######OpenITI# #META# URI: 1374SulaymanNajib.MudhakkiratCarabaji.Hindawi28068295 #META# Tags: literature #META# ID: 28068295 #META# Title: مذكرات عربجي #META# AuthorID: 19264904 #META# Author: سليمان نجيب #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إلى الأستاذ فكري بك أباظة‏ # من الأستاذ فكري بك أباظة‏ # المذكرة الأولى‏ # المذكرة الثانية‏ # المذكرة الثالثة‏ # المذكرة الرابعة‏ # حول مذكراتي‏ # المذكرة الخامسة‏ # المذكرة السادسة‏ # المذكرة السابعة‏ # المذكرة الثامنة‏ # المذكرة التاسعة‏ # المذكرة العاشرة‏ # المذكرة الحادية عشر‏ # المذكرة الثانية عشر‏ # المذكرة الثالثة عشر‏ # المذكرة الرابعة عشر‏ # المذكرة الخامسة عشر‏ # المذكرة السادسة عشر‏ # فين أنت يا حنفي‏ # وفي الختام‏ # إلى الأستاذ فكري بك أباظة‏ # من الأستاذ فكري بك أباظة‏ # المذكرة الأولى‏ # المذكرة الثانية‏ # المذكرة الثالثة‏ # المذكرة الرابعة‏ # حول مذكراتي‏ # المذكرة الخامسة‏ # المذكرة السادسة‏ # المذكرة السابعة‏ # المذكرة الثامنة‏ # المذكرة التاسعة‏ # المذكرة العاشرة‏ # المذكرة الحادية عشر‏ # المذكرة الثانية عشر‏ # المذكرة الثالثة عشر‏ # المذكرة الرابعة عشر‏ # المذكرة الخامسة عشر‏ # المذكرة السادسة عشر‏ # فين أنت يا حنفي‏ # وفي الختام‏ # | مذكرات عربجي # | مذكرات عربجي # تأليف # سليمان نجيب # | إلى الأستاذ فكري بك أباظة # سيدي الأستاذ النابغة # محسوبك كاتب هذا - الأسطى حنفي أبو محمود - من كان له الشرف أن يقلك في عربته ~~مرارا، إما منفردا أو مع زمرة من إخوانك ومحبيك، يرجوك ويتوسل إليك أن تكتب له كلمة ~~صغيرة يضعها في مقدمة مذكراته التي ظن بعضهم أنها جديرة بالنشر. # وأنا لا أرجو ولا أتوسل إلا لأني من المعجبين بقلمك وأدبك، وأنك باعتراف الكل الكاتب ~~الذي تقرأ كتاباته كل الأفراد بلهف وشغف، وأستصرخ ديمقراطيتك أن تحن على حوذيك ~~بكلمة تجعل لهذه المذكرات قيمة. # إنك كريم يا أستاذ، طالما جدت علي بضعف ما أستحقه في «التوصيلة»؛ لأن نظرك البعيد ~~يرى أن بجانب أكل البهايم أكل العيال، ومن كان من أخلاقه الكرم والبحبحة فلا أظن أن يضن ~~على حوذيه القديم بما يطلبه، أبقاك الله وجعلك ظلا لأمثالي المساكين الغلابة، وأنا ~~يا سيدي عبدك المطيع المخلص. # حنفي أبو محمود # سليمان نجيب # 18 رمضان سنة 1341 # | من الأستاذ فكري بك أباظة # عزيزي الأسطى حنفي # أشكرك كل الشكر على حسن ظنك بي، وما كان الأمر يحتاج إلى «الطلب» يا أسطى، كان يكفي ~~أن تأمر فنجيب؛ لأن لك علينا «أفضالا» لن ننساها؛ لأنك لست حوذيا فقط، بل ms01 أنت ~~«فيلسوف »، والفلسفة مبجلة في حد ذاتها، برفع النظر عن حيثية المتصفين بها! # حقا، إني لأكتب بعواطفي، لا أتكلف ولا أتصنع، فدعني أهنئك من صميم فؤادي، ولو كان ~~كرباجك كقلمك لفاخرنا بك أعظم الأسطوات في جميع القارات! # تتبعت كلماتك كلها، وكلما قرأت واحدة استفزني الشغف بأسلوبها إلى انتظار الأخرى على ~~أحر من الجمر، فرأيت «خفة الروح» تنساب بين السطور انسيابا، ورشاقة العبارات تتدفق ~~تدفقا، فلما أخذتني الغيرة من ذلك الابتكار والتفنن؛ واسيت نفسي قائلا: «إن الأسطى ~~حنفي لم يأت بشيء من عنده؛ لأن هذه «نفثات» الأنفاس بلا جدال، وهو مشغول «بالكر» ~~نهارا وليلا «وبالشد» صباحا ومساء، ومن كانت هذه أدواته وحواشيه فمن يستطيع أن ~~يماشيه؟!» ~~«يمينا» يا أسطى، لست أحابيك ولا أداجيك، إنما أقرر الواقع، لقد «لذعت» بكرباجك ~~العظيم ظهور المتهتكين والمتهتكات، المتحذلقين والمتحذلقات، وقديما كان الكرباج أداة ~~التهذيب والتأديب، ولكن كرباج العهد الغابر كان يسيل الدم ولا يجرح النفس، أما كرباجك ~~أنت فلا يسيل الدماء، ولكن يجرح النفوس، ونحن إنما نريد معالجة الأرواح لا الأبدان، ~~فشكرا لك يا طبيب النفوس. # لا تفكر كثيرا في الأزمة يا أسطى، ولا تطمع، وما دام علفك وعلف أولادك ومواشيك ~~موجودا فاحمد الله، وما دمت فليسوفا فليكن جيبك «فاضيا» كقلبك، ألا تعلم أن من تصدى ~~لتهذيب الجمهور وجب أن «يدوسه الجمهور»؟ انظر «يمينك وشمالك» بسكوت، «وطبق» النظرية ~~تجدها صحيحة، «فسر» في طريقك هادئا، ولا تجمد في «موقفك»، وأسمعنا «طرقعة كرباجك» ~~فقد اختفى صوته من زمن بعيد، ولكن حذار أن تدفع أو «تجمح» فتكون التوصيلة ~~«للواحات»! # أي عزيزي الأسطى: إن أمة حوذيتها مثلك لجديرة بأن «تركض» ركضا، و«تربع» إلى ~~مطامعها لا تلوي على شيء في الطريق. # إني لفي غاية الشوق إلى كتابك، فهيا و«حضر» الملازم بسرعة فينتفع الجمهور، وأنا في ~~انتظارك فلا تتأخر علي. # فكري أباظة المحامي # حاشية: طيه «اللي فيه القسمة» أرجو قبوله مساعدة في الطبع. # فكري # وصلني المبلغ، قدها وقدود يا سي فكري، مش جايب الكرم من بره، والعرق دساس يا ~~أستاذ. # محسوبك ms02 حنفي # | المذكرة الأولى # لم يكن الأدب أو صنعة الكتابة قاصرة يوما ما على طبقة دون غيرها، فلا تظن أيها القارئ أو ~~يتسرب إلى ذهنك الشريف ساعة ترى إمضائي تحت هذه المقالة أن أديبا تعدى الحد فتنكر تحت ~~نمرة موهومة، ورخصة غير موجودة، فتبوأ مقعد سياسة البهائم، وابتدأ يروي للقراء ما مر عليه ~~وهو جالس على كرسيه مفتوح العين لما هو أمامه، منصتا بأذنه إلى ما يدور داخل العربة، ~~مشاهدا في توصيلاته المختلفة غرائب الغرائز ومتباين الأخلاق. # صحيح أني نشأت في وسط كله عربات وخيول «بلدي ومسكوفي» وجو لا تسمع فيه إلا طرقعة الكرابيج ~~وإصلاح «الحداوي»، ولكن ذلك لم يمنعني أن أنشأ ميالا إلى الأدب والكتابة والمطالعة وقراءة ~~الأخبار السياسية، فلا أنسى أن أبتاع مع شعير البهائم وبرسيمها جرائد المساء، بل أكثر من ~~ذلك أيها القارئ، طالما فاتني في كثير من الأوقات زباين سقع لانشغالي بالسياسة والأدب في ~~الموقف، بينما رفاقي عيونهم متطلعة تصطاد الزبون من آخر الشارع. # والأدهى من ذلك أنني كثيرا ما كنت أهم بالمناقشة مع بعض الزبائن أيام الاضطرابات ~~والإضرابات، تلك الأيام التي كنا - نحن العربجية - نسمع فيها كل ساعة رأيا على اختلاف ~~المبادئ والنزعات، لولا خوفي أولا من عمال قلم المرور، ورذالة سحب الرخصة، والنتائج التي ~~تجرها على رأس مسكين مثلي من «تفويت وغيره» وثانيا اعتقالي ومحاكمتي وسجني ولا من شاف ولا ~~من دري. # نهايته، كان حكم الوسط علي قاسيا، فقد أجبرت لأسباب - لا لزوم لذكرها - أن أخلف ~~والدي - رحمه الله - في الانتفاع بعرباته العديدة وامتطاء إحداها، كان ذلك منذ عشر سنين، أي ~~قبل الحرب أو «الحماية» على الأصح، وقد تمكنت من طريق مهنتي أن أطلع على أسرار كثيرة منها ~~المضحك ومنها المبكي، بل لقد شاهدت من الروايات التي تمثل كل يوم أمامنا ما هو حقيقي، ليس ~~للوهم أو الخيال أثر فيه، ومحادثات «تزانيق وخلافه» كنت مجبرا على سماعها. # وكثيرا ما كان يودي بي انتباهي لسماع ما يدور داخل العربة من حديث مسموع، وحديث صامت، ~~وهذا الحديث ms03 الأخير ينتهي عادة «بطرقعة» بسيطة هي نتيجة تقابل العيون والأنف وما تحتهما، ~~وأن هذه الحوادث مثلها في عربتي أشخاص كثيرون من الجنس الخشن والجنس اللطيف، وآه وألف آه ~~- أيها القارئ - من هذا العنوان الذي يضم تحته «الملايات اللف والحبر والمناديل الإسطامبولي ~~والمنتوهات والبرانيط» ووالله لقد شاهدت عيناي من فصول رواياته الممتعة ما كان ينسيني في ~~بعض الأحايين نفسي، وتكون النتيجة مخالفة «وكع يا حنفي». # وبما أن عربة الواحد منا «كبرج بابل» طالما امتطاها الآلاف، فقد تعودت بنظرة واحدة للزبون ~~أن أعرف قيمته الأخلاقية، وبما أن حكمي هذا أصدرته عن تجربة واختبار، فاقرأه - أيها القارئ ~~- بعين العظة واسمعه بأذن الاعتبار: # فكم راكب في المركبات تجره # ولو تنصف الأيام كان يجرها # وإليك أيها القارئ العزيز أصناف الزبائن المختلفة، فقد يحدث في بعض الأحايين أن ألتفت ~~فأرى زبوني جالسا مستقيما، كأنه ينتظر حكم القاضي عليه مصوبا نظره إلى آخر سترتي، فأحكم ~~عليه أنه ركب عربة للمرة الأولى أو الثانية على الأكثر، وإذا رأيت سعادته جالسا على يمين ~~العربة فهو متكبر متعجرف، أما أسيادنا الذين إذا ركبوا معنا أرسلوا رجلا في ظهورنا وعكفوا ~~الأخرى عليها واستلقوا على ظهورهم، فهؤلاء مخنثون ينسى الواحد منهم أنه في طريق عمومي له ~~آداب يجب أن يراعيها. # وكثيرا ما تصادف عربة تسير وراكبها سارح يشخص بعينه إلى السماء، فهو أحد اثنين: إما حبيب ~~«واقع طاظة» أو بخيل يحسب المسافة بالمتر والياردة ليحاسبني بالبارة والمليم، أما إذا ~~رأيتنا - نحن العربجية - نتسابق إلى واحد من أسيادنا وقد أشرف علينا في الموقف، فاعلم أنه ~~وارث يبعثر ماله ذات اليمين وذات اليسار. # هذا ما أمكنني نشره كمقدمة بسيطة لمذكرات، إذا وسعها صدر الكشكول، فستصدر كل أسبوع بإذن ~~الله بدون انقطاع «سواقة جد»، أمهرها بإمضائي واسمي الصحيح «الأسطى حنفي». # وهكذا أصبحت في بعض الأوقات أجمع في عربتي بين زبائني وقرائي، وأكتب لهم بكل حرية بدون ~~قيود المخالفات وأوامر «ولع فانوس ورا» و«إوعى الملف». # فإلى الملتقى، إلى الأسبوع المقبل يا حضرة الزبون الفاضل، ولا تنس ms04 أنك تقرأ حقيقة كتبها ~~لك في ساعة فراغه العربجي الأديب. # الأسطى حنفي أبو محمود # | المذكرة الثانية # ابتدأت حياة المهنة بالعمل نهارا؛ لأن تعرضي وأنا جديد للخدمة الليلية لا يمكن احتماله ~~بالنسبة لما كنت أسمعه من زملائي عما يصادفونه من الحوادث التي تضيق منها الصدور، وتحتاج ~~إلى «نفس طويل» وبال هادئ، وتمرين على البهدلة من كل لون. # فكم يخفي الليل تحت ستاره، سكران «ألسطة»، يركب مع الواحد منا ويأمره بالسير، وبعد ذلك ~~«يتلوق» فلا يمكن حتى الإسعاف أن تعرف منطق لسانه ولا أين يسكن، بل إلى أي جهة يقصد، ~~والواحد منا حيران بين الالتجاء إلى البوليس وتفويق صاحبنا على حساب الحكمدارية أو «دلق» ~~هذا الزبون الفاضل على أقرب رصيف، وفي كلا الحالتين لا يعلم إلا الله كيف يمكن أن نتحصل على ~~الأجرة. # وأما إذا كان «نصف لبة» فانتظر منه أن يتداخل معك أو مع من هو في صحبته في كل شيء في ~~السياسة والأخلاق والآداب والغراميات وصلاحية الفول عن البرسيم بالنسبة للبهائم. # وإذا توقفت إلى خدمة شاب من شباب العصر الأغنياء، فيجب أن أحتمل ممن يسيرون وراءه من ~~سكرتارية وهواشين وأونطجية أنواع النكت الباردة والتعرض لما لا يعنيهم، وأما إذا كنت ممن ~~غضب الله عليهم، وحنن عليك بنفر من جنود جلالة الملك «أيام الحرب طبعا» وهم «مشقعين» ~~وأمروك بتوصيلهم إلى ضاحية من الضواحي «العباسية أو الجيزة مثلا» فثق أنك ستتعلم منهم في ~~فن الزوغان أحدث الطرق، وإذا خطر لك أن تتعرض لأحدهم طالبا حقك أعطاك إياه لكما ورفصا، ~~وجعلك تتعلم آداب المطالبة بطريقة إنكليزية، بعد هذا كله يا حضرة القارئ الكريم كنت أفضل ~~عمل النهار، وكم في النهار يا سيدنا من حوادث وروايات! ففي الصباح تشتغل على أسيادنا ~~الموظفين «السقع طبعا» وهؤلاء فيهم الجواد الذي يعطيك فوق ما تستحق، وفيهم المدقق الذي ~~يدفع لك بالمليم، وإن تكلمت كانت الداهية السوداء، وبتداخل عسكري البوليس تنتهي المسألة على ~~أخذ الأجرة من عسكري النقطة أقل من الأول؛ لأن الفرق أخذه جنابه قيمة أتعاب . # وفيهم ms05 من يناديك بكل كبرياء وعجرفة، وهو لا يملك في جيبه الأجرة، فكم حصل كثيرا أن يركب ~~معي بعض هؤلاء ويأمرني بالسير إلى المالية أو الحقانية، وفي الطريق يصطاد هذا الوجيه «الذي ~~أحس بأطراف حذائه في نصف ظهري» موظفا آخر يكون سائرا على قدميه وفي حاله، فيدعوه للركوب ~~معه، وبطريقة غريبة ينتقل معه من حديث إلى حديث إلى أن يداهمه بطلب جنيه «سلف لله» وإن ~~اعتذر فنصف ريال هو أجرتي طبعا. # وأنا في هذه الآونة متردد بين السير إلى وزارة البيك أو إلى القسم، وفي الوقت نفسه أدعو ~~بالخير لمن دفع، والله يعلم إلى أي نتيجة كانت المسألة تصل لو لم تصادف «المجني عليه» في ~~طريقنا. # وبعد الظهر وفي العصاري إذا كان الواحد منا سعيد الحظ وصادفته توصيلة «مجوز» إلى الجزيرة ~~أو الجيزة أو حدائق القبة يسمع فيها لمبدع مطرب، ويتعلم من الحديث فن السبك كيف يكون، بل ~~كيف يضطر الواحد منا بحكم الصنعة والوظيفة «ورقبته تحت رجليه» أن يترك لهما حرية الحديث ~~والتنهد والتقبيل والبكاء والهمس والعتاب. # واسمع ما شئت من أقسام الحب «الطاهر» وأنه يقاسي الموت في البعد عنها، ويسهر ليله وينام ~~نهاره، أما هي فإنها أصبحت «بالرغم من 95 كيلو وزن» مريضة بسببه وانسأمت وربما ماتت ضحية ~~لهذا الغرام الشريف. # وفي أثناء الحديث يا حضرة القارئ تمر على ألفاظ جديدة في اللغة، فأسمعها تقول «حبوب» ~~«وتوتو» وهو يقول «قطقوطة» ولا أفهم لها معنى، ولكني علمت أن لكل مقام مقال، بل قد تعودت ~~إذا سمعت أحدهما يتنهد أن أقلده، وهكذا يصبح الجو كله غرام وحب، وينطبق علينا قول القائل ~~«كلنا في الهوى سوى» ولكن المصيبة أنني أجهل من أحب. # ولا أراك الله أيها القارئ الكريم الحوادث التى تنتهي «بغم»، وربنا ما يوقعك في يد ~~البوليس إلا طارف، فكثيرا ما تتفق قلة الحوادث مع قلة الأدب، فيضطر إما أن يأخذ إجراءته أو ~~يأخذ ... وتنتهي الحادثة على خير وسلامة. # وكما أن للاجتماع آداب وللحديث آداب، فلنا معشر العربجية آداب أيضا نتبعها ms06 في أمثال هذه ~~التوصيلات، فيجب أولا السير بهدوء في الشوارع الخالية ليظهر الفرق الكبير بين الفسحة في ~~عربة ومثيلتها في أتوموبيل أجرة، بل يجب أيضا الانتباه إلى أوامر الزبون، فربما كانت غلطة ~~صغيرة كافية لعكننة مزاجه فينتقم جنابه من الأجرة في شخصي، وتنتهي الرواية على حسب الظروف ~~إما بمأساة أو بفصل مضحك يتداخل فيه الجمهور، وتحلو وقتئذ النكت الرائقة «وعينك ما تشوف إلا ~~النور». # هذا ما عن لي أن أدونه هذا الأسبوع، فإلى الملتقى يا حضرة الزبون الفاضل، فسأوافيك في ~~القريب العاجل بأخبارنا أيام إضرابات الترام «رحم الله تلك الأيام!» وتقبل احترامات عمك ~~الأسطى. # حنفي أبو محمود # | المذكرة الثالثة # وعدتك أيها الزبون الفاضل بحوادث الاضطرابات والاعتصامات، وبالاختصار أيام العز والمكسب ~~«والنغنغة» أيام أقفرت الطرقات من «التراموايات» وأخذ عزرائيل إجازة غير اعتيادية من الشركة ~~وتهيأت لنا الفرصة، وامتلكنا نواصي الشوارع، وبعد أن كنا نرجو الزبون ونتمسح وننادي بأعلى ~~صوت «آجي يا بيه؟» أصبحنا محط الرجاء، وفي بعض الأحايين كنا نرفض بشدة ما دامت الخيل ~~تعبانة، والجيوب مليانة، والزباين كفرانة. # كانت اضطرابات الترام ربيع أيامنا، فيها كان محسوبك الأسطى حنفي زايط؛ لأن الشغل ماشي ~~والحالة «فل» ولم نكن بعد قد فوجئنا بمصائب الأتوموبيل «التاكس» و«تزانيقه اللي زي الهباب» ~~وثانيا لأني بصفتي صاحب «عجل» في البلد، كنت أفتخر إذا ركب معي بعض كبار رجالاتنا إلى بيت ~~الأمة أو إلى «كلوب محمد علي» فحفظت في هذه الأوقات أسماء معظمهم على حسب الجودة في ~~التوصيلة، أو على حسب الخلقة «والسحنة». # وبالرغم من انتباه الواحد منا «للخواذيق» التي اعتاد فريق الأونطجية أن يلبسونا إياها، ~~فقد حدث كثيرا أنني أوصل نفرا من هؤلاء المزيفين الذين تبدو عليهم الوجاهة من الظاهر فقط ~~إلى «جروبي» ثم أنتظر عبثا؛ لأن حضرة الوجيه «فك» من الباب الآخر، وبما أن المؤمن و«خدامك ~~أولهم» لا يلبس الخازوق مرتين، فقد تنبهت إلى واحد منهم، وبعد أن نزل من باب انتظرته على ~~الباب الآخر، وأثبت له في هذه المرة أنني على الأقل متعلم أفهم أن ms07 الدنيا «دايرة». # في هذه الأوقات كان بيت الأمة محط الرحال، وشارع الرئيس المحبوب موقف مختلط من عربات أجرة ~~وأتوموبيلات خصوصية وعربات ملاكي، وقد اختلط صوت النفير بصوت الزمامير، وبين هذا المجموع ~~الهائل الذي كان يغدو ويروح كانت عربة الدكتور محجوب بحصانها «القروشي» كالزنبلك، لا تهدأ ~~دقيقة واحدة في خدمة الوفد وزوار بيت الأمة وطلبة المدارس، وأخيرا كانت سببا في «عكننة ~~مزاج أغلب إخواني» وكثيرا ما كنا «ولا مؤاخذة يا دكتور» ندعو على حصانك بمأمورية في السلطة ~~فنأمن بعد ذلك مضايقاته. # ولا نظن يا سيدي القارئ أنني كعربجي لا أعرف للحنو معنى لأني أحمل أداة التعذيب في يمناي، ~~فلي قلب وإحساس «زي أحسن زبون يعجبك» فقد تألمت لسائق عربة الدكتور، فقد رأيته يأكل على ~~كرسيه وينام أثناء تأدية وظيفته، ويتداخل كالزوبعة في أي مناقشة يسمع فيها لفظة «السودان» ~~وقد كان يقول في أثناء أحاديثه مفتخرا: «أنا سوداني، وفرسي هذا سوداني، وسيدي مدين للسودان ~~بمولده، ومصر حياتها في السودان، ولا حياة لنا إلا من السودان، فليحي السودان ومصر ~~معا.» # في هذه الأيام أيضا جمعتني الصدف بالأستاذ «المقلفط» تشريفاتي استقبالات معالي الرئيس # 1 # وسكرتير لجنة استقبال دولة الرئيس، # 2 # وخطيب وفود دولة الرئيس، # 3 # هل عرفته أيها القارئ؟ إنه «مثال القوة الناطقة من ~~غير إرادة سابقة» ألم تعرفه بعد؟ هيه، إنه أحمد بك الشيخ، بطل مجلس المديرية في إقليم ~~الغربية. # ظهر صاحبنا على ما أظن في الأيام الأخيرة، ولدته الأيام: # والليالي من الزمان حبالى # مثقلات يلدن كل عجيبة # فوصل إلى رتبته من طريق مجلس المديرية، وعرف كيف يظهر على صفحات جريدة الأهرام «باللت ~~والعجن» وأخيرا بالدخول في غمار «ليحي الاستقلال». # ابتدأت حياته السياسية «بلا رئيس إلا سعد» ثم تحول قليلا إلى صيحته «عدلي فوق الجميع» ثم ~~ظهر في خطبته بعد ذلك أن لا حياة إلا لثروت، وهناك وقف؛ لأن «التالتة تابتة» والله أعلم أن ~~المسألة ستنتهي على ما يرى نظري القصير «بلا رئيس إلا ما تقتضيه الأحوال». # ركب معي من بار اللواء، وقد ms08 كان خارجا من إدارة الأهرام بعد أن «تمطع» طبعا، وسخ ~~الجمهور مقالة من أفكاره «وربنا يسامح داود بك بركات» قال لي بصوته الرنان الذي يصلح لترتيل ~~سورة الكهف يوم الأحد. ~~- فاضي يا عربجي، سوق على بيت سعد باشا، وسكت هنيهة ثم نظر إلي بتأن وقال: بسرعة ألا مفيش ~~وقت. فلهلبت الخيل، وفي أقل من لمح البصر كنت أمام بيت الأمة، نزل البيك بدون أن يدفع ~~الأجرة، وانتظرت وأنا - وهنا يحلو الحديث والمسامرة - ومرت ساعة بدون أن يخرج فضيلته، وضاع ~~مني زبائن كثيرة، وأخيرا طلبت بواسطة أحد الخدم أجرتي لأنصرف على الأقل، فأخبرني أن أحمد ~~بك ليس له أثر في بيت الأمة، كيف خرج؟ بل كيف زاغ؟ هذا ما لا أدريه بالرغم من أني لم أنم مع ~~وجود عربجي الدكتور محجوب نائما بجانبي؛ لأنه - على ما قاله لي - أوصل سيده متأخرا ليلة ~~البارحة، وأخيرا خرج فراش معالي الرئيس، ودفع الأجرة أكثر مما أستحق، وهكذا كان بيت الأمة ~~يدفع من مال الأمة «لجدعان» القضية الوطنية حتى أجرة عرباتهم. # تصادف بعد ذلك أنني أركبته مرارا بعد ذلك، وأذكر من أطيبها موقفا أيام كان الخلاف بين ~~معالي سعد باشا ودولة عدلي باشا وأحمد بك معروف حتى في دوائرنا نحن أنه سعدي صميم. # ناداني في ميدان الأوبرا، وقد كان ساهما مفكرا، وقال لي بصوته الرخيم: سوق على بيت سعد ~~باشا، لا يا أسطى بيت عدلي باشا، أيوه أنا قلت لك سعد باشا. # فظننت، ولست من أولياء الله، أنه يريد بيت الأمة، ولم أعلم أنه يستفهم مني بسؤاله الأخير، ~~فما وقفت أمام بيت سعد باشا إلا وأحمد بك قد رفع الكبوت، وهو يقول بصوت واطي ولكن بحدة: يا ~~ابني ... أنا قلت لك بيت عدلي باشا مش سعد باشا، سوق بلاش فضيحة، الله يفضحك يا غبي، فسرت ~~وأنا أضحك في سري، أضحك؛ لأن وجود هذه الشخصيات الجوفاء على مسرح السياسة في كل أمة لازم ~~لتفريج الهم عند نزول الضيق: # وإذا كانت النفوس كبارا ~~... ... ... ... ~~«وكمل يا أحمد بك». ms09 # وصلنا إلى منزل دولة عدلي باشا، وأخذت الأجرة بطلوع الروح؛ لأنه أراد أن أنتظر، وتشبثت ~~بعدم الانتظار، «فكع» التوصيلة بكل هدوء؛ لأن قصر الدوبارة ليس كشارع عماد الدين، وكما أن ~~هناك أحياء مباح فيها الصريخ والعويل، فهناك أحياء لا يجوز فيها حتى الهمس، وأحمد بك زكي ~~ونبيه يعرف كيف يتخلص. # وقد دفع بعد أن نظر إلى نمرة العربة، وأنا أراهن أنه نسيها في دقيقة لانشغال باله بتحضير ~~ما سيقوله لدولة الرئيس. # سرت وأنا متأكد أن الأزمة ستنفرج «زي كل أزمة» وستنجلي عن رئيس آخر غير عدلي باشا طبعا، ~~وسيكون من يوصل أحمد بك إلى منزل صاحب الدولة الجديد إلى بولاق الدكرور محسوبكم الأسطى ~~حنفي، وقد كان - أيها القارئ الأديب - هذا آخر عهدي به، فلم أره إلا في أوتوموبيلات «فينو» ~~وكان يمر علي بدون أن يعرفني وأنا في موقفي كما يمر الغزال الفريد. # والآن إلى الملتقى أيها القارئ الأديب، ففي هذا الكفاية وإلى الأسبوع المقبل. # | المذكرة الرابعة # رمضان كريم أيها القارئ الأديب، والزبون «الفينو» رمضان الخير وفسح «الضلمة» شهر الحرية ~~وتزاور الليل، وما ينطوي تحت ذلك كله من أسرار تقع في يد مثلي، فلا يصونها ويعرضها عليكم، ~~فكل عام وأنتم بخير. # هذه تهنئة محسوبك حنفي يا زبوني الفاضل، أرجو أن تقبلها بنية حسنة، ولو أنها صادرة من ~~قلبي «الديمقراطي» إلى سادتي وأسيادي بين مذكر ومؤنث، وأنا لا أطالبهم إلا بدعوات صالحات، ~~تقيني من خوازيق قلم المرور وقسم الرخص. # حديثي اليوم كله يختص تقريبا بسيداتي أبطال كل قصة في العالم، والتي لا تروق حكاية، إلا ~~إذا كان لهن فيها أثر، وبالاختصار بالجنس اللطيف، بالملايات اللف «المنقرشة» والحبر ~~«الكريشة والأبلسيه» والبرانيط من مختلف النحل والملل، ولا يحلو الحديث إلا بذكر ... # تصور معي الدنيا في العصاري، والوقت رايق «بلوزة» وموقف الست «الباتعة» أم هاشم به خمس ~~عربات أنا على إحداها، استلفت الأنظار بنشاط خيلي ونظافة مركبتي، وإذا بثلاث سيدات «يا ~~سيدنا» قام لهن الميدان وقعد، تقاسمن الجمال والخفة «والشخلعة» وقصدن عربتي بكل تأن، ويا ms10 ~~سيدي على التلاقيح والنكت من رايق وبارد حتى من زملائي، فقد سمعت واحد منهم يقول: حلال عليك ~~يا حنفي مين زيك يا أخويا! # وآخر يرد عليه قائلا: على مهلك يا عم، معلوم يحق لك مركب الأنس واللطافة! # وبالاختصار خرجت من الموقف في «وسط زفة» إلى شارع خيرت طبعا، وأنا أظن أني ذاهب بحضرات ~~«الدرر المصونات» إلى زيارة أو على الأكثر إلى شيكوريل، وإذا بإحداهن تأمرني أن أقصد تيرو ~~روض الفرج. # التيرو؟ أقسم لك أيها القارئ أني غالطت سمعي، وسألت مرة ثانية قائلا بعد أن أحنيت رأسي ~~لأسمع: سيادتك بتقولي على فين؟ ~~- شيء غريب! على التيرو، أنت ما بتسمعش؟ # والله ما كان يخطر لي على بال أنا العربجي الذي أقضي أكثر أوقاتي في معاشرة البهائم أنه ~~يقصد سيداتنا عمدا مع توفر «سوء القصد أو النية». # وفي عصرية من رمضان هذه البؤر التي أولها «أونطة» وآخرها موت وخراب ديار مع ما يتخلل ذلك ~~من إراقة ماء الوجه، وبالاختصار يسدل الستار أخيرا على بيع العرض، و«طيران» العقل، وخراب ~~البيوت المستعجل. # سارت الخيل تسابق الريح حسب الأمر، وأنا أحدث نفسي قائلا: والله طيب يا حنفي، ياما لسة ~~نشوف، ثلاث سيدات من صميم الأحياء الوطنية يخرجن من بيوتهن، ويسافرن إلى آخر القاهرة بقصد ~~المقامرة، ومهما كسبت الواحدة منهن فهي أولا وأخيرا «خسرانة خسرانة» ولكن أنا مالي «سيبك» ~~الأجرة مدفوعة «وليحيا الرجال العاملون». # ووصلن التيرو أخيرا، ونزلن بسرعة، وأمرتني بالانتظار، ولا أطول عليك، فقد خرجن «يا ربي ~~كما خلقتني» ويظهر أن ترمومتر الخسارة هبط إلى درجة عدم وجود أجرتي؛ لأني سمعت واحدة من ~~الثلاثة تقول: نفوت بقى على ... هانم في شكولاني ناخد منها جنيه «ثم بصوت واطي» نديله أجرته ~~ونصرفه، وقد كان، وسترها ربك، وخلصت بأجرتي من مال السلف. # إني أحس بالاندهاش يعلو أساريرك أيها القارئ؛ لأن ربات البيوت عندنا وصل بهن الأمر إلى ~~المجازفة حتى بمصروف البيت مثلا، ولكن يظهر أننا تقدمنا في كل شيء حتى في الجراءة ~~«والوقاحة» إذا شئت، وإليك الحادثة الآتية دليلا ms11 لا أنساه على ما نحن فيه وما وصلنا ~~إليه. # كنت سائرا في شارع خيرت، فنادتني سيدة «بملاية لف» هي مثال الحشمة والأدب، تظهر عليها ~~آثار النعمة والوجاهة، وبيدها نسخة من مقطم المساء، ركبت معي بكل تؤدة، وأمرتني أن أسير بها ~~إلى شارع بولاق، وهناك أمام دكان شملا، والعالم يموج موجا، نزلت سيدتي المهذبة صاحبة ~~العفة. # ولكنها لم تكن هي التي ركبت معي، فقد تغيرت كل المعالم فاختفت الملاية اللف، ولم يبق أثر ~~للبرقع الأسود ولا القصبة المذهبة، ورأيتها بحبرة وبرقع أبيض، وفي يمينها جرنال المقطم ~~ملفوف فيه رداء التنكر الذي خلعته. # ولاحظت هي دهشتي، وتكذبني عيناي وخوفي من أنها ربما كانت من قلم المخابرات، فنظرت إلي ~~قائلة: خذ الأجرة، الله! جرى لك إيه يا أسطى؟ ~~- أنا ما جراليش حاجة يا ستي، لكن أنت إيه اللي جرالك؟ ~~- امسك أجرتك وبلاش قلة حيا، أما مجنون! # واختفت من أمامي داخل محل شملا، وأنا لا أزال منذهلا! أفكر وأبحث عن الأسباب التي ألجأت ~~هذه السيدة إلى تغيير وتبديل شكلها، وأخيرا نبهني زميل لي لاحظ الحادثة قائلا: ما لك مبلم ~~يا بو محمود؟ يظهر إن الست اللي معاك عصبية قوي! ~~- عصبية إيه يا عبد الغني، دي ركبت بملاية لف، ونزلت بحبرة، خذ بالك منها، يمكن تطلع ~~لابسة برنيطة، أما الستات دول نكتة قوي، سعيدة. # نعود إلى سيداتنا بطلات التيرو، لقد تركتهن ومدفع رمضان على وشك أن يؤذن لعباد الله ~~الصائمين بالإفطار، فركنت بجانب كوبري شبرا، وغيرت ريقي على اللي فيه القسمة، وبعد السيجارة ~~صعدت متمهلا جسر شوبرا، ووقفت بجانب محطة المترو، وما مرت دقائق حتى شعرت بمركبتي تهتز ~~قليلا، فالتفت وإذا «بآنسة» من اللاتي يقصدهن الشاعر في قوله: # صوني جمالك عنا إننا بشر # من التراب وهذا الحسن روحاني # أمرتني بالمسير قليلا إلى أن اكتنفنا الظلام تحت ظل شجرة كبيرة، وأمرتني بالوقوف، ولم ~~يمض علينا أكثر من عشر دقائق حتى رأيت شابا يقترب منا متمهلا، وبيده سبحة كهرمان «واخد ~~بالك» قال يعني خارج من تراويح إلى ms12 تراويح، وقفز بجانبها «ولا سأل عن محسوبك أو عبره» وبصوت ~~الأمر أصدر إرادته الكريمة بالذهاب إلى الجزيرة، ووقفنا قليلا لتأدية واجب الزيارة للبار ~~الصغير بجانب سميراميس، تبادلا فيها مقدمة الحديث على رنين الكأس، وسرنا بعدئذ على بركة ~~الله، ورنت القبلة الأولى في أول تحويدة بعد الكوبري والليل هادئ ساكن، وسمعت تنهيدة خرجت ~~من قلب ستي لخبطت كياني، وأردت أن أستعيد مركزي فأسرعت الخيل، وقال لي جنابه: على مهلك يا ~~أسطى إحنا مش مستعجلين. ~~- العارف لا يعرف يا بيه، بس الخيل جامدة شوية، ومش على بعضها، آه، فتهامسا وضحكا، ورنت ~~القبلة الثانية، فقلت في نفسي: قسمتك يا بو محمود، واللي مكتوب على الجبين تسمعه الودان، ~~وقضا أخف من قضا. # فدار الحديث، وللحديث شجون، فكان يلقبها بتوتو، وهي تناديه «بسوسو» ويستولي عليهما عفريت ~~الحب والغرام، إلى أن يلمحا خفيرا أو شويشا، فينقلب الحديث توا إلى القطن والعزبة ~~والناظر الجديد، ومركز الوزارة، وقانون التضمينات إلى أن يمر الخطر، فأسمع منها: هئ هئ، ~~ويعودان لتوتو وحبوب، وأنا سايح «شفهيا» مستسلم بحكم المركز والوظيفة، متأكد أن أبي - ~~رحمه الله - رأى أضعاف ما رأيت، ولكن ما باليد حيلة، المسألة وراثة. # وتنبها من حلمهما اللطيف نصف الليل، وأنا من شارع إلى آخر في الجزيرة والزمالك، وسمعتها ~~تقول له: نرجع بقى أحسن بابا يرجع قبلي، يمكن يزعل. # فقلت في نفسي كأني أرد عليها: والله يا ستي لا يزعل ولا حاجة، يعني هو مش حاسس! # وبالاختصار، وقفنا في ميدان الأزهار، فانتقلت إلى عربة أخرى «كالعادة طبعا» فأوصلت البطل ~~إلى مأواه، وقصدت منزلي توا؛ لأن السحور منتظر، وأبو محمود مسلم يصوم رمضان ويشوف فيه ~~العجب، وكله «مقدر» يا زبايني الأفاضل، فإلى الملتقى قريبا. # حنفي أبو محمود # | حول مذكراتي # كتب أديب في جريدة الكشكول بإمضاء «ابن جلا» يعجب بمذكراتي، ويفتح لي بابا جديدا ~~للكلام، والظاهر أن «سيدنا» زبون من زبائني المدردحين المغرمين بالنقد، المتضايقين مما نحن ~~فيه من «خلل» في الرءوس وفي الأجسام، قال حفظه الله: # أعجبتني مذكرات «الأسطى حنفي، عربجي ms13 نمرة ...» لأن حديثه عذب لا يمله القارئ، نفثات ~~وشاها قلم خبير بعللنا الاجتماعية التي وقفتم أنفسكم وصحيفتكم الغراء ~~لاستئصالها. # أري أنه لا يجدر بنا - ونحن الآن في صدر عصر حريتنا - أن نتجاهل ونتعامى عن ما ~~يجري في أرضنا، ويسبح في أثرنا من أنواع المخازي وضروب العار، لقد فكت سيداتنا ~~وأوانسنا من عقال الحشمة والوقار، وما جرأهن على ذلك سوى ... «دعني أصارحك القول، ~~وزرني أرفع النقاب عن الحقيقة المرة المؤلمة» سوى المظاهرات. # ما شاء الله، خطوة كبرى أرجو أن لا تنتهي «بزحلقة» فلقد نالت امرأتنا استقلالها، ~~فصارت لها جرائد تتوسط لها في الزواج؟ ولجنة وفد، وسنرى لنسائنا إن شاء الله برلمان ~~ولجنة دستور؟ فهل لسادتنا السفوريين من مطلب آخر؟ # هذا ما سيخبرني عنه «الحاج حنفي» لأنه - ولا شك - «داير» والأخبار ترد إليه أول ~~بأول: # والليالي كما علمت حبالى # مثقلات يلدن كل عجيبة # لقد رأيت الفتية يجلسون على حجر «الستات» وبأيديهن الأعلام يلوحون بها في الفضاء ~~أيام المظاهرات، وأظن - بل أؤكد - أن الحاج حنفي «ركب» في مركبته - عينات وارد ~~الثورة. # وأرى من تتبع مذكرات «الحاج حنفي» أن هناك أشياء أخرى لا يود سردها، ولكنني أرجوه ~~أن يكون صريحا «في موقفه» وأن «لا يتلجم» فيتحفنا بما رآه وعن له. # بقي شيء واحد أود أن أشكوه - للحاج حنفي - مستطلعا رأيه في علة اجتماعية كبيرة: ~~ما رأيك - يا بو محمود - في صحف تتعيش الآن من النصب؟ تسب الناس لتبتز أموالهم ~~دعاوة للنقد، النقد الصحيح هو أن ينتقد المنتقد عملا يستهجن أو يرى أنه يعود على ~~المجموع أو الأمة بالستر، حتى إذا عاد المنتقد إلى صوابه وعمل عملا نافعا حبذه ~~وشكره ... فهل يصح في مثل عصرنا الحاضر أن يستتر هؤلاء تحت رواء الصحافة البريء، ~~ويبتزون أموال الناس «عيني عينك» أو على عينك يا تاجر. # ابن جلا # هذا هو ما كتبه الكاتب الأديب الذي يود أن يثير بيني وبين سيداتنا حربا لا قبل لي بها، ~~ولا يمكنني أن أتحملها أبدا، أنا «خدامك ومحسوبك» «يابن جلا» فإلى الملتقى ms14 في المذكرة ~~الآتية «بس إن عجبك». # حنفي # | المذكرة الخامسة # أصبح العربجي أديبا يكتب «ولا حول ولا قوة إلا بالله» اتورطنا - واللي كان كان - لخمة لا ~~نهاية لها، ومع هذا كله يعتقد بعض من أسيادنا - زباين الهنا - أني لست حوذيا، إنهم ينكرون ~~علي ما متعني به ربي، ولماذا؟ لأني أنشر مذكراتي، فابتدأ يظن بعضهم أني أديب تنكر تحت هذا ~~اللقب الذي لا أظن أنه يدخل في عداد الألقاب التي قال عنها الشاعر: # ألقاب مملكة في غير موضعها # كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد # وإليك يا سيدي القارئ ما حصل، ركب معي يوم جمعة من كافيه ريش - محام تخرج حديثا، شاب ~~أعرف عنه أنه من إخوان الصفا المدردحين «الذين حفظوا القانون لاتقاء الوقوع بين براثنه» ~~ومعه موظف مسن من وزارة الأوقاف، كان يمثل في هذه المناقشة عقل الشيوخ الذين استحقوا معاشا ~~كاملا منذ سنين، واستبقوه في وظيفته لا لكفاءة خارقة أو مقدرة هائلة، ولكن واسطته «جامدة» ~~وله «ضهر». # ودار الحديث الذي كان تكملة لمناقشة سبقت على ما أظن، قال لموظف بتؤدة: والنبي يا ابني ده ~~كلام فارغ، الدنيا خيرها قل وبقت ماشية بالمشقلب، بقى أنا أصدق إن «حنفي» ده عربجي! ده لازم ~~يكون واحد لسانه طويل، وعاوز يكتب على كيفه، طيب وشرفك يا خوية أنا أعرف موظفين إذا كتب ~~الواحد منهم إفادة بسيطة بسمل وحوقل وقرأ آيات الكرسي، وأبرزها حافلة بالغلط مزدانة ~~بالتراكيب التي تشمئز منها نفس الأديب، ياما حيطان الدواوين بتداري. ~~- كلام طيب، لكن مش بعيد أن يكون عربجي، وأصله تلميذ، وجار عليه الزمان، ففضل الصنعة ~~على الوظيفة وعرف يعيش. ~~- لكن ده مش كويس؛ لأنه حيقطع عيش إخوانه العربجية، أنا والله يا بني أفضل ركوب ~~الأتوموبيلات «التاكس» أفضل؛ أقله الواحد يضمن سره، إن كان مع بربري ولا يوناني. # فقلت في نفسي: والله يا حنفي وجب بيع ميراث أبوك من عربات، وخيول صافنات قبل أن يصبح ~~ثمنها زي التراب، وكفاية عليك ما رأته عنيك وسمعته أذناك. # وانتبهت على صيحة المحامي وهو يقول: اركن ms15 شمالك على الكونتننتال يا أسطى. # سرت بعد ذلك، وأنا متأكد أن الأغلبية تتهم غيري بكتابة المذكرات مع أني صارحتهم القول ~~باسمي ومهنتي، ولا ينقص إلا أن أكتب لهم نمرتي، وهنا تقع المصيبة على رأسي أنا فقط، وينتج ~~من ذلك أن رواية مضحكة تبدأ في كل شارع، وكل موقف ومع كل عربجي، فلا يركب الزبون إلا بعد أن ~~يتحقق من نمرة العربية وشخصية العربجي ليأمن على سره من لسان أبو محمود الطويل. # على ذكر المظاهرات، لقد رأيت وشاهدت عيناه - أيها القارئ - فصولا وروايات تكاد تشبه ~~حوادث ألف ليلة وليلة، فكنت أرى بعيني إشارات المواعيد بينه وبينها، والمظاهرة في «حموها» ~~أو تبادل الابتسامات أثناء مرور جنازة شهيد من الشهداء. # كم حملت عربتي بين الهرج والمرج والصياح زبونا من المنادين «بالاستقلال التام» إلى ميعاد ~~بينه وبين «وليفة وطنية»! فنسير إلى خارج البلد ليتشاكيا: الغرام، والنواح، والألم، والبعد ~~على حساب القضية المحترمة، ويقضيان ساعة على المبدأ القائل: «ساعة لقلبك، وساعة لربك، وساعة ~~للوطن.» # ويظهر أن هذا المبدأ كان منتشرا حتى بين الأدمغة الكبيرة، فقد ركب معي من أعرف عنه بروز ~~الشخصية، لا تقام حفلة إلا وله فيها مجال، لا يتم مشروع إلا وله فيه كلمة، ركب معي من شبرد ~~في أيام الشدة - أيام المظاهرات - وبينما أنا داخل شارع المناخ أنادي بأعلى صوتي «أوعى ~~الملف» أوقفني سعادته بإشارة من إنسان على الرصيف. # قلت: إنسان! وسأصفه للقارئ؛ ليعلم حقيقته ... أمثال هذا الآدمي تراهم في أوجه المجالس، ~~يلبسون أنظف وأليق الملابس، ساعاتهم ذهبية، وخواتمهم ماسية، جيوبهم دائما عامرة، كأن لهم ~~ريع ينفقون منه ولا ريع، ينامون إلى منتصف النهار، ويسهرون الليل، إذا سألت عن الواحد، قيل ~~لك: هذا خدام إخوانه، جدع ومهاود، خبير بالجنس اللطيف، وبالاختصار نسميه نحن «مفتاحجي» فبعد ~~أن سلم صاحبنا على زبوني المحترم قال له: أما يا سيدنا البيه عندي لك حاجة النهاردة لكن ~~«هدية». ~~- مين يا ترى؟ # همس في أذنه اسما، خيل لي أني سمعته، فقال صاحبنا: أنا مشغول جدا في الميعاد ده ms16 ؛ لأن ~~جلسة هامة تستدعي وجودي، ومع كل يمكن أقدر آجي. ~~- إذا اسمح لي «يا إكسلانس» إني أكلم فلان بك في هذا الموضوع؛ أحسن الفرصة تضيع. ~~- أنا متشكر على كل حال يا أبو علي، طول عمرك «جلاب المليح». # وسرنا فأوصلت سيدنا البيك إلى ... وأنا لا أتعجب إلا من صاحبنا الوجيه «البيرا» الذي ~~استوقفنا في طريقنا ... وكم في البلد من أمثاله، يتوسدون الراحة ويأكلونها «أتة محلولة» يتكلم ~~معك حتى إذا مر بالحديث ذكر الشرف والأدب ومكارم الأخلاق، هب يتكلم بأفصح ما سمع آدمي، تراه ~~يشكو الأزمة، ووقوف الحال مع أن تقلبات «أجعص بورصة في أمريكا» لا تأثير لها على ~~بضاعتهم. # يرجع مرجوعنا يا سيدي القارئ إلى ميدان الأوبرا، أيام سافر الوفد لأول مرة، والقاهرة قد ~~أخرجت من بيوتاتها مجموعات مختلفة من سيدات وعذارى وعيال وبنات وخلافه، وتصور محسوبك بعربتي ~~في وسط هذا الخليط من أتوموبيلات وعربات ملاكي «ووردناري» ومعي عائلة مكونة من أربعة أنفار ~~من الجنس اللطيف طبعا، والعلم المصري يرفرف علينا، ونحن نسير بكل بطئ بين الهتاف المتواصل ~~والمظاهرات المختلفة. # وابتدأت الإشارات والابتسامات اللاسلكية بين شاب من الشبان الناهض، وإحدى زبائني، ورأيته ~~وقد اقترب بسرعة البرق حتى صار بجانب عربتي، وانتهز فرصة مرور مظاهرة أخرى، وفي أثناء ~~الهتاف الذي كان يصم الآذان كان «الشاطر محمد» ينادي مع الهاتفين بصوت عال، ويتكلم مع ست ~~الحسن والجمال بصوت واطي بالشكل الآتي: ليحيا الاستقلال التام. ~~- عاوز أكلمك، عاوز أشوفك. ~~- لتحيا السيدة المصرية. ~~- كلمني في التلفون. ~~- ليحيا الوفد المصري. ~~- نمرة التليفون كام؟ # ويظهر أن الوالدة انتبهت أن هناك مظاهرة أخرى بجانبها؛ فانقطع تيار الحديث، ثم سمعت ~~الآنسة تقول بكل بساطة لشقيقتها: الله! شوفي يا أبلة، نمرة العربجي زي نمرة تليفوننا بس ~~بدال الخمسة ثلاثة. # وبهذه الطريقة نظر صاحبنا إلى نمرتي، وأبدل الخمسة ثلاثة بالطبع، وانتهت مهمته بعد أن كتب ~~النمرة؛ لأنه يظهر عليه أنه «غبي» ما يقدرش يذكر نمرة، ونظر إلي بعينه الجميلة السوداء كأنه ~~يشكرني بمناسبة نمرتي. # فقلت في نفسي: «الحق مش علي، الحق ms17 على المحافظة اللي جابتلي تهمة مش نمرة.» # ووصلنا إلى لوكاندة شبرد، فلمحت الأم على «التراس» بين خليط الواقفين طبيبا معروفا، ~~فالتفتت إلى إحدى بناتها قائلة: مش الدكتور فلان ده اللي واقف جنب الراجل الإنجليزي؟ ~~- والنبي يا نينة مش عارفة يمكن هو، لكن ده أحلى قوي. ~~- وبرده يا بنتي الدكتور خطيته على نفسه شيك، والله هو. # وانتقلا من الحديث إلى الصياح والهتاف، وأنا لا أتعجب إلا من سرعة الانتقال من موضوع إلى ~~آخر، من الهتاف إلى المواعيد، إلى الانتقاد على الخلق والعالم «إحنا ف إيه وإلا ف ~~إيه؟» # وهل يصح أن تستلفت والدة نظر ابنتها إلى جمال إنسان أو قبحه؟ يعني هي ناقصة، موتونا يا ~~عالم. # كان الله في عون الآباء والأزواج، في عون أرباب البيوت، في عون الرجال أصحاب الإحساس ~~الذين شت منهم العقل بين المحافظ على السمعة والعرض من الشباك أو الأتوموبيل، من التليفون ~~أو البوسطة، هذه هي الحقيقة، ولكنها تجرح وتلدع في سكون وهدوء بدون صوت أو فرقعة ككرباج ~~محسوبكم. # الأسطى حنفي # | المذكرة السادسة # يظن أسيادنا الأغنياء أن الأزمة لا تأثير لها إلا على طبقتهم، وليه؟ لأنهم - كما أظن ~~ويفهم عقلي الصغير - يرون أننا بجانبهم حشرات صغيرة، تعيش بطبيعة الحال على وتيرة واحدة ~~وحاجياتنا قليلة، وبالاختصار نحن عندهم أقل في التقدير من حيواناتهم. # ولكن وحق من خلقك! ما حد بيطرش الدم إلا محاسيبك يا سيدي القارئ، إذا اشتدت الأزمة وكشر ~~الدهر عن نابه الأزرق، وابتدأ يستبدل أيام الصفا بليالي الغلب، نحن في هذه الحالة نستحق ~~رحمة حقيقية؛ لأن فيما نقاسيه درس من دروس نكبات الإنسانية من الإنسانية. # ترك لي أبي - محسوبك الأسطى أحمد الإسكندراني - عدا الصنعة سبع عربات، وثمانية أزواج خيل، ~~من وارد السلطة، وبواقي تركات وارد مزادات وحجوزات على أولاد العز والبحبحة، حينما تبتدئ ~~الحالة تنتهي وتزنق المداينين عليهم «لحد هنا كويس» ولكن الحال أصبحت لا تحتمل، وابتدأت أكع ~~من اللحم الحي بعد أن انتشرت في شوارع القاهرة هذه السيارات، من كبير كالبيوت المتحركة إلى ~~صغير كعربات ms18 اليد، وسمحت لهم المحافظة «حفظها الله» أن تضع رأسنا بين المطرقة والسندال، ~~واحتار الواحد منا بين أكل البهايم وأكل العيال. # حتى في شارع الموسكي - أجارك الله - بقت التوصيلة بقرش، وضعنا، وضاع معنا الصبان، وسوارس ~~دربك، يرحم الجميع. # وجاءت وزارة المالية أخيرا فأضاعت الأمل الباقي لنا في أسيادنا الموظفين بخصم علاوة ~~الحرب، وحليت الركنة في الموقف، وصار الموظف يفضل «لطشة الشمس» ظهرا في إحدى محطات ~~الترام عن لطشة الأجرة من جيبه، وبالاختصار بقى الواحد منا ينده ويقول: «آجي يا بيه؟» ولا ~~فيش بهوات. # فلهذه الأسباب بعت جميع ما أملك إلا عربة واحدة محافظة على «سمعة العائلة» وشرف الاسم، ~~وحبا في صنعة نشأت بين أحضانها، ووجدت نفسي على كرسيها «كرسي لا فيه استعفاء ولا مجلس ~~تأديب». # بل قل: إن هذه الوظيفة بحوادثها لذت لي بين محاضر بوليس خفافي، وأوامر من شفخانات ~~الحكومة، وتلاقيح زباين، وتزانيق طلعت على راس محسوبك «اللي ما يسمى». # الله يعلم بعدد من وضعوا أرجلهم على سلم عربتي، آلاف وآلاف، ولكن بالرغم من ذلك هناك ~~شخصيات يستحيل أن ينساها مثلي؛ لأنها بارزة في شكلها، معرفة من وصفها، لا يصح ذكر الاسم؛ ~~لأن في وصفي لها ما يكفي عن تعريفها. # سأبتدئ بزبون سقع، ظهر حديثا في البلد وأثناء الحرب «جه منين؟ أصله إيه؟ مش لازم تعرف» ~~إنه يسكن حلوان على ما أظن، فطالما أخذته من محطة باب اللوق وإليها في ساعات متأخرة من ~~الليل وصباحا، بيه؟ أفندي؟ ربك يعلم، كل ما فيه أن شخصيته بارزة، فإذا رأيته مرة انطبعت ~~صورته في مخيلتك فلا تنساه. # ضحكاته يسمعها القريب بوضوح والبعيد أيضا؛ لأن ضحكته التي يرسلها من حلقه لها قوة النحاس ~~ورنينه، أما أحاديثه - حتى معي - فلا يمكن أن تتصور أتفه منها، وله أمثال يحفظها كثيرا، ما ~~كنت أستعرضها أمام رفاقي وآل بيتي فكانوا يعجبون لصدورها من سعادته. # يتكلم من الإفرنسية جمل الاعتذار والتحية، يقابلك صباحا بنسوار، ومساء بنجور، وينسى أن ~~لا يسمع في منزله إلا العوافي، ويا ميت مسا، ويكون العالم ms19 سعيرا فيقابلك بكل برود قائلا ~~بالفرنسية: «إن البرد شديد» لا يقصد الغلط، وإنما ليدلك على علمه الفاضح. # له وجه أسمر فاتح، يزينه شاربان على الطريقة الألمانية، وبين شفتيه فم سيجار لا يفارق فمه ~~بأي حال من الأحوال، في يقظته ومنامه، في حله وترحاله، أراد أن يحصل على جواز للسفر ذات ~~يوم، فكتب كاتب التشبيه ما يأتي: أسمر بعيون نعسانة عسلية، وفي فمه سيجار، ودايما ~~مكشر. # لم أره يوما إلا مدرعا بجرنال، يحجب ضوء الشمس عن سحنته الجميلة نهارا - وليلا - وتحت ~~طربوشه شعر له لمعان الماس ومتانة الأسمنت المسلح، ويتبين أي مخلوق على عينيه الجميلتين ~~آيات الغباوة المجسمة. # وزبوني هذا يعتقد أنه جميل جذاب إلى حد لا يتصوره إنسان، فإذا مر في طريق الأهرام مثلا ~~داس القلوب ووطأ الأكباد، بل يؤكد أن من في العربات والسيارات من سيدات وخادمات يتنهدن إذا ~~مر بهن كما يتنهد الخائف إذا مر به الخطر؛ لأن حب السيد الأديب جعلهن في خبال. # ويتكلم العربية الفصحى بالعافية - جمل لا يفهمها إلا هو - وقفت به يوما عند غناجة، ورجع ~~بعدما ابتاع زجاجتين من الروائح الزكية، وقابله صديق له على الرصيف، ودار الحديث بينهما، ~~قال الصديق: ديهده يا سيدنا البيه، إيه الروايح اللطيفة دي؟ ~~- لا والله! ما هذه إلا من نفحات عطرياتك المتشوقة. ~~- لا، لا، أنا بسأل عن القزايز دي، يعني واخدها لمين؟ ~~- هذا ما كنت على وشك أن أفسره، فهذه - وأشار إلى الزجاجة الأولى مبتسما - للبنية اللي ~~بتلبس أسود دايما في الكازينو، وسأكتب لها عليها بيت الشعر الآتي: # يا حبيبتي لا أخشى القتال وإنما # أخشى على عينيك وقت عياط # والأخرى للقطقوطة كيتي، وسأكتب عليها بيتا من الشعر مش فاكره دلوقت، وضحك تاركا صاحبه ~~قفزا إلى عربتي قائلا: سوق يا أسطى على الجزيرة. # ونظرت فإذا بصديقه لا يزال فاتحا فاه كالمأخوذ، وانقضى الوقت في الجزيرة، وهو يكتب في ~~أجندته نمر العربات والسيارات التي تمر بنا، والفاضي يعمل قاضي. # ثم نرجع فأقلبه - في سولت أو على رصيف سانت جمس، فيدفع ms20 الأجرة بكل سخاء، شأن الذي ربح ~~كثيرا، رحم الله أيام الحرب والضرب، أيام كان رطل النحاس بوقة ذهب. # بعد هذه التوصيلة كنت أقصد إسطبلي لتستريح خيلي، وأنا إلى القهوة لتهدأ ثائرة مخي بعد وقت ~~ضاع مع سعادته. # حنفي # | المذكرة السابعة # طالع من العربخانة لا علي ولا بيه، العربية بتلعلط والخيل نظيفة، لا أنكر أن الجوز به جرح ~~مشترك خفيف، ولكن هذا لا يستدعي حرماني من الحياة بأخذ الخيل إلى الشفخانة وتعطيل أعمالي، ~~صحيح محسوبك مستور، وخير ربك كثير، وحاله رضا، لكن موت جوز أصايل بالطريقة المتبعة ظلم، أنا ~~أستحمل، لكن غيري يعمل إيه؟ يموت جنب البهايم، وإلا بعد ما يكون معلم يصبح نفر يشتغل ~~باليومية. # هكذا كان، فقد أخذوا مني الفرد اليمين؛ لأنه مجروح في وسطه والفرد الشمال؛ لأنه في رجله ~~خراج، وبعد أيام ثلاثة وصلتني تذكرة النعي، واضطرتني الظروف لشراء جوز خيل جديد من النوع ~~الإنكليزي وارد السلطة، رماني الله بهما في أواخر أيامي. # لا يخرج من الإسطبل إلا بالمهاودة والطبطبة، وناقص أقدم لهم شاي الساعة خامسة، بل الأكثر ~~من ذلك إنه يهدأ إذا رميته بكلمة أو اثنين من هذه اللغة التي تعلمناها أيام الحرب للضرورة، ~~وللتفاهم مع جنود الملك أراحنا الله من توصيلاتهم، وكره هذه البلاد في نظرهم، وحنن عليهم ~~بالمراكب التي تحملهم وخيولهم إلى بلادهم. # لست أنسى أبدا على سبيل الفكاهة قول أحد الإخوان بعد شراء الجوز: والله يا خوفي يا حنفي ~~لا يعملوا زي أصحابهم، يخشوا الإسطبل ما يخرجوش منه ولو بالطبل البلدي. نهايته، خرجت من ~~الإسطبل بزيطة وزمبليطة ودربكة، وفي شارع الدواوين أوقفني أحد الخدم «المقلفطين»: استنى يا ~~أسطى، حود يمينك واقف على تاني بيت. ~~- حاضر يا سيدنا. # ونزلت العائلة، أم مدندشة يظهر عليها أنها أصغر بقليل من سنها الحقيقي - كجميع أمهات هذه ~~الأيام - وثلاث بنات «ألسطة» - على الكسترة - التوليت من أبدع ما نظره آدمي، الشعور تباري ~~بسوادها الأحداق، والثغور احمرارها مش من صنعة الخلاق، وسوق يا حنفي على العباسية، وتلاقيح ~~العالم من كل صنف ms21 ، ونكت المنكتين ونظرات المبحلقين، وصلنا إلى فرح كبير في شارع ~~العباسية. # ونزل الجماعة واحدة إثر الأخرى، الأم بتتقل كعادتها، والبنات هذه تشاور برأسها بهدوء، ~~فيرد عليها صاحبنا مصلحا بدلته «السموكن» ثم رافعا طربوشه الأحمر القاني، وأولا وأخيرا ~~ركنت أمام بيت الفرح مع إخواني العربجية، وسائقي الأتوموبيلات. # وحقا كان الفرح لوجيه كبير من الأغنياء، فقد رأيت كثيرين من لابسي الإسموكن والفراك، ~~وازدحم المكان بكل ماركات السيارات، وابتدأ المغني يشنف الأسماع داخل المنزل الفسيح ~~لأسيادنا، أما نحن فاقتنعنا بألحان الموسيقى تشنف أسماعنا من عربجية وسواقين وسريحة وباعة ~~فول سوداني وشيكولاتة. # وسرقنا الوقت و«تسلطنت» معي نغمة المزيكة في دور «توبي يا حلوة توبي» فلم أتنبه إلا على ~~«زغدة» خفيفة من بربري صغير لابس أبيض في أبيض، قفز على عربتي قائلا: دور يا أسطى. # فلهلبت الخيل قائلا: شي يا جوني، رنة النقدية أحلى من نغمة المزيكة. # ويمينك شمالك، وقفت أخيرا على بيت الفرح أيضا، ولكن من الخلف أمام باب صغير، نزلت منه ~~بعد هنيهة شابة لا تتجاوز الثامنة عشر ربيعا، من النوع الذي إذا مر على رصيف صولت في ~~الطريق إلى شيكوريل أحدث لجبا وشغبا وتغييرا في هيئة الجالسين، فمن متكلم ساعة لمحها ~~«بلم» ومن سارح تجده قد انتبه ورماها «باللي فيه القسمة» جملة من تلك الجمل التي لو بلعها ~~هو لما هضمتها معدته، نهايته، بنية أدعو لك أن لا تراها أيها القارئ، وأنت أدرى ~~لماذا؟ # نظرت إلي طويلا قبل أن تركب كأنها تتعجب من «بحلقة محسوبك» ثم التفتت إلى خادمها قائلة ~~«اركب جنب الأسطى يا فرج» وقفز السوداني بجانبي، وما توسطنا الطريق الخالي بعد كركبة الفرح ~~حتى طلع علينا شاب خفيف الروح والعقل، وفي لحظة كان بجانبها، فأردت أن أقف، ولكني حيثما ~~سمعتها تقول: إخص عليك خضتني يا سوسو، حط إيدك على قلبي شوف بيدق إزاي؟ # وأجابها قائلا: آه يا توتو آه، يا قسية، أمال أنا أعمل إيه في قلبي اللي أنت ~~مقطعاه. # طوالي رحت لاهف الخيل كرباج وقلت: شي، دي فيها سوسو ms22 وتوتو، الحكاية معروفة. # وابتدأ صاحبنا ينوح ويبكي ويستعطف ويشتكي، ويمد يده فتمانعه، إلى أن قال: والله يا زوزو ~~رايح أبعت نينة بعد جمعة تخطبك. # وكمان رن القسم الكاذب رنت القبلة الأولى، فغمزني فرج مبتسما وبانت لي أسنانه البيضاء، ~~وجرت القبلة تنهيدة و«اتزفلطت» يده حوالي خصرها، فقلت في نفسي: صهين يا حنفي، يا بخت من ~~جمع راسين على مخدة واحدة في الحلال - واخدلي بالك - ووصلنا إلى منزلها، وتحت ستار الليل ~~نزلت ست هانم وفرج وراءها بعد أن التقط اللي فيه القسمة، وسرت قليلا، فأمرني بالوقوف ~~قائلا: انزل يا أسطى اكسر الكبوت، ودور على الكازينو دي باري. # فدهشت حتى إن يدي وقعت على حديدة الكبوت كأنها سمرت. وقلت: دي الساعة بقت واحدة يا بيه، ~~وإحنا حنفرح بك بعد جمعة، ما تاخدها من قصيرها وتروح أحسن، وبلاش خوتة مدام مارسيل ~~الليلة. ~~- أنت عبيط أوي يا أسطى، ودي دخلها إيه في اللي كنا فيه، أنت ما سمعتش إن لذة الهوى في ~~التنقل؟ ~~- لكن دنت اديت كلمة للست وكلام البهوات لازم يكون سجوريا. ~~- وأنت بتدخل ليه فيما لا يعنيك يا مغفل، أما قليل الأدب، أنت بتسوق بإيدك، وودنك عندنا؟ ~~أنت عربجي ولا بوليس سري؟ ~~- مش القصد يا بيه، أنا والله ما خلاني آخد بالي إلا الاسم الأعظم وحلفاناتك، أما أنا ~~مالي أنا عبد المأمور، الحق علي. # وركبته ملهلبه خيلي قائلا: شي على أم مارسيل كمان وأنا مالي. ~~- أنت يظهر إنك مش عاوز تنهي الليلة دي على خير، أنت حتسكت ولا لأ؟ # فالتفت إليه قائلا باحترام: أنت يا بيه زعلان علشان بقول إن كلامك لازم يكون ~~سجوريا؟ # فابتسم قائلا: سجوريا مش سجوريا أنت مالك؟ أما أنت مغفل! أنت فاكر إن فيه حاجة اسمها ~~كلام شرف في الأيام دي؟ ~~- لكن أنتم برده أسيادنا، أصل الشرف ومنبع الكلام السجوريا، اسمح لي يا بيه، أمال إحنا ~~نعمل إيه بقى؟ # وكأني أيقظت مرة ثانية بكلمتي هذه عرق الإحساس والشرف في جسمه، فلم يترك لي هذه المرة ~~أما ولا جدا إلا ms23 لعنه. # ودخلنا شارع عماد الدين، فلمحنا صديق له على ما أظن، وأي صديق! إليك وصفه وطبقه على ~~أمثاله، فهم كثيرون في هذا الحي. # الجسم عرض المتر، واللياقة 45 تفصيل، ورقبته مش باينة من أكتافه، وبالاختصار من نوع ~~«الأسد المصري» «والنمر السوري» «والفيل الطلياني» وفي يده اليمنى عصا وزن عشرة كيلو، وما ~~خفي داخل الجيوب كان أعظم. # هذا الصنف يخرج من أوجاره في المساء مع الوطاويط، لهم أسماء كثيرة منها: العتر والمشاريد ~~والبلوكاريا والتهويشجية، مهنتهم سهر الليالي وتعكير الجو ومضايقة العالم وتشريف قسم ~~الأزبكية كل ليلة لكتابة محضر الليلة. # بريالين يمكنك أن «تسلطه على أي مخلوق» وبريال آخر يضربك أنت في الليلة عينها، وأوقفت ~~العربة بأمر سيدي البك، فقابله الآخر بلهفة قائلا: إيه التأخير ده يا سيدنا، ماري قاعدة ~~شايلة عبد القادر ومبوزة، ومدام مارسيل بتقول إنك السبب، البت واقعة قوي يا شيخ، الله! مالك ~~مبوز؟ # فأخبره سيدنا بما حدث بيني وبينه، فزغدني الصديق بكعب عصاه قائلا: أنت لسانك طويل قوي يا ~~أسطى، إذا كنت تحب أنا أقطعه، والا تحب تمشي بعكاز؟ أكسر لك دماغه يا بيه؟ يكونش نفسك تروح ~~لبرسومة؟ # هذا وأنا على كرسي كالصنم، خائف أن أنبس ببنت شفة؛ ربما ظنها حضرة الفتوة غير لائقة ~~بمقامه، وهنا تبدأ المأساة، فأصاب بلخبطة في كياني لا قبل لي بها. # ووصلنا إلى الكازينو، ونزل صاحبنا، وكانت الساعة واحدة ونصف، وأعطاني الأجرة، فلم أنظر له ~~بل وضعتها في جيبي بسكون، فرأيته يدخل بين الاحترامات الزائفة والتسليمات الكاذبة، ووراءه ~~الحائط المتحركة، يسوق فريسته إلى حيث الكاسات المثلجة، والوجوه «المشقلبة» والرقص على جميع ~~الألوان والحركات، والضحك الذي ليس وراءه إلا الأسى والمفجعات، والأنوار الساطعة التي تحجب ~~عنك الحقيقة المؤلمة بنورها. # أما أنا فقد اكتفيت من ليلتي بما رأيت، مقتنعا بأن الشرف وكلام الشرف ابن الوقت والساعة، ~~وقصدت منزلي حيث أنام على ضوء المسرجة الضعيف، قانعا - متعكم الله وإيانا - بفضيلتي الشرف ~~والقناعة، وأروڤوار. # حنفي # | المذكرة الثامنة # خرجت مبكرا بعربتي، وهواء الصباح العليل ينعش القلب ويرد إلى ms24 النفس جدتها. # الطرقات لا تزال خالية إلا من قليل من المارة، فقصدت ميدان السيدة زينب، وكما تركت الخيل ~~تسير كما تريد، تركت لنفسي عنان الذكرى، ومرت علي حوادث الليلة الماضية، لا تظن أيها القارئ ~~أنني رجعت متأخرا، فقد كانت البهدلة «التي شملتني مع الزبون والزبونة» تكفي لدخولي المنزل ~~مبكرا، بل تجعلني أفضل استعفائي من هذه الصنعة التي أورثنيها أبي وجنى علي، كما قال أبو ~~العلاء: وما جنيت على أحد. فما رسل الرخصة والنمرة إلى المحافظة بطريق البريد المسوكر، ~~واتخذ قهوة «راجي عفو المرتجي جاد عل القهوجي» محلا مختارا للدردشة والكلام ~~الفارغ. # وإليك ما حصل يا سيدي بدون مبالغة: ركب معي من قهوة لونا بارك وهواء العصر يلعب ~~«بكرافتته» الحريرية الحلوة، وعلى ميدان المحطة، وأمام المستشفى القبطي في شارع عباس وقفنا، ~~ونزل زبوني زين الشباب الناهض كأنه سيوضع في فترينة خياط، حلو مقطقط مدندش، كانا على ميعاد، ~~فقد وافت بعد أن وصل قطر الزيتون بقليل، تظهر عليها آثار النعمة من شنطتها الذهبية إلى ~~حذائها «المارون دوريه» وقد وضعت على رأسها نقابا أسود شفافا، يبين منه ملامح وجهها ~~الجذاب. وبالاختصار كانت مثال الشابة الجميلة التي ينقصها في منزلها لسان متكلم يستولي على ~~حواسها بلذة حديثه، فوجدته - على ما أظن - في فم صاحبنا. ~~- على حدائق القبة يا أسطى. ~~- حاضر يا بيه. # فسرت وسمعتها تقول: حدائق القبة إيه يا شيخ! يمكن حد يكون نازل بالأتوموبيل من معارفنا ~~بالزيتون يشوفنا، قوله يرجع. فأوقفت الخيل توا انتظارا لأمر جديد، وحينئذ سمعته يقول: ~~وقفت ليه يا عربجي؟ فيه حد قالك استنى؟ يظهر إنك بتسمع كويس، أما قليل الحيا! ~~- وأنا مالي يا بيه، ما هي الهانم اللي خايفة من حدائق القبة، شيه. # وسرت وأنا أبتسم إذ سمعته يقول لها: يا ستي جناين القبة أحسن، لو رحنا الجيزة ولا الجزيرة ~~حنمر من البلد كلها تقريبا، ولو شفنا حد تبقى مش كويسة. # ووافقته على رأيه، وسرنا في صمت وهدوء، وأذنت الشمس بالمغيب، وابتدأ ظلام الليل يطمن ~~العاشقين، وما وطئت حوافر ms25 خيلي أرض حدائق القبة المقدسة، أرض الحب والغرام، حتى ابتدأت أسير ~~متمهلا تنفيذا للوائح الحبيبة، واتباعا لسنة المغرمين، وقال صاحبنا: ارفعي البيجة واقلعي ~~رأس الملايا علشان لو حد شافك ما يفتكرش أنك بنت عرب، ووافقته، ثم أمرني أن أركن فركنت، وأن ~~أنزل فنزلت، وزال الكلفة وابتدأت الشكوى تجر العتاب، والألم يزيد نار الحب، والظلام يثير ~~الوجد، وهواء المساء البليل يعصف بنفسيهما، فنسيا أنهما في طريق عمومي، فخرجا عن حدودهما، ~~لا كثيرا - أيها القارئ - ولكن قليلا. # ولمحهما نفر البوليس، فتقدم غير هياب ولا وجل، وخرج عليهما بخفة اللص وشجاعة رجل الإدارة ~~شاتما لاعنا قائلا: ديهده يا سيدنا الأفندي؟ هي حمام بلاميه؟ إيه جلة الأدب دي؟ فين ابن ~~المركوب العربجي اللي معاكم؟ # ووصلت أنا على قول زبوني: معلهش يا شاويش مفيش حاجة برده. ~~- معلهش إزاي؟ أمال كانوا شنجوه ليه؟ والله إلا على القسم. # والتفت إلي بهدية من يده الثقيلة، نزلت على صدري فلبشته قائلا: أمال سايب الدنيا تهوي، ~~وقاعد هناك والعربية داير فيها اليخني؟ # فقال له البيه: اختشي يا شاويش عيب. ~~- عيب! طيب اتفضل على القسم معايا، أشوف العيب على مين فينا، والسيدة أثناء ذلك كادت تفقد ~~رشدها، وصاحبنا ملخوم، وتلعثم لسانه الذي كان طلقا منذ هنيهة، وبالاختصار قبل ما تتلم ~~الناس اضطررت أن أتداخل، ووجدنا الحل النهائي للمسألة في ورقة ذات لون غير أبيض، أخرجها ~~صاحبي من جيبه، وأوصلها إلى يد حارس الآداب العمومية بلطافة، فجاءت كبرشامة الكالمين، عقب ~~هياج حاد هدأت بعدها أعصابه، فقال: لكن ده مش كويس أبدا، سوج بجى يا أسطى من هنا. # فسرت وأنا أقول في نفسي «ليحيا العدل»! # كل هذه الذكريات جالت في خاطري، وأنا في طريقي إلى الموقف، فلم أنتبه إلا على صوت يناديني ~~قائلا: استنى يا بو محمود، ألا البيه مسافر على العزبة. # والبيك هذا أيها الزبون الأديب عمدة من العمد الملآنين، يربو سنه على الستين، وجيه وجاهة ~~قروية خشنة، انتفع بأحلام سنة 1919، لم يهده الله إلى قراءة مقالات حسين بك هلال - لا ~~تتبعوا ms26 أقطانكم إلا بمائتي ريال - فعرف كيف يستفيد، وامتلأت الخزانة على سعتها، واضطرته ~~كثرة الخيرات أن يتزوج مرة ثانية فتزوج، وما أسهل الزواج لمثله، والمال مبرر لكل جريمة، ~~والمسكينة من خريجات السنية منذ عام، لم تتجاوز الستة عشر عاما، قضى عليها جمالها الفضاح ~~أن تذوي في غرة صباها «قتيلة الورق الفسدقي». # ولا أصف لك فصل الوداع الأخير، والحزن الذي استولى على نفسي ساعة رأيت «الكتكوتة» التي ~~كنت أراها منذ سنتين تقفز أمامي إلى مدرستها، وهي ساهمة مفكرة حزينة، تركب عربتي إلى منفاها ~~كما تظن، بالاختصار ركب الثلاثة: البيه والست معا، وقفز برعي خادمه الخصوصي، وسرنا على ~~بركة الله بدون لخمة ولا خوتة؛ لأن العفش سبقنا على المحطة مبكرا. # وصلنا إلى بار اللواء، وميدان القتال الداخلي هادئ، لم يتبادل الفريقان بعد الحديث، وعند ~~البنك الأهلي سمعته يقول: انتي يا ستي زعلانة ليه، هي البلد يعني اللي ما فيهاش شكوريل ولا ~~سمعان أو هباب أزرج ما ينقعدش فيها؟ ~~- ولا حنا هنا. يا ستي متردي، كلها يومين ونرجع والله، انتي زعلانة علشان الست الوالدة مش ~~معانا؟ نبعت نيجبها؟ مش كده يا برعي؟ # فأجابه برعي بدون أن يسمع قائلا: بريمو، سكندو، أهو كله وابور، ورايحين البلد ~~رايحين. # فقهقه البيك قائلا: الله يجازيك يا برعي، إحنا ف إيه ولا ف إيه؟ أنا بجول على الست يا ~~ولا يابن المرتوب. # ووصلنا أخيرا إلى المحطة ونزلوا، والبنية لا زالت كما هي عليه، وبرعي يسير كظلها، ~~وأعطاني البك أجرتي، وهو يقول: دي مش عيشة، كأن الواحد واخدها اللومان. # ودخل وهو يتمتم بما لا يمكنني أن أسمعه، ولكني رأيت بعيني خيالي مسافرا رابعا يتبعه هو ~~كظله، ذلك هو الشقاق الدائم بين الشباب الغض المتطلب حياة هادئة ناعمة توافقه، والسن ~~المتقدم الذي لا يريد إلا حياة رجعية محضة، وبينما أفكر في حالته التي ستنتهي على يد القاضي ~~الشرعي، وإذا بشاويش المحطة يناديني قائلا: اطلع يا برنجي. # فسرت قليلا، وأوقفني ضابط «قطقوط» بنجمة واحدة لسة طاظة، ركب معي، فخرجت من الميدان بعد ms27 ~~أن نظرت إلى الشاويش نظرة المنتصر الفائز، وعلى مهلي كمان، لم ينبس ببنت شفة، مع أن الراكب ~~لو كان ملكيا لشرفت قسم الأزبكية بعد خمس دقائق. # هذه حقيقة أيها الملكيون من حضرة الكاتب إلى معالي الوزير، وإن أعوزكم برهانا، فأنا ~~مستعد، وذاكرتي متينة تحفظ، وإليكم المثل الآتي في مذكرتي الآتية. # محسوبكم حنفي # | المذكرة التاسعة # الناس مقامات، والعالم درجات، وفي كل مكان وزمان لا يزال لهذه النظرية أكبر أثر، ففي شون ~~القطن شتان ما بين السكلاريدس والأشموني مثلا، وفي البورصة لا يمكن أن تضع في مستوى واحد: ~~الريال الأمريكي مع الفرنك الفرنسي، وفي الشارع لا يتأتى أن تحس بالاحترام من نفر البوليس ~~إلا إذا كنت ممن ينطبق عليهم الدور القائل «يا بو الشريط الأحمر ياللي.» # تصور جنيها إنكليزيا، وكورونا نمساويا أمام عيني صراف؛ لترى مظاهر الاحترام للأول، ~~وآيات الاحتقار للثاني، كذلك نفر بوليسنا تراه لا يتجمل، ولا يظهر بغير حقيقته إلا أمام ~~النجوم اللامعة، والتيجان الساطعة، وهذا هو الجنيه الإنكليزي في نظره، أما ذلك الثوب الملكي ~~مهما كان لابسه، فهو ينظر إليه بنصف عين؛ لأنه أقل قيمة حتى من الكورون النمساوي. # هذه نتيجة خبير، درس حول هؤلاء المحترمين القابضين بأيد من حديد على أعنة البلد في الطرق ~~والشوارع، فتراه أمامك ما دامت الأحوال هادئة والسلم مستتبا، أما إذا نشبت معركة، ودار ~~الضرب فيها على كل لون، فلا تعود تسمع وقتئذ صوت «مزيكة» حذائه فضلا عن صوته حتى انجلت ~~المعركة، يظهر وقتئذ آمرا ناهيا «على إيه مش عارف.» # مضت أيام على حادثتي الماضية، ولا تزال آثار البهدلة عالقة بفكري، كلما مررت بشارع عباس ~~قريبا من الطريق إلى حدائق القبة، وحدث ذات مساء أن أوقفني صاحب تاج من التيجان المحافظة ~~بشارع محمد علي وركب، وأمرني أن أقصد سولت، ووصلنا، فأمر الخادم أن يجهز له «اثنى عشر «ميل ~~فوي» وقليلا من الساندوتش والمارون جلاسيه» وأخذنا الربطة وسرنا إلى آخر شارع بولاق أمام ~~الحديقة المختصة بالأطفال والسيدات، وفي منعطف هناك وقفنا بجانب باب صغير عليه ms28 يافطة، قرأت ~~عليها «محل خياطة مدام ...» وصعد صاحبنا ثم نزل ومعه «تخت» والناس مقامات، ولا تليق بتاجه ~~الساطع إلا ست - على رأيهم - مملكة، امرأة نصف ربيبة نعمة، وبنت مجد تليد على ما يرى ~~الناظر. # ركبت، فمالت عربتي ذات اليسار ثم تبعها «محرر المحاضر» وعلى حدايق القبة وسوق يا ~~حنفي. # لا يمكن أن تتصور فرحي أيها القارئ، فقد كنت أدعو الله أن نقابل صاحبنا بطل الليلة ~~الفائتة «شاويش النقطة» حتى أشفي غليلي برؤيته على حالته الحقيقية، وبالاختصار سرنا بالعربة ~~باسم القانون مسراها، وعلى بركة الشريط الأحمر مرساها. # وصلنا والحمد لله، وأمرني سيدي فركنت بعربتي في موقف الأمس، وما أشبه الليلة بالبارحة! ~~أمرني فأنزلت المقعد الصغير، وفتح البوفيه، فانتحيت جانبا تاركا الحرية لمن لا يتركونها ~~لنا. # وكأنا كنا على موعد مع بطل النقطة الشاويش «عبد العال» فخرج علي كما يخرج عزرائيل على ~~المريض، ونظر إلي، فإذا بي صاحبه القديم، ورأيت في عينه بريقا لما جال في ذاكرته من آثار ~~الورقة ذات الألوان المختلفة، وحسب الصيد سهلا، فنظر إلي وفي عينه كلفة، وفي يديه رعدة ~~الغضب المفتعل قائلا: أنت برده ما حرمتش يا أسطى زفت تنط لي هنا؟ ~~- يا سيدي وأنا مالي! أنا عبد المأمور. ~~- بلا كلام فارغ، عبد المأمور ولا عبد الملاحظ، مين اللي هنا وياك ده؟ سايب الدنيا سيادتك ~~ولا أنت سائل! # فنظرت إليه كما يرى المتفرج ممثلا على المسرح شاهده في دوره مرات عديدة، وعرف كيف يبتدأ ~~وكيف ينتهي، ثم قلت له: «عندك عنين ورجلين، اتفضل شوف.» # فمشى ولصوت حذائه رنة حكومية تجعل القلب يخفق بالرغم عنه، وكان في سيره - وسلاحه على كتفه ~~- كشبح القانون يسير لملاحقة المذنب يدب على الأرض مرحا، وصل إلى العربة فلمح طرف الشريط ~~الأحمر فاهتز، ثم طل فاكتحلت عيناه بالتاج الساطع، فارتفعت يده وهو منحني، وسمعته يقول ~~ورأسه لا تزال في طريقها إلى الأرض: أنا خدام جناب حضرتك، منتظر الأوامر. # فقلت في نفسي: أوامر إيه يا خويه؟ إحنا في القسم! ماله انقلب حاله؟ # وفي الحال ms29 رفع رأسه، وانسحب باحترام وصفدن جريه صار وجها لوجه معي، فلعب شاربيه، وسرعان ~~ما تبدلت نظرة الخوف والوجل «يزغره» غضب ومر علي وهو يقول: بقى كويس كده يا أسطى؟ بتضحك! طب ~~والله يا بن الوطا منت معتب النجطة دي مع ملكي بعد النهارده إلا إن كان في النيابة. # ومشي مختفيا في الظلام، وأنا أضحك في نفسي، أبكي على هذه النفوس التي تملكت رقابنا بلا ~~مبرر، هل يرضيكم هذا أيها الملكيين من حبيبة وغيره؟ أهل يرضيكم هذا والدنيا مساواة ~~وحرية؟ # وقد كان - أيها القارئ - فإنني وشرفك لم أجسر بعد ذلك أن أدخل حدود حدائق القبة إلا وأنا ~~مسلح، وأنت أدرى بسلاحي «ملازم أول وطالع». # هذا كثير من قليل مما يفعله حراس القانون، والقانون يتألم، ولا من يسمع ولا من ~~يرثي. # سيكون حديثي المقبل ألذ من هذا، فإلى الملتقى يا زبايني الأفاضل. # حنفي # | المذكرة العاشرة # وحلت النكبة ونزلت المصيبة، قطع الجيب بمشرطه الحاد «ولطش» المحفظة واختفى، هكذا كان، ~~وتعدى علي أنا أحد الإخوان الذين منحهم الله خفة اليد وسرعة الخاطر في أصابعهم «فطير من جيب ~~محسوبكم الصولد». # كان ذلك في الترام، فعملها الشاطر محمد وبكل مهارة، حتى إني لم أشعر بشيء مطلقا، فنزلت ~~في العتبة الخضراء، ووقفت أمام بائع الليمونادة، وأمرت بكأس من الليمون، وبعد أن شربت أردت ~~أن أعطيه الثمن وإذا بيدي تخرج بيضاء من غير فلوس. # أخذ المبلغ وقطع الجاكتة، قطع الله «يديه» وترك بها أثرا لا يمحى من الجيب الممزوع، مع ~~أني كنت ألبسها أيام الراحة والبطالة، مفتخرا أنها من صنع «ريبو» خياط الوجهاء وأبناء ~~الطبقة العليا. # وتاريخ هذه الجاكتة عجيب، وصلت إلي بطريق الاستبدال لا بجاكتة أخرى، ولكن بمبلغ كان لي ~~عنده، والهاء هنا للغائب، رمز البيك، صاحب العزة، صاحبها. # كان زبوني في أيام مجده وطنطنته، زبون العز والليالي «المقندلة». # هيصة كانت للرقبة، فأصبحت لا تصل إلى كعب الحذاء، توصيلات آخر الليل إلى الدقي «لرشف ~~الأنفاس» وهو في عيبوبة السعة التي أفاق منها الآن على لا شيء، وسبحان ms30 الحي الباقي. # كثيرا ما كان هواء الليل البارد ينعشه فيستفيق، وبلسانه الملووق يناديني قائلا: يا ~~حنفي، محبوبتي في السما كيف الوصول إليها؟ # فأرد عليه قائلا: وماله يا بيه شخشخ لها بالدهب تنزل برجليها. # فيقهقه ضاحكا، وأسير به إلى منزله، فيدفع الأجرة بسعة ورخاء، إلى أن تدهورت الأحوال، ~~وبانت لبتها، فوصلنا إلى «يبقى لك» «ولك كام» وهات ريال يبقى لك ثلاثة جنيه، و«فوت علي ~~بكرة». ولا أطول عليك فقد أخذت الجاكتة المجني عليها بدلا من مائة وعشرون قرشا، سعيت لها ~~كسعي الحجاج بين الصفا والمروة، وأخيرا قبلت أخذها بعد المعاينة، ولم يكن يصعب علي إلا ذكر ~~مجدها وعزها الماضي، فبعد أن كانت تجلس في صدر العربة آمرة ناهية، أصبحت علي مأمورة مهانة ~~ذليلة. # وكانت من ضمن الأوراق التي ضاعت سطور كتبتها بمناسبة انتشار «الكوكو» بين شبابنا وشيوخنا ~~وسيداتنا، حقائق رأيتها بعيني رأسي، كنت شاهدها الوحيد، كل هذا والمحافظة نايمة لا تشمر عن ~~ذراعها المنمق بالشرائط الحمراء والنجوم الصفراء، تنتقم لنا من هؤلاء الذين يهددون الجيوب ~~في كل وقت، يبيع لك المحفظة نهارا ويلطشها بما فيها ليلا. # تضع المحافظة صورهم بجانب قسم الموسكي، فتشرط الجيوب وسط الزحام، ويظن الناظر أنه يستفيد ~~بحفظ ملامح الصورة مع أنهم أبرع من أي ممثل في تغيير الخلقة. # تراه بجانبك في قطار الترام صباحا «ابن بلد» مقلفط باللاسة الحرير، والجلابية السكروتة، ~~والبلغة الفاسي، حتى إذا أتم مهمته، وسلت المحفظة بخفة البرق، تراه بعد الظهر أفندي لطيف ~~ظريف، يناقشك في أي موضوع ليتحكك بك، ويقضي عليك بطريقته الأمريكية، ويمضي خير في سلامة، ~~وسلامة في خير. # بالاختصار يهاجم هذا الجيش العرموم كل جيوب قطر الترام والسكك الحديدية، والمحلات ~~التجارية وميادين القاهرة، ثم ينتزع من الجيب أعز ما فيه أمام أعين البوليس المفتوحة، وبإذن ~~البوليس السري، ولا حنا هنا! # لا مؤاخذة، إذا أطلت الكلام في هذا الموضوع فالمخوزق يشتم ... # نعود إلى ما كتبته عن الكوكايين، عن البارود الأبيض الذي يهاجم أدمغة الشباب في هذا البلد ~~المحتاج إلى أبنائه، فيودي بهم ms31 ويقذفهم إلى دار المجانين حيث الفناء الأبدي. # سأحدثكم يا قراء حديث حنفي أبو محمود منذ كان الجرام بتلاتة تعريفة إلى أن أصبح اليوم ~~بخمسين قرشا، لقد اغتنم أولئك الذئاب غفلة الحكومة؛ فاعتدوا على أبناء هذا القطر، وتوصلوا ~~إلى سلبه أعز ما يمتلك، وهي قوته المفكرة بهذا المكيف الغريب. # لم يعتدوا فحسب، وإنما فرشوا طريقهم فضة ونصارا، وأصبح الواحد منهم بعد أن كان يقيس ~~شوارع القاهرة مترا فمترا برجليه «ينجعص» في سيارته متناسيا ماضيه القريب الأسود، غير ~~ذاكر أنه لص سارق. # إن القلم يرتعش في يدي يا قرائي المحترمين على ذكر كلمتي لص وسارق، فذكرى المبلغ قريبة، ~~وقطع الجاكتة جديد لم يندمل، والجيب مش فاضي بس، ومقطوع كمان! وقاكم الله شر اليد الخفيفة، ~~فمصائبها ثقيلة لا تحتمل، وخصوصا على مالية عربجي مسكين كمحسوبكم. # حنفي # | المذكرة الحادية عشر # هل رأيت الزهرة كيف تزبل أوراقها، وتسقط فتموت؟ وهل شاهدت العاصفة في طريقها تقلب الأرض ~~ظهرا لبطن، وتنال من باسقات الشجر، وتودي بجميل الزهور، وتنهي حياة يانع الثمر؟ ألم تر - ~~ولو بريشة مصور - كيف يفترس الثعبان فريسته؟ يضيق عليها الخناق إلى أن تقع مستسلمة لكهرباء ~~عينيه فتلاقي حتفها. # تلك النهايات مجتمعة أقل أثرا في نفسي، وأخف روعة في قلبي من الموت بالكوكايين. # الشباب الناضر، الخدود اللامعة، والعيون البراقة، القد المعتدل، والذكاء الفياض، النفس ~~التي تسيل حنانا، والوجه الذي يستحي أن يراق ماؤه. # كل هذا يا سيدي القارئ ينقلب إلى شيخوخة في سن الثلاثين، ووجه بهاري اللون، وعيون غائرة، ~~وعود قد أحنته الليالي السوداء، فأورثته البلاهة والفجر، وأبدلته الحياء بصفاقة، والحنان ~~بقلب قد من حجر أو نحت من صخر، وما هو «القاسم المشترك الأعظم» في كل هذه المصائب؟ هو هدية ~~أوروبا لنا، الكوكو يا سيادنا. # آه لو أتيح لي أن أستعمل بدلا من القلم كرباجي، إذا لقدر الله لوجوه كثيرة أن ينزل ~~عليها مفرقعا في الهواء، تاركا أثرا أسود على خدود ليس للدم أثر فيها. # والآن أصف لكم كيف يموت شبابنا، وتضيع تلك القوة التي ms32 هي عمادنا في المستقبل! لو تعلمون ~~إلى أي حد انتشر لهالكم الأمر! فقد أصبحت زجاجات الكوكو مع أغلبية شبابنا ألزم من رباط ~~الرقبة من المنديل بل من زر الطربوش. # فتراه يهون عليه أن يسير بلا رباط في رقبته، بل يقطع زر طربوشه في وسط يجمع خمسين وستين ~~رأسا بين مطربش ومعمم «مذكر ومؤنث» ليكون أضحوكة لرفيق له اشترط أن يعطيه «شمة» بشرط قطع ~~الزر. # كم من مرة، وأقسم لكم بحق من بهدلني، في زمن أكثر رفاقي فيه أصحاب مراكز، تسمح لهم أن ~~ينادوني قائلين: استنى يا أسطى، نزل الكبوت، دور على شبرا، فوت على الخياط، أقسم لكم بهذا ~~أني كثيرا ما وقفت بزبائن لي على دخاخنية ومحلات ماني فاتورة وقهاوي تباع بها هذه المادة ~~السامة جهارا نهارا - ادفع الثمن تاخد الجرام - والحكومة تسمع وترى، لكن العين بصيرة ~~واليد قصيرة. # وكم حدثت أزمات «كالأزمات الوزارية مثلا» يكون العثور فيها على جرام أصعب من وجود رئيس ~~وزارة، فنظل نبحث أنا ومن معي من الشباب الناهض، نطرق بيوتا نام سكانها وغفا أهلها، فيكون ~~ثمن الجرام مضاعفا، إذ يضيف إليه حضرة البائع المحترم مبلغ بسيط هو بدل إقلاق الراحة. ~~وينزل البيه قابضا بيده على بغيته، على الزجاجة البيضاء، وهو يقول: دلوقت الواحد يقدر ~~يتنفس بسهولة، دنا دماغي كانت فاضية يا ناس. # فيجيبه زميله قائلا: متعي متع، ثم تفتح الزجاجة ويدور السم القاتل، فلا تسمع إلا حركة ~~الشم وهم يبتلعون ذلك الموت البطيء، يدخل في فتحتي الأنف الضيقتين كما يتسرب الطاعون من ~~موبوء إلى أهل بلد آمن مطمئن، جالبا معه الخراب فالدمار فالموت. # والله يا أسيادي لقد رأيت بعيني رأسي تجار الكوكايين في بيوت وعمارات، لا يسع الإنسان منا ~~إلا أن يقف أمامها وقفة الاحترام والخشوع؛ لأنه يظن مثلا - وبعض الظن إثم - أن الغش ~~والخداع اللذين حرمتها القوانين السماوية والوضعية لا يعيشان تحت هذه الأسقف الطاهرة ~~الفاخرة، فإذا بي أعرف من بوابي هذه البيوت وخدمها أن أسيادهم يعيشون من تجارتهم بهذا ~~الموت السريع، ولا أنسى ms33 قول أحدهم ذاكرا أحد أسياده بكل احتقار قائلا: يلبس نضيف، ياكل ~~نضيف، يركب نضيف، مناخيره في السما، لكن اسمه وسخ وإيده وسخ. # هؤلاء القوم - سواء كانوا أجانب قذفتنا بهم اليونان إيطاليا أو فرنسا، أو شرقيين رمتنا ~~بهم سوريا أو سواحل الأناضول - تقابلهم مصر على الرحب والسعة، وتكرم وفادتهم، وتنزلهم ~~منزلا أرحب مما تنزل به أبناءها، ثم يكون اعترافهم بهذا الجميل استيراد الحشيش، وفتح ~~الخمامير، والمتاجرة بشر المكيفات الكوكو، وإضعاف عقول الشباب، وهكذا يكون الجزاء ~~الحسن. # فإذا عجبت من تقلبات الدهر؛ فاعجب لشخص كان منذ سنين معدودات يتسكع بالقهاوي متسترا؛ ~~مخافة أن يراه آدمي، فيشمئز من منظره القذر، وهو يعرض الجرام بثلاثة قروش صغيرة - رحم الله ~~الأمس - أما اليوم فلعنة الله عليه، لقد أرانا أمثاله في ملابسهم النظيفة، ونفوسهم القذرة ~~أصناما لا يتكلم الواحد منهم إلا بالرجاء والالتماس! ولماذا؟ لأنهم أصبحوا أغنياء من دم ~~هذا الشباب المسكين الذي يشتري موته مقسطا الجرام بنصف جنيه. # تصور معي - أيها القارئ - مدينة القاهرة، وقد أرخى الليل سدوله، ودقت الساعة الثالثة بعد ~~منتصف الليل، وتحكم الكيف في أدمغة من كانوا معي، فصاحوا جميعا في طلب الكوكايين، وصدر ~~الأمر إلي أن أيمم شارع قصر النيل، ووصلنا، وهناك أمام الأجزخانة وقفت بعربتي، وهي كبرج ~~بابل، بجانبي وجيه نظيف لطيف، قيل لي: إنه موظف بالمالية، وبالعربة خمسة آخرون: موظف وصاحب ~~أملاك، وأونطجي، وفتوة، ومحضر في محكمة مصر. # كنا بالاختصار كالسردين والفانوس الأحمر، يادوبك ينير لنا الرصيف، ونحن ننتظر الموظف ~~«النوباتجي» والغفير يوقظه ليعطينا طلبتنا. # وتعب الغفير من النقر على النافذة الصغيرة، وموظف الأجزخانة نائم، فقال صاحب الملك: خبط ~~يا خفير خبط، أنا أبيع أطياني على شمة، دماغي فاضية يا هوه! # وقال الفتوه: وحيات راس أبوك إن ما فتحت لافتح لك مخه. # وقال المحضر: أنت حتفتح ولا آجي أحجز عليك بكرة؟ # وقال الموظف: ماهيتي راحت في الحتة دي، حقي برقبتي يا عم. # وقال الأونطجي بهدوئه المعهود: هدوا أخلاقكم يا سيادنا، دلوقت يفتح ونشم. # وسألني من كان بجانبي قائلا : ما ms34 معكش شمة يا أسطى لغاية ما يفتح؟ # فتبسمت، ونظرت إليه ثم قلت: شمة إيه يا بيه، إحنا لاقيين ناكل لما نشم! # وأخيرا أخذنا الجرامين من الغفير، من يده الكريمة، وأمام الشرطي، والبيع مستمر بهذه ~~الطريقة ليلا ونهارا بطريقة منتظمة، وفي أعظم أحياء القاهرة، وأين المحافظة؟ أين ~~الحكمدار؟ أين قسم عابدين؟ # يقينا إنه ليخيل إلي بعد تكرار هذه الزيارات الليلية أن شرطي النقطة وغفير «الدرك» يتلقى ~~كلاهما الأمر «ممن له الأمر» بعدم التعرض لهذا المكان الموبوء؛ لأنه مقدس. # لقد كانت المحاورة لذيذة، والشارع ساكن، لا تسمع فيه إلا مزيكة جندي البوليس بعيدا عنا، ~~لا يشرف إلا إذا سارت المركبة؛ ليرى فاتورة البيع، كمراقب لا متطلع. # هذا قليل من كثير من حوادث ذلك الداء القتال الذي نقلته إلينا مدنية أوروبا، ولو اتخذت ~~المحافظة طرقا جدية لمعاقبة أولئك الذين أسميهم «بياعين الموت» لتمكنت من الضرب على أيدي ~~هؤلاء القتلة الذين هم بمثابة عشماوي لهذه الأمة المسكينة. # لقد كان عيسى يا قسم عابدين نبيا يحيي الموتى، أما عيسى اليوم فيميت الأحياء، والحدق ~~يفهم، والزعل ممنوع، ورزقي ورزقكم على الله، وأنا لا أزال العبد الخاضع. # حنفي # | المذكرة الثانية عشر # محسوبك حنفي - أيها القارئ - وضع إمضائه الكريمة على أوراق كثيرة، فمقالاتي كل أسبوع ~~«مثلا» وأقوالي في محاضر المخالفات، والدربكة والضرب في أقسام البوليس، وطلبات التوظيف ~~التي كنت أقدمها للوزارات قبل أن أتربع على دست عربتي، وخطاباتي الخصوصية «غرامية كانت أو ~~جدية» والأخيرة هذه تنطوي تحتها تجديد السلفيات أو المطالبة بحقوق قديمة، كل هذه الأوراق ~~أضع إمضائي عليها، ولكني لم أكن أحلم يوما من الأيام أن أضع إمضائي على كمبيالة كشاهد، وأن ~~أتقاضى على هذه المهمة أجرة العربة نصف جنيه «لفة الجزيرة» مع ركنة صغيرة، وورقة من ذات ~~الخمسة جنيهات كأتعاب؛ لوضعي إمضائي الكريمة «كشاهد». # لم أكن شاهد ملك - أيها القراء - بل كنت «شاهد المرابي» والخواجا فيتا رجل الله أعلم بما ~~ينطوي تحت طيبته الظاهرية، وديع إلى النهاية، يسمع حلو الكلام كما يسمع مرة بإحساس واحد ، ~~بكرش ms35 متوسط، لا يعلم إلا الله عدد الضحايا التي ضاعت في سبيل العناية به، يتحلى بخاتم ~~ألماسي كبير، ودبوس لرباط الرقبة بزمردة جميلة، وسلسلة وساعة ذهبية دقاقة، وكل هذه الحلي لم ~~يشترها الخواجة فيتا من جواهرجي، وإنما امتلكها بطريق الرهن، كانت في يد غيره، فانتقلت إلى ~~يده البيضاء، البعض «بربع الثمن» والباقي فوايظ، وعلى عينيه نظارة ذهبية تساعده على النظر، ~~لقد ضعفت تلك العيون الجميلة من كثرة «التحقيق» في الإمضاءات والتحقق من الفائدة، وكتابة ~~الخطابات والإنذات. # معارفه وزبائنه أكثرهم مستحقين في أوقاف، يتقاضون مالهم من يد الخواجة فيتا، وله توكيل ~~يبرزه في وزارة الأوقاف كل شهر؛ يصل به إلى غرضه، ويتمكن من أخذ ماله ونص. # ركب معي من السكاكيني ذات صباح، ومعه شاب في سن الخامسة والأربعين، أعرفه اسما بصالح ~~أفندي، وأعرف عنه أنه «سمير أنس وخدام إخوان»، وخط الشيب فوديه، ولكن قلبه لا يزال شابا، ~~صنعته في هذه الحياة جودة الحديث وحدة اللسان وتفهيم من يقع في يده من الشباب «الواقع» ~~قدرته على إنجاز أي عمل، وهكذا يحيط نفسه بسياج يخاله الإنسان منيعا، فإذا تخطاه رأى بدل ~~الحصن المنيع سهلا تخطته الركاب، وجعلته الأيام موطئا للأقدام. # ووصلنا إلى سبلندد بار فأمر الخواجة «أركان حربه» فنزل باحثا عن «حسن بك» وأبو علي هذا ~~هو المجني عليه قانونا «داخل الدائرة المرنة يا حبيبي». # وجيء به، أقول جيء به؛ لأنه لا يملك حتى قوة الإرادة في السير من كرسيه إلى العربة، وركب ~~في الوسط، وأمرني الأب فيتا فمررنا على الكافيه دي لابيه، ونزل هو يبحث قليلا ثم عاد ~~قائلا: نفوت على الكافيه ريش، ناخد معانا الخواجة فيكتور. # فرد عليه أبو صلاح قائلا: علشان إيه؟ ~~- بس لئن عبد الفتاح مش موجود هنا، علشان نمضي مع حسن بك يا سيدنا. # تصور، ماذا كان جواب أبو صلاح؟ تصور أن يدي فلت منهما السرع إذ سمعته يقول: ما فيش لزوم ~~يا خواجة فيتا، معانا الأسطى حنفي، منا وعلينا، راجل يقرأ ويكتب على ذوقك، مش كده يا بو ms36 ~~محمود؟ # فالتفت إليه قائلا: محسوبكم يا سي صالح بك، في الخدمة دائما. # غمزني بطرف عينه، فعلمت أن وراء الأكمة ما وراءها، وأني دخلت في «الكومينيزون» قضاء ~~وقدرا، أمروني بأن أقصد الجزيرة، فسرت والاتفاقية تدور بينهم وبين حسن بك، بين القوة ~~والضعف، بين منجل الموت والشباب المتهالك على شبكة الصائد الماهر، ومع ذلك يسير في طريقه ~~المحفوف بالمكاره والأشواك، والذي لا نهاية له الآن يكون في أواخر أيامه خليفة لأمثال صالح ~~أفندي، هذا إذا قدر له أن يعيش وينجو من خمرة قاتلة وكوكايين فتاك وحشيش سام ووسط لا تعيش ~~فيه الحشرة فضلا عن الآدمي. # نرجع لحديث المال فهو ألذ، المائة بخمسة وسبعين، فائدة قليلة جدا؛ لأن الجنيه أصبح أندر ~~من الكبريت الأحمر، يستلم من الماية سبعون جنيها، والباقي بضاعة من الخواجة. # من هذه البضاعة تمثال بنصف القيمة؛ لأن الخواجة كما سمعته يقول: يرى من حسن بك ميلا ~~للفنون الجميلة. وتحت ظل شجر الجزيرة الظليل عقد الاتفاق، ومهرت الكمبيالة باسمي من مداد ~~قلم مسيو فيتا الذهبي، وأنا أنظر إلى أغصان الأشجار أناجيها قائلا: أيتها الأغصان الخضراء ~~التي رأت كثيرا ومر عليها أكثر، ليست عربتي من النوع الذي تعودتيه، لا همس بيننا، فنحن ~~أكثر من اثنين، لقد تعودت رؤية العشاق تستظل بك من حر الشمس وندى الليل، وسماع طرقعة ~~«القبلات» وطويل التنهدات، ووابل العبرات. # وكم مر بنا في ذلك الوقت، ونحن وقوف كثيرون وكثيرات، وأنا أراهن بعربتي أن الحقيقة لم تمر ~~على رأس واحد منهم، فعقد قرض هكذا، وفي الجزيرة بعيدا عن الناس، والساعة الحادية عشر بعيد ~~عن دائرة الحدس والتخمين. # وانتهى الفصل الأول من الرواية، وأمرني الخواجة فيتا أن أقصد الكافيه ريش لتناول ~~«الإبرتيف» تناولوه سائغا لذيذا، وأثناء ذلك لعب الأب فيتا مع الشاطر حسن ثلاثة «برتيتات» ~~طاولة، لطش فيها من السبعين خمسة عشر جنيها، وأخذ صالح أفندي خمسة نظير أتعابه وقيامه ~~مبكرا، وكان الله يحب المحسنين، ووصلنا إلى النتيجة أن الخمسين بماية وسبعين، خفيف ~~خفيف. # وقاموا جميعا بعد ذلك: حسن بك، ms37 وأبو صلاح إلى منزل صاحبة جميلة، والخواجة فيتا إلى معقله ~~بالسكاكيني. # الحادثة جميلة يا زبايني وزبوناتي، والأجمل من ذلك أننا نسير بسرعة في ذلك المنحدر، ونحن ~~لا نشعر بعظيم الخطر الذي سنقابله. # ولكن على فكرة، أنا اللي علي عملته، أمضيت وقبضت، وذلك بدون أن أحسب حساب الدفع في ~~المستقبل. # أدام الله عليكم نعمة المعيشة بلا دين - أيها القراء - وبلا فايظ. # حنفي # | المذكرة الثالثة عشر # ابتدأ الليل يرخي سدوله على القاهرة، وأنا في طريقي من الجيزة آتيا من سكة الأهرام، ومع ~~من؟ ستعرف بعد قليل، ولعلعت في الفضاء وقتئذ أصوات شاويشية قلم المرور، تلقي الأوامر - ولع ~~فانوس ورا - اليمين مطفي ليه؟ اركن يمينك، وولع النور يا عربجي. # ودخلنا شارع سليمان باشا، وسطعت أنوار الكلوبات، ومررنا على كافيه ريش، وليس بها كرسي ~~لجالس، وبالاختصار كأنما صدر الأمر لجنود الليل من شيطانهم الخفي بابتداء المعركة الليلية ~~بمهمتها وأدواتها. # لقد كنت راجعا من طريق الأهرام - كما قلت لك - بعد فسحة طويلة، ومعي بعربتي «فرد» ولكنه ~~بمقام ألف، سيدة يظهر عليها النبل، كما يتبين من خلف نقابها آية الجمال، معها ولديها طفل ~~وطفلة «فوق روس بعض» ترى وجهها الأبيض من خلف ملاءة وقفاز وشراب وحذاء أسود، كما يتجلى لك ~~البدر بين السحب، أوقفتني أمام محطة المترو، وتأملتها طويلا قبل أن تركب، وأنا أرفع ~~الكبوت. # لقد رفعته في ثلاث دقائق أو أكثر أيها القارئ، يدي ترفعه وعيناي إليها تنظر إلى هذا ~~التركيب الذي لا يمكن أن تخرجه إلا أجزخانة المولى القدير، وبالاختصار كما كعبلتني ولفتت ~~نظري، فإنها جعلت عربتي في سكة الأهرام كمقام أحد الأولياء، يكثر اللف والدوران حواليه ~~للتبرك والمشاهدة. # كم من عربة وكم من سيارة مرت بنا، ثم رجعت فمرت ورقبة من فيها تكاد تنخلع من اللفتات! ~~وأسيادنا الشبان لا يرجعهم حتى وجود الطفلين، ووجودهما يدعو على الأقل إلى غض النظر «لكن من ~~يقرأ ومن يسمع؟» وبما أني لاحظت أن صاحب المقام تقيل، لا يهتم لهذه المناورات، أصبحت أنظر ~~لهؤلاء الممثلين وأضحك عليهم ، وأشعر ms38 أن آدابي كعربجي أرقى من آدابهم كأسياد وأصحاب عربات، ~~ولله في خلقه شئون، بل إني عملت أكثر من ذلك، ظللت صامتا كتمثال إبراهيم باشا لا يأبه لمن ~~يمرون به ويدورون حواليه. # وبالاختصار كانت مظاهرة في طريق الهرم، لكنها لا تدخل تحت سلطة قانون التجمهر. # وقصدنا البلد كطابور الكشافة أنا في أوله، وأمرتني أن أقف أمام محطة المترو، ونزلت بكل ~~هدوء وأدب بعد أن دفعت الأجرة القانونية وزيادة، ووقفت تنتظر الترام، وإذا ببقية «التلامة» ~~وقلة «الأدب» التي تبعتنا تظهر على المرسح، فنزل شابان من سيارة، وثلاثة آخرون من ~~عربة. # تقدم أجرؤهم إليها، وهي على رصيف المترو، وبجانبها طفلاها، وأنا واقف من بعيد «كشاهد ~~عيان» وشجع الدنيء على كلامه معها جمالها وسكوتها، فقال لها ما لم أسمعه، ولكني رأيت يدها ~~البضة ترتفع بقوة وتلطمه على خده «المحلوق الناعم المنتوف» وبصوت عال سمعتها تقول: حقيقة ~~عديم التربية - أنت مالكش أم ولا أخوات، أما طاعون - إيه السفالة دي! # والتفت جمهور من الواقفين ليروا السبب الذي دفع سيدة ذات نقاب أن تلطم رجلا، فرأوا ~~السيدة وطربوش المجني عليه فقط، أما البيك المكمل - الذي توفي أبوه صغيرا، وتركه لنينة ~~المهملة، فأخرجته من مدرستها - فقد «فط» زاغ، ذاب كفص الملح. # وأما باقي الرفاق فقد أطلقوا للسيارة عنانها فسارت تسابق الريح، وأنا أؤكد أن كونستابل ~~قلم المرور «شكهم» مخالفة لصراع في داخل المدينة ... # أما من كانوا مع البطل في عربته، فقد رأيت أولهم يدخل التلغراف بسرعة كأنه في مهمة وأكثر، ~~ويخرج بعد ذلك بإيصال في يده، لمن أرسل التلغراف؟ هذا ما لا أدر به. # ولمحت الثاني يدخل أجزخانة «ويزر» بهدوء، ويخرج بعد قليل بربطة كبيرة لا أعلم ما بها، ثم ~~يسأل بعض المارة عن سبب «الدوشة» التي كانت في محطة المترو. # أيتها الصفاقة، أهؤلاء أبطالك؟ أنعم وأكرم! ووالله إذا كان العامة عندنا يرمون البارد ~~المنحط القليل الأدب بأنه «لوح» فأمثال هذا كما يقولون: «مغلق خشب برمته.» # ومرت علي هنيهة، وأنا في تأملاتي سارح فيما حصل، أغمض عيني لأرى ms39 وجوه أولئك الأفاضل حينما ~~يجتمعون وفي وسطهم «المضروب» على وجهه الجميل، ما الذي سيحدث؟ أيكون هذا درسا قاسيا ~~للمستقبل؟ أم يمر على تلك النفوس المتحجرة بلا فائدة؟ ما أتعس هذه الأمة بشبابها! # وقطع علي تصوراتي هذه صوت رنان يقول: «أنت فاضي؟» وركب سعادة البيه الذي كان يشغل ~~مركزا قضائيا كبيرا «وأين هو الآن؟ مقدرش أقول، فتلك أسرار المهنة» ومعه شاب ألمعي جاوز ~~سن القرعة بسنتين، يلبس نظارة ذهبية جميلة، تزين عيونا كحلت منذ خلقها بسواد، وخدوده ~~الحمراء، وصوته الناعم، وشعره الأسود الجميل، وشاربه الحديث السن، ينبئك أن قد صدق الشاعر ~~حيث قال: # ومن أقام بأرض وهي مجدبة # فكيف يرحل عنها والربيع أتى # وسرت يميني، كما قال البيك قاصدا الزمالك، ووالله ما تبادر إلى ذهني - أيها القارئ - أني ~~أسير إلى نزهة ليلية، فقد ظننت أننا قاصدين منزلا هناك في دعوة أو مأدبة. # ما دار في العربة من حديث وحوادث، أخجل والله من سردها، فكثيرا ما «زغزغ» البيه الكبير ~~سيدي الصغير، وتعدى الحديث إلى الهمس، إلى مد اليد، إلى قول الفتى لصاحبنا: يا شيخ اختشي، ~~العربجي بعدين يلحظ. يا عيني عليك يا حنفي! # وأخيرا انتهينا على خير، واقترح عليه العشاء في مطعم على شرط أن يكون هادئا بعيدا عن ~~ضوضاء الانتقاد وعيون اللوام والعذال، فقصدت مطعم «سلستينو» بالتوفيقية، ودفع الكبير أجرتي ~~بكرم وجود، وكان ما حدث لي الآن مكملا لما كنت أقوله في نفسي «من تعاسة هذه الأمة بشبابها» ~~فكملت حديثي قائلا، والشيوخ أيضا يا سادة. # فشهاب الدين ... من أخيه. ~~«أكل العيش يحب» ولكن خبطتين في الرأس توجع، وفيما رأيته من الحوادث ما يكفي لصد النفس عن ~~العمل، «ربك يتوب علينا وعليك» وكما ستر ما مضى يستر ما بقي، فإلى الملتقى يا ~~زبائني. # حنفي # | المذكرة الرابعة عشر # إني أستشهد بكم أيها القراء جميعا بأني كنت دائما بعيدا عن السياسة، وسأظل كذلك، مالي ~~أنا ومال البحر الذي «دوخت» أمواجه «أحسن صبوة»؟ # نعم، طالما سمعت من المعجب المطرب أولا يوم كانت الأمة كتلة واحدة، ms40 أعجب باتحادها ~~العالم، ورددت صحف أوروبا أخبار الخيبة التي قوبلت بها لجنة ملنرو، كيف تصامت آذان هذه ~~الأمة إزاء نداء الأعضاء العالي؟ # وثانيا يوم ابتدأنا نسمع اللهجة الجديدة، أوائل بشائر الخيبة، هذا سعدي، وذلك عدلي، ~~وحضرته ثروتي، وتدفقت الأمواج السياسية من هذه الفتحات، فأصابت من مقاتلنا ما أصابت، ونلنا ~~من أنفسنا أكثر مما نال الأعداء منا. # وثالثا ورابعا وخامسا - أيها القارئ - «قلبي معبعب» وشرفك، وما سمعته يضيق به صدري، ~~ولا ينطق به لساني خوفا مما هددنا به أستاذنا فكري أنه ربما كانت التوصيلة إلى ~~الواحات. # بالرغم من هذا كله، ومع أني عولت على الكتابة بعيدا عن السياسة، لا زال هناك من يعاكسني ~~على صفحات الكشكول، ومن هؤلاء الأديب ابن راشد، يكتب ويغمز ويلمز، وأخيرا يختم مقالته ~~قائلا: «وما رأيك يا حنفي؟» # لا أنا مفتي ولا قاضي شرعي، مالك ومالي يا ابن راشد؟ ليه المعاكسة يا حبيبي؟ يا زبوني يا ~~نور عنية؟ السياسة يا سيدي مسألة تلف أكبر «عترة» وكم شخملت «قرومة» ومحسوبك حنفي سترها ربك ~~معه في الترعة اللي بيعوم فيها، فلو نزل بحرها قول الله يرحمه ويحسن إليه، أم تريد أن تسمع ~~بأذنيك «ليحيا الأسطى حنفي، وليسقط الأسطى حنفي» أيسرك بهدلة أخيك المؤمن؟ # سعد باشا سيدنا ورئيسنا، وعدلي باشا تاج رئيسنا، ولكن كل ما نطلبه أن تنتهي الحالة التي ~~نحن فيها الآن، الحالة التي لا ترضي أحدا و«زهق منها الجميع» على يد أحدهما أو ~~كلاهما. # تريد أن أتكلم؟ فاسمع رأيي، رأي العربحي الذي لا يعرف «أونطة» السياسة وخوازيقها، إذا وجد ~~في خط من الأخطاط «البغالة مثلا» فتوتين يعاكس كل منهما الآخر، كان من السهل جدا على خط ~~آخر «الحطابة مثلا» التغلب عليهما متفرقين، وطالما كان الاتحاد ناشرا رايته، والمركب بها ~~رئيس واحد - ينصاع لرأي الأغلبية - فلا يمكن لأكبر «صبوة» مهما كانت «مشاديده» أن يتغلب ~~عليها أبدا ... # هذا هو رأيي السياسي لا أقل ولا أكثر، أما من جهة مصائبنا الأخلاقية، وعللنا الاجتماعية ~~فأنا محسوبك، تسألني عن أولئك الذين تراهم «يتشعبطون» ms41 في الترام وأين؟ أمام باب الحريم ~~«كلوح اللطزان لا أقل ولا أكثر». # يبرم شنبه تارة، ويلعب حواجبه تارة أخرى، ويلف سلسلة ساعته الدوبليه على أصابعه ثم يتنهد ~~ويعدل طربوشه، وبالاختصار ناقص يطبلوله يرقص. # ثم يجيء الكومساري فيسأله التذكرة، فإما أن يقول له أبونيه وهو كاذب، أو يشاور له برأسه ~~أنه نازل في «القريب العاجل» كأن الترام - سبيل أم عباس أو ملجأ أبناء السبيل. # مثل هذا النوع يركب معي كثيرا، ولكنه لا يكون منفردا، فإن كان مع آخر فتأكد أنه راكب ~~أونطة على حساب الغير؛ لأنه «جربوع» أما إذا كان مع سيدة يشتبه فيها فاعلم - وقاك الله شر ~~«أزفت المهن» - أنه ذاهب بها إلى حيث يتناول أجرة على حق الاتفاق. # مسكين لم تفلح معه تربية أهله وذويه، ولا بهدلة الأيام فيه، وعلى ذكر المظاهرات وأيامها ~~الحلوة وما ذكرت من سيرة أولئك الأجلاف الذين لا ينبحون أصواتهم إلا عندما تمر بهم عربات ~~السيدات، فيا سيدي على دمه، وخلقته، وشكله البايخ حينما «يلقح» ظله الثقيل علي عربة بدون أن ~~يعرف من فيها مناديا بأنكر الأصوات «لتحيا الحرية» «لتعيش السيدة المصرية» ثم يردفها بصوته ~~المسموع مهما اجتهد أن يخفيه قائلا: «بنجور يا هانم!» # أتعلم ماذا يكون الجواب؟ لقد سمعته بأذني، وأقسم لك بحرمة رب كريم تواب، ومكانة رئيس ~~الوزارة، وأسيادنا النواب بالبرلمان الذي ستسمع فيه مستغرب الحديث وغريب الكلام، بالاستقلال ~~الذي سنصل إليه قبل اليقظة في المنام. ~~«يا باي جتك داهية» «دا جالنا منين كمان ده» هذا ما سمعته، وأنا على كرسي، وهو بجانبها ~~متصامم، لا ينقصه إلا شلل اللسان ليكون معرضا للعلل، تراه في الحال بعد قليل انسحب إلى ~~عربة أخرى؛ لأنه علم أن المراس صعب، وأن السيدات ممن يحافظن على أنفسهن تلقاء ~~سماجته. # أما إذا وافق الظل الظل، واتفقت الأرواح، وحل كلامه أرضا سهلة، فتراه بعد «بنجور الأولى» ~~يتقدم ببنجور ثانية، فإذا رأى في العيون ميلا للرد، وفي اللسان لجلجة الخجل مد يده قائلا: ~~يا ستي بنجور. ~~- هئ هئ طيب بنجور. # التفت ms42 إليه بنظرة بسيطة، وتتلاقى عيني وعينه، فيلتفت إليهن قائلا بلهجة جدية: هكذا ~~فليكن حب الوطن، هكذا نعشق الحرية، فلتحيا السيدة المصرية، وهو فيه معنى لمظاهرة إلا إذا ~~كان فيها سيدات، وبالأخص أنتم. ~~- مرسي، كتر خيرك، إلا جنازة الشهداء النهارده أو بكرة؟ ~~- لا بكرة، تحبوا تتفرجوا؟ # فترد عليه الأخرى قائلة: أيوا بالطبع من العربية في ميدان الأوبرا، مش كده يا ~~أبلة؟ # فيجيبها حضرته بكل برود، وبدون أن يلاحظ وجودي «ويستذوق»: عربية إيه؟ ليه قلة الراحة؟ أنا ~~عندي عيادة حكيم صاحبي، اتفضلوا هناك تتفرجوا على كيفكم، وتقدروا تشربوا كباية مية نضيفة ~~على الأقل. ~~- طيب وهي الجنازة إمتى؟ ~~- بكرة، وأنا أنتظركم في ميدان الأزهار الساعة ... موافقين؟ ~~- رأيك إيه يا أختي؟ فاضية بكرة ولا لأ هئ هئ؟ # فتجيبها الأخرى: بتضحكي على إيه! أيوه فاضية. # وهكذا تسدل الستار على ميعاد يفتخر بالحصول عليه بين إخوانه، كأنما حل مشكلة علمية أو نال ~~شهادة دراسية، أو اخترع ما يفيد العلم، هذه الجبلات التي تنادي ليحيا الاستقلال التام، وهي ~~تستحق الموت الزؤام، لا يمكن الخلاص منها بسهولة، فهي في منزلة الجرب والسل والسرطان في ~~الطب، وفي مكان إنكلترا في مسائل الاحتلال والحماية والاستعمار في الدول. # اللهم احفظنا وإياكم من كابوس الرذالة وقلة التربية والأدب، وامنح كل كاتب في هذه البلد ~~قوة يدق بها على رءوس أولئك الخارقين لحرمة الشريعة والقانون ليرجعهم إلى حظيرة النظام. وفي ~~الوقت نفسه أدعو الله أن يهدي الجنس اللطيف، ويمنحه الرزانة والثبات؛ لأن الفرد منا مهما ~~كان مؤدبا عاقلا تزينه آداب الدين والدنيا، فإن لفتة من لفتاتكن تخرجه عن دائرة الحشمة ~~والوقار. # منحكن الله مع الحياء زينة الأدب، وأتم نعمته علينا برعاية دين ينهى عن الخبيث، ويحبب ~~الطيب، وأبقاكم جميعا في خير يا زبائن. # المخلص حنفي # | المذكرة الخامسة عشر # الموت نقاد على كفه ~~«عربات» يختار منها «الجياد» # إن الموت الذي عاجل كبار الرجال ومشاهير القادة والكتاب قبل أن تنضج مجهوداتهم «واخد ~~بالك» قد محى بيده الحقيقة فقضى على مجهودي قبل أن أتمه . # نجوتم من ms43 يدي يا سادتي من زبائن وزبونات، وطويت مذكراتي، وهي الحافلة بالحوادث والعظات، ~~وحال بينهم وبيني قضاء وقدر، حال بينهم وبيني عجل يطوي الأجل وبأجرة أيضا، وإلى القراء ما ~~حدث: قدر فكان، ومكتوب على الجبين تراه العيون، ونزلت بي الكارثة التي تهدد الجميع ستصيبهم ~~واحدا فواحد، ما دامت البقية الباقية من أوتوموبيلات السلطة العسكرية تسير بلا وعي على ~~مبدأ لا أتوموبيل إلا أنا، والحكومة تاركة الحبل على الغارب وحضرات السواقين يلعبون بالنار، ~~ويتسابقون كأنهم في مضمار، لا يأبهون لآدمي أو جماد وأصحاب الامتياز لا يهمهم إلا ملأ ~~الجيب، وعلى الله التساهيل. # شوارع أصبحت كلها «مطبات»؛ لأن الحمل الذي يسير عليها ثقيل لا يحتمل، والتنظيم «مش ملاحق» ~~يصلح، وحوادث الاصطدام ضايقت حتى عزرائيل فلخمته. # لقد رأيت بعيني رأس يوما من الأيام يلمس الترام فيوقفه ثم يخرج من حدود الشارع إلى رصيف ~~قهوة بعابدين فيصدم بالعامود الحامل لأسلاك الترام، وأخيرا يقف، وكل هذا أين؟ أمام قسم ~~عابدين! # الله وحده يعلم عدد الضحايا، ومجهود الإسعاف وقصر العيني إذا وقع سلك الترام، فنسف وحرق ~~في ثوان أرواحا وأبدانا. # وها أنا أكتب إليكم هذه المذكرة التي ربما كانت الأخيرة، وأنا على سريري بقصر العيني، وقد ~~بتر لي ثلاث أصابع من يدي اليمنى، وعملت لي عملية في رجلي، مع أن آخر ما أذكره قبل أن غبت ~~عن الوجود قول أحدهم لي وأنا بين الانتباه والإغماء «شد حيلك يا بو محمود، سليمة». # ولست أدري كيف تكون المسألة سليمة، وقد قتل في «تكاتيكها» جوز خيل، وتهشمت العربة، وبترت ~~أصابعي، وعملت لي عملية في رجلي، بل ماذا كان يوده القائل أن يحدث لتكون المسألة غير ~~سليمة. # وهذه هي الحادثة بدون تهويش ولا تهويل كما كتبت في المحضر، وكما عرفها موكلي محامي العمال ~~الأستاذ كامل بك حسين ليطالب لي بتعويض عما أصابني من الضرر والتكسير «والخضايض». # حدث يوم الجمعة أنني أوصلت بدرا من بدور النحس، فأصابني رشاش نحسه المدرار، وكان ذلك في ~~أنحس ساعة من أنحس يوم جمعة مع أنحس زبون. ms44 # ركب معي من وصلت إلى محطة حلوان، فبانت لي بوادر نحسه في الطريق، إذ كبت الخيل وكدنا نضيع ~~أمام ملف البنك الأهلي مع أتوموبيل «أيضا» ووصلنا أخيرا، فأعطاني الأجرة وأنا أتأمل ~~شاربيه وكيف فتلا، وإلى الطربوش وكيف استوى على ذلك الرأس النحاسي فوق شعره الحجري اللامع، ~~لم تلامس كفي كفه؛ لأن جو البيك البارد جعله يلبس «قفازا» في هذا الصباح بالرغم من شدة ~~الحر، والله أعلم ماذا كان ملاقيني أكثر من ذلك إذا كنت لامست يده! # تركته وما كدت أظهر في الملف الذي يلتقي بشارع الدواوين حيث محطة الترام حتى داهمني «بدون ~~إنذار ولا نفير وبسرعة مدهشة» أنا وعربتي والجوز الخيل ذلك البيت المتحرك الثقيل الظل، الذي ~~يثير التراب، ويفسد الطريق على المارة، ويهدد المنازل «اللي بتشاور عقلها بهدد مستعجل» وإذا ~~اصطدم بأي متحرك أو ثابت طواه تحت عجله الذي لا يرحم، ويذكرنا بدوشته ورذالة شكله شبح ~~السلطة بأوامرها ونواهيها. # ولما تلاقينا - كما قال الشاعر - كانت النتيجة أن الجوز الأصايل ماتا على الأثر، فتهشمت ~~العربة، فأصبحت «عربة يد». # وتشوه جسد محسوبكم، فلم أستفق إلا وأنا على سريري نمرة 5 بقصر العيني، يعتني بي دكاترة، ~~أعرف منهم كثيرين، كنت حوذيهم قبل أن يشتروا سياراتهم الفخمة «رحم الله أيام العز» وكان ~~الجراح الواقف بجانبي يشرح لبعض إخوانه سهولة بتر العضو إذا مرت عليه داهية كالتي مرت علي، ~~فإنها كما قال تهرس اللحم وتفشش العظم ولا تترك للجراح إلا مهمة التخليص. # وها أنا على سريري «بين يدي الله» أنادي المحافظة، وأظن أن نداء المرضى والمصابين والذين ~~على أبواب الأبدية جديرة بأن يصغى لها، فتعتبرها على الأقل كالصاعدين على المشنقة. # يا رجال الإدارة: إن الطرق التي تسير فيها هذه السيارات أصبحت لا يحتمل السير فيها خوفا ~~على الصحة، إن صح أن لا خوف على الحياة مثلا، إن سائقي هذه العربات يلعبون بالنار وبأرواح ~~الناس، فترى الواحد منهم يسير وقطر الترام بجانبه، والآخر مواجهه وهو لا يهتم أبدا، فيسير ~~كأنه في حلبة سباق، مع أن ms45 غلطة بسيطة في هذا المقام تجعل الصحف تنشر ببنط 40 العنوان الآتي: ~~«الكارثة الكبرى - تهشيم أتوموبيل وقطار الترام - موت عشرين وجرح الباقي.» # ولكن أين النظر البعيد الذي يجعل هذا الجاهل يرى نتيجة جنونه وتهاونه بأرواح العباد؟ يا ~~صاحب المعالي، يا وزير الداخلية، يا سعادة المحافظ، وأخيرا يا سيدنا الحكمدار، إن الفجائع ~~التي تحصل يوم فيها الكفاية لإيقاف هذه الزلازل عند حدها. # دعوها تسير خارج البلد تسهيلا للمواصلات، وتقليلا للحادثات، وحفظا لأرض الطرقات، ~~وتفريجا عن المنكوبين أمثالي أصحاب العربات. # هذه المذكرة ربما كانت الأخيرة - أيها القارئ - وقد كتبها صديق لي أمليته إياها فيحسن بي، ~~وقد كان لساني طويلا في بعض الأحايين أن أتقدم - لا عن خوف وإنكار لما كتبت - ولكن رجاء ~~نسيان الماضي فقط، إلى جميع من أصابهم رشاش القلم «الغير مأجور» على صفحات الكشكول، إلى ~~سادتي وسيداتي أبطال المظاهرات، الصارخين والصارخات، المصونين والمصونات، إلى أسيادي بالرغم ~~مني رجال الإدارة من أصغر نفر إلى أجعص ... إلى سمي النبي عيسى، صاحب الاختراع العجيب لبيع ~~النشوق الأبيض والمورد الأكبر لمستشفى المجاذيب، أن يعتبروا ما كتب «خطرفة» مجنون، ولكن على ~~شرط، أن يعتقدوا بقول القائل: «ما أكثر كلمات الحق في أفواه المجانين» ... بل لهم أن يعتبروا ~~صراحتي هذه كمرض وقاهم الله شره، فلا قبل لهم به. # هذه يا أسياد حنفي، ويا صاحب الكشكول الحادثة الختامية لحوذيكم المخلص في خدمتكم، لا أطلب ~~منكم إلا الدعوات الصالحات لأخرج، ولو «على عكاز» من مستشفى قصر العيني، فأنا الآن بين شقي ~~مقص الفناء «كما يقول حافظ بك إبراهيم» فإن مد الله في الأجل فسأظل في خدمة القراء أذكرهم ~~بشخصي من وقت لآخر على صفحات الكشكول، وإن طوى الله كتابي فسيعرفون ذلك على هذه الصفحات ~~أيضا فيترحموا على العربجي المسكين محسوبهم في الدنيا والآخرة. # حنفي أبو محمود # الكشكول # نحن نأسف كل الأسف لما حل ببطل الحوذيين الأسطى حنفي، ونبتهل إلى الله أن يمن ~~عليه بالشفاء العاجل، وأن يعاود كتابة مذكراته، فيخدم القراء بقلمه لا ~~بكرباجه. # إن نطاق الصحف يتسع ms46 لكاتب قدير كالأسطى حنفي، يكتب في الأخلاق وفي الآداب، ويريح ~~الجمهور من السياسة التي بدأ يمجها الذوق؛ لأنها أصبحت شغل الجميع، وإن كان لا يحسن ~~ممارستها أحد. # لقد كان التحرير يحسد الكرباج على الأسطى حنفي، ولا بد أن يكون ما حدث له نتيجة ~~حسد كل الحوذيين له وحقدهم عليه، شفاه الله وقدره على مزاولة التحرير للاستفادة من ~~مذكراته وآرائه الناضجة. # | المذكرة السادسة عشر # لقد نفدت من الموت بأعجوبة، كما يقول كبار الكتاب، أو أن يد الموت فرقت بنط، كما يقول ~~أسيادنا اللعيبة، وعلى هذا تأجلت مهمة «عزرائيل» إلى مصادمة أخرى مع إحدى تلك البيوت ~~المتحركة التي تجوب طرق العاصمة بسرعة المفتخر، وحينئذ إذا صح أن مصرعي سيكون بهذا الشكل، ~~تصعد الروح إلى خالقها مدهوسة مفرومة مدشدشة، وبالاختصار جاهزة. # لنمت جميعا وليحيا السيد يسن والصبان وإخوانه وشركاهم. ~~«لمني» عمال جمعية الإسعاف الذين حضروا بسرعة البرق، كأنهم كانوا على موعد، أو أن السواق ~~اتفق معهم وباشروا مهمتهم كما قيل لي؛ لأني كنت في عالم آخر، ولا أطول عليك أيها القارئ، ~~فقد نقلت من هناك إلى قسم عابدين، ومن القسم إلى قصر العيني، وهو مفترق الطرق، فأما من هناك ~~إلى سيدك زينهم، وربك يرحم الجميع، أو تريد العناية أن أخرج حيا، وهو ما حصل ولله ~~الحمد. # ستصل إليك هذه المذكرة يا بو داود مع أخينا التمرجي؛ لأنهم منعوني من الخروج بالرغم من أن ~~الجرح ابتدأ «يلم» وربك يبارك في عمر علي بك إبراهيم وإخوانه زي «اللهاليب» في الشغل، ~~والمشرط في إيديهم طالع نازل، وها أنا أروي لك ما حصل بعد ما دخلت. # لقد «ملصوني» من ملابسي، ودخلت في ثلاث قطع جديدة لم يعهدها جسمي من قبل، جلابية وقميص ~~ولباس، وعلى رأسي طاقية مكتوب عليها بحروف سوداء # D. P. H. # يعني مصلحة الصحة العمومية. # لم أنتبه إلا وأنا في السلم محمولا على محفة بين اثنين من التمرجية، لقد كان المنظر ~~مضحكا، ولكن أين القابلية للضحك في مثل هذا الموقف؟ # تصور - أيها القارئ - أن التمرجي ms47 الأول وهو يصعد إلى السلم تبرم من الآخر الذي كان يحملني ~~من الجهة الأخرى، وحدثت المناقشة الآتية وأنا بينهما لا يمكنني حتى النطق. # قال الأول: أنت مش حتبطل الدلع ده يا مرسي، ما تشيل زي الناس! ~~- يا شيخ خليك راجل، أمال أنا بلعب! ~~- بقى اسمع، أنا مش رايق لك النهاردة، وديني أستغنى عن وظيفتي وألخبط خلقتك. ~~- خلقة مين يا واد؟ ~~- خلقتك وخلقة أبوك كمان. ~~- طيب، امشي بقى أحسن والله ما اضربك إلا بالعيان أجيب خبرك. ~~- تضرب مين يا واد؟ # وأنا في هذه الأثناء «مشعلق» وجل خوفي أن يتركني واحد منهم فأنزل أهوي على السلالم، ~~بالاختصار انتهت الخناقة كالعادة، كما تنتهي أغلب خناقاتنا المصرية «دردشة فقط». # وعلمت فيما بعد أنهم لم يجدوا لي سريرا، فبسطوا لي بطانية على الأرض، وأطلقوا علي اسم ~~مريض نمرة 5 ونصف؛ وذلك لأني كنت بين السريرين 5 و6، وهاجمتني الخيالات ليلا وانتابتني ~~الهواجس والأحلام، فصحوت نصف الليل، وإذا بالمرضى كلهم جلوس على أسرتهم، وأنا أنادي بصوت ~~عال قائلا: «يمينك شمالك، ورده أوعى الملف يا جدع.» وبالاختصار طلع النهار، وشرف أسيادنا ~~الدكاترة، وعدوك يا سيدي على تلامذة مدرسة الطب «جعانين علم» فإنهم هاجموني وابتدءوا ~~«يقلبوا» في جسمي، فأسمع منهم من يقول: «دي حالة خطرة، يجب عمل العملية حالا.» والثاني ~~يقول: «يجب بتر الذراع كله.» فيرد عليه واحد من إخوانه قائلا: «أما جرح الرجل ده بسيط، شوف ~~جرح غيره.» كأنني معرض جروح! وأنا في هذه الأثناء مستسلم كطرد بوستة، وأخيرا تقررت عملية ~~بتر الأصابع، ونقلت إلى سرير العمليات، وابتدأت أستنشق الكلوروفورم، ورأيت بين الأشباح التي ~~رأيتها الدكتور محجوب يهز رأسه بهيأة المتأثر، وأحمد بك الشيخ يلوح لي بعمامته كما يلوح ~~الإنكليز بالكاسكيت، وهو يقول: «آدي نتيجة طول اللسان والمعايبة على الناس اللي ما لهمش ~~مبدأ واحد، يا قليل الحيا، لا رئيس إلا ما تقضيه الأحوال.» # بل رأيت بعيني الأستاذ «عيسى» ماسكا بيده زجاجة صغيرة بها مسحوق أبيض، لست أدري أكان ~~«كاربونات الصودا» أم «ملحا إنجليزيا» أو - أستغفر الله ms48 - كوكايين، وهو يبتسم لي بشماتة ~~مناديا : «كانت بثلاثة قروش، بقت بخمسين «إحنا المتعهدين يا هوه» لا تقف أمام إرادتنا حكومة ~~ولا غيره يا عالم، بفلوسك تاخد اللي أنت عاوزه.» # وصحوت بعد ذلك بي اسمي نمرة 4 وبجانبي على اليمين جدع محروق، كله مربط والقطن باظظ من كل ~~حتة في جسمه، وطول الليل - أيها القارئ - «وعيني لم تدوق النوم» لأنه كان كمزيكة حسب الله، ~~آه أوه إيه أواه، وعلى اليسار مريض بالدوستاريا عملت له عملية في المستقيم، ويا سيدي على ~~مصارينه التي كانت تغني على المزيكة التي بجانبي على اليمين بطريقة خيل لي بها أني بأعلا ~~تياترو الكورسال. # إني قبل أن أختم مذكراتي، لا أنسى أن أتقدم شاكرا مقبلا يد علي بك إبراهيم الخفيفة هو ~~وإخوانه «وصبيانه» تلامذة مدرسة الطب على عنايتهم بالعلم والطب، وأخذهم بيده إلى هذا ~~المستوى الذي هو فيه. # وهناك دكاترة «إنكليز» لا يدهشك منهم إلا معرفة اللغة العربية، فأكاد أنسى مثلا أن ~~الدكتور مادن من ليفربول، وأنه ربما كان من «الصنادقية». # وعلى هذا خرجنا من «الأشلة» كما كانت تقول «الحرمة» لجماعات المهنئين بخروج حنفي سليما، ~~ولكن على المعاش، وعلى رأي أحد إخواننا العتر حينما قالي: «روق يا بو محمود، الحمد لله اللي ~~جت على كده، يا ما السلطة كفنت ودفنت، فداك ستين صباع يا عم، إذا كانت الحكومة عايزة كده ~~خلينا ندهس، دي رخصتهم سواقة ودهس.» # وودعت قصر العيني وداعا حارا، ودعت أكل المرضى اللي «ضناني» وخرجت بالطبل والزمر، ~~وقامت «الولية» بالواجب فاستقبلنا في منزلنا الحقير الحبايب والجيران، وجيران الجيران، ~~وحليت «الصهبة» ولعلعت في فضاء التعالية المواويل الحمر، وانفرد الحاج برعي قائلا: «حن ~~الحديد لجل حالي وأنت لم حنيت.» # فنظر إلي أحد إخواننا المعلمين قائلا: «ده بيقول على الكوتش بتاع الأوتوموبيل اللي ~~دهسك يا بو محمود.» # وانتهت الليلة على خير كما انتهت حياتي العملية، وأصبحت الآن في المعاش، عربجي قديم كهنة، ~~يلذ له أن يجلس بين إخوانه، ويحدثهم بما وقع له أيام كان في الخدمة على نغمة ms49 تعميرة ~~التنباك، وطعم القهوة السادة، مد الله في آجالكم أيها القراء وأماتكم مستورين، وبأي طريقة ~~إلا تلك التي كنت على وشك أن أضيع بين براثنها. # وأنا في الخدمة وخارجها، محسوبكم. # حنفي أبو محمود # | فين أنت يا حنفي # وبالرغم من أن حياتي العملية قد انتهت بسلام، لم يشأ الأديب ابن راشد إلا أن يظهر أسفه ~~على ما حل بي، مظهرا حنوه علي، أثابه الله بأحسن ما أرجوه له من خير، قال - حفظه الله: # فين أنت يا حنفي # أسفت لما حل بك - عافاك الله - ووالله ما كانت الأنامل التي عرفت كيف تسير ~~القلم لتسمعنا أزيزه على صفحة القرطاس أنات المروءة والعفاف والوطنية الصادقة من ~~العابثين بها - ما كانت تلك الأنامل لتجازي من القدر بقطعها - صعب علي أن أتصور تلك ~~النفس الكريمة تئن تحت يد الجراح، ولكنه القدر ولا قوة إلا بالله - وحرام علينا أن ~~نسمع بعد اليوم «من النكات السقع» ما يضحك له الإنسان «مجاملة» «ويخرج من الموضوع ~~بغير فائدة لا فيش ولا عليش» فكم من دعي وأديب منزو «وكاتب مش كاتب» «يخبط» ~~النكتة تلو الأخرى - ولا مغزى ولا طائل - وأنت أدرى الناس - مد الله في أجلك - أن ~~من كان يصيغ الحكمة في قالب النكتة - ليشوق إليها المطلع - قليل - وقليل ما هم ~~أولئك النفر، وأنت منهم - فلا غرابة أن حزن قراء الكشكول عند غياب «أبو محمود» ~~وحديثه. # كنت أشكو إليك - وكم من مرة شكوت تحت «أسماء مستعارة» على صفحة الكشكول - من ~~أعمال أوانسنا وشباننا، فكان في ردك ما يشفي صدري ويثلجه - ولو كنت تشاركني العبرة ~~على ما صارت إليه حالتنا الأخلاقية لكفى، فلمن أشكو اليوم وأنت طريح فراش في قصر ~~العيني؟! # سوف تعود إلى الكتابة إن شاء الله تعالى، فالأيدي التي صافحها الألم وحركها ~~الشعور الشريف «الغيرة على الآداب» لا يطرق اليأس أبواب قلوبها وإن قطعت - لا حرم ~~الله الكشكول وقراءه منك ولا منه - «وليحيا الكشكول ولا كاتب إلا أنت» وردك الله ~~إلينا يا أبا القلم ويا أبو ... # ابن راشد # | وفي الختام ms50 # الحمد لله آلاف المرات على ما وصلت إليه، وصح المثل القائل «آخر خدمة الغز علقة» والغز ~~هنا يا سيدي القارئ هو الجمهور، ولله درك أيها الأستاذ فكري بك أباظة حيث قلت لي في مقدمتك: ~~«إن من يتعرض لخدمة الجمهور يجب أن يدوسه الجمهور» قول جدير بالاعتبار والنظر، فوشرفك لم ~~يسأل علي من زبائني الأخصاء اللذين كانوا يستخدمونني وعربتي وخيلي في سبيل مآربهم وغاياتهم ~~أحد، بل الأدهى أنني كثيرا ما رأيت الواحد منهم يتعامى عني، كأني أصبحت «مرضا أو أنه ينظر ~~إلي نظرته إلى سائل سيطلب منه المعونة» مع أن محسوبك متيسر، والأشيا معدن، وحالته رضا، ~~منحني الله النعمة السابقة التي ورثتها نفسا تفضل الموت على سؤال من لا يفهم معنى لكلمتي ~~البر والإنسانية. # نهايته، لقد بعت الأنقاض «أنقاض العربية» وأجرت «الإسطبل» وأضفت ذلك إلى ما عندي، فكان ~~فيه الكفاية وأكثر، وخرجت من هذه المعمعة كلها بفكرة لا يمكن أن تفارق مخيلتي أبدا، تلك هي ~~مداومة تعليم «ابني» وإبعاده قدر الطاقة عن كرسي الصنعة، فهي محتقرة في هذا البلد، ومن ~~يدري! فربما وصل يوما من الأيام إلى درجة أن ينادى عليه بلقب «يا متر» أو «يا دكتور» أو يا ~~حضرة الباشمهندس، ووقتئذ يمكنه بعمله وآدابه وإنسانيته أن ينسى من يعرفه أنه نجل «الأسطى ~~حنفي». # كم في البلد - أيها القارئ - من كراسي تحمل فوقها من ينتهي نسبه إلى «معلم عربيات» أو ~~خفير أو «سقاء» أو «بلانة» مثلا، وقد كفى التعليم والكفاءة لاعتلائه منصب الإدارة أو ~~القضاء أو الوزارة، وحينئذ لا تسمع إلا «سافر صاحب المعالي، حضر صاحب المعالي، مرض صاحب ~~المعالي، شفى الله صاحب المعالي» وتنوسيت مسألة الأصل إلى أن تبدر منه بادرة شر أو غلطة ~~تدفعه إلى هاوية السقوط، وحينئذ يتناسى الجمهور كل خير تناوله من يمين هذا المسكين، ولا ~~تسمع إلا قول هذا «الأصل تمام يا سيدي، ده أبوه غفير» وقول الآخر «معذور أصله دون، وأبوه ~~سافل» ... إلى آخره. # ولكني رغما عن كل هذا سأستمر في تعليم ولي عهدي؛ لأضيف ms51 لهذه الأمة التي أنا مدين لها ~~بحياتي فرعا طيبا جديدا، فهي في احتياج هائل إلى العلم تداوي به مرضها. ~~«يرجع مرجوعنا» أيها السادة القراء إلى كلمتي الختامية، وهي جديرة بالاحترام من الجانبين، ~~فريق الزبائن أولا، وزملائي العربجية ثانيا. # يا أسيادي ويا زبائني: يقول المثل البلدي الصريح «من فات قديمه تاه» ونحن هذا القديم، نحن ~~بعرباتنا التي اتخذتموها مأوى لكم في لهوكم وجدكم، نحن بخيولنا التي رمحت بكم القاهرة ~~والإسكندرية وجميع مدن القطر شارعا فشارعا، وطالما انتظرت في حر الشمس وبرد الليل لا تشكو ~~ولا تتذمر، قانعة هي ومحسوبكم بالأمل في رضاكم، لا يهمها ما يحدث داخل العربة إن كان همسا ~~أو «زعيقا» إن كانت المناقشة غرامية أم سياسية، إذا كان الحديث هزليا أم جديا، مهما ~~حدث كنا نتعامى ونحتمل، وكل هذا في سبيل رضاكم لتكونوا معنا لا علينا إذا حلت المصيبة ونزلت ~~النازلة. # أما «جديدكم» يا زبائني القدماء فهي تلك «السيارات التاكس» التي تجوب الطرقات بسرعة ~~البرق، وغلطة واحدة تكفي لتشييع ثلاث أصوات: الراكب والسائق والسائر. # نحن نرضى بقليله، أما هناك فمع السرعة الهائلة التي تجعل الوقت يمر بغير معنى «عداد» لضبط ~~الحساب على معدل الثلثماية متر بقرش صاغ، هذا فضلا عن غطرسة السائق الذي ينظر إليك كما ~~ينظر إلى نفسه، وأخيرا وهي النقطة المهمة في الموضوع أيها الحبيبة قرب مكان السائق حيث لا ~~يتيسر الحديث إلا بصعوبة، فضلا عن ال ... # وعلى هذا إذا غلط أحدكم، وركب عربة فليضع بين أصابعه قليلا من عصير «الرحمة» لتحنو على ~~العربجي المسكين، الممثل لأغلبية الشعب المصري الساحقة وهم الفقراء، الحنو والبر والإنسانية ~~من صفات الكرام، كونوا آدميين قبل كل شيء. # أما زملائي العربجية، رفايق الهنا و«التقصيع» وضرب الزفف، وإخوان المحاضر والتهم ~~والمحاكم، فأحييكم بكل احترام، كما يحيي الموظف إخوان مكتبه بعد سن الستين، سن ~~المعاش. # أرجوهم قبل كل شيء أن يتعففوا مع ما يقاسونه من ألم ومصائب، كما أتألم وأتضايق حينما أسمع ~~أحدهم يرى زبونا مارا ويقول له: «آجي يا بيه؟» آجي «ولا ms52 لأ؟» «آجي أوصلك؟» ثم لا يجد ~~ردا على جوابه حتى ولا قولة: «ما نستغناش يا أسطى.» # لكل إنسان كرامة يحافظ عليها، فلم لا يكون لنا نحن أيضا كرامة ندافع عنها ولا نمتهنها، ~~دعوا الزبائن يتمتعون بحريتهم، إن أرادوا الركوب معكم فعلى الرحب والسعة، وإلا فكل على ~~هواه. # لماذا لا تتعاونون جميعا على إحياء هذه الصنعة التي تكاد تموت بإهمالكم، وأمام هذا السيل ~~الجارف من ماركات «الفيات والرولس رويس والرينو»؟ أتعرفون الطريق إلى ذلك؟ # نظفوا عرباتكم، وأطعموا خيولكم «وكلوهم شعير مش كرابيج» أما مع الزبائن فصهينوا في الوقت ~~اللازم، وتشددوا حينما تستدعي الحالة ذلك، لا تدعوا صغيرة ولا كبيرة تمر دون أن تعرفوها، ~~فإن صنعتنا تطلب أكثر من ذلك «القاهرة حلة، وأنتم مغرفتها» لا يجب أبدا أن يكون جواب واحد ~~منا لزبون «معرفش» نحن كتالوج البلد المتحرك العارف بأسماء شوارعها وحواريها، قهاويها، ~~ومطاعمها، مطابعها، وإدارات صحفها، وبيوت الوجهاء خصوصا يا زملائي، إن الأجرة يمكن أخذها ~~مضاعفة إذا أخذت الباشا مثلا أو سعادة البيه من النيوبار إلى منزله بدون أن يدلك هو على ~~مقره، وقتئذ يصح «البلف» والأونطة، وتخرج من المعركة فائزا منتصرا. # إلى هنا يقف القلم متعبا، فالجرح لا يزال جديدا يضايقني. # سلام عليكم زبائني وزبوناتي الناهضات، من مخلص لكم ولصنعته، يذكر أيامكم ولياليكم بكل طيب ~~وخير، أنا في المعاش ولله الحمد، مركزي معروف، هو القهوة الموجودة بميدان للست الباتعة أمام ~~القسم، من أراد منكم سعة في الحديث، ومعلومات لا يصح ذكرها في مذكرات كهذه، ستتداولها أيدي ~~سيدات وآنسات، فليشرفني بشرب فنجال قهوة «بيشة» على حسابي، وحينئذ يحلو الحديث، أبقاكم الله ~~متمتعين جميعا بالصحة والرفاهية «وروقان البال» وهو الأهم، بل هو ما يتمتع به الآن ~~محسوبكم. # حنفي أبو محمود ms53