور، ~~دائرة باعتبار المحيط، إذا كانت لا تميل من ناحية إلى أخرى، وإذا مال محورها عن ~~العمودي في أثناء دورانها إلى الأمام أو إلى الوراء أو اليمين أو اليسار، ~~فحينذاك يتعذر القول إنها ساكنة. # غ ~~: # حقيق. # س ~~: # فلا تخيفنا مقاومة من هذا النوع، ولا تقنعنا بأن شيئا واحدا في وقت واحد ~~وفي قسم واحد وبالنسبة إلى موضوع واحد، ينفعل انفعالين متضادين، وينتج ~~مفعولين متباينين. # غ ~~: # يمكنني الجواب عن نفسي. # س ~~: # فلا نضيعن الوقت في رد اعتراضات كهذه وفي إقناع أنفسنا بأنها باطلة. ~~فدعنا نفرض أن الحقيقة هي كما قلنا، ولنتقدم إلى الأمام ونحن على بينة من ~~أمرنا، أننا قبلنا رأيا مخالفا لما قلناه، كان كل ما نبنيه عليه من ~~النتائج عرضة للسقوط لا محالة. # غ ~~: # هذه هي الخطة المثلى. # س ~~: # حسنا، فهل تدرج في سلك المتضادات الاتفاق والتباين، قبول موضوع ورفضه، ~~الجذب والدفع، وأمثال ذلك من المتضادات؟ وسواء كانت فاعلة أو منفعلة فلا ~~يغير ذلك حكمنا؟ # غ ~~: # نعم إني أدرج. # س ~~: # أفلا تدرج مطردا الجوع والعطش والرغبات عامة، والإرادة الميل لأمر ما، ~~تحت أحد الصفين المذكورين؟ مثلا: ألا نقول إن عقل الإنسان يشتهي مدفوعا ~~بالرغبة في الحصول على مطلوبه، أو يجتذب إلى صدره ما يهواه؟ أو إنه على قدر ما ~~يرغب في امتلاك مطلب ما يستحسن في قلبه الحصول عليه، كأنه يطلبه بلسانه مشتاقا ~~إلى سد شهوته؟ # غ ~~: # إني أدرج. # س ~~: # أولا تصف الكراهية والنفار والمقت وأمثالها في صف الرفض العقلي والصد، ~~وبالإجمال نقيض اللائحة الآنفة الوصف؟ # غ ~~: # دون شك. ms115 # س ~~: # أفتقول والحالة هذه أن الرغبات تؤلف صفا واحدا، وأشهر ما فيها الجوع ~~والعطش؟ # غ ~~: # نقول. # س ~~: # الأول رغبة في الطعام، والآخر في الشراب؟ # غ ~~: # نعم. # س ~~: # فهل العطش كعطش رغبة في أكثر من الشراب؟ أي هل هو عطش إلى الشراب الحار أو ~~إلى الشراب البارد مثلا؟ أو إلى الكثير من الشراب أو إلى القليل منه ؟ أوليس ~~بالأحرى حقا أنه إذا صحب العطش حر كانت الرغبة في الشراب البارد، وإذا صحبه ~~برد كانت الرغبة في الشراب الحار، وإذا اشتد العطش كانت الرغبة في الكثير من ~~الشراب، وإلا ففي القليل؟ ولكن العطش بحد ذاته لا ينشئ شوقا إلى أكثر من ~~الشراب البسيط الذي تتطلبه الطبيعة. وعلى هذا يقاس الجوع أيضا. # غ ~~: # أنت مصيب. فكل رغبة في حد ذاتها تتجه إلى غرضها الخاص الذي تطلبه بصورة ~~بسيطة، أما الرغبة في نوع المطلوب أو مقداره فهي إضافية. # س ~~: # فلا ندعن أحدا يشوش أفكارنا بالمعارضة لنقص اختبارنا، قائلا أن لا ~~أحد يرغب في مجرد الشراب، بل في الشراب الجيد، أو في مجرد الطعام، بل في الطعام ~~الجيد؛ لأن الناس عموما يرغبون في الجيد من كل شيء. فإذا كان العطش رغبة فهو ~~رغبة في الجيد من الشراب، والحكم واحد في الشرب وفي غيره سواء بسواء، وينطبق ~~هذا الحكم على كل الرغائب. # غ ~~: # حقيقة، قد يكون هنالك سر في المضادة. # س ~~: # وعلى كل فأذكر أنه في كل الحدود النسبية، إذا كان الحد الأول مقيدا كان ~~الثاني مقيدا، وإذا كان الأول مطلقا كان الثاني مطلقا. # غ ~~: # لم أفهمك. # س ~~: # ألا تفهم أن «الأعظم» حد إضافي ينطوي على حد آخر؟ # غ ~~: # حقيقة. # س ~~: # فينطوي على «الأدنى» و«الأقل». ألا ينطوي؟ # غ ~~: # بلى. # س ~~: # والأوفر عظمة ينطوي على الأكثر قلة أو صغارة؟ # غ ~~: # نعم. # س ~~: # وهل يشير الزائد ماضيا إلى الناقص ماضيا من باب الطباق، والزايد مستقبلا ~~إلى الناقص مستقبلا؟ # غ ~~: # من كل بد. # س ~~: # أولا يتمشى هذا القياس على الحدود المطابقة «كالأكثر والأقل»، و«المضاعف ~~والمناصف»، وكل الكميات النسبية؟ وأيضا ms116 «الأثقل والأخف»، و«الأسرع ~~والأبطأ»، و«البارد والحار»، وكل النعوت المماثلة؟ # غ ~~: # يتمشى بالتأكيد. # س ~~: # وكيف الحال في الفروع العملية المنوعة؟ ألا يصح فيها هذا الحكم؟ أي إن ~~المعرفة المجردة تنحصر في «المعروف» فقط، وكل ما يمكن أن يكون موضوع المعرفة ~~المطلقة، أما العلم الخاص بنوع خاص فله موضوع خاص؟ ولإيضاح ما أعنيه أقول : حين ~~بدأ فن البناء، ألم يتميز عن غيره من العلوم فدعي علم الأبنية؟ # غ ~~: # دون شك. # س ~~: # أوليس ذلك لأنه ذو صفة خاصة لا يشاركه فيها علم آخر؟ # غ ~~: # بلى. # س ~~: # أو لم تتفرع صفته الخاصة من صفة موضوعه الخاص؟ أولا يمكنا إطلاق هذا الحكم ~~على جميع العلوم والفنون؟ # غ ~~: # يمكنا. # س ~~: # فهذا ما عليك أن تفهم أني أعنيه بكلامي السابق، وعليه: فأنت تفهم حكم الحدود ~~الإضافية، فإذا كان أول المتضايفين مطلقا كان ثانيهما مطلقا، وإذا كان ~~ثانيهما مقيدا فأولهما مقيد. ولا أعني بذلك أن صفات الاثنين واحدة، كأني ~~أقول مثلا إن «علم الصحة صحيح»، «وعلم المرض مريض»، أو إن «علم الشر شرير»، ~~و«علم الصلاح صالح»، لا بل إنه حالما ينسلخ العلم عن الإطلاق ويضاف بنوع خاص، ~~كالمثل الوارد أعلاه في أحوال الصحة والمرض، تحول العلم إذ ذاك إلى التقيد ~~بنعت من النعوت، فلا يدعى فيما بعد «علما» بإطلاق اللفظ، بل يتقيد بإضافته ~~إلى موضوعه الخاص، كقولنا مثلا: علم الطب. # غ ~~: # فهمت، وأرى قولك حقا. # س ~~: # فلنعد إلى أمر العطش، أفلا تحسبه أحد الأشياء التي تستلزم طبيعتها موضوعا ~~نسبيا ملائما، بناء على تسليمنا أن هنالك ما يسمى عطشا؟ # غ ~~: # أسلم، وموضوعه الشرب. # س ~~: # فللشرب الخاص عطش خاص، ولكن العطش المطلق لا يتقيد بكثرة الشرب أو بقلته ~~ولا بجودته أو عدمها، وبالاختصار: لا يتناول نوعا خاصا من الشرب، بل هو عطش ~~مطلق إلى الشرب. أليس كذلك؟ # غ ~~: # بأتم ضبط. # س ~~: # فلا تتناول نفس العطشان رغبة في غير الشراب المطلق، فالشراب ترغب وإياه ~~تطلب. # غ ~~: # هذا هو الحال بوضوح. # س ~~: # فإذا جذب النفس العطشى جاذب عن الشرب، فذلك الجاذب جزء ms117 آخر في النفس متميز ~~عن الجزء الذي عطش وصبا إلى الشرب صبو الأيل إلى الماء. أو لم نقل إن الشيء ~~الواحد يستحيل أن يعمل عملين متضادين في وقت واحد في وسط واحد باعتبار ~~واحد. # غ ~~: # مؤكد أنه يستحيل. # س ~~: # وعلى القياس نفسه رامي النبال، لا يجوز أن نقول إن يده تجذب وتدفع معا، بل ~~إنه يجذب بيد ويطلق السهم بالأخرى. # غ ~~: # حقيقة إنه يفعل هكذا. # س ~~: # أفيمكننا أن نقول إن الناس يأبون الشرب أحيانا وهم عطاش؟ # غ ~~: # نعم، كثيرا ما يحدث ذلك للكثيرين من الناس. # س ~~: # فماذا يقول المرء في أشخاص كهؤلاء إلا أن في نفوسهم مبدأ يوجب الشرب، ومبدأ ~~آخر يحظره، وأن الثاني متميز عن الأول وأقوى منه؟ # غ ~~: # هذا هو رأيي. # س ~~: # أولا ينشأ الوازع الذي يحول دون تهتك كهذا في النفس عن القوة الذهنية، ~~بينما القوة التي تقود العقل وتجذبه إلى التهتك تنشأ عن مرض في النفس؟ # غ ~~: # هكذا يظهر. # س ~~: # فلنا أساس معقول للادعاء أن هاتين القوتين متميزتين في نفس الإنسان، فندعو ~~قسم النفس الذي به تعقل «القوة الذهنية»، والقسم الذي به تجوع وتعطش وتختبر ~~تقلب الرغبات الأخرى، نلقبه بلقب غير العقلي أو: «القوة الشهوية»، وهي حليفة ~~اللذة والانقياد. # غ ~~: # نعم، التفكير على هذا النمط ليس بدون أساس معقول. # س ~~: # فلنحسبها مسألة مبتوتة أن في النفس هذين المبدأين المتمايزين، فهل المبدأ أو ~~القسم الذي به نغتاظ ثالث متميز عنهما؟ وإلا فإلى أي القوتين هو أميل ~~بطبيعته؟ # غ ~~: # قد يمت بنسب إلى القوة الشهوية. # س ~~: # ولكنني سمعت عن ليونتيوس بن أغلايون قصة أصدقها، وهي أنه لما خرج من ~~بيرايوس، وشعر بوجود أشلاء قتلى في مجرى ماء تحت سورها الشمالي والقاتل إلى ~~جانبها، كان في نفسه رغبتان، تهيب به الواحدة إلى رؤية الأشلاء، والأخرى إلى ~~الاشمئزاز منها والإعراض عنها، فكان في داخله حرب شعواء بين هاتين الرغبتين، ~~فأغمض عينيه أولا ومر بالجثث فلم يرها، على أنه لما تغلبت فيه الشهوة فمال ~~لرؤية الجثث فتح عينيه بأصابعه قائلا بغضب: ms118 «هلمي أيتها العيون التاعسة ~~وتمتعي بهذا المنظر الشهي!» # غ ~~: # وأنا أيضا سمعتها. # س ~~: # فهذه القصة ترينا أن الغضب يضاد الشهوة، والنتيجة أنهما مبدآن ~~متباينان. # غ ~~: # حقا إنه يضاد الشهوة. # س ~~: # أولسنا نرى أن الإنسان وقد حملته الشهوة على مضادة أحكام الذهن يؤنب نفسه ~~ويغضب على القوة المتحكمة في داخله؟ وحين تتصادم القوتان يكون الغضب إلى جانب ~~القوة الذهنية؟ ويخوض معارك حامية ضد الشهوات حين يقرر الذهن أنه لا يجوز أن ~~يتفقا عليه؟ فستقول لي إنك لم تشعر في نفسك بشيء من ذلك قط ولاحظته في ~~غيرك. # غ ~~: # لم أشعر بشيء من هذا القبيل. # س ~~: # فحين يرى الإنسان أنه قد خطئ أفلا يكون هدوء روحه مقيسا بكرم أخلاقه، فيتحمل ~~تبعة عمله من جوع وبرد وإضرابهما من يد من أساء إليه، معتقدا أنه نال جزاءه ~~العادل؟ وكما قلت سابقا إنه لا يستفزه الغضب فيقوم على من عاقبه. # غ ~~: # هذا حقيق. # س ~~: # ولكنه حين يرى أن قد مسه الضر ظلما وعدوانا ألا تتقد فيه جذوة الغضب ~~حنقا؟ فينضوي تحت ما يحسبه «العدالة» ويتحمل أقصى الجوع والبرد وأمثالهما في ~~سبيل الجهاد، إما فوزا أو موتا، أو يصده النهى عن ذلك صد الراعي ~~كلبه؟ # غ ~~: # ينطبق ذلك على ما تعنيه انطباقا تاما، وحقا إننا قد عينا المعاونين ~~في دولتنا تحت إدارة الحكام ككلاب رعاة الأمة. # س ~~: # أرى أنك فهمت جيدا ما أعنيه، فاحرص أن تفهم ما يأتي. # غ ~~: # وما هو؟ # س ~~: # هو أن رأينا الحديث في القوة الغضبية نقيض ما سلف، فقد خلناها حليفة القوة ~~الشهوية، والآن نراها بعيدة عنها، وفي حال النزاع الروحي الناشب داخل النفس ~~تنحاز إلى القوة الذهنية. # غ ~~: # حتما تنحاز إليها. # س ~~: # أفمستقلة هي عن القوة الذهنية؟ أو إنها مجرد تعديل، بحيث يكون في النفس قوتان ~~«لا ثلاث متمايزة»، هما القوة العقلية والقوة الشهوية؟ أو إنه في النفس - كما ~~في الدولة - ثلاث قوى متمايزة هي: المفكرة، والمنفذة، والمنتجة، يقابلها في ~~النفس ثلاث قوى، ثالثتها الغضبية، حليفة الذهن الطبيعية ما لم يفسد ms119 بناء النفس ~~سوء التربية؟ # غ ~~: # بالضرورة هي قوة ثالثة. # س ~~: # نعم، إذا ثبت أنها متميزة عن القوة الذهنية كما رأينا أنها منفصلة عن القوة ~~الشهوية تمام الانفصال. # غ ~~: # وليس ذلك بخاف عن النظر؛ لأن المرء يرى حتى في الأطفال أنهم منذ نعومة ~~أظفارهم يتميزون غضبا، مع أن بعضهم لم يبد فيه أقل أثر للقوة العقلية بعد، ~~ولا يدركونها قبل مرور السنين الكثيرة، وفي رأيي أن بعضهم لن يدركها. # س ~~: # نعم نعم، إنك لمصيب، ويمكن المرء أن يلاحظها أيضا في البهائم، ففيها ما ~~تكلمت عنه، عدا ذلك فإن في البيت الذي أوردناه عن هوميروس، وهو: فقرع الصدر وفي ~~القلب ندم: قد أوضح بهذا البيت اختلافا بين القوتين، مبينا أن القسم الذي ~~يعرف الخير والشر يؤنب القسم الذي انغمس في الشر بدون تفكر. # غ ~~: # أنت مصيب كل الإصابة. # س ~~: # وأرانا قد بلغنا شط السلام ولو بعد جهاد مبرح، وأيقنا يقينا راسخا ~~بوجود مطابقة تامة بين أقسام الدولة وأقسام نفس الفرد. # غ ~~: # حقيق. # س ~~: # أفلا ينتج عن ذلك أن الأفراد يحسبون حكماء، على القاعدة نفسها التي بها ~~تحسب الدولة حكيمة؟ # غ ~~: # دون شك إنهم يحسبون. # س ~~: # وبهذه الصورة وهذا المبدأ الذي به يكون الفرج شجاعا تكون الدولة كذلك، وقس ~~عليه الاعتبارات الأخرى، فإن نسبة النفس إليها كنسبة الدولة، وكل ما يفضي إلى ~~وجود الفضيلة في الفرد يفضي إلى وجودها في الدولة. # غ ~~: # ذلك لازم. # س ~~: # فيمكننا القول يا غلوكون إن الرجل عادل كما نقول إن الدولة عادلة. # غ ~~: # وبهذا تتفقان ضرورة. # س ~~: # فلم ننس أن ما يجعل الدولة عادلة هو التزام كل من أقسامها الثلاثة عمله ~~الخاص. # غ ~~: # أظن أننا لم ننس. # س ~~: # فليرسخ في ذهن كل منا أنه إذا أتم كل قسم من أقسام العقل عمله الخاص كان ~~صاحبه بهذا الاعتبار إنسانا عادلا، عاملا عمله الخاص. # غ ~~: # حقا، يجب أن يرسخ ذلك في الذهن. # س ~~: # أفليس من الجوهري أن يكون الحكم في قبضة مملكة الذهن لكونها حكيمة، فتقوم ~~بتدبير مصالح النفس كلها، ms120 وتكون مملكة الحماسة في النفس بمثابة حليفة ~~ورعية؟ # غ ~~: # بلى، بالتأكيد. # س ~~: # أوليس اقتران الموسيقى بالجمناستك - كما أسلفنا - يقرن هذين القسمين - الذهن ~~والحماسة - فيغذي الأول ويرقيه بالمحادثات العلمية السامية، ويلطف الثاني ~~ويكسر حدته بالخطاب اللطيف، فيصير إلى الأنس بعد الوحشة بفعل اللحن ~~والإيقاع. # غ ~~: # حتما هكذا. # س ~~: # وإذا تدرب القسمان هكذا أتقنا دروسهما وحصلا على التهذيب الحقيقي وسادا ~~القسم الشهوي الذي يؤلف الجانب الأكبر من نفس كل إنسان، وهو طبعا الأشد نهما، ~~وراقباه مراقبة مدققة لئلا يعال بما نسميه «اللذات الجسدية»، فيزداد نموا ~~وقوة، ويتعدى حدوده ويأبى أن يلزم عمله الخاص، ويطمح إلى التسلط على ~~الأقسام الأخرى سلطة مطلقة لا تجوز له، فيئول ذلك إلى دمار المجموع. # غ ~~: # حقا إن ذلك يخرب كل قوى النفس. # س ~~: # أولم يتأهبا - الذهن والغضب - أفضل تأهب لحراسة النفس والجسد ضد هجمات ~~الأعداء الخارجيين، فيمارس الواحد الشورى، والثاني يخوض المعارك إطاعة للقوة ~~الحاكمة، مجهزا بالشجاعة لإنفاذ قرارها؟ # غ ~~: # حقيق. # س ~~: # هكذا ندعو الفرد شجاعا باعتبار العنصر الحماسي في طبيعته، حيث يثبت هذا ~~القسم في الألم وفي السرور، حسبما أملى عليه الذهن ما الذي يخشى وما الذي لا ~~يخشى. # غ ~~: # نعم، وبالصواب ندعوه شجاعا. # س ~~: # وندعوه حكيما باعتبار القسم الصغير المتسلط في نفسه، الذي يملي هذه ~~الإرشادات، وله العلم في ما يفيد هذه الأقسام الثلاثة مفردة ومجموعة. # غ ~~: # بالتمام هكذا. # س ~~: # أولا ندعو الإنسان عفيفا باعتبار تلاؤم هذه الأقسام والقوى واتزانها ~~وائتلافها؟ أي حين يتفق القسمان المحكومان مع القسم الحاكم، حاسبين القسم ~~العقلي صاحب الحق الملوكي؟ # غ ~~: # ليس العفاف إلا هكذا في الفرد وفي الدولة. # س ~~: # وأخيرا، يكون الإنسان عادلا بالطريقة والوسائل التي وصفناها ~~تكرارا. # غ ~~: # لا شك في كونه كذلك. # س ~~: # فقل لي: هل وجدنا في بحثنا في العدالة فارقا بينها في الفرد وبينها في ~~الدولة؟ # غ ~~: # لا أظن. # س ~~: # لأننا نقدر أن نجعل رأينا مبرما بتطبيقنا الحكم العام عليه، إذا كان في ~~عقولنا شكوك من هذا القبيل. # غ ~~: # وأي نوع من الأمثلة تعني؟ # س ms121 ~~: # مثلا، إذا طلب منا الرأي في معرض الكلام على دولتنا المثلى والفرد الذي ~~يماثلها طبعا وتهذيبا، هل تظن أن امرأ كهذا ينكر ما أودعه من ذهب أو فضة؟ ~~أو أن أحدا يحسب إنسانا كهذا أكثر تهافتا على هذا العمل ممن لا ~~يشاكله؟ # غ ~~: # لا أحد يظن هذا الظن. # س ~~: # أولا يكون بريئا من ريبة السرقة وانتهاك الحرم وزيف الصداقة وخيانة ~~الدولة؟ # غ ~~: # يكون. # س ~~: # علاوة على ذلك لا ينكث عهدا ولا يحنث في وعد من الوعود. # غ ~~: # واضح أنه كذلك. # س ~~: # فهو أبعد الناس في الدنيا عن جريمة الزنى، وعقوق الوالدين، وإهمال العبادة ~~الإلهية. # غ ~~: # حقيق أنه أبعدهم. # س ~~: # أوليس مرجع كل ذلك إلى أن كل قوة من قوى نفسه الداخلية تلزم عملها الخاص ~~باعتبار العلاقات المتبادلة بين الحاكم والمحكوم؟ # غ ~~: # يمكن رد كل ذلك إلى ما ذكرت. # س ~~: # أفلا تزال تبحث عن بيان آخر للعدالة غير «أنها ما ينشئ دولا كهذه ورجالا ~~كهؤلاء»؟ # غ ~~: # كلا، لن أبحث بعد. # س ~~: # فقد صحت أمنيتنا كل الصحة، وتحققت الأماني التي أيدناها في مستهل ~~شروعنا في تأسيس الدولة، والظاهر أننا كنا مقودين بعون إلهي إلى نموذج ~~العدالة الأصلي. # غ ~~: # حقا قد صح. # س ~~: # والحقيقة يا غلوكون أنه وصف غير أنيق للعدالة، ولكنه نافع، المبدأ القائل: ~~خير للمرء الذي أعدته الطبيعة للسكافة أن يلزمها، والرجل الذي أعدته ~~للتجارة أن يلوذ بها. وهلم جرا. # غ ~~: # هكذا يظهر. # س ~~: # فحقيقة العدالة بأجلى مظاهرها هي ألصق بحياة الإنسان الداخلية ومصالحه ~~الجوهرية منها بمظاهر حياته الخارجية وصورة عمله السطحية، فلا يدع العادل قواه ~~الروحية تتجاوز حدود اختصاصها وتتدخل في اختصاص غيرها، فتعمل عمل ذلك الغير، بل ~~يحسن ترتيب بيته. وإذ هو سيد نفسه يعقل خلقه ليكون على أتم وئام مع نفسه، ~~ويجعل القوى الثلاث تعطي نغمة واحدة ارتفاعا وانخفاضا ووسطا، وبعد قرن هذه ~~معا ورد عناصر نفسه العديدة إلى وحدة حقيقية كإنسان دمث متزن يتقدم إلى عمله، ~~سواء كان ذلك في اجتناء الثروة، أو في الحصول على حاجات ms122 الجسد، وسواء كان ذلك ~~في مصالح الدولة أو في مصالحه الخاصة في كل ما يؤمن ويعترف أن المسلك الشريف هو ~~ما يصون سجية العقل التي سلف ذكرها ويقويها، وأن المعرفة الصحيحة التي ~~تسيطر على تصرف كهذا هي «الحكمة». ومن الجهة الأخرى عنده عمل التعدي يعرض ~~الخلق للدمار، وأن الرأي المجرد المسيطر على التصرف الباطل هو ~~حماقة. # غ ~~: # كلامك غاية في الصواب. # س ~~: # حسنا جدا. فإذا قلنا إننا وجدنا الإنسان العادل والدولة العادلة وحددنا ~~العدالة فيهما، فلا أرى أننا كاذبون. # غ ~~: # لا لعمري. # س ~~: # أفنقول ذلك إذا؟ # غ ~~: # نقول. # س ~~: # وفي الدرجة الثانية علينا أن نفحص التعدي لنرى ما هو. # غ ~~: # واضح أنه علينا أن نفعل ذلك. # س ~~: # أفليس التعدي عبارة عن تنازع ناشب بين القوى الثلاث تنازعا به تتعدى هذه ~~القوى حدودها وتتدخل في ما ليس من اختصاصها؟ أو عبارة عن قيام قسم من العقل ضد ~~مجموعه، راميا إلى الاستئثار بالحكم خارج حدود اختصاصه، بعد ما كان على ذلك ~~القسم أن يخدم بقية القوى ويخضع للقوة الحاكمة خضوعا صحيحا؟ وأرى أن ندعو هذا ~~وما ينجم عنه من الضوضاء والتشويش تعديا وفجورا وجبانة وحماقة، ~~وبالاختصار: «رذيلة.» # غ ~~: # حتما هكذا. # س ~~: # أفلم نبين بوضوح ماهية التعدي ومن المتعدي؟ ومن جهة أخرى: ماهية ~~العدالة، فاهمين طبيعة كل من العدالة والتعدي؟ # غ ~~: # وكيف ذلك؟ # س ~~: # لأن هذه الظاهرة في النفس كظاهرة الصحة والمرض في الجسم. # غ ~~: # وبأية طريقة؟ # س ~~: # القواعد الصحية تصون الصحة، وأسباب الأمراض تسبب مرضا. # غ ~~: # نعم. # س ~~: # وعليه: أفلا تنشئ ممارسة العدالة سجية العدل في النفس، ومزاولة التعدي ~~سجية البطل؟ # غ ~~: # دون تخلف. # س ~~: # فيقوم إنشاء الصحة بتنظيم قوى الجسد، بحيث تسود أو تساد حسب مقتضى الطبع، ~~ويجعل المرض القوى تسود أو تساد بخلاف مقتضى الطبع. # غ ~~: # حقيق. # س ~~: # وبالمثل، أليست ثمرة العدالة تنظيم قوى النفس فتسود أو تساد حسب حكم ~~الطبيعة؟ وثمرة التعدي جعل قوى النفس تسود أو تساد خلاف حكم الطبيعة؟ # غ ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # فالفضيلة صحة النفس وجمالها ms123 وسجيتها الصالحة، والرذيلة داؤها وتشويهها ~~وفسادها. # غ ~~: # حقيق. # س ~~: # أولا يمكننا أن نضيف إلى ذلك أن السعي الحميد يؤدي إلى طلب الفضيلة، والسعي ~~الذميم إلى الانغماس في الرذيلة؟ # غ ~~: # بلا شك. # س ~~: # فالظاهر أنه بقي علينا أن ننظر في: هل «يفيد» المرء أن يعمل بعدل، ويتبع ~~المقاصد الشريفة ويكون عادلا، عرف ذلك عند الناس أو لم يعرف، أو أن يعمل ~~التعدي ويكون متعديا إذا لم يعاقب ولم يصلحه التأديب. # غ ~~: # لا يا سقراط. أرى البحث يتدانى بعد ما ظهرت لنا طبيعة العدالة والتعدي بالنور ~~الذي سبق بيانه، أويحسب الناس أن للحياة قيمة وقد تهدمت أركان الصحة، ولو ~~توافرت أنواع الطعام والشراب والثروة والقوة بلا حد ولا نهاية؟ وهل للحياة من ~~قيمة في عيوننا، وقد فسد نظام نحيا به فسادا كليا؟ فليعمل المرء ما تهوى ~~النفس. يستثنى من ذلك ما يحرره من الرذيلة والتعدي، ويخوله طلب العدالة ~~والفضيلة وإدراك حقيقة الأشياء التي مثلناها. # س ~~: # نعم يتدانى، وإذ قد بلغنا هذه النقطة فلا يضطرب قلبنا حتى نتأكد أوضح تأكد ~~ممكن من صحة نتائجنا. # غ ~~: # كل شيء ولا اضطراب القلب. # س ~~: # فلننظر كم هي أنواع الرذيلة. أعني الأنواع التي تستحق الذكر. # غ ~~: # قل كم هي، فإني أتبعك. # س ~~: # أما وقد بلغنا هذه القمة في المحاورة فإني أستطيع أن أرسل نظري من عل، فأرى ~~للفضيلة شكلا واحدا لا غير. أما صور الرذيلة فلا تحصى، أخص منها بالذكر ~~أربعة. # غ ~~: # ماذا تقول؟ # س ~~: # يظهر أنه يوجد صور للعقل بعدد أنواع الحكومة. # غ ~~: # وكم عددها؟ # س ~~: # أنواع الحكومات خمسة، وصفات النفس خمس. # غ ~~: # أفصح. # س ~~: # أولها: التي أتينا على وصفها، ويمكن أن نطلق عليها اسمين مختلفين؛ لأنها ~~ملكية إذا حكم الفرد، وأرستقراطية إذا تعدد الحاكمون. # غ ~~: # حقا. # س ~~: # ويندمج كلاهما في صف واحد؛ لأنه سواء توحد مرجع السلطة أو تعدد فشرائع ~~الدولة الرئيسية لا تتزعزع إذا كان تهذيب الحكام وتدريبهم كما وصفناه. # غ ~~: # حقا لا تتزعزع. # | الكتاب الخامس: المسألة الجنسية # خلاصته # لما وصل سقراط إلى هذه ms124 النقطة - المذكورة في ختام الكتاب الرابع - تقدم لوصف ~~التنظيم السياسي، فقاطعه بوليمارخس وأديمنتس بالاتفاق مع سائر الحضور، ملتمسين منه بسط ~~الكلام في «شيوعية النساء والأولاد» التي كان قد ذكرها مختصرا، فقبل التماسهم بعد ~~تردد كثير. # فهو يذهب إلى وجوب تهذيب النساء وتدريبهن كالرجال تماما؛ لأن المرأة تقدر أن تتقن فن ~~الموسيقى والجمناستك كالرجال، وفيها ما فيه من الكفاءة لمختلف الأعمال، وينحصر الفرق ~~بين الجنسين في الدرجة دون النوع، وسببه ضعفها إذا قيست بالرجل، فالنساء اللائي يبدين ~~ميلا إلى الفلسفة أو الحرب يجب أن يصحبن الحكام أو المساعدين ويشاركنهم في واجباتهم ~~ويصرن أزواجا لهم. ويجب أن تكون علاقات الجنسين المتبادلة تحت مراقبة القضاة، وأن ~~تبارك بإجراء المراسم الدينية. ويفصل الأولاد عن والديهم ويربون في معاهد خاصة ~~تنشئها الحكومة، فبهذه الوسيلة وحدها يمكن الحكام ومساعديهم أن يتحرروا من كل ميل ~~للملكية، ويرغبوا في الاشتراك بالمصلحة التي تضم الفئتين معا، وتقرن أفرادهما بعضهم ~~ببعض. # ثم تقدم سقراط لسن القوانين لانتظام الأولاد الباكر في سلك الحربية، والقوانين ~~المتعلقة بمعاملة الجبناء والشجعان، وسلب القتلى، وتشييد الأنصاب. هنا سأله أديمنتس مع ~~تسليمه بأن شيوعية النساء والأولاد مستحبة باعتبارات كثيرة، أن يبين: هل يستطاع ~~تطبيق تلك النظم؟ فأجابه سقراط أن غرضه الخاص تبيان نظام الدولة الكاملة؛ سعيا وراء ~~الغرض المقصود منها، وهو اكتشاف طبيعة العدالة، أما إمكان إنشاء دولة كهذه بالفعل فهي ~~مسألة أخرى، ليس لها أقل أثر في سلامة النظام وصحة نتائجه. وكل ما يصح أن يطلب منه هو ~~أن يبين كيف يمكن الهيئات الناقصة الحاكمة حاليا، أن تبلغ أقرب نقطة ممكنة إلى مدى ~~السياسة الكاملة التي مر وصفها. # وهنالك انقلاب واحد لا بد منه لتحقيق هذا الغرض، وهو تسليم مقاليد السياسية إلى ~~الفلاسفة، وللتخلص مما يلابس ذلك من وجوه المقاومة يلزم أن نلوي عنان البحث إلى ~~تحديد الفيلسوف الحقيقي. # أولا: الفيلسوف الحقيقي هو المغرم كل الغرام بالحكمة في كل فروعها، وعلينا أن ~~نميز في هذا الموقف أدق تمييز، بين الفيلسوف الحقيقي وبين المدعي حب الفلسفة ms125 ~~تدجيلا. وتستقر نقطة الفرق بينهما في أن الدجال يكتفي بدرس الموضوعات الجميلة مثلا. ~~أما الفيلسوف الحقيقي فلا يقف عند ذلك الحد، بل يتجاوزه إلى إدراك الجمال المطلق. ~~ويمكن وصف حال الأول العقلي بأنه «تصور»، وحال الثاني أنه «معرفة حقيقية»، أو ~~«علم»، فهنالك الوجود الحقيقي الذي يتناوله العلم، واللاوجود أو العدم الذي نسبته إلى ~~الجهل نسبة الوجود الحقيقي إلى العلم، ويتوسط بين العلم وبين الجهل التصور. فنستنتج ~~أن التصور يتناول الوجود الظاهري، فالذين يدرسون الوجود الحقيقي يدعون: محبي ~~الحكمة أو «فلاسفة»، والذين يدرسون الوجود الظاهري يدعون: محبي التصور، لا ~~فلاسفة. # متن الكتاب # قال سقراط: هذه هي الدولة، أو النظام، وهذا هو الفرد، وقد وصفناهما بالإصابة والصلاح، ~~فإذا كانا صوابا فكل ما سواهما خطأ ورديء، فنطلق هذه الأوصاف على تنظيم الدول وتكوين ~~خلق الأفراد. ويمكن رد الأنواع الردية إلى أربع صور. # غلوكون ~~: # وما هي تلك الصور؟ ~~(قال سقراط: وفيما أنا أتأهب لإيرادها بالترتيب كما لاحت لي ~~الواحدة تلو الأخرى، مد بوليمارخس يده وأمسك بثوب أديمنتس عند الكتف، إذ كان جالسا ~~وراءه، وهمس في أذنه بضع كلمات لم نسمع منها سوى قوله: أفندعه إذا يفلت؟ أم ماذا ~~تفعل؟ فأجابه أديمنتس بصوت جوهري: كلا البتة. فقلت لهما: فمن الذي لن تدعوه ~~يفلت؟ أجاب أديمنتس: هو أنت يا سقراط.) # سقراط ~~: # ولماذا؟ # أديمنتس ~~: # لأنه يلوح لنا أنك تحجم ضاربا على جانب مهم من الحديث، رغبة في التخلص ~~من إيراده. ونراك واهما أننا لا ننتبه إلى تجاوزك عنه مكتفيا بإشارة طفيفة ~~إليه، فحواها أن القاعدة القائلة إن «كل شيء مشاع بين الأصحاب» يمكن تطبيقها ~~على النساء والأولاد. # س ~~: # أفلست مصيبا في ذلك؟ # أد ~~: # بلى. على أن كلمة «مصيبا» كباقي الكلمات، تفتقر إلى الإيضاح، فيلزم أن نعرف ~~بأي الطرق العديدة الممكنة تطبق هذه الشيوعية، فلا تتأخر عن إفادتنا ما ~~هي الطرق التي تقترحها، فلطالما توقعنا أنك تعين الحالات التي بها يولد ~~الأطفال، وطريقة تربيتهم بعد ولادتهم، وبالأحرى أن تصف شيوعية النساء ~~والأولاد التي تعنيها وصفا تاما؛ لأننا نرى ms126 أن لتطبيق هذه النظرية خطأ كانت ~~أو صوابا علاقة كبيرة بحياة الدولة. والآن وقد لويت عنان البحث نحو نوع آخر من ~~أنواع الحكومات قبلما توفي هذه النقطة حقها من البحث؛ رأينا من المناسب ما ~~سمعتنا نقوله: أن لا ندعك تفلت قبلما تأتي على تبيان هذه الأشياء تبيانا ~~تاما كما أبنت غيرها . # غلوكون ~~: # وأنا أؤيد طلبه. # ثراسيماخس ~~: # ويمكنك يا سقراط أن تعتبرنا مجمعين على هذا القرار. # سقراط ~~: # ما أعظم المسألة التي تتوخون طرقها، كأننا نبدأ من جديد في إنشاء الدولة. ~~ولو اكتفيتم بما قيل وطويتم كشحا عن هذه النقاط لكان سروري عظيما، فقلما ~~أدرك خيالكم أي عدد من المسائل تثيرون بفتحكم أبواب هذه المواضيع، وقد سبقت ~~فرأيت ذلك، فتجاوزته لئلا يؤدي بنا إلى اضطراب لا حد له. # ثراسيماخس ~~: # أفتظن أننا لسبك الذهب # 1 # حضرنا وليس للبحث الفلسفي؟ # س ~~: # نعم، ولكن إلى حد معقول. # غلوكون ~~: # حقا يا سقراط، إن الشعب يرى أن الحياة كلها هي الحد المعقول لأبحاث كهذه، ~~فلا يهمك أمرنا، ولا يثقل عليك سرد آرائك لنا في المواضيع التي سألناك بيانها، ~~أي ماهية شيوع النساء والأولاد بين حكامنا، وتربية الأطفال بين المهد ~~والمدرسة، وهي أعسر أوقات الحياة وأوفرها مشقة، فابن لنا على مبدأ ينم ~~ذلك. # س ~~: # ليس من الهنات الهينات يا صديقي البارع البحث في هذه القضية. # أولا: # لأن إبراز خطتنا إلى حيز الفعل أمر لا يصدق، وهي أعوص ما ~~طرقنا من الأبحاث. # ثانيا: # إذا فرضنا إمكان تطبيقها إلى حد التمام، فهنالك عراقيل وريب في ~~كونها مستحبة؛ لذلك أحجم عن مس هذا الموضوع حذرا من أن أظهر ~~يا صديقي العزيز أني أطرق بحثا خياليا. # غ ~~: # لا تحجم، فليس سامعوك بلداء ولا جاحدين ولا خصوما. # س ~~: # أفتشجيعا تقول ذلك لي يا صديقي الفاضل؟ # غ ~~: # نعم. # س ~~: # فاسمح لي أن أقول إن لكلامك أثرا يناقض ما تتوقع، فلو أني أثق أني فاهم ~~ما أقول لأصاب تشجيعك مرماه؛ لأن التحدث في أهم الموضوعات وأجلها شأنا في ~~جمهور من العقلاء عمل سليم العاقبة إذا ms127 كان المتكلم مالكا ناصية موضوعه، أما ~~إنه يتناول البحث في مذهب وهو لا يزال باحثا مترددا فيه - كما ينتظر أن ~~أفعل الآن - فعمل كثير المهاوي ويحملني على الوجوم، لا خوفا من تعرضي ~~للازدراء - ذلك أمر صبياني - ولكن خشية من أن تزل قدمي عن الحقيقة، فأسقط ~~وأجر أصدقائي معي في ميدان يخشى فيه السقوط، فاضرع أن لا توقع بي الإلاهة ~~نماسيس يا غلوكون فيما أقول؛ لأني أعتقد اعتقادا راسخا أن قتل رجل سهوا هو ~~جرم أقل من خديعته في ما يتعلق بالنظم الشريفة والصالحة والعادلة، واقتحام ~~هذا الخطر بين الأعداء أقل إساءة منه بين الأصحاب، فمن حسن حظك العروج عن هذا ~~التشجيع. # غلوكون ~~(ضاحكا) ~~: # دمنا ليس على رأسك إذا أضر بنا رأيك يا سقراط، فإننا نبرئك من تهمة ~~خديعتنا، فقل غير هياب. # س ~~: # قال الشرع: «إن من برأته المحكمة من ذنبه كان بريئا في العالم الثاني»، ~~فالأرجح أنه يكون بريئا في هذا العالم. # غ ~~: # حسنا، فلا يثنين عزيمتك هذا الخوف. # س ~~: # فعلي أن أرجع إلى قسم من موضوعنا كان يجب أن أبحث فيه قبلا في موضوعه ~~المناسب، وعلى كل فالترتيب الحالي هو الأفضل، فبعد ما مثلنا دور الرجال ~~نشرع في تمثيل دور النساء، ولا سيما وهذا طلبكم. # إن الخطة المثلى لهم في مذهبي في أمر اقتناء الأزواج والأولاد للرجال الذين ~~ولدوا وتربوا على الصورة التي مر بك وصفها، تقوم في اتباعهم الدوافع ~~الأصلية التي أبلغناهم إياها. وكان غرض نظريتنا في ما أعتقد أن نجعل رجالنا ~~كرعاة قطيع. # غ ~~: # نعم. # س ~~: # فلنتبع هذا السبيل، فنسن قوانين تماثل تلك لتكثير النوع وتربية الصغار، ~~ودعنا ننظر في: هل تلك القوانين مناسبة أو لا؟ # غ ~~: # ماذا تعني؟ # س ~~: # ذلك ما أعني: أتظن أن زوجات كلاب الرعاة صالحة لمشاطرة ذكورها حراسة القطيع، ~~والصيد، ومشاركتها في كل واجباتها؟ أو أنها يجب أن تلزم أماكنها لأنها غير ~~قادرة، لاشتغالها بولادة الأجرية وتربيتها، وأن على الذكور العمل ~~والسهر؟ # غ ~~: # ننتظر أنها تشاطر الذكور كل شيء، إنما نعاملها معاملة الضعيف، ms128 وذكورها ~~معاملة القوي. # س ~~: # أفيمكن استخدام الحيوانات في عمل واحد ما لم تستعد له استعدادا واحدا ~~تدريبا وتهذيبا؟ # غ ~~: # كلا. # س ~~: # فإذا رمنا استخدام النساء في عمل الرجال وجب تهذيبهن كالرجال. # غ ~~: # وجب. # س ~~: # وقد خولنا الرجال تعلم الموسيقى والجمناستك. # غ ~~: # نعم. # س ~~: # فيجب تهذيبهن في الفنين كالرجال مع التدريب العسكري، ومعاملتهن معاملة ~~الرجال. # غ ~~: # ذلك ينتج طبعا عما قلته. # س ~~: # وقد يلوح كثير من تفاصيل القضية التي أمامنا سخيفا فوق العادة إذا ~~طبقت في الطريقة التي رسمناها. # غ ~~: # هكذا تلوح دون شك. # س ~~: # فأي هذه الأمور أبعث على السخرية؟ أليس هو اشتراك النساء مع الذكور في ~~مدارس الرياضة عاريات الأبدان، فتيات وطاعنات في السن - كالطاعنين في السن من ~~الرجال في مدارس الجمناستك - مولعات بالتمارين الرياضية، بالرغم من تغضن ~~أساريرهن وشناعة وجوههن؟ # غ ~~: # بلى، في الوقت الحاضر يظهرن مزدرى بهن. # س ~~: # حسنا، وإذ قد طرقنا هذا الباب فلا نخشين صور التهكم الجمة من جانب ~~الرجال المعتبرين إزاء بدعة كهذه في الجمناستك والموسيقى، زد على ذلك تقلدهن ~~السلاح وركوبهن الخيل. # غ ~~: # أصبت. # س ~~: # وبالعكس، إذا بدأنا هذا البحث فلنتقدم إلى أشد مطالب قانوننا، راجين أولئك ~~الهازئين أن يعرجوا عن ديدنهم ويأخذوا الأمر بعين الجد والترصن، ونذكرهم ~~أنه إلى عهد غير بعيد كان تعري الرجال عيبا وهزءا عند اليونانيين، كما ~~هو اليوم عند أكثر البرابرة. ولما بدأ الكريتيون فاللقدمونيون بالتمارين ~~الرياضية هزأ بهم مزاح عصرهم وتخذوهم موضوع تسلية لهم. ألا تظن كذلك؟ # غ ~~: # أظن. # س ~~: # ولما أثبت الاختبار أن تجريد الجسم خير من ستره، ولى التأثير السخري الذي ~~كان لتلك العادة في النظر، أمام الحجج القاطعة التي أيدت فائدته، فحينذاك ~~ثبت أن من يحتقر إلا الرذيلة، ومن يهزأ بغير الشر والجنون فهو أحمق. وكذلك من ~~يترصن ويجد في غير ما هو صالح. # غ ~~: # بأعظم تأكيد. # س ~~: # أفلا يجب أن نتفق في: هل القوانين المطروحة للبحث ممكنة الإجراء أو لا؟ ~~ونفسح مجالا لكل واحد هازئا كان أو جادا للبحث في المسألة: هل تمكن ms129 ~~الأنثى طبيعتها من مشاطرة الذكور أعمالهم، أو أنها غير كفء لشيء من أعمال ~~الذكور؟ أو أنها كفء لبعض الأعمال دون البعض الآخر؟ وإذا كان الأمر كذلك، ففي ~~أي صف تضع الأعمال الحربية؟ أليس ذلك أفضل بداءة نختارها، وقد تكون أفضل ~~نهاية؟ # غ ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # أفتريد أن ندخل البحث بعضنا ضد البعض الآخر، كي لا يبقى الوجه السلبي بدون ~~دفاع أمام هجومنا؟ # غ ~~: # لا سبب يمنعنا من ذلك. # س ~~: # فلنقل بالنيابة عن الخصم: ~~- «لا لزوم يا سقراط ويا غلوكون لتقديم الآخرين شيئا ضدكم؛ لأنكم أنتم ~~أنفسكم في بدء سعيكم في تأسيس الدولة سلمتم بأنه يجب أن يختص كل فرد من ~~الناس بعمل واحد، حسب استعداده الطبيعي.» ~~- قررنا ذلك فلا يمكننا مخالفته. ~~- «أفيمكنك أن تنكر وجود فرق كبير بين طبيعة الذكر وطبيعة الأنثى؟» ~~- من المؤكد أنه يوجد فرق. ~~- «أفليس من الحزم تخصيص كل جنس بنوع من العمل يتفق مع طبيعته؟» ~~- دون شك. ~~- «فأنتم إذا مخطئون، وقد ناقضتم أنفسكم بتحتيمكم عملا واحدا على الرجال ~~والنساء مع اختلافهن في الاستعداد.» # فهل عندك من دفاع يا صديقي النبيه؟ # غ ~~: # ليس من السهل الإجابة فورا، ولكني سأفوضك، بل أفوضك الآن في إقامة ~~الأدلة على صحة مذهبنا وفي شرحها لنا. # س ~~: # ذلك يا غلوكون وكثير من أمثاله سبقت فرأيته؛ لذلك خشيت التدخل في أمر ~~اقتناء الأزواج والأولاد وتربية الأطفال. # غ ~~: # حقا إن ذلك ليس سهلا. # س ~~: # كلا، وواقع الحال هو أنك إذا ألقيت في بحيرة صغيرة أو في البحر الخضم ~~فعليك أن تجتهد في السباحة في الموضعين على السواء. # غ ~~: # تماما. # س ~~: # أفلا يجب أن نسبح للنجاة من هذا العباب، حتى يقيض لنا دلفين آخر # 2 # يحملنا على ظهره إلى شط الأمان، أو تتسنى لنا وسيلة غير ~~منتظرة. # غ ~~: # هكذا يظهر. # س ~~: # فهلم ننظر هل يمكننا أن نجد منفذا إلى النجاة؟ فقد سلمنا أن طبائعهن ~~تختلف عن طبائعهم، ومع ذلك أوجبنا على الفريقين أعمالا واحدة. أفهذه هي الشكوى ~~ضدنا؟ # غ ~~: # يقينا. # س ~~: # إن فن التناقض خارق ms130 الحد يا غلوكون. # غ ~~: # وكيف ذلك؟ # س ~~: # لأنه يظهر لي أن كثيرين يسقطون فيه ضد إرادتهم، وهم يزعمون أنهم يبحثون مع ~~أنهم يتجادلون، ولا يقدرون أن يفهموا حدود مسألة واحدة من مسائل أبحاثهم، ~~فيقتصرون على مقاومة ما تقرر بمهاجمة الألفاظ، مستخدمين فن الجدل في البحث ~~الفلسفي. # غ ~~: # حقا إن هذا هو الواقع، أفينطبق علينا أيضا الآن؟ # س ~~: # ينطبق أدق انطباق، وظاهرة الحال تدل على أننا سقطنا في هوة التناقض اللفظي ~~غير متعمدين. # غ ~~: # وكيف ذلك؟ # س ~~: # إننا أعرنا حرف العقيدة شأنا خطيرا في أنه لا يجوز فرض أعمال واحدة لطبائع ~~مختلفة، وبأوضح تعبير أننا نسينا كل النسيان معنى الكلمات: «طبائع مختلفة»، ~~و«طبيعة واحدة»، وماذا قصدنا بتخصيص مختلف الأعمال بمختلف الطبائع، وأعمالا ~~واحدة بطبيعة واحدة. # غ ~~: # حقا إننا لم ننتبه إلى ذلك. # س ~~: # ففي وسعنا - والحالة هذه - أن نسأل: أسيان طبيعتا الصلع والمسترسلي الشعر ~~أم مختلفتان؟ وبعد أن نتفق في أنهما مختلفتان نتقدم للسؤال التالي: إذا صنع ~~الصلع أحذية، فهل يؤذن لمسترسلي الشعر أن يصنعوا أحذية كذلك؟ وإذا صنع هؤلاء ~~أحذية أفنحظر صنعها على أولئك؟ # غ ~~: # إنها مسألة سخيفة. # س ~~: # وهل سخافتها إلا في عدم استعمالنا الكلمة «واحدة» و«مختلفة» باعتبار عام، ~~وقوفا عند أمر التباين والتشابه المتجهين رأسا إلى الأعمال التي نحن في ~~صددها؟ مثلا قلنا إن رجلين فيهما ميل عقلي إلى فن الطب لهما طبيعة واحدة. ألا ~~تظن أنهما هكذا؟ # غ ~~: # أظن. # س ~~: # ولكن الإنسان الميال إلى الطب يختلف عن الميال إلى التجارة. # غ ~~: # معلوم أنه يختلف. # س ~~: # كذلك طبائع الرجال والنساء إذا بدت لنا مختلفة باعتبار فن أو وظيفة، قلنا ~~إنه يجب أن يناط هذا العمل بأحدهما. ولكنا إذا وجدنا أن الاختلاف بين ~~الجنسين مختص بالأقسام التي يشغلونها في النسل علمنا أن اختلافهما لا ~~يتعارض مع مقصدنا، بل على الضد من ذلك، يجب أن يتقلد حكامنا ونساؤهم أعمالا ~~واحدة. # غ ~~: # بالصواب تكلمت. # س ~~: # أفلا نتقدم فنطلب من خصومنا أن يرشدونا إلى ما هو الفن أو الدرس الخاص ~~المتعلق بتنظيم ms131 الدولة الذي لا يتساوى فيه الرجال والنساء، بل هما فيه ~~متضادان؟ # غ ~~: # حقا إننا مفوضون أن نفعل ذلك. # س ~~: # وقد يورد آخرون ما قلته الساعة: ليس من السهل إجابة ذلك فورا إجابة وافية، ~~وإن الأجابة بعد التأمل غير متعسرة. # غ ~~: # حقا إنها غير متعسرة. # س ~~: # أفتريد أن نرجو من يثيرون اعتراضا من هذا القبيل أن يصحبونا لنرى، هل نقدر ~~أن نريهم أنه ليس في أعمال إدارة الدولة عمل يختص بالنساء؟ # غ ~~: # من كل بد أريد. # ص ~~: # فنقول له ما يأتي: أجب يا هذا: أليس ما تعنيه لما قلت أن رجلا من الرجال ~~مفطور على موهبة خاصة لدرس خاص وأن رجلا آخر خال منها، وأن الأول يتعلم ~~بسهولة والآخر بصعوبة؟ وأن الأول يفهم ما قرأه لنفسه بقليل إرشاد، أما الآخر ~~فبالرغم من وافر الإرشاد وعظيم العناية لا يستقر العلم في عقله، وأن عقل الواحد ~~حصل على المساعدة اللازمة، والآخر خانته قوى الجسد؟ أليست هذه هي الفوارق ~~الوحيدة التي بها تحد امتلاك المواهب الطبيعية ولزومها لكل عمل؟ # غ ~~: # كل واحد يقول هذا القول. # س ~~: # أفتعرف فرعا صناعيا ليست النساء فيه دون الرجال؟ وهل يلزم أن نخطو خطوة ~~أخرى فنذكر فن النسج، وصنع الكعك، وحفظ المأكولات، التي يفقن بها الرجال، حتى ~~إن تقصيرهن فيها مستغرب؟ # غ ~~: # بالصواب أجبت. إنه على العموم يفوق أحد الجنسين أخاه الجنس الآخر في بعض ~~الأشياء، وأن كثيرات منهم يفقن كثيرين منهم في أمور كثيرة، ولكن الحكم العام ~~هو ما قلته أنت. # س ~~: # فليس في الأعمال المتعلقة بإدارة الدولة - أيها الصديق - ما يختص بالمرأة ~~كامرأة، أو بالرجل كرجل، ولكنها مواهب موزعة على أفراد الجنسين سواء بسواء، ~~فالمرأة باعتبار جبلتها صالحة لكل عمل كالرجل، مع أنها أضعف منه بوجه عام ~~في الأعمال على كل حال. # غ ~~: # حتما هكذا. # س ~~: # أفنخص الرجال بكل الأعمال ولا نترك للمرأة عملا؟ # غ ~~: # وكيف يمكننا ذلك. # س ~~: # وبالعكس، نرى إحداهن ميالة إلى الطب، والأخرى خالية من ذلك الميل، وإحداهن ~~موسيقية الميل دون أختها. # غ ~~: # دون ms132 شك. # س ~~: # أولا نقول أيضا إن إحداهن مجهزة بصفات تؤهلها للرياضة والحرب، وغيرها لا ~~تميل إلى الحرب ولا ذوق لها في الألعاب الرياضية؟ # غ ~~: # أظن أننا نقول ذلك. # س ~~: # أولا يمكن أن تمتلك إحداهن حب المعرفة وأختها كره المعرفة؟ وأن تكون إحداهن ~~حماسية دون أختها؟ # غ ~~: # وهذا أيضا حق. # س ~~: # وعليه : فبعضهن صالحات لمنصة الحكم دون البعض الآخر، أوليست هذه هي الأوصاف ~~التي اخترناها دليلا على جدارة الرجال بذلك المنصب؟ # غ ~~: # بلى، هذه هي. # س ~~: # فلا فرق إذا بين طبائع الرجال وطبائع النساء باعتبار حكم الدولة، إنما هو ~~تفاوت بينهما في الدرجة قوة وضعفا. # غ ~~: # واضح أنه لا فرق بينهما. # س ~~: # فنختار ربات الجدارة لمساكنة أربابها ومشاركتهم في الأحكام؛ لأنهن أكفاء في ~~الإدارة، وهن نسيبات الرجال في الطباع. # غ ~~: # تماما. # س ~~: # أولا ننيط العمل الواحد بالطبائع الواحدة؟ # غ ~~: # ننيطه. # س ~~: # فقد انتهينا الآن إلى مركزنا السابق، وسلمنا أنه لا ينافي الطبع إباحة ~~الموسيقى والجمناستك لأزواج حكامنا. # غ ~~: # حتما هكذا. # س ~~: # فليس تشريعنا هذا خياليا غير عملي ما دام منطبقا على حكم الطبيعة، بل ~~بالحري إن تصرفنا الحالي الذي يخالف تشريعنا الجديد يخالف الطبيعة ~~أيضا. # غ ~~: # هكذا يظهر. # س ~~: # فمدار بحثنا هو: هل النظام المقترح عملي أو لا؟ وهل هو المرغوب فيه أو لا؟ ~~أليس مدار هذا بحثنا؟ # غ ~~: # بلى. # س ~~: # أمتفقون نحن في أنه عملي؟ # غ ~~: # نعم. # س ~~: # فالنقطة الثانية التي نبتها هي أن هذا النظام هو النظام المرغوب ~~فيه. # غ ~~: # نعم واضح. # س ~~: # جيدا، فإذا كانت المسألة كيف نؤهل المرأة للحكم، أفلا نجعل تهذيبها خلاف ~~تهذيب الرجل؟ ولا سيما والفطرة التي نهذبها فيهما هي واحدة؟ # غ ~~: # كلا، بل يكون تهذيب الفريقين واحدا. # س ~~: # وأروم أن أعرف رأيك في الفكرة التالية. # غ ~~: # وما هي؟ # س ~~: # على أي أساس تفاضل بين رجل وآخر؟ أو هل تراهم جميعا أكفاء؟ # غ ~~: # لست أفاضل بينهم. # س ~~: # فأي الطبقتين في دولتنا المثلى تراها أفضل؟ طبقة الحكام المهذبين كما ~~وصفناها؟ أم الأساكفة المعدين للسكافة؟ # غ ~~: # السؤال ms133 سخيف؟ # س ~~: # قد فهمتك. أفليس حكامنا أفضل الرجال؟ # غ ~~: # أفضل كثيرا. # س ~~: # أفلا تكون حاكماتنا فضليات النساء؟ # غ ~~: # يكن. # س ~~: # وهل أفضل للدولة من اشتمالها على أفاضل الرجال وفضليات النساء؟ # غ ~~: # لا أفضل من ذلك. # س ~~: # أولا يمكن الحصول على هذه النتيجة بواسطة الموسيقى والجمناستك المستعملين ~~على ما أبناه؟ # غ ~~: # بلا شك. # س ~~: # فيجب أن تتعرى أزواج حكامنا في تمرينات الجمناستك؛ لأنهن يسترن ~~ببرد الفضيلة بدلا من الثياب، ويشاطرن الرجال الحرب والأعمال التي يشتمل ~~عليها حكم الدولة دون غيرها من الأعمال. على أننا نختصهن بأخف الواجبات ~~بسبب ضعفهن الجنسي. أما هزء الرجال بهن بسبب تعريهن من الثياب في أثناء ~~التمرينات الرياضية اللازمة لإدراكهن التهذيب العالي، فلا يجني صاحبه «إلا ~~ثمر الحكمة غير الناضج»، # 3 # وهو لا يدري على ما يضحك ولا ما يفعل، فإنه كان ولا يزال مبدأ ~~ساميا القول: «إن المفيد شريف والضار دنيء.» # غ ~~: # بكل تأكيد. # س ~~: # فقد عبرنا ما أدعوه: العقبة الأولى التي كانت تعترض سبيلنا في البحث في ~~شريعة النساء، فبدلا من أن نحمل بالكلية بتيار القول إن الواجب على الذكور ~~والإناث أن يكون لهم كل شيء مشتركا، ينحصر بحثنا في إمكان ذلك وإيثاره. # غ ~~: # نعم، وليست العقبة التي عبرتها بهينة. # س ~~: # على أنك لن تقول إنها كئود متى رأيت ما بعدها. # غ ~~: # كمل كلامك لأراها. # س ~~: # في الشريعة الأخيرة وفي التي قبلها عقبة أخرى من هذا القبيل. # غ ~~: # وما هي؟ # س ~~: # أن تكون أولئك النساء بلا استثناء أزواجا مشاعا # 4 # لأولئك الحكام، فلا يخص أحدهم نفسه بإحداهن. وكذلك أولادهم ~~يكونون مشاعا، فلا يعرف والد ولده، ولا ولد والده. # غ ~~: # هذه الشريعة أكثر مما قبلها مثارا للشك في تطبيقها وفي فائدتها. # س ~~: # أما من جهة فائدتها فلا أظن أن أحدا يمكنه أن ينكر أن شيوعية النساء ~~ومن يلدن جمة الفوائد، اللهم إذا كان تطبيقها ممكنا، على أني أتوقع أعظم ~~مقاومة في تطبيقها بالفعل. # غ ~~: # في الأمرين كليهما فائدتهما وتطبيقها مجال واسع للجدال. # س ~~: # لا بد أن ms134 يكون هذان الأمران محطا للنزاع، وإني أعدو هاربا من أحدهما إذا ~~وافقتني في فائدة الفكرة وانحصر بحثي في إمكان تحقيقها. # غ ~~: # على أنك لم تتخلص من النقد، فإننا نتوقع منك شرح الأمرين. # س ~~: # وعلي أن أخضع للعدالة فقط إذا جدتم علي بهذا المبغى، وهو أن تسمحوا لي ~~بيوم راحة، كالبطيئي الأفهام الذين تختمر فكرتهم في وحدتهم. فأناس كهؤلاء كما ~~لا يخفى يهملون البحث في إمكان حصول ما يرغبون فيه أو استحالة حصوله قبل ما ~~يكتشفونه، تجنبا للتعب في التفكير، فيفرضون أنهم حصلوا عليه، ويتقدمون إلى ~~النظر في سائر أقسام الموضوع، فيروقهم الإسراع في ما يرغبون أن يعملوا في ~~الأحوال التي عينوها، مغالين في التراخي والاستهتار، فأنحو نحوهم راغبا في ~~خطة الكسل وفي تأجيل البحث في إمكان حصول هذه الأمور. على أني أفرض الآن أنه ~~ممكن، وأبحث إذا أذنت لي في كيفية تصرف حكامنا حين إنفاذ قانوننا، لكي ~~يبينوا أنه أنفع أسلوب للدولة والحكام، فأبحث بحثا مدققا، ثم أتقدم ~~إلى حل المسألة الأخرى إذا كنت تشاء. # غ ~~: # إني أسمح لك، فتقدم. # س ~~: # أظن أنه حين يكون حكامنا ومعاونوهم اسما لمسمى يكون الأولون آمرين ~~والآخرون منفذين، طبقا لأحكام الشريعة في الجانبين، مستعملين إرادتهم في ما ~~تركناه لحريتهم واختيارهم. # غ ~~: # ممكن، فإن ذلك ما نتوقعه منهم. # س ~~: # فعليك كشارعهم أن تنتقي أكفاء النساء كما انتقيت أكفاء الرجال، وأن تجمع ~~بين الفريقين متوخيا بقدر الإمكان أن يكونوا متشابهي الطبائع، ولما كان ~~مسكنهم وطعامهم مشاعا، ولا أحد منهم يخص بملك أو عقار خاص، فيعيش الجنسان ~~معا، ويشتركون بالتمرينات وغيرها من مهام الحياة، فتكون نتيجة ائتلافهم ~~ومشاركتهم الانقياد بالفطرة إلى المودة والاصطحاب. ألا ترى أن ذلك ~~ضروريا؟ # غ ~~: # ليس بالضرورة الهندسية، بل بالضرورة الحبية، وهي أقوى من تلك وأبعد نفوذا ~~في إقناع جمهور الرجال. # س ~~: # بالتمام. على أن الاجتماع بدون نظام يا غلوكون أو بالأحرى: الفوضى على ~~أنواعها أمر غير مقدس في مدينة السعداء، ولا يبيحه الحكام. # غ ~~: # بالصواب. # س ~~: # فواضح أن ثاني واجباتنا تقديس الروابط ms135 الزوجية على قدر الإمكان، وهذا التقديس ~~يلازم الزواج الذي يعود بأعظم فائدة على العامة. # غ ~~: # حتما. # س ~~: # فكيف يمكن بلوغ هذه الغاية يا غلوكون؟ إني أرى في بيتك كلاب صيد، كما أني أرى ~~كثيرا من أنواع الطير، فأظن أنك تجود علي بالإفادة في: هل وجهت الالتفات ~~إلى كيفية مزاوجة هذه الحيوانات واستيلادها؟ # غ ~~: # بأي اعتبار؟ # س ~~: # أولا: مع أن كلها أصيل، ألا يوجد فيها ما هو أفضل من غيره؟ أو ما سيصير ~~أفضل؟ # غ ~~: # يوجد. # س ~~: # أفتستولدها كلها على السواء؟ أم تعني باستيلاد الأفضل بقدر الإمكان؟ # غ ~~: # أستولد الأفضل. # س ~~: # وفي أي عمر تستولدها؟ أفي الحداثة؟ أم في شرخ الصبا؟ أم في الهرم؟ # غ ~~: # في شرخ الصبا. # س ~~: # وإذا لم تسلك في استيلاد حيواناتك هذا المسلك، أفتظن أن جنس الكلاب والطيور ~~ينحط كثيرا؟ # غ ~~: # أظن. # س ~~: # أفتختلف الخيول وسائر أنواع الحيوان في هذا الحكم؟ # غ ~~: # لا أظن، ومن العبث أن يظن هذا الظن. # س ~~: # فبالله أيها الصديق الحميم، أي حكام ممتازين نفوز بهم إذا طبقنا ذلك على ~~النوع الإنساني؟ # غ ~~: # لا ريبة في الأمر، ولكن لماذا «ممتازين»؟ # س ~~: # لأن هنالك ضرورة لوصفهم علاجات في دائرة واسعة، وأراك تسلم أنه إذا كان ~~الداء لا يفتقر إلى كثير معالجة بل تكفيه الحماية والاعتدال، فطبيب عادي يكفي ~~لسد الحاجة. أما حيث تدعو الضرورة إلى علاجات فالحالة تستدعي أطباء أوفر ~~خبرة. # غ ~~: # هذا صحيح، ولكن ما هو وجه الشبه في ذلك؟ # س ~~: # وجه الشبه ما يأتي: الأرجح أن حكامنا سيضطرون إلى استعمال كثير من الخداع ~~والغش لخير رعاياهم، وقد سبق الكلام في أن ذلك علاج نافع. # غ ~~: # نعم، وكنا مصيبين في ذلك. # س ~~: # يظهر أن هذه القاعدة الصحيحة تتطبق في أمر الزواج والتناسل بنوع ~~خاص. # غ ~~: # وكيف ذلك؟ # س ~~: # ينتج عما تقدم أنه يجب أن نكثر من تزويج أفضل الرجال بأفضل النساء، وأن ~~نقل تزويج أدنياء الرجال بمثيلاتهم من النساء، وأن يوجه الالتفات إلى ~~تهذيب أولاد الأولين وإهمال أولاد غيرهم إذا كنت تروح الحصول ms136 على أرقى دولة، ~~ويجب الاحتفاظ بهذا السر، فلا يكشف إلا للقضاة؛ ليكون جمهور الحكام في ~~مأمن من الناس من النزاع على قدر الإمكان. # غ ~~: # غاية في الصواب. # س ~~: # فعلينا أن نولم ولائم خاصة ونزف عرائسنا في أثناء الولائم، فنقدم الذبائح ~~وننشد الأناشيد التي نظمها شعراؤنا لائقة بالمقام، ولكنا نترك عدد الزواجات ~~لاستحسان الحكام ، بحيث يحفظون الموازنة في عدد السكان من غير زيادة ولا نقصان، ~~غير مغضين عن تأثيرات الحروب والأمراض ونحوهما في ذلك، فتظل مدينتنا - ما ~~استطعنا إلى ذلك سبيلا - لا أكبر مما هي ولا أصغر. # غ ~~: # صواب. # س ~~: # ويجب استنباط نظام قويم للاقتراع عليهن يجعل أدنياء الرجال الذين سبقت ~~الإشارة إليهم ينسبون زواجهم إلى القدر لا إلى الحكام. # غ ~~: # حقيق. # س ~~: # ويجب أن نخص الشبان المبرزين في الحرب وغيرها بحرية الاختلاط بهن مع ~~الامتيازات والمكافآت الأخرى؛ لتكثر تحت هذا الستار مواليد والدين ~~كهؤلاء. # غ ~~: # مصيب. # س ~~: # وحال ولادة الأطفال يتسلمهم موظفون مختصون بهذا الغرض، إما نساء أو ~~رجال أو من الجنسين؛ لأني أرى أن الوظائف في الدولة متاحة للجنسين سواء ~~بسواء. # غ ~~: # نعم يتسلمونهم. # س ~~: # فيحمل الموظفون أولاد الوالدين الممتازين إلى المراضع العمومية، تحت عناية ~~مرضعات يسكن أحياء خاصة بمعزل عن الناس. أما أطفال الوالدين المنحطين ~~وكل الأطفال المشوهين فيخفونهم قاطبة في مواضع مستترة مجهولة ~~تلائمهم. # غ ~~: # هذا إذا أرادوا أن تكون طبقة الحكام نقية. # س ~~: # ويشرف هؤلاء الموظفون أنفسهم على الأطفال، ويستدعون والداتهم لإرضاعهم حين ~~تفيض ثديهن، متخذين الاحتياطات اللازمة لكي لا تعرف والدة طفلها. وإذا ~~كان لبن الوالدات غير كاف يأتون بغيرهن لإرضاع الأطفال. أولا يجب تحديد أوقات ~~الرضاعة وتعيين مربيات وخادمات، يقمن بواجب السهر وبما تستلزمه الطفولة من ~~المهام. # غ ~~: # إنك تسهل على نساء حكامنا ولادة الأطفال. # س ~~: # نعم، وهذا هو الواجب. ولنحول أيضا النظر إلى ثاني مواضيع البحث، فقد قلنا ~~إذا كنت تذكر أنه يجب استيلاد الذين في شرخ الصبا. # غ ~~: # نعم. # س ~~: # فهل توافقني في أن شرخ الصبا هو سن العشرين للإناث والثلاثين للذكور؟ ms137 # غ ~~: # وإلى كم يمتد هذا الطور؟ # س ~~: # الحد الذي أعينه للمرأة هو سن الأربعين، أما الرجل فإلى ما بعد اجتيازهم ~~أوعر مسالك الحياة، فينسل للدولة إلى الخامسة والخمسين. # غ ~~: # لا شك في أن هذا هو شرخ الصبا للجنسين جسدا وعقلا. # س ~~: # فإذا نسل الرجل قبل هذا السن أو بعده حسبنا عمله تعديا على الدين ~~والعدالة، فولادة مولود للدولة أمر لا يجوز إخفاؤه، بل يزود بالذبائح ~~والصلوات التي يرفعها الكهان والكاهنات وجميع الأفراد في كل قران، ليكون ~~طرفاه بريئين نافعين، فيكون النسل أبر وأنفع. أما الزرع غير المقدس فقد ~~ولد في ظلمات الخفاء بسبب الاسترسال في المعاصي. # غ ~~: # أنت مصيب. # س ~~: # ويجب أن يكون القانون واحدا لمن نسل من الرجال ضمن حدود السن ولكن دون ~~اطلاع القاضي، فنحسبه مجرما؛ لأنه أوجد للدولة نسلا غير شرعي ولا مقدس ~~وبدون كفيل. # غ ~~: # غاية في الإصابة. # س ~~: # ومتى بلغ الجنسان السن القانوني أبحنا للرجال من يشاؤهن، إلا بناتهم ~~وأمهاتهم وجداتهم وحفيداتهم، كذلك يباح للمرأة كل رجل إلا آباءها وأولادها ~~وسلفها وخلفها، وذلك بعد أن نوصيها بفعل الأفضل، وهو: إذا حبلت إحداهن ~~عرضا (في غير الحال المقررة) فلا يرى جنينها النور، وإذا لم تتمكن من ذلك ~~فيلزم التخلص من الطفل، على أساس أن ثمرة اجتماع هذا لا تجوز تربيتها. # غ ~~: # كل ذلك معقول، ولكن أنى تعرف بناتهم آباءهن والأقارب الآخرين الذين ~~ذكرتهم؟ # س ~~: # لا يعرفونهم بتاتا، لكنهم يدعون جميع الأطفال الذين يولدون بين الشهر السابع ~~والعاشر من قرانهم أبناءهم وبناتهم، وهؤلاء أيضا يدعون الذكور آباءهم والإناث ~~أمهاتهم، وأولاد المواليد أحفاد، ووالدي الوالدين أجداد وجدات، والمواليد ~~الذين ولدوا في دور التوليد المضروب لوالديهم يدعون بعضهم بعضا إخوة ~~وأخوات. ويحظر على الإخوة والأخوات مس بعضهم بعضا، ولكن الشريعة تبيحه إذا ~~أصابتهم القرعة ووافقت كاهنة دلفي على ذلك. # غ ~~: # غاية في الصواب. # س ~~: # هذه هي شيوعية النساء والأولاد في حكام دولتك يا غلوكون. وعلينا أن نشرع في ~~تبيان أن هذه الفكرة متمشية مع سائر أنظمة حكومتنا، وأنها أفضل ms138 ما يمكن ~~تصوره، وإلا فهل تقترح مسلكا آخر؟ # غ ~~: # افعل ما قلته من كل بد. # س ~~: # أوليست الخطوة الأولى نحو الاتفاق في هذه النقطة عرض السؤال الآتي: ما هو ~~الخير الأعظم في إنشاء الدولة الذي يجب على الشارع أن يراعيه في تشريعه؟ وما ~~الشر الأعظم كذلك؟ ثم نبحث في: هل تتفق شرائعنا مع ما حسبناه خيرا وتتنافى مع ~~ما حسبناه شرا؟ # غ ~~: # من كل بد. # س ~~: # أفيوجد شر أعظم مما يمزق الدولة تمزيقا بدل كونها كتلة واحدة؟ وهل من خير ~~أعظم مما يضمها ويحفظ وحدتها؟ # غ ~~: # لا يوجد. # س ~~: # أولا تضمها شركة الألم والفرح، فيفرح جميع سكانها معا أو يحزنون معا في ~~سرائهم وضرائهم؟ # غ ~~: # إنه كذلك. # س ~~: # أولا يحدث الاستقلال في العواطف انقساما، فيكون بعضهم فرحا وغيره حزينا ~~في حادث واحد يحل بالدولة وسكانها؟ # غ ~~: # مؤكد يحدث. # س ~~: # أولا تنشأ تلك الحال عن عدم اتفاقهم في كلمة «لي» وكلمة «ليس لي» في الشيء ~~الواحد، وكذلك باعتبار كلمة «للآخر» و«للغير»؟ # غ ~~: # حتما هكذا. # س ~~: # فأفضل الطرائق في سياسة الدول استعمال أكثرية أهلها كلمة «لي»، أو «ليس لي» ~~بفم واحد للشيء الواحد. # غ ~~: # هذا هو الأحسن. # س ~~: # وبعبارة أخرى: حينما تدنو الدولة من حالة الفرد، فإنه إذا جرحت إحدى الأصابع ~~شعر الجسم كله بالألم لوحدة مركز الشعور، فيشارك الأعضاء جميعهم العضو المصاب ~~بالألم والحزن، فنقول إن هذا الإنسان مصاب بأصبعه، وهكذا بالنظر إلى بقية ~~أعضاء الجسم سواء من حيث الألم حين يكون العضو متألما، أو من حيث اللذة حين ~~يكون مسرورا. # غ ~~: # وهو كذلك. فنعود الآن إلى مسألتك: أن هنالك شبها تاما بين الجسم وبين ~~الدولة المحكومة أفضل حكم. # س ~~: # فإذا أصابت أحد أفراد الدولة أذية، أو حظي بنعمة، هبت المدينة جمعاء ~~تشعر معه فرحا وحزنا؛ لأنه عضو في جسمها، فتفرح معه كلها أو تحزن ~~كلها. # غ ~~: # ويجب أن يعم الدولة هذا الشعور إذا حسن نظامها. # س ~~: # قد حان الوقت للعودة إلى دولتنا، لنرى هل تمتلك أوفر نصيب من الصفات التي ms139 ~~أوصلنا إليها بحثنا؟ أو تفوقها دولة أخرى في ذلك؟ # غ ~~: # يلزم أن نفعل ذلك. # س ~~: # حسنا، أليس في الدولة الأخرى كما في دولتنا قضاة وعامة؟ # غ ~~: # فيها. # س ~~: # أويدعو الناس بعضهم بعضا «مواطنين»؟ # غ ~~: # يدعون. # س ~~: # فبماذا يلقبون الحكام غير كلمة مواطنين؟ # غ ~~: # يلقبونهم في أكثر الدول ب «سادة»، وفي الديموقراطية منها يلقبونهم ~~ب «حكام» فقط. # س ~~: # وماذا تطلق عامتنا على حكامنا عدا كلمة «مواطنين»؟ # غ ~~: # يدعونهم: «حفظة ومساعدين.» # س ~~: # وماذا يدعو الحكام رعاياهم؟ # غ ~~: # يدعونهم: «صرافين وكافلين.» # س ~~: # وماذا يدعونهم في غير مدينتنا؟ # غ ~~: # يدعونهم: «عبيدا.» # س ~~: # وماذا يدعو الحكام بعضهم بعضا؟ # غ ~~: ~~«القضاة الرصفاء.» # س ~~: # وحكامنا؟ # غ ~~: ~~«الحفظة الزملاء.» # س ~~: # أتذكر أن أحد حكام الدول حين يتكلم عن مساعديه يحسب أحدهم قريبا وغيره ~~غريبا؟ # غ ~~: # كثيرون يفعلون ذلك. # س ~~: # أولا يعتبر بعمله هذا القريب خاصته ويدعوه كذلك، والغريب بعكسه؟ # غ ~~: # يفعل ذلك. # س ~~: # فهل يحسب أحد حكامك مساعده غريبا وينعته بهذا النعت؟ # غ ~~: # كلا البتة؛ لأنه أيا لقي حسبه أخا أو أختا أو أبا أو ابنا أو ابنة ~~أو سلفا أو خلفا. # س ~~: # كلامك جميل جدا، فأجب عن هذه الأسئلة: أتكتفي بالألقاب العائلية؟ أو توجب ~~عليهم أن يطبقوا تصرفهم على أحكامنا في كل الأحوال، فيقومون للآباء بكل واجبات ~~الأبناء، كالطاعة والاحترام والخدمة، وإلا ساءت حالتهم في نظر الله والناس؟ ومن ~~فعل ذلك فعمله تمرد على الدين والعدالة، فهل توجب أن تطرق آذان أولادنا هذه ~~الشرائع بادئ ذي بدء نحو من أقيموا عليهم مقام الوالدين ونحو جميع ~~الأقارب؟ # غ ~~: # سنسن ذلك؛ لأنه من السخافة الاقتصار في النسب العائلي على الألفاظ الشفاهية ~~دون تطبيقها فعلا. # س ~~: # فأرقى الأمم هي التي إذا أصاب أحد أفرادها خطب أو حلت به نعمى قالوا في ~~الرواية عنه مثلا: «من لنا مبسوط»، أو «من لنا مصاب.» # غ ~~: # بأعظم تأكيد. # س ~~: # أولم نقل إن الشعور العام بالمسرة والألم يصحب هذا الأسلوب قولا ~~وفكرا؟ # غ ~~: # بلى، بالصواب قلنا. # س ~~: # أولا يمتاز مواطنونا باشتراكهم جميعا في مصلحة يدعونها ms140 «لي»، وإذا لهم هذه ~~المصلحة يتصفون إلى حد بعيد بالمشاركة بالمسرة والألم؟ # غ ~~: # نعم، إلى حد بعيد. # س ~~: # أوليس مرجع ذلك وغيره من أقسام الدستور إلى شيوعية نساء الحكام ~~وأولادهم؟ # غ ~~: # بلى، إلى الشيوعية بالأخص. # س ~~: # وقد سلمنا إذا كنت تذكر أن في هذا خير الدولة الأعظم، قياسا للدولة الحسنة ~~النظام على الجسم العضوي باعتبار مشاركته كلا من أعضائه في اللذات ~~والآلام. # غ ~~: # نعم، وبالصواب فعلنا. # س ~~: # فقد اكتشفنا إذا أن شيوعية نساء الحكام وأولادهم هي سبب خير الدولة ~~الأعظم. # غ ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # وهكذا نتفق مع ما سبق تقريره لما قلنا إنه يجب أن لا يملك الحكام ملكا ~~خاصا، لا بيوتا ولا عقارا ولا شيئا آخر، بل يتناولون نفقاتهم من الأهالي ~~جزاء عملهم، وينفقون مشتركا إذا راموا أن يكونوا حكاما حقيقيين. # غ ~~: # حقيقة. # س ~~: # أفلا تجعلهم القوانين السالفة مع هذه الأخيرة حكاما ثقات وتحول دون ~~تمزيقهم المدينة بكلمة «خاصتي» التي يطلقونها على كل شيء خاص، عوض إطلاقها ~~على شيء واحد، فيحملون كل إلى بيته ما أمكنه الحصول عليه دون غيره، ومن ~~الجملة «الأزواج» والأولاد، فيخلقون مسرات وآلاما خاصة بواسطة المصالح ~~الخاصة، ويسببون في نفوس إخوانهم آلاما عميقة باحتكارهم الخيرات، فتحول ~~قوانيننا دون ذلك، وتحملهم معا على اجتذاب كل خير للمركز العام، فيكون لهم رأي ~~واحد في ما يمتلكون، وشعور واحد في السراء والضراء. # غ ~~: # حتما. # س ~~: # أولا تقصى من بينهم الشكايات المتبادلة لعدم وجود ملكية خاصة إلا أجسادهم ~~وكل ما سواها مشاع؟ أولا يحررهم ذلك من الضغائن التي تحل بالناس لسبب التنازع ~~على الأموال والأولاد والأصحاب؟ # غ ~~: # ليس إلا التجرد من هذه الأشياء. # س ~~: # ولا يحدث بينهم اغتصاب أو هجوم عدائي أو طعان، وإنما لأجل الدفاع عن سلامة ~~أجسادهم نحسب التعاون في صد هجمات الآخرين منطبقا على قواعد الشرف والعدالة؛ ~~لأن المحافظة على الحياة ضرورة مقدسة. # غ ~~: # بالصواب. # س ~~: # ولهذا القانون الفائدة التالية، وهي أنه إذا كان في أحدهم موجدة على أخيه ~~فإنه يجد لها منصرفا بالمواجهة الشخصية، فلا ms141 يتفاقم الشر في ما بينهم. # غ ~~: # يقينا. # س ~~: # فيسيطر كبيرهم على صغيرهم ويؤنبه. # غ ~~: # واضح. # س ~~: # ومن المؤكد أنه لا ينتظر أبدا أن يحاول الأصغر أن يضرب الأكبر أو يمس ~~كرامته، إلا إذا تعين للتنفيذ من قبل الحكام. ولا يهين صغير كبيرا بوجه ~~من الوجوه، إذ هنالك مانعان لردعه هما الخوف والخجل ، فيحول الخجل دون رفعه يده ~~على أي كان ممن يحسبهم آباء، كذلك الخوف حذر انتصار الآخرين لهم من أخوة ~~وأبناء. # غ ~~: # نعم، هذه هي نتائج قوانيننا. # س ~~: # وعلى كل، تضمن الشرائع السلام بين رجالنا. # غ ~~: # ضمانا وثيقا. # س ~~: # وإذا تحرروا من المنازعات الداخلية أمنوا قيام الأهالي عليهم أو قيام بعضهم ~~على بعض. # غ ~~: # أمنوا ذلك. # س ~~: # وهنالك شرور زهيدة لا أختار ذكرها (في القانون) نظرا لتفاهتها، كتمليق ~~الأغنياء، واضطراب الرجال وغضبهم في تربية العائلة، وفي إحراز الأموال اللازمة ~~لسد نفقات الأسر والخدم، تارة يقترضون، وطورا يطلقون نساءهم، وآونة ~~يستنبطون الحيل لجمع ثروة يضعونها بين أيدي النسوة والخدم واثقين بتدابيرهم، ~~وكل الاضطرابات التي تسببها هذه الأحوال هي واضحة يا صديقي وضوحا تاما، عدا ~~كونها تافهة. # غ ~~: # واضحة حتى للعميان. # س ~~: # وإذ ينجون من كل هذه الشرور يعيشون بسلام عيشة أكثر سعادة واغتباطا من عيشة ~~الذين أحرزوا الفوز في الألعاب الأولمبية. # غ ~~: # وكيف ذلك؟ # س ~~: # إن السعادة المخصصة بالفوز في الألعاب هي زهيدة بالنسبة إلى سعادة رجالنا، ~~ففوزهم أمجد وتعضيد الدولة إياهم أكمل؛ لأن فوزهم هو سلامة الدولة كلها، ~~وسينالون التيجان وأكاليل الغار هم وأولادهم جزاء جهودهم. هذا عدا ضمان لوازم ~~حياتهم، ثم يدفنون بالتجلة والاحترام. # غ ~~: # حقا إنها امتيازات مجيدة. # س ~~: # أوتذكر الاعتراض الذي أورده بعضهم # 5 # في سياق أبحاثنا السابقة، وهو أننا لم نجعل حكامنا سعداء لأنهم لا ~~يملكون شيئا، مع أنه في إمكانهم أن بيتزوا ثروة الأهالي. ورددنا عليه أننا ~~سننظر في هذه النقطة فيما بعد إذا عرضت لنا في طريقنا؟ وكنا حينذاك ننظر في جعل ~~حكامنا حكاما حقيقيين لأجل سعادة المدينة إجمالا على قدر إمكاننا، دون ms142 ~~تمييز فئة من أهلها وخصها بالسعادة؟ # غ ~~: # أذكر ذلك. # س ~~: # وقد رأينا أن حياة معاوني حكامنا أشرف كثيرا من حياة الفائزين بالجعالات ~~الأولمبية. أفيمكن أحد أن يتصور أن حياة الأساكفة والزراع وغيرهم من ~~أرباب الحرف تقابل بها؟ # غ ~~: # لا أظن. # س ~~: # فمن المناسب على كل حال أن أعيد هنا ما قلته هنالك، وهو : إذا قصد ~~بالحكام أن يكونوا سعداء بحيث لا يبقون حكاما، ولم يقبلوا الحياة ~~المعتدلة الراهنة التي نحسبها الفضلى، بل علقوا بحماقة الحداثة وغرورها في ما ~~يتعلق بالسعادة، فتدفعهم حماقتهم إلى استخدام قوتهم في انتهاك حرمة كل ما في ~~المدينة من الخيرات، فحينئذ يتحققون حكمة هسيودس # 6 # أن النصف خير من الكل. # غ ~~: # إذا قبلوا مشورتي فإنهم يقفون عند حدهم. # س ~~: # فتسلم معي بمبدأ وضع النساء مع الرجال على قدم واحدة كما أوضحنا في ~~التهذيب وفي تربية الأطفال وفي سياسة الأهالي. وفي حال إقامتهن في المدينة ~~وحال خروجهن إلى الحرب يشاطرن الرجال واجبات الحكم، ويرافقنهم في الطراد ككلاب ~~الصيد، ويكون كل شيء عندهم مشاعا قدر الاستطاعة، وبذلك ينهجن أفضل منهج، ولا ~~يسئن إلى العلاقة التي تسود أواصر المودة المتبادلة بين الجنسين. # غ ~~: # أسلم بكل ذلك. # س ~~: # أفليس الباقي لدينا هو النظر في إمكان تعميم الشيوعية بين الناس كما هي بين ~~البهائم؟ وفي أي حال يمكن ذلك؟ # غ ~~: # سبقتني إلى ما كنت عازما أن أقوله. # س ~~: # أما بالنظر إلى الحركات الحربية فأرى أنه واضح كيف يتصرفون. # غ ~~: # وكيف ذلك؟ # س ~~: # يخرج الجنسان معا إلى ميادين القتال، ويصحبان أولادهما الأشداء لكي يروا ~~كغيرهم من أبناء الحرف الأخرى الأعمال التي يجب أن يمارسوها بإتقان متى راهقوا، ~~ومع الفرجة يخدمون في كل ما يلزم الحرب، ويساعدون آباءهم وأمهاتهم في الميدان ~~كخدم، وينتظرون خروجهم من المعارك، ولا شك في أنك تلاحظ ما يجري في الفنون ~~المنوعة، فإن أولاد الخزافين مثلا يساعدون آباءهم طويلا قبلما يمارسون ~~صناعة الخزف بأنفسهم. # غ ~~: # حقا إني لاحظت. # س ~~: # أفيكون الخزافون أكثر اهتماما بأولادهم من حكامنا بإطلاعهم إياهم على ms143 ~~ما يتعلق بحرفهم الخاصة؟ # غ ~~: # من السخافة أن يكون ذلك كذلك. # س ~~: # ثم إن كل مخلوق يبلي البلاء الحسن في الحرب في حضرة أولاده. # غ ~~: # هذا هو الواقع. على أن هنالك خطرا كبيرا يا سقراط: إذا هم انكسروا فيهلك ~~الأولاد مع والديهم، فتضعف المدينة ضعفا لا يحتمل. # س ~~: # قولك حق، ولكن دعني أسألك: هل نجعل عدم تعرضنا لخطر متوقع أول ~~واجب؟ # غ ~~: # قطعا لا. # س ~~: # أولا يكون تعرضهم للخطر وسيلة رجولتهم في حال انتصارهم؟ # غ ~~: # واضح أن ذلك محتوم. # س ~~: # أوتظن أنه أمر زهيد لا يستحق مصادمة الأخطار، أن يشهد الأحداث الحرب منذ ~~نعومة أظفارهم إذا كانوا مزمعين أن يكونوا جنود المستقبل؟ # غ ~~: # بل إنه أمر عظيم باعتبار ما شرحته. # س ~~: # فيلزم سن قانون لحمل الأولاد على أن يشهدوا الحرب، مع الاهتمام بسلامتهم، ~~وعندها يهون كل أمر، أليس كذلك؟ # غ ~~: # بلى. # س ~~: # أولا يحكم آباؤهم، أية الحملات خطرة وأيتها غير خطرة؟ # غ ~~: # الأرجح أنهم يحكمون. # س ~~: # فيقودونهم إلى هذه ويعرجون بهم عن تلك. # غ ~~: # حق. # س ~~: # وأؤكد أنهم يعينون ضباطا لإرشادهم وتعليمهم، وليس أولئك الضباط من حثالة ~~الجند، بل من القواد المدربين الذين حنكهم الاختبار. # غ ~~: # مناسب جدا أن يفعلوا ذلك. # س ~~: # ويجب أن نعلم أن كثيرين منهم يلقون خلاف ما توقعوا. # غ ~~: # نعم، كثيرا جدا. # س ~~: # فتداركا لمفاجآت كهذه يا صديقي العزيز يجب أن نضع لأولادنا جناحين ليهون ~~عليهم الفرار حين اللزوم. # غ ~~: # ماذا تعني؟ # س ~~: # يجب أن يمتطوا ظهور الخيل منذ الحداثة، ومتى تعلموا الطراد يؤخذون إلى ساحة ~~الهيجا، لا على متون الصافنات الشديدة المراس، بل على متون أسرع الخيول وأطوعها ~~للعنان، فيكونون في أنسب موقف لملاحظة عملهم المستقبل، وفي الوقت نفسه ~~يتمكنون من الهرب متى دعت الحاجة بأتم سلامة وراء قوادهم الشيوخ. # غ ~~: # أرى خطتك حكيمة. # س ~~: # ولنأت الآن إلى قوانين الخدمة العسكرية: فما هو موقف جنودك تجاه إخوانهم ~~وتجاه الأعداء؟ # غ ~~: # عرفني ما هو موقفهم؟ # س ~~: # ألا يجب أن نهبط بكل من يخلي صفه ويلقي سلاحه ms144 أو يأتي عملا من أعمال الجبانة ~~إلى طبقة الصناع والزراع؟ # غ ~~: # حتما. # س ~~: # وإذا وقع جندي أسيرا في أيدي الأعداء، أفلا يكون هبة بيد مالكه يصنع به ما ~~شاء؟ # غ ~~: # بلى، من كل بد. # س ~~: # وإذا برهن أحد الجنود على كفاءة راجحة فربح ثقة الدولة، ألا تظن أنه يجب أن ~~يكلله بالغار رفقاؤه الجنود في ساحة الحرب كبارا وصغارا؟ # غ ~~: # أظن هكذا. # س ~~: # وما قولك في مصافحتهم إياه باليمين؟ # غ ~~: # يصافحونه. # س ~~: # ولكنني لا أراك تقبل اقتراحي التالي. # غ ~~: # وما هو؟ # س ~~: # أن يبادلوه القبلات واحدا فواحدا. # غ ~~: # أقبله بالتأكيد. وأضيف إلى القانون أن لا يتمنع أحد منهم والحرب حامية ~~الوطيس من إجابته إلى رغبته إذا أراد أن يقبله، حتى إذا مال جندي إلى أحدهم ~~أو إحداهن يزداد همة لحلول رغبته هذه في قلبه محل شارة الظفر. # س ~~: # حسنا، وقد سبق القول بأن يمتاز الجندي الشجاع على غيره بالتوسع في حرية ~~الزواج، ويتمتع بحرية خارقة في اختياره الزوجة ما أمكن، حتى يكثر نسل والد ~~كهذا. # غ ~~: # صحيح إننا قلنا تلك. # س ~~: # وهنالك شرف آخر تقضي العدالة بإسباغه على الشبان الممتازين بحسن السلوك، ~~حتى بحكم هوميرس، فقد روى أنه لما برز أجاكس في الحرب، كوفئ في وليمة ~~الظفر بأن خص بفخذ العجل كله، # 7 # وذلك الإكرام علاوة على ما فيه من الشرف يؤدي إلى زيادة القوة ~~الجسدية، فالشاب في شرخ الصبا جدير به. # غ ~~: # رأي ثاقب. # س ~~: # فعلينا بأقل الدرجات أن نتبع رأي هوميرس في إكرام جنودنا المستحقين في ~~حفلات الشكر وفي سائر الحفلات، بالنسبة إلى ما أبدوه من ظاهرات الهمة، ~~فيكافئون بالامتيازات التي مر بيانها، وبالأناشيد، وبكئوس مترعة أيضا، ~~وباللحوم الطيبة، وبمراتب الشرف. # 8 # فنقوم بإكرامهم خير قيام، ونخدمهم خدمة أكابر الرجال، ولا نرمي فقط ~~إلى إكرام الرجال والنساء، بل أيضا إلى ترقية الفن العسكري. # غ ~~: # فكرة جميلة. # س ~~: # حسنا جدا. وإذا قتل أحد الجنود في الحملة، أفلا نعلن أولا أن الذين ~~ماتوا ميتة شريفة هم من الجنس الذهبي؟ # غ ms145 ~~: # بكل تأكيد نعلن. # س ~~: # أولا تصدق هسيودس في ما رواه، أنه حين يموت أحد رجال هذه الطبقة: # 9 # يضحون من أسمى جبابرة العلى # مقصين شر الظالمين عن الملا # غ ~~: # مؤكد نصدقه. # س ~~: # فنسأل الوحي كيف نجنز الأطهار الفائقين، ثم ندفنهم بالطقوس التي أوحاها ~~إلينا. # غ ~~: # مؤكد نسأل. # س ~~: # ونقيم على احترام مدافنهم وإكرامها أبد الدهر كمدافن الجبابرة ، ونحرص على ~~إتمام هذه المراسم، كما نتمها لمن اشتهر من الأهلين بالشجاعة إلى أن يموت ~~حتف أنفه أو تحل به كارثة. # غ ~~: # حقا، إن هذا هو الإنصاف. # س ~~: # وما هو موقف جنودنا أمام أعدائهم؟ # غ ~~: # بأي اعتبار؟ # س ~~: # أولا في أمر الاستعباد. أفمن العدالة أن يستعبد اليونانيون مدنا ~~يونانية حرة؟ أولا يجب أن يأنفوا من ذلك جهد المستطاع، ويقيموا على خفارة ~~القبائل اليونانية لئلا يستعبدها البرابرة؟ # غ ~~: # إن إنقاذها أفضل جدا من استعبادها. # س ~~: # فالأفضل لنا أن لا يستعبد جنودنا يونانيين، وأن يوعزوا إلى اليونانيين ~~بلزوم الكف عن هذه العادة. # غ ~~: # من كل بد، وتتفرغ أفكارهم حينذاك للبرابرة عوض اشتغالهم بمقاتلة بعضهم ~~بعضا. # س ~~: # أويليق بهم تجريد القتلى بعد قهرهم إلا من أسلحتهم؟ أولا يمنح ذلك العمل ~~عذرا للجبناء في قعودهم عن مطاردة الأعداء الأحياء اشتغالا بأشلاء الموتى؟ ~~أولم تهلك جيوش كثيرة بسبب النهب؟ # غ ~~: # لا ريب في أن كثيرين هلكوا. # س ~~: # ألا ترى سلب الموتى طمعا دنيا؟ أوليس من الأوضاع النسائية وصفات العقول ~~الصغيرة، النظر إلى جثة الميت نظرة عدائية، مع أن العدو الحقيقي قد ولى ~~قصيا، تاركا وراءه الآلات التي كان يحارب بها (أي الجثة)؟ أوتحسب من أتى ~~ذلك خيرا من الكلاب التي تثور على حجر رميت به تاركة راميه؟ # غ ~~: # ليسوا خيرا منها ولا قيد أنملة. # س ~~: # فعلينا بالتنكب عن تجريد الجثث والتدخل في نقلها. # غ ~~: # ولا نحمل أسلحة المغلوبين إلى الهياكل لتكرسيها، ولا سيما أسلحة ~~اليونانيين، إذا رمنا توثيق عرى التفاهم معهم، بل يجب الحذر من أن يكون حمل ~~أسلحة إخواننا إلى الهياكل تدنيسا لها، إلا إذا أوجب الوحي ms146 ذلك. # غ ~~: # غاية في الصواب. # س ~~: # وكيف يعامل جنودك الأعداء اليونانيين باعتبار نهب بلادهم وحرق ~~بيوتهم؟ # غ ~~: # يسرني أن أعرف ما هو رأيك في هذا الأمر؟ # س ~~: # رأيي أن لا يفعل بها شيء من الأمرين المذكورين، بل تؤخذ منها حاصلات سنة ~~واحدة. أفتريد أن أخبرك السبب؟ # غ ~~: # نعم أريد. # س ~~: # كما أننا نستعمل كلمتي «حرب ونزاع» مختلفتين دلالة، فهنالك نوعان متباينان ~~من المشادة، أحدهما بين الأقارب والأصحاب، والآخر بين الأجانب، فالخلاف بين ~~الأولين أدعوه «نزاعا»، وبين الغرباء أدعوه: «حربا.» # غ ~~: # لا شيء غير معقول في ما تقول. # س ~~: # فاصغ وتأمل، فإن ما أقوله معقول أيضا، فإني أؤكد أن أفراد الأمة ~~اليونانية إخوان وأقارب بعض لبعض، ولكنهم غرباء وأباعد عن البرابرة. # غ ~~: # أوافقك في هذه الفكرة. # س ~~: # فلا يبرح فكرك ما قيل الساعة في أمر النزاع، فإذا حدث شيء من ذلك أينما كان ~~وانشقت الدولة، فنهب كل فريق بلد الآخر وحرق بيوته، كانت تلك الخصومة خطبا ~~فاضحا، وحسب الفريقان غير وطنيين، ولو كانوا وطنيين لما أقدموا على ~~مضرة والدتهم ومرضعهم، فحسب الظافر مغنما أن هذا الشعور يعرب عن رقي إنساني ~~أكثر من ذاك. # س ~~: # جيدا، أفليست الدولة التي تؤسسها يونانية؟ # غ ~~: # هكذا يلزم أن يكون. # س ~~: # أولا يكون أهلها كرام النفوس؟ # غ ~~: # من كل بد. # س ~~: # أوليسوا يونانيين ويحسبون بلاد اليونان كلها وطنهم؟ ويشاركون إخوانهم ~~اليونانيين في شعائر ديانتهم العامة؟ # غ ~~: # من كل بد. # س ~~: # أفلا يحسبون المشادة مع اليونانيين باعتبار كونهم إخوانهم نزاعا لا ~~حربا؟ # غ ~~: # بلى. # س ~~: # فيشعرون في أثناء النزاع شعور الأصحاب الذين لا بد أن يتصافوا؟ # غ ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # فيصالحونهم بروح الإخاء، ويؤنبونهم دون أن يفكروا في استعبادهم ودمارهم، بل ~~يعاملونهم معاملة الأستاذ تلاميذه، لا معاملة العدو أعداءه. # غ ~~: # بالتمام. # س ~~: # ولما كانوا يونانيين فلا يدمرون بلاد اليونان، ولا يحرقون البيوت، ولا ~~يحسبون جميع الأهالي أعداءهم رجالا ونساء وأولادا، بل يحصرون هذه التسمية ~~بالقليلين الذين أوروا زنادها، فلا يدكون البيوت، ولا يخربون البلاد، فإن ~~أصحابها أصدقاؤهم، ms147 بل يقتصرون على خوض غمارها حتى يقتص الأبرياء من ~~المذنبين. # غ ~~: # أسلم أنه على شعبنا احترام هذه القوانين في معاملة أعدائهم، وأريد أن ~~يعاملوا البرابرة كما يعامل اليونانيون بعضهم بعضا في هذه الأيام. # غ ~~: # فعلينا أن نضيف إلى شرائعنا قانونا يحظر على حكامنا حرق البيوت وتدمير ~~البلاد. # غ ~~: # فلنصنع ذلك، وهو مع كل ما قررته صواب. # ولكن يظهر لنا يا سقراط أنه إذا سمحنا لك أن تستمر في هذه الخطة فإنك لا تذكر ~~ما نحيته جانبا لما ولجت هذه الأبحاث، وهو أن تبين أن هذا النظام من ~~الممكنات، وتبين أيضا طريق تحقيقه؛ لأن في مساق الإدلاء على تحقيقه تتبين ~~المنافع الجمة الناجمة عنه لمدينة كانت قاعدة له، وإني أستطيع أن أورد حقائق ~~كثيرة أغفلتها أنت، منها: # أن جنودا كهؤلاء إنما يبلون في حربهم البلاء الحسن لأنهم يأنفون التخاذل، ~~وذلك لازم عن حسبانهم بعضهم بعضا آباء وأبناء وأخوة، فيألفون هذه التسميات ~~العزيزة، ويأبون التخلي بعضهم عن البعض الآخر، وإذا صحبتهم النساء إلى الحرب ~~سواء حللن الصفوف كتفا إلى كتف مع الرجال، أو لبثن وراءهم كاحتياط لإلقاء ~~الرعب في قلوب الأعداء، فحسب رأيي أنهم لا يدحرون. وإني أعلم كل ما حذفته أنت ~~من الفوائد التي يتمتعون بها في الوطن، ولكنك ضربت عنها صفحا، ولما كنت ~~عالما بكل مزايا هذا النظام وبألوف من أمثالها فلا لزوم للإطالة في شرحها، ~~فلنقنع أنفسنا الآن بأن المسعى عملي، ولنبين طريقة تحقيقه، ونغفل ما سوى ~~ذلك. # س ~~: # بأية مفاجأة جابهت حجتي، ولم ترث لما بي من نصب، وربما إنك لم تفقه ~~أنني جهدت في تخطي العقبتين السابقتين، فتسوق الآن علي ثالثة هي أثقل ~~الثلاث وقعا وأعظمها خطرا. ولا بد من أنك بعد ما رأيت ذلك وسمعته تعذرني عن ~~ترددي ووجومي، وتسلم بتوافر الأسباب لتخوفي من فتح باب نظرية مخيفة ~~والدخول في شعاب تمحيصها. # س ~~: # كلما أطنبت في وصف هذه الشدة قلت حريتك وتعذر إعفاؤك من تبيان إمكان هذا ~~النظام، فهات بيانك وكفى تأخرا. # س ~~: # ولا ننس أولا ms148 أننا بلغنا هذه النقطة سعيا وراء البحث في طبيعة ~~العدالة. # غ ~~: # حقيق. ولكن ما شأن ذلك هنا؟ # س ~~: # لا شيء، ولكن إذا عرفنا ما هي العدالة أفنتوقع أن لا تختلف سجية العادل عن ~~حكمها في أمر ما، بل تكون صورتها وقسيمتها حذو القذة بالقذة، أم أننا نكتفي ~~ببلوغه (العادل) أقرب نقطة إليها، وكونه أكثر الناس عملا بها ؟ # غ ~~: # نكتفي بذلك. # س ~~: # فغرض أبحاثنا هو: في طبيعة العدالة نفسها، وسجية العادل الكامل، وإمكان ~~وجوده، وكذلك طبيعة التعدي، وسجية الرجل البالغ أقصى حدوده، فلنتخذهما ~~نموذجين، ولننظر في كل منهما لنتبين نسبتهما إلى السعادة وإلى الشقاء، ~~وبذلك يمكننا الحكم أن من اقتفى خطواتهما ونسج على منوالهما شاركهما في ~~مصيرهما. ولم يكن غرضنا النظر في إمكان حصول هذه الأمور بالفعل. # غ ~~: # هذا هو الحق الصراح. # س ~~: # فإذا رسم فنان مثلا إنسانيا أعلى، ولم يكن رسمه ناقصا في شيء، أفتظن أنه ~~يجرح لأنه عجز عن نصب الدليل على إمكان وجود شخص ينطبق عليه هذا الرسم؟ # غ ~~: # لا أظن. # س ~~: # أفلم نقل أنا توخينا في بحثنا أن نرسم نموذجا للمدينة الكاملة؟ # غ ~~: # بالتأكيد. # س ~~: # أفيجرح نظريتنا في شرعك العادل عجزنا عن إثبات وجود مدينة منظمة من الطراز ~~الذي وصفناه؟ # غ ~~: # كلا ثم كلا. # س ~~: # فهذه هي واقعة حالنا، ولكني إذا وجب علي لأجل مسرتك أن أجهد نفسي في ~~تبيان تحقيق مثلنا الأعلى بأي اعتبار كان، فأسألك أن تسلم بما سلمت به ~~قبلا. # غ ~~: # وبم سلمت؟ # س ~~: # هو هذا: أيمكن إنفاذ نظرية ما، في أي موضوع كان إنفاذا تاما؟ أو أن من ~~شرائع الطبيعة أن التطبيق لا يبلغ مبلغ النظرية من الكمال؟ ولا بأس إذا رأى ~~بعضهم خلاف رأينا، أفتسلم بهذا أم لا؟ # غ ~~: # أسلم. # س ~~: # فلا تطلب مني تطبيق النظرية تطبيقا تاما. على أنه إذا أمكننا أن نثبت ~~إمكان تنظيم دولة في أقرب الحالات التي صورناها، وجب عليك التسليم بأنا ~~اكتشفنا إمكان تحقيق الخطة التي سألتني تبيانها، أفلا نكتفي بالفوز بذلك؟ أما ~~أنا فأكتفي. # غ ~~: # وأنا ms149 أيضا أكتفي. # س ~~: # فيجب أن تكون خطتنا الثانية تبيان ما في دولتنا من نقص يحول دون كمال ~~أوصافها المقررة نظريا، مقتصرين على تغير واحد أو اثنين أو أقل ما يمكن ~~من التغيير عددا وتأثيرا. # غ ~~: # فلنتقدم إلى ذلك بأعلى همة. # س ~~: # أرى أن هنالك تغييرا واحدا يضمن حدوث الثورة، ولكنه ليس صغيرا ولا سهلا، ~~إلا أنه ممكن . # غ ~~: # وما هو؟ # س ~~: # أنا الآن على وشك المصارحة بالبيان الذي شبهناه بالموجة الكبرى، ولكن الحق ~~أولى بأن يقال ولو أغرقتني الموجة التي كالموج الطبيعي تنتهي بضجة وذعر، ~~فأعرني سمعك. # غ ~~: # تفضل. # س ~~: # يا عزيزي غلوكون، لا يمكن زوال تعاسة الدول وشقاء النوع الإنساني ما لم يملك ~~الفلاسفة أو يتفلسف الملوك والحكام فلسفة صحيحة تامة. أي: ما لم تتحد ~~القوتان: السياسية والفلسفية في شخص واحد، وما لم ينسحب من حلقة الحكم الأشخاص ~~الذين يقتصرون على إحدى هاتين القوتين، فلا تبرز الجمهورية التي صورناها في ~~بحثنا إلى حيز الوجود، ولا ترى نور الشمس. والذي حملني على التردد في إبداء ~~هذا الرأي هو شعوري أنه يضاد الرأي العام كل المضادة؛ لأنه يعسر الإقناع بأنه ~~وسيلة لحصول الفرد والدولة على السعادة. # غ ~~: # يا سقراط، إن اللهجة التي تتكلم بها والآراء التي توردها تثير عليك جموعا ~~من عتاة الخصوم، فسينقضون عليك مستبسلين دون ما تردد، فيطرحون أرديتهم ~~ويشرعون ضدك ما طالته أيديهم من سلاح، فإذا لم تصد هجماتهم بقاطع برهانك ~~ليتسنى لك الإفلات من أيديهم، حلت بك عقوبة المستهزئين الجاحدين. # س ~~: # أفلست أنت الذي جلب علي كل ذلك؟ # غ ~~: # بلى، وبالصواب فعلت. على أني لن أتخلى عنك في هذه المعمعة، بل سأدفع عنك ~~بما لدي من سلاح، وسلاحي هو حسن النية والثقة، وقد أبدي في أجوبتي من الحذق ~~ما يقصر عنه السوي، فتقدم مستندا إلى هذه النجدة وأر المشككين أصالة ~~رأيك. # س ~~: # يجب أن أتقدم ما دمت أنت حليفي العظيم، وإذا رمنا التخلص من المهاجمين ~~الذين أشرت إليهم فأرى من اللازم أن نعطيهم تحديدنا «الفلاسفة» الذين يحق ms150 لهم ~~الحكم، حتى متى تجلت مزاياهم لنظر الجمهور فرأى من نعني بالفلاسفة أمكننا ~~حينذاك الدفاع عن أنفسنا، فندعي أن طلب الفلسفة هو حق طبيعي لهؤلاء الناس، ~~وأن يتقلدوا زمام الحكم، وتنحصر دائرة اختصاص الغير في ترك الفلسفة وشأنها، ~~والخضوع للفلاسفة الحاكمين. # غ ~~: # إنه وقت ملائم إيراد تحديد كهذا. # س ~~: # فهلم ورائي نجرب أن نشرح فكرتنا بصورة مقبولة . # غ ~~: # تفضل. # س ~~: # هل يلزم أن أذكرك أو أنت تذكر لذاتك ما قلناه في خلال البحث؟ وهو: إذا ~~أحب أحد شيئا فلا يحصر محبته في قسم مما أحب دون غيره، بل يحبه كله ~~بجميع أجزائه؟ # غ ~~: # أرجو تذكيري، فلم أفهم ذلك تماما. # س ~~: # إن اعترافا كهذا يجدر بسواك يا غلوكون، أما رجل ذو فطرة حبية نظيرك فلا يجوز ~~أن ينسى أن من فتن بالحب شغف بمن فتنوه وهم في شرخ الصبا؛ لأنه يراهم جديرين ~~بشغفه وتزلفه. أليس هذا هو الأسلوب الذي تجري عليه، فتمدح في الفتى قصر ~~الأنف لأنه جذاب؟ والأنف الأقنى عندك ملوكي المظهر؟ وثالث الأنوف وهو المتوسط ~~بين هذين، يجعل الوجه أكثر اتساقا وجمالا؟ وترى سمر الألوان ذوي رجولة، ~~وشقر الألوان أبناء الآلهة. ومن صاغ هذه العبارة «الأصفر الزيتوني» إلا العاشق ~~الذي انتحل لنفسه عذرا لما رأى صفرة وجنة الحبيب؟ وبالاختصار: إنك تخلق ~~أنواع الأعذار، وتستخدم كثير الأمثلة، ولا تعرج عن حب من كان في نضارة ~~الحياة. # غ ~~: # إذا أردت اتخاذي وسيلة للحكم بأن العشاق يتصرفون هذا التصرف فإني ~~أسلم بذلك جدلا. # س ~~: # ولنورد مثلا آخر: ألا ترى أن المولعين بالخمرة يضربون على الوتر نفسه، ~~فيختلقون الأعذار لرشف كل نوع من الخمور؟ # غ ~~: # بلى يقينا. # س ~~: # وأراك ولا بد تفهم أن عشاق المجد إذا لم يتسن لهم قيادة جيش تعللوا ~~بقيادة فصيلة، وإذا لم يحصلوا على إكرام أكابر الرجال وفضلائهم اكتفوا بامتداح ~~قليلين ممن لا وزن لهم؛ لأنهم مولعون بالمجد بأية صورة كان. # غ ~~: # حتما هكذا. # س ~~: # فأجب عن هذا السؤال سلبا أو إيجابا: إذا وصفنا إنسانا بالشوق إلى شيء، ~~أفنعني ms151 أنه يشتاق إلى كل ما يحبه أو إلى قسم منه فقط دون القسم الآخر؟ # غ ~~: # يشتاق إليه كله. # س ~~: # أفلا نجزم أن الفيلسوف أو محب الحكمة هو الذي يشتاق إلى الحكمة اشتياقا ~~كليا لا جزئيا؟ # غ ~~: # حقيقي. # س ~~: # فمن أقام العقبات في سبيل دروسه، ولا سيما وهو حديث السن غير قادر أن يميز ~~بين النافع والضار، حسبناه غير محب الدرس أو الحكمة. كذلك من لا يرضيه نوع من ~~الطعام لا نراه جائعا إلى القوت ولا راغبا فيه، فبدلا من أن نحسبه مولعا ~~بالطعام نصفه بضعف الشهية. # غ ~~: # نعم، وإنا مصيبون في ذلك. # س ~~: # أما الراغب في تذوق كل أنواع المعرفة فيكب على دروسه بسرور ورغبة ولا ~~يكف. إن إنسانا كهذا بحق ندعوه فيلسوفا. ألا ندعوه؟ # غ ~~: # إن وصفك هذا يشمل عددا عديدا، ويضم طائفة مستهجنة، وبحسبه كل عشاق الطلب ~~فلاسفة؛ لأنهم راغبون في المعرفة، وكذلك المنصبون على سمع القصص هم طبقة خاصة ~~بين الفلاسفة، أعني بهم الذين لا يشهدون محاورة فلسفية ولا غيرها من أنواع ~~المحاورات على أنهم سامعون مواظبون لا يغيبون عن حفلة ديونيسية # 10 # في مدينة أو قرية، فكأنهم آجروا آذانهم للسمع لكل جوقة في وقتها. ~~أفنهب لهؤلاء لقب الفلاسفة، ولأمثالهم ممن لاذ بأي نوع من الدروس، ولأساتذة ~~الفنون الصغرى؟ # س ~~: # مؤكد لا، بل ندعوهم فلاسفة زائفين. # غ ~~: # فمن هم الذين تدعوهم فلاسفة حقيقيين؟ # س ~~: # هم الذين يحبون أن يروا الحقيقة. # غ ~~: # لا يمكن أن تخطئ في هذا، ولكن هل تريد أن توضح ما تعنيه؟ # س ~~: # ليس ذلك سهلا مع غيرك، أما أنت فتجود علي بالتسليم الذي أنشده. # غ ~~: # وما هو ذلك التسليم؟ # س ~~: # هو في ما يأتي: لما كان الجمال ضد القبح فهما شيئان. # غ ~~: # مؤكد أنها شيئان. # س ~~: # وإذا كانا شيئين فكل منهما واحد على حدة. # غ ~~: # وهذا أيضا حق. # س ~~: # ويتمشى هذا الحكم نفسه على العدالة والتعدي، وعلى كل التصورات ~~العمومية، فكل منها شيء واحد، لكنه يظهر متعددا باعتبار علاقاته ~~المتبادلة بالأشياء والأعمال التي بها ms152 يتجلى في كل مكان. # غ ~~: # أنت مصيب. # س ~~: # واستنادا إلى هذا المبدأ أميز بين الذين وصفناهم الآن أنهم عشاق النظر ~~والصناعة ومحبة الفنون ورجال العمل من جهة واحدة، وبين الذين نحن في صددهم، وهم ~~وحدهم نسميهم فلاسفة في الجهة الأخرى. # غ ~~: # أوضح ما تعني. # س ~~: # أعني أن محبي النظر والسمع يعجبون بالجميل من الأصوات، والأشكال، والألوان، ~~والصور، وكل ما دخلت في تركيبه هذه الأشياء من منتوجات الفن، ولكن فهمهم يقصر ~~عن إدراك كنه الجمال واعتناقه. # غ ~~: # نعم، إنه كما تقول. # س ~~: # أوليس القادرون على التفكر الحر في الجمال المطلق هم قلائل؟ # غ ~~: # حقا إنهم قلائل. # س ~~: # فإذا أدرك امرؤ وجود الأشياء الجميلة ولكنه جحد الجمال المطلق، وعجز عن اتباع ~~من تقدمه إلى إدراكه، أفحلما تحسب حياة إنسان كهذا أم يقظة؟ تأمل، أليس ~~الحالم في يقظة أو في منام هو الذي يخلط بين الحقائق وبين الصور المنعكسة ~~عنها؟ # غ ~~: # أعترف أن امرأ كهذا حالم. # س ~~: # وما قولك في من غايره ففهم الجمال المطلق وامتلك قوة التمييز بين هذا الجوهر ~~وبين الأوساط التي يتجلى بها، فلا يخطئ في حسبان المجالي جوهرا ولا الجوهر ~~مجالي، أفحلما تحسب حياة هذا أم يقظة؟ # غ ~~: # يقظة دون شك. # س ~~: # أفلسنا مصيبين إذ ذاك في تسمية فعل الشخص الثاني العقلي معرفة لأنه أدرك ~~الحقيقة، وفعل سابقه تصورا لأنه تصور فقط؟ # غ ~~: # غاية في الصواب. # س ~~: # حسنا، فإذا امتعض من سميناه متصورا لا عارفا وغضب علينا مدعيا أن ~~ما قلناه غير صحيح، فهل لنا من سبيل لتلطيف غضبه وإقناعه برقة ولين، ساترين ~~عنه حقيقة حاله، وهي أنه ليس في حال الصحة؟ # غ ~~: # ذلك أمر مرغوب فيه. # س ~~: # فانظر في ما يلزم أن نقول له، أتستحسن أن نحادثه مسلمين أنه لو عرف شيئا ~~لما حسدناه على علمه أقل حسد، بل كنا نسر بأنه كما يدعي. ولكنا ~~نقول له: أجب عن هذا السؤال: إذا عرف ذو الحجى فهل عرف شيئا أو لا شيء؟ أجب ~~عنه يا غلوكون. # غ ~~: # أجيب أنه ms153 عرف شيئا. # س ~~: # أوموجود ذلك الشيء أو لا موجود؟ # غ ~~: # بل موجود؛ لأنه كيف يمكن غير الموجود أن يعرف؟ # س ~~: # أفمتثبتون نحن من هذه الحقيقة في أية صيغة نظرنا فيها؟ أي: إن الموجود ~~حقيقة يعرف معرفة تامة، أما المعدوم فمجهول بتاتا؟ # غ ~~: # إنا متثبتون منها كل التثبت. # س ~~: # حسنا. فإذا كان هنالك شيء متردد في الوقت نفسه بين الوجود وبين العدم، أفلا ~~يوضع في رتبة متوسطة بين الموجود يقينا وبين المعدم بتاتا؟ # غ ~~: # يلزم أن يوضع. # س ~~: # فإذا خصت المعرفة بالموجود والجهل بالمعدوم، أفلا يلزم أن نجد حالة متوسطة ~~بين العلم والجهل تختص بما هو متردد بين الوجود والعدم. # غ ~~: # يقينا. # س ~~: # أنقول إن التصور شيء؟ # غ ~~: # بلا شك. # س ~~: # أفنحسبه قوة متميزة عن العلم؟ أم نحسبه العلم نفسه؟ # غ ~~: # هو شيء متميز عن العلم. # س ~~: # فنخص العلم بدائرة نفوذ، والتصور بدائرة أخرى بطبيعة ما في كل منهما من ~~قوة؟ # غ ~~: # تماما. # س ~~: # أفليست طبيعة العلم المختص بالموجود هي معرفة كيف وجد أو لا؟ وإلا فهنالك فرق ~~واضح يلزم تحديده. # غ ~~: # وما هو؟ # س ~~: # إن القوى كمجموع قائم بذاته هي ما نعمل به نحن وكل أحد ما يمكن عمل؛ مثلا: ~~إني أدعو السمع والبصر قوتين، إذا كنت تدرك الفكرة الخاصة التي أروم أن ~~أصورها. # غ ~~: # إني أدركها. # س ~~: # فاسمع ما أراه فيها: لست أرى في القوة شكلا ولا لونا ولا غيرهما من الأعراض ~~التي أراها في مختلف الأشياء، وبها أميز (أي بالأعراض) بين شيء وشيء. أما في ~~القوة فأعتبر وظيفتها ودائرة نفوذها. وبذلك توصلت إلى تسميتها، فأدعو القوى ~~التي من نوع واحد وتعمل عملا واحدا ولها وظيفة واحدة: «قوى واحدة». ولكن ~~القوى التي تختلف دوائر نفوذها وتتفرع وظائفها فأدعوها: «قوى متنوعة»، فما ~~قولك؟ # غ ~~: # هكذا بالتمام. # س ~~: # فأخبرني يا صديقي الفاضل، في أية رتبة تضع العلم؟ أتحسبه قوة؟ # غ ~~: # نعم أدعوه قوة، وهو أعظم القوى كافة. # س ~~: # وهل التصور قوة؟ أو ندرجه في سلك ندرجه في سلك آخر؟ # غ ~~: # لا ms154 آخر؛ لأن ما به نتصور لا يكون إلا تصورا. # س ~~: # وقد اتفقنا الساعة أن العلم والتصور غيران. # غ ~~: # وهل يجمع العاقل بين الخطأ والصواب؟ # س ~~: # أحسنت. فنتفق في أن التصور شيء غير العلم. # غ ~~: # غيره. # س ~~: # فلكل منهما بطبيعته ميدان نفوذ خاص وتأثير خاص. # غ ~~: # الاستنتاج قاطع. # س ~~: # فميدان نفوذ العلم هو معرفة طبيعة الموجود. # غ ~~: # نعم. # س ~~: # وميدان نفوذ التصور هو «الظن». # غ ~~: # نعم. # س ~~: # أفيتناول التصور حتما وفعلا مادة العلم؟ وبعبارة أخرى هل مادة التصور ~~هي نفس مادة العلم؟ أو أن ذلك محال؟ # غ ~~: # إنه محال بناء على ما قررناه. أي إنه إذا سلمنا أن للقوى المتنوعة ~~دوائر نفوذ مختلفة، وأن العلم والتصور قوتان متميزتان، وقد جزمنا بذلك، ~~فهذه المقدمات تجعل توحيد مادة العلم ومادة التصور محالا. # غ ~~: # طبيعي. # س ~~: # فإذا كان الموجود مادة العلم فمادة التصور هي حتما شيء آخر غيره. # غ ~~: # يلزم أن يكون غيره. # س ~~: # فهل يتناول التصور المعدوم؟ أو أن تصور المعدوم غير ممكن أصالة؟ أفتكر ~~من يتصور ألا يوجه أفكاره نحو شيء؟ أفيمكن أن يكون تصور في ~~اللاشيء؟ # غ ~~: # غير ممكن. # س ~~: # فمن تصور فقد تصور شيئا. # غ ~~: # نعم. # س ~~: # ولكن المعدوم لا يدعى شيئا، بل هو لا شيء. # غ ~~: # بالتمام. # س ~~: # وقد التزمنا أن نخص الجهل بالمعدوم والمعرفة بالموجود. # غ ~~: # وبالصواب فعلنا. # س ~~: # فموضوع التصور ليس الموجود ولا المعدوم. # غ ~~: # لا هذا ولا ذاك. # غ ~~: # فليس التصور معرفة ولا جهلا. # س ~~: # أفيستقر وراء أحدهما فيفوق المعرفة يقينا ويفوق الجهل إبهاما؟ # غ ~~: # يظهر أنه ليس كذلك. # س ~~: # فقل: أتحسب التصور أقل وضوحا من المعرفة؟ وأقل خفاء من الجهل؟ # غ ~~: # نعم، وهو متميز عن الاثنين كثيرا. # س ~~: # فهو إذا بين هذين الطرفين. # غ ~~: # نعم. # س ~~: # فنحسب التصور إذا شيئا بين الاثنين. # غ ~~: # بالتمام. # س ~~: # أولم نقل الساعة إنه إذا بان لنا شيء أنه موجود وغير موجود في وقت واحد ~~فيجب وضعه بين الموجود الحقيقي وبين المعدوم المطلق؟ فلا يكون إذا مادة علم ~~ولا مادة ms155 جهل، بل هو مادة قوة ثالثة بين العلم والجهل يجب اكتشافها. # غ ~~: # قلنا ذلك. # س ~~: # وقد اكتشفنا الآن قوة بين الاثنين دعوناها تصورا. # غ ~~: # واضح أنا اكتشفناها. # س ~~: # بقي أن نكتشف ما يشترك في الموجود والمعدوم وليس هو أحدهما بكليته. فإذا ~~ظهرت لنا ماهيته دعوناه بحق: «مادة التصور»، ناسبين للطرفين ما هو لهما، ~~وللوسط ما هو له. ألست مصيبا؟ # غ ~~: # إنك مصيب. # س ~~: # فإذا وضعنا هذه الفروض فإني أسأل ذلك الرجل المعتبر، الذي ينكر وجود شيء كلي ~~أو أي صورة من صور الجمال المطلق التي تظل إلى الأبد كما هي غير قابلة ~~التغير، مع أنه يعترف بوجود أشياء عديدة جميلة، ذلك الذي يحب المنظورات، وهو ~~لا يحتمل أن يقال له أن الجمال واحد وأن العدالة واحد وهلم جرا، فأقول ~~له: يا سيدي العزيز، أيوجد بين كل الأشياء الجميلة شيء واحد لا قبح فيه؟ وبين ~~كل الأشياء العادلة عادل واحد لا ظلم فيه؟ وبين كل الأشياء الطاهرة طاهر واحد ~~لا دنس فيه؟ # غ ~~: # كلا، بل تظهر كلها بلا تخلف، جميلة وقبيحة، عادلة ومعتدية، بارة ~~ودنسة باعتبارين. # س ~~: # وأيضا ألا يمكن اعتبار المضاعفات الكثيرة أنصافا علاوة على أنها ~~مضاعفات؟ # غ ~~: # تماما كما أنها أيضا مضاعفات. # س ~~: # وجريا على الأسلوب نفسه، هل للأشياء التي ندعوها كبيرة وصغيرة وخفيفة ~~وثقيلة، حق في أن تدعى كذلك أكثر من أضدادها؟ # غ ~~: # كلا، بل كل منها يمكن أن يدعى بالاسمين على السواء. # س ~~: # فتكون أقرب إلى الصحة إذا وصفنا كلا من هذه الأشياء بأنه قد يكون وقد لا ~~يكون كما وصف؟ # غ ~~: # إنك تذكرني بأحجية التضاد التي تتلى على موائد الطعام (للتسلية)، ولغز # 11 # الأولاد عن الخصي الذي رمى الخفاش بما رماه به، هو جاثم على ما هو ~~جاثم عليه؛ لأن الأشياء المشار إليها فيها الغموض نفسه، فلا يمكن الإنسان أن ~~يميز هل هي موجودة أو غير موجودة معا. # س ~~: # أفيمكنك إفادتي ماذا تعمل بها، أو هل عندك رتبة لها أفضل من الرتبة الوسطى ~~بين الموجود والمعدوم؟ ms156 لأنها في مذهبي ليست أخفى من المعدوم لتكون أكثر عدما ~~منه ولا أوضح من الموجود فتكون أثبت منه وجودا. # غ ~~: # إنك مصيب كل الإصابة. # س ~~: # فقد اكتشفنا أن الأفكار الشائعة في الجمهور في العدالة والجمال وأخواتهما هي ~~تائهة بين الوجود المطلق وبين العدم المطلق. # غ ~~: # اكتشفنا. # س ~~: # وقد سلمنا سابقا أنه إذا ظهر شيء من ذلك دعي تصورا لا معرفة، وأن ما ~~يتراوح بين الأمرين يفهم بقوة متوسطة. # غ ~~: # قد سلمنا هذا التسليم. # س ~~: # ولذلك حين تقع عين الناس على شتى الأشياء الجميلة، ولكنهم لا يقدرون أن ~~يروا الجمال بالذات ولا أن يتبعوا من يقودهم إليه، وحين يرون أشياء عديدة ~~عادلة ولا يرون العدالة بالذات، وهكذا في كل مثل. فإنا نقول إن لهم في كل ~~موضوع تصورا لا معرفة حقيقية في الأشياء التي يتصورونها. # غ ~~: # الاستنتاج ضروري. # س ~~: # ومن الجهة الأخرى: ماذا يجب أن نقول في أولئك الذين يفكرون في الأشياء على ~~ما هي في ذاتها، كائنة دون فناء ولا تغير؟ أفلا نقول إنهم عارفون وليسوا ~~متصورين؟ # غ ~~: # وهذا أيضا استنتاج ضروري. # س ~~: # أفلا نقول إن هؤلاء يعجبون بمواضيع المعرفة ويحبونها، وأولئك يعجبون ~~بمواضيع التصور؟ لأننا لم ننس أننا قلنا إنهم يحبون ويطلبون الأصوات ~~والألوان البديعة ونحوها من الأعراض، ولكنهم لم يسمعوا بوجود الجمال ~~المطلق. # غ ~~: # لم ننس. # س ~~: # أفنخطئ إذا سميناهم: محبي التصور، بدلا من تسميتهم «فلاسفة»؟ أو ~~يستاءون كثيرا إذا سميناهم كذلك؟ # غ ~~: # كلا إذا قبلوا رأيي؛ لأنه من الخطأ أن يسوءنا الحق. # س ~~: # فالذين يحبون الموجود والحقيقي في كل موضوع لا ندعوهم محبي التصور، بل ~~فلاسفة. # غ ~~: # نعم، من كل بد. # | الكتاب السادس: الفلاسفة # خلاصته # قد تبينا الفرق بين الفلاسفة الحقيقيين وبين الدجالين، وواضح أن الأولين هم ~~الذين يعينون حكاما في الدولة، فنتقدم الآن إلى تعداد مزايا الفطرة الفلسفية ~~الحقيقية، وهي: ~~(1) # الرغبة الوقادة في معرفة كل الموجودات الحقيقية. ~~(2) # بغض الكذب ومحبة الصدق محبة صادقة. ~~(3) # احتقار اللذات الجسدية. ~~(4) # عدم الاكتراث للمال. ~~(5) # سمو المدارك وحرية الفكر. ~~(6) # العدالة والدماثة. ~~(7) # سرعة ms157 الخاطر والذاكرة الحافظة. ~~(8) # فطرة موسيقية قانونية متزنة. # هنا اعترض أديمنتس قائلا: مع أنه لا ينكر قوة حجج سقراط، قد وجد فعلا أن طلاب ~~الفلسفة الأخصاء يصبحون دائما عديمي النفع وشاذين، إذا لم نقل ساقطين كل ~~السقوط. # فأجابه سقراط أن ذلك صحيح، ولكن على من يقع اللوم في أحوال كهذه؟ إنه يقع على ~~السياسة وعلى ساسة هذا الزمان، لا على الفلسفة؛ لأن أوصاف الفلسفة الحقيقية في الأحوال ~~الحاضرة معرضة للفساد بتأثير قوى مضادة، ومتى تنكب الموصوفون بأنهم فلاسفة ~~حقيقيون عن طلب الفلسفة، ملأ مراكزهم عديمو الكفاءة من ضعاف الطلاب الذين أفسدوا سمعة ~~الفلسفة بسفسطتهم وترهاتهم، فعرج من ثم القلائل المخلصون الولاء للفلسفة عن ~~منصات السياسة، وآثروا العزلة على الفساد لدى احتكاكهم بالناس. # فكيف نعالج هذا الخلل؟ يجب أن تنظم الدولة دروس الفلسفة، وتسهر على طلابها ليطلبوها ~~بالطرق القانونية وفي السن الملائم، وعندئذ يحق لنا أن ننتظر أن يصدقوا قولنا إنه: ~~إذا شاءت الدولة إحراز الفلاح فلتسلم مقاليد أحكامها للفلاسفة، فإذا نفذ ذلك كما هو ~~الراجح، تحققت دولتنا المثلى، وبلغنا النتيجة التالية: أن النظام الآنف هو الأفضل ~~إذا أمكن تحقيقه، وأن تحقيقه عسر، لكنه غير مستحيل. # فالنتيجة واضحة: وهي أن هؤلاء الفلاسفة الحقيقيين هم حكام الدولة المثلى. وهكذا ~~تطرق سقراط إلى استئناف البحث في تهذيب الحكام، وكان قد ذكر قبلا عدة امتحانات ~~يجوزونها قبلما يتمتعون بحقوق الحكم. والآن نقول إنه علاوة على تلك الامتحانات يلزم ~~امتحانهم في دروس جمة، فيرقون تدريجيا من الأدنى إلى الأعلى لاستكشاف صفاتهم ~~العقلية والأدبية. # فما هي الدروس العليا؟ سماها كلها درس «الخير» الذي يطمع كل إنسان في امتلاكه كل ~~الطمع، مع أن لا أحد يستطيع أن يؤدي بيانا واضحا في ما هي طبيعته. أفليس واضحا أنه ~~ينبغي لحكام الدولة أن يدرسوا «الخير»؟ فإنهم ليعجزون عن إتمام واجباتهم بدونه. # فسأل أديمنتس: ما هو «الخير»؟ فأقر سقراط بعجزه عن إجابة هذا السؤال بالضبط، ولكنه ~~يستطيع إبداء رأيه فيه على سبيل التشبيه. لنا في عالم الحس: الشمس، والعين، والأشياء ~~المنظورة، ms158 يقابلها في العالم العقلي: الخير، والذهن، وصور النماذج الأصلية، وبلغة ~~سقراط: «المثل». ويمكننا أن نصف الفكرة لأنفسنا وصفا أكثر تدقيقا على الصورة ~~التالية: يوجد عالمان: العالم المنظور الذي تتناوله الباصرة، والعالم العقلي الذي ~~تتناوله البصيرة، وفي كل منهما قسمان يتدرجان من الخفاء إلى الوضوح هكذا: ~~(أ) # العالم المنظور، وفيه: (1) الصور: أي الظلال، والانعكاس. (2) الموضوعات: أي ~~الأشياء المادية حية وجمادية . ~~(ب) # العالم العقلي، وفيه: ~~(1) # المعرفة المحصلة بواسطة المقدمات، وعليها تبنى النتائج كافة، ~~ويستخدم لأجل إيضاحها الفرع الثاني من العالم المنظور، كالهندسة ~~مثلا. ~~(2) # المعرفة التي ليس في أبحاثها أشياء مادية، بل تقتصر على الصور ~~الجوهرية التي تعالج الفروض للتوصل إلى مبدأ أولي مطلق، ~~نستخرج منه نتائج صحيحة. يقابل هذه الأقسام الأربعة حالات عقلية ~~أربع، تتقدم من الخفاء إلى الوضوح هكذا: (1) الظن. (2) الاعتقاد. ~~(3) الفهم. (4) الإدراك. # متن الكتاب # سقراط ~~: # فهؤلاء هم الفلاسفة الحقيقيون يا غلوكون، وأولئك هم الأغيار، وقد عرفنا ذلك ~~بعد البحث الطويل الشاق في من هم الفلاسفة الحقيقيون ومن هم غير ~~الحقيقيين. # غ ~~: # نعم، وربما لم يكن اختصار البحث سهلا علينا. # س ~~: # واضح أنه لم يكن سهلا. على أني ما زلت أرى أنه كان يمكننا بلوغ النتيجة على ~~وجه أوضح لو حصرنا كلامنا في هذا ولم نشتبك في شتى المواضيع التي تترصد ~~التفاتنا، إذا رمنا أن نثبت ما يقوم به فضل حياة البر على حياة الشر. # غ ~~: # فماذا نصنع بعده؟ # س ~~: # كل ما علينا هو أن نتخذ الخطوة الثانية في الترتيب: لما كان الفلاسفة هم ~~القادرين على إدراك الأبدي غير المتغير، ولما كان العاجزون عن إدراكه تائهين ~~في بيداء التغير وتعدد الصور ليسوا فلاسفة، فأي الفريقين يجب أن ~~يحكم؟ # غ ~~: # بماذا أجيب إذا رمت أن أنصف القضية؟ # س ~~: # سل نفسك: أي الفريقين قادر على رعاية قوانين الدول وعاداتها؟ وليكن هؤلاء ~~الحاكمين. # غ ~~: # أنت مصيب. # س ~~: # أفيمكن أن نسأل: هل الأعمى أو البصير هو أهل للحكم ولحفظ كل شيء؟ # غ ~~: # لا محل لهذا التساؤل. # س ~~: # أفتظن أن هنالك أقل فرق بين حال العميان ms159 وحال الذين تجردوا كل التجرد ~~من معرفة الأشياء على ما هي في ذاتها، وليس لهم في نفوسهم مثل واضح، وليسوا ~~بقادرين أن يتفرسوا في الحقيقة الكاملة تفرس المصورين، فيتخذونها نموذجا ~~دائما يتأملونه ويدرسونه بأتم عناية قبلما يتقدمون للعمل في النظم ~~الأرضية، في ما هو جميل وصالح وعادل، واضعين هذه الأشياء في محلها اللازم، ~~ساهرين على حفظها حيث وجدت؟ # غ ~~: # كلا، ليس بينهم كبير فرق. # س ~~: # أفهؤلاء نعين حكاما، ونؤثرهم على العارفين كل شيء معرفة حقيقة، وليسوا ~~أقل من إخوانهم اختبارا، ولا هم دونهم في دوائر الفضل الأخرى؟ # غ ~~: # من الجنون تولية غيرهم؛ إذ إنهم لا ينقصون جدارة، ولأن النقطة التي يتفوقون ~~فيها هي أهم كل شيء. # س ~~: # أفنتقدم الآن لتبيان كيفية امتلاكهم نوعي الجدارة؟ # غ ~~: # من كل بد. # س ~~: # إذا كان الأمر كذلك، وجب أول كل شيء أن ننظر نظرا ثاقبا في سجيتهم الخاصة ~~كما قلنا في مستهل بحثنا، وأظن أنا إذا اتفقنا فيها اتفاقا كافيا ~~اتفقنا أيضا في إمكان اقتران الجدارتين في الأشخاص أنفسهم، وأن أرباب هذه ~~الصفات دون غيرها هم الذين يحكمون الدول. # غ ~~: # وكيف ذلك؟ # س ~~: # دعنا نسلم أن أرباب الفطرة الفلسفية هائمون بكل أنواع المعارف، لتتجلى لهم ~~حقيقة هذا الوجود الخالد الذي لا يغيره الزمن، ولا تسطو عليه عوادي ~~المحن. # غ ~~: # فلنسلم. # س ~~: # ولنفرض أيضا أنهم شغفون بحقيقة الوجود الخالد لا يرضون منه بديلا، ولا ~~أن يحذف فرع من فروعه، كبيرا كان ذلك الفرع أو صغيرا، معتبرا أو مستصغرا ~~كما أبنا ذلك سابقا في كلامنا في أرباب المطامع والحب. # غ ~~: # أنت مصيب. # س ~~: # والآن نتقدم لنرى هل في الإمكان أن نجد صفة ثالثة في خلق الذين تنطبق أوصافنا ~~عليهم؟ # غ ~~: # وأية صفة تعني؟ # س ~~: # أعني صفة الصدق، أي العزم على تجنب الكذب في كل صوره ما أمكن، ومقته مقتا ~~كليا، ومحبة الصدق محبة حقيقية. # غ ~~: # نعم، والأرجح أننا سنجد فيهم هذه الصفة. # س ~~: # ليس الأرجح فقط يا صديقي، بل إنها ضرورة لا مندوحة عنها؛ فإن من ms160 كان فيه شغف ~~فطري بشيء سر بكل ما اقترن بذلك الشيء اقترانا وثيقا. # غ ~~: # يقينا. # س ~~: # أفتجد حليفا ألصق بالحكمة من الصدق؟ # غ ~~: # مؤكد لا. # س ~~: # أفتستطيع فطرة واحدة أن تحب الحكمة، وفي الوقت نفسه تحب الكذب؟ # غ ~~: # لا يمكن ذلك قطعا. # س ~~: # فالنتيجة هي: أن عاشق المعرفة الحقيقية يصبو إلى الصدق منذ الطفولية صبوا ~~شديدا. # غ ~~: # نعم يصبو . # س ~~: # ولا نرتاب في أن من تنصب رغباته على شيء انصبابا شديدا يضعف ميلها إلى ~~سواه، كالماء الذي يتحول عن مجراه. # غ ~~: # نعم، لا شك في ذلك. # س ~~: # فمتى تحول التيار نحو العلم بكل فروعه حامت رغبات المرء حول اللذات ~~العقلية، هاجرة اللذات التي محورها الجسد، هذا إذا كانت محبته الحكمة حقيقية ~~لا مصنعة. # غ ~~: # لا يمكن أن يكون غير ذلك. # س ~~: # ثم إن إنسانا كهذا يكون عفيفا لا يسوده الطمع؛ لأنه أبعد أهل الدنيا عن ~~اعتبار الأشياء التي تحمل المرء على الاستماتة في حب المال مهما يكلفه ~~الأمر. # غ ~~: # يقينا. # س ~~: # وهنالك نقطة أخرى ينبغي لك اعتبارها في تمييز السجية الفلسفية عما ~~سواها. # غ ~~: # وما هي؟ # س ~~: # إنها تحذر التغاضي عن أية وصمة سافلة؛ لأن الصغارة أعظم ضد للنفس المتصفة ~~بالميل التام لامتلاك الحقيقة الإلهية والبشرية، في حالي وحدتها وتعميمها في ~~كل أين وآن. # غ ~~: # غاية في التأكيد. # س ~~: # أفتظن أن النفس المملوءة بالأفكار السامية الممتازة بالتفكر يمكنها أن ~~تعلق شأنا كبيرا على الحياة الحاضرة؟ # غ ~~: # كلا، ذلك غير ممكن. # س ~~: # فإنسان كهذا لا يحسب الموت حادثا مروعا. # غ ~~: # مؤكد أنه لا يحسبه كذلك. # س ~~: # فلا حظ للفطرة الجبانة في الفلسفة الصحيحة. # غ ~~: # لا أراها تتمكن منها. # س ~~: # أفيمكن عقلا متزنا حرا من الطمع والسفالة والعجرفة والجبانة، أن يكون ~~صعب المراس أو متعديا؟ # غ ~~: # غير ممكن. # س ~~: # فحين تراقب ظاهرات الخلق الفلسفي والخلق غير الفلسفي، يجب أن تلاحظ أيضا منذ ~~الصغر هل ذلك العقل لطيف عادل؟ أو شرس ووحشي؟ # غ ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # وهنالك نقطة أخرى لا أخالك تغفلها. # غ ms161 ~~: # وما هي؟ # س ~~: # أبسرعة يتعلم ذلك العقل أم ببطء؟ لأنك لا تستطيع أن تتوقع أن يحب أحد عملا ~~ما محبة كاملة وهو يتعاطاه بصعوبة وانزعاج، فيكون تعبه كثيرا ونجاحه ~~قليلا. # غ ~~: # كلا، ذلك مستحيل. # س ~~: # وإذا كان حليف النسيان فلم يذكر شيئا مما حصله، أفلا تفرغ جعبته من ~~المعرفة؟ # غ ~~: # تفرغ. # س ~~: # أفلا تظن أن جهوده العقيمة تنتهي به إلى كرهه نفسه ووظيفته؟ # غ ~~: # دون شك. # س ~~: # فلا ندرجن حليف النسيان في عداد النفوس الفلسفية، بل نطلب ذوي الذاكرة ~~الحافظة. # غ ~~: # من كل بد. # س ~~: # ونقول عن يقين أن النفس المرتبكة غير المهذبة هي كلية الاتجاه إلى عدم ~~الاتساق. # غ ~~: # حقيق. # س ~~: # أوحليفة الاتساق الحقيقة أم حليفة عدمه؟ # غ ~~: # حليفة الاتساق. # س ~~: # فندرج في عداد مطالبنا عقلا مطبوعا على الجمال والاتساق، في من تأذن له ~~غرائزه أن يفهم صور الأشياء على ما هي في ذاتها. # غ ~~: # من كل بد. # س ~~: # فماذا إذا؟ هل تظن أن الأوصاف التي ذكرناها ضرورية، أو أنها متناقضة في ~~النفس التي ترمي إلى امتلاك الوجود الحقيقي امتلاكا تاما؟ # غ ~~: # بل على الضد من ذلك، هي أكثر الأوصاف ضرورية. # س ~~: # أويمكنك أن تجد عيبا في عمل يتطلب ممن تعاطاه عن جدارة، أن يكون ذا ~~ذاكرة حافظة، سريع الخاطر، زكي الفؤاد، حلو الشمائل، محبا وحليفا للحقيقة ~~والعدالة والشجاعة والعفاف؟ # غ ~~: # كلا، إن نابغة النقد نفسه لا يمكنه أن يجد عيبا في عمل كهذا. # س ~~: # أفتتردد في أن تعهد إلى هذه الخلال في إدارة مصالح الدولة، وقد أنضجها ~~السن والتهذيب، فأهلها لوظيفتها هذه؟ ~~(فقاطعنا أديمنتس الكلام قائلا: حقا يا سقراط، إنه لا يمكن ~~أحد أن ينكر هذه النتائج، ولكن كل الذين يسمعون ما أبديته من النظريات يشعرون ~~بشيء من الريبة: أنهم نظرا إلى عدم تعودهم أسلوب بحثك سؤالا وجوابا، يشعرون ~~أن كل جملة تقولها تبعدهم عنك قليلا، وفي ختام البحث يؤلف مجموع تلك الفروقات ~~الزهيدة بينك وبينهم ثغرة هي كخطوة عنك، تقودهم ضد اقتناعاتهم الأولى. وكما أن ~~لاعبي الداما ms162 الضعفاء تنحصر حجارتهم في آخر اللعب في زاوية الداما تجاه حجارة ~~اللاعب الماهر، فيعجزون عن نقل أي حجر منها. هكذا سامعوك ينحصرون أخيرا أمامك، ~~ويفحمون بهذا النوع من الداما الذي تقوم فيه الكلمات مقام الحجارة، وفي ختام ~~البحث لا يمكنهم الاقتناع قطعا أن النتيجة التي بلغوها حاسمة، أقول ذلك باعتبار ~~بحثنا الحالي، فقد يصارحك الواحد منهم أنه وإن لم يقدر أن يناقضك في كل سؤال كلمة ~~فكلمة، لكنه يرى فعلا أن جميع الذين خاضوا عباب الفلسفة ردحا من الزمن، كانوا ~~راغبين في التخلص منها في عهد الصبا، بدلا من أن يستخدموها في التهذيب، فصار ~~أكثرهم إلى حال الجمود إن لم أقل صار منحطا، حتى إن الذين هم أكثر كفاءة صاروا ~~أردأ حالا باعتبار ما أوجبته من الأعمال، فكانوا بلاء على أمتهم.) # أفتظن أن المعارضة غير حقيقية؟ # أد ~~: # لست مؤكدا، وإنما يسرني أن أسمع رأيك. # س ~~: # دعني أخبرك أني أراها معارضة حقيقية. # أد ~~: # فكيف يصح قولك: أن تعاسات الدول لا تزول حتى يحكمها الفلاسفة الذين نراهم ~~عديمي النفع؟ # س ~~: # إنك تسألني مسألة يلزمها التمثيل. # أد ~~: # ويظهر أنك لست متعودا ضرب الأمثال! # س ~~: # إنك تهزأ بي، وقد قدتني إلى موضوع يعسر إيضاحه، فاسمع مثلي تر شدة حرصي ~~على العمل. إن آلام الرجال المعتبرين في إدارة مصالح الدولة بالغة من التبريح ~~مبلغا لا يضارعه تبريح الآلام في مركز غيرهم، فألتزم في دفاعي عنهم أن أجمع ~~المواد من جهات شتى، كما يفعل الرسامون في رسم الأيائل ونحوها من الوحوش، ~~فتصور في عقلك أسطولا أو سفينة واحدة تجري الحوادث فيها على النحو الآتي ~~بيانه: يفوق رئيسها جميع البحارة طولا وقوة، لكنه أصم حاسر النظر؛ ولذلك كان ~~عاجزا في فن الملاحة، فتنازع الملاحون في ما بينهم، زاعما كل منهم أنه هو ~~الذي يجب أن يكون الربان، مع أنه لم يتعلم هذا الفن ولا يمكنه أن يذكر أستاذا ~~له فيه أو يقول متى درسه. زد على ذلك أنهم يقولون إن فن الملاحة لا لزوم ~~لتعلمه، ومن خالف ms163 قولهم هذا هموا بتمزيقه. # ثم إنهم يتألبون حول الرئيس ويلحفون عليه بالرجاء والتوسل أن يسلم ~~دفة السفينة إلى أيديهم، فإذا لم ينجحوا في إقناعه، وهم يرون أن غيرهم قد نجح ~~في ما فشلوا هم به، تثور حفيظتهم عليه، فإما أن يقتلوا من زاحمهم أو يطرحوه على ~~ظهر السفينة، أما الربان فيغلونه يدا ورجلا، إما بواسطة الخمرة والمخدرات، ~~أو بغيرهما من الذرائع. # ويصبحون سادة السفينة ويسيرونها حسب أهوائهم بمساعدة ملاحيها، ويقضون ~~وقتهم في الشرب والطرب كما ينتظر من أمثالهم في مثل حالهم. ويجودون بالألقاب، ~~كقولهم: «البحار الكفء»، و«الملاح الحاذق»، و«الربان الممتاز»، على ~~أي بحار ساير رغباتهم أو أرغم الرئيس على التسليم بها. ويحسبون كل من خالفهم ~~عديم النفع، غير فاهمين أن الربان الحقيقي يلزمه الانتباه إلى فصول السنة، ~~وحالة الجو والنجوم، ومهاب الريح، وكل ما يتعلق بفنه إذا رام أن يكون ربانا ~~كفؤا، ويظنون أنه يستحيل إتقان فن الملاحة وإدارة الملاحين أرادوا أو لم ~~يريدوا. وإذ الأحوال على هذا النحو، ألا تظن أنهم يدعون الرئيس الحقيقي ~~المتقن فنه في سفينة كهذه وأحوال كهذه: «مهذارا عديم النفع وراعي ~~النجوم»؟ # أد ~~: # بلى، يدعونه كذلك. # س ~~: # فلا أراك تفتقر إلى تفسير هذا المثل، فتذكر أنه صورة حقيقية لدولنا في ما ~~يتعلق بمعاملتها الفلاسفة، بل أراك فاهما ما أعنيه تمام الفهم. # أد ~~: # نعم، بالتمام. # س ~~: # وعليه: فإذا تعجب أحد من أن الفلاسفة غير معتبرين في دولنا، فأورد له ~~مثلنا هذا، وأقنعه أن الأمر كان يكون أعجب لو أنهم معتبرون. # أد ~~: # سأفعل ذلك. # س ~~: # وواصل كلامك فأخبره أنه مصيب في قوله إن أكثر الذين تعاطوا الفلسفة اعتبارا ~~هم عديمو النفع في الدنيا، ولكن دعه يلقي اللوم في ذلك على الذين رفضوا خدمة ~~هؤلاء الصالحين، لا عليهم هم؛ لأنه ليس أمرا ينطبق على طبيعة الأمور أن يلتمس ~~الربان من البحارة أن يأذنوا له في أن يديرهم، ولا أن يقرع الحكيم أبواب ~~الغني، ومن قال كذلك فهو على خطأ مبين. والحقيقة الراهنة هي أن المريض فقيرا ~~كان أو ms164 غنيا هو الذي يقرع أبواب الطبيب، هكذا كل الذين يحتاجون إلى الحاكم ~~ينشدون رب الكفاءة؛ لأنه ضد الطبيعة أن الحاكم الذي هو على شيء من الجدارة، ~~يستعطف الرعايا لكي تخضع لحكم، فلا تخطئ كثيرا إذا قابلت مثل البحارة الآنف ~~ذكرهم بحال الساسة في هذا الزمان، والثرثارين عديمي النفع كما يدعونهم ~~بالربابنة الحقيقيين. # أد ~~: # غاية في الإصابة. # س ~~: # في أحوال كهذه وبين أقوام كهؤلاء، لا يهون اشتهار أشرف الأعمال بين الذين ~~تناقض هذه الأعمال تصرفاتهم. على أن التحريف الأكثر أضرارا وسماجة تحت علم ~~الفلسفة ينشأ عن منتحليها، وهم الذين بلا ريب يعنيهم شاكوها بقولهم فيهم ما ~~أوردته أنت: أن أكثرهم منحطون، وأن أفضلهم عديم النفع، وقد سلمت بصحة ذلك ~~في كلامي السابق. ألم أسلم؟ # أد ~~: # قد سلمت. # س ~~: # وقد أوضحنا السبب في كون أفضلهم عديم النفع. ألم نوضحه؟ # أد ~~: # أوضحناه بالتأكيد. # س ~~: # أفتريد أن نتقدم بعده إلى البحث في سبب انحطاط أكثرهم، ونبين إذا كان التبيان ~~في مستطاعنا أن الفلسفة بريئة الساحة من هذه الجريمة؟ # أد ~~: # أريد من كل بد. # س ~~: # فسمعا لما يقال، ولنرجع إلى النقطة التي كنا عندها نصف ما يجب أن تكون ~~سجية البار الطبيعية، وأن أول شارات تلك السجية وأهمها إذ كنت تذكر، هي «الصدق» ~~الذي يتحتم على المرء التزامه بتمام الإخلاص، وإذا كان دجالا سقطت كل دعاويه ~~في انتمائه إلى الفلسفة الصحيحة. # أد ~~: # نعم، قلنا ذلك. # س ~~: # أفليست هذه إحدى النقاط التي تضاد الرأي الذائع في عصرنا الحالي على خط ~~مستقيم؟ # أد ~~: # إنها لهي. # س ~~: # أولا ندفع دفاعا معقولا إذا قلنا: إن عاشق المعرفة الحقيقي يسوق كل عرق ~~نابض في جسمه إدراك الوجود الحقيقي، نائيا أقصى النأي عن الوقوف عند الظاهرات ~~الكثيرة، التي ينحصر وجودها في دائرة التصورات، فيتخطاها، ولا ينثني عزما أو ~~يفتر شغفا حتى يفهم طبائع الأشياء على ما هي في ذاتها بالقسم المختص من نفسه ~~بإدراك موضوع كهذا باعتبار التجاذب بينها، ومتى بلغ بواسطتها الوجود الحقيقي ~~ولاذ به، تفجرت في نفسه ينابيع الحكمة، ms165 وحينذاك ليس إلا، يعرف الحياة ~~الحقيقية ويتمتع بها، ويحصل على الغذاء الحق، وينجو أخيرا من آلام ~~السياحة. # أد ~~: # ذلك أفضل دفاع ممكن. # س ~~: # أفيوصم رجل كهذا بمحبة الكذب؟ أم أنه يبغضه بغضا شديدا. # أد ~~: # يبغضه. # س ~~: # ومتى كان الصدق قائدا فلا يمكنا التسليم بأنه سيتبعه قطار من ~~الشرور. # أد ~~: # مؤكد لا نسلم. # س ~~: # بل نجزم أنه يرافقه ميل صحيح عادل، يتلوهما الترصن. # أد ~~: # حقيق. # س ~~: # ولسنا في حاجة إلى تكرار ما أسلفنا من بيان، فنعيد الكرة على ترتيب حاشية ~~الخلق الفلسفي، لأنا قد تبينا - كما لا بد أنك تذكر - أن في حاشيته ~~الطبيعية الرجولة، وعزة النفس، وسرعة الخاطر، والذاكرة الحافظة. فعارضت قائلا ~~إنه لو أن كلا ملزم بالتسليم بصحة نتائجنا، فإنه حين يعرج عن البحث ويحول ~~نظره إلى الأشخاص الذين هم موضوع ذلك البحث، يتولد فيه الاقتناع أن بعضهم ~~عديم النفع، وأن أكثرهم منحط؛ ولذلك بحثنا في أسباب هذا التحامل وبلغنا هذا ~~السؤال: لماذا كان أكثرهم منحطا؟ هذا هو سبب عودتنا إلى النظر في خلق ~~الفلاسفة الحقيقيين، وقد رأينا أننا مفتقرون إلى تحديده. # أد ~~: # حقيق. # س ~~: # فمن الضروري درس العوامل المضرة، التي تفسد الخلق الفلسفي في الكثيرين، ~~وقليلون فقط من ينجون من تأثيراتها، وهم الذين تدعوهم عديمي النفع، ولكنهم ~~ليسوا بمنحطين. ثم ننظر في الطبائع المقلدة الفلسفة الحقيقية المقتفية خطواتها، ~~فنبين كنهها عقليا، وكيف تطرقت إلى مهنة أسمى منها وأصلح، وارتكبت خطيئات ~~كثيرة فألصقت بالفلسفة في كل زمان ومكان التهمة التي ذكرتها. # أد ~~: # ما هي التأثيرات المضرة التي تعنيها؟ # س ~~: # سأعيد وصفها لك إذا أمكن، وأظن أن كل واحد يسلم معنا أن خلقا كهذا مع كل ~~المزايا التي أوجبنا كونها في من يروم أن يكون فيلسوفا، هي مما يندر وجوده في ~~الناس، أتظن خلاف ذلك؟ # أد ~~: # كلا لا أظن. # س ~~: # فانظر ما أكثر الأخطار التي تصدم هذه الصفات النادرة. # أد ~~: # وما هي؟ # س ~~: # هي أغرب ما طرق المسامع، وهو أن كلا من المزايا التي أوجبناها في فطرة ~~الفلاسفة تميل إلى ms166 إفساد النفس التي تمتلكها، وتقصيها عن مواطن الفلسفة. أعني ~~بتلك المزايا: الرجولة والعفاف وأخواتهما التي سبقت فذكرتها. # أد ~~: # ذلك غريب جدا. # س ~~: # عدا ذلك فكل فوائد الجمال والغنى والثروة والقوة الجسدية وتوثق العرى في ~~الدولة، وكل ما له نسابة إلى هذه الأشياء يفسد النفس ويدمرها دمارا، فلك ~~هنا خلاصة ما عنيته. # أد ~~: # نعم، وبسرور أحب أن أسمعه على وجه يكون أكثر تفصيلا. # س ~~: # فافهم الجملة تمام الفهم تبد واضحة لك بنور صاف، فلا يلوح ما قلته لك ~~غريبا. # أد ~~: # فماذا تأمرني أن أفعل؟ # س ~~: # نعلم أن في كل أنواع البذور وكل ما ينمو من نبات وحيوان ما لا يحصل على ما ~~يلائمه غداء وتربة وبيئة، فكلما كانت طبيعتها أقوى كان فسادها وتشويه ~~محاسنها الخاصة بها أشد؛ لأن الشر على ظني أكثر مضادة للخير منه لغيره. # أد ~~: # نعم يمكننا أن نعلم ذلك. # س ~~: # أفلا نقول يا أديمنتس بالقياس نفسه إن العقول الكبيرة إذا بليت بثقافة ~~ردية فسدت فسادا بليغا؟ أوتظن أن الجرائم الكبرى والانحطاط التام ينشآن عن ~~سجية ضعيفة، لا عن سجية سامية أفسدها سوء المعاملة؟ أو أن الطبيعة الواهنة ~~تولد شيئا عظيما، خيرا أو شرا؟ # أد ~~: # كلا، ظني كظنك. # س ~~: # فأرى بحكم الضرورة أن الطبيعة التي قررنا وجودها في الفيلسوف إذا حصلت على ~~التهذيب الملائم، نمت وامتلكت كل فضيلة وجمال، على أنها إذا غرست في تربة غير ~~صالحة، واستمدت غذاء رديا أمست خلاف ما ذكرنا، اللهم إلا إذا أمدها أحد ~~الآلهة بعون خاص. أوتظن ظن الأكثرين أن بعض الناس أفسدهم السفسطائيون في ~~صغرهم، وأن السفسطائيين يفسدون السجايا إفسادا كبيرا؟ أولا ترى أن الذين ~~يقولون هذه الأقوال هم أكثر سفسطة؟ فيبثون تعليمهم في النفوس بأفعل الذرائع، ~~ويطبعون بطابعهم الشبان والشيوخ ذكورا وإناثا. # أد ~~: # ومتى؟ # س ~~: # متى احتشدوا في الأندية أو في أندية القضاء أو في المسارح أو في ثكن الجنود ~~أو في غيرها من المجتمعات العمومية، يفندون الخطب أو التمثيل بصيحات ~~وضجات، وعلى هذا القياس يزكون غيرها، مغالين في تفنيدهم وتزكيتهم، ms167 فتردد ~~الأرض والحجارة أصداء صيحاتهم، فتتضاعف، فأي ضبط نفس تنتظر من الشاب في موقف ~~كهذا؟ أو أي نصح يسكن جأشه، فلا يراع بصدمات المدح والقدح، ويحمل ~~بتيارهما الجارف أين سار، فيصير يستحسن لهجة هؤلاء الأقوام في ما هو معتبر ~~أو محتقر، فيقلدهم ويصير واحدا منهم؟ # أد ~~: # إنها نتيجة صحيحة يا سقراط. # س ~~: # على أننا لم نذكر بعد أعظم أثر ينجم عن ذلك. # أد ~~: # وما هو؟ # س ~~: # هو أن هؤلاء السفسطائيين المهذبين، متى عجزوا عن بث تعاليمهم عمدوا إلى القوة ~~كما لا يخفى عليك، فعاقبوا من عجزوا عن إقناعهم بحرمانهم من الحقوق المدنية ~~وبالتعزيم وبالموت. # أد ~~: # حتما أنهم يفعلون ذلك. # س ~~: # فأي سفسطائي أو أية تربية يمكن أن تتغلب على هذه العوامل؟ # أد ~~: # لا أظن أن شيئا يتغلب عليها. # س ~~: # كلا، لا يتغلب، بل إن مجرد محاولة ذلك جنون مطبق؛ لأنه لم يكن ولا كان ولن ~~يكون خلق يعتبر الفضيلة خلاف هذا الاعتبار، إذا ثقف الثقافة التي تبثها فيه ~~المجتمعات المألوفة. أتكلم إنسانيا يا صديقي؛ لأنه على كل حال «تستثنى ~~العناية» كما يقول المثل، فكن على يقين أنك لا تخطئ في قولك إن كل ما حفظ من ~~نظم الدول وصيغ بالصيغة الواجبة فقد صيغ وحفظ بعناية إلهية. # أد ~~: # وأنا من هذا الرأي. # س ~~: # فأريد أن تضيف إلى لائحة آرائك ما يأتي. # أد ~~: # وما هو؟ # س ~~: # أن هؤلاء النفعيين الذين يدعوهم الجمهوري سفسطائيين، ويحسبونهم مزاحمين في ~~هذا الفن، لا يعلمون من العقائد إلا ما يستحسنه العامة في مجتمعاتهم ويسمونه ~~حكمة، فهم كمن درس طبائع وحش ضار كان يعوله، وخبر ملامحه أبان هياجه، وعرف ~~رغباته، وتعلم كيف يدانيه وكيف يلمسه، وفي أي الأحوال والأوقات يكون أكثر ~~خطرا أو أكثر هدوءا، وفي أي الأحوال يصدر مختلف الأصوات، وأي الأصوات التي ~~تصدر عن الجمهور تثيره أو تهدئه. ولما تعلم كل ذلك بملازمة الوحش طويلا، ~~سمى معلوماته هذه «حكمة»، فنظم فنا وفتح مدرسة، مع أنه يجهل كل الجهل أي ~~هذه الرغبات والمجون جميل أو قبيح، وأيها ms168 صالح وأيها رديء، وأيها عادل وأيها ~~باطل؛ ولذا يكتفي بإطلاق هذه الأسماء بحسب حالات الوحش، فيدعو ما يسره خيرا، ~~وما يسوءه شرا، وليس عنده مقياس آخر للحكم، إنما يدعو الأشياء عادلة وجميلة، ~~مع أنها صنعت بحكم الضرورة، فلم ير ولا يقدر أن يبين للسوي ما هي طبائع ~~الأشياء الضرورية والصالحة، ودرجات تفاوتها، فبحق السماء قل: ألا ترى شخصا ~~كهذا معلما غريب الشك؟ # أد ~~: # هكذا أرى. # س ~~: # أوتظن أن هنالك أي فرق بين شخص كهذا وبين رجل يزعم أن الحكمة مؤلفة من ~~درس غضب الجمهور المتنوع ومسراته المتقلبة، في ما يتعلق بالتصوير ~~والموسيقى والسياسة؟ لأنه مع التسليم أن الإنسان إذا امتزج بالجمهور وأراهم ~~شعرا أو أثرا فنيا أو عملا سياسيا يعود بالنفع على الدول، وجعلهم حكما ~~فيه، واضعا نفسه بين أيديهم أكثر مما هو ملزم بذلك، إذا فعل ذلك وجد نفسه ~~مضطرا لعمل ما يأمرونه به. وهل سمعت أن أحدا أورد سببا غير واهن يثبت أن ~~ما يرضي الجمهور هو بالحقيقة صالح وجميل؟ # أد ~~: # لم أسمع ذلك، ولا أظن أني سامعه. # س ~~: # فإذا حفظت كل ذلك في قلبك، فدعني أذكرك بنقطة أخرى: أيمكن الجمهور أبدا أن ~~يسلم بوجود «الجمال الجوهري» بإزاء مواضيع الجمال العديدة؟ أو وجود صور ~~جوهرية بإزاء ظاهراتها الخاصة المنوعة؟ # أد ~~: # بالتأكيد لا يمكنه. # س ~~: # فلا يمكن الجمهور أن يكون متفلسفا بمجموعه. # أد ~~: # لا يمكنه. # س ~~: # فأساتذة الفلسفة منبوذون من الجمهور. # أد ~~: # منبوذون. # س ~~: # وبنوع خاص من المغامرين الذين يسايرون رغبات الغوغاء ويصحبونهم. # أد ~~: # واضح. # س ~~: # فأية سلامة ترى للسجية الفلسفية فتستمر في مجراها لإدراك كمالها؟ واعتبر ~~نتائجنا السالفة، فقد قررنا أن سرعة الخاطر والذاكرة الحافظة والرجولة وعزة ~~النفس هي مزايا السجية الفلسفية. # أد ~~: # نعم قررنا. # س ~~: # أفلا يصير إنسان كهذا، الأول في كل شيء منذ نعومة أظفاره؟ ولا سيما إذا كانت ~~بنيته الجسدية تتفق مع مواهبه العقلية؟ # أد ~~: # مؤكد يصير. # س ~~: # وأظن أنه حين يتقدم في السن يميل أصحابه ومواطنوه إلى استخدامه في قضاء ~~مصالحهم الخاصة. # أد ~~: # بلا ms169 شك. # س ~~: # وبالنتيجة يترامون على قدميه ويرفعون إليه آيات التوسل والمجاملة، ويجهزون ~~بتمليقه متوقعين له مستقبلا زاهرا. # أد ~~: # هكذا يحدث عادة. # س ~~: # فماذا تظن أن شخصا كهذا يعمل في حال كهذه؟ ولا سيما إذا اتفق أنه كان ~~غنيا، شريف المحتد، باهي الجمال، من دولة عظيمة؟ ألا تملأ دماغه الأحلام، ~~فيتوهم في نفسه الكفاءة لإدارة مصالح اليونانيين والبرابرة ، فيرتفع على أسس غير ~~راسخة، حتى تبتلعه أخيرا العنجهية والغرور والاعتداد بالذات؟ # أد ~~: # لا شك في أنه يتوهم. # س ~~: # فإذا دنا أحد من إنسان كهذا بلطف وصارحه الحقيقة، وهو على ما وصفنا، قائلا ~~له أنه خلو من الحكمة الحقيقية، بل هو غاية في الافتقار إليها، وأنه لا يفلح ~~في طلبها إلا من وقف نفسه عليها، أفتظن أنه أمر سهل استمالة نظره والمؤثرات ~~الردية تتنازعه؟ # أد ~~: # كلا، إن ذلك بعيد جدا عن السهولة. # س ~~: # وإذا تحول إنسان كهذا بفضل ما فيه من خلق وذوق تالد، وصار يرغب في ~~الفلسفة، وجد في طلابها مستسلما خاضعا، فماذا تظن أن أولئك الذين خسروا ~~صحبته والمنافع المادية التي كان يغدقها عليهم يفعلون به؟ ألا يبذلون كل واسطة ~~قولا وفعلا ليثبطوه عن قبول الرأي الحكيم، كائدين له، فيجرونه إلى ~~المحاكم علنا؟ # أد ~~: # أكيد، ذلك ما يفعلونه. # س ~~: # أفلا ترى مدى إجابتنا في قولنا، إنه حتى مميزات الخلق الفلسفي نفسها إذا ~~منيت بسوء التهذيب قد تكون علة تنكب المرء عن طلاب الفلسفة، كما أنها تؤدي ~~إلى النتيجة نفسها ملابسات الغنى، وكل أنواع الأبهة الخارجية؟ # أد ~~: # بلى إنها نظرات صائبة. # س ~~: # فهذا هو الدمار يا صديقي الفاضل، وهكذا يكون محزنا الفساد الذي يحل بأفضل ~~سجية في سبيل أشرف المطالب، سجية نادرة المثال كما أسلفنا. ولا شك في أن بين ~~أفراد هذه الطبقة من يسبب أعظم ضرر للأفراد وللدول، كما أنه يوجد الذين يسعون ~~لأجل خيرهم متى جرى التيار على مشتهاهم. أما العقول المحدودة فلا تصنع شيئا ~~عظيما للدول ولا للأفراد. # أد ~~: # ذلك حقيق. # س ~~: # وهكذا يحدث أن الذين هم الأقربون إلى ms170 الفلسفة عجزوا عن تأييدها، وهووا من ~~حالق مجدهم، تاركين الفلسفة ناقصة مهجورة، وإذ يختارون حياة لا تتفق مع مكانتهم ~~ولا هي صحيحة البناء، يتطفل على الفلسفة غير أهلها؛ لكونها يتمت من ~~أهلها وهجرت، فيسيء هؤلاء إليها ويحملونها العار الذي أشرت إليه، وبه ~~يعيرها الناس، قائلين إن أكثر طلابها عديمو النفع ولا وزن لهم، أو أنهم كما ~~هو الواقع في أكثر الأحوال، يستحقون صارم العقوبات. # أد ~~: # حقا إن هذه الملاحظات صائبة. # س ~~: # نعم، وطبيعية أيضا؛ لأن أناسا آخرين ناقصي الخلق إذ رأوا المجال فسيحا، ~~مع أنهم أغنياء بالأسماء العظيمة وألقاب الشرف الفارغة، كان سرورهم عظيما بأن ~~يهجروا حرفهم ويتهافتوا على الفلسفة تهافت المجرمين على براح السجون ~~والالتجاء إلى الهياكل، كلما أبدوا مهارة في مهنتهم الحقيرة. ومع ما حل ~~بالفلسفة ما زالت أبهى رونقا وأسمى رتبة جدا من أية حرفة أخرى، وذلك ما ~~يطمع فيه كثيرون ممن فسدت مواهبهم الطبيعية من البداءة، وقد شوهت نفوسهم ~~تشويها محزنا ووهنت بحياة الاستعباد، كما شوهت أجسادهم بكدحهم في الصناعة ~~والتجارة. أليس هذا هو الواقع؟ # أد ~~: # مؤكد أن هذا هو الواقع. # س ~~: # أفتراهم يختلفون كثيرا عن أجير الحداد الأصلع الذي جمع دريهمات قليلة على ~~أثر خروجه من السجن، ولبس بذلة جديدة ومرح كعريس، عازما أن يتزوج من ابنة ~~معلمه، يشجعه على عزمه هذا ما حاق بوالدها من ضيق ذات اليد؟ # أد ~~: # لا أدري أي اختلاف بينهما. # س ~~: # فأي نسل يلد قران كهذا؟ أليس نغولا سافلين؟ # أد ~~: # ليس إلا. # س ~~: # فإذا اقترن بالفلسفة غير أهلها ظاهرين بمظهر منكر، فبماذا نصف طبيعة ~~التصورات التي يلدها؟ ألا نصفها وصفا مدققا بأنها سفسطات، مولود غير شرعي، ~~خالية من كل أثر للنظر الثاقب؟ # أد ~~: # نعم حتما. # س ~~: # بقي قليلون من أرباب السجية السامية ممن تعاطوا الفلسفة عن جدارة يا ~~أديمنتس. ويتألف هؤلاء إما ممن فيهم سجية شريفة مهذبة تهذيبا حسنا، وقد ~~حكم عليهم بالنفي وهم بعيدون عن عوامل الفساد، فحفظوا أنفسهم وثبتوا في ~~الفلسفة، أو أنهم من ذوي العقول الكبيرة، وقد ms171 نشئوا في دويلات صغيرة فازدروا ~~سياسة بلدهم. ومن الممكن أن يكون قد انضم إليهم فريق صغير من أرباب الحرف ~~الأخرى، حملهم على احتقار حرفهم ما فيهم من المواهب الطبيعية، فشكمتهم شكيمة ~~صديقنا ثاجس الذي قيدته صحته فعجز عن مزاولة علاقاته الاجتماعية، مع أن كل عامل ~~آخر كان يدفعه إلى هجر الفلسفة، ولست أذكر العامل الخارق الذي يصدني أنا؛ لأنه ~~على زعمي لو عرض لأحد فإنما كان ذلك لقليلين من الناس قبل أيامي. # فمن كان من أفراد هذه الفئة القليلة العدد وقد تذوق حلاوة المباحث الفلسفية ~~وغناها، وراقب جنون الكثيرين من العامة، موقنا أنه يندر وجود من يخطو خطوة ~~ثابتة في حياته المدنية، وأن لا حليف يرافقه ليشد أزره في نصرة العادل، بل إنه ~~لو حاول ذلك لكان كالواقع بين أولئك الوحوش، فلا يريد أن يشاركها في شرها، ولا ~~يقدر أن يدفع عنه ثورتها، فيهلك قبلما يستطيع أن يفيد بلاده وصحبه، فغدا عديم ~~النفع لنفسه وللآخرين، إن إنسانا كهذا إذا سبق فوزن كل هذه الواقعات لبث ~~هادئا صامتا، يلوذ بشئونه الخاصة كمن يلجأ إلى جانب جدار، تسترا مما تثيره ~~الرياح من غبار تليه العواصف والسيول الجوارف. وإذ يرى وهو قابع في محله الفوضى ~~ناشرة جناحيها على عامة الجنس البشري، يكتفي بضمان سلامته من المظالم والأرجاس. ~~ومتى أزف وقت إطلاق سراحه خرج من المأزق الحرج مستوحشا بالرجاء الصالح، ~~مسرورا رصينا. # أد ~~: # لم يعمل أدنى عمل قبل خروجه. # س ~~: # ولا أهم عمل، إذ لم يجد دستورا سياسيا يلائمه؛ لأنه في دستور كهذا ~~يبلغ أوج الرفعة، بل يتمكن من صيانة مصالحه ومصالح بلاده أيضا. # لقد بينا تبيانا كافيا أسباب التحامل على الفلسفة وما في ذلك التحامل ~~من روح التعدي، إلا إذا كان عندك ما يقال غير ذلك. # أد ~~: # كلا، لا أقول أكثر من السؤال: أي نظام في عصرنا أكثر ملاءمة ~~للفلسفة؟ # س ~~: # ليس ولا واحد ممن أدعوه هكذا، وما أشكوه هو: ليس في نظامنا الحالي، جمهورية ~~هي بيئة ملائمة للطبيعة الفلسفية؛ ولذا أرى تلك ms172 الطبيعة قد التوت وفسدت، ~~فتغيرت تغير البذار الغريب الذي زرع في تربة لا تلائمه، ففقد مزاياه ~~الخاصة، وينحط إلى مستوى النبات العادي الذي هو دونه في تلك البيئة. هكذا هذا ~~النوع من السجايا في هذه الأيام، قد حبط مسعى في حفظ سجاياه الخاصة، فهبط إلى ~~غير مستواه، ولو لاقى هذا النوع النظام الأفضل، كالمثل الأعلى للفضائل التي ~~فيه، لتبرهن له على أنه بالحقيقة من طراز إلهي، وأن كل أنواع الصفات والمهن ~~الأخرى إنسانية. وظاهر أنك تروم أن تسألني: ما هو هذا النظام؟ # أد ~~: # أخطأت، فإن ما كنت عازما أن أسأله هو: أمتجه أنت بفكرك وجهة هذا النظام ~~الذي بحثنا في تأسيسه؟ أم أنك تفكر في غيره؟ # س ~~: # فيه نفسه في كل النقاط إلا واحدة، وقد أشرنا إلى هذه النقطة في خلال البحث، ~~لما قلنا إنه من الضروري أن يكون في الدولة سلطة تنظر في النظام بالنور الذي ~~استنرت به أيها الشارع لما سننت القوانين. # أد ~~: # حقا قد أشرنا إليها. # س ~~: # على أنها لم تتضح اتضاحا كافيا؛ لأني خشيت مقاومتك التي دلتني على أن ~~إيضاحها أمر عسير شاق. وليس القسم الباقي من بحثنا أسهل مما مر بوجه من ~~الوجوه. # أد ~~: # وما هو ذلك القسم؟ # س ~~: # هو: كيف تتفلسف الدولة، دون أن تجلب على نفسها دمارا تاما. إننا نعلم أن ~~كل الأشياء العظيمة خطرة، وكما يقول المثل: النفائس صعبة المنال. # أد ~~: # وعلى كل دع بحثنا يتم في إيضاح هذه النقطة. # س ~~: # إذا كان عندي مانع فليس هو نقص الإرادة، بل نقص المقدرة، ولما كنت حاضرا ~~فسترى غيرتي رأي العين، وسترى بأية غيرة قلت إنه يجب على الدولة أن تجرب درس ~~الفلسفة على غير النمط المألوف. # أد ~~: # وكيف ذلك؟ # س ~~: # إن أكثر طلاب الفلسفة في الوقت الحاضر هم فتيان لم يكادوا يخرجون من طور ~~الصبوة، وقد حصروا درس الفلسفة في فترات أعمالهم اليومية وخدمتهم البيتية، ~~وبعد أن درسوا أعوص أقسام الفلسفة - أي فن المنطق - هجروا الدرس هجرا ~~كليا، هؤلاء هم أرقى فلاسفة هذا ms173 الزمان، بعد ذلك إذا دعاهم أحد المشتغلين ~~بهذا الفن حسبوا قبولهم دعوته تنازلا عظيما منهم؛ لأنهم يزعمون أن الفلسفة ~~يجب أن تكون عملا ثانويا لا أكثر. على أنهم متى تقدموا في السن انطفئوا - ~~إلا القليل منهم - ولا انطفاء شمس هيرقليطس، # 1 # فلا ينيرون بعد انطفائهم إلى الأبد. # أد ~~: # فما هي الخطة المثلى؟ # س ~~: # هي على الضد من ذلك تماما، أي أن يعكفوا على درسها أحداثا درسا يتفق مع ~~سنهم، وتدرجهم نحو الرشاد. ويلزم الانتباه لهم انتباها خاصا لمساعدتهم في ~~درسها، ومتى بلغوا رشدهم ونضجت عقولهم وجب أن تكون التمارين العقلية صعبة، ~~وأخيرا حين تأخذ قواهم الجسدية في الانحطاط ويعفون من الخدمة العسكرية ~~والمدنية، فحينذاك يجب أن يقفوا حياتهم وقواهم على درس الفلسفة لا غير، إذا ~~راموا أن يحيوا سعداء على الأرض. وبعد موتهم تتوج الحياة التي قضوها في هذه ~~الدار بمصير يطابقها في العالم الآخر. # أد ~~: # لا أشك في غيرتك في كلامك يا سقراط، ومع ذلك أتوقع أن يعارضك أكثر سامعيك، ~~وأولهم ثراسيماخس بغيرة شديدة، ويعلنوا خروجهم عليك. # س ~~: # لا تسع بيني وبين ثراسيماخس، فقد صرنا صديقين، ولا أعني بذلك أننا كنا ~~قبلا عدوين، فإني لا آلو جهدا في معالجة هذا الموضوع، فإما أن أربحه ومن ~~معه إلى جانبي، أو أني أضمن انتفاعهم في المستقبل إذا عرض لهم مثل هذه ~~المباحث في العالم الثاني. # أد ~~: # يا له من تأجيل قصير المدى! # س ~~: # بل هو لا شيء إذا قيس بالأبدية، وليس غريبا عدم اقتناع الجمهور بتعاليمي؛ ~~لأنهم لم يروا تطبيق نظريتنا بعد، وغاية ما هنالك أنه طرقت أسماعهم آراء ~~تشبهها، ولكنهم أجبروا على تفرقة الكلمة في ما بينهم كما هو الحال اليوم، عوض ~~الاتفاق الاختياري. أما الرجل الذي هو «مثل الفضيلة الأعلى» الذي تنطبق عليه ~~أوصافها أتم انطباق قولا وفعلا، فلم يقفوا له على أثر. أتظن أنهم عثروا ~~عليه؟ # أد ~~: # لا أظن. # س ~~: # وبالحري يا صديقي العزيز، إنهم لم يثابروا على سمع المحاورات الحرة الراقية ~~التي يقصد بها تلقف الحقيقة بدقة ms174 واجتهاد، رغبة في مجرد معرفة الحقيقة ~~بكل وسيلة ممكنة، بل قضوا حياتهم في الأبحاث الفنية والمماحكات المدنية التي ~~هدفها الخاص إطالة البحث وكسب الاستحسان، بعيدين عن الجهود الحكيمة ~~الجدية. # أد ~~: # مصيب أيضا. # س ~~: # ولهذه الأسباب وتفاديا من حصول هذه النتائج، حملتني قوة الحق بالرغم من ~~مخاوفي، على أن أجهر في ما سلف أنه لا دولة ولا نظام ولا فرد يمكن أن يبلغ أو ~~تبلغ الكمال، ما لم تلق مقاليد الأحكام فيها إلى أيدي الفلاسفة القلائل الذين ~~نعتوا الساعة بأنهم عديمو النفع، ولكنهم غير منحطين، أراد هؤلاء تقلد ~~الأحكام أو لم يريدوا، وهي في دورها تجد نفسها ملزمة بالخضوع لهم، أو أن يحصل ~~الملوك والسلاطين الحاليون أو أولادهم بإرشاد إلهي على محبة حقيقية للفلسفة ~~الصحيحة. أما زعم استحالة إحدى هاتين الحالتين أو استحالة كلتيهما فأراه زعما ~~غير معقول، ولو استحالتا لكنا أضحوكة كأصحاب نظريات وهمية. ألست ~~مصيبا؟ # أد ~~: # مصيب. # س ~~: # ولو أن الضرورة القصوى في ما سلف من الدهور، أرغمت فلاسفة الطبقة الأولى أن ~~يحكموا الدولة، أو لو أن أمثالهم يحكمون اليوم في بعض الأرجاء خارج آفاقنا، أو ~~أنهم سيحكمون، لكنت أتفانى في الدفاع عن صحة الدعوى بأن النظام الذي مر بك ~~وصفه كائن وسيكون حيثما تتسلم إلاهات الفن مقاليد الأحكام؛ لأن تحقيق ذلك ليس ~~بمستحيل، وليست فروضنا مجرد نظريات، مع أننا نعترف بصعوبة تطبيقها. # أد ~~: # وأنا من هذا الرأي. # س ~~: # أعلى استعداد أنت للتسليم بأن الأكثرين ليسوا من هذا الرأي؟ # أد ~~: # على الأرجح. # س ~~: # فحذار يا صديقي الفاضل من أن تشكو الجمهور شكوى في هذه الدرجة من الخطورة، ~~ولا ريبة في أنهم يغيرون أفكارهم إذا عرجت عن الخصومة، وحاولت بلطف وتؤدة أن ~~تزيل تعصبهم ضد محبة المعرفة، بإظهارك لهم من هم الذين تحسبهم فلاسفة، ~~محددا فطرتهم وثقافتهم على نحو ما عملنا الساعة، حتى لا يتوهموا أنك تعني ~~بالفلاسفة أرباب السجايا التي في متصورهم. وهل تجرؤ على التشبث بأنهم إذا ~~رأوهم كما تراهم أنت خالفوك رأيا وأجابوا بجواب آخر؟ وبعبارة أخرى: ms175 أتظن أن ~~رجلا مسالما ولطيفا يخاصم رجلا وديعا أو يفكر بأذية من لا يؤذيه؟ ~~أتوسم أنك تسلم معي بأن الطبع يكون فاسدا في القليلين من الناس، ولكن لا ~~يكون كذلك في أكثر النوع الإنساني. # أد ~~: # إني بكليتي من رأيك. # س ~~: # أولست من رأيي أيضا في أن سبب استياء الجمهور من الفلسفة يرجع إلى تصرف ~~الذين كالسكارى يقتحمون ما لا يعنيهم، ويسيئون بعضهم إلى بعض، ويسرون ~~ببث الفتن والاغتياب، وبالإجمال: الأشخاص الذين لا تتفق تصرفاتهم مع ~~الفلسفة؟ # أد ~~: # حقيق أنها لا تتفق. # س ~~: # وبالتأكيد يا أديمنتس، أن من وجه أفكاره نحو الأشياء الموجودة حقيقة ليس ~~له متسع من الوقت للاشتباك بمصالح الآخرين ومنازعتهم، فتتسرب إليه عدوى ~~أذاهم. بل على الضد من ذلك، يقف أوقاته على التفكر بأشياء صحيحة ثابتة. وإذ ~~يرى أنها لا تضر إحداها الأخرى، ولا تني خاضعة للنظام، وهي على أتم وفاق مع ~~العقل، يجتهد في درسها والتشبه بها. أوتظن أن الإنسان يستطيع أن لا يتمثل ~~بما يلازمه ويحترمه؟ # أد ~~: # غير ممكن. # س ~~: # فالفيلسوف الذي يلازم ما هو إلهي متزن يصير إلهيا متزنا، مع أنه هنا ~~كما في كل موقف آخر، مجال واسع للتزييف. # أد ~~: # أنت مصيب تماما. # س ~~: # فإذا وجد نفسه ملزما بأن يبث في عادات الأفراد والجماعات المألوفة الأشياء ~~التي لفتت نظره إلى الملأ الأعلى، وحاول أن يطبع نفسه والآخرين بطابعها، أفتظن ~~أنه يكون عديم الاكتراث لنتاج العدالة والعفاف وسائر الفضائل ~~الاجتماعية؟ # أد ~~: # كلا. # س ~~: # وإذا أحس الجمهور أنا نقول الحق في إنسان كهذا، أفيغضب على الفلاسفة ~~ويحتقر قولنا إن الدولة لن تكون سعيدة ما لم يرسمها رسامون ينسخون عن أصل ~~إلهي؟ # أد ~~: # إذا أحسوا بالواقع فلا يغضبون. ولكن ماذا تعني «برسمهم» إياها؟ # س ~~: # أن يتخذوا قماشهم الدولة وطبيعة الجنس البشري الأدبية، ويشرعون بتنظيف ذلك ~~القماش وتلوينه، وليس ذلك بالأمر السهل. على أنهم يختلفون عن إخوانهم ~~الفنيين كافة في أنهم يرفضون التدخل في شئون الفرد والدولة، ويترددون ~~في وضع الشرائع، حتى يكون لهم قماش أبيض (نظيف)، أو ms176 أنهم يبيضونه بسعيهم ~~الخاص. # أد ~~: # وهم مصيبون بذلك. # س ~~: # وبعدئذ، ألا ترى أنهم يرسمون الخطوط الأساسية في رسم نظامهم؟ # أد ~~: # بلا شك. # س ~~: # وأظن أن عملهم الثاني هو أن يكملوا الرسم، وفيما هم يفعلون ذلك يتلفتون ~~إلى الجانبين ليروا أولا مثل العدالة والعفاف وإخوانهما، ثم الآراء الشائعة ~~بين الناس، فيؤلفون رسمهم الإنساني بجميع نتائج درسهم، ورائدهم في عملهم ما ~~تجلى منه في صفات الناس، وهو ما سماه هوميرس: «المثل الإلهي الأعلى.» # أد ~~: # أنت مصيب. # س ~~: # ويستمرون في عملهم فيمحون شيئا ويثبتون غيره، ليجعلوا سجية الإنسانية مرضية ~~عند الآلهة ما أمكن. # أد ~~: # فيكون رسمهم غاية في الجمال. # س ~~: # فهل لنا من وسيلة لإقناع المتهجمين علينا، الذين تقول إنهم أثاروا علينا ~~حربا شعواء، أن رسام النظم هذا هو الرجل الذي امتدحناه على مسامعهم ~~مؤخرا، فسخطوا علينا، لأنا اقترحنا أن تناط به شئون الدولة. أفيكونون الآن ~~أقل امتعاضا وهم يسمعوننا نعيد ما قلناه؟ # أد ~~: # أقل كثيرا إذا عقلوا. # س ~~: # هكذا أرى؛ لأنه كيف يمكنهم أن يهاجموا مركزنا؟ أفيمكنهم أن ينكروا علينا أن ~~الفلاسفة عشاق الوجود الحقيقي وعشاق الحقيقة؟ # أد ~~: # كلا، لا يمكنهم. # س ~~: # أفيقولون إن سجية كهذه وقد ثقفت تثقيفا تاما بالدرس الملائم، تقصر عن ~~أن تصير صالحة وفلسفية ككل سجية؟ وهل يؤثرون أولئك الذين نحيناهم ~~جانبا؟ # أد ~~: # كلا بالتأكيد؟ # س ~~: # أفيظلون ساخطين علي لقولهم إنه لا نهاية لتعاسة الدول وشقاء سكانها ما لم ~~تتقلد طبقة الفلاسفة مقاليد الإدارة العليا في الدولة؟ ويتعذر تحقيق النظام ~~الخيالي الذي وصفناه. # أد ~~: # الأرجح أنهم يكونون أقل سخطا. # س ~~: # وما قولك في زعمنا أنهم ليس فقط أقل سخطا علينا، بل إنهم هدءوا هدوءا ~~تاما واقتنعوا بحملنا إياهم على التسليم ولو خجلا، إذا لم تجد وسيلة ~~أخرى؟ # أد ~~: # فلنحسبهم إذا مقتنعين بذلك إلى الآن. ولكن هل من يجزم بأن الملوك والسلاطين ~~لا يمكنهم بأية وسيلة كانت أن يلدوا أولادا مفطورين على الفلسفة؟ # أد ~~: # لا أحد في الدنيا يجزم بذلك. # س ~~: # أفيستطيع أحد أن يقول إنهم وقد ولدوا مفطورين ms177 على الفلسفة لا بد من أن ~~يفسدوا؟ لأني أسلم أن ضمانهم أمر عسير. ولكن هل من يجزم أنه لا يمكن في كل ~~الزمان حفظ فرد واحد من التلوث بالشر؟ # أد ~~: # من يمكنه الجزم بذلك؟ # س ~~: # فكن على يقين أن شخصا واحدا إذا وجد وخضعت له الدولة، ففي مستطاعه تحقيق ~~النظريات التي تدحض الآن. # أد ~~: # نعم في مستطاعه. # أد ~~: # ومتى سن الشرائع والعادات التي أوضحناها الآن فلا يستحيل أن يوافقوه على ~~إنفاذها. # أد ~~: # كلا لا يستحيل. # س ~~: # أفهو عجيب أم وراء حدود الإمكان أن ما ظهر لنا صوابا يظهر كذلك ~~لغيرنا؟ # أد ~~: # أما أنا فلا أظن أنه عجيب. # س ~~: # فقد اقتنعنا إذا كل الاقتناع في بحثنا السالف أن خطتنا هي المثلى إذا تسنى ~~تحقيقها. # أد ~~: # بالتمام. # س ~~: # فالنتيجة التي أفضى إليها تشريعنا هي: أن القوانين التي سنناها هي الفضلى ~~إذا أمكن تحقيقها، وأن تحقيقها عسير ولكنه غير مستحيل. # أد ~~: # يقينا أن هذه هي نتيجتنا. # س ~~: # حسنا. فإذ قد تم إذا هذا القسم من موضوعنا، أفنتقدم إلى البحث في المسائل ~~الباقية؟ وهي: بأي أسلوب وبواسطة أي أعمال أو دروس تضمن وجود فئة من الرجال ~~قادرين أن يحفظوا النظام؟ وما هو السن الذي فيه يمكن تلقين هذه الدروس العديدة ~~لكل في دوره؟ # أد ~~: # فلنفعل ذلك. # س ~~: # فلم أستفد شيئا من حذف المسائل المزعجة في معاملة النساء والأولاد وتعيين ~~القضاة التي اضطررت إلى تركها، عالما بمقدار الكره الذي يسببه نظام كامل ~~كهذا، والصعوبة التي تحول دون إنفاذه، أما الآن فقد أزف الوقت للنظر فيها ~~بالرغم من حيطتي. أما ما يتعلق بالنساء والأولاد فقد فصل فيه، وبقي علينا ~~أن نستأنف النظر في ما يتعلق بالقضاة، فقد قلنا إذا كنت تذكر: أنه يجب ~~امتحانهم بالمسرات والآلام ليثبتوا وطنيتهم ويبرهنوا على أنهم لا ينبذون ~~هذه المبادئ، لتعب أو خطر أو أي صرف من صروف الدهر، ومن لا يستطع ذلك يخسر ~~منصبه، ومن خرج من كور الامتحان سليما كالذهب المصفى بالنار فإليه يسند ~~منصب القضاء، ويكافأ في حياته ms178 وبعد مماته. هذا كان هدف بحثنا تقريبا، وقد ~~توارى عن النظر خشية إثارة المشاكل المعلقة. # أد ~~: # أذكر ذلك جيدا، وإن بيانك صحيح كل الصحة. # س ~~: # نعم يا صديقي، قد تلكأت عن المجازفة برأيي، أما الآن فأخاطر بهذا البيان، ~~قائلا إنه يجب تنصيب أكمل الفلاسفة حكاما. # أد ~~: # إننا نسمعك. # س ~~: # وأذكر ما أقل ما عندك من هؤلاء الرجال؛ لأن المميزات العديدة للسجية التي ~~حسبناها ضرورية للفلاسفة يندر أن تنمو بمجموعها، ويغلب أن تنمو مستقلة. # أد ~~: # ماذا تعني؟ # س ~~: # إنك تعلم أن الأشخاص المتصفين بسرعة الخاطر والذاكرة الحافظة والحكمة ~~والذكاء وما يرافقها من الفضائل، هؤلاء الأشخاص لا يبلغون حدود النبل وسمو ~~العقل في آن واحد، بحيث يقبلون بأن يحيوا حياة هادئة حازمة، بل بالضد، يحملهم ~~ذكاؤهم كل محمل، فيبرح الحزم حياتهم. # أد ~~: # حقيق. # س ~~: # أما الصفات الثابتة غير المتقلقلة التي عليها يعتمد، وتحمل المرء على الرغبة ~~في استعمالها ولا تروعها مخاطر الحرب، فتتصرف هكذا في طلب العلوم، أي إنها ~~تتعلم مترهلة حين تضطر إلى عمل ما، خاملة كأنها مخدرة، دائمة النعاس ~~والتثاؤب. # أد ~~: # هذا صحيح. # س ~~: # ولكننا قلنا: ما لم يمتلك الشخص قدرا وافرا من هاتين المزيتين: الثبات وعدم ~~التغير، حرم من كل اتصال بالتهذيب والشرف وبمناصب الحكم. # أد ~~: # أنت مصيب. # س ~~: # أفلا تتوقع أن يكون الاحتياط من صفات كهذه شحيحا؟ # أد ~~: # أتوقع ذلك بكل تأكيد. # س ~~: # ولذلك لا نكتفين بتجربتهم بالأشغال والأخطار والمسرات التي ذكرناها ~~قبلا، بل يجب أن نمتحنهم أيضا بما حذفناه من الوسائل، فنمرنهم على أنواع ~~الدروس ونراقبهم، لنرى هل تدرك موهبتهم ساميات المواضيع أو أنها تفشل في ~~الامتحان فشل غيرها في أحوال أخرى. # أد ~~: # لا شك في أن امتحانهم بهذه الصورة مناسب. ولكن ما هي ساميات المواضيع؟ # س ~~: # أظن أنك تذكر أننا بعد ما قسمنا النفس إلى ثلاثة أقسام استنتجنا الطبائع ~~العديدة للعدالة والعفاف والحكمة والشجاعة. # أد ~~: # ولولا تذكري ذلك لما استحققت أن أسمع بقية المحاورة. # س ~~: # فتذكر أيضا الإشارة التي تقدمت ذلك الاستنتاج. # أد ~~: # وما هي؟ # س ms179 ~~: # أظن أننا قلنا إنه لبلوغ أفضل رأي في هذه المسألة يلزم أن نختار طريقا ~~طويلا يوصلنا إلى الموضوع. بقي أنه من الممكن تذييل شرح القضية الناجم عن ~~نتائجنا السالفة. وعنده قلنا إن شرحا كهذا كاف لك، ثم تلا ذلك هذه المباحث ~~التي هي في مذهبي ناقصة تدقيقا، فلك أن تقول لي إذا كنت تكتفي بها أو ~~لا؟ # أد ~~: # بالأصالة عن نفسي أقول إن البحث الذي بحثناه كاف واف، والظاهر أن رفقائي ~~يرون ما أرى على حد القياس. # س ~~: # ولكن يا صديقي لا مقياس ناقص عن الحق يمكن أن يكون كافيا وافيا، إذ لا ~~يقاس بالناقص شيء، ولو أن الناس أحيانا يزعمون به التمام، وأن لا ضرورة ~~لزيادة التحري. # أد ~~: # إنها عادة كثيرة الشيوع ناتجة عن التراخي، ولكنها عادة غير مستحسنة في شرائع ~~الدولة في حاكمها. # س ~~: # وإذا الحال كذلك يا صديقي، وجب أن يدور شخص كهذا في الطريق الأطول، وأن يعمل ~~بجد في دروسه وفي رياضته البدنية، وإلا فلا يبلغ الغاية في العلم الذي هو ~~من حقوقه كما قلنا الساعة. # أد ~~: # ماذا تقول؟ أليست هذه الأشياء هي أفضل الأشياء؟ أفيوجد ما هو أسمى من العدالة ~~والفضائل الأخرى التي بحثنا فيها؟ # س ~~: # يوجد، حتى أسمى منها، وهنا لا نفكرن في أوعر المسالك كما هي خطتنا، بل ~~على الضد، يجب ألا نرضى بأقل من أكمل إيضاح، أوليس من السخافة أن يهتم المرء ~~في مواضيع تافهة جادا كل الجد في إتقانها وكمالها، وفي الوقت نفسه لا يحسب ~~أهم المصالح وأسماها جديرة بتلك العناية، ليبلغ بها أوج الكمال؟ # أد ~~: # الشعور غاية في الصواب، ولكن أتظن أن أحدا يدعك تذهب ما لم يسألك ما هو ~~العلم الذي تدعوه «الأسمى»، وماذا تتناول أبحاثه؟ # س ~~: # حقا إني لا أظن هذا الظن، فسلني أنت. ولقد سمعت الجواب مرارا كثيرة، ~~فإما أنك نسيته الآن، أو أنك تريد أن تشغلني بالمعارضة، وأرجح الثاني؛ ~~لأنك سمعت مرارا: «أن صورة الخير» هي موضوع العلم الأسمى، وأن امتزاج هذا ~~الجوهر بالأشياء العادلة وسائر ms180 الأجسام المخلوقة يجعلها نافعة ومفيدة، وسترى ~~الآن دون ما ريبة أنني سأقول هذا، وأقول عدا ذلك إننا لم نتعرف هذا الجوهر ~~معرفة تامة. وإذا كان ذلك كذلك فإذا قلت إنا عرفنا كل شيء آخر معرفة تامة إلا ~~هذا، فإنك تدرك أن علمنا لا يفيدنا شيئا، كما أن امتلاكنا كل شيء دون امتلاك ~~الخير لا يفيدنا. أوتظن أن امتلاكنا كل شيء مع استثناء الخير يحسب ربحا؟ ~~وبعبارة أخرى: أن نتجرد من كل فهم صالح وجميل؟ # أد ~~: # صدقني إني لا أظن. # س ~~: # وأنت عالم أن الخير الأعظم عند العامة هو «السرور»، وعند الخاصة هو «البصيرة». # 2 # أد ~~: # مؤكد أني أعلم ذلك. # س ~~: # وإنك عالم يا صديقي أن دعاة الرأي الثاني لا يمكنهم تبيان ما يعنون ~~«بالبصيرة»، وهم مضطرون أن يفسروها بأنها إدراك باطني «للخير». # أد ~~: # نعم، فإنهم في مشكل سخيف. # س ~~: # حقا إنهم كذلك، ما داموا يزدروننا لجهلنا «الخير» وعلى الأثر يخاطبوننا ~~مخاطبة العالمين ما هو. فإنهم يقولون لنا إن الخير الأعظم هو: «إدراك باطني ~~للخير»، زاعمين أننا نفهم معناهم حالما يلفظون كلمة «خير». # أد ~~: # صحيح تماما. # س ~~: # أوليس خطؤهم كخطأ الذين وحدوا الخير والسرور، مع أنهم أجبروا على التسليم ~~بأن بعض المسررات شر، ألم يجبروا؟ # أد ~~: # حقا إنهم أجبروا. # س ~~: # فينتج عن ذلك أنهم ولا بد يسلمون بأن الشيء الواحد يكون في وقت واحد خيرا ~~وشرا. أليس كذلك؟ # أد ~~: # يقينا إنه ينتج عنه هكذا. # س ~~: # أفلا يتضح أن في هذا الموضوع تناقضا تاما؟ # أد ~~: # فيه تناقض دون شك. # س ~~: # وشيء آخر: أليس واضحا أن أشخاصا كثيرين مستعدون أن يعملوا أو يظهروا أنهم ~~يعملون وأن يمتلكوا أو يظهروا أنهم يمتلكون ما يظهر أنه عادل وجميل، دون أن ~~يكون الواقع ما ظهر؟ على أنه لا أحد يكتفي في الخيرات بمجرد الظاهر، بل كل ~~إنسان يطلب الحقيقة، وأشباه الحقيقة هنا إذا لم تكن في موضع آخر منبوذة ~~ومحتقرة عند الناس. # أد ~~: # نعم، إن ذلك واضح. # س ~~: # فهذا الخير هو ضالة كل نفس المنشودة، وهو ms181 غاية غايات مساعيها، وتحسبه إلهيا ~~لكنك تتلبك في استكناهه، عاجزة عن التمتع بالثقة الراهنة باتصالها به، كما ~~تتمتع باتصالها بغيره من الأشياء؛ ولذلك تخسر كل فائدة يمكن استخراجها من تلك ~~الأشياء، فتجزم أن التعامي الذي وصفناه في موضوع جليل الشأن كهذا أشهر ~~المميزات في سجية رجال الدولة، الذين أنيط بهم كل شيء. # أد ~~: # كلا، كلا. # س ~~: # فما دامت الأشياء العادلة والجميلة غير معروفة بأي صورة تكون خيرا، فلا أرى ~~لهذه الأشياء قدرا كبيرا عند حاكم يجهل هذه النقطة. وأرى أن لا أحد يبلغ حد ~~المعرفة التامة في كنه الجميل والعادل، ما لم يعرف كنه الخير. # أد ~~: # إنك مصيب في رأيك. # س ~~: # أفلا يكون ترتيب نظامنا كاملا إذا كان الحاكم الذي يراقبه متضلعا من معرفة ~~هذه الموضوعات؟ # أد ~~: # من كل بد. ولكن يا سقراط أنقول إن الخير الأعظم هو العلم أو السرور؟ أو شيء ~~آخر يختلف عنهما؟ # س ~~: # هيهات يا صديقي، فإني طالما رأيتك لا تعدل عن آراء الغير في هذه ~~المواضيع. # أد ~~: # وأراه خطأ بينا يا سقراط أن يقف المرء الزمن الطويل لهذه المسائل، ~~فيتعرف آراء الآخرين دون أن يكون رأيا خاصا فيها. # س ~~: # أفمن الصواب أن يتكلم المرء في ما لا يعلمه بصورة من يعلم؟ # أد ~~: # ليس بصورة من يعلم، ولكني أرى أنه من الصواب أن يميل إلى إبداء رأيه في ما هو ~~جدير بالاهتمام. # س ~~: # ألا ترى أن الآراء الخالية من العلم قبيحة، وخير ما يقال فيها أنها عمياء؟ ~~أوتظن أن من لا يقودهم الذهن الصافي ولا يتمكنون من امتلاك صائب الرأي يمتازون ~~بشيء عن العميان، الذين يزعمون وهم عميان أنهم سائرون في قويم المسالك؟ # أد ~~: # لا يمتازون البتة. # س ~~: # أفتروم النظر في مواضيع قبيحة وعمياء ومعوجة، وفي إمكانك أن تسمع آراء ~~الآخرين في الأشياء الجميلة البهية؟ ~~(فصاح غلوكون: أتوسل إليك يا سقراط أن لا تكف عن البحث ~~كأنك انتهيت منه. فإنا لنرضى أن نستأنف محاورتك في الخير الأعظم ولو مقتصرا ~~على المنهج الذي انتهجته في محاورتك في ms182 العدالة والعفاف وأخواتهما.) # وأنا أرضى كل الرضا يا صديقي. على أني لا أثق بمقدرتي، وأخشى أن يجعلني ~~تهوري الأخرق موضوع هزء. فيا سيدي العزيز، دعنا نطوي كشحا عن كل بحث يتعلق ~~في كنه «الخير الأعظم» في الوقت الحاضر؛ لأني أرى ذلك أسمى مما أتيح لنا بلوغه ~~في شوطنا الحالي. على أنني أرغب في محادثتكم في «وليد الخير الأعظم» الحامل ~~أقرب صور المشابهة له، بشرط أن يرضيكم ذلك، وإلا فإني أعتزله أيضا. # غلوكون ~~: # لا، لا تعتزل. أخبرنا عن هذا الوليد وستظل مدينا لنا برأس المال. # س ~~: # كنت أود لو أني قادر على دفع رأس المال عوض الاقتصار على أرباحه، فها أنا ~~أقدم لكم أغصان «الخير الأعظم» وثماره، فقط حذار أن أخدعكم عن غير قصد مني ~~بإعطائي إياكم أوصاف الابن غير الشرعي. # غ ~~: # سنتوقى ذلك ما أمكن، فتفضل قل. # س ~~: # سأقول حالما يتم الاتفاق بيننا وتتذكرون المقررات التي أوردناها في القسم ~~السابق من بحثنا، وقد تكررت قبل الآن مرارا عديدة. # غ ~~: # وما هي تلك المقررات؟ # س ~~: # قد حكمنا في بحثنا بوجود أشياء كثيرة جميلة وصالحة، إلخ. # غ ~~: # حقا إنا حكمنا. # س ~~: # وحكمنا أيضا بوجود الجمال الجوهري، ووجود الصلاح الجوهري، وهكذا، برد كل تلك ~~الأشياء التي كنا قد اعتبرناها متعددة إلى صيغة واحدة، ووحدة واحدة، تتصف كل ~~وحدة منها بأنها كائن مستقل. # غ ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # وقلنا إن الأفراد تتمثل للعين لا للذهن الصرف، أما المثل فتتمثل للعقل لا ~~للعين. # غ ~~: # يقينا. # س ~~: # فبأي أقسام أجسادنا نرى المرئيات؟ # غ ~~: # بالعين. # س ~~: # وبالأذن ندرك المسموعات، وببقية الحواس سائر المحسوسات؟ # غ ~~: # نعم. # س ~~: # فهل لاحظت أن صانع الحواس كون حاسة البصر أبدع تكوين، فكان بصرا؟ # غ ~~: # ليس بالتمام. # س ~~: # فانظر بالأمر بالصورة الآتية: أيوجد نوع آخر تطلبه الأذن والصوت لإتمام ~~وظيفتها، فتكون هي سامعة وهو مسموعا، وبفقده تتعطلان، فلا الصائت بمسموع ولا ~~الأذن بسامعة؟ # غ ~~: # لا يوجد شيء من هذا القبيل. # س ~~: # وعندي أنه يندر وجود حاسة أخرى تطلب شيئا ثالثا من هذا النوع، على ms183 فرض ~~وجودها. أفتقدر أن تذكر واحدة منها؟ # غ ~~: # لا أقدر. # س ~~: # أما في حاسة البصر والشيء المنظور، أفلا نرى أنهما يستلزمان شيئا آخر ~~إضافيا؟ # غ ~~: # وكيف ذلك؟ # س ~~: # مع وجود البصر في العين، ومحاولة صاحبها أن يستعملها، ومع وجود اللون في ~~المرئيات، فما لم يكن هنالك شيء ثالث مختص بهذا الغرض فإنك عالم أنه لا ~~العين ترى ولا الألوان ترى. # غ ~~: # ما هو ذلك الشيء الثالث الذي تشير إليه؟ # س ~~: # معلوم أني أشير إلى النور. # غ ~~: # مصيب. # س ~~: # فيظهر أن حاسة البصر بين كل الأزواج المار ذكرها ومزيتها التي هي فعل البصر، ~~قد ارتبطا بأشرف الربط الذي طبيعته جليلة الشأن، إلا إذا كان النور عديم ~~الاعتبار. # غ ~~: # كلا، إنه أعظم من أن يحسب عديم الاعتبار. # س ~~: # فمن من آلهة السماء هو مبدع النور وناشره؟ ومن الذي يمكن نوره عيوننا من ~~أن ترى واضحا، ويكشف عن وجود المرئيات؟ # غ ~~: # هنالك رأي واحد فقط، وهو أن سؤالك يشير إلى: الشمس. # س ~~: # فالعلاقة بين بصر العين وبين هذه الإلاهة هي من النوع التالي. أليس ~~كذلك؟ # غ ~~: # صف ذلك النوع. # س ~~: # ليس البصر ولا العين نفسها التي هي مركز البصر يمكن حسبانها هي والشمس شيئا ~~واحدا. # غ ~~: # كلا بالتأكيد. # س ~~: # ومع ذلك فالعين في ظني أشبه الأشياء بالشمس. # غ ~~: # نعم بالتمام. # س ~~: # أوليست القوة التي تمتلكها العين موهوبة لها من الشمس؟ ومستقرة فيها كشيء ~~مكتسب؟ # غ ~~: # حقا تماما. # س ~~: # فاعلم إذا أن الشمس هي ما عنيته «بمولود الخير»، وقد ولدها «الخير الأعظم» ~~على صورته ومثاله، أي إن علاقتها بالعالم المنظور، بالبصر وبأشيائه، هي كعلاقة ~~الخير الأعظم في العالم الروحي بالذهن والموضوعات. # غ ~~: # وكيف ذلك؟ زدني إيضاحا إذا شئت. # س ~~: # وهل تعلم أنه متى حول الإنسان نظره عن المرئيات التي نشر النور عليها ~~حلة بهية بديعة الألوان، وشرع ينظر بنور الليل الضعيف من قمر ونجوم ضعفت ~~عيناه، فيكون قريبا من حال العمى، كأن ليس في عينيه قوة البصر؟ # غ ~~: # أعلم ذلك تمام العلم. # س ~~: # ولكن ms184 الشخص نفسه متى حول نظره إلى المرئيات بنور الشمس، رأت عيناه كل ~~شيء جليا، فكانت مقر البصر؟ # غ ~~: # لا شك في ذلك. # س ~~: # وبهذا القياس نفسه أفهم حال النفس كما يأتي: متى اتجهت نحو موضوع سطعت عليه ~~أنوار الحقيقة والوجود الحقيقي، أدركت ذلك الموضوع بفعل الذهن، ففهمته وبرهنت ~~بذلك على أن فيه إدراكا. على أنها إذا اتجهت نحو ما اكتنف بالظلام من ~~موضوعات عالم الولادة والموت، استقرت على قمة «التصور»، فضعف بصرها، وكان ~~تصورها مترددا متقلقلا، فكأنها فقدت قوة الإدراك؟ # غ ~~: # حقيق أنها كذلك. # س ~~: # فهذه القوة التي تهب للموضوعات ما فيها من معرفة يقينية، فتجعلها معروفة ~~وتهب لعارفها قوة الإدراك، هي ما يجب اعتباره «صورة الخير» الجوهرية، ويجب أن ~~تحسبها أصل العلم والحقيقة، على قدر ما يتاح إدراك الحقيقة، ومع أن المعرفة ~~والحقيقة كلتيهما جميلة جدا، فمن الصواب أن تحكم أن الخير شيء ممتاز عنهما ~~ويفوقهما جمالا. وكما في حال المشابهة هكذا هنا، من الصواب حسبان النور والبصر ~~ممثلين الشمس، ولكنه من الخطأ حسبانهما والشمس شيئا واحدا. كذلك العلم ~~والحقيقة، فإن من الصواب حسبانهما مثل الخير، ولكن من الخطأ اعتبار أحدهما ~~الخير نفسه؛ لأن قيمة الخير أسمى منهما جدا. # غ ~~: # الذي يشتمل على ما لا يوصف من معاني الجمال، وإذا كان ليس أصل العلم والحقيقة ~~فقط، بل يفوقها جمالا، فلا أظن أنك تعني به «اللذة»، السرور. # س ~~: # صه. لا كلمة واحدة من هذا النحو. بل الأجدر بك أن تفحص الإيضاح بالطريقة ~~التالية. # غ ~~: # أرني كيف؟ # س ~~: # أظن أنك تسلم أن الشمس تهب للمرئيات حيويتها ونماءها وغذاءها، لا ظهورها ~~فقط، مع أنها هي غير متصفة بالحياة. # غ ~~: # مؤكد أنها غير متصفة بالحياة. # س ~~: # فسلم إذا أن مواضيع المعرفة بالقياس نفسه تستمد من «الخير الأعظم» ~~يقينية وجودها وجوهريته، لا معروفيتها فقط، مع أن «الخير» نفسه أسمى من أن ~~يوحد مع الوجود الحقيقي، بل هو يفوقه فعلا قوة وسموا. # غ ~~(ضاحكا) ~~: # يا للسماء! ما أعجب هذا التفوق! # س ~~: # أنت الملوم؛ لأنك أرغمتني ms185 على إبداء آرائي في الموضوع. # غ ~~: # لا لا، أرجوك أن لا تتوقف حتى تكمل شرح المشابهة في الشمس، إذا كنت قد أغفلت ~~أحد وجوهها. # س ~~: # حقا إني أغفلت وجوها كثيرة. # غ ~~: # أرجوك أن لا تغفل حتى ولا الزهيد منها. # س ~~: # أظن أني سأغفل كثيرا، ولو أذنت لي الأحوال لما أغفلت شيئا مختارا. # غ ~~: # أرجوك أن لا تغفل. # س ~~: # اعلم إذا أن من المقرر عندنا أن هنالك قوتين حاكمتين، الواحدة في العالم ~~العقلي، والأخرى في العالم المنظور ومواضيعه الحسية، وإذا استعملت كلمة جلد # 3 # فقد تظن أني أريد بها التورية، حسنا، فهل فهمت هذين النوعين: ~~العقلي والمنظور؟ # غ ~~: # نعم فهمت. # س ~~: # فافرض أنك أخذت خيطا مقسوما إلى قسمين غير متساويين، يمثل أحد قسميه ~~الموضوعات المنظورة، والآخر العقلية، ثم اقسم كلا منهما إلى قسمين على النسبة ~~نفسها. فإذا اتخذت طول القسمين مثلا لتباين درجات الوضوح والخفاء، فأحدهما ~~الذي يمثل العالم المنظور يمثل (بأحد القسمين) الصور، أعني بها أولا: الظلال. ~~ثانيا: ما عكس عن سطح الماء والمواد الصقيلة اللامعة وما هو من نوعها، إذا كنت ~~قد فهمتني. # غ ~~: # قد فهمت. # س ~~: # ويمثل القسم الثاني الموضوعات الحقيقية، أي الحيوانات التي حولنا، وكل عالم ~~الطبيعة والفن. # غ ~~: # جيدا جدا. # س ~~: # أفتريد أن نقول إنه باعتبار هذا الصف يوجد فارق بين الحقيقة والوهم كما بين ~~الأصل وما نسخ عنه، أي بين موضوع التصور وموضوع المعرفة؟ # غ ~~: # مؤكد أني أريد. # س ~~: # فلنتقدم إلى النظر في نمط قسمة الخيط الذي يمثل العالم العقلي. # غ ~~: # وكيف نقسمه؟ # س ~~: # نقسمه كما يلي: قسم منه يمثل ما تضطر النفس أن تدركه، مستعينة اضطرارا ~~بأقسام الخط الأول التي تستخدمها الصور مبتدئة من الفروض، ومتجهة ليس إلى مبدأ ~~أولي، بل إلى نتيجة. # س ~~: # ويمثل القسم الآخر موضوعات النفس المرتقية من الفروض إلى مبدأ أول، # 4 # ليس هو فرضا ولا مستعانا على إدراكه بالصور التي استخدمها القسم ~~السابق، وهي (النفس)، تصوغ تقدمها بمساعدة الصيغ الجوهرية الحقيقية. # غ ~~: # لم أفهم وصفك على قدر ما أريد ms186 أن أفهم. # س ~~: # فلنعد الكرة، تفهم جيدا متى أعدت ملاحظاتي السابقة. أظن أنك تفهم أن ~~طلاب المواضيع الرياضية كالهندسة والحساب يستخدمون المواد في كل بحث، في ~~الأعداد الفردية والزوجية، وفي الأشكال كالزوايا الثلاث مثلا، وغير ذلك من ~~المواد. فيقصدون أن يفهموا هذه الأشياء كفروض ومثل، فلا يعلقون عليها أهمية ~~في البحث، لا لأنفسهم ولا للآخرين؛ لأنها أمور بينة في ذاتها، لكنهم ~~يستخدمونها كأساس ويتقدمون إلى صلب الموضوع، وأخيرا يبلغون بتمام الاتفاق ما ~~جعلوه غرض بحثهم. # غ ~~: # أعلم ذلك تماما. # س ~~: # فتعلم أيضا أنهم يستخدمون أشكالا منظورة، ويدرسونها وأفكارهم ليست عليها ~~لذاتها، بل على الأصول التي تمثلها، فلا يدرسون هذا المربع المرسوم، أو ذلك ~~القطر الذي رسموه، بل يرمون بفكرتهم إلى المربع المطلق والقطر المطلق، وهكذا، ~~فإنهم مع استخدامهم هذه الأشكال والمجسمات كصور، وهي أيضا لها أشباح معكوسة عن ~~المياه، ولكنهم بالحقيقة يرمون إلى إدراك الحقائق المجردة التي إنما يدركها ~~الإنسان بالفكر. # غ ~~: # حقيق. # س ~~: # هذه هي الأشياء التي دعوتها عقلية، وقلت إن النفس تدركها مستعينة اضطرارا ~~بالفروض في مجال البحث، متقدمة، ليس إلى مبدأ أول لأنه يتعذر عليها أن تتخطى ~~دائرة فروضها، بل تستعمل صور الأشياء السفلى كأشباح، وهي كنسخ عن الأصل الذي ~~تقابله، وتعتبر عادة متميزة عنه، وبحسب ذلك تتعين قيمتها. # غ ~~: # فهمت أنك تتكلم في موضوع الهندسة المنوع الفروع، وفي الفنون المنتسبة ~~إليه. # س ~~: # فافهم أيضا أني أعني بالقسم الثاني من خط العقليات المحضة التي تدرك بفن ~~المنطق، وتستعين بالفروض لا كمبادئ أولى، بل كفروض أصلية، أي درجات ودوافع بها ~~تخترق النفس طريقها إلى ما ليس فرضيا، فتبلغ المبدأ الأول لكل شيء وتدركه، ~~وحينذاك تتحول إلى إدراك ما ارتبط بالمبدأ الأول، حتى تبلغ أخيرا نتيجة لا ~~تفتقر معها إلى الاستعانة بالمواضيع الحسية، بل تستخدم التجريد والأشياء ~~الكائنة بذاتها، وتنتهي عندها كما انتهت قبلها. # غ ~~: # لم أفهمك كما أرغب؛ لأنك تتكلم كما يظهر في مواضيع عسرة المرتقى، ولكني على ~~كل حال أعلم أنك تروم أن توضح جيدا أن منطقة ms187 الوجود الحقيقي والعقل النقي كما ~~يفهم بعلم المنطق هي أكثر يقينية مما يدعى «فنونا»، وفيها فروض تؤلف مبادئ ~~أولى، يلتزم الطلاب أن يفهموها بالعقل لا بالحواس، ولما كانوا لا يرجعون في ~~مجرى البحث إلى مبدأ أولي، بل يتخطون إليه بواسطة مقدمات فرضية، ترى أنهم لم ~~يستعملوا الذهن النقي في المسائل التي تشغلهم، مع أنهم يتخذون هذه المسائل ~~المرتبطة بمبدأ أولي ضمن حكم الذهن الصرف، وأرى أنك تستعمل كلمة «فهم» لا عقل ~~نقي للخلق العقلي في أناس كالرياضيين، حاسبا المعرفة درجة متوسطة بين التصور ~~وبين الذهن النقي. # س ~~: # قد فهمت معناي أجلى فهم. وأرجو أن تقبل هذه الأحوال العقلية الأربع كمطابقة ~~لتلك الأقسام الأربعة، أي إن الذهن المجرد يطابق الأشياء العليا، والفهم يطابق ~~الصف الثاني، والاعتقاد الثالث، والظن الأخير. وأرجو أن ترتبها حسب درجاتها، ~~عالما أنها تشترك في الجلاء بدرجة تطابق حقيقة موضوعاتها المتبادلة. # غ ~~: # فهمتك، وأوافقك، وسأرتبها حسب رغبتك. # | الكتاب السابع: المثل # خلاصته # يتخطى سقراط إلى تبيان ما للتهذيب الحقيقي من الشأو الخطير الذي سبق وصفه، فلنتصور ~~طائفة من الناس مكبلين بالسلاسل منذ ولادتهم، يقيمون في كهف تقابل ظهورهم مدخله، وراءهم ~~نار مشتعلة ذات لهب، بينها وبينهم طريق يمر عليه أناس، أمامهم جدار إلى مستوى رءوسهم ~~فيخفيها، ويأذن برؤية ما حملوه فوقها، فتلقي ظلالها بسبب اللهب التي وراءها على جدران ~~باطن الكهف أمام عيون السجناء، فتظهر تلك الظلال لهم أنها هي اليقينيات الوحيدة. فافرض ~~أن أحد السجناء حل من أغلاله وصعد إلى ضوء النهار، وألف بالتدريج رؤية ما حوله، ~~فتسنى له إدراك حقيقتها، فنسبة شخص كهذا إلى السجناء السفليين كنسبة الفيلسوف إلى ~~العامة المهذبين تهذيبا ناقصا، فإذا عاد هذا إلى الكهف واستأنف مركزه وعمله السالفين ~~كان في أول الأمر موضوع هزء الرفاق، كما أن الفيلسوف الحقيقي موضوع هزء الناس، على أنه ~~متى استرد ألفته للسجن كانت معرفته فائقة معرفة رفقائه السجناء باعتبار الظلال ~~والحقائق التي وراءها. هكذا الفيلسوف إذا هو اشتغل بالمصالح البشرية تفوق على مناوئيه ~~بسلاحهم، وذلك ما يجب ms188 أن يكونه حكامنا. ولنوسع المشابهة إلى أبعد حدودها، فنقول: كما أن ~~جسم السجين الذي فكت أغلاله التفت إلى الوراء ليرى الجهة الآتي منها النور، هكذا ~~غرض التهذيب، لفت النفس لترى ببصيرتها أو ذهنها وجهة الصواب. فالتهذيب لا يخلق ولا يلقن ~~مبدأ جديدا، إنما يرشد ويوقد إلى مبدأ موجود. وكيف تحصل هذه النهضة في النفس؟ الجواب ~~أنها تحصل بالدرس الذي يرمي إلى اجتذاب العقل من الحسيات إلى اليقينيات، من ~~المنظورات إلى غير المنظورات والأبديات. وكل ما يثير العقل إلى التفكر في طبيعة ~~الأشياء الجوهرية يؤدي إلى إحراز النتيجة نفسها. # وتشتمل سلسلة الدروس اللازمة لذلك على الحلقات التالية: ~~(1) # الحساب. ~~(2) # الهندسة السطحية. ~~(3) # الهندسة المجسمة. ~~(4) # الفلك باعتبار حركات أجرامه المجردة. ~~(5) # علم التوازن. ~~(6) # المنطق البرهاني. أو علم الوجود الحقيقي. # ولما فرغ سقراط من البحث في طبيعة التهذيب الحقيقي تقدم إلى وضع قواعد عامة ~~لانتقاء الأشخاص الذين تسبغ عليهم نعمة التهذيب، والمدة التي يشغلها كل فرع من فروعه، ~~وفوق الكل المدة اللازمة لدرس المنطق، فلا يجوز التبكير فيه لئلا يفسده سوء ~~الاستعمال. وهنا ينتهي البحث في الدولة الكاملة وفي الإنسان الكامل. # متن الكتاب # سقراط ~~: # فمن ثم نقابل حالنا الطبيعية باعتبار الجهل والتهذيب بالمثل التالي: تصور ~~طائفة من الناس تعيش في كهف سفلي مستطيل، يدخله النور من باب في طوله، وقد سجن ~~فيه أولئك الأقوام منذ نعومة أظفارهم، والسلاسل في أعناقهم وأرجلهم، فاضطرتهم ~~إلى الجمود والنظر إلى الأمام فقط لحيلولة الأغلال دون التفاتهم. ثم تصور أن ~~وراءهم نارا ملتهبة في مواضع أعلى من موقفهم، وأن بينهم وبينها دكة عليها ~~جدار منخفض كسياج المشعوذين الذي ينصبونه تجاه مشاهديهم، وعليه: يجرون ~~ألعابهم المدهشة. # غلوكون ~~: # إني أتصور ذلك. # س ~~: # وتصور أناسا يمشون وراء ذلك الجدار، حاملين تماثيل بشرية وحيوانية، ~~مصنوعة من حجارة وأخشاب ضخمة من كل أنواع الأواني مرفوعة فوق الجدار. وافرض أن ~~بعض أولئك المارة يتكلم كما هو المنتظر وبعضهم صامت. # غ ~~: # إنك تصور مشهدا غريبا وسجناء مستغربين. # س ~~: # ولكنهم يمثلوننا. وأولا أسألك: هل تظن أن أولئك السجناء يقدرون ms189 أن يروا ~~بعضهم بعضا، أو يرون شيئا سوى الظلال التي أحدثها اللهيب وراءهم؟ # غ ~~: # مؤكد أنهم لا يرون سواها؛ لأنهم أرغموا ألا يلتفتوا مدى الحياة. # س ~~: # أوليست معرفتهم بما يمر أمامهم من الأشياء محدودة على القياس نفسه؟ # غ ~~: # من كل بد. # س ~~: # ولو أنهم تمكنوا من المحادثة، أفلا تظن أنهم كانوا يسمون الأشياء التي ~~يرونها تمر أمامهم؟ # غ ~~: # يسمونها بلا شك . # س ~~: # ولو رد الجدار تجاههم الصدى كلما فتح أحد المارة فاه، أفتظن أن السجناء ~~يحسبون المتكلم إلا تلك الظلال التي يرونها على الجدار؟ # غ ~~: # من كل بد إنهم يعزون الكلام إليها. # س ~~: # فاليقينيات الوحدة عندهم هي ظلال الأدوات المصنوعة. # غ ~~: # لا شك في أن أشخاصا كهؤلاء يحسبونها كذلك. # س ~~: # فتأمل في ما يحدث لهم إذا أفضى مجرى الأمور الطبيعي إلى تحريرهم من القيود، ~~وشفائهم من جنونهم على ما يأتي: لنفرض أن أحدهم حلت أغلاله ونهض واقفا على ~~قدميه، فتمكن من الالتفات إلى الوراء، والسير بعينين مفتوحتين في جهة النور. ~~ولنفرض أن عينيه تتألمان لأن النور بهرهما، فعجزتا عن رؤية الأشياء التي كان ~~يرى ظلالها فيما سلف، فما ظنك في ما لو أخبره أحد أن ما كان يراه سابقا ليس ~~إلا أشباحا، وأنه الآن يرى حقائقها وأصولها، فهو الآن أدنى إلى الحقيقة منه ~~قبلا؛ لأنه اتجه نحو ما هو أكثر يقينية ووضوحا، وعلاوة على ذلك أنه يرى ما ~~يمر أمامه من الأمور المنوعة، فيسأله عنها، ويحمله على الإجابة عما رآه؟ أفلا ~~تظن أنه يتحير في أمره، ويحسب الأشباح التي كان يراها فيما مضى حقائق أكثر من ~~الحقائق التي يراها الآن؟ # غ ~~: # بلى، بأكثر تدقيق. # س ~~: # وإذا أجبر على النظر إلى النور، أفلا تتألم عيناه فيتحاشاه، ويحول النظر إلى ~~الأشباح لأنه يستطيع التحديق بها، فيزعم أنها أكثر وضوحا من تلك؟ # غ ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # وإذا جذبه أحد بعنف إلى فوق في المرتقى الصعب، ولم يتركه حتى أوصله إلى نور ~~الشمس، أفلا يستاء ويتألم من جراء عنف كهذا؟ ومتى وصل إلى فوق ms190 ألا يجد أن ~~عينيه قد بهرتا، حتى تعذر رؤية شيء من الأشياء التي تدعى حقيقية؟ # غ ~~: # نعم، هذا هو حاله في البداءة. # س ~~: # ولذا أرى من الضرورة أن يأتلف أشياء العالم الأعلى ليفهمها، فيصيب أولا أعظم ~~قسط من النجاح في تمييز الظلال، ثم يميز صور الناس وصور غيرهم منعكسة عن الماء، ~~وبعدها يرى اليقينيات بعينها، ثم يرفع عينيه إلى القمر والنجوم في الليل، ~~فيجد درس الأجرام السموية والسماء معا أسهل عليه ليلا من درس الشمس ونورها ~~نهارا. # غ ~~: # بلا شك. # س ~~: # ويخيل إلي أنه يتمكن أخيرا من رؤية الشمس ذاتها والتفكر بها، لا ~~معكوسة عن سطح الماء أو ممثلة بأشباح، بل يراها ذاتها في منطقتها. # غ ~~: # معلوم. # س ~~: # والخطوة الثانية هي أنه يستنتج أن الشمس علة توالي الفصول والسنين، وأنها ~~الحاكم الأعلى على العالم المنظور، وأنها علة كل ما كان يراه ورفاقه من ~~الأشياء. # غ ~~: # واضح أن هذه ثاني خطواته. # س ~~: # وحين يذكر مسكنه الأول وما فيه من حكمة وأصحابه في الأغلال، أفلا تظن أنه ~~يحسب نفسه سعيدا، فيغتبط بنفسه ويشفق عليهم؟ # غ ~~: # ذلك أكيد. # س ~~: # وإذا كان من عادتهم أن ينال الشرف والمكافأة من كان أكثرهم تدقيقا في ما ~~يمر أمام عيونهم من الصور، ويمتلك ذاكرة أحفظ في معرفة السابق واللاحق، وما ~~رافق الصور، حتى صار قادرا أن ينبئ بما بعدها. أفتظن أن صاحبنا يطمع في تلك ~~الجعالات، وتحسد من أحرز مجدا ونفوذا بينهم؟ أولا تظن أنه يؤثر بالأحرى أن ~~يتحمل ما قاله هوميروس: # فأرى استعباد نفسي # لفقير في ~~الأنام # هو خير من عروش # في أعاميق ~~الظلام # مؤثرا احتمال كل شيء على الاستسلام للتصورات الوهمية، والمعيشة على ذلك ~~النحو. # غ ~~: # أما أنا فإني من هذا الرأي. وأظن أنه يؤثر احتمال أي شيء كان على تلك ~~المعيشة. # س ~~: # فتصور ما يحدث إذا هبط ذلك الإنسان ثانية إلى الكهف، واستعاد مقره السابق، ~~أفلا يغشى الظلام عينيه لانتقاله فجأة من نور الشمس الساطع إلى ظلمات ذلك ~~المكان؟ # غ ~~: # مؤكد أنه يغشاها. # س ms191 ~~: # وإذا اضطر إلى إبداء رأيه في تلك الظلال ومجادلة الراسفين في القيود كل الدهر ~~بخصوصها، حال كون عينيه حسيرتين. وإذا ظل على تلك الحال زمنا طويلا، أفلا ~~يصير موضوع هزء؟ أولا يقولون: إنه صعد سليم النظر وعاد عليله، فليس من الصواب ~~برح هذا الكهف. وإذا حاول أحد فك أغلالهم وإصعادهم إلى النور، أفلا يستاءون منه ~~إلى حد أنهم يغتالونه، إذا كان في طاقة يدهم الإيقاع به؟ # غ ~~: # بلى إنهم يغتالونه. # س ~~: # فيلزم تطبيق هذا المثل الخيالي بأجمعه يا صديقي غلوكون على حالنا السالفة، ~~مقابلين مدى النظر بالسجن، واللهب التي فيه بنور الشمس الساطع، وإذا قابلت ~~الصعود إلى سطح الأرض ورؤية ما عليها من الأشياء بارتقاء النفس من سجن جهلها ~~إلى العالم العقلي الأعلى، فإنك حينذاك تلمس ظنوني ما دمت ترغب في معرفتها، ~~والله وحده يعلم أصحيحة هي أم لا. وعلى كل فإن الرأي الذي اخترته بهذا الشأن ~~يتمشى على ما يأتي: أن «صورة الخير» الجوهرية في عالم المعرفة هي حد أبحاثنا، ~~وآخر ما يمكن فهمه، ولكن متى أدركناها لا يمكننا إلا أن نستنتج أنها في كل حال ~~أصل كل ما هو جميل وباه، ففي العالم المنظور تلد النور وربه، وفي العالم ~~العقلي تمنح بمطلق سلطانها الحق والعقل. وكل من رام أن يتصرف بحكمة فردا كان ~~أو مجموعا، يجب أن يضع نصب عينيه «صورة الخير» الجوهرية. # غ ~~: # أوافقك في ذلك جهد الطاقة. # س ~~: # وإذ الحالة هذه فوافقني أيضا في نقطة ثانية دون ما تعجب، وهي: أن من ~~حلقوا في أعالي السمو يترفعون عن الاشتباك بالمصالح البشرية؛ لأن نفوسهم ~~تأبى أن تهجر العالم الأعلى. وكيف يمكن أن يكون الحال خلاف ذلك إذا كانت ~~المشابهة السالفة تمثل حالهم تمثيلا صحيحا؟ # غ ~~: # بالحقيقة إنه يندر أن يكون الحال خلاف ذلك. # س ~~: # حسنا، أفتظنه أمرا عجيبا أن من عرج عن التفكر في الإلهيات إلى درس ~~النقائص البشرية يبدي الارتباك ويصير أضحوكة؛ لأنه وهو مشيح عنه ببصره ولم ~~يأتلف الظلمة التي تكتنفه، ملزم أن يجاهد في ms192 قاعات القضاء وفي غيرها في ما ~~يختص بظلال العدالة، أو الأشباح التي أحدثت هذه الظلال، وأن يدخل معمعان النضال ~~المفعم بالفروض التي يقبلها الذين لم يدركوا قبسا من مطالع العدالة ~~الجوهرية؟ # غ ~~: # ليس عجيبا. # س ~~: # لأن الرجل العاقل يعلم أن العيون تتشوش بأمرين متمايزين، أو سببين ~~متباينين، هما: الانتقال فجأة من النور إلى الظلام، أو من الظلام إلى النور، ~~وإذ يعلم أن ذلك ينطبق كل الانطباق على حال النفس لا يهزأ هزءا سفيها بمن ~~يراه حائر العقل، قلق الأفكار، غير قادر أن يميز بين الأشياء، بل ينعم النظر ~~ليرى أمن حال أكثر بهاء قدمت تلك النفس فغشيها الظلام؟ أم من دياجير الظلام ~~إلى حال أبهى فبهرها النور؟ وحينذاك، وليس إلا، يهنئ الواحدة على حظها ~~السعيد وحياتها الحرة، ويشفق على الأخرى لمصابها الثقيل. ولو جاز له أن يهزأ ~~فهزؤه بالنفس الصاعدة من الظلام إلى النور هو أقل سماجة من الهزء بالنفس ~~الهابطة من النور إلى الظلام. # غ ~~: # بتعقل تام تتكلم. # س ~~: # فإذا صحت هذه الأحكام فلا مندوحة لنا عن التسليم بأن طبيعة التهذيب الحقيقية ~~تخالف ما يزعمه بعض أساتذته، الذين يدعون أنهم يبثونه في العقل معرفة كان ~~خلوا منها، بث البصر في الأعين العمياء. # غ ~~: # حقا إن هذا هو ادعاؤهم. # س ~~: # على أن بحثنا أرانا أن في كل منا آلة تساعدنا في تحصيل العلم، كما أنه ~~لا يمكن تحويل العين من النور إلى الظلام بدون أن يتحول الجسم كله، هكذا أمر ~~هذه القوة مع النفس، فيلزم تحول النفس كلها عن العالم الفاني، ليمكنها ~~التفكر في عالم الحقيقة وفي أبهى قسم منه، وهو ما ندعوه: «صورة الخير». ~~ألست مصيبا؟ # غ ~~: # مصيب. # س ~~: # فيستلزم هذا التحول فنا يعلمنا كيف نحول الجسم بأسهل الطرق وأعظمها ~~تأثيرا، وليس عمله أن يخلق في الشخص قوة البصر، بل أن يسلم بوجودها فيه، ~~ولكنها ذاهبة في وجهة خاطئة، فلا تتجه إلى حيث يلزم، فغرض ذلك الفن هو إصلاح ~~هذا الخطأ. # غ ~~: # هكذا يظهر. # س ~~: # ولذلك فمع أن فضائل ms193 النفس تحكي فضائل الجسد باعتبار أنها لم تكن أصلا في ~~النفس، وإنما نشأت فيها بمرور الزمان بالعادة والمرانة، فمن الجهة الأخرى تنتمي ~~فضيلة الحكمة إلى أقدس عنصر، وهي لا تفقد قوتها بتغيير المكان، وإنما تصبح ~~نافعة ومريحة، وإلا ظلت عقيمة وضارة؛ لأنك ولا بد قد لاحظت ما أحد نظر ~~النفوس الصغيرة في من اشتهروا بالذكاء وهم أشرار، وما أكثر تدقيقهم في ما اتجهت ~~إليه أنظارهم. فيدلنا ذلك على أن قوة البصر فيهم غير ضعيفة، مع أنهم بكليتهم ~~عبيد الشر والفساد، وأن شرورهم مقيسة بحدة نظرهم. # غ ~~: # نعم، هذا هو الواقع. # س ~~: # على أنه لو تحررت هذه المزايا منذ طفولة الإنسان من الأثقال الناجمة عن ~~اللذات والشهوات الجسدية المرتبطة بها، كالولائم والنهم وأمثالهما التي ~~تستميل البصيرة إلى أسفل الأمور، فإذا تحررت النفس من هذه الآفات إلى الحقائق، ~~ووجهت بصيرتها نحو الأشياء الحقيقية، لكان لنفوس أولئك الأشخاص نظر ثاقب في ~~أعمال كهذه، كما في الأعمال التي يزاولونها. # غ ~~: # ذلك مرجح. # س ~~: # أوليس مرجحا أيضا، بل بالحري: أليس نتيجة لازمة لأبحاثنا السالفة أنه ~~لا يستطيع عديمو التهذيب والاطلاع ولا جاهلو الحقيقة ولا الذين يتسكعون ~~الحياة بطولها في الطلب، أن يكونوا نظار الدولة؟ أما الأولون فلأنه ليس في ~~حياتهم غرض خاص اتخذوه هدفا لتصرفاتهم الفردية والاجتماعية، وأما الآخرون ~~فلأنهم لا يعملون إلا مرغمين، ظانين أنهم وهم أحياء قد انتقلوا إلى جزر ~~الأبرار. # غ ~~: # هذا حقيق. # س ~~: # فعملنا الخاص إذا أن نحشد في مستعمرتنا أشرف الصفات، توصلا إلى العلم ~~الذي قلنا الساعة أنه «الأسمى»، وأن نثبت النظر على «الخير»، مع تسلق ذلك ~~المرتقى الذي ذكرناه. ومتى صعدوا إلى فوق واتسع نطاق نظرهم، فلن نبيح لهم من ~~الحرية ما يباح الآن. # غ ~~: # فما هو المباح الآن؟ # س ~~: # هو المكث حيث هم، كارهين الانحدار ثانية إلى السجناء ليشاركوهم في جهودهم ~~وفي ما يحسب عندهم شرفا، حقيرا كان أو جليلا. # غ ~~: # أفنظلمهم بزجهم في حياة هي دون حياتهم الحالية؟ # س ~~: # لقد نسيت يا صديقي أنه لا يهم الشريعة ms194 أن تعيش طائفة خاصة في الدولة عيشة ~~ممتازة، بل هي ترمي إلى حصول الدولة جمعاء على تلك النتيجة التي لأجلها صار ضم ~~الناس معا، بالإقناع أو بالإرغام، وحملوا على اقتسام المغانم التي بها ~~يتمكنون من نفع المجموع، وهي تخلق رجالا يمتلكون هذه السجية السامية، لا ~~لإطلاق أيديهم كل حسب هواه، بل لاستخدامهم في تعزيز بناء الدولة. # غ ~~: # حقا إني قد نسيت . # س ~~: # فحذار يا غلوكون أن نفسد فلاسفة المستقبل، بل لنعاملهم بعدالة تامة ~~بإلزامهم أن يراقبوا إخوانهم المدنيين ويعتنوا بهم. وسنقول لهم: هنالك سبب ~~لاعتزال زملائكم في الدول الأخرى المدنية؛ لأنهم قطنوا المدن باختيارهم رغم ~~القانون النافذ فيها، وهو حق أن من نشأ لنفسه بنفسه، غير مدين لأحد بمساعدة، أن ~~يكون حرا من أداء ما يتوجب على المرء للآخرين. أما أنتم فقد ولدناكم ~~للدولة، كما لأنفسكم؛ لتكونوا قوادا وملوكا في القفير، وقد هذبتم تهذيبا ~~أفضل وأتم من تهذيب الآخرين، فكنتم أكثر استعدادا منهم لتمثيل الأسلوب الأفضل، ~~فعلى كل منكم في دوره أن ينحدر إلى عند الجماعة (في الكهف) ويختلط بها، ~~فتتعودوا البحث في غوامض المواضيع، ومتى ألفتموها فهمتم أكثر من أفراد ~~الجماعة ألف ضعف، وعرفتم ماهية كل ظل وأصله، وباطلاعكم على الحقيقة التي ~~علمناكم إياها بخصوص الأشياء الجميلة والعادلة والصالحة، والأصل الذي عنه ~~نسخت، وبهذه الوسيلة ترون ونرى أن حياة هذه الدولة أمر واقع، وليست شبحا ~~وهميا، كحياة الأمم الحاضرة المؤلفة من أقوام يتحارب أفرادها على الظلال، ~~ويثيرون النضال على مناصب الحكم كأنها شيء عظيم. والحقيقة التي أراها هي: أن ~~المدينة التي يحكمها أقل الناس رغبة في السلطة هي أسعد حالا، وأكملها ~~انتظاما، وأقلها نزاعا. والدولة التي يحكمها خلاف من ذكرنا هي ضدها حالا ~~ومآلا. # غ ~~: # غاية في الإصابة. # س ~~: # أفتظن أن تلامذتنا يعصوننا إذا خاطبناهم بهذه الصورة، فيرفضون مناوبتنا العمل ~~في خدمة الدولة، بينما يقضون أكثر أوقاتهم في المنطقة البهية؟ # غ ~~: # مستحيل؛ لأننا أعطيناهم وصية عادلة، ومن يطعها هو عادل، فسيدخل كل منهم ~~إدارته كأمر لا مندوحة عنه، ويتقلد ms195 منصبه كواجب لازب، ويحكم خلاف حكم ~~القائمين بالأمر في كل دولة. # س ~~: # حقا يا صديقي، إن الأمر يجري هكذا إذا كان في إمكانك أن تجد للحكام ~~العتيدين حياة خيرا من حياة الحكم، فإنما يكون ذلك في تحقيق إنشاء دولة حسنة ~~الإدارة؛ لأن فيها وحدها يحكم الأغنياء الحقيقيون، الأغنياء لا بالفضة ~~والذهب، بل بثروة الإنسان السعيد، أي: حياة البر والحكمة. وإذا تسلط في ~~الدولة الفقراء المعدمون المتهافتون على المنافع الذاتية، فقبضوا على أزمة ~~الأحكام بأجمعها، عازمين على استغلال هذه السلطة لذواتهم، فسدت الأحكام ~~بأجمعها؛ لأنه بذلك يصبح منصب الحكم موضوع النزاع في ما بينهم، فتشتعل نيران ~~الحرب الأهلية، ولا تقف عند حد التهام الفئات المتنازعة، بل تلتهم الدولة ~~بأجمعها. # غ ~~: # غاية في الصواب. # س ~~: # أفتقدر أن تذكر حياة لا تأبه للمناصب إلا حياة الفلسفة الصحيحة؟ # غ ~~: # حقا أني لا أقدر. # س ~~: # ويجب أن يتقلد الأحكام غير الراغبين فيها، وإلا نشبت الحرب بين ~~المتزاحمين عليها. # غ ~~: # دون شك. # س ~~: # فمن هم الذين تلزمهم بالحكم إذا كنت ترفض أوفرهم خبرة في الأمور التي بها ~~تتوافر الوسائل الضامنة أسمى إدارة في البلاد، والذين يمتلكون شرفا أبقى ~~وحياة أرقى؟ # غ ~~: # لن أرفض هؤلاء، بل أخصهم بالحكم. # س ~~: # أفتريد أن نبحث في هذه المسألة: بأية واسطة ينشأ رجال كهؤلاء في الدولة؟ ~~وكيف يبرزون إلى النور، كالأبطال الذين قيل فيهم إنهم صعدوا من العالم السفلي ~~إلى السماء؟ # غ ~~: # حقا إني أريد أن تفعل ذلك. # س ~~: # وهي مسألة لا تنحصر في تقليب الأصداف # 1 ~~(تغيير الظاهر)، بل في تحويل النفس، أي انتقالها من ليل ظلام دامس ~~إلى نهار الوجود الحقيقي، وهذه هي الطريق التي بحق ندعوها الفلسفة ~~الحقيقية. # غ ~~: # تماما هكذا في رأيي. # س ~~: # أفلا يلزم النظر في أي فرع من فروع العلم أن تستقر القوة المطلوبة؟ # غ ~~: # يقينا إن ذلك واجب. # س ~~: # أفتقدر يا غلوكون أن تخبرني عن علم ينقل النفس من الفاني إلى الحقيقي ~~(الباقي)؟ فإني فيما أنا أتكلم تذكرت أننا قلنا: يجب أن يروضوا بفنون ms196 الحرب ~~منذ حداثتهم. ألم نقل؟ # غ ~~: # بلى قلنا. # س ~~: # فيجب أن يتصف العلم المطلوب بهذه الطريقة وبالتي قبلها. # غ ~~: # وأية صفة؟ # س ~~: # الصفة التي يمكن المحاربون أن يستعملوها. # غ ~~: # ذلك مستحسن إذا أمكن. # س ~~: # وقد عولنا في بحثنا السالف على تهذيب تلامذتنا بالموسيقى ~~والجمناستك. # غ ~~: # يقينا. # س ~~: # فالجمناستك يتعلق بما هو متغير وفان؛ لأنه يتناول نمو الجسد ~~وانحلاله. # غ ~~: # ذلك واضح. # س ~~: # فلا يمكن أن يكون الجمناستك الفرع الذي ننشده. # غ ~~: # كلا، لا يمكن. # س ~~: # وما قولك في الموسيقى، إذا نظرنا إليها كما تعلمنا في بحثنا الآنف؟ # غ ~~: # ولا هذه لأنها قسيمة الجمناستك إذا كنت تذكر؛ لأنها تهذب حكامنا بتأثير ~~العادة، وتبلغ قلوبهم لا كعلم بل كنوع من الاتزان بواسطة الاتساق، ونوع خاص ~~من الوزن، والمواضيع التي تعالجها وهمية كانت أو حقيقية. وتمثل سلسة أخرى من ~~الصفات شقيقاتها، ولكنها لا تحتوي على فرع من الدرس يأتي بنفع كالذي أنت في ~~صدده. # س ~~: # ذاكرتك حافظة، فإن الموسيقى لا تمتلك شيئا من هذا النوع. ولكن يا صديقي ~~الفاضل غلوكون، أين نجد هذا الشيء الذي نحتاج إليه؟ فقد حسبنا كل الفنون تسفل ~~بصاحبها. # غ ~~: # لا شك في أننا قد حسبناها كذلك، فأي درس بقي غير الجمناستك والموسيقى ~~والفنون المفيدة؟ # س ~~: # إذا لم نجد شيئا وراء هذه مستقلا عنها، فلنأخذ أحد الدروس العامة ~~التطبيق. # غ ~~: # وما هو هذا الدرس؟ # س ~~: # هو العلم العام الذي منه تستمد كل الفنون والعلوم وجودها وارتباط الأفكار (في ~~ميدانها)، وهو أول ما يجب على المرء إحرازه من العلوم. # غ ~~: # أخبرني ما هي طبيعته؟ # س ~~: # إني أشير به إلى طريقة تمييز الأعداد، واحد، اثنان، ثلاثة، وأدعوه اختصارا: ~~علم العد والحساب. ألا ترى أن كل علم وكل فن مفتقر إلى الاشتراك فيه؟ # غ ~~: # بالضرورة إنها تشترك فيه. # س ~~: # أوليس فن الحرب أحد هذه الفنون؟ # غ ~~: # إنه أحدها بلا شك. # س ~~: # وإليك مثلا من المأساة: أن بالاميدس في كل حادث يجعل أغممنون قائدا ~~محتقرا جدا، وقد ذكرت أنه ادعى ترتيب صفوفه في ms197 طروادة بواسطة استنباط ~~الأعداد، وأنه أحصى السفن وكل قواته، كأن ذلك أمر جديد لم يكن قبل عصره، وكأن ~~أغممنون نفسه كان يجهل - على ما يظهر - عدد مشاته، وذلك ناتج عن جهله كيف ~~يعدهم. فما رأيك في أغممنون كقائد؟ # غ ~~: # إذا صدقت الحكاية فأرى أنه كان قائدا غريبا. # س ~~: # فهل هنالك مندوحة عن الاستنتاج أن علم العد والحساب فرع لا غنى عنه ~~للجندي ؟ # غ ~~: # كلا، بل هو لازم جدا ليعرف القائد كيف يرتب جنوده، وبالأحرى ليكون ~~رجلا. # س ~~: # أفتتفق فكرتك في هذا الأمر مع فكرتي؟ # غ ~~: # وما هي؟ # س ~~: # إنه أحد العلوم التي نبحث عنه، والتي تقود طبعا إلى التفكر. ويظهر أن لا ~~أحد يستعمله استعمالا صحيحا كأداة تقودنا إلى الوجود الحقيقي. # غ ~~: # أوضح معناك. # س ~~: # سأجتهد في إيضاح رأيي الخاص لك. وأنت في دورك يجب أن تشاركني في درس الأشياء ~~التي تبينتها في عقلي، كمؤدية إلى الغاية المطلوبة أو غير مؤدية، وأن ~~تبين مصادقتك أو مخالفتك، لكي نرى في الدرجة الثانية على وجه أوضح أمصيب ~~أنا أم مخطئ في تبيان ماهية هذا العلم. # غ ~~: # أرجوك أن تبدأ تبيانك. # س ~~: # سأبدأ. إذا لاحظت فإنك ترى أن بعض المحسوسات لا تنبه فينا عمل التفكر؛ ~~لأنها كلها ضمن دائرة الحس، وأن عوامل أخرى تنبه فينا فعل التفكر لتفحصها؛ ~~لأن الاقتصار فيها على شهادة الحواس يؤدي إلى نتائج غير صحيحة. # غ ~~: # واضح أنك تشير إلى الأشياء التي نراها مجسمة بسبب بعدها عنا. # س ~~: # إنك لم تفهم قصدي. # غ ~~: # فأي نوع من الأشياء تعني؟ # س ~~: # أحسب كل الأشياء التي تؤثر فينا تأثيرين متناقضين معا غير منبهة، أما ~~الأشياء التي تفضي إلى ذلك فأدعوها منبهة، أعني بها الأشياء التي فيها الشعور ~~عن قرب وعن بعد، يقرن تأثيرين متساويين في وضوحهما ولكنهما متناقضان، ويمكنك ~~أن تتبين معناي على وجه أوضح هكذا: هنا ثلاث أصابع، ندعوها: الخنصر، ~~والبنصر، والوسطى. # غ ~~: # جدا. # س ~~: # فافرض أني أتكلم فيها كما تظهر عن كثب، وهنا النقطة التي أريد أنك تفحصها ~~باعتبار الأصابع. ms198 # غ ~~: # وما هي؟ # س ~~: # واضح أن كلها أصابع على السواء، فلا خلاف بينها بهذا الاعتبار في الوسط كانت ~~أو في الطرف، بيضاء أو سوداء، غليظة أو دقيقة، وهكذا. فما دمنا نتقيد بهذه ~~النقاط يندر أن يشعر الذهن بأنه ملزم أن يسأل الفكر: ما هي الأصبع؟ لأن النظر ~~لا يخبر العقل بحال من الأحوال، أنها أصبع وغير أصبع معا. # غ ~~: # كلا، لا يخبره . # س ~~: # فشعورنا هذا: طبعا لا ينبه الفكر أو يثيره. # غ ~~: # يقينا لا. # س ~~: # وما هي الحال بالنظر إلى حجم الأصابع النسبي؟ هل يميز النظر بينها تمييزا ~~تاما؟ أو لا يهمه هل هي في الوسط أو في الطرف؟ وكذلك اللمس، هل يقدر غلظها ~~ودقتها وخشونتها ونعومتها قدرا كافيا؟ أوليس هنالك من نقص رسائل بقية ~~الحواس في مثل هذه الأحكام؟ وبالأحرى: ألا تبتدئ كلها هكذا؟ # ولنبدأ بالحس الذي يتناول معرفة الأشياء القاسية: ألا يتناول الحس أيضا ~~الأشياء اللينة، أولا ينبئ العقل أنه أحس بأن الشيء الواحد خشن وناعم ~~معا؟ # غ ~~: # إنه هكذا. # س ~~: # أولا يقع العقل في حيرة في معرفة ما يعنيه هذا الحس «بالقاسي» أو «بالخشن»، ~~وهو ينبئ أن الشيء نفسه «ناعم» أيضا؟ وماذا يعني الحس بالثقيل والخفيف في أمر ~~الوزن، حين يخبر العقل أن الثقيل خفيف والخفيف ثقيل؟ # غ ~~: # بلى، إن هذه الأحكام تبدو للعقل غريبة ويلزم فحصها. # س ~~: # فطبيعي أن العقل في أحوال كهذه يستعين بالتفكر ليكتشف النبأ الوارد إليه ~~بطريق الحس، أمفرد هو أم مزدوج؟ # غ ~~: # بلا شك. # س ~~: # فإذا مال إلى الرأي الثاني، أفليس واضحا أن كل نبأ في كل قسم له وحدة خاصة ~~وأوصاف خاصة؟ # غ ~~: # واضح. # س ~~: # وإذا كان كل منها واحدا، وكلاهما اثنين، استنتج العقل أن الاثنين ~~متمايزان، وإذا لم يتمايزا تعذر الازدواج، وحكم الذهن أنهما واحد لا ~~اثنان. # غ ~~: # حقا. # س ~~: # فنقول إن حاسة البصر نقلت إلينا الشعور بالكبير والشعور بالصغير متحدين لا ~~متمايزين. ألست مصيبا؟ # غ ~~: # مصيب. # س ~~: # ومن الجهة الأخرى متى عكس التفكر فعل البصر اضطر لأجل التأثير الحسي ms199 أن ~~يعتبر الأشياء الكبيرة والصغيرة متمايزة لا متحدة. # غ ~~: # حقا. # س ~~: # ألا تولد فينا مناقضة من هذا النوع ميلا إلى السؤال: ما هو الكبر، وما ~~الصغر؟ # غ ~~: # تولد دون شك. # س ~~: # وعلى هذا النمط نقاد إلى التمييز بين مواضيع التفكر ومواضيع النظر. # غ ~~: # غاية في الصواب. # س ~~: # ذلك هو المعنى الذي حاولت تبيانه لما قلت إن بعض الموضوعات من شأنه إيقاظ ~~الفكر وبعضها لا يوقظه، ففي النوع الأول كل ما يقرع أبواب الحواس بعلاقته بما ~~يضاده، وفي النوع الآخر ما ليس كذلك. # غ ~~: # فهمتك، وإني أوافقك. # س ~~: # فتحت أي القسمين ترى العدد والوحدة ينطويان؟ # غ ~~: # لا أقدر أن أجزم. # س ~~: # حقيق! فاتخذ ملاحظاتنا السابقة تساعدك لبلوغ نتيجة، فإذا كانت الوحدة بذاتها ~~لذاتها مدركة إدراكا تاما بالبصر أو بغيره من الحواس، كالأصبع في مثلنا ~~السابق، فليس لها صفة استمالة العقل إلى الوجود الحقيقي. ولكن إذا صحبها مناقضة ~~في كل ظاهراتها فأظهرتها وحدة وغير وحدة معا، فحينذاك تدعو الحاجة إلى حكم، ~~فيحار العقل في هذه المعضلة، فيوقظ قوة الفكر الداخلية للفحص، ويعرض عليها ~~هذه المسألة: «ما هي الوحدة بذاتها بعد كل حساب؟» وبهذا الاعتبار يقودنا درس ~~الوحدة إلى التفكر في الوجود الحقيقي. # غ ~~: # أنت مصيب، فإن ملاحظة الوحدة تمتلك هذه الصفة إلى درجة عالية؛ لأن الشيء ~~الواحد يمثل في الوقت الواحد شيئا واحدا، وما لا يحصى من الأشياء. # س ~~: # وإذا كان هذا حالنا مع الوحدة، أفلا يكون كذلك في كل الأعداد بلا ~~استثناء؟ # غ ~~: # بلا شك. # س ~~: # ولكن العد والحساب يتناولان العدد لا غير. # غ ~~: # يقينا يتناولانه. # س ~~: # فيظهر أنهما يقوداننا إلى الحقيقة. # غ ~~: # نعم، وبطريقة غير عادية. # س ~~: # فيظهر أن علم الأعداد هو أحد الدروس التي ننشدها، فلا غنى للقائد عنه لترتيب ~~جيوشه، ويلزم الفيلسوف في درسه؛ لأنه ملزم بأن يسمو فوق التغيير ويلوذ ~~بالثابت، وإلا فلا يكون مفكرا ذكيا. # غ ~~: # حقيق. # س ~~: # ولكن حاكمنا كما تقدم جندي وفيلسوف. # غ ~~: # لا شك في أنه كذلك. # س ~~: # ولذلك يا غلوكون يجدر بنا ms200 إيجاب هذا الدرس بمادة شرعية، ولأجل إقناع العتيدين ~~أن يشتركوا في أهم مصالح الدولة بأن يدرسوا العد، ويقفوا حياتهم على درسه، لا ~~كهواة، بل درسا متواصلا، حتى يبلغوا بمساعدة الذهن النقي درجة التفكر في ~~طبيعة الأعداد، لا كعمل يختارونه لأجل البيع والشراء تجارا وباعة، أو ~~لأغراض حربية، بل لسهولة انتقال النفس من المتغير إلى الحقيقي الثابت. # غ ~~: # حبذا ما تقول. # س ~~: # وفيما أنا أتكلم في هذا العلم الذي يبحث في العد، تجلت لي طرافته وقيمته ~~بطرق شتى لإنفاذ رغباتنا، بشرط أن يطلب حبا بالمعرفة لا لأغراض ~~تجارية. # غ ~~: # وكيف ذلك؟ # س ~~: # لأنه كما قلنا الساعة: قد يرفع النفس إلى فوق، ويحملها على البحث في الأعداد ~~المجردة، معرضا عن ذلك البحث متى كان للأعداد مسميات محسوسة ترى وتلمس، ~~لأني أعتقد أنك عالم أن حصفاء الرياضيين يهزءون بقسمة الواحدة في مجرى ~~المحاورة، وينكرونها إنكارا تاما. وإذا قسمتها أنت إلى أقسام كتصريف ~~النقود، عادوا فجمعوها معا، وحرصوا على وحدتها حرصا شديدا لئلا تتفكك ~~عرى وحدتها وتبدو متعددة. # غ ~~: # حقيق تماما. # س ~~: # فإذا سألهم سائل يا غلوكون قائلا: يا أصحابي الأفاضل، في أي الأعداد تبحثون؟ ~~وأين الأعداد التي بها تتحقق الوحدة وصفكم إياها، وهو أن كل وحدة تساوي أختها ~~دون أدنى اختلاف، وليس فيها أقسام؟ فماذا تظن أن سيكون جوابهم؟ # غ ~~: # أظن أنهم يجيبونه هكذا: أن الأعداد التي يتحدثون فيها إنما تدرك بالفكر، ~~ولا يمكن تداولها بطريقة أخرى. # س ~~: # فيا صديقي، أترى أن هذا العلم ضروري لنا جدا في كل حال؛ لأنه يجبر العقل ~~على استخدام الفهم الخالص في طلاب الحقيقة الخالصة. # غ ~~: # حقا إن له هذه الخاصة بدرجة عالية. # س ~~: # ثم هل لاحظت أن المنصبين على الحساب إلا النادر منهم سريعو الخاطر في كل ~~العلوم؟ وأن البطيئي الأفهام إذا تثقفوا وتمرنوا بهذا الدرس، ولو لم يحصلوا ~~منه على فائدة أخرى، يصيرون أسرع فهما مما كانوا؟ # غ ~~: # هذا حقيق. # س ~~: # وأؤكد أنك قلما تجد علما يكلف طالبه مشقة وعناء كالحساب. # غ ~~: # كلا، لا أجد. ms201 # س ~~: # فلأجل كل هذه الدواعي لا نحذف هذا العلم، بل بالحري نستخدمه في تهذيب أسمى ~~السجايا. # غ ~~: # أوافقك في ذلك. # س ~~: # فلنحسب هذه النقطة مفروغا منها. ولنسأل بعدها: هل نهتم بالعلم المجاور ~~للحساب؟ # غ ~~: # وما هو؟ أتعني به الهندسة؟ # س ~~: # نعم أعنيها. # غ ~~: # واضح أن القسم المختص منها بالحيلة الحربية يهمنا؛ لأن هنالك فرقا عظيما في ~~كون الجندي يعرف الهندسة أو يجهلها ، وذلك في ما يتعلق بمواقع الجنود وتوزيعهم، ~~وفي ضمهم وامتداد صفوفهم، وفي كل المناورات، في الميدان، وفي الزحف. # س ~~: # ولكن الزهيد من المعرفة الحسابية والهندسية كاف لهذه الأغراض، فالمسألة التي ~~أمامنا هي: هل يفضي بنا أهم أقسامها وأسماها إلى سهولة التفكر «بصورة الخير» ~~الجوهرية؟ ففي مذهبنا هذه خاصة كل ما يحمل النفس على الانصراف إلى المنطقة ~~المحتوية على أسعد قسم من الوجود الحقيقي، الذي رؤيته أهم أغراض النفس. # غ ~~: # أنت مصيب. # س ~~: # فتهمنا الهندسة، إذا كانت تصرف النفس إلى التفكر بالوجود الحقيقي، ولكنها ~~إذا اقتصرت على التفكر بالعرض الفاني فلا تهمنا. # غ ~~: # لقد جزمنا بذلك. # س ~~: # فلا ينازعنا حتى ولا صغار المهندسين في النقطة التالية، وهي: أن هذا العلم ~~يناقض صيغ الكلام التي يستعملها أربابه مناقضة تامة. # غ ~~: # وكيف ذلك؟ # س ~~: # إنهم يتكلمون بأسلوب هو غاية في السخافة والوهن، ذاكرين على الدوام سحب ~~الخطوط والتربيع وضم الأشكال، ونحو ذلك، كأنهم يتعاطون عملا اقتصاديا، أو ~~كأن لكل قضايا هذا الفن غاية عملية. على أن هذا الفن إنما يراد لأجل ~~المعرفة. # غ ~~: # أكيد إنه كذلك. # س ~~: # بقيت نقطة يجب أن نتفق عليها، أليس كذلك؟ # غ ~~: # وما هي؟ # س ~~: # أن هذا العلم يراد لأجل معرفة الدائم الوجود، لا لأجل ما يوجد حينا ثم ~~يزول. # غ ~~: # سنتفق على ذلك حالا؛ فإن الهندسة بالحقيقة هي على علم الدائم الوجود. # س ~~: # فإذا كان ذلك كذلك يا صديقي الفاضل، وجب أن تجتذب الهندسة النفس نحو الحقيقة، ~~وتضرب الضربة الحاسمة في ميدان الروح الفلسفية، فترفع ما خفضناه خطأ في وقتنا ~~الحاضر. # غ ~~: # نعم، ستفعل ذلك بأعظم ms202 قوة. # س ~~: # فعليك أن تستعمل ما لك من نفوذ في إقناع أهالي مدينتك الجميلة، ألا يتأخروا ~~عن الإكباب على درس الهندسة؛ لأنه حتى فوائدها الثانوية ليست بزهيدة. # غ ~~: # وما تلك الفوائد؟ # س ~~: # إذا أعرضنا عما ذكرته مما يختص بفن الحرب، فإني ما زلت أؤكد الحقيقة التي ~~أوضحناها بنوع خاص: أن الفرق عظيم جدا بين كون الطالب يعرف الهندسة، وكونه ~~يجهلها، ولو فهم أي نوع كان من أنواع العلوم. # غ ~~: # بلا شك. # س ~~: # أفنوجب ذلك على شبابنا كدرس؟ # غ ~~: # نعم نوجبه. # س ~~: # أفنجعل الفلك درسا ثالثا؟ أو أنك لا تستحسن ذلك؟ # غ ~~: # بل إني أستحسنه؛ لأن معرفة الفصول والشهور والسنين معرفة تامة لا تنحصر في ~~الزراع والملاح، بل يشاركهما فيها القائد الحربي إلى حد ~~المساواة. # س ~~: # يسرني خوفك من الظهور أمام الجمهور بمظهر من يوجب علوما عقيمة. على أنه لا ~~يهون، بل هو من الصعوبة بمكان، الاعتقاد أن هذه الدروس تشفي عضو النفس من ~~التعامي، وتبعث من موت أدبي أدى إليه غير ما نذكر من الأعمال، عضوا سلامته ~~أفضل من ألف عين؛ لأن به وحده يمكننا إدراك الحقيقة. والنتيجة أن الذين ~~يشاركوننا بالفكر يستحسنون الدروس التي وصفتها، أما الذين لا علاقة لهم بها ~~فيرون ذلك عبثا، وعندهم أن لا فائدة تجنى منه دون تطبيقها بالفعل. وإذا واصلت ~~البحث حاملا عبء المسئولية وحدك دون إشارة إلى إحدى الفئتين، فلست تأتي ~~بأدنى فائدة بذلك الحديث لكائن من الناس. # غ ~~: # إني أؤثر المسلك الأخير، أي: أن أقدم سؤالاتي وأجوبتها معتمدا على نفسي ~~بنوع خاص. # س ~~: # فلنرجع خطوة إلى الوراء، فقد أخطأنا منذ برهة بما اتخذناه من العلوم تاليا ~~للهندسة. # غ ~~: # فأي علم نتخذ؟ # س ~~: # كان الصواب أن ننتقل من البحث في الهندسة الثنائية الأبعاد (المسطحة أو ~~البسيطة)، إلى الثلاثية الأبعاد (الهندسة المجسمة)، وذلك يؤدي بنا إلى ~~المكعبات ذوات الكثافة. # غ ~~: # حقيق يا سقراط. ولكن هذه الموضوعات لم تكشف بعد على ما أعلم. # س ~~: # إنها لم تكشف بعد، وذلك لسببين؛ أولهما: أنها قضايا صعبة، وكان ms203 فحصها ضعيفا، ~~إذ لا دولة تقدرها قدرها. وثانيا: أن الباحثين فيها يفتقرون إلى ناظر يحل ~~معضلاتها التي لا يفهمونها بدونه، والحصول على هذا الناظر صعب، وإذا حصل كما ~~هو الحال اليوم، فإن كبرياء الباحثين تحول دون اعتبارهم آراءه. ولو أن الدولة ~~بمجموع عقلها أعطت هذا الدرس حقه من الاعتبار وأقامت نفسها رقيبا على درسه، ~~لخضع لها الطلاب وتجلت طبيعة الموضوع الحقيقية، بعد فحصها على هذه الصورة ~~فحصا مستمرا مدققا؛ لأن درسها ما زال ضعيفا وغامضا، ليس عند العامة ~~فقط، بل عند الخاصة القلائل، الذين يدرسونها وهم عاجزون عن تبيان منافعها، ومع ~~ذلك فإن هذا الدرس ناجح بالرغم من كل هذه العقبات، بفضل ما فيه من الجمال ~~الذاتي. ولست أستغرب زوال كل تلك العقبات. # غ ~~: # هنالك هيام به، ولكن أرجوك أن توضح ما قلته الساعة، فقد حددت الهندسة على ما ~~أظن بأنها علم يبحث في السطوح. # س ~~: # هكذا حددتها. # س ~~: # ثم أتبعت الفلك بها. على أنك عدت فسحبت كلامك. # س ~~: # نعم، فإني كلما أسرعت ساء مسيري، فإن البحث في الفضاء الثلاثي الأبعاد يلي ~~الهندسة (المسطحة)، ولكن لما كانت تدرس باستهتار أهملت الكلام فيها، وجعلت ~~الفلك يتلو الهندسة البسيطة، وهو عبارة عن حركات الأجرام في الفضاء. # غ ~~: # أنت مصيب. # س ~~: # فلنجعل علم الفلك درسا رابعا، حاسبين العلم الذي حذفناه الآن موجودا، ~~وإنما يتوقع الفرصة السانحة لالتفات الدولة إليه. # غ ~~: # إنه رأي معقول يا سقراط، وإذا ذكرت الملام الذي وجهته إلي منذ برهة لأني ~~مدحت الفلك مدحا بسيطا، فإني أستحسن الخطة التي جريت عليها؛ لأني أظن أنه ~~واضح لكل أحد أن الفلك في كل حال يحمل النفس على النظر إلى ما فوق، ويجتذبها من ~~هذا العالم إلى العالم الآخر، قد يكون واضحا لكل أحد سواي؛ لأنه ليس هذا ~~رأيي. # غ ~~: # فما هو رأيك؟ # س ~~: # رأيي هو أن الفلك على ما يتناوله طلاب الفلسفة اليوم يحول نظر النفس إلى ~~أسفل. # غ ~~: # وكيف ذلك؟ # س ~~: # أظن أن الشجاعة لم تفتك في تصوير ما فهمته من ms204 طبيعة الدرس الذي يتناول الأمور ~~العليا، والأرجح أن الإنسان إذا رفع نظره وتعلم شيئا عن سقف منقوش فإنك تزعم ~~أنه يدرسه بذهنه لا بعينيه، فقد يكون رأيك صوابا ورأيي خطأ، أما أنا فلا أرى ~~علما يرفع نظر النفس إلى ما فوق إلا إذا تناول الأمور الحقيقية غير ~~المنظورة. ولا فرق بين أن يكون الإنسان محدقا في الجلد، أو في الأرض، ما دام يحاول درس موضوع محسوس. فإني أنكر عليه القول إنه تعلم شيئا؛ إذ لا شيء ~~من المحسوسات يعالج معالجة علمية؛ ولذاك أصر أن نفسه ناظرة إلى أسفل، لا إلى ~~فوق. ولو استلقى على ظهره وعيناه إلى السماء في البر كان أو في البحر. # غ ~~: # قد حل بي من العقاب ما أستحق، ولكني أرجوك أن توضح معنى قولك: أن الفلك يجب ~~درسه بأسلوب يختلف عن الأسلوب الحالي كل الاختلاف، إذا أريد أن يدرس درسا ~~مفيدا، طبقا للمقاصد التي أمامنا. # س ~~: # لك ذلك. ما دام الجلد المرقط قسما من العالم المنظور فإنا ملزمون أن ~~نعتبره دون الدوران الحقيقي، وأن يكن أجمل الأشياء المنظورة وأكملها؛ لأن ~~الدوران الحقيقي الذي تجري سرعته الحقيقية أو بطؤه الحقيقي على مقادير معينة ~~وفي صيغ حقيقية، إنما يتم دوراته إتماما نسبيا بعضها إلى بعض، حاملة أجرامه ~~كل ما عليها. وهو إنما يدرك بالفكر، لا بالنظر. فهل لك رأي آخر؟ # غ ~~: # كلا. # س ~~: # لذلك وجب اتخاذ الجلد المرقط رسما ونموذجا للتقدم في الدرس الذي يرمي إلى ~~أغراض عليا، على النحو الذي به اتخذ الأشكال الهندسية المرسومة بإتقان وضبط، ~~بقلم المهندس ددلوس أو بأقلام غيره من المصورين؛ لأني أرى أن الشخص المثقف الذي ~~تعلم الهندسة حالما يرى رسما، يدرك حالا درجة إتقانه، لكنه يزدري اتخاذه ~~غرضا مقصودا من الدرس، إنما يستخرج منه حقائق المعادلة أو التضاعف، وغيرهما ~~من النسب. # غ ~~: # لا شك في أنه مزدرى جدا. # س ~~: # ألا تظن أن الفلكي الحقيقي ينظر إلى حركات النجوم بهذا الاعتبار نفسه؟ أعني: ~~ألا يحسب السماء نفسها وما فيها من الأجرام قد ms205 نظمها المهندس السموي في أحسن ~~تكوين يمكن إبداعه؟ أما نسبة الليل إلى النهار ونسبة كليهما إلى الشهر، ونسبة ~~الشهر إلى السنة، ونسبة النجوم إلى الشمس والقمر، ونسب بعضها إلى بعض، ألا تظن ~~أن رجلا يزعم أن أشياء مادية كهذه ثابتة لا تتغير رجل محتقر؟ زاعما أنها ~~مستثناة من كل اضطراب، وأن الجهود المبذولة في استكناه شأوها هي من ضروب ~~العبث؟ # غ ~~: # بلى ، هكذا ظننت فيما أنت تتكلم. # س ~~: # فندرس الفلك كما درسنا الهندسة مستعينين بالأشكال، وإذا رمنا أن نفهم كنه ~~الفلك فهما حقيقيا، فلنصرف نظرنا عن الأجرام السماوية، أعني بذلك أن ~~نصرف ملكة الفهم تصريفا مفيدا، معرضين عما لا يفيد. # غ ~~: # أتيقن أن الخطة التي تصفها هي عملية أضعافا مضاعفة أكثر من أسلوب درس الفلك ~~الحالي. # س ~~: # نعم. وأرى أن نصف كل شيء على هذا القياس نفسه، إذا رمنا أن نكون نافعين ~~كشارعين. ولنستأنف الآن سيرنا: فما هو الأمر الذي تقترحه في هذه النقطة؟ # غ ~~: # لا أقدر أن أخترع شيئا في فترة قصيرة كهذه. # س ~~: # إذا لم أكن مخطئا فإن الحركة تمدنا بأنواع عديدة من العلوم، وقد يوفق ~~الفيلسوف إلى إيرادها كلها معا. أما ما يتجلى لأناس نظيرنا فاثنان ~~منها. # غ ~~: # وما هما؟ # س ~~: # قد أبنا منها واحدا، والثاني شقيقه. # غ ~~: # وما هو؟ # س ~~: # يظهر أنه قصد بآذاننا أن تضبط الحركة المتسقة، كما قصد بعيوننا أن تتناول ~~حركات الأجرام. وأن هذين يؤلفان علمين شقيقين، كما يقول الفيثاغوريون، وكما ~~نحن مستعدون أن نسلم بما قالوا يا غلوكون. وإلا فأي مسلك تختار؟ # غ ~~: # أختار المسلك الذي ذكرته آنفا، أي إننا نسلم بالقضية. # س ~~: # فما دام العمل ينذر بالإطالة فنستشير الفيثاغوريين في هذه المسألة، وربما ~~في غيرها من المسائل، ونظل في الوقت نفسه محتفظين بمبدئنا الخاص. # غ ~~: # وأي مبدأ تعني؟ # س ~~: # أن لا ندع تلاميذنا يتعلمون فرعا غير كامل من هذه العلوم حينا من الأحيان، ~~أو أن يتعلموا أي شيء يقصر عن بلوغ النقطة التي إليها تتجه كل الدروس، كما قلنا ~~الآن في ms206 الفلك. ولست تجهل أن اللحن الموسيقي يعامل معاملة الفلك في ما يأتي: أن ~~أساتذته كالفلكيين، يكتفون بقياس اللحن والإيقاع الذي تدركه الآذان الواحد ~~ضد الآخر؛ ولذلك يتعبون لغير جدوى. # غ ~~: # يقينا، بل يجعلون أنفسهم سخرة، فيكررون ويتنصتون كأنهم يتلقفون الصوت عن ~~جارهم. ويقول فريق منهم إنهم يسمعون صوتا متوسطا، أو أن الفرق بينه وبين بقية ~~الأصوات زهيد، وأنه أخفض من بقية الأصوات ، بينما فريق آخر يزعم أن كل الأصوات ~~متماثلة، وأن الفريقين يخضع العقل للآذان. # س ~~: # أرى أنك تشير إلى البارعين الذين يشدون الأوتار ويلفونها على الأشظة، ~~ولئلا يكون التشبيه مملا بإطالة ضربة الريشة على الأوتار وعدم مرونتها؛ ~~لذلك أعدل عن وصف الأسلوب، وأقول إني لا أعني هؤلاء الرجال، بل الذين اخترناهم، ~~والآن نستشيرهم في أمر الأنغام؛ لأن نوع عملهم كعمل الفلكيين تماما، أعني ~~أنهم يبحثون في النسب العددية الكائنة بين الألحان المسموعة، لكنهم لا يحملون ~~أنفسهم على فحص الأعداد، لحنية وغير لحنية، وعن سبب الاختلاف بينها. # غ ~~: # إن ما تذكره يستلزم قوة تفوق حدود العقل البشري. # س ~~: # فادع السعي وراء الصالح والجميل عملا مفيدا، وإلا كان غير مفيد. # غ ~~: # نعم، إن ذلك غير بعيد عن الصواب. # س ~~: # أضف إلى ذلك أنه إذا أدى بنا درس هذه العلوم التي ذكرناها إلى الائتلاف ~~والعلاقات المتبادلة، وعرفنا شأن الربط التي تجمعها معا، فإني واثق أن ~~الاجتهاد في معالجتها يفضي بنا إلى تقدم الموضوعات التي نبحث فيها، وأن العمل ~~الذي هو عقيم بدونها يصير بها من كبار النعم. # غ ~~: # وأنا أشعر شعورك يا سقراط، لكنك تتكلم في عمل عظيم جدا. # س ~~: # أإلى المقدمة تشير أم إلى ماذا؟ فلسنا في حاجة إلى التذكير أن كل ذلك لم يكن ~~سوى مقدمة للنشيد العملي الذي يجب أن نتعلمه، ولست أظن أنك تنظر إلى البارعين ~~في هذه الدروس نظرك إلى المناطقة. # غ ~~: # كلا البتة. إلا أفراد استثنائيين عرضوا لي في الطريق. # س ~~: # ومن المعلوم أنك لا تظن أن الأشخاص العاجزين عن الاشتراك في بحثنا في المبادئ ~~الأولى، ms207 يمكنهم أن يعرفوا مثقال ذرة من الأشياء التي أوجبنا عليهم ~~معرفتها. # غ ~~: # لا يقدرون أن يفعلوا ذلك أبدا. # س ~~: # أفليس لنا يا غلوكون نشيد عملي غايته التعقل المنطقي؟ هذا النشيد يقع في ~~منطقة السلطة العقلية، وهو يجاهد كما أسلفنا لينظر نظرا قويما أولا في ~~الحيوانات، ثم في النجوم، وأخيرا في الشمس ذاتها. وهكذا يشرع المرء يبحث ~~بمساعدة المنطق، ناشدا كل أنواع اليقين بفعل الذهن البسيط، مستقلا عن كل ~~معونة حسية، ولا يكف حتى يدرك بفعل الذهن النقي طبيعة «الخير» الحقيقية، ~~فحينذاك يبلغ آخر مدى العالم العقلي، كما بلغ الشخص المذكور آنفا آخر مدى ~~العالم المنظور. # غ ~~: # من كل بد. # س ~~: # أفلا تدعو هذا المنهج منطقا؟ # غ ~~: # مؤكد أني أدعوه. # س ~~: # ومن الجهة الأخرى فك أغلال السجناء وانتقالهم من ظلال الأشباح إلى الأشباح ~~نفسها، وصعودهم من أسفل الكهف إلى نور الشمس، يمكنهم وهم هناك من النظر إلى ~~الصور المنعكسة عن سطح الماء، لا إلى الحيوانات والنباتات ونور الشمس مباشرة ~~التي عنها انعكست تلك الصور، وهي إلهية وظلال الأشياء الحقيقية، عوض كونها ظلال ~~الأشباح التي يلقيها النور، وهي نفسها قد تدعى صورة إذا قوبلت بالشمس: فلهذه ~~النقاط ما يقابلها في ما ذكرناه من الفنون التي ترقي أشرف أقسام النفس، ~~وترفعها إلى التأمل في أسمى الموجودات، كما يتمكن كل عضو في الجسد من ~~التمتع بأبهى ما في العالم المادي المنظور. # غ ~~: # أما أنا فإني أسلم بهذا البيان، ومع ذلك فقد وجدت قبوله صعبا. # س ~~: # وفي الوقت نفسه، إذا نظرنا إليها من ناحية أخرى، رأينا إنكارها صعبا. وعلى ~~كل فلما كان البحث فيها غير محصور في الوقت الحاضر، بل قد يتكرر في المستقبل، ~~فلنفرض صحة رأيك الحالي، وعلى هذا الأساس نتقدم إلى النشيد نفسه، ونفحصه كما ~~فحصنا المقدمة. فأخبرنا ما هي صفة المنطق العامة؟ وما هي أقسامه العلمية؟ ~~وأخيرا: ما هي أساليبه؟ فالمرجح أن تلك الأساليب ستكون السبيل المؤدي إلى ~~البقعة التي عندها ينتهي مسيرنا، فنستريح من سياحتنا. # س ~~: # إنك غير قادر أن تواصل ms208 متابعتي يا عزيزي غلوكون، مع أن رغبتي لم تفتر، فلن ~~تستمر مقتصرا على رؤية المشابهة التي أتينا على وصفها، بل سترى الحقيقة نفسها، ~~وفي الشكل الذي به تجلت لي. وسواء أكنت مصيبا أم لا فإني لا أجرؤ على ~~تخطي موقفي إلى التأكيد، لكنني أظن أني عالم أننا لسنا بعيدين عن مواطن ~~الصواب. # غ ~~: # لا شك في أنك عالم. # س ~~: # أولا يجوز لي أن أجزم أن المنطق وحده يقدر أن يعلن الحقيقة لمن قبض على أزمة ~~العلوم التي ذكرناها الساعة؟ وأن المعرفة غير ممكنة في ما سوى ذلك؟ # غ ~~: # بلى، ولك ما يسوغ الجزم في هذه النقطة. # س ~~: # فلا أحد يضادنا إذا ادعينا أن لا أسلوب آخر جرب تجربة منتظمة يصوغ صورة ~~ذهنية لطبيعة كل شيء الحقيقية، بل بالضد من ذلك، كل الفنون إلا القليل منها ~~تتجه كل الاتجاه، إما نحو آراء الناس وحاجاتهم، أو نحو تركيب الأجسام ~~ونتاجها، أو معالجة الأشياء التي تنمو وهي مركبة، وعند القليلين من الناس ~~المستثنين من الحكم العام، أن علوما كالهندسة ورفيقاتها التي ارتأينا أنها ~~تتناول ما هو يقيني نوعا، نرى أنها مع كونها قد تحلم بالوجود الحقيقي لا تقدر ~~أن تراه في حال يقظتها، ما دامت تعتمد الفروض التي لم تمتحن، ولا يمكنهم أن ~~يعطوا بيانا عنها. وحين يحسب المرء ما لا يعرفه مبدأ أوليا، ويشيد عليه ~~الفروض الثانوية والنتائج النهائية، فكيف يمكن أن تؤلف قضايا كهذه ~~علما؟ # غ ~~: # حقا، إن ذلك غير ممكن. # س ~~: # وعليه: فالأسلوب المنطقي ليس إلا هو المعتمد في ما يأتي: لأنه يرجع بفروضه ~~إلى المبدأ الأول لكل الأشياء ليضمن رسوخها. وإذ يجد البصيرة قد دفنت بكليتها ~~في مغاوص الجهالات البربرية، ينهضها بلطف ويرفعها، مستخدما الفنون التي ~~محصناها، خدما وأعوانا في الدوران، وهي التي يغلب أن ندعوها علوما؛ لأن ~~تسميتها هكذا أمر مألوف، لكنها تتطلب اسما آخر يدل على ما هو أوضح من الرأي، ~~وأخفى من العلم، وقد استعملنا لها في بعض أبحاثنا اسم: «معرفة»، إيضاحا لهذا ~~الفعل العقلي، على ms209 أني لا أرى أن من خواصنا المشاحنة في التسمية، وقد آلينا على ~~أنفسنا اعتبار المواضيع المهمة. # غ ~~: # أنت مصيب، فنحتاج إلى اسم إذا أطلق على حالة عقلية يوضح بجلاء الظاهرات ~~التي يصفها. # س ~~: # على أني راض كما سبق القول عن تسمية القسم الأول علما، والثاني معرفة، ~~والثالث اعتقادا، والرابع ظنا. وتسمية القسمين الأولين إدراكا، والأخيرين ~~تصورا، وأن التصور يتناول الفاني، والإدراك يتناول الكائن الحقيقي، وأن نسبة ~~الكائن الحقيقي إلى الفاني كنسبة الإدراك إلى التصور، ونسبة الإدراك إلى ~~التصور كنسبة العلم إلى الظن، والأفضل حذف المشابهة بين هذه الأفعال العقلية ~~وبين قسمي التصور والإدراك، لئلا نثقل أنفسنا يا صديقي بمباحث تفوق ~~مباحثنا السابقة عددا. # غ ~~: # حسنا، إني أوافقك في هذه النقطة على قدر فهمي إياها. # س ~~: # أفتدعو كل من يفكر في لباب الأشياء منطقيا؟ أو تسلم أن فشل المرء في ~~تكوين بيان واضح لنفسه وللآخرين ناشئ عن عجزه عن استعمال الذهن النقي في ~~البحث؟ # غ ~~: # نعم، لا ريبة عندي في ذلك. # س ~~: # أوتستعمل التعبير نفسه بالنظر إلى الخير؟ فما لم يتمكن المرء من تحديد ~~طبيعته الجوهرية بواسطة فعل التفكير، وما لم يتمكن من اختراق طريقه في وسط ~~الصعوبات، نابذا ما ناقض فكرته، لا بقواعد التصور، بل بقواعد الوجود ~~الحقيقي، وما لم يتقدم في وسط المشاكل نحو النتيجة النهائية المرغوب فيها دون ~~أن يزل في خطوة واحدة من سلسلة أفكاره، ما لم يعمل كل ذلك، أفلا تقول إنه لم ~~يفهم الخير الجوهري، ولا خيرا غيره؟ وإن كان شبح اتفق له أن فهمه فإنما هو ~~ثمر التصور لا ثمر العلم؟ وسيقضي حياته الحاضرة نائما يضرب في بوادي ~~الأحلام، ولن يستيقظ في هذا الجانب من العالم الآتي، الذي قضى عليه أن ينام فيه ~~نوما أبديا؟ # غ ~~: # نعم، سأقول ذلك بأعظم حتم. # س ~~: # وإذا كنت تهذب أولادك تهذيبا صحيحا، مراقبا تهذيبهم وطبيعتهم، فلا يمكنني ~~أن أتصور أنك تدعهم يصيرون قضاة شارعين في هذه الدولة، يفوض إليهم الفصل في ~~أكثر الأمور خطورة، وهم خالون من العقل ms210 خلو جرة القلم. # غ ~~: # حقا إني لا أدعهم. # س ~~: # فتسن لهم إذا قانونا يوجب عليهم أن يلوذوا بتهذيب يمكنهم من استخدام ~~المنطق على أفضل منهج علمي. # غ ~~: # سأسن ذلك القانون بمساعدتك. # س ~~: # أفلا يظهر لك أن المنطق رأس زاوية في صرح العلوم؟ وأن من الخطأ وضع أي علم ~~آخر فوقه؛ لأن سلسلة البناء قد ختمت به؟ # غ ~~: # بلى، أرى أنك مصيب. # س ~~: # بقي عليك تعيين من تخصهم بهذه الدروس، وتقرير المبدأ اللازم في توزيعها ~~عليهم. # غ ~~: # واضح أن ذلك هو الباقي. # س ~~: # أتذكر أي نوع من الرجال اخترنا في بحثنا السابق، لما كنا ننتقي أفضل ~~القضاة؟ # غ ~~: # معلوم أني أذكر. # س ~~: # فألفت نظرك إلى ما ذكرناه من الصفات على قدر ما علقنا انتخاب أربابها على ~~امتلاكهم إياها، أي إننا مرتبطون بإيثار أوفرهم حزما وأكثرهم رجولة، وعلى ~~قدر ما يتاح لنا أوفرهم لياقة. يضاف إلى ذلك أنهم يجب أن تكون فيهم طبيعة ~~أدبية شريفة راسخة، ويجب أن يمتلكوا المؤهلات المستحبة الملائمة نظام التهذيب ~~هذا. # غ ~~: # وأية صفات توجبها عليهم؟ # س ~~: # يكون لهم نظر ثاقب في الدروس يا صديقي الفاضل، وأن يتعلموا بسهولة؛ لأن الدرس ~~العنيف يمتحن نشاط العقل أكثر من التمرين الرياضي، ولأن العمل هنا في محله أكثر ~~مما هو هناك، لكونه محصورا في العقل عوض اشتراك الجسد فيه. # غ ~~: # حقيق. # س ~~: # فيجب أن ندرج في عداد الأشياء التي نفتش عنها: الذاكرة الحافظة، والسلوك ~~الحسن، ومحبة العمل محبة تامة، وإلا فكيف تتوقع أن تغري المرء بأن يتحمل أعباء ~~العمل الجسدي مع مزاولة الدروس والتمارين؟ # غ ~~: # كلا، لا يمكنا إغراء من لم يحرز مواهب من الطبقة العليا. # س ~~: # وعلى كل يمكن رد الخطأ في شأن الفلسفة الفاشي الآن وسوء السمعة الذي ~~بليت به كما قلت سابقا إلى هذه الحقيقة، وهي أن الناس يقبلون على درس ~~الفلسفة من غير جدارة شخصية فيهم، مع أن درسها مختص بأبنائها الحقيقيين ~~دون الأبناء غير الشرعيين. # غ ~~: # وماذا تعني بالحقيقيين؟ # س ~~: # أولا: على من يطلب الفلسفة أن ms211 لا يعرج في محبة العمل. أعني لا يكون متراوحا ~~بين العمل والكسل، شأن من يحب التمرين والمحاضرة (الجري) ويكره الدرس، شاعرا ~~بالرغبة عن البحث والاستماع، وبغض كل الأعمال العقلية. # ثانيا: أن من يكره الأعمال البدنية هو أيضا أعرج. # غ ~~: # قولك غاية في الصواب. # س ~~: # أولا نحسبه عرقلة في النفس أنها مع بغضها بغضا شديدا الكذب الاختياري ~~وإنكارها إياه إنكارا تاما، حتى ليسوءها جدا أن يكذب أحد مختارا، مع ~~ذلك تتساهل في قبول الكذب الاضطراري بكل ارتياح، وعوض اغتمامها بسبب نقص ~~معارفها تنغمس في حمأة جهلها كخنزير بري؟ # غ ~~: # لا شك في أنك مصيب. # س ~~: # وقبل كل شيء يجب التمييز بين الابن الشرعي والابن غير الشرعي باعتبار العفاف، ~~والشجاعة، وسمو العقل، وكل الفضائل واحدة فواحدة؛ لأنه متى أغضت الدول أو ~~الأفراد عن صفات كهذه تورطت، جهلا منها في اختيار العرج قضاة وأصدقاء، وهم ~~نغول باعتبار إحدى هذه الفضائل. # غ ~~: # لا شك في ذلك. # س ~~: # فعلينا اتخاذ أعظم درجات الحيطة في كل ما هو من هذا النحو. فإذا أمكنا أن ~~نحرز أشخاصا سليمي الأجساد والعقول، ونشأناهم على الدروس العالية والتهذيب ~~الصارم، فلا تجد العدالة فينا لوما، وبذلك نصون دولتنا ونظامها. أما إذا ~~اخترنا تلامذة من طراز آخر انقلب نجاحنا فشلا، وجلبنا على الفلسفة أعظم ~~عار. # غ ~~: # حقا إن ذلك عار. # س ~~: # حقا إنه عار، على أني جلبت الساعة ذلك العار؟ # غ ~~: # وبماذا؟ # س ~~: # بأني نسيت أننا لم نكن مترصنين ولم نتكلم بجد، فإني نظرت إلى الفلسفة وأنا ~~أتكلم، فرأيتها تهاجم بهزء لا تستحقه، فاستأت وثارت حفيظتي على المسئولين ~~عن ذلك الهزء، وأعتقد أني أبديت مزيد الحدة. # غ ~~: # كلا، لم تبد شيئا من ذلك، أو على الأقل أني لا أظن أنك أبديته وأنا ~~أسمعك. # س ~~: # بل شعرت أني فعلت ذلك وأنا أتكلم، ولنستأنف البحث: فلا ننس أنه في هذا ~~الموقف لا يمكننا اختيار الشيوخ كما فعلنا سابقا، ولا يغونا صولون فنتوهم أن ~~الإنسان يزداد علما ما زاد سنا؛ لأن الشيخ أقدر على الركض ms212 منه على التعلم، ~~فيجب إلقاء الأحمال على مناكب الفتيان. # غ ~~: # من كل بد هكذا يجب. # س ~~: # فيجب تلقين تلاميذنا منذ حداثتهم الحساب، والهندسة، وكل فروع العلوم ~~الابتدائية التي تمهد السبيل لفن المنطق، مع الاعتناء بتلقينهم العلم بطريقة ~~غير إجبارية. # غ ~~: # ولماذا؟ # س ~~: # لأنه لا يجوز أن يمزج تهذيب الحر بشيء من ملابسات الاستعباد؛ لأن إرغام ~~الجسد على الأعمال الجسدية لا يحدث تأثيرا في الجسد. أما في أمر العقل فلا ~~يتأصل علم في الذاكرة إذا أتاها بطريق الإرغام. # غ ~~: # حقا. # س ~~: # فيجب أيها الصديق الفاضل، إعطاء الدروس للأحداث بأسلوب الألعاب والتسلية دون ~~أدنى ظاهرة إرغام، لكي يتمكن كل منهم من معرفة ميله الخاص. # غ ~~: # رأيك سديد. # س ~~: # أفتذكر قولنا إنه يجب أن يشهد الأحداث الحرب على متون الخيول، وأن يدخلوا ~~ميدانها وهم في مأمن من الخطر، وأن يتذوقوا الدم ككلاب الصيد؟ # غ ~~: # أذكر ذلك. # س ~~: # وعليه: ننظم لائحة انتخاب، ندرج فيها من تجلى فيه ضبط النفس في وسط كل هذه ~~الأعمال والدروس والمخاطر. # غ ~~: # وفي أي سن يجب إنجاز ذلك؟ # س ~~: # حالما ينهون تمريناتهم الجسدية الضرورية. ولا يعمل شيء آخر في أثناء ~~التمرين الذي يشغل زهاء سنتين أو ثلاث؛ لأن التعب والنوم هما ألد أعداء الطلب، ~~عدا ذلك أن تصرف كل من الطلاب في خلال تمرينهم هو امتحان مهم جدا من حيث ~~تبيان سجيته. # س ~~: # وبعد هذا الفصل يلزم أن نخول أرباب السجايا الممتازة، ممن بلغوا ~~العشرين ربيعا، شرفا أعظم من شرف سواهم. ويجب جمع العلوم المختارة التي ~~حصلوها في صباهم في امتحان واحد، ليتبينوا العلاقات المتبادلة بينها، ~~وليعرفوا طبيعة الوجود الحقيقي. # غ ~~: # حقا إن هذا هو التهذيب الوحيد الذي سيرسخ في الذين قبلوه. # س ~~: # نعم، وهو أعظم وأقوى مقياس للسجية المنطقية؛ لأن المرء يكون منطقيا أو غير ~~منطقي، بقياس إدراكه الموضوع إدراكا إجماليا، أو بقياس عدم إدراكه ذلك ~~الإدراك. # غ ~~: # أوافقك في ذلك. # س ~~: # ولذا يجب أن تلاحظ الذين يبدون أعظم مقدرة وأرسخ ثبات في هذه المسائل، وأثبت ~~عزيمة في ms213 الحرب وفي غيرها من فروع التهذيب، وليس في الدروس فقط، ويجب أن ~~نختارهم من بين رفقائهم الممتازين، ونخولهم شرفا أعظم. يبدأ ذلك من سن ~~الثلاثين فصاعدا، وتمتحنهم بالقسم الباقي في المنطق، لترى من منهم يستغني عن ~~مساعدة عينيه، ومساعدة غيرها من الحواس، ويتقدم لفهم الوجود الحقيقي بمساعدة ~~الحقيقة. وهنا يلزم يا صديقي أعظم حرص. # غ ~~: # ولأي سبب خاص؟ # س ~~: # ألم تتبين مبلغ الشر الذي يساور فن المنطق في وقتنا الحاضر؟ # غ ~~: # وما هو؟ # س ~~: # التمرد الذي قد يألفه المناطقة. # غ ~~: # حقا إنك مصيب. # س ~~: # أوتستغرب ذلك؟ أولا تتساهل مع الأشخاص المذكورين؟ # غ ~~: # أوضح مرادك. # س ~~: # تصور ما يماثل ما نحن فيه، فافرض أن دعيا نشأ في وسط غني، ذي علاقات ~~واسعة بأسر شريفة، يحيط به جمهور من المملقين. وافرض أنه لما بلغ رشده عرف ~~أن اللذين ادعياه ليسا والديه، على أنه لا يمكنه اكتشاف والديه الحقيقيين. ~~أفتقدر أن تنبئني ما يكون تصرفه نحو مملقيه، ونحو المحسوبين والديه؟ أولا حين ~~كان يجهل حقيقة أمره، وثانيا بعد ما عرفها؟ أو أنك تريد أن تسمع ذلك ~~مني؟ # غ ~~: # بل أريد أن أسمع. # س ~~: # أظن أنه ما دام يجهل الحقيقة يكرم المحسوبين والديه وأقاربه، ويعتبرهم من ~~المملقين، ولا يهمل أولئك إهماله هؤلاء في حال عوزهم، ويكون عصيانه هؤلاء ~~ومخالفته رغباتهم قولا وفعلا في المهم من الأمور أكثر إمكانا من عصيانه ~~المحسوبين والديه. # غ ~~: # ذلك مرجح. # س ~~: # ولكنه متى عرف حقيقة حاله فتر في إكرام ذينك الوالدين واحترامهما، أما ~~المملقون فزاد اعتبارا لهم وإصغاء لتمليقهم عن ذي قبل، وشرع يعيش حسب هواهم ~~ويصحبهم دون تستر، وإذا لم يكن ذا فطرة صالحة فلا يوجه نحو الذين ادعوا ~~أنهم والداه وأقاربه ولا يكترث لهم. # غ ~~: # وصفك طبيعي الصبغة، ولكن ما وجه الشبه بينه وبين طلاب المنطق؟ # س ~~: # هذا هو وجه الشبه: إني أعتقد أن عندنا منذ الصبوة آراء جازمة في ما هو العادل ~~وما هو الجميل، وقد نشأنا على احترام هذه الآراء وطاعتها، كما نشأنا على طاعة ms214 ~~الوالدين واحترامهم. # غ ~~: # حقيق. # س ~~: # ثم إن تلك الآراء قد صدمتها أعمال مستحبة تملق نفوسنا وتحاول أن تجذبها ~~إليها، ولكنها تعجز عن استمالتنا إذا كنا أفاضل كاملين؛ لأننا حينذاك نحتفظ ~~باحترام تلك الآراء، ونقيم على الإخلاص لها. # غ ~~: # يقينا. # س ~~: # ولكن إذا عرضت لأحدنا مسألة: ما هو الجميل، وأجاب عنها كما كان قد تلقن من ~~شارعه، وخطئ عملا بقواعد المنطق، وأثبت له التكرار أن ما كان يحسبه جميلا ~~فيه من العيب والتشويه قدر ما فيه من الجمال. وكذلك في العدالة والصلاح وسائر ~~الأشياء التي كان لها عنده أسمى درجات الاعتبار، فما ظنك في تصرفه نحو الآراء ~~القديمة من حيث طاعتها واعتبارها؟ # غ ~~: # مؤكد أنه لا يعتبرها ولا يطيعها كما كان يفعل قبلا. # س ~~: # وما دام لا يعرف الحقيقة ولا يعتبر اعتقاده السابق كما كان يفعل قبلا، وفي ~~الوقت نفسه يعجز عن اكتشاف الحقيقة، أفلا يسلم نفسه للتمليق كل ~~التسليم؟ # غ ~~: # يسلم. # س ~~: # وبعبارة أخرى أرى أنه يهجر الولاء ويصير مستبيحا. # غ ~~: # لا شك في ذلك. # س ~~: # أفليست هذه طبيعة طلاب المنطق؟ أولا يجب أن يعاملوا بالرفق كما قلت ~~الساعة؟ # غ ~~: # وبشفقة أيضا. # س ~~: # ولئلا تتحمل عبء هذه الشفقة على أبناء الثلاثين، ألا يجب اتخاذ كل احتياط ~~في تعليمهم المنطق؟ # غ ~~: # مؤكد. # س ~~: # أوليس أعظم أنواع الاحتياط منعهم عن تعاطي ذلك الفن في حداثتهم؟ وأظن أنه لا ~~يفوتك أن الأحداث وقد تمنطقوا يتخذون المنطق آلة لهو وتسلية، ويستخدمونه لمجرد ~~المعارضة، ويقلدون في أعمالهم من اتصف بالمغالطة، مسرورين كالأجرية بتخديش كل ~~من داناهم وتمزيقه بواسطة المنطق؟ # غ ~~: # يفعلون ذلك في دائرة واسعة. # س ~~: # وإذا أحرزوا فوزا كبيرا أو أصابهم الاندحار هبطوا سريعا إلى جحد شعورهم ~~السالف، فيحقرون أنفسهم والفلسفة في نظر الآخرين. # غ ~~: # من كل بد. # س ~~: # أما من كان أكبر منهم سنا فلا يسلم نفسه لهذا الجنون، بل يميل إلى ~~اقتفاء آثار الذين يبحثون عن الحقيقة ويفحصونها لا غير، دون الذين يعارضون ~~لمجرد التسلية. والنتيجة أن حزمه وتبصره يزدادان، عوض أن ms215 يسبب استهتارا ~~عاما في نفسه في كل المذاهب. # غ ~~: # مصيب. # س ~~: # أولم نكن ندرس وسائل الاحتياط أيضا لما قلنا في بعض المرات السالفة: أن ~~السجايا التي يجب أن يدرس أربابها المنطق يجب أن تكون ثابتة منظمة، وذلك ضد ~~النسق المتبع اليوم، الذي يبيح درس المنطق لأي كان، ولو عديم ~~الجدارة. # غ ~~: # تأكيدا كنا ندرس رسائل الاحتياط. # س ~~: # أفيكفي لدرس المنطق أن يستمر الرجل دارسا برغبة واجتهاد، تاركا لأجله كل ~~ما سواه جانبا، كأن يترك كل شيء لأجل التمرين الرياضي، مضاعف المدة المخصصة ~~للتمرين الرياضي؟ # غ ~~: # هل تعني أن تكون المدة أربع سنوات أو ستا؟ # س ~~: # لا بأس في جعلها خمسا، وبعدها نرسلهم إلى الكهف الذي وصفناه، ونأمرهم أن ~~يتقلدوا القيادة في الحرب، وفي المناصب التي تستلزم شبيبة، ليمكنهم أن يحفظوا ~~مركزهم إزاء جيرانهم. وهنا أيضا يمتحنون ثانية؛ ليظهر هل يثبتون رغم كل ~~غواية؟ أو يتزعزعون قليلا عن ثباتهم؟ # غ ~~: # وكم من الزمان تعين لذلك؟ # س ~~: # خمس عشرة سنة. ومتى بلغوا الخمسين من العمر يرفع الذين غلبوا التجارب منهم، ~~وفاقوا الأقران في كل فرع علما أو عملا، إلى المرتبة العليا، فيوجهون ~~بصائرهم نحو الذي أفاض على الكائنات باهر أنواره، ويثبتونها عليه. ومتى رأوا ~~«جوهر الخير» وجب أن يتخذوه مثلا ينسجون على منواله في تنظيم بلدهم ومواهبهم ~~وأنفسهم. ويجب أن يشغل كل منهم في دوره باقي الحياة. ومع أنهم يشغلون القسم ~~الأكبر من وقتهم في الأبحاث الفلسفية، فعلى كل منهم متى حان دوره أن يقف نفسه ~~على مهام الدولة الصعبة، ويشغل المناصب لخير دولته ومصلحتها، لا كشيء مرغوب ~~فيه، بل كواجب لا مندوحة عن القيام به. ومتى علموا وأعدوا من الاحتياطي عددا ~~كافيا كما استعدوا هم ليملئوا مناصبهم كحكام الدولة، انسحبوا هم إلى ~~جزائر الأبرار، فتقيم لهم الدولة الأنصاب على نفقة الجمهور، وتقدم لهم ~~الذبائح كجبابرة (أنصاف آلهة) إذا أذن وحي بيثيا لذلك، وإذا لم يبح الوحي ذلك ~~اقتصر على إكرامهم إكرام الأفاضل الأتقياء. # غ ~~: # أنت كمثال يا سقراط، وقد وصفت نموذج ms216 حكامنا خاليا من كل عيب. # س ~~: # قل: و«نساؤنا أيضا» يا غلوكون، ولا تزعمن أن تعاليمي تتطبق على الرجال ~~أكثر مما على النساء، بناء على تمكننا من إيجاد نساء ربات مواهب تتفق مع ~~المنصب. # غ ~~: # أنت مصيب، إذ يشاطرن الرجل كل عمل حسب مبدأ المساواة الذي قررناه. # س ~~: # أفتوافق أن نظريتنا في الدولة والنظام ممكنة التطبيق وليست مجرد رغبة وإن يكن ~~تحقيقها صعبا؟ ويقوم إمكان تحقيقها بوسيلة واحدة، وهي أن تناط السلطة التامة ~~في الدولة بفيلسوف واحد يشعر شعورا عميقا بخطورة الحق والشرف الناشئ عنه، ~~ويحتقر الفخفخة احتقارا شديدا، ويعتبر العدالة أسمى الواجبات وأحقها، ~~فيجري - كخادم ومحب خاص للعدالة - إصلاحا تاما في دولته. # غ ~~: # وكيف ذلك؟ # س ~~: # يجب فصل كل الذين تجاوزوا العاشرة، وإرسالهم إلى الأرياف، ويجب تربية أولادهم ~~بعيدين عن تأثيرات السجية الشائعة التي يتصف بها آباؤهم وأتراب آبائهم، حسب ~~قوانين الفلاسفة وعاداتهم التي مر وصفها. فقل: أليس هذه أسهل وسيلة وأسرعها ~~لتمكين دولة ودستور كالذين مثلناهما، من الوجود والنجاح، فيكونان في الوقت ~~نفسه بركة للأمة التي تأصلا في تربتها؟ # غ ~~: # بكل تأكيد هكذا. وأرى أنك أبنت يا سقراط الوسائط اللازمة لتحقيق دستور كهذا، ~~إذا كان تحقيقه من الممكنات. # س ~~: # أوليس ما قلناه كافيا في شأن الدولة وشأن الفرد الذي يمثلها؟ لأني أرى أي ~~نوع من الرجال يجب أن يكون. # غ ~~: # واضح، وأرى أن بحثك قد بلغ نهايته. # | الكتاب الثامن: الحكومات الدنيا # خلاصته # يستأنف سقراط الكلام في مطلع الكتاب الثامن في الموضوع الذي كان قد بدأه في ختام ~~الكتاب الرابع، لما قاطعه الكلام أديمنتس وبوليمارخس، وهو: بيان الأنواع الأصلية في ~~النظام العقلي والتنظيم السياسي. # يمكن قسمة الحكومات إلى خمسة أنواع كبرى، هي: الأرستقراطية، والتيموكراسية، ~~والأوليغاركية، والديموقراطية، والاستبدادية. ومن ثم كان هنالك خمسة أنواع عظمى من ~~صفات الأفراد تطابق أنواع الحكومة الخمسة؛ لأن الدولة (يقول سقراط) نتائج أفراد ~~أهاليها، فيرجع في درس سجيتها إلى درس سجيتهم. # بحثنا في الدولة الكاملة وفي الفرد الكامل، أي في الأرستقراطية والأرستقراطي، فبقي ~~علينا أن نتتبع ms217 أصل الحكومات الدنيا الأربع، وأن نأتي على بيان سجيتها. # كل ذي بداءة ميال إلى الذبول، وعليه: ففي مجرى الزمان ينشأ الانقسام بين طبقات ~~الأمة الكاملة الثلاث، كما بين أفراد كل منها. والنتيجة الراجحة هي حصول تسوية بين ~~أحزاب الطبقتين العليين، غرضها اقتسام ثروة الطبقة الثالثة والهبوط بها إلى درك الخدمة ~~والعبودية. وأشهر أوصاف دولة كهذه: ترجيح كفة العنصر الحماسي البادي في الحرب وروح ~~المطامع والقلق، وهي ما يدعوه سقراط: التيموكراسي، الذي يتغلب فيه العنصر الحماسي ومحبة ~~الشرف، ويمكن تمثيله لأنفسنا: بابن الأرستقراطي الذي أغرته العوامل الردية على العروج ~~عن اقتفاء آثار والده، فتنمو محبة الثروة التي أدخلتها التيموكراسية نوعا، وتتزايد حتى ~~تحوله إلى الأوليغاركية، التي لبابها جعل الثروة أساس الجدارة. وهو إثم فظيع، ومن ~~نتائجه أن الثروة والفاقة يبلغان في الدولة أقصى مداهما، فتنقسم المدينة إلى قسمين: ~~غني، وفقير، يبغض أحدهما الآخر ويكيد له. وعلى هذا النحو نمثل لأنفسنا الأوليغاركي ابن ~~التيموكراسي، الذي صرمت فجأة حبال مطامعه، فعرج ولده عن مسلكه الشريف واستسلم لحب ~~الربح، فيصير الانقسام في داخله كالدولة الأوليغاركية، مع أنه يحافظ على المظاهر لكي ~~تقرب آماله بالنجاح في طلاب الثروة، فتنشأ بالتدريج طبقة خطرة على الدولة، هي طبقة ~~الفقراء المعدمين، التي تنزع أخيرا إلى السلاح، فتقصي الأغنياء عن حدودها، وتوجب ~~المساواة في الحقوق المدنية. هذه هي الديموقراطية، وأشهر أوصافها: «الحرية» المائلة إلى ~~الاستباحة. # وجريا على الطريقة نفسها يقال إن الديموقراطي هو الرجل الذي أجلت رغبة الإسراف ~~والتهتك فيه الرغبات المعتدلة وحب الاحتشام الموروثة عن والده، فيعيش متمتعا ~~باللذات، تقوده مبادئ غيرمنتظمة، متنقلا من لذة إلى لذة كما يسوقه الهوى؛ لأن ~~اللذات في مذهبه متماثلة، وتستحق التربية والرعاية على السواء، وبالاختصار شعاره: ~~الحرية والمساواة. # ثم إن التطرف في الحرية التي امتازت بها الديموقراطية، يهيئ الطريق بواسطة رد ~~الفعل إلى الاستبداد. ومستبد المستقبل هو: # أولا: # بطل الأمة المختار في النزاع بين الأحزاب الأوليغاركية، فتنمو قوته ~~تدريجيا، وإذا نفي عاد أقوى مما ذهب. # ثانيا: # اختيار حرس خاص له تحت ادعاءات ms218 مريبة. # وأخيرا: # يتحول مستبدا تاما. # متن الكتاب # سقراط ~~: # قد اتفقنا يا غلوكون في النقاط الآتية: # إذا أريد انتظام الدولة أفضل انتظام، وجب تقرير شيوعية النساء والأولاد، ~~والتهذيب في كل فروعه، وكذلك شيوعية المناصب في حال السلم والحرب، وأن يكون ~~الملوك ممن أظهر أعظم مكانة في الفلسفة، وأشد ميل إلى الحرب. # غ ~~: # نعم، اتفقنا إلى هذا الحد. # س ~~: # يضاف إلى ذلك أننا سلمنا أنه متى رسخ مركز الحكام لزم أن يحلوا جنودهم في ~~مساكن مقررة الأوصاف، ولا يباح فيها حسب قرارنا ملك شخصي، بل تكون ملكا ~~مشاعا للجميع، وقد قررنا - عدا تحديد حال البيوت إذا كنت تذكر - إلى أي حد ~~نأذن لهم أن يقولوا عن شيء ما إنه ملكهم الخاص. # غ ~~: # نعم، أذكر أننا قررنا أن لا يمتلك أحدهم ثروة، كما يفعل جميع الملوك ~~الحاليين. وجزمنا أنه يحق لهم كحكام وجنود مدربة أن يتناولوا من الأهالي ~~رواتب سنوية مقابل حكمهم، وأن يحصروا جهودهم في السهر على أنفسهم وعلى ~~المدينة. # س ~~: # أصبت. والآن قد أنهينا هذا الموضوع، فلنذكر نقطة افتراقنا لكي نتمكن من ~~استئناف السير في سبيلنا القديم. # غ ~~: # ليس ذلك بعسير، فقد كنت تتكلم بجد كما تفعل الآن، لتفهمنا أنك أنهيت البحث في ~~الحكومة المثلى ووصفتها «بالصالحة»، ووصفت الرجل الذي يمثلها «بالصالح». مع ~~أنه كان في إمكانك على ما يظهر أن تخبرنا عن أفضل دولة وأفضل رجل، وقد صرحت ~~في ذلك الحين أنه إذا كانت دولتك على هدى فكل دولة سواها على ضلال. وأذكر أنك ~~قلت في ما يتعلق بالنظم الباقية أن هنالك أربعة رئيسية جديرة بالاعتبار، ~~ملاحظا مساويها، عاطفا النظر على الأفراد الذين يمثلونها في دورهم، حتى إذا ~~ما وقفنا على أحوالهم كافة، واتفقنا من هو أفضلهم وأرداهم، تمكنا من ~~النظر في: هل أفضلهم أسعدهم وأرداهم أشقاهم؟ ولما سألتك أن تصف النظم قاطعك ~~بوليمارخس وأديمنتس الكلام، فانتهجت في الحديث المنهج الذي أفضى لك إلى موقفك ~~هذا. # س ~~: # نعم الذاكرة ذاكرتك. # غ ~~: # فاسمح لي إذا أن أغالبك كالمصارعين في موقفي السابق ms219 فأعيد مسألتي الآنفة، ~~وتفضل بإبداء ما في فمك من كلام. # س ~~: # سأبذل جهدي. # غ ~~: # فرغبتي الخاصة هي أن أعرف الحكومات الأربع التي ذكرتها. # س ~~: # لا صعوبة في إجابة سؤالك، فالنظم التي أشرت إليها هي ذات الأسماء ~~التالية: # الأولى ~~: # حكومة كريت وسبرطا التي أجمع الناس على امتداحها. # الثانية ~~: # تليها في الترتيب الحكومة الأوليغاركية كما يدعونها، وهي ملأى ~~بالمساوي. # الثالثة ~~: # الديموقراطية، ضد الأوليغاركية وخليفتها. # الرابعة ~~: # وأخيرا الحكومة الزاهية، وهي «الاستبداد»، المغايرة كل الحكومات الآنفة، بل ~~هي عبارة عن شر أدواء الدولة. ولا أراك قادرا أن تذكر هيئة سياسية أخرى مستقلة ~~الوضع، لعلمي أن الحكومات الصغرى من سلطنات وإمارات وما على شاكلتها من الهيئات ~~المنظمة، يمكن اعتبارها داخلة في سلك هذه الأربع كحلقات صغرى، وهي معروفة عند ~~اليونانيين والبرابرة. # غ ~~: # إنا نسمع كثيرا عن حكومات كهذه. # س ~~: # أوتعلم أن أنواع السجية البشرية تساوي أنواع النظم عددا؟ أوتظن أن تلك ~~الدول نبتت على شجرة أو صخرة، لا على تربة صفات الأفراد الأدبية في كل دولة ~~باعتبار رجحان كل صفة منها في كفة الميزان، وجرها كل شيء في أثرها؟ # غ ~~: # أظن أن النوع الثاني هو أصلها الوحيد. # س ~~: # فإذا كانت أنواع الحكومات خمسة، فهنالك حتما خمسة أنواع من النظام العقلي في ~~أفراد الناس. # غ ~~: # يقينا. # س ~~: # لقد نظرنا في الإنسان الذي يمثل الأرستقراطية، وبالصواب حكمنا أنه عادل ~~وصالح. # غ ~~: # نظرنا وحكمنا. # س ~~: # فهل نخفض النظر إلى أنواع الناس الدنيا، وهم: الجشع المشاغب الذي يطابق ~~نظام سبرطا، والأوليغاركي، فالديموقراطي، فالمستبد، لكي نرسل النظر في أبعدهم ~~عن العدالة، ونقابلهم بأعدل الناس؟ وعلى هذه الصورة نتمم بحثنا في جزاء العدالة ~~الخالصة، والتعدي الكلي، باعتبار سعادة أصحابهم أو شقائهم، فإما أن نسمع كلام ~~ثراسيماخس ونتبع التعدي، أو نخضع لبينات البحث الحالي فنتبع العدالة. # غ ~~: # يجب أن نفعل ذلك من كل بد. # س ~~: # فننظر جريا على أسلوبنا الذي اخترناه منذ البداءة في صفات الدولة الأدبية، ~~قبل النظر في صفات الأفراد؛ لأن هذا الأسلوب يؤدي إلى وضوح أتم، فإذا شئت نبحث ms220 ~~أولا في النظام الطموحي (ليس عندي اسم أطلقه عليه، فأدعوه تيموكراسية أو ~~تيماركية)، ومنه أتقدم إلى النظر في الرجل الطموح. ثم ننتقل إلى الأوليغاركية ~~والأوليغاركي. وبعد نظرنا في الديموقراطية نحول النظر إلى الرجل الديموقراطي. ~~وأخيرا ندخل الدولة التي يحكمها مستبد، وننعم النظر فيها وفي النفس التي ~~تمثلها، وحينذاك يمكنا أن نكون قضاة أكفاء للحكم في القضية. # غ ~~: # أسلوب كهذا أقل ما يقال فيه أنه معقول. # س ~~: # فلننظر أولا في نشوء التيموكراسية من الأرستقراطية، أفلا يصح أن نضع القاعدة ~~الآتية: يبدأ التطور في كل نظام بلا استثناء في الهيئة الحاكمة، وفيها فقط حين ~~تتصدع؟ وما دام أفراد تلك البيئة على وفاق يستحيل أن تهتز الدولة مهما تكن ~~صغيرة؟ # غ ~~: # بلى، إن ذلك حق. # س ~~: # فكيف تتزعزع دولتنا يا غلوكون؟ وكيف يحصل الشقاق بين الحكام ومساعديهم، أو ~~بين أفراد هاتين الفئتين؟ أمن رأي هوميروس أنت؟ فترجع إلى إلاهات الفن لتنبئك ~~كيف حصل أول تصدع؟ أو تقول إنهم يتلاعبون في الكلام بأسلوب من أساليب المآسي، ~~فيوردونه بصورة الجد والترصن، وهم يهزءون بنا كأننا أطفال لديهم؟ # غ ~~: # وما هو جوابهم؟ # س ~~: # هو مقارب ما يأتي: يعسر أن تتزعزع دولة تنظمت على ما ذكرنا. ولكن لما ~~كان كل مخلوق في هذه الدنيا عرضة للزوال، فليس من المحتمل أن يبقى إلى الأبد ~~حتى ولا نظام كهذا، بل ينحل ويكون تفكك أوصاله على النحو الآتي: ليس ~~المملكة النباتية وحدها، بل والحيوانية معها أيضا، معرضة لتعاقب الخصب ~~والقحل جسدا وعقلا، وهذا التعاقب يجري طبقا لنظام دوري تقصر مدته أو تطول، ~~حسب طول حياة الأشياء. وبالنظر إلى خصب جنسك أو قحله أقول، ولو كان الأشخاص ~~الذين هذبتهم وأعددتهم للمناصب حكماء، إلا أنهم لارتباط عقولهم بالحواس، ~~فبالرغم من كل ملاحظة وحساب يجهلون الوقت الملائم، فتزل بهم القدم ويلدون ~~أحيانا في غير الوقت الصحيح. أما دورة التوليد الإلهي فهي في العدد التام، ~~وأما دورة مواليد الناس فتتعين بعدد هندسي، وعليها تتوقف حالة المواليد من خير ~~أو شر، فحين يأذن حكامك جهلا ms221 منهم بقران في غير وقته، فلا تكون ثمرة قران ~~كهذا سعيدة أو منعمة، فيتملك أفضلهم بقوة السلف عن غير جدارة ذاتية. ولما ~~كانوا قد شغلوا مناصب آبائهم فإنهم يبتدئون يستخفون بنا، مسيئين في الواجب ~~عليهم كحكام، فيزدرون أولا الموسيقى، ثم الجمناستك، فيتهذب شبانك ~~تهذيبا رديا، والنتيجة أنه يتبوأ المناصب من يقصر عن التمييز بين أجناسك ~~وبين أجناس هسيودس، أي بين الذهب والفضة، وبين النحاس والحديد. وإذا مزج ~~الحديد بالفضة، والنحاس بالذهب، ولد شذوذا متنافرا عديم المساواة، وحيث ~~تأصل ذلك أثمر عداء وحربا، فيمكننا الجزم في أن قيام جيل كهذا مصحوب ~~بالتصدع. # غ ~~: # نعم، وسنسلم أن جواب إلاهات الفنون هو الجواب الصحيح. # س ~~: # كيف لا وإلاهات الفنون قد قالت؟ # غ ~~: # وماذا قالت إلاهات الفنون أيضا؟ # س ~~: # متى حصل التصدع مال القسمان إلى التباعد، فيميل العنصران الحديدي والنحاسي ~~إلى الأرباح، واقتناء الحقول والفضة والذهب، ويتحول العنصران الغنيان ~~البعيدان عن الفاقة نحو الفضيلة ونظام الأشياء القديمة. على أن النزاع ~~المتبادل بين الحزبين ينتهي بالتفاهم المتبادل والاتفاق على اقتسام الأراضي ~~والبيوت، واستعباد أصحابها السالفين وتحويلهم إلى طبقة سفلى كعبيد أرقاء، ~~للخدمة في الحرب والدفاع عن سلامة أسيادهم. # غ ~~: # أتيقن أنك وصفت الانتقال إلى التيموكراسية. # س ~~: # أولا يؤسس هذا النظام وسطا بين الأرستقراطية والأوليغاركية؟ # غ ~~: # بالتأكيد. # س ~~: # فما هي خطة الدولة بعد التحول؟ أليس واضحا أنها والحالة هذه لما كانت في ~~منتصف الطريق بين حكومتها الماضية وبين الأورليغاركية، ماثلت الماضية ببعض ~~الأوصاف والأوليغاركية بالبعض الآخر، مع وجود خصائص ذاتية فيها؟ # غ ~~: # حتما هكذا. # س ~~: # فحينذاك باعتبار ما تؤديه الطبقة المحاربة للقضاة، وباعتبار تنحيها عن ~~الزراعة والصناعة وسائر الحرف المنتخبة، وبفتحها مطاعم قومية، ومزاولتها ~~الجمناستك الذي تستلزمه الحرب، في كل هذه النقاط تماثل النظام القديم. ألا ~~تماثله؟ # غ ~~: # بلى. # س ~~: # أما تخوفها في من توليه منصب الحكم؛ لأن الحكماء الذين في حيازتهم طبقة ~~غير نقية تمام النقاوة، بل هم مزيج، يميلون في انحطاطهم إلى الذين يتغلب فيهم ~~ضيق الصدر والحدة ورجحان الميل الحربي، وفي قدرهم الحركات ms222 التي يستلزمها فن ~~الحرب، وفي قضائهم الحياة بالضغائن، في كل هذه الأمور تبدي خلقا ذاتيا. ألا ~~تبدي؟ # غ ~~: # تبدي. # س ~~: # فبينما فطرتهم الجشعة تسوقهم إلى إنفاق أموال الآخرين مع الضن بأموالهم ~~الخاصة؛ لأنهم يقدرونها عظيم القدر ويكتمون أمرها، مستمتعين بملاذهم السرية، ~~هاربين من الشريعة هرب الصغار من والديهم؛ لأنهم بالقوة تربوا لا بالإقناع، ~~لاستهتارهم بالموسيقى الحقيقية المقرونة بالبحث الفلسفي العظيم، وإيثارهم ~~الجمناستك عليها. # غ ~~: # حقا إنك تصف نظاما مركبا من خير وشر. # س ~~: # نعم إنه مركب، على أنه باعتبار تعظيم العنصر الحماسي. وهنالك أمر خاص في أظهر ~~مجاليه، وهو روح التحزب وحب التمايز. # غ ~~: # حتما. # س ~~: # هذا هو أصل النظام، وهذه هي أوصافه إذا اكتفينا بالتلخيص دون أن ندقق فيها، ~~وهو أمر لا نقصده؛ لأننا لا نقدر أن نميز بين الرجل الأعدل والأظلم في هذا ~~الملخص، ولأن التمادي في شرح الأوصاف مما لا طائل تحته. # غ ~~: # مصيب. # س ~~: # فأي رجل يمثل هذا النظام؟ ما أصله وما صفته؟ # أديمنتس ~~: # أراه باعتبار روح الحزبية يمثل صاحبنا غلوكون أضبط تمثيل. # س ~~: # ربما صح فيه ذلك كحزبي، ولكن باعتبار النقاط الآتية لا أرى طبيعة غلوكون ~~تطابقه. # غ ~~: # وما هي تلك النقاط؟ # س ~~: # إنه أعند من غلوكون، وأقل غراما بالآداب، ومع أنه يدرس ويرغب في سمع الخطباء ~~ليس بخطيب. رجل هذه خلته لا يحتقر العبيد كالإنسان الكامل التهذيب، مع كونه ~~قاسيا في معاملتهم ولطيفا في معاملة الأحرار. يخضع كل الخضوع للقضاة، ~~ولوعا بالشهرة والمدح، لا يتطلبهما بواسطة الخطابة والسلاح والأعمال الحربية ~~والسياسية، واقفا وقته على الجمناستك والرياضية. # أد ~~: # حقا، إن هذا هو الخلق الذي يطابق هذه الحكومة. # س ~~: # زد على ذلك: ألا يكون شخص كهذا مزدريا الثروة في صباه، لكنه يزداد حبا ~~لها كلما كبر؟ فإنه على احتكاك دائم بطبيعة محبي المال، وسجيته غير سليمة من ~~الوصمة؛ لأنه اعتزل أفضل حاكم. # أد ~~: # ومن هو ذلك الحاكم؟ # س ~~: # البحث العقلي الممتزج بالفلسفة، وهو وحده بوجوده واستقراره يقي صاحبه، ~~ويمكنه من الاحتفاظ بالفضيلة مدى الحياة. # أد ~~: # حسنا ms223 تكلمت. # س ~~: # هذا هو خلق التيموكراسي، الذي يمثل الدولة التيموكراسية. # أد ~~: # يقينا. # س ~~: # ويمكن تعقب أصله على الصورة الآتية: أنه ابن رجل فاضل، ولا يبعد أنه سكن ~~مدينة ساء نظامها، فتجنب الرفعة والمناصب والمرافعات، وأمثال ذلك مما يلابس ~~الروح المتمردة، مؤثرا الخسارة على المشاغبة. # أد ~~: # صف لي تكون خلق كهذا. # س ~~: # يؤرخ ذلك منذ إصغاء الشاب لوالدته تتذمر من تنكب زوجها عن مناصب ~~الحكومة، فصيرها بذلك وضيعة القدر بين زميلاتها، ومن أنها لم تره يعبأ ~~كثيرا بالمال، ولم يزاحم أحدا ولم يناضل أحدا كغيره من المرافعين في رده ~~القضاء، وفي المجامع المدنية، فكان يزدري كل هذه الأمور. وكانت تلوح عليه ~~دائما ظاهرات التفكر، ولم يوجه نحوها اعتبارا كبيرا، مع أنه لا يحتقرها. ~~فإذ تمتلئ حنقا على هذا كله تقول لولدها: أن أباه ليس رجلا، وأنه كثير ~~الإهمال والتراخي، وأمثال ذلك من الأقوال التي اعتادت الزوجات أن تفوه بها ~~لإعابة أزواجهن. # أد ~~: # ولهن كثير مما يقال جريا على خلقهن الخاص. # س ~~: # وأنت عالم أن خادمات شخص كهذا المكترثات لمصالح سيدهن، يتلون أحيانا عبارات ~~من هذا النوع على مسمع ولده، فإذا رأين أحد مديني والده، أو ممن أساءوا إليه ~~بشيء ولم يصدر بحقهم قرار محكمة، فإنهن يحرضن الولد متى بلغ سن الرشد على ~~الانتقام من أناس كهؤلاء، فيكون أشد رجولة من أبيه. # وحين يخرج الشاب إلى الخارج تطرق سمعه وبصره أشياء كهذه من الآخرين، منها أن ~~المسالمين العاكفين على أعمالهم الخاصة في المدينة يدعون سذجا، وهم ~~قليلو الاعتبار، والذين يكثرون التدخل في شئون الغير هم مكرمون ~~ومحترمون. # فإذ يسمع الولد ويرى كل ذلك، ويقارن بينه وبين ما كان يسمعه من والده، وهو ~~قلما وفق في فحص مسالك الآخرين فحينذاك يصير بين قوتين تتجاذبانه إلى ~~جهتين متضادتين: من الجهة الواحدة والده يغذي القسم العقلي فيه ويسقيه، ومن ~~الجهة الأخرى الناس يغذون العنصر الغضبي والشهوي في طبيعته ويسقونه. ومع أنه ~~ليس شابا رديا فقد اختلط بمعشر ردي، فبلغ بتأثير العوامل المتضادة فيه نقطة ~~متوسطة ms224 بين القوتين، وسلم زمام الحكم في داخله للعنصر المتوسط فيه، الحاد ~~المزاج المشاغب، فصار نزقا ذا حدة وأطماع. # أد ~~: # يلوح لي أنك أتيت على تصوير نشوء هكذا بالضبط. # س ~~: # فقد وقفنا على النظام الثاني والإنسان الثاني. # أد ~~: # وقفنا عليهما. # س ~~: # أفلا تقول مع أسخليس: # لمختلف الممالك في البرايا # رجال بالطباع ذوو ~~اختلاف # أولا نبدأ بوصف الدولة اطرادا لخطتنا؟ # أد ~~: # من كل بد. # س ~~: # حسنا، فالنظام الذي يليه في الترتيب هو الأوليغاركي. # أد ~~: # وماذا تعني بالنظام الأوليغاركي؟ # س ~~: # أعني به قدر الرجال بثروتهم، فيحتكر الأغنياء الحكم، وليس للفقير فيه حظ ~~ما. # أد ~~: # فهمت. # س ~~: # أفلا نصف خطوات الانتقال الأولى من التيموكراسية إلى الأوليغاركية؟ # أد ~~: # بلى، نصفه. # س ~~: # لا شك في أنه حتى الأعمى يدرك كيف حصل ذلك الانتقال. # أد ~~: # وكيف ذلك؟ # س ~~: # إن الذهب المتدفق إلى كنوز القوم هو الذي قوض دعائم النظام الذي أتينا على ~~ذكره؛ لأن أول نتائجه هي أن أرباب تلك الأموال اكتشفوا طرقا للإنفاق، فنبذوا ~~الشرائع نبذ النواة ظهريا، وداسوا أحكامها هم وأزواجهم. # أد ~~: # وإنه لمستغرب أن لا يفعلوا ذلك. # س ~~: # وإذا لم أكن مخطئا فإنهم يشرعون في مراقبة أحدهم الآخر بعين الغيرة، فينطبع ~~هذا الخلق على المجموع الذي هم أعضاؤه. # أد ~~: # ذلك ما نتوقعه. # س ~~: # فيتهافتون على حشد المال، فيفقدون الفضيلة ويفقدون قدرهم بقياس ذلك التهافت. ~~هل تنكر الشقة الواسعة بين الفضيلة والثروة؟ فإنهما إذا وضعتا في كفتي ~~ميزان رجحت إحداهما بقدر ارتفاع الأخرى. # أد ~~: # ذلك حق بالتمام. # س ~~: # ومتى علا قدر الثروة والمثرين في دولة، بخست الفضيلة والفضلاء ~~أقدارهم. # أد ~~: # واضح. # س ~~: # وكل ما عظم راج، وكل ما حقر أهمل. # أد ~~: # يقينا. # س ~~: # فبعد ما كان أشخاص كهؤلاء محاربين طموحين، تحولوا عباد الأرباح، فيمدحون ~~الأغنياء ويجلونهم ويولونهم المناصب، ويزدرون الفقراء ويهملونهم. # أد ~~: # أكيد إنهم يفعلون ذلك. # س ~~: # فيسنون شريعة هي لباب النظام الأوليغاركي، ويعينون مبلغا من المال ~~كثر أو قل حسب المبدأ الأوليغاركي، يحظرون الاشتغال بالحكم على من لا ~~يملكه، وينفذون شريعتهم بقوة السلاح إذا ms225 لم ينجحوا قبلها بتأليف الحكومة ~~بالأراجيف التي سبقوا فنشروها. # أد ~~: # إنك مصيب. # س ~~: # هذا هو النظام الأوليغاركي بالحرف الواحد. # أد ~~: # حقيق. فما هي صفة هذا النظام، والمساوي التي نعزوها إليه؟ # س ~~: # أول مساويه دستوره، تأمل ماذا تكون النتيجة إذا انتقينا ربابنة السفن ~~باعتبار ثروتهم دون جدارتهم الفنية، ورفضنا ذا الجدارة في الملاحة ~~لفقره. # أد ~~: # تكون حالة محزنة في أسفار البحر. # س ~~: # ألا ينطبق هذا الحكم على كل إدارة وكل عمل مهما يكن نوعه؟ # أد ~~: # هكذا أظن. # س ~~: # أفتستثني الدولة من هذا الحكم؟ أم ترى أنه يشملها؟ # أد ~~: # بل أراه يشملها بقياس صعوبة إدارتها وسموها. # س ~~: # فهذه واحدة من مساوي الأوليغاركية، وهي محزنة. # أد ~~: # بكل وضوح. # س ~~: # وهل الخطيئة الثانية أخف منها؟ # أد ~~: # وما هي؟ # س ~~: # تخسر مدينة كهذه وحدتها وتصير اثنتين، الواحدة مؤلفة من الفقراء، والأخرى ~~من الأغنياء، والفريقان ساكنان معا، يكيدان أحدهما للآخر. # أد ~~: # أؤكد أنها ردية. # س ~~: # ولا يستحسن عجزهم (كما لا بد أن يكون) عن أصلاء نار الحرب؛ لأنهم إذا ~~سلحوا العامة واستخدموهم، روعهم هؤلاء أكثر من العدو الخارجي، وإذا ~~ترددوا في استخدامهم وجب أن يظهروا أوليغاركيين حقيقيين في المعركة الفعلية. ~~ويجب أن نضيف إلى ذلك أن محبتهم المال تعارض الميل لدفع ضرائب الحرب. # أد ~~: # إنك مصيب. # س ~~: # ولنرجع إلى النقطة التي ذكرناها تكرارا فيما سلف: أتظن أن من الصواب أن ~~يتعاطى الأفراد أكثر من عمل واحد في وقت واحد، من زراعة وتجارة وحرب، وهو ~~الواقع في نظام كهذا؟ # أد ~~: # لا، لا كلام في هذه الخطيئة. # س ~~: # فانظر هل الخطيئة التالية أفظع الخطيئات التي يؤدي إليها هذا النظام؟ # أد ~~: # وما هي؟ # س ~~: # أريد بها عادة السماح لواحد أن يبيع ثروته، فيقتنيها سواه، فيسكن البائع ~~الدولة من غير أن يكون جزءا منها؛ لأنه ليس تاجرا، ولا صانعا، ولا فارسا، ~~ولا جنديا من المشاة، بل فقيرا معدما. # أد ~~: # لم يسمح بفعلة كهذه في أحد النظم السالفة. # س ~~: # ولا يمتنع سقوط ضحايا كهذه في مدن النظام الأوليغاركي، وإلا لما كان ms226 بعض ~~أتباعه غاية في الثراء، والبعض الآخر غاية في الفاقة. # أد ~~: # حقيق. # س ~~: # دعني ألفت نظرك إلى نقطة أخرى: لما كان المرء ينفق الدراهم في أيام غناه، ~~هل كان فيه مثقال ذرة من الفائدة للدولة، باعتبار السبب الذي نصفه الساعة؟ أو ~~أنه مع ظهوره بأنه واحد الحكام لم يكن واحدا منهم على التحقيق ولا خادما ~~للدولة، بل هو مستهلك ثروتها؟ # أد ~~: # بل هو ذاك الثاني، فإنه وإن ظهر حاكما فإنما هو مستهلك. # س ~~: # أفتريد أن نحسبه كذكر النحل الذي هو كوباء في القفير؟ هذا هو المسرف بلاء على ~~الدولة. # أد ~~: # لا شك في ذلك يا سقراط. # س ~~: # أوليس صحيحا يا أديمنتس، أنه وإن لم يسلح الله ذكور النحل الطائرة ~~بحمات، فقد سلح ذكور النحل البشريين بحمات لاذعة؟ ومع أن الخالين من الحمات ~~يقضون العمر متسولين، فأصحابها هم الذين يؤلفون كل نوع من المجرمين. # أد ~~: # بأكثر تحقيق. # س ~~: # فواضح إذا أنك متى رأيت متسولين في مدينة، تعلم أنه يكمن فيها لصوص ~~ونشالون وسارقو هياكل، وأخدان كل نوع من أمثال هذه الجرائم. # أد ~~: # حقيق. # س ~~: # ألا ترى المتسولين كثيرين في مدن الحكم الأوليغاركي؟ # أد ~~: # بلى، كل الأهالي عدا الحكام متسولون. # س ~~: # أفمن رأينا ما يأتي أم لا؟ أن هنالك أشرارا كثيرين أيضا في أمة ذات حمات من ~~هذا النوع، والحكام يجهدون في خضدها. # أد ~~: # إنه من رأينا بكل تأكيد. # س ~~: # أفلا نقول إن نقص التهذيب، وسوء حال الجمهورية، وفساد نظام البلاد، هي ~~العوامل التي أوجدت هذا النوع من الناس فيها؟ # أد ~~: # بلى نقول. # س ~~: # حسنا، فهذه وأمثالها هي حال دولة تحت الحكم الأوليغاركي، وهذه هي خطيئاتها ~~إذا لم نقل أكثر من ذلك. # أد ~~: # لست بعيدا عن الصواب. # س ~~: # فلنختم بحثنا في الجمهورية المدعوة أوليغاركية، وهي التي يتعين حكامها ~~بقياس الثروة، ولننظر في الإنسان الذي يمثلها، كيف نشأ؟ وأي نوع من الناس ~~هو؟ # أد ~~: # فلننظر في ذلك من كل بد. # س ~~: # ألا يتم انتقال الإنسان من التيموكراسية إلى الأوليغاركية، على الصورة ~~التالية أو ms227 ما يقاربها؟ # أد ~~: # وما هي؟ # س ~~: # كان للتيموكراسي ولد يفتخر بوالده ويقتفي خطواته، فانتبه الولد بغتة، وإذا به ~~يرى والده غائصا مع الدولة كما لو كان على صخرة غارقة، يراه بعد ما قاد جيوش ~~وطنه، أو شغل ساميات المناصب قد قيد للمحاكمة؛ لأن الوشاة عطلوا سمعته، ~~فإما أن يحكم عليه بالإعدام، أو ينفى، أو تنتزع حريته ويسلب كل ~~أرزاقه. # أد ~~: # ذلك ممكن الحدوث. # س ~~: # حسنا يا صديقي. فلما رأى الولد ذلك وفقد كل ثروته، ذعر ذعرا شديدا، وسقطت ~~للحال عن عرش نفسه المطامع والمروءة، ولانت شكيمته، وأكب على جمع المال بسبب ~~فقره، فاقتصد دريهمات قليلة، أنماها وزادها حتى جمع ثروة. أفلا تظن أن إنسانا ~~كهذا ينصب على عرش نفسه عنصري الشهوة والطمع ويمسحهما ملكا شرقيا مزدانا ~~بالتاج المثلث والصوالجة والختوم؟ # أد ~~: # أظن. # س ~~: # وأظن أنه يطرح الصفتين: العقلية والحماسية، إلى جانبيه كخدم وعبيد، فلا يأذن ~~للأولى أن تبحث في شيء أو تسأل عن شيء، إلا كيف تنمي الثروة. ولا يدع الأخرى ~~تحترم أو تكرم سوى الغنى والأغنياء، ولا ترغب في مطمع إلا المال أو ما يؤدي ~~إلى إحرازه. # أد ~~: # لا تغير أشد وأسرع من تغير هذا الشاب من طامح إلى الرفعة، إلى طامح ~~بالربح. # س ~~: # فقل لي: أأوليغاركي شخص كهذا أم لا؟ # أد ~~: # على كل حال إن الولد الذي ولد منه هذا الإنسان يمثل نظاما هو سابق نظام ~~الأوليغاركية. # س ~~: # فلننظر هل يمثل هذا (الولد) الأوليغاركية. # أد ~~: # فلننظر. # س ~~: # أول كل شيء: ألا يمثل الأوليغاركية بتعليقه أعظم شأن بالمال؟ # أد ~~: # أكيد إنه يمثلها بذلك. # س ~~: # وأيضا في كونه مقترا كدودا، يقتصر على سد رمقه بأقل نفقة. # أد ~~: # بالتمام. # س ~~: # وبعبارة أخرى: إنه إنسان خسيس، ينتزع الربح من كل مصدر ويحرص عليه. رجلا ~~يجله الكثيرون من الناس. أمخطئ أنا في زعمي أن هذا هو حال رجل يمثل النظام ~~الذي نصفه؟ # أد ~~: # إذا أردت رأيي فإني أراك مصيبا. على كل فالدولة الأوليغاركية والشخص الذي ~~هو تحت البحث، كلاهما يقدر المال فوق كل ms228 شيء. # س ~~: # وأظن أن سبب ذلك هو أنه لم يكلف نفسه عناء التهذيب. # أد ~~: # لا أظن، وإلا لما اتخذ له قائدا أعمى وشرفه فوق الحد. # س ~~: # فدعني أسألك ألا يمكننا القول إن رغباته الطفيلية، المماثلة رغبات ذكر النحل، ~~وهي إما تسولية أو جنائية، تنمو فيه لسبب نقص تهذيبه، وأن اعتبارات أخرى ~~حكيمة تقمعها؟ # أد ~~: # مؤكد يمكننا القول. # س ~~: # أوتعلم أين يجب أن نفتش على مضارها؟ # أد ~~: # أين؟ # س ~~: # في كون «ذكور النحل» أوصياء على اليتامى، أو ما هو من هذا النوع مما يسهل فيه ~~الارتكاب. # أد ~~: # حقيق. # س ~~: # أفلا يتضح من ذلك أنه في معاملاته الأخرى التي يضمن له فيها ظاهر عدالته ~~حسن السمعة، إنما كان يقمع طائفة من الشهوات الردية في نفسه التي لم يخضعها ~~بواسطة الذهن، أو بالامتناع بأن أكفاءها خطأ فظيع. ولكن الضرورة ومخاوفه الخاصة ~~علمته أن يقمعها؛ لأنه كان يرتجف خوفا على ثروته. # أد ~~: # واضح كل الوضوح. # س ~~: # حقا يا صديقي، إن إنفاق هؤلاء القوم ما ليس لهم يريك أنهم يمتلكون شهوات ~~ذكور النحل. # أد ~~: # يمتلكونها بكل تأكيد. # س ~~: # إنسان كهذا هو بعيد عن السلام الداخلي، رجل ذو رأيين، لا ذو رأي واحد، مع ~~أنه غالبا يشعر أن رغباته الدنيا مقهورة أمام العليا. # أد ~~: # حقيق. # س ~~: # ولذا أظن أن هذا الإنسان يبدي ظاهرا أفضل من ظاهر كثيرين، أما فضيلة النفس ~~الحقيقية المقترنة بالاتساق، فهي مناط الثريا. # أد ~~: # هكذا أظن. # س ~~: # والمقتر مزاحم صغير في الحياة المدنية في كل ما سبق، وفي كل مكافأة على ~~امتياز شريف؛ لأنه لا ينفق من ماله ليربح لنفسه شهرة، حذارا من إيقاظ ملكة ~~الإنفاق في نفسه، باستفزازها للاشتراك في معترك كهذا، فيتبع في جهاده النمط ~~الأوليغاركي، أي إنه يحارب بقسم صغير من قوته. وعلى الغالب يصون كيسه ويرضخ ~~للاندحار. # أد ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # أفنتردد في تصديق المطابقة التامة والمشابهة الصحيحة، بين الدولة ~~الأوليغاركية وبين المقتر المتصيد الأموال؟ # أد ~~: # كلا البتة. # س ~~: # والآن نلوي عنان البحث لفحص الطرق التي بها تنشأ الديموقراطية، ms229 والسجية ~~التي تقتبسها يوم تنشأ؛ لكي نتمكن من الكشف عن طبيعة الرجل الذي يمثلها ونقيمه ~~أمامنا للحكم عليه. # أد ~~: # نعم، يلزم أن نخطو هذه الخطوة. # س ~~: # ألا يتم الانتقال من الأوليغاركية إلى الديموقراطية بالرغبة الوثابة ~~العفيفة في الثروة الطائلة، التي يعتقد العامة أنها أعظم البركات، ويحسبون ~~اقتناءها ضربة لازب؟ ويتمشى الانتقال على الصورة التالية. # أد ~~: # أرجوك أن تصفها. # س ~~: # لما كانت قوة الحاكمين في الدولة الأوليغاركية متوقفة كل التوقف على ~~ثروتهم، كانوا يأبون أن يمنعوا شبان العصر المتهتكين من تبذير ثروتهم؛ لأنهم ~~يأملون أنهم بانتزاع أرزاق هؤلاء بإقراضهم إياهم الأموال بالفوائد الفاحشة، ~~يزدادون ثروة وشرفا. # أد ~~: # ليس في ذلك أدنى شك. # س ~~: # أوليس واضحا أنه يستحيل على أفراد الدولة حينذاك إطراء الثروة، مع المحافظة ~~التامة على العفاف؛ لأنهم لا يأمنون إغفال أحد المطلبين: إما الغنى، أو ~~العفاف. # أد ~~: # غاية في الوضوح. # س ~~: # فحكام دول كهذه بإباحتهم غير المشروعة التهتك المطبق، قد يجرون الشبان ~~الكرام المحتد إلى الفقر. # أد ~~: # نعم يجرونهم. # س ~~: # فيكمن شبان بلوا بالفقر على هذه الصورة في زوايا المدينة، مجهزين بالأسلحة ~~وبالحمات، بعضهم مدفوع بالديون، وبعضهم بحرمانه من الحقوق المدنية، وبعضهم ~~مدفوع بالأمرين معا، فيكيدون للأغنياء المحدثين ويبغضونهم لانتزاعهم ثروتهم ~~منهم، كذا يفعلون بكل من يفضلهم كثيرا، ويهيمون بحب الثورة. # أد ~~: # حقيق. # س ~~: # ومن الناحية الأخرى: هؤلاء الماليون يظلون يرمقون مصلحتهم بالنظر، كأنهم لا ~~يرون موقف أعدائهم، ومتى آنسوا فرصة في أحد المتخلفين طعنوه في الصميم بنبال ~~أموالهم المسمومة، واستردوا منه الفوائد أضعاف رأس المال، وبهذه الوسيلة يكثر ~~المتسولون وذكور النحل في الدولة. # أد ~~: # ذلك ما يفعلون. # س ~~: # ولا تتجه همتهم إلى استئصال شأفة هذا الشر المستطير، بميسم تحريم بيع الشعب ~~أرزاقه للإنفاق على لذاته، أو بوضع قانون جديد لاتقاء هذا الخطر. # أد ~~: # وأي قانون تعني؟ # س ~~: # أعني به القانون الذي يلي قانوننا الأول حسنا، موجبا على الأهالي اقتناء ~~الفضيلة؛ لأنه إذا جعل قانون العقود الاختيارية على مسئولية المتعاقدين، كانوا ~~أقل وقاحة في معاملاتهم المالية في المدينة، وكانت ms230 الشرور التي نحن في صددها ~~أقل انتشارا. # أد ~~: # نعم، أقل كثيرا. # س ~~: # فوالحالة هذه، حين يقابل الحكام والرعية أحدهما الآخر، إما في سفر أو في ~~شغل آخر، سواء أكان ذلك زيارة الأماكن المقدسة، أم حملة عسكرية يخدمون فيها في ~~الجيش أو في البحرية، أم حين يشهد أحدهم تصرف الآخر في ساعات الخطر، حيث لا يسع ~~الغني أن يزدري الفقير؛ لأنه كثيرا ما يحدث أن الغني الذي تربى في بحبوحة ~~العيش، وأتخم بوفرة الخيرات، يجد نفسه كتفا إلى كتف مع فقير شديد العضل ~~لوحته الشمس، وهو (الغني) يلهث منهوكا، فحينذاك أتظن أنه يذهب عن ذهن ~~الفقراء في موقف كهذا، أن نذالتهم كانت العامل في إثراء أقوام عديمي الجدارة ~~كهؤلاء؟ أوتظن أنه يمكن أحدهم ألا يهمس إلى أذن أخيه قائلا: إن حكامنا ~~طبول فارغة؟ # أد ~~: # كلا، إني أعلم أنهم يفعلون هكذا. # س ~~: # كما أن الجسم المصاب لا يحتاج إلى أكثر من سبب من الخارج ليثور عليه المرض، ~~وأحيانا ينقسم على ذاته من غير عامل خارجي، هكذا الدولة، فإنها تمثل الجسم ~~المعتل في شئونها، فلا تحتاج إلى أكثر من مستند طفيف من حليف خارجي اتصل بأحد ~~أحزابها من مدينة أوليغاركية، أو من حليف آخر من مدينة ديموقراطية، لتفشي ~~داء خطر ونشوب حرب أهلية. أولا تضطرم منازعات الأحزاب أحيانا دون ما تأثير ~~خارجي؟ # أد ~~: # تضطرم بالتأكيد. # س ~~: # فتنشأ الديموقراطية بفوز الفقراء، فيقتلون بعض خصومهم، وينفون غيرهم ويتفقون ~~مع الباقين على اقتسام الحقوق والمناصب المدنية بالتساوي، ويغلب في دولة كهذه ~~أن تكون المناصب بالاقتراع. # أد ~~: # لقد وصفت نشأة الديموقراطية، سواء تم ذلك بالحرب أو بانسحاب خصومها من ~~الميدان مذعورين. # س ~~: # فأخبرني كيف يتصرف هؤلاء في إدارة الدولة؟ وما هي صفات هذا النظام الثالث؟ ~~وواضح أننا سنجد الإنسان الذي يمثله مطبوعا بطابعه وموسوما بميسمه. # أد ~~: # حقيق. # س ~~: # فأول كل شيء: أليسوا أحرارا، أوليست حرية القول والفعل فاشية في الدولة، ~~فيفعل المرء ما يشاء؟ # أد ~~: # هكذا قيل لنا. # س ~~: # وحيث فشت الإباحة رتب كل فرد نظام حياته ms231 وفقا لملذاته. # أد ~~: # واضح أنه يرتبه. # س ~~: # وعليه: أرى أن ينشأ في هذه الجمهورية أعظم تباين في الخلق. # أد ~~: # ينشأ من كل بد. # س ~~: # وقد يكون هذا النظام أجمل النظم؛ لأنه مزخرف بكل أنواع السجايا، فيلوح ~~جميلا كالثوب المزركش بكل أنواع النقوش، وقد يعجب الكثيرون بهذه الجمهورية ~~كأجمل الأشياء إعجاب النساء والأولاد بالثياب الزاهية الألوان. # أد ~~: # كثيرون يعجبون بلا شك. # س ~~: # نعم يا صديقي الفاضل، وإذا كنا نفتش عن جمهورية فمن حسن الرأي ~~إيجادها. # أد ~~: # ولماذا؟ # س ~~: # لأنها تحوي كل أنواع الحكومات بسبب الإباحة التي ذكرتها، وإذا أراد أحد أن ~~يؤسس دولة كما كنا نعمل الساعة، فليقصد إلى مدينة ديموقراطية، سوق ~~الجمهوريات، ويختار الصفة التي تخلب لبه ويؤسس دولته عليها. # أد ~~: # ويمكننا أن نقول آمنين سلامة العواقب: إنه لن يحار في اختيار نماذج. # س ~~: # ثم إنك غير مضطر أن تتوج منصبا في هذه الدولة، وإن تكن فيك المواهب التي ~~يستلزمها الحكم، ولا تضطر إلى الخضوع للحكومة إذا لم تكن مريدا، أو أن تذهب ~~إلى الحرب لأن مواطنيك خاضوا عبابها، أو تطلب السلام لأنهم طلبوه. ثم تأمل في ~~أنه ولو أنكر القانون عليك أن تتولى المناصب، أو تتقلد الحكم، فإنك تفعل ~~هذا وذاك إذا تسنى لك، غير هياب. فقل: أليس نمط حياة كهذه سارا كثيرا، ~~ولو إلى حين؟ # أد ~~: # نعم، ربما إلى حين. # س ~~: # أوليست وداعة بعض المجرمين في المحكمة أمرا نفيسا؟ أولم تلاحظ أن أناسا ~~محكوما عليهم بالإعدام أو بالنفي في هذه الدولة، لا يزالون يسرحون في عرض ~~الشارع ويمرحون مرح الأبطال في ميدان العرض، كأن لا أحد يراهم أو يسأل ~~عنهم؟ # أد ~~: # لاحظت أمثلة كثيرة من هذا القبيل. # س ~~: # أوليس بديعا صبر الحكومة وتفوقها التام في زهيد الأمور، بل كرهها التعليم ~~الذي أثبتناه لما أسسنا دولتنا، وهو أنه: لا أحد يمكنه أن يكون صالحا ما ~~لم يكن ذا عبقرية خارقة، وقد ألف الموضوعات الجميلة منذ حداثته، ودرس الدروس ~~العالية؟ فما أفظع فعلتها في دوس هذه القوانين بقدميها، دون أن ms232 تكلف نفسها أقل ~~عناء، في اقتفاء آثار السابقين في مضمار السياسة ممن بلغ مراتب الشرف، إذا ~~أبدوا حسن نية نحو العامة. # أد ~~: # كبرت فعلة تصدر منهم. # س ~~: # هذه بعض خصائص الديموقراطية، ويمكننا أن نضيف إليها بعضا آخر من أمثالها، ~~والأرجح أن تكون جمهورية مستحبة، فوضوية، ملونة، تعامل جميع الأفراد بالمساواة، ~~سواء كانوا متساوين أو لا. # أد ~~: # إن حقائق تجليها هي غاية في الوضوح. # س ~~: # فأذن لي أن أسألك أن تفحص خلق الفرد الذي يطابقها، فهل نبدأ بالبحث عن أصله ~~كما فعلنا بالجمهورية؟ # أد ~~: # نعم. # س ~~: # أفلست مصيبا في ظني أنه الابن الأوليغاركي الشحيح، الذي تربى في كنف ~~والده وتخلق بخلقه؟ # أد ~~: # دون شك إنه هو. # س ~~: # وهذا الابن كأبيه، يقمع الشهوات التي تميل به إلى التبذير، لا إلى جمع المال. ~~أعني الشهوات التي عرفت أنها لذات غير ضرورية. # أد ~~: # إنه يقمعها. # س ~~: # ولئلا نخبط خبط عشواء، أفتريد أن تحدد الشهوات الضرورية والشهوات غير ~~الضرورية؟ # أد ~~: # إني أريد. # س ~~: # أفليس من العدالة إطلاق لفظ «ضرورية» على الشهوات التي يتعذر علينا هجرها، ~~والتي سدها خير لنا؟ لأن طبيعتنا لا يمكنها ألا تشعر بهذين النوعين من ~~الرغبات. أيمكنها؟ # أد ~~: # مؤكد أنه لا يمكنها. # س ~~: # فنحن إذا مزكون بادعائنا ضروريتها. # أد ~~: # مزكون. # س ~~: # أولسنا مصيبين إذا قلنا إن الشهوات غير الضرورية هي ما يمكننا تركه في ~~التهذيب الباكر، والتي وجودها لا يأتينا بنفع، بل قد يكون ضارا. # أد ~~: # إنا مصيبون. # س ~~: # أفلا يحسن بنا أن نورد مثلا من نوعي الشهوات كليهما، ليكون عندنا صورة عامة ~~منهما؟ # أد ~~: # ذلك لازم حتما. # س ~~: # أفليست شهوة الطعام (الخبز واللحم البسيط) اللازم للصحة والذي اعتاده ~~الجسم، ضرورية للحياة؟ # أد ~~: # هكذا أظن. # س ~~: # وشهوة اللحم ضرورية، على الأقل لسببين، كونها نافعة، وكونها ضرورية لقوام ~~الحياة. # أد ~~: # نعم. # س ~~: # وشهوة الخبز ضرورية بقياس تأديتها إلى تحسين صحة الجسم. # أد ~~: # مؤكد. # س ~~: # وأما شهوة اللحوم الأخرى غير البسيطة التي يمكن الأكثرين تجنبها، وهي مضرة ~~للجسم وللنفس أيضا في سبيل طلابها الحكمة ms233 والعفاف، فمن الصواب إدراج شهواتها ~~في قائمة «الشهوات غير الضرورية». # أد ~~: # غاية في الصواب. # س ~~: # ألا تحسب شهوات النوع الثاني خاسرة والأولى رابحة؛ لأنها تساعد على ~~الإنتاج؟ # أد ~~: # بلا شك. # س ~~: # أفيمكننا أن نحكم في الحب وفي باقي الشهوات هذا الحكم نفسه؟ # أد ~~: # نعم. # س ~~: # أولم نصف الرجل الذي لقبناه مؤخرا «بذكر النحل» بأنه مثقل باللذات ~~والرغبات الخاسرة، وأنه محكوم بشهوات غير ضرورية؟ ووصفنا الرجل الذي تحكمه ~~الشهوات الضرورية بأنه شحيح وأوليغاركي. # أد ~~: # وصفناهما دون شك. # س ~~: # فلنعد إليهما، ونبين كيف تحول الأوليغاركي ديموقراطيا؟ # أد ~~: # وكيف حصل ذلك؟ # س ~~: # أريد أن تفرض أن بدء تحول الشاب من أوليغاركي قلبا وقالبا إلى ديموقراطي ~~يؤرخ منذ ذاق عسل ذكور النحل، بعدما نشأ كما كنا نقول الساعة في الجهل ~~والشح، وتعرف إلى وحوش ضارية جهنمية، قادرة أن تمده بكل نوع من اللذات ~~العديدة والوجهات المتنوعة. # أد ~~: # لا يمكنني إلا أن أفرض. # س ~~: # أويمكننا أن نقول: إنه كما تحولت الدولة إلى أحد النوعين بمساعدة حليفة ~~خارجية تجمعها بها صبغة مشتركة، كذلك يتحول الشاب بمساعدة خارجية تساعدها ~~أنواع الشهوات، فتهيب بها إلى أحد النوعين اللذين فيه بداعي العلاقة ~~والمجانسة؟ # أد ~~: # مؤكد أنه يمكننا. # س ~~: # وإذا عضد العنصر الأوليغاركي حليف خارجي ناشئ إما عن والده أو عن ~~أقاربه الذين أنبوه وبكتوه، فحينذاك ينشب في داخله نضال هائل بين ~~الميلين. # أد ~~: # بلا شك. # س ~~: # وقد يستسلم الميل الديموقراطي في داخله إلى القوة الأوليغاركية، فتتمزق بعض ~~الشهوات، أو تنفى بسبب وجود حاسة الخجل في عقل الشاب، فيستتب فيه ~~النظام. # أد ~~: # ذلك ما يحدث أحيانا. # س ~~: # على أن شهوات جديدة نسبية التي أبعدت تنشأ فيه خفية، وبسبب نقص في تدريب ~~والده تزداد عددا وحولا. # أد ~~: # هذا هو الواقع عادة. # س ~~: # فتجره هذه الشهوات إلى محبة القديم باقترانها فيه سرا، فتتوالد ~~بكثرة. # س ~~: # وأخيرا تحاصر الشهوات حصن قلب الشاب لخلوه من المعرفة الصحيحة والطلب ~~الجميل، والنظريات السديدة التي تسهر على مراقبة نفوس الذين تحبهم ~~الآلهة. # أد ~~: # وذلك هو أفضل. # س ms234 ~~: # ولتعزيز مركزها تنفث في نفسه ميلا إلى الصلف والغرور وآراء زائفة، فتنتزع ~~منه حصن النفس. # أد ~~: # هكذا تفعل. # س ~~: # أفلا يعود إلى الشهوات ويساكنها؟ وإذا بعث أحد أقاربه بنجدات إلى العناصر ~~المقتصدة في نفسه أوصد الميل إلى الغرور والصلف في وجهها أبواب الحصن الملوكية، ~~فتحول دون دخولها، وتمنع وصول النصائح إلى نفسه كالسفراء الدوليين. أولا ~~تقاتلها مواجهة وتربح المعركة، فتصف الحياء بالحماقة، وتطرحه خارجا كأسير ~~حقير، وتطرد العفاف مهانا، ملقبة إياه جبانة؟ أولا تبرهن بمساعدة ~~الشهوات الأخرى العديمة النفع، على أن التوفير والاتزان فظاظة وجهل، فتبعدهما ~~إلى ما وراء الحدود؟ # أد ~~: # هكذا تفعل بكل تأكيد. # س ~~: # فبهذه الصورة تخلي نفس أسيرها من الفضائل، وتحل محلها المخازي الكبرى، ~~وتتقدم إلى إرجاع التمرد والتهتك والوقاحة، تصحبها السفاهة والشراهة بحاشية ~~كبيرة بأبهة عظيمة وهي متوجة، فتفخمها وتلقبها ألقابا أنيقة، فتدعو ~~السفاهة: حسن التربية، والتمرد: دماثة، والفوضى: حرية، والتهتك: فخامة، ~~والوقاحة: شجاعة. أفليس هذا هو الطريق الذي فيه يهوي الشاب بعد ما تربى على ~~رعاية الرغبات الضرورية فقط، لينجو من رق الاستعباد، ويقمع الشهوات غير ~~الضرورية واللذائذ الضارة؟ # أد ~~: # ينحدر بكل وضوح. # س ~~: # ثم ينفق هذا الإنسان مالا ووقتا وجهودا على اللذات غير الضرورية كما على ~~الضرورية، وإذا كان حسن الحظ لم يغرق في الفجور. ومتى تقدم في السن وخف ~~ضوضاء الشهوات في نفسه، يسترد بعض تلك الفضائل المقصاة عنه، ولا يسلم نفسه ~~للغزاة تسليما كليا، وفي تلك الحال لا يميز بين لذاته، بل يسير مع أية ~~لذة عرضت له في طريقه، وبعد أن يسد هذه يلتفت إلى الأخرى، فلا يحتقر إحداها، بل ~~يرعاها سواء بسواء. # أد ~~: # بالتمام هكذا. # س ~~: # وإذا قيل له إن بعض اللذات صالح شريف وبعضها سافل شرير، وإنه يجب اتباع تلك ~~واعتبارها، وهجر هذه واحتقارها، رفض هذا التعليم الصحيح ولم يأذن بدخوله إلى ~~نفسه، بل يهز رأسه لدى سماع هذه الأقوال هزة الإنكار، مصرا على أن ~~الشهوات كلها متماثلة، وتلزم رعايتها على السواء. # أد ~~: # نعم، هذه حاله وهذا هو تصرفه. ms235 # س ~~: # فيعيش يوما فيوما يساير الشهوة الطارئة، آونة يشرب على نغمات الموسيقى مع ~~مزاولة التمارين الرياضية، وآونة يكسل فيهمل كل شيء، ثم يعيش عيشة طالب ~~الفلسفة، ويغلب أن يشترك في المصالح العمومية وينهض إلى الخطابة، مدفوعا إليها ~~بعامل حالي، وتارة يقتفي خطوات كبار القواد، متهافتا على امتيازاتهم، ثم ~~يتحول تاجرا حسدا منه للتجار الناجحين. وليس في حياته نظام ولا قانون رادع ، ~~بل يعكس على مسراته وحريته وسعادته إلى نهاية الحياة. # أد ~~: # لقد أجدت وصف الحياة التي يحياها من كان شعاره «الحرية والمساواة». # س ~~: # نعم، وأراها حياة متعددة الوجهات، كثيرة الأوصاف، وأرى هذا الإنسان بما فيه ~~من مختلف الأوصاف الجميلة يمثل بطبعه المدينة التي أتينا على وصفها: رجلا ~~يحسده كثيرون وكثيرات، وفيه مثل كثيرة لمختلف الجمهوريات والنظم. # أد ~~: # حقيق. # س ~~: # فماذا نفعل إذا؟ أنجعله مثلا للديموقراطية ثقة منا بأنه بحق دعي ~~ديموقراطيا؟ # أد ~~: # نجعله كذلك. # س ~~: # بقي علينا فقط أن نصف أجمل الجمهوريات وأجمل الناس، أي الاستبدادية ~~والمستبد. # أد ~~: # إنك مصيب تماما. # س ~~: # هلم يا رفيقي العزيز، وقل كيف نشأ الاستبداد؟ فالواضح أنه يتخطى إليه من ~~الديموقراطية. # أد ~~: # واضح. # س ~~: # فهل تلد الديموقراطية الاستبداد حتما على النحو الذي ولدتها ~~الأوليغاركية؟ # أد ~~: # أوضح ذلك. # س ~~: # الخير الأعظم عند الأوليغاركي هو المال الكثير، الآلة التي بها شيد بنيانه. ~~أليس كذلك؟ # أد ~~: # نعم، هو المال. # س ~~: # فالرغبة الزائدة في طلب المال والتضحية بكل شيء في سبيل الحصول عليه، ~~قوضتا ركن الأوليغاركية. # أد ~~: # حقا. # س ~~: # أفيمكننا أن نقول إن الديموقراطية كالأوليغاركية، تقتلها الرغبة الزائدة في ~~ما تحسبه خيرها الأعظم؟ # أد ~~: # وما الذي تظنه خيرها الأعظم؟ # س ~~: # هو «الحرية»، فإنها أجمل ما في الديموقراطية؛ ولذا كانت الملاذ الأوحد لمن ~~فطر على حب الحرية. # أد ~~: # حقا، إن هذه هي اللهجة المتبعة. # س ~~: # فلنعد إلى العبارة التي كنت أحاول الساعة أن أصوغها، وهي: أمصيب أنا في ~~قولي إن الرغبة الزائدة في شيء واحد وإغفال كل ما سواه، تحول الديموقراطية ~~كما حولت الأوليغاركية، وتمهد السبيل إلى الاستبداد؟ # أد ~~: # وكيف ms236 ذلك؟ # س ~~: # حين تزول الدولة الديموقراطية المتعطشة إلى الحرية تحت سيطرة رؤساء أشرار، ~~وتتجاوز الحد في ارتشاف كئوس الحرية، أرى أنها تشرع في مقاضاة حكامها ~~كأوليغاركيين أشرار، وتروم معاقبتهم بهذه التهمة، إلا إذا رضخوا لها كل ~~الرضوخ، وصبوا لها كأس الحرية مترعة. # أد ~~: # ذلك ما يحدث. # س ~~: # وتهين الخاضعين للحكام وتلقبهم «عبيدا مختارين» و«حاشية النفع». أما الحكام ~~الذين يقلدون الرعية والرعية التي تقلد الحكام، فتمدح على السواء وتكرمهما ~~سرا وجهرا. ألا ينتج عن ذلك أن الحرية تبلغ في هذه الدولة أقصى ~~مداها؟ # أد ~~: # أكيد، إنه ينتج. # س ~~: # نعم يا صديقي، أفلا تتسرب عدوى الفوضى الفاشية في الدولة إلى البيت وتنتشر ~~في كل ناحية، وأخيرا تتأصل حتى في البهائم؟ # أد ~~: # وماذا نفهم من ذلك؟ # س ~~: # أعني أن الوالد يقلد طفلا فيبدي الخوف من أولاده، والولد يقلد رجلا فيمتهن ~~والديه ولا يهابهما إظهارا لحريته. وأن الأهالي والدخلاء والأجانب كلهم على ~~قدم المساواة. # أد ~~: # إنك مصيب باعتبار نتائج هذه الأشياء. # س ~~: # أطلعتك على بعض النتائج، فدعني أطلعك على بعض آخر. يهاب الأستاذ تلاميذه في ~~تلك الأحوال ويملقهم، ويحتقر الطلاب معلميهم ومهذبيهم، وبالإجمال: يمثل الأحداث ~~الشيوخ ويقارعونهم قولا وفعلا، ويسفل الشيوخ في تمثيل الصغار فرحا ومرحا، ~~لئلا يظهروا على زعمهم شكسين أو متنفذين. # أد ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # وأقصى ما يبلغ أهالي هذه الجمهورية من الحرية أيها الصديق، هو تطاول العبيد ~~من الجنسين على حرية أسيادهم، وقد فاتني أن أذكر إلى أي حد تمتد هذه الحرية ~~المتبادلة بين الرجال والنساء. # أد ~~: # أفلا ننبس ببنت شفة، جريا على قول أسخيلس. # س ~~: # من كل بد، وإني ممن يفعلون ذلك حين أخبرك أن من لم يختبر بنفسه لا يصدق ~~أن البهائم تمتلك حرية في هذه الحكومة أكثر من كل حكومة أخرى، فتبدي الخيول ~~والحمر بطرها بما أحرزت من حرية ورفعة، فتجري سراعا صادمة كل من لا يحيد عن ~~سبيلها. وعلى هذا القياس تتمادى الحيوانات الأخرى في الحرية. # أد ~~: # إنك تقص علي حلمي، فإن ذلك ما اختبرته في تجوالي ms237 في الأرياف. # س ~~: # فلنجمع كل هذه الأمور معا، أفتدري أنها تنتهي عند هذا الحد، وهو أن الأهالي ~~نظرا إلى شدة إحساسهم لا يحتملون أدنى إشارة إلى الاستعباد؟ وأنت عالم أن ~~الأمر ينتهي بهم إلى ازدراء الشرائع المكتتبة والشفاهية لئلا يروا - على ~~قولهم - «ظل سيد». # أد ~~: # أعلم ذلك جيدا. # س ~~: # فهذه هي البداءة الجميلة السارة أيها الصديق، إذا لم أكن مخطئا ، التي ~~منها يتولد الاستبداد. # أد ~~: # حقا إنها سارة. فماذا يحدث بعد ذلك؟ # س ~~: # يفشو في الديموقراطية الداء الذي فشا في الأوليغاركية فدمرها، ويزيد في هذه ~~سما وفتكا بسبب إباحة المحيط، فيؤدي ذلك إلى الاستعباد. وكل محاولة تبذل ~~للتغلب على سير الحوادث العامة تؤدي إلى نقيض المقصود منها. هذا الحكم نافذ ~~في كل أنواع الحكومات، ولا يختص بفصول السنة، وبمملكتي النبات ~~والحيوان. # أد ~~: # إن ذلك طبيعي. # س ~~: # ولا يمكن أن تفضي الحرية الزائدة إلى غير العبودية الزائدة، سواء في هذا ~~الحكم الدول والأفراد. # أد ~~: # إنها تفضي إلى ذلك. # س ~~: # فالأرجحية الكبرى قاضية بأن تكون الديموقراطية والديمقراطية وحدها واضعة ~~أسس الاستبداد، أي إن أشد حرية وأعظمها تضع أسس أشد استبداد وأثقله. # أد ~~: # أجل، إنه بيان معقول. # س ~~: # ولكن ليست هذه مسألتك، بل كنت تسأل: ما هو الداء الذي يشتد في الأوليغاركية ~~والديموقراطية فيحول هذه إلى الاستعباد؟ # أد ~~: # هذه هي مسألتي. # س ~~: # حسنا. إني أشير إلى طبقة الكسالى والمسرفين التي يكون فيها الشجاع قائدا ~~والجبان تابعا، وقد شبهنا أولهما بذكر النحل ذي الحمة، والثاني بعديم الحمة ~~إذا كنت تذكر. # أد ~~: # أذكر ذلك. وبحق هما كما تقول. # س ~~: # فهاتان الفئتان هما كالبلغم والصفراء في الجسم العضوي، يسببان اضطرابا في ~~كل حكومة، فيلزمهما طبيب نطاسي وقاض خبير كمربي النحل، يحتاط للأمر فيحول دون ~~نشوئهما إذا أمكن، وإذا ظهرا فإنه يقصيهما بأسرع ما يمكن مع أقراص الشهد التي ~~يصنعانها. # أد ~~: # ذلك هو الواجب من كل بد. # س ~~: # فلنضع المسألة بهذه الصورة لنرى ما نروم رؤيته على وجه أوضح. # أد ~~: # وكيف ذلك؟ # س ~~: # لنفرض أن الديموقراطية قسمت ms238 إلى ثلاث فئات كما هو الواقع، يؤلف الذين ~~وصفناهم كما أسلفنا إحدى هذه الفئات، وتنتشر فيها الإباحة كما في ~~الأوليغاركية. # أد ~~: # حقيق. # س ~~: # ولكنها أشد في الأولى منها في الأخرى. # أد ~~: # وكيف ذلك؟ # س ~~: # كانت هذه الفئة في الأوليغاركية مرذولة محرومة من المناصب، فاتصفت بالضعف ~~ونقص الخبرة. أما في الديموقراطية فهي - إلا بعض أفرادها - صاحبة الأمر، فيجهر ~~أشد أعضائها بالقول والفعل، ورفقاؤهم من حولهم على المقاعد يجأرون بالاستحسان ~~دون معارضة، فتدار كل أعمال الجمهورية - إلا ما ندر - بأيدي هؤلاء. # أد ~~: # مؤكدا. # س ~~: # أضف إلى ذلك فئة ثانية فصلت عن المجموع. # أد ~~: # وما هي؟ # س ~~: # إذا انصب الجميع على حشد المال فأكثرهم انتظاما بالطبع يصيرون ~~أغناهم. # أد ~~: # أرجح حدوث هذا، فأستخلص من ذلك أن أسرع وأغزر ما يجني هؤلاء الناس عسل ~~يشتريه ذكور النحل. # أد ~~: # الأمر أكيد؛ لأنه كيف يتسنى للفقراء أن يشتروه؟ # س ~~: # ويدعون مثرين، وذلك يعني في عرفانهم أنهم علف ذكور النحل. # أد ~~: # ذلك قريب جدا من الواقع. # س ~~: # وجمهور العامة هو الفئة الثالثة، وهم العاملون بأيديهم. لا يتدخلون في ~~السياسة وليسوا أغنياء كثيرا. وهذه الطبقة أوفر عددا في الديموقراطية وأعظم ~~شأنا، اللهم إذا اجتمعت كلمتها. # أد ~~: # حقيق. ولكن اجتماع كلمتها نادر، إلا إذا أصابت قسطا من العسل. # س ~~: # ولذا تصيب على الدوام قسطا منه، بشرط أن يحتفظ زعماؤها لأنفسهم بالقسم ~~الأكبر من أموال المثرين التي يستلبونها منهم، ويوزعونها على العامة إذا أمكنهم ~~ذلك. # أد ~~: # لا شك في أنها تصيب سهما من العسل بهذه الوسيلة. # س ~~: # فتقضي الضرورة على المسلوبين بالتزام خطة الدفاع عن أنفسهم، بالخطب في جماهير ~~العامة على قدر طاقتهم. # أد ~~: # دفاعهم مقرر. # س ~~: # ولهذا السبب يتهمون بالثورة على الأمة ولو كانوا لا يريدون الثورة، وبأنهم ~~أوليغاركيون. # أد ~~: # لا شك في ذلك. # س ~~: # فيصيرون أخيرا أوليغاركيين حقيقيين أرادوا أو لم يريدوا؛ لأنهم يرون ~~العامة مقتنعة بأنهم أوليغاركيون لنقص معلوماتها، وقيام الوشاة ضدهم بحملة ~~منظمة، قصد إفساد سمعتهم وإقناع العامة بأن الأغنياء أوليغاركيون. هذه إحدى ~~مساوي ذكور النحل ms239 أرباب الحمات، الذين أتينا على ذكرهم. # أد ~~: # حتما هكذا. # س ~~: # فتقوم المرافعات ويثور الاضطهاد، وتصدر الأحكام من كل فئة ضد أختها. # أد ~~: # حقيق. # س ~~: # أوليس من عادة العامة اختيار بطل خاص يولونه قضيتهم، ويحتفظون به ~~ويعظمونهم؟ # أد ~~: # نعم، إنها عادتهم. # س ~~: # وحيث نشأ الاستبداد كان ممكنا الرجوع في درس تاريخه إلى هذه البطولة، وهي ~~الأصل الذي منه نشأ الاستبداد. # أد ~~: # ذلك واضح. # س ~~: # فما هي الخطوات الأولى في تحول البطل إلى مستبد؟ أيمكننا أن نرتاب في أن ~~التحول يؤرخ منذ شروع البطل في عمل الرجل المذكور في أسطورة هيكل زفس ~~الليسي بأركاديا؟ # أد ~~: # أية أسطورة؟ # س ~~: # إن العابد الذي يذوق معى الإنسان ممزوجة بمعى الذبائح يتحول ذئبا. ألم ~~تسمع هذه الأسطورة؟ # أد ~~: # بلى سمعتها. # س ~~: # فمتى رأى بطل العامة منها هذا الرضوخ إلى حد أنه لا حاجة فيه إلى إراقة دم ~~القريب، أفلا يضطهدهم بدعوى مختلقة شأن أمثاله؟ فيلطخ يديه بالدم ويزهق ~~الأرواح البشرية، فيمتص دماءهم بشفتين نجستين، ويلحسهما بلسان غير طاهر؟ ~~فينفي ويقتل ويصدر أمرا بإلغاء الديون وإعادة توزيع الأراضي. ألا يلزم عن ذلك ~~أن رجلا كهذا، إما أن يغتاله أعداؤه، أو أنه يزداد استبدادا فيتحول ~~ذئبا؟ # أد ~~: # لا مندوحة عن أحد هذين الأمرين. # س ~~: # هذا مصير الرجل الذي يناوئ الماليين. # أد ~~: # هذا هو. # س ~~: # فإذا نفي ثم عاد من منفاه رغما عن مقاومة أعدائه، أفلا يعود مستبدا ~~تاما؟ # أد ~~: # واضح أنه هكذا يحدث. # س ~~: # وإذا رأى أعداؤه أنهم عاجزون عن نفيه بواسطة الشكاية يكيدون له سرا ~~لاغتياله. # أد ~~: # هذا ما يحدث عادة. # س ~~: # فتداركا لهذا الخطر ابتكر كل من ولي الأحكام الحيلة المبتذلة، وهي أنه ~~يطلب من الأمة أن يعين حرسا خاصا لئلا يخسروا صديقهم ~~المفدى. # أد ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # فيلبي العامة هذا الطلب لجزعهم عليه، مع أنهم آمنون على حياتهم. # أد ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # والنتيجة: أنه متى لاحظ ذلك مثر، ممن يمقتون الديموقراطية، فحينذاك يحدث ~~ما نص عليه الوحي وهو بيد كريسيس، وهو: # يطير ملتفا بثوب هرمس ms240 # دون وقوف في دياجي ~~الغلس # لجبنه شأن أخس الأنفس # أد ~~: # لا مندوحة له عن الجبانة. # س ~~: # ومن قبض عليه من أعدائه فإلى الإعدام. # أد ~~: # بالتأكيد. # س ~~: # أما البطل ففي مأمن ممن وقعوا تحت نيره الثقيل، فلقد أوقع كثيرين وفاز ~~بنفسه بمركبة الدولة، وتحول إلى مستبد عظيم. # أد ~~: # لا غنى عن ذلك. # س ~~: # أفنبحث في سعادة الإنسان وسعادة المدينة التي ينشأ فيها ابن الموت ~~هذا؟ # أد ~~: # بكل تأكيد. فدعنا نفعل ذلك. # س ~~: # أفلا يهش في مستهل حكمه وأوائل استبداده ويبش؟ أولا يحيي من قابله ~~منكرا أنه مستبد؟ ويكثر من الوعود في السر والعلن؟ أوليس مما يفعله أيضا ~~إلغاء الديون، وتوزيع الأراضي على العموم، ولا سيما على أشياعه؟ ويتظاهر ~~بالوداعة والحنان على الجميع؟ # أد ~~: # لا يمكن أن يكون غير ذلك. # س ~~: # ومتى أراح نفسه من أعدائه، بعضهم نفيا وبعضهم صلحا، يشرع في شن الغارات ~~ليظل الشعب في حاجة إلى قائد؟ # أد ~~: # هذا مسلكه الطبيعي. # س ~~: # أوليس من مقاصده أن يفقر شعبه بكثرة الضرائب، فيصيرون محتاجين إلى القوت ~~اليومي؛ ولهذا السبب يصبحون أقل استعدادا للتآمر عليه. # أد ~~: # واضح أنه كذلك. # س ~~: # أومخطئ أنا في ظني أنه إذا ارتاب في بعضهم بأنهم يبثون في الأمة روح ~~الحرية لكي لا يدعوه يملك بسلام؛ وطن النفس على القذف بهم إلى ميدان ~~الأعداء لينجو منهم، فيكون شغله الشاغل إصلاء نار الحرب؟ # أد ~~: # ذلك لازم. # س ~~: # أفلا تزداد الرعية بذلك مقتا له؟ # أد ~~: # من كل بد. # س ~~: # أولا ينتج بالضرورة أن بعض أشياعه يصارحه برأيه ويبادله الأفكار عائبا ~~عليه إدارته؟ # أد ~~: # هكذا ينتظر الإنسان. # س ~~: # فإذا رام الطاغية أن يستتب له الأمر، وجب أن ينحي كل هؤلاء من طريقه، فلا ~~يبقى على ذي جدارة من أعدائه ولا من أصدقائه. # أد ~~: # واضح أنه يفعل ذلك. # س ~~: # فيرقبهم مدققا ليرى من فيهم رجل، ومن كريم النفس، ومن نبيه أو غني. ولحسن ~~حظه أراد أو لم يرد فالضرورة قاضية عليه أن يكون عدوا للجميع، وأن يكيد لهم ~~حتى يطهر المدينة منهم. ms241 # أد ~~: # واضح أنه يفعل ذلك. # أد ~~: # يا له من تطهير عظيم. # س ~~: # نعم. فإنه يفعل ضد ما يفعله الأطباء في تطهير الأجسام، أولئك يخرجون من ~~الجسم المواد الفاسدة ويبقون الجيدة، أما المستبد فيخرج الجيد ويبقي ~~الفاسد. # أد ~~: # هذه خطته: الوحدة ليستتب له الحكم. # س ~~: # فهو مقيد بأقصى ضرورة، إما أن يعيش بين أشخاص منحطين أكثرهم عديمو ~~النفع ويكون مكروها منهم ، أو أنه لا يعيش. # أد ~~: # هذا هو التخيير. # س ~~: # وبقياس ازدياد بغضهم له لسوء سلوكه، يرى أنه في حاجة إلى حرس أوفر عددا ~~وأصفى إخلاصا له. أليس كذلك؟ # أد ~~: # من المعلوم أنه كذلك. # س ~~: # فمن يأتمن إذا؟ ومن أين يأتي بخدم أمناء؟ # أد ~~: # يأتونه على جناح السرعة إذا جاد عليهم بالمال. # س ~~: # أقسم أنك تفكر بمجموع من أجانب ذكور النحل. # أد ~~: # لم تخطئ الظن. # س ~~: # أفيتردد في تجنيد الجنود في الحال؟ # أد ~~: # وبأي طريقة. # س ~~: # بانتزاع العبيد من حوزة الوطنيين وتحريرهم، وإدماجهم في الحرس الخاص. # أد ~~: # لا يتردد في ذلك لأن أشخاصا كهؤلاء محط ثقته. # س ~~: # وما أسعد تعنته بالاستبداد إذا اتخذ رجالا كهؤلاء أصدقاء وملازمين أمناء ~~بعد أن أفنى الأولين! # أد ~~: # حقا إنه يسلك هذا المسلك. # س ~~: # أفلا يعتبره أصحابه هؤلاء كثيرا ويصحبه الشبان منهم، أما الكاملون ~~فيبغضونه ويهجرونه؟ # أد ~~: # وكيف يمكن أن يكون غير ذلك؟ # س ~~: # فلم يخطئ الناس في حسبانهم المآسي مجلى حكمة، ويوربيدس أمهر كتابها ~~حكيما. # أد ~~: # لأي سبب؟ # س ~~: # لأنه قال القول التالي، وهو مظهر عقل وتفكر: المستبدون حكماء في ~~محادثة الحكماء. ولا ريب في أنه أراد بالحكماء: أشياع المستبد. # أد ~~: # ومن مزايا الاستبداد العديدة أنه محسوب إلهيا عند يوريبيدس وعند غيره من ~~الشعراء. # س ~~: # فسيعذرنا كتاب المآسي كأناس حكماء، مع مقتبسي نظامنا جمهوريتنا، على ~~رفضنا دخولهم في دولتنا لأنهم مطرئو الاستبداد. # أد ~~: # وأظن أن كل كتاب المآسي الأدباء سيعذروننا. # س ~~: # وأعتقد أنهم في الوقت نفسه سيطوفون الدول الأخرى ويجمعون الجموع ويستأجرون ~~أناسا مفوهين ذوي أصوات عالية، يجرون الناس إلى الديموقراطية ~~والاستبداد. # أد ~~: # مؤكد أنهم ms242 يفعلون ذلك. # س ~~: # فيكافئون على هذه الخدمات، ولا سيما من قبل المستبدين، كما نتوقع من ~~قبل الديموقراطية في دائرة ضيقة. وعلى قياس ارتفاعهم في الدولة يقل إكرامهم ~~بالتدريج، كأنه عجز عن الارتقاء لضيق النفس. # أد ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # قد خرجنا عن موضوع البحث، فلنعد إليه. كيف يعال جيش المستبد القوي ~~الجرار، المتعدد الأنواع، المعرض لأنواع التغير والتبدل؟ # أد ~~: # الأمر واضح : أنه إذا كان في المدينة أوقاف فإن المستبد يبيعها وينفق ثمنها ~~عليهم مهما ينتج عن ذلك، ويوالي هذا العمل من حين إلى حين، تخفيفا للضرائب عن ~~مناكب الأمة. # س ~~: # وإذا نضب هذا المورد، فماذا يفعل؟ # أد ~~: # واضح أنه يمد يده إلى أرزاق والديه لإعالة نفسه ورفاقه الثملين ورجاله ~~ووصيفاته. # س ~~: # فهمتك. إنك تعني أن العامة الذين ولدوا الطاغية يعولونه وأتباعه. # أد ~~: # لا يمكنه التنصل من ذلك. # س ~~: # أرجو أن توضح فكرك، فإذا رفض الجمهور هذه المهنة، وزعموا أنه ليس من العدالة ~~أن يعول الوالد ابنه الراشد، بل بالعكس، يجب على الابن أن يعول والده، وأنهم ~~ولدوا الطاغية وعالوه لا ليصيروا عبيدا له متى اشتد ساعده، ويمولونه مع ~~جماعة الغوغاء، بل لكي يتحرروا تحت إدارته من أغنياء الأمة «السراة» كما ~~يدعون. وعلى فرض أنهم طردوه من المدينة مع رفقائه كما يطرد الوالد ولده من ~~بيته مع أصحابه السكيرين المشاغبين، فماذا يلي؟ # أد ~~: # لا ريب في أن العامة سيفعلون ذلك؛ لأنهم يكتشفون ضعفهم إزاء من ولدوا وربوا ~~وعظموا، وأنهم وقفوا في طرده موقف الضعيف تجاه القوي. # س ~~: # ماذا تعني؟ أيجرؤ الطاغية على والده، فيرفع يده عليه ويضربه إذا عجز عن ~~إقناعه؟ # أد ~~: # نعم، إنه يفعل ذلك متى انتزع سلاح والده. # س ~~: # فطاغيتك إذا عقوق يغتال والده، قاسي القلب على الشيوخ، فتكون الحكومة من ~~ثم مستبدة جهرا، كما يقول المثل: قفز العامة من مقلاة الأحرار، فسقطوا ~~في نيران الاستبداد التي أضرمها العبيد. وبعبارة أخرى: إنهم أبدلوا الحرية ~~السابقة أوانها، باستبداد هو أشد مرارة من كل أنواع الاستبداد. # أد ~~: # هذا هو مجرى الأمور بلا ms243 ريب. # س ~~: # حسنا. أفيخالفوننا إذا حسبنا أننا قد بحثنا بحثا كافيا في انقلاب ~~الديموقراطية إلى استبدادية، وأبنا أوصاف الاستبداد حين نشأ؟ # أد ~~: # قد بحثنا بحثا كافيا. # | الكتاب التاسع: المستبد # خلاصته # وأخيرا نأتي إلى المستبد، وهو ابن حقيقي للديموقراطي: رجل تسوده شهوة واحدة، تسعى ~~تدريجيا لحماية كل الشهوات الأخرى وسد أشواقها، وهو مملوء بالأشواق ميال أبدا ~~لسدها بتضحية كل رباط طبيعي ، وهو متمرد متعد نجيس. هذا هو مستبد دولة الاستبداد ~~المستقبل. # الدول كالأفراد باعتبار نسبتها إلى السعادة والشقاء، وواضح أن الدولة الأرستقراطية ~~أفضل الدول وأسعدها، ولا نكير أن الاستبدادية أشدها تعسا وشقاء؛ ولذا كان الأرستقراطي ~~أفضل الحكام وأسعدهم، والاستبدادي بالقياس نفسه أردؤهم وأتعسهم. # ثم إن في نفس الإنسان كما بينا ثلاثة مبادئ خاصة: العقلي أو الحكيم، والغضبي أو ~~الشريف، والشهوي أو محب الكسب؛ فالفيلسوف يعظم الحكمة كمصدر أعظم لذة، ورب الجهود ~~يمجد الشرف، ومحب الربح يطري الثروة، فأي هؤلاء الثلاثة على هدى؟ أيهم يحكم ~~أعدل حكم؟ واضح أنه الفيلسوف؛ لا لأنه وحده مختبر أنواع اللذات الثلاثة فقط، بل لأن ~~العضو الذي يصدر الأحكام مختص به. فنستنتج أن لذائذ الحكمة لها المنزلة الأولى، ~~ولذائذ المجد المنزلة الثانية، وللثروة الثالثة. فقد وجدنا أن الحكمة والفضيلة والسعادة ~~أمور متلازمة لا تفترق، وأيضا: من يستطيع أن يقول ما هي اللذة بالتحقيق؟ من غير ~~الفيلسوف يعرف كنهها؟ وهو وحده خبير بالحقائق، فنحن على حق إذا قلنا إن اللذة ~~الحقيقية تحصل حين تحسن النفس توقيع اللحن بإدارة محب الحكمة، أو المبدأ العقلي، فكلما ~~كانت الرغبة (الشهوة) أعقل، كانت سعادتها أوفى، فما كان أكثر نظاما وشرعا هو أكثر ~~عقلا، ورغبات الأرستقراطي هي الأكثر نظاما وشرعا، فسدها أكثر إسعادا. ومن الناحية ~~الأخرى رغبات المستبد أبعد رغبات عن الشريعة والنظام؛ ولذا كان سدها أقل لذة. وها نحن ~~قد وجدنا ثانية أن الأرستقراطي أسعد من المستبد. # والآن نحن في مركز النقد لتعليم ثراسيماخس القائل: أنه لخير المرء أن يكون متعديا ~~إذا أمكنه التملص من عقوبة جرائمه، بتلبسه بظاهرات العدالة: فيمكننا أن ms244 نصور ~~النفس البشرية بصورة مؤلفة من رجل وأسد وأفعى متعددة الرءوس، وقد اتحد الثلاثة في ~~شكل بشري، ومتى تم ذلك أمكننا القول إن من يدعي أن التعدي موافق، فهو بمثابة ~~المصر على أن الموافق هو تجويع الإنسان وإضعافه، وتغذية الأسد والحية وتقويتهما، على أن ~~ذلك فرض غريب، فإذا اعتبرنا كل ما تقدم استنتجنا أن الأفضل للإنسان أن يحكمه مبدأ إلهي ~~عادل، ويجب أن يكون ذلك المبدأ في داخله إذا أمكن، وإلا فرض الحكم عليه من الخارج، ~~ليسود التلاؤم علاقاتنا الاجتماعية باعترافنا بسيادة واحدة عامة. وغرض العادل الخاص حفظ ~~التلاؤم بين الظاهر والباطن، وهو الذي يفرغ نفسه في قالب الجمهورية الكاملة التي ولا شك ~~توجد في السماء، إن لم يكن على الأرض. # متن الكتاب # س ~~: # بقي علينا أن نبحث في: كيف يتحول الديموقراطي مستبدا؟ وما هي سجيته بعد ~~التحول؟ وهل يحيا حياة سعيدة أم حياة تاعسة؟ # أد ~~: # حقا. إن هذا الذي بقي. # س ~~: # تعلم ماذا أروم أيضا؟ # أد ~~: # ماذا تروم؟ # س ~~: # أرى أننا لم نوضح الشهوات، نوعها وعددها، فإذا فاتنا ذلك كان بحثنا ~~غامضا. # أد ~~: # لم يفت بعد سد هذا الخلل. # س ~~: # حقا إنه لم يفت. وإليك ما أروم أن نلاحظه في القضية التي أمامنا، وهو ~~إذا لم أكن مخطئا ما يأتي: أن بعض اللذائذ والشهوات غير الضرورية هي مما تنكره ~~الشريعة، ويظهر أنها تؤلف قسما أصليا في كل إنسان. فإذا ضبطتها الشرائع ~~والرغبات الفضلى في النفس بمساعدة الذهن، فإما أن تزول زوالا تاما، أو يبقى ~~عدد قليل من الضعيفة منها، ولكنها في قسم آخر من الناس تظل كثيرة ~~وقوية. # أد ~~: # ما هي الشهوات التي تشير إليها؟ # س ~~: # إني أشير إلى الشهوات التي تثور في النوم، حين يكون القسم العقلي الأليف ~~الحاكم في النفس نائما، والقسم الحيواني الوحشي المملوء طعاما وشرابا قائما ~~على الخلفيتين، وقد طار عنه نومه اشتغالا بسد أشواقه الخاصة، ففي تلك ~~الحال ليس هنالك ما لا يجرؤ على عمله؛ لأنه مطلق اليد خال من كل شعور بالحياء ~~أو ms245 بالتفكر، فلا يستنكف من شر اتصال نجيس، بوالدته أو بأي إنسان أو إله أو ~~حيوان، ولا يتردد في ارتكاب أفظع أنواع القتل والانغماس في أنجس المآكل، ~~وبالاختصار: لا حد لجنونه ووقاحته. # أد ~~: # وصفك حق كل الحق. # س ~~: # على أني أتصور أن الإنسان حين تكون عاداته صحية عفيفة، وقبلما يذهب للنوم ~~يثير قسمه العقلي ويغذيه بالأبحاث الجميلة السامية وبالتأملات الداخلية، ومن ~~غير أن يضيق الخناق على القسم الشهوي ولم يلتهمه، لينام فلا يزعج بمسراته ~~وأحزانه القسم الأسمى، فيواصل هذا دروسه مستقلا نقيا، ويغذ السير إلى ~~الأمام حتى يفهم ما لا يزال غير مفهوم، إما عن الماضي، أو عن الحاضر، أو ~~المستقبل. ومتى سكن قسمه الغضبي بالطريقة نفسها، متجنبا كل انفجار في الشهوة ~~مما يرسله إلى النوم ثائر العواطف، أقول: فحين يذهب إلى النوم وقد هدأ قسمان من ~~أقسامه الثلاثة، وظل الثالث مقر الحكمة مستيقظا، فإنك عالم أنه في أوقات كهذه ~~هو في أتم استعداد لفهم الحقيقة، فلا تكون الرؤى التي يراها في أحلامه ~~منكرة. # أد ~~: # إني من هذا الرأي بالتمام. # س ~~: # لقد شردنا بعيدا عن طريقنا بداعي هذه الملاحظات، والذي نروم تجليته هو أنه: ~~في كل منا شهوات وحشية مخيفة متمردة، حتى حين نظهر ضبط النفس ضبطا ~~تاما، ويظهر أن هذه الحقيقة تبدو واضحة في حال النوم، فانظر هل أنا مصيب ~~ووافقني في ذلك. # أد ~~: # نعم، إني أوافقك. # س ~~: # فاذكر الشهوة التي عزوناها إلى رجل الأمة، فإن تاريخ أصله هو ما يأتي: أعتقد ~~أنه تربى منذ حداثته تحت نظر والد مقتر، لا يقدر سوى حب المال، وينبذ ~~الشهوات الأخرى غير الضرورية التي غرضها الخاص التسلية وحب الظهور. أمصيب ~~أنا؟ # أد ~~: # إنك مصيب. # س ~~: # وبعلاقاته بغواة الأزياء المملوئين بما ذكرناه من الشهوات نحا نحوهم مندفعا ~~إلى التهتك؛ نفورا من تقتير والده. ولما كان أفضل خلقا من الذين أفسدوه، ~~فهو بين قوتين تجذبانه في جهتين متضادتين، فأفضى به الحال إلى قبول سجية متوسطة ~~بينهما، فكان يتمتع بكل أنواع اللذات باعتدال كما زين له ms246 تصوره، وعاش ~~عيشة لا جهولة ولا منكرة، وبهذه الصورة تحول من أوليغاركي إلى ~~ديموقراطي. # أد ~~: # نعم. هذا هو رأينا في إنسان كهذا. # س ~~: # ثم تصور أن ذلك الرجل أدركه الهرم، بعد ما ربى ولدا في خلقه. # أد ~~: # حسن جدا. # س ~~: # وتصور أيضا أن الولد انتهج منهج والده، أي أنه أغوي على انتهاك حرمة ~~الشريعة، وباصطلاح الذين أغووه نقول إنه: انصب على «الحرية الكاملة». وإن أباه ~~وأقاربه الآخرين قد نصروا الشهوات المتوسطة فلقيت مناصرتهم مضادة عنيفة من ~~الجانب الآخر، ولما رأى أولئك السحرة المرعبون خالقو المستبد، أن لا أمل في ~~اقتناص الشاب برقاهم؛ عمدوا إلى إيقاظ شهوة في نفسه تكون زعيمة (بطل) ~~الشهوات الكسولة، التي تقتسم في ما بينها كل ما يتقدم إليها برسم التوزيع. ~~ويمكنك أن تصف الشهوة المذكورة بأنها نوع من ذكور النحل ضخم مجنح، وإلا ~~فكيف تصف شهوة يسايرها أقوام كهؤلاء؟ # أد ~~: # لا أقدر أن أصفها إلا هكذا. # س ~~: # بعد ذلك فالشهوات الأخرى الحالة في نفسه المضمخة بالعطور والبخور ~~والأكاليل والخمور والتهتك، وهي قسم من هذه اللذات، أخذت تحوم حول ذكر ~~النحل وتبجله وتعلله إلى أقصى حد، حتى خلقت فيه حمة الشهوة، فمن ذلك الحين ~~فصاعدا جن بطل النفس هذا في طلب الحرس الخاص، وإذ أحس في نفسه ببعض ~~الآراء أو الشهوات المحسوبة صالحة، والتي لا تزال تحرص على الحياء، أفناها أو ~~أقصاها عنه، ولا ينفك هكذا حتى يطهر نفسه من كل عفاف، ويملؤها جنونا ~~غريبا. # أد ~~: # لقد وصفت تكوين المستبد وصفا مدققا. # أد ~~: # أوليس لهذا السبب دعيت المحبة مستبدة من قديم الزمان؟ # أد ~~: # الأرجح هكذا. # س ~~: # أوليس في السكير يا صديقي ما ندعوه روحا مستبدة؟ # أد ~~: # فيه كذلك. # س ~~: # ونعلم أن من جن واختبل عقله يحلم ويسعى إلى أن يسود الناس والآلهة ~~أيضا. # أد ~~: # نعم، حتما هكذا. # س ~~: # إذا يا صديقي الفاضل، يصبح الرجل مستبدا متى أصبح بطبيعته أو بنشأته أو ~~بكلتيهما، عبدا للخمر أو العشق أو الجنون. # س ~~: # هذا هو أصله، وهذه هي فطرته، فكيف يعيش؟ ms247 # أد ~~: # كما يقولون في الألعاب: قل أنت أولا. # س ~~: # حسنا، إذا لم أكن مخطئا فإن ديدنه من ثم الولائم والأفراح والحفلات ~~والحظايا وكل ما هو من هذا النوع، صحبة أناس خضعت عقولهم خضوعا تاما للشهوات ~~المستبدة في داخلهم. # أد ~~: # هذا ما لا بد منه. # س ~~: # أولا تنبت إلى جانبها شهوات كثيرة مخيفة متعددة المطالب؟ # أد ~~: # كثيرة جدا. # س ~~: # فينفق كل ما عنده في الأموال. # أد ~~: # ينفق. # س ~~: # يتلو ذلك السعي لاستمداد المال إضاعة الأرزاق. # أد ~~: # بلا شك. # س ~~: # ومتى نضبت الموارد، أفلا ترفع الشهوات العنيفة المستقرة في داخله صوتها ~~عاليا؟ وتسوق هؤلاء الناس شأنهم مع شهواتهم، وخاصة الشهوة السائدة التي تلتف ~~بقية الشهوات حولها كحرس خاص. أولا يترصدون في هياجهم الجنوني رجلا منعما ~~يسلبونه، إما بالخديعة أو بالقوة؟ # أد ~~: # نعم، هكذا يفعلون. # س ~~: # وإذا عجزوا عن السلب في دائرة واسعة عانوا أشد الآلام والمرائر. # أد ~~: # يعانون. # س ~~: # وكما تتطاول اللذات الجديدة على اللذات القديمة وتسلبها مالها، ألا يعزم هذا ~~الإنسان على التطاول على والديه، وهو أحدث منهما عهدا، فينتزع ثروتهما بعد ~~تبذير ماله الخاص؟ # أد ~~: # يعزم من كل بد. # س ~~: # وإذا لم يسلم والداه بذلك، أفلا يعمد توا إلى الخديعة والاحتيال؟ # أد ~~: # مؤكد أنه يعمد إلى ذلك. # س ~~: # وإذا لم يفلح في ذلك انصب على السلب عنوة؟ # أد ~~: # هكذا أظن. # س ~~: # وإذا قاومه الوالدان أفيتردد احتراما في عمل أي عنف ضدهما؟ # أد ~~: # أما أنا فلا أملك نفسي من الخوف على سلامة الوالدين من شخص كهذا. # س ~~: # فأرجوك يا أديمنتس أن تعتبر علاقته بحظيته الجديدة غير وثيقة، وأن محبة ~~والدته اللازمة هي قديمة العهد، وأن حب الشاب صديقه غير الضروري حديث بإزاء ~~والده الشيخ أقدم الأصدقاء. أفتصدق والحالة هذه أنه يضرب أباه وأمه لأجل ~~حظيته وصديقه، ويجعل والديه عبدين لذينك بالجمع بين الفريقين في بيت ~~واحد؟ # أد ~~: # وذمتي إني أعتقد أنه يفعل ذلك. # س ~~: # ففي ظاهر الأمر أن من أعظم النعم ولادة ابن مستبد كهذا. # أد ~~: # إنه كذلك. # س ~~: # وحين تشرع ms248 ثروة والديه تنفد، وقد عششت أسراب الشهوات في داخله، أفلا تكون ~~أولى مآثره نقبه بيتا أو سلبه ثياب سار في دجى الليل؟ أولا يتقدم بعد ذلك ~~إلى نهب الهياكل؟ وفي الوقت نفسه تندحر الآراء القديمة المحسوبة عموما عادلة ~~التي اقتناها منذ صباه في ما هو الدني وما هو الشريف، أمام الآراء التي أفلتت ~~حديثا من ربقة عبوديتها، تعضدها الشهوة التي تسود الحرس الخاص، آراء ما دام ~~خاضعا لوالده وللشرائع، وما دام دستوره الداخلي ديموقراطيا، فلا تفلت من ~~عقالها إلا في أحلام نومه. أما الآن وقد صارت تلك الشهوة ربه الأوحد وسيده ~~المطاع، فبعد ما كانت تلك السجية منحصرة في أحلامه وفي فترات نادرة في يقظته، ~~صارت حالة يقظته الدائمة، فلا يسحب يده من اغتيال ذميم، أو طعام محرم، أو ~~فعل نجيس، بل تغريه تلك المحبة الساكنة في نفسه والسائدة فيها، وتحمله بحكم ~~سيادتها المطلقة في وسط الفوضى والعصيان التام، كما تحمل الدولة على طيش ~~لا حد له لتضمن رسوخ قدمها فيه، مع جحود صحبها الذي تسرب إلى النفس بسبب ~~المعشر الردي، أو أنه أفلت من أغلاله في الداخل بقبول الإنسان أهواء تماثله، مع ~~فعل الشهوة المسيطر نفسها. أفمخطئ أنا في وصفي حياة إنسان كهذا؟ # أد ~~: # كلا، بل مصيب. # س ~~: # وإذا كان في المدينة أفراد قلائل من هذه السجايا، وكان باقي الأهالي رشيدي ~~العقول، فإنهم سيتركون المكان ويخدمون طاغية آخر كحرس خاص له، أو يخوضون غمار ~~الحرب كمرتزقة حيث وجدوا حربا ناشبة، ولكنهم في أوقات السلم يرتكبون كثيرا من ~~صغار المساوي في وسط المدينة. # أد ~~: # وأية مساوي تعني؟ # س ~~: # السرقة، ونهب البيوت، ونشل الدراهم من الجيوب، وسلب الناس ثيابهم، وسرقة ~~الهياكل، وخطف الناس. وإذا كانوا من أرباب اللسن فإنهم ينشرون الأكاذيب ويشهدون ~~زورا ويرتشون. # أد ~~: # حقا إن هذه المساوي صغيرة إذا كان مقترفوها قلائل. # س ~~: # إنما الصغير صغير بالنسبة إلى ما هو أكبر منه، وهذه المنكرات إذا قوبلت بشقاء ~~الدولة فإنها كما يقول المثل: لا تساوي شرور الطاغية؛ لأنه متى كثر ms249 هؤلاء ~~الأشخاص في المدينة، وكثر غيرهم من أمثالهم، وأدركوا وفرة عددهم فهم هم الذين ~~تذرعا بحماقة الغوغاء، يبرهنون على أنهم والدو الطاغية الذي هو أحدهم، وفي ~~نفسه أكبر وأشرس مستبد. # أد ~~: # هذا ما يتوقع؛ لأن شخصا كهذا يحاط بأعظم استبداد. # س ~~: # وبالنتيجة؛ إذا استسلم الأهالي له كانت الأمور جارية مجرى بسيطا، ولكن إذا ~~أبدت الدولة جموحا فإن الطاغية يعاقب الوطن إذا أمكنه، كما عاقب فيما سلف أباه ~~وأمه. ولإنجاز ذلك يستدعي لمساعدته فتيانا أصدقاء، ويخضع أرض الوالدة المحبوبة ~~كما يدعوها الكريتيون، لسلطتهم الغاشمة. وهذه هي خاتمة شهوة شخص كهذا. # أد ~~: # مؤكدا هذه هي. # س ~~: # أولا يبدي هؤلاء الفتيان السجية نفسها في الخفاء، حتى قبلما يتقلدون ~~المناصب؟ فأولا بعلاقاتهم بالآخرين، ألا ترى أن جميع رفقائهم صنعاؤهم ~~ومادحوهم؟ أو أنهم إذا أرادوا شيئا من أحد جثوا على ركبهم، ولا يخجلون من ~~إبداء كل ظاهرات الصداقة الخالصة، ولكنهم متى فازوا بمأربهم صاروا غرباء ~~وأباعد؟ # أد ~~: # حتما هكذا. # س ~~: # فيقضون الحياة ليسوا أصدقاء أحد، وهم إما سادة أو عبيد؛ لأن طبيعة المستبد ~~لا يمكنها أن تذوق طعم الحرية والصداقة. # أد ~~: # حقا إنه لا يمكنها ذلك. # س ~~: # أفلسنا مصيبين في تسمية أشخاص كهؤلاء: جاحدين؟ # أد ~~: # مصيب دون شك. # س ~~: # وليسوا فقط جاحدين، بل أكبر المتعدين، إذا كنا قد أصبنا في نتائج بحثنا ~~الماضية في طبيعة العدالة. # أد ~~: # ولقد أصبنا بالتأكيد. # س ~~: # فلنصف أردأ رجل بالاختصار، فهو: من كانت حاله في اليقظة مطابقة مثله الأعلى ~~في النوم، كما سبق وصفه. # أد ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # هذه هي نهاية الإنسان المستبد بالطبع، وقد أحرز قوة مطلقة، وكلما طال ~~استبداده كان انطباق أوصافنا عليه أتم وأصدق. ~~(قال غلوكون متخذا الحديث: بالضرورة.) # س ~~: # أفلم يثبت أن شر إنسان هو شر تاعس أيضا؟ أوليس واضحا أن من كان استبداده ~~أطول أجلا وأشد حولا فهو أطول شرا وشقاء، بالرغم من تضارب الآراء فيه بين ~~عامة الناس؟ # أد ~~: # نعم، إن ذلك مؤكد جدا. # س ~~: # أولا يمكننا ألا نعتبر الطاغية صورة الدولة الاستبدادية وممثلها؟ ms250 ~~والديموقراطي إلا صورة الدولة الديموقراطية وممثلها؟ وهكذا. # غ ~~: # يقينا إنه لا يمكننا. # س ~~: # أوليست نسبة المدينة إلى أختها فضيلة وسعادة كنسبة الإنسان إلى الإنسان في ~~الأمرين؟ # غ ~~: # دون شك. # س ~~: # فما هي النسبة بين مدينة سادها المستبد، ومدينة تحت الحكم الملكي الذي مر ~~بك وصفه من حيث الفضيلة؟ # غ ~~: # نسبة التضاد، فالواحدة أفضل المدن والأخرى أردؤها. # س ~~: # لا أسألك أيهما الأفضل وأيهما الأردأ؛ لأن ذلك واضح، ولكن أتقيس أمر سعادتهما ~~وشقائهما على القياس نفسه أو لا؟ ولا يدهشننا النظر إلى المستبد، وهو فرد من ~~الناس، وحده أو محاطا بحاشية صغيرة، بل يجب علينا أن نتغلغل في الدولة ~~ونفحصها كلها، ونرسل رائد الطرف في أقسامها قبلما نصدر حكما. # غ ~~: # أحسنت الاقتراح. فإنه واضح لكل أحد أن المدينة التي يحكمها الطاغية هي أشقى ~~المدن، والمدينة الملكية أسعد المدن. # س ~~: # أفلست مصيبا إذا اقترحت الاقتراح نفسه في البحث في الشخصين اللذين يمثلان ~~الدولتين؟ راضيا فقط فتوى الرجل السديد الرأي، صاحب النظر الذي يخترق ظاهر ~~الإنسان إلى سجيته، ويرى خبايا طباعه، فلا يقف كالطفل عند الظاهرات، فيبهر ~~عينيه بريق المنظر الخارجي الصناعي الذي يتجلى في المستبد، بل يخترقه بنظره ~~إلى كنهه؟ إني ارتأيت بأننا ملزمون بالخضوع للقاضي، الذي لا يقتصر على إصدار ~~القرار بالحكم، بل قد ساكن المحكوم عليه في بيته، ووقف على دخائله، وكان شاهد ~~عين على تصرفاته اليومية، وعلاقاته الأهلية، في دائرة ينزع الإنسان عندها ~~الثياب المسرحية، ومواقفه في المخاطر العمومية، وبعد ما تمكن من درس كل هذه ~~الأحوال، نسأله الحكم في ما هو حال المستبد بالنسبة إلى غيره سعادة ~~وشقاء؟ # غ ~~: # اقتراحك هذا أعدل اقتراح. # س ~~: # ولكي نحصل على إنسان يجيب على أسئلتنا، أتريد أن ندعي أننا ممن قابلوا ~~رجلا كهذا، علاوة على كونهم قادرين على إصدار الحكم؟ # غ ~~: # نعم، إني أريد ذلك. # س ~~: # فاسمح لي أن أسألك أن تنظر في الأمر من الوجهة التالية: افحص كلا من الدولة ~~والفرد على حدة، واضعا في عقلك المشابهة الكائنة بينهما، ثم أخبرني ما ms251 هي ~~أحوال كل منهما؟ # غ ~~: # إلى أية احوال تشير؟ # س ~~: # نبدأ بالدولة، أفعبودية تحسب حالها تحت حكم المستبد أم حرية؟ # غ ~~: # عبودية تامة. # س ~~: # مع ذلك ترى فيها سادة وأحرارا. # غ ~~: # أرى فيها قسما صغيرا من هذا النوع، ولكن المجموع إجمالا والقسم الأسمى منه ~~خاضع لعبودية فاضحة تاعسة. # س ~~: # ولما كان الإنسان صورة الدولة ورسمها، أفلا يكون فيه حتما ما فيها، فتكون ~~نفسه مغلولة بأغلال الاستعباد، وأشرف أقسامها وأفضلها مستعبد، والقسم الأصغر ~~والأكثر جنونا هو الحاكم؟ # غ ~~: # بالضرورة هكذا. # س ~~: # أفمستعبدة نفس كهذه أم حرة؟ # غ ~~: # أقول إنها مستعبدة. # س ~~: # أوليست المدينة المحكومة حكما استبداديا مقيدة عن كل عمل تميل ~~إليه؟ # غ ~~: # نعم، بالتمام هي هكذا. # س ~~: # فالنفس التي يسودها الاستبداد هي بالإجمال أبعد النفوس عن عمل ما تريده، بل ~~هي بالضد من ذلك، تجرها قوة الشهوة الوحشية، ويملؤها الاضطراب والألم. # غ ~~: # دون أدنى ريب. # س ~~: # أوغنية المدينة المستعبدة أم فقيرة؟ # غ ~~: # فقيرة دون ريب. # س ~~: # وهكذا النفس المستعبدة، هي أبدا فقيرة متمنية. # غ ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # أوليس مدينة كهذه وإنسان كهذا فريسة المخاوف؟ # غ ~~: # بالتأكيد. # س ~~: # أفتتوقع أن تجد في غيرها أكثر مما تجد فيها من البكاء والنحيب والندب ~~والحزن؟ # غ ~~: # كلا البتة. # س ~~: # وبالنظر إلى الفرد، أتظن أن هذه الويلات تكثر في وسط كثرتها في نفس الطاغية ~~الذي جن بشهواته وهيامه؟ # غ ~~: # أويمكن ذلك؟ # س ~~: # فأظن أنك ترى وباعتبار هذه الحقائق وغيرها، أن المدينة المستعبدة أتعس المدن ~~حالا. # غ ~~: # أولست مصيبا في ذلك؟ # س ~~: # غاية في الإصابة. وما قولك في المستبد باعتبار هذه الأمور؟ # غ ~~: # إنه أتعس التاعسين. # س ~~: # لست مصيبا في ذلك. # غ ~~: # ولماذا؟ # س ~~: # لأني لا أظن أن هذا الإنسان أتعس التاعسين. # غ ~~: # فمن هو أتعسهم إذا؟ # س ~~: # ربما ترى أنه الشخص الآتي وصفه. # غ ~~: # صفه. # س ~~: # إني أشير إلى رجل قد حظر عليه وهو مستبد أن يحيا حياة يختارها؛ لأن سوء ~~الطالع قاده إلى تبؤؤ منصب الطاغية. # غ ~~: # أستدل بما تقدم من الملاحظات أنك مصيب. ms252 # س ~~: # نعم، ولكن يجب أن لا تكتفي بالظنون في هذا الموقف، بل بالصد من ذلك، يلزم أن ~~تتفحص الموضوع بفعل التعقل الذي أتينا على وصفه؛ لأن النقطة التي على بساط ~~البحث هي في أسمى درجات الخطورة؛ لكونها نقطة الفصل بين الحياة السعيدة والحياة ~~الشقية. # غ ~~: # غاية في الصواب. # س ~~: # فانظر أمصيب أنا في ما سأقوله، فإني أرى أنه في فحص مسألة كهذه يجب أن ~~نبدأ فحصنا بوجوه الاعتبار التالية. # غ ~~: # وما هي تلك الوجوه؟ # س ~~: # نبدأ باعتبار الأفراد كأعضاء الدولة الأغنياء، الذين يملكون عبيدا كثيرين ~~لأنهم يشاركون الطاغية في هذه النقطة، والفرق بين الفريقين محصور في عدد العبيد ~~عند كل منهما. # غ ~~: # نعم، إنه يملك أكثر منهم. # س ~~: # أوتعلم أن هؤلاء الأشخاص يبيتون آمنين، ولا يخشون عبيدهم؟ # غ ~~: # وما الذي يخيفهم؟ # س ~~: # لا شيء، ولكن أتعرف السبب؟ # غ ~~: # نعم، وهو أن المدينة كلها تساعد الفرد الواحد منهم. # س ~~: # بالصواب نطقت، فلو حمل أحد الآلهة من المدينة رجلا يملك خمسين عبدا فأكثر، ~~وألقاه في الصحراء مع امرأته وأولاده وعبيده وأرزاقه، حيث لا أحد من الأحرار ~~ينجده، أفلا يستولي عليه شديد الخوف، مخافة أن يهلك وزوجه وأطفاله بأيدي ~~العبيد؟ # غ ~~: # إنه يكون في أعظم درجات الخوف. # س ~~: # أفلا يضطر إلى تمليق بعض عبيده ويكثر لهم الوعد؟ مؤملا إياهم بالعتق حيث لا ~~داعي إليه؟ أولا يظهر في واقع الأمر مملقا دنيئا؟ # غ ~~: # هكذا يفعل وإلا هلك؟ # س ~~: # وما رأيك في من كان محاطا ببحيرة تنكر سيادة إنسان على إنسان آخر، ومن فعل ~~ذلك أنزلوا به أشد قصاص؟ # غ ~~: # أراه مكتنفا بكل أنواع المحن؛ لأنه في وسط حرس كلهم أعداء. # س ~~: # أفليس الطاغية سجينا في سجن كهذا؟ لأنه إذا كان على ما سبق وصفه: مملوءا ~~بالمخاوف والتمنيات على أنواعها، ومع فرط أطماعه وطموح نفسه، فهو الشخص الوحيد ~~الذي حظرت عليه السباحة، ومشاهدة ما يتوق الحر لمشاهدته. # أفلا يدفن نفسه في بيته ويعيش عيشة النساء، حاسدا من يجوبون الآفاق ويرون ~~عظام المشاهد؟ # غ ~~: # مؤكد أنه ms253 كذلك. # س ~~: # ولما كانت هذه حال المستبد الداخلية، كان جانيا في سياسته على نفسه، شقاء ~~الطاغية الذي وصفته الساعة بالشقاء التام؛ لأنه أرغم على هجر الحياة الخاصة، ~~وأجبر على تبؤؤ منصب الاستبداد بحكم الأحوال، فيأخذ على عاتقه سياسة الآخرين ~~وهو عاجز عن سياسة نفسه، فهو كالمريض الواهن القوى، لا يتاح له أن يتمتع ~~بالراحة، بل هو ملزم بأن يصارع الناس وينازعهم. # غ ~~: # حقا يا سقراط، إن المشابهة تامة وإن بيانك حق. # س ~~: # أفليست حال المستبد شقية يا عزيزي غلوكون شقاء تاما، وهو يحيا حياة هي ~~أبعد احتمالا من حياة من تحسبه شر التاعسين؟ # غ ~~: # بلا شك. # س ~~: # ومهما يتقول الناس فالطاغية عبد بمعنى الكلمة، ومملق شرير، بعيد عن سد ~~رغباته ولو بعض السد، بل هو أكثر الناس احتياجا إلى ما لا يحصى من الأشياء، ~~ويظهر لمن درس نفسه درسا تاما أنه غاية في الفاقة، وأن حياته مفعمة ~~بالمخاوف والآلام والأرجاف، إذا كان يمثل في نفسه دولة يحكمها وهو يمثلها. أليس ~~كذلك؟ # غ ~~: # محققا يمثلها. # س ~~: # ويجب أن نضيف إلى ذلك وصف الإنسان الذي أوردناه آنفا؛ لأنه لا يمكنه إلا ~~أن يكون حسودا خائنا خصيما زنيما، مباءة كل رذيلة ومربيها، ونتيجة كل ذلك؛ ~~أولا: أنه غير سعيد في داخله، ثانيا: أن جميع الملتفين حوله غير ~~سعداء. # غ ~~: # لا يناقضك في ذلك ذو فهم. # س ~~: # واصل تقدمك فأخبرني، كقاض يصدر قراره بعد ما درس القضية كلها: من هو في ~~مذهبك أوفر سعادة؟ ومن الثاني؟ وهكذا. فرتب الخمسة، وهم: الملكي، والتيمارخي، ~~والأوليغاركي، والديموقراطي، والمستبد. # غ ~~: # الحكم سهل، فإني أرتبهم ترتيب جوقة الموسيقى في نظام دخول أفرادها المسرح، ~~باعتبار فضيلتهم ورذيلتهم وسعادتهم وتعاستهم. # س ~~: # أفنستأجر مناديا؟ أو أنني أنا أرفع صوتي بالنداء أن ابن أريسطون قد حكم أن ~~أفضل الناس وأعدلهم هو أسعدهم؟ لأنه يمتلك الروح الملكية أكثر ممن سواه؛ لأنه ~~يحكم نفسه حكما ملكيا. وأن أردأهم وأظلمهم أتعسهم؟ أي إن أوفرهم استبدادا ~~وظلما يبلى بأعظم صنوف الاستبداد في إدارة نفسه وإدارة الدولة. # غ ms254 ~~: # أذع ذلك أنت. # س ~~: # أفأضيف إلى ذلك أنه لا فرق، عرف الأمر الذي أنادي به عند الله والناس أو ~~لم يعرف؟ # غ ~~: # أضفه. # س ~~: # فليكن. فهذا أول بيان منا إليك. يليه الثاني إذا حاز القبول. # غ ~~: # وما هو؟ # س ~~: # بما أن كل نفس مقسومة إلى ثلاثة أقسام تطابق أقسام الدولة الثلاثة، فإن ~~موقفنا يأذن لنا بتأليف البيان التالي. # غ ~~: # وما هو؟ # س ~~: # هو هذا: أن لأقسام النفس الثلاثة لذات ثلاثا، تختص كل منها بقسم من ~~تلك الأقسام، وثلاث شهوات، أو مبادئ حاكمة فيها. # غ ~~: # أوضح. # س ~~: # قلنا إن في نفس الإنسان قسما به يتعلم، وقسما آخر به يتحمس ويغضب، وقسما ~~ثالثا لا نقدر أن نبينه بكلمة واحدة، ولكنا نصفه بالصفة الغالبة فيه، ~~فندعوه الشهوي؛ لكثرة ما فيه من الشهوات، كشهوة الطعام، وشهوة الشراب، والشهوة ~~الجنسية، وكل ما يلازم هذه الشهوات. وندعوه أيضا محب المال؛ لأن المال هو ~~الذريعة الفعالة في كل هذه الشهوات. # غ ~~: # نعم، إنا مصيبون. # س ~~: # فإذا رمنا أن نقول إن لذة القسم الثالث ومحبته فيهما ربح لموضوعهما، أفلا ~~يكون أفضل تلخيص الحقائق التي عليها ينبغي أن تستقر التسوية بقوة الحجة، كوسيلة ~~لنقل فكرة واضحة لعقولنا، حين نتحدث عن قسم النفس هذا؟ أولسنا مصيبين في ~~تسميته محب المال ومحب الكسب؟ # غ ~~: # أعترف أني أظن هكذا. # س ~~: # أولا نقول أيضا إن القسم الغضبي (الحماسي) يندفع أبدا لإحراز القوة والفوز ~~والشهرة؟ # غ ~~: # مؤكد أنا نقول. # س ~~: # أفينطبق عليه لقب: «محب الكفاح»، و«محب الشرف»؟ # غ ~~: # نعم، أتم انطباق. # س ~~: # وواضح لكل إنسان أن غرض القسم الذي به نتعلم الدائم الكلي، هو أن يعرف كيف ~~تقوم «الحقيقة»، وهذا القسم أبعد كل عناصر طبيعتنا عن الاكتراث للشهرة ~~والثروة. # غ ~~: # نعم أبعدها. # س ~~: # ألا نحسن إذا دعوناه «محب العرفان»، و«محب الحكمة»؟ # غ ~~: # مؤكد أنا نحسن. # س ~~: # أولا يسود هذا الميل نفوس البعض، أما نفوس غيرهم فيسودها أحد الميلين ~~السابقين الذي تتوافر له السيادة حسب حكم الأحوال؟ # غ ~~: # إنك مصيب. # س ~~: # أولا يمكننا لهذه الأسباب ms255 أن نرتب الناس ترتيبا أوليا تحت ثلاثة رءوس ~~أصلية، هي: محب الحكمة، ومحب الكفاح، ومحب الكسب؟ # غ ~~: # نعم بالتأكيد. # س ~~: # وأن هنالك ثلاث لذات تختص بهذه الرءوس على الترتيب. # غ ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # أوتدري أنك لو سألت ثلاث طبقات الناس كلا في دورها، أية هذه اللذات ~~الثلاث أكثرها لذة لذكر كل منهم ما لاذ به منها، فيقول محب الكسب: إن أعظم ~~حالات الحياة لذة أوفرها ربحا، ويصارحك أنه بإزاء اللذة الناجمة عن الكسب لا ~~قيمة في نظره للذة الناجمة عن الشرف، والناجمة عن طلب العلم، إلا إذا أدتا ~~إلى كسب المال؟ # غ ~~: # حقيق. # س ~~: # وماذا يقول محب الفخر؟ ألا يحسب اللذة الناجمة عن المال كشيء عالمي، واللذة ~~الناجمة عن العلم بخارا صاعدا، إلا إذا كان المجد ثمرتها؟ # غ ~~: # هذا هو الواقع حتما. # س ~~: # أولا تظن أن محب الحكمة يحسب كل اللذات طائشة، حين يقابلها باللذة الناجمة ~~عن معرفة الطريقة التي بها تثبت المعرفة، والاشتغال المستديم بالبحث والطلب، ~~وهو يدعو اللذات الأخرى ضرورية كثيرا، وإلا لما رغب فيها؟ # غ ~~: # يمكن التأكيد أن ذلك كذلك. # س ~~: # فإذا احتدم الجدال بخصوص لذة كل نوع، وحياة كل طبقة، ليس باعتبار الجمال ~~والقبح والأدب والفجور، بل بالنظر إلى منزلة كل منها في مراتب اللذة والنجاة ~~من الألم، فكيف نعلم أي الثلاثة هو الأصوب؟ # غ ~~: # لست مستعدا للجواب. # س ~~: # فاعتبر المسألة بالبيان الآتي: ما هي الأدوات التي بها يصاغ الحكم، ليكون ~~حكما صحيحا؟ أليست هي: الاختبار، والحكمة، والتعقل؟ أويمكنا إيجاد أداة ~~أفضل للحكم؟ # غ ~~: # مؤكد أنه لا يمكننا إيجاد أداة أفضل. # س ~~: # فلاحظ أي الثلاثة أوفر خبرة في كل أنواع اللذات المار ذكرها؟ هل يدرس محب ~~الكسب طبيعة الحقيقة الصحيحة، إلى حد أنه (في حسبانك) يتعرف لذة المعرفة أكثر ~~مما يتعرف محب الحكمة لذة الربح؟ # غ ~~: # هنالك بون شاسع؛ لأن محب الحكمة ملزم بأن يذوق لذة الربح منذ صباه، بينما ~~محب الربح غير ملزم أن يدرس طبيعة الأشياء الموجودة حقيقة. أما أن يذوق حلاوة ~~المعرفة واللذة ms256 التي تلابسها، بحيث يصير ذا خبرة فيها، فليس ذلك سهلا ولو كان ~~عندي ميل إليه. # س ~~: # فمحب الحكمة يفوق كثيرا محب الكسب في اختبار نوعي اللذات بالفعل. # غ ~~: # حقا إنه يفوق. # س ~~: # وما هو الحال مع محب المجد؟ أذو خبرة تامة هو في اللذة الناجمة عن المجد، ~~كخبرة محب الحكمة في اللذات الناشئة عن الحكمة؟ # غ ~~: # كلا. فإن الشرف يسير في ركاب كل منهم إذا قام بعمله، فالغني شريف لدى ~~الكثيرين، وهكذا الشجاع والحكيم، فلجميعهم اختبار واحد باعتبار اللذة الناجمة ~~عن الشرف، ولكن طبعة اللذة الناجمة عن التفكر بالحقيقة لا أحد يقدر أن ~~يتذوقها إلا محب الحكمة. # غ ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # فباعتبار «الاختبار» العملي: محب الحكمة أصح الثلاثة حكما. # غ ~~: # بالتمام. # س ~~: # ونعلم أنه هو وحده صاحب «الحكمة»، كما أنه رب الاختبار. # غ ~~: # بلا شك. # س ~~: # ثم إن أداة الحكم الخاصة هي عضو يختص بمحب الحكمة دون أخويه محب الشرف ومحب ~~الكسب. # غ ~~: # وما هو ذلك العضو؟ # س ~~: # أعتقد أنا قلنا إن «التعقل» هو الذي يصدر الحكم. ألم نقل؟ # غ ~~: # قلنا. # س ~~: # والتعقل إلى حد بعيد هو عضو محب الحكمة. # غ ~~: # مؤكد. # س ~~: # وعليه: فلو أن الثروة والكسب أدوات البت في المسائل، لكان ما يقول به محب ~~الكسب من مدح أو ذم هو الأصح. # غ ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # ولو أن الشرف والفوز والشجاعة أفضل الأدوات، لكان تقريظ محب المجد وتفنيده ~~هما الأصح. # غ ~~: # واضح أنه هكذا. # س ~~: # ولما كان الاختبار والحكمة والتعقل هي أفضل الأدوات، فماذا إذا؟ # غ ~~: # ماذا إلا أن مدح محب الحكمة والتعقل هو الأصح. # س ~~: # فإذا كانت اللذات ثلاثا، فهل لذة قسم النفس الذي به نتعلم هي أوفر من لذات ~~غيرها؟ وهل حياة رجلنا الذي يسيطر عليه هذا القسم هو الأسعد؟ # غ ~~: # بلا شك. وعلى كل فلرجل الحكمة الحق التام أن يمدح حياته الخاصة. # س ~~: # فما هي الحياة التي يحسبها قاضينا الثانية؟ وما هي اللذة الثانية؟ # غ ~~: # واضح أنها حياة محب المجد والكفاح؛ لأنها أقرب إلى حياته ms257 من حياة محب ~~الكسب. # س ~~: # فلذة محب الكسب هي الأخيرة؟ # غ ~~: # بلا شك. # س ~~: # فقد فاز العادل على المتعدي إلى الآن مرتين، فهيا بنا إلى الفوز الثالث ~~والأخير، كأنك في الألعاب الأولمبية تخاطب زفس الأولمبي الحافظ، واذكر أن كل ~~اللذات إلا لذات الحكماء ليست بحقيقية من كل وجه، بل هي زهيدة وغير جلية على ~~ما أظن. إني سمعت حكيما يقول ذلك، واسمح لي أن أقول لك إن السقطة في هذه ~~الدورة أعظم السقطات وأحسمها. # غ ~~: # تماما هكذا، ولكن أوضح فكرك. # س ~~: # سأرى ما يلزمنا إذا كنت تجيب عن أسئلتي. # غ ~~: # سل ما تشاء؟ # س ~~: # قل لي: ألم نقل إن الألم ضد اللذة؟ # غ ~~: # قلنا بالتأكيد. # س ~~: # أولا نقول إن هنالك حالة لا تشعر عندها بلذة ولا بألم؟ # غ ~~: # ذلك مؤكد. # س ~~: # وبعبارة أخرى: قد سلمت أن هنالك نقطة يستقر العقل عندها بين الأمرين. أليس ~~هذا ما تعني؟ # غ ~~: # هذا هو. # س ~~: # ألا تذكر اللهجة التي يستعملها الناس في أمراضهم؟ # غ ~~: # وما هي؟ # س ~~: # الصحة تاج على الرأس، لا يراه إلا المرضى، فالصحة عندهم أعظم الملذات، ~~لكنهم لا يعرفون قيمتها إلا حين يفقدونها. # غ ~~: # إني أذكر ذلك. # س ~~: # أولا تسمع أيضا قول المرضى وهم تحت الألم الشديد: لا مسرة أعظم من زوال ~~الألم؟ # غ ~~: # إني أسمع ذلك. # س ~~: # وأظن أنك وجدت أناسا مرارا كثيرة وهم في حال القلق، يبجلون زوال الاضطراب ~~والخلاص منه، لا كفرح إيجابي. # غ ~~: # حقيق. وربما كان السبب أن النجاة أنشأت في وقت كهذا لذة وسرورا ~~إيجابيين. # س ~~: # وعلى الطريقة نفسها، حين يكف أحد عن الشعور باللذة، تكون اللذة ألما. # غ ~~: # قد يكون ذلك. # س ~~: # فالفترة التي قلنا إنها حلقة وسطى بين الألم واللذة، قد تكون تارة لذة وتارة ~~ألما. # غ ~~: # هكذا يظهر. # س ~~: # أفيمكن أن يكون ما ليس لذة ولا ألما كلا الأمرين معا؟ # غ ~~: # لا أظن. # س ~~: # وحين تكون اللذة والألم في العقل فإنهما كليهما شعور. أليسا شعور؟ # غ ~~: # إنهما شعور. # س ~~: # أولم نر الساعة أن ms258 غياب اللذة والألم يظهر حال راحة لا شك فيها، وهي نقطة ~~متوسطة بين الأمرين؟ # غ ~~: # إنها كذلك. # س ~~: # أفصواب اعتبارنا زوال الألم لذة، واللذة ألما؟ # غ ~~: # لا يمكن أن يكون صوابا. # س ~~: # فالفترة في هذه الأحوال ليست لذة حقيقية، ولكنها تظهر كذلك بإزاء ما هو مؤلم، ~~ومؤلمة بإزاء ما هو سار؛ لأنهما من نوع السحر أو الخداع فقط . # غ ~~: # أعترف أن الحجة تؤدي إلى هذه النتيجة. # س ~~: # وفي الدرجة الثانية حول نظرك إلى اللذات التي لا تنشأ عن آلام، كي لا تتصور ~~كما قد تكون تصورت الساعة أنه ناموس طبيعي، أن زوال اللذة ألم، وانقطاع الألم لذة. # 1 # غ ~~: # إلى أين أنظر، وأية اللذات تعني؟ # س ~~: # يمكنك أن تنظر في لذات كثيرة إذا شئت، وأفضل مثل لذلك لذات الشم، فإنها تنشأ ~~فجأة دون سابق اضطراب، وتنشأ بشدة خارقة، وحين تنقضي لا يحدث عنها ألم. # غ ~~: # ذلك مؤكد. # س ~~: # فلا نعتقدن إذا أن اللذة المحضة هي في زوال الألم، أو أن الألم الحقيقي هو ~~انتهاء اللذة. # غ ~~: # كلا. # س ~~: # ولكنه حقيق من باب التقريب، أن أكثر اللذات الي تصل العقل بواسطة أعضاء ~~الجسد، وأشدها هي من هذا النوع. أي إنها نوع من انقطاع الألم. # غ ~~: # هي كذلك. # س ~~: # أفلا تنطبق الملاحظة ذاتها على لذات التبصر؟ # غ ~~: # تنطبق. # س ~~: # أفتدري نوع هذه اللذات وماذا تمثل؟ # غ ~~: # ماذا؟ # س ~~: # أتسلم أن في الطبيعة ثلاث درجات، وهي: عليا حقيقية، ودنيا حقيقية، ووسطى ~~كذلك؟ # غ ~~: # إني أسلم. # س ~~: # أفتظن أن أحدا وقد رفع من السفلى إلى الوسطى، يمكنه ألا يتصور أنه قد بلغ ~~العليا؟ وإذا استقر في الوسطى ثم خفض نظره إلى المكان الذي منه صعد، أفيمكنه ~~ألا يتصور أن درجته هي العليا، إن لم يكن قد رأى العليا بعد؟ # غ ~~: # أما أنا فإني أؤكد لك أنني لا أتصور أن رجلا كهذا يرى خلاف ذلك. # س ~~: # ولكنه إذا عاد إلى مكانه الأول فهل يظن أنه سفل؟ وهل هو مصيب في ظنه؟ # غ ~~: # معلوم أنه كذلك. ms259 # س ~~: # أولا يحدث له كل ذلك لأنه لم يختبر العليا والوسطى والدنيا اختبارا ~~حقيقيا؟ # غ ~~: # واضح أنه يحدث. # س ~~: # أفتستغرب أن تكون للناس آراء غير صحيحة في أمور عديدة، وهم لم يختبروا ~~الحقيقة بالنظر إلى الألم والمسرة وما بينهما في موقف كهذا، حتى إذا ما ~~نقلوا إلى ما هو مؤلم حقيقة كان لهم رأي صحيح في حالهم، وأنهم بالحقيقة قد ~~تألموا؟ ولكنهم إذا نقلوا من الألم إلى الدرجة المتوسطة بين الألم واللذة، ~~تصوروا تصورا جازما أنهم بلغوا أسمى درجات اللذات التي لم يختبروها قط. ~~وبالنتيجة: أنهم قد خدعوا بمقابلتهم حالة الألم بحال زواله، كالذين لا يعرفون ~~اللون الأبيض، فقابلوا الأسود بالرمادي فحسبوه أبيض لعدم اختبارهم. # غ ~~: # حقا إني لا أتعجب من ذلك، بل كان عجبي أعظم لو أنه غير ذلك. # س ~~: # فاعتبر المسألة على نور فكر جديد: أليس الجوع والعطش وأمثالهما فراغا في ~~نظام الجسد؟ # غ ~~: # بلا شك. # س ~~: # وبالمشابهة: أليس الجهل والحماقة فراغا في نظام النفس؟ # غ ~~: # نعم، بالتأكيد. # س ~~: # أولا يسد الطعام الفراغ الأول، والمعرفة الفراغ الثاني؟ # غ ~~: # مؤكد. # س ~~: # فهل الملء الحاصل بالجوهر الحقيقي أكثر صحة من الملء الحاصل بالجوهر غير ~~الحقيقي، أو أقل صحة منه؟ # غ ~~: # واضح أن الملء الحقيقي هو أكثر صحة منه بغير الحقيقي. # س ~~: # فأيهما تظن أكثر اشتراكا في الجوهر النقي؟ أما يشترك بالطعام والشراب ~~واللحم، وكل ما هو من نوع الأغذية؟ أم ما يشترك بالآراء الصحيحة والعلم والعقل؟ ~~وبكلمة واحدة: «بالفضيلة»؟ ولكي تصدر حكما صحيحا في الأمر انظر فيه على هذه ~~الصورة: أتعتقد أن الوجود الحقيقي هو بجوهره، خاصة الدائم الاتصال بالثابت ~~والخالد، وهو نفسه خالد وثابت، ويظهر في أشياء من نوعه؟ أو تعتقد أنه خاصة ~~الدائم الاتصال بالمتغير والزائل، وهو نفسه متغير وزائل، ويظهر في أشياء من هذا ~~النوع؟ # غ ~~: # بل هو خاصة الأول بأسمى درجات اليقين. # س ~~: # وهل العلم أقل دخولا في ما هو ثابت الجوهر منه في غير الثابت؟ # غ ~~: # كلا البتة. # س ~~: # وهل الحقيقة أقل دخولا من غيرها؟ ms260 # غ ~~: # كلا؟ # س ~~: # فإذا كانت الحقيقة أقل دخولا كان الوجود الحقيقي أقل دخولا أيضا. # غ ~~: # بالضرورة. # س ~~: # إني أتكلم كلاما عاما، أفلا يحتوي تثقيف الجسد بكل فروعه على درجه من ~~الحقيقة من الوجود الحقيقي، أقل من تثقيف النفس بكل فروعها؟ ألا تظن ~~كذلك؟ # غ ~~: # نعم. أقل كثيرا. # س ~~: # وما يمتلئ بجواهر أكثر ثبوتا وهو نفسه أكثر ثبوتا، أفلا يكون امتلاؤه أكثر ~~منه إذا ملئ بالأشياء الأقل ثبوتا وهو نفسه أقل ثبوتا؟ # غ ~~: # دون شك هو كذلك. # س ~~: # فكما أنه يلذ الموضوع لذة حقيقية امتلاؤه بأشياء تناسبه طبعا، فالموضوع ~~الأكثر امتلاء بالجواهر الحقيقية هو أكثر إنتاجا للذة الحقيقية، والموضوع ~~المختص بما هو أقل يقينية يكون امتلاؤه أقل يقينية وأقل ضبطا، ويذوق صاحبه لذة ~~أقل يقينا وثقة. # غ ~~: # النتيجة قاطعة من كل بد. # س ~~: # فالذين لم يتعرفوا الفضيلة والحكمة، ويقضون الحياة في الولائم وأمثالها من ~~أنواع الانهماك قد سفلوا كما يظهر، ثم عادوا إلى منتصف البعد في الطريق إلى ~~فوق. وبين هذين الطرفين يطوفون الحياة بطولها، ولما كانوا لا يتجاوزونهما ~~فإنهم لا ينظرون أو يرتفعون إلى العلل الحقيقية. ولم يمتلئوا قط باللذة ~~الحقيقية ولا ذاقوا لذة حقيقية صرفا، بل هم كالسائمة ينظرون أبدا إلى أسفل، ~~ورءوسهم إلى الأرض يدنونها من موائد الطعام، حيث يشبعون ويسمنون ويلدون، ولكي ~~يسدوا شهوتهم البالغة بهذا التمتع، يرفسون بعضهم بعضا بأظلاف حديدية، ~~ويتناطحون بقرون حديدية حتى يقتل بعضهم بعضا بتأثير الشهوات الشرهة؛ لأنهم قد ~~ملئوا قسم طبيعتهم الشهواني غير الحقيقي بأشياء غير حقيقية. # غ ~~: # تتكلم بكل ضبط يا سقراط كأنك تنطق بالوحي في حياة القسم الأكبر من ~~الناس. # س ~~: # أولا يتبع ذلك أنهم اقترنوا بلذات ممتزجة بالألم، وهي أشباح ضعيفة الشبه ~~باللذة الحقيقية، وقد لونها قربها من الألم فلاحت لهم عظيمة، وهي تلد أشواقا ~~جنونية في صدور الحمقى، فتصير موضوع نزاع في ما بينهم، كشبح هيلانة الذي يقول ~~ستاسيكورس إن الطرواديين تقاتلوا عليه لجهلهم حقيقة شخصها. # غ ~~: # لا بد أن تكون حالة كهذه نتيجة لما تقدم. # س ms261 ~~: # ولننتقل إلى العنصر الغضبي (الحماسي)، أفليست النتائج فيه مشابهة هذه كل ~~المشابهة؟ وذلك حين يعمل الإنسان لسد شوق هذا القسم في طبيعته، إما غيرة في ~~صورة ناشئة عن الطمع، أو إساءة ناشئة عن حب الخصومة والنزاع، أو غضبا لعدم ~~الاكتفاء في سبيل المجد والفوز، أو لأجل سد شوق، دون تفكر ودون عقل ~~سليم. # غ ~~: # إن النتائج في هذا الحال مشابهة ما سبقتها حتما. # س ~~: # وما هي النتيجة؟ أفنقول واثقين أنه بين كل الشهوات التي اختبرنا فيها حب ~~الكسب وحب المجد، فالتي منها تتبع قيادة العلم والعقل، وترافقهما في طلاب قوة ~~تقود الحكمة إليها حتى يدركوها، فإن هذه تبلغ اللذات التي تناسبها، عدا بلوغها ~~أصح اللذات الممكن الحصول عليها نتيجة إخلاصها للحقيقة، بناء على أن الأفضل هو ~~الأنسب لكل واحد؟ # غ ~~: # لا ريب في أنها أكثر مناسبة. # س ~~: # فما دامت النفس تخضع للعنصر المحب للحكمة دون أدنى تصدع، فكل قسم يتمتع ~~بلذاته الخاصة بأفضل شكل وأصوبه، علاوة على أنه يتم عمله الخاص بكل ~~الاعتبارات، أي إنه يكون عادلا. # غ ~~: # نعم، حقا. # س ~~: # ومن ناحية أخرى، إذا حكم أحد العنصرين الآخرين - الشهوي والغضبي - فقد ~~مسراته الخاصة، وحمل ذينك العنصرين على التهافت على لذات غريبة غير ~~حقيقية. # غ ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # وكلما بعد الشيء عن الفلسفة وعن الذهن زاد ما ينتجه من الأثر الشرير. ألا ~~يزيد؟ # غ ~~: # يزيد. # س ~~: # أوليس الأبعد عن الشريعة والنظام هو الأبعد عن التعقل أيضا؟ # غ ~~: # واضح كل الوضوح. # س ~~: # أولا يتبرهن على أن الأهواء الغرامية والاستبدادية هي الأبعد عن الشريعة وعن ~~النظام؟ # غ ~~: # بالتمام إنها الأبعد. # س ~~: # وأن الرغبات الملوكية المعتدلة هل الأقرب إلى الشريعة أو النظام؟ # غ ~~: # نعم. # س ~~: # فالمستبد هو الأبعد عن اللذة الحقيقية الملائمة، والملك هو الأقرب ~~إليها. # غ ~~: # لا نكير في صحة ذلك. # س ~~: # فيحيا المستبد حياة عديمة السرور، والملك حياة كلها السرور؟ # غ ~~: # أنتظر أنك تفيدني. # س ~~: # يظهر أن هنالك لذات ثلاثا، واحدة حقيقية، واثنان غير شرعيتين، وقد تجاوز ~~المستبد الحدود إلى ما ms262 وراء هاتين، ومرق من الشريعة والتعقل، وساكن حرسا ~~شهوانيا من لذات الاستعباد، ولا يدرك مبلغ انحطاطه إلا بالبيان ~~التالي. # غ ~~: # وما هو؟ # س ~~: # نبدأ بالحساب من الأوليغاركي، فالمستبد هو الثالث منه في عمود الانحدار؛ لأن ~~الديموقراطي بينهما. # غ ~~: # نعم. # س ~~: # فإذا كانت ملاحظاتنا الماضية صحيحة، أفلا يكون السرور الذي يقترن المستبد به ~~في حال من البعد عن السرور الحقيقي ، نسخة عن نسخة، عن النسخة الأصلية التي بيد ~~الأوليغاركي؟ # غ ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # وإذا بدأنا من الملكي فالأوليغاركي أيضا هو الثالث منه في عمود الانحدار، ~~إذا حسبنا الملكي والأرستقراطي واحدا. # غ ~~: # حقا إنه الثالث. # س ~~: # فالمستبد بعيد عن اللذة الحقيقية ثلاث ثلاثات. # 2 # غ ~~: # هكذا يلوح. # س ~~: # فيمثل لذته هندسيا (مكفوء) الرقم 9. # غ ~~: # بالتمام. # س ~~: # وبتربيع هذا العدد وتكعيبه تظهر لنا شقة بعد المستبد كل الظهور. # غ ~~: # نعم، إن ذلك واضح للحاسب. # س ~~: # ونقيض ذلك حال الملكي إذا رمت تبيان الشقة بينهما، فإنك تجدها بعد إتمام ~~عملية الضرب هكذا: لذة الملك تعدل 729 ضعف لذة المستبد، وآلام المستبد تعدل 729 ~~آلام الملكي. # غ ~~: # أبرزت نتيجة خارقة في إحصاء البون بين العادل والمتعدي في مجال اللذة ~~والألم. # س ~~: # وأؤكد أن الأرقام تطابق الحياة الإنسانية إذا وافقتها الأيام والليالي ~~والشهور والسنين. # غ ~~: # ولا شك في أنها توافقها. # س ~~: # فإذا كان الصالح العادل يفوق الشرير المتعدي بهذا المقدار في موضوع اللذة، ~~أفلا يفوقه بما لا يقدر في نعمة الحياة وجمالها وفضلها؟ # غ ~~: # نعم حقا، إنه يفوقه بما لا يقدر. # س ~~: # حسنا. وإذ قد بلغنا في المحاورة هذا الموقف، فلنستأنف البحث الأول الذي ~~أوصلنا إلى هنا، وقد سبق القول فيما أعلم أن التعدي مفيد للإنسان الذي هو ~~متعد تام إذا اشتهر بأنه عادل، أفمخطئ أنا في هذا؟ # غ ~~: # إنك مصيب. # س ~~: # لقد أزف الوقت لمجادلة صاحب هذه الملاحظة في وقت اتفقنا فيه في نتائج العدالة ~~والتعدي. # غ ~~: # فكيف نتقدم؟ # س ~~: # فلنتصور مثال النفس ليعرف المتكلم جسامة غباوته. # غ ~~: # أي نوع من المثال تعني؟ # س ~~: # يجب ms263 أن نمثل لأنفسنا أحد المخلوقات التي حسب الأسطورة كانت في الزمن القديم، ~~كخيميرا، وسلا، وسربروس، عدا كثيرين من المخلوقات الغريبة الشكل نعرض عن ~~ذكرها، وفي كل منها اجتمعت طبائع عدة في جسم واحد. # غ ~~: # حقا إننا قد سمعنا قصصا كهذه. # س ~~: # فارسم أولا جسما مختلف الطبائع متعدد الرءوس، تحيط به حلقة من رءوس ~~حيوانات داجنة ووحشية، وليكن له قوة على توليد هذه الرءوس من جسمه حين يشاء، ~~وإخفائها أو تغييرها حين يشاء. # غ ~~: # إنه عمل مثال ماهر، ولما كان التصور أسهل من التصوير بالشمع وأمثاله ~~فافرض أنا صنعناه. # س ~~: # تقدم ثانية لصنع رسم أسد، وثالثة لصنع رسم إنسان، وليكن الأول أعظم كثيرا ~~من الآخرين، والأسد أعظم من الإنسان. # غ ~~: # ذلك سهل، ولقد صنع. # س ~~: # ضم هذه الثلاثة معا بحيث تصير قطعة واحدة. # غ ~~: # لقد ضممتها. # س ~~: # ألبسها شكل أحدها، وليكن شكل الإنسان، بحيث لا يعلم الناظر ما وراء ذلك ~~الظاهر، فلا يرى في المجموع إلا الإنسان. # غ ~~: # ضممتها. # س ~~: # فلنجاوب من قال إنه نافع لهذا الإنسان أن يكون شريرا، وأن ليس في مصلحته أن ~~يكون عادلا، أن مفاد قوله هو أنه يفيده أن يقيت الحيوان الغريب الشكل المتعدد ~~الطبائع، وهكذا يفعل بالأسد وطبائعه، ويترك الإنسان للمجاعة والضعف، إلى درجة ~~يكون فيها تحت رحمة كل من رفيقيه وقيادته، فيجرانه حيث شاءا دون أدنى سعي ~~في مصالحة أحدهما مع الآخر، بل يتركها معا ليعض أحدها الآخر ويحاربه ~~ويفترسه. # غ ~~: # حقا، إن من يطري التعدي إنما يقول هذا القول. # س ~~: # ومن الناحية الأخرى، أليس المدافع عن فائدة العدالة يدعي أن الأفعال ~~والأقوال يجب أن تؤدي إلى تسويد الإنسان الباطني على الإنسان كله؟ وأن يستعين ~~بالأسد كحليف على تأليف الوحش المتعدد الرءوس وتطبيعه كما يطبع الفلاح ~~بهائمه، مغذيا أقسامه الأليفة، ومربيا إياها مؤخرا نمو القسم ~~الوحشي. وهكذا يوالي تمرينه على أساس ضم الأقسام بعضها مع بعض، ومصالحتها ~~معا. # غ ~~: # نعم، هذه هي حتما مدعيات من يمدح العدالة. # س ~~: # وأن مطري العدالة يقول الحق في ms264 كل حال، أما مطري التعدي فكذوب، فباعتبار ~~اللذة والشهرة أو الفائدة أن مادح البار صادق، وكل انتقادات خصومه جهالة وغير ~~صحيحة. # غ ~~: # إني أرى هذا الرأي. # س ~~: # فلنحاول إقناعه بتؤدة (لأن خطأه غير متعمد)، فنضع أمامه هذه المسألة: ~~يا صديقي الصالح، ألا يمكننا أن نقول إن التمارين المحسوبة جميلة أو جنونية، ~~إنما حسبت هكذا باعتبار إخضاعها (أقسام) طبيعتنا البهيمية للإنسان. وربما كان ~~الأفضل أن أقول «للقسم الإلهي» باعتبار أنها تؤالف القسم الشرس، الخادم والعبد؟ ~~فهل يقول نعم؟ أو بماذا يجيب؟ # غ ~~: # إذا قبل رأيي فإنه سيقول نعم. # س ~~: # فعملا بهذا الجدل: هل هو مفيد لأحد أن يأخذ ذهبا بغير حق، إذا كانت النتيجة ~~أنه حالما يقبض الذهب يستعبد القسم الأفضل فيه للقسم الأدنى. أو أنه من ~~المسلم أنه يقبض ثمن أبيه ابنه أو ابنته للعبودية لسادة أشرار همج، فليس في ~~مصلحته أن يفعل ذلك ولو قبض بدر الأموال. أفيقال جدلا أنه استعبد بدون شفقة ~~أقدس قسم في ذاته، لأنجس قسم وأشر قسم؟ ألا يكون تناوله الذهب على هذا المنوال ~~سببا لدمار أفظع مما صنعت يوريفيلي التي أخذت عقدا ثمن حياة زوجها؟ # غ ~~: # إني أجيبك عنه أن ذلك العمل أكثر دمارا من عملها. # س ~~: # أولا تظن أن الفجور ذميم للسبب نفسه، وهو أنه بانتشاره ينال الوحش المخيف ~~المتعدد الرءوس حرية أكثر مما يجوز له؟ # غ ~~: # واضح أنك مصيب. # س ~~: # أوليست الكلمات «عناد، وتبرم» تستخدم للإعراب عن التعنيف والملام، حين ~~تسويد الأسد والحية وتعظيمهما فوق الحد؟ # غ ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # أولا يذم البذخ والتخنث لأنهما يضعفان عزيمة المخلوق ويفتان في عضده ~~بخلقهما الجبانة في نفسه؟ # غ ~~: # يخلقانها بدون شك. # س ~~: # أولا يرمى المرء بألفاظ التمليق والهوان حين يخضع الحيوان النشيط للوحش ~~المعربد، ويسد شوق هذا الأخير للمال، ويدرب الأول منذ البداءة على نسق كثير ~~الإهانة، فيصير قردا بدل كونه أسدا؟ # غ ~~: # حقا إنك مصيب. # غ ~~: # واسمح لي أن أسألك: هل تحسب الخشونة والفظاظة أمرا ساقطا؟ أولا يمكننا ~~القول إن هذه الألفاظ تدل ms265 على أن أفضل عناصر الإنسان الذي قيلت فيه هي ضعيفة ~~طبعا، عوض كونه أهلا لحكم الخلائق التي في نفسه، وقد سلمها الحكم واقتصر على ~~إتقان مسايرتها وتمليقها؟ # غ ~~: # هكذا يتضح. # س ~~: # أولا نقول إن شخصا كهذا لكي تحكمه سلطة تحكم أفضل رجل، يجب أن يخضع للمثل ~~الأعلى الذي يسوده عنصره الإلهي؟ ولا تتصورن أن العبد يساد لضرره، كما ذهب ~~ثراسيماخس إلى أن هذه «قرعة الرعية»، بل بالضد من ذلك نعتقد أن الأفضل لكل واحد ~~أن تحكمه قوة إلهية حكيمة، مقرها في داخله إذا أمكن، وإلا فتملى عليه من ~~الخارج، لنكون كلنا سواء على قدر ما تسمح الطبيعة، وأصدقاء بعضها لبعض؛ لأن ~~ربانا واحدا يدير دفة سفينتنا. # غ ~~: # صواب تام. # س ~~: # وواضح أن هذا مقصد الشريعة - الصديق العام لكل أفراد الدولة - ومقصد حكومة ~~الأولاد القاضية بانتزاع حريتهم، إلى أن يؤسس دستور فيهم كما فعلنا في ~~المدينة، ويثقف أشرف مبدأ في طبيعتهم، واضعين في قلوبهم وازعا وملكا قسيم ما ~~فينا، فمن ثم نبيح لهم حريتهم. # غ ~~: # نعم، ذلك واضح. # س ~~: # فبأية حجة يا غلوكون وبناء على أي مبدأ يمكننا أن نقول: إنه يفيد ~~الإنسان أن يكون متعديا أو فاجرا أو يرتكب أي عمل دني، يهبط به إلى أعماق ~~الرذيلة فيزيد ثروته وقوته بفعلته؟ # غ ~~: # لا يمكننا قبول هذا التعليم على أي أساس. # س ~~: # وبأية حجة نؤيد منافع إخفاء التعدي ونهرب من عقوباته؟ ألست مصيبا في ~~ظني أن الإنسان الذي نجا من انكشاف أمره يزداد شرا عن ذي قبل؟ أما إذا انكشف ~~وعوقب يخمد قسمه البهيمي ويألف ويتحرر القسم الأليف، وتفرغ النفس في قالب ~~أسمى الصفات، وتبلغ بواسطة العفاف والعدالة مع الحكمة حالا أفضل مما بلغ ~~الجسد المجهز بالقوة والجمال والصحة، بقياس فضل النفس على الجسد؟ # غ ~~: # نعم، حقا إنك مصيب. # س ~~: # أستخلص مما تقدم أن الحصيف يوجه كل قواه في الحياة نحو هذا الغرض الواحد، ~~ويكون عمله أن يحترم في الدرجة الأولى الدروس التي تطبع نفسه بطابع هذه ~~السجية، ويهمل كل ما ms266 سواها. # غ ~~: # واضح. # س ~~: # وفي الدرجة الثانية عادة الجسد وتغذيته، بعيدا عن الانغماس في لذة البهيم ~~الطائشة، وعنده حتى الصحة ليست غرضا، فلا يعلق عليها أكبر شأن بطلب القوة أو ~~الصحة أو الجمال، إلا إذا أدت إلى العفاف؛ لأن غرضه الخاص في ضبط لحن الجسد ~~هو أن يحتفظ بالنغم الذي مقره النفس. # غ ~~: # نعم، لا شك في أنه يحتفظ إذا رام أن يكون موسيقيا حقيقيا. # س ~~: # أولا يبدي أيضا مقدار الشدة التي يدعم بها النظام والاتفاق الذي يستند ~~إليه في طلب الثراء؟ أولا يتجنب الانبهار بتهاني الجمهور إياه بمضاعفة ثروته ~~إلى ما لا نهاية، فيجلب ذلك له اضطرابا لا حد له؟ # غ ~~: # أظن أنه يتجنب ذلك. # س ~~: # وعلى الضد من ذلك، يجعل حرصه على الاستناد إلى النظام الداخلي وسهره التام، ~~ألا يتحول أحد أقسامه عن لياقته بداعي زيادة أرزاقه أو قلتها، يجعل هذين ~~مبدئين يتبعهما اتباعا مدققا في سعيه إلى إحراز الثروة وإنفاقها. # غ ~~: # حتما هكذا. # س ~~: # وبالنظر إلى الشرف، يسر بأن يضع نصب عينيه على الدوام المقياس الذي به ~~يزاول الوسائل التي يعتقد أنها تجعله أفضل من ذي قبل، ويمقت في السر والعلن ما ~~يظن أنه يقلب حاله الحاضرة. # غ ~~: # إذا كان ذلك غرضه الخاص، فأرى أنه لا يرتضي بأن يتدخل في السياسة. # س ~~: # وذمتي أنك مخطئ؛ لأنه يتدخل فيها بالتأكيد بأقل الدرجات في مدينته إذا لم ~~يكن في وطنه الواسع، ما لم يصده عن ذلك حادث قضائي. # غ ~~: # فهمت أنك تعني أنه يفعل هكذا في المدينة التي أكملنا نظامها، المحصورة في ~~عالم الخيال، لأني لا أعتقد أنها توجد على وجه الأرض. # س ~~: # قد يكون في السماء منها نموذج لمن يروم أن يراه، ويبني نفسه على مثاله. وأما ~~مسألة وجوده على الأرض في الحاضر أو المستقبل، فليست بالأمر المهم؛ لأنه على ~~كل يختار نظم مدينة كهذه ويجري عليها، معرضا عن كل ما سواها. # غ ~~: # الأرجح أنه يفعل ذلك. # | الكتاب العاشر: التقليد وجزاء الفضيلة # خلاصته # يستأنف سقراط الكلام في الكتاب ms267 العاشر في الشعر والتقليد بوجه عام، وسؤاله هو: ما هو ~~فن التقليد؟ خذ الفراش مثلا، أو الخوان، فلنا في الأول: ~~(1) # مثل الفراش أو رسمه على ما خلقه الله. ~~(2) # الفراش الذي صنعه المنجد. ~~(3) # الفراش الذي رسمه الرسام. # وهو نسخة عن المثال الثاني، وهذا بدوره نسخة عن المثل الأول. # وبالطريقة نفسها يقلد الشاعر ليس المثل فقط، وهي هي اليقينيات الوحدة، بل ظاهرات ~~الحياة اليومية ، والآراء الذائعة بين المهذبين بعض التهذيب. # وانظر في القضية بالطريقة التالية: كل مصنوع كاللجام مثلا، فيه ثلاثة فنون متمايزة، ~~أحدها: يعلم الإنسان كيف يستعمله، والثاني: يعلمه كيف يصنعه، والثالث: كيف يقلده. فالذي ~~يستعمله وحده يمتلك المعرفة الحقيقية «العلمية» بالشيء، وهو يعلم الصانع طريقة صنعه، ~~وهذا الصانع يمتلك «تصورا» صحيحا. # أما المقلد فلا يمتلك علما ولا تصورا صحيحا، بل وهما غامضا في ما يقلده، فبأي ~~أقسام العقل يختص التقليد؟ طبعا إنه لا يختص بالعنصر العقلي، وهو أشرف أقسام الطبيعة، ~~بل يختص بعنصر أدنى منه، هو أبدا على استعداد للانسحاب أمام المصيبة، ويكثر فيه ~~التغير والقلق، فيتسع فيه أمامهما ميدان التقليد؛ لأن الخلق الرصين الهادئ قلما ~~يبدي ميلا إلى التقليد الشعري، ولا يعرف قدرا لتعب التقليد، ولا يقدره الناس الذين ~~اعتاد الشعراء المثول لديهم بأشعارهم. # والطامة الكبرى أن الشعر يصغر النفس؛ لأنه يجرنا إلى الشعور العميق بآلام الآخرين، ~~فتضعف عزائمنا ونقعد عن حمل أحمالنا؛ ولذا كنا ملزمين رغم إرادتنا أن نضع القانون ~~القائل: يباح من الشعر فقط تسابيح الآلهة، وتقاريظ كبراء الرجال، والأعمال الشريفة؛ ~~لأن الصلاح ليس أمرا سهلا، وعلينا حتما تجنب كل ما يعارض نمونا في الفضيلة. # ويختم الموضوع بتقدم سقراط إلى البحث في جزاء الفضيلة، الذي يزداد زيادة لا حد ~~لها باعتبار خلود النفس، الذي تبرهن على صحته برهانا مختصرا. لكل شيء آفة خاصة أو ~~داء يحل به فيفضي إلى دماره، فالعمى يتلف البصر، والعفن يفسد القمح، والسوس يعطل ~~الخشب، أما داء النفس العضال فهو التعدي، والفجور، والجبانة، والجهل. أفتفني هذه ~~الأدواء النفس؟ كلا ثم كلا، فإن تلك ms268 الأدواء لا يمكنها أن تفني النفس في «الحال» كما ~~يقتل الداء العضال الجسد، ولكنها تكون في «الحال» سبب إعدام القاتل بحكم الآخرين، وهو ~~شيء آخر غير فناء النفس. وإذا لم يقتل الشر النفس فلا شيء آخر يقتلها؛ ولذا فالنفس ~~خالدة. # وإذ قد اكتفينا بأن العدالة هي في حد ذاتها خير جزاء للعادل، فيحسن بنا أن نعتبر ~~الأمجاد والأرباح التي تسبغها عليها الآلهة والناس؛ لأننا لسنا نرتاب في أن الآلهة ~~تحبه، وأن ضروب العناية متجهة إلى خيره ولو ظهر أنها مناقضة ذلك. وكثير من الناس يحبونه ~~ويكرمونه في أواخر حياته إذا لم يكن قبل ذلك. # وأخيرا، كل أنواع الجزاء والمكافأة المذكورة هي لا شيء إذا قيست بما أعد للعادل ~~من الجزاء بعد موته. ولكي يوضح سقراط ذلك أورد أسطورة آر بن أرمينيوس، وبهذه القصة ~~تختم الجمهورية. # متن الكتاب # سقراط ~~: # ينبغي لي أن أقول وأنا مقود بمنوع موضوعات التفكر: أني أعتقد بأننا ~~كنا مصيبين في الخطط التي رسمناها لتنظيم الدولة، ويزداد هذا الاقتناع في ~~حينما أفكر بقوانيننا الشعرية. # غ ~~: # وما هي طبيعتها؟ # س ~~: # أن لا يباح فرع الشعر التقليدي في حال من الأحوال، وقد صارت مسألة خطر ~~الشعر خطرا تاما أوضح من ذي قبل، بعد أن حددنا أقسام النفس. # غ ~~: # أوضح ما تعني. # س ~~: # أؤكد أنك لن تشكوني لناظمي المآسي وكل جمهور المقلدين، فلا أخشى أن أقول إن ~~الشعر التقليدي قاطبة مضر بأفهام سامعيه، ولا سيما الذين ليس لهم علاج شاف ~~مبني على معرفة طبيعة الشعر معرفة حقيقية. # غ ~~: # وما هو مضمون كلامك؟ # س ~~: # يجب أن أصرح بفكري رغما عن احترامي هوميروس، الذي أحسبه منذ حداثتي أمير ~~ناظمي المآسي والمراثي الأعظم. على أنه من الخطأ تضحية الحقيقة إكراما ~~للإنسان؛ لذلك يجب أن أقول قولي. # غ ~~: # قل من كل بد. # س ~~: # فاسمعني، بل أجبني. # غ ~~: # سل ما تريد. # س ~~: # هل تقدر أن تقول لي ما هو التقليد بوجه الإجمال؟ فإني حائر في فهم معناه ~~الحقيقي. # غ ~~: # أوتتوقع مني أن أفهمه أنا؟! # س ~~: # لا ms269 غرابة في ذلك، فقد يرى حسير البصر ما لا يراه حاد البصر. # غ ~~: # هذا حق، ولكني لا أجرؤ على القول في حضرتك حتى ولو تجلى الأمر لي، فلاحظه ~~أنت لذاتك. # س ~~: # أفتريد أن نستأنف بحثنا بالأسلوب الذي اتبعناه في افتتاح كلامنا؟ فقد ~~والينا عادة أن نفرض وجود صورة تشمل خصائص عديدة نطلق عليها اسما واحدا، ~~أتفهمني أم لا؟ # غ ~~: # أفهمك. # س ~~: # فلنتخذ إذا ما يلائم مسرتك. مثلا: توجد فرش وخوانات عديدة. # غ ~~: # مؤكد. # س ~~: # على أنه بين كل الصور المتعلقة على هذه الأشياء توجد اثنتان، الواحدة رسم ~~فراش، والأخرى رسم خوان. # غ ~~: # نعم. # س ~~: # أولم نعتد القول إن صانع كل من هذه الأشياء ينظر فيما هو يصنع، إلى رسم ~~الفرش والخوانات التي نستعملها أو غيرها من الأشياء؟ إذ لا صانع يصنع الرسم ~~نفسه؛ لأن ذلك محال. # غ ~~: # حقا إنه محال. # س ~~: # فانظر كيف نصف الصانع التالي. # غ ~~: # إلى من تشير؟ # س ~~: # أشير إلى الصانع الذي يصنع كل الأشياء التي تدخل مملكة العمال. # غ ~~: # إنك تذكر صانعا ماهرا. # س ~~: # مهلا فتكون لك أسباب كافية لهذا القول؛ لأنه علاوة على كونه يخلق جميع ~~الأحياء وهو في جملتهم وسائر الناس، فإنه عدا ذلك يصنع كل ما تنبت الأرض، وكل ~~الأجرام السموية، وكل الخلائق في العالمين والسماء والآلهة. # غ ~~: # ما أمهر الصانع الذي تصنعه! # س ~~: # إنك لا تصدقني. فقل لي: أتظن أن وجود صانع كهذا مستحيل قطعا؟ أو إنك تعتقد ~~أن وجوده ممكن باعتبار ما، وباعتبار آخر غير ممكن؟ أو تجهل أنك أنت نفسك ~~تستطيع أن تصنع هذه الأشياء المتعددة بطريقة خاصة؟ # غ ~~: # وما هي تلك الطريقة؟ # س ~~: # لا شيء من الصعوبة فيها، فإنها وسيلة كثيرة التنويع، وربما كانت أسرع طريقة ~~أن تأخذ مرآة وتديرها إلى كل الجهات، فإنك في الحال تصنع الشمس، وكل ما في ~~السموات، والكواكب والأرض، وتصنع نفسك وغيرك من الناس والحيوانات والنباتات ~~والأواني وكل ما ذكر الآن، بأوفر سرعة. # غ ~~: # نعم، إننا نستطيع أن نصنع ظاهرات كثيرة، ولكنها ليست أشياء ms270 موجودة ~~حقيقة. # س ~~: # أصبت، وإن ملاحظتك في محلها. وفي رأيي أن الرسام هو من هذه الطبقة. أليس هو ~~منها؟ # غ ~~: # محقق أنه منها. # س ~~: # ولكني أظنك تقول إن ما يصنعه ليس بحقيقي. مع ذلك فالرسام أيضا بطريقة من ~~الطرق يصنع فراشا. أتراني مخطئا بذلك؟ # غ ~~: # أجل. إن الرسام يصنع فراشا ظاهريا. # س ~~: # وما قولك في المنجد؟ أفلم تقل الساعة إنه لم يصنع «الصورة» التي تعين حسب ~~بحثنا حقيقة الفراش، إنما صنع فراشا خاصا؟ # غ ~~: # بلى، قد قلت هكذا. # س ~~: # فإذا لم يصنع ما يوجه حقيقة أفلا نقول له إنه لم يصنع شيئا حقيقيا؟ بل صنع ~~ما يشبه الحقيقي ولكنه غير حقيقي؟ وإذا وصف أحد صنع صانع الفراش أو صنع غيره ~~من الصناع بأنه حقيقي تام، كان بيانه في الأمر على الأرجح غير حقيقي، أليس ~~كذلك؟ # غ ~~: # بلى، حسب رأي أرباب الخبرة في هذا البحث. # س ~~: # فلا ندهشن إذا وجدنا أن أشياء محسوسة كالفراش ليست إلا ظلالا بإزاء الحقيقة. # 1 # غ ~~: # حق. # س ~~: # أفتريد أن نستخدم هذا الإيضاح في بحثنا في طبيعة المقلد الحقيقية؟ # غ ~~: # إذا كنت تريد. # س ~~: # حسنا، هنالك ثلاثة أنواع من الفراش، واحد منها يوجد في طبيعة الأشياء، وهذا ~~إذا لم أكن مخطئا ننسبه إلى صنع الله. وإلا فإلى من ننسبه؟ # غ ~~: # لا نقدر أن ننسبه إلى غيره تعالى. # س ~~: # والثاني عمله المنجد. # غ ~~: # نعم. # س ~~: # والثالث هو صنع الرسام. # غ ~~: # ليكن كذلك. # س ~~: # فهنالك ثلاثة أنواع من الفرش، وثلاثة مسيطرين على صنعها: الرسام، والمنجد، ~~والله. # غ ~~: # نعم ثلاثة. # س ~~: # ولا يعلم هل أن الله لم يرد أن يصنع أكثر من فرش واحد، أو أن هنالك ضرورة ~~حالت دون صنعه أكثر من واحد في الكون؟ فهو على كلا الحالين، قد عمل تعالى ~~فراشا واحدا فقط، وهو الفراش الجوهري التام، ولكن اثنين أو أكثر من اثنين لم ~~يخلق الله ولن يخلق. # غ ~~: # وكيف ذلك؟ # س ~~: # لأنه لو عمل الله اثنين فقط، فلا مندوحة عن ظهور فراش مفرد يدخل شكله ms271 في ~~الفراشين كل في دوره. «وهذا» يكون «الفراش» الجوهري التام، لا ~~الاثنان. # غ ~~: # إنك مصيب. # س ~~: # فالله - وهو عالم بذلك - أراد على ما أظن أن يكون صانعا حقيقيا للفراش ~~الحقيقي، لا صانعا غير محدود لفراش غير محدود؛ لذلك خلق فراشا ~~مفردا. # غ ~~: # هكذا يظهر. # س ~~: # أفتستحسن أن ندعوه مثلا: خالق هذا الشيء؟ # غ ~~: # نعم، إنما هو حق أن نفعل هكذا. حيث إنك ترى لعمل الخلق صنع هذا وكل شيء ~~آخر. # س ~~: # وماذا نقول في أمر المنجد؟ ألا نصفه كمستنبط الفراش؟ # غ ~~: # بلى. # س ~~: # أفنتقدم إلى القول إن الرسام هو أيضا مستنبط وصانع الأداة نفسها؟ # غ ~~: # مؤكد لا. # س ~~: # فما هو في حسبانك بالنسبة إلى الفراش؟ # غ ~~: # في رأيي أننا ندعوه مقلدا للشيء الذي صنعه الاثنان السابق ذكرهما. # س ~~: # حسنا، أفتدعوه مقلدا؛ لأنه صنع ما نقل عن أصله مرتين؟ # غ ~~: # نعم، تماما هكذا. # س ~~: # ولما كان ناظم المأساة مقلدا، أمكننا أن نتكهن كذلك أنه مع كل المقلدين، ~~الثالث في انحداره من الملك ومن الحقيقة. # غ ~~: # هكذا يظهر. # س ~~: # فنحن إذا متفقون في طبيعة المقلد، فأجب عن مسألة واحدة في الرسام: هل تظن ~~أنه يجرب أن يقلد الشيء الأصلي المخلوق؟ أو صنع الصانع؟ # غ ~~: # يقلد الأخير. # س ~~: # أو يقلدها على ما هي في ذاتها؟ أو كما تظهر؟ حدد ذلك بالضبط. # غ ~~: # ماذا تعني؟ # س ~~: # أعني هذا: أتختلف ذاتية الفرش سواء رئي من جانبه، أو من مقدمه، أو من جهة ~~أخرى؟ أم يبقى على ما هو ولو اختلف ظاهرا؟ وعلى هذا القياس بقية ~~الأشياء؟ # غ ~~: # الأخير هو البيان الحقيقي، يختلف باختلاف النظر إليه، وهو لا يتغير. # س ~~: # فهذه هي النقطة التي أود اعتبارها: إلى أي الأمرين يرمي الرسم؟ أإلى تقليد ~~الطبيعة الحقيقية للأشياء الحقيقية؟ أم الطبيعة الظاهرة للظاهرات؟ وبعبارة ~~أخرى: أتقليد الخيال هو؟ أم تقليد الحقيقة؟ # غ ~~: # تقليد الأول. # س ~~: # ففن التقليد في رأيي قد طلق الحقيقة بتاتا، وظاهر أنه يؤثر كثيرا؛ لأنه ~~يتناول قسما صغيرا من امتداد الموضوع، وذلك القسم غير مهم، ms272 مثلا: نقول إن ~~الرسام يرسم لنا إسكافا، أو نجارا، أو أي صانع آخر، دون أن يعرف شيئا عن ~~صفتهم. ومع ذلك الجهل فلنفرض أنه رسام ماهر، فإذا رسم نجارا وعرض رسمه عن ~~بعد، فإنه يخدع الأولاد والسذج، فيتوهمون أنهم يرون نجارا ~~حقيقيا. # غ ~~: # لا شك في ذلك. # س ~~: # وليكن ذلك كيفما يكون، فإني أخبرك يا صديقي كيف يجب أن نشعر في كل الأحوال من ~~هذا القبيل، فحين يخبرنا أحد أنه التقى برجل بارع في كل صنعة، وقد جمع في شخصه ~~كل المعارف التي يمتلكها آحاد الناس، إلى درجة لا يفوقه فيها رجل آخر، فيجب أن ~~نجيب مخبرنا أنه إنسان ساذج، وأنه ولا بد قد التقى بمشعوذ مقلد خدعه، ~~فصار يعتقد فيه العلم بكل شيء؛ لأنه لا يقدر أن يميز بين العلم والجهل ~~والتقليد. # غ ~~: # محقق أعظم تحقيق. # س ~~: # أفلا يجب أن نتقدم إلى النظر في المأساة وزعيمها هوميروس؟ لأننا سمعنا عن ~~الناس أن الشعراء الروائيين يعرفون كل شيء إنساني يتعلق بالفضيلة والرذيلة، ~~بل والأشياء الإلهية أيضا، علاوة على معرفتهم كل الفنون؛ لأنهم يقولون: لكي ~~يجيد الشاعر نظمه يجب عليه أن يلم بموضوعه، وإلا كان عاجزا في قرض ~~الشعر، فينبغي لنا أن نبحث لنرى: أمجرد مقلدين كان الشعراء الذين التقوا ~~بهؤلاء الناس، الذين لدى وقوفهم على رواياتهم خدعوا؛ لأنهم لما رأوا تمثيلها ~~عجزوا عن أن يدركوا أنها نسخة ثالثة عن الحقيقة، وأنها صنعت بسهولة بأيدي ~~أناس لا يعرفون الحقيقة؛ لأنها أشباح لا حقائق؟ أهذه هي الحالة مع القائلين؟ ~~أم أنهم أصابوا المرمى في قولهم إن الشعراء المجيدين يعرفون حقيقة الموضوعات ~~التي يرى الجمهور أنهم أجادوها؟ # غ ~~: # نعم، يجب أن نفحص الأمر من كل بد. # س ~~: # أفتظن أن الإنسان إذا استطاع أن يصنع الأصل وما نسخ عنه، يقف نفسه على عمل ~~النسخ باهتمام، ويجعل ذلك غرض حياته، بداع أنه عالم بأشرف الأغراض؟ # غ ~~: # لا أظن. # س ~~: # بل لو أنه كان فاهما طبيعة الأشياء التي يقلدها لوجه نحو الأعمال الحقيقية ~~جهدا أعظم جدا ms273 من جهده في تقليدها، ولسعى ليترك بعده آثارا كثيرة جميلة؛ ~~تخليدا لذكره، مؤثرا أن يكون ممدوحا على أن يكون مادحا. # غ ~~: # أوافقك؛ لأن المجد والنفع أكثر جدا في الحال الواحد منه في الآخر. # س ~~: # فلنضرب صفحا عن إيضاح الأشياء العادية، ولا نسأل هوميروس أو غيره من ~~الشعراء، إذا كان أحد الشعراء الأقدمين أو المحدثين قد برع في الطب غير مكتف ~~بتقليد لهجة الأطباء فقط، فنسألهم إيضاحا: لماذا ليس لأحدهم شهرة أسكولابيوس ~~في شفاء الأمراض، ولم يخلفوا مدرسة من الأطباء كما خلف هو؟ ولا نسألهم ~~عن سائر الفنون، بل نحذفها من لائحة البحث. ولكنا نسألهم عن أعظم الأشياء ~~وأجملها، وهي التي حاول هوميروس أن يصفها: كالحروب، وتنظيم الحملات الحربية، ~~وإدارة المدن، وتهذيب الناس، فمن العدل أن نناقشه قائلين: يا عزيزي هوميروس، إن ~~كنت حقا في الدرجة الثانية من الحقيقة لا في الثالثة، باعتبار الفضيلة، وإذا ~~كنت صانع الحقيقة لا الخيال كما حددنا المقلد، وإذا كنت قادرا أن تجعل ~~الإنسان أفضل أو أردأ في الشئون الصحية والجمهورية، إذا كنت كذلك فأخبرنا: أي ~~المدن مدينة لك بحسن نظامها، كما صارت لقدمونا بفضل ليكورغس، وكما صارت مدن ~~غيرها كبيرة وصغيرة أفضل مما كانت بفضل غيره من الشارعين؟ فأي المدن تنسب ~~إليك هذه الفوائد التي استخرجتها من مجموعة الشرائع الحسنة؟ فإن إيطاليا وصقلية ~~تقران بفضل خارونداس، ونحن نقر بفضل صولون، فأية دولة تقر بفضلك؟ ~~أفيقدر أن يذكر دولة واحدة من هذا القبيل؟ # غ ~~: # لا أظن. أقله أننا لم نسمع ذلك، حتى ولا من الشعراء الذين يفتخرون بأنهم ~~خلفاؤه. # س ~~: # فهل ذكر التاريخ حربا في عهد هوميروس انتهت نهاية سعيدة بقيادته أو ~~بمشورته؟ # غ ~~: # كلا، ولا واحدة. # س ~~: # حسنا، فهل قيل إنه استنبط طائفة من الاختراعات الصحيحة، كطاليس المليطي، ~~وأناخرسيس السكيثي، تتعلق بالفنون المفيدة أو بأشياء عملية أخرى، تثبت أنه ~~كان رجلا حكيما في أعمال الحياة العملية؟ # غ ~~: # لم يرو عنه شيء من هذا النوع. # س ~~: # حسنا، فهل روي عن هوميروس - وإن لم يكن رجلا عموميا ms274 - أنه قام في حياته ~~بتهذيب فئة خاصة من التلاميذ، كانوا يسرون بالاجتماع معه، وقد أورثوا الذراري ~~نسق حياة هوميريا، كما كان فيثاغورس محبوبا حبا خارقا كعشير وكرفيق، عدا ~~كون خلفائه الذين ما زالوا يطلقون اسمه على نسق حياتهم، هم شخصيات بارزة في ~~الدنيا؟ # غ ~~: # لا يا سقراط، لم يرو عنه شيء من هذا النوع. وإذا صحت الروايات عن ~~هوميروس فبالحقيقة أن تهذيب صديقه كريوفيلس كان أمرا أكثر هزءا من اسمه؛ لأنه ~~بلغنا أنه حتى كريوفيلس كان يجهل هوميروس # 2 # وهو في عصره. # س ~~: # لا شك في صحة الرواية. ولكن أتظن يا غلوكون أنه لو كان هوميروس قادرا أن ~~يهذب الناس ويزيدهم فضلا بمقدرته التقليدية، وبمعرفته الموضوعات المشار إليها، ~~أفكان يعجز عن جمع جمهور من المعجبين به يلتفون حوله كما فعل بروتاغوراس ~~الأبديري، وبروديكس الخيوسي، وكثيرون غيرهما ممن استطاعوا كما رأينا أن يقنعوا ~~معاصريهم بالعلاقات الخاصة بهم، أنهم لم يتمكنوا من إدارة بيوتهم ومدينتهم لولا ~~أنهم «هم» ناظروا على تهذيبهم. وجريا على الحكمة البادية في ذلك، ضمنت لهؤلاء ~~الأساتذة محبة لا حد لها، حتى حملهم رفقاؤهم على الأكتاف. أفيعقل أنه لو كان ~~هوميروس وهسيودس قادرين أن يرقيا الناس في معارج الفضيلة، أن يسمح معاصروهما ~~لهما أن يجولا ينشدان أشعارهما؟ أفما كانوا يحرصون عليهما ولا حرصهم على الذهب! ~~ويحملونهما على الإقامة معهم؟ وإذا عجزوا عن إقناعهما أفما كانوا يتبعونهما في ~~كل مكان كتلامذة ليحصلوا على التهذيب الكافي؟ # غ ~~: # لا أشك في أنك مصيب يا سقراط. # س ~~: # أفلا نستنتج مما تقدم: أن جميع الشعراء من هوميروس وصاعدا مقلدون، نسخوا ~~صورا خيالية في كل ما نظموا، ومن جملة تلك نظمهم في الفضيلة، فلم يلمسوا ~~الحقيقة؟ وكما قلنا الساعة: ألا يرسم الرسام وهو لا يعرف شيئا عن السكافة، ~~رسما يحمل الجهلاء أمثاله على الظن أنه إسكاف؛ لأنهم يحصرون نظرهم في الأشكال ~~والألوان؟ # غ ~~: # مؤكد أنه يصنع ذلك. # س ~~: # فعلى الطريقة نفسها أرى الشاعر كالرسام، يضع طائفة من الألوان في شكل أفعال ~~وأسماء، ليمثل حرفا لا ms275 يعرف منها إلا ما يمكنه من تقليدها، فإذا قرض ~~الشعر وزنا وقافية واتساقا، واصفا به السكافة مثلا أو القيادة أو أي ~~موضوع كان، أعجب الجاهلون أمثاله به لاعتمادهم في أحكامهم صورة البيان، ~~فتخلب ألبابهم التطبيقات الموسيقية المار ذكرها. والفتنة بهذه التطبيقات ~~الموسيقية فعالة جدا بطبيعتها، لأني أظن أنك تعرف المظهر الحقيقي الذي يظهر ~~به الشعر، إذا تجرد عن صبغته الموسيقية وكان عاريا من كل ثوب. ولا شك في أنك ~~قد لاحظت ذلك. # غ ~~: # نعم لاحظته. # س ~~: # أفلا يذكر الإنسان حينذاك بالهيئة الذابلة الظاهرة في محيا من كانوا ~~فيما سبق ذوي رونق من غير أن يكونوا ذوي جمال، بعد ما فارقهم رونقهم؟ # غ ~~: # حتما هكذا. # س ~~: # فدعني أسألك فحص النقطة التالية: إن صانع الرسم أو المقلد حسب رأينا، يدرك ~~الظاهر دون الحقيقة. أليس كذلك؟ # غ ~~: # بلى. # س ~~: # فلا نترك الموضوع موضحا بعض الإيضاح. بل علينا أن نفحصه فحصا ~~وافيا. # غ ~~: # تقدم. # س ~~: # يرسم الرسام حسب بياننا لجاما وعنانا، ألا يرسم؟ # غ ~~: # بلى. # س ~~: # ولكن الزمام والعنان يصنعهما السروجي والحداد. ألا يصنعانهما؟ # غ ~~: # بالتأكيد. # س ~~: # أفيفهم الرسام كيف يجب أن يكون شكل العنان واللجام؟ أو أن صانعيهما أنفسهما - ~~السروجي والحداد - لا يفهمان أمرهما تمام الفهم كما يفهمه الفارس الذي يعرف كيف ~~يستعملهما؟ # غ ~~: # إنه بيان حقيقي في هذا الموضوع. # س ~~: # أفلا يصدق هذا الحكم على شيء؟ # غ ~~: # وماذا تعني؟ # س ~~: # ألا يمكننا القول إن في كل شيء على حدة ثلاثة فنون خاصة؟ مجال الفن الأول: ~~استعماله، والفن الثاني: صنعه، والثالث: تقليده. # غ ~~: # بلى يمكننا. # س ~~: # أفليست فضيلة وجمال وكمال كل الأدوات المصنوعة، أو المخلوقات الحية، تستعمل ~~طبقا للغاية المقصودة من صنعها أو من تركيبها الطبيعي؟ # غ ~~: # حقا هي كذلك. # س ~~: # ولذلك يكون من يستعمل شيئا أعرف العارفين به، ويستطيع أن يخبر صانعه بهذه ~~الواسطة هل أجاد صنعه أو أساء. مثلا: إن النافخ في الناي يخبر صانعها عن ~~النايات التي يستعملها في فنه، ويرشده إلى كيف يصنعها، فيخضع لهذا الإرشاد في ~~صنعها. # غ ms276 ~~: # معلوم ذلك. # س ~~: # فللأول معرفة تامة بالناي الجيدة والردية يعتمدها في طريقة صنعها، ويجود ~~على صانعها بإرشاده. أليس هذا هو الواقع؟ # غ ~~: # بلى، هذا هو. # س ~~: # فصانع الآلة يستمد رأيه في حسنها أو قبحها ممن له دراية تامة في الموضوع، ~~وهو ملزم بالإصغاء إلى إرشاده، وأما من يستعملها فعنده العلم الصحيح في ~~الأمر. # غ ~~: # بالتمام هكذا. # س ~~: # فأي الأمرين يمتلك المقلد؟ أيستطيع أن يعرف معرفة فنية ناشئة عن الاستعمال، ~~هل الأشياء التي يصنعها جيدة أو ردية أو لا؟ أم هل له رأي سديد ناتج عن ~~علاقته الضرورية بالخبير بها، ولإرشاده يخضع في الأسلوب اللازم لصنعها؟ # غ ~~: # لا هذا ولا ذاك. # س ~~: # فلا يعرف المقلد علما ولا يمتلك رأيا صحيحا في ما يقلده باعتبار جماله أو ~~قبحه؟ # غ ~~: # يظهر أنه لا يعرف ولا يمتلك. # س ~~: # فالشاعر المقلد حكيم جدا في ما يتعاطاه. # غ ~~: # ليس تماما. # س ~~: # فهو يسير في تقليده بالرغم من جهله ما يقوم به جمال الشيء أو قبحه جهلا ~~تاما، ولكنه حسب الظاهر يقلد أوصاف الجمال المبهمة الرائجة عند جمهور ~~الأميين. # غ ~~: # نعم، وماذا يمكنه أن ينسخ أيضا؟ # س ~~: # فالظاهر أننا اتفقنا كل الاتفاق في أن المقلد لا يعرف شيئا مهما عما ~~يقلده، فالتقليد عنده مجرد لهو وتسلية لا عملا جديا. وأن الذين نظموا ~~أشعار المآسي في الأراجيز والأدوار القصصية على الأرجح كلهم بلا استثناء ~~مقلدون. # غ ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # فقل بحق السماء: أليس ما يتناوله فن التقليد هو منسوخ عن أصله مرتين؟ ~~أجب. # غ ~~: # نعم منسوخ. # س ~~: # فكيف تصف قسم الطبيعة الإنسانية الذي تمارس به القوة التي تمتلكها؟ # غ ~~: # أوضح ما تعنيه. # س ~~: # سأوضح: أرى أن الأشياء من حجم واحد تظهر لنا مختلفة حجما باعتبار بعدها ~~عن عيوننا. # غ ~~: # إنها تظهر هكذا. # س ~~: # وأن الأشياء تظهر عوجاء في الماس، ومستقيمة إذا خرجت من الماء، وتظهر الأشياء ~~نفسها محدبة أو مقعرة بسبب الخطأ اللوني الذي تتعرض له العين. وواضح أن في ~~النفس اضطرابا تاما من هذا النوع، فهذا هو ms277 نقصنا الطبيعي الذي يهاجمه فن ~~الرسم بكل نوع من السحر، كما في الشعوذة وفي كثير من المخترعات من هذا ~~القبيل. # غ ~~: # حقيق. # س ~~: # أولا تظهر أعمال القياس والعد والوزن أعظم مساعد لنا في دفع هذه الأوهام، ~~لنتغلب على قوة الأوهام الغامضة في درجات الحجم والعد والوزن، وضبط المبدأ ~~الذي به نعد ونقيس ونزن؟ # غ ~~: # بلا شك. # س ~~: # وهذا أيضا عمل القسم الذهني. # غ ~~: # حقا إنه هكذا. # س ~~: # فحين يخربنا هذا العنصر بعد القياس المتوالي أن هذا أعظم من ذلك، أو أنقص ~~منه، أو مساو له، يظهر لنا في الوقت نفسه أن ذلك خلاف الواقع. # غ ~~: # نعم. # س ~~: # أفلم نقل إنه لا يمكن الشخص الواحد أن يقبل آراء متناقضة في أشياء واحدة في ~~وقت واحد؟ # غ ~~: # بلى، وكنا مصيبين في ذلك. # س ~~: # فيظهر لنا أن قسم النفس الذي يحكم ضد القياس لا يمكن أن يكون القسم الحاكم ~~حسب القياس نفسه. # غ ~~: # أكيد لا يمكن. # س ~~: # فعلم النفس الذي يعتمد القياس والعد هو أفضل أقسام النفس. # غ ~~: # أفضلها دون شك. # س ~~: # فما ضاد ذلك القسم فهو من العناصر الدنيا في طبيعتنا. # غ ~~: # بالضرورة. # س ~~: # هذه هي النقطة التي رمت البت فيها لما قلت إن الرسم وكل فن التقليد بوجه ~~عام، يتناول ما بعد جدا عن الحقيقة، وهو يصحب بالأكثر القسم الأبعد فينا عن ~~الحكمة، فهي حظيته وصديقته لغرض غير صحي ولا حقيقي. # غ ~~: # بلا شك. # س ~~: # ففن التقليد حظية لا شأن لها، لصديق لا شأن له، والد جنين لا شأن ~~له. # غ ~~: # هكذا يظهر. # س ~~: # أفنحصر ذلك في التقليد الذي يتمثل للعين، أو نوسعه إلى ما يتمثل للأذن، ~~الذي نسميه شعرا؟ # غ ~~: # ربما نوسعه. # س ~~: # فلا نعلق ثقتنا بالبينة الممكن استمدادها من فن الرسم، بل علينا أن نوسع ~~البحث إلى القسم العقلي، الذي يقارنه فن التقليد الشعري؛ لنرى: هل هو صالح أو ~~عديم القيمة؟ # غ ~~: # نعم. يجب أن نفعل ذلك. # س ~~: # فلنبين الأمر هكذا: إن فن التقليد إذا كنا مصيبين، يمثل الرجال، ms278 ~~يمارسون عملا اختياريا أو اضطراريا، والذين يحسبون أنفسهم باعتبار نتائج ~~أعمالهم أغنياء أو فقراء، والذين هم في وسط هذه الأحوال كلها راغبون في الفرح ~~أو في الحزن، أيوجد ما يضاف إلى ذلك؟ # غ ~~: # لا، لا يوجد. # س ~~: # فهل حالة الإنسان في مختلف الأحوال متسقة؟ أو أنه في ضغينة وحرب مع نفسه ~~في أعماله، كما كان في ضغينة وفيه آراء متضادة في الوقت الواحد في موضوعات ~~واحدة، مما يتعلق ببصره؟ على أنني أتذكر أنه لا حاجة إلى اتفاقنا في هذا ~~الموضوع الآن؛ لأننا قد فصلنا في هذا الأمر فصلا كافيا في المحادثات ~~الماضية، التي فيها سلمنا بأن أنفسنا مملوءة بما لا يحصى من المتناقضات في ~~وقت واحد. # غ ~~: # وكنا مصيبين. # س ~~: # نعم، كنا مصيبين. على أننا حذفنا شيئا يجب أن نستأنف البحث فيه. # غ ~~: # وما هو؟ # س ~~: # أعتقد أننا قلنا في ذلك الوقت إن الرجل الصالح إذا حلت به نائبة، كفقد ابن ~~أو غير ذلك مما يحسب كارثة عظيمة، كان أكثر احتمالا لها من غيرها. # غ ~~: # مؤكد أنه يحتمل. # س ~~: # أما الآن فلنوسع دائرة الفحص. أفلا يشعر بحزن قطعا؟ أو أنه حال كون ذلك ~~مستحيلا، إنما يراعي نوعا ملطفا للحزن؟ # غ ~~: # الأخير هو البيان الأصح. # س ~~: # دعني أسألك سؤالا واحدا عنه: هل تظن أنه يحارب حزنه ويحاول إقصاءه عنه حين ~~نظر أقرانه إليه، أكثر منه حين يكون وحده في عزلة؟ # غ ~~: # أظن أنه يحارب حزنه حين يكون منظورا. # س ~~: # وأظن أنه حين يكون وحده يجرؤ على قول كثير مما يخجل أن يقوله على مسمع ~~شخص آخر، ويعمل كثيرا مما لا يريد أن يراه أي إنسان. # غ ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # فالذي يستحثه على إقصاء حزنه هو العقل والشريعة، أليس كذلك؟ أما الدافع إلى ~~إظهاره فهو الحزن نفسه. # غ ~~: # حقيق. # س ~~: # ومتى كان في الإنسان جاذبان متناقضان فيما يتعلق بشيء واحد في وقت واحد، ~~فبالضرورة هو إنسان مزدوج (أي إنه اثنان). # غ ~~: # مؤكد أنه مزدوج. # س ~~: # أفلا يميل أحد قسميه لإطاعة إرشادات الشريعة؟ ms279 # غ ~~: # وما هي تلك الإرشادات؟ # س ~~: # أعتقد أن الشريعة تعلمه أن يلتزم السكينة في المصائب، وأن يقصي عنه كل ~~تذمر؛ لأنه لا يمكننا أن نقدر ما في هذه الحادثات من الخير أو الشر، ولأن ~~عدم الصبر لا يفيدنا شيئا، ولأن لا شيء في المصالح البشرية يستحق قلقا ~~خطيرا. على أن الحزن يحول دون ذلك التصرف الذي يجب علينا اختياره في ~~ملماتنا دون ما تأخر . # غ ~~: # إلى ماذا تشير؟ # س ~~: # واجبنا أن نتداول الأمور الواقعة، ونرتب أعمالنا بإزاء الطارئ في أفضل طريقة ~~يقرها العقل، كلاعب النرد الذي ينقل حجارته طبقا للزهر الذي رماه. وبدلا من ~~أن يضم الأحداث القسم المجروح من جسمهم لدى سقوطهم على الأرض والاشتغال ~~بالبكاء، يلزم أن نعود النفس أن تبادر إلى أسباب العلاج وشفاء القسم المريض، ~~ونضع حدا للندب بمساعدة الطب. # غ ~~: # حقا إن ذلك أفضل تصرف في النائبات. # س ~~: # فإذا القسم الأفضل فينا يرتضي بأن يقوده حكم العقل. # غ ~~: # واضح أنه يرتضي. # س ~~: # ومن الناحية الأخرى: ألا نؤكد أن العنصر الذي يستنهضنا للافتكار في المصاب ~~والحزن لحلوله، والذي فيه جوع للندب والعويل لا يسد هو قسم جهول كسول، حليف ~~الجبانة؟ # غ ~~: # حقيق أننا نقول هكذا. # س ~~: # وإذا الحال كذلك، فالخلق الحزون يقدم للتقليد أدوات لا تحصى، أما الخلق ~~الحكيم الهادئ فهو في حال واحدة غير متغيرة، فلا يهون تقليده، وإذا قلد ~~فلا يسهل فهمه، ولا سيما حين يتجمع كل أنواع الناس في المسرح؛ لأن الناس إذا لم ~~أكن مخطئا يرغبون في أن يشهدوا تمثيل حال غير حالهم. # غ ~~: # من كل بد. # س ~~: # فواضح أن الشاعر المقلد بطبيعة الحال لا دخل له في خلق النفس الهادئ، ولا ~~ترمي حكمته إلى إرضائه إذا رام إحراز الشهرة العالمية، إنما ينحصر عمله بالخلق ~~الحزون المتقلب؛ لأنه يسهل عليه تقليده. # غ ~~: # ذلك واضح. # س ~~: # فنحن أبرياء في وضعنا الشاعر مع الرسام، فإنه يشبهه بإيراده التافهات، إذا ~~قيست بمقياس الحقيقة. وهو يماثله في أنه يواصل قسم النفس الذي يشبهه دون القسم ~~الأفضل. ms280 وإذا الحال هكذا، فنحن أبرياء إذا حظرنا دخوله الدولة الراغبة أن ~~تتمتع بنظام حسن؛ لأنه يثير قسم النفس الحقير ويقيته ويشدده، فيهدم القسم ~~الأفضل، كإنسان يشدد سواعد أسافل الدولة ويقلدهم السلطة العليا، وفي الوقت نفسه ~~يقضي على الفئة المهذبة، فنقول جريا على الطريقة نفسها حتما إن الشاعر المقلد ~~يغرس نظاما شريرا في نفس كل فرد، بإرضائه القسم العديم الحس، عوض تمييزه ~~العظيم من الحقير ، فيعتبر الشيء تارة عظيما، وتارة صغيرا، ويلفق أوهاما هي ~~على بعد شاسع عن الحقيقة. # غ ~~: # تماما هكذا. # س ~~: # بقي أننا لم نورد أعظم حجة في شكايتنا؛ لأن ذلك الشعر يفسد أكثر الناس، حتى ~~الصالحين، وذلك في مذهبي جريمة كبرى. # غ ~~: # لا شك في ذلك إذا تبرهنت الدعوى. # س ~~: # فاصغ ثم احكم: فإني أعتقد أن أفضلنا لدى سماعه أبيات هوميروس أو غيره من ~~ناظمي المآسي، يمثل بها بطلا متألما، يفيض في الندب، أو يمثل بعض أشخاص ~~يقرعون صدورهم ويندبون شقاءهم بالأغاني نسر، كما تعلم ونستسلم للعامل، ~~شاعرين مع المصاب، مطرئين الكاتب القادر أن يوافي عقولنا بذلك كشاعر ~~مجيد. # غ ~~: # أعرف ذلك. # س ~~: # ولكن حين يصيب الحزن أحدنا، فإنك عالم أننا نفتخر بسلوكنا غير هذا المسلك، أي ~~نفتخر بكوننا قادرين أن نتحمله بهدوء؛ لأن هذا التصرف في رأيي رجولة، أما ~~التصرف الذي مدحناه سابقا فنسوي. # غ ~~: # إني على بينة من الأمر. # س ~~: # أفي محله ذلك المدح؟ أعني: أمن الصواب أن يسر المرء ويطرئ عوض الاستياء، حين ~~يرى إنسانا يعمل ما يستوجب الخجل والملام؟ # غ ~~: # كلا، إن ذلك لا يظهر معقولا. # س ~~: # ليس معقولا، إذا اعتبرته اعتبارا آخر. # غ ~~: # أي اعتبار؟ # س ~~: # إذا اعتبرت أن القسم الذي نضبطه لدى حلول ملمة بنا، والذي يتوق إلى ~~الاسترسال في النحيب والعويل؛ لأنه يميل إلى ذلك بطبيعته، هو القسم الذي يغذيه ~~الشعراء سدا لشوقه، فيطرب لهذه الأوصاف. بينما قسمنا الأفضل طبعا يقصر في ~~ضبط القسم المتذمر؛ لأنه لم يحصل على التهذيب اللازم عقلا وعادة؛ لأنه شهد ~~آلام الآخرين، ولأنه يظن أنه لا ms281 يعيبه مدح من يحسبه صالحا وإن كان حزنه في غير ~~وقته. والواقع أنه يرى السرور زائدا إشراقا، ولا يأذن أن يسلب ذلك السرور ~~بازدرائه الشعر إجمالا؛ لأنه قد أتيح لقليلين في ما أعلم أن يعلموا ان تصرف ~~الآخرين يؤثر في تصرفنا، فلا يهون علينا ضبط النفس في أحزاننا، وقد أطلقنا لها ~~العنان في التمتع بأحزان الآخرين. # غ ~~: # ذلك عين الصواب. # س ~~: # أولا يتطبق هذا الحكم على المزاح الذي تخجل منه؟ ولكنك تسر به كثيرا في ~~التمثيل وفي الحياة الخاصة ولا تحسبه غير أدبي، فتفعل هنا ما فعلت في أمر ~~الشفقة، لأنك في حادث كهذا تسلم العنان إلى العنصر الذي تضبطه في ما يتعلق بك، ~~حين يميل إلى الاسترسال في الضحك، خوفا من نسبة المجون إليك؟ وإذا قويته ~~ونفخت فيه روحا فإنك تقاد غالبا في ما يختص بك بدون شعور وانتباه إلى ~~اختيار خلق شاعر المهزلة. # غ ~~: # غاية في الصحة. # س ~~: # وفي أمر الحب والغضب، وكل الانفعالات العقلية، ألا يفعل الشعر التقليدي الفعل ~~نفسه في الرغبة والحزن والسرور، إذا صحبناها في كل عمل؟ لأنه يروي العواطف التي ~~يجب أن تجف عطشا، وينعشها ويحكمها فينا، وكان يجب أن نتحكم فيها إذا رمنا ~~أن نكون أسعد وأرقى بدل كوننا أدنى وأشقى. # غ ~~: # لا يمكني الإنكار. # س ~~: # وحين تجتمع يا غلوكون بمادحي هوميروس كمهذب اليونان، وأنه يستحق أن يقرأ ~~كمرشد في إدارة المصالح الإنسانية، وأن على المرء أن يرتب مجرى حياته بتمامها ~~حسب إرشاد الشاعر، فعليها أن تحييهم تحية حب كأناس أفاضل بلغوا حدود استعدادهم ~~الفطري، وتسلم معهم أن هوميروس أول شعراء المآسي وأعظمهم. ولكن لا تنس أن ~~الشعر لا يباح في الدولة إلا في تسبيح الله ومدح الصلاح، أما إذا عزمت أن ~~تبيح تعظيم عرائس الشعر الغنائي والقصصي، تحكم الألم واللذة في دولتك عوض ~~تحكم الشريعة والمبادئ الأكثر انطباقا على حكم الذهن، بإجماع الآراء في كل ~~العصور. # غ ~~: # ذلك حق صراح. # س ~~: # وإذا عدنا إلى موضوع الشعر، فليكن هذا الدفاع مبينا إصابة حكمنا ms282 السالف، ~~بإقصائنا عن دولتنا عملا فيه ما ذكرناه من الميول، ولأننا بذلك نخضع للعقل. ~~ولئلا يرمينا الشعراء بالخشونة والسماجة؛ نبين أن هنالك نزاعا طويل الأمد ~~بين الشعر وبين الفلسفة، كما ترى في الأبيات التالية: # كلبة تعوي على # صاحبها بلا ~~حيا # وهذا البيت: # فيا له من مصقع إذا خطب # شنشنة الأحمق فيه ~~تجتنب # وهذا: # متاله في حكمه # وهو سمير ~~السوقة # وهذا: # فيا لفقر القوم ل # ما فكروا عن ~~فطنة # وألوف من هذه الأبيات تبين قديم العداء بين الفريقين. مع ذلك فلنسلم بأن ~~الشعر الذي يرمي إلى المسرة والتقليد إذا أمكن إيراد بينة على لزومه للدولة ~~الحسنة النظام، فإننا نرحب بعودة الشعر إلى الوطن؛ لأننا نرغب في أن نسر ~~بالشعر، ولكن خيانة الحقيقة خطية. ألست مصيبا يا صديقي في ظني أنك تفتتن ~~بالشعر، ولا سيما إذا أمعنت النظر فيه بإرشاد هوميروس؟ # غ ~~: # نعم، إني أفتتن به افتتانا شديدا. # س ~~: # أفليس من العدالة إنفاذ القرار القاضي بنفي الشعر حتى يقدم دفاعا مقبولا، ~~إما بالشعر الغنائي أو بوسيلة أخرى؟ # غ ~~: # مؤكد أنه عدل. # س ~~: # وأظن أنا نأذن لأنصاره وأحبائه من غير الشعراء بالتزام الدفاع عنه نثرا، ~~فيثبتون أن الشعر مفيد علاوة على كونه سارا، باعتبار علاقته بالحكومة والحياة ~~الإنسانية. ونسمع دفاعهم عن طيبة خاطر؛ لأنه إذا ثبت أن الشعر نافع كما هو سار ~~كنا رابحين. # س ~~: # وإلا يا صديقي العزيز، فيمكننا أن نكتسب درسا من الأشخاص الذين وقد عشقوا ~~يكتمون أشواقهم مهما يكلفهم الأمر، إذا ظنوا أن الجهر بها ضار؛ لأنه مع أن ~~محبتنا شعرا كهذا، وقد نمت فينا تحت ظل نظمنا المحترمة، تجعلنا نرغب رغبة ~~قلبية في أن يكون جميلا وصادقا، فما دام عاجزا عن حسن الدفاع وجب أن نقي ~~أنفسنا حين سمعه، بترديد الأدلة التي بسطناها كأنها رقية ساحر، ونسهر على ~~أنفسنا لئلا نقع ثانية في غرام صبياني عرف الأكثرون ما هو. وعلى كل قد ~~تعلمنا أنه يجب أن نتبع الشعر الذي نعتقد أن في اقتباسه اقتباس الحقيقة ~~والصلاح، وعلى الضد من ms283 ذلك أن السامع الذي عرف الخطر المحدق بالنظام في داخله ~~هو ملزم بالدفاع ضده، واقتناء الرأي الذي أوضحناه في الموضوع. # غ ~~: # أوافقك كل الموافقة. # س ~~: # حقا يا صديقي غلوكون أنه علي الاختيار بين كون المرء صالحا وبين كونه ~~شريرا يتوقف أمر خطير، نعم، هو أكثر خطورة مما يخيل إلى الناس؛ لذا كان ~~من الخطأ عدم الاكتراث للعدالة وسائر الفضائل بحكم الهياج، أو الفخر، أو ~~الثروة، أو القوة، أو الشعر حتى. # غ ~~: # أوافقك في ختام بحثنا. وأظن أن كل أحد يوافقك. # س ~~: # ولكنا لم نبحث بعد في جزاء الفضيلة الرئيسي، وأعظم الجوائز المعينة ~~لها. # غ ~~: # إذا كانت أعظم مما ذكر فيجب أن تكون عظيمة فوق العادة. # س ~~: # وكيف يمكن أن ينحصر العظيم في شقة ضيقة النطاق من الزمن؟ فالفترة من المهد ~~إلى اللحد بريهة إذا قيست بالأبدية. # غ ~~: # بل قل إنها لا شيء. # س ~~: # فماذا إذا؟ أتظن أن من واجب الخالد أن يزعج نفسه بهذه الفترة الحقيرة دون ~~الأبدية؟ # غ ~~: # بل أرى أن يكترث للأبدية، ولكن ماذا تعني بذلك؟ # س ~~: # ألا تدري أن نفسنا خالدة لا تموت؟ ~~(فنظر غلوكون إلي دهشا وقال: حقا إني لم أدرك ذلك، ~~أفتستطيع «أنت» إثبات هذا التعليم؟) # نعم وشرفي، أظن أنك أنت أيضا تستطيعه، فإنه أمر سهل. # غ ~~: # ليس علي. وفي الوقت نفسه أحب أن أسمع منك ما هو بيانك في سهولته؟ # س ~~: # فتكرم علي بالسمع. # غ ~~: # فتفضل من كل بد. # س ~~: # أتدعو شيئا ما خيرا، وشيئا آخر شرا؟ # غ ~~: # نعم أدعو. # س ~~: # وهل عندنا للفظين مدلولهما الثابت؟ # غ ~~: # وأي مدلول تعني؟ # س ~~: # أذهب إلى أن الشر هو ما يفسد كل شيء ويدمره، والخير هو ما يفيد ~~ويصون. # غ ~~: # وهذا مذهبي. # س ~~: # وأيضا لعل عندك لكل شيء خيره وشره؟ مثلا: أتقول إن العيون معرضة للرمد، ~~والجسد للمرض، والذرة للتعفن، والخشب للتسوس، والحديد والنحاس للصدأ. ~~وبعبارة أخرى: لكل شيء آفة وداء. # غ ~~: # هكذا أقول. # س ~~: # فإذا حل أحد هذه الأدواء بإحدى هذه المواد، أفلا يفسدها أخيرا ويحل ms284 ~~تركيبها ويلاشيها؟ # غ ~~: # الأمر كذلك دون شك. # س ~~: # فكل شيء يفسده ضده من آفة وشر، وإلا إذا لم يفسده ذلك فلا شيء آخر يفسده؛ ~~لأن الخير لا يفسد شيئا، وكذلك ما ليس خيرا ولا شرا. # غ ~~: # مؤكد أنهما لا يفسدان. # س ~~: # فإذا أمكننا أن نجد شيئا معرضا لداء خاص، لكن داءه يعطله تعطيلا دون ~~أن يلاشيه، أفلا نعلم أن الشيء المكون هكذا لا يفنى ؟ # غ ~~: # إنها نتيجة معقولة. # س ~~: # أفليست النفس معرضة لداء يجعلها شريرة؟ # غ ~~: # مؤكد، فإن كل ما ذكرناه من التعدي والفجور والجبانة والجهل يحدث تلك ~~النتيجة. # س ~~: # وإذ ذاك، أفيحل شيء من هذه النفس ويفنيها؟ ردد المسألة في فكرك، لئلا نضل ~~ظانين أنه حين يقبض على المتعدي الأحمق متلبسا بجريمته، فإنه يهلك بشره ~~الذي ارتكبه، وهو سفالة النفس. بل اعتبر الأمر هكذا: أن انحطاط الجسد بالمرض ~~يتلفه ويدمره، فيحوله إلى حالة لا يظل عندها جسدا. وهكذا كل ما ذكرناه الساعة ~~من الأشياء التي تنتابها شرورها الخاصة، التي هي معرضة لها، والتي تفسدها ~~بالملاصقة أو بالحلول فيها، فتحولها إلى حالة يزول معها وجودها. أمصيب أنا ~~أم لا؟ # غ ~~: # مصيب. # س ~~: # فتقدم لفحص النفس بحسب هذا الأسلوب: أفصحيح أنه بإقامة التعدي وسائر ~~الرذائل في النفس، تفسد وتذبل بملاصقتها إياها أو سكنها فيها؟ حتى تؤدي بها إلى ~~الموت والانفصال عن الجسد؟ # غ ~~: # مؤكد أنها لا تحدث هذا التأثير. # س ~~: # ومن الناحية الأخرى: أنقول إن الشيء يتلف بانحطاط غيره مع أنه لا يتلف ~~بانحطاطه؟ # غ ~~: # ذلك القول من اللغو. # س ~~: # نعم يا غلوكون، يجب أن تتذكر أننا لا نتصور أن الجسد يهلك بفساد الأطعمة، ~~تعفنا كان ذلك الفساد أو عطنا أو أي شيء آخر. ولكن إذا أثار ذلك الفساد علة ~~في الجسد، فحينذاك نقول إن الجسد هلك بعلته التي سببتها الأطعمة. ولكنا ~~لا نقبل القول إن الجسد تلف بفساد الطعام؛ لأن الطعام شيء آخر مستقل عنه، أي ~~الفكرة أن الجسد يفسد بشر أجنبي عنه، دون أن يحدث ذلك الشر علة جسدية ms285 غير ~~ممكن. # غ ~~: # بالصواب نطقت. # س ~~: # وعليه: فما لم يولد فساد الجسد علة في النفس لا نقبل القول إن النفس تهلك ~~بداء أجنبي عنها؛ لأن ذلك يعني هلاك شيء بفساد غيره. # غ ~~: # يظهر أن ذلك معقول. # س ~~: # فإما أن ننبذ ذلك البحث، أو إذا لم ننبذه لا نقل أبدا إن النفس تهلك بحمى ~~محرقة أو بأي مرض آخر، حتى ولو كان ذبح الجسد أو تمزيقه إربا إربا. إلا إذا ~~أثبت أحد أن تلك الآلام تفسد جوهر النفس، فتجعلها غير عادلة. على أنا ما دام ~~الشيء سليما من دائه الخاص، وقد فشا داء أجنبي عنه في غيره من الأجسام، فلا ~~نسمح بالقول إن هذا الشيء يهلك بفساد غيره، جسدا كان ذلك الشيء أو ~~نفسا. # غ ~~: # لا أحد يقول إن النفس تصير غير عادلة بموت جسد كانت تحله. # س ~~: # فإذا ضاد الحجة أحد، وادعى أن النفس تصير بموت الجسد أكثر انحطاطا ~~وتعديا، لكي يتملص من التسليم بخلود النفس، فأرى أنا نستنتج أنه: إذا ~~كان الخصم مصيبا أن التعدي مميت كمرض يقتل من يصيبه، وأن الذين يصابون بهذا ~~الداء الخطر هالكون لا محالة عاجلا أو آجلا، باعتبار مقدار قوة الصدمة، عوض ~~الاشتغال، كما نحن فاعلون الآن بأمر إعدام المتعدي بسبب شره، بأيدي أناس ~~أنيط بهم إنفاذ حكم الإعدام فيه. # غ ~~: # فلا يحسب التعدي إذا شيئا مخيفا إذا كان يقتل صاحبه؛ لأنه في تلك الحالة ~~يريحه من شروره. على أني أرى أمره بالضد من ذلك، فإنه يهلك الآخرين إذا أمكن، ~~ويمده صاحبه بحيوية خاصة مصحوبة بأرق دائم، ويظهر أنه بعيد بعدا قصيا ~~ثابتا عن إهلاك صاحبه. # س ~~: # أحسنت، فإذا لم تهلك النفس أو تخرب بانحطاطها أو شرها الخاص بها، ندر أن ~~تخرب بشر آخر، يقتل نفسا، أو شيئا آخر خارج حدوده الخاصة. # غ ~~: # نعم يندر، فالاستنتاج طبيعي. # س ~~: # فلما كانت النفس لا يخربها شر على الإطلاق، أجنبيا كان ذلك الشر أو ~~خاصا، فواضح أنها دائمة الوجود، فهي إذا خالدة. # غ ~~: # إنها خالدة. # س ~~: # حسنا، ms286 فلنحسب هذه المسألة مثبتة، فتفهم بذلك أن النفوس تبقى على ما هي؛ ~~لأنها إذا لم يفن منها شيء فعددها لا ينقص، وكذلك لا يزيد؛ لأنه إذا زاد عدد ~~ما هو خالد فالزيادة مستمدة مما هو غير خالد، وبهذا الشكل تصير كل النفوس ~~خالدة. # غ ~~: # حقيق. # س ~~: # والعقل لا يسلم بهذا الرأي ولذلك نرفضه. ومن الناحية الأخرى لسنا نتصور أن ~~النفس في حالها الطبيعية الجوهرية ، وكما ترى في ذاتها، يمكن أن تمتلئ بكثرة ~~التباين والاختلاف. # غ ~~: # ماذا تعني؟ # س ~~: # لا يمكن أن يكون شيء خالدا إذا كان مركبا من أجزاء عديدة، وإذا لم تكن ~~عناصر ذلك التركيب من أفضل نوع، كما برهنا على أن ذلك شأن النفس. # غ ~~: # ربما لا يمكن. # س ~~: # فقد ثبت خلود النفس رغم كل شيء، وذلك بحجتنا الحالية، وقد تضاف إليها أدلة ~~أخرى، ولكن لكي نتمكن من فهم طبيعتها الحقيقية يلزم أن ننظر فيها، ليس كما ~~نظرنا الساعة، أعني بعد أن فسدت بامتزاجها بالجسد وبشرور أخرى، بل يجب أن ~~نتأمل فيها بمساعدة التعقل، فتتجلى لنا طهارتها الكاملة، فنرى جمالها ~~الفائق، ونرى طبيعة العدالة والتعدي مع كل القضايا التي بحثنا فيها، فتظهر ~~لنا أتم ظهور، وقد قدمنا بيانا حقيقيا في النفس في مظهرها الحالي، غير ~~أننا رأيناها كما يرى غلوكوس إله البحر، الذي يتعذر تمييز طبيعته الأصلية ~~بالعين؛ لأن أعضاء جسمه قد تهشمت أو تشوهت بتأثير الأمواج التي عطبتها ~~كل معطب، فالتصقت به مواد خارجية كالأصداف وعشب البحر والحجارة، فصار أقرب ~~شبها بالوحش منه بصورته الأصلية، فالنفس في الحالة التي نراها فيها قد هبطت ~~إلى حالة تشبه حالته بسبب الشرور الكثيرة، فيجب حصر النظر في جزء خاص منها يا ~~غلوكون. # غ ~~: # أي جزء تعني؟ # س ~~: # نحصر نظرنا في محبتها الحكمة، ليمكننا أن نعرف بماذا تلوذ، وبماذا تود ~~الاقتران باعتبار علاقتها المكينة بما هو إلهي وخالد وأزلي. وماذا يكون منها ~~إذا لاذت بالإلهيات، ونجت من البحر الذي هي فيه الآن، بالعامل السموي، ونزع ~~منها ما التصق بها من الأصداف ms287 والمواد الترابية والحجرية، التي تغذت النفس ~~بها فكبرت بواسطة الولائم التي يدعونها سعيدة. وحينذاك نفهم حقيقة طبيعتها، وهل ~~هي واحدة أو أكثر، أو أنها غير ذلك، وكيف. وإذا لم أكن مخطئا فقد استوفينا ~~البحث في محبتها وفي ظاهراتها في الحياة الإنسانية. # غ ~~: # لا شك في أننا قد استوفينا البحث. # س ~~: # أو لم نأت على كل الموضوعات الثانوية في سياق البحث؟ ومع أننا لم نذكر ما ~~تمنحه العدالة من جزاء وشهرة، كما تزعم أن هوميروس وهسيودوس قد فعلا. أفلا نر ~~أن العدالة هي في ذاتها أفضل جزاء للنفس في ذاتها؟ وأن النفس ملزمة بأن تفعل ~~أفعالا عادلة، سواء كان لها خاتم جيجس وخوذة هادز # 3 # أو لم يكن؟ # غ ~~: # الأرجح أننا قد فعلنا ذلك بأكثر تأكيد. # س ~~: # أفنتقدم الآن يا غلوكون دون ما إساءة، إلى البحث في أنواع المكافأة العظيمة ~~الوافرة، التي تربحها العدالة وشقيقاتها فضائل النفس الأخرى من الآلهة والناس، ~~في حالتي الإنسان الحاضرة والأبدية؟ # غ ~~: # ذلك ممكن بلا شك. # س ~~: # أفترد لي ما اقترضته مني في سياق البحث؟ # غ ~~: # وماذا اقترضت منك؟ # س ~~: # قد سلمت معك بأنه تكون للعادل شهرة متعد، وللمتعدي شهرة عادل. لأنك ~~ارتأيت ذلك، مع أن إخفاء حقيقة الإنسان عن الآلهة والناس غير ممكن، فسلمت معك ~~بذلك جدلا لأجل إقامة الدليل، ولأجل المقابلة بين العدالة الخالصة والتعدي ~~الصرف. ألا تتذكر؟ # غ ~~: # مؤكد أني أتذكر، وإلا كنت مخطئا. # س ~~: # فالآن وقد أبرم الحكم فيهما، فأنا في دوري أطلب بالنيابة عن العدالة رد ~~العارية، فنسلم للعدالة بقدرها الحقيقي بين الآلهة والناس، لتفوز بالجعالات ~~الناجحة عن اشتهارها بالعدالة، وهي تسبغها على مالكها. فقد ثبت الآن أن هذه ~~الهبات الحسان تنتج عن كون المرء عادلا حقا، دون خديعة للذين ~~ينالونا. # غ ~~: # طلبك حق. # س ~~: # أفلا ترد لي أولا هذا التسليم؟ فنسلم أن الآلهة على الأقل لا تغلط في ~~سجية العادل والمتعدي الحقيقية؟ # غ ~~: # نسلم بذلك. # س ~~: # وإذا الحال كذلك فأحدهما محبوب لدى الآلهة، والآخر مبغض في عينيها، كما ~~اتفقنا أولا. ms288 # غ ~~: # حق. # س ~~: # أولا نتفق في أن كل الأشياء تعمل معا للخير الذي تحبه الآلهة، إلا إذا ~~جرت عليه الآلام خطية سالفة؟ # غ ~~: # ذلك أكيد. # س ~~: # فيلزم أن تقبل ذلك في أمر الإنسان العادل، فإذا أصابه مرض أو فقر أو أي مصاب ~~أليم، كانت عاقبة ذلك خيره، إما في هذه الحياة أو في الآتية؛ لأنه لا شك في ~~أن الآلهة لا تنسى من جاهد جهادا حسنا في اعتناق البر والفضيلة والتمثل ~~بالله، على قدر ما أتيح للإنسان بلوغه. # غ ~~: # كلا، إن إنسانا كهذا لا يهمله من تمثل هو به. # س ~~: # أولا نسلم بنقيض ذلك في أمر المتعدي؟ # غ ~~: # مؤكد أننا نسلم. # س ~~: # فهذه هي الجعالات التي تسبغها الآلهة على الإنسان العادل. # غ ~~: # هكذا يظهر لي في كل الأحوال. # س ~~: # فماذا يسبغ عليه الناس؟ أليس الأمر كما يأتي إذا كنا نروم الحقيقة؟ ألا ~~يعمل المتعدون عمل رجال السباق، فيركضون سراعا من أول الميدان إلى نقطة ~~الرجوع، ومن ثم ترتخي عزيمتهم إلى الهدف؟ # فقد قفزوا سراعا ولكنهم انتهوا بكونهم أضحوكة، وعادوا بالخزي، ولم ينالوا ~~الإكليل. أما المحاضرون (المسابقون) الحقيقيون، فينالون الجعالة في آخر ~~الميدان ويكللون. أفليس هذا هو حال العادلين؟ فإنهم في نهاية الأعمال وختام ~~الحياة وانقطاع العلاقات الاجتماعية، يربحون السمعة الحسنة، ويحرزون الجعالات ~~من أيدي مواطنيهم؟ # غ ~~: # مؤكد أنهم يفوزون. # س ~~: # أفتسمح لي أن أقول فيهم ما قلته أنت في المتعدين؟ فإني لا أتردد في القول إن ~~العادلين متى تقدموا في السن، تبوءوا المناصب في مدينتهم إذا شاءوا، ~~وتزوجوا من أرادوا، وزوجوا بناتهم من يختارونهم لهن. وبالاختصار أقول في ~~العادلين ما سبقت أنت فقلته في المتعدين. ومن الناحية الأخرى: أرى أن الجانب ~~الأكبر من المتعدين وإن خفي أمرهم في شبابهم، فلا بد من انكشافهم في آخر ~~الميدان، وكلما تقدموا في السن أهانهم الغريب والقريب في شقائهم، ثم يجلدون ~~بالسياط، ويعذبون بآلات التعذيب، وبالحديد المحمى بالنار، ويذوقون صنوف ~~العذاب التي دعوتها أنت بربرية مخيفة، فتصور أني تلوت على سمعك كل هذه ~~الأشياء، ms289 وانظر، وأنا أتكلم، هل تأذن لي أن أقول ذلك أو لا؟ # غ ~~: # مؤكد أني آذن؛ لأن بيانك حق. # س ~~: # هذه هي أنواع المكافأة والجعالة والهبة التي تسبغها الآلهة والناس على ~~الإنسان العادل في هذه الحياة، علاوة على ما في امتلاك العدالة نفسها من ~~الخير. # غ ~~: # نعم، وهي عظيمة ويقينية. # س ~~: # على أنها كل شيء إذا قيست بما ينتظر كلا من العادل والمتعدي بعد الموت، ~~ويجب أن نأتي على وصف ذلك؛ لكي نحكم لكل منهما بتمام الجزاء الذي يجب أن ~~تبينه المحاورة. # غ ~~: # واصل كلامك، فإنه يندر أن يسرني شيء آخر كهذا. # س ~~: # حسنا، فسأخبرك قصة ليست كقصة أودسيوس لأوكينوس، بل هي رواية حدثت فعلا ~~لرجل شجاع، هو «آر» بن أرمينيوس البمفيلي، الذي تقول القصة إنه قتل في إحدى ~~المعارك، فلما رفعت الجثث عن الأرض في اليوم العاشر لإجراء مراسم الدفن، وقد ~~دب فيها الفساد، كانت جثة «آر» لا تزال طرية، فحملوها إلى البيت ليدفنوها. ~~وفي اليوم الثاني عشر وضعوها على دكة الجنازة، فانتعشت وفتح الميت عينيه، ~~وجعل يقص على السامعين ما رآه في العالم الآخر، وقصته هي ما يأتي: لما برحت ~~نفسه جسده، رافقت كثيرات من أمثالها، فانتهت إلى موضع سرى فيه فجوتان في ~~الأرض، تقابلهما طاقتان في السماء، فجلس القضاة بين هاتين الفجوتين للحكم، ~~وبعد ما أصدروا قرارهم أمروا بإرسال البار (العادل) في طريق السماء - إلى ~~اليمين - وألصقوا بجبهته رموز الحكم الذي أصدروه. أما الظالمين (المتعدين) ~~فأرسلوهم في الطريق المنجدرة - إلى اليسار - ووراءهم بينات شرورهم. ولما بلغ ~~آر ذلك الموضع قيل له إنه سيحمل إلى البشر تقرير ما في العالم الآخر، وأمر أن ~~ينتبه إلى كل ما هو جار هناك، فتطلع فرأى النفوس تنصرف في إحدى الفجوتين، ~~وفي الطاقة السموية التي تقابلها، وذلك بعد صدور الحكم عليها، وكانت قد أتت من ~~الطاقة الثانية والفجوة التي تحتها. وكانت النفوس ترد إلى ميدان القضاء إما ~~بالنواح والرماد إذا كانت قادمة من تحت الأرض، أو بالسرور والبهاء إذا كانت ~~قادمة من السماء، ms290 وكانت كل نفس حال وصولها تتلبس بمظاهر السياحة، وتسير ~~مسرورة إلى المرج، وتمكث هناك كما يعمل الناس في الحفلات، فيتبادل المعارف ~~التحيات. وكان القادمون من السماء يسألون عما في السماء، والقادمون من الأرض ~~يسألهم السمويون عما هنالك، فقص القادمون من الأرض حكايتهم بالأنين ~~والدموع، لتذكرهم الحوادث المرعبة التي رأوها وعانوها في سفرهم في السرداب ~~السفلي، الذين قضوا في رحلته مدة ألف عام على ما قالوا . أما القادمون من السماء ~~فكانوا يصفون المسرات ومناظر الجمال المدهش، وإن شرح كل ما بلغنا من أخبارهم ~~يشغل وقتا طويلا يا غلوكون، ولكن إفادة «آر» فيما يلي تتناول النقاط ~~الرئيسية، قال: # عوقبت كل نفس في دورها عما جنت أو أساءت إلى الآخرين عشرة أضعاف، وكانت ~~العقوبات تتكرر في كل قرن؛ لأن طول الحياة الإنسانية حسب عندهم قرن كامل من ~~السنين، فكان المقصد من ذلك الاستيفاء عن الذنوب التي اقترفوها عشرة أضعاف. ~~وعليه: فكل من كان مجرما باغتيال أحد، أو خيانة مدينة واستعبادها، أو خيانة ~~جيش، أو اشتراك في شر آخر، عوقب عشرة أضعاف عما فعل. ومن الناحية الأخرى: ~~الذين فعلوا الصالحات وكانوا بررة أطهارا نالوا جزاءهم على القياس نفسه. أما ~~الذين ماتوا أطفالا قلما روى عنهم شيئا يستحق الذكر. ولكن قصاص عصيان ~~الوالدين، وعدم التقوى، واغتيال الأقارب، كان حسب روايته صارما فوق الحد. وكان ~~جزاء التقوى والطاعة عظيما جدا؛ لأنه كان على مسمع لما سألت إحدى الأرواح ~~رفيقتها: «أين أردياوس العظيم؟»، وكان «أردياوس» هذا ملكا في مدينة بمفيلية ~~قبل ذلك الحين بمدة ألف سنة، وروي عنه أنه أعدم والده الشيخ وأخاه الأكبر، عدا ~~كثيرا من الشرور التي اقترفها، فأجابت النفس المسئولة قائلة: «لم يأت ~~أردياوس، والأرجح أنه لن يأتي؛ لأن ذلك كان كما يجب أن تعرف، من أشد المشاهد ~~رعبا، فلما دنونا من البراح وكنا على وشك الصعود بعد ما تحملنا كل آلامنا، ~~رأينا أردياوس بغتة أمامنا، صحبة أقوام أظن أن أكثرهم من الطغاة، وكان هنالك ~~أفراد قلائل ممتازون بالتوغل في موبقات الآثام، فلما ظن ms291 أولئك أن نوبتهم حانت ~~للصعود ردتهم الفجوة التي كانت تصرخ على الخطاة الذين لم يستوف عقابهم إذا ~~هم حاولوا الصعود، صرخة فهمها أقوام أشداء جهنميون في صورة البشر كانوا ~~هنالك، فقبضوا على متون أولئك الخطاة وأقصوهم. أما أردياوس ورفقاؤه فغلوهم ~~بالأصفاد يدا ورجلا وعنقا، وطرحوهم على الأرض وسلخوهم بالمقارع، ودحرجوهم ~~إلى جانب الطريق، فنشروا هنالك نشر الصوف على العوسج. وكانوا يقصون على ~~المارة سبب هذه الآلام، وأن هؤلاء معدون للانحدار إلى جهنم النار. # وقد اجتزنا بمخاوف ومروعات منوعة، على أن لا روع يعدل ما شعرنا به لما ~~دنونا من الفجوة مخافة أن تصرخ علينا فيصيبنا ما أصاب أردياوس ورفاقه، ولما ~~لم تصرخ كان سرورنا عظيما في اجتيازها الفجوة إلى فوق. # هذا يعطينا صورة الذنوب والعذابات، أما الجزاء فكان على الضد من ذلك تماما، ~~فإنه بعد وصول الأرواح (الصالحة) إلى المرج بسبعة أيام أمرت بإخلائه، وفي ~~اليوم الثامن سارت مسيرة ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع بلغت مكانا أطلت منه ~~على عمود النور العظيم الذي يخترق السموات والأرض، وهو أشبه الأشياء بقوس قزح، ~~إلا أنه أصفى وأبهى، فوصلته النفوس بعد مسيرة يوم آخر. # ولما بلغت مركز النور رأت طرفيه مثبتين في السماء بسلاسل، فإن ذلك ~~النور يمنطق الجو كما تمنطق الحبال السفينة، فيضم الكون الدوار بأجمعه. # وفي طرفي العمود مغزل «الضرورة» الذي به يتم الدوران في كل الكون. قبضة ~~المغزل وصنارته مصنوعان من الصلب، أما قرصه (إطاره) فمزيج من الصلب ومواد ~~أخرى، وهذا هو وصف الإطار: # إنه كالدائرة العادية شكلا، ولكن وصف «آر» يمكنا من تصوره في شكل ~~دائرة كبيرة مجوفة، وفي جوفها دائرة مثلها شكلا ولكنها أصغر منها حجما، وقد ~~ركزت ضمنها بمهارة تامة، كالصناديق التي يوضع بعضها ضمن البعض الآخر. وفي ~~الصورة نفسها دائرة ثالثة موضوعة في الثانية، ورابعة في الثالثة، وهكذا أربع ~~دوائر أخر؛ لأن الدوائر كلها ثمان الواحدة في جوف الأخرى، وحاشية كل دائرة ~~من الدوائر متراكزة، وهي أعلى من حاشية الدائرة المحيطة بها. والدوائر كلها ~~تؤلف معا ms292 إطارا كبيرا يحيط بمقبض الغزل الذي ينفذ - يخترق - مركز الدوائر ~~الثماني. وكان للدائرة الأولى الخارجية أعرض حاشية، وللسادسة ثاني حاشية عرضا، ~~تلتها الرابعة، فالثامنة، فالسابعة، فالخامسة، فالثالثة، والثانية أضيق الكل ~~حاشية. # وكانت حواشي الدوائر الثمان تشع ألوانا منوعة، فالسابعة أبهاها ~~سطوعا، والثامنة تستمد نورها مما انعكس من أنوار السابعة. # وكانت الدائرة الثانية والخامسة من قدر واحد، ولكنها أضعف نورا من ~~البقية. # والثالثة أشدها صفرة وشحوبا ، أما الرابعة فأميلها إلى الحمرة، والسادسة ~~كالثالثة شحوبا. # وكان المغزل يدور بمجموعه دورانا قياسيا، وفي أثناء دوران الكل كانت ~~الدوائر السبع الداخلية تسير سيرا دورانيا بطيئا، في عكس جهة الكل. # فالثامنة أسرع الدوائر، تليها السابعة، فالسادسة، فالخامسة، وهاتان تدوران ~~معا، وظهر أن الرابعة تدور بسرعة أبطأ قليلا من هاتين، والثالثة رابعتها ~~سرعة، والثانية خامستها. # وكان المغزل العظيم يدور على ركبتي «الضرورة»، وعند كل دائرة من دوائره ~~الثمان إحدى عرائس الجن الفاتنات تصحب الدائرة في كل دورانها، وتخرج صوتا ~~واحدا، طبق علامة موسيقية واحدة، فينتج عن أصوات العرائس الثمان لحن موسيقي ~~واحد. # وعلى بعد واحد حول هذه تجلس شخصيات أخر، كل على عرش هؤلاء، هن بنات ~~«الضرورة» الثلاث، وهن: ~~«القضاء والقدر»، وأسماؤهن: «لاخيسس»، و«كلوثو»، و«أتروبوس»، وكن يرفلن ~~بالثياب الناصعة البياض وعلى رءوسهن الأكاليل، وهن يصدحن على لحن العرائس، ~~فتغني «لاخيسس» حوادث الماضي، و«كلوثو» حوادث الحاضر، و«أتروبوس» حوادث ~~المستقبل. وكانت كلوثو تلمس بيمناها حاشية الإطار الخارجية وتفتله من حين إلى ~~حين، وتفتل أتروبوس بيسراها الدوائر الداخلية كذلك، أما لاخيسس فتلمس تارة ~~الخارجية بيمناها وتارة الداخلية بيسراها، فلما وصلت النفوس إلى هناك دعيت ~~إلى حضرة لاخيسس، فرتبها الترجمان بنظام خاص، ثم تناول عن حضن لاخيسس قدرا من ~~سهام القرعة وطرائق الحياة، وتبوأ المنبر العالي ونطق بما نصه: «هكذا تقول ~~العذراء لاخيسس، ابنة الضرورة: أيتها النفوس القصيرة الأجل، أنت بدء خلق جديد ~~يبدأ دورته هنا، ووجوده زائل. لا تطرح حظوظكن عليكن لزاما، بل تخترنها ~~أنتن لأنفسكن، فمن أصاب السهم الأول يختار أولا حظ الحياة الذي هو نصيبه ~~الثابت. الفضيلة ms293 لا تساء، فمن أكرمها أكثر نال منها أكثر، ومن ازدراها نال ~~أقل، فالذي يختار هو المسئول، وليست السماء بملومة.» # ولما قال ذلك نثر السهام على النفوس، فأخذت كل نفس السهم الذي وقع إلى ~~جانبها، إلا «آر»، فإنه منع من الاقتراع. وقرأ كل العدد الذي على سهمه، ~~وحينذاك وضعت على الأرض أمامهم طرائق الحياة، وهي أكثر من النفوس عددا، وفيها ~~كل نوع من حياة كل مخلوق حي، أي كل نوع من أحوال الحياة الإنسانية، بما فيه ~~الحياة الملوكية، بعضها دائمة وبعضها موقتة، تليها الفاقة والنفي والتسول. ~~وكان هنالك حياة مشاهير الرجال الذين ذاع صيتهم، إما بجمال الشخصية وبهاء ~~الطلعة، أو بالقوة البدنية والمهارة بالألعاب، أو بشرف المحتد ونبالة السيف. ~~وكان هنالك أنواع حياة الرجال الذين لم يشتهروا بشيء. وكذلك أنواع حياة النساء ~~من شهيرات وغير شهيرات. ولكن لم يكن فيهن سجية ثابتة؛ لأن تغير السجية ~~مقرون بتغير الحياة فتغير النفس حتما. على أن المواد كانت كثيرة التنوع، ~~هنا تظهر الثروة، وإلى جانبها الفاقة، هنا المرض، وهنالك الصحة، وهنالك وسط بين ~~الطرفين. # هذه الدقيقة يا عزيزي غلوكون أشد مواقف الإنسان خطورة؛ ولهذا السبب وجب على ~~كل منا فوق كل سبب أن يدرس باجتهاد - دون كل شيء آخر - علما يمكنه من ~~التحصيل والاكتشاف، فيهذبه ويمكنه من التمييز بين الحياة الصالحة والردية، ~~فيختار بما له من الوسائل الحياة الفضلى في كل مكان وزمان، متقصيا بوافر ~~التدقيق التأثير الذي للأشياء التي ذكرناها، في جمال الحياة الحقيقي في الأفراد ~~وفي الجماعات. ويفهمه ما يخلقه الجمال الممتزج بالثروة أو بالفاقة من خير أو ~~شر. ويفهمه أيضا كيف تتأثر النتيجة بحالة النفس التي تدخل في ذلك المزيج، ~~وما هي نتيجة مزج عناصر كهذه: # شرف المحتد أو وضاعته، الحياة الخاصة أو الجمهورية، قوة الجسم أو ضعفه، سرعة ~~الفهم أو بطؤه، وكل ما هو من هذا النوع، سواء أكان مختصا بالنفس طبعا أم ~~أنها طلبته عرضا، ليتمكن بكل هذه المواد من تأليف الحكم، وطرفنا غير ساه عن ~~ملاحظة طبيعة النفس، ms294 ليختار بين الحياة الصالحة والردية، فيدعو الحياة التي ~~تقوده إلى التوغل في التعدي: ردية، والتي تئول إلى زيادة العدالة: صالحة، ~~معرضا عن كل اعتبار آخر؛ لأننا رأينا أن هذا الاختبار هو الأصلح في الحياة ~~وفي الموت. ويجب التشبث بهذا الرأي بإرادة قوية حين دخول العالم الآتي، ~~لئلا تبهره الثروة أو ما ماثلها من الشرور في هذا العالم أو في العالم الآتي ، ~~ولا يعول على الاغتصاب، أو يعمل عملا من هذا النوع ينتهي به إلى دماره أو دمار ~~الآخرين دمارا كليا، فيزيد كربه. # بل يحسن اختيار الحياة التي تلتزم منهجا متوسطا بين هذه الأطراف، ~~متحاشيا بكل قوته الميل إلى أحد الجانبين، ليس في هذه الحياة فقط، بل أيضا ~~في الحياة الآتية؛ لأنه بهذا التصرف يمكنه أن يؤكد صيرورته أسعد ~~إنسان. # ولنستأنف موضوعنا: روى رسول العالم الآخر أن الترجمان قال في الموقف ذاته: ~~«إن هنالك حياة مذخورة غير ردية، حتى لآخر قادم، إذا لزم القانون وأحسن ~~الاختيار، فيكون راضيا بها فلا يستهترن من سبق، ولا يقنطن من تأخر.» ~~ولما فاه بهذه الكلمات تقدم صاحب السهم الأول، واختار حياة أعظم استبداد ~~يمكن إدراكه حظا له، ولجهله وطمعه لم يفحص الأمر فحصا تاما قبل أن يختار، ~~ففاته أنه «قضي» عليه بأن يلتهم ابنه في جملة الشرور التي سيقترفها، فلما درس ~~الأمر في وقت فراغه شرع يقرع صدره ويندب سوء حظه، وأغفل إنذار الترجمان، فلم ~~يلم نفسه على بليته، بل لام «القضاء والقدر» ولام كل أحد آخر، وهو أحد ~~القادمين من السماء، وكان قد عاش في حياته السالفة بنظام حسن، فتطرقت إليه ~~الفضيلة بحكم العادة دون مساعدة الفلسفة. # وكان أكثر من نصف المخدوعين حسب رواية آر من القادمين من السماء، وذلك يتضح ~~من أنهم لم يتدربوا على تحمل المشاق. أما أكثر القادمين من الأرض فلم يختاروا ~~بدون تبصر؛ لأنهم خبروا النائبات بأنفسهم، ورأوا فعلها في غيرهم، فبناء على ~~ما سبق بيانه وبحكم القرعة، تبادلت النفوس حظوظها صالحا برديء، أو رديئا ~~بصالح. ولو أن المرء واظب ms295 على درس الحكمة درسا صحيحا في دخوله معترك الحياة ~~وأصابته القرعة للاختيار مع غير الأخيرين، لكان من أرجح الممكنات - بناء على ~~الإفادات الواردة إلينا من العالم الآخر - أن يكون سعيدا في هذه الأرض، وأن ~~يسير منه إلى العالم الآخر ويعود راجعا من ذاك، ليس في سرداب مظلم وعر، بل ~~في طريق سهل سموي. قال: # ومن أغرب المشاهد منظر النفوس تختار نوع حياتها، فإنه مشهد غريب، مضحك ~~مبك، وكان رائدها في اختيارها اختبارها السالف في الحياة، فرأى آر النفس التي ~~كانت فيما سلف نفس أورفيوس تختار حياة إوزة؛ كراهية منها للجنس البشري؛ لأنها ~~قد قتلت بسبب إحداهن، فأبت أن تولد منهن ثانية. ورأى نفس ثاميراس تختار حياة ~~بلبل. ورأى أوزة تطلب تغيير طبيعتها وتختار حياة إنسان، وقد قفى على مثالها ~~خلائق كثيرة من الطيور الغريدة. واختارت النفس التي سهمها نمرة 20 حياة أسد، ~~وهي نفس أجاكس بن تلامون، الذي أبى أن يعود إنسانا ذاكرا القضاء الصارم عليه ~~بسبب أسلحة أخلس. تلتها نفس أغممنون، فاختارت حياة نسر؛ لأن آلامه شربته ~~بغض الجنس البشري. ورأى نفس أغلانتا في عداد المختارين، ولما رأت الشرف الذي ~~أحرزه لاعب الألعاب الرياضية لم يمكنها إغفال ذلك، فاختارت تلك الحياة. بعدها ~~رأى أبيوس بن بنوبيوس يطلب طبيعة امرأة حاذقة في عملها. ورأى عن بعد نفس ~~المهرج ثرسيس تتقمص جسد قرد بشري. وبالصدفة رأي نفس أولسيس - وهي آخر من ~~اقترع - فلما تذكرت متاعبها السالفة، وأثقال وطأة المطامع على النفس، ~~وبعد التجوال مليا اختارت حياة رجل عادي لا عمل له، وبصعوبة كلية وجدت تلك ~~الحياة منزوية جانبا مهملة من الآخرين، فلما رأتها اختارتها مسرورة، وقالت ~~إنها لو كانت أول من اختار لما اختارت غيرها. # وعلى هذا النحو مضت نفوس الحيوانات إلى أجساد الناس وإلى أجساد غيرها من ~~الخلائق، ونفوس الناس إلى الحيوانات، فتقمصت نفوس المتعدين حيوانات ~~وحشية، والعادلين حياة أليفة، واختلطت النفوس بالأجساد اختلاط الحابل ~~بالنابل. # ولما اختارت النفوس حياتها حسب قرعها، ذهبت بالترتيب إلى «لاخيسس»، فمنحت ~~كل نفس حظها، ms296 وأصحبتها به ليكون خفير حياتها ومتمم اختيارها، فقادها الحظ نفسه ~~إلى «كلوثو»، فمرت بين يديها تحت دوران مغزلها، فصادقت على النصيب الذي ~~اختارته كل نفس بالترتيب المذكور آنفا. بعد ذلك قادها إلى «أتروبوس»، فأبرمت ~~هذه حكم «كلوثو»، ثم تقدمت النفوس رأسا إلى عرش «الضرورة» ومرت من تحته. ~~ولما مرت كل النفوس مر «آر» أيضا، وسار الجميع إلى سهل «ليث» - النسيان - ~~في حر شديد، والمحيط خال من الشجر ومن كل نبت. # ولما جن الظلام حلوا وراء نهر «ماليت» - عدم الاكتراث - الذي لا تحمل ~~مياهه سفينة على الإطلاق، وكان حتما على كل نفس أن تشرب من مائه قدرا ~~معينا، فالذين فاتتهم الفطنة فشربوا أكثر من القدر المتاح نسوا كل شيء. ~~ولما ذهبوا للنوم في منتصف الليل حدث رعد قاصف وزلزلة، فحملت النفوس إلى ~~مواليدها في مختلف الجهات، كالنيازك في عرض الفضاء وأدركت مولدها، وقد منع آر ~~من رشف ماء النهر، ولكنه يجهل كيف، ومتى، وأين، عادت نفسه إلى جسده، إنما بغتة ~~فتح عينيه فإذا هو على دكة الجنازة. # وهكذا حفظت القصة يا غلوكون، فلم تفقد، وقد تكون وسيلة حفظنا إذا نحن ~~أصغينا إلى إنذارها، فتفيدنا كيف نفوز بعبور نهر ليث ولا تتدنس نفوسنا. ولا ~~ريب عندي في أننا إذا تبعنا مشورتي، فآمنا بخلود النفس، وامتلاكها الحرية على ~~فعل الخير والشر، فإننا نظل في طريق العلاء، ونحرص حرصا عظيما على استغلال ~~العدالة مقرونة بالحكمة، لكي نحب بعضنا بعضا وتحبنا الآلهة، ليس فقط في ~~حياتنا الأرضية، بل أيضا حينما نتقدم - كالفائزين في الألعاب الذين يجمعون ~~هدايا المعجبين بهم - لنيل جزاء الفضيلة، فلا ننفك مفلحين في هذه الحياة، وفي ~~سياحتنا في الألف سنة التي أتينا على وصفها. ms297