######OpenITI# #META# URI: 1374SalahLabaki.MinAcmaqJabal.Hindawi84724258 #META# Tags: literature #META# ID: 84724258 #META# Title: من أعماق الجبل #META# AuthorID: 97074095 #META# Author: صلاح لبكي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # النغم التائه‏ # طليق وسجين‏ # الشاعر والشيطان‏ # ملكرت‏ # الكلب المجنح‏ # العرعار‏ # الرصد‏ # بعل مرقد‏ # النغم التائه‏ # طليق وسجين‏ # الشاعر والشيطان‏ # ملكرت‏ # الكلب المجنح‏ # العرعار‏ # الرصد‏ # بعل مرقد‏ # | من أعماق الجبل # | من أعماق الجبل # تأليف # صلاح لبكي # إلى عائدة، رفيقة العمر # هذه الأساطير من أعماق بلادي، اعتراف الخصب بفضل الينبوع. # صلاح # | مقدمة # بقلم بطرس البستاني # ما أحوج الإنسان إلى معرفة أساطيره؛ ليدرك دخيلة ذاته، ويتبين أصول ما يعيش فيها من عقائد ~~وأوهام لها سلطان خفي عليه، تقوده - برغمه - إلى عمل شيء أو ترك آخر. وإلى التفاؤل بشيء ~~والإقبال عليه، أو إلى التشاؤم بغيره والفرار منه، وهو في هذا وذاك لا يدري حقيقة ما يقوده ~~إلى أن يجد الخير هنا فيرغب فيه، والشر هناك فينفر منه. # وإنما يعلم أنه تلقى هذه العقائد من ~~ذويه ومجتمعه فتماسكت جذورها في نفسه حتى اتصلت بعقائده الدينية فأصبحت معها كلا شاملا ~~لحقائق إيمانه، يستعين بأوهامه التي يرتاح إليها كما يستعين بالدين، ويستعين الدين على ما ~~يخشى منها، كما يستعين عليها أوهاما من جنسها فيفزع إلى الطلاسم والتعويذات، وربما لا يجهل ~~أنه في استسلامه إلى تلك الأوهام يأتي أعمالا ينكرها الدين ويحرمها على أبنائه. # ومع ذلك ~~يجد نفسه ضعيفا أمامها، قصير اليد لا قبل له برد هذه الأرباب التي تحدر عليه سلطانها من ~~تراث الأجيال المتعاقبة، فأخضعته لأحكامها بما فيها من حيوية نابضة بالتقليد والحديث ~~المأثور، بعد أن حضنتها أزمنة بعيدة، وبلورتها مخيلات متفاوتة، قد تعود إلى عهد الشرك ~~والوثنية، أو إلى عصور الأديان المنزلة وما نشأ على جنباتها من أساطير أضيفت إلى القديسين ~~والأخيار والملائك، وإلى الشياطين والجن والعفاريت، وهي على اختلاف ينابيعها جديرة بالحفظ ~~والعناية، فالشعب الذي أضاع أساطيره، جهل دخيلة ذاته، وأضاع جانبا عظيما من تاريخه. # هذا ~~التاريخ الذي نستمع إليه على أبواب الأسطورة، كما يقول فكتور هوغو، يحتل اليوم مقاما ~~رفيعا في معرفة أحوال الأمم، واستكشاف بذور الفكر البشري؛ فإن الأساطير منها ما ينشأ في ~~حضن المجتمع فيحمل في تضاعيفه شتى عقائده وآرائه، ومنها ms01 ما يهاجر إليه مع الشعوب الغريبة أو ~~مع التجار والسياح والجنود الراجعة من الحرب، فلا يلبث، بمرور الزمن، أن يكتسب حقوق المستوطن ~~فيظهر في حلل جديدة تلونها طبيعة الأرض وعقلية أبنائها. # وقديما قيل: إن فلسفة اليونان ~~استنبطت أصولها من أساطيرهم، وإن تكن منابتها الأولى زراعة الشرق في حقول فينيقية وعبرانية ~~ومصرية وآرية وهندية، فلذلك يصح أن تتخذ الأسطورة فكرة فلسفية تقود إلى ما بعد الطبيعة ~~بأبحاثها الإلهية، وإلى محاولة تفسير النظام العالمي لاشتمالها على الأرباب المؤلهة من ~~القوى الطبيعية، وإلى معرفة الخير والجمال بما فيها من تأليه الفضائل الأخلاقية كالحكمة ~~والعدل والجمال. # وكان الرواقيون يقولون بأنهم وجدوا المبادئ العالمية في الأساطير، وذهب ~~الإسكندريون هذا المذهب فأرجعوا أصل الفلسفة إلى تعليم الأسرار الأولى في مصر، وقال أفلاطون ~~في «غورجياس»: إن الأساطير القديمة تتضمن عوامل الحقائق الكبرى، وهو في «الجمهورية» يؤثر أن ~~يبدأ بها قبل غيرها في تعليم الأحداث، على أن مغزاها حقيقي. # والأحداث من غريزتهم يميلون إلى ~~هذا النوع من القصص الوهمي؛ لأنه يغذي مخيلتهم، ويستثير شواعرهم الدقيقة، بيد أن أفلاطون لم ~~يسمح بأن يلقنوا جميع أنواع الأساطير كخرافات هوميروس وهزيود، فإن هذين الشاعرين شوها جمال ~~الأرباب والأبطال بما أضافا إليهم من صفات مذمومة كالمكر والخيانة، والاستهتار بالشهوات، ~~فمثل هذه الأساطير يسيء إلى عقيدة الأحداث في الآلهة وأعاظم الرجال، بخلاف تصور الألوهية ~~خيرا وسعادة للبشر، وتظهر البطولة بأسمى معانيها. # وكأن صاحب «من أعماق الجبل» وقعت في قلبه تعاليم أفلاطون، فجاءت أساطيره، على الجملة، مشبعة ~~بفكرة الخير والجمال، تزهر منها أنوار لبنان حاملة إلى العالم القديم رسالة الحضارة والروح ~~والحب والسلام، ف «النغم التائه» يرمز إلى الحب الشامل يفيض به قلب لبنان فيزرع الخصب، ~~وينبت العمران، وتنبعث الإنسانية من تلك النفس المنفتحة، على حد ما يسميها «برغسن» ويعبر ~~عنها إبدع تعبير. # فإذا تاه النغم، وتكاثفت المادة على الروح، ذهب الخير من الناس، وساد الشر ~~والتحاسد والخراب، ولكن النغم يتيه ولا يبيد فلا بد له من عودة يتجدد فيها الصراع بين ~~المادة والروح ms02 ؛ لأن المادة لا تنتقل من القوة إلى الفعل، من النقص إلى الكمال؛ إلا بمحرك من ~~الروح، فهي لا غنية لها عنه وإن تمردت عليه. # وفي أسطورة «الشاعر والشيطان» نلمس حاجة المادة ~~إلى الروح، حاجة الظلام إلى النور، فقد عاد النغم التائه من غربته وحط قراره في قلب شاعر من ~~لبنان، يغني أغنية النور، ويعرض عن زخارف الشيطان: «فيهن الشكل والتراب وليس فيهن الروح»، ~~ويجد الرمزية والتأثرية والتصوير المكعب من عمل الشيطان، فاجتنبوه! فالمدنية التي تقوم على ~~المادة وحدها هي مدنية جوفاء: «لا زاوية فيها للروح وللحب المتصلين بينبوع النور الأزلي.» # أليس المسيح روحا محييا، وحبا شاملا، ونورا أزليا؟ فبالروح يحيا الإنسان لا بالجسم، ~~وبالحب لا بالمادة تخف آلام البشر، وبالنور يهتدي الحائر لا بالظلام، فرسالة لبنان روح وحب ~~ونور. # وإذا كانت المادة ضرورية لتخطيط الجسم وتشكيله، فإن الروح التي تتحد بالجسد وتحييه لا ~~تدعه يربي عليها بجسمانيته، فيقودها إلى الشر ويستخدمها في شهواته، بل تغالب نزعات المادة ~~مستبسلة حتى تنتصر عليها فتسير بها إلى الخير والفضيلة، كما انتصرت لبنانة في «بعل مرقد» ~~فقمعت ثورة ماديتها بعد جهاد أليم يذكرنا جهاد القديسين حين تساورهم التجارب، وقامت ترقص ~~وبعل مرقد يعزف ويغني لها «أغنية الحب الخالد»، فارتفع بها الرقص عن ظلمة المادة الكثيفة، ~~فإذا هي «خصلة من نور تتعالى إلى ما وراء النجوم»، وكثير من الشعوب القديمة كانوا يؤمنون ~~بقداسة الرقص، وأنه يدب الحياة في الأرض فينمو الزرع ويطيب الحصاد، وكان الهنود خصوصا يرون ~~فيه فألا حسنا لإخصاب العروسين. # فعلى هذا النمط الخير تجري أساطير «من أعماق الجبل» متغنية بحضارة لبنان وجمال أرضه ~~وسمائه، متصلة بقصص الماضين وعقائدهم دون أن تفقد خاصة الاختراع، فقد أعطى صلاح لبكي لنفسه ~~الحرية في إخراجها وتوجيهها، فجاءت صنعا جديدا تطفو عليه روعة القديم وجلاله. # وربما حوت ~~الأسطورة أصول أخبار وخرافات مختلفة المجاري، لبنانية ومهاجرة، فيجمع بعضها إلى بعض، ثم يشق ~~لها طريقا غير طريقها القديم. فأسطورة «بعل مرقد» تذكرنا أوائلها بأسطورة بغماليون، فقد نحت ~~بعل لبنانة ms03 بأزميله، ونفخ فيها الروح، وأحبها وتزوجها، كما نحت بغماليون بأزميله تمثال فتاة ~~جميلة، فتعشقها ثم تزوجها بعد أن بعثت فينيس فيها الحياة. # على أن أسطورة صلاح لبكي لا تلبث ~~أن تفارق الأسطورة اليونانية لتنتحي وجهة لبنانية، مسيحية لا وثنية، وكذلك أسطورة «النغم ~~التائه»، فإنها تشتمل على خرافة أدونيس وعشتروت، وعلى خبر قاين وهابيل، كلاهما مرتبط ~~بالآخر، وكلاهما يسير في طريق جديد، فنحن نعلم من التوراة أن الرب قبل تقدمة هابيل، وإلى ~~تقدمة قاين لم ينظر، فشق على هذا إعراض الرب عن قربانه، فوثب على أخيه فاغتاله في الصحراء. # ويفصل الطبري هذا الحادث فيخبرنا أن حواء كانت لا تحمل إلا توءمين ذكرا وأنثى، وكان الذكر ~~يتزوج من شاء من أخواته إلا توءمته، فإنها كانت لا تحل له، فرغب هابيل في توءمة قاين؛ لما هي ~~عليه من الجمال، فضن قاين بتوءمته على أخيه، وأرادها لنفسه، فنهاه آدم فأبى أن يطيعه، فأشار ~~عليه أبوه بأن يقدم قربانا للرب، وأن يقدم هابيل قربانه، فأيهما قبل الرب تقدمته كان أحق ~~بأخته، فقدم كلاهما تقدمة للرب، فنزلت نار بيضاء من السماء فأكلت قربان هابيل دلالة على ~~قبوله، وتركت قربان قاين فلم تأكله، فغضب قاين وأمضه أن يتخلى عن توءمته فقتل أخاه. # أما ~~صاحب «من أعماق الجبل» فيجعل من عداء قاين لأخيه صراعا بين الشر والخير، فقد كان لهابيل ~~صوت رخيم عذب، فإذا قدم قربانا للرب سبح له مرتلا: «فأصغت الأرض والسماء، وهرعت الطيور ~~والأسود من كل صوب»، وكان صوت قاين كريها منكرا، فإذا قرب للرب وسبح: «غامت السماء وتجهمت ~~الأرض، وأقلعت الطيور وانصرفت الأسود»، فحسد قاين هابيل حتى كاد يموت حسدا، وزين إليه أن ~~يعض عنق أخيه؛ ليمتص النغم من عنقه، فمات هابيل مختنقا، ولكن النغم أفلت وتاه حتى استقر في ~~حنجرة آدونيس، يفيض على لبنان عاطفة الحب الشامل، ويبدع مدنية بيبلوس وصيدون وصور. # ثم مات ~~قاين: «فنبذت السماء روحه، ولفظتها جهنم، فحلت في جسد خنزير غريب لم يكن للبنان عهد بمثله، ~~وبينما آدونيس يؤدي رسالة ms04 الحضارة ويوحد بأنغامه القلوب على الحب وعلى الخير، فاجأه الخنزير ~~وانقض عليه وصرعه»، فتجددت مأساة هابيل بتغلب الشر على الخير، وأفلت النغم ثانية وتاه ليجد ~~له مستقرا، وإذا تغلب الشر على الخير يتيه النغم، إلا أنه لا يموت. # وهذا النغم جدير بأن يستوقفنا في قصة قاين وهابيل، فأي فكرة تحركت في أعماق ضمير الكاتب، ~~فأوحت إليه أن يبني أسطورته على الغناء مخالفا فيها ما حدثت به التوراة والأخبار؟ ولعل هذه ~~الفكرة تعيش في باطن كل منا، بل لعلنا نتكلم بها دون أن نأبه لحقيقة معناها، أو نحاول ~~التنقيب عن أصلها ونشوئها، فكثيرا ما نسمع غناء خشنا مزعجا فنتأذى من وقعه في آذاننا ~~فننطق عفوا: هذا صوت قاييني! نشبه صوتا بصوت ولا نعلم سبب هذا التشبيه. # وقاين وقايين وقين ~~أسماء لمسمى واحد - كما يقول الطبري - فكيف نشأت هذه الصورة المعنوية في أذهاننا، وليس في ~~التوراة والأخبار ما يهدينا إليها؟ أتراها متصلة الأسباب بأسطورة قديمة انقطعت عنا، وخلصت ~~إلينا هذه البقية منها؟ ولا يبعد أن تكون التوراة أساسا لتلك الأسطورة بما فيها من علاقة ~~قاين بالصوت والغناء، فإن الكتاب المقدس يخبرنا أن قاين هو جد الحدادين وجد أصحاب اللهو ~~والعزف والغناء. # فمن سلالته يوبل بن لامك أبو كل عازف بالكنارة والمزمار، وأخوه توبل قاين ~~أول صيقل لجميع المصنوعات النحاسية والحديدية، فنحن أمام صناعات صوتية ترجع بأصلها إلى قاين ~~وهي الحدادة والعزف والغناء، يضاف إلى ذلك أن اسم قاين نفسه مرتبط المعنى بهذه الصناعات، ~~فلو عدنا إلى مادته في المعاجم العربية لوجدنا أن القين هو العبد والحداد، وأن القينة هي ~~الأمة المغنية، ويسمى مقينا من يزين القيان ويدربهن. # ومعلوم أن العربية والعبرانية شقيقتان لأم سامية بائدة، فلا بدع أن يقع بينهما تشابه في ~~الأوضاع اللفظية ومختلف مدلولاتها، أوليس غريبا أن يكون هابيل المقتول يعني الموت والثكل ~~في مادته العربية؟ يقال: هبلته أمه - أي: ثكلته. # وعلى هذا فقد يجوز أن تكون الأسطورة القديمة متألفة عناصرها من لعنة الله لقاين، ومن ~~أصوات مطارق الحدادين متحدة ms05 بأصوات المغنين، فأخرجت لقاين صوتا منكرا، ثم ما لبثت أن ~~انقطعت مع العصور، وبقي الصوت المزعج تائها متنقلا حتى بلغ إلينا، فأخذناه إرثا عن ~~الماضين لا ندري له سببا، فجاء صلاح لبكي ينبهنا إليه في أسطورته، ولطالما كانت الأساطير ~~مفسرة لكثير من العادات والعقائد والأحكام عند الشعوب. # ونرى أن إضافة الصوت الجميل إلى هابيل لا تقتصر على المقابلة المجردة بينه وبين أخيه، بل ~~تتعداها إلى أبعد من ذلك، فقد كان هابيل راعي غنم، كما تقول التوراة، وكائن تغني الشعراء ~~بصوت الراعي وشبابته وهو يسوق القطعان في الأودية والجبال، وللأدب اللبناني خصوصا آصرة ~~عريقة على الراعي المغني، فمن الطبيعي أن تحيا بذورها في نفس صاحب «من أعماق الجبل» وهو ~~شاعر من لبنان، فيلقي السحر في حنجرة هابيل، وتغتبط سريرته؛ إذ سقط زرعه في واد غير ~~جديب. # ونحن وإن خصصنا بالذكر ثلاث أساطير: النغم التائه، والشاعر والشيطان، وبعل مرقد؛ فلا ~~لأنها استبدت بالروعة دون سواها، بل لأنها سارت متضافرة في اتجاه بحثنا، مع أن أخواتها ~~الباقيات لا تقل عنها جمالا وإغراء، وفيها أيضا لبنان بحضارته وطبيعته، وفيها فكرة الخير ~~والسعادة كما أرادها أفلاطون. # مع ستة رسوم بريشة قيصر الجميل. # | النغم التائه # عندما قتل قايين هابيل، لم يفعل كما ظن المؤرخون؛ لأن الرب قبل قربان هابيل ولم يقبل ~~قربانه؛ فقد كان بوسع قايين أن يقدم للرب قربانا من خير ما تنبت الأرض، وهي بعد في أول ~~عهدها بالخصب، فيقبله الرب. إن دوافع الإثم الأول لأعلق بالنفس البشرية مما توهم ~~المؤرخون. # كان الأخوان يجتمعان كل أصيل بعد أن يفرغا من أعمالهما، فيقربان القرابين للرب وينشدان في ~~تسبيحه الأناشيد، فكان هابيل إذا غنى أصغت الأرض والسماء وهرعت الطيور والأسود من كل حدب ~~ومن كل أفق تسمع إلى أطرب نغم عرفته الأرض والسماء، فإذا ارتفع صوت قايين غامت السماء ~~وتجهمت الأرض وأقلعت الطيور وانصرفت الأسود مبتعدة مزمجرة. # وكان قايين يموت كل يوم حسدا، ويقرب القرابين طالبا من الرب أن يهبه صوتا رخيما عذبا ~~كصوت أخيه. ولما ms06 طال الأمر ولم يظفر أقبلت عليه بنت تلك الحية التي وسوست لأمه ما وسوست ~~وأغرتها بما أغرت، فقالت له: ما بالك تستنفد كل ما تجنيه يداك قرابين لله؟ إن النغم الذي ~~يرتفع من حنجرة هابيل واحد أحد في الأرض والسماء، والرب الإله لا يستطيع أن يهبك إياه إلا ~~أن يمنعه عن أخيك فتدبر أنت أمرك. # وفي أصيل اليوم التالي بينا هابيل يرقص الأفلاك على نغمه، جاش الحسد في صدر قايين فانقض ~~عليه وعضه في عنقه يريد أن يمتص منها أصول النغم، فصرع المغني، وأما النغم فقد أفلت. # وظل هذا النغم تائها هائما على وجهه، فإذا مر ظله على فم «أورفه» روض «أورفه» السباع ~~على وقع أنغامه، وأرقص النبات وحرك الجوامد، وإذا لامس صداه أوتار العود بيد «أمفيون» هبت ~~الحجارة مطاويع من مقالعها، وارتفعت مدنا رائعة الحسن، واليشعا نفسه كان يفيض بالنبوءات ~~إلا إذا أحسه مرفرفا من حوله. # غير أن هذا النغم ما كان ليجد له في الأرض وما فوقها مقرا، فتاه طويلا حتى مر يوما ب ~~«أفقا» فإذا عند النبع فتى من لبنان يفيض قلبه حبا بالسماء وحبا بروعة المكان، فحوم وحل ~~فيه، وأحس آدونيس أنه صار شخصا آخر، أحس أنه صار نغما منسجما، فإذا سار سارت الطير ~~والسباع وأشجار الأرز في موكبه عالقة بوقع أقدامه. # والتقى ذات صباح بعشتروت، تلك الصبية ~~التي طالما حن إليها قلبه، وما إن وضع يده على كتفها حتى جلببها الشعاع بجلبابه وجرت الرقة ~~في أعطافها، فراعه ما رأى وفر هاربا في الجبال ودنيوات لبنان تتبعه وتكتنفه، وشاع الخبر ~~فهب الشباب وهبت الصبايا من أنحاء الجبل بالهدايا، هازجين راقصين ميممين «أفقا» علهم يحظون ~~بما حظيت به عشتروت، أو علهم يرون ويسمعون، فترتفع نفوسهم إلى أبعد من هذه الشمس وتلك ~~النجوم. # وكانوا يسمعون وكانوا يرون وكانت نفوسهم ترتفع وقلوبهم تهتز بعاطفة من الحب الشامل، وإذا ~~هم ينعمون بمدنية ما عرفت الدنيا مثلها من قبل، وإذا بيبلوس وإذا صيدون وإذا صور تحمل إلى ~~أقاصي المعمور، إلى الذين ms07 لم يروا وإلى الذين لم يسمعوا فيضا من خيراتها، وفيضا من حبها، ~~وفيضا من إنسانيتها. # غير أن روح قايين التي نبذتها السماء ولفظتها جهنم حلت في جسد خنزير غريب لم يكن للبنان ~~عهد بمثله، وبينا آدونيس يؤدي يوما رسالة الحضارة ويوحد بأنغامه القلوب على الحب وعلى ~~الخير، فاجأه الخنزير وانقض عليه وصرعه. # ولم يفد لبنان بعد ذلك أن نبع «أفقا» كان يتحول كل سنة دما صبيا حزنا على آدونيس، وأن ~~عشتروت ماتت جزعا عليه، وأن الصبايا صرن يصعدن باكيات نائحات إلى «أفقا» يمرغن الجباه في ~~تراب الأرض المقدسة، فقد تهدمت الهياكل وسقطت المدن وتسلط الفاتحون على البلاد وعم الدمار، ~~ولم يسلم من ذلك العهد الميمون غير ذكره وغير اللوعة عليه يتوارثها الخلف عن السلف ويتحدث ~~بمعجزاته العلماء. # أما النغم فقد حل بعد ذلك في طائر يعشش في صدر الشمس حينا وفي فم الميزاب أحيانا، فإذا ~~رفرف فيما هو يهيم في فضائه فوق وادي النيل، تدفق النهر وأخصبت الأرض وارتفعت الأهرام ~~وأمرعت الحضارة. # غير أنه لسبب لا يزال مجهولا تخلى النغم عن الطائر وتلبث بالجبل، فغدا الناس يحسون نحوه ~~بعواطف تختلف بين الحب والإجلال، فيجعلون مرة من وجه الحجر إلها، ومن حرمون إلها، ثم ~~يغمرهم هذا الانسجام الشائع في أنحاء لبنان، فإذا هو «من مرمى الثلج إلى فقش الموج» إله في ~~نظر القوم، يحفظهم ويغدق لهم ويروي ما في نفوسهم من شوق إلى الجمال. # وتشهد «أفقا» كل يوم أن النغم لا يزال متحفزا ليحل من جديد في قلب فتى من لبنان يتوفر له ~~ما توفر لآدونيس من فطرة طيبة وشغف بالجمال، وحينئذ يغمر الحب بفيضه الدنيا ويغلب الحديد ~~ويغلب النار، ويعود إلى الجبل سالف عهده من العز. # | طليق وسجين # هذا عتيق التقط صغيرا في عشه، ونشأ في هذا القفص الخشبي وتلقن الغناء من أشهر عتيق في ~~الجوار، وكانت الأيام والليالي تنقضي وهو ناعم البال ينظر من خلال قضبان قفصه فيقع بصره على ~~بستان صاحبه، ثم إذا سرح البصر بعيدا لا يرى ms08 من الدنيا غير هذا الجبل القائم هناك في ~~الناحية الثانية على ضفة الوادي. # ولشد ما كان يعجب عندما يسمع من بعيد تجاوب غناء الحساسين في الحقل، أو عندما يرى حسونا ~~بريا يقع من السماء على الشبوق المنتصب في طرف البستان. # أين تعيش هذه الحساسين، ومن أين تأتي بالقنب، ومن ترى يقدم لها قدح الماء؟ # وذات صباح بكر صاحب العتيق فعلق القفص ومضى لشأنه. # وما هي إلا أن وقع حسون على رأس الشبوق. ~~- مرحبا، عم صباحا! ~~- أهلا وسهلا! من أين أنت آت؟ لقد سرني كثيرا أن رأيتك تسقط من أيام على هذا الشبوق ~~فترسل أغنية ثم تذهب عندما ترى صديقي صاحب الدار، قل لي لماذا ذهبت؟ ~~- بل كيف صرت أنت إلى هذه النهاية، ومن وضعك في هذا السجن؟ ~~- في هذا السجن! أين ترى السجن؟ ~~- أين أراه؟ وما هو هذا المكان الذي تعيش فيه، أليس هو سجنا؟ ~~- من قال لك ذلك؟ هذا هو بيتي لا أذكر إلا أني وجدت فيه منذ ما وجدت، إنه جميل وأنا فيه ~~أنعم بجميع ما أحتاج إليه من طعام وماء، وأغني على هواي ساعة ما أشاء، كيف! أفليس لك أنت ~~منزل جميل مثله؟ ~~- كلا. ~~- مسكين أنت! ومن يقدم لك القنب والماء؟ ~~- أنا لست بحاجة أن يقدمهما لي أحد. ~~- أفليس عندك قدح مثل هذا تشرب منه؟ ~~- كلا. ~~- مسكين أنت! إن قلبي لينفطر ألما على مصيرك! أوما لك صديق يملك مثل بستان ~~صديقي؟ ~~- كلا. ~~- ما أتعسك! كيف تشرق عليك إذن هذه الشمس؟ ~~- إنها تشرق ... ~~- عجبا لها ولك! ~~- عجبا! ~~- إنني حزين من أجلك، أفتحب أن تكون معي، وأن يكون لك منزل مثل منزلي وبستان صديق مثل ~~بستان صديقي؟ دعك عندي. # فارتفع حسون الحقل في الهواء، ورسم في القضاء دائرة كبيرة، ثم عاد فنزل من جديد على أعلى ~~غصن في الشبوق وأرسل أغنية فيها أنين من خرير السواقي، وألوان من شعاع الأصيل، ورائحة من ~~زهور الحقل، وعمق من أغوار السماء. # فبهت حسون القفص وقال: من علمك هذا الغناء؟ ~~- علمنيه الفضاء الرحب ms09 والربيع الطلق، علمتنيه الينابيع والسفوح والغابات، وترنمت به على ~~مسمعي أعالي الجبال والسهول والأوداء، علمنيه بيتي أنا. ~~- وهل يحسن غيرك هذا الغناء؟ ~~- جميع الحساسين. ~~- وهل لهم كما لك أنت، بيت فيه جبال وسهول وسفوح وينابيع؟ وهل هذه الأشياء التي ذكرت ~~تعلمهم هم أيضا الغناء؟ ~~- إن بيتي هو بيتنا جميعا، هو بيتك أيضا. ~~- إنك لتهزأ مني وتذكر لي أشياء لا وجود لها. ~~- ماذا! أفلا تعرف الفضاء؟ ~~- كلا، فما هو الفضاء؟ ~~- انظر إلى فوق من خلال قضبان سجنك، إن بصرك ليظل دائم الانطلاق، هذا هو الفضاء، مسرحنا ~~نحن أهل الجناح، ومسرح الطيب والنسيم، مسرح النور، مجال الشمس والقمر والنجوم، نطير حتى ~~نتعب ولا نصل إلى آخر الفضاء، ويسري الطيب حتى يتجاوز الغمام ولا ينتهي إلى حد ويسيل الشعاع ~~ولا يعرف أحد أين ينفذ الشعاع، الفضاء قرار أغانينا وما أبعد وأعمق هذا القرار! أنا لا أعرف ~~أبعد غورا منه غير فؤادي عندما تقف الحسونة على شمخ البلوطة في أوائل الصيف. ~~- لا أفهم ما تقول! ~~- وهل تعرف الينابيع؟ إنك لا تعرف الينابيع، عندما ينظر الجبل إلى السنابل والأزاهير أيام ~~القيظ تنطلق المياه من صدره فتخضوضر السهول، وينبت العشب في السفوح، وتجري المياه مرنمة ~~بيضاء نقية فوق الحصى. ونشرب نحن، نشرب أغنية الماء وهيام الجبل، ونرف نحن فوق الزهور ~~فتعطر أطيابها حناجرنا. ثم نأوي إلى الغابات، إنك لا تعرف ما هي الغابات، ولا ما هي الظلال، ~~ولا ما هو تمايل الغصون وحفيفها، الغابات بما فيها من ظلال وحفيف وتمايل هي ألف نغم في نغم، ~~وألف صلاة في صلاة، وراحة جامعة، حركة دائمة وغناء دائم، هي عالمنا في الليالي تنسكب روحها ~~في صدورنا وتنتشر مع أغانينا. # فتعال ... تعال معي! ~~- أف لك، ما إخالك إلا محدثي عن عالم لا وجود له إلا في خيالك، إن هو إلا شوق في أعماقك ~~تتصوره حقيقة، ورغبة تحسبها واقعة، ولو أن لك مثل ما لي وكان عندك مثل ما عندي: بيت وقنب ~~وفير، وقدح ماء، وصديق يعتني بك، لما كان لهذه ms10 الأشياء التي سميتها فضاء وينابيع وغابات ~~وسهولا وجود، فأقم أنت عندي، إني لأبعد بالواقع منك مراسا. # فأطرق حسون البر ثم نظر إلى صاحب القفص، وقال: أفليس لك عينان وأذنان؟ ~~- بلى، ولكنك أنت ترى بعينيك ما لا وجود له، وتسمع بأذنيك أصداء ما يختلج بصدرك، إن جوعك ~~وعطشك هو الذي يمثل لك هذه الصور. # فضحك حسون البر طويلا وانطلق في الفضاء يملأ عينيه بالنور والألوان، وأذنيه بالأغاني ~~المتصاعدة من كل حدب، ويشم مواكب الطيب الهائمة عند الأفق. # ومرت الأيام والليالي، وأتيح لعصفور القفص أن ينطلق يوما، فأمعن طيرانا في فضاء هاله ~~منه أنه لم يصل فيه إلى حد، وسقط على غاب ارتاع لعظمته، فلم ينعم منه بظلال ولم يأنس إلى ~~حفيف، ومر بينبوع فما استساغ مذاق مائه، وقفل في المساء راجعا إلى قفصه. # | الشاعر والشيطان # كان الشاعر يترك المدينة في فترات متقطعة من الزمن ويعود إلى قريته القائمة في السفح ~~المطل على «الجعماني»، ويقضي أيامه في الجبل متنقلا وحده في الحقول المجاورة للقرية يأنس ~~بالطبيعة إيناس غيره بالناس، ويحس أن نفسه تكتنز جمال الصخور الجرداء وعطور الأزاهير وهواء ~~الصنوبر والنسمات النقية المتدحرجة من أعالي الجبال المعممة بالثلج. # وكان يستهويه، أكثر ما يستهويه، مكان هنالك في الوادي يقال له البربيصة ذكرت له حكايات ~~جدته وهو بعد صغير أنه كان آهلا بالجن، يتنقلون بين أجباب البربيص، يهزأون من المارة ~~ويروعونهم، وإن قبائل الجن هذه ترحلت بعد أن شيدت الكنيسة وراح صوت الجرس يدوي صباحا ~~ومساء في الوادي. # غير أن نساء القرية ما زلن حتى اليوم يشددن على أولادهن ألا يتوغلوا في البربيصة إذا ما ~~ذهبوا لنزهة أو للعب، ويضرعن إلى شبابهن ورجالهن أن يجتنبوا المرور ليلا في تلك البقعة ~~الملعونة. ومن يدري، لعل بعض الجن ما يزالون يحنون إلى هذا الوطن فيعودوا أو يعود منهم واحد ~~إليه ساعة التخلي، أليس أن الأب يعقوب شاهد من زمن غير بعيد في محل من هنالك جنية ملتهبة ~~الرأس تقيم في جب من السنديان فهزأت منه، وكادت ms11 تخرجه عن رصانته لولا أنه استعان عليها ~~بالصليب؟ # والجبل في مقابل البربيصة ينبثق من الضفة الثانية على شكل حائط جبار، كأن أيدي الجن قد ~~رفعته من حجر واحد، وحفرت في وسطه مغارة توصل إليها طريق ضيقة منحوتة في الصخر يكاد لا يحسن ~~سلوكها إلا من يقلد الجن مشيا وخفة. # في تلك المغارة المتسربة بعيدا تحت الأرض من ناحية الشرق كان يجلس الشاعر، يرتل قصائده ~~ويسبح بعد أن تستحم نفسه بالجمال المتدفق من روعة الأساطير ومن رهبة المكان. # وفيما هو يردد يوما قصيدة له تتغنى بنور لا يغيب، أجمل وأروع وأبقى من جميع أنوار لبنان ~~في إصباحه وعشاياه، إذا في مدخل النفق من المغارة شخص تقوم جثته على ساقين قصيرتين من ~~فوقهما بطن ضخم يكاد أن يكون مستقلا بذاته منفصلا عن الجسم، وتتصل بمنكبيه ذراعان ~~قصيرتان في طرف كل واحدة منهما يد سميكة مجزوءة الأنامل تستريحان على سطح البطن، وتحمل هذه ~~الجثة الشوهاء رأسا كبيرا أقفرت ناصيته من الشعر، فظهرت الصلعة حمراء كأن نارا قد ~~لوحتها، له عينان يقدح منهما لمعان أسود، وتسترسل من تحت الخدين الناتئين لحية اختلط أسودها ~~بأبيض وسخ، قال القادم: أنا الشيطان. # فتذكر الشاعر الأب يعقوب، ثم فكر أن يصمد لهذا اللعين: وأنا إنسان من هذه المحلة أحب ~~الجمال وأحب ... ~~- لا تتعب نفسك! أنا أعرفك جيدا وأعرف أباك وجدك وجد جدك، قوم طيبون، ولكنكم فقراء، لم ~~يخلف لك أهلك غير اسم عريض، ولكنك تفضل آباءك في أشياء كثيرة. # وانفرجت شفتا الشيطان عن ابتسامة ساخرة: ~~- أنا مسرور منك، لقد رأيتك من زمن تحت، في منعطف الوادي عند الجسر مع صبية حسناء، ما ~~أجملها! ما أجملها! أي وحقي، أنا مسرور منك، ورأيتك مرة في ليلة قمراء على سطح يشرف على ~~البحر، لقد كنت قبالتكم في الماء، وكنت أنت ترقص في لباس أسود أكيس ما صنع الإنكليز، إنك ~~تحب النساء وتحب الترف، فأنا مسرور منك، ولقد فكرت أن أعينك على أمرك شرط ... ~~- شرط ماذا؟ ~~- شرط شيء بسيط، شرط أن تساعدني ms12 أنت، سمعتك منذ هنيهة تتغنى بنور لا يغيب، أروع وأبقى من ~~أي نور، وإنك لتحس خصله تشع في أعماق كيانك، فأنت من أجل ذلك إنسان، والذين يشعرون بتألق ~~هذا النور يرتفعون ويرتفعون إلى أبعد من هذه النجوم ... فاسمح أن أمد يدي إلى قلبك، وأن أتلمس ~~خصلة واحدة منه، وأنا أعطيك بعدئذ ما تشاء، إن بوسعي أن أعطيك ما تشاء ... لقد كنت أعرف هذا ~~النور، بل كنت أنا نورا ثم أضعته، وأنا منذ ذلك الحين أفتش وأفتش فلا أراه، يمر أمامي فلا ~~أراه، وأحس أنه في قلبك، في قلب الإنسان الحق، ولا أراه. ~~- مع أن كثيرا من الناس، بل أمما منهم تجندوا لك ووهبوك أنفسهم. ~~- نعم، ولكنهم ما كانوا يتجندون لي ولا يدخلون في عداد جيوشي إلا لأن ليس عندهم شيء من ~~هذا النور، فهم أعرق في الشيطنة مني، لا لذة لهم إلا في أن يعذب بعضهم بعضا، أفلا تسمع بما ~~يحدث اليوم في أوروبا والشرق البعيد؟ أنا مرتاح، مرتاح جدا، فهؤلاء الأقوام قد فقدوا ~~النور، وها هم يتخيلون في سبيل التنكيل بعضهم بالبعض الآخر ما لم يخطر لي ببال بعد أن مرغوا ~~إنسانيتهم في الوحول؛ لذلك تراني مغتبطا، ولكن لذتي هذه إنما هي لذة سلبية لا تروي عطشي، ~~فإذا رضيت أنت أن أمد يدي إلى قرارتك وأنتزع منها خصلة واحدة من ذلك النور، أغدقت إليك ~~النعم. ~~- إذن فأنت تقترح أن تعطيني ماذا؟ ~~- ما تشاء من النساء، ملكات، وأميرات، وقرويات، انظر ... # ونظر الشاعر إلى الطريق المؤدية إلى المغارة فإذا هي مفروشة بالحرير الأبيض، فوق أكداس من ~~سجاد بخاري وتبريز وأصفهان، وإذا رتل من الصبايا بينهن كل النساء اللواتي أحبهن، وقد ظهرن ~~بروعة لم يعرفها لهن من قبل، يغنين بألحان ما خطرت على قلب «فغنر» ولا مرت ببال «ليست» ولا ~~رفت على ظن «رافل». ولكنه تذكر وجه امرأة كانت تنسجم نفسها مع نفسه حين كان يرتل لها شعره، ~~أو حين كانت تنظر وإياه في لوحة من لوحات الفن، أو حين كانت تقف ms13 بصحبته أمام عيون لبنان ~~وجباله وغاباته، أو حين كانت تسمع معه أنغام روائع الموسيقى النابضة بالحياة، فإذا هما ~~يحسان نعيما لا يماثله نعيم مما يشترك فيه التراب والشكل. ولم ير لهذه الحبيبة وجها في ~~رتل صبايا الشيطان الصاعدات، فعرف أنهن لن يستطعن أن يعطينه شيئا من تلك الغبطة التي كان ~~يشعر بها مع حبيبته، وأنهن لن يقوين على منحه غير ما يقوى على منحه الشكل والتراب، وأنهن لن ~~يتصلن بروحه، فأشاح بوجهه وقال: وغير هذا يا شيطان؟ # فانهارت الرؤيا واندفعت من السفح نحو الوادي حيث موطن الجن القديم حجارة تركت في الهواء ~~رائحة كبريت وغمامات دخان. # ونظر الشيطان كئيبا إلى وجه الشاعر فإذا عليه مسحة من جمال وتباشير من فرح عميق، فقال: ~~وما رأيك بأن أقطعك ما تشاء من الأرض وأشيد لك القصور في مغارب الأرض ومشارقها، فلا تغيب ~~الشمس عن ممتلكاتك، وأعمر خزائنك بالمال فتعطي وتنفق وتقتني ما تشاء من سيارات وطائرات، ~~وتأمر ما بدا لك من خدم وحشم، وتملأ مقاصيرك وجنائنك بآثار الفن؟ # قال الشاعر: وما شأني وجميع ذلك وأنا يشبعني رغيف ويروي عطشي قدح ماء بارد؟ لقد عرفت ~~الأغنياء فما رأيت أن الثروة تزيد في قيمهم الإنسانية شيئا، بل وجدت الذهب والماس يشغلانهم ~~عن الغايات البشرية ويحولان بينهم وبين المعرفة والجمال، ويثيران أحقاد المحرومين، الذهب! ~~لقد صرف الذهب الإنسان عن الإنسان وجنده ضد أخيه وسخر عقله، هذا العاقل الذي تشاركه - أيها ~~الشيطان - فيه، والذي إذا نظر إليه على ضوء النور العميق ظن أنه من صنعك لا من صنع الله، ~~هذا العقل ابتدع الجنسيات والقوميات واخترع الآلة، ووضعها سلاحا رهيبا في خدمة ~~الشر. ~~- دع عنك المزاح وعد إلى رشدك، واغتنم فرصة لن تسنح لك مرة أخرى، فأنا لن أقف نفسي على ~~رعايتك طول العمر. ~~- إنك تريد مني قبسا من هذا النور العميق، وأنت تعرف أن ما من أحد يستطيع أن يعطيكه، ~~والذين أخذوا بحبائلك من إخواني البشر وقبلوا المقايضة فقدوا النور، لكنهم لم يقدروا أن ~~يعطوك منه أي ms14 شعاع ضئيل، فأنت إذا كنت تستطيع أن تعطي فليس بوسعك أن تتلقى الخير ~~والنعمة. ~~- إلى أي شيء تراك تطمح؟ إن هذا العقل الذي تثور عليه والذي تفضلت بأن جعلتني فيه مشاركا ~~للإنسان هو الذي شاد هذه المدينة الغربية الرائعة التي تتملق كبرياء البشر. ~~- إن الإنسان ما زال كلما انساق بسبب ضعفه لغوايتك يفقد النور ولا يبقى له دليل غير هذا ~~العقل الذي تشاركه أنت فيه، ويفقد إنسانيته، أي: نزوعه بحب دائم وإلحاح مستمر إلى الحرية. ~~ومن هنا هذه المدنيات الشوهاء القائمة على الحديد وعلى الشكل، ومن هنا هذه الأنانية التي ~~حلت محل الحب في قلبه، ومن هنا أن كبار الفلاسفة قد ماتوا فعلا، ومن هنا أن سلالة المصورين ~~العظام والموسيقيين العظام والشعراء العظام قد انقطعت، وحل محلهم مدارس في الرمزية ~~والتأثرية هي من ألاعيبك أنت، وفي التصوير المكعب وهي من أحاجيك. ~~- وما حيلتك أنت - أيها الأبله - في جميع ذلك؟ ألا تشعر أن التيار يمر فوقك صاخبا ~~مندفعا، وأن لا حيلة لك بوقفه؟ ~~- ومن هنا أيضا - أيها الشيطان - أن هذه المدنيات القائمة على عقلك وعقول الناس إن هي ~~إلا مدنيات جافة جوفاء لا زاوية فيها للروح وللحب المتصلين بينبوع النور الأزلي، ومن هنا ~~أيضا أن وجود الآلة ولمعانها وكمالها وقدرتها على رفع الحجر شامخا عاليا في وجه السماء ~~وارتفاعها هي إلى أعلى مراتب الجو وتحدرها إلى أبعد الأعماق، لم يخفف من الألم الذي ما يزال ~~إخواني البشر يتخبطون في ديجوره. ~~- فتعال إذن وسر في موكب الناس، واستعن بالأنانية لإبعاد الألم عنك. ~~- كلا، إن ذلك لن يفيدني شيئا، فالنور الذي يتألق في أعماقي وتموت أنت حسرة عليه، لو ~~أنك تموت، يجعلني أحس أن قلبي مسرح للإنسانية جمعاء. إن كل جرح في جنب كل جندي جرحي أنا، ~~وكل يد تمتد مستعطية يدي، وكل بؤس بؤسي، وكل حرمان حرماني، وكل ثكل ثكلي، وكل يتم يتمي، وكل ~~بكاء بكائي، وكل جوع جوعي، وكل جهل جهلي. فأنا شريك الإنسانية بآلامها، ولن يهدأ لي بال ولن ~~يستقر ms15 لي قرار ولن أطمئن إلى نعمة حتى تهتدي إلى طريق الحق، إلى طريق الخير. # فأرسل الشيطان ضحكة خبيثة ساخرة، وسأل: وكيف تحقق هذه الأعجوبة أيها الصغير العمي؟ ~~- بالحب، وبالحب وحده، بالحب الذي يجب أن يظل عماد العقل ورائده، فنحن هنا في لبنان، على ~~الرغم من سخريتك، في بلاد الرسل والأنبياء والآلهة، نحن في بلاد الحب، وستكون رسالتنا أبدا ~~أن نغذي البشرية من معينه، ونذكرها بكرامتها، ونسير أمامها في طريق الخير. # فإذا قرون طويلة تنبت في رأس الشيطان، وأظافر فولاذية تمتد من أطراف أصابعه، وإذا لهب ~~يتدفق من فيه وأنفه، وإذا به يهجم على الشاعر فيغرز فيه قرونه وأظافره ويغمره باللهب، وإذا ~~أغنية تشيع في الأجواء: ما بدا لك أيها الشيطان، فلن تقضي على سلالة حملة المشاعل في لبنان ~~ولا على رسالة الحب. # | ملكرت # بين الآثار التي اكتشفها العلماء أخيرا في رأس شمرا مذكرات شاعر نقتطف منها هذه الصفحة، ~~قال: # أشهد أني ما حلمت قبل حلما كهذا، فقد كنت أسير على الشاطئ ميمما صور، وإذا ~~أمامي فتى مديد القامة، أسمر الوجه، رقيق العينين، أسود الشعر مسترسله، عريض ~~الجبين، مفتول العضلات، متناسق التركيب، دقيق المفاصل، صغير القدمين، طويل الأنامل، ~~متمنطق برداء أرجواني، تشع القوة والأناقة والعزم منه، فبهت لمرآه وأخذت أحدق إليه ~~بشيء من الإعجاب والتساؤل: من عساه يكون هذا البطل؟ ألعله ملك من ملوك الساحل أو ~~قائد من قواد مصر العظام، أو لعلني أحلم ...؟ وتقدم الفتى نحوي مبتسما، وقال: أنا ~~ملكرت. ~~- ملكرت إله البحر؟ رب الموج؟ ... ملكرت أسطورة جميلة، خلقتها مخيلة أجدادي، ملكرت ~~طيف حلو رائع، لا شيء إلا طيف، فكيف تكون أنت ملكرت؟ ~~- أنا ملكرت معبود أجدادك، أفلا ترى أنهم كانوا على حق في ما يعبدون؟ # أنا أسطورة، وأنا جميل ورائع وقوي؛ لأني أسطورة. # أنا حلو أزلي أبدي؛ لأني طيف. # تتراكم الحوادث على مخيلة البشر في هذا الشاطئ الجميل، فتعصف الأيام وتكر ~~فتمحوها، وأبقى أنا طافيا معتصما بشراعي أملأ ذكرياتهم وأترنح في صدورهم وأتردد ~~على أفواههم كلما نظروا إلى هذا ms16 البحر، وكلما خفق شراع أو تهادى مركب. ~~- أنت ملكرت ... أنت إذن ملكرت. # وأحسست أن إيمانا قديما يستيقظ في داخلي بعد أن رقد آلاف السنين: وأين أنت ~~اليوم؟ أين أنت؟ ... لا يراك أحد ولا يسمع صوتك أحد، لقد تناساك بنو قومي كأنك ما كنت، ~~وكأنك مت مع من مات وفنيت مع من فني، وكأن لم يخفق لك شراع ولم يزحف لك مركب على ~~ماء. # فضحك الفتى حتى هاج البحر وماج واقتحم الرمال وتكسرت أمواجه عند قدميه ~~وقدمي. # أنا هنا كل يوم لا أبرح شواطئ بلادي، أحرسها ليل نهار. # أنا هنا في خواطر الناس، في صدرك وصدورهم. # أنا في النور المتدحرج مع الفجر على القنن والأوداء. # أنا في الماء المتدفق من الينابيع، المهرول نحو البحر. # أنا في أغصان الأرز والصنوبر والشربين المرتفعة المتمايلة في الهواء. # أنا في أرج الزهر وفي سنابل السهل. # أنا هنا، عبثا ينساني أو يتناساني الناس؛ فسأظل الهادي، وسأظل الطريق، وسأظل ~~الخير. ~~- تباركت من نعمة ومن محبة ومن خير! # ورأيتني أتفهم سبب الشوق الذي يغمرني ويدفع بي نحو النور والينابيع والأغصان ~~والجبال والأوداء، وأسمع الصلاة الصامتة التي تتصاعد من أعماقي في خشوع وإيمان ~~ورهبة كلما نظرت إلى هذا الجبل، أو كلما لمست ترابه وعببت من ينابيعه وأصغيت إلى ~~أنغامه، أو كلما رميت بنفسي في أمواه بحره. ~~- تباركت ملكرت إله البحر، تباركت طريق المعرفة، تباركت، تباركت. # فابتسم الفتى ورفع يمينه في حركة من يبارك وقال: لقد خلقت لكم البحر أهل بلادي، ~~وأنتم منذ ذلك العهد وعيونكم أبدا إليه وقلوبكم ممتلئة منه، قد تعتصمون في الجبال ~~وتنفخون الحياة في الصخور، ولكنكم تتطلعون إليه وتنزلونه وترفعون فوقه الأشرعة ~~وتباركونه فكأنكم منه، من قطراته، وكأن نفوسكم مكونة من زرقته. # إن بينكم وبينه ~~لنسبا؛ أي أثر ترك لكم بعل، وأي مأثرة خلف لكم؟ لقد تناسيتم أدونيس وعشتروت، فهلكا ~~تحت غبار السنين، أما أنا فقد خلقت لكم البحر فدخلت إلى قرارات نفوسكم، وتغلغلت في ~~أعماقها الخفية، وعبثا تنسون اسمي وتعبدون آلهة غيري، فأنا الحي الذي ms17 لا يموت في ~~ضمائركم وضمائر بنيكم ما دام هذا البحر الذي تراه هنا ينسج أحلامكم، ويصقل عقولكم، ~~ويفجر عواطفكم، وإنها لحكاية طريفة تلك التي حدتني أن أخلق هذا البحر، فأكون أمة ~~وأميزها من سائر أمم الأرض على كر العصور. # كان رفاقي الآلهة قد اقتسموا ملك الطبيعة، فإذا هنالك إله الخير وإله الشر ~~والحرب، إله السماء وإله الأرض، إله الجحيم وإله الحكمة، إله الرقص والفنون ~~الجميلة، إله البرق والرعد، وإله النجم، وبقيت أنا لا مملكة لي ولا عمل. # أقضي أيامي متنقلا في ممالك رفاقي وقصورهم وجنائنهم. # أغازل الإلهات وأنعم بجمالهن. # وأحتسي الخمر لاهيا عابثا. # وأرى الناس يعبدون رفاقي ويقربون لهم القرابين استدرارا لخيراتهم أو دفعا لشرهم ... # وأمر فلا يحسني أحد ولا يعبأ بي، وذات يوم بينا كنت أتلقن أصول الحكمة من فم ~~«مينرفا» متنقلين فوق جبال لبنان، هبت من ناحية الصحراء عاصفة واندفعت الرياح تزمجر ~~وتولول ثم عصفت في ردائينا وأخذت تدفع بنا بعنف، وكادت أن ترمي بنا من شاهق لولا ~~أننا تخلينا عن الردائين. # فحملتهما الرياح إلى بعيد ورمت بهما في الوادي السحيق الذي كان ينخفض عند أقدام ~~الجبل الأشم. # ولما هدأت العاصفة كانت فكرة الشراع قد انبعثت في خاطري واكتملت. # ومرت على ذلك عصور طوال وأنا أنظر إلى جهد الإنسان وعنائه، وإلى محاولاته الفاشلة ~~في قطع الهوة العميقة التي تفصل لبنان عن البلدان الغربية النائية، فأشفقت عليه، ~~على ضعفه إلى جانب ما ساورني من إعجاب بعناده وصبره وجلده. وقلت في نفسي: سأبسط هذه ~~الهوة وأسلمه الشراع، وأخذت سوطي ورحت ألهب السحاب فتدفقت قربه، وضربت سفوح الجبال ~~فتفجرت الينابيع وكرت الأنهر وزحفت المياه متساقطة في الوادي العميق. # وأنا أنظر مغتبطا وأزداد همة في حث السحاب واستدرار خزانات الأرض. # فما يسمع إلا قصف صوتي وإلا وقع قدمي وهما تحطمان الصخور وتغوصان في الأرض وتشقان ~~السفوح. # ولقد ظن الآلهة أنني جننت فتجمعوا، وأخذوا ينادونني ويتلطفون إلي خشية على ~~الأرض من فيض السيول. # وراح كل واحد يعرض علي أن يتخلى لي عن ملكه ms18 . # فما باليت بهم ولا بعروضهم، بل مضيت في عملي إلى أن ملأت الهوة. فأمرت السحاب أن ~~يرتفع فارتفع، والسيل أن ينقطع فانقطع، والينابيع أن تتمهل فتمهلت، وصحا الجو ~~وأشرقت الشمس على البحر الذي أنا ربه. # وظل الآلهة طويلا يظنون بي مسا من جنون، وهم لا يدركون قيمة الزوبعة أحدثتها ~~تلك العاطفة التي جاشت بي، ولا مدى أثرها على مستقبل البشر. # ونظرت بعد أيام إلى البحر، فإذا مياهه تتموج بيضاء صافية، فمددت يدي إلى السماء ~~وأخذت قطعة منها وعصرتها في اليم، فإذا سماء ثانية تكتنفها الأرض، وإذا في قدرة ~~البشر أن يتلمسوها بأيديهم. # وخرجت بعدئذ إلى الناس كواحد منهم، ومضينا إلى غابات الأرز، وأنشأنا أول مركب رفع ~~فوقه أول شراع وركز أول مجذاف، وجريت وإياهم فوق اليم. # منذ ذلك الحين والأشرعة تروح وتجيء فوق بحري بالخير والبركات. ~~- تباركت ملكرت إله البحر، تباركت ملكرت. # وتوارت الرؤيا. # | الكلب المجنح # كل سنة في الثلاثين من أيلول يسمع سكان نبع الصفا عواء ينحدر بين الصنوبر والأدغال قادما ~~من ناحية النبع، تردده الأصداء وتتناقله الأوداء، وتظل كلاب الجيرة بعد ذلك أياما لا تنبح ~~ولا تهر في وجه فقير، كئيبة حزينة تتلفت ناحية مصدر الصوت، فتسرح بنات آوى في تلك الفترة ~~وتمرح يقينا منها أن كلاب الحي لن تتصدى لها بسوء، ولن تجري وراءها، ولن تعكر عليها صفو ~~الصيد، أما الدواجن فتأوي قبل الغياب مزاربها لعلمها أن الكلاب لن تدفع عنها ضيرا، ولن ~~تقيها الغزاة إذا ما قدموا بأظفارهم وأنيابهم. # قالت لي عجوز: بقي هذا السر مكتوما والناس يتأولون فيه، إلى أن كشف عنه ساحر من بلاد ~~الشرق البعيد، كان يتنقل في تلك النواحي، فاتفق له أن حط ركابه في أواخر أيلول في الصفا، ~~وكانت الليلة قمراء تغمر الفضة أعالي الصنوبر والشربين وتفرش الأرض، والنبع يغني أغنيته ~~الأزلية في ذلك الوادي وينحدر متألقا حينا تحت ضوء القمر، مختبئا حينا في عتمة ~~المنحدرات كأنما تسبح فيه ألف حورية بيضاء إلى جنب ألف مارد أسود. # قال الساحر: ولست أدري ms19 ما حداني أن أزور النبع تلك الليلة، فقمت إليه سالكا الضفة ~~الشرقية من النهر حتى بلغته، فإذا هو يتدفق من تحت صخرة عريضة ويتجمع في غبيط قبل أن يكر ~~كرته الكبرى، وإذا قبالته صخر كأنه مقعد من فوقه رفرف، فتمددت هناك أتأمل الماء والنور ~~وتألق مجديهما. وبينا أنا على هذه الحال سمعت في الماء حركة غريبة، فالتفت فإذا مياه الغبيط ~~تنفرج، ويقفز منها فتى بهي الطلعة حلو الملامح، موشح برداء قرمزي مؤتزر بزنار أبيض، وقفز ~~معه كلب أنقى بياضا من ثلوج الباروك. # ويستوي الفتى فوق الصخرة العريضة الممتدة فوق النبع، ~~ثم يلتفت الكلب ناحية القمر من السماء ويرسل عواءه الحزين الكئيب الطويل، فإذا بي أحس بكاء ~~في الفضاء، وأسمع بكاء في أوراق الصنوبر، وبكاء ينحدر من أشجار الأرز الجاثمة هناك بعيدا ~~فوق أعلى الجبال، وبكاء الصخور وارتعاشا في الأعشاب. ثم يحني رأسه فيربت الفتى على ظهره ~~ويدور ناحيتي، فأقف مرتاعا وأحييه فيرد التحية ويقول: هي أول مرة منذ مئات السنين أرى فيها ~~وجها لإنسان، ولطالما حننت إلى محادثتكم أنتم البشر من غير أن أدرك هذا الحنين، لقد كنت ~~أميرا من الجن مؤمرا على هذه الناحية من البقاع، حتى وطئها إخوانك من الناس وأفسدوا علي ~~الإقامة، فأويت إلى هذا النبع، أقطن مع عشيرتي جوف الأرض في مغاور النبع وجيوبه، لا أخرج إلا ~~مرة في السنة مع كلبي هذا، فإذا متع عينيه بالقمر ونوره ونبح في وجهه نباحه، عدت وإياه من ~~حيث أتينا. # قال الساحر، وهو المؤالف للجن وأحاديثها: لما رأيت هذا الأمير من الجن يحدثني بمثل هذه ~~البساطة روح عني وعاد إلي روعي واجترأت على السؤال: وما قصة هذا الكلب الذي تخرج به كل ~~سنة مرة من مملكتك تحت الأرض لينبح في وجه القمر؟ # قال: أتاني هاربا من الناس القاطنين على ساحل البحر وانضم إلى فصيلة كلابي، غير أنه ظل ~~فريد المسرى دائم الاكتئاب، تمر الطير فيرمقها بنظر حزين، وتشدو فيصغي إلي غنائها والدمعة ~~في عينه، وتظهر الضبعان فلا يهم في ms20 أثرها، ولا يكشر عن أنيابه ولا ينبح، يربض إذا ما سجا ~~الليل على صخرة من هذه الصخور، ويروح يتأمل النجوم البعيدة، ولولا أنه كان يهر في وجه القمر ~~إذ يطل من وراء هذه الجبال لما خيل كلبا من الكلاب. # جاءني يوما متبرما: أف لهذا العيش! إننا نحن سلالة الكلاب لأقل حظا في الدنيا من سائر ~~المخلوقات، فالإنسان الذي يحسب أنه سيد هذا الوجود، ما دب على الأرض وما ارتفع فوقها من ~~نبات، وما اختلج في صدرها من كنوز وما تدفق من ينابيع، وأنه هو وحده صاحب العقل، وأن ~~إنسانيته شيء من كنه الآلهة؛ لأقل وفاء من الذئاب. # لقد صادقناه نحن جماعة الكلاب ووفينا، ~~وصرنا له عونا على سائر الضواري والجوارح، نحمي دياره وقطعانه، وندله على مكامن الطير إذا ~~قام يسعى لصيد، ونصد عنه عدوان شقيقه الإنسان، وها هو يستعبدنا، ها هو يقيدنا بالسلاسل ~~ويطعمنا من فتات مائدته، له اللحم ولنا العظام، يغضب فينتهرنا من غير أن نكون سببا في ~~إغضابه، ويفرح فلا يصيبنا منه غير الرفس. # والطبيعة أيضا لم تنصفنا، ولست أدري أيحس إخواني الكلاب ما أحس من الظلم، أم تراني وحدي ~~أشعر بالإجحاف الذي منيت به وفصيلتي، نحن إذا شئنا المسير من مكان إلى مكان تحتم علينا أن ~~نقيس مدى الأرض الفاصل بينهما مشيا على الأربع، فلا بد من صعود التلال، ولا بد من هبوط ~~الأوداء، فإذا قام بين المكانين حائط مرتفع، تعذر علينا الوصول أو اضطررنا إلى سلوك طرق ~~ملتوية تضاعف المسافات، في حين أن الطير تستطيع أن ترتفع في الهواء، وأن تسلك أخصر الطرق ~~إلى مزارها، ونحن لا نستطيع أن نتسلق شجرة ولا أن نترجح على غضن بينا من الحيوانات من تقوى ~~على ذلك وتستطيبه. # ونحن إذا نطقنا فنباح لا تتغير وتيرته ولا تعذب رنته ولا يرق قراره: ~~مقاطع واحدة للطلب والإعراض وللتشكي والتشكر، ولولا هزة الذنب لما استطاع واحدنا أن يعلن عن ~~غبطته، وأنت، يا أميري، لو لم يكن لك بعض خصائص سليمان - عليه السلام - لما ms21 تمكنت من فهم ما ~~أشكو إليك. # أما منظرنا فمن أين لنا ذلك الريش الصقيل وتلك الألوان اللماعة البهية؟ من أين لنا مد ~~الجناح ورفع الذيول؟ وكيف نطال هذا الجو الفسيح ونحن نكاد لا نجرؤ على القفز من فوق حائط؟ ~~وأنى يكون لنا مجاورة النجوم ونحن لصقاء الأرض لا نقدر أن ننفصل عنها ولو بمقدار علو ~~الشجرة؟ نعم، إن الأسد لا يطير، والنمر لا يجاور النجوم، وابن آوى لا يحط على الماء، ولكن ~~للأسد صولته، وللنمر هيبته ورهبته، ولابن آوى حريته. # فليت لي يا سيدي جناحي النسر قوة، وصوت الكنار حسنا، وألوان ذنب الطاووس، فأتغنى وأتمايل ~~وأدل وأذهب حيث يطيب لي المقام، أشرب من رءوس الينابيع ما أستعذب من مياه، وألتقط، إذا شئت، ~~الندى المتساقط على أوراق السنديان، وأطلب ما أستسيغ من طعام وساعة ما أستسيغ، ثم أجرر ذيلي ~~على قنن صنين وضهر القضيب والباروك، وأمر عاليا بعيدا فوق الحرمون، ويظل خيالي الناس ~~عندنا أرتفع إلى جوار الشمس. # فرق قلبي ورحت أهون عليه: دع عنك هذه الأماني، وخل الوهم، فأنت لو صرت إلى ما ترغب في أن ~~تكون لحننت إلى ما أنت فيه. ~~- هذه يا أميري أحاديث إنسان. ~~- وهب ذلك، أفتراك أعلم منه وأقدر على فهم الحكمة؟ ~~- لا، ولكني لاحظت أيام كنت في خدمته أنه متى عجز عن تحقيق الأماني، أو متى أرهقته نازلة، ~~عاد إلى هذه الحكم الهينة، يسلي نفسه ويروح بتردادها كربته، فهو لا يسلم بالقدر إلا إذا لم ~~يوفق في رغائبه، أما إذا وفق فليس للقدر ولا للرب الذي يعبد في توفيقه شأن ولا إرادة ولا ~~تدخل. # أفتريدني كالناس يا مولاي؟ إني لست في حاجة إلى من يهون علي، أنا أعرف أن الطبيعة أساءت ~~إلينا نحن، معشر الكلاب، وأعرف أن لا حيلة لي في التبرم بالطبيعة، فما هي حاجتي بعد للقول ~~إنني متى صرت إلى ما أشتهيه أسفت على ما كنت فيه، ووددت العودة إليه؟ ليبق إذن شوقي إلى ~~حالة أمثل يحز في نفسي إلى ما شاء، فلن ms22 يظفر مني بإذعان للقدر ولا بتسليم، وسأظل حانقا على ~~هذه القوة التي خلقتني كلبا، ولم تخلقني طائرا أو سبعا أو نمرا. ~~- ولكنك تجدف وأنت حري بأن ترجم، أفلا تخاف سوء المصير؟ ~~- وكيف أرهب؟ إن هذه العوالم إذا صح زعم الإنسان ليس لنا فيها محل، فنحن وسائر الضبعان ~~والطيور لا ينتظرنا بعد هذه الحياة نعيم، ولا يهددنا جحيم، يقول الإنسان: إن أرواحنا تنحل ~~مع أجسادنا، فنحن تراب كلنا وإلى التراب كلنا، وسيان أدفعت الكلاب ضيما عن مخلوق، أو ألحقت ~~به الشر ومزقته بأنيابها وهشمته، فهي إذا استطاعت النجاة من عقاب الناس، فلن يلحقها بعد ذلك ~~عقاب. أفعلمت لماذا أريد أن أكون طائرا قوي الجناحين حلو الطلعة، أحقق نعيمي هنا وأهرب من ~~جحيمي هنا؟ ~~- إنك تتحدث كأنك إنسان، وبعض الناس يؤمن إيمانك هذا، أفتعرف؟ ~~- أعرف، نعم، وأعرف أن الإنسان آمن بكل شيء وأنكر كل شيء، وإذا كان ما يزعمه بعض الناس ~~حقا من وجود إله وشياطين، فما أعجب إلا لهذا الإنسان الذي يفتش عن الآلهة ويبحث عن ~~الشياطين. وكل ظني أنه مركب من إله وشيطان، فلا الإله الذي يجد في أثره ببعيد عنه، ولا هو ~~يستطيع تفلتا من شيطانه. ولكن ما لي يا سيدي وللناس، والحديث عنهم كالحديث عن الأفاعي، ~~فلندعهم في شقائهم، إن العقل الذي يدلون به على سائر الحيوان والنبات هو سبب شقوتهم، وإني ~~لتراني شاكرا حامدا أن ليس لي عقلهم ولا حكمهم ولا مشاكلهم، كل رغبتي أن يكون لي ميزات ~~الطيور، ولقد رأيتك يا مولاي قويا قادرا على ما لا يقدر البشر، فأنت تستطيع أن تظهر ~~شخصا وأن تغيب عن متناول الأنظار، بيد أنك تكون حاضرا، ورأيتك أحيانا تنقلب طائرا ~~نادرا أو أسدا مهيبا. فرق لحالي وهبني جناحي نسر وحنجرة بلبل، فأغني لك أطيب الأغاني ~~وأسعى في حاجاتك، وأرفع لك الابتهال حتى آخر العمر. ~~- ويك أني إذا وهبتك ما تريد، لن أستطيع أن أغير من طبائعك، بل ستظل على الرغم من الشكل ~~أنت إياك كأنك ما اعتصمت بجناح، ولا ms23 ارتفعت في فضاء، ولا تقربت من مطارح النجوم. ~~- رحماك يا مولاي، دعنا من آراء الناس، وهبني ما أطلب. # قال أمير الجن: فنفخت في أنف هذا الكلب، فإذا هو طائر ما وقعت على مثله عين، في ريشه كل ~~ألوان قوس السماء، وكل ما بينها من ألوان جدد لم تخلق إلا له، وأعطيته خصائص لم يتمتع ~~بمثلها طائر، فكان إذا شاء يصير أسود كله أو أبيض كله، وكان بوسعه أن يكسو أحد جناحيه وما ~~يليه من الجسم ظلمة الليل ويكسو الآخر وما يليه بياض الثلوج. بل كان في طاقته أن يظهر بلون ~~واحد من الألوان التي يشتهي، أو أن يظهر بها جميعا، فكأنما هو عروس من بنات الملوك، ~~خزائنها ملأى، وملابسها دائمة الجدة، أما غناؤه فقد عرفت أن غير واحد من الكناري مات حسدا ~~عندما سمعه، وأن البلابل أقسمت لا تغني أمامه، وقد كان لجناحيه قوة ما تيسرت من قبل ~~لجناحين. يطير الأيام، ويطير الليالي فلا تعب ولا عياء. وراح طائري هذا يقطع الآفاق، يدل ~~على السهول، ويرتفع فوق الجبال حتى يقارب الشمس، فما بقي في العالم غاب لم يزره، ولا بحر لم ~~يرف فوقه، ولا نهر لم يواكبه، ولا كناري إلا علمه الغناء، ثم عاد إلي بعد زمن يحدث عن ~~عجائب الأرض والمخلوقات، وينظم كل يوم لحنا جديدا فريدا. # وذات ليلة من أواخر ليالي أيلول كان طائري العجيب يسمر على غصن عال من أغصان الصنوبر ~~القائم هنا كالشموع، فإذا بالبدر يرتفع على مهل من وراء الباروك ويغمر الدنيا بفضته، فانقطع ~~صوت طائري وراح يتأمل القمر، وما هي إلا نبحة أرسلها في وجهه طويلا، فإذا بالريش الجميل ~~يتناثر في الفضاء الفضي ويختفي، وإذا طائري على الأرض ذلك الكلب. # ولما عكر الإنسان علي صفو هذه الديار، ورحلت وعشيرتي إلى مغاور النبع، استصحبت هذا ~~الكلب، لعلمي أن النفس الذي نفخت في أنفه قهر الموت، وأنه إذا بقي هنا سيعيش معذبا بين ~~الميتين، وها أني أخرج به مرة في السنة ينبح في وجه القمر ونعود ms24 . # قال الساحر: وسقط أمير الجن وكلبه في الغبيط، وتواريا عن نظري في مغاور النبع بعيدا تحت ~~الأرض. # | العرعار # كان ما كان في قديم الزمان، وفي ما كان صبية من الجن تعيش بين التلال القائمة هنالك فوق ~~قريتي في مخبأ جعله القدر جوف جدة السنديانة الجبارة التي تظل اليوم بقاع الحقلة، وتروى عن ~~قدمها الأحاديث، وتذكر أبواب السرايات التي اصطنعها الأمراء من خشب جذوعها، وتعقد حلقات ~~الصبايا والشباب تحتها كلما خرجوا لنزهة أيام القطاف، ويرتجحون على أغصانها، ولأهل القرية ~~شغف بهذه السنديانة وانعطاف إليها، فإذا ذكرت لهم ترنحوا وساورتهم خيلاء لا تقل عن خيلائهم ~~عندما يذكرون البرج القديم الذي صنعت من حجارته كنيستهم، أو عندما تحكى حكايات أمواتهم وما ~~كانوا عليه - يرحمهم الله - من فطنة وشجاعة وإيناس. # يقال إن صبية الجن تلك كانت من الجمال على جانب يبهر الأبصار ويأخذ بالقلوب، لا يصلح ~~الفجر أن يكون خادما لها ولا يشرف الطيب إلا عالقا بأطراف أردانها، أما أناقتها فقد حفظت ~~لنا التقاليد الموروثة عنها ما يفتن العقل، تظهر كلما ظهرت برداء جديد يلفها لفا لا يضيع ~~معه شيء من جمال التكوين ولا يقلق الحشمة في شيء. # وكأن الفصول كانت مؤتمرة لما تتخير هي من ألوان: فإذا خرجت في المعطف الأزرق، صفت السماء ~~ومسحت وجهها بالأزرق الناعم، وإذا أقبلت بالأخضر، ترنحت الغصون ولمع الأخضر في جنبات الغاب ~~واعشوشبت السفوح، وتمر الغمامات البيضاء حالمة كلما لوحت لشيء بمنديلها الأبيض، ويجيء ~~الخريف ويعلو الاصفرار إذا ما بدا لها أن تطل على التلال بثوبها الأصفر، وما كانت الورود ~~لتفتح شفتيها لندى الفجر ولا لترتفع أعناق الشقائق إلا عندما تقبل الصبية بالأحمر اللاهب، ~~بالأرجوان الذي علمت صنعه أهل الساحل إرضاء لترفها. # ولقد كان أجدادنا القدماء يرجعون سراعا إلى بيوتهم يحصنون أبوابها ونوافذها، ويعدون ~~الوقيد عندما يلمح واحدهم الصبية تتمايل بالأسود البراق، يقينا منهم أن السماء ستقطب ~~وتكفهر جوانبها، وتتفلت الأعاصير من مكامنها في الجبال وتهوي من أعالي صنين والزعرور وجبال ~~الباروك مولولة، صاخبة، عاصفة، مكتسحة. # ولكن الصبية ms25 كانت دائما نعمة تلك البقاع وخصبها وحياتها، فلقد كان يكفي أن يمر ظلها ~~الرضي مرة في السنة على وجه الأرض حتى تتدفق خيراتها بين يدي أجدادنا، وتحل البركة على ~~الكروم، وتشقر العناقيد، ويقطر التين عسله، ويحلو الإجاص، وتثقل أغصان التفاح، بعد أن تمتلئ ~~الأهراء بشتى الحبوب. # تلك كانت حياة أجدادنا في عهد صبية الجن: عيش مطمئن وترف دائم، لا حسد على نعمة، ولا ~~تنازع في ملك، ولا تنافس في جاه، ولا صبوة إلى شيء يقتنيه واحد بالاستقلال عن الآخرين، بل ~~ثروة موزعة بالسواء، وخيرات مقسمة بالسواء، وغبطة شائعة بينهم بالسواء، يزيد نصيب الواحد ~~منها عما تقتضيه الحاجة وتتطلبه الرغبة. # عكف أجدادنا في ذلك الزمان على مشاغل الفكر، وعمروا مكاتبهم ودورهم بآثاره، لا فاتتهم ~~فلسفة ولا افتقروا إلى فن من فنون الموسيقى والتصوير والنحت والبناء. ولولا زلازل درست معها ~~آثارهم لكان اليوم بين أيدينا منها ما لا تذكر عنده اليونان، ولكن تلك البراكين التي تفجرت ~~على مقربة من القرية والتي لا نزال نشاهد حممها في «حقلة السودا» أجبرت حفداء جبابرة الفكر ~~أولئك على الفرار لا يلوون على أثر، ولما عادوا بعد أن هدأت ثورة الأرض لم يجدوا من آثار ~~آبائهم شيئا. # وظل أجدادنا في نعيمهم هذا زمنا طويلا، إلى أن حدث ما لم يكن في حسبان أحد وما جهلوا هم ~~أسبابه، وذهبوا عن وجه البسيطة وهم يجهلون، وهو أن صبية الجن اختفت يوما على أثر زوابع ~~زعزعت عمد السماء وروعت رواسي الأرض. # وما لاحظ أجدادنا إلا أن نبعا تدفق بعد عند سفح جدة سنديانة الحقلة في مطرح يقال له ~~العرعار. # وخبر كل ذلك أن أميرين فتيين من أمراء الجن وقعا في حب الصبية، فرأت أن لا يحظى عندها إلا ~~من هو منهما أبسل وأشد ساعدا وأكثر خبرة في فنون القتال، فنشب بينهما براز عنيف دام أياما ~~وليالي، تقاذفا خلاله بجذوع العتاق من أشجار الصنوبر والسنديان والأرز، وتراشقا بالنجوم، ~~وامتدت أيديهما إلى قنن لبنان فأوجف عليه القدر ورمى بالخصمين في ظلمات ما ms26 خلف الشمس، حيث ~~ما يزالان يقتتلان، ونظر إلى الصبية فإذا هي تغرق عند السنديانة الجبارة في جوف الأرض ~~وتنساب من هنالك، ثم تنطلق في العرعار ماء زلالا صافيا أنقى من دموع الفجر وأبهى من أحلام ~~العذارى. # تبدلت الحال بعد ذلك على أجدادنا فبخلت عليهم الحقول بخيراتها، وجفت ضلوع العرائش، وفرغت ~~الأهراء، ولولا ذلك النبع الجديد الذي كانوا يتملقون به الأرض فيمرع منها ما يلامسه الماء ~~ويعود حينا إلى سالف سخائه، يوم كان ظل الصبية يمر عليه؛ لمات أجدادنا جوعا، غير أنه كان ~~لا بد لهم من العناء والعمل والكد والجد، وكان لا بد لهم من أن يتنازعوا في تملك الصالح من ~~الأرض لقربها من النبع وتسلطه عليها، وكان لا بد أن يظهر عندهم شغف به وحرص عليه، واحترام ~~يكاد لا يفرق عن التقديس إلا قليلا، وكانت الصبايا يتعبدن في سبيله فيصعدن كل سنة موكبا ~~طويلا أبيض يرقصن حياله ويغنينه ويتبركن به، ومن هنا أن القرية عرفت بين أهل الجوار باسم ~~«بيت العابدات». # وظل نبع العرعار منذ ذلك الحين مطمح الأنظار حتى من غير أهله، ومحط ركاب حتى الغرباء عن ~~البلاد، ولقد خطر ذات مرة لقوم من عمال قياصرة روما أن يحرزوه، وأن يقدموه قربانا لواحد من ~~آلهتهم شيدوا له هيكلا فوق أطلال هيكل بعل مرقد، فأقاموا للنبع قبوا معقودا بالحجارة ~~الضخمة، وعمدوا إلى الصخور فأفرغوها، ونحتوا منها قساطل لجر المياه، فعرف أجدادنا آنذاك ~~أتعس عهد من عهودهم. غير أن العرعار ما عتم أن حطم قيوده، ومزق قساطل الحجر، وعاد إلى بقاعه ~~يحمل الخير والبركات. # وها نحن اليوم نعيش في كنفه ونتبرك بوجهه سواء في ذلك فقيرنا وغنينا، فقد يولد واحدنا ~~معدما ويعيش معدما لا يملك حجرا يسند إليه رأسه، غير أنه لمجرد ما هو حفيد من حفدة ~~أجدادنا الأولين، سيظل له حق بأن يتملك وحده، ساعة من الزمن كل أسبوع، جميع مياه النبع، ~~يغتسل بها وأهله ويروي بها ما يستأجر من أرض، ويمتع بصره برقراقها، ولعل هذه المساواة في ~~الحقوق ms27 حيال العرعار هي كل ما بقي لنا من عهد صبية الجن. # | الرصد # قبل أن يتفرق الآلهة في الأرض، فكر بعل كبيرهم أن يدعوهم إلى مأدبة يقيمها لهم في مغارة ~~قاديشا. # وكان الليل الذي اختاره ليلا صافيا نقيا من أعذب ليالي لبنان، أمر فيه الرياح أن ~~تهدأ، والبحر أن يسكن، والهواء أن يعتدل. في الهزيع الأول من ذلك الليل كانت أشباح جبارة ~~تتخطى رءوس جبال الجرمق والريحان والباروك وصنين والعاقورة والشيخ، هابطة من فم الميزاب ~~وضهر القضيب، تسير في مواكب من العظماء والعظيمات على ضوء النيرات المدلاة لهم من أعالي ~~السماء. # فإذا بلغت المواكب الطريق المؤدية إلى المغارة ارتفعت النيرات عائدة إلى سمائها، وداس ~~الآلهة طريقا فرشها لمقدمهم الإله الأكبر برمال من الذهب، تؤدي بهم إلى مغارة غطيت حيطانها ~~بالحرير الأرجواني، وفرشت أرضها بالأخضر منه، وأضيئت جوانبها بأشعة تنبعث من شموع لا تذوب، ~~كأنها من جوهر الماس، وزينت بمختلف أنواع الزهر الشذي النضير، في سلال محبوكة ~~بالنور. # ودعي الآلهة إلى مقاصف ارتفعت على أعمدة من الفضة، فوق مجرى النبع، ووضعت من حولها ~~الطنافس الناعمة النادرة، وقدم الطعام الشهي، وهو من خير ما عرفت الدنيا، والفاكهة، وهي من ~~ألذ ما أنبتت جنائن لبنان، والخمرة المعتقة منذ الأزل في أقبية بعل، أدارها عليهم، في آنية ~~من الإبريز مرصعة بالياقوت والمرجان، صبايا حييات مجللات بالأبيض، مؤتزرات بالأرجوان، أرق ~~أديما وأندى من وجه الفجر. # وكانت الراقصات في أثناء الطعام، يقمن بأبرع ما علمهن بعل مرقد من فنون تحار بها الألباب، ~~على أعذب وأطرب أنغام عرفتها السماء ومرت في أجواء الأرض. # وما أن هم الآلهة بمغادرة المقاصف، حتى وقف الإله الأكبر فقال: لقد قسمت بينكم الأرض، ~~وسيسافر غدا كل واحد منكم إلى حيث أعددت له العباد والهياكل. # ولكنه لا يصلح لنا جميعا أن نتخلى عن حماية هذه الديار أنى أقمنا من الأرض؛ فهي بلادنا ~~الأصيلة ونعيمنا الأول، ترعرعنا في أكنافها، وتظللنا سماءها، وعببنا من أنهارها وينابيعها، ~~وغسل بحرها أقدامنا. # فانبرى ملكرت، رب الحرب المنتصر وإله البحر ms28 ، فقال: سأظل أحمي شواطئها وأرد عنها. # وقال مرقد: أجعل من مرابعها مراقص ومسارح للنعيم، وأعلم أبناءها أصول الفن، فلا يبذهم فيه ~~أحد. # وقالت شيما: أمسح أبدا وجهها بظل من جمال وجهي، فتكون أنعم وأرق بقعة من الأرض. # وقال أنو، إله السماء: أترك لون عيني في سمائها فتظل زرقاء صافية تلمع على آفاقها أبهى ~~النيرات. # وقال أنليل إله الأرض: أخصب أرضها. # ووعدت مينرفا، إلهة الحكمة، أن تجعلها للفكر معقلا وللحكمة مهدا. # واتفقوا جميعا على أن يجود كل بما عنده من خير ومحبة وقوة على لبنان، ليظل، مهما تألبت ~~عليه النوائب، راسخا عزيز الجانب مرموقا، لا يدخله فاتح إلا ويخرج منه ذليلا، ولا يطمع ~~فيه طامع إلا ويخيب، ولا تمتد يد إليه إلا وتحرقها النار. ويظل هو منبعا دائم التدفق ~~للجمال والحب، يوزع منها على الدنيا ويخفف بهما الآلام التي كان يعرف الآلهة أنها ستعصف ~~بالخليقة، ويظل اسمه حربا على البشاعة حيثما عششت في الأرض. # قال بعل: طيبة هذه العهود، ولكن لا بد لنا من أن نترك رصدا في هذا الجبل، ينبئنا بما فيه؛ ~~لنسارع إلى نجدته كلما هددته المخاطر، وأحدقت به الرزايا. وخليق بنا أن نقيمه من شيء لا يظن ~~به ولا يتوجس منه المعتدون، وهذا الأرز القائم على مقربة منا في ظهر الرابية، من ها هنا، ~~حقيق بأن يكون هذا الرصد. # فصفق الآلهة، استحسانا، وامتدت أيديهم إلى جوف الأرض حتى أمسكت بجذور الأرز فباركتها، ~~وانصرف الآلهة بعد ذلك وأطبقت الصخور على باب المغارة المقدسة. # وها أن الأرز يقوم برسالته منذ آلاف السنين، فهو كلما أحدق خطر بلبنان تضطرب أغصانه ~~الخالدة، وتثور وتسمع عزيفا رائعا، فيتسارع الآلهة من أقاصي السماء والأرض، يدفعون البلوى ~~مهما طال أمرها، ويدحرون المغتال مهما عظم شأنه وتفاقم خطره، ويعيدون الطمأنينة إلى الجبل ~~ويوطدون السلام. # | بعل مرقد # بعل مرقد زين شباب الأولمب. # لها فما لها إله مثله. # علقته الإلهات فولههن، حتى أغار الآلهة، بيد أنه كان يعشق من دونهن صورة لصبية تخيلها أبهى ~~وأجمل وأنعم من أجملهن ms29 وأروعهن بهاء. # ذلك سره المكنون، سر كان يترك على جبينه مسحة كآبة وفي عينيه أطيافا وأحلاما. # وبعد أن أدار بعل الكبير الكون، راح بعل مرقد يتعرف إلى وجه الأحياء والنبات والجماد، ~~لعله يجد للصورة الحبيبة في المخلوقات شبيها. # يضرب كفا في السفوح فيفجر الينابيع. # ويشير بيده إلى التراب صعدا فتنبثق الأشجار. # ويرنم، فيكر من كل أفق بلبل جديد يبسط على الريح جناحا رشيقا، ويرسل في الأجواء أغنية ~~واجدة. # وتسلى الإله طويلا وعبثا. # وبينا هو يطوف ذات يوم في جبال لبنان، بلغ مكانا عرف في ما بعد بهضبة بعل مرقد، فأعجب ~~به: تلة تنهض كالشمخ الغض وكالنهد المتكبر، تدور حولها الأوداء، وترمقها قمم صنين والكنيسة، ~~ويرنو لها المتوسط بألف عين متألقة، وتنسكب عليها الأضواء من أغوار السماء البعيدة. # ونظر، فإذا الأرض هنالك تنكشف عن صخر تغلغلت في حناياه ألوان الوزال والشقائق والخشخاش، ~~وبقيت فيه على بهائها تعبث بكف الزمن الماحية. # فأخذ إزميلا وراح ينحت. # ينحت ليل نهار، يحدوه الشوق، ويستحثه الأمل. # فينفلت الحجر. # ثم يتكور الحجر. # ثم يشرق الشكل العجيب الفريد. # ويخر بعل أمام الصورة الحبيبة المحققة في الحجر الأبكم. # هو ذا المعبود ينقطع، والأجيال تنهض وتنهار، على معبود من نسج خياله ومن صنع يديه فتعرف ~~السماوات حبا لم تشهد من قبل له نظيرا، إن كواكب لبنان وتراب التلة المقدسة تستطيع وحدها ~~أن تقول لنا كم ذرف بعل مرقد من دموع، وكم مرغ على قدمي تمثاله جبينه العالي، وكم قضى من ~~الأزمان يناجيه ويسترقه. وإن الحجارة هنالك والأدغال تهمس في أذني من يسمع: إن العذب الحار ~~من لغة الحب أصداء باردة لأحاديثه، وإن الصلاة ذكريات من نجواه. # وبينا هو يوما في غمرة من الهوى والألم، إذا بالتمثال يرتعش، وينقل في الأرض رجلا، ~~ويتمايل بين يديه أخف من النسيم. # مر على الأولمب فترة كان خبر الشوق الخالق فيه حديث الآلهة، ومر على بعل مرقد ولبنانة عهد ~~نشوة ومرح يعجز الوصف. # ولكن المأساة، مأساة الألم والشقاء، كانت قد بدأت ساعة صار الحجر إنسانا ms30 ولم يستطع أن ~~يصير إلها. # لم يهون على لبنانة حب بعل ولا الأعراس التي أقيمت لها، وضجت بها مشارق الدنيا ~~ومغاربها. # ولا روح عنها أن الغوالي المخبآت في أقاصي السماء، في مقاصير الشمس ومغاني القمر، كانت ~~تسفح كل يوم على قدميها. # ولا أسلاها وأنساها أن الأنغام كانت ترتفع بالتسابيح لها كلما أطل وجهها السني على ~~الدنيا. # ولا قلل من همها أن الإلهات كن يحسدنها، ويتمنين أن يحتللن من قلب بعل الجميل بعض مكانها ~~فيه. # فقد كانت لبنانة تشعر في أعماقها أن ذل الحجر ما يزال عالقا بها، يشدها إلى الأرض حين ~~تريد أن ترتفع، وأنها سجينة هذا الشكل الرائع المحسود لا تستطيع براحا ولا انفلاتا، ولا ~~هي تعرف هل تظل هي إياها، ولا ما سيكون مصير ما تستشعر بذاتها من عقل وإحساس وشوق ولذة وألم ~~إذا ما قدرت على الانعتاق. # وكانت تعرف أن بقاءها موقوف على أنها تأكل وتشرب وتنام، وتعرف أن لا حاجة للإلهات من أجل ~~البقاء إلى النوم ولا إلى الطعام ولا إلى الشراب، وأنهن إنما يأكلن ويشربن وينمن، متعة منهن ~~ولذة، وأنهن لا يخفن لوافح البرد ولا لواذع الحر. # وتعرف أنها لا تعرف كيف تأتيها هذه المعرفة. # وكانت، بسبب ذلك كله، شقية تتساءل: أهي اليوم أفضل حالا، أم كانت أفضل حالا قبل أن يحركها ~~الشوق، يوم هي حجر لا يعقل ولا يحس، ولا ينعم ولا يشقى، ولا يفكر بمصير، ولا يدرك أنه ~~موجود؟ # لا، لن يقول لنا أحد شيئا عن الجهد الجبار الذي كان يقوم به بعل ليزيل من خاطر لبنانة ~~هذه الهواجس، وليجعل من حياتها نعيما. إن شوقه هو الذي خلق مع الحياة هذه المتاعب عند أحب ~~مخلوقة يطمئن إليها قلبه، وتقر بها عيناه. # فيا لعظم التبعات التي هي تبعاته! # غير أن لبنانة كانت تدرك من ناحيتها أن بعلا لن يستطيع من أجلها بعد شيئا، وأن إخلاصها ~~غير منوط به، وأن الشوق، شوقها هي هذه المرة، شوقها إلى الانعتاق والانفلات، يقدر وحده على ~~شق طريق الخلاص ms31 . # وذات ليلة وبعل يعزف ويغني لها أغنية الحب الخالد، قامت إلى رأس التلة وأخذت تختطف الخطو ~~اختطافا، فلا تلمس قدماها الأرض إلا لمسا رفيقا كأنما هي تتوكأ على جناحي النغم. # وأقبل الكون ينظر: # الدراري تتدلى لترى هذه الأعجوبة # والجبال تقترب وتحنو # والأغصان تترنح وتنعطف # والبحر يصغي خافت الموج # والسهل يشرئب # والليل يرق # وبنات لبنان وفتيانه يتقاطرون من الجوار في خشوع ورهبة # ونشوة وحنين. # وظلت لبنانة ترقص وترتفع، ثم تهبط راقصة وترتفع ثانية، حتى أقبل الفجر عليها وهي خصلة من ~~نور، تتعالى مسرعة إلى ما وراء النجوم، وبعل مرقد في أثرها يعزف ويغني ويرتفع. # وشيدت بنات لبنان بأيديهن الناعمات القويات السخيات هيكلا جبارا فوق التلة المقدسة، ~~أخذن حجارته من المقلع الذي نحت منه بعل تمثال لبنانة، يعبدنه فيه ويعبدنها. ms32